مقتل الحسين (ع)


بسم الله الرحمن الرحيم
« هوية الكتاب »
الكتاب:.............................................................. مقتل الحسينعليهالسلام
المؤلف:............................................................ سيد عبدالرزاق المقرم
الناشر:.................................................. انتشارات المكتبة الحيدرية - قم
عدد الصفحات والقطع:............................................ (٤٣٠ صفحة) وزيري
الطبعة:.............................................................................. الأولى
عدد المطبوع:................................................................ ٢٠٠٠ جلد
سنة الطبع:...................................................... ١٤٢٥ هـ - ١٣٨٣ ش
المطبعة:........................................................................... شريعت
بسم الله الرحمن الرحيم
ترجمة المؤلّف
بقلم السيّد محمّد حسين المقرَّم
مدرّس في ثانوية الكندي
١ - تمهيد
أ - نافح أئمّة الهدى عن شريعة سيّد المرسلين، فأقاموا معالم الدِّين وأوضحوا السنن ونشروا ألوية الحق، وهم يلقون التعاليم كلّما وأتتهم الفرصة وسنحت لهم السانحة. وقد كابدوا في سبيل ذلك شتّى البلايا والمحن، وصابروا كلّما اعتكر الجو في وجوههم، ونفّس عليهم أعداؤهم وحقد عليهم الشانئون والمبغضون؛ فقسمٌ قُطِّعت أمعاؤهم وفُتِّت أكبادهم، وآخرون سيوفٌ وزَّعت أوصالهم، وسجون دامسة اُلقوا في غياهبها، ولكن أنوار الحقِّ كانت كاشفةً لظلماء الضلال، وصدق الحقيقة مزهق للباطل الزائف، وقد أنمحت قرون وأتت أجيالٌ، وعلماءُ شريعةِ بيت العصمة يحوطونها، ويتكفلون مدارستها واستجلاء غوامضها واستكناه لبابها، وقد حظيت علوم آل البيتعليهمالسلام
بكثير من العناية، وحفلت بكثير من الإهتمام، فزخرت اُمهات المدن الإسلامية بجهابذة أفذاذ، وعلماء أساطين؛ قعَّدوا القواعد وفرّعوا الفروع، وجالت أقلامهم في كلِّ ميدان، وصالت مزابرهم في كل رحب من رحاب العلم، وركضت أفراسهم في كل مضمار من مضامير المعارف والعلوم.
ب - وأجدني لست بصدد الحديث عن هذه العلوم التي ألّفوا فيها، والفنون التي صنّفوا في مسائلها او أوقفوا أنفسهم وحياتهم في صيانة نفائسها؛ فإنّ مكتبات العالم الغربي - في كبريات مُدنه - تزخر باعداد هائلة من تلك المؤلفات الجليلة، وتزدحمت صالات معاهدها باُلوف المؤلفات ممّا حررته أقلام اولئك الاساطين؛ ناهيك بما تضمّه المدن الإسلامية في الشرق من هذه المؤلفات الجليلة، والمصنّفات العتيدة وجاءت دُور النّشر والمعاهد العلميّة
في الجامعات والمجامع العلميّة، فشمّرت عن ساعد الجدِّ، وأخذت في تحقيق المؤلّفات واستخرجتها من كنوزها؛ فأخذت بالشرح والتحقيق والإبانة والمقارنة والفحص، وغاصت أقلام المحققين في الأغوار فاستخرجت الدُّرر النّفائس وقد اهتبلت الفرصة كلُّ مؤسسة ناشرة محبّة في العلم أو راغبة في الثراء؛ حيث النّفوس فيها طموح للعلم وعشق للارتشاف من معين المعارف ونميرها الصافي والنّجف الأشرف - سيّدة المدن الإسلاميّة في البحث والنظر والتدريس والتأليف منذ أنْ أسّسها الشيخ الطوسيرضياللهعنه
في القرن الخامس الهجري - تعجُّ منتدياتها بعلماء أماثل سطعوا كواكباً في دياجير الظلم، وشموساً باهرة في الأزمنة التي أعقبت عصور أئمّتناعليهمالسلام
، ولمْ ينكصوا عن مواصلة المسيرة، ولمْ يلقوا الأقلام التي جردوها لأزاحة الشبهات، ولا تخلّوا عن المنابر؛ فالمساجد الشريفة تعجُّ بوجوه نيِّرة من المشايخ، وتحفل بعقول لمّاحةِ الخواطر، وأذهانٍ وقّادة الإشعاع، وقرائحٍ عذبة الموارد؛ ولذا نجد النجف لمْ تبرحها الزعامة والرئاسة، فهي مَوئل أهل العلم والشادّين به ومباءة أهل الفضل أتظنّ أنّ رئاسة التدريس ومكانتها في الفُتيا تفارقها وتبارحها، واشعاعاتُ سيّد العارفين وإمام المتّقين أميرِ المؤمنينعليهالسلام
تغمر الكون الإسلامي؟ والقبسات من حِكَمه وأحكامه تعمر القلوب وتغمرها، وتملأ الأفئدة وتفعمها، كلّ ذلك من أنفاس سيّد الحكماءعليهالسلام
؟.
ج - وفي بحر هذه الأمواج من الفيوضات العلمية الزاخرة نشأ وعاش سيّدنا (المترجَم له)، فحزَّ في نفسه أن يجد أخبار أهل البيتعليهمالسلام
مطموسةَ المعالم في كثير من الجوانب، وآلمه ان لا تعنى الأقلام باستجلاء حياتهم واستبطان مكنونات مآثرهم وفواضلهم. ألا تكفي المكتبة الإسلامية هذه الاُلوف المؤلفة والمجاميع المصنَّفة في الفقه والاُصول، ويبقى نضال سادات الورى مطموساً، يغلب عليه التضليل والتمويه والتحريف من الأقلام المعادية التي انصرفت في العهود التي ما هادنتهم ولا ركنت إلى موادعتهم؛ فشنّت عليهم حروباً شنيعة فظيعة من البهتان والإفك في تزوير الحقائق!! وكيف لا تكون كذلك والسلطة غاشمة، وولاة الاُمور في أزمانهم ينفسون عليهم ويكيدون لهم؛ فجاءت الأراجيف والأباطيل، وانتشر المتملقون للحكّام القائمين آنذاك بالاُمور.
وسيّدنا (المترجَم له) بخبرته الواسعة بهؤلاء الرواة الكاذبين، وأسماء الشخصيّات المفتعلة، وجد من حق الأئمّةعليهمالسلام
عليه أن يصرف جهده، ويبذل نشاطه في أن يحقق ويدرس تعاليمهم التي انهيت إلينا، وأن يجيل النظر في كثير من الاخبار المرتبكة المروية عنهم، وبيان سبب ذلك الارتباك في الاخبار ومؤدّى مضامينها، كلُ ذلك بالمقارنة والاستنباط والنفاذ إلى دقائق الاحكام.
ولكنه وجد التأليف أحقّ بأن يقصر في بيان احوالهم وتراجمهم. أليس ظلماً لهم منا ونحن نملك القلم ولدينا المعرفة وتتوفر بين ايدينا كلّ أسباب البحث والدراسة؛ أن نتقاعس عن ذلك ولا نكشف ما ران على أخبارهم من شبهات؟ واذا كان الاُمويون والزبيريون والعباسيون شنّوا عليهم حروباً شعواء في إخفات اشعاعاتهم، وطمس معالمهم، واستخدموا مَن يواليهم ويناصرهم، أفلا يتوجب علينا أن نوجّه الهمم، والنشاط لمواصلة الأشواط التي ساروا عليها؟ وبالأحرى أن نؤلف في حقّهم، فنناصرهم ونعضدهم في نضالهم وكفاحهم، وبيان حقائقهم الناصعة التي رانت عليها ترهات الاباطيل. ألمْ يكتفِ علماؤنا من الخوض في مسائل فقهيّة واُصولية، وكلاميّة وفلسفيّة أمضينا عليها قروناً وقروناً، فلمْ يبقَ مجال لقائل أو بيان لمجادل ومناظر؟ إنّ حقَّهم علينا أنْ نكتب فيهم، وندرس نهضاتهم، ونستجلي غوامض أقوالهم، وندفع ما اُلصق بهم وبطرائقهم من الريب! وكان -رحمهالله
- يجد من العبث أن يبذل المؤلّف جهده، ويفني نفسه في فروع من اُمور العلم الحديث أو القديم، ولا يخصّص شيئاً من هذا الجهد وذلك الإضناء في دراسة شخصيّاتهم، وشخصيّات ذراريهم والمشايعين لهم الذين ركبوا أعواد المشانق، واُلقي بهم في السجون وشُرّدوا في الآفاق، فلاقوا الحتوف ثابتين على المبدء السامي ودينهم الحنيف. هذا ماحرّره في مقدّمة شرحه لقصيدة الشيخ حسن ابن الشيخ كاظم سبتيرحمهالله
، المسمّاة (الكلم الطيّب)
، وهو أول ما بدأ في كتابته، قال: « لذلك كان الواجب بعد الاُصول الاعتقاديّة، النظر في فضائلهم ومناقبهم وأحوالهم؛ قياماً بواجب حقّهم من جهة، ولنقتدي ونتبع أقوالهم من جهة اُخرى... الخ ».
____________________________
٢ - نسبه
عبد الرزاق بن محمّد بن عبّاس ابن العالم حسن ابن العالم قاسم بن حسون بن سعيد بن حسن بن كمال الدين بن حسن بن سعيد بن ثابت بن يحيى بن دويس بن عاصم بن حسن بن محمّد بن علي بن سالم بن علي بن صبرة بن موسى بن علي بن جعفر ابن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادقعليهالسلام
.
وأمّا لقبه (المقرَّم)، وهو لقب العائلة، فكان سببه أن أحد أجداده كان عليلاً في رجليه من مرض أجهده وانحله؛ فأقعده في البيت. على أن اللقب الذي كان يغلب على العائلة قبل هذا هو (السعيدي)؛ نسبة إلى جده سعيد بن ثابت.
٣ - ولادته ونشأته
(١٣١٦ - ١٣٩١هـ: ١٨٩٤ - ١٩٧١ م)
ولد -رحمهالله
- في النجف الأشرف من والدين شريفين عام (١٣١٦) للهجرة النبوية، الموافق لعام (١٨٩٤) الميلادي كما استعلم منه العلامة الشيخ علي أصغر أحمدي، وكما ذكرته مقالة الصحفي الايراني مدير مجلة خود (عماد زادة) المنشورة في جريدة (نداي حق) في طهران بتاريخ ٢٩ / رمضان / ١٣٧٠هـ.
كان أبوه السيّد محمّد ابن السيّد عبّاس، كثير الاعتكاف بالجامع الاعظم في الكوفة، وكثير الاقامة فيها. ولكن جده لأمه السيّد حسين العالم، أخذه بمزيد من الرعاية والتنشئة الدينية، على غرار ما ينشأ عليه أبناء أهل العلم والفضل من دراسة العربية بادواتها، والفقه بفروعه، والعقائد بمسائله. وكانت وفاة جده هذا في سنة (١٣٣٤) هـ قد آلمته كثيراً وحملته جهداً ونصباً في العيش والحياة، فتحمل الشظف وكابد قساوة الاحوال، ولكن هذه لم تصرفه عن طلب العلم وحضور البحث لدى اساتذته. وكان يذكر والده السيّد محمّد المتوفى عام (١٣٥١) بكثير من الخير. ووالدته العلوية كانت صالحة وقارئة للقرآن، وكان باراً بها، وقد وافاها الاجل عام (١٣٧٠) هـ.
كان عمّه السيّد مهدي ابن السيّد عبّاس كثير التجوال بين المدن، وكثير الإختلاف إلى الأرحام المنبثين في النعمانية والديوانية والهندية وأماكن اُخرى. وكان هذا العمُّ -رحمهالله
- مناوئاً وشديداً على العثمانين، وكثير التقريع لهم؛ لما ينزلون بالناس من الأذى والجور، حتّى ظفروا به في الكوت وأعدموه شنقاً بدخوله إليها عام (١٣٣٤) هـ.
وأمّا جدّ عائلة آل المقرّم، فهو السيّد قاسم، وقد نزح من أراضي (الحسكة)، حيث كانت له أراضٍ يباشرها، وجاء إلى النجف الأشرف لجوار سيّد الوصيينعليهالسلام
؛ ولأن بعض أفراد العائلة كان يقيم في النجف. كذا سجل (المترجَم له) في بعض أوراقه.
كان نزوحه في القرن الثاني الهجري، ومنذ حلَّ في دارهم الحالية جدَّ في طلب العلم حتّى صار علماً من الأعلام، وكان مرموقاً لدى علمائها وأفاضلها، وكانت داره مرتاداً لذوي الفضل، وكثيراً ما كان يقيم الحفلات لأهل البيتعليهمالسلام
ويعقد المجالس لذكراهم. كان نسابة ومن أئمة الجماعة وله مؤلفات، منها: حاشية على كتاب (الانساب) لأبي الحسن الفتوني العاملي المتوفى سنة (١١٣٨) هـ، وحاشيته هذه غير متصلة في ذكر الآباء والأجداد او ذكر الفروع بالاحرى، وحاشية اُخرى على كتاب (عمدة الطالب) لابن عنبه الداوري الحسيني المتوفى سنة (٨٢٨) هـ.
ومترجمنارحمهالله
لم يشتغل في قضايا الأنساب المتأخرة، وقد كان يتحرج من الخوض في شؤونها، على أنه ملم واسع المعرفة بأخبار الرجال والرواة وبمن يتفرع من الاصائل، ولذلك لا يعسر عليه فهم قيمة الحديث والخبر، او الرواية من معرفة الاسم المكذوب، او بالأحرى المفتعل، او الاخلاق التي كان يتسم بها الرجل او يشتهر بها.
ولا يعزب عن البال أنّ جدّه لأمه السيّد حسين المتوفى في أواخر عام (١٣٣٤) هـ، كان هو الآخر إمام الجماعة ومن المشتغلين بالتدريس، وكان خاله السيّد أحمد ابن السيّد حسين المتوفى أيضاً سنة (١٣٣٤) هـ من أهل الفضل والعلم، وقد أنجب أولاداً أربعة، عرف منهم: السيّد ابراهيم ابن السيّد أحمد المتوفى سنة (١٣٥٨) هـ عالم فاضل، وكان ذا نظر وفقه واسع، وحضر عنده كثير ممّن صاروا في منازل علمية جليلة، وقد درس ردحاً من الزمن في مدرسة الإمام الشيح محمّد حسين آل شيخ علي كاشف الغطاءرحمهالله
.
٤ - مشايخه
١ - جدّه العالم الورع التقي السيّد حسين، المتوفى عام (١٣٣٤) هـ، وقد عني بتنشئته وتربيته وتعلمه.
٢ - العلامة الحجة الشيخ محمّد رضا آل شيخ هادي آل كاشف الغطاء، المتوفى عام (١٣٦٦) هـ، وقد قرأ عليه الأصول.
٣ - العلامة الحجة الفقيه الشيخ حسين الحلي النجفي مُدّ ظله، وقد قرأ عليه السطوح فقهاً واُصولاً.
٤ - المرجع الأعلى المغفور له السيّد محسن الحكيم، المتوفى عام (١٣٩٠) هـ، وقد حضر عليه خارج الفقه.
٥ - الحجة المجتهد الشيخ آغا ضياء العراقي، المتوفى عام (١٣٦١) هـ، وقد حضر عليه خارج الأصول.
٦ - الزعيم الديني المرجع في الفتوى السيّد أبو الحسن الأصفهاني النجفي المتوفى عام (١٣٦٥) هـ، وقد حضر عليه خارج الفقه وكتب تقريراته.
٧ - الحجة المرجع في الفتوى الميرز محمّد حسين النائيني النجفي المتوفى (١٣٥٥) هـ، وقد حضر عليه خارج الفقه والأصول، وكتب تقريراته.
٨ - آية الله المدرّس الأكبر المرجع السيّد أبو القاسم الخوئي النجفي مُدّ ظله، وقد حضر عليه الفقه والأصول.
٩ - (أ) أمّا المجاهد الكبير الشيخ محمّد جواد البلاغي، المتوفى سنة (١٣٥٢) هـ، فكانت في نفسه له مكانة أثيرة، وكان كثير التحدث عن منزلته؛ ولتشابه الرجلين في اُسلوب العمل والنضال عن شريعة المصطفىصلىاللهعليهوآله
مما قوّى العلاقة بينهما. وقد ساهم المغفور له مع الحجّة البلاغي في نشر (الرحلة المدرسية)، وكذلك كتابه (الهدى إلى دين المصطفى)، وكانت شخصية المرحوم البلاغي تملأ نفسه إعجاباً وإكباراً في كثير من المواقف التي يبدو فيها الولاء لآل البيتعليهمالسلام
خالصاً صريحاً. كما تلاحظ ذلك فيما سجَّله على قصيدة البلاغي المثبتة في باب المراثي، وعلى كثير من الكتب التي اشتراها منه، مثل: تصحيح المترجَم له نسخةَ له من كتاب الرحلة المدرسية، وشراؤه مسند أحمد، حيث فهرسه وعليه عبارة تنم عن تقديره لشخصيته.
(ب) أمّا المرحوم الحُجّة، المرجع في الفتوى الشيخ محمّد حسين الأصفهاني النجفي، المتوفى سنة (١٣٦١) هـ، فقد كانت له صحبة جليلة، وقد استفاد من دروسه
في الفلسفة والكلام. وبرغبة من السيّد المقرَّم كتب المرحوم الشيخ الأصفهاني اُرجوزته الكبرى في المعصومينعليهمالسلام
، المسمّاة (الأنوار القدسية). ومع أن الناظم اُستاذ في الفلسفة، وملأ جوانب هذه الاُرجوزة بالمصطلحات العقلية الفلسفية؛ فقد جاءت سلسة في تراكيبها، واضحة في أفكارها ومعانيها، عذبة في جرسها، ونحن ندري أن الفلسفة بمصطلحاتها ترهق النظم، وتثقل كاهل الشعر فلا تدعه شعراً.
ولم يفتأ المغفور له يكثر من قراءة المناسب من هذه الاُرجوزة في عديد من المجالس التي يقيمها في ذكرى المعصومينعليهمالسلام
، وكتاب (مقتل الحسين) هذا لم يغفل الاُرجوزة من الإلماع إلى بعضها، وفي باب المراثي تجد فصلاً من هذه الاُرجوزة مثبتاً في الحسينعليهالسلام
.
(ج) وأمّا الحُجّة الشيخ عبد الرسول بن الشيخ شريف الجواهري، المتوفى سنة (١٣٨٩) هـ نوّر الله ضريحه، فقد كان مثال الورع والعفة وفي أعلى درجات طهارة النفس والتّقى، وقد لازمه المترجَم له. والشيخ ممّن يُعرف بالاجتهاد والمنزلة العالية في العلم، وسيدنا المقرَّم ذو صلة وثيقة به، خصوصاً عند المذاكرة في اُمهات المسائل ودقائق المباحث، وقد سألت صديقي الفاضل الاستاذ الحاج يحيى الجواهري، وكان يحضر مجلسهما، عن طبيعة المباحث التي تدور بين الشيخ والسيّد، أجاب: إنّ المرحوم المقرَّم كان يورد إيرادات فيما يسمّى (اشتباهات) على الشيخ الكبير صاحب الجواهر في كتابه (الجواهر)، وكان الفقية الشيخ عبد الرسول يقرّه على تلك، ويوقفه على الملاحظات التي يبديها في بعض مسائل (الجواهر).
٥ - مكانته العلمية
هذا الموضوع لا أجده يسمح لي في الحديث عن مكانة السيّد العلمية وهو والدي، ولكن هذه المكانة اذا أراد أن يستشفها القارئ الكريم، فيكفيه ما اُدرج في قائمة المؤلفات التي حررها قلمه؛ فالخطّية منها والمطبوعة ما فيه غُنية للباحث ونجعةٌ للمرتاد، ناهيك عن تلك (الأجازات) العلمية التي منحها له أكابر العلماء وهي محفوظة إلى جنب مخطوطاته، لكن السيّد لم يكن يتبجح بها، ولا ادري ما اثرُها في نفسه!.
أمّا المقدّمات التي كتبها لكثير من
المؤلفات التي أخرجتها المطابع، ثمّ تلك البحوث والتعليقات في كتاب (الدراسات) للسيّد علي الشاهروديرحمهالله
، وهي تقريرات سيدنا الخوئي، وكذلك كتابه الآخر (المحاضرات في الفقه الجعفري)، فهي تنم عن العقلية التي يتمتع بها (المترجَم له) والذهنية التي توفرت له، ثمّ الصبر الطويل في تقليب الصفحات للمَراجع والمصادر العديدة. ويغلب على ظنّي أنه أعان كثيراً من الباحثين المحدَثين في النجف، المعاصرين الذين أخرجوا شهيرات الكتب، وربما قدّم لهم فصولاً تامة للكتب التي نشروها، كل ذلك خدمة للعلم وأهل العلم.
واليك ما كتبه الشيخ محمّد هادي الأميني نجل المرحوم الحُجّة الأميني
: « لقد كان الحُجّة السيّد المقرّم بحراً متدفقاً لا في الفقه واصوله، وإنما تجده يخوض في الحديث والأدب والفلسفة والدراية والحكمة الالهية، كعبة القاصد وملاذ المحتاج، واسعَ الثقافة وافر العلوم، صريحاً في جميع أقواله وأعماله. إنّ كتاباً واحداً من كتبه يكفي أن يعطيك فكرة واضحة عن ثقافته الحيّة التي تتجلى فيها نفحات العبقرية، وهو مع هذا العلم الغزير، والبحث الجمِّ لا يزدهيه الفخر ولا يداخله الغرور؛ لذلك كنت تجده دائماً موطِّئَ الجانب، يلقي إليك بما عنده وكأنه يأخذ منك ».
٦ - اسلوبه
إنّ أساليب الباحثين تعتمد على الوضوح والإبانة، وإقامة الدليل وسطوع الحجة، وإذا استقرأنا مؤلفات المغفور له، فبماذا يظهر اُسلوبه الكتابي؟ أكبر الظن أنك إذا تفحصت كتبه في مواضيعها المختلفة، والتعليقات التي حررها للآخرين، أو التي كتبها مقدماتٍ لكتب علماء أجلاء، فلا شك أنك ستجد سِمة الوضوح وطابع الإشراق هي الأساس في التراكيب. ولا يبعد عن البال أن البحث الذي تتميز به كتبه، هي دراسة وفحص ومقارنة، وهذا يستدعي منه قراءة النصوص بوجوهها المختلفة، مع نقد للقائلين والرواة وعرض لشخصياتهم. وبعد هذا كلِّه، إمّا أن يستقيم النص أو يتهاوى؛ وعلى هذا صدر كتابه (تنزيه المختار الثقفي)، وكتابه الجليل (السيّدة سكينة)،
____________________________
وكتابه المخطوط (نقد التاريخ في مسائل ست).
واُسلوب الكتابة في عصره كان يعتمد السجع، والاحتفال بالزخرفة اللفظية، وشحن التراكيب بما يثقل كاهل العبارة من رموز وإشارات وأَشياء اُخرى يجفوها البيان العربي الحديث. هذه أشياء خلا منها اُسلوبه، واعتمد على (الإستنباط) والفهم الجيد؛ لذلك قامت مؤلفاته على الأصالة في الفكرة، والاسترسال في سرد الحقائق وعرض المعاني، وتراه يستدرجك إلى الرضا بالمسألة الخطيرة التي يثيرها، وقد حفل هذا الكتاب (مقتل الحسين) بمثل هذه الامور.
(والسيّد) حين يستمر في البحث والدراسة والفحص والمقارنة، يقول: وعلى هذا نستفيد فقهاً أن... الخ.
٧ - أول مؤلّفاته
إنّ شدّة حبّه لآل البيتعليهمالسلام
تدفعه حين يقرأ الكتاب، أنْ يلتقط منه تلك الأخبار والأحاديث التي تشير إلى شيء من اُمورهم، أو شيء من اُمور مَن يناوئهم، ثمّ هو يجمع هذه الشذرات في (رسالة) نقدر أن نقول عنها غير متكاملة، وهي في عرف الباحثين (مادّة البحث الأولى). وكثيراً ما كان يهب هذه التي يجمعها إلى كلِّ مَن يُعنى ببحث ينفعه، هذا الذي هيّأه لنفسه.
وصل إلى علمه أن الخطيب الشاعر، المرحوم الشيخ حسن سبتي قد نظم قصيدة مطولة بائية في أحوال المعصومينعليهمالسلام
، سمّاها (الكلم الطيب)، أو (أنفع الزاد ليوم المعاد) فشرحها، وجاء في صدر الشرح: (وهذا أول ما كتبته، وبعدها كتبت أحوال زيد الشهيد)، وفي آخر الشرح جاءت العبارة التالية: (قد كنت أرغب في اختصاره، وعاقني عنه الشغل الكثير). وقد نذر نفسه إلى شرحها والتعليق عليها وبيان ما يحتاج إلى بيان، لكنّه -رحمهالله
- لم يحسبه في عداد مؤلفاته؛ لأن الشرح لا يقوم على جهد أساسٍ منه، فلذلك لم يحفل به.
لقد صدر له أول كتاب هو (زيد الشهيد) وألحق به رسالة في (تنزيه المختار الثقفي). والكتاب هو ترجمة لأحوال زيد ابن الإمام السجّادعليهالسلام
. ولم يذكر في المقدمة دواعي التأليف. وفي أكبر ظني أنّ حبّه الأصيل لثورة الحسينعليهالسلام
؛ دفعه لأن يكتب عنه، ويعرض الإطاحة بحكم الاُمويين الجائر، ولتشابه كثير من المواقف بين ثورته وثورة أبي الشهداءعليهالسلام
.
والكتاب يحفل بكثير
من القضايا، التي زوّرتها الأقلام المسخرة؛ لتركيز دعائم الاُمويين. هذا أمر لا يهمنا بقدر ما يهمنا الإلماع إلى شيء، وهو: أن الكتاب صدر في الثلاثينات، وكان يومذاك من المعيب على العالِم أن يجرد نفسه في الإشتغال باُمور ليست من صلب الفقه والاُصول، ويُعتبر عمله مزرياً به، وبمنزلته وفضله.
والمترجَم له كسر أقفال الحديد التي تمنع الرجل العالِم أن يبحث وينشط للطبع و التعليق، أو التحقيق في كتاب لجهبذ من أعلامنا في القرون المتقدمة؛ ولذلك لم تتطامن نفوس الحوزة العلمية إلى أن ينصرف عَلم من أعلامها إلى البحث في اُمور لا تتصل بالفقه او الاصول!.
واشتد الاستغراب لدى الحوزة لمّا برز كتاب للمرحوم الشيخ عبد الحسين الأميني (شهداء الفضيلة)، وجاء الباحث المنقّب المرحوم آغا بزرك الطهراني فباشر بإخراج موسوعته الجليلة (الذريعة)، وتُخرج أجزاءه الاولى مطابع النجف، ويسبقهم في العمل المرحوم الحُجّة الثقة الشيخ عبّاس القمي، فيخرج كتابه النفيس (الكنى والألقاب)، ثمّ يأتي منتدى النشر فيحقق كتاب السيّد الرضي (حقائق التأويل) ويكتب له مقدّمة نفيسة الحُجّة العالم، والشاعر الشيخ عبد الحسين الحلي.
وهكذا ألّف أهل الفضل والعلم هذا اللون من طرائق الكتابة والدراسة، فتتابعت المؤلفات وبالأحرى الدراسات، وحينئذ لا يمكن أن يبقى (مؤلَّف) يتراكم عليه غبار النسيان والإهمال، فالمطابع ودور النشر والقرّاء، يقبلون عليها في كثير من الرضا، وحينئذ عمّت المكتبات الخاصة والعامة، وكثر المنتفعون بتحقيقات أهل العلم.
٨ - كتاب مقتل الحسين
قال الشاعر:
أنستْ رزيتُكم رزايانا التي
|
|
سلفت وهوَّنت الرَّزايا الآتية
|
إنّه يشير إلى رزية كربلاء، حيث هي الفاجعة العظمى والكارثة الكبرى، التي نزلت بساحة آل المصطفىعليهمالسلام
، حيث الدواهي التي صاحبتها في سلسلة مسيرة آل بيت الوحي من المدينة إلى العراق والشام، كانت تقرح القلب وتدمي الفؤاد. وقد كان الائمة الامجادعليهمالسلام
يستحثون شيعتهم بأن لا يتناسوها، ويعملوا كل شيء في سبيل إحياء ذكراها«أحيوا أمرنا، رحم الله مَن أحيا أمرنا»
، لذلك رافقتها فصول أدخلت رواية الحادثة فيها، والطابع الحزين المثير للعواطف، والمستفز
لكوامن النفوس ودفائن الخواطر. وقلوب الشيعة تلتاع بالأسى، وتعتلج فيها الخواطر الكئيبة المشحونة بالصور المفزعة، والقلوب تحتدم غيظاً على كلِّ مَن أتى بتلك الفعلة النكراء.
وجاء أرباب التاريخ فسجّلوا كلَّ ما سمعوا، ودوّنوا كلَّ ما وصل إلى سمعهم، فدخلت في الفاجعة أشياء وأشياء يأباها الذوق، ولا تنسجم مع ما رواه الائمةعليهمالسلام
، ولا يأتلف مع الحقيقة. هذا من جانبنا؛ حيث أضفنا الكثير الكثير إلى أحداث كربلاء وما تبعها من أحداث. وأمّا من جانب أعداء آل البيتعليهمالسلام
، فقد عمدت أقلامهم إلى التحريف والتمويه، وإزواء الحقائق، وعلى هذه مرّت الفاجعة، وقطعت العصور والأزمان وهي إلى القيامة باقية، ولكن لا بدّ من إزاحة الستار عمّا خفي واستتر، ولا بد من رواية الصحيح من الأخبار، ونسف كلّ ما لا يتّفق مع أساس نهضة سيّد الشهداءعليهالسلام
في صراعه الدّامي؛ للاطاحة بمَن أمات السنة وأحيا البدعة.
ألا يدفعك الاستغراب إلى أن نأخذ الرواية عن حميد بن مسلم، الذي يبدو رقيق القلب في ميدان المعركة، وهو ممن رافق حمل رأس أبي عبد اللهعليهالسلام
، حيث يُهدى إلى الكوفة والشام، وندع أخبار كربلاء ولا نأحذها من أهلها، وممّن صبت عليهم بلاياها؟!.
ثم مَن هو أبو الفرج الاصفهاني؟ إنه اُموي في النزعة والنسب، والمعتمد في أخباره على زبيريين واُموييّن مناوئين لآل البيتعليهمالسلام
. وكذلك الطبري في كتابه المشهور بـ (تاريخ الاُمم والملوك)، فكل روايته عن (السدّي ومجاهد) وغيرهما، وأهل العلم يعرفون السدّي مَن هو؟ ولكن أخبار كربلاء جاءت عنه؛ لهذا كلّه انبرى المرحوم (المترجَم له) في تحرير كتابه (مقتل الحسين).
حفل كتاب المقتل بالإشارة إلى كثير من المنقولات التي لا تنهض على أساس، وبالمقارنة والفحص أبطلها بعد أن راحت تنقلها الأفواه أزماناً وازمانا!
واحتوى المقتل أيضاً في هوامشه على بحوث فقهية ولغوية وأدبية، وتحقيقات عديدة لكثير من ألفاظ روايات تتضارب على ألسنة رواتها، ويجد القارئ فيضاً من المصادر التي يستند اليها (المترجَم له) في تحقيقاته ودراساته لرواية كربلاء!
شخصيات عديدة في رواية كربلاء؛ رجال ونساء وصبية فيها التباس،
بالاسماء والمسمّيات، فازاح المؤلف كلَّ ما ران عليها. ألا تدري بأن المراد بأم كلثوم هي العقيلة زينب؟ وهل تذهب بك الظنون إلى أن اُم البنين لم تكن على قيد الحياة زمن (المأساة)، وهذا الشعر الذي يرويه الذاكرون لا نصيب له من الصحة:
لا تدعونّي ويك اُمَّ البنين
|
|
تذكريني بليوث العرين
|
ونحن نروي الخبر، ونكون إلى جانب مروان (الوزغ) فنظهره رقيق الحاشية، دامع العين من حيث لا ندري؟!. وماذا تعرف عن ذابح الحسينعليهالسلام
الشِمر نسباً ومزاجاً، وعبيد الله الأمير؟. وقد استنبط السيّد أحكاماً شرعية من تصرفات الإمام أبي عبد اللهعليهالسلام
وأقواله في خطبه، كل هذا تجده في (مقتل الحسين)، وتجد اُموراً اُخرى أجد نفسي لا أعرضها لك، ولكن نفسك أيها القارئ تدفعك للوقوف عليها واستشراف مضامين الكتاب، كما نستشرف مواضيعه الحبيبة إليك.
٩ - آثاره
أ - المطبوعة:
١ - زيد الشهيد (ترجمة).
٢ - المختار بن عبيد الثقفي (نقد ودراسة).
٣ - السيّد سكينة (دراسة).
٤ - مقتل الحسينعليهالسلام
(تاريخ وتحقيق).
٥ - الصدّيقة الزهراءعليهالسلام
(ترجمة).
٦ - الإمام زين العابدينعليهالسلام
(ترجمة).
٧ - الإمام الرضاعليهالسلام
(ترجمة).
٨ - الإمام الجوادعليهالسلام
(ترجمة).
٩ - قمر بني هاشم - العبّاسعليهالسلام
(ترجمة).
١٠ - علي الاكبرعليهالسلام
(ترجمة).
١١ - الشهيد مسلم بن عقيل (ترجمة).
١٢ - سر الإيمان في الشهادة الثالثة (أخبار ودراسة).
١٣ - يوم الاربعين عند الحسين (رسالة) (مآثر وطاعات).
١٤ - المحاضرات في الفقه الجعفري (كتاب للسيّد علي الشاهرودي)، تعليقات ودراسة له.
ب - مقدمات وتصدير لكتب تراثية:
١ - دلائل الإمامة - لابن جرير الطبري الإمامي.
٢ - الأمالي - للشيخ المفيد (محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري).
٣ - الخصائص - للسيّد الرضي.
٤ - الملاحم - للسيّد أحمد بن طاووس.
٥ - فرحة الغري - للسيّد عبد الكريم بن طاووس.
٦ - إثبات الوصية - للمسعودي.
٧ - الكشكول - للسيّد حيدر بن علي العبيدي الحسيني الآملي.
٨ - بشارة المصطفى - لعماد الدين الطبري الأملي (تعليقات وملاحظات).
٩ - الجمل - للشيخ المفيد (تعليقات).
ج - آثاره المخطوطة:
١ - المنقذ الاكبر محمّدصلىاللهعليهوآله
(دراسة).
٢ - الحسن بن عليعليهالسلام
(دراسة).
٣ - عاشوراء في الإسلام (نقد وتاريخ).
٤ - الأعياد في الإسلام (تاريخ).
٥ - ذكرى المعصومينعليهمالسلام
- أجزاء منه مطبوعة - (تاريخ).
٦ - زينب العقيلةعليهالسلام
(ترجمة).
٧ - ميثم التمّار (رسالة)، (ترجمة).
٨ - أبو ذر الغفاري (رسالة)، (ترجمة).
٩ - عمار بن ياسر (رسالة)، (ترجمة).
١٠ - نقل الاموات في الفقه الإسلامي (دراسة).
١١ - نقد التاريخ في مسائل ست (دراسة وتحليل).
١٢ - حلق اللحية (نقد).
١٣ - دراسات في الفقه والتاريخ (دراسة وتحليل لأحاديث).
١٤ - ربائب الرسول (تاريخ ودراسة).
١٥ - الكنى والألقاب (تراجم).
١٦ - حاشية على الكفاية - للشيخ محمّد كاظم الخراساني (اصول).
١٧ - حاشية على المكاسب - للشيخ مرتضى الانصاري (فقه).
١٨ - نوادر الآثار (شؤون شتّى).
١٩ - يوم الغدير أو حِجّة الوداع (تاريخ).
١٠ - ولاؤه لأهل البيتعليهالسلام
ليس أكبر ذخيرة من أن يحيا المرء، بل ويموت على محبة أهل البيتعليهالسلام
. وليس أنفس شيء يحرزه المرء حين تصفر الأكف ممّا يملكه لنفسه، من حيازة محبتهم، ويضمن شفاعتهم، وتكون مثوبته في الدار الاُخرى أن ينزل منازلهم، ويكون من المقربين إليهم.
والناس كلهم ينشؤون على محبتهم وولائهم، ولكن درجة تركّز هذه الصفة تتباين فيما بينهم؛ فواحد يرضى من نفسه أن يحضر مجالسهم، وآخر لا يرضى إلا أن يقيم لهم المجالس، وآخر يرضى لنفسه أن يحضر او يرحل لزيارتهم في ضرائحهم، وآخر ينشط لتهيئة الناس وربما ينفق لتهيئة الزائرين لحضور مشاهدهمعليهمالسلام
.
وسيدنا المترجَم له كانت تزدهيه هذه الألوان من النشاط كلها، فقد نشأ وتربّى ووجد نفسه في بيت تكثر فيه المناسبات التي تعقد لآل البيتعليهمالسلام
. هكذا كان يرى جده (السيّد حسين) يجتمع الناس عنده ويتذاكرون، بل ويلقون من نتاجاتهم الأدبية الشيء الكثير، ووجد نفسه -رحمهالله
- مفعمة بهذا الولاء فاستزاد منه، وأخذ يتحين الفرص لإقامة المجلس حتّى لاولئك الذين شايعوهم وتابعوهم، وعلوا صهوات الأعواد او ماتوا في ديار الغربة وتجرعوا كؤوس الردى صابرين، والشواهد كثيرة على ذلك.
وكتابه المخطوط (نوادر الآثار) فيه تلك القصائد التي كان يلقيها الشعراء الذاهبين -رحمهمالله
- في مناسبات أفراحهم. وطريقة الإحياء عنده لا تكفي باقامة المجالس لهم، بل الانصراف إلى نشر آرائهم، وبيان طرائقهم في السلوك والحياة، وقد مارس ذلك عن طريق المحاضرات التي يجمع عليها أهل المكاسب من إخوانه وأصحابه في أيام شهر رمضان. وهكذا كنت أرى البيت يمتلئ بهم، ويتكرر البحث ليلة بعد ليلة، ورمضاناً بعد رمضان.
أمّا قلمه وراحته ووقته، فشواهدها هذه
(المؤلفات) التي خلّفها. ونرجو منه تعالى أن يسدد الخُطى لنشرها بين الناس. وأجلُّ مخطوطاته هي: (المنقذ الاكبر محمّدصلىاللهعليهوآله
، والإمام الحسنعليهالسلام
، وقد مضى على تأليفهما أكثر من ثلاثين عاماً، وكتابه (نقد التاريخ في مسائل ست) كان كثيراً ما يتحدث عنه.
١١ - نظمه
لم يكن (المترجَم له) يحسن الشعر ولا يتعاطاه ولم يعان قرضه، غير أنه كان يحبه سيّما إذا قيل في أهل البيتعليهمالسلام
. وكثيراً ما كان يقتبس شعراً من شعراء أهل البيت في مؤلفاته عند ذكرهمعليهمالسلام
؛ إحياء لذكر شعرائهم.
أمّا هو، فلا نعهد له شيئاً سوى نزر قليل، منه قوله في أبي الفضل العبّاسعليهالسلام
متوسلاً إلى الله تعالى به؛ لكشف ما ألم به:
أبا الفضل يا نور عين الحسين
|
|
ويـا كافل الظَّعن يوم المسيرْ
|
أتـعرض عـني وأنت الجواد
|
|
وكـهف لمن بالحمى يستجيرْ
|
ومنه اُرجوزته التي نظمها في النبيصلىاللهعليهوآله
وآله الأطهارعليهمالسلام
، ولكنه لم يتمها فمنها:
نحمدك اللهم يـا مَن شرفا
|
|
هذا الوجود بالنبي المصطفى
|
مـحـمدٍ وآلـه الأطـايبِ
|
|
نـهج الـهدى كفاية للطالبِ
|
أرشـاد من ضلَّ عن الهداية
|
|
إلى طريق الحقِّ والولاية
|
وفيها يقول:
وجاء في حديث أهل البيتِ
|
|
مَن قال فينا واحداً من بيتِ
|
أيَّـده الله بـروح الـقدس
|
|
وزال عنه كلَّ ريبٍ مُلبس
|
لـذلك أحـببت أن أنظم ما
|
|
قد دونوه في الصِحاح العلما
|
من فضل عترة النبي الطهرِ
|
|
ومـَن هـمُ ولاة ربِّ الأمر
|
خاتمة حياته
عانى المؤلف -رحمهالله
- من شظف العيش، وقساوة الحياة شيئاً كثيراً، وسار في حياته سيرة فيها الإباء والترفع، وكان يربأ بها أن تتدنى إلى ما لا يليق بها. وغرامه
بحضور الدرس وأداء مهمة التدريس والاعتكاف شغله الشاغل، فكان يرضى من عيشه بالبُلغة، وكم رغب إليه المرحوم آية الله الزعيم الديني أبو الحسن الاصفهاني أن يحضر إليه؛ ليكون وكيلاً عنه في إحدى هذه الحواضر الكبرى من مدن العراق، وحينئذ يكون رخاء الحياة، ولكنه لا يرضيه ذلك العرض، ولا تزدهيه تلك المهمة، وكل ما في نفسه أنه راضٍ بقسمه تعالى، قانع بما يتهيأ له من أسباب الحياة، ويهمه أن يملأ نفسه من زاد العلم، ويشبع مما في كنوزها من دقائق الذخائر. وبالجد والمثابرة المتواصلة نال المكانة المحترمة بين أهل الفضل.
كان يتحدث -رحمهالله
- كثيراً عن مثل تلك الرغبات التي يريدها له أصحاب المراجع. كان يعلل رفضه بأن النفس لا يكبح جماحها إذا تهيأت لها غضارة العيش ورخاء الحياة، وربما تغمسه في أشياء اُخرى. هذه التعليلات وأمور اُخرى لم يفصح عنها هي سبب الرفض، وكان كتوماً في مثل هذه الشؤون!.
أمّا صفاته الجسمية، فقد كان نحيفاً في قامة معتدلة، وفي اُخريات أيامه - حينما اصطلمت عليه العلل - كان يغالب نفسه بأن يكون معتدل القامة، رافع الرأس. كان يرتاح أن يباشر شؤون إقامة المجلس في المناسبات العديدة للأئمة الأطهار وأصحابهم البررة، وايمانه بهم وبكرامتهم عند الله كان كثيراً ما يتوسل إليهم في رفع البلوى ورفع الضر، ولِمَ لا يفعل
ذلك؟ ألم يكن الإمام أبو الحسن علي الهاديعليهالسلام
يأمر أبا هاشم الجعفري أن يطلب من رجل ليدعو له عند مرقد سيّد الشهداءعليهالسلام
؟!.
كانرحمهالله
مستوفز الأعصاب، تستثيره البادرة التي لا يرضاها، وينفعل لسماع ما لا تطمئن إليه النفس، رقيق القلب، وافر الدمعة لدى سماعه مصاب آل الرسولعليهمالسلام
. هذه اُمور تضعف الركن الشديد، فكيف بعلل وشدائد صحية عديدة لا تفارقه واحدة حتّى تنتابه اُخرى، ومع هذا كلِّه يفزع إليهمعليهمالسلام
، يتوسل إليهم بجاههم عند الله تعالى أن يكشف العسر ويدفع الضر. وكان يعتقد اعتقاداً جازماً إنالله تعالى لم يمد في عمره إلا
_____________
بسببهم وحرمتهم؛ حيث إن الواحدة من العلل التي كانت تصيبه كفيلة بأن تقضي عليه.
وهكذا سار على هذه الشاكلة حتّى وافته المنية في ١٧ محرم الحرام لسنة ١٣٩١ هـ الموافق ١٥ / ٣ / ١٩٧١، فله من الله الرضوان وجزيل المثوبة.
وأطرف ما رُثِيَ بهرحمهالله
، قول الاستاذ الشيخ أحمد الوائلي مؤرخاً عام الوفاة:
إيـه عبد الرزّاق يا ألق الفكر
|
|
وروح الإيـمـان والأخـلاقِ
|
إنَّ قـبـراً حللت فيه لَروضٌ
|
|
سـوف تـبقى به ليوم التلاقي
|
فـاذا ما بُعثت حفَّت بك الأعـ
|
|
ـمـالُ بـيضاء حلوة الإشراقِ
|
فحسان الأصول والفقه والتاريـ
|
|
ـخ قـلّـدن منك بـالأعـناقِ
|
ومـدى الطَّف يوم سجَّلت فيه
|
|
لـحـسـيـن وآلـه والرفاقِ
|
صـفحات من التَّبحُّر والتمحيـ
|
|
ـص تـزري بأنفس الأَعـلاقِ
|
في حسين وسوف تلقى حسيناً
|
|
وترى الحوض مترعاً والساقي
|
هـذه عـنـدك الـشفيع وما
|
|
عـند إلهي خير وأبقى البواقي
|
مـسـتـميحاً عطاء ربِّك أرخ
|
|
(رحت عبد الرزّاق للرزّاق)
|
١٣٩١ هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
(
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
)
العنكبوت / ٦٩ .
(
وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
)
آل عمران / ١٦٩ و ١٧٠.
(
إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
)
التوبة / ١١١.
القرآن الكريم
نهضة الحسينعليهالسلام
كان المغزى الوحيد لشهيد الدين، وحامية الإسلام الحسين بن أمير المؤمنينعليهالسلام
إبطال اُحدوثة الاُمويين، ودحض المعرات عن قدس الشريعة، ولفت الأنظار إلى براءتها وبراءة الصادع بها عمّا ألصقوه بدينه؛ من شية العار، والبدع المخزية، والفجور الظاهرة، والسياسة القاسية
. فنال سيد الشهداءعليهالسلام
مبتغاه بنهضته الكريمة، وأوحى إلى الملأ الديني ما هنالك من مجون فاضح، وعرّف الناس (بيزيد المخازي) ومَن لاث به من قادة الشر وجراثيم الفتن، فمجّتهم الأسماع، ولم يبقَ في المسلمين إلا من يرميهم بنظرة شزراء حتّى توقدت عليهم العزائم، واحتدمت الحمية الدينية من اُناس ونزعات من آخرين، فاستحال الجدال جلاداً، وأعقبت بلهنية عيشهم حروباً دامية أجهزت على حياتهم، ودمرت ملكهم المؤَسَّس على أنقاض الخلافة الإسلامية من دون أية حنكة أو جدارة، فأصاب هذا الفاتح الحسينعليهالسلام
شاكلة الغرض بذكره السائر، وصيته الطائر، ومجده المؤثل، وشرفه المعلّى(
وَلا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللّهِ أَموَاتاً بَل أَحيَاء عندَ رَبِّهِمْ يُرزَقُونَ
)
.
لا أجدك أيها القارىء وأنت تسبر التاريخ، وتتحرّى الحقائق بنظر التحليل، إلا وقد تجلّت لك نفسيّة (أبيِّ الضيم) الشريفة، ومغزاه المقدّس ونواياه الصالحة، وغاياته الكريمة في حلِّه ومرتحله، وفي إقدامه وإحجامه في دعواه ودعوته، ولا أحسبك في حاجة إلى التعريف بتفاصيل تلكم الجمل بعد أن
____________________________
عرفت أن شهيد العظمة مَن هو؟ وما هي أعماله؟ وبطبع الحال تعرّف قبل كلّ شيء موقف مناوئه، وما شيبت به نفسيته من المخازي.
نحن لو تجردنا عما نرتئيه (لحسين الصلاح) من الإمامة والحق الواضح - الذي يقصر عنه في وقته أي ابن اُنثى - لم تدع لنا النصفة مساغاً لاحتمال مباراته في سيرة طاغية عصره، أو أنه ينافسه على شيء من المفاخر. فإن سيّد شباب أهل الجنّة متى كان يرى له شيئاً من الكفاءة حتّى يتنازل إلى مجاراته؟ ولقد كانعليهالسلام
يربأ بنفسه الكريمة حتّى عن مقابلة أسلافه.
أترى أن الحسينعليهالسلام
يقابل أبا سفيان بالنبي الكريمصلىاللهعليهوآله
، أو معاوية بأمير المؤمنينعليهالسلام
، أو آكلة الأكباد بأم المؤمنين خديجة رضوان الله تعالى عليها، أو ميسون بسيّدة العالمينعليهاالسلام
، أو خلاعة الجاهلية بوحي الإسلام، أو الجهل المطبق بعلمه المتدفق، أو الشَّرَه المخزي بنزاهة نفسه المقدسة؟! إلى غيرها مما يكلُّ عنه القلم، ويضيق به الفم.
لقد كانت بين الله سبحانه وتعالى، وبين اوليائه المخلصين أسرار غامضة تنبو عنها بصائر غيرهم، وتنحسر أفكار القاصرين حتّى أعمتهم العصبية؛ فتجرؤا على قدس المنقذ الأكبر، وأبوا إلا الركون إلى التعصب الشائن، فقالوا: إن الحسين قُتل بسيف جدّه؛ لأنه خرج على إمام زمانه (يزيد) بعد أن تمت البيعة له، وكملت شروط الخلافة باجماع أهل الحلِّ والعقد، ولم يظهر منه ما يشينه ويزري به!!
.
____________________________
و
قد غفل هذا القائل عن أنّ ابن ميسون لم يكن له يوم صلاح حتّى يشينه ما يبدو منه! وليس لطاماته ومخازيه قبل وبعد وقد ارتضع در ثدي (الكلبية) المزيج بالشهوات، وتربّى في حجر مَن لُعن على لسان الرسول الأقدس
، وأمر الاُمّة بقتله متى شاهدته متسنماً صهوة منبره!
. ولو امتثلث الاُمّة الأمر الواجب؛ لأمنت العذاب الواصب، المطلّ عليها من نافذة بدع الطاغية، ومن جرّاء قسوته المبيدة لها، لكنها كفرت بأنعم الله، فطفقت تستمرء ذلك المورد الوبيء ذعافاً ممقراً؛ فألبسها الله لباس الخوف، وتركها ترزح تحت نير الاضطهاد، وترسف في قيود الذل والاستعباد، ونصب عينها استهتار الماجنين وتهتّك المنهمكين بالشهوات! وكلما تنضح به الآنية الاموية الممقوتة شب (يزيد الاهواء) بين هاتيك النواجم من مظاهر الخلاعة.
ولقد أعرب عن كل ما أضمره من النوايا السيئة على الإسلام، والصادع به جَذِلاً بِخلاء الجوِّ له، فيقول العلامة الآلوسي:
مَن يقول إن يزيد لم يعصِ بذلك ولا يجوز لعنه، فينبغي أن ينتظم في سلسلة أنصار يزيد، وأنا أقول: إنّ الخبيث لم يكن مصدقاً برسالة النبيصلىاللهعليهوآله
، وإنّ مجموع ما فعله مع أهل حرم الله وأهل حرم نبيهصلىاللهعليهوآله
وعترته الطيبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات، وما صدر منه من المخازي، ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر!, ولا أظن أن أمره كان خافياً على أجلّة المسلمين إذ ذاك، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين، ولم يسعهم إلا الصبر. ولو سلّم أن الخبيث كان مسلماً، فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط
____________________________
به نطاق البيان. وانا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لم يتصور أن يكون له مَثل من الفاسقين. والظاهر أنه لم يتب، واحتمال توبته أضعف من إيمانه. ويلحق به ابن زياد، وابن سعد وجماعة، فلعنة الله عليهم وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم ومَن مال إليهم إلى يوم الدين، ما دمعت عين على أبي عبد الله الحسينعليهالسلام
.
ويعجبني قول شاعر العصر، ذي الفضل الجلي، عبد الباقي افندي العمري الموصلي، وقد سئل عن لعن يزيد، فقال:
يزيد على لعني عريض جنابه
|
|
فاغدو به طول المدى العن اللعنا
|
ومَن يخشى القيل والقال من التصريح بلعن ذلك الضليل، فليقل: لعن الله عز وجلّ من رضي بقتل الحسينعليهالسلام
، ومن آذى عترة النبيصلىاللهعليهوآله
بغير حقٍّ، ومن غصبهم حقهم، فإنه يكون لاعناً له؛ لدخوله تحت العموم دخولاً اولياً في نفس الأمر. ولا يخالف أحداً في جواز اللعن بهذه الألفاظ ونحوها، سوى ابن العربي المار ذكره وموافقيه، فإنهم على ظاهر ما نقل عنهم، لا يجوّزون لعن مَن رضي بقتل الحسينعليهالسلام
! وذلك لعمري هو الضلال البعيد الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد!.
ثم قال: نقل البرزنجي في (الاشاعة)، والهيثمي في (الصواعق المحرقة)، أن الإمام أحمد لما سأله ابنه عبد الله عن لعن يزيد قال: كيف لا يلعن مَن لعنه الله في كتابه! فقال عبد الله: قرأت كتاب الله عز وجل فلم أجد فيه لعن يزيد! فقال الإمام: إن الله يقول:
(
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
)
، وأي فساد وقطيعة أشد مما فعله يزيد!.
وقد جزم بكفره وصرّح بلعنه جماعة من العلماء، منهم: القاضي أبو يعلى، والحافظ ابن الجوزي، وقال التفتازاني: لا نتوقف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أعوانه وأنصاره، وصرح بلعنه جلال الدين السيوطي.
وفي تاريخ ابن الوردي، والوافي بالوفيات: لما وردت على يزيد نساء الحسين وأطفاله، والرؤوس على الرماح، وقد أشرف على ثنية جيرون ونعب الغراب، قال:
لما بدت تلك الحمول وأشرقـت
|
|
تلك الشموس على رُبى جيرونِ
|
نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل
|
|
فلقد قـضيت من النبـي ديوني
|
____________________________
يعني: أنه قتل بمن قتله رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يوم بدر؛ كجده عتبة وخاله ولد عتبة وغيرهما، وهذا كفر صريح، فاذا صح عنه، فقد كفر به. ومثله تمثله بقول عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه بـ (ليت أشياخي ببدر...) الأبيات انتهى
.
إلى كثير من موبقاته وإلحاده، فاستحق بذلك اللعن من الله وملائكته وأنبيائه، ومَن دان بهم من المؤمنين إلى يوم الدين. ولم يتوقف في ذلك إلا من حُرم ريح الإيمان، وأعمته العصبية عن السلوك في جادّة الحقِّ؛ فأخذ يتردد في سيره، حيران لا يهتدي إلى طريق، ولا يخرج من مضيق.
ولم يتوقف المحققون من العلماء في كفره وزندقته، فيقول ابن خلدون: غلط القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي، إذ قال في كتابه (العواصم والقواصم): إن الحسين قُتل بسيفِ شرعه، غفلة عن اشتراط الإمام العادل في الخلافة الإسلامية! ومَن أعدل من الحسين في زمانه وإمامته وعدالته في قتال أهل الآراء!؟. وفي الصفحة نفسها ذكر الاجماع على فسق يزيد، ومعه لا يكون صالحاً للإمامة، ومن أجله كان الحسينعليهالسلام
يرى من المتعين الخروج عليه، وقعود الصحابة والتابعين عن نصرة الحسين لا لعدم تصويب فعله، بل لأنهم يرون عدم جواز اراقة الدماء، فلا يجوز نصرة يزيد بقتال الحسين، بل قتله من فعلات يزيد المؤكدة لفسقه والحسين فيها شهيد
.
ويقول ابن مفلح الحنبلي: جوّز ابن عقيل وابن الجوزي الخروج على الإمام غير العادل، بدليل خروج الحسين على يزيد؛ لاقامة الحق. وذكره ابن الجوزي في كتابه (السر المصون) من الاعتقادات العامية التي غلبت على جماعة من المنتسبين إلى السنة، إنهم قالوا: كان يزيد على الصواب، والحسين مخطئ في الخروج عليه. ولو نظروا في السِّير لعلموا كيف عُقدت البيعة له والزم الناس بها، ولقد فعل مع الناس في ذلك كلَّ قبيح، ثم لو قدرنا صحة خلافته، فقد بدرت منه بوادر وظهرت منه أمور، كلٌّ منها يوجب فسخ ذلك العقد؛ من نهب المدينة، ورمي الكعبة بالمنجنيق، وقتل الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام
وضربه على ثناياه بالقضيب، وحمل
____________________________
رأسه على خشبة، وإنما يميل إلى هذا جاهل بالسيرة، عامّي المذهب، يظن أنه يغيظ بذلك الرافضة
.
وقال التفتازاني: الحقُّ إن رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره به، واهانته أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآله
، مما تواتر معناه وان كان تفاصيله آحاد. فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه
.
وقال ابن حزم: قيام يزيد بن معاوية؛ لغرض دنيا فقط، فلا تاويل له. وهو بغي مجرد
. ويقول الشوكاني: لقد أفرط بعض أهل العلم فحكموا: بأن الحسين السبطرضياللهعنه
وأرضاه، باغ على الخِمّير السكّير، الهاتك لحرمة الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية! لعنهم الله. فيا للعجب من مقالات تقشعر منها الجلود، ويتصدع من سماعها كل جلمود!!
.
وقال الجاحظ: المنكرات التي اقترفها يزيد؛ من قتل الحسين، وحمله بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآله
سبايا، وقرعه ثنايا الحسين بالعود، واخافته أهل المدينة، وهدم الكعبة، تدل على القسوة والغلظة والنصب، وسوء الرأي والحقد والبغضاء، والنفاق والخروج عن الايمان. فالفاسق ملعون، ومن نهى عن شتم الملعون فملعون
.
ويحدث البرهان الحلبي، إن الاستاذ الشيخ محمّد البكري تبعاً لوالده كان يلعن يزيد ويقول: زاده الله خزياً وضِعه وفي أسفل سجين وضَعه
كما لعنه أبو الحسن علي بن محمّد الكياهراسي، وقال: لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي الرجل
. وحكى ابن العماد عنه، أنه سئل عن يزيد بن معاوية، فقال: لم يكن من الصحابة؛ لأنه ولد أيام عمر بن الخطاب. ولأحمد فيه قولان؛ تلويح وتصريح. ولمالك قولان؛ تلويح وتصريح. ولأبي حنيفة قولان؛ تلويح وتصريح. ولنا قول واحد
____________________________
تصريح دون تلويح، وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد، ومدمن الخمر، وشعره في الخمر معلوم
. ويقول الدكتور علي ابراهيم حسن: كان يزيد من المتّصفين بشرب الخمر واللهو والصيد
.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: كان يزيد بن معاوية ناصبياً فظاً، غليظاً جلفاً، يتناول المسكر ويفعل المنكر، افتتح دولته بقتل الشهيد الحسين، وختمها بوقعة الحَرّة؛ فمقته الناس ولم يُبارك في عمره
.
وقال الشيخ محمّد عبده: اذا وجدت في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع، وحكومة جائرة تعطله، وجب على كلّ مسلم نصر الاُولى. ثم قال: ومن هذا الباب خروج الإمام الحسين سبط الرسولصلىاللهعليهوآله
على إمام الجور والبغي، الذي ولي أمر المسلمين بالقوّة والمكر، يزيد بن معاوية، خذله الله وخذل مَن انتصر له من الكرامية والنواصب
. وقال ابن تغربردي الحنفي: كان يزيد فاسقاً، مدمن الخمر
، وقال: أخذت فتاوى العلماء بتعزير عمر بن عبد العزيز القزويني؛ إذ قال أمير المؤمنين يزيد، ثم اُخرج من بغداد إلى قزوين
. وقال أبو شامة: دخل بغداد أحمد بن اسماعيل بن يوسف القزويني فوعظ بالنظامية، وفي يوم عاشوراء قيل له: إلعن يزيد بن معاوية. قال: ذلك إمام مجتهد. ففاجأه أحدهم فكاد يُقتل، وسقط عن المنبر. ثم أخرجوه إلى قزوين، ومات بها سنة (٥٩٠) هـ
.
وقال سبط ابن الجوزي: سئل ابن الجوزي عن لعن يزيد فقال: أجاز أحمد لعنه، ونحن نقول لا نحبه؛ لما فعل بابن بنت نبينا، وحمله آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله
سبايا إلى الشام على أقتاب الجمال، وتجرِّيه على آل رسول الله، فإنْ رضيتم بهذه المصالحة بقولنا لا نحبه، وإلا رجعنا إلى أصل الدعوى جواز لعنته
.
____________________________
وذكر أبو القاسم الزجاجي باسناده عن عمر بن الضحّاك، قال: كان يزيد بن معاوية ينادم (قرداً)، فأخذه يوماً وحمله على إتان وحشي وشد عليها رباطاً، وأرسل الخيل في أثرها حتّى حسرتها الخيل فماتت الأتان، فقال يزيد بن معاوية:
تمسك أبا قيس بفضل عنانـه
|
|
فليس علينا أن هلكت ضمان
|
كما فعل الشيخ الذي سبقت به
|
|
زياداً أمير المؤمنين إتان
|
وما ذكره ابن الأثير عن أبي يعلى حمزة بن محمّد بن أحمد بن جعفر بن محمّد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام
، أنه قال: أنا لا اكفّر يزيد؛ لقول النبيصلىاللهعليهوآله
:«سألت الله تعالى أن لا يسلط على بنيَّ من غيرهم، فأعطاني ذلك»
. لا يتابع عليه؛ لأن شرف أبي يعلى وجلالته وثقته، تبعد صدور هذه الكلمة الجافّة عنه، وإن سبقه إليها الرافعي في التدوين في علماء قزوين
. وعلى فرض صدورها منه، فمن المقطوع به صدورها منه تقية. وقد بالغ الميرزا عبد الله افندي تلميذ المجلسي في إنكارها
؛ لأن كل من ترجم له من علماء الرجال مدحه واطراه بالجميل، ولم يذكر ذلك عنه، ولو كان لصدورها عنه عين أو أثر لمقتوه من أجلها. وقد ترحّم عليه الشيخ الصدوق في كتبه وترضّى عنه؛ لأنه من مشائخه.
وفي عيون أخبار الرضاعليهالسلام
ص ٤٩٣ باب ٣٩ حدّثه بقم سنة (٣٣٩) هـ عمّا كتبه إليه علي بن إبراهيم بن هاشم سنة (٣٠٩) هـ، عن ياسر الخادم عن الرضاعليهالسلام
الخ حتّى أن الخطيب البغدادي مع تعصبه ترجم له، ولم يذكر عنه هذه الكلمة النابية
، فهذه الكلمة من زيادات الرافعي وابن الأثير، الغير المقرونة بأصل وثيق.
وبعد مقت أعلام الاُمّة ليزيد، نحاسب عبد المغيث بن زهير بن علوي الحربي عن الاُصول الصحيحة التي استقى منها كتابه، الذي صنّفه في فضائل يزيد
! وأي مأثرة صحيحة وجدها له حتّى سجّلها في كتابه؟! وهل حياته كلّها إلا مخازٍ وتهجمات على قدس الشريعة؟؛ لذلك لم يعبأ العلماء بهذا الكتاب. فيقول:
____________________________
ابن العماد في شذرات الذهب ج٤ ص ٢٧٥ حوادث السنة ٥٨٣ هـ أتى فيه بالموضوعات وفي البداية لابن كثير ج١٢ ص ٣٢٨ ردّ عليه ابن الجوزي فأجاد وأصاب وفي كامل ابن الأثير ج ١١ ص ٢١٣ عليه مروج الذهب أتى فيه بالعجائب وفي طبقات الحنابلة لابن رجب ج ١ ص ٣٥٦ صنّف ابن الجوزي في الردّ عليه سماه الردّ على المتعصب العنيد، المانع من لعن يزيد.
ومن الغريب ما أفتى به عبد الغني المقدسي، حين سئل عن يزيد فقال: خلافته صحيحة؛ لأن ستّين صحابياً بايعه، منهم: ابن عمر. ومن لم يحبه لا ينكر عليه؛ لأنه ليس من الصحابة، وإنما يمنع من لعنه؛ خوفاً من التسلق إلى أبيه، وسداً لباب الفتنة
!!. وأغرب من هذا، إنكار ابن حجر الهيثمي رضا يزيد بقتل الحسينعليهالسلام
، أو أنه أمر به
مع تواتر الخبر برضاه، ولم ينكره إلا من أنكر ضوء الشمس!!.
قال ابن جرير والسيوطي: لما قُتل الحسين سُرَّ يزيد بمقتله، وحسنت حال ابن زياد عنده، ثم بعد ذلك ندم
. وقال الخوارزمي: قال يزيد للنعمان بن بشير: الحمد لله الذي قتل الحسين
. وقد احتفظوا بمنكراته كاحتفاظهم ببغي أبيه معاوية، ومعاندته لقوانين صاحب الدعوة الإلهية، أليس هو القائل لأبيه صخر لما أظهر الإسلام فرقاً من بوارق المسلمين؟
يـا صـخر لا تسلمن طوعاً فتفضحنا
|
|
بـعـد الـذيـن ببدر أصبحوا مزقا
|
لا تـركـنن إلــى أمـر تـقلِّدنا
|
|
والـراقـصاتِ بنعمان به الحرقا
|
فـالـمـوت أهون من قيل الصباة لنا
|
|
خـيـل ابن هند عن العزّى كذا فرقا
|
فـان أبـيـت أبـيـنـا ما تريد ولا
|
|
تدع عن اللات والعزّى اذا اعتنقا
|
ويقول ابن أبي الحديد: طعن كثير من أصحابنا في دين معاوية، وقالوا: إنه كان ملحداً لا يعتقد بالنبوة. ونقلوا عنه في فلتات كلامه ما يدل عليه
.
____________________________
وجدّه صخر، هو القائل للعبّاس يوم الفتح: إن هذه ملوكية. فقال العبّاس: ويلك إنها نبوة
. وفي معاوية، يقول أحمد بن الحسين البيهقي: خرج معاوية من الكفر إلى النفاق في زمن الرسولصلىاللهعليهوآله
، وبعده رجع إلى كفره الأصلي
.
فابن ميسون عصارة تلكم المنكرات، فمتى كان يصلح لشيء من الملك فضلاً عن الخلافة الإلهية، وفي الاُمّة ريحانة الرسول وسيد شباب أهل الجنة؟!. أبوه من قام الدين بجهاده، واُمّه سيدة نساء العالمين، وهو الخامس لأصحاب الكساء، وعدل الكتاب المجيد في (حديث الثقلين)، يتفجر العلم من جوانبه، ويزدهي الخُلق العظيم معه أينما يتوجه، وعبق النبوة بين أعطافه، وألق الإمامة في أسارير وجهه. والى هذا يشيرعليهالسلام
لمّا عرض الوليد البيعة، فقال:«أيها الأمير، إنّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا يختم. ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، وقاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق. ومثلي لا يبايع مثله»
.
وبعد هذا، فلنسأل هذا المتحذلق عن قوله: (خرج الحسين بعد انعقاد البيعة ليزيد)، متى انعقدت هاتيك البيعة الغاشمة؟ ومتى اجتمع عليها أهل الحل والعقد؟ أيوم كان يأخذها أبوه تحت بوارق الإرهاب؟! أم يوم إسعاف الصِلات لرواد الشره رضيخة يتلمظون بها؟!
أم يوم عرضها عمال يزيد على الناس، فتسلل عنها ابن الرسول ومعه الهاشميون، وفر ابن الزبير إلى مكّة وتخفى ابن عمر في بيته؟
. وكان عبد الرحمن ابن أبي بكر يجاهر بأنها هرقلية؛ كلما مات هرقل قام هرقل مكانه
، وكان يقول: إنّها بيعة قوقية، وقوق هو اسم قيصر
فأرسل له معاوية مئة ألف درهم يستعطفه بها، فردها وقال: لا أبيع ديني بدنياي
، وقال
____________________________
عبد الله بن عمرو بن العاص لعابس بن سعيد، الذي حثّه على البيعة ليزيد: أنا أعرف به منك، وقد بعتَ دينك بدنياك
. وقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي للشامي الذي أرسله مروان بن الحكم ليبايع ليزيد: يأمرني مروان أن أبايع لقوم ضربتهم بسيفي حتّى أسلموا! والله ما أسلموا ولكن استسلموا
.
وقال زياد بن أبيه لعبيد بن كعب النميري: كتب إليّ معاوية في البيعة ليزيد، وضمان أمر الإسلام عظيم؛ إنَّ يزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما اولع به من الصيد، فأخبر معاوية عني، وأخبره عن تهاون يزيد بأمر الدين وفعلاته المنكرة
.
وقد أنكر على معاوية سعيد بن عثمان بن عفان، وفيما كتب إليه: إن أبي خير من أب يزيد، وأمي خير من امّه، وأنا خير منه
. وكان الأحنف بن قيس منكراً لها، وكتب إليه يعرفه الخطأ فيما قصده من البيعة لابنه يزيد، وتقديمه على الحسن والحسين مع ما هما عليه من الفضل والى من ينتميان، وذكّره بالشروط التي أعطاها الحسن، وكان فيها أن لا يقدم عليه أحداً، وإن أهل العراق لم يبغضوا الحسنين منذ أحبوهما، والقلوب التي أبغضوه بها بين جوانحهم
.
وحرص أبيُّ الضيم سيد الشهداء على نصح معاوية وارشاده إلى لاحب الطريق، وتعريفه منكرات يزيد، وإن له الفضل عليه بكل جهاته، وفيما قال له:«إنّ اُمّي خير من اُمّه، وأبي خير من أبيه»
. فقال معاوية: أمّا امّك، فهي ابنة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، فهي خير من امرأة من كلب. وأمّا حبي يزيد، فلو اُعطيت به ملء الغوطة لما رضيت. وأمّا أبوك وأبوه، فقد تحاكما إلى الله تعالى فحكم لأبيه على أبيك
.
إلى هنا سكت أبو عبد الله الحسينعليهالسلام
؛ لأنه عرف ألا مقنع لابن آكلة الأكباد بالحقيقة، وإنما لم يقل معاوية (إنّ أباه أفضل من أبيك)؛ لعلمه بعدم سماع أحد منه ذلك، ولشهرة سبق عليعليهالسلام
إلى الإسلام واجتماع المحامد
____________________________
فيه، وتقدّمه على غيره في الفضائل جمعاء؛ لذلك عدل معاوية إلى الإيهام بايجاد شبهة المنافرة والمحاكمة، وهذا ما يسمّيه علماء البلاغة بالاستدراج.
ومرّة اُخرى، قال له سيد الشهداء أبو عبد اللهعليهالسلام
:«لقد فهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله سياسته لاُمّة محمّد
صلىاللهعليهوآله
، تريد أن توهم على الناس كأنك تصف محجوباً أو تنعت غائباً أو تخبر عمّا احتويته بعلم خاص، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد من استقرائه الكلاب المهارسة
، والحمام السبق، والقَينات ذوات المعازف وضرب الملاهي تجده ناصراً، ودع ما تحاول فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت فيه، فوالله ما برحت تقدم باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم حتّى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص»
.
وكتبعليهالسلام
إليه مرّة ثالثة:«إعلم إن لله عز وجل كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها، وليس الله تعالى بناسٍ أخذك بالظنة، وقتلك اولياءه على التُّهم، ونفيك لهم عن دورهم إلى دار الغربة. أولست قاتل حجر أخي كندة والمصلين العابدين؛ الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ولا يخافون في الله تعالى لومة لائم؟ أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله
صلىاللهعليهوآله
، العبد الصالح الذي أبلته العبادة؛ فنحل جسمه، واصفرّ لونه بعدما آمنته وأعطيته من عهود الله عز وجل، ولو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس جبل؛ جرأة منك على ربك، واستخفافاً بذلك العهد؟ أولست المدّعي (ابن سمية) المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنه من أبيك وقد قال رسول الله
صلىاللهعليهوآله
: الولد للفراش وللعاهر الحجر، فتركت سنة رسول الله
صلىاللهعليهوآله
تعمداً، واتبعت هواك بغير هدى من الله تعالى، ثم سلطته على العراقين يقطع أيدي المسلمين، ويُسمل أعينهم، ويصلبهم على جذوع النخل. كأنك لست من هذه الاُمّة وليسوا منك!؟ أولست الكاتب لزياد أن يقتل كلَّ مَن كان على دين علي بن أبي طالب
عليهالسلام
؛ فقتلهم ومثّل بهم بأمرك. ودين علي
عليهالسلام
هو دين الله عز وجل الذي به ضرب أباك وضربك، وبه جلست مجلسك الذي جلست؟
____________________________
وإنّ أخذك الناس ببيعة ابنك يزيد، وهو غلام حدث يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب؛ فقد خسرت نفسك، وبترت دينك وأخرجت أمانتك»
.
وكتب إليه مرة رابعة يعدد عليه بوائقه؛ وذلك لما قتل زياد ابن أبيه مسلم بن زيمر، وعبد الله بن نجي الحضرميَّين، وصلبهما على أبواب دورهما بالكوفة أياماً، وكانا من شيعة علي أمير المؤمنينعليهالسلام
. وفيما كتب إليه:«ألست صاحب حِجر والحضرميَّين اللذين كتب إليك ابن سمية أنهما على دين علي
عليهالسلام
ورأيه. فكتبت إليه: مَن كان على دين علي ورأيه فاقتله وامثل به، فقتلهما ومثل بامرك بهما؟ ودينُ علي وابن عم علي الذي كان يضرب عليه أباك، ويضربه عليه أبوك، جلست مجلسك الذي أنت فيه. ولولا ذلك، كان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشم الرحلتين اللتين بنا منَّ الله عليك بوضعها عنكم.....»
في كلام طويل يوبّخه فيه بادّعائه زياداً، وتوليته على العراقين
.
ولم تُجدِ هذه النصائح من ابن الرسولصلىاللهعليهوآله
في دحض باطل معاوية، بعد أن سدّت بوارق الإرهاب، وبواعثُ الطمع طريق الحقّ. لكن معاوية بدهائه المعلوم لم يرقه أن يمس الحسينَعليهالسلام
سوءٌ؛ خشية سوء الفتنة وانتكاث الأمر، لما يعلمه أن (أبيَّ الضيم) لا يتنازل إلى الدنية إلى نفس يلفظه، وأن شيعته يومئذ غيرهم بالأمس على عهد أخيه الإمام المجتبى، فإنهم ما زالوا يتذمرون من عمّال معاوية؛ للتنكيل الذريع بهم حتّى بلغ الحال، أن الرجل منهم يستهين أن يقال له: زنديق، ولا يقال له (ترابي)!.
وكم من مرة واجهوا الإمام المجتبىعليهالسلام
بكلام أمرّ من الحنظل مع اعترافهم له بالإمامة، وإذعانهم بأن ما صدر منه عن صلاح إلهي، وأمر ربوبي. وحتى أنهم استنهضوا الحسينعليهالسلام
غير مرّة فلم ينهض معهم؛ رعاية للميثاق، وإرجاء الأمر إلى وقته المعلوم لديه من جدّهصلىاللهعليهوآله
، وأبيه الوصيعليهالسلام
.
فمعاوية يعلم أنه لو اُصيب الحسينعليهالسلام
بسوء - والحالة هذه - تلتف الشيعة حوله؛ فيستفحل الخطب بينه وبين معاوية.
____________________________
وللعلة هذه بعينها؛ أوصى ولده يزيد بالمسالمة مع الحسين إن استبد بالأمر، ومهما يجد من أبيِّ الضيم مخاشنة وشدة. فقال له: إنّ أهل العراق لن يدعوا الحسين حتّى يخرجوه، فإن خرج عليك وظفرت به، فاصفح عنه، فإنّ له رحماً ماسة، وحقاً عظيماً
. لكن (يزيد الجهل)؛ لغروره المُردي لم يكترث بتلك الوصيّة، فتعاورت عليه بوادره، وانتكث فتله. ولئن سرَّ (يزيد الخزاية) الفتحُ العاجل، فقد أعقب فشلاً قريباً، وكاشفه الناس بالسباب المقذع، وأكثروا باللائمة عليه حتّى ممّن لم ينتحل دين الإسلام.
وحديث رسول ملك الروم مع يزيد في المجلس، حين شاهد الرأس الأزهر بين يديه يقرعه بالعود! أحدث هزّة في المجلس، وعرف يزيد أنه لم تُجدِ فيهم التمويهات. وكيف تجدي وقد سمع من حضر المجلس صوتاً عالياً من الرأس المقدس، لمّا أمر يزيد بقتل ذلك الرسول«لا حول ولا قوة إلا بالله»
؟ وأي أحد رأى أو سمع قبل يوم الحسينعليهالسلام
رأساً مفصولاً عن الجسد ينطق بالكلام الفصيح؟ وهل يقدر ابن ميسون أن يقاوم أسرار الله، أو يطفئ نوره الأقدس؟... كلا.
ولقد فشا الإنكار عليه من حريمه وحامته حتّى أن زوجته هند
لما أبصرت
____________________________
الرأس مصلوباً على باب دارها، والأنوار العلويّة تتصاعد إلى عنان السماء، وشاهدت الدم يتقاطر، ويُشم منه رائحة طيّبة، عظم
مصابه في قلبها؛ فلم تتماسك دون أن دخلت عليه مجلسه مهتوكة الحجاب وهي تصيح: رأس ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
مصلوب على دارنا وقام إليها وغطّاها، وقال لها: اعولي على الحسين، فإنه صريخة بني هاشم، عجّل عليه ابن زياد
.
____________________________
قصداً منه تعمية الأمر، وتبعيد السُّبة عنه بالقاء الجريمة على العامل، لكن الثابت لا يزول. وهذا هو السر في انشائه الكتاب الصغير، الذي وصفه المؤرخون بأنه (اذن فارة)، أرفقه مع كتابه الكبير إلى واليه على المدينة الوليد بن عتبة؛ بأخذ البيعة من أهلها عامة. وفي هذا الكتاب الصغير، إلزام الحسين بها
، وإن أبى فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه؟!.
وليس الغرض من هذا، إلا أن يزيد لما كان عالماً بأن بيعته لم يتفق عليها صلحاء الوقت، وأشراف الاُمّة، وما صدر من الموافقة منهم يوم أرادها أبوه معاوية إنما هو بالوعيد والتهديد!
أراد ان يخلي رسمياته عن الأمر بقتل الحسينعليهالسلام
، بحيث لو صدر ذلك من عامله ولامه الناس وخطّؤوه؛ تذرع بنسبة القتل إلى العامل. فان كتابه الذي يأمره فيه بأخذ البيعة من أهل المدينة عامة، خالٍ من هذه الجرأة؛ فيكون له المجال في إلقاء التبعة بذلك على عاتق العامل كما انه في الوقت نفسه تذرع بهذا العذر، وانطلى على بعض المؤرخين! وهل ينفعه هذا؟ لا.
لبسوا بما صنعوا ثياب خزايةٍ
|
|
سوداً تولّى صبغهنَّ العارُ
|
الأنبياء مع الحسين
لقد كان حديث مقتل الحسينعليهالسلام
من أسرار الخليقة وودائع النبوات، فكان هذا النبأ العظيم مألكةَ
أفواه النبيين، دائرة بين أشداق الوصيين وحملة الأسرار؛ ليعرفهم المولى سبحانه وتعالى عظمة هذا الناهض الكريم، ومنّته على الجميع بحفظ الشريعة الخاتمة التي جاؤوا لتمهيد أمرها، وتوطيد الطريق إليها، وتمرين النفوس لها. فيثيبهم بحزنهم واستيائهم؛ لتلك الفاجعة المؤلمة! فبكاه آدم والخليل وموسى، ولعن عيسى قاتله، وأمر بني اسرائيل بلعنه، وقال:«مَن أدرك أيامه، فليقاتل معه، فإنه كالشهيد مع الأنبياء، مقبلاً غير مدبر. وكأني أنظر إلى بقعته، وما من نبيٍّ إلا
____________________________
وزارها، وقال: إنك لبقعة كثيرة الخير، فيك يُدفن القمر الزاهر»
.
وشاء إسماعيل - صادق الوعد - الأسوة به؛ لمّا انُبأَ بشهادته، فيكون الآخذ بثأره الإمامُ المنتظر عجل الله فرجه
.
واختار يحيى أن يُطاف برأسه
|
|
وله التّأسّي بالحسين يكون
|
وحديث مقتل الحسينعليهالسلام
أبكى الرسول الأقدس وأشجاه
وهو حيٌّ، فكيف به لو رآه صريعاً بكربلاء في عصابة من آله كأنهم مصابيح الدّجى، وقد حلّؤوه ومَن معه عن الورد المباح لعامة الحيوانات؟!.
نعم، شهد نبي الرحمةصلىاللهعليهوآله
فلذة كبده بتلك الحالة التي تنفطر لها السموات، ورأى ذلك الجمع المغمور بالاضاليل، متألباً على استئصال آله من جديد الأرض، فشاهده بعض مَن حضر ينظر الجمع مرة والسماء اُخرى، مسلّماً للقضاء
.
ولما مرَّ أمير المؤمنينعليهالسلام
بكربلاء في مسيره إلى صفين، نزل فيها واومأ بيده إلى موضع منها، فقال:«ههنا موضع رحالهم، ومناخ ركابهم»،
ثم أشار إلى موضع آخر وقال:«ههنا مهراق دمائهم. ثقلٌ لآل محمّد ينزل ههنا»
، ثم قال:«واهاً لك يا تربة! ليحشرنَّ منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب»
وأرسل عبرته، وبكى مَن معه؛ لبكائه. وأعلم الخواص من صحبه، بأن ولده الحسينعليهالسلام
يقتل ههنا في عصابة من أهل بيته وصحبه، هم سادة الشهداء، لا يسبقهم سابق، ولا يلحقهم لاحق
.
وفي حديثه الآخر، بعد الإخبار بأن في موضع كربلاء تقتل فتية من آل محمدصلىاللهعليهوآله
، قال:«تبكي عليهم السماء والأرض
.بأبي مَن لا ناصر له إلا الله»
. ثم قال:«لا يزال
____________________________
بنو اُميّة يمعنون في سجل ضلالتهم حتّى يهريقوا الدم الحرام في الشهر الحرام، ولكأني أنظر إلى غرنوقاً من قريش يتشحط في دمه، فإذا فعلوا ذلك، لم يبق لهم في الأرض عاذر، ولم يبقَ ملك لهم»
.
ومرّ سلمان الفارسي بكربلاء حين مجيئه إلى المدائن، فقال: هذه مصارع إخواني، وهذا موضع مناخهم، ومهراق دمائهم. يقتل بها ابن خير الأولين والآخرين
. ومرّ عيسى بن مريمعليهالسلام
بأرض كربلاء، فرأى ظباءً ترعى هناك، فكلمته بأنها ترعى هنا؛ شوقاً إلى تربة الفرخ المبارك، فرخ الرسول أحمدصلىاللهعليهوآله
، وأنّها آمنة في هذه الأرض. ثم أخذ المسيحعليهالسلام
من أبعارها وشمّه، وقال:«اللهم، أبقه حتّى يشمّها أبوه، فتكون له عزاءً وسلوة
». فبقيت الأبعار إلى مجيء أمير المؤمنينعليهالسلام
بكربلاء، وقد اصفرّت؛ لطول المدّة. فأخذها وشمّها وبكى، ثم دفعها إلى ابن عبّاس، وقال:«إحتفظ بها، فاذا رأيتها تفور دماً، فاعلم إن الحسين قد قُتل»
. وفي يوم عاشوراء بعد الظهر رآها تفور دماً
.
الإقدام على القتل
تمهيد:
من الضروري احتياج المجتمع البشري إلى مُصلح يسد خلته، ويسدد زلته، ويكمل اعوازه، ويقوّم إوده لتوفر دواعي الفساد فيه. فلو لم يكن في الاُمّة مَن يكبح جماح النفوس الشريرة؛ للعبت الأهواء بهم، وفرقتهم أيدي سباً، وبات حميم لا يأمن حميه، وأصبحت أفراد البشر ضحايا المطامع. وهذا المصلح يختاره المولى سبحانه من بين عباده؛ لأنه العارف بطهارة النفوس ونزاهتها عمّا لا يرضى به رب العالمين. ويكون الواجب، عصمته ممّا في العباد من الرذائل والسجايا الذميمة حتّى لا يشاركهم فيها، فيزداد الطين بلّة، ويفوته التعريف والإرشاد إلى مناهج الاصلاح ومساقط الهلكة وقد برّأ الله تعالى ذات النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله
من نور قُدسه، وحباه بأكمل الصفات الحميدة حتّى بذّ العالمَ، وفاق مَن في الوجود، فكان محلاً
____________________________
للتجليات الإلهية، وممنوحاً بالوحي العزيز. وإنّ اليراع ليقف متردداً عن تحديد تلك الشخصية الفذة، التي أنبأ عنها النبيصلىاللهعليهوآله
بقوله لأمير المؤمنينعليهالسلام
:«لا يعرف الله إلا أنا وأنت، ولا يعرفني إلا الله وأنت، ولا يعرفك إلا الله وأنا»
.
وحيث إن عمر النبيصلىاللهعليهوآله
غير باق إلى الأبد؛ لأنه لم يخرج عمّا عليه الناس في مدة الاجل. وجملة من تعاليمه لا تخلو من أن تكون كليات لم تأت أزمنة تطبيقها على الخارج، كان الواجب في شريعة الحقِّ الداعية إلى إصلاح الاُمّة: إقامة خليفة مقامه، يحذو حذوه في نفسياته واخلاصه وعصمته؛ لأن السرائر الكامنة بين الجوانح لا يعلمها إلا خالقها. ولو اوكل معرفتها إلى الاُمّة لتعذر عليها التمييز؛ لعدم الاهتداء إلى تلك المزايا الخاصة في الإمام! فتحصل الفوضى، وينتشر الفساد، ويعود النزاع والتخاصم. وهو خلاف اللطف الواجب على المولى سبحانه(
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
)
(
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا
)
.
فالخلافة منصب إلهي يقيّض الله تعالى رجلاً ينوؤ بأثقال النبوة، فيبلّغ الدعوة لمن تبلغه، ويدعو إلى تفاصيل الشريعة التي جاء بها المنقذ الأكبرصلىاللهعليهوآله
، فيرشد الجاهل، وينبّه الغافل، ويؤدب المتعدي، ويبين ما أجمله النبيصلىاللهعليهوآله
؛ لضرب من المصلحة أو أهمله لعدم السعة في زمانه بعد انقضاء أمد الرسالة.
في شخصية أمير المؤمنين ثم ابنه الحسن، وبعده أخوه سيد الشهداء الحسين، فابنه زين العابدين علي، ثم ابنه الباقر محمّد، فابنه الصادق جعفر، فابنه الكاظم موسى، فابنه الرضا علي، فابنه الجواد محمّد، فابنه الهادي علي، فابنه الحسن العسكري، ثم ابنه المنتظر أبو القاسم محمّد عجل الله فرجه.
كما أفاد المتواتر من الاحاديث: بأنّ الله عز شأنه اودع في الإمام المنصوب - حجّة العباد، ومنار يهتدي به الضالون - قوةً قدسية نورية، يتمكن بوساطتها من
____________________
استعلام الكائنات، وما يقع في الوجود من حوادث وملاحم. فيقول الحديث الصحيح:«اذا ولد المولود منّا، رُفع له عمود نور يرى به أعمال العباد، وما يحدث في البلدان»
.
والتعبير بذلك، إشارة إلى القوة القدسية المفاضة من ساحة (الحقِّ) سبحانه؛ ليكتشف بها جميع الحقائق على ما هي عليه؛ من قول او عمل او غيرهما من اجزاء الكيان الملكي والملكوتي. وبتلك القوة القدسية يرتفع سدول الجهل واستتار الغفلة، فلا تدع لهم شيئاً إلا وهو حاضر بذاته عند ذواتهم القدسية، كما أن النور يجلو ما اسدلته غياهب الظلمة، فيجد المبصر ما حجبه الحلك الدامس نصب عينيه، وقد انبأ أبو عبد الله الصادقعليهالسلام
عمّا حباهم به المولى جلَّ شأنه من الوقوف على أمر الاولين والآخرين، وما في السماوات والارضين، وما كان ويكون حتّى كأن الأشياء كلَّها حاضرة لديهم
.
ثم يسجل التدليل عليه بقوله:«كلمّا كان لرسول الله
صلىاللهعليهوآله
فلنا مثله، إلا النبوّة والأزواج»
.
ولا غلوّ في ذلك بعد قابلية تلك الذوات المطهرة بنصّ الذكر الحميد:(
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا
)
، لتحمل الفيض الأقدس وعدم الشحِّ في (المبدأ الأعلى) تعالت آلاؤه.
والمغالاة في شخص عبارة عن إثبات صفة له، إمّا أن يحملها العقل، أو لعدم القابلية لها، والعقل لا يمنع الكرم الالهي. كيف والجليل عزَّ لطفه يدرُّ النعم على المتمادين في الطغيان، المتمردين على قدس جلاله حتّى كأن المنّة لهم عليه! فلم يمنعه ذلك من الرحمة بهم والإحسان إليهم والتفضل عليهم، لا تنفذ خزائنه ولا يفوته من طلبه، وهذا من القضايا التي قياساتها معها.
وإذا كان حال المهيمن سبحانه كما وصفناه مع اولئك
____________________________
الطغاة، فكيف به عزَّ وجل مع مَن اشتقّهم من الحقيقة الأحمدية التي هي من (الشعاع الأقدس) جلَّ شأنه، فالتقى مبدأ فيّاض، وذوات قابلة للافاضة؟ فلا بدع في كل ما ورد في حقّهمعليهالسلام
من علم الغيب، والوقوف على أعمال العباد، وما يحدث في البلدان ممّا كان ويكون.
فالغيب المدّعى فيهمعليهمالسلام
، غير المختص بالباري تعالى؛ ليستحيل في حقّهمعليهمالسلام
، فإنه فيه - تعالى شأنه - ذاتي، وأمّا في الأئمةعليهالسلام
، فمجعول من الله سبحانه وتعالى. فبوساطة فيضه ولطفه، كانوا يتمكنون من استعلام خواص الطبائع والحوادث.
فاذاً الغيب على قسمين: منه ما هو عين واجب الوجود؛ بحيث لم يكن صادراً عن علّة غير ذات فاطر السماوات والأرضين، ومنه ما كان صادراً عن علّة، ومتوقفاً على وجود الفيض الالهي، وهو ما كان موجوداً في الأنبياء والاوصياءعليهمالسلام
. وإلى هذا الذي قررناه تنبّه العلامة الآلوسي المفسّر، فإنّه عند قوله تعالى:(
قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ
)
قال: لعلّ الحقَّ أن يقال: إنّ علم الغيب للنفي عن غيره جلَّ وعلا هو ما كان للشخص بذاته، أي بلا وساطة في ثبوته له. وما وقع للخواصّ ليس من هذا العلم المنفي في شيء، وإنّما هو من الواجب عزّ وجلّ، إفاضة منه عليهم بوجه من الوجوه، فلا يقال: إنّهم علموا الغيب بذلك المعنى، فإنه كفر. بل يقال: إنّهم اظهروا واطّلعوا على الغيب
.
ويشهد له ما جاء عن أبي جعفر الجوادعليهالسلام
، فإنّه لمّا أخبر اُمَّ الفضل بنت المأمون بما فاجأها ممّا يعتري النساء عند العادة، قالت له: لا يعلم الغيب إلا الله، قالعليهالسلام
:«وأنا أعلمه من علم الله تعالى»
.
فالائمةعليهمالسلام
محتاجون في جميع الأوقات إلى الفضل الإلهي؛ بحيث لولا دوام الاتصال وتتابع الفيوضات، لنفد ما عندهم على حدِّ تعبير الإمام أبي عبد الله الصادقعليهالسلام
، فإنّه قال:«لولا أنّا نزداد في كلّ ليلة جمعة، لنفد ما عندنا»
. ومراده: التعريف
____________________________
بأنّ علمهم مجعول من الباري تعالى، وأنهم في حاجة إلى استمرار ذلك الفيض الأقدس، وتتابع الرحمات السبحانية.
والتخصيص بليلة الجمعة، هو من جهة بركتها بنزول الألطاف الربانية فيها من أول الليل إلى آخره، على العكس من سائر الليالي. وإلى هذا يرجع قول الامام الرضاعليهالسلام
:«يبسط لنا العلم فنعلم، ويقبض عنا فلا نعلم»
.
وهل يشك مَن يقرأ في سورة الجن:(
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ
)
إن من كان من ربّه قاب قوسين أو أدنى, هو خاتم الأنبياء، الرسول المصطفىصلىاللهعليهوآله
؛ لأنه لم يفضّله أحد من الخلق. وكان الإمام أبو جعفر الباقرعليهالسلام
يقول:«كان والله محمّد ممن ارتضاه»
، ولم يبعد الله الخلفاء عن هذه المنزلة بعد اشتقاقهم من النور المحمدي، ويشهد له جواب الرضاعليهالسلام
لعمرو بن هداب، فإنه لمّا نفى عن الأئمةعليهمالسلام
علم الغيب محتجاً بهذه الآية، قال له:«إنّ رسول الله هو المرتضى عند الله، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على غيبه، فعلمنا ما كان ويكون إلى يوم القيامة»
. وكيف لا يكون حبيب الله هو ذلك الرسول المرتضى، وقد شرّفه الباري سبحانه وتعالى بمخاطبته إياه بلا وسيط ملك؟!.
روي عن زرارة بن أعين، أنه سأل أبا عبد اللهعليهالسلام
عن الغشية التي كانت تأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، أهي عند الوحي؟. قالعليهالسلام
:«لا، فإنها تعتريه عند مخاطبته الله عزَّ وجل إياه بلا وساطة أحد، وأمّا جبرئيل، فإنه لم يدخل عليه إلا مستأذناً، فاذا دخل، جلس بين يدي رسول الله
صلىاللهعليهوآله
جِلسة العبد»
. واذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله
على حال لا ينبغي أن يؤذن له، أقام في مكانه إلى أن يخرج الإذن، والمكان الذي يقف فيه حيال الميزاب
.
وقد اذعن بالوحي بلا وساطة
____________________________
ملك: برهان الدين الحلبي
، والسهيلي
، وابن سيد الناس
، والسيوطي
، والزرقاني
.
وعلى طبق هذه الأحاديث المعربة عن مقام الرسول الاعظمصلىاللهعليهوآله
من المولى تعالت آلاؤه؛ سجل الشيخ الصدوق اعتقاده في الوحي والغشية
، كما لم يتباعد عنه الشيخ المفيد فيقول: الوحي، منه ما يسمعه النبيصلىاللهعليهوآله
من غير وساطة، ومنه ما يسمعه بوساطة الملائكة
. واقتص أثره الحجة الشيخ محمّد تقي الاصفهاني، المعروف بـ (آقا نجفي)، مع زيادة علم النبيصلىاللهعليهوآله
بالقرآن، وبما حواه من المعارف والفنون، وما اشتمل عليه من أسرار الطبائع وخواص الأشياء قبل أن يوحى به إليه، غاية الأمر عرّفه المولى جلَّ شأنه ألا يفيض هذا العلم قبل أن يوحي به إليه، فقال سبحانه:
(
وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
)
، ولولا وقوف النبيصلىاللهعليهوآله
على ما حواه الكتاب المجيد من الأسرار والمعارف، لما كان للنهي عن بيان ما فيه معنى. فظهر أن علم النبيصلىاللهعليهوآله
بالحوادث الكائنة والتي كانت وتكون، لم يتوقف على نزول جبرئيل عليه؛ لأن المنحة الالهية المباركة أوقفته على جمع الحقائق قبل خلق جبرئيل.
ومن هنا تتجلى ظاهرة اُخرى لم يدركها من لم يفقه ما تحلّت به هذه الشخصيات من مراتب الجلال والجمال؛ وهي معرفة الرسول الاعظم بالقراءة والكتابة على اختلاف انحاء اللغات، وتباين الخطوط قبل البعثة وبعدها؛ لبلوغه اسمى درجات الكمال، فلا تفوته هذه الصفة، مع أن اللازم من عدم معرفته بها؛ رجوعه إلى غيره فيما يحتاج اليه من كتابة وقراءة، فيكون مفضولاً بالنسبة اليه، مع أنه الفاضل في المحامد كلها. وبهذا الذي قلناه اذعن المحققون من الاعلام
وآية
____________________________
(
لاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ
)
لا تنفي معرفته بالكتابة على اطوارها، فإنها غاية ما تثبته عدم كتابتهصلىاللهعليهوآله
، ولا ربط لها بعدم المعرفة للكتابة، فهوصلىاللهعليهوآله
عارف بالكتابة ولكنه لم يكتب، والعلة في نفي كتابته؛ ارتياب المبطلين كما صرح به القرآن.
والمتحصل مما قررناه: إنّ الله عزَّ وجل منح الائمة من ذرية الرسولصلىاللهعليهوآله
جميع ما حبا به جدَّهم الاقدس، من المآثر والفضائل عدا النبوة والازواج؛ لأنه صلوات الله عليه وعلى آله خاتم الأنبياء، وقد اختص في التزويج دائماً بأكثر من أربعة.
ومن لم يعرف المراد من علم الغيب المدّعى لهؤلاء الأفذاذ، استعظمه فأنكره. وحَكم من لا يفقه الشرع والشريعة بكفر معتقِده!.
حدّث الشيخ زاده الحنفي: أن قاسم الصفار أفتى بكفر من تزوج على شهادة الله تعالى ورسول اللهصلىاللهعليهوآله
، مدّعياً بأنه يقتضي اعتقاده في علم النبي بالغيب! ولكن صاحب التتارخانية نفى الكفر عنه؛ لأنَّ بعض الاشياء تعرض على روح النبيصلىاللهعليهوآله
الطاهرة فيعرف بعض الغيب، وقد قال الله تعالى:(
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ
)
، وكلاهما لم يفقها معنى الغيب المراد اثباته، ولا ادركا كنه خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآله
، فقالا بما شاء لهما إداركهما.
وبعد أن أوضحنا المراد منه، لم يبقَ للقارئ النابه مجال التردد والتشكيك. نعم، لا يُنكر أن للباري سبحانه علماً استأثر به خاصة، ولم يطلع عليه أحداً ومنه العلم بالساعة.
____________________________
وأمّا ما ورد عنهمعليهمالسلام
من نفي علمهم بالغيب، كقول أبي عبد اللهعليهالسلام
:«يا عجباً لأقوام يزعمون إنّا نعلم الغيب! ما يعلم الغيب إلا الله. لقد هممت بضرب جاريتي فهربت مني، ماعلمت في أي بيوت الدار»
، فمحمول على التقية؛ لحضور المجلس داود الرّقي ويحيى البزّاز وأبي بصير، ولم تكن لهم قابلية تحمل غامض علم أهل البيتعليهمالسلام
، فأراد أبو عبد الله بنفي علم الغيب عنهم؛ تثبيتاً لعقيدة هؤلاء. ويؤيده أن سديراً الراوي لهذا الحديث، دخل عليه في وقت آخر، وذكر له استغراب ما سمعه منه من نفي علم الغيب، فطمأنه بأنه يعلم ما هو ارقى من ذلك، وهو العلم بالكتاب كلِّه وما حواه من فنون المعارف وأسرارها، على أن هذا الحديث لم يعبأ به المجلسي في مرآة العقول لجهالة رواته. ويحتمل أن يريد بنفي العلم بمكان الجارية، الرؤية البصرية لا الانكشاف الواقعي. فقولهعليهالسلام
:«ما علمت»
، أي ما رأيتها بعيني في أي بيت دخلت، وإلا فمن يقول في صفة علمه:«لم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني»
لا يخفى عليه أمر الجارية!.
ولما طرق (مبشر) الباب على الباقرعليهالسلام
وخرجت الجارية تفتحه، قبض على كفها، فصاح به أبو جعفرعليهالسلام
من داخل الدار:«ادخل، لا أبا لك»
، فدخل مبشر معتذراً بأنه لم يرد السوء، وإنما أراد الازدياد، فقال له الامامعليهالسلام
:«لو كانت الجدران تحجبنا كما تحجبكم، لكنّا وانتم سواء»
. وقال الامامعليهالسلام
لمحمد بن مسلم:«لو لم نعلم ما انتم فيه وعليه، ما كان لنا على الناس فضل»
، ثم استدل عليه بما وقع في الرَّبَذة بينه وبين زميله في أمر الإمامة
.
وأمّا الحكاية عن النبيصلىاللهعليهوآله
:
(
لَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ
)
،
فلا تفيد إلا كونه مفتقراً إلى الله تعالى في التعليم، وأنه لم يكن عالماً بالغيب من تلقاء نفسه. وهذا لا ريب فيه، فإنّ المعتقَد: إنّ الله تعالى هو المتلطّف على النبيّ وأبنائهعليهمالسلام
بالملكة القدسيّة، التي تمكّنوا بواسطتها من استكشاف ما في الكون
.
____________________________
وسؤال الامام الصادقعليهالسلام
عن وجود العين عليهم يوم كان في الحجر ومعه أصحابه، فعرّفوه بعدم العين، فقال:«ورب هذه البنية - ثلاثاً - لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولانبأتهما بما ليس في ايديهما. أنهما اُعطيا علم ما كان ويكون وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله
صلىاللهعليهوآله
»
. فبعد التسليم بصحة الحديث، وعدم ضعف إبراهيم بن إسحاق الأحمر، نقول: بعدم منافاته لعلمه الواسع؛ لما ورد عنهم أنهم غير مكلفين باظهار ما يعلمونه، بل لابد من العمل بما توجبه التقية ظاهراً. أو لأنه كان يراعي حال بعض أصحابه في ظنّه بوجود العين عليهم، وهذا نظير قوله الآخر:«إني أعلم ما في السموات والأرضين، وأعلم ما في الجنة والنار، وأعلم ما كان ويكون»
، فلمّا رأى عظم ذلك وخاف على من عنده، قالعليهالسلام
:«إني علمت ذلك من كتاب الله، إنّ الله تعالى يقول:
(فيه تبيان كل شيء»)
، فالإمامعليهالسلام
راعى حال أصحابه، فاستدل لهم بما يقنعهم.
وهكذا الأئمةعليهمالسلام
فيما يعلمونه من المصالح الوقتية، والأحوال الشخصيّة. وقولهعليهالسلام
في حقِّ موسى والخضرعليهماالسلام
:«أنهما أُعطيا علم ما كان»
لا ينافي علم الخضر بمستقبل أمر الغلام، فإنه من القضايا التي أطلعه الله عليها لمصلحة وقتية. وأمّا ما ورد عنهمعليهمالسلام
:«إنّ الإمام أذا أراد أن يعلم شيئاً، أعلمه الله»
، فليس فيه دلالة على تحديد علمهم في وقت خاص؛ بل الحديث يدل على أن إعمال تلك القوة القدسية، الثابتة لديهم عند الولادة موقوف على إرادتهم المتوقفة على وجود المصلحة في إبراز الحقائق المستورة، وإظهار ما عندهم من مكنون العلم. على أن هذا المضمون ورد في أحاديث ثلاثة ردّها المجلسي في مرآة العقول بضعف بعضها، وجهالة الآخرين.
فالمتحصّل من جميع ما ذكرناه: إنَّ الله تعالى أفاض على خلفائه الأطهار ملكة نوريّة، تمكّنوا بوساطتها من استعلام ما يقع من الحوادث، وما في الكائنات من
____________________________
خواص الطبائع، وأسرار الموجودات، وما يحدث في الكون من خير وشر. ولا غلوّ فيه بعد قابلية ذواتهم لهذا الفيض الأقدس، وعدم الشّح في عطاء الربِّ سبحانه؛ فإنه يهب ما يشاء لمن يشاء. وصارح الأئمةعليهمالسلام
بهذه الحبوة الإلهية، وأنهم في جميع الآنات محتاجون إلى تتابع الآلاء منه جلَّ شأنه، ولولاها لنفد ما عندهم من مواد العلم. وهذا غير بعيد فيمن تجرد لطاعة الله تعالى، وعُجنت طينته بماء النزاهة من الأولياء والصديقين، فضلاً عمّن قيّضهم الباري تعالى اُمناء شرعه. وقد صادق على ذلك المحققون من الأعلام، كما حكاه الشيخ المفيد في المقالات ص ٧٧، والمجلسي في مرآة العقول ج ١ ص ١٨٧، ومشى على ضوئهم المحقق الآشتياني في حاشيته على رسائل الشيخ الأنصاري ج ٢ ص٦٠.
وقال ابن حجر الهيثمي: لا منافاة بين قوله تعالى:
(
قُل لا يَعلمُ مَن فِي السَّمواتِ وَالارضِ الغَيبَ إِلا اللَّهُ
)
، وقوله:(
عالِمُ الغَيبِ فلا يُظهِرُ على غَيبِهِ أَحدا
)
، وبين علم الأنبياء والاولياء بجزئيات من الغيب، فإنّ علمهم: إنما هو بإعلام من الله تعالى، وهذا غير علمه الذي تفرد به تعالى شأنه من صفاته القديمة الأزلية، الدائمة الأبدية، المنزّهة عن التغيير، وهذا العلم الذاتي هو الذي تمدّح به، وأخبر في الآيتين بأنه لا يشاركه أحدٌ فيه. وأمّا مَن سواه، فإنما يعلم بجزئيات الغيب، فبإعلامه تعالى وإعلامه للأنبياء والأولياء ببعض الغيوب، ممكن لا يستلزم محالاً بوجه، فإنكار وقوعه عناد. ومن البداهة أنه لا يؤدي إلى مشاركتهم له تعالى فيما تفرد به من العلم الذي تمدّح به، واتصف به من الأزل، وعلى هذا مشى النووي في فتاواه
.
فاتضح بهذا البيان، أن ابن حجر لم يتباعد عن القول بعلم الأولياء بالغيب، وإنما لم يوافق الشيعة على ما يعتقدونه في أئمتهمعليهمالسلام
من قدرتهم على العلم بالحوادث الكائنة، والتي تكون إلى يوم القيامة؛ لاعتقاده أن هذه السعة مختصة بالباري جلَّ شأنه. ولكن الملاك الذي قرره لمعرفة الأولياء ببعض الغيب - وهو تمكين المولى سبحانه لهم من الوقوف على الغيب - يقيّد ما تعتقده الشيعة، فإن الميزان للوقوف على المغيّبات إذا كان بإقدار الله تعالى، وجعله الملكة النورية في هذه الذوات الخاصة من آل الرسولصلىاللهعليهوآله
، فمن الممكن أن
____________________________
تكون تلك القوة بالغة اقصى مداها، فلا يتوقف من اُفيضت عليه عن جميع المغيبات حتّى كأن الأشياء كلَّها حاضرة لديه على حدِّ تعبير الإمام الصادقعليهالسلام
، اللهم إلا الأشياء التي استأثر بها الله تعالى وحده، فلا وقوف لأحد عليها مهما ترقّى إلى فوق ذروة الكمال.
وعلى هذا الذي قرره ابن حجر سجّل اعتقاده النيسابوري صاحب التفسير فقال: إن امتناع الكرامة من الأولياء، إمّا لأن الله ليس أهلاً لأن يعطي المؤمن ما يريد، وإمّا لأن المؤمن ليس أهلاً لذلك، وكل منهما بعيد. فإن توفيق المؤمن لمعرفته لمن أشرف المواهب منه تعالى لعبده، فاذا لم يبخل الفيّاض بالأشرف، فلأن لا يبخل بالدون أولى
. وقال ابن أبي الحديد: إنا لا ننكر أن يكون في نوع من البشر أشخاص يخبرون عن الغيوب، وكلّه مستند إلى الباري جلَّ شأنه بإقداره، وتمكينه، وتهيئة أسبابه
. وقال لا منافاة بين قوله تعالى:(
وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا
)
، وبين علمهصلىاللهعليهوآله
بفتح مكة، وما سيكون من قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فإن الآية غاية ما تدل عليه: هو نفي العلم بما يكون في الغد. وأمّا إذا كان بإعلام الله عز وجل، فلا؛ لأنه يجوز أن يُعلم الله نبيه بما يكون
.
آية التهلكة
ممّا قررناه تجلّى لنا: أنه لم يعزب عن الأئمةعليهالسلام
العلم بالشهادة على يد من تكون، وفي أي وقت تقع، وفي أي شيء؛ إقداراً من الله تعالى لهم بما أودعه فيهم من مواد العلم التي بها استكشفوا الحوادث، مضافاً إلى ما يقرؤونه في الصحيفة النازلة من السماء على جدّهم المنقذ الاكبرصلىاللهعليهوآله
.
وليس في إقدامهم على الشهادة إعانة على إزهاق نفوسهم القدسيّة، وإلقاؤها في التهلكة الممنوع منها بنص الذكر المجيد، فإنّ الإبقاء على النفس، والحذر عن إيرادها مورد الهلكة، إنّما يجب إذا كان مقدوراً لصاحبها، أو لم يقابل بمصلحة أهم
____________________________
من حفظها، وأمّا إذا وجدت هنالك مصلحة تكافئ تعريض النفس للهلاك - كما في الجهاد، والدفاع عن النفس مع العلم بتسرب القتل إلى شرذمة من المجاهدين، وقد أمر الله الأنبياء والمرسلين والمؤمنين فمشوا إليه قدماً، موطّنين أنفسهم على القتل، وكم فيهم سعداء، وكم من نبي قتل في سبيل دعوته، ولم يبارح قوله دعوته حتّى أزهقت نفسه الطاهرة. وقد تعبّد الله طائفة من بني اسرائيل بقتل أنفسهم، فقال جلّ شأنه:(
فَتُوبُوا إلى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ
)
. على أن الاقتصار على ما يقتضيه السياق يخرج الآية عمّا نحن فيه من ورودها للتحذير عمّا فيه الهلكة، فإنها أعقبت آية الاعتداء في الأشهر الحُرم على المسلمين. قال الله تعالى
(
الشَّهرُ الحرامُ بالشَّهرِ الحَرامِ وَالحُرُمَاتُ قِصاصٌ فمَنِ اعتدَى عَليكُمْ فاعتدوا عَليه بمثلِ ما اعتدَى عَليكُمْ وَاتَّقوا اللّه واعلموا أَنَّ اللّهَ مَع المُتَّقِينَ وأَنفقُوا في سبيلِ اللّه ولا تُلقُوا بأَيديكُمْ إلى التَّهلُكَة وأَحسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحبُّ المُحسنين
)
. فيكون النهي عن الإلقاء في التهلكة خاصاً بما إذا اعتدى المشركون على المسلمين في الأشهر الحرم، ولم تكن للمسلمين قوة على مقاتلتهم. والألتزام بعموم النهي لكل ما فيه هلكة، لا يجعل حرمة إيراد النفس مورد الهلكة من المستقلات العقلية التي لا تقبل التخصيص، بل هي من الأحكام المختصة بما إذا لم توجد مصلحة أقوى من مفسدة الإقدام على التلف، ومع وجود المصلحة اللازمة لا يتأتّى الحكم بالحرمة أصلاً، كما في الدفاع عن بيضة الإسلام.
وقد أثنى سبحانه وتعالى على المؤمنين في إقدامهم على القتل، والمجاهدة في سبيل تأييد الدعوة الإلهية، فقال تعالى:
(
إِنَّ اللّهَ اشترَى منَ المُؤمنينَ أَنفُسَهُمْ وأَموالهُمْ بأَنَّ لهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سبيلِ اللّهِ فَيَقتُلُونَ ويُقتَلُون
)
،
وقال تعالى:(
ولا تَحسَبنَّ الَّذينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللّهِ أَمواتاً بَلْ أَحياء عندَ ربِّهمْ يُرزقُون
)
، وقال
____________________________
تعالى:
(
ومِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاء مَرضَاتِ اللّهِ
)
.
وبمثل هذا صارح الرسولصلىاللهعليهوآله
في تعاليمه الثمينة أُمته، فقالصلىاللهعليهوآله
:«أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل تكلم بكلمة حقٍّ عند سلطان جائر فقتله»
.
ولم يتباعد عن هذه التعاليم محمّد بن الحسن الشيباني، فينفي البأس عن رجل يحمل على الألف مع النجاة او النكاية، ثم قال: ولا بأس بمن يفقد النجاة أو النكاية إذا كان إقدامه على الألف مما يرهب العدو، ويقلق الجيش، معللاً: بأن هذا الأقدام أفضل من النكاية؛ لأن فيه منفعةً للمسلمين
.
ويقول ابن العربي المالكي: جوّز بعض العلماء أن يحمل الرجل على الجيش العظيم طالباً للشهادة، ولا يكون هذا من الإلقاء بالتهلكة؛ لأن الله تعالى يقول:
(
مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاء مَرضَاتِ اللّهِ
)
، خصوصاً إذا أوجب الأقدام، تأكد عزم المسلمين حين يرون واحداً منهم قابل الاُلوف
.
لقد اختص الله سبحانه اُمناء شرعه، والخلفاء على الاُمّة من أبناء نبيه الكريمصلىاللهعليهوآله
بأحكام ناشئة عن مصالح خاصة بهم، لا تدرك أكثرهم أحلام البشر، وتنحسر عن كنهها العقول. وفي جملتها، الزامهم بالتضحية في سبيل مرضاته عزّ وجل، وبذل كل ما يحوونه من مال وجاه وحرمات، فتراهم في أعماق السجون طوراً، وفي خلل المنفى تارة، وفي ربقة التسفير آونة، وفي مقاساة الخوف والشدائد ردحاً، والاصاخة إلى قوارص الكلم اُويقات حتّى شارفوا مناياهم. والمسوغ لهم في كل ذلك، ما علموه من جدّهم الأعظمصلىاللهعليهوآله
، المخبر عن وحي السماء من المزايا والمصالح التي تحفظ بها الجامعة الإسلامية، بحيث لولا التوطين على هذا الإقدام لذهب الدين إدراج المنكرات والأضاليل، ولا سبيل إلى معارضتهم فيما اطلعهم الله عليه من السر المكنون، وعرفهم تلك الأهمية الملحوظة لديه عزّ شأنه، على اختلاف فيهم. فمنهم من أمره بالصبر دون الحرب والجهاد، ومنهم من أمره بالقتل، ومنهم
____________________________
من أمره بتناول السمّ، وكان السرُّ في هذا الإختلاف في التكليف ما يراه المولى سبحانه من المصالح، حسب الوقت والزمان.
فلم يكن إقدامهم على القتل، وتناول السمِّ جهلاً منهم بما صنعه سلطان الجور وقدّمه إليهم، بل هم على يقين من ذلك، فلم يَفُتهم العلم بالقاتل، وما يُقتلون به، واليوم والساعة؛ طاعة منهم لامر بارئهم تعالى، وانقياداً للحكم الإلهي الخاص بهم. وليسوا في هذا الحال إلا كحالهم في أمتثال جميع أوامر المولى سبحانه وتعالى، الموجهة إليهم من واجبات ومستحبات، والعقل حاكم بلزوم انقياد العبيد لأوامر المولى، والإنزجار عن نهيه من دون إلزامٍ بمعرفة المصلحة، أو المفسدة الباعثة على الحكم. وأمّا إذا كان المولى حكيماً في أفعاله(
لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
)
، فبالأحرى يكون الخضوع له من دون فحص عن أسباب أحكامه.
والى هذا الذي ارتأيناه، نظر المحققون من العلماء الاعلام، وإن خبط الباحثون في قضية إقدام أهل البيتعليهالسلام
على ما فيه من إزهاق نفوسهم المقدسة؛ فأخذوا ذات اليمين والشمال، فلم يأتوا بما فيه نجعة المرتاد، ولا نهلة الصادي؛ لكونها تخيلات لا تتفق مع القواعد والطريقة المثلى.
لقد دلت الأحاديث الواردة عن أهل بيت العصمةعليهالسلام
على أنهم إذا عرفوا من أعدائهم العزم على الفتك بهم، أو اشتد عليهم ألم القيود، ووضح لديهم تأخُر القضاء، عملوا كلَّ وسيلة من دعاء غير مردود، أو شكوى إلى جدِّهم النبيصلىاللهعليهوآله
؛ ليدفع عنهم هذه الأضرار والحوادث. فيقول أبو جعفر الباقرعليهالسلام
:«نحن أهل بيت، إذا أكرَبَنَا أمرٌ، وتخوّفنا من شرِّ السلطان، قلنا: يا كائناً قبل كلِّ شيء، ويا ملكوت كلِّ شيء، صل على محمّد وأهل بيته وافعل بي كذا وكذا»
.
ولما احتدم المنصور على أبي عبد الله الصادقعليهالسلام
، وعزم على الفتك به، دعا ربه تعالى أن يفرج عنه؛ فانجلت بسببه غمائم الفتك به حتّى إذا وقع نظره على الصادقعليهالسلام
، قام إليه فرحاً مستبشراً وعانقه. وكان المنصور يحدّث بعد ذلك عن سبب نقض عزمه: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
تمثّل له باسطاً كفّيه، حاسراً عن ذراعيه، وقد
____________________________
عبس وقطب حتّى حال بينه وبين الإمامعليهالسلام
، مشيراً إليه أن لو أساء إلى أبي عبد اللهعليهالسلام
أهلكه. فلم ير المنصور بدّاً من العفو والإكبار لجلال الإمامة. ثم سيّره إلى مدينة جدّهصلىاللهعليهوآله
مبجَّلا
.
ولما طال الحبس بموسى بن جعفرعليهالسلام
، وضاق صدره ممّا كان يلاقيه، توسل إلى الله تعالى في الخلاص منه، وقال في دعائه:«يا مخلّص الشجر من بين رمل وماء، ويا مخلّص اللبن من بين فرث ودم، ويا مخلّص الولد من بين مشيمة ورحم، ويا مخلّص النار من بين الحديد والحجر، ويا مخلّص الروح من بين الأحشاء والأمعاء، خلِّصني من يد هارون»
، فنجا ببركة هذا الدعا من ظلمات الحبس وألم القيود.
ولمّا قدَّم إليه الرشيد الرُّطب المسموم، إنتقى غير المسموم فأكله وألقى المسموم إلى كلبة الرشيد فماتت
. ولم يقصد بقتلها إلا إعلام الطاغية بأن ما يدور في خلده من اغتياله، والفتك به في هذا الحين لم يقرب وقته. ولذا لما دنا الأجل، ودعاه الله تعالى إليه أكل الرطب المسموم الذي قدّمه إليه الرشيد مع العلم به، ورفع يديه بالدعاء قائلاً:«يا ربّ، إنك تعلم أني لو أكلت قبل اليوم لكنت قد أعنت على نفسي»
، فأكل منه وجرى القضاء
.
وعلى هذا الأساس يأمر الإمام أبو الحسن علي الهاديعليهالسلام
أبا هاشم الجعفري أن يبعث رجلاً إلى (الحائر الحسيني) الأطهر؛ يدعو له بالشفاء مما نزل به من المرض، وعلّله: بأن الله تعالى أحب أن يُدعى في هذا المكان
. فإنَّ غرضه، التعريف بأنه لم يجب في شريعة التكوين إلا جري الاُمور على مجاريها العادية وأسبابها الطبيعية، أو إنه أراد التنبيه على فوائد الابتهال إلى الله حينما تتوارد الكوارث على العبد، وتحيط به المحن. كما يرشد إليه احتفاظ الربيع - مولى المنصور الدوانيقي - بالكنز المذخور، الذي دعا به الإمام الصادقعليهالسلام
يوم
____________________________
دخل على المنصور وقد سخط عليه وأراد التنكيل به، فشاهد الربيع احتفاء المنصور بالإمام وتكريمه
.
وعلى هذا كان الإمام المجتبى، الحسن بن أمير المؤمنينعليهالسلام
يستشفي بتربة جدّه تارة، ويعمل بقول الطبيب اُخرى، ويأخذ بقول أهل التجربة ثالثة
، مع علمه بأن ذلك المرض لا يقضي عليه، وللأجل حدٌّ معلوم. ولكنه أراد إرشاد الناس إلى أن مكافحة العلل تكون بالأسباب العادية، فلا غناء عنها حتّى يساير هذه الاسباب. لكنه لمّا حان الأجل المحتوم، لم يعمل شيئاً؛ تسليماً للقضاء، وذلك عندما قدّمت إليه جعدة بنت الأشعث اللبن المسموم، وكان الوقت حاراً، والحسن صائماً
، فرفع رأسه إلى السماء قائلاً:«إنا لله وإنا إليه راجعون. الحمد لله على لقاء محمّد سيّد المرسلين، وأبي سيّد الوصيين، واُمّي سيّدة نساء العالمين، وعمّي جعفر الطيار في الجنة، وحمزة سيّد الشهداء»
ثم شرب اللبن وقال لها:«لقد غرّكِ، وسخر منكِ، فالله يخزيك ويخزيه»
وهي تضطرب كالسعفة.
وقد أعلم الرضاعليهالسلام
أصحابه بأنّ منيّته تكون على يد المأمون، ولابدّ من الصبر حتّى يبلغ الكتاب أجله
. وقال أبو جعفر الجوادعليهالسلام
لاسماعيل بن مهران لمّا رآه قلقاً من إشخاص المأمون له:«إنّه لمْ يكن صاحبي، وسأعود من هذه السفرة»
، ولمّا أشخصه المرّة الثانية، قالعليهالسلام
لاسماعيل بن مهران:«في هذه الدفعة يجري القضاء المحتوم»
، وأمره بالرجوع إلى ابنه الهادي، فإنّه إمام الاُمّة بعده
.
ولمّا دفعت إليه اُمّ الفضل المنديل المسموم، لم يمتنع من استعماله؛ تسليماً للقضاء، وطاعة لأمر المولى سبحانه، نعم قال لها:«إبتلاك الله بعقر لا ينجبر، وبلاء لا ينستر»
، فاصيبت بعلة في أغمض الجوارح من بدنها.
وإخبار أمير المؤمنينعليهالسلام
بأنّ ابن ملجم قاتله، لم يختلف فيه اثنان. ولما أتى
____________________________
ابن ملجم يبايع أمير المؤمنين، وولّى، قالعليهالسلام
:«مَن أراد أن ينظر إلى قاتلي، فلينظر إلى هذا»
، فقيل له: ألا تقتله؟ قال:«وآعجبا! تريدون أن اقتل قاتلي»
، يشير بذلك إلى: أنّ قتله - لمّا كان أمراً مبرماً، وقضاء محتوماً، وأنّ قاتله ابن ملجم - قضاءٌ لا خلف فيه، فكيف يقدر أن ينقض الإرادة الإلهية، ويحلّ ما اُبرم من التقدير؟!. وإلى هذا يشير الصادقعليهالسلام
بقوله لعقبة الاسدي:«لو أن الأئمة (
عليهمالسلام
) ألحّوا على الله في هلاك الطواغيت؛ لأجابهم سبحانه وتعالى، وكان عليه أهونَ من سلكٍ فيه خرزٌ إنقطع فذهب، ولكن لا نريد غير ما أراده الله تعالى»
.
الخلاصة
لقد ارتفع بتلك البراهين القويمة، الستر المرخى على الحقيقة، فظهرت بأجلى مظاهرها، وبرزت للباحث النيقد، محفوفة بصدق ويقين، فهو اذاً جدٌّ عليم بأن أئمة الهدى كانوا على علم بمجاري القدر النازل، والقضاء الذي لا يُرد بما انتابهم من الكوارث؛ لإنهم قيد إشارة المولى الجليل عز شأنه، بكل ما يستقبلهم من سرّاء وضرّاء. ولم يبارحهم هذا العلم المفاض عليهم من (مبدأ الوجود) جلّت آلاؤه أولاً، وإعلام النبيصلىاللهعليهوآله
به ثانياً، ووقوفهم على (الصحيفة النازلة) على جدّهم ثالثاً. وحيث إن الله تعالى أعدّ لهم منازل، وشرفاً خالداً لا ينالونه إلا بالشهادة، وازهاق تلك النفوس المقدسة؛ لذلك ضحوا بحياتهم الثمينة، بخوعاً لأمر الله تعالى، وجرياً مع المصالح الواقعية التي لا تدركها أحلام البشر، ولا يعرف دقيقها غير علام الغيوب. ولا يلزمنا معرفة وجه الصلاح والفساد في جميع التكاليف الشرعية، وانما الذي يوجبه العقل، طاعة المولى الجليل عز شأنه في أوامره ونواهيه.
وإنّي لأعجب ممّن أصاخ لهتاف الأحاديث الصحيحة مسلماً مذعناً: بأنّ الأئمة من آل محمّدصلىاللهعليهوآله
يعلمون ما كان ويكون، وعندهم علم المنايا والبلايا، كيف خفي عليه ضوء الكثير من الأحاديث المصرّحة، بأن ما صدر منهم من كلام أو سكوت أو قيام أو قعود، إنما هو أمر موجّه إليهم خاصة من الله سبحانه على لسان رسوله الأمين على الوحي الإلهي، ولم يعزب عنهم صغير ولا كبير، ولم يجهلوا
____________________________
شيئاً من ذلك حتّى ساعة الموت، وممّا يشهد لذلك قول الإمام أبي جعفر الباقرعليهالسلام
:
«إنّي لأعجب من قوم يتولونا ويجعلونا أئمّة، ويصفون أنّ طاعتنا مفترضة كطاعة رسول الله
صلىاللهعليهوآله
، ثم يكسرون حجّتهم! ويخصّون أنفسهم؛ لضعف قلوبهم، فينقصونا حقّنا! ويعيبون ذلك على مَن أعطاه الله برهان حقِّ معرفتنا والتسليم لأمرنا! أترون الله تعالى افترض طاعة أوليائه على عباده ثم يُخفي عليهم أخبار السّماء، ويقطع عنهم مواد العلم فيما يرد عليهم مما فيه قوام دينهم؟!»
. فقال له حمران: يابن رسول الله، أرأيت ما كان من قيام أمير المؤمنين والحسن والحسينعليهمالسلام
، وخروجهم وقيامهم وما اُصيبوا به من قبل الطواغيت والظفر بهم حتّى قتلوا وغلبوا؟.
فقال له أبو جعفرعليهالسلام
:«يا حمران، إنّ الله تبارك وتعالى قدَّر ذلك عليهم، وقضاه وأمضاه وحتمه على سبيل الاختيار، ثم أجراه عليهم. فبتقدم علم إليهم من رسول الله قام علي والحسن والحسين، ويعلم منه صمت مَن صمت منّا، ولو أرادوا أن يدفع الله تعالى عنهم، وألحوا عليه في إزالة ملك الطواغيت؛ لكان ذلك أسرع من سلك منظوم انقطع فتبدد! وما أصابهم ليس لذنب اقترفوه، ولا لمعصية خالفوا الله فيها؛ ولكن لمنازل وكرامة من الله أراد أن يبلغهم إيّاها، فلا تذهبن بك المذاهب يا حمران!»
.
ومن إشعاعات هذا الحديث الشريف تظهر أسرار غامضة، وحكم إلهيّة اختصّ الله بها أولياءه، خزّان وحيه، وبها ميّزهم عن سائر البشر، وهي:
أ - علمهم بكلّ شيء، وعدم انقطاع أخبار السّماء عنهم. وعمومه شامل للموضوعات بأسرها.
ب - إنّ ما جرى عليهم من الأخطار، وقهر أرباب الجور ناشئٌ عن مصالح لا يعلمها إلا المهيمن جلّ شأنه.
ج - إنّ ما صدر منهم؛ من الحرب والجهاد، والقتل في سبيل الدعوة الإلهيّة،
____________________________
والسّكوت عمّا يفعله أئمّة الضلال، ومشاهدتهم تمادي الاُمّة في الطغيان، وإقدامهم على ما فيه استئصال حياتهم القدسيّة؛ طاعة لأوامر المولى الخاصّة بهم، وانقياداً لتكليفه بلا إلجاء من الله لهم في شيء من ذلك، وإنّما هم مختارون فيه، كاختيار غيرهم في جميع التكاليف.
د - التسليم للقضاء المحتوم والأجل المبرم، وعدم التوسّل إلى الباري تعالى في إزاحة العلّة؛ لينالوا بالشهادة - التي هي أشرف الموت - الدرجات الرفيعة، والمنازل العالية التي لا تحصل إلا بهذا النوع من إزهاق النفس.
وفي نفس هذه العلّة أجاب أبو الحسن الرضاعليهالسلام
مَن سأله عن جواز تعريض أمير المؤمنينعليهالسلام
نفسه للقتل، مع علمه بالسّاعة والقاتل، فقالعليهالسلام
:«لقد كان كلّ ذلك، ولكنّه خير تلك الليلة؛ لتمضي المقادير»
، فدلّنا هذا وأمثاله على أنّ إقدام أهل البيتعليهمالسلام
على ما فيه التهلكة، إنّما هو من باب الطاعة، وامتثال التكليف الموجّه إليهم خاصّة، فلا يتطرّق إلى ساحة علمهم نقص. ولا أنّ إقدامهم على ما فيه الهلكة ممّا يأباه العقل. وإليه ذهب المحققون من أعلام الإماميّة.
فيقول الشيخ المفيد في جواب المسائل العكبريّة: لسنا نمنع أن يعلم الإمام أعيان ما يحدث على التفصيل والتمييز، ويكون بإعلام الله تعالى. كما لا نمنع أن يتعبّد الله أميرَ المؤمنين بالصبر على الشهادة والاستسلام للقتل؛ فيبلغه بذلك علوّ الدرجة ما لا يبلغه إلا به، فيطيعه في ذلك طاعة لو كلّفها سواه لم يردها. ولا يكون أمير المؤمنين ملقياً بيده إلى التهلكة، ولا معيناً على نفسه معونة تستقبح في العقول، ولا يلزم فيه ما يظنّه المعترّضون. كما لا نمنع أن يكون الحسينعليهالسلام
عالماً بموضع الماء وأنّه قريب منه بقدر ذراع، فلو حفر لنبع له الماء. فامتناعه من الحفر لا يكون فيه إعانة على نفسه؛ بعد أن يكون متعبّداً بترك السّعي في طلب الماء حيث يكون ممنوعاً منه، ولا يستبعد العقل ذلك ولا يقبّحه. وكذلك في علم الحسنعليهالسلام
بعاقبة موادعة معاوية، فقد جاء الخبر بعلمه به، وكان شاهد الحال يقضي به، غير أنّه دفع به عن تعجيل قتله وتسليم أصحابه إلى معاوية؛ وكان في ذلك لطف في بقائه إلى
____________________________
حال مضيه، ولطف لبقاء كثير من شيعته وأهله وولده. ودفعُ فسادٍ في الدين أعظم من الفساد الذي حصل عند هدنته. وكانعليهالسلام
عالماً بما صنع، ولكن الله تعالى تعبده بذلك
.
ويقول العلامة الحلي في جواب مَن سأله عن تعريض أمير المؤمنين نفسه للقتل: بأنه يُحتمل أن يكون قد اُخبر بوقوع القتل في تلك الليلة وفي أي مكان يقتل، وأن تكليفه مغاير لتكليفنا، فجاز أن يكون بذلُ مهجته في ذات الله واجباً، كما يجب الثبات على المجاهد وإن كان ثباته يُفضي إلى القتل
.
ويقول الشيخ الجليل يوسف البحراني: إنّ رضاهم بما ينزل بهم من القتل بالسّيف أو السمِّ، وكذا ما يقع بهم من الهوان على أيدي أعدائهم الظالمين، مع كونهم عالمين قادرين على دفعه، إنّما هو لما علموه من كونه مرضياً له سبحانه وتعالى، ومختاراً بالنسبة إليهم، وموجباً للقرب من حضرة قدسه. فلا يكون من قبيل الإلقاء باليد إلى التهلكة الذي حرّمته الآية، إذ هو ما اقتُرن بالنهي من الشارع نهي تحريم، وهذا ممّا عُلم رضاه به واختياره له، فهو على النقيض من ذلك. إلا أنّه ربّما ينزل بهم شيء من تلك المحذورات قبل الوقت المعدود والأجل المحدود، فلا يصل إليهم منه شيء من الضر ولا يتعقبه المحذور والخطر. فربّما امتنعوا منه ظاهراً، وربّما احتجبوا منه باطناً، وربّما دعوا الله في رفعه عنهم حيث علموا أنّه غير مراد الله سبحانه في حقّهم ولا مقدّر عليهم حتماً. وبالجملة: أنّهمعليهمالسلام
يدورون مدار ما علموه من الأقضية والأقدار، وما اختاره لهم القادر القهّار المختار
. وعلى هذا مشى العلامة المجلسي والمحقق الكركي والحسن بن سليمان الحلّي من تلامذة الشهيد الأول وغيرهم.
علم الحسين بالشهادة
لقد تجلّى بما بيّناه تحبيذ العقل والشرع الإقدام على الهلكة إذا تحققت هناك مصلحة تقاوم مفسدة الهلكة؛ من إبقاء دين وشريعة أو إبراز حقيقة لا تظهر إلا به
____________________________
كما في أمر الحسينعليهالسلام
يوم وقف ذلك الموقف المدهش، فتلا على الملأ صحيفة بيضاء رتّلتها الحقب والأعوام.
فلقد عرَّف صلوات الله عليه بنهضته المقدّسة الاُمم الحاضرة والمتعاقبة أعمال الاُمويين، ومَن سنّ لهم خرق نواميس الشريعة والتعدي على قداسة قوانينها، وقد استفادت الاُمم من إقدام أبي الضيمعليهالسلام
على الموت، وبذله كلّ ما لديه - من جاه وحرمات في سبيل تأييد الدعوة المحمديّة - دروساً عالية، وعرفوا كيفية الثبات على المبدأ، وأنّه يستهان في تحرير النفوس عن الجور، وانقاذها من مخالب الظلم كلُّ غال ورخيص.
وإذا كان محمّد بن الحسن الشيباني ينفي البأس عن رجل يحمل على الألف، مع فقد احتمال النجاة أو النكاية بالعدو، ولا يكون هذا الإقدام منه إلقاءً بالتهلكة؛ لأنّ فيه نفع المسلمين، وتقوية عزائمهم، وبعث روح النشاط للدفاع عن المبدأ والموت تحت راية العز
، فأبو عبد الله الحسينعليهالسلام
يفضل كلَّ أحد. فإنّه بإقدامه على أولئك الجمع المغمور بالاضاليل وإن أزهق نفسه المقدّسة ونفوس الأزكياء من أهل بيته وصحبه، وعرَّض حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
للسلب والأسر، إلا أنّه سجّل أسطراً نوريّة على جبهة الدهر في أحقيّة نهضته، وبطلان تمويهات عدوّه الحائد عن سنن الحقِّ المتمرد في الطغيان، فهو الفاتح المنصور، وإنّ المتجهر عليه راسب في بحر الضلال، هاتك لحرمات الله تعالى، متعدٍّ على نظم الإسلام التي قرّرها صاحب الدعوة الإلهية.
وإنّي لأعجب ممَّن يذهب إلى أن الحسينعليهالسلام
كان يظنّ موافقة الكوفيين له وقد تخلّف ظنّه!، فإنّا لو تنزّلنا وقلنا: بأنّ الحسينعليهالسلام
لمْ يكن عنده العلم العام لِما كان ويكون وما هو كائن، ولكن أين يذهب عنه العلم بما يقع من الحوادث بواسطة إخبار جدّه وأبيه الوصي، بأنّه مقتول بأرض كربلاء، ممنوع من الورود ومعه ذووه وصحبه قضاءً محتوماً؟. أليس هو الذي أعلم اُمَّ سلمة بقتله - حين أبدت له خوفها من سفره هذا؛ لأنّ الصادق المصدّق الذي لا ينطق عن الهوىصلىاللهعليهوآله
أعلمها
____________________________
بقتله - بأرض كربلاء ممنوعاً عن الورود؟.
وفيما قال لها:«إنّي أعلم اليوم الذي اُقتل فيه، والسّاعة التي اُقتل فيها، وأعلم مَن يُقتل من أهل بيتي وأصحابي. أتظنّين أنّكِ علمت ما لمْ أعلمه؟ وهل من الموت بدٌّ! فإنْ لمْ أذهب اليوم ذهبتُ غداً».
وقال لأخيه عمر الأطرف:«إنّ أبي أخبرني بأنّ تربتي تكون إلى جنب تربته، أتظنّ أنّك تعلم ما لمْ أعلمه؟»
. وقال لأخيه محمّد بن الحنفيّة:«شاء الله أن يراني قتيلاً، ويرى النساء سبايا»
.
وقال لابن الزبير:«لو كنتُ في جُحر هامة من هذه الهوام لا ستخرجوني حتّى يقضوا فيَّ حاجتهم»
. وقال لعبد الله بن جعفر:«إنّي رأيت رسول الله في المنام، وأمرني بأمر أنا ماضٍ له»
. وفي بطن العقبة قال لِمَن معه:«ما أراني إلا مقتولاً، فإنّي رأيت في المنام كلاباً تنهشني، وأشدّها عليَّ كلبٌ أبقع»
. ولمّا أشار عليه عمرو بن لوذان بالإنصراف عن الكوفة إلى أنْ ينظر ما يكون عليه حال الناس، قالعليهالسلام
:«ليس يُخفى عليَّ الرأي، ولكن لا يُغلب على أمر الله. وإنّهم لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي»
.
إلى غير ذلك من تصريحاته وتلويحاته في المدينة ومكّة والطريق إلى الكوفة - كما ستقرؤها بتمامها - فإنّها شاهدة على أنّهعليهالسلام
كان على علم ويقين بأنّه مقتول في اليوم الموعود به بأرض كربلاء. ثم هل يتردّد أحد في هذا وهو يقرأ خطبته بمكّة حين أراد السّفر منها إلى العراق، التي يقول فيها:«كأنّي بأوصالي هذه تُقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا، فيملأن منّي أكراشاً جوفا، وأجربة سغبا، لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم»
؟.
فدلّت هذه الأجوبة من الحسينعليهالسلام
- لِمَن طلب منه التريّث في السّفر أو الذهاب في أرض الله العريضة - على وقوف سيّد الشهداء على أمره، ولمْ تخفَ عليه نوايا الكوفيّين. ولكنّه سرٌّ إلهي تعلق به خاصة؛ ولأجل إلقاء الحُجّة على هذا الخلق المتعوس كانت استغاثاته وانتصاراته يوم الطّف قبل نشوب الحرب وبعده.
وإنّما لمْ يصارح بما عنده من العلم لكلّ مَن رغب في إعراضه عن السّفر إلى
الكوفة؛ لعلمه بأنّ الحقائق لا تفاض لأيّ متطلب بعد اختلاف الأوعية، سعةً وضيقاً، وتباين المرامي قرباً وبُعداً؛ فلذلك كانعليهالسلام
يجيب كلّ أحد بما يسعه ظرفه، وتتحمّله معرفته وعقليّته. فإنّ علم أهل البيتعليهمالسلام
صعب مستصعب، لا يتحمّله إلا نبي مرسل، أو ملك مقرّب، أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان.
الحسين فاتح
كان الحسينعليهالسلام
يعتقد في نهضته أنّه فاتح منصور؛ لِما في شهادته من إحياء دين رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وإماتة البدعة، وتفظيع أعمال المناوئين، وتفهيم الاُمّة أنّهم أحقّ بالخلافة من غيرهم. وإليه يشير في كتابه إلى بني هاشم:«مَن لَحِقَ بنا منكم استشهد، ومَن تخلّف لمْ يبلغ الفتح»
.
فإنّه لمْ يرد بالفتح إلا ما يترتب على نهضته وتضحيته من نقض دعائم الضلال، وكسح أشواك الباطل عن صراط الشريعة المطهّرة، وإقامة أركان العدل والتوحيد، وأنّ الواجب على الاُمّة القيام في وجه المنكر.
وهذا معنى كلمة الإمام زين العابدينعليهالسلام
لإبراهيم بن طلحة بن عبيد الله، لمّا قال له حين رجوعه إلى المدينة: مَن الغالب؟ فقال السّجادعليهالسلام
:«إذا دخل وقت الصلاة، فأذِّن وأقِم، تعرف الغالب»
.
فإنّه يشير إلى تحقّق الغاية التي ضحّى سيّد الشهداءعليهالسلام
بنفسه القدسيّة لأجلها، وفشل يزيد بما سعى له من إطفاء نور الله تعالى، وما أراده أبوه من نقض مساعي الرسولصلىاللهعليهوآله
، وإماتة الشهادة له بالرسالة بعد أنْ كان الواجب على الاُمّة في الأوقات الخمس الإعلان بالشهادة لنبيّ الإسلام؛ ذلك الذي هدم صروح الشرك، وأبطل العبادة للاصنام. كما وجب على الاُمّة الصلاة على النبيِّ وآله الطاهرين في التّشهُدَين، وأنّ الصلاة عليه بدون الصلاة على آله، بتراء
.
____________________________
كما أنّ العقيلة ابنة أمير المؤمنينعليهاالسلام
، أشارت إلى هذا الفتح بقولها ليزيد: فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا يرحض عنك عارها وشنارها.
إنّ المتأمل في حادثة الطفّ يتجلّى له؛ أنّ هذه الشهادة أعظم من يوم بدر، وإنْ كان هو أول فتح إسلامي؛ لأنّ المسلمين يومئذ خاضوا غمرات الموت تحت راية النبوّة، وقد احتفّ بهم ثلاثة آلاف من الملائكة مسوّمين، وهتاف النبيصلىاللهعليهوآله
بالنصر والظهور على العدوّ ملء مسامعهم، فقابلوا طواغيت قريش مطمئنين بالغلبة.
وأمّا مشهد الطفِّ، فالمقاسات فيه أصعب، والكرب أشدّ. وقد التطمت فيه أمواج الحتوف، وكشّرت الحرب عن نابها، وأخذ بنو اُميّة على سبط النبيِّ أقطار الأرض، وآفاق السّماء.
عـشـيـة أنـهضها بغيُها
|
|
فـجـاءتـه تركبُ طغيانَها
|
بجمع من الأرض سدَّ الفروج
|
|
وغـطّـى النجود وغيطانَها
|
وطا الوحش إذ لم يجد مهرباً
|
|
ولا زمـت الـطـير أوكانَه
|
لكن عصبة الحقِّ لمْ يثن من عزمهم شيء، فقابلوا تلك الأخطار من غير مدد يأملونه، أو نصرة يرقبونها. وقد انقطعت عنهم خطوط الوسائل الحيويّة حتّى الماء الذي هو أوفر الأشياء، والناس فيه شرع سواء، وضوضاء الحرم من الشر المقبل، وصراخ الأطفال من الاوام المبرح في مسامعهم، إلا أنّهم تلقّوا جبال الحديد بكلّ صدر رحيب، وجنان طامن. ولم تسلُ تلك النفوس الطاهرة إلا على فتل اُميّة المنقوض، ولا اُريقت دماؤهم الزاكية إلا على حبلهم المنتكث؛ فكان ملك آل حرب كلعقة الكلب أنفه حتّى اكتسحت معرّتهم عن أديم الأرض.
ولقد أجاد شاعر أهل البيتعليهمالسلام
بقوله:
لَو لَمْ تكن جُمعت كلُّ العُلا فينا
|
|
لـكان ما كان يوم الطفِّ يكفينا
|
يـومٌ نهضنا كأمثال الاُسود به
|
|
وأقـبلت كـالدبا زحفاً أعادينا
|
جاؤوا بـسبعين ألفاً سَلْ بقيتَهم
|
|
هل قابلونا وقد جئنا بسبعينا
|
____________________________
فيوم الطفّ فتح أسلامي بعد الجاهليّة المستردة من جرّاء أعمال الاُمويِّين، ولفيفهم الذين لمْ يستضيئوا بذلك الألق السّاطع؛ نور التوحيد وشعاع النبوّة.
إنّ الحسين لمْ يكن قاصداً في خروجه محضَّ السلطنة، والرئاسة، وخفقان الرايات. فإنّه لو كان هذا غرضه؛ لاتّخذ الوسائل الموصلة إليه وهو أعرف بها، ولمْ يذع إلى مَن كان معه من الأعراب قتله، وهلاك مَن معه، واستسلام عائلته للأسر؛ فيتفرّق جيشه، وتتضاءل قواه الصوريّة. لكن نفسه المقدّسة - وهكذا الأحرار - أبت كتمان الأمر وإيهام الحال حتّى أختبرهم بالإذن في المفارقة، فذهب عنه مَن كان همُّه الطمع، وأبى أولئك الصفوة إلا مواساته ونصرته. فلا الجبن يطرق ساحتهم، ولا الانكسار يبين في مجاليهم؛ لأنّ ذلك شأن الآيس من غايته، والقوم كانوا على يقين من الظفر بالأمنية، كما تنم عنه كلماتهم التي أجابوا الحسينعليهالسلام
بها لمّا أنبأهم - ليلة عاشوراء - بحراجة الموقف، ورفع عنهم البيعة، وخلّى لهم السبيل، فقالوا: الحمد لله الذي شرّفنا بالقتل معك. ولو كانت الدنيا باقية، وكنّا فيها مخلَّدين؛ لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها. فوجدهمعليهالسلام
متفانين في الجهاد معه، والذبِّ عن قدس الشريعة. وتلا على الملأ سطراً من صحيفتهم البيضاء بقوله:«إنّي لا أجد أصحاباً أوفى من أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ وأوصل من أهل بيتي»
.
وإنّي لأعجب من الرواة وحملة التاريخ، حيث توسّعوا في النقل، فقذفوا اُولئك الأطهار بما يندى منه وجه الإنسانيّة، ويأباه الوجدان الصادق، فقيل: كان القوم بحالة ترتعد فرائصهم، وتتغير ألوانهم كلمّا اشتد الحال إلا الحسين، فإنّ أسرّة وجهه تشرق كالبدر المنير!!
.
وهذا بعد أن أعوزتهم الوقيعة في شهيد العزّ والإباء، فلمْ يجدوا للغمز فيه نصيباً؛ فمالوا على صحبه وأهل بيته! وليس هذا إلا من الداء الدفين، بين أضالع قوم دافوا السمَّ في الدسم إلى سذّجٍ حسبوه حقيقة راهنة، فشوّهوا وجه التاريخ.
____________________________
غير أنّ البصير النّاقد لا تخفى عليه نفسيّة القوم، ولا ما جاؤوا به.
وأعجب من ذلك، قول زجر بن قيس الجعفي ليزيد: إنّا أحطنا بهم، وهم يلوذون عنّا بالآكام والحفر، لواذ الحمام من الصقر!!
. بفيك الكثكث أيّها القائل، كأنّك لمْ تشاهد ذلك الموقف الرهيب، فترى ما للقوم من بسالة وإقدام، ومفاداة دون الدِّين الحنيف حتّى أغفل يومهم مع ابن المصطفى أيّام صِفين وما شاكلها من حروب دامية، وحتّى أخذت أندية الكوفة لا تتحدّث إلا بشجاعتهم.
أجل، إنّ تلك الأحوال أدهشتك فلمْ تدرِ ما تقول! أو أنّ الشقّة بعدت عليك فنسيت ما كان. ولكن هل غاب عن سمعك صراخ الأيتام، وعويل الأيامى في دور الكوفة حتّى طبق أرجاءها من جرّاء ما أوقعه أولئك الصفوة بأعداء الله وأعداء رسوله بسيوفهم الماضية؟!. والعذر لك إنّك أدركت ساعة العافية، فطفقت تشوّه مقامهم المشكور؛ طلباً لمرضاة (يزيد الخمور).
ولقد صرّح عن صدق نيّاتهم عدوّهم الألد، عمرو بن الحجّاج، محرّضاً قومه: أتدرون مَن تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر، وقوماً مستميتين لا يبرز إليهم أحد منكم إلا قتلوه على قلتهم. والله لو لمْ ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم
.
وقيل لرجل شهد الطفّ مع ابن سعد: ويحك أقتلتم ذريّة الرسول؟! فقال: عضضت بالجندل، إنّك لو شهدت ما شهدنا؛ لفعلت ما فعلنا. ثارت علينا عصابة، أيديها على مقابض سيوفها كالاُسود الضارية، تحطّم الفرسان يميناً وشمالا، تلقي نفسها على الموت، لا تقبل الأمان ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين المنية أو الاستيلاء على الملك. فلو كففنا عنها رويداً؛ لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنّا فاعلين لا اُمّ لك؟!
.
وشهد لهم بذلك كعب بن جابر، فانه لمّا قتل بريراً؛ عتبت عليه زوجته
____________________________
وقالت: أعنت على ابن فاطمة! وقتلت سيّد القرّاء! لقد أتيت عظيماً من الأمر! والله لا اُكلّمك من رأسي كلمة واحدة. فقال يخاطبها من أبيات.
ولـمْ تـرَ عيني مثلهم في زمانهم
|
|
ولا قـبلهم في الناس إذ أنا يافعُ
|
أشـدَّ قراعاً بالسّيوف لدى الوغى
|
|
ألا كـلّ مَـن يحمي الذمار مقارعُ
|
وقد صبروا للضرب والطعن حسّرا
|
|
وقـد نـازلوا لو أنّ ذلك نافعُ
|
ثمّ أي فرد منهم أقلقه الحال حتّى ارتعدت فرائصه؟ أهو زهير بن القين الذي وضع يده على منكب الحسين، وقال مستأذناً:
أقدم هديت هادياً مهديا
|
|
فاليوم ألقى جدَّك النبيا
|
أم ابن عوسجة الذي يوصي حبيب بن مظاهر بنصرة الحسينعليهالسلام
، وهو في آخر رمق من الحياة، فكأنّه لمْ يقنعه في المفاداة، كلّ ما لاقاه من جهد وبلاء؟.
أم أبو ثمامة الصائدي الذي لم يهمّه في سبيل السّير إلى ربّه تعالى، كلّ ما هنالك من فوادح وآلام، إلا الصلاة التي دنا وقتها؟.
أم سعيد الحنفي الذي استُهدف لهم عند الصلاة حتّى سقط؛ لكثرة نزف الدم، فيقول للحسينعليهالسلام
: أوفيتُ يابن رسول الله؟.
أم ابن شبيب الشاكري الذي يلقي جميع لامته؛ لتقرب منه الرجال فيموت، في حين نرى الكماة الأبطال المعروفين بالشجاعة والإقدام، يتدرعون للحرب؛ كيلا يخلص إليهم ما يزهق نفوسهم؟.
أم جون الذي يأذن له الحسينعليهالسلام
في الإنصراف، فيقع على قدميه يقبّلهما، وهو يبكي ويقول: إنّ لوني لأسود، وحسبي لئيم، وريحي منتن، فتنّفس عليَّ بالجنة؛ ليبيضَّ لوني، ويشرف حسبي، ويطيب ريحي؟.
وإذا تأملنا قول أبي جعفر الباقرعليهالسلام
:«إنَّ أصحاب جدّي الحسين لم يجدوا ألم مسّ الحديد»
.
وضّح ما عليه أولئك الأطايب من الثبات، وأنّهم غير مكترثين بما لاقوه من
____________________________
ألم الجراح؛ ولعاً منهم بالغاية، وشوقاً إلى جوار المصطفىصلىاللهعليهوآله
.
ولا تستغرب هذا، فمَن يعرف حالة العاشق، وأنّه عند توجّه مشاعره نحو المحبوب لا يشعر بما يلاقيه من عناء ونكد. ولقد حكى المؤرّخون: أنّ كثيّراً الشاعر
كان في خبائة يبري سهاماً له، فلمّا دخلت عليه عَزّة ونظر إليها أدهشه الحال، فأخذ يبري أصابعه، وسالت الدماء وهو لا يحسّ بالألم
.
ويتحدّث الرواة: أنّ شاباً من الأنصار استقبل امرأة فأعجبته فأتبعها النظر؛ فدخلت في زقاق وهو خلفها ينظر إليها، فاعترضت وجهه زجاجة في حائط؛ فشقت وجهه وهو لا يشعر، فلمّا مضت المرأة رأى الدماء تسيل على ثوبه وصدره، فأتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وحكى له، فنزل قوله تعالى:(
قُل لِّلمُؤمنينَ يَغُضُّوا من أَبصَارِهِمْ
)
.
ويحدّث النبيصلىاللهعليهوآله
، بأنّ الشهيد المقتول في سبيل الدعوة الإلهيّة لا يجد من مسِّ القتل، إلا كما يجد الإنسان من مسِّ القرصة
.
وأمّا رشيد الهجري
، فإنّه لمّا دعاه ابن زياد، وسأله عمّا أخبره أمير المؤمنين عليعليهالسلام
، قال: بلى، دخلت عليه يوماً وعنده أصحابه، وكان في بستان، فدعا
____________________________
برطب من نخلة، فقلت له: يا أمير المؤمنين أطيّب هذا الرطب؟ فعرّفهعليهالسلام
بأنّ الدّعيَّ عبيد الله سيحمله على البراءة منه؛ وإلا فيقطع يدَيه ورجلَيه ولسانه ويصلبه على جذع من هذه النخلة. فقال رشيد: آخر ذلك إلى الجنة؟ قالعليهالسلام
:«أنت معي في الدنيا والآخرة»
، قال: إذاً والله لا أتبرّأ منك.
فكان رشيد يختلف إلى تلك النّخلة في النّهار ويسقيها الماء، ويقول: لك غذيت ولي نبت! وما دارت الأيّام حتّى تولّى ابن زياد الكوفة؛ فدعاه وسأله عمّا أخبره به أمير المؤمنين، قال: أخبرني خليلي أنّك تدعوني إلى البراءة منه فلا أبرأ أبداً؛ فتقطع يدي ورجلي ولساني. قال ابن زياد: لأكذبنّ قوله. ثم أمر به فقطعوا يدَيه ورجلَيه وتركوا لسانه، وحُمل إلى أهله؛ فاجتمع عليه الناس وهو يحدّثهم بما أطلعه أمير المؤمنين من علم المنايا والبلايا وفضل أهل البيت، ثمّ قال: أيّها الناس، سلوني إنّ للقوم عندي طِلبة لمْ يقضوها. فأسرع رجل إلى ابن زياد وقال: ما صنعت! قطعت يدَيه ورجلَيه وهو يحدّث الناس بالعظائم! فأمر به بأن يقطع لسانه؛ فمات من ليلته، ثم صُلب
على باب دار عمرو بن حُريث
.
تقول ابنته قنواء: سألت أبي عمّا يجده من الآلام، فقال: يا بنيّة، لا أجد إلا كالزحام بين النّاس
. واستفاد رشيد الهجري من صحبة أمير المؤمنينعليهالسلام
علم المنايا والبلايا
، وكان يخبر الرجل بما يجري عليه؛ فسمّاه أمير المؤمنينعليهالسلام
راشداً
.
وهذا الحال يفيد المتأمّل بصيرة؛ بأنّ كلّ من اتجهت مشاعره نحو المولى سبحانه وتعالى، وتجلّت له المظاهر الربوبيّة، وشاهد ما أعدَّ له من النّعيم الخالد في سبيل دعوة الدِّين؛ هان عليه ألم الجراح. ويؤكّد ما قلنا من ذهول العاشق عندما يشاهد محبوبه عن كلّ ما يرد عليه من الأذى؛ غفلة النّسوة عن ألم قطع المدية أيديهنّ؛
____________________________
لمحض مشاهدة جمال الصدّيق يوسفعليهالسلام
كما حكاه جلّ شأنه(
فَلَمّا رَأَينَهُ أَكبَرنَهُ وَقَطّعنَ أَيدِيَهُنّ وَقُلنَ حَاشَ للّهِِ مَا هذَا بَشَراً إِنْ هذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ
)
.
وإذا لمْ تشعر النّسوة
بمضض الجراح، فليس من الغريب ألا يجد أصحاب الحسينعليهالسلام
- وهم زبدة العالم كلّه - ألم مس الحديد عند نهاية عشقهم لمظاهر الجمال الإلهي، ونزوع أنفسهم إلى الغاية القصوى من القداسة بعد التكهرب بولاء سيّد الشهداءعليهالسلام
:
بـأبـي اُفـدي وجـوهاً مـنهمُ
|
|
صـافحوا في كربلا فيها الصِفاحا
|
أوجـهـاً يـشرقن بـِشراً كـلّما
|
|
كـلح الـعامُ ويـقطرن سـماحا
|
تـتجلّى تـحت ظـلماء الـوغى
|
|
كـالمصابيح إلـتماعاً وإلـتماحا
|
أرخصوا دون ابن بنت المصطفى
|
|
أنـفساً تـاقت إلـى الله رواحـا
|
فـقضوا صـبراً ومـن أعطافهمْ
|
|
أرجُ الـعزِّ بـثوب الـدهر فاحا
|
لـم تـذقْ مـاءاً سـوى منبعثٍ
|
|
مـن دم القلب به غصت جراحا
|
أنـهـلتْ مـن دمـها لـو أنـه
|
|
كان من ظامي الحشا يطفى التياحا
|
اُعـريت فـهي عـلى أن ترتدي
|
|
بـنسيج التّرب تمتاح الرياحا
|
الحسين مع أصحابه
تمهيد:
إنّ الشريعة المقدّسة أوجبت على النّاس النّهضة؛ لسدّ باب المنكر، والردع عن الفساد. وألزمت الاُمّة بمتابعة الإمام في ردِّ عادية الباغين على الخليفة المنصوب علماً للعباد؛ بعد أنْ يدعوهم إلى التوبة عمّا هم فيه من معاندة الحقّ، والرجوع إلى ساحة الشرع الأعظم، كما في قوله تعالى:(
وإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا فَأَصلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحدَاهُمَا عَلَى الأُخرَى فَقَاتِلُوا التِي تَبغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمرِ اللّهِ
)
،
____________________________
وقد نهض أمير المؤمنينعليهالسلام
أيّام خلافته؛ للدفاع عن قدس الشريعة، وتنبيه الاُمّة عن رقدة الجهل. وكان الواجب على الناس الفيء إليه؛ لأنّه إمام الحقِّ، المفروضة طاعته. وقد اعترف جمهور المسلمين بتماميّة البيعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام
، وحكموا بأنّ قتاله لمن خرج عليه حقٌّ، وهذه كلماتهم التي سجّلوها في صحفهم، شواهد متقنة على هذه الدعوى المدعومة بالعقل والنّقل.
فهذا أبو حنيفة يقول: ما قاتل أحد علياً إلا وعلي أولى بالحقِّ منه. ولولا ما سار عليعليهالسلام
فيهم، لما علم أحد كيف السّيرة في المسلمين. ولا شكّ أنّ عليّاًعليهالسلام
إنّما قاتل طلحة والزبير بعد أن بايعاه وخالفاه، وفي يوم الجمل سار عليّعليهالسلام
فيهم بالعدل وهو أعلم المسلمين، فكانت السُنّة في قتال أهل البغي
.
واقتفاه تلميذه محمّد بن الحسن الشيباني، المتوفى سنة (١٨٧) فقال: لو لمْ يقاتل معاوية علياًعليهالسلام
ظالماً له متعدياً باغياً؛ كنّا لا نهتدي لقتال أهل البغي
.
وقال سفيان الثوري: ما قاتل عليّعليهالسلام
أحداً إلا كان عليّ أولى بالحقّ منه
.
وقال الشافعي: السّكوت عن قتلى صفّين حَسَنٌ؛ وإنْ كان عليّعليهالسلام
أولى بالحقِّ من كلّ مَن قاتله
.
وقال أبو بكر أحمد بن عليّ الرازي الجصّاص، المتوفى سنة (٣٧٠): كان عليّ محقّاً في قتال الفئة الباغية، لمْ يخالف فيه أحد. وكان معه من كبراء الصحابة وأهل بدر مَن قد علم مكانهم
.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي، المتوفى سنة (٥٤٦): كان عليّ إماماً؛ لأنّهم اجتمعوا عليه. ولمْ يمكنه ترك النّاس؛ لأنّه أحقّهم بالبيعة، فقبِلَها حوطة على الاُمّة أنْ لا تُسفك دماؤها بالتهارج فيتخرّق الأمر. وربّما تغيّر الدِّين، وانقضّ عمود
____________________________
الإسلام، وطلب أهل الشام منه التمكين من قتلة عثمان، فقال لهم عليّعليهالسلام
:«ادخلوا في البيعة، واطلبوا الحقَّ تصلوا إليه»
. وكان عليّعليهالسلام
أسدَّهم رأياً وأصوبهم قولاً، لأنّه لو تعاطى القوَد؛ لتعصبتْ لهم قبائلهم فتكون حرباً ثالثةً، فانتظر بهم أن يستوثق الأمر وتنعقد البيعة العامّة، ثم ينظر في مجلس الحكم ويجري القضاء. ولا خلاف بين الاُمّة: أنّه يجوز للإمام تأخير القصاص، إذا أدّى ذلك إلى إثارة الفتنة وتشتيت الكلمة.
وحينئذ فكلُّ مَن خرج على عليّعليهالسلام
فهو باغ، وقتالُ الباغي واجب حتّى يفيء إلى الحقِّ وينقاد إلى الصلح. وإنّ قتاله لأهل الشام الذين أبوا الدخول في البيعة، وأهل الجمل والنّهروان الذين خلعوا بيعته حقٌّ، وكان حقُّ الجميع أنْ يصلوا إليه، ويجلسوا بين يدَيه ويطالبوه بما رأوا، فلمّا تركوا ذلك بأجمعهم، صاروا بغاة، فتناولهم قوله تعالى:(
فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ
)
.
ولقد عتب معاوية على سعد بن أبي وقّاص
، بعدم مشاركته في قتال عليعليهالسلام
؛ فردّ عليه سعد: بأنّي ندمت على تأخيري عن قتال الفئة الباغية، يعني معاوية ومَن تابعه
.
وقال أبو بكر محمّد الباقلاني، المتوفى سنة (٤٠٣) هـ بعد ذكر جملة من فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام
: إنّ علياً يصلح للخلافة ببعض هذه الخصال، ودون هذه الفضائل، ويستحقّ الإمامة. فهو حقيق بما نظر فيه وتولاه؛ فوجب الإنقياد له بعقدِ
____________________________
مَن عقدها له من وجوه المهاجرين والأنصار، عشيّة اليوم الثالث من مقتل عثمان بعد إمتناعه عليهم وإصرارهم عليه؛ لأنّه أعلم مَن بقي، وأفضلهم وأولاهم بهذا الأمر. وناشدوه الله تعالى في حفظ بقيّة الاُمّة، وصيانة دار الهجرة، فبايعوه قبل حضور طلحة والزبير ومبايعتهما له؛ تبعاً لغيرهما بعد وجوبها عليهما، ولو تأخّرا عن الإنقياد لكانا مأثومَين. وقولهما له: بايعناك مكرَهين
لا يضرّ بإمامة عليّعليهالسلام
؛ لأنّ البيعة له تمّت قبل مبايعتهما، وطلبهما منه قَتْلَ قتلة عثمان خطأً، لأنّ عقد الإمامة لرجل على أنْ يَقتل الجماعة بالواحد لا يصح؛ بعد أنْ كان الإمام متعبّداً باجتهاده، فقد يؤدّي إلى أنّه لا يجوز قَتْل الجماعة بالواحد، وإنْ أدّى إليه اجتهاده فقد يجتهد ثانياً إلى عدمه، ولو ثبت أنّ علياًعليهالسلام
يرى جواز قتْل الجماعة بالواحد، لمْ يجز أنْ يقتل جميع قتلة عثمان؛ إلا بعد أنْ تقوم البيّنة على القتلة بأعيانهم، وأنْ يحضر أولياء الدَّم مجلسه ويطالبون بدم أبيهم ووليّهم، وأنْ لا يؤدّي القتل إلى هَرج عظيمٍ وفساد شديد، قد يكون مثل قتلة عثمان أو أعظم منه. وتأخير إقامة الحدِّ إلى وقت إمكانه أولى وأصلح للاُمّة وأنفى للفساد
.
وقال أبو عبد الله محمّد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري، المتوفى سنة (٤٠٥): الأخبار الواردة في بيعة أمير المؤمنين كلُّها صحيحة مجمع عليها، وفيها يقول خزيمة بن ثابت وهو واقف بين يدي المنبر:
إذا نـحن بـايعنا عـلياً فـحسبنا
|
|
أبـو حـسن مـمّا نخاف من الفتنْ
|
وجـدناه أولـى الناس بالناس إنه
|
|
أطـبُّ قـريش بـالكتاب وبالسُّننْ
|
وإنّ قـريـشاً مـا تـشق غـبارَه
|
|
إذا ما جرى يوماً على الضمر البدنْ
|
وفـيه الـذي فـيهم من الخير كلِّه
|
|
ومـا فـيهمُ كلُّ الذي فيه من حَسنْ
|
وساق الذهبي جميعه في تلخيص المستدرك ولم يتعقّبه
، ثم حكى الحاكم
____________________________
عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أنّه قال: ما وجدت في نفسي من شيء من أمر هذه الآية:(
فَقَاتِلُوا التِي تَبغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّه
)
إلا أنّي لمْ اُقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله تعالى
.
وحكى الحاكم النيسابوري عن أبي بكر محمّد بن إسحاق بن خزيمة، أنّه قال: عهدت مشايخنا يقولون: إنّا نشهد بأنّ كلَّ مَن نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في خلافته، فهو باغ. وبه قال ابن ادريس
.
وقال أبو منصور عبد القاهر البغدادي، المتوفى سنة (٤٢٩): أجمع أهل الحقِّ على صحّة إمامة عليّعليهالسلام
وقت انتصابه لها بعد قتْل عثمان، وأنّه كان محقّاً مصيباً في التحكيم، وفي قتال أصحاب الجمل، وأصحاب معاوية بصفّين
.
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي الفيروز آبادي، المتوفى سنة (٤٧٦): إذا خرجتْ على الإمام طائفةٌ من المسلمين، ورأت خلعه بتأويل، أو منعت حقّاً توجّه عليها بتأويل، وخرجتْ عن قبضة الإمام، وامتنعتْ عليه بمنعة، قاتلها الإمام؛ لقوله عزّ وجلّ:(
فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي
)
؛ ولأنّ أبا بكر قاتل مانعي الزكاة، وقاتل عليّ أهل البصرة يوم الجمل، وقاتل معاوية بصفّين، وقاتل الخوارج بالنهروان
. وظاهره أنّ قتال عليعليهالسلام
لهؤلاء بحقٍّ؛ لأنّه إمام حقٍّ وجبت بيعته في أعناقهم، وخروجهم عن طاعته - وإن كان بتأويل - لا يبرّر عملهم.
وقال إمام الحرمين الجويني، المتوفى سنة (٤٧٨): كان علي بن أبي طالب إماماً حقّاً في توليته، ومقاتلوه بغاة
.
وقال علاء الدِّين الكاساني الحنفي، المتوفى سنة (٥٨٧): قاتل سيّدنا عليٌ أهل حروراء بالنّهروان بحضرة الصحابة؛ تصديقاً لقولهصلىاللهعليهوآله
لسيّدنا عليعليهالسلام
:«إنّك تقاتل على التأويل كما تقاتل على التنزيل»
، والقتال على التأويل هو
____________________________
القتال مع الخوارج. ودلّ الحديث على إمامة سيّدنا عليّ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله
شبّه قتال سيّدنا عليّ بقتاله على التنزيل، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله
محقّاً في قتاله على التنزيل، فلزم أنْ يكون سيّدنا عليٌّ محقاً في قتاله بالتأويل. فلو لمْ يكن إمام حقٍّ لَما كان محقّاً في قتاله إيّاهم؛ لأنّ الدعوة قد بلغتهم لكونهم في دار الإسلام ومن المسلمين، ويجب على كلِّ مَن دعاه إلى قتالهم أنْ يجيبه إلى ذلك، ولا يسعه التخلّف إذا كان عنده غنىً وقدرة؛ لأنّ طاعة الإمام فيما ليس بمعصية فرض، فكيف فيما هو طاعة؟ وما روي عن أبي حنيفة: إذا وقعت الفتنة بين المسلمين، فينبغي للرجل أن يلزم بيته، محمول على وقت خاص؛ وهو ألا يكون إمام يدعوه إلى قتال، وأمّا إذا كان، فدعاؤه يفترض عليه الإجابة لِما ذكرنا
.
وقال يحيى بن شرف النووي الشافعي، المتوفّى سنة (٦٧٧): كان عليّ هو المُحقُّ المصيب في تلك الحروب. وقال معظم الصحابة والتابعين وعامّة علماء الإسلام: يجب نصر المحقِّ في الفتن، والقيام معه بمقاتلة الباغين. قال الله تعالى:(
فَقَاتِلُوا الّتِي تَبغِي
)
،
وهذا هو الصحيح
.
وقال ابن همام الحنفي، المتوفى سنة (٦٨١): كان عليّعليهالسلام
على الحقِّ في قتال الجمل وقتال معاوية بصفّين، وقول النبيصلىاللهعليهوآله
لعمّار:«تقتلك الفئة الباغية»
وقد قتله أصحاب معاوية، صريح بأنّهم بغاة. ولقد أظهرت عائشة النّدم - كما ذكره أبو عمرو في الإستيعاب - وقالت لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال لها: رأيت رجلاً قد غلبك، يعني ابن الزبير. فقالت: أما لو نهيتني، ما خرجتُ
.
وقال ابن تيمية، المتوفّى سنة (٧٢٨): لمّا قُتل عثمان، بايعوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام
، وهو أحقُّ بالخلافة حينئذ وأفضل مَن بقي، لكن كانت القلوب متفرّقة، ونار الفتنة موقدة؛ فلمْ تتّفق الكلمة ولمْ تنتظم الجماعة، ولم يتمكّن الخليفة
____________________________
وخيار الاُمّة من كلّ ما يرون من الخير، إلى أنْ ظهرت الحروريّة المارقة، فقاتلوا أمير المؤمنين علياً ومَن معه، فقتلهم بأمر الله تعالى ورسول اللهصلىاللهعليهوآله
؛ طاعةً لقول النّبيصلىاللهعليهوآله
: إنّ الطائفة المارقة يقتلها أدنى الطائفتين إلى الحقِّ، فكان علي بن أبي طالب ومَن معه هم الذين قاتلوهم؛ فدلَّ كلام النبيصلىاللهعليهوآله
على أنّهم أدنى إلى الحقِّ من معاوية ومَن معه
.
وقال: كلّ فرقة من المتشيّعين مُقرّة بأنّ معاوية ليس كفؤاً لعليّعليهالسلام
بالخلافة، ولا يجوز أنْ يكون خليفة مع إمكان استخلاف عليّعليهالسلام
؛ فإنّ فضل عليّ وسابقته وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله، كانت عنده ظاهرة معروفة، ولمْ يكن بقي من أهل الشورى غيره وغير سعد، وقد ترك سعد هذا الأمر، وتوفّي عثمان فلمْ يبقَ لها معين إلا عليّ
.
وقال الزيلعي، المتوفّى سنة (٧٦٢): كان الحقُّ بيد عليّعليهالسلام
في نوبته، فالدليل عليه؛ قول النّبيصلىاللهعليهوآله
لعمّار:«تقتلك الفئة الباغية»
، ولا خلاف أنّه كان مع عليعليهالسلام
وقتَله أصحاب معاوية. ثمّ قال: أجمعوا على أنّ علياً كان مصيباً في قتال أهل الجمل؛ وهم طلحة والزبير وعائشة ومَن معهم، وأهل صفّين؛ وهم معاوية وعسكره. ثمّ قال: لمّا ولي عليّعليهالسلام
الخلافة، وكان معاوية بالشام قال: لا ألي له شيئاً، ولا اُبايعه، ولا أقدِم عليه
.
وقال ابن القيّم الجوزيّة، المتوفّى سنة (٧٥١): كان عليّ في وقته سابق الاُمّة وأفضلها، ولمْ يكن فيهم حين وليها أولى بها منه
.
وقال أبو عبد الله بن محمّد بن مفلح الحنبلي، المتوفّى سنة (٧٦٣): كان عليّعليهالسلام
أقرب إلى الحقِّ من معاوية، وأكثر المنصفين في قتال أهل البغي يرى القتال من ناحية عليعليهالسلام
، ومنهم من يرى الإمساك. وقال ابن هبيرة في حديث أبي بكرة في ترك القتال في الفتنة، أي في قتل عثمان: فأمّا ما جرى بعده، فلمْ يكن لأحد من المسلمين التخلّف عن عليّعليهالسلام
، ولمّا تخلّف عنه سعد وابن عمر واُسامة ومحمد
____________________________
ابن مسلمة ومسروق والأحنف ندموا. وكان عبد الله بن عمر يقول عند الموت: إنّي أخرج من الدنيا وليس في قلبي حسرة، إلا تخلّفي عن عليّعليهالسلام
. وكذا روي عن مسروق وغيره؛ بسبب تخلفهم
وقال ابن حجر العسقلاني، المتوفّى سنة (٨٥٢): كان الإمام علي بن أبي طالب على الحقِّ والصواب في قتال مَن قاتله في حروبه: الجمل وصفّين وغيرهما
.
ويحكي محمود العيني، المتوفّى سنة (٨٥٥) عن الجمهور: أنّهم صرّحوا بأنّ علياًعليهالسلام
وأشياعه كانوا مصيبين؛ إذ كان عليّعليهالسلام
أحقَّ الناس بالخلافة، وأفضل مَن على وجه الدنيا حينئذ
.
وقال ابن حجر الهيثمي، المتوفّى سنة (٩٧٤): إنّ أهل الجمل وصفّين رموا علياًعليهالسلام
بالمواطاة مع قتلة عثمان، وهو بريء من ذلك وحاشاه
. ثمّ قال: ويجب على الإمام قتال البغاة؛ لإجماع الصحابة عليه، ولا يقاتلهم حتّى يبعث إليهم أميناً عدلاً فطناً ناصحاً يسألهم عمّا ينقمونه على الإمام؛ تأسّياً بعليّعليهالسلام
في بعثه
____________________________
ابن عبّاس إلى الخوارج بالنهروان فرجع بعضهم إلى الطاعة
.
وحديث مناظرة ابن عبّاس مع الخوارج مذكور في آخر خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص ٤٨.
وقال الشهاب الخفاجي، المتوفّى سنة (١١٠٠) هـ: حديث النّبيصلىاللهعليهوآله
:«تقتل عمّار الفئة الباغية»
، وقد قتله أصحاب معاوية وكان مع عليّعليهالسلام
بصفّين، وهو صريح في أنّ الخليفة هو عليّعليهالسلام
، وأنّ معاوية مخطئ في اجتهاده. والباغية من البغي: وهو الخروج بغير حقّ على الإمام. وفي الحديث عنهصلىاللهعليهوآله
:«إذا اختلف الناس، كان ابن سميّة مع الحقّ»
. وابن سميّة: هو عمّار، كان مع عليعليهالسلام
. وهذا هو الذي ندين الله به، وهو أنّ علياً كرّم الله وجهه على الحقِّ، ومجتهد مصيب في عدم تسليم قتلة عثمان
.
وقال الشوكاني، المتوفى سنة (١٢٥٥) هـ: في حديث أبي سعيد عن النّبيصلىاللهعليهوآله
:«تكون اُمّتي فرقتين، يخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهما بالحقّ»
دلالة على أنّ علياًعليهالسلام
ومَن معه هم المحقّون، ومعاوية ومَن معه هم المبطلون
.
وحكى أبو الثناء الآلوسي المفسّر عن بعض الحنابلة: التصريح بوجوب قتال الباغين؛ لأنّ علياًعليهالسلام
اشتغل في زمان خلافته بقتال الباغين دون الجهاد، فهو إذاً أفضل من الجهاد. ثمّ ذكر ندم عبد الله بن عمر على تركه المشاركة مع عليعليهالسلام
في قتال الباغين، ولمْ يتعقّبه الآلوسي بشيء
. وقال محمّد كرد علي: ما خالف علي في البراءة من قتلة عثمان، وقد كان قتلته من أكثر القبائل، وكانوا عدداً ضخماً لا طاقة لعليّ عليهم. ومن المتعذّر عليه أن يسلّمهم أو بعضهم؛ وهم عضده ولو كان يعرفهم بأعيانهم. وقد وقعت المسألة على غير رضاه، وليس من مصلحته أن يستهدف لغضب عشائر كثيرة تقوم بنصرته اليوم. وكان عليعليهالسلام
يحلف بالله أن بني اُميّة لو أرادوا منه أن يأتيهم بخمسين
____________________________
غلاماً من بني هاشم يحلفون بالله أنّه ما قتل عثمان ولا مالأ عليه
.
هذه نصوص علماء السنّة في أحقية عليعليهالسلام
بالخلافة من غيره، وأن الخارج عليه باغ يستحق القتال حتّى يثوب إلى الحقِّ؛ ولذا كان خيار الصحابة والتابعين معه، ومنهم اُويس القرني، فإنّه كان في الرجّالة يوم صفين
.
وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ما وجدت في نفسي من شيءٍ؛ مثل ما وجدت أني لم اُقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله تعالى. وكان يحدّث بما أخبر به النبيصلىاللهعليهوآله
: أن أبن سميّة عمّاراً تقتله الفئة الباغية، وأن البُغاة على الإمام عليعليهالسلام
هم: معاوية وأصحابه. ولمّا سئل عن المشاركة مع علي بن أبي طالب يوم صفين؛ اعتذر بما لا يجديه يوم فصل الخطاب، فقال: إني لم أضرب بالسيف، ولم أطعن بالرمح، ولكن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
قال:«أطع أباك»
فأطعته
.
هذا هو التمويه والخداع! كيف يسوّغ التذرع عن مخالفة الحقِّ بحمل كلام النبيصلىاللهعليهوآله
على غير حقيقته؟ أتجوّز الشريعة حمل الحديث على وجوب طاعة الأب حتّى إذا استلزمت ترك الفرائض، أو ارتكاب المحرمات؟ كلا، إن طاعة الإمام الذي تمّت له البيعة، كانت مفروضة في أعناق المسلمين، لا مناص للامّة حينئذ إلا الخضوع له، ووجوب امتثال أمره فيما يدعوهم إليه. ولا طاعة للأبوين في قبال طاعة الإمامعليهالسلام
؛ ولعل قوله تعالى:(
وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا
)
شامل لذلك، فإن المراد من الشرك المنهي عنه: الكناية عن ترك الإنقياد لله سبحانه، ويدخل فيه الإعراض عن طاعة النبيصلىاللهعليهوآله
والإمام الذي تمت له البيعة في أعناق المسلمين؛ ولذلك كانت عائشة تتم في سفرها إلى البصرة في قتال عليعليهالسلام
، فإن القصر عندها إنما يكون في سفر طاعة
.
إنّ الشريعة المقدسة أوجبت على إمام الاُمّة إقامة الحُجّة على كلِّ مَن عانده،
____________________________
وخرج عن طاعته، بتذكير آلاء الله تعالى المتتابعة على العباد مع ما هم عليه من التمرد والطغيان.
ثمّ يعرّفهم بأن الدنيا الزائلة لا تعود على المنهمك فيها إلا بالخسران، إذ لعل بالمواعظ القدسية، وتلاوة الآيات المحكمة، يستنير من أعمته الشهوات؛ فيبصر سبيل الرشاد، ويلمس الحقيقة الناصعة.
ولقد سار أمير المؤمنينعليهالسلام
على هذه الخطّة التي سنّها قانون الإسلام في أيامه الثلاثة، بعد الهتاف بأصحابه ألا يتعدوا مقررات الشريعة، ومنها: عدم الأستعجال في القتال حتّى تكون الفرقة المقابلة لهم هي العادية بقتال المؤمنين؛ لتثبت الحُجّة على البادي بالظلم
.
وقد أكثر سلام الله عليه وعلى أبنائه المعصومين، من وعظ أهل الجمل وصفين والنهروان؛ كي لا يبقى لأحد عذر يوم نشر الصحف، وتُدحض حجة كلِّ مَن بلغته دعوته وأصر على الخلاف والعناد، فاستضاء بأنوار إرشاداته مَن هداه الله إلى الإيمان، وضلّ مَن ضلّ عن سبيل الحقِّ.
الحسين يوم الطفّ
وعلى هذه السنن مشى أبو عبد الله الحسينعليهالسلام
يوم الطفّ، فلم يبدأ القوم بقتال مهما رأى من أعدائه التكاتف على الضلال، والمقابلة له بكلِّ ما لديهم من حول وطول حتّى منعوه وعياله وصحبه من الماء، الذي لم يزل صاحب الشريعةصلىاللهعليهوآله
يجاهر بأنّ الناس في الماء والكلأ شرع سواء؛ لأنّهعليهالسلام
أراد إقامة الحُجّة عليهم. فوقف في ذلك الملأ المغمور بالأضاليل، ونادى بحيث يعي الجماهير حُجّته، فعرَّفهم أولاً، خسارة هذه الدنيا الفانية لمَن تقلّب فيها، فلا تعود عليهم إلا بالخيبة. ثمّ تراجع ثانية إلى التعريف بمنزلته من نبيّ الإسلام، وشهادته له ولأخيه المجتبىعليهماالسلام
بأنهما سيّدا شباب أهل الجنة. وناهيك بشهادة مَن لا ينطق عن الهوى، وكان محبوّاً بالوحي الإلهي أنْ تؤخذ ميزاناً للتمييز بين الحقِّ والباطل. وفي الثالثة، عرَّفهم أنّه يؤدّي كلَّ ما لهم عنده من مال وحرمات. وفي الرابعة، نشر المصحف
____________________________
الكريم على رأسه، ودعاهم إلى حُكمه. وحتّى إذا لم تجدِ هذه النصائح القيّمة فيهم، ووضح لديه إصرارهم على الغيِّ والعناد لله تعالى ولرسولهصلىاللهعليهوآله
، كشف السّتار عن الإباء العلوي، الذي انحنت عليه أضالعه، ورفع الحجاب عن الأنفة التي كان أبناء عليعليهالسلام
يتدارسونها ليلاً ونهاراً، وتلهج بباب أنديتهم، فقال صلوات الله عليه:«ألا وإنّ الدعيَّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة. يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهرت، واُنوف حميّة، ونفوس أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا وإنّي زاحف بهذه الاُسرة على قلّة العدد، وخذلان الناصر»
.
كـيف يـلوي على الدنية جِيدا
|
|
لـسوى الله مـا لواه الخضوعُ
|
ولـديه جـأش أردُّ من الدرعِ
|
|
لـظمأى الـقنا وهـنَّ شروعُ
|
وبـه يـرجع الـحفاظ لصدرٍ
|
|
ضاقت الأرض وهي فيه تضيعُ
|
فـأبى أن يـعيش إلا عـزيزا
|
|
أو تجلّى الكفاح وهو صريعُ
|
هذه وصايا الشريعة المطهّرة، وأحكامها الباتّة في الدعوة إلى الحقِّ، والنّهضة لسدِّ باب الباطل. وكما ألزمت جهاد المضلّين المشركين أباحت ترك الجهاد للصبي، والمقعد، والأعمى، والشيخ الكبير، والمرأة، والبالغ الذي لم يأذن له أبواه. لكن مشهد (الطفِّ) خرق ناموسها الأكبر، وجاز تلك المقررات جرياً على المصالح والأسرار التي قصرت عنها أحلام البشر، وقد تلقّاها أبيّ الضَيمعليهالسلام
من جدّه المنقذ الأكبر، وأبيه الوصي المقدَّم.
فالحسينعليهالسلام
لم يشرِّع سُنّة اُخرى في الجهاد، وإنّما هو درسٌ إلهيّ أثبته اللوح الأقدس في عالم الإبداع، محدد الظرف والمكان، تلقّاه الأمين جبرئيلعليهالسلام
وأفاضه على حبيب الله وصفيه محمّدصلىاللهعليهوآله
، فأودعه صاحب الدعوة الإلهية عند ولده سيد الشهداءعليهالسلام
.
فكلُّ ما يُشاهَد في ذلك المشهد الدامي من الغرائب التي تنحسر عن الوصول إلى كنهها عقول الرجال؛ فهو ممّا آثر المولى سبحانه به وليّه وحجّته أبا عبد الله الحسينعليهالسلام
.
____________________________
وعلى هذه السُّنن مشى شهيد الكوفة مسلم بن عقيل، المُميّز في العلم والعمل، ووفور العقل، والملكات القدسية، كما يقتضيها تأهّله للولاية والنّيابة عن الإمام الحُجّةعليهالسلام
. وقد كابد من شدّة الظمأ ما يجوِّز له شرب النجس، ولكن ابن عقيل كقمر الهاشميين رضيعا لبن واحد، وخريجا مدرسة الإمامة والعصمة، فحازا أرقى شهادة في الإخلاص بالمفاداة دون الدِّين الحنيف، من أئمّة معصومين جعلتهما القدوة في الأعمال الصالحة. فكما أنّ مسلماً لم يذق الماء حتّى لفظ نفسه الأخير، لم تسمح نفس أبي الفضل في الورود، حين زلزل الصفوف عن مراكزها حتّى ملك الماء وحده، وقد علم بعطش سيّد الشهداءعليهالسلام
، وحرائر المصطفىصلىاللهعليهوآله
، والصبية الفاطميّة. فلم تجوّز له الشريعة التي تلقّاها من أبيه الوصي، وأخويه الإمامين«إن قاما وإن قعدا»
على حدّ تعبير النبيصلىاللهعليهوآله
، الريَّ من ذلك المعين؛ تداركاً لنفس حجّة الوقت ولو في آن يسير. غير أنّ المحتوم عاقه عن بلوغ الاُمنية:
لـم يـذُق الـفرات اُسـوة بـه
|
|
مُـيـمماً بـمـائه نـحو الـخِبا
|
لـم يـرَ فـي الـدين يـبلّ غلّة
|
|
وصـنوه فـيه الـظّما قـد ألهبا
|
لــذاك قــد أسـنـده لـدينه
|
|
وعـن يـقينٍ فـيه لن يضطربا
|
هـذا مـن الـشرع يـرى فعلتَه
|
|
ومـن صـراط أحـمدٍ ما ارتكبا
|
ومـثله الـحسين لـمّا مـلك ال
|
|
مــاءَ فـقيل رحـله قـد نُـهبا
|
أمَّ الـخـيام نـافـضاً لـمـائه
|
|
إذ عـظم الأمـر به واعصوصبا
|
فـكـان لـلعبّاس فـيه اُسـوةٌ
|
|
إذ فاض شهماً غير مفلول الشبا
|
لقد نهض أبو عبد الله الحسينعليهالسلام
بذلك الجمع النزر، المؤلّف من شيوخ وصبية ورضّع ونساء، مع العلم بأن مقابليه لا يرقبون فيه إلاً ولا ذمة. قادمين على استئصال شأفة النبيصلىاللهعليهوآله
في أهله وذويه، لكن سياسة (شهيد الطفّ) - التي لا يُدرك مداها، وتنحسر العقول عن تفسير مغزاها - عرَّفت الأجيال الواقفين على هذه الملحمة - التي لم يأت الدهر بمثلها - بأعمال هؤلاء الجبابرة، الذين لم يُسلم أسلافهم حين أظهروه إلا فرقاً من سيف الإسلام.
وقد أصاب أبو عبد اللهعليهالسلام
____________________________
شاكلة الغرض يوم تقشّعت سحب الأوهام بأنوار نهضته الوضيئة، وهتاف حرمه الذي بلبل الأفكار، وأقلق الأدمغة حتّى راحت الأندية تلهج بما احتقبه هؤلاء الطغاة ومَن قبلهم، من الشنار والعار.
الرخصة في المفارقة
وعلى هذا النّهج القويم تكون مصارحة سيّد الشهداء بكلمته الثمينة، البعيدة المغزى، الحكيمة الأساس، المتضمنة تجويزه لأهل بيته وصحبته بمفارقته.
ونص ما يتحدث به المؤرخون عن ذلك؛ قولهعليهالسلام
لأهل بيته وصحبه عشيّة التاسع من المحرم:«إنّي لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ وأوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعاً. ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء غداً، وإني قد رأيت لكم فانطلقوا جميعاً في حلٍّ ليس عليكم مني ذمام. وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كلُّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعاً خيراً. وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم؛ فإن القوم إنما يطلبوني، ولو أصابوني لذُهلوا عن طلب غيري»
.
ما أجلّ مغزاك يا أبيَّ الضيم! وما أسمى ما ترمي إليه يا سيّد الشهداء! وما أحكم أقوالك وأفعالك يا روح النبوّة! بلى إنّ هذه الجملة الذهبيّة كتبت بأحرف نوريّة على جبهة الدهر: إنّ اُولئك الصفوة الميامين - الذين وصفهم أمير المؤمنينعليهالسلام
بأنّهم سادة الشهداء، وأنّهم لم يسبقهم سابق، ولا يلحقهم لاحق
- زبدة العالم، ونخبة الكون. وقد استضأنا من تلك الإشعاعات طوايا نيّاتهم؛ من الحزم والثبات، والإخلاص في المفاداة، والتضحية القدسيّة، وفي كلّ ذلك دروس راقية لمَن يريد اقتصاص أثر اُولئك الاُباة في الترفّع عن الدنايا، والموت تحت راية العزم، وعدم الخضوع للسّلطة الغاشمة، إمّا ظفر بالأمنية، أو فوز بالشهادة والسّعادة.
ولولا تلك الرخصة بالمفارقة الصادرة من أمين الشرع والشريعة، وتلك
____________________________
الكلمات التي أباحتها نفوسهم الطاهرة، لما أمكن للأجيال معرفة مبلغهم من العلم واليقين، وتفاضلهم في الملكات، وطموحهم إلى أبعد الغايات السامية، والثبات على المبدأ بإخلاص وبصيرة.
فسيّد الشهداء أراد بذلك اختبار نفوسهم - والإختبار من الحكيم العالم بما كان ويكون، لا يحطُّ من علمه ووقوفه على الخفايا بعد أن كانت الغاية الملحوظة له ثمينة، والمقصد سام. وهو الذي أشرنا إليه من التعريف بملكات أصحابه، وأهل بيتهعليهمالسلام
- ولا غرابة في هذا الإختيار بعد أن صدر مثله من (فاطر الأكوان) جلّ شأنه، الذي لا يغادر علمه صغيراً ولا كبيراً؛ فيأمر خليله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل وهو لا يريده، مع العلم بطاعة رسوله الخليل، وثبات نبيّه إسماعيل، لولا المصلحة التي يعلمها ربّ العالمين وإن انحسرت عن إدراكها العقول.
وقصّة الأقرع، والأبرص، والأعمى تشهد بأنّ الله تعالى إنّما أراد بالإنعام عليهم؛ التعريف لمن يقف على قصّتهم بلزوم الشكر على الإنعام، وإنّ الكفران عاقبته الخسران
.
وأبو عبد اللهعليهالسلام
أراد بهذا الإختبار؛ تعريف الأجيال مبوّأ أهل بيته وصحبه من الشرف، والعزِّ، وطهارة أعراقهم، وخضوعهم لما فيه مرضاة الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
.
إنّ العلم بمبلغ أي رجل في العالم من الطهارة، والثبات على المبدأ، والطاعة للأصلح المرضي للمولى تعالى، لا يحصل إلا بأقواله المشفوعة بالعمل الصحيح، أو بشهادة مَن له الوقوف على حركاته وسكناته. ولم يخفَ على كلّ أحد قصور التأريخ الذي بأيدينا، عن كثير من أعمال الرجال الصالحين، الذين بذلوا كلَّ ما لديهم من جاه وحرمات في سبيل تأييد الشريعة الحقّة، ولم يحمل التأريخ شيئاً من أعمال اُولئك الصفوة (شهداء كربلاء)؛ لنتشوَّف منه قداسة ضمائرهم، وخلوص نيّاتهم، وتزكية تفوسهم، غير ذلك المشهد الدامي. ولولا تلك الأقوال التي صارح بها أصحابُ الحسينعليهالسلام
وأهل بيته، حينما أبدى لهم الرخصة في مفارقته، وأباح لهم تخليهم عنه مع القوم الذين تجمهروا عليه، لما عرفنا تفاضلهم في الملكات، وتفاوتهم في النظرات البعيدة الغور، والفضيلة التي لمْ يستوفها البشر.
____________________________
والعلم نور يقذفه الله تعالى في قلب مَن يشاء من عباده، مع التفاوت شدّةً وضعفاً.
فهذا مسلم بن عوسجة الأسدي، لم يكشف التأريخ عن أعماله الخالدة، ومزاياه الصالحة بقليل ولا كثير، غير كلمة شبث بن ربعي: أنّه غزا مع المسلمين (آذربيجان) وقتل ستّة من المشركين قبل تتام خيول المسلمين. وما عسى أن يعرف منها القارئ إلا مدى ولائه الأكيد لخلفاء النّبيصلىاللهعليهوآله
، وعدم تغيّره بتطوّر الزمن وملابسات الأحوال، ولكنّ قوله للحسينعليهالسلام
: أنحن نخليِّ عنك ولمّا نعذر إلى الله تعالى في أداء حقّك؟ أما والله لا اُفارقك حتّى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولو لم يكن معي سلاح اُقابلهم به لقذفتهم بالحجارة حتّى أموت معك. أفادنا بصيرة بثبات الرجل على المبدأ في آخر مرحلة من مراحل الوجود، وأنّه لا يهمه في سبيل مرضاة الله تعالى ورسوله كلّ ما يلاقيه من آلام وجروح دامية. وقد شفّع هذا القول بالجهود في العمل حين استقبل السيوف والرماح بصدره ونحره، كما لم يقتنع بهذا حتّى أوصى حبيب بن مظاهر الأسدي - ذلك الذي استفاد علم المنايا والملاحم من أمير المؤمنينعليهالسلام
- بنصرة الحسينعليهالسلام
؛ ولأنّه لا يعذر عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بالتقصير في حقّه وهو في آخر رمق من الحياة، وفاضت نفسه الغالية على هذه العقيدة والطاعة
.
وتابعه في إخلاص الولاء والمفاداة سعيد بن عبد الله الحنفي، إذ يقول: والله لا نخلِّيك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
فيك، والله لو علمت أنّي اُقتل ثمّ اُحيا ثمّ اُحرق حيّاً ثمّ أُذرَّى، يُفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك. فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة، ثمّ الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً؟!.
فوقف دون أبي عبد اللهعليهالسلام
، ونصح في الذّب عنه، ولمْ يقنعه ما أصابه من الجروح الدامية، حين استُهدف لأعداء الله تعالى دون الحسينعليهالسلام
وهو
____________________________
يصلّي الظهر في حومة الميدان حتّى استفهم من أبيِّ الضيم: أنّه أدّى أجر الرسالة، ووفي بما أوجبه الله عليه؛ فيموت جذلاً برضى الربِّ تعالى، أم هو التقصير فالخيبة والخسران؟ فطمأنه أبو عبد اللهعليهالسلام
بنيل السّعادة بالشهادة، ولقاء الرسولصلىاللهعليهوآله
قبله.
وما إن فرغ من خطابه حتّى قام زهير بن القين البجلي، يتلو على مسامع الأجيال تعاليم راقيةً في الدعوة إلى الدين، أعقبت له الخلود إلى الأبد. فيقول للحسينعليهالسلام
: والله لوددت أنّي قُتلت، ثمّ نُشرت، ثمّ قتلت حتّى اُقتل على هذه ألف مرّة، وإنّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك.
لا شك قي قبول الطاعة من العبد لو كان ما يأتي به من الأعمال بلحاظ الربح يوم الخلود، ولكن هناك ما هو أبعد غوراً وأسمى قصداً، وهو طاعة أهل اليقين الذين لا يهمهم في أداء ما وجب عليهم؛ إلا كون المولى سبحانه أهلاً للعبادة.
وزهير هذا هو وعاء اليقين والإيمان الخالص، أقرأنا في هذا الموقف نظراته البعيدة، وعقائده الحقّة، وغاياته السّامية من حفظ شخص الإمامة الواجبة من قبل الله تعالى، والنّفوس العزيزة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله
. وإنّه لا يريد بعبادته لله تعالى في جهاد أعدائه، ثواب الآخرة، والمجازات على الجهود يوم تقسّم الاُجور على الصالحات، وإنّما أراد بهذه العبادة دفع اليد العادية عمّا يسوء شخص الرسالة الممتزجة بشخصيّة حُجّة الوقت على حدّ تعبير النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
عنها:
«حسين منّي، وأنا من حسين»
. فإنّ صاحب الشريعة لم يرد بهذا التعبير تعريف الاُمّة بكون شهيد الطفِّ بضعة منه؛ لما فيه من الركاكة التي يأباها كلام سيّد البلغاء، لإنّ كلّ ولد بضعة من أبيه فلا امتياز للحسينعليهالسلام
، ولكنه أرادصلىاللهعليهوآله
بهذه الجملة الذهبيّة، الإشارة إلى ما ينوء به سيّد الشهداء من توطيد اُسس
____________________________
الإسلام، وكسح أشواك الباطل عن صراط شريعة العدل، وتنبيه الاُمم على جرائم أعمال مَن يعبث بقداسة الدِّين. فكما أنّ النّبيصلىاللهعليهوآله
أول ناهض لنشر الدعوة الإلهيّة، يكون الحسين آخر ناهض لتثبيت دعامتها:
قـد أصبح الدينُ منه شاكياً سقماً
|
|
ومـا إلى أحدٍ غيرِ الحسين شكا
|
فما رأى السبط للدين الحنيف شفا
|
|
إلا إذا دمـه فـي كـربلا سُفكا
|
ومـا سـمعنا عـليلاً لا دواء له
|
|
إلا بـنـفس مـداويه إذا هـلكا
|
بـقتله فـاح للإسلام نشرُ هدىً
|
|
فـكلّما ذكـرته المسلمون ذكا
|
ولولا هذه المصارحة من (ابن القين)، لَما أمكننا استطلاع ما اختبأ بين جوانحه من الولاء الأكيد لِمَن وجبت لهم العصمة من المهيمن سبحانه، وقيّضهم أعلاماً لعباده وحفظة لشرعه، مع أنّ التاريخ لم يسجّل له غير الموالاة (لعثمان بن عفّان)، ومقت ابن الرسول الأطهرعليهالسلام
.
أمّا موقف عابس بن أبي شبيب الشاكري يوم البيعة لمسلم بن عقيل بالكوفة، ويوم الطفِّ، فيفسِّر فضله الكثير، وعقيدته الراسخة بمحبّة أهل البيتعليهمالسلام
، وإنّه لا يهمّه في سبيل حفظ الإمامعليهالسلام
- ولو في بعض الأناة - إزهاق نفسه، وبذل كلِّ ما لديه من نفيس. فيقول لمسلم بن عقيل حينما شاهد تلك النفوس الخائنة متداكة على البيعة له: إني لا اُخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في نفوسهم وما أغرّك منهم. ووالله إني اُحدثك عمّا أنا موطّن نفسي عليه؛ والله لأجيبنّكم إذا دعوتم، ولاُقاتلنّ معكم عدوّكم، ولأضربنّ بسيفي دونكم حتّى ألقى الله، لا اُريد بذلك إلا ما عند الله
.
ففسّر بهذه الكلمة الموجزة نوايا القوم وخور عزائمهم، وأنّهم مجبولون على الغدر والنّفاق ومتابعة الأهواء، وأنّهم لم يرقهم المكاشفة في الميل عنه؛ لئلا يعود ذلك فتّاً في عضد البيعة الواهية، ومثاراً للإحن. فأجملوا القول وهم ينتظرون نواجم العاقبة، وإلا فلم لم يحصل لمسلم بن عقيل الواحد من هؤلاء الآلاف مَن يدلّه على الطريق يوم اظلمت عليه الآفاق، فلم يدرِ إلى أين يتوجّه؟!.
____________________________
ثمّ يقول ابن أبي شبيب للحسينعليهالسلام
يوم الطفِّ: ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعزّ علي منك، ولو قدرت أن أدفع الضيم عنك بشيء أعزّ عليَّ من نفسي لفعلت
.
بلى يابن أبي شبيب، إنّ الرجال المخلصين لله تعالى، المتفانين في خدمته لا يرون الوجود إلا متلاشي الأطراف، والبقاء الأبدي بنصرة الإمام علّة الكائنات ومدار الموجودات.
ثمّ يقوم نافع بن هلال فيقول: والله ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربّنا، إنّا على نيّاتنا وبصائرنا؛ نوالي من والاك ونعادي من عاداك. ويتكلّم أصحابه بما يشبه ذلك.
ولمّا أذِنعليهالسلام
لأهل بيته بالإنصراف قالوا بأجمعهم بصوت واحد: أنفعل ذلك لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبداً، ثمّ التفت إلى بني عقيل وقال:«حسبكم من القتل بمسلم، قد أذِنتُ لكم»
. فانطلقت ألسنتهم تعبّر عمّا أضمر في جوانحهم من النصرة للدِّين، والذبِّ عن شخص الإمام الحُجّةعليهالسلام
، فقالوا: إذَن ما نقول للناس؟! إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولمْ نرمِ معهم بسهم، ولمْ نطعن برمح، ولمْ نضرب بسيف؟ لا والله لا نفعل، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا؛ نقاتل معك حتّى نرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك.
إنّ هذه المفاداة في ذلك المأزق الحرج، الذي تقطّعت فيه خطوط المدد، وسدّ دونهم باب الورود المباح للحيوانات، تكشف عن بلوغهم أسمى صفات الكمال، وتجرّدهم عن عوارض الدنيا الفانية. ولو كانوا يحملون أقلّ شيء من الرغبة في البقاء والتبلغ في هذا الوجود؛ لاتّخذوا الإذن بالمفارقة ذريعة يتذرّعون بها يوم الحساب، ولكنّ هذه النّفوس التي فطرها ربّ العالمين من طينة القداسة، وامتزجت بنور اليقين لا ترغب في البقاء إلا أن تحقّ الحقّ، أو تبطل الباطل. وهل تستمرئ العيش وهي تعلم ما يلاقيه فلذة كبد الرسولصلىاللهعليهوآله
، ومهجة الإسلام من الجروح الدامية، والأوام المبرح؟:
____________________________
نـفوس أبـتْ إلا ترات أبيهُمُ
|
|
فـهم بـين موتور لذاك وواترِ
|
لقد ألفت أرواحُهمْ حومة الوغى
|
|
كما أنِست أقدامهم بالمنابرِ
|
وفي هذا الحين اُنهيَ إلى محمّد بن بشير الحضرمي خبر أسر ابنه بثغر الرّي، فقال: عند الله أحتسبه ونفسي، ما اُحبّ أنْ يؤسر وأبقى بعده. فلمّا سمع الحسينعليهالسلام
هذا منه أذِن له بالمفارقة، وحلّ عقد البيعة؛ ليعمل في فكاك ابنه. فلمّا سمع ذلك من سيّد الشهداء ثارت به حمية الدين، وحفّزه الولاء الصادق إلى إظهار عقيدته الراسخة في التفاني دون شخص الإمامعليهالسلام
، فقال: يا أبا عبد الله، أكلتني السّباع حياً إن فارقتك.
إنّ الإيمان الثابت، والطاعة لله تعالى وللرسولصلىاللهعليهوآله
يرفعان مَن تمكّنا فيه إلى أوج العظمة، وفوق مستوى الفضيلة. ولو كان ابن بشير متزلزل العقيدة؛ لاغتنم فرصة الإذْن بالإنصراف عذراً عند المولى سبحانه وعند الناس.
إنّ (الشهامة الحسينيّة) لم تترك لصاحبها منتدحاً دون المجاهرة بالإفراج عن العبد الأسود (جون مولى أبي ذر الغفاري)؛ لئلا يقيّده الحياء عن الفرار. ولكن سيّد الشهداءعليهالسلام
، بعد أن عرف صبره، وثباته عند الهزاهز أراد بامتحانه؛ تعريف المتجمهرين عليه، ومَن يأتي من الاُمم نفسيّة هذا العبد الأسود، ومبلغ موقفه في الذبِّ عن الشريعة - التي تلاعبت بها أيدي الخائنين - مهما تفاقم الخطب، وتراكمت الأهوال. فأباح له حلَّ العهد والنّجاة بنفسه، فقال له:«يا جون، إنّما تبعتنا طلباً للعافية، فلا تبتل بطريقتنا»
. فعندها تسابقت دموعه؛ خوفاً من عدم التوفيق لنيل السّعادة الخالدة، وقد مزجها بقوله الذي لمْ يزل رجع صداه في مسامع الأجيال، معرفاً بنجاح الصابر عند الهزاهز (وإنّما الراحة بعد العنا). فقال: أنا في الرخاء ألحَس قصاعكم، وفي الشدّة أخذلكم! إن ريحي لنتن، وحسبي لئيم، ولوني أسود فتنفس عليَّ بالجنة؛ ليطيب ريحي، ويشرف حسبي، ويبيضّ لوني. لا والله لا اُفارقكم حتّى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم
.
ولولا هذه المصارحة من الحسينعليهالسلام
، لما تسنّى لكلّ أحد الوقوف على
____________________________
طهارة ضمير هذا العبد ونواياه الحسنة. وإنَّ ثباته على القتل، بعد الإفراج والإذن بالمفارقة يخبر عن عقيدة راسخة.
الخلاصة
إنّ حفظ شخص الإمامعليهالسلام
كحفظ شخص النّبيصلىاللهعليهوآله
مما يلزم به العقل والشرع، ولا يسع كلّ أحد التخلّف عنه وتركه ومَن يريد استئصاله، بل الواجب بذل النّفس والنّفيس دونه؛ ليدرأ بذلك العدوان عن نفس الإمام الذي هو حياة الوجود وبقاء الكون. كما يجب على الإمامعليهالسلام
الدعوة إلى نصرته والدفاع عنه، مع العلم بأنّ الموافق له قادم على إزهاق نفسه القدسيّة، وأنّه لا ندحة له عن دفع الموت، فيجوز له عدم إلزام أي أحد بالدفاع عنه؛ لخلوّه عن الفائدة.
والحسينعليهالسلام
كان عالماً بما يجري عليه من أعدائه، وعدٌ لا خلف فيه، وقضاء غير مردود، كما أنبأ اُمّ سلمة بقوله:«إنْ لمْ أخرج اليوم خرجتُ في غد، وإنْ لمْ أخرج في غد فبعد غد. وهل من الموت بُدّ! أتظنين أنّك تعلمين ما لمْ أعلمه؟»
.
إذاً فلا يجب عليه إلزام الغير بالدفاع عنه. نعم، لا يسقط التكليف عمّن فقد العلم بالمقدّرات الإلهيّة من البشر في القيام بالدفاع عن شخص الإمام الحُجّة، ولا يُعذر مَن يبصر حصار القوم لمَن أهَّله الله تعالى خليفة على العباد، وقطعهم خطوط المدد عنه، وسدّ باب الورود عليه، فلم ينهض لردِّ العادية عنه؛ كي لا يخلص إليه ما يزهق نفسه القدسيّة. ولا يقبل الله تعالى حجّة مَن ينظر هذا الحال، ثمّ يتقاعس عن النّصرة وإنْ اعصوصب الأمر وتفاقم الخطب، أللهم إلا أنْ يأذن حُجّة الزمن بمفارقته، وتخليته مع أعدائه؛ لكونه العالم بالمصالح تعليماً من لدن حكيم عليم، تعالى شأنه. وحينئذ لا يلزم العقل، ولا الشرع بالبقاء معه والدفاع عنه، ولا يكون مَن يفارقه متعدياً على مقررات الشريعة، ويصحّ له العذر - يوم نشر الصحف - بترخيص الإمامعليهالسلام
في ترك نصرته. ولا يكون الإمام مجازفاً لو أباح للغير إفراده وأعداءه، وحلّ عقدة العهد، بعد التسليم بأنّه لا يتخطّى المصالح الواقعيّة قيد شعرة. هذا ما يقتضيه تكليف الإمام وأمّا تكليف المأذون بالإنصراف، فإنّه إذا لم يشاهد استغاثة الإمام واستنصاره، فلا تبعة عليه ولا مسؤوليّة. وأمّا مع مشاهدته حيرة الإمام، وتتابع استغاثته، فلا يسوغ له ترك النّصرة؛ للقطع بأنّه في هذا الحال
بحاجة ماسّة إلى الذبّ عنه، فلا يُقبل منه العذر يوم الحساب.
وإن كلمة أبي عبد اللهعليهالسلام
لعبيد الله بن الحرّ الجعفي، يوم اجتمع معه في قصر بني مقاتل لمّا استنصره فأبى عليه، قال له الحسينعليهالسلام
:«إنّي أنصحك إنْ استطعت أنْ لا تسمع واعيتنا وصراخنا، ولا تشهد وقعتنا فافعل؛ فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلا أكبّه الله على منخريه في نار جهنّم»
، تؤيّد ما سجّلناه من دحض حُجّة مَن يسمع استغاثة الإمام ثمّ لا ينصره. وأمّا مَن لمْ يسمع الواعية، وقد أباح له المفارقة، فهو معذور.
فالضحّاك بن عبد الله المشرقي لا يُعذر يوم الحساب؛ لأنّ استنصار الحسينعليهالسلام
في مسامعه، ويراه مكثوراً، فالواجب عليه الدفاع إلى آخر نفس يلفظه. وهذا الرجل جاء إلى الحسينعليهالسلام
قبل اشتباك الحرب، وقال له: إني اُقاتل معك ما رأيت معك مقاتلاً، فإذا لم أرَ أحداً، فأنا في حلّ؟. فقال له الحسينعليهالسلام
:«نعم»
. فخبّأ فرسه في بعض الأبنية لمّا رأى خيل أصحاب الحسينعليهالسلام
تُعقر، وصار يقاتل راجلاً. ولمّا بقي الحسينعليهالسلام
وحده قال له الضحّاك: إني على الشرط؟، قال:«نعم، أنت في حلٍّ إن قدرت على النجاة»
. فأخرج فرسه من الفسطاط وركبها وغار على القوم فأفرجوا له، وتبعه خمسة عشر رجلاً، فانتهى إلى (شفية)
، ولحقه القوم وعرفه أيوب بن مشرح الخيواني، وكثيّر بن عبد الله الشعبي، وقيس بن عبد الله الصائدي، وقالوا لإخوانهم: هذا ابن عمّنا، ننشدكم الله لما كففتم عنه، فنجا منهم
.
وقول الحسينعليهالسلام
:«أنت في حلٍّ»
لا يكون عذراً له يوم الحساب؛ لأنّ أبا عبد اللهعليهالسلام
لا يسعه أنْ يقول له: إصبر على القتل، وهو يعرف مقام الإصرار على الذهاب. والمولى سبحانه لا يعذره يوم الحشر؛ لأنّه يسمع استنصار (أبيِّ الضيم)، ومَن يسمع الاستغاثة ولا ينصره، أكبّه الله على وجهه في النّار.
بقاء الشريعة بالحسين
لقد كانت نهضة الحسينعليهالسلام
الجزء الأخير من العلّة التامّة لاستحكام عروش
____________________________
الدِّين؛ حيث إنّها فرّقت بين دعوة الحقِّ والباطل، وميّزت أحد الفريقين عن الآخر حتّى قيل: إنّ الإسلام بدؤه محمديّ وبقاءه حسينيّ؛ ولذلك لمْ يجد أئمّة الهدى وسيلة لنشر أمرهم في الإصلاح، ونفوذ كلمتهم في إحياء شرع جدّهم الأقدسصلىاللهعليهوآله
إلا لفت الأنظار إلى هذه النّهضة الكريمة، لمّا اشتملت عليه من فجائع تفطر الصخر الأصم، ويشيب لها فود الطفل، ويذوب الفؤاد. فطفقواعليهمالسلام
يحثّون الاُمّة على تأييدها، والقيام بذكر ما لاقاه شهيد الإصلاح من القسوة والإضطهاد، وإعلام الاُمّة بما حدث في تلكم المشاهد الدمويّة من مظلوميّة الحسين وأهله وذويهعليهالسلام
؛ لأنّهم صلوات الله عليهم علموا أن في إظهار مظلوميّته مجلبة للعواطف، واسترقاقاً للأفئدة. فبطبع الحال، يتحرّى السامع لتلكم الفجائع الوقوف على مكانة هذا المضطهد، وأسباب ما ارتُكب منه من أعمال قاسية.
وطبعاً يعلم أن سبط النبوّة إمام عدل لم يرضخ للدنايا، ولم يصخ إلى دعوة المبطلين، وأن إمامته موروثة له من جدّهصلىاللهعليهوآله
وأبيه (الوصي)عليهالسلام
، وأنّ من ناواه لا يملك من منصّة الخلافة موضع قدمه، وكذا كلّ مَن حذا حذوه وذهب على شاكلته.
وإذا عرف السّامع هذا، وعلِم أنّ الحقَّ كلَّه في جانب الحسين ومن خلفه من أئمّة الدِّينعليهمالسلام
، لمْ تدع له عقليته إلا السّير معهم، واعتناق طريقتهم المثلى؛ وبذلك تتوطد اُسس السّلام والوئام.
لقد أقعدت السّلطة الغاشمة من بني اُميّة وبني العبّاس أهل البيتعليهمالسلام
في دورهم، وأوصدت عليهم أبواب الإجتماع بشيعتهم، فلاقوا منهم ضروب الأذى والتنكيل؛ فآثروا العزلة على الخروج بالسّيف في وجه دعاة الباطل، مع ما يشاهدونه من تمادي اُولئك في الطغيان، وظلم شيعة أمير المؤمنينعليهالسلام
وأبنائه، وتتبعهم تحت كلّ حجر ومدر، وإبادتهم العلويين من جديد الأرض. وكان بمرأى منهم بناء المنصور
والرشيد الإسطوانات على ذريّة فاطمةعليهاالسلام
، ظلماً وعدوانا
.
ولكن لم يفُتْهم الجهاد الأكبر بتحريض شيعتهم على عقد المحافل
لذكر
____________________________
حادثة الطفِّ الخالدة وتواصل الإستياء؛ لِما هنالك من فجائع ومصائب، وإسبال الدموع لكارثتها المؤلمة. وأكثروا من بيان فضل ذلك إلى حدٍّ بعيد؛ لأنّهم علموا أنّ هذا هو العامل القوي في إبقاء الرابطة الدينيّة، التي لأجلها لاقى أمير المؤمنينعليهالسلام
ما لاقاه، وأصاب ولده الحسنعليهالسلام
ما أصابه. ومصاب الحسينعليهالسلام
يدكدك الجبال الرواسي.
فكان أهل البيتعليهمالسلام
يتحرون أساليب مختلفة من البيان، توجب توجيه النّفوس نحو التذكارات الحسينيّة؛ لِما لها من العلاقة التامّة لحفظ المذهب عن الإندراس، فعبّروا عنها بالعموم تارة، وبالخصوص اُخرى. يقول الإمام الصادقعليهالسلام
:«رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكرا في أمرنا، فإنّ ثالثهما ملك يستغفر لهما. وما اجتمع إثنان على ذكرنا إلا باهى الله بهما الملائكة، فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر، فإنّ في اجتماعكم ومذاكرتكم احياءنا، وخير النّاس من بعدنا مَن ذاكر بأمرنا، ودعا إلى ذكرنا»
.
ويقولعليهالسلام
للفضيل بن يسار:«تجلسون وتحدثون؟»
قال: نعم، جعلت فداك. قالعليهالسلام
:«إنّ تلك المجالس اُحبّها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا»
.
ويقولعليهالسلام
أيضاً«مَن جلس مجلساً يحيا فيه أمرنا، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب»
.
فالأئمّةعليهمالسلام
أرادوا بهذا النّحو من البيان حمل الاُمّة على الإعتقاد بإمامتهم، وما أوجبه المولى سبحانه من عصمتهم، وما أهّلهم له من الفضائل والفواضل، وأنّ الدعوة إليهم ملازمة لاعتقاد خلافتهم دون من اغتصب ذلك المنصب الإلهي.
إنّ التذكارات الحسينيّة على اختلاف صورها؛ من عقد العزاء والمآتم
____________________________
واللطم
في الدور والشوارع أوجبت تقدّم الطائفة، وكان عمل الشبيه أوضح المصاديق والحجج على القساوة التي جاء بها الاُمويّون ولفيفهم من تلاوة الشعر. وإنّ ذكر المصاب؛ لتسرب ذلك بوضوح إلى أدمغة الأطفال والعامّة، الذين لا يفهمون ما يشتمل عليه القريض والكتب من دقائق الحادثة، هو أحكم وآكد في تأثّر النّفوس، واحتدام القلوب في حفظ الروابط المذهبيّة بين الأئمّةعليهمالسلام
ومواليهم، وله نصيب وافر في رسوخ العقيدة.
ولقد قلّد الشيعة في تمثيل فاجعة الطفِّ غيرهم من الهنود وبعض فرق الإسلام، وهم في الهند أكثر رواجاً من جميع الممالك الإسلاميّة
.
فكان لفت الأنظار نحو هذه التذكارات، والإعتناق بها أمسّ في إحياء أمر المعصومينعليهالسلام
، المحبوب لديهم التحدّث والتذاكر فيه. ولعلّ جملة من هذه الفوائد لا تفهم الاُمّة منها النكتة المهمّة، بل غاية ما يتصوّرون من فائدة عملهم، هو الثواب عليه في الآخرة فقط، ولكنّ الواقف على أسرار أهل البيتعليهمالسلام
، والمستشرف لمغازي أقوالهم وأفعالهم يتجلّى له ما ألمعوا إليه من هذه النّوادي والمجتمعات، وحثّوا شيعتهم عليه بمزيد لطفهم وواسع علمهم.
البكاء على الحسين
من تلك الفوائد، ما ورد من الحثِّ الكثير البالغ حدِّ التواتر على البكاء لما أصاب سيّد الشهداءعليهالسلام
حتّى جاء في ثواب مَن خرج من عينه كجناح ذبابة، أنّه يطفئ حَرّ جهنّم. فإنّ الغرض ليس إلا أنّ الدمعة لا تفاض إلا عند انفعال النّفس، وتأثّرها ممّا يصيبها، أو يصيب مَن تمتُّ به بنحو من أسباب الصلة. ولا
____________________________
شكّ إنّا نرى النّفس عند تأثّرها بذلك تكون متأثّرة بشيء آخر، وهو العداء والبغض لكلّ مَن أوقع الفوادح والآلام. فالأئمّة، حيث إنّهم أعرف النّاس بمقتضيات الأحوال والملابسات التي تؤكّد دعوتهم، كانوا يتحرّون التوصّل إلى أغراضهم بكلّ صورة، وكان من الوسائل التي توجب انحراف الاُمّة عن أعداء الله ورسولهصلىاللهعليهوآله
أمرهم بالبكاء على مصاب الحسينعليهالسلام
؛ لِما فيه من استلزام تذكّر تلك القساوة انفعال النفس وانقباضها عمّا لا يلائم خطّتهم، وهذا هو المغزى لقول الحسينعليهالسلام
:«أنا قتيل العبرة، لا يذكرني مؤمن إلا استعبر»
. فالمؤمن حيث يمتُّ إلى الحسينعليهالسلام
بالولاء والمشايعة، كان ذلك موجباً لتأثّر نفسه، واحتدام قلبه على كلّ مَن يوجّه إليه الأضرار والأخطار، ويشتدّ هذا التأثّر عند تناهي تلك الفوادح.
وكيف كان، فإنّ سيّد الشهداءعليهالسلام
لمْ يقصد بـ«أنا قتيل العبرة»
خصوص التعريف بأنّ قتله كان لأجل أنْ يُبكى عليه؛ فيستحقّ به الأجر في الآخرة، بحيث لا يكون هناك أثر آخر يترتّب عليه قتله سوى البكاء عليه. كيف؟ وهنالك آثار اُخرى، أهمّها: إحياء شريعة الحقِّ، وتقويم ما اعوجّ من علم الهداية، ونشر الإصلاح بين الاُمّة، وتعريف الملأ ما عليه اُمراء الجَور من السّير وراء المطامع.
ولكنّ الوجه في هذه الإضافة هو تأكّد الصلة بين ذكر مقتله، وبين البكاء عليه، فإنّ لوعة المصاب به لا تطفأ، ومضض الإستياء له لا تنفد؛ لاجتماع الكوارث عليه، وملاقاته لها بصدر رحيب، وصبر تعجبت منه ملائكة السّماء. فأول ما يتأثر به السّامع لها أنْ تستدر دموعه، فلا يذكر الحسينعليهالسلام
إلا والعبرة تسبق الذكر، أضف إلى ذلك المودّة الكامنة له في قلوب أحبّائه؛ بحيث إذا انضمّت إلى تلك، كانت أدعى لتأكّد الصلة بين ذكره، وبين البكاء عليه. فمن هنا استحقّ إضافة القتل إليه، فقال:«أنا قتيل العبرة»
.
وعلى هذا سار العرب في كلامهم، فإنّهم إذا رأوا بين الإنسان، وبين بعض حالاته وصفاته صلة أكيدة، أضافوه إلى ذلك الحال، فقالوا: (مضر الحمراء)، و (ربيعة الخيل)، و (زيد النّار)، و (صبية النّار)، و (مُسمّة الأزواج)؛ فإنّ ربيعة ومضر لم يتخلّيا عن
____________________________
كلّ صفة حميدة سوى اللواء والخيل، ولا زيد ابن الامام موسى بن جعفرعليهالسلام
لم يتّصف بشيءٍ حسن، أو قبيح إلا حرقه دور بني العبّاس بالبصرة، ولا أنّ أولاد ابن أبي معيط لم يحصلوا على نعت من نعوت الإنسانيّة إلا النّار، التي أضافها لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يوم أمر بقتل عقبة بن أبي معيط، وكان كافراً، فقال: ي محمّد، مَن للصبية؟. قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
:«لهم النّار»
. ولا أنّ جعدة بنت الأشعث لم تتصف بالرذائل إلا السمّ، الذي ناولته أب محمّد الحسن السّبطعليهالسلام
، ولكن لمّا كانت هذه الآثار هي الظاهرة بين النّاس؛ قيل لمضر: (الحمراء)، ولربيعة (الخيل)، ولزيد (النّار)، ولجعدة (مُسمّة الأزواج).
فقول الحسينعليهالسلام
:«أنا قتيل العبرة»
، وقول الصادقعليهالسلام
:«بأبي قتيل العبرة»
من هذا القبيل، وهو ما ذكرناه من تأكّد الصلة بين ذكر مقتله، وبين استدرار الدموع.
التباكي
لقد راق أئمّة الهدىعليهمالسلام
أنْ تبقى تلك الذكريات الخالدة مدى الدهر، تتحدّث بها الأجيال المتعاقبة؛ علماً منهم ببقاء الدِّين غضّاً طرياً، ما دامت الاُمّة تتذاكر تلك الفاجعة العظمى. ولم يقتصروا على لازمها، وهو البكاء حتّى رغّبوا إلى التباكي، وهو: التشبيه بالباكي من دون أن يخرج منه دمع. فيقول الإمام الصادق:«من تباكى، فله الجنة»
.
ومعلوم أنّ التباكي إنّما يتصوّر فيمن تتعسّر عليه الدمعة، لكنّه لم يفقد التأثّر لأجل المصاب، كما يشاهد في كثير من النّاس. فالتأثّر النّفساني بتصوّر ما ورد على المحبوب من آلام وفوادح، يستلزم قهراً النفرة عمّن أورد ذلك العدوان.
وفي الحديث عن النّبيصلىاللهعليهوآله
، أنه قرأ آخر الزمر:
(
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا
)
على جماعة من الأنصار، فبكوا إلا شاباً منهم، قال: لم تقطر من عيني قطرة، وإنّي تباكيت. قالصلىاللهعليهوآله
:«مَن تباكى، فله الجنة»
.
____________________________
وروى جرير عنه، أنّهصلىاللهعليهوآله
قال:«إنّي قارئ علكيم
(
ألهاكم التكاثر
)
، مَن بكى فله الجنة، ومَن تباكى فله الجنة»
.
وحدّث أبو ذر الغفاري عن النّبيصلىاللهعليهوآله
، أنّه قال:«إذا استطاع أحدكم أن يبكي، فليبكِ، ومَن لم يستطع، فليستشعر قلبه الحزن وليتباكَ، فإنّ القلب القاسي بعيد من الله»
.
وهذه الأحاديث تدلّنا على أنّ التباكي منبعث عن حزن القلب، وتأثّر النّفس كالبكاء، لكن في باب الرهبة منه سبحانه وتعالى يكون الحزن والتأثّر؛ لأجل تصوّر ما يترتّب على مخالفة المولى من الخزي في الآخرة، فيتباعد عنه، ويعمل ما يقرّبه من المولى زلفة. وفي باب تذكّر مصائب آل الرسولصلىاللهعليهوآله
، يستوجب بغض مَن ناوأهم، وأوقع بهم، وأساء إليهم.
ولعلّ ما أشرنا إليه، هو مراد الشيخ محمّد عبده، فإنّه قال: التباكي: تكلّف البكاء لا عن رياء
. ويقول الشريف الجرجاني: باب التفاعل أكثره إظهار صفة غير موجودة، كالتغافل والتجاهل والتواجد. وقد أنكره قوم؛ لِما فيه من التكلّف والتصنّع، وأجازه قوم لِمن يقصد به تحصيل الصفة. والأصل فيه، قولهصلىاللهعليهوآله
:«إن لمْ تبكوا فتباكَوا»
، أراد به: التباكي ممّن هو مستعدّ للبكاء، لا تباكي الغافل اللاهي
.
فالباكي والمتباكي مشتركان في احتراق القلب، وتأثّر النّفس؛ لأجل تصوّر ما ورد من الظلم على أهل البيتعليهالسلام
، ومشتركان في لازمه، وهو النفرة والتباعد عن كلّ مَن دفعهم عن مقامهم. ومَن لا يفقه مغازي كلام المعصومينعليهمالسلام
، يحكم بالرياء على المتباكي. وبعدما أوضحنا من السّر تعرف قيمة البلاغة وقدر البلغاء.
وكم لأهل البيتعليهمالسلام
من أسرار غامضة، لا يقف عليها إلا من
____________________________
مارس كلامهم، ودرس مقتضيات الأحوال، فإنّهم لمْ يزالوا يتحرّون الوسائل الدقيقة لتوجيه النّفوس نحوهم، وتعريف ما لهم من حقّ مغصوب.
فمن ذلك ما أوصى به الإمام الباقرعليهالسلام
باعطاء ثمانمئة درهم لنوّادب يندبنه بمنى أيّام الموسم
.
فإنّك إذا عرفت أنّ النّاس من مختلف الأقطار والمذاهب يجتمعون في منى أيّام الحجّ، وقد أحلّوا من كلِّ ما حُرّم عليهم إلا النّساء، وأنّها أيّام عيد وتزاور، فتعقد هنالك حفلات المسرّة ونوادي التهاني، تعرف النكتة الدقيقة التي لاحظها الإمامعليهالسلام
باختياره أيام منى على عرفات والمشعر؛ لاشتغال النّاس بالعبادة والإبتهال إلى المولى سبحانه في هذين الموقفين مع قصر الزمان.
نعم، في أيام منى حيث إنّها ثلاثة: وهي أيام عيد وفرح وسرور، لا حزن وبكاء، وطبعاً أنّ السامع للبكاء في أيام المسرّات، يستفزّ إلى الأسباب الموجبة له، ويتساءل عمّن يندبنه، وما هي دعوته وأعماله، ويسأل عمّن ناوأه ودافعه عن حقّه، وبهذا الفحص يتجلّى له الحقُّ والطريقة المثلى؛ لأنّ نور الله لا يطفى، والدعوة إليه جليّة البرهان. وهذا النبأ يتناقله النّاس إلى مَن كان نائياً عن هذه المواقف عند الإياب إلى مقرّهم، فيصل إلى الغائبين بهذا الطريق، وبه تتم الحُجّة، فلا يسع كلّ أحد أن يتذرّع بعذر عدم الوصول إلى المدينة، التي هي موطن (حُجّة اللهعليهالسلام
)، ولا من أبلغه خبره، ولا عرفت دعوة الإمام وضلال مناوئه، فلا يبقى حينئد جاهل قاصر على الأغلب.
ومن هنا نفهم السّبب في إعراض الإمامعليهالسلام
عن الوصيّة للنوادب يندبنه بمكّة، أو في المدينة أيام الحجّ؛ فإنّه في البلدين لا تكون الندبة إلا في الدور، فمن أين يقف الرجال عليهن؟ وكيف يكون هذا البكاء مشعراً بالغرض المطلوب؟.
____________________________
ودعوى كون صوت المرأة عورة، ويحرم على الأجانب سماعه مردودة، بما رواه الكليني في الكافي: أنّ اُمّ خالد دخلت على الإمام الصادقعليهالسلام
، وكانت عاقلة عارفة، وعنده أبو بصير. فقالعليهالسلام
لأبي بصير:«أتحبّ أنْ تسمع كلامها؟»
، ثمّ أجلسها معه على الطنفسة، وتكلّمت اُمّ خالد فإذا هي امرأة بليغة عاقلة
، فلو كان سماع صوت المرأة محرماً على الأجانب، لَما أجاز الإمام ذلك لأبي بصير.
على أنّ وصيّة الإمام الباقرعليهالسلام
بالمال للنوادب بمنى تفيد الجواز؛ لأنّ سماع الرجال أصواتهن لا ينكر، وإلا لأمر بالبكاء عليه في دور المدينة ومكّة، بل النكتة الملحوظة للإمامعليهالسلام
لا تحصل إلا بسماع الرجال أصواتهن، وما يدعونَّ إليه.
وفي حديث حمّاد الكوفي، أن الصادقعليهالسلام
قال له:«بلغني أن اُناساً من أهل الكوفة يأتون قبر أبي عبد الله
عليهالسلام
في النصف من شعبان»
، فبيّن مَن يقرأ ويقص إلى أنْ قال:«ونساء يندبنه»
، قال حمّاد: قد شهدت بعض ما تصف، فقال:«الحمد لله الذي جعل في شيعتنا مَن يفد إلينا، ويمدحنا ويرثي لنا»
. ولا ينكر أن ندبة النّساء عند القبر يلزمها سماع الأجانب أصواتهن، ولو كان محرماً، لما استحسنه الإمام الحُجّة، ودعا لهم بالرحمة.
وأمّا كون صوت المرأة عورة، فلم تشهد به رواية. وما ورد من منع الرجال محادثة الأجنبية، أو المبيت معها في بيت واحد، فليس من جهة كون صوتها عورة؛ بل للحذر عن الوقوع فيما لا يُحمد عقباه. وما ذكره العلامة الحلّي في كتابه التحرير، أول النّكاح، المسألة التاسعة: لا يجوز للأعمى سماع صوت الأجنبيّة، فلعلّه لذلك، لا لأنّه عورة. نعم، صرَّح في كتابه التذكرة، أول النكاح: إنّ صوتها عورة، يحرم استماعه مع خوف الفتنة لا بدونه. وللشافعيّة قولان، في كونه عورة أو لا. وردّ صاحب الجواهر على المحقق بالسيرة المتواترة في الأعصار، فقد كانت النّساء تخاطب الأئمّةعليهمالسلام
، وخطبة الزهراءعليهاالسلام
وبناتها معلومة.
والفقه السنّي لم يمنع منه، ففي الفقه على المذاهب الأربعة ١ / ١٦٧، صوت المرأة ليس بعورة، لأنّ نساء النّبيصلىاللهعليهوآله
كنّ يتكلّمن مع الصحابة
____________________________
ويستمعون منهنّ أحكام الدِّين. وقال الشيباني الحنبلي: صوت المرأة لم يكن عورة ولكن يحرم التلذذ بصوتها
. وهو مختار ابن حجر في كف الرعاع على هامش الزواجر ١ / ٢٧. نعم، ذهب بعض أهل السنّة إلى كونه عورة، ولم يستصحّه ابن حجر. وفي البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ١ / ٢٧٠، ذكر المصنّف في الكافي: إنّ المرأة لا تلبّي جهراً؛ لأنّ صوتها عورة. وعليه صاحب المحيط في باب الأذان. وفي فتح القدير على هذا، لو قيل: إذا جهرتْ في الصلاة، فسدت كان متّجهاً. وفي شرح المنية: الأشبه أنّ صوتها ليس بعورة، وإنّما يؤدّي إلى الفتنة. كما علّل به صاحب الهداية وغيره في مسألة التلبية. وفي النّوازل: نغمة المرأة عورة. وبنى عليه تعلّمها القرآن من المرأة أحبّ من تعلّمها من الأعمى. انتهى البحر الرائق. وقال ابن نجيم في أحكام الخنثى: صوتها عورة في قول
. وفي الفروع لابن مفلح الحنبلي ٣ / ١٢، قال: لا يحرم سماع صوتها على الأصحّ؛ لأنّه ليس بعورة. وفي عمدة القاري للعيني على شرح البخاري ٤ / ١٢، آخر باب الأمر باتباع الجنائز: يجب على المرأة ردّ سلام الرجل، ولا ترفع صوتها؛ لأنّه عورة. وفي طرح التثريب لزين الدِّين العراقي ١ / ٢٥٠: عند ابن عبد البر في الاستذكار عدم كونه عورة، وهو الصحيح عند الشافعيّة. وفي المصدر نفسه ٧ / ٤٥ في النّكاح: صوتها ليس بعورة. وفي شرح المجموع للنووي ٧ / ٢٤٩ ط ٢، صرح الدارمي والقاضي أبو الطيب: إنّ رفع صوتها بالتلبية غير حرام. وفي نيل الأوطار للشوكاني ٤ / ٢٧٤ باب التلبية: عند الروياني وابن الرفعة: لا يحرم رفع صوتها بالتلبية؛ لأنّه ليس بعورة.
السّجود على التربة
من الأساليب التي اتخذها الأئمّة من أهل البيتعليهمالسلام
للتعريف بمظلوميّة الحسينعليهالسلام
، وابتعاد من ناوأه عن سنن الحقِّ، وأنّ نهضته أحكمت دعوة الرسولصلىاللهعليهوآله
وعبّدت الطريق إليها، أمرهم بالسّجود على التربة. فإنّ من أهمّ أسرارها تذكّر المصلّي في أوقاته الخمسة حينما يضع جبهته عليها، تضحية (روح النبيصلىاللهعليهوآله
)، وأهل بيته البهاليل، وصحبه المناجيد في سبيل تركيز المبدأ الصحيح، وما قاساه سيّد الشهداءعليهالسلام
من فجائع الصخر الأصم، وقابلها بالصبر الذي تعجّبت منه
____________________________
ملائكة السّماوات كما جاء في زيارته، ثمّ يتذكّر أنّ هذه التربة امتزج بها (دم المظلومعليهالسلام
)، ودماء الأزكياء من أهل بيته وصحبهعليهمالسلام
، الذين وصفهم أمير المؤمنينعليهالسلام
بـ«أنّهم سادة الشهداء، لا يسبقهم سابق، ولا يلحقهم لاحق»
.
وبالطبع يحتدم قلب الموالي لهم، وتهمل عينه، ويحترق فؤاده، ويتباعد عن كلّ من أورد عليهم العدوان، ومَن سار على إثره ومَن أسس له. ويتجلّى له أنّ هذه النّهضة الجبّارة حطّمت هياكل الجور. كما عرّفت الأجيال المتعاقبة استهانة أهمّ الذخائر، وأعزّ الأنفس في تأييد العقيدة. ومثل الأمر بالسّجود على التربة الحسينيّة أمرهمعليهمالسلام
بالتسبيح في خرز معمولة منها؛ تحقيقاً لتلك الغاية الثمينة، وهذه الغايات ألمع إليها أهل البيتعليهالسلام
وإنْ لم تفهم الاُمّة أسرارها الدقيقة.
وتجاهلُ غيرنا علينا بالابتداع والضلال ناشئ عن الجهل بهذه الأسرار الحكيمة، وعدم فهم حديث وحي السّماء«جُعلتْ ليَ الأرضُ مَسجداً وطهُورا».
وهذه القطعة المُعدّة للسجود عليها ترابٌ مزج بالماء فجمد، فهي من مصاديق الحديث المتّفق عليه.
تشريع الزيارة
إنّ مجتمعات الزيارة كمواسم جاء الحثّ عليها؛ حيث إنّ المَزور دعامة من دعائم الدِّين ومنار هداه، ومنه تؤخذ التعاليم، وتُدرس المعارف. فإذا ازدلف الزائرون إلى قبره من شتّى النّواحي، وتعرّف كلٌّ بالآخر، وشاهد كلٌّ منهم ذلك الزحام المعجب، والتهافت المتواصل، والتهالك دون ذلك المقصد الشريف بما أنّ صاحب المشهد صاحب دعوة إلهيّة، وداعية إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحَسنة.
عظم في عينه الشخص المزور ونزعته ودعوته، وثلج صدره بذلك المنظر المبهج، ورقّ له قلبه، وثبت به يقينه. وبطبع الحال ينجذب إلى تتبع تعاليمه، ودرس أحواله، واقتصاص أثره، وتعرّف مظلوميّته، إلى ما هنالك من فوائد لا تحصى. وهناك معنى آخر، وهو أنّ الزيارة تحكم رابطة الاخوّة بين المؤمنين، التي دعا إليها الكتاب المجيد
(
إِنّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ
)
، فإنّ الزائرين باجتماعهم عند القبر، وفي الطريق إليه يتبادلون المعروف والمكافاة عليه، ويتفاهمون في التوجيه نحو الدِّين الصحيح؛
____________________________
فينكشف الخطأ في اعتقاد الطوائف الاُخرى وشذوذها، وتصبح الرابطة بينهما حكيمة الأساس.
هذه هي الحقيقة في زيارة أئمّة الهدى أجمع، فإنّهم الطريق المهيع، والسّبيل الجديد إلى كلّ هدى متبع، وناموس مصلح، وطقس مهذّب، ورشد هاد، ومعرفة كاملة. كما أنّه يجب أنْ يعتقد فيهم ذلك بعد الوقوف على فضلهم الظاهر، وعلومهم الجمّة، وورعهم الموصوف، ومعاجزهم الخارجة عن حدِّ الاحصاء. ولا شكّ أنّ في المثول حول مشاهدهم المقدّسة بداعي الزلفى للمولى سبحانه، مزيداً لهاتيك العقيدة ورسوخها. هذا هو السّبب الوحيد لتشريع الزيارة.
أمّا تخصيص سيّد الشهداء بزيارات خاصّة في أيّام السّنة - زائداً على ما جاء في الحثّ المتأكد على زيارته المطلقة دون سائر الأئمة، بل لم يخصّص سيّد المرسلينصلىاللهعليهوآله
بزيارة خاصّة - فيتصور لذلك علل وأسباب:
أهمّها: إنّ النّزعة الاُمويّة لم تزل تنجم وتخبو في الفينة بعد الفينة، تتعاوى بها ذوو أغراض مستهدفة وإن أصبح الاُمويون رمماً بالية، ولم يبقَ منهم إلا شية العار، وسبّة عند كل ذكر. لكن بما أنها إلحادية يتحراها لفيفهم، ومن انضوى إليهم من كل الأجيال، فكان همُّ أهل البيتعليهالسلام
إخمادها، ولفت الأنظار إلى ما فيها من المروق عمّا جاء به المنقذ الأكبرصلىاللهعليهوآله
، الذي لاقى المتاعب في سبيل نشر دعوته واحيائها. ومن الطرق الموجبة لتوجيه النّفوس نحوها، وتعريف مظلوميّتهم، ودفعهم عن الحقّ الإلهي المجعول لهم من المشرّع الأعظم ذِكرُ قضيّة سيّد الشهداءعليهالسلام
؛ لاحتفافها بمصائب يرقّ لها قلب العدوّ الألد، فضلاً عن الموالي المشايع لهم، المعترف بما لهم من خلافة مغتصبة.
فأراد الأئمّةعليهمالسلام
أن تكون شيعتهم على طول السّنة، ومرّ الأيام غير غافلين عمّا عليه السّلطة الغاشمة من الإبتعاد عن النّهج القويم؛ فحمّلوهم على المثول حول مرقد سيّد شباب أهل الجنةعليهالسلام
في مواسم خاصّة وغيرها، فإنّ طبع الحال قاضٍ بأنّهم في هذا المجتمع يتذاكرون تلك القساوة التي استعملها الاُمويّون؛ من ذبح الأطفال، وتسفير حرم الرسالة من بلد لآخر:
مـغلولة الأيدي إلى الأعناقِ
|
|
تُسبى على عجف من النياقِ
|
حـاسرة الـوجه بغير برقعِ
|
|
لا سترَ غير ساعدٍ وأذرعِ
|
وإنّ الحميّة والشهامة تأبى لكلّ أحد أن يخضع لمن أتى بهذا الفعل الشنيع مع كلّ أحد، فضلاً عن آل الرسول الأقدسصلىاللهعليهوآله
؛ فتحتدم إذ ذاك النّفوس، وتثور العاطفة، ويحكم على هؤلاء الأرجاس بالمروق عن دين الإسلام. وطبعاً هذا الداعي في سيّد الشهداءعليهالسلام
ألزم من غيره من الأئمّةعليهمالسلام
؛ لاشتمال قضيّته على ما يرقق القلوب، ومن هنا اتخذه المعصومونعليهالسلام
حُجّة يصولون بها على أعدائهم، فأمروا شيعتهم بالبكاء تارة، والإحتفال بأمره - بأيّ نوع كان - تارة اُخرى، وزيارته ثالثة، إلى غير ذلك؛ ممّا ترك الاُمّة حسينيّة الذكر كما أنّها حسينيّة المبدأ، ولا تلفظ نفسها الأخير إلا وهي حسينيّة المنتهى.
وإنّ دعاء الإمام الصادقعليهالسلام
في سجوده، الذي يرويه معاوية بن وهب ممّا يبعث إلى القلوب نوراً، وللعقيدة رسوخاً، وللنفوس ارتياحاً، ويوقفنا على أسرار غامضة ممّا تأتي بها الاُمّة من هذه الأعمال.
قالعليهالسلام
وهو ساجد:
«اللهمّ، يا من خصَّنا بالكرامة، ووعدنا بالشفاعة، وخصّنا بالوصية، وأعطانا علم ما مضى وعلم ما بقي، وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا، اغفر لي ولإخواني وزوّار قبر جدّي الحسين، الذين أنفقوا أموالهم، وأشخصوا أبدانهم رغبةً في بِرنا، ورجاءً لما عندك في صلتنا، وسروراً أدخلوه على نبيّك، وإجابة منهم لأمرنا، وغيظاً أدخلوه على عدوّنا؛ أرادوا بذلك رضاك فكافئهم عنّا بالرضوان، واكلأهم بالليل والنّهار، وأخلف على أهاليهم وأولادهم الذين خلفوا بأحسن الخلف، وأصحبهم، واكفِهم شرَّ كلِّ جبّار عنيد، وكلّ ضعيف من خلقك وشديد، وشرّ شياطين الإنس والجنّ.
وأعطهم أفضل ما أملوه في غربتهم عن أوطانهم.
وما آثرونا به على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم.
____________________________
اللهمّ، إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم إلينا، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا؛ خلافاً منهم على ما خالفنا.
اللهم، ارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس.
وارحم تلك الخدود التي تقلّبت على حفرة أبي عبد الله الحسين.
وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا.
وارحم تلك القلوب التي جزعت، واحترقت لنا.
وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا.
اللهمّ، إنّي استودعك تلك الأنفس والأبدان حتّى توفيهم على الحوض يوم العطش الأكبر»
.
ولما استكثر معاوية بن وهب هذا لزوّار الحسين، قال له الإمام الصادقعليهالسلام
:«إنّ مَن يدعو لزوّار الحسين في السّماء، أكثر ممّن يدعو لهم في الأرض»
.
وهذا الدعاء من إمام الاُمّة اشتمل على أحكام جليلة، ومزايا لا يقف عليها إلا من استضاء بنورهم، واعتصم بحبل ولايتهم. فمن ذلك؛ رجحان البكاء، والجزع والصراخ لِما أصاب المعصومين من أهل البيتعليهمالسلام
. والصرخة كما نص عليها علماء اللغة: هي الصيحة الشديدة عند الفزع والمصيبة
. وحيث لم تخص في الدعاء بما إذا وقعت في الدور، كان الاطلاق شاملاً لمحبوبيتها في كلّ حال؛ سواء وقعت في الشوارع، أو المشاهد، أو غيرهما من رجال أو نساء.
ومنها مسح الخدود على القبر الأطهر، ولا يقتضي التخصيص بقبر الحسينعليهالسلام
، فإن رواية الشيخ الطوسي في التهذيب ج ١ ص ٢٠٠ في الصلاة على القبور، عن محمّد بن عبد الله الحميري قال: كتبت إلى الفقيه أسأله عن الرجل يزور القبور، إلى أن قال في التوقيع: أمّا السّجود على القبر، فلا يجوز في نافلة ولا فريضة، بل يضع خدّه الأيمن على القبر
. وعمومه شامل لرجحان وضع الخدّ عند كل قبر من قبور المعصومينعليهمالسلام
.
____________________________
إيثارهمعليهمالسلام
وممّا أرشدنا إليه هذا الدعاء، محبوبيّة ما تفعله الشيعة من بذل الأموال؛ لإحياء أمر أئمّتهمعليهمالسلام
في العزاء والمواليد وغيرهما، وإيثارهم بذلك على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم.
وغير بعيد عنك معنى الإيثار، فإنّه: ترجيح الغير على النّفس، إمّا بسد خلّته، أو لتأييده في بلوغ اُمنيته، أو لتكريمه. وهو من الخصال الحميدة المنبعثة عن كرم الطباع، ودماثة الأخلاق، وطيب العنصر. وقد مدح سبحانه وتعالى المتّصفين به، فقال:
(
وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
)
، وهي الحاجة والفقر وسوء الحال
.
ولا إشكال في أنّ مَن اُريد إيثاره، إذا كان جامعاً لموجباته يكون الإيثار فيه آكد، وأنت إذا أمعنت البصيرة في ذوي الفضائل، لا تجد من هو أحقّ بالإيثار من (عترة الوحي)؛ لِما منحهم الباري سبحانه من المرتبة الفاضلة، ومبوَّءاً من الرفعة لا يسامى، وأيادٍ على الاُمّة لابدّ أن تكافأ، وحقوقاً واجبة لا محيص عن أدائها.
فأيّ مُوالٍ لهم لا يؤثرهم على نفسه وأهله وقرباه، وهو يذعن بأنّ الأئمّة أسباب الفيوض الإلهيّة، وهم المعلّمون بالشريعة، وكلّ ما في السّعادة للإنسان، وفوزه بالرقي من أخلاق فاضلة، وسياسة حقّه، وأحكام اجتماعيّة، وتعاليم كافلة للنجاح، مع ما لأئمّة الدِّين من جهود جبّارة، دون انتشال الاُمّة إلى ساحل النّجاة، وإنقاذها من غمرات الهلكة حتّى أنّهمعليهمالسلام
آثروا ذلك بالحياة السّعيدة، فضحّوا بنفوسهم؛ لتقف الاُمّة على المحجّة، أو ليدرأ عنها العذاب.
كما في حديث الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام
أنّه وقى بنفسه دون شيعته
مع
____________________________
حبّهم المتواصل لشيعتهم حتّى كانوا يترحمون عليهم كلّ صباح ومساء، ويفرحون عند فرحهم، كما يحزنون عند حزنهم، لأنّهم من فاضل طينتهم، وهم أوراق تلك الدوحة الطيبة، التي أصلها ثابت وفرعها في السّماء.
وقد ورد في دعاء الحُجّة عجّل الله فرجه:«اللهمّ، إنّ شيعتنا خلقوا من شعاع أنوارنا، وبقيّة طينتنا، وقد فعلوا ذنوباً كثيرة؛ إتكالاً على حبّنا وولايتنا. فإنْ كانت ذنوبهم فيما بينك وبينهم، فاصفح عنهم، فقد رضينا. وما كان منها فيما بينهم، فاصلح بينهم، وقاص بها عن خمسنا، وأدخلهم الجنة، وزحزحهم عن النّار، ولا تجمع بينهم وبين أعدائنا في سخطك»
.
وإني لا أراك - والحالة هذه - تجد في شريعة الحقوق، أو يلتاح لك في منهج الوفاء، أو يجوز لك دافع المروءة أنْ تتقاعس عن مواساة آل الرسالة بإيثارهم على نفسك وأهلك في كلّ غالٍ ورخيص، إلا أنّ تسف إلى هوة الضِعة، وتدعها رمية لنبال اللوم من ناحية العقل مرّة، ومن صوب الشريعة اُخرى، ومن جهة الشهامة ثالثة.
ولا ريب في رغبة الإمام الصادقعليهالسلام
بالإيثار؛ لإحياء أمرهم أجمع. نعرف ذلك من الالتفات الذي استعمله الإمام في الدعاء، فإنّه بعد أنْ دعا لزوّار الحسينعليهالسلام
بعطاء أفضل ما يأملونه، قالعليهالسلام
:«وما آثرونا به»
. فلو أراد الإيثار في خصوص زيارة سيّد الشهداء، لقال: وما آثروه، فحيث عدل عن المفرد إلى الجمع، عُلم أنّ مراده بيان محبوبيّة الإيثار فيما يعود إليهم أجمع وإنْ كان الإيثار لزيارة قبر المظلومعليهالسلام
أشمل؛ لِما فيه من التذكير بهاتيك النّهضة المقدّسة. فكأنّ الماثل أمام الضريح الأطهر يشاهد نفسه واقعاً بين الصفّين؛
____________________________
جحفل القداسة (حسين الهداية ورهطه)، وخميس الظلال (يزيد وأشياعه)، فيبصر موقف هؤلاء من الحقّ والنّزاهة، ومبوأ اُولئك من الباطل والرجاسة، فتحتدم بين أضالعه الخصلتان: الولاية والبراءة.
وغير خافٍ على البصير النيقد المراد من قول أبي عبد الله في دعائه المتقدم:«اللهمّ، إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم إلينا، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا؛ خلافاً منهم على مَن خالفنا»
. فإنّهعليهالسلام
أراد تنشيط الشيعة في الدأب على مواساتهم؛ بتعظيم شعائرهم، وإقامة آثارهم، ونشر مآثرهم. وإنّ ما يقاسونه في هذا السّبيل من الأرزاء كلّه بعين الله تعالى، ورضا أوليائه الأطهار، وما يضرّهم - وهم على الحقّ - هزء المستهزئين. ولقد سخر اليهود بالأذان، كما سخر المشركون بالسّجود، فلم يثن من عزم المسلمين شيئاً، فمشوا على ذلك النّهج القويم، غير مبالين بعثرات غيرهم.
وما يضر المزدلفين إلى قبر أبي عبد الله الحسينعليهالسلام
، والمتزاحمين على إقامة الشعائر الحسينيّة سخريّة الجاهلين، الذين يقول فيهم الإمام الصادقعليهالسلام
:«والله، لحظهم أخطؤوا، وعن ثواب الله زاغوا، وعن جوار محمّد تباعدوا»
.
ولما قال له ذريح المحاربي: إنّي إذا ذكرت فضل زيارة أبي عبد اللهعليهالسلام
، هزأ بي ولدي وأقاربي. قالعليهالسلام
:«يا ذريح، دع النّاس يذهبون حيث شاؤوا، وكن معنا»
.
وقالعليهالسلام
لحمّاد:«بلغني أنّ اُناساً من أهل الكوفة، وقوماً آخرين من نواحيها يأتون قبر أبي عبد الله في النّصف من شعبان، فبين قارئ يقرأ القرآن، وقاصٍّ يقص، ومادح لنا، ونساء يندبنه»
.
فقال حمّاد: قد شهدتُ بعض ما تصف.
فقالعليهالسلام
:«الحمد لله الذي جعل في النّاس مَن يفد إلينا ويمدحنا ويرثي لنا، وجعل عدوّنا يطعن عليهم، ويقبّحون ما يصنعون»
.
إذاً فسخريّة المتباعدين عن أهل البيتعليهالسلام
، المائلين عن إقامة هذه الشعائر لا
____________________________
يحطُّ من كرامة الآثار الموجبة لإحياء أمر الأئمةعليهالسلام
، المحبوبة لهم. وقد استفادت منها الاُمّة آثاراً دنيويّة واُخرويّة.
وفي الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، قال لأمير المؤمنينعليهالسلام
:«إنّ حثالة من الناس يعيِّرون زوار قبوركم كما تُعيّر الزانية بزناها، اُولئك شرار اُمّتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة»
.
قول الشعر فيهم
من الواضح الذي لا يرتاب فيه، إنّ نظم الشعر في أيّ أحدٍ تعريف به، وإحياء لذكره، وإقامة لأمره. فإنّ آثار الرجال مهما كبرت في النّفوس، وعظم أمرها قد يخمل ذكرها بمرور الزمن وتباعد العهد؛ فيغفل عن تلك المآثر، ويتناسى ما لها من أهميّة كبرى. ولمّا كان القول المنظوم أسرع تأثيراً في الإصاخة؛ لرغبة الطباع إليه، فتسير به الناس، وتلوكه الألسنة، وتتحفّظ به القلوب، وتتلقاه جيلاً بعد جيل، وتأخذه اُمّة بعد اُمّة، حفظ الأدب العربي كثيراً من قضايا الاُمم وسيرها وحروبها في الجاهليّة والإسلام.
فممّا قاله دعبل الخزاعي في بقاء الشعر مدى الأزمان:
إنّي إذا قلت بيتاً مات قائلُهُ
|
|
ومَن يُقال له والبيت لم يمتِ
|
وقال عروة بن اُذينة:
نُبّئْتُ أنَّ رجالاً خاف بعضهُم
|
|
شتمي وما كنت للأقوام شتّاما
|
فإن يكونوا براءً لا تطفْ بهم
|
|
مـنـه شكاةٌ ولا أسمعْهمُ ذاما
|
وإن يـجيئوا أقل قولاً له أثرٌ
|
|
باقٍ يعنّى قراطيساً وأقلاما
|
وبما أنّ ذكرى أهل البيتعليهمالسلام
قوام الدِّين، وروح الإصلاح، وبها تُدرس تعاليمهم، ويقتفى أثرهم، طفق الأئمّة المعصومونعليهالسلام
يحثّون مواليهم بنشر ما لهم
____________________________
من فضل كثير، وما جرى عليهم من المصائب، ولا قوه في سبيل إحياء الدِّين من كوارث ومحن؛ لأنَّ فيه حياة أمرهم. ورحم الله من أحيا أمرهم، ودعا إلى ذكرهم.
وقد تواتر الحثّ من الأئمّةعليهالسلام
على نظم الشعر فيهم، مدحاً ورثاء؛ بحيث عُدّ من أفضل الطاعات. وفي ذلك قالواعليهمالسلام
:«مَن قال فينا بيتاً من الشعر، بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة»
. وفي آخر:«حتّى يؤيد بروح القُدُس»
. وفي ثالث:«بنى الله له في الجنة مدينة، يزوره فيها كلُّ ملك مقرب، ونبيّ مرسل»
.
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام
للكميت لمّا أنشده قصيدته: (مَن لقلب متيم مستهام):«لا تزال مؤيداً بروح القُدُس»
.
واستأذن الكميت على الامام الصادقعليهالسلام
في أيام التشريق ينشده قصيدته، فكبر على الإمام أنْ يتذاكروا الشعر في الأيام العظام، ولمّا قال له الكميت: إنّها فيكم، أنس أبو عبد اللهعليهالسلام
، حيث إنّه من الذكر اللازم؛ لأنّ فيه إحياء أمرهم. ثمّ دعا بعض أهله فقرب، ثمّ أنشده الكميت فكثر البكاء، ولمّا أتى على قوله:
يُصيب به الرامون عن قوس غيرهم فيا آخراً أسدى له الغيّ أولُ
رفع الإمام الصادقعليهالسلام
يديه، وقال:«اللهمّ، اغفر للكميت ما قدّم وأخّر، وما أسرّ وأعلن، واعطه حتّى يرضى»
.
وأذن أبو جعفر الجوادعليهالسلام
لعبد الله بن الصلت أنْ يندبه، ويندب أباه الرضاعليهالسلام
.
وكتب إليه أبو طالب أبياتاً يستأذنه فيها في رثاء أبيه الرضاعليهالسلام
، فقطع أبو جعفرعليهالسلام
الأبيات عنده، وكتب إليه:«أحسنت، وجزاك الله خيراً»
. وقال أبو عبد الله الصادقعليهالسلام
لسفيان بن مصعب:«أنشدني في الحسين»
. وأمر بتقريب اُمّ فروة وعياله، فلمّا حضرن، قال سفيان: (فرو جودي بدمعك المسكوب)
____________________________
فصاحت اُمّ فروة وصِحنَ النساء. فقال أبو عبد اللهعليهالسلام
:«الباب الباب»
. واجتمع أهل المدينة، فأرسل إليهم أبو عبد الله صبياً غشي عليه!
. وهذا من محاسن التورية، فلقد غشي على أطفالهم يوم الطفّ، وما أدري مَن عنى بالصبي!؟ أهو عبد الله الرضيع؟ أم عبد الله الأصغر ابن الإمام الحسينعليهالسلام
، المذبوح بالسهم في حجر الحسينعليهالسلام
؟ أم محمّد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب؟.
ودخل جعفر بن عفان
على الامام الصادقعليهالسلام
، فقال له:«إنك تقول الشعر في الحسين وتجيده؟»
. قال: «نعم». فاستنشده، فلمّا قرأ عليه، بكى حتّى جرت دموعه على خديه ولحيته، وقال له:«لقد شهدت ملائكة الله المقربون قولك في الحسين، وإنهم بكوا كما بكينا، ولقد اوجب الله لك الجنة»
. ثمّ قالعليهالسلام
:«مَن قال في الحسين شعراً، فبكى وأبكى غفر الله له، ووجبت له الجنة»
.
وجعفر هذا من رجال الشيعة المخلصين، أطراه علماء الرجال ووثقوه، وهو الذي ردّ على مروان بن أبي حفصة، القائل:
خلّوا الطريق لمعشر عاداتُهم
|
|
حـطم المناكب كلَّ يوم زحامِ
|
اُرضـوا بما قسم الأله لكم به
|
|
ودعـوا وراثة كلَّ أصيد حامِ
|
أنّـى يكون وليس ذاك بكائن
|
|
لبني البنات وراثة الأعمامِ
|
فقال جعفر بن عفان:
لـم لا يـكـون وأنّ ذاك لكائنٌ
|
|
لـبـنـي البنات وراثة الأعمامِ
|
لـلـبـنت نصفٌ كاملٌ من ماله
|
|
والـعـمُّ مـتـروكٌ بـغير سهام
|
مـا لـلـطـليق وللتراث وإنما
|
|
صلّى الطليقُ مخافة الصمصامِ
|
ودخل جماعة على الإمام الرضاعليهالسلام
فرأوه متغيّراً، فسألوه عن ذلك. قال:«بتّ ليلتي ساهراً متفكّراً في قول مروان بن أبي حفصة»
، وذكر البيت المتقدّم.
____________________________
قال:«ثمّ نمتُ فإذا أنا بقائل قد أخذ بعضادة الباب وهو يقول»
:
أنّـى يكون وليس ذاك بكائنٍ
|
|
لـلـمـشركين دعائمُ الإسلامِ
|
لبني البنات نصيبهم من جَدِّهمْ
|
|
والـعـمُّ مـتروكُ بغير سهامِ
|
مـا لـلطليق وللتراث وإنما
|
|
سجد الطليقُ مخالفة الصمصامِ
|
قـد كان أخبرك القرانُ بفضلهِ
|
|
فمضى القضاءُ به من الحكّامِ
|
إنَّ ابـنَ فـاطمة المنوَّهُ باسمهِ
|
|
حـاز الوراثةَ عن بني الأعمامِ
|
وبـقـى ابنُ نثلة واقفاً متردِّدا
|
|
يبكي ويُسعده ذوو الأرحامِ
|
ومروان سرق المعنى ممّا قاله مولى لتمّام بن معبد بن العبّاس بن عبد المطّلب، معرّضاً بعبيد الله بن أبي رافع مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، فإنّه أتى الحسن بن عليعليهالسلام
، وقال: أنا مولاك. وكان قديماً يكتب لعلي بن أبي طالبعليهالسلام
، فقال مولى تمّام:
جـحـدت بني العبّاس حقَّ أبيهمُ
|
|
فما كنت في الدعوى كريمَ العواقبِ
|
مـتـى كـان أولاد النّبي كوارثٍ
|
|
يحوز ويُدعى والداً في المناسبِ
|
ومروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة كان يهودياً، أسلم على يد مروان بن الحكم. وقيل: من سبي اصطخر، اشتراه عثمان بن عفان، وولاؤه لمروان. شهد يوم الدار مع مروان، ولمّا اُصيب مروان بن الحكم، حمله مولاه ابن أبي حفصة على عاتقه، وهو يجره ومروان يتأوه، فيقول له: اسكت، إن علموا بك قتلت. فأدخله بيت امرأة من عنزة، وداواه حتّى برئ، فأعتقه مروان، وشهد معه يوم الجمل، ومَرج راهط
.
وغضب صالح بن عطية الأضجم من بيت مروان (أنّى يكون وليس ذاك بكائن)، فاتصل به يخدمه مدّة حتّى أنس به هو وأهله. حتّى إذا مرض ابن أبي حفصة، كان صالح ممرّضاً له، فلمّا خفّ مَن عنده، وبقي صالح وحده، وضع يده على حلقه فخنقه حتّى مات ومضى عنه، ولم يشكّ أهله به
.
____________________________
وحسب الشاعر أنّ تترتّب على عمله البار هاتيك المثوبات الجزيلة، التي تشفُّ عن أنّ ما يصفه بعين الله سبحانه حتّى يبوئه لجليل سبحانه من الخلد حيث يشاء، وتزدان به غرف الجنان، ولا بُدعَ، فإنّه بهتافه هذا معدود من أهل الدعوة الإلهيّة، المعلنين بكلمة الحقّ وتأييد الدِّين؛ فهو بقوله الحقّ يرفع دعامة الأصلاح، وتُشيّد مبانيه، ويطأ نزعة الباطل بأخمص الهدى، ويقلع أشواكه المتكدّسة أمام سير المذهب، ويُلحِب طريقه الواضح.
ولم يعهد من الأئمّةعليهمالسلام
- مع تحفّظهم على التقيّة، وإلزام شيعتهم بها - تثبيط الشعراء عن المكاشفة في حقّهم، وإظهار باطل المناوئين مع أنّ في الشعراء مَن لا يقرّ له قرار، ولا يؤويه مكان؛ فرقاً من أعداء أهل البيتعليهمالسلام
لمحض مجاهرتهم بالولاء، والدعوة إلى طريقة آل الرسولصلىاللهعليهوآله
؛ كالكميت ودعبل الخزاعي ونظرائهما، بل كانواعليهمالسلام
يؤكّدون ذلك بالتحبيذ، وإدرار المال عليهم، وإجزال الهبات لهم، وذكر المثوبات على عملهم هذا. وليس ذاك؛ إلا لعلمهم بأنّ المكاشفة في أمرهم أدخل في توطيد اُسس الولاية، وعامل قوي لنشر الخلافة الإلهيّة حتّى لا يبقى سمع إلا وقد طرقه الحقّ الصراح، ثمّ تتلقاه الأجيال الآتية، كلّ ذلك؛ حفظاً للدين عن الإندراس؛ ولئلا تذهب تضحية اُمناء الوحي في سبيله إدراج التمويهات.
ولولا نهضة اُولئك الأفذاذ من رجالات الشيعة للذبّ عن قدس الدِّين بتعريض أنفسهم للقتل؛ كحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق، وميثم التمّار، وأمثالهم بما نال أهل البيت من أعدائهم، لَما عرفت الأجيال المتعاقبة موقف الأئمّةعليهمالسلام
من الدِّين، ولا ما قصده أعداؤهم من نشر الجور والضلال.
(
أَفَمَن يَهْدِي إلى الحَقّ أَحَقّ أَن يُتّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدّي إِلا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
)
.
مشكلة الخروج بالعيال
إنّ الكلمة الناضجة في وجه حمل الحسينعليهالسلام
عياله إلى العراق، مع علمه بما يقدم عليه ومَن معه على القتل، هي: أنّهعليهالسلام
لمّا علم بأنّ قتلتَه سوف تذهب ضياعاً لو لم
____________________________
يتعقبها لسان ذرب، وجنان ثابت يعرِّفان الاُمّة ضلال ابن ميسون، وطغيان ابن مرجانة باعتدائهما على الذريّة الطاهرة، الثائرة في وجه المنكر، ودحض ما ابتدعوه في الشريعة المقدّسة.
كما عرف (أبيّ الضيم) خوف رجال الدِّين من التظاهر بالإنكار، وخضوع الكلِّ للسلطة الغاشمة، ورسوف الكثير منهم بقيود الجور؛ بحيث لا يمكن لأكبر رجل الإعلان بفظاعة أعمالهم. وما جرى على ابن عفيف الأزدي، يؤكّد هذه الدعوى المدعومة بالوجدان الصحيح.
وعرف سيّد الشهداء من حرائر الرسالة الصبر على المكاره، وملاقاة الخطوب والدواهي بقلوب أرسى من الجبال؛ فلا يفوتهن تعريف الملأ، المغمور بالترهات والأضاليل نتائج أعمال هؤلاء المضلين، وما يقصدونه من هدم الدِّين، وأنّ الشهداء أرادوا بنهضتهم مع إمامهمعليهالسلام
- قتيل الحنيفيّة - إحياء شريعة جدّهصلىاللهعليهوآله
.
والعقائل من آل الرسولصلىاللهعليهوآله
، وإنْ استعرت أكبادهن بنار المصاب، وتفاقم الخطب عليهن، وأشجاهنّ الأسى، لكنهنّ على جانب عظيم من الأخذ بالثأر، والدفاع عن قدس الدِّين.
وفيهنّ (العقيلة) ابنة أمير المؤمنين سلام الله عليها، التي لم يرعها الأسر وذلّ المنفى، وفقد الأعزاء وشماتة العدوّ، وعويل الأيامى وصراخ الأطفال وأنين المريض، فكانت تلقي خواطرها بين تلك المحتشدات الرهيبة، أو فقل بين المخلب والنّاب غير متلعثمة، وتقذفها كالصواعق على مجتمع خصومها. فوقفت أمام ابن مرجانة، ذلك الألد، وهي امرأة عزلاء ليس معها من حماتها حمي، ولا من رجالها ولي غير الإمام الذي أنهكته العلّة، ونسوة مكتنفة بها، بين شاكية وباكية، وطفل كظّه العطش، إلى اُخرى أقلقها الوجل، وأمامها رأس علّة الكائنات ورؤوس صحبه وذويه، وقد تركت تلك الأشلاء المقطّعة في البيداء تصهرها الشمس، والواحدة من هذه تهدّ القوى، وتبلبل الفكر.
لكن (ابنة حيدرة) كانت على جانب عظيم من الثبات والطمأنينة، فأفرغت عن لسان أبيها بكلام أنفذ من السّهم، وألقمت ابن مرجانة حَجراً، إذ قالت له:«هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل؛ فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاجّ وتخاصم، فانظر لِمَن الفلج. ثكلتك اُمّك يابن مرجانة!»
.
وأوضحت للملأ المتغافل خبثه ولؤمه، وأنّه لن يرحض عنه عارها وشنارها، كما أنّها أدهشت العقول وحيّرت الفكر في خطبتها بكُناسة الكوفة، والنّاس يومئذ حيارى يبكون، لا يدرون ما يصنعون، وأنّى يرحض عنهم العار بقتلهم سليل النبوة، ومعدن الرسالة، وسيّد شباب أهل الجنة؟ وقد خاب السّعي، وتبّت الأيدي، وخسرت الصفقة، وباؤوا بغضب من الله وخزي في الآخرة، ولعذاب الله أكبر لو كانوا يعلمون.
وبعد أنْ فرغت من خطابها اندفعت فاطمة ابنة الحسينعليهالسلام
بالقول الجزل، مع ثبات جأش وهدوء بال، فكان خطابها كوخز السّنان في القلوب، ولم يتمالك النّاس دون أنْ ارتفعت أصواتهم بالبكاء، وعرفوا عظيم الجناية والشقاء، فقالوا لها: حسبك يا ابنة الطاهرين، فقد احرقت قلوبنا وانضجعت نحورنا.
وما سكتت حتّى ابتدرت اُمّ كلثوم، زينب بنت علي بن أبي طالبعليهالسلام
، فعرّفت الحاضرين عظيم ما اقترفوه، فولول الجمع وكثر الصراخ، ولم يرَ إذ ذاك أكثر باك وباكية
.
فهل يا ترى يمكنك الجزم بأنّ أحداً يستطيع في ذلك الموقف الرهيب، الذي تحفّه سيوف الجور أن يتكلّم بكلمة واحدة مهما بلغ من المنعة في عشيرته؟ وهل يقدر أحد أنْ يعلن بموبقات ابن هند وابن مرجانة غير بنات أمير المؤمنينعليهالسلام
؟ كلا. إنّ على الألسن أوكية، والأيدي مغلولة، والقلوب مشفقة.
على أنّ هذا، إنّما يقبّح ويستهجن إذا لمْ يترتّب عليه إلا فوائد دنيويّة مثارها رغبات النّفس الأمّارة، وأمّا إذا ترتّبت عليه فوائد دينيّة، أهمّها: تنزيه دين الرسولصلىاللهعليهوآله
عمّا ألصقوه بساحته من الباطل، فلا قبح فيه عقلاً، ولا يستهجنه العرف، ويساعد عليه الشرع.
والمرأة، وإنْ وضع الله عنها الجهاد ومكافحة الأعداء، وأمرها سبحانه وتعالى أنْ تقرّ في بيتها؛ فذاك فيما إذا قام بتلك المكافحة غيرها من الرجال. وأمّا إذا توقّف إقامة الحقّ عليها فقط؛ بحيث لولا قيامها لدرست اُسس الشريعة، وذهبت
____________________________
تضحية اُولئك الصفوة دونه أدراج التمويهات، كان الواجب عليها القيام به.
ولذلك نهضت سيّدة نساء العالمين الزهراءعليهاالسلام
للدفاع عن خلافة الله الكبرى؛ حين اُخذ العهد على سيّد الأوصياء بالقعود، فخطبت في مسجد النّبيصلىاللهعليهوآله
الخطبة البليغة في محتشد من المهاجرين والأنصار.
على أنّ الحسينعليهالسلام
كان على علم بإخبار جدّه الأمينصلىاللهعليهوآله
؛ بأنّ القوم وإنْ بلغوا الغاية، وتناهوا في الخروج عن سبيل الحميّة، لا يمدّون إلى النّساء يد السّوء، كما أنبأ عنه سلام الله عليه بقوله لهنّ ساعة الوداع الأخيرة:«البسوا أزركم، واستعدّوا للبلاء، واعلموا أنّ الله حاميكم وحافظكم، وسينجيكم من شرّ الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويعذّب أعاديكم بأنواع العذاب، ويعوّضكم عن هذه البليّة بأنواع النّعم والكرامة. فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم»
.
هذا كلّه لو لم نقل بالإمامة لسيّد الشهداءعليهالسلام
. وأمّا مع الخضوع لناموس علم الإمام الشامل لِما كان ويكون، وسيره حسب المصالح الواقعيّة، وعصمته في أقواله وأفعاله، كما هو الحقّ الذي لا محيص عنه، فكان المحتّم علينا الإذعان بأنّ ما صدر منه ناشئ عن حِكَمٍ ربانيّة، ومصالح إلهيّة لا يتطرّق إليها الشكّ، وليس الواجب علينا إلا التصديق بجميع أفعاله، من دون أن يلزمنا العقل بمعرفة المصالح الباعثة على تلك الأفعال الصادرة منه. وهكذا الحال في كلّ ما وجب على المكلّفين، فإنّه لمْ يجب على العباد إلا التسليم والخضوع للمولى، من دون أنْ تعرف الأغراض الباعثة عليها. وهكذا الحال في العبيد مع مواليهم، فإنّ العقل لا يلزم العبد بأكثر من طاعة سيّده ومولاه حينما يأمره وينهاه.
نهضات العلويِّين
لقد كان من نتائج تلك النّهضة المقدّسة ومن ولائد ذلك (الفتح المبين) تطوّر في نظر العلويين نسباً أو مذهباً أو مَن أخذ لدعوته لوناً من الانتماء إلى آل محمّد، وإنْ كان مضمراً غير ما يتظاهر به، وكلٌ من هؤلاء لمْ يعدم التشييد لدعوة الحقّ، والوهن في دولة الباطل، وتعريف الاُمّة بأنّ لآل محمّد حقّاً مغتصباً،
والواجب عليهم النّهوض لقطع اليد العادية.
فكانت تلكم الثورات المتتابعة باعثة إلى الأفئدة دواعي تحفّزها إلى تحرّي الرشد حتّى تقف على صراح الحقيقة.
كانت الاُمّة تعتقد أنّه ليس من المستطاع النّهوض في وجه ا لمستحوذين على أمر الاُمّة وإمرة المسلمين لقوّة سلطانهم، وإنّ القيام أمام السّلطة القاسية لا يعقب إلا فشلا، بل إنّ المحظور في الشريعة القاء النّفس في التهلكة من غير ما جدوى هنالك.
لكن سيّد الإباء والحميّة وسيّد شباب أهل الجنة أوحى إلى الملأ الدِّيني بصرخته في مشهد الطفّ التي لم يزل دويّ صداها في مسامع القرون والأجيال: إنّ الواجب في الشريعة الثورة أمام كلّ باطل، إذا لمْ يكن ما يدحره غيرها.
وإنّ في مستوى اليقين بلوغ الغاية المتوخّاة لِمَن يجعل طلب الحق عنوان نهضته، فإنّه إمّا أنْ يفوز النّاهض بالظفر أو مَن يتلوه في نهضته حتّى تتجسّد الأماني بالفتح المبين.
وهذا ما نراه من تعاقب النّهضات تجاه عبث الاُمويِّين بالشريعة المطهّرة، فكانت دعوة المختار هي ثارات لآل محمّد.
وقام زيد بن علي بن الحسينعليهالسلام
وولده يحيى داعيَين إلى الرضا من آل محمّد، وأظهر بقيّة الهاشميِّين التذمّر من خلفاء الجَور ووثبوا لسدّ سَيل الضلال الجارف.
وإنّ التأمّل في سِيَر المعصومين من آل الرسول، وما قيضهم المولى سبحانه له من كسح أشواك المنكر وإرشاد العباد إلى الطريقة المثلى تتجلّى له رغبتهمعليهمالسلام
في هاتيك المحتشدات الدامية، لأنّ الغاية المتوخّاة لهم إنّما هي تعريف الاُمّة أحقيّتهم بمنصب الرسول الأقدس، وإنّ الدافع لهم عن هذا الحق المجعول لهم من الباري عزّ اسمه مائل عن النّهج القويم، وهذا المعنى إنّما يتسرّب إلى الأدمغة وتلوكه الأشداق؛ بسبب هاتيك الثورات في مختلف الاصقاع لتتم الحُجّة على الاُمّة، فلا يسع أحداً الاعتذار بالجهل بالإمام المنصوص عليه من النّبي الأعظم.
وإنّما نشاهد من بعض أئمّة الهدى الإنكار والتبرّي من العلويِّين وغيرهم الخارجين على خلفاء الجَور، فإنّما هو للتقيّة من السّلطة الغاشمة؛ كيلا تنسب إليهم الثورة فينالهم مالا يحمد عقباه.
نعم كان في الثائرين اُناس اتّخذوا مظلوميّة أهل البيت فخّاً يصطادون به البسطاء. فابن الزبير الذي كان يشيد بذكر الحسينعليهالسلام
والظلم الذي جرى عليه، لمّا حسب أنّه ملك الأمر تركه، فكان أشدّ المناوئين لأهل البيتعليهمالسلام
وأظهر ما انحنت عليه جوانحه.
فترك الصلاة على النّبيصلىاللهعليهوآله
أربعين جمعة فقيل له في ذلك، قال: إنّ له أهل بيت سوء، إذا ذكرته، اشرأبت نفوسهم إليه وفرحوا بذلك، فلا اُحبّ أنْ اُقرّ أعينهم
.
ولقد جرّأه على ذلك معاوية بن أبي سفيان الذي يقول لمّا سمع المؤذّن يشهد بالرسالة: (... وإنّ أخا هاشم يصرخ باسمه في كلّ يوم خمس مرّات: أشهد أنَّ محمداً رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، فأيّ عمل يبقى مع هذا لا اُمّ لك، والله إلا دفناً دفنا)
.
ولمّا سمع المأمون بهذا الحديث كتب إلى الآفاق بلعنه على المنابر فأعظم النّاس ذلك وأكبروه واضطربت العامّة فاُشير عليه بالترك فأعرض عمّا كان عليه
.
وأعطف عليه بني العبّاس الذين ملأوا الجَوّ هتافاً بالاستياء لِما أصاب آل محمّد يوم الطفّ، ولمّا حصلوا على الاُمنية، قلبوا لهم ظهر المجن وأبادوهم عن جديد الأرض، وكان موسى بن عيسى العباسي، صاحب الوقعة (بفخ) يقول: لو نازعنا النّبيصلىاللهعليهوآله
هذا الأمر لضربنا خيشومه بالسّيف
.
____________________________
فهؤلاء إلى أمثالهم برئت منهم الذمّة وانقطعت العصمة وإن استفادت الاُمّة بنهضتهم من ناحية استئصال شأفة أعدائها من آل حرب واُميّة:
طـمعت ابـناء حـرب ان تـرى
|
|
فـيه لـلضيم انـعطافاً وانـكسارا
|
حـاولـت تـصطاد مـنه اجـدلا
|
|
نـفض الـذلَّ عـلى الوكر وطارا
|
ورجــت لـلـخسف أن تـجذبه
|
|
ارقـماً قـد ألـف الـعزّ وجـارا
|
كـيف يـعطي بـيد الـهون إلى
|
|
طـاعة الـرجس عن الموت حذارا
|
فـأبـى إلا الـتـي إن ذكــرت
|
|
هـزَّت الـكون انـدهاشاً وانذعارا
|
فـأتى مـن بـأسه فـي جـحفل
|
|
زحـفه سـدَّ عـلى الباغي القفارا
|
ولـيوث مـن بـني عـمرو العلى
|
|
لـبسوا الـصبر عـلى الطعن دثارا
|
أشـعـروا ضـرباً بـهيجاء غـدا
|
|
لـهم فـي ضـنكها الموت شعارا
|
فـقضوا حـقّ الـمعالي ومـضوا
|
|
طـاهري الأعراض لم يدنس عارا
|
بـذلـوهـا أنـفـسـاً غـالـية
|
|
كبرت بالعزِّ أن ترضى الصغارا
|
____________________________
حديث كربلاء
بسم الله الرحمن الرحيم
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
:
« إنَّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً »
(مستدرك الوسائل ج ٢ ص ٢١٧)
هلَّ المحرم
هـلَّ الـمحرَّم فـاستهل مـكبِّراً
|
|
وانـثر به درر الدموع على الثرى
|
وانـظر بـغرته الهلال إذا انجلى
|
|
مـسـترجعاً مُـتـفجِّعاً مُـتفكِّراً
|
واخلع شعار الصبر منك وزرَّ من
|
|
خـلع الـسّقام عـليك ثوباً أصفرا
|
فـثياب ذي الأشـجان ألـقيها به
|
|
مـا كـان من حُمر الثياب مزررا
|
شـهر بـحكم الـدهر فيه تحكَّمت
|
|
شـر الكلاب السّود في اُسد الشرى
|
لـلّـه أي مـصـيبة نـزلت بـه
|
|
بـكت الـسّماء لـه نجيعاً أحمرا
|
خَـطبٌ دهـى الإسلام عند وقوعه
|
|
لـبست عـليه حدادها (اُمّ القرى)
|
أو ما ترى الحرم الشريف تكاد من
|
|
زفـراته الـجمرات أن تـتسعَّرا
|
(وأبـا قبيس) في حشاه تصاعدت
|
|
قـبسات وجد حرها يصلي (حرا)
|
عَـلِمَ (الـحطيمُ) به فحطَّمه الأسى
|
|
ودرى (الـصفا) بـمصابه فتكدَّرا
|
واسـتشعرت مـنه المشاعر بالبلا
|
|
وعـفا (مـحسرها) جوىً وتحسَّرا
|
قُـتل الـحسين فـيا لها من نكبة
|
|
أضحى لها الإسلام منهدم الذرى
|
شهر المحرّم
مُـحـرَّمٌ فـيه الـهنا مُـحرَّمُ
|
|
والـحزن فـرضٌ والبكا مُحتَّمُ
|
شـهرٌ بـه الإيـمان ثَل عرشه
|
|
والـكفر بـالإسلام بـان بطشه
|
هـلاله قوس رمى قلب الهدى
|
|
والدِّين في سهم الحتوف والردى
|
قـد كـان عند الكفر والإسلام
|
|
فـيـه الـقتال أعـظم الآثـام
|
____________________________
وآل حرب حاربوا ربَّ السّما
|
|
فـيه وحـلَّلوا الدم المحرَّما
|
وانتهكوا حرمة سادات الحرم
|
|
وارتكبوا ما أمطر السّماء دم
|
يـا آل حـرب لا لقيتم سَلَماً
|
|
ولا وقـيتم مـن لـسان ذما
|
لُـعنتُمُ في الأرض والسّماء
|
|
عـلى لـسان جملة الأحياء
|
بـشراكُمُ بـالويل والـثبون
|
|
وبـالعذاب يوم نَفخ الصور
|
كـم حـرة للمصطفى هتكتُمُ
|
|
وكــم دم لِـولـده سـفكتُمُ
|
يـا امـة الخذلان والكفران
|
|
وعـصبة الضلال والشيطان
|
بـأي عـين تبصرون جَده
|
|
وقـد فـعلتم مـا فعلتم بعده
|
جزرتُمُ جزر الأضاحي نسله
|
|
وسـقتُمُ سـوق الاماء أهله
|
نـسيتُمُ احـسان يـوم الفتح
|
|
نـسيتُمُ فـيه جميل الصفح
|
قـد كـنتُمُ لولا بدور هاشم
|
|
سـراً يضيع في ضلوع كاتم
|
بـهم تـسنمتم ذرى المنابر
|
|
كما علوتم صهوة المفاخر
|
يزيد بعد معاوية
لمّا هلك معاوية بدمشق للنصف من رجب سنة ستين هجرية، كان ابنه يزيد في حوران، فأخذ الضحّاك بن قيس أكفانه ورقى المنبر، فقال بعد الحمد لله والثناء عليه: كان معاوية سور العرب وعونهم وجدّهم، قطع الله به الفتنة وملّكه على العباد وفتح به البلاد، إلا أنّه قد مات وهذه أكفانه فنحن مدرجوه فيها، ومدخلوه قبره ومخلّون بينه وبين عمله، ثمّ هو البرزخ إلى يوم القيامة، فمَن كان منكم يريد أنْ يشهد فليحضر.
ثمّ صلّى عليه الضحّاك، ودفنه بمقابر باب الصغير وأرسل البريد إلى يزيد يعزّيه بأبيه، والإسراع في القدوم؛ ليأخذ بيعةً مجددةً من النّاس
، وكتب في أسفل الكتاب
:
____________________________
مضى ابن أبي سفيان فرداً لشأنه
|
|
وخلفت فانظر بعده كيف تصنع
|
أقمنا على المنهاج واركب محجة
|
|
سداداً فأنت المرتجى حين نفزع
|
فلما قرأ يزيد الكتاب أنشأ يقول
:
جـاء الـبريد بقرطاس يخبُّ به
|
|
فـأوجس القلب من قرطاسه فزعا
|
قـلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم
|
|
قـال الخليفة أمـسى مثقلا وجعا
|
مادت بنا الأرض أو كادت تميد بنا
|
|
كـأن مـا عـزَّ من أركانها انقلعا
|
من لم تزل نفسه توفي على وجل
|
|
تـوشك مقادير تلك النفس أن تقعا
|
لـما وردت وباب القصر منطبق
|
|
لـصوت رملة هُدَّ القلب فانصدعا
|
وسار إلى دمشق، فوصلها بعد ثلاثة أيام من دفن معاوية
، وخرج الضحّاك في جماعة لاستقباله، فلمّا وافاهم يزيد جاء به الضحّاك أولاً إلى قبر أبيه، فصلّى عند القبر.
ثمّ دخل البلد ورقى المنبر، وقال: أيّها النّاس، كان معاوية عبداً من عبيد الله، أنعم الله عليه ثمّ قبضه إليه. وهو خير من بعده ودون من قبله. ولا أزكّيه على الله عزّ وجلّ؛ فإنّه أعلم به، إن عفا عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنبه. وقد ولِّيتُ الأمر من بعده، ولستُ آسى على طلب، ولا أعتذر من تفريط، وإذا أراد الله شيئاً كان. ولقد كان معاوية يغزو بكم في البحر، وإنّي لستُ حاملاً أحداً من المسلمين في البحر. وكان يشتيكم بأرض الروم، ولستُ مشتياً أحداً بأرض الروم. وكان يخرج عطاءكم أثلاثاً، وأنا أجمعه كلّه لكم
.
فلم يقدم أحد على تعزيته حتّى دخل عليه عبد الله بن همام السّلولي، فقال: يا أمير المؤمنين، آجرك الله على الرزيّة، وبارك لك في العطيّة، وأعانك على الرعيّة، فقد رزئت عظيماً واُعطيت جسيماً، فاشكر الله على ما اُعطيت، واصبر على ما رزئت. فقد فقدتَّ خليفة الله واُعطيت خلافة الله، ففارقت جليلاً ووهبت جزيلاً، إذ قضى
____________________________
معاوية نحبه، وولِّيت الرياسة واُعطيت السّياسة، فاورده الله موارد السّرور ووفقك لصالح الامور، ثمّ أنشأ:
إصـبر يـزيد فقد فارقت ذا كرم
|
|
واشـكر حباء الذي بالملك أصفاك
|
لا رزء أصبح في الأقوام قد علموا
|
|
كـما رزئـت ولا عـقبى كعقباك
|
أصـبحت راعي أهل الدين كلهُمُ
|
|
فـأنـت تـرعاهُمُ والله يـرعاك
|
وفـي مـعاوية الـباقي لنا خلف
|
|
إذا نـعيت ولا نـسمع بـمنعاك
|
فانفتح بذلك للخطباء
، وقال له رجل من ثقيف: السّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، إنّك قد فُجعت بخير الآباء، واُعطيت جميع الأشياء، فاصبر على الرزيّة، واحمد الله على حُسن العطيّة، فلا أحد اُعطي كما اُعطيت ولا رزئ كما رزئت.
وأقبل الناس عليه يهنّئونه ويعزّونه فقال يزيد: نحن أنصار الحقّ وأنصار الدِّين، وأبشروا يا أهل الشام، فإنّ الخير لم يزل فيكم وستكون بيني وبين أهل العراق ملحمة؛ وذلك إنّي رأيت في منامي منذ ثلاث ليال كأنّ بيني وبين أهل العراق نهراً يطّرد بالدم جرياً شديداً، وجعلتُ أجهد نفسي لأجوزه فلم أقدر حتّى جازه بين يدي عبيد الله بن زياد وأنا أنظر إليه!.
فصاح أهل الشام إمض بنا حيث شئت، معك سيوفنا التي عرفها أهل العراق في صفّين، فجزاهم خيراً وفرّق فيهم أموالاً جزيلة.
وكتب إلى العمّال في البلدان يخبرهم بهلاك أبيه، وأقرّهم على عملهم، وضمّ العراقَين إلى عبيد الله بن زياد - بعد أن أشار عليه بذلك سرجون مولى معاوية -، وكتب إلى الوليد بن عتبة وكان على المدينة:
أمّا بعد: « فإنّ معاوية كان عبداً من عباد الله أكرمه واستخلصه ومكّن له، ثمّ قبضه إلى روحه و ريحانه ورحمته وعقابه، عاش بقدر ومات بأجل، وقد كان عَهَدَ إليَّ وأوصاني بالحذر من آل أبي تراب؛ لجرأتهم على سفك الدماء، وقد علمتَ يا وليد أنّ الله تبارك وتعالى منتقم للمظلوم عثمان بآل أبي سفيان؛ لأنّهم أنصار الحقّ وطلاب العدل، فإذا ورد عليك كتابي هذا، فخذ البيعة على أهل المدينة ».
____________________________
ثمّ أرفق الكتاب بصحيفة صغيرة فيها: خُذ الحسين وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً، ومَن أبى فاضربْ عنقه، وابعث إليَّ برأسه
!
وقام العامل بهذه المهمّة، فبعث على الحسين وابن الزبير نصف الليل، رجاء أنْ يغتنم الفرصة بمبايعتهما قبل النّاس، فوجدهما رسوله عبد الرحمن بن عمرو بن عثمان بن عفّان
في مسجد النّبيصلىاللهعليهوآله
، فارتاب ابن الزبير من هذه الدعوة التي لم تكن في الوقت الذي يجلس فيه للناس
، لكن حُجّة الوقت (حسين الإصلاح) أوقفه على أمر غيبي، وهو هلاك معاوية، وأنّه يطلب منهم البيعة ليزيد وأيّدهعليهالسلام
بما رآه في المنام من اشتعال النّيران في دار معاوية، وإنّ منبره منكوس
.
ورام ابـن ميسون على الدين امرة
|
|
فـعاثت بـدين الله جهراً جرائمه
|
فـقام مغيثاً شرعة الدِّين شبل مَنْ
|
|
بـصمصامه بـدءاً اقيمت دعائمه
|
وحفَّ به (إذ محصَّ الناسَ) معشر
|
|
نـمته إلى اوج الـمعالي مكارمه
|
فـمن اشوس ينميه للطعن (حيدر)
|
|
وينميه جد في قرى الطير (هاشمه)
|
ورهط تفانى في حمى الدين لم تهن
|
|
لـقـلته بـين الـجموع عـزائمه
|
إلى أن قضوا دون الشريعة صرَّعاً
|
|
كما صرعت دون العرين ضراغمه
|
أراد ابن هند خاب مسعاه أن يرى
|
|
(حسينا) بأيدي الضيم تلوى شكائمه
|
ولـكن أبـى المجد المؤثل والإبا
|
|
لـه الـذلُّ ثـوباً والحسام ينادمه
|
أبـوه عـلي وابـنة الـطُّهر اُمّه
|
|
وطـه لـه جَـدٌّ وجـبريل خادمه
|
إلـى ابن سمي وابن ميسون ينثني
|
|
يـمدُّ يـداً والـسّيف في اليد قائمه
|
____________________________
فصال عليهم صولة الليث مغضباً
|
|
وعسا له خصم النفوس وصارمه
|
فـحكَّم فـي أعـناقهم نافذ القضا
|
|
صقيلاً فلا يستأنف الحكم حاكمه
|
الى أن أعاد الدين غضّاً ولم يكن
|
|
بغير دماء السّبط تسقى معالمه
|
و وضّح لابن الزبير ما عزم عليه الحسين من ملاقاة الوالي في ذلك الوقت، فأشار عليه بالترك حذار الغيلة، فعرّفه الحسينعليهالسلام
القدرة على الامتناع
.
وصار إليه الحسين في ثلاثين
من مواليه وأهل بيته وشيعته، شاكين بالسّلاح، ليكونوا على الباب فيمنعونه إذا علا صوته
وبيده قضيب رسول اللهصلىاللهعليهوآله
. ولمّا استقرّ المجلس بأبي عبد اللهعليهالسلام
، نعى الوليد إليه معاوية، ثم عرض عليه البيعة ليزيد، فقالعليهالسلام
:«مثلي لا يبايع سرّاً، فإذا دعوتَ النّاس إلى البيعة دعوتنا معهم، فكان أمراً واحداً»
.
فاقتنع الوليد منه، لكن مروان ابتدر قائلاً: إن فارقك السّاعة ولم يبايع، لم تقدر منه على مثلها حتّى تكثر القتلى بينكم، ولكن احبس الرجل حتّى يبايع أو تضرب عنقه.
فقال الحسين:«يابن الزرقاء
أنت تقتلني أم هو؟! كذبت وأثمت»
.
____________________________
ثم أقبلعليهالسلام
على الوليد وقال:«أيها الأمير، إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا يختم. ويزيد رجل شارب الخمور، وقاتل النّفس المحرَّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة»
.
فأغلظ الوليد في كلامه، وارتفعت الأصوات، فهجم تسعة عشر رجلاً قد انتضوا خناجرهم وأخرجوا الحسين إلى منزله قهراً
.
فقال مروان للوليد: عصيتني، فولله لا يمكّنك على مثلها. قال الوليد: وَبِّخ غيرك يا مروان! اخترت لي ما فيه هلاك ديني، أقتل حسيناً أنْ قال لا اُبايع! والله لا أظن امرءاً يحاسب بدم الحسين إلا خفيف الميزان يوم القيامة
، ولا ينظر الله إليه، ولا يزكّيه، وله عذاب أليم
.
وعتبت أسماء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، امرأة الوليد عليه؛ لمّا جرى منه مع الحسين، فاعتذر بأنّه بدأه بالسّب، قالت: أتسبّه وتسبّ أباه إنْ سبّك! فقال: لا أفعل أبداً
.
وفي هذه الليلة زار الحسين قبر جدّهصلىاللهعليهوآله
، فسطع له نور من القبر
فقال:«السّلام عليك يا رسول الله، أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك، وسبطك الذي خلّفتني في اُمّتك، فاشهد عليهم يا نبيّ الله أنّهم خذلوني ولم
____________________________
يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك»،
ولم يزل راكعاً وساجداً حتّى الصباح
.
وأرسل الوليد من يتعرّف له خبر الحسين، وحيث لم يصبه الرسول في منزله، اعتقد أنّه خارج من المدينة، فحمد الله على عدم ابتلائه به.
وعند الصباح لقي مروان أبا عبد اللهعليهالسلام
، فعرفه النصيحة التي يدخرها
____________________________
لأمثاله، وهي البيعة ليزيد؛ فإنّ فيها خير الدِّين والدنيا، فاسترجع الحسين وقال:«على الإسلام السّلام؛ إذا بليت الاُمّة براع مثل يزيد، ولقد سمعت جدّي رسول الله
صلىاللهعليهوآله
يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان
، فاذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه، وقد رآه أهل المدينة على المنبر فلم يبقروا فابتلاهم الله بيزيد الفاسق»
، وطال الحديث بينهما حتّى انصرف مروان مغضباً
.
وفي الليلة الثانية جاء الحسين إلى قبر جدّه، وصلّى ركعات ثم قال:«اللهمّ، إنّ هذا قبر نبيّك محمّد
صلىاللهعليهوآله
وأنا ابن بنت نبيّك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللهمّ إنّي اُحبّ المعروف واُنكِر المنكر، وأسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ القبر ومَن فيه إلا اخترت لي ما هو لك رضىً ولرسولك رضىً»
، وبكى.
ولمّا كان قريباً من الصبح وضع رأسه على القبر فغفا، فرأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
في كتيبة من الملائكة عن يمينه وشماله وبين يدَيه، فضمّ الحسين إلى صدره وقبَّل ما بين عينيه، وقال: حبيبي يا حسين، كأنّي أراك عن قريب مرمّلاً بدمائك، مذبوحاً بأرض كربلا بين عصابة من اُمّتي، وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقى، وظمآن لا تروى، وهم بعد ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة! حبيبي يا حسين، إنّ أباك واُمّك وأخاك قدموا عليَّ وهم مشتاقون إليك. فبكى الحسين وسأل جدّه أنْ يأخذه معه ويدخله في قبره.
ولكن الرسول الأقدس أبى إلا أنْ يمضي ولده على حال أربى في نيل الجزاء وآثر عند الجليل سبحانه يوم الخصام فقالصلىاللهعليهوآله
: لابد أنْ ترزق الشهادة؛ ليكون لك ما كتب الله فيها من الثواب العظيم، فانّك وأباك وعمّك وعمّ أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتّى تدخلوا الجنّة.
فانتبه الحسين وقصّ رؤياه على أهل بيته فاشتد حزنهم وكثر بكاؤهم
____________________________
وعلموا قرب الموعد الذي كان رسول الله يخبر به، ولحرصهم على نور النبوّة أنْ لا يحجب عنهم ولا يفقدوا تلك الهبات العلويّة اجتمعوا عليه، وطلبوا منه الموافقة ليزيد أو الابتعاد عن هذه البلاد.
جماعة يتخوّفون على الحسين
١- رأي عمر الأطرف
فقال له عمر الأطرف بن أمير المؤمنين
: حدّثني أبو محمّد الحسن عن أبيه أمير المؤمنين، أنّك مقتول، فلو بايعت لكان خيراً لك. قال الحسين:«حدّثني أبي أنّ رسول الله أخبره بقتله وقتلي، وإنّ تربته تكون بالقرب من تربتي، أتظنّ أنّك علمت ما لم أعلمه؟، وإنّي لا أعطي الدنيّة من نفسي أبداً، ولتلقين فاطمة أباها شاكية ممّا لقيت ذريّتها من اُمّته، ولا يدخل الجنة من آذاها في ذريّتها»
.
وجاء عمر بن علي بن أبي طالب إلى المختار - حينما نهض بالكوفة - فقال له المختار: هل معك محمّد بن الحنفيّة؟ فقال: لا. فطرده عنه. فسار إلى مصعب حتّى حضر الوقعة وقُتل فيمَن قُتل من النّاس
.
لا بـد أن تـرد الـقيامة فاطم
|
|
وقـميصها بـدم الحسين ملطّخ
|
ويـلٌ لـمَن شـفعاؤه خصماؤه
|
|
والصور في يوم القيامة ينفخ
|
٢- رأي ابن الحنفية
وقال محمّد بن الحنفية
: يا أخي أنت أحبّ النّاس إليَّ وأعزّهم عليَّ
____________________________
ولستُ أدّخر النّصيحة لأحد من الخلق إلا لك وأنت أحقّ بها، تنحّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث برسلك إلى النّاس، فإنْ بايعوك حمدتَ الله على ذلك، وإنْ اجتمعوا على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ولم تذهب مروءتك ولا فضلك، وإنّي أخاف عليك أنْ تدخل مصراً من هذه الأمصار فيختلف النّاس بينهم فطائفة معك واُخرى عليك فيقتتلون، فتكون لأول الأسنّة غرضاً، فإذا خيرُ هذه الاُمّة كلّها نفساً وأباً واُمّاً، أضيعها دماً، وأذلّها أهلاً.
فقال الحسين:«فأين أذهب؟»،
قال: تنزل مكّة فإنْ اطمأنّت بك الدار، وإلا لحقت بالرمال وشعب الجبال وخرجت من بلد إلى آخر حتّى تنظر ما يصير إليه أمر النّاس، فإنّك أصوب ما تكون رأياً وأحزمه عملاً حتّى تستقبل الاُمور استقبالاً ولا تكون الأمور أبداً أشكل عليك منها حين تستدبرها استدباراً
.
فقال الحسين:«يا أخي، لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى، لَما بايعت يزيد ابن معاوية»
.
فقطع محمّد كلامه بالبكاء.
فقال الحسين:«يا أخي، جزاك الله خيراً، لقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكّة، وقد تهيّأتُ لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي أمرهم أمري ورأيهم رأيي، وأمّا أنت فلا عليك أنْ تقيم بالمدينة، فتكون لي عيناً عليهم لا تخفي عنّي شيئاً من اُمورهم»
.
وقام من عند ابن الحنفية ودخل المسجد، وهو ينشد:
لا ذعرت السوام في فلق الصبح
|
|
مغـيراً ولا دعـيت يـزيدا
|
يوم أُعطي مخالفة الموت ضـيم
|
|
والمنايا يرصدنني أن احيدا
|
____________________________
وسمعه أبو سعيد المقبري فعرف أنّه يريد أمراً عظيماً
.
٣- رأي اُمّ سلمة
وقالت اُمّ سلمة: لا تحزنني بخروجك إلى العراق، فإنّي سمعت جدّك رسول الله يقول:«يُقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلا»
، وعندي تربتك في قارورة دفعها إليَّ النّبيصلىاللهعليهوآله
.
فقال الحسين:«يا اُمّاه، وأنا أعلم أنّي مقتول مذبوح ظلماً وعدواناً، وقد شاء عزّ وجلّ أنْ يرى حرمي ورهطي مشرّدين، وأطفالي مذبوحين مأسورين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً».
قالت اُمّ سلمة: وآعجباً! فأنّى تذهب وأنت مقتول؟!.
قالعليهالسلام
:«يا اُمّاه، إنْ لم أذهب اليوم ذهبتُ غداً، وإنْ لم أذهب في غد ذهبت بعد غد، وما من الموت والله بدّ، واني لأعرف اليوم الذي اُقتل فيه والسّاعة التي اُقتل فيها والحفرة التي اُدفن فيها، كما أعرفك، وأنظر إليها كما أنظر إليك، وإنْ أحببتِ يا اُمّاه أنْ أريك مضجعي ومكان أصحابي»،
فطلبت منه ذلك، فأراها تربة أصحابه
، ثمّ أعطاها من تلك التربة، وأمرها أنْ تحتفظ بها في قارورة، فإذا رأتها تفور دماً تيقّنت قتله. وفي اليوم العاشر بعد الظهر نظرت إلى القارورتين فإذا هما يفوران دماً
.
____________________________
الهاشميّات:
وكَبُرَ خروجه على نساء بني عبد المطّلب فاجتمعن؛ للنياحة، فمشى إليهنّ الحسين وسكّتهن وقال:«اُنشدكنّ الله أنْ تبدين هذا الأمر معصية لله ولرسوله»
، فقلن: ولِمَن نستبقي النّياحة والبكاء؟! فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله وعلي وفاطمة والحسن وزينب واُمّ كلثوم، فننشدك الله - جعلنا الله فداك - من الموت يا حبيب الأبرار من أهل القبور. وأخبرته بعض عمّاته أنّها سمعت هاتفاً يقول
:
____________________________
وإنَّ قتيل الطف من آل هاشم
|
|
أذلَّ رقاباً من قريش فذلَّتِ
|
فصبَّرها الحسين وعرَّفها أنّه أمر جارٍ وقضاء محتوم.
٤- رأي عبد الله بن عمر
وطلب منه عبد الله بن عمر بن الخطاب البقاء في المدينة فأبى الحسين وقال:«يا عبد الله، إنّ من هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريّا يُهدى إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل، وأنّ رأسي يُهدى إلى بغي من بغايا بني اُميّة، أما علمت أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الشمس سبعين نبياً ثمّ يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئاً؟! فلم يُعجّل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ذي انتقام»
.
ولما عرف ابن عمر من الحسين العزم على مغادرة المدينة والنّهضة في وجه أتباع الضلال وقمع المنكرات وكسح أشواك الباطل عن صراط الشريعة المقدّسة، قال له: يا أبا عبد الله أكشف لي عن الموضع الذي لم يزل رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يقبّله منك، فكشف له عن سرّته، فقبّلها ثلاثاً وبكى
.
فقال له:«اتّق الله يا أبا عبد الرحمن، ولا تَدَعَنَّ نصرتي»
.
____________________________
الوصيّة
وكتب الحسين قبل خروجه من المدينة وصيّةً قال فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن عليعليهالسلام
إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة، إنّ الحسين يشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله جاء بالحقّ من عنده، وأنّ الجنة حقّ والنّار حقّ، والسّاعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور.
وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي
صلىاللهعليهوآله
، اُريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب، فمَن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومَن ردّ عليَّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين.
وهذه وصيّتي إليك يا أخي. وما توفيقي إلا بالله عليه توكّلت وإليه اُنيب، ثمّ طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى أخيه محمّد»
.
رافـعٌ رايـة الـهدى بمهجته
|
|
كـاشفٌ ظـلمة العمى ببهجته
|
بـه اسـتقامت هـذه الشريعة
|
|
بـه عـلت أركـانها الرفيعة
|
بـنى الـمعالي بمعالي هممه
|
|
ما اخضرَّ عود الدين إلا بدمه
|
بـنفسه اشـترى حـياة الدين
|
|
فـيا لـها مـن ثـمن ثـمين
|
أحـيا مـعالم الـهدى بروحه
|
|
داوى جروح الدين من جروحه
|
جـفت ريـاض العلم بالسموم
|
|
لـم يـروها إلا دم الـمظلوم
|
فـأصبحت مـورقة الأشجار
|
|
يـانـعة زاكـيـة الـثـمار
|
أقـعـد كـل قـائم بـنهضته
|
|
حتّى أقـام الدين بعد كبوته
|
قـامت بـه قـواعد التوحيد
|
|
مـذ لـجأت بـركنها الشديد
|
____________________________
غـدت بـه سـامية الـقباب
|
|
مـعـاهد الـسّـنة والـكتاب
|
أفـاض كـالحيا عـلى الورِّاد
|
|
مـاء الـحياة وَهوَ ظامٍ صادي
|
وكـظَّه الظما وفي طيِّ الحشا
|
|
ريِّ الورى والله يقضي ما يشا
|
والـتهبت أحـشاؤه من الظما
|
|
فأمطرت سحائب القدس دما
|
الخروج من المدينة
وخرج الحسين من المدينة متوجّهاً نحو مكّة ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب ومعه بنوه وإخوته وبنو أخيه الحسن وأهل بيته
، وهو يقرأ:(
فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَبُ قَالَ رَبّ نَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ
)
.
ولزم الطريق الأعظم، فقيل له: لو تنكّبت الطريق كما فعل ابن الزبير؛ كيلا يلحقك الطلب، قال:«لا والله، لا أفارقه حتّى يقضي الله ما هو قاض».
ودخل مكّة يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان وهو يقرأ:(
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل
)
.
فنزل دار العبّاس بن عبد المطلب
واختلف إليه أهل مكّة ومَن بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزبير ملازم جانب الكعبة، ويأتي إلى الحسين فيمَن يأتيه وكان ثقيلاً عليه دخول الحسين مكّة؛ لكونه أجلَّ منه وأطوع في النّاس، فلا يبايَع له ما دام الحسين فيها.
وخرجعليهالسلام
في بعض الأيام إلى زيارة قبر جدّته خديجة، فصلّى هناك وابتهل إلى الله كثيراً
.
____________________________
أفدي الاولى للعلى أسرى بهم ظعن
|
|
وراء حـادٍ مـن الأقـدار يزعجه
|
رَكْـبٌ عـلى جنة الماوى معرِّسه
|
|
لـكن عـلى محن البلوى معرِّجه
|
مِثل الحسين تضيق الأرض فيه فلا
|
|
يـدري إلى أيـن ماواه ومولجه
|
ويطلب الأمن بالبطحا وخوف بني
|
|
سـفيان يـقلقه مـنها ويـخرجه
|
وهـو الذي شَرُفَ البيت الحرام به
|
|
ولاح بـعد الـعمى لـلناس منهجه
|
يـا حـائراً لا وحاشا نور عزمته
|
|
بـمن سواك الهدى قد شع مسرجه
|
وواسـع الـحلم والدنيا تضيق به
|
|
سـواك ان ضاق خطب من يفرِّجه
|
ويـا مـليكاً رعـاياه عليه طغت
|
|
وبـالـخلافة بـاريه مـتوِّجه
|
في مكّة
وفي مكّة كتب الحسينعليهالسلام
نسخة واحدة إلى رؤساء الأخماس بالبصرة وهم؛ مالك بن مسمع البكري
، والأحنف بن قيس، والمنذر بن الجارود
، ومسعود بن عمرو، وقيس بن الهيثم، وعمرو بن عبيد بن معمر. وأرسله مع مولى له يقال له سليمان
وفيه:«أمّا بعد، فإنَّ الله اصطفى محمداً
صلىاللهعليهوآله
من خلقه وأكرمه بنبوّته واختاره لرسالته، ثمّ قبضه إليه، وقد نصح لعباده وبلّغ ما اُرسل به
صلىاللهعليهوآله
وكنّا أهله وأولياءه وورثته وأحقّ النّاس بمقامه في النّاس، فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنّا أحقّ بذلك الحقّ المستحقّ علينا ممَّن تولاه، وقد بعثتُ رسولي إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، فإنّ السُنَّة قد اُميتت والبدعة قد اُحييت، فإنْ
____________________________
تسمعوا قولي أهدكم إلى سبيل الرشاد»
.
فسلّم المنذر بن الجارود العبدي رسولَ الحسين إلى ابن زياد فصلبه عشيّة الليلة التي خرج في صبيحتها إلى الكوفة؛ ليسبق الحسين إليها
. وكانت ابنة المنذر، بحرية زوجة ابن زياد فزعم أنْ يكون الرسول دسيساً من ابن زياد، فأمّا الأحنف فإنّه كتب إلى الحسينعليهالسلام
: أمّا بعد، فاصبر إنّ وعد الله حقّ ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون
.
وأمّا يزيد بن مسعود
فإنّه جمع بني تميم وبني حنظلة وبني سعد، فلمّا حضروا قال: يا بني تميم كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم؟ قالوا: بخ بخ! أنت والله فقرة الظهر ورأس الفخر، حللت في الشرف وسطاً وتقدّمت فيه فرطاً، قال: فإنّي قد جمعتكم لأمر أريد أنْ اُشاوركم فيه وأستعين بكم عليه، فقالوا: إنّا والله نمنحك النصيحة، ونجد لك الرأي، فقل حتّى نسمع. فقال: إنّ معاوية مات فأهون به والله هالكاً ومفقوداً، إلا وأنّه قد انكسر باب الجَور والإثم، وتضعضعت أركان الظلم، وكان قد أحدث بيعة عقد بها أمراً ظنّ أنّه قد أحكمه، وهيهات الذي أراد اجتهد والله ففشل، وشاور فخذل، وقد قام يزيد - شارب الخمور ورأس الفجور - يدّعي الخلافة على المسلمين، ويتأمّر عليهم بغير رضىً منهم مع قصر حلم وقلّة علم، لا يعرف من الحقّ موطأ قدَمَيه، فاُقسم بالله قسماً مبروراً لجهاده على الدِّين أفضل من جهاد المشركين، وهذا الحسين بن علي وابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
ذو الشرف الأصيل والرأي الأثيل له فضل لا يوصف وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا الأمر؛ لسابقته وسنّه وقِدَمه وقَرابته، يعطف على الصغير ويُحسن إلى الكبير، فأكرم به راعي رعيّة وإمام قوم وجبت لله به الحُجّة، وبلغت به الموعظة، فلا تعشوا عن نور الحقّ، ولا تسكعوا في وهد الباطل، فقد كان
____________________________
صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
ونصرته، والله لا يقصّر أحدكم عن نصرته، إلا أورثه الله تعالى الذلّ في ولده والقلّة في عشيرته، وها أنا ذا قد لبستُ للحرب لامتها وادرعتُ لها بدرعها، مَن لَمْ يُقتل يَمت، ومَن يهرب لَمْ يفت، فأحسنوا رحمكم الله ردّ الجواب.
فقالت بنو حنظلة: يا أبا خالد، نحن نبل كنانتك وفرسان عشيرتك، إنْ رميتَ بنا أصبتَ وإنْ غزوتَ بنا فتحتَ، لا تخوض والله غمرةً إلاّ خضناها، ولا تلقى والله شدّة إلاّ لقيناها، ننصرك بأسيافنا ونقيك بأبداننا إذا شئت.
وتكلّمتْ بنو عامر بن تميم فقالوا: يا أبا خالد، نحن بنو أبيك وحلفاؤك، لا نرضى إنْ غضبتَ، ولا نبقى إن ظعنتَ، والأمر إليك فادعنا إذا شئت.
وقالت بنو سعد بن زيد: أبا خالد، إنّ أبغض الأشياء إلينا خلافك والخروج عن رأيك، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال يوم الجمل، فحمدنا ما أمرنا وبقى عزّنا فينا، فأمهلنا نراجع المشورة ونأتيك برأينا. فقال لهم: لئن فعلتموها لا رفع الله السّيف عنكم أبداً، ولا زال سيفكم فيكم.
ثمّ كتب إلى الحسينعليهالسلام
: أمّا بعد، فقد وصل إليَّ كتابك، وفهمتُ ما ندبتني إليه ودعوتني له من الأخذ بحظّي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك، وإنّ الله لمْ يخل الأرض قط من عامل عليها بخير ودليل على سبيل نجاة، وأنتم حُجّة الله على خلقه ووديعته في أرضه، تفرّعتم من زيتونة أحمديّة هو أصلها وأنتم فرعها، فأقدِم سعدتَ بأسعد طائر، فقد ذللتُ لك أعناق بني تميم، وتركتهم أشدّ تتابعاً في طاعتك من الإبل الظمّاء لورود الماء يوم خمسها، وقد ذللتُ لك رقاب بني سعد، وغسلتُ درن قلوبها بماء سحاب مزن حين استهلّ برقها فلمع.
فلمّا قرأ الحسينعليهالسلام
كتابه، قال:«مالك، آمنك الله من الخوف وأعزك وأرواك يوم العطش الأكبر»
.
ولما تجهز ابن مسعود إلى المسير، بلغه قَتْل الحسينعليهالسلام
فاشتدّ جزعه، وكثر
أسفه لفوات الأُمنية من السّعادة بالشهادة
.
وكانت مارية ابنة سعد أو منقذ أيما، وهي من الشيعة المخلصين، ودارها مألف لهم يتحدّثون فيه فضل أهل البيت، فقال يزيد بن نبيط وهو من عبد القيس لأولاده - وهم عشرة -: أيّكم يخرج معي؟ فانتدب منهم اثنان عبد الله وعبيد الله. وقال له أصحابه - في بيت تلك المرأة -: نخاف عليك أصحاب ابن زياد، قال: والله لو استوت اخفافها بالجدد لهان عليّ طلب من طلبني
، وصحبه مولاه عامر وسيف بن مالك والأدهم بن اّميّة
فوافوا الحسين بمكّة، وضمّوا رحالهم إلى رحله حتّى وردوا كربلا، وقُتلوا معه.
كتب الكوفيّين
وفي مكّة وافته كتب أهل الكوفة من الرجل والاثنين والثلاثة والأربعة، يسألونه القدوم عليهم؛ لأنّهم بغير إمام، ولم يجتمعوا مع النّعمان بن بشير في جمعة ولا جماعة، وتكاثرت عليه الكتب حتّى ورد عليه في يوم واحد ستمئة كتاب، واجتمع عنده من نوب متفرّقة إثنا عشر ألف كتاب وفي كلّ ذلك يشددون الطلب وهو لا يجيبهم. وآخر كتاب ورد عليه من شبث بن ربعي، وحجّار بن أبجر، ويزيد بن الحارث
، وعزرة بن قيس، وعمرو بن الحجّاج، ومحمد بن عُمَير ابن عطارد وفيه: إنّ النّاس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل يابن رسول الله فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار وأعشبت الأرض وأورقت الأشجار. فأقدم إذا شئت، فإنّما تقدم على جند لك مجنّدة
.
بعثت بزور الكتب سر واقدم إلى
|
|
نحو العراق بمكرها ودهاتها
|
____________________________
هـذي الـخلافة لا ولـيٌّ لها ولا
|
|
كـفؤ وإنّـك مـن خـياركفاتها
|
فـأتى يـزجُّ الـيعملات بـمعشر
|
|
كـالأسد والاشـطان مـنغاباتها
|
وحـصان ذيـل كـالأهلة اوجهاً
|
|
بـسـنائها وبـهـائها وصـفاتها
|
مـا زال يـخترق الفلا حتّى أتى
|
|
أرض الطفوف وحلَّ في عرصاتها
|
وإذا بـه وقـف الـجواد فقاليا
|
|
قـوم اخبروني عن صدوق رواتها
|
ما الأرض قالوا ذي معالم كربلا
|
|
مـا بـال طرفك حادَ عن طرقاتها
|
قـال انـزلوا فالحكم في أجداثنا
|
|
ان لا تـشق سـوى على جنباتها
|
حـطَّ الرحال وقال يصلح عضبه
|
|
الـماضي لقطع البيض في قمّاتها
|
بـينا يـجيل الطرف إذ دارت به
|
|
زمـر يـلوح الـغدر من راياتها
|
مـا خـلت أنَّ بـدور تـم بالعرا
|
|
تمسي (بنو الزرقاء) من هالاتها
|
جواب الحسين
ولما اجتمع عند الحسين ما ملأ خرجين، كتب إليهم كتاباً واحداً دفعه إلى هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي وكانا آخر الرُسُل، وصورته:«بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين أمّا بعد، فإنّ هانئاً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم - وكانا آخر مَن قدِم عليَّ من رُسُلكم - وقد فهمتُ كلّ الذي قصصتم وذكرتم، ومقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام فأقبِل لعلَّ الله يجمعنا بك على الهدى والحقّ، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أنْ يكتب إليَّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإنْ كتب أنّه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قَدِمت عليَّ به رُسُلكم وقرأتُ في كتبكم، أقدِم عليكم وشيكاً إنْ شاء الله، فلعَمري ما الإمام إلاّ العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحقّ والحابس نفسَه على ذات الله، والسّلام»
.
ثمّ دفع الكتاب إلى مسلم بن عقيل، وقال له:«إنّي موجّهك إلى أهل الكوفة، وسيقضي الله من أمرك ما يُحبّ ويرضى، وأنا أرجو أنْ أكون أنا وأنت في
____________________________
درجة الشهداء فامضِ ببركة الله وعونه، فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها»
.
سفر مسلم
وبعث مع مسلم بن عقيلعليهالسلام
قيس بن مسهّر الصيداوي، وعمارة بن عبد الله السلولي، وعبد الرحمن بن عبد الله الأزدي وأمره بتقوى الله والنظر فيما اجتمع عليه أهل الكوفة، فإن رأى النّاس مجتمعين مستوثقين عجّل إليه بكتاب
.
فخرج مسلم من مكّة للنصف من شهر رمضان
على طريق المدينة، فدخلها وصلّى في مسجد النّبيصلىاللهعليهوآله
وودّع أهله
، ثمّ استأجر رجليَن من قيس ليدلاّه على الطريق، فضلاّ ذات ليلة وأصبحا تائهين، وقد اشتدّ بهما العطش والحَر، فقالا لمسلمعليهالسلام
- وقد بان لهما سنن الطريق -: عليك بهذا السّمت فالزمه لعلّك تنجو، فتركهما ومضى على الوصف ومات الدليلان عطشاً
، ولم يسعه حملهما؛ لأنّهما على وشك الهلاك، وغاية ما وضح للدليلَين العلائم المفضية إلى الطريق، لا الطريق نفسه. ولَم تكن المسافة بينهم وبين الماء معلومة، وليس لهما طاقة على الركوب بأنفسهما ولا مردفين مع آخر، وبقاء مسلمعليهالسلام
معهما إلى منتهى الأمر يفضي إلى هلاكه ومَن معه، فكان الواجب الأهم التحفّظ على النّفوس المحترمة بالمسير لإدراك الماء؛ فلذلك تركهما في المكان.
ونجا مسلم ومن معه من خدمه بحشاشة الأنفس حتّى أفضوا إلى الطريق و وردوا الماء فأقام فيه.
وكتب إلى الحسينعليهالسلام
مع رسول استأجره من أهل ذلك الماء يخبره بموت الدليلَين وما لاقاه من الجهد وإنّه مقيم بمنزله، وهو المضيق من بطن الخبت حتّى يعرف ما عنده من الرأي، فسار الرسول ووافى الحسين بمكّة وأعطاه الكتاب.
____________________________
فكتب الحسينعليهالسلام
يأمره بالمسير إلى الكوفة ولا يتأخر.
ولما قرأ مسلم الكتاب سار من وقته، ومر بماء لطي فنزل عليه ثم ارتحل، فإذا رجل يرمي ظبياً حين أشرف له فصرعه، فتفأل بقتل عدوّه
.
دخول الكوفة
ولخمس خلون من شوّال دخل الكوفة
، فنزل دار المختار بن أبي عبيد الثقفي
، وكان شريفاً في قومه، كريماً عالي الهمّة مقداماً مجرّباً قويّ النّفس، شديداً على أعداء أهل البيتعليهمالسلام
، له عقل وافر ورأي مصيب، خصوصاً بقواعد الحرب والغلبة على العدوّ، كأنّه مارس التجارب فحنكته، أو لابس الخطوب فهذّبته، انقطع إلى آل الرسول الأقدس فاستفاد منهم أدباً جمّاً وأخلاقاً فاضلة، وناصح لهم في السِّر والعلانية.
البيعة
ووافت الشيعة مسلماً في دار المختار بالترحيب وأظهروا له من الطاعة والانقياد ما زاد في سروره وابتهاجه، فعندما قرأ عليهم كتاب الحسين، قام عابس ابن شبيب الشاكري وقال: إنّي لا أخبرك عن النّاس، ولا أعلم ما في نفوسهم، ولا أغرّك بهم، والله إنّي اُحدّثك عمّا أنا موطّن عليه نفسي، والله لأجيبنّكم إذا دعوتم، ولاُقاتلنَّ معكم عدوّكم، ولأضربنَّ بسيفي دونكم حتّى ألقى الله لا اُريد بذلك إلاّ ما عند الله.
وقال حبيب بن مظاهر: قد قضيتَ ما في نفسك بواجز من قولك، وأنا والله الذي لا إله إلاّ هو، على مثل ما أنت عليه.
وقال سعيد بن عبد الله الحنفي مثل قولهما
.
____________________________
وأقبلت الشيعة يبايعونه حتّى أحصى ديوانه ثمانية عشر ألفاً
، وقيل بلغ خمساً وعشرين ألفاً
، وفي حديث الشعبي بلغ مَن بايعه أربعين ألفاً
، فكتب مسلم إلى الحسين مع عابس بن شبيب الشاكري، يخبره باجتماع أهل الكوفة على طاعته وانتظارهم لقدومه وفيه يقول: الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي
.
وكان ذلك قبل مقتل مسلم بسبع وعشرين ليلة
، وانظم إليه كتاب أهل الكوفة وفيه: عجّل القدوم يابن رسول الله، فانّ لك بالكوفة مئة ألف سيف فلا تتأخر
.
فساء هذا جماعة ممَّن لهم هوى في بني اُميّة منهم؛ عمر بن سعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط، فكتبوا إلى يزيد يخبرونه بقدوم مسلم بن عقيل وإقبال أهل الكوفة عليه وأنّ النّعمان بن بشير لا طاقة له على المقاومة
.
فأرسل يزيد على سرجون
مولاه يستشيره - وكان كاتبه وأنيسه - فقال سرجون: عليك بعبيد الله بن زياد، قال: إنّه لا خير عنده، فقال سرجون: لو كان معاوية حيّاً وأشار عليك به أكنت توليه؟ قال: نعم، فقال: هذا عهد معاوية إليه بخاتمه ولم يمنعني أنْ أعلمك به إلا معرفتي ببغضك له، فانفذه إليه. وعزل النّعمان بن بشير، وكتب إليه: أمّا بعد فإنّ الممدوح مسبوب يوماً، وإنّ المسبوب يوما ممدوح، وقد سمي بك إلى غاية أنت فيها كما قال الأول.
____________________________
رُفِعتَ وجاوزتَ السَّحاب وفوقه
|
|
فمالَكَ الا مرقبُ الشمسِ مَقعَدُ
|
وأمره بالاستعجال على الشخوص إلى الكوفة؛ ليطلب ابن عقيل فيوثقه أو يقتله أو ينفيه
.
فتعجّل ابن زياد المسير إلى الكوفة مع مسلم بن عمرو الباهلي والمنذر بن الجارود وشريك الحارثي وعبد الله بن الحارث بن نوفل في خمسمئة رجل انتخبهم من أهل البصرة، فجدّ في السير وكان لا يلوي على أحد يسقط من أصحابه حتّى أنّ شريك بن الأعور سقط أثناء الطريق، وسقط عبد الله بن الحارث؛ رجاء أنْ يتأخّر ابن زياد من أجلهم فلَم يلتفت ابن زياد إليهم؛ مخافة أنْ يسبقه الحسين إلى الكوفة. ولمّا ورد القادسيّة سقط مولاه مهران فقال له ابن زياد: إنْ أمسكت على هذا الحال فتنظر القصر فلك مئة ألف، فقال: والله لا أستطيع، فتركه عبيد الله ولبس ثياباً يمانيّة وعمامة سوداء وانحدر وحده، وكلّما مرّ بالمحارس ظنّوا أنّه الحسينعليهالسلام
فقالوا: مرحباً بابن رسول الله، وهو ساكت، فدخل الكوفة ممّا يلي النّجف
.
واستقبله النّاس بهتاف واحد: مرحباً بابن رسول الله، فساءه هذا الحال وانتهى إلى قصر الامارة، فلم يفتح النّعمان باب القصر، وأشرف عليه من أعلى القصر يقول: ما أنا بمؤد إليك أمانتي يابن رسول الله، فقال له ابن زياد
: افتح
____________________________
فقد طال ليلك! فسمعها رجل وعرفه، فقال للناس: انه ابن زياد وربّ الكعبة
.
فتفرّقوا إلى منازلهم، وعند الصباح جمع ابن زياد النّاس في الجامع الأعظم، وخطبهم وحذّرهم ومنّاهم العطيّة وقال: أيّما عريف وُجَد عنده أحد من بغية أمير المؤمنين ولَم يرفعه إلينا، صُلِب على باب داره
.
____________________________
موقف مسلم
ولمّا بلغ مسلم بن عقيل خطبة ابن زياد ووعيده وظهر له حال النّاس، خاف أنْ يؤخذ غيلةً، فخرج من دار المختار بعد العتمة إلى دار هاني بن عروة المذحجي، وكان شديد التشيع
، ومن أشراف الكوفة
، وقرّائها
، وشيخ مراد وزعيمها، يركب في أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل، فإذا تلاها أحلافها من كندة ركب في ثلاثين ألفاً
، وكان من خواصّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
، حضر حروبه الثلاثة
، وأدرك النّبيصلىاللهعليهوآله
، وتشرّف بصحبته، وكان له يوم قتله بضع وتسعون سنة
.
ونزل مع مسلم بن عقيل شريك
بن عبد الله
الأعور الحارثي
____________________________
الهمداني البصري، وكان من كبار شيعة أمير المؤمنينعليهالسلام
بالبصرة، جليل القدر في أصحابنا
، شهد صفّين وقاتل مع عمار بن ياسر
. ولشرفه وجاهه ولاّه عبيد الله بن زياد من قِبَل معاوية كرمان
، وكانت له مواصلة وصحبة مع هاني ابن عروة.
فمرض مرضاً شديداً عاده فيه ابن زياد، وقبل مجيئه قال شريك لمسلمعليهالسلام
: إنّ غايتك وغاية شيعتك هلاكه، فأقم في الخزانة حتّى إذا اطمأنّ عندي، اخرج إليه واقتله، وأنا أكفيك أمره بالكوفة مع العافية
.
وبينا هم على هذا إذ قيل الأمير على الباب، فدخل مسلم الخزانة ودخل عبيد الله على شريك، ولما استبطأ شريك خروج مسلم، جعل يأخذ عمامته من على رأسه ويضعها على الأرض ثمّ يضعها على رأسه فعل ذلك مراراً، ونادى بصوت عال - يسمع مسلماً -:
مـا تنظرون بسلمى لا تحيوها
|
|
حيوا سليمى وحيوا من يحييها
|
هل شربة عذبة أسقى على ظمأ
|
|
ولـو تلفت وكانت منيتي فيها
|
وان تخشيت من سلمى مراقبة
|
|
فـلست تأمن يوماً من دواهيها
|
ولم يزل يكرّره وعينه رامقة إلى الخزانة، ثمّ صاح بصوت رفيع - يسمع مسلماً -: اسقونيها ولو كان فيها حتفي
. فالتفت عبيد الله إلى هاني وقال: ابن عمّك يخلط في علّته، فقال هاني: إن شريكاً يهجر منذ وقع في علّته، وانه ليتكلّم بما لا يعلم
.
فقال شريك لمسلم: ما منعك منه؟ قال خلتان؛ الاُولى: حديث عليعليهالسلام
عن
____________________________
رسول اللهصلىاللهعليهوآله
:«إنّ الإيمان قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن»
.
والثانية: امرأة هاني، فإنّها تعلّقت بي وأقسمت عليَّ بالله أنْ لا أفعل هذا في دارها، وبكت في وجهي فقال هاني: يا ويلها! قتلتني وقتلت نفسها، والذي فرّت منه وقعت فيه
.
ولبث شريك بعد ذلك ثلاثة أيام ومات فصلّى عليه ابن زياد
، ودفن بالثوبة، ولمّا وضح لابن زياد أنّ شريكاً كان يحرّض على قتله، قال: والله لا اُصلّي على جنازة عراقي أبداً ولولا أنّ قبر زياد فيهم لنبشتُ شريكاً
.
وأخذت اليشعة تختلف إلى مسلم بن عقيل في دار هاني على تستّر واستخفاء من ابن زياد وتواصوا بالكتمان؛ فخفي على ابن زياد موضع مسلم، فدعا معقلاً مولاه، وأعطاه ثلاثة آلاف، وأمره أنْ يلقى الشيعة ويعرّفهم أنّه من أهل الشام مولى لذي الكلاع، وقد أنعم الله عليه بحبِّ أهل بيت رسوله، وبلغه قدوم رجل منهم إلى هذا المصر داعيةً للحسين، وعنده مال يريد أن يلقاه ويوصله
____________________________
إليه، فدخل معقل الجامع الأعظم ورأى مسلم بن عوسجة الأسدي يصلّي، فلمّا فرغ دنا منه وقصّ عليه حاله، فدعا له مسلم بالخير والتوفيق، وأدخله على ابن عقيل، فدفع إليه المال وبايعه
وسلّمه إلى أبي ثمامة الصائدي، وكان بصيراً شجاعاً ومن وجوه الشيعة عيّنه مسلم لقبض ما يرد عليه من الأموال؛ ليشتري به سلاحاً.
فكان ذلك الرجل يختلف إلى مسلم كلّ يوم فلا يُحجب عنه ويتعرّف الأخبار، ويرفعها إلى ابن زياد عند المساء
.
موقف هاني
ولما وضح الأمر لابن زياد وعرف أنّ مسلماً مختبئ في دار هاني بن عروة، دعا أسماء بن خارجة ومحمد بن الأشعث وعمرو بن الحَجّاج وسألهم عن انقطاع هاني عنه، قالوا: الشكوى تمنعه، فلم يقتنع ابن زياد بعد أن أخبرته العيون بجلوسه على باب داره كلّ عشيّة، فركب هؤلاء الجماعة إليه وسألوه المسير إلى السّلطان فإنّ الجفاء لا يحتمله وألحّوا عليه، فركب بغلته، ولمّا طلع عليه قال ابن زياد: أتتك بخائن رجلاه
، والتفت إلى شريح القاضي وقال
:
اُريد حباءه ويريد قتلي
|
|
عذيرك من خليلك من مراد
|
____________________________
ثمّ التفت إلى هاني وقال: أتيت بابن عقيل إلى دارك، وجمعت له السّلاح؟! فأنكر عليه هاني وإذ كثر الجدال، دعا ابن زياد معقلاً، ففهم هاني أنّ الخبر أتاه من جهته، فقال لابن زياد: إنَّ لأبيك عندي بلاءً حسناً وأنا اُحبّ مكافأته، فهل لك في خير؟ تمضي أنت وأهل بيتك إلى الشام سالمين بأموالكم؛ فإنّه جاء مَن هو أحقّ بالأمر منك ومن صاحبك
، فقال ابن زياد: وتحت الرغوة اللبن الصريح
.
فقال ابن زياد: والله لا تفارقني حتّى تأتيني به، قال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، فأغلظ له ابن زياد وهدّده بالقتل فقال هاني: إذاً تكثر البارقة حولك، وهو يظنّ أنّ مراداً تمعنه، فأخذ ابن زياد بظفيرتيه وقنع وجهه بالسّيف حتّى كسر أنفه ونثر لحم خدّيه وجبينه على لحيته وحبسه عنده
.
وبلغ عمرو بن الحَجّاج أنّ هانياً قُتِل - وكانت اُخته روعة تحت هاني، وهي اُمّ يحيى بن هاني - فأقبل في جمع من مذحج، وأحاط بالقصر فلمّا علم به ابن زياد، أمر شريح القاضي
أن يدخل على هاني ويعلمهم بحياته، قال شريح: لمّا رآني هاني صاح بصوت رفيع: يا للمسلمين! إنْ دخل عليَّ عشرة أنقذوني. فلو لَم يكن معي حميد بن أبي بكر الأحمري وهو شرطي، لأبلغتُ أصحابه مقالته ولكن قلتُ: إنّه حيّ، فحمد الله عمرو بن الحَجّاج وانصرف بقومه
.
نهضة مسلم
ولما بلغ مسلماً خبر هاني، خاف أن يؤخذ غيلةً فتعجّل الخروج قبل الأجل الذي بينه وبين النّاس، وأمر عبد الله بن حازم أنْ ينادي في أصحابه، وقد ملأ بهم
____________________________
الدور حوله فاجتمع إليه أربعة آلاف ينادون بشعار المسلمين يوم بدر: (يا منصور أمتْ).
ثمّ عقد لعبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندي على ربع كندة وربيعة، وقال: سر أمامي على الخيل. وعقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد، وقال: انزل في الرجال. وعقد لأبي ثمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان. وعقد للعبّاس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة.
وأقبلوا نحو القصر فتحرّز ابن زياد فيه وغلق الأبواب ولَم يستطع المقاومة؛ لأنّه لَم يكن معه إلاّ ثلاثون رجلاً من الشرطة وعشرون رجلاً من الأشراف ومواليه، لكن نفاق الكوفة وما جبلوا عليه من الغدر لم يدع لهم علماً يخفق، فلم يبقَ من الأربعة آلاف إلاّ ثلاثمئة
.
وقد وصفهم الأحنف بن قيس بالمومسة تريد كلّ يوم بعلاً
.
ولمّا صاح مَن في القصر يا أهل الكوفة اتقوا لله ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام، فقد ذقتموهم وجرّبتموهم، فتفرّق هؤلاء الثلثمئة حتّى أنّ الرجل يأتي ابنه وأخاه وابن عمّه فيقول له: انصرف، والمرأة تأتي زوجها فتتعلق به حتّى يرجع
.
فصلّى مسلمعليهالسلام
العشاء بالمسجد ومعه ثلاثون رجلاً ثمّ انصرف نحو كنده
ومعه ثلاثة ولم يمض إلا قليلاً وإذا لم يشاهد مَن يدلّه على الطريق
، فنزل عن فرسه ومشى متلدداً في أزقّة الكوفة لا يدري إلى أين يتوجّه
.
ولمّا تفرق الناس عن مسلم وسكن لغطهم ولم يسمع ابن زياد أصوات
____________________________
الرجال، أمَرَ مَن معه في القصر أنْ يشرفوا على ظلال المسجد لينظروا هل كمنوا فيها، فكانوا يدلون القناديل، ويشعلون النّار في القصب ويدلونها بالحبال إلى أنْ تصل إلى صحن الجامع فلم يروا أحداً، فأعلموا ابن زياد، وأمَرَ مناديه أنْ ينادي في النّاس؛ ليجتمعوا في المسجد، ولمّا امتلأ المسجد بهم، رقى المنبر وقال: إنّ ابن عقيل قد أتى ما قد علمتم من الخلاف والشقاق، فبرأت الذمّة من رجل وَجدناه في داره، ومن جاء به فله ديته، فاتقواء الله عباد الله، والزموا طاعتكم وبيعتكم ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً.
ثمّ أمر صاحب شرطته، الحصين بن تميم أنْ يفتّش الدور والسّكك، وحذّره بالفتك به إنْ أفلت مسلم وخرج من الكوفة
.
فوضع الحصين الحرس على أفواه السّكك، وتتبّع الأشراف النّاهضين مع مسلم، فقبض على عبد الأعلى بن يزيد الكلبي وعمارة بن صلخب الأزدي، فحبسهما ثمّ قتلهما، وحبس جماعة من الوجوه؛ استيحاشاً منهم، وفيهم الأصبغ بن نباته، والحارث الأعور الهمداني
.
حبس المختار
وكان المختار عند خروج مسلم في قرية له تدعى (خطوانية)
، فجاء بمواليه يحمل راية خضراء، ويحمل عبد الله بن الحارث راية حمراء، وركّز المختار رايةً على باب عمرو بن حريث وقال: أردت أنْ أمنع عمراً
، ووضح لهما قتل مسلم وهاني واُشير عليهما بالدخول تحت راية الأمان عند عمرو بن حريث ففعلا وشهد لهما ابن حريث باجتنابهما ابن عقيل، فأمر ابن زياد بحبسهما بعد أنْ شتم المختار واستعرض وجهه بالقضيب فشتر عينه
، وبقيا في السّجن إلى أنْ
____________________________
قُتل الحسينعليهالسلام
.
وأمر ابن زياد محمّد بن الأشعث
، وشبث بن ربعي، والقعقاع بن شور الذهلي
، وحَجّار بن أبجر
، وشمر بن ذي الجوشن، وعمرو بن حريث أنْ يرفعوا راية الأمان ويخذِّلوا النّاس
، فأجاب جماعة ممَّن خيَّم عليهم الفرق، وآخرون جرّهم الطمع الموهوم، واختفى الذين طهُرت ظمائرهم وكانوا يترقّبون فتح الأبواب للحملة على صولة الباطل.
مسلم في بيت طوعة
وانتهى بابن عقيل السّير إلى دور بني جبلة من كندة، و وقف على باب امرأة يقال لها طوعة اُمّ ولد كانت للأشعث بن قيس أعتقها، وتزوّجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالاً، كان مع النّاس، واُمّه واقفة على الباب تنتظره، فاستسقاها مسلم فسقته، واستضافها فأضافته، بعد أنْ عرَّفها أنّه ليس له في المصر أهل ولا عشيرة، وأنّه من أهل بيت لهم الشفاعة يوم الحساب، وهو مسلم بن عقيل فأدخلته بيتاً غير الذي ياوي إليه ابنها، وعرضت عليه الطعام فأبى، وأنكر ابنها كثرة الدخول والخروج لذلك البيت، فاستخبرها فلم تخبره إلاّ بعد أنْ حلف لها كتمان الأمر.
وعند الصباح أعلم ابن زياد بمكان مسلم، فأرسل ابن الأشعث في سبعين من قيس ليقبض عليه، ولمّا سمع مسلم وقع حوافر الخيل، عرف أنّه قد اُتي
فعجّل دعاءه الذي كان مشغولاً به بعد صلاة الصبح، ثمّ لبس لامته وقال لطوعة: قد أدّيتِ ما عليك من البِرّ، وأخذتِ نصيبك من شفاعة رسول الله، ولقد رأيت البارحة عمّي أمير المؤمنين في المنام وهو يقول لي: أنت معي غداً
.
____________________________
وخرج إليهم مصلتاً سيفه، وقد اقتحموا عليه الدار فأخرجهم منها، ثمّ عادوا إليه وأخرجهم وهو يقول:
هو الموت فاصنع ويك ما أنت صانع
|
|
فـأنت بـكأس الموت لا شك جارع
|
فـصـبراً لأمـر الله جـلَّ جـلاله
|
|
فـحكم قـضاء الله فـي الخلق ذايع
|
فقتل منهم واحداً وأربعين رجلاً
، وكان من قوّته يأخذ الرجل بيده ويرمي به فوق البيت
.
وأنفذ ابن الأشعث إلى ابن زياد يستمدّه الرجال، فبعث إليه اللائمة، فأرسل إليه: أتظنّ أنّك أرسلتني إلى بقّال من بقّاليّ الكوفة أو جرمقاني من جرامقة الحيرة
وإنّما أرسلتني إلى سيف من أسياف محمّد بن عبد الله، فمدّه بالعسكر
.
واشتدّ القتال فاختلف مسلم وبُكير بن حمران الأحمري بضربتين، ضرب بُكير فَم مسلم فقطع شفته العليا وأسرع السّيف إلى السّفلى ونصلت لها ثنيتان، وضربه مسلم على رأسه ضربةً منكرةً واُخرى على حبل العاتق حتّى كادت أنْ تطلع إلى جوفه، فمات
.
ثمّ أشرفوا عليه من فوق ظهر البيت يرمونه بالحجارة ويلهبون النّار في أطنان القصب
ويلقونها عليه، فشدّ عليهم يقاتلهم في السّكة، وهو يرتجز بأبيات حمران بن مالك:
أقـسمت لا اُقـتل إلا حُرّا
|
|
وان رأيت الموت شيئاً نكرا
|
كـلّ امرئ يوماً ملاق شرّا
|
|
ويـخلط الـبارد سخناً مرّا
|
____________________________
ردَّ شعاع النفس فاستقر
|
|
اخاف ان أكذب او اغرّا
|
وأثخنته الجراحات، وأعياه نزف الدّم، فاستند إلى جنب تلك الدار، فتحاملوا عليه يرمونه بالسّهام والحجارة، فقال: مالكم ترموني بالحجارة كما ترمى الكفّار، وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار، ألا ترعون حقّ رسول الله في عترته؟
فقال له ابن الأشعث: لا تقتل نفسك وأنت في ذمّتي، قال مسلم: أاُوسر وبي طاقة؟! لا والله لا يكون ذلك أبداً، وحمل على ابن الأشعث فهرب منه، ثمّ حملوا عيه من كلّ جانب وقد اشتد به العطش، فطعنه رجل من خلفه فسقط إلى الأرض واُسر
.
وقيل: إنّهم عملوا له حفيرة وستروها بالتراب، ثمّ انكشفوا بين يدَيه حتّى إذا وقع فيها أسروه
.
ولمّا انتزعوه سيفه، دمعت عينه فتعجّب عمرو بن عبيد الله السّلمي من بكائه.
مسلم وابن زياد
وجيء به إلى ابن زياد، فرأى على باب القصر قلّة مبرَّدة فقال: اسقوني من
____________________________
هذا الماء، فقال له مسلم بن عمرو الباهلي
: لا تذوق منها قطرة حتّى تذوق الحميم في نار جهنّم، قال مسلمعليهالسلام
: من أنت؟ قال: أنا من عرف الحقّ إذ أنكرته، ونصح لإمامه إذ غششته، فقال له ابن عقيل: لاُمّك الثكل، ما أقساك وأفظّك، أنت ابن باهلة أولى بالحميم، ثمّ جلس وتساند إلى حائط القصر
.
فبعث عمارة بن عقبة بن أبي معيط غلاماً له يُدعى قيساً
فأتاه بالماء، وكلّما أراد أنْ يشرب، امتلأ القدح دماً، وفي الثالثة ذهب ليشرب فامتلأ القدح دماً وسقطت فيه ثناياه فتركه وقال: لو كان من الرّزق المقسوم لشربتُه.
وخرج غلام ابن زياد فأدخله عليه، فلم يسلِّم، فقال له الحرسي: ألا تسلِّم على الأمير؟ قال له: اسكت إنّه ليس لي بأمير
، ويقال أنّه قال: السّلام على من اتبع الهدى وخَشِي عواقب الردى وأطاع الملك الأعلى، فضحك ابن زياد وقال: سلَّمت أو لَمْ تسلِّم إنّك مقتول
، فقال مسلم: إنْ قتلتني فلقد قَتَل مَنْ هو شرّ منك مَنْ هو خيراً منّي، وبعد فإنّك لا تدع سوء القتلة ولا قبح المثلة وخبث السريرة ولؤم الغلبة لأحد أولى بها منك.
فقال ابن زياد: لقد خرجتَ على إمامك، وشققتَ عصا المسلمين، والقحت الفتنة، قال مسلم: كذبت إنّما شقّ العصا معاوية وابنه يزيد، والفتنة ألقحها أبوك، وأنا أرجوا أنْ يرزقني الله الشهادة على يد شرّ بريّته
.
ثمّ طلب مسلم أنْ يوصي إلى بعض قومه فأذِن له ونظر إلى الجلساء فرأى عمر بن سعد، فقال له: إنّ بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة، ويجب عليك نجح حاجتي وهي سرّ. فأبى أن يمكّنه من ذكرها، فقال ابن زياد: لا تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمّك، فقام معه بحيث يراهما ابن زياد، فأوصاه مسلم أنْ
____________________________
يقضي من ثمن سيفه ودرعه ديناً استدانه منذ دخل الكوفة يبلغ ستمئة درهم
، وأنْ يستوهب جثّته من ابن زياد ويدفنها، وأنْ يكتب إلى الحسين بخبره. فقام عمر بن سعد إلى ابن زياد وأفشى كلّ ما أسرّه إليه فقال ابن زياد: لا يخونك الأمين، ولكن قد يؤتمن الخائن
.
ثمّ التفت ابن زياد إلى مسلم وقال: أيهاً يابن عقيل، أتيت النّاس وهم جمع ففرّقتهم، قال: كلاّ، لستُ أتيتُ لذلك، ولكن أهل المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعوا إلى حكم الكتاب.
قال ابن زياد: ما أنت وذاك أوَ لَمْ نكن نعمل فيهم بالعدل؟ فقال مسلم: إنّ الله لَيعلم إنّك غير صادق، وإنّك لتقتل على الغضب والعداوة وسوء الظنّ، فشمته
____________________________
ابن زياد وشتم علياً وعقيلاً والحسين
، فقال مسلم: أنت وأبوك أحقّ بالشتم، فاقض ما أنت قاض يا عدوّ الله
.
فأمر ابن زياد رجلاً شامياً
أنْ يصعد به إلى أعلى القصر ويضرب عنقه، ويرمي رأسه وجسده إلى الأرض، فأصعده إلى أعلى القصر، وهو يسبّح الله ويهلّله ويكبّره
ويقول: اللهمّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا وكذبونا، وتوجه نحو المدينة وسلّم على الحسين
.
وأشرف به الشامي على موضع الحذائين وضرب عنقه ورمى برأسه وجسده إلى الأرض
، ونزل مذعوراً، فقال له ابن زياد: ما شأنك؟ قال: رأيت ساعة قتله رجلاً أسود سَيِّء الوجه حذائي عاضّاً على إصبعه، ففزعتُ منه فقال ابن زياد: لعلّك دُهشت
.
ثمّ أخرج هاني إلى مكان من السوق يُباع فيه الغنم وهو مكتوف، فجعل يصيح وآمذحجاه! ولا مذحج لي اليوم، وآمذحجاه! وأين منّي مذحج؟ فلمّا رأى أنّ أحداً لا ينصره جذب يده ونزعها من الكتاف وقال: أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يدافع رجل عن نفسه؟ ووثبوا عليه وأوثقوه كتافاً وقيل له: مدّ عنقك، فقال: ما أنا بها سخي، وما أنا بمعينكم على نفسي، فضربه بالسّيف مولى لعبيد الله ابن زياد تركي يُقال له رشيد، فلم يصنع فيه شيئاً فقال هاني: إلى الله المعاد اللهمّ إلى رحمتك ورضوانك، ثمّ ضربه اُخرى فقتله. وهذا العبد قتله عبد الرحمن بن الحصين المرادي رآه مع عبيد الله بـ (الخازر
.
وأمر ابن زياد بسحب مسلم وهاني بالحبال من أرجلهما في الأسواق
____________________________
وصلبهما بالكناسة منكوسين
، وأنفذ الرأسين إلى يزيد، فنصبهما في درب من دمشق
.
وكتب إلى يزيد: أمّا بعد، فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقّه وكفاه مؤنة عدوّه، أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أنّ مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هاني بن عروة المرادي، وإنّي جعلت عليهما العيون ودسست إليهما الرجال وكدتهما حتّى استخرجتهما، وأمكن الله منهما فضربتُ أعناقهما، وبعثتُ إليك برأسيهما مع هاني بن أبي حيّة الوادعي الهمداني، والزبير بن الاروح التميمي، وهما من أهل السّمع والطاعة والنصيحة، فليسألهما أمير المؤمنين عمّا أحبّ، فإنّ عندهما علماً وصدقاً وفهماً وورعاً، والسّلام.
وكتب يزيد إلى ابن زياد: أمّا بعد، فإنّك لَم تعد أنْ كنتَ كما اُحبّ، عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، فقد أغنيت وكفيت وصدقت ظنّي بك ورأيي فيك، وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما، فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرتَ فاستوص بهما خيراً، وإنّه قد بلغني أنّ الحسين بن علي قد توجّه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس على الظن، وخذ على التهمة
، وهذا الحسين قد ابتلي به زمانك من بين الأزمان وبلادك من بين البلدان، وابتليت
____________________________
به من بين العمّال، وعندها تعتق أو تعود عبداً كما تعبد العبيد
فأمّا أنْ تحاربه أو تحمله إليَّ
.
سقتك دماً يا ابن عم الحسين
|
|
مـدامع شـيعتك الـسافحة
|
ولا برحت هاطلات العيون
|
|
تـحـييك غـادية رائـحة
|
لانـك لـم تـروِ من شربة
|
|
ثـناياك فـيها غدت طائحة
|
رموك من القصر إذ اوثقوك
|
|
فهل سَلِمَت فيك من جارحة
|
وسـحـباً تُـجَرُّ بـأسواقهم
|
|
ألـست أمـيرهُمُ الـبارحة
|
أتـقضي ولم تبكك الباكيات
|
|
أمـالك في المصر من نائحة
|
لئنْ تقضِ نحباً فكم في زرود
|
|
عليك العشية من صائحة
|
السّفر إلى العراق
لمّا بلغ الحسين إنّ يزيد انفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر، وأمَّره على الحاج، و ولاّه أمر المَوسم، وأوصاه بالفتك بالحسين أينما وجد
، عزم على الخروج من مكّة قبل إتمام الحج، واقتصر على العمرة؛ كراهية أنْ تستباح به حرمة البيت
.
____________________________
خطبتهعليهالسلام
في مكّة
وقبل أنْ يخرج قام خطيباً فقال:«الحمد لله وما شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله وصلّى الله على رسوله، خُطَّ الموت على ولد آدم مَخَطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُيِّر لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلاة بين النّواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جوفا وأجربة سغبا، لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفّينا اُجور الصابرين. لنْ تشذ عن رسول الله لحمته، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس، تقرّ بهم عينه وينجز بهم وعده. ألا مَن كان فينا باذلاً مهجته موطِّناً على لقاء الله نفسَه فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً إنْ شاء الله تعالى»
.
وكان خروجهعليهالسلام
من مكّة لثمان مضَين من ذي الحِجَّة، ومعه أهل بيته ومواليه وشيعته من أهل الحجاز والبصرة والكوفة الذين انضمّوا إليه أيام إقامته بمكّة وأعطى كلّ واحد منهم عشرة دنانير وجملاً يحمل عليه زاده
.
محاولات لصرفه عن السّفر
وسأله جماعة من أهل بيته وغيرهم التريّث عن هذا السّفر حتّى يستبين له حال النّاس؛ خوفاً من غدر الكوفيّين وانقلاب الأمر عليه، ولكنّ (أبي الضيم) لمْ تسعه المصارحة بما عنده من العلم بمصير أمره لكلّ من قابله؛ لأنّ الحقائق كما هي لا تفاض لأيّ متطلب بعد تفاوت المراتب واختلاف الأوعية سعةً وضيقاً، فكانعليهالسلام
يُجيب كلّ واحدٍ بما يسعه ظرفه وتتحمّله معرفته.
فيقول لابن الزبير:«إنّ أبي حدّثني أنّ بمكّة كبشاً به تستحلّ حرمتها، فما اُحبّ أنْ أكون ذلك الكبش، ولَئن اُقتل خارجاً منها بشبر أحبّ إليَّ من أنْ اُقتل فيها
، وأيمَ الله لَو كنتُ في ثقب هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا فيَّ حاجتهم، والله ليعتدنَّ عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت»
.
____________________________
ولما خرج من عنده ابن الزبير قال الحسينعليهالسلام
لمَن حضر عنده:«إنّ هذا ليس شيء من الدنيا أحبّ إليه من أنْ أخرج من الحجاز، وقد عَلِمَ أنّ النّاس لا يعدلونه بي، فودّ أنّي خرجتُ حتّى يخلو له»
.
وأتاه محمّد بن الحنفيّة في الليلة التي سار الحسين في صبيحتها إلى العراق وقال: عرفتَ غدر أهل الكوفة بأبيك وأخيك، وإنّي أخاف أنْ يكون حالك حال من مضى، فأقم هنا فإنّك أعزّ مَن في الحرم وأمنعه فقال الحسينعليهالسلام
:«أخافُ أنْ يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم فأكون الذي تُستباح به حرمة هذا البيت»
، فأشار عليه ابن الحنفيّة بالذهاب إلى اليمن أو بعض نواحي البر، فوعده أبو عبد الله في النّظر في هذا الرأي.
وفي سَحَر تلك الليلة ارتحل الحسينعليهالسلام
، فأتاه ابن الحنفيّة وأخذ بزمام ناقته وقد ركبها وقال: ألمْ تعدني النّظر فيما سألتك؟ قال:«بلى، ولكن بعد ما فارقتك أتاني رسول الله
صلىاللهعليهوآله
وقال: يا حسين اخرج، فإنّ الله تعالى شاء أنْ يراك قتيلاً»،
فاسترجع محمّد، وحينما لَمْ يعرف الوجه في حمل العيال معه، وهو على مثل هذا الحال قال له الحسينعليهالسلام
:«قد شاء الله تعالى أنْ يراهنَّ سبايا»
.
وكتب إليه عبد الله بن جعفر الطيّار مع ابنَيه عون ومحمّد: أمّا بعد، فإنّي أسألك الله لمّا انصرفت حين تقرأ كتابي هذا، فإنّي مُشفق عليك من هذا الوجه أنْ يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إنْ هلكتَ اليوم، اُطفئ نور الأرض، فإنّك عَلَمُ المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسّير، فإنّي في أثر كتابي، والسّلام.
ثم أخذ عبد الله كتاباً من عامل يزيد على مكّة عمرو بن سعيد بن العاص فيه أمان للحسين وجاء به إلى الحسين ومعه يحيى بن سعيد بن العاص وجهد أنْ يصرف الحسين عن الوجه الذي أراده فلَم يقبل أبو عبد اللهعليهالسلام
وعرَّفه أنّه رأى رسول الله في المنام وأمره بأمر لابدّ من انفاذه، فسأله عن الرؤيا، فقال:«ما حدّثتُ بها أحداً، وما أنا محدّث بها حتّى ألقى ربّي عزّ وجلّ»
.
____________________________
وقال له ابن عبّاس: يابن العم، إنّي أتصبَّر وما أصبرُ، وأتخوَّفُ عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال. إنّ أهل العراق قوم غَدرٍ فلا تقربنَّهم. أقم في هذا البلد فإنّك سيّد أهل الحجاز، وأهل العراق إنْ كانوا يريدونك - كما زعموا - فلينفوا عاملهم وعدوّهم ثمّ اقدم عليهم، فإنْ أبيتَ إلاّ أنْ تخرج، فسِر إلى اليمن، فإنّ بها حصوناً وشعاباً وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك فيها شيعة وأنتَ عن النّاس في عزلة، فتكتب إلى النّاس وترسل وتبثّ دعاتك، فإنّي أرجو أنْ يأتيك عند ذلك الذي تحبّ في عافية.
فقال الحسينعليهالسلام
:«يابن العم، إنّي والله لأعلم أنّك ناصح مشفق، وقد أزمعتُ على المسير»
.
فقال ابن عبّاس: إنْ كنتَ سائراً فلا تسِر بنسائك وصبيتك، فإنّي لخائف أنْ تُقتل وهم ينظرون إليك، فقال الحسين:«والله، لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جَوفي، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من فرام المرأة»
.
توجيه لدواعي السّفر
هذه غاية ما وصل إليه إدراك من رغب في تريّث الحسينعليهالسلام
عن السّفر إلى العراق، وأبو عبد الله لَمْ تخفَ عليه نفسيّات الكوفيّين وما شيبت به من الغدر والنّفاق، ولكن ماذا يصنع بعد إظهارهم الولاء والانقياد له والطاعة لأمره؟ وهل يعذر أمام الاُمّة في ترك ما يطلبونه من الإرشاد والإنقاذ من مخالب الضلال وتوجيههم إلى الأصلح المرضي لربّ العالمين؟ مع أنّه لَمْ يظهر منهم الشقاق
____________________________
والخلاف، واعتذارهعليهالسلام
عن المصير إليهم بما جبلوا عليه من الخيانة كما فعلوا مع أبيه وأخيه يُسبّب إثارة اللوم من كلّ مَن يبصر ظواهر الأشياء، والإمام المقيض لهداية البشر أجلّ من أنْ يعمل عملاً يكون للاُمّة الحُجّة عليه، والبلاد التي أشار بها ابن عباس
وغيره لا منعة فيها، وما جرى من بسر بن أرطاة مع أهل اليمن تؤكّد وهنهم في المقاومة والضعف عن ردّ الباغي.
____________________________
وبهذا يصرّح الشيخ الشوشتري أعلى الله مقامه فإنّه قال: كان للحسين تكليفان واقعي وظاهري:
أ - أمّا الواقعي الذي دعاه للإقدام على الموت وتعريض عياله للأسر وأطفاله للذبح مع علمه بذلك، فالوجه فيه: أنّ عتاة بني اُميّة قد اعتقدوا أنّهم على الحقّ وأنّ علياً وأولاده وشيعتهم على الباطل حتّى جعلوا سبّه من أجزاء صلاة الجمعة، وبلغ الحال ببعضهم أنّه نَسِي اللعن في خطبة الجمعة فذكره وهو في السّفر فقضاه. وبنوا مسجداً سمّوه (مسجد الذكر)، فلو بايع الحسين يزيد وسلّم الأمر إليه، لمْ يبقَ من الحقّ أثر، فإنّ كثيراً من النّاس يعتقد بأنّ المحالفة لبني اُميّة دليل استصواب رأيهم وحُسن سيرتهم، وأمّا بعد محاربة الحسين لهم وتعريض نفسه المقدّسة وعياله وأطفاله للفوادح التي جرت عليهم، فقد تبيّن لأهل زمانه والأجيال المتعاقبة أحقّيته بالأمر وضلال مَن بغى عليه.
ب - وأمّا التكليف الظاهري: فلأنّهعليهالسلام
سعى في حفظ نفسه وعياله بكلّ وجه، فلم يتيسّر له وقد ضيّقوا عليه الأقطار حتّى كتب يزيد إلى عامله على المدينة أنْ يقتله فيها، فخرج منها خائفاً يترقّب فلاذ بحرم الله الذي هو اَمنُ الخائف وكهف المستجير، فجدّوا في إلقاء القبض عليه أو قتله غيلةً ولو وُجِد متعلِّقاً بأستار الكعبة، فالتزم بأنْ يجعل احرامه عمرةً مفردةً وترك التمتّع بالحج، فتوجّه إلى الكوفة؛ لأنّهم كاتبوه وبايعوه وأكّدوا المصير إليهم؛ لإنقاذهم من شرور الاُمويّين، فألزمه التكليف بحسب ظاهر الحال إلى موافقتهم إتماماً للحُجّة عليهم؛ لئلاّ يعتذروا يوم الحساب بأنّهم لجأوا إليه واستغاثوا به من ظلم الجائرين، فاتّهمهم بالشقاق ولم يغثهم، مع أنّه لَو لَم يرجع إليهم فإلى أينَ يتوجه وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت؟ وهو معنى قولهعليهالسلام
لابن الحنفيّة:«لَو دخلتُ في جُحر هامة من هذه الهوام، لاستخرجوني حتّى يقتلوني»
.
وقالعليهالسلام
لأبي هرّة الأسدي:«إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت»
.
____________________________
ولمْ يبق بمكّة أحد إلاّ حزن لمسيره، ولمّا أكثروا القول عليه أنشد أبيات أخي الأوس لمّا حذره ابن عمّه من الجهاد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله
.
سأمضي فما بالموت عار على الفتى
|
|
إذا مـا نـوى حـقاً وجاهد مسلما
|
وواسـى الـرجال الصالحين بنفسه
|
|
وفـارق مـثبوراً وخـالف مجرما
|
ثم قرأ:(
وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا
)
.
وسـامته أن يـنقاد لـلسلم ضارعا
|
|
لـديها ويـأبى العّز أن يضرع الحرُّ
|
فـقال ردي يا نفس من سورة الرَّدى
|
|
فـعند ورود الـضَّيم يـستعذب المرُّ
|
وحـفت بـه مـن آلـه خـير فتية
|
|
لـها يـنتمي الـمجد المؤثل والفخر
|
إذا هي سارت في دجي الليل أزهرت
|
|
وباهت سواري النجم اوجهها الزهر
|
بـكل كـميٍّ فـوق اجـردَ سـابح
|
|
يـتيه بـه فـي مـشيه الدلُّ والكبر
|
إذا خـفَّ فـي الـهيجاء وقْر بمتنه
|
|
بـنجدة بـأس فـاطمأنَّ لـه ظـهر
|
ويـلطم خـدَّ الأرض لـكنّ وجهها
|
|
بـنضح دم الأعـداء لا اللطم يحمرُّ
|
هـمُ الـقوم مـن عليا لويِّ وغالب
|
|
بـهم تـكشف الجلى ويستدفع الضرُّ
|
يـحيون هـنديَّ الـسيوف بـاوجه
|
|
وحـدُّ الـمواضي بـاسم الغر يفتر
|
يـلـفون آحــاد الالـوف بـمثلها
|
|
تـهلِّل مـن لـئلاء طـلعتها البشر
|
بـيومٍ بـه وجـه الـمنون مُـقطَّبٌ
|
|
إذا حـل مـن مـعقود راياتها نشر
|
إذا اسـودَّ يـوم الـنقع اشرقنَ بابها
|
|
لـهم اوجـه والـشوس ألوانها صفر
|
ومـا وقـفوا في الحرب إلا ليعبروا
|
|
إلى الموت والخطيِّ من دونه جسر
|
يـكرون والأبـطال نكصاً تقاعست
|
|
مـن الـخوف والآسـاد شيمتها الكرُّ
|
الـى أن ثَـووْا تحت العجاج بمعرك
|
|
هـو الحشر لا بل دون موقفه الحشر
|
ومـاتوا كـراماً تـشهد الحرب انَّهم
|
|
أُبـاة إذا ألـوى بـهم حـادث نكر
|
عـلهيم مـن الهنديِّ بيض عصائب
|
|
تـروق ومـن وشي الدّما حلل حمر
|
وعـاد أبـيُّ الـضَّيم بـين عـداته
|
|
ونـاصـره الـبتّار والارن الـمهر
|
فـغبَّر فـي يـوم الـكفاح بـاوجه
|
|
الـكتائب والآفـاق شـاحبة غـبر
|
____________________________
إذا نـظـمت حَــبَّ الـقـلوب قـناتهُ
|
|
فـلـلسيف فـي أعـناق أعـدائه نـثر
|
فـلا الـوتر وتـر حـين تقترع الظبى
|
|
ولا الـشفع شـفع حـين تـشتبك السمر
|
ولـو شـاء أن يـفني الاعـادي لزلزل
|
|
الـوجـود بـهم لـكنما قـضي الأمـر
|
وآثـر أن يـسعى إلى الـموت صابرا
|
|
ونـفس أبـيِّ الـضيم شـيمتها الـصبر
|
فـأضحى عـلى الرمضاء شلواً تناهبت
|
|
حـشـاه الـعـوالي والـمـهندة الـبتر
|
قـضى بـين أطـراف الأسَّـنة ظـامياً
|
|
بِـحَرِّ حـشى مـن دون غـلتها الـجمر
|
فـلـهفي عـليه فـوق صـالية الـثرى
|
|
عـلى جـسمه تـجري المسومة الضمر
|
أبــا حـسـن شـكوى الـيك وانـها
|
|
لـواعجُ أشـجان يـجيش بـها الـصدر
|
أتـدري بـما لاقـت مـن الكرب والبلا
|
|
ومـا واجـهت بـالطفَّ أبـناؤك الـغر
|
أُعـزيـك فـيـهم انـهم وردوا الـردى
|
|
بـأفـئدة مــا بــل غـلَّـتها قـطر
|
وثـاويـنَ فـي حـر الـهجيرة بـالعرا
|
|
عـليهم سـوافي الـريح بـالترب تنجرُّ
|
مـتـى أيـها الـموتور تـبعث غـارة
|
|
تـعيد الـعدى والـبر مـن دمـهم بحر
|
أتـغضي وأنـت الـمدرك الثار عن دم
|
|
بـرغم الـهدى أضـحى ولـيس له وتر
|
وتـلـك بـجنب الـطَّف فـتيان هـاشم
|
|
ثَـوَتْ تـحت أطـراف الـقنا دمها هدر
|
فــلا صـبر حتّى تـرفعوها ذوابـلا
|
|
مـن الـخطِّ لا يـلوي بـخرصانها كسر
|
وتـقـتـدحوها بـالـصوارم جــذوة
|
|
من الحرب يصلى جمرها الجحفحل المجر
|
وتـبـتعثوها فــي الـمغار صـوأهلا
|
|
مـن الـخيل مـقروناً بـأعرافها النصر
|
فـكـم نـكـأت مـنـكم أمـية قـرحة
|
|
إلى الـحشر لا يأتي على جرحها السبر
|
فـمِـنْ صـبـية قـد ارضـعتها أمـية
|
|
ضــروع الـمـنايا والـدماء لـها درُّ
|
فـها هـي صـرعى والـسهام عواطف
|
|
حـنـواً عـليها والـرمال لـها حـجر
|
ومـن حُـرَّة بـعد الـمقاصير أصبحت
|
|
بـمـقفرة كـالـجمر يـوقـدها الـحرُّ
|
وزاكـية لـم تـلف فـي الـنوح مسعداً
|
|
سـوى انـها بـالسوط يـزجرها زجـر
|
ومـذعـورة أضـحـت وخـفاق قـلبها
|
|
تـكـاد شـظـاياه يـطير بـها الـذعر
|
ومـذهولة مـن دهـشة الـخيل ابرزت
|
|
عـشـيَّة لا كـهـف لـديها ولا خـدر
|
تـجـاذبها أيــدي الـعـدو خـمارها
|
|
فـتـستر بـالايـدي اذا أعـوز الـسِّتر
|
ســرت تـتـراماها الـعداة سـوافراً
|
|
يـروح بـها مـصر ويـغدو بها مصر
|
ربـيـبات خـدر أيـن مـنهنَّ خـطّة
|
|
الـموامي ولا يـدرينَ ما السهل والوعر
|
تـطوف بـها الأعـداء فـي كـل مَهمَهٍ
|
|
فـيـجذبها قـفـر ويـقـذفها قـفر
|
التنعيم
وسار الحسين من مكّة ومرّ بالتنعيم
، فلقى عيراً عليها وَرَس وحلل أرسلها إلى يزيد بن معاوية واليه على اليمن، بحير بن يسار الحميري، فأخذها الحسينعليهالسلام
وقال لأصحاب الإبل:«مَن أحبّ منكم أنْ ينصرف معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسنّا صحبته، ومَن أحبّ المفارقة أعطيناه من الكراء على ما قطع من الأرض»،
ففارقه بعضهم ومضى مَن أحبّ صحبته
.
وكان الحسينعليهالسلام
يرى أنّ هذا ماله الذي جعله الله تعالى له يتصرّف فيه كيف شاء؛ لأنّه إمام على الاُمّة منصوب من المهيمن سبحانه، وقد اغتصب يزيد وأبوه حقّه وحقّ المسلمين، فكان من الواجب عليه أنْ يحتوي على فَيء المسلمين لينعش المحاويج منهم، وقد أفاض على الأعراب الذين صحبوه في الطريق ورفعوا إليه ما مسّهم من مضض الفقر، غير أنّ محتوم القضاء لَم يمكّن سيّد شباب أهل الجنّة من استرداد ما اغتصبه الجائرون من أموال اُمّة النّبي الأعظمصلىاللهعليهوآله
وإنْ ارتفعت بتضحيته المقدّسة عن البصائر حجب التمويه، وعرفوا ضلال المستعدين على الخلافة الإلهيّة.
____________________________
الصفاح
وفي الصفاح لَقِي الحسينعليهالسلام
الفرزدق بن غالب الشاعر، فسأله عن خبر النّاس خلفه، فقال الفرزدق: قلوبهم معك والسيوف مع بني اُميّة، والقضاء ينزل من السماء. فقال أبو عبد اللهعليهالسلام
:«صدقت لله الأمر، والله يفعل ما يشاء، وكلّ يوم ربّنا في شأن، إنْ نزل القضاء بما نحبّ فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وان حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد مَن كان الحقّ نيّته والتقوى سريرته»
، ثمّ سأله الفرزدق عن نذور ومناسك، وافترقا
.
ويروى عن الفرزدق أنّه قال: خرجت من البصرة اُريد العمرة فرأيتُ عسكراً في البرية، فقلتُ: عسكر من؟ قالوا عسكر حسين بن علي، فقلتُ: لأقضينّ حقّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
فأتيته وسلّمت عليه، فقال:«مَن الرجل؟»
قلت: الفرزدق بن غالب، فقال: هذا نسب قصير، قلت: أنت أقصر منّي نسباً أنت ابن بنت رسول الله
.
ذات عرق
وسار أبو عبد اللهعليهالسلام
لا يلوي على أحد، فلقي في ذات عرق
بُشْرَ
____________________________
ابن غالب وسأله عن أهل الكوفة قال: السيوف مع بني اُميّة والقلوب معك قالعليهالسلام
:«صدقت»
.
وحدّث الرياشي عمَّن اجتمع مع الحسينعليهالسلام
في أثناء الطريق إلى الكوفة يقول الراوي: بعد أنْ حججتُ انطلقتُ أتعسّف الطريق وحدي، فبينا أسير إذ رفعتُ طرفي إلى أخبية وفساطيط فانطلقتُ نحوها فقلتُ: لِمَن هذه الأخبية؟ قالوا: للحسين بن علي، وابن فاطمةعليهمالسلام
وانطلقتُ نحوه فإذا هو متّكئ على باب الفسطاط يقرأ كتاباً بين يدَيه فقلتُ: يابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بأبي أنت واُمّي، ما أنزلك في هذه الأرض القفراء التي ليس فيها ريف ولا منعة؟ قالعليهالسلام
:«إنّ هؤلاء أخافوني، وهذه كتب أهل الكوفة وهم قاتلي، فإذا فعلوا ذلك ولَم يدعوا لله محرماً إلاّ انتهكوه، بعث الله إليهم من يقتلهم حتّى يكونوا أذلّ من فرام الأمة»
.
الحاجر
ولما بلغ الحاجر
من بطن الرمة كتب إلى أهل الكوفة جواب كتاب مسلم ابن عقيل وبعثه مع قيس بن مسهّر الصيداوي
وفيه:«أمّا بعد، فقد ورد عليَّ
____________________________
كتاب مسلم بن عقيل يخبرني باجتماعكم على نصرنا والطلب بحقّنا، فسألتُ الله أنْ يُحسن لنا الصنع ويثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحِجّة، فإذا قدم عليكم رسولي، فانكمشوا في أمركم، فإنّي قادم في أيّامي هذه».
بعض العيون
وسار من الحاجر، وكان لا يمرّ بماء من مياه العرب إلاّ اتبعوه
، فانتهى إلى ماء من مياه العرب عليه عبد الله بن مطيع العدوي، ولمّا عرف أنّ الحسين قاصد للعراق قال له: اُذكّرك الله يابن رسول الله وحرمة الإسلام أنْ تنتهك، اُنشدك الله في حرمة العرب، فوالله لئن طلبتَ ما في أيدي بني اُميّة ليقتلوك، ولئن قتلوك لا يهابوا أحداً بعدك. فأبى الحسين إلاّ أنْ يمضي
.
الخزيمية
وأقامعليهالسلام
في الخزيمية
يوماً وليلة فلمّا أصبح أقبلتْ إليه اُخته زينبعليهاالسلام
وقالت: إنّي سمعتُ هاتفاً يقول:
ألا يـا عـينُ فاحتفلي بجهد
|
|
فمن يبكي على الشهداء بعدي
|
عـلى قـوم تـسوقهُمُ المنايا
|
|
بـمقدارٍ إلى انـجاز وعدِ
|
____________________________
زرود
ولما نزل الحسين في زرود
نزل بالقرب منه زهير بن القين البجلي
، وكان غير مشايع له، ويكره النّزول معه، لكنّ الماء جمعهم في المكان. وبينا زهير وجماعة على طعام صنع لهم إذ أقبل رسول الحسين يدعو زهيراً إلى سيّده أبي عبد اللهعليهالسلام
، فتوقّف زهير عن الإجابة غير أنّ امرأته دلهم بنت عمرو حثّته على المسير إليه وسماع كلامه
.
فمشى زهير إلى الحسينعليهالسلام
، وما أسرع أن عاد إلى أصحابه فرحاً قد أسفر وجهه وأمر بفسطاطه وثقله فحوِّل إلى جهة سيّد شباب أهل الجنّة، وقال لامرأته: الحقي بأهلك، فإنّي لا اُحبّ أنْ يصيبك بسببي إلاّ خير. ثمّ قال لمَن معه: مَن أحبّ منكم نصرة ابن الرسولصلىاللهعليهوآله
وإلاّ فهو آخر العهد.
ثمّ حدّثهم بما أوعز به سلمان الفارسي من هذه الواقعة فقال: غزونا بَلَنجَر
ففتحنا وأصبنا الغنائم، وفرحنا بذلك، ولمّا رأى سلمان الفارسي
ما نحن فيه من السرور قال: إذا أدركتم سيّد شباب آل محمّدصلىاللهعليهوآله
فكونوا
____________________________
أشدّ فرحاً بقتالكم معه بما أصبتم من الغنائم. فأمّا أنا فأستودعكم الله
.
فقالت زوجته: خار الله لك وأسألك أنْ تذكرني يوم القيامة عند جدّ الحسينعليهالسلام
.
وفي زرود اُخبر بقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، فاسترجع كثيراً وترحم عليهما مراراً
وبكى، وبكى معه الهاشميّون وكثر صراخ النّساء حتّى ارتجّ الموضع لقتل مسلم بن عقيل وسالت الدموع كلّ مسيل
.
فقال له عبد الله بن سليم والمنذر بن المشمعل الأسديّان: ننشدك الله يابن رسول الله ألاّ انصرفت من مكانك هذا؛ فإنّه ليس لك بالكوفة ناصر.
فقام آل عقيل وقالوا: لا نبرح حتّى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا، فنظر إليهم الحسين وقال:«لا خير في العيش بعد هؤلاء»
.
فـيا ابن عقيل فدتك النفو
|
|
س لـعظم رزيتك الفادحة
|
لِـنَبْكِ لـها بـمذاب القلو
|
|
ب فما قدر ادمعنا المالحة
|
وكـم طفلة لك قد اعولت
|
|
وجمرتها في الحشا قادحة
|
يـعززها السبط في حجره
|
|
لتغدو في قربه فارحة
|
تقول: مضى عمُّ مني أبي
|
|
فـمن لـيتيمته النائحة
|
ثـكول تبيت بليل اللسيع
|
|
تـعجُّ وعن دارها نازحة
|
وكـم مـن كميٍّ بأحشائه
|
|
تـركت زناد الاسى قادحه
|
____________________________
دربت ابن عمك يوم الطفو
|
|
ف نـعاك باسرته الناصحة
|
تـحفُّ بـه مـنهُمُ فـتية
|
|
صـباح واحسابهم واضحة
|
بكاك بماضي الشّبا والوغى
|
|
وجـوه الـمنايا بها كالحة
|
أقـام بضرب الطلى مأتماً
|
|
عليك وبيض الظبى نائحة
|
ونـادى عشيرتك الاقربين
|
|
خذي الثأر يا اسرة الفاتحة
|
وخاض بهم في غمار الحتو
|
|
ف ولـكنَّها بالظبى طائحة
|
وقـال لها: يا نزار النزال
|
|
فحربك في جِدِّها مازحة
|
الثعلبية
وفي الثعلبيّة أتاه رجل وسأله عن قوله تعالى:(
يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ
)
فقالعليهالسلام
:« إمام دعا إلى هدى فأجابوا إليه، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوا إليها، هؤلاء في الجنّة وهؤلاء في النّار، وهو قوله تعالى:
(
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ
)
».
وفي هذا المكان اجتمع به رجل من أهل الكوفة فقال له الحسين:«أما والله، لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل في دارنا ونزوله بالوحي على جدّي. يا أخا أهل الكوفة، من عندنا مستقى العلم، أفَعَلِموا وجهلنا؟! هذا ممّا لا يكون»
.
وحديث بجير من أهل الثعلبية، قال مرّ الحسين بنا وأنا غلام فقال له أخي: يابن بنت رسول الله أراك في قلّة من النّاس، فأشار بالسّوط إلى حقيبة لرجل وقال:«هذه مملوءة كتباً»
.
____________________________
الشقوق
وفي الشقوق
رأى الحسين رجلاً
مقبلاً من الكوفة فسأله عن أهل العراق فأخبره أنّهم مجتمعون عليه فقالعليهالسلام
:«إنّ الأمر لله، يفعل ما يشاء، وربّنا تبارك هو كلّ يوم في شأن»
، ثمّ أنشد.
فـإنْ تـكن الـدنيا تُـعَدُّ نـفيسة
|
|
فـدار ثـواب اللـه أعـلى وانبل
|
وإنْ تـكن الأمـوال للترك جمعها
|
|
فـما بـال متروك به المرء يبخل
|
وإنْ تـكن الأرزاق قَـسْماً مـقدّراً
|
|
فقلّة حرص المرء في الكسب أجمل
|
وإنْ تـكن الأبـدان للموت أُنشئت
|
|
فقتل امرىء بالسيف في الله أفضل
|
عـليكم سـلام الله يـا آل أحـمد
|
|
فانِّي أراني عنكُمُ سوف أرحل
|
زُبالة
وفي زبالة اُخبر بقتل عبد الله بن يقطر الذي أرسله الحسين من الطريق إلى مسلم بن عقيل، فقبض عليه الحصين بن نمير في القادسيّة وسرّحه إلى عبيد الله بن زياد، فأمره أنْ يصعد المنبر ويلعن الكذّاب ابن الكذّاب، ولمّا أشرف على النّاس قال: أيّها النّاس أنا رسول الحسين بن فاطمة؛ لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة، فأمر به عبيد الله فاُلقي من فوق القصر، فتكسّرت عظامه وبقي به رَمَق، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه، فلمّا عيب عليه قال: إنّما أردت أنْ اُريحه، وقيل الذي ذبحه رجل طوال يشبه عبد الملك بن عمير..
فأعلم بذلك النّاس وأذِنَ لهم بالانصراف، فتفرّقوا عنه يميناً وشمالاً، وبقي في أصحابه الذين جاؤا معه من مكّة وإنّما تبعه خلق كثير من الأعراب؛ لظنّهم أنّه يأتي بلداً أطاعه أهله، فكرهعليهالسلام
أن يسيروا معه إلاّ على عِلمٍ بما يقدمون
____________________________
عليه، وقد عَلِم أنّه إذا أذِنَ لهم بالانصراف لَم يصحبه إلاّ مَن يريد مواساته على الموت
.
بطن العقبة
وسار من زبالة حتّى نزل بطن العقبة وفيها قال لأصحابه:«ما أراني إلاّ مقتولاً، فإنّي رأيت في المنام كلاباً تنهشني، وأشدّها عليَّ كلب أبقع»
.
وأشار عليه عمرو بن لوذان من بني عكرمة بالرجوع إلى المدينة؛ لِما عليه أهل الكوفة من الغدر والخيانة، فقال أبو عبد اللهعليهالسلام
:«ليس يخفى عليَّ الرأي، وإنَّ الله لا يغلب على أمره»
.
ثم قالعليهالسلام
:«إنّهم لَن يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جَوفي، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم مَن يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فِرَق الاُمم»
.
شراف
وسار من بطن العقبة حتّى نزل شراف
، وعند السّحر أمر فتيانه أنْ يستقوا من الماء ويكثروا، وفي نصف النّهار سمع رجلاً من أصحابه يكبّر فقال الحسين: «لِمَ كبَّرت؟» قال: رأيت النّخل فأنكر مَن معه أنْ يكون بهذا الموضع نخل، وإنّما
____________________________
هو أسنّة الرماح وآذان الخيل، فقال الحسين:«وأنا أراه ذلك»
، ثمّ سألهم عن ملجأ يلجأون إليه، فقالوا: هذا (ذو حسَم
عن يسارك فهو كما تريد، فسبق إليه الحسين وضرب أبنيته.
وطلع عليهم الحرّ الرياحي
مع ألف فارس بعثه ابن زياد؛ ليحبس الحسين عن الرجوع إلى المدينة أينما يجده أو يقدم به الكوفة، فوقف الحرّ وأصحابه مقابل الحسين في حَر الظهيرة
.
فلمّا رأى سيّد الشهداء ما بالقوم من العطش أمر أصحابه أنْ يسقوهم ويرشفوا الخيل، فسقوهم وخيولهم عن آخرهم، ثمّ أخذوا يملأون القصاع والطساس ويدنونها من الفرس فإذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت، وسقي آخر حتّى سقوا الخيل كلّها
.
وكان علي بن الطعّان المحاربي مع الحرّ فجاء آخرهم وقد أضرَّ به العطش فقال الحسين:«أنخ الراوية»
- وهي الجمل بلغة الحجاز - فلمْ يفهم مراده فقال له:«أنخ الجمل»
ولمّا أراد أنْ يشرب جعل الماء يسيل من السّقاء، فقال له ريحانة الرسول:«أخنث السّقاء»
، فلم يدرِ ما يصنع لشدّة العطش، فقامعليهالسلام
بنفسه وعطف السّقاء حتّى ارتوى وسقى فرسه.
وهذا لطف وحنان من أبي الضيم على هؤلاء الجمع في تلك البيداء المقفرة التي تعزّ فيها الجرعة الواحدة وهو عالم بحراجة الموقف ونفاد الماء، وإنّ غداً دونه تسيل النّفوس، ولكنّ العنصر النبوي والكرم العلويّ لَمْ يتركا صاحبهما إلاّ أنْ يحوز الفضل.
أحشاشةَ الزهراء بل يا مهجةَ
|
|
الكّرار يا روحَ النبي الهادي
|
____________________________
عـجباً لهذا الخلق هلا أقبلوا
|
|
كـل إلـيك بروحه لك فادي
|
لـكنّهم مـا وازنـوك نفاسة
|
|
أنّـى يُـقاسُ الذر بالاطواد
|
عـجباً لـحلم الله جل جلاله
|
|
هتكوا حجابك وَهْوَ بالمرصاد
|
عجباً لآل الله صاروا مغنماً
|
|
لـبني يزيد هدية وزياد
|
ثمّ إنّ الحسين استقبلهم فحمد الله وأثنى عليه وقال:«إنّها معذرةً إلى الله عزّ وجلّ وإليكم، وإنّي لَم آتكم حتّى أتتني كتبكم وقَدِمَت بها عليَّ رُسُلكم أنْ اقْدِم علينا فإنّه ليس لنا إمام ولعلّ الله أنْ يجمَعنا بك على الهدى، فإنْ كنتم على ذلك فقد جئتكم، فاعطوني ما أطمئنّ به من عهودكم ومواثيقكم، وإنْ كنتم لمَقدمي كارهين، انصرفتُ عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم».
فسكتوا جميعاً.
وأذَّنَ الحَجّاج بن مسروق الجعفي لصلاة الظهر، فقال الحسين للحرّ:«أتصلّي بأصحابك؟»
، قال: لا، بل نصلّي جميعاً بصلاتك، فصلّى بهم الحسين.
وبعد أنْ فرغ من الصلاة أقبل عليهم فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النّبي محمّد وقال:«أيّها النّاس إنّكم إنْ تتّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل بيت محمّد
صلىاللهعليهوآله
أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم والسائرين بالجور والعدوان، وإنْ أبَيتم إلاّ الكراهيّة لنا والجهل بحقّنا وكان رأيكم الآن على غير ما أتتني به كتبكم، انصرفتُ عنكم».
فقال الحرّ: ما أدري ما هذه الكتب التي تذكرها، فأمر الحسين عقبة بن سمعان فأخرج خرجَين مملوأين كتباً.
____________________________
قال الحرّ: إنّي لستُ من هؤلاء، وإنّي اُمرت أنْ لا اُفارقك إذا لقيتك حتّى أقدمك الكوفة على ابن زياد.
فقال الحسين:«الموت أدنى إليك من ذلك»
، وأمر أصحابه بالركوب، و ركبت النّساء، فحال بينهم وبين الانصراف إلى المدينة فقال الحسين للحرّ:«ثكلتك اُمّك ما تريد منا؟»
.
قال الحرّ: أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل هذا الحال، ما تركتُ ذكر اُمّه بالثكل كائناً من كان، والله ما لي إلى ذكر اُمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما نقدر عليه.
ولكن خذ طريقاً نصفاً بيننا لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة حتّى أكتب إلى ابن زياد؛ فلعلّ الله أنْ يرزقني العافية، ولا يبتليني بشيء من أمرك. ثمّ قال للحسين: إنّي اُذكرك الله في نفسك، فإنّي أشهد لئن قاتلت لَتقتلَنَّ، فقال الحسين:«أفبالموت تخوفني؟! وهل يعدو بكم الخطب أنْ تقتلوني، وسأقول ما قال أخو الأوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول الله
صلىاللهعليهوآله
»
:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى
|
|
إذا مـا نـوى حـقاً وجـاهد مسلما
|
وواسـى الـرجال الصالحين بنفسه
|
|
وفـارق مـثبوراً وخـالف مجرما
|
فـان عشت لم اندم وان متُّ لم أُلَمْ
|
|
كـفى بـك ذَّلاً ان تـعيش وتُرْغما
|
فلمّا سمع الحرّ هذا منه، تنحى عنه فكان الحسين يسير بأصحابه في ناحية والحرّ ومَن معه في ناحية
.
البيضة
وفي البيضة
خطب أصحابَ الحر فقال بعد الحمد لله والثناء عليه:«أيّها
____________________________
النّاس إنّ رسول الله قال: مَن رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله، ناكثاً عهده، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قَول، كان حقّاً على الله أنْ يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود واستأثروا بالفَيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ ممَّن غير، وقد أتتني كتبكم وقدمتْ عليَّ رُسُلكم ببيعتكم أنّكم لا تسلّموني ولا تخذلوني فإنْ أتممتم عليَّ بيعتكم تصيبوا رشدكم، فأنا الحسين بن علي، وابن فاطمة بنت رسول الله، نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم ولكم فيَّ اُسوة، وإنْ لَمْ تفعلوا ونَقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم فلَعَمري ما هي لكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم، فالمغرور من اغترّ بكم فحظّكم أخطأتم ونصيبكم ضيّعتم ومَن نكث فإنّما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته»
.
الرُهَيمة
وفي الرهيمة
لقيه رجل من أهالي الكوفة يقال له أبو هرم فقال: يابن رسول الله ما الذي أخرجك عن حرم جدك؟ فقال:يا أبا هرم إنّ بني اُميّة شتموا عرضي فصبرت، وأخذوا مالي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيمَ الله ليقتلوني فيلبسهم الله ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً ويسلّط عليهم من يذلّهم(٣) حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ، إذ ملكتهم امرأة فحكمت في أموالهم ودمائهم»
.
القادسيّة
وفي القادسيّة
قبض الحصين بن نمير التميمي على قيس بن مسهّر
____________________________
الصيداوي رسول الحسين إلى أهل الكوفة، وكان ابن زياد أمره أن ينظم الخيل ما بين القادسيّة إلى خفان ومنها إلى القطقطانة
، ولمّا أراد أنْ يفتّشه أخرج قيس الكتاب وخرّقه وجيء به إلى ابن زياد، فقال له: لماذا خرّقت الكتاب؟ قال: لئلاّ تطّلع عليه، فأصرّ ابن زياد على أنْ يُخبره بما فيه، فأبى قيس، فقال: إذاً اصعد المنبر وسبّ الحسين وأباه وأخاه وإلاّ قطّعتك إرباً، فصعد قيس المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النّبي وآله وأكثر من الترحّم على أمير المؤمنين والحسن والحسين، ولعن عبيدَ الله بن زياد وأباه وبني اُميّة، ثم قال: أيّها النّاس أنا رسول الحسين إليكم، وقد خلّفته في موضع كذا، فأجيبوه. فأمر ابن زياد أنْ يُرمى من أعلى القصر، فرمي وتكسّرت عظامه ومات
، ويقال كان به رمق فذبحه عبد الملك بن عمَير اللخمي، فعيب عليه قال: أردت أن اُريحه
.
العذيب
وفي عذيب الهجانات
وافاه أربعة نفر خارجين من الكوفة على رواحلهم ويجنبون فرساً لنافع بن هلال يقال له (الكامل) وهم؛ عمرو بن خالد الصيداوي، وسعد مولاه، ومجمع بن عبد الله المذحجي، ونافع بن هلال، ودليلهم الطرمّاح بن عدي الطائي يقول:
يا ناقتي لا تذعري من زجري
|
|
وشـمّري قـبل طلوع الفجر
|
بـخير ركـبان وخـير سفر
|
|
حتّى تـحلى بـكريم النجر
|
الـماجد الحر رحيب الصدر
|
|
أتـى بـه الله لـخير أمـر
|
ثمت أبقاه بقاء الدهر
____________________________
فلمّا انتهوا إلى الحسينعليهالسلام
أنشدوه الأبيات، فقالعليهالسلام
:«أما والله، إنّي لأرجوا أنْ يكون خيراً ما أراد الله بنا قُتِلْنا أم ظفرنا».
وسألهم الحسين عن رأي النّاس، فأخبروه بأنّ الأشراف عظمت رشوتهم وقلوب سائر النّاس معك والسّيوف عليك، ثمّ أخبروه عن قتل قيس بن مسهّر الصيداوي، فقالعليهالسلام
:(
فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً
)
.اللهم اجعل لنا ولهم الجنّة، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك ورغائب مذخور ثوابك»
.
وقال له الطرمّاح: رأيتُ النّاس قبل خروجي من الكوفة مجتمعين في ظهر الكوفة فسألتُ عنهم، قيل: إنّهم يعرضون ثم يسرّحون إلى الحسين، فانشدك الله أنْ لا تقدم عليهم، فإنّي لا أرى معك أحداً، ولَو لَم يقاتلك إلاّ هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكفى، ولكن سِر معنا لتنزل جبلنا الذي يُدعى (أجا) فقد امتنعنا به من ملوك غسّان وحمير، ومن النعمان بن المنذر ومن الأسود والأحمر، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتّى تأتيك طيء رجالاً وركباناً وأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم إلى أنْ يستبين لك ما أنت صانع.
فجزاه الحسين وقومه خيراً وقال:«إنَّ بيننا وبين القوم عهداً وميثاقاً ولسنا نقدر على الانصراف حتّى تتصرّف بنا وبهم الاُمور في عاقبة».
فاستأذنه الطرمّاح وحده بأن يوصل الميرة إلى أهله، ويعجّل المجيء لنصرته. فأذِن له وصحِبه الباقون.
فأوصل الطرمّاح الميرة إلى أهله ورجع مسرعاً، فلمّا بلغ عذيب الهجانات، بلغه خبر قتل الحسينعليهالسلام
فرجع إلى أهله
.
____________________________
قصر بني مقاتل
وسار من عذيب الهجانات حتّى نزل قصر بني مقاتل
، فرأى فسطاطاً مضروباً ورمحاً مركوزاً وفرساً واقفاً، فسأل عنه، فقيل: هو لعبيد الله بن الحرّ الجعفي
. فبعث إليه الحَجّاج بن مسروق الجعفي، فسأله ابن الحرّ عمّا وراءه قال: هديّة إليك وكرامة إنْ قبِلتها، هذا الحسين يدعوك إلى نصرته فإنْ قاتلتَ بين يدَيه اُجِرت، وإنْ قُتلت استشهدت فقال ابن الحرّ: والله، ما خرجتُ من الكوفة؛ إلاّ لكثرة ما رأيته خارجاً لمحاربته وخذلان شيعته، فعلمتُ أنّه مقتول ولا أقدر على
____________________________
نصره، ولست أحب أن يراني وأراه
.
فأعاد الحَجّاج كلامه على الحسين، فقام صلوات الله عليه ومشى إليه في جماعة من أهل بيته وصحبه، فدخل عليه الفسطاط، فوسّع له عن صدر المجلس، يقول ابن الحرّ: ما رأيت أحداً قط أحسن من الحسين ولا أملأ للعين منه، ولا رققت على أحد قط رقّتي عليه حين رأيته يمشي والصبيان حوله، ونظرت إلى لحيته فرأيتها كأنّها جناح غراب، فقلت له أسواد أم خضاب؟ قال:«يابن الحرّ عجّل عليَّ الشيب».
فعرفتُ أنّه خضاب
. ولمّا استقرّ المجلس بأبي عبد الله، حمد الله وأثنى عليه وقال:«يابن الحرّ إنّ أهل مصركم كتبوا إليّ أنّهم مجتمعون على نصرتي، وسألوني القدوم عليهم، وليس الأمر على ما زعموا
، وإنّ عليك ذنوباً كثيرة، فهل لك من توبة تمحو بها ذنوبك؟»
قال: وما هي يابن رسول الله؟ فقال:«تنصر ابن بنت نبيّك وتقاتل معه»
. فقال ابن الحرّ: والله، إنّي لأعلم إنّ من شايعك كان السّعيد في الآخرة، ولكن ما عسى أن أغني عنك، ولَم اخلف لك بالكوفة ناصراً، فانشدك الله أنْ تحمّلني على هذه الخطة، فإنّ نفسي لا تسمح بالموت، ولكن فَرَسي هذه (الملحقة) والله، ما طلبتُ عليها شيئاً قط إلاّ لحقته، ولا طلبني أحد وأنا عليها إلاّ سبقته، فخُذها فهي لك.
قال الحسين:«أمّا إذا رغبت بنفسك عنّا، فلا حاجة لنا في فَرَسك
ولا فيك، وما كنتُ متّخذ المضلّين عضداً
، وإنّي أنصحك كما نصحتني، إن استطعت أنْ لا تسمع صراخنا، ولا تشهد وقعتنا فافعل. فوالله، لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا
____________________________
إلاّ أكبّه الله في نار جهنّم»
.
وندِم ابن الحرّ على ما فاته من نصرة الحسينعليهالسلام
، فأنشأ:
أيـا لـك حـسرة ما دمت حيّاً
|
|
تـردَّد بـين صدري والتراقي
|
غـداةَ يـقول لي بالقصر قولا
|
|
أتـتـركنا وتـعزم بـالفراق
|
حسين حين يطلب بذل نصري
|
|
عـلى أهـل الـعداوة والشقاق
|
فـلو فـلق الـتَّلهُّف قلب حرٍّ
|
|
لـهمَّ الـيوم قـلبي بـانفلاق
|
ولـو واسـيته يـوماً بـنفسي
|
|
لـنلت كـرامةً يـوم الـتَّلاق
|
مـع ابـن محمّد تفديه نفسي
|
|
فـودع ثـم أسـرع بـانطلاق
|
لـقد فاز الأولى نصروا حسيناً
|
|
وخاب الآخرون ذووا النفاق
|
وفي هذا الموضع اجتمع به عمرو بن قيس المشرفي وابن عمّه فقال لهما الحسين:«جئتما لنصرتي؟»
قالا له: إنّا كثيروا العيال، وفي أيدينا بضائع للناس ولَم ندرِ ماذا يكون، ونكره أنْ نضيع الأمانة.
فقال لهماعليهالسلام
:«انطلقا، فلا تسمعا لي واعية ولا تريا لي سواداً؛ فإنّه من سَمِع واعيتنا أو رأى سوادنا فلَم يجبنا أو يغثنا، كان حقّاً على الله عزّ وجلّ أنْ يكبّه على منخريه في النّار»
.
قرى الطف
ولما كان آخر الليل، أمر فتيانه بالاستقاء والرحيل من قصر بني مقاتل وبينا
____________________________
يسيرون إذ سُمِعَ الحسين يقول:«إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين»
وكرّره. فسأله علي الأكبر عن استرجاعه، فقال:«إنّي خفقتُ برأسي، فعنَّ لي فارس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمتُ أنّها أنفسنا نُعيت إلينا»
. فقال علي الأكبر: لا أراك الله سوءاً، ألسنا على الحق؟ قال:«بلى والذي إليه مرجع العباد»
، فقال: يا أبت، إذن لا نبالي أنْ نموت محقين. فقالعليهالسلام
:«جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده»
.
ولم يزل الحسين يتياسر إلى أن انتهى إلى نينوى
وإذا راكب على نجيب وعليه السّلاح فانتظروه، وإذا هو رسول ابن زياد إلى الحرّ، معه كتاب يقول فيه: جَعجِع
بالحسين حين تقرأ كتابي، ولا تنزله إلا بالعراء على غير ماء وغير حصن.
فقرأ الحرّ الكتاب على الحسين فقال له:«دعنا ننزل نينوى أو الغاضريات أو شفية»
. فقال الحرّ: لا أستطيع فإنّ الرجل عين عليّ
.
قال زهير بن القين: يابن رسول الله إنّ قتال هؤلاء أهون علينا من قتال مَن يأتينا من بعدهم، فلَعمري ليأتينا ما لا قِبَل لنا به، فقال الحسين:«ما كنتُ أبدأهم بقتال».
ثمّ قال زهير: ههنا قرية بالقرب منّا على شطّ الفرات وهي في عاقول حصينة، والفرات يحدق بها إلاّ من وجه واحد قال الحسين:«ما اسمها؟»
فقال:
____________________________
تسمى (العقر)
فقالعليهالسلام
:«نعوذ بالله من العقر»
.
والتفت الحسين إلى الحرّ وقال: سِر بنا قليلاً فساروا جميعاً حتّى إذا وصلوا أرض كربلاء وقف الحرّ وأصحابه أمام الحسينعليهالسلام
ومنعوه عن المسير وقالوا: إنّ هذا المكان قريب من الفرات.
ويقال: بيناهم يسيرون إذ وقف جواد الحسين ولم يتحرّك، كما أوقف الله ناقة النّبيصلىاللهعليهوآله
عند الحديبيّة
فعندها سأل الحسين عن الأرض. قال له زهير: سِر راشداً ولا تسأل عن شيء حتّى يأذن الله بالفرَج، إنّ هذه الأرض تسمّى الطف. فقالعليهالسلام
:«فهل لها اسم غيره؟»
قال: تُعرف كربلاء. فدمعت عيناه
وقال:«اللهمّ، أعوذ بك من الكرب والبلاء(٤)، ههنا محطّ ركابنا وسفك دمائنا ومحلّ قبورنا، بهذا حدّثني جدّي رسول الله»
.
تالله لا أنـسى وإن نسي الورى
|
|
بـالطفَّ وقـفة مهره المتسرِّع
|
أجَـواده هـل قـيدتك يد الردى
|
|
حتّى وقـفت بـه وقوف تمنّع
|
قد كنت أسرع من وميض سحابة
|
|
نـزل البلا اسرعت ام لم تسرع
|
هـلا تنكَّبت الطريق وَحِدتَ عن
|
|
ذاك المضيق إلى الفضاء الأوسع
|
____________________________
كـيف اقتحمت به المهالك لا أبا
|
|
لـك كـيف ذلك كيف لم تتمنَّع
|
أعـظم بها من وقفة قامت بعر
|
|
صـتها قيامة أهل ذاك المجمع
|
اعظم بها من وقفة قد ضعضعت
|
|
أركـان عرش الله أيَّ تضعضع
|
هـي وقـفة لـيزيدَ منها وقفة
|
|
يـوما يـقال لأحمدَ: قم واشفع
|
هـي وقـفة قـد أعقبتها وقعة
|
|
قـد جـرَّعتنا غصَّة لم تجرع
|
هـي وقـفة قـعدت بآل محمد
|
|
احـزانها حتّى يقوم المدَّعي
|
كربلاء
وكان نزوله في كربلاء في الثاني من المحرّم سنة إحدى وستّين
، فجمععليهالسلام
ولده وإخوته وأهل بيته ونظر إليهم وبكى وقال:«اللهمّ، إنّا عترة نبيّك محمّد قد اُخرِجنا وطُرِدنا واُزعِجنا عن حرم جدّنا، وتعدّت بنو اُميّة علينا، اللهمّ فخذ لنا بحقّنا وانصرنا على القوم الظالمين».
وأقبل على أصحابه فقال:
«النّاس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درت معائشهم، فإذا مُحِّصوا بالبلاء، قلّ الديانون»
.
____________________________
ثمّ حمد الله وأثنى عليه وصلّى على محمّد وآله وقال:
«أمّا بعد، فقد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، ولَم يبقَ منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمَل به وإلى الباطل لا يُتَناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله. فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما»
.
فقام زهير وقال: سمعنا يابن رسول الله مقالتك، ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنّا فيها مخلّدين لآثرنا النّهوض معك على الإقامة فيها.
وقال بريد: يابن رسول الله، لقد منّ الله بك علينا؛ أنْ نقاتل بين يدَيك، تُقَطَّع فيك أعضاؤنا، ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة
.
وقال نافع بن هلال: أنت تعلم أنّ جدّك رسول الله لَم يقدر أنْ يشرب النّاس محبّته، ولا أنْ يرجعوا إلى أمره ما أحبّ، وقد كان منهم منافقون يعِدونه بالنصر ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل ويخلّفونه بأمَرّ من الحنظل حتّى قبضه الله إليه، وإنّ أباك علياً كان في مثل ذلك فقوم قد أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين حتّى أتاه أجله فمضى إلى رحمة الله ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمَن نكث عهده وخلع بيعته فلَن يضرّ إلاّ نفسه والله مغن عنه، فسِر بنا راشداً معافى مشرِّقاً إنْ شئت أو
____________________________
مغرِّباً، فوالله ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربّنا وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا نوالي مَن والاك ونعادي من عاداك
.
بـأبي مَـنْ شروا لقاء الحسين
|
|
بـفـراق الـنفوس والأرواح
|
وقـفوا يـدرأون سمر العوالي
|
|
عـنه والـنبل وقـفة الأشباح
|
فوقوه بيض الظَّبى بالنحور الـ
|
|
بـيض والنبل بالوجوه الصِباح
|
فـئة ان تـعاور الـنقع لـيلا
|
|
أطـلعوا في سماه شهب الرماح
|
وإذا غَّـنت الـسّيوف وطافت
|
|
أكؤُس الموت وانتشى كل صاح
|
بـاعدوا بين قربهم والمواضي
|
|
وجـسـوم الأعـداء والأرواح
|
أدركـوا بـالحسين أكـبر عيد
|
|
فغدوا في منى الطفوف أضاحي
|
لست أنسى من بعدهم طود عزٍّ
|
|
وأعـاديه مـثل سـيل البطاح
|
وهـو يحمي دين النبي بعضب
|
|
بـسناه لـظلمة الـشرك ماحي
|
فـتطير الـقلوب منه ارتياعاً
|
|
كـلما شـدَّ راكـباً ذا الـجناح
|
ثُـمَّ لما نال الظما منه والشمس
|
|
ونـزف الـدِّما وثـقل السلاح
|
اوقـف الـطَّرف يستريح قليلاً
|
|
فـرماه الـقضا بـسهم مـتاح
|
فـهوى العرش للثرى وادلهمَّت
|
|
بـرماد المصاب منها النواحي
|
حَـرَّ قـلبي لـزينب إذ رأته
|
|
تـرب الـجسم مثخناً بالجراح
|
أخـرسَ الخطبُ نطقَها فدعته
|
|
بـدموعٍ بـما تـجن فِـصاح
|
يـا مـنار الظلال والليل داجٍ
|
|
وظلال الرميض واليوم ضاحي
|
كـنتَ لي يوم كنت كهفاً منيعاً
|
|
سـجسج الـظل خافق الأرواح
|
أتـرى الـقوم إذ عليك مررنا
|
|
مـنعونا مـن الـبكا والـنياح
|
إن يـكن هـيناً عـليك هواني
|
|
واغترابي مع العِدى وانتزاحي
|
ومـسيري أسـيرةً لـلأعادي
|
|
وركـوبي على النياق الطلاح
|
فـبرغمي أنّـي أراك مـقيماً
|
|
بـين سمر القنا وبيض الصِفاح
|
لـك جسم على الرمال ورأس
|
|
رفـعوه عـلى رؤوس الرماح
|
بـأبي الواردون حوض المنايا
|
|
يـوم ذيدوا عن الفرات المباح
|
بـأبي الـلابسون حـمر ثياب
|
|
طـرزتهُنَّ سافيات الرياح
|
____________________________
ثمّ إنّهعليهالسلام
اشترى النّواحي التي فيها قبره من أهل نينوى والغاضريّة بستّين ألف درهم وتصدّق بها عليهم، واشترط عليهم أنْ يرشدوا إلى قبره ويضيفوا مَن زاره ثلاثة أيام، وكان حرم الحسينعليهالسلام
الذي اشتراه أربعة أميال في أربعة أميال، فهو حلال لولده ولمواليه وحرام على غيرهم ممن خالفهم وفيه البركة، وفي الحديث عن الصادقعليهالسلام
:«إنّهم لم يفوا بالشرط»
.
ولمّا نزل الحسينعليهالسلام
كربلاء كتب إلى ابن الحنفية وجماعة من بني هاشم:«أمّا بعد، فكأنّ الدنيا لَم تكن وكأنّ الآخرة لَم تزل، والسّلام»
.
ابن زياد مع الحسين
وبعث الحرّ إلى ابن زياد يخبره بنزول الحسين في كربلاء فكتب ابن زياد إلى الحسين: أمّا بعد، يا حسين فقد بلغني نزولك كربلاء، وقد كتب إليّ أمير المؤمنين يزيد أنْ لا أتوسّد الوثير، ولا أشبع من الخمير أو اُلحقك باللطيف الخبير، أو تنزل على حكمي وحكم يزيد، والسّلام.
ولمّا قرأ الحسين الكتاب رماه من يده وقال:«لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق!»
. وطالبه الرسول بالجواب، فقال:«ما له عندي جواب؛ لأنّه حقّت عليه كلمة العذاب»
.
وسامته يركب إحدى اثنتين
|
|
وقد صرّت الحرب أَسنانها
|
____________________________
فـإما يُـرى مذعناً او تموت
|
|
نـفس أبـيّ الـعزُّ إذعـانها
|
فـقال لـها اعتصمي بالابا
|
|
فـنفس الأبـي ومـا زانـها
|
إذا لـم تجد غير لبس الهوان
|
|
فـبالموت تـنزع جـثمانها
|
يرى القتل صبراً شعار الكرام
|
|
وفـخراً يـزين لـها شـأنها
|
فـشمَّر لـلحرب عن معرك
|
|
بـه عَـركَ الموتُ فرسانها
|
وأضـرمها لـعنان الـسَّماء
|
|
حـمـراء تـلـفح نـيرانها
|
ركـين وللأرض تحت الكماة
|
|
رجـيف يـزلزل ثهلانها
|
وأخبر الرسول ابن زياد بما قاله أبو عبد اللهعليهالسلام
فاشتدّ غضبه
، وأمر عمر بن سعد بالخروج إلى كربلاء، وكان معسكِراً (بحمام أعين) في أربعة آلاف ليسير بهم إلى دستبى؛ لأنّ الديلم قد غلبوا عليها
، وكتب له ابن زياد عهداً بولاية الري وثغر دستبى والديلم
فاستعفاه ابن سعد، ولمّا استردّ منه العهد استمهله ليلته، وجمع عمر بن سعد نصحاءه فنهوه عن المسير لحرب الحسين، وقال له ابن اُخته حمزة بن المغيرة بن شعبة: اُنشدك الله أنْ لا تسير لحرب الحسين، فتقطع رحمك وتأثم بربّك، فوالله لئن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلّه لو كان لك لكان خيراً لك من أنْ تلقى الله بدم الحسين
.
فقال ابن سعد: أفعل إنْ شاء الله. وبات ليلته مفكّراً في أمره وسُمع يقول:
أأترك ملك الري والري رغبتي
|
|
أم أرجـع مـذموماً بقتل حسين
|
وفـي قتله النار التي ليس دونها
|
|
حجاب وملك الري قرة عيني
|
____________________________
وعند الصباح أتى ابن زياد وقال: إنّك ولّيتني هذا العمل وسمع به النّاس، فأنفذني له وابعث إلى الحسين مَن لستُ أغنى في الحرب منه. وسمّى له اُناساً من أشراف الكوفة.
فقال ابن زياد: لستُ استأمرك فيمن أُريد أن أبعث، فإن سرت بجندنا، وإلاّ فابعث إلينا عهدنا، فلمّا رآه ملحّاً قال: إنّي سائر
، فأقبل في أربعة آلاف وانضمّ إليه الحرّ فيمن معه. ودعا عمر بن سعد عزرة بن قيس الأحمسي، وأمره أن يلقى الحسين ويسأله عمّا جاء به فاستحيا عزرة؛ لأنّه ممَّن كاتبه، فسأل مَن معه من الرؤساء أنْ يلقوه فأبوا؛ لأنهم كاتبوه.
فقام كُثَير بن عبد الله الشعبي وكان جريئاً فاتكاً وقال: أنا له، وإنْ شئت أنْ أفتك به لفعلت. قال: لا، ولكن سله ما الذي جاء به؟ فأقبل كُثَير وعرفه أبو ثمامة الصائدي فقام في وجهه، وقال: ضع سَيفك وادخل على الحسين، فأبى واستأبى ثمّ انصرف.
فدعا عمر بن سعد قرّة بن قيس الحنظلي ليسأل الحسين، ولمّا أبلغه رسالة ابن سعد: قال أبو عبد الله«إنّ أهل مصركم كتبوا إليَّ أنْ اقدم علينا، فأمّا إذا كرهتموني انصرفتُ عنكم».
فرجع بذلك إلى ابن سعد، وكتب إلى ابن زياد بما يقول الحسين، فأتاه جوابه: أمّا بعد، فاعرض على الحسين وأصحابه البيعة ليزيد، فإنْ فعل رأينا رأينا
.
خطبة ابن زياد
وجمع ابن زياد النّاس في جامع الكوفة فقال: أيّها النّاس إنّكم بلوتم آل أبي
____________________________
سفيان فوجدتموهم كما تحبّون، وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه، حسن السّيرة، محمود الطريقة محسناً إلى الرعيّة، يعطي العطاء في حقّه، وقد أمنت السّبل على عهده وكذلك كان أبوه معاوية في عصره، وهذا ابنه يزيد يُكرم العباد ويغنيهم بالأموال، وقد زادكم في أرزاقكم مئة مئة، وأمرني أنْ أوفرها عليكم، وأخرجكم إلى حرب عدوّه الحسين، فاسمعوا له وأطيعوا.
ثمّ نزل و وفّر العطاء، وخرج إلى النخيلة
وعسكر فيها. وبعث على الحصين بن نمير التميمي، وحجّار بن أبجر، وشمر بن ذي الجوشن، وشبث بن ربعي وأمرهم بمعاونة ابن سعد. فاعتلّ شبث بالمرض
، فأرسل إليه: أن رسولي يخبرني بتمارضك وأخاف أنْ تكون من الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزؤن، فإنْ كنت في طاعتنا فأقبل مسرعاً، فأتاه بعد العشاء؛ لئلا ينظر إلى وجهه فلم يجد عليه أثر العلّة، و وافقه على ما يريد
.
وجعل عبيد الله بن زياد زجر بن قيس الجعفي على مسلحة في خمسمئة فارس، وأمره أنْ يقيم بجسر الصراة يمنع مَن يخرج من الكوفة يريد الحسينعليهالسلام
، فمرّ به عامر بن أبي سلامة بن عبد الله بن عرار الدالاني فقال له زجر: قد عرفتُ حيث تريد فارجع، فحمل عليه وعلى أصحابه فهزمهم ومضى، وليس أحد منهم يطمع في الدنوّ منه، فوصل كربلاء ولحق بالحسينعليهالسلام
حتّى قُتل معه، وكان قد شَهد المشاهد مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام
.
الحسين عند الكوفيين
ولم تزل الكراهية ظاهرة على الناس في قتال الحسين لانه ابن الرسول
____________________________
الأقدس وسيّد شباب أهل الجنّة ولَم تغب عن أذهانهم مصارحات النّبيصلىاللهعليهوآله
وأبيه الوصي فيه وفي أخيه المجتبى، وقد عرفوا فضله يوم أجدبت الكوفة وقحط النّاس، ففزعوا إلى أبي الحسن، فأخرج السّبط الشهيد للاستسقاء، وببركات نفسه القدسيّة ونوره المتكوّن من الحقيقة المحمّد يّة استجاب الله تعالى له وأرسل المطر حتّى أعشبت الأرض بعد جدبها. وهو الذي ملك المشرعة يوم صفين فسقى المسلمين بعد أنْ جهدهم العطش
، ولنبأ سقيه الحرّ وألف فارس معه في تلك الأرض القاحلة حتّى أرواهم وخيولهم، دوي في أرجاء الكوفة.
فهل يستطيع أحد - والحالة هذه - على مقابلته ومحاربته؟! لولا غلبة الهوى والتناهي في الطغيان وضعف النّفوس؛ ولذلك كان الجمع الكثير يتسلّل إذا وصل كربلاء، ولَم يبقَ إلاّ القليل، فلمّا عرف ابن زياد ذلك بعث سويد بن عبد الرحمن المنقري في خيل وأمره أنْ يطوف في سكك الكوفة وأحياء العرب ويعلن بالخروج إلى حرب الحسين، ومَن تخلّف جاء به إليه، فوجد رجلاً من أهل الشام قدم الكوفة في طلب ميراث له فقبض عليه وجاء به إلى ابن زياد فأمر بضرب عنقه، فلمّا رأى النّاس الشرّ منه خرجوا جميعاً
.
الجيوش
فخرج الشمر
في أربعة آلاف، ويزيد بن الركاب في ألفين، والحصين بن نمير التميمي في أربعة آلاف، وشبث بن ربعي في ألف، وكعب بن طلحة في ثلاثة آلاف، وحجّار بن أبجر في ألف، ومضاير بن رهينة المازني في ثلاثة آلاف، ونصر بن حرشة في ألفين
، فتكامل عند ابن سعد لستٍ خلون من المحرم عشرون ألفاً
، ولَم يزل ابن زياد يرسل العساكر إلى ابن سعد حتّى تكامل عنده ثلاثون ألفاً.
____________________________
روى أبو عبد الله الصادقعليهالسلام
:«إنّ الحسين دخل على أخيه الحسن في مرضه الذي استشهد فيه فلمّا رأى ما به بكى، فقال له الحسن: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: أبكي لما صنع بك، فقال الحسن
عليهالسلام
: إنّ الذي اُوتي إليَّ سمّ اُقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله وقد ازدلف إليك ثلاثون ألفاً يدَّعون أنّهم من اُمّة جدّنا محمّد وينتحلون دين الإسلام فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك، فعندها تحلّ ببني اُميّة اللعنة، وتمطر السّماء رماداً ودماً، ويبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار»
.
وكتب ابن زياد إلى ابن سعد: إنّي لَم أجعل لك علّة في كثرة الخيل والرجال، فانظر لا تمسي ولا تصبح إلاّ وخبرك عندي غدوة وعشية. وكان يستحثّه على الحرب لست خلون من المحرم
.
حشدت كتائبها على ابن محمّد
|
|
بـالطَّف حيث تذكَّرت آباءها
|
الله أكـبر يـا رواسي هذه الأ
|
|
رض البسيطة زايلي ارجاءها
|
يلقى ابن منتجع الصلاح كتائباً
|
|
عقد ابن منتجع السّفاح لواءها
|
ما كان أوقحها صبيحة قابلت
|
|
بـالبيض جبهته تريق دماءها
|
المشرعة
مـا بـلَّ أوجـهها الحيا ولو أنّه
|
|
قـطع الـصفا بلَّ الحيا ملساءها
|
مـن أيـن تـنجل أوجـهٌ اُمويّةٌ
|
|
سـكبت بـلذّات الفجور حياءها
|
قهرت بني الزهراء في سلطانها
|
|
واسـتأصلت بـصفاحها امراءها
|
مـلكت عليها الأمر حتّى حرَّمت
|
|
في الأرض مطرح جنبها وثواءها
|
____________________________
ضـاقت بـها الدنيا فحيث توجَّهت
|
|
رأت الـحتوف امـامها ووراءهـا
|
فـاستوطأت ظـهر الحِمام وحوَّلت
|
|
لـلعزِّ عـن ظـهر الهوان وطاءها
|
طـلعت ثـنيّات الـحتوف بعصبة
|
|
كـان الـسيوف قضاءها ومضاءها
|
لـقلبوبها امـتحن الإلـه بـموقف
|
|
مـحضته فـيهِ صـبرها وبـلاءها
|
كـانت سـواعد آل بـيت محمّد
|
|
وسـيوف نـجدتها على من ساءها
|
كـره الـحمام لـقاءها فـي ضنكه
|
|
لـكـنْ أحــبَّ الله فـيه لـقاءها
|
فـثوت بـأفئدة صـواد لـم تـجد
|
|
ريـاً يـبلُّ سـوى الردى أحشاءها
|
وأراك تـنشىء يا غمام على الورى
|
|
ظـلا وتـروي مـن حياك ظماءها
|
وقـلـوب أبـناء الـنبي تـفطَّرت
|
|
عـطشاً بـقفر ارمـضت أشلاءها
|
وامضّ ما جرعت من الغصص التي
|
|
قـدحت بـجانحة الـهدى ايراءها
|
هـتك الـطغاة عـلى بـنات محمّد
|
|
حـجب الـنبوة خـدرها وخـباءها
|
فـتنازعت احـشاءها حرق الجوى
|
|
وتـجاذبت أيـدي الـعدوُّ رداءهـا
|
عـجـباً لـحلم الله وهـي بـعينه
|
|
بـرزت تـطيل عـويلها وبـكاءها
|
ويـرى مـن الـزفرات تجمع قلبها
|
|
بـيـد وتـدفع فـي يـد اعـداءها
|
مـا كـان اوجـعها لمهجة (أحمد)
|
|
وامـضَّ في كبد (البتولة) داءها
|
وأنزل ابن سعد الخيل على الفرات فحموا الماء وحالوا بينه وبين سيّد الشهداء، ولَم يجد أصحاب الحسين طريقاً إلى الماء حتّى أضرّ بهم العطش، فأخذ الحسين فأساً وخطا وراء خيمة النّساء تسع عشرة خطوة نحو القبلة وحفر فنبعت له عين ماء عذب، فشربوا ثمّ غارت العين ولَم يرَ لها أثر، فأرسل ابن زياد إلى ابن سعد: بلغني أنّ الحسين يحفر الآبار ويصيب الماء فيشرب هو وأصحابه فانظر إذا ورد عليك كتابي، فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت وضيّق عليهم غاية التضيّيق. فبعث في الوقت عمرو بن الحجّاج في خمسمئة فارس ونزلوا على الشريعة
، وذلك قبل مقتل الحسين بثلاثة أيّام
.
____________________________
اليوم السّابع
وفي اليوم السّابع اشتدّ الحصار على سيّد الشهداء ومَن معه، وسُدّ عنهم باب الورود ونفد ما عندهم من الماء، فعاد كلّ واحد يعالج لهب العطش. وبطبع الحال كان العيال بين أنة وحنة وتضور ونشيج ومتطلّب للماء إلى متحر له بما يبلّ غلّته وكلّ ذلك بعين أبي علي والغيارى من آله والأكارم من صحبه، وماعسى أنْ يجدوا لهم شيئاً وبينهم وبين الماء رماح مشرعة وسيوف مرهفة، لكن ساقي العطاشى لَم يتطامن على تحملّ تلك الحالة.
أو تشتكي العطش الفواطم عنده
|
|
وبـصدر صعدته الفرات المفعم
|
ولَـو استقى نهر المجرّة لارتقى
|
|
وطـويـل ذابـله إلـيها سُـلَّم
|
لَـو سدَّ ذو القرنين دون وروده
|
|
نـسَفَته هـمَّته بـما هو أعظم
|
فـي كـفِّه اليسرى السّقاء يقلّه
|
|
وبـكفّه الـيُمنى الحسام المخذم
|
مـثل الـسّحابة للفواطم صوبه
|
|
فيصيب حاصبه العدو فيرجم
|
هنا قيض أخاه العبّاس لهذه المهمّة، في حين أنّ نفسه الكريمة تنازعه إليه قبل المطلب، فأمره أنْ يستقي للحرائر والصبية، وضمّ إليه عشرين راجلاً مع عشرين قربة، وقصدوا الفرات بالليل غير مبالين بمَن وُكِّل بحفظ الشريعة؛ لأنّهم محتفون بأسد آل محمّد وتقدّم نافع بن هلال الجملي باللواء، فصاح عمرو بن الحَجّاج: مَن الرجل؟ قال: جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه. فقال: اشرب هنيئاً ولا تحمل إلى الحسين منه. قال نافع: لا والله، لا أشرب منه قطرة والحسين ومَن معه من آله وصحبه عطاشى.
وصاح نافع بأصحابه: املأوا أسقيتكم. فشدّ عليهم أصحاب ابن الحَجّاج فكان بعض القوم يملأ القرب وبعض يقاتل وحاميهم ابن بجدتها المتربّي في حجر البسالة الحيدريّة أبو الفضل، فجاؤا بالماء. وليس في أعدائهم من تحدثه
____________________________
نفسه بالدنوّ منهم فرقاً من ذلك البطل المغوار، فبلت غلة الحرائر والصبية الطيّبة من ذلك الماء
.
ولكن لا يفوتنا أنّ تلك الكميّة القليلة من الماء ما عسى أن تجدي اُولئك الجمع الذي هو أكثر من مئة وخمسين رجالاً ونساءً وأطفالاً أو أنّهم ينيفون على المئتين، ومن المقطوع به أنّه لَم ترو أكبادهم إلاّ مرّة واحدة فسرعان أنْ عاد إليهم الظما، وإلى الله ورسوله المشتكى.
إذا كان ساقي الحوض في الحشر حيدر
|
|
فـساقي عـطاشي كربلاء أبو الفضل
|
عـلى أنّ الـناس فـي الـحشر قلبه
|
|
مـريع وهـذا بـالظلما قـلبه يـغلي
|
وقـفتُ عـلى مـاء الفرات ولَم أزل
|
|
أقـول لـه والـقول يـحسنه مـثلي
|
عـلامك تـجري لا جـريت لـوارد
|
|
وأدركـت يـوماً بعض عارك بالغسل
|
أمــا نـشـفت أكـبـاد آل محمّد
|
|
لـهـيباً ولا ابـتلَّت بـعلٍّ ولا نـهل
|
مـن الـحقّ أنْ تـذوي غصونك ذبّلا
|
|
أسـىً وحـياء مـن شـفاههِمُ الـذُبل
|
فـقال اسـتمع للقول إنْ كنت سامعاً
|
|
وكـنْ قـابلا عذري ولا تكثرنْ عذلي
|
ألا إنّ ذا دمـعي الـذي أنـت نـاظر
|
|
غـداى جـعلت الـنوح بعدهُمُ شغلي
|
بـرغـمي أرى مـائي يـلذ سـواهمُ
|
|
بـه وهـم صرعي على عطش حولي
|
جـزى الله عـنهم في المواساة عمَّهم
|
|
أبـا الفضل خيراً لو شهدت أبا الفضل
|
لـقـد كـان سـيفاً صـاغه بـيمينه
|
|
عـليّ فـلم يـحتج شباه إلى الصقل
|
إذا عــدَّ ابـنـاء الـنـبيِّ محـمّد
|
|
رآه أخـاهـم مـن رآه بـلا فـضل
|
ولـم أرَ ظـامٍ
حـوله الـماء قبله
|
|
ولَـم يـرو مـنه وهو ذو مهجة تغلي
|
ومـا خـطبه إلاّ الـوفاء وقـلَّ مـا
|
|
يـرى هـكذا خـلا وفـيّاً مـع الخلِّ
|
يـمـيناً بـيـمناك الـقطيعة والـتي
|
|
تـسمى شـمالاً وهـي جامعة الشمل
|
بـصبرك دون ابـن الـنبيِّ بـكربلا
|
|
عـلى الـهَول امر لا يحيط به عقلي
|
و وافــاك لا يـدري افـقدك راعـه
|
|
أم الـعرش غـالته الـمقادير بـالثل
|
____________________________
أخي كنتَ لي درعاً ونصلا كلاهما
|
|
فقدتُ فلا درعي لديَّ ولا نصلي
|
غرور ابن سعد
وأرسل الحسين عمرو بن قرظة الأنصاري إلى ابن سعد يطلب الاجتماع معه ليلاً بين المعسكرين، فخرج كلّ منهما في عشرين فارساً، وأمر الحسين مَن معه أنْ يتأخّر إلاّ العبّاس وابنه علياً الأكبر، وفعل ابن سعد كذلك وبقي معه ابنه حفص وغلامه.
فقال الحسين:«يابن سعد أتقاتلني؟ أما تتقي الله الذي إليه معادك؟! فأنا ابن مَن قد علمتَ! ألا تكون معي وتدع هؤلاء فإنّه أقرب إلى الله تعالى؟»
قال عمر: أخاف أنْ تهدم داري. قال الحسين:«أنا أبنيها لك».
فقال: أخاف أنْ تؤخذ ضيعتي. قالعليهالسلام
:«أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز»
، ويروى أنّه قال لعمر:«أعطيك البغيبغة»
، وكانت عظيمة فيها نخل وزرع كثير، دفع معاوية فيها ألف ألف دينار فلَم يبعها منه
. فقال ابن سعد: إنّ لي بالكوفة عيالاً وأخاف عليهم من ابن زياد القتل. ولما أيس منه الحسين قام وهو يقول:«مالك، ذبحك الله على فراشك عاجلاً، ولا غفر لك يوم حشرك، فوالله إنّي لأرجو أنْ لا تأكل من بَرّ العراق إلا يسيراً».
قال ابن سعد مستهزءاً: في الشعير كفاية
.
وأول ما شاهده من غضب الله عليه ذهاب ولاية الري، فإنّه لمّا رجع من كربلاء طالبه ابن زياد بالكتاب الذي كتبه بولاية الري، فادّعى ابن سعد ضياعه، فشدّد عليه باحضاره، فقال له ابن سعد: تركته يقرأ على عجائز قريش اعتذاراً منهن، أما والله لقد نصحتك بالحسين نصيحة لَو نصحتها أبي سعداً كنت قد أديت حقّه. فقال عثمان بن زياد أخو عبيد الله: صدق، وددتُ أنّ في أنف كلّ
____________________________
رجل من بني زياد خزامة إلى يوم القيامة وإنّ الحسين لَم يُقتل
.
وكان من صنع المختار معه أنّه لمّا أعطاه الأمان، استأجر نساء يبكين على الحسين ويجلسن على باب دار عمر بن سعد، وكان هذا الفعل يلفت نظر المارّة إلى أنّ صاحب هذا الدار قاتل سيّد شباب أهل الجنّة، فضجر ابن سعد من ذلك وكلّم المختار في رفعهن عن باب داره، فقال المختار: ألا يستحقّ الحسين البكاء عليه
.
ولمّا أراد أهل الكوفة أنْ يؤمّروا عليهم عمر بن سعد بعد موت يزيد بن معاوية؛ لينظروا في أمرهم، جاءت نساء همدان وربيعة، إلى الجامع الأعظم صارخات يقلن: ما رضي ابن سعد بقتل الحسين حتّى أراد أنْ يتأمّر. فبكى النّاس وأعرضوا عنه
.
افتراء ابن سعد
وافتعل ابن سعد علي أبي الضيم ما لَم يقله، وكتب إلى ابن زياد زعماً منه أنّ فيه صلاح الاُمّة وجمال النظام فقال في كتابه:
أمّا بعد فإنّ الله أطفأ النّائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الاُمّة، وهذا حسين أعطاني أنْ يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أنْ يسير إلى ثغر من الثغور، فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أنْ يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا رضىً لكم وللاُمّة صلاح
.
وهيهات أنْ يكون ذلك الأبي ومَن علَّم النّاس الصبر على المكاره وملاقاة الحتوف - طوع ابن مرجانة ومنقاداً لابن آكلة الأكباد! أليس هو القائل لأخيه الأطرف:«والله لا أعطي الدنيّة من نفسي»
. ويقول لابن الحنفيّة:«لَو لَم يكن ملجأ لما بايعت يزيد»
. وقال لزرارة بن صالح:«إنّي أعلم علماً يقيناً أنّ هناك مصرعي ومصارع أصحابي، ولا ينجو منهم إلاّ ولدي علي».
وقال لجعفر بن
____________________________
سليمان الضبعي:«إنّهم لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي»
.
وآخر قوله يوم الطف:«ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلّة وهيهات منّا الذلّة، يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت واُنوف حميّة ونفوس أبيّة من أنْ تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام».
وإنّ حديث عقبة بن سمعان يفسّر الحال التي كان عليها أبو عبد اللهعليهالسلام
، قال: صحبت الحسين من المدينة إلى مكّة ومنها إلى مكّة ومنها إلى العراق ولَم اُفارقه حتّى قُتل، وقد سمعت جميع كلامه فما سمعتُ منه ما يتذاكر فيه النّاس من أنْ يضع يده في يد يزيد ولا أنْ يسيره إلى ثغر من الثغور لا في المدينة ولا في مكّة ولا في الطريق ولا في العراق ولا في عسكره إلى حين قتله، نعم سمعته يقول:«دعوني أذهب إلى هذه الأرض العريضة»
.
طغيان الشمر
ولمّا قرأ ابن زياد كتاب ابن سعد قال: هذا كتاب ناصح مشفق على قومه. وأراد أن يجيبه، فقام الشمر
، وقال: أتقبل هذا منه بعد أنْ نزل بأرضك؟ والله،
____________________________
لئن رحل من بلادك ولَم يضع يده في يدك ليكونّن أولى بالقوّة وتكون أولى بالضعف والوهن، فاستصوب رأيه وكتب إلى ابن سعد: أمّا بعد، إنّي لَم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه ولا لتطاوله ولا لتمنيه السّلامة ولا لتكون له عندي شفيعاً، اُنظر فإنْ نزل حسين وأصحابه على حكمي، فابعث بهم إليَّ سِلماً. وإنْ أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم؛ فإنّهم لذلك مستحقّون، فإنْ قُتل حسين فاوطىء الخيل صدره وظهره، ولستُ أرى أنّه يُضرّ بعد الموت، ولكن على قول قلته: لَو قتلتُه لفعلتُ هذا به. فإنْ أنت مضيتَ لأمرنا فيه جزيناك جزاء السّامع المطيع، وإنْ أبيتَ فاعتزل عملنا وجندنا وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنّا قد أمرناه بذلك
.
فلمّا جاء الشمر بالكتاب، قال له ابن سعد: ويلك لا قرب الله دارك، وقبّح الله ما جئت به، وإنّي لأظنّ أنّك الذي نهيته وافسدت علينا أمراً رجونا أنْ يصلح، والله لا يستسلم حسين فانّ نفس أبيه بين جنبَيه.
فقال الشمر: أخبرني ما أنت صانع، أتمضي لأمر أميرك؟ وإلاّ فخلّ بيني وبين العسكر. قال له عمر: أنا أتولّي ذلك، ولا كرامة لك، ولكن كن أنت على الرجّالة
.
____________________________
الأمان
وصاح الشمر بأعلى صوته: أين بنو اُختنا
؟ أين العبّاس وإخوته؟، فأعرضوا عنه، فقال الحسين:«أجيبوه ولَو كان فاسقاً»
، قالوا: ما شأنك وما تريد؟ قال: يا بني اُختي أنتم آمنون، لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين، والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد. فقال العبّاس: لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له
، وتأمرنا أنْ ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء
.
أيظنّ هذا الجلف الجافي أن يستهوي رجل الغيرة والحميّة إلى الخسف والهوان، فيستبدل أبو الفضل الظلمة بالنور، ويدع عَلَم النبوّة وينضوي إلى راية ابن ميسون؟! كلاّ.
ولمّا رجع العبّاس، قام إليه زهير بن القين وقال: اُحدّثك بحديث وعيته؟ قال: بلى، فقال: لمّا أراد أبوك أن يتزوّج، طلب من أخيه عقيل - وكان عارفاً بأنساب العرب - أنْ يختار له امرأةً ولدتها الفحولة من العرب؛ ليتزوّجها فتلد غلاماً شجاعاً ينصر الحسين بكربلاء، وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم، فلا تقصّر عن نصرة أخيك وحماية أخواتك. فقال العبّاس: أتشجّعني يا زهير في مثل هذا اليوم؟! والله لأرينّك شيئاً ما رأيتَه
، فجدّل أبطالاً ونكس رايات في حالة لَم يكن من همّه القتال ولا مجالدة الأبطال، بل همّه إيصال الماء إلى عيال أخيه.
____________________________
يـمثل الـكرّار فـي كـرّاته
|
|
بل في المعاني الغرّ من صفاته
|
لـيس يـد الله سـوى أبـيه
|
|
وقــدرة الله تـجـلَّت فـيه
|
فـهو يـد الله وهـذا سـاعده
|
|
تـغنيك عـن إثـباته مشاهده
|
صـولته عـند النزال صولته
|
|
لولا الغلوُّ قلت جلت قدرته
|
بنو أسد
واستأذن حبيب بن مظاهر من الحسين أنْ يأتي بني أسد وكانوا نزولاً بالقرب منهم فأذِن له، ولمّا أتاهم وانتسب لهم عرفوه، فطلب منهم نصرة ابن بنت رسول الله فإنّ معه شرف الدنيا والآخرة، فأجابه تسعون رجلاً، وخرج من الحي رجل أخبر ابن سعد بما صاروا إليه، فضمّ إلى الأزرق أربعمئة رجل وعارضوا النّفر في الطريق واقتتلوا، فقُتل جماعة من بني أسد وفرّ مَن سلِم منهم إلى الحي فارتحلوا جميعاً في جَوف الليل خوفاً من ابن سعد أنْ يبغتهم، ورجع حبيب إلى الحسين وأخبره، فقال:«لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العظيم»
.
اليوم التاسع
ونهض ابن سعد عشيّة الخميس لتسع خلون من المحرّم، ونادى في عسكره بالزحف نحو الحسين، وكانعليهالسلام
جالساً أمام بيته محتبياً بسيفه، وخفق برأسه فرأى رسول الله يقول: انّك صائر إلينا عن قريب. وسمعت زينب أصوات الرجال وقالت لأخيها: قد اقترب العدوّ منّا.
فقال لأخيه العبّاس:«اركب بنفسي أنت
حتّى تلقاهم، واسألهم عمّا
____________________________
جاءهم وما الذي يريدون؟»
، فركب العبّاس في عشرين فارساً فيهم زهير وحبيب، وسألهم عن ذلك قالوا: جاء أمر الأمير أنْ نعرض عليكم النّزول على حكمه، أو ننازلكم الحرب.
فانصرف العبّاسعليهالسلام
يُخبر الحسين بذلك، ووقف أصحابه يعظون القوم. فقال لهم حبيب بن مظاهر: أما والله لبئس القوم عند الله غداً، قوم يقدمون عليه وقد قتلوا ذريّة نبيّه وعترته وأهل بيته وعبّاد أهل هذا المصر المتهجدين بالأسحار الذاكرين الله كثيراً. فقال له عزرة بن قيس: إنّك لتزكّي نفسك ما استطعت. فقال زهير: يا عزرة، إنّ الله قد زكّاها وهداها فاتّق الله يا عزرة، فإنّي لك من النّاصحين، اُنشدك الله يا عزرة أنْ لا تكون ممَّن يعين أهل الضلالة على قتل النّفوس الزكيّة. ثمّ قال عزرة: يا زهير ما كنتَ عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنّما كنتَ على غير رأيهم. قال زهير: أفلستَ تستدلّ بموقفي هذا أنّي منهم، أما والله ما كتبتُ إليه كتاباً قطّ، ولا أرسلت إليه رسولاً، ولا وعدته نصرتي ولكنّ الطريق جمع بيني وبينه، فلمّا رأيته ذكرتُ به رسول الله ومكانه منه، وعرفتُ ما يقدم عليه عدوّه، فرأيت أنْ أنصره وأن أكون من حزبه وأجعل نفسي دون نفسه؛ لما ضيّعتم من حقّ رسوله.
وأعلم العبّاس أخاه أباعبد الله بما عليه القوم فقالعليهالسلام
:«ارجع إليهم، واستمهلهم هذه العشيّة إلى غد، لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو
يعلم أنّي اُحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار».
فرجع العبّاس واستمهلهم العشيّة. فتوقّف ابن سعد وسأل من النّاس فقال عمرو بن الحَجّاج: سبحان الله! لو كانوا من الديلم وسألوك هذا لكان ينبغي لك أنْ تجيبهم إليه. وقال قيس بن الأشعث: أجبهم إلى ما سألوك، فلَعمري ليستقبلك بالقتال غدوة. فقال ابن سعد: والله لو أعلم أنّه يفعل ما أخّرتهم العشية. ثمّ بعث إلى الحسين: إنّا أجّلناكم إلى غد، فإنْ استسلمتم سرحنا بكم إلى الأمير ابن زياد، وإنْ أبيتم فلسنا تاركيكم
.
ضـلّـت اُمـيّـة مـاتر
|
|
يـد غـداة مقترع النصول
|
رامـت تـسوق المصعب
|
|
الـهـدار مـستاق الـذليل
|
ويــروح طـوع يـمينها
|
|
قـود الـجنيب أبو الشبول
|
رامـت لـعمرو ابْن النبي
|
|
الـطُّهر مـمتنع الحصول
|
وتـيمَّمت قـصد الـمحال
|
|
فـما رعـت غير المحول
|
ورنـت على السغب السرا
|
|
ب بـأعين في المجد حول
|
وغـوى بـها جـهل بـها
|
|
والبغي من خلق الجهول
|
الضمائر الحرّة
وجمع الحسين أصحابه قرب المساء قبل مقتله بليلة
فقال:«اُثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السرّاء والضرّاء، اللهمّ إنّي أحمدك على أنْ أكرمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً، ولَم تجعلنا من المشركين. أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي جميعاً
.
____________________________
وقد أخبرني جدّي رسول الله
صلىاللهعليهوآله
بأنّي ساُساق إلى العراق فأنزلُ أرضاً يقال لها عمورا وكربلاء، وفيها اُستشهد. وقد قرب الموعد.
ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً. وإنّي قد أذِنت لكم فأنطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام. وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعاً خيراً! وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم، فإنّ القوم إنّما يطلبونني، ولَو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري»
.
فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر: لِمَ نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبداً. بدأهم بهذا القول العبّاس بن علي وتابعه الهاشميّون.
والتفت الحسين إلى بني عقيل وقال:«حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذِنت لكم»
. فقالوا: إذاً ما يقول النّاس، وما نقول لهم؟ أنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام؟! ولَمْ نرمِ معهم بسهم ولَمْ نطعن برمح ولَمْ نضرب بسيف، ولا ندري ما صنعوا؟! لا والله لا نفعل، ولكن نفيدك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، نقاتل معك حتّى نرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك
.
نـفوس أبـت إلاّ تراب أبيهم
|
|
فـهم بـين موتور لذاك وواتر
|
لقد ألفت أرواحهم حومة الوغى
|
|
كما أنست أقدامهم بالمنابر
|
وقال مسلم بن عوسجة: أنحن نخلّي عنك؟ وبماذا نعتذر إلى الله في أداء حقّك؟ أما والله، لا اُفارقك حتّى أطعن في صدورهم برمحي وأضرب بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولو لَمْ يكن معي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة حتّى أموت معك.
وقال سعيد بن عبدالله الحنفي: والله لا نخلّيك حتّى يعلم الله أنّا قد
____________________________
حفظنا غيبة رسوله فيك، أما و الله لو علمتُ أنّي اُقتل ثمّ اُحيا ثمّ اُحرق حيّاً ثمّ اُذرّى، يُفعل بي ذلك سبعين مرّة، لَما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً؟!
وقال زهير بن القين: و الله وددتُ أنّي قُتلتُ ثمّ قُتلت حتّى اُقتل كذا ألف مرّة، و إنّ الله عزّ وجلّ يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.
وتكلّم باقي الأصحاب بما يشبه بعضه بعضاً فجزّاهم الحسين خيراً
.
وفي هذا الحال قيل لمحمد بن بشير الحضرمي قد اُسِر ابنك بثغر الري فقال: ما اُحبّ أنْ يؤسر و أنا أبقى بعده حيّاً فقال له الحسين:«أنت في حلّ من بيعتي، فاعمل في فكاك ولدك»،
قال: لا والله لا أفعل ذلك، أكلتني السّباع حيّاً إنْ فارقتك. فقالعليهالسلام
:«إذاً اعط ابنك هذه الأثواب الخمسة ليعمل في فكاك أخيه»
- وكان قيمتها ألف دينارـ
.
وتـناديت لـلذبّ عنه عصبة
|
|
ورثـوا الـمعالي اشيباً وشبابا
|
مـن يـنتدبهم للكريهة ينتدب
|
|
مـنهم ضراغمة الاسود غضابا
|
خفّوا لداعي الحرب حين دعاهم
|
|
ورسوا بعرصة كربلاء هضابا
|
اسـد قد اتخذوا الصوارم حلية
|
|
وتـسربلوا حـلق الدروع ثيابا
|
تـخذت عيونهم القساطل كحلها
|
|
واكـفُّهم فـيض النجيع خضابا
|
يـتمايلون كـأنّما غـنى لـهم
|
|
وقـع الـظّبي وسـقاهم اكوابا
|
برقت سيوفهم فأمطرت الطّلي
|
|
بـدمائها والـنقع ثـار سحابا
|
وكـأنّهم مـستقبلون كـواعباً
|
|
مـسـتقبلين أسـنّـة وكـعابا
|
وجدوا الردى من دون آل محمّد
|
|
عـذباً وبعدهم الحياة عذابا
|
ولما عرف الحسين منهم صدق النيّة والإخلاص في المفاداة دونه، أوقفهم على غامض القضاء فقال:«إنّي غداً اُقتل وكلّكم تقتلون معي ولا يبقى منكم أحد
____________________________
حتّى القاسم وعبد الله الرضيع، إلاّ ولدي علياً زين العابدين؛ لأنّ الله لَمْ يقطع نسلي منه وهو أبو أئمّة ثمانية»
.
فقالوا بأجمعهم الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك وشرّفنا بالقتل معك، أولا نرضى أنْ نكون معك في درجتك يابن رسول الله؟، فدعا لهم بالخير
، وكشف عن أبصارهم فرأوا ما حباهم الله من نعيم الجنان وعرّفهم منازلهم فيها
، وليس ذلك في القدرة الإلهيّة بعزيز، ولا في تصرّفات الإمام بغريب، فإنّ سحرة فرعون لمّا آمنوا بموسىعليهالسلام
وأراد فرعون قتلهم أراهم النّبي موسى منازلهم في الجنّة
.
وفي حديث أبي جعفر الباقرعليهالسلام
قال لأصحابه:«أبشروا بالجنّة، فوالله إنّا نمكث ماشاء الله بعد ما يجري علينا ثمّ يخرجنا الله وإيّاكم حتّى يظهر قائمنا فينتقم من الظالمين، وأنا وأنتم نشاهدهم في السّلاسل والأغلال وأنواع العذاب»
فقيل له: من قائمكم يابن رسول الله؟ قال:«السّابع من ولد ابني محمّد بن علي الباقر وهو الحُجّة ابن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي، ابني وهو الذي يغيب مدّة طويلة ثمّ يظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً»
.
ليلة عاشوراء
كانت ليلة عاشوراء أشدّ ليلة مرّت على أهل بيت الرسالة، حُفّت بالمكاره والمحن وأعقبت الشرّ وآذنت بالخطر وقد قطعت عنهم الحالة القاسية من بني اُميّة وأتباعهم كلّ الوسائل الحيويّة وهناك ولولة النساء وصارخ الاطفال من العطش المبرح والهم المدلهم.
إذاً فما حال رجال المجد من الأصحاب وسروات الشرف من بني هاشم
____________________________
بين هذه الكوارث، فهل أبقت لهم مهجة ينهضون بها أو أنفساً تعالج الحياة والحرب في غد؟!
نعم كانت ضراغمة آل عبد المطّلب والصفوة من الأصحاب عندئذ في أبهج حالة وأثبت جأش، فرحين بما يلاقونه من نعيم وحبور، وكلّما اشتدّ المأزق الحرج أعقب فيهم انشراحاً بين ابتسامة ومداعبة إلى فرح ونشاط.
ومذ أخذت في نينوى منهم النوى
|
|
ولاح بـها لـلغدر بعض العلائم
|
غـدا ضـاحكا هذا وذا متبسّماً
|
|
سـروراً وما ثغر المنون بباسم
|
هازل برير عبد الرحمن الأنصاري، فقال له عبد الرحمن: ما هذه ساعة باطل؟ فقال برير: لقد علم قومي ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً، ولكنّي مستبشر بما نحن لا قون، والله ما بيننا وبين الحور العين إلاّ أنْ يميل علينا هؤلاء بأسيافهم، ولوددتُ أنّهم مالوا علينا السّاعة
.
وخرج حبيب بن مظاهر يضحك، فقال له يزيد بن الحصين الهمداني: ما هذه ساعة ضحك. قال حبيب: وأي موضع أحقّ بالسرور من هذا؟ ما هو إلاّ أنْ يميل علينا هؤلاء بأسيافهم فنعانق الحور
.
تجري الطلاقة في بهاء وجوههم
|
|
أنْ قـطبت فـرقاً وجوه كماتها
|
وتـطلّعت بـدجى الـقتام أهلَّة
|
|
لـكن ظـهور الخيل من هالاتها
|
فتدافعت مشي النزيف إلى الردى
|
|
حتّى كـأنَّ الموت من نشواتها
|
وتـعانقت هي والسّيوف وبعد ذا
|
|
ملكت عناق الحور في جنّاتها
|
فكأنّهم نشطوا من عقال، بين مباشرة للعبادة، وتأهّب للقتال، لهم دوي كدويّ النّحل، بين قائم وقاعد وراكع وساجد.
قال الضحّاك بن عبد الله المشرقي: مرّت علينا خيل ابن سعد فسمع رجل منهم الحسينعليهالسلام
يقرأ(
وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ِلأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ
)
.
____________________________
فقال الرجل نحن وربّ الكعبة الطيّبون ميّزنا منكم.
قال له برير: يا فاسق، أنت يجعلك الله في الطيّبين؟! هلمّ إلينا وتُب من ذنوبك العظام، فوالله لنحن الطيّبون وأنتم الخبيثون.
فقال الرجل مستهزئاً: وأنا على ذلك من الشاهدين
.
ويقال: أنّه في هذه الليلة انضاف إلى أصحاب الحسين من عسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلاً
حين رأوهم متبتّلين متهجدين عليهم سيماء الطاعة والخضوع لله تعالى.
قال علي بن الحسين:«سمعتُ أبي في الليلة التي قُتل في صبيحتها يقول، وهو يصلح سيفه:
يا دهر اُفٍّ لك من خليل
|
|
كم لك بالاشراق والأصيل
|
مِنْ صاحب وطالب قتيل
|
|
والـدهر لا يقنع بالبديل
|
وانّـما الأمر إلى الجليل
|
|
وكـلّ حـيٍّ سالك سبيل
|
فأعادها مرّتين أو ثلاثاً، ففهمتُها وعرفتُ ما أراد وخنقتني العبرة، ولزمتُ السكوت وعلمتُ أنّ البلاء قد نزل.
وأمّا عمّتي زينب لمّا سمعتْ ذلك وثبتْ تجرّ ذيلها حتّى انتهت إليه وقالت: وآثكلاه! ليتَ الموت أعدمني الحياة! اليوم ماتت اُمّي فاطمة وأبي عليٌ وأخي الحسن
، يا خليفة الماضي وثمال الباقي! فعزّاها الحسين وصبَّرها وفيما قال: يا اُختاه تعزّي بعزاء الله واعلمي أنّ أهل الأرض يموتون، وأهل السّماء لا يبقون وكلّ شيء هالك إلاّ وجهه، ولي ولكلّ مسلم برسول الله اُسوة حسنة.
فقالت
عليهاالسلام
: افتغصب نفسك اغتصاباً، فذاك أقرح لقلبي وأشدّ على نفسي
.
____________________________
وبكت النّسوة معها ولطمن الخدود، وصاحت اُمّ كلثوم: وآ محمداه! وآ علياه! وآ اُمّاه! وآ حسيناه! وآ ضيعتنا بعدك!
فقال الحسين: يا اُختاه يا اُمّ كلثوم، يا فاطمة، يا رباب، انظرْنَ اذا قُتلت فلا تشققن عليَّ جيباً ولا تخمشن وجهاً ولا تقلن هجراً»
ثمّ إنّ الحسين أوصى اُخته زينب بأخذ الأحكام من علي بن الحسينعليهالسلام
وإلقائها إلى الشيعة ستراً عليه. وبذلك يحدِّث أحمد بن إبراهيم قال: دخلتُ على حكيمة بنت محمّد بن علي الرضا، اُخت أبي الحسن العسكريعليهالسلام
سنة ٢٨٢ بالمدينة، وكلّمتها من وراء حجاب وسألتها عن دينها، فسمّت من تأتمّ بهم، وقالت: فلان بن الحسن. قلت: معاينةً أو خبراً؟ قالت: خبر عن أبي محمّدعليهالسلام
كتب به إلى اُمّه. قلت لها: أقتدي بمَن وصيّته إلى امرأة؟! قالت: اقتداءً بالحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام
فإنّه أوصى إلى اُخته زينب في الظاهر، فكان ما يخرج من علي بن الحسينعليهالسلام
من علم ينسب إلى زينب؛ ستراً على علي بن الحسينعليهالسلام
. ثمّ قالت: إنّكم قوم أخبار، أما رويتم أنّ التاسع من ولد الحسين يقسم ميراثه في الحياة « اكمال الدين للصدوق » ص ٢٧٥ باب ٤٩ طبع حجر أول.
ثمّ إنّهعليهالسلام
أمر أصحابه أنْ يقاربوا البيوت بعضها من بعض؛ ليستقبلوا القوم من وجه واحد. وأمر بحفر خندق من وراء البيوت يوضع فيه الحطب ويلقى عليه النّار إذا قاتلهم العدو؛ كيلا تقتحمه الخيل، فيكون القتال من وجه واحد
.
وخرجعليهالسلام
في جوف الليل إلى خارج الخيام يتفقّد التلاع والعقبات، فتبعه نافع بن هلال الجملي، فسأله الحسين عمّا أخرجه قال: يابن رسول الله أفزعني خروجك إلى جهة معسكر هذا الطاغي، فقال الحسين:«إنّي خرجت أتفقّد التلاع والروابي؛ مخافة أنْ تكون مكمناً لهجوم الخيل يوم تحملون ويحملون»
. ثمّ رجععليهالسلام
وهو قابض على يد نافع ويقول:«هي هي والله، وعد لا خلف فيه».
ثمّ قال له:«ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك؟»
____________________________
فوقع نافع على قدمَيه يقبّلهما ويقول: ثكلتني اُمّي، إنّ سيفي بألف وفرسي مثله، فوالله الذي مَنّ بك عليَّ، لا فارقتك حتّى يكلاّ عن فرّي وجرّي.
ثمّ دخل الحسينعليهالسلام
خيمة زينب، ووقف نافع بإزاء الخيمة ينتظره فسمع زينب تقول له: هل استعلمت من أصحابك نيّاتهم؟ فإنّي أخشى أنْ يسلّموك عند الوثبة.
فقال لها:«والله، لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إلاّ الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنيّة دوني استيناس الطفل إلى محالب اُمّه»
.
قال نافع: فلمّا سمعتُ هذا منه، بكيتُ وأتيت حبيب بن مظاهر وحكيت ما سمعت منه ومن اُخته زينب.
قال حبيب: والله، لو لا انتظار أمره لعاجلتهم بسيفي هذه الليلة. قلت: إنّي خلّفته عند اُخته وأظنّ النّساء أفقن وشاركنها في الحسرة، فهل لك أنْ تجمع أصحابك وتواجهوهنّ بكلام يطيّب قلوبهن؟ فقام حبيب ونادى: يا أصحاب الحميّة وليوث الكريهة. فتطالعوا من مضاربهم كالاُسود الضارية، فقال لبني هاشم: ارجعوا إلى مقرّكم لا سهرت عيونكم.
ثمّ التفت إلى أصحابه وحكى لهم ما شاهده وسمعه نافع، فقالوا بأجمعهم: والله الذي مَنّ علينا هذا الموقف، لو لا انتظار أمره لعاجلناهم بسيوفنا السّاعة، فطب نفساً وقر عيناً. فجزّاهم خيراً.
وقال هلمّوا معي لنواجه النّسوة ونطيّب خاطرهنّ، فجاء حبيب ومعه أصحابه وصاح: يا معشر حرائر رسول الله، هذه صوارم فتيانكم آلَوا ألاّ يغمدوها إلاّ في رقاب مَن يريد السّوء فيكم، وهذه أسنّة غلمانكم أقسَموا ألاّ يركزوها إلاّ في صدور مَن يفرّق ناديكم.
فخرجن النّساء إليهم ببكاء وعويل وقلن: أيّها الطيّبون حاموا عن بنات رسول الله وحرائر أمير المؤمنين.
فضجّ القوم بالبكاء حتّى كأنّ الأرض تميد بهم
.
____________________________
وفي السّحر من هذه الليلة خفق الحسين خفقة ثمّ استيقظ وأخبر أصحابه بأنّه رأى في منامه كلاباً شدّت عليه تنهشه وأشدّها عليه كلب أبقع، وإنّ الذي يتولّى قتله من هؤلاء رجل أبرص.
وإنّه رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بعد ذلك ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول له:«أنت شهيد هذه الاُمّة، وقد استبشر بك أهل السّماوات وأهل الصفيح الأعلى وليكن افطارك عندي الليلة عجّل ولا تؤخّر، فهذا ملك قد نزل من السّماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء»
.
وانـصاع حـامية الشريعة ظامئاً
|
|
مـا بـلَّ غـلَّته بـعذب فـراتها
|
أضـحى وقـد جـعلته آل اُمـيّة
|
|
شـبح الـسهام رمـيَّة لـرماتها
|
حتّى قضى عطشاً بمعترك الوغى
|
|
والـسمر تـصدر منه في نهلاتها
|
وجرت خيول الشرك فوق ضلوعه
|
|
عـدواً تـجول عـليه في حلباتها
|
ومـخدَّرات مـن عـقائل أحـمد
|
|
هـجمت عـليها الخيل في أبياتها
|
مـن ثـاكل حرّى الفؤاد مروعة
|
|
أضـحت تـجاذبها العدى حبراتها
|
ويـتمية فـزعت لـجسم كـفيلها
|
|
حـسرى القناع تعجُّ في أصواتها
|
أهـوت على جسم الحسين وقلبها
|
|
المصدوع كاد يذوب من حسراتها
|
وقـعت عـليه تشمُّ موضع نحره
|
|
وعـيونها تـنهلُّ فـي عـبراتها
|
تـرتاع من ضرب السّياط فتنثني
|
|
تـدعو سـرايا قـومها وحـماتها
|
أيـن الحفاظ وفي الطّفوف دماؤكم
|
|
سُـفكت بـسيف اُمـيّة وقـناتها
|
أيـن الـحفاظ وهـذه أشـلاؤكم
|
|
بـقيت ثـلاثاً فـي هجير فلاتها
|
أيــن الـحفاظ وهـذه أبـناؤكم
|
|
ذُبحت عطاشى في ثرى عرصاتها
|
أيــن الـحفاظ وهـذه فـتياتكم
|
|
حُـملت على الأقتاب بين عداتها
|
حـملت بـرغم الدين وهي ثواكل
|
|
عـبرى تـردّد بـالشّجى زفراتها
|
فـمَن الـمعزِّي بـعد أحمد فاطماً
|
|
فـي قـتل أبناها وسبي بناتها
|
____________________________
يوم عاشوراء
«إنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما»
أبو عبد الله الحسينعليهالسلام
يوم عاشوراء
لَو كان يدري يوم عاشوراء
|
|
مـا كان يجري فيه من بلاء
|
مـا لاح فـجره ولا استنارا
|
|
ولا أضـاءت شمسه نهارا
|
سـوّد حـزناً أوجـه الأيام
|
|
وأوجـه الـشهور والأعوام
|
الله مـا أعـظمه مـن يوم
|
|
أزال صـبري وأطار نومي
|
الـيوم أهـل آيـة التطهير
|
|
بـين صـريع فيه أو عفير
|
اليوم قد مات الحفاظ واُلوفا
|
|
اليوم كاد الدّين يقضي أسفا
|
الـيوم نامت أعين الأعداء
|
|
وسـهدِّت عيون ذي الولاء
|
وَيلي وهل يجدي حزيناً ويل
|
|
لأضـلع تـدوسهنَّ الـخيل
|
وارؤس عـلى الرماح ترفع
|
|
وجثث على الصعيد تُوضَع
|
وثـاكل تـبدو من الخدور
|
|
تـعـجُّ بـالويل وبـالثبور
|
ومـرضع ترنو إلى رضيع
|
|
على التراب فاحص صريع
|
ونـسوة تـسبى على النياق
|
|
حـسرى تـعاني ألم الفراق
|
أهـمّ شـيء لـذوي الولاء
|
|
أن يـجلسوا للنوح و العزاء
|
فـيه تـقام سـنن المصاب
|
|
والترك للطعام والشراب
|
لقد مرّ هذا اليوم على آل محمّدصلىاللهعليهوآله
وكلّه شجاء مترامي الأطراف، أثّرت فجائعه في القلوب فأذابتها وفي المدامع فأدمتها، فلا تسمع فيه إلاّ صرخة فاقد وزفرة ثاكل وحنة محزون، ولا تبصر إلاّ كلّ أشعث قد أنهكه ألم المصاب، و مغبر يذري على رأسه التراب، إلى لادم صدراً وصاك جبهته وقابض على فؤاد وصافق بيده الاُخرى، وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى؛ لكن لوعة المصاب أليمة وكوارثه عظيمة. ولَو يكشف لك عن الملأ الأعلى لسمعت لعالم الملكوت صرخة وحنة، وللحور في غرف الجنان نشيجاً ونحيباً ولأئمّة الهدى بكاءاً وعويلاً.
ولا بدع؛ فالفقيد فيه عبق الرسالة وألق الخلافة وإكليل تاج الإمامة، وهو سبط المصطفى وبضعة فاطمة الزهراء وفلذة كبد الوصي المرتضى وشقيق السّبط
____________________________
المجتبى و حجّة الله على الورى، نعم هو الآية المخزونة والرحمة الموصولة والأمانة المحفوظه والباب المبتلى به النّاس.
فمصابه يقلّ فيه البكاء، ويعز عنه العزاء. فلو تطايرت شظايا القلوب وزهقت النّفوس جزعاً لذلك الحادث الجلل لكان دون واجبه. أو ترى للحياة قيمة والمؤدّى به هو ذلك العنصر الحيوي الزاكي. وما قدر الدمع المراق والموتور ثار الله في الأرض؟ أو يهدأ الكون والذاهب مرساه ومنجاه في مسراه؟ وهل ترقأ العين وهي ترنو بالبصيرة إلى ضحايا آل محمّد مجزّرين على وجه الصعيد مبضعة أجسادهم بين ضريبة للسيوف ودرية للرماح ورمية للنبال؟ وقد قضوا وهم رواء الكون ظماء على ضفة الفرات الجاري، تلغ فيه الكلاب وتشرب منه وحش الفلا، غير أنّ آل محمدصلىاللهعليهوآله
محلأون عنه؟ وللمذاكي عقرن فلا يلوى لهنّ لجام، تجوال على تلك الصدور الزواكي ولصدر الحسين حديثه الشجي:
وأعـظم خـطب أنّ شمراً له على
|
|
جـناجن صـدر ابْـن النبيّ مقاعد
|
فـشُلَّت يـداه حـين يفري بسيفه
|
|
مـقلّد مـن تـلقى إلـيه الـمقالد
|
وأىّ فـتى أضـحت خـيول اُميّة
|
|
تـعادى عـلى جـثمانه وتـطارد
|
فـلهفي لـه والـخيل منهنَّ صادر
|
|
خضيب الحوافي في دماه ووارد
|
فاللازم على الموالي المتأسّي بالنّبي الأعظم الباكي على ولده بمجرّد تذكّر مصابه
أنْ يقيم المأتم على سيّد الشهداء، و يأمر مَن في داره بالبكاء عليه، و ليعزّ بعضهم بعضاً بالحسين، فيقول كما في حديث الباقرعليهالسلام
:
«عظّم الله اُجورنا و اُجوركم بمصابنا بالحسين، و جعلنا و إيّاكم من الطالبين بثأره مع وليّه المهدي من آل محمّد
عليهمالسلام
»
.
دخل عبد الله بن سنان على أبي عبد الله الصادقعليهمالسلام
في يوم عاشوراء، فرآه كاسف اللون ظاهر الحزن و دموعه تنحدر على خدّيه كاللؤلؤ فقال له: مِمَّ بكاؤك يابن رسول الله؟ قالعليهالسلام
:«أوَفي غفلة أنت؟! أما علمت أنّ الحسين اُصيب في هذا اليوم؟»
، ثمّ أمره أنْ يكون كهيئة أرباب المصائب، يحلل
____________________________
أزراره ويكشف عن ذراعَيه ويكون حاسراً، ولا يصوم يوماً كاملاً، وليكن الافطار بعد العصر بساعة على شربة من ماء؛ ففي ذلك الوقت تجلّت الهيجاء عن آل محمّد. ثم قالعليهالسلام
:«لَو كان رسول الله حيّاً لكان هو المعزّى به»
.
وأمّا الإمام الكاظمعليهالسلام
فلَم يرَ ضاحكاً أيّام العشرة وكانت الكآبه غالبة عليه، ويوم العاشر يوم حزنه ومصيبته.
ويقول الرضاعليهالسلام
:«فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء»
.
وفي زيارة النّاحية يقول حجّة آل محمّد عجّل الله فرجه:«فلأندبنّك صباحاً ومساءً، ولأبكينَّ عليك بدل الدموع دماً»
.
وبعد هذا فهلاّ يجب علينا أن نخرق ثوب الاُنس ونتجلبب بجلباب الحزن والبكاء ونعرف كيف يجب أن نعظّم شعائر الله بإقامة المأتم للشهيد العطشان في العاشر من المحرّم؟!
الـيوم ديـنُ الهدى خرَّت دعائمُه
|
|
ومـلّة الـحقّ جـدّت في تداعيها
|
الـيوم ضلّ طريق العرف طالبه
|
|
وسُـدّ باب الرجا في وجه راجيها
|
الـيوم عـادت بنو الآمال متربةً
|
|
الـيوم بـان العفا في وجه عافيها
|
الـيوم شـقّ عـليه الـمجد حلّته
|
|
الـيوم جـزَّت له العليا نواصيها
|
اليوم عقد المعالي أرفض جوهره
|
|
الـيوم قد أصبحت عطْلٌ معاليها
|
الـيوم أظلم نادي العزّ من مضر
|
|
اليوم صرْفُ الردى أرسى بواديها
|
الـيوم قامت به الزهراء نادبةً
|
|
الـيوم آسـية وافـت تواسيها
|
الـيوم عـادت لدين الكفر دولتُه
|
|
الـيوم نـالت بـنو هـند أمانيها
|
مـا عذر ارجاس هند يوم موقفه
|
|
والمصطفى خصمهم والله قاضيها
|
مـا عـذرها ودِمـا ابنائه جعلت
|
|
خضاب أعيادها في راح ناديها
|
****
____________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحسينعليهالسلام
يوم عاشوراء
قال ابن قَولويه و المسعودي
: لما أصبح الحسين يوم عاشوراء وصلّى بأصحابه صلاة الصبح، قام خطيباً فيهم حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:«إنّ الله تعالى أذِن في قتلكم و قتلي في هذا اليوم، فعليكم بالصبر والقتال»
.
ثمّ صفّهم للحرب وكانوا اثنين وثمانين فارساً وراجلاً، فجعل زهير بن القين في المَيمنة، وحبيب بن مظاهر في المَيسرة، وثبت هوعليهالسلام
وأهل بيته في القلب
، وأعطى رايته أخاه العباس
؛ لأنّه وجد قمر الهاشميين أكفأ ممَّن معه لحملها، وأحفظهم لذمامه وأرأفهم به، وأدعاهم إلى مبدئه وأوصلهم لرحمه، وأحماهم لجواره وأثبتهم للطعان، وأربطهم جأشاً وأشدّهم مراساً
.
وأقبل عمر بن سعد نحو الحسينعليهالسلام
في ثلاثين ألفاً وكان رؤساء
____________________________
الأرباع بالكوفة يومئذ: عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي على ربع أهل المدينة، وعبد الرحمن بن أبي سبرة الحنفي على ربع مذحج وأسد، وقيس بن الأشعث على ربع ربيعة وكندة، والحرّ بن يزيد الرياحي على ربع تميم وهمدان
، وكلّهم اشتركوا في حرب الحسين إلاّ الحرّ الرياحي.
وجعل ابنُ سعد على المَيمنة عمرو بن الحَجّاج الزبيدي، وعلى المَيسرة شمر بن ذي الجوشن العامري، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجّالة شبث بن ربعي، والراية مع مولاه ذويد
.
وأقبلوا يجولون حول البيوت فيرون النّار تضطرم في الخندق، فنادى شمر بأعلى صوته: يا حسين، تعجّلت بالنّار قبل يوم القيامة؟ فقال الحسينعليهالسلام
:«مَن هذا؟ كأنّه شمر بن ذي الجوشن»،
قيل نعم فقالعليهالسلام
:«يابن راعية المعزى، أنت أولى بها منّي صِليّا».
ورام مسلم بن عوسجة أنْ يرميه بسهم، فمنعه الحسين و قال:«أكره أنْ أبدأهم بقتال»
.
دعاء الحسين
ولما نظر الحسينعليهالسلام
إلى جمعهم كأنّه السيل، رفع يدَيه بالدعاء وقال:«اللهمّ، أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة، كم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد وتقلّ فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدوّ، أنزلته بك وشكوته إليك، رغبةً منّي إليك عمَّن سواك فكشفته وفرّجته، فأنت ولي كلّ نعمة ومنتهى كلّ رغبة»
.
____________________________
الخطبة الاُولى
ثمّ دعا براحلته فركبها، و نادى بصوت عال يسمعه جلّهم:
«أيّها النّاس اسمعوا قَولي، ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما هو حقّ لكم عليَّ، وحتّى أعتذر إليكم من مَقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النّصف من أنفسكم، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليَّ سبيل. وإنْ لَم تقبلوا مِنّي العذر ولَم تعطوا النّصف من أنفسكم، فأجمعوا أمركم و شركاءكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة. ثمّ اقضوا إليَّ ولا تنظرون. إنّ ولييّ الله الذي نزل الكتاب وهو يتولّى الصالحين»
.
فلمّا سمعنَ النّساء هذا منه صحنَ وبكينَ وارتفعت أصواتهنَّ، فأرسل إليهنَّ أخاه العبّاس وابنه علياً الأكبر وقال لهما:«سكّتاهنَّ فلعمري ليكثر بكاؤهنَّ»
.
ولما سكتنَ، حمد الله وأثنى عليه وصلّى على محمّد وعلى الملائكة والأنبياء وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره ولَم يُسمع متكلّم قبله ولا بعده أبلغ منه في منطقه
، ثمّ قال:«عباد الله، اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر؛ فإنّ الدنيا لَو بقيت على أحد أو بقي عليها أحد لكانت الأنبياء أحقّ بالبقاء وأولى بالرضا وأرضى بالقضاء، غير أنّ الله خلق الدنيا للفناء، فجديدها بالٍ ونعيمها مضمحل وسرورها مكفهر، والمنزل تلعة والدار قلعة، فتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى، واتقوا الله لعلّكم تفلحون
.
أيّها النّاس إنّ الله تعالى خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرّته والشقي من فتنته، فلا تغرّنكم هذه الدنيا، فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها وتُخيّب طمع من طمع فيها. وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحلَّ بكم نقمته، فنِعمَ الربّ ربّنا وبئس العبيد أنتم؛ أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمّد
صلىاللهعليهوآله
، ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذريّته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم
____________________________
الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبّاً لكم ولِما تريدون. إنّا لله وإنّا إليه راجعون هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبُعداً للقوم الظالمين
.
أيّها النّاس أنسبوني مَن أنا ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألستُ ابن بنت نبيّكم وابن وصيّه وابن عمّه وأول المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربّه؟ أوَ ليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي؟ أوَ ليس جعفر الطيّار عمّي، أوَ لَم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنّة؟ فإنْ صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ - والله ما تعمدتُ الكذب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله ويضرّ به من اختلقه - وإنْ كذّبتموني فإنّ فيكم مَن إنْ سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟!»
فقال الشمر: هو يعبد الله على حرف إنْ كان يدري ما يقول.
فقال له حبيب بن مظاهر: والله إنّي أراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك.
ثمّ قال الحسينعليهالسلام
:«فإنْ كنتم في شكّ من هذا القول، أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم، فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم اتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟! أو مال لكم استهلكته؟! أو بقصاص جراحة؟!»،
فأخذوا لا يكلّمونه!
فنادى:«يا شبث بن ربعي، ويا حَجّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا زيد بن الحارث ألم تكتبوا إليَّ أنْ اقدم قد أينعت الثمار واخضرّ الجناب، وإنّما تقدم على جند لك مجنّدة؟»
فقالو: لَم نفعل.
قال:«سبحان الله! بلى والله لقد فعلتم».
ثمّ قال:«أيّها النّاس، إذا كرهتموني
____________________________
فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمن من الأرض».
فقال له قَيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم بني عمّك؟ فإنّهم لَن يروك إلاّ ما تُحبّ ولَن يصل إليك منهم مكروه.
فقال الحسينعليهالسلام
:«أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا والله لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرّ فرار العبيد
، عباد الله إنّي عذتُ بربّي وربّكم أنْ ترجمون، أعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبِّر لا يؤمن بيوم الحساب»
.
ثمّ أناخ وأمر عقبة بن سمعان فعقلها
.
وقـام لـسان الله يـخطب واعـظاً
|
|
فـصمّوا لـما عن قدس أنواره عموا
|
وقال انسبوني مَن أنا اليوم وانظروا
|
|
حـلالٌ لـكم مـنّي دمـي أم محرّم
|
فـمـا وجـدوا إلاّ الـسِّهام بـنحره
|
|
تــراش جـواباً والـعوالي تـقَّوم
|
ومـذ أيـقن السّبط انمحى دين جَدّه
|
|
ولَم يبقَ بين النّاس في الأرض مسلم
|
فـدى نـفسه في نصرة الدين خائضاً
|
|
عـن الـمسلمين الـغامرات ليسلموا
|
وقـال خـذيني يا حتوف وهاك يا
|
|
سـيوف فـأوصالي لـك اليوم مغنم
|
وهـيهات أن أغدو على الضّيم جاثماً
|
|
ولـو لا عـلى جـمر الأسـنَّة مجثم
|
وكـرّ وقد ضاق الفضا وجرى القضا
|
|
وسـال بـوادي الـكفر سيل عرمرم
|
ومـذ خـرّ بـالتعظيم لله سـاجداً
|
|
لـه كـبّروا بـين السّيوف وعظموا
|
وجـاء إلـيه الـشّمر يـرفع رأسه
|
|
فـقـام بـه عـنه الـسّنان الـمقوّم
|
وزُعْـزع عـرش الله وانـحطَّ نوره
|
|
فـأشرق وجه الأرض والكون مظلم
|
____________________________
ومذ مال قطب الكون مال وأوشك
|
|
انـقلاباً يـميل الـكائنات ويـعدم
|
وحين ثوى في الأرض قرَّ قرارها
|
|
وعادت ومن أوج السّما وهي أعظم
|
فـلهفي لـه فـرداً عليه تزاحمت
|
|
جـموع الـعدى تزداد جهلاً فيحلم
|
ولـهفي لـه ظـامٍ يـجود وحوله
|
|
الـفرات جـرى طامٍ وعنه يحرَّم
|
ولـهفي لـه مـلقىً وللخيل حافر
|
|
يـجول عـلى تلك الضلوع وينسم
|
ولـهفي على أعضاك يابن محمد
|
|
تُــوزّع فـي أسـيافهم وتـسهم
|
فـجسمك مـا بين السّيوف موزَّع
|
|
ورحـلك مـا بـين الأعادي مقسّم
|
فـلهفي عـلى ريحانة الطُّر جسمه
|
|
لـكلّ رجـيم بـالحجارة يرجم
|
كرامة وهداية
وأقبل القوم يزحفون نحوه، وكان فيهم عبد الله بن حوزة التميمي
فصاح: أفيكم حسين؟ وفي الثالثة قال أصحاب الحسين: هذا الحسين فما تريد منه؟ قال: يا حسين، أبشر بالنّار، قال الحسين:«كذبت، بل أقدم على ربّ غفور كريم مطاع شفيع. فمَن أنت؟»
قال: أنا ابن حوزة. فرفع الحسين يدَيه حتّى بانَ بياض ابطَيه وقال: «اللهمّ، حزه إلى النّار، فغضب ابن حوزة وأقحم الفرس إليه وكان بينهما نهر فسقط عنها وعلقت قدمه بالركاب، وجالت به الفرس وانقطعت قدمه وساقه وفخذه، وبقي جانبه الآخر معلّقاً بالركاب، وأخذت الفرس تضرب به كلّ حجر وشجر
، وألقته في النّار المشتعلة في الخندق فاحترق بها ومات. فخرّ الحسينعليهالسلام
ساجداً شاكراً حامداً على إجابة دعائه، ثمّ إنّه رفع صوته يقول:«اللهمّ، إنّا أهل بيت نبيّك وذريّته وقرابته، فاقصم مَن ظلمنا وغصبنا حقّنا إنّك سميع قريب»
فقال له: محمّد بن الأشعث أيّ قرابة بينك وبين محمّد؟ فقال الحسين:«اللهمّ إنّ
____________________________
محمد بن الأشعث يقول: ليس بيني و بين محمّد قرابة. اللهمّ أرني فيه هذا اليوم ذلاً عاجلاً»
، فاستجاب الله دعاءه، فخرج محمّد بن الأشعث من العسكر، ونزل عن فرسه لحاجته، وإذا بعقرب أسود يضربه ضربة تركته متلوّثاً في ثيابه ممّا به
ومات باديَ العورة
.
قال مسروق بن وائل الحضرمي: كنتُ في أوّل الخيل التي تقدّمت لحرب الحسين؛ لعلّي أنْ اُصيب رأس الحسين فأحظى به عند ابن زياد، فلمّا رأيت ما صُنع بابن حوزة عرفت أنّ لأهل هذا البيت حرمة ومنزلة عند الله، وتركت النّاس وقلت: لا اُقاتلهم فأكون في النّار
.
خطبة زهير بن القين
وخرج إليهم زهير بن القين على فرس ذنوب وهو شاك في السّلاح فقال: يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب الله إنَّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتّى الآن إخوة على دين واحد، ما لَم يقع بيننا وبينكم السّيف، وأنتم للنصيحة منّا أهل، فإذا وقع السّيف انقطعت العصمة، وكنّا اُمّة وأنتم اُمّة، إنّ الله ابتلانا وإيّاكم بذريّة نبيّه محمّدصلىاللهعليهوآله
؛ لينظر ما نحن وأنتم عاملون. إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد، فإنّكم لا تدركون منهما إلاّ سوء عمر سلطانهما، يسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثّلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النّخل، ويقتلان أماثلكم وقرّاءكم أمثال حِجر بن عدي وأصحابه، وهاني بن عروة وأشباهه. فسبّوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد ودعوا له وقالوا: لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومَن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى عبيد الله بن زياد سلماً.
فقال زهير: عباد الله إنّ ولد فاطمة أحقّ بالودّ والنّصر من ابن سميّة، فإنْ لم
____________________________
تنصروهم، فاُعيذكم بالله أنْ تقتلوهم، فخلّوا بين هذا الرجل وبين يزيد، فلَعمري إنّه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسينعليهالسلام
.
فرماه الشمر بسهم وقال: اسكت أسكت الله نامتك، أبرمتنا بكثرة كلامك.
فقال زهير: يابن البوّال على عقبيه، ما إيّاك اُخاطب، إنّما أنت بهيمة والله ما أظنّك تحكم من كتاب الله آيتَين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم.
فقال الشمر: إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة.
فقال زهير: أفبالموت تخوّفني؟ فوالله لَلموت معه أحبّ إليَّ من الخلد معكم. ثمّ أقبل على القوم رافعاً صوته وقال:
عباد الله، لا يغرّنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه، فوالله لا تنال شفاعة محمّدصلىاللهعليهوآله
قوماً هرقوا دماء ذريّته وأهل بيته، وقتلوا مَن نصرهم وذبَّ عن حريمهم.
فناداه رجل من أصحابه، إنّ أبا عبد الله يقول لك:«أقبِل، فلَعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح قومه وأبلغ في الدعاء، فلقد نصحتَ هؤلاء وأبلغت لَو نفع النّصح والإبلاغ»
.
خطبة بُرير
واستأذن الحسينَ برير بن خضير
في أنْ يكلّم القوم، فأذن له وكان شيخاً تابعياً ناسكاً قارئاً للقرآن ومن شيوخ القرّاء في جامع الكوفة، وله في الهمدانيّين شرف وقدر.
فوقف قريباً منهم ونادى: يا معشر النّاس، إنّ الله بعث محمداً بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السّواد وكلابه
____________________________
وقد حيل بينه وبين ابن بنت رسول الله، أفجزاء محمّد هذا؟!
.
فقالوا: يا بُرير، قد أكثرت الكلام، فاكفف عنّا، فوالله ليعطش الحسين كما عطش مَن كان قبله.
قال: يا قوم، إنّ ثقل محمّد قد أصبح بين أظهركم، وهؤلاء ذرّيته وعترته وبناته وحرمه، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أنْ تصنعوه بهم؟ فقالوا: نريد أنْ نمكنّ منهم الأمير عبيد الله بن زياد، فيرى فيهم رأيه.
قال: أفلا تقبلون منهم أنْ يرجعوا إلى المكان الذي جاؤا منه؟ ويلكم يا أهل الكوفة، أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها وعليكم؟! أدعوتم أهل بيت نبيّكم وزعمتم أنّكم تقتلون أنفسكم دونهم حتّى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد وحلأتموهم عن ماء الفرات؟ بئسما خلفتم نبيّكم في ذريّته! ما لكم؟ لا سقاكم الله يوم القيامة فبئس القوم أنتم!
فقال له نفر منهم: يا هذا، ما ندري ما تقول!
قال: الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة، اللهمّ إنّي أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم، اللهمّ القِ بأسهم بينهم حتّى يلقوك وأنت عليهم غضبان.
فجعل القوم يرمونه بالسّهام، فتقهقر
.
خطبة الحسين الثانية
ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام
ركب فرسه، وأخذ مصحفاً ونشره على رأسه، ووقف بإزاء القوم وقال:«يا قوم، إنّ بيني وبينكم كتاب الله وسنّة جدّي رسول الله
صلىاللهعليهوآله
»
.
ثمّ استشهدهم عن نفسه المقدّسة وما عليه من سيف النّبيصلىاللهعليهوآله
ولامته
____________________________
وعمامته فأجأبوه بالتصديق. فسألهم عمّا أخذهم على قتله؟ قالوا: طاعةً للأمير عبيد الله بن زياد، فقالعليهالسلام
:
«تبّاً لكم أيّتها الجماعة و ترحاً، أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم، بغير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم. فهلاّ - لكم الويلات! - تركتمونا والسّيف مشيم والجأش طامن والرأي لَما يستحصف، ولكنْ أسرعتم إليها كطيرة(١) الدبا وتداعيتم عليها كتهافت الفراش، ثمّ نقضتموها، فسحقاً لكم يا عبيد الأمة وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ومحرّفي الكلِم وعصبة الإثم ونفثة الشيطان ومطفئيّ السّنَن! ويحكم أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون! أجل والله غدر فيكم قديم وشجت عليه اُصولكم وتأزّرت فروعكم فكنتم أخبث ثمرة، شجى للناظر وأكلة للغاصب!
ألا وإنّ الدّعيّ بن الدعيّ قد ركز بين اثنتَين؛ بين السّلة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت واُنوف حميّة ونفوس أبيّة، من أن نؤثر طاعة اللئام من مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحف بهذه الاُسرة على قلّة العدد وخذلان النّاصر».
ثمّ أنشد أبيات فروة بن مُسيك المرادي
.
____________________________
فـإن نـهزم فـهزّامون قدماً
|
|
وإن نـهْزَم فـغير مُـهزَّمينا
|
ومـا أن طبنا
جبن ولكن
|
|
مـنـايانا ودولــة آخـرينا
|
فـقل لـلشامتين بـنا أفيقوا
|
|
سـيلقى الـشامتون كما لقينا
|
إذا مات الموت رفَّع عن اُناس
|
|
بـكـلكله أنــاخ بـآخرينا
|
أما والله، لا تلبثون بعدها إلاّ كريثما يركب الفرس، حتّى تدور بكم دور الرحى وتقلق بكم قلق المحور، عهدٌ عَهَده إليَّ أبي عن جدّي رسول الله، فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ثمّ اقضوا إليَّ ولا تنظرون، إنّي توكّلت على الله ربّي وربّكم، ما من دابّة إلاّ هو آخذ بناصيتها إنّ ربّي على صراط المستقيم»
.
ثمّ رفع يدَيه نحو السّماء وقال:«اللهمّ، احبس عنهم قطر السّماء، وابعث عليهم سنين كسنيّ يوسف، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبرة، فإنّهم كذبونا وخذلونا، وأنت ربّنا عليك توكّلنا وإليك المصير
.
والله لا يدع أحداً منهم إلاّ انتقم لي منه، قتلةً بقتلة وضربةً بضربة، وإنّه لينتصر لي ولأهل بيتي وأشياعي»
.
ضلال ابن سعد
واستدعى الحسينعليهالسلام
عمر بن سعد، فدُعي له - وكان كارهاً لا يحبّ أن يأتيه - فقالعليهالسلام
:«أي عمر، أتزعم أنّك تقتلني ويولّيك الدعيّ بلاد الري وجرجان؟ والله لا تتهنّأ بذلك، عهد معهود فاصنع ما أنت صانع، فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، وكأنّي برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ويتّخذونه غرضاً بينهم»،
فصرف بوجهه عنه مغضباً
.
____________________________
توبة الحرّ
ولمّا سمع الحرّ بن يزيد الرياحي كلامه واستغاثته، أقبل على عمر بن سعد وقال له: أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله، قتالاً أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي. قال: ما لكم فيما عرضه عليكم من الخصال؟ فقال: لَو كان الأمر إليَّ لقبلت، ولكن أميرك أبى ذلك. فتركه ووقف مع النّاس، وكان إلى جنبه قرّة بن قيس فقال لقرّة: هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا، قال: فهل تريد أن تسقيه؟ فظنّ قرّة من ذلك أنّه يريد الاعتزال ويكره أن يشاهده، فتركه فأخذ الحرّ يدنو من الحسين قليلاً، فقال له المهاجر بن أوس: أتريد أن تحمل؟ فسكت وأخذته الرعدة، فارتاب المهاجر من هذا الحال وقال له: لَو قيل لي: مَن أشجع أهل الكوفة؟ لَما عدوتك، فما هذا الذي أراه منك؟ فقال الحرّ: إنّي اُخيِّر نفسي بين الجنّة والنّار، والله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو اُحرقت. ثمّ ضرب جواده نحو الحسين
منكّساً رمحه قالباً ترسه
وقد طأطأ برأسه؛ حياءً من آل الرسول بما أتى إليهم وجعجع بهم في هذا المكان على غير ماء ولا كلأ، رافعاً صوته:
اللهمّ إليك اُنيب فتب عليَّ، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيّك. يا أبا عبدالله إنّي تائب، فهل لي من توبة؟
فقال الحسينعليهالسلام
:«نعم يتوب الله عليك»
. فسرّه قوله وتيقّن الحياة الأبديّة والنّعيم الدائم، ووضح له قول الهاتف لمّا خرج من الكوفة، فحدّث الحسينعليهالسلام
بحديث قال فيه: لمّا خرجت من الكوفة نُوديت: أبشر يا حرّ بالجنّة. فقلت: ويلٌ للحر
____________________________
يُبشّر بالجنّة وهو يسير إلى حرب ابن بنت رسول الله؟!
.
فقال له الحسينعليهالسلام
:«لقد أصبت خيراً وأجراً»
. وكان معه غلام تركي
.
نصيحة الحر لأهل الكوفة
ثمّ استأذن الحسينَعليهالسلام
في أنْ يكلّم القوم فأذن له، فنادى بأعلى صوته: يا أهل الكوفة لاُمّكم الهبل والعبر؛ إذ دعوتموه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كلّ جانب فمنعتموه التوجّه إلى بلاد الله العريضة حتّى يأمن وأهل بيته، وأصبح كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً، وحلأتموه ونساءه وصبيته وصحبه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهود والنّصارى والمجوس، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه. وها هم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمداً في ذريّته! لا سقاكم الله يوم الظمأ! فحملت عليه رجّالة ترميه بالنّبل، فتقهقر حتّى وقف أمام الحسين
.
الحملة الاُولى
وتقدّم عمر بن سعد نحو عسكر الحسين ورمى بسهم وقال: اشهدوا لي عند الأمير إنّي أول من رمى. ثمّ رمى النّاس
، فلَم يبقَ من أصحاب الحسين أحد إلاّ أصابه من سهامهم
، فقالعليهالسلام
لأصحابه:«قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه، فإنَّ هذه السّهام رسل القوم إليكم»
. فحمل أصحابه حملةً واحدةً
واقتتلوا ساعة، فما انجلت الغبرة إلاّ عن خمسين صريعاً
.
____________________________
سـطت ورحى الهيجاء تطحن شوسها
|
|
ووجـه الـضحى فـي نقعها متنقِّب
|
تـهـلّل بـشراً بـالقراع وجـوهها
|
|
وكـم وجـه ضـرغام هناك مقطّب
|
وتـلتذّ أن جـاءت لـها السمر تلتوي
|
|
وللبيض ان سُلّت لدى الضرب تطرب
|
أعـزّاء لا تـلوي الـرقاب لـفادح
|
|
ولا مـن اُلـوف في الكريهة ترهب
|
فـما لـسوى الـعلياء تـاقت نفوسهم
|
|
ولَـم تك في شيء سوى العزّ ترغب
|
فـلَـو أنَّ مـجداً في الـثرّيا لـحلقت
|
|
إلـيه وشـأن الـشّهم لـلمجد يطلب
|
فـأسيافهم يـوم الـوغى تمطر الدّما
|
|
وأيـديهم مـن جودها الدهر مخضب
|
ومـا برحت تقري المواضي لحومها
|
|
ومـن دمـها السّمر العواسل تشرب
|
إلـى أنْ تهاوت كالكواكب في الثرى
|
|
ومـا بعدهم يا ليت لا لاح كوكب
|
تـهاووا فـقل زهـر النّجوم تهافتت
|
|
وأهـووا فـقل شـمّ الجبال تهدّم
|
وخرج يسار مولى زياد وسالم مولى عبيد الله بن زياد فطلبا البراز، فوثب حبيب وبرير، فلم يأذن لهما الحسينعليهالسلام
. فقام عبد الله بن عمير الكلبي، من بني عليم، وكنيته أبو وهب، وكان طويلاً شديد السّاعدين بعيد ما بين المنكبين، شريفاً في قومه شجاعاً مجرّباً، فأذن له وقال:«أحسبه للأقران قتّالاً».
فقالا له: مَن أنت؟ فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفك ليخرج إلينا زهير أو حبيب أو برير، وكان يسار قريباً منه فقال له: يابن الزانية أوَبك رغبةً عن مبارزتي؟ ثمّ شدّ عليه بسيفه يضربه، وبينا هو مشتغل به إذ شدّ عليه سالم، فصاح أصحابه قد رهقك العبد فلم يعبأ به، فضربه سالم بالسّيف فاتقاها عبد الله بيده اليسرى فأطار أصابعه، ومال عليه عبد الله فقتله. وأقبل إلى الحسين يرتجز وقد قتلهما.
وأخذت زوجته اُمّ وهب بنت عبد الله بن النمر بن قاسط، عموداً، وأقبلت نحوه تقول له: فداك أبي واُمّي قاتل دون الطيّبين ذريّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم
. فأراد أنْ يردّها إلى الخيمة، فلَم تطاوعه وأخذت تجاذبه ثوبه وتقول: لن أدعك دون أنْ أموت معك. فناداها الحسينعليهالسلام
:«جزيتم عن أهل بيت نبيكم خيراً،
____________________________
ارجعي إلى الخيمة، فإنّه ليس على النّساء قتال».
فرجعت
.
مبارزة الاثنين والاربعة
ولمّا نظر مَن بقي من أصحاب الحسين إلى كثرة مَن قُتل منهم، أخذ الرجلان والثلاثة و الأربعة يستأذنون الحسين في الذبّ عنه والدفع عن حرمه، وكلّ يحمي الآخر من كيد عدوّه. فخرج الجابريّان وهما: سيف بن الحارث بن سريع، ومالك بن عبد بن سريع، وهما ابنا عمّ وأخوان لاُمّ، وهما يبكيان قال الحسينعليهالسلام
:«ما يبكيكما؟ إنّي لأرجو أنْ تكونا بعد ساعة قريرَي العين»
. قالا: جعلنا الله فداك، ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك؛ نراك قد اُحيط بك ولا نقدر أنْ ننفعك. فجزاهما الحسين خيراً. فقاتلا قريباً منه حتّى قُتلا
.
وجاء عبد الله وعبد الرحمن ابنا عروة الغفاريّان فقالا: قد حازنا النّاس إليك. فجعلا يقاتلان بين يدَيه حتّى قُتلا.
وخرج عمرو بن خالد الصيداوي وسعد مولاه وجابر بن الحارث السلماني ومجمع بن عبد الله العائذي
، وشدّوا جميعاً على أهل الكوفة فلمّا أوغلوا فيهم، عطف عليهم النّاس وقطعوهم عن أصحابهم، فندب إليهم الحسين أخاه العبّاس فاستنقذهم بسيفه، وقد جُرحوا بأجمعهم، و في أثناء الطريق اقترب منهم العدوّ فشدّوا بأسيافهم مع ما بهم من الجراح، و قاتلوا حتّى قتلوا في مكان واحد
.
استغاثة و هداية
ولمّا نظر الحسين إلى كثرة مَن قُتل من أصحابه، قبض على شيبته المقدّسة وقال:«اشتدّ غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولداً، واشتدّ غضبه على النّصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، واشتدّ غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس
____________________________
والقمر دونه، واشتدّ غضبه على قوم اتّفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيّهم. أما والله، لا اُجيبهم إلى شيء ممّا يريدون حتّى ألقى الله وأنا مخضّب بدمي، ثمّ صاح: أما من مغيث يغيثنا! أما من ذابّ يذبُّ عن حرم رسول الله!»
فبكت النّساء وكثر صراخهن.
وسمع الأنصاريّان سعد بن الحارث وأخوه أبو الحتوف استنصار الحسينعليهالسلام
واستغاثته وبكاء عياله - وكانا مع ابن سعد - فمالا بسيفيهما على أعداء الحسينعليهالسلام
وقاتلا حتّى قُتلا
.
ثبات الميمنة
وأخذ أصحاب الحسينعليهالسلام
- بعد أن قلّ عددهم وبان النّقص فيهم - يبرز الرجل بعد الرجل فأكثروا القتل في أهل الكوفة. فصاح عمرو بن الحَجّاج لأصحابه: أتدرون مَن تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر وقوماً مستميتين، لا يبرز إليهم أحد منكم إلاّ قتلوه على قلّتهم، والله لَو لَم ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم. فقال عمر بن سعد: صدقت، الرأي ما رأيت، ارسِل في النّاس مَن يعزم عليهم أنْ لا يبارزهم رجل منهم، ولَو خرجتم إليهم وحداناً لأتوا عليكم
.
ثمّ حمل عمرو بن الحَجّاج على مَيمنة الحسينعليهالسلام
، فثبتوا له وجثوا على الركب وأشرعوا الرماح، فلَم تقدم الخيل. فلمّا ذهبت الخيل لترجع، رشقهم أصحاب الحسينعليهالسلام
بالنّبل فصرعوا رجالاً وجرحوا آخرين
.
وكان عمرو بن الحَجّاج يقول لأصحابه: قاتِلوا مَن مَرق عن الدِّين وفارق الجماعة. فصاح الحسينعليهالسلام
:«ويحك يا عمرو! أعليَّ تحرّض النّاس؟ أنحن مرقنا من
____________________________
الدِّين وأنت تقيم عليه؟! ستعلمون إذا فارقت أرواحنا أجسادنا مَن أولى بصليّ النّار»
.
مسلم بن عوسجة
ثمّ حمل عمرو بن الحَجّاج من نحو الفرات فاقتتلوا ساعة، وفيها قاتل مسلم بن عوسجة، فشدّ عليه مسلم بن عبد الله الضبابي وعبد الله بن خشكارة البجلي، وثارت لشدّة الجلاد غبرة شديدة وما انجلت الغبرة إلاّ ومسلم صريع وبه رمق. فمشى إليه الحسينعليهالسلام
ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسينعليهالسلام
:«رحمك الله يا مسلم!
(
فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً
)
»
. ودنا منه حبيب وقال: عزّ عليّ مصرعك يا مسلم، أبشِر بالجنّة. فقال بصوت ضعيف: بشّرك الله بخير. قال حبيب: لَو لَم أعلم أنّي في الأثر لأحببت أنْ توصي إليَّ بما أهمّك. فقال مسلم: اُوصيك بهذا وأشار إلى الحسينعليهالسلام
أنْ تموت دونه. قال: أفعل وربِّ الكعبة. وفاضت روحه بينهما. وصاحت جارية له: وآ مسلماه! يا سيّداه! يابن عوسجتاه! فتنادى أصحاب ابن الحجاج: قتلنا مسلماً.
فقال شبث بن ربعي لمَن حوله: ثكلتكم اُمّهاتكم! أيقتل مثل مسلم وتفرحون! لَربَّ موقف له كريم في المسلمين رأيته يوم آذربيجان، وقد قتل ستة من المشركين قبل تتام خيول المسلمين
.
الميسرة
وحمل الشمر في جماعة من أصحابه على ميسرة الحسينعليهالسلام
فثبتوا لهم حتّى كشفوهم، وفيها قاتل عبد الله بن عمير الكلبي فقتل تسعة عشر فارساً واثني عشر راجلاً، وشدّ عليه هاني بن ثبيت الحضرمي فقطع يده اليمنى
، وقطع بكر بن حي ساقه.
____________________________
فاُخذ أسيراً وقُتل صبراً
، فمشت إليه زوجته اُمّ وهب وجلست عند رأسه تمسح الدم عنه وتقول: هنيئاً لك الجنّة أسأل الله الذي رزقك الجنّة أنْ يصحبني معك. فقال الشمر لغلامه رستم: اضرب رأسها بالعمود، فشدخه وماتت مكانها، وهي أول امرأة قُتلت من أصحاب الحسين
عليهالسلام
.
وقطع رأسه ورمى به إلى جهة الحسين فأخذته اُمّه ومسحت الدم عنه، ثمّ أخذت عمود خيمة وبرزت إلى الأعداء فردّها الحسينعليهالسلام
وقال:«ارجعي رحمك الله فقد وضِع عنك الجهاد».
فرجعت وهي تقول: اللهمّ، لا تقطع رجائي. فقال الحسينعليهالسلام
:«لا يقطع الله رجاءك»
.
وحمل الشمر حتّى طعن فسطاط الحسينعليهالسلام
بالرمح وقال: عليَّ بالنّار لاُحرقه على أهله. فتصايحت النّساء وخرجن من الفسطاط، وناداه الحسينعليهالسلام
:«يابن ذي الجوشن، أنت تدعو بالنّار لتحرق بيتي على أهلي؟! أحرقك الله بالنّار».
وقال له شبث بن ربعي: أمرعباً للنّساء صرت؟ ما رأيت مقالاً أسوأ من مقالك، وموقفاً أقبح من موقفك. فاستحى وانصرف. وحمل على جماعته زهير بن القين في عشرة من أصحابه حتّى كشفوهم عن البيوت
.
عزرة يستمد الرجال
ولمّا رأى عزرة بن قيس - وهو على الخيل - الوهن في أصحابه والفشل كلّما يحملون، بعث إلى عمر بن سعد يستمدّه الرجال، فقال ابن سعد لشبث بن ربعي: ألا تقدم إليهم؟ قال: يا سبحان الله! تكلّف شيخ المصر، وعندك مَن يجزي عنه. ولَم يزل شبث بن ربعي كارهاً لقتال الحسين، وقد سُمع يقول: قاتلنا مع علي بن
____________________________
أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين، ثمّ عدونا على ولده وهو خير أهل الأرض نقاتله مع آل معاوية وابن سميّة الزانية، ضلال يا لك من ضلال! والله لا يعطي الله أهل هذا المصر خيراً أبداً، ولا يسدّدهم لرشد
.
فمدّه بالحصين بن نُمير في خمسمئة من الرماة، واشتدّ القتال، وأكثر أصحاب الحسينعليهالسلام
فيهم الجراح حتّى عقروا خيولهم وأرجلوهم
، ولَم يقدروا أنْ يأتوهم من وجه واحد؛ لتقارب أبنيتهم. فأرسل ابن سعد الرجال ليقوضوها عن أيمانهم وعن شمائلهم؛ ليحيطوا بهم. فأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسينعليهالسلام
يتخلّلون البيوت فيشدّون على الرجل وهو ينهب فيقتلونه ويرمونه من قريب فيعقرونه.
فقال ابن سعد: احرقوها بالنّار فأضرموا فيها النّار. فصاحت النّساء ودُهشت الأطفال، فقال الحسينعليهالسلام
:«دعوهم يحرقونها، فإنّهم إذا فعلوا ذلك لَم يجوزوا إليكم».
فكان كما قال
.
أبو الشعثاء
وكان أبو الشعثاء الكندي - وهو يزيد بن زياد - مع ابن سعد، فلمّا ردّوا الشروط على الحسينعليهالسلام
صار معه، وكان رامياً فجثا على ركبتَيه بين يدَي الحسين ورمى بمئة سهم و الحسينعليهالسلام
يقول:«اللهمّ سدّد رميته، واجعل ثوابه الجنّة».
فلمّا نفدت سهامه قام وهو يقول: لقد تبيّن لي أنّي قتلت منهم خمسة
. ثمّ حمل على القوم فقتل تسعة نفر وقُتل
.
الزوال
والتفت أبو ثمامة الصائدي
إلى الشمس قد زالت، فقال للحسينعليهالسلام
: نفسي
____________________________
لك الفداء، إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، لا و الله لا تُقتل حتّى اُقتل دونك، و اُحبّ أنْ ألقى الله وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها. فرفع الحسينعليهالسلام
رأسه إلى السّماء وقال:«ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلّين الذاكرين، نعم هذا أول وقتها، سلوهم أنْ يكفّوا عنّا حتّى نصلّي».
فقال الحصين: إنّها لا تُقبل
.
حبيب بن مظاهر
فقال حبيب بن مظاهر: زعمت أنّها لا تُقبل من آل الرسول وتُقبل منك يا حمار؟! فحمل عليه الحصين فضرب حبيبُ وجه فرسه بالسّيف، فشبّت به ووقع عنه واستنقذه أصحابه فحملوه
، وقاتلهم حبيب قتالاً شديداً، فقتل على كبره اثنين وستّين رجلاً، وحمل عليه بديل بن صريم فضربه بسيفه، وطعنه آخر من تميم برمحه فسقط إلى الأرض، فذهب ليقوم وإذا الحصين يضربه بالسّيف على رأسه فسقط لوجهه، ونزل إليه التميمي واحتزّ رأسه فهدّ مقتلُه الحسينعليهالسلام
فقال:«عند الله احتسب نفسي وحماة أصحابي»
، واسترجع كثيراً.
الحرّ الرياحي
وخرج من بعده الحرّ بن يزيد الرياحي ومعه زهير بن القين - يحمي ظهره - فكان إذا شدّ أحدهما واستلحم شدّ الآخر واستنقذه، ففعلا ساعة
وإنّ فرس الحرّ لمضروب على اُذنَيه وحاجبَيه و الدماء تسيل منه، وهو يتمثّل بقول عنترة:
____________________________
ما زلت ارميهم بثغرة نحره
|
|
ولبانه حتّى تسربل بالدم
|
فقال الحصين ليزيد بن سفيان: هذا الحرّ الذي كنت تتمنى قتله؟ قال: نعم. وخرج إليه يطلب المبارزة فما أسرع أنْ قتله الحرّ، ثمّ رمى أيّوب بن مشرح الخيواني فرس الحرّ بسهم فعقره، وشبّ به الفرس فوثب عنه كأنّه ليث
وبيده السّيف، وجعل يقاتل راجلاً حتّى قتل نيفاً وأربعين
، ثمّ شدّت عليه الرجّالة فصرعته. وحمله أصحاب الحسينعليهالسلام
ووضعوه أمام الفسطاط الذي يقاتلون دونه - وهكذا يؤتى بكلّ قتيل إلى هذا الفسطاط - و الحسينعليهالسلام
يقول:«قتلة مثل قتلة النبيين وآل النبيّين»
ثمّ التفت إلى الحرّ - وكان به رمق - فقال له، وهو يمسح الدم عنه:«أنت الحرّ كما سمّتك اُمّك، وأنت الحرّ في الدنيا والآخرة»
. ورثاه رجل من أصحاب الحسين، وقيل: علي بن الحسين
وقيل: إنّها من إنشاء الحسين خاصّة
لَـنعم الحرُّ حرُ بني رياح
|
|
صبور عند مشتبك الرماح
|
ونعم الحرُّ إذ فادى حسيناً
|
|
وجاد بنفسه عند الصباح
|
الصلاة
وقام الحسين إلى الصلاة، فقيل إنّه صلّى بمَن بقي من أصحابه صلاة الخَوف، وتقدّم أمامه زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي في نصف من أصحابه
، ويقال إنّه صلّى، وأصحابه فرادى بالإيماء
:
____________________________
وصـلاة الخوف حاشاها فما
|
|
روعت والموت منها كان قابا
|
مـا لواها الموقف الدّامي وما
|
|
صدَّها الجيش ابتعاداً واقترابا
|
زحـفت ظامئة والشمس من
|
|
حَـرَّها تلتهب الأرض التهابا
|
هزَّت الجيش وقد ضاقت به
|
|
عرصة الطَّف سهولا وهضابا
|
سـائل الـميدان عنها سترى
|
|
كـيف أرضته طعاناً وضرابا
|
كـيف حـامت حرم الله فما
|
|
خـدشت عزّاً ولا ولّت جنابا
|
كـيف دون الله راحت تَدّري
|
|
بـهواديها سـهاماً وكعابا
|
ولما اُثخن سعيد بالجراح سقط إلى الأرض وهو يقول: اللهمّ العنهم لعن عاد وثمود وابلغ نبيّك منّي السّلام وابلغه ما لقيت من ألم الجراح، فإنّي أردت بذلك ثوابك في نصرة ذريّة نبيّكصلىاللهعليهوآلهوسلم
، والتفت إلى الحسينعليهالسلام
قائلاً: أوفيت يابن رسول الله؟ قال:«نعم، أنت أمامي في الجنّة»
، وقضى نحبه فوُجد فيه ثلاثة عشر سهماً غير الضرب والطعن
.
ولمّا فرغ الحسينعليهالسلام
من الصلاة قال لأصحابه:«يا كرام، هذه الجنّة قد فتحت أبوابها، واتصلت أنهارها، وأينعت ثمارها، وهذا رسول الله والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله يتوقّعون قدومَكم ويتباشرون بكم، فحاموا عن دين الله ودين نبيِّه، وذبّوا عن حرم الرسول».
فقالوا: نفوسنا لنفسك الفداء، ودماؤنا لدمك الوقاء فوالله لا يصل إليك وإلى حرمك سوء وفينا عرق يضرب
.
الخيل تعقر
ثمّ إنّ عمر بن سعد وجّه عمرو بن سعيد في جماعة من الرماة فرموا أصحاب الحسين وعقروا خيولهم
ولَم يبقَ مع الحسين فارس إلاّ الضحّاك بن
____________________________
عبد الله المشرقي يقول: لمّا رأيت خيل أصحابنا تُعقر أقبلتُ بفرسي وأدخلتها فسطاطاً لأصحابنا. واقتتلوا أشدّ القتال
. وكان كلّ مَن أراد الخروج ودّع الحسينعليهالسلام
بقوله: السّلام عليك يابن رسول الله. فيُجيبه الحسينعليهالسلام
:«وعليك السّلام، ونحن خلفك»
، ثمّ يقرأ(
فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً
)
.
أبو ثمامة
وخرج أبو ثمامة الصائدي فقاتل حتّى اُثخن بالجراح، وكان مع عمر بن سعد ابن عمّ له، يقال له قيس بن عبد الله بينهما عداوة، فشدّ عليه وقتله.
زهير وابن مضارب
وخرج سلمان بن مضارب البجلي - وكان ابن عمّ زهير بن القين - فقاتل حتّى قُتل. وخرج بعده زهير بن القين فوضع يده على منكب الحسين وقال مستأذناً:
أقـدم هديت هادياً مهديّاً
|
|
فـاليوم القى جَدَّك النبيّا
|
وحـسناً والمرتضى عليّاً
|
|
وذا الجناحين الفتى الكميّا
|
وأسد الله الشهيد الحي
فقال الحسينعليهالسلام
:«وأنا ألقاهما على أثرك».
وفي حملاته يقول:
أنا زهير وأنا ابن القين
|
|
أذودكم بالسّيف عن حسين
|
فقتل مئة وعشرين، ثمّ عطف عليه كثير بن عبد الله الصعبي والمهاجر بن أوس فقتلاه. فوقف الحسينعليهالسلام
وقال:«لا يبعدنّك الله يا زهير، ولعن قاتليك لعن الذين مُسخوا قردةً وخنازير»
.
____________________________
عمرو بن قرظة
وجاء عمرو بن قرظة الأنصاري
ووقف أمام الحسينعليهالسلام
يقيه من العدو ويتلقّى السّهام بصدره وجبهته فلم يصل إلى الحسينعليهالسلام
سوء، ولمّا كثر فيه الجراح التفت إلى أبي عبد الله وقال: أوفيت يابن رسول الله؟ قال:«نعم، أنت أمامي في الجنّة، فاقرأ رسول الله منّي السّلام، وأعلِمه أنّي في الأثر».
وخرَّ ميّتاً
.
فنادى أخوه علي وكان مع ابن سعد: يا حسين، يا كذّاب، غررت أخي حتّى قتلته؟ فقالعليهالسلام
:«إنّي لَم أغر أخاك، ولكنّ الله هداه وأضلّك»
. فقال: قتلني الله إنْ لَم أقتلك. ثمّ حمل على الحسين ليطعنه، فاعترضه نافع بن هلال الجملي فطعنه حتّى صرعه، فحمله أصحابه وعالجوه وبرئ
.
نافع الجملي
ورمى نافع بن هلال الجملي المذحجي بنبال مسمومة، كتب اسمه عليها
وهو يقول
.
أرمـي بها معلمة أفواقها
|
|
مسمومة تجري بها اخفاقها
|
لـيملأنَّ ارضـها رشاقها
|
|
والـنفس لا ينفعها اشفاقها
|
فقتل اثنى عشر رجلاً سوى من جرح، ولمّا فنيت نباله جرّد سيفه يضرب فيهم، فأحاطوا به يرمونه بالحجارة والنصال حتّى كسروا عضديه وأخذوه أسيراً
____________________________
فأمسكه الشمر ومعه أصحابه يسوقونه، فقال له ابن سعد: ما حملك على ما صنعت بنفسك؟ قال: إنّ ربّي يعلم ما أردتُ. فقال له رجل وقد نظر إلى الدماء تسيل على وجهه ولحيته: أما ترى ما بك؟ فقال: والله لقد قَتلتُ منكم اثني عشر رجلاً سوى مَن جرحت، وما ألوم نفسي على الجهد، ولَو بقيت لي عضد ما أسرتموني
. وجرّد الشمر سيفه فقال له نافع: والله يا شمر لَو كنتَ من المسلمين لعظم عليك أنْ تلقى الله بدمائنا، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدَي شرار خلقه. ثمّ قدّمه الشمر وضرب عنقه
.
واضح وأسلم
ولما صُرع واضح التركي مولى الحرث المذحجي استغاث بالحسينعليهالسلام
، فأتاه أبو عبد الله واعتنقه، فقال: مَن مثلي وابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
واضع خدّه على خدّي! ثم فاضت نفسه الطاهرة
.
ومشى الحسين إلى أسلم مولاه، واعتنقه وكان به رمق فتبسّم وافتخر بذلك ومات
!
برير بن خضير
ونادى يزيد بن معقل
: يا برير كيف ترى صنع الله بك؟ فقال: صنع الله بي خيراً، وصنع بك شرّاً. فقال يزيد: كذبت وقبل اليوم ما كنت كذّابا، أتذكر يوم كنت اُماشيك في بني لوذان
وأنت تقول: كان معاوية ضالاً وإنّ إمام
____________________________
الهدى علي بن أبي طالب؟ قال برير: بلى، أشهد إنّ هذا رأيي. فقال يزيد: وأنا أشهد إنّك من الضالّين. فدعاه برير إلى المباهلة فرفعا أيديهما إلى الله سبحانه يدعوانه أن يلعن الكاذب ويقتله، ثمّ تضاربا فضربه برير على رأسه قدّت المغفر والدماغ، فخرّ كأنّما هوى من شاهق، وسيف برير ثابت في رأسه. وبينا هو يريد أنْ يخرجه إذ حمل عليه رضي بن منقذ العبدي واعتنق بريراً واعتركا فصرعه برير وجلس على صدره، فاستغاث رضي بأصحابه، فذهب كعب بن جابر بن عمرو الأزدي ليحمل على برير، فصاح به عفيف بن زهير بن أبي الأخنس: هذا برير بن خضير القارئ الذي كان يقرؤنا القرآن في جامع الكوفة، فلَم يلتفت إليه وطعن بريراً في ظهره، فبرك برير على رضي وعض وجهه وقطع طرف أنفه، وألقاه كعب برمحه عنه وضربه بسيفه فقتله.
وقام العبدي ينفض التراب عن قبائه وقال: لقد أنعمت عليَّ يا أخا الأزد نعمة لا أنساها أبداً.
ولمّا رجع كعب بن جابر إلى أهله عتبت عليه امرأته النوار وقالت: أعنت على ابن فاطمة وقتلت سيّد القرّاء، لقد أتيت عظيماً من الأمر، والله لا اُكلّمك من رأسي كلمة أبداً. فقال:
سـلي تـخبري عنّي وانت ذميمة
|
|
غـداة حـسين والـرماح شوارع
|
ألم آت اقصى ما كرهت ولم يخل
|
|
عـليَّ غـداة الـروع ما أنا صانع
|
مـعي يـزني لـم تـخنه كعوبُه
|
|
وأبـيضُ مخشوب الغرارين قاطع
|
فـجردته فـي عصبة ليس دينهم
|
|
بـديني و إنـي بابن حرب لقانع
|
ولـم تـرَ عيني مثلهم في زمانهم
|
|
ولا قـبلهم فـي النّاس إذ أنا يافع
|
أشـدّ قراعا بالسيوف لدى الوغى
|
|
ألا كـل مـن يحمي الذمار مقارع
|
وقد صبروا للضرب والطعن حُسّراً
|
|
وقـد نـازلوا لـو أنَّ ذلـك نافع
|
فـأبـلغ عـبـيد الله أمـا لـقيته
|
|
بـأنّـي مـطيع لـلخليفة سـامع
|
قـتلت بـريراً ثـم حـملت نعمة
|
|
ابـا مـنقذ لـما دعـا من يماصع
|
فردّ عليه رضي بن منقذ العبدي بقوله:
ولـو شـاء ربي ما شهدت قتالهم
|
|
ولا جـعل النعماء عندي ابن جابر
|
لـقد كـان ذاك الـيوم عاراً وسبَّة
|
|
تـعـيره الابـناء بـعد الـمعاشر
|
فـيا لـيت إنّي كنت من قبل قَتْلِه
|
|
ويوم حسين كنت في رمس قابر
|
حنظلة الشبامي
ونادى حنظلة بن سعد الشبامي: يا قوم، إنّي أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، وما الله يريد ظلماً للعباد. يا قوم، إنّي أخاف عليكم يوم التناد يوم تولّون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد. يا قوم، لا تقتلوا حسيناً فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من افترى. فجزاه الحسينعليهالسلام
خيراً وقال:«رحمك الله إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردّوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق، و نهضوا إليك ليستبيحوك وأصحابك، فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين».
قال: صدقت يابن رسول الله أفلا نروح إلى الآخرة؟ فأذن له، فسلّم على الحسينعليهالسلام
وتقدّم حتّى قُتل
.
عابس
وأقبل عابس بن شبيب الشاكري على شَوذب
مولى شاكر - وكان شَوذب من الرجال المخلصين وداره مألف للشيعة يتحدثون فيها فضل أهل البيت - فقال: يا شَوذب، ما في نفسك أنْ تصنع؟ قال: اُقاتل معك حتّى اُقتل. فجزاه خيراً وقال له: تقدّم بين يدَي أبي عبد اللهعليهالسلام
حتّى يحتسبك كما احتسب غيرك وحتّى أحتسبك فإنّ هذا يوم نطلب فيه الأجر بكلّ ما نقدر عليه. فسلّم شَوذب على الحسين، وقاتل حتّى قُتل.
فوقف عابس أمام أبي عبد اللهعليهالسلام
وقال: ما أمسى على ظهر الأرض
____________________________
قريب و لا بعيد أعزّ عليَّ منك، ولَو قدرت أنْ أدفع الضيم عنك بشيء أعزّ عليَّ من نفسي لفعلت، السّلام عليك، أشهد أنّي على هداك و هدى أبيك. ومشى نحو القوم مصلتاً سيفه و به ضربة على جبينه فنادى: ألا رجل؟ فأحجموا عنه؛ لأنّهم عرفوه أشجع النّاس. فصاح عمر بن سعد: أرضخوه بالحجارة. فرُمي بها، فلمّا رأى ذلك ألقى درعه ومغفره وشدّ على النّاس وإنّه ليطرد أكثر من مئتين، ثمّ تعطّفوا عليه من كلّ جانب فقُتل. فتنازع ذووا عدة في رأسه، فقال ابن سعد: هذا لَم يقتله واحد. وفرّق بينهم بذلك
.
جون
ووقف جون
مولى أبي ذرّ الغفاري أمام الحسين يستأذنه فقالعليهالسلام
:«يا جون إنّما تبعتنا طلباً للعافية، فأنت في إذن منّي»
. فوقع على قدميه يقبّلهما ويقول: أنا في الرخاء ألحس قصاعكم، وفي الشدّة أخذلكم، إنّ ريحي لنتن، وحسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفّس عليَّ بالجنّة؛ ليطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيّض لوني، لا والله لا اُفارقكم حتّى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم. فأذن له الحسين
، فقَتل خمساً وعشرين وقُتل. فوقف عليه الحسينعليهالسلام
وقال:«اللهمّ بيِّض وجهه وطيِّب ريحه، واحشره مع محمّد
صلىاللهعليهوآله
وعرِّف بينه وبين آل محمّد
صلىاللهعليهوآله
»
.
فكان مَن يمرّ بالمعركة يشمّ منه رائحةً طيّبة أذكى من المسك
.
أنس الكاهلي
وكان أنس بن الحارث بن نبيه الكاهلي شيخاًً كبيراً صحابياً، رأى النبي
____________________________
وسمع حديثه وشهد معه بدراً وحنيناً، فاستأذن الحسينعليهالسلام
وبرز شاداً وسطه بالعمامة رافعاً حاجبيه بالعصابة، ولمّا نظر إليه الحسينعليهالسلام
بهذه الهيئة بكى وقال:«شكر الله لك يا شيخ»
. فقَتل على كبره ثمانية عشر رجلاً وقُتل
.
عمرو بن جنادة
وجاء عمرو بن جنادة الأنصاري بعد أنْ قُتل أبوه - وهو ابن إحدى عشرة سنة - يستأذن الحسينعليهالسلام
فأبى وقال: «هذا غلام قُتل أبوه في الحملة الاُولى، ولعلّ اُمّه تكره ذلك». قال الغلام: إنّ اُمّي أمرتني. فأذن له فما أسرع أنْ قُتل ورُمي برأسه إلى جهة الحسينعليهالسلام
فأخذته اُمّه ومسحت الدم عنه، وضربت به رجلاً قريباً منها فمات
وعادت إلى المخيّم فأخذت عموداً وقيل سيفاً وأنشأت:
إنّي عجوز في النّسا ضعيفة
|
|
خـاويـة بـالـية نـحيفة
|
أضـربكم بـضربة عنيفة
|
|
دون بـني فاطمة الشريفة
|
فردّها الحسينعليهالسلام
إلى الخيمة بعد أن أصابت بالعمود رجلَين
.
الحَجّاج الجعفي
وقاتل الحجاج بن مسروق الجعفي حتّى خضب بالدماء، فرجع إلى الحسينعليهالسلام
يقول:
____________________________
اليوم ألقى جدّك النبيّا
|
|
ثم أباك ذا النّدى عليا
|
ذاك الذي نعرفه الوصيّا
فقال الحسين:«وأنا ألقاهما على أثرك»
. فرجع يقاتل حتّى قُتل
.
سوار
وقاتل سوار بن أبي حِمير من ولد فهم بن جابر بن عبد الله بن قادم الفهمي الهمداني قتالاً شديداً حتّى ارتث بالجراح
واُخذ أسيراً، فأراد ابن سعد قتله وتشفّع فيه قومه، وبقي عندهم جريحاً إلى أنْ توفّي على رأس ستّة أشهر
.
وفي زيارة النّاحية المقدّسة:«السّلام على الجريح المأسور، سوار بن أبي حمير الفهمي الهمداني، وعلى المرتث معه عمر بن عبد الله الجندعي».
سويد
ولمّا اُثخن بالجراح سويد بن عمرو بن أبي المطاع سقط لوجهه، وظُنَّ أنّه قُتل، فلمّا قُتل الحسينعليهالسلام
وسمعهم يقولون: قُتل الحسين. أخرج سكّينةً كانت معه فقاتل بها، وتعطفوا عليه فقتلوه، وكان آخر مَن قُتل من الأصحاب بعد الحسينعليهالسلام
.
هم عصمة اللاجي إذا هو يختشي
|
|
وهـم ديمة الراجي اذا هو يجتدي
|
إذا ما خبت نار الوغى شعشعوا لها
|
|
سـيوفهم جـمرا وقـالوا توقَّدي
|
ثـقال الـخطا لكنَّ يخفون للوغى
|
|
سـراعا بخرصان الوشيج المسدّد
|
إذا أشـرعوا سمر الرماح حسبتها
|
|
كـواكب فـي ليل من النقع أسود
|
أو اصطدمت تحت العجاج كتائب
|
|
جـرى أصـيد منهم لها اثر أصيد
|
يـكرُّون والابطال طائشة الخطى
|
|
وشـخص المنايا بالعجاجة مرتدي
|
____________________________
لـووا جـانباً عن مورد الضّيم فانثنوا
|
|
عـلى الأرض صرعى سيّداً بعد سيّد
|
هـووا لـلثرى نهب السّيوف جسومهم
|
|
عــوار ولـكن بـالمكارم تـرتدي
|
وأضـحى يـدير السبط عينيه لا يرى
|
|
سـوى جـثث منهم على الترب ركّد
|
أحـاطت بـه سـبعون ألـفاً فـردَّها
|
|
شــوارد امـثـال الـنّعام الـمشرد
|
وقـام عـديم الـنّصر بين جموعهم
|
|
وحـيداً يـحامى عـن شـريعة أحمد
|
إلـى أن هـوى للأرض شلْوا مبضعاً
|
|
ولَـم يـروِ من حرِّ الظما قلبه الصدي
|
هـوى فهوى التوحيد وانطمس الهدى
|
|
وحُـلّت عـرى الدين الحنيف المشيّد
|
لـه الله مـقطور الـفؤاد مـن الظما
|
|
صـريعاً عـلى وجـه الثرى المتوقّد
|
ثـوى فـي هجير الشمس وهو معفَّر
|
|
تـظـلله سـمـر الـقـنا الـمتقصّد
|
وأضحت عوادي الخيل من فوق صدره
|
|
تـروح إلى كـرّ الـطراد وتغتدي
|
وهـاتفة مـن جـانب الـخدر ثـاكل
|
|
بـدت وهـي حسرى تلطم الخدّ باليد
|
يـؤَلّـمها قــرع الـسّياط فـتنثني
|
|
تـحن فـيشجي صـوتها كـل جلمد
|
وسـيقت عـلى عجف المطايا أسيرة
|
|
يـطاف بـها فـي مـشهد بعد مشهد
|
ســرت تـتـهاداها عـلوج اُمـيّة
|
|
فـمن مـلحد تـهدى إلى شر ملحد
|
شهادة أهل البيتعليهمالسلام
علي الأكبر
ولما لَم يبقَ مع الحسين إلاّ أهل بيته، عزموا على ملاقاة الحتوف ببأس شديد وحفاظ مرّ ونفوس أبيّة، وأقبل بعضهم يودّع بعضاً
وأول مَن تقدّم أبو الحسن
علي الأكبر
وعمره سبع وعشرون سنة؛ فإنّه ولد في الحادي عشر من شعبان سنة
____________________________
ثلاث وثلاثين من الهجرة
، وكان مرآة الجمال النّبوي ومثال خُلُقه السّامي واُنموذجاً من منطقه البليغ، وإذا كان شاعر رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يقول فيه:
وأحسن منك لَم ترَ قطٌّ عيني
|
|
وأجـمل منك لم تلد النّساء
|
خـلقت مبرَّءاً من كلِّ عيب
|
|
كـأنّـكَ قد خلقت كما تشاء
|
فمادح الأكبر يقول
:
لم تَـر عـينٌ نـظرت مـثله
|
|
مـن مـحتفٍ يـمشي ومن ناعل
|
يـغلي نـهيء الـلحم حتّى اذا
|
|
انـضج لـم يـغل على الآكل
|
كـان اذا شـبَّـت لــه نـاره
|
|
اوقـدهـا بـالشرف الـقابل
|
كيـما يـراها بـائس مـرمل
|
|
او فــردُ حـيٍ لـيس بـالآهل
|
لا يؤثـر الـدنيا عـلى ديـنه
|
|
ولايـبـيع الـحـقُّ بـالـباطل
|
أَعني ابن ليلى ذا الندى والسدى
|
|
أَعني ابن بنت الحَسَب الفاضل
|
فعلي الأكبر هو المتفرّع من الشجرة النبويّة، الوارث للمآثر الطيّبة، وكان حريّاً بمقام الخلافة لَولا أنّها منصوصة من إله السّماء. وقد سجّل سبحانه أسماءهم في الصحيفة النازل بها جبرئيلعليهالسلام
على رسول اللهصلىاللهعليهوآله
.
ورث الصفات الغرّ وهي تراثه
|
|
مـن كل غطريف وشهم أصيد
|
في بأس حمزة في شجاعة حيدر
|
|
بـإبا الحسين وفي مهابةأحمد
|
____________________________
وتراه في خلق وطيب خلائق
|
|
وبليغ نطق كالنبيّ محمد
|
ولما يمّم الحرب، عزّ فراقه على مخدّرات الإمامة؛ لأنّه عماد أخبيتهن وحمى أمنهن ومعقد آمالهن بعد الحسين. فكانت هذه ترى هتاف الرسالة في وشك الانقطاع عن سمعها، وتلك تجد شمس النبوّة في شفا الكسوف، و اُخرى تشاهد الخُلق المحمدي قد آذن بالرحيل، فأحطن به و تعلّقن بأطرافه وقلن: ارحم غربتنا، لا طاقة لنا على فراقك. فلم يعبأ بهنّ؛ لأنّه يرى حجّة الوقت مكثوراً قد اجتمع أعداؤه على إراقة دمه الطاهر، فاستأذن أباه وبرز على فرس للحسين تسمّى لاحقاً
.
ومن جهة أنَّ ليلى اُمّ الأكبر بنت ميمونة ابنة أبي سفيان
صاح رجل من القوم: يا علي إنّ لك رحماً بأمير المؤمنين يزيد، ونريد أنْ نرعى الرحم، فإنْ شئت آمنّاك. قالعليهالسلام
: إنّ قرابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
أحقّ أنْ تُرعى
. ثمّ شدّ يرتجز معرِّفاً بنفسه القدسيّة وغايته السّامية:
أنـا علي بن الحسين بن علي
|
|
نـحن وربُّ البيت أُولى بالنبي
|
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي
|
|
أضرب بالسيف اُحامي عن أبي
|
ضرب غلام هاشميًّ قرشي
ولَم يتمالك الحسينعليهالسلام
دون أن أرخى عينيه بالدموع
وصاح بعمر بن سعد:«مالك؟ قطع الله رحمك كما قطعتَ رحمي، ولَم تحفظ قرابتي من رسول الله
صلىاللهعليهوآلهوسلم
وسلّط عليك من يذبحك على فراشك»
. ثمّ رفع شيبته المقدّسة نحو السّماء وقال:«اللهمّ اشهد على هؤلاء فقد برز إليهم
____________________________
أشبه النّاس برسولك محمّد خَلقاًَ وخُلُقاً ومنطقاً
،وكنّا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيّك نظرنا إليه، اللهمّ فامنعهم بركات الأرض، وفرِّقهم تفريقاً، ومزِّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضِ الولاة عنهم أبداً، فإنّهم دعونا لينصرونا، ثمّ عدَوا علينا يقاتلونا»،
ثمّ تلا قوله تعالى:
(
إِنّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
)
.
ولم يزل يحمل على المَيمنة ويعيدها على المَيسرة ويغوص في الأوساط، فلَم يقابله جحفل إلاّ ردّه، ولا برز إليه شجاع إلاّ قتله:
يرمي الكتائب والفلا غصَّت بها
|
|
فـي مـثلها مـن بأسه المتوقِّد
|
فـيردّها قـسراً عـلى أعقابها
|
|
فـي بأس عرّيس العرينة ملبد
|
فقتل مئة وعشرين فارساً. وقد اشتدّ به العطش فرجع إلى أبيه يستريح ويذكر ما أجهده من العطش
فبكى الحسينعليهالسلام
وقال:«وآ غوثاه! ما أسرع الملتقى بجدّك فيسقيك بكأسه شربةً لا تظمأ بعدها»
وأخذ لسانه فمصّه ودفع إليه خاتمه ليضعه في فيه
.
ويـؤوب لـلتوديع وهـو مكابد
|
|
لـظما الـفؤاد ولـلحديد المجهد
|
صـادي الحشا وحسامه ريّان من
|
|
مـاء الـطلا وغـليله لـم يبرد
|
يشكو لخير أب ظماه وما اشتكي
|
|
ظمأ الحشا إلا إلى الظامي الصدي
|
كـل حـشاشته كـصالية الغضا
|
|
ولـسـانه ظـمأ كـشقة مـبرد
|
فـانصاع يـؤثره عـليه بـريقه
|
|
لـو كـان ثَـمّة ريـقه لم يجمد
|
وَمُـذ انـثنى يلقى الكريهة باسماً
|
|
والـموت مـنه بـمسمع وبمشهد
|
____________________________
لفَّ الوغى وأجالها جول الرحى
|
|
بـمثقَّف مـن بـأسه ومـهنَّد
|
يـلقى ذوابـلها بـذابل معطف
|
|
ويـشيم أنـصلها بـجيد أجيد
|
حتى إذا ما غاص في اوساطهم
|
|
بـمطهَّم قـبَّ الايـاطل اجرد
|
عـثر الزمان به فغودر جسمه
|
|
نهب القواضب والقنا المتقصّد
|
ورجع علي إلى الميدان مبتهجاً بالبشارة الصادرة من الإمام الحجّةعليهالسلام
بملاقاة جدّه المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم
فزحف فيهم زحفة العلوي السّابق، وغبَّر في وجوه القوم ولَم يشعروا أهو الأكبر يطرد الجماهير من أعدائه أم أنّ الوصيعليهالسلام
يزأر في الميدان؟ أم أنّ الصواعق تترى في بريق سيفه فأكثر القتلى في أهل الكوفة حتّى أكمل المئتين؟
.
فقال مرّة بن منقذ العبدي
: عليَّ آثام العرب إنْ لَم أثكل أباه به
. فطعنه بالرمح في ظهره
وضربه بالسّيف على رأسه ففلق هامته، واعتنق فرسه فاحتمله إلى معسكر الأعداء، وأحاطوا به حتّى قطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً
.
ومـحا الردى يا قاتلَ اللهُ الردى
|
|
مـنه هـلالٌّ دجـى وغرة فرقد
|
يـا نـجعة الحيَّيْن هاشم والندى
|
|
وحـمى الذماريْن العلى والسؤدد
|
كيف ارتقت همم الردى لك صعدة
|
|
مـطرورة الـكعبين لـم تـتأوَّد
|
أفـديـه مـن ريـحانة ريّـانة
|
|
جـفَّت بـحرّ طـما وحـرّ مهنّد
|
بـكر الذبول على نضارة غصنه
|
|
إن الـذبول لآفـة الغصن الندي
|
لله بـدرٌ مـن مـراق نـجيعه
|
|
مـزج الـحسام لـجينه بالعسجد
|
مـاء الـصبا ودم الوريد تجاريا
|
|
فـيه ولاهـب قـلبه لـم يخمد
|
لـم أنـسه مـتعمّما بـشباالظبى
|
|
بـين الـكماة بـالاسنَّة مـرتدي
|
خـضبت ولـكن من دمٍ و فراته
|
|
فـاخضر ريـحان العذار الأسود
|
____________________________
ونادى رافعاً صوته: عليك منّي السّلام أبا عبد الله
، هذا جدّي قد سقاني بكأسه شربةً لا أظمأ بعدها، وهو يقول: إنّ لك كأساً مذخورةً
. فأتاه الحسينعليهالسلام
وانكبّ عليه واضعاً خدّه على خدِّه
وهو يقول:«على الدنيا بعدك العفا، ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول
، يعزّ على جدّك و أبيك أنْ تدعوهم فلا يجيبونك، وتستغيث بهم فلا يغيثونك»
. ثمّ أخذ بكفّه من دمه الطاهر ورمى به نحو السّماء فلَم يسقط منه قطرة - وفي هذا جاءت زيارته:«بأبي أنت واُمّي من مذبوح و مقتول من غير جرم، بأبي أنت واُمّي دمك المرتقى به إلى حبيب الله، بأبي أنت واُمّي من مقدّم بين يدَي أبيك يحتسبك و يبكي عليك محترقاً عليك قلبُه، يرفع دمك إلى عنان السّماء لا يرجع منه قطرة، ولا تسكن عليك من أبيك زفرة»
-. وأمر فتيانه أنْ يحملوه إلى الخيمة، فجاؤوا به إلى الفسطاط الذي يقاتلون أمامه، وحرائر بيت الوحي ينظرن إليه محمولاً قد جللته الدماء بمطارف العزّ حمراء وقد وزع جثمانه الضرب والطعن، فاستقبلنه بصدور دامية وشعور منشورة وعولةٍ تصكُّ سمع الملكوت وأمامهنّ عقيلة بني هاشم زينب الكبرى ابنة فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
صارخةً نادبةً فألقت بنفسها عليه تضمّ إليها جمام
____________________________
نفسها الذاهب، وحمى خدرها المنثلم وعماد بيتها المنهدم
.
لـهـفي عـلـى عـقائل الـرسالة
|
|
لـمّـا رأيـنـه بـتـلك الـحـالة
|
عـــلا نـحـيبهنَّ والـصّـياح
|
|
فـانـدهـش الـعـقول والأرواح
|
نـاحـت عـلى كـفيلها الـعقائل
|
|
والـمـكرمات الـغـرُّ والـفضائل
|
لـهـفي لـها إذ تـندب الـرسولا
|
|
فـكـادت الـجـبال أن تــزولا
|
لـهفي لـها مـذ فـقدت عـميدها
|
|
وهــل يــوازي أحـد فـقيدها
|
ومـَـن يــوازي شـرفاً وجـاها
|
|
مـثـال يـاسـين شـبـيه طـاها
|
يــا سـاعد الله أبـاه مـذ خـبا
|
|
نـيّره الأكـبر فـي ظلّ الظّبي
|
رأى الـخليل فـي مـنى الطفوف
|
|
ذبـيـحـه ضـريـبة الـسّـيوف
|
بـكاه مـا يُـرى ومـا لـيس يُرى
|
|
مـن ذروة العرش إلى تحت الثرى
|
بـكاه حـزناً ربُّ أربـاب الـنّهى
|
|
ومـَن هـو الـمبدأ وهـو المنتهى
|
ومـَـن بـكـاه سـيـّد الـبـرايا
|
|
فــرزؤه مــن أعـظم الـرزايا
|
بـكـته عـيـن الـرشـد والـهداية
|
|
ومَن هـو المنصوص بالوصاية
|
ولسان حال أبيه يقول:
بُـنَي اقـتطعتك من مهجتي
|
|
عـلام قطعت جميل الوصال
|
بُـنَي عراك خسوف الردى
|
|
وشأن الخسوف قبيل الكمال
|
بُـنَي حـرام عـليّ الرقاد
|
|
وأنـت عـفير بحرّ الرمال
|
بُـنَي أبيت سوى القاصرات
|
|
وخـلّفت عندي سمر العوالي
|
بُـنَي بـكتك عيون الرجال
|
|
لـيوم الـنّزيل ويوم النّزال
|
بـكتك بَـنَي صفات الكمال
|
|
وغضُّ الشباب وذات الجمال
|
عـجلت لحوض أبيك النبيِّ
|
|
وسـارعت بعد الظّما للزلال
|
سـيرثيك منّي لسان السّنان
|
|
بنظم قلوب عيون الرجال
|
____________________________
عبد الله بن مسلم
وخرج من بعده عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب، واُمّه رقية الكبرى بنت أمير المؤمنينعليهالسلام
، وهو يقول:
اليوم ألقى مسلماً وهو أبي وعصبة بادوا على دين النبي
فقتل جماعة بثلاث حملات
. ورماه يزيد بن الرقاد الجهني
، فاتقاه بيده فسمرها إلى جبهته، فما استطاع أنْ يزيلها عن جبهته
فقال: اللهمّ انّهم استقلونا واستذلونا فاقتلهم كما قتلونا. وبينا هو على هذا إذ حمل عليه رجل برمحه فطعنه في قلبه ومات
. فجاء إليه يزيد بن الرقاد وأخرج سهمه من جبهته وبقي النّصل فيها وهو ميّت
.
حملة آل أبي طالب
ولما قُتل عبد الله بن مسلم، حمل آل أبي طالب حملة واحدة، فصاح بهم الحسينعليهالسلام
:«صبراً على الموت يا بني عمومتي، والله لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم»
، فوقع فيهم عون بن عبد الله بن جعفر الطيّار، واُمّه العقيلة زينب، وأخوه محمّد، واُمّه الخوصاء، وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب
، وأخوه جعفر
____________________________
ابن عقيل ومحمد بن مسلم بن عقيل
.
وأصابت الحسين المثنّى ابن الإمام الحسن السّبطعليهالسلام
ثمانية عشر جراحة وقُطعت يده اليمنى ولَم يستشهد.
وخرج أبو بكر ابن أمير المؤمنينعليهالسلام
واسمه محمد
قتله زحر بن بدر النخعي
.
وخرج عبد الله بن عقيل فما زال يضرب فيهم حتّى اُثخن بالجراح وسقط إلى الأرض، فجاء إليه عثمان بن خالد التميمي فقتله.
مـا الـعرب إلاّ سـماء لـلعلاء وما
|
|
أبـناء عـمرو الـعلى إلاّ دراريـها
|
فـلـلنبوّة تــاج فــي مـفارقها
|
|
ولـلإمـامة عـقـد فـي تـراقيها
|
حـليان لـيس سـواها تـحتلي بهما
|
|
شـتّـان عـاطل أجـياد وحـاليها
|
مـن شـيبة الحمد شبّان مشت مرحا
|
|
لـنصرة الـدِّين لا كـبراً ولا تـيها
|
بـسّامة الـثغر والأبـطال عـابسة
|
|
تـفتّر مـنها الـثنايا عـن لـئاليها
|
جـرت بـطوفان حرب في بواخرها
|
|
ومـــا بـواخـرها إلا مـذاكـيها
|
لَـو لَـم يـكن همّها نيل السّعادة ما
|
|
أبقت على الأرض شخصاً من أعاديها
|
لـيست تـبالي ولـلأسياف صلصلة
|
|
مـطّـبّق سـعّـة الـغبراء داويـها
|
ولـلرماح اصـطكاك فـي أسـنّتها
|
|
ولـلسهام اخـتلاف فـي مـراميها
|
ولـلرؤوس انـتثار عـن كـواهلها
|
|
ولـلصدور انـتظام فـي مجانيها
|
____________________________
القاسم وأخوه
وخرج أبو بكر بن الحسن بن أمير المؤمنينعليهالسلام
، وهو عبد الله الأكبر، واُمّه اُمّ ولد
يقال لها رملة
، فقاتل حتّى قُتل
.
وخرج من بعده أخوه لاُمّه وأبيه القاسم
، وهو غلام لَم يبلغ الحلم، فلمّا نظر إليه الحسينعليهالسلام
اعتنقه وبكى
ثمّ أذن له، فبرز كأنّ وجهه شقّة قمر
وبيده السّيف وعليه قميص وإزار وفي رجلَيه نعلان، فمشى يضرب بسيفه فانقطع شسع نعله اليسرى
- وأنف ابن النّبي الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم
أن يحتفي في الميدان - فوقف يشدّ شسع نعله
وهو لا يزن الحرب إلاّ بمثله غير
____________________________
مكترث بالجمع ولا مبال بالاُلوف.
أهـوى يـشدّ حـذاءه
|
|
والحرب مشرعة لأجله
|
لـيسومها مـا إن غلت
|
|
هـيجاؤها بشراك نعله
|
مـتـقلداً صـمـصامه
|
|
مـتفّيئاً بـظلال نصله
|
لا تـعـجبنّ لـفـعله
|
|
فـالفرع مرتهن بأصله
|
الـسُّحْبُ يـخلفها الحيا
|
|
والليث منظور بشبله
|
وبينا هو على هذا إذ شدّ عليه عمرو بن سعد بن نُفيل الأزدي، فقال له حميد بن مسلم: وما تريد من هذا الغلام؟ يكفيك هؤلاء الذين تراهم احتوشوه. فقال: والله لأشدنّ عليه. فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسّيف، فوقع الغلام لوجهه فقال: يا عمّاه! فأتاه الحسين كالليث الغضبان، فضرب عمراً بالسّيف فاتّقاه بالسّاعد فأطنّها
من المرفق، فصاح صيحةً عظيمةً سمعها العسكر، فحملت خيل ابن سعد لتستنقذه، فاستقبلته بصدرها ووطأته بحوافرها فمات. وانجلت الغبرة وإذا الحسينعليهالسلام
قائم على رأس الغلام وهو يفحص برجليه. والحسينعليهالسلام
يقول:«بُعداً لقوم قتلوك! خصمهم بوم القيامة جدّك»
، ثمّ قال:«عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثمّ لا ينفعك، صوتٌ والله كثر واتره وقلَّ ناصره».
ثمّ احتمله وكان صدره على صدر الحسينعليهالسلام
ورجلاه يخطّان في الأرض، فألقاه مع علي الأكبر وقتلى حوله من أهل بيته
، ورفع طرفه إلى السّماء وقال:«اللهمّ أحصهم عدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً، صبراً يا بني عمومتي، صبراً يا أهل بيتي، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً»
.
ناهيك بالقاسم بن المجتبى حسن
|
|
مزاول الحرب لم يعبأ بما فيها
|
كـأنَّ بـيض مـواضيها تكلِّمه
|
|
غـيدٌ تـغازله مـنها غوانيها
|
كـأنّ سمر عواليها كؤوس طلا
|
|
تـزفّها راح سـاقيها لـحاسيها
|
____________________________
لَو كان يحذر بأساً أو يخاف وغيً
|
|
ما انصاع يصلح نعلاً وهو صاليها
|
أمـامه مـن أعـاديه رمال ثرى
|
|
مـن فـوق أسـفلها ينهال عاليها
|
مـا عممت بارقات البيض هامته
|
|
فـاحمرّ بـالأبيض الهنديّ هاميها
|
إلا غـداة رأتـه وهـو في سنةٍ
|
|
عـن الكفاح غفول النفس ساهيها
|
وتـلك غـفوة ليث غير مكترث
|
|
مـا نـاله السّيف إلاّ وهو غافيها
|
فـخرّ يدعو، فلبّى السّبط دعوته
|
|
فـكان مـا كـان منه عند داعيها
|
فـقلّ به الأشهب البازي بين قطا
|
|
قـد لـفَّ اولـها فـتكاً بـتاليها
|
جـنى ولكن رؤوس الشوس يانعة
|
|
ومـا سـوى سـيفه البتار جانيها
|
حـتّى إذا غـصّ بالبتّار أرحبها
|
|
وفـاض مـن علق البتّار واديها
|
تـقشّعت ظـلمات الخيل ناكصة
|
|
فـرسانها عنه وانجابت غواشيها
|
وإذ بـه حـاضن في صدره قمراً
|
|
يـزين طـلعته الـغرّاء دامـيها
|
وافـى به حاملاً نحو المخيم والآ
|
|
مـاق فـي وجـهه حمر مجانيها
|
تخطّ رجلاه في لوح الثرى صحفاً
|
|
الـدمع مـنقطها والـقلب تـاليها
|
آه عـلى ذلـك البدر المنير محا
|
|
بـالخسف غـرّته الغراء ماحيها
|
إخوة العبّاسعليهالسلام
ولما رأى العبّاسعليهالسلام
كثرة القتلى من أهله قال لإخوته من اُمّه وأبيه، عبد الله وعثمان وجعفر: تقدّموا يا بني اُمّي حتّى أراكم نصحتم لله ولرسوله. والتفت إلى عبد الله وكان أكبر من عثمان وجعفر وقال: تقدّم يا أخي حتّى أراك قتيلاً وأحتسبك
. فقاتلوا بين يدَي أبي الفضل حتّى قُتلوا بأجمعهم.
نـعما قـرابين الألـه
|
|
مـجزّرين على الفرات
|
خـير الهداية أن يكون
|
|
الـهدي من زمر الهداة
|
من بعد ما قضوا الصلاة
|
|
قضوا فداءاً للصلاة
|
____________________________
شهادة العبّاسعليهالسلام
ولَم يستطع العبّاس صبراً على البقاء بعد أنْ فُني صحبُه وأهلُ بيته، ويرى حُجّة الوقت مكثوراً قد انقطع عنه المدد، وملأ مسامعه عويل النّساء وصراخ الأطفال من العطش، فطلب من أخيه الرخصة، ولمّا كان العبّاسعليهالسلام
أنفس الذخائر عند السّبط الشهيدعليهالسلام
؛ لأنّ الأعداء تحذر صولته وترهب إقدامه، والحرم مطمئنّة بوجوده مهما تنظر اللواء مرفوعاً، فلَم تسمح نفس أبي الضيم القدسيّة بمفارقته فقال له:«يا أخي أنت صاحب لوائي»
. قال العبّاس: قد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين واُريد أنْ آخذ ثأري منهم، فأمره الحسينعليهالسلام
أنْ يطلب الماء للأطفال، فذهب العبّاس إلى القوم ووعظهم وحذّرهم غضب الجبّار، فلَم ينفع. فنادى بصوت عالٍ: يا عمر بن سعد، هذا الحسين ابن بنت رسول الله قد قتلتم أصحابه وأهل بيته، وهؤلاء عياله وأولاده عطاشى، فاسقوهم من الماء قد أحرق الظما قلوبهم، وهو مع ذلك يقول: دعوني أذهب إلى الروم أو الهند واُخلي لكم الحجاز والعراق. فأثّر كلامه في نفوس القوم حتّى بكى بعضهم، ولكنّ الشمر صاح بأعلى صوته: يابن أبي تراب، لو كان وجه الأرض كلّه ماء وهو تحت أيدينا، لَما سقيناكم منه قطرة، إلاّ أنْ تدخلوا في بيعة يزيد.
فرجع إلى أخيه يخبره، فسمع الأطفال يتصارخون من العطش
فلَم تتطامن نفسه على هذا الحال، وثارت به الحميّة الهاشميّة:
يـوم أبـو الفضل تدعو الظاميات به
|
|
والـماء تـحت شـبا الـهنديّة الخذم
|
والخيل تصطكُّ والزغف الدلاص على
|
|
فـرسانها قـد غـدت ناراً على علم
|
وأقـبل الـليث لا يـلويه خوف ردى
|
|
بــادي الـبشاشة كـالمدعوّ لـلنعم
|
يـبدو فـيغدو صـميم الجمع منقسماً
|
|
نـصفَين ما بين مطروح ومنهزم
|
____________________________
ثمّ إنّه ركب جواده و أخذ القربة، فأحاط به أربعة آلاف ورموه بالنّبال فلَم ترعه كثرتهم، وأخذ يطرد اُولئك الجماهير وحده ولواء الحمد يرفّ على رأسه، ولَم يشعر القوم أهو العبّاس يجدل الأبطال أم أنّ الوصي يزأر في الميدان؟! فلم تثبت له الرجال، ونزل إلى الفرات مطمئنّاً غير مبال بذلك الجمع.
ودمـدم لـيث الـغاب يعطو بسالة
|
|
إلى الـماء لم يكبر عليه ازدحامها
|
وخـاض بـها بـحرا يرفُّ عبابه
|
|
ضـبا ويـد الأقـدار جالت سهامها
|
ألـمت بـه سـوداء يحْطف برقها
|
|
الـبصائر من رعب و يعلو قتامها
|
جـلاها بـمشحوذ الـغرارين أبلج
|
|
يــدبُّ بـه لـلدارعين حـمامها
|
فـحلّأها عـن جـانب النهر عنوة
|
|
وولّـت هـواديها يـصلُّ لـجامها
|
ثنى رجله عن صهوة المهر وامتطى
|
|
قـرى الـنهر واحتلَّ السقاء همامها
|
وهـبّ إلى نـحو الخيام مشمّراً
|
|
لـريِّ عطاشى قد طواها اوامها
|
ولما اغترف من الماء ليشرب، تذكّر عطش الحسين ومَن معه، فرمى الماء
وقال:
يا نفس من بعد الحسين هوني
|
|
وبـعده لا كـنت أن تكوني
|
هـذا الـحسين وارد المنون
|
|
وتـشـربين بـارد الـمعين
|
تالله ما هذا فعال ديني
ثمّ ملأ القربة وركب جواده وتوجّه نحو المخيّم، فقُطع عليه الطريق، وجعل يضرب حتّى أكثر القتل فيهم وكشفهم عن الطريق وهو يقول:
لا أرهب الموت إذا الموت زقا
|
|
حتّى اُوارى في المصاليت لقى
|
____________________________
فإنّ تلك بهراة تزقو فقد ازقبت بالمردين هاما
نفسي لسبط المصطفى الطهر وقى
|
|
إني أنا العبّاس أغدو بالسقا
|
ولا أخاف الشرَّ يوم الملتقى
فكمِن له زيد بن الرقاد الجهني من وراء نخلة وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي، فضربه على يمينه فبرأها فقالعليهالسلام
:
والله إنْ قـطعتُمُ يـميني
|
|
إني أُحامي ابداً عن ديني
|
وعـن إمام صادق اليقين
|
|
نجل النبيِّ الطاهر الأمين
|
فلَم يعبأ بيمينه بعد أنْ كان همّه إيصال الماء إلى أطفال الحسينعليهالسلام
وعياله، ولكن حكيم بن الطفيل كمِن له من وراء نخلة فلمّا مرّ به ضربه على شماله فقطعها
وتكاثروا عليه، وأتته السّهام كالمطر، فأصاب القربة سهم واُريق ماؤها، وسهم أصاب صدره
، وضربه رجل بالعمود على رأسه ففلق هامته.
وهوى بجنب العلقميِّ فليته
|
|
للشاربين به يداف العلقم
|
وسقط على الأرض ينادي: عليك منّي السّلام أبا عبد الله. فأتاه الحسينعليهالسلام
وليتني علمت بماذا أتاه أبحياة مستطارة منه بهذا الفادح الجلل أم بجاذب من الاُخوّة إلى مصرع صنوه المحبوب؟!
نعم حصل الحسينعليهالسلام
عنده وهو يبصر قربان القداسة فوق الصعيد قد غشيته الدماء وجللته النّبال، فلا يمين تبطش ولا منطق يرتجز ولا صولة ترهب ولا عين تبصر، ومرتكز الدماغ على الأرض مبدد. أصحيح أنّ الحسينعليهالسلام
ينظر إلى هذه الفجائع ومعه حياة ينهض بها؟ لَم يبقَ الحسينعليهالسلام
بعد أبي الفضل إلاّ هيكلاً شاخصاً معرّى عن لوازم الحياة، وقد أعرب
____________________________
سلام الله عليه عن هذا الحال بقوله:«الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي»
.
وبـان الانكسار في جبينه
|
|
فـاندكّت الجبال من حنينه
|
وكيف لا وهو جمال بهجته
|
|
وفـي محياه سرور مهجته
|
كـافل أهله وساقي صبيته
|
|
وحامل اللوا بعالي همته
|
وتركه في مكانه؛ لسرّ مكنون أظهرته الأيام، وهو أن يدفن في موضعه منحازاً عن الشهداء؛ ليكون له مشهد يقصد بالحوائج والزيارات، وبقعة يزدلف إليها النّاس، وتتزلف إلى المولى سبحانه تحت قبّته التي ضاهت السّماء رفعة وسناء، فتظهر هنالك الكرامات الباهرة وتعرف الاُمّة مكانته السّامية ومنزلته عند الله تعالى، فتؤدّي ما وجب عليهم من الحبّ المتأكّد والزيارات المتواصلة، ويكونعليهالسلام
حلقة الوصل فيما بينهم وبين الله تعالى. فشاء حجّة الوقت أبو عبد اللهعليهالسلام
كما شاء المهَيمن سبحانه أنْ تكون منزلة أبي الفضل الظاهريّة شبيهة بالمنزلة المعنويّة الاُخرويّة، فكان كما شاءا وأحبّا.
ورجع الحسينعليهالسلام
إلى المخيّم منكسراً حزيناً باكياً يكفكف دموعه بكُمّه، وقد تدافعت الرجال على مخيّمه فنادى:«أما من مغيث يغيثنا؟ أما من مجير يجيرنا؟ أما من طالب حقّ ينصرنا؟ أما من خائف من النّار فيذبّ عنّا؟»
فأتته سكينة وسألته عن عمّها، فأخبرها بقتله. وسمعته زينب فصاحت: وآ أخاه! وآ عبّاساه! وآ ضيعتنا بعدك! وبكين النّسوة وبكى الحسين معهنّ وقال:«وآ ضيعتنا بعدك!»
نـادى وقـد مـلأ البوادي صيحة
|
|
صـمُّ الـصخور لـهولها تـتألم
|
أاُخـيُّ مـن يـحمي بنات محمد
|
|
إذ صـرْنَ يسترحمْنَ مَن لا يرحم
|
مـا خلت بعدك أن تشلَّ سواعدي
|
|
وتـكفَّ بـاصرتي وظهري يقصم
|
لـسواك يـلطم بـالأكفِّ وهـذه
|
|
بـيض الظبى لك في جبيني تلطم
|
ما بين مصرعك الفظيع ومصرعي
|
|
إلاّ كـمـا أدعـوك قـبل وتـنعم
|
هـذا حـسامك مَن يذلُّ به العدى
|
|
ولــواك هـذا مَـن بـه يـتقدّم
|
____________________________
هوّنت يابن أبي مصارع فـتيتي
|
|
والـجراح يسكنه الذي هو أألم
|
فـأكبَّ مـنحنياً عـليه ودمعه
|
|
صـبغ الـبسيط كأنَّما هو عندم
|
قـد رام يـلثمه فلم يرَ موضعاً
|
|
لَـم يدمه عضُّ السلاح فيلثم
|
سيّد الشهداءعليهالسلام
في الميدان
ولما قُتل العبّاس التفت الحسينعليهالسلام
، فلم يرَ أحداً ينصره، ونظر إلى أهله وصحبه مجزّرين كالأضاحي، وهو إذ ذاك يسمع عويل الأيامى وصراخ الأطفال صاح بأعلى صوته:«هل من ذابّ عن حرم رسول الله؟ هل من موحّد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟»
فارتفعت أصوات النّساء بالبكاء
.
ونهض السّجادعليهالسلام
يتوكّأ على عصا ويجرّ سيفه؛ لأنّه مريض لا يستطيع الحركة. فصاح الحسين باُمّ كلثوم:«احبسيه؛ لئلاّ تخلو الأرض من نسل آل محمّد».
فأرجعته إلى فراشه
.
ثمّ إنّهعليهالسلام
أمر عياله بالسّكوت وودّعهم، وكان عليه جبّة خز دكناء
وعمامة مورَّدة أرخى لها ذوابتين، والتحف ببردة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وتقلّد بسيفه
، وطلب ثوباً لا يرغب فيه أحد يضعه تحت ثيابه؛ لئلاّ يجرّد منه فإنّه مقتول مسلوب، فأتوه بتبان
فلَم يرغب فيه؛ لأنّه من لباس الذلّة
، وأخذ ثوباً خلقاً
____________________________
وخرّقه وجعله تحت ثيابه
، ودعا بسراويل حبرة، ففزرها ولبسها؛ لئلاّ يسلبها
.
الرضيع
ودعا بولده الرضيع يودّعه، فأتته زينب بابنه عبد الله
واُمّه الرباب فأجلسه في حجره يقبّله
ويقول:«بُعداً لهؤلاء القوم إذا كان جدّك المصطفى خصمهم»
. ثمّ أتى به نحو القوم يطلب له الماء، فرماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه، فتلقّى الحسينعليهالسلام
الدم بكفّه، ورمى به نحو السّماء. قال أبو جعفر الباقرعليهالسلام
:«فلَم تسقط منه قطرة»
. وفيه يقول حُجّة آل محمّد (عجّل الله فرجه):«السّلام على عبد الله الرضيع، المرمي الصريع المتشحط دماً، والمصعد بدمه إلى السّماء، المذبوح بالسّهم في حجر أبيه، لعن الله راميه حرملة بن كاهل الأسدي وذويه»
.
أعـزز عليَّ وأنت تحمل طفلـ
|
|
ـك الظامي وحرّ أوامه
لا يبرد
|
قد بحَّ من لفح الهجيرة صوته
|
|
بـمرنة مـنها يـذوب الجلمد
|
وقصدت نحو القوم تطلب منهم
|
|
ورداً ولـكن أين منك المورد
|
____________________________
والـقـوس طـوّق نـحره فـكأنه
|
|
خـيط الـهلال يـحلُّ فـيه الفرقد
|
وعـلى الـربية فـي الخيام نوائح
|
|
تـومي لـطفلك بـالشجى وتـردد
|
وربَّ رضـيـع أرضـعته قـسيهم
|
|
مـن الـنّبل ثـديا درُّه الثر فاطمه
|
فـلهفي لـه مـذ طوّق السّهم جيده
|
|
كـمـا زيـنته قـبل ذاك تـمائمه
|
هـفا لـعناق الـسّبط مبتسهم اللمى
|
|
وداعـا وهـل غـير العناق يلائمه
|
ولـهفي عـلى اُمّ الرضيع وقد دجى
|
|
عـليها الدجى والدوح نادت حمائمه
|
تـسلل فـي الـظلماء ترتاد طفلها
|
|
وقـد نـجمت بين الضحايا علائمه
|
فـمذ لاح سـهم النّحر ودّت لو أنّها
|
|
تـشاطره سـهم الـردى وتـساهمه
|
أقـلّـته بـالكفين تـرشف ثـغره
|
|
وتـلثم نـحراً قـبلها الـّسهم لاثمه
|
وأدنـتـه لـلنهدين ولـهى فـتارة
|
|
تـناغيه ألـطافا واُخـرى تـكالمه
|
بُنيّ أفق من سكرة الموت وارتضع
|
|
بـثدييك عـلّ الـقلب يـهدأ هائمه
|
بُـنيّ فـقد درًا وقـد كـضك الظما
|
|
فـعلّه يـطفي مـن غليلك ضارمه
|
بُـنيّ لـقد كـنت الأنيس لَو حشتي
|
|
وسلواي إذ يسطو من الهمّ غاشمه
|
ثمّ قال الحسينعليهالسلام
:«هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله تعالى
،اللهمّ لا يكون أهون عليك من فصيل، إلهي إنْ كنت حبستَ عنّا النّصر فاجعله لِما هو خير منه، وانتقم لنا من الظالمين
واجعل ما حلّ بنا في العاجل ذخيرة لنا في الآجل
اللهمّ أنت الشاهد على قوم قتلوا أشبه النّاس برسولك محمّد
صلىاللهعليهوآله
»
، وسمععليهالسلام
قائلاً يقول: دَعه يا حسين، فإنّ له مرضعاً في الجنّة
. ثمّ نزلعليهالسلام
عن فرسه وحفر له بجفن سيفه ودفنه مرمّلاً بدمه وصلّى عليه
، ويقال وضعه مع قتلى أهل بيته
.
____________________________
لـهـفي عـلى أبـيه إذ رآه
|
|
غـارت لـشدّة الـظما عيناه
|
ولَـم يـجد شربة ماء للصبي
|
|
فـساقه الـتقدير نـحو الطلب
|
وهـو على الأبي أعظم الكرب
|
|
فكيف بالحرمان من بعد الطلب
|
من دمه الزاكي رمي نحو السما
|
|
فـما أجـلّ لـطفه وأعـظما
|
لَـو كـان لَـم يـرم به إليها
|
|
لـساخت الأرض بـمَن عليها
|
فاحمرّت السّماء من فيض دمه
|
|
ويـل مـن الله لـهم من نقمه
|
وكـيف حـال اُمّه حيث ترى
|
|
رضـيعها جرى عليه ما جرى
|
غـادرهـا كـالدرّة الـبيضاء
|
|
وعــاد كـالياقوتة الـحمراء
|
حـنّت عـليه حـنّة الفصيل
|
|
بـكته بـالإشراق والأصـيل
|
لـهفي لـها إذ تندب الرضيعا
|
|
نـدباً يـحاكي قـلبها الوجيعا
|
تـقول يـا بـني يـا مؤملي
|
|
يا منتهى قصدي وأقصى أملي
|
جـفّ الرضاع حين عزّ الماء
|
|
أصـبحت لا مـاء ولا كـلاء
|
فـساقك الظما إلى ريّ الردى
|
|
كـأنّما ريّـك فـي سهم العدى
|
يـا مـاء عـيني وحياة قلبي
|
|
مـن لـبلائي وعـظيم كربي
|
رجوت أن تكون لي نِعم الخلف
|
|
وسلوة لي عن مصابي بالسّلف
|
مـا خِـلت أنّ الـسّهم للفطام
|
|
حتّى أرتني جهرة أيامي
|
وتقدّم الحسينعليهالسلام
نحو القوم مصلتاً سيفه، آيساً من الحياة، ودعا النّاس إلى البراز، فلم يزل يقتل كلّ مَن برز إليه حتّى قَتل جمعاً كثيراً
ثمّ حمل على الميمنة وهو يقول:
الموت أولى من ركوب العار
|
|
والعار أولى من دخول النّار
|
وحمل على الميسرة وهو يقول:
أنا الحـسين بـن علي
|
|
آلـيتُ أنْ لا أنـثـني
|
____________________________
أحمي عيالات أبي
|
|
أمضي على دين النّبي
|
قال عبد الله بن عمّار بن يغوث: ما رأيت مكثوراً قط، قد قُتل ولده وأهل بيته وصحبه، أربط جأشاً منه ولا أمضى جناناً ولا أجرأ مقدماً، ولقد كان الرجال تنكشف بين يدَيه إذا شدّ فيها ولَم يثبت له أحد
.
فصاح عمر بن سعد بالجمع: هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب، احملوا عليه من كلّ جانب. فأتته أربعة آلاف نبلة
، وحال الرجال بينه وبين رحله، فصاح بهم:«يا شيعة آل أبي سفيان، إنْ لَم يكن لكم دين وكنتم ولا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم إنْ كنتم عرباً، كما تزعمون»
. فناداه شمر: ما تقول يابن فاطمة؟ قال:«أنا الذي اُقاتلكم، والنّساء ليس عليهنّ جناح، فامنعوا عتاتكم عن التعرّض لحرمي ما دمتُ حيّاً».
قال اقصدوني بنفسي و اتركوا حرمي
|
|
قد حان حيني و قد لاحت لوائحه
|
فقال الشمر: لك ذلك.
وقصده القوم واشتد القتال وقد اشتدّ به العطش
، فحمل من نحو الفرات على عمرو بن الحَجّاج، وكان في أربعة آلاف، فكشفهم عن الماء وأقحم الفرس الماء فلمّا همَّ الفرس ليشرب قال الحسينعليهالسلام
:«أنت عطشان وأنا عطشان، فلا أشرب حتّى تشرب».
فرفع الفرس رأسه كأنّه فهم الكلام، ولمّا مدّ الحسينعليهالسلام
يده ليشرب ناداه رجل: أتلتذّ بالماء وقد هُتكت حرمك؟! فرمى الماء ولَم يشرب، وقصد الخيمة
.
____________________________
يروي الثرى بدمائهم وحشاه من
|
|
ظـمأ تـطاير شـعلة قطعاتها
|
لَـو قـلبت من فوق غلّة قلبه
|
|
صمّ الصفا ذابت عليه صفاتها
|
تـبكي السّماء له دماً أفلا بكت
|
|
مــاء لـغلّة قـلبه قـطراتها
|
وآ حـرّ قلبي يابن بنت محمّد
|
|
لك والعدى بك أنجحت طلباتها
|
منعتك من نيل الفرات فلا هنا
|
|
لـلنّاس بعدك نِيلها وفراتها
|
الوداع الثاني
ثمّ إنّهعليهالسلام
ودّع عياله ثانياً، وأمرهم بالصبر ولبس الأزر وقال:«استعدّوا للبلاء، واعلموا أنّ الله تعالى حاميكم وحافظكم، وسينجيكم من شرّ الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويعذِّب عدوّكم بأنواع العذاب، ويعوّضكم عن هذه البليّة بأنواع النّعم والكرامة، فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم»
.
حقاً لو قيل بأنّ هذا الموقف من أعظم ما لا قاه سيّد الشهداء في هذا اليوم
؛ فإنّ عقائل النبوّة تشاهد عماد أخبيتها وسياج صونها وحمى عزّها ومعقد شرفها مؤذناً بفراق لا رجوع بعده، فلا يدرين بمَن يعتصمن من عادية الأعداء، وبمَن
____________________________
العزاء بعد فقده. فلا غرو إذا اجتمعن عليه وأحطن به وتعلّقن بأطرافه، بين صبيّ يئنّ، ووالهة أذهلها المصاب، وطفلة تطلب الأمن، واُخرى تنشد الماء. إذاً فما حال سيّد الغيارى ومثال الحنان وهو ينظر بعلمه الواسع إلى ودائع الرسالة وحرائر بيت العصمة، وهنّ لا يعرفن إلاّ سجف العزّ وحجب الجلال، كيف يتراكضن في هذه البيداء المقفرة بعولة مشجية، وهتاف يفطّر الصخر الأصمّ وزفرات متصاعدة من أفئدة حرّى، فإنْ فررن فعن السّلب، وإنْ تباعدن فمن الضرب. ولا محام لهن غير الإمام الذي أنهكته العلّة
فلو أنّ أيّوباً رأى بعض ما رأى
|
|
لقال بلى هذا العظيمة بلواه
|
أمّا عقيلة بني هاشم زينب الكبرى فإنّها تبصر هذا وذاك فتجد عروة الدِّين الوثقى عرضة للانفصام، وحبل النبوّة آيلاً إلى الانصرام، ومنار الشريعة إلى الخمود، وشجرة الإمامة إلى الذبول.
تنعى ليوث البأس من فتيانها
|
|
وغـيوثها إنْ عمّت البأساء
|
تبكيهُمُ بدم فقل بالمهجة الحرا
|
|
تـسـيل الـعبرة الـحمراء
|
حـنّت ولكنَّ الحنين بكا وقد
|
|
ناحت ولكنّ نوحها ايماء
|
والتفت الحسينعليهالسلام
إلى ابنته سكينة، التي يصفها للحسن المثنّى بأنّ الاستغراق مع الله غالب عليها، فرآها منحازة عن النّساء باكية نادبة، فوقف عليها مصبّراً ومسلياً، ولسان حاله يقول:
هـذا الـوادع عزيزتي والملتقى
|
|
يـوم الـقيامة عند حوض الكوثر
|
فـدعي الـبكاء ولـلأسار تهيّأي
|
|
واستشعري الصبر الجميل وبادري
|
وإذا رأيـتيني عـلى وجه الثّرى
|
|
دامي الوريد مبضّعاً فتصبّري
|
فقال عمر بن سعد: ويحكم اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه، والله إنْ فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم. فحملوا عليه يرمونه بالسّهام حتّى تخالفت السّهام بين أطناب المخيّم وشكّ سهم بعض اُزر النّساء، فدهشنَ وارعبنَ وصحن ودخلن الخيمة، ينظرن إلى الحسينعليهالسلام
كيف يصنع، فحمل عليهم
____________________________
كالليث الغضبان فلا يلحق أحداً إلاّ بعجه بسيفه فقتله، والسّهام تأخذه من كلّ ناحية وهو يتّقيها بصدره ونحره
.
ورجع إلى مركزه يُكثر من قول لا حول ولا قوة إلاّ بالله العظيم
. وطلب في هذه الحال ماءاً فقال الشمر: لا تذوقه حتّى ترد النّار. وناداه رجل: ياحسين ألا ترى الفرات كأنّه بطون الحيّات؟ فلا تشرب منه حتّى تموت عطشاً فقال الحسينعليهالسلام
:«اللهمّ أمِته عطشاً»
. فكان ذلك الرجل يطلب الماء فيؤتى به فيشرب حتّى يخرج من فيه، وما زال كذلك إلى ان مات عطشاً
.
ورماه أبو الحتوف الجعفي بسهم في جبهته فنزعه وسالت الدماء على وجه فقال:«اللهمّ إنّك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة، اللهمّ أحصهم عدداً واقتلهم بدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً».
وصاح بصوت عال:«يا اُمّة السّوء، بئسما خلفتم محمّداً في عترته، أما إنّكم لا تقتلون رجلاً بعدي فتهابون قتله، بل يهون عليكم ذلك عند قتلكم إيّاي. وأيمَ الله، إنّي لأَرجو أنْ يكرمني الله بالشهادة، ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون».
فقال الحصين: وبماذا ينتقم لك منّا يابن فاطمة؟ قالعليهالسلام
:«يلقي بأسكم بينكم، ويسفك دماءكم، ثمّ يصبّ عليكم العذاب صبّا»
.
ولمّا ضعف عن القتال، وقف يستريح، فرماه رجل بحجر على جبهته، فسال الدم على وجهه، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن عينيه، رماه آخر بسهم محدّد له ثلاث شعب وقع على قلبه فقالعليهالسلام
:«بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله»
ورفع رأسه إلى السّماء وقال:«إلهي إنّك تعلم أنّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن بنت نبيّ غيري».
____________________________
ثمّ أخرج السّهم من قفاه وانبعث الدم كالميزاب
، فوضع يده تحت الجرح فلمّا امتلأت رمى به نحو السّماء وقال:«هوّن عليَّ ما نزل بي، أنّه بعين الله».
فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض.
. ثمّ وضعها ثانياً فلمّا امتلأت، لطخ به رأسه ووجهه ولحيته وقال:«هكذا أكون حتّى ألقى الله وجدّي رسول الله
صلىاللهعليهوآله
وأنا مخضّب بدمي، واقول: يا جدّي قتلني فلان وفلان»
.
فـهوى بـضاحية الـهجير ضـريبة
|
|
تـحت الـسّيوف لـحدّها الـمسنون
|
وقـفت لـه الأفـلاك حـين هـويه
|
|
وتـبـدّلـت حـركـاتها بـسـكون
|
وبـها نـعاه الـروح يـهتف منشداً
|
|
عـن قـلب والـهة بـصوت حزين
|
أضـمير غـيب الله كـيف لك القنا
|
|
نـفـذت وراء حـجـابه الـمخزون
|
وتـصكّ جـبهتك الـسّيوف وإنّـها
|
|
لَــو لا يـمينك لَـم تـكن لـيمين
|
ما كنت حين صرعت مضعوف القوى
|
|
فـاقول لـم تـرفد بـنصر مـعين
|
أمــا وشـيـبتك الـخضيبة إنّـها
|
|
لأبـــرّ كــل إلـيـة ويـمـين
|
لـو كـنت تـستام الحياة لا رخصت
|
|
مـنـها لـك الأقـدار كـلّ ثـمين
|
أو شـئت مـحو عداك حتّى لا يُرَى
|
|
مـنهم عـلى الـغبراء شخص قطين
|
لاخــذت آفــاق الـبلاد عـليهمُ
|
|
وشـحنت قـطَّريها بـجيش مـنون
|
حـتى بـها لـم تـبق نـافخ ضرمة
|
|
مـنـهم بـكـلّ مـفاوز وحـصون
|
لـكن دعـتك لـبذل نـفسك عصبة
|
|
حــان انـتشار ضـلالها الـمدفون
|
فـرأيـت أنَّ لـقـاء ربـك بـاذلا
|
|
لـلنفس أفـضل مـن بـقاء ضنين
|
فـصبرت نـفسك حيث تلتهب الظّبى
|
|
ضـرباً يـذيب فـؤاد كـل رزيـن
|
والـحرب تـطحن شـوسها برحاتها
|
|
والـرعب يـلهم حـلم كـل رصين
|
والـسّمر كـالاضلاع فـوقك تنحني
|
|
والـبيض تـنطبق انـطباق جـفون
|
وقـضيت نـحبك بـين اظهر معشر
|
|
حُـمِلوا بـأخبث اظـهر وبطون
|
وأعياه نزف الدم فجلس على الأرض ينوء برقبته، فانتهى إليه في هذا الحال مالك بن النّسر فشتمه، ثمّ ضربه بالسّيف على رأسه، وكان عليه برنس فامتلأ
____________________________
البرنس دما فقال الحسينعليهالسلام
:«لا أكلت بيمينك ولا شربت، وحشرك الله مع الظالمين»
. ثمّ ألقى البرنس واعتمّ على القلنسوة
.
محمّد بن أبي سعيد
قال هاني بن ثبيت الحضرمي: إنّي لَواقف عاشر عشرة لمّا صُرع الحسين، إذ نظرت إلى غلام من آل الحسين عليه إزار وقميص وفي اُذنيه درّتان، وبيده عمود من تلك الأبنية، وهو مذعور يتلفّت يميناً وشمالاً، فأقبل رجل يركض حتّى إذا دنا منه مال عن فرسه وعلاه بالسّيف فقتله، فلمّا عيب عليه، كنّى عن نفسه
. وذلك الغلام هو محمّد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب
وكانت اُمّه تنظر إليه وهي مدهوشة
.
عبد الله بن الحسن
ثمّ إنّهم لبثوا هُنيئة وعادوا إلى الحسينعليهالسلام
وأحاطوا به، وهو جالس على الأرض لا يستطيع النّهوض فنظر عبد الله بن الحسن السّبطعليهالسلام
- وله إحدى عشرة سنة - إلى عمّه وقد أحدق به القوم، فأقبل يشتدّ نحو عمّه، وأرادت زينب حبسه فأفلت منها وجاء إلى عمّه، وأهوى بحر بن كعب بالسّيف ليضرب الحسينعليهالسلام
فصاح الغلام: يابن الخبيثة أتضرب عمّي؟ فضربه واتّقاها الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد، فإذا هي معلّقة فصاح الغلام: يا عمّاه! ووقع في حجر الحسينعليهالسلام
فضمّه إليه وقال:«يابن أخي اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير، فإنّ الله تعالى يلحقك بآبائك الصالحين»
. ورفع يدَيه قائلاً:«اللهم ان متعتهم إلى حين ففرقهم
____________________________
تفريقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضِ الولاة عنهم أبداً، فإنّهم دعونا لينصرونا، ثمّ عدوا علينا يقاتلونا»
.
ورمى الغلامَ حرملةُ بن كاهل بسهم فذبحه، وهو في حجر عمّه
.
وبقي الحسينعليهالسلام
مطروحاً مليّاً ولَو شاؤوا أنْ يقتلوه لفعلوا، إلاّ أنّ كلّ قبيلة تتّكل على غيرها وتكره الإقدام
.
وأصـبح مـشتجراً لـلرماح
|
|
تـحلّي الـدّما مـنه مـرّانها
|
عـفيراً مـتى عاينته الكماة
|
|
يـختطف الـرّعب ألـوانها
|
فـما أجلت الحرب عن مثله
|
|
صـريعاً يـجبّن شـجعانها
|
تـريب الـمحيا تـظنّ السما
|
|
بـأنّ عـلى الأرض كيوانها
|
غريباً أرى يا غريب الطّفوف
|
|
تـوسـد خـدّيـك كـثبانها
|
وقـتلك صـبراً بـأيدٍ أبوك
|
|
ثـنـاها وكـسّـر أوثـانها
|
أتقضي فداك حشا العالمين
|
|
خـميص الحشاشة ظمآنها
|
فصاح الشمر: ما وقوفكم؟ وما تنتظرون بالرجل، وقد أثخنته السّهام والرماح؟ احملوا عليه
.
وآ أسـفـاه حـمـلوا عـليه
|
|
مـن كـلّ جـانب أتوا إإليه
|
قـد ضـربوا عاتقه المطهّرا
|
|
بضربةٍ كبا لها على الثرى
|
وضربه زرعة بن شريك على كتفه الأيسر، ورماه الحصين في حلقه
، وضربه آخر على عاتقه، وطعنه سنان بن أنس في ترقوته، ثمّ في بواني صدره، ثمّ رماه بسهم في نحره
، وطعنه صالح بن وهب في جنبه
.
____________________________
قال هلال بن نافع كنت واقفاً نحو الحسين وهو يجود بنفسه، فوالله ما رأيت قتيلاً قطّ مضمّخاً بدمه أحسن منه وجهاً ولا أنور، ولقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله. فاستقى في هذه الحال ماء فأبوا ان يسقوه.
وقال له رجل: لا تذوق الماء حتّى ترد الحامية فتشرب من حميمها. فقالعليهالسلام
:«أنا أرد الحامية؟! وإنّما أرد على جدّي رسول الله وأسكن معه في داره في مقعد صدق عند مليك مقتدر وأشكو إليه ما ارتكبتم منّي وفعلتم بي».
فغضبوا بأجمعهم حتّى كأنّ الله لَم يجعل في قلب أحدهم من الرحمة شيئاً
.
فـلو أنَّ أحمد قد رآك على الثرى
|
|
لـفرشنَ مـنه لـجسمك الاحشاء
|
أو بالطّفوف رأت ظماك سقتك من
|
|
مــاء الـمدامع اُمّـك الـزهراء
|
يـا لـيت لا عذب الفرات لوارد
|
|
وقـلـوب ابـناء الـنبيِّ ظـماء
|
كـم حـرّة نـهب الـعدى أبياتها
|
|
وتـقـاسمت أحـشـاءها الأرزاء
|
تـعدو فـان عـادت عليها بالعدى
|
|
عـدو الـعوادي الـجرد والأعداء
|
هـتـفت تـثير كـفيلَها وكـفيلُها
|
|
قد ارمضته في الثرى الرمضاء
|
الدعاء
ولمّا اشتدّ به الحال رفع طرفه إلى السّماء وقال:«اللهمّ متعال المكان عظيم الجبروت، شديد المحال غني عن الخلائق، عريض الكبرياء قادر على ما تشاء، قريب الرحمة صادق الوعد سابغ النعمة، حسن البلاء قريب إذا دُعيت محيط بما خَلقت، قابل التوبة لمَن تاب إليك، قادر على ما أردت تدرك ما طلبت، شكور إذا شُكرت ذكور إذا ذُكرت، أدعوك محتاجاً وأرغب إليك فقيراً، وأفزع إليك خائفاً وأبكي مكروباً، واستعين بك ضعيفاً وأتوكّل عليك كافياً، اللهمّ احكم بيننا وبين قومنا فإنّهم غرّونا وخذلونا وغدروا بنا وقتلونا، ونحن عترة نبيّك وولد حبيبك محمّد
صلىاللهعليهوآله
الذي اصطفيته بالرسالة وائتمنته على الوحي، فاجعل لنا من أمرنا فرَجاً ومخرجاً، يا أرحم الراحمين»
.
____________________________
«صبراً على قضائك يا ربّ، لا إله سواك يا غياث المستغيثين
،مالي ربّ سواك ولا معبود غيرك، صبراً على حكمك، يا غياث مَن لا غياث له يا دائماً لا نفاد له، يا محيي الموتى، يا قائماً على كلّ نفس بما كسبت، احكم بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين»
.
فـإنْ يـكُ إسـماعيل أسـلم نـفسه
|
|
إلى الذّبح في حجر الذي هو راحمه
|
فـعـاد ذبـيح الله حـقاً ولـم تـكن
|
|
تـصافحه بـيض الـظّبي وتـسالمه
|
فـان حـسيناً أسـلم الـنفس صابراً
|
|
عـلى الذبح في سيف الذي هو ظالمه
|
ومـن دون ديـن الله جـاد بـنفسه
|
|
وكـلّ نـفيس كـي تُـشاد دعـائمه
|
ورضَّـت قـراه الـعاديات وصدره
|
|
وسيقت على عجف المطايا كرائمه
|
الجواد
وأقبل الفرس يدور حوله ويلطّخ ناصيته بدمه
فصاح ابن سعد: دونكم الفرس؛ فإنّه من جياد خيل رسول اللهصلىاللهعليهوآله
. فأحاطت به الخيل، فجعل يرمح برجلَيه حتّى قتل أربعين رجلاً وعشرة أفراس. فقال ابن سعد: دعوه لننظر ما يصنع. فلمّا أمِن الطلب أقبل نحو الحسينعليهالسلام
يمرّغ ناصيته بدمه ويشمّه ويصهل صهيلاً عالياً
، قال أبو جعفر الباقرعليهالسلام
:«كان يقول: الظليمة، الظليمة، من اُمّة قتلتْ ابن بنت نبيّها»
. وتوجّه نحو المخيّم بذلك الصهيل
، فلمّا نظرن النّساء إلى الجواد مخزياً والسّرج عليه ملويّا خرجن من الخدور ناشرات الشعور، على الخدود لاطمات وللوجوه سافرات، وبالعويل داعيات، وبعد العزّ مذللات، وإلى مصرع الحسينعليهالسلام
مبادرات
.
فـواحـدة تـحنو عـليه تـضمّه
|
|
واُخـرى عـليهِ بـالرداء تـظلّل
|
____________________________
واُخرى بفيض النّحر تصبغ وجهها
|
|
واُخـرى تـفدّيه واُخـرى تـقبّل
|
واُخـرى عـلى خوفٍ تلوذ بجنبه
|
|
واُخرى لِما قد نالها ليس تعقل
|
ونادت اُم كلثوم زينب العقيلة: وآ محمداه! وآ أبتاه! وآ علياه! وآ جعفراه! وآ حمزتاه! هذا حسين بالعراء صريع بكربلاء
. ثمّ نادت: ليت السّماء اُطبقت على الأرض
! وليت الجبال تدكدكت على السّهل
! وانتهت نحو الحسينعليهالسلام
وقد دنا منه عمر بن سعد في جماعة من أصحابه، والحسين يجود بنفسه. فصاحت: أي عمر، أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟! فصرف بوجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته
. فقالت: ويحكم أما فيكم مسلم؟! فلَم يُجبها أحد
. ثمّ صاح ابن سعد بالنّاس: انزلوا إليه وأريحوه. فبدر إليه شمر فرفسه برجله، وجلس على صدره وقبض على شيبته المقدّسة وضربه بالسّيف اثنتى عشرة ضربة
واحتزّ رأسه المقدّس.
سلبه
وأقبل القوم على سلبه؛ فأخذ إسحاق بن حوية قميصه، وأخذ الأخنس بن مرثد بن علقمة الحضرمي عمامته، وأخذ الأسود بن خالد نعلَيه، وأخذ سيفه جميع بن الخلق الأودي، ويقال رجل من بني تميم اسمه الأسود بن حنظلة.
وجاء بجدل فرأى الخاتم في إصبعه والدماء عليه فقطع اصبعه وأخذ الخاتم، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته
، وكان يجلس عليها فسمّي قيس قطيفة
، وأخذ ثوبه الخلق جعونة بن حوية الحضرمي، وأخذ القوس والحلل الرحيل بن
____________________________
خيثمة الجعفي وهاني بن شبيب الحضرمي وجرير بن مسعود الحضرمي
، وأراد رجل منهم أخذ تكّة سرواله - وكان لها قيمة - وذلك بعدما سلبه النّاس يقول: أردت أن أنزع التكّة فوضع يده اليمنى عليها فلم أقدر على رفعها فقطعتُ يمينه، فوضع يده اليسرى عليها فلم أقدر على رفعها فقطعتها، وهممتُ بنزع السّروال فسمعت زلزة، فخفتُ وتركته وغشي عليَّ، وفي هذه الحال رأيت النّبي وعلياً وفاطة والحسن، وفاطمة تقول:«يا بُني قتلوك؟! قتلهم الله، فقال لها: يا اُم قطع يدي هذا النائم».
فدعت عليَّ وقالت:«قطع الله يديك ورجلَيك وأعمى بصرك وأدخلك النّار»
. فذهب بصري وسقطت يداي ورجلاي فلم يبقَ من دعائها إلاّ النّار
.
وآ صـريعاً عـالج الموت بلا
|
|
شــدّ لـحيين ولا مـدّ ردا
|
غـسّلوه بـدم الـطعن ومـا
|
|
كـفّنوه غـير بوغاء الثرى
|
قـتـلوه بـعد عـلمٍ مـنهُمُ
|
|
أنّـه خـامس أصحاب الكسا
|
يـا رسـول الله يـا فاطمة
|
|
يـا أمـير الؤمنين المرتضى
|
عـظّم الله لـك الأجـر بمن
|
|
كضّ أحشاه الظما حتّى قضى
|
ضـارباً فـي كـربلا خيمته
|
|
ثـم مـا خـيّم حتّى قوضّا
|
مـيتٌ تـبكي لـه فـاطمة
|
|
وأبـوها وعـليٌّ ذو الـعلا
|
لـو رسـول الله يـحيا بعده
|
|
قـعد الـيوم عـليه لـلعزا
|
حـملوا رأسـاً يُصلُّون على
|
|
جـده الأكـرم طـوعاً وإبا
|
يـتهادى بـينهم لـم ينقضوا
|
|
عـمم الـهام ولا حلّوا الحبا
|
يـا رسـول الله لـو عاينتهم
|
|
وهُـمُ مـا بـين قـتل وسبا
|
مـن رميضٍ يُمْنَع الظلَّ ومن
|
|
عـاطشٍ يُـسْقى انأبيب القنا
|
ومـسوق عـاثر يـسعى به
|
|
هاف محمول على غير وطا
|
لـرأت عـينك منهم منظراً
|
|
لـلحشا شـجواً وللعين قذى
|
لـيس هـذا لـرسول الله يا
|
|
اُمّـة الـطغيان والبغي جزا
|
جِزّروا حزر الاضاحي نسله
|
|
ثـم سـاقوا أهله سوق الاما
|
هـاتفات بـرسول الله فـي
|
|
بهر السير وعثرات الخطا
|
____________________________
حوادث بعد الشهادة
« يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم؟ وأي دم له سفكتم؟ وأي كريمة له أبرزتم؟ وأي حرمة له انتهكتم؟ أفعجبتم أنْ مطرت السّماء دما! ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون! »
العقيلة ام كلثوم (زينب)
الليلة الحادية عشرة
يا لها من ليلة مرّت على بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآله
! بعد ذلك العزّ الشامخ الذي لم يفارقهنّ منذ أوجد الله كيانهنّ، فلقد كنّ بالأمس في سرادق العظمة وأخيبة الجلالة تشعّ نهارها بشمس النبوّة ويضيء ليلها بكواكب الخلافة ومصابيح أنوار القداسة، وبقَين في هذه الليلة في حلك دامس من فقْدِ تلك الأنوار السّاطعة بين رحل منتهَب، وخباء محترِق، وفرق سائد، وحماة صرعى ولا محامٍ لهنّ ولا كفيل، لا يدرِين مَن يدفع عنهنّ إذا دهمهنّ داهم؟ ومَن الذي يرد عادية المرجفين؟ ومن يسكّن فورة الفاقدات ويخفّف من وجدهنّ؟ نعم، كان بينهنّ صراخ الصبية وأنين الفتيات ونشيج الوالهات، فاُمّ طفلٍ فطمته السّهام، وشقيق مستشهد، وفاقدة ولد، وباكية على حميم، وإلى جنبهنّ أشلاء مبضّعة وأعضاء مقطّعة ونحور دامية، وهنّ في فلاة من الأرض جرداء. وعلى مطلع الأكمة جحفل الغدر تهزّهم نشوة الفتح طيش الظفر ولؤم الغلبة. وعلى هذا كلّه لا يدرين بماذا يندلع لسان الصباح؟ وبماذا ترتفع عقيرة المنادي؟ أبالقتل أم بالأسر؟! ولا من يدفع عنهنّ غير الإمام العليل الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع ضرّاً، وهو على خطر من القتل!
ومـرضعةٍ هـبّت بـها لرضيعها
|
|
عـواطف اُمٍّ اثـكلت طفلها صبرا
|
رأت مـهده بـالحزن يـطفح بعده
|
|
وقـد كـان فيه قبل يطفح بالبشرى
|
وأثـقل ثـدييها مـن الدرّ خالص
|
|
عـلى طـفلها فـيه تـعودت الدرّا
|
فـخفت إلى مثوى الرضيع لعلّها
|
|
تـرى رمـقاً فـيه يـغذي بما درّا
|
فـلم تـرَ إلا جـثّةً فـوق مـذبح
|
|
بـها عـلق السهم الذي ذبح النحرا
|
فـحنّت و أحـنت فوقه من تعطف
|
|
أضـالعها ظـلاً تـقيه بـه الحرّا
|
وضـمّته مـذبوح الوريد لصدرها
|
|
ومن دمعه المسفوح خضّبت الصدرا
|
وودّت و مـن أوداجه تنضح الدما
|
|
لـو انّ بـذاك السّهم أوداجها تفرى
|
وأضـحت عـلى مثواه تفرغ قلبها
|
|
حـنيناً فـترثيه بما يفضل الشعرا
|
فـطوراً تـناغيه و طـوراً بـلهفة
|
|
تـعانق جـيداّ مـنه قد زيّن الدرّا
|
وتـعطف طـوراً فـوقه فـتشمّه
|
|
بـمنحره الـدامي و تـلثمه اُخرى
|
فـيا لـك مـن ثكلى بكت بزفيرها
|
|
وأدمعها الخنساء حين بكت صخرا
|
ولـم يـبقَ مـنها وجدها وحنينها
|
|
سـوى قـفص للخلد طائره فرّا
|
لقد عمَّ الاستياء في هذه الليلة عالَم المُلك والملكوت، وللحور في غرف الجنان صراخ وعويل، وللملائكة بين أطباق السّماوات نشيج ونحيب، وندبته الجنّ في مكانها
.
يقول ابن أبي الحديد: بنى عبيد الله بن زياد بالبصرة أربعة مساجد، تقوم على بغض علي بن أبي طالبعليهالسلام
.
لـيس هذا لرسول الله يا
|
|
اُمة الطغيان و البغي جزا
|
لـو رسول الله يحيا بعده
|
|
قـعد الـيوم عليه للعزا
|
رأت رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله
اُمُ سلمة
في المنام، أشعث مغبراً وعلى رأسه التراب، فقالت له: يا رسول الله ما لي أراك أشعث مغبراً؟ قالصلىاللهعليهوآله
:«قُتل ولدي الحسين، وما زلتُ أحفر القبور له ولأصحابه»
، فانتبهتُ فزعة ونظرتُ إلى القارورة التي
____________________________
فيها تراب أرض كربلاء فإذا به يفور دماً
وهو الذي دفعه النّبيصلىاللهعليهوآله
إليها وأمرها أنْ تحتفظ به، وزاد على ذلك سماعها في جوف الليل هاتفاً ينعى الحسينعليهالسلام
فيقول:
أيّـها الـقاتلون جهلاً حسيناً
|
|
أبـشروا بـالعذاب والتنكيل
|
قد لُعنتم على لسان ابن داود
|
|
وموسى وصاحب الإنجيل
|
كـلّ أهل السّماء يدعو عليكم
|
|
مـن نبيًّ ومرسل وقتيل
|
وكانت تسمع في جَوف الليل أصوات نعي الحسينعليهالسلام
ولَم ترَ أحداً، فمن ذلك:
ألا يـا عـينُ فاحتفلي بجهدٍ
|
|
ومَنْ يبكي على الشهداء بعدي
|
عـلى رهـط تقودهُمُ المنايا
|
|
إلى متجبرٍ في ملك عبد
|
ولما سمع ابن عبّاس بكاءها، أسرع إليها يسألها الخبر، فأعلمته بأنّ ما في القارورتين يفور دماً
.
وفي يوم عاشوراء رأى ابن عبّاس رسول اللهصلىاللهعليهوآله
أشعث مغبراً وبيده قارورة فيها دم فقال له: بأبي أنت واُمّي ما هذا؟ قال:«هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم»
.
ولأجل بقاء الحسين عارياً على وجه الصعيد ثلاثاً، وهو علّة الكائنات؛
____________________________
لاشتقاقه من النّبيصلىاللهعليهوآله
الذي هو علّة العلل المتفرّع من الشعاع الإلهيّ الأقدس؛ أظلمت الدنيا ثلاثة أيام
واسودّت سواداً عظيماً
حتّى ظنّ النّاس أنّ القيامة قامت
وبدت الكواكب نصف النّهار
وأخذ بعضها يضرب بعضاً
، ولَم يُرَ نور الشمس
، ودامت الدنيا على هذا ثلاثة أيّام
ولا غرابة في اضمحلال نور الشمس في المدّة التي كان فيها سيّد شباب أهل الجنّة عارياً على وجه الصعيد، إذ هو العلّة في مجرى الكَون لِما عرِفت من اشتقاقه من الحقيقة المحمّديّة التي هي علّة العلل والعقل الأول، وحديث عرض الولاية على الموجودات - فمَن قَبِل عمَّت فائدته، ومَن أبى عرى عن الفائدة - يؤكّد ذلك.
وإذا صحّ الحديث بتغيّر الكَون لأجل إبراز عظم نبيٍّ من الأنبياء حتّى غامت السّماء ومطرت حين استقى به أحد علماء النّصارى في سرّ مَن رأى
مع أنّه لَم يكشف عن جسد ذلك النّبي ولا كانت أعضاؤه مقطّعة، فاذاً كيف لا يتغيّر الكَون ولا يمحى نور الشمس والقمر وقد تُرك سيّد شباب أهل الجنّة على وجه الصعيد مجرّداً ومثَّلوا بذلك الهيكل القدسي كلّ مثلة؟!
ما للسّماء غداة اُردِي لم تمر
|
|
والأرض يوم اُصيب لم تتصدّع
|
____________________________
إنّــي لأعــذر بـعده الـدّجى
|
|
لَـو لَـم يلح والشمس لو لَم تطلع
|
والشهب لَو أفلت وهذي السّحب لَو
|
|
هـي أقلعت والوحش لو لم ترتع
|
والـماء لو لم يصف والأشجار لو
|
|
لـم تـزه والأطـيار لو لم تسجع
|
والـريح عـند هـبوبها لـو أنّها
|
|
جـاءت عـواصفها بريحٍ زعزع
|
وحـرمت شرب الماء إنْ أنا عنده
|
|
لـم الـف مـكتئباً ولـم استرجع
|
رمـتِ العدى قلبي بسهم الغدر إن
|
|
لـم يـشجني رفع الكريم الأرفع
|
وحُـمِلْت فـوق أجبَّ عارٍ ظالعٍ
|
|
إن أنسَ حمل بنيهِ فوق الظّلّع
|
بلى، لقد تغيّرت أوضاع الموجودات، واختلفت الكائنات، فبكته الوحوش وجرت دموعها رحمةً له. قال أمير المؤمنينعليهالسلام
:«بأبي واُمّي الحسين المقتول بظهر الكوفة، والله كأنّي أنظر إلى الوحوش مادة أعناقها على قبره تبكيه ليلاً حتّى الصباح»
. ومطرت السّماء دماً
فأصبحت الحباب والجرار وكلّ شيء ملآن دماً
وحتّى بقي أثره على البيوت والجدران مدّة
، ولَم يُرفع حجر إلاّ وُجِد تحته دم عبيط
حتّى في بيت المقدس
. ولمّا دخل الرأس المقدّس إلى قصر الإمارة سالت الحيطان دماً
، وخرجت نار من بعض جدران قصر الإمارة وقصدت
____________________________
عبيد الله بن زياد فقال لمَن حضر عنده: اكتمه
. وولّى هارباً منها. فتكلّم الرأس الشريف بصوت جهوري:«إلى أين تهرب يا ملعون؟ فإن لم تنلك في الدنيا فهي في الآخرة مثواك»
. ولَم يسكت الرأس حتّى ذهبت النّار فاُدهش مَن في القصر
. ومكث النّاس شهرَين أو ثلاثة يرَون الجدران ملطّخة بالدم ساعة تطلع الشمس وعند غروبها
. وحديث الغراب المتلطّخ بدم الحسينعليهالسلام
وقد طار إلى المدينة ووقع على جدران فاطمة ابنة الحسين الصغرى، ومنه استعلمت قتْل أبيهاعليهالسلام
، ولمّا نعته إلى أهل المدينة قالوا: جاءت بسحر بني عبد المطّلب. وما أسرع أن جاء الخبر بشهادته يرويه الموفّق أخطب خوارزم أحمد بن مكّي المتوفّى سنة (٥٦٨) في مقتل الحسين ج ٢ ص ٩٢. ولا غرابة فيه بعد المصادقة على وجود ابنة للحسين غير فاطمة وسكينة فإنّ شهادتهعليهالسلام
حفلت بالكثير من خوارق العادة.
أراد الجليل عزّ شأنه إعلام الاُمّة الحاضرة والأجيال المتعاقبة الواقفين على هذه الملحمة التي لَم يأتِ الدهر بمثلها بالقساوة التي استعملها الاُمويّون مع أبي عبد الله المستشهد في سبيل الدعوة الإلهيّة، وفي ذلك توجيه الأنظار إلى كرامة الحسين عند الله وأنّ قتله سوف يكون مدحرة للأضاليل وإحياء للدين الذي أراد بقاءه ربّ العالمين إلى يوم يبعثون.
ويحدّث دعبل الخزاعي عن جدّه: أنّ اُمّه سعدى بنت مالك الخزاعيّة أدركت الشجرة التي كانت عند اُمّ معبد الخزاعيّة وهي يابسة وببركات وضوء النبيصلىاللهعليهوآله
في أسفلها أورقت وأثمرت، كثيراً. ولمّا قُبض النّبيصلىاللهعليهوآله
قلّ ثمرها، ولمّا قُتل أمير المؤمنينعليهالسلام
تساقط ثمرها، وكانوا يتداوون بورقها، وبعد برهة نظروا إليها وإذا ساقها ينبع دماً، فأفزعهم هذا الحادث الذي لَم يُشاهد مثله، ولمّا اظلم الليل سمعوا بكاءً وعويلاً ولَم يرَوا أحداً، وقائل يقول:
يـابن الشهيد ويا شهيداً عمّه
|
|
خـير الـعمومة جعفر الطيارُ
|
عـجباً لمصقولٍ أصابك حدّه
|
|
في الوجه منك وقد علاك غبارُ
|
____________________________
وبعد ذلك جاء الخبر بقتل الحسينعليهالسلام
في الوقت الذي شاهدوا منها هذه الغريبة. وقدّم دعبل الخزاعي ثلاثة أبيات لهذين البيتين فقال:
زرْ خـير قـبرٍ بالعراق يُزارُ
|
|
واعْص الحمار فمَنْ نهاك حمار
|
لِمَ لا ازورك يا حسين لك الفدى
|
|
قـومي ومن عطفت عليه نزار
|
ولك المودة في قلوب ذوي النهى
|
|
وعـلى عـدوك مقتةٌ ودمار
|
ومعنى البيت الثاني من البيتين أخذه بعض شعراء الشيعة الأقدمين فنظمه في ثلاثة أبيات فقال:
عـجباً لـمصقولٍ علاك فَرَنْدُهُ
|
|
يـوم الـهياج وقد علاك غبار
|
ولأسـهمٍ نـفذتك دون حـرائر
|
|
يـدعون جَـدّك والدموع غزار
|
هـلّا تـكسرت الـسهام وعاقها
|
|
عن جسمك الاجلال والاكبار
|
ولم يمسّ أحد من الزعفران الذي نهبوه إلا احترق البدن، وعاد الورس رماداً، والإبل المنهوبة صار لحمها مثل العلقم وكانوا يرون النّار تخرج منها
.
ولم تُعرف الحمرة في السّماء إلاّ يوم قتْل الحسينعليهالسلام
. قال ابن الجوزي: كلّ واحد من النّاس إذا غضب أثر الغضب في وجهه. ولمّا تنزّه الحقّ جلّ شأنه على الجسميّة أظهر تأثير غضبه على مَن قتل الحسينعليهالسلام
بحمرة الأُفق؛ إظهاراً لعظيم الجناية. ثمّ قال: لقد منع النّبيصلىاللهعليهوآله
من النّوم أنين عمّه العبّاس بن عبد المطلب لمّا اُسر يوم بدر، وأوثق كتافاً، فكيف به لَو يسمع أنين الحسينعليهالسلام
؟
و لما أسلم وحشي، قاتل حمزة، قال له النّبيصلىاللهعليهوآله
:«غيّب وجهك عنّي؛ فإنّي لا أحبّ أنْ أرى قاتل الأحبّة».
مع أنّ الإسلام يجُبّ ما قبله، فكيف به لو يرى مَن ذبح ولده و حمل أهله على أقتاب الجمال
.
____________________________
بلى، لقد حضر رسول اللهصلىاللهعليهوآله
المعركة، و شاهد ذلك الجمع المتألّب على استئصال أهله من جديد الأرض، و بمرأى منه عويل الأيامى و نشيج الفاقدات و صراخ الصبية من الظمأ.
وقد سمع العسكر صوتاً هائلاً: ويلكم يا أهل الكوفة إنّي أرى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
ينظر إلى جمعكم مرّة و إلى السّماء اُخرى، و هو قابض على لحيته المقدّسة. لكن الهوى و الضلال المستحكم في نفوس ذلك الجمع المعمور بالأطماع أوحى إليهم: إنّه صوت مجنون. فصاح الجمع لا يهولنّكم ذلك. و كان أبو عبد الله الصادقعليهالسلام
يقول:«لا أراه إلاّ جبرئيل»
.
و صاح بعض الملائكة: ألا أيّتها الاُمّة المتحيّرة الضالّة بعد نبيّها، لا وفّقكم الله لأضحى و لا فطر! قال الإمام الصادقعليهالسلام
:«لا جرم والله، ما وفّقوا و لا يوفّقون حتّى يثور ثائر الحسين
عليهالسلام
»
.
وهبْ دم يحيى قد غلا قبلُ في الثرى
|
|
فـإنّ حسينا فـي القلوب غلا دمـه
|
وإنْ قُرّ قِدما مذْ دعا بُخْتُ نُصر
|
|
بـثـارات يحيي و استُردَتْ مظالمه
|
فليست دماء السّبط تهدأ قبل أن
|
|
يـقـوم بـإذن الله لـلثأر قائمه
|
وحدث الشيخ البهائي أنّ أباه الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي دخل مسجد الكوفة فوجد فص عقيق مكتوب عليه:
أنـا درٌّ مـن الـسّما نثروني
|
|
يـوم تـزويج والـد السّبطَين
|
كنت أصفى من اللجين بياضاً
|
|
صبغتني دماء نحر الحسين
|
____________________________
الليلة الحادية عشرة عند الحسينعليهالسلام
إنّ من الراجح المؤكّد على مَن يشايع الأئمّة المعصومينعليهمالسلام
المبيت في الليلة الحادية عشرة عند قبر المظلومعليهالسلام
وعليه ملامح الاستياء وشعار الحزن على ذلك الفادح الجلل بين أنّة وحنّة وصراخ وعولة كأنّه ينظر من كثب إلى ضحايا آل محمّد مضرّجين بالدماء تسفي عليهم الريح بوغاء الثرى وهي أشلاء مقطّعة قد طعمتها سمر الرماح ونهلت من دمائها بيض الصفاح وطحنتها سنابك الخيل العادية.
ويرنو مَنْ أممّ إلى عقائل بيت الوحي نذرف الدمع على تلك الجثث الزواكي، فمن نادبة إلى صارخة، ومن ناشجة إلى لاطمة صدرها وناشرة شعرها
، فيواسيها المتصوّر ببكائه المتواصل، وعقيرته المرتفعة، وعبرته الغزيرة.
ومن المقطوع به أنّ في هذه الحالة صلة للصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراءعليهاالسلام
ومواساة لها وفيها جلب رغبات أئمّة الهدىعليهمالسلام
على ما يستأنس به من الآثار الواردة في أمثال هذا في سائر الأحوال.
وهناك أحاديث ربّما يستفيد المتأمّل منها هذه النظريّة؛ ففي الحديث عن مالك الجهني عن أبي جعفرعليهالسلام
:«مَن زار الحسين
عليهالسلام
يوم عاشوراء حتّى يظلّ عنده باكياً، لقى الله يوم القيامة بثواب ألفَي ألف حَجّة، وألفَي ألف عمرة، وألفَي ألف غزوة مع رسول الله والأئمّة الراشدين»
. وقد أفاد علماء العربيّة أنّ (ظلّ) تستعمل فيمَن أقام في المكان نهاراً إلى الليل
والإقامة إلى الليل، إنْ لَم يستلزم المبيت في الليلة المتعقبة للنّهار، إلاّ أنْ
____________________________
حديث جابر الجعفي عن أبي عبد اللهعليهالسلام
ربّما يساعد عليه فإنّه قال:«مَن زار الحسين
عليهالسلام
يوم عاشوراء وبات عنده، كان كمَن استشهد بين يدَيه»
. فإنّ الظاهر منه إرادة المبيت المتعقّب لليوم لا السّابق عليه وإلاّ لقالعليهالسلام
(مَن بات ليلة عاشوراء عند الحسينعليهالسلام
وزار يومه و ظلّ باكياً كان له كذا وكذا).
على أنّ الاعتبار يساعد على أنّ المقيم عند قبر الذبيح العطشان في تمام اليوم أنْ لا يرتحل عنه في هذه الليلة التي لَم يمرّ مثلها على بنات رسول الله وودائع الخلافة، وهنّ في تلك الفلاة الجرداء قد فقدن البدور النيّرة والاُباة الصفوة، وإلى جنبهنّ الأشلاء المقطّعة بسيوف البغي والضلال، وهنَّ في فرق سائد لا يدرين ماذا يصدر عليهنّ من أعداء الله وأعداء رسوله، فيكون الموالي لهم البائت تلك الليلة عند قبره مشعراً بحزنه وبكائه إلى أسفه بتأخّره عن الحضور بالفوز الأكبر فيكثر من قول: يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزاً عظيماً
. ويواسي سيّدة النّساء الباكية على مهجتها الممنوع من الورود.
ولقد رأتها في المنام ذرّة النّائحة واقفة على قبر الحسينعليهالسلام
تبكي، وأمرتها أنْ تنشد:
أيُّـها الـعينان فيضا
|
|
واسـتهلّا لا تـغيضا
|
وابـكيا بـالطّف ميتاً
|
|
ترك الجسم رضيضاً
|
لـم اُمـرّضه قـتيلاً
|
|
لا ولا كان مريضا
|
ويحدِّث القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي عن أبيه: أنّ أبا الحسن الكاتب كان يسأل عن ابن النائح، فلَم يعرفه مَن كان في المجلس من أهل الكرخ غيري، فقلتُ له: ما القصّة؟ قال أبو الحسن الكاتب: عندي جارية كثيرة الصيام و التهجّد، وهي لا تقيم كلمة عربيّة صحيحة فضلاً عن أن تروي شعراً و الغالب على لسانها النبطيّة، انتبهت البارحة فزعة ترتعد و مرقدها قريب من موضعي، فصاحت بي: يا أبا الحسن الحقني! قلتُ: ما أصابك؟ قالت: إنّي صَلّيت وردي ونمتُ، فرأيت كأنّي في درب من دروب الكرخ وإذا بحجرة نظيفة
____________________________
بيضاء مليحة السّاج مفتوحة الباب، و نساء وقوف عليه، قلت لهم: مَن مات؟ أو، ما الخبر؟ فأومأوا إلى داخل الدار، فدخلتُ فإذا بدار نظيفة في نهاية الحُسن، وفي صحنها امرأة شابّة لَم أرَ قطّ أحسن منها ولا أبهى ولا أجمل، وعليها ثياب حسنة، وملتحفة بإزار أبيض، وفي حِجرها رأس رجل يشخب دماً، فقلتُ: مَن أنتِ؟ قالت: لا عليكِ، أنا فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وهذا رأس ابني الحسينعليهالسلام
، قولي لابن أصدق عنّي أنْ ينوح:
لَم اُمرّضه فأسلو
|
|
لا ولا كان مريضا
|
فانتبهتُ فزعة، وقالت العجوز: لَم اُمرّطه (بالطاء المهملة؛ لأنّها لا تتمكّن من إقامة الضّاد) فسكّنتها حتّى نامت.
فقال أبوالحسن الكاتب لِعلي التنوخي: يا أبا القاسم، مع معرفتك بابن أصدق قد حمّلتك الأمانة وألزمتك أنْ تبلّغها له. فقال التنوخي: سمعاً وطاعة لأمر سيّدة نساء العالمينعليهاالسلام
.
وكان هذا في شهر شعبان والنّاس يومئذ يلاقون جهداً جهيداً من الحنابلة إذا أرادوا الخروج إلى الحائر فلم أزل اتلطّف إليهم حتّى خرجت فكنت في الحائر ليلة النّصف من شعبان، فسألت عن ابن أصدق حتّى رأيته وقلت له: إنّ فاطمةعليهاالسلام
تأمرك أنْ تنوح بالقصيدة:
لَم اُمرّضه فأسلو
|
|
لا ولا كان مريضا
|
وما كنت أعرف القصيدة قبل ذلك، فانزعج من هذا، فقصصت عليه وعلى من حضر الحديث، فأجهشوا بالبكاء، وما ناح تلك الليلة إلاّ بهذه القصيدة، وأولها:
أيهّا العينان فيضا
|
|
واستهلا لا تغيضا
|
وهي لبعض الشعراء الكوفيين. وعدت إلى أبي الحسن فأخبرته الخبر
.
السّلب
أبـا حـسنٍ يـا خـير حام لجاره
|
|
أبـثّ لـك الـشكوى بدمعٍ مرقرقٍ
|
____________________________
ونـاهيك فـي رِزْء تـفاقم وقـعه
|
|
فأصبح فيه الدّمع من بعض منطقي
|
اتـغضي ومـنك الـيوم آل اُمـيّة
|
|
شـفت كلّ ذحل في حشاها مؤرّق
|
وكـم لك في أرضٍ الطّفوف نوادب
|
|
يـنحن بـها نـوح الحمام المطوّق
|
وكـم طـفلة قـد أرهـبوها بقسوة
|
|
ومـا عوّدت من قبل غير الترقرق
|
وطـفل يـحلّي جيده طوق عسجد
|
|
فـطوّق مـذعوراً بـسهم مـفوّق
|
وكـم حرّة حسرى بدت من خبا لها
|
|
ولـيس لـديها سـاتر غير مرفق
|
هـنالك لـو شاهدتها تنفث الشّجى
|
|
بـقلب مـن الوجد المبرّح محرق
|
لـعزّ أمـير الـمؤمنين خـروجها
|
|
عـليك بـحال أحـزنت كلّ مشفق
|
فـمن مُبْـلِغُ الزهراء عن أسر زينب
|
|
وتـسيـيرها بـين الأعادي لجلّق
|
ولـيس لها بين العدى من يصونها
|
|
حـمى غير مضنى بالحبال مربّق
|
أفـاطم سـمعاً عـلّني في تزفري
|
|
أبـثّـك أشـجاناً أخـذن بـمخنق
|
فـإنّ الاُولـى حلّوا بعرصة كربلا
|
|
هـووا في ثراها مشرقاً بعد مشرق
|
قـضوا وجلال العزّ يعلو وجوههم
|
|
ومـاتوا كـراماً مالووا جيد مطرق
|
فـلا عذر حتّى تلفظي القلب حسرة
|
|
بفيض دم من ماء عينيك مهرق
|
لما قُتل أبو عبد الله الحسينعليهالسلام
مالَ النّاسُ على ثقله ومتاعه وانتهبوا ما في الخيام
، وأضرموا النّار فيها، وتسابق القوم على سلب حرائر الرسولصلىاللهعليهوآله
، ففررن بنات الزهراءعليهالسلام
حواسر مسلبات باكيات
وإنّ المرأة لتسلب مقنعتها من رأسها، وخاتمها من إصبعها، وقرطها من اُذنها، والخلخال من رجلها
. أخذ رجل قرطين لاُمّ كلثوم وخرَم اُذنها
.
وجاء آخر إلى فاطمة ابنة الحسينعليهالسلام
فانتزع خلخالها، وهو يبكي قالت له: مالك؟ فقال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله؟! قالت له: دعني، قال: أخاف أنّ يأخذه غيري
.
ورأت رجلاً يسوق النّساء بكعب رمحه، وهنّ يلذن بعضهن ببعض، وقد أخذ
____________________________
ما عليهن من أخمرة وأسورة، ولمّا بصر بها قصدها، ففرّت منه، فأتبعها رمحه فسقطت لوجهها مغشيّاً عليها، ولما أفاقت رأت عمّتها اُمّ كلثوم عند رأسها تبكي
.
أزعِـجَت مـن خدرها حاسرة
|
|
كـالقطا روّع مـن بعد هجود
|
تـندب الصون الذي قد فقدت
|
|
صـبرها فـيه إلى خير فقيد
|
فـقدت خـير عـماد فـدعت
|
|
من بني عمرو العلى كل عميد
|
لـبـدورٍ بـدمـاها شـرقت
|
|
وبـها أشـرق مـغبر الصعيد
|
بـين مـحزوز وريد وزّعت
|
|
جـسمه البيض ومقطوع زنود
|
قـد تـواروا بـقنا الخطّ فهل
|
|
قـصد الـخطيّ غـاباً للاسود
|
تـصدع الـظلماء اوضاحٌ لهم
|
|
كمصأبيح على الترب ركود
|
ونظرت امرأة من آل بكر بن وائل كانت مع زوجها إلى بنات رسول الله بهذه الحال فصاحت: يا آل بكر بن وائل، أتُسلب بنات رسول الله! لا حكم إلاّ لله، يا لثارات رسول الله! فردّها زوجها إلى رحله
.
وانتهى القوم إلى علي بن الحسينعليهالسلام
، وهو مريض
على فراشه لا يستطيع النّهوض، فقائل يقول: لا تدعوا منهم صغيراً ولا كبيراً. وآخر يقول: لا تعجلوا حتّى نستشير الأمير عمر بن سعد
. وجرّد الشمر سيفه يريد قتله، فقال له حميد بن مسلم: يا سبحان الله! أتقتل الصبيان؟! إنّما هو صبي مريض
. فقال: إنّ ابن زياد أمر بقتل أولاد الحسين. وبالغ ابن سعد في منعه
، خصوصاً لمّا سمع العقيلة زينب ابنة أمير المؤمنين تقول: لا يُقتل حتّى اُقتل دونه. فكفّوا عنه
.
____________________________
كـانت عـيادته مـنهم سياطهم
|
|
وفي كعوب القنا قالوا: البقاء لكا
|
جـرّوه فانتهبوا النطع المعد له
|
|
وأوطأوا جسمه السعدان والحسكا
|
وأقبل ابن سعد إلى النّساء، فلمّا رأينه بكين في وجهه، فمنع القوم عنهنّ، وقد أخذوا ما عليهنّ ولم يردّوا شيئاً
، فوكّل جماعة بحفظهنّ، وعاد إلى خيمته:
وحـائراتٍ أطـار الـقوم أعينها
|
|
رعـباً غـداة عليه خدرها هجموا
|
كانت بحيث عليها قومها ضربت
|
|
سـرادقا ارضـه من عزّهم حرم
|
يـكاد مـن هيبة أن لا تطوف به
|
|
حتّى الـملائك لـولا انهم خدم
|
فـغودرت بي أيدي القوم حاسرة
|
|
تـسبى وليس لها من فيه تعتصم
|
نـعم لـوت جيدها بالعتب هاتفة
|
|
بـقومها وحـشاها مـلؤه ضـرم
|
عجّت بهم مذ على ابرادها اختلفت
|
|
ايـدي العدوّ ولكن من لها بهم
|
الخيل
ونادى ابن سعد: ألا من ينتدب إلى الحسين فيوطىء الخيل صدره وظهره. فقام عشرة
.
منهم؛ إسحاق بن حوية
، والأحبش بن مرثد بن علقمة بن سلمة الحضرمي، وحكيم بن الطفيل السنبسي، وعمرو بن صبيح الصيداوي، ورجاء بن منقذ العبدي، وسالم بن خيثمة الجعفي، وصالح بن وهب الجعفي، وواخط بن
____________________________
غانم، وهاني بن ثبيت الحضرمي، وأسيد بن مالك، فداسوا بخيولهم جسد ريحانة الرسول، وأقبل هؤلاء العشرة إلى ابن زياد يقدمهم اسيد بن مالك يرتجز:
نحن رضضنا الصدر بعد الظهر
|
|
بكل يعبوب شديد الأسر
|
فأمر لهم بجائزة يسيرة
.
وأيّ شهيد أصلت الشمس جسمه
|
|
ومـشهدها مـن أصـله متولّد
|
وأيّ ذبـيح داست الخيل صدره
|
|
وفـرسانها مـن ذكـره تتجمّد
|
ألـم تـك تدري أن روح محمد
|
|
كـقرآنه فـي سـبطه متجسّد
|
فـلو علمت تلك الخيول كاهلها
|
|
بـأنّ الذي تحت السنابك احمد
|
لـثارت على فرسانها وتمردت
|
|
كما انّهم ثاروا بها وتمرّدوا
|
قال البيروني: لقد فعلوا بالحسين ما لَم يفعل في جميع الاُمم بأشرار الخلق؛ من القتل بالسّيف، والرمح، والحجارة، وإجراء الخيول
، وقد وصل بعض هذه الخيول إلى مصر، فقلعت نعالها وسمرت على أبواب الدور تبرّكاً، وجرت بذلك السنّة عنده، فصار أكثرهم يعمل نظيرها ويعلّق على أبواب الدور
.
فـلـيت أكّـفاً حـاربتك تـقطّعت
|
|
وأرجــل بـغي جـاولتك جـذام
|
وخـيلا غـدت تردى عليك جواريا
|
|
عـقـرن فـلا يـلوى لـهنّ لـجام
|
ورضّت قراك الخيل من بعد ما غدت
|
|
اولـوا الخيل صرعى منك فهي رمام
|
اصـبت فـلا يـوم الـمسرّات نير
|
|
ولا قـمـر فـي لـيلهنّ تـمام
|
الرؤوس
وأمر ابن سعد بالرؤوس فقطعت واقتسمتها القبائل؛ لتتقرّب إلى ابن زياد،
____________________________
فجائت كندة بثلاثة عشر وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن باثني عشر وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميم بسبعة عشر، وبنو أسد بستة عشر، ومذحج بسبعة، وجاء آخرون بباقي الرؤوس
، ومنعت عشيرة الحر الرياحي من قطع رأسه ورضّ جسده
.
وسرّح ابن سعد في اليوم العاشر رأس الحسينعليهالسلام
مع خولى بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأزدي، وسرّح رؤوس أهل بيته وصحبه مع الشمر وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحَجّاج
.
وكان منزل خولي على فرسخ من الكوفة، فأخفى الرأس عن زوجته الأنصاريّة؛ لِما يعهده من موالاتها لأهل البيتعليهمالسلام
إلاّ أنّها لمّا رأت من التنّور نوراً راعها ذلك؛ إذ لم تعهد فيه شيئاً، فلمّا قربت منه سمعت أصوات نساء يندبن الحسينعليهالسلام
بأشجى ندبة، فحدّثت زوجها وخرجت باكية
ولَم تكتحل ولم تتطيّب حزناً على الحسينعليهالسلام
وكان اسمها العيوف
.
وعند الصباح غدا بالرأس إلى قصر الإمارة، وقد رجع ابن زياد في ليلته من معسكره بالنّخيلة فوضع الرأس بين يدَيه وهو يقول:
إمـلأ ركابي فضّة أو ذهبا
|
|
إنّـي قتلت السيّد المحجّبا
|
وخيرهم من يذكرون النسبا
|
|
قـتلت خير الناس اُمّاً وأبا
|
فساء ابن زياد قوله أمام الجمع فقال له: إذا علمت إنّه كذلك فلِمَ قتلته؟ والله لا نلت منّي شيئاً
.
____________________________
السّفر من كربلاء
لما سيّر ابن سعد الرؤوس إلى الكوفة، أقام مع الجيش إلى الزوال من اليوم الحادي عشر، فجمع قتلاه وصلّى عليهم ودفنهم، وترك سيّد شباب أهل الجنّة وريحانة الرسول الأكرم ومَن معه من أهل بيته وصحبه بلا غسل ولا كفن ولا دفن
، تسفي عليه الصبا، ويزورهم وحش الفلا.
فإن يمسِ فوق التّرب عريان لم تقم
|
|
لـه مـأتماً تـبكيه فـيه محارمه
|
فـأيّ حـشا لم يمس قبراً لجسمه
|
|
وفـي أيّ قلب ما اقيمت مآتمه
|
وبعد الزوال ارتحل إلى الكوفة ومعه نساء الحسينعليهالسلام
وصبيته وجواريه وعيالات الأصحاب وكنَّ عشرين امرأة
وسيروهنَّ على أقتاب الجمال بغير وطاء كما يساق سبي الترك والروم و هنّ ودائع خير الأنبياء ومعهنّ السّجاد علي بن الحسينعليهالسلام
وعمره ثلاث وعشرون سنة
، وهو على بعير ظالع بغير وطاء وقد أنهكته العلّة
ومعه ولده الباقر
عليهالسلام
وله سنتان وشهور
، ومن أولاد الإمام الحسن
____________________________
المجتبىعليهالسلام
زيد وعمرو والحسن المثنّى، فإنّه أُخذ أسيراً بعد أنْ قَتل سبعة عشر رجلاً، وأصابته ثمان عشرة جراحة وقُطعت يده اليمنى، فانتزعه أسماء بن خارجة الفزاري؛ لأنّ اُمّ المثنّى فزاريّة، فتركه ابن سعد له
. وكان معهم عقبة بن سمعان مولى الرباب زوجة الحسينعليهالسلام
، ولمّا أخبر ابن زياد بأنّه مولى للرباب خلّى سبيله، وأخبر ابن زياد بأنّ المرقع بن ثمامة الأسدي نثر نبله وقاتل، فآمنه قومه وأخذوه فأمر بنفيه إلى الزارة
.
أتـرى كيف أمست الخفرات
|
|
بعد غلب دون المخيّـم ماتوا
|
أتـراهم لـلأسر قد أسلموها
|
|
أم عـلى الرغم فارقتها الحماة
|
فارقوها من بعد ما ثلم العضب
|
|
ودقّـت مـن الـطعان القناة
|
وبـنوا فـي دم الشهادة عرشاً
|
|
لــم قـبـلهم بـنته الـبناة
|
أدهشتها من بعدهم هجمة الخيـ
|
|
ل عـليها وأيـن عـنها الاباة
|
فـتصارخْنَ يستغثْنَ بصرعي
|
|
هـوّمت غـفوة بـهم وسباة
|
وتـرامت بـجنب كـلّ أبيِّ
|
|
حــرّة تـسـتثيره وفـتـاة
|
يـشتكين الـسياط قد ألمتهن
|
|
و هـل حفزت بصرخى شكاة
|
يـتساقطْنَ عـن متون المطايا
|
|
كـلّما أزعج النياق الحدادة
|
فقلن النّسوة: بالله عليكم إلاّ ما مررتم بنا على القتلى. ولمّا نظرن إليهم
____________________________
مقطّعي الأوصال، قد طعمتهم سمر الرماح، ونهلت من دمائهم بيض الصفاح، وطحنتهم الخيل بسنابكها، صِحن ولطمن الوجوه
وصاحت زينب: يا محمّداه! هذا حسين بالعراء، مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء، وبناتك سبايا، وذريّتك مقتّلة. فأبكت كلّ عدو وصديق
حتّى جرت دموع الخيل على حوافرها
، ثمّ بسطت يدَيها تحت بدنه المقدّس ورفعته نحو السّماء، وقالت: إلهي تقبّل منّا هذا القربان
. وهذا الموقف يدلّنا على تبوّئها عرش الجلالة، وقد اُخذ عليها العهد والميثاق بتلك النّهضة المقدّسة كأخيها الحسينعليهالسلام
وإنْ كان التفاوت بينهما محفوظاً، فلمّا خرج الحسينعليهالسلام
عن العهدة بإزهاق نفسه القدسيّة، نهضت العقيلة زينب بما وجب عليها، ومنه تقديم الذبيح إلى ساحة الجلال الربوي والتعريف به، ثمّ طفقت (سلام الله عليها) ببقيّة الشؤون، ولا استبعاد في ذلك بعد وحدة النّور وتفرّد العنصر.
وتـشاطرت هـي والحسين بدعوة
|
|
حـتم الـقضاء عـليهما أنْ يـندبا
|
هــذا بـمشتبك الـنصول وهـذه
|
|
في حيث معترك المكاره في السّبا
|
واعتنقت سكينة
جسد أبيها الحسينعليهالسلام
فكانت تحدّث أنّها سمعته يقول:
شيعتي ما أنْ شربتم
|
|
عَذْبَ ماء فاذكروني
|
____________________________
أو سمـعتم بغريـب
|
|
او شهيد فاندبوني
|
ولَم يستطع أحد أن ينحيها عنه حتّى اجتمع عليها عدّة وجروها بالقهر
.
ومـذعورة بـاليتم قـد ربـع قلبها
|
|
كـطير عليه الصقر قد هجم الوكرا
|
أهابت بها من هجمة الخيل صرخة
|
|
عـلى ثكلها باليتم فاضطربت ذعرا
|
وفرَّت إلى الثاوي على جمرة الثرى
|
|
وقـد أرسـلت من جفنها فوقه نهرا
|
وأهـوت على جسم الحسين فضمّها
|
|
إلى صدره ما بين يمناه واليسرى
|
تـلوذ بـه حـسرى القناع مروعة
|
|
وعـزّ عـليه أن يـشاهدها حسرى
|
فـما تـركتها تـستجير سـياطهم
|
|
بجسم أبيها حينما انتزعت قسرى
|
وأمّا علي بن الحسينعليهالسلام
فإنّه لمّا نظر إلى أهله مجزّرين، وبينهم مهجة الزهراءعليهاالسلام
بحالة تنفطر لها السّماوات وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّا، عظم ذلك عليه واشتدّ قلقه فلمّا تبيّنت ذلك منه زينب الكبرى بن عليعليهالسلام
أهمّها أمر الإمام فأخذت تسلّيه وتصبّره وهو الذي لا توازن الجبال بصبره، وفيما قالت له:
ما لي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي، فوالله إنّ هذا لعهد من الله إلى جدّك وأبيك، ولقد أخذ الله ميثاق اُناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السّماوات، إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المقطّعة والجسوم المضرّجة، فيوارونها وينصبون بهذا الطفّ علماً لقبر أبيك سيّد الشهداء لا يُدرس أثره ولا يُمحى رسمه على كرور الليالي والأيّام، وليجتهدنّ أئمّة الكفر وأشياع الضلال في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلاّ علوّاً
.
لله صبر زينب العقيلة
|
|
كم صابرت مصائباً مهولة
|
____________________________
رأت من الخطوب والرزايا
|
|
أمـراً تـهون دونـه المنايا
|
رأت كـرام قـومها الأماجد
|
|
مـجزّرين في صعيد واحد
|
تسفي على جسومها الرياح
|
|
وهـي لـذؤبان الـفلا تباح
|
رأت عـزيز قومها صريعاً
|
|
قـد وزّعوه بالظبى توزيعاً
|
رأت رؤوسـاً بـالقنا تشال
|
|
وجـثـثاً أكـفانها الـرمال
|
رأت رضـيعاً بالسّهام يفطم
|
|
وصـبية بـعد أبيهم أيتموا
|
رأت شـماتة الـعدوّ فـيها
|
|
وصنعه ما شاء في أخيها
|
وأتاهن زجر بن قيس وصاح بهن فلَم يقمن، فأخذ يضربهنّ بالسّوط واجتمع عليهن النّاس حتّى أركبوهنّ على الجمال
.
وركبت العقيلة زينب ناقتها، فتذكّرت ذلك العزّ الشامخ والحرم المنيع الذي تحوطه الليوث الضواري الاُباة من آل عبد المطّلب وتحفّه السّيوف المرهفة والرماح المثقفة، والأملاك تخدمها فيه، فلا يدخلون إلاّ مستأذنين:
فـلا مثل عزًّ كان في الصبح عزّها
|
|
ولا مـثل حال كان في العصر حالها
|
إلـى أيـن مـسراها وأين مصيرها
|
|
ومـَن هـو مـأواها ومَـن ذا مآلها
|
ومَـن ذا ثمال الظعن إنْ هي سيّرت
|
|
يـضيق فـمي إنّ ابـن سعد ثمالها
|
عـلى أيّ كـتف تـتكي حين ركِبت
|
|
وجـمـالها زجـر وشـمر جـمّالها
|
أمخمد ضوء البيت عن شخص زينب
|
|
لـكيلا يـرى فـي الليل حتّى خيالها
|
تـمنّيت يـوم الطّف عينك أبصرت
|
|
بـناتك حـين ابـتزّ مـنها حجالها
|
قـرومـاً تـراها جـزّراً وأرامـلا
|
|
تـحـنّ كـنيبٍ فـارقتها فـصالها
|
لـه الله مـن ثـكل وقـد مات بغتة
|
|
لـدى بـعض يـومٍ عزّها ورجالها
|
ومـا هـان ثـكل عـندها غير انّه
|
|
أمـضّ مـصاباً هـتكها وابـتذالها
|
وأمـسـين فـي أمـر يـهدّد غـبّه
|
|
تـقف إهـاباً حـين يطريه بالها
|
في الكوفة
ولما اُدخلت بنات أمير المؤمنين إلى الكوفة، اجتمع أهلها للنظر إليهم
____________________________
فصاحت اُمّ كلثوم: يا أهل الكوفة، أما تستحون من الله ورسوله أنْ تنظروا إلى حرم النّبيصلىاللهعليهوآله
؟
.
وأشرفت عليهنّ امرأة من الكوفيّات ورأتهن على تلك الحال التي تشجي العدوّ الألد فقالت: من أي الاُسارى أنتم؟ قلن: نحن اُسارى آل محمد
.
وأخذ أهل الكوفة يناولون الأطفال التمر والجوز والخبز، فصاحت اُمّ كلثوم وهي زينب الكبرى: إنّ الصّدقة علينا حرام. ثمّ رمت به إلى الأرض
.
أبـا حـسن تـغضي وتلتذّ بالكرى
|
|
وبـالكفّ أمست تستر الوجه زينب
|
أبـا حسن ترضى صفاياك في السّبا
|
|
ونـسوة حـرب بالمقاصير تحجب
|
وتـلوي لـلين الـفرش جنباً وهذه
|
|
بـناتك فـوق الـعيس للشام تجلب
|
ويـهنيك عـيش والـعقائل حـسّر
|
|
إذا مـا بـكت بـالأصبحية تضرب
|
تـشرّق فـيها تـارة عـصب الخنا
|
|
وطـوراً بـها نـحو الشئام تغرّب
|
بـلا كـافل تـطوي الـمهامه لغباً
|
|
ويـسمعها مـا يـشعب القب غيهب
|
فـأصواتها بـحّت و ذابـت قلوبها
|
|
وأنـفاسها كـادت من الحزن تذهب
|
عـجبت ومن في الدهر سرّح طرفه
|
|
وفـكّـر فـيه لـم يـزل يـتعجّب
|
يـزيد الـخنا فـي دسـته مـتقلّب
|
|
ويـمسي حـسين في الثرى يتقلّب
|
و يحمل منه الرأس في الرمح جهرة
|
|
وفي التاج رأس ابن الدعيّة يعصب
|
ويـبـقى ثـلاثاً عـارياً ويـزيدها
|
|
على جسمه يغدر الدمقس المذهّب
|
خطبة زينب
ولقد أوضحت ابنة أمير المؤمنينعليهالسلام
للنّاس خُبث ابن زياد ولؤمه في خطبتها بعد أنْ أومأت إلى ذلك الجمع المتراكم، فهدأوا حتّى كأنَّ على رؤوسهم
____________________________
الطير. وليس في وسع العدد الكثير أنْ يسكن ذلك اللغط أو يردّ تلك الضوضاء لولا الهيبة الإلهيّة والبهاء المحمّدي الذي جلّل عقيلة آل محمّدصلىاللهعليهوآله
.
فيقول الراوي: لمّا أومأت زينب ابنة عليعليهالسلام
إلى النّاس، فسكنت الأنفاس والأجراس، فعندها اندفعت بخطابها مع طمأنينة نفس وثبات جأش، وشجاعة حيدريّة، فقالت (صلوات الله عليها): الحمد لله والصلاة على أبي محمّد وآله الطيّبين الأخيار.
أمّا بعد، يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر، أتبكون؟! فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة، إنّما مثَلكم كمثَل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلاّ الصلف النطف
والعجب والكذب والشنف
وملق الإماء
، وغمز الأعداء
؟! أو كمرعى على دمنة
أو كقصّة على ملحودة
، ألا بئس ما قدّمتْ لكم أنفسكم أنْ سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون.
____________________________
أتبكون وتنتحبون؟! إي والله فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً؛ فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنّى ترحضون قتْل سليل خاتم النبوّة ومعدن الرسالة، ومدرة حجّتكم ومنارمحَجّتكم، وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم، وسيّد شباب أهل الجنّة، ألا ساء ما تزرون.
فتعساً و نكساً وبُعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السّعي وتبّت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله ورسوله، وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة.
ويلكم يا أهل الكوفة، أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم؟ وأيّ كريمة له أبرزتم؟ وأيّ دم له سفكتم؟ وأيّ حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئاً إدّاً، تكاد السّموات يتفطّرن منه، وتنشقّ الأرض، وتخرّ الجبال هدّاً. ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء كطلاع الأرض
وملء السّماء.
أفعجبتم أنْ مطرت السّماء دماً ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا يُنصرون، فلا يستخفنّكم المهل، فإنّه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، وإنّ ربّكم لَبِالمرصاد
.
____________________________
فقال لها الإمام السّجادعليهالسلام
:«اسكتي يا عمّة، فأنت بحمد الله عالمة غير معلَّمة، وفهِمة غير مفهَّمة»
.
فقطعت العقيلة الكلام، وأدهشت ذلك الجمع المغمور بالتمويهات والمطامع، وأحدث كلامها إيقاظاً في الأفئدة ولفتة في البصائر، وأخذت خطبتها من القلوب مأخذاً عظيماً، وعرفوا عظيم الجناية، فلا يدرون ما يصنعون.
فـعن الـوصي بلاغة خُصّت بها
|
|
أعـيت بـرونقها البليغ الاخطبا
|
مـا اسـترسلت إلاّ وتحسب أنّها
|
|
تـستلّ من غرر الخطابة مقضباً
|
أو أنّـها الـيزنيّ فـي يد باسل
|
|
أخـلى بـه ظـهراً وأوهى منكبا
|
أو أنّـهـا تـقـتاد مـنها فـيلقاً
|
|
وتـسوق من زمر الحقائق موكبا
|
أو أنّ فـي غـاب الإمـامة لبوة
|
|
لـزئيرها عـنت الـوجوه تهيّبا
|
أو أنّـها الـبحر الخضمّ تلاطمت
|
|
أمـواجه عـلماً حـجى بأساً إبا
|
أو أنّ مـن غضب الإله صواعقاً
|
|
لَـم تـلف عنها آل حرب مهربا
|
أو أنّ حـيدرة عـلى صـهواتها
|
|
يـفني كـراديس الضّلال ثباً ثبا
|
أو أنّــه ضـمـته ذروة مـنبر
|
|
فـأنار نـهجاً لـلشريعة ألـحبا
|
أو أنّ فـي الـلأوى عقيلة هاشم
|
|
قد فرّقت شمل العمى ايدي سبا
|
خطبة فاطمة بنت الحسينعليهالسلام
وخطبت فاطمة بنت الحسينعليهالسلام
فقالت:
____________________________
الحمدلله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده واُؤمن به وأتوكّل عليه، وأشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ أولاده ذُبحوا بشطّ الفرات، من غير ذحل ولا ترات.
اللهمّ إنّي أعوذ بك أنْ أفتري عليك، وأنْ أقول عليك خلاف ما أنزلت من أخذ العهود والوصيّة لعلي بن أبي طالب المغلوب حقّه، المقتول من غير ذنب كما قُتل ولده بالأمس، في بيت من بيوت الله تعالى، فيه معشر مسلمة بألسنتهم، تعساً لرؤوسهم ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مماته، حتّى قبضه الله تعالى إليه محمود النّقيبة طيّب العريكة، معروف المناقب مشهور المذاهب، لَم تأخذه في الله سبحانه لَومة لائم ولا عذل عاذل، هديته اللهمّ للإسلام صغيراً، وحمدت مناقبه كبيراً، ولَم يزل ناصحاً لك ولرسولك، زاهداً في الدنيا غير حريص عليها، راغباً في الآخرة، مجاهداً لك في سبيلك، رضيته فاخترته وهديته إلى صراط مستقيم.
أمّا بعد يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، فإنّا أهل بيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا. فجعل بلاءنا حسناً، وجعل علمه عندنا وفهمه لدنيا، فنحن عَيبة علمه، ووعاء فهمه وحكمته، وحجّته على الأرض في بلاده لعباده، أكرمنا الله بكرامته، وفضّلنا بنبيّه محمّدصلىاللهعليهوآله
على كثير ممَّن خلق الله تفضيلاً، فكذّبتمونا وكفّرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالاً، وأموالنا نهباً، كأنّنا أولاد ترك أو كابل، كما قتلتم جدّنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدّم، قرّت لذلك عيونكم، وفرحت قلبوكم افتراءً على الله ومكراً مكرتم
____________________________
والله خير الماكرين، فلا تدعونّكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا، فإنّ ما أصابنا من المصائب الجليلة، والرزايا العظيمة في كتاب من قبل أن نبرأها، إنّ ذلك على الله يسير؛ لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يحبّ كلّ مختال فخور.
تبّاً لكم فانظروا اللعنة والعذاب، فكأنّ قد حلّ بكم وتواترت من السّماء نقمات، فيسحتكم بعذاب ويذيق بعضكم بأس بعض، ثمّ تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة؛ بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين.
ويلكم! أتدرون أيّة يد طاعنتنا منكم؟ وأيّة نفس نزعت إلى قتالنا؟ أم بأيّة رِجل مشيتم إلينا؟ تبغون محاربتنا، قست قلوبكم وغلظت أكبادكم وطبع الله على أفئدتكم، وختم على سمعكم وبصركم وسوّل لكم الشيطان وأملى لكم، وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون.
تبّاً لكم يا أهل الكوفة، أيّ ترات لرسول الله قِبلَكم، وذحول له لديكم؟ بما عندتم بأخيه على بن أبي الطالب جدّي وبنيه وعترته الطيّبين الأخيار، وافتخر بذلك مفتخركم.
نحن قتلنا علياً وبني علي
|
|
بـسيوف هنديّة ورماح
|
وسبينا نساءهم سبي ترك
|
|
ونـطحناهم فـأيّ نطاح
|
بفيك أيها القائل الكثكث والأثلب
افتخرت بقتل قوم زكّاهم الله وطهّرهم وأذهب عنهم الرجس فأكضم وأقع كما أقعى أبوك فإنّما لكلّ امرىء ما اكتسب وما قدّمت يداه.
حسدتمونا ويلاً لكم على ما فضّلنا الله تعالى، ذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء والله ذوالفضل العظيم. ومَن لَم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
فارتفعت الأصوات بالبكاء والنّحيب وقالوا: حسبكِ يا ابنة الطاهرين فقد حرقت قلوبنا وأنضجت نحورنا وأضرمت أجوافنا، فسكتت.
____________________________
خطبة اُمّ كلثوم
وقالت اُمّ كلثوم: صه يا أهل الكوفة، تقتلنا رجالكم، وتبكينا نساؤكم، فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل الخطاب.
يا أهل الكوفة، سوأة لكم، ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه وانتهبتم أمواله، وسبيتم نساءه ونكبتموه؟! فتبّاً لكم وسحقاً.
ويلكم! أتدرون أيّ دواهٍ دهتكم؟ وأيّ وزر على ظهوركم حملتم؟ وأيّ دماء سفكتم؟ وأيّ كريمة أصبتموها؟ وأيّ صبيّة أسلمتموها؟ وأيّ أموال انتهبتموها؟ قتلتم خير الرجالات بعد النّبي، ونُزعت الرحمة من قلوبكم، ألا إنّ حزب الله هم المفلحون، وحزب الشيطان هم الخاسرون.
فضجّ النّاس بالبكاء، ونشرن النّساء الشعور، وخمشن الوجوه ولطمن الخدود، ودعون بالويل والثبور. فلَم يرَ ذلك اليوم أكثر باك.
خطبة السجّادعليهالسلام
وجيء بعلي الحسينعليهالسلام
على بعير ضالع، والجامعة في عنقه، ويداه مغلولتان إلى عنقه، وأوداجه تخشب دماً فكان يقول:
يا اُميّة السّوء لا سقياً لربعكُمُ
|
|
يـا اُمـّة لَم تراع جدّنا فينا
|
لَـو أنّنا ورسول الله يجمعنا
|
|
يوم القيامة ما كنتم تقولونا
|
تسيّرونا على الأقتاب عارية
|
|
كـأنّنا لـم نشيّد فيكم دينا
|
وأومأ إلى النّاس أنْ اسكتوا، فلمّا سكتوا، حمد الله وأثنى عليه وذكر النّبي فصلّى عليه، ثمّ قال:«أيّها النّاس، مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لَم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنا ابن من انتُهكت حرمته، وسُلبت نعمته وانتهب ماله،
____________________________
وسُبي عياله، أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات من غير ذحل ولا ترات، أنا ابن من قُتل صبراً، وكفى بذلك فخراً
.
أيّها النّاس ناشدتكم الله هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهود والميثاق والبيعة، وقاتلتموه؟
فتّباً لكم لِما قدّمتم لأنفسكم، وسوأة لرأيكم، بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله؟ إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من اُمّتي».
فارتفعت الأصوات بالبكاء وقالوا: هلكتم وما تعلمون.
ثمّ قالعليهالسلام
:«رحم الله امرءاً قبِل نصيحتي، وحفظ وصيّتي في الله وفي رسوله وأهل بيته، فإنّ لنا في رسول الله اُسوة حسنة»
.
فقالوا بأجمعهم: نحن يابن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك، غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله، فإنّا حرب لحربك، وسِلم لسلمك، نبرأ ممَّن ظلمك وظلمنا.
فقالعليهالسلام
:«هيهات هيهات أيّها الغدرة المكرة، حِيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إليَّ كما أتيتم إلى أبي من قبل؟ كلاّ وربّ الراقصات، فإنّ الجرح لمّا يندمل، قُتل أبي بالأمس وأهل بيته، ولَم ينس ثكل رسول الله وثكل أبي وبني أبي، إنّ وجده والله لبين لهاتي ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصّته تجري في فراش صدري»
مـهلاً بـني حرب فما قد نالنا
|
|
فـبعين جـبّار الـسّما لم يكتم
|
فـكأنّني يوم الحساب بأحمد
|
|
بالرسل يقدم حاسراً عن معصم
|
ويـقول ويلكم هتكتم حرمتي
|
|
وتركتم الأسياف تنطف من دمي
|
تـدرون أيّ دم أرقـتم في الثرى
|
|
أمْ أيَّ خـود سـقتُمُ في المغنم
|
أمـن الـعدالة صونكم فتياتكم
|
|
وحـرائري تسبى كسبي الديلم
|
والـماء تـورده يـعافير الفلا
|
|
وكـبود أطـفالي ظماء تضرم
|
تالله لـو ظفرت سراة الكفر في
|
|
رهطي لما ارتكبوا لذاك المعظم
|
يـا لـيت شعر محمّد ما فاتكم
|
|
طـعن الحناجر بعد حزّ الغلصم
|
____________________________
هـذا جـزائي منكُمُ فلقرب ما
|
|
ضيعتموا عهدي ببنتي وابنم
|
الدفن
ذكر أهل التاريخ أنّ سيّد الشهداءعليهالسلام
أفرد خيمة في حومة الميدان
، وكان يأمر بحمل مَن قُتل من صحبه وأهل بيته إليها، وكلّما يؤتى بشهيد يقولعليهالسلام
:«قتلة مثل قتلة النبيّين وآل النبيّين»
. إلاّ أخاه أبا الفضل العبّاسعليهالسلام
تركه في محلّ سقوطه قريباًً من شطّ الفرات
.
ولمّا ارتحل عمر بن سعد بحرم الرسالة إلى الكوفة ترك اُولئك الذين وصفهم أمير المؤمنينعليهالسلام
بأنّهم سادة الشهداء في الدنيا والآخرة، لَم يسبقهم سابق ولا يلحقهم لاحق
على وجه الصعيد تصهرهم الشمس ويزورهم وحش الفلا.
قد غيّر الطّعن منهم كل جارحة
|
|
إلا المكارم في أمنٍ من الغير
|
وبينهم سيّد شباب أهل الجنّة بحالة تفطّر الصخر الأصم، غير أنّ الأنوار الإلهيّة تسطع من جوانبه، والأرواح العطرة تفوح من نواحيه.
ومـجرح مـا غـيّرت منه القنا
|
|
حـسناً ولا أخـلقْنَ مـنه جـديدا
|
قد كان بدراً فاغتدى شمس الضحى
|
|
مـذ ألـبسته يـد الـدماء لـبودا
|
تـحمي اشـعّته الـعيون فـكلّما
|
|
حـاولنَ نـهجاً خـلنه مـسدودا
|
وتـظلُّه شـجر الـقنا حتّى أبت
|
|
ارسـال هـاجرة الـيه بريدا
|
وحدّث رجل من بني أسد: أنّه أتى المعركة بعد ارتحال العسكر، فشاهد من
____________________________
تلك الجسوم المضرّجة أنواراً ساطعة، وأرواحاً طيّبة، ورأى أسداً هائل المنظر يتخطّى تلك الأشلاء المقطّعة حتّى إذا وصل إلى هيكل القداسة وقربان الهداية، تمرّغ بدمه ولاذ بجسده، وله همهمة وصياح، فأدهشه الحال إذ لم يعهد مثل الحيوان المفترس يترك ما هو طعمة أمثاله فاختفى في بعض الأكم؛ لينظر ما يصنع فلم يظهر له غير ذلك الحال:
وممّا زاد في بعض تحيّره وتعجّبه أنّه عند انتصاف الليل رأى شموعاً مسرجة ملأت الأرض بكاءاً وعويلاً مفجعاً
.
وفي اليوم الثالث عشر من المحرّم أقبل زين العابدينعليهالسلام
لدفن أبيه الشهيدعليهالسلام
؛ لأنّ الإمام لا يلي أمره إلاّ إمام مثله
.
يشهد له مناظرة الرضاعليهالسلام
مع علي بن أبي حمزة فإنّ أبا الحسنعليهالسلام
قال له:«اخبرني عن الحسين بن علي كان إماماً؟»
قال: بلى، فقال الرضاعليهالسلام
:«فمَن ولي أمره؟»
قال ابن أبي حمزة: تولاّه علي بن الحسين السّجاد. فقال الرضاعليهالسلام
:«فأين كان علي بن الحسين؟»
قال ابن أبي حمزة: كان محبوساً بالكوفة عند ابن زياد، ولكنّه خرج وهم لا يعلمون به حتّى ولي أمر أبيه، ثمّ انصرف إلى السّجن.
فقال الرضاعليهالسلام
:«إنّ مَن مكّن علي بن الحسين أنْ يأتي كربلاء فيلي أمر أبيه ثمّ ينصرف، يمكّن صاحب هذا الأمر أنْ ياتي بغداد فيلي أمر أبيه وليس هو في حبس ولا إسار»
.
____________________________
ولما أقبل السّجادعليهالسلام
وجد بني أسد مجتمعين عند القتلى، متحيّرين لا يدرون ما يصنعون، ولَم يهتدوا إلى معرفتهم؛ وقد فرّق القوم بين رؤوسهم وأبدانهم و ربّما يسألون من أهلهم وعشيرتهم!!.
فأخبرهمعليهالسلام
عمّا جاء إليه من مواراة هذه الجسوم الطاهرة، و أوقفهم على أسمائهم، كما عرّفهم بالهاشميّين من الأصحاب، فارتفع البكاء والعويل، وسالت الدموع منهم كلّ مسيل، ونشرت الأسديّات الشعور ولطمن الخدود.
ثمّ مشى الإمام زين العابدينعليهالسلام
إلى جسد أبيه واعتنقه وبكى بكاءاً عالياً، وأتى إلى موضع القبر، ورفع قليلاً من التراب فبان قبر محفور وضريح مشقوق، فبسط كفيه تحت ظهره وقال:«بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله، صدق الله ورسوله، ما شاء الله، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العظيم»
.
وأنزله وحده، لَم يشاركه بنو أسد فيه، وقالعليهالسلام
لهم:«إنّ معي مَن يعينني».
ولمّا أقرّه في لحده، وضع خدّه على منحره الشريف قائلاً:
«طوبى لأرض تضمّنت جسدك الطاهر، فإنّ الدنيا بعدك مظلمة والآخرة بنورك مشرقة، أمّا الليل فمسّهد والحزن سرمد، أو يختار الله لأهل بيتك دارك التي أنت بها مقيم، و عليك منّي السّلام يابن رسول الله و رحمة الله وبركاته»
.
وكتب على القبر:«هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قتلوه عطشاناً غريباً»
.
ثمّ مشى إلى عمّه العبّاسعليهالسلام
فرآه بتلك الحالة التي أدهشت الملائكة بين أطباق السّماء وأبكت الحور في غرف الجنان ووقع عليه يلثم نحره المقدّس قائلاً:«على الدنيا بعدك العفا يا قمر هاشم، وعليك منّي السّلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته».
وشقّ له ضريحاً وأنزله وحده كما فعل بأبيه الشهيد، وقال لبني أسد:«إنّ معي مَن يعينني».
نعم، ترك مساغاً لبني أسد بمشاركته في مواراة الشهداء، وعيّن لهم موضعين
وأمرهم أنْ يحفروا حفرتين، ووضع في الاُولى بني هاشم، وفي الثانية الأصحاب
.
وأمّا الحر الرياحي فأبعدته عشيرته إلى حيث مرقده الآن وقيل: أنّ اُمّه كانت حاضرة فلمّا رأت ما يُصنع بالأجساد، حملت الحر إلى هذا المكان
.
وكان أقرب الشهداء إلى الحسين ولده الأكبرعليهالسلام
، وفي ذلك يقول الإمام الصادقعليهالسلام
لحمّاد البصري:«قُتل أبو عبد الله غريباً بأرض غربة، يبكيه مَن زاره، ويحزن له مَن لم يزره، ويحترق له مَن لَم يشهده، ويرحمه من نظر إلى قبر ابنه عند رجلَيه في أرض فلاة ولا حميم قربه، ثمّ منع الحقّ وتوازر عليه أهل الردّة حتّى قتلوه وضيّعوه وعرضوه للسّباع ومنعوه شرب ماء الفرات الذي يشربه الكلاب وضيّعوا حقّ رسول الله
صلىاللهعليهوآله
ووصيّته به وبأهل بيته، فأمسى مجفواً في حفرته صريعاً بين قرابته وشيعته، قد اوحش قربه في الوحدة والبعد عن جدّه والمنزل الذي لا يأتيه إلاّ مَن امتحن الله قلبه للإيمان وعرف حقنا».
ولقد حدّثني أبي: أنّه لَم يخل مكانه منذ قُتل من مصلّ عليه من الملائكة أو من الجنّ والإنس أو من الوحش، وما من أحد إلاّ ويغبط زائره ويتمسّح ويرجو في النّظر إليه الخير لنظره إلى قبره.
وإنّ الله تعالى لَيباهي الملائكة بزائريه.
وأمّا ما له عندنا فالترحّم عليه كلّ صباح ومساء.
ولقد بلغني أنّ قوماً من أهل الكوفة وناساً غيرهم من نواحيها يأتونه في
____________________________
النّصف من شعبان، فبين قارئ يقرأ وقاصًّ يقصّ ونادب يندب، ونساء يندبنه، وقائل يقول المراثي! فقال حمّاد: قد شهدت بعض ما تصف.
قالعليهالسلام
:«الحمد لله الذي جعل في النّاس مَن يفد إلينا ويمدحنا ويرثي لنا، وجعل عدوّنا مَن يطعن عليهم ويهدّدونهم ويقبّح ما يصنعون»
.
ثـوى اليوم احماها عن الضّيم جانباً
|
|
واصـدقها عـند الـحفيظة مخبرا
|
واطـعمها لـلوحش من جثث العدى
|
|
واخـضبها لـلطير ظـفرا ومنسرا
|
قـضى بعد ما ردّ السّيوف على القنا
|
|
ومـرهفه فـيها وفـي الموت اثَّرا
|
ومـات كـريم الـعهد عند شبا القنا
|
|
يـواريه مـنها مـا عـليه تـكسّرا
|
فـإنْ يـمس مُـغبرّ الجبين فطالما
|
|
ضحى الحرب في وجه الكتيبة غبَّرا
|
وإن يـقض ظـمآناً تـفطّر قـلبه
|
|
فـقد راع قـلب الموت حتّى تفطَّرا
|
وألـقحها شـعواء تشقى بها العدى
|
|
ولـود الـمنايا ترضع الحتف ممقّرا
|
فـظاهر فـيها بـين درعـين نثرة
|
|
وصبر ودرع الصبر اقواهما عرى
|
سـطا وهو أحمى مَن يصون كريمة
|
|
وأشـجع مَـن يقتاد للحرب عسكرا
|
فـرافده في حرمة الضرب مرهف
|
|
عـلى قـلّة الأنـصار فـيه تكثّرا
|
تـعثَّر حتّى مـات فـي إلهام حدّه
|
|
وقـائـمه فـي كـفّه مـا تـعثَّرا
|
كـأنّ أخـاه الـسّيف اُعطي صبره
|
|
فـلم يـبرح الـهيجاء حتّى تكسَّرا
|
لـه الله مـفطوراً مـن الصّبر قلبُه
|
|
ولـَو كـان مـن صمّ الصفا لتفطَّرا
|
ومـنعطف أهـوى لـتقبيل طـفله
|
|
فـقبّل مـنه قـلبه الـسّهم مـنحرا
|
لـقد ولـدا فـي ساعةٍ هو والردى
|
|
ومـن قـبله فـي نحره السّهم كبَّرا
|
وفي السَّبى ممّا يصطفي الخدّ نسوة
|
|
يـعـزّ عـلى فـتيانها أن تـسيَّرا
|
حـمت خدرها تقضي وودّت بنومها
|
|
تـردّ عـليها جفنها لا على الكرى
|
مشى الدهر يوم الطّف أعمى فلَم يدع
|
|
عـمـاداً لـهـا إلاّ وفـيه تـعثّرا
|
وجـشّمها الـمسرى بـبيداء فـقرة
|
|
ولَم تدرِ قبل الطّف ما البيد والسرّى
|
ولَـم تـرَ حتّى عينها ظلّ شخصها
|
|
إلى أنْ بدت في الغاضريّة حسرّا
|
____________________________
في قصر الإمارة
لمّا رجع ابن زياد من معسكره بالنّخيلة ودخل قصر الإمارة
ووضع أمامه الرأس المقدّس، سالت الحيطان دماً
وخرجت نار من بعض نواحي القصر وقصدت سرير ابن زياد
فولّى هارباً منها ودخل بعض بيوت القصر فتكلّم الرأس الأزهر بصوت جهوري - سمعه ابن زيد وبعض مَن حضر -:«إلى أين تهرب فإنْ لَم تنلك في الدنيا فهي في الآخرة مثواك»
، ولَم يسكت حتّى ذهبت النّار. واُدهش مَن في القصر لهذا الحادث الذي لَم يشاهد مثله
ولَم يرتدع ابن زياد لهذا الحادث بل أذِن للنّاس إذناً عامّاً، وأمر بإدخال السّبايا مجلسه، فاُدخلت عليه حرم رسول الله بحالة تقشعّر لها الجلود
.
أبـرزت حـاسرة لـكن على
|
|
حـالة لَـم تبقَ للجلد اصطبارا
|
لا خـمار يـستر الـوجه وهل
|
|
لـكريمات الـهدى أبقَوا خمارا
|
لا مــن ألـبسها مـن نـوره
|
|
أزراً مـذ سـلبوا عنها الازارا
|
لـم تُـدع يا شلّتِ الأيدي لها
|
|
من حجاب فيه عنهم تتوارى
|
ووضع رأس الحسينعليهالسلام
بين يدَيه، وجعل ينكت بالقضيب ثناياه
____________________________
ساعة، فقال له زيد بن أرقم: ارفع القضيب عن هاتين الشفتين؛ فوالله الذي لا إله إلاّ هو لقد رأيت شفتي رسول الله على هاتين الشفتين يقبّلهما. ثمّ بكى، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك، فوالله لَولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك. فخرج زيد من المجلس وهو يقول: ملك عبد عُبُداً فاتخذهم تلداً، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمّرتم ابن مرجانة، يقتل خياركم ويستعبد شراركم، فرضيتم بالذلّ فبُعداً لمَن رضي بالذلّ
.
وانحازت زينب ابنة أمير المؤمنينعليهالسلام
عن النّساء وهي متنكّرة، لكن جلال النبوّة وبهاء الإمامة المنسدل عليها استلفت نظر ابن زياد فقال: من هذه المتنكّرة؟
قيل له: ابنة أمير المؤمنين زينب العقيلة.
فأراد أنْ يحرق قلبها بأكثر ممّا جاء إليهم فقال متشمّتاً: الحمد لله الذي فضحكم، وقتلكم وأكذب اُحدوثتكم.
فقالتعليهاالسلام
: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد وطهّرنا من الرجس تطهيراً، إنّما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا.
قال ابن زياد: كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟
قالتعليهاالسلام
: ما رأيت إلاّ جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاجَّ وتُخاصم
فانظر لمَن الفلج يومئذ، ثكلتك اُمّك يابن مرجانة
.
فغضب ابن زياد، واستشاط من كلامها معه في ذلك المحتشد وهمَّ بها.
فقال له عمرو بن حريث: إنّها امرأة، وهل تؤاخذ بشيء من منطقها، ولا تلام على خطل.
____________________________
فالتفت إليها ابن زياد وقال: لقد شفى الله قلبي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك!.
فرقّت العقيلة وقالت: لَعمري لقد قتلت كهلي، وابرزت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإنْ يشفك هذا فقد اشتفيت
.
والتفت إلى علي بن الحسينعليهالسلام
وقال له: ما اسمك؟ قال:«أنا علي بن الحسين».
فقال له: أوَلَم يقتل الله علياً؟
فقال السّجادعليهالسلام
:«كان لي أخ أكبر منّي
يُسمّى علياً قتله النّاس».
فردَّ عليه ابن زياد بأنّ الله قتله.
قال السّجادعليهالسلام
:«الله يتوفّى الأنفس حين موتها، وما كان لنفس أنْ تموت إلاّ بإذن الله»
.
فكبر على ابن زياد أنْ يرد عليه، فأمر أنْ تضرب عنقه.
لكن عمتّه العقيلة اعتنقته وقالت: حسبك يابن زياد من دمائنا ما سفكت، وهل أبقيت أحداً
غير هذا؟ فإنْ أردت قتله، فاقتلني معه.
فقال السّجادعليهالسلام
:«أما علمتَ أنّ القتل لنا عادة، وكرامتنا من الله الشهادة؟!»
فنظر ابن زياد إليهما وقال: دعوه لها، عجباً للرحم! ودَّت أنّها تُقتل معه
.
وأخذت الرباب زوجة الحسينعليهالسلام
الرأس ووضعته في حجرها وقبّلته وقالت:
____________________________
وا حـسيناً فـلا نسيت حسيناً
|
|
اقـصـدته أسـنَّة الاعـداء
|
غـادروه بـكربلاء صريعاً
|
|
لا سقى الله جانبي كربلاء
|
ولما وضح لابن زياد ولولة النّاس ولغط أهل المجلس خصوصاً لمّا تكلّمت معه زينب العقيلة خاف هياج النّاس فأمر الشرطة بحبس الاُسارى في دار إلى جنب المسجد الأعظم
قال حاجب ابن زياد: كنت معهم حين أمر بهم إلى السّجن فرأيت الرجال والنّساء مجتمعين يبكون ويلطمون وجوههم
. فصاحت زينب بالنّاس: لا تدخل علينا إلاّ مملوكة أو اُمّ ولد؛ فإنّهنّ سُبين كما سُبينا
.
تشير الحوراء العقيلة إلى أنّ المسبيّة تعرف مضض عناء الذلّ فلا يصدر منها غير المحمود من شماتة وغيرها، وهذا شيء معروف لا ينكر، فقد ورد أنّ جسّاس بن مرّة لمّا قَتل كليب بن ربيعة، وكانت اُخت جسّاس زوجة كليب، واجتمع نساء الحي للمأتم على كليب، قلن لأخت كليب: رحّلي جليلة عن مأتمك؛ فإنّ قيامها فيه شماتة وعار علينا عند العرب فإنّك اُخت واترنا وقاتلنا، فخرجت وهي تجرّ أذيالها ولمّا رحلت قالت اُخت كليب: رحلة المعتدي وفراق الشامت
.
ودعا بهم ابن زياد مرّة اُخرى فلمّا اُدخلوا عليه، رأين النّسوة رأس الحسينعليهالسلام
بين يدَيه والأنوار الإلهيّة تتصاعد من أساريره إلى عنان السّماء، فلم تتمالك الرباب زوجة الحسينعليهالسلام
دون أنْ وقعت عليه تقبّله، وقالت:
إنَّ الذي كان نوراً يستضاء به
|
|
بـكربلاء قـتيل غير مدفون
|
سبط النبيّ جزاك الله صالحة
|
|
عنّا وجنبت خسران الموازين
|
قد كنتَ لي جبلاً صعبا ألوذ به
|
|
وكنتَ تصحبنا بالرحم والدِّين
|
مَن لليتامى ومَن للسائلين ومَن
|
|
يـعنى ويأوى إليه كلّ مسكين
|
____________________________
والله لا ابتغي صهراً بصهركُمُ
|
|
حتّى أغَيَّبَ بين الماء والطين
|
ابن عفيف
قال حميد بن مسلم: أمر ابن زياد أنْ ينادى الصلاة جامعة، فاجتمعوا في الجامع الأعظم، ورقى ابن زياد المنبر فقال: الحمد لله الذي أظهر الحقّ وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب الحسين بن علي وشيعته
.
فلم ينكر عليه أحد من اُولئك الجمع الذي غمره الضلال إلاّ عبد الله بن عفيف الأزدي ثمّ الغامدي أحد بني والبة فإنّه قام إليه وقال:
يا ابن مرجانة، الكذّاب ابن الكذّاب أنت وأبوك والذي ولاّك وأبوه، يابن مرجانة أتقتلون أبناء النبيّين وتتكلّمون بكلام الصدّيقين؟!
فقال ابن زياد: مَن هذا المتكلّم؟
قال ابن عفيف: أنا المتكلّم يا عدوّ الله! تقتلون الذريّة الطاهرة التي أذهب الله عنهم الرجس، وتزعم أنّك على دين الإسلام؟! وا غوثاه! أين أولاد المهاجرين والأنصار لينتقموا من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمّد رسول ربّ العالمين.
فازداد غضب ابن زياد وقال: عليّ به. فقامت إليه
الشرطة.
فنادى ابن عفيف بشعار الازد: (يا مبرور). فوثب إليه عدد كثير ممَّن حضر من الأزد وانتزعوه وأتَوا به أهله.
وقال له عبد الرحمن بن مخنف الأزدي: ويح غيرك لقد أهلكت نفسك وعشيرتك
.
____________________________
ثمّ أمر ابن زياد بحبس جماعة من الأزد، فيهم عبد الرحمن بن مخنف الأزدي
وفي الليل ذهب جماعة من قِبل ابن زياد إلى منزله؛ ليأتوه به، فلمّا بلغ الأزد ذلك تجمَّعوا وانضمَّ إليهم أحلافهم من اليمن، وبلغ ابن زياد تجمّعهم فأرسل مضر مع محمّد بن الأشعث
، فاقتتلوا أشدّ قتال وقُتل من الفريقَين جماعة، ووصل ابن الأشعث إلى دار ابن عفيف واقتحموا الدار، فصاحت ابنته: أتاك القوم.
قال لها: لا عليك، ناوليني سيفي. فجعل يذبّ به عن نفسه، ويقول:
إنّ ابن ذي الفضل العفيف الطّاهر
|
|
عـفيف شـيخي وابـن اُمّ عامر
|
كـم دارعٍ مـن جـمعكم وحاسر
|
|
وبــطـل جـدّلـته مـغـادر
|
وابنته تقول له: ليتني كنت رجلاً، أذبّ بَين يدَيك هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة.
ولَم يقدر أحد منهم أنْ يدنو منه فإنّ ابنته تقول له: أتاك القوم من جهة كذا. ولما أحاطوا به صاحت: وا ذلاّه! يُحاط بأبي وليس له ناصر يستعين به. وهو يدور بسيفه ويقول:
أقسمُ لو يفسح لي عن بصري
|
|
ضاق عليكم موردي ومصدري
|
وبعد أنْ تكاثروا عليه، أخذوه وأتوا به إلى ابن زياد فقال له: الحمد لله الذي أخزاك.
قال ابن عفيف: وبماذا أخزاني؟
والله لو فرج لي عن بصري
|
|
ضاق عليكم موردي ومصدري
|
قال ابن زياد: يا عدوّ الله ما تقول في عثمان.
فشتمه ابن عفيف وقال: ما أنت وعثمان؟ أساء أم أحسن، أصلح أم أفسد، وإنّ الله تبارك وتعالى وليُّ خلقه يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل والحقّ، ولكن سلني
____________________________
عن أبيك وعنك وعن يزيد وأبيه.
فقال ابن زياد: لا سألتك عن شيء ولتذوق الموت غصّة بعد غصّة.
قال ابن عفيف: الحمد لله ربّ العالمين أمّا إنّي كنت أسأل ربّي أنْ يرزقني الشهادة من قبل أنْ تلدك اُمّك، وسألت الله أنْ يجعلها على يدَي العن خلقه وأبغضهم إليه ولمّا كفّ بصري يئست من الشهادة، أمّا الآن والحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس منه، وعرّفني الإجابة في قديم دعائي. فأمر ابن زياد بضرب عنقه، وصلبه في السّبخة
.
ودعا ابن زياد بجندب بن عبد الله الأزدي، وكان شيخاً كبيراً، فقال له: يا عدوّ الله ألست صاحب أبي تراب في صفّين؟ قال: نعم، وإنّي لاُحبّه وأفتخر به، وأمقتك وأباك سيّما الآن، وقد قتلت سبط الرسول وصحبه وأهله، ولَم تخف من العزيز الجبّار المنتقم. فقال ابن زياد: إنّك لأقلّ حياءً من ذلك الأعمى وإنّي ما أراني إلاّ متقرّباً إلى الله بدمك. فقال ابن جندب: إذاً لا يقرّبك الله. وخاف ابن زياد من نهوض عشيرته فتركه وقال: إنّه شيخ ذهب عقله وخرف. وخلي سبيله
.
المختار الثقفي
لمّا أحضر ابن زياد السّبايا في مجلسه، أمر بإحضار المختار، وكان محبوساً عنده من يوم قَتْل مسلم بن عقيل، فلمّا رأى المختار هيئة منكرة زفر زفرة شديدة وجرى بينه وبين ابن زياد كلام أغلظ فيه المختار فغضب ابن زياد وارجعه إلى الحبس
ويقال ضربه بالسّوط على عينه فذهبت
.
وبعد قَتْل ابن عفيف كان المختار بن أبي عبيد الثقفي مطلق السراح بشفاعة عبد الله بن عمر بن الخطاب عند يزيد؛ فإنّه زوج اُخته صفيّة بنت أبي
____________________________
عبيد الثقفي، ولكن ابن زياد أجّله في الكوفة ثلاثاً، ولمّا خطب ابن زياد بعد قَتْل ابن عفيف ونال من أمير المؤمنينعليهالسلام
، ثار المختار في وجهه وشتمه وقال: كذبت يا عدوّ الله وعدوّ رسوله، بل الحمد لله الذي أعزَّ الحسينعليهالسلام
وجيشه بالجنّة والمغفرة وأذلَّك وأذلَّ يزيد وجيشه بالنّار والخزي. فحذفه ابن زياد بعمود حديد فكسر جبهته، وأمر به إلى السّجن ولكن النّاس عرّفوه بأنّ عمر بن سعد صهره على اُخته وصهره الآخر عبد الله بن عمر وذكروا ارتفاع نسبه، فعدل عن قتله وأبقاه في السّجن. ثمّ تشفّع فيه ثانياً عبد الله بن عمر عند يزيد، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بإطلاقه
.
ثمّ أخذ المختار يخبر الشيعة بما علمه من خواص أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام
من نهضته بثأر الحسينعليهالسلام
وقتله ابن زياد والذين تألبوا على الحسينعليهالسلام
.
ومن ذلك إنّه كان في حبس ابن زياد، ومعه عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، وميثم التمّار. فطلب عبد الله بن الحارث حديدة يزيل بها شعر بدنه وقال: لا آمن من ابن زياد القتل فأكون قد ألقيت ما على بدني من الشعر، فقال له المختار: والله لا يقتلك ولا يقتلني ولا يأتي عليك إلاّ القليل حتّى تلي البصرة، وميثم يسمع كلامهما فقال للمختار: وأنت تخرج ثائراً بدم الحسينعليهالسلام
وتقتل هذا الذي يريد قتلنا وتطأ بقدميك على وجنتيه
. فكان الأمر كما قالا.
خرج عبد الله بن الحارث بالبصرة بعد هلاك يزيد، وأمّره أهل البصرة، وبقي على هذا سنة، وخرج المختار طالباً بدم الحسينعليهالسلام
فقتل ابن زياد، وحرملة بن كاهل، وشمر بن ذي الجوشن إلى العدد الكثير من أهل الكوفة الخارجين على الحسينعليهالسلام
، فبلغ من قتلهم ثمانية عشر ألفاً - كما يحدّث به ابن نما الحلّي - وهرب منهم إلى مصعب الزبيري زهاء عشرة آلاف
فيهم شبث بن ربعي جاء راكباً بغلة قد قطع اُذنها وذنبها في قباء مشقوق وهو ينادي: وا غوثاه! سِر بنا إلى محاربة هذا الفاسق الذي هدم دورنا وقتل أشرافنا
.
____________________________
كلام الرأس المقدّس
لهفي لرأسك فوق مسلوب القنا
|
|
يـكسوه مـن أنـواره جلبابا
|
يتلو الكتاب على السّنان وإنّما
|
|
رفعوا به فوق السّنان كتابا
|
لَم يزل السّبط الشهيد حليف القرآن منذ أنشأ كيانه؛ لأنّهما ثقلا رسول الله وخليفتاه على اُمّته. وقد نصّ الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
بأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض، فبذلك كان الحسينعليهالسلام
غير مبارح تلاوته طيلة حياته في تهذيبه وإرشاده وتبليغه في حلّه ومرتحله حتّى في موقفه يوم الطفّ بين ظهراني اُولئك المتجمهرين عليه ليتمّ عليهم الحجّة ويوضح لهم المحَجّة. هكذا كان ابن رسول الله يسير إلى غايته المقدّسة سيراً حثيثاً حتّى طفق يتلو القرآن رأسه المطهّر فوق عامل السنان؛ عسى أن يحصل في القوم من يكهربه نور الحقّ، غير أنّ داعية الهدى لَم يصادف إلاّ قصوراً في الإدراك وطبعاً في القلوب وصمما في الآذان(
خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ
)
.
ولا يستغرب هذا مَن يفقه الأسرار الالهيّة، فإنّ المولى سبحانه بعد أنْ أوجب على سيّد الشهداء النّهضة لسدّ أبواب الضلال بذلك الشكل المحدّد الظرف والمكان والكيفيّة لمصالح أدركها الجليل جلّ شأنه، فأوحى إلى نبيّه الأقدس أنْ يقرأ هذه الصفحة الخالصة على ولده الحسينعليهالسلام
، فلا سبيل إلاّ التسليم والخضوع للأصلح المرضي لربّ العالمين(
لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
)
. وحيث أراد المهيمن تعالى بهذه النّهضة المقدّسة تعريف الاُمّة الحاضرة والأجيال المتعاقبة ضلال الملتوين عن الصراط السّوي العابثين بقداسة الشريعة، أحبّ الإتيان بكلّ ما فيه توطيد اُسس هذه الشهادة التي كتبت بدمها الطاهر صحائف نيّرة من أعمال الثائرين في وجه المنكر، فكانت هذه محفوفة بغرائب لا تصل إليها الأفهام، ومنها استشهاد الرأس المعظّم بالآيات الكريمة، والكلام من رأس مقطوع أبلغ في إتمام الحجّة على مَن أعمته الشهوات عن إبصار الحقائق، وفيه تركيز العقائد على أحقيّة دعوته التي لَم يقصد بها إلاّ الطاعة لربّ العالمين ووخامة عاقبة مَن مدّ عليه يد السّوء والعدوان، كما نبّه الاُمّة على ضلال مَن جرّأهم على
____________________________
الطغيان.
ولا بدع القدرة الإلهيّة إذا مكّنت رأس الحسينعليهالسلام
من الكلام للمصالح التي نقصر عن الوصول إلى كنهها بعد أن اُودعت في الشجرة
قوّة الكلام مع نبي الله موسى بن عمرانعليهالسلام
عند المناجاة، وهل تقاس الشجرة برأس المنحور في طاعة الرحمن سبحانه؟... كلاّ.
قال زيد بن أرقم: كنت في غرفة لي فمرّوا عليَّ بالرأس وهو يقرأ(
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا
)
فوقف شعري وقلت: والله يابن رسول الله رأسك أعجب وأعجب
. ولما نُصب الرأس الأقدس في موضع الصيارفة وهناك لغط المارّة وضوضاء المتعاملين، فأراد سيّد الشهداء توجيه النّفوس نحوه ليسمعوا بليغ عظاته، فتنحنح الرأس تنحنحاً عالياً فاتّجهت إليه النّاس واعترتهم الدهشة؛ حيث لَم يسمعوا رأساً مقطوعاً يتنحنح قبل يوم الحسينعليهالسلام
، فعندها قرأ سورة الكهف إلى قوله تعالى:
(
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى
)
. وصُلب على شجرة فاجتمع النّاس حولها ينظرون إلى النّور السّاطع، فأخذ يقرأ(
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ
)
. قال هلال بن معاوية: رأيت رجلا يحمل رأس الحسينعليهالسلام
والرأس يخاطبه: فرَّقت بين رأسي وبدني فرق الله بين لحمك وعظمك وجعلك آية ونكالا للعالمين فرفع السوط واخذ يضرب الرأس حتّى سكت
. وسمع سليمة بن كهيل الرأس يقرأ وهو على القناة(
فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
)
.
____________________________
ويحدّث ابن وكيدة أنّه سمع الرأس يقرأ سورة الكهف، فشكّ في أنّه صوته أو غيره فتركعليهالسلام
القراءة والتفت إليه يخاطبه:«يابن وكيدة أما علمت أنّا معشر الأئمّة أحياء عند ربهم يرزقون؟»
.
فعزم على أنْ يسرق الرأس ويدفنه.
وإذا الخطاب من الرأس الأزهر:«يابن وكيدة، ليس إلى ذلك من سبيل، إنّ سفكهم دمي أعظم عند الله من تسييري على الرمح، فذرهم فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسّلاسل يسحبون»
.
قال المنهال بن عمرو: رأيت رأس الحسينعليهالسلام
بدمشق على رمح وأمامه رجل يقرأ سورة الكهف حتّى إذا بلغ إلى قوله تعالى:(
أَمْ حَسِبْتَ أَنّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً
)
نطق الرأس بلسان فصيح:«أعجب من أصحاب الكهف، قتلي وحَملي»
.
ولما أمر يزيد بقتل رسول ملك الروم حيث أنكر عليه فعلته نطق الرأس بصوت رفيع:«لا حول ولا قوّة إلاّ بالله»
.
أروحـك ام روح الـنبوّة تـصعد
|
|
من الأرض للفردوس والحور سجَّد
|
ورأسك أم رأس الرسول على القنا
|
|
بـآيه أهـل الـكهف راح يـردّد
|
وصـدرك أم مستودع العلم والحجى
|
|
لـتحطيمه جـيش من الجهل يعمد
|
واُمّــك أم اُمّ الـكتاب تـنهَّدت
|
|
فــذاب نـشيجاً قـلبها الـمتنهّد
|
وشـاطرت الأرضُ السّماءَ بشجوها
|
|
فـواحـدة تـنعى واُخـرى تـعدّد
|
وقـد نـصب الوحي العزاء ببيته
|
|
عـليك حـداداً والـمعزّى محمَّد
|
يـلوح لـه الـثقلان ثقل ممزّق
|
|
بـسـهم وثـقل بـالسّيوف مـقدَّد
|
فـعترته بـالسّيف والـسّهم بعضها
|
|
شـهـيد وبـعض بـالفلاة مـشرَّد
|
وأيّ شـهيد أصـلت الشمس جسمه
|
|
ومـشـهدها مـن أصـله مـتولَّد
|
وأيّ ذبـيح داسـت الـخيل صدره
|
|
وفـرسـانها مـن ذكـره تـتجمَّد
|
____________________________
ألـم تـك تـدري أنَّ روح محمَّد
|
|
كـقرآنه فـي سـبطه مـتجسَّد
|
فـلو عـلمت تـلك الخيلول كاهلها
|
|
بـأنَّ الـذي تحت السنابك أحمد
|
لـثارت عـلى فـرسانها وتمرَّدت
|
|
عـليهم كـما ثـاروا بها وتمرَّدوا
|
فـرى الغيّ نحراً يغبط البدر نوره
|
|
وفـي كـل عـرق منه للحق فرقد
|
وهـشَّم أضلاعاً بها العطف مودع
|
|
وقـطَّع أنـفاساًبها الـلطف موجد
|
وأعـظم مـا يشجي النّفوس حرائر
|
|
تـضام وحـاميها الـوحيد مقيَّد
|
فـمن مـوثَق يـشكو التشدّد من يد
|
|
ومـوثـقة تـبكي فـتلطمها الـيد
|
كـأنَّ رسـول الله قـال لـقومه
|
|
خذوا وتركم من عترتي وتشدَّدوا
|
طغيان الأشدق
قال ابن جرير: أرسل ابن زياد عبد الملك بن الحارث السّلمي إلى المدينة ليبشّر عمرو بن سعيد الأشدق
بقتل الحسين، فاعتذر بالمرض، فلم يقبل منه، وكان ابن زياد شديد الوطأة لا يصطلى بناره، وأمره أن يجدَّ السّير، فإن قامت به الراحلة يشتري غيرها، ولا يسبقه الخبر من غيره، فسار مجدَّاً حتّى إذا وصل المدينة لقيه رجل من قريش وسأله عمّا عنده فقال له: الخبر عند الأمير. ولمّا أعلم ابن سعيد بقتل الحسين، فرح واهتزّ بشراً وشماتة.
وأمر المنادي أن يعلن بقتله في أزقّة المدينة، فلم يسمع ذلك اليوم واعية مثل واعية نساء بني هاشم في دورهن على سيّد شباب أهل الجنّة واتّصلت الصيحة بدار الأشدق فضحك وتمثّل بقول عمرو بن معد يكرب:
عجَّت نساء بني زياد عجَّة
|
|
كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
|
ثمّ قال: واعية بواعية عثمان
.
____________________________
والتفت إلى قبر رسول الله وقال: يوم بيوم بدر يا رسول الله. فأنكر عليه قوم من الأنصار
.
ثمّ رقى المنبر وقال: أيّها النّاس، إنّها لدمة بلدمة وصدمة بصدمة، كم خطبة بعد خطبة حكمة بالغة فما تغني النّذر، لقد كان يسبّنا ونمدحه، ويقطعنا ونصله، كعادتنا وعادته، ولكن كيف نصنع بمَن سلَّ سيفه علينا يريد قتلنا إلاّ أنْ ندفعه عن أنفسنا.
فقام إليه عبد الله بن السائب وقال: لَو كانت فاطمة حيَّة ورأت رأس الحسين لبكت عليه.
فزجره عمرو بن سعيد وقال: نحن أحقّ بفاطمة منك؛ أبوها عمّنا وزوجها أخونا واُمّها ابنتنا، ولَو كانت فاطمة حيَّة لبكت عينها وما لامت من قتله ودفعه عن نفسه
.
وكان عمرو فظّا غليظاً قاسياً، أمر صاحب شرطته على المدينة عمرو بن الزبير بن العوام
بعد قتل الحسينعليهالسلام
أنْ يهدم دور بني هاشم، ففعل وبلغ منهم كلّ مبلغ وهدم دار ابن مطيع، وضرب النّاس ضرباً شديداً، فهربوا منه إلى ابن الزبير
.
وسمّي بالأشدق؛ لأنّه أصابه اعوجاج في حلقه إلى الجانب الآخر؛ لإغراقه في شتم علي بن أبي طالبعليهالسلام
، وعاقبه الله شرّ عقوبة حيث حُمل إلى عبد الملك بن مروان مقيّداً بالحديد، وبعد أنْ أكثر من عتابه أمر به فقُتل
.
وخرجت بنت عقيل بن أبي طالب في جماعة من نساء قومها حتّى انتهت إلى قبر النّبيصلىاللهعليهوآله
، فلاذت به وشهقت عنده، ثمّ التفتت إلى المهاجرين والأنصار تقول:
____________________________
مـاذا تـقولون إنْ قال النّبي لكم
|
|
يوم الحساب وصدق القول مسموع
|
خـذلتموا عـترتي أو كـنتم غيبا
|
|
والـحقّ عـند وليّ الأمر مجموع
|
اسـلمتموهم بـأيدي الظالمين فما
|
|
مـنكم لـه اليوم عند الله مشفوع
|
ما كان عند غداة الطَّف إذ حضروا
|
|
تـلك الـمنايا ولا عـنهنَّ مدفوع
|
فأبكت مَن حضر، ولَم يرَ باكٍ وباكية أكثر من ذلك اليوم
. وكانت اُختها زينب تندب الحسينعليهالسلام
بأشجى ندبة وتقول:
مـاذا تـقولون إذ قـال النّبي لكم
|
|
مـاذا فـعلتم وأنـتم آخـر الاُمم
|
بـعترتي وبـأهلي بـعد مفتقدي
|
|
مـنهم اُسارى ومنهم ضرَّجوا بدم
|
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم
|
|
أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
|
اُمّ البنين
لَم أعثر على نصّ، يوثق به يدلّ على حياة اُمّ البنين يوم الطفّ، وما
____________________________
يذكر لحياتها في ذلك اليوم مردّه أقوال ثلاثة:
الأول: قول العلامة محمّد حسن القزويني في رياض الأحزان ص ٦٠: اُقيم العزاء والمصيبة في دار اُمّ البنين زوجة أمير المؤمنين واُمّ العبّاس وإخوته.
الثاني: قول السّماوي في إبصار العين ص ٣١ الطبعة الأولى: وأنا أسترقّ جدّاً من رثاء اُمّه فاطمة اُمّ البنين الذي أنشده أبو الحسن الأخفش في شرح الكامل، وقد كانت تخرج إلى البقيع كلّ يوم ترثيه وتحمل ولده عبد الله، فيجتمع لسماع رثائها أهل المدينة، وفيهم مروان بن الحكم فيبكون لشجّي الندبة (ا هـ).
الثالث: رواية أبي الفرج في مقاتل الطالبيين في مقتل العبّاس: عن محمّد بن علي بن حمزة عن النوفلي عن حمّاد بن عيسى الجهني عن معاوية بن عمّار عن جعفر: أنّ اُمّ البنين - اُمّ الإخوة الأربعة القتلى - تخرج إلى البقيع تندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع النّاس إليها ليسمعوا منها، وكان مروان يجيء فيمَن يجيء لذلك، فلا يزال يسمع ندبتها (ا هـ).
هذا كلّ ما وجدناه ممّا يمكن أن يكون مصدراً لحياتها يوم الطفّ، فالأول لا دلالة فيه فإنّ غايته أنّ العزاء اُقيم في دار اُمّ البنين، وأمّا كونها موجودة، فلا صراحة فيه على أنّه لا يعدو الحكاية التي سجّلها أبو الفرج وأخذها قليل التفكير في التنقيب. والثاني: واضح الدلالة على استقائه من أبي الفرج فإنّ نصّ (إبصار العين للسماوي) مثل ما في مقاتل الطالبيين، واذاً فلا يعد رأياً ثانياً...
وشرح الكامل المنسوب للأخفش لَم أجد واحداً من أرباب التراجم ناصّاً عليه مع فحصي الكثير لتراجم كلّ مَن سُمّي بالأخفش. وأمّا الشيخ السّماوي فكثيراً ما سألته عن مصدر هذا الشرح فلَم أجد منه إلاّ السّكوت، وقد صارحته بمعتقدي في كَون (الأبيات) له وأراد تمشية الكلام بهذا البيان، فعلى المولى سبحانه أجره...!
ومثله المجلسي في البحار ج ١٠ ص ٢٠١، حاكياً عن أبي الفرج، وحديث أبي الفرج في هذه القصّة فيه اُمور:
١- إنّ رجال إسناده لا يعبأ بهم، فإنّ النّوفلي وهو يزيد بن المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطّلب بن هاشم ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب ج ١١ ص ٣٤٧، وحكي عن أحمد: إنّ عنده مناكير، وعند أبي زرعة، ضعيف الحديث، وعامّة ما يرويه غير محفوظ، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جداً، وقال النّسائي: متروك الحديث...
ومعاوية بن عمار بن أبي معاوية في تهذيب التهذيب ج ١٠ ص ٢١٤، قال أبو حاتم: لا يحتجّ بحديثه، وإنْ اُريد غير هذا فمجهول.
٢- إنّ اُمّ البنين اقتبست من سيّد الأوصياء ومن سيّدَي شباب أهل الجنّة المعارف الإلهيّة والآداب المحمّديّة ما يأخذ بها إلى أسمى درجة من اليقين، فلا يصدر منها ما لا يتّفق مع قانون الشريعة النّاهي عن تعرّض المرأة للأجانب تحريماً أو تنزيهاً، إذا لَم تكن ضرورة هناك، ومن البديهي أنّ اللازم للمرأة عند ندبة فقيدها الجلوس في بيتها والتحصّن به عن رؤية الأجانب لها، وسماع صوتها الذي لَم تدع الضرورة إليه، وإذا كان السجّادعليهالسلام
يقول لأبي خالد الكابلي - حينما تعجّب من فتح باب الدار -:«يا أبا خالد، إنّ جارة لنا خرجت ولا علم لها بالتواء الباب، ولا يجوز لبنات رسول الله أن يخرجن فيصفقن الباب»
.
وإذاً من تربّى في بيتهم وتأدّب بآدابهم لا يمرق عن طريقتهم. ولا يمكن التشكيك في تجاوز اُمّ البنين الحدود الالهيّة التي وضعتها الشريعة في أعناق النّساء.
وأمّا الصدّيقة الزهراءعليهاالسلام
فقد ألجأها شيوخ المدينة على الخروج إلى البقيع لندبة أبيهاصلىاللهعليهوآله
فصنع لها أميرالمؤمنين بيتاً من جريد النّخل تتحصّن به من الأجانب سمّاه (بيت الأحزان)
، ولَم ينقل المؤرخون إنّ النّاس يحضرون
____________________________
لسماع ندبتها، فيبكون على اُفول شمس النبوّة وانقطاع وحي السّماء، وطموس النصائح الالهيّة.
٣- إنّ المرأة إنّما تبكي فقيدها في الجبانة إذا كان مقبوراً هناك. ولَم ينقل أحد خروج المرأة إلى المقبرة على حميمها وهو مدفون في غيرها والعادة متساوية في جميع العصور... ونسبة (أبي الفرج) خروج اُمّ البنين إلى البقيع فرية واضحة؛ إذ لا شاهد عليها، وغايته التعريف بأنّ مروان بن الحكم رقيق القلب، فاستدرار الدمعة إنّما يتسبّب من انفعال النّفس بتصوّر العدوان الوارد على مَن يمتّ بحميمه بنحو من أسباب الصلة فيحتدم القلب وتهيج العاطفة فسريع الدمعة تهمل عينه وعصيّها تجيش نفسه بالبكاء، ومروان بن الحكم هو المتشفّي بقتل الحسينعليهالسلام
وقد أظهر الفرح والشماتة بقوله لمّا نظر إلى رأس الحسينعليهالسلام
:
يـا حبّذا بردك في اليدين
|
|
ولـونك الأحمر في الخدّين
|
كـأنـّه بـات بـعسجدين
|
|
شفيت نفسي من دم الحسين
|
٤- إنّ أبا الفرج في (المقاتل) ناقض نفسه حيث قال في مقتل العبّاسعليهالسلام
: وكان آخر من قُتل من إخوته من اُمّه وأبيه فحاز مواريثهم (ا هـ). وروايته هذه توافق النصّ الذي سجّله مصعب الزبيري في نسب قريش ص ٤٣ فإنّه قال: ورث العبّاس إخوته إذ لَم يكن لهم ولد، وورث العبّاس ابنه عبيد الله، وكان محمّد وعمر حيَّين فسلّم محمّد لعبيد الله ميراث عمومته وامتنع عمر حتّى صولح ورضي من حقه (ا هـ).
وقال أبو نصر البخاري في سرّ السلسلة العلويّة ص ٨٩ المطبعة الحيدريّة بالنّجف: لمّا كان يوم الطفّ قدّم الحسينعليهالسلام
إخوة العبّاس جعفراً وعثمان وعبد الله فقُتلوا جميعاً، فورثهم العبّاس، ثمّ قُتل العبّاس فورثهم جميعاً ابنه عبيد الله بن العبّاس، وهذا يفيدنا وثوقاً بوفاة اُمّ البنين يوم الطفّ فإنّها لَو كانت موجودة لكان ميراث إخوة العبّاس مختصّاً بها؛ لكونها اُمّهم، ولا يرثهم العبّاس حتّى ينتقل إلى ولده عبيد الله وعدم منازعة (محمّد بن الحنفيّة) لعبيد الله في ميراث عمومته على وفق الشريعة؛ لأنّ العبّاس يتّصل بإخوته الشهداء بسببين: الأب والاُمّ، ومحمّد يتصل بهم من جهة الأب، وذو السّببين يقدّم في الميراث، ولَم يفقه عمر الأطرف وجه المسألة، وهو ابن علي باب مدينة العلم، وكان عليه أنْ يراجع إمام الاُمّة زين العابدينعليهالسلام
كَي لا يقع في
الهلكة، إنْ كان ما ينسب إليه من المنازعة صحيحاً ولعلّ ما يذكر في عمدة الطالب طبعة النّجف يؤيّد هذه النّسبة وذلك: إنّه خرج إلى النّاس في ثياب معصفرة يقول: أنا الرجل الحازم، حيث لَم أخرج فاقتل.
وقد وضح التناقض في كلام أبي الفرج فإنّ تسجيل خروج (اُمّ البنين) إلى البقيع وندبتها أولادها يدلّ على حياتها يوم الطفّ، ثمّ نصّه على ميراث العبّاس لإخوته يشهد بوفاتها ذلك اليوم... وكم له من هفوات!
عبد الله بن جعفر
قال ابن جرير: لما ورد نعي الحسينعليهالسلام
جلس عبد الله بن جعفر للعزاء، وأقبل النّاس يعزّونه فقال مولاه (أبو اللسلاس)
: هذا ما لقيناه من الحسين.
فحذفه بنعله وقال: يابن اللخناء أللحسين تقول ذلك؟! والله لو شهدته لأحببت أنْ لا اُفارقه حتّى اُقتل معه، والله إنّه لمِّما يسخى بنفسه عن ولديّ ويهون عليّ المصاب بهما أنّهما أصيبا مع أخي وابن عمّي مواسيَين له صابرَين معه. ثمّ أقبل على جلسائه وقال: الحمد لله لقد عزّ عليَّ المصاب بمصرع الحسينعليهالسلام
أنْ لا أكون واسيته بنفسي، فلقد واساه ولداي
...
ومن عجب التاريخ حديث البلاذري
والمحسن التنوخي
وفود عبد الله بن جعفر على (يزيد) وإكرامه إيّاه بأكثر ممّا يكرمه أبوه معاوية.
إنّ مَن يدرس نفسيّة ابن جعفر يتجلّى له كذب القصّة التي أرسلها المدائني واستند إليها البلاذري والتنوخي. فإنّ الواقف على الرجال الموتورين لا يعدّون الجزم بالتهاب قلوبهم ناراً على واترهم ويترقّبون الفرص للأخذ بالثأر. يشهد له حديث عبد الله بن اُبَي بن سلول مع النّبي، وذلك إنّ اُبياً لما صدر منه ما حكاه الكتاب العزيز(
لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ
)
فجاء عبد الله إلى نبيّ الإسلام وقال: لقد بلغتك هذه الكلمة من أبي؟
____________________________
قالصلىاللهعليهوآله
:«نعم»
فقال: إنّك تعلم ما أحد بارّ بأبيه مثلي، فإنْ أردت قتله فأمرني به؛ لأنّي أخاف أنْ تأمر غيري ولا اُحبّ أنْ أنظر إلى قاتل أبي فأعدو عليه فأقتله وأكون في النّار
... وهذه القصّة تعطينا صورة نيّرة عمّا عليه البشر من احتدام أولياء المقتول على القاتل وتربّصهم الفرص للأخذ بالثأر منه، ولَو كان القتل من جهة الشرك...
ولهذه الغريزة المطبوعة عليها جبلة النّاس كان عمر بن الخطاب يقول لسعيد بن العاص وقد اجتمع عنده في بعض الليالي هو وعثمان وعلي وابن عبّاس: ما لك معرضاً عنّي كأنّي قتلت أباك! إنّي لم أقتله ولكن أبا حسن قتله، فقال أمير المؤمنين:«اللهمّ غفراً ذهب الشرك بما فيه، ومحا الإسلام ما قبله، فلماذا تهيّج القلوب يا عمر؟»
فقال سعيد: لقد قتله كفؤ كريم، وهو أحبّ إليَّ من أن يقتله مَن ليس من عبد مناف
.
لم يكن من الهيّن على سعيد قتْل أبيه وإنْ كان كافراً وقُتل بسيف الدعوة المحمّديّة، والقاتل شريف جم المناقب ولم يحفّزه على إراقة دمه إلاّ نداء الربّ جلّ وعلا الموحى به إلى رسول السّماء، غير أنّ الخوف من صارم العدل حتم عليه التظاهر بالرضا مع انحناء أضالعه على أحرّ من جمر الغضا مرتقباً الفرصة في الأخذ بثاره، وقد ظهرت نار البغض على لسان ولده عمرو بن سعيد الأشدق يوم تولّى المدينة من قِبَل يزيد فلقد واجه ضريح النّبيصلىاللهعليهوآله
بلسان طويل مجاهر بقوله: يوم بيوم بدر يا رسول الله. ولما سمع صراخ نساء بني هاشم على سيّد شباب أهل الجنّة قال: واعية بواعية عثمان
.
فعبد الله بن جعفر يتّقد قلبه ناراً على ابن ميسون ويوّد لَو تمكّنه الفرصة وتأخذ المقادير إلى تدميره والقضاء عليه وعلى أهله وذويه، ومهما يكن ناسياً للأشياء فلا ينسى قتله أبي الضيم ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب والبهاليل من صحبه، ثمّ نكْته بالقضيب ثنايا ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وهل يستطيع ابن جعفر والحالة هذه أن يبصر يزيد وسيفه يقطر من دمائهم وقد صكّ سمعه إظهاره الشماتة بنبيّ الإسلام:
____________________________
قد قتلنا القرم من ساداتهم
|
|
وعدلنا ميل بدر فاعتدل
|
ثمّ إلى إنكاره الرسالة:
لعبت هاشم بالملك فلا
|
|
خبر جاء ولا وحي نزل
|
وهل ينسى ابن جعفر ليله ونهاره وقوف حرائر النبوّة بحالة يتصفّح وجوهها القريب والبعيد وأهل المنأهل والمعاقل.. والذي يهون الأمر أنّ المرسل للحديث هو المدائني الاُمويّ النّزعة والولاء، وكتابه مملوء بالأحاديث الرافعة للبيت الاُموي والواضعة من كرامة البيت العلوي، لا يلتفت إليها إلاّ العارف بأخبار الرجال وشخصيّات الرواة.
عبد الله بن عباس
لمّا بلغ يزيد امتناع عبد الله بن عبّاس عن البيعة لابن الزبير، كتب إليه: أمّا بعد، فقد بلغني أنّ الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته والدخول في طاعته لتكون على الباطل ظهيراً وفي المآثم شريكاً، فامتنعتَ عليه وانقبضتَ عنه؛ لما عرّفك الله في نفسك من حقّنا أهل البيت، فجزاك أفضل ما جزى الواصلين عن أرحامهم الموفين بعهودهم، ومهما أنسى من الأشياء فلا أنسى وصلك وحُسن جائزتك التي أنت أهلها في الطاعة والشرف والقرابة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، فانظر مَن قبلك من قومك، ومَن يطرأ عليك من أهل الآفاق ممَّن يسحره ابن الزبير بلسانه وزخرف قوله، فاجذبهم عنه فإنّهم لك أطوع ومنك أسمع منهم للملحد المارق، والسّلام.
فكتب إليه ابن عبّاس: أمّا بعد، فقد جاء في كتابك تذكر فيه دعاء ابن الزبير إيّاي إلى بيعته وأنّي امتنعت عليه معرفةً لحقّك، فإن يكن ذلك كذلك فلستُ أرجو بذلك برّك، ولكنّ الله بما أنوي عليم. وكتبتَ إليَّ أنّه أحثّ النّاس عليك وأخذلهم عن ابن الزبير، فلا ولا سرور ولا حبور، بفيك الكثكث ولك الأثلب وإنّك العازب الرأي أنْ منّتك نفسك وإنّك لأنت المنقود المثبور. وكتبت إليَّ بتعجيل برّي وصِلتي، فاحبس أيّها الإنسان برّك، فإنّي حابس عنك ودّي ونصرتي، ولَعمري ما تعطينا ممّا في يدك لنا إلاّ القليل، وتحبس منه الطويل العريض، لا أباً لك! أتراني أنسى قتلك حسيناً وفتيان بني عبد المطّلب ومصأبيح الدجى
ونجوم الهدى وأعلام التقى، وغادرتْهم خيولك بأمرك فأصبحوا مصرّعين في صعيد واحد، مزمّلين بالدماء مسلوبين بالعراء، لا مكفّنين ولا موسّدين، تسفي عليهم الرياح، وتغزوهم الذئاب وتنتابهم عوج الضباع حتّى أتاح الله لهم قوماً لَم يشركوا في دمائهم، فكفّنوهم وأجنّوهم، وبهم والله وبي من الله عليك العذاب.! ومهما أنسى من الأشياء فلستُ أنسى تسليطك عليهم الدعيّ بن الدعيّ الذي كان للعاهرة الفاجرة البعيد رحماً، اللئيم أباً واُمّاً، الذي اكتسب أبوك في ادّعائه العار والمأثم والمذلّة والخزي في الدنيا والآخرة؛ لأنّ رسول الله قال:«الولد للفراش، وللعاهر الحجر».
وإنّ أباك يزعم أنّ الولد لغير الفراش، ولا يضير العاهر، ويلحق به ولده كما يلحق به الولد الرشيد. ولقد أمات أبوك السُنّة جهلاً، وأحيا الأحداث المضلّة عمداً.
ومهما أنسى من الأشياء، فلستُ أنسى تسييرك حسيناً من حرم رسول الله إلى حرم الله تعالى، وتسييرك إليه الرجال وإدساسك إليهم أنْ يقتلوه، فما زلت بذلك وكذلك حتّى أخرجته من مكّة إلى أرض الكوفة تزأر به خيلك وجنودك زئير الأسد عداوةً منك لله ولرسوله ولأهل بيته. ثمّ كتبتَ إلى ابن مرجانة أنْ يستقبله بالخيل والرجال والأسنّة والسّيوف، وكتبت إليه بمعاجلته وترك مطاولته حتّى قتلته ومَن معه من فتيان بني عبد المطّلب أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، ونحن كذلك لا كآبائك الجفاة أكباد الحمير ولقد علمت أنّه كان أعزّ أهل البطحاء قديماً وأعزَّه بها حديثاً، لَو ثوى بالحرمين مقاماً واستحلَّ بها قتلاً، ولكنّه كره أنْ يكون هو الذي يستحلّ به حرم الله وحرم الرسول وحرمة البيت الحرام، فطلب الموادعة وسألكم الرجعة فطلبتم قلَّة أنصاره واستئصال أهل بيته كأنّكم تقتلون أهل بيت من الترك أو كابل.
وكيف تجدني على ودّك وتطلب نصري فقد قتلتَ بني أبي، وسيفك يقطر من دمي وأنت طلبة ثأري؟! فإنْ شاء الله لا يطل إليك دمي، ولا تسبقني بثأري وإنْ تسبقنا فقتلتنا ما قتلت به النبيون فطلب دمائهم في الدماء، وكان الموعد الله وكفى بالله للمظلومين ناصراً، ومن الظالمين منتقماً.
والعجب كلّ العجب ما عشت يريك الدهر عجباً، حملك بنات عبد المطّلب وأبناءهم اُغيلمةً صغاراً إليك بالشام! ترى أنّك قهرتنا وأنّك تذلّنا وبهم والله وبي مَنَّ الله عليك وعلى أبيك واُمّك من السّباء.
وأيم الله إنّك لتصبح وتمسي آمناً
لجراح يدي وليعظمنَّ جرحك بلساني ونقضي وإبرامي، لا يستفزنَّك الجدل فلن يمهلك الله بعد قتْل عترة رسول الله إلاّ قليلاً حتّى يأخذك الله أخذاً عزيزاً ويخرجك من الدنيا آثماً مذموماً، فعش لا أباً لك ما شئت ولقد أرداك عند الله ما اقترفت
.
السّبايا إلى الشام
وبعث ابن زياد رسولاً إلى يزيد يخبره بقتْل الحسينعليهالسلام
ومَن معه وأنّ عياله في الكوفة وينتظر أمره فيهم، فعاد الجواب بحملهم والرؤوس معهم
.
وكتب رقعةً ربط فيها حجراً ورماه في السّجن المحبوس فيه آل محمّدصلىاللهعليهوآله
وفيها: خرج البريد إلى يزيد بأمركم في يوم كذا، ويعود في كذا، فإذا سمعتم التكبير فأوصلوا وإلاّ فهو الأمان.
ورجع البريد من الشام يخبر بأنْ يسرّح آل الحسين إلى الشام
.
فأمر ابن زياد زجر بن قيس وأبا بردة بن عوف الأزدي وطارق بن ظبيان في جماعة من الكوفة أنْ يحملوا رأس الحسين ورؤوس مَن قُتل معه إلى يزيد
.
وقيل ذهب برأس الحسينعليهالسلام
مجبر بن مرّة بن خالد بن قناب بن عمر بن قيس بن الحرث بن مالك بن عبيد الله بن خزيمة بن لؤي
.
وسرّح في أثرهم علي بن الحسين مغلولة يدَيه إلى عنقه وعياله معه
على
____________________________
حال تقشعّر منها الأبدان
.
وكان معهم شمر بن ذي الجوشن، ومجفر بن ثعلبة العائدي
، وشبث بن ربعي، وعمرو بن الحَجّاج، وجماعة، وأمرهم أنْ يلحقوا الرؤوس ويشهّروهم في كلّ بلد يأتونها
فجدّوا السّير حتّى لحقوا بهم في بعض المنازل
.
وحدّث ابن لهيعة: إنّه رأى رجلاً متعلّقاً بأستار الكعبة يستغيث بربّه، ثمّ يقول: ولا أراك فاعلاً. فأخذتُه ناحيةً وقلت: إنّك لمجنون فإنّ الله غفور رحيم، ولَو كانت ذنوبك عدد القطر لغفرها لك. قال لي: اعلم كنتُ ممَّن سار برأس الحسين إلى الشام، فإذا أمسينا وضعنا الرأس وشربنا حوله، وفي ليلة كنت أحرسه، وأصحابي رقود، فرأيت برقاً وخلقاً أطافوا بالرأس، ففزعت واُدهشت ولزمت السّكوت، فسمعتُ بكاءاً وعويلاً وقائلاً يقول: يا محمّد إنّ الله أمرني أنْ اُطيعك، فلَو أمرتني أنْ اُزلزل بهؤلاء الأرض كما فعلت بقوم لوط، فقال لهصلىاللهعليهوآله
:«يا جبرئيل، إنّ لي موقفاً معهم يوم القيامة بين يدَي ربّي سبحانه».
فصحت: يا رسول الله الأمان! فقال لي:«اذهب فلا غفر الله لك»
. فهل ترى الله يغفر لي؟
.
وفي بعض المنازل وضعوا الرأس المطهّر فلم يشعر القوم إلاّ وقد ظهر قلم حديد من الحائط وكتب بالدم
.
____________________________
أترجو اُمّة قتلت حسيناً
|
|
شفاعةَ جَدّه يومَ الحساب؟
|
فلم يعتبروا بهذه الآية، وأرداهم العمى إلى مهوىً سحيق، ونِعم الحكم الله تعالى.
وقبل أنْ يصلوا الموضع بفرسخ، وضعوا الرأس على صخرة هناك، فسقطت منه قطرة دم على الصخرة، فكانت تغلي كلّ سنة يوم عاشوراء، ويجتمع النّاس هناك من الأطراف فيقيمون المأتم على الحسينعليهالسلام
ويكثر العويل حولها، وبقي هذا إلى أيّام عبد الملك بن مروان، فأمر بنقل الحجر فلم يُرَ له أثر بعد ذلك، ولكنّهم بنوا في محلّ الحجر قبّة سموها النّقطة
.
وكان بالقرب من حماة في بساتينها مسجد يقال له مسجد الحسينعليهالسلام
، ويحدّث القَومة: أنّ الحجر والأثر والدم موضع رأس الحسينعليهالسلام
حين ساروا به إلى دمشق
.
وبالقرب من حلب مشهد يعرف بـ (مسقط السّقط)
وذلك أنّ حرم
____________________________
الرسولصلىاللهعليهوآله
لما وصلوا إلى هذا المكان، أسقطت زوجة الحسينعليهالسلام
سقطاً كان يُسمى (محسناً)
.
وفي بعض المنازل نصبوا الرأس على رمح إلى جنب صومعة راهب، وفي أثناء الليل سمع الراهب تسبيحاً وتهليلاً، ورأى نوراً ساطعاً من الرأس المطهّر وسمع قائلاً يقول: السّلام عليك يا أبا عبد الله. فتعجّب حيث لَم يعرف الحال. وعند الصباح استخبر من القوم، قالو: إنّه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب واُمّه فاطمة بن محمّد النّبيصلىاللهعليهوآله
فقال لهم: تبّاً لكم أيّتها الجماعة، صدقت الأخبار في قولها (إذا قُتل تمطر السّماء دماً). وأراد منهم أنْ يقبّل الرأس فلَم يجيبوه إلاّ بعد أن دفع إليهم دراهم، ثمّ أظهر الشهادتين وأسلم ببركة المذبوح دون الدعوة الإلهيّة، ولمّا ارتحلوا عن هذا المكان نظروا إلى الدراهم وإذا مكتوب عليها: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون
.
أيُهدى إلى الشامات رأس ابن فاطمٍ
|
|
ويـقـرعه بـالخيزرانة كـاشحه
|
وتـُسبى كـريمات النبيّ حواسراً
|
|
تـغادي الجوى من ثكلها وتراوحه
|
يـلوح لها رأس الحسين على القنا
|
|
فـتبكي وينهاها عن الصبر لائحه
|
وشـيـبته مـخـضوبة بـدمائه
|
|
يـلاعبها غادي النسيم ورائحه
|
في الشام
ولما قربوا من دمشق، أرسلت اُمّ كلثوم إلى الشمر تسأله أنْ يدخلهم في درب قليل النظّار، ويخرجوا الرؤوس من بين المحامل؛ لكي يشتغل النّاس بالنّظر إلى
____________________________
الرؤوس فسلك بهم على حالة تقشعّر من ذكرها الأبدان وترتعد لها فرائص كلّ إنسان. وأمر أنْ يُسلك بهم بين النظّار، وأنْ يجعلوا الرؤوس وسط المحامل
.
وفي أول يوم من صفر دخلوا دمشق
فأوقفوهم على (باب السّاعات)
وقد خرج النّاس بالدفوف والبوقات، وهم في فرح وسرور، ودنا رجل من سكينة وقال: من أيّ السّبايا أنتم؟ قالت: نحن سبايا آل محمّدصلىاللهعليهوآله
.
وكان يزيد جالساً في منظره على جيرون، ولما رأى السّبايا والرؤوس على أطراف الرماح، وقد أشرفوا على ثنية جيرون، نعب غراب، فأنشأ يزيد يقول:
لـمّا بـدت تلك الحمول وأشرقت
|
|
تلك الرؤوس على شفا جيرون
|
نـعب الغراب فقلتُ قل أو لا تقل
|
|
فـقد أقتضيت من الرسول ديوني
|
ومن هنا حكم ابن الجوزي والقاضي أبو يعلى والتفتازاني والجلال السّيوطي بكفره ولعنه
.
____________________________
ودنا سهل بن سعد السّاعدي من سكينة بنت الحسينعليهالسلام
وقال: ألك حاجة؟ فأمرته أنْ يدفع لحامل الرأس شيئاً فيبعده عن النّساء ليشتغل النّاس بالنّظر إليه، ففعل سهل
.
ودنا شيخ من السّجادعليهالسلام
وقال له: الحمد الله الذي أهلككم وأمكن الأمير منكم. ها هنا أفاض الإمام من لطفه على هذا المسكين المغترّ بتلك التمويهات لتقريبه من الحقّ وإرشاده إلى السّبيل، وهكذا أهل البيتعليهمالسلام
تشرق أنوارهم على مَن يعلمون صفاء قلبه وطهارة طينته واستعداده للهداية. فقالعليهالسلام
له:«يا شيخ أقرأت القرآن؟»
قال: بلى، قالعليهالسلام
:«أقرأت
(
قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى
)
؟
وقرأت قوله تعالى:
(
وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّهُ
)
؟ وقوله تعالى:
(
وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنّ للّهِِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى
)
؟»
قال الشيخ: نعم، قرأت ذلك. فقالعليهالسلام
:«نحن والله القربى في هذه الآيات».
ثمّ قال له الإمام:«أقرأت قوله تعالى:
(
إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً
)
؟»
قال: بلى. فقالعليهالسلام
:«نحن أهل البيت الذين خصّهم الله بالتطهير»
. قال الشيخ: بالله عليك أنتم هم؟ فقالعليهالسلام
:«وحقّ جدّنا رسول الله إنّا لنحن هم، من غير شكّ».
فوقع الشيخ على قدمَيه يقبّلهما ويقول: أبرأ إلى الله ممَّن قتلكم. وتاب على يد الإمام ممّا فرّط في القول معه. وبلغ يزيد فعل الشيخ وقوله، فأمر بقتله
.
بـأيـّة آيــة يـأتـي يـزيـد
|
|
غـداة صـحائف الأعـمال تُتلى
|
وقـام رسـول ربّ الـعرش يتلو
|
|
وقد صمَّت جميع الخلق قل لا
|
____________________________
وقبل أنْ يدخلوهم إلى مجلس يزيد، أتوهم بحبال فربقوهم بها، فكان الحبل في عنق زين العابدينعليهالسلام
إلى زينب اُمّ كلثوم وباقي بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، وكلّما قصروا عن المشي ضربوهم حتّى أوقفوهم بين يدَي يزيد، وهو على سريره، فقال على بن الحسينعليهالسلام
:«ما ظنّك برسول الله لَو يرانا على هذا الحال؟»
فبكى الحاضرون، وأمر يزيد بالحبال فقُطعت
.
واُقيموا على درج باب الجامع حيث يقام السّبي، ووُضع الرأس المقدّس بين يدَي يزيد، وجعل ينظر إليهم ويقول:
صبرنا وكان الصبر منّا عزيمةً
|
|
وأسـيافنا يقطعنَ هاماً ومعصما
|
نُـفلّق هـاماً مـن رجال أعزّة
|
|
علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما
|
ثمّ التفت إلى النّعمان بن بشير وقال: الحمد لله الذي قتله. فقال النّعمان: قد كان أمير المؤمنين معاوية يكره قتله. فقال يزيد: قد كان ذلك قبل أنْ يخرج، ولو خرج على أمير المؤمنين لقتله
.
فليت السّما حقاً على الأرض اُطبِقَتْ
|
|
وطـاف عـن الدنيا الفناء أو النشر
|
بـنات عـليٍّ وهـي خير حرائر
|
|
يـباح بـأيدي الأدعـياء لها ستر
|
سـبايا على عَجْف المطايا حواسراً
|
|
يـودّعها مـصر ويـرقبها مـصر
|
فـإنْ دمـعت منهنَّ عين وقصَّرت
|
|
عـن الـمشي إعـياء مخدرة طهر
|
____________________________
أهـاب بـها شـمر الخنا بقساوة
|
|
وآمـلها فـي سوطه نقمة زجر
|
ولـيس لـديها كـافل غير مدنف
|
|
أضرَّت به البلوى وقد مسَّه الضر
|
عليل يعاني القيد والغلَّ في السرى
|
|
ويـبدو عـلى سيمائه الذلّ والاسر
|
سـروا فـيه مـغلول اليدين مقيَّدا
|
|
إلى بطن حرف لم يوطَّأ لها ظهر
|
وقـد أكـل الـلحم الـحديد بجيده
|
|
واثَّـر حتّى فاض في دمه النحر
|
يـلاحظ أطـفالاً تـصيح ونـسوة
|
|
تـعجُّ واكـباداً يـطير بها الذعر
|
ورأس أبـيه وهـو سـبط محمد
|
|
أمـامَ الـسبايا تـستطيل به السمر
|
وقـد أدخـلوه الـشام لا مرحباً به
|
|
وأفـراحه تـطغى بعيدٍ هو النصر
|
الـى مـجلس فيه ابن هند بنصره
|
|
قـرير ومـروان يـطير به البشر
|
ورأس أبيه السّبط في طست عسجد
|
|
أمـام دعـيًّ غـرَّه الزهو والكبر
|
وقـد كـان يخفي الكفر لكن بذكره
|
|
لا شياخه في بدر قد ظهر الكفر
|
يزيد مع السجاد
والتفت يزيد إلى السّجادعليهالسلام
وقال: كيف رأيت صنع الله يا علي بأبيك الحسين؟ قال:«رأيت ما قضاه الله عزّ وجلّ قبل أن يخلق السّموات والأرض».
وشاور يزيد من كان حاضراً عنده في أمره، فأشاروا عليه بقتله. فقال زين العابدينعليهالسلام
:«يا يزيد، لقد أشار عليك هؤلاء بخلاف ما أشار به جلساء فرعون عليه حين شاورهم في موسى وهارون فإنّهم قالوا له:
(
أَرْجِهِ وَأَخَاهُ
)
ولا يقتل الأدعياء أولاد الأنبياء وأبناءهم»
. فأمسك يزيد مطرقاً
.
وممّا دار بينهما من الكلام أنْ قال يزيد لعلي بن الحسينعليهالسلام
:(
وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
)
، قال علي بن الحسينعليهالسلام
:«ما هذه فينا نزلت، إنّما نزل فينا
(
مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ
)
فنحن لا
____________________________
نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما آتانا»
فأنشد يزيد قول الفضل بن العبّاس بن عتبة:
مهلاً بني عمَّنا مهلاً موالينا
|
|
لا تنبشوا بيننا ما كان مدفوناً
|
ثمّ استأذنهعليهالسلام
في أنْ يتكلّم، فقال يزيد: نعم على أنْ لا تقل هجراً. قالعليهالسلام
: لقد«وقفت موقفاً لا ينبغي لمثلي أنْ يقول الهجر، ما ظنّك برسول الله
صلىاللهعليهوآله
لَو يراني على هذه الحال؟»
فأمر يزيد بأن يفكّ الغل منه
.
وأمر يزيد الخطيب أن يثني على معاوية وينال من الحسين وآله، فأكثر الخطيب من الوقيعة في علي والحسينعليهماالسلام
فصاح به السّجادعليهالسلام
:«لقد اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوّأ مقعدك من النّار»
:
أعلى المنابر تعلنون بسبّه
|
|
وبسيفه نُصِبَتْ لكم أعوادها
|
وقال ليزيد:«أتأذن لي أن أرقى هذه الأعواد، فأتكلّم بكلام لله تعالى رضىً ولهؤلاء أجر وثواب؟»
فأبى يزيد، وألحّ النّاس عليه فلَم يقبل، فقال ابنه معاوية: إئذن له، ما قدر أنْ يأتي به؟ فقال يزيد: إنّ هؤلاء ورثوا العلم والفصاحة
وزقّوا العلم زقّاً
. وما زالوا به حتّى أذِن له.
فقالعليهالسلام
:«الحمد لله الذي لا بداية له، والدائم الذي لا نفاد له، والأول الذي لا أوليّة له، والآخر الذي لا آخريّة له، والباقي بعد فناء الخلق، قدّر الليالي والأيّام، وقسّم فيما بينهم الأقسام، فتبارك الله الملك العلاّم،
إلى أنْ قال:أيّها النّاس اُعطينا ستّاً وفضّلنا بسبع، اُعطينا؛ العلم والحلم والسّماحة والفصاحة والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين، وفُضلنا؛ بأنَّ منّا النّبي والصدّيق والطيّار وأسد الله وأسد رسوله وسبطا هذه الاُمّة. أيّها النّاس مَن عرفني فقد
____________________________
عرفني، ومَن لَم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي، أيّها النّاس أنا ابن مكّة ومِنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن مَن حمل الركن بأطراف الردا، أنا ابن خير مَن ائتزر وارتدى وخير مَن طاف وسعى، وحجّ ولبّى، أنا ابن مَن حُمِل على البراق وبلغ به جبرئيل سدرة المنتهى، فكان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى، أنا ابن مَن صلّى بملائكة السّماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن مَن ضرب بين يدَي رسول الله ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيّين، ويعسوب المسلمين ونور المجاهدين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ومفرّق الأحزاب، أربطهم جأشاً، وأمضاهم عزيمةً ذاك أبو السّبطين الحسن والحسين، علي بن أبي طالب. أنا ابن فاطمة الزهراء، وسيّدة النّساء، وابن خديجة الكبرى. أنا ابن المرمّل بالدماء، أنا ابن ذبيح كربلاء، أنا ابن مَن بكى عليه الجنّ في الظلماء، وناحت الطير في الهواء».
فلمّا بلغ إلى هذا الموضع، ضجّ النّاس بالبكاء، وخشي يزيد الفتنة، فأمر المؤذّن أن يُؤذِّن للصلاة.
فقال المؤذِّن: الله أكبر. قال الإمامعليهالسلام
:«الله أكبر وأجلّ وأعلى وأكرم ممّا أخاف وأحذر».
فلمّا قال المؤذِّن: أشهد أنْ لا إله إلاّ الله، قالعليهالسلام
:«نعم، أشهد مع كلّ شاهد أنْ لا إله غيره ولا ربّ سواه».
فلمّا قال المؤذِّن: أشهد أنّ محمّداً رسول الله قال الإمامعليهالسلام
للمؤذِّن:«أسألك بحقّ محمّد أنْ تسكت حتّى اُكلّم هذا،
والتفت إلى يزيد وقال:هذا الرسول العزيز الكريم جدّك أم جدّي؟ فإنْ قلتَ جدّك علم الحاضرون والنّاس كلّهم إنّك كاذب، وإنْ قلتَ جدّي فلِمَ قتلتَ أبي ظلماً وعدواناً وانتهبت ماله وسبَيت نساءه، فويلٌ لك يوم القيامة إذا كان جدّي خصمك».
فصاح يزيد بالمؤذِّن: أقم للصلاة. فوقع بين النّاس همهمة وصلّى بعضهم، وتفرّق الآخر
.
____________________________
الرأس الأطهر
ودعا يزيد برأس الحسينعليهالسلام
ووضعه أمامه في طست من ذهب
، وكان النّساء خلفه، فقامت سكينة وفاطمة يتطاولان للنّظر إليه، ويزيد يستره عنهما، فلمّا رأينه صرخن بالبكاء
.
ثمّ أذِن للنّاس أنْ يدخلوا
. وأخذ يزيد القضيب وجعل ينكت ثغر الحسين
ويقول: يوم بيوم بدر
. وأنشد قول الحصين بن الحمام:
أبى قومنا أنْ ينصفونا فأنصفت
|
|
قـواضب في أيماننا تقطر الدما
|
نُـفلِّق هـاماً مـن رجال أعزَّة
|
|
علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما
|
فقال يحيى بن الحكم بن أبي العاص، أخو مروان، وكان جالساً عنده:
لَهامٍ بجنب الطفِّ أدنى قرابة من ابن
|
|
زيـاد الـعبد ذي الـحسب والوغل
|
سـميّة أمـسى نسلها عدد الحصى
|
|
وليس لآل المصطفى اليوم من نسل
|
____________________________
فضربه يزيد على صدره وقال: اسكت لا اُمّ لك
.
وقال أبو برزة الأسلمي: أشهد لقد رأيت النّبي يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسنعليهالسلام
ويقول:«أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة، قَتل الله قاتلكما، ولعنه وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً»
. فغضب يزيد منه وأمر به فاُخرج سحباً
.
والتفت رسول قيصر إلى يزيد وقال: إنّ عندنا في بعض الجزائر حافر حمار عيسى، ونحن نحجّ إليه في كلّ عام من الأقطار ونهدي إليه النّذور ونعظّمه كما تعظّمون كتبكم، فأشهد إنّكم على باطل
. فأغضب يزيد هذا القول وأمر بقتله، فقام إلى الرأس وقبَّله، وتشهّد الشهادتين، وعند قتله سمع أهل المجلس من الرأس الشريف صوتاً عالياً فصيحاً«لا حول ولا قوّة إلاّ بالله»
.
ثمّ اُخرج الرأس من المجلس وصُلب على باب القصر ثلاثة أيّام
، فلمّا رأت هند بنت عمرو بن سهيل، زوجة يزيد، الرأس على باب دارها
والنّور الإلهي يسطع منه ودمه طري لَم يجفّ ويُشمّ منه رائحةً طيّبةً
دخلت المجلس مهتوكة الحجاب وهي تقول: رأس ابن بنت رسول الله على باب دارنا؟! فقام إليها
____________________________
عليهالسلام
يزيد وغطّاها وقال لها: اعولي عليه يا هند، فإنّه صريخة بني هاشم عجّل عليه ابن زياد
.
وأمر يزيد بالرؤوس أنْ تُصلب على أبواب البلد والجامع الاُموي، ففعلوا بها ذلك
.
وفرح مروان بقتل الحسينعليهالسلام
فقال:
ضربت دوسر فيهم ضربة
|
|
أثبتت أوتاد مُلكٍ فاستقر
|
ثمّ جعل ينكت بالقضيب في وجهه ويقول:
يـا حبّذا بردك في اليدَين
|
|
ولونك الأحمر في الخدَّين
|
كـأنَّـه بـات بـعسجدين
|
|
شفيت منك النّفس يا حسين
|
الشامي مع فاطمة
قال الرواة: نظر رجال شامي إلى فاطمة بنت علي
فطلب من يزيد أنْ يهبها له لتخدمه، ففزعت ابنة أمير المؤمنين وتعلّقت باُختها العقيلة زينب وقالت: كيف
____________________________
أخدم؟ قالت العقيلة لا عليكِ إنّه لَن يكون أبداً. فقال يزيد: لَو أردتُ لفعلتُ. فقالت له: إلاّ أنْ تخرج عن ديننا. فردّ عليها: إنّما خرج عن الدِّين أبوكِ وأخوكِ. قالت زينب: بدين الله ودين جدّي وأبي وأخي اهتديت أنت وأبوك إنْ كنت مسلماً. قال: كذبتِ يا عدوّة الله. فرقّتعليهاالسلام
وقالت: أنت أمير مسلّط تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك
. وعاود الشامي الطلب، فزبره يزيد ونهره وقال له: وهب الله لك حتفاً قاضياً
.
خطبة زينبعليهاالسلام
قال ابن نما وابن طاووس
: لمّا سمعت زينب بنت عليعليهماالسلام
يزيد يتمثّل بأبيات ابن الزبعري
.
لـيت أشـياخي ببدرٍ شهدوا
|
|
جزع الخزرج من وقع الأسل
|
لأهـلّـوا واسـتهلّوا فـرحاً
|
|
ثـمّ قـالوا يا يزيد لا تشل
|
قـد قـتلنا القرم من ساداتهم
|
|
وعـدلـناه بـبدرٍ فـاعتدل
|
لـعبت هـاشم بـالملك فلا
|
|
خـبر جـاء ولا وحي نزل
|
لـستُ من خندف إنْ لَم أنتقم
|
|
مـن بـني أحمد ما كان فعل
|
قالتعليهاالسلام
: الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله
____________________________
سبحانه حيث يقول:(
ثُمّ كَانَ عَاقِبَةَ الّذِينَ أَسَاءُوا السّوءى أَن كَذّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ
)
. أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض، وآفاق السّماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الاُسارى أنّ بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة، وإنّ ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، نظرت في عطفك، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والاُمور متّسقة، وحين صفا لك مُلكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى:(
وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
)
؟!
أمن العدل يابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسَوقك بنات رسول الله سبايا، قد هُتكت ستورهنَّ، واُبديت وجوههنَّ، تحدو بهنَّ الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهنَّ أهل المناهل والمعاقل، ويتصفح وجوههنَّ القريب والبعيد والدني والشريف، ليس معهنَّ من حماتهنَّ حمي ولا من رجالهنَّ ولي، وكيف يرتجي مراقبة مَن لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء؟! وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت مَن نظر إلينا بالشنف والشنآن، والاحن والاضغان؟! ثمّ تقول غير متأثم ولا مستعظم:
لأهلّوا واستهلَّوا فرحاً
|
|
ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشل
|
منحياً على ثنايا أبي عبد الله سيّد شباب أهل الجنّة تنكتها بمخصرتك، وكيف لا تقول ذلك، وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذريّة محمّدصلىاللهعليهوآله
ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنّك تناديهم فلتردنّ وشيكاً مَوردهم، ولتودنّ أنّك شللت وبكمت ولَم تكن قلتَ ما قلت وفعلتَ ما فعلت.
اللهمّ خُذ لنا بحقّنا، وأنتقم ممَّن ظلمنا، واحلل غضبك بمَن سفك دماءنا وقتل حماتنا.
فوالله ما فريتَ إلاّ جلدك، ولا حززت إلاّ لحمك، ولتردنّ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بما تحمّلت من سفك دماء ذريّته، وانتهكتَ من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلمّ شعثهم، ويأخذ بحقّهم،(
وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ
)
.
____________________________
وحسبك بالله حاكماً، وبمحمّدصلىاللهعليهوآله
خصيماً، وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم مَن سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلاً! وأيّكم شرٌّ مكاناً وأضعف جنداً.
ولئن جرّت عليَّ الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرّى.
ألا فالعجب كلّ العجب، لقتل حزب الله النّجباء، بحزب الشيطان الطلقاء! فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلّب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفّرها اُمّهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مغنماً، لتجدنا وشيكاً مغرما، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك، وما ربّك بظلّام للعبيد، وإلى الله المشتكى وعليه المعوّل.
فكد كيدك، واسع سعيك، وناصبْ جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تُميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلاّ فند وأيّامك إلاّ عدد، وجمعك الا بدد؟ يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين.
والحمد لله ربّ العالمين، الذي ختم لأولنا بالسّعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويُحسن علينا الخلافة، إنّه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
فقال يزيد:
يا صيحة تحمد من صوائح
|
|
ما أهون النّوح على النوائح
|
ومن جهْل يزيد وغيِّه وضلاله قوله بملء فمه غير متأثّم ولا مستعظم يُخاطب مَن حضر عنده من ذؤبان أهل الشام: أتدرون من أين أتى ابن فاطمة، وما الحامل له على ما فعل، والذي أوقعه فيما وقع؟ قالوا: لا، قال: يزعم أنّ أباه خير من أبي، واُمَّه فاطمة بنت رسول الله خير من اُميِّ، وجدَّه خيرٌ من جَدِّي، وإنّه خيرٌ منِّي وأحقّ بهذا الأمر منِّي، فأمّا قوله أبوه خيرٌ من أبي فقد حاجَّ أبي أباه إلى الله عزَّ وجلَّ وعلم النّاس أيّهما حكم له، وأمّا قوله اُمّه خيرٌ من اُمّي فلَعمري إنّ فاطمة بنت رسول الله خيرٌ من اُمِّي، وأمّا قوله جدّه خيرٌ من جدِّي، فلَعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر وهو يرى أنّ لرسول الله فينا عدلاً ولا نِدّاً، ولكنّه
إنّما اُتي من قلَّة فقهه ولَم يقرأ:(
قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ
)
وقوله تعالى:(
... وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ...
)
.
الخربة
ولقد أحدثت هذه الخطبة هزّة في مجلس يزيد، وراح الرجل يحدّث جليسه بالضلال الذي غمرهم وإنّهم في أي وادٍ يعمهون، فلم يرَ يزيد مناصاً إلاّ أن يُخرج الحرم من المجلس إلى خربة لا تكنّهم من حرٍّ ولا برد، فأقاموا فيها ينوحون على الحسينعليهالسلام
ثلاثة أيّام
. وفي بعض الأيّام خرج الإمام السّجادعليهالسلام
منها يتروّح، فلقيه المنهال بن عمر وقال له: كيف أمسيت يابن رسول الله؟ قالعليهالسلام
:«أمسينا كمثل بني إسرائيل في آل فرعون، يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، أمست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمّداً منها، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمّداً منها، وأمسينا معشر أهل بيته مقتولين مشرّدين، فإنّا لله وإنّا اليه راجعون»
. قال المنهال: وبينا يكلّمني إذ امرأة خرجت خلفه تقول له: إلى أين يا نِعم الخلَف؟ فتركني وأسرع إليها، فسألتُ عنها قيل: هذه عمّته زينب
.
إلى المدينة
لقد سرَّ يزيدَ قتلُ الحسينعليهالسلام
ومَن معه وسَبي حريم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
____________________________
وظهر عليه السّرور في مجلسه، فلَم يبال بإلحاده وكفره حين تمثّل بشعر ابن الزبعري، وحتّى أنكر الوحي على رسول الله محمّدصلىاللهعليهوآله
، ولكنّه لمّا كثرت اللائمة عليه ووضح له الفشل والخطأ في فعلته التي لَم يرتكبها حتّى مَن لم ينتحل دين الإسلام وعرف المغزى من وصيّة معاوية إيّاه حيث قال له: إنّ أهل العراق لن يدَعوا الحسين حتّى يخرجوه، فإذا خرج عليك فاصفح عنه؛ فإنّ له رحماً ماسة وحقّاً عظيماً
.
وعاب عليه خاصّته وأهل بيته ونساؤه، وكان بمرأى منه ومسمع كلام الرأس الأطهر لمّا أمر بقتل رسول ملك الروم(لا حول ولا قوة إلا بالله)
ولحديث الأندية عمّا ارتكبه من هذه الجريمة الشائنة والقسوة الشديدة دوي في أرجاء دمشق، لَم يجد مناصاً من القاء التبعة على عاتق ابن زياد تبعيداً للسبَّة عنه، ولكن الثابت لا يزول.
ولمّا خشى الفتنة وانقلاب الأمر عليه، عجّل بإخراج الإمام السّجادعليهالسلام
والعيال من الشام إلى وطنهم ومقرّهم، ومكَّنهم ممّا يريدون، وأمر النّعمان بن بشير وجماعة معه أنْ يسيروا معهم إلى المدينة مع الرفق
.
فلمّا وصلوا العراق قالوا للدليل: مُر بنا على طريق كربلاء، فوصلوا إلى مصرع الحسينعليهالسلام
فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل رسول الله - قد وردوا لزيارة قبر الحسينعليهالسلام
- فتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا في كربلاء ينوحون على الحسينعليهالسلام
ثلاثة أيّام
.
ووقف جابر الأنصاري على القبر فأجهش بالبكاء وقال: يا حسين (ثلاثاً) ثم قال:
حبيب لا يجيب حبيبه! وأنّى لك بالجواب وقد شحطت أوداجك على
____________________________
أثباجك، وفرّق بين رأسك وبدنك، فأشهد أنَّك ابن خاتم النبيين، وابن سيّد المؤمنين، وابن حليف التقوى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيّد النقباء، وابن فاطمة الزهراء سيّدة النساء، وما لَك لا تكون كذلك وقد غذَّتك كفّ سيّد المرسلين، وربيت في حجر المتّقين، ورضعت من ثدى الإيمان، وفطمت بالإسلام؟! فطبت حيّاً وطبت ميّتاً غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيّبة بفراقك، ولا شاكة في الخيرة لك، فعليك سلام الله ورضوانه، وأشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريّا.
ثم أجال بصره حول القبر وقال: السّلام عليكم أيّتها الأروح التي حلّت بفناء الحسينعليهالسلام
وأناخت برحله، أشهد أنّكم أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتّى أتاكم اليقين. والذي بعث محمّداًصلىاللهعليهوآله
بالحقّ نبيّاً، لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه. فقال له عطيّة العوفي: كيف ولَم نهبط وادياً ولَم نعلُ جبلاً ولَم نضرب بسيف، والقوم قد فُرّق بين رؤوسهم وأبدانهم واُوتمت أولادهم واُرملت الأزواج؟ فقال له: إني سمعت حبيبي رسول الله يقول:«مَن أحبّ قوماً، كان معهم. ومَن أحبّ عمل قوم اُشرك في عملهم».
والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً إنّ نيّتي ونيّة أصحابي على ما مضى عليه الحسينعليهالسلام
وأصحابه
.
الرأس مع الجسد
لمّا عرف زين العابدينعليهالسلام
الموافقة من يزيد، طلب منه الرؤوس كلّها ليدفنها في محلّها، فلَم يتباعد يزيد عن رغبته، فدفع اليه رأس الحسينعليهالسلام
مع رؤوس أهل بيته وصحبه، فألحقها بالأبدان.
نصّ على مجيئه بالرؤوس إلى كربلاء في حبيب السير كما في نفَس المهموم ص ٢٥٣، ورياض الأحزان ص ١٥٥.
____________________________
وأمّا رأس الحسينعليهالسلام
ففي روضة الواعظين للفتّال ص ١٦٥، وفي مثير الأحزان لابن نما الحلي ص ٥٨: إنّه المعوّل عليه عند الإماميّة.
وفي اللهوف لابن طاووس ص ١١٢: عليه عمل الإماميّة. وفي إعلام الورى للطبرسي ص ١٥١، ومقتل العوالم ص ١٥٤، ورياض المصائب، والبحار: إنّه المشهور بين العلماء.
وقال ابن شهر آشوب في المناقب ج ٢ ص ٢٠٠: ذكر المرتضى في بعض رسائله: إنّ رأس الحسينعليهالسلام
اُعيد إلى بدنه في كربلاء. وقال الطوسي: ومنه زيارة الأربعين.
وفي البحار عن (العدد القويّة) لأخ العلاّمة الحلّي، وفي عجائب المخلوقات للقزويني ص ٦٧: في العشرين من صفر ردَّ رأس الحسينعليهالسلام
إلى جثّته.
وقال الشبراوي: قيل اُعيد الرأس إلى جثّته بعد أربعين يوماً
.
وفي شرح همزيّة البوصيري لابن حجر اُعيد رأس الحسينعليهالسلام
بعد أربعين يوماً من قتله.
وقال سبط ابن الجوزي: الأشهر أنّه رُدَّ إلى كربلاء فدفن مع الجسد
.
والمناوي في الكواكب الدريّة ج ١ ص ٥٧، نقل اتّفاق الإماميّة على أنّه اُعيد إلى كربلاء، وإنّ القرطبي رجّحه ولَم يتعقبه، بل نسب إلى بعض أهل الكشف والشهود أنّه حصل له اطّلاع على أنّه اُعيد إلى كربلاء.
وقال أبو الريحان البيروني: في العشرين من صفر ردَّ رأس الحسينعليهالسلام
إلى جثّته حتّى دُفِن مع جثته
.
وعلى هذا فلا يعبأ بكلّ ما ورد بخلافه، والحديث بأنّه عند قبر أبيه بمرأى من هؤلاء الأعلام، فإعراضهم عنه يدلّنا على عدم وثوقهم به؛ لأنّ إسناده لَم يتم ورجاله غير معروفين.
وقال أبو بكر الآلوسي - وقد سئل عن موضع رأس الحسينعليهالسلام
-:
لا تطلبوا رأس الحسين
|
|
بشرق أرض أو بغرب
|
ودَعوا الجميع وعرّجوا
|
|
نحوي فمشهده بقلبي
|
____________________________
وقال الحاج مهدي الفلّوجي الحلّي
:
لا تطلبوا رأس الحسين فإنّه
|
|
لا في حمىً ثاوٍ ولا في واد
|
لـكنّما صـفّو الولاء يدلّكم
|
|
في أنّه المقبور وسْط فؤادي
|
يوم الأربعين
من النّواميس المطّردة الاعتناء بالفقيد بعد أربعين يوماً مضَين من وفاته بإسداء البرّ إليه وتأبينه، وعدّ مزاياه في حفلات تُعقد وذكريات تدوّن، تخليداً لذكره على حين إن الخواطر تكاد تنساه والأفئدة أوشكت أنْ تهمله، فبذلك تعاد إلى ذكره البائد صورة خالدة، بشعر رائق تتناقله الألسن، ويستطيع في القلوب، فتمرّ الحقب والأعوام وهو على جِدته. أو خطاب بليغ تتضمّنه الكتب والمدوّنات حتّى يعود من أجزاء التاريح التي لا يبليها الملوان، فالفقيد يكون حيّاً كلّما تُليت هاتيك النتف من الشعر أو وقف الباحث على ما اُلقيت فيه من كلمات تأبينيّة بين طيّات الكتب، فيقتصّ أثره في فضائله وفواضله، وهذه السُنّة الحسنة تزداد أهميّةً كلّما ازداد الفقيد عظمة وكثرت فضائله، وإنّها في رجالات الإصلاح، والمقتدى بهم من الشرائع أهمّ وآكد؛ لأنّ نشر مزاياهم وتعاليمهم يحدو إلى اتّباعهم واحتذاء مثالهم في الإصلاح و تهذيب النّفوس.
وما ورد عن أبي ذر الغفاري وابن عبّاس عن النّبيصلىاللهعليهوآله
:«إنّ الأرض لتبكي على المؤمن أربعين صباحاً»
، وعن زرارة عن أبي عبد اللهعليهالسلام
:«إنّ السّماء بكت على الحسين
عليهالسلام
أربعين صباحاً بالدم، والأرض بكت عليه أربعين صباحاً بالسّواد، والشمس بكت عليه أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة، والملائكة بكت عليه أربعين صباحاً، وما اختضبت امرأة منّا ولا أدهنت ولا اكتحلت ولا رجلت حتّى أتانا رأس عبيد الله بن زياد، وما زلنا في عبرة من بعده»
.
____________________________
يؤكّد هذه الطريقة المألوفة والعادة المستمرّة بين النّاس من الحداد على الميّت أربعين يوماً، فإذا كان يوم الأربعين اُقيم على قبره الاحتفال بتأبينه يحضره أقاربه وخاصّته وأصدقاؤه، وهذه العادة لَم يختصّ بها المسلمون، فإنّ النّصارى يقيمون حفلة تأبينيّة يوم الأربعين من وفاة فقيدهم يجتمعون في الكنيسة ويعيدون الصلاة عليه المسمّاة عندهم بصلاة الجنازة ويفعلون ذلك في نصف السّنة وعند تمامها، واليهود يعيدون الحداد على فقيدهم بعد مرور ثلاثين يوماً وبمرور تسعة أشهُر وعند تمام السّنة
، كلّ ذلك إعادةً لذكراه، وتنويهاً به وبآثاره وأعماله إنْ كان من العظماء ذوي الآثار والمآثر.
وعلى كلّ حال، فإنّ المنقّب لا يجد في الفئة الموصوفة بالإصلاح رجلاً اكتنفته المآثر بكلّ معانيها، وكانت حياته وحديث نهضته وكارثة قتله دعوةً إلهيّة، ودروساً إصلاحيّة، وأنظمة اجتماعيّة، وتعاليم أخلاقيّة، ومواعظ دينيّة، إلاّ سيّد شباب أهل الجنّة شهيد الدِّين، شهيد السّلام والوئام، شهيد الأخلاق والتهذيب الحسينعليهالسلام
، فهو أولى من كلّ أحد بأنْ تُقام له الذكريات في كلّ مكان، وتشدّ الرحال للمثول حول مرقده الأقدس في يوم الأربعين من قتله؛ حصولاً على تلكم الغايات الكريمة.
وإنّما قصروا الحفلات الأربعينيّة الأول في سائر النّاس من جهة كون مزايا اُولئك الرجال محدودة منقطعة الآخر، بخلاف سيّد الشهداء، فإنّ مزاياه لا تُحَدّ، وفواضله لا تُعَدّ، ودرس أحواله جديد كلما ذُكر، واقتصاص أثره يحتاجه كلّ جيل، فإقامة المآتم عند قبره في الأربعين من كلّ سنة إحياءٌ لنهضته وتعريفٌ بالقساوة التي ارتكبها الاُمويّون ولفيفهم، ومهما أمعن الخطيب أو الشاعر في قضيّته تفتح له أبواب من الفضيلة كانت موصدة عليه قبل ذلك؛ ولهذا اطّردت عادة الشيعة على تجديد العهد بتلكم الأحوال يوم الأربعين من كلّ سنة، ولعلّ رواية أبي جعفر الباقرعليهالسلام
:«إنّ السّماء بكت على الحسين أربعين صباحاً تطلع حمراء وتغرب حمراء»
تلميح إلى هذه العادة المألوفة بين النّاس.
____________________________
وحديث الإمام الحسن العسكريعليهالسلام
:«علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، والتختّم في اليمين، وتعفير الجبين»
، يرشدنا إلى تلك العادة المطّردة المألوفة، فإنّ تأبين سيّد الشهداء وعقد الاحتفالات لذكره في هذا اليوم إنّما يكون ممَّن يمتّ به بالولاء والمشايعة، ولا ريب في أنّ الذين يمتّون به بالمشايعة هم المؤمنون المعترفون بإمامته، إذاً فمن علامة إيمانهم وولائهم لسيّد شباب أهل الجنّة المنحور في سبيل الدعوة الإلهيّة المثول في يوم الأربعين من شهادته عند قبره الأطهر لإقامة المأتم، وتجديد العهد بما جرى عليه وعلى صحبه وأهل بيته من الفوادح.
والتصرّف في هذه الجملة (زيارة الأربعين) - بالحمل على زيارة أربعين مؤمناً - التواء في فهم الحديث وتمحّل في الاستنتاج يأباه الذوق السّليم، مع خلوّه عن القرينة الدالّة عليه، ولَو كان الغرض هو الإرشاد إلى زيارة أربعين مؤمناً لقالعليهالسلام
(زيارة أربعين)، فالإتيان بالألف واللام العهديّة للتنبيه على أنّ زيارة الأربعين من سنخ الأمثلة التي نصّ عليها الحديث بأنّها من علائم الإيمان والموالاة للأئمّة الاثني عشر.
ثمّ إنّ الأئمّة من آل الرسولعليهمالسلام
وإنْ كانوا أبواب النّجاة وسفن الرحمة وبولائهم يُعرف المؤمن من غيره، وقد خرجوا من الدنيا مقتولين في سبيل الدعوة الإلهيّة موطّنين أنفسهم على القتل؛ امتثالاً لأمر بارئهم جلّ شأنه الموحى به إلى جدّهم الرسولصلىاللهعليهوآله
، وقد أشار إليه أبو محمّد الحسن ابن أمير المؤمنينعليهماالسلام
بقوله:«إنّ هذا الأمر يملكه منّا اثنى عشر إماماً، ما منهم إلاّ مقتول أو مسموم».
فالواجب إقامة المأتم في يوم الأربعين من شهادة كلّ واحد منهم. وحديث الإمام العسكري لَم يشتمل على قرينة لفظيّة تصرف هذه الجملة (زيارة الأربعين) إلى خصوص الحسينعليهالسلام
إلاّ أنّ القرينة الحاليّة أوجبت فهم العلماء الأعلام من هذه الجملة خصوص زيارة الحسينعليهالسلام
؛ لأنّ قضيّة سيّد الشهداء هي
____________________________
التي ميّزت بين دعوة الحقّ والباطل؛ ولذا قيل: الإسلام بدؤه محمّدي وبقاؤه حسيني. وحديث الرسولصلىاللهعليهوآله
:«حسين منّي وأنا من حسين»
يشير إليه؛ لأنّ ما قاساه سيّد الشهداء إنّما هو لتوطيد اُسس الإسلام واكتساح أشواك الباطل عن صراط الشريعة، وتنبيه الأجيال على جرائم أهل الضلال، هو عين ما نهض به نبيّ الإسلام لنشر الدعوة الإلهيّة.
فمن أجل هذا كلّه لَم يجد أئمّة الدِّين من آل الرسول ندحة إلاّ لفت الأنظار إلى هذه النّهضة الكريمة؛ لأنّها اشتملت على فجائع تفطّر الصخر الأصمّ، وعلموا أنّ المواظبة على إظهار مظلوميّة الحسينعليهالسلام
تستفزّ العواطف وتوجب استمالة الأفئدة نحوهم فالسّامع لتلكم الفظائع يعلم أنّ الحسينعليهالسلام
إمام عدل لَم يرضخ للدنايا، وإنّ إمامته موروثة له من جدّه وأبيه الوصي، ومَن ناوأه خارج عن العدل، وإذا عرف السّامع أنّ الحقّ في جانب الحسينعليهالسلام
وأبنائه المعصومين، كان معتنقاً طريقتهم وسالكاً سبيلهم.
ومن هنا لَم يرد التحريض من الأئمّة على إقامة المأتم في يوم الأربعين من شهادة كلّ واحد منهم حتّى نبيّ الإسلام؛ لكون تذكار كارثته عاملاً قويّاً في إبقاء الرابطة الدينيّة وإنّ لفت الأنظار نحوها أمسّ في إحياء أمر المعصومين المحبوب لديهم التحدّث به«أحيوا أمرنا وتذاكروا في أمرنا».
وعلى كلٍّ، فالقارىء الكريم يتجلّى له اختصاص زيارة الأربعين بالمؤمن حينما يعرف نظائرها التي نصّ عليها الحديث.
فإنّ الأول منها وهو (صلاة إحدى وخمسين ركعة) التي شُرّعت ليلة المعراج، وبشفاعة النّبيصلىاللهعليهوآله
اقتصر فيها على خمس فرائض في اليوم والليلة، عبارة عن: سبع عشرة ركعة للصبح والظهرين والعشائين والنّوافل الموقّتة لها مع نافلة الليل أربع وثلاثون؛ ثمان للظهر قبلها، وثمان للعصر قبلها، وأربع بعد المغرب، واثنان بعد العشاء تعدّان بواحدة، واثنان قبل الصبح، وإحدى عشرة ركعة نافلة الليل مع الشفع والوتر وبإضافتها إلى الفرائض يكون المجموع إحدى وخمسين ركعة، وهذا ممّا اختصّ به الإماميّة، فإنّ أهل السُنّة وإنْ وافقوهم على عدد الفرائض إلاّ أنّهم افترقوا في النّوافل، ففي فتح القدير لابن همام الحنفي ج ١ ص ٣١٤: إنّها ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، واثنان بعدها، واربع قبل العصر، وإنْ شاء
ركعتين، وركعتان بعد المغرب، وأربع بعدها، وإنْ شاء ركعتين. فهذه ثلاث وعشرون ركعة، واختلفوا في نافلة الليل أنّها ثمان ركعات أو ركعتان أو ثلاث عشر أو أكثر، وحينئذ فالمجموع من نوافل الليل والنّهار مع الفرئض لا يكون إحدى وخمسين فإذاً تكون (إحدى وخمسون) من مختصّات الإماميّة.
الثاني: مما تعرّض له الحديث (الجهر بالبسملة) فإنّ الإماميّة تدينوا إلى الله تعالى به وجوباً في الصلاة الجهريّة واستحباباً في الصلاة الاخفاتية، تمسّكاً بأحاديث أئمّتهمعليهمالسلام
، وفي ذلك يقول الفخر الرازي: ذهبت الشيعة أنّ من السُنّة الجهر بالتسمية في الصلاة الجهريّة والاخفاتيّة، وجمهور الفقهاء يخالفون، وقد ثبت بالتواتر أنّ علي بن أبي طالب كان يجهر بالتسمية ومّن اقتدى في دينه بعلي فقد اهتدى والدليل عليه قولهصلىاللهعليهوآله
:«اللهمّ، أدر الحقّ مع علي حيث دار»
. وكلمة الرازي لَم يهضمها أبو الثناء الآلوسي، فتعقّبها بقوله: لَو عمل أحد بجميع ما يزعمون تواتره عن الأمير كفر، فليس إلاّ الإيمان ببعض والكفر ببعض. وما ذكره من أنّ مَن اقتدى في دينه بعلي فقد اهتدى مسلم، لكن إنْ سلم لنا خبر ما كان عليه عليعليهالسلام
ودونه مهامه فيح
.
ولا يضرّ الشيعة تهجّم الآلوسي وغيره بعد أنْ رسخت أقدامهم على الولاء لسيّد الأوصياءعليهالسلام
الذي يقول له رسول اللهصلىاللهعليهوآله
:«يا علي، ما عرف الله تعالى إلاّ أنا وأنت، وما عرفني إلاّ الله وأنت، وما عرفك إلاّ الله وأنا»
.
إنْ كنت ويحك لَم تسمع مناقبه فاسمعه مِنْ هل أتى يا ذا الغبا وكفى
وخالف أهل السُنّة في مسألة الجهر، ففي المغني لابن قدامة ج ١ ص ٤٧٨، وبدايع الصنايع للكاساني ج ١ ص ٢٠٤، وشرح الزرقاني على مختصر أبي الضياء في فقه مالك ج ١ ص ٢١٦: إنّ الجهر غير مسنون في الصلاة.
الثالث: ممّا تعرّض له الحديث (التختّم باليمين) وقد التزم به الإماميّة تديّناً
____________________________
بروايات أئمتهمعليهمالسلام
وخالفهم جماعة من السُنّة، قال ابن الحَجّاج المالكي: إنّ السُنّة أوردت كلّ مستقذر يتناول بالشمال، وكلّ طاهر يتناول باليمين؛ ولأجل هذا المعنى كان المستحبّ في التختّم أنْ يكون التختّم بالشمال، فإنّه يأخذ الخاتم بيمينه ويجعله في شماله
.
ويحكي ابن حجر إنّ مالكاً يكره التختّم باليمين وإنّما يكون باليسار، وبالغ الباجي من المالكية بترجيح ما عليه مالك من التختّم باليسار
.
وقال الشيخ إسماعيل البروسوي ذكر في عقد الدرر: إنّ السُنّة في الأصل التختّم في اليمين، ولمّا كان ذلك شعار أهل البدعة والظلمة، صارت السُنّة أنْ يُجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا
.
الرابع: ما ذكره الحديث (التعفير)، والتعفير في اللغة: وضع الشيء على العفر، وهو التراب. والجبين في هذا الحديث الشريف إنْ اُريد منه الجبهة كما استظهره الشيخ يوسف البحراني في الحدائق مدّعياً كثرة الاستعمال بذلك في لسان أهل البيتعليهمالسلام
، وقد ورد في التيمّم، فيكون الغرض بيان أنّ الجبهة في السّجود لا بدّ أنْ تكون على الأرض؛ لأنّ أهل السُنّة لَم يلتزموا بوضعها على الأرض، فإنّ أبا حنيفة ومالكاً وأحمد - في إحدى الروايتين عنه - جوّزوا السّجود على كور العمامة
وفاضل الثوب
والملبوس، وجوّز الحنفيّة وضعها على الكفّ مع
____________________________
الكراهة
، وجوّزوا السّجود على الحنطة والشعير والسّرير وظهر مصلٍّ أمامه يصلّي بمثل صلاته
، وإنْ اُريد نفسه فيكون الغرض من ذكره الإرشاد إلى أنّ الراجع في سجدة الشكر تعفير الجبين، وإنّه للتذليل والبُعد عن الكبرياء، ومن هذا الجملة في الحديث استظهر صاحب المدارك رجحان تعفير الجبينَين أيضاً، وإليه أشار السيّد بحر العلومقدسسره
في المنظومة، قال في سجدة الشكر:
والخدُّ أوْلى وبه النصّ جلا
|
|
وفي الجبين قد أتى محتملا
|
وقد ورد تعفير الخدّين في سجدة الشكر
وبه استحقّ موسى بن عمرانعليهالسلام
الزلفى من المناجاة
ولَم يخالف الإماميّة في التعفير سواء اُريد من الجبين الجبهة أو نفسه، وأهل السُنّة لَم يلتزموا بالتعفير في الصلاة أو سجدة الشكر مع أنّ النّخعي ومالكاً وأبا حنيفة كرهوا سجدة الشكر، وإن التزم بها الحنابلة
والشافعي
عند حلول كلّ نعمة أو زوال نقمة.
الخلاصة في علائم المؤمن
لقد تجلّى ممّا ذكرناه في هذه الاُمور التي نصّ عليها الحديث بأنّها من علائم الإيمان أنّ المراد من (زيارة الأربعين) فيه إرشاد الموالين لأهل البيتعليهمالسلام
إلى الحضور في مشهد الغريب المظلوم سيّد الشهداءعليهالسلام
لإقامة العزاء وتجديد العهد بذكر ما جرى عليه من القساوة التي لَم يرتكبها أيّ أحد يحمل شيئاً من الإنسانيّة فضلاً عن الدِّين، والحضور عند قبر الحسينعليهالسلام
يوم الأربعين من مقتله من أظهر علائم الإيمان.
ولا ينقضي العجب ممَّن يتصرّف في هذه الجملة بالحمل على زيارة أربعين
____________________________
مؤمناً مع عدم تقدّم إشارة إليه ولا قرينة تساعد عليه ليصح الإتيان بالألف واللام للعهد، مع أنّ زيارة أربعين مؤمناً ممّا حثّ عليها الإسلام، فهي من علائمه عند الشيعة والسُنّة ولَم يخصّ بها المؤمنون ليمتازوا عن غيرهم. نعم، زيارة الحسينعليهالسلام
يوم الأربعين من قتله ممّا يدعو إليها الإيمان الخالص لأهل البيتعليهمالسلام
ويؤكّدها الشوق الحسيني، ومعلوم أنّ الذين يحضرون في الحائر الأطهر بعد مرور أربعين يوماً من مقتل سيّد شباب أهل الجنّة خصوص المشايعين له السّائرين على أثره. ويشهد له عدم تباعد العلماء الأعلام عن فهم زيارة الحسين في الأربعين من صفر من هذا الحديث المبارك، منهم أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي في التهذيب ج ٢ ص ١٧ باب فضل زيارة الحسينعليهالسلام
، فإنّه بعد أن روى الأحاديث في فضل زيارته المطلقة، ذكر المقيّد بأوقات خاصّة، ومنها يوم عاشوراء، وبعده روى هذ الحديث.
وفي مصباح المتهجّد ص ٥٥١ طبعة بمبئي، ذكر شهر صفر وما فيه من الحوادث، ثمّ قال: وفي يوم العشرين منه رجوع حرم أبي عبد اللهعليهالسلام
من الشام إلى مدينة الرسولصلىاللهعليهوآله
، وورود جابر بن عبد الله الأنصاري إلى كربلاء لزيارة أبي عبد اللهصلىاللهعليهوآله
، فكان أول من زاره من النّاس، وهي زيارة الأربعين، فروي عن أبي محمّد الحسن العسكريعليهالسلام
أنّه قال:«علامات المؤمن خمس...»
.
وقال أبو الريحان البيروني: في العشرين من صفر رُدّ الرأس إلى جثّته فدفن معها. وفيه زيارة الأربعين ومجيء حرمه بعد انصرافهم من الشام
.
وقال العلاّمة الحلّي في المنتهى، كتاب الزيارات بعد الحج: يستحب زيارة الحسينعليهالسلام
في العشرين من صفر.
وروى الشيخ عن أبي محمّد الحسن العسكريعليهالسلام
أنّه قال:«علامات المؤمن خمس...»
إلى آخر الحديث.
وفي الإقبال للسيّد رضيّ الدِّين علي بن طاووس، عند ذكر زيارة الحسينعليهالسلام
في العشرين من صفر قال: روينا بالاسناد إلى جدِّي أبي جعفر فيما رواه بالاسناد إلى مولانا الحسن بن علي العسكريعليهالسلام
أنه قال:«علامات المؤمن خمس...»
.
ونقل المجلسي (أعلى الله مقامه) في مزار البحار هذا الحديث عند ذكر فضل
____________________________
زيارة الحسينعليهالسلام
يوم الأربعين وفي الحدائق للشيخ يوسف البحراني، في الزيارات بعد الحجّ قال: وزيارة الحسينعليهالسلام
في العشرين من صفر من علامات المؤمن. وحكى الشيخ عبّاس القمي في المفاتيح هذه الرواية عن التهذيب، ومصباح المتهجّد في الدليل على رجحان الزيارة في الأربعين، من دون تعقيب باحتمال إرادة أربعين مؤمناً.
واستبعاد بعضهم إرادة زيارة الأربعين من جهة عدم تعرّض الإمامعليهالسلام
للآثار الاُخرويّة المترتّبة على الزيارة مع أنّ أهل البيتعليهمالسلام
عند الحثّ على زيارة المظلوم وغيره من أئمّة الهدىعليهمالسلام
يذكرون ما يترتّب عليها من الثواب لا يُصغى إليه؛ فإنّ الإمام في هذا الحديث إنّما هو بصدد بيان علائم المؤمن التي يمتاز بها عن غيره، وجعل منها زيارة الأربعين على ما أوضحنا بيانه، ولَم يكن بصدد بيان ما يترتّب على الزيارة من الأثر.
واستحباب زيارتهعليهالسلام
في العشرين من صفر نصّ عليه الشيخ المفيد في (مسار الشيعة)، والعلاّمة الحلّي في (التذكرة) و (التحرير)، وملاّ محسن الفيض في (تقويم المحسنين).
وتفسير الشيخ البهائي في (توضيح المقاصد) الأربعين بالتاسع عشر من صفر، مبنيّ على حساب يوم العاشر من الأربعين، وهو خلاف المتعارف.
وافـتك جـنداً يـستثير ويزأر
|
|
فـقد الـمواكب أنّها لك عسكر
|
لا تـسلمنَّ إلى الـدنيّة راحة
|
|
مـا كـان أسـلمها لذل حيدر
|
وابـعث حياة النّاهضين جديدة
|
|
فـيها الاُبـاء مـؤيَّد ومـظفَّر
|
وارسـم لسير الفاتحين مناهجاً
|
|
فـيها عـروش الطَّائشين تدمَّر
|
إنْ لَـم تـلبِّك سـاعة محمومة
|
|
ذمّـت فـقد لبَّت نداءك أعصر
|
قم وانظر البيت الحرام ونظرة
|
|
اُخـرى لقبرك فهو حجّ أكبر
|
أصبحت مفخرة الحياة وحقّ لَو
|
|
فـخرت بـه فدم الشهادة مفخر
|
قـدَّست مـا أعلى مقامك رفعة
|
|
أخـفيه خوف الظالمين فيظهر
|
شكتِ الإمارة حظَّها واستوحشت
|
|
أعـوادها مـن عابثين تأمَّروا
|
وتـنكرت لـلمسلمين خـلافة
|
|
فيها يصول على الصلاح المنكر
|
سوداء فاحمة الجبين ترعرعت
|
|
فـيها الـقرود ولـوَّثتها الأنـمر
|
سكبت على نغم الأذان كؤوسها
|
|
وعلى الصلاة تديرهنَّ وتعصر
|
تـلك الـمهازل يـشتكيها مـسجد
|
|
ذهـبت بـروعته ويـبكي مـنبر
|
فـشكت إلـيك وما شكت إلاّ إلى
|
|
بـطل يـغار على الصلاح ويثأر
|
تـطوى الفضائل ما عظمن وهذه
|
|
اُمّ الـفـضائل كـلَّ عـام تـنشر
|
جـرداء ذابـلة الـغصون سقيتها
|
|
بـدم الـوريد فطاب غرس مثمر
|
وعـلى الـكريهة تـستفزُّك نخوة
|
|
حـمـراء دامـية ويـوم أحـمر
|
شـكت الـشريعة من حدود بُدّلَتْ
|
|
فـيـها وأحـكـام هـناك تـغيَّر
|
سـلبت مـحاسنها اُميّة فاغتدت
|
|
صـوراً كـما شاء الضلال تصوَّر
|
عـصفت بـها الأهواء فهي أسيرة
|
|
تشكو وهل غير الحسين محرِّر
|
وافـى بـفتيته الـصّباح فـساقهم
|
|
لـلدِّين قـربان الإلـه فـجزِّروا
|
أدّى الـرسالة مـا اسـتطاع وإنّما
|
|
تـبـليغها بــدم يـطلّ ويـهدر
|
فـبذمّة الإصـلاح جـبهة مـاجد
|
|
تـدمى ووضّـاح الـجبين يـعفَّر
|
لـبّيك مـنفرداً اُحيط بعالم تحصى
|
|
الـحصى عـدداً ومـا إن يحصر
|
لـبّيك ظـام حـلأوه عن الروى
|
|
وبـراحتيه مـن الـمكارم أبـحر
|
هـذي دمـوع المخلصين فروّ من
|
|
عـبـراتها كـبـداً تـكاد تـفطَّر
|
واعـطف على هذي القلوب فإنّها
|
|
ودَّت لَـو أنَّـك في الأضالع تقبر
|
يـتزاحمون على استلام مشاعر
|
|
مـن دون روعتها الصّفا والمشعر
|
ركـبوا لها الأخطار حتّى لَو غدت
|
|
تُـبرى الأكـفّ أو الـجماجم تنثر
|
وافـوك يـوم الأربـعين وليتهم
|
|
حـضروك يوم الطّف إذ تستنصر
|
وجـدوا سـبيلكم الـنّجاة وإنّـما
|
|
نـصبوا لـها جسر الولاء ليعبروا
|
وتـأمّـلوك لـسـاعةٍ مـرهوبةٍ
|
|
إمّـا الـحميم بـها وإمّـا الكوثر
|
وسـيعلم الخصمان إنْ وافوك مَن
|
|
يـرد المعين ومَن يذاد ويصدر
|
في المدينة
لَم يجد السجّادعليهالسلام
بدّاً من الرحيل من كربلاء إلى المدينة بعد أنْ أقام ثلاثة أيّام؛ لأنّه رأى عمّاته ونساءه وصبيته نائحات الليل والنّهار، يقمن من قبر ويجلسن عند آخر.
____________________________
تـشكو عـداها وتـنعي قومها فلها
|
|
حـال من الشجو لفّ الصبر مدرجه
|
فـنعيها بـشجى الـشكوى تـؤلّفه
|
|
ودمـعها بـدم الأحـشاء تـمزجه
|
ويدخل الشجو في الصخر الأصمِّ لها
|
|
تـزفُّر من شظايا القلب تخرجه
|
قال بشير بن حذلم: لمّا قربنا من المدينة، نزل علي بن الحسينعليهالسلام
وحطَّ رحله وضرب فسطاطه، وأنزل نساءه وقال:«يا بشير، رحم الله أباك لقد كان شاعراً، فهل تقدر على شيء منه؟»
قلت: بلى يابن رسول الله، إنّي لشاعر. فقالعليهالسلام
:«ادخل المدينة وانع أبا عبد الله
عليهالسلام
»
. قال بشير: فركبت فرسي حتّى دخلت المدينة فلمّا بلغت مسجد النّبيصلىاللهعليهوآله
رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت:
يا أهل يثربَ لا مُقَام لكم بها
|
|
قُتل الحسينُ فأدمعي مدرار
|
الجسم منه بكربلاء مضرّج
|
|
والرأس منه على القناة يُدار
|
وقلت: هذا علي بن الحسينعليهالسلام
مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم وأنا رسوله إليكم اُعرّفكم مكانه. فخرج النّاس يهرعون ولّم تبقَ مخدَّرة إلاّ برزت، تدعو بالويل والثبور، وضجَّت المدينة بالبكاء، فلم يرَ باكٍ أكثر من ذلك اليوم، واجتمعوا على زين العابدينعليهالسلام
يعزّونه، فخرج من الفسطاط بيده خرقة يمسح بها دموعه، وخلفه مولى معه كرسي، فجلس عليه، وهو لا يتمالك من العبرة، وارتفعت الأصوات بالبكاء والحنين.
فأومأ إلى النّاس أنْ اسكتوا، فلمّا سكتت فورتهم قالعليهالسلام
:«الحمدلله ربِّ العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بعُد فارتفع في السّماوات العلا، وقرُب فشهد النّجوى، نحمده على عظائم الاُمور، وفجائع الدهور، وألم الفجائع، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظة الفادحة الجائحة.
أيّها القوم، إنّ الله تعالى وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قُتل أبو عبد الله الحسينعليهالسلام
وعترته، وسُبيت نساؤه
____________________________
وصبيته، وداروا برأسه في البلدان، من فوق عامل السّنان، وهذه الرزيّة التي لا مثلها رزيّة
.
أيّها النّاس، فأيّ رجالات منكم يسرّون بعد قتله؟ أم أيّ فؤاد لا يحزن من أجله؟ أم أيّة عين منكم تحبس دمعها، وتضنُّ عن انهمالها؟ فلقد بكت السّبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسّماوات بأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والحيتان في لجج البحار، الملائكة المقرّبون، وأهل السّماوات أجمعون.
أيّها النّاس، أيّ قلب لا ينصدع لقتله؟ أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه؟ أم أيّ سمع يسمع بهذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصمّ؟
أيّها النّاس، أصبحنا مشرّدين مطرودين مذودين شاسعين عن الأمصار، كأنّنا أولاد ترك وكابل، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها. ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، إنّ هذا إلاّ اختلاق، والله لو أنّ النّبيّ تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصيّة بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، من مصيبة ما أعظمها وأفجعها وأكظّها وأفظّها وأمرّها وأفدحها، فعند الله نحتسب ما أصابنا، وما بلغ بنا، فإنّه عزيز ذو انتقام».
فقام إليه صوحان بن صعصعة بن صوحان العبدي، وكان زَمِناً واعتذر بما عنده من زمانة رجلَيه.
فأجابهعليهالسلام
بقبول عذره وحُسن الظن فيه، وشكر له وترحّم على أبيه. ثمّ دخل زين العابدينعليهالسلام
المدينة بأهله وعياله
وجاء إليه إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله وقال: مَن الغالب؟ فقالعليهالسلام
:«إذا دخل وقت إلى الصلاة فأذّن وأقم، تعرف الغالب»
.
فأمّا زينب اُمّ كلثوم فأنشأت تقول:
مدينة جَدّنا لا تقبلينا
|
|
فبالحسرات والأحزان جينا
|
____________________________
خرجنا منك بالأهلين طرّاً
|
|
رجعنا لا رجال ولا بنينا
|
ثمّ أخذت زينب بنت أمير المؤمنين بعضادتي باب المسجد وصاحت: يا جَدّاه، إنّي ناعية إليك أخي الحسين.
وصاحت سكينة: ياجَدّاه! إليك المشتكى ممّا جرى علينا، فوالله ما رأيت أقسى من يزيد، ولا رأيت كافراً ولا مشركاً شرّاً منه ولا أجفى وأغلظ، فلقد كان يقرع ثغر أبي بمخصرته وهو يقول: كيف رأيت الضرب يا حسين
.
وأقمن حرائر الرسالة المأتم على سيّد الشهداء ولبسن المسوح والسّواد، نائحات الليل والنّهار، والإمام السجّاد يعمل لهنّ الطعام
.
وفي حديث الصادقعليهالسلام
:«ما اختضبت هاشميّة ولا أدهنت ولا اُجيل مرود في عين هاشميّة خمس حجج حتّى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد»
.
وأما الرباب فبكت على أبي عبد الله حتّى جفّت دموعها فأعلمتها بعض جواريها بأنّ السّويق يسيل الدمعة، فأمرت أنْ يُصنع لها السّويق لاستدرار الدموع
. وكان من رثائها في أبي عبد اللهعليهالسلام
:
إنَّ الذي كان نوراً يُسْتَضاء به
|
|
بـكربلاء قـتيل غير مدفون
|
سبط النّبيّ جزاك الله صالحة
|
|
عنّا وجنبت خسران الموازين
|
قد كنتَ لي جبلاً صعباً ألوذ به
|
|
وكنتَ تصحبنا بالرحم والدّين
|
مَنْ لليتامى ومَنْ للسائلين ومَنْ
|
|
يـغني وياوي إليه كلّ مسكين
|
والله لا أبتغي صهراً بصهركمُ
|
|
حتّى اُغَّيب بين الرمل والطِّين
|
وأمّا علي بن الحسينعليهالسلام
فانقطع عن النّاس؛ انحيازاً عن الفتن وتفرّغاً للعبادة
____________________________
والبكاء على أبيه، ولم يزل باكياً ليله ونهاره، فقال له بعض مواليه: إنّي أخاف عليك أنْ تكون من الهالكين. فقالعليهالسلام
:«يا هذا، إنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون، إنّ يعقوب كان نبيّاً فغيّب الله عنه واحداً من أولاده وعنده اثنا عشر، وهو يعلم أنّه حيّ فبكى عليه حتّى أبيضّت عيناه من الحزن، وإنّي نظرت إلى أبي وإخوتي وعمومتي وصحبي مقتولين حولي، فكيف ينقضي حزني؟! وإنّي لا أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خنقتني العبرة، وإذا نظرت إلى عمّاتي وأخواتي ذكرت فرارهنّ من خيمة إلى خيمة».
رأى اضطرام النّار في الخباء
|
|
وهـو خـباء الـعزِّ والإباء
|
رأى هـجوم الكفر والضلالة
|
|
عـلى بنات الوحي والرسالة
|
شـاهد فـي عـقائل الـنبوّة
|
|
مـا لـيس في شريعة المروَّة
|
مـن نـهبها وسلبها وضربها
|
|
ولا مـجير قـطّ غـير ربِّها
|
شاهد سَوق الخفرات الطّاهرة
|
|
سـوافر الوجوه لابن العاهرة
|
رأى وقوف الطّاهرات الزاكية
|
|
قـبالة الرجس يزيد الطّاغية
|
وهـنَّ فـي الـوثاق والحبال
|
|
في محشد الأوغاد والأنذال
|
إليك يا رسول الله المشتكى ممّا أتت به اُمّتك مع أبنائك الأطهرين من الظلم والاضطهاد. والحمد لله ربّ العالمين.
____________________________
المراثي
إنّ قضيّة سيّد الشهداءعليهالسلام
بما اشتملت عليه من القساوة الشائنة كانت مثيرة للعواطف، مرققةِّ للأفئدة، فتذمّر منها حتّى مَن لم ينتحل دين الإسلام؛ لذلك ازدلف الشعراء قديماً وحديثاً، باللغة الفصحى والدارجة، إلى ذكرها وتعريف الأجيال المتعاقبة بما جاء الاُمويّون من استئصال شأفة آل الرسولصلىاللهعليهوآله
فجاؤا بما فيه نجعة المرتاد.
ومن هؤلاء المناضلين لإحياء المذهب، الحجّة آية الله الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (نوّر الله ضريحه) فلقد جاء بمراثٍ كثيرة لها حُسن السَّبك ودقَّة المعنى وسلاسة النّظم ورقَّة الانشاء، آثرنا منها أربع قصائد ساطعة في رثاء السّبط الشهيد سيّد شباب أهل الجنّةعليهالسلام
:
١- قالرحمهالله
:
نـفس أذابـتها أسـىً حسراتها
|
|
فـجرت بـها مـحمرَّة عبراتها
|
وتذكّرت عهد المحصَّب من منى
|
|
فـتوقَّدت بـضلوعها جـمراتها
|
سـارت وراءهـم تـرجع رنَّة
|
|
حـنَّت مـطاياهم لـها وحداتها
|
طـلعوا بـيوم للوداع وقد غدى
|
|
لـيلاً فـردَّت شـمسه جبهاتها
|
وسـروا بـكلّ فتاة خدرٍ إنْ تكن
|
|
بـدراّ فـأطراف الـقنا هالاتها
|
فـخذوا احمرار خدودها بدمائنا
|
|
فـجناتها دون الـورى وجناتها
|
واسـتعطفوا بـاللين أعطافاً لها
|
|
فـلقد أقـمنَ قـيامتي قـاماتها
|
وعـلى عذيب الريق بارق لؤلؤ
|
|
بـالمنحنى مـن أضلعي قبساتها
|
لاثـت عـلى شـهدية بخمارها
|
|
والـخمر يـشهد إنّـه لـلثَّاتها
|
لله يـوم تـلفَّتت لَـو أنَّـها
|
|
كـانت لـقتلى حـبّها لـفتاتها
|
ثـملت بـخمرة ريـقها أعطافها
|
|
وزهـت بـلؤلؤ ثـغرها لثاتها
|
ومـشت فخاطرت النّفوس كأنَّما
|
|
مـاست بـخطّار القنا خطراتها
|
ومـن الـبليّة أنّـني أشـكو لها
|
|
بـلوى الـضَّنا فتزيدني لحظاتها
|
وأبـيت أسـهر لـيلتي وكأنّما
|
|
قـد وفّـرت في جنحها وفراتها
|
ومهى قنصت لصيدهنّ فعدت في
|
|
شـرك الـغرام وأفلتت ظبياتها
|
عـجباً تـفاد لـي الاُسود مهابةً
|
|
وتـقودني وأنـا الأبـي مهاتها
|
أنـا من بعين المكرمات ضياؤها
|
|
لـكن بـعين الـحاسدين قذاتها
|
إن أنـكرتني مـقلة عـميا فـلا
|
|
عـجب فـإنّي فـي سناني فقأتها
|
تعـساً لـدهر أصـبحت أيّـامه
|
|
والـغدر نـجح عـداتها وعداتها
|
لا غـرو أنْ تـعتد بـنوه الـغدر
|
|
فـالأبناء مـن آبـائها عـاداتها
|
ولـقد وجـدت ملاءة الدنيا خلت
|
|
مــن عـفّة ونـجابة فـملاتها
|
وأرى أخـلاّئي غـداة خـبرتهم
|
|
أعـدى عـدى شنّت بنا غاراتها
|
كـنت الـحماة أظـنّهم فـكشفتهم
|
|
عـن عقرب لسعت حشاي حماتها
|
وتـعدّهم نـفسي الـحياة لها وقد
|
|
دبّــت إلـيـها مـنهم حـيّاتها
|
أسـدت إلـيّ بـكلّ سـيّئة ومن
|
|
صـفحى أقـدّر أنّـها حـسناتها
|
ولـكم عـليها مـن يد بيضاء لي
|
|
قـد سـوّدتها الـيوم تـمويهاتها
|
إنْ فـصّلت لـي الغدر أنواعاً فقد
|
|
عـرفت بـخبث الجنس ماهيّاتها
|
لـؤمت إسـاءتها فهانت واستوى
|
|
نـبح الـكلاب عـليَّ أو أصواتها
|
وتـكرّماً عـنها صـددت وإنّني
|
|
لـولا خـساستها عـليّ خـساتها
|
ولـقد دنـت شـأناً فـلولا عفّتي
|
|
عـن وطء كـلّ دنـيّة لـوطاتها
|
وأنـا الـشجى في حلقها فلو أنّها
|
|
تـجد الـمساغ قـذفن بي لهواتها
|
وتهشّ بشراً إن حضرت فإن أغب
|
|
قـذفت بـجمرة غيظها حصياتها
|
كـم صانعتني بالدهاء وإنّما أدهى
|
|
الــورى شـرّاً عـليَّ دهـاتها
|
لـكنْ جُبِلْتُ على الوفاء فلَو جنت
|
|
يـدها عـلى عيني العمى لدراتها
|
وأنـا الـعصيّ من الإبا وخلائقي
|
|
فـي طـاعة الحرِّ الكريم عصاتها
|
عـوَّدتُ عـينيَّ الإبـاء فلم تسل
|
|
إلاّ لآل محمّدٍ عـبـراتـها
|
كـم غـارة لـك يا زمان شننتها
|
|
لـم أسـتطع دفـعاً لـها فشناتها
|
وأرى الـليالي مـنك حُلبى لَم تلد
|
|
لـلـحرِّ غـير مـلمَّة غـدراتها
|
تجرى لها العبرات حمراً إنْ جرت
|
|
ذكـراً عـلى أسـماعنا عـثراتها
|
ووددْت مـذ جـارت على أبنائها
|
|
ورمـت بـنيها بالصروف بناتها
|
عـدلت بـآل محمّدٍ فيما قضت
|
|
وهُــمُ أئـمّة عـدلها وقـضاتها
|
الـمرشدون الـمرفدون فكم هدى
|
|
ونـدىً تـميح صَلاتها وصِلاتها
|
والـمنعمون المطعمون إذا انبرت
|
|
نـكباء صـوَّحت الـثَّرى نكباتها
|
والـجامعون شـتات غـرِّ مناقب
|
|
لَــم تـجتمع بـسواهُمُ أشـتاتها
|
يـا غـاية تـقف الـعقول كليلة
|
|
عـنها وإنْ ذهـبت بـها غاياتها
|
يـاجذوة الـقدس الـتي ما أشرقت
|
|
شـهب الـسّما لـو لَم تكن لمعاتها
|
يـاقبّة الـشرف التي لو في الثّرى
|
|
نُـصبت سـمت هام السّما شرفاتها
|
يـاكـعبة لله إنْ حـجَّت لـها
|
|
الأمــلاك مـنه فـعرشه مـيقاتها
|
يـانقطة الـباء الـتي بـاءت لها
|
|
الـكلمات وائـتلفت بـها ألـفاتها
|
يـا وحـدة الـحقِّ الـتي ما إنْ لها
|
|
ثـانٍ ولـكن مـا انـتهت كثراتها
|
يـا وجـهة الأحـديَّة الـعليا التي
|
|
بـالأحـمديَّة تـسـتنير جـهـاتها
|
يـا عـاقلي العشر العقول ومَن لها
|
|
الـسَّبع الـطباق تـحرّكت سكناتها
|
أقـسمتُ لـو سِـرَّ الحقيقة صورة
|
|
راحـت وأنـتم لـلورى مـرآتها
|
أنـتم مـشئته الـتي خـلقت بـها
|
|
الأشـياء بـل ذُرئـت بـها ذرَّاتها
|
وخـزانة الأسـرار بـل خـزَّانها
|
|
وزجـاجة الأنـوار بـل مـشكاتها
|
أنـا فـي الورى قال لكم إنْ لَم أقل
|
|
مـا لـم تـقله فـي المسيح غُلاتها
|
سـفهاً لحلمي إن تطر بثباتي السفـ
|
|
ـهـاء مـذ طـارت بـها جهلاتها
|
أنـا مـن شـربت هناك أول درِّها
|
|
كـأساً سـرت بـسرائري نشواتها
|
فـاليوم لا أصـحو وإن ذهبت بيَ
|
|
الأقـوال أو شـدَّت عـليَّ رماتها
|
أو هـل ترى يصحو صريع مدامة
|
|
مـمّـا بـه إن عـنّفته صـحاتها
|
أو هل يحول أخو الحجى عن رشده
|
|
مـمّـا تـؤنّـبه عـلـيه غـواتها
|
بـأبي وبـي مَـن هم أجلُّ عصابة
|
|
سـارت تـؤمّ بـها العلا سرواتها
|
عطري الثياب سروا فقل في روضة
|
|
غـبّ الـسّحاب سرت بها نسماتها
|
ركـبٌّ حـجازيون عـرّقت العلا
|
|
فـيـهم ومِـسك ثـنائهم شـاماتها
|
تـحدو الـحداة بـذكرهم وكـأنَّما
|
|
فـتـقت لـطيمة تـاجر لـهواتها
|
ومـطوَّحين ولا غـناء لـهم سوى
|
|
هــزج الـتلاوة رتـلّت آيـاتها
|
وإلــى الـلقاء تـشوّقاً أعـطافها
|
|
مــهـزوزةً فـكـأنّها قـنـواتها
|
خـفَّت بـهم نـحو الـمنايا هـمَّة
|
|
ثـقلت عـلى جيش العدى وطآتها
|
وبـعزمها مـن مـثل مـا بـأكفِّها
|
|
قـطع الـحديد تـأجّجت لـهباتها
|
فـكـأنَّ مـن عـزماتها أسـيافها
|
|
طـبعت ومـن أسـيافها عـزماتها
|
قـسم الـحيا فـيها فـمن مقصورة
|
|
الأيــدي ومـمـدودة قـسـماتها
|
ومـلوك بـأسٍ في الحروب قبابها
|
|
قـبّ الـبطون ودسـتها صهواتها
|
يـسطون فـي الجمِّ الغفير ضياغما
|
|
لـكـنّما شـجـر الـقنا أجـماتها
|
كـالليث أو كالغيث في يومي وغىً
|
|
ونـدىً غـدت هـباتها وهـباتها
|
حـتّى إذا نـزلوا العراق فأشرقت
|
|
أكـنافها وزهـت بـهم عرصاتها
|
ضـربوا الـخيام بـكربلا وعليهم
|
|
قــد خـيَّمت بـبلائها كُـرُباتها
|
نـزلوا بها فانصاع من شوك القنا
|
|
ولـظى الـهواجر مـاؤها ونباتها
|
وأتـت بـنو حرب تروم ودون ما
|
|
رامـت تـخرُّ مـن السَّما طبقاتها
|
رامـت بـأن تعنو لها سفهاً وهل
|
|
تـعنو لـشرِّ عـبيدها سـاداتها
|
وتـسومها إمّا الخضوع أو الردى
|
|
عـزّاً وهـل غـير الإباء سماتها
|
فـأبوا وهـل مـن عـزّة أو ذلّة
|
|
إلاّ وهــم آبـاؤهـا واُبـاتـها
|
وتـقحّموا لـيل الحروب فأشرقت
|
|
بـوجـوههم وسـيوفهم ظـلماتها
|
وبـدت عـلوج اُمـيّة فتعرّضت
|
|
لـلأسد فـي يـوم الـهياج شياتها
|
تـعدو لـها فـتميتها رعـباً وذي
|
|
يــوم الـلـقا بـعداتها عـاداتها
|
فـتـخرُّ بـعـد قـلوبها أذقـانها
|
|
وتـفرّ قـبل جـسومها هـاماتها
|
وبـاُسـرة مـن آل أحـمد فـتية
|
|
صـينت بـبذل نـفوسها فـتياتها
|
يـتضاحكون إلى المنون كأنّ في
|
|
راحـاتها قـد أتـرعت راحـاتها
|
وتـرى الصّهيل مع الصّليل كأنَّه
|
|
فـيـهم قـيان رجِّـعت نـغماتها
|
وكـأنّما سـمر الـرماح معاطف
|
|
فـتـمايلت لـعـناقها قـامـاتها
|
وكـأنَّما بيض الظَّبى بيض الدّمى
|
|
ضـمنت لـمى رشـفاتها شفراتها
|
وكـأنّما حـمر الـنّصول أنـامل
|
|
قــد خـضَّبتها عـندماً كـاساتها
|
ومـذ الوغى شبَّت لظى وتقاعست
|
|
دون الـشَّـدائد نـكَّـصاً شـدَّاتها
|
وغـدت تـعوم مـن الحديد بلجَّة
|
|
قـد أنـبتت شـجر الـقنا حافاتها
|
خـلعوا لها جنن الدُّروع ولاح من
|
|
نـيـرانها لـجـنانهم جـنَّـاتها
|
وتـزاحفوا يـتنافسون عـلى لقى
|
|
الآجـال تـحسب أنَّـها عـاداتها
|
بـأكـفّها عـوج الأسـنّة ركّـع
|
|
ولـها الـفوارس سـجَّد هـاماتها
|
حـتّى إذا وافـت حـقوق وفائها
|
|
وعـلت بـفردوس العلى درجاتها
|
شــاء الإلـه فـنكّست أعـلامها
|
|
وجـرى الـقضاء فنكَّصت راياتها
|
وهوت كما انهالت على وجه الثرى
|
|
مـن صـمِّ شاهقة الذرى هضباتها
|
وغـدت تـقسّم بـالظّبى أشلاؤها
|
|
لـكـن تـزيد طـلاقة قـسماتها
|
ثـمّ انـثنى فـرداً أبو السجّاد فاجـ
|
|
ـتـمعت عـليه طـغامها وطغاتها
|
غـير أن يحمل عزمة عملت إلى
|
|
حـرب جـيوش مـنيَّة حملاتها
|
تـلوي بـاُولاهم عـلى اُخراهم
|
|
وتـجول فـي أوساطهم سطواتها
|
يـحمي مـخيّمه فقل أسد الشَّرى
|
|
ديـست عـلى أشـبالها غاباتها
|
خطبَ العدى فوق العوادي خطبةً
|
|
لـلـسانه وسـنـانه كـلـماتها
|
وعـظ اللسان ومذ عتوا عنأمره
|
|
طـعن الـسّنان فـلم تفته عتاتها
|
نـثر الرؤوس بسيفه ونظمن في
|
|
سـلـك الـقنا لـقلوبهم حـبَّاتها
|
إن يشرع الخرصان نحو مكردس
|
|
ردَّت ومـن أكـبادها عـذباتها
|
واذا هـوت بـالبيض قبضة كفِّه
|
|
عـادت عـلى أرواحهم قبضاتها
|
يـروي الثرى بدمائهم وحشاه من
|
|
ظـمأ تـطاير شـعلة قـطعاتها
|
لـو قـلبت مـن فوق غلَّة قلبه
|
|
صـمّ الـصفا ذابت عليه صفاتها
|
تـبكي الـسّماء له دماً أفلا بكت
|
|
مــاء لـغـلّة قـلبه قـطراتها
|
وا حـرَّ قـلبي يابن بنت محمّد
|
|
لـك والعدى بك اُنجحت طلباتها
|
مـنعتك من نيل الفرات فلا هنا
|
|
لـلنّاس بـعدك نِيلها وفراتها
|
وعـلى الثنايا منك يلعب عودها
|
|
وبـرأسك الـسّامي تشال قناتها
|
وبـهم تـروح العاديات وتغتدي
|
|
وجـسومكم فـوق الثّرى حلباتها
|
ونـساؤكم أسرى سرت بسراتكم
|
|
تـدعو وعـنها اليوم أين سراتها
|
هـاتيك في حرِّ الهجير جسومها
|
|
صـرعى وتلك على القنا هاماتها
|
بأبي وبِي منهم محاسن في الثَّرى
|
|
لـلحشر تـنشر فخرهم حسناتها
|
أقـوت معالم اُنسهم والوحش كم
|
|
راحـت ومـن أسـيافهم أقواتها
|
يا هل ترى مضراً درت ماذا لقت
|
|
فـي كـربلا أبـناؤها وبـناتها
|
خـفرت لـها أبـناء حرب ذمَّة
|
|
هـتكت لـها مـا بينهم خفراتها
|
جـارت على تلك المنيعات التي
|
|
تـهوى الـنّجوم لو أنّها جاراتها
|
حـتّى غـدت بين الأراذل مغنما
|
|
تـنـتاشها أجـلافـها وجـفاتها
|
فـلضربها أعـضادها ولـسلبها
|
|
أبـرادهـا ولـنـهبها أبـيـاتها
|
وثـواكلٍ لـمَّا دفـعن عن البكا
|
|
والـنّوح ردَّدت الـشَّجى لهواتها
|
زفـراتها لـو لَـم تكن مشفوعة
|
|
بـالدمع أضرمت السّما جذواتها
|
وعـلى الأيـانق من بنات محمّد
|
|
في الشمس تصلى حرُّها أخواتها
|
أبـدى الـعدوّ لها وجوهاً لم تبن
|
|
حتّى لأنـفاس الصّبا صفحاتها
|
ومـروعة فـي السّبي تشكو بثَّها
|
|
فـتجاب ضـرباً بالسّياط شكاتها
|
قـامت تـسُّب لها الجدود أراذل
|
|
قـعدت بـها عن شاوهم سبّاتها
|
يـا غـيرة الـجبّار أنّى والعدى
|
|
راحـت وفـي أبـياتكم غاراتها
|
يـا حـرمةً هُـتكت لعزّة أحمد
|
|
فـيـها وعـزَّة ربِّـه حـرماتها
|
أحـماة ديـن الله كـيف بـناتكم
|
|
سـاروا بـها والشامتون حماتها
|
تطوي الفلاة بها وما ضاقت على
|
|
حـرب بـشعث خيولكم فلواتها
|
كفأت لكم ظهر المجنِّ فهل سوى
|
|
عـزماتكم وهـي الحتوف كفاتها
|
وخـيامكم تـلك الـتي أوتـادها
|
|
شـهب الـسَّماء وعرشها داراتها
|
بـالنّار أضـرمها الـعدوُّ وأنتُمُ
|
|
أربـابـها وحـريـمكم ربَّـاتها
|
فـرّت تـعادى في الفلاة نوائحاً
|
|
حـسرى تـقطِّع قلبها حسراتها
|
حـتّى إذا وقـفت على جثث لكم
|
|
طـالب عـليها لـلظَّبى وقـفاتها
|
قـدحت لكم زند العتاب فلم تجد
|
|
غـير الـسِّياط لـجنبها هفواتها
|
وسـرت على حالٍ يحقُّ لشجوها
|
|
الأفـلاك لـو وقفت لها حركاتها
|
حنَّت ولولا زجر زجر ما حدت
|
|
أظـعانها بـسوى الحنين حداتها
|
يـا لوعة قعدت وقامت في الحشا
|
|
خـرساء تـنطق بالشَّجى نفثاتها
|
قـعدت ولا تـنفكُّ أو أرزاؤكـم
|
|
بـقيام قـائمكم تُـصاب تراتها
|
فانهض فدىً لك أنفس كمنت بها
|
|
طـير الـشّجون كـأنَّها وكناتها
|
واحـصد رؤوسهُمُ فكم رأس لكم
|
|
حـصدته بـعد ولم يشبَّ شباتها
|
وأحرق لهم صنمي ضلال وطِّدا
|
|
لـهم الاُمـور فـأمكنت وثباتها
|
تـبعاً بـما ابـتدعا فما من سوأة
|
|
إلاّ وفــي عـنـقيهما تـبعاتها
|
وهـما الـلذان عـليكُم قد جزّءا
|
|
مـن لا يـداني نـعلكم جبهاتها
|
جـرّا إلـيكم كـلّ جـور نالكم
|
|
مـن عـصبة فـعليهما لـعناتها
|
فـلرزئكم إن لـم أمت حزناً فلي
|
|
نـفس أذابـتها أسـى زفـراتها
|
ولـقد نـشرت رثاً لكم وكأنَّ في
|
|
طـيِّ الـجوانح لـلقنا وخزاتها
|
وإلـيكم مـن بـكر فكري ثاكل
|
|
تـنعى فـتهتف بـالنّفوس نعاتها
|
مـنكم لـكم أهـديتها وبـرزئكم
|
|
آل الـنّـبيِّ خـتمتها وبـدأتها
|
ولـنشاتي أنـشأتها ذخـراً لـكم
|
|
أفـهل أخـيب وفـيكم أنـشأتها
|
ولـمهجتي بـولاكم الحسنى إذا
|
|
فـقدت غـداً بصحيفتي حسناتها
|
فـولاؤكم حـسبي وإنّي عبدكم
|
|
فخري وذخري أن تضق حلقاتها
|
وإلـيكم شكواي من نفس غدت
|
|
تـقـتادني لـلسّوء إمـاراتها
|
وجـرائم عـبَّت بـمهلك لجَّة
|
|
تـرمي لـها بـنفوسها غفلاتها
|
وأنـا الـغريق بها فهل إلاّ بكم
|
|
لـلنّفس يا سُفُن النّجاة نجاتها
|
وعليكم يا رحمة الباري من التـّ
|
|
ـسـليم مـا سارت به صلواتها
|
***
٢- وقال أيضاً:
أقـوت فهنَّ من الأنيس خلاء
|
|
دمـن مـحت آيـاتها الأنواء
|
درسـت فـغيّرها البلى فكأنَّما
|
|
طـارت بـشمل أنيسها عنقاء
|
يـا دار مقريّة الضيوف بشاشة
|
|
وقـراي منك الوجد والبرحاء
|
عـبقت بـتربك نـفحة مسكيّة
|
|
وسـقت ثـراك الديمة الوطفاء
|
عـهدي بـربعك آنساً بك آهلا
|
|
يـعلوه مـنك الـبشر والسَّراء
|
وثـرى ربـوعك للنّواظر أثمد
|
|
والـعقد حلي ضيائك الحصباء
|
قد كان مجتمع الهوى واليوم في
|
|
عـرصاته تـتفرَّق الأهـواء
|
أخـنى عـليه دهره والدهر لا
|
|
يـرجى لـه بذوي الوفاء وفاء
|
أيـن الـذين ببشرهم وبنشرهم
|
|
يحيا الرجال وتأرج الأرجاء
|
ضربوا بعرصة كربلا خيامهم
|
|
فـأطلَّ كـرب فـوقها وبلاء
|
لله أيّ رزيَّـة فـي كـربلا
|
|
عـظمت فهانت دونها الأرزاء
|
يـوم بـه سلّ ابن أحمد مرهفاً
|
|
لـفرنده بـدجى الـوغى لألاء
|
وفـدى شـريعة جدِّه بعصابة
|
|
تـفدى وقـلَّ من الوجود فداء
|
صـيد إذا ارتـعد الكميّ مهابة
|
|
ومـشت إلى أكـفائها الأكفاء
|
وعـلا الغبار فأظلمت لولا سنا
|
|
جـبهاتها وسـيوفها الـهيجاء
|
عشت العيون فليس إلاّ الطعنة
|
|
الـنجلا وإلاّ الـمقلة الخوصاء
|
زحـفوا إلى ورد المنون تشوّقاً
|
|
حتّى كـأنَّ مـماتها الأحياء
|
عـبست وجوه عداهم فتبسّموا
|
|
فـرحاً وأظلمت الوغى فأضاؤا
|
فـلها قـراع السّمهري تسامر
|
|
وصـليل وقع المرهفات غناء
|
بـأبي لـها مـن أنْ تشمَّ مذلَّة
|
|
أنـف أشـمّ وهـمَّة قـعساء
|
يـقـتادهم لـلحرب أروعُ مـاجد
|
|
صـعب الـقياد عـلى الأبـا أبّاء
|
صـحبته مـن عـزماته هـنديَّة
|
|
بـيـضاء أو يـزنـيَّة سـمراء
|
تـجري الـمنايا السّود طوع يمينه
|
|
وتـصرَّف الأقـدار حـيث تشاء
|
ذلَّـت لـعزمته الـقروم بـموقف
|
|
عـقَّـت بــه آبـاءها الأبـناء
|
بـفرائص رعـدت وهامات همت
|
|
مـذ لاح بـارق سـيفه الـوضَّاء
|
ولـئن تـنكَّر فـي العجاج فطالما
|
|
شـهـدت بـغرِّ فـعاله الـهيجاء
|
مـن أبـيض نثر الرؤوس وأسمر
|
|
نُـظِمتْ بـسلك كـعوبه الأحشاء
|
كـره الـحمام لـقاءه فـي معرك
|
|
حـسدتْ بـه أمـواتها الأحـياء
|
بـأبي أبـي الـضيم سيم هوانه
|
|
فـلواه عـن ورد الـهوان إبـاء
|
وتـألَّـبوا زمـراً عـليه تـقودها
|
|
لـقـتاله الأحـقـاد والـبـغضاء
|
فـسطا عـليهم مـفرداً فـثنت له
|
|
تـلك الـجموع الـنّظرة الشزراء
|
يـا واحـداً لـلشّهب من عزماته
|
|
تـسـري لـدَيه كـتيبة شـهباء
|
ضاقت بها سعة الفضاء على العدى
|
|
فـتـيقّنوا مــا بـالنّجاة رجـاء
|
فـغدت رؤوسـهم تـخرّ أمـامهم
|
|
فـوق الـثّرى وجـسومهنَّ وراء
|
تـسع الـسّيوف رقابهم ضرباً وبا
|
|
لأجـسام مـنهم ضـاقت الـبيداء
|
مـا زال يـفنيهم إلى أنْ كاد أنْ
|
|
يـأتي عـلى الإيـجاد مـنه فناء
|
لـكـنَّما طـلـب الإلـه لـقاءه
|
|
وجـرى بـما قـد شاء فيه قضاء
|
فـهوى على غبرائها فتضعضعت
|
|
لـهـويه الـغـبراء والـخضراء
|
وعـلا الـسِّنان بـرأسه فالصعدة
|
|
الـسّمراء فـيها الـطلعة الـغرّاء
|
ومـكـفَّن وثـيابه قـصد الـقنا
|
|
ومـغـسّل ولــه الـمياه دمـاء
|
ظــام تـفطَّر قـلبه ظـمأ وبـا
|
|
لـحملات مـنه تـرتوي الغبراء
|
تـبكي الـسّماء دمـاً له أفلا بكت
|
|
مــاء لـغـلّة قـلـبه الأنـواء
|
وآ لهف قـلبي يابن بنت محمّد
|
|
لـك والـعدى بك أدركوا ما شاؤا
|
فـلـخيلها أجـسـامكم ولـنـبلها
|
|
أكـبـادكم ولـقضبها الأعـضاء
|
وعلى رؤوس السّمر منكم أرؤوس
|
|
شـمس الـضّحى لوجوهها حرباء
|
يـابـن الـنّبيّ أقول فيك معزِّيا
|
|
نـفساً وعـزً عـلى الثكول عزاء
|
مـا غضَّ من علياك سوء صنيعهم
|
|
شـرفاً وإنْ عـظم الـذي قد جاؤا
|
إنْ تـمس مـغبرَّ الـجبين معفَّراً
|
|
فـعليك مـن نـور الـنّبيّ بـهاء
|
أو تـبق فوق الأرض غير مغسّل
|
|
فـلك الـبسيطان الـثَّرى والماء
|
أو تـغتدى عـار فقد صنعت لكم
|
|
بـرد الـعلا الخطيّ لا صنعاء
|
أو تـقض ظـمآن الفؤاد فمِن دما
|
|
أعـداك سـيفك والـرماح رواء
|
فـلو أنّ أحـمد قـد رآك على
|
|
الثَّرى لفرشن منه لجسمك الأحشاء
|
أو بالطّفوف رأت ظماك سقتك من
|
|
مـاء الـمدامع اُمّـك الزهراء
|
يـا ليت لا عذب الفرات لوارد
|
|
وقـلـوب أبـناء الـنّبيّ ظـماء
|
كـم حـرَّة نـهب الـعدى أبياتها
|
|
وتـقـاسمت أحـشـاءها أرزاء
|
تـعدو وتـدعو بـالحماة ولم يكن
|
|
بـسوى الـسِّياط لها يجاب دعاء
|
تـعدو فـإنْ عادت عليها بالعدى
|
|
عـدو الـعوادي الجرد والأعداء
|
هـتفت تـثير كـفيلها وكـفيلها
|
|
قـد أرمضته في الثَّرى الرمضاء
|
يـا كعبة البيت الحرام ومَن سمت
|
|
بـهم عـلى هـام السَّما البطحاء
|
لله يـوم فـيه قـد أمـسيتم
|
|
أسـراء قـوم هـم لكن طلقاء
|
حـملوا لكم في السَّبي كل مصونة
|
|
وسـروا بها في الأسر أنّى شاؤا
|
ثـكلى تـحنُّ لشجوها عيس الفلا
|
|
وتـرقّ إنْ نـاحت لـها الورقاء
|
تـنعى لـيوث البأس من فتيانها
|
|
وغـيـوثها إنْ عـمَّت الـبأساء
|
رقـدوا ولـيس بعزمهم من قدرة
|
|
وغـفوا ومـا فـي بأسهم إعفاء
|
تـبكيهم بـدم فقل بالمهجة الحرَّى
|
|
تـسـيل الـعـبرة الـحـمراء
|
نـاحت فلمّا غضّضت من صوتها
|
|
بـزفـيرها أنـفاسها الـصعداء
|
حـنَّت ولـكنَّ الـحنين بكى وقد
|
|
نـاحـت ولـكن نـوحها أيـماء
|
وقـست عـليهنَّ الـقلوب فدونها
|
|
الـصخر الأصمّ ودونها الخنساء
|
وحـدت بـهنّ الـيعملات كلابها
|
|
ولـهنَّ رجـع حـنينهنَّ حـداء
|
ومـقـيّد قــام الـحديد بـمتنه
|
|
غـلاً وأقـعد جـسمه الاعـياء
|
رهـن الـضَّنا قـعدت به أسقامه
|
|
وسـرت بـه الـمهزولة العجفاء
|
وغـدت تـرقّ على بليته العدى
|
|
مـا حـال من رقَّت له الأعداء
|
لله سـر الله وهـو مـحجَّب
|
|
وضـمير غـيّب الله وهـو خفاء
|
أنّـى اغـتدى لـلكافرين غنيمة
|
|
فـي حـكمها يـنقاد حيث يشاؤا
|
عـالٍ على عاري المطيِّ تقاذف
|
|
الأمـصار فـيه وترتمي الأحياء
|
طـوع الأكـفِّ وكـلّهنَّ لـئيمة
|
|
نـصب الـعيون وكـلّها عـمياء
|
وهـو الذي لو شاء أنْ يفنيهم
|
|
قـذفتهم الـدئماء والـدهماء
|
وهَوَت له شُهُب السَّماء بقوسها
|
|
وأطـاعه الإصـباح والإمساء
|
آل الـنّبيِّ لأن تعاظم رزؤكم
|
|
وتصاغرت في وقعه الأرزاء
|
فـلأنتم يـا أيَّـها الشفعاء في
|
|
يـوم الـجزاء وأنتم الخصماء
|
وإلـيكم مـن بكر فكري ثاكل
|
|
تـنعى وقد أودت بها البرحاء
|
حـسناء جاءت للعزاء ولم تعد
|
|
إلاّ بحـسن مـنكمُ الـحسناء
|
***
٣- وقال أيضاً:
خـذوا الماء من عيني والنّار من قلبي
|
|
ولا تـحملوا لـلبرق منَّاً ولا السّحب
|
ولا تـحسبوا نـيران وجـدى تنطفي
|
|
بـطوفان ذاك الـمدمع السّافح الغرب
|
ولا أنَّ ذاك الـسَّـيل يـبرد غـلَّتي
|
|
فـكم مـدمع صـبِّ لـذي غلَّة صبِّ
|
ولا أنَّ ذاك الـوجـد مـنِّي صـبابة
|
|
لـغـانية عـفراء أو شـادن تـرب
|
نـفى عـن فـؤادي كـلَّ لهو وباطل
|
|
لـواعج قد جرَّعنني غصص الكرب
|
أبـيت لها أطوي الضلوع على جوىً
|
|
كـأنِّي على جمر الغضا واضعاً جنبي
|
رزايـاكـم يــا آل بـيت مـحمّد
|
|
أغـصّ لـذكراهنَّ بـالمنهل الـعذب
|
عـمى لـعيون لا تـفيض دمـوعها
|
|
عـليكم وقد فاضت دماكم على التّرب
|
وتـعـساً لـقلب لا يـمزِّقه الأسـى
|
|
لـحرب بـها قـد مزَّقتكم بنو حرب
|
فـوا حـرَّتا قـلبي وتـلكم حشاشتي
|
|
تـطـير شـظاياها بـواحرتا قـلبي
|
أأنـسى وهـل يـنسى رزاياكم التي
|
|
الـبت عـلى ديـن الـهداية ذولب
|
أأنـساكم حـرَّى الـقلوب على الظَّما
|
|
تذادون ذود الخمص عن سائغ الشرب
|
أأنـسى بـأطراف الـرماح رؤوسكم
|
|
تـطلَّع كـالأقمار في الأنجم الشهب
|
أأنـسى طـراد الخيل فوق جسومكم
|
|
وماوطأت من موضع الطَّعن والضرب
|
أأنـسى دمـاء قـد سُـفِكنَ وأدمـعاً
|
|
سُـكبن وأحـراراً هُتكن من الحجب
|
أأنـسى بـيوتاً قـد نُـهبن ونـسوة
|
|
سُـلبن وأكـباداً أذبـن من الرعب
|
أأنـسى اقـتحام الـظالمين بـيوتكم
|
|
تـروِّع آل الله بـالضَّرب والنّهب
|
أأنـسى اضـطرام النّار فيها وما بها
|
|
سـوى صبية فرّت مذعرة السَّرب
|
أأنسى لكم في عرصة الطَّف موقفاً
|
|
على الهضب كنتم فيه أرسىمنالهضب
|
تـشـاطرتموا فـيـه رجـالاً ونـسوةً
|
|
عـلى قـلَّة الأنـصار فـادحة الخطب
|
فـأنـتم بــه لـلقتل والـنّبل والـقنا
|
|
ونـسوتكم لـلأسر والـسَّبى والـسَّلب
|
إذا أوجـبت أحـشاءها وطـأة الـعدى
|
|
عـلا نـدبها لـكن عـلى غوثها النّدب
|
وإنْ نـازعتها الـحلي فـالسَّوط كم له
|
|
عـلى عـضديها مـن سوار ومن قلب
|
وإنْ جـذبت عـنها الـبراقع جـدِّدت
|
|
بـراقع تـعلوهنَّ حـمراً مـن الضَّرب
|
وان سـلـبت عـنها الـمقانع قـنِّعت
|
|
اذا بـثت الـشكوى عـن السّلب بالسَّب
|
وثـاكلة حـنَّت فـما الـعيس في الفلا
|
|
ونـاحت فما الورقاء في الغصن الرطب
|
تـروي الـثَّرى بـالدمع والـقلب ناره
|
|
تـشبّ وقد يخطي الحيا موضع الجَّدب
|
وتـندب عـن شـجوٍ فـتعطي بـندبها
|
|
لـكلِّ حـشى ما في حشاها من النّدب
|
وتـنعى فتشجي الصّمَّ زينب إذ نعت
|
|
وتـصدع شكواها الرواسي من الخطب
|
تـثير عـلى وجـه الـثَّرى من حماتها
|
|
لـيوث وغـى لـكن مـوسَّدة الـتّرب
|
نـيام عـلى الأحـقاف لـكن بلا كرى
|
|
ونـشوانة الأعـطاف لـكن بلا شرب
|
تـطـارحهم بـالـعتب شـجواً وإنَّـها
|
|
لـتعلم بـعد الـقوم عـن خطّة العتب
|
حـموا خـدرها حتّى اُستبيحت دماؤهم
|
|
وطـلَّت ومـا طـالت إليها يد النّصب
|
ومــن دونـها أجـسامهم ورؤوسـهم
|
|
غـدت نـهب أطراف الأسنّة والقضب
|
فـيا مـدركي الأوتـار حتّى مَ صبركم
|
|
وأوتـاركم ضـاقت بها سعة الرحب
|
ويـا طـاعني صـدر الـكتائب ما لكم
|
|
قـعدتم وفـي أيـديكم قـائم العضب
|
ويـا طـاحني هـام العدى ما انتظاركم
|
|
وقد طحنتكم في الحروب رحى حَرب
|
ويـا مـزعجي أسـد الشّرى ما قعودكم
|
|
وقـد ظـفرت مـن ليثكم ظفر الكلب
|
جـبـار بـأيـدي الـظالمين دمـاؤكم
|
|
فـيا غـيرة الـجبّار مـن غضب هبي
|
فـكـم غـرَّة فـوق الـرماح وحـرَّة
|
|
لآل رسـول الله سـيقت عـلى النّجب
|
وكــم مــن يـتيم مـوثق لـيتيمة
|
|
ومـسبيّة بـالحبل شـدَّت إلى مسبي
|
بـني الـنّسب الـوضَّاح والحسب الذي
|
|
تـعالى فـأضحى قـاب قـوسَين للربِّ
|
إذا عـدَّت الأنـساب لـلفخر أو غدت
|
|
تـطـاول بـالأنساب سـيّارة الـشّهب
|
فـمـا نـسـبي إلاّ انـتـسابي إلـيكم
|
|
ومــا حـسـبي إلاّ بـأنّـكم حـسبي
|
٤- وقال:
فـي الـقلب حرّ جوى ذاك توهّجه
|
|
الـدمع يـطفيه والـذكرى تؤجّجه
|
أفـدي الاُولى للعلا أسرى بهم ظعن
|
|
وراء حـاد مـن الاقـدار يـزعجه
|
ركـب عـلى جـنَّة المأوى معرِّسه
|
|
لـكن عـلى مـحن البلوى معرِّجه
|
مثل الحسين تضيق الأرض فيه فلا
|
|
يـدري إلى أيـن مـأواه ومولجه
|
ويطلب الأمن بالبطحا وخوف بني
|
|
سـفـيان يـقلقه عـنها ويـخرجه
|
وهـو الذي شرّف البيت الحرام به
|
|
ولاح بـعد الـعمى لـلنّاس منهجه
|
يـا حـائراً لا وحـاشا نور عزمته
|
|
بـمَن سـواك الهدى قد شعّ مسرجه
|
وواسـع الـحلم والـدنيا تضيق به
|
|
سـواك إن ضاق خطب من يفرِّجه
|
ويـا مـليكاً رعـاياه عـليه طغت
|
|
وبـالـخـلافة بـاريـه مـتـوجّه
|
يـا عـارياً قد كساه النّور ثوب سناً
|
|
زهـا بـصبغ الـدَّم الـقاني مدبِّجه
|
يـا ريَّ كـلِّ ظـما واليوم قلبك من
|
|
حـرِّ الظّما لو يمسُّ الصخر ينضجه
|
يـا مـيّتاً بـات والـذاري يـكفِّنه
|
|
والأرض بـالتُّرب كـافوراً تؤرِّجه
|
ويـا مـسيح هدى للرأس منه على
|
|
الـرماح مـعراج قدس راح يعرجه
|
ويـا كـليماً هوى فوق الثرى صعقاً
|
|
لـكن مـحيَّاه فـوق الـرمح أبلجه
|
ويـا مـغيث الهدى كم تستغيث ولا
|
|
مـغـيث نـحوك يـلويه تـحرّجه
|
فـأين جـدّك والأنـصار عنك ألا
|
|
هـبَّت لـه أوسـه منهم وخزرجه
|
وأيـن فـرسان عـدنان وكـلُّ فتىً
|
|
شـاكي الـسّلاح لدى الهيجا مدجِّجه
|
وأيـن عـنك أبـوك المرتضى أفلا
|
|
يـهـيجه لـك إذ تـدعو مـهيِّجه
|
يـروك بالطَّف فرداً بين جمع عدى
|
|
الـبـغي يـلجمه والـغيُّ يـسرجه
|
تـخوض فوق سفين الخيل بحر دم
|
|
بـالبيض والـسُّمر زخـار مموِّجه
|
حـاشا لـوجهك يـا نور النبوّة أن
|
|
يـمسي عـلى الأرض مغبَّراً مبلِّجه
|
ولـلـجبين بـأنوار الإمـامة قـد
|
|
زهـا وصـخر بني صخر يشجِّجه
|
أعـيذ جـسمك يـا روح النبيِّ بأن
|
|
يـبقى ثـلاثاً على البوغا مضرّجه
|
عـار يحوك له الذكر الجميل ردى
|
|
أيـدي صـنائعه بـالفخر تـنسجه
|
والـرأس بـالرمح مـرفوع مبلِّجه
|
|
والـثغر بـالعود مـقروع مـفلِّجه
|
حـديث رزءٍ قديم الأصل أخرج إذ
|
|
عـن الاُولـى صحَّ اسناداً مخرجه
|
تالله مـا كـربلا لو لا سقيفتهم
|
|
ومـثل ذا الفرع ذاك الأصل ينتجه
|
وفـي الطّفوف سقوط السّبط منجدلا
|
|
من سقط محسن خلف الباب منهجه
|
وبـالخيام ضـرام النّار من حطبٍ
|
|
بـباب دار ابـنة الـهادي تـأجِّجه
|
لـكنْ اُمـيَّة جـاءتكم بـأخبث ما
|
|
كـانت عـلى ذلـك المنوال تنسجه
|
سـرت بـنسوتكم لـلشَّام في ظعن
|
|
قـبابه الـكور والأقـتاب هـودجه
|
مـن كـلِّ والـهة حـسرى يعنِّفها
|
|
عـلى عجاف المطى بالسّير مدلجه
|
كم دحلج صاغه ضرب السّياط على
|
|
زنـد بـأيدي الـجفاة ابـتزَّ دملجه
|
ولا كـفيل لـها غير العليل سرت
|
|
تـرثى لـه ألـم الـبلوى وتنشجه
|
تـشكو عـداها وتـنعى قومها فلها
|
|
حـال من الشجو لفَّ الصبر مدرجه
|
فـنعيها بـشجى الـشكوى تـؤلِّفه
|
|
ودمـعها بـدم الأحـشاء تـمزجه
|
ويدخل الشَّجو في الصخر الأصمِّ لها
|
|
تـزفُّر مـن شـظايا القلب تخرجه
|
فـيا لأرزائـكم سدَّت على جزعي
|
|
بـاباً مـن الـصبر لا ينفكُّ مرتجه
|
يـفرُّ قـلبي مـن حـرِّ الغليل إلى
|
|
طـول الـعويل ولـكن ليس يثلجه
|
أودُّ أنْ لا أزال الـدهـر اُنـشـئها
|
|
مـراثياً لـه تـمسُّ الطود تزعجه
|
ومـقولي طـلقٌ فـي القول أعهده
|
|
لـكـن عـظيم رزايـاكم يـلجلجه
|
ولا يـزال عـلى طول الزمان لكم
|
|
فـي الـقلب حرّ جوى ذاك توهُّجه
|
للحجّة آية الله الشيخ محمّد حسين الاصفهانيقدسسره
:
أَسـفرَ صبح اليُمن والسّعادة
|
|
عن وجه سرِّ الغيب والشَّهادة
|
أَسـفرَ عن مرآة غيب الذَّات
|
|
ونـسخة الأسماء والصفات
|
تعرب عن غيب الغيوب ذاته
|
|
تـفصح عـن أسمائه صفاته
|
يـنبِّئ عـن حقيقة الخلائق
|
|
بـالحقِّ والصِّدق بوحهٍ لائق
|
لـقد تـجلَّى أعظم المجالي
|
|
في الذات والصِّفات والأفعال
|
روح الـحـقيقة الـمحمديَّة
|
|
عـقل الـعقول الكُمّل العليَّة
|
فـيضٌ مُقدّسٌ عن الشوائب
|
|
مـفيض كـلِّ شاهد وغائب
|
تَـنفَّس الصّبح بنور لم يزل
|
|
بل هو عند أهله صبح الأزل
|
وكيف وهو النَّفَس الرحماني
|
|
فـي نفس كلِّ عارف ربَّاني
|
بـه قـوام الكلمات المحكمة
|
|
بـه نظام الصُّحف المكرَّمة
|
تـنفَّس الـصُّبح بسرِّ القدم
|
|
بـصـورة جـامعة لـلكَلِم
|
تنفَّس الصُّبح بالاسم الأعظم
|
|
مـحا عن الوجود رسم العدم
|
بل فالقُ الإصباح قد تجلَّى
|
|
فـلا تـرى بعد النَّهار ليلا
|
فـأصبح الـعلم ملاء النُّور
|
|
وأَيّ نـور فوق نور الطور
|
ونـار مـوسى قبَسٌ من نوره
|
|
بل كلّ ما في الكون من ظهوره
|
أشـرق بدرٌ من سماء المعرفة
|
|
بـه اسـتبان كـلّ اسم وصفة
|
بـه اسـتنار عـالم الإبـداع
|
|
والـكلّ تـحت ذلـك الشعاع
|
بـه اسـتنار ما يُرى ولا يُرى
|
|
من ذرّة العرش إلى فوق الثرى
|
فـهو بوجهه الرضي المرضي
|
|
نـور السّماوات ونور الأرض
|
أفـلا تـوازي نـوره الأنوار
|
|
بـل جـل أن تدركه الأبصار
|
غـرّتـه بـارقـة الـفـتوّة
|
|
قــرّة عـين خـاتم الـنبوّة
|
تـبدو عـلى غـرّته الـغرّاء
|
|
شـارقـة الـشهامة الـبيضاء
|
بـاديـة مـن آيـة الـشهامة
|
|
دلائـل الإعـجاز والـكرامة
|
مـن فـوق هامة السّماء همَّته
|
|
تـكاد تـسبق الـقضا مشيئته
|
مـا هـمّة الـسّماء من مداها
|
|
إنَّ إلى ربــك مـنتهاها
|
اُمُّ الـكتاب فـي علوِّ المنزلة
|
|
وفـي الإبـا نقطة باء البسملة
|
تـمّـت بـه دائـرة الـشهادة
|
|
وفـي مـحيطها لـه الـسّيادة
|
لو كشف الغطاء عنك لا ترى
|
|
سـواه مـركزاً لـها ومحوراً
|
وهـل تـرى لملتقى القوسين
|
|
أثـبت نـقطة مـن الـحسين
|
فــلا وربِّ هــذه الـدوائر
|
|
جـلّ عـن الأشـباه والنظائر
|
بـشراك يـا فـاتحة الـكتاب
|
|
بـالمعجز الباقي مدى الأحقاب
|
وآيــة الـتوحيد والـرسالة
|
|
وسـرّ مـعنى لـفظة الجلالة
|
بـل هـو قـرآن وفرقان معاً
|
|
فـمـا أجـلّ شـأنه وأرفـعا
|
هـو الـكتاب الـناطق الإلهي
|
|
وهـو مـثال ذاتـه كـما هي
|
ونـشأة الاسـماء والـشؤون
|
|
كـلّ نـقوش لـوحه المكنون
|
لا حـكم لـلقضاء إلاّ ما حكم
|
|
كـأنّـه طـوع بـنانه الـقلم
|
رابـطـة الـمـراد بـالإرادة
|
|
كـأنّـه واسـطـة الـقـلادة
|
نـاطقة الـوجود عين المعرفة
|
|
ونـسخة اللاهوت عيناً وصفة
|
فــي يـده أزمـة الأيـادي
|
|
بـالقبض والـبسط على العباد
|
بـل يـده الـعليا يد الإفاضة
|
|
في الأمر والخلق ولا غضاضة
|
لـك الـهنا يـا سـيّد الكونين
|
|
فـغاية الآمـال في الحسين
|
وارث كـلّ الـمجد والـعلياء
|
|
مــن الـمـحمّديَّة الـبيضاء
|
فـإنّه مـنك وأنـت مـنه في
|
|
كـلّ الـمعالي يا له من شرف
|
وفـيه سـرّ الكلّ في الكلّ بدا
|
|
روحان في روح الكمال اتحدا
|
لك العروج في السّماوات العلا
|
|
لـه العروج في سماوات الملا
|
حـظك منتهى الشهود في دنا
|
|
وسـهمه أقصى المنى من الفنا
|
مـنك أسـاس العدل والتوحيد
|
|
مـنه بـناء قـصره الـمشيد
|
مـنك لـواء الدين وهو حامله
|
|
قـام بـحمله الـثقيل كـاهله
|
والـمكرمات والـمعالي كـلّها
|
|
أنـت لها المبدأ وهو المنتهى
|
لـك الـهنا يا صاحب الولاية
|
|
بـنـعمة لـيـس لها نـهاية
|
أنـت مـن الوجود عين العين
|
|
فـكن قـرير العين بالحسين
|
شـبلك فـي الـقوّة والشجاعة
|
|
نـفسك فـي الـعزّة والمناعة
|
مـنطقك الـبليغ فـي البيان
|
|
لـسانك الـبديع فـي المعاني
|
طـلعتك الـغرّاء بـالإشراق
|
|
كـالبدر فـي الأنفس والآفاق
|
صـفاتك الـغرّ لـه مـيراث
|
|
والـمجد ما بين الورى تراث
|
لـك الـهنا يـا غاية الإيجاد
|
|
بـمبدئ الـخيرات والأيـادي
|
وهـو سفينة النّجاة في اللجج
|
|
وبـابها الـسّامي ومن لجَّ ولج
|
سـلطان إقـليم الحفاظ والإبا
|
|
مـليك عـرش الفخر اُمّاً وأبا
|
رافـع رايـة الـهدى بمهجته
|
|
كـاشف ظـلمة العمى ببهجته
|
بـه اسـتقامت هـذه الشريعة
|
|
بـه عـلت أركـانها الرفيعة
|
بـنى الـمعالي بمعالي هممه
|
|
ما اخضرّ عود الدِّين إلاّ بدمه
|
بـنفسه اشـترى حـياة الدِّين
|
|
فـيا لـها مـن ثـمن ثـمين
|
أحـيا مـعالم الـهدى بروحه
|
|
داوى جروح الدِّين من جروحه
|
جـفَّت ريـاض العلم بالسّموم
|
|
لـم يَـروِها إلاّ دم الـمظلوم
|
فـأصبحت مـورقة الأشجار
|
|
يـانـعة زاكـيـة الـثـمار
|
أقـعـد كـلّ قـائم بـنهضته
|
|
حتّى أقـام الدِّين بعد كبوته
|
قـامت بـه قـواعد الـتوحيد
|
|
مـذ لـجأت بـركنها الـشديد
|
وأصـبـحت قـويّة الـبنيان
|
|
بـعـزمه عـزائـم الـقرآن
|
غـدت بـه سـامية الـقباب
|
|
مـعـاهد الـسُـنّة والـكتاب
|
أفـاض كـالحيا عـلى الوراد
|
|
مـاء الـحياة وهو ظامٍ صادي
|
وكـضه الـظما وفي طيِّ الحشا
|
|
ريُّ الـورى والله يقضي ما يشا
|
والـتهبت أحـشاؤه مـن الظما
|
|
فـأمطرت سـحائب القدس دما
|
وقــد بـكته والـدموع حـمر
|
|
بـيض السّيوف والرماح السّمر
|
تـفطر الـقلب مـن الظما وما
|
|
تـفـتر الـعـزم ولا تـثـلما
|
ومـن يـدك نـوره الطور فلا
|
|
يـندكُّ طـود عـزمه من البلا
|
تـعجّب مـن ثـباته الأمـلاك
|
|
ومــن تـجـوّلاته الأفــلاك
|
لا غـرو أنّـه ابـن بجدة اللقا
|
|
قـد ارتقى في المجد خير مرتقى
|
شـبل عـلي وهـو ليث غابه
|
|
لا بـل كـأنّ الـغاب في اهابه
|
كـرّاته فـي ذلـك الـمضمار
|
|
تـكـوّر الـليل عـلى الـنّار
|
وعـضـبه صـاعقة الـعذاب
|
|
عـلى بـقايا بـدر والأحـزاب
|
سـطا بـسيفه فـفاضت الربى
|
|
بـالدم حتّى بـلغ السّيل الزبى
|
فـرّق جـمع الـكفر والضلال
|
|
لـجمع شـمل الـدِّين والـكمال
|
أنــار بـالبارق وجـه الـحق
|
|
وفـي ومـيضه رمـوز الصدق
|
حـتّى تـجلّى الـدِّين في جماله
|
|
يـشـكر فـعله لـسان حـاله
|
قـام بـحق الـسّيف بل أعطاه
|
|
مـا لـيس يـعطى مـثله سواه
|
كـأن مـنتضاه مـحتوم القضا
|
|
بـل القضا في حدّ ذاك المنتضى
|
كـأنّـه طـيـر الـفنا رهـيفه
|
|
يـقضى عـلى صـفوفهم رفيفه
|
أو صرصر في يوم نحس مستمر
|
|
كـأنّهم أعـجاز نـخل مـنقعر
|
أو بـصـريره كـريح عـاتية
|
|
كـأنّهم أعـجاز نـخلٍ خـاوية
|
وفـي الـمعالي حـقّها لما علا
|
|
على العوالي كالخطيب في الملا
|
يـتـلو كـتاب الله والـحقايق
|
|
تـشهد أنّـه الـكتاب الـنّاطق
|
قـد ورث الـعروج في الكمال
|
|
مـن جدّه لكن على العوالي
|
هـي الـعوالي وهي المعالي
|
|
والـخير كـلّ الخير في المثال
|
هـو الـذبيح في منى الطفوف
|
|
لـكـنّه ضـريـبة الـسّـيوف
|
هـو الـخليل الـمُبتلى بـالنّار
|
|
والـفرق كـالنّار عـلى المنار
|
نـوح ولـكن أيـن من طوفانه
|
|
طـوفانُه فـليس مـن أقـرانه
|
تالله مـا ابـتلى نبيُّ أو ولـي
|
|
فـي سالف الدهر بمثل ما ابتلي
|
لــه مـصائف تـكلّ الألـسن
|
|
عـنها فـكيف شـاهدتها الأعين
|
أعـظمها رزءاً عـلى الإسلام
|
|
سـبـي ذراري سـيّد الأنـام
|
ضـلالـة لا مـثلها ضـلالة
|
|
سـبي بـنات الوحي والرسالة
|
وسَـوقها مـن بـلد إلى بلد
|
|
بـين الـملا أشـنع ظلم وأشد
|
وأفـظع الـخطوب والدواهي
|
|
دخـولها فـي مجلس الملاهي
|
ولــدغ حـيّة لـها بـريقها
|
|
دون وقـوفها لـدى طـليقها
|
ويـسلب الـلب حـديث السّلب
|
|
يـا سـاعد الله بـنات الحجب
|
تـحـمّلت اُمـيّـة أوزارهـا
|
|
وعـارها مـذ سـلبت إزارها
|
وكيف يرجى الخير من خمارها
|
|
تـبّت يـد مُـدَّت إلى خمارها
|
وأدركـت مـن الـنّبيِّ ثارها
|
|
وفـي ذراريـه قضت أوتارها
|
وآ عـجباً يـدرك ثـار الكفرة
|
|
مـن أهل بدر بالبدور النيّرة
|
فـيا لـثارات الـنّبي الـهادي
|
|
بـما جـنت بـه يـد الأعادي
|
ومَـن لـها إلاّ الإمام المنتظر
|
|
أعــزّه الله بـفـتح وظـفر
|
للحجّة آية الله المجاهد الشيخ محمّد جواد البلاغي
:
يا تريب الخد في رمضا الطفوف
|
|
لـيتني دونـك نـهباً لـلسّيوف
|
يـا نـصير الدِّين إذ عزّ النّصير
|
|
وحـمى الـجار إذا عـزّ المجير
|
وشـديد الـبأس والـيوم عسير
|
|
وثـمال الـرفد في العام العسوف
|
كـيف يـا خامس أصحاب الكسا
|
|
وابـن خير المرسلين المصطفى
|
وابن ساقي الحوض في يوم الظما
|
|
وشـفيع الخلق في اليوم المخوف
|
يـا صـريعاً ثاوياً فوق الصعيد
|
|
وخضيب الشيب من فيض الوريد
|
كـيف تـقضي بـين أجناد يزيد
|
|
ظـامئاً تسقى بكاسات الحتوف
|
كـيف تقضي ظامئاً حول الفرات
|
|
دامـياً تـنهل مـنك الماضيات
|
وعـلى جسمك تجري الصافنات
|
|
عـافر الـجسم لقى بين الطفوف
|
____________________________
يـا مريع الموت في يوم الطِّعان
|
|
لا خـطا نـحوك بالر مح سنان
|
لا ولا شـمر دنـا مـنك فـكان
|
|
مـا أماد الأرض هولا بالرجوف
|
سـيّدي أبـكيك للشيب الخضيب
|
|
سـيّدي أبـكيك لـلوجه التريب
|
سـيّدي أبـكيك لـلجسم السّليب
|
|
مـن حشا حران بالدمع الذروف
|
سـيّدي إن مـنعوا عنك الفرات
|
|
وسـقوا مـنك ظـماء المرهفات
|
فـسـنسقي كـربلا بـالعبرات
|
|
وكـفا مـن علق القلب الاُسوف
|
سـيّدي أبـكيك منهوب الرحال
|
|
سـيّدي أبـكيك مـسبي الـعيال
|
بـين أعداك على عجف الجمال
|
|
فـي الفيافي بعد هاتيك السّجوف
|
سـيّدي إن نقض دهراً في بكاك
|
|
ما قضينا البعض من فرض ولاك
|
أو عـكفنا عـمرنا حـول ثراك
|
|
مـا شـفى غـلّتنا ذاك العكوف
|
لـهف نـفسي لنساك المعولات
|
|
والـيتامى إذ عـدت بين الطغاة
|
بـاكيات شـاكيات صـارخات
|
|
ولـهاً حـولك تـسعى وتطوف
|
يـا حـمانا مَـن لـنا بعد حماك
|
|
ومَـن الـمفزع من أسر عداك
|
ولِـمَن نـلجأ إنْ طـال نـواك
|
|
ودهـتنا بـدواهيها الـصروف
|
يـا حـمانا مـن لأيـتام صغار
|
|
ومـذاعـير تـعادي بـالفرار
|
راعـها الـمزعج من سلب ونار
|
|
حـيث لا مـلجا ولا حامٍ رؤوف
|
لـست أنـساها وقـد مالت إلى
|
|
صفوة الأنصار صرعى في الفلا
|
أشـرقت مـنها مـحاني كربلا
|
|
كـشموس غـالها ريب الكسوف
|
هـاتـفات بـهم مـستصرخات
|
|
بـاكـيات نـادبـات عـاتبات
|
صـارخات أيـن عـنّا يا حماة
|
|
يـا بـدور التمّ ما هذا الخسوف
|
يـا رجال البأس في يوم الكفاح
|
|
يا ليوث الحرب في غاب الرماح
|
كـيف آذنـتم جـميعاً بـالرواح
|
|
ورحـلتم رحلة القوم الضيوف
|
مـا لـكم لا غالكم صرف الردى
|
|
لا ولا أدركـتم بـيض الـظبى
|
أفـتـرضون لـنـا ذلّ الـسّبا
|
|
وعـناء الأسـر ما بين الاُلوف
|
أفـنُسبى بـعدكم سـبي الـعبيد
|
|
ثـمّ نُـهدى مـن عـنيد لعنيد
|
لا وقـفنا فـي الـسّبا عند يزيد
|
|
حـبّذا الـموت ولا ذاك الوقوف
|
للعلاّمة الحُجّة الشيخ محمّد حسين بن حمد الحلّي (أعلى الله مقامه):
خـليلَيَّ هـل مـن وقفة لكما معي
|
|
عـلى جـدث أسقيه صيب أدمعي
|
لـيروي الثرى منه بفيض مدامعي
|
|
فـإنَّ الـحيا الوكاف لَم يكُ مقنعي
|
لأنَّ الـحيا يـهمي ويـقلع تـارة
|
|
وإنّي لعظم الخطب ما جفّ مدمعي
|
خـلـيلَيَّ هـبـا فـالرقاد مـحرّم
|
|
على كلّ ذي قلب من الوجد موجع
|
هـلمّا مـعي نـعقر هـناك قلوبنا
|
|
إذا الـوجد أبـقاها ولَـم تـتقطَّع
|
هـلـمّا نـقم بـالغاضريّة مـأتماً
|
|
لـخير كـريم بـالسّيوف مـوزع
|
فـتىً أدركـت فـيه عـلوج اُميّة
|
|
مـرامـاً فـأردتـه بـبيداء بـلقع
|
غداة أرادت أنْ ترى السّبط ضارعاً
|
|
ولَـم يـكُ ذا خدٍّ من الضيم أضرع
|
وكـيف يسام الضيم من جدّه ارتقى
|
|
إلى العرش حتّى حلّ أشرف موضع
|
فـتىً حـلّقت فـيه قـوادم عـزّه
|
|
لأعـلى ذرى الـمجد الأثيل وأرفع
|
ولـمّـا دعـتـه لـلكفاح أجـابها
|
|
بـأبيض مـشحوذ وأسـمر مشرع
|
وآسـاد حـرب غـابها أجـمّ القنا
|
|
وكـلّ كـميٍّ رابـط الجأش أروع
|
يـصول بـماضي الحدّ غير مكهم
|
|
وفـي غـير درع الصبر لَم يتدرع
|
إذا ألـقح الـهيجاء حـتفاً بـرمحه
|
|
فـماضي الشبا منه يقول لها ضعي
|
وإنْ أبـطأت عـنه النّفوس إجابة
|
|
فـحدّ سـنان الرمح قال لها أسرع
|
فـلّم تـزل الأرواح قـبض أكفّهم
|
|
وتـسـقط هـامات بـقولهم قـعي
|
إلــى أن دعـاهم ربّـهم لـلقائه
|
|
فـكانوا إلى لقياه أسرع من دعي
|
وخـرّوا لـوجه الله تلقى وجوههم
|
|
فـمن سُـجَّدٍ فـوق الصعيد ورُكّع
|
وكـم ذات خـدر سـجفتها حماتها
|
|
بـسـمر قـنـا خـطـيّة وبـلمَّع
|
أمـاطت يـد الأعداء عنها سجافها
|
|
فـأضحت بـلا سجف وكهف ممنع
|
لـقد نـهبت كـف المصاب فؤادها
|
|
وأبـدى عـداها كـلّ بـرد وبرقع
|
فـلم تـستطع عـن ناطريها تستراً
|
|
بـغـير زنـود قـاصرات وأذرع
|
وقد فزعت مذراعها الخطب دهشة
|
|
وأوهـى القوي منها إلى خير مفزع
|
فـلـمّا رأتــه بـالعراء مـجدّلاً
|
|
عـفيراً عـلى البوغاء غير مشيع
|
دنـت مـنه والأحزان تمضغ قلبها
|
|
وحـنّت حـنين الـواله الـمتفجّع
|
تـقول وظـفر الوجد يدمي فؤادها
|
|
عـليَّ عـزيزٌ أنْ أراك مـودّعي
|
عـليَّ عـزيزٌ أنْ تموت على ظما
|
|
وتشرب في كأس من الحتف مترع
|
أاُخــيَّ ذا شـمـر أراد مـذلّتي
|
|
فـأركبني مـن فـوق أدبـر أظلع
|
وذا الـعلج زجـر أرغـم الله أنفه
|
|
بـقرع الـقنا والأصـبحيَّة موجعي
|
للعلاّمة الشيخ محمّد تقي ابن الحُجّة المرحوم الشيخ عبد الرسول آل صاحب الجواهر:
دعـاني فـوجدي لا يـسليه لائمه
|
|
ولـكن عسى يشفيه بالدمع ساجمُه
|
ولا تـكثرا لَـومي فـرُبَّ مـوله
|
|
(أعـقُّ خـليلَيه الـصفِيَّين لائمُه)
|
فـما كلّ خطب يُحمد الصبر عنده
|
|
ولا كـلّ وَجْـدٍ يكسب الأجر كاتمُه
|
فـإنْ تـرعيا حـقّ الإخاء فأعولا
|
|
مـعي في مصاب أفجعتنا عظائمُه
|
غـداة أبـو الـسجّاد قـام مشمّراً
|
|
لـتشييد دِيـن الله إذ جـدّ هـادمُه
|
ورام ابـن مَيسون على الدِّين إمرةً
|
|
فـعاثت بـدِين الله جـهراً جرائمُه
|
فـقام مـغيثاً شرعة الدِّين شبل مَن
|
|
بـصمصامه بـدءاً اُقيمت دعائمُه
|
وحفَّ به إذ محّص النّاس معشر
|
|
نـمته إلى أوج الـمعالي مكارمُه
|
فـمن أشـوس ينميه للطعن حيدر
|
|
ويـنميه جداً في قرى الطير هاشمُه
|
ورهط تفانى في حمى الدِّين لَم تهن
|
|
لـقـلته بـين الـجموع عـزائمُه
|
إلـى أنْ قضَوا دون الشريعة صرعا
|
|
كما صُرعت دون العرين ضراغمُه
|
أراد ابـن هند خاب مسعاه أن يرى
|
|
حـسيناً بأيدي الضيم تلوى شكائمُه
|
ولـكن أبـى الـمجد المؤثّل والإبا
|
|
لـه الـذلّ ثـوباً والـحسام ينادمه
|
أبـوه عـليٌّ وابـنة الـطهر اُمّه
|
|
وطـه لـه جـدٌّ وجـبريل خادمُه
|
إلـى ابن سُميَّ وابن مَيسون ينثني
|
|
يـمدّ يـداً والـسّيف في اليد قائمُه
|
فـصال عليهم صولة الليث مغضباً
|
|
وعـسا له خصم النّفوس وصارمُه
|
فـحكم فـي أعـناقهم نـافذ القضا
|
|
صـقيلاً فـلا يستأنف الحكم حاكمُه
|
إلـى أنْ أعاد الدِّين غضا ولَم يكن
|
|
بـغير دمـاء الـسّبط تُسقى معالمه
|
فـإنْ يـكُ إسـماعيل أسلم نفسَه
|
|
إلى الذبح في حجر الذي هو راحمُه
|
فـعاد ذبـيح الله حـقّاً ولَـم يكن
|
|
تـصافحه بـيض الـظبى وتسالمه
|
فـإنّ حـسيناً أسـلم النّفسَ صابراً
|
|
على الذبح في سيف الذي هو ظالمه
|
ومـن دون دِيـن الله جـاد بنفسه
|
|
وكـلّ نـفيسٍ كـي تـشاد دعائمُه
|
ورضَّـت قـراه العاديات وصدرَه
|
|
وسيقت على عجف المطايا كرائمُه
|
فإن يمسِ فوق الترب عريان لَم تقم
|
|
له مأتماً تبكيه فيه محارمُه
|
____________________________
فـأيّ حـشى لَـم يمس قبراً لجسمه
|
|
وفـي أيِّ قـلب مـا اُقـيمت مآتمُه
|
وهب دم يحيى قد غلا قبل في الثرى
|
|
فـإنَّ حـسيناً فـي القلوب غلا دمُه
|
وإنْ قـرَّ مُـذ دعـا بـخت نـصر
|
|
بـثارات يـحيى واستردّت مظالمه
|
فـليست دمـاء السّبط تهدأ قبل أنْ
|
|
يـقـوم بـإذن الله لـلثأر قـائمُه
|
أبـا صـالح يا مُدرك الثار كم ترى
|
|
وغـيظك وارٍ غـير أنّـك كـاظمُه
|
وهـل يـملك الموتور صبراً وحوله
|
|
يـروح ويـغدو آمن السّرب غارمُه
|
أتـنسى أبي الضيم في الطفِّ مفراداً
|
|
تـحوم عـليه لـلوداع فـواطمُه
|
أتـنساه فـوق الترب منفطر الحشا
|
|
تـناهبه سـمر الـردى وصوارمُه
|
ورُبَّ رضـيـع أرضـعته قـسيهم
|
|
مـن الـنّبل ثـدياً درّه الثر فاطمه
|
فـلَهفي لـه مُـذ طوّق السّهم جيده
|
|
كـمـا زيّـنته قـبل ذاك تـمائمُه
|
ولَـهـفي لـه لـمّا أحـسَّ بـحرّه
|
|
ونـاغاه مـن طـير الـمنيّة حائمُه
|
هـفا لـعناق الـسّبط مـبتسم اللمى
|
|
وداعـاً وهـي غـير العناق يلائمُه
|
ولـهفي عـلى اُمّ الرضيع وقد دَجى
|
|
عـليها الدُجى والدوح ناحت حمائمُه
|
تـسلل فـي الـظلماء ترتاد طفلها
|
|
وقـد نـجمت بين الضحايا علائمُه
|
فـمُذ لاح سـهم النّحر ودَّت لَو أنّها
|
|
تـشاطره سـهم الـردى وتـساهمُه
|
أقـلـته بـالكفين تـرشف ثـغره
|
|
وتـلثم نـحراً قَـبلَها الـسّهم لاثمُه
|
وأدنـتـه لـلنّهدين ولـهى فـتارةً
|
|
تـناغيه الـطافاً واُخـرى تـكالمه
|
بُنَي أفق من سكرة الموت وارتضع
|
|
بـثديك عـلَّ الـقلب يـهدأ هائمُه
|
بُـنَي فـقد درَّا وقـد كـضك الظما
|
|
فـعلّك يُـطفي مـن غليلك ضارمُه
|
بُـنَي لـقد كـنت الأنيس لِوحشتي
|
|
وسـلواي إذْ يسطو من الهمّ غاشمُه
|
للخطيب السيّد مهدي الأعرجيرحمهالله
:
مـا بـال فِـهر أغـفلت أوتارها
|
|
هـلا تـثير وغـى فتدرك ثارها
|
أغفت على الضيم الجفون وضيّعت
|
|
يــا لـلحميّة عـزّها وفـخارها
|
عـجباً لـها هـدأت وتـلك اُميّة
|
|
قـتلت سـراة قـبيلها وخـيارها
|
عـجباً لـها هـدأت وتلك نساؤها
|
|
بـالطفِّ قـد هَتك العدى أستارها
|
مـن كـلِّ ثـاكلة تـناهب قـلبها
|
|
كـفّ الأسـى ويـد العدوّ خمارها
|
لـهفي لـها بعد التحجّب أصبحت
|
|
حـسرى تـقاسي ذلّـها وصغارها
|
تـدعو أمـير الـمؤمنين بـمهجة
|
|
فـيها الـرزيّة أنـشبت أظفارها
|
أبتاه يا مردي الفوارس في الوغى
|
|
ومـبيد جـحفلها ومـخمِد نارها
|
قم وانظر ابنك في العراء وجسمه
|
|
جـعلته خـيل اُمـيّة مضمارها
|
ثـاوٍ تـغسِّله الـدماء بـفيضها
|
|
عـارٍ تـكفِّنه الـرياح غـبارها
|
وخيول حرب منه رضَّت أضلعاً
|
|
فـيها الـنبوّة أودعـت أسرارها
|
وبـيوت قـدس من جلالة قدرها
|
|
كـانت مـلائكةُ الـسّما زوّارها
|
يـقف الأمـينُ بـبابها مـستأذناً
|
|
ومـقـبِّلاً أعـتـابها وجـدارها
|
أضـحت عـليها آل حرب عنوة
|
|
فـي يـوم عاشورا تشنّ مغارها
|
كـم طـفلة ذعرت وكم محجوبة
|
|
بـرزت وقد سلب العدوّ إزارها
|
ويـتيمة صـاغ القطيع لها سِوا
|
|
راً عـندما بـزَّ الـعدوّ سِوارها
|
أين الكماة الصيد من عمرو العلا
|
|
عـنها فـترخص دونها أعمارها
|
أين الكماة الصيد من عمرو العلا
|
|
لِـتثير لـلحرب العوان غبارها
|
الفهارس
فهرس شعراء (المقتل)
فهرس الأمكنة والبلدان
فهرس المراجع
فهرس مواضيع الكتاب
فهرس مضامين الهامش
فهرس شعراء (المقتل)
(تدرج فيه أسامي الشعراء الذين رثوا الحسينعليهالسلام
)
١- أبو ذيب (يوسف القطيعيّ): ٣٠٣
٢- أبو الحب (محسن أبو الحب الحائريّ): ٢٠٤
٣- أبو طبيخ (مير علي): ٢٦٥
٤- ابن الخلفة (محمّد بن إسماعيل البغداديّ الحلّيّ): ١٤٥
٥- أوردبادي (محمّد علي): ٨٥، ٣٠٧، ٣١٣
٦- الأُزري (الحاج محمّد رضا): ٣١٧
٧- الأصفهاني (الشيخ محمّد حسين): ١٣٩، ٢٦١، ٢٧٠، ٢٧٤، ٣٧٧
٨- الأعسم (عبدالحسين): ٣٤٧
٩- بحر العلوم (صالح بن السيّد مهدي): ٣٠٣، ٣٣٣
١٠- البحرانيّ (مهدي): ٢٦١
١١- ابن حذلم (بشر): ٣٧٤
١٢- الجابري (مسلم بن محمّد علي): ٢٧٧
١٣- الجعفي (عبيد الله بن الحر): ١٩٠
١٤- الجواهر (محمّد تقي بن الشيخ عبدالرسول): ١٢٩، ٢٧٣، ٢٨٣، ٣٠٥
١٥- الحلّي (جعفر): ٩٠، ٢٠٣، ٢٧٠
١٦- الحلّي (حسن مصبح): ٢٦٨
١٧- الحلّي (حسّون): ٢٣٨، ٣١٠
١٨- الحلّي (حيدر): ٨٤، ١٩٦، ٢٠١، ٢٧٩، ٢٨١، ٣٠٢، ٣٢٢
١٩- الحلّي (عبدالحسين): ٣٠١
٢٠- الحلّي (عبدالمطّلب): ٧٣، ١٢١، ٣٢٣
٢١- الحلّي (قاسم الملّا): ١٧٨
٢٢- الخزاعي (دعبل): ١١١، ٢٩٥
٢٣- الخزاعي (محمّد رضا): ١٧٨
٢٤- الخطي (الشيخ جعفر): ٢٢٣
٢٥- الرباب (زوجة الحسينعليهالسلام
): ٣٧٦
٢٦- الرضي (محمّد بن الطاهر): ٢٨٥
٢٧- زينب (اُم كلثوم): ٣٧٥
٢٨- شبّر (محمّد جواد): ٢٧٢
٢٩- شيخ راضي (محمّد طاهر): ٢٦٦، ٣٠٩
٣٠- الطائي (الطرمّاح بن عدي): ١٨٦
٣١- العاملي (عبدالحسين صادق): ٢٥٦، ٢٦٣
٣٢- الفرطوسي (عبدالمنعم): ٢٨٩، ٢٩٩، ٣٠٨، ٣٥٠
٣٣- القزويني (محمّد): ٣٢١
٣٤- كاشف الغطاء (الهادي بن عبّاس): ١٢٥، ٢٢٢، ٢٨١، ٣٠٨
٣٥- كاشف الغطاء (محمّد الحسين بن علي): ١٤١، ٢٢٩، ٢٣٨، ٢٧٦، ٢٧٧، ٢٨٢، ٣٧٤
٣٦- الكاظمي (محمّد بن شريف بن فلاح): ١٩٢، ٢٩٢
٣٧- الكشميري (السيد محمّد): ١٨٣
٣٨- الكعبي (الحاج هاشم): ٢١٢، ٢٦٧، ٢٨٣، ٣١٨
٣٩- الكلبايكاني الهاشمي (محمّد بن السيّد جمال): ٢٤٦
٤٠- الكيشوان (السيد محمّد حسين): ١٧١، ٢١٦، ٢٢٠، ٢٥٦
٤١- مطر (عبد المهدي): ٣٠٦، ٣٧٢
٤٢- الموسوي (معتوق بن شهاب): ١٢٥
٤٣- النحوي (أحمد): ١٨٢
٤٤- النحوي (هادي): ٢٢٤
٤٥- الهندي (باقر): ٦٧، ١٦٥
٤٦- الهندي (رضا): ١٩٥، ٢١٤
فهرس الأمكنة والبلدان
أجأ: ١٨٧
أبو قبيس: ١٢٥
أذربيجان: ٢٤١
اصطخر: ١٤١
أُمّ القرى: ١٢٥
أنبار: ١٨٨
أندلس: ٢٠٨
باب الأبواب: ١٧٧
باب جيرون: ٣٤٨
باب الساعات: ٣٤٨
باب الصغير (بدمشق): ١٢٦
باب المسجد (مسجد الرسول): ٣٧٦
بابل: ١٥٧
البحرين: ٧١، ٣٠٦
بدر: ١٩٣، ٣٤١
البصرة: ٤٠، ٨٠، ٨٢، ٩٩، ١٤١، ١٤٢، ١٦٦، ١٧٤، ١٧٥، ١٩٨، ٣٣٠
بطن الرمّة (وادي): ١٧٥
بطن العقبة: ٦٥، ١٨١
بغداد: ٣٠٦
بقيع: ٣٣٧، ٣٤٠
بلج: ٢٠٨
|
بلنجر: ١٧٧
بيت الأحزان: ٣٣٨
البيت الحرام: ٣٤٣
بيت المقدس: ٢٩٣
البيضة: ١٨٤
التنعيم: ١٧٣
الثعلبيّة: ١٧٧، ١٧٩، ٢٩٢
جامع الكوفة: ٢٣٢، ٢٥٠
جرجايا: ٤١
جيرون: ٣٠
الحائر: ٥٨، ١٩٢، ٢٩٩، ٣٧١
الحاجز: ١٧٥، ١٧٦
الحجاز: ١٦٦، ١٦٧، ١٧٥، ٢٦٧
الحديبيّة: ١٩٢، ١٩٣
الحرم (المكّي): ١٦٧، ١٧٤
الحرمين: ٣٤٣
الحطيم: ١٢٥
الحل: ١٧٣
حلب: ٣٤٦
حماة: ٣٤٦
حمام أعين: ١٩٧
الحنّانة:
|
حوران: ١٢٦
الخربة: ٣٦٠
الخزر: ١٧٧
الخزيميّة: ١٧٦، ١٧٧، ٢٩١
خطوانيّة: ١٥٧
خفان: ١٨٦
خفية: ١٨٥
الخورنق: ١٩٦
درب العجم: ٣٦٠
دستبي: ١٩٧
دمشق: ١٢٧،١٧٣، ٢٠٠، ٣٤٦، ٣٤٨، ٣٦٠
دير الجاثليق: ٤٦١
ذات عرق: ١٧٤
ذو حسم: ١٨٢، ١٩٤
ذو الحليفة (وادي): ١٧٤
ذوالكفل (مدينة): ١٩٩
الربذة: ٣٠٦
الرحبة: ١٨٥
الركن: ٣٥٣
الرمة: ١٧٥
الرهيمة: ١٨٥
الري: ١٩٧
الرياض: ١٧٥
الزارة: ٣٠٦
زبالة: ١٨٠، ١٨١
|
زرود: ١٦٥، ١٧٦، ١٧٧، ١٧٨
زمزم: ٣٥٣
السبخة: ٣٢٩
سجن زين العابدينعليهالسلام
: ٣٦٠
سقاية جيرون: ٣٦٠
سوق الصيارفة: ٣٣٢
سوق القمّاشين: ٣٦٠
سوق اللبادين: ٣٦٠
الشام: ١٢٨، ١٥٩، ٢٠٨، ٣٠٦، ٣٤٤، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧، ٣٤٨، ٣٧١
شراف: ١٨١
شفية: ٩٤، ١٩١، ١٩٢
الشقوق: ١٧٩، ١٨٠، ١٨١
الصعيدة: ٣٠٦
الصفا: ١٢٥، ٣٥٣
الصفاح: ١٧٤
صفّين: ٤٣، ٧٤، ٧٧، ٧٨، ٧٩، ٨٠، ٨١، ٨٢، ٨٣، ٢٠٧، ٣٢٩
ضرية (من مياه الضباب): ٣٠٥
ضريح النبيصلىاللهعليهوآله
: ٣٤١
طرابلس الغرب: ٣٠٦
الطف: ٨٤، ٨٥، ٩٦، ٩٧، ١٧٥، ١٩١، ١٩٢، ٢٣٩، ٣٥٤
عمان: ٣٠٦
العبّاسيّة (مدينة): ١٩٩
|
عذيب الهجانات: ١٨٤، ١٨٦، ١٨٧، ١٨٨
العراق: ١٢٨، ١٣٦، ١٦٨، ١٧٤، ١٧٦، ١٧٧، ١٨١، ٢٦٧، ٣٦١
العقر: ١٩٢
العقيق: ١٧٤
عين التمر: ١٨٨
عون (قبر): ١٩٢
عكاظ: ٢٣٦
الغاضريّة: ١٩٢
الغرى: ٣٠٥
الغور: ١٧٥
فارس: ٣٠٦
الفرات: ٨٥، ١٩٢، ٢٢٣، ٢٣٧، ٢٦٨، ٢٧٨، ٣١٨، ٣٢١
الفزر: ١٦٠
القائم الماثل: ٣٠٥
القادسيّة: ١٨٥، ١٨٦
قرم: ١٦٠
قرن: ١٦٠
القريات: ١٨٨
قزوين: ١٩٧
قصر الإمارة: ٢٩٣، ٢٩٤، ٣٢٣
قصر الخبال: ٣٢٣
قصر بني مقاتل: ١٨٨، ١٩٠
القطقطانة: ١٨٥، ١٨٨
قلعة بني أسد: ١٩٢
|
قنسرين: ٢٠٨
القيروان: ١٦٤
كربلاء: ٤٣، ٤٤، ٦٤، ٨٧، ٩٠، ١٣٦، ١٤٤،١٤٥،١٦٦،١٩٢،١٩٣،١٩٤،١٩٦،١٩٩، ٢٠٠، ٢٤٥، ٢٥٣، ٢٨٤، ٢٩١، ٣٠٥، ٣١٩، ٣٢١، ٣٥٣، ٣٦١، ٣٦٢، ٣٧١، ٣٧٣
الكرخ: ٢٩٨
الكعبة: ٣١، ٨٠، ١٤٠، ١٧٠، ٣٤٥
الكوفة: ٣٩، ٤١، ٦٥، ٦٩، ٧١، ٧٢، ٨٥، ٩٠، ١٣٤، ١٣٨، ١٤٢، ١٤٤، ١٤٥، ١٥٧، ١٥٨، ١٥٩، ١٦٦، ١٦٧، ١٧٠، ١٧٥، ١٧٦، ١٧٨، ١٨٠، ١٨١، ١٨٢، ١٨٤، ١٨٥، ١٨٦، ١٨٧، ١٨٨، ١٩٧، ١٩٩، ٢٠٠، ٢٠٨، ٢٢٦، ٢٣٤، ٢٣٦، ٢٣٧، ٢٤٤، ٣٠٤، ٣٠٥، ٣٠٦، ٣١٢، ٣١٤، ٣١٩، ٣٢١، ٣٢٣
محسر: ١٢٥
المدينة: ٤١، ٤٢، ٦٦، ٧١، ١٠١، ١٢٨، ١٣٨، ١٤٠، ١٦٩، ١٧٠، ١٧٥، ٢١٨، ٣٠٦، ٣٣٤، ٣٦٠، ٣٧١، ٣٧٣، ٣٧٤، ٣٧٥
المذار: ١٤٢، ٢٠٨
المسجد الأعظم: ٣٢٦، ٣٢٧
مسجد الحسين: ٣٤٦
المسجد العمري: ٣٦٠
مسجد فاطمة: ٣٣٨
مسجد الكوفة: ٢٩٦
مسجد النبي: ١٢٩
|
مسقط السقط: ٣٤٦
مشهد الدكة: ٣٤٦
مشهد الطرح: ٣٤٦
مشهد النقطة: ٣٤٦
مغرب: ٢٠٨
مكّة: ١٠١، ١٣٥، ١٤٠، ١٤١، ١٤٤، ١٦٤، ١٦٥، ١٦٦، ١٦٧، ١٧١، ١٧٣، ١٧٤، ١٧٦
الموصل: ١٥٩
نجد: ١٧٥
النخيلة: ١٩٩
نصيبين: ٣٤٦
|
نعيمان: ١٧٣
نعيم: ١٧٣
النقطة: ٣٤٦
النهروان: ٧٧، ٨١، ٨٣
النواويس: ١٦٦
نينوى: ١٩١
هجر: ٧١
هند: ٩٧، ٢٦٧
واقصة: ١٨١، ١٨٤
اليرموك (واقعة): ٢٣٦
اليمن: ٧١، ١٣٨، ١٥٥، ١٦٨، ١٧٣
|
فهرس المراجع
١- إبصار العين في أنصار الحسين:
محمّد بن طاهر السماوي، الطبعة الأُولى.
٢- الإتحاف بحبّ الأشراف:
عبد الله بن محمّد بن عامر الشبراوي الشافعي، الطبعة الأُولى بمصر.
٣- الإتقان في علوم القرآن:
جلال الدين بن عبد الرحمن السيوطي المتوفى ٩١١ هـ.
٤- آثار البلاد وأخبار العباد:
زكريّا بن محمود القزويني المتوفى ١٢٨٣ هـ، طبع بيروت ١٩٦٠.
٥- الآثار الباقية عن القرون الخالية:
أبو الريحان محمّد بن أحمد البيروني المتوفى ٤٤٠ هـ، طبعة الاُوفست.
٦- إثبات الرجعة:
الفضل بن شاذان.
٧- إثبات الوصيّة:
عليّ بن الحسين المسعودي المتوفى ٣٤٦ هـ، طبع النجف.
٨- إحياء العلوم:
أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي المتوفى ٥٠٥ هـ، الطبعة الأٌولى بمصر.
٩- أحسن التقاسيم لمعرفة الأقاليم:
المقدسي المعروف بالبشاري، مطبعة بريل بليدن.
١٠- الاحتجاج:
أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المتوفى ٤٦٠ هـ، طبع النجف.
١١- أحكام القرآن:
أبو بكر محمّد بن عبد الله ابن العربي المتوفى ٥٤٢ هـ، الطبعة الأُولى سنة ١٣٧١هـ.
١٢- أحكام القرآن:
أبو بكر أحمد بن علي الجصّاص المتوفى ٣٧٠ هـ، الطبعة الأُولى بمصر.
١٣- أخذ الثار:
نجم الدين محمّد بن جعفر بن أبي البقاء ابن نما الحلّي المتوفّى ٦٤٥ هـ، طبع النجف.
١٤- الأخبار الطوال:
عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكاتب الدينوري المتوفى ٢٧٦ هـ.
١٥- أخبار الرجال:
محمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّيّ - طبعة بمبي.
١٦- أخبار الدول:
أبو العبّاس أحمد بن يوسف بن أحمد القرماني، الطبعة الأُولى.
١٧- أخبار مكّة وما فيها من الآثار:
محمّد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي.
١٨- آداب اللغة العربيّة: جرجي زيدان صاحب مجلّة الهلال طبع الهلال بالقاهرة.
١٩- الإرشاد: الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري المتوفى ٤١٣هـ، طبع النجف.
٢٠- إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: أحمد بن محمّد بن أبي بكر القسطلاني، المتوفى ٩٢٣، طبعة سابعة بولاق.
٢١- الإرشاد في أُصول الاعتقاد: علاء الدين الكاسانيّ الحنفي، المتوفى ٥٨٧ هـ.
٢٢- أسرار الشهادة للدربنديّ: آقا بن عبّاس بن رمضان بن زاهد، الطبعة الأُولى الحجريّة.
٢٣- أُسد الغابة في معرفة الصحابة: عزّ الدين عليّ بن محمّد بن عبدالكريم (ابن الأثير الجزريّ)، نشر المكتبة الإسلامية طهران.
٢٤- الإسلام والمسلمون: الدكتور جزيف الفرنسي (فصل منه في جريدة الحبل المتين الفارسيّة).
٢٥- الإسلام والحضارة العربيّة: الدكتور محمّد كرد علي، الطبعة الأُولى مطبعة السعادة مصر.
٢٦- الاستيعاب: أبو عمر يوسف بن عبد الله المعروف بابن عبد البر المتوفى ٤٦٣ هـ (بهامش الإصابة) مطبعة السعادة القاهرة.
٢٧- الإشارات إلى معرفة الزيادات: أبو الحسن عليّ بن أبي بكر الهروي المتوفى ٦١١ هـ.
٢٨- الأشباه والنظائر: محمّد وسعيد ابنا هاشم الخالديان، تحقيق الدكتور سيّد محمّد يوسف - لجنة التأليف والترجمة القاهرة.
٢٩- الاشتقاق: أبو بكر محمّد بن الحسن الأزدي البصري (ابن دريد) المتوفى ٣٢١ هـ.
٣٠- إصلاح المنطق: يعقوب بن إسحاق السكّيت (ابن السكّيت) المتوفى ٢٤٣ هـ، دار المعارف بمصر.
٣١- أُصول الكافي: أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني المتوفى ٣٢٩ هـ (على هامش مرآة العقول للمجلسي).
٣٢- أُصول الدين: أبو منصور عبد القاهر البغدادي.
٣٣- الاعتقادات: أبو جعفر محمّد بن علي بن بابوية القمّي (الشيخ الصدوق) المتوفى ٣٨١ هـ.
٣٤- أعيان الشيعة: السيّد محسن الأمين العامليّ المتوفى ١٣٧١ هـ.
٣٥- الأعلاق الخطيرة: أبو عبد الله محمّد بن علي بن إبراهيم المعروف بابن شدّاد المتوفى ٦٨٤ هـ بيروت.
٣٦- أعلام النبوّة: أبو الحسن عليّ بن محمّد بن حبيب الماوردي المتوفّى ٤٥٠ هـ.
٣٧- إعلام الورى: الفضل بن الحسن الطبرسي، الطبعة الأُولى - ايران.
٣٨- الأغاني: عليّ بن الحسين بن محمّد الأصفهاني (أبو الفرج الأصفهاني) المتوفى ٣٥٦ هـ، طبعة دي ساسي.
٣٩- الإقبال: رضي الدين علي بن طاووس (ابن طاووس).
٤٠- آكام الجان الشبلي الحنفي: بدر الدين محمّد بن عبد الله المتوفى ٧٦٩ هـ.
٤١- الأكليل: الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني، طبع مصر سنة ١٣٨٣ هـ.
٤٢- إكمال الدين: أبو جعفر محمّد بن عليّ بن بابوية القمّي (الصدوق)، المتوفى ٣٨١ هـ.
٤٣- الأمالي: أبو جعفر محمّد بن عليّ بن بابوية القمّي (الصدوق)، المتوفى ٣٨١ هـ.
٤٤- الإمامة والسياسة: عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ابن قتيبة) المتوفّى ٢٧٦ هـ، مطبعة الأُمّة بمصر ٣٧٨ هـ.
٤٥- الأمالي: عليّ بن الطاهر (السيّد المرتضى) المتوفى ٤٣٦ هـ، طبع النجف.
٤٦- الأمالي: عليّ بن محمّد بن الحسن الطوسيّ (ابن الشيخ الطوسيّ).
٤٧- الأمالي: أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجّاج المتوفّى ٣٣٩ هـ، الطبعة الثانية ١٣٥٤ هـ.
٤٨- الأمالي: إسماعيل بن القاسم القالي البغدادي، الطبعة الثانية، دار الكتب.
٤٩- الأُم: أبو عبد الله محمّد بن إدريس الشافعي، المتوفى ٢٠٤ هـ، المطبعة الكبرى، بولاق.
٥٠- الإمام الرضاعليهالسلام
: عبد الرزاق بن محمّد بن عبّاس الموسوي المقرّم المتوفى ١٣٩١ هـ، المطبعة الحيدريّة بالنجف.
٥١- أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى البلاذري، طبعة التصوير.
٥٢- الأنساب: عبد الكريم بن محمّد بن منصور السمعاني المتوفى ٥٦٢ هـ، طبعة حيدر آباد.
٥٣- أنساب قريش: الزبير بن بكار (مع أنساب السمعاني).
٥٤- الأنساب التفقة: أبو الفضل محمّد بن طاهر المعروف بابن القيراني المتوفى ٥٠٧ هـ، الطبعة الأُوربية.
٥٥- أنيس الشيعة: محمّد بن عبد الحسين الجعفري الحائري، ألّفه للسلطان فتح علي شاه، مخطوط.
٥٦- البابليّات: محمّد بن علي بن يعقوب اليعقوبي المتوفى ١٣٨٥ هـ، طبع النجف.
٥٧- بحار الأنوار: محمّد باقر المجلسي، طبعة كمبني.
٥٨- البحر الرائق: الشيخ زين بن إبراهيم المعروف بابن نجيم (الحنفي) المتوفى ٩٧٠، الطبعة الأُولى مطبعة دار الكتب العربيّة بمصر.
٥٩- بدائع الصنائع: علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني المتوفى ٥٨٧ هـ، طبع مصر ١٩١٠.
٦٠- بدائع الفوائد: ابن القيم الجوزية المتوفى ٧٥١ هـ.
٦١- البداية والنهاية: عماد الدين إسماعيل بن عمر (ابن كثير) المتوفى ٧٧٢ هـ، طبعة القاهرة ١٣٥٦ هـ.
٦٢- البلدان: أحمد بن أبي يعقوب بن وهب الكاتب (اليعقوبي)، المتوفى ٢٨٤ هـ، ملحق بالأعلاق النفيسة، طبع أُوفست.
٦٣- بشارة المصطفى: أبو جعفر محمّد بن عليّ الطبري، من أعلام القرن السادس، المطبعة الحيدريّة.
٦٤- بصائر الدرجات: محمّد بن الحسن الصفّار (ملحق بنفس الرحمن للنوري).
٦٥- بلاغات النساء: أحمد بن أبي طاهر (ابن طيفور) المتوفى ٢٨٠ هـ، طبع النجف.
٦٦- البيان والتبيين: أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب (الجاحظ) المتوفى ٢٥٥، الطبعة الثانية.
٦٧- تاريخ الاُمم والملوك: أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري المتوفّى ٣١٠ هـ، المطبعة الحسينيّة.
٦٨- تاريخ بغداد: أبو بكر أحمد بن علي (الخطيب البغدادي) المتوفى ٤٦٣ هـ، الطبعة الأُولى، القاهرة.
٦٩- تاريخ الخلفاء: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى ٩١١ هـ، طبع القاهرة.
٧٠- تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب بن وهب الكاتب (اليعقوبي) المتوفى ٢٨٤ هـ، طبع النجف.
٧١- تاريخ الأدب العربي: عمر فروخ، طبعة دار الملايين - بيروت.
٧٢- تاريخ الموصل: يزيد بن محمّد بن إياس بن القاسم الأزدي (ابن إياس) المتوفى ٣٣٤ هـ تحقيق دكتور علي حبيبه، طبع القاهرة.
٧٣- تاريخ علماء الأندلس: ابن الفرظي.
٧٤- التبيان: أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، المتوفى ٤٦٠ هـ، طبعة حجر.
٧٥- تجريد الحقائق: ابن واصل الحموي المتوفى ٢٩٧ هـ.
٧٦- تاج العروس: محمّد مرتضى الزبيدي الحنفي، الطبعة الأُولى المطبعة الخيريّة.
٧٧- التحرير: الحسين بن يوسف بن المطهّر (العلّامة الحلّي) المتوفّى ٧٢٦ هـ، طبعة حجر ايران.
٧٨- تحفة الأزهار: ابن شدقم، مخطوط.
٧٩- تحفة المحتاج في شرح خطبة المعالم: أبو زكريّا محي الدين ابن شرف النووي المتوفى ٦٧٦ هـ.
٨٠- تحفة العالم في شرح خطبة المعالم: السيّد جعفر بحر العلوم، طبع النجف.
٨١- تحقيق النصرة إلى معالم الهجرة: أبو بكر بن الحسين بن عمر المراغي المتوفى ٨٦١ هـ.
٨٢- التدوين في علماء قزوين: نسخة التصوير في مكتبة السيّد الحكيم بالنجف.
٨٣- تذكرة الحفّاظ: شمس الدين أبو عبد الله الذهبي المتوفى ٧٤٨ هـ، طبعة حيدر آباد.
٨٤- تذكرة الخواص: شمس الدين أبو المظفّر يوسف (سبط ابن الجوزي) المتوفى ٦٥٤ هـ.
٨٥- تظلّم الزهراء: رضي بن نبي القزويني، تاريخ الطبع ١٣١١، الطبعة الأُولى ايران.
٨٦- التعجّب: محمّد بن علي الكراجكي المتوفى ٤٣٩ هـ، الطبعة الأُولى حجري (ملحق بكنز الفوائد) له.
٨٧- تعجيل المنفعة: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى ٨٥٢ هـ، طبع حيدر آباد.
٨٨- التعريفات: علي بن محمّد الجرجاني المتوفى ٨١٦ هـ، المطبعة الحميديّة بمصر ١٣٢١ هـ.
٨٩- تفسير المنار: محمّد رشيد رضا، طبع مصر.
٩٠- تقريب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى ٨٥٢ هـ، طبع لكهنو.
٩١- تفسير القرآن: الشيخ محمّد حسين الأصفهاني النجفي المتوفى ١٣٦١ هـ، طبع النجف.
٩٢- تفسير القرآن: علي بن إبراهيم القمّي، الطبعة الأُولى ايران.
٩٣- تقويم المحسنين: الملّا محسن الفيض الكاشاني المتوفى ١٠٩١ هـ، طبع ايران.
٩٤- تكملة الصلة: محمّد بن عبدالله بن أبي بكر القضاعي (ابن الآبار) المتوفى ٦٥٩ هـ، الطبعة الثانية ١٣٧٥ هـ.
٩٥- التمهيد: أبو بكر محمّد الباقلاني المتوفى ٤٠٣ هـ.
٩٦- التنقيح: جمال الدين المقداد بن عبد الله المعروف بالفاضل المقداد المتوفى ٨٢٧ هـ.
٩٧- التوحيد: أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه القمّي (الصدوق) المتوفى ٣٨١ هـ.
٩٨- تهذيب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى ٨٥٢ هـ، طبع حيدرآباد.
٩٩- تهذيب اللغة: أحمد بن فارس المتوفى ٣٥٥ هـ.
١٠٠- تهذيب الأسماء واللغات: أبو زكريّا محي الدين بن شرف النووي المتوفى ٦٧٦ هـ، مصر.
١٠١- تهذيب تاريخ الشام: أبو القاسم عليّ بن الحسن بن عساكر الشافعي المتوفى ٥٧١ هـ.
١٠٢- تهذيب الأحكام: أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المتوفى ٤٦٠ هـ.
١٠٣- تيسير الوصول إلى جامع الأُصول: عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الدبيع الشيباني المتوفى ٩٤٤ هـ.
١٠٤- ثمرات الأوراق: تقي الدين بن أبي بكر (ابن حجّة الحموي) بهامش المستطرف، مصر.
١٠٥- ثواب الأعمال: أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه (الصدوق) المتوفى ٣٨١ هـ.
١٠٦- الجامع الصغير: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى ٩١١ هـ.
١٠٧- الجرح والتعديل: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى ٢٣٧ هـ، طبع حيدر آباد.
١٠٨- جغرافيّة شبه جزيرة العرب: رضا كحّالة، طبع بيروت.
١٠٩- جلاء العيون: محمّد باقر المجلسي المتوفى ١١١١ هـ، طبع ايران.
١١٠- جمهرة الأمثال: حسن بن عبد الله بن سهل العسكري (أبو هلال العسكري) المتوفى ٣٩٥ هـ، طبع الهند.
١١١- جمهرة أنساب العرب: أبو محمّد علي بن سعيد بن حزم (ابن حزم الأندلسي) المتوفى ٤٥٦ هـ، تحقيق برونسال، دار المعارف بمصر.
١١٢- الجمل: محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري (الشيخ المفيد) المتوفى ٤١٣ هـ، الطبعة الثانية الحيدريّة بالنجف.
١١٣- جنّة المأوى: الميرزا حسين بن محمّد تقي النوري الطبرسي، طبع النجف.
١١٤- الجواهر المضيئة في طبقات الحنفيّة: عبد القادر بن أبي الوفاء محمّد بن محمّد الحنفي المصري المتوفى ٧٧٥ هـ، طبع حيدر آباد.
١١٥- الحدائق الورديّة: مخطوط.
١١٦- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى ٤٣٠ هـ، الطبعة الأُولى بمصر.
١١٧- الحماسة البصريّة: صدر الدين بن أبي الفرج بن الحسين البصري المتوفى ٦٥٩ هـ.
١١٨- حياة الحيوان: كمال الدين الدميري، الطبعة الأُولى.
١١٩- الحيوان: أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ المتوفى ٢٥٥ هـ، الطبعة الأُولى بمصر.
١٢٠- الخرايج والجرايح: قطب الدين سعيد بن هبة الله الحسين الراوندي المتوفى ٥٧٣ هـ، طبع الهند.
١٢١- خريدة العجائب: ابن الورى.
١٢٢- خزانة الأدب: عبد القادر بن عمر البغدادي المتوفى ١٠٩٣، طبع بولاق.
١٢٣- الخصائص الحسينية: الشيخ جعفر الشوشتري، طبع تبريز.
١٢٤- الخصائص: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى ٩١١ هـ.
١٢٥- الدرّ المنثور: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، طبع بالأُوفست بطهران.
١٢٦- الدرّ النضيد في مراثي السبط الشهيد: السيّد محسن الأمين العاملي، طبع صيدا.
١٢٧- الدرّة النجفيّة: يوسف البحراني، طبعة حجر.
١٢٨- دار السلام: ميرزا حسين بن محمّد تقي النوري الطبرسي، طبع ايران.
١٢٩- الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: السيّد علي خان المدني الشيرازي المتوفى ١١٢٠ طبع النجف.
١٣٠- دلائل النبوّة: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى ٤٣٠ هـ، الطبعة الأُولى حيدر آباد.
١٣١- ديوان السيّد حيدر الحلّي: طبع النجف.
١٣٢- ديوان الصبابة: شهاب الدين أحمد المغربي على هامش تزيين الأسواق.
١٣٣- ديوان معتوق بن شهاب الموسوي: طبع مصر ١٣٣٠ هـ.
١٣٤- ذخائر العقبى: محب الدين الطبري.
١٣٥- ذخيرة الدارين: سيّد مجيد الحائري، طبع النجف.
١٣٦- الذريعة إلى تصانيف الشيعة: عبد الحسين الطهراني (آغا بزرك) المتوفى ١٣٨٩ هـ، الجزء ١٧ طبع النجف.
١٣٧- الذكرى: محمّد بن مكّي المعروف بالشهيد الأوّل المتوفى ٧٨٦ هـ.
١٣٨- ذيل مرآة الزمان اليوتيني: أبو الفتح موسى بن محمّد بن أحمد المتوفى ٧٢٦ هـ، طبع حيدر آباد.
١٣٩- ربيع الأبرار: جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المتوفى ٥٣٨ هـ، نسخة خاصّة مخطوط.
١٤٠- رجال القرنين: شهاب الدين أبو محمّد عبد الرحمن ابن إسماعيل (أبو شامة) المتوفى ٦٦٥ هـ.
١٤١- رسائل الجاحظ: أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ المتوفى ٢٥٥ هـ (جمع حسن السندوبي رسالة الحادية والعشرون).
١٤٢- روضة الواعظين: علي بن محمّد الفتال النيسابوري، طبعة حجر.
١٤٣- روضة الكافي: أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني المتوفى ٣٢٩ هـ بهامش علل الشرائع.
١٤٤- الروض الأنف في شرح السيرة النبويّة: عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي (ابن هشام السهيلي) المتوفى ٥٧١، المطبعة الجماليّة بمصر.
١٤٥- الروض الباسم: الوزير اليماني.
١٤٦- رياض الأحزان: محمّد حسين القزويني.
١٤٧- رياض العلماء: ميرزا عبد الله أفندي (من تلاميذ الشيخ المجلسي)، مخطوط بمكتبة السيّد الحكيم بالنجف.
١٤٨- رياض المصائب: للسيّد محمّد مهدي الموسوي، طبعة حجر.
١٤٩- زين العابدين: عبد الرزاق بن محمّد بن عباس الموسوي المقرّم، المتوفى ١٣٩١ هـ، المؤلف.
١٥٠- زيد الشهيد: عبد الرزاق بن محمّد بن عباس الموسوي المقرّم، المتوفى ١٣٩١ هـ، المؤلف، الطبعة الثانية.
١٥١- زهر الآداب وثمر الألباب: أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني، دار الكتب ١٣٧٠ هـ.
١٥٢- السرّ المصون: أبو الفرج عبد الرحمن بن محمّد بن علي المتوفى ٥٩٧ هـ.
١٥٣- السرائر: محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي المتوفى ٥٩٨ هـ، طبع حجر ايران.
١٥٤- سرّ السلسلة في النسب: أبو نصر سهل بن عبد الله بن داود بن سليمان البخاري، المطبعة الحيدريّة بالنجف.
١٥٥- سير أعلام النبلاء: شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى ٧٤٨ هـ، دار المعارف بمصر.
١٥٦- السيرة الحلبيّة: علي بن برهان الدين المتوفى ١٠٤٤ هـ، المعروف بـ «إنسان العيون».
١٥٧- سعد السعود: رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس المتوفى ٦٦٤ هـ، طبع الحيدريّة بالنجف.
١٥٨- سلس الغانيات في ذوات الطرفين من الكلمات: لعمان خيري الآلوسي، المطبعة الأدبيّة، بيروت ١٣١٨ هـ.
١٥٩- شذرات الذهب في أخبار من ذهب: عبد الحي بن العماد الحنبلي (ابن العماد) المتوفى ١٠٨٩ هـ، طبعة أولى مصر.
١٦٠- شرح المواهب اللدنيّة: محمّد بن عبد الباقي الزرقاني المالكي، الطبعة الأُولى بمصر.
١٦١- شرح نهج البلاغة: عبد الحميد بن أبي الحديد المدائني المعتزلي المتوفى ٦٥٦ هـ، الطبعة الأُولى بمصر.
١٦٢- شرح الشفا: أحمد بن محمّد بن عمر (الشهاب الخفاجي)، الطبعة الأُولى ١٣٢٧ هـ، بمصر.
١٦٣- شرح العقائد النسفيّة: سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني، طبع الآستانة ١٣١٢ هـ.
١٦٤- شرح قصيدة: ابن بدرون (زيدون)، طبع سنة ١٣٣٠ هـ.
١٦٥-شرح صحيح مسلم: يحيى بن شرف الشافعي على هامش إرشاد الساري.
١٦٦- شرح الأربعين: محمّد باقر المجلسي المتوفى ١١١١ هـ، طبع ايران.
١٦٧- شرح الصمديّة: السيّد علي خان طبع حجر ايران.
١٦٨- شرح الكافية: نجم الأئمّة الأستر آبادي (الرضي)، طبع ايران.
١٦٩- شرح ديوان الحماسة: التبريزي.
١٧٠- شرح مقامات الحريري: أحمد بن عبد المؤمن القيسي الشريشي، الطبعة الأُولى.
١٧١- شعراء الغري: أبو بيان علي الخاقاني، طبع النجف.
١٧٢- شعراء الحلّة: أبو بيان علي الخاقاني، طبع النجف.
١٧٣- الشهيد مسلم: عبد الرزاق بن محمّد الموسوي المقرّم المؤلّف المتوفى ١٣٩١ هـ طبع النجف.
١٧٤- الصحاح: إسماعيل بن حمّاد الجوهري المتوفى ٣٩٣ هـ، طبع حجر.
١٧٥- صحيح البخاري: أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم المتوفى ٢٥٦ هـ، طبع مصر.
١٧٦- وقعة صفّين: نصر بن مزاحم المنقري، تحقيق عبد السلام هارون.
١٧٧- صفوة الصفوة: أبو الفرج عبد الرحمن بن محمّد بن علي بن الجوزي المتوفى ٥٩٧، الطبعة الأُولى حيدر آباد.
١٧٨- الصواعق المحرقة: شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي، الطبعة الأُولى بمصر.
١٧٩- صورة الأرض: أبو القاسم بن حوقل النصيبي، طبع بيروت.
١٨٠- ضحى الإسلام: الدكتور أحمد أمين، الجزء الأوّل، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر.
١٨١- طبقات الحنابلة: ابن أبي يعلي، طبع القاهرة.
١٨٢- طبقات الحنابلة: عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد (ابن رجب) المتوفى ٧٩٥ هـ (كتاب الذيل) نسخة التصوير.
١٨٣- طبقات الشعراء في مدح الخلفاء والوزراء: عبد الله ابن المعتزّ العبّاسي، الناشر عبّاس إقبال.
١٨٤- الطبقات الكبرى: أبو عبد الله محمّد بن سعد بن منيع البصري الزهري (ابن سعد) المتوفى ٢٣٠ هـ، طبعة صادر.
١٨٥- طرح التثريب في شرح التقريب: زين الدين العراقي المتوفى ٨٠٦ هـ، الطبعة الأُولى بمصر.
١٨٦- طبقات النحويين: أبو بكر محمّد بن الحسن الزبيدي المتوفى ٣٧٩ هـ، مطبعة الخانجي بمصر.
١٨٧- الطبقات: أبو عمر خليفة بن خياط المتوفى ٢٤٠ هـ، تحقيق سهيل زكار، مطابع وزارة الثقافة بدمشق.
١٨٨- العقد الثمين في فضائل البلد الأمين: أحمد بن محمّد الخضراوي، الطبعة الثانية.
١٨٩- العقد الفريد: ابن عبد ربّه الأندلسي، الطبعة الأُولى.
١٩٠- عقاب الأعمال: أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه القمّي (الصدوق) المتوفى ٣٨١ هـ.
١٩١- عيون أخبار الرضاعليهالسلام
: أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه القمّي (الصدوق) المتوفى ٣٨١ هـ.
١٩٢- عيون المعجزات: حسين بن عبد الوهّاب، من أعلام القرن الخامس، طبع بيروت.
١٩٣- علم القلوب: أبو طالب المكّي، الطبعة الأُولى ١٣٨٤ هـ.
١٩٤- علي الأكبر: عبد الرزاق بن محمّد الموسوي المقرّم المؤلف المتوفى ١٣٩١ طبع النجف.
١٩٥- العمدة: الحسن بن رشيق القيرواني المتوفى ٤٦٣ هـ، تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد، الطبعة الأُولى.
١٩٦- عمد القاري في شرح صحيح البخاري: محمود العيني المتوفى ٨٥٥ هـ، الطبعة الأُولى.
١٩٧- العنايات الرضويّة: للشيخ محمّد تقي الأصفهاني، الطبعة الأُولى ايران.
١٩٨- العواصم والقواصم: أبو بكر ابن العربي الأندلسي المالكي، تحقيق محبّ الدين الخطيب، طبع ١٣٧١ هـ.
١٩٩- غاية النهاية في طبقات القرّاء: شمس الدين محمّد بن محمّد الجزري، المتوفى ٨٣٣ هـ، مصر.
٢٠٠- غرر الخصائص: أبو إسحاق برهان الدين إبراهيم بن يحيى المعروف بالوطواط، الطبعة الأُولى بمصر.
٢٠١- الغيبة: أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر المعروب بابن أبي زينب النعماني، طبع حجر.
٢٠٢- الفائق في غريب الحديث: جار الله محمود بن عمر الزمخشري، طبع مصر.
٢٠٣- فتح الباقي في شرح الفتية العراقي: لزكريّا الأنصاري ملحق في ذيل الفية ابن مالك.
٢٠٤- فتح الباري في شرح صحيح البخاري: لابن حجر العسقلاني المتوفى ٨٥٢ هـ.
٢٠٥- فتح القدبر: ابن همام الحنفي المتوفى ٦٨١ هـ.
٢٠٦- الفتاوي الحديثيّة: أحمد شهاب الدين بن حجر الهيثمي، الطبعة الأُولى مطبعة السعادة مصر.
٢٠٧- الفخري في الآداب السلطانيّة: محمّد بن علي ابن طباطبا (ابن الطقطقي) المتوفى ٧٠٩ هـ.
٢٠٨- الفرج بعد الشدّة: أبو علي المحسن بن علي التنوخي المتوفى ٣٨٤ هـ، طبع مصر ١٩٣٨ هـ.
٢٠٩- الفروع: ابن مفلح الحنبلي، مطبعة المنار ١٣٤٥ هـ.
٢١٠- فرحة الغري: السيّد عبد الكريم ابن طاووس، المطبعة الحيدريّة بالنجف.
٢١١- الفصول المختارة: علي بن الطاهر (السيّد المرتضى) المتوفى ٤٣٦ هـ، طبع النجف.
٢١٢- فضل الخيل: لعبد المؤمن الدمياطي المتوفى ٨٠٥ هـ، طبع مصر.
٢١٣- الفقه على المذاهب الأربعة: عبد الرحمن الحريزي، الطبعة الثانية.
٢١٤- الفقيه: أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه القمّي (الصدوق) المتوفى ٣٨١ هـ، طبع ايران.
٢١٥- القاموس المحيط: مجد الدين محمّد بن يعقوب الفيروز آبادي، المتوفى ٨١٦ هـ.
٢١٦- قرب الإسناد: محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري، كان حيّاً في حدود سنة ٣٠٠ هـ، طبع ايران.
٢١٧- القضاء: الحاج ملّا علي الكني.
٢١٨- قمر بني هاشم: عبد الرزاق بن محمّد الموسوي المقرّم المؤلّف المتوفى ١٣٩١، الطبعة الثانية.
٢١٩- الكامل في التاريخ: عز الدين علي بن محمّد الجزري (ابن الأثير) المتوفى ٦٣٠، طبع مصر.
٢٢٠- كامل الزيارات: لابن قولويه المتوفى ٣٦٨ هـ.
٢٢١- كشف اللثام: بهاء الدين محمّد بن الحسن الأصبهاني المعروف بالفاضل الهندي، طبع حجر ايران.
٢٢٢- كشف الغمّة: عبد الوهّاب الشعراني، مطبعة صبيح علي صبيح بمصر.
٢٢٣- كشف الغمّة: أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي المتوفى ٦٩٣ هـ، طبع النجف.
٢٢٤- الكشّاف: جار الله محمود بن عمر الزمخشري.
٢٢٥- الكشكول: الشيخ يوسف البحراني، طبع الهند.
٢٢٦- كنوز الحقائق: عبد الوهاب المناوي، على هامش الجامع الصغير للسيوطي.
٢٢٧- كنز الفوائد: أحمد بن علي الكراجكي المتوفى ٤٤٩ هـ.
٢٢٨- كنز العرفان: حبر الدين المقداد بن عبد الله المتوفى ٨٢٦.
٢٢٩- كنز العمال: علاء الدين علي المتقي بن حسان الدين الهندي (المتقي الهندي) المتوفى ٩٧٥ طبع حيدر آباد.
٢٣٠- الكواكب الدرّيّة في تراجم السادة الصوفيّة: عبد الرؤوف المناوي، الطبعة الأُولى بمصر.
٢٣١- اللؤلؤ والمرجان: الميرزا حسين بن محمّد تقي النوري، طبع ايران (بالفارسيّة).
٢٣٢- اللئالي المصنوعة: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى ٩١١ هـ.
٢٣٣- لب اللباب: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى ٩١١ هـ، (مختصر اللباب).
٢٣٤- اللباب: عز الدين علي بن محمّد الجزري (ابن الأثير) المتوفى ٦٣٠ هـ، نشر مكتبة القدس بالقاهرة.
٢٣٥- لسان العرب: جمال الدين محمّد بن مكرم الأنصاري (ابن منظور) المتوفى ٧١١ هـ.
٢٣٦- لطائف المعارف: أبو منصور عبد الملك بن محمّد الثعالبي النيسابوري.
٢٣٧- لحن العوام: أبو بكر محمّد بن حسن بن مذحج الزبيدي المتوفى ٣٧٩ هـ، الطبعة الأُولى.
٢٣٨- اللهوف: علي بن موسى بن محمّد بن طاووس المتوفى ٦٢٢ هـ، طبع صيدا.
٢٣٩- مآثر الأناقة: أبو العبّاس أحمد القلقشندي المتوفى ٨٢٢ هـ.
٢٤٠- المبسوط: أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المتوفى ٤٦٠ هـ، طبعة الحجر.
٢٤١- المترادفات: المدائني، المجموعة الأُولى من نوادر المخطوطات.
٢٤٢- مثير الأحزان: نجم الدين محمّد بن جعفر بن أبي البقاء بن نما الحلّي المتوفى ٦٤٥ هـ، طبع النجف.
٢٤٣- مثير الأحزان: شريف الجواهري، طبع النجف.
٢٤٤- المثل السائر: ضياء الدين نصر الله بن محمّد بن محمّد الحريري (ابن الأثير) المتوفى ٦٣٧ تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد.
٢٤٥- مجالس ثعلب: أبو العبّاس أحمد بن يحيى ثعلب المتوفى ٢٩١ هـ، دار المعارف بمصر.
٢٤٦- مجمع الزوائد: نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي المتوفى ٨٠٧ هـ، القاهرة.
٢٤٧- مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: عبد الرحمن بن محمّد بن سليمان المتوفى ٥٨٨ هـ، بمبي.
٢٤٨- مجموعة ورّام: الشيخ ورّام، طبع ايران.
٢٤٩- مجموع الفتاوي المصريّة: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيميّة الحرّاني المتوفى ٧٢٨ هـ.
٢٥٠- المحاسن: أبو جعفر أحمد بن محمّد بنخالد البرقي، دار الكتب الإسلاميّة - طهران.
٢٥١- المحاضرات: الراغب الأصفهاني، المطبعة الشرقيّة بالقاهرة.
٢٥٢- المحبر: محمّد بن حبيب المتوفى ٢٤٥ هـ، حيدر آباد النجف.
٢٥٣- المحتضر: الحسن بن سليمان الحلّي.
٢٥٤- الحدائق: يوسف البحراني.
٢٥٥- المحجّة البيضاء: محمّد بن مرتضى المدعوّ المولى محسن الكاشاني (الفيض الكاشاني) المتوفى ١٠٩١ هـ، طهران.
٢٥٦- المحلّي: أبو محمّد علي بن أحمد بن حزم المتوفى ٤٥٦ هـ.
٢٥٧- المختار من نوادر الأخبار: أبو عبد الله محمّد بن محمّد الأنباري (على هامش العلوم للخوارزمي).
٢٥٨- مختصر تاريخ الدول: ابن العبري.
٢٥٩- المختصر في أخبار البشر: إسماعيل بن علي بن محمود الأيّوبي (أبو الفداء) المتوفى ٧٣٢ هـ.
٢٦٠- مختصر البصائر: الحسن بن سليمان الحلّي، طبع النجف.
٢٦١- مدينة المعاجز: السيّد هاشم البحراني، الطبعة الأُولى حجر.
٢٦٢- مرآة الزمان: شمس الدين أبو المظفّر يوسف (سبط ابن الجوزي) المتوفى ٦٥٤ هـ، طبع حيدر آباد.
٢٦٣- مرآة الجنان: أبو محمّد عبد الله بن أسعد اليافعي المتوفى ٧٦٨ هـ، طبع حيدر آباد.
٢٦٤- مروج الذهب: أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي المتوفى ٣١٦ هـ، طبع مصر.
٢٦٥- مراتب النحويين: أبو الطيب عبد الواحد الحلبي.
٢٦٦- مسار الشيعة: العلّامة الحلّي، طبع ايران.
٢٦٧- المستجاد من فعل الأجود: أبو علي المحسن بن علي التنوخي، تحقيق محمّد كرد علي، طبع دمشق.
٢٦٨- المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله محمّد بن عبد الله النيسابوري (الحاكم) المتوفى ٤٠٥ هـ، طبع حيدر آباد.
٢٦٩- مستدرك الوسائل: ميرزا حسين بن محمّد تقي النوري، طبع ايران.
٢٧٠- المستقصي: جار الله محمود بن عمر الزمخشري.
٢٧١- المستطرف: شهاب الدين أحمد الأبشيهي.
٢٧٢- مصباح المتهجّد: أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المتوفى ٤٦٠ هـ، طبع بمبي.
٢٧٣- المصباح: تقي الدين إبراهيم بن علي العاملي الكفعمي، تاريخ تأليفه ٨٥٩ هـ، طبع الهند.
٢٧٤- مضمار الحقائق: تقي الدين عمر بن شاهنشاه الأيوبي المتوفى ٦١٧ هـ، تحقيق حسن حبشي.
٢٧٥- مطالب السؤول: ابن طلحة، طبع الهند.
٢٧٦- معالم الزلفى: السيّد هاشم البحراني، طبع حجر.
٢٧٧- معاني الأخبار: أبو جعفر محمّد بن علي بابويه القمّي (الصدوق) المتوفى ٣٨١ هـ.
٢٧٨- معاهد التنصيص: عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن أحمد العبّاسي، الطبعة الأُولى.
٢٧٩- المعارف: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكاتب الدينوري (ابن قتيبة) المتوفى ٢٧٦ هـ، طبع مصر.
٢٨٠- معجم البلدان: أبو عبد الله ياقوت الرومي الحموي المتوفى ٦٢٦ هـ، طبع مصر.
٢٨١- معجم الشعراء: أبو عبد الله محمّد بن عمران المرزباني المتوفى ٣٨٤ هـ، الدكتور كرنكو.
٢٨٢- معجم ما استعجم: عبد الله بن عبد العزيز البكري المتوفى ٤٨٧ هـ، مطبعة لجنة التأليف والترجمة.
٢٨٣- المغتالين: محمّد بن حبيب النسّابة (ابن حبيب)، تحقيق عبد السلام هارون، مجموعة نوادر المخطوطات.
٢٨٤- المغرب: ناصر بن عبد السيد بن علي المطرزي المتوفى ٦١٦ هـ، طبع حيدر آباد.
٢٨٥- المغني: أبو محمّد عبد الله بن أحمد بن محمّد بن قدامة (ابن قدامة) المتوفى ٦٢٠، مطبعة المنار بمصر.
٢٨٦- مقاييس اللغة: أحمد بن فارس المتوفى ٣٥٥ هـ.
٢٨٧- مقالات الإسلاميّين: أبو الحسن الأشعري.
٢٨٨- المقالات: محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري (الشيخ المفيد).
٢٨٩- المقبولة الحسينيّة: الشيخ هادي بن عباس (كاشف الغطاء)، أُرجوزة.
٢٩٠- مقاتل الطالبيّين: علي بن الحسين بن محمّد الأصبهاني (أبو الفرج)، طبعة ايران.
٢٩١- مقتل الحسين: أبو المؤيّد الموفّق بن أحمد المكّي الخوارزمي (أخطب خوارزم) المتوفى ٥٦٨ هـ، طبع النجف.
٢٩٢- مقتل العوالم: عبد الله بن نور الله البحراني.
٢٩٣- المقتبس: (مجلّة) المجلّد ٧، الجزء ١٠ من سنة ١٣٣٠ هـ.
٢٩٤- المقدّمة: عبد الرحمن بن محمّد بن محمّد (ابن خلدون) المتوفى ٨٠٨ هـ، مطبعة التقدّم ١٣٢٢ هـ.
٢٩٥- مناهل الضرب: السيّد جعفر الكاظمي (مخطوط) في مكتبة الشيخ آغا بزرك الطهراني.
٢٩٦- المنتهى: الحسن بن يوسف بن المطهّر (العلّامة الحلّي) المتوفى ٧٢٦ هـ، طبع ايران.
٢٩٧- المناهل: السيّد محمّد بن السيّد علي صاحب الرياض، طبع ايران.
٢٩٨- المناقب: موفق بن أحمد المكّي الخوارزمي المتوفى ٥٦٨ هـ، طبع حيدر آباد.
٢٩٩- المناقب: رشيد الدين محمّد بن علي بن شهر آشوب المتوفى ٥٨٨ هـ، الجزء الأوّل، طبع ايران.
٣٠٠- المنتخب: الشيخ فخر الدين الطريحي المتوفى ١٠٨٥ هـ، المطبعة الحيدريّة.
٣٠١- المنتقى من منهاج الاعتدال: الذهبي.
٣٠٢- منتخب كنز العمّال: علي بن حسام الدين المعروف بالمتقي الهندي بهامش مسند أحمد، طبع مصر.
٣٠٣- المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم: أبو الفرج عبد الرحمن (ابن الجوزي) المتوفى ٥٩٧، طبعة لايبزك ألمانيا.
٣٠٤- منهج الرشاد: الشيخ جعفر بن خضر شلال (كاشف الغطاء)، طبع ايران.
٣٠٥- مهج الدعوات: السيّد رضي الدين بن طاووس، طبع بمبي.
٣٠٦- المهذّب في الفقه الشافعي: إمام الحرمين الجويني المتوفى ٤٨٧ هـ.
٣٠٧- المهذّب: أبو إسحاق الشيرازي.
٣٠٨- من لا يحضره الفقيه: أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه القمّي (الصدوق) المتوفى ٣٨١، طبع ايران.
٣٠٩- ميزان الاعتدال: أبو عبد الله محمّد بن أحمد الذهبي المتوفى ٧٤٦ هـ، طبع حيدر آباد.
٣١٠- المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والأمصار: تقي الدين أحمد بن علي المقريزي المتوفى ٨٤٥ هـ، الطبعة الأُولى.
٣١١- المؤتلف والمختلف: أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي المتوفى ٣٧٠ هـ، (ملحق بمعجم الشعراء)، طبع مصر.
٣١٢- الميزان: عبد الوهّاب الشعراني.
٣١٣- النجوم الزاهرة: جمال الدين يوسف ابن تغري بردي الحنفي المتوفى ٨٤٧ هـ، طبع القاهرة.
٣١٤- نزهة المجالس: عبد الرحمن الصفوري الشافعي، طبع القاهرة.
٣١٥- نسب قريش: أبو عبد الله مصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيري المتوفى ٢٣٦ هـ، نشر ليفي برفنسال، مطبعة دار المعارف بمصر.
٣١٦- نشوار المحاضرة: القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمّد بن أبي الفهم التنوخي المتوفى ٣٨٤ هـ (الجزء الثامن).
٣١٧- نصب الراية في تخريج أحاديث البداية: الزيلعي المتوفى ٧٦٢.
٣١٨- نفس المهموم: عبّاس القمّي، الطبعة الأُولى ايران.
٣١٩- نفح الطيب: أحمد المقري المغربي المتوفى ١٠٤١ هـ، مطبعة عيسى البابي الحلبي.
٣٢٠- النقود القديمة الإسلاميّة: التبريزي.
٣٢١- النقود الإسلاميّة: تقي الدين أحمد بن علي المقريزي المتوفى ٨٤٥ هـ، مطبعة النعمان بالنجف.
٣٢٢- نور الأبصار: مؤمن وهو الشيخ الشبلنجي، الطبعة الأُولى بمصر.
٣٢٣- النور السافر في أعيان القرن العاشر: عبد القادر العيدروس.
٣٢٤- نهر الذهب في تاريخ حلب: كامل بن حسين بن مصطفى پالي الحلبي الغزي، المطبعة المارونيّة بحلب.
٣٢٥- نهاية الإرب: أحمد بن عبد الوهّاب النويري، طبع دار الكتب المصريّة بالقاهرة.
٣٢٦- نهاية الإرب: أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي المتوفى ٨٢١ هـ.
٣٢٧- النهاية في غريب الحديث والأثر: مجد الدين بن محمّد الجزري المتوفى ٦٠٦ هـ، الطبعة الأُولى بمصر.
٣٢٨- نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار: محمّد بن علي بن محمّد اليماني الشوكاني المتوفى ١٢٥٥ هـ.
٣٢٩- نيل المآرب: الشيباني الحنبلي.
٣٣٠- الهداية: المير غيناني.
٣٣١- هدية الأحباب: عبّاس القمّي، المطبعة الحيدريّة.
٣٣٢- الوجيز: أبو حامد بن محمّد الغزالي المتوفى ٥٠٥ هـ.
٣٣٣- وسائل الشيعة: محمّد بن الحسن الحرّ العاملي المتوفى ١١٠٤ هـ، طبع طهران ١٣٢٧ هـ.
٣٣٤- وفاء الوفا: جمال الدين عبد الله بن شهاب الدين السمهودي المتوفى ١٠٥٦ هـ، طبع القاهرة.
٣٣٥- الوافي بالوفيات: صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفى ٧٦٤ هـ.
٣٣٦- وفيات الأعيان: شمس الدين أبو العبّاس أحمد ابن خلّكان المتوفى ٦٨١ هـ.
فهرس مواضيع الكتاب
١ - تمهيد. ٥
٢ - نسبه ٨
٣ - ولادته ونشأته ٨
٤ - مشايخه ٩
٥ - مكانته العلمية ١١
٦ - اسلوبه ١٢
٧ - أول مؤلّفاته ١٣
٨ - كتاب مقتل الحسين. ١٤
٩ - آثاره ١٦
١٠ - ولاؤه لأهل البيت عليهالسلام.... ١٨
١١ - نظمه ١٩
خاتمة حياته ١٩
نهضة الحسين عليهالسلام.... ٢٧
آراء في لعن يزيد. ٢٩
الأنبياء مع الحسين. ٤٢
الإقدام على القتل. ٤٤
آية التهلكة ٥٤
علم الحسين بالشهادة ٦٣
الحسين فاتح. ٦٦
الحسين مع أصحابه ٧٣
الحسين يوم الطفّ.. ٨٣
الرخصة بالمفارقة ٨٦
بقاء الشريعة بالحسين. ٩٤
البكاء على الحسين. ٩٧
التباكي. ٩٩
السّجود على التربة ١٠٣
تشريع الزيارة ١٠٤
إيثارهم عليهمالسلام.... ١٠٨
قول الشعر فيهم. ١١١
مشكلة الخروج بالعيال. ١١٥
نهضات العلويِّين. ١١٨
حديث كربلاء ١٢٣
هلَّ المحرم ١٢٥
شهر المحرّم ١٢٥
يزيد بعد معاوية ١٢٦
جماعة يتخوّفون على الحسين. ١٣٤
١- رأي عمر الأطرف.. ١٣٤
٢- رأي ابن الحنفية ١٣٤
٣- رأي اُمّ سلمة ١٣٦
٤- رأي عبد الله بن عمر ١٣٨
وصيّته عليهالسلام إلى أخيه ابن الحنفيّة ١٣٩
الخروج من المدينة ١٤٠
نزوله في مكّة ١٤١
كتب الكوفيّين. ١٤٤
جواب الحسين لأهل الكوفة ١٤٥
سفر مسلم للكوفة ١٤٦
دخول مسلم الكوفة ١٤٧
البيعة ١٤٧
موقف مسلم. ١٥١
موقف هاني. ١٥٤
نهضة مسلم. ١٥٥
حبس المختار ١٥٧
مسلم في بيت طوعة ١٥٨
مسلم وابن زياد ١٦٠
السّفر إلى العراق. ١٦٥
خطبته عليهالسلام في مكّة ١٦٦
محاولات لصرفه عن السّفر ١٦٦
توجيه لدواعي السّفر ١٦٨
التنعيم. ١٧٣
الصفاح. ١٧٤
ذات عرق. ١٧٤
الحاجر ١٧٥
بعض العيون. ١٧٦
الخزيمية ١٧٦
زرود ١٧٧
الثعلبية ١٧٩
الشقوق. ١٨٠
زُبالة ١٨٠
بطن العقبة ١٨١
شراف.. ١٨١
البيضة ١٨٤
الرُهَيمة ١٨٥
القادسيّة ١٨٥
العذيب.. ١٨٦
قصر بني مقاتل. ١٨٨
قرى الطف.. ١٩٠
كربلاء ١٩٣
ابن زياد مع الحسين. ١٩٦
خطبة ابن زياد ١٩٨
الحسين عند الكوفيين. ١٩٩
الجيوش في عرصة كربلاء ٢٠٠
المشرعة ٢٠١
اليوم السّابع. ٢٠٣
غرور ابن سعد. ٢٠٥
افتراء ابن سعد. ٢٠٦
طغيان الشمر ٢٠٧
الأمان. ٢٠٩
بنو أسد. ٢١٠
اليوم التاسع. ٢١٠
الضمائر الحرّة ٢١٢
ليلة عاشوراء ٢١٥
يوم عاشوراء ٢٢١
يوم عاشوراء ٢٢٢
الحسين عليهالسلام يوم عاشوراء (مصرع الإمام) ٢٢٥
دعاء الحسين. ٢٢٦
الخطبة الاُولى. ٢٢٧
كرامة وهداية ٢٣٠
خطبة زهير بن القين. ٢٣١
خطبة بُرير ٢٣٢
خطبة الحسين الثانية ٢٣٣
ضلال ابن سعد. ٢٣٥
توبة الحرّ ٢٣٦
نصيحة الحر لأهل الكوفة ٢٣٧
الحملة الاُولى. ٢٣٧
مبارزة الاثنين والاربعة ٢٣٩
استغاثة و هداية ٢٣٩
ثبات الميمنة ٢٤٠
مسلم بن عوسجة ٢٤١
ثبات الميسرة ٢٤١
عزرة يستمدّ الرجال. ٢٤٢
أبو الشعثاء ٢٤٣
الزوال. ٢٤٣
حبيب بن مظاهر ٢٤٤
مصرع الحرّ الرياحي. ٢٤٤
الصلاة ٢٤٥
الخيل تعقر ٢٤٦
أبو ثمامة ٢٤٧
زهير وابن مضارب.. ٢٤٧
عمرو بن قرظة ٢٤٨
نافع بن هلال الجملي. ٢٤٨
واضح وأسلم. ٢٤٩
برير بن خضير. ٢٤٩
حنظلة الشبامي. ٢٥١
عابس بن شبيب.. ٢٥١
جون مولى أبي ذر ٢٥٢
أنس الكاهلي. ٢٥٢
عمرو بن جنادة ٢٥٣
الحَجّاج الجعفي. ٢٥٣
سوار ٢٥٤
سويد بن عمرو ٢٥٤
شهادة أهل البيت عليهمالسلام.... ٢٥٥
علي الأكبر. ٢٥٥
عبد الله بن مسلم. ٢٦٢
حملة آل أبي طالب.. ٢٦٢
القاسم بن الحسن وأخوه ٢٦٤
إخوة العبّاس بن أميرالمؤمنين عليهماالسلام..... ٢٦٦
شهادة العبّاس عليهالسلام.... ٢٦٧
سيّد الشهداء عليهالسلام في الميدان. ٢٧١
الرضيع. ٢٧٢
الوداع الثاني. ٢٧٦
محمّد بن أبي سعيد. ٢٨٠
عبد الله بن الحسن. ٢٨٠
الدعاء ٢٨٢
الجواد ٢٨٣
سلبه ٢٨٤
حوادث بعد الشهادة ٢٨٧
الليلة الحادية عشرة ٢٨٩
ثواب الليلة الحادية عشرة عند الحسين عليهالسلام.... ٢٩٧
السّلب.. ٢٩٩
الخيل. ٣٠٢
الرؤوس. ٣٠٣
السّفر من كربلاء ٣٠٥
في الكوفة ٣٠٩
خطبة أُم كلثوم زينب.. ٣١٠
خطبة فاطمة بنت الحسين عليهالسلام.... ٣١٣
خطبة اُمّ كلثوم (زينب عليهاالسلام) ٣١٦
خطبة السجّاد عليهالسلام.... ٣١٦
دفن الحسين. ٣١٨
في قصر الإمارة ٣٢٣
ابن عفيف الأزديّ. ٣٢٧
المختار الثقفيّ. ٣٢٩
كلام الرأس المقدّس. ٣٣١
طغيان الأشدق. ٣٣٤
اُمّ البنين. ٣٣٦
عبد الله بن جعفر ٣٤٠
عبد الله بن عباس. ٣٤٢
السّبايا إلى الشام ٣٤٤
في الشام ٣٤٧
يزيد مع السجاد عليهالسلام.... ٣٥١
الرأس الأطهر ٣٥٤
الشامي مع فاطمة ٣٥٦
خطبة زينب عليهاالسلام.... ٣٥٧
الخربة ٣٦٠
إلى المدينة ٣٦٠
الرأس مع الجسد. ٣٦٢
يوم الأربعين. ٣٦٤
الخلاصة في علائم المؤمن. ٣٧٠
في المدينة ٣٧٣
المراثي. ٣٧٨
فهرست مضامين الهامش
الموضوع
...............................................................الصفحة
رأي الدكتور أحمد أمين في الحكم الأموي....................................... ٢٧
رأي أبي بكر بن العربي في حرب يزيد للحسين.................................. ٢٨
أحاديث للنبي في أبي سفيان وابنه معاوية........................................ ٢٩
قصّة تزويج هند زوجة عبد الله بن عامر من يزيد................................. ٤٠
القائلون بمعرفة النبي الكتابة................................................... ٥٠
توبة بني إسرائيل............................................................. ٥٥
رشيد الهجري (ترجمته)....................................................... ٧١
سعد بن أبي وقّاص وآخرون لم يبايعوا أمير المؤمنين............................... ٧٥
مقتل عثمان وأثر معاوية في إشاعة ذلك إلى الإمام علي.......................... ٨٠
ثواب عقد المحافل لفاجعة الطفّ............................................... ٩٥
حزن الأئمّة على الحسين..................................................... ٩٦
تحمّل الأئمّة البلاء عن شيعتهم.............................................. ١٠٨
الزرقاء جدّه مروان من البغايا................................................. ١٣٠
توجيه لتعيير الحسينعليهالسلام
لمروان بابن الزرقاء................................... ١٣٠
مسألة وجود الأنبياء والأوصياء في قبورهم..................................... ١٣٢
معنى دعاء الحسينعليهالسلام
عند جدّه برفع البلاء عنه............................. ١٣٣
تأخّر ابن الحنفيّة عن نصرة أخيه الحسينعليهالسلام
................................. ١٣٥
تحقيق في نسبة بيت قيل في رثاء الحسينعليهالسلام
................................. ١٣٧
مغزى وصيّة الحسين لأخيه ابن الحنفيّة........................................ ١٣٩
المنذر بن الجارود أمير لعليّعليهالسلام
على اصطخر................................ ١٤١
الموضوع
الصفحة
استخدام معاوية سرجون (من نصارى الشام) في مصالح الدولة................... ١٤٨
تحقيق مولد ابن زياد........................................................ ١٤٩
تحقيق ترجمة شريك بن الأعور الحارثيّ الهمدانيّ................................. ١٥١
المؤمن لا يغدر ولا يفتك.................................................... ١٥٣
أريد حباءه ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد...................... ١٥٤
الأبناء ولد الفرس.......................................................... ١٥٥
وفاة الحارث بن الأعور...................................................... ١٥٧
الجرامقة................................................................... ١٥٩
يوم الفزر والصميل أخو ذي الجوشن الكلابيّ.................................. ١٦٠
لا يخونك الأمين، وقد يؤتمن الخائن........................................... ١٦٢
المسحوبون في الشوارع والأسواق............................................. ١٦٣
تحقيق يوم وفاة مسلم بن عقيلعليهماالسلام
........................................ ١٦٥
فرام المرأة.................................................................. ١٦٨
ميثم التمّار ورشيد الهجريّ في العلم اللدني وفضل ابن عبّاس..................... ١٦٩
الحسين يأخذ أموالاً لمعاوية وتوجيه ذلك...................................... ١٧٣
يحتاط فقهاء الإماميّة في الإحرام من ذات عرق................................. ١٧٤
بطن الرمة منزل لأهل البصرة................................................ ١٧٥
زهير بن القين بجليّ وليس جمليّاً.............................................. ١٧٧
مدينة بلنجر والوقعة فيها.................................................... ١٧٧
تحقيق مسألة طلاق زهير لزوجته............................................. ١٧٨
ذابح قيس بن مسهّر الصيداويّ صار قاضياً................................... ١٨٦
الطرمّاح بن عدي الطائيّ................................................... ١٨٦
عبيد الله بن الحرّ الجعفيّ ومسألة زوجته وخاتمة حياته............................ ١٨٨
ترجمة عون بن عبد الله بن جعفر............................................. ١٩٢
شفية وعقر............................................................... ١٩٢
الموضوع
الصفحة
مغزى سؤال الحسينعليهالسلام
عن أرض كربلاء.................................... ١٩٣
الحسين ابتاع أرض حرم الحائر............................................... ١٩٦
ترجمة شمر بن ذي الجوشن والبيان عن عقبه.................................... ٢٠٧
أمّ البنين من بني الوحيد..................................................... ٢٠٩
تحليل كلمة الحسين للعبّاس: اركب بنفسي أنت!............................... ٢١٠
بيانات المؤرّخين في عدد أصحاب الحسينعليهالسلام
................................ ٢٢٥
تحقيق قولة الحسين: ولا أفرّ فرار العبيد....................................... ٢٢٩
علي الأكبر وكنيته أبو الحسن................................................ ٢٥٥
لا بأس للصائم أن يمصّ الخاتم............................................... ٢٥٨
عرس القاسم لا صحّة له................................................... ٢٦٤
وليد للحسين ساعة المعركة.................................................. ٢٧٢
مسألة رمي الحسين عليه السلام الماء حين وروده الفرات......................... ٢٧٥
استنباط معنى عدم قتل العائلة وسلبها........................................ ٢٧٦
أُمّ سلمة أدركت يوم الطفّ................................................. ٢٩٠
أودع الحسين أُمّ سلمة ذخائر الإمامة......................................... ٢٩٠
استفادة معنى المبيت من حديث للصادقعليهالسلام
................................ ٢٩٧
مصادر ذكر مرض السجّاد عليه السلام...................................... ٣٠١
الحامل لرأس الحسينعليهالسلام
هو الشمر......................................... ٣٠٤
الزارة في عمّان مكان للنقي.................................................. ٣٠٦
سكينة بنت الحسين سنة ولادتها ووفاتها وعمرها................................ ٣٠٧
زينب العقيلة، ومراجع ذكرها (بالكبرى)...................................... ٣٠٨
معنى القصّة في خطبة زينب ومصادره......................................... ٣١١
معنى طلاع الأرض........................................................ ٣١٢
ترجمة فاطمة بنت الحسين................................................... ٣١٣
الإمام لا يلي أمره إلّا إمام.................................................. ٣١٩
الموضوع
الصفحة
ابن زياد ألكن............................................................. ٣٢٥
زيد بن أرقم كان من المنحرفين عن أميرالمؤمنينعليهالسلام
............................ ٣٣٢
مصادر رثاء الحسين بأبيات: ماذا تقولون ...؟................................ ٣٣٦
بيت الأحزان للزهراء فاطمةعليهاالسلام
............................................ ٣٣٨
مدّة البريد بين الكوفة والشام................................................ ٣٤٤
تحقيق في الأبيات التي تمثّل بها يزيد عند ورود السبايا............................ ٣٥٠
مصادر ثبوت ضرب (يزيد) لثنايا أبي عبد اللهعليهالسلام
............................. ٣٥٤
|