الفقه على المذاهب الخمسة
التجميع متون فقهية ورسائل عملية
الکاتب محمد جواد مغنية
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

محّمد جواد مغنية

الفِقهُ

عَلَى المـَذَاهِبِ الخَمسَةِ

الجَعفَري - الحَنَفي - المـَالِكِي - الشّافِعي - الحَنبَلي

الطبعة الأُولى

محقّقة ومزيدة ومنقّحة

مؤسسة الصادق للطباعة والنشر

طهران


الفقه على المذاهب الخمسة


محمّد جَواد مغنِيّة

الفِقه على المذاهِب الخمسَة

الجَعفَري - الحَنَفي - المـَالِكي - الشَافِعي - الحَنبَلي

الطبعة الخامسة



هذه الطبعة

ينقسم الفقه الإسلامي إلى أقسام، منها (العبادات)، وتشمل: باب الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والخُمْس والحج. والجزء الأوّل مِن كتاب (الفقه على المذاهب الخمسة) يحتوي على هذه الأبواب الستة، وكانت دار العلم للملايين قد نَشرتْه للمرة الأُولى، فحقّق رواجاً لَم يكن في الحسبان، فأعادت طبعه للمـَرّة الثانية والثالثة والرابعة، فنفدتْ نُسخ هذه الطبعات كالأُولى.

وأيضاً مِن أقسام الفقه الإسلامي (الأحوال الشخصية)، وتشمل: باب الزواج والطلاق والوصايا والمواريث والوقف والحِجر. والجزء الثاني مِن كتاب الفقه على المذاهب الخمسة يحتوي هذه الأبواب الستة، ونَشرتْه دار العِلم للملايين، ونَفدتْ النُّسخ بالكامل، وما زال هذا الكتاب بجزأيه يحتل منزلة الطبعة الأُولى في الإقبال والطلب.

وقد اقترح بعض السادة الأفاضل على الدار أن تُعيد طبع الجزأين في مجلّد واحد، على أن تُشير إلى الأوّل بقسم العبادات، والى الثاني بقسم الأحوال الشخصية، فاستجابت الدار لهذا الاقتراح؛ لأنَّ موضوع الجزأين واحد لمؤلّف واحد. وعسى أن يكون في هذا الجمع شيء مِن التسهيل على القارئ. وهو سبحانه وليُّ التوفيق.

المؤلّف



مقَدِّمَة

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الأكرمين.

جاء في الحديث الشريف:(إنَّ جبريل هبط على آدم، وقال له: إنَّ الله سبحانه أمرني أن أُخيّرك واحدة مِن ثلاث: العقل، والدِّين، والحياء. فقال آدم: لقد اخترتُ العقل، فقال الحياءُ والدينُ: إذن نحن معك يا آدم، فقد أمرنا الله أن نكون مع العقل حيث كان) .

ونستفيد مِن هذا الحديث الحقائق التالية:

١ - إنَّ كلّ ما يأباه العَقل فليس مِن الدين في شيء، وإنَّ مَن لا عقل له لا دِين له ولا حياء، وإن قام الليل وصام النهار. ومِن هنا قال أحد أئمة المسلمين: إنَّ المقياس السليم الذي نميّز به الحديث النبوي عن غيره، أن تكون له حقيقة واقعة، ويكون عليه نور جلي، فما لا حقيقة له لا نور عليه، فهو قول الشيطان.

٢ - ما دام الدين لا ينفك عن العقل بحال، فسدُّ باب الاجتهاد يكون سداً لباب الدين؛ لأنَّ الاجتهاد معناه انطلاق العقل، وإفساح المجال لاستنتاج الفروع


مِن أصولها، فإذا حجرنا على العقل حجرنا على الدين بحكم التلازم بينهما، وبكلمة: إذا قلنا بسدّ باب الاجتهاد يلزمنا واحد مِن أمرين لا ثالث لهما، ولا مناص مِن الالتزام بأحدهما، إمّا أن نسدّ باب الدين كما سددنا باب الاجتهاد، وإمّا أن نقول: إنَّ العقل لا يدعم الدين، ولا يقرّ حُكماً مِن أحكامه، وكلاهما بعيد عن منطق الشرع والواقع.

٣ - إنَّ (العالِم) الذي يتعصّب لمذهب - أيّ مذهب - هو أسوأ حالاً مِن الجاهل؛ ذلك لأنّه لَم يتعصّب، والحال هذه للدين والإسلام، وإنّما تعصّب للفرد، لصاحب المذهب بالذات ما دام العقل لا يحتّم متابعته بالخصوص، كما أنّ مخالفة المذهب ليست مخالفة لواقع الإسلام وحقيقته، بل لصاحب المذهب، وبالأصح للصورة الذهنية التي تَصوّرها عن الإسلام.

ومهما يكن، فكلّنا يعلم أنّه لَم يكن في الصدر الأوّل مذاهب وفِرق حين كان الإسلام صفواً مِن كلّ شائبة، وكان المسلمون في طليعة الأمم، ويعلم أيضاً عِلم اليقين أنّ هذه الفرق والمذاهب باعدتْ بين المسلمين، وأقامت بينهم حواجز وفواصل حالت دون قوّتهم وسيرهم في سبيل واحدة لغاية واحدة، وإنّ المستعمرين وأعداء الإسلام وجدوا في هذه التفرقة خير الفرص للاستغلال وإثارة الفتن. وما سيطر الغرب على الشرق، وبلغ النهاية في استغلاله واستذلاله إلاّ عن طريق الفُرقة وتفتيت القوى.

لهذا كلّه نشأ في عقول القادة المخلصين فكرة توحيد الكلمة وتماسك الجماعة الإسلامية، والعمل لها بشتّى الوسائل، ومِن هذه الوسائل: فتح باب الاجتهاد، والقضاء على طغيان التبعية لمذهب معيّن.

والمعروف بين المتفقّهين أنّ السبب الموجب لسدّ باب الاجتهاد أنّ فتْحه على مصراعيه أحدثَ اضطراباً وفوضى، حيث تطاول إليه الصغار مِن طلاّب العِلم، وادّعاه مَن ليس له بأهل، حتّى استامه كلّ مفلِس، أي أنّ (المصلحين) داووا المرض بالقضاء على المريض، لا باستئصال الداء!

هذا ما سطّره الأوّلون في كتبهم، وردّده المتأخّرون على ألسنتهم مِن دون


تحقيق وتمحيص، أمّا أنا فأميلُ إلى أنّ السبب الوحيد لسدّ باب الاجتهاد هو تخوّف الحاكم الظالم مِن حرّية الرأي والقول على نفسه وعرشه، فاحتال وتذرّع بحماية الدين - كما هي عادته -؛ لينكّل بكلّ حر يأبى التعاون مع دولته على الفسق والفجور.

ولا أدلّ على هذه الحقيقة مِن أنّ الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد لَم تبرز إلى الوجود إلاّ حين ضعُفتْ السيطرة الأجنبية والرجعية، وما زال تحقّقها رهناً بتحقق الحرية بأكمل معانيها.

وبَعد، فإنّ كلاًّ مِن التقليد والخضوع للطامعين رقُّ وعبودية، وقد عشنا معهما زمناً طويلاً، وآنَ لنا أن نعيش أحراراً في أفكارنا، كما نعيش أحراراً في بلادنا، وندَع التقليد لمذهب خاص وقول معيّن، ونختار مِن اجتهادات جميع المذاهب ما يتّفق مع تطوّر الحياة ويُسر الشريعة، وإذا لَم يكن التخيّر مِن المذاهب اجتهاداً مطلقاً فإنّه على كلّ حال ضرب مِن الاجتهاد.

على هذا الأساس - أساس التمهيد للتخيّر مِن جميع المذاهب - عزمتُ على وضع هذا الكتاب، ملخِّصاً فيه أقوال المذاهب الخمسة: (الجعفري والحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي) مِن مصادرها. وكما أنّ في أقوال المذاهب ما يتفق مع الحياة ويحقّق العدالة، فإنّ فيها ما يجب ستره والإعراض عنه؛ لذا أعرضتُ عن هذه ضناً بكرامة الفقه والفقهاء، ونشرتُ تلك محاولاً ما استطعت أن أسهّلَ فهمها على الطالب، وأعرضها عرضاً موجزاً واضحاً. وقد لاقيت في هذه السبيل ما يلاقيه كلّ مَن يبغي الترجمة والنقل مِن لغة أجنبية إلى لغته، فإنّ الفَرق بين أسلوب التأليف القديم والتأليف الجديد كالفرق بين اللغة العربية واللغة الأجنبية.

مررت بالمكتبات كعادتي في كلّ يوم أبحث عن جديد أخرجتْه المطابع، فرأيت فيها طالباً مِن أفراد البعثة التونسية - الذين يتخصصون في الجامعة اللبنانية - ينظر الكتب ويقلّبها، وحين رأى في يدي كتاب (علي والقرآن) استأذن بالنظر إليه، ولما قرأ الإعلان على الغلاف عن هذا الكتاب (الفقه على المذاهب الخمسة) استبشر، وقال: نحن في أشدّ الحاجة إلى مثله.


قلت له: وما السبب؟ قال: نحن في المغرب نتبع مذهب الإمام مالك، وهو يشتد في مسائل يتسامح فيها غيره مِن الأئمة، ونحن الشباب مهما تكن ثقافتنا واتجاهاتنا، ومهما تنوعت فينا الظنون ورُمينا بالاتهامات، فلا نرغب أبداً في مخالفة الإسلام والخروج عن أوامره، ولكنّنا في نفس الوقت لا نريد أن يكون علينا عسر وحرجٌ في تطبيق أحكامه والالتزام بها؛ لذلك إذا ابتُلينا بمشكلة يتشدد فيها مالك، أحببنا في أن نعرف رأي غيره فيها لعلّنا نجد فرَجاً ومخرجاً، فنُقدم ونحن واثقون مِن أنّنا لَم نرتكب محرّماً، غير أنّنا لا نجد السبيل إلى معرفة فقه المذاهب الأخرى؛ لأنّ شيوخنا يجهلون أو يتجاهلون كلّ ما يخالف الإمام مالكاً، وإذا رجعنا إلى الكتب القديمة حال بيننا وبين فهمها: التعقيد والغموض والتطويل الذي لا نهتدي معه إلى شيء، وسنجد في كتابك ما يبتغيه كلّ شاب مِن التيسير والتسهيل.

وقد اغتبطتُ بقوله، وشجّعني على المضي في إخراج بقية الأجزاء، وجعلني غير آسف ولا نادم على العدول عن عزمي الأوّل، حيث أردتُ في بدء الأمر أن أذكر مع كلّ قول مِن أقوال المذهب دليله الذي استند إليه صاحبه، مِن: آية أو رواية أو إجماع أو عقل أو قول صحابي، ولكن أُشيرَ عليّ أن اقتصر على ذكر الأقوال فقط؛ لأنّ ذلك أيسر وأسهل على إفهام الناس، وأدعى لرواج الكتاب، فإنّ الأدلة لا يفهمها إلاّ أصحاب المعرفة. وكأنّ هذا القول قد نبهني إلى حقيقة تكمن في نفسي؛ لأنّ الكثير ممن درسوا الفقه يهتمون بالفتوى أكثر مما يهتمون بدليلها ومصدرها، فكيف بغيرهم؟! فعدلتُ عن عزمي، واكتفيت بتلخيص أقوال المذاهب الخمسة وعرضها تاركاً التدليل والتعليق عليها إلا ما ندر؛ ليكون الكتاب للناس كافة لا لفئة معيّنة، وللعامة لا للخاصة.

ومع ذلك فقد وجدّتُ صعوبة في النقل لا يعرفها إلاّ مَن مارسها وكابدها، صعوبة لَم أعهدها في شيء مما كتبتُ مِن الموضوعات. سمعت مَن يقول: إنّ كتابة الفقه على المذاهب سهلة جداً؛ لأنّها نقل وكفى. وهذا أشبه بقول القائل: ليست الحرب إلاّ أن نحمل السلاح، ونبرز إلى المعركة، ولا شيء وراء ذلك!


إنّ الفقه بحر لا يُدرك مداه، فمسألة واحدة يتفرع عنها فروع شتى كثيراً ما تتعدد وتتضارب في فروع، منها أقوال المذاهب، بل أقوال فقهاء المذهب الواحد، بل أقوال العالِم الواحد. إنّ مَن يحاول الإحاطة في أيّة مسألة خلافية يجد أشد المشقة والجهد، فكيف بكتابة الفقه جميعاً - عباداته ومعاملاته - على جميع المذاهب؟!

ومِن أجل هذا عندما أراد الأزهر وضع كتاب الفقه على المذاهب الأربعة سنة ١٩٢٢، اختار لجنة مِن كبار علماء المذاهب لهذه الغاية، يكتب كلّ على مذهبه، وقد سارت اللجنة في عملها سنوات، حتى استطاعت أن تجمع الأحكام مِن غير أدلتها على الشكل الذي نراه في هذا الكتاب، ومع اعترافي بأنّه قد وفّر عليّ جهوداً عديدة فقد أتعبني في كثير مِن المسائل، واضطرني إلى البحث والتنقيب في المطوّلات والمختصرات أمداً غير قصير. هذا، وقد قضيتُ مع الفقه وأصوله أكثر مِن ٣٣ سنة درساً وتدريساً وتأليفاً، فكيف بمن لا يعرف منه إلاّ الاسم؟!

ثُمّ إنّ كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ذكر قول كلّ مذهب على حدة، كما جاء في كتب فقهائه ما عدا ما اتفق عليه الأربعة، أمّا هذا الكتاب فإنّه يجمع الاتفاق بين مذهبين أو أكثر في جملة واحدة، رغبة في الاختصار والتسهيل.

وما وجدتُ مشقة في شيء كما وجدتُها في تناقض النقل، وتعدّد الروايات عن الإمام الواحد في المسألة الواحدة، فهذا الكتاب ينقل عن التحريم، والثاني ينقل الجواز، والثالث الكراهة. ولما كان مِن قصدي التسهيل على القرّاء، فقد تجنبتُ ما أمكن نقل الروايات المتعددة مكتفياً برواية الأسبق مِن المؤلّفين، وبخاصة إذا كان الناقل يتبع مذهب الإمام الذي ينقل عنه. وقد أنقلُ اتفاق أئمة السنّة الأربعة في مسألة اتفقَ عليها ثلاثة منهم، وجاءت عن الرابع روايتان: إحداهما تتفق مع الثلاثة، والأخرى تخالفهم، فأختار الرواية الموافقة تضييقاً


لشقة الخلاف ودائرته(١) . أمّا إذا كانت الرواية بقول واحد فأذكر الخلاف صراحة، وكثيراً ما عبّرتُ عن مذاهب السنّة الأربعة الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة بلفظ (الأربعة) فقط.

أمّا فيما يعود إلى الفقه الجعفري الذي يعمل به الإمامية(٢) ، فنقلتُ منه ما أجمعوا عليه، واخترتُ المشهور مما اختلفوا فيه.

وختاماً أسجّل ما جاء في المقدّمة مِن كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) الذي اشترك في وضعه سبعة مِن كبار علماء الأزهر: (وليس عيباً أن يؤخذ على هذا الكتاب مأخذ؛ لأنّ الكمال لله وحده، إنّما العيب على مَن أبصر خطأً ولَم يرشد إلى صوابه، وعلى مَن أرشد إلى الصواب ولَم يتدارك خطأه).

نسأل الله تعالى أن يرشدنا إلى الحق، وان ينفع بهذه الصفحات مَن يبتغي النفع، وله الحمد أوّلاً وآخراً.

محمد جواد مغنية

بيروت - ١/ ١٠ / ١٩٦٠

____________________

(١) وإليك المثال: قال الإمامية والشافعية والحنفية والمالكية: تجوز الزكاة للإخوة والعمومة، وروي عن الإمام ابن حنبل روايتان، إحداهما بالجواز والثانية بالمنع، فنقلت الاتفاق.

(٢) لفظ الإمامية: علَمٌ على مَن دان بوجوب الإمامية، وثبوت النص عن الرسول بالخلافة على الإمام علي بن أبي طالب. ويُطلق على فقه الامامية: الفقه الجعفري؛ لأنّ تلامذة الإمام جعفر الصادق كتبوا عنه ٤٠٠ مصنَّف لـ ٤٠٠ مصنِّف، سُمّيت بالأصول الأربعمائة، ثُمّ جُمعتْ في أربعة كتب، وهي: الكافي، ومَن لا يحضره الفقيه، والاستبصار، والتهذيب. وهذه الكتب مِن أهم المراجع لمعرفة أحاديث الأحكام عند الامامية.


القِسمُ الأوّل

العِبَادَات



الطهارة

اهتمّ المسلمون كثيراً بالطهارة، ووضعوا فيها المؤلّفات الطوال، ومرّنوا عليها الأطفال، ودرسوها في معابدهم ومعاهدهم، واعتبرها أئمة الفقه شرطاً أساسياً لصحة العبادة، ولست أغالي إذا قلتُ: لَم يهتم دين مِن الأديان بالطهارة، كما اهتمّ بها الإسلام.

وهي في اللغة: النظافة. وفي اصطلاح الفقهاء: رفع حدثٍ أو إزالة خَبثٍ، هو النجاسة المادية، كالدم والبول والعذرة. والحدث: أمر معنوي يحدث للإنسان حين يصدر منه ما يمنعه مِن الدخول في الصلاة، ويوجب الوضوء أو الغُسل أو التيمم. والطهارة مِن الحدث لا تتم إلا بنية التقرب وطاعة الأمر بها، أمّا طهارة اليد والثوب والإناء مِن النجاسة فتتم مِن غير نية، بل لو حمل الهواء الثوب المتنجس، وسقط في الماء الكثير يطهر تلقائياً.

وتتحقق الطهارة مِن الحدث والخبث بالماء؛ لقوله تعالى:( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) (الأنفال / ١١)، وقوله سبحانه:( وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً ) (الفرقان / ٤٨). والطهور: هو الطاهر بنفسه المطهِّر لغيره. ولما كان مِن الماء القليل والكثير، ومنه المعتصر مِن الأجسام والممتزج بغيره، والباقي على أصل الخلقة، قسّمه الفقهاء إلى قسمين: مطلق ومضاف.


الماء المطلق

١ - الماء المطلق: هو الباقي على طبيعته، كما نزل مِن السماء ونبع مِن الأرض، بحيث يصح أن يتناوله اسم الماء مجرّداً عن كلّ وصف يخرجه عن أصل الخلقة، ويشمل ماء المطر والبحر والنهر والبئر، وكلّ ما نبع مِن الأرض، وما أُذيب مِن البرَد والثلج.

ويبقى الماء على إطلاقه إذا تغير مما يعسر التحفظ منه - غالباً - كالمتغير بالطين والتراب، وطول المكث، أو بما يتساقط عليه مِن ورقِ الشجر، أو يتجمع فيه مِن التبن ونحوه، أو بما يكون في مقرّ الماء أو ممره مِن الملح والكبريت وما إلى ذلك مِن المعادن. والماء المطلق طاهر ومطهِّر للحدث والخَبث اتفاقاً وقولاً واحداً، أمّا ما روي عن عبد الله بن عمر: مِن أنّ التيمم أحب إليه مِن ماء البحر، فيرده قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن لَم يُطهِّره البحر، فلا طهره الله).

الماء المستعمل

إذا أُزيلتْ النجاسة عن البدن أو الثوب أو الإناء بماء مطلق، وانفصل الماء عن المحل المغسول بنفسه أو بعصر، سُمي هذا الماء المنفصل بالغُسالة - عند الفقهاء - أو المستعمل، وهو نجسٌ؛ لأنّه ماء قليل لاقى النجاسة فينجس، سواء أتغير أم لا يتغير؛ وعليه فلا يرفع خَبثاً ولا حدثاً.

وقال جماعة مِن فقهاء المذاهب: إذا انفصل هذا الماء عن المحل المغسول متغيراً بالنجاسة فهو نجس، وإلاّ كان حكمه حكم المحل الذي انفصل عنه، إنْ طاهراً فطاهر، وان نجساً فنجس، وهذا لا يصح إلاّ إذا لاحظنا المحل قَبل ورود الماء عليه، وإلاّ فقد يطهر المحل المتنجس الذي صُب عليه الماء، ويكون الماء المنفصل عنه نجساً لملاقاته للنجاسة.

وإذا استُعمل الماء لرفع الحدث فهو طاهر غير مطهِّر، على المشهور مِن


مذهب أبي حنيفة، والظاهر مِن قول الشافعي وأحمد. وطاهر مطهِّر عند مالك في إحدى الروايتين عنه (المغني لابن قدامة ج١ ص ١٩). وقال الإمامية: الماء المستعمل في الوضوء والأغسال المندوبة - كغسل التوبة والجمعة - طاهر ومطهِّر للحدث والخَبث، أي يجوز أن نغتسل به ونتوضأ ونُزيل النجاسة، أمّا الماء المستعمل في الأغسال الواجبة - كالغسل مِن الجنابة والحيض - فقد اتفق علماؤهم على أنّه يزيل النجس، واختلفوا في رفعه للحدث وجواز الوضوء به والغسل ثانية، فبعضهم أجاز، وبعضهم منَع.

(فرع)

إذا انغمس الجنب في الماء القليل بَعد أن طهر موضوع النجاسة، ونوى رفع الحدث، قال الحنابلة: صار الماء مستعملاً، ولَم ترتفع الجنابة، بل يجب أن يغتسل ثانية. وقال الشافعية والإمامية والحنفية: يصبح الماء مستعملاً، ولكن ترتفع الجنابة، ولا تجب إعادة الغسل. (المغني لابن قدامة ج١ ص٢٢ الطبعة الثالثة، وابن عابدين ج١ ص ١٤٠ الطبعة الميمنية).

وقد كان ناس القرون الوسطى بحاجة إلى هذا الفرع وأمثاله مِن الفروع المدونة في مطولات الفقه، حيث كان الماء أغلى وأثمن مِن الزيت اليوم. أمّا الآن وبَعد أن أجرى العلم الماء مِن أعماق الأرض إلى كلّ بيت في أعالي الجبال، فنعرض مثل هذا الفرع كما تُعرض الآثار التاريخية في المتاحف.

الماء المضاف

٢ - الماء المضاف: هو ماء اعتصر مِن الأجسام، كعصير الليمون والعنب، أو ما كان مطلقاً في الأصل ثُمّ أضيف إليه ما يخرجه عن طبيعته، مثل ماء الزهر و(الكازوز). وهو طاهر، ولكنّه لا يطهِّر النجاسة الخبيثة باتفاق المذاهب إلاّ الحنفية، وقد أجازوا إزالة النجاسة بكلّ مائع غير الأدهان، إلاّ المتغير عن طبخ، ووافقهم السيد مرتضى مِن الإمامية.

واتفقَت المذاهب أيضاً على أنّه لا يجوز الوضوء ولا الغسل بالماء المضاف،


ما عدا الحنفية، فقد جاء في كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد (٣٢) طبعة ١٣٥٤ﻫ، وكتاب مجمع الأنهر ص ٣٧ طبعة استانبول: (قال أبو حنيفة بجواز الوضوء بنبيذ التمر في السفر). وجاء في ج١ ص ١٢ مِن كتاب المغني لابن قدامة: (مذهب أبي حنيفة جواز الوضوء بالمضاف). وقال الشيخ الصدوق مِن الإمامية: (يصح الوضوء والغسل مِن الجنابة بماء الورد).

واستدل الحنفية على جواز الوضوء بالمضاف بالآية الكريمة:( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) (المائدة / ٦). قالوا: إنّ معنى الآية إذا لّم تجدوا ماء مطلقاً ولا مضافاً؛ وعليه إذا وجِد الماء المضاف لا يجوز التيمم. وبهذه الآية ذاتها استدل أئمة المذاهب الأخرى على المنع، حيث قالوا: إنّ لفظ الماء في الآية ينصرف إلى الماء المطلق دون المضاف؛ وعليه يكون معنى الآية: إذا لَم تجدوا ماء مطلقاً فتيمموا، وحينئذٍ يكون وجود المضاف وعدمه سواء. وهذا هو الحق؛ لأنّك إذا طلبتَ ماء مِن صاحب مقهى أو غيره لا يأتيك بالعصير أو الكازوز، ومِن المعلوم أنّ موضوعات الأحكام الشرعية مُنزّلة على أفهام العرف.

واختلاف أئمة الفقه في تفسير لفظ الماء في الآية، يدلنا على أنّه كاختلاف الأدباء في معنى بيت مِن الشعر، وعلماء اللغة في تفسير كلمة لغوية. إنّه اختلاف في الفهم والاجتهاد، لا في الأصول والمصادر.

الكُر والقلتان

اتفق الجميع على أنّ الماء إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه؛ بسبب ملاقاة النجاسة، يصبح نجساً، قليلاً كان أو كثيراً، نابعاً أو غير نابع، مطلقاً أو مضافاً. وإذا تغير بمرور الرائحة مِن غير ملاقاة النجاسة - كما لو كان إلى جانبه ميتة فحمل الهواء رائحتها إلى الماء - يبقى على الطهارة.


أمّا إذا اختلطت النجاسة بالماء، ولَم تغير وصفاً مِن أوصافه، فقال مالك في إحدى الروايات عنه: هو طاهر، قليلاً كان أو كثيراً. وقال أهل المذاهب الأخرى: إنّ كان قليلاً فنجس، وان كان كثيراً فطاهر.

ولكنّهم اختلفوا في حدّ الكثرة، فقال الشافعية والحنابلة(١) : الكثير ما بلغ قلّتين؛ لحديث (إذا بلغ الماء قلّتين لَم يحمل الخَبث). والقلّتان ٥٠٠ رطل عراقي، وقدّرهما بعض شيوخ الأزهر باثنتي عشرة تنكة. وقال الإمامية: الكثير ما بلغ كراً؛ للحديث (إذا بلغ الماء قدر كرّ لَم ينجّسه شيء)، والكرّ ١٢٠٠ رطل عراقي، ويعادل حوالي ٢٧ تنكة. وقال الحنفية: الكثير أن يبلغ مِن الكثرة بحيث إذا حُرك احد جانبي الماء لَم يتحرك الجانب الآخر(٢) .

وممّا قدّمنا يتبين أنّ المالكية لَم يعتبروا القلّتين ولا الكر، وأنّه ليس للماء قدر معيّن عندهم، فالقليل والكثير سواء في أنّه متى تغير أحد الأوصاف تنجّس وإلاّ فلا. ووافقهم مِن الإمامية ابن أبي عقيل؛ عملاً بعموم حديث (الماء طهور لا ينجّسه شيء، إلاّ ما غلب ريحه أو طعمه أو لونه). ولكنّ هذا الحديث عام، وحديث القلّتين أو الكرّ خاص، والخاص مقدّم على العام.

والحنفية أيضاً لَم يعتبروا القلّتين ولا الكر، وإنّما اعتبروا الحركة. ولَم أجد لهذه (الحركة) عيناً ولا أثراً في الكتاب والسنّة.

(فرع)

قال الشافعية والإمامية: غير الماء مِن المائعات كالخل والزيت تنجُس بمجرد ملاقاتها للنجاسة، قلَّت أو كثرت، تغيرت أم لَم تتغير. وهذا ما تقتضيه أصول الشرع؛ لأنّ المفهوم مِن قول النبي (صلّى الله عليه وسلّم) -: (إذا بلغ الماء

____________________

(١) قال الحنابلة: لا ينجس الكثير بالملاقاة إذا لَم تكن النجاسة بولاً أو عذرة، فإذا تنجّس بأحدهما ينجس، تغير أو لَم يتغير، إلاّ أن يكن مثل المصانع التي بطريق مكة (المغني لابن قدامة، الجزء الأوّل).

(٢) وهناك أقوال في حد الكثرة غير هذه، ولكنّها متروكة، منها: إنّ الكثير أربعون قلّة، ومنها دلوان، ومنها أربعون دلواً.


قلّتين لَم ينجّسه شيء) - هو الماء المطلق. وقال الحنفية: إنّ حكم المائعات كالماء المطلق في القلة والكثرة، ينجس القليل منها بالملاقاة دون الكثير، فقد جاء في حاشية ابن عابدين ج١ ص ١٣٠ الطبعة الميمنية: (حكم المائعات كالماء - في الأصح - حتى لو وقع بول في عصير كثير لَم يفسد، ولو سال دم رجله مع العصير لا ينجس).

الجاري والراكد

اختلفت المذاهب في الماء الجاري، فقال الحنفية: كلّ ما جرى قلَّ أو كثر، اتصل بمادة أو لَم يتصل، لا يتنجس بمجرد الملاقاة، بل لو كان في إناء ماء نجس وفي آخر طاهر، وصبّا مِن مكان عال فاختلطا في الهواء ثُمّ نزلا، طهُر كلّه، وكذا لو أُجريا في الأرض (ابن عابدين ج١ ص ١٣١) فالمعول على الجريان، ومتى حصل بأيّ نحو أُعطي حكم الماء الكثير، وإن لَم يجرِ فهو كالقليل، وإن كان نابعاً، ومِن هنا حكموا بأنّ ماء المطر لو أصاب أرضاً نجسة، ولَم يجر عليها تبقى على النجاسة.

إذاً للماء الذي لا ينجس بالملاقاة فردان عند الحنفية، الأوّل: الراكد الذي إذا حرك أحد جانبيه لَم يتحرك الجانب الآخر، والثاني: الجاري بأيّ نحو. أمّا الماء القليل الذي لا ينجس بالملاقاة فهو الراكد الذي لو حرك جانب منه تحرك الجانب الآخر.

أمّا الشافعية فلا فرق عندهم بين الجاري والراكد، ولا بين النابع وغيره، وإنّما الاعتبار بالقلة والكثرة، فالكثير الذي بلغ القلّتين لا يتنجس بالملاقاة، وما كان دون القلّتين يتنجس جارياً كان أو راكداً، نابعاً أو غير نابع؛ أخذاً بإطلاق حديث (إذا بلغ الماء قلّتين لَم يحمل خَبثاً).

وقالوا: إذا كان الماء جارياً وفيه نجاسة، يُنظر، فإن بلغَت الجِرية التي تحمل النجاسة قلّتين دون أن تتغير، فالماء كلّه طاهر، وإن كانت الجرية دون


القلّتين فالجرية نجسة، أمّا ما فوقها وما تحتها مِن الماء فهو طاهر.

وفسروا الجرية - بكسر الجيم - بالدفعة التي بين حافتي النهر في العرض. فالفرق بين الجاري والراكد عند الشافعية: أنّ الراكد يحسب بمجموعه ماء واحداً، أمّا الجاري وإن اتصلتْ أجزاؤه فيقسّم إلى دفعات، ويعطى لكلّ دفعة حكم مستقل عن سائر الدفعات، فإنّ كثرت لَم تنجس بالملاقاة وان قلّت تنجستْ.

وعليه إذا كانت يدك نجسة، وطهرتها بدفعة مِن دفعات الماء الجاري، ولَم تبلغ الدفعة قلّتين، فلا يجوز لك أن تشرب أو تتوضأ منها؛ لأنّها نجسة، وعليك أن تنتظر الدفعة الثانية، أو تنتقل إلى فوق أو تحت.

ويلاحظ أنّ الفرق بعيد جداً بين رأي الشافعية والحنفية في الماء الجاري، فالحنفية يرون أنّ الجريان - ولو يسيراً - سبب للتطهير، كما يدل عليه تمثيلهم بإنائي ماء، أحدهما طاهر والآخر نجس، فالماء يصير طاهراً لو مُزدج الماءان بالجريان. أمّا الشافعية فلا يعتبرون الجريان، ولو كان نهراً كبيراً، ويلاحظون كلّ جرية مستقلة عن أختها، على الرغم مِن اتصال أجزاء الماء بعضها ببعض.

وقال الحنابلة: الماء الراكد ينجس بمجرد الملاقاة إذا كان دون القلّتين، نابعاً كان أو غير نابع، أمّا الجاري فلا ينجس إلا بالتغيير، أي إنّ حكمه حكم الكثير، وإن لَم يكن نابعاً. وهذا القول قريب مِن قول الحنفية.

أما المالكية: فقد قدّمنا أنّ القليل لا ينجس عندهم بالملاقاة، ولّم يفرّقوا بين الراكد والجاري. وبكلمة: إنّهم - كما يظهر - لا يعتبرون القلة والكثرة، ولا الجريان والركود، ولا المادة وغيرها، وإنّما المعول على التغير بالنجاسة، فإن غيّرته النجاسة تنجس، وإلاّ بقي على الطهارة، نابعاً كان أو غير نابع، قليلاً أو كثيراً.

وقال الإمامية: لا تأثير للجريان بحال، وإنّما الاعتبار بالمادة النابعة أو الكثرة، فإن اتصل الماء بالنبع - ولو رشحاً - أعطي حكم الكثير، أي لا ينجس بالملاقاة، وإن يكن قليلاً وواقفاً؛ لأنّ في النبع قوة عاصمة ومادة


غزيرة. وإذا لم يتصل بالنبع، فإذا كان كراً لم ينجسه شيء، إلاّ إذا تغير أحد أوصافه، وإذا لم يبلغ الكر ينجس بالملاقاة، راكداً كان أو جارياً، إلاّ إذا جرى إلى الأسفل فلا ينجس الأعلى، والحال هذه بملاقاة الأدنى.

وبالتالي، فإنّ الجريان وعدمه عند الامامية سواء، ويلاحظ أنّهم تفردوا عن سائر المذاهب باعتبار المادة النابعة، حيث أعطوا الماء المتصل بها حكم الكثير، وإن تراءى للعين قليلاً. ما عدا العلاّمة الحلّي فإنّه لم يُقِمْ أيّ وزن للنابع، وحكم بنجاسته بمجرد الملاقاة إذا لم يبلغ كراً. وماء المطر حال نزوله من السماء عند الامامية كالنابع والكثير لا ينجس بالملاقاة، ويطهّر الأرض والثوب والإناء وجميع الأجسام بمجرد وقوعه عليها بعد زوال عين النجاسة.

تطهير الماء النجس

١ - إذا كان الماء قليلاً وتنجس بالملاقاة، ولم يتغير أحد أوصافه بالنجاسة، قال الشافعية: إذا تم الماء النجس بما يبلغ المجموع قلّتين يصبح طاهراً مطهِّراً، فلو كان لدى إنسان إناءان أو إناءات عديدة، وفي كلّ إناء ماء نجس، ثمّ جُمعت هذه المياه النجسة في مكان واحد، وبلغ المجموع قلّتين، يكون والحال هذه طاهراً ومطهِّراً. (شرح المهذب ج١ ص ١٣٦).

وقال الحنابلة وأكثر فقهاء الإمامية: لا يطهر الماء القليل بإتمامه كراً أو قلّتين، سواء أكان المتمم نجساً أم طاهراً؛ لأنّ انضمام نجس إلى مثله لا يجعل المجموع طاهراً، وكذا القليل الطاهر ينجس بملاقاته للماء النجس؛ وعليه ينبغي إذا أريد تطهيره أن يتصل بالكر، أو بماء نابع عند الامامية، وبالقلّتين عند الحنابلة.

٢ - إذا تغير الماء الكثير بالنجاسة يطهر بمجرد زوال التغير، ولا يحتاج إلى شيء آخر عند الشافعية والحنابلة. وقال الامامية: إذا لم يكن للكثير مادة نابعة لا يطهر بزوال التغير، بل لا بدّ مِن إلقاء كر طاهر عليه بَعد ذهاب التغير،


أو يتصل بالنابع أو بنزول المطر. وإذا كان الماء نابعاً يطهر بمجرد زوال التغير، وإن كان قليلاً.

وقال المالكية: يطهر الماء المتنجس بصب الماء المطلق عليه حتى تذهب أوصاف النجاسة.

وقال الحنفية: إنّ الماء النجس يطهر بالجريان، فإذا كان في طست ماء نجس وصُب عليه ماء حتى يسيل مِن جوانبه يصبح طاهراً، وكذا لو كان الماء النجس في حوض أو حفرة، ثُمّ حفرت حفرة ثانية، وكان بين الحفرتين مسافة وإن قلَّت، وأجريت الماء النجس في قناة بين الحفرتين، واجتمع في الحفرة طَهُر، فإذا تنجس هذا الماء مرة ثانية بَعد استقراره في الحفرة الجديدة، وحفرت ثالثة معيداً العملية الأُولى طهر الماء، وهكذا إلى ما لا نهايةٍ.

فالماء الذي كنت ممنوعاً منه حال ركوده يجوز لك التوضؤ منه إذا أجريته بأيّة واسطة، حتى ولو كان فيه جيفة أو بال رجال في أسفله، ولَم ير أثره في الجرية، هذا مع العلم بأنّ الماء لَم يتصل بالنبع. (ابن عابدين ج١ ص ١٣١).


النجاسات

الكلب:

نجس إلاّ عند مالك، ولكنّه قال: يغسل الإناء مِن ولوغه سبعاً، لا للنجاسة بل تعبداً ٍ. وقال الشافعية والحنابلة: يغسل الإناء مِن ولوغ الكلب سبع مرات إحداهنّ بالتراب. وقال الإمامية: غسل الإناء مِن ولوغ الكلب مرة بالتراب، ثُمّ بعدها مرتين بالماء.

الخنزير:

وهو كالكلب عند المذاهب إلاّ الامامية، فقد أوجبوا غسل الإناء منه سبع مرات بالماء فقط. وكذا لموت الجرذ، وهو الكبير من الفأرة البرية دون البحرية.

الميتة:

اتفق الجميع على نجاسة ميتة الحيوان البري - غير الآدمي - إذا كان له دم يسيل عند خروجه، أمّا ميتة الإنسان، فقال المالكية والشافعية والحنابلة بطهارتها، وقال الحنفية بنجاستها ولكن تطهر بالغسل، وكذا قال الامامية ولكن قيدوها بميتة المسلم، واتفق الجميع على طهارة فأرة المِسك المنفصلة مِن الغزال.

الدم:

اتفقت المذاهب الأربعة على نجاسة الدم إلاّ دم الشهيد ما دام عليه، والدم المتخلف في الذبيحة، ودم السمك والقمل والبراغيث والبق. وقال الإمامية بنجاسة الدم مِن كلّ حيوان له نفس سائلة، إنساناً كان أو غير إنسان، شهيداً أو غير شهيد، وبطهارة الدم ممّا لا نفس سائلة له، برياً كان أو بحرياً.


وكذا الدم المتخلف في الذبيحة، حكموا بطهارته.

المني:

قال الإمامية والمالكية والحنفية بنجاسة مني الآدمي وغيره، ولكنّ الإمامية استثنوا مني الحيوان الذي ليس له نفس سائلة، حيث حكموا بطهارة منيه ودمه. وقال الشافعية بطهارة مني الآدمي، وكلّ حيوان إلاّ الكلب والخنزير. وقال الحنابلة بطهارة مني الآدمي، ومني الحيوان إذا كان مأكول اللحم، أمّا غير المأكول فمنيه نجس.

القيح:

نجس عند الأربعة، طاهر عند الامامية.

بول الآدمي وعذرته:

نجسان عند الجميع.

فضلة الحيوان:

الحيوان غير الإنسان منه الطائر وغير الطائر، وكلّ منهما منه ما يؤكل وما لا يؤكل، فالطائر المأكول كالحمام والدجاج، وغير المأكول كالنسر والصقر (وأباح مالك أكلهما). والحيوان المأكول غير الطائر كالبقر والغنم، وغير المأكول كالذئب والهرة (وأباح مالك أكلهما). وللمذاهب في فضلات الحيوان أقوال:

الشافعية قالوا: بنجاسة فضلات الجميع (ضربة واحدة)، فذرق الحمام والعصفور والدجاج نجس، وبعر الإبل والغنم نجس، ورُوث الفَرس والبغل وخِثى البقر، كلّ ذلك وما إليه نجس.

وقال الامامية: فضلات الطيور المأكولة كلّها وغير المأكولة طاهرة، وكذا كلّ حيوان ليس له دم سائل مأكولاً كان أو غير مأكول، أمّا ما له نفس سائلة فإن كان مأكولاً - كالإبل والغنم - ففضلته طاهرة، وإن كان غير مأكول - كالدُّب والسبع - فنجسة، وكلّ ما يشك بأنّه مأكول أو غيره ففضلته طاهرة.

وقال الحنفية: فضلات الحيوان غير الطائر - كالإبل والغنم - نجسة، أمّا الطائر فإن كان يذرق في الهواء - كالحمام والعصفور - فطاهرة، وإن كان يذرق في


الأرض - كالدجاج والاوز - فنجسة.

وقال الحنابلة والشافعية بطهارة فضلات المأكول، ونجاسة غير المأكول ممّا له نفس سائلة، طائراً كان أو غير طائر. واتفق الجميع على أنّ فضلة الجلاّل نجسة، والجلاّل: هو الحيوان الذي تغذّى على العذرة.

المسكر المائع:

نجس عند الجميع، ولكنّ الامامية زادوا قيداً، فقالوا: (المائع بالأصالة)، احترازاً عن المسكر الذي صار جامداً بالعرض فإنّه يبقى على النجاسة. ومِن الخير أن ننقل كلمة لبعض المؤلّفين مِن فقهاء الامامية، قال: (أطبق علماء السنّة والشيعة على نجاسة الخمر، إلاّ شرذمة منّا ومنهم لَم يعتد الفريقان بمخالفتهم).

القيء:

نجس عند الأربعة، طاهر عند الامامية.

المذي والوذي:

نجسان عند الشافعية والمالكية والحنفية، طاهران عند الامامية، وفصّل الحنابلة بين مذي ووذي المأكول وغير المأكول، فقالوا بطهارة الأوّل ونجاسة الثاني. والمذي، ماء رقيق يخرج مِن القُبُل عند الملاعبة، والوذي ماء ثخين يخرج عقب البول.

وكما انفرد الأربعة عن الامامية بنجاسة القيء والوذي والمذي، فقد انفرد الإمامية عن سائر المذاهب بنجاسة (عرق الجُنب مِن الحرام)، حيث حكموا بأنّ مَن أجنب مِن الزنا أو اللواط أو وطءِ بهيمة أو الاستمناء، ثُمّ عرق قَبل أن يغتسل فعرقه نجس.

السؤر

قال الحنفية والشافعية والحنابلة بنجاسة سؤر الكلب والخنزير، واتفقوا أيضاً على أنّ سؤر البغل والحمار طاهر غير مطهِّر، بل قال الحنابلة لا يتوضأ بسؤر كل بهيمة لا يؤكل لحمها، إلاّ السنور فما دونها في الخِلقة كالفأرة وابن


عرس، وألحق الحنفية بسؤر الكلب والخنزير سؤر شارب الخمر فور شربها، وسؤر الهرة فور أكلها الفأرة، وسؤر السباع كالأسد والذئب والفهد والنمر والثعلب والضبع. (ابن عابدين ج١ ص ١٥٦). وقال الامامية: سؤر الحيوان النجس كالكلب والخنزير نجس، وسؤر الطاهر طاهر مأكولاً كان أو غير مأكول، أي أنّ سؤر كل حيوان تابع له في الطهارة والنجاسة.

وقال المالكية: سؤر الكلب والخنزير طاهر يُتوضأ به ويُشرب (المغني لابن قدامة ج١ ص ٤٧ - الطبعة الثالثة).

أحكام التخلي

اتفق الشافعية والمالكية والحنابلة على أنّه لا يحرم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء حاجة في البناء أو في الفضاء مع وجود ساتر، واختلفوا إذا كان قضاء الحاجة في الفضاء مع عدم الساتر، فقال الشافعية والحنابلة: لا يحرم. وقال المالكية: يحرم. وقال الحنفية: يكره كراهة تحريم في البناء والفضاء. (كتاب على المذاهب الأربعة ج١ بحث قضاء الحاجة).

وقال الامامية: يحرم الاستقبال والاستدبار مطلقاً في البناء والفضاء، ومع الساتر وعدمه.

واتفق الجميع على أنّ الماء المطهِّر يزيل النجاسة مِن مخرج البول والغائط، وقال الأربعة بأنّ الأحجار تكفي لتطهيرهما أيضاً. وقال الامامية: لا يكفي في مخرج البول إلاّ الماء، وأمّا في مخرج الغائط فيتخير بين الغسل بالماء والمسح ثلاثاً بالأحجار أو الخُرق الطاهرة، إنْ لَم يتعد الغائط عن المخرج وإلاّ تعيّن الماء.

ولابدّ في المسح بالأحجار ونحوها مِن التعدد عند الإمامية والشافعية والحنابلة، وإن حصل النقاء بالأقل. وقال المالكية والحنفية: لا يشترط التعدد، وإنّما المعوّل على تنقية المحل. كما أنّ الحنفية أجازوا إزالة النجاسة مِن المخرجين بكل مائع طاهر غير الماء.


المطهِّرات

الماء المطلق:

طاهر مطهِّر باتفاق الجميع.

المائع غير الماء:

المائع الطاهر الذي ينفصل بالعصر كالخل وماء الورد، مطهِّر عند الحنفية فقط.

الأرض:

تطهّر باطن القدم والنعل بالمشي عليها - أي على الأرض - أو المسح بها، بشرط زوال عين النجاسة عند الامامية والحنفية.

الشمس:

قال الامامية: الشمس تطهر الأرض ونحوها مِن الثوابت كالأشجار وما عليها مِن الورق والثمار، وكذا النبات والأبنية والأوتاد، وكذا الحصير مِن المنقولات دون البساط والمقاعد، واشترطوا أن يستند التجفيف إلى الشمس وحدها دون معونة الريح.

وقال الحنفية: الجاف يطهّر الأرض والأشجار، سواء أحصل بالشمس أو بالهواء. واتفق الشافعية والمالكية والحنابلة على أنّ الأرض لا تطهر بالشمس ولا بالهواء، بل لابدّ مِن صب الماء عليها، واختلفوا في كيفية تطهيرها.

الاستحالة:

وهي تبدل حقيقة الشيء إلى حقيقة أخرى، كصيرورة دم الغزال مسكاً، وهي مِن المطهرات عند الجميع.

النار:

قال الحنفية: حرق النجاسة بالنار مطهر على شريطة أن تزيل عين النجاسة، وحكموا بطهارة الطين النجس إذا صار فخاراً، والزيت إذا صار صابوناً. وقال الشافعية والحنابلة: ليست النار مِن المطهرات، وبالغوا في ذلك


حتى ذهبوا إلى أنّ رماد النجس ودخانه نجسان.

وقال المالكية بطهارة الرماد ونجاسة الدخان.

وقال الإمامية: لا دخل للنار في التطهير، وإنّما المعول على الاستحالة، فإذا استحال الحطب إلى رماد والماء النجس إلى بخار تتحقق الطهارة، أمّا إذا صار الحطب فحماً والطين خزفاً، فتبقى النجاسة؛ لانتفاء الاستحالة.

الدبغ:

قال الحنفية: الدبغ يطهّر جلود الميتة، وكل نجس إلاّ جلد الخنزير، أمّا جلد الكلب فإنّه يطهر بالدبغ ويصلح استعماله في الصلاة. (الفقه على المذاهب الأربعة ج١ مبحث إزالة النجاسة). وقال الشافعية: الدبغ مطهّر إلاّ جلد الكلب والخنزير فلا يطهران بالدبغ. ولَم يعدّ المالكية والحنابلة والإمامية الدبغ مِن المطهرات، غير أنّ الحنابلة أجازوا استعمال المدبوغ في غير المائعات، حيث لا يستدعي الاستعمال سراية النجاسة.

الندف:

الحنفية قالوا: يطهر القطن إذا ندف.

التصرف:

قال الحنفية: إذا تنجس بعض الحنطة ونحوها، وحصل التصرف بأكل أو هبة أو بيع بمقدار ما تنجس منها، يطهر الباقي. (ابن عابدين ج١ ص ١١٩).

الفرك:

قال الحنفية: يطهر المني إذا زال بالفرك بدون حاجة إلى الماء.

المسح:

قال الحنفية: إذا كان الجسم صقيلاً - كالحديد والنحاس والزجاج - يطهر بمجرد المسح بدون حاجة إلى الماء. وقال الإمامية: إزالة النجاسة عن جسد الحيوان بأيّ نحو تكفي في التطهير، أمّا في الأواني والثياب وبدن الانسان فلابدّ مِن التطهير بالماء بَعد زوال عين النجاسة.

الريق:

قال الحنفية: إذا تنجس ثدي أو اصبغ يطهران باللحس ثلاثاً. (ابن عابدين ج١ ص ٢١٥).

الغليان:

قال الحنفية: إذا غلى الدهن أو اللحم النجس بالنار يصبح طاهراً. وقال جماعة مِن فقهاء الإمامية: إذا غلى العنب ينجس، فإذا ذهب ثلثاه بالغليان يطهر تلقائياً.


موجبات الوضوء ونواقصه

البول والغائط والريح

أجمع المسلمون كافة على أنّ خروج البول والغائط مِن السبيلين والريح مِن الموضع المعتاد، ينقض الوضوء. أمّا خروج الدود والحصى والدم والقيح، فينقض الوضوء عند الشافعية والحنفية والحنابلة، ولا ينقضه عند المالكية إذا كانت هذه الأشياء متولدة في المعدة، وإذا لَم تتولد فيها - كمن بلع حصاة فخرجت مِن الموضع المعتاد - كانت ناقضة. وقال الإمامية: لا تنقض الوضوء إلاّ إذا خرجت متلطخة بالعذرة.

المذي والوذي

ينقضان الوضوء عند الأربعة، ولا ينقضانه عند الإمامية، واستثنى المالكية مَن كانت عادته استدامة المذي، فإنّه لا يوجب الوضوء عندهم.

غيبة العقل

إذا غاب العقل بسكر أو جنون أو إغماء أو صرع، ينتقض الوضوء باتفاق الجميع، أمّا النوم فقال الإمامية: ينقض الوضوء إذا غلب على القلب والسمع


والبصر، بحيث لا يسمع النائم كلام الحاضرين ولا يفهمه ولا يرى أحداً منهم، مِن غير فرق بين أن يكون النائم مستلقياً أو قائماً أو قاعداً، وقريب منه قول الحنابلة. وقال الحنفية: إذا نام المتوضئ مضطجعاً أو متكئاً على أحد وركيه ينتقض الوضوء، وإذا نام قاعداً متمكناً أو واقفاً أو راكعاً أو ساجداً فلا ينتقض، فمن نام في صلاته على حالة مِن حالات المصلين لا ينتقض وضوؤه وإن طال نومه. (ميزان الشعراني، مبحث أسباب الحدث).

وقال الشافعية: إذا كان محل الخروج متمكناً مِن مقعده - بحيث يكون أشبه بفم الزجاجة المسدودة - فلا ينتقض الوضوء بالنوم، وإلاّ انتقض. وفصّل المالكية بين النوم الخفيف وبين النوم الثقيل، فإن كان النوم خفيفاً لا ينتقض الوضوء، وكذا إذا نام المتوضئ نوماً ثقيلاً مدة يسيرة، وكان المخرج مسدوداً، أمّا إذا نام نوماً ثقيلاً مدة طويلة فينتقض وضوؤه، سواء أكان المخرج مسدوداً أم غير مسدود.

المني

ينقض الوضوء عند الحنفية والمالكية والحنابلة، ولا ينقضه عند الشافعية. وقال الشيعة: المني يوجب الغسل دون الوضوء.

اللمس

قال الشافعية: إذا لمس المتوضئ امرأة أجنبية بدون حائل انتقض الوضوء، وإذا لَم تكن المرأة أجنبية - كما لو كانت أمّاً أو أختاً - فلا. وقال الحنفية: لا ينتقض الوضوء إلا باللمس وانتشار القضيب معاً.

وقال الإمامية: لا أثر للمس مطلقاً. هذا بالنسبة إلى لمس المرأة، أمّا إذا مس المتوضئ قُبله أو دبره بلا حائل، فقال الإمامية والحنفية: لا ينتقض الوضوء. وقال الشافعية والحنابلة: ينتقض بالمس مطلقاً، وكيفما حصل بباطن الكف أو


بظاهره. أمّا المالكية فقد روي عنهم الفرق بين المس بباطن الكف فينتقض، وبين المس بظاهره فلا ينتقض، (البداية والنهاية لابن رشد، مبحث نواقض الوضوء).

القيء

ينقض الوضوء عند الحنابلة مطلقاً، وعند الحنفية إن ملأ الفم، ولا ينقضه عند الشافعية والإمامية والمالكية.

الدم والقيح

الخارج مِن البدن غير السبيلين - كالدم والقيح - لا ينقض الوضوء عند الإمامية والشافعية والمالكية، وينقضه عند الحنفية إذا تجاوز محل خروجه، وقال الحنابلة: ينتقض الوضوء بشرط أن يكون الدم والقيح كثيراً.

القهقهة

تبطل الصلاة بإجماع المسلمين كافة، ولا تنقض الوضوء في داخل الصلاة ولا خارجها إلاّ عند الحنفية، حيث قالوا بنقض الوضوء إذا حصلت القهقهة أثناء الصلاة، ولا تنقضه إذا حصلت خارجها.

لحم الجزور

إذا أكل المتوضئ لحم جزور ينتقض وضوءه عند الحنابلة فقط.

دم الاستحاضة

قال العلاّمة الحلّي في كتاب التذكرة - وهو مِن كبار فقهاء الإمامية -: (دم الاستحاضة إذا كان قليلاً يجب به الوضوء، ذهب إليه علماؤنا، إلاّ ابن أبي عقيل. وقال مالك ليس على المستحاضة وضوء).


غايات الوضوء

قال الفقهاء: ينقسم الحدث إلى نوعين، أصغر: وهو الذي يوجب الوضوء فقط. وأكبر: وهو على قسمين: ما يوجب الغسل فقط، وما يوجب الغسل والوضوء معاً، ويأتي التفصيل. ويمنع الحدث الأصغر مِن التلبس بأشياء:

١ - الصلاة الواجبة والمستحبة باتفاق الجميع، واستثنى الإمامية صلاة الجنازة، قالوا: لا تجب الطهارة لصلاة الجنازة ولكنّها تستحب؛ لأنّها دعاء، ليست بصلاة حقيقة. ويأتي الكلام عنها في محله.

٢ - الطواف، وهو كالصلاة لا يصح بدون الطهارة عند المالكية والشافعية والإمامية والحنابلة؛ للحديث الشريف: (الطواف في البيت صلاة). وقال الحنفية: مَن طاف في البيت محدِثاً صح وإن كان آثماً.

٣ - سجود التلاوة والشكر تجب لهما الطهارة عند الأربعة، وتستحب عند الإمامية.

٤ - مس المصحف. اتفق الجميع على عدم جواز مس كتابة القرآن إلا بطهور، واختلفوا في أنّ المحدِث بالحدث الأصغر هل يجوز له كتابة القرآن وقراءته عن حاضر أو عن ظهر غيب، وفي مسه بحائل، وحمله حرزاً؟ فقال المالكية: لا يجوز كتابته ولا مس جلده ولو بحائل، وتجوز قراءته عن حاضر وظهر غيب، ثُمّ اختلفوا - أي المالكية - في حمله حرزاً.


وقال الحنابلة: تجوز كتابته وحمله حرزاً بحائل.

وقال الشافعية: لا يجوز مس جلده ولو انفصل عنه، ولا مس علاّقته ما دام معلقاً بها، ويجوز كتابته وحمله حرزاً، كما يجز مس ما طُرزت به الثياب مِن الآيات القرآنية.

وقال الحنفية: لا تجوز كتابته ولا مسه ولو كان مكتوباً باللغة الأجنبية، وتجوز تلاوته عن ظهر غيب.

وقال الإمامية: يحرم مس الكتابة العربية بدون حائل، سواء أكانت الكتابة في القرآن أم في غيره، ولا تحرم القراءة ولا الكتابة ولا حمله حرزاً ولا مس الكتابة غير العربية إلاّ اسم الجلالة، فيحرم على المحدث مسه بأية لغة كُتب، في أيّ مكان يكون في القرآن أو في غير القرآن.


فرائض الوضوء

النية

وهي القصد إلى الفعل بدافع الإطاعة وامتثال أمر الله تعالى. وقد اتفقوا على أنّها فرض في الوضوء، وأنّ محلها حين المباشرة في العمل. وقال الحنفية: إنّ صحة الصلاة لا تتوقف على الوضوء مع النية، فلو أنّ إنساناً اغتسل بقصد التبريد أو النظافة وعمَّ الغسل أعضاء الوضوء، وصلّى تصح صلاته؛ لأنّ المقصود مِن الوضوء هو الطهارة وقد حصلت، واستثنوا ما مزج بسؤر حمار أو نبيذ تمر، حيث قالوا بلزوم النية في هذه الحال. (ابن عابدين ج١ ص ٧٦).

غسل الوجه

والمراد بغسل الوجه إسالة الماء عليه، وهو واجب مرة واحدة. وحدّه طولاً مِن قصاص الشعر إلى منتهى الذقن. وقال الشافعية: يجب غسل ما تحت الذقن أيضاً. وحدّه عرضاً عند الامامية والمالكية ما دارت عليه الإبهام والوسطى، وعند المذاهب الأخرى مِن شحمة الأُذن إلى شحمة الأُذن.

وذهب الامامية إلى وجوب الابتداء في غسل الوجه مِن الأعلى، وعدم جواز النكس. وقال الأربعة: الواجب غسل الوجه كيف اتفق والبداءة مِن الأعلى أولى.


غسل اليدين

أجمع المسلمون على أنّ غسل اليدين مع المرفقين مرة واحدة واجب. وذهب الإمامية إلى وجوب البداءة بالمرفقين، وأبطلوا النكس، كما أوجبوا تقديم اليُمنى على اليسرى. وقالت بقية المذاهب: الواجب غسلهما كيف اتفق، وتقديم اليمنى والابتداء مِن الأصابع إلى المرفق أفضل.

مسح الرأس

قال الحنابلة: يجب مسح جميع الرأس والأذنين، والغسل عندهم يجزي عن المسح بشرط إمرار اليد على الرأس. وقال المالكية: يجب مسح جميع الرأس دون الأذنين.

وقال الحنفية: يجب مسح ربع الرأس، ويكفي إدخال الرأس في الماء أو صبه عليه.

وقال الشافعية: يجب مسح بعض الرأس، ولو قلّ، ويكفي الغسل أو الرش عن المسح.

وقال الإمامية: يجب مسح جزء مِن متقدم الرأس، ويكفي أقل ما يصدق عليه اسم المسح، ولا يجوز الغسل ولا الرش، كما أوجبوا أن يكون بنداوة الوضوء، فلو استأنف ماء جديداً ومسح به بطل وضوؤه.

أمّا المذاهب الأربعة فقد أوجبت المسح بماء جديد. (المغني لابن قدامة ج١، فصل مسح الرأس، وتذكرة العلاّمة الحلي). أمّا المسح على العمامة فقد أجازه الحنابلة بشرط أن يكون شيء منها تحت الحنك. وقال الحنفية والشافعية والمالكية: يجوز مع العذر، ولا يجوز بدونه. وقال الامامية: لا يجوز المسح على العمامة بحال؛ لقوله سبحانه:( وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ ) ، والعمامة لا تسمى رأساً.


الرِّجلان

قال الأربعة: يجب غسلهما مع الكعبين مرة واحدة. وقال الإمامية: يجب مسحهما بنداوة الوضوء مِن رؤوس الأصابع إلى الكعبين، وهما قبّتا القدمين. ويجوز تقديم اليسرى على اليمنى عند الجميع، ولكنّها خلاف الاحتياط عند الامامية، وخلاف الأولى عند الأربعة.

والخلاف في مسح الرجلين أو غسلهما ناشئ عن فهم الآية ٦ مِن سورة المائدة:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ ) ، حيث قرئ بخفض الأرجل ونصبها، فمن قال بالمسح عطف الأرجل حال جرها على لفظ الرؤوس وحال نصبها على المحل؛ لأنّ كل مجرور لفظاً منصوب محلاً. ومَن ذهب إلى الغسل قال: إنّ لفظ الأرجل خُفضت بمجاورتها للرؤوس، ونُصبت عطفاً على الأيدي. ونحيل طالب الحقيقة مِن دلالة الآية إلى تفسير الرازي.

وأجازت المذاهب الأربعة المسح على الخفين والجوارب بدلاً عن غسل الرجلين. وقال الامامية بعدم الجواز؛ لقول الإمام علي: (ما أبالي امسح على الخفين أو على ظهر عير بالفلاة).

الترتيب

وهو حسب ما ذكرته الآية: البدء بالوجه فاليدين فالرأس فالرجلين، وهو واجب وشرط في صحة الوضوء عند الامامية والشافعية والحنابلة.

وقال الحنفية والمالكية: لا يجب الترتيب، ويجوز الابتداء بالرجلين والانتهاء بالوجه.

الموالاة

وهي المتابعة بين غسل الأعضاء، فإذا فرغ مِن عضو انتقل إلى ما بعده فوراً.


وتجب عند الإمامية والحنابلة، واشترط الإمامية زيادة على المتابعة أن لا تجف الأعضاء السابقة قَبل الشروع باللاحقة، فلو جف تمام ما سبق مِن الأعضاء بطل الوضوء ووجب الاستئناف.

وقال الحنفية والشافعية: لا تجب الموالاة، ولكن يكره التفريق بين غسل الأعضاء مِن غير عذر، ومع العذر ترتفع الكراهة.

وقال المالكية: إنّما تجب الموالاة إذا تنبه المتوضئ، وإذا لَم يعرض له ما لَم يكن في الحسبان، كما لو أريق الماء الذي أعده للوضوء في الأثناء، فلو غسل وجهه وذهل عن غسل اليدين، أو ذهب الماء الذي كان يكفيه للطهارة - حسب اعتقاده - يبني على ما فعل ولو طال الزمن.


شروط الوضوء

للوضوء شروط:

منها: إطلاق الماء وطهارته، وعدم استعماله في رفع الخبث والحدث على ما قدمنا مِن التفصيل في مبحث المياه.

ومنها: عدم المانع مِن استعمال الماء لمرض، أو لحاجة ماسة إليه.

ومنها: طهارة أعضاء الوضوء، وعدم وجود حائل يمنع مِن وصول الماء إلى البشرة.

ومنها: سعة الوقت. ويأتي التفصيل في مبحث التيمم.

وكل هذه الشروط أو أكثرها محل وفاق عند الجميع. واشترط الإمامية أيضاً أن يكون الماء وإناؤه ومصبه ومكان المتوضئ مباحاً غير مغصوب، فلو كان واحد منها غصباً يبطل الوضوء. وعند سائر المذاهب يصلح الوضوء، ولكنّ المتوضئ يأثم (ابن عابدين ج١ ص ١٢٨، وشرح المهذب ج١ ص ٢٥١).

مستحبات الوضوء

مستحبات الوضوء كثيرة جداً:

منها: الابتداء بغسل الكفين.

ومنها: المضمضة والاستنشاق، وأوجبها الحنابلة.

ومنها: مسح الأذنين، وأوجبه الحنابلة أيضاً، وقال الإمامية بعدم الجواز.

ومنها: السواك واستقبال القبلة حين


الوضوء.

ومنها: الدعاء بالمأثور.

ومنها: غسل كل مِن الوجه واليدين ثانياً وثالثاً عند الأربعة.

وقال الإمامية: الغسلة الأُولى واجبة، والثانية مستحبة، والثالثة بدعة يأثم فاعلها لو أتى بها بقصد المشروعية، أمّا إذا لَم يقصد ذلك فلا إثم، ولكن يبطل الوضوء لو مسح بمائها. (مصباح الفقيه للآغا رضا الهمداني). وهناك مستحبات كثيرة ذُكرت في المطولات.

الشك في الطهارة والحدث

مَن تيقن الطهارة وشكّ بالحدث فهو متطهر، ومَن تيقن الحدث وشك بالطهارة فهو محدث؛ عملاً باليقين وإلغاء الشك لحديث: (لا تنقض اليقين أبداً بالشك، ولكن تنقضه بيقين مثله). ولَم يخالف في هذا إلا المالكية، فإنّهم يقولون: إذا تيقن الطهارة وشكّ بالحدث تطهّر، ولَم يفرقوا بين الحالين.

وإذا صدر منه حدث وطهارة ولَم يعلم المتأخر منهما حتى يبني عليه، فهو متطهر عند الحنفية، ومحدث عند المحققين مِن الإمامية.

وقال الشافعية والحنابلة: يأخذ بضد الحالة السابقة، فإن كان أوّلاً على طهارة فهو الآن محدث، وإن كان على حدث فهو الآن متطهر.

وهنا قول رابع، وهو الأخذ بنفس الحالة السابقة، والحكم بسقوط أثر الحدث والطهارة الموجودة؛ لأنّ الاحتمالين متساويان، فيتعارضان ويتساقطان وتُستصحب الحالة الأولى، والأقرب الأحوط في الدين أن يعيد الطهارة مطلقاً، سواء أعَلِم الحالة السابقة أم جهلها.

وقال الإمامية والحنابلة: إذا شك المتوضئ في غسل عضو أو مسح رأسه، فإن كان في أثناء الوضوء أعاد المشكوك فيه وما بعده، وإن كان بعد الفراغ مِن الوضوء والانصراف لَم يلتفت؛ لأنّه شك في العبادة بعد الفراغ منها.


ونقل العلاّمة الحلّي في التذكرة عن بعض الشافعية: عدم الفرق بين الشك في الأثناء والشك بَعد الفراغ، حيث أوجب الإتيان بالمشكوك فيه وما بعده في كلتا الحالتين.

وقال الحنفية: يلاحظ كل عضو مستقلاً، فإن شك فيه قَبل أن ينتقل إلى غيره أعاده وإلاّ فلا، مثلاً - مَن شك بغسل الوجه قَبل الابتداء باليد يعيد، وإن ابتدأ بها مضى ولا يلتفت.

واتفق الجميع على أنّه لا شك لكثير الشك، أي أنّ الوسواسي لا اعتبار بشكّه، فيجب عليه المضي في جميع الحالات.


الغسل

الأغسال الواجبة على أنواع:

(١) الجنابة.

(٢) الحيض.

(٣) النفاس.

(٤) موت المسلم.

وهذه الأربعة محل وفاق عند الجميع. وزاد الحنابلة نوعاً خامساً، وهو (إسلام الكافر).

وقال الشافعية والإمامية: إذا أسلم الكافر مجنباً وجب عليه الغسل للجنابة لا للإسلام، وإن لَم يكن جنباً فلا يجب عليه الغسل. وقال الحنفية: لا يجب عليه الغسل بحال جنباً كان أو غير جنب. (المغني لابن قدامة ج١ ص ٢٠٧).

وزاد الإمامية على الأغسال الأربعة الأُولى غسلين آخرين، وهما: (غسل المستحاضة، والغسل مَن مس الميت). فإنّهم أوجبوا الغسل على مَن مس ميتاً بَعد برده بالموت، وقَبل تطهيره بالغسل، ويأتي التفصيل.

ومِن هذا يتبين أنّ عدد الأغسال الواجبة أربعة عند الحنفية والشافعية، وخمسة عند الحنابلة والمالكية، وستة عند الامامية.

غسل الجنابة

تتحقق الجنابة الموجبة للغسل بأمرين:

١ - نزول المني في النوم أو اليقظة. قال الإمامية والشافعية: إذا نزل المني


وجب الغسل مِن غير فرق بين نزوله بشهوة أو دونها.

وقال الحنفية والمالكية والحنابلة: لا يجب الغسل إلاّ مع مقارنة اللذة لخروج المني، فإن خرج لضربة أو برد أو مرض لا عن شهوة فلا غسل فيه، أمّا إذا انفصل المني مِن صلب الرجل أو ترائب المرأة، ولَم ينتقل إلى الخارج فلا يجب الغسل إلاّ عند الحنابلة.

(فرع)

لو استيقظ النائم فرأى بللاً لا يعلم أنّه مني أو مذي، قال الحنفية: يجب الغسل. وقال الشافعية والإمامية: لا يجب؛ لأنّ الطهارة متيقنة، والحدث مشكوك. وقال الحنابلة: إن كان قَبل نومه قد نظر أو فكّر بلذة فلا يجب الغسل، وإن كان لَم يسبق النوم سبب يوجب اللذة وجب أن يغتسل مِن البلل المشتبه.

٢ - التقاء الختانين، وهو إيلاج رأس الإحليل، أو مقداره مِن مقطوع الحشفة في قُبلٍ أو دبرٍ. واتفقوا على أنّه يوجب الغسل مِن غير إنزال، ولكن اختلفوا في الشروط، وأنّه هل مجرد الإيلاج كيف اتفق يوجب الغسل، أو لا يوجبه إلا بنحو خاص؟

قال الحنفية يجب الغسل بشروط، وهي: (أولاً) البلوغ، فلو كان البالغ المفعول دون الفاعل، أو الفاعل دون المفعول، وجب الغسل على البالغ فقط، ولا يجب عليهما لو كانا صغيرين. (ثانياً) أن لا يوجد حائل سميك يمنع مِن حرارة المحل. (ثالثاً) أن يكون الموطوء إنساناً حياً، فلا يجب الغسل بالإيلاج ببهيمة أو ميت.

وقال الامامية والشافعية: إنّ مجرد إيلاج الحشفة أو مقدارها كافٍ في وجوب الغسل مِن غير فرق بين البالغ وغير البالغ، والفاعل والمفعول، ووجود الحائل وعدمه والاضطرار والاختيار، وسواء أكان الموطوء حياً أو ميتاً أو بهيمة أو إنساناً.

وقال الحنابلة والمالكية: يجب الغسل على الفاعل والمفعول مع عدم وجود


حائل يمنع اللذة، مِن غير فرق بين إنسان أو بهيمة، وسواء أكان الموطوء حياً أو ميتاً.

أمّا البلوغ فقال المالكية: يجب الغسل على الفاعل إذا كان مكلّفاً، والمفعول يحتمل الوطء، ويجب على المفعول إذا كان الواطئ بالغاً، فالتي وطأها صبي لا يجب عليها الغسل إذا لَم تنزل. واشترط الحنابلة أن لا ينقص سن الذكر عن عشر سنين، والأنثى عن تسع.

ما يتوقف على غسل الجنابة

يتوقف على غسل الجنابة كل ما يتوقف على الوضوء، كالصلاة والطواف ومس كتابة المصحف، ويزيد على ذلك المكث في المسجد، فقد اتفق الجميع على أنّه لا يجوز للجنب أن يمكث في المسجد، واختلفوا في جواز المرور، كما لو دخل الجنب مِن باب وخرج مِن باب.

قال المالكية والحنفية: لا يجوز إلاّ لضرورة.

وقال الشافعية والحنابلة: يجوز المرور مِن غير مكث.

وقال الإمامية: لا يجوز المكث ولا المرور في المسجد الحرام ومسجد الرسول، ويجوز المرور دون المكث في غيرهما مِن المساجد للآية ٤٣ مِن سورة النساء:( وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ) ، أي لا تقربوا مواقع الصلاة مِن المساجد إلاّ عابري سبيل. واستثنوا مِن الآية المسجدين السابقين للأدلة الخاصة.

أمّا تلاوة القرآن، فقال المالكية: يحرم على الجنب أن يقرأ شيئاً مِن القرآن إلاّ يسيراً بقصد التحصّن والاستدلال، ويقرب مِن قولهم هذا ما ذهب إليه الحنابلة.

وقال الحنفية: لا يجوز إلاّ إذا كان الجنب معلّماً للقرآن كلمة كلمة. وقال الشافعية: يحرم حتى الحرف الواحد إلاّ إذا كان بقصد الذكر، كالتسمية على الأكل.


وقال الإمامية: لا يحرم على الجنب إلا تلاوة سور العزائم الأربع، حتى بعضها، وهي: اقرأ، والنجم، وحم السجدة، والم تنزيل. ويجوز قراءة ما عداها، ولكن يكره ما زاد على سبع آيات، وتتأكد الكراهة فيما زاد على سبعين.

وزاد الإمامية (صوم شهر رمضان وقضاءه)، فإنّهم قالوا: لا يصح الصوم إذا أصبح الصائم جنباً متعمداً أو ناسياً، أمّا إذا نام في النهار أو في الليل وأصبح محتلماً، فلا يبطل صومه. وانفردت الامامية بهذا الحكم عن سائر المذاهب.

واجبات غسل الجنابة

يجب في غسل الجنابة ما يجب في الوضوء مِن إطلاق الماء وطهارته مع طهارة الجسم، وعدم حاجب يمنع مِن إيصال الماء إلى البشرة كما تقدم في الوضوء، ويجب فيه النية إلاّ عند الحنفية فإنّهم لَم يعدّوها مِن الشروط لصحة الغسل.

والمذاهب الأربعة لَم توجب الغسل بكيفية خاصة، وإنّما أوجب أن يعم الماء جميع البدن كيف اتفق، مِن غير فرق بين الابتداء مِن أعلى أو مِن أسفل، وزاد الحنفية وجوب المضمضة والاستنشاق، وقالوا: يستحب البدء بغسل الرأس، ثمّ الأيمن، ثمّ الأيسر.

وقال الشافعية والمالكية: تستحب البداءة بأعالي الجسد قَبل أسافله، ما عدا الفرج حيث يستحب تقديمه على الجميع.

وقال الحنابلة: يستحب تقديم الشق الأيمن على الأيسر.

وقسّم الإمامية غسل الجنابة إلى نوعين: ترتيب، وارتماس. والترتيب: هو أن يصب المغتسِل الماء على جسمه صباً، وفي هذا الحال أوجبوا الابتداء بالرأس ثمّ بالأيمن ثمّ بالأيسر، فلو أخلّ وقدّم المؤخَّر أو أخّر المقدَّم، بطل الغسل.


والارتماس: هو غمس تمام الجسم تحت الماء دفعة واحدة، فلو خرج جزء منه عن الماء لَم يكف.

والغسل مِن الجنابة يغني عند الإمامية عن الوضوء، حيث قالوا: كل غسل معه وضوء إلاّ غسل الجنابة. والمذاهب الأربعة لَم تفرق بين غسل الجنابة وغيره مِن الأغسال، مِن حيث عدم الاكتفاء به فيما يشترط به الوضوء.


الحيض

الحيض في اللغة: السيل. وفي اصطلاح الفقهاء: الدم الذي تعتاد المرأة رؤيته في أيام معلومة، وله تأثير في ترك العبادة وانقضاء عدة المطلقة، وهو في الأغلب أسود أو أحمر غليظ حار، له دفع، وقد يأتي على غير هذه الأوصاف حسبما تستدعيه الأمزجة.

سن الحائض

اتفق الجميع على أنّ ما تراه الأنثى قَبل بلوغها تسع سنين لا يمكن أن يكون حيضاً، بل هو دم علّة وفساد، وكذا ما تراه الآيس المتقدمة في السن. واختلفوا في تحديد سن اليأس، فقال الحنابلة: خمسون.

وقال الحنفية: خمس وخمسون.

وقال المالكية: سبعون.

وقال الشافعية: ما دامت الحياة فالحيض ممكن، وإن كان الغالب انقطاعه بعد سن ٦٢.


وقال الإمامية: حد اليأس ٥٠ سنة لغير القرشية وللمشكوك في أنّها قرشية، أمّا القرشية المعلومة فستون.

مدة الحيض

قال الحنفية والإمامية: أقل مدة الحيض ثلاثة أيام، وأكثرها عشرة، وكل دم لا يستمر ثلاثاً أو يتجاوز عشراً فليس بحيض.

وقال الحنابلة والشافعية: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً.

وقال المالكية: أكثره خمسة عشر لغير الحامل، ولا حد لأقله.

واتفق الجميع على أنّه لا حد لأكثر الطهر الفاصل بين حيضتين، أمّا أقله فثلاثة عشر يوماً عند الحنابلة، و١٥ عند الحنفية والشافعية والمالكية.

وقال الإمامية: أقل الطهر أكثر مدة الحيض، أي ١٠.

(فرع)

اختلفوا في اجتماع الحيض مع الحمل، وإنّ ما تراه الحامل مِن الدم هل يمكن أن يكون حيضاً؟ قال الشافعية والمالكية وأكثر فقهاء الامامية: يجتمع الحيض والحمل.

وقال الحنفية والحنابلة والشيخ المفيد مِن الإمامية: لا يجتمعان بحال.

أحكام الحائض

يحرم على الحائض كل ما يحرم على الجنب مِن مس كتابة المصحف، والمكث في المسجد، ولا يقبل منها الصوم والصلاة أيام الحيض، ولكن عليها أن تقضي ما فاتها مِن صوم رمضان دون ما فاتها مِن الصلاة؛ للأحاديث، ودفعاً للمشقة بتكرار الصلاة بكثرة دون الصيام. ويحرم طلاق الحائض، ولكن إذا وقع صح ويأثم المطلِّق، عند الأربعة، ويبطل الطلاق عند الإمامية، إذا


كان قد دخل بها، أو كان الزوج حاضراً، أو لَم تكن حاملاً. ويصح طلاق الحائض والحامل وغير المدخول بها والتي غاب عنها زوجها، والتفصيل يأتي إن شاء الله في باب الطلاق.

واتفق الجميع على أنّ غسل الحيض لا يغني عن الوضوء، وأنّ وضوء الحائض وغسلها لا يرفع حدثاً، واتفقوا أيضاً على تحريم وطئها أيام الحيض، أمّا الاستمتاع فيما بين السرة والركبة، فقال الإمامية والحنابلة: يجوز مطلقاً مع الحائل ودونه.

والمشهور مِن قول المالكية عدم الجواز ولو مع الحائل.

وقال الحنفية والشافعية: يحرم بغير حائل، ويجوز معه.

وقال أكثر فقهاء الإمامية: إذا غلبت الشهوة على الزوج وقارب زوجته الحائض، فعليه أن يكفّر بدينار إن فعل في أوّل الحيض، وبنصفه في وسطه، وبربعه في آخره.

وقال الشافعية والمالكية: يستحب التصدق ولا يجب، أمّا المرأة فلا كفارة عليها عند الجميع، وإن كانت آثمة لو رضيت وطاوعت.

كيفية الغسل

الغسل مِن الحيض كالغسل مِن الجنابة تماماً، مِن لزوم طهارة الماء وإطلاقه وطهارة البدن، وعدم وجود الحائل، والنية، والابتداء بالرأس ثمّ بالأيمن ثمّ بالأيسر عند الإمامية، والاكتفاء بالارتماس وغمس البدن دفعة واحدة تحت الماء.

وعند المذاهب الأربعة: شمول الماء لجميع البدن كيف اتفق، كما قدّمنا في غسل الجنابة دون تفاوت.


الاستحاضة

الاستحاضة: هي في اصطلاح الفقهاء: ما تراه المرأة مِن الدم في غير وقت الحيض والنفاس، ولا يمكن أن يكون حيضاً، كالزائد عن أكثر مدة الحيض، أو الناقص عن أقله، وهو في الغالب أصفر بارد رقيق يخرج بفتور على عكس صفات الحيض.

وقد قسّم الإمامية المستحاضة إلى ثلاثةٍ أقسام:

(١) صغرى، إذا تلوثت القطنة بدمٍ لا يغمسها. وحكمها أن تتوضأ لكل صلاة مع تغيير القطنة، بحيث لا يجوز أن تجمع بين صلاتين بوضوء واحد.

(٢) وسطى، إذا غمس الدم القطنة ولَم يسل عنها. وحكمها غسل واحد في كل يوم قَبل الغداة، مع تغيير القطنة والوضوء لكل صلاة.

(٣) كبرى، إذا غمست القطنة بالدم وسال عنها. وحكمها الغسل ثلاث مرات في كل يوم، غسل قَبل صلاة الغداة، وآخر تجمع به بين صلاة الظهرين، وثالث لصلاة العشاءين.

وقال أكثر الإمامية: لابدّ مِن الوضوء في هذه الحال، مع تغيير القطنة أيضاً.

ولَم تَعتبر المذاهب الأخرى هذا التقسيم، كما أنّها لَم توجب الغسل على المستحاضة، فقد جاء في كتاب (فقه السنّة) للسيد سابق ص ١٥٥ طبعة ١٩٥٧:


(لا يجب عليها الغسل لشيء مِن الصلاة، ولا في وقت مِن الأوقات إلاّ مرّة واحد حينما ينقطع حيضها - أي أنّ الغسل للحيض لا للاستحاضة - وبهذا قال الجمهور مِن السلف والخَلف).

ولا تمنع الاستحاضة عند الأربعة: (شيئاً ممّا يمنعه الحيض مِن قراءة القرآن ومس المصحف ودخول مسجد واعتكاف وطواف ووطء، وغير ذلك ممّا سبق تفصيله في مبحث الأمور التي يمنع منها الحدث الأكبر). (كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج١ مبحث الاستحاضة).

وقال الإمامية: إنّ الصغرى محدِثة بالحدث الأصغر، فلا يستباح لها شيء ممّا يتوقف على الوضوء إلاّ بَعد أن تتوضأ، والوسطى والكبرى محدِثتان بالحدث الأكبر، فتمنعان عن كلّ ما يشترط فيه الغسل، فهما كالحائض ما دامتا لَم تؤديّا ما يجب عليهما، ومتى فعلتا الواجب فهما بحكم الطاهر، تستباح لهما الصلاة ودخول المسجد والطواف والوطء. والغسل مِن الاستحاضة عند الإمامية كالغسل مِن الحيض بدون تفاوت.

دم النفاس

قال الإمامية والمالكية: دم النفاس هو الذي يقذفه الرحم بسبب الولادة معها أو بَعدها لا قَبلها.

وقال الحنابلة: هو الدم النازل مع الولادة وبَعدها وقَبلها بيومين أو ثلاثة مع أمارات الطلق.

وقال الشافعية: هو الخارج بَعد الولادة لا قَبلها ولا معها.

وقال الحنفية: هو الخارج بَعدها أو عند خروج أكثر الوَلد، أمّا الخارج قَبلها أو عند خروج أقلّ الوَلد فليس بنفاس.

إذا وِلدت الحامل ولَم ترَ دماً وجب عليها الغسل عند الشافعية والحنفية


والمالكية، ولا يجب عند الإمامية والحنابلة.

واتفق الجميع على أنّه ليس لأقلّ النفاس حد، أمّا أكثره فالمشهور عند الإمامية عشرة أيام.

وعند الحنابلة والحنفية أربعون.

وعند الشافعية والمالكية ستون.

وإذا خرج الولد مِن غير المكان المعتاد بسبب عملية جراحية لا تكون نفساء، ولكن تنقضي عدّة الطلاق بخروج الولد كيف اتفق.

والنفاس في حكم الحيض مِن عدم صحة الصلاة والصوم، ووجوب قضاء الثاني دون الأوّل، وتحريم الوطء عليها وعليه، ومس كتابة القرآن، والمكث في المسجد أو دخوله على اختلاف المذاهب، وعدم صحة طلاقها - عند الإمامية - وما إلى ذلك مِن الأحكام.

أمّا كيفية الغسل وشروطه فكالحائض تماماً.


مس الميت

إذا مس الإنسان ميتاً إنسانياً، فهل يجب عليه الوضوء أو الغسل، أو لا يجب عليه شيء؟

قال الأربعة: مس الميت ليس بحدث أصغر ولا أكبر، أي لا يوجب وضوءاً ولا غسلاً، وإنّما يستحب الغسل مِن تغسيل الميت لا من لمسه.

قال أكثر الإمامية: يجب الغسل مِن المس بشرط أن يبرد جسم الميت، وأن يكون المس قَبل التغسيل الشرعي، فإذا حصل المس قَبل بَرده وبَعد الموت بلا فصل أو بَعد أن تمّ التغسيل، فلا شيء على الماس.

ولَم يفرّقوا في وجوب الغسل بين أن يكون الميت مسلماً أو غير مسلم، ولا بين أن يكون كبيراً أو صغيراً، حتى ولو كان سقطاً تمّ له أربعة أشهر، وسواء أحصل المس اختياراً أو اضطراراً، عاقلاً كان الماسّ أو مجنوناً، صغيراً أو كبيراً، فيجب الغسل على المجنون بَعد الإفاقة، وعلى الصغير بَعد البلوغ، بل أوجب الإمامية الغسل بمس القطعة المنانة مِن حي أو مِن ميت إذا كانت مشتملة على عَظم، فإذا لمس إصبعاً قطعت مِن حي وجب الغسل. وكذا لو لمست سِناً منفصلة مِن ميت، أمّا إذا لمست السنّ بَعد انفصالها مِن الحي فيجب الغسل إذا كان عليها لحم، ولا يجب إذا كانت مجردة.

ومع أنّ الإمامية أوجبوا الغسل مِن مس الميت فإنّهم يعتبرونه بحكم الحدث


الأصغر، أي أنّ الماسّ يمنع مِن الأعمال التي يشترط فيها الوضوء فقط دون الأعمال التي يشترط فيها الغسل، فيجوز للماسّ دخول المسجد والمكث فيه، وقراءة القرآن.

والغسل مِن المس كالغسل مِن الجنابة.

الميت وأحكامه

يقع الكلام هنا في فصول:

الفصل الأوّل: في الاحتضار

الاحتضار هو: التوجيه إلى القبلة. واختلفوا في كيفية التوجيه إليها، فقال الإمامية والشافعية: أن يُلقى الميت على ظهره، ويُجعل باطن قدميه إلى القبلة بحيث لو جلس كان مستقبلاً.

وقالت المالكية والحنابلة والحنفية: أن يُجعل الميت على شقّه الأيمن، ووجهه إلى القبلة، كما يُفعل به حال الدفن.

وكما اختلفوا في معنى التوجيه اختلفوا في وجوبه، فقال الأربعة وجماعة مِن الإمامية: هو مستحب وليس بواجب.

وذهب أكثر الإمامية إلى أنّه واجب كفاية، كالغسل والتكفين. وجاء في كتاب (مصباح الفقيه) للإمامية: (إنّ وجوب الاستقبال يشمل الكبير والصغير).

وليعلم أنّ كل واحد مِن واجبات الميت الآتية إنّما يجب على سبيل الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الجميع، وإذا تركه الجميع كانوا مسؤولين ومؤاخَذين.


الفصل الثاني: في الغسل

وفيه مسائل:

اتفقوا على أنّ الشهيد - وهو الذي مات بسبب قتال الكفار - لا يغسّل(١) ، واتفقوا أيضاً على أنّ غير المسلم لا يجوز غسله إلاّ الشافعية، فقد ذهبوا إلى جوازه، واتفقوا على أنّ السقط الذي لَم يتمّ في بطن أمّه أربعة أشهر لا يغسَل.

واختلفوا فيما إذا تمّ له الأربعة، فقال الحنابلة والإمامية: يجب أن يغسّل.

وقال الحنفية: إن نزل وفيه حياة ثمّ فارقها، أو نزل ميتاً تام الخلقة، غُسّل وإلاّ فلا.

وقال المالكية: لا يجب غسل السقط إلاّ إذا كان قابلاً للحياة بحيث يقول أهل الخبرة إنّ مثله يقبل الحياة المستقرّة.

وقال الشافعية: إن نزل بَعد ستة أشهر يغسّل، وإن نزل قَبلها: فإن كان تام الخلقة غسّل أيضاً، وإن لَم يكن تام الخلقة: فإن عَلم أنّه كان حياً يغسّل وإلاّ فلا.

(فرع)

إذا ذهب مِن جسم الميت بعضه؛ لمرض أو حرق أو أكلِ حيوان أو غير ذلك، فهل يجب غسل الباقي؟

قال الحنفية: لا يفرض الغسل إلاّ إذا وجِد أكثر البدن أو نصفه مع الرأس.

وقال المالكية: يجب الغسل إذا وجِد ثلثا البدن.

وقال الحنابلة والشافعية: يُغسل ولو بقي قليل مِن الميت.

وقال الإمامية: إن وجدت قطعة مِن الميت، يُنظر: فإن كانت الصدر أو بعضه المشتمل على القلب كان حكمها حكم الميت التام مِن وجوب الغسل

____________________

(١) قال الحنفية: الشهيد، كل مَن قُتل ظلماً، سواء قُتل في الحرب أو بَغى عليه لِص أو قاطع طريق. واشترطوا لعدم غسله أن لا يكون محدِثاً بالحدث الأكبر.


والتكفين والصلاة، وإن لم تكن القطعة مشتملة على الصدر أو بعضه، فإن كان فيها عظم تغسل وتُلفّ بخرقة وتُدفن، وإن لم يكن فيها عتُلفّ بخرقة وتُدفن بلا غسل.

الغاسل

يجب المماثلة بين الغاسل والمغسول، فالرجال يغسلون الرجال، والنساء يغسلن النساء.

وأجاز الإمامية والشافعية والمالكية والحنابلة أن يغسل كل من الزوجين الآخر.

وقال الحنفية: ليس للزوج أن يغسل زوجته؛ لأنّها خرجت من عصمته بالموت، أمّا الزوجة لتغسل زوجها؛ لأنّها في عدّته، أي أنّ الزوجية باقية في حقّها، منتفية في حقّه، وإذا طلّقها ثمّ ماتت، فإن كان الطلاق بائناً فلا تغسله ولا يغسلها بالاتفاق، وإن كان رجعياً فقد أجاز الإمامية أن يغسل كل منهما الآخر.

وقال الحنفية والحنابلة: تغسله ولا يغسلها.

وقال المالكية والشافعية: لا تغسله ولا يغسلها، ولم يفرّقوا بين الطلاق البائن والرجعي.

وأجاز الإمامية للمرأة أن تغسل الصبي إذا لم يتجاوز العام الثالث من عمره، وللرجل أن يغسل الصبية إذا لم تتعدّ هذه السن. وقال الحنفية: يجوز إلى السن الرابعة.

وقال الحنابلة: إلى ما دون السابعة.

وقال المالكية: تغسل المرأة ابن ثماني سنين، ويغسل الرجل بنت سنتين وثمانية أشهر.


كيفية الغسل

الإمامية: يجب أن يُغسل الميت ثلاثة أغسال:

الغسل الأوّل: أن يكون في مائه قليل من السدر. وفي الثاني: قليل من الكافور. أمّا الغسل الثالث: فبالماء القراح، وأن يبتدئ الغاسل في غسله بالرأس، ثمّ بالجانب الأيمن، ثمّ الأيسر.

وقال الأربعة: الواجب غسل واحد بالماء القراح، والغسلان الآخران مستحبان، ولا يشترط كيفية خاصة بالغسل، فيصح كيف اتفق كغسل الجنابة، ولا يجب عندهم السدر والكافور بل يستحب أن يجعل في ماء الغسل الأخير كافور ونحوه من الطيب.

ويشترط في صحة الغسل (النية)، وإطلاق الماء وطهارته، وإزالة النجاسة عن بدن الميت، وعدم الحاجب المانع من وصول الماء الى البشرة.

وقال الإمامية: يكره غسل الميت بالماء الساخن. وقال الحنفية: الساخن أفضل. وقال الحنابلة والمالكية والشافعية: البارد مستحب.

واتفق الجميع على أنّ المـُحرم في الحج لا يوضع الكافور في ماء غسله، كما اتفقوا على ابتعاده عن كل نوع من أنواع الطيب.

وإذا تغذر الغسل؛ لفقد الماء او حرق أو مرض بحيث يتناثر لحمه من الماء، يقوم التيمم مقام الغسل بالاتفاق، أمّا كيفيته فهو كتيمم الحي، وسيأتي البيان في باب التيمم. وقال جماعة من فقهاء الإمامية: يجب التيمم ثلاث مرات: الأُولى بدل عن الغسل بماء السدر، والثانية بدل عن الغسل بماء الكافور، والثالثة بدل عن الغسل بالماء القراح. أمّا المحققون منهم فاكتفوا بتيمم واحد.

الحنوط

وهو مسح مساجد الميت السبعة بالكافور بعد الغسل، وهذه المساجد هي:


الجبهة، واليدان - يمسح به باطنها -، والركبتان، وإبهاما القدمين - يمسح رأسهما -. وقد أوجب الإمامية الحنوط بهذا النحو دون سائر المذاهب، ولم يفرّقوا بين الكبير والصغير حتى السقط، ولا بين الأنثى والذكر، ولم يستثنوا إلاّ المـُحرم في الحج، وأضافوا الى المساجد السبعة الأنف استحباباً.

الكفن

الكفن واجب عند الجميع، وقال الأربعة: الواجب في التكفين ثوب واحد يعمّ جميع الميت، والمستحب ثلاث قطع.

وقال الإمامية: القطع الثلاث واجبة وليست مستحبة، الأولى منها: المئزر، وهو أشبه بالوزرة، تبتدئ من السرّة وتنتهي إلى الركبة. الثانية: القميص، من المنكبين إلى نصف الساق. الثالثة: الإزار، يغطي تمام البدن.

ويُشترط في الكفن ما يُشترط في الساتر الواجب حين الصلاة من الطهارة والإباحة، وعدم كونه حريراً أو من حيوان لا يؤكل لحمه، أو ذهباً للرجال والنساء، وما إلى ذاك ممّا يأتي الكلام عنه في محله.

وكفن المرأة على زوجها إن كان موسراً عند الإمامية والشافعية والحنفية.

وقال المالكية والحنابلة: لا يلزم الزوج بتكفين زوجته، ولو كانت فقيرة. والمقدار من الكفن الواجب وغيره من الميت يؤخذ من أصل التركة - في غير الزوجة - مقدّماً على الدين والوصية والميراث، ما عدا العين التي تعلّق بها حق الرهن.

موت الفقير

قال الأربعة وجماعة من الإمامية: إذا لم يترك الميت مالاً يكفّن به فكفنه على مَن تلزمه نفقته حين حياته، وإن لم يكن له كفيل أو كان كفيله فقيراً


كُفّن من بيت المال أو من الزكاة إن امكن، وإلاّ فعلى جميع المسلمين القادرين.

وقال جماعة من الإمامية: مَن مات بلا مال ولا كفيل لا يجب على أحد بذل المال لتكفينه؛ لأنّ الواجب مباشرة العمل لا بذل المال، وعليه فالبذل مستحب من باب الإحسان، ومع عدم وجود المحسن يدفن عارياً.

الصلاة على الشهيد

اتفقوا على أنّ الصلاة تجب على المسلمين وأولادهم من غير فرق بين مذاهبهم وفرقهم، وعلى أنّ الصلاة لا تصحّ إلاّ بعد الغسل والكفن، وأنّ الشهيد لا يغسّل ولا يكفّن بل يدفن في ثيابه، وخيّر الشافعية بين دفنه بثيابه وبين نزعها وتكفينه من جديد، واختلفوا في الصلاة عليه، فقال الشافعية والمالكية والحنابلة: لا يُصلّى عليه.

وقال الإمامية والحنفية: تجب الصلاة عليه كغيره من الأموات.

الصلاة على الصغار

اختلفوا في الصلاة على الطفل، فقال الشافعية والمالكية: يُصلّى عليه إذا صرخ واستهل حين الولادة، أي أنّ حكم الصلاة حكم الميراث.

وقال الحنابلة والحنفية: يُصلّى عليه إذا تمّ له في بطن أُمه أربعة أشهر. وقال الإمامية: لا تجب الصلاة على اطفال المسلمين إلاّ بعد بلوغهم ست سنين، وتستحب على كل مَن كان دون هذه السن.

الصلاة على الغائب

قال الإمامية والمالكية والحنفية: لا تجوز الصلاة على الغائب بحال؛


واستدلوا بأنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) والصحابة لو فعلوا ذلك لاشتهر وتواتر، وبأنّ استقبال القبلة بالميت وحضور المصلي على الجنازة حين الصلاة من الشروط اللازمة.

وقال الحنابلة والشافعية: تجوز صلاة الغائب؛ واستدلوا بأنّ النبي صلّى على النجاشي، حين نُعي له. وأُجيبوا بأنّه عمل خاص بالرسول، أو لخصوصية بالنجاشي، ولذا لم يكرر هذا العمل من النبي مع العلم بموت كثير من عيون الأصحاب وهم بعيدون عنه.

الأولياء

قال الإمامية: جميع الواجبات المتعلقة بتجهيز الميت تتوقف صحتها على إذن الولي، من غير فرق بين التغسيل والتكفين والتحنيط والصلاة، ومَن فَعل شيئاً من ذلك دون أن يأذن الولي بطريق من الطرق يبطل العمل وتجب الإعادة، فالولي إمّا أن يباشر بنفسه، وإمّا أن يأذن بالمباشرة لغيره، فإن امتنع عن المباشرة والإذن يسقط اعتبار إذنه.

والزوج عند الإمامية مقدّم في الولاية على جميع الأرحام بالنسبة الى زوجته، والأولياء غير الزوج يأتون بترتيب الإرث، فالمرتبة الأُولى - وهي الآباء والأبناء - تُقدّم على المرتبة الثانية - وهي الإخوة والاجداد - والمرتبة الثانية تُقدّم على الثالثة - وهي الأعمام والأخوال - والأب أولى من الجميع في المرتبة الأُولى، والجد أولى من الإخوة في المرتبة الثانية، وإذا لم يكن في المرتبة ذكور فالولاية للإناث، وإذا تعدد الإخوة أو الأعمام والأخوال توقّف العمل على إذنهم جميعاً.

والأربعة لم يتعرضوا للولي سلباً ولا إيجاباً في مبحث الغسل والكفن، ممّا يدل على أنّ إذنه لا يعتبر في شيء من ذلك عندهم، وتكلموا عمّا هو أولى وأحق بالصلاة على الميت، فقال الحنفية: إنّ الذين يقدّمون في الصلاة يترتبون على هذا


النحو: السلطان، ثمّ نائبه، ثمّ القاضي، ثمّ صاحب الشرطة، ثمّ إمام الحي اذا كان أفضل من ولي الميت، ثمّ ولي الميت، ثمّ على ترتيب العصبة في النكاح.

وقال الشافعية: يقوم أبو الميت، ثمّ ابنه، ثمّ الأخ الشقيق - أي لأب وأُم -، ثمّ الأخ، ثمّ الابن، ثمّ ابن الابن، ثمّ الأب، ثمّ الأخ، ثمّ ابن الأخ، ثمّ الجد، ثمّ العم الخ.

وقال الحنابلة: الوصي العادل أولى، ثمّ السلطان، ثمّ نائبه، ثمّ الأب، ثمّ الابن، ثمّ الأقرب فالأقرب على ترتيب الميراث. (الفقه على المذاهب الأربعة. مبحث الأحق بالصلاة على الميت).

اشتباه المسلم بغيره

إذا وجِد ميت، ولم يعلم أَمسلم هو أو غير مسلم؟ فإن كان في ديار المسلمين فهو بحكم المسلم، وإلاّ فلا يجب شيء على مَن رآه؛ للشك في أصل التكليف.

وإذا اختلط موتى المسلمين بغيرهم وتعذّر التمييز، قال الحنابلة والإمامية والشافعية: يُصلّى على كل واحد بنية الصلاة عليه إن كان مسلماً. وقال الحنفية: يؤخذ بالأكثرية، فإن كان المسلمون أكثر صُلّي عليهم، وإلاّ فلا.

كيفية الصلاة

يوضع الميت مستلقياً على ظهره، ويقف المصلّي وراء الجنازة غير بعيد


عنها(١) مستقبل القبلة ورأس الميت إلى يمينه، وأن لا يوجد حائل من جدار ونحوه، وأن يكون المصلي واقفاً إلاّ لعذر مشروع، ثمّ ينوي المصلّي ويكبّر أربع مرات.

قال المالكية: يجب الدعاء بعد كل تكبيرة من التكبيرات الأربع، وأقلّه أن يقول المصلّي: (اللهم اغفر لهذا الميت)، وإذا كان الميت طفلاً دعا لوالديه، ويسلّم بعد الرابعة، ولا يرفع يديه إلاّ في التكبيرة الأُولى. وعلى هذا تجزي الصورة التالية:

(الله أكبر، اللّهم اغفر لهذا الميت، الله أكبر، اللهم ارحمه وارحمنا، الله أكبر، اللهم تُب عليه وعلينا، الله أكبر، اللهم اسكنه فسيح جنانك، السلام عليكم ...)

وقال الحنفية: يُثني على الله بعد الأُولى، ويصلّي على النبي بعد الثانية، ويدعو بعد الثالثة، ويسلّم بعد الرابعة، ولا يرفع يديه إلاّ في الأُولى، وتكفي هذه الصورة:

(الله أكبر، سبحان الله وله الحمد، الله أكبر، اللهم صلِّ على محمد، الله أكبر، اللّهم ارحم هذا الميت، الله أكبر، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله).

وقال الشافعية والحنابلة: يقرأ الفاتحة بعد الأُولى، ويصلّي على النبي بعد الثانية، ويدعو بعد الثالثة، ويسلّم بعد الرابعة، ويرفع يديه في جميع التكبيرات، وحينئذ يكفي أن يقول المصلّي:

____________________

(١) أجاز الشافعية والمالكية الصلاة على الميت المحمول على دابة أو أيدي الرجال أو أكتافهم.


(الله أكبر، ويقرأ الفاتحة، الله أكبر، اللهم صلِّ على محمد، الله أكبر، اللهم ارحمنا وإيّاه، الله أكبر، السلام عليكم ...).

وقال الإمامية: تجب خمس تكبيرات بعدد الفرائض اليومية، يأتي المصلّي بالشهادتين بعد الأُولى، والصلاة على النبي بعد الثانية، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بعد الثالثة، والدعاء للميت بعد الرابعة ولأبويه إن كان طفلاً، ولا شيء بعد الخامسة. ويرفع يديه استحباباً بعد كل تكبيرة، والصورة التالية أقلّ ما يجب:

(الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله، الله أكبر، اللهم صلِّ على محمد وآله، الله أكبر، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الله أكبر، اللهم اغفر لهذا الميت، الله أكبر).

أردنا بهذه الصورة الموجزة أن نبين أدنى افراد الواجب، وإلاّ فإنّ لكل مذهب أدعية مأثورة ومطوّلة ذُكرت في محلها.

واشترط الأربعة لصحة الصلاة على الجنازة: الطهارة وستر العورة تماماً كما في الصلاة المفروضة، وقال الإمامية: ليست الطهارة ولا ستر العورة بشرط للصحة، ولكنّهما مستحبتان؛ لأنّها ليست صلاة في حقيقتها وإنّما هي دعاء، ولذا لا يتحمل الإمام عندهم شيئاً من القراءة عند المأموم.

وبهذا تبيّن معنا أنّ المذاهب الأربعة يوجبون أربع تكبيرات على الميت، وأنّ الإمامية يوجبون خمساً، قال الإمام جعفر الصادق: (فرض الله الصلاة خمساً، جعل للميت من كل صلاة تكبيرة). وقال أيضاً: (كان النبي يكبّر خمساً على الجميع، ولما نهاه الله عن الصلاة على


المنافقين كبّر خمساً على غير المنافق يدعو له بعد الرابعة، وكبّر أربعاً على المنافق ولم يدعُ له أبداً).

مكان الصلاة على الجنازة

قال الشافعية: تستحب الصلاة على الميت في المسجد. وقال الحنفية: تكره. وقال الإمامية والحنابلة: تُباح إن لم يخش تلويث المسجد.

وقت الصلاة على الجنازة

وقال الشافعية والإمامية: يُصلّى على الجنازة في كل وقت. وقال المالكية والحنابلة والحنفية: لا يُصلّى عليها عند طلوع الشمس، وزوالها، وغروبها.

الدفن

اتفقوا على عدم جواز وضع الميت على وجه الأرض والبناء عليه من غير حفر، وإن كان في تابوت إلاّ لضرورة، وأنّ الواجب وضعه في حفرة تحرس جثته من التعدي ورائحته من الظهور، وأن يوضع الميت على جنبه الأيمن مستقبل القبلة ورأسه إلى الغرب ورجليه إلى الشرق.

وقال المالكية: إنّ وضعه على هذا الحال مندوب، وليس بواجب.

وقال الإمامية: المرأة يلحدها زوجها أو أحد محارمها ممّن كان يحل له النظر إليها حال الحياة، أو تلحدها النساء، فإن لم يوجد زوج ولا محرم ولا إمرأة فالأجانب الصلحاء.

وقال الحنابلة والحنفية: الزوج كالأجنبي بعد أن انقطعت العصمة بينه وبينها بالموت. وجاء في كتاب (الوجيز) للغزالي من الشافعية: (لا يوضع الميت في


قبره إلاّ الرجل، فإن كان إمرأة تولّى أمرها زوجها أو محرمها، فإن لم يكن فعبيدها، فإن لم يكن فخصيان، فإن لم يكن فأرحام، فإن لم يكن فأجانب). ومعنى هذا أنّ الرجل الأجنبي مقدّم على المرأة.

إلقاء الميت في البحر

إذا مات إنسان في سفينة بعيدة عن الشاطئ، فإن أمكن التأخير ليُدفن في الأرض وجب تأخيره، وإن خيف عليه الفساد يغسل ويكفّن ويُصلّى عليه، ويوضع في تابوت محكم أو برميل يسد رأسه ثمّ يلقى في البحر، وإن لم يمكن يثقل بحديد أو حجر ويطرح في الماء. وبديهة أنّ الفقهاء تكلموا عن هذا الفرع وأمثاله، حيث لم يكن في عهدهم وسائل فنية تحفظ الجسم من الفساد، أمّا اليوم حيث يمكن وضعه في برّاد أو يستعمل له بعض الوسائل التي لا تستلزم هتكاً ولا مثلة، فيجب التأخير وإن طال الزمن.

تسطيح القبر

اتفق الجميع على أنّ السنّة في القبر (التسطيح)، حيث ثبت أنّ النبي (صلّى الله عليه وسلم) سطّح قبر وَلده ابراهيم، وبه قال الشافعية والإمامية.

وقال الحنفية والمالكية والحنابلة: التسنيم أولى لا لشيء إلاّ لأنّ التسطيح أصبح شعاراً لبعض (الطوائف)!

نبش القبر

اتفق الجميع على تحريم نبش القبر، سواء أكان الميت كبيراً أو صغيراً، عاقلاً أو مجنوناً، إلاّ مع العلم باندراسه وصيرورة الميت تراباً، أو كان النبش لمصلحة الميت، أو كان القبر في مجرى السيل أو حافة النهر، أو دفن


في مكان مغصوب - عدواناً أو جهلاً أو نسياناً - وأبى المالك أن يسامح ويأخذ العوض، أو كفن بما لا يجوز التكفين به، أو دفن معه مال له قيمة، سواء أكان له أو لغيره.

واختلفوا في جواز النبش اذا كان قد دفن بلا غسل، أو غسل على غير الوجه الشرعي، فقال الحنفية وبعض الإمامية: لا يجوز لأنّه هتكٌ ومُثله. وقال الحنابلة والشافعية والمالكية وكثير من الإمامية: ينبش ويغسل ويُصلّى عليه، إذا لم يخف عليه الفساد.

وزاد بعض الإمامية فقال: ينبش أيضاً إذا انحصر إثبات حق من الحقوق على رؤية جسد الميت.


التيمم

للتيمم أسباب مسوغة، ومادة يُتيمم بها، وكيفية خاصة، وأحكام تترتب عليه:

أسباب التيمم

اختلفوا في الحاضر الصحيح الذي لم يجد الماء، هل يسوغ له التيمم؟ أي أنّ عدم وجود الماء هل يبيح التيمم في حالة السفر والمرض فقط، أو في جميع الحالات، حتى حين الصحة والحضر؟

قال أبو حنيفة: إنّ الحاضر الصحيح لا يتيمم ولا يصلّي إذا فقد الماء. (البداية والنهاية لابن رشد ج١ ص ٦٣ طبعة ١٩٣٥، والمغني لابن قدامة ج١ ص ٢٣٤ الطبعة الثالثة)؛ واستدل بالآية ٦ من سورة المائدة:( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ) ، فدلالة الآية صريحة بأنّ مجرد فقط الماء لا يكفي لجواز التيمم ما لم يكن ذلك في السفر أو المرض، وإذا كان التيمم مختصاً بالمسافر والمريض، فالصحيح الحاضر - والحالة هذه - لا تجب عليه الصلاة؛ لأنّه فاقد الطهور، ولا صلاة إلاّ بطهور.


واتفقت بقية المذاهب على أنّ فاقد الماء يجب عليه أن يتيمم ويصلّي، سواء أكان مسافراً أم حاضراً، صحيحاً أم مريضاً؛ للحديث المتواتر عند الجميع (إنّ الصعيد الطيّب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين). وخرّجوا ذكر السفر في الآية مخرج الغالب، لأنّ الغالب في الأسفار السابقة عدم وجود الماء.

هذا، ولو تمّ ما نقل عن الإمام إبي حنيفة لكان المسافر والمريض أسوأ حالاً من الحاضر الصحيح، حيث تجب الصلاة عليهما ولا تجب عليه.

وقال الشافعية والحنابلة: إذا وجد ماء لا يكفي للطهارة التامة وجب أن يستعمل ما تيسر له منه في بعض الأعضاء ويتيمم عن الباقي، فإذا كان معه من الماء ما يكفي للوجه فقط غسله ثمّ تيمم.

وقالت بقية المذاهب: وجود ما لا يكفي من الماء كعدمه، ولا يجب على واجده سوى التيمم.

ومهما يكن، فليس لمسألة عدم وجود الماء من موضوع في هذا العصر؛ لأنّ الماء متوفر لكل إنسان وفي كل مكان، سفراً وحضراً. وإذا أطال الفقهاء الكلام - في وجوب البحث عن الماء ومقدار السعي، وفيما اذا خاف على نفسه أو ماله أو عرضه من اللصوص والسباع، وفيما إذا وجده في بئر بلا دلو، أو بذل بأكثر من الثمن المعتاد، وما إلى ذاك - فلأنّ المسافرين كانوا يلاقون عنتاً شديداً في سبيل تحصيله.

الضرر الصحي

اتفقوا على أنّ من أسباب التيمّم: حدوث ضرر صحي من استعمال الماء ولو ظناً، فمَن خاف من حدوث مرض أو شدته أو طول مدته أو صعوبة علاجه، يترك الطهارة المائية الى الطهارة الترابية.

(فرع)

لو ضاق الوقت عن استعمال الماء، كما لو انتبه في الصباح ولم


يبق من الوقت إلاّ قليل بحيث لو تطهّر بالماء لصلّى الفريضة خارج الوقت قضاء، ولو تيمم لصلاّها في الوقت أداء، فهل يجب عليه - والحال هذه - التيمم أو الطهارة المائية؟

قال المالكية والإمامية: يتيمم ويصلّي، ويعيد.

وقال الشافعية: لا يجوز التيمم مع وجود الماء بحال.

وفصّل الحنابلة بين السفر والحضر، فقالوا: إذا حدث مثل هذا في السفر يتيمم ويصلّي ولا يعيد، أمّا إذا حدث في الحضر فلا يسوغ له التيمم.

وقال الحنفية: يجوز التيمم في هذه الحال للنوافل المؤقتة، كالسنن التي بعد الظهر والمغرب، أمّا المكتوبة فلا يستباح التيمم من أجلها مع وجود الماء وإن ضاق الوقت، بل يتوضأ ويصلّي قضاء، فإن تيممّ وصلّى في الوقت وجبت الإعادة في خارجه.

فيما يتيمم به

اتفقوا على وجوب التيمم بالصعيد الطهور؛ لقوله تعالى:( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) ، وللحديث الشريف: (خلقتُ الأرض مسجداً وطهوراً). والطيب هو: الطهور، والطهور: هو الذي لم تمسه نجاسة. واختلفوا في معنى الصعيد، فالحنفية وجماعة من الإمامية فهموا منه وجه الأرض، وقالوا بجواز التيمم بالتراب والرمل والحجر، ومنعوا من التيمم بالمعادن كالنورة والملح والزرنيخ، وما الى ذاك.

وفهم منه الشافعية التراب والرمل، فأوجبوا التيمم بهما اذا كان لهما غبار، ولم يجيزوا التيمم بالحجر.

وفهم منه الحنابلة التراب فقط، فلا يجوز عندهم التيمم بالرمل ولا الحجر،


وبهذا قال كثير من الإمامية، ولكنّهم أجازوا التيمم بالرمل والصخر لضرورة.

وعمّم المالكية لفظ الصعيد الى التراب والرمل والصخر والثلج والمعادن إذا لم تُنقل من مقرها، إلاّ الذهب والفضة والجواهر، فإنّهم لم يجيزوا التيمم بها مطلقاً.

كيفية التيمم

اتفقوا على أنّ التيمم لا يصح من غير نية، حتى الحنفية قالوا: إنّها شرط في التيمم وليست شرطاً في الوضوء، والتيمم عندهم رافع للحدث كالوضوء والغسل، ولذا أجازوا أن ينوي به رفع الحدث، كما ينوي استباحة الصلاة.

وقالت بقية المذاهب: إنّ التيمم مبيح وليس برافع، فعلى المتيمم أن ينوي الاستباحة لما يشترط به الطهارة ولا ينوي رفع الحدث، ولكنّ بعض الإمامية قال: تجوز نية رفع الحدث مع العلم بأنّ التيمم لا يرفع حدثاً؛ لأنّ نية الرفع عنده تستلزم نية الاستباحة.

وخير وسيلة تجمع بين جميع الأقوال أن يقصد المتيمم التقرب الى الله بأمثال الأمر المتعلق بهذا التيمم، سواء أتعلق الأمر به ابتداءً أم تولد من الأمر بالصلاة ونحوها من غايات التيمم.

وكما اختلفوا في معنى الصعيد اختلفوا أيضاً في المراد من الوجه والأيدي في الآية الكريمة، فقال الأربعة وابن بابويه من الإمامية: المراد من الوجه جميع الوجه ويدخل فيه اللحية، ومن اليدين الكفّان والزندان مع المرفقين، وعليه يكون الحد في التيمم هو الحد بعينه في الوضوء، فيضرب ضربتين: إحداهما يمسح بها تمام الوجه، والثانية يمسح بها اليدين من رؤوس الأصابع الى المرفقين.

وقال المالكية والحنابلة: إنّ مسح اليدين إلى الكوعين - أي طرفي الزندين - فرض، وإلى المِرفَقين سنّة.


وقال الإمامية: المراد من الوجه بعضه لا كله؛ لأنّ الباء في قوله تعالى:( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ ) تفيد التبعيض بدليل دخولها على المفعول، وإذا لم تكن للتبعيض تكون زائدة؛ لأنّ امسحوا تتعدى بنفسها، والأصل عدم الزيادة. وحددوا القدر الواجب مسحه من الوجه بالابتداء من قصاص الشعر إلى طرف الأنف الأعلى ويدخل فيه الجبهة والجبينان، وقالوا: المراد من اليدين الكفّان فقط؛ لأنّ اليد في كلام العرب تقال على معان منها: الكف وحدها وهو أظهرها استعمالاً. (البداية والنهاية لابن رشد ١ ص ٦٦).

ويؤيد ذلك أنّك إذا قلت: هذي يدي وفعلتُه بيدي، لا يفهم من اليد إلاّ الكف فقط، وعليه تكون صورة التيمم عند الإمامية على هذا النحو: يضرب على الأرض بباطن الكفين، ويمسح وجهه من قصاص الشعر الى طرف الأنف الأعلى، ثمّ يضرب ثانية ويمسح تمام ظاهر الكف اليمنى بباطن الكف اليسرى، وتمام ظاهر اليسرى بباطن اليمنى.

وأوجب الإمامية الترتيب، بحيث لو قدّم الكفين على الوجه بطل التيمم، كما أوجبوا الابتداء بالأعلى ومنه الى الأسفل، فلو ابتدأ من الأسفل بطل، وقال أكثرهم بوجوب الضرب على الأرض، بمعنى لو وضع يديه عليها دون ضرب يبطل التيمم.

وقال الحنفية: لو أصاب وجهه غبار فوضع يده عليه ومسحه، كفاه عن الضرب.

واتفق الجميع على أنّ طهارة أعضاء التيمم شرط في الصحة، سواء منها الماسح والممسوح، وكذلك طهارة ما يتيمم به، واتفقوا أيضاً على وجوب نزع الخاتم حين التيمم ولا يكفي تحريكه، كما هي الحال في الوضوء.

واختلفوا في لزوم الموالاة، فقال المالكية والإمامية بوجوبها بين الأجزاء، فلو فرّق بزمن يخلّ بالموالاة والتتابع يبطل التيمم.


وقال الحنابلة: تجب الموالاة والترتيب إذا كان التيمم من الحدث الأصغر، أمّا من الحدث الأكبر فلا يجب الترتيب ولا الموالاة.

وقال الشافعية بوجوب الترتيب دون الموالاة.

وقال الحنفية: لا يجب الترتيب ولا الموالاة.

أحكام التيمم

وهنا مسائل:

١ - اتفق الجميع على عدم جواز التيمم للصلاة قبل دخول وقتها إلاّ الحنفية، قالوا: يصح التيمم قبل دخول الوقت.

وقال الامامية: لو تيمم قبل الوقت لغاية يسوغ لها التيمم، ثمّ دخل الوقت ولم ينتقض تيممه يجوز أن يصلّي به.

وأجاز الإمامية والحنفية الجمع بين صلاتين بتيمم واحد.

وقال الشافعية والمالكية: لا يجوز الجمع بين فريضتين بتيمم واحد.

وقال الحنابلة: يجمع بينهما قضاء لا أداء.

٢ - بعد أن يتحقق التيمم على الوجه الشرعي يصبح المتيمم بحكم الطاهر بالطهارة المائية، ويستباح له كل ما يستباح به الوضوء والغسل، وينتقض بما ينتقضان به من الأحداث الكبيرة والصغيرة، وبزوال العذر من فقد الماء أو المرض.

٣ - لو وجد الماء بعد التيمم وقبل الدخول في الصلاة يبطل التيمم بالاتفاق، ولو وجده وهو في أثناء الصلاة، قال بعض الإمامية: إن كان قبل أن يركع الركعة الأُولى يبطل التيمم والصلاة، وإن كان بعد الركوع يتم، وتكون الصلاة صحيحة.


وقال الشافعية والمالكية والحنابلة في إحدى الروايتين، وجماعة من الإمامية: متى كبّر تكبيرة الإحرام يمضي ولا يلتفت، وتصح الصلاة؛ لقوله تعالى:( وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) .

ولو ارتفع العذر بعد الانتهاء من الصلاة وكان الوقت متسعاً فلا تجب الإعادة ثانية بالإجماع.

٤ - لو تيمم المجنب بدلاً من الغسل ثمّ أحدث بالأصغر، ووجد ماء يكفيه للوضوء فقط، فهل يجب الوضوء والتيمم ثانية بدلاً من الغسل؟

قال المالكية وأكثر الأمامية: يتيمم بدلاً عن الغسل.

وقال الحنفية والشافعية والحنابلة، وجماعة من الامامية: يتوضأ؛ لأنّ التيمم كان من الجنابة ثمّ انتقض بغير الجنابة، فلا يعود جُنباً دون أن يجنب، وإنّما يكون محدِثاً بالحدث الأصغر.

٥ - انفرد الحنابلة عن سائر المذاهب باعتبار التيمم بدلاً عن النجاسة الواقعة على البدن. (كتاب الفقه على المذاهب الأربعة مبحث أركان التيمم).

٦ - إذا فقد الطهورين، كالذي يُحبس في مكان لا ماء فيه ولا ما يتيمم به، أو كان مريضاً لا يستطيع الوضوء ولا التيمم، ولم يجد مَن يوضّئه أو ييّممه، فهل يجب عليه أن يصلّي بلا طهور؟ وعلى افتراض وجوب الصلاة وصلّى، فهل يعيدها بعد أن يقدر على الطهارة؟

قال المالكية: تسقط عنه الصلاة أداءً وقضاءً.

وقال الحنفية والشافعية: لا تسقط أداءً ولا قضاءً. ومعنى أدائها عند


الحنفية أن يتشبه بالمصلين، وعند الشافعية أن يصلي صلاة حقيقة، فإذا ارتفع العذر أعادها على النحو المطلوب شرعاً.

وقال أكثر الامامية: تسقط أداءً، وتجب قضاءً.

وقال الحنابلة: بل تجب أداءً، وتسقط قضاءً.


المذاهب وآية التيمم

يتبين ممّا قدّمنا في الماء المضاف وفي نواقض الوضوء وفي التيمم، أنّ المذاهب الإسلامية أكثر ما تكون اختلافاً في ألفاظ آية التيمم:( وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُمْ مِن الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ ) .

اختلف الفقهاء فيمن يجب عليه التيمم مع فقد الماء، هل هو المريض والمسافر فقط، أو يعمّهما ويعمّ الحاضر الصحيح؟ وهل المراد بالملامسة الجماع أو اللمس باليد؟ وهل المراد بالماء المطلق فقط، أو ما يعمّ المضاف؟ وهل المراد بالصعيد خصوص التراب، أو وجه الأرض تراباً كان أو رملاً أو صخراً؟ وهل المراد بالوجه جميعه أو بعضه؟ وهل المراد باليد الكف فقط، أو الكف والذراع؟ وإليك ملخص ما قدّمناه من الأقوال:

١ - قال أبو حنيفة: إنّ الحاضر الصحيح الذي يجد ماء لا يسوغ له التيمم، وليس عليه الصلاة؛ لأنّ الآية أوجبت التيمم مع فقدِ الماء على خصوص المريض والمسافر.

وقالت بقية المذاهب: إنّ لمس المرأة الأجنبية باليد تماماً - كالمجيء من الغائط - ينقض الوضوء.


وقال الامامية: الجماع هو الناقض لا اللمس باليد.

٢ - قال الحنفية: إنّ معنى (إذا لَم تجدوا ماء فتيمّموا): أيّ ماء كان مطلقاً أو مضافاً، أمّا بقية المذاهب فقالت: إنّ لفظ الماء في الآية ينصرف إلى الماء المطلق دون المضاف.

٣ - قال الحنفية وجماعة من الإمامية: المراد من الصعيد بالآية: التراب والرمل والصخر.

وقال الشافعية: المراد به التراب والرمل فقط.

وقال الحنابلة: التراب فقط.

وقال المالكية: يعمّ التراب والرمل والصخر والثلج والمعادن.

وقال الأربعة: المراد من الوجه في الآية: جميعه.

وقال الامامية: بل بعضه.

٤ - قال الأربعة: المراد من الأيدي: الكفّان والزندان مع المرفقين.

وقال الامامية: بل الكفّان فقط.

وإذا دلّ اختلافهم هذا على شيء فإنّما يدلّ على أنّه قشري لا جوهري، ولفظي لا معنوي، وأنّه أشبه باختلاف اللغويين على معنى كلمة، والأدباء على تفسير بيت من الشعر. ومن هنا يختلف فقهاء المذاهب الواحد في مسألة واحدة، تماماً كما يختلف كل مذهب مع مذهب آخر.


الصلاة

تنقسم الصلاة إلى واجبة ومندوبة، وأهمّ الصلوات كلها الصلوات الخمس اليومية، وقد أجمع المسلمون كافة على أنّ مَن جحد وجوبها أو شكّ به ليس بمسلم وإن نطق بالشهادة؛ لأنّها من أركان الإسلام، ووجوبها ثابت بضرورة الدين، وليس محلاً للنظر والاجتهاد ولا للتقليد والسؤال.

واختلفوا في حكم تارك الصلاة كسلاً وتهاوناً مع إيمانه بوجوبها، فقال الشافعية والمالكية والحنابلة: يُقتل.

وقال الحنفية: يُحبس مؤبّداً، أو يصلّي.

وقال الامامية: كل مَن ترك واجباً - كالصلاة والزكاة والخمس والحج والصوم - يؤدّب بما يراه الحاكم فإن ارتدع، وإلاّ أدّبه ثانية فإن تاب، وإلاّ أدّبه ثالثة، وإن استمر قُتل في الرابعة. (كشف الغطاء للشيخ الكبير ص٧٩ طبعة ١٣١٧ﻫ).

رواتب الفرائض

الصلاة المندوبة على أنواع، منها الرواتب للفرائض اليومية، وقد اختلفت المذاهب في عدد ركعاتها:


قال الشافعية: هي إحدى عشرة ركعة: (٢) قبل الصبح، و(٢) قبل الظهر، و(٢) بعده، و(٢) بعد المغرب، و(٢) بعد العشاء، وركعة الوتيرة.

وقال الحنابلة: عشر ركعات: (٢) قبل الظهر، و(٢) بعده، و(٢) بعد المغرب، و(٢) بعد العشاء، و(٢) قبل صلاة الصبح.

وقال المالكية: ليس للنوافل التابعة للفرائض تحديد معيّن وعدد خاص، ولكنّ الأفضل: (٤) ركعات قبل الظهر، و(٦) بعد صلاة المغرب.

وقال الحنفية: تنقسم النافلة التابعة للفرائض إلى مسنونة ومندوبة(١) ، والمسنونة خمس صلوات: ركعتان قبل الصبح، و(٤) قبل الظهر، و(٢) بعد الظهر في غير يوم الجمعة، و(٢) بعد المغرب، و(٢) بعد العشاء.

والمندوبة أربع صلوات: (٤) ركعات قَبل العصر وإن شاء ركعتين، و(٦) بَعد المغرب، و(٤) قَبل العشاء، و(٤) بَعد العشاء.

وقال الإمامية: رواتب اليومية أربع وثلاثون ركعة: (٨) للظهر قبلها، و(٨) للعصر قبلها كذلك، و(٤) للمغرب بعدها، و(٢) للعشاء كذلك، ولكنّهما من جلوس تعدّان بركعة واحدة وتسمّى الوتيرة، و(٨) لصلاة الليل، و(٢) للشفع، وركعة الوتر واحدة(٢) ، و(٢) لصلاة الصبح، وتسمى صلاة الفجر.

____________________

(١) للحنفية اصطلاحات فيما يجب فعله ولا يجوز تركه، فهو عندهم على قسمين: فرض، إذا ثبت بدليل قطعي، كالكتاب والسنّة المتواترة والإجماع، وواجب، إذا ثبت بدليل ظني، كالقياس والخبر الواحد. والذي يرجّح فعله على تركه على قسمين أيضاً: مسنون، وهو الذي واظب عليه النبي والخلفاء الراشدون، ومندوب، وهو ما أمر به النبي ولَم يواظب عليه. والذي يجب تركه ولا يجوز فعله، إن ثبت بدليل قطعي فهو محرّم، وإن ثبت بدليل ظني فهو مكروه تحريماً.

(٢) صلاة الوتر عند الحنفية ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، ويمتد وقتها عندهم من غروب الشفق إلى طلوع الفجر، وقال الحنابلة والشافعية: أقلّها ركعة، وأكثرها إحدى عشرة، ووقتها بعد صلاة العشاء. وقال الحنابلة هي ركعة واحدة.


وقت الظهرين

يبدأ الفقهاء بصلاة الظهر؛ لأنّها أوّل صلاة فُرضت، ثمّ فُرض بعدها العصر، ثمّ المغرب، ثمّ العشاء، ثمّ الصبح على الترتيب. وقد وجبت الصلوات الخمس بمكة ليلة الإسراء بَعد تسع سنوات من بعثة الرسول، واستدل مَن قال بهذا أنّ الآية ٧٨ من سورة الإسراء -( أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) - قد فصّلت الصلوات الخمس.

واتفقوا على أنّ الصلاة لا تجوز قَبل دخول وقتها، وعلى أنّ الشمس إذا زالت دخل وقت الظهر، واختلفوا في مقدار هذا الوقت وإلى متى يمتد.

قال الامامية: تختص الظهر من عقب الزوال بمقدار أدائها، وتختص العصر من آخر النهار بمقدار أدائها أيضاً، وما بين الأوّل والأخير مشترك بين الصلاتين، ومن هنا قالوا: يجوز الجمع بين الصلاتين في الوقت المشترك(١) وإذا ضاق الوقت ولَم يبق من آخره إلاّ مقدار ما يتسع للظهر فقط، قدّم العصر على الظهر يصليها أداءً، ثمّ يأتي الظهر آخر الوقت قضاءً.

وقال الأربعة: يبتدئ وقت الظهر من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، فإذا زاد عن ذلك خرج وقت الظهر، ولكنّ الشافعية والمالكية قالوا: يختص هذا التحديد بالمختار، أمّا المضطر فيمتد وقت الظهر معه إلى ما بعد امتداد ظل الشيء إلى مثله. وقال الامامية: امتداد الظل إلى مثله وقت فضيلة الظهر، وإلى مثيله وقت فضيلة العصر.

وقال الحنفية والشافعية: يبتدئ وقت العصر من زيادة الظل عن مثله إلى الغروب.

____________________

(١) من علماء المذاهب مَن يوافق الإمامية على الجمع في الحضر، وقد ألّف الشيخ أحمد الصديق الغماري كتاباً في ذلك أسماه (إزالة الخطر عمّن جمع بين الصلاتين في الحضر).


وقال المالكية: للعصر وقتان، أحدهما اختياري، والثاني اضطراري، ويبتدئ الأوّل من زيادة الظل عن مثله إلى اصفرار الشمس، ويبتدئ الثاني من الاصفرار إلى الغروب.

وقال الحنابلة: من آخر صلاة العصر إلى أن يتجاوز الظل عن مثليه تقع الصلاة أداءً إلى حين الغروب، ولكنّ المصلي يأثم، حيث يحرم عليه أن يؤخرها إلى هذا الوقت، وقد انفردوا بذلك عن سائر المذاهب.

وقت العشاءين

قال الشافعية والحنابلة (على رأي الصاحبين): يبتدئ وقت المغرب من مغيب القرص، وينتهي بمغيب الشفق الأحمر من جهة المغرب.

وقال المالكية: إنّ وقت المغرب مضيّق، ويختص من أوّل المغرب بمقدار ما يتسع لها ولمقدماتها وشرائطها من الطهارة والأذان، ولا يجوز تأخيرها اختياراً عن هذا الوقت، أمَا مع الاضطرار فيمتد وقت المغرب إلى طلوع الفجر، وعدم جواز تأخير المغرب عن أوّل وقتها ممّا انفردت به المالكية.

وقال الإمامية: تختص صلاة المغرب من أوّل وقت الغروب(١) بمقدار

____________________

(١) يتحقق الغروب عند الإمامية بمجرد سقوط القرص تماماً كما عند الأربعة. ولكنّهم قالوا بأنّ مغيب الشمس لا يُعرف بمجرد مواراة القرص عن العيان، بل بارتفاع الحمرة من المشرق بمقدار قامة الرجل؛ لأنّ المشرق مطل على المغرب، وعليه تكون الحمرة المشرقية انعكاساً لنور الشمس، وكلما أوغلت الشمس في الغروب ارتفع هذا الانعكاس. أمّا ما نسمعه من أنّ الشيعة لا يفطرون في رمضان حتى تطلع النجوم فلا مصدر له، بل قد أنكروا ذلك في كتبهم الفقهية، وردّوا على مَن زعم ذلك بأنّ النجوم قد تكون قَبل الغروب ومعه وبعده، وأنّه ملعون ابن ملعون مَن أخّر صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم. قالوا هذا رداً على الخطابية أتباع أبي الخطاب القائلين بهذا القول، وهم من الفرق البائدة، ولله الحمد. وقيل للإمام الصادق: إنّ أهل العراق يؤخّرون المغرب إلى أن تشتبك النجوم. فقال: (هذا من عملِ عدوّ الله أبي الخطاب).


أدائها، وتختص العشاء من آخر النصف الأوّل من الليل بمقدار أدائها، وما بين هذين وقتٌ مشترك بين المغرب والعشاء، ولذا أجازوا الجمع في هذا الوقت المشترك بين الفريضتين.

هذا بالنسبة إلى المختار، أمّا المضطر لنوم أو نسيان فيمتد وقت الصلاتين إلى الفجر على أن تختص صلاة العشاء من آخر الليل بمقدار أدائها، وتختص المغرب من الجزء الأوّل من نصف الليل الثاني بمقدار أدائها أيضاً.

وقت الصبح

وقت الصبح من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس بالاتفاق، إلاّ المالكية قالوا: للصبح وقتان: اختياري، وهو من طلوع الفجر إلى تعارف الوجوه. واضطراري، وهو من تعارف الوجوه إلى طلوع الشمس.


القبلة

اتفقوا على أنّ الكعبة قبلة القريب الذي يبصرها، واختلفوا في البعيد الذي يتعذر عليه رؤيتها.

فقال الحنفية والحنابلة والمالكية وجماعة من الإمامية: إنّ قبلة البعيد هي الجهة التي تقع فيها الكعبة لا عينها.

وقال الشافعية وكثير من الإمامية: يجب استقبال عين الكعبة للقريب والبعيد على السواء، فإن أمكن حصول العلم باستقبال عين الكعبة تعيّن، وإلاّ فيكفي الظن. وبديهة أنّ البعيد لا يستطيع أن يحقق هذا القول بحال؛ لأنّه تكليف بالمحال ما دامت الأرض كروية، إذن يتعيّن أن تكون قبلة البعيد الجهة لا عين الكعبة.

الجاهل بالقبلة

مَن تعذر عليه معرفة القبلة، يجب عليه أن يتحرّى ويجتهد حتى يعلم أو يظن أنّها في جهة خاصة، وإذا لَم يحصل له العلم ولا الظن، قال الأربعة وجماعة من الإمامية: يصلي لأيّة جهة شاء، وتصحّ صلاته ولا تجب الإعادة إلاّ عند الشافعية.

وقال كثير من الإمامية: يصلي إلى أربع جهات امتثالاً للأمر بالصلاة،


وتحصيلاً للواقع، وإذا لَم يتسع الوقت لتكرار الصلاة أربع مرات، أو عجز عن الصلاة إلى الجهات الأربع اكتفى بالصلاة إلى بعض الجهات التي يقدر عليها(١) .

(فرع)

إذا صلّى إلى غير القبلة ثمّ تبيّن خطؤه، قال الإمامية: إذا ظهر الخطأ في أثناء الصلاة وكان منحرفاً عن القبلة إلى ما بين اليمين واليسار، مضى على ما تقدّم من الصلاة واستقام في الباقي، وإذا تبيّن أنّه صلّى إلى المشرق أو إلى المغرب أو الشمال - أي مستدبراً القبلة - أبطل الصلاة واستأنفها من جديد، وإذا تبيّن الخطأ بَعد الفراغ أعاد في الوقت دون خارجه. وقال بعض الإمامية: لا يعيد في الوقت ولا في الخارج إذا انحرف يسيراً عن القبلة، ويعيد في الوقت دون خارجه إذا كان قد صلى إلى المشرق أو المغرب، ويعيد داخل الوقت وخارجه إذا ظهر أنّه كان مستدبراً.

وقال الحنفية والحنابلة: إذا تحرّى واجتهد بحثاً عن القبلة، ولَم يترجح لديه جهة من الجهات فصلى إلى جهة ما، ثمّ ظهر خطؤه، فإن كان في الأثناء تحوّل إلى الجهة المتيقنة أو الراجحة عنده، وإذا تبين بَعد الفراغ صحّت صلاته ولا شيء عليه.

وقال الشافعية: إذا تبيّن الخطأ بطريق الجزم واليقين وجب إعادة الصلاة، وإذا تبيّن بطريق الظن فالصلاة صحيحة من غير فرق بين أن يكون ذلك في الأثناء أو بَعد الفراغ.

أمّا مَن ترك التحرّي والاجتهاد، ثمّ تبيّن أنّه قد أصاب القبلة فصلاته باطلة

____________________

(١) جاء الأمر في الآية ١٤٤ من سورة البقرة أن نتوجّه إلى المسجد الحرام:( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) . وجاء الأمر في الآية ١١٥ بالتوجه أينما شئنا:( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) . فقال قوم: إنّ الأُولى ناسخة لهذه. وقال آخرون: كلا، لا ناسخ ولا منسوخ، ولا خاص ولا عام. وطريق الجمع بين الآيتين أنّ الأُولى خاصة بمن عرف القبلة، فيتعيّن عليه التوجه إليها، والثانية خاصة بالمتحير الذي يجهلها، وحكمه أن يصلي إلى أية جهة شاء. وهذا أقرب.


عند المالكية والحنابلة. وصحيحة عند الحنفية والإمامية إذا صلى دون أن يشك، بحيث كان جازماً بالقبلة حين الشروع بالصلاة، لأنّه - والحالة هذه - تتأتى، وتصحّ منه نية القربة، كما قال الإمامية.


ما يجب ستره وما يحرم النظر إليه من البَدن

هذا الموضوع من الموضوعات التي يتفرع عنها أحكام شتى، منها تحديد ما يجب على المكلف أن يستره من بدنه، ومنها تحديد ما يحرم أن ينظر إليه من بدن غيره، ومنها الفرق بين المحارم لنسب أو مصاهرة وغير المحارم، والفرق بين نظر الإنسان إلى مَن يماثله أو يخالفه أو يخالفه في الذكورية والأنوثية، ومنها الفرق بين النظر والمس، أو غير ذلك ممّا نتعرض له فيما يلي:

نظر الإنسان إلى نفسه

١ - اختلفوا في ستر عورة الإنسان عن نفسه، وإنّه هل يحرم عليه أن يكشف عن عورته إذا كان في خلوة، وأمن وجود الناظر؟

قال الحنفية والحنابلة: كما لا يجوز للمكلف أن يكشف عن عورته مع وجود مَن لا يحل النظر إليها، كذلك لا يجوز أن يكشف عنها إذا كان في خلوة إلاّ لضرورة من قضاء حاجة أو اغتسال.

وقال المالكية والشافعية: لا يحرم، بل يكره إلاّ لضرورة.


وقال الامامية: لا يحرم ولا يكره مع عدم وجود الناظر.

ومن الطريف قول ابن أبي ليلى بمنع الإنسان عن الاغتسال عارياً؛ لأنّ في الماء ساكناً. (المجموع شرح المهذب ج٢ ص ١٩٧).

المرأة والمحارم

٢ - اختلفوا فيما يجب على المرأة أن تستره من بدنها عن محارمها من الرجال - عدا الزوج - وأمثالها من النساء المسلمات(١) ، وبكلمة ثانية ما هو حد العورة في المرأة بالنسبة إلى امرأة مثلها، وإلى محرم لها لنسب أو مصاهرة؟

قال الحنفية والشافعية: يجب عليها في هذه الحال أن تستر ما بين السرة والركبة.

وقال المالكية والحنابلة: تستر عن النساء ما بين السرة والركبة، وعن محارمها الرجال جميع بدنها إلاّ الأطراف كالرأس واليدين.

وقال أكثر الإمامية: يجب أن تستر السوأتين عن النساء والمحارم، أما ستر ما عداهما فأفضل وليس بواجب إلاّ مع خوف الفتنة.

المرأة والأجنبي

٣ - فيما يجب أن تستره المرأة عن الرجل الأجنبي، وقد اتفقوا على أنّ جميع بدنها عورة في هذه الحال، ما عدا الوجه والكفين؛ للآية ٣١ من سورة

____________________

(١) بيّنت الآية ٣١ من سورة النور مَن يجوز للنساء أن يبدين زينتهن أمامهم، وذكرت من هؤلاء (نساءهن)، أي نساء المؤمنات، فقد نهت الآية أن تتجرد المسلمة لغير المسلمة، وحمل الشافعية والمالكية والحنفية النهي على التحريم. وقال أكثر الإمامية والحنابلة: لا فرق بين المسلمة وغير المسلمة، كما أنّه يكره الكشف عند الإمامية لغير المسلمة؛ لأنّها تصف ذلك إلى زوجها.


النور:( وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَلْيَـضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) ، حيث إنّ المراد من ظاهر الزينة الوجه والكفّان، أمّا الخمار فهو غطاء الرأس لا غطاء الوجه، والجيب هو الصدر، وقد أُمرن أن يضعن الغطاء على رؤوسهن، ويسدلنه على الصدر. أمّا الآية ٩٥ من سورة الأحزاب:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ ِلأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمنينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ من جَلاَبِيبِهِنَّ ) ، فإنّ الجلباب غير حجاب الوجه، بل هو القميص والثوب.

عورة الرجل

٤ - اختلفوا في حد العورة في الرجل ناظراً ومنظوراً، أي ما يجب عليه ستره من بدنه هو، وما يجب أن يحبس عن بصره من بدن غيره.

قال الحنفية والحنابلة: يجب على الرجل أن يستر ما بين السرة والركبة - عن غير الزوجة - ويحل للغير رجلاً كان أو امرأة، مَحرماً أو غير محرم، أن ينظر إلى ما عدا ذلك من بدن الرجل عند أمن الفتنة.

وقال المالكية والشافعية: لعورة الرجل حالتان: إحداهما بالنسبة إلى أمثاله من الرجال ومحارمه من النساء، وأخرى بالنسبة إلى النساء الأجنبيات، أمّا في الحالة الأُولى فعليه أن يستر ما بين السرة والركبة فقط، وأمّا في الحالة الثانية فجميع بدن الرجل عورة يحرم على الأجنبية أن تنظر إليه، إلاّ أنّ المالكية استثنوا الأطراف عند أمن التلذذ، والشافعية قالوا بتحريم النظر مطلقاً. (الفقه على المذاهب الأربعة ج١ مبحث ستر العورة).

وفرّق الإمامية بين ما يجب على الناظر وما يجب على المـُنظَر، فقالوا: لا يجب على الرجل إلاّ ستر القُبل والدبر، ولكن يجب على الأجنبيات حبس أنظارهن عمّا عدا الوجه والكفين. ويتلخص رأي الإمامية بأنّ الرجل يجوز له أن ينظر إلى بدن مثله، وإلى بدن امرأة من محارمه ما عدا القُبل والدبر بدون


ريبة، وكذا المرأة يجوز لها النظر إلى بدن مثلها، أو رجل مَحرم ما عدا السوأتين بدون ريبة.

الصغير

٥ - في عورة الصغير، قال الحنابلة: لا عورة لمن لم يبلغ السابعة من عمره، فيباح جميع مس بدنه والنظر إليه، وما زاد إلى ما قبل تسع فعورته القُبل والدبر إن كان ذكراً، وإن كان أنثى فجميع البدن بالنسبة إلى الأجانب.

وقال الحنفية: لا عورة لابن أربع فما دون، وما زاد فعورته القُبل والدبر ما دام لم يشته، فإذا بلغ حد الشهرة فحكمه حكم البالغين دون فرق بين الذكر والأنثى.

وقال المالكية: يجوز للمرأة أن تنظر وتلمس الصبي حتى يبلغ الثامنة من عمره، وتنظر ولا تلمس إلى الثانية عشرة، ومَن زادت سنّه عن ذلك فحكمه حكم الرجال، ويجوز للرجل أن ينظر ويلمس بنت سنتين وثمانية أشهر، وينظر ولا يلمس إلى أربع.

وقال الشافعية: عورة الصبي المراهق كعورة البالغ، أمّا غير المراهق فإن لم يحسن الوصف فلا عورة له، وإن أحسنه بشهوة كالبالغ، أمّا الصبية غير المراهقة فإن كانت مشتهاة فهي كالبالغة، وإلاّ فلا، ولكن يحرم النظر إلى فرجها لغير القائم على تربيتها.

وقال الإمامية: يجب التستر عن الصبي المميّز الذي يحسن وصف ما يرى، ومَن لا يحسن الوصف لا يجب التستر عنه؛ لأنّه كالحيوانات. هذا فيما يعود إلى وجوب التستر عنه، أمّا جواز النظر إلى عورته، فقال الشيخ جعفر في كتابه (كشف الغطاء): لا يجب حبس النظر عن عورة مَن لم يبلغ خمس سنين، ومع


الشهوة لا يجوز مطلقاً، وتبين لي من أحاديث أهل البيت أنّ النظر يجوز إلى بلوغ الست لا الخمس.

صوت المرأة

٦ - اتفق الجميع على أنّ صوت الأجنبية ليس بعورة إلاّ إذا كان بتلذذ أو مع خوف الفتنة؛ واستدل صاحب الجواهر على ذلك في أوّل باب الزواج بالسيرة المستمرة في الأعصار والأمصار، وبخطبة الزهراء وبناتها، ومخاطبة النساء للنبي والأئمة والعلماء على وجه لا يمكن إحصاؤه ولا حمله على الاضطرار، وبإقامة النساء المآتم والأعراس بين الرجال منذ القديم، وبمخاطبة الجنسين في المعاملات والمخاطبات، وبقوله تعالى:( ولا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ) ، حيث لم ينه عن أصل القول، بل عن كيفيته والخضوع به.

اللون دون الحجم

٧ - اتفقوا على أنّ الواجب ستر اللون دون الحجم.

(حاشية من الكاتب: إذا كان لون الساتر كلون البشرة بحيث لا يمتاز عنها، كما هي الحال في (كلسات اللحم) فوجود الساتر وعدمه سواء).

بين النظر والمس

٨ - كل ما جاز مسه جاز النظر إليه، وكل ما حرم النظر إليه حرم مسه باتفاق المذاهب كافة؛ لأنّ المس أقوى وأشد في التلذذ والاستمتاع من النظر، ولم يدع أحد من فقهاء المذاهب الملازمة بين جواز النظر وجواز المس، فالرجل يجوز له النظر إلى وجه الأجنبية وكفيّها، ولكن لا يجوز المس إلاّ لضرورة، كعلاج مريض وإنقاذ غريق، وقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق: هل يصافح


الرجل المرأة ليست له بذي محرم؟ قال: (لا، إلاّ من وراء ثياب).

واستثنى الحنفية مصافحة العجوز، فقد جاء في كتاب (ابن عابدين ج١ ص ٢٨٤): (إنّ الشابة لا يجوز مس وجهها وكفيها وإن أمن الشهوة، أمّا العجوز لا تُشتهى فلا بأس بمصافحتها ومس يدها إن أمن الشهوة).

وأجاز الإمامية والحنفية مس جسد المحارم لغير شهوة وتلذذ، ومنع الشافعية من كل ما يجوز النظر إليه من المحارم، حتى أنّه لا يجوز للرجل عندهم أن يمس بطن أُمه ولا ظهرها، ولا يغمز ساقها ورجلها، ولا يُقبّل وجهها، وكذا لا يجوز للرجل أن يأمر ابنته أو أخته أن تغمز رجله. (تذكرة العلاّمة الحلي ج٢ أوّل باب الزواج).

بين النظر والكشف

٩ - قال الإمامية: لا ملازمة بين جواز الكشف عن البدن وجواز النظر إليه، فيجوز عندهم أن يكشف الرجل عن جميع بدنه ما عدا السوأتين، ولا يجوز للأجنبية أن تنظر إليه. ولم أرَ فيما لدي من كتب المذاهب الأربعة على كثرتها مَن قال بذلك.

العجوز

١٠ - قال تعالى:( وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) . (النور/٦٠)

دلّت الآية الكريمة على أنّ العجائز اللاتي لا طمع لهنّ في النكاح لكبر السن، يجوز لهنّ (أن يبرزن وجوههن وبعض شعورهن وأذرعهن، ونحو ذلك ممّا يعتاد في العجائز المسنّة، ويدلّ عليه أحاديث أهل البيت بشرط أن لا يكون


ذلك على وجه التبرج، بل للخروج في حوائجهن، ومع ذلك فإنّ التستر خير لهن)(١) .

هذا مع العلم بأنّه لا يجوز شيء من ذلك مع خوف الوقوع في المحرم؛ لأنّ المرأة وإن بلغت ما بلغت فإنّها تظل محلاً لعملية الجنس، فالتسامح مع العجوز المسنّة إنّما نشأ عن كونها كالصغيرة ليست مظنّة الشهوة والتلذذ، فلو افترض حصول شيء من ذلك يكون حكمها حكم الشابة.

لقد تساهل الإسلام مع المسنّات، وشدد على الشابات، ولكن جاء العمل على عكس ما أمر القرآن الكريم، حيث نرى التبرج والتهتك في الشابات، والتستر والتحفظ من المسنّات، فتساهلن فيما شدد الله، وشددن فيما تساهل.

____________________

(١) الجواهر، أوّل باب الزواج.


ما يجب ستره من البدن في حال الصلاة

اتفقوا على أنّه يجب على كل من المرأة والرجل أن يستر مِن بدنه في حال الصلاة ما وجب عليه ستره عن الأجانب خارج الصلاة. واختلفوا فيما زاد على ذلك، أي هل يجب أيضاً أن تستر المرأة الوجه والكفين أو شيئاً منهما حال الصلاة، مع أنّه لا يجب ذلك عليها في خارجها؟ وهل على الرجل أن يستر ما زاد عمّا بين السرة والركبة حين الصلاة، مع أنّ ذلك غير واجب إذا لَم يكن في الصلاة؟

قال الحنفية: على المرأة أن تستر ظاهر الكفين وباطن القدمين أيضاً، وعلى الرجل أن يستر الركبة علاوة عما بينها وبين السرة.

وقال الشافعية والمالكية: يجوز للمرأة حين الصلاة أن تكشف عن الوجه والكفين ظاهرهما وباطنهما.

وقال الحنابلة: لا يجوز لها إلاّ كشف الوجه فقط.

وقال الإمامية: يجب على كل مِن المرأة والرجل حال الصلاة يجب عليه في خارجها، مع وجود ناظر أجنبي، فللمرأة أن تكشف مِن وجهها حين الصلاة بالمقدار الذي يغسل في الوضوء والكفين إلى الزندين، والقدمين إلى الساقين


ظاهرهما وباطنهما، ويجب على الرجل أن يستر السوأتين، والأفضل ستر ما بين السرة والركبة.

شرائط الساتر في الصلاة

للساتر شرائط لابدّ منها مع القدرة والاختيار: وهي:

الطهارة

١ - طهارة الساتر والبدن شرط في صحة الصلاة باتفاق الجميع، إلاّ أنّ كل مذهب مِن المذاهب قد استثنى أشياء يُعفى عنها في الصلاة حسب التفصيل التالي:

قال الإمامية: يعفى عن دم الجروح والقروح قليلاً كان أو كثيراً في اللباس والبدن، إذا كان في إزالته مشقة وحرج، وعن الدم الأقل مِن الدرهم مِن المصلي أو مِن غيره، على شريطة أن يكون مجتمعاً لا متفرقاً، وأن لا يكون مِن الدماء الثلاثة: الحيض والنفاس والاستحاضة، ولا مِن دم نجس العين كالكلب والخنزير، ولا مِن دم الميتة، ويعفى أيضاً عن نجاسة ما لا تتم فيه الصلاة، كالتكة والقلنسوة والجورب والنعل والخاتم والخلخال، وعمّا يحمل كالسكين وورق النقد، ويعفى عن ثوب المربية للصبي أُماً كانت أو غيرها على شريطة أن تغسله مرة واحدة في كل يوم، وأن يتعذر عليها إبداله، وبالتالي يعفى عندهم عن كل نجاسة في الثوب أو البدن في حال الاضطرار.

وقال المالكية: يعفى عن سلس البول والغائط، وبلل البواسير، وعمّا يصيب ثوب أو بدن المرضعة مِن بول أو غائط رضيعها، وعمّا يصيب ثوب أو بدن الجزار، ونازح المراحيض والطبيب الجراح، وعن الدم ولو مِن خنزير شرط أن لا يزيد على مقدار الدرهم، وعمّا يخرج مِن الدمامل، وعن خرء


البراغيث، وعدّوا أشياء أخرى غير هذه تركناها لأنّها قليلة الوقوع.

وقال الحنفية: يعفى عن كل نجاسة إذا كانت قليلة لا يدركها البصر، وعن طين الشوارع المختلطة بالنجاسة المخففة، وعن دود الفاكهة والجبن، وعن المائعات النجسة التي تضاف على الأدوية والروائح العطرية، وعن خرء الطيور، وعن شعر قليل نجس مِن غير الكلب والخنزير، وغيرها كما هو مذكور في المطوّلات.

وقال الحنابلة: يعفى عن الدم والقيح اليسيرين، وعن طين الشوارع الذي تحققت نجاسته، وعن النجاسة تصيب عين الإنسان ويتضرر بغسلها.

لبس الحرير

٢ - اتفقوا على أنّ لبس الحرير والذهب محرّم على الرجال في الصلاة وخارجها، وجائز للنساء؛ لقول الرسول (صلّى الله عليه وسلّم): (حرّم لباس الحرير والذهب على ذكور أُمتي، وأحلّ لإناثهم).

ومن هنا قال الإمامية: لا تصح الصلاة بالحرير المحض للرجال، ولا بالثوب المموّه بالذهب، سواء أكان تكة أو قلنسوة أو جورباً، حتى ولو كان الذهب خاتماً، وأجازوا لبس الحرير والصلاة فيه لمرض وفي حال الحرب.

وقال الشافعية: إذا صلّى الرجل بالحرير أو عليه يفعل حراماً، ولكنّ


صلاته صحيحة. (النوري شرح المهذب ج٣ ص ١٧٩).

ولم أجد نصاً صريحاً لبقية المذاهب على فساد الصلاة أو صحتها بالحرير، ولكنّ الحنفية يوافقون الشافعية، وكذا الحنابلة في إحدى الروايتين على قاعدة عامة، وهي أنّ النهي إذا لم يكن من أجل الصلاة ولا يعود إليها، كالنهي عن الغصب، تكون الصلاة - والحال هذه - صحيحة، ولكنّ المكلَّف يكون فاعلاً للحرام والواجب معاً، وعليه تكون الصلاة بالحرير صحيحة.

ونقل صاحب كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) الاتفاق على أنّ للمضطر أن يصلّي بالحرير، ولا تجب عليه الإعادة.

إباحة الساتر

٣ - اشترط الإمامية أن يكون الساتر مباحاً، فلو صلّى بثوب مغصوب مع العمل بالغصب تبطل الصلاة، وهو إحدى الروايتين عن ابن حنبل.

وقالت بقية المذاهب بصحة الصلاة بالمغصوب؛ لأنّ النهي لا يعود إلى إذا صلّى بثوب فيه خيط مغصوب، أو حمل سكيناً أو درهماً مغصوباً، أو أي شيء فلا تصحّ منه الصلاة. ولكنّهم قالوا: إذا صلّى في المغصوب جهلاً أو نسياناً تصحّ الصلاة.

جلد ما لا يؤكل لحمه

٤ - انفرد الإمامية بالقول بعدم صحة الصلاة في جلد غير مأكول اللحم وإن دبغ، ولا في شعره وصوفه وريشه ووبره، ولا في شيء من فضلائه، كعرفه وريقه ما دام رطباً، ولو سقطت شعرة واحدة من هرّة ونحوها على ثوب المصلّي ومضى في الصلاة مع علمه بها تبطل صلاته.


واستثنوا الشمع والعسل، ودم البق والقمل والبراغيث، وما إليها ممّا لا لحم له، كما استثنوا شعر الإنسان وعرقه وريقه.

وقالوا أيضاً ببطلان الصلاة إذا كان في الساتر جزء مِن حيوان ميت، سواء أكان مأكول اللحم أو غير مأكول، له نفس سائلة أو لا نفس له، مدبوغ الجلد أو غير مدبوغ.

(فرع)

إذا انحصر الساتر بالثوب المتنجس نجاسة لا يعفى عنها، بحيث يدور الأمر بين الصلاة بالنجاسة أو عُرياناً، فمإذا يصنع؟

قال الحنابلة: يصلّي بالثوب المتنجس، وتجب عليه الإعادة.

وقال المالكية وكثير مِن الإمامية: يصلّي به ولا تجب عليه الإعادة.

وقال الحنفية والشافعية: يصلّي عرياناً، ولا يجوز له لبس المتنجس في الصلاة.


مكان المصلّي

المكان المغصوب

ذهب الإمامية إلى بطلان الصلاة في المكان المغصوب، وعلى الثوب المغصوب اختياراً مع العمل بالغصب. وقال غيرهم: تصحّ الصلاة ويأثم المصلّي؛ لأنّ النهي لا يعود إليها، وإنّما يعود إلى التصرف، تماماً كالصلاة بالثوب المغصوب.

وما أبعد ما بين قول المذاهب الأربعة بصحة الصلاة من الغاصب في المال المغصوب، وبين قول الزيدية بأنّ المالك لا تصلح صلاته في ملكه ما دام مغتصباً في يد الغير، للنهي عن التصرف بالغصب.

وقول الإمامية وسط بين الإثنين، حيث صححوا صلاة المالك والمأذون منه، وأبطلوا صلاة الغاصب وغير المأذون مِن المالك. وقد أجاز الإمامية الصلاة في الأراضي الواسعة متى يتعذر أو يتعسر على الناس اجتنابها، وإن لم يحصل الإذن مِن صاحب المالك.

طهارة المكان

وقال الأربعة: يُشترط طهارة المكان من النجاسة المتعدية وغير المتعدية،


أي الرطبة واليابسة. وبالغ الشافعية حيث قالوا: تجب طهارة كل ما يمسّ ويلاقي بدن المصلّي وثيابه، فإذا احتك بحائط نجس أو ثوب نجس، أو قبض على نجاسة أو قبض على حبل ملقى على نجاسة تبطل الصلاة. واكتفى الحنفية بطهارة موضع القدمين والجبهة فقط. واشترط الإمامية طهارة موضع الجبهة خاصة - أي مكان السجود - أمّا نجاسة ما عداها فلا تبطل الصلاة على شريطة أن لا تتعدى إلى بدن المصلي أو ثوبه.

الصلاة على الدابة

واشترط الحنفية والإمامية أن يكون المكان قاراً، فلا تصلح الصلاة عندهم على الدابة، ولا في الأرجوحة، وما إلى ذاك إلاّ لضرورة؛ لأنّ المعذور يصلّي حسب قدرته.

وقال الشافعية والمالكية والحنابلة: تصح الصلاة على الدابة عند الأمن والقدرة إذا أتى بها كاملة مستوفية الشرائط.

الصلاة في الكعبة

قال الإمامية والشافعية والحنفية: تجوز الصلاة في جوف الكعبة فريضة ونافلة.

وقال المالكية والحنابلة: تجوز نافلة ولا تجوز فريضة.

صلاة المرأة بجانب الرجل

قال جماعة مِن الإمامية: إذا صلّى رجل وامرأة في مكان واحد، وكانت هي متقدمة عليه أو مساوية له، ولَم يكن بينهما حائل أو بُعد عشرة أذرع


بذراع اليد، لا تبطل صلاة مَن شرع أولاً، ولا تصح صلاة اللاحق، وإن شرعا معاً تبطل الصلاتان.

وقال الحنفية: إذا تقدمت المرأة أو ساوت الرجل، تبطل الصلاة على شريطة أن يكون مكانهما واحداً، ولا يفصل بينهما حائل قدر ذراع، وأن لا تكون المرأة مشتهاة، وأن لا تحاذيه بالساق والكعب، وأن لا تكون في صلاة جنازة، وأن تكون الصلاة مشتركة كأن تقتدي به، أو يقتديان بإمام واحد.

وقال الشافعية والحنابلة وكثير مِن الإمامية بصحة الصلاة على كراهة.

مسجد الجبهة

اتفقوا على أنّ موضع الجبهة يجب أن يكون مستقراً، وأن لا يرتفع عن موضع الركبتين ارتفاعاً غير معتاد. واختلفوا فيما يصحّ السجود عليه.

فقال الإمامية: لا يجوز السجود إلاّ على الأرض أو ما أنبتته ممّا لا يؤكل ولا يلبس، فلا يسجد المصلي على الصوف والقطن والمعادن، ولا ما نبت على وجه الماء؛ لأنّ الماء غير الأرض.

وأجازوا السجود على القرطاس؛ لأنّ مادته مِن نبات الأرض، واستدلوا لمذهبهم بأنّ السجود عبادة شرعية تتوقف كيفيته على النص. وأجتمع فقهاء المذاهب كافة على صحة السجود على الأرض وما أنبتت، فيقتصر على القدر المتيقن، ولقول الرسول (صلّى الله عليه وسلّم): (لا تتم صلاة أحدكم حتى يتوضأ كما أمر الله، ثُمّ يسجد ممكناً جبهته مِن الأرض)، وقوله: (خلقت الأرض مسجداً وطهوراً).

وقال خباب: شكونا إلى رسول الله حرّ الرمضاء في جباهنا، فلم يشكنا. ولو كان السجود على الفراش سائغاً لما شكوا.


وأجاز الإمامية السجود على القطن والكتان للضرورة.

وقال الأربعة: يجوز السجود على كل نوع حتى حنك العمامة وكورها(١) بشرط أن يكون طاهراً، بل أجاز الحنفية السجود على الكف على كراهة مع عدم الضرورة.

____________________

(١) كور العمامة: الدور منها المعروف عند العامة (بالكة).


الأذان

الأذان لغةً: مطلق الإعلام. وشرعاً: الإعلام بأوقات الصلاة بألفاظ خاصة. وقد شرّع في السنة الأولى مِن الهجرة النبوية في المدينة المنورة؛ وسبب تشريعه عند الشيعة أنّ جبرائيل هبط به مِن عند الله على الرسول الأعظم، وعند السنّة أنّ عبد الله بن زيد رأى في منامه مَن علّمه الأذان فعرض رؤياه على النبي فأقرّها.

الأذان سنّة

قال الحنفية والشافعية والإمامية: الأذان سنّة مؤكّدة.

وقال الحنابلة: هو فرض كفاية في القرى والأمصار للصلوات الخمس على الرجال في الحضر دون السفر.

وقال المالكية: يجب كفاية في البلد الذي تقام به الجمعة، فإذا ترك أهله الأذان قوتلوا على ذلك.

لا يجوز الأذان في موارد

وقال الحنابلة: لا يجوز الأذان للجنازة ولا النافلة ولا الصلاة المنذورة.


وقال المالكية: لا يجوز للناقلة ولا الفائتة، ولا للجنازة.

وقال الحنفية: لا يجوز للجنازة ولا العيدين ولا الكسوف ولا الاستسقاء، ولا التراويح والسنن.

وقال الشافعية: لا يجوز للجنازة ولا الصلاة المنذورة ولا النوافل.

وقال الإمامية: لا يشرع الأذان إلاّ في الصلوات اليومية فقط، ويستحب لها قضاءً وأداءً، جماعة وفُرادى، سفراً وحضراً للنساء والرجال، ولا يجوز لأيّة صلاة غيرها مستحبة كانت أو واجبة، وإنّما يقول المؤذن في الكسوف والعيدين: الصلاة، يكررها ثلاثاً.

شرائط الأذان

اتفقوا على أنّه يشترط لصحة الأذان الموالاة وتتابع الكلمات والترتيب بين الفصول، وأن يكون المؤذن ذكراً(١) مسلماً عاقلاً. ويصحّ الأذان مِن الصبي المميّز. واتفق الجميع على عدم اشتراط الطهارة للإذان.

واختلفوا فيما عدا ذلك، فقال الحنفية والشافعية: يصحّ الأذان بدون نية. وقالت بقية المذاهب: لا بدّ منها.

وقال الحنابلة: يجوز الأذان بغير العربية مطلقاً.

وقال المالكية والحنفية والشافعية: لا يجوز للعربي أن يؤذّن بغير العربية، ويجوز للأعجمي أن يؤذّن بلغته لنفسه ولجماعة الأعاجم.

وقال الإمامية: لا يجوز قَبل دخول وقت الفريضة ما عدا صلاة الفجر، فقد أجاز الشافعية والمالكية والحنابلة وكثير مِن الإمامية أن يقدّم أذان الإعلام على الفجر، ومنع الحنفية مِن ذلك ولَم يفرّقوا بين الفجر وغيرها، وهو الأحوط.

____________________

(١) قال الإمامية: يستحب للمرأة أن تؤذّن لصلاتها لا للإعلام، كما يستحب في صلاة جماعة النساء أن تؤذّن إحداهن وتُقيم، ولكن لا تسمع الرجال. وعند الأربعة يستحب لها الإقامة ويُكره الأذان.


صورة الأذان

الله أكبر: (٤) مرات عند الجميع(١) .

أشهد أن لا إله إلاّ الله: مرتان عند الجميع.

أشهد أن محمداً رسول الله: مرتان عند الجميع.

حيّ على الصلاة: مرتان عند الجميع.

حيّ على الفلاح: مرتان عند الجميع.

حيّ على خير العمل: مرتان عند الإمامية فقط.

الله أكبر: مرتان عند الجميع.

لا إله إلاّ الله: مرة واحدة عند الأربعة، ومرتان عند الإمامية.

وأجاز المالكية والشافعية التكرار مرتين على أن تكون الثانية سنّة، أي أنّ الأذان لا يبطل بالاكتفاء بالواحدة، كما قال الإمامية، وتسمّى إعادة. ونقل صاحب كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) اتفاق الأربعة على استحباب التثويب، وهو أن يزداد (الصلاة خير مِن النوم) مرتين بَعد (حيّ على الفلاح)، ومنعه الإمامية(٢) .

____________________

(١) ما عدا المالكية، فإنّهم قالوا: يكبّر مرتين.

(٢) قال ابن رشد في بداية المجتهد ج١ ص ١٠٣ طبعة ١٩٣٥: (قال آخرون: لا يقال الصلاة خير مِن النوم؛ لأنّ هذا ليس مِن الأذان المسنون، وبه قال الشافعي، وسبب الاختلاف بأنّ ذلك هل قيل في زمان النبي (ص) أو في زمان عمر). وفي كتاب المغني لابن قدامة ج١ ص ٤٠٨ الطبعة الثالث: (قال أسحق: هذا شيء أحدثه الناس. وقال أبو عيسى: هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم، وهو الذي خرج ابن عمر من المسجد لما سمعه).


الإقامة

تستحب إقامة الصلاة للرجال والنساء في الفرائض اليومية، وتأتي الفريضة بعدها مباشرة، وحكمها حكم الأذان مِن الموالاة والترتيب والعربية ونحوها. وهذه صورة الإقامة:

الله أكبر: (٢) عند الجميع، ما عدا الحنفية فقد جعلوها أربعاً.

أشهد أن لا إله إلاّ الله: (١) عند الشافعية والمالكية والحنابلة، و (٢) عند الحنفية والإمامية.

أشهد أنّ محمداً رسول الله: (١) عند الشافعية والمالكية والحنابلة، و (٢) عند الحنفية والإمامية.

حيّ على الصلاة: (١) عند الشافعية والمالكية والحنابلة، و (٢) عند الحنفية والإمامية.

حيّ على الفلاح: (١) عند الشافعية والمالكية والحنابلة، و (٢) عند الحنفية والإمامية.

حيّ على خير العمل: (٢) عند الإمامية فقط.

قد قامت الصلاة: (٢) عند الجميع، ما عدا المالكية فهي (١) عندهم.

الله أكبر: (٢) عند الجميع.

لا إله إلاّ الله: (١) عند الجميع.

وقال جماعة من الإمامية: يجوز للمسافر والمستعجل الاكتفاء بواحد مِن كل فصل مِن الأذان والإقامة.


فرائض الصلاة وأركانها

تتوقف صحة الصلاة على الطهارة مِن الحدث والخبث، والوقت، والقبلة، والساتر، ولا بدّ من تحقيق هذه الأمور جميعاً قبل الشروع بالصلاة، وتسمّى شروطاً، وتقدّم الكلام عنها مفصلاً، والصلاة أيضاً أركان وفرائض تتركب منها، ويؤتى بها حين المباشرة بعملية الصلاة، وهي كثيرة:

النية

١ - اختلفت المذاهب، بل اختلف فقهاء المذهب الواحد بعضهم مع بعض فيما يجب على المصلّي أن ينويه: هل يجب عليه التعيين، فينوي - مثلاً - أنّ هذه ظهر أو عصر، وأنّها فرض أو نفل، وأنّها تمام أو قصر، وأداء أو قضاء، وما إلى ذلك.

وحقيقة النية كما قدّمنا في باب الوضوء عبارة عن قصد الفعل بدافع الطاعة وامتثال أمر الله سبحانه، أمّا التعيين وقصد الفرض أو النفل والأداء أو القضاء، فيقع من المصلي حسب قصده، فإن كان قصد النافلة منذ البدء وأتى بها بهذا الدافع تقع نافلة، وإن قصد الفرض ظهراً وعصراً تقع كذلك، وإن لم يقصد شيئاً تقع عبثاً، ومحال أن لا يقصد؛ لأنّ كل فعل يصدر من عاقل لا


ينفك عن القصد بحال، سواء عبّر عنه بلفظ خاص أم لا يعبّر، وسواء التفت إلى قصده أو لم يلتفت، ولذا اتفق الجميع على أن التلفظ بالنية غير مطلوب، كما أنّه من المحال أيضاً - بحسب المعتاد - أن يقصد الظهر من العصر، والفرض من النفل، مع معرفته وتمييزه بين الصلاتين.

ومهما يكن، فإنّ الكلام عن النية وأقسامها لم يكن معروفاً بين القدامى الذين أسّسوا للدين والشريعة. ومن الخير أن ننقل هنا كلاماً لعالمين كبيرين: أحدهما من فقهاء السنّة، وهو ابن القيّم، والثاني من الإمامية، وهو السيد محمد (صاحب المدارك).

قال الأوّل في كتاب (زاد المعاد) كما في الجزء الأوّل من كتاب المغني لابن قدامة: (كان النبي (صلّى الله عليه وسلّم) إذا قام إلى الصلاة قال: (الله أكبر) ولم يقل شيئاً قبلها، ولا تلفظ بالنية البتة، ولا قال: أصلي كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماماً أو مأموماً، ولا قال: أداء ولا قضاء ولا فرض الوقت، وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف، ولا استحسنه أحد من التابعين ولا الأئمة الأربعة).

وقال الثاني في كتاب (مدارك الأحكام مبحث النية أوّل الصلاة): (المستفاد من الأدلة الشرعية سهولة الخطب في النية، وأنّ المعتبر فيها قصد الفعل المعيّن طاعةً لله تعالى، وهذا القدر أمر لا ينفك منه عاقل متوجه الى ايقاع العبادة، ومن هنا قال بعض الفضلاء: لو كلّف الله بالصلاة أو غيرها من العبادات بغير نية كان تكليفاً بما لا يطاق. وذكر الشهيد في الذكرى أنّ المتقدمين من علمائنا ما كانوا يذكرون النية في كتبهم الفقهية، بل يقولون: أوّل واجبات الوضوء غسل الوجه، وأوّل واجبات الصلاة تكبيرة الإحرام، وكأنّ وجهه أنّ القدر المعتبر من النية أمر لا يكاد يمكن الانفكاك عنه، وما زاد عنه فليس بواجب، وممّا يؤيده أنّ النية لم يرد لها ذكر في شيء من العبادات على الخصوص،


وقد خلت الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وغسله وتيممه من ذلك).

تكبيرة الإحرام

٢ - لا تتم الصلاة إلاّ بتكبيرة الإحرام، وسمّيت بهذا الاسم؛ لقول الرسول (صلّى الله عليه وسلّم): (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبيرة، وتحليلها التسليم)، أي يحرم بها الكلام وكل ما يتنافى مع الصلاة، وبالتسليم يحلّ للمصلي ما حرّم عليه بَعد التكبير.

وصيغتها (الله أكبر)، ولا يجزي غيرها عند الإمامية والمالكية والحنابلة، وقال الشافعية: يجزي الله أكبر، والله الأكبر، مع زيادة الألف واللام في لفظ أكبر. وقال الحنفية: يجزي كل لفظ بهذا المعنى مثل: الله الأعظم والله الأجلّ.

واتفقوا - ما عدا الحنفية - على وجوب النطق بها باللغة العربية، حتى ولو كان المصلي أعجمياً، فإن عجز فعليه أن يتعلمها، فإن عجز عن التعلّم ترجم عنها بلغته. وقال الحنفية: يصحّ الإتيان بها بأيّة لغة مع القدرة على العربية.

واتفقوا على أنّه يشترط لها كل ما يشترط للصلاة من الطهارة والقبلة والستر وما الى ذلك، وأن يأتي بها حال القيام والاستقرار مع القدرة، وينطق بها بصوت يسمعه تحقيقاً أو تقديراً إن كان به صمم، وإن يقدّم لفظ الجلالة على لفظ أكبر، فلو عكس وقال: أكبر الله لا يجزي القيام.

٣ - اتفقوا على أنّ القيام واجب في صلاة الفرائض من أوّل تكبيرة الإحرام الى الركوع، ويعتبر فيه الانتصاب والاستقرار والاستقلال، فلا يجوز له الاعتماد على شيء مع القدرة، فإن عجز عن القيام صلى قاعداً، فإن عجز عن القعود صلى مضطجعاً على جنبه الأيمن - كالموضوع في اللحد مرمياً مستقبل القبلة بمقاديم بدنه - عند الجميع ما عدا الحنفية، فإنّهم قالوا: مَن عجز عن القعود يصلّي


مستلقياً على ظهره ويستقبل القبلة برجليه، حتى يكون إيماؤه في الركوع والسجود إلى القبلة.

وإذا عجز عن الاضطجاع على جنبه الأيمن، قال الإمامية والشافعية والحنابلة: يصلّي مستلقياً على قفاه مومياً برأسه، فإذا عجز عن الإيماء بالرأس أومأ بجفنه.

وقال الحنفية: إذا انتهى إلى هذا الحد سقط عنه فرض الصلاة، ولكنّه يقضي متى عوفي وزال المانع.

وقال المالكية: مثل هذا المريض تسقط عنه الصلاة، ولا يجب عليه القضاء.

وقال الإمامية والشافعية والحنابلة: إنّ الصلاة لا تسقط بحال، فإذا عجز عن الإيماء بطرف العين استحضر الصلاة في قلبه، وحرّك لسانه بالذكر والقراءة ، فإن عجز عن تحريك اللسان تصوّر ذلك في البال ما دام عقله ثابتاً.

وبالإجمال، إنّ الصلاة تجب على القادر والعاجز ولا تُترك بحال، يؤديها كل مكلّف بحسبه، فمن القيام إلى القعود، إلى الاضطجاع على الجنب، إلى الاستلقاء على الظهر، إلى الإيماء بالطرف، إلى الحضور في القلب والذهن.

وينتقل كل من القادر والعاجز من حالته التي هو فيها إلى الحالة الأخرى عند حصول سببها، فإذا عرض للقادر العجز أثناء الصلاة، أو عادت القدرة للعاجز بنى على ما سبق وأتم حسب مقدرته، فلو صلى الركعة الأُولى قائماً، ثمّ عجز أتم الصلاة جلوساً، ولو صلاها جالساً وقدر في الأثناء أتم الصلاة قائماً.

القراءة

٤ - اختلفوا هل تجب الفاتحة في كل ركعة، أو في الركعتين الأولين فقط، أو تجب عيناً في جميع الركعات؟ وهل البسملة جزء لا بدّ منها، أو يجوز تركها؟ وهل كل من الجهر والإخفات في محله واجب أو مستحب؟


وهل تجب السورة بَعد الفاتحة في الركعتين الأوليين أو لا؟ وهل يقوم التسبيح مقام السورة؟ وهل التكتف مسنون أو محرّم؟ إلى غير ذلك.

قال الحنفية: لا تتعين الفاتحة في الصلوات المفروضة، وأيّ شيء قرأ مِن القرآن أجزاه؛ لقوله تعالى:( فَاقْرَءُوا مَا تَيَـسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ ) . (بداية المجتهد ج١ ص ١٢٢، وميزان الشعراني باب صفة الصلاة). والقراءة إنّما تجب في الركعتين الأوليين، أمّا في ثالثة المغرب والأخيرتين مِن العصر والعشاء فإن شاء المصلّي قرأ، وإن شاء سبّح، وإن شاء سكت. (النووي شرح المهذب ج٣ ص ٣٦١).

ويجوز ترك البسملة؛ لأنّها ليست جزءاً مِن السورة. ولا يستحب الجهر ولا الإخفات، والمصلي المنفرد بالخيار إن شاء أسمع نفسه، وإن شاء أسمع غيره، وإن شاء أسرّ. وليس في الصلاة قنوت إلاّ في صلاة الوتر. إمّا التكتف فمسنون وليس بواجب، والأفضل للرجل أن يضع باطن كفّه اليمنى على ظاهر كفّه اليسرى تحت سرّته، وللمرأة أن تضع يديها على صدرها.

وقال الشافعية: تجب الفاتحة في كل ركعة مِن غير فرق بين الأوليين وغيرها مِن الركع، ولا بين الصلاة الواجبة والمستحبة، والبسملة جزء مِن السورة لا تُترك بحال، ويُجهر بالقراءة في صلاة الصبح وأوليي المغرب والعشاء، والإخفات فيما عدا ذلك، ويستحب القنوت في صلاة الصبح خاصة بَعد رفع الرأس مِن ركوع الركعة الثانية، كما يستحب قراءة سورة بَعد الفاتحة في الركعتين الأوليين فقط. أمّا التكتف فليس بواجب ويسنّ للرجل والمرأة، والأفضل وضع باطن يمناه على ظهر يسراه تحت الصدر وفوق السرّة ممّا يلي الجانب الأيسر.

وقال المالكية: تتعين الفاتحة في كل ركعة دون فرق بين الركعات الأوائل والأواخر وبين الفرض والندب كما تقدّم عن الشافعية، وتستحب قراءة سورة بَعد الفاتحة في الركعتين الأوليين، والبسملة ليست جزءاً مِن السورة، بل


ويستحب تركها بالمرة، ويستحب الجهر بالصبح وأوليي المغرب والعشاء والقنوت في صلاة الصبح فقط. أمّا التكتف عندهم فجائز، ولكن يندب إرسال اليدين في صلاة الفرض.

وقال الحنابلة بوجوب الفاتحة في كل ركعة، واستحباب السورة بَعدها في الأوليين، والجهر بالصبح وأوليي المغرب والعشاء، وأنّ البسملة جزء مِن السورة، ولكن يخفت بها ولا يجهر، والقنوت يكون في الوتر لا في غيرها مِن الصلوات. أمّا التكتف فسنّة للرجل والمرأة، والأفضل أن يضع باطن يمناه على ظاهر يسراه، ويجعلهما تحت السرّة.

وقد تبين معنا أنّ التكتف الذي يعبّر عنه فقهاء السنّة بالقبض، وفقهاء الشيعة بالتكفير - أي التستير - لا يجب في مذهب مِن المذاهب الأربعة.

وقال الإمامية: قراءة الفاتحة متعينة في الأوليين مِن كل صلاة ولا يكفي عنها غيرها، ولا تجب بالذات في ثالثة المغرب، والأخيرتين مِن الرباعيات، بل يتخير بينها وبين التسبيح، وهو أن يقول المصلي: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر) ثلاث مرات، ويكفي مرة واحدة. وتجب قراءة سورة تامة في الأوليين. والبسملة جزء مِن السورة، ولا يجوز تركها بحال. ويجب الجهر بالقراءة خاصة دون غيرها مِن الأذكار في صلاة الصبح، وأوليي المغرب والعشاء، والإخفات في الظهرين ما عدا البسملة، فإنّ الجهر بها مستحب في الركعتين الأوليين منهما، وثالثة المغرب والأخيرتين مِن العشاء. ويستحب القنوت في الصلوات الخمس كلها، ومكانه في الركعة الثانية بعد قراءة السورة وقَبل الركوع. وأقلّ الجهر أن يسمع القريب منه، وحد الإخفات أن يسمع نفسه، ولا جهر على المرأة بإجماع المذاهب، ولا تخافت دون إسماع نفسها، وإذا جهر المصلي في موضع الإخفات أو أخفت في موضع الجهر عمداً بطلت الصلاة، وتصحّ إذا كان عن جهل أو نسيان.

وقال الإمامية أيضاً: يحرم قول آمين، وتبطل الصلاة بها، سواء أكان


منفرداً أو إماماً أو مأموماً؛ لأنّه من كلام الناس، ولا يصلح في الصلاة شيء مِن كلامهم. وأجمعت المذاهب الأربعة على استحبابها؛ لحديث أبي هريرة أنّ الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) قال: (إذا قال الإمام:( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ) ، فقولوا: آمين). ومنع الإمامية صحة هذا الحديث.

وذهب أكثر الإمامية إلى أنّ التكتف في الصلاة مبطل لها؛ لعدم ثبوت النص. وقال بعضهم: التكتف حرام، فمَن فعله يأثم، ولكن لا تبطل صلاته. وقال ثالث: هو مكروه وليس بحرام.

الركوع

٥ - اتفقوا على أنّ الركوع واجب في الصلاة، واختلفوا في المقدار الواجب منه، والطمأنينة فيه، وهي السكون واستقرار جميع الأعضاء حين الركوع.

فقال الحنفية: الواجب مجرد الانحناء كيف اتفق، ولا تجب الطمأنينة.

وقالت بقية المذاهب بوجوب الانحناء إلى أن تبلغ راحتا المصلي إلى ركبتيه، وبوجوب الاطمئنان والاستقرار حين الركوع.

وقال الشافعية والحنفية والمالكية: لا يجب الذكر حين الركوع، وإنّما يسنّ أن يقول المصلي: (سبحان ربّي العظيم).

وقال الإمامية والحنابلة: التسبيح واجب في الركوع، وصيغته عند الحنابلة: (سبحان ربّي العظيم)، وعند الإمامية: (سبحان ربي العظيم وبحمده)، أو (سبحان الله ثلاثاً). ويستحب عند الإمامية أن يضيف بَعد التسبيح الصلاة على محمد وآله.

وقال الحنفية: لا يجب الرفع مِن الركوع والاعتدال واقفاً، بل يجزيه أن يهوي رأساً إلى السجود على كراهة.


وقالت بقية المذاهب بوجوب الرفع والاعتدال، واستحباب التسميع فيقول: (سمع الله لمِن حمده). وأوجب الإمامية الاطمئنان والاستقرار في هذا القيام.

السجود

٦ - اتفقوا على أنّ السجود يجب مرتين في كل ركعة، واختلفوا في حده هل يجب أن يكون على الأعضاء السبعة بكاملها، أو يكفي بعضها؟

والأعضاء السبعة هي: الجبهة والكفّان والركبتان وإبهاما الرجلين.

قال المالكية والشافعية والحنفية: الواجب السجود على الجبهة فقط، وما عداه مستحب.

وقال الإمامية والحنابلة: يجب السجود على الأعضاء السبعة بكاملها، ونُقل عن الحنابلة إضافة الأنف إلى السبعة، فتكون ثمانية.

والخلاف في التسبيح والطمأنينة في السجود كالخلاف في الركوع، فمَن أوجبهما هناك أوجبهما هناك.

وقال الحنفية: لا يجب الجلوس بين السجدتين، وقالت بقية المذاهب بالوجوب.

التشهّد

٧ - ينقسم التشهد في الصلاة إلى قسمين: الأوّل هو الذي يقع بَعد الركعة الثانية من المغرب والعشاء والظهرين، ولا يعقبه التسليم. والثاني هو الذي يعقبه التسليم، سواء أكان في الثنائية أو الثلاثية أو الرباعية.

قال الإمامية والحنابلة: إنّ التشهد الأوّل واجب. وقالت بقية المذاهب:


هو مستحب وليس بواجب.

أمّا التشهد الأخير، فقال الشافعية والإمامية والحنابلة بوجوبه، وقال المالكية والحنفية: مستحب وليس بواجب (بداية المجتهد ج١ ص ١٢٥).

صيغة التشهد عند المذاهب:

الحنفية:

(التحيات لله والصلوات والطيّبات، والسلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله ...).

المالكية:

(التحيات لله الزاكيات لله الطيّبات الصلوات لله، السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله ...).

الشافعية:

(التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ سيدنا محمداً رسول الله ...).


الحنابلة:

(التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، اللّهم صلِّ على محمد ...).

الإمامية:

(أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، اللّهم صلِّ على محمد وآل محمد ...).

التسليم

٨ - قال الشافعية والمالكية والحنابلة: التسليم واجب. وقال الحنفية: ليس بواجب. (بداية المجتهد ج١ ص ١٦). واختلف الإمامية، فقال جماعة بالوجوب، وآخرون بالاستحباب، ومِن القائلين بالاستحباب: المفيد والشيخ الطوسي والعلاّمة الحلّي.

وصيغته عند الأربعة واحدة، وهي (السلام عليكم ورحمة الله). وقال الحنابلة: يفترض أن يسلّم مرتين. واكتفى البقية بالمرة الواحدة.

أمّا الإمامية فقالوا: للتسليم صيغتان: الأُولى (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، والثانية (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، والواجب إحداهما، فإن قرأ الصيغة الأُولى كانت الثانية مستحبة، وإن قرأ الثانية اقتصر عليها ووقف


عندها، أمّا (السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته) فليس مِن التسليم في شيء، وإنّما يستحب بَعد التشهد.

الترتيب

٩ - يجب الترتيب بين أجزاء الصلاة، فيقدّم تكبيرة الإحرام على القراءة، والقراءة على الركوع، والركوع على السجود وهكذا.

الموالاة

١٠ - تجب الموالاة والتتابع بين أجزاء الصلاة وأجزاء الأجزاء، فيشرع بالقراءة بَعد التكبير بلا فاصل، وبالركوع بَعد القراءة وهكذا، ولا يفصل أيضاً بين الآيات والكلمات والحروف.


السهو والشك في الصلاة

اتفقوا على أنّ مَن أخلّ بشيء مِن واجبات الصلاة عمداً بطلت، أو مَن أخلّ سهواً يجبر الإخلال بسجود السهو حسب التفصيل التالي:

قال الحنفية: إنّ صورة سجود السهو هي أن يسجد سجدتين، ويتشهد ويسلّم، ويأتي بالصلاة على النبي والدعاء. ومحل هذا السجود بَعد التسليم، على شريطة أن يكون الوقت متسعاً، فمن كان عليه سهو لصلاة الفجر - مثلاً - وطلعت الشمس قَبل أن يسجد سقط عنه السجود. أمّا سبب سجود السهو فهو أن يترك المصلي واجباً، أو يزيد ركناً كالركوع والسجود. وإذا سها مراراً يكفيه سجدتان؛ لأنّ التكرار غير مشروع عندهم، ولو سها في سجود السهو لا سهو عليه. (مجمع الأنهر ج١ باب سجود السهو).

وقال المالكية: صورة السجود للسهو هي سجدتان، وتشهّد بعدهما دون دعاء وصلاة على النبي (صلّى الله عليه وسلّم). أمّا محل هذا السجود فينظر، فإن كان لنقص فقط أو لزيادة ونقص معاً فيأتي به قَبل التسليم، وإن كان للزيادة فقط أتى به بَعد التسليم. وكذلك ينظر في السبب الموجب، فإن كان السهو في النقصان وكان المتروك مستحباً فيسجد له سجود السهو، وإن كان المتروك فرضاً مِن فرائض الصلاة فلا يجبره السجود، بل لا بدّ مِن الإتيان به وإن كان السهو في


الزيادة، كما لو زاد ركوعاً أو ركوعين أو ركعة أو ركعتين فيجبر بسجود السهو.

وقال الحنابلة: يجوز سجود السهو قَبل التسليم وبَعده، وصورته: سجدتان وتشهّد وتسليم، وسببه زيادة ونقصان وشك، ومثال الزيادة أن يزيد قياماً أو قعوداً، فمن قعد مكان القيام أو قام مكان القعود سجد للسهو. أمّا النقصان فله عملية خاصة عندهم، وهي إذا تذكّر النقصان قَبل الشروع بقراءة الركعة التالية يجب أن يأتي بما سها عنه ويسجد للسهو، وإن لَم يتذكر حتى شرع بقراءة الركعة التالية ألغى الأُولى، وقامت الثانية مقامها، ويسجد للسهو. مثال ذلك: إذا سها عن الركوع وهو في الركعة الأُولى وبَعد السجود تذكّر، فيأتي بالركوع ثُمّ يعيد السجود، وإذا تذكّر بَعد أن دخل في الركعة الثانية وشرع بالقراءة، تُهمل الأُولى كلّية، وتصبح الثانية هي الأُولى. أمّا الشك الموجب لسجود السهو فمثاله: أن يشك في ترك الركوع أو في عدد الركعات، فإنّه يبني على المتيقن ويأتي بما شك به، ويتم الصلاة ثُمّ يسجد للسهو، ويكفيه سجدتان لجميع السهو وإن تعدد الموجب. ولا سهو لكثير السهو عندهم.

قال الشافعية: موضع سجود السهو بَعد التشهد والصلاة على النبي وقَبل التسليم، أمّا صفته فكما هي عند المذاهب المتقدمة، وسببه ترك سنّة مؤكّدة أو زيادة كلام قليل أو قراءة الفاتحة سهواً، أو الاقتداء بمن في صلاته خلل أو شك في عدد الركعات أو ترك جزء معيّن.

أمّا الإمامية فقد فرّقوا بين حكم الشك وحكم السهو، وقالوا: لا يُعتنى بالشك في شيء مِن أفعال الصلاة إذا حصل بَعد الفراغ منها، ولا بشك المأموم بعدد الركعات مع ضبط الإمام، ولا بشك الإمام مع ضبط المأموم، فيرجع كل منهما إلى ما تذكّره الآخر، ولا عبرة بشك كثير الشك، ولا بالشك في فعل مِن أفعال الصلاة بَعد الدخول بالغير ممّا هو مترتب عليه، فإذا شك في قراءة الفاتحة وقد شرع في قراءة السورة، أو شك بالسورة وقد ركع، أو شك


بالركوع وقد سجد، يمضي ولا يلتفت. أمّا إذا شك قَبل الدخول بالغير فيجب عليه التدارك، فمن شك في قراءة الفاتحة قَبل الشروع بالسورة أتى بها، وكذلك يأتي بالسورة إذا شك بها قَبل الركوع.

أمّا سجود السهو فهو لكل زيادة ونقصان، ما عدا الجهر في مكان الإخفات أو الإخفات في مكان الجهر فإنّه لا يوجب شيئاً، وما عدا الأركان فإنّ زيادتها أو نقصانها مبطل على كل حال، سواء أكان عن سهو أو عمد. والأركان عندهم خمسة: النية، وتكبيرة الإحرام، والقيام، والركوع، ومجموع السجدتين في ركعة واحدة. وكل جزء تُرك مِن الصلاة سهواً لا يجب تداركه بَعد الصلاة إلاّ السجدة والتشهد، حيث يجب قضاؤهما دون سواهما مِن الأجزاء المنسية، ويقضيهما بَعد الصلاة ثُمّ يأتي بسجود السهو، وصورته: أن يسجد مرتين، ويقول في سجوده: (بسم الله وبالله، اللّهم صلّ على محمد وآل محمد) ثُمّ يتشهد ويسلّم. ويجب تعدد السجود بتعدد السبب الموجب، ولا سهو عندهم لمن كثر سهوه، ولا على مَن سها في السهو.

الشك في عدد الركعات

قال الشافعية والمالكية والحنابلة: إذا شك في عدد الركعات فلا يدري كم ركعة صلّى، يبني على المتيقن، وهو الأقل، وياتي بما يتم الصلاة.

وقال الحنفية: إذا كان شكه في الصلاة لأوّل مرة في حياته أعاد الصلاة مِن أوّلها، وإن كان قد سبق له أن شك في صلاته مِن قَبل، تأمّل وفكّر ملياً وعمل بغلبة ظنه، فإن بقي على الشك بنى على الأقل أخذاً باليقين.

وقال الإمامية: إذا كان الشك في الصلاة الثنائية كصلاة الصبح وصلاة المسافر والجمعة والعيدين والكسوف، أو في صلاة المغرب، أو في الأوليين مِن العشاء والظهرين، إن كان الأمر كذلك فالصلاة باطلة يجب استئنافها مِن الأوّل، أمّا إذا شك في الزائد عن الاثنين في الصلاة الرباعية فيصلّي صلاة الاحتياط بَعد أن


يتم الصلاة، وقَبل أن يأتي بالمنافي. ومثال ذلك: أن يشك بين الاثنين بَعد إكمال السجدتين وبين الثلاث، فيبني على الأكثر ويتم الصلاة ثُمّ يحتاط بركعتين جالساً أو ركعة قائماً، وإذا شك بين الثلاث والأربع، يبني على الأربع ويتم الصلاة ويحتفظ بركعة قائماً أو ركعتين جالساً، وإذا شك بين الاثنين والأربع، يبني على الأربع ويأتي بركعتين قائماً، وإذا شك بين الاثنين والثلاث والأربع، يبني على الأربع ويأتي بركعتين قائماً، وركعتين جالساً.

وقد علّلوا ذلك بالاحتفاظ بحقيقة الصلاة والابتعاد عن الزيادة والنقصان، ويتضح مرادهم بهذا المثال: فمن شك بين الثلاث والأربع، وبنى على الأربع وأتى بركعة مستقلة بَعد الصلاة، فإن كانت صلاته تامة تكون الركعة المستقلة نافلة، وإن كانت صلاته ناقصة تكون الركعة متممة لها. ومهما يكن، فإنّ صلاة الاحتياط بهذا النحو ممّا انفرد به الإمامية.

وهذه العملية تنحصر عند الإمامية بالصلوات المفروضة، وبالظهرين والعشاء بصورة أخص. أمّا النافلة فيتخير المصلّي بين البناء على الأقل أو الأكثر إلاّ إذا كان مفسداً للصلاة، كما لو شك بين الاثنين والثلاث مع العلم أنّ النافلة ثنائية، ففي هذه الحال يبني على الأقل، والأفضل البناء على الأقل مطلقاً في الصلوات المستحبة. ولو شك في عدد ركعات الاحتياط بنى على الأكثر إلاّ أن يكون الأكثر مبطلاً فيبني على الأقل، وقال بعض الإمامية: يتخير بين البناء على الأقل والبناء على الأكثر.


صلاة الجمعة

وجوبها

أجمع المسلمون كافة على وجوب صلاة الجمعة؛ لقوله تعالى:( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ) ، وللأحاديث المتواترة من طريق السنّة والشيعة.

واختلفوا: هل يشترط في وجوبها وجود السلطان، أو مَن يستنيبه لها، أو إنّها واجبة على كل حال؟

قال الحنفية والإمامية: يُشترط وجود السلطان أو نائبه، ويسقط الوجوب مع عدم وجود أحدهما. واشترط الإمامية عدالة السلطان، وإلاّ كان وجوده كعدمه، واكتفى الحنفية بوجود السلطان ولو غير عادل.

ولم يعتبر الشافعية والمالكية والحنابلة وجود السلطان، وقال كثير من الإمامية: إذا لم يوجد السلطان أو نائبه ووِجد فقيه عادل، يخير بينها وبين الظهر مع ترجيح الجمعة(١) .

____________________

(١) قال الشهيد الثاني في كتاب اللمعة ج١ باب الصلاة الفصل السادس: إنّ وجوب الجمعة حال غيبة الإمام ظاهر عند أكثر العلماء ولولا دعوى الإجماع على عدم الوجوب العيني لكان القول به في غاية القوة، فلا أقل من التخيير بينها وبين الظهر مع رجحان الجمعة.


شروطها

اتفقوا على أنّه يُشترط في صلاة الجمعة ما يُشترط في غيرها من الطهارة والستر والقبلة، وأنّ وقتها مِن أوّل الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، وأنّها تقام في المسجد وغيره، ما عدا المالكية فإنّهم قالوا: لا تصحّ إلاّ في المسجد.

واتفقوا على أنّها تجب على الرجال دون النساء، وأنّ مَن صلاّها تسقط عنه الظهر، وأنّها لا تجب على الأعمى، وأنّها لا تصحّ إلاّ جماعة. واختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجماعة، فقال المالكية: أقلّه (١٢) ما عدا الإمام. وقال الإمامية: (٤) غير الإمام. وقال الشافعية والحنابلة: (٤٠) مع الإمام. وقال الحنفية: (٥)، وقال بعضهم: (٧).

واتفقوا على عدم جواز السفر لمن وجبت عليه الجمعة، واستكمل الشروط بعد الزوال قبل أن يصلّيها، ما عدا الحنفية فإنّهم قالوا بالجواز.

الخطبتان

اتفقوا على أنّ الخطبتين شرط في انعقاد الجمعة، وأنّ مكانهما قبل الصلاة، وفي الوقت لا قبله. واختلفوا في وجوب القيام حال الخطبتين، فقال الإمامية والشافعية والمالكية: يجب. وقال الحنفية والحنابلة: لا يجب.

أمّا كيفيتها، فقال الحنفية: تتحقق الخطبة بأقلّ ما يمكن من الذكر، فلو قال: (الحمد لله) أو (أستغفر الله) أجزاه، ولكن يكره الاقتصار على ذلك.

وقال الشافعية: لا بدّ في كل من الخطبتين من حمد الله والصلاة على النبي، والوصية بالتقوى، وقراءة آية في إحداهما على الأقل، وكونها في الأُولى أفضل، والدعاء للمؤمنين في الثانية.

وقال المالكية: يجزي كل ما يسمّى خطبة في العرف، على أن تكون مشتملة على تحذير أو تبشير.


وقال الحنابلة: لا بدّ من حمد الله والصلاة على النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، وقراءة آية، والوصية بالتقوى.

وقال الإمامية: يجب في كل خطبة: حمد الله والثناء عليه، والصلاة على النبي وآله، والوعظ، وقراءة شيء من القرآن، وأن يزيد في الخطبة الثانية الاستغفار، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات.

وقال الشافعية والإمامية: يجب على الخطيب أن يفصل بين الخطبتين بجلسة قصيرة. وقال المالكية والحنفية: لا يجب، بل يستحب.

وقال الحنابلة: يُشترط في الخطبة أن تكون بالعربية مع القدرة.

وقال الشافعية: تُشترط العربية إذا كان القوم عرباً، أمّا إذا كانوا عجماً فله أن يخطب بلغتهم وإن كان يحسن العربية.

وقال المالكية: يجب أن يخطب بالعربية وإن كان القوم عجماً لا يفهمون شيئاً من العربية، فإذا لم يوجد فيهم مَن يحسن العربية سقطت عنهم صلاة الجمعة.

وقال الحنفية والإمامية: ليست العربية شرطاً في الخطبة.

كيفية الصلاة

صلاة الجمعة ركعتان كصلاة الصبح. وقال الإمامية والشافعية: يستحب أن يقرأ في الركعة الأُولى (الجمعة) وفي الثانية (المنافقين)، بعد الحمد في كل من الركعتين.

وقال المالكية: يقرأ في الأُولى (الجمعة)، وفي الثانية (الغاشية).

وقال الحنفية: يكره تعيين سورة بالخصوص.


صلاة العيدين

اختلفوا في صلاة العيدين: الفطر والأضحى، هل هي واجبة أو مستحبة؟

قال الإمامية والحنفية: تجب عيناً بشرائط صلاة الجمعة، ولو فُقدت الشرائط أو بعضها سقط الوجوب عند الطرفين، إلاّ أنّ الإمامية قالوا: إذا فُقدت شروط الوجوب يؤتى بها على سبيل الاستحباب جماعة وفرادى، سفراً وحضراً.

وقال الحنابلة: هي فرض كفاية.

وقال الشافعية والمالكية: هي سنّة مؤكدة.

ووقتها مِن طلوع الشمس إلى الزوال عند الإمامية والشافعية. ومِن ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال عند الحنابلة.

وقال الإمامية: تجب الخطبتان هنا تماماً كما في الجمعة. وقالت بقية المذاهب بالاستحباب. واتفق الجميع على أن مكانها بَعد الصلاة، بخلاف خطبتي الجمعة فإنّهما قبلها.

وقال الإمامية والشافعية: تصحّ فرادى وجماعة. وقالت بقية المذاهب: تجب الجماعة في صلاة العيد.

أمّا كيفيتها عند المذاهب، فركعتان على النحو التالي:


الحنفية

ينوي، ثُمّ يكبّر تكبيرة الإحرام، ثُمّ يُثني على الله، ثُمّ يكبّر ثلاثاً، ويسكت بَعد كل تكبيرة بمقدار ثلاث تكبيرات، ولا بأس بأن يقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر)، ثُمّ يقرأ الفاتحة وسورة، ثُمّ يركع ويسجد، ويبدأ الثانية بالفاتحة ثُمّ سورة، ثُمّ يأتي بثلاث تكبيرات، ويركع ويسجد، ويتمّ الصلاة.

الشافعية

يكبّر تكبيرة الإحرام ويدعو دعاء الاستفتاح(١) ، ثُمّ يكبّر سبعاً ويقول سرّاً بين كل تكبيرتين: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، ثُمّ يتعوذ ويقرأ الفاتحة وسورة (ق)، ثُمّ يركع ويسجد ويقوم للركعة الثانية ويكبّر للقيام، ويزيد خمس تكبيرات يفصل بين كل اثنتين منها بقراءة: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر)، ثُمّ يقرأ الفاتحة وسورة (اقتربت)، ثُمّ يتم الصلاة.

الحنابلة

يقرأ دعاء الاستفتاح، ثُمّ يكبّر ست تكبيرات، ويقول بين كل تكبيرتين سرّاً: (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلّى الله على محمد وآله وسلم تسليماً)، ثُمّ يتعوذ ويُبسمل ويقرأ (الفاتحة) وسورة (سبّح باسم ربّك)، ثُمّ يتم الركعة ويقوم للثانية، ويكبّر خمس تكبيرات غير

____________________

(١) دعاء الافتتاح أو الاستفتاح عند السنّة هو قول: (سبحانك اللّهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك).


التكبيرة للقيام ويقول بين كل تكبيرتين ما تقدّم، ثُمّ يبسمل ويقرأ سورة (الغاشية)، ثم يركع، ويتم الصلاة.

المالكية

يكبّر تكبيرة الإحرام، ثُمّ ست تكبيرات، ثُمّ يقرأ الفاتحة وسورة (الأعلى)، ويركع ويسجد ويقوم للثانية ويكبّر لها، ويأتي بَعد تكبيرة القيام بخمس تكبيرات، ثُمّ يقرأ الفاتحة وسورة (الشمس) أو نحوها، ويتم الصلاة.

الإمامية

يكبّر للإحرام، ويقرأ الفاتحة وسورة، ثُمّ يكبّر خمس تكبيرات ويقنت بَعد كل تكبيرة، ثُمّ يركع ويسجد، فإذا قام للثانية قرأ الفاتحة وسورة، وكبّر أربع تكبيرات، ويقنت بَعد كل تكبيرة، ثُمّ يركع، ويتم الصلاة.


صلاة الكسوف والخسوف

قال الأربعة: صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر سنّة مؤكدة، وليست واجبة. وقال الإمامية: هي فرض عيني على كل مكلّف. وليس لها صورة خاصة عند الحنفية، بل يأتي بركعتين كهيئة النفل في كل ركعة قيام واحد وركوع واحد، وللمصلّي أن يصلّيها ركعتين، وله أن يصلّي أربعاً أو أكثر.

أمّا صورتها عند الحنابلة والشافعية والمالكية فركعتان، في كل ركعة قيامان وركوعان، يكبّر ويقرأ الفاتحة وسورة، ثُمّ يركع ويقف، ثُمّ يقرأ الفاتحة وسورة، ثُمّ يركع ويسجد ويقوم للثانية كما فعل في الأُولى، ويتم الصلاة. ويجوز أن يأتي بركعتين كهيئة النفل.

وتصحّ عند الكل جماعة وفرادى. واستثنى الحنفية صلاة خسوف القمر فإنّهم قالوا: لا تشرع فيها الجماعة، بل تؤدّى وحداناً في المنازل.

أمّا وقتها: فقد اتفق الجميع على أنّه مِن حين الابتداء إلى تمام الانجلاء، ما عدا المالكية فإنّهم قالوا: يبتدئ وقتها مِن ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال.

وقال الحنفية والمالكية: يندب صلاة الركعتين عند الفزع مِن الزلزال والصواعق والظلمة والوباء وكل مخوف.

وقال الحنابلة: لا يندب إلاّ للزلزال.


واتفقوا على أنّه لا أذان ولا إقامة لهذه الصلاة، بل ينادي المنادي (الصلاة) يكررها ثلاثاً عند الإمامية، وعند غيرهم (الصلاة جامعة).

وقال الإمامية: إنّ كسوف الشمس وخسوف القمر والزلزلة، وجميع الأخاويف السماوية - كالظلمة العارضة والحمرة الشديدة، والرياح العظيمة والصيحة، وكل واحد مِن هذه وما إليها - سبب لوجوب الصلاة عيناً.

وإذا وقعت جماعة، تحمّل الإمام عن المأموم القراءة خاصة كاليومية. أمّا وقت الكسوف والخسوف: فمن حين الابتداء إلى حين الانجلاء كما قدّمنا، فمن لَم يصلّها في هذا الوقت أتى بها قضاء. أمّا الزلزلة وغيرها من الآيات المخوفة فليس لها وقت معيّن، بل تجب المبادرة حين حصولها، فإن لَم يبادر أتى بها أداء مدة العمر. أمّا كيفيتها فعلى هذا النحو:

يكبّر للإحرام، ثُمّ يقرأ الحمد وسورة، ثُمّ يركع ويرفع رأسه ويقرأ الحمد وسورة ثُمّ يركع، وهكذا حتى يتم خمساً، فيسجد بَعد الركوع الخامس سجدتين، ثُمّ يقوم للركعة الثانية ويقرأ الحمد وسورة ثم يركع، وهكذا إلى الركوع الخامس مِن الركعة الثانية، فيسجد بعده سجدتين ويتشهد ويسلّم، فيكون المجموع عشرة ركوعات، وسجدتين بَعد الركوع الخامس مِن الركعة الأُولى، وسجدتين بَعد الخامس مِن الثانية.


صلاة الاستسقاء

صلاة الاستسقاء ثابتة بنصّ الكتاب والسنّة وقيام الإجماع، قال تعالى:( وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِِ ...) ،( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً ) .

وجاء في الحديث أنّ أهل المدينة أصابهم قحط، فبينا رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يخطب، إذ قام إليه رجل فقال: هلك الكراع والنساء، فادعُ الله أن يسقينا، فمدّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يديه ودعا. قال أنس: وكانت السماء كالزجاجة، فهاجت ريح ثُمّ أنشأت سحاباً ثُمّ اجتمع، وأرسلت السماء خيراتها، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، فلَم تزل تمطر إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه الرجل وقال: يا رسول الله، تهدّمت البيوت، واحتبس الركبان، فادعُ الله أن يحبسه، فابتسم ثُمّ قال: (اللّهم حوالينا ولا علينا). فنظرت إلى السماء تتصدع حول المدينة كالإكليل.

أمّا سبب هذه الصلاة فالجدب وقلة الأمطار وغور الأنهار، وقد اتفقوا على أنّه إذا تأخر السقي بَعد الصلاة يستحب تكرارها، وأن يصام لها ثلاثة أيام، وأن يخرج الناس مشاةً خاشعين متضرعين ومعهم النساء والأطفال والشيوخ والعجائز والدواب؛ ليكون ذلك أدعى لرحمة الله.

واتفقوا على أنّها تصحّ جماعة وفرادى، وأنّه لا أذان لها ولا إقامة، وأنّه


يستحب للإمام أن يخطب بَعد الصلاة. أمّا كيفيتها: فقد اتفقوا على أنّها ركعتان تؤديان كما تؤدى صلاة العيد حسبما هي عند كل مذهب، ما عدا المالكية والحنفية فإنّهم قالوا: هي كصلاة العيد إلاّ أنّه لا يكبّر فيها التكبيرات الزائدة.

وقال الإمامية: يستحب أن يقنت بَعد كل تكبيرة بدعاء يتضمن الاستعطاف وسؤال الرحمة وإنزال الغيث.

وقال الأربعة: إنّ مثل هذا الدعاء يقوله الخطيب بَعد الصلاة وفي أثناء الخطبة، لا في الصلاة.


صلاة القضاء

اتفقوا على أنّ مَن فاتته فريضة يجب عليه قضاؤها، سواء أتركها عمداً أو سهواً أو جهلاً أو لنوم، وأنّه لا قضاء على الحائض والنفساء مع استيعاب الوقت، حيث تسقط الصلاة عنها رأساً، وإذا لَم تجب أداء لَم تجب قضاء، واختلفوا في المجنون والمغمى عليه والسكران.

قال الحنفية: يجب القضاء على مَن غاب عقله بمسكر محرّم، كالخمر ونحوه. أمّا المغمى عليه والمجنون فتسقط عنهما الصلاة بشرطين: الأوّل: أن يستمر الإغماء والجنون أكثر مِن خمس صلوات، أمّا إذا استمر خمس صلوات فأقل فعليه القضاء. الثاني: أن لا يفيق مدة الجنون والإغماء في وقت الصلاة، فإن أفاق ولّم يصلّ وجب عليه القضاء.

وقال المالكية: يقضي المجنون والمغمى عليه، أمّا السكران فان كان قد سكر بحرام فعليه القضاء، وإن كان بحلال - كمن شرب لبناً حامضاً فسكر - فإنّه لا يقضي.

وقال الحنابلة: يقضي المغمى عليه والسكران بحرام، ولا يقضي المجنون.

وقال الشافعية: لا يقضي المجنون إذا استغرق بجنونه جميع وقت الصلاة،


وكذلك المغمى عليه والسكران إذا لَم يكن السكر والإغماء بسببهما، وإلاّ وجب عليهما القضاء.

وقال الإمامية: يجب القضاء على شارب المسكر مطلقاً، سواء أشربه عالماً أو جاهلاً أو مختاراً أو مضطراً أو مكرَهاً، أمّا المجنون والمغمى عليه فلا قضاء عليهما.

كيفية القضاء

قال الحنفية والإمامية: مَن فاتته فريضة فعليه أن يقضيها كما فاتته دون تغيير وتبديل، فمن كان عليه صلاة تامة وأراد قضاءها وهو في السفر، قضاها تماماً، ومَن كان عليه صلاة قصر وأراد قضاءها في الحضر، قضاها قصراً، وكذلك بالنسبة إلى الجهر الإخفات، فإذا قضى صلاة العشاءين في النهار جهَر، وإذا قضى الظهرين في الليل أسرّ.

وقال الحنابلة والشافعية: مَن أراد قضاء ما عليه مِن صلاة القصر، فإن كان في السفر قضاها قصراً كما فاتته، أمّا إذا كان في الحضر فيجب أن يقضي القصر تماماً. هذا بالنسبة إلى عدد الركعات، أمّا بالنسبة إلى السرّ والجهر، فقال الشافعية: مَن قضى الظهر في الليل يجب عليه أن يجهر، ومَن قضى المغرب في النهار يجب عليه أن يخفت. وقال الحنابلة: يسرّ في الفائتة مطلقاً سرّية كانت أو جهرية قضاها في الليل أو في النهار، إلاّ إذا كان إماماً وكانت جهرية وقضاها في الليل.

واتفقوا - ما عدا الشافعية - على وجوب الترتيب بين الفوائت، فيقضي السابقة قَبل اللاحقة، فلو فاتته مغرب وعشاء صلّى المغرب قَبل العشاء، كما هي الحال في الأداء.

وقال الشافعية: الترتيب بين الفوائت سنّة، وليس بواجب، فمن صلّى العشاء قَبل المغرب صحّت صلاته.


الاستنابة في العبادة

اتفقوا جميعاً على أنّ الاستنابة في الصوم والصلاة عن الأحياء لا تصحّ بحال، سواء أكان المستناب عنه قادراً أو عاجزاً. وقال الإمامية: تصحّ الاستنابة فيهما عن الأموات. وقال الأربعة: لا تصحّ عن الأموات كما لا تصحّ عن الأحياء.

واتفقوا على أنّ الاستنابة في الحج تجوز عن الأحياء مع عجز المستناب عنه، وتجوز عن الأموات أيضاً بطريق أولى، ما عدا المالكية فإنّهم قالوا: لا أثر للاستنابة عن الأحياء ولا عن الأموات.

وانفرد الإمامية بأنّهم أوجبوا على الولد أن يقضي عن أبيه ما فاته مِن الصلاة والصوم، ولكن اختلفوا فيما بينهم، فمنهم مَن قال: يجب أن يقضي عنه كل ما فاته ولو عمداً. ومنهم مَن قال: يقضي عنه ما فاته لعذره مِن مرض ونحوه. وآخرون قالوا: لا يقضي عنه إلاّ ما فاته في مرض الموت. وبعضهم قال: يقضي عن أمّه أيضاً كما يقضي عن أبيه.


صلاة الجماعة

أجمع المسلمون كافة على أنّ صلاة الجماعة مِن شعائر الإسلام وعلاماته، وقد داوم على إقامتها رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) والخلفاء والأئمة مِن بَعده. وقد اختلفوا: هل هي واجبة أو مستحبة؟

قال الحنابلة: تجب عيناً على كل فرد مع القدرة، ولكن إذا تركها وصلّى منفرداً أثم وصحّت صلاته.

وقال الإمامية والحنفية والمالكية وأكثر الشافعية: لا تجب عيناً ولا كفاية، وإنّما تستحب استحباباً مؤكداً.

وقال الإمامية: تشرع الجماعة في الصلوات الواجبة، ولا تشرع في المستحبة إلاّ في الاستسقاء والعيدين مع فقد الشروط. وقال الأربعة: تشرع مطلقاً في الواجبة والمستحبة.

شروطها

يشترط لصحة الجماعة شروط:

١ - الإسلام بالاتفاق.

٢ - العقل بالاتفاق.


٣ - العدالة عند الإمامية والمالكية والحنابلة في احدى الروايتين عن الإمام أحمد. واستدل الإمامية بقول النبي (صلّى الله عليه وسلّم): (لا تؤمّ امرأةٌ رجلاً، ولا فاجرٌ مؤمناً)، وبإجماع أهل البيت، وبأنّ إمامة الصلاة تشعر بالقيادة، والفاسق لا يصلح لها بحال، ولكنّهم قالوا: مَن وثق برجل فصلّى خلفه، ثُمّ تبيّن أنّه فاسق فلا تجب عليه الإعادة.

٤ - الذكورية، فلا يصحّ أن تكون الأنثى إماماً للرجل، ويصحّ أن يأتمّ بها النساء عند الجميع ما عدا المالكية، فإنّهم قالوا: لا تكون المرأة إماماً حتى لأمثالها.

٥ - البلوغ شرط عند المالكية والحنفية والحنابلة. وقال الشافعية: يصحّ الاقتداء بالصبي المميز. وللإمامية قولان: أحدهما: إنّ البلوغ شرط، والثاني: صحة إمامة المميز إذا كان مراهقاً.

٦ - العدد. اتفقوا على أنّ أقل ما تنعقد به الجماعة في غير صلاة الجمعة إثنان أحدهما الإمام.

٧ - أن لا يتقدم المأموم في الموقف عند الكل ما عدا المالكية، فإنّهم قالوا: لا تبطل صلاة المأموم ولو تقدم على الإمام.

٨ - اتحاد المكان وعدم الحائل. قال الإمامية: لا يجوز تباعد المأموم عن الإمام بما لَم تجز به العادة إلاّ مع اتصال الصفوف، ولا تجوز الجماعة مع وجود حائل يمنع المأموم الذكر مِن مشاهدة الإمام، أو مشاهدة مَن يشاهده مِن المقتدين به، ما عدا المرأة، حيث يصحّ أن تقتدي بالرجل مع وجود الحائل إذا لَم تشتبه عليها أفعال الإمام.

وقال الشافعية: لا مانع مِن أن يكون بين الإمام والمأموم مسافة تزيد على ثلاث مئة ذراع، بشرط أن لا يكون هناك حائل.

وقال الحنفية: إذا اقتدى رجل في داره بإمام المسجد، فإن كانت ملاصقة


للمسجد بحيث لا يفصل بينهما إلاّ الحائط، تصحّ الصلاة إذا لَم يشتبه على المأموم حال الإمام، أمّا إذا كانت الدار منفصلة عن المسجد بطريق أو نهر فلا يصحّ الاقتداء.

وقال المالكية: لا يمنع اختلاف المكان مِن صحة الاقتداء، فإذا حال بين الإمام والمأموم طريق أو نهر أو جدار فالصلاة صحيحة ما دام المأموم متمكناً مِن ضبط الإمام.

٩ - لا بدّ مِن نية الاقتداء في حق المأموم بالاتفاق.

١٠ - اتحاد صلاة المأموم والإمام. اتفقوا على أنّ الاقتداء لا يصحّ إذا اختلفت الصلاتان في الأركان والأفعال، كاليومية مع صلاة الجنازة أو العيد، واختلفوا فيما عدا ذلك.

فقال الحنفية والمالكية: لا يصحّ أن يقتدي مَن يصلّي الظهر بمن يصلّي العصر، ولا مَن يصلّي قضاء بمن يصلّي أداء، وبالعكس.

وقال الإمامية والشافعية: يصحّ في كل ذلك. وقال الحنابلة: لا يصحّ ظهر خلف عصر، ولا عكسه، ويصحّ ظهر قضاء خلف ظهر أداء.

١١ - إتقان القراءة، فلا يجوز لمن يحسن القراءة أن يأتمّ بغير المحسن بالاتفاق، وإذا اقتدى المحسن بغيره بطلت صلاة المؤتمّ خاصة عند الجميع، ما عدا الحنفية فإنّهم قالوا: تبطل الصلاتان معاً. ولهم وجه وجيه؛ لأنّ على الأُمّي أن يأتمّ بالقارئ الصحيح مع القدرة، وليس له أن يصلّي منفرداً حيث يمكنه أداء الصلاة بقراءة صحيحة ولو بواسطة الجماعة.

المتابعة

اتفقوا على أنّ للمتوضئ أن يقتدي بالمتيمم، وأنّ على المأموم أن يتابع الإمام في قراءة الأذكار، كسبحان ربّي العظيم، وسبحان ربّي الأعلى، وسمع الله لمن


حمده. واختلفوا في وجوب متابعته بالقراءة.

قال الشافعية: يتابعه في الصلاة السرّية لا الجهرية، وتجب قراءة الفاتحة على المأموم في جميع الركعات.

وقال الحنفية: لا يتابعه في السرّية ولا في الجهرية، بل نُقل عن الإمام أبي حنيفة: أنّ قراءة المأموم خلف الإمام معصية. (النووي شرح المهذب ج٣ ص ٣٦٥).

وقال المالكية: أن يقرأ المأموم في السرّية، ولا يقرأ في الجهرية.

وقال الإمامية: إنّ القراءة لا تجب في الركعتين الأُوليين، وتجب في ثالثة المغرب والأخيرتين مِن الظهرين والعشاءين.

واتفق الجميع على وجوب متابعة المأموم لإمامه بالأفعال، ولكن اختلفوا في تفسير المتابعة.

فقال الإمامية: معنى المتابعة أن لا يتقدم فعل المأموم على الإمام ولا يتأخر تأخراً فاحشاً، ولا بدّ أن يقارنه أو يتأخر قليلاً.

وقال الحنفية: تتحقق المتابعة بالمقارنة، وبتعقب فعل المأموم لفعل الإمام مباشرة، وبالتراخي، فلو ركع المأموم بَعد أن رفع الإمام رأسه مِن الركوع، وقَبل أن يهبط للسجود فإنّه يكون متابعاً له في الركوع.

وقال المالكية: إنّ معنى المتابعة أن يكون فعل المأموم عقب فعل الإمام، فلا يسبقه ولا يساويه ولا يتأخر عنه تأخراً فاحشاً بحيث يركع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع.

وقال الحنابلة: المتابعة أن لا يسبق المأموم الإمام بفعل مِن أفعال الصلاة، ولا يتأخر عنه بشيء مِن أفعالها، بأن لا يركع المأموم بَعد انتهاء الإمام مِن الركوع ولا ينتهي الإمام منه قبل أن يبدأ به المأموم.


المسبوق

إذا جاء المصلّي بَعد أن دخل الإمام في الصلاة، وكان قد سبقه بركعة أو أكثر، فقد اتفقوا على أنّه ينوي الجماعة، ويمضي مع الإمام هل يجعله أوّل صلاته أو آخرها؟ - مثلاً - لو أدرك مع الإمام الركعة الأخيرة مِن المغرب، وصلاّها معه يبقى عليه ركعتان لا بدّ مِن إتيانهما، ولكن هل تكون الثالثة التي أدركها مع الإمام ثالثة بالنسبة إلى المأموم، كما هي ثالثة للإمام، وتكون الركعتان الباقيتان أُوليين، أو أنّ الركعة الأخيرة التي أدركها مع الإمام تكون أُولى بالنسبة للمأموم، ثمّ يأتي بالثانية والثالثة؟

قال الحنفية والمالكية والحنابلة: إنّ ما يدركه المأموم مع الإمام تكون آخر صلاة المأموم، فإذا أدرك الركعة الأخيرة مِن المغرب يحسبها أخيرة لصلاته أيضاً، ويأتي بعدها بركعة يقرأ فيها الحمد وسورة، ويتشهّد، ثمّ يأتي بركعة يقرأ فيها الحمد وسورة. وبكلمة: يصلّي في مثل هذه بتقديم الثالثة على الأوليين، ويكون ما أدّاه مع الإمام آخر صلاته، وما يصليه بَعد الإمام أوّل صلاته.

وقال الشافعية والإمامية: ما يدركه المأموم مع الإمام يحسب أوّل صلاته لا آخرها، فلو أدرك ركعة مِن المغرب صلاّها مع الإمام واحتسبها أُولى، وقام إلى الثانية وتشهد بعدها، ثمّ يأتي بالثالثة وتكون هي آخر صلاته.

الأحق بالإمامة

قال الحنفية: إذا اجتمع عديد مِن الرجال للصلاة قدّم الأعلم بأحكامها، ثمّ الأقرأ، فالأورع، فالأقدم إسلاماً، فالأكبر سناً، فالأحسن خُلقاً، فالأجمل وجهاً، فالأشرف نسباً، فالأنظف ثوباً، فإن استووا في ذلك أُقرع بينهم.

قال المالكية: يقدّم السلطان أو نائبه، ثمّ إمام المسجد وربّ المنزل، ثمّ الأعلم بأحكام الصلاة، فالأعلم بالحديث، فالأعدل، فالأقرأ، فالأعبد،


فالأقدم إسلاماً، فالأرقى نسباً، فالأحسن خُلقاً، فالأحسن لباساً، فإن استووا أُقرع بينهم.

وقال الحنابلة: يقدّم الأفقه الأجود قراءة، ثمّ الأجود قراءة فقط، ثمّ الأحفظ لأحكام الصلاة، ثمّ قارئ لا يعلم فقه صلاته، ثمّ الأكبر سنّاً، فالأشرف نسباً، فالأقدم هجرة، فالأتقى، فالأورع، ومع التساوي فالقرعة.

وقال الشافعية: يقدم الوالي، ثم إمام المسجد، ثم الأفقه، فالأقرأ، فالأزهد، فالأورع، فالأقدم هجرة، فالأسنّ، فالأفضل نسباً، فالأحسن سيرة، فالأنظف ثوباً وبدناً وصنعة، فالأحسن صوتاً، فالأحسن صورة، فالمتزوج، فإن تساووا فالقرعة.

وقال الإمامية: إذا تشاحّ الأئمة رغبة في ثواب الإمامة، لا لغرض دنيوي، رُجح مَن يقدّمه المأمومون لترجيح شرعي وغاية دينية لا لأغراض دنيوية، فإن اختلفوا فالأولى تقديم الفقيه، ثمّ الأقرأ، ثمّ الأسن، ثمّ مَن كان به مرجّح شرعي.


صلاة المسافر

اتفقوا على أنّ القصر يختص بالرباعية المفروضة، فتؤدى كل مِن الظهرين والعشاء ركعتين كالصبح. واختلفوا هل القصر في السفر عزيمة لا يجوز تركه، أو رخصة يخيّر بينه وبين التمام؟

قال الحنفية والإمامية: هو عزيمة، فالقصر متعين.

وقالت بقية المذاهب: بل هو رخصة، فإن شاء قصر، وإن شاء أتم.

شروط القصر

وللقصر شروط:

١ - قطع المسافة بالاتفاق، وهي عند الحنفية (٢٤) فرسخاً ذهاباً فقط، ولا يقصر في أقل مِن هذه المسافة.

وقال الإمامية: (٨) فراسخ ذهاباً أو ملفّقة مِن الذهاب والإياب(١) .

وقال الحنابلة والمالكية والشافعية: (١٦) فرسخاً ذهاباً فقط، ولا يضرّ

____________________

(١) على أن يعود ليومه وليلته؛ لأنّه بذلك قد شغل سفره اليوم بكامله، وقال بعضهم: يقصر إذا قصد العودة قَبل عشرة أيام.


نقصان المسافة عن هذا المقدار بميلين، بل قال المالكية: لا مانع مِن نقصان ثمانية أميال.

والفرسخ (٥) كيلومترات و(٤٠) متراً. (الفقه على المذاهب الأربعة ج٤ مبحث شروط القصر).

وعلى هذا تكون المسافة عند الحنفية: مئة وسبعة كيلومترات ونصف الكيلو وعشرين متراً، وعند الثلاثة: ثمانين كيلومتراً ونصف الكيلو ومئة وأربعين متراً، وعند الإمامية: أربعين كيلومتراً وثلاثمئة وعشرين متراً.

٢ - أن يقصد المسافة بتمامها مِن أوّل سفره بالاتفاق، ونية التابع كالزوجة والخادم والأسير والجندي تتبع نية الآمر بشرط أن يعلم المأمور بنية آمره وقائده، فلو جهلها يبقى على التمام.

٣ - لا يجوز القصر إلاّ بَعد مفارقة بنيان البلد عند الأربعة.

وقال الإمامية: لا يكفي ذلك، بل لا بدّ أن تتوارى جدران البلد أو يخفى أذانه. والحد الذي اعتبروه لابتداء السفر اعتبروه لانتهائه أيضاّ، أي إذا عاد إلى بلده فعليه أن يقصر حتى تظهر الجدران، أو يسمع الأذان.

٤ - أن يكون السفر مباحاً، فلو كان حراماً كأن سافر لسرقة وما إليها فلا يقصر بالاتفاق، إلاّ الحنفية فإنهم قالوا: يقصر على كل حال ولو كان السفر حراماً، وغاية الأمر أنّه يأثم بفعل الحرام.

٥ - أن لا يقتدي المسافر بمقيم، أو بمسافر يتم الصلاة، فإن فعل ذلك وجب عليه التمام عند الأربعة. ولا أثر لهذا الشرط عند الإمامية، فقد أجازوا لمن يتِم أن يقتدي بمن يقصِر، وبالعكس على أن يأتي كل بوظيفته، فإن صلّى المسافر خلف المقيم في الظهرين والعشاء صلّى معه ركعتين وتشهّد معه، وسلّم منفرداً، ويمضي الإمام في صلاته إلى النهاية، وإن صلّى المقيم خلف المسافر صلّى ركعتين، ثمّ أتم ما تبقّى مِن صلاته منفرداً.


٦ - أن ينوي القصر في الصلاة التي يؤديها، فلو صلّى ولَم ينوِ القصر صلاّها تماماً عند الحنابلة والشافعية.

وقال المالكية: تكفي نية القصر في أوّل صلاة يقصرها في السفر، ولا يلزم تجديدها عند كل صلاة.

وقال الحنفية والإمامية: نية القصر ليست شرطاً في وجوب القصر، فلو لم ينوِ القصر وجب عليه أن يتمم؛ لأنّ الحكم لا يتغير بالنوايا، ولأنّه قد نوى السفر منذ البداية، غير أنّ الإمامية قالوا: إذا نوى المسافر الإقامة في مكان ثمّ رجع عن نيته، يصلّي قصراً ما لَم يكن قد صلّى تماماً، ولو صلاة واحدة، فلو كان قد صلّى صلاة واحدة على التمام ثمّ عدل عن الإقامة سبقي على التمام.

٧ - أن لا ينوي الإقامة مدة خمسة عشرة يوماً متوالية عند الحنفية، أو عشرة أيام عند الأمامية، أو أربعة أيام عند المالكية والشافعية، أو مدة يجب عليه فيها أكثر مِن عشرين صلاة عند الحنابلة. وزاد الإمامية: أنّه إذا لَم ينوِ الإقامة ولا عدمها، وكان متردداً لا يدري متى تُقضى حاجته، يبقى على القصر إلى أن يمضي عليه ثلاثون يوماً، وبعدها يجب أن يقصر، ولو كانت صلاة واحدة.

٨ - أن لا يكون عمل المسافر يستدعي استمرار السفر، كالمكاري وبعض التجار الذي تقتضي تجارتهم دوام السفر، وعدم استقرارهم في بيوتهم مدة الإقامة. وهذا الشرط معتبر عند الحنابلة والإمامية فقط دون سائر المذاهب.

٩ - أن لا يكون بيته معه كأهل البوادي الذين لا مسكن لهم، ويتنقلون في البراري ومحل العشب والكلأ. وهذا الشرط صرح به الإمامية خاصة.

١٠ - قال الحنفية والحنابلة والمالكية: إذا رجع المسافر عن السفر، وعزم على العودة إلى المكان الذي أنشأ سفره منه، ينظر: فإن كان ذلك قَبل أن يقطع مقدار مسافة القصر بطل سفره، ووجب عليه أن يتم، وإن كان قد قطع


المسافة المحددة شرعاً فإنّه يقصر حتى يعود إلى الوطن.

وقال الشافعية: (مهما بدا له الرجوع في أثناء سفره، فليتم). (الوجيز للغزالي صلاة المسافرين). ومعنى هذا إنّ عليه التمام على كل حال، ولو قطع المسافة؛ لأنّ ترك التفصيل دليل العموم والشمول.

وقال الإمامية: إذا عدل عن السفر، أو تردد قَبل أن يقطع المسافة وجب عليه التمام، وإن كان قد قطعها وجب القصر، فاستمرار نية السفر شرط ما دام لَم يقطع المسافة، أمّا بَعد قطعها فيتحقق الموضوع قهراً، ولا يتوقف وجوده على النية.

واتفق الجميع على أنّ كل شرط معتبر لقصر الصلاة فهو شرط أيضاً لجواز الإفطار في السفر، وبعض المذاهب زاد شروطاً أخرى لجواز الإفطار نأتي على ذكرها في باب الصوم، أمّا الإمامية فلم يزيدوا شيئاً، وقالوا:

(مَن أفطر قصر، ومَن قصر أفطر).

الجمع بين الصلاتين

يجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً بعذر السفر، عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجوز الجمع بين الصلاتين بعذر السفر بحال.

ومعنى الجمع (تقديماً) أن يجمع الظهرين في وقت الظهر، ومعنى (تأخيراً) أن يجمعهما في وقت العصر.

الجاهل والناسي

قال الإمامية: مَن صلّى تماماً في السفر متعمداً بطلت صلاته، وعليه


أن يعيد أداء مع وجود الوقت، وقضاء في خارجه، ومَن صلّى جاهلاً بوجوب القصر فلا يعيد مطلقاً في داخل ولا في خارجه، وإذا أتمّ ناسياً ثمّ تذكّر وهو في الوقت أعاد، وإذا تذكّر خارج الوقت فلا يعيد.

وقال الإمامية: مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر متمكن مِن الصلاة، وسافر قَبل أن يصلّي وجب أن يصلّي قصراً. ولو دخل عليه الوقت وهو مسافر، ولَم يصلِّ حتى وصل إلى وطنه أو محل إقامته عشرة أيام فعليه أن يصلّي تماماً، فالمعوّل على حال الأداء لا حال الوجوب.


مبطلات الصلاة

تبطل الصلاة بأمور:

١ - الكلام، وأقله ما كان مركّباً مِن حرفين ولو مهملين لا معنى لهما، وكذا الحرف الواحد إذا كان مفهماً، مثل (قِ) فعل أمر مِن وقى، ولا تبطل بحرف مهمل لا معنى له، ولا بصوت يشتمل على حروف غير مقصودة.

ولَم يفرّق الحنفية والحنابلة في الحكم ببطلان الصلاة بالكلام بين صدوره عمداً وسهواً.

وقال الإمامية والشافعية والمالكية: لا تبطل الصلاة بالكلام سهواً إذا كان يسيراً بحيث تبقى صورة الصلاة محفوظة.

ولا تبطل بالتنحنح سواء أكان لحاجة أو غير حاجة عند الإمامية والمالكية، وتبطل عند بقية المذاهب إن كان لغير حاجة، ولا بأس به للحاجة، كتحسين الصوت حتى تخرج الحروف مِن مخارجها، أو يهتدي الإمام إلى الصواب.

واتفقوا على أنّه يجوز الدعاء أثناء الصلاة بطلب الخير والمغفرة مِن الله سبحانه، إلاّ عند الحنفية والحنابلة، فإنّهم قيدوا مثل هذا الدعاء بما ورد في الكتاب والسنّة، أو بما يطلب مِن الله وحده كالرزق والبركة.


وليس مِن الكلام المبطل (التسبيح) للإعلام بأنّه في الصلاة، أو لإرشاد الإمام أو إصلاح خطأ في صلاته.

وقال الأربعة: مِن الكلام المبطل للصلاة (ردّ السلام)، فلو سلّم عليه رجل وهو في الصلاة فرد عليه السلام بلسانه بطلت صلاته، ولا بأس بالرد مشيراً.

وقال الإمامية: يجب على المصلّي أن يرد التحية بمثلها إذا كانت بصيغة السلام لا بصيغة صباح الخير ونحوه، واشترطوا أن تكون بهيئة السلام تماماً دون تغيير، فجواب سلامٌ عليكم مثلها بدون الألف واللام، وجواب السلام عليكم يكون بالألف واللام.

٢ - كل فعل ماحٍ لصورة الصلاة فهو مبطل لها، بحيث يخيّل للناظر أنّ فاعله ليس في الصلاة، وهو شرط متفق عليه عند الجميع.

٣ - الأكل والشرب بالاتفاق، ولكن اختلفوا في المقدار المبطل منهما.

فقال الإمامية: كل مِن الأكل والشرب يبطل الصلاة إذا محا صورتها، أو فوّت شرطاً مِن شروطها كالموالاة ونحوها.

وقال الحنفية: كل أكل وشرب مبطل للصلاة كثر أو قلّ، ولو كان المأكول حبة سمسم، والمشروب قطرة ماء، مِن غير فرق في ذلك بين العمد والسهو.

وقال الشافعية: كل ما يصل إلى جوف المصلّي مِن طعام أو شراب فهو مبطل قليلاً كان أو كثيراً، هذا إذا كان المصلّي عامداً عالماً بالتحريم، أمّا إذا كان جاهلاً أو ناسياً فلا يضر القليل، ويضر الكثير.

وقال الحنابلة: الكثير يبطل عمداً وسهواً، والقليل يبطل عمداً لا سهواً.

٤ - إذا طرأ ناقض للوضوء أو الغسل مِن حدثٍ أكبر أو أصغر يبطل الصلاة عند الجميع، إلاّ الحنفية فإنّهم قالوا: يُبطل الناقض إذا حدث قَبل القعود


الأخير بقدر التشهد، أمَا إذا طرأ بعده وقَبل السلام فلا تبطل الصلاة.

٥ - القهقهة تبطل الصلاة بالاتفاق، ما عدا الحنفية فإنّ حكمها عندهم حكم الحدث على التفصيل المتقدم.

ولما كان لمبطلات الصلاة أهميتها الكبرى، وهي كثيرة ومتشعبة، ولكل مذهب رأي قد يتفق أو يختلف مع غيره، فمن الخير أن نجملها كما هي عند كل مذهب على حدة فيما يلي:

قال الشافعية: مبطلات الصلاة هي: الحدث الموجب للوضوء أو الغسل، والكلام، والبكاء، والأنين في بعض الحالات، والفعل الكثير، والشك بالنية، والتردد في قطع الصلاة مع الاستمرار فيها، والعدول مِن صلاة إلى أخرى ما عدا الفرض فله أن يصرفه إلى النفل إذا أراد صلاة الجماعة، وانكشاف العورة مع القدرة على سترها، والعريان إذا وجد ساتراً، والنجاسة غير المعفو عنها إذا لَم يفارقها بسرعة، وتكرير تكبيرة الإحرام، وترك الركن عمداً، واقتداء المصلّي بمن لا يُقتدى به لكفر أو غيره، وزيادة الركن عمداً، ووصول المفطر إلى الجوف، والتحول عن القبلة بالصدر، وتقديم الركن الفعلي على غيره.

وقال المالكية: المبطل هو ترك الركن عمداً أو سهواً إذا لَم يتذكر حتى سلّم معتقداً الكمال وطال الأمر عرفاً، وزيادة الركن عمداً كالركوع والسجود، وزيادة التشهد في غير محله إذا كان عن جلوس، والقهقهة عمداً أو سهواً، والأكل والشرب عمداً، والكلام عمداً لغير إصلاح، والنفخ بالفم عمداً، والقيء عمداً، وطروء ناقض للوضوء، وكشف العورة أو شيء منها، وسقوط النجاسة على المصلّي، والفعل الكثير، وزيادة أربع ركعات على الصلاة الرباعية يقيناً أو سهواً، والسجود قَبل السلام، وترك ثلاث سنن مِن سنن الصلاة سهواً مع ترك السجود لها.

وقال الحنابلة: المبطلات هي العمل الكثير، وطروء نجاسة لَم يعفُ عنها،


واستدبار القبلة، وطروء ناقض للوضوء، وتعمد كشف العورة، واستناد المصلّي استناداً قوياً مِن غير عذر، والرجوع للتشهد الأوّل بَعد الشروع بالقراءة إن كان عالماً ذاكراً، وزيادة الركن عمداً، وتقديم بعض الأركان على بعضٍ عمداً، واللحن المغيّر للمعنى مع القدرة على الإصلاح، ونية قطع الصلاة أو التردد في ذلك، والشك في تكبيرة الإحرام، والقهقهة، والكلام عمداً أو سهواً، وسلام المأموم عمداً قَبل الإمام، والأكل والشرب لناسٍ أو جاهل، والتنحنح بلا حاجة، والنفخ إن بان منه حرفان، والبكاء لغير خشية الله.

وقال الحنفية: المبطلات هي الكلام عمداً أو سهواً أو جهلاً أو خطأ، والدعاء بما يشبه كلام الناس، والعمل الكثير، وتحويل الصدر عن القبلة، والأكل والشرب، وتسميت العاطس، وقول إنّا لله عند سماع خبر سوء، وقول الحمد لله عند سماع خبر سار، وقول سبحان الله أو لا إله إلاّ الله للتعجب، ورؤية المتيمم الماء، وطلوع الشمس وهو يصلّي الفجر، وزوالها وهو يصلّي العيد، وسقوط الجبيرة عن برء، والحدث عمداً، أمّا لو سبقه الحدث فلا تبطل صلاته بل يتوضأ، ويبني على ما سبق(١) .

وقال الإمامية: يبطل الصلاةَ الرياءُ، والتردد في النية، ونية القطع إذا أتى بشيء مِن أفعال الصلاة في هذه الحال، والعدول مِن صلاة متقدمة إلى صلاة متأخرة، كما لو عدل مِن الظهر إلى العصر، أمّا إذا عدل مِن العصر إلى الظهر فلا مانع، فلو تخيّل أن قد صلّى الظهر ونوى العصر، ثمّ تذكّر في الأثناء فيجوز له العدول منها إلى الظهر، ويجوز العدول مِن الجماعة إلى الانفراد، ولا يجوز العدول مِن الانفراد إلى الجماعة، ولكن يجوز لمن يصلّي صلاة الفريضة منفرداً أن يعدل بها إلى الندب كي يؤدي الفريضة جماعة، وتبطل الصلاة أيضاً بزيادة تكبيرة الإحرام، فلو كبّر لها ثمّ كبّر ثانية بطلت واحتاج إلى ثالثة،

____________________

(١) تلخيص من كتاب: (الفقه على المذاهب الأربعة).


ولو كبّر الرابعة بطلت واحتاج إلى الخامسة، وهكذا تبطل بالشفع لزيادة الركن، وتصحّ بالوتر، وتبطل الصلاة بالنجاسة العارضة غير المعفو عنها إذا لَم يستطع إزالتها بفعل كثير ماحٍ لصورة الصلاة، وإذا تيمم لفقد الماء ودخل في الصلاة ثمّ وجده وهو في أثناء الصلاة، يبطل التيمم والصلاة معاً إن كان قد وجده قَبل ركوع الركعة الأُولى، وإن كان بَعده يتم وتصحّ الصلاة، وتبطل بفقد بعض الشروط كالساتر وإباحة المكان، وطروء الحدث، وبتعمد الالتفات بتمام البدن إلى الخلف، أو إلى اليمين، أو إلى الشمال، أو إلى ما بينهما بحيث يخرج عن الاستقبال، وبتعمد الكلام والبكاء لأمور الدنيا، وبالقهقهة، وبالفعل الماحي للصلاة، وبالأكل والشرب، وبزيادة جزء أو نقصانه عمداً، وبترك ركن مِن الأركان الخمسة عمداً أو سهواً، والأركان الخمسة هي: النية وتكبيرة الإحرام والقيام والركوع والسجدتان مِن ركعة واحدة، هذا مع العلم أنّ النية يمكن نقصانها ولا يمكن زيادتها بحال.

المرور بين يدي المصلّي

اتفقوا على أنّ المرور بين يدي المصلّي لا يبطل الصلاة، واختلفوا في تحريمه.

قال الإمامية: لا يحرم المرور على المار ولا على المصلّي، وإنّما يستحب أن يجعل المصلّي بين يديه سترة إذا لَم يكن أمامه حاجز يمنع المرور، والسترة هي عبارة عن عود أو حبل أو كومة تراب ونحو ذلك، يجعله المصلّي أمامه إشارة إلى تعظيم الصلاة، والانقطاع عن الخَلق، والتوجه إلى الحق.

وقال المالكية والحنفية والحنابلة: يحرم المرور بين يدي المصلّي على كل حال، سواء اتخذ سترة أو لَم يتخذ. بل قال الحنفية والمالكية: يحرم على المصلّي أن يتعرض بصلاته لمرور الناس بين يديه مع إمكان الابتعاد.

وقال الشافعية: يحرم المرور إذا لَم يتخذ المصلّي سترة، أمّا مع وجودها فلا حرمة ولا كراهة.


الصيام

الصيام في رمضان ركن مِن أركان الدين، ووجوبه لا يحتاج إلى دليل بَعد أن خرج منكره عن الإسلام؛ لأنّه كالصلاة ثابت بالضرورة، وما ثبت بالضرورة يستوي في معرفته الجاهل والعالم والكبير والصغير.

وقد فُرض في شعبان السنة الثانية مِن الهجرة، وهو فرض عيّن على كل مكلّف، ولا يجوز الإفطار إلاّ لأحد الأسباب التالية:

١ - الحيض والنفاس، فلو حاضت المرأة أو نفست لا يصحّ منها الصوم بالاتفاق.

٢ - المرض، وفيه تفصيل بين المذاهب:

قال الإمامية: لا يجوز الصوم إذا أحدث مرضاً، أو زاد في شدته أو شدة ألمه، أو أخرّ البرء؛ لأنّ المرض ضرر والضرر محرّم، والنهي عن العبادة يقتضي الفساد، فلو صام والحال هذه لا يصحّ صومه، ويكفي أن يغلب على ظنه حدوث المرض، أو زيادته. أمّا الضعف المفرط فليس سبباً للإفطار ما دام يُتحمّل عادة، فالسبب الموجب هو المرض لا الضعف ولا الهزال ولا المشقة، كيف وكل تكليف فيه صعوبة وكلفة؟!

وقال الأربعة: إذا مرض الصائم، وخاف بالصوم زيادة المرض أو تأخر


البرء، فإن شاء صام وإن شاء أفطر، ولا يتعين عليه الإفطار؛ لأنّه رخصة لا عزيمة في مثل هذه الحال. أمّا إذا غلب على ظنه الهلاك، أو تعطيل حاسة مِن حواسه فيتعين عليه أن يفطر، ولا يصحّ منه الصوم.

٣ - الحامل المقرِب - التي أوشكت على الولادة - والمرضع، قال الأربعة: إذا خافت المرضع أو الحامل على نفسها أو ولدها يصحّ صيامها، ويجوز لها أن تفطر، فإن أفطرت فعليها القضاء بالاتفاق، واختلفوا في أمر الفدية - أي الكفارة -، فقال الحنفية: لا تجب مطلقاً. وقال المالكية: تجب على المرضع دون الحامل. وقال الحنابلة والشافعية: تجب الفدية على كل مِن الحامل والمرضع إن خافت على ولدها فقط، أمّا لو خافت على نفسها وعلى ولدها معاً فإنّها تقضي ولا تفدي. والفدية عن كل يوم مُد، والمد طعام مسكين(١) .

وقال الإمامية: إذا تضررت الحامل التي قرب أوان وضعها، أو تضرر الولد المرتضع، فعليها أن تفطر ولا يجوز لها الصوم؛ لأنّ الضرر محرّم، واتفقوا على أنّ عليها القضاء والفدية بمُد إذا كان الضرر على الولد، أمّا إذا كان الضرر على نفسها، فبعضهم قال: تقضي ولا تفدي، وآخرون قالوا: تقضي وتفدي.

٤ - السفر بالشروط المعتبرة في صلاة القصر حسبما قدّمنا عند كل مذهب. وأضاف الأربعة إلى تلك شرطاً آخر، وهو أن يشرع بالسفر قَبل طلوع الفجر، بحيث يصل إلى محل الترخيص الذي فيه قصر الصلاة قَبل طلوع الفجر، فإذا شرع بالسفر بَعد طلوع الفجر حرم عليه الفطر، ولو أفطر قضى بدون كفارة. وزاد الشافعية شرطاً آخر، وهو أن لا يكون المسافر مِن عادته دوام السفر كالمكاري، فإن اعتاده فلا يحق له الفطر، والفطر عندهم في السفر رخصة، وليس بعزيمة فالمسافر الذي تمت له جميع الشروط بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر، هذا مع العلم بأنّ الحنفية

____________________

(١) ويقدّر بثماني مئة غرام حنطة أو نحوها.


خاصة قالوا: قصر الصلاة في السفر عزيمة لا رخصة.

وقال الإمامية: إذا تمت للمسافر شروط قصر الصلاة لا يُقبل منه الصوم، ولو صام قضى دون أن يكفّر، هذا إذا شرع بالسفر قَبل الزوال، أمّا إذا شرع به وقت الزوال أو بعده فعليه أن يبقى على صيامه، وإن أفطر فعليه كفارة مَن أفطر عمداً. وإذا وصل المسافر إلى وطنه أو محل إقامته عشرة أيام قَبل الزوال، ولَم يكن قد تناول شيئاً مِن المفطرات وجب عليه البقاء على الصوم، فإن أفطر كان كمن أفطر عمداً.

٥ - اتفقوا جميعاً على أنّ مَن به داء العطش الشديد يجوز له أن يفطر، وإذا استطاع القضاء فيما بَعد وجب عليه دون الكفارة عند الأربعة، ويجب عليه أن يكفّر عند الامامية بمُد. واختلفوا في الجوع الشديد هل هو مِن مسوّغات الإفطار كالعطش؟ قال الأربعة: هو والعطش سواء، كل منهما يبيح الإفطار. وقال الإمامية: لا يبيحه إلاّ إذا استلزم المرض.

٦ - الشيخ والشيخة الهرمان الفانيان اللذان يجدان حرجاً ومشقة لا يقدران معها على الصوم يرخّص لهما بالإفطار مع الفدية عن كل يوم طعام مسكين، وكذلك المريض الذي لا يرجى برؤه في جميع أيام السنة، وهذا الحكم متفق عليه إلاّ الحنابلة قالوا: تستحب الفدية ولا تجب.

٧ - قال الإمامية: لا يجب الصوم مع الإغماء ولو حصل في جزء مِن النهار، إلاّ إذا كان قد نوى الصوم قَبل الإغماء ثمّ أفاق، فعليه أن يبقى على الإمساك.

زوال العذر

إذا زال العذر المبيح للإفطار، كما لو برئ المريض، أو بلغ الصبي، أو قدم المسافر، أو طهرت الحائض، استحب الإمساك تأدباً عند الإمامية والشافعية، ووجب عند الحنفية والحنابلة، وقال المالكية: لا يجب ولا يستحب.


شروط الصوم

قدّمنا أنّ صوم رمضان واجب عيناً على كل مكلّف، والمكلّف هو: البالغ العاقل، فلا يجب على المجنون حال جنونه، ولا يصحّ منه لو صام، أمّا الصبي فلا يجب عليه الصوم، ولكن يصحّ صومه إذا كان مميزاً. ولا بدّ لصحة الصوم أيضاً مِن: الإسلام، والنية، كما هو الشأن في العبادات، فلا يُقبل الصوم مِن غير إسلام، ولا الإمساك عن المفطّر مِن غير نية باتفاق الجميع، هذا بالإضافة إلى الخلو مِن الحيض والنفاس والمرض والسفر على التفصيل المتقدم.

أمّا السكران والمغمى عليه، فقال الشافعية: لا يصحّ منهما الصوم إذا غاب شعورهما في جميع الوقت، أمّا إذا كان في بعض الوقت فيصحّ صومهما ولكن يجب القضاء على المغمى عليه مطلقاً، سواء أكان الإغماء بسببه أو قهراً عنه، ولا يجب على السكران إلاّ إذا كان السُّكر بسببه خاصة.

وقال المالكية: لا يصحّ منهما الصوم إذا كان السُّكر والإغماء مستغرقاً مِن طلوع الفجر إلى غروب الشمس أو معظم الوقت، أمّا إذا استغرق نصف اليوم أو أقلّه وكانا منتبهين وقت النية ونويا، ثمّ طرأ الإغماء أو السُّكر فلا يجب القضاء. ووقت النية - أي نية الصوم عندهم - مِن المغرب إلى الفجر.

وقال الحنفية: المغمى عليه كالمجنون تماماً، وحكم المجنون عندهم أنّه


إذا استغرق الجنون كل شهر رمضان فلا يجب عليه القضاء، وإذا جُنّ نصف الشهر وأفاق في النصف الآخر يصوم ما بقي، ويقضي ما فات أيام جنونه.

وقال الحنابلة: يجب القضاء على السكران والمغمى عليه، سواء أكان ذلك بفعلهما أو قهراً عنهما.

وقال الإمامية: يجب القضاء على السكران فقط، سواء أكان السكر بفعله أو لم يكن، ولا يجب على المغمى عليه ولو كان الإغماء يسيراً.


المفطرات

المفطرات هي الأشياء التي يجب الإمساك عنها من طلوع الفجر إلى المغرب، وهي:

١ - الأكل والشرب عمداً، فإنّهما يبطلان الصوم، ويوجبان القضاء عند الجميع. واختلفوا في وجوب الكفارة، فقال الإمامية والحنفية: تجب. وقال الشافعية والحنابلة: لا تجب.

ومَن أكل وشرب ناسياً لصومه فلا قضاء عليه ولا كفارة، إلاّ عند المالكية فإنّهم أوجبوا عليه القضاء فقط.

(ويدخل في معنى الشرب الدخان الذي اعتاد الناس شربه).

٢ - الجماع عمداً، فإنّه مبطل للصوم، وموجب للقضاء والكفارة عند الجميع.

والكفارة هي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يطق فإطعام ستين مسكيناً. وهي على التخيير عند الإمامية والمالكية، أي يختار المكلّف واحداً من العتق أو الصيام أو الإطعام، وقال الشافعية والحنابلة والحنفية: هي على الترتيب، أي يتعين العتق، فإن عجز فالصيام، فإن عجز فالإطعام.


وقال الإمامية: يجب الجمع بين العتق وصيام شهرين وإطعام ستين مسكيناً إذا أفطر على محرّم، كما لو أكل مغصوباً أو شرب خمراً أو زنى.

أمّا الجماع نسياناً فلا يبطل الصوم عند الحنفية والشافعية والإمامية، ويبطله عند الحنابلة والمالكية.

٣ - الاستمناء، وهو إنزال المني، فإنّه مفسد للصوم بالاتفاق إذا حصل بالاختيار، بل قال الحنابلة: إذا أمذى، أي نزل مذي بسبب تكرار النظر ونحوه، فسد صومه.

وقال الأربعة: إنّ إنزال المني يوجب القضاء دون الكفارة.

وقال الإمامية: يوجب القضاء والكفارة معاً.

٤ - القيء تعمداً يُفسد الصوم، ويوجب القضاء عند الإمامية والشافعية والمالكية. وقال الحنفية: مَن تعمد القيء لا يفطر إلاّ إذا كان القيء ملء الفم. وعن الإمام أحمد روايتان. واتفقوا على أنّ القيء قهراً لا يفسد الصوم.

٥ - الحجامة عند الحنابلة خاصة، فإنّهم قالوا: يفطر بها الحاجم والمحجوم.

٦ - الحقنة بالمائع، فإنّها تفسد الصوم وتوجب القضاء بالاتفاق، وقال جماعة من الإمامية بأنّها توجب الكفارة أيضاً إذا كان لغير ضرورة.

٧ - الغبار الغليظ عند الإمامية خاصة، فإنّهم قالوا: إذا وصل الغبار الغليظ إلى الجوف - كالدقيق ونحوه - فسد الصوم، لأنّه أبلغ مِن الحقنة ومن الدخان الذي اعتاده الناس.

٨ - الاكتحال يفسد الصوم عند المالكية خاصة، بشرط أن يكتحل بالنهار ويجد طعم الكحل في حلقه.


٩ - قطع نية الصوم، فلو نوى الإفطار ثمّ أحجم، يفسد صومه عند الإمامية والحنابلة، ولا يبطل عند بقية المذاهب.

١٠ - قال أكثر الإمامية: إنّ رمس تمام الرأس في الماء مع البدن أو بدونه يفسد الصوم، ويجب القضاء والكفارة. وقالت بقية المذاهب: لا تأثير لذلك في إفساد الصوم.

١١ - قال الإمامية: مَن تعمد البقاء على الجنابة في شهر رمضان إلى أن يطلع الفجر فسد صومه، وعليه القضاء والكفارة. وقالت بقية المذاهب: الصوم صحيح ولا شيء عليه.

١٢ - قال الإمامية: مَن تعمد الكذب على الله ورسوله - فحدّث أو كتب: إنّ الله أو الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) قال كذا أو أمر به - وهو يعلم أنّه كاذب في قوله، فقد فسد صومه وعليه القضاء والكفارة. وبالغ جماعة من فقهائهم، حيث أوجبوا على هذا الكاذب أن يكفّر بالجمع بين عتق الرقبة وصيام شهرين وإطعام ستين مسكيناً. ومن هذا يتبين معنا جهل أو تحامل مَن قال بأنّ الإمامية يجيزون الكذب على الله ورسوله


أقسام الصيام

قسّم فقهاء المذاهب الصيام إلى أربعة أقسام: واجب، ومستحب، ومحرّم، ومكروه.

الصيام الواجب

يدخل في الصيام الواجب: صيام رمضان وقضاؤه، وصيام الكفارات، وصيام النذر باتفاق المذاهب. وزاد الإمامان قسمين آخرين يدخل أحدهما في باب الحج، والثاني في باب الاعتكاف. وقد بسطنا القول فيما سبق عن صيام رمضان وشروطه، والأمور التي تفسده، وفي هذا الفصل نتكلم عن قضاء رمضان، وكفارة صيامه التي تجب على مَن أفطر فيه، أمّا الكلام عن الأقسام الأخرى فيوكل إلى بابه الخاص.

قضاء رمضان

وفيه مسائل:

١ - اتفقوا على أنّ مَن وجب عليه قضاء ما فاته مِن أيام رمضان أن يقضيها في نفس السنة التي فاته فيها الصيام، أي في الأيام المتخللة بين رمضان


الفائت ورمضان الآتي، وله أن يختار الأيام التي يشاء للقضاء باستثناء الأيام التي يُحرم فيها الصوم، ويأتي بيانها، ويجب الإسراع والمبادرة إلى القضاء إذا بقي على رمضان بقدر ما فاته مِن رمضان الأوّل.

٢ - مَن تمكن مِن القضاء خلال السنة، وترك متهاوناً حتى دخل رمضان الثاني فعليه أن يصوم رمضان الحاضر، ثمّ يقضي عن الفائت ويكفّر بمُد عن كل يوم بالاتفاق، ما عدا الحنفية فإنّهم قالوا: يقضي ولا يكفّر. وإذا عجز عن القضاء بحيث استمر به المرض مِن رمضان الأوّل إلى رمضان الثاني فلا قضاء عليه ولا كفارة عند الأربعة. وقال الإمامية: يسقط القضاء فقط، وعليه أن يكفّر عن كل يوم بمُد، أي طعام مسكين.

٣ - إذا كان قادراً على القضاء في أيام السنة، ولكن أخّره بنية أن يقضي قَبل رمضان الثاني بأيام بحيث يوصل قضاء الفائت برمضان الآتي، ثمّ عرض له عذر شرعي منعه مِن القضاء حتى دخل رمضان، إذا كان الأمر كذلك يلزمه القضاء فقط، ولا كفارة عليه.

٤ - مَن أفطر رمضان لعذر وتمكن مِن القضاء، ولَم يقض حتى مات، قال الإمامية: يجب على ولده الأكبر أن يقضي عنه.

وقال الحنفية والشافعية والحنابلة: يتصدق عنه عن كل يوم بمد.

وقال المالكية: يتصدق عنه الولي إذا أوصى بالصدقة عنه، أمّا مع عدم الوصية فلا يجب.

٥ - مَن صام قضاءً عن رمضان وكان الوقت متسعاً، يجوز له أن يعدل عن صومه ويفطر قَبل الزوال وبعده، ولا شيء عليه عند الأربعة.

وقال الإمامية: يجوز له الإفطار قَبل الزوال ولا يجوز له بعده، حيث استقر عليه الوجوب بمضي أكثر الزمن، وفات محل تجديد النية، وإذا خالف


وأفطر بَعد الزوال وجب عليه أن يكفّر بإطعام عشرة مساكين، فإن عجز عن الإطعام فصيام ثلاثة أيام.

صيام الكفارات

صيام الكفارات على أنواع، منها: صيام كفارة قتل الخطأ، و صيام كفارة اليمين والنذر، وصيام كفارة الظهار، ولهذه الأنواع أحكام يبحث عنها في أبوابها. والكلام هنا يتناول حكم مَن صام مكفّراً عن إفطاره في رمضان.

قال الشافعية والمالكية والحنفية: مَن كان عليه صيام شهرين متتابعين كفارة عن إفطاره في شهر رمضان فلا يجوز له أن يفطر يوماً واحداً في أثناء الشهرين؛ لأنّه بذلك يقطع التتابع، فإن أفطر لعذر أو غير عذر وجب عليه أن يستأنف صيام شهرين مِن جديد.

وقال الحنابلة: الفطر لعذر شرعي لا يقطع التتابع.

وقال الإمامية: يكفي في تحقيق التتابع أن يصوم الشهر الأوّل بكامله، ويوماً واحداً مِن الشهر الثاني، فإذا فعل ذلك جاز له أن يفطر، ثمّ يصوم بانياً على ما سبق، وإذا أفطر في الشهر الأوّل بدون عذر وجب عليه أن يستأنف، أمّا إذا افطر لعذر شرعي مِن مرض أو حيض فلا ينقطع تتابعه، بل ينتظر زوال العذر، ثمّ يتم الصيام.

وقال الإمامية أيضاً: مَن عجز عن صيام شهرين، وعتق رقبة، وإطعام ستين مسكيناً تخير بين أن يصوم ثمانية عشر يوماً، أو أن يتصدق بما يطيق، ولو عجز عن ذلك كله أتى بالممكن مِن الصدقة أو الصيام، فإن عجز ولَم يقدر على شي استغفر الله سبحانه.

وقال الشافعية والمالكية والحنفية: إذا عجز عن جميع أنواع الكفارات استقرت في ذمته إلى أن يصبح موسراً فيؤديها. وهذا ما تقتضيه القواعد الشرعية.


وقال الحنابلة: إذا عجز سقطت عنه الكفارة، ولو أيسر بَعد ذلك لا يجب عليه شيء.

واتفقوا على أنّ الكفارة تتكرر بتكرر السبب الموجب في يومين أو أكثر، فمن أكل أو شرب في يومين وجب عليه كفارتان، أمّا إذا أكل أو شرب أو جامع مرات في يوم واحد، فقال الحنفية والمالكية والشافعية: لا تتعدد الكفارة مهما تكرر الإفطار، ومهما كان نوعه.

وقال الحنابلة: إذا تعدد مقتضي الكفارة في يوم واحد فإن كفّر في الأوّل، أي تخلل التكفير بين الموجبين لزمته كفارة ثانية، أمّا إذا لَم يكفّر عن السابق فيكفيه واحدة عن الجميع.

وقال الإمامية: إنّ تكرر الجماع في اليوم الواحد يستدعي تكرار الكفارة، أمّا تكرار الأكل والشرب فله كفارة واحدة.

الصيام المحرم

اتفقوا على أنّ صيام يوم الفطر والأضحى محرّم، ما عدا الحنفية فإنّهم قالوا: صيام يومي العيد مكروه تحريماً. والمكروه تحريماً عندهم ما كان إلى الحرام أقرب.

وقال الإمامية: لا يجوز صيام أيام التشريق لمن كان بمنى خاصة. وأيام التشريق هي: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر مِن ذي الحجة.

وقال الشافعية: لا يحل صيام أيام التشريق في الحج ولا في غيره.

وقال الحنابلة: يحرم صيامها في غير الحج، ولا يحرم في الحج.

وقال الحنفية: صيامها مكروه تحريماً.

وقال المالكية: يحرم صيام الحادي عشر والثاني عشر مِن ذي الحجة في


غير الحج، ولا يحرم في الحج.

واتفقوا على أنّ المرأة لا يجوز لها أن تصوم استحباباً بدون إذن الزوج إذا زاحم صيامها حقاً مِن حقوق الزوج، ما عدا الحنفية فإنّهم قالوا: إنّ صيام المرأة بدون إذن زوجها مكروه، وليس بحرام.

يوم الشك

اتفقوا على أنّ مَن أفطر يوم الشك، ثمّ تبيّن أنّه مِن رمضان يجب عليه الإمساك ثمّ القضاء. واختلفوا فيما إذا صام يوم الشك ثمّ تبيّن أنّه مِن رمضان، هل يجزيه ولا يجب القضاء، أم لا؟

قال الشافعية والمالكية والحنابلة: لا يجزيه الصوم وعليه القضاء.

وقال الحنفية: يجزيه ولا قضاء عليه.

وقال أكثر الإمامية: لا يجب عليه القضاء إلاّ إذا صامه بنية رمضان، فإنّه حينئذٍ يجب عليه القضاء.

الصيام المستحب

الصيام مستحب في جميع أيام السنة ما عدا الأيام التي نُهي عن الصيام فيها، ولكن يتأكد في أيام بعينها، منها صيام ثلاثة أيام مِن كل شهر، والأفضل أن تكون الأيام البيض - وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر مِن الشهر العربي -، ومنها يوم عرفة وهو التاسع مِن ذي الحجة، ومنها صيام رجب وشعبان، ومنها كل يوم إثنين، وكل يوم خميس، إلى غير ذلك ممّا جاء في المطوّلات. واستحباب الصوم في هذه الأيام متفق عليه عند الجميع.


الصيام المكروه

جاء في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة): أنّ مِن الصوم المكروه إفراد يوم الجمعة بالصوم، وكذا إفراد يوم السبت، ويوم النيروز عند غير الشافعية، والصيام قَبل شهر رمضان بيوم، أو يومين لا أكثر.

وجاء في كتاب الفقه للإمامية: يكره صوم الضيف بدون إذن مضيّفه، والولد مِن غير إذن والده، ومع الشك في هلال ذي الحجة وتخوّف كونه عيداً.

ثبوت الهلال

أجمع المسلمون كافة على أنّ مَن انفرد برؤية الهلال يلزمه العمل بعلمه مِن غر فرق بين هلال رمضان وهلال شوال، فمن رأى الأوّل وجب عليه الصوم ولو أفطر جميع الناس(١) ، ومَن رأى الثاني وجب عليه الإفطار ولو صام كل مَن في الأرض، مِن غير فرق بين أن يكون الرائي عدلاً أو غير عدل، ذكراً أو أنثى. واختلفت المذاهب في المسائل التالية:

١ - قال الحنفية والمالكية والحنابلة: متى ثبتت رؤية الهلال بقُطر يجب على أهل سائر الأقطار مِن غير فرق بين القريب والبعيد، ولا عبرة باختلاف مطلع الهلال.

وقال الإمامية والشافعية: إذا رأى الهلال أهل البلد ولَم يره أهل بلد آخر، فإن تقارب البلدان في المطلع كان حكمهما واحداً، وإن اختلف المطلع فكل بلد حكمه الخاص.

٢ - إذا رؤي الهلال نهاراً قَبل الزوال أو بعده في اليوم الثلاثين مِن شعبان

____________________

(١) ولكن الحنفية قالوا: لو شهد عند القاضي، وردّ شهادته، وجب عليه القضاء دون الكفارة. (الفقه على المذاهب الأربعة).


فهل يكون هذا النهار مِن آخر شعبان لا يجب صومه، أو مِن أوّل رمضان يجب فيه الصيام؟ وكذا إذا رؤي نهاراً في اليوم الثلاثين مِن رمضان، فهل يكون مِن رمضان أو مِن شوال؟ وبكلمة هل اليوم الذي رؤي فيه الهلال يُحسب مِن الشهر الماضي أو الآتي؟

قال الإمامية والشافعية والمالكية والحنفية: هو مِن الشهر الماضي لا الآتي، وعليه يجب الصوم في اليوم التالي للرؤية إذا كانت الرؤية في آخر شعبان، ويجب الإفطار في اليوم التالي إذا كانت في آخر رمضان.

٣ - اتفقوا على أنّ الهلال يثبت بالرؤية لقوله (صلّى الله عليه وسلّم): (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)، واختلفوا في غير الرؤية.

قال الإمامية: يثبت كل مِن رمضان وشوال بالتواتر، وبشهادة رجلين عدلين مِن غير فرق بين الصحو والغيم، ولا بين أن يكون الشاهدان مِن بلد واحد أو مِن بلدين متقاربين، على شريطة أن لا تتناقض شهادتهما في وصف الهلال. ولا تُقبل شهادة النساء، ولا الصبيان، ولا الفاسق، ولا مجهول الحال.

وفرّق الحنفية بين هلال رمضان وهلال شوال، حيث قالوا: يثبت هلال رمضان بشهادة رجل واحد، وامرأة واحدة بشرط الإسلام والعقل والعدالة، أمّا هلال شوال فلا يثبت إلاّ بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، هذا إذا كان في السماء مانع يمنع مِن الرؤية، أمّا إذا كانت السماء صحواً فلا يثبت إلاّ بشهادة جماعة كثيرين يحصل العلم بخبرهم مِن غير فرق بين هلال رمضان وهلال شوال.

وقال الشافعية: يثبت كل مِن هلال رمضان وشوال بشهادة عدل واحد بشرط أن يكون مسلماً عاقلاً عادلاً، ولا فرق في ذلك بين أن تكون السماء غائمة أو صحواً.


وقال المالكية: لا يثبت الهلال إلاّ بشهادة عدلين، مِن غير فرق بين هلال رمضان وشوال، ولا بين الصحوة والغيم.

وقال الحنابلة: يثبت هلال رمضان بشهادة العدل رجلاً كان أو إمرأة، أمّا شوال فلا يثبت إلاّ بشهادة عدلين.

٤ - إذا لَم يدع أحد رؤية هلال رمضان أكمل شعبان ثلاثين يوماً ووجب الصوم في اليوم التالي للثلاثين بالاتفاق، ما عدا الحنفية فإنّهم قالوا: يجب الصوم بَعد التاسع والعشرين مِن شعبان لا بَعد الثلاثين.

هذا بالنسبة إلى هلال رمضان، أمّا بالنسبة إلى هلال شوال فقال الحنفية والمالكية: إن كانت السماء غائمة أكمل رمضان ثلاثين يوماً، ووجب بعدها الإفطار، وإن كانت السماء صحواً وجب الصوم في اليوم التالي للثلاثين، وأكذب الشهود الذين يهدوا ثبوت أوّل رمضان مهما كان عددهم.

وقال الشافعية: يجب الإفطار بَعد الثلاثين حتى ولو كان ثبوت رمضان بشاهد واحد مِن غير فرق بين الصحو والغيم.

وقال الحنابلة: إذا كان رمضان ثابتاً بشهادة عدلين يجب الإفطار بَعد الثلاثين، وإذا كان ثابتاً بشهادة عدل واحد فيجب صوم الحادي والثلاثين.

وقال الإمامية: يثبت كل مِن شهر رمضان وشوال بإكمال ثلاثين، مِن غير فرق بين الصحو والغيم، ما دام أوّله ثبت بالطريق الشرعي الصحيح.

الهلال وعلماء الفلك

في هذه السنة (١٩٦٠) قرّر كل مِن حكومة باكستان وتونس أن يكون المعوّل في ثبوت الهلال على أقوال الفلكيين، دفعاً للفوضى(١) ، ولما يلاقيه الناس

____________________

(١) في سنة ١٩٣٩ كان عيد الأضحى في مصر يوم الإثنين، وفي السعودية يوم الثلاثاء، وفي بومباي يوم الأربعاء.


مِن الكلفة والمشقة لعدم معرفتهم يوم العيد مسبقاً، فقد يفاجئهم على غير استعداد، وقد يستعدّون له ثمّ يأتي متأخراً.

وقد ثار في الأندية والمجالس الدينية نقاش حادّ حول قرار الحكومتين بين مؤيد ومفنّد.

قال مَن يناصر القرار: ليس في الدين ما ينافي الاعتماد على قول الفلكيين، بل إنّ الآية ١٦ مِن سورة النحل:( وَعَلاَمَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) تسنده وتؤيده.

وقال المعارضون: إنّ القرار يتنافي مع الحديث الشريف: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)، حيث إنّ المفهوم مِن الرؤية هي الرؤية البصرية التي ألفها الناس في عهد الرسول (صلّى الله عليه وسلّم)، أمّا الرؤية بالمكبّر والتعويل على الحساب والمنازل فبعيدة عن لفظ الحديث.

والحقيقة أنّ كلاً مِن الطرفين لَم يأتِ بالحجة. أمّا الاهتداء بالنجم فالمراد به معرفة الطرق ومسالك البلاد، لا معرفة الأيام والأهلة. وأمّا حديث الرؤية فإنّه لا يتنافى مع العلم السليم؛ لأنّ الرؤية وسيلة للعلم وليست غاية في نفسها، كما هي الحال في جميع الطرق الموصلة إلى الواقع، ولكننا نقول: إنّ أقوال الفلكيين لا تفيد العلم القاطع لكل شبهة كما تفيد الرؤية البصرية؛ لأنّ كلامهم مبني على التقريب لا على التحقيق بدليل اختلافهم وتضارب أقوالهم في الليلة التي يتولد فيها الهلال، وفي ساعة ميلاده، وفي مدة بقائه.

ومتى جاء الزمن الذي تتوفر فيه لعلماء الفلك المعرفة الدقيقة الكافية الوافية، بحيث تتفق كلمتهم، ويتكرر صدقهم المرة تلو المرة حتى يصبح قولهم مِن القطعيات، تماماً كأيام الأسبوع، وأنّ غداً السبت أو الأحد، يمكن والحال هذه الاعتماد عليهم، بل يتعين على مَن يحصل له مِن أقوالهم، ويجب أن يُطرح كل ما يخالفهم(١) .

____________________

(١) راجع هذا البحث في الجزء الأوّل مِن كتابنا: (فقه الإمام جعفر الصادق)، فصل ثبوت الهلال، آخر باب الصوم.


الزكاة

الزكاة قسمان: زكاة أموال، وزكاة أبدان. وأجمعوا على أنّ إخراج الزكاة لا يصحّ إلاّ بنية. أمّا شروط الوجوب فهي كما يلي:

شروط زكاة الأموال

ولزكاة الأموال شروط:

١ - قال الحنفية والإمامية: العقل والبلوغ شرط في وجوب الزكاة، فلا تجب في مال المجنون والطفل(١) .

وقال المالكية والحنابلة والشافعية: لا يشترط العقل ولا البلوغ، فتجب الزكاة في مال المجنون والطفل، وعلى الولي أن يخرجها منه.

٢ - قال الحنفية والشافعية والحنابلة: لا تجب الزكاة على غير المسلم. (كتاب الفقه على المذاهب الأربعة).

وقال الإمامية والمالكية: تجب عليه، كما تجب على المسلم مِن غير فرق.

٣ - يشترط في وجوب الزكاة تمامية الملك، وقد أطال كل مذهب الكلام

____________________

(١) إلاّ أنّ العقل والبلوغ غير معتبرين في زكاة الزرع والثمار عند الحنفية.


في تحديد الملك التام، والجامع بين أقوال المذاهب: أن يكون المالك متسلطاً على ماله بحيث يكون تحت يده يمكنه التصرف فيه كيف شاء، فلا تجب الزكاة على الضالة، ولا المال الذي اغتُصب مِن صاحبه وإن كان باقياً على ملكه، وأمّا الدين فإن كان له فلا تجب فيه الزكاة إلاّ بَعد قبضه، كصداق الزوجة الذي ما زال في ذمة الزوج؛ لأنّ الدين لا يُمْلَك إلاّ بالقبض، وإن كان الدين عليه فسيُعرف حكمه فيما يأتي:

٤ - حَوَلان الحول القمري على المال غير الحبوب والثمار والمعادن، ويأتي التفصيل.

٥ - بلوغ النصاب، ويختلف مقداره باختلاف الأنواع التي تجب فيها الزكاة، ويأتي البيان مفصّلاً.

٦ - من َكان عليه دَين وعنده مال بلغ النصاب، فهل تجب عليه الزكاة أم لا؟ وبكلمة: هل الدين يمنع مِن الزكاة؟

قال الإمامية والشافعية: لا يشترط فراغ المال مِن الدين، فمن كان عليه دَين تجب عليه الزكاة، حتى ولو استغرق الدين تمام النصاب. بل قال الإمامية: لو اقترض نصاباً مِن أعيان الزكاة وبقي عنده سنة، وجبت الزكاة على المقرض.

وقال الحنابلة: الدين يمنع مِن الزكاة، فمن كان عليه دين وعنده مال فعليه أوّلاً أن يفي ديونه، فإن بقي مِن ماله بقدر النصاب زكّاه، وإلاّ فلا شيء عليه.

وقال المالكية: الدين يمنع مِن زكاة الذهب والفضة، ولا يمنع مِن زكاة الحبوب والماشية والمعدن، فمن كان عليه دين وعنده مِن الذهب والفضة بقدر النصاب فعليه أن يفي الدين، ولا تجب عليه الزكاة، أمّا إذا كان عليه دين، وعنده بقدر النصاب مِن غيرهما فعليه الزكاة.

وقال الحنفية: إن كان الدين حقاً لله في ذمته، ولا مُطالب له مِن العباد


كالحج والكفارات فإنّه لا يمنع مِن الزكاة، وإن كان ديناً للناس أو لله ولكن كان له مُطالب كالزكاة السابقة التي يطالبه بها الإمام فإنّه يمنع مِن الزكاة بجميع أنواعها، إلاّ زكاة الزرع والثمار.

واتفقوا جميعاً على أنّ الزكاة لا تجب في الحُلي والجواهر، ولا في دار السكن والثياب، ولا في أثاث المنزل، ولا في دابة الركوب والسلام وما إلى ذاك ممّا يحتاج إليه مِن الأدوات والكتب والآلات. وقال الإمامية أيضاً: لا تجب الزكاة في سبائك الذهب والفضة، ويأتي التفصيل.


الأموال التي تجب فيها الزكاة

لقد اعتبر القرآن الكريم الفقراء شركاء حقيقيين للأغنياء في أموالهم، فقد نطقت الآية ١٩ مِن الذاريات:( وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) ، ولَم تفرّق بين مال الزراعة والصناعة والتجارة؛ لذلك أوجبها فقهاء المذاهب في الماشية والحبوب والثمار، وفي النقود، وفي المعادن.

واختلفوا في تحديد بعض هذه الأصناف، وفي مقدار النصاب في بعضها الآخر، وفي تحديد سهم الفقراء في صنف ثالث، فقد أوجب الإمامية الخُمس - (٢٠) بالمئة في أرباح التجار -، وقال الأربعة: يجب ربع العشر - أي إثنان ونصف بالمئة في مال التجارة -. كذلك المعادن أوجب فيها الحنفية والإمامية والحنابلة الخمس، وأوجب غيرهم ربع العشر. وفيما يلي تفصيل ما اتفقوا عليه، وما اختلفوا فيه:

زكاة الماشية

اتفقوا على أنّ الزكاة تجب في ثلاثة أصناف مِن الماشية: الإبل، والبقر ويشمل الجاموس، والغنم وتعمّ المعز. واتفقوا على عدم وجوب الزكاة في الخيل والبغال والحمير إلاّ إذا كانت مِن أموال التجارة، وأوجب الحنفية الزكاة في الخيل فقط إذا كانت ذكوراً وإناثاً مجتمعة.


شروط الزكاة في الماشية

ويشترط في زكاة الماشية أمور أربعة:

نصاب الإبل

١- النصاب، وهو في الإبل كما يلي:

إذا بلغت خمساً ففيها شاة، وإذا بلغت (١٠) فشاتان، و(١٥) فثلاث شياه، و(٢٠) فأربع شياه، باتفاق الجميع، أمّا إذا بلغت (٢٥) فقال الإمامية: فيها خمس شياه. وقال الأربعة: فيها بنت مخاض، وهي مِن الإبل التي دخلت في السنة الثانية. والإمامية أوجبوا بنت المخاض في الستة والعشرين مِن الإبل، فإذا بلغت الإبل هذا العدد أصبحت كلها نصاباً واحداً.

وإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون بالاتفاق، وبنت اللبون هي التي دخلت في السنة الثالثة.

وإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حُقّة بالاتفاق، والحقّة هي التي دخلت في السنة الرابعة.

وإذا بلغت إحدى وستين ففيها جدعة بالاتفاق، والجدعة هي التي دخلت في الخامسة.

وإذا بلغت ستاً وسبعين ففيها بنتا لبون بالاتفاق.

وإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقّتان بالاتفاق.

واتفقوا على أنّه ليس فيما يزيد على الإحدى والتسعين شيء حتى تبلغ الإبل مئة وواحداً وعشرين، فإذا بلغتها فللمذاهب تفاصيل وأقوال تُطلب مِن المطوّلات.

واتفقوا على أنّه ليس فيما دون الخمس شيء، ولا فيما بين النصاب السابق


واللاحق مِن جميع النصب شيء - مثلاً: الخمس فيها شاة، والتسع فيها شاة، والعشر فيها شاتان والـ ١٤ فيها شاتان، وهكذا.

نصاب البقر

يؤخذ مِن البقر مِن كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، ومِن كل أربعين مسنة، ومِن الستين تبيعان، ومِن السبعين مسنة وتبيع، ومِن الثمانين مسنتان، ومِن التسعين ثلاث تبيعات، ومِن المئة مسنة وتبيعان، ومِن المئة والعشرة مسنتان وتبيع، ومِن المئة والعشرين ثلاث مسنات أو أربع تبيعات، وهكذا، وليس بين الفريضتين شيء، ونصاب البقر على هذا النحو متفق عليه عند الجميع(١) . والتبيع مِن البقر هو الذي يستكمل سنة ويدخل في الثانية، والمسنة هي التي تدخل في الثالثة. وقال المالكية: التبيع هو ما أوفى سنتين ودخل في الثالثة، والمسنة ما أوفت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة.

نصاب الغنم

يؤخذ مِن الغنم مِن كل أربعين شاة، ومِن المئة والإحدى والعشرين شاتان، ومِن المئتين والواحدة ثلاث شياه، باتفاق الجميع.

وقال الإمامية: إذا بلغت ثلاثمئة وواحدة ففيها أربع شياه، حتى تبلغ أربعمائة فصاعداً ففي كل مئة شاة.

وقال الأربعة: الثلاثمئة والواحدة كالمئتين والواحدة فيها ثلاث شياه، إلى الأربعمئة ففيها أربع شياه، وما زاد ففي كل مئة شاة.

____________________

(١) قال الحنفية: ما بين الفريضتين عفو إلاّ ما زاد على الأربعين إلى الستين فإنّه تجب الزكاة في الزيادة، ففي الواحدة الزائدة على الأربعين ربع عشر مسنة، وفي الإثنتين نصف عشر مسنة. (الفقه على المذاهب الأربعة باب الزكاة).


واتفق الجميع على أنّ ما بين الفريضتين عفو لا زكاة فيه.

٢ - السوم، والماشية السائمة هي التي ترعى الكلأ المباح في أكثر أيام السنة، ولا تكلّف صاحبها علفاً إلاّ فيما ندر. وهذا الشرط متفق عليه عند الجميع، ما عدا المالكية فإنّهم قالوا: تجب الزكاة في السائمة وغير السائمة.

٣ - حَوَلان الحول على الماشية، أي أن تبقى عند صاحبها سنة كاملة بجميع أفراد النصاب، فلو نقصت واحدة في أثناء السنة ثُمّ أكملها في آخر السنة فلا تجب الزكاة، مثلاً مَن كان عنده أربعون شاة في أوّل السنة وبَعد مُضي أشهر نقصت واحدة بموتٍ أو هبةٍ أو بيعٍ، ثُمّ أكملت على الأربعين، فلا تجب الزكاة في آخر السنة، بل يستأنف سنة جديدة. وقد اتفق على هذا الشرط الإمامية والشافعية والحنابلة، وقال الحنفية: إذا نقص النصاب في أثناء الحول، ثُمّ تمّ في آخره وجبت فيه الزكاة كما تجب لو بقي النصاب كاملاً مِن أوّل الحول إلى آخره. والحول المعتبر شرعاً هو الحول القمري، أي اثنا عشر هلالاً.

٤ - أن لا تكون الحيوانات معدّة للعمل، كالبقر للحرث، والإبل للنقل، فلا زكاة على العوامل بالغة ما بلغت باتفاق الجميع، ما عدا المالكية فإنّهم قالوا: تجب الزكاة في العوامل وغير العوامل دون فرق.

واتفقوا على أنّه إذا كان عنده مِن كل صنف دون النصاب، فلا يجب عليه أن يضم أحدهما للآخر، فإذا كان عنده مِن البقر دون الثلاثين ومن الغنم دون الأربعين، فلا يجب أن يتمم البقر بالغنم، ولا الغنم بالبقر.

واختلفوا فيما لو اشترك إثنان في نصاب واحد، فقال الإمامية والحنفية والمالكية: لا تجب الزكاة عليهما ولا على أحدهما ما دام لَم يبلغ سهم كل واحد نصاباً مستقلاً. وقال الشافعية والحنابلة: تجب الزكاة في المال المشترك إذا بلغ النصاب، وإن نقص كل سهم عنه.


زكاة الذهب والفضة

تكلّم الفقهاء عن الذهب والفضة، وأوجبوا فيهما الزكاة إذا بلغا النصاب، وقالوا: نصاب الذهب عشرون مثقالاً، ونصاب الفضة مئتا درهم، واشترطوا مُضي الحول على النصاب عند المالك، ومقدار الزكاة فيهما ربع العشر، أي إثنان ونصف بالمئة.

وقال الإمامية: تجب الزكاة في الذهب والفضة إذا كانا مسكوكين بسكة النقد، ولا تجب في السبائك والحلي.

واتفق الأربعة على أنّها تجب في السبائك كما تجب في النقود، واختلفوا في الحلي، فقال بعضهم بوجوب الزكاة، وآخرون بعدم الوجوب.

ونكتفي بهذه الإشارة لعدم الجدوى مِن الكلام في زكاة النقدين: الذهب والفضة، حيث لا أثر لهما في هذا العصر، أمّا الأوراق المالية فقد أوجب الإمامية الخُمس واحداً مِن خمسة في كل ما يزيد على مؤونة السنة، ويأتي التفصيل.

وقال الشافعية والمالكية والحنفية: لا تجب فيها الزكاة إلاّ اذا توفرت سائر الشروط من بلوغ النصاب والحول.

وقال الحنابلة: لا تجب الزكاة في الورق إلاّ إذا صرف ذهباً أو فضة.


زكاة الزرع والثمار

اتفقوا على أنّ المقدار الواجب في الزرع والثمار مِن الزكاة العُشر، عشرة بالمئة إن شرب مِن المطر أو السيح مِن النهر، ونصف العشر إن شرب مِن بئر ارتوازية ونحوها.

واتفقوا، ما عدا الحنفية، على أنّ النصاب معتبر في الزرع والثمار، وأنّه خمسةُ أوسق، والوسق ستون صاعاً، ويبلغ المجموع حوالي تسعمئة وعشرة كيلوغرامات، والكيلو: ألف غرام، ولا زكاة فيما هو دون ذلك. وقال الحنفية: تجب الزكاة في القليل والكثير على حد سواء.

واختلفوا فيما تجب فيه الزكاة مِن الزرع والثمار.

قال الحنفية: تجب الزكاة في كل ما أخرجته الأرض مِن الثمار والزرع، إلاّ الحطب والحشيش والقصب الفارسي.

وقال المالكية والشافعية: تجب الزكاة في كل ما يُدّخر للمؤونة كالحنطة والشعير والأرز والتمر والزبيب.

وقال الحنابلة: تجب في كل ما يُكال ويُدّخر مِن الثمار والزرع.

وقال الإمامية: لا تجب إلاّ في الحنطة والشعير مِن الحبوب، وإلاّ في التمر والزبيب مِن الثمار، ولا تجب فيما عدا ذلك، ولكنّها تستحب.

زكاة مال التجارة

مال التجارة هو المملوك بعقد معاوضة بقصد الربح والاكتساب، ولا بدّ أن يكون الملك بفعله، فلو ملك بالإرث لا يكون مال تجارة بالاتفاق.

وزكاة التجارة واجبة عند الأربعة، ومستحبة عند الامامية. وتخرج الزكاة


مِن قيمة السلع التي يُتّجر بها. ومقدار المخرَج عُشر الربع، أي واحد مِن أربعين.

وأجمعوا على أنّه يشترط الحول في تعلّق مال التجارة، ويبتدئ مِن حين حصول العقد بقصد التجارة، فإذا تمّ الحول وحصل الربح تعلقت الزكاة.

وقال الإمامية: يشترط وجود رأس المال مِن أوّل الحول إلى آخره، فلو نقص في أثناء الحول لَم تتعلق الزكاة، وإذا عادت القيمة استأنف الحول مِن حين العود.

وقال الشافعية والحنابلة: العبرة بآخر الحول لا بجميعه، فإذا لَم يملك النصاب في أوّل الحول ولا في أثنائه، ولكن ملكه في آخره فعليه الزكاة.

وقال الحنفية: العبرة بطرفي الحول لا بوسطه، فمن ملك في أوّل الحول نصاباً، ثُمّ نقص في أثنائه، ثُمّ كمل في آخره وجبت عليه الزكاة، أمّا لو نقص في أوّله أو في آخره فإنّه لا تجب الزكاة.

ويتشرط أيضاً أن يبلغ ثمن السلع التي يتجر بها النصاب، فتقوم بأثمانها، ويقابل الثمن بنصاب الذهب والفضة، فإذا ساوى أحدهما أو زاد وِجبت الزكاة، وإذا نقص عن أقلهما، وهو نصاب الفضة فلا زكاة. وقدّره مؤلّفو كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) سنة ١٩٢٢ بخمسمئة وتسعة وعشرين قرشاً مصرياً وثلثين.

الزكاة في الذمة أو في العين؟

اختلفوا: هل تجب الزكاة في نفس المال بحيث يكون المستحق شريكاً للمالك في أمواله كسائر الشركاء، أو أنّ الزكاة تجب في ذمة المالك كسائر الديون، ولكن تتعلق بالمال كتعلق الدين في تركة الميت؟

قال الشافعية والإمامية والمالكية: إنّ الزكاة تجب في عين المال، والفقير


شريك حقيقي للمالك بدليل قوله تعالى:( وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) . وقد تواترت الأحاديث إنّ الله أشرك بين الأغنياء والفقراء في الأموال، ولكن قد أجاز الشرع رفقاً بالمالك أن يؤدي هذا الحق مِن الأموال الأُخر التي لا زكاة فيها.

وقال الحنفية: تتعلق الزكاة بالعين كتعلق حق الرهن بالمال المرهون، ولا يزول هذا الحق إلاّ بالدفع إلى المستحق.

وعن الإمام أحمد روايتان تتفق إحداهما مع الحنفية.


أصناف المستحقين للزكاة

اتفقوا على أنّ أصناف المستحقين للزكاة ثمانية، وهم المذكورون في الآية ٦٠ مِن سورة التوبة:( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ ) .

أمّا أقوال المذاهب في تحديد هذه الأصناف فتُعرف ممّا يلي:

الفقير

١ - قال الحنفية: الفقير هو مَن يملك أقلّ مِن النصاب، وإن كان صحيحاً ذا كسب، أمّا مَن يملك نصاباً مِن أي نوع كان فاضلاً عن حاجته الأصلية، وهي مسكنه وأثاثه وثيابه وما إلى ذلك، فلا يجوز صرف الزكاة له. وحجتهم في ذلك أنّ مَن ملك النصاب تجب عليه الزكاة، ومَن وجبت عليه فلا تجب له.

وقالت بقية المذاهب: العبرة بالحاجة لا بالمـُلك، فمن كان غير محتاج تحرم عليه الزكاة وإن لَم يملك شيئاً، والمحتاج تحلّ له وإن ملك نصاباً أو نصباً؛ لأنّ الفقر معناه الحاجة، قال تعالى:( يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ) ، أي المحاويج إليه.


وقال الشافعية والحنابلة: من وجد نصف كفايته لا يعد فقيراً، ولا تجوز له الزكاة.

وقال الامامية والمالكية: الفقير الشرعي من لا يملك مؤونة السنة له ولعياله، فمن كان عنده ضيعة أو عقار، أو مواش لا تكفي عياله طول السنة يجوز إعطاؤه من الزكاة.

وقال الامامية والشافعية والحنابلة: من قدر على الاكتساب لا تحل له الزكاة.

وقال الحنفية والمالكية: بل تحل، وتدفع له. وقال الامامية: مدعي الفقر يصدق من غير بيّنة ويمين اذا لم يكن له مال ظاهر، ولم يعلم كذبه، لأن رجلين أتيا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهو يقسم الصدقة، فسألاه شيئاً منها، فصعد بصره فيهما وصوَّبه، وقال لهما: إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ لغني ولا ذي قوة مكتسب، فأرجع الأخذ اليهما من دون بينة أو يمين.

المسكين

٢ - قال الإمامية والحنفية والمالكية: المسكين أسوأ حالاً مِن الفقير.

وقال الحنابلة والشافعية: بل الفقير أسوأ حالاً مِن المسكين؛ لأنّ الفقير هو الذي لا يملك شيئاً، أو لّم يجد نصف كفايته، والمسكين هو الذي يجد نصف كفايته، فيُعطى النصف الآخر مِن الزكاة.

ومهما يكن، فلا خلاف جوهرياً بين المذاهب في تفسير الفقير والمسكين. والعبرة بأن تسدّ الزكاة حاجة مضطرٍ إلى مسكن أو مأكل أو ملبس أو تطبيب أو تعليم، وما إلى ذلك ممّا لا بدّ منه.

واتفقوا ما عدا المالكية، على أنّه لا يجوز لمن وجبت عليه الزكاة أن يدفعها إلى أبويه وأجداده، ولا إلى أولاده وأولادهم، ولا إلى زوجته. وأجاز المالكية


الدفع إلى الجد والجدة، وبني البنين؛ لأنّ نفقتهم غير واجبة عندهم.

واتفقوا أيضاً على أنّه يجوز دفع الزكاة للإخوة والأعمام والأخوال.

وإنّما لا يجوز دفع الزكاة للأب والأولاد إذا دُفعت لهما مِن سهم الفقراء والمساكين، أمّا لو كانا مِن غير هذين فإنّه يجوز لهما الأخذ، كما لو كان الأب أو الإبن غازياً في سبيل ال له، أو مِن المؤلّفة قلوبهم، أو غارماً في حل وإصلاح ذات البين، أو عاملاً على جباية الزكاة؛ لأنّ هؤلاء يأخذون مع الغنى والفقر. (تذكرة العلاّمة ج١ باب الزكاة).

ومهما يكن، فإنّ القريب الذي لا تجب نفقته على المزكّي أولى، وصرف الزكاة له أفضل.

واختلفوا في نقل الزكاة مِن بلد إلى بلد. فقال الحنفية والإمامية: أهل بلده أولى وأفضل إلاّ لحاجة ماسة تستدعي أولية النقل.

وقال الشافعية والمالكية: لا يجوز النقل مِن بلد إلى بلد.

وقال الحنابلة: يجوز النقل إلى بلد لا تُقصر فيه الصلاة، ويُحرم نقل الزكاة إلى مسافة القصر.

العاملون

٣ - العاملون عليها: هم السعاة في جباية الصدقات، بالاتفاق.

المؤلّفة قلوبهم

٤ - المؤلّفة قلوبهم: هم الذين يستمالون بشيء مِن الصدقات لمصلحة الإسلام، وقد اختلفوا هل حكمهم باقٍ أو منسوخ؟ وعلى تقدير عدم النسخ فهل التأليف مختص بغير المسلم، أو هو له ولضعيف الإيمان مِن المسلمين؟


قال الحنفية: شُرّع هذا الحكم في بداية الإسلام؛ لضعف المسلمين، أمّا الآن وقد أصبح الإسلام قوياً فذهب الحكم بذهاب سببه. وأطالت بقية المذاهب الشرح في تعداد أقسام المؤلّفة، ويمكن إرجاعها جميعاً إلى شيء واحد، وهو أنّ الحكم باقٍ لَم يُنسخ، وأنّ سهم المؤلّفة يُعطى للمسلم وغيره على شريطة أن يعود العطاء بالخير والمصلحة على الإسلام والمسلمين، وقد أعطى رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) صفوان بن أُمية، وهو مشرك، كما أعطى أبا سفيان وأمثاله بَعد أن اظهروا الإسلام خشية مِن شرهم وكيدهم للدين والمسلمين.

الرقاب

٥ - في الرقاب: وهو أن يُشترى الرقيق مِن الزكاة ويُعتق، وفيه دلالة واضحة على أنّ الإسلام قد أوجد سبلاً شتى للقضاء على فكرة الرقيق، ومهما يكن، فلم يبقَ في عصرنا موضوع لهذا الحكم.

الغارمون

٦ - الغارمون: هم المدينون في غير معصية، ويُعطون مِن الزكاة لوفاء ديونهم، بالاتفاق.

سبيل الله

٧ - سبيل الله، قال الأربعة المراد منه: الغزاة المتطوعون في الحرب دفاعاً عن الإسلام.

وقال الإمامية: سبيل الله عامّ للغزاة وعمارة المسجد والمستشفيات والمدارس وجميع المصالح العامة.


ابن السبيل

٨ - ابن السبيل: هو الغريب المنقطع عن ماله وبلده، فيجوز صرف الزكاة له بقدر ما يصل به إلى وطنه.

(فروع)

الأوّل: اتفقوا على أنّ الزكاة تُحرم على بني هاشم بجميع أنواعها إذا كانت مِن غيرهم، وتحل زكاة بعضهم لبعض.

الثاني: هل يجوز أن تُعطى الزكاة كلها مسكيناً واحداً؟

قال الإمامية: تجوز حتى لو أخرجه العطاء إلى الغنى، على أن تُعطى له دفعة واحدة لا دفعات.

وقال الحنفية والحنابلة: يجوز عطاؤها لشخص واحد إذا لَم تخرجه إلى الغنى.

وقال المالكية: يجوز دفع الزكاة لواحد إلاّ العامل فإنّه لا يجوز له أن يأخذ أكثر مِن أجرة عمله.

وقال الشافعية: يجب تعميم الزكاة على الأصناف الثمانية إن وِجدوا، وإذا فُقد بعضهم أُعطي للموجود منهم، وأقلّ ما يُعطى ثلاثة أشخاص مِن كل صنف.

الثالث: أموال الزكاة قسمان: ما يُراعى فيه الحول، وهو الحيوان، وقيمة التجارة، ولا تجب الزكاة قَبل مضي السنة، والسنة عند الإمامية: أن يمضي للمال في ملك المزكّي أحد عشر شهراً ويهلّ الثاني عشر.

والقسم الثاني لا يجب فيه الحول كالثمار والغلاّت، فتجب فيها الزكاة عند بدوّ صلاحها، أمّا وقت الإخراج والتنفيذ فحين تجذ الثمرة، وتُشمّس وتُجفّف، وحين تُحصد الغلة وتُصفّى مِن التبن والقشر باتفاق الجميع. ولو أخر الإخراج مع حضور الوقت وإمكان الأداء، فهو آثم ويضمن؛ لأنّه أخر الواجب الضيق عن وقته، وفرّط بالتأخير.


زكاة الفطر

زكاة الفطر، وتسمّى زكاة الأبدان، ويقع الكلام فيمن تجب عليه، وفيمن تخرج عنه، وفي مقدارها، وفي وقت خروجها، وفيمن يستحقها.

في المكلّف بها

قال الأربعة: تجب زكاة الفطر على كل مسلم قادر، كبيراً كان أو صغيراً، فيجب على الولي أن يتولى إخراجها مِن مال الطفل والمجنون ودفعها للفقراء.

والقادر عند الحنفية: هو الذي يملك نصاباً زكوياً، أو قيمته فاضلاً عن حاجته.

وقال الشافعية والمالكية والحنابلة: القادر هو الذي يجد ما يفضل عن قوته وقوت عياله في يوم العيد وليلته، مع استثناء ما يحتاج إليه مِن المسكن والثياب والأدوات الضرورية، وزاد المالكية: أنّ مَن يقدر على الاقتراض يعدّ قادراً إذا كان يرجو الوفاء.

وقال الإمامية: يُشترط في وجوبها البلوغ والعقل والقدرة، فلا تجب في مال الصبي ولا المجنون؛ لحديث (رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى


يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ). أمّا القادر عندهم فهو الذي يملك مؤونة سنة له ولعياله بالفعل أو بالقوة بأن يكون له ما يستثمره، أو صنعة يكتسب منها.

قال الحنفية: يجب على المكلّف أن يخرج زكاة الفطرة عن نفسه وولده الصغير وخادمه، وولده الكبير إذا كان مجنوناً، أمّا إذا كان عاقلاً فلا تجب على أبيه، كما انّه لا يجب على الزوج أن يخرج زكاة الفطرة عن زوجته.

وقال الحنابلة والشافعية: يجب إخراجها عن نفسه وعمّن تلزمه نفقته كالزوجة والأب والإبن.

وقال المالكية: يجب أن يخرجها عن نفسه، وعمّن يقوم بنفقتهم، وهم الوالدان الفقيران، والأولاد الذكور الذين لا مال لهم إلى أن يبلغوا ويصبحوا قادرين على الكسب، وبناته الفقيرات إلى أن يدخل الزوج بهنّ، والزوجة.

وقال الإمامية: يجب إخراجها عن نفسه، وعن كل مَن يعوله حين دخول ليلة الفطر مِن غير فرق بين واجب النفقة وغيره، ولا بين الصغير والكبير، ولا بين المسلم وغير المسلم، ولا بين الرحم القريب والغريب البعيد، حتى لو جاءه ضعيف قَبل دخول هلال شوال بلحظات وأصبح في جملة العيال تلك الليلة يجب أن يخرج عنه زكاة الفطر، وكذا إذا وِلد له ولد أو تزوج بامرأة قَبل الغروب مِن ليلة الفطر أو مقارناً له وجبت الفطرة عنهما. أمّا إذا وِلد الولد أو تزوج أو جاء الضيف بَعد الغروب فلا يجب الإخراج عنهم. وكل مَن وجبت فطرته على غيره سقطت عن نفسه وإن كان غنياً.

مقدارها

اتفقوا على أنّ المقدار الواجب إنفاقه عن كل شخص صاع مِن الحنطة أو الشعير أو التمر أو الزبيب أو الأرز أو الذرة، وما إلى ذاك مِن القوت الغالب،


ما عدا الحنفية فإنّهم قالوا: يكفي نصف صاع مِن الحنطة عن الفرد الواحد. والصاع حوالي ثلاث كيلوغرامات.

وقت الوجوب

قال الحنفية: وقت وجوبها مِن طلوع فجر يوم العيد إلى آخر العمر؛ لأنّ زكاة الفطر مِن الواجبات الموسّعة، ويصحّ أداؤها مقدّماً ومؤخراً.

وقال الحنابلة: يُحرم تأخيرها عن يوم العيد، وتجزئ قَبل العيد بيومين، ولا تجزئ قَبل هذا الأمد.

وقال الشافعية: وقت وجوبها آخر جزء مِن رمضان، وأوّل جزء مِن شوال، أي حين الغروب وقبله بقليل مِن اليوم الأخير مِن شهر رمضان. ويسنّ إخراجها في أوّل يوم مِن أيام العيد، ويُحرم إخراجها بَعد غروب اليوم الأوّل إلاّ لعذر.

وعن الإمام مالك روايتان: إحداهما أنّها تجب بغروب الشمس مِن آخر يوم مِن رمضان.

وقال الإمامية: تجب زكاة الفطرة بدخول ليلة العيد، ويجب أداؤها مِن أوّل الغروب إلى وقت الزوال، والأفضل الأداء قَبل صلاة العيد، وإذا لَم يوجد المستحق في هذا الوقت فعلى المكلّف أن يعزلها مستقلة عن ماله ناوياً دفعها وأداءها في أوّل فرصة، وإذا أخّر ولَم يؤدها بهذا الوقت مع وجود المستحق وجب إخراجها بعده، ولا تسقط عنه بحال.

المستحق

اتفقوا على أنّ المستحق لزكاة الفطر هم المستحقون للزكاة العامة الذين


ذكَرتهم الآية الكريمة:( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ) .

ويكفي ثمن الحبوب عن الحبوب، ويستحب اختصاص القرابة المحتاجين بها، ثمّ الجيران فقد جاء في الحديث: (جيران الصدقة أحقّ بها).


الخُمس

أفرد الإمامية باباً خاصاً للخُمس في كتب الفقه ذكروه بَعد باب الزكاة، والأصل فيه الآية ٤١ مِن سورة الأنفال:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) .

ولَم يخصصوا الغنيمة بما يحصل في أيدي المسلمين مِن أموال غيرهم بايجاف الخيل والركاب، بل عمموها إلى سبعة أصناف نذكرها فيما يلي مع ما اطّلعنا عليه مِن آراء المذاهب الأخرى في كل صنف.

١ - الغنائم المأخوذة مِن دار الحرب، فإنّ فيها الخُمس باتفاق الجميع.

٢ - المعدن، وهو كل ما خرج مِن الأرض، وكان مِن غير جنسها ممّا له قيمة، كالذهب والفضة والرصاص والنحاس والزئبق والنفط والكبريت، وما إلى ذلك.

قال الإمامية: يجب إخراج الخُمس (٢٠ بالمئة) مِن المعدن إذا بلغ ثمنه نصاب الذهب، وهو عشرون ديناراً، أو نصاب الفضة، وهو مئتا درهم، ولا خُمس فيما دون ذلك.

وقال الحنفية: لا يُعتبر النصاب في المعدن، بل يجب الخُمس في قليله وكثيره.


وقال المالكية والشافعية والحنابلة: إذا كان المعدن دون النصاب فلا شيء فيه، وإذا بلغ النصاب ففيه الزكاة ربع العشر، أي اثنان ونصف بالمئة.

٣ - الركاز وهو المال المدفون تحت الارض، وقد باد أهله، ولم يعرف لهم من اثر، كالآثار التي تنقب عنها اللجان المختصة لهذه الغاية.

قال الأربعة: يجب الخمس في الركاز، ولا يعتبر فيه النصاب، فقليله وكثيره سواء في وجوب الخمس.

وقال الإمامية: الركاز كالمعدن في وجوب الخُمس واعتبار النصاب.

٤ - قال الإمامية: ما يخرج مِن البحر بالغوص كاللؤلؤ والمرجان فيه الخُمس إذا بلغت قيمته ديناراً فصاعداً بَعد إخراج التكاليف.

ولا شيء فيه عند المذاهب الأربعة بالغاً ما بلغ.

٥ - قال الإمامية: يجب الخُمس في كل ما يفضل عن مؤونة سنة الإنسان وعياله مهما كانت مهنته، ومِن أي نحو حصلت فائدته، سواء أكانت مِن التجارة أو الصناعة أو الزراعة أو الوظيفة أو العمل اليومي أو مِن الأملاك أو مِن الهبة وغيرها، ولو زاد عن مؤونة سنته قرش واحد أو ما يعادله فعليه أن يخرج خمسه.

٦ - قال الإمامية: إذا أصاب الإنسان مالاً مِن الحرام، ثمّ اختلط بالمال الحلال، ولَم يعلم قدر الحرام ولا مَن هو صاحبه، فعليه أن يُخرج مِن خُمس ماله كله في سبيل الله، فإذا فعل حل له الباقي، سواء أكان الحرام أقلّ مِن الخُمس أو أكثر، أمّا إذا علم الحرام بعينه فعليه أن يرده بالذات. وإذا جهل عين الحرام، وعلم مقداره ومبلغه فعليه إخراج المبلغ غير منقوص، ولو استغرق جميع المال. وإذا علم الأشخاص الذين اختلس منهم، ولَم يعلم مبلغ حقهم ومقداره فعليه أن يرضيهم بطريق المصالحة والمسامحة. وبكلمة: إن أخراج خُمس جميع المال إنّما يجدي مع الجهل بمقدار المال الحران وبصاحبه.


٧ - قال الإمامية: إذا اشترى الذمي أرضاً من مسلم وجب على الذمي بالذات ان يخرج خمسها.

مصرف الخُمس

قال الشافعية والحنابلة: تُقسّم الغنيمة - وهي الخُمس - إلى خمسة أسهم، واحد منها سهم الرسول، ويُصرف على مصالح المسلمين، وواحد يُعطى لذوي القربى، وهم مَن انتسب إلى هاشم بالأبوّة مِن غير فرق بين الأغنياء والفقراء. والثلاثة الباقية تُنفق على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل سواء أكانوا مِن بني هاشم أو مِن غيرهم.

وقال الحنفية: إنّ سهم الرسول سقط بموته، أمّا ذوو القربى فهم كغيرهم مِن الفقراء يُعطون لفقرهم لا لقرابتهم مِن الرسول.

وقال المالكية: يرجع أمر الخمس إلى الإمام يصرفه حسبما يراه مِن المصلحة.

وقال الإمامية: إنّ سهم الله وسهم الرسول وسهم ذوي القربى يُفوّض أمرها إلى الإمام أو نائبه يضعها في مصالح المسلمين. والأسهم الثلاثة الباقية تُعطى لأيتام بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، ولا يشاركهم فيها غيرهم.

ونختم هذا الفصل بما قاله الشعراني في كتاب الميزان باب زكاة المعدن:

(للإمام أن يضع على أصحاب المعدن ما يراه أحسن لبيت المال، خوفاً أن يكثر مال أصحاب المعدن فيطلبوا السلطان، وينفقوا على العساكر، وبذلك يكون الفساد ...).

وهذا تعبير ثانٍ عن النظرية (الحديثة) بأنّ رأس المال يؤدي بأصحابه إلى السيطرة على الحكم. وقد مضى على وفاة صاحب هذا الرأي ٤٠٦ سنوات.


الحج

شروطه:

يجب الحج بشرط البلوغ والعقل والاستطاعة.

البلوغ:

لا يجب الحج على الصبي مميزاً كان أو غير مميز، وإن حج المميز يصحّ ويكون تطوعاً لا يسقط عنه الفرض، ويجب عليه الأداء بَعد البلوغ والاستطاعة بالاتفاق إذا لَم يبلغ قَبل الموقف.

ويجوز لولي الصبي غير المميز أن يحج به، فيلبسه ثوب الإحرام ويلقّنه التلبية إن أحسنها، وإلاّ لبى عنه، ويجنّبه المحرمات التي يُمنع عنها الحاج، ويأمره بكل فعل يتمكن من مباشرته، ويستنيب عنه فيما يعجز عن إتيانه.

واختلفوا في أمرين يتصلان بحج الصبي المميز، الأوّل: هل يصح الحج منه سواء أذن الولي أم لم يأذن؟ الثاني: لو بلغ قَبل الموقف، هل يجزيه عن الفرض أم لا؟

قال الإمامية والحنابلة والشافعي في أحد قوليه: إذْن الولي شرط لصحة الإحرام.


وقال أبو حنيفة: لا يتصف حج الصبي بالصحة وإن كان مميزاً، سواء أأذن الولي أم لم يأذن؛ لأنّ الغاية منه التمرين ليس إلاّ. (فتح الباري والمغني والتذكرة).

وقال الإمامية والحنابلة والشافعية: إذا بلغ قبل الموقف أجزاه عن حجة الإسلام.

وقال الإمامية والمالكية: إن جدد إحراماً أجزأه وإلاّ فلا ومعنى هذا أنّه يستأنف الحج من جديد. (التذكرة).

الجنون:

المجنون ليس مَحلاً للتكليف، فلو حج وافترض أنّه أتى بكل ما هو مطلوب من العاقل لم يجزه عن الفرض لو عاد إليه عقله، وإذا كان جنونه إدوارياً وأفاق مدة تتسع لأداء الحج بتمام أجزائه وشروطه وجب عليه، وإن لم يتسع وقت الإفاقة لجميع الأعمال سقط عنه الوجوب.

الاستطاعة:

الاستطاعة شرط لوجوب الحج بالاتفاق؛ لقوله جلّ وعزّ:( مَنْ اسْتَطَاعَ إليه سَبِيلاًً ) . واختلفوا في معنى الاستطاعة وقد جاء تحديدها في الأحاديث الشريفة: (بالزاد والراحلة). والراحلة كناية عن أجرة السفر والانتقال إلى مكة ذهاباً، ثمّ العودة إلى بلده. والزاد عبارة عمّا يحتاج إليه من مال للانتقال والمأكل والمشرب وأجرة السكن ونفقات جواز السفر، وما إلى ذلك من الأشياء اللائقة بحاله ووضعه، على أن يكون ذلك كله زائداً عن ديونه ومؤونة عياله، وما يضطر إليه من مصدر معاشه، كالأرض للفلاّح، والآلات لصاحب الحرفة، ورأس المال للتاجر، هذا مع الأمن على نفسه وماله وعرضه. ولَم يخالف


في ذلك إلاّ المالكية، فإنّهم قالوا: من قدر على المشي وجب عليه الحج، كما انهم لم يستثنوا نفقة أهله وعياله، وأوجبوا عليه أن يبيع ما يحتاج إليه من وسائل عيشه من أرض وماشية وآله، بل حتى كتب العلم وثياب الزينة. (الفقه على المذاهب الأربعة).

ولو أنّ شخصاً لم يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة ومع ذلك تجشّم وتكلّف وحج، ثمّ استطاع، فهل تجب عليه الاعادة، أو تكفيه الأُولى عن الفرض؟

قال المالكية والحنفية: يجزيه، ولا تجب عليه الاعادة لو استطاع. (الفقه على المذاهب الأربعة).

وقال الحنابلة: مَن ترك حقاً يلزمه، كوفاء الدين، وحجَّ أجزأه عن الفرض. (منار السبيل، وفتح القدير، والفقه على المذاهب الأربعة).

وقال الإمامية: لا يجزيه ذلك عن الفرض لو استطاع؛ لأنّ المشروط يدور مدار شرطه وجوداً وعدماً، وقبل الاستطاعة لا وجوب، وعليه ينعقد الحج نفلاً، وبعدها يتحقق شرط الحج، فتجب الاعادة.

الفور:

قال الإمامية والمالكية والحنابلة: إنّ وجوب الحج فوري، ولا يجوز تأخيره عن أوّل أزمنة الإمكان، فإن أخّر فقد عصى، ولكن يصحّ حجه، ويكون أداءً لو أتى به فيما بعد، قال صاحب الجواهر: (المراد بالفورية وجوب المبادرة إلى الحج في أوّل عام الاستطاعة، وإلاّ ففيما يليه، وهكذا.. وحينئذٍ فلا ريب في عصيانه بالتأخير، مع التمكن من إتيانه مع الرفقة الأُولى مِن دون وثوق بغيرها).

وقال الشافعية: إنّ وجوب الحج على التراخي لا على الفور، فيجوز


تأخيره إلى أيّ وقت شاء(١) .

وقال أبو يوسف: هو واجب على الفور. وقال محمد بن الحسن: بل على التراخي. ولا نص فيه عن أبي حنيفة، ولكن بعض أصحابه قال: هو عنده على الفور؛ لأنّ الأمر عنده كذلك.

____________________

(١) وهذا القول وإن ساعدت عليه الصناعة؛ لأنّ أحاديث الفور محل للنظر والنقاش ولكنّه يؤدي الى التهاون، وبالتالي الى ترك هذا الشعار المقدس - في الغالب - ومن هنا كانت الفورية والاستعجال أحفظ وأحوط للدين.


فروع الاستطاعة

حج النساء

هل يُشترط لحج النساء شرط زائد على حج الرجال؟

اتفقوا على أنّه لا يُشترط إذْن الزوج للزوجة في الحج الواجب، ولا يجوز له منعها عنه، واختلفوا في التي لا تجد زوجاً ولا مَحرماً يصحبها: هل يجب عليها الحج أو لا؟

قال الإمامية والمالكية والشافعية: ليس المـَحرم أو الزوج شرطاً بحال، سواء أكانت المرأة شابة أم عجوزاً، متزوجة أو غير متزوجة؛ لأنّ المـَحرم وسيلة للأمان معها لا غاية بنفسه، وعليه فإمّا أن تكون في أمان على نفسها في السفر وإمّا غير أمينة، فعلى الأوّل يجب عليها الحج، ولا أثر لوجود المـَحرم، وعلى الثاني لا تكون مستطيعة، حتى ولو كان معها محرم. وعليه فلا فرق بين الرجل والمرأة من هذه الجهة. ومهما يكن، فقد كان لهذا البحث وأمثاله وجه فيما سبق، حيث كان السفر طويلاً والطريق مخوفاً، أمّا اليوم فلا تترتب عليه أيّة ثمرة؛ لأنّ الناس في أمن وأمان على أنفسهم وأموالهم أنّى اتجهوا.

وقال الحنابلة والحنفية: إنّ وجود الزوج أو المـَحرم شرط لحج المرأة، وإن كانت عجوزاً، ولا يجوز لها أن تحج بدونه ولكنّ الحنفية اشترطوا أن يكون


بين مكان المرأة وبين مكة مسافة ثلاثة أيّام. وهذا الشرط نادر الوقوع في زماننا بعد أن سهّل العلم وسائل المواصلات، هذا بالاضافة إلى ما قدّمنا من أنّه لا مجال للبحث - اليوم - في اشتراط المـَحرم من الأساس.

البذل

جاء في كتاب (المغني) للحنابلة: (إذا بذل شخص مالاً لغيره فلا يجب عليه أن يقبل البذل، ولا يصير مستطيعاً بذلك، سواء أكان الباذل أجنبياً أم قريباً، وسواء أبذل له الركوب والزاد أم لا. وعن الشافعي: أنّه اذا بذل له ولده ما يتمكن به مِن الحج لزمه؛ لأنّه تمكن من الحج من غير منّة تلزمه، ولا ضير يلحق به).

وقال الإمامية: إذا أعطاه مالاً على سبيل الهدية دون أن يشترط عليه الحج لم يجب عليه كائناً مَن كان الباذل، وإن بذل مشترطاً عليه الحج وجب القبول، ولا يجوز أن يرفض حتى ولو كان الباذل أجنبياً؛ لأنّه والحال هذه يكون مستطيعاً.

الزواج

لو كان عنده من المال ما يكفيه للحج فقط أو للزوج فقط، فأيهما يقدّم؟

جاء في (فتح القدير) للحنفية ج٢ باب الحج: أنّ أبا حنيفة سئل عن ذلك، فأجاب بأنّه يقدّم الحج. وإطلاق الجواب بتقديم الحج، مع أنّ التزويج قد يكون واجباً في بعض الأحوال دليل على أنّ الحج لا يجوز تأخيره.

وقال الشافعية والحنابلة والمحققون من الإمامية(١) : يقدّم الزواج إذا كان

____________________

(١) منسك السيد الحكيم والسيد الخوئي.


في تركه حرج عليه ومشقة، ولا يقدّم الحج. (كفاية الأخيار، والمغني والعروة الوثقى).

الخمس والزكاة

الخُمس والزكاة مقدّمان على الحج، ولا استطاعة إلاّ بعد وفائهما، تماماً كغيرهما من الديون.

الاستطاعة بالصدقة

مَن ذهب إلى بلد قريب من مكة المكرمة بقصد التجارة أو غيرها وبقي فيه إلى أيام الحج، وأمكنه الوصول إلى بيت الله الحرام يصير مستطيعاً، فإن عاد إلى وطنه قبل أن يؤدي الحج استقر في ذمته بالاتفاق.


الاستنابة

أقسام العبادات

تنقسم العبادات مِن حيث البدنية والمالية إلى ثلاثة أقسام:

١ - بدنية محضة، لا أثر فيها للمال، كالصوم والصلاة، وقال الأربعة: هذا النوع لا يقبل النيابة بحال، لا عن الأموات، ولا عن الأحياء. وقال الإمامية: يقبلها عن الأموات فقط، أمّا الحي فلا يجوز له أن يستنيب مَن يصلّي أو يصوم عنه بحال.

٢ - مالية محضة، لا أثر فيها للبدن وعمله، كالخمس والزكاة، وهذا النوع يقبل النيابة بالاتفاق، فيجوز لمالك أن يوكل مَن يخرج عنه زكاة ماله، وسائر صدقاته.

٣ - مركّبة مِن البدنية والمالية، كالحج فإنّه يفتقر إلى العمل كالطواف والسعي والرمي، والى المال لأجرة السفر ومستلزماته. وقد اتفقوا قولاً واحداً على أنّ القادر على الحج بنفسه الجامع للشروط يجب عليه إيقاعه مباشرة، ولا يجوز له الاستنابة فيه، وإن استناب غيره لَم يُجزه، ووجب عليه أن يحج بنفسه، فإن لَم يفعل قال الشافعية والحنابلة والإمامية: لا يسقط عنه الفرض بالموت تغليباً لجانب المالية، ووجب أن يستأجر عنه بأجرة المثل، إن لَم يوصِ بالحج، على أن


تخرج الأجرة مِن صلب التركة(١) .

وقال الحنفية والمالكية: يسقط عنه الحج لجهة البدنية، ولكنّه إذا اوصى به يُخرج مِن الثلث كسائر التبرعات، وإن لَم يوصِ فلا تجب الاستنابة.

القادر العاجز

مَن جمع شروط الحج مادياً، ولكنّه عجز عن مباشرته بنفسه لهرم أو مرض لا يُرجى برؤه، سقطت عنه المباشرة بالاتفاق؛ لقوله تعالى:( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) . ولكن هل يجب أن يستأجر مَن ينوب عنه، وإذا لَم يفعل فقد ترك واجباً استقر في ذمته؟

اتفقوا - ما عدا المالكية - على أنّه يجب عليه أن يستأجر مَن يحج عنه. وقال المالكية: لا حج إلاّ على مَن استطاع إليه سبيلاً بنفسه. (المغني والتذكرة).

ولو عوفي هذا، وزال العذر بَعد أن استناب مَن حج عنه، فهل يجب عليه أن يحج بنفسه؟

قال الحنابلة: لا يجب عليه حج آخر.

وقال الإمامية والشافعية والحنفية: بل يجب؛ لأنّ ما فعله كان واجباً في ماله، وهذا واجب في بدنه(٢) . (المغني، والتذكرة).

الاستنابة في المستحب

قال الحنفية والإمامية: مَن قضى ما عليه من حجة الإسلام، ثمّ أحبّ أن يستنيب عنه آخر تطوعاً واستحباباً فله ذلك، وإن تمكن من المباشرة بنفسه.

____________________

(١) أجاز الإمامية والشافعية والمالكية الإجارة على الحج، ومنعها الحنفية والحنابلة وقالوا: ما يُدفع للأجير من المال هو للارتزاق، ونفقة الطريق.

(٢) ويتفق هذا مع فتوى السيد الخوئي في منسكه.


وقال الشافعي: لا يجوز.

وعن أحمد روايتان: المنع والجواز.

وقال المالكية: يجوز للمريض الذي لا يُرجى برؤه، ولمن حج حجة الإسلام أن يستأجر غيره للحج، ويصحّ حجه ولكن ذلك مكروه، ولا يُكتب الحج للمستأجر وإنّما يقع مستحباً للأجير، وللمستأجر ثواب الاعانة على الحج وبركة الدعاء. وإذا حج عن الميت بوصية منه أو غير وصيه، فلا يُكتب له أصلاً لا فرضاً ولا نفلاً، ولا تسقط به حجة الإسلام. (الفقه على المذاهب الأربعة).

شروط النائب

يُشترط في النائب: البلوغ والعقل والإسلام، وفراغ ذمته من حج واجب، والوثوق بالأداء، ويجوز أن ينوب الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل، وإن كان كل من النائب والمنوب عنه صرورة(١) .

وهل يبتدئ النائب السير الى الحج من بلده، أو من بلد الميت، أو من أحد المواقيت؟

قال الحنفية والمالكية: يحج عنه من بلد الميت إذا لم يعين المنوب عنه المكان، وإلاّ أخذ بقوله.

وقال الشافعية: المدار على الميقات، فإن عيّن ميقاتاً خاصاً وجب العمل بقوله، وإلاّ تخير الأجير مِن أيّ ميقات شاء.

وقال الحنابلة: يجب أن يحج عنه من المكان الذي وجب عليه فيه الحج، لا من المكان الذي مات فيه، فإذا استطاع في المهجر، ثمّ عاد الى بلده ومات

____________________

(١) الصرورة: هو الذي لم يحج. وقال الشافعية والحنابلة: إذا شرع الصرورة عن غيره صار الحج عنه. وقال المالكية والحنفية والإمامية: بل يقع حجه على ما نواه.


فيه، فيُستناب عنه من مهجره لا مِن وطنه، إلاّ إذا كان بين وطنه ومهجره أقلّ من مسافة القصر.

وقال الإمامية: الحجة منها بلدية، وهي التي تكون مِن بلد الميت، ومنها ميقاتية، وهي مِن الميقات، فإن عيّن إحداهما تعينت، وإن أطلق ولَم يبيّن فإن كان هناك انصراف الى إحداهما فبها، وإلاّ تكون الحجة ميقاتية، ويحج عنه مِن اقرب ميقات الى مكة إن أمكن، وإلاّ فمن اقرب ميقات إلى بلد الميت، وأجرة الميقاتية مِن أصل التركة في الحج الواجب، وما زاد عن الميقاتية فمن الثلث. (الجواهر).

تأخير النيابة

إذا استُؤجر النائب وجبت عليه المبادرة، ولا يجوز أن يؤخر الحج عن السنة الأُولى، وليس له أن يستنيب غيره؛ لأنّ الفعل مضاف إليه. وإذا لَم نعلم بأنّه ذهب الى الحج وقام بأعماله فالأصل عدم الإتيان حتى يثبت العكس، وإذا علمنا أنّه ذهب وقام بالأعمال على وجه الإجمال، وشككنا: هل أتى بها صحيحة - كما ينبغي - أو أنّه أخلّ بشيء من الواجبات، حملنا فعله على الصحة حتى يثبت العكس.

العدول

قال الحنفية والإمامية: إذا عيّن المستنيب نوعاً خاصاً للنائب، كالتمتع أو الإفراد أو القران، فلا يجوز العدول الى غيره.

أمّا إذا عيّن الحج من بلد خاص فابتدأ من بلد آخر فإن لَم يتعلق غرض المستأجر بذلك أجزأ؛ لأنّ سلوك الطريق غير مقصود لذاته، وإنّما المقصود بالذات الحج، وقد حصل. (التذكرة والفقه على المذاهب الأربعة).


العُمرة

معناها

معنى العمرة لغةً: الزيارة بوجه العموم. وشرعاً: زيارة بيت الله الحرام بنحو خاص.

أقسامها

تنقسم العمرة الى مفردة مستقلة عن الحج، ووقتها طوال أيّام السنة بالاتفاق، وأفضل أوقاتها عند الإمامية شهر رجب، وعند غيرهم شهر رمضان. وإلى منضمة الى الحج، بحيث يأتي بها الناسك أوّلاً، ثمّ يأتي بأعمال الحج في سفرة واحدة، كما يفعل حجاج الأقطار البعيدة عن مكة المكرمة، ووقتها أشهر الحج، وهي: شوال وذو القعدة وذو الحجة بالاتفاق، على خلاف بين الفقهاء في ذي الحجة: هل هو بكامله من أشهر الحج، أو الثلث الأوّل منه؟ ولو أتى بالعمرة منضمة الى الحج سقط وجوب المفردة عند من قال بوجوبها.

الفرق بين العمرتين

فرّق السيد الخوئي بين العمرة المفردة، وعمرة التمتع بأمور:


١ - إنّ طواف النساء - يأتي معناه - واجب في العمرة المفردة، ولا يجب في عمرة التمتع. وقال بعضهم: لا يُشرع فيها.

٢ - إنّ وقت عمرة التمتع يبتدئ مِن أوّل شوال إلى اليوم التاسع مِن ذي الحجة، أمّا العمرة المفردة فوقتها طوال أيام السنة.

٣ - إنّ المعتمِر بعمرة التمتع يحلّ بالتقصير فقط، أمّا المعتمِر بعمرة مفردة فهو مخير بين التقصير والحلق، ويأتي التوضيح.

٤ - إنّ عمرة التمتع والحج يقعان في سنة واحدة، وليس كذلك في العمرة المفردة.

وفي كتاب (الدين والحج على المذاهب الأربعة) لكرارة: أنّ المالكية والشافعية قالوا: إنّ المعتمِر بعمرة مفردة يحلّ له كل شيء، حتى النساء إذا حلق أو قصّر، سواء أساق الهدي أم لا. أمّا الحنابلة والحنفية فإن المعتمِر يحلّ بالحلق أو التقصير إذا لّم يسق الهدي، وإلاّ بقي على إحرامه إلى أن يتحلل مِن الحج والعمرة معاً يوم النحر.

شروطها

ذكرنا فيما تقدّم شروط الحج، وهي بالذات شروط العمرة.

حكمها

قال الحنفية والمالكية: العمرة سنّة مؤكدة، وليست فرضاً.

وقال الشافعية والحنابلة وكثير مِن الإمامية: بل هي فرض على مَن استطاع إليها سبيلاً؛ لقوله تعإلى:( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) (١٩٦ البقرة). وتقع مستحبة لغير المستطيع. (فقه السنّة ج٥، والفقه على المذاهب الأربعة،


والجواهر والمغني)(١) .

أفعالها

جاء في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة): (يجب للعمرة ما يجب للحج، وكذلك يُسنّ لها ما يُسنّ له.. ولكنّها تخالفه في أمور، منها: أنّه ليس لها وقت معيّن، ولا تفوت، وليس فيها وقوف بعرفة، ولا نزول بمزدلفة، ولا رمي جمار)(٢) .

وجاء في كتاب الجواهر للإمامية: (الواجب مِن أفعال الحج ١٢: الإحرام، والوقوف بعرفات، والوقوف بالمشعر، ونزول مِنى، والرمي، والذبح، والحلق بها، والتقصير، والطواف وركعتاه، والسعي، وطواف النساء وركعتاه وواجب أفعال العمرة المفردة ثمانية: النية، والإحرام(٣) ، والطواف وركعتاه، والسعي، والتقصير، وطواف النساء وركعتاه).

ومِن هذا يتبين معنا اتفاق الجميع على أنّ أعمال الحج تزيد عن العمرة بالوقوف، وما يستدعيه مِن الأعمال، إلاّ أنّ الإمامية أوجبوا على المعتمِر بعمرة مفردة أن يطوف ثانية طواف النساء، كما أنّ مالكاً خالف الجميع بقوله: لا يجب الحلق أو التقصير في العمرة المفردة.

____________________

(١) جاء في كتاب المغني أنّ أحمد بن حنبل نص على أنّه ليس على أهل مكة عمرة؛ لأنّ معظم أعمال العمرة الطواف بالبيت، وهم يفعلونه فأجزاهم ذلك.

(٢) يحتوي كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) على أصل وتعليق، ومِن عادة المؤلّف أن يذكر في الأصل ما اتفق عليه الأربعة، ويذكر في التعليق ما اختلفوا فيه مخصصاً لكل مذهب مِن المذاهب فقرة على حدة. وما ذكرناه هنا منقول مِن الأصل، لا مِن التعليق.

(٣) جاء في كتاب (الدين والحج على المذاهب الأربعة) لكرارة: أنّ مِن جملة ما افترقت به العمرة عن الحج أنّ الإحرام بها يكون مِن الحل للمكي وغيره، لا مِن مواقيت الحج. ولا فرق عند الإمامية بين ميقات المعتمِر وميقات الحاج بالنسبة للإحرام.


فرعان

الفرع الأوّل: إنّ وجوب العمرة المنفردة لا يرتبط بالاستطاعة للحج، فلو استطاع لها خاصة، كما لو فُرض أنّ شخصاً تمكن مِن الذهاب إلى مكة في غير أيام الحج ولا يستطيع الذهاب إليها في أيامه وجبت عليه العمرة دون الحج، وإن مات قَبل أدائها خرجت مِن تركته(١) .

وكذا لو فُرض أنّه استطاع الحج الإفرادي دون العمرة وجب؛ لأنّ كلاً مِن المناسك مستقل برأسه، هذا بالقياس إلى العمرة المفردة، أمّا عمرة التمتع - يأتي معنى التمتع - فيتوقف وجوبها على وجوب الحج؛ لأنّها داخلة فيه.

الفرع الثاني: قال الإمامية: لا يجوز لمِن أراد دخول مكة أن يتجاوز الميقات ولا دخول حرمها إلى مُحرماً بنسك، حتى ولو كان قد حج واعتمر مرات إلاّ إذا تكرر الدخول والخروج في ضمن شهر، أي لو دخلها محرماً ثمّ خرج ثمّ دخل ثانية قَبل مضي ثلاثين يوماً فلا يجب عليه الإحرام، وإلاّ وجب، فالإحرام بالقياس إلى مَن دخل مكة - تماماً- كالوضوء بالقياس إلى مس كتابة المصحف.

وبهذا يتبين الكذب والدس في قول مَن قال: إنّ الشيعة لا يقدسون البيت الحرام، ويتظاهرون بالحج، ليُلوثوا الأماكن المقدسة.. تعإلى الله والمعظّمون لشعائره الموالون للرسول وآله علواً كبيراً.

وقال أبو حنيفة: لا يجوز لمن وراء الميقات أن يدخل الحرم إلاّ محرماً، وأمّا

____________________

(١) قال صاحب المدارك مِن الإمامية: هذا هو أشهر الأقوال وأجودها - أي استقلال وجوب العمرة عن وجوب الحج -. وقال صاحب الجواهر: إنّ كلام الفقهاء لا يخلو مِن تشويش ثمّ قال صاحب الجواهر: والذي يقوى في النظر سقوط العمرة المفردة عمّن بَعد عن مكة، وإنّما الواجب عليه عمرة التمتع التي يرتبط وجوبها بوجوب الحج. وقال السيد الحكيم: الأقرب عدم وجوب المفردة. وقال السيد الخوئي: لا يبَعد عدم وجوبها.


مِن دونه فيجوز دخوله مِن غير إحرام، وكان مالك لا يرى ذلك، وللشافعي قولان.

ونكتفي بهذا القدر مِن الكلام على العمرة؛ لأنّ الغرض أن نُلقي ضوءاً عليها، ليكون القارئ على علم بالفرق بينها وبين الحج، ولو مِن بعض الجهات، وستتضح أكثر ممّا يأتي.


أنواع الحج

اتفقوا على أنّ أنواع الحج ثلاثة: تمتع(١) ، وقِران، وإفراد.

وأيضاً اتفقوا على أنّ معنى التمتع أن يأتي أوّلاً بأعمال العمرة في أشهر الحج، وبَعد الفراغ مِنها يأتي بالحج.

واتفقوا على أنّ حج الإفراد أن يحج أوّلاً، وبَعد الفراغ مِن أعمال الحج يُحرم بالعمرة، ويأتي بأعمالها.

واتفق الأربعة على أنّ معنى القران أن يحرم بالحج والعمرة معاً، بحيث يقول الناسك: (لبيك الله بحج وعمرة).

وقال الإمامية: إنّ القران والإفراد شيء واحد، لا يفترقان إلاّ في حال واحدة، وهي أنّ القارن يسوق الهدي عند إحرامه، فيلزمه أن يهتدي ما ساقه، أمّا مَن حج حجة الإفراد فليس عليه هدي أصلاً. وبكلمة: إنّ الإمامية

____________________

(١) ولكنّ عمر بن الخطاب نهى عن حج التمتع، وحصر الحج بالقران والإفراد، وقال: (متعتان كانتا على عهد رسول الله، وأنا أُحرّمهما وأُعاقب عليهما). يريد متعة النساء، ومتعة الحج، أي حج التمتع. واعتذر عنه بعض علماء السنّة بأنّه أراد أن لا يتعطل بيت الله الحرام مِن الزائرين في غير أشهر الحج. (أحكام القرآن للجصاص ج١ باب التمتع بالعمرة إلى الحج).


لا يجيزون التداخل بين إحرامين(١) ، ولا إتيان الحج والعمرة بنية واحدة في حال مِن الحالات. وأجازه غيرهم في حجة القران، وقالوا: إنّه سُمّي بذلك لما فيه مِن الجمع بين الحج والعمرة. وقال الإمامية: بل لأنّه أضيف سياق الهدي إلى الإحرام(٢) .

وقال الأربعة: يجوز لأيّ كان مكياً أو غير مكي، أن يختار أيّ نوع شاء مِن أنواع الحج الثلاثة: التمتع والقران والإفراد، دون كراهة، إلاّ أنّ أبا حنيفة قال: يُكره للمكيّ حج التمتع والقران.

ثمّ اختلف الأربعة فيما بينهم في الأفضل مِن هذه الثلاثة:

قال الشافعية: الإفراد والتمتع أفضل مِن القران.

وقال الحنفية: القران أفضل مِن أخويه.

وقال المالكية: بل الإفراد أفضل.

وقال الحنابلة والإمامية: التمتع أفضل. (الفقه على المذاهب الأربعة، والمغني، وميزان الشعراني، وفقه السنّة ج٥).

وقال الإمامية: إنّ التمتع فرض مَن نأى عن مكة ٤٨ ميلاً(٣) لا يجوز له غيره إلاّ مع الضرورة، أمّا القران والإفراد فهما فرض أهل مكة، ومَن كان بينه وبينها دون ٤٨ ميلاً، ولا يجوز لهما غير هذين النوعين، واستدلوا بقوله تعإلى:( فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الْهَدْيِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ

____________________

(١) جاء في كتاب الجواهر والمدارك والحدائق وغيرها ما نصه بالحرف: (لا يجوز لمن أحرم أن يُنشئ إحراماً آخر، حتى يُكمل أفعال ما أحرم له).

(٢) وتفرّد ابن عقيل عن الإمامية بموافقته لفقهاء السنّة على أنّ القران هو الجمع بين العمرة والحج في إحرام واحد.

(٣) واختاره السيد الحكيم. وقال السيد الخوئي: ١٦ فرسخاً. وقال بعضهم: ١٢ ميلاً.


حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَام ) (١٩٦ البقرة) .

وقال الإمامية أيضاً: لا يجوز لمن وظيفته التمتع أن يعدل إلى غيره، إلاّ لضيق وقت أو حيض، فيجوز العدول حينئذ إلى القران أو الإفراد، على أن يأتي بالعمرة بَعد الحج، وحدّ الضيق أن لا يتمكن مِن الوقوف في عرفة عند الزوال.

ولا يجوز العدول لمن فرضه القران أو الإفراد كأهل مكة وضواحيها أن يعدل إلى التمتع إلاّ مع الاضطرار، كخوف الحيض المتوقع. وبَعد أن نقل هذا صاحب الجواهر، قال: بلا خلاف أجده.

واتفقوا جميعاً على أنّ من حج حجة الإفراد لا يلزمه هدي، وإن تطوع به فخير.


مواقيت الإحرام

المواقيت

لا بدّ للعمرة والحج بشتى أنواعه مِن الإحرام، وهو ركن مِن أركانهما عند الإمامية وواجب عند غيرهم. واتفقوا قولاً واحداً على أنّ ميقات أهل المدينة الذي يبدؤون إحرامهم مِنه مسجد الشجرة، ويُسمّى ذو الحليفة. وميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة(١) . وميقات أهل العراق العقيق. ولأهل اليمِن ومَن عبر على طريقهم يلملم.

وقال الإمامية: قرن ميقات أهل الطائف، ومَن عبر على طريقهم إلى مكة.

وقال الأربعة: بل هو ميقات أهل نجد. وقال الإمامية: ميقات أهل نجد وميقات أهل العراق هو العقيق.

وكما اتفقوا على أنّ هذه المواقيت لأهل الجهات المذكورة، فقد اتفقوا أيضاً على أنّها مواقيت لكل مَن يمرّ بها ممّن يريد الحج، وإن لَم يكن مِن أهل تلك الجهات، فإذا حج الشامي مِن المدينة فجاز على ذي الحليفة أحرم منه، وإن

____________________

(١) المراد بأهل الشام: السوريون واللبنانيون والفلسطينيون والأردنيون، وقد تغيرت الطرق عمّا كانت. وقال السيد الحكيم: إنّ المسافر بالطائرة لا يجب عليه الإحرام إذا مرّ فوق الميقات، وإذا هبط في جدة أحرم مِن الحديبية، وله أن يحرم مِن جدة مع النذر.


حج مِن اليمن فميقاته يلملم، ومِن العراق فالعقيق، وهكذا، ومَن لَم يمر بهذه المواقيت فميقاته المكان الذي يحاذي أحدها.

ومَن كان منزله اقرب إلى مكة مِن هذه المواقيت فميقاته منزله، يُحْرِم منه، ومَن كان في مكة نفسها فميقاته مكة بالذات، ومواقيت المعتمِر بعمرة مفردة عند الإمامية هي مواقيت الحج بالذات.

الإحرام قَبل الميقات

اتفق الأربعة على جواز الإحرام قَبل الميقات، واختلفوا في الأفضل، فقال مالك وابن حنبل: الأفضل الإحرام مِن الميقات.

وقال أبو حنيفة: الأفضل الإحرام مِن بلده. وعن الشافعي القولان.

وقال الإمامية: لا يجوز الإحرام قَبل الميقات إلاّ لمن يريد العمرة في رجب، وخاف أن ينقضي إذا أخرّ الإحرام إلى الميقات، وإلاّ لمن نذر الإحرام قبل الميقات(١) . (التذكرة، وفقه السنّة).

الإحرام بَعد الميقات

اتفقوا على أنّه لا يجوز تجاوز الميقات بدون إحرام، وإن تجاوزه ولَم يُحرم وجب الرجوع إليه ليحرم منه.

وقال الأربعة: إذا لَم يرجع يصحّ حجه، وعليه الهدي، ويأثم إن لَم يمنع مانع مِن الرجوع، وإن وجد المانع لخوف الطريق، أو لضيق الوقت فلا إثم، ولا فرق في ذلك بين أن يكون أمامه مواقيت أخرى في طريقه أو لا.

وقال الإمامية: مَن ترك الإحرام مِن الميقات عامداً وهو يريد الحج، أو

____________________

(١) أجاز السيد الحكيم والسيد الخوئي نذر الإحرام قبل الميقات.


العمرة ولَم يرجع إليه، ولَم يكن أمامه ميقات غيره يُحرم منه بطل إحرامه وحجه، سواء أكان معذوراً أو غير معذور.

وإذا كان قد تركه ناسياً أو جاهلاً، وأمكن الرجوع رجع، وإن لَم يكن فمن الميقات الذي أمامه، وإلاّ فالقدر الممكن مِن خارج الحرم أو داخله مقدّماً على الثاني. (التذكرة والفقه على المذاهب الأربعة).

الإحرام قَبل أشهر الحج

قال الإمامية والشافعية: لو أحرم بالحج قَبل أشهره لَم ينعقد إحرامه، وينعقد للعمرة؛ لقوله تعالى:( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) .

وقال الحنفية والمالكية والحنابلة: يصحّ على كراهة. (التذكرة، وفقه السنّة).


الإحرام

واجباته ومستحباته

الإحرام ومستحباته

لا خلاف في أنّ الإحرام ركن مِن أركان العمرة، وأيضاً هو ركن مِن حج التمتع والإفراد والقران. وأيضاً لا خلاف في أنّه أوّل عمل يجب أن يبتدئ به الناسك، سواء أكان معتمِراً بعمرة مفردة أم حاجاً بحج تمتع، أم قران، أم إفراد، وله مستحبات وواجبات.

اتفقوا على أنّه يستحب لمِن يريد الإحرام أن ينظف جسده، ويقلّم أظفاره، ويأخذ مِن شاربه، وأن يغتسل حتى لو كانت امرأة في الحيض والنفاس؛ لأنّ الغرض النظافة، وأن يوفر شعر رأسه مِن أوّل ذي القعدة إذا اراد حج التمتع، وأن يزيل الشعر مِن جسده وإبطيه، وأن يُحرم بَعد صلاة الظهر، أو أيّة فرضة غيرها، وإن استُحب أن يصلّي للاحرام ست ركعات، أو أربعاً، أو ركعتين على الأقل. أمّا الطهارة مِن الحدث فليست شرطاً في صحة الإحرام.

وقال الحنفية والمالكية: إذا فقد الماء سقط الغسل، ولَم يُشرع التيمم بدلاً عنه.


وقال الحنابلة والشافعية: بل يتيمم بدلاً عن الغسل.

واختلف الإمامية فيما بينهم، فمانع ومجيز.

والحق المنع، كما قال الحنفية والمالكية؛ لأنّ هذا التيمم مِن العبادات، وهي لا تُشرع إلاّ بدليل، ولا دليل وجاء في مستمسك العروة للسيد الحكيم ج٧: (إنّ عموم بدلية التراب عن الماء، وإنّه يكفي عشر سنين، وإنّ التراب أحد الطهورين، وإنّ ربّ الماء والصعيد واحد، كافٍ في ثبوت بدلية التراب في المقام ونحوه).

ويلاحظ بأنّ هذه الأدلة التي دلّت على بدلية التراب عن الماء ناظرة إلى الماء بقيد التطهير مِن الحدث، لا مطلق الماء، وإلاّ وجب أن نعطي التراب جميع أحكام الماء عند تعذره، حتى في إزالة النجاسة الخبثية إلاّ ما أخرجه الدليل، ولا قائل بذلك، حتى صاحب المستمسك - فيما أظن - وقد صرح في منسكه ص ٢٦ طبعة رابعة أنّ الغسل مستحب للإحرام مِن الحائض والنفساء. ومعنى ذلك أنّ هذا الغسل لا يرفع حدثاً، ولا يقصد منه إلاّ النظافة، هذا، إلى أنّنا نعلم أنّ التراب يكون بدلاً عن الماء في الطهارة الحديثة، ولا يكون بدلاً عنه في الطهارة الخبثية، كالدم والبول، ونشك: هل يكون بدلاً عنه في هذا الغسل؟ ولا يسوغ التمسك بهذه العموميات لرفع الشك، وإثبات البدلية الشرعية؛ لأنّه مِن باب التمسك بالعام في الشبهات أو المصداقية.

أُرسِلت هذه الملاحظة لسماحة السيد فعلّق عليها بقوله: (إنّ مشروعية الغسل المستحب للطهارة، والطهارة إنّما تكون عن الحدث، فالغسل المستحب مطهِّر مِن مرتبة مِن الحدث، وبدلية التراب عن الماء شاملة لموارد الغسل المستحب، وشمولها لذلك لا يقتضي شمولها للغسل عن النجاسة، لاختلاف السنخية بين الحدث والخبث، والاختلاف في المحل، فإنّ مورد الأوّل النفس ونحوها، ومورد الثاني الجسم مع وحدة السنخية بين طهارة الغسل الواجب


والمستحب، ودليل البدلية عام للأمرين، وبالجملة فالغسل المستحب مطهِّر مِن الحدث بالجملة، ولو مِن بعض مراتبه فشمله دليل البدلية، والغسل مِن الحائض مطهِّر مِن مرتبة مِن الحدث، كما أنّها إذا اغتسلت مِن الجنابة طهرت مِنها، وإن بقي حدث الحيض. والله هو العالم العاصم).

وقال الإمامية: يستحب توفير شعر الرأس.

وقال الشافعية والحنفية والحنابلة: بل يستحب حلقه. (الفقه على المذاهب الأربعة).

وقال الحنفية: يُسنّ لمن يريد الإحرام التطيُّب في البدن والثوب بطيب لا يبقى عينه بَعد الإحرام، وإن بقيت رائحته.

وقال الشافعية: يُسنّ تطييب البدن بَعد الغسل إلاّ للصائم، ولا يضر تعطير الثوب.

وقال الحنابلة: يُطيّب بدنه، ويُكره تطييب الثوب. (الفقه على المذاهب الأربعة).

وقال الحنفية والمالكية والشافعية: يستحب للمـُحْرِم أن يصلّي ركعتين قَبل الإحرام. (المصدر السابق).

وقال الإمامية: الأولى أن يكون الإحرام عقب صلاة الظهر، أو فريضة غيرها، وإن لَم تكن عليه فريضة وقت الإحرام صلّى للإحرام ست ركعات، أو أربعاً، وأقلها ركعتان. (الجواهر).

الاشتراط

قال في التذكرة: يستحب لمن أراد الإحرام أن يشترط على ربه عند عقد الإحرام، كأن يقول المـُحْرِم: (اللهمّ إنّي أريد ما امرتني به، فإن منعني مانع


عن تمامه وحبسني عنه حابس فاجعلني في حل). وباستحباب ذلك قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد، إلاّ أنّ هذا الاشتراط لا يفيد سقوط فرض الحج إن وجد المانع عن الإتمام.

واجبات الإحرام

واجبات الإحرام ثلاثة: النية، والتلبية، ولبس ثوب الإحرام على خلاف بين المذاهب في بعضها.

النية

لا مجال للكلام في النية، إذ لا عمل إرادي بلا نية بمعنى الباعث على العمل فهي في الحقيقة مِن الضروريات، لذا قال بعض العلماء: لو كُلّفنا بعمل بلا نية لكان تكليفاً بغير المقدور. إذن ينبغي صرف الكلام إلى أنّ الناسك: هل يصير محرِماً بمجرد نية الإحرام، أو لا بدّ مِن إضافة شيء آخر معها؟ هذا، مع العلم بأنّه لو أحرم ذاهلاً أو عابثاً بدون نية يكون إحرامه باطلاً.

قال الحنفية: (لا يصير شارعاً في الإحرام بمجرد النية ما لَم يأتِ بالتلبية). (فتح القدير).

وقال الشافعية والإمامية والحنابلة: ينعقد الإحرام بمجرد النية. (الجواهر وفقه السنّة).

وقال الإمامية: يجب أن تكون النية مقارنة للشروع بالإحرام، ولا يكفي حصولها في أثنائه، وأن يعيّن جهة الإحرام مِن أنّه لحج أو عمرة، وأنّ الحج تمتع أو قران أو إفراد، وأنّه عن نفسه أو نيابة عن غيره، وأنّه حجة إسلام أو غيرها، ولو نوى مِن غير تعيين، وأوكله إلى ما بَعد ذلك بطل. (العروة الوثقى).


وجاء في كتاب (المغني) - للحنابلة - ما خلاصته: (يستحب أن يعيّن ما أحرم به، وبهذا قال مالك. وقال الشافعي في أحد قوليه: الإطلاق أولى.. فإن أطلق الإحرام، فنوى الإحرام بنسك، ولّم يعيّن حجاً ولا عمرة صح وصار مُحرماً.. وله بَعد ذلك صرفه إلى أيّ الأنساك شاء).

واتفقوا على أنّه لو نوى بإحرامه ما أحرم به فلان صحّ إذا كانت نية المذكورة معينة. (الجواهر، والمغني).

التلبية

اتفقوا على أنّ التلبية مشروعة في الإحرام، واختلفوا في حكمها مِن حيث الوجوب والندب، وفي وقتها:

قال الشافعية والحنابلة: إنّها سنّة ويستحب اتصالها بالإحرام، ولو نوى الإحرام بدون تلبية صح.

وقال الإمامية والحنفية(١) والمالكية: التلبية واجبة، ثمّ اختلفوا في التفاصيل، فقال الحنفية: إنّ التلبية أو ما يقوم مقامها - كالتسبيح وسوق الهدي - شرط مِن شروط الإحرام. وقال المالكية: لا يبطل الإحرام بالفاصل الطويل بين التلبية وبين الإحرام، ولا بتركها كلية، وإنّما يلزم التارك دم، أي يُضحي.

وقال الإمامية: لا ينعقد إحرام حج التمتع، ولا حج الإفراد، ولا عمرتهما والعمرة المفردة إلاّ بالتلبية، ولا بدّ مِن تكرارها أربع مرات، أمّا مَن يريد حج القران فيتخير بين التلبية وبين الإشعار أو التقليد(٢) . والإشعار عندهم

____________________

(١) وسوق الهدي عند الحنفية يقوم مقام التلبية، كما جاء في ابن عابدين وفتح القدير.

(٢) معنى الإشعار: أن يشقّ الجانب الأيمن مِن سنام البدنة، أي الناقة. والتقليد: أن يجعل في عنق الهدي نعلا بالية؛ ليُعرف بها أنّه هدي.


مختص بالبدن، والتقليد مشترك بينها وبين غيرها مِن أنواع الهدي.

صيغة التلبية

وصيغة التلبية: (لبيك اللهمّ لبيك، لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).

ولا يشترط في التلبية الطهارة بالإجماع. (التذكرة).

أمّا وقتها فيبدأ بها المـُحرِم مِن وقت الإحرام، ويستحب الاستمرار بها إلى رمي جمرة العقبة بالاتفاق. ويستحب الجهر بها لغير المرأة إلاّ في مسجد الجماعات، بخاصة مسجد عرفة. وقال الإمامية: يستحب أن يقطعها إذا شاهد بيوت مكة، أمّا المرأة فتُسْمِع نفسها ومَن يليها، ويستحب أيضاً الصلاة على النبي وآله. (التذكرة وفقه السنّة).

لباس المـُحرِم

اتفقوا على أنّ الرجل المـُحرِم لا يجوز له أن يلبس مخيطاً، ولا ثوباً يزرره، ولا قميصاً ولا سراويل، ولا أن يغطي رأسه ووجهه. وقال الشافعي وأحمد يجوز له أن يغطي وجهه، ولا يجوز له أن يلبس الخفّين إلاّ إذا لَم يجد نعلاً فيلبس خفّين بَعد أن يقطع أسفل مِن الكعبين(١) .

وأمّا المرأة فتغطي رأسها، وتكشف وجهها إلاّ مع خوف نظر الرجال إليها بريبة، ولا يجوز لها أن تلبس القفاز - أي الكفوف - ولها أن تلبس الحرير والخفّين. وقال أبو حنيفة: يجوز لها لبس القفاز. (التذكرة والبداية والنهاية لابن رشد).

____________________

(١) النعل له أسفل وليس له كعب وجوانب ولا ما يستر ظهر القدمين. والخُف: حذاء تام في كعبه وجوانبه، كما هو المتعارف المألوف، ويُسمّى كندرة أو صباط، وما إلى ذاك.


وجاء في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) بعنوان: (ما يُطلب مِن مريد الإحرام قَبل أن يشرع فيه).

قال الحنفية: ومِن ذلك لبس إزار ورداء. والإزار: هو ما يستتر به مِن سرّته إلى ركبته. والرداء: هو ما يكون على الظهر والصدر والكتفين، وهو مستحب.

وقال المالكية: يُندب أن يلبس إزاراً ورداء ونعلين، ولو لبس غير الرداء والإزار ممّا ليس مخيطاً ولا محيطاً، فلا يضر. والمحيط: هو الثوب الذي يحيط بالعضو.

وقال الحنابلة: يسن له قَبل إحرامه لبس إزار ورداء أبيض نظيفين جديدين ونعلين.

وقال الشافعية: ومِن ذلك أن يلبس إزاراً ورداء أبيضين جديدين وإلاّ فمغسولين.

وقال الإمامية: إنّ الإزار والرداء واجبان، وإنّه يستحب أن يكونا مِن القطن الأبيض، ويجوز للمحرم أن يلبس أكثر مِن ثوبين على شريطة أن لا يكون مخيطاً، كما يجوز له أن يبدل ثياب الإحرام، ولكن الأفضل عندهم أن يطوف بالثوبين اللذين أحرم بهما. واشترطوا في لباس المـُحرِم كل ما اشترطوه في لباس المصلّي مِن الطهارة، وعدم كونه حريراً للرجال أو جلداً مِن غير مأكول اللحم، بل قال جماعة: لا يجوز أن يكون مِن نوع الجلد إطلاقاً.

ومهما يكن، فإنّ الخلاف في لبس المـُحرِم بسيط جداً، ويكفي للتدليل على ذلك أنّ كل ما هو مجزٍ عند الإمامية مجزٍ أيضاً عند الأربعة.


مخطورات الإحرام

نهي الشرعُ المـُحرِم عن أشياء نذكر أكثرها فيما يلي:

الزواج

قال الإمامية والشافعية والمالكية والحنابلة: لا يجوز للمحرم أن يعقد الزواج لنفسه، ولا لغيره، ولا أن يوكل فيه، ولو فعل لَم ينعقد، وقال الإمامية: وكذا لا يجوز له أن يشهد عليه.

وقال أبو حنيفة: بل يجوز عقد الزواج، ويقع صحيحاً.

وقال الحنفية والمالكية والشافعية والإمامية: يجوز للمحرم مراجعة زوجته المطلّقة في عدتها.

وقال الحنابلة: لا يجوز.

وقال الإمامية: إذا أجرى المـُحرِم عقد الزواج وهو عالم بالتحريم، حرمت عليه المرأة أبداً بمجرد العقد، وإن لَم يدخل. أمّا إذا كان جاهلاً بالتحريم فلا تحرم عليه، وإن دخل. (الجواهر، وفقه السنّة، والفقه على المذاهب الأربعة).


الجماع

اتفقوا على أنّه لا يجوز للمحرم أن يجامع زوجته أو يستمتع بها بشتى أنواع الاستمتاع، وإذا جامع قَبل التحليل(١) فسد حجه، ولكن عليه المضي في حجه وإتمامه، ثُمّ القضاء في العام القادم، على أن يفرق بين الزوجين في حج القضاء(٢) وجوباً عند الإمامية والمالكية والحنابلة، وندباً عند الشافعية والحنفية. (الحدائق، وفقه السنّة).

وقال الإمامية والمالكية والشافعية والحنابلة: تلزمه بدنة بالإضافة الى فساد حجه.

وقال الحنفية: بل شاة.

واتفقوا على أنّه إذا جامع بَعد التحليل الأوّل فلا يفسد حجه، ولا قضاء عليه، ولكن عليه بدنة عند الإمامية والحنفية والشافعي في أحد قوليه، أمّا مالك فقال: تلزمه شاة. (الحدائق، وفقه السنّة).

وإذا كانت المرأة مطاوعة فسد حجها، وعليها أن تكفّر ببدنة، وأن تقضي في العام القادم. وإذا كانت مكرهة لَم يكن عليها شيء، وعلى الزوج أن يكفّر ببدنتين: إحداهما عنه، والثانية عنها. وإذا كانت مُحلة وهو محرِم فلا يتعلق بها شيء، ولا يجب عليها كفارة، ولا على الرجل بسببها. (التذكرة).

وإذا قبّل زوجته، ولَم ينزل فلا يفسد حجه بالاتفاق. وقال الأربعة: عليه

____________________

(١) إذا رمى الجمرة وحلق يحلّ للمحرم أشياء ممّا كانت محرّمة عليه، كلبس المخيط ونحوه، وهذا هو الحِلّ الأوّل ولكن لَم تحلّ له النساء والطيب. وإذا طاف الطواف الأخير حلّ له كل شيء حتى النساء، وهذا هو الحِلّ الثاني، ويأتي التفصيل.

(٢) قال في التذكرة: ينبغي أن يكون التفريق في حج القضاء مِن المكان الذي أحدثا فيه ما أحدثا، في الحجة الأُولى. ومعنى التفريق: أن لا يخلو بنفسيهما، ومتى اجتمعا كان معهما ثالث محرم؛ لأنّ وجوده يمنع مِن الإقدام على المواقعة.


دم - أي يكفّر - ولو بشاة. وقال صاحب التذكرة - مِن الإمامية - إن قبّلها بشهوة فجزور، وإلاّ فشاة.

أمّا إذا أنزل، فقال المالكية: يفسد حجه. وأجمع البقية على صحة حجه، وتجب عليه كفارة، وهي بدنة عند الحنابلة وجماعة مِن الإمامية، وشاة عند الشافعية والحنفية. (الحدائق والمغني).

وإذا نظر إلى أجنبية فأمنى لَم يفسد حجه. وعليه بدنة عند الإمامية والشافعي وأبي حنيفة وأحمد؛ لأنّه أنزال مِن دون مباشرة. ولكنّ الإمامية قالوا: عليه بدنة إن كان موسراً، وإن كان متوسطاً فبقرة، وإن كان معسراً فشاة. وقال مالك: إن ردد النظر، حتى أجنب فسد حجه وعليه القضاء. وقال صاحب التذكرة: عليه أن يكفّر ببدنة.

الطيب

اتفقوا على أنّ كل محرم - رجلاً كان أو امرأة - يحرم عليه الطيب شماً وتطيباً وأكلاً وأنّ المـُحرِم إذا مات لا يجوز تغسيله، ولا تحنيطه بالكافور، ولا بغيره مِن أنواع الطيب. وإذا تطيب المـُحرِم ناسياً أو جاهلاً، قال الإمامية والشافعية: لا كفارة عليه. وقال الحنفية والمالكية: عليه فدية. وعن أحمد روايتان.

وإذا اضطر إلى استعمال الطيب لمرض جاز له ذلك، ولا فدية عليه.

وقال الإمامية: لو استعمل الطيب عامداً كان عليه شاة، سواء استعمله صبغاً أو أكلاً. ولا بأس بخلوق الكعبة، ولو كان فيه زعفران، وكذا الفواكه والرياحين. (الجواهر).


الاكتحال

جاء في كتاب (التذكرة): أجمع علماؤنا - أي الإمامية - على أنّه لا يجوز الاكتحال بالسواد، ولا بكحل فيه طيب، سواء أكان المـُحرِم رجلاً أم امرأة، ويجوز فيما عدا ذلك.

وجاء في كتاب (المغني): الكحل بالإثمد مكروه ولا فدية فيه، لا أعلم في ذلك خلافاً. أمّا الكحل بغير الإثمد فلا كراهة فيه ما لَم يكن فيه طيب.

الأظافر والشعر والشجر

اتفقوا على عدم جواز قص الاظافر والشعر وحلقه، سواء أكان على الرأس أم على البدن، وإن خالف عليه كفارة(١) .

أمّا قطع ما في الحرم مِن أشجار ونبات: فقد اتفقوا على عدم جواز قطع أو قلع ما أنبته الله دون توسط آدمي، حتى ولو كان شوكاً إلاّ نوعاً يُسمّى الأذخر. واختلفوا فيما نبت بتوسط آدمي، فقال الشافعي: لا فرق في عدم الجواز بين النوعين، وتجب الفدية في الجميع، وفي الشجرة العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة.

وقال مالك: يأثم بالقطع، ولا شيء عليه، سواء أكان المقطوع ممّا أنبته الله أو بتوسط الآدمي.

وقال الإمامية والحنفية والحنابلة: يجوز قطع ما أنبته الآدمي، ولا شيء فيه، أمّا ما أنبته الله ففيه كفارة، وهي عند الإمامية بقرة في قطع الشجرة

____________________

(١) قال الإمامية: إذا قلّم يديه ورجليه فشاة مع اتحاد المجلس، وإن تعدد فشاتان، وفي تقليم كل ظفر مُدّ مِن طعام. والمد يقرب مِن ٨٠٠ غرام.


الكبيرة وفي الصغيرة شاة. وقال الحنفية: يؤخذ بقيمته هدي. (فقه السنّة، واللمعة للإمامية).

واتفقوا على أنّه ليس في قطع اليابس شيء، شجراً كان أو حشيشاً.

النظر في المرآة

لا يجوز للمحرم أن ينظر في المرآة، وإذا فعل فلا فدية عليه بالاتفاق. ولا مانع مِن النظر في الماء.

الحناء

قال الحنابلة: يجوز للمحرم الاختضاب بالحناء، ذكراً أو أنثى، في أي جزء مِن بدنه ما عدا الرأس.

وقال الشافعية: يجوز ذلك، ما عدا اليدين والرجلين.

وقال الحنفية: لا يجوز الاختضاب للمحرم بحال، رجلاً كان أو امرأة. (فقه السنّة).

والمشهور عند الإمامية أنّ الخضاب مكروه وليس بمحرّم. (اللمعة).

الاستطلال وتغطية الرأس

اتفقوا على أنّ المـُحرِم لا يجوز له أن يغطي رأسه اختياراً. وقال المالكية والإمامية: وأيضاً لا يجوز له أن يرتمس في الماء بحيث يعلو فوق رأسه. ويجوز أن يغسل رأسه، ويفيض عليه الماء بالاتفاق إلاّ المالكية، فإنّهم قالوا: لا يجوز للمـُحرِم إزالة الوسخ بالغسل إلاّ اليدين.


ولو غطى رأسه ناسياً، قال الإمامية والشافعية: لا شيء عليه.

وقال الحنفية: عليه الفدية.

واتفقوا - ما عدا الشافعية - على أنّ الرجل المـُحرِم يحرم عليه أن يستظل في حال السير، فلا يجوز له ركوب سيارة أو طيارة وما إليهما إن كان لها سقف. أمّا إذا كان ماشياً فيجوز له أن يمر تحت الظل عابراً(١) .

ولو اضطر إلى الاستظلال، وهو مسافر لمرض أو حَرٍّ أو برد جاز، وعليه كفارة عند الإمامية.

واتفقوا على أنّ للمـُحرِم أن يستظل بالسقف والحائط والشجرة والخيمة، وما إلى ذاك في حال الاستقرار وعدم السير.

وقال الإمامية: يجوز للمرأة أن تستظل وهي سائرة. (التذكرة).

لِبس المخيط والخاتم

اتفقوا على أنّ الرجل المـُحرِم ممنوع مِن لِبس المخيط، والمحيط أيضاً كالعمامة والطربوش ونحوه، وأجازوه للمرأة إلاّ القفاز وثوباً مسه طيب.

وقال الإمامية: لو لبس المخيط ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، ومَن لبسه عن قصد ليتقي الحر أو البرد فعليه شاة. وأيضاً قالوا: لا يجوز لِبس الخاتم للزينة، ويجوز لغيرها، كما أنّه لا يجوز للمرأة لِبس الحُلي للزينة.

الفسوق والجدال

قال تعالى في الآية ١٩٧ مِن سورة البقرة:( فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ

____________________

(١) نقل صاحب التذكرة عن أبي حنيفة: عدم جواز الاستظلال حال السير، ونقل عنه صاحب (رحمة الأمّة): الجواز.


جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) . ومعنى الرفث: الجماع، وتقدم الحديث عنه. ومعنى الفسوق: الكذب، وقيل: السباب، وقيل: المعاصي. ومهما يكن، فهو محرّم على الحاج وغير الحاج، ولكنّه يتأكد في حقه أكثر مِن سواه. ومعنى الجدال: المجادلة. وروى الإمامية عن الإمام الصادق: إنّه قولُ الرجل لغيره: (لا والله وبلى والله) كذا. وهذا أدنى مراتب الجدال.

وقال الإمامية: إذا كذب مرة فعليه شاة، ومرتين فبقرة، وثلاثاً فبدنة. وإذا حلف صادقاً فلا شيء عليه إلاّ إذا تكرر الحلف ثلاث مرات فعليه شاة.

الحجامة

اتفقوا على جواز الحجامة للضرورة، وأجازها الأربعة لغير ضرورة إذا لَم تستدعِ إزالة الشعر.

واختلف فقهاء الإمامية فيما بينهم، فمنهم مَن أجازها، ومنهم مَن منعها. (التذكرة، والفقه على المذاهب الأربعة).

القمل

جاء في كتاب (اللمعة) للإمامية: لا يجوز للمـُحرِم قتل هوام الجسد، كالقمل والقراد، ويجوز نقله. وقال السيد الحكيم في المنسك: يجوز قتل البق والبرغوث؛ ليدفعه عن نفسه. أمّا نحن فلا نشك أبداً في جواز إزالة كل مؤذٍ، وإن توقّف على القتل جاز.

ومِن الطريف ما نُقل عن ابن عباس أنّه سئل عن مُحرِم رأى قملة على جسده فألقى بها على الأرض، ثُمّ خشي أن يكون ذلك غير جائز، فطلبها ليردها إلى مكانها، فلم يجدها؟

فقال ابن عباس: تلك ضالة لا تبتغى. وجاء في كتاب (المغني): ولا يتفلى


المـُحرِم؛ لأنّ التفلي عبارة عن إزالة القمل، وهو ممنوع منه فإن خالف وتفلّى وقتل قملاً فلا فدية فيه - أي عند الحنابلة -.

وقال الحنفية: يطعم شيئاً.

وقال مالك: حفنة مِن طعام.

الصيد

اتفقوا قولاً واحداً على تحريم التعرض لصيد البَّر بالقتل أو الذبح، أو الدلالة عليه، أو الإشارة إليه؛ ولذا يحرم التعرض لبيضه وأفراخه، أمّا صيد البحر فجائز، ولا فدية فيه؛ لقوله تعالى:( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ) (المائدة ٩٩).

وتحريم الصيد في الحرم يشمل المـُحِل والمـُحرِم على السواء، أمّا خارج الحرم فيجوز للمـُحِل دون المـُحرِم.

ولو ذبح المـُحرِم الصيد يصير ميتة، ويحرم أكله على جميع الناس.

واتفقوا على أنّ للمـُحرِم أن يقتل الحدأة - نوع مِن الطير - والغراب والفأرة والعقرب، وزاد جماعة الكلب العقور وكل مؤذٍ.

وقال الشافعية والإمامية: الصيد البري إن كان له مثل أهلي في الشكل والصورة كالبقر الوحشي، تخير القاتل بين أن يخرج مثله مِن النعم، فيذبحه ويتصدق به، وبين أن يقوّم المثل بدراهم يشتري بها طعاماً، ثُمّ يتصدق بالطعام على المساكين لكل مسكين مُدّان - أي ١٦٠٠ غرام على وجه التقريب - وبين أن يصوم عن كل مدّين يوماً. وبهذا قال المالكية إلاّ أنّهم قالوا: يقوّم نفس الصيد لا مثله.

وقال الحنفية: يضمن الصيد بالقيمة، سواء أكان له مثل أم لَم يكن،


ومتى قوّمه تخير القاتل بين أن يشتري بالثمن المماثل مِن النعم ويخرجه، وبين أن يشتري طعاماً ويتصدق به، وبين أن يصوم عن كل مُد يوماً. (التذكرة وفقه السنّة).

ويستند الجميع إلى الآية ٩٨ مِن سورة المائدة:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ) .

ومعنى قوله تعالى:( يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ ) : أن يحكم إثنان مِن أهل العدالة بأنّ هذا الحيوان الأهلي هو مثل الحيوان الوحشي المقتول. ومعنى قوله:( هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ ) : أنّه إذا أتى مكة ذبح المماثل الأهلي، وتصدق به.

وجاء في كتاب (الشرائع) للإمامية: (أنّ كل مُحرِم أكل أو لبس ما لا يحلّ أكله أو لبسه فعليه شاة)، إن فعل ذلك عامداً لا ناسياً أو جاهلاً.

واتفق الإمامية والشافعية على أنّ الكفارة تسقط عن الجاهل والناسي إلاّ في الصيد، فإنّ الكفارة تجب فيه حتى ولو وقع سهواً. (الجواهر، وفقه السنّة).

حد الحرمين

لا فرق في تحريم الصيد وقطع الشجر بين حرم مكة وحرم المدينة. وجاء في كتاب (فقه السنّة) أنّ حد الحرم المكي نُصبت عليه أعلام مِن جهات خمس، وهي أحجار مرتفعة قدر متر منصوبة مِن جانبي كل طريق.

فمِن جهة الشمال يُدعى (التنعيم)، وبينه وبين مكة ٦ كيلومترات.

ومِن الجنوب (اضاه)، بينها وبين مكة ١٢ كيلومتراً.

ومِن جهة المشرق (الجعرانة)، وبينها وبين مكة ١٦ كيلومتراً.


ومِن جهة الغرب (الشميسي)، وبينه وبين مكة ١٥ كيلومتراً.

أمّا حد الحرم النبوي فقدره إثنا عشر ميلاً يمتد مِن عير إلى ثور. وعير: جبل عند الميقات. وثور: جبل عند أُحد.

وقال العلاّمة الحلّي الإمامي في التذكرة: إنّ حد الحرم المكي بريد في بريد - البريد ١٢ ميلاً -، وحد حرم المدينة مِن عاير إلى عير(١) .

وقد أطال فقهاء المذاهب الكلام في الصيد وكفاراته، وابتدؤوا مِن صيد النعامة التي تشبه الناقة الى صيد الجرادة، وفرعوا فروعاً، وافترضوا صوراً شتى.. ونحن نكتفي بما ذكراه لعدم الجدوى مِن التطويل والتمثيل؛ لأنّ الذي يذهب إلى الحرمين الشريفين يذهب ناسكاً زاهداً، لا متنزهاً صائداً.. كما أنّنا تركنا بعض ما تعرّضوا له مِن التروك، كحمل السلاح للدفاع عن النفس، والاحتشاش لعلف الناقة، وما إليه ممّا لَم يبق مجال للحديث عنه؛ لانتفاء الموضوع، أو لندرة الوقوع.

____________________

(١) جاء في كتاب المغني: (إنّ أهل العلم بالمدينة لا يعرفون بها ثوراً ولا عيراً)، وغير بعيد أن تتغير الأسماء بمرور الزمن.


الطواف

الطواف ركن مِن أركان العمرة، وكذا طواف الإفاضة فإنّه ركن التمتع والإفراد والقران. وقدّمنا أنّ الإحرام هو أوّل عمل يجب أن يبتدئ به الناسك، سواء أكان معمِراً بعمرة مفردة أو حاجاً بحج تمتع أو إفراد أو قران.

بين الحاج والمعتمِر

بقي أن نعرف: ما هو العمل الثاني الذي يعقب الإحرام مباشرة؟ هل هو الطواف، أو الوقوف، أو غيره؟

الجواب

يختلف ذلك باختلاف صفة الناسك وقصده مِن الإحرام، فإن كان قد أحرم للعمرة فعليه أن يُثنّي بالطواف لا بغيره، سواء أكان مريداً العمرة المفردة أم عمرة التمتع، فالطواف بالقياس الى المعتمِر هو العمل الثاني بالاتفاق.

أمّا إذا أراد بإحرامه الحج فقط، كمن قصد حج الإفراد أو حج التمتع بَعد أن أنهى أعمال العمرة، فإنّه يُثنّي بَعد الإحرام بالوقوف في عرفات - يأتي التفصيل -.


وبتعبير ثان: ان من دخل مكة معتمراً فقط، أو حاجاً حج التمتع ابتدأ اولاً، وقَبل كل شيء بالطواف، ثم السعي، ثم التقصير، وبَعد ذلك ينشئ إحراماً جديداً - إن كان متمتعاً - أما غيره فلا يجب عليه الطواف مباشرة بَعد الإحرام، بل يؤخره الى ما بَعد الوقوف والنزول من منى. - يأتي التفصيل -.

أقسام الطواف عند السنّة

قسّم أئمة المذاهب الأربعة الطواف إلى ثلاثة أقسام:

١ - طواف القدوم، يفعله الآفاقي - غير المكي ومَن في ضواحيها - حين يدخل مكة، فهو أشبه بركعتي التحية للمسجد؛ ومِن هنا سُمّي طواف التحية. وقد اتفقوا على أنّه مستحب لا شيء على تاركه إلاّ المالكية فإنّهم قالوا: على تاركه دم.

٢ - طواف الزيارة، ويُسمّى طواف الإفاضة أيضاً، وهذا الطواف يأتي به الحاج بَعد أن يقضي مناسكه بمنى مِن رمي جمرة العقبة والذبح والحلق أو التقصير، فإنّه يرجع الى مكة ويطوف. وسُمّي هذا الطواف طواف الزيارة؛ لأنّه ترك منى، وزار البيت مِن أجله. وسُمّي طواف الإفاضة؛ لأنّه أفاض - أي رجع - مِن منى الى مكة. ويُسمّى أيضاً طواف الحج؛ لأنّه ركن مِن أركانه بالاتفاق.

وبإتمام هذا الطواف يحلّ كل شيء كان محرّماً على الحاج، حتى النساء - عند غير الإمامية -. أمّا الإمامية فإنّهم قالوا: لا تحلّ له النساء حتى يسعى بَعده بين الصفا والمروة، ويطوف طوافاً ثانياً، ومِن هنا سمّوه طواف النساء، ويتضح أكثر عمّا قريب.

٣ - طواف الوداع، وهو آخر ما يفعله الحاج عند إرادة السفر مِن مكة،


وقال الحنفية والحنابلة بوجوبه، ولكن إذا تركه الحاج يلزمه دم فقط، أي يضحي.

وقال المالكية: هو مستحب، ولا شيء على مَن يتركه. وللشافعي قولان. (المغني، والفقه على المذاهب الأربعة، وفقه السنّة).

أقسام الطواف عند الشيعة

والشيعة يوافقون السنّة على أنّ هذه الأطوافة الثلاثة مشروعة، وأنّ الثاني - وهو طواف الزيارة - ركن مِن أركان الحج، ويبطل بتركه(١) ، وأنّ الأوّل - وهو طواف القدوم - مستحب يجوز تركه، أمّا الطواف الثالث - وهو طواف الوداع - فيوافقون فيه المالكية في أنّه مستحب لا يجب بتركه شيء.

ولكنّهم زادوا طوافاً آخر على الثلاثة، وهو طواف النساء، وقالوا بوجوبه وعدم جواز تركه في العمرة المفردة، وفي الحج بشتى أنواعه، تمتعاً كان أو قراناً أو إفراداً، ولَم يجيزوا تركه إلاّ في عمرة التمتع اكتفاء بطواف النساء الذي يشتمل عليه حج التمتع.

وبكلمة، إنّ السنّة قالوا: ليس بَعد طواف الحج طواف واجب، وإنّ النساء تحلّ به. وقال الشيعة: بل يجب على الناسك بَعد أن يطوف طواف الحج أن يسعى، ثمّ يطوف ثانية، وهذا الطواف الثاني هو بالذات طواف النساء.

وقالوا أيضاً: إذا ترك الناسك هذا الطواف حرُمت عليه النساء حتى العقد إن كان رجلاً، وحرُم عليها الرجال إن كانت امرأة إلى أن يفعله الحاج بنفسه، أو يستنيب مَن يطوف عنه، ولو مات قَبل أن يؤديه أو يستنيب أداه عنه وليه بَعد الموت. بل قالوا: لو حج الصبي المميز ولَم يأتِ بطواف النساء،

____________________

(١) قال صاحب الحدائق: يبطل بتركه عمداً، ويجب قضاؤه لو تركه سهواً.


ولو سهواً أو جهلاً، فلا تحلّ له النساء بَعد البلوغ، ولا العقد عليهن، حتى يؤدي أو يستنيب.

وبالجملة، إنّ الشيعة يوجبون على مَن يحج حج التمتع ثلاثة أطوافة: الأوّل للعمرة، وهو ركن منها، والثاني للحج، وهو ركن منه، والثالث للنساء، وهو جزء واجب، وليس بركن أشبه بالفاتحة بالنسبة الى الصلاة. أمّا السنّة فيوافقون الشيعة في جميع ذلك إلاّ في طواف النساء، فإنّهم ينكرونه. أمّا المفرِد والقارن فعلى كل منهما طوافان عند الشيعة(١) .

عند دخول مكة

اتفقوا على أنّه يستحب لمن دخل مكة أن يغتسل، وأن يدخل مِن أعلاها، ومِن باب بني شيبة، وأن يرفع يديه عند رؤية البيت، ويكبّر ويهلّل، ويدعو بالمأثور أو بما تيسر، إلاّ مالكاً فإنّه قال: لا يرفع يديه بالدعاء، بل يأتي الى الحجر فيقبّله إن استطاع وإلاّ لمسه، وإلاّ أشار إليه بيده ودعا.

وقال الإمامية: يستحب أن يدخلها حافياً، وأن يمضغ الأذخر - نبات يطيب الفم - وإلاّ نظّف فمه، واجتهد بزوال رائحته.

الشروط

قال الشافعية والمالكية والحنابلة: يشترط في الطواف الطهارة مِن الحدث والخبث، فلا يصحّ مِن الجنب، ولا مِن الحائض والنفساء، ولا مع ترك،

____________________

(١) قال ابن رشد في كتابه البداية: أجمعوا على أنّ المتمتع بالعمرة إلى الحج عليه طوافان، أمّا المفرِد فطواف واحد، واختلفوا في القارن، فقال الشافعي وأحمد ومالك: عليه واحد. وقال أبو حنيفة: بل اثنان.


ويُشترط أيضاً ستر العورة تماماً كما هي الحال في الصلاة.

وقال السيد سابق في الجزء الخامس مِن (فقه السنّة) ص١٥٤ طبعة سنة ١٩٥٥ ما نصه بالحرف:

(يرى الحنفية أنّ الطهارة مِن الحدث ليست شرطاً، وإنّما هي واجب يجبر بدم، فلو كان محدِثاً حدثاً أصغر وطاف صح طوافه ولزمه شاة. وإن طاف جُنباً وحائضاً(١) صح ولزمه بدنة، ويعيده ما دام بمكة).

وجاء في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) ج أوّل ص ٥٣٤ طبعة سنة ١٩٣٩ ما نصه بالحرف: (أمّا طهارة الثوب والبدن والمكان فسنّة مؤكدة - عند الحنفية - حتى لو طاف وعليه ثوب كله نجس فلا جزاء عليه).

وقال الإمامية: الطهارة مِن الحدث والخبث شرط في الطواف الواجب، وكذلك يشترط ستر العورة بثوب طاهر غير مغصوب. وأن لا يكون مِن غير مأكول اللحم، ولا مِن الحرير، ولا الذهب كما هي الحال في الصلاة. بل تشدد بعضهم في أمر الطواف أكثر مِن الصلاة، حيث قال بالعفو عن الدم إذا كان بمقدار الدرهم في الصلاة، وعدم العفو عنه في الطواف، وبعدم جواز لِبس الحرير والذهب للنساء.

وقالوا أيضاً - أي الإمامية -: يُشترط في الطائف الختان، فلا يصحّ الطواف مِن الأغلف رجلاً كان أو صبياً. (الجواهر، والحدائق).

____________________

(١) جاء في كتاب الجواهر، وكتاب الحدائق، وكتاب المسالك، وكتاب العروة الوثقى وغيرها مِن فقه الإمامية: أنّ الجُنب والحائض لا يجوز لهما المرور والاستطراق في المسجد الحرام، ولا في مسجد الرسول (ص) فضلاً عن المكث، ويجوز لهما أن يستطرقا ولا يمكثا في غير الحرمين الشريفين مِن المساجد. وبهذا تعرف الدس والافتراء على الإمامية، حيث نُسب إليهم أنّهم يذهبون إلى الحرم الشريف بقصد تلويثه.


كيفية الطواف

لا بدّ مِن تعيين النية للطواف بالذات عند الإمامية والحنابلة. وقال المالكية والشافعية والحنفية: تكفي نية الحج بوجه العموم، ولا يُشترط نية الطواف بالخصوص. (الجواهر، وفقه السنّة). وتقدّم أنّ النية بمعنى الداعي والباعث لا تقبل النزاع والجدال؛ لأنّها مِن الأمور القهرية.

وجاء في كتاب (بداية المجتهد) لابن رشد:

(والجمهور - أي فقهاء السنّة - مجمعون على أنّ صفة كل طواف، واجباً كان أو غير واجب، أن يبتدئ مِن الحجر الأسود - وفي كتاب فقه السنّة وينتهي به أيضاً - فإن استطاع أن يقبّله قبّله، أو يلمسه بيده ويقبّلها إن أمكنه فعل، ثمّ يجعل البيت على يساره، ويمضي على يمينه، فيطوف سبعة أشواط، يرمل(١) في الثلاثة الأشواط الأُولى، ثمّ يمشي في الأربعة، وذلك في طواف القدوم على مكة للحاج والمعتمِر دون المتمتع - أي الرمل - وإنّه لا رمل على النساء، ويستلم الركن اليماني).

وقال الإمامية: للطواف واجبات، وهي:

١ - النية، وسبقت إليها الإشارة.

٢ - أن يطوف ماشياً، فإن عجز طاف راكباً. وقد أهمل هذا الشرط كثير مِن الإمامية، بل صرح جماعة منهم بجواز الركوب اختياراً، حيث جاء في كتاب الكافي، وكتاب مَن لا يحضره الفقيه: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) طاف على راحلته.

____________________

(١) الرمل في المشي: هو الإسراع مع تقارب الخطى دون الوثوب والعدو. وجاء في كتاب (اللمعة) للإمامية: أنّ الرمل مستحب في الأشواط الثلاثة الأُول في طواف القدوم، تماماً كما هي عند الجمهور.


٣ - أن يبدأ بالحجر الأسود، بحيث يكون أوّل جزء مِن بدنه بإزاء أوّل جزء مِن الحجر - حال الابتداء - ثمّ يأخذ بالحركة على اليسار، وأن يختم به بحيث يحاذيه في آخر شوط كما ابتدأ أوّلاً، لتكمل الأشواط السبعة دون أن ينقص أو يزيد خطوة، فما دونها. وخوفاً مِن الزيادة أو النقصان وجب البدء مِن أوّل الحجر؛ لأنّه إن بُدئ مِن وسطه لا تؤمَن الزيادة أو النقصان. وإن بُدئ مِن آخره لَم يكن الابتداء مِن الحجر.. إلى آخر ما قيل حول هذا الشوط.

لقد جاءت هذه العبارة، وما إليها في كثير مِن كتب الفقه.. وعلق عليها صاحب الجواهر بكلام طويل دل على اعتدال في الفطرة، وسلمة في الذوق، نقتطف مِن هذا التعليق الطويل ما يلي:

(لا يخفى حصول المشقة وشدة الحرج والضيق بملاحظة ذلك.. بخاصة في هذه الأزمنة التي يكثر زحام الحجاج.. وأنّ اعتباره مثار للوسواس، كما أنّه مِن المستهجنات القبيحة التي تشبه أحوال المجانين(١) ، وقد رُوي أنّ الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) طاف على راحلته، ويتعذر هذا التدقيق وتحققه على الراكب).

والذي فهمناه مِن مجموع كلامه أنّه يختار قول الشيخ صاحب الشرائع، وهو متن الجواهر، ولَم يزد الشيخ حرفاً على هذه الجملة: (الواجب البدء بالحجر، والختم به). ومعنى هذا كما يظهر مِن عبارة الجواهر الاكتفاء بتحقق الصدق عرفاً، وقول السيد الحكيم في المنسك يشعر بذلك، حيث جاء فيه: (عليه - أي على الطائف - أن يبتدئ بقليل ممّا قَبل الحجر ناوياً ما يجب عليه في الواقع، فإذا طاف كذلك فقد علم بأنّه ابتدأ بالحجر وختم به).

٤ - أن يجعل البيت على يساره، قال السيد الحكيم: يكفي في تحققه الصدق عرفاً، ولا يضر الانحراف اليسير ما دام الصدق العرفي متحققاً. وقال

____________________

(١) هذه الجملة ذكرها صاحب الجواهر عندما شبّه مَن اشترطوا هذه الشروط للطواف ببعض الناس حين يريدون النية للصلاة.


السيد الخوئي: الظاهر إنّ العبرة بالصدق العرفي.

٥ - أن يُدخل حِجر إسماعيل في الطواف، أي يطوف حوله دون أن يدخل فيه(١) .

ويكون على يساره، فإذا طاف بينه وبين البيت فجعله على يمينه بطل الطواف.

٦ - أن يكون بجميع بدنه خارجاً عن البيت؛ لأنّ الله سبحانه قال:( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) ، أي حوله لا فيه، تقول: مررت بزيد، ولا تقول: مررت في زيد، فلو مشى على حائطه أو القدر الباقي مِن أساس الجدار بَعد عمارته بطل الطواف. والمراد بالبيت العتيق: الكعبة شرّفها الله.

٧ - أن يكون طوافه بين البيت والصخرة التي هي مقام إبراهيم، أي الحجر الذي وقف عليه حين بنى البيت.

٨ - أن يتم سبعة أشواط بلا زيادة أو نقصان.

وبديهة أنّ تشخيص هذه الأماكن يحتاج إلى عارف خبير يحددها ويدل عليها.

ومتى انتهى مِن طوافه وجب أن يصلّي ركعتين خلف مقام إبراهيم، وإن كان زحام، وإن لَم يمكن فحيال المقام، فإن لَم يمكن فحيث أمكن مِن المسجد. ولا يجوز أن يباشر بطواف ثانٍ إلاّ بَعد صلاة الركعتين، ولو نسيهما وجب عليه الرجوع، والإتيان بهما، فإن تعذر عليه الرجوع قضاهما حيث كان، هذا إذا كان الطواف واجباً، وإن كان مستحباً يصلّيهما حيث شاء. (التذكرة،

____________________

(١) حِجر إسماعيل ابن إبراهيم (ع) كان بيتاً له، وفيه قبر أمّه، وجاء في الجواهر أنّ الإمام سئل عن حِجر إسماعيل، فقال: إنّكم تُسمّونه الحطيم، وإنّما كان لغنم إسماعيل فدفن فيه أُمه، إنّه كَرِه أن توطأ فحجر عليه.


والجواهر، والحدائق).

وبهذا يتبين أنّ فقهاء المذاهب جميعاً متفقون على الابتداء مِن الحجر الأسود والختم به، وجعل البيت على يسار الطائف، بحيث يقع خارج البيت، وأنّ الأشواط سبعة، وأنّ استلام الحجر والركن مستحب.

وأنّهم قد اختلفوا في الموالاة وعدم الفاصل بين الأشواط، فأوجبها المالكية والإمامية والحنابلة.

وقال الشافعية والحنفية: هي سنّة، فلو فرّق تفريقاً كثيراً بغير عذر لا يبطل، ويبني على طوافه. (فقه السنّة).

وأيضاً قال أبو حنيفة: إذا أتى بأربعة أشواط ثمّ ترك، فإن كان بمكة لزمه إتمام الطواف، وإن كان قد خرج منها جبرها بدم. (التذكرة).

واختلفوا أيضاً في وجوب المشي على الطائف، فأوجبه الحنفية والحنابلة والمالكية.

وقال الشافعية وجماعة مِن الإمامية: لا يجب، ويجوز الركوب اختياراً.

وأيضاً اختلفوا في صلاة ركعتين بَعد الطواف، فقال المالكية والحنفية والإمامية بوجوبهما. وهما تماماً كصلاة الصبح.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى الاستحباب.

مستحبات الطواف

جاء في كتاب (فقه السنّة) بعنوان (سُنن الطواف).

للطواف سُنن منها: استقبال الحجر الأسود عند بدء الطواف مع التهليل والتكبير، ورفع اليدين كرفعهما في الصلاة، واستلامه بهما بوضعهما عليه،


وتقبيله بدون صوت، ووضع الخد عليه إن أمكن، وإلاّ لمسه بيده.

ومنها الاضطباع للرجال(١) ، ومنها الرمل، واستلام الركن اليماني.

وجاء في كتاب اللمعة الدمشقية - للإمامية -:

مِن سُنن الطواف الوقوف عند الحجر الأسود، والدعاء مستقبلاً رافعاً يديه، وقراءة سورة القدر، وذكر الله سبحانه، والسكينة في المشي، واستلام الحجر وتقبيله مع الإمكان، والإشارة إليه، واستلام الأركان كلها كلما مر بها وتقبيلها، واستلام المستجار في الشوط السابع، وهو بحذاء الباب ودون الركن اليماني، والتداني مِن البيت، ويكره الكلام أثناء الطواف بغير الذكر والقرآن.

وأيضاً قال الإمامية: يستحب أن يطوف ٣٦٠ طوافاً، فإن لَم يتمكن فـ ٣٦ شوطاً، ويلحق الزيادة بالشوط الأخير، وتسقط الكراهة هنا بهذا الاعتبار.

أحكام الطواف

قال الإمامية: إذا حاضت المرأة أثناء الطواف، فإن حدث ذلك بَعد أربعة أشواط قطعت الطواف وسعت، فإذا فرغت مِن السعي أتمت الطواف بَعد طهرها، ولا يجب عليها إعادة السعي، وإن حدث قَبل إتمام الأربعة انتظرت عرفة، فإن طهرت وتمكنت مِن باقي الأفعال فعلت، وإلاّ صارت حجتها مفردة.

وقدّمنا أنّ الحنفية يجيزون الطواف للحائض، ولا يشترطون فيه الطهارة.

____________________

(١) وهو جعل وسط الرداء تحت الأُبط الأيمن، وطرفيه على الكتف الأيسر. وفي كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) نسب استحباب الاضطباع الى الحنفية والشافعية والحنابلة، ولَم ينسبه إلى المالكية.


وجاء في كتاب (فتح القدير) للحنفية: مَن ترك مِن طواف الزيارة ثلاثة أشواط فما دونها فعليه شاة، ومَن ترك أربعة بقي محرماً أبداً حتى يطوفها؛ لأنّ المتروك أكثر، فصار كأنّه لَم يطف أصلاً.

وقال الإمامية: إذا انتهى مِن الأشواط، ثمّ شك: هل أوقعها صحيحة على الوجه المطلوب شرعاً، وبدون زيادة ونقصان، أو أنّه زاد أو نقّص؟ فلا أثر لشكه، بل يبني على الصحة والتمام، ويمضي ولا شيء عليه.

وإذا لَم يكن الشك بَعد الفراغ ينظر، فإن كان قد أحرز السبعة على كل حال، كما لو شك بين السبعة والثمانية، بنى على الصحة ومضى.

أمّا إذا لَم يحرز ويتيقن أنّ السبعة متحققة، كما لو شك بين الستة والسبعة، أو الخمسة والستة فما دون يبطل الطواف مِن الأساس، وعليه أن يعيد، والأفضل أن يتم ثمّ يستأنف(١) .

هذا في الطواف الواجب، أمّا في المستحب فإنّه يبني على الأقل دائماً ويتم إن كان أحد طرفي الشك ما دون السبعة، بدون فرق بين أن يكون الشك في الأثناء أو عند انتهاء الشوط الأخير.

أمّا غير الإمامية فالقاعدة عندهم هي البناء على الأقل أخذاً بالقدر المتيقن كما هي الحال في الشك في عدد ركعات الصلاة.

هذا هو الطواف بواجباته ومستحباته وأحكامه، وهو نوع واحد، تماماً كالركوع والسجود واجباً كان أو مستحباً، جزءاً مِن عمرة مفردة أو عمرة تمتع، أو حج قران أو إفراد، أو طواف زيارة أو نساء أو قدوم أو وداع.

____________________

(١) يتفق هذا مع فتوى السيدين: الحكيم والخوئي.


وأشرنا فيما سبق إلى أنّ الطواف يأتي مباشرة بَعد الإحرام مِن أعمال العمرة مفردة كانت أو عمرة تمتع، أمّا في أعمال الحج فيأتي بَعد أن يؤدي الحاج مناسكه في منى - يوم العيد - والتفصيل في الفصول الآتية بعنوان (في منى) وما بَعده.


السعي والتقصير

اتفقوا على أنّ مرتبة السعي تأتي بَعد الطواف، وبَعد ركعتيه عند مَن أوجبهما، وأنّ مَن سعى قَبل أن يطوف فعليه أن يرجع فيطوف، ثمّ يسعى، ولَم أرَ مَن أوجب الموالاة بين الطواف والسعي، بحيث يبتدئ بالسعي بَعد الطواف مباشرة(١) .

المستحبات

جاء في كتاب (فقه السنّة):

(يستحب الرقي على الصفا والمروة، والدعاء عليهما بما شاء مِن أمر الدين والدنيا مع استقبال البيت.

____________________

(١) قال السيد الحكيم: لا تجب المبادرة إلى السعي بَعد الفراغ مِن الطواف وصلاته، ولكن لا يجوز التأخير إلى الغد اختياراً. وقال السيد الخوئي: عليه أن لا يؤخر السعي عن الطواف وصلاته بمقدار يُعتد به مِن غير ضرورة، ولا يجوز التأخير إلى الغد مع الاختيار. أقول: ما ذهب إليه السيدان هو الحق الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة خلافاً لظاهر الشرائع.

وجاء في منسك السيد الحكيم: لا تعتبر الموالاة في أشواط السعي فيجوز الفصل بينها والقطع، ثمّ البناء على ما سبق، ولو كان بَعد شوط واحد.


فالمعروف مِن فعل رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) أنّه خرج مِن باب الصفا.. ثمّ رقي عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبّره ثلاثاً، وحمده، وقال: (لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلاّ الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)).

وجاء في كتاب (الجواهر) للإمامية:

(يستحب استلام الحجر، والشرب مِن ماء زمزم، والصب منه على الجسد، والخروج مِن الباب المقابل للحجر الأسود، وأن يصعد الصفا، ويستقبل الركن العراقي، ويحمد الله ويثني عليه، وأن يطيل الوقوف على الصفا، ويكبّر الله سبعاً، ويقول: لا إله إلاّ لله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. يكررها ثلاثاً، ويدعو بالدعاء المأثور).

وهذا، كما ترى لا يختلف عن السنّة إلاّ في شيء مِن التعبير، ولَم أرَ أحداً مِن الفقهاء أوجب الطهارة للسعي مِن الحدث والخبث. وأكثر المذاهب صرحت بالاستحباب، كما صرحوا جميعاً - ما عدا الشافعية - باستلام الحجر الأسود قَبل الذهاب إلى السعي.

وصرحوا أيضاً باستحباب المشي هرولة(١) بين الميلين حسب تعبير الحنفية والمالكية، وفي وسط المسافة حسب تعبير الشافعية، وبين المنارة وزقاق العطارين حسب تعبير الإمامية. وليس مِن شك أنّ معرفة الميلين والزقاق والمنارة تحتاج إلى مرشد خبير.

____________________

(١) الهرولة: ضرب مِن المشي يشبه مشي البعير حين يريد الإسراع. وقال الإمامية: إذا كان الساعي راكباً حرك دابته.


كيفية السعي

اتفقوا على لزوم السعي بين الصفا والمروة(١) ، واختلفوا في ركنيته، فقال الإمامية والشافعية والمالكية: هو ركن.

وقال أبو حنيفة: هو واجب، وليس ركناً.

وعن أحمد روايتان. (التذكرة، وفقه السنّة).

واتفقوا على أنّ عدد الأشواط سبعة، وأنّ على الساعي أن يبتدئ بالصفا ويختم بالمروة(٢) ، وأن يعود مِن المروة إلى الصفا حتى يتم السبعة، ويحسب الذهاب شوطاً مستقلاً، وكذا الإياب، ويتحصل مِن هذه العملية أربعة أشواط ذهاباً مِن الصفا إلى المروة، وثلاثة إياباً مِن المروة إلى الصفا، وبالتالي يكون الابتداء بالأوّل مِن الصفا والختام بالسابع في المروة.

واختلفوا في جواز الركوب مع القدرة على المشي، فقالوا جميعاً - ما عدا الحنابلة -: يجوز الركوب للقادر والعاجز.

وقال الحنابلة: لا يجوز إلاّ للعاجز. ولَم أرَ مَن أوجب الموالاة بين الأشواط(٣) إلاّ الحنابلة، فنقل عنهم صاحب (الفقه على المذاهب الأربعة): أنّها واجبة عندهم. كما نقل عن المالكية: أنّ مَن فرّق بين الأشواط تفريقاً كثيراً فعليه أن يستأنف السعي، ويغتفر الفصل اليسير، كما لو حصل منه بيع أو شراء لا يطول كثيراً.

____________________

(١) الصفا والمروة مكانان صخريان مرتفعان بعض الشيء.

(٢) نقل صاحب الميزان عن أبي حنيفة: أنّه لا حرج في العكس، فللساعي أن يبدأ بالمروة ويختم بالصفا.

(٣) جاء في منسك السيد الحكيم: (لا تعتبر الموالاة في أشواط السعي فيجوز الفصل بينهما والقطع، ثمّ البناء على ما سبق، ولو كان بَعد شوط واحد).


تنبيه

قال السيد الحكيم في منسكه: (يجب أن يستقبل المقصد في ذهابه وإيابه بوجهه.. فإذا عرض عن المقصد بوجهه أو مشى القهقري أو عرضاً لَم يجزئ، ولا بأس بالالتفات مع بقاء مقاديم البدن على حاله).

ومعنى قوله هذا: أنّ عليك - وأنت تسعى - أن تتجه بكل بدنك إلى المروة وأنت ذاهب، وإلى الصفا وأنت آيب، ولا يجوز لك أن تسير مجانباً وكتفك إلى الأمام، كما تفعل عند الزحام، ولك أن تلتفت بوجهك خاصة دون بدنك حال السير.

وقال السيد الخوئي في منسكه ما يقرب مِن هذا، وهذه عبارته بالحرف: (يجب استقبال المروة عند الذهاب، كما يجب استقبال الصفا عند الرجوع، فلو استدبر المروة عند الذهاب أو استدبر الصفا عند الرجوع لَم يجزئ، ولا بالالتفات إلى اليمين أو اليسار أو الخلف عند الذهاب والإياب).

أحكام السعي

مَن لَم يتمكن مِن السعي ولو بواسطة الركوب استناب مَن يسعى عنه، ويصحّ حجه.

ولا بأس بالالتفات إلى اليمين أو اليسار أو الخلف عند الذهاب والإياب.

ومَن زاد على سبعة أشواط عامداً بطل السعي، ولا يبطل ساهياً.

إذا شك في عدد الأشواط، أو في صحتها بَعد أن انتهى وفرغ مِن السعي بنى على الصحة، ولا شيء عليه. وعلله صاحب الجواهر بأنّه شك بَعد الفراغ للحرج والاخبار.


وإذا كان الشك في عدد الأشواط قَبل إكمالها، قال صاحب الجواهر: لا خلاف، بل لا إشكال في البطلان لتردده بين محذوري الزيادة والنقصان، وكل منهما مبطل.

وإذا شك أنّه ابتدأ مِن الصفا فيكون صحيحاً، أو مِن غيره فيكون فاسداً؟ ينظر: فإن كان شاكاً في العدد أيضاً، لا يدري كم أتى مِن الأشواط بطل السعي.

وإن كان ضابطاً للعدد، وشك في الابتداء فقط، فإن كان الشوط الذي في يده مزوجاً، كما لو كان ثانياً أو رابعاً أو سادساً، وكان على الصفا أو متجهاً إليه صح السعي؛ لأنّه يعلم - والحال هذه - أنّ الابتداء كان مِن الصفا، وكذلك إذا كان الشوط مفرداً، كما لو كان ثالثاً أو خامساً أو سابعاً، وكان على المروة أو متجهاً إليها. ولو انعكس الأمر بحيث كان الشوط مفرداً وهو على الصفا، أو مزوجاً وهو على المروة بطل السعي، ووجب الاستئناف. (الجواهر).

وعند بقية المذاهب: إنّ مَن شك في عدد الأشواط أخذ بالأقل، كالصلاة. (كفاية الأخبار).

وقال أبو حنيفة: لو ترك السعي بالمرة لا يبطل الحج؛ لأنّه ليس ركناً، ويجبر الترك بدم. (ميزان الشعراني).

التقصير

قال أحمد ومالك: لا بدّ مِن استيعاب الرأس بالحلق أو التقصير. وقال أبو حنيفة: يكفي الربع. وقال الشافعي: يكفي ثلاث شعرات. (كرارة).

وقال الإمامية: يتخير المقصر بين أن يأخذ مِن شعر الرأس أو الشارب أو اللحية، أو يقص الظفر.


واتفقوا على أنّ التقصير نُسك واجب، وليس بركن. وقال السيد الحكيم: هو كالتسليم في الصلاة؛ لأنّ به يتحلل المـُحرِم مِن إحرامه كما يتحلل المصلّي بالتسليم مِن صلاته.

ويجب التقصير أو الحلق - على الخلاف - مرة واحدة في العمرة المفردة، ومرتين في حج التمتع، وإليك التفصيل:

التقصير في العمرة

قال الإمامية: إذا سعى المعتمِر بعمرة التمتع تعيّن عليه التقصير، ولا يجوز له الحلق، ومتى قصر حلّ له ما حرم عليه، وإذا حلق فعليه أن يكفّر بشاة. أمّا إذا كان معتمراً بعمرة مفردة فهو مخير بين الحلق والتقصير، سواء أكان معه هدي أم لَم يكن.

وإذا ترك التقصير عمداً وكان قاصداً حج التمتع وأحرم للحج قَبل أن يقصر بطلت عمرته، ووجب عليه أن يحج حجة الإفراد، أي يأتي بأعمال الحج ثُمّ يأتي بعدها بعمرة مفردة، والأولى إعادة الحج في السنّة القادمة(١) .

وقال غير الإمامية: إذا فرغ مِن السعي فهو مخير بين الحلق والتقصير، أمّا الإحلال ممّا حرم الله عليه، فينظر، فإن كان المعتمِر غير المتمتع يحلّ بمجرد التقصير أو الحلق، سواء أكان معه هدي أم لَم يكن، وإن كان المعتمِر متمتعاً فيحلّ، إن لَم يكن معه هدي، وإن كان معه هدي يبقى محرِماً (المغني).

____________________

(١) يتفق هذا مع فتوى السيدين الحكيم والخوئي، ولكنّ السيد الحكيم فرّق بين الناسي والجاهل، فعذر الناسي ولَم يعذر الجاهل، بل ألحقه بالعامد، وهو الحق؛ لأنّ الجاهل قاصد بخلاف الناسي فإنّه لا قصد له. نبهنا لهذا خشية أن يخلط جاهل بين العالم والعامد، فيظن أنّ السيد ألحق الجاهل بالعالم، مع أنّ المعروف إلحاق الناسي بالعالم، لا بالجاهل.


التقصير في الحج

التقصير الثاني هو مِن أفعال الحج بشتى أنواعه تمتعاً كان أو إفراداً أو قراناً، ويأتي به الحاج بَعد الذبح أو النحر في منى. واتفقوا على أنّه مخير بين التقصير والحلق، وأنّ الحلق أفضل. واختلفوا فيمن لبد شعره: هل يتعيّن الحلق في حقه أو هو مخير كغيره؟

قال الحنابلة والشافعية والمالكية: يتعيّن الحلق.

وقال الحنفية والإمامية: هو مخير على كل حال.

واتفقوا على أنّه ليس على النساء حلق، بل يتعيّن عليهن التقصير.

وقال أبو حنيفة، وجماعة مِن الإمامية: إنّ الذي لا شعر في رأسه - كالأصلع وما إليه - يجب إمرار الموسى على رأسه.

وقال البقية: هو مستحب. (الحدائق، وفقه السنّة).

وقال الإمامية: يجب الحلق، أو التقصير في منى، فإذا رحل منها قَبل الحلق أو التقصير رجع وحلق، أو قصر فيها، سواء أكان عالماً أو جاهلاً، عامداً أو ناسياً، وإذا تعذر عليه الرجوع فعلَه حيث كان.

وقال البقية: يجب الحلق أو التقصير في الحرم. (فقه السنّة).

واتفقوا على أنّه إذا قصر أو حلق لا تحلّ له النساء.

وعطف المالكية الطيب على النساء.

وعطف الإمامية الصيد على الإثنين.. وتحريم الصيد عندهم لمكان الحرم الشريف.

ويحلّ ما عدا هذه الثلاث بالإجماع.

ويحلّ كل شيء حتى النساء بَعد طواف الزيارة عند الأربعة.


ولا تحلّ النساء والطيب عند الإمامية إلاّ بَعد طواف النساء.

ونختم القول بما جاء في كتاب (التذكرة)، قال العلاّمة الحلّي:

(لو رحل مِن منى قَبل أن يحلق رجع وحلق بها، أو قصر وجوباً مع الإمكان، وإن لَم يتمكن مِن الرجوع حلق مكانه، ورد شعره إلى منى ليُدفن هناك، ولو لَم يتمكن لَم يكن عليه شيء. وبالجملة: إنّ وقت الحلق هو يوم العيد بالاتفاق؛ لقوله تعالى:( وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) ، ومحل الهدي بمنى يوم العيد، وقد ثبت عن الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) أنّه رمى، ثُمّ نحر، ثُمّ حلق بمنى يوم العيد).

وتأتي الإشارة إلى حكم تقديم الحلق على الذبح عند الكلام على أعمال منى بعنوان (في منى).


الوقوف في عرفة

على المعتمِر بعمرة مفردة أو بحج التمتع: أن يحرم ويطوف ويصلّي ركعتين، ويسعى ويقصر. وهذا الترتيب واجب، فيقدّم الإحرام على الجميع، والطواف على الصلاة، والصلاة على السعي، ويختم بالتقصير(١) .

العمل الثاني في الحج

تبدأ أعمال الحج بالإحرام تماماً كالعمرة، أمّا العمل الثاني مِن أعمال الحج الذي يلي الإحرام، ويُعد ركناً مِن أركان الحج - بالاتفاق - فهو الوقوف بعرفة بدون فرق بين أن يكون الحاج متمتعاً أو مفرداً، ولكن يجوز للمفرِد والقارن القادمين إلى مكة أن يطوفا - بَعد الإحرام وقَبل الخروج إلى عرفة - طواف القدوم الذي هو أشبه بركعتي التحية للمسجد. قال السيد الحكيم في منسكه: (إذا دخل القارن والمفرِد مكة قَبل الوقوف جاز لهما الطواف المندوب).

____________________

(١) قال الشيخ عبد المتعال الصعيدي: هذا الترتيب يجب في أفعال العمرة، أمّا في أعمال الحج فإنّه لا ترتيب بين الطواف والحلق، ولا بين السعي والوقوف بعرفة. (الفقه المصور على مذهب الشافعي).


وقال ابن حجر في فتح الباري بشرح البخاري:

(اتفقوا كلهم أنّ مَن أهلِّ - أي أحرم - بالحج مفرداً لا يضره الطواف بالبيت)، أي قَبل الذهاب إلى عرفة.

أمّا المتمتع فيكتفي بطواف العمرة عن طواف القدوم.

قَبل الوقوف بعرفة

اتفقوا على أنّ الحاج يستحب له أن يخرج مِن مكة محرِماً يوم التروية - وهو اليوم الثامن مِن ذي الحجة - متوجهاً إلى منى في طريقه إلى عرفة.

جاء في كتاب (التذكرة) وكتاب (الجواهر) للإمامية: (يستحب لمن أراد الخروج إلى عرفة أن لا يخرج مِن مكة حتى يصلّي الظهرين.

وقال الأربعة: بل يستحب أن يصلّي الظهرين بمنى. (المغني).

ومهما يكن، فتجوز المبادرة إلى عرفة قَبل يوم التروية بيوم أو يومين بخاصة للمريض والشيخ الكبير والمرأة، ومَن يخاف الزحام، كما يجوز التأخير إلى صباح اليوم التاسع على أن يكون عند الزوال في عرفة.

ولَم أرَ احداً مِن فقهاء المذاهب قال بوجوب المبيت بمنى ليلة عرفة، أو بوجوب أيّ عمل فيها، بل قال العلاّمة الحلّي في التذكرة: (المبيت ليلة عرفة بمنى استُحب للاستراحة، وليس بنسك، ولا يجب بتركه شيء). وجاء مثل ذلك في كتاب (فتح الباري) وكتاب (فتح القدير).

وتعبير العلاّمة الحلّي بلفظ الاستراحة يغني عن الشرح والتطويل، فلقد كان السفر فيما مضى قطعة مِن جهنم، فاستحب للحاج المبيت بمنى لكي يصل إلى عرفة نشيطاً مرتاحاً، أمّا اليوم فالسفر نزهة؛ وعليه فإذا بات ليلة عرفة بمكة، ثُمّ غدا تواً إلى عرفة صباحاً مجتازاً بمنى أو بَعد صلاة الظهر - كما يفعل اليوم


الحجاج - فقد أجزأ، وكفى، ولا شيء على مَن يفعل ذلك، أجل يجب رمي الجمرة بمنى، ولكن بَعد الوقوف بعرفة، ويأتي البيان.

وقت الوقوف بعرفة

اتفقوا على أنّ وقت الوقوف بعرفة هو اليوم التاسع مِن ذي الحجة، واختلفوا في ابتداء الوقوف ومنتهاه مِن هذا اليوم.

قال الحنفية والشافعية والمالكية: يبتدئ مِن زوال اليوم التاسع إلى فجر اليوم العاشر.

وقال الحنابلة: بل مِن فجر التاسع الى فجر العاشر.

وقال الإمامية: مِن زوال التاسع إلى غروب شمسه للمختار، أمّا المضطر فإلى طلوع الفجر.

ويستحب الغسل للوقوف بعرفة، تماماً كغسل الجمعة، ولا شيء مِن الأعمال في عرفة سوى الحضور والوجود في أي جزء منها، ولو كان نائماً أو مستيقظاً أو راكباً أو قاعداً أو ماشياً.

حدود عرفة

حدود عرفة هي بطن عرنة وثوبة ونمرة إلى ذي المجاز - أسماء أماكن -، فلا يجوز الوقوف في هذه الحدود، ولا تحت الأراك؛ لأنّ هذه ليست مِن عرفة، فلو وقف بها بطل حجه عند الجميع كافة، إلاّ مالكاً فإنّه قال: لو وقف ببطن عرنة أجزأه، وعليه دم.

وعرفة كلها موقف، في أي مكان وقف منها كفى وأجزأ بالاتفاق. قال الإمام الصادق: (وقف رسول الله بعرفة، فازدحم الناس عليه، وبادروا إلى


خفاف ناقته، ويقفون إلى جانبها، فنحى الناقة عنهم، ففعلوا مثل ذلك، فقال: أيّها الناس ليس الموقف هو خفاف ناقتي فقط، ولكن هذا كله (مشيراً إلى عرفة) موقف، ولو لَم يكن إلاّ خفاف ناقتي لَم يسع الناس). (التذكرة).

شروط الوقوف بعرفة

لا تُشترط الطهارة للوقوف بعرفة بالاتفاق.

وقال الإمامية والمالكية: لا بدّ مِن النية وقصد الوقوف بعرفة، والقصد يستدعي العلم بها، فلو مر بها وهو لا يعلم، أو علم ولَم يقصد الوقوف المأمور به لا يعتبر وقوفاً.

وقال الشافعية والحنابلة: لا يشترط القصد ولا العلم، وإنّما الشرط أن لا يكون مجنوناً، ولا سكراناً، ولا مغمى عليه.

وقال الحنفية: لا تشترط النية، ولا العلم، ولا العقل، فمن حضر بعرفة في الوقت المحدد صح حجه ناوياً كان أو غير ناوٍ، عالماً بالمكان أو جاهلاً، عاقلاً أو مجنوناً. (فقه السنّة، والتذكرة).

وهل يجب الوقوف بعرفة في جميع الوقت المحدد، أو يكفي مسمّى الوقوف ولو لحظة؟

قال الإمامية: للوقوف وقتان: اختياري واضطراري، والأوّل مِن زوال التاسع إلى غروب الشمس منه، والثاني إلى فجر اليوم العاشر، فمن تمكن أن يقف مِن زوال التاسع الى غروب شمسه مستوعباً هذا الوقت بكامله وجب عليه ذلك، ولكن الركن منه مسمّى الوقوف فقط، والباقي واجب غير ركن.

ولازم ذلك أنّ مَن ترك الوقوف كلية فسد حجه؛ لأنّه ترك ركناً، أمّا لو وقف يسيراً فإنّه يترك واجباً غير ركن، وعليه يصحّ حجه، وإذا لَم يتمكن


مِن الوقوف في تمام الوقت الاختياري لعذر مِن الاعذار المشروعة أجزأه قليل مِن الوقوف ليلة العيد.

وقال الشافعية والمالكية والحنابلة: يكفي الحضور ولو لحظة. (الفقه على المذاهب الأربعة، ومنار السبيل).

وقال الإمامية: إذا خرج مِن عرفة قَبل الزوال عامداً فعليه أن يعود إليها، وإن عاد فلا شيء عليه وإلا كفّر ببدنة، فإن عجز صام ١٨ يوماً بالتوالي، وإن خرج سهواً ولَم يتذكر حتى فات الوقت فلا شيء عليه، على شريطة أن يدرك الوقوف بالمشعر في وقته، وإن تذكر قَبل فوات الوقت رجع مع الإمكان، وإن لَم يرجع - والحال هذه - فعليه بدنة.

وقال المالكية: مَن وقف بعرفة بَعد الزوال وخرج منها قَبل الغروب عليه أن يحج في السنة القادمة إلاّ أن يرجع إلى عرفة قَبل الفجر.

وقال جمهور العلماء: بل حجه تام. (البداية لابن رشد).

وجاء في كتاب (الفقه المصور على مذهب الشافعي): (إذا ترك الوقوف لنسيان وجب عليه أن يقلب حجه عمرةً، ثُمّ يأتي بما بقي عليه مِن أعمال الحج بالفراغ مِن أعماله، ويجب عليه إعادة الحج فوراً في السنة القادمة).

وتستحب لمن يقف بعرفة الطهارة الكاملة، واستقبال القبلة، والإكثار مِن الاستغفار والدعاء مع الخشوع والخضوع وحضور القلب.


الوقوف بالمزدلفة

الوقوف بالمزدلفة هو الفعل الذي يأتي بَعد الوقوف بعرفة إجماعاً.

واتفقوا على أنّ الحاج يتوجه مِن عرفة إلى المزدلفة، وفيها المشعر الحرام المراد بقوله تعالى:( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ) .

وأيضاً اتفقوا على أنّه يستحب أن يؤخر صلاة المغرب مِن ليلة العيد إلى المزدلفة، قال صاحب التذكرة: إذا غربت الشمس في عرفة فليفض منها قَبل الصلاة إلى المشعر، ويدعو بالمنقول.

وقال صاحب المغني: (إنّ السنّة لمن دفع مِن عرفة - أي خرج منها - أن لا يصلّي المغرب حتى يصل إلى المزدلفة، فيجمع بين المغرب والعشاء، لا خلاف في هذا، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم - لا اختلاف بينهم - أنّ السنّة أن يجمع الحاج بين المغرب والعشاء، والأصل في ذلك أنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) جمع بينهما)(١) .

____________________

(١) استدل الإمامية بفعل النبي (صلّى الله عليه وسلّم) على جواز الجمع، حيث قال (ص): (صلّوا كما رأيتموني أُصلّي)، والجمع مرة أو في مكان خاص يستدعي جوازه كل مرة وفي كل مكان إلاّ أن يرد نص على أنّه مختص وغير شامل، ولا نص على التخصيص، فيكون الجمع جائزاً إطلاقاً في كل زمان ومكان.


واتفقوا - ما عدا الحنفية - على أنّ مَن صلّى المغرب قَبل أن يأتي المزدلفة، ولَم يجمع بين الصلاتين صحت صلاته، وإن خالف المستحب.

وقال أبو حنيفة: لا يجزئه ذلك.

حد المزدلفة

جاء في كتاب (التذكرة) وكتاب (المغني): إنّ للمزدلفة ثلاثة أسماء: مزدلفة، وجمع، والمشعر الحرام. وحدّها مِن مأزمى إلى الحياض، إلى وادي محسر. والمزدلفة كلها موقف - تماماً كعرفة - ففي أيّ موضع وقف منها كفى.

وفي كتاب (المدارك): إنّ المقطوع به في كلام فقهاء الإمامية أنّه يجوز مع الزحام الارتفاع إلى الجبل، وهو أحد الأمكنة التي تنتهي عندها حدود المزدلفة.

المبيت والوقوف

هل يجب المبيت في المزدلفة ليلة العيد، أو يكتفى بالوقوف في المشعر الحرام ولو لحظة بَعد مطلع الفجر؟ هذا، مع العلم بأنّ المراد بالوقوف مجرد الكون على أيّة صورة ماشياً أو قاعداً أو راكباً، تماماً كما هي الحال في عرفة.

قال الحنفية والشافعية والحنابلة: يجب المبيت بالمزدلفة، وإن تركه فعليه دم. (المغني).

وقال الإمامية والمالكية: لا يجب، ولكنّه الأفضل، كما عبّر شهاب الدين البغدادي المالكي في كتاب (إرشاد السالك)، والأحوط، كما عبّر السيد الحكيم والسيد الخوئي. ومهما يكن، فلا قائل بأنّه ركن.

أمّا الوقوف بالمشعر الحرام بَعد طلوع الفجر، فقد نقل ابن رشد في كتاب (البداية


والنهاية) عن الجمهور بأنّه سنّة مِن سنن الحج، وليس فرضاً مِن فروضه(١) .

وجاء في كتاب (التذكرة): (يجب الوقوف بالمشعر بَعد طلوع الفجر، فلو أفاض قَبل طلوعه مختاراً عامداً بَعد أن وقف به ليلاً جبره بشاة. وقال أبو حنيفة: يجب الوقوف بَعد طلوع الفجر، كقولنا، وقال الباقون بجواز الدفع - أي الخروج - بَعد منتصف الليل).

وعلى هذا يجوز الخروج مِن المزدلفة قَبل طلوع الفجر عند غير الإمامية والحنفية.

وقال الإمامية: إنّ للوقوف بالمشعر الحرام وقتين: أوّلهما لمن لا عذر له في التأخير، وهو ما بين الطلوعين مِن يوم العيد - اي طلوع الفجر وطلوع الشمس - على أن يستوعب الوقوف هذه الفترة بكاملها. ومَن أفاض عالماً عامداً مِن المشعر قَبل طلوع الفجر بَعد أن كان به ليلاً، ولو قليلاً، لَم يبطل حجه إن كان قد وقف بعرفات وعليه دم شاة، وإن تركه جهلاً فلا شيء عليه، كما هو صريح الرواية المتقدمة. وثانيهما للنساء ولمن له عذر يمنعه عن الوقوف بين الطلوعين، ويمتد إلى زوال الشمس مِن يوم العيد.

قال صاحب الجواهر: (وعلى هذا الإجماع مضافاً إلى النصوص). ويتفق هذا مع فتوى السيد الحكيم، والسيد الخوئي، ولكنّ هذا السيد لَم يجعل الزوال الحد النهائي للمضطر، بل قال: أجزأه الوقوف وقتاً ما بَعد طلوع الشمس.

وقال الإمامية: إنّ الوقوف في جزء ما مِن هذين الوقتين المحددين هو ركن مِن أركان الحج، فمن ترك الوقوف كلية بدون عذر في الوقت الاختياري والاضطراري، ولَم يكن قد وقف ليلاً بطل حجه، ولو ترك ذلك لعذر مشروع لَم يبطل حجه، على شريطة أن يكون قد وقف بعرفة. ومَن فاته الوقوف

____________________

(١) قال حجاج بيت الله الحرام: إنّ المشعر اليوم هو مسجد عظيم مرتفع عن الأرض، محاط بسور حجري صغير، وفي وسطه مئذنة فخمة.


بعرفة وبالمشعر، ولَم يقف فيهما لا في الاختياري ولا الاضطراري بَطَلَ حجه، حتى لو كان الترك لعذر مشروع، وعليه أن يحج مِن قابل وجوباً إن كان الحج الذي فاته واجباً، واستحباباً إن كان الفائت كذلك. (الجواهر).

والوقوف بالمشعر الحرام أعظم عند الإمامية مِن الوقوف بعرفة، ومِن هنا قالوا مَن فاته الوقوف بعرفة وأدرك الوقوف بالمشعر قَبل طلوع الشمس تمّ حجه. (التذكرة).

المستحبات

قال الإمامية: يستحب للصرورة - وهو الذي لَم يحج مِن قَبل - أن تمسّ رجله المشعر الحرام. (الجواهر).

وقال الإمامية والشافعية والمالكية: يستحب أن يأخذ معه حصاة الجمار مِن المزدلفة إلى منى، وعددها سبعون، وقال صاحب التذكرة: إنّ السر في ذلك أن لا يشتغل الحاج عند قدومه إلى منى بغير الرمي.

ونُقل عن ابن حنبل أنّه قال: خذ الحصى، حيث شئت. ولا خلاف في أنّ أخذه مِن حيث شاء مجزٍ.

ويستحب الكون على الطهارة، والتهليل والتكبير، والدعاء بالمأثور وغير المأثور.


في منى

اتفقوا قولاً واحداً على أنّ المناسك التي تلي الوقوف بالمشعر الحرام هي مناسك منى. ويخرج مِن المزدلفة بَعد طلوع الشمس، وإذا خرج منها قَبل طلوع الشمس وتجاوز حدودها وجبت عليه كفارة شاة على قول الخوئي.

ولمنى مناسك شتى تستمر مِن يوم النحر - وهو يوم العيد - إلى صبيحة اليوم الثالث عشر، أو مساء الثاني عشر. وفي منى تنتهي واجبات الحج. وتُسمّى الأيام الثلاثة التي تلي يوم العيد أيام التشريق، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر(١) .

ويجب يوم العيد في منى ثلاثة مناسك: (١) رمي جمرة العقبة (٢) الذبح (٣) الحلق أو التقصير.

وبَعد أن اتفقوا على أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) رمى أوّلاً، ثُمّ نحر، ثُمّ حلق، اختلفوا: هل هذا الترتيب واجب بحيث لا يجوز تقديم ما أخّر الرسول ولا تأخير ما قدّم، أو أنّه سنّة يجوز تركها؟

____________________

(١) اختلفوا في أيام التشريق: هل هي ثلاثة، أو يومان؟ أمّا سبب تسميتها بذلك فلأنّهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي، أي يقددونها ويبرزونها للشمس.


قال الشافعية وأحمد: لا شيء على مَن قدّم أو أخر.

وقال مالك: مَن حلق قَبل أن يرمي فعليه فدية، ومَن حلق قَبل أن يذبح أو ذبح قَبل أن يرمي فلا شيء عليه.

وقال أبو حنيفة: إن حلق قَبل أن ينحر أو يرمي فعليه دم، وإن كان قارناً فعليه دمان. (بداية ابن رشد).

وقال الإمامية: لو قدّم بعضاً على بعض عالماً عامداً تم، ولا إعادة عليه. قال صاحب (الجواهر): بلا خلاف محقق أجده، وفي (المدارك): إنّ الفقهاء الإمامية قاطعون به.

وفيما يلي عقدنا لكل منسك مِن مناسك منى فصلاً مستقلاً.


جمرة العقبة

عدد الجمار

يجب رمي الجمار في منى على كل حاج، متمتعاً كان أو قارناً أو مفرداً، وعددها عشر موزعة على أربعة أيام: الأوّل يوم العيد، وتُرمى فيه جمرة واحدة، وتُسمّى جمرة العقبة، وعقدنا هذا الفصل لبيانها. الثاني اليوم الحادي عشر مِن ذي الحجة، وتُرمى فيه ثلاث جمار. والثالث، وفيه أيضاً ثلاث. واليوم الرابع كذلك، هذا إن بات الحاج بمنى ليلة الثالث عشر، وإلاّ فلا رمي عليه في هذا اليوم.

جمرة اليوم العاشر

اتفقوا على أنّ مَن رمى جمرة العقبة في الوقت المتخلل بين طلوع الشمس وغيابها مِن اليوم العاشر أجزأ، وكفى.

واختلفوا فيما لو رماها قَبل هذا الوقت، أو بعده.

قال المالكية والحنفية والحنابلة والإمامية: لا يجوز رمي جمرة العقبة قَبل الفجر، فإذا رماها قبله مِن غير عذر أعاد. وأجازوا التقديم لعذر، كالعجز


والمرض والخوف.

وقال الشافعية: لا بأس بالتقديم؛ لأنّ الوقت المذكور للاستحباب لا للوجوب. (التذكرة، وبداية ابن رشد).

أمّا إذا أخرها حتى غابت الشمس مِن يوم النحر، فقال مالك: إن رماها في الليل أو في الغد فعليه دم.

وقال الشافعية: لا شيء عليه إن رماها ليلاً أو في الغد. (ابن رشد البداية).

وقال الإمامية: وقت رمي هذه الجمرة يمتد مِن طلوع الشمس إلى غروبها، فإذا نسي قضى في الغد، فإذا نسي ففي اليوم الثاني عشر، وإن لَم يتذكر ففي الثالث عشر، وإن استمر النسيان حتى خرج مِن مكة قضاه في العام القادم بنفسه، أو استناب مَن يقضي عنه(١) .

شروط الرمي

ولرمي الجمار شروط:

١ - النية. صرح الإمامية بذلك.

٢ - أن يكون الرمي بسبع حصى، بالاتفاق.

٣ - أن يكون الرمي حصاة فحصاة بانفراد، ولا يكفي إثنتين أو أكثر دفعة واحدة، بالاتفاق.

٤ - أن تصل الحصاة إلى الجمرة - أي الهدف المعلوم - بالاتفاق.

٥ - أن يكون وصولها بتوسط الرمي، فلا يكفي أن يطرحها طرحاً عند الإمامية والشافعية، ويجوز ذلك عند الحنابلة والحنفية. (المغني).

____________________

(١) يتفق مع فتوى السيدين الحكيم والخوئي.


٦ - أن تكون الحصاة حجراً، فلا يكفي الرمي بالملح والحديد والنحاس والخشب والخزف، وما إلى ذاك عند الجميع - ما عدا أبا حنيفة - فإنّه قال: يجزي كل ما كان مِن جنس الأرض، خزفاً أو طيناً أو حجراً. (المغني).

٧ - أن تكون الحصى أبكاراً، أي لَم يُرمَ بها مِن قَبل.

صرح بذلك الحنابلة.

ولا يُشترط الطهارة في الرمي، وإن كان معها أفضل.

وقال الإمامية: يستحب أن تكون الحصاة بقدر رأس الأنملة، وأن تكون خرشاً، لا سوداً ولا بيضاً ولا حمراً. وقال غيرهم: يستحب أن تكون بقدر حبة الباقلاء، أي الفول.

وقال الإمامية: يستحب للحاج أن يؤدي جميع أفعاله، وهو مستقبل القبلة إلاّ جمرة العقبة يوم العيد، فيتسحب له أن يكون مستدبراً؛ لأنّ النبي رماها كذلك.

وقال غيرهم: بل يستحب الاستقبال، حتى في هذه الحال.

ويستحب أن يكون حال الرمي راجلاً، ويجوز راكباً، وأن لا يبعد عن الجمرة أكثر مِن ١٠ أذرع، وأن يكون الرمي باليد اليمنى، وأن يدعو بالمأثور وغيره، ومِن المأثور:

(اللهمّ اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً.. اللهمّ إنّ هذه حصياتي، فأحصهن لي، وارفعهن في عملي.. الله أكبر، اللهمّ ادحر الشيطان عني).

الشك

إذا شك في أنّه أصاب الهدف أو لا، بنى على عدم الإصابة، وإذا شك في العدد بنى على الأقل؛ لأنّ الأصل عدم الزيادة.


وبالتالي، فإنّ جمرة العقبة أوّل منسك يؤديه الحاج مِن مناسك منى في يوم العيد، ثمّ يذبح أو يحلق أو يقصر، ثمّ يمضي إلى مكة لأجل الطواف في هذا اليوم بالذات، ولا جمرة غير هذه يوم العيد. وإلى الكلام عن الهدي في الفصل التالي.


الهدي

الواجب الثاني مِن أعمال منى يوم العيد هو الهدي، والكلام عنه يقع أوّلاً: في تقسيمه إلى واجب وغيره، ثمّ تقسيم الواجب إلى أقسام. ثانياً: فيمن يجب عليه الهدي. ثالثاً: في صفات الهدي. رابعاً: في وقته ومحل نحره أو ذبحه. خامساً: في حكم لحمه. سادساً: في البدل عنه لمن لَم يجد الهدي ولا ثمنه. وإليك التفصيل:

أقسام الهدي

ينقسم الهدي إلى واجب ومستحب، والمستحب هو الأضحية. وجاء في تفسير قوله تعالى:( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) أنّ الله أمر نبيه المرسل (صلّى الله عليه وسلّم) بالنحر بَعد صلاة العيد، وجاءت الرواية أنّ النبي ضحّى بكبشين أقرنين أملحين. والأقرن: ما له قرن. والأملح: ما غلب بياضه على سواده.

وقال المالكية والحنفية: إنّ الأضحية واجبة على كل أهل بيت في كل عام كما هي الحال بالقياس إلى زكاة الفطر.

وقال الإمامية والشافعية: إنّ أيام الأضحية المستحبة في منى أربعة: يوم العيد، والثلاثة التي تليه - وهي أيام التشريق -، أمّا في غير منى فأيّام الأضحية


ثلاثة فقط: يوم العيد، والحادي عشر، والثاني عشر.

وقال المالكية والحنابلة والحنفية: إنّ أيامها ثلاثة في منى وغير منى.

ومهما يكن، فإنّ أفضل أوقاتها يوم الأضحى بَعد طلوع الشمس، ومضي ما يتسع لصلاة العيد والخطبتين. (التذكرة).

والدماء الواجبة بنص القرآن الكريم أربعة: (١) دم التمتع، قال تعالى:( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ) . (٢) دم الحلق، وهو مخير، قال عزّ مِن قائل:( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) . (٣) هدي الجزاء، قال سبحانه:( فمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ ) . (٤) وهدي الحصار، قال عزّ شأنه:( فَإِنْ أُحْـصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ) . (التذكرة).

ويضاف إلى هذه الأربعة ما وجب بالعهد، أو النذر، أو اليمين. ونتحدث في الفقرة التالية عن الهدي، كجزء مِن أعمال الحج ومنسك مِن مناسكه.

مَن يجب عليه الهدي؟

لا يجب الهدي على مَن اعتمر بعمرة مفردة، ولا على الحاج المفرِد بالاتفاق، وأيضاً اتفقوا قولاً واحداً على وجوب الهدي على المتمتع غير المكّي. وقال الأربعة: يجب على القارن أيضاً.

وقال الإمامية: لا يجب الهدي على القارن إلاّ بنذر، أو بسياق الهدي معه مِن الإحرام.

واختلفوا في المكي إذا تمتع: هل عليه دم أو لا؟ قال الأربعة: لا يجب عليه الهدي، فقد جاء في كتاب (المغني): (لا خلاف بين أهل العلم أنّ دم


المتعة لا يجب على حاضري المسجد الحرام).

وقال الإمامية: لو حج المكي حج التمتع(١) يجب عليه الهدي، فقد جاء في كتاب (الجواهر): (لو تمتع المكّي وجب عليه الهدي على المشهور شهرة عظيمة).

واتفقوا على أنّ الهدي الواجب ليس ركناً مِن أركان الحج.

صفات الهدي

يشترط في الهدي ما يلي:

١ - أن يكون مِن الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم، والمعز بالاتفاق. وجاء في كتاب (المغني) أنّ الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة قالوا: (لا يجزي مِن الضأن إلاّ الجذع، وهو الذي له ستة أشهر، ومِن المعز الثني، وهو ما له سنة، ومِن البقر ما له سنتان، ومِن الإبل ما له خمس سنوات).

ويتفق هذا مع ما جاء في كتاب (الجواهر) للإمامية، سوى أنّه فسّر الثني مِن الإبل بما دخل في السادسة، والمعز ما دخل في الثانية.

وقال السيد الحكيم والسيد الخوئي: يجزي مِن الإبل ما دخل في السادسة، ومِن البقر والمعز ما دخل في الثالثة، ثمّ قالا: ومِن الغنم ما دخل في الثانية على الأحوط.

٢ - أن يكون الهدي تاماً خالياً مِن العيوب، فلا تجزي العوراء، ولا العرجاء، ولا المريضة، ولا الكبيرة التي لا مخ لها بالاتفاق.

واختلفوا في الخصي، وفي الجماء وهي: التي لا قرن لها، وفي الصماء وهي:

____________________

(١) قدّمنا أنّ فرض المكي عند الإمامية القران أو الإفراد، وعند غيرهم مخير بين أنواع الحج الثلاثة.


التي لا إذن لها، أو لها إذن صغيرة، وفي البتراء وهي: المقطوعة الذنب.

فقال السيد الحكيم والسيد الخوئي: لا يجزي شيء منها.

وقال صاحب المغني: بل يجزي كل نوع منها.

وقال العلاّمة الحلّي في التذكرة: الإناث مِن الإبل والبقر أفضل، والذكران مِن الضأن والمعز أولى، ولا خلاف في جواز العكس في البابين.

وقال صاحب المغني: الذكر والأنثى في الهدي سواء.

وقت الهدي ومكانه

امّا وقت ذبح الهدي أو نحره فقال المالكية والحنفية والحنابلة: إنّه يوم العيد وتالياه الحادي عشر والثاني عشر، سوى أنّ الحنفية قالوا: إنّ هذا الوقت لهدي القران والتمتع، أمّا غيره فلا يتقيد بزمان، ولَم يفرق المالكية بين أنواع الهدي، كما جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة.

وقال الحنابلة: إن قدّم الذبح عن وقته وجب عليه البدل، وإن أخره عنه: فإن كان تطويعاً سقط بذهاب وقته، وإن كان واجباً قضاه.

وقال الحنفية: إن ذبح هدي التمتع والقران قَبل أيام العيد الثلاثة لَم يجز، وإن تأخر أجزأ، وعليه كفارة عن التأخر.

وقال الشافعية: وقت الهدي الواجب على المتمتع إحرامه بالحج ويجوز تقديمه عليه، ولا حد لآخره، والأفضل يوم النحر. (الفقه على المذاهب الأربعة).

وبَعد أن أوجب الإمامية النية في الذبح أو النحر قالوا: إنّ وقت الذبح أو النحر هو يوم العيد، وإن أخره إلى اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع يجزي ولكن يأثم بالتأخير، وكذلك يجزي لو ذبحه بقية أيام ذي الحجة. ونقل صاحب


الجوار عدم الخلاف في ذلك، حتى ولو كان التأخير بدون عذر.

ولا يجوز تقديم الذبح أو النحر على اليوم العاشر عند الإمامية.

أمّا مكان الهدي فهو الحرم عند الحنفية والشافعية والحنابلة، ويشمل الحرم منى(١) وغيرها، وقد أشرنا إلى تحديده في فصل سابق بعنوان (محظورات الإحرام) فقرة (حدّ الحرمين).

وقال المالكية: لذبح الهدي بمنى ثلاثة شروط: الأوّل: أن يكون مسوقاً في إحرام الحج، لا في إحرام العمرة. الثاني: أن يقف بالهدي بعرفة جزءاً مِن ليلة يوم العيد. والثالث: أن يريد نحره أو ذبحه في يوم العيد أو تاليه.

وقال الإمامية: لن يكون النحر أو الذبح للمتمتع إلاّ بمنى، حتى لو تمتع ندباً لا وجوباً، أمّا ما يُساق في إحرام العمرة فينحر أو يذبح بمكة. (التذكرة).

وعلى أيّة حال، فإنّ الهدي بمنى جائز عند الجميع، وهو الأفضل، قال ابن رشد: (وبالجملة، النحر بمنى إجماع مِن العلماء). وبالتالي، فإنّ الخلاف بين الإمامية وبين غيرهم: إنّ الإمامية يقولون بتعيين منى، وغيرهم يقولون بالتخيير بينها وبين غيرها مِن أجزاء الحرم.

لحم الهدي

قال الحنابلة والشافعية: ما وجب نحره بالحرم وجب تفرقة لحمه فيه على المساكين.

وقال الحنفية والمالكية: بل يجوز تفرقة لحمه في الحرم وغيره.

وقال الشافعية: كل ما كان واجباً مِن الهدي لا يجوز الأكل منه، وكل ما

____________________

(١) تبعد منى عن مكة فرسخاً واحداً.


كان تطوعاً يجوز الأكل منه.

وقال المالكية: يأكل مِن الهدي كله إلاّ فدية الأذى، وجزاء الصيد، وما نذر للمساكين، وهدي التطوع إذا عطب قَبل محله.

(المغني، والفقه على المذاهب الأربعة، وفقه السنّة).

وقال الإمامية: يتصدق بثلث الهدي على الفقير المؤمن، ويهدي الثلث إلى المؤمنين حتى ولو كانوا أغنياء، ويأكل مِن الثلث الباقي. (الجواهر، ومنسكا السيدين الحكيم والخوئي).

البدل

اتفقوا على أنّ الحاج إذا لَم يجد الهدي ولا ثمنه انتقل إلى البدل عنه، وهو صوم عشرة أيام، ثلاثة منها متتابعات في أيام الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لقوله تعالى:( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ) (١) .

وتعتبر القدرة على الهدي في مكانه، فمتى عدم مِن موضعه انتقل إلى الصوم، حتى ولو كان قادراً عليه في بلده؛ لأنّ وجوبه مؤقت، وما كان كذلك اعتبرت القدرة عليه في وقته، تماماً كالماء في الطهارة. (التذكرة).

التوكيل بالذبح

الأفضل أن يتولى الحاج الذبح بنفسه، ويجوز أن يوكل فيه غيره؛ لأنّه

____________________

(١) يلاحظ أنّ كل ما فيه نص صريح مِن القرآن فهو محل وفاق بين جميع المذاهب الإسلامية، لا فرق بين الشيعة منها وبين السنّة، وأنّ الاختلاف بينهم إنّما يكون لعدم النص، أو إجماله، أو ضعفه، أو معارضته في غيره، أو في تفسيره وتطبيقه، وهذا دليل قاطع على أنّ الجميع يصدرون مِن معين واحد.


مِن الأفعال التي تقبل النيابة، على أن ينوي الوكيل النيابة في الذبح عن الأصيل، والأفضل أن ينويا معاً.

وقال الإمامية: يستحب أن يضع الحاج يده مع يد الذابح، أو يحضر حال الذبح.

وجاء في كتاب (مناهج اليقين) للشيخ عبد الله المامقاني مِن الإمامية: (إذا غلط الوكيل في اسم الأصيل، أو نسي اسمه لَم يضر ذلك؛ لأنّ العمدة على القصد). وهو جيد، فقد جاء عن الإمام أنّ وكيلاً في الزواج أخطأ باسم الجارية، فسمّى غيرها. فقال الإمام: (لا بأس).

القانع والمعتر

جاء في القرآن الكريم الآية ٣٦ مِن سورة الحج:( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) . قال الإمام الصادق: (القانع: هو الذي يرضى بما تعطيه، ولا يسخط، ولا يكلح، ولا يلوي شدقه غضباً. والمعتر: هو الذي يمر بك لتعطيه، أي يعترض لك).

عوض البدنة

مَن وجبت عليه بدنة في كفارة أو نذر ولَم يجدها كان عليه سبع شيات يذبحها على الترتيب، وإن لَم يتمكن صام ثمانية عشر يوماً. (التذكرة).

التقليد والإشعار

التقليد: أن يجعل في عنق الهدي نعلاً وما أشبهه. والإشعار: أن يشق صفحة السنام الأيمن للإبل أو البقر حتى يدميها، ويلطخها بالدم.


وقد استحب الإشعار والتقليد عامة فقهاء المذاهب إلاّ (أبو حنيفة) فإنّه قال: يسن تقليد الغنم، ويسن تقليد الإبل، أمّا الإشعار فلا يجوز بحال؛ لأنّه تعذيب وإيلام للحيوان. (المغني).

وكلّنا مِن انصار الرفق بالحيوان، وكلّنا في الوقت نفسه مسلمون، وقد أباح الإسلام ذبح الحيوان ونحره، بل أوجبه في الهدي باعتراف أبي حنيفة وفتواه وعمله، فالإشعار بطريق أولى.

الصدقة على غير المسلم

قال السيد الخوئي في مناسك الحج: (إذا تصدق الحاج أو أهدى الذبيحة إلى إنسان جاز لهذا الأخير أن يعطيها لمن شاء حتى لغير المؤمن والمسلم).

وبصورة عامة، أباح الإمامية الوقف والصدقة غير الواجبة على المسلم وغير المسلم. قال السيد أبو الحسن الأصفهاني في وسيلة النجاة: (لا يعتبر في المتصدق عليه في الصدقة المندوبة الفقر ولا الإيمان، بل ولا الإسلام، فتجوز على الغني وعلى غير الإمامي، وعلى الذمي، وإن كانا أجنبيين)، أي ليسا مِن قرابة المتصدق. بل قال السيد كاظم في ملحقات العروة: تجوز الصدقة حتى على الحربي.

حرق الهدي وطمره

مِن عادة الحجاج - اليوم - أن يدفعوا نقوداً لمن يقبل الهدي(١) ثمّ يدفنه أو يطرحه جانباً، بالنظر لكثرة الهدي وعدم وجود المستهلكين.

ولَم أرَ أحداً فيما قرأت تعرّض لجواز ذلك أو منعه، رغم الحاجة الماسة

____________________

(١) قال السيد الحكيم: إذا تعذر التصدق بالهدي سقط وإذا لَم يقبل الفقير الصدقة إلاّ ببذل مال لَم يجب.


إلى معرفة حكمه ودليله. وفي سنة ١٩٤٩ استفتى الحجاج المصريون جامع الأزهر في ذلك، وطلبوا الإذن بدفع ثمن الهدي إلى المحتاجين، فنشر فضيلة الشيخ محمود شلتوت(١) كلمة في العدد الرابع مِن المجلد الأوّل مِن رسالة الإسلام التي تصدرها دار التقريب بالقاهرة، أوجب فيها الذبح حتى ولو استوجب الحرق أو الطمر.

ورددتُ عليه في مقال مطول نُشر في عددين على التوالي مِن أعداد الرسالة المذكورة سنة ١٩٥٠، وحين أعادت (دار العلم للملايين) ببيروت نشر كتاب (الإسلام مع الحياة) أدرجته فيه بعنوان: (هل تعبّدنا الشرع بالهدي في حال يترك فيه للفساد؟). وكان قد انتهى بي القول إلى أنّ الهدي إنّما يجب حيث يوجد الآكل، أو يمكن الانتفاع به بتجفف اللحم، أو تعليبه بصورة فنية بحيث يسوغ أكله، أمّا إذا انحصر الهدي في الإتلاف كالحرق والطمر فإنّ جوازه - والحال هذه - محل للنظر والإشكال. ومَن أراد التفصيل ومعرفة الدليل فليرجع إلى كتاب (الإسلام مع الحياة) الطبعة الثانية.

وبعدها اطلعتُ على حديث في الوسائل يؤيد ما ذهبنا إليه، فقد نقل صاحب الوسائل في الأضحية - بعنوان: باب تأكد استحباب الأضحية - هذه الرواية عن الصادق عن آبائه عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) أنّه قال: (إنّما جعل هذا الأضحى لتشبع مساكينكم مِن اللحم فأطعموهم).

وهذا الحديث وإن كان خاصاً في الأضحية المستحبة لكنّه يلقي ضوءاً على الهدي الواجب.

____________________

(١) لقد أصبح سنة ١٩٦٣ شيخ الأزهر، وكان يومذاك عضواً في جماعة كبار العلماء.


بين مكة ومنى

قدّمنا أنّ العمل الأوّل في اليوم العاشر بمنى هو رمي جمرة العقبة، وفي الثاني الهدي، أمّا في الثالث فهو الحلق أو التقصير، وقد تكلمنا عنه في فصل سابق بعنوان (السعي والتقصير)، كما أشرنا إلى حكم تقديم الحلق أو التقصير على الذبح بعنوان (في منى)، ومَن أحب التفصيل فليرجع إلى هذين الفصلين.

وإذا قضى الحاج مناسكه في منى يوم العيد مِن الرمي والذبح رجع إلى مكة، وطاف بالبيت طواف الزيارة، وصلّى ركعتيه، ثمّ سعى بين الصفا والمروة.

وعند الأربعة يعود إلى منى بَعد هذا الطواف، ويحلّ له عندهم كل شيء حتى النساء.

وعند الإمامية يطوف طوافاً آخر، وهو طواف النساء، ويصلّي ركعتيه ولا تحلّ النساء عندهم إلاّ بهذا الطواف، وتكلمنا عن ذلك مفصلاً فيما تقدم.

المبيت بمنى

إذا انتهى مِن الطواف وجب عليه العودة إلى منى في ليالي التشريق، وهي ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر وليلة الثالث عشر، إلاّ إذا تعجّل وخرج بَعد الزوال وقَبل غروب شمس اليوم الثاني عشر، فلا يجب عليه شيء والحال هذه


في اليوم الثالث؛ لقوله تعالى:( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ) .

وقال أبو حنيفة: المبيت بمنى سنّة، وليس بواجب.

واتفق القائلون بوجوب المبيت على أنّه نُسك وليس بركن، واختلفوا في وجوب الكفارة على تاركه:

قال ابن حنبل: لا شيء عليه.

وقال الشافعي: عليه أن يكفّر بمُد. (التذكرة، والمغني، وفقه السنّة).

وقال المالكية: عليه دم. (شرح الزرقاني على موطأ مالك).

وقال الإمامية: (إذا بات بغير منى فإن كان بمكة مشتغلاً بالعبادة حتى أصبح فلا فدية عليه، أمّا إذا بات غير متعبد أو بات في غير مكة وإن تعبّد كان عليه عن كل ليلة شاة، حتى ولو كان ناسياً أو جاهلاً). (مناهج السالكين للسيد الحكيم).

ولا يجب شيء مِن الأعمال في ليالي منى، ويستحب التهجد والعبادة.

الرمي أيام التشريق

لا عمل للحاج - متمتعاً كان أو قارناً أو مفرِداً - أيام التشريق إلاّ أن يرمي في كل يوم منها ثلاث جمار بالاتفاق، أمّا عدد الحصى وما يتصل بها فعلى ما مر في جمرة العقبة التي رماها يوم العيد.

وقال الإمامية: يبدأ وقت الرمي مِن كل يوم مِن الأيام الثلاثة مِن طلوع الشمس إلى غروبها.

وقال الأربعة: بل مِن زوال الشمس إلى غروبها، فإن رماها قَبل الزوال أعاد، على أنّ الإمامية قالوا: عند الزوال أفضل.


وأجاز أبو حنيفة الرمي قَبل الزوال في اليوم الثالث فقط، ويجوز تأخير الرمي إلى ما بَعد الغروب لأُولي الأعذار.

ونحمد الله سبحانه، حيث اتفقوا جميعاً على عدد هذه الجمار، وكيفية رميها في الأيام الثلاثة. وفيما يلي نذكر صورة الرمي كما جاءت في كتاب (التذكرة) وكتاب (المغني):

يومي الحاج في كل يوم مِن الأيام الثلاثة إحدى وعشرين حصاة على ثلاث دفعات، كل واحدة منها سبع حصى، يبتدئ بالأُولى، وهي أبعد الجمرات مِن مكة وتلي مسجد الخيف، ويستحب أن يرميها حذفاً(١) عن يسارها مِن بطن المسيل بسبع حصى، ويكبّر عند كل حصاة، ويدعو.

ثمّ يتقدم إلى الجمرة الثانية - وتُسمّى الوسطى - ويقف عن يسار الطريق، ويستقبل القبلة، ويحمد الله ويثني عليه، ويصلّي على النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، ثمّ يتقدم قليلاً ويدعو، ثمّ يرمي الجمرة، ويصنع كما صنع عند الأًُولى، ويقف، ويدعو أيضاً بَعد الحصاة الأخيرة.

ثمّ يمضي إلى الجمرة الثالثة - وتُسمّى أيضاً بجمرة العقبة - ويرميها كالسابقة ولا يقف بعدها، وبها يختم الرمي(٢) .

فمجموع ما يرميه في الأيام الثلاثة بمنى ٦٣ حصاة - إن بات بمنى ليلة الثالث عشر - كل يوم ٢١، تضاف إلى السبع التي رماها يوم العيد، فتتم على السبعين.

بَعد أن نقل هذا صاحب التذكرة قال: لا نعلم فيه خلافاً، وقال صاحب الغني: (ولا نعلم في جميع ما ذكرنا خلافاً إلاّ مالكاً فقد خالف موضوع رفع اليدين).

____________________

(١) الحذف: أن يضع الحصاة على باطن الإبهام، ويدفعها بظاهر السبابة.

(٢) قال السيد الحكيم: ينبغي أن يرمي الثالثة مستدبراً القبلة، وجاء في المغني: يرميها مستقبلاً الكعبة.


وما ذكره صاحب المغني عين ما ذكره صاحب التذكرة، أو قريب منه.

وبهذا يتبين أنّ لكل واحدة مِن الجمار الثلاث مكاناً خاصاً بها مِن منى، لا يجوز التعدي عنه.

واتفقوا جميعاً - ما عدا أبا حنيفة - على وجوب الترتيب بين هذه الجمار، فلو قدّم بعضها على بعض وجبت الإعادة على ما يحصل به الترتيب.

وقال أبو حنيفة: لا يجب الترتيب. (التذكرة، والمغني).

ويجوز الرمي راكباً وماشياً، والمشي أفضل. ويجوز لمن له عذر أن يرمي عنه غيره، ولو ترك التكبير أو الدعاء أو الوقوف بَعد الثانية فلا شيء عليه.

وإذا أخر رمي يوم إلى ما بعده عامداً أو جاهلاً أو ناسياً، أو أخر الرمي بكامله إلى آخر أيام التشريق ورماها في يوم واحد فلا شيء عليه عند الشافعية والمالكية.

وقال أبو حنيفة: إن ترك حصاة أو حصاتين أو ثلاثاً إلى الغد استدرك رميها في الغد، وعليه عن كل حصاة إطعام مسكين، وإن ترك أربعاً رماها في الغد وعليه دم.

واتفق الأربعة على أنّ مَن لَم يرم الجمار حتى مضت أيّام التشريق فلا يجب عليه أن يرميها أبداً.

ثمّ اختلف الأربعة فيما بينهم في التكفير عن ذلك، فقال المالكية: مَن ترك الجمار كلها أو بعضها ولو واحدة فعليه دم.

وقال الحنفية: إن تركها فعليه دم، وإن ترك جمرة فصاعداً فعن كل جمرة إطعام مسكين.

وقال الشافعية: عليه عن الحصاة الواحدة مُد مِن طعام وعن حصاتين مدان، وعن الثلاث دم. (بداية ابن رشد، والمغني).


وقال الإمامية: إذا نسي رمي جمرة أو بضها أعاد مِن الغد ما دامت أيام التشريق، وإن نسي الجمار بكاملها حتى وصل إلى مكة وجب عليه الرجوع إلى منى والرمي إن كانت أيام التشريق باقية، وإلاّ قضى الرمي في السنة القادمة بنفسه، أو استناب عنه، ولا كفارة عليه. (التذكرة).

ويتفق هذا مع فتوى السيدين الحكيم والخوئي، إلاّ أنّ الأوّل نعَت وجوب القضاء بالأقوى، ونعته الثاني بالأحوط، واتفقا على أنّ مَن ترك الرمي متعمداً لَم يبطل حجه.

وأشرنا فيما سبق إلى اتفاق المذاهب على أنّ للحاج أن يكتفي بيومين مِن أيام التشريق، فيخرج مِن منى قَبل أن تغرب شمس اليوم الثاني عشر، فإن غربت وهو بها وجب عليه المبيت والرمي في اليوم الثالث عشر، ولكنّ الإمامية قالوا: إنّما يجوز هذا الخروج والتعجيل لمن كان قد اتّقى الصيد والنساء في إحرامه، وإلاّ يجب عليه المبيت في ليلة الثالث عشر أيضاً.

وتستحب الصلاة في مسجد الخيف بمنى، وفي سفح كل جبل يُسمّى خيفاً. (التذكرة).

وإذا عاد إلى مكة بَعد الانتهاء مِن مناسك منى استُحب أن يطوف طواف الوداع عند الإمامية والمالكية.

وقال الحنفية والحنابلة: طواف الوداع واجب على غير المكي، وعلى مَن لا يريد الإقامة بمكة بَعد الرجوع مِن منى.

وإذا حاضت المرأة قَبل أن تودّع خرجت، ولا وداع عليها ولا فدية عند مَن قال بالوجوب على غير الحائض، ولكن يستحب أن تودّع مِن أدنى باب مِن أبواب المسجد ولا تدخل.

وبهذا يختم الحاج أعماله، وفي الفصل التالي صورة الحج على المذاهب.


صورة الحج

رغبة في التوضيح والتيسير على القارئ، نذكر فيما يلي صورة جامعة لأعمال الحج حسب الترتيب الشرعي بينها:

يُحْرِم الحاج البعيد عن مكة مِن الميقات الذي مر به أو بما يحاذيه، ويشرع بالتلبية(١) لا فرق في ذلك بين معتمِر بعمرة مفردة، أو متمتع أو مفرِد أو قارن، أمّا أهل الحرم فيحرمون مِن منازلهم(٢) .

فإذا رأى البيت كبّر وهلل - استحباباً -.

وإذا دخل مكة اغتسل - استحباباً أيضاً -.

ثمّ يدخل البيت، ويستلم الحجر الأسود ويقبّله إن استطاع، وإلاّ أشار إليه بيده، ويطوف طواف القدوم - استحباباً-(٣) إن كان مفرِداً أو قارناً،

____________________

(١) التلبية واجبة عند الإمامية والحنفية والمالكية، مستحبة عند الحنابلة. أمّا وقتها فعند الشروع بالإحرام.

(٢) الإمامية يوجبون حج التمتع على غير المكي، أمّا المكي فيخيرونه بين القران والإفراد. والمذاهب الأربعة لا تفرق بين المكي وغيره في أن يختار أي نوع شاء مِن أنواع الحج سوى أنّ أبا حنيفة كره للمكي حج التمتع والقران.

(٣) طواف القدوم مستحب عند الجميع إلاّ مالكاً فقد ذهب إلى وجوبه.


ثمّ يصلّي ركعتي الطواف، ثمّ يستلم الحجر إن استطاع، ويخرج مِن البيت، ثمّ يقيم بمكة باقياً على إحرامه، فإذا جاء يوم التروية - وهو اليوم الثامن مِن ذي الحجة - خرج إلى عرفة، وإن شاء خرج قَبله بيوم.

وإن كان معتمِراً بعمرة مفردة، أو حاجاً حج التمتع طاف - وجوباً - وصلّى ركعتي الطواف، ثمّ سعى بين الصفا والمروة، ثمّ حلق أو قصر(١) ، ويتحلل حينئذٍ مِن إحرامه ويباح له كل شيء حتى النساء(٢) .

ثمّ يُنشئ المتمتع إحراماً آخر مِن مكة في وقت يمكنه فيه أن يدرك الوقوف بعرفة حين الزوال مِن اليوم التاسع مِن ذي الحجة، والأفضل الإحرام يوم التروية - وهو اليوم الثامن مِن ذي الحجة - وأن يكون تحت الميزاب.

ويتجه الحاج متمتعاً كان أو قارناً أو مفرِداً إلى عرفة ماراً بمنى، ويبدأ وقت الوقوف بعرفة مِن زوال اليوم التاسع إلى فجر اليوم العاشر عند الحنفية والشافعية والمالكية.

ومِن فجر التاسع إلى فجر العاشر عند الحنابلة.

ومِن زوال التاسع إلى غروب شمسه عند الإمامية، وللمضطر إلى فجر

____________________

(١) قال الإمامية: يُخير بين الحلق والتقصير إن كان معتمِراً بعمرة مفردة، أمّا إذا كان متمتعاً فيتعين عليه التقصير، كما أوجبوا على مَن اعتمر بعمرة مفردة أن يطوف ثانية طواف النساء بَعد الحلق أو التقصير ولا تحلّ له النساء بَعد هذا الطواف. وقال الأربعة بالتخيير بين الحلق والقصر للإثنين، ولَم يوجبوا طواف النساء على أحدٍ معتمِراً كان أو حاجاً، كما أنّ مالكاً لَم يوجب الحلق أو التقصير على المعتمِر بعمرة مفردة.

(٢) قال الإمامية: يحلّ المتمتع إذا قصر، حتى ولو كان معه هدي، أي ساقه وقت الإحرام. وقال غيرهم: إنّ المتمتع الذي أحرم بالعمرة مِن الميقات يحلّ إن حلق أو قصر إن لَم يكن معه هدي، ويبقى محرِماً إن كان معه هدي، أمّا المعتمِر بعمرة مفردة فإنّه يحلّ مطلقاً، سواء أكان معه هدي أم لَم يكن. وبَعد أن ذكر هذا صاحب المغني قال: لا نعلم فيه خلافاً.


اليوم العاشر(١) .

ويدعو الحاج بعرفة، ويلح في الدعاء - استحباباً -.

ثمّ يتجه إلى المزدلفة يصلّي فيها صلاة المغرب والعشاء ليلة العيد جامعاً بينهما - استحباباً - بالاتفاق.

ويجب عليه المبيت في هذه الليلة بالمزدلفة عند الحنفية والشافعية والحنابلة. ولا يجب عند الإمامية والمالكية، ولكنّه الأفضل.

وفيها يجب الوقوف بالمشعر الحرام بَعد طلوع الفجر عند الإمامية والحنفية، ومستحب عند غيرهم.

ومِن المزدلفة يأخذ الحاج سبعين حصاة - استحباباً - ليرميها بمنى.

ثمّ يتجه إلى منى قَبل طلوع الشمس مِن يوم العيد فيرمي جمرة العقبة، متمتعاً كان أو قارناً أو مفرِداً، ويرميها بين طلوع الشمس وغيابها، ويكبّر ويسبّح عند الرمي - استحباباً -.

ثمّ يذبح إن كان متمتعاً غير مكي بالاتفاق، ولا يجب على المفرِد بالاتفاق، ولكن يستحب. أمّا القارن فيجب عليه الذبح عند الأربعة، ولا يجب عليه عند الإمامية إلاّ إذا صحب معه الأضحية وقت الإحرام، وإذا تمتع المكي وجب عليه الذبح عند الإمامية، ولا يجب عند بقية المذاهب.

ثمّ يحلق أو يقصر - متمتعاً كان أو قارناً أو مفرِداً - ويحلّ له بالحلق أو التقصير ما حرُم عليه إلاّ النساء عند الحنابلة والشافعية والحنفية، وإلاّ النساء والطيب عند الإمامية والمالكية.

ثمّ يعود إلى مكة في نفس اليوم - أي يوم العيد - فيطوف طواف الزيارة،

____________________

(١) يجب الوقوف بعرفة في جميع الوقت المحدد عند الإمامية، وتكفي ولو لحظة منه عند غيرهم. وأجتمعت المذاهب على استحباب الجمع بين الصلاتين؛ لأنّ النبي (ص) جمع بعرفة.


ويصلّي ركعتيه - متمتعاً كان أو قارناً أو مفرِداً - ويحلّ له كل شيء، حتى النساء عند الأربعة.

ثمّ يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً بالاتفاق، وإن كان مفرِداً أو قارناً وجب عليه السعي بَعد طواف الزيارة عند الإمامية على كل حال، وعند غيرهم لا يجب عليه السعي إذا كان قد سعى بَعد طواف القدوم، وإلاّ وجب.

وعند الإمامية يجب أن يطوف طوافاً آخر بَعد السعي - متمتعاً كان أو قارناً أو مفرِداً - وهذا هو طواف النساء، ولا تحلّ إلاّ به عندهم.

ثمّ يعود الحاج إلى منى في نفس اليوم العاشر، وينام فيها ليلة الحادي عشر، ويرمي الجمار الثلاث عند زوال الشمس إلى غروبها مِن يوم الحادي عشر بالاتفاق. وأجاز الإمامية الرمي بَعد طلوع الشمس وقبل الزوال.

ثمّ يفعل في اليوم الثاني عشر ما فعل بالأمس.

وله أن يترك منى قَبل غروب هذا اليوم بالاتفاق، وإن دخل الغروب وهو فيها وجب عليه المبيت ليلة الثالث عشر، ورمي الجمار الثلاث في هذا اليوم.

وبَعد الرمي يعود إلى مكة قَبل الزوال أو بعده إن شاء.

وإذا دخل مكة طاف طواف الوداع - استحباباً - عند الإمامية والمالكية، ووجوباً على غير المقيم بمكة عند غيرهم.

وبهذا تُختم أعمال الحج. وصلّى الله على محمد وآله.


هلال ذي الحجة

يصادف في أكثر السنين أن يحكم غير الإمامي بثبوت هلال ذي الحجة، وتلزم حكومة الحرمين الشريفين الحجاج بالعمل بحكمه، دون أن يثبت عند المجتهد الإمامي، فمإذا يصنع الحاج الإمامي في الوقوف بعرفة، وسائر الأعمال المؤقتة، إذا لَم يستطع العمل بمذهبه؟ وهل يبطل حجه إذا وقف مع الناس وأدى سائر الأعمال في الوقت الذي يؤدون فيه أعمالهم؟

قال السيد الحكيم في (مناهج الحج) ص ٩١ طبعة ١٣٨١ ﻫ:

(إذا حكم الحاكم غير الإمامي بثبوت الهلال، وكان موقفهم بعرفة في الثامن مِن ذي الحجة، وفي المشعر في التاسع منه، واقتضت التقية - أي الخوف مِن الضرر - الوقوف معهم، فالظاهر صحة الوقوف وفراغ الذمة به، وكذا إذا كان نائباً عمّن استقر الحج في ذمته أو كان الحج مندوباً عن نفسه أو غيره، ولا فرق في الإجزاء بين صورة العلم بمخالفة الحكم للواقع، وعدم العلم بذلك).

وقال السيد الخوئي في (مناسك الحج) ص ٨٠ طبعة سنة ١٣٨٠ ﻫ:

(إذا ثبت الهلال عند القاضي غير الشيعي وحكم به، ولَم يثبت عند الشيعة، ولكن احتملت مطابقة الحكم للواقع وجبت متابعتهم والوقوف


معهم، ويجزي هذا الحج على الأظهر. ومَن خالف ما تقتضيه التقية - أي خوف الضرر -، وسوّلت له نفسه أنّ الاحتياط في مخالفتهم، ارتكب محرّماً وفسد حجه)(١) .

وليس مَن شكٍ أنّ الله يريد بعباده اليسر، ولا يريد بهم العسر، وإعادة الحج ثانية حرج، حتى على مَن استطاع إليه سبيلاً أكثر مِن مرة، إن صح التعبير.

ومإذا يصنع المسكين لو جرى له في السنة التي أعاد فيها ما جرى له مِن قَبل؟ فهل يجب أن يكرر الحج ثالثاً ورابعاً، وهكذا حتى يصادف مذهبه. والصلاة والسلام على أمير المؤمنين وسيد الوصيين، حيث يقول: (إنّ الله كلف يسيراً، ولَم يكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً).

هذا، إلاّ أنّنا نعلم أنّه قد حدث ذلك في عهد الأئمة الأطهار، ولَم يُعهد أنّ أحداً منهم عليهم أفضل الصلاة والسلام أمر شيعته بإعادة الحج، ولذا قال السيد الحكيم في (دليل الناسك): (جاز ترتيب الآثار على حكم القاضي غير الإمامي، وتقتضيه السيرة القطعية مِن زمن الأئمة (ع) على متابعتهم في الموقف، مِن دون تعرّض لشيء مِن ذلك).

وجاء في (مناسك الحج) للسيد الشاهرودي: (يجوز الرجوع في خصوص هذه المسألة إلى المجتهد المطلق الذي يقول بالجواز).

وصدّقوني إنّ عقلي لَم يهضم مثل هذا مِن مجتهد مطلق، رغم أنّي قرأته،

____________________

(١) يشترط أستاذنا السيد الخوئي لاجزاء هذا الحج والاكتفاء به عدم العلم بالمخالفة، أمّا السيد الحكيم فيعمم الإجزاء والاكتفاء إلى صورة العلم بالمخالفة والجهل على السواء. ونحن هنا مع السيد الحكيم؛ لأنّنا نفهم مِن أدلة التقية أنّ اليوم التاسع إنّما يكون شرطاً للوقوف بعرفة مع الأمن وعدم خوف الضرر، أمّا مع الخوف وعدم الأمن فيسقط هذا الشرط، تماماً كالسجود في الصلاة على غير المأكول والملبوس فإنّه شرط مع عدم خوف الضرر، أمّا معه فلا، وعليه يصحّ السجود في الصلاة على المأكول والملبوس مع عدم الأمن.


وسمعته مِن أكثر مِن واحد مِنَ الذين يقلدهم العوام؛ لأنّ المجتهد إن كان مطلقاً فعليه أن يبت سلباً أوايجاباً، وإن لَم يكن فليس له أن يتصدى للتقليد.

وإن قال قائل: ليس مِن شرط المجتهد المطلق أن لا يتوقف ويحتاط في شيء، بل على العكس، فإنّ الاحتياط سبيل النجاة.

قلنا في جوابه: هذه مغالطة صريحة، فإنّ وجوب الاحتياط في مورد شيء، وفتواه بالرجوع إلى غيره شيء آخر.. فإنّه إذا رأى وجوب الاحتياط في مسألة ما أفتى به، كما يفعل المقلدون في العديد مِن المسائل.


زيارة الرسول الأعظم

تستحب زيارة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) استحباباً مؤكداً، فقد ثبت أنّه قال: (مَن زار قبري بَعد موتي كمن هاجر إليَّ في حياتي).

وقال أيضاً: (الصلاة في مسجدي كألف صلاة في غيره، إلاّ المسجد الحرام فإنّ الصلاة فيه كألف صلاة في مسجدي).

ويتأكد استحباب الصلاة في مسجد الرسول أكثر أن تقع بين قبره ومنبره، فإنّها روضة مِن رياض الجنة، كما ثبت بالحديث.

ويستحب إتيان المساجد كلها في المدينة، مثل: مسجد قبا، ومشربة أم إبراهيم، ومسجد الأحزاب، وغيره.

كما تستحب زيارة قبور الشهداء كلهم بخاصة قبر جمزة بأُحد (ع).

وتستحب زيارة أئمة البقيع، وهم: الإمام الحسن، والإمام زين العابدين، والإمام الباقر، والإمام الصادق (عليهم أفضل الصلاة والسلام).

أمّا زيارة فاطمة أُم الحسنين فكزيارة أبيها؛ لأنّها بضعة منه، وقد تعددت الأقوال في مكان قبرها الشريف، والاقرب والأصوب إنّها دُفنت في بيتها المجاور لمسجد أبيها، وحين زاد الأمويون في المسجد صار القبر مِن جملته. وبهذا قال ابن بأبويه:

وإنّما قلنا: إنّه اقرب؛ لأنّه غير بعيد عن الرواية القائلة إنّ قبرها في الروضة بين القبر والمنبر. والله وحده العالم.


تاريخ بناء الحرمين الشريفين

الكعبة

هي أوّل بيت وضعه الله للناس مباركاً وهدى، وأقدم معبد مقدس في الشرق الأوسط، فلقد بناه إبراهيم جد الأنبياء، وولده إسماعيل:( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (١٢٧ البقرة).

وكان إسماعيل يجيء بالأحجار وإبراهيم يبنيها، حتى إذا ارتفع البناء إلى قامة الرجل جيء بالحجر الأسود، ووضِع في مكانه.

وتذهب الروايات إلى أنّ البيت العتيق كان حين بناه إبراهيم في علو تسعة أذرع، وفي مساحة تبلغ عشرين ذراعاً في ثلاثين، وأنّه قد كان له بابان، ولَم يكن عليه سقف.

أمّا الحجر الأسود، فقيل: إنّ جبريل أتى به مِن السماء. وقيل: بل صحبه آدم معه مِن الجنة حين هبط إلى الأرض، وإنّه كان أبيض ناصعاً، فاسودّ مِن خطايا الناس. وقيل غير ذلك.

أمّا نحن فما علينا مِن بأس إذا لَم نؤمن بواحد مِن هذه الأقوال وما إليها،


ولسنا مكلّفين بالبحث عن صدقها، ولا بمعرفة مصدر الحجر وسببه، أجل، إنّنا نقدسه وكفى؛ لأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) كان يقدسه ويعظمه، وإذا سئلنا عن سرّ تقديس النبي لهذا الحجر قلنا: الله ورسوله أعلم.

وأيضاً ذهبت بعض الروايات إلى أنّ الكعبة بقيت على بناء إبراهيم وإسماعيل (ع)، إلى أن جدد بناءها قصي بن كلاب الجد الخامس للرسول الأعظم (صلّى الله عليه وسلّم).

وإنّها بقيت على بناء قصي، حتى بلغ النبي الخامسة والثلاثين مِن عمره الشريف، فجاء سيل عظيم فأخذ جدران الكعبة فيما أخذ، فجددت قريش بناءها، ولما ارتفع البناء إلى قامة الرجل، وآن أن يوضع الحجر الأسود في مكانه اختلفت القبائل: أيّها يكون لها فخار وضعه؟ وكادت الحرب أن تنشب لولا أن حكّموا محمداً.

فنشر ثوبه، وأخذ الحجر بيده ووضعه فيه، ثمّ قال: (ليأخذ كبير كل قبيلة بطرف). وحملوه جميعاً، حتى إذا حاذى الموضع تناوله محمد بيده، ووضعه في موضعه.

صلّى الله عليك يا رسول الرحمة رفعته بيدك الشريفة أوّلاً مِن الأرض، ثمّ وضعته بيدك ثانية في موضعه، وأرضيت الله والناس، وكان هذا منك دليلاً قاطعاً على أنّك فوق الجميع، وأنّك رحمة للعالمين قَبل الرسالة وبعدها، وإشارة صريحة بالغة إلى أنّك أهل للرسالة الإلهية، وأنّ الذين كذبوك معاندون وجاحدون للحق والإنسانية.

وبقيت الكعبة على هذا البناء، حتى آلَ الأمر إلى يزيد بن معاوية، وحتى نازعه ابن الزبير ملك الحجاز، فنصب يزيد المنجنيق على جبال مكة، ورمى الكعبة بعشرة آلاف حجر، فشب فيها الحريق، وانتهى الأمر إلى هدمها، فأعاد بناءها ابن الزبير على ما كانت عليه مِن قَبل بدون تعديل، ونصب حولها سياجاً مِن خشب.


ولما آلَ الأمر إلى عبد الله بن مروان، حاصر الحجاجُ ابن الزبير وقتله بَعد أن كان قد هدم شيئاً مِن الكعبة، وأعاد الحجّاج بناء ما انهدم أو تصدّع، وغيّر جدار الكعبة عمّا كان عليه، وسد أحد أبوابها وهو الباب الغربي.

وبقيت الكعبة على تعديل الحجاج حتى سنة ١٠٤٠ ﻫ، فهطل مطر هتون أودى بجدران الكعبة، فأجمع المسلمون في كل مكان على بنائها، وجمعوا التبرعات مِن شتى الأقطار الإسلامية وأعادوها على الحال التي هي عليها الآن.

مسجد الرسول

دخل رسول الله المدينة مهاجراً إليها مِن مكة، ولا شيء له فيها، فبنى أوّل ما بنى المسجد، ثمّ بنى له بيتاً بجواره، وكان المسجد ٣٥ متراً في ٣٠، ثمّ زاده الرسول وجعله ٥٧ متراً في ٥٠.

ولَم يكن في المسجد منبر حين البناء، فكان إذا خطب استند إلى جذع نخلة كان عماداً مِن عمد المسجد، ثمّ صنع له أصحابه منبراً مِن الخشب بدرجتين. ولما تولى عمر بن الخطاب زاد فيه ٥ أمتار مِن الناحية الجنوبية، ومثلها مِن الناحية الغربية، و١٥ متراً مِن الناحية الشمالية، وترك الناحية الشرقية؛ لأنّ فيها بيوت أزواج الرسول (صلّى الله عليه وسلّم).

وحين تولى عثمان بن عفان هدم المسجد، وزاد فيه على نحو زيادة عمر تاركاً لأزواج النبي بيوتهن. وبقي على بناء عثمان حتى جاء الوليد بن عبد الملك فهدمه، وزاد فيه مِن كل الجهات، وأدخل فيه بيوت الأزواج ومنها بيت عائشة، فصار القبر الشريف ضمن المسجد.

وبقي بناء الوليد قائماً إلى سنة ٢٦٦ ﻫ، فزاد فيه المهدي العباسي مِن الناحية الشمالية زيادة كبيرة، وظل على هذه الزيادة إلى سنة ٦٥٤ ﻫ فاحترق، وأكلت النيران المنبر النبوي والأبواب وغيرها، وسقط السقف.


وبَعد ست سنوات تولى الظاهر بيبرس أمر البناء، ورجع المسجد كما كان قَبل الحريق.

وفي سنة ٨٨٦ ﻫ انقضّت صاعقة على المسجد فهدمته، ولَم تبقِ منه سوى الحجرة النبوية وقبة بصحن المسجد.

فأعاد بناءه الملك الأشرف على صورة أحسن ممّا كان عليه قَبل الحريق.

وفي القرن العاشر الهجري رممه السلطان سليم العثماني، وشيد فيه محراباً لا يزال قائماً إلى اليوم، ويقع غربي المنبر النبوي.

وفي القرن الثالث الهجري بنى فيه السلطان محمود العثماني القبة الخضراء. وفي أواخر هذا القرن احتاج المسجد إلى العمارة، فأمر السلطان العثماني بذلك، وكان المهندسون يهدمون جزءاً مِن المسجد ويقيمون ما يحلّ محله، ثمّ يهدمون بعده جزءاً آخر ويقيمون مكانه، حتى تمّت عمارته سنة ١٢٧٧ ﻫ.

وصلِّ اللهم على محمد وأهله الطاهرين، وعرِّف بيننا وبينهم، وارزقنا شفاعتهم يوم نلقاك، يا مبدل السيئات بأضعافها مِن الحسنات إنّك ذو الفضل العظيم.


القِسمُ الثاني

الأَحْوَالُ الشَّخْصيَّة



الزَّواج



العقد وشروطه

اتفقوا على أنّ الزواج يتم بالعقد المشتمل على الإيجاب والقبول مِن المخطوبة والخاطب، أو مَن ينوب عنهما كالوكيل والولي، ولا يتم بمجرد المراضاة مِن غير عقد.

واتفقوا أيضاً على أنّ العقد يصحّ إذا وقع بلفظ زوجتُ أو أنكحتُ مِن المخطوبة أو مَن ينوب عنها، وقبِلتُ أو رضيتُ مِن الخاطب أو مَن ينوب عنه.

واختلفوا في صحة العقد إذا لَم يقع بصيغة الماضي، أو وقع بألفاظ غير مشتقة مِن مادتي الزواج والنكاح، كالهبة والبيع وما أشبه.

قال الحنفية: يجوز العقد بكل ما دل على إرادة الزواج - حتى بلفظ التمليك والهبة والبيع والعطاء والإباحة والإحلال - إن كان العقد مصحوباً بالقرينة الدالة على الزواج، ولا ينعقد بلفظ الإجارة والعارية؛ لأنّهما لا يفيدان الدوام والاستمرار. واستدلوا بما جاء في صحيح البخاري ومسلم مِن أنّ امرأة جاءت إلى النبي وقالت له: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فطأطأ النبي رأسه ولَم يجبها، فقال بعض مَن حضر: إن لَم يكن لك بها حاجة فزوجنيها. فقال له:(هل عندك مِن شيء) ؟


قال: لا والله. فقال له:(مإذا معك مِن القرآن) ؟ قال: كذا. فقال النبي:(لقد ملكتها بما معك مِن القرآن) (١) .

وقال المالكية والحنابلة: ينعقد بلفظ النكاح والزواج وما يشتق منهما، وينعقد أيضاً بلفظ الهبة بشرط أن يكون مقروناً بذكر الصداق، ولا ينعقد بغير هذه الألفاظ، واستدلوا على صحة العقد بلفظ الهبة بآية:( وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا ) (٥٠ الأحزاب). (الأحوال الشخصية لأبي زهرة ص ٣٦ طبعة ١٩٤٨).

وقال الشافعية: يجب أن تكون الصيغة مشتقة مِن لفظ التزويج والنكاح فقط، ولا تصلح مِن غيرهما.

وقال الإمامية: يجب أن يكون الإيجاب بلفظ زوجتُ وأنكحتُ، بصيغة الماضي، ولا ينعقد الزواج بغيرها، ولا بغير مادة الزواج والنكاح؛ لأنّهما يدلان على المقصود بدلالة الوضع، ولأنّ صيغة الماضي تفيد الجزم، وقد نص القرآن عليهما:( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ) .( أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ ) ، والأصالة بقاء التحريم في غير مورد الإجماع والاتفاق. وقالوا: يجوز في القبول (قبِلتُ أو رضيتُ) بصيغة الماضي أيضاً.

وقال الإمامية والشافعية والحنابلة: يشترط الفور في العقد، وهو أن يقع القبول عقيب الإيجاب مِن غير فاصل.

وقال المالكية: لا يضر الفاصل اليسير، كما إذا فصل بخطبة يسيرة ونحوها.

____________________

(١) والإمامية رووا الحديث بلفظ آخر، قالوا: جاءت امرأة إلى النبي فقالت له: زوجني. فقال: (مَن لهذه المرأة)؟ فقام رجل مِن الحاضرين، وقال: أنا. فقال له النبي: (ما تعطيها)؟ قال: ما لي شيء. فقال النبي: (لا). فأعادت، فأعاد النبي، فلَم يقم غير الرجل الأوّل. ثمّ أعاد، فأعاد. فقال النبي: (أتحسن مِن القرآن شيئاً)؟ قال: نعم. فقال: (زوجتكها على أن تعلّمها ما تحسن مِن القرآن). فاللفظ كان الزواج لا الملك.


وقال الحنفية: لا يُشترط الفور، فلو أرسل رجل إلى امرأة كتاباً يخطبها فيه وهو غائب، فأحضرت شهوداً وقرأتْ عليهم الكتاب وقالت: زوجته نفسي، يتم الزواج. (كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج٤ مبحث شروط النكاح، والأحوال الشخصية لمحمد محي الدين عبد الحميد).

واتفقوا أنّ العقد يتم بغير العربية مع العجز عنها. واختلفوا في صحته مع القدرة عليها، قال الحنفية والمالكية والحنابلة: يصحّ.

وقال الشافعية: لا يصحّ. (الأحوال الشخصية. أبو زهرة ص ٢٧) وعليه مذهب الإمامية.

قال الإمامية والحنابلة والشافعية: لا يصحّ العقد بالكتابة.

وقال الحنفية: يصحّ إذا لَم يكن الخاطب والمخطوبة في مكان واحد.

واتفقوا على أنّ الأخرس يكتفى منه بالإشارة الدالة على قصد الزواج صراحة إذا لَم يحسن الكتابة، وإن أحسنها فالأولى الجمع بينها وبين الإشارة.

قال الحنابلة والحنفية: إذا اشترط الزواج والزوجة الخيار في فسخ العقد والرجوع عنه يصحّ العقد، ويبطل الشرط.

وقال المالكية: بل ينظر، فإن كان لَم يدخل بَعد يبطل العقد والشرط، وإن كان قد دخل يصحّ العقد، ويبطل الشرط.

وقال الشافعية والإمامية: يبطل العقد والشرط معاً مِن غير تفصيل بين الدخول وعدمه(١) . (الفقه على المذاهب الأربعة ج٤، وتذكرة العلاّمة ج٢، والمسالك للشهيد الثاني ج٢).

الأصل أن يكون الإيجاب مِن الزوجة والقبول مِن الزوج، فتقول هي:

____________________

(١) هذا الحكم عليه أكثر الإمامية، ومنهم مَن قال - كأبن إدريس مِن المتقدمين، والسيد أبو الحسن الأصفهاني مِن المتأخرين: يصحّ العقد، ويبطل الشرط. وعلى هكذا يكون فقهاء الإمامية على قولين تماماً كفقهاء المذاهب.


زوجتُكَ. ويقول هو: قبِلتُ. ولو تقدم القبول - فقال الزوج للولي: زوجنيها. فقال له: زوجتُكَها - فهل يصحّ العقد أو لا؟

قال الإمامية والثلاثة: يصحّ. وقال الحنابلة: لا يصحّ. (تذكرة العلاّمة الحلّي ج٢).

قال العلاّمة الحلّي مِن الإمامية في كتاب التذكرة: (عقد النكاح لا يقبل التعليق، بل شرطه الجزم، فلو علقه على وقت أو وصف - مثل إذا جاء رأس الشهر فقد زوجتك، فقال الزوج: قبِلتُ - لَم ينعقد. وبه قال الشافعي).

وقال أبو زهرة مِن الحنفية في كتاب الأحوال الشخصية: (يُشترط تنجيز الزواج؛ لأنّه عقد، والعقد لا يتراخى إحكامه عن أسبابه فلا يمكن أن يضاف إلى المستقبل. وجاء في إعلام الموقِعين عن الإمام أحمد: جواز تعليق النكاح بالشرط).

(فرع) جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج٤ نقلاً عن الحنفية والشافعية: إنّ العامي لو قال: جوّزتُ - بدلاً عن زوجتُ - يصحّ العقد، وبهذا أفتى السيد أبو الحسن الأصفهاني مِن الإمامية في كتاب (وسيلة النجاة، باب الزواج).

شهود العقد:

اتفق الشافعية والحنفية والحنابلة على أنّ الزواج لا ينعقد إلاّ بشهود، واكتفى الحنفية بحضور رجلين أو رجل وامرأتين، ولا يشترطون العدالة في الشهود، ولا تصحّ عندهم شهادة النساء منفردات.

وقال الشافعية والحنابلة: لا بدّ مِن شاهدين ذكرين مسلمين عادلين.

وقال المالكية: لا تجب الشهادة عند العقد، وتجب عند الدخول، فإذا جرى العقد ولَم يحضر أحد صح، ولكن إذا أراد أن يدخل


الزوج يجب أن يحضر شاهدان، فإذا دخل بلا إشهاد وجب فسخ العقد جبراً عنهما، ويكون هذا الفسخ بمنزلة طلقة بائنة. (بداية المجتهد لابن رشد. ومقصد النبيه لابن جماعة الشافعي).

وقال الإمامية: يستحب الإشهاد على الزواج، ولا يجب(١) .

____________________

(١) قال الدكتور محمد يوسف موسى في كتاب الأحوال الشخصية، ص ٧٤، طبعة ١٩٥٨: إنّ الشيعة يشترطون الإشهاد في الزواج. وساوى بينهم وبين الحنفية والشافعية والحنابلة، ولا مصدر لهذا النقل.


شروط العاقدين

اتفقوا على شرط العقل والبلوغ في الزواج إلاّ مع الولي - ويأتي الكلام عنه -، وعلى خلو الزوجين مِن المحرِّمات النسبية والسببية الدائمة والمؤقتة المانعة مِن الزواج، وسنبحثها مفصلاً في باب (المحرِّمات).

واتفقوا أيضاً على وجوب التعيين، فلا يصحّ: زوّجتُك إحدى هاتين البنتين، ولا زوجتُ أحد هذين الرجلين.

واتفقوا على وجوب الرضا والاختيار، وعدم انعقاد الزواج مع الإكراه إلاّ الحنفية فأنّهم قالوا: ينعقد الزواج بالإكراه. (القفه على المذاهب الأربعة ٤)(١) .

وقال الشيخ مرتضى الأنصاري مِن الإمامية في كتاب المكاسب بعد أن ذكر أنّ الاختيار شرط: (إنّ المشهور بين فقهاء الإمامية في العصور المتأخرة أنّه لو رضي المكرِه بما فعله صح، بل عن كتاب الحدائق

____________________

(١) في أوّل باب الطلاق مِن كتاب مجمع الأنهر الحنفية ج١: يصحّ الإكراه في الطلاق والزواج والرجعة والحلف بالطلاق والإعتاق، ويصحّ أيضاً بالظهار والإيلاء والخلع على مال، وإيجاب الحج والصدقة والعفو عن العمد والإكراه على الإسلام، والصلح عن دم العمد بمال والتدبير والاستيلاء والرضاع واليمين والنذور والوديعة.


والرياض أنّ عليه اتفاقهم). وقال السيد أبو الحسن الأصفهاني الإمامي في الوسيلة باب الزواج: يشترط في صحة العقد اختيار الزوجين، فلو أُكرها أو أُكره أحدهما لَم يصحّ، نعم لو لحقه الرضا صح على الأقوى.

وعلى هذا لو ادّعت امرأة أنّها أُكرهت على العقد، أو ادّعى هو ذلك، ثمّ تعاشرا معاشرة الأزواج وانبسطا انبساط العروسين، أو قُبض المهر، أو غير ذلك ممّا يدل على الرضا تُرد دعوى مَن يدّعي الإكراه، ولا يُسمع إلى أقواله، ولا إلى بينة بَعد أن ثبت الرضا المتأخر.

واتفقت المذاهب الأربعة على أنّ الزواج ينعقد بالهزل، فإذا قالت: زوّجتُك نفسي. وقال: قبِلت. وكانا يهزلان انعقد الزواج. وكذا يقع الطلاق والعتق بالهزل؛ لحديث:(ثلاث جِدّهن جِد، وهزلهن جِد: الزواج والطلاق والعتق) .

وقال الإمامية: كل هزل فهو لغو؛ لعدم القصد، ولا يثقون برواة الحديث.

قال الحنفية والحنابلة: يصحّ زواج السفيه، أذِن الولي أو لَم يأذن.

وقال الإمامية والشافعية: لا بدّ مِن إذنِ الولي.

قال الإمامية والحنفية: يثبت الزواج بالإقرار مع العقل والبلوغ؛ لحديث: (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز).

وذهب الشافعي في قوله الجديد: إلى أنّ العاقلة البالغة إذا أقرت بالزواج، وصدّقها الزوج يثبت الزواج؛ لأنّه حق للطرفين.

وفصّل مالك بين أن يكون الزوج والزوجة غريبين عن الوطن فيثبت الزواج بإقرارهما، وبين أن يكونا وطنيين فيطالَبان بالبينة لسهولة إقامتها عليهما.

وبهذا قال الشافعي في القديم. (تذكرة العلاّمة الحلّي).


البلوغ:

اتفقوا على أنّ الحيض والحمل يدلان على بلوغ الأنثى، أمّا الحمل فلأنّ الولد يتكون مِن اختلاط ماء الرجل والمرأة معاً، وأمّا الحيض فلأنّه في النساء بمنزلة المني في الرجال.

وقال الإمامية والمالكية والشافعية والحنابلة: إنّ ظهور الشعر الخشن على العانة يدل على البلوغ.

وقال الحنفية: لا يدل؛ لأنّه كسائر شعر البدن.

وقال الشافعية والحنابلة: إنّ البلوغ بالسن يتحقق بخمس عشرة سنة في الغلام والجارية.

وقال المالكية: سبع عشرة سنة فيهما.

وقال الحنفية: ثمان عشرة في الغلام، وسبع عشرة في الجارية. (المغني لابن قدامة ج٤، باب الحجر).

وقال الإمامية: خمس عشرة في الغلام، وتسع في الجارية؛ لحديث ابن سنان: (إذا بلغت الجارية تسع سنين دُفع إليها مالها، وجاز أمرها، وأُقيمت الحدود التامة لها وعليها). وأثبتت التجارب أنّها قد حملت وهي بنت تسع، وقابلية الحمل كالحمل تماماً.

تنبيه:

ما قاله الحنفية في السنة هو تحديد لأقصى مدة البلوغ، أمّا الحد الأدنى له عندهم فهو إثنتا عشرة سنة للغلام، وتسع للجارية، حيث يمكن الإحتلام والإحبال والإنزال منه، والإحتلام والحيض والحبل منها في هذه السنة. (ابن عابدين ص ١٠٠ ج٥ طبعة ١٣٢٦ﻫ باب الحجر).


شروط الزوجة على الزوج

قال الحنابلة: إذا شرط للزوجة أن لا يخرجها مِن بلدها أو دارها أو لا يسافر بها أو لا يتزوج عليها صح العقد والشرط، ويجب الوفاء، فإن لَم يفعل فلها فسخ الزواج.

وقال الحنفية والشافعية والمالكية: يبطل الشرط ويصحّ العقد، ولكنّ الشافعية والحنفية أوجبوا لها - والحال هذه - مهر المثل لا المهر المـُسمّى. (المغني لابن قدامة ج٦ باب الزواج).

وقال الحنفية: إذا اشترط الرجل أن يكون الطلاق في يد المراة - كما لو قال لها: تزوجتُك على أن تطلّقي نفسك - كان الشرط فاسداً، أمّا لو اشترطت هي ذلك، وقالت له: زوّجتُك نفسي على أن يكون الطلاق في يدي، وقال: قبِلتُ، يكون العقد والشرط صحيحين، وتطلِّق نفسها متى شاءت.

وقال الإمامية: لو اشترطت الزوجة أثناء العقد أن لا يتزوج عليها، أو لا يطلّقها، ولا يمنعها مِن الخروج متى تشاء وإلى أين تريد، أو أن يكون الطلاق بيدها، أو لا يرثها، وما إلى ذلك ممّا يتنافى مع


مقتضى العقد يبطل الشرط، ويصحّ العقد(١) .

أمّا إذا اشترطت عليه أن لا يخرجها مِن بلدها، أو يسكنها منزلاً معيناً، أو لا يسافر بها يصحّ العقد والشرط معاً، ولكن إذا أخلف لا يحق لها الفسخ، ولو امتنعت عن الانتقال معه في مثل هذه الحال تستحق جميع الحقوق الزوجية مِن النفقة وما إليها(٢) .

إذا ادّعت الزوجة أنّها اشترطت على الزوج في متن العقد شرطاً سائغاً، وأنكر الزوج تُكلف بالبينة؛ لأنّها تدّعي شيئاً زائداً على العقد، ومع عجزها عن إقامتها يحلف هو على نفي الشرط؛ لأنّه منكِر.

____________________

(١) قال الإمامية: إنّ الشرط الفاسد في غير عقد الزواج يكون مفسداً للعقد، أمّا في الزواج فلا يفسد العقد ولا المهر إلاّ اشتراط الخيار، أو عدم ترتب جميع آثار العقد المنافي لطبيعته، واستدلوا على الفرق بين الزواج وغيره بأحاديث صحيحة، وقال بعض الفقهاء: السر إنّ الزواج ليس معاوضة حقيقية كما هي الحال في غيره مِن العقود. ولعلماء الإمامية في الشروط أبحاث لا توجد في غير كتبهم، ومَن أحبّ الاطلاع عليها فليراجع كتاب المكاسب للأنصاري، وتقريرات النائيني للخونساري ج٢، والجزء الثالث مِن فقه الإمام الصادق للمؤلف.

(٢) في كتاب فرق الزواج للاستاذ علي الخفيف: إنّ الإمامية يقولون بأنّ هذا النوع مِن الشرط باطل، وهو اشتباه بين هذا النوع وبين ما يتنافى مع طبيعة العقد.


دعوى الزواج

إذا ادّعى رجل زوجية امرأة، فأنكرت، أو ادّعت هي، فأنكر، فعلى المدّعي البينة وعلى المنكر اليمين.

واتفقوا على أنّ البينة لا بدّ أن تكون مِن رجلين عدلين، وأنّ شهادة النساء لا تُقبل، لا منفردات ولا منضمات، إلاّ الحنفية فإنّهم قبلوا شهادة رجل وامرأتين على شرط العدالة، فالعدالة عندهم شرط في إثبات الزواج لدى الإنكار والخصومة، وليست شرطاً في صحة العقد لدى وقوعه.

وقال الإمامية والحنفية: يكفي أن يشهد الشاهد بالزواج دون ذكر الشروط والتفاصيل.

وقال الحنابلة: لا بدّ مِن ذكر الشروط؛ لأنّ الناس يختلفون فيها، فمِن الجائز أن يعتقد الشاهد صحة الزواج مع أنّه فاسد.

وقال الإمامية والحنفية والشافعية والحنابلة: يثبت الزواج بالاستفاضة، وإن لَم تبلغ حد التواتر.

هل يثبت الزواج بالمعاشرة:

ترفع لدى المحاكم الشرعية بين الحين والحين دعوى الزواج، وكثيراً ما


يدلي المدّعي بأنّهما تعاشرا وسكنا في محل واحد كما يسكن الزوج وزوجته، ويأتي بشهود على ذلك، فهل يثبت - والحال هذه - أم لا؟

الجواب:

إنّ ظاهر الحال يقتضي الحكم بالزواج حتى يثبت العكس، أي أنّ المعاشرة تدل بظاهرها على وجود الزواج، وهذا الظاهر يستلزم الأخذ بقول المدّعي حتى نعلم أنّه كاذب، على أنّ الجزم بكذب مدّعي الزواج صعب جداً بناء على قول الإمامية مِن عدم شرط الشهادة في الزواج.

ولكن هذا الظاهر معارض بالأصل، وهو أصل عدم حدوث الزواج، لأنّ كل حادث شُك في وجوده فالأصل عدمه، حتى يقوم الدليل عليه؛ وعلى هذا يكون قول منكِر الزوجية موافقاً للأصل، فيطلب الإثبات مِن خصمه، فإن عجز عن إقامة البنية يحلف المنكِر وتُردّ الدعوى.

وهذا هو الحق الذي تستدعيه القواعد الشرعية، حيث تسالم فقهاء الإمامية على أنّه إذا تعارض الظاهر مع الأصل يقدم الأصل، ولا يؤخذ بالظاهر إلاّ مع قيام الدليل، ولا دليل في هذه المسألة.

نعم إذا علم بوقوع صيغة العقد، ثمّ شك في أنّها وقعت على الوجه الصحيح أو الفاسد يحكم بالصحة بلا ريب، أمّا إذا كان الشك في أصل وقوع العقد فلا يمكن أن نستكشف وجوده مِن المعاشرة والمساكنة بحال.

ولسائل أن يسأل: إنّ حمل فعل المسلم على الصحة يوجب الأخذ بقول مدّعي الزواج؛ ترجيحاً لجهة الحلال على الحرام والخير على الشر، فنحن مأمورون أن نحمل كل عمل يجوز فيه الصحة والفساد، أن نلغي جانب الفساد، ونرتب آثار الصحة.

الجواب:

إنّ الحمل على الصحة في مسألتنا هذه لا يثبت الزواج، وإنّما يثبت أنّهما لَم يرتكبا محرَّماً بالمعاشرة والمساكنة، وعدم التحريم أعم مِن أن يكون هناك زواج أو شبهة حصلت لهما، كما لو توهما الحلال، ثمّ


تبين التحريم - ويأتي التفصيل في نكاح الشبهة -. وبديهة أنّ العام لا يثبت الخاص، فإذا قلت: في الدار حيوان، لا يثبت وجود الفرس أو الغزال. وكذلك هنا، فإذا قارب رجل امرأة ولَم نعلم السبب فلا نقول هي زوجة، بل نقول لَم يرتكبا محرَّماً، وقد تكون المقاربة عن زواج، وقد تكون عن شبهة. وإليك هذا المثال زيادة في التوضيح:

لو مر بك شخص، وسمعته يتفوه بكلمة، ولَم تدرِ هل كانت كلمته هذه شتماً أم تحية؟ فليس لك أن تفسرها بالشتم، كما أنّه لا يجب عليك رد التحية - والحال هذه -؛ لأنّك لَم تتأكد مِن وجودها. أمّا لو تيقنت بأنّه تفوه بالتحية، وشككت هل كان ذلك بقصد التحية حقيقة أو بداعي السخرية؟ فيجب الرد حملاً على الصحة، وترجيحاً للخير على الشر.

وكذلك الحال فيما نحن فيه، فإن حمل المعاشرة على الصحة لا يثبت وجود العقد، ولكن لو علمنا بوجود العقد وشككنا في صحته نحمله على الصحة مِن دون توقف.

ومهما يكن، فإنّ المعاشرة وحدها ليست بشيء، ولكنّها إذا ضمت إلى سبب آخر تكون مؤيدة ومقوية، والأمر في ذلك يُناط بنظر القاضي واطمئنانه وتقديره على شريطة أن لا يتخذ المعاشرة سنداً مستقلاً لحكمه(١) .

هذا بالقياس الى ثبوت الزواج، أمّا الأولاد فإنّ الحمل على الصحة يستلزم الحكم بأنّهم شرعيون على كل حال؛ لأنّ المعاشرة إمّا عن زواج وإمّا عن شبهة، وأولاد الشبهة كأولاد الزواج في جميع الآثار الشرعية، ولذا لو ادّعت امرأة على رجل بأنّه زوجها الشرعي وأنّه أولدها، فأنكر الزوج واعترف بالولد يُقبل منه؛ إذ مِن الممكن أن يكون عن شبهة.

____________________

(١) هذا، ولكنّ كلمات الفقهاء في البلغة مسألة اليد، وفي الشرائع والجواهر باب الزواج: تدلّ على أنّ المعاشرة تكشف بظاهرها عن الزواج، ولس هذا ببعيد.


وبالتالي، فإنّ هذه المسألة إنّما تتم بناءً على عدم شرط الشهادة في العقد، كما تقول الإمامية، أمّا على قول سائر المذاهب فعلى مَن يدّعي الزواج أن يُسمّي الشهود، وإذا ادّعى تعذّر حضورهما لموت أو غياب يتأتى القول المتقدم.

ولا بدّ مِن الإشارة إلى أنّ المعاشرة لا تُثبت الزواج مع الخصومة والنزاع، أمّا مع عدم الخصومة فإنّنا نرتب آثار الزواج مِن الأرث ونحوه كما عليه العمل عند جميع المذاهب.


المحرِّمات

يُشترط في صحة العقد خلو المرأة مِن الموانع، أي أن تكون محلاًّ صالحاً للعقد، والموانع قسمان: نسب وسبب، الأوّل سبعة أصناف، وتقتضي التحريم المؤبد. والثاني عشرة، منها ما يوجب التحريم المؤبد، وبعضها التحريم المؤقت، وإليك التفصيل:

النسب:

اتفقوا على أنّ النساء اللاتي يحرُمن مِن النسب سبع:

١ - الأُم، وتشمل الجدات لأب كنّ أو لأُم.

٢ - البنات، وتشمل بنات الابن، وبنات البنت وإن نزلن.

٣ - الأخوات لأب أو لأم أو لكليهما.

٤ - العمّات، وتشمل عمات الآباء والأجداد.

٥ - الخالات، وتشمل خالات الآباء والأجداد.

٦ - بنات الأخ وإن نزلن.

٧ - بنات الأخت وإن نزلن.


والأصل في ذلك الآية ٢٣ مِن سورة النساء:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ ) .

فهذي أصناف المحرِّمات بالنسب، أمّا أصناف المحرِّمات بالسبب فهي:

الأوّل: المصاهرة

المصاهرة: علاقة بين الرجل والمرأة تستلزم تحريم الزواج عيناً أو جمعاً، وتشمل الحالات التالية:

١ - اتفقوا على أنّ زوجة الأب تُحرم على الابن - وإن نزل - بمجرد العقد، سواء أَدخل الأب أم لَم يدخل، والأصل فيه قوله تعالى:( وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ ) .

٢ - اتقوا على أنّ زوجة الابن تُحرم على الأب - وإن علا - بمجرد العقد، والأصل فيه قوله تعالى:( وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ) .

٣ - اتفقوا على أنّ أُم الزوجة - وإن علت - تُحرم بمجرد العقد على البنت، وإن لَم يدخل؛ لقوله تعالى:( وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ) .

٤ - اتفقوا على أنّ بنات الزوجة لا تُحرم على العاقد بمجرد وقوع العقد، فيجوز له إذا طلقها قَبل أن يدخل وينظر ويلمس بشهوة أن يعقد على بنتها؛ لقوله سبحانه:( وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) ، وقيد(في حجوركم) بيان للأغلب. واتفقوا على تحريم البنت إذا عقد الرجل على الأُم ودخل، واختلفوا فيما إذا عقد ولَم يدخل، ولكن نظر أو لمس بشهوة:

قال الإمامية والشافعية والحنابلة: لا تُحرم البنت إلاّ بالدخول، ولا أثر للمس ولا للنظر بشهوة أو بغيرها.


وقال الحنفية والمالكية: اللمس والنظر بشهوة يوجبان التحريم تماماً كالدخول. (بداية المجتهد ج٢، والفقه على المذاهب الأربعة ج٤ باب الزواج).

واتفقوا على أنّ حكم وطء الشبهة حكم الزواج الصحيح في ثبوت النسب وحرمة المصاهرة. ومعنى وطء الشبهة: أن تحصل المقاربة بين رجل وامرأة باعتقاد أنّهما زوجان شرعيان، ثمّ يتبين أنّهما أجنبيان، وأنّ المقاربة حصلت لمحض الاشتباه، ويفرق بينهما حالاً، وتجب العدة على المرأة، ومهر المثل على الرجل. ويثبت بالشبهة النسب وحرمة المصاهرة، ولا توارث بينهما، ولا نفقة للمرأة.

الثاني: الجمع بين المحارم:

اتفقوا على تحريم الجمع بين الأختين؛ لقوله تعالى:( وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ) . واتفقت المذاهب الأربعة على عدم جواز الجمع بين امرأة وعمتها، ولا بينها وبين خالتها؛ لأنّ عندهم قاعدة كلية، وهي: لا يجوز الجمع بين إثنتين لو كانت إحداهما ذكراً لحرم عليه تزويج الأخرى، فلو فرضنا العمة ذكراً لكانت عماً، والعم لا يجوز له الزواج مِن بنت أخيه، ولو فرضنا بنت الأخ ذكراً لكان ابن أخر، ولا يجوز لابن الأخ الزواج مِن عمته، وهكذا الحال بالقياس إلى الخالة وبنت الأخت.

وقال الخوارج: يجوز الجمع بينهما، سواء أذنت العمة بالزواج مِن بنت أخيها أو لَم تأذن.

واختلف فقهاء الإمامية: فمنهم مَن قال بقول المذاهب الأربعة، والأكثرية منهم ذهبوا إلى أنّه إذا تزوج أوّلاً بنت الأخ، أو بنت الأخت فله أن يتزوج العمة أو الخالة، وإن لَم تأذن بنت الأخ أو بنت


الأخت، وإذا تزوج أوّلاً العمة أو الخالة، فلا يجوز له أن يعقد على بنت الأخ أو بنت الأخت إلاّ إذا أذنت العمة أو الخالة، واستدلوا بالآية ٢٤ مِن سورة النساء:( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ) ، فبَعد أن عددت المحرَّمات أباحت غيرهن، وهذه الإباحة تشمل الجمع بين العمة وبنت الأخ، والخالة وبنت الأخت، ولو كان هذا الجمع محرَّماً لنص عليه القرآن، كما نص على تحريم الجمع بين الأختين. أمّا التعليل بأنّه لو كانت إحداهما ذكراً الخ، فمجرد استحسان، وهو غير معتبر عند الإمامية، هذا إلى أنّ أبا حنيفة أجاز للرجل أن يتزوج المرأة وامرأة أبيها، مع أنّه لا يجوز له أن يتزوج ابنته ولا ربيبته، كما أنّه لا يجوز له أن يتزوج أُمه، ولا امرأة أبيه. (أنظر كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، باب النكاح).

الثالث: الزنا

وفيه مسائل:

١ - قال الشافعية والمالكية: يجوز للرجل أن يتزوج بنته مِن الزنا، وأخته، وبنت ابنه، وبنت بنته، وبنت أخيه، وبنت أخته؛ لأنّها أجنبية عنه شرعاً، ولا يجري بينهما توارث ولا نفقة. (المغني ج٦ باب الزواج).

وقال الحنفية والإمامية والحنابلة: تحرم كما تحرم البنت الشرعية؛ لأنّها متكونة مِن مائه، فهي بنته لغة وعرفاً، ونفيها شرعاً لا يوجب مِن حيث الإرث نفيها حقيقة، بل يوجب نفي الآثار الشرعية فقط، كالميراث والنفقة.

٢ - قال الإمامية: مَن زنا بامرأة، أو دخل بها شبهة، وهي


متزوجة، أو معتدة مِن طلاق رجعي تحرم عليه مؤبداً، أي لا يجوز له أن يعقد عليها، ولو بانت مِن الأوّل بطلاق أو موت، أمّا لو زنا بها وهي خلية أو معتدة عدة وفاة، أو مِن طلاق بأئن فلا تحرم عليه.

وعند المذاهب الأربعة: لا يوجب الزنا تحريم الزانية على الزاني بها، خلية أو غير خلية.

٣ - قال الحنفية والحنابلة: الزنا يوجب حرمة المصاهرة، فمن زنا بامرأة حرُمت عليه أُمها وبنتها، وحرُمت هي على أبي الزاني وابنه، ولَم يفرقوا بين حصول الزنا قَبل الزواج أو بَعده، فإذا زنا الرجل بأُم زوجته، أو زنا ابن الرجل بزوجة أبيه حرُمت الزوجة على زوجها مؤبداً، بل في كتاب ملتقى الأنهر للحنفية ج١ باب الزواج: (لو أيقظ زوجته ليجامعها فوصلت يده إلى ابنةٍ منها فقرصها بشهوة، وهي ممّن تُشتهى، لظنٍ أنّها اُمّها حرُمت عليه الأُم حرمة مؤبدة، ولك أن تصورها مِن جانبها بأن أيقظته هي كذلك، فقرصت ابنه مِن غيرها).

وقال الشافعية: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة؛ لحديث (الحرام لا يحرّم الحلال). وعن مالك روايتان: إحداهما مع الشافعية، والثانية مع الحنفية.

وقال الإمامية: الزنا قَبل العقد يوجب تحريم المصاهرة، فمن زنا بامرأة فليس لأبيه ولا لابنه أن يعقد عليها. أمّا الزنا الواقع بَعد العقد فلا يوجب التحريم، فمن زنا بأُم زوجته أو بنتها تبقى الزوجية على حالها. وكذا لو زنا الأب بزوجة ابنه، أو الابن بزوجة أبيه لَم تحرم الزوجة على زوجها الشرعي.


الرابع: عدد الزوجات

اتفقوا على أنّ للرجل أن يجمع بين أربع نساء، ولا تجوز له الخامسة، الآية( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) (١) .

وإذا خرجت إحداهن مِن عصمة الزوج بموت أو طلاق جاز له التزوّج مِن أخرى.

وقال الإمامية والشافعية: إذا طلق إحدى الأربع طلاقاً رجعياً، فلا يجوز أن يعقد على غيرها حتى تنتهي العدة، أمّا إذا كان الطلاق بائناً فيجوز له ذلك، وكذا يجوز أن يعقد على الأخت في عدة أختها المطلّقة بائناً؛ لأنّ الطلاق البائن ينهي الزواج ويقطع العصمة.

وقالت سائر المذاهب: ليس له أن يتزوج خامسة، ولا أخت المطلّقة إلاّ بَعد انقضاء العدة، مِن غير فرق بين الطلاق الرجعي والبائن.

الخامس: اللعان

إذا قذف رجل زوجته بالزنا، أو نفى مَن ولِد على فراشه، وأكذبته هي ولا بينة له، جاز له أن يلاعنها. أمّا كيفية الملاعنة: فهي أن يشهد الرجل بالله أربع مرات أنّه لمن الصادقين فيما رماها به، ثُمّ يقول في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان مِن الكاذبين، ثُمّ تشهد المرأة أربع مرات أنّه لمن الكاذبين، ثُمّ تقول في الخامسة: أن غضب الله عليها إن

____________________

(١) مِن الغرائب أن ينسب الشيخ أبو زهرة في كتاب الأحوال الشخصية ص٨٣ إلى بعض الشيعة جواز الجمع بين تسع، لأنّ معنى مثنى وثلاث وربعا: ٢ و٣ و٤، فالمجموع ٩! ولا مصدر لهذه النسبة. قال العلاّمة الحلّي في كتاب التذكرة: نُسب هذا القول لبعض الزيدية، وقد أنكروه إنكاراً باتاً، ولَم أرَ أحداً يقول به.


كان مِن الصادقين، فإذا امتنع هو عن الملاعنة أُقيم عليه الحد، وإذا لاعن وامتنعت هي أُقيم عليها الحد، وإذا تمت الملاعنة مِن الطرفين يسقط الحد عنهما، ويفرق بينهما، ولا يُلحق به الولد الذي نفاه عنه.

والأصل في ذلك الآية ٧ مِن سورة النور:( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ ) .

واتفقوا جميعاً على وجوب التفرقة بينهما بَعد الملاعنة، واختلفوا: هل تحرم الزوجة على الزوج مؤبداً بحيث لا يجوز له العقد عليها بَعد ذلك، حتى ولو أكذب نفسه، أو تحرم مؤقتاً ويجوز له العقد بَعد أن يكذب نفسه؟

قال الشافعية والإمامية والحنابلة والمالكية: إنّها تحرم مؤبداً، ولا تحلّ له ولو أكذب نفسه.

وقال الحنفية: الملاعنة كالطلاق، فلا تحرم مؤبداً؛ لأنّ التحريم جاء مِن الملاعنة، فإن أكذب نفسه ارتفع التحريم. (المغني ج٧، وميزان الشعراني - باب الملاعنة).

السادس: عدد الطلاق

اتفقوا على أنّ الرجل إذا طلق زوجته ثلاثاً بينهما رجعتان حرمت عليه، ولا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، وذلك أن تعتد بَعد الطلاق الثالث، وعند انتهاء العدة تتزوج زواجاً شرعياً دائماً، ويدخل بها الزوج، فإذا فارقها الثاني بموت أو طلاق وانتهت عدتها جاز للأوّل أن يعقد عليها ثانية، فإذا عاد وطلقها ثلاثاً حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره،


وهكذا تحرم عليه بَعد كل طلاق ثالث، وتحلّ له بمحلل وإن طُلقت مئة مرة، وعلى هذا يكون الطلاق ثلاثاً مِن أسباب التحريم المؤقت لا المؤبد.

ولكن الإمامية قالوا: لو طُلقت المرأة تسعاً طلاق العدة تحرم مؤبداً، ومعنى طلاق العدة عندهم: أن يطلقها، ثُمّ يراجعها ويطأها، ثُمّ يطلقها في طهر آخر، ثُمّ يراجعها ويواقعها، ثُمّ يطلقها في طهر آخر، وحينئذ لا تحلّ له لاّ بمحلل، فإذا عقد عليها ثانية بَعد مفارقة المحلل، وطلقها ثلاثاً طلاق العدة حلّت له بمحلل، ثُمّ عقد عليها، ثُمّ طلقها طلاق العدة، وأكملت الطلقات حرمت عليه مؤبداً. أمّا إذا لَم يكن الطلاق طلاق العدة، كما لو أرجعها ثُمّ طلقها قَبل الوطء، أو تزوجها بعقد بَعد انتهاء العدة فلا تحرم عليه، ولو طُلقت مئة مرة.

السابع: اختلاف الدين

اتفقوا على أنّه لا يجوز للمسلم ولا للمسلمة التزويج ممّن لا كتاب سماوي لهم، ولا شبهة كتاب، وهم: عبدة الأوثان والنيران والشمس وسائر الكواكب وما يستحسنونه مِن الصور، وكل زنديق لا يؤمن بالله.

واتفق الأربعة على أنّ مَن لهم شبهة كتاب كالمجوس، لا يحلّ التزويج منهم، ومعنى شبهة كتاب: هو ما قيل بأنّه كان للمجوس كتاب فتبدلوه، فأصبحوا وقد رفع عنهم.

واتفق الأربعة أيضاً على أنّ للمسلم أن يتزوج الكتابية، وهي النصرانية واليهودية، ولا يجوز للمسلمة أن تتزوج كتابياً.

أمّا فقهاء الإمامية فقد اتفقوا على تحريم زواج المسلمة مِن كتابي، كما قالت المذاهب الأربعة، واختلفوا في زواج المسلم مِن كتابية، فبعضهم قال: لا يجوز دواماً وانقطاعاً؛ واستدلوا بقوله تعالى:( وَلاَ تُمْسِكُوا


بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ) ، وقوله:( وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ) ، إذ فسروا الشرك بالكفر وعدم الإسلام. وأهل الكتاب باصطلاح القرآن غير المشركين؛ بدليل قوله تعالى: ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ ) (البينة - ١). وقال آخرون: يجوز دواماً وانقطاعاً؛ واستدلوا بقوله تعالى:( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) (المائدة - ٥)، وهو ظاهر في حل نساء أهل الكتاب. وقال ثالث: تجوز انقطاعاً ولا يجوز دواماً، جمعاً بين الأدلة المانعة والمبيحة، فإنّ ما دل على المنع يُحمل على الزواج الدائم، وما دل على الإباحة يُحمل على المنقطع.

ومهما يكن، فإنّ الكثيرين مِن فقهاء الإمامية في هذا العصر يجيزون تزويج الكتابية دواماً، والمحاكم الشرعية الجعفرية في لبنان تزوج المسلم مِن الكتابية، وتسجل الزواج وترتب عليه جميع الآثار.

واتفقوا ما عدا المالكية على أنّ أنكحة غير المسلمين كلها صحيحة إذا وقعت على ما يعتقدون في دينهم، ونحن المسلمين نرتب عليها جميع آثار الصحة مِن غير فرق بين أهل الكتاب وغيرهم حتى الذين يجيزون نكاح المحارم.

وقال المالكية لا تصحّ أنكحة غير المسلمين؛ لأنّها لو وقعت مِن مسلم لكانت فاسدة، فكذلك إذا وقعت منهم. وليس بجيد؛ لأنّ هذا ينفر غير المسلمين مِن الإسلام، ويوجب الفوضى واختلال النظام، وقد ثبت في الحديث عند الإمامية: (مَن دان بدين قوم لزمته أحكامهم)، (وألزموهم بما ألزموا به أنفسهم)(١) .

تحاكم اهل الكتاب عند قاض مسلم:

في كتاب الجواهر للإمامية - باب الجهاد - بحثٌ مفيد يتناسب مع هذا المقام نلخصه فيما يلي:

____________________

(١) كتاب الجواهر باب الطلاق.


لو تحاكم غير المسلمين عند قاضٍ مسلم: فهل يحكم بأحكام دينهم، أو بحكم الإسلام؟

الجواب: على القاضي أن ينظر، فإن كان المتخاصمان ذميين كان مخيراً بين أن يحكم بحكم الإسلام، وبين الإعراض عنهما وعدم سماع الدعوى بالمرة؛ للآية ٤٢ مِن سورة المائدة:( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ) .

وسئل الإمام جعفر الصادق عن رجلين مِن أهل الكتاب بينهما خصومة ترافعا إلى حاكم منهم، ولما قضى بينهما أبى الذي قضى عليه، وطلب أن يحاكم عند المسلمين، فقال الإمام: (يحكم بينهما بحكم الإسلام).

وإذا كانا حربيين فلا يجب على القاضي أن يحكم بينهما، إذ لا يجب دفع بعضهم عن بعض، كما هي الحال في أهل الذمة.

وإذا كانا ذمياً ومسلماً، أو حربياً ومسلماً، وجب على القاضي قبول الدعوى، وأن يحكم بينهما بما أنزل الله؛ لقوله تعالى في الآية ٤٩ مِن سورة المائدة:( وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) .

ولو استعدت زوجة الذمي على زوجها حُكم عليه بحكم الإسلام.

وبالتالي، فقد تبيّن ممّا تقدم أنّ علينا نحن المسلمين أن نبني على صحة المعاملات التي تجريها الطوائف غير الإسلامية إذا كانت على طبق دينهم ما داموا لَم يتقاضوا إلينا، أمّا إذا تحاكموا عندنا فيجب أن نحكم عليها بحكم الإسلام في جميع الحالات، كما تقتضيه عموم الآيات والأحاديث الدالة على وجوب الحكم بالحق والعدل.


الثامن: الرضاع

اتفقوا جميعاً على صحة الحديث: (يحرم مِن الرضاع ما يحرم مِن النسب)؛ وعليه، فكل امرأة حرمت مِن النسب تحرم مثلها مِن الرضاع، فأيّ امرأة تصير بسبب الرضاع: أُماً أو بنتاً أو أختاً أو عمة أو خالة أو بنت أخ أو بنت أخت يحرم الزواج منها بالاتفاق. واختلفوا في عدد الرضعات التي توجب التحريم، وفي شروط المرضعة والرضيع.

١ - قال الإمامية: يُشترط أن يحصل لبن المرأة مِن وطء شرعي، فلو درّت مِن دون زواج، أو بسبب الحمل مِن الزنا لَم تنشر الحرمة. ولا يُشترط بقاء المرضعة في عصمة صاحب اللبن، فلو طلقها أو مات عنها، وهي حامل منه أو مرضع، ثُمّ أرضعت ولداً تنشر الحرمة، حتى ولو تزوجت ودخل بها الثاني.

وقال الحنفية والشافعية والمالكية: لا فرق بين أن تكون المرأة بكراً أو ثيّباً، ولا بين أن تكون متزوجة أو غير متزوجة متى كان لها لبن يشربه الرضيع.

وقال الحنابلة: لا تترتب أحكام الرضاع شرعاً إلاّ إذا درّت بسبب الحمل، ولَم يشترطوا أن يكون الحمل عن وطء شرعي. (الأحوال الشخصية لمحمد محي الدين عبد الحميد).

٢ - قال الإمامية: يُشترط أن يمتص الرضيع اللبن مِن الثدي، فلو وجر في حلقه، أو شربه بأي طريق غير الامتصاص مباشرة لَم تتحقق الحرمة.

وقال الأربعة: يكفي وصول اللبن إلى جوف الطفل كيف اتفق. (بداية المجتهد، وحاشية الباجوري باب الرضاع). بل جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة أنّ الحنابلة يكتفون بوصول اللبن إلى جوف الطفل مِن أنفه لا مِن فمه.


٣ - قال الإمامية: لا تتحق الحرمة ألاّ إذا رضع الطفل مِن المرأة يوماً وليلة، على أن يكون غذاؤه في هذه المدة منحصراً بلبن المرأة فقط لا يتخلله طعام، أو خمس عشرة رضعة كاملة، لا يفصل بينها رضعة امرأة أخرى، وفي المسالك: لا بأس بالطعام؛ وعللوا ذلك بأنّ في هذه الكمية مِن اللبن ينبت اللحم ويشتد العظم.

وقال الشافعية والحنابلة لا بدّ مِن خمس رضعات على الأقل.

وقال الحنفية والمالكية: يثبت التحريم بمجرد حصول الرضاع كثيراً كان أو قليلاً، ولو قطرة. (الفقه على المذاهب الأربعة).

٤ - قال الحنفية والمالكية والحنابلة: لا يُشترط أن تكون المرضعة على قيد الحياة، فإذا ماتت، ودب إليها الطفل وارتضع مِن ثديها يكفي في التحريم، بل قال المالكية: إذا شك: هل الذي رضعه الطفل هو لبن أو غيره؟ فإنّه ينشر الحرمة. (الفقه على المذاهب الأربعة).

وقال الإمامية والشافعية: حياة المرضعة شرط لازم حين الرضاع، فلو ماتت قَبل إكمال الرضعات لَم تتحقق الحرمة.

واتفقوا على أنّ صاحب اللبن، وهو زوج المرضعة يصير أباً للرضيع، ويحرم بينهما ما يحرم بين الآباء والأبناء، فأُم صاحب اللبن جدة للرضيع، وأخته عمة له، كما تصبح المرضعة أُماً له، وأُمها جدة، وأُختها خالة.

التاسع: العدة

اتفقوا على أنّ المعتدة لا يجوز العقد عليها، كالمتزوجة تماماً، سواء أكانت معتدة مِن وفاة، أو طلاق رجعي أو بائن؛ لقوله تعالى:( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ ) ، وقوله:( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ


مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَـشْراً ) . والتربص معناه: الصبر والانتظار.

واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها: هل تحرم عليه؟ قال المالكية: إذا دخل تحرم مؤبداً، ولا تحرم مع عدم الدخول.

وقال الحنفية والشافعية: يفرق بينهما، فإذا انقضت العدة فلا مانع مِن تزويجه بها ثانية. (بداية المجتهد).

وفي الجزء السابع مِن كتاب المغني للحنابلة باب العدد: (إذا تزوج معتدة، وهما عالمان بالعدة وتحريم النكاح، ووطأها فهما زانيان، عليهما حد الزنا). وفي الجزء السادس مِن الكتاب المذكور باب الزواج: (إذا زنت المرأة لَم يحلّ نكاحها لمن يعلم ذلك ألاّ بشرطين: انقضاء العدة، والتوبة مِن الزنا وإذا وجِد الشرطان حل نكاحها للزاني وغيره)؛ وعليه فالزواج في العدة لا يوجب التحريم المؤبد عند الحنابلة.

وقال الإمامية: لا يجوز العقد على المعتدة الرجعية والبائنة، وإذا عقد عليها مع العلم بالعدة والحرمة بطل النكاح، وحرمت مؤبداً، سواء أدخل أم لّم يدخل، ومع الجهل بالعدة والتحريم لا تحرم مؤبداً إلاّ إذا دخل، وإذا لَم يدخل يبطل العقد فقط، وله استئناف العقد بَعد العدة التي كانت فيها. (المسالك ج٢ باب الطلاق).

العاشر: الإحرام

قال الإمامية والشافعية والمالكية والحنابلة: المحرِم للحج أو للعمرة لا يتزوج ولا يزوّج، رجلاً كان أو امرأة، وكيلاً أو ولياً، وإن حصل الزواج كان باطلاً؛ لحديث: (لا يَنكح المحرِم، ولا يُنكح، ولا يخطب).

وقال الحنفية: الإحرام لا يمنع مِن الزواج.

وقال الإمامية: إذا حصل العقد حال الإحرام: فإن كان مع الجهل


بالتحريم حرمت المرأة مؤقتاً، فإذا أحلاّ، أو أحلّ الرجل إن لَم تكن المرأة محرِمة جاز له العقد عليها، وإن كان مع العلم بالتحريم فُرّق بينهما وحرمت مؤبداً.

وقالت سائر المذاهب: تحرم مؤقتاً لا مؤبداً. (تذكرة العلاّمة الحلّي للإمامية ج١ باب الحج، وبداية المجتهد باب الزواج).


الولاية

الولاية في الزواج سلطة شرعية جُعلت للكامل على المولّى عليه؛ لنقص فيه، ورجوع مصلحة إليه. ويقع الكلام في أمور:

البالغة الراشدة:

فقال الشافعية والمالكية والحنابلة: ينفرد الولي بزواج البالغة الراشدة إذا كانت بكراً، أمّا إذا كانت ثيباً وهو شريك لها في الزواج، لا ينفرد دونها ولا تنفرد دونه، ويجب أن يتولى هو إنشاء العقد، ولا ينعقد بعبارات المرأة قط، وإن كان لا بدّ مِن رضاها.

وقال الحنفية: للبالغة العاقلة أن تنفرد باختيار الزواج، وأن تُنشئ العقد بنفسها بكراً كانت أو ثيباً، وليس لأحد عليها ولاية ولا حق الاعتراض، على شريطة أن تختار الكفؤ، وأن لا تتزوج بأقلّ مِن مهر المثل، فإن تزوجتْ بغير الكفؤ يحق للولي أن يعترض، ويطلب مِن القاضي فسخ الزواج، وإن تزوجتْ بالكفؤ على أقلّ مِن مهر المثل، يطلب الفسخ إذا لَم يتمم الزوج مهر المثل. (الأحوال الشخصية لأبي زهرة).


وقال أكثر الإمامية: إنّ البالغة الرشيدة تملك ببلوغها ورشدها جميع التصرفات مِن العقود وغيرها حتى الزواج بكراً كانت أو ثيباً، فيصحّ أن تعقد لنفسها ولغيرها مباشرة وتوكيلاً إيجاباً وقبولاً، سواء أكان لها أب أو جد أو غيرها من العصبيات أو لَم يكن، وسواء رضي الأب أو كره، وسواء كانت رفيعة أو وضيعة، تزوجتْ بشريف أو وضيع، وليس لأحد كائناً مَن كان أن يعترض، فهي تماماً كالرجل دون أي فرق؛ واستدلوا على ذلك بالقرآن:( ولاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ) ، وبالحديث عن ابن عباس عن النبي: (الأيم أحق بنفسها مِن وليها). والأيم: مَن لا زوج له، رجلاً كان أو امرأة، بكراً كانت أو ثيباً. واستدلوا أيضاً بالعقل حيث يحكم بأنّ لكل إنسان الحرية التامة بتصرفاته، وليس لغيره أيّ سلطان عليه قريباً كان أو بعيداً. وقد أحسن ابن القيّم في قوله: (كيف يجوز للأب أن يزف ابنته بغير رضاها إلى مَن يريده هو، وهي مِن أكره الناس فيه، وهو أبغض شيء إليها، ومع هذا ينكحها إياه قهراً، ويجعلها أسيرة عنده ...!).

الصغر والجنون والسفه:

اتفقوا على أنّ للولي أن يزوج الصغير والصغيرة والمجنون والمجنونة، ولكنّ الشافعية والحنابلة خصصوا هذه الولاية بالصغيرة البكر، أمّا الصغيرة الثيب فلا ولاية له عليها. (المغني ج٦ باب الزواج).

وقال الإمامية والشافعية: زواج الصغيرة والصغير موكول للأب والجد للأب فقط دون غيرهما.

وقال المالكية والحنابلة: بل للأب فقط.

وقال الحنفية: يجوز ذلك لجميع العصبيات، حتى العم والأخ.


وقال الحنفية والإمامية والشافعية: لا يصحّ عقد الزواج مِن السفيه إلاّ بإذن وليه.

وقال المالكية والحنابلة: يصحّ ولا يشترط إذن الولي. (تذكرة العلاّمة ج٢، والمغني ج٤ باب الحجر).

ترتيب الأولياء:

قال الحنفية: الولاية أوّلاً لابن المراة إن كان لها ابن ولو مِن الزنا، ثُمّ ابن ابنه، ثُمّ الأب، ثُمّ الجد للأب، ثُمّ الأخ الشقيق، ثُمّ الأخ للأب، ثُمّ ابن الأخ الشقيق، ثُمّ ابن الأخ لأب، ثُمّ العم، ثُمّ ابن العم الخ. ويتبين مِن هذا أنّ وصي الأب لا ولاية له على الزواج، حتى ولو أوصى به صراحة.

وقال المالكية: الولي هو الأب، ووصي الأب، ثُمّ الابن ولو مِن الزنا إن كان للمرأة ابن، ثُمّ الأخ، ثُمّ ابن الأخ، ثُمّ الجد، ثُمّ العم الخ، ثم تنتقل الولاية الى الحاكم.

وقال الشافعية: الأب، ثُمّ الجد لأب، ثُمّ الأخ الشقيق، ثُمّ الأخ لأب، ثُمّ ابن الأخ، ثُمّ العم، ثُمّ ابن العم الخ، إلى أن تنتقل الولاية إلى الحاكم.

وقال الحنابلة: الأب ووصي الأب، ثُمّ الأقرب فالأقرب مِن العصبيات كالإرث، ثُمّ الحاكم.

وقال الإمامية: لا ولاية إلاّ للأب، والجد للأب، والحاكم في بعض الحالات، فكل مِن الأب والجد يستقل بولاية العقد على الصغير والصغيرة، وعلى مَن بلغ مجنوناً أو سفيهاً، أي اتصل الجنون أو السفه بالصغر، ولو بلغا راشدين عاقلين ثُمّ طرأ عليهما الجنون أو السفه لَم


يكن للأب ولا للجد ولاية العقد على أحدهما، بل يستقل الحاكم بذلك مع وجود الأب والجد. وإذا اختار الأب شخصاً، واختار الجد غيره قُدّم اختيار الجد.

واشترطوا لنفوذ عقد الولي أباً كان أو جداً أو حاكماً أن لا يكون فيه ضرر على المولّى عليه، فإذا تضرر الصغير بالزواج يُخيّر بَعد البلوغ والرشد بين فسخ العقد وبقائه.

وقال الحنفية: إذا زوّجَ الصغيرَ الأبُ أو الجدُّ بغير الكفء أو بدون مهر المثل فإنّه يصحّ إذا لَم يكن معروفاً بسوء الاختيار، أمّا إذا زوجها غير الأب والجد بغير الكفء أو بدون مهر المثل فلا يصحّ الزواج أصلاً.

وقال الحنابلة والمالكية: للأب أن يزوج ابنته بدون مهر المثل. وقال الشافعية: ليس له ذلك، فإن فعل فلها مهر المثل.

وقال الإمامية: إذا زوج الولي الصغير بدون مهر المثل، أو زوج الصغير بأكثر منه فمع المصلحة في ذلك يصحّ العقد والمهر، وبدونها يصحّ العقد، وتتوقف صحة المهر على الإجازة، فإن أجاز بَعد البلوغ استقر المهر وإلاّ رجع إلى مهر المثل.

واتفقوا على أنّ للحاكم العادل أن يزوج المجنون والمجنونة إذا لَم يوجد الولي القريب؛ لحديث: (السلطان ولي مَن لا ولي له).

وليس له أن يزوج الصغيرة عند الإمامية والشافعية. وقال الحنفية: له ذلك إلاّ أنّ العقد لا يلزم، فإذا بلغت كان لها الرد. وهذا يعود في حقيقته إلى قول الشافعية والإمامية؛ لأنّ الحاكم يكون - والحال هذه - فضولياً.

وقال المالكية: إذا لَم يوجد الولي القريب فالحاكم يستقلّ بزواج


الصغيرة والصغير والمجنونة والمجنون مِن الأكفاء، ويزوج الكبيرة الراشدة بإذنها.

واتفقوا على أنّ مِن شرط الولاية بلوغ الولي وإسلامه وذكوريته، أمّا العدالة فهي شرط في الحاكم لا في القريب، إلاّ الحنابلة فإنّهم اشترطوا العدالة في كل ولي، حاكماً كان أو قريباً.


الكفاءة

معنى الكفاءة عند الذين اعتبروها في الزواج: أن يتساوى الرجل مع المرأة في الأشياء التي سنشير إليها، وقد اعتبروا الكفاءة في الرجال دون النساء؛ لأنّ الرجل لا يعير بزواج مَن هو أدنى بخلاف المرأة.

وقد اتفق الحنفية والشافعية والحنابلة على اعتبار الكفاءة في الإسلام والحرية(١) والحرفة والنسب، واختلفوا في المال واليسار، فاعتبروه الحنفية والحنابلة، ولَم يعتبره الشافعية.

أمّا الإمامية والمالكية فلم يعتبروا الكفاءة إلاّ في الدين؛ لحديث: (إذا جاءكم مَن ترضون دينه وخلقه فزوجوه أن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).

ومهما يكن، فانّ شرط الكفاءة في الزواج لا يتلاءم مع نص القرآن:( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) ، ومع مبادئ الإسلام (لا فضل لعربي


على عجمي إلاّ بالتقوى)، ومع سنّة الرسول (ص) حيث أمر فاطمة بنت قيس أن تتزوج من زيد بن أسامة، وأمر بني بياضة أن يزوجوا أبا هند، وهو حجام، لذلك رأينا جماعة من كبار العلماء لا يشترطون الكفاءة في الزواج، كسفيان الثوري، والحسن البصري، (والكرخي من مشايخ الحنفية، وأبي بكر الجصاص ومَن تبعهما من مشايخ العراق). (ابن عابدين ج٢ باب الزواج).


العيوب

إذا وجد أحد الزوجين عيباً في الآخر فهل له فسخ الزواج؟ وللمذاهب تفصيل واختلاف في عدد العيوب الموجبة للفسخ، وفي أحكامها. وإليك البيان:

العنن:

العنن: داء يعجز معه الرجل عن عملية الجنس، ويوجب للزوجة خيار الفسخ بالاتفاق، ولكنّهم اختلفوا فيما لو عجز عن الزوجة وقدر على غيرها. فهل يكون لها الخيار؟

قال الإمامية: لا يثبت لها خيار الفسخ إلاّ مع عجزه عن جميع النساء، فلو عجز عن الزوجة فقط وقدر على غيرها فلا خيار(١) ؛ لأنّ الدليل دل على أنّ لزوجة العنين الفسخ، ومَن قدر على امرأة ما، لا يكون عنيناً بالمعنى الصحيح؛ لأنّ العنة نقص في جسم الرجل يوجب

____________________

(١) نقل الشهيد في المسالك عن الشيخ المفيد: إنّ العبرة في جواز فسخ المرأة الزواج أن يعجز عنها بالذات، حتى ولو قدر على غيرها، والاعتبار يساعد على ذلك.


عجزه عن جميع النساء، تماماً كالأعمى الذي لا يبصر شيئاً، وإذا افتُرض وجود شخص يعجز عن زوجته ويقدر على غيرها فلا محالة يكون السبب خارجاً عن أصل الحلقة، كالحياء، أو الخوف، أو لصفة في الزوجة توجب النفرة منها، أو غير ذلك، وإنّ كثيراً من المجرمين يبلغ فيهم كره الحلال إلى حد يوجب لهم العجز عنه، ويرغبون في الحرام رغبة تبعث فيهم القوة والنشاط.

وقال الشافعية والحنابلة والحنفية: إذا عجز عن إتيان الزوجة فلها الخيار، حتى ولو قدر على غيرها؛ لأنّه يُسمّى - والحال هذه - عنيناً بالنسبة إليها، وأيّ نفع يصل إلى الزوجة إذا أصاب غيرها!

ومهما يكن، فقد اتفقوا على أنّ المرأة إذا ادّعت العنة على زوجها، وأنكر، فعليها إقامة البينة على اعترافه بأنّه عنين، فإن لم تكن بينة(١) ينظر، فإن كانت بكراً عُرِضت على النساء الخبيرات، وعُمل بقولهن، وإن كانت ثيباً عرض عليه اليمين؛ لأنّه منكِر، إذ تدّعي هي وجود عيب فيه موجب للخيار، فإن حلف رُدت دعواها، وإن نكل حلفت هي، ثمّ يؤجله القاضي سنة قمرية، فّإن لم ينفعها طوال سنة خيّرها القاضي بعد انتهاء المدة بين البقاء معه والفسخ، فإن اختارت البقاء فالأمر إليها، وإن اختارت الفسخ فسخت هي، أو فسخ الحاكم بطلب منها. ولا تحتاج إلى طلاق عند الإمامية والشافعية والحنابلة. وقال المالكية: تطلق هي نفسها بأمر القاضي، ويرجع قولهم هذا في حقيقته إلى الفسخ. وقال الحنفية: القاضي يأمر الزوج بالطلاق فإن امتنع طلّقها هو.

وقال الحنفية: يثبت لها جميع المهر. وقال الإمامية: نصفه. وقال المالكية والشافعية والحنابلة: لا شيء لها.

____________________

(١) أُقيمت عندي دعوى من هذا النوع، ولما أحلتُ المدعى عليه إلى الأطباء أفادوا بأنّ الطب بعدُ لم يكتشف داء العنة، وأنّه لا يُعرف إلاّ بممارسة النساء.


وإذا عرضت العنة بعد العقد والدخول فلا خيار لها، وإن طرأ بعد العقد وقبل الدخول فلها الخيار، كما لو كانت العنة قبل العقد.

فائدة:

قال صاحب كتاب الجواهر ج٥ باب الزواج في مسألة العنن: لو أقر الزوج بالعجز عن إتيان الزوجة، وأجّله الحاكم سنة، وبعد انتهائها قال: دخلتُ. وقالت هي: لم يدخل. يؤخذ بقول الزوج مع يمينه، كما لو لم يقر بالعجز من أوّل الأمر، واستدل بأدلة دقيقة محكمة قلّ مَن يتنبه إليها؛ لأنّ دعوى الزواج - القدرة بعد الإقرار بالعجز - لا تُسمع؛ لأنّه مدع لشيء جديد بحسب الظاهر، ولكنّ الشيخ أبعدُ نظراً من الذين لا يرون إلاّ الظواهر، وإليك ما استند إليه:

أولاً: إنّ إقراره بالعجز قبل ضرب الأجل لا يثبت العنة، إذ العجز في حينه قد يكون عجزاً مؤقتاً وقد يكون دائماً، ووجود العام لا يثبت وجود الخاص، فإذا قلت: كتبت بالقلم، لا يدلّ قولك هذا على أنّ القلم الذي كتبت به قلم رصاص، أو قلم حبر، كذلك العجز لا يدل على العنة أو غيرها، فقد يكون لنقص في الخلقة، وقد يكون لسبب خارج عنها، واستصحاب العجز لا يثبت العنة إلاّ على القول بالأصل المثبت(١) .

ثانياً: إنّ المنكِر هو الذي لو سُكت عنه لسكت، والمدعي هو

____________________

(١) من الأصول الباطلة عند الإمامية الأصل المثبت، وهو ما يثبت الأثر باللزوم العقلي لا بالأصل الشرعي. فالاستصحاب حجة بالقياس إلى ما يترتب على المستصحب من أحكام دون لوازم العقل، فإذا استصحبنا بقاء الليل في رمضان، فهذا الاستصحاب يبيح لنا تناول الطعام، ولكنّه لا يثبت أنّ الساعة لم تبلغ الخامسة باعتبار أنّها وقت لطلوع الفجر.


الذي لو سُكت عنه لم يسكت. وبكلمة: إنّ المدعي هو الذي يأخذ بالخناق، ويثير الحروب. والمنكر هو الذي يطلب السلامة والخلاص. وليس من شك أنّ الزوجة لو سكتت عن دعوى العنة لسكت عنها الزوج، ولو سكت الزوج لم تسكت هي، فتكون - والحال هذه - مدعية عليها البينة، ويكون هو منكراً عليه اليمين.

ثالثاً: لقد ثبت في الحديث(أنّ الرجل إذا تزوج المرأة الثيب، وزعمت أنّه لم يقربها، فالقول قول الرجل، وعليه أن يحلف بأنّه قد جامعها) . فالحديث جعل اليمين على الرجل، ولم يفرق بين مَن سبق منه الإقرار بالعجز وغيره.

الجَب والخصاء:

الجب: قطع الذكر. والخصاء سل الإنثيين أو رضهما. ويثبت بهما خيار الفسخ للزوجة بالاتفاق من غير إمهال على أن يعرض الجب أو الخصاء قبل الوطء، أمّا لو حدث بعد العقد والوطء فلا خيار لها.

وقال الحنفية: إذا انتصب ذكر الخصي فلا خيار، حتى إذا لم يُنزل. وقال غيرهم: يثبت به الخيار انتصب أو لم ينتصب ما دام لم يُنزل؛ لأنّ عدم الإنزال عيب كالعنن.

ونقل الشهيد الثاني في كتاب المسالك ج١ باب الزواج: إنّ الخصي يولج، ويبالغ، وحالته في ذلك أكثر من الفحل، ولكنّه لا يُنزل، وهذا عيب يوجب الفسخ للأحاديث الدالة على أنّ لزوجة الخصي أن تختار فراقه.

وقال الحنفية: إذا تم الفسخ بسبب الجب والخصاء فلها المهر كاملاً. وقال غيرهم: إذا اختارت الفسخ بسبب الجب فلا مهر، حيث لا


دخول، وإذا اختارته بسبب الخصاء فلها المهر مع الإيلاج، ولا شيء لها بدونه.

ثمّ إنّ الحنفية لا يرون للرجل حق الفسخ، ولو رأى عشرات العيوب مجتمعة في المرأة، أمّا الزوجة فتفسح بالعيوب الثلاثة التي تكلمنا عنها، وهي الجب والخصاء والعنة، ولذا لا يبقى أيّ كلام للحنفية في العيوب الآتية:

الجنون:

اتفق المالكية والشافعية والحنابلة على أنّ الزوج يفسخ العقد بجنون زوجته، والزوجة تفسخ بجنون زوجها. واختلفوا في التفاصيل، فقال الشافعية والحنابلة: يثبت الفسخ لكل منهما، سواء أَحدث الجنون قبل العقد أم بعده، وبعد الدخول أيضاً، ولا يُشترط الإمهال، كما هي الحال في العنن.

وقال المالكية: إذا حدث الجنون قبل العقد فلكل منهما الفسخ على شريطة أن يتضرر العاقل بمعاشرة المجنون، وإذا حدث الجنون بعد العقد تفسخ به الزوجة فقط بعد أن يؤجل الحاكم سنة قمرية، إذ ربّما عوفي أثناء هذه المدة، أمّا الزوج فلا يحق له الفسخ بجنون زوجته المتجدد بعد العقد.

وقال الإمامية: لا يفسخ الزوج بجنون زوجته المتجدد بعد العقد، حيث يمكنه الطلاق، وتفسخ هي بجنون زوجها، سوء كان الجنون قبل العقد أم حدث بعده وبعد الدخول.

واتفق الإمامية والحنابلة والشافعية والمالكية على أنّ لها المهر كاملاً مع الدخول، ولا شيء بدونه.


البرص والجذام:

قال الإمامية: البرص والجذام من العيوب التي يفسخ بها الرجل دون المرأة، على شريطة أن يحدث أحدهما قبل العقد، وأن يكون الرجل جاهلاً به، ولا يحق للمرأة أن تفسخ إذا كان أحد هذين العيبين في الرجل.

وقال الشافعية والمالكية والحنابلة: هما من العيوب المشتركة بين الرجل والمرأة، ولكل منهما أن يفسخ العقد إذا وجد بصاحبه برصاً أو جذاماً، وحكمهما عند الشافعية والحنابلة حكم الجنون.

وقال المالكية: تفسخ الزوجة بالجذام إذا وجِد في الرجل قبل العقد وبعده، أمّا الرجل فيفسخ إذا كان الجذام في المرأة قبل العقد أو حينه. أمّا البرص فإن كان قبل العقد فلكل منهما حق الخيار، وإن حدث بعد العقد فالخيار لها لا له، ولا أثر للبرص اليسير بعد العقد. ويؤجل الحاكم الأبرص والمجذوم سنة قمرية مع احتمال الشفاء والبرء.

الرتق والقرن والعَفَل والإفضاء:

معنى الرتق: انسداد مدخل الذكر من الفرْج بحيث يتعسر معه الجماع. والقرن: شيء يبرز في الفرج، كقرن الشاة. والعَفَل: لحم في القُبُل لا يخلو من رشح. والإفضاء: اختلاط المسلكين.

وهذه العيوب الأربعة كما ترى مختصة بالمرأة، وهي عند المالكية والحنابلة توجب للزوج حق الخيار.

وقال الشافعية: الموجب للفسخ الرتق والقرن فقط، ولا تأثير للإفضاء والعفل.

وقال الإمامية: التأثير في حق الفسخ للقرن والإفضاء، أمّا الرتق والعفل فلا يوجبان شيئاً. وقالوا: إنّ العمى والعرج الواضح إذا وجِد


أحدهما بالمرأة قبل العقد ولم يعلم به الرجل يفسخ العقد إن شاء، ولا تفسخ المرأة إذا وجدت أحدهما بالرجل.

وفي رأينا أنّ أيّ مرض من الأمراض المختصة أو المشتركة بين الرجل والمرأة إذا أمكن استئصاله وعولج، ولم يترك العلاج أثراً مشوهاً ومعيباً فإنّ وجوده يكون كعدمه لا يوجب أي شيء؛ لأنّه - والحال هذه - يكون كسائر الأمراض العارضة التي لا يخلو أحد منها - في الغالب -. أمّا اهتمام الفقهاء بهذه العيوب منذ زمان فلأنّها كانت في عدهم مستعصية على فن الجراحة.

الفورية:

قال الإمامية: إنّ خيار الفسخ يثبت على الفور، فلو علم الرجل أو المرأة بالعيب فلم يبادر إلى الفسخ لزم العقد، وكذلك الخيار مع التدليس.

وقال صاحب الجواهر: إنّ الجهل بالخيار بل والفورية عذر؛ لإطلاق ما دل على الخيار. وقال أيضاً: إنّ الفسخ بجميع أفراده لا يتوقف على الحاكم، وإنّما يتوقف عليه ضرب الأجل في خصوص العنين.


خيار الشرط

الفرق بين شرط الخيار وبين خيار الشرط أنّه في الأوّل أخذ الخيار شرطاً في متن العقد، فتقول المخطوبة: زوّجتك نفسي على أن يكون لي الخيار ثلاثة أيام، ويقول الخاطب: قبلتُ. أو تقول: زوجتك نفسي، ويقول هو: قبلتُ على أن يكون لي الخيار مدة كذا. فيؤخذ الخيار في فسخ الزواج شرطاً في متن العقد، وهذا الشرط يبطل العقد بالاتفاق، كما قدّمنا.

أمّا خيار الشرط فلا يؤخذ نفس الخيار شرطاً في العقد، بل يؤخذ فيه وصف معيّن، كما لو اشترط الخاطب أن تكون المخطوبة بكراً، أو اشترطت هي أن يكون معه شهادة جامعية، بحيث إذا لم يوجد الوصف جاز للآخر أن يفسخ العقد، وقد اختلفت المذاهب في ذلك.

قال الحنفية: إذا اشترط أحد الزوجين في متن العقد شرطاً سلبياً، كالسلامة من العمى أو المرض، أو ايجابياً، كاشتراط الجمال أو البكارة، وما إلى ذلك، ثم تبين العكس يصحّ العقد، ولا ينفذ الشرط إلاّ إذا اشترطت هي شرطاً يعود إلى الكفاءة، كاشتراط النسب أو الحرفة أو المال فيحق لها الفسخ مع تخلف الشرط، أمّا هو فلا ينفذ


شيء من شروطه؛ لأنّ الكفاءة شرط في الزوج لا في الزوجة كما تقدم.

وقال المالكية والشافعية والإمامية والحنابلة: يصحّ الشرط، وإذا تبين العكس كان المشترط بالخيار بين الرضى وفسخ العقد؛ للحديث الشريف: (المسلمون عند شروطهم)؛ ولأنّ مثل هذا الشرط لا يتنافى مع طبيعة العقد، ولا يخالف كتاب الله وسنّة الرسول، أي لا يحلّل حراماً ولا يحرّم حلالاً.

التدليس:

تكلم الإمامية في هذا الباب عن تدليس المرأة على الرجل، وذلك أن تخفي عنه نقصاً موجوداً فيها، أو تدّعي كمالاً غير موجود. أمّا الصورة الأُولى - وهي أن تخفي النقص وتسكت عنه -: فلا يحق للرجل أن يفسخ العقد إذا لم يشترط عدم وجوده بطريق من الطرق، فقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق: في الرجل يتزوج إلى قوم، فإذا امرأته عوراء، ولم يبيّنوا له. قال: (لا تُرد). وعلى هذا جميع المذاهب.

أمّا الصورة الثانية - وهي أن تدّعي كمالاً غير موجود -: فإذا أُخذت صفة الكمال شرطاً في العقد جاء الكلام السابق من أنّه لغو عند الحنفية صحيح عند غيرهم، وإن لم تؤخذ شرطاً في العقد، فإمّا أن تُذكر فيه على سبيل الوصف، وإمّا أن تُذكر قبل العقد ثم يبتني العقد عليها. فهنا حالتان:

١ - أن تُذكر صفة الكمال وصفاً في العقد، كما لو قال وكيل الزوجة: زوّجتك البنت البكر، أو البنت السالمة من كل عيب. وقال الإمامية: إذا ظهر أنّها غير متصفة بالوصف المذكور في العقد، كان للزوج الخيار.


٢ - أن لا تُذكر صفة الكمال شرطاً ولا وصفاً في العقد، بل تُذكر عند التداول في حديث الزواج، كما لو قالت هي أو وكيلها: إنّها بكر ولا عيب فيها، وما إلى ذلك، ثمّ وقع العقد مبنياً على ذلك بحيث يكون المفهوم من العقد أنّه جرى على البنت المتصفة بهذه الصفة الخاصة. ولم أرَ فيما لدي من المصادر مَن تعرّض لهذه الحالة غير الإمامية، وقد اختلف فقهاؤهم في ثبوت الخيار للزوج، فمنهم مَن قال: له الخيار، ومن هؤلاء السيد أبو الحسن الأصفهاني في كتاب الوسيلة؛ لأنّ تواطؤ العاقدين وتباينهما على الوصف ثمّ ابتناء العقد عليه يجعله كالشرط الضمني في العقد. ومنهم مَن قال: لا أثر للتباني ما دام لم يُذكر الوصف في العقد، ولم يدل عليه بطريق من الطرق. وإلى هذا ذهب الشهيد الثاني في المسالك: (وقوفاً فيما خالف الأصل على المتيقن)، أي لا نرفع اليد عن لزوج العقد إلاّ بدليل قاطع، وهو غير موجود.

والخلاصة: إنّ الوصف إذا أُخذ في العقد بأحد الطرق الثلاث - أي شرطاً أو وصفاً أو إخباراً - قبل العقد فللزوج أن يختار الفسخ أو الرضى بالزواج، فإن رضي به فليس له أن ينقصها شيئاً من مهرها مهما كان العيب، إلاّ إذا اشترط كونها بكراً فوجدها ثيباً، فله - والحال هذه - أن ينقص من مهرها بنسبة التفاوت بين مهرها بكراً ومهرها ثيباً عند الإمامية.

وإذا اختار فسخ الزواج، فإن كان قبل الدخول فلا شيء لها عند الإمامية وغيرهم ممّن أجازوا الفسخ، وإن كان بعد الدخول كان لها مهر المثل، ولا يرجع بشيء على الذي غره عند الشافعية.

وقال الإمامية: ينظر، فإن كانت هي التي غررت بالزواج فلا تستحق شيئاً من المهر، حتى مع الدخول، وإن كان الذي غرر به غيرها فلها المهر المسمّى كاملاً، ويرجع هو بما دفعه على مَن غره؛ لقاعدة المغرور يرجع على مَن غره.


وهنا مسائل:

١ - إذا تبين لأحد الزوجين بعد العقد أنّ في صاحبه نقصاً، وادعى أنّ العقد جرى على انتفاء النقص بأحد الطرق الثلاث، وأنكر الآخر، كلّف الأوّل بالإثبات، فإن أثبت يقرر القاضي له حق الفسخ، ومع عجزه عن الإثبات يحلف المنكِر، ويرد القاضي الدعوى.

٢ - إذا تزوج امرأة على أنّها بكر بأحد الوجوه الثلاثة المتقدمة، فوجدها ثيباً فلا يحق له الفسخ إلاّ إذا ثبت أنّ الثيبوبة كانت متقدمة على العقد، ويثبت سبقها على العقد بإقرار الزوجة أو بالبينة أو بقرائن الأحوال المفيدة للعلم، كما لو دخل بها بعد العقد بمدة لا يحتمل تجدد الثيبوبة فيها.

وإذا اشتبه الحال، ولم نعلم بطريق من الطرق: هل كانت متقدمة على العقد أو متأخرة عنه؟ فلا يثبت الخيار للزوج؛ لأصالة عدم تقدم الثيبوبة، ولا مكان تجددها بسبب خفي، كالركوب والنزوة. (المسالك للشهيد الثاني ج٢ باب الزواج من فقه الإمامية).

٣ - قال السيد أبو الحسن الأصفهاني في كتاب الوسيلة باب الزواج من فقه الإمامية: لو تزوج رجل فتاة ولم تكن البكارة قد ذُكرت في مقدمات الزواج، ولم يقع العقد مبنياً عليها، ولم تكن شرطاً ولا وصفاً في متن العقد، وإنّما تزوجها باعتقاد أنّها بكر؛ لأنّها لم تتزوج أحداً غيره من قَبل، وبعد العقد ثبت أنّها كانت ثيباً قبل العقد، فليس للزوج أن يفسخ الزواج، كما هي الحال لو أُخذت البكارة بأحد الطرق الثلاث، بل له أن ينقص من مهرها شيئاً، وهو نسبة التفاوت بين مهر مثلها بكراً ومهر مثلها ثيباً، فإذا كان المهر المسمّى مئة، وكان مهر مثلها بكراً ثمانين وثيباً ستين، ينقص من المئة الربع ٢٥ ويبقى ٧٥.

وعلى هذا، فللبكارة عند السيد المذكور أربع حالات:


١ - أن تؤخذ شرطاً في متن العقد.

٢ - أن تؤخذ وصفاً فيه.

٣ - أن تُذكر عند حديث الزواج، ويبتني عليها العقد.

٤ - أن يتزوجها باعتقاد البكارة دون أن يسبق لها ذكر لا قبل العقد ولا في متنه. وفي الحالات الثلاث يثبت للزوج الخيار، وفي الحالة الرابعة لا خيار له، بل ينقص من المهر شيئاً على النحور المتقدم.


المهر

المهر حقّ من حقوق الزوجة بحكم الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين، وهو نوعان:

المهر المسمّى:

الأوّل: المهر المسمّى، وهو ما تراضى عليه الزوجان، وسمياه في متن العقد، ولا حدّ لأكثره بالاتفاق؛ لقوله تعالى:( وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ً ) . واختلفوا في حد القلة:

فقال الشافعية والحنابلة والإمامية: لا حدّ لأقله، فكل ما يصحّ أن يكون ثمناً في البيع يصحّ أن يكون مهراً في الزواج، ولو قرشاً واحداً.

وقال الحنفية: أقلّ المهر عشرة دراهم، فإذا وقع العقد على دون ذلك يصحّ العقد وتجب العشرة.

وقال المالكية: أقله ثلاثة دراهم، فإن نقص عن هذا المبلغ ثمّ


دخل فعليه أن يعطيها ثلاثة، وان لم يدخل فهو مخير بين أن يدفع الثلاثة، وبين فسخ العقد ويعطيها نصف المسمّى.

شروط المهر:

ويصحّ أن يكون المهر نقداً ومصاغاً وعقاراً وحيواناً ومنفعة وعروض تجارة، وغير ذلك ممّا له قيمة، ويُشترط أن يكون معلوماً إمّا بالتفصيل كألف ليرة، وإمّا بالإجمال كهذه القطعة من الذهب أو هذه الصبرة من الحنطة، وإذا كان مجهولاً من جميع الجهات بحيث لا يمكن تقويمه بحال صح العقد وبطل المهر عند الجميع ما عدا المالكية فإنّهم قالوا: يقع العقد فاسداً ويُفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده بمهر المثل.

ومن شروط المهر: أن يكون حلالاً، ومتقوّماً بمال في الشريعة الإسلامية، فإذا سمّى لها خمراً أو خنزيراً أو ميتة أو غير ذلك ممّا لا يصحّ ملكه، قال المالكية: يفسد العقد قبل الدخول، وإذا دخل يثبت العقد وتستحق مهر المثل.

وقال الشافعية والحنفية والحنابلة وأكثر الإمامية: يصحّ العقد ولها مهر المثل. وقيّد بعض الإمامية استحقاقها لمهر المثل بالدخول، وبعضهم أطلق كالمذاهب الأربعة.

وإذا سمّى لها مهراً مغصوباً، كما لو تزوجها بعقار ظهر أنّه لأبيه أو لغيره، قال المالكية: إذا كان العقار معلوماً لهما وهما راشدان فسد العقد، ويُفسخ قبل الدخول ويثبت بعده بمهر المثل.

وقال الإمامية والحنفية: العقد صحيح على كل حال، أمّا المهر فإذا أجاز المالك فلها عين المسمّى، وإن لم يجز كان لها بدل المسمّى من


المثل أو القيمة؛ لأنّ المسمّى - والحال هذه - يصحّ ملكه في نفسه، والبطلان كان من أجل التعيين بخلاف الخمر والخنزير فأنّهما لا يُملكان.

مهر المِثل:

الثاني: مهر المثل، ويُعتبر في حالات:

١ - اتفقوا على أنّ المهر ليس ركناً من أركان العقد، كما هي الحال في البيع، بل هو أثر من آثاره فيصحّ عقد الزواج بدونه، ويثبت مهر المثل بالدخول، وإذا طلّقها قبل الدخول فلا تستحق مهراً، ولها المتعة، وهي هدية يقدمها الرجل للمرأة بحسب حاله، كخاتمٍ وثوبٍ وما إلى ذلك، فإن تراضيا عليها فبها وإلاّ فرضها الحاكم، أمّا كون الخلوة بحكم الدخول أو لا فيأتي الكلام.

وقال الحنفية والحنابلة: إذا مات أحدهما قبل الدخول يثبت للزوجة مهر المثل تماماً كا لو دخل. (مجمع الأنهر، والمغني باب الزواج).

وقال المالكية والإمامية: لا مهر لها إذا مات أحدهما قبل الدخول. (المغني، والوسيلة).

وللشافعية قولان: أحدهما يجب المهر، والثاني لا يجب شيء. (مقصد النبيه).

٢ - إذا جرى العقد على ما لا يُملك، كالخمر والخنزير، وقد تقدم.

٣ - الوطء بشبهة يوجب مهر المثل بالاتفاق، والوطء بشبهة هو الوطء الذي ليس بمستحق في الواقع، مع جهل فاعله بعدم الاستحقاق، كمن تزوج امرأة يجهل أنّها أخته من الرضاعة ثمّ تبين ذلك، أو قاربها بمجرد أن وكلت وكيلاً بزواجها منه ووكل هو بزواجه منها باعتقاد


أنّ هذا الوكيل كاف لجواز المقاربة، وبتعبير ثان أنّ ضابط الشبهة أن تحصل المقاربة بدون زواج صحيح، ولكن مع وجود مبرر شرعي يسقط الحد، ومن هنا أدخل الإمامية في باب الشبهة وطء المجنون والنائم والسكران.

٤ - قال الإمامية والشافعية والحنابلة: مَن أكره امرأة على الزنا فعليه مهر المثل، وإن طاوعته لم يجب لها شيء.

٥ - إذا تزوجها بشرط عدم المهر صح العقد، باتفاق الجميع ما عدا المالكية فإنّهم قالوا: يفسد العقد قبل الدخول، ويثبت بعده بمهر المثل. وقال كثير من الإمامية: يعطيها شيئاً قلّ أو كثر، وفيه روايات عن أهل البيت.

وقال الإمامية والحنفية: إذا جرى عقد فاسد، وسُمّي فيه مهر معيّن وحصل وطء، فإن كان المسمّى دون مهر المثل فلها المسمّى؛ لأنّها قد رضيت به، وإن كان أكثر من مهر المثل فلها مهر المثل؛ لأنّها لا تستحق أكثر منه.

ويقاس مهر المثل عند الحنفية بمثيلاتها من قبيلة أبيها لا من قبيلة أُمها. وعند المالكية يقاس بصفاتها خَلقاً وخُلقاً. وعند الشافعية بنساء العصبات، أي زوجة الأخ والعم، ثمّ الأخت الشقيقة الخ. وعند الحنابلة الحاكم يفرض مهر المثل بالقياس إلى نساء قرابتها كأُم وخالة.

وقال الإمامية: ليس لمهر المثل تحديد في الشرع، فيُحكّم فيه أهل العرف الذين يعلمون حال المرأة نسباً وحسباً، ويعرفون أيضاً ما له دخل وتأثير في زيادة المهر ونقصانه على شريطة أن لا يتجاوز مهر السنة، وهو ما يعادل ٥٠٠ درهم.

تعجيل المهر وتأجيله:

اتفقوا على أنّ المهر يجوز تعجيله وتأجيله كلاً وبعضاً على شريطة أن يكون معلوماً بالتفصيل، كما لو قال: تزوجتكِ بمئة، منها خمسون


معجّلة ومثلها مؤجلة إلى سنة، أو معلوماً بالإجمال، كما لو قال: مؤجلة إلى أحد الأجلين الموت أو الطلاق - يأتي أنّ الشافعية منعوا من هذا التأجيل -، أمّا إذا كان مجهولاً جهالة فاحشة، كقوله: إلى أن يأتي المسافر، فيبطل الأجل(١) .

وقال الإمامية والحنابلة: إذا ذكر المهر وأهمل التعجيل والتأجيل كان المهر حالاً بكامله.

وقال الحنفية: بل يؤخذ بعرف أهل البلد، فيعجّل من المهر بقدر ما يعجّلون، ويؤجّل بقدر ما يؤجّلون.

وقال الحنفية: إذا أجّل ولم يذكر الأجل، كما لو قال: نصفه معجل ونصفه مؤجل، يبطل الأجل، ويكون المهر حالاً.

وقال الحنابلة: بل يُحمل الأجل على الموت أو الطلاق.

وقال المالكية: يفسد عقد الزواج ويفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده بمهر المثل.

وقال الشافعية: إذا لم يكن الأجل معلوماً بالتفصيل، وكان معلوماً بالإجمال مثل أحد الأجلين تفسد التسمية، ويجب مهر المثل. (الفقه على المذاهب الأربعة ج٤).

(فرع) قال الحنفية والحنابلة: إذا اشترط أبو المرأة شيئاً لنفسه من مهر ابنته فالمهر صحيح، والشرط لازم يجب الوفاء به.

وقال الشافعية: يفسد المسمّى، ويثبت مهر المثل.

____________________

(١) ذكرتُ في كتاب الفصول الشرعية أنّ التأجيل لأقرب الأجلين الموت أو الطلاق غير صحيح فراراً من الجهالة، ثمّ تبين لي أنّه صحيح؛ لأنّ المهر يحتمل من الجهالة ما لا يحتمله الثمن في البيع، فليس هو عوضاً حقيقة، ولذا يكتفى فيه بالمشاهدة والقبضة وتعليم ما يحسن من القرآن، هذا بالأصالة إلى أنّ أحد الأجلين معلوم في الواقع، وإن لم يكن معلوماً عند العاقدين فأحد الأمرين من الطلاق أو الموت واقع لا محالة، ثمّ إنّ الزواج يصلح بلا ذكرِ المهر، وبالتفويض إلى مَن يُعينه.


وقال المالكية: إذا كان الشرط عند الزواج فالكل للزوجة حتى الذي اشترطه الأب لنفسه، وإن كان بعد الزواج فهو لأبي الزوجة. (المغني، وبداية المجتهد).

وقال الإمامية: لو سمّى لها مهراً ولأبيها شيئاً معيناً كان لها المهر المسمّى، وسقط ما عيّنه للأب.

امتناع الزوجة حتى تقبض المهر:

اتفقوا على أنّ للزوجة أن تطالب الزوج بكامل مهرها المعجل بمجرد إنشاء العقد، وأنّ لها أن تمتنع منه حتى تقبضه، فإن مكنته من نفسها طوعاً قبل أن تقبض فليس لها أن تمتنع منه بعد ذلك باتفاق الجميع، ما عدا أبا حنيفة فانّه قال: لها أن تمتنع بعد التسليم، وخالفه صاحباه محمد وأبو يوسف.

وتستحق النفقة على الزوج إذا امتنعت قبل أن تقبض المهر وتمكنه من نفسها؛ لأنّ امتناعها يكون - والحال هذا - لمبرر شرعي، أمّا إذا امتنعت بعد قبض المهر أو بعد التمكين فتسقط نفقتها إلاّ عند أبي حنيفة.

وإذا كانت الزوجة صغيرة لا تصلح للفراش والزوج كبير فلوليّ الزوجة أن يطالب بالمهر، ولا يجب الانتظار إلى بلوغ الزوجة، وكذلك إذا كانت الزوجة كبيرة والزوج صغيراً فإنّ لها أن تطالب ولي الزوج، ولا يجب عليها الانتظار إلى أن يبلغ.

وقال الإمامية والشافعية: إذا تشاحّ الزوج والزوجة فقالت هي: لا أطيع حتى أقبض المهر. وقال هو: لا أُسلّم حتى تطيع. أُجبر الزوج إلى تسليم المهر إلى أمين، وأُلزمت هي بالطاعة، فإن أطاعت سُلّم إليها المهر واستحقت النفقة، وإن امتنعت فلا تُسلَّم المهر وتسقط نفقتها،


وإن امتنع هو عن تسليم المهر حُكم عليه بالنفقة إن طلبتها.

وقال الحنفية والمالكية: إنّ تسليم المهر مقدم على تسليم المرأة، فليس للرجل أن يقول: لا أُسلِّم المهر حتى أستلم الزوجة، وإذا أصر على ذلك يُحكم عليه بالنفقة، وإذا قبضت المهر وامتنعت فلا يحق للزوج أن يسترجعه.

وقال الحنابلة: يجبر الزوج على تسليم المهر أوّلاً، كما قال الحنفية، ولكن إذا أبت الزوجة أن تسلّم نفسها بعد قبض المهر فللزوج أن يسترجعه منها. (مقصد النبيه، ومجمع الأنهر، والفقه على المذاهب الأربعة).

عجز الزوج عن المهر:

قال الإمامية والحنفية: إذا عجز الزوج عن دفع المهر فليس للزوجة أن تفسخ الزواج، ولا للقاضي أن يطلقها، وإنّما لها حق الامتناع عنه.

وقال المالكية: إذا ثبت عجزه وكان الزوج لم يدخل بعدُ، أجّله القاضي أمداً يوكل تقديره إلى نظره واجتهاده، فإذا استمر العجز طلّق القاضي، أو تطلّق هي نفسها ويحكم القاضي بصحة طلاقها، أمّا إذا دخل الزوج فلا يحق لها الفسخ بحال.

وقال الشافعية: إذا ثبت إعساره ولم يدخل فإنّ لها الفسخ، وإذا دخل فليس لها أن تفسخ.

وقال الحنابلة: تفسخ، ولو بعد الدخول إذا لم تكن عالمة بعسره قبل الزواج، وإذا كانت عالمة بالعسر من قبل فلا فسخ، وفي حال جواز الفسخ لا يفسخ إلاّ الحاكم.

الأب ومهر زوجة الابن:

قال الشافعية والمالكية والحنابلة: إذا عقد الأب زواج ابنه الفقير


يكون هو المطالَب بالمهر حتى ولو كان الابن الفقير كبيراً وتولى أبوه زواجه بالوكالة عنه، وإذا مات الأب قبل أن يؤدي المهر الذي وجب عليه فيؤخذ من أصل تركته.

وقال الحنفية: لا يجب المهر على الأب، سواء أكان الابن غنياً أم فقيراً، وكبيراً أم صغيراً. (الأحوال الشخصية - أبو زهرة).

وقال الإمامية: إذا كان للولد الصغير مال وزوّجه أبوه فالمهر في مال الطفل، وليس على الأب شيء، وإذا لم يكن للصغير مال حين العقد فالمهر على الأب وليس على الزوج شيء وإن أصبح غنياً بعد ذلك.

ولا يلزم الأب بمهر زوجة ولده الكبير إلاّ إذا ضمنه بعد إجراء العقد.

الدخول والمهر:

إذا دخل رجل بامرأة فلا يخلو دخوله بها عن أحد أسباب ثلاثة:

١ - أن يكون عن زنا بحيث تعلم هي بالتحريم، ومع ذلك تقدم، وهذه لا تستحق شيئاً بل عليها الحد.

٢ - أن يكون عن شبهة من جهتها، كأن تعتقد الحل ثمّ يتبين التحريم، وهذه يُدرأ عنها الحد ولها مهر المثل، سواء أَجهل هو بالتحريم أَم علم به.

٣ - أن يكون الدخول عن زواج شرعي، وهذه لها المهر المسمّى، إن كان هناك تسمية صحيحة للمهر، ولها مهر المثل إن لم يُذكر المهر أصلاً في العقد، أو ذُكر مهراً فاسداً، كالخمر والخنزير.

وإذا مات أحد الزوجين قبل الدخول فلها تمام المهر المسمّى عند الأربعة. واختلف فقهاء الإمامية، فمنهم مَن أوجب لها تمام المهر كالمذاهب الأربعة، ومنهم مَن قال: لها نصف المسمّى كالمطلّقة، ومن


هؤلاء السيد أبو الحسن الأصفهاني في كتاب الوسيلة، والشيخ أحمد كاشف الغطاء في سفينة النجاة.

جناية الزوجة على الزوج:

قال الشافعية والمالكية والحنابلة: إنّ الزوجة إذا قتلت زوجها قبل الدخول سقط مهرها كله.

وقال الحنفية والإمامية: لا يسقط حقها في المهر، وإن كان يسقط في الارث.

الخلوة:

قال الشافعية وأكثر الإمامية: لا تأثير لخلوة الزوج بزوجته بالنسبة إلى المهر، ولا إلى غيره، والمعوّل على الدخول الحقيقي.

وقال الحنفية والحنابلة: إنّ الخلوة الصحيحة تؤكد المهر، وتثبت النسب، وتوجب العدة في الطلاق ولو لم يحصل في الاجتماع دخول حقيقي. وزاد الحنابلة على الحنفية حيث ذهبوا أنّ النظر بشهوة اللمس أو التقبيل بدون خلوة يؤكد المهر، كالدخول. ومعنى الخلوة الصحيحة: أن يجتمع الزوجان في مكان يأمنان فيه اطلاع الغير، ولم يكن أي مانع في أحدهما من المقاربة.

وقال المالكية: إذا خلا الزوج بها وطالت مدة الخلوة، استقر عليه المهر وإن لم يدخل، وحدد بعضهم طول المدة بسنة كاملة. (الأحوال الشخصية - أبو زهرة، ورحمة الأمّة للدمشقي).

نصف المهر:

اتفقوا على أنّ العقد إذا جرى مع ذكر المهر، ثم طلق الزوج قبل


الدخول والخلوة - عند مَن اعتبرها - سقط نصف المهر، وإذا جرى العقد بدون ذكر المهر فلا شيء لها إلاّ المتعة، كما تقدم، الآية ٢٣٦ من سورة البقرة:( لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِين * وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ) . فإذا لم يكن الزوج قد دفع شيئاً لمن سمّى لها مهراً وطلّقها قبل الدخول فعليه أن يدفع لها نصف المهر، وإن كان دفعه كاملاً استعاد نصفه إن كان باقياً، ونصف بدله من المثل أو القيمة إن تلف.

ولو تركا ذكر المهر في العقد ثمّ تراضيا عليه وبعد التراضي طلّقها قبل أن يدخل، فهل تأخذ نصف ما تراضيا عليه، كما لو كان المهر مذكوراً في العقد، أو لا شيء لها سوى المتعة كما لو لم يتراضيا أصلاً؟

قال الشافعية والإمامية(١) والمالكية: لها نصف المهر المفروض بعد العقد.

وفي كتاب المغني للحنابلة ج٦ باب الزواج: (لها نصف ما فُرض بعد العقد ولا متعة ...).

هذا تمام الكلام في استحقاق المهر كله، واستحقاق النصف فقط، أمّا سقوط المهر بكامله فيُعرف ممّا قدمناه في باب العيوب ومهر المثل.

____________________

(١) قال صاحب الجواهر في المسألة الثالثة من مسائل التفويض: متى حصل التراضي على شيء يكون هذا الشيء مهراً يدخل فعلاً في ملك الزوجة عيناً كان أو ديناً، حالاً أو مؤجلاً، ويجري عليه حينئذ ما يجري على المذكور في العقد.


لو افتض الزوج بكارة الزوجة بغير المعتاد

إذا افتض الزوج بكارة زوجته بأصبعه أو بآلة، فهل يكون ذلك بحكم الدخول بالقياس إلى استقرار المهر أم لا؟

وليس من شك أنّه إذا دخل بعد هذه العملية ترتبت جميع الآثار الشرعية من استقرار المهر والعدة والنسب، وما إلى ذلك. وإنّما الكلام والتساؤل فيما لو طلّق بعد هذا الإفتضاض وقبل أن يدخل، فهل يثبت لها نصف المهر المسمّى فقط؛ لأنّه لم يدخل حقيقة، أو تمامه؛ لزوال البكارة بسببه؟

وقد سألتُ آية الله السيد (أبو القاسم الخوئي) عن ذلك فأجاب:

(على الزوج المهر بتمامه بسبب الإفتضاض؛ لرواية علي بن رئاب، فقد جاء فيها قوله: (فإن كنّ كما دخلن عليه فإنّ لها نصف الصداق الذي فُرض لها)). وظاهر هذه القضية الشرطية أنّ الطلاق إنّما يكون سبباً لانتصاف المهر إذا كانت الزوجة حال الطلاق كما هي حال اجتماع


الزوج بها، فتدلّ القضية بإطلاق مفهومها على أنّ الزوجة إذا لم تكن كما كانت فعلى الزوج المهر كاملاً، ولا ينتصف بالطلاق، سواء كان تغيرها وزوال بكارتها بسبب الجماع أو بسبب آخر(١) .

____________________

(١) جاء في رواية يونس بن يعقوب: (لا يوجب الصداق إلاّ الوقاع في الفرْج). وهذه الرواية بيان لرواية ابن رئاب، وعليه فيختص قول الإمام (فإن كنّ كما دخلن) بالوقاع والدخول المعروف، ولا يشمل الافتضاض بالبكارة، ويسقط الاستدلال برواية ابن رئاب. ومهما يكن فإنّ فتوى السيد الخوئي تتفق مع ما جاء في (منهاج الصالحين) للسيد الحكيم حيث قال: (إذا أزال بكارتها بإصبعه من دون رضاها استقر المهر)، ومع فتوى الشيخ أحمد كاشف الغطاء في سفينة النجاة، باب الحدود.


اختلاف الزوجين

اختلاف الزوجين تارة يكون في أصل الدخول، وأخرى في تسمية المهر، وثالثاً في مقداره، ورابعاً في قبضه، وخامساً في أنّ الذي قبضَته هدية أو مهر، فهنا مسائل:

١ - إذا اختلف الزوجان في الدخول فللحنفية قولان، أرجحهما أنّ المرأة إذا ادعت الوطء أو الخلوة وأنكر الزوج كان القول قولها؛ لأنّها تنكر سقوط نصف صداقها. (الفقه على المذاهب الأربعة).

وقال المالكية: (إن زارته في بيته، وادعت الوطء وأنكر صُدّقت بعد أن تحلف اليمين، وإن زارها هو في بيتها، وادعت الوطء وأنكر عُمل بقوله مع يمينه، وكذلك إذا زارا أجنبياً في بيته، وادعت الوطء وأنكر كان القول قوله).

وقال الشافعية: إذا اختلفا في الوطء فالقول قول الزوج. (مقصد النبيه).

وقال الإمامية: إذا اختلف الزوجان في الدخول، فقالت هي: لم يدخل؛ لتُثبت أنّ لها حق الامتناع عنه حتى تقبض معجل المهر.


وقال هو: دخلت؛ ليُثبت أنّ امتناعها بغير مبرر شرعي. أو قال هو: لم أدخل؛ كي يسقط عنه نصف المهر بالطلاق، وقالت هي: دخل؛ لتُثبت المهر كاملاً ونفقة العدة. فالمعول على قول منكِر الدخول، سواء أكان الزوج أم الزوجة. ولا أثر للخلوة كما تقدم.

ولسائلٍ أن يسأل: كيف قال الإمامية هنا: يؤخذ بقول مَن ينكر الدخول، مع أنّهم أخذوا بقول العنين لو ادعى الدخول كما أسلفنا؟

والجواب: إنّ النزاع هنا وقع في أصل الدخول، وهو شيء حادث، والأصل يقتضي عدمه، وعلى مَن يدّعي حدوثه البينة، أمّا النزاع في مسألة العنة فهو نزاع في وجود العيب الموجب لفسخ الزواج، فقول الزوجة (لم يدخل) يرجع إلى دعواها وجود العيب، فتكون مدعية، وقوله هو (دخلت) يرجع إلى نفي العيب فيكون منكِراً.

٢ - إذا اختلفا في أصل التسمية، فقال أحدهما: اقترن العقد بذكر المهر الصحيح، وقال الآخر: بل وقع مجرداً عن التسمية. قال الإمامية والحنفية: البينة على مدعي التسمية، واليمين على مَن أنكرها، ولكن إذا كانت الزوجة هي التي ادعت التسمية والزوج هو المنكِر، وحلف على عدم التسمية بعد عجزها عن الإثبات تُعطى مهر المثل بعد الدخول على شريطة أن لا يزيد مهر المثل عمّا تدّعيه، فلو قالت: جرى العقد بعشرة وأنكر هو، وكان مهر المثل عشرين تُعطى عشرة فقط، عملاً باعترافها بأنّها لا تستحق أكثر من ذلك.

وقال الشافعية: هما متداعيان، أي أنّ كلاً منهما مدعٍ ومنكِر، فإن أقام أحدهما البينة وعجز عنها الآخر حُكم لصاحب البينة، وإن أقاماها معاً أو عجز عنها معاً تحالفا وثبت مهر المثل.

٣ - إذا اتفقا على أصل التسمية، واختلفا في قدر المسمّى، فقالت


هي: عشرة. وقال هو: خمسة. قال الحنفية والحنابلة: القول قول مَن يدّعي مهر المثل منهما، فإن ادعت المرأة مهر المثل أو أقلّ فالقول قولها، وإن ادعى الزوج مهر المثل أو أكثر فالقول قوله. (المغني، وابن عابدين).

وقال الشافعية: هما متداعيان، فإن لم يكن لأحدهما بينة تحالفا، وثبت مهر المثل.

وقال الإمامية والمالكية: الزوجة مدعية عليها البينة، والزوج منكِر عليه اليمين.

٤ - إذا اختلفا في قبض المهر، فقالت هي: لم أقبض. وقال هو: بل قبضَت. قال الإمامية والشافعية والحنابلة: القول قول الزوجة فهي المنكرة، وهو المدعي عليه الإثبات.

وقال الحنفية والمالكية: القول قول الزوجة إذا كان الاختلاف قبل الدخول، وقول الزوج إذا كان بعد الدخول.

٥ - إذا اتفقا على أنّ الزوجة أخذت شيئاً من الزوج، ثمّ اختلفا، فقالت هي: إنّه هدية. وقال هو: إنّه مهر. قال الإمامية والحنفية: القول قول الزوج؛ لأنّه أدرى بنيته فعليه اليمين، وعليها البينة على أنّه هدية. (الجواهر، وابن عابدين).

هذا إذا لم تكن هناك قرائن حالية من عادة العرف، أو أوضاع الزوج الخاصة تدل على أنّه هدية، كما لو كان من نوع المأكول أو بذلة ثياب، أو ما يسمّيه اللبنانيون في زماننا بالعلامة، والمصريون بالشبكة، وهو خاتم وما أشبه ممّا يهديه الخاطب للمخطوبة كي لا تقبل خاطباً سواه، فإن كان شيء من ذلك يكون القول قول الزوجة لا قول الزوج.


وإذا عدلت هي عن الزواج بعد أن استلمت علامة الخطبة وقبل إجراء العقد، فعليها إرجاعها لو طالب بها، وإذا عدل هو فالعرف لا يرى له الحق في الاسترجاع، ولكنّ القواعد الشرعية لا تفرق بين عدوله وعدولها، وتلزمها بارجاع الهدية ما دامت عينها باقية ولم تتصرف فيها ببيع أو هبة، أو تغير هيئتها إلى هيئة أخرى.


الجهاز

اتفق الإمامية والحنفية على أنّ المهر ملك خاص للزوجة، وحق من حقوقها، تفعل به ما تشاء من هبة أو شراء جهاز، وتحتفظ به لنفسها، ولا يحق لأحد معارضتها فيه، وكل ما تحتاج إليه من كسوة وفراش وأدوات ضرورية لإعداد البيت وتجهيزه فهو على الزوج وحده، وليست هي ملزمة بشيء منه؛ لأنّ النفقة بجميع أنواعها تُطلب من الزوج خاصة.

وقال المالكية: على الزوجة أن تشتري ممّا تقبضه من مهرها كل ما جرت به عادة أمثالها من الجهاز، وإذا لم تقبض شيئاً من المهر فلا يجب عليها الجهاز إلاّ في حالتين: الأُولى: إذا كان عُرف بلدها يوجب على المرأة الجهاز، وإن لم تقبض شيئاً. الثانية: أن يشترط الزوج عليها أن تجهز البيت من مالها الخاص.

إذا اختلف الزوجان في شيء من أدوات البيت يُنظر: هل يصلح للرجال فقط، أو للنساء فقط، أو لهما معاً. فالحالات ثلاث:

١ - أن يصلح للرجال فقط، كثياب بدنه، وكتبه، وأدوات الهندسة والطب إن كان مهندساً أو طبيباً وهذا النوع يؤخذ بقول


الزوج مع يمينه إلاّ أن تقوم البينة على أنّه للزوجة. هذا رأي الإمامية والحنفية.

٢ - أن يصلح للنساء فقط، كثياب بدنها، وحليها، ومكنة الخياطة، وأدوات زينتها ويؤخذ بقولها مع يمينها إلاّ أن تقوم البينة على أنّه للزوج. الإمامية والحنفية.

٣ - أن يصلح لهما معاً، كالسجاجيد والأسرّة، وما إليها، وهذا يُعطى لصاحب البينة منهما، فإن لم يكن لأحدهما بينة يحلف كل منهما على أنّ المتاع له خاصة، وبعد التحالف يقسّم بينهما مناصفة، وإن حلف أحدهما وامتنع الآخر عن اليمين أُعطي المتاع للحالف. هذا هو رأي الإمامية.

أمّا أبو حنيفة وصاحبه محمد فقد ذهبا إلى أنّ القول قول الزوج في كل ما يصلح لهما.

وقال الشافعية: إذا اختلف الزوجان في متاع البيت فهو بينهما، سواء في ذلك ما يصلح لهما وغيره. (ملحقات العروة للسيد كاظم - باب القضاء، والأحوال الشخصية - أبو زهرة).


النسب

للانسان أن يتكلم ما يشاء، وليس لأحد من الناس أن يحجر عليه القول، ما دام كلامه لا يتنافى مع القانون والأخلاق، ولكنّه لا يجب على أحد أيضاً أن ينظر إلى كلامه بعين الاهتمام والعناية - سواء أكان المتكلم عظيماً أم حقيراً، قديساً أم غير قديس - إذا خرج كلامه عن دائرة اختصاصه، فلو أبدى ضليع في علم القانون رأيه في مسألة طبية أو زراعية لا يجوز للمدّعي أن يحتج به، ولا للقاضي أن يدعم به حكمه.

وكذلك الأنبياء والرسل وأئمة الدين والفقه لا يجب على أحد أن يذعن ويؤمن بقولهم، إذا تكلموا في الأمور الطبيعية كخلق السماوات والأرض، وما بينهما من البعد والمسافة، ومبدأهما ومنتهاهما، وعناصرهما وقواهما، فإنّ القديسين قد يخبرون عن الشيء بصفتهم الدينية وقد يخبرون عنه صفتهم الشخصية، ككل إنسان يقول ما يسمع ويظن، فما كان من النوع الأوّل يجب أن نسمع لهم ونطيع، ما دام حكمهم لا يتجاوز دائرة اختصاصهم، وما كان من النوع الثاني لا يجب التدين به؛ لأنّه ليس إخباراً عن الدين وشؤونه.

فالمتشرع - دينياً كان أو غير ديني - تنحصر وظيفته في بيان الأحكام


والقوانين في الحث على الفعل أو الزجر عنه، أو بيان الأسباب والموجبات، وأنّ هذا العقد يجب العمل بمقتضاه والوفاء به، وذاك لا يجب، وما إلى ذلك ممّا يحفظ النظام ويحقق الصالح العام.

أمّا الأشياء الطبيعية، كأقل مدة الحمل وأقصاها، فليس للشارع إثباتها ولا نفيها ولا تعديلها؛ لأنّ سنن الطبيعة وأسبابها لا تختلف ولا تتغير بتغير الأوضاع والأزمان، على العكس من الأمور التشريعية فإنّ وجودها ونفيها وتعديلها يرتبط بإرادة المشرّع ومشيئته.

أجل، لرجل التشريع أن يأخذ من الأعيان الطبيعية الخارجية موضوعاً لأحكامه - مثلاً - له أن يقول: للحمل نصيب في ميراث مَن تولد من مائه، وإنّه يزداد في راتب الموظف إذا ولد له، وإنّه إذا زاد إنتاج الحنطة عن مؤونة المزارعين يحجز الزائد لحساب الميرة، وهكذا.

أمّا بيان هذه المواضيع التي أُنيطت بها الأحكام والقوانين، فمن وظيفة أهل الخبرة والمعرفة، وإذا جاء بيانها وتحديدها على لسان أئمة الفقه يكون بيانهم إمضاء لتقرير الخبراء ليس غير، كما يستعين القاضي بهم عند الاقتضاء، وإذا انكشف الواقع وتبين خطأ التحديد فلا يجب العمل بقول الفقهاء؛ لانّنا نعلم علم اليقين أنّهم يتكلمون عن شيء موجود قبل التشريع، وأنّ مرادهم من التحديد هو الكشف والحكاية عن ذلك الموجود، وقد تبين العكس، فيكون العمل بقولهم - والحالة هذه - مخالفاً لما يريدون ويقصدون، والفقهاء أنفسهم يسمّون هذا النوع من الخطأ (اشتباه في التطبيق) كقول القائل: أعطني هذا القدح. مشيراً إلى حجر يشبه القدح.

وبعد هذا التمهيد ندخل في صُلب الموضوع: لما كان الولد موضوعاً لكثير من الأحكام الشرعية، كاستحقاق الإرث من أبيه، وتحريم الزواج من الأخت، وثبوت الولاية للأب عليه وعلى ماله إلى أن يبلغ، ووجوب النفقة، وما إلى ذلك من الحقوق الشرعية والأخلاقية، لما كان الأمر كذلك


تعرض الفقهاء لتحديد أقلّ مدة الحمل وأكثرها. وبديهة أنّ هذا البحث من اختصاص الأطباء لا الفقهاء؛ وعليه لا يجب العمل بقولهم إذا خالف العيان والواقع؛ لأنّ منطق الواقع أقوى من منطقهم، وحجته أقوى من حجتهم في هذه المواضيع، وقد اندحرَت أمامه أقوال الفلاسفة وعلماء الطبيعة، فبالأحرى أن تندحر أمامه أقوال مَن تكلموا عن الأشياء التي لا تمتّ إلى اختصاصهم بصلة قريبة ولا بعيدة. ونحن ننقل أقوال المذاهب الإسلامية في مدة الحمل قلة وكثرة على هذا الأساس، أساس عدم وجوب التدين بشيء من ظاهر أقوالهم إذا خالفت الواقع والحقيقة.

أقلّ مدة الحمل:

اتفقت كلمة المذاهب الإسلامية من السنة والشيعة على أنّ أقلّ مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنّ الآية ١٥ من سورة الأحقاف نصّت على أنّ حمل الولد ورضاعه ثلاثون شهراً( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ) ، والفصال: هو الرضاع. ثمّ نصّت الآية ١٤ من سورة لقمان على أنّ الرضاع يكون في عامين كاملين( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) ، ومتى أسقطنا العامين من الثلاثين شهراً يبقى ستة أشهر، وهي أقلّ مدة الحمل، والطب الحديث أيّد ذلك، وبه أخذ المشرِّع الفرنسي.

وينتج عن ذلك أحكام:

١ - إذا تزوج رجل وامرأة، ثمّ وضعت ولداً حياً كامل الصورة قبل مضي ستة أشهر، فلا يُلحق الولد بالزواج، وقال الشيخ المفيد والشيخ الطوسي من الإمامية والشيخ محي الدين عبد الحميد من الحنفية: يكون أمر الولد في هذا الحال بيد الزوج إن شاء نفاه وإن شاء أقرّ به وألحقه بنفسه، ومتى أقرّ به - والحالة هذه - يكون ولداً شرعياً


للزوج، له ما للأولاد الشرعيين وعليه ما عليهم(١) .

وإذا اختلف الزوجان في زمن المقاربة، فقالت هي:

قاربتَني منذ ستة أشهر أو أكثر، فالولد لك. فقال هو: بل قاربتُك لأقلّ من ستة أشهر، فالولد لغيري. قال أبو حنيفة: تُصدّق هي، ويُعمل بقولها بلا يمين(٢) .

وقال الإمامية: إن كان هناك وقائع وقرائن تدلّ على قولها أو على قوله عُمل بحسبها، وإن فُقدت الأدلة واشتبهت الحال أخذ القاضي بقولها بعد أن يحلّفها اليمين على أنّه قاربها منذ ستة أشهر، ولُحق الولد بالزوج(٣) .

٢ - إذا طلّق الرجل زوجته بعد أن قاربها، فاعتدت، ثمّ تزوجت وأتت بولد لدون ستة أشهر على زواجها من الثاني، ولكن مضى على مقاربة الزوج لها ستة أشهر فأكثر، على أن لا تزيد مدة المقاربة عن أقصى زمن الحمل - إذا كان الأمر كذلك - لُحق الولد بالأوّل، وإذا مضى على زواجها من الثاني ستة أشهر لُحق بالثاني.

٣ - إذا طلّقها وتزوجت، ثمّ ولدت لدون ستة أشهر من مقاربة الثاني ولأكثر من أقصى زمن الحمل من مقاربة الأوّل نُفي عنهما معاً - مثلاً - لو مضى على طلاق امرأة ثمانية أشهر وبعدها تزوجت بآخر فمكثت عنده خمسة أشهر، وولدت ولداً، وافترضنا أنّ أقصى مدة الحمل سنة، لا يمكن إلحاق الولد بالأوّل؛ لأنّه مضى على المقاربة أكثر من سنة، ولا إلحاقه بالثاني؛ لأنّه لم تمضِ ستة أشهر.

هذه الفروع صحيحة بكاملها إذا حاكمناها على ضوء الواقع.

____________________

(١) كتاب الجواهر للشيعة باب الزواج أحكام الأولاد، وكتاب الأحوال الشخصية لمحمد محي الدين ص٤٧٦.

(٢) الدرر شرح الغرر ج١ ص ٣٠٧.

(٣) الوسيلة الكبرى للسيد أبي الحسن باب الزواج فصل الأولاد.


أقصى مدة الحمل عند السنّة:

قال أبو حنيفة: أقصى مدة الحمل سنتان؛ لقول عائشة: ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين.

وقال مالك والشافعي وابن حنبل: أربع سنين، مستندين في ذلك إلى أنّ امرأة عجلان كان الحمل يمكث في بطنها أربع سنين، ومن الغريب أنّ امرأة ابنه محمد مكث الحمل في بطنها أربع سنين، بل نساء بني عجلان جميعهن يحملن أربع سنين(١) ، ولله في خلقه شؤون.

وهذا الاستدلال إن دلّ على شيء فانّما يدلّ على قداسة هؤلاء الفقهاء، وطيب نياتهم، وكثيراً ما يغلب منطق القداسة منطق الواقع.

وقال عباد بن عوام: أقصى مدة الحمل خمس سنين. وقال الزهري: سبع سنين. وقال أبو عبيد: ليس لأقصى الحمل حد(٢) .

ويترتب على هذه الأقوال المتناقضة المتضاربة أنّه لو طلّقها أو مات عنها الزوج، ولم تتزوج بعده، وأتت بولد لحقه بعد سنتين عند أبي حنيفة، وبعد أربع عند الشافعي والمالكي والحنبلي، وبعد خمس عند بن عوام، وبعد سبع عند الزهري، وبعد عشرين عاماً عند أبي عبيد.

وقد كفانا التشريع المصري محاكمة هذه الأقوال، فقد كان العمل بمحاكم مصر الشرعية على مذهب أبي حنيفة إلى أن صدر القانون رقم ٢٩ سنة ١٩٢٩، فنصّت المادة ١٥ منه على أنّ أكثر مدة الحمل سنة فقط(٣) .

____________________

(١) المغني لابن قدامه طبعة ثالثة ج٧ ص ٤٧٧، وفي كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، ج٤ ص ٥٢٣ الطبعة الأُولى: إنّ أقصى مدة الحمل عند المالكية خمس سنين.

(٢) المغني لأبن قدامة طبعة ثالثة ج٧ ص ٤٧٧.

(٣) الأحوال الشخصية لمحمد محيي الدين ص٤٧٤.


أقصى مدة الحمل عند الشيعة:

اختلف علماء الإمامية في أقصى مدة الحمل، فقال أكثرهم: إنّها تسعة أشهر. وقال بعضهم: عشرة أشهر. وبعض آخر: سنة كاملة. وأجمعوا بكاملهم على أنّها لا تزيد ساعة واحدة عن السنة، فإذا طلّقها الزوج أو مات عنها، ثمّ ولدت بعد سنة ولو ساعة لم يلحقه الولد؛ لقول الصادق:(إذا طلّق الرجل زوجته، وقالت: أنا حبلى، وجاءت به لأكثر من سنة ولو ساعة واحدة لم تُصدّق في دعواها) (١) .

ولَدُ الشبهة:

الشبهة: أن يقارب الرجل امرأة تحرم عليه مع جهله بالتحريم، وهي على قسمين: شبهة عقد، وشبهة فعل.

١ - شبهة العقد: أن يجري رجل عقد زواجه على امرأة، كسائر الأزواج الشرعيين، ثمّ يتبين فساد العقد، لسبب من الأسباب الموجبة للفساد.

٢ - شبهة الفعل: يقارب رجل امرأة من غير أن يكون بينهما عقد صحيح ولا فاسد، بل يقاربها غير منتبه إلى شيء أبداً، أو اعتقد أنّها تحلّ له ثمّ تبين العكس.

ويدخل في هذه مقاربة المجنون والسكران والنائم، ومَن قارب امرأة على أنّها زوجته ثمّ ظهر أنّها أجنبية عنه.

وتوسع أبو حنيفة في معنى الشبهة إلى أبعد الحدود حيث قال: (إذا استأجر رجل امرأة لعمل شيء فزنى بها، أو استأجرها ليزني بها، وفعل ذلك فلا حد عليهما؛ لأنّ مِلك منفعتها شبهةٌ)(٢) .

____________________

(١) كتاب الجواهر وكتاب المسالك والحدائق وسائر كتب الشيعة.

(٢) المغني لأبن قدامة طبعة ثالثة ج٨ ص ٢١١.


وعلى هذا لو كانت عاملة في محل تجاري أو مصنع، وقاربها صاحب المحل معتقداً أنّ المقاربة من جملة منافعها التي تدخل في ملكه لا يكون ذلك زنا، بل شبهة يُعذر لأجلها عند أبي حنيفة.

ويترتب على ما تقدم أنّ مَن تولّد بسبب الشبهة فهو ولد شرعي كمن تولّد من الزواج الصحيح من دون تفاوت، سواء أكانت الشبهة عقد أم شبهة فعل، فمن قارب امرأة وهو سكران أو نائم أو مجنون أو مكروه، أو قبل أن يدرك سن البلوغ، أو ظن أنّها زوجته ثمّ تبين العكس، وولدت ولداً لحق به شرعاً.

وقال الإمامية: يثبت النسب الشرعي بكل ما تتحقق به الشبهة، ولو نفى المشتبه الولد لا ينتفي عنه بحال، بل يُلزم به قهراً عنه(١) .

وفي كتاب الأحوال الشخصية لمحمد محيي الدين ص ٤٨٠: إنّ النسب لا يثبت بأي نوع من أنواع الشبهة إلاّ إذا ادعى المشتبِه الولد، وأقرّ به؛ لأنّه أعلم بنفسه. ويلاحظ على هذا القول: إنّه لا يصحّ بالقياس إلى المجنون والنائم والسكران؛ لأنّهم لا يعملون بأنفسهم، ولا يتم أيضاً في شبهة العقد؛ لأنّه لا فرق بين العقد الصحيح والعقد الفاسد بشيء إلاّ في وجوب التفريق بين الرجل والمرأة إذا تبين العكس، هذا وقد اتفق السنّة والشيعة على أنّه متى تحققت الشبهة بأحد معانيها تجب على المرأة العدة كالمطلّقة، كما يجب لها المهر كاملاً، فهي في حكم الزوجة عدةً ومهراً وثبوت نسب(٢) .

ثمّ إنّ الشبهة قد تكون من الرجل والمرأة، بأن يكون كل منهما غير عالم ولا ملتفت، وقد تكون الشبهة من طرف واحد، كما لو كانت المرأة عالمة أنّ لها زوجاً شرعياً، واخفته عن الرجل، أو كان هو منتبهاً،

____________________

(١) الجواهر والحدائق وسائر كتب الشيعة.

(٢) كتاب المغني لابن قدامة ج٧ ص ٤٨٣ - و ج٦ ص ٥٣٤، وكتاب الجواهر والمسالك للشيعة.


وهي مجنونة أو سكرانة. فاذا كانت الشبهة من الطرفين لحق الولد بهما معاً، وإذا كانت من طرف واحد لحق الولد بالمشتبِه، ونُفي عن غير المشتبِه.

ومَن قارب امرأة، وادعى الجهل بالتحريم قُبِل قوله بلا بينة ولا يمين(١) .

ومهما يكن، فإنّ أصول التشريع عند السنّة والشيعة تستدعي عدم جواز الحكم على إنسان تولّد من ماء إنسان أنّه ابن زنا، متى أمكن حمله على أنّه ابن شبهة، فإذا توفر لدى القاضي ٩٩ حيثية للحكم بأنّه ابن زنا، وحيثية واحدة بأنّه ابن شبهة وجب عليه الأخذ بهذه الحيثية وطرح الـ ٩٩، ترجيحاً للحلال على الحرام وللصحيح على الفاسد؛ لقوله تعالى:( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ...ً ) ، ( اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) . وذكر المفسرون أنّ النبي خطب يوماً، فقام إليه رجل يطعن الناس بنسبه، وقال: يا نبي الله، مَن أبي؟ فقال له: (أبوك حذافة بن قيس). وقام إليه آخر وقال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: (أبوك في النار). فنزلت الآية ١٠١ من سورة المائدة:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) (٢) .

وثبت عن النبي بطريق السنّة والشيعة:(الحدود تدرأ بالشبهات) ، (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)(٣) .

وقال الإمام علي بن أبي طالب: (ضع أمر أخيك على أحسنه). وقال الإمام الصادق: (كذِّب سمعك وبصرك عن أخيك)(٤) .

____________________

(١) المغني ج٨ ص ١٨٥.

(٢) مجمع البيان في تفسير القرآن.

(٣) رسائل الشيخ الأنصاري باب البراءة.

(٤) نفس المرجع باب أصل الصحة.


فهذه الآيات والأحاديث الصحيحة الصريحة وكثير غيرها تُحتّم على كل إنسان أن لا يشهد ولا يحكم على أحد أنّه تولّد من حرام، إلاّ بعد الجزم واليقين أنّه ليس في واقع الأمر أي نوع من أنواع الشبهة.

ولد المتعة:

هنا حقيقة يجهلها الكثيرون، وإنّي أشكر مَن سألني الكتابة في هذا الموضوع، حيث أتاح لي الفرصة لبيان هذه الحقيقة الشرعية والتاريخية، وسأتوخى الاختصار ما استطعت على أن أكون راوياً وناقلاً، لا مغرظاً ولا ناقداً، بل أدَع الحكم للقارئ وحده، ولا أقطع عليه الطريق بالتخطئة أو التصويت.

اتفق الشيعة والسنّة على أنّ نكاح المتعة كان حلالاً بحكم الرسول، وأنّ المسلمين تمتعوا في عهده. ولكنّهم اختلفوا في ثبوت النَّسخ، فقال السنّة: إنّ المتعة نُسخت وحُرّمت بعد أن كانت حلالاً(١) .

وقال الشيعة: لم يثبت النسخ، كانت حلالاً ولم تزل كذلك إلى يوم القيامة. وممّا استدل به الشيعة الآية ٢٣ من سورة النساء:( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) ، وما رواه مسلم في صحيحه:(استمتع الأصحاب في عهد رسول الله وأبي بكر وعمر) .

وزواج المتعة زواج إلى أجل معيّن، وهو عند الشيعة كالزواج الدائم لا يتم إلاّ بعقد صحيح دالٍ على قصد الزواج صراحة، وكل مقاربة تحصل بين رجل وامرأة من دون عقد فلا تكون متعة حتى مع التراضي والرغبة، ومتى تم العقد كان لازماً يجب الوفاء به.

____________________

(١) المغني طبعة ثالثة ج٦ ص٦٤٤.


ولا بدّ في عقد المتعة من ذكر المهر، وهو كمهر الزوجة الدائمة لا يتقدر بقلّة أو كثرة، ويسقط نصفه بهبة الأجل أو انقضائه قبل الدخول، كما يسقط نصف مهر الزوجة الدائمة بالطلاق قبل الدخول.

وعلى المتمتَّع بها أن تعتد بعد انقضاء الأجل كالمطلّقة، سوى إنّ المطلّقة تعتد بثلاثة أشهر أو ثلاث حيضات، وهي تعتد بحيضتين أو خمسة وأربعين يوماً، أمّا عدة الوفاء فأربعة أشهر وعشرة أيام كالزوجة الدائمة، سواء حصل الدخول أو لم يحصل.

وولدُ المتعة ولدٌ شرعي، له جميع ما للأولاد الشرعيين من غير استثناء لحق من الحقوق الشرعية والأخلاقية.

ولا بدّ في المتعة من أجل معيّن يُذكر في متن العقد، ولا ترث الزوجة المتمتَّع بها من تركة الزوج، ولا تجب لها النفقة على الزوج، والزوجة الدائمة لها الميراث والنفقة، ولكنّ للمتمتَّع بها أن تشترط على الزوج ضمن العقد النفقة والميراث وإذا تم هذا الشرط كانت الزوجة من المتعة كالزوجة الدائمة(١) .

هذا، ولكنّ شيعة لبنان وسوريا والعراق لا يستعملون المتعة على الرغم من إيمانهم بجوازها وإباحتها، وهذه المحاكم الشرعية الجعفرية في لبنان لم تجز ولم تأذن بزواج المتعة منذ إنشائها إلى اليوم.

ولد الزنا:

مَن تتبع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكلمات الفقهاء، يجد أنّ الإسلام لم يدع مجالاً لأحد أن يتّهم غيره بالزنا، وقد جعل طريق

____________________

(١) كتاب الجواهر.


إثباته والحكم به متعسراً ومتعذراً، حيث اكتفى بشاهدي عدل لثبوت جريمة القتل، أمّا الزنا فلا يثبت شرعاً إلاّ بأربعة عدول يشهدون أنّهم رأوا المرود في المكحلة، ولا يكفي في شهادتهم أن يقولوا: فلان زنى بفلانة، أو إنّهم رأوهما عاريين متعانقين في فراش واحد تحت لحاف واحد. وإذا شهد بالزنا ثلاثة شهود، ولم يشهد الرابع وجب أن يُجلد كل واحد من الشهود ثمانين جلدة، وكذا مَن اتهم رجلاً أو امرأة بالزنا جُلد ثمانين(١) .

والغرض من ذلك كله الستر على الناس وعدم الهتك، والمحافظة على العائلة والأسرة خوفاً من ضياع النسل وتشريد الأطفال.

والزنا هو صدور الفعل بمعناه الحقيقي من البالغ العاقل العالم بالتحريم المختار في الفعل، فلا يتحقق ممّن هو دون البلوغ، ولا من المجنون والجاهل، ولا من المكرَه والسكران، بل يكون فعلهم - والحالة هذه - شبهة، وقدّمنا الكلام عليها وعلى حكمها.

ومن هنا يتبين أنّ الشريعة الإسلامية قد ضيقت الأمر في مسألة الزنا أيّ تضييق، ضيقت معناه: إذ جعلته الفعل عن علم وتصميم على نحو لا يمكن الحمل على الغلط والاشتباه بحال من الأحوال، وضيقت طريق إثباته: إذ حصرته بأربعة عدول يرون بالعين ولا يمكن رؤيته بحسب العادة، وعلى افتراض أنّ شاهداً واحداً رأى ذلك فلا يمكن أن يراه ثلاثة، ولو رآه ثلاثة لا يمكن أن يراه أربعة، كل ذلك يدلّ دلالة صريحة على أنّ الإسلام سد هذا الباب سداً محكماً في وجه مَن يحاول الكلام في هذا الموضوع الشائك؛ لأنّ الله سبحانه لا يحب أن تشيع الفاحشة في خلقه.

وقد أجمع فقهاء المذاهب - إذا تحقق الزنا بهذا المعنى وهذه الطريق -

____________________

(١) كتاب اللمعة للشيعة ج٢ باب الحدود، وكتاب المغني للسنّة ج٨ ص ١٩٨ وما بعدها.


على أن لا توارث بين ولد الزنا ومَن تولد من مائه؛ لانّه لا يُنسب إليه شرعاً.

ولكنّهم وقعوا في معضلة شرعية من جراء فتواهم بحرمان ابن الزنا من الإرث، وحاروا في وجود المـَخرج، وصعب عليهم التخلص، وهي: إذا كان ولد الزنا لا يُنسب شرعاً إلى مَن تولد من مائه فعليه ينبغي - والحالة هذه - أن لا يحرم على الرجل زواج بنته من الزنا، ولا يحرم على ابن الزنا أن يتزوج أخته وعمّته ما دام أجنبياً عمّن خُلق من مائه، فابن الزنا إمّا ولد شرعي فيثبت له جميع ما يثبت للأولاد الشرعيين حتى الإرث والنفقة، وإمّا ليس بولد شرعي فيثبت له جميع ما للأولاد غير الشرعيين حتى الزواج بالبنت والأخت، والتفكيك بين آثار الشيء الواحد الذي لا يتجزأ تحكُّم، وترجيح بلا مرجح؛ لذلك نرى الفقهاء اختلفوا هنا بعد أن اتفقوا هناك، أي على حرمانه من الإرث، فقال مالك والشافعي: (يجوز للرجل نكاح بنته وأخته وبنت ابنه وبنت بنته وبنت أخيه وأخته من الزنا؛ لأنّها أجنبية لا تُنسب إليه شرعاً)(١) . وهذا تخلّص من مشكل إلى (أشكل).

وقال الإمامية وأبو حنيفة وابن حنبل: نلتزم بالتفصيل، فنمنعه من الإرث ونحرّم عليه وعلى أبيه المصاهرة والزواج بذات مَحرم، بل يحرم عليهما اللمس والنظر فضلاً عن الزواج، فلا يجوز للأب أن ينظر أو يلمس ابنته من الزنا، ومع ذلك لا يرثها ولا ترثه(٢) .

واستدلوا على تحريم المصاهرة بأن ولد الزنا ولد لغة وعرفاً فيحرم عليه وعلى أبيه ما يحرم على الآباء والأبناء، واستدلوا على عدم التوارث بأنه ليس بولد شرعي، بصريح الآيات والروايات.

____________________

(١) المغني لابن قدامة طبعة ثالثة ج٦ ص٥٧٨.

(٢) المغني ج٦ ص٥٧٧ للسنّة، وكتاب المسالك للشيعة ج١ باب الزواج فصل المصاهرة.


اللقيط:

اللقيط: أن يجد إنسان طفلاً لا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضراً، فيضمه إليه، ويكفله مع سائر عياله. وقد أجمعت كلمة المذاهب الإسلامية على أنّه لا توارث بين اللقيط والملتقِط؛ لأنّه عمل متمحض للخير والإحسان والتعاون على البر والتقوى، فمثله مثل إنسان وهب آخر مبلغاً كبيراً من المال تقرباً إلى الله، فجعله غنياً بعد الفقر وعزيزاً بعد الذل، فكما أنّ هذا الإحسان لا يكون سبباً للتوارث، كذلك الالتقاط.

التبنّي:

التبنّي: أن يقصد إنسان إلى ولد معروف النسب فينسبه إلى نفسه. والشريعة الإسلامية لا تعتبر التبنّي سبباً من أسباب الإرث؛ لأنّه لا يغير الواقع عن حقيقته بعد أن كان نسب الولد ثابتاً ومعروفاً، والنسب لا يقبل الفسخ، ولا يسقط بالإسقاط، وبذلك صرحت الآية (٤) من سورة الاحزاب:( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ ِلأَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ...) . وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية قصة طريفة: سُبي زيد بن حارثة في الجاهلية، فاشتراه رسول الله، وبعد الإسلام جاء حارثة إلى مكة وطلب من الرسول أن يبيعه ابنه زيداً أو يعتقه، فقال الرسول: (هو حرّ فليذهب حيث شاء). فأبى زيد أن يفارق رسول الله، فغضب أبوه حارثة، وقال: يا معشر قريش، اشهدوا أنّ زيداً ليس ابني. فقال الرسول: (اشهدوا أنّ زيداً هو ابني)(١) .

____________________

(١) مجمع البيان في تفسير القرآن.


وذكر الفقهاء في هذا الباب فروعاً كثيرة، منها: ما لا يقبله عقل ولا شرع، كالذي نقله صاحب كتاب المغني ج٧ ص٤٣٩ عن أبي حنيفة: (لو تزوج رجل امرأة في مجلس ثمّ طلّقها فيه قبل غيبته عنه، أو تزوجها وهو في المشرق وهي في المغرب ثمّ أتت بولد لستة أشهر من حين العقد لحقه الولد). ومنها: لا نعلم مكانه من الصحة في نظر الطب، كالذي ذكره صاحب المغني أيضاً في نفس المجلد والصفحة: (إن كان الزوج طفلاً له من العمر عشر سنين، فحملت امرأته لحقه ولدها)، وكالذي نقله صاحب المسالك من الشيعة ج٢ فصل أحكام الأولاد: (إذا تحقق الدخول من الرجل ولم يُنزل لحقه الولد).


التلقيح الصناعي

يدور الآن نقاش حاد في العالم الغربي حول الجواب عن السؤال التالي:

إذا كان الزوج عقيماً لا يولد له، واتفق مع زوجته على أن تُلقّح تلقيحاً صناعياً بنطفة رجل أجنبي دون مقاربة، فهل يجوز ذلك؟

وقد أُثيرت هذه المشكلة بمجلس العموم البريطاني، وأُحيلت إلى لجنة مختصة لبحثها. وفي ايطاليا أصدر البابا أمراً بالتحريم. وفي فرنسا قال الأطباء: إنّه جائز إذا كان بموافقة الزوجين. وفي النمسا تعترف الدولة بالمولود كطفل شرعي للزوجين إلاّ إذا اعترض الزوج قانونياً على ذلك.

ولم يتعرض فقهاء الإسلام لهذه المسألة فيما أظن، لأنّها موضوعٌ حديث، ولكن نقل علماء الإمامية في باب الحدود: إنّ الحسن بن علي سئل عن امرأة قاربها زوجها، ولما قام عنها وقعت على بكر فساحقتها وألقت فيها النطفة، فحملت البكر، فقال:(يؤخذ من الكبيرة مهر البكر؛ لأنّ الولد لا يخرج حتى تذهب عُذرتها، ثمّ تُرجم الكبيرة؛ لأنّها محصنة، وينتظر بالصغيرة حتى تضع ما في بطنها، ويرد إلى أبيه


صاحب النقطة، ثمّ تُجلد أُم الولد) (١) .

ويستفاد من هذا أربعة أحكام:

١ - رجم الكبيرة.

٢ - تغريمها مهر الصغيرة عوضاً عن البكارة.

٣ - جلد الصغيرة.

٤ - إلحاق الحمل بصاحب الماء.

وقد اختلف فقهاء الإمامية في العمل بهذا الحديث، فمنهم مَن عمل بفقراته كلها، وهم: الشيخ الطوسي وأتباعه، ومنهم مَن أخذ بالفقرات الثلاث الأخيرة دون الأُولى، وهو: صاحب كتاب الشرائع، حيث أوجب الجلد على الكبيرة دون الرجم(٢) . وردّ ابن إدريس الحديث بجميع فقراته معترضاً على رجم الكبيرة بأنّ حد السحق هو الجلد دون الرجم، واعترض على إلحاق الولد بصاحب الماء بأنّه لم يولد على فراشه لا زواجاً ولا شبهة، واعترض ابن إدريس أيضاً على تغريم الكبيرة المهر بأنّ البكر مختارة غير مكرهة، والمساحقة مع الرضا كالزنا لا توجب مهراً. هذا ما وجدته في كتب الفقه ممّا يشبه المسألة من قريب أو بعيد. ومهما يكن فإنّ لدينا مسألتين: الأُولى: هل مثل هذا التلقيح جائز أو محرّم في الشريعة الإسلامية؟ الثانية: لو حصل التلقيح والحمل فما هو حكم الولد، وبمن يُلحق؟

____________________

(١) كتاب الجواهر، وكتاب المسالك باب الحدود.

(٢) قال أكثر فقهاء الإمامية - كما في الجواهر -: إنّ الحد في السحق مائة جلدة، للمتزوجة وغيرها، وللفاعلة والمفعولة. وفي كتاب المغني لابن قدامة ج٨ ص١٨٩ الطبعة الثالثة: لا حدّ في السحق؛ لأنّه ليس بإيلاج، وعليهما التعزير.


التلقيح الصناعي محرّم:

أمّا المسألة الأُولى فليس من شك في تحريم التلقيح، والدليل على ذلك، أوّلاً: إنّنا علمنا من طريقة الشرع وتحذيره وتشديده في أمر الفروج: إنّها لا تستباح إلاّ بإذنٍ شرعي، فمجرد احتمال التحريم كاف في وجوب الكف والاحتياط.

ثانياً: الآية ٣٠ من سورة النور:( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) . أمر الله سبحانه بحفظ العضو التناسلي من المرأة، ولم يذكر متعلق الحفظ، ولم يخصه بالمقاربة أو بأيّ شيء آخر. وقد اتفق الأصوليون وعلماء العربية على أنّ حذف المتعلق يدلّ على العموم، كما أنّ ذكره يدلّ على التخصيص - مثلاً - إذا قيل: احفظ مالك من السارق. دلّ على وجوب التحفظ وصيانة المال من السرقة فحسب، أمّا إذا قيل: احفظ مالك - ولم يذكر المتعلق -. فيدلّ على حفظه من السرقة والإسراف والتلف وغير ذلك. وعلى هذا تدل الآية على حفظ العضو من كل شيء حتى التلقيح. وتُعزّز هذه الآية بالآية (٤) من (سورة المؤمنون):( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ) ، فقوله( فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ) يدلّ على أنّ أيّ عمل يتنافى مع حفظ العضو فهو اعتداء وتجاوز عن الحدود المشروعة إلاّ إذا كان بطريق الزواج أو ملك اليمين، أمّا اختصاص لفظ الآية بالرجال فلا يمنع من الاستدلال على ما نحن فيه؛ لمكان الإجماع على عدم الفرق بين الرجال والنساء في مثل هذه الأحكام.

وربّ قائل يقول: إنّ الآية( يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) لا تدلّ على تحريم التلقيح، وإنّما تدلّ على المنع من المقاربة والمباشرة، وهذا هو المعنى المرتكز في الأذهان والمتبادر من اللفظ. وبكلمة:( يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) تدلّ


بحسب الوضع على المعنى العام الشامل للتلقيح وغيره، ولكنّ الظاهر من اللفظ هو خصوص الزنا، وبديهة أنّ المعول لاستخراج الأحكام الشرعية على الظاهر من اللفظ، لا على المعنى الموضوع له اللفظ.

والجواب: إنّ هذا الظهور طارئ وليس بأصيل، حيث نشأ من أغلبية المباشرة وكثرتها، فهو أشبه بانصراف لفظ الماء في بغداد إلى ماء دجلة، وفي القاهرة إلى ماء النيل، وهذا الظهور لا أثر له أبداً؛ لأنّه يزول بأدنى انتباه، وليس لأحدٍ أن يدّعي أنّ لفظ الماء في بغداد موضوع لماء دجلة فقط، وفي القاهرة لماء النيل فقط، هذا ولو جاز التلقيح الصناعي لجاز لحس الكلاب ...؛ لأنّ كلاً منهما بعيد عن الأذهان.

حكم الحمل:

لو حصل من هذا التلقيح المحرّم حمل، فهل هو ولد شرعي؟ وبمن يُلحق؟ والجواب: أمّا بالنسبة إلى الزوج فلا يلحق به بحال؛ لأنّه لم يتولد من مائه، والتبنّي في الإسلام غير جائز( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ) . وأمّا بالنسبة إلى المرأة الحامل فيلحق بها عند بعض المذاهب الإسلامية؛ لأنّ ولد الزنا يرث أُمه وأقاربه من جهتها، وهؤلاء يرثونه(١) ، وإذا كان ابن الزنا يلحق بأُمه فابن التلقيح بطريق أولى.

أمّا الإمامية فينفون ولد الزنا عن الزانية والزاني، ويقولون: لا توارث بينه وبين أُمه، ولا بينه وبين أبيه. وفرّق آية الله السيد محسن الطباطبائي الحكيم بين ابن الزنا وابن التلقيح، حيث قال ما نصه بالحرف الواحد: (ابن التلقيح يلحق بأُمه؛ لأنّه ولد حقيقة، ولا دليل على نفيه، وما دلّ على نفيه عن الزانية لا يشمل المقام).

____________________

(١) كتاب الميراث في الشريعة الإسلامية للأستاذ علي حسب الله ص٩٤ الطبعة الثنية، وابن عابدين وابن قدامة في كتاب المغني باب الميراث فصل العصبات.


أمّا بالنسبة إلى صاحب النطفة، فقال السيد الحكيم: إنّ الحمل لا يلحق به؛ لأنّ إلحاق الحمل بالرجل يتوقف على أن يباشر بنفسه عملية الجنس، سواء أقدر عليها أم عجز عنها، ولكن سبق منه الماء إلى العضو التناسلي أثناء المحاولة أو انتقل ماء الرجل إلى عضو المرأة بواسطة المساحقة، كما جاء في الرواية المتقدمة عن الإمام الحسن:(ولا يلحق الولد في غير ذلك بصاحب النطقة وإن كان زوجاً) (١) .

وعلى أيّة حال فإنّ التلقيح الصناعي حرام، لا يجرأ على القول بحلّيته مسلم، ولكن التحريم لا يستلزم أن يكون الحمل بسببه ولد زنا، فقد تحرم المقاربة ومع ذلك يكون الولد شرعياً، كمن قارب زوجته وهي في الحيض أو في صوم رمضان، فإنّه يفعل محرماً، ولكنّها لو حملت يثبت النسب بين الحمل وبين الأبوين، وعلى هذا لو ارتكب هذا التلقيح المحرّم إنسان، وحصل الحمل فلا يُنسب الولد إلى الزوج؛ لأنّه لم يتولد من مائه، ولا إلى صاحب النطفة؛ لأنّه لم يباشر عملية الجنس بنفسه لا زواجاً ولا شبهة، ولكنّه يُنسب إلى الحامل؛ لأنّه ولدها حقيقة، فيكون ولدها شرعاً، وكل ولد حقيقي فهو ولد شرعي حتى يثبت العكس.

____________________

(١) من كتاب لسيادة الحكيم مؤرَّخ ٧ رمضان سنة ١٣٧٧ﻫ، جواباً على سؤال يتعلق بالموضوع.


الحضانة

ليس للحضانة أيّة علاقة بالولاية على زواج الطفل، ولا على أُمواله، وإنّما هي رعايته من أجل تربيته وصيانته في المدة التي يحتاج فيها إلى النساء، وهي حق للأُم بالاتفاق. واختلفوا في المدة التي تنتهي فيها حضانة الأُم، وفي الأولى بها بعد الأُم، وفيما يشترط بالحاضنة، واستحقاقها للأجرة، إلى غير ذلك ممّا نبيّنه فيما يلي:

مستحق الحضانة:

إذا تعذّر على الأُم أن تحضن ولدها فإلى مَن ينتقل حق الحضانة؟

الحنفية قالوا: تنتقل من الأُم إلى أُم الأُم، ثمّ أُم الأب، ثمّ الأخوات الشقيقات، ثمّ اللائي لأُم، ثمّ اللائي لأبٍ، ثمّ بنت الأخت الشقيقة، ثمّ بنت الأخت لأُم، وهكذا حتى تنتهي إلى الخالات والعمات.

المالكية قالوا: تنتقل من الأُم إلى أُمها وإن علت، ثمّ الخالة الشقيقة، ثمّ الخالة لأُم، ثمّ خالة الأُم، ثمّ عمة الأُم، ثمّ عمة الأب، ثمّ أُم أُمه، ثمّ أُم أبيه الخ.


الشافعية قالوا: الأُم، ثمّ أُم الأُم وإن علت بشرط أن تكون وارثة، ثمّ الأب، ثمّ أُمه، ثمّ أُم أُمه وإن علت بشرط أن تكون وارثة، ثمّ الأقرب من الإناث، ثمّ الأقرب من الذكور.

الحنابلة قالوا: الأُم، ثمّ أُمها ثمّ أُم أُمها، ثمّ الأب، ثمّ أُمهاته، ثمّ الجد، ثمّ أُمهاته، ثمّ الأخت لأبوين، ثم لأُمٍ، ثمّ لأبٍ، ثمّ الخالة لأبوين، ثمّ لأُمٍ الخ.

الإمامية قالوا: الأُم، ثمّ الأب، وإذا مات الأب أو جنّ بعد أن انتقلت إليه الحضانة، وكانت الأُم ما زالت في قيد الحياة عادت إليها الحضانة، وكانت أحق من جميع الأقارب بما فيهم الجد لأبٍ، حتى ولو كانت متزوجة من أجنبي، وإذا فُقد الأبوان انتقلت الحضانة إلى الجد لأبٍ، وإذا فُقد ولم يكن له وصي كانت الحضانة لأقارب الولد على ترتيب الميراث، الأقرب منهم يمنع الأبعد، ومع التعدد والتساوي - كجدة لأُمٍ وجدة لأبٍ وكالعمة والخالة - أُقرِع بينهم مع الخصومة والتشاح، فمن خرجت القرعة باسمه كان أحق بالحضانة إلى أن يموت أو يُعرض عن حقه(١) ، وهذا هو رأي الحنابلة. (المغني ج٩ باب الحضانة).

شروط الحضانة:

اتفقوا على أنّه يشترط في الحاضنة أن تكون عاقلة أمينة عفيفة، لا فاجرة ولا راقصة، ولا تشرب الخمر، ولا تهمل رعاية الطفل، والغاية من هذه الصفات الاحتفاظ بالطفل صحياً وخلقياً. وهذه الشروط معتبرة أيضاً في الحاضن.

____________________

(١) الجواهر والمسالك باب الزواج مسألة الحضانة.


واختلفوا: هل الإسلام شرط؟ قال الإمامية والشافعية: لا حضانة لكافرٍ على مسلم.

وبقية المذاهب لم يشترطوا الإسلام، إلاّ أنّ الحنفية قالوا: ارتداد الحاضن أو الحاضنة يسقط الحضانة.

وقال الإمامية: يجب أن تكون الحاضنة سليمة من الأمراض السارية.

وقال الحنابلة: تجب سلامتها من البرص والجذام، والمهم أن لا يتضرر الطفل.

وقال الأربعة: إذا طُلّقت الأُم وتزوجت برجل أجنبي عن الطفل تسقط حضانتها، أمّا إذا كان الزوج رحماً للصغير فتبقى الحضانة.

وقال الإمامية: تسقط حضانتها بالزواج مطلقاً، سواء أكان الزوج رحماً أم أجنبياً.

وقال الحنفية والشافعية والإمامية والحنابلة: إذا طُلّقت الأُم من الزوج الثاني يرتفع المانع، وتعود حضانتها بعد أن سقطت بالزواج.

وقال المالكية: لا تعود.

مدة الحضانة:

قال الحنفية: مدة الحضانة سبع سنين للذكر، وتسع للأنثى.

وقال الشافعية: ليس للحضانة مدة معلومة، بل يبقى الطفل عند أُمه حتى يُميّز ويمكنه أن يختار أحد أبويه، فإذا وصل إلى هذه المرحلة يُخيّر بين أُمه وأبيه، فإن اختار الولد الذكرُ الأُم مكث عندها في الليل، وعند أبيه في النهار؛ كي يقوم بتعليمه، وإذا اختارتها الأنثى تستمر عندها ليلاً ونهاراً، وإن اختار الطفل الأب والأُم معاً أُقرع بينهما، وإذا سكت ولم يختر أحداً منهما كان للأُم.


وقال المالكية: مدة حضانة الغلام من حين الولادة إلى أن يبلغ، والأنثى حتى تتزوج.

وقال الحنابلة: مدة الحضانة سبع سنين للذكر والأنثى، وبعدها يُخيّر الطفل بينهما، ويكون مع من يختار منهما.

وقال الإمامية: مدة الحضانة للذكر سنتان، وللأنثى سبع سنين، وبعدها تكون للأب إلى أن تتم الأنثى تسعاً، والذكر خمس عشرة سنة يختار أي الأبوين يشاء(١) .

أجرة الحضانة:

قال الشافعية والحنابلة: للحاضنة الحق في طلب الأجرة على الحضانة أُماً كانت أو غيرها، وصرح الشافعية بأنّه إن كان للصغير مال فالأجرة في ماله، وإلاّ فعلى الأب أو مَن تلزمه نفقته.

وقال المالكية والإمامية(٢) : لا تستحق الحاضنة أجرة على الحضانة، ولكنّ الإمامية قالوا: لها أجرة الرضاع، فإن كان للرضيع مال أُعطيت منه الأجرة وإلاّ فعلى الأب إن كان موسعاً. (الفقه على المذاهب الأربعة ج٤، والمسالك ج٢).

وقال الحنفية: تجب الأجرة للحاضنة إن لم تكن الزوجية قائمة بينها وبين أبي الولد، ولم تكن معتدة من طلاقه الرجعي، وكذلك إذا

____________________

(١) إنّ تخيير الطفل بين الانضمام إلى أُمه أو أبيه في هذه السن لا يتنافى مع نص القانون على أنّ سِنّ البلوغ ١٨ سنة؛ لأنّ هذه السن قد اعتبرها القانون شرطاً للزواج، لا للتخيير في الانضمام.

(٢) مال صاحب المسالك إلى عدم الأجرة على الحضانة، ومال صاحب الجواهر إلى ثبوتها، وحيث لم يرد نص في الشرع على الوجوب، ولم تجرِ عادة العرف على الأجرة يكون الحق - والحال هذه - في جانب صاحب المسالك.


كانت معتدة من طلاق بائن، أو فسخ تستحق فيه النفقة من أبي الطفل. وأجرة الحضانة تجب في مال الولد إن كان له مال، وإلاّ فعلى مَن تجب نفقته عليه. (الأحوال الشخصية أبو زهرة).

السفر بالطفل:

إذا أخذت الأُم الطفل بالحاضنة، وأراد الأب السفر بولده ليستوطن به في بلد آخر، قال الإمامية والحنفية: ليس له ذلك.

وقال الشافعية والمالكية والحنابلة: بل له ذلك.

أمّا إذا كانت الأُم هي التي تريد السفر بالطفل، فقال الحنفية: لها أن تسافر به بشرطين: أن تنتقل إلى بلدها، وأن يكون العقد وقع ببلدها الذي تنتقل إليه، فإن فات أحد الشرطين مُنعت إلاّ إلى موضع قريب يمكن المضي إليه والعودة قبل الليل.

وقال الشافعية والمالكية وأحمد في إحدى الروايتين عنه: الأب أحق بولده سواء أكان هو المنتقِل أو هي. (رحمة الأُمة في اختلاف الأئمة).

وقال الإمامية: ليس للأُم المطلّقة أن تسافر بالولد الذي تحضنه إلى بلد بعيد بغير رضا أبيه، وليس للأب أن يسافر بالولد إلى غير بلد الأُم حال حضانتها له.

التبرع بالرضاع والحضانة:

الفرق بين الحضانة والرضاع أنّ الحضانة عبارة عن تربية الطفل ورعايته، والرضاع إطعامه وتغذيته، ومن هنا جاز أن تسقط الأُم حقها بالرضاع ويبقى حقها بالحضانة، فقد اتفق الإمامية والحنفية على أنّه لو تبرعت امرأة بإرضاع الطفل مجاناً، وأبت الأُم إلاّ الأجرة على الرضاع، تُقدّم


المتبرعة على الأُم، ويسقط حقها في الإرضاع، أمّا حقها في الحضانة فيبقى على ما هو، ويكون الطفل في رعايتها، تأتي إليه المرضعة أو يُحمَل هو إليها.

وإذا تبرعت امرأة بالحضانة فلا ينتزع الطفل من الأُم عند الإمامية، وغيرهم ممّن لم يوجبوا للحاضنة أجرة على الحضانة، حيث لا موضوع للتبرع ما دامت الحاضنة لا تستحق الأجرة.

أمّا الحنفية الذين أوجبوا الأجرة على الحضانة فإنّهم قالوا: إذا أبت الأُم أن تحضن إلاّ بأجرة، ووجِدت متبرعة بالحضانة فالأُم أولى إذا كانت الأجرة على الأب، أو كانت المتبرعة من الأجنبيات وليس من قرابة الطفل الحاضنات، أمّا إذا كانت المتبرعة من الأرحام الحاضنات، وكانت الأجرة على الأب المعسر، أو كانت الأجرة من مال الطفل فالمتبرعة أولى؛ لأنّ الأجرة في هذه الحال تكون على الطفل، والمتبرعة توفّر عليه، فتُقدّم على الأُم من أجل مصلحة الطفل. (الأحوال الشخصية أبو زهرة).

التنازل عن الحضانة:

هل الحضانة حق خاص للحاضنة يسقط بالإسقاط بحيث يجوز لها التنازل عنه، كما تتنازل عن حق الشفعة - مثلاً -، أو هي حق للطفل تُلزَم به الحاضنة، وليس لها إسقاطه، كما لا يمكنها أن تتنازل عن حق الأُمومة؟

قال الإمامية والشافعية والحنابلة: إنّه حق لها تتنازل عنه متى تشاء، ولا تُجبَر عليه إذا امتنعت، وفيه رواية عن مالك، واستدل على ذلك صاحب الجواهر بأنّ العلماء لم يجمعوا على إلزام الحاضنة بالحضانة، والشرع لم ينص على ذلك، بل يدلّ ظاهر النصوص على أنّ الحضانة كالرضاع؛ وعليه فلها إسقاطها متى تشاء.


ويترتب على ذلك أنّ الأُم لو خالعت زوجها على أن تترك له حق الحضانة، أو يترك لها هو حق انضمام الطفل إليه بعد انتهاء مدة حضانتها يصحّ الخلع، وليس لأحدهما العدول بعد تمامه إلاّ مع رضا الطرفين، وكذلك لو تصالحها على ترك حقها في الحضانة أو ترك حقه في الانضمام، فإنّ المصالحة - والحال هذه - تكون لازمة يجب الوفاء بها.

ونقل ابن عابدين الخلاف بين الحنفية في ذلك، وأشار إلى أنّ الأولى أن تكون الحضانة حقاً للولد، وعليه فلا يحق للأُم إسقاطها ولا المصالحة عليها، ولا جعلها عوضاً عن الخلع.

والمحاكم الشرعية السنّية في لبنان تحكم بصحة الخلع، وفساد الشرط إذا خالعت الزوجة زوجها على ترك حضانة ولدها، وتحكم ببطلان المصالحة من الأساس لو صالحته على أن تترك حقها في الحضانة، أمّا المحاكم الشرعية الجعفرية فتحكم بصحة الخلع والشرط والمصالحة.


استحقاق النفقة

أجمع المسلمون على أنّ الزوجة سبب من أسباب وجوب النفقة، وكذلك القرابة، وقد نص الكتاب الكريم على نفقة الزوجة بقوله:( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ) (٢٣٢ البقرة)، والمراد بهنّ الزوجات، والمولود له الزوج. ومن الحديث: (حق المرأة على زوجها أن يشبع بطنها، ويكسو جنبها، وإن جهلت غفر لها). وأشار القرآن إلى نفقة الأقارب بقوله:( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) . وقال النبي (ص): (أنت ومالك لأبيك). ويقع الكلام في مقامين: الأوّل: نفقة الزوجة والمعتدة. الثاني: نفقة الأقارب.

نفقة الزوجة والمعتدة:

اتفقوا على وجوب الإنفاق على الزوجة بالشروط الآتية، وعلى المعتدة من طلاق رجعي، وعلى عدم استحقاق المعتدة عدة وفاة النفقة، حائلاً كانت أو حاملاً، إلاّ أنّ الشافعية والمالكية قالوا: إنّ المتوفى عنها زوجها تستحق من النفقة السكن فقط. وقال الشافعية: إذا أبانها،


وهي حامل ثمّ توفي عنها فإنّ نفقتها لا تنقطع. وقال الحنفية: إذا كانت معتدة رجعياً ومات المطلِّق أثناء العدة انتقلت عدتها إلى عدة وفاة، وتسقط نفقتها إلاّ إذا كانت مأمورة أن تستدين النفقة، وقد استدانتها بالفعل، فإنّها - والحال هذه - لا تسقط.

واتفقوا على أنّ المعتدة من وطء الشبهة لا نفقة لها.

واختلفوا في نفقة المعتدة من الطلاق البائن، فقال الحنفية: لها النفقة ولو كانت مطلّقة ثلاثاً، حائلاً كانت أو حاملاً، بشرط أن لا تخرج من البيت الذي أعده المطلِّق لتقضي فيه عدتها. وحكم المعتدة عن فسخ العقد الصحيح حكم المطلّقة بائناً عندهم.

وقال المالكية: إن كانت حائلاً فليس لها من النفقة إلاّ السكنى، وإن كانت حاملاً فلها النفقة بجميع أنواعها، ولا تسقط بخروجها من بيت العدة؛ لأنّ النفقة للحمل لا للحامل.

وقال الشافعية والإمامية والحنابلة: لا نفقة لها إن كانت حائلاً، ولها النفقة إن كانت حاملاً، ولكنّ الشافعية قالوا: إذا خرجت من بيت العدة لغير حاجة تسقط نفقتها.

ولم يلحق الإمامية فسخ العقد الصحيح بالطلاق البائن، حيث قالوا: إنّ المعتدة من فسخ العقد لا نفقة لها حائلاً كانت أو حاملاً.

الناشزة:

اتفقوا على أنّ الزوجة الناشزة لا نفقة لها، واختلفوا في تحديد النشوز الذي تسقط به النفقة، فالحنفية يرون أنّ الزوجة متى حبست نفسها في منزل الزوج، ولم تخرج منه إلاّ بإذنه تكون مطيعة وإن امتنعت عنه في الفراش من غير مبرر شرعي، فإنّ امتناعها هذا وإن كان حراماً عليها ولكن لا تسقط به النفقة. فسبب الإنفاق عندهم هو حبس


المرأة نفسها في منزل الزوج، ولا دخل أبداً للفراش والاستمتاع. وقد خالفوا بهذا جميع المذاهب، فإنّ كلمتها واحدة على أنّ الزوجة إذا لم تمكّن الزوج من نفسها، وتخلي بينها وبينه، مع عدم المانع شرعاً وعقلاً تُعد ناشزة لا تستحق شيئاً من النفقة، بل قال الشافعية: إنّ مجرد التمكين والتخلية بينها وبينه لا يكفي ما لم تعرض نفسها على الزوج، وتقول له صراحة: إنّي مسلِّمة نفسي إليك.

والحقيقة أنّ المعوّل على صدق الطاعة والانقياد عند أهل العرف، وليس من شك أنّهم يرون الزوجة مطيعة إذا لم تمتنع عن الزوج حين طلبه، ولا يشترطون أن تعرض نفسها عليه غدوة وعشية، ومهما يكن فهنا مسائل تتعلق بالطاعة والنشوز:

١ - إذا كانت الزوجة صغيرة لا تطيق الفراش، والزوج كبيراً يطيقه، فهل تجب النفقة؟

قال الحنفية: الصغيرة على ثلاثة أنواع:

١ - صغيرة لا يمكن الانتفاع بها، لا في الخدمة ولا في المؤانسة، وهذه لا نفقة لها.

٢ - صغيرة يمكن الدخول بها، وهذه حكمها حكم الكبيرة.

٣ - صغيرة يمكن الانتفاع بها في الخدمة أو المؤانسة ولا ينتفع بها في الفراش، وهذه لا نفقة لها.

وقالت بقية المذاهب: لا نفقة للصغيرة، وإن كان الزوج كبيراً.

٢ - إذا كانت الزوجة كبيرة تطيق الفراش، والزوج صغيراً لا يطيقه، قال الحنفية والشافعية والحنابلة: تجب لها النفقة؛ لأنّ المانع منه لا منها.

وقال المالكية والمحققون من الإمامية: لا تجب؛ لأنّ مجرد التمكين من قبلها لا أثر له ما دام العجز الطبيعي متحققاً من الزوج، والصغير غير مكلّف، وتكليف وليه لا دليل عليه.


٣ - لو كانت الزوجة مريضة أو رتقاء أو قرناء لا تسقط نفقتها عند الإمامية والحنابلة والحنفية(١) ، وتسقط عند المالكية إذا كانت مريضة مرضاً شديداً، أو كان الزوج مريضاً كذلك.

٤ - إذا ارتدت الزوجة المسلمة تسقط نفقتها بالاتفاق، تجب النفقة للزوجة الكتابية كما تجب للمسلمة دون تفاوت.

٥ - إذا خرجت من بيته بدون إذنه، أو امتنعت عن سكنى البيت اللائق بها تُعد ناشزة، ولا تستحق النفقة بالاتفاق، إلاّ أنّ الشافعية والحنابلة قالوا: إذا خرجت بإذنه لحاجة الزوج فلا تسقط النفقة، وإن كانت لغير الزوجة تسقط نفقتها حتى ولو أذن لها.

٦ - إذا سافرت لحج الفريضة قال الشافعية والحنفية: تسقط نفقتها، وقال الإمامية والحنابلة: لا تسقط.

٧ - لو كانت الزوجة مطيعة لزوجها في الفراش، وتساكنه حيث يشاء، ولكنّها تخاشنه في الكلام، وتقطب في وجهه، وتعانده في أمور كثيرة. كما هي حال الكثيرات، فهل تسقط نفقتها أو لا؟

لم أطّلع على أقوال المذاهب في هذا الفرض، والذي أراه أنّ الزوجة إذا كانت حادة الطبع بفطرتها، وكانت هذه معاملتها مع جميع الناس حتى مع أُمها وأبيها فلا تُعد - والحال هذه - ناشزة، أمّا إذا لم يكن ذلك من طبعها، وكانت حسنة المعشر مع الجميع إلاّ مع الزوج فتكون ناشزة، لا تستحق النفقة.

٨ - إذا امتنعت الزوجة عن متابعة الزوج حتى تقبض معجل مهرها، فهل تُعد ناشزة؟ وقد فصّلت المذاهب - كما تقدّم في مبحث المهر -

____________________

(١) قال الحنفية: إذا مرضت وهي في بيته فلها النفقة، وإذا مرضت قبل الزفاف، ولا يمكنها الانتقال إلى بيته فلا نفقة لها، عملاً بمبدئهم من أنّ النفقة عوض عن الاحتباس في منزل الزوج.


بين أن تمتنع منه قبل أن تمكّنه من نفسها، وبين امتناعها بعد أن مكنته طوعاً قبل القبض، ففي الحال الأُولى يكون امتناعها لمبرر شرعي فلا تُعد ناشزة، وفي الحال الثانية يكون بغير مبرر فتُعدّ ناشزة.

٩ - رأيت قولاً للحنابلة بأنّ الزوجة إذا حبست زوجها من أجل نفقتها أو صداقها، فإن كان معسراً يعجز عن حقوقها المادية تنقطع نفقتها، وإن كان موسراً مماطلاً فإنّ نفقتها لا تنقطع(١) .

وهو حسن ومتين؛ لأنّها إن حبسته وهو معسر عاجز تكون ظالمة له، وإن حبسته وهو موسر مماطل يكون ظالماً لها، وقد نطقت الآية الكريمة:( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) . وجاء في الحديث: (لي الواجد تُحلّ عقوبته وعرضه). وإنّ علياً كان يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه ويخلي سبيله إذا تبين إفلاسه. وعلى هذا فإنّ القاضي إذا تثبت وتحقق من إعسار الزوج واستحقاق الزوجة للنفقة، يقرر أنّها دين في ذمته تستوفيه بإشعار آخر، وإذا افترض وأطلق الحكم عليه بالنفقة، وحبسته الزوجة مع عسره وإفلاسه كان للزوج أن يطلب من القاضي إسقاط نفقتها من تاريخ الحبس، وعلى القاضي أن يجيبه إلى طلبه.

١٠ - إذا طُلّقت الزوجة في حال نشوزها فلا تستحق النفقة، وإذا كانت معتدة من طلاق رجعي ونشزت في أثناء العدة تسقط نفقتها، وإن عادت إلى الطاعة تعود نفقتها من تاريخ علمه برجوعها إلى الطاعة.

١١ - إذا بقيت الزوجة بعد إجراء العقد مدة في بيت أبيها، ثمّ طالبته بنفقة تلك المدة، فهل تثبت لها النفقة؟

قال الحنفية: تستحق النفقة وإن لم تنتقل إلى منزل الزوج إذا لم يطلبها، أو طلبها وامتنعت حتى تقبض المهر. (ابن عابدين).

____________________

(١) قال المالكية: تسقط نفقة الزوجة بعسر الزوج سواء أكانت مدخولاً بها أو لا، وإذا أيسر بعد ذلك فليس لها حق المطالبة بالنفقة حال العسر.


وقال المالكية والشافعية: لها النفقة إذا كان قد دخل بها، أو عرضت نفسها عليه.

وقال الحنابلة: إذا لم تعرض عليه نفسها فلا نفقة لها ولو بقيت على ذلك سنين.

وقال الإمامية: تثبت من تاريخ الدخول إذا كان قد دخل بها عند أهلها، ومن يوم الطلب إذا طالبته بأن ينقلها إليه.

ومن هذا يتبين أنّ الجميع متفقون أنّها لو عرضت نفسها وأظهرت الاستعداد التام للمتابعة تثبت النفقة، وكذا إذا كان قد دخل بها، إلاّ أنّ الحنفية لا يكتفون بالدخول ما لم تظهر الاستعداد للاحتباس. هذا، وقد تقدمت الإشارة في المسألة الثامنة من هذا البحث إلى أنّ لها أن تمتنع حتى تقبض معجل المهر، وأنّ امتناعها له مبرر شرعي لا يسقط نفقتها.

١٢ - قال المالكية والشافعية والحنابلة: إنّ الزوج الغائب كالحاضر بالنسبة لأحكام النفقة، فإن كان للزوج الغائب مال ظاهر حكم القاضي لها بالنفقة، ونفذ الحكم في ماله، وإن لم يكن له مال ظاهر حكم عليه بالنفقة، واستدانت عليه، وهذا هو المعوّل به في مصر. (الأحوال الشخصية أبو زهرة).

وفي كتاب الأحوال الشخصية لمحمد محيي الدين عبد الحميد ص٢٦٩ و٢٧٢ طبعة ١٩٤٢: (مذهب الحنفية أنّه يُفرض في مال الغائب إن ترك مالاً لزوجته وإن لم يترك مالاً أصلاً فإنّ القاضي يفرض النفقة عليه، ويأمر الزوجة أن تستدينها عليه، فإن شكت أنّها لا تجد مَن تستدين منه أمر من تجب عليه نفقتها بإدانتها - على فرض أنّها ليست بذات زوج - وإذا امتنع الذي تجب عليه نفقتها لو كانت غير مزوجة حبسه القاضي).

وقال الإمامية: لو غاب الزوج بعد أن مكّنته من نفسها وجبت نفقتها عليه، مع فرض بقائها على الصفة التي فارقها عليها، وإن غاب


قبل أن يدخل، فحضرت عند القاضي وأظهرت الطاعة والاستعداد للتمكين، أرسل إليه القاضي وأعلمه بذلك، فإن حضر هو أو أرسل في طلبها أو أرسل إليها النفقة فيها، وإن لم يفعل شيئاً من ذلك يقدّر القاضي المدة التي يستغرقها الإعلام والجواب، أو أرسال النفقة، ولا يحكم بشيء في هذه المدة، ثمّ يحكم من تاريخ انتهائها، فلو كانت المدة بمقدار شهرين - مثلاً - يجعل ابتداء النفقة من تاريخ انتهاء الشهرين. ولو أعلمته بحالها من غير توسط الحاكم، وأثبتت ذلك لكفى، واستحقت النفقة من التاريخ المذكور.

١٣ - لو طلبت الزوجة من القاضي أن يفرض النفقة على الزوج، ولم تعيّن زمناً لابتداء النفقة يحكم لها من تاريخ الطلب بعد التثبت من تحقق الشروط، وإذا عينت أمداً قبل تاريخ الطلب فهل يحكم لها بالنفقة الماضية عن زمن الطلب؟

قال الحنفية: لا يُطالب الزوج بالنفقة الماضية، بل تسقط بمضي المدة إلاّ إذا كانت دون شهر، أو كان القاضي قد حكم بها، فإنّ النفقة المحكوم بها تبقى ديناً في ذمة الزوج مهما طال الزمن.

وقال المالكية: إذا طالبت الزوجة بالنفقة الماضية، وكان زوجها موسراً في تلك المدة فلها حق الرجوع عليه وإن لم يفرضها، أمّا إذا كان معسراً لا يستطيع الإنفاق فليس لها أن ترجع عليه؛ لأنّ العسر عندهم يسقط النفقة، وإذا أعسر بعد اليسر سقط عنه زمن العسر فقط، أمّا زمن اليسر فهو باق في ذمته.

وقال الإمامية والشافعية والحنابلة: تثبت نفقة الزوجة ديناً في ذمته متى تحققت الشروط ومهما طال الزمن، وسواء أكان موسراً أم معسراً، حكم بها القاضي أم لم يحكم.


تقدير النفقة

اتفقوا على أنّ نفقة الزوجة تجب بأنواعها الثلاثة: المأكل، والملبس، والمسكن. واتفقوا أيضاً على أنّ النفقة تقدّر بنفقة اليسار إذا كان الزوجان موسرين، وبنفقة الإعسار إذا كانا معسرين. والمراد بيسر الزوجة وعسرها: يسر أهلها وعسرهم، ومستوى حياتهم ومعيشتهم.

واختلفوا فيما إذا كان أحد الزوجين موسراً والآخر معسراً، فهل تقدّر بحال الزوج فقط، فيفرض لها نفقة يسار إن كان موسراً وهي معسرة، ونفقة إعسار إن كان معسراً وهي موسرة، أو تقدّر بحسب حالهما معاً، فيفرض لها نفقة الوسط بين الإعسار والإيسار؟

قال المالكية والحنابلة: إذا اختلف الزوجان غنى وفقراً أُخذ بالحالة الوسطى بين الحالين.

وقال الشافعية: تقدّر النفقة بحسب حال الزوج يسراً وعسراً ولا يُنظر إلى حال الزوجة، هذا بالقياس إلى المأكل والملبس، أمّا المسكن فيجب أن يكون لائقاً بها عادة، لا به هو. (الباجوري ج٢ ص ١٩٧ طبعة ١٣٤٣ﻫ).

وللحنفية قولان: أحدهما اعتبار حال الزوجين، والآخر اعتبار حال


الزوج فقط.

وأكثر فقهاء الإمامية أطلقوا القول بأنّ النفقة تقدّر بما تحتاج إليه الزوجة من طعام وإدام وكسوة وإسكان وإخدام وآلة إدهان تبعاً لعادة أمثالها من أهل بلدها، وبعضهم صرح بأنّ المعتبر حال الزوج دون حال الزوجة.

ومهما يكن، فلا بدّ أن نأخذ حالة الزوجة المادية بعين الاعتبار، كما صرح القرآن الكريم:( لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا ) ،( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) .

وفي القانون المصري رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩: (تقدّر نفقة الزوجة على زوجها بحسب حال الزوج يسراً وعسراً، مهما كانت حالة الزوج).

ومن هنا يتبين أنّ تقديم الخادم وثمن التبغ وأدوات الزينة وأجرة الخياطة، وما إلى ذلك لا بدّ أن يراعى فيه أمران: حال الزوج، وعادة أمثالها، فإذا طلبت أكثر من عادة أمثالها فلا يلزم الزوج إجابتها موسراً كان أو معسراً، وإذا طلبت ما يطلبه أمثالها يُلزم به الزوج مع اليسر، ولا يُلزم به مع العسر. وهنا مسائل:

ثمن الدواء:

إذا احتاجت الزوجة إلى الدواء، أو إلى عملية جراحية، فهل يُلزم الزوج بثمن الدواء وأجرة العملية؟

ويجرنا الجواب إلى البحث: هل يُعد التطبيب من جملة النفقة أو هو خارج عنها؟ وإذا رجعنا إلى النصوص وجدنا القرآن الكريم يوجب( رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ) ، والأحاديث تقول: (على الزوج أن يسد جوعتها، ويستر عورتها)، ولا ذكر في الكتاب والسنّة للدواء والعلاج. أمّا الفقهاء


فقد حدّدوا النفقة بالمأكل والملبس والمسكن، ولم يتعرضوا للتطبيب، بل منهم مَن صرح بعدم وجوبه على الزوج. فقد جاء في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) نقلاً عن الحنفية: (إنّ الدواء والفاكهة لا تجبان على الزوج في حال التنازع). وفي كتاب (الجواهر) للإمامية ج٥: (لا تستحق الزوجة على زوجها الدواء للمرض، ولا أجرة الحجامة، ولا الحمام إلاّ مع البرد). وقال السيد أبو الحسن في كتاب (الوسيلة): إذا كان الدواء من النوع الذي تكثر الحاجة إليه بسبب الأمراض التي قلّما يخلو منها إنسان فهي من النفقة الواجبة على الزوج، وإذا كان من العلاجات الصعبة التي قلّما تقع، وتحتاج إلى مال كثير فليست من النفقة في شيء، ولا يُلزم بها الزوج.

هذا ملخص ما اطّلعت عليه من أقوال الفقهاء. وقد يقال بأنّ علاج الأمراض اليسيرة، كالملاريا والرمد يدخل في النفقة، كما قال صاحب الوسيلة، أمّا العمليات الجراحية التي تحتاج إلى المال الكثير فينبغي فيها التفصيل، فإن كان الزوج فقيراً والزوجة غنية فعليها، وإن كان غنياً وهي فقيرة فعليه، ولو من باب أنّ الزوج أولى الناس بزوجته والإحسان إليها؛ لأنّها شريكة حياته، وإن كانا فقيرين تعاونا معاً.

وعلى أيّة حال، فإنّ الشرع لم يحدد النفقة، وإنّما أوجبها على الزوج، وترك تقديرها إلى أهل العرف، وعلينا نحن - والحال هذه - أن نرجع إليهم، ولا نحكم بوجوب شيء على الزوج إلاّ بعد العلم بأنّه من النفقة في نظرهم، وليس من شك أنّ أهل العرف يذمّون الزوج القادر، ويستنكرون عليه إذا أهمل زوجته المحتاجة إلى العلاج، وتركها بدون تطبيب، تماماً كما يذمّون الوالد إذا أهمل أولاده المرضى مع قدرته على شراء الدواء وأجرة الطبيب.


نفقة النفاس:

نفقة النفاس الضرورية وأجرة التوليد على الزوج إذا دعت الحاجة إليه.

تعديل النفقة:

إذا فرض القاضي مبلغاً من المال، أو تراضى عليه الزوجان عوضاً عن النفقة، يجوز تعديله بالزيادة أو النقصان تبعاً لتغير الأسعار، أو تبدل أحوال الزوج يسراً وعسراً.

مسكن الزوجة:

قال الإمامية والحنفية والحنابلة: يجب أن يكون مسكن الزوجة لائقاً بحالهما معاً، خالياً من أهله وولده وغيرهم إلاّ برضاها.

وقال المالكية: إذا كانت الزوجة وضيعة لا قدر لها فليس لها الامتناع من السكن مع أقارب الزوج: وإذا كانت شريفة فلها الامتناع عن السكن معهم إلاّ إذا اشترط عليها ذلك أثناء العقد، فيجب حينئذ أن تسكن في دار أهله على أن يفرض لها غرفة تستطيع الخلوة بنفسها ساعة تشاء، وأن لا تتضرر بإساءة أهله إليها.

وقال الشافعية: يجب لها مسكن يليق بحالها هي، لا بحاله هو، ولو كان معدماً.

والحق أنّه لا بدّ من اعتبار حال الزوج في كل ما يعود إلى النفقة من غير فرق بين المأكل والملبس والمسكن؛ لقوله تعالى:( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) ، على شريطة أن تستقل بالمسكن، ولا تتضرر بسبب سكناها فيه.


الزوجة العاملة:

صرح الحنفية بأنّ المرأة إذا كانت عاملة لا تستقرّ في البيت فلا نفقة لها إذا طلب منها الزوج القرار، ولم تجبه إلى طلبه. ويتفق هذا مع ما صرحت به بقية المذاهب من عدم جواز خروجها من بيته إلاّ بإذنه، بل صرح الشافعية والحنابلة بأنّها لو خرجت بإذنه لحاجة لها تسقط نفقتها، كما قدّمنا.

ولكن النظر الصائب يستدعي التفصيل بين العالِم حين العقد بأنّها عاملة تمنعها مهنتها من الاستقرار في البيت، وبين الجاهل بذلك حين العقد، فإذا علم وسكت ولم يشترط عليها الترك فلا يحق له - والحال هذه - أن يطلب إليها ترك العمل، وإذا طلب ولم تجب فلا تسقط نفقتها؛ لأنّه أقدم على هذا الأساس، وإنّ كثيراً من الرجال يتزوجون المحترفات رغبة في اشتهارهن حتى إذا عجزوا عن تحقيق هذه الرغبة طلبوا إليهن ترك العمل بقصد الإضرار.

أمّا إذا كان جاهلاً حين العقد بأنّها عاملة فله أن يطلب إليها الترك، فإن لم تمتثل فلا نفقة لها عليه.

ضامن النفقة:

هل للزوجة أن تطالب الزوج بضامن يضمن نفقتها المستقبلة إذا عزم على السفر، ولم يصحبها معه ولم يترك لها شيئاً؟

قال الحنفية والمالكية والحنابلة: لها ذلك، وعليه أن يقدّم ضامناً للنفقة، وإلاّ جاز لها أن تطلب منعه من السفر، بل قال المالكية: لها أن تطالبه بأن يدفع النفقة مقدّماً إذا ادعى أنّه يريد السفر المعتاد، وإذا اتهمته بأنّه يريد سفراً طويلاً غير معتاد كان لها حق المطالبة بأن


يدفع معجلاً نفقة السفر المعتاد، ويأتي بضامن لما زاد عن العادة.

وقال الإمامية والشافعية: ليس لها أن تطلب ضامناً للنفقة المستقبلة؛ لأنّها لم تثبت بعدُ في ذمة الزوج؛ ولأنّها عرضة لعدم الثبوت بالنشوز أو الطلاق أو الموت.

والذي أراه أنّ لها الحق بطلب الضامن؛ لأنّ سبب الضمان متحقق، وهو أن تكون الزوجة غير ناشزة، ولذا قال الشيخ أحمد كاشف الغطاء في كتاب (سفينة النجاة) باب الضمان: (ولكنّ القول بلا صحة إن لم يكن إجماعاً ليس ببعيد، فتضمن نفقة الزوجة للمستقبل كالماضي والحال).

وإذا وصل الأمر إلى الإجماع يهون عند الإمامية؛ لأنّ كل إجماع ينعقد بعد عهد الأئمة يمكن الطعن فيه على أصولهم، فإذا احتملنا أنّ مستند الإجماع إيمان المجمعين بأنّ النفقة لم تثبت بعد في الذمة، وكل ما هو كذلك لا يصحّ ضمانه - إذا احتملنا هذا - سقط الاستدلال بالإجماع لعروض الاحتمال، ونُظر إلى القاعدة التي استندوا إليها في ذاتها: هل هي صحيحة، ومنطبقة على ما نحن فيه أو لا؟ وقد بينا أنّ وجود السبب كافٍ في الضمان، وعلى هذا يحق للزوجة أن تطلب ضامناً لنفقتها إذا أراد السفر وبخاصة إذا كان غير مأمون تدلّ سيرته على عدم شعوره بالمسؤولية.

اختلاف الزوجين:

إذا اختلف الزوجان في الإنفاق، مع اعتراف الزوج بأنّها تستحق النفقة، فقالت هي: لم ينفق. وقال هو: أنفقتُ. قال الحنفية والشافعية والحنابلة: القول قول المرأة؛ لأنّها منكرة، والأصل معها.

وقال الإمامية والمالكية: إن كان مقيماً معها في بيت واحد فالقول


قوله، وإلاّ فالقول قول المرأة.

وإذا اعترف الزوج بعدم الإنفاق متذرعاً بعدم استحقاقها النفقة وعدم تسليم نفسها إليه، فالقول قول الزوج عند الجميع، وهذه المسألة فرع عن اتفاق المذاهب على أنّ المهر يثبت بالعقد، ويستقرّ بكامله بالدخول، أمّا النفقة فلا تثبت بمجرد العقد، بل لا بدّ من تسليم نفسها للزوج. وقد جرت عادة المحاكم الشرعية السنّية والشيعية في لبنان إذا اختلف الزوجان في النشوز - فادعى هو أنّها ناشزة، وادعت هي أنّ النشوز منه لا منها - أن تأمر المحكمة الزوج بإيجاد البيت اللائق، ثمّ تدعوها للمساكنة فيه، فإن امتنع هو عن إيجاد البيت اعتُبر النشوز منه، وإن أوجده بكامل شروطه وامتنعت هي عن المساكنة والمتابعة اعتُبر النشوز منها.

دعوى الزوجة الطرد:

إذا خرجت الزوجة من بيت الزوج مدّعية الطرد وأنكر هو، فعليها البينة وعليه اليمين، حيث لا يجوز لها الخروج إلاّ بمبرر، وقد ادعت وجوده فعليها الإثبات.

تلف النفقة:

إذا رفع الزوج لزوجته نفقة الأيام المقبلة، ثم سُرقت أو تلفت في يدها، فلا يجب على الزوج الدفع ثانية، سواء أكان ذلك لسبب قهري أو بتهاون منها.


دين الزوج على الزوجة:

لو كان للزوج دين على زوجته، وأراد أن يحتسبه من نفقتها الحاضرة أو المستقبلة، فهل له ذلك؟

لقد تعرض فقهاء الإمامية لهذا الغرض، وقالوا: إذا كانت الزوجة موسرة وامتنعت عن الوفاء يجوز له أن يقاصها يوماً فيوماً، أي يجعل ماله عليها من دين نفقة لها في كل يوم على حدة، أمّا إذا كانت معسرة فلا يجوز له ذلك؛ لأنّ وفاء الدين إنّما يكون فيما يفضل عن قوت يوم وليلة.


نفقة الأقارب

مَن هم الذين تجب النفقة لهم وعليهم؟ وما هي شروط الوجوب؟

تحديد نفقة القريب:

الحنفية يرون الشرط الأساسي لوجوب نفقة القريب على قريبه أن تكون القرابة موجبة لحرمة الزوج، بحيث لو فُرض أنّ أحد القريبين رجلاً والآخر امرأة لامتنع الزواج بينهما للقرابة، فيشمل الوجوب الآباء وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا، ويشمل أيضاً الأخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات؛ لأنّ الزواج ممتنع بين هؤلاء جميعاً.

ويقدّم الأقرب فالأقرب دون أي اعتبار لاستحقاق الإرث، فلو وجد واحد من العمودين وهم: الآباء والأبناء، تجب عليه النفقة وإن لم يستحق الإرث، ولا تجب على واحد من الحاشية وإن كان وارثاً، فلو كان لإنسان ابن بنت وأخ لوجبت النفقة على ابن البنت دون الأخ، مع أنّ الإرث كله للأخ، ولا شيء لابن البنت. (الدرر في شرح الغرر ج١ باب النفقات).


وكذلك يقدّم الأقرب على الأبعد في المرتبة الواحدة، وإن كان الأقرب غير وارث والأبعد هو الوارث، فلو كان لطفل أب لجده أبي أبيه وجد لأُمه فإنّ النفقة تجب على جده لأُمه دون أب الجد لأبيه، مع أنّ الوارث هو أب الجد لا الجد من جهة الأُم، والسر أنّ أب الأُم أقرب وإن لم يكن وارثاً، وأب الجد أبعد وإن كان وارثاً. وقالوا: على الابن الموسر نفقة زوجة أبيه المعسر، وعليه أيضاً تزويجه مع الحاجة إلى الزوجة.

المالكية قالوا: تجب النفقة على الأبوين والأولاد من الصلب فقط دون بقية الأصول والفروع، فلا تجب على الولد نفقة جده ولا جدته لا من جهة الأب ولا من جهة الأُم، كما لا تجب على الجد نفقة ابن الابن ولا بنت الابن. وبالجملة ينحصر وجوب النفقة في الأبوين والأبناء الأدنين دون آباء الآباء وأبناء الأبناء.

وقالوا: يجب على الولد الموسر أن ينفق على خادم والديه المعسرين وإن لم يحتاجا إليه، ولا تجب على الأب نفقة خادم الابن، ويجب على الولد أيضاً أن ينفق على زوجة أبيه وخادمها، وأن يزوج أباه بواحدة أو أكثر إن لم تكفه الواحدة.

الحنابلة قالوا: تجب النفقة على الآباء ولهم وإن علوا، وعلى الأبناء ولهم وإن نزلوا، سواء أكانوا محجوبين أو وارثين، وتجب أيضاً لغير العمودين من الحواشي بشرط أن يكون المنفِق وارثاً للمنفق عليه بفرض أو تعصيب، أمّا إذا كان القريب من غير عمودي النسب محجوباً فلا تجب عليه النفقة، فلو كان له ابن فقير وأخ موسر فلا نفقة عليهما؛ لأنّ عسر الابن ينفي عنه وجوب النفقة، والأخ وإن كان موسراً إلاّ أنّه محجوب بالابن. (المغني ج٧ باب النفقات).

وقالوا: يجب على الابن تزويج أبيه ونفقة زوجته، كما يجب على الأب تزويج إبنه إذا كان محتاجاً إلى الزواج.


الإمامية والشافعية قالوا: تجب على الأبناء نفقة الآباء وإن علوا ذكوراً كانوا أو إناثاً، وتجب على الآباء نفقة الأبناء وإن نزلوا ذكوراً كانوا أو إناثاً، ولا يتعدى وجوب النفقة إلى غير عمودي النسب كالأخوة والأعمام والأخوال.

ولكن الشافعية ذهبوا إلى أنّ على الأب أن يزوج الابن مع غنى الأب، وفقر الابن وحاجته إلى الزواج، وأنّ على الابن أن يزوج أباه المعسر إن احتاج إلى الزواج، وأنّ كل من وجبت نفقته فقد وجبت نفقة زوجته. (مقصد البينة باب نفقة الأقارب).

وقال أكثر الإمامية: لا يجب تزويج مَن وجبت نفقته والداً كان أو ولداً، كما أنّه لا يجب على الابن أن ينفق على زوجة أبيه إن لم تكن أُماً، ولا على الأب أن ينفق على زوجة ابنه؛ لأنّ الأدلة التي أوجبت النفقة لا تشمل زوجة الأب، ولا زوجة الابن، والأصل عدم الوجوب.

شروط الوجوب:

يُشترط لوجوب نفقة القريب على قريبه شروط:

١ - أن يكون المنفق عليه محتاجاً، فلا يجب الإنفاق على غير المحتاج. واختلفوا في المحتاج الذي يقدر على الاكتساب ولم يكتسب، هل يجب الإنفاق عليه؟

قال الحنفية والشافعية: لا يُشترط العجز عن التكسب في وجوب النفقة على الآباء والأجداد، فتجب نفقتهم على الأبناء وإن كانوا قادرين على العمل وأهملوا، أمّا غير الآباء والأجداد من القادرين فلا تجب نفقتهم، بل يُلزمون بالتكسب، ومَن أهمل وتكاسل فقد جنى على


نفسه، ولكن الشافعية قالوا بالنسبة إلى البنت: تجب نفقتها على الأب حتى تتزوج.

وقال الإمامية والمالكية والحنابلة: مَن كان قادراً على الكسب اللائق بوضعه ومكانته، ثمّ أهمل فلا تجب نفقته على أحدٍ أباً كان أو أُماً أو ابناً. وقال المالكية في البنت ما قاله الشافعية، والسر أنّهم كانوا يعتبرون الأنثى في العهد السابق عاجزة عن العمل - في الغالب -.

٢ - أن يكون المنفِق موسراً بالاتفاق، ما عدا الحنفية فإنّهم قالوا: يُشترط يسار المنفِق في وجوب نفقة الأقارب غير الأصول والفروع، أمّا إنفاق أحد الأبوين على ابنه، وإنفاق الابن على أحد أبويه فلا يُشترط فيه اليسار، وإنّما الشرط هو القدرة بالفعل أو بالاكتساب، فالأب القادر على العمل يحكم عليه بنفقة ابنه، وكذلك الابن بالنسبة إلى الأب إلاّ إذا كان الأب أو الابن فقيراً وعاجزاً عن التكسب، كالأعمى ومَن إليه.

وقد اختلفوا في حد اليسار الذي يجب معه الإنفاق على القريب، فقال الشافعية: أن يفضل عنه مؤونته ومؤونة زوجته وأولاده يوماً وليلة.

وقال المالكية: يستثنى مع ذلك نفقة دابته وخادمه.

وقال الإمامية والحنابلة: أن يفضل عن نفقته ونفقة زوجته فقط، وعلى هذا تكون نفقة الآباء والأبناء في منزلة واحدة.

واختلفت آراء الحنفية في تحديد اليسار، فمنهم مَن قال: أن يكون مالكاً لنصاب الزكاة. وقال آخر: أن يملك من المال ما يحرم عليه أخذ الزكاة. وفصّل ثالث بين المـُزارع والعامل، فالأوّل يستثني له ولعياله نفقة شهر، والثاني يستثني نفقة يوم وليلة.

٣ - يُشترط الاتحاد في الدِّين، فلو كان أحدهما مسلماً والآخر غير مسلم فلا تجب النفقة عند الحنابلة. (المغني ج٧).

وقال المالكية والشافعية والإمامية: لا يُشترط الاتحاد في الدين، فالمسلم


ينفق على قريبه غير المسلم، كما هي الحال في نفقة الزوجة إذا كانت كتابية والزوج مسلماً.

وقال الحنفية: لا يُشترط الاتحاد في الدِّين بين الآباء والأبناء، أمّا بين غيرهم من الأقارب فاتحاد الدِّين شرط، فلا ينفق الأخ المسلم على غير المسلم، وبالعكس. (أبو زهرة).

تقدير نفقة القريب:

الواجب في نفقة القريب سد الحاجة الضرورية من الخبز والإدام والكسوة والمسكن؛ لأنّها وجبت لحفظ الحياة، ودفع الضرورة، فتقدّر بقدرها. (المغني ج٧، والجواهر ج٥).

اختلاف الأقارب:

قال المالكية: لا تجب نفقة الأبوين على الابن إلاّ إذا ثبت فقرهما بشهادة عدلين، ولا يكفي عدل وامرأتان، ولا عدل ويمين.

وقال الشافعية: يُصدّق الأب بلا يمين إذا ادعى الحاجة.

وقال الحنفية: الأصل هو الإعسار حتى يقوم الدليل على خلافه، فإذا ادعى طالب النفقة الإعسار فالقول قوله بيمينه، وعلى المطلوب منه أن يُثبت يسار الطالب، وإذا ادعى المطلوب منه الإعسار فالقول قوله بيمينه، وعلى الطالب إثبات اليسار، وإذا كان اليسار ثابتاً في الماضي ثمّ ادعى طروء الإعسار أخذ بالحالة السابقة، حتى يثبت العكس.

والإمامية يوافقون الحنفية على هذا؛ لأنّه وِفق القواعد الشرعية إلاّ إذا كان لمدّعي الفقر مال ظاهر، فتُردّ حينئذ دعواه ويؤخذ بقول مَن يقول بيساره.


قضاء نفقة الأقارب:

اتفقوا على أنّ نفقة الأقارب لا تقضى إذا لم يقدّرها القاضي؛ لأنّها للمواساة وسد الخلة الذي لا يمكن تداركه بفوات الأوان، واختلفوا فما إذا قدّرها وأمر بها، فهل يجب القضاء بعد أمر القاضي، أو أنّها تسقط، كما لو لم يأمر بها أصلاً؟

قال المالكية: إذا أمر القاضي بنفقة القريب وتجمدت فانّها لا تسقط.

وقال الإمامية والحنفية وبعض الشافعية: إذا أمر القاضي باستدانتها، واستدانها القريب فعلاً فيجب القضاء، أمّا إذا لم يأمر بها، أو أمر ولم تحصل الاستدانة فانّها تسقط. واشترط الحنفية لوجوب القضاء بعد الأمر أن تكون النفقة دون الشهر، فإذا أمر القاضي ومضى شهر على استحقاقها فلا يحق للقريب أن يطالب بنفقة الشهر الذي مضى، وله أن يطالب بنفقة الشهر الحالي.

وينبغي التنبيه إلى أنّ القريب لو حصل على نفقة يوم أو أكثر بطريق الدعوى، أو الهدية، أو من الزكاة، وغير ذلك يسقط من نفقته بمقدار ما حصل له، حتى ولو كان القاضي قد أمر بها.

ترتيب مَن تجب نفقتهم:

قال الحنفية: إذا كان مَن تجب عليه النفقة واحداً أداها، وإن تعدد مَن تجب عليهم وكانوا في درجة واحدة وقوة واحدة كابنين أو بنتين فإنّ النفقة تكون عليهم بالتساوي، حتى ولو تفاوتوا في الثروة مع ثبوت اليسار(١) ، وإذا اختلفت درجاتهم في القربة أو في قوّتها فهنا قد اضطربت

____________________

(١) إنّ بعض القضاة يوزّعون نفقة القريب على مَن تجب نفقته عليهم كلاً بحسب ثروته، فلو كان للأب المعسر ولدان أحدهما في ثراء ضخم والآخر في غنى ولكن دون أخيه ثراءً، يحملون الأوّل أكثر من الثاني. والحنفية لا يعتبرون هذا التفاوت في الثراء، ويساوون بين الإثنين ما دام أصل اليسار متحققاً، وهذا حق تقضيه القواعد الشرعية، وعبارة صاحب الجواهر تشعر به حيث قال: (لو كان له ابن موسر فعلاً، والآخر مكتسب كانا سواء لإطلاق الأدلة).


أقوال فقهاء الحنفية في ترتيب مَن تجب عليهم النفقة. (الأحوال الشخصية أبو زهرة).

وقال الشافعية: إذ احتاج إنسان وله أب وجد موسران فالنفقة على الأب وحده، وإذا كان له أُم وأُم أُمٍ فالنفقة على الأُم وحدها، وإذا كان له أب وأُم فالنفقة على الأب، وإذا كان له جد وأُم فالنفقة على الجد، وإذا كان له أُم أبٍ وأُم أمٍ قيل هما سواء، وقيل النفقة على أُم الأب. (مقصد النبيه نفقة الأقارب).

وقال الحنابلة: إذا لم يكن للصبي أب فالنفقة على وارثه، فإن كان له وارثان فالنفقة عليهما على قدر إرثهما منه، وإن كانوا ثلاثة أو أكثر فالنفقة بينهم على قدر إرثهم منه، فإذا كان له أُم وجد فعلى الأُم الثلث والباقي على الجد؛ لأنّهما يرثانه كذلك. (المغني ج٧).

وقال الإمامية: تجب نفقة الولد على الأب، فإن فُقد أو كان معسراً فعلى الجد من جهة الأب، فإن فُقد أو كان معسراً فعلى الأُم، ثمّ على أبيها وأُمها وأُم الأب. وهؤلاء الثلاثة - أي الجد والجدة من جهة الأم والجدة من جهة الأب - يشتركون جميعاً في الإنفاق على الولد بالسوية إن كانوا موسرين، وإذا أيسر بعض دون بعض وجبت النفقة على الموسر منهم خاصة.

وإذا كان للقريب المعسر أب وابن، أو أب مع بنت وِزعت النفقة عليهما بالسوية، وكذا إذا كان له أبناء متعددون تُوزع النفقة عليهم بالسوية وإن اختلفوا ذكوراً وإناثاً. وبالجملة فإنّ الإمامية يراعون في التريب الأقرب فالأقرب، ومع التساوي في الدرجة يوزّعون النفقة بالسوية من غير فرق بين الذكور والإناث، ولا بين الفروع والأصول إلاّ في تقديم الأب والجد من جهته على الأُم.



الطَّلاق



المطلِّق

يُشترط في المطلِّق شروط:

١ - البلوغ، فلا يصحّ طلاق الصبي وإن كان مميِّزاً بالاتفاق، ما عدا الحنابلة فإنّهم قالوا: يقع طلاق المميِّز وإن كان دون عشر سنين.

٢ - العقل، فلا يصحّ طلاق المجنون مطبقاً كان أو دورياً حال جنونه، ولا المغمى عليه، ولا الذي غاب عقله بسبب الحمّى فصار يهذي، واختلفوا في السكران، فقال الإمامية: لا يصحّ طلاقه بحال. وقال الأربعة(١) : يصحّ إذا تناول المسكر المحرَّم باختياره، أمّا مَن شرب مباحاً فعاب عقله، أو أُكره على الشرب فلا يقع طلاقه.

ويصحّ طلاق الغضبان مع تحقق قصد الطلاق، وإذا خرج عن شعوره وإدراكه بالمرة يكون حكمه حكم المجنون.

٣ - الاختيار، فلا يقع طلاق المكرَه بالاتفاق؛ لحديث (رُفع عن

____________________

(١) صرّح الحنفية والمالكية بصحة طلاق السكران. وعن الشافعي وأحمد قولان أرجحهما أنّه يقع.


أُمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، ما عدا الحنفية فانّهم قالوا: يقع طلاق المكرَه.

والعمل في محاكم مصر على عدم الأخذ بطلاق المكرَه والسكران.

٤ - القصد، فلو نطق بالطلاق سهواً أو غلطاً أو هزلاً فلا يقع الطلاق عند الإمامية.

وقال أبو زهرة في ص ٢٨٣: (يقع في المذهب الحنفي طلاق كل شخص ما عدا الصغير والمجنون والمعتوه، فيقع طلاق الهازل والسكران من محرَّم والمكرَه). وقال في ص ٢٨٦: (من المقرر في المذهب الحنفي أنّ طلاق المخطئ والناسي يقع). وفي ٢٨٤: (وقد وافق مالك والشافعي أبا حنفية وأصحابه بالنسبة للهازل، وخالفه أحمد، فلم يقع طلاقه عنده). وقال ابن رشد في بداية المجتهد ج٢ ص ٧٤: (قال الشافعي وأبو حنيفة: لا يحتاج الطلاق إلى نية).

وروى الإمامية عن أهل البيت: (لا طلاق إلاّ لمن أراد الطلاق)،(لا طلاق إلاّ بنية) . وقال صاحب الجواهر: لو أوقع الطلاق، وبعد النطق بالصيغة قال: لم أقصد الطلاق، يُقبل منه ما دامت المرأة في العدة؛ لأنّه إخبار عن نيته التي لا تُعلَم إلاّ من قِبله.

طلاق الولي:

قال الإمامية والحنفية والشافعية: ليس للأب أن يطلّق عن ابنه الصغير؛ لحديث: (الطلاق لمن أخذ بالساق). وقال المالكية: للأب أن يخالع زوجة ولده الصغير. وعن أحمد روايتان.

وقال الإمامية: إذا بلغ الصبي فاسد العقل فلأبيه أو جده من جهة الأب أن يطلّق عنه مع وجود المصلحة، فإن لم يكن أب وجد لأب طلّق عنه الحاكم، وقدّمنا أنّ الإمامية يجيزون لزوجة المجنون أن تفسخ الزواج.


وقال الحنفية: إذا تضررت زوجة المجنون من معاشرته، رفعت أمرها إلى القاضي وطلبت منه الفراق، وللقاضي أن يطلّق لدفع الضرر عن الزوجة، وليس لأب الزوج أيّة سلطة.

واتفق الجميع على أنّ السفيه يصحّ طلاقه وخلعه(١) .

المطلَّقة:

يُشترط في المطلَّقة أن تكون زوجة باتفاق الجميع. واشترط الإمامية خاصة لصحة طلاق المدخول بها غير الآيسة والحامل أن تكون في طهر لم يواقعها فيه، فلو طُلّقت وهي في الحيض أو في النفاس أو في طهر المواقعة فسد الطلاق.

قال الرازي في تفسير الآية ١ من سورة الطلاق( يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) ، قال ما نصه بالحرف: (أي لزمان عدتهن، وهو الطهر بإجماع الأُمة، وقال جماعة من المفسرين: الطلاق للعدة أن يطلّقها طاهرة من غير جماع، وبالجملة فالطلاق حال الطهر لازم، وإلاّ لا يكون سنّياً، والطلاق في السنّة إنّما يُتصور في البالغة المدخول بها غير الآيسة والحامل). إذ لا سنّة في الصغيرة، وغير المدخول بها والآيسة والحامل.

وهذا عين ما تقوله الإمامية.

____________________

(١) قال الأستاذ الخفيف في كتاب فرق الزواج ص٥٧: (يرى الإمامية جواز طلاق السفيه بإذن وليه كما نُص على ذلك في شرح شرائع الإسلام). ولا وجود لهذا النص في الكتاب المذكور عن الجواهر؛ لأنّ صاحب الكتاب ينقل عنه في غير مكان، بل لا وجود لهذا النص في جميع كتب الإمامية، والموجود في شرح شرائع الإسلام أنّ له أن يطلّق بدون إذن الولي. راجع الجواهر ج٤ باب الحجر.


وفي كتاب المغني ج٧ ص٩٨ الطبعة الثالثة: (معنى طلاق السنّة: الطلاق الذي وافق أمر الله تعالى، وأمر رسوله (ص)، وهو الطلاق في طهر لم يصبها فيه). وفي ص٩٩ من الكتاب المذكور: (إنّ طلاق البدعة هو أن يطلّقها حائضاً أو في طهر أصابها فيه، ولكن إذا فعل أثم، ووقع في قول عامة أهل العلم، قال ابن المنذر وابن عبد البر: لم يخالف ذلك إلاّ أهل البدع والضلالة)!!! وإذا كان اتّباع كتاب الله وسنّة نبيه بدعة وضلالة فينبغي أن يكون اتّباع الشيطان سنّة وهداية!!!

ومهما يكن، فإنّ السنّة والشيعة قد اتفقوا على أنّ الإسلام قد نهى عن طلاق الزوجة البالغة المدخول بها غير الحامل إذا كانت غير طاهر، أو في طهر واقعها فيه، ولكنّ السنّة قالوا: إنّ النهي للتحريم لا للفساد، وإنّ مَن أوقع الطلاق بدون تحقق الشروط يأثم ويعاقب، ولكن يصحّ طلاقه. وقال الشيعة: إنّ النهي للفساد لا للتحريم؛ لأنّ مجرد التلفظ بالطلاق غير محرّم، وإنّما القصد وقوع الطلاق لغواً كأنّه لم يكن، تماماً كالنهي عن بيع الخمر والخنزير، فإنّ التلفظ بالبيع لا يحرم، بل لا يتحقق النقل والانتقال.

ثمّ إنّ الإمامية أجازوا طلاق خمس من الزوجات في الحيض أو في غيره:

١ - الصغيرة التي لم تبلغ التاسعة.

٢ - التي لم يدخل بها الزوج ثيباً كانت أو بكراً، حصلت الخلوة بها أو لم تحصل.

٣ - الآيسة، وهي البالغة سن الخمسين إن كانت غير قرشية والستين إن تكنها.

٤ - الحامل.

٥ - التي غاب عنها زوجها شهراً كاملاً، على أن يقع الطلاق


حال غيابه عنها بحيث يتعذر عليه معرفة حالها: هل هي في حيض أو في طهر؟ والمحبوس كالغائب.

وقال الإمامية: إنّ الزوجة التي في سن مَن تحيض، ولا ترى الدم خلقة، أو لمرض، أو نفاس لا يصحّ طلاقها إلاّ بعد أن يمسك عنها الزوج ثلاثة أشهر، وتُسمّى هذه بالمسترابة.

الصيغة:

قال الإمامية: لا يقع الطلاق إلاّ بصيغة خاصة، وهي: أنتِ طالق، أو فلانة طالق، أو هي طالق، فلو قال: الطالق أو المطلّقة أو طُلّقت أو الطلاق أو من المطلّقات، وما إلى ذلك لم يكن شيئاً، حتى ولو نوى الطلاق؛ لأنّ هيئة (طالق) لم تتحقق، وإن تحققت المادة. ويُشترط أن تكون الصيغة فصيحة غير ملحونة ولا مصحّفة، وأن تكون مجردة عن كل قيد حتى ولو كان معلوم التحقق، مثل: إذا طلعت الشمس ونحو ذلك.

ولو خيّر زوجته، وقصد تفويض الطلاق إليها، فاختارت نفسها بقصد الطلاق لا يقع عند المحققين من الإمامية , وكذلك لا يقع لو قيل له: هل طلّقت زوجتك؟ فقال: (نعم) قاصداً إنشاء الطلاق. ولو قال: أنتِ طالق ثلاثاً، أو أنتِ طالق أنتِ طالق أنتِ طالق تقع طلقة واحدة مع تحقق الشروط. ولا يقع الطلاق بالكتابة ولا بالإشارة إلاّ من الأخرس العاجز عن النطق. ولا يقع بغير العربية مع القدرة على التلفظ بها، والأولى للأعجمي والأخرس أن يوكلا بالطلاق عنهما إن أمكن. وكذلك لا يقع الطلاق عند الإمامية بالحلف واليمين، ولا بالنذر والعهد، ولا بشيء إلاّ بلفظ (طالق) مع تحقق الشروط والقيود.

قال صاحب الجواهر نقلاً عن الكافي: (ليس الطلاق إلاّ كما روى


بكير بن أعين، وهو أن يقول لها وهي طاهر من غير جماع: (انتِ طالق)، ويشهد شاهدين عدلين، وكل ما سوى ذلك فهو ملغى). ثمّ نقل صاحب الجواهر عن الانتصار إجماع الإمامية على ذلك.

وبالتالي، فإنّ الإمامية يضيّقون دائرة الطلاق إلى أقصى الحدود، ويفرضون القيود الصارمة على المطلِّق والمطلَّقة، وصيغة الطلاق وشهوده، كل ذلك لأنّ الزواج عصمة ومودة ورحمة، وميثاق من الله، قال تعالى في الآية (٢٠) من سورة النساء:( وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ) . وفي الآية (٢١) من سورة الروم:( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) . وفي الآية (١٠) من سورة الممتحنة:( وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ) .

إذن لا يجوز بحال أن ننقض هذه العصمة والمودة والرحمة وهذا العهد والميثاق، إلاّ بعد أن نعلم علماً قاطعاً لكل شك بأنّ الشرع قد حلّ الزواج، ونقضه بعد أن أثبته وأبرمه.

ولكنّ المذاهب الأخرى قد أجازت الطلاق بكل ما دلّ عليه لفظاً وكتابة وصراحة وكناية، مثل: أنتِ عليَّ حرام، وأنتِ بتلة وبرية، واذهبي فتزوجي، وحبلك على غاربك، وألحقي بأهلك، وما إلى ذلك. كما أجازت أن يكون الطلاق مطلقاً ومقيداً، مثل: إن خرجت من الدار فأنتِ طالق، وإن كلّمك أبوك فأنتِ طالق، وإن فعلتُ أنا كذا فأنتِ طالق، وكل امرأة أتزوجها فهي طالق، فيقع الطلاق بمجرد حصول العقد عليها، وما إلى ذلك ممّا لا يتسع له المقام. وقد أجازت المذاهب أيضاً الطلاق بتفويضه إلى المرأة وإلى غيرها، كما أجازت وقوع الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد. وقد سوّد فقهاء المذاهب الصفحات الطوال العراض التي لا طائل تحتها إلاّ هدم كيان الأسرة، ووضعها في كف


عفريت(١) .

وقد أحسنت الحكومة المصرية بأخذها في كثير من شؤون الطلاق بالمذهب الإمامي. هذا، وإنّ المذاهب الأربعة لم تشترط الإشهاد لصحة الطلاق بخلاف الإمامية، حيث اعتبروه ركناً من أركانه، ونحن ندع الكلام فيه إلى الشيخ (أبو زهرة).

الإشهاد على الطلاق:

قال الشيخ أبو زهرة في الأحوال الشخصية ص٣٦٥:

قال فقهاء الشيعة الإمامية الاثنا عشرية والإسماعيلية: إنّ الطلاق لا يقع من غير إشهاد عدلين؛ لقوله تعالى في أحكام الطلاق وإنشائه في سورة الطلاق:( وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ) . فهذا الأمر بالشهادة جاء بعد ذكر إنشاء الطلاق وجواز الرجعة، فكان المناسب أن يكون راجعاً إليه، وإنّ تعليل الاشهاد بأنّه يوعظ به مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر يرشح ذلك ويقويه؛ لأنّ حضور الشهود العدول لا يخلو من موعظة حسنة يزجونها إلى الزوجين، فيكون لهما مخرج من الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله سبحانه وتعالى. وإنّه لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر لاخترنا هذا الرأي، فيُشترط لوقوع الطلاق حضور شاهدين عدلين.

وكما فرض الإمامية قيوداً على المطلِّق والمطلَّقة والصيغة فقد فرضوا

____________________

(١) نقل صاحب (تأسيس النظر) عن الإمام مالك أنّه قال: لو عزم الرجل أن يطلّق امرأته يقع الطلاق بنفس العزم وإن لم ينطق به. ٤٩ الطبعة الأُولى.


قيوداً أيضاً على الشهادة، وحكموا بأنّه لو كملت جميع الشروط ولم يسمع إنشاء الطلاق شاهدان عدلان لم يقع الطلاق، فلا يكفي شاهد واحد ولو كان بدلاً بل (معصوماً)(١) ، ولا أن يشهد أحدهما بالإنشاء والآخر بالإقرار، ولا شهادة جماعة ولو بلغوا حد الشياع وأفادوا العلم، ولا شهادة النساء منفردات ولا منضمات إلى الرجال، كما أنّه لو طلّق ثمّ أشهد لم يكن شيئاً.

إذا طلّق السنّي زوجته الشيعية:

إذا كان الزوج سنّياً والزوجة شيعية وطلّقها طلاقاً معلّقاً، أو في طهر المقاربة، أو في حال الحيض أو النفاس، أو بغير شاهدين عدلين، أو حلف عليها بالطلاق، أو طلّقها بقوله: حبلك على غاربك، وما إلى ذلك ممّا هو صحيح عند السنّة فاسد عند الشيعة، فهل يحكم الشيعة بصحة هذا الطلاق، وتكون المطلّقة على هذه الحال خلية يجوز التزويج بها بعد انقضاء العدة؟

الجواب:

لقد أجمع الإمامية كلمة واحدة على إلزام كل طائفة بما تدين(٢) ، وترتيب آثار الصحة على بيوعات أتباعها وميراثهم وزواجهم وطلاقهم إذا أوقعوها على وفق شريعتهم، فقد ثبتت الرواية عن أئمة أهل البيت: (ألزموهم من ذلك ما ألزموا أنفسهم). وفي رواية أخرى أنّ الإمام الصادق سئل عن امرأة طلّقها سنّي على غير السنّة التي هي شرط في

____________________

(١) التعبير بلفظ معصوم لصاحب الجواهر.

(٢) في كتاب (تأسيس النظر) لأبي زيد الدبوسي الحنفي: إنّ الأصل عند أبي حنيفة أن يُترك أهل الذمة على ما يعتقدون ويدينون. وعند صاحبيه أبي يوسف ومحمد لا يُتركون.


صحة الطلاق عند الشيعة، فقال:(تتزوج، ولا تُترك المرأة من غير زوج) . وفي رواية ثالثة: (يجوز على أهل كل دين ما يستحلّون). وفي رابعة: (مَن دان بدين قوم لزمته أحكامهم). (الجواهر ج٥ مبحث صيغة الطلاق).

وعليه إذا طلّق الشيعي زوجته السنّية حسب ما تعتقد هي لا ما يعتقد هو فالطلاق فاسد، وإذا طلّق السنّي زوجته الشيعية على ما يعتقد هو فالطلاق صحيح.


الطلاق رجعي وبائن

ينقسم الطلاق إلى رجعي وبائن، واتفقوا على أنّ الطلاق الرجعي هو الذي يملك فيه الزوج الرجوع إلى المطلّقة ما دامت في العدة، سواء أرضيت أم لم ترضَ، ومن شرطه أن تكون المرأة مدخولاً بها؛ لأنّ المطلّقة قبل الدخول لا عدة لها؛ لقوله تعالى في الآية ٤٩ من سورة الأحزاب:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) . ومن شرط الطلاق الرجعي أيضاً أن لا يكون على بذل مال، وأن لا يكون مكمّلاً للثلاث.

والمطلَّقة الرجعية بحكم الزوجة، وللمطلّق كل حقوق الزوج فيحصل التوارث بين الزوجين لو مات أحدهما قبل انتهاء العدة، ولا يحلّ المهر المؤجل لأقرب الأجلين إلاّ بعد مضي العدة دون أن يرجعها المطلّق إلى عصمته، وبالجملة فالطلاق الرجعي لا يحدث شيئاً سوى عدّهِ من الطلقات الثلاث.

أمّا الطلاق البائن فلا يملك فيه المطلّق الرجوع إلى المطلّقة، وهو يشمل عدداً من المطلّقات:


١ - غير المدخول بها بالاتفاق.

٢ - المطلّقة ثلاثاً بالاتفاق.

٣ - الطلاق الخلعي، وقال بعضهم إنّه فسخ وليس بطلاق.

٤ - ألآيسة عند الإمامية خاصة، حيث قالوا: لا عدة عليها، وإنّ حكمها حكم غير المدخول بها، أمّا الآية ٤ من سورة الطلاق:( وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ ) ، فليس المراد من اللائي يئسن: المعلوم يأسهن، بل معناه أنّ اللائي ارتفع حيضهن، ولا تدرون هل انقطع لمرض أو لكبرٍ فعدتهن ثلاثة أشهر، فالشك لم يكن في حكم مَن علم يأسهن، بل في مَن شُك بيأسهن؛ بدليل قوله تعالى:( إِنْ ارْتَبْتُمْ ) ، حيث لم يُعرف من طريقة الشارع إذا أراد أن يبيّن حكماً من الأحكام أن يقول: إن شككتم بحكم هذا الشيء فحكمه كذا، فتعيّن أن يكون المراد إذا شككتم في نفس المرأة أنّها آيسة أو غير آيسة فحكمها أن تعتدّ ثلاثة أشهر، وأمّا قوله:( وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ ) فالمراد به الشابات اللائي هنّ في سن مَن تحيض، ومع ذلك انقطع عنهن الدم خلقة أو لعارض، وقد ثبت عن أئمة أهل البيت روايات كثيرة تُفسر الآية بهذا المعنى.

٥ - قال الحنفية: الخلوة بالزوجة من دون دخول توجب العدة، ولكن لا يجوز للمطلّق الرجوع إليها أثناء العدة؛ لأنّها بائنة، وقال الحنابلة: الخلوة كالدخول تماماً بالنسبة إلى وجوب العدة وجواز الرجوع. وقدّمنا أنّه لا أثر للخلوة عند الإمامية والشافعية.

٦ - قال الحنفية: إذا قال لها: أنتِ طالق طلاقاً بائناً، أو طلقة شديدة، أو كالجبل، أو أفحش الطلاق، أو أشده، وما إلى ذلك يكون الطلاق بائناً لا يحق للمطلّق أن يرجع أثناء العدة، وكذلك يكون الطلاق بائناً إذ طلّقها بألفاظ الكنايات التي تدلّ على الانفصال في الحال، كأنتِ بتة وبتلة وبرية.


المطلَّقة ثلاثاً:

اتفقوا على أنّ مَن طلّق زوجته ثلاثاً لا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً، ويدخل بها المحلِّل حقيقة؛ لقوله تعالى في الآية ٢٣٠ من سورة البقرة:( فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) .

واشترط الإمامية والمالكية أن يكون المحلِّل بالغاً. واكتفى الحنفية والشافعية والحنابلة بأن يكون قادراً على الجماع، وإن كان دون البلوغ. وقال الإمامية والحنفية: إذا اشترط التحليل أثناء العقد، كما لو قال: تزوجتكِ على أن أُحلّلكِ لمطلّقك، يبطل الشرط، ويصحّ العقد، ولكنّ الحنفية قالوا: إذا خافت المرأة أن لا يطلّقها المحلِّل فيمكنها أن تقول له: زوجتكَ نفسي على أن يكون أمر طلاقي بيدي، فيقول لها: قبلتُ هذا الشرط، وحينئذ يصحّ العقد ويكون لها الحق في تطليق نفسها متى أرادت، أمّا إذا قال لها هو: تزوجتكِ على أن يكون أمرك بيدك، فإنّ النكاح يصحّ ويُلغى الشرط.

وقال المالكية والشافعية والحنابلة: يبطل العقد بالمرة إذا اشترط فيه التحليل، بل قال المالكية والحنابلة: لو قصد التحليل ولم يتلفظ به يبطل العقد.

واشترط المالكية وبعض الإمامية أن يطأها الزوج الثاني وطءاً حلالاً، كأن تكون خالية من الحيض والنفاس، وأن لا يكونا صائمين صيام رمضان، ولكنّ أكثر الإمامية على عدم اعتبار هذا الشرط؛ لأنّ الوطء في هذه الحال وإن كان محرّماً فإنّه كافٍ في التحليل.

ومهما يكن، فمتى تزوجت بآخر، وفارقها بموت أو طلاق وانقضت عدتها جاز للأوّل أن يعقد عليها من جديد، فإذا عاد وطلّق ثلاثاً تحرم عليه حتى تنكح غيره، وهكذا تحرم بعد كل طلاق ثالث، وتحلّ بنكاح المحلِّل وإن طُلّقت مئة مرة.


ولكنّ الإمامية قالوا: إذا طُلّقت تسع مرات للعدة، وتزوجت مرتين فإنّها تحرم مؤبداً، ومعنى طلاق العدة عندهم: أن يطلّقها، ثمّ يراجعها ويطأها، ثمّ يطلّقها في طهر آخر، ثمّ يراجعها ويطأها، ثمّ يطلّقها ويحلّلها المحلِّل، وبعد أن يتزوجها الأوّل بعقد جديد يطلّقها ثلاثاً للعدة، ثمّ يحلّلها المحللِّ، ثمّ يتزوجها الأوّل، فإذا طلّقها ثلاثاً، وثمّ طلاق العدة تسع مرات حرمت على المطلّق تسعاً إلى الأبد، أمّا إذا لم يكن الطلاق للعدة، كما لو طلّقها، ثمّ راجعها، ثمّ طلّقها قبل الدخول، فإنّها لا تحرم مؤبداً، بل تحلّ بمحلّل وإن بلغت الطلقات ما لا يحصيه العد.

الشك في عدد الطلاق:

اتفقوا على أنّ مَن شك في عدد الطلاق - هل وقع مرة أو أكثر؟ - يبني على الأقل، ما عدا المالكية فانّهم قالوا: يغلب جانب الطلاق ويبني على الأكثر.

إخبار المطلّقة بالتحليل:

قال الإمامية والشافعية والحنفية: لو طلّقها ثلاثاً، وغاب عنها أو غابت عنه مدة، ثمّ ادعت أنّها تزوجت، وفارقها الزوج الثاني، ومضت العدة، وكانت المدة تتسع لذلك كله يُقبل قولها بلا يمين، وللأوّل أن يتزوجها إذا اطمأن إلى صدقها ولا يجب عليه الفحص والبحث. (الجواهر، وابن عابدين، ومقصد النبيه).


الخُلع

الخُلع: إبانة الزوجة على مال تفتدي به نفسها من الزوج. وهنا مسائل:

هل يُشترط في الخلع كراهية الزوجة للزوج؟

إذا تراضيا على الخلع، وبذلت مالاً كي يطلّقها، والحال عامرة، والأخلاق ملتئمة بينهما، فهل تصحّ المخالعة؟

قل الأربعة: يصحّ الخلع، وتترتب عليه جميع الأحكام والآثار، ولكنّهم قالوا: إنّه مكروه(١) .

وقال الإمامية: لا يصحّ الخلع، ولا يملك المطلّق الفدية، ولكن يصحّ الطلاق، ويكون رجعياً مع اجتماع شرائطه؛ واستدلوا بأحاديث عن أئمة أهل البيت، وبالآية ٢٢٩ من سورة البقرة:( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) ، حيث علّقت الآية جواز الفدية على الخوف من الوقوع في المعصية إذا استمرت الزوجية.

____________________

(١) فرق الزواج للأستاذ الخفيف ص١٥٩ طبعة ١٩٥٨.


المخالعة على أكثر من المهر:

اتفقوا على أنّ الفدية يجب أن تكون ذات قيمة، وأنّه يجوز أن تكون بمقدار المهر أو أقلّ أو أكثر.

شروط عوض الخلع:

قال الأربعة: يصحّ الخلع مع غير الزوجة، فإذا قال أجنبي للزوج: طلّق امرأتك بألف عليَّ، وطلّقها على ذلك صحّ، وإن لم تعلم الزوجة ولم ترضَ بعد العلم، ووجب على الأجنبي أن يدفع المبلغ للمطلّق. (رحمة الأُمة وفرق الزواج للأستاذ الخفيف).

وقال الإمامية: لا يصحّ الخلع، ولا يجب على الأجنبي أن يدفع شيئاً، أجل، يصحّ أن يضمن الأجنبي الفدية بإذنها، فيقول للزوج طلّقها بكذا وعليَّ ضمان المبلغ بعد أن تأذن هي بذلك، فإن طلّق على هذا الشرط وجب على الضامن أن يدفع المبلغ للمطلّق ويرجع به على المطلّقة.

ثمّ إنّ كل ما يصحّ أن يكون مهراً يصحّ أن يكون فدية في الخلع بالاتفاق، ولا يُشترط أن يكون معلوماً بالتفصيل إذا آل أمره إلى العلم، مثل: أخلعني على ما في البيت أو في الصندوق أو على ميراثي من أبي أو ثمرة بستاني.

وإذا وقع الخلع على ما لا يُملك كالخمر والخنزير، قال الحنفية والمالكية والحنابلة: إذا كانا يعلمان بالتحريم يصحّ الخلع، ولا يستحق المطلّق شيئاً، فيكون خلعاً بلا عوض. وقال الشافعية: يصحّ، ولها مثل المهر. (المغني ج٧).

وقال أكثر الإمامية: يبطل الخلع، ويقع الطلاق رجعياً إذا كان


مورداً له، وإلاّ كان بائناً، وفي جميع الحالات لا يستحق المطلّق شيئاً.

وإذا خالعها على ما يعتقد أنّه حلال، فتبين أنّه حرام، كما لو قالت له: اخلعني على هذا الدن من الخل فظهر خمراً، قال الإمامية والحنابلة: يرجع عليها بمثله خلاً. وقال الحنفية: يرجع عليها بالمهر المسمّى. وقال الشافعية: يرجع عليها بمهر المثل.

وإذ خالعته على مال باعتقاد أنّه لها فبان لغيرها، قال الحنفية وأكثر الإمامية: إذا أجاز المالك صح الخلع، وأخذ الزوج المال، وإن لم يجز كان له البدل من المثل أو القيمة. وقال الشافعية: له مهر المثل استناداً إلى قاعدة عندهم، وهي: (متى ذكر بدل فاسد يبطل البدل، ويثبت مهر المثل.) (مقصد النبيه). وقال المالكية: يقع الطلاق بائناً، ويبطل العوض، وليس للمطلّق شيء حتى ولو أجاز المالك. (الفقه على المذاهب الأربعة ج٤).

وإذا خالعته على إرضاع ولده ونفقته مدة معينة صح ولزمها القيام بالرضاع والنفقة بالاتفاق. وصرح الحنفية والمالكية والحنابلة بأنّه يصحّ للحامل أن تخالع زوجها على نفقة الحمل الذي في بطنها، تماماً كما تصحّ المخالعة على نفقة الولد الموجود. ولم أرَ فيما لدي من مصادر الإمامية والشافعية مَن تعرّض لذلك، ولكنّ القواعد الشرعية لا تمنع منه؛ لأنّ السبب موجود وهو الحمل، ولأنّ تعهدها بمنزلة الشرط على نفسها بأنّ الولد إذا خُلق حياً لزمها أن تقوم بإرضاعها ونفقته مدة معينة، والمسلمون عند شروطهم ما لم يحلّل الشرط حراماً، أو يحرّم حلالاً، وهذا الشرط سائغ في نفسه، ولا يستدعي أيّ لازم باطل، ويجب الوفاء لأنّه أُخذ في عقد لازم. أمّا الجهل بكونه يولد حياً أو ميتاً، وعلى فرض أنّه وِلد حياً ربّما لا يبقى المدة المتفق عليها، أمّا هذا الجهل فيُغتفر في الخلع.

وأقصى ما يمكن أن يبرر به المنع وعدم الجواز هو قياس التعهد بالنفقة على الإبراء منها، فاذا كان الإبراء منها غير جائز لأنّه إسقاط


لغير الواجب، فكذلك التعهد بالنفقة لا يجوز؛ لأنّها غير واجبة فعلاً. ولكنّ الفرق كبير جداً بين التعهد والإبراء إذ لا بدّ أن يكون الإبراء من شيء موجود ومتحقق بالفعل، أمّا التعهد فلا يلزم فيه ذلك. هذا وقد سبق الكلام في باب الزواج عن الخلع على إسقاط حق الأب أو الأُم على حضانة الولد.

(فرع) إذا خلعها على نفقة الولد، ثمّ عجزت عن الإنفاق عليه، فلها مطالبة أبيه بالنفقة، ويجيز عليها، ولكنّه يرجع على الأُم إذا أيسرت، وإذا مات الولد أثناء المدة المعينة كان للمطلّق استيفاء المدة الباقية منها؛ لعموم قوله تعالى:( فِيمَا افْتَدَتْ بِه ) ، والأولى للمرأة أن تتعهد برضاع الولد ونفقته في المدة المعينة ما دام حياً، وحينئذ لا يحق للمطلّق الرجوع عليها بشيء إذا مات الولد.

شروط الزوجة المخالعة:

اتفقوا على أنّ الزوجة المخالعة يجب أن تكون بالغة عاقلة. واتفقوا أيضاً على أنّ السفيهة لا يصحّ خلعها من غير إذن الولي، واختلفوا في صحة الخلع إذا أذن لها الولي، فقال الحنفية: إن التزم الولي الأداء من ماله الخاص صح الخلع، وإلاّ بطل البذل، ووقع الطلاق على أصحّ الروايتين. (أبو زهرة).

وقال الإمامية والمالكية: مع إذن الولي لها بالبذل يصحّ الخلع من مالها هي لا ماله هو. (الجواهر، والفقه على المذاهب الأربعة).

وقال الشافعية والحنابلة: لا يصحّ الخلع من السفيه مطلقاً، أذِنَ الولي لها أو لم يأذن، واستثنى الشافعية صورة واحدة، وهي: إذا خشي الولي أن يبدد الزوج أموالها، فحينئذ يأذن لها الولي بالاختلاع منه صيانة لمالها. ثمّ إنّ الشافعية قالوا: يفسد الخلع، ويقع الطلاق رجعياً. وقال


الحنابلة: لا يقع خلعاً ولا طلاقاً إلاّ أن ينوي الزوج الطلاق من الخلع، أو يكون الخلع بلفظ الطلاق.

وإذا خالعت المرأة وهي في مرض الموت صح الخلع عند الجميع، ولكن اختلفوا فيما إذا بذلت أكثر من ثلث مالها، أو كان المبذول أكثر من ميراثه منها على فرض موتها في العدة، وقلنا بالتوارث بينهما في هذه الحال:

قال الإمامية والشافعية: إن خالعته بمهر مثلها جاز، ونفذ من الأصل، أمّا إذا زاد عن مهر المثل فتخرج الزيادة من ثلث المال.

وقال الحنفية: يصحّ الخلع، ويستحق المطلّق العوض بشرط أن لا يزيد عن الثلث، ولا عن نصيبه في الميراث إن ماتت أثناء العدة، أي يأخذ أقلّ المقادير الثلاثة من بدل الخلع وثلث التركة ونصيبه من الميراث، فإذ كان بدل الخلع ٥ ونصيبه ٤ والثلث ٣، استحق ٣.

وقال الحنابلة: إذا خالعته بمقدار ميراثه منها فما دون صح بكل ما خالعته عليه، وإن خالعته بزيادة بطلت الزيادة فقط. (المغني ج٧).

ثمّ إنّ الإمامية اشترطوا في المختلعة جميع ما اشترطوه في المطلّقة: من كونها في طهر لم يواقعها فيه إذا كانت مدخولاً بها، وغير آيسة ولا حامل، ولا صغيرة دون التسع، كما اشترطوا لصحة الخلع وجود شاهدين عدلين. أمّا بقية المذاهب فيصحّ الخلع عندها على أيّة حال تكون عليها المختلعة تماماً كالمطلّقة.

شروط الزوج المخالِع:

اتفقوا على اشتراط البلوغ والعقل في الزوج، ما عدا الحنابلة فانّهم قالوا: يصحّ الخلع من المميِّز كما يصحّ منه الطلاق. وتقدّم في أوّل الطلاق أنّ الحنفية يجيزون طلاق الهازل والمكرَه والسكران، وأنّ الشافعية


والمالكية يوافقونهم في طلاق الهازل. ويصحّ الخلع مع الغضب إذا لم يكن رافعاً للقصد.

واتفقوا على صحة الخلع من السفيه، ولكنّ المال يُسلّم إلى وليه، ولا يصحّ تسليمه له.

أمّا الخلع من المريض مرض الموت فيصحّ بلا ريب؛ لأنّه لو طلّق بغير عوض لصح، فالطلاق بعوض أولى.

صيغة الخلع:

أجاز الأربعة أن تكون الصيغة باللفظ الصريح، كالخلع والفسخ، وبالكناية مثل بارأتكِ وأبنتكِ. وقال الحنفية: يجوز بلفظ البيع والشراء، فيقول الزوج للزوجة: بعتكِ نفْسكِ بكذا. فتقول هي: اشتريتُ. أو يقول لها: اشتري طلاقك بكذا. فتقول قبلتُ. وكذلك عند الشافعية يصحّ أن يكون الخلع بلفظ البيع.

وأجاز الحنفية التعليق والخيار، والفاصل بين البذل والخلع، فلو كان الزوج غائباً وبلغه أنّها قالت: اختلعتُ نفسي بكذا وقَبِل لصح. وكذلك عند المالكية لا يضر الفاصل.

ويصحّ الخلع عند الحنابلة من دون نية إذا كان اللفظ صريحاً كالخلع والفسخ والمفادة، ولكنّهم اشترطوا اتحاد المجلس وعدم التعليق.

وقال الإمامية: لا يقع الخلع بلفظ الكناية، ولا بشيء من الألفاظ الصريحة إلاّ بلفظتين فقط، وهما: الخلع والطلاق، فإن شاء جمع بينهما معاً أو اكتفى بواحدة، فتقول هي: بذلتُ لك كذا لتطلّقني. فيقول هو: خلعتكِ على ذلك فأنتِ طالق - وهذه الصيغة هي الأحوط


والأولى عند جميع الإمامية -، ويكفي أن يقول لها: أنتِ طالق على ذلك، أو خلعتكِ على ذلك. ويشترط الإمامية الفور وعدم الفاصل بين البذل والخلع وأن يكون الخلع مطلقاً غير معلّق على شيء، تماماً كما هي الحال في الطلاق.


العدة

أجمع المسلمون كافة على وجوب العدة في الجملة، والأصل فيه الكتاب والسنّة، فمن الكتاب قوله تعالى:( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ ) ، ومن السنّة قوله (صلّى الله عليه وسلّم): لفاطمة بنت قيس:(اعتدّي في بيت ابن أُم مكتوم) . ويقع الكلام في عدة مَن فارقها الزوج بطلاق أو فسخ، وفي عدة المتوفى عنها زوجها، وفي عدة مَن وطِئت بشبهة، واستبراء الزانية، وفي عدة زوجة المفقود.

عدة المطلَّقة:

اتفقوا على أنّ المطلّقة قبل الدخول والخلوة لا عدة عليها، وقال الحنفية والمالكية والحنابلة: إن خلا بها الزوج ولم يصبها، ثمّ طلّقها فعليها العدة، تماماً كالمدخول بها. وقال الإمامية والشافعية: لا أثر للخلوة. وتقدّمت الإشارة إلى ذلك، كما أشرنا - عند تقسيم الطلاق إلى رجعي وبائن - إلى رأي الإمامية من عدم وجوب العدة على الآيسة المدخول بها، وما استندوا إليه من الدليل.


وكل فرقة بين زوجين ما عدا الموت فعدتها عدة الطلاق، سواء أكانت بخلع أو لعانٍ، أو بفسخ بعيب أو انفساخ برضاع أو اختلاف دين(١) .

ومهما يكن، فقد اتفقوا على وجوب العدة على مَن طُلّقت بعد الدخول، وأنّها تعتد بواحد من ثلاثة على التفصيل التالي:

١ - تعتد بوضع الحمل بالاتفاق إذا كانت حاملاً؛ لقوله تعالى:( وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) . وإذ كان الحمل أكثر من واحد فلا تخرج من العدة إلاّ بوضع الأخير بالإجماع. واختلفوا في السقط إذا لم يكن مخلقاً - أي تام الخلقة - قال الحنفية والشافعية والحنابلة: لا تخرج من العدة بانفصاله عنها. وقال الإمامية والمالكية: بل تخرج، ولو كان قطعة لحم ما دام مبدأ إنسان.

وأقصى مدة الحمل عند الحنفية سنتان، وعند الشافعية والحنابلة أربع، وعند المالكية خمس كما في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، وعن مالك أربع كما في كتاب المغني، وتقدّم التفصيل في باب الزواج.

والحامل لا يمكن أن تحيض عند الحنفية والحنابلة، ويمكن أن تحيض عند الإمامية والشافعية والمالكية.

٢ - أن تعتد بثلاثة أشهر هلالية، وهي التي بلغت ولم ترَ الحيض أبداً، والتي بلغت سن اليأس(٢) . وحد اليأس عند المالكية سبعون سنة، وعند الحنابلة خمسون، وعند الحنفية خمس وخمسون، وعند الشافعية اثنتان وستون على الأصح، وعند الإمامية ستون للقرشية وخمسون لغيرها.

____________________

(١) قال الإمامية: إذا ارتد الزوج، وكان ارتداده عن فطرة اعتدّت زوجته عدة وفاة، وإن كان ارتداده عن ملة اعتدت عدة طلاق.

(٢) تقدّم أنّ الإمامية لا يوجبون العدة على الآيسة، ولكنّهم قالوا: إذا طلّقها ورأت حيضة ثمّ يئست أكملت العدة بشهرين. وقال الأربعة: بل تستأنف العدة بثلاثة أشهر، ولا تُحسب الحيضة من العدة.


أمّا الزوجة المدخول بها قبل أن تكمل التسع فقال الحنفية: تجب عليها العدة، ولو كانت طفلة. وقال المالكية والشافعية: لا تجب العدة على الصغيرة التي لا تطيق الوطء، وتجب على مَن تطيقه وإن كانت دون التسع. وقال الإمامية والحنابلة: لا تجب العدة على مَن لم تكمل التسع وإن طاقت الوطء. (الفقه على المذاهب الأربعة ج٤ مبحث عدة المطلّقة الآيسة).

٣ - تعتد بثلاثة قروء، وهي مَن أكملت التسع ولم تكن حاملاً، ولا آيسة، وكانت من ذوات الحيض بالاتفاق. وقد فسر الإمامية والمالكية والشافعية القرء بالطهر، فإذا طلّقها في آخر لحظة من طهرها احتسب من العدة، وأكملت بعده طهرين. وفسره الحنفية والحنابلة بالحيض، فلا بدّ من ثلاث حيضات بعد الطلاق، ولا يحتسب حيض طُلّقت فيه. (مجمع الأنهر).

وإذا أخبرت المطلّقة التي اعتدّت بالأقراء بانقضاء عدتها تُصدّق إذا مضت مدة تحتمل انقضاء العدة، وأقلّ ما تُصدّق به المعتدة بالأقراء ستة وعشرون يوماً عند الإمامية ولحظتان، بأن يقدّر أنّه طلّقها في آخر لحظة من الطهر، ثمّ تحيض ثلاثة أيام، وهي أقلّ مدة الحيض، ثمّ ترى أقلّ الطهر وهو عشرة أيام عند الإمامية، ثمّ تحيض ثلاثة أيام، ثمّ ترى أقلّ الطهر عشرة أيام، ثمّ تحيض، فبمجرد رؤية الدم الأخير تخرج من العدة، واللحظة الأُولى من الحيض الثالث لا بدّ منها للعمل بتمامية الطهر الأخير. ودم النفاس عند الإمامية كدم الحيض، وعليه يمكن أن تنقضي العدة بثلاثة وعشرين يوماً، كما إذا طلّقها بعد الوضع وقبل رؤية الدم، وبعد الطلاق رأت الدم لحظة، ثمّ مضى أقلّ الطهر عشرة أيام، ثمّ أقلّ الحيض ثلاثة، ثمّ أقلّ الطهر عشرة، فيكون المجموع ثلاثة وعشرين يوماً.

وأقلّ ما تُصدّق به عند الحنفية تسعة وثلاثون يوماً، بأن يقدّر أنّه طلّقها


في آخر الطهر، ويقدّر أقلّ مدة للحيض وهي ثلاثة أيام، وأقلّ مدة الطهر وهي خمسة عشر يوماً عند الحنفية، فثلاث حيضات بتسعة أيام يتخللها طهران بثلاثين يوماً فيكون المجموع تسعة وثلاثين.

أطول عدة:

قدّمنا أنّها إذا بلغت ولم ترَ الدم أصلاً فعدتها ثلاثة أشهر بالإجماع، أمّا إذا رأته ثمّ انقطع عنها بسبب رضاع أو مرض: فقال الحنابلة والمالكية: تعتد سنة كاملة. وقال الشافعي في الجديد من أحد قوليه: بل تبقى في العدة أبداً حتى تحيض، أو تبلغ سن الإياس، وتعتد بعدها بثلاثة أشهر. (المغني ج٧ باب العدد).

وقال الحنفية: إذا حاضت مرة واحدة ثمّ انقطع عنها الحيض لمرض أو رضاع، ولم تره أبداً فلا تنقضي عدتها حتى تبلغ سن اليأس، وعليه فقد تبلغ العدة عند الحنفية والشافعية أكثر من ٤٠ سنة. (الفقه على المذاهب الأربعة ج٤ مبحث عدة المطلّقة إذ كانت من ذوات الحيض).

وقال الإمامية: إذا انقطع الحيض عنها لعارض بعد رؤيته ثمّ طُلّقت تعتد بثلاثة أشهر، كالتي لم ترَ الحيض أصلاً، وإذا عاد إليها بعد الطلاق تعتد بأسبق الأمرين من ثلاثة أشهر أو ثلاثة أقراء، بمعنى أنّه مضى لها ثلاثة أقراء قبل ثلاثة أشهر انقضت عدتها أيضاً، وإن مضى ثلاثة أشهر بيض قبل أن تتم الأقراء انقضت عدتها أيضاً، وإن رأت الحيض قبل انقضاء الأشهر الثلاثة ولو بلحظة صبرت تسعة أشهر، ولا يجديها نفعاً أن تمرّ بعد ذلك ثلاثة أشهر بلا دم، وبعد انتهاء الأشهر التسعة فإن وضعت قبل انتهاء السنة خرجت من العدة، وكذلك إذا حاضت وأتمت الأطهار، وإذا لم تلد ولم تتم الأقراء قبل سنة اعتدّت


بثلاثة مضافة إلى التسعة، فيكون المجموع سنة كاملة، وهذه أطول عدة عند الإمامية(١) .

عدة الوفاة:

اتقوا على أنّ عدة المتوفى عنها زوجها وهي غير حامل، أربعة أشهر وعشرة أيام، كبيرة كانت أو صغيرة، آيسة أو غيرها، دخل بها أو لم يدخل؛ لقوله تعالى:( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) . هذا إذ حصل لها الجزم بأنّها غير حامل، أمّا إذا ظنّت أو احتملت الحمل فعليها الانتظار حتى تضع أو يحصل الجزم بعدم الحمل عند كثير من فقهاء المذاهب.

وقال الأربعة: إنّ عدة الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي بوضع الحمل، ولو بعد وفاته بلحظة، بحيث يحلّ لها أن تتزوج بعد انفصال الحمل ولو قبل دفن زوجها؛ لقوله تعالى:( وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) .

وقال الإمامية: إنّ عدتها أبعد الأجلين من وضع الحمل والأربعة أشهر وعشرة أيام، فإن مضت الأربعة والعشرة قبل الوضع اعتدّت بالوضع، وإن وضعت قبل مضي الأربعة والعشرة اعتدّت بالأربعة والعشرة، واستدلوا على ذلك بضرورة الجمع بين آية( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) وآية( أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) ، فالآية الأُولى جعلت العدة أربعة وعشرة، وهي تشمل الحامل وغير الحامل، والثانية

____________________

(١) نقل صاحب الجواهر وصاحب المسالك المشهور على ذلك عملاً بخبر سودة بن كليب، وقد أطالا الكلام في هذه المسألة، ونقلا أقوالاً غير مشهورة، وكثير من فقهاء الإمامية تجاهلها وأهملها.


جعلت عدة الحامل وضع الحمل، وهي تشمل المطلّقة ومَن توفّى عنها الزوج، فيحصل التنافي بين ظاهر الآيتين في المرأة الحامل التي تضع قبل الأربعة والعشرة، فمبوجب الآية الثانية تنتهي العدة؛ لأنّها وضعت الحمل، وبموجب الآية الأُولى لا تنتهي؛ لأنّ الأربعة والعشرة لم تنته، ويحصل التنافي أيضاً إذا مضت الأربعة والعشرة ولم تضع، فمبوجب الآية الأُولى تنتهي العدة؛ لأنّ مدة الأربعة والعشرة مضت، وبموجب الآية الثانية لم تنته؛ لأنّها لم تضع الحمل، وكلام القرآن واحد يجب أن يلائم بعضه بعضاً. وإذا جمعنا الآيتين هكذا( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ،وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) يكون المعنى: إنّ عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام لغير الحامل، وللحامل التي تضع قبل مضي الأربعة والعشرة وضع الحمل.

وإذا قال قائل: كيف جعل الإمامية عدة الحامل المتوفى عنها الزوج أبعد الأجلين، من وضع الحمل والأربعة والعشرة، مع أنّ آية( وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) صريحة بأنّ الحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل؟ أجابه الإمامية: كيف قال الأربعة: إنّ عدة الحامل المتوفى عنها الزوج سنتان إذا استمر الحمل هذه المدة مع أنّ آية( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) صريحة بأنّ العدة أربعة وعشرة، واذا قال القائل: عملاً بآية أُولات الأحمال، قال الإمامية عملاً بآية والذين يتوفّون. إذن لا مجال للعمل بالآيتين إلاّ القول بأبعد الأجلين.

واتفقوا على وجوب الحداد على المتوفى عنها زوجها كبيرة كانت أو صغيرة، مسلمة أو غير مسلمة، ما عدا الحنفية فإنّهم ذهبوا إلى عدم وجوبه على الذمية والصغيرة؛ لأنّهما غير مكلّفتين.

ومعنى الحداد: أن تجتنب المرأة الحادة على زوجها كل ما يُحسّنها،


ويُرغّب في النظر إليها، ويدعو إلى اشتهائها، وتشخيص ذلك يعود إلى أهل العرف.

قال الإمامية: إنّ مبدأ عدة الطلاق من حين وقوعه حاضراً كان الزوج أو غائباً، ومبدأ عدة الوفاة من حين بلوغها الخبر إذا كان الزوج غائباً، أمّا إذا كان حاضراً وافتُرض عدم علمها بموته إلاّ بعد حين، فمبدأ العدة من حين الوفاة على ما هو المشهور بين فقهاء الإمامية.

واتفقوا على أنّ المطلّقة طلاقاً رجعياً إذا توفي زوجها وهي في أثناء العدة فعليها أن تستأنف عدة الوفاة من حين موته، سواء أكان الطلاق في حال مرض الموت، أو في حال الصحة؛ لأنّ العصمة بينها وبين المطلّق لم تنقطع بعد، أمّا لو كان الطلاق بائناً فيُنظر، فإن كان قد طلّقها في حال الصحة أتمت عدة الطلاق، ولا عدة عليها بسبب الموت بالاتفاق، حتى ولو كان الطلاق بدون رضاها، وكذلك الحال إذا طلّقها في مرض الموت بطلب منها. أمّا إذا طلّقها في مرضه بدون طلب منها، ثمّ مات قبل أن تنتهي العدة فهل تتحول إلى عدة الوفاة كالرجعية، أو تستمر في عدة الطلاق؟

قال الإمامية والمالكية والشافعية: تمضي في عدة الطلاق، ولا تتحول إلى عدة الوفاة.

وقال الحنفية والحنابلة: بل تتحول إلى عدة الوفاة. فتلخّص أنّ المطلّقة الرجعية تستأنف عدة الوفاة إذا توفّي المطلّق قبل انتهاء العدة، والبائنة تستمر في عدة الطلاق باتفاق الجميع، ما عدا الحنفية والحنابلة فإنّهم استثنوا من البائنة ما إذا وقع الطلاق في مرض موت المطلّق بدون رضى المطلّقة.


عدة وطء الشبهة:

قال الإمامية: إنّ عدة وطء الشبهة كعدة المطلّقة، فإن كانت حاملاً اعتدّت بوضع الحمل، وإن كانت من ذوات القروء اعتدّت بثلاثة منها، وإلاّ فبثلاثة أشهر بيض، والشبهة عندهم الوطء الذي يعذر فيه صاحبه، ولا يجب عليه الحد، سواء أكانت الموطوءة ممّن يحرم العقد عليها كأخت الزوجة والمتزوجة، أو كانت ممّن يحلّ عليها العقد كالأجنبية الخلية. وقريب من هذا قول الحنابلة حيث ذهبوا إلى أنّ كل وطء يوجب العدة مهما كان نوعه، ولا يختلفون عن الإمامية إلاّ في بعض التفاصيل، وتأتي الإشارة إليها عند الكلام على عدة الزانية.

وقال الحنفية: تجب العدة بوطء الشبهة، وبالعقد الفاسد، ولا تجب بالعقد الباطل، ومثال الشبهة: أن يطأ نائمة بشبهة أنّها زوجته. والعقد الفاسد: أن يعقد على امرأة يحلّ له العقد عليها، ولكن لم تتحق بعض الشروط المعتبرة، كما لو جرى العقد بدون شهود. والعقد الباطل: أن يعقد على امرأة من محارمه كأخته وعمته. وعدة وطء الشبهة عندهم ٣ حيضات إن كانت تحيض وإلاّ فثلاثة أشهر إن لم تكن حاملاً، وإن تكنها فبوضع الحمل. (ابن عابدين، وأبو زهرة، والفقه على المذاهب الأربعة).

وقال المالكية: تستبرئ بقدر العدة ثلاثة قروء وإن لم تحض فبثلاثة أشهر، وإن حاملاً فبوضع الحمل.

ومهما يكن، فإذا مات الواطئ بشبهة فلا تعتد المرأة عدة وفاة؛ لأنّ العدة للوطء لا للعقد.

عدة الزانية:

قال الحنفية والشافعية وأكثر الإمامية: لا تجب العدة من الزنا؛ لأنّه لا حرمة لماء الزاني، فيجوز العقد على الزانية ووطؤها وإن كانت


حاملاً، ولكنّ الحنفية قالوا: يجوز العقد على الحُبلى من الزنا، ولا يجوز وطؤها، بل يدعها حتى تلد.

وقال المالكية: الوطء بالزنا تماماً كالوطء بالشبهة، فتستبرئ بقدر العدة إلاّ إذا أُريد إقامة الحد عليها فإنّها تستبرئ بحيضة واحدة.

وقال الحنابلة: تجب العدة على الزانية كما تجب على المطلّقة. (المغني ج٦، ومجمع الأنهر).

عدة الكتابية:

اتفقوا على أنّ الكتابية إذا كانت زوجة لمسلم فحكمها حكم المسلمة من حيث وجوب العدة عليها والحداد في عدة الوفاة، أمّا إذا كانت زوجة لكتابي مثلها فقال الإمامية(١) والشافعية والمالكية والحنابلة: تجب عليها العدة، ولكنّ الشافعية والمالكية والحنابلة لم يوجبوا عليها الحداد في عدة الوفاة.

وقال الحنفية: لا عدة على غير المسلمة المتزوجة بغير المسلم. (ميران الشعراني باب العدد والاستبراء).

زوجة المفقود:

الغائب على حالين، أحداهما: أن تكون غيبته غير منقطة بحيث يُعرف موضعه، ويأتي خبره، وهذا لا يحلّ لزوجته أن تتزوج بالاتفاق.

____________________

(١) قال في الجواهر ج٥ باب العدد: (عدة الذمية كالحرة في الطلاق والوفاة بلا خلاف محقّق أجده؛ لإطلاق الأدلة، وصريح السراج عن الصادق قلت له: النصرانية مات زوجها، وهو نصراني ما عدّتها؟ قال: (عدّتها أربعة أشهر وعشرة).


الحال الثانية: أن ينقطع خبره، ولا يُعلم موضعه، وقد اختلف أئمة المذاهب في حكم زوجته:

قال أبو حنيفة والشافعي في القول الجديد الراجح، وأحمد في إحدى روايتيه: إنّ زوجة هذا المفقود لا تحلّ للأزواج حتى تمضي مدة لا يعيش في مثلها غالباً، وحدَّها أبو حنيفة بمئة وعشرين سنة، والشافعي وأحمد بتسعين.

وقال مالك: تتربص أربع سنوات، ثمّ تعتد بأربعة أشهر وعشرة، وتحلّ بعدها للأزواج.

وقال أبو حنيفة والشافعي في أصحّ القولين: إذا قدم زوجها الأوّل وقد تزوجت، يبطل الزواج الثاني وتكون للزوج الأوّل.

وقال مالك: إذا جاء الأوّل قبل أن يدخل الثاني فهي للأوّل، وإن جاء بعد الدخول تبقى للثاني، ولكن يجب عليه أن يدفع الصداق للأوّل.

وقال أحمد: إن لم يدخل بها الثاني فهي للأوّل، وإن دخل يكون أمرها بيد الأوّل، فإن شاء أخذها من الثاني ودفع له الصداق، وإن شاء تركها له وأخذ منه الصداق. (المغني ج٧، ورحمة الأُمة)(١) .

وقال الإمامية: إنّ المفقود الذي لا يُعلم موته ولا حياته يُنظر، فإن كان له مال تنفق منه زوجته، أو كان له ولي ينفق عليها، أو وجد متبرع بالإنفاق وجب على زوجته الصبر والانتظار، ولا يجوز لها أن تتزوج بحال حتى تعلم بوفاة الزوج أو طلاقه، وإن لم يكن له مال ولا مَن ينفق عليها فإن صبرت فبها، وإن أرادت الزواج رفعت أمرها إلى الحاكم فيؤجلها أربع سنين من حين رفع الأمر إليه، ثمّ يفحص عنه

____________________

(١) هذا إذا لم ترفع أمرها إلى القاضي، أمّا إذا تضررت من غياب الزوج وشكت أمرها إلى القاضي طالبة التفريق فقد أجاز أحمد ومالك طلاقها، والحال هذه، ويأتي الكلام في فصل طلاق القاضي.


في تلك المدة، فإن لم يتبين شيء ينظر، فإن كان للغائب وليّ يتولى أموره أو وكيل، أمره الحاكم بالطلاق، وإن لم يكن له وليّ ولا وكيل، أو كان ولكن امتنع الولي أو الوكيل من الطلاق، ولم يمكن إجباره طلّقها الحاكم بولايته الشرعية، وتعتد بعد هذا الطلاق بأربعة أشهر وعشرة، ويحلّ لها بعد ذلك أن تتزوج.

وكيفية الفحص: أن يسأل عنه في مكان وجوده، ويستخبر عنه القادمون من البلد الذي يُحتمل وجوده فيه. وخير وسيلة للفحص أن يستنيب الحاكم مَن يثق به من المقيمين في محل السؤال، ليتولى البحث عنه، ثمّ يكتب للحاكم بالنتيجة. ويكفي من الفحص المقدار المعتاد، ولا يُشترط السؤال في كل مكان يمكن أن يصل إليه، ولا أن يكون البحث بصورة مستمرة. وإذا تم الفحص المطلوب بأقلّ من أربع سنوات بحيث نعلم أنّ متابعة السؤال لا تجدي يسقط وجوب الفحص، ولكن لا بدّ من الانتظار أربع سنوات عملاً بظاهر النص، ومراعاة للاحتياط في الفروج، واحتمال ظهور الزوج أثناء السنوات الأربع.

وبعد هذه المدة يقع الطلاق، وتعتد أربعة أشهر وعشرة، ولكن لا حداد عليها، وتستحق النفقة أيام العدة، ويتوارثان ما دامت فيها، وإذا جاء الزوج قبل انتهاء العدة فله الرجوع إليها إن شاء، كما أنّ له إبقاءها على حالها، وإن جاء بعد انتهاء العدة، وقبل أن تتزوج فالقول الراجح أنّه لا سبيل له عليها، وبالأولى إذا وجدها متزوجة(١) .

____________________

(١) الجواهر وملحقات العروة للسيد كاظم والوسيلة للسيد أبو الحسن وغيرها من كتب الفقه للإمامية، ولكن أكثر التعبير لصاحب الوسيلة؛ لأنّه أجمع وأوضح.


أحكام العدة:

نقلنا في باب النفقة على أنّ المعتد من طلاق رجعي تستحق النفقة، ونقلنا أيضاً الاختلاف في المعتدة من طلاق بائن. ونتكلم هنا في مسائل:

التوارث بين المطلِّق والمطلَّقة:

اتفقوا على أنّ الرجل إذا طلّق امرأته رجعياً لم يسقط التوارث بينهما ما دامت في العدة، سواء أكان الطلاق في مرض الموت أو في حال الصحة، ويسقط التوارث بانقضاء العدة. واتفقوا أيضاً على عدم التوارث إن طلّقها طلاقاً بائناً في حال الصحة.

طلاق المريض:

واختلفوا فيما إذا طلّقها بائناً، ثمّ مات في مرضه الذي مات فيه، فقال الحنفية: ترثه هي ما دامت في العدة، بشرط أن يعتبر الزوج فاراً من ميراثها، وأن لا يكون الطلاق برضاها، ومع انتفاء أحد هذين الشرطين لا تستحق الميراث.

وقال الحنابلة: ترثه ما لم تتزوج، وإن خرجت من العدة وطالت المدة.

وقال المالكية: ترثه وإن تزوجت.

ونقل عن الشافعي أقوال ثلاثة، أحدها: إنّها لا ترث، حتى ولو مات وهي في العدة، تماماً كالمطلّقة بائناً في الصحة.


ويُلاحَظ أنّ غير الإمامية تكلموا عن طلاق المريض إذا وقع بائناً فقط، أمّا الإمامية فإنّهم قالوا: إذا طلّقها مريضاً ترثه هي، سواء أكان الطلاق رجعياً أو بائناً بشروط أربعة:

١ - أن يموت قبل أن تمضي سنة كاملة على طلاقها، فلو مات بعد السنة بساعة لا ترثه.

٢ - أن لا تتزوج قبل موته، فاذا تزوجت ثمّ مات في أثناء السنة فلا شيء لها.

٣ - أن لا يبرأ من المرض الذي طلّقها فيه، فلو برئ من هذا المرض ثمّ مات في أثناء السنة لم تستحق الميراث.

٤ - أن لا يكون الطلاق بطلب منها.

أين تعتد المطلَّقة؟

اتفقوا على أنّ المطلّقة رجعياً تعتد في بيت الزوج، فلا يجوز له إخراجها، كما لا يجوز لها أن تخرج منه، واختلفوا في المطلّقة بائناً، فقال الأربعة: تعتد في بيت الزوج كالمطلّقة الرجعية من غير فرق؛ لقوله تعالى:( ولاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) .

وقال الإمامية: إنّ أمر البائنة بيدها تعتد في أي مكان تشاء؛ لانقطاع العصمة بينها وبين الزوج، وانتفاء التوارث بينهما، وعدم استحقاقها النفقة إلاّ إذا كانت حاملاً؛ وعليه فلا يحق احتباسها، وخصصوا الآية الكريمة بالرجعيات، وفي ذلك أحاديث عن أئمة أهل البيت.


زواج الأخت في عدة أختها:

إذا تزوج الرجل امرأة حرم عليه أن يجمع بينها وبين أختها، فإذا توفيت أو طلّقها وانتهت العدة حل له العقد على أختها. وهل يحلّ له أن يعقد على أخت المطلّقة قبل أن تنتهي عدتها؟ اتفقوا على تحريم العقد على أخت المطلّقة قبل انتهاء العدة إذا كان الطلاق رجعياً، واختلفوا إذا طُلّقت بائناً:

قال الحنفية والحنابلة: لا يحلّ العقد على الأخت، ولا الخامسة إذا كان عنده أربع، وطلّق واحدة منهن إلاّ بعد انتهاء العدة رجعياً كان الطلاق أم بائناً.

وقال الإمامية والمالكية والشافعية: يجوز العقد على الأخت والخامسة قبل أن تنتهي عدة المطلّقة طلاقاً بائناً.

هل يقع الطلاق بالمعتدة؟

قال الأربعة: إذا طلّقها رجعياً فله أن يطلّقها ثانية ما دامت في العدة دون أن يراجعها، وليس له ذلك إذا كان الطلاق بائناً. (المغني ج٧ باب الخلع وباب الرجعة، والفقه على المذاهب الأربعة مبحث شروط الطلاق).

وقال الإمامية: لا يقع الطلاق بالمعتدة بائنة كانت أم رجعية إلاّ بعد أن يراجعها، اذ لا معنى لطلاق المطلّقة.


الرجعة

الرجعة في اصطلاح الفقهاء: رد المطلّقة واستبقاء زواجها، وهي جائزة بالإجماع، ولا تفتقر إلى وليّ ولا صداق ولا رضى المرأة ولا علمها؛ لقوله تعالى:( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ) ، وقوله:( فَإذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) ، أي إذا أشرفن على انتهاء أجل عدتهن. وقد اتفقوا على أنّه يُشترط في المرتجعة أن تكون في عدة الطلاق الرجعي فلا رجعة للبائن غير المدخول بها؛ لأنّه لا عدة لها، ولا للمطلّقة ثلاثاً؛ لأنّها تفتقر إلى محلّل، ولا للمطلّقة في الخلع بعوض؛ لانقطاع العصمة بينهما.

واتفقوا على أنّ الرجوع يحصل بالقول، واشترطوا أن يكون اللفظ منجّزاً غير معلق على شيء، فلو أنشأ الرجعة معلقة، وقال: أرجعتكِ إن شئت، فلا تصحّ الرجعة(١) ، وعلى ذلك فإذا لم يصدر منه بعد هذا القول فعل أو لفظ منجّز يدل على الرجعة حتى انتهت العدة تكون

____________________

(١) نقل صاحب الجواهر وصاحب المسالك الشهرة عند فقهاء الإمامية على عدم جواز التعليق في الرجعة، وقال صاحب المسالك ج٢ باب الطلاق: (الأشهر عدم الوقوع حتى عند مَن يجوّز تعليق الطلاق إلحاقاً للرجعة بالنكاح).


المطلّقة أجنبية عنه.

واختلفوا في حصول الرجعة بالفعل كالوطء ومقدماته من غير أن يسبقه القول، فقال الشافعية: لا بدّ أنّ الرجعة بالقول أو بالكتابة، فلا تصحّ بالوطء حتى لو نوى به الرجعة، ويحرم وطؤها في العدة، وإذا فعل كان عليه مهر المثل؛ لأنّه وطء شبهة.

وقال المالكية: تصحّ الرجعة بالفعل مع نية الرجعة، أمّا إذا وطأ بدون هذه النية فلا تعود إليه المطلّقة، ولكنّ هذا الوطء لا يوجب حداً ولا صداقاً، كما أنّ الولد يُلحق بالواطئ لو حملت، ويجب أن تستبرئ بحيضه مع عدم الحمل.

قال الحنابلة: تصحّ الرجعة بالفعل إذا وطأ فقط، فمتى تحقق منه الوطء رجعت إليه ولو لم ينوِ الرجعة، أمّا غير الوطء كاللمس والتقبيل بشهوة، وما إلى ذاك فلا تحصل به الرجعة.

وقال الحنفية: تتحقق الرجعة بالوطء، وباللمس والتقبيل وما إليهما من المطلّق والمطلّقة بشرط حصول الشهوة، وتصحّ الرجعة بالفعل من النائم والساهي والمكرَه والمجنون، كما لو طلّقها، ثمّ جن ووطأها قبل خروجها من العدة. (مجمع الأنهر باب الرجعة).

وقال الإمامية: تتحقق الرجعة بالوطء والتقبيل واللمس بشهوة وبدونها، أو غير ذلك ممّا لا يحلّ إلاّ للأزواج، ولا يحتاج إلى تقدّم الرجعة بالقول؛ لأنّها زوجة ما دامت في العدة، بل لا يحتاج الفعل إلى نية الرجعة، بل قال صاحب الجواهر: (لعلّ مقتضى إطلاق النص والفتوى ذلك حتى مع قصد عدم الرجوع). وقال السيد أبو الحسن في الوسيلة: (يُحتمل قوياً كونه رجوعاً، وإن قصد العدم). ولا عبرة عند الإمامية بالفعل إذا حصل من النائم والساهي والمشتبه، كما لو قاربها ظاناً أنّها ليست مطلّقته.


الإشهاد على الرجعة:

قال الإمامية والحنفية والمالكية: لا يجب الإشهاد على الرجعة بل يستحب، وفي ذلك رواية عن أحمد، وقول أصحّ للشافعي، وعليه يمكن دعوى إجماع المذاهب على عدم وجوب الإشهاد.

إرجاع البائنة:

إنّ إرجاع البائنة في العدة ينحصر في المختلعة بعوض بشرط الدخول بها، وأن لا يكون الطلاق مكملاً للثلاث، وقد اتفق الأربعة على أنّ حكم هذه حكم الأجنبية من اشتراط العقد والصداق والولي والرضى، إلاّ أنّه لا يعتبر فيه انقضاء العدة. (بداية المجتهد ج٢).

وقال الإمامية: إنّ للمطلّقة في الخلع حق الرجوع بما بذلته من عوض مالي ما دامت في العدة على شريطة أن يعلم هو برجوعها عن البذل، ولم يتزوج أختها أو الرابعة، فمتى علم ولم يكن مانع فله حق الرجوع بالطلاق، فإن رجع به تصبح زوجة له شرعية من غير حاجة إلى عقد ومهر، ولو علم برجوعها بالبذل، ولم يرجع بالطلاق يتحول الطلاق من البائن إلى الرجعي، وترتّب عليه جميع أحكامه وآثاره، ويلزم المطلّق بإرجاع ما أعطته إيّاه المطلّقة فدية لطلاقها.

الاختلاف في انقضاء العدة:

إذا اختلف المطلّق والمطلّقة الرجعية، فقال هو: رجعت. وقالت هي: كلا. فإن كان ذلك أثناء العدة فادّعاؤه هذا رجوع منه، وكذا لو أنكر الطلاق بالمرة؛ لأنّ قوله هذا يتضمن التمسك بالزوجة.


وإن اختلفا في الرجوع بعد انقضاء العدة فعليه إثبات أنّ الرجعة حصلت في العدة، ومع عجزه عنه تحلف هي أنّه لم يرجع، إذا دعى الرجوع إليها بالفعل كالوطء ونحوه، وتحلف على عدم علمها بالرجوع، إذا ادّعى الرجعة بالقول لا بالعمل وأنّها تعلم به. وقال أبو حنيفة يُقبل قولها بلا يمين. (ابن عابدين).

وإذا اختلفا في انقضاء العدة، فادعت انتهاءها بالحيض في زمان يمكن أن تُصدّق، فالقول قولها بالاتفاق، وعليها اليمين عند الإمامية والشافعية والحنابلة، فقد نقل صاحب المغني في الجزء السابع باب الرجعة عن الشافعي والخرقي أنّ (كل موضع قلنا فيه القول قولها فأنكر الزوج فعليها اليمين).

وإذا ادعت انقضاء العدة بالشهور، فقال صاحب المغني الحنبلي وصاحب الشرائع الإمامي: القول قول الزوج؛ واستدلا بدليل واحد، وهو أنّ الاختلاف وقع في زمان الطلاق بالحقيقة لا في العدة، والطلاق من فِعله هو فيكون القول قوله.

أمّا صاحب الجواهر فبعد أن قال: إنّ الأخذ بقول الزوج هو مقتضى أصل بقاء العدة، وأصل تأخر الحادث، إلاّ أنّه معارض بظاهر النصوص، وبالشهرة عند الفقهاء في جعل أمر العدة إليها. ثمّ قال: إنّ مجرد احتمال صدقها فيما يرجع إلى العدة كافٍ في تصديقها وتقديم قولها؛ لحديث: (فَوّض الله إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض والطهر والحمل)، وحديث آخر (الحيض والعدة).


تصديق المدّعي بلا بينة

حيث أشرنا إلى الأخذ بقول المرأة فيما يتعلق بشؤون العدة، ناسب أن نتكلم عن قاعدة شرعية هامة تتصل بما نحن في صدده أوثق اتصال، وتتردد كثيراً في كلمات الفقهاء بخاصة الإمامية والحنفية، ولكنّهم تكلموا عنها استطراداً وبالمناسبات، ولم أرَ مَن عقد لها فصلاً خاصاً فيما اطلعتُ عليه من المصادر غير المرحوم أخي الشيخ عبد الكريم مغنية(١) في كتاب القضاء.

من المعروف في الشرائع القديمة والحديثة أنّ على المدعي البينة، وعلى المنكِر اليمين. والقاعدة التي نتكلم عنها في هذا الفصل تعكس الأمر، فتوجب الأخذ بقول المدعي فيما يعود إلى نيته ولا يُعرف إلاّ من جهته، ولا يستطيع الإشهاد عليه، وأمثلته في الفقه كثيرة سواء منها في العبادات والمعاملات، ونذكر بعضها فيما يلي:

____________________

(١) توفي سنة ١٩٣٦ وترك مؤلفات عديدة كلّها في الفقه والأصول، ولم يطبع منها شيء، وفيها رسالة حسنة ومفيدة في العدالة، وخيرها كتاب كبير في القضاء لا يوجد منه إلاّ نسخة واحدة بخطه، وهو فريد لم يؤلّف مثله في موضوعه، وقد اعتمدتُ عليه أوّلاً لكتابة هذا الفصل، ثمّ على الجواهر وملحقات العروة.


١ - إذا أعطيت وديعة لإنسان، ثمّ ادعى ردها إليك أو تلفها من غير تهاون وتفريط، فالقول قوله بيمينه مع أنّه مدعٍ.

٢ - لو زوج فضولي صغيرين، وعندما كبر أحد الزوجين أجاز العقد ورضي به، ثمّ مات قبل أن يبلغ الآخر، فيُعزل من تركته بمقدار ميراث الصغير، فإن كبر وأجاز يحلف على أنّه لم يجز العقد طمعاً بالإرث، فإذا حلف أخذ نصيبه من تركة الميت، وما ذاك إلاّ لأنّ النية لا تُعرف إلاّ من جهة صاحبها.

٣ - إذا أوقع رجل صيغة طلاق زوجته، ثمّ ادعى أنّه لم يقصد الطلاق تُقبل دعواه ما دامت في العدة.

٤ - تُقبل دعوى أداء الزكاة والخمس.

٥ - تُقبل دعوى المرأة الطهر والحيض والحمل والعدة.

٦ - دعوى العسر والفقر.

٧ - دعوى المرأة أنّها خلية.

٨ - دعوى الغلام الاحتلام.

٩ - دعوى الرجل أنّه أصاب زوجته بعد أن ادّعت العنة، وأجّله الحاكم سنة، وتقدّم تفصيل ذلك في مسألة العنين.

١٠ - دعوى العامل في المضاربة أنّه اشترى هذه السلعة لنفسه خاصة، مع قول المالك له: بل اشتريتها للمضاربة، أي لي ولك، فيُقدّم قول المشتري؛ لأنّه اعرف بنيته، وما إلى ذلك.

وقد استدل الشيخ عبد الكريم في كتاب القضاء بأدلة ثلاثة:

الأوّل: الإجماع القطعي قولاً وعملاً، فقد رأينا الفقهاء يعلّلون بهذه القاعدة في جميع مواردها، ويفتون بمضمونها في أبواب الفقه، ويرسلونها إرسال المسلّمات، ويكشف هذا عن دليل قطعي وإجماع على الكبرى الحقيقية التي يُرجع إليها في مقام الشك، وقد علّلوا بهذه القاعدة الأخذ


بقول المعسِر من أنّه لولا الأخذ بقوله للزم تخليده في الحبس، لعدم تمكنه من الإثبات.

الدليل الثاني: ما جاء صريحاً في بعض الروايات عن رجل قال: قلت للرضا: الرجل يتزوج المرأة فيقع في قلبه أنّ لها زوجاً. قال: (ما عليه، أرأيت لو سألها البينة أكانت تجد مَن يشهد أنّ ليس لها زوج؟).

فعدم التمكن من الإشهاد يطرد في كل ما لا يمكن الإشهاد عليه ممّا يكون بين الإنسان وربّه، ولا يُعرف إلاّ من قِبله، هذا، بالإضافة إلى ما جاء في الحديث من الأخذ بقول النساء في الطهر والحيض والعدة والحمل.

الدليل الثالث: إنّه لو لم يؤخذ بقول المدعي فيما لا يُعرف إلاّ من جهته للزم بقاء التشاجر، وعدم وجود مَخرج في الشريعة لحسم الخصومات، وهذا منافٍ للمبدأ القائل من أنّ لكل شيء مَخرجاً في الشرع، فيتعين حينئذ تقديم قوله مع يمينه، إذ لا سبيل لرفع النزاع سواه.

أمّا الحاجة إلى اليمين فللإجماع على أنّ كل دعوى يُقدّم فيها قول المدعي فعليه اليمين، ولأنّ الخصومات إنّما تفصل بالبينات والأيمان، فإذا تعذرت البينة تعينت اليمين على المدعي بالذات وهنا لا يمكن توجيهها إلى المنكِر بحال؛ لأنّ من شروط اليمين الاطلاع والجزم على ما يحلف عليه، ولا سبيل للمنكِر إلى الاطلاع على نية المدعي. ولا بدّ من التنبيه إلى أنّ الحاجة إلى يمين هذا المدعي إنّما هي مع الخصومة والتنازع، حيث لا سبيل لحسم الخصومة إلاّ باليمين، أمّا إذا لم يكن هناك نزاع واختلاف فيُقبل قوله بلا يمين، مثال ذلك دعواه أداء الزكاة والخمس، أو عدم وجوبهما عليه لعدم توفر الشروط المعتبرة.

ثمّ إنّه يُشترط لتصديق هذا المدعي أن لا توجد قرينة تكذّبه في دعواه، وتكون حجة عليه، فلو صدر منه ما يدلّ على النية والقصد، كما لو باع أو اشترى ثمّ ادعى عدم القصد يكون مكذّباً لنفسه؛ لأنّ ظاهر


حاله يدلّ على النية والقصد، وأمّا تصديق المدعي في عدم قصد الطلاق - كما أشرنا - فمختص بالطلاق الرجعي ما دامت المطلّقة في العدة، حيث يعتبر هذا رجوعاً منه، ولذا لا يُعتد بقوله، ولا تُسمع دعواه لو كان الطلاق بائناً، أو ادعى ذلك بعد انتهاء العدة.


طلاق القاضي

هل للقاضي أن يُطلّق زوجة الرجل قهراً عنه؟

قال أبو حنيفة: لا يملك القاضي الطلاق مهما كانت الأسباب إلاّ إذا كان الزوج مجبوباً أو خصياً أو عنيناً - كما أسلفنا في باب العيوب -، فعدم الإنفاق والغيبة المنقطعة والحبس المؤبد، وما إلى ذلك لا يسوّغ طلاق المرأة من زوجها بدون رضاه؛ لأنّ الطلاق لمن أخذ بالساق.

وأجاز مالك والشافعي وابن حنبل أن تطلب المرأة التفريق من القاضي لأسباب:

(منها) عدم الإنفاق، فقد اتفق هؤلاء الثلاثة على أنّ الزوج إذا ثبت عجزه عن النفقة الضرورية جاز لزوجته طلب التفريق، وإذا لم يثبت العجز وامتنع عن الإنفاق فقال الشافعي: لا يفرق بينهما. وقال مالك وأحمد: يفرق؛ لتعذر الإنفاق عليها كحال الإعسار. وقد نص القانون المصري على جواز التفريق مع تعذر الإنفاق.

و(منها) تضرر الزوجة بالقول أو الفعل، قال أبو زهرة في (الأحوال الشخصية) ص ٣٥٨: (قد بيّن القانون المصري رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩: إذا ادعت الزوجة إضرار الزوج بها بما لا يُستطاع معه دوام


العشرة بين أمثالها فإن أثبتت دعواها، وعجز القاضي عن الإصلاح طلّقها طلقة بائنة، وإن عجزت عن إثبات دعواها، وتكررت منها الشكوى بعث حكمين عدلين من أهلهما يتعرفان أسباب الشقاق، ويبذلان الجهد للإصلاح، ومع عجزها ينظر من أيّ جانب كانت الإساءة، فإن كانت من الرجل أو منهما قررا التفريق بطلقة بائنة يحكم بها القاضي وقد أخذ القانون ذلك من مذهب مالك وأحمد). والمحاكم الشرعية السنّية في لبنان تفرق بين الزوجين إذا حصل بينهما الشقاق، وقرر الحكمان لزوم التفريق.

و(منها) تضرر الزوجة من غياب الزوج عند مالك وأحمد، حتى ولو ترك لها ما تحتاج إليه من نفقة مدة غيابه، وأدنى مدة تطلب الزوجة التفريق بعدها ستة أشهر عند أحمد، وثلاث سنين عند مالك، وقيل: سنة، وبالسنة أخذ القانون المصري، ومهما يكن فلا تُطلّق إلاّ إذا أبى الزوج أن يحضر إليها، أو ينقلها حيث هو، ثمّ إنّ مالكاً لم يفرق في الحكم بين غيبة الزوج لعذر أو لغير عذر، فكلاهما يستوجب الفرقة، أمّا الحنابلة فإنّهم قالوا: لا يجوز التفريق إلاّ إذا كانت الغيبة لعذر. (الأحوال الشخصية لأبي زهرة، وفرق الزواج للخفيف).

و(منها) التضرر بحبس الزوج، نص عليه ابن تيمية الحنبلي. وجاء في القانون المصري أنّ المحبوس إذا حُكم بثلاث سنوات وأكثر، فلزوجته أن تطلب التفريق للضرر بعد سنة من حبسه، والقاضي يحكم لها بذلك.

وقال أكثر الإمامية: لا ولاية للقاضي بحال من الأحوال، ما عدا زوجة المفقود متى تحققت الشروط التي ذكرناها فيما سبق، وقوفاً على ظاهر النص: (الطلاق بيد مَن أخذ بالساق).

ولكنّ جماعة من المراجع الكبار أجازوا ذلك على اختلاف بينهم في الشروط والقيود، وننقل كلماتهم فيما يلي:

قال السيد كاظم في ملحقات العروة باب العدة: (لا يبعد جواز


طلاق الزوجة للحاكم الشرعي إذا علم أنّ زوجها محبوس في مكان لا يمكن مجيئه أبداً، وكذا في الحاضر المعسِر الذي لا يتمكن من الإنفاق مع عدم صبر زوجته في هذه الحال).

وقال السيد أبو الحسن في الوسيلة باب الزواج تحت عنوان (القول في الكفر): (لو كان الزوج ممتنعاً عن الإنفاق مع اليسار ورفعت أمرها إلى الحاكم ألزمه بالإنفاق أو الطلاق، فإذا امتنع ولم يمكن الإنفاق عليها من ماله ولا إجباره على الطلاق، فالظاهر أنّ للحاكم أن يطلّقها إن أرادت الطلاق). وبهذا أفتى السيد محسن الحكيم في رسالته (منهاج الصالحين باب النفقات).

ونقل صاحب كتاب (المختلف) عن ابن الجنيد أنّ للزوجة الخيار في فسخ الزواج بالإعسار من النفقة. وقال صاحب كتاب (المسالك) عند الكلام على طلاق زوجة الغائب: إنّ للمرأة الخروج من النكاح بالإعسار بالنفقة، على قول، لفوات المال. وذكر صاحب (روضات الجنات) في المجلّد الرابع ، وهو يُترجم لابن آقا محمد باقر البهبهاني، وهو من كبار العلماء: (إنّ له رسالة في حكم النكاح مع الإعسار سمّاها (مظهر المختار)، وذهب فيها إلى جواز فسخ المرأة نكاحها في صورة حضور الزوج وامتناعه من الإنفاق والطلاق، وإن كان من جهة الفقر والإملاق).

وقد ثبت عن أئمة أهل البيت قولهم: (مَن كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها، كان حقاً على الإمام أن يفرق بينهما)، وهذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة بخصوص حديث (الطلاق لمن أخذ بالساق). وعلى ذلك يسوغ للفقيه الإمامي أن يطلّق مع تحقيق الشروط، ولا يحق لآخر أن يرد عليه ما دام عمله متفقاً مع أصول الإسلام والمذاهب.

ونحن لا نشكّ أنّ العلماء الذين امتنعوا عن التطليق إنّما أحجموا تورعاً


وخوفاً أن يتطفل مَن ليس أهلاً للعلم، ولا أميناً على الدين، فيوقع الطلاق دون أن تتوفر أسبابه الشرعية، وهذا وحده يدعوني إلى الإحجام، مع العلم بأنّي لو فعلت لكنتُ معذوراً عند الله سبحانه. والذي أراه حلاً معقولاً لهذه المشكلة، ورادعاً لكل متطفل أن يوكل المرجِع في العراق أو في إيران مَن يثق به، ويحدد له الشروط والقيود على أن يوقع الطلاق في نطاقها، كما فعل من قبل السيد أبو الحسن الأصفهاني.


الظهار والإيلاء

الظهار:

وهو أن يقول الرجل لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أُمي، وقد اتفقوا على أنّه إذا قال لها ذلك فلا يحلّ له وطؤها حتى يكفّر بعتق رقبة، فإن عجز عنها صام شهرين متتابعين، فإن عجز عن الصيام أطعم ستين مسكيناً.

واتفقوا على أنّه إذا وطأ قبل أن يكفّر يعتبر عاصياً، ولكنّ الإمامية أوجبوا عليه - والحال هذه - كفارتين.

واشترط الإمامية لصحة الظهار أن يقع بحضور عدلين يسمعان قول الزوج، وأن تكون الزوجة في طهر لم يواقعها فيه تماماً كما هو الشأن في المطلّقة، كما اشترط المحققون منهم أن تكون مدخولاً بها، وإلاّ لم يقع الظهار.

والأصل في جعل الظهار باباً من أبوب الفقه عند المسلمين ما جاء في أوّل سورة المجادلة، فقد ذكر المفسرون أنّ أحد أصحاب الرسول (ص) - وهو أوس بن صامت - كانت له امرأة حسنة الجسم، فرآها ساجدة في صلاتها، فلمّا انصرفت أرادها، فأبت عليه، فغضب وقال: أنتِ


عليّ كظهر أُمي، ثمّ ندم على ما قال - وكان الظهار من طلاق أهل الجاهلية - فقال لها: ما أظنك إلاّ حرمتِ عليَّ. قالت: لا تقل ذلك، واذهب إلى الرسول فاسأله. قال: استحي أن أسأله عن مثل هذا. قالت: دعني أنا أسأله. قال: سليه.

فذهبت إلى النبي - وعائشة تغسل رأسه - فقالت: يا رسول الله، إنّ زوجي أوس تزوجني وأنا شابة غانية ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سنّي ظاهَرَ، ثمّ ندم، فهل من شيء يجمعني وإيّاه فتنعشني به؟

قال النبي (ص): (ما أراكِ إلاّ حرمتِ عليه). وقالت: يا رسول الله، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً، وإنّه أبو ولدي، وأحب الناس إليَّ. فقال لها: (لم أُؤمر بشأنك). فجعلت تراجع رسول الله، فإذا دافعها الرسول هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وحاجتي وشدة حالي فأنزل اللهمّ على نبيك ما يكشف كرْبي، وأعادت على الرسول واستعطفته قائلة: جعلتُ فداك يا نبي الله أنظر في أمري. فقالت لها عائشة: اقصري حديثك ومجادلتك، أما ترين وجه رسول الله؟! وكان إذا نزل عليه الوحي أخذه مثل السبات.

ثمّ التفت إليها الرسول، وقال: (إدعي زوجك). ولما أتاه تلا عليه قوله تعالى:

( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ ٌ


عَذَابٌ أَلِيم ) .

ولما انتهى الرسول من التلاوة قال للزوج: (هل تستطيع أن تعتق رقبة؟). قال: إذن يذهب مالي كله. فقال: (هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟). قال: والله إذا لم آكل كل يوم ثلاث مرات كَلَّ بصري، وخشيت أن تعشى عيناي. قال: (هل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟). قال: ألا أن تُعينني على ذلك يا رسول الله؟. فقال: (إنّي مُعينك بخمسة عشر صاعاً، وأنا داعٍ لك بالبركة). فأخذ أوس ما أمر له به الرسول وأطعم المساكين وأكل معهم، واجتمع أمره مع زوجته.

الإيلاء:

الإيلاء: أن يحلف الزوج بالله على ترك وطء زوجته، والأصل فيه الآية ٢٢٦ من سورة البقرة:( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .

واشترط الإمامية أن تكون الزوجة مدخولاً بها، وإلاّ لم يقع الإيلاء.

واتفقت المذاهب على أنّ الإيلاء يقع إذا حلف الزوج على ترك وطء الزوجة مدة حياتها، أو مدة تزيد على أربعة أشهر(١) ، واختلفوا في الأربعة أشهر، فقال الحنفية: يقع الإيلاء. ولا يقع عند سائر المذاهب.

واتفقوا على أنّه إذا وطأ في الأربعة الأشهر يكفّر، ويزول المانع من استمرار الزواج. واختلفوا فيما إذا مضت الأربعة ولم يطأ، فقال الحنفية:

____________________

(١) السر في تحديد المدة بذلك أنّ للزوجة حق المواقعة مرة في كل أربعة أشهر على الأقل. وقيل: إنّ الخلاف يرجع إلى تفسير آية( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ ) ، فمِن قائل بأنّها لم تُحدد مدة للإيلاء، وقائل بأنّه لا بدّ أن تمضي الأربعة أشهر حتى يسوغ للحاكم أن ينذر الزوج بالرجوع أو الطلاق، وهذا يقتضي حتماً الزيادة على الأربعة أشهر ولو بلحظة.


تطلّق تلقائياً طلقة بائنة دون أن ترفع أمرها إلى القاضي، أو يطلّقها الزوج. (بداية المجتهد).

وقال المالكية والشافعية والحنابلة: إذا مضى أكثر من أربعة أشهر ولم يفعل، رفعت أمرها إلى الحاكم لكي يأمره بالوطء، فإن امتنع أمَره بالطلاق، فإن امتنع طلّقها الحاكم ويكون الطلاق رجعياً على كل حال. (فرق الزواج للخفيف).

وقال الإمامية: إن مضى أكثر من الأربعة أشهر ولم يطأ، فإن صبرت ورضيت فلها ذلك، ولا يحق لأحد أن يعترض، وإن لم تصبر رَفَعت أمرها إلى الحاكم، وبعد مضي الأربعة أشهر(١) يجبره على الرجوع أو الطلاق، فإن امتنع ضيّق عليه وحبسه حتى يختار أحد الأمرين، ولا يحق للحاكم أن يطلّق قهراً عن الزوج.

واتفقوا جميعاً على أنّ كفارة اليمين أن يخير الحالف بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

ثمّ إنّ الإمامية ذهبوا إلى أنّ كل يمين لا تنعقد إلاّ إذا كان المـُقسَم به ذات الله المقدسة، ولا تنعقد أيضاً من الولد والزوجة مع منع الوالد والزوج إلاّ في فعل الواجب أو ترك المحرم. ولا تنعقد أيضاً من أحد كائناً مَن كان إذا حلف على الإتيان بفعل تركه أولى من فعله، أو حلف على ترك فعلٍ فعله أولى من تركه، إلاّ يمين الإيلاء فإنّها تنعقد مع أنّ تركها أولى.

____________________

(١) قال أكثر الإمامية: إنّ الحاكم يؤجل الزوج أربعة أشهر من حين رفع الأمر إليه، لا من حين الحلف.


الوَصَايا



يسرّني أن أعرض في هذا الجزء أهم باب من أبوبا الفقه، وهو الميراث الذي له أبلغ التأثير في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. فقد بينت في الصفحات الآتية أقوال المذاهب الإسلامية، وأوجه الخلاف بين أربابها، والأسس التي بنوا عليها توزيع الميراث.

ويرى القارئ أنّ منهاج الشيعة الإمامية يختلف كل المخالفة عن منهاج السنّة، حيث ساوى أولئك بين الذكور والإناث في استحقاق الإرث، وحرم هؤلاء الإناث ومَن يتقرب بهنّ في كثير من الحالات.

هذا، إلى أنّ الإمامية وزعوا التركة على الوارثين بحسب مراتبهم الطبيعية، فاعتبروا الأبوين والأولاد في المرتبة الأُولى، وأحق الجميع في الميراث؛ لأنّهم يتقربون إلى الميت بلا واسطة. وجعلوا الأخوة والأخوات والأجداد والجدات في المرتبة الثانية؛ لأنّهم يتقربون إليه بواسطة واحدة، وهي الأب أو الأُم. وجعلوا الأعمام والعمات والأخوال والخالات في المرتبة الثالثة؛ لأنّهم يتقربون إليه بواسطتين، هما الجد أو الجدة، والأب أو الأُم. وكل مرتبة من هذه الثلاث أولى وأحق بتركة الميت ممّن يليها، فإذا فُقدت المرتبة الأُولى بكامل أفرادها انتقل استحقاق الإرث إلى الثانية، وإذا لم يوجد واحد من الثانية انتقل إلى الثالثة.

ولم تعتبر السنّة هذا الترتيب، فأشركوا العمّ في الميراث مع البنت، كما أنّهم ورّثوا الذكر وحرموا أخته من الميراث في بعض الحالات، فبنت الأخ لأبوين أو لأب لا ترث - عندهم - مع أخيها من أُمها وأبيها، بل الميراث له دونها، وكذلك العمة لأبوين أو لأب مع أخيها من أُمها وأبيها، ويتضح ذلك في هذه الصفحات بخاصة في الأمثلة التي جاءت في الجدول أو شبه الجدول الموجود في آخر هذا الجزء.


الوصايا

أجمعوا على صحة الوصية وجوازها في الشريعة الإسلامية، وهي تمليك عين أو منفعة مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، وتصحّ في حالة الصحة والسلامة من الأمراض، وفي مرض الموت وغيره، وحكمها في الحالين سواء عند الجميع.

أركان الوصية:

أركان الوصية أربعة: الصيغة، والموصي، والموصى له، والموصى به.

الصيغة:

ليس للوصية لفظ خاص، فتصحّ بكل لفظ يعبّر عن إنشاء التمليك بعد الموت تبرعاً، فإذا قال الموصي: (أوصيت لفلانٍ بكذا) دلّ اللفظ بنفسه على الوصية دون أن يقيد بما بعد الموت، أمّا إذا قال: إعطوا أو إدفعوا، أو جَعلتُ، أو لفلان كذا، فلا بدّ من التقييد بما بعد الموت؛ لأنّ اللفظ لا يدل على قصد الوصية بدونه.


وقال الإمامية والشافعية والمالكية: إذا اعتقل لسان المريض تصحّ وصيته بالإشارة المفهمة. ونقل الشعراني في ميزانه عن أبي حنيفة وأحمد عدم صحة الوصية في هذه الحال. وفي كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج٣ باب الوصية نقلاً عن الحنفية والحنابلة: (إنّه إذا طرأ على لسانه مرض منعه من النطق فلا تصحّ وصيته إلاّ إذا استمر زمناً طويلاً، فصار كالأخرس بحيث يتكلم بالإشارة المعهودة، وحينئذ تكون إشارته وكتابته كالنطق).

ونقل الشعراني عن أبي حنيفة والشافعي ومالك: (إنّه لو كتب وصيته بخطه، وعلم أنّها بخطه ولكن لم يشهد فيها، لم يُحكم بها - أي لو وجدت وصية بخطه، ولم يكن قد أشهد عليها، ولا أقرّ بها أمام الناس لا تثبت الوصية مع العلم بصدورها عنه -.

وقال أحمد: بل يُحكم بها ما لم يعلم رجوعه عنها).

وقال المحققون من فقهاء الإمامية: تثبت الوصية بالكتابة؛ لأنّ ظواهر الأفعال حجة كظواهر الأقوال، والكتابة أخت اللفظ في الدلالة على ما في النفس، بل هي أدلّ وأولى من سائر القرائن(١) .

الموصي:

اتفقوا جميعاً على أنّ وصية المجنون في حال جنونه والصبي غير المميّز لا تصحّ. واختلفوا في وصية الصبي المميّز، فقال المالكية والحنابلة والشافعي في أحد قوليه: تجوز وصية مَن أتمّ عشر سنين؛ لأنّ الخليفة عمر أجازها.

وقال الحنفية: لا تجوز إلاّ إذا أوصى بتجهيزه ودفنه. ومعلوم أنّ

____________________

(١) الجواهر باب الوسيلة.


هذا لا يحتاج إلى وصية.

وقال الإمامية: تجوز وصيته في وجوه البر والإحسان، ولا تجوز في غيرها؛ لأنّ الإمام الصادق أجازها في ذلك. (الجواهر، والأحوال الشخصية لأبي زهرة).

وقال الحنفية: (إذا أوصى البالغ حال إفاقته، ثمّ جن، فإن كان جنونه مطبقاً واستمر ستة أشهر بطلت الوصية، وإلاّ فلا، وإذا أوصى وهو سليم، ثمّ طرأ عليه وسواس حتى صار معتوهاً، واستمر كذلك حتى مات بطلت الوصية. (الفقه على المذاهب الأربعة ج٣ باب الوصية).

وقال الإمامية والمالكية والحنابلة: لا تبطل الوصية بعروض الجنون، وإن دام حتى الممات؛ لأنّ العوارض اللاحقة لا تبطل التصرفات السابقة.

وقال الحنفية والشافعية والمالكية: تجوز وصية السفيه.

وقال الحنابلة: تجوز في ماله، ولا تجوز على أولاده، فلو أقام وصياً عليهم لا يُعمل بوصيته. (الأحوال الشخصية لأبي زهرة، والفقه على المذاهب الأربعة ج٣ باب الوصية).

وقال الإمامية: لا تجوز وصية السفيه في أمواله، وتجوز في غيرها. فإذا أقام وصياً على أولاده صحّت الوصية، وإذا أوصى بإعطاء شيء من ماله بطلت. وتفرّد الإمامية بالقول: إنّ مَن أحدث بنفسه حدثاً بقصد الانتحار، ثمّ أوصى ومات بعد الوصية بطلت وصيته، أمّا إذا أوصى أوّلاً ثمّ انتحر صحّت الوصية.

وقال المالكية والحنابلة: لا تصحّ وصية السكران.

وقال الشافعية: لا تصحّ وصية المغمى عليه، وتصحّ وصية السكران المعتدي بسكره، أي مَن سكر باختياره.

وقال الحنفية: لا تصحّ وصية الهازل والمخطئ والمكرَه. (الفقه على المذاهب الأربعة ج٣ باب الوصية).


وقال الإمامية: لا تصحّ وصية السكران والمغمى عليه، ولا الهازل، ولا المخطئ ولا المكرَه.

الموصى له:

اتفق الأربعة على عدم جواز الوصية لوارث إلاّ إذا أجاز الورثة.

وقال الإمامية: تجوز للوارث وغير الوارث، ولا تتوقف على إجازة الورثة ما لم تتجاوز الثلث، وكان عمل المحاكم في مصر على المذاهب الأربعة، ثمّ عدلت عنها إلى مذهب الإمامية، وما زال عمل المحاكم الشرعية السنّية في لبنان على عدم صحة الوصية للوارث، ومنذ بضع سنوات قدّم قضاتها مشروعاً إلى الحكومة يجيز الوصية لوارث، ورغبوا إليها في تبنّيه.

واتفقوا جميعاً على أنّ للذمي أن يوصي لمثله ولمسلم، وعلى أنّ للمسلم أن يوصي للذمي؛ لقوله تعالى:( لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ) (٨ - ٩ الممتحنة).

واختلفوا في صحة الوصية من مسلم لحربي(١) ، فقال المالكية والحنابلة وأكثر الشافعية: تصحّ.

____________________

(١) الذمي: هو الذي يدفع الجزية للمسلمين. أمّا الحربي عند الإمامية: فهو الذي لا يدفع الجزية وإن لم يحارب، وعند سائر المذاهب مَن شهر السلاح، وقطع السبيل. (البداية والنهاية لابن رشد ج٢ باب الحرابة). وقال الشهيد الثاني في المسالك باب الوصية: تصحّ الوصية لكل مَن لم يقاتلنا في الدين ذمياً كان أو حربياً؛ لقوله تعالى:( لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ ) الآية، ولقول الإمام الصادق: (إعطِ الوصية لمن أُوصي له، وإن كان يهودياً أو نصرانياً، إنّ الله يقول:( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) ولم يفرّق بين الحربي وغيره).


وقال الحنفية وأكثر الإمامية: لا تصحّ. (المغني ج٦، والجواهر ج٤ باب الوصية).

واتفقوا على صحة الوصية للحمل بشرط انفصاله حياً؛ لأنّ الوصية تجري مجرى الميراث، والحمل يرث بالإجماع، فيجب أن يملك الموصى به أيضاً.

واختلفوا: هل يُشترط وجود الحمل حال الوصية أو لا؟

قال الإمامية والحنفية والحنابلة والشافعي في أصحّ قوليه: يُشترط ذلك، ولا يرث إلاّ إذا عُلم أنّه كان موجوداً حين الوصية، ويحصل العلم بذلك إذا وضعته حياً في مدة تقلّ عن ستة أشهر من تاريخ الوصية إذا كان لها زوج متمكن من مقاربتها، وإذا ولدته لستة أشهر أو أكثر لم يُعطَ الحمل شيئاً من الوصية لجواز تجدده، والأصل عدم الحمل حين الوصية. وهذا القول يبتني على عدم جواز الوصية للمعدوم.

وقال المالكية: تصحّ الوصية للحمل الموجود فعلاً، ولمن سيوجد في المستقبل، حيث ذهبوا إلى جواز الوصية للمعدوم(١) . (تذكرة الحلّي، والفقه على المذاهب الأربعة، والعدة في فقه الحنابلة باب الوصية).

وإذا أوصى للحمل فولدت ذكراً وأنثى قُسّم الموصى به بينهما بالسوية؛ لأنّ الوصية عطية لا ميراث، فأشبه ما لو أعطاهما شيئاً بعد ولادتهما.

واتفقوا على صحة الوصية للجهات العامة، كالفقراء والمساكين، وطلبة العلم، والمساجد والمدارس، واستثنى أبو حنيفة الوصية للمسجد وما إليه؛ لأنّ المسجد لا أهلية له للتمليك، وقال صاحبه محمد بن

____________________

(١) ومن فقهاء الإمامية الشيخ أحمد كاشف الغطاء يوافق المالكية على جواز الوصية للمعدوم، حيث قال في وسيلة النجاة باب الوصية: لا مانع من أن يُنشئ الموصي التمليكَ معلقاً على وجود الموصى له، فلا يملك إلاّ بعد الوجود، كا هي الحال في الوقف. ولكن قيّد ذلك بعدم قيام الإجماع على خلافه.


الحسن: تصحّ، ويُصرف ناتج الموصى به في مصالح المسجد. وعلى هذا جرت سيرة المسلمين في شرق الأرض وغربها قديماً وحديثاً(١) .

واختلفوا فيما إذا كان الموصى به شخصاً معيناً: هل يُشترط القبول، ويكفي عدم الرد؟ قال الإمامية والحنفية: يكفي عدم الرد، فإذا سكت الموصى له، ولم يرد الوصية يملك الشيء الموصى به عند موت الموصي.

وقال الإمامية: إذا قَبِل في حياة الموصي فله الرد بعد موته، وإذا ردّ فله القبول أيضاً بعد الموت، إذ لا أثر للرد ولا للقبول في حال الحياة لعدم تحقق الملك. وقال الحنفية: إذا ردّ في الحياة فله القبول بعد الموت، وإذا قَبِل في الحياة فليس له الرد.

وقال الشافعية والمالكية: لا بدّ من القبول بعد الموت، ولا يكفي السكوت وعدم الرد. (تذكرة الحلّي، والفقه على المذاهب الأربعة).

وقال الأربعة: إذا مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية، لأنّ الوصية عطية صادفت المعطي ميتاً فتبطل. (المغني ج٦ باب الوصية).

وقال الإمامية: إذا توفي الموصى له قبل الموصي، ولم يرجع الموصي عن وصيته قام ورثة الموصى له مقامه، ومثّلوا دوره في القبول والرد، فإذا لم يردّوا كان الموصى به ملكاً خاصاً بهم يقتسمونه بينهم قسمة ميراث، ولا يجب عليهم أن يفوا منه ديون مورّثهم، ولا أن ينفّذوا منه وصاياه، واستدلوا بأنّ القبول حق للمورث فينتقل هذا

____________________

(١) يختلف معنى المِلك باختلاف ما يُنسب إليه، فاذا نُسب إلى الإنسان يكون معناه السلطة والتصرف فيه كيف يشاء، وإذا نُسب إلى المسجد يكون معناه اختصاص فائدته به، ولا معنى لقول مَن قال: إنّ للمسجد وما إليه شخصية معنوية تصلح للإمتلاك والتمليك.


الحق لورثته كخيار الرد، كما استدلوا بروايات عن أهل البيت(١) .

وقال مالك والشافعي في أحد قوليه: تصحّ الوصية للقاتل سواء أكان القتل عمداً أم خطأ.

وقال الحنفية: تصحّ مع إجازة الورثة، وتبطل بدونها.

وقال الحنابلة: تصحّ إن حصلت بعد الجرح الذي أفضى إلى الموت، وتبطل إن حصل القتل بعد الوصية. (أبو زهرة الأحوال الشخصية باب الوصية).

وقال الإمامية: تصحّ الوصية للقاتل ولغيره؛ لأنّ أدلة جواز الوصية عامة، فقوله تعالى:( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) يشمل القاتل وغيره، والاختصاص بغير القاتل يحتاج إلى دليل.

الموصى به:

اتفقوا على أنّ الشيء الموصى به يجب أن يكون قابلاً للتمليك، كالمال والدار ومنافعها، فلا تصحّ الوصية بما لا يقبل التمليك عرفاً كالحشرات، أو شرعاً كالخمر إذا كان الموصي مسلماً؛ لأنّ التمليك أُخذ في مفهوم الوصية، فإذا انتفى لم يبقَ لها موضوع.

واتفقوا على صحة الوصية بثمرة البستان سنة معينة، أو دائماً.

وتوسّع الإمامية في مفهوم الوصية إلى أقصى الحدود، وأجازوا فيها ما لم يجيزوه في البيع ولا في غيره، حيث ذهبوا إلى صحة الوصية بالمعدوم

____________________

(١) ويلزم الإمامية أنّه إذا رد الموصى له الوصية في حياة الموصي، ثمّ مات الموصى له بعد الرد وبعده مات الموصي، يلزمهم أن ينتقل القبول إلى الوارث في مثل هذه الحال؛ لأنّهم قالوا: لا أثر للرد ولا للقبول في حياة الموصي، ومن هنا التزم بعض علمائهم بذلك، وقال بانتقال حق القبول للوارث في مثل هذه الحال.


المتوقع الوجود، وبما لا يقدر الموصي على تسليمه كالطير في الهواء والحيوان الشارد، وبالمجهول كالوصية بثوب أو حيوان، بل قالوا يجوز أن يتوغل الموصي في المبهمات إلى حد بعيد، فيقول: إعطوا فلاناً شيئاً أو قليلاً أو كثيراً أو جزءاً أو سهماً أو نصيباً(١) ، وما إلى ذلك، كل هذه لا يجوز فيها البيع، وتجوز فيها الوصية. وقال صاحب الجواهر: (لعلّ ذلك كله لعموم أدلة الوصية الشاملة لذلك كله، ولكل حق قابل للانتقال بل لعلّ الضابط في الوصية تعلّقها بكل شيء إلاّ ما علم خلافه)، أي ما خرج بالدليل كالخمر والخنزير والوقف، وحق القصاص وحد القذف، وما إلى ذاك. وقال بعضهم: لا يجوز بيع الفيل، وتجوز الوصية به.

وقال الشيخ محمد أبو زهرة في كتاب الأحوال الشخصية باب الوصية: (توسع الفقهاء في أحكام الوصية، وأجازوا فيها ما لم يجيزوه في غيرها، كالوصية بالمجهول، فإذا أوصيت بسهم أو بطائفة أو بشيء أو بقليل، وما إلى ذلك صحّت الوصية، وكان للورثة أن يعطوه أيّ قدر شاؤوا ممّا يتحمله اللفظ).

وهذا يتفق مع مذهب الإمامية، وعليه تكون هذه المسألة محل وفاق.

____________________

(١) في الشرائع والمسالك والجواهر أنّ الوصي إذا أوصى بلفظ مجمل لم يفسره الشرع رجع في تفسيره إلى الوارث، فإذا قال: إعطوه حظاً من مال، أو قسطاً، أو نصيباً، أو قليلاً، أو كثيراً وما إلى ذلك ممّا لا مقدّر له لغة وعرفاً وشرعاً، أعطاه الوارث كل ما يصدق عليه التموّل.


مقدار الوصية

تنفذ الوصية التبرعية في مقدار الثلث فقط مع وجود الوارث، سواء أَصَدرت في المرض أو الصحة، وما زاد عن الثلث يفتقر إلى إجازة الورثة بالاتفاق. فإن أجازوا جميعاً جازت الوصية، وإن رفضوا بطلت، وإن أجاز البعض دون البعض نفذت في حق المجيز فيما زاد عن الثلث، ولا أثر لإجازة الوارث إلاّ إذا كانت من العاقل البالغ الراشد.

وقال الإمامية: إذا أجاز الورثة فلا يحق لهم العدول عن إجازتهم، سواء أكانت الإجازة في حياة الموصي أو بعد وفاته.

وقال الحنفية والشافعية والحنابلة:

لا يُعتبر الرد والإجازة إلاّ بعد موت الموصي، فلو أجازوا في حياته، ثمّ بدا لهم فردوا بعد وفاته كان لهم ذلك، سواء أكانت الإجازة في صحة الموصي أو في مرضه. (المغني).

وقال المالكية: إذا أجازوا في مرض الموصي فلهم الرد، وإذا أجازوا في صحته نفذ في حقهم، ولا يحق لهم الرد.

وقال الإمامية والحنفية والمالكية: متى حصلت الإجازة من الوارث لما زاد عن الثلث كان ذلك إمضاء لفعل الموصي وتنفيذاً له، وليس هبة


من الوارث إلى الموصى له، وعليه فلا يفتقر إلى القبض، ولا تجري على الوصية أحكام الهبة.

واختلفوا فيمن أوصى بجميع أمواله وليس له وارث خاص، قال مالك: لا تجوز الوصية إلاّ في الثلث، وقال أبو حنيفة: تجوز في الجميع، وللشافعي وأحمد قولان، وللإمامية أيضاً قولان أصحّهما الجواز. (البداية والنهاية، وتذكرة الحلّي باب الوصية).

واتفقوا على أنّه لا ميراث ولا وصية إلاّ بعد وفاء الدين، أو البراءة منه، فالثلث الذي تنفذ فيه الوصايا إنّما هو الثلث الفاضل عن الدين، واختلفوا في الوقت الذي يقدّر فيه الثلث: هل هو الثلث عند الوفاة، أو عند قسمة التركة؟

قال الحنفية: يقدّر الثلث عند قسمة التركة، فكل زيادة أو نقص يعرض على التركة يشمل الورثة والموصى لهم، وقد وافق على ذلك بعض الحنابلة وبعض المالكية.

وقال الشافعية: يُعتبر الثلث وقت الوفاة. (أبو زهرة).

وقال الإمامية: يُحسب من التركة ما يملكه بعد الموت، كالدية في قتل الخطأ، وفي قتل العمد إذا صالح الأولياء على الدية، وكما إذا كان الميت قد نصب شبكة في حياته فوقع فيها طير أو سمك بعد وفاته، فكل ذلك يُضم إلى أصل التركة، ويخرج منه الثلث. وقولهم هذا قريب من قول الحنفية.

وقال الإمامية والشافعية والحنابلة: إذا كان على الميت زكاة أو كفارة واجبة أو حجة إسلام، وما إلى ذلك من الواجبات المالية تنفذ من أصل المال لا من الثلث، سواء أوصى بها أو لم يوصِ؛ لأنّها حق الله، وحق الله أحق أن يُقضى، كما جاء في الحديث، وإذا أوصى بها الميت، وعيّن مخرجها من الثلث يؤخذ بقوله رفقاً بالوارث.

وقال الحنفية والمالكية: إن أوصى بها تخرج من الثلث لا من الأصل،


وإن لم يوصِ بها تسقط بموته. (المغني، وتذكرة الحلّي، والبداية والنهاية).

واتفقوا على أنّ الوصية بالعبادة المستحبة تخرج من الثلث.

تزاحم الوصايا:

إذا تزاحمت الوصايا وضاق الثلث عن جميعها، كما لو أوصى لزيد بألف، وللفقراء بألفين، ولمسجد بثلاثة، وكان الثلث خمسة، ولم يُجز الوراثة الزائد، فما هو الحكم؟

قال المالكية والحنابلة والشافعية: يُقسّم الثلث بينهم على قدر وصاياهم، أي أنّ النقص يدخل على كل بنسبة وصيته. (المغني).

وقال الإمامية: إذا أوصى بوصايا عديدة لا يسعها الثلث، ولم يُجز الورثة الزائد، فإن كان بينها تضاد - كما لو قال: ثلثي لزيد، ثمّ قال: ثلثي لخالد - عُمل باللاحق دون السابق، إلاّ فإن كان بينها واجب وغير واجب قدّم الواجب على غيره، وإذا تساوت الوصايا في الأهمية فإن جمع الموصي بينها بكلام واحد فقال: إعطوا جَمالاً وأحمد ألفاً، وكان الثلث ٥٠٠، قُسّم هذا المبلغ بين الاثنين لكل واحد ٢٥٠، وإن قدّم وأخّر فقال: إعطوا جَمالاً ٥٠٠ وأحمد ٥٠٠، أُعطي المبلغ للأوّل وأُلغيت الوصية الثانية، لأنّ الأُولى استغرقت الثلث بكامله ولم يبقَ للثانية موضوع.

وقال الأربعة: إذا أوصى بشيء معيّن لإنسان، ثمّ أوصى به لآخر فهي بينهما مناصفة، فإذا قال: إعطوا السيارة لزيد بعد موتي، ثمّ قال: إعطوها لخالد، كانت شراكة بين الاثنين.

وقال الإمامية: بل هي للثاني؛ لأنّ الوصية الثانية عدول عن الأُولى.

وقال الإمامية: إذا أوصى لكل وارث بعين خاصة بقدر نصيبه


تصحّ الوصية، مثلاً إذا قال: البستان لولدي إبراهيم، والدار لأخيه حسن، ولم يكن في ذلك محاباة تنفذ الوصية، لعدم المزاحمة لحق أحد من الوراث، ووافقهم على ذلك بعض الشافعية وبعض الحنابلة.

واتفقوا جميعاً على أنّ الشيء الموصى به إذا كان سهماً مشاعاً كالثلث أو الربع من مجموع التركة، أو من شيء خاص فيملكه الموصى له بوفاة الموصي، غائباً كان الموصى به أو حاضراً، فهو شريك للورثة في الحاضر يأخذ نصيبه منه، وكذلك متى حضر الغائب.

وإذا كان الموصى به متميزاً مستقلاً بعين معينة قال الإمامية والحنفية: لا يملك الموصى له هذه العين إلاّ إذا كان ضعف قيمتها في يد الورثة، أمّا إذا كان للموصي مال غائب أو ديون، وكان الشيء الموصى به أكثر من ثلث ما في أيدي الورثة كان لهم الحق في معارضة الموصى له، ومنعه عمّا زاد عن ثلث مجموع الموجود في أيديهم، بخاصة إذا كان الغائب في معرض الضياع أو يتعذر استيفاؤه، وإذا حضر شيء من الغائب استحق الموصى له من باقي العين الموصى بها ما يساوي ثلث المال الذي حضر، فإن لم يحضر شيء كان باقي العين للورثة.

الرجوع عن الوصية:

اتفقوا على أنّ الوصية ليست لازمة من طرف الموصي، ولا من طرف الموصى له، فللأوّل الرجوع عن وصيته سواء أكانت بعين أو بمنفعة أو بولاية، ويأتي الكلام عن الثاني، ويتحقق رجوع الموصي بالقول وبالفعل مثل أن يوصي بطعام فيأكله، أو يهبه أو يبيعه. ونُقل عن الحنفية أنّ البيع لا يُعد رجوعاً، وإنّما يكون للموصى له ثمن المبيع.


الوصية بالمنفعة:

اتفقوا على صحة الوصية بالمنافع، كإجارة الدار، وسكناها، وثمرة البستان، ولبن الشاة، وما إلى ذلك من المنافع التي ستحدث، سواء أَحَصر المنفعة في مدة معينة أو أطلقها في كل زمان.

واختلفوا في كيفية خروج المنفعة من الثلث، قال الحنفية: إنّ الوصية بالمنفعة تقدّر بنفس العين الموصى بها، سواء أكانت المدة مؤقتة أو مؤبدة، فإذا أوصى بسكنى الدار سنة أو أكثر قوّمت الدار بكاملها، فإن وفّى ثمنها بمقدار الثلث نفذت الوصية، وإلاّ فلا تنفذ وتكون لغواً.

وقال الشافعية والحنابلة: تقدّر قيمة المنافع مجردة عن العين، فإن اتسع لها الثلث نفذت الوصية بكاملها، وإلاّ فبقدر ما يتسع له الثلث. (أبو زهرة).

وقال المحققون من الإمامية: إذا كانت المنفعة الموصى بها غير مؤبدة فأمرها سهل؛ لأنّ العين تبقى لها قيمة بعد إخراج تلك المنفعة، فإذا أوصى بمنفعة خمس سنوات قُوّم البستان بمجموعه أوّلاً، فإذا كانت قيمته عشرة آلاف قُوّم ثانيةً مسلوب المنفعة خمس سنوات، فإذا كانت خمسة آلاف يكون التفاوت خمسة آلاف تخرج من الثلث إن تحمّلها، وإلاّ كان للموصى له ما يتحمله الثلث سنة أو أكثر، أمّا إذا كانت المنفعة مؤبدة قُوّم البستان بكامله مع المنفعة، وجرت الحال كما في المنفعة المؤقتة.

إن قلتَ: كيف؟ وبأيّ شيء نُقوّم العين مسلوبة المنفعة، فإنّ ما لا منفعة منه لا قيمة له؟

قلتُ: بل هناك منافع لها قيمة وإن تكن يسيرة، فالبستان يُنتفع


بما ينكسر من جذوعه، وبما يصيبه من اليبس، وإذا زال الشجر لسبب من الأسباب يُنتفع بأرضه، وإذا خربت الدار ولم يعمّرها الموصى له ينتفع الوارث بأحجارها وأرضها، والشاة ينتفع بلحمها وجلدها إذا ذُبحت، وعلى أيّة حال فلا تخلو العين من فائدة غير المنفعة الموصى بها.


تصرفات المريض

المريض:

المراد بالمريض - هنا - مَن اتصل مرضه بموته، على أن يكون المرض مخوفاً، بحيث يظنّ الناس أنّ حياته في خطر، فوجع الضرس والعين والصداع الخفيف وما إليه لا يُعد من المرض المخوف، فهذا المريض ومَن تمرّض مرضاً مخوفاً، ثمّ عوفي منه، ومات بعد ذلك حكم عطيتهما حكم عطايا الصحيح.

تصرفات الصحيح:

ليس من شك ولا خلاف بين المذاهب أنّ الصحيح إذا تصرّف في أمواله تصرفاً مطلقاً ومنجزاً - أي غير معلق على الموت - نفذ تصرفه من الأصل، سواء أكان تصرفاً واجباً كوفاء الدين، أو محاباة كالهبة والوقف.

وإذا علق الصحيح تصرفاته على الموت كانت وصية كما تقدم، فإن


لم تكن بالواجب المالي خرجت من الثلث، وإن كانت به فإن كانت قضاء دين فمن الأصل عند الإمامية والشافعية والحنابلة، ومن الثلث عند الحنفية والمالكية، كما مَر.

تصرفات المريض:

أمّا تصرفات المريض، فإن كانت معلقة على الموت فهي وصية، وحكمها ما أسلفنا في وصية الصحيح، إذ لا فرق في الوصية بين صدروها في حالة الصحة وحالة المرض، ما دام المريض ثابت العقل، كامل الإدراك والشعور.

وإذا تصرّف المريض تصرفاً مطلقاً غير معلق على الموت يُنظر، فإن عاد التصرف إلى نفسه كما لو اشترى ثياباً مثمنة، وتلذذ في مأكله ومشربه، وأنفق على دوائه وتحسين صحته، وسافر للراحة والاستجمام، وما إلى ذاك فكل تصرفاته صحيحة ليس لأحد عليه من سبيل وارثاً كان أو غير وارث.

وإن تصرّف بدون محاباة - كما لو باع أو أجّر، أو استبدل شيئاً من ممتلكاته بعوضه الحقيقي - ينفذ عمله من أصل المال، وليس للوارث معارضته؛ لأنّه لم يفوّت عليه شيئاً.

واذا تصرّف تصرفاً منجّزاً غير معلق على الموت وكان فيه محاباة، كما لو وهب أو تصدّق أو أبرأ من الدين، أو عفا عن الجناية الموجبة للمال، أو باع بأقل من قيمة المثل، أو اشترى بالأكثر، أو غير ذلك من التصرفات التي تستدعي ضرراً مالياً بالوارث - إذا كان


تصرفه من هذا النوع - فإنّه يخرج من الثلث(١) . ومعنى كونه من الثلث أن نوقف التنفيذ إلى ما بعد الموت، فإن مات في مرضه واتسع الثلث للتبرعات المنجزة كُشف عن كونها نافذة من أوّل الأمر، وإن ضاق الثلث عنها كُشف عن فساد التصرف بمقدار الزائد عن الثلث، مع عدم إجازة الورثة.

بين الوصية ومنجّزات المريض:

الفرق بين الوصية ومنجّزات المريض: إنّ التصرف في الوصية معلق على الموت، أمّا المنجّزات فهي التي لم تعلق على الموت، سواء لم تعلق أبداً، أو علّقت على أمر آخر يصحّ فيه التعليق، كما لو نذر في مرضه أن يضحي بهذا الكبش إذا رُزق ذكراً، ثمّ ولِد له ذكر بعد موته، فيدخل في منجّزات المريض. وقد جاء في كتاب المغني في فقه الحنابلة، وكتاب التذكرة في فقه الإمامية أنّ منجّزات المريض تشترك مع الوصية في خمسة أشياء، وتفترق عنها في ستة. ويظهر من الاتفاق في لفظ العبارتين أنّ العلاّمة الحلّي صاحب التذكرة الذي توفي سنة ٧٢٦ﻫ قد

____________________

(١) أمّا الأربعة فقد اتفقوا على خروجها من الثلث، واختلف الإمامية فيما بينهم، فأكثر فقهائهم المتقدمين: على النفوذ من الأصل، وأكثر المتأخرين: على النفوذ من الثلث، ومن أنصار الثلث العلاّمة الحلّي والشهيدان وصاحب الجواهر، وصاحب الشرائع؛ لخبر أبي بصير عن الإمام الصادق: (للرجل عند موته ثلث ماله)، ولصحيح ابن يقطين:(للرجل عند موته الثلث والثلث كثير) ، ولم تفرق الأخبار بين الوصية والمنجّزات. وفي خبر علي بن عقبة في رجل أعتق مملوكاً له،(لا يعتق منه إلاّ الثلث) ، ولو قال الإمام بعد موته لا عند موته لكان حمل قوله على الوصية في محله.


أخذ عن ابن قدامة صاحب المغني المتوفى سنة ٦٢٠ﻫ(١) . ومن المفيد أن نلخص أقوالهما فيما يلي:

أمّا الخمسة التي تشترك بها المنجّزات مع الوصية فهي:

١ - إنّ كلاً منهما يقف نفوذها على الخروج من الثلث، أو إجازة الورثة.

٢ - إنّ المنجّزات تصحّ للوارث عند الإمامية، تماماً كالوصية، وعند الأربعة لا تصحّ للوارث، كما أنّ الوصية كذلك.

٣ - إنّ كلاً منهما أقلّ ثواباً عند الله من الصدقة في حال الصحة.

٤ - إنّ المنجّزات يزاحم بها الوصايا في الثلث.

٥ - إنّ خروجها من الثلث معتبر حال الموت لا قبله ولا بعده. وأمّا الستة التي تفترق بها المنجّزات عن الوصية فهي:

١ - إنّ الموصي يجوز له الرجوع عن وصيته، ولا يجوز الرجوع للمعطي في المرض من عطيته إذا تحقق القبول والقبض من المعطى له، والسر أنّ الوصية تبرّع مشروط بالموت، فما دام الشرط لم يتحقق فإنّه يجوز العدول، أمّا العطية في المرض فهي مطلقة وغير مشروطة بشيء.

٢ - إنّ المنجّزات يكون قبولها أو ردها على الفور وفي حياة

____________________

(١) كثيراً ما ينقل العلاّمة عبارات المغني بالحرف، ويعتمد عليه في معرفة أقوال المذاهب، وقد تبين لي من الاستقراء والتتبع أنّ التعاون العلمي بين السنّة والشيعة فيما مضى كان أقوى بكثير ممّا عليه الآن، فالعلاّمة الحلّي ينقل في التذكرة أقوال المذاهب الأربعة والظاهرية وغيرهم من مذاهب السنّة، وزين الدين العاملي المعروف بالشهيد الثاني كان يدرس الفقه على المذاهب الخمسة في بعلبك ٩٥٣، وقد درس في دمشق والأزهر، وكذا الشيخ علي بن عبد العال المعروف بالمحقق الثاني (ت ٩٤٠ﻫ) درس في الشام والأزهر. وإن دل هذا على شيء فإنّما يدلّ على تجرد علماء الإمامية، وطلبهم العلم للعلم، وعلى عملهم بالحديث الشريف: (الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنّى وجدها)، كما يدلّ في الوقت نفسه على وحدة أصول الفقه ومصادره عند جميع المذاهب.


المعطي، أمّا الوصية فلا حكم لقبولها ولا لردها إلاّ بعد الموت.

٣ - إنّ المنجّزات تفتقر إلى شروط، كالعلم بحقيقة العطية وعدم الضرر، والوصية لا يُشترط فيها ذلك.

٤ - إنّ المنجّزات تُقدّم على الوصية إذا ضاق الثلث عنهما معاً، إلاّ في العتق فإنّ الوصية به تُقدّم على غيره من العطايا المنجّزة، وهو رأي الإمامية والحنفية والشافعية. (التذكرة باب الوصية).

٥ - إنّ المنجّزات إذا ضاق عنها الثلث بُدئ بالأوّل فالأوّل عند الشافعية والحنابلة، أمّا الوصية إذا ضاق عنها الثلث فيدخل النقص على الجميع، كما أشرنا في تزاحم الوصايا. والإمامية يبدؤون بالأوّل فالأوّل في المنجّزات والوصايا.

٦ - إنّ المريض إذا مات قبل أن يُقبض المعطى له العطية كانت الخيرة للورثة، إن شاؤوا أعطوا وإن شاؤوا منعوا، أمّا الوصية فتلزم بالقبول بعد الموت بغير رضاهم.

ذكر هذا الأمر السادس صاحب المغني، ولم يذكره صاحب التذكرة، والأولى تركه، كما فعل العلاّمة الحلّي؛ لأنّ منجّزات المريض تشتمل على موضوعات شتى، منها الهبة، ومنها الإبراء من الدين، ومنها المحاباة في البيع أو الشراء، إلى غير ذلك. وإذا لم تنحصر المنجّزات في الهبة فلا يأتي القول (بأنّ المريض إذا مات قبل أن يُقبض المعطى له) هذا أوّلاً، وثانياً: إنّ المريض إذا وهب ومات قبل أن يُقبض الموهوب له تبطل الهبة عند الحنابلة والشافعية والإمامية والحنفية؛ لأنّ القبض شرط في اتمامها، وإن قبض الموهوب له قبل الموت تمت الهبة، وحُسبت من الثلث كالوصية، ولا يتوقف نفوذها على إجازة الورثة ما دامت لا تتجاوز الثلث، فهي قبل القبض وبعد الموت ليست من المنجّزات أصلاً، حتى يقال بأنّها تفترق عن الوصية وتجتمع معها، وبعد القبض


يكون حكمها حكم الوصية. وبذا يتبين أنّ ذكر الأمر السادس في غير محله.

إقرار المريض:

اتفق الأربعة على أنّ المريض إذا أقر بدين لغير الوارث نفذ الإقرار من الأصل تماماً كالإقرار في الصحة، واختلوا إذا أقر للوارث، فقال الحنفية والحنابلة: لا يلزم باقي الورثة بهذا الإقرار، بل يكون الإقرار لغواً إلاّ إذا أقام الوارث بينة شرعية تُثبت الدين.

وقال المالكية: يصحّ الإقرار إذا لم يُتّهم الميت بالمحاباة، ويبطل إذا اتُّهم، كمن له بنت وابن عم فأقر لابنته لم يُقبل، وإن أقر لابن عمه قُبِل؛ لأنّه لا يُتّهم في أنّه يحرم ابنته ويفضّلها على ابن عمه. وعلة منع الإقرار التهمة، فاختص المنع بموضوعها. (المغني ج٥ باب الإقرار).

وقال الإمامية: إذا أقر - وهو في مرض الموت - لوارث أو لأجنبي بدين أو عين، يُنظر، فإن كان هناك قرائن يُظنّ معها أنّه غير صادق في إقراره، بل متّهم فيه، حيث يُستبعد في العادة أن يكون الشيء المقرّ به حقاً ثابتاً للشخص المقر له، ولكن لمريض يريد أن يؤثره على بره لسبب من الأسباب - إن كان الأمر على هذا - فحكم الإقرار حكم الوصية ينفذ من الثلث، وأن كان المريض مأموناً في إقراره بحيث لم يكن هناك أيّة قرينة تدلّ على أنّه كاذب في قوله - كما لو كان بينه وبين المقر له معاملة سابقة تستدعي ذلك بموجب العادة - ينفذ الإقرار من الأصل بالغاً ما بلغ.

هذا إذا عُلِم حال المقر، أمّا إذا جهل: هل هو مُتّهم أو مأمون؟ وقال الوارث: إنّ مورثه غير أمين بإقراره. فعلى المقَرِّ له بالمال أن يُثبت


أنّه يملك الشيء الذي أقر له به المريض، فإن أثبت ذلك بالبينة ينفذ الإقرار من الأصل، وإلاّ يحلف الوارث أنّه لا يعلم أنّ الشيء الذي أقر به المورث هو لفلان، ثمّ ينفذ الإقرار من الثلث. واستدل الإمامية بروايات عن أهل البيت مثل رواية أبي بصير:(إذا كان مصدقاً يجوز) وغيرها، و(إذا) تفيد الشرط، فيكون النفوذ مشروطاً بالأمانة والتصديق(١) .

____________________

(١) ملحق حاشية المكاسب للسيد كاظم اليزدي.


الوصاية

الوصاية: هي أن يعهد إنسان لآخر بتجهيز وصاياه بعد موته، كوفاء ديونه واستيفائها، ورعاية أطفاله والإنفاق عليهم، وما إلى ذاك، ويعبّر عنها بالولاية، وبالوصية العهدية، ويُسمّى الشخص المعهود إليه بالوصي المختار.

شروط الوصي:

١ - أن يكون مكلّفاً، أي عاقلاً بالغاً؛ لأنّ المجنون والصغير لا ولاية لهما على أنفسهما، فكيف يتوليان أمور الغير؟! سوى أنّ الإمامية قالوا: لا تصحّ وصاية الصبي منفرداً، وتصحّ منضماً إلى البالغ، فيتصرف الكبير منفرداً حتى يبلغ الصغير فيشاركه في التصرف.

وقال الحنفية: إذا أوصى إلى صغير استبدله القاضي بغيره، وإذا تصرّف الصغير قبل أن يعزله القاضي صح تصرفه وكان نافذاً، وكذا إذا بلغ قبل العزل، فإنّه يستمر في الوصاية. (الفقه على المذاهب الأربعة، وتذكرة الحلّي).


٢ - تعيين الوصي بالذات، فإذا أوصى إلى أحد هذين ولم يعيّن، بطلت الوصية.

٣ - تعيين الموصى به،فإذا أطلق الوصية وقال: فلانٌ وصي، ولم يبين على أي شيء، بطلت الوصاية عند الإمامية والحنفية والشافعية والحنابلة. ونُقل عن مالك أنّه يكون وصياً في كل شيء.

٤ - أن يكون الوصي مسلماً، فلا تصحّ وصية المسلم إلى غير المسلم بالاتفاق، ولكنّ الحنفية قالوا: إذا أوصى إلى غير المسلم كان على القاضي أن يستبدله بمسلم، إلاّ أنّ الوصية تقع صحيحة، فلو تصرّف الوصي غير المسلم قبل أن يخرجه القاضي، أو أسلم، يبقى على الوصاية كما هي الحال في الصبي.

٥ - قال الشافعية: يجب أن يكون الوصي عادلاً.

وقال المالكية والحنفية والمحققون من الإمامية: تكفي الأمانة والوثاقة؛ لأنّ العدالة هنا وسيلة وليست بغاية، فإذا قام الوصي بالمهام كما يجب فقد حصل المطلوب(١) .

وقال الحنابلة: إذا كان الوصي خائناً جعل القاضي معه أميناً، ويتفق هذا مع ما جاء في الجزء الثاني من منهاج الصالحين للسيد الحكيم، حيث قال: (إذا ظهرت منه الخيانة ضمّ إليه أميناً يمنعه عن الخيانة، فإن لم يمكن ذلك عزله ونصّب غيره).

٦ - جاء في الجزء الثالث من الفقه على المذاهب الأربعة باب الوصية: إنّ الحنفية والمالكية والشافعية يشترطون في الوصي أن يكون قادراً على

____________________

(١) اختلف الإمامية فيما بينهم: هل العدالة شرط في الوصي؟ فالمشهور على شرط العدالة، والمحققون على الاكتفاء بالأمانة والوثاقة، وقول ثالث على عدم ظهور الفسق. والحق هو الوسط؛ لعموم الأدلة الشاملة للعادل وغيره، وخرج عن الأدلة غير الأمين، لأنّ تصرفاته لا تحقق غرض الموصي، وتضر بالقاصر.


القيام بما أوصي إليه به.

وقال العلاّمة الحلّي في التذكرة: الظاهر من مذهب علمائنا - أي الإمامية - جواز الوصية إلى مَن يعجز عن التصرف، وينجبر نقصه بنظر الحاكم، أي أنّ القاضي يشرف على تصرفاته بنفسه، أو يضمّ إليه أميناً قادراً.

رد الوصاية:

للموصي أن يرجع عن الوصاية، وللوصي أن يرفض ويرد مع إعلام الموصي بالرد؛ لأنّ الوصية العهدية في هذه الحال جائزة بالاتفاق. واختلفوا في جواز رد الوصاية من الوصي مع عدم إعلام الموصي، قال الإمامية والحنفية: لا يجوز للوصي أن يرد الوصية بعد الموت بحال من الأحوال، ولا أن يرد في حياة الموصي إلاّ مع إعلامه بالرد.

وقال الشافعية والحنابلة: للوصي أن يرد الإيصاء إليه ابتداء واستدامة دون قيد أو شرط، فيرد قبل قبول الوصية وبعدها، وفي حياة الموصي مع الإعلام وبدونه، وبعد موته أيضاً. (المغني ج٦ باب الوصية).

الوصية لاثنين:

واتفقوا على أنّ للميت أن يجعل الوصاية لاثنين أو أكثر، فإن نص على أنّ لكل منهما الاستقلال في التصرف، عمل بنصه، وكذا إذا نص على العمل مجتمعين فليس لأحدهما الانفراد عن الآخر. واختلفوا فيما إذا أطلق ولم يعيّن الاستقلال ولا الاجتماع، قال الإمامية والمالكية والشافعية والحنابلة: ليس لأحدهما الانفراد بالتصرف في شيء، فان تشاحنا ولم يجتمعا أجبرهما القاضي على الاجتماع، فإن تعذّر استبدل بهما.


وقال الحنيفة: ينفرد كل واحد منهما بسبعة أشياء: كفن الميت، وقضاء دينه، وإنفاذ وصيته، ورد الوديعة بعينها، وشراء ما لا بدّ منه من الكسوة والطعام للصغير، وقبول الهبة له، والخصومة عن الميت فيما يدّعى له أو عليه؛ لأنّ هذه يشقّ الاجتماع عليها، ويضرّ تأخيرها، فجاز الانفراد بها. (وسيلة النجاة للسيد أبي الحسن في فقه الإمامية، والمغني ج٦ باب الوصية).

وقال في الوسيلة: لو مات أحد الوصيين، أو طرأ عليه الجنون، أو غير ذلك ممّا يوجب ارتفاع وصايته استقلّ الآخر، ولا يحتاج إلى ضم شخص جديد.

وقال في المغني: بل على القاضي أن يضمّ إليه أميناً؛ لأنّ الموصي لم يرضَ بنظر الباقي منهما وحده، ولم يُذكر خلافاً في ذلك إلاّ عن أصحاب الشافعي.

وإن ماتا معاً أو تغيّر حالهما بما يوجب عزلهما، فهل على القاضي أن يقيم اثنين مقامهما أو يكتفي بالواحد؟ فيه خلاف، والحق أنّ على القاضي أن يراعي المصلحة، فإن اقتضت إقامة اثنين فعل، وإلاّ اكتفى بالواحد؛ لأنّ المهم تأدية الوصية على وجهها، وتعدد الأوصياء غالباً ما يكون لسبب خاص من شفقة الوصي وعطفه على القاصر، أو لصداقة بينه وبين الموصي. ومهما شككنا في شيء فإنّنا لا نشكّ في أنّه إذا مات الوصي واحداً كان أو أكثر تكون الحال كأنّه لم يكن وصي من أوّل الأمر.

وقال الإمامية والشافعية والحنابلة في أظهر الروايتين عن أحمد: ليس للوصي أن يفوض أمر الوصاية إلى غيره بدون إذن الموصي.

وقال الحنفية والمالكية: يجوز للوصي أن يوصي إلى غيره بما أوصى به إليه غيره.


الإيصاء بالزواج:

اختلفوا: هل لمن له الولاية في الزواج أن يوصي به، فيقول للوصي: أقمتكَ وصياً على زواج ابنتي فلانة أو ابني فلاناً؟ قال مالك: يجوز ذلك. وقال أحمد: إن نص الأب على زوج معيّن صحّت الوصاية بالزواج، وإلاّ فلا.

ونقل الشيخ أبو زهرة في كتاب الأحوال الشخصية باب الولاية عن جمهور الفقهاء أنّ الإيصاء بالزواج لا يجوز، وبه قال الإمامية.

إقرار الوصي:

إذا أقر الوصي بدين أو عين على الميت، فلا ينفذ إقراره بحق الصغير، ولا بحق غيره من الورثة؛ لأنّه إقرار بحق الغير، وعند الخصومة يُعتبر الوصي شاهداً يُشترط فيه ما يُشترط في الشاهد، إذا لم يكن هو أحد طرفي الدعوى.

وإذا شهد الوصي للأطفال أو للميت لا تُقبل شهادته؛ لأنّه يثبت لنفسه التصرف فيما يشهد به.

ضمان الوصي:

إذا تلف شيء في يد الوصي فلا ضمان عليه إلاّ مع التعدي والتقصير.

إذا كبر الصغير وادّعى الخيانة على الوصي أو التقصير، فالبينة على الصغير واليمين على الوصي؛ لأنّ الوصي أمين، وفي الحديث: (ليس على الأمين إلاّ اليمين).

ولكل إنسان أن يُقيم الدعوى على الوصي بأنّه خائن أو مقصّر، على


شريطة أن يكون مخلصاً في قصده متقرباً إلى الله بعمله، أمّا إذا عُلِم بأنّه لا يبغي إلاّ التنكيل والتشهير بالوصي لعداوة بينهما فلا تُسمع دعواه.

إذا مات إنسان بدون وصية وتعذّر الرجوع إلى القاضي، يجوز لثقة أمين من المسلمين أن يتولى أموره فيما فيه الخير والصلاح، بخاصة في المسائل الضرورية التي لا يمكن تأخيرها، وعلى القاضي فيما بعد أن يمضي تصرفاته، ولا يجوز له فسخها.

إثبات الوصية:

اتفقوا على أنّ الوصية بالمال والمنفعة تثبت بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين من عدول المسلمين؛ لقوله تعالى:( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ ) . واختلفوا في قبول شهادة العدول من أهل الذمة في خصوص إثبات الوصية، قال الإمامية والحنابلة: تجوز شهادة أهل الكتاب في الوصية في خصوص السفر إذا لم يوجد غيرهم؛ لقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ) (١٠٦ المائدة).

وقال الحنفية والمالكية والشافعية: لا تُقبل شهادة غير المسلم بحال لا في الوصية ولا في غيرها، وقالوا: إنّ المراد بقوله تعالى( مِنْ غَيْرِكُمْ ) أي من غير عشرتكم، لا من غير دينكم. (المغني ج٩ باب الشهادة).

وقال الشافعية والحنابلة والإمامية: يثبت المال بشاهد واحد ويمين.

وقال الحنفية: لا يقضى بشاهد ويمين. (المغني ج٩ باب الشهادة، والجواهر باب الشهادة).

وقال الإمامية: يثبت ربع المال الموصى به بشهادة امرأة واحدة، ونصفه بشهادة امرأتين، وثلاثة أرباعه بثلاث نساء، والكل بأربع،


بشرط العدالة في جميع الحالات، وهذا الحكم ممّا اختص به الإمامية من دون المذاهب؛ للنصوص الصحيحة عن أهل البيت.

هذا بالنسبة إلى الوصية بالمال أو المنفعة، أمّا الوصاية فلا تثبت إلاّ بشهادة رجلين مسلمين عدلين، فلا تُقبل شهادة أهل الكتاب، ولا شهادة النساء منفردات ولا منضمات، ولا شهادة رجل ويمين باتفاق الجميع.



المـَواريث



أحكام التركة

التركة:

المراد بتركة الميت الأشياء التالية:

١ - ما ملكه قبل الموت عيناً كان أو ديناً، أو حقاً مالياً - كحق التحجير - كما لو قصد إحياء أرض موات فحجرها بحائط ونحوه، فيكون أولى بها من غيره، أو حق الخيار في بيع أو شراء، أو حق الشفعة، أو القصاص والجناية إذا كان ولياً عن المقتول، كما لو قتل ولده شخص، ثمّ مات القاتل قبل الاستيفاء منه، فإنّ حق القصاص ينقلب مالاً يؤخذ من تركة القاتل تماماً كالدين.

٢ - ما يملكه بالموت، كالدية خطأً أو عمداً، كما إذا أخذ الأولياء الدية من القاتل بدلاً عن القصاص، فحكم الدية حكم سائر الأموال يرث منها الجميع، حتى الزوج والزوجة(١) .

٣ - ما يملكه بعد الموت، كالصيد الواقع في الشبكة التي نصبها في حياته، وكما إذا كان مديوناً فأبراه صاحب الدين بعد مماته، أو

____________________

(١) قال صاحب الجواهر: إنّ المشهور بين فقهاء الإمامية عدم توريث مَن يتقرب بالأُم من دية الخطأ والعمد، أمّا القصاص فيرثه مَن يرث المال عدا الزوج والزوجة، ولكنّهما يرثان دية القصاص.


تبرع متبرع بوفاء ديونه، أو جنى عليه جانٍ بعد موته، فقطع يده أو رجله، فأخذ منه الدية، كل هذه تُحسب من التركة(١) .

الحقوق المتعلقة بالتركة:

يتعلق بتركة الميت حقوق متنوعة، منها ما يخرج من الثلث، وتقدّم الكلام عنها في باب الوصية. ومنها ما يخرج من الأصل، وهي أيضاً على أنواع: فإن وفى بها المال نفذت بكاملها، وما يفضل عنها وعن الوصية فللورثة بالاتفاق، وإن ضاق المال عن جميعها يُقدّم الأهم على المهم، فإن بقي شيء بعد استيفاء السابق بُدئ باللاحق، وإلاّ اختصر التنفيذ على المتقدم. واختلفوا في كيفية ترتيب الحقوق وتعيين الأهم منها:

قال الإمامية: يُبتدأ أوّلاً وقبل كل شيء بالتجهيز الواجب من ثمن الكفن، وتكاليف الغسل، وأجرة الحمل والحفر إن دعت الحاجة إليها، أوصى بذلك أو لم يوصِ، فتجهيز الميت عندهم مقدم على الديون، سواء أكانت حقاً لله أم حقاً للناس، وممّا استدلوا به رواية السكوني عن الإمام جعفر الصادق: (أوّل شيء يبدأ به من المال الكفن، ثمّ الدين، ثمّ الوصية، ثمّ الميراث). واختلف فقهاء الإمامية فيما بينهم في صورة ما لو تعلق حق الغير بعين التركة، كما إذا مات عن عين بعد أن رهنها عند زيد، وكانت كل ما يملك، فذهب جماعة منهم إلى أنّ حق التجهيز مقدّم على حق الرهانة؛ لإطلاق الروايات، ومنها رواية السكوني المتقدمة التي لم تفرق بين المال المرهون وغير المرهون، وذهب آخرون إلى أنّ حق الرهانة مقدّم؛ لأنّ صاحب المال ممنوع شرعاً

____________________

(١) سفينة النجاة للشيخ أحمد كاشف الغطاء باب الوصايا.


من التصرف في المرهون، والممنوع شرعاً كالممنوع عقلاً(١) .

وبعد التجهيز يبدأ بوفاء الدين، سواء أكان للناس، أم لله، كالخمس والزكاة والكفارات ورد المظالم(٢) وحجة الإسلام، وما إلى ذلك من الحقوق المالية الإلهية وغير الإلهية، فإنّها جميعاً في مرتبة واحدة، فإذا لم يفِ المال وزِّع على الجميع بالنسبة تماماً كغرماء المفلس(٣) ، ولا يُستثنى من ذلك إلاّ الخمس والزكاة إذا تعلقا بعين النصاب الموجودة بالفعل، فيقدمان - والحال هذه - على غيرهما، أمّا إذا كانا في الذمة فحالهما كحال سائر الديون.

وتتفق المذاهب الأربعة مع الإمامية على أنّ التجهيز يقدّم على الديون التي تتعلق بالتركة قبل الوفاة، ثمّ اختلف الأربعة فيما بينهم في تقديم التجهيز على الديون المتعلقة بالتركة، كالعين التي رهنها المالك قبل موته، قال الحنفية والمالكية والشافعية: إنّ الحقوق المتعلقة بأعيان التركة تُقدّم على التجهيز. (حاشية الباجوري على شرح ابن قاسم ج١ فصل الميت، وأبو زهرة الميراث عند الجعفرية ص٤٠ طبعة ١٩٥٥).

____________________

(١) هذا دليل السيد الحكيم في المستمسك باب كفن الميت. وقال الشيخ محمد أبو زهرة في كتاب (الميراث عند الجعفرية): (يظهر في هذه الحال أنّ حق الدائنين حق عيني يسبق كل الحقوق)، ينسب الشيخ بعبارته هذه إلى الإمامية الاتفاق على تقديم حق الرهانة على التجهيز، مع أنّ المسألة خلافية بينهم، ولا شهرة لأحد القولين حتى تصحّ نسبة الاتفاق.

(٢) تفترق أموال المظالم عن المغصوب: إنّ المظالم أن يختلط المال الحرام بغيره ولا يمكن تمييزه مع الجهل بصاحبه، والمغصوب معلوم مالكه. وتفترق المظالم عن مجهول المالك: إنّ مجهول المالك لا يُشترط فيه الجهل بالمال والاختلاط بالغير، وحكم المظالم التصدق بها عن صاحبها بعد اليأس من معرفته.

(٣) قال السيد الحكيم في الجزء السابع من مستمسك العروة مسألة ٨٣: (هذا - أي التوزيع بالنسبة - هو المعروف بيننا، وتقتضيه قاعدة الترجيح بلا مرجح)، وقول الرسول: (دين الله أحق أن يُقضى) لا يراد منه التفضيل، بل مجرد البيان بأنّ حق الله يجب قضاؤه ولا يجوز إهماله.


وقال الحنابلة: يقدّم التجهيز على جميع الحقوق والديون، ولو برهن وإرش الجناية وغيرهما. (التنفيح في فقه الحنابلة ص٧١ المطبعة السلفية).

وإجمالاً يقدّم التجهيز على الديون غير المتعلقة بأعيان التركة عند الجميع، وتُقدّم الديون المتعلقة بالتركة على التجهيز عند الحنفية والشافعية والمالكية، ويقدّم التجهيز في هذه الصورة عند الحنابلة، أمّا الإمامية فمنهم مَن وافق الثلاثة، ومنهم مَن وافق الحنابلة.

الورثة وتركة الميت:

اتفقوا على أنّ التركة تنتقل إلى ملك الورثة بمجرد الموت إذا لم يكن هناك دين ولا وصية، كما اتفقوا أيضاً على انتقال ما زاد على الدين والوصية إلى الورثة. واختلفوا فيما يساوي الدين والوصية من التركة: هل ينتقل إلى الورثة أم لا؟

قال الحنفية: إنّ الجزء الذي تساوي قيمته مقدار الدين لا يدخل في ملك الورثة، وعليه فإذا كانت مستغرقة بالدين فالورثة لا يملكون شيئاً منها، ولكنّ لهم حق استخلاصها من الدائن بسداد ما عليها من الدين، وإذا لم تكن التركة مستغرقة بالدين فيملكون منها ما لا يقابل الدين.

وقال الشافعية وجمهور الحنابلة: إنّ ملكية الورثة تثبت في التركة المدينة، سواء أكان الدين يقابل جميع التركة أو بعضها، إلاّ أنّ الدين يتعلق بها جميعاً، وهي ضامنة له. (أبو زهرة الميراث عند الجعفرية).

واختلف الإمامية فيما بينهم، فذهب أكثر فقهائهم إلى أنّ التركة تنتقل إلى الورثة في الدين المستغرق لها وغير المستغرق، وأنّ الدين يتعلق بها بنحو من الأنحاء، إمّا كتعلق حق الرهانة، وإمّا كتعلق حق الجناية القائم بالعبد الجاني، وإمّا تعلقاً مستقلاً لا يشبه هذا ولا ذاك. وعلى أيّة


حال فالدين لا يمنع من أصل الميراث، وإنّما يُمنع من التصرف فيما يقابل الدين، وهذا قريب من رأي الشافعية. (الجواهر، والمسالك باب الميراث).

وتظهر فائدة الخلاف في النماء المتخلل بين الوفاء ووفاء الدين، فعلى قول الشافعية والحنابلة وأكثر الإمامية يكون النماء للورثة، يتصرفون فيه دون معارض من أصحاب الدين وغيرهم، وعلى رأي الحنفية يكون النماء تابعاً للتركة في تعلق الديون المتعلقة به.


الموجبات والموانع

الموجبات:

القرابة، والنكاح بعقد صحيح، والولاء. ولنا أن نُرجع هذه الموجبات إلى أمرين فقط، إلى سبب ونسب، فالنسب: هو القرابة، والسبب: يشمل النكاح والولاء. والولاء: رابطة بين شخصين تجعل بينهما لحمة كلحمة النسب، فمن اعتق عبده يصبح مولى له، ويرث إن لم يكن للعبد المعتَق وارث، ونترك الحديث عن الولاء بشتى معانيه وأقسامه؛ لأنّه لا وجود له اليوم، ونتكلم عن الموجبين الآخرين:

وتتحقق القرابة بعلاقة الولادة الشرعية بين شخصين، أمّا بانتهاء أحدهما إلى الآخر، كالآباء وإن علو، والأبناء وإن نزلوا، وأمّا بانتهائهما إلى ثالث، كالإخوة والأعمام والأخوال. والولادة الشرعية تشمل الزواج الشرعي، والنكاح بشبهة. أمّا الزوجية فلا تتحقق إلاّ بعقد صحيح بين الرجل والمرأة. ولا خلاف في ثبوت التوارث بين الزوجين، وإنّما الخلاف في توريث بعض الأقارب، فقد نفاهم الشافعية والمالكية من الميراث كلية، واعتبروهم تماماً كالأجانب، وهم:


ولد البنات، وولد الأخوات، وبنات الإخوة، وولد الإخوة من الأُم، والعمات من جميع الجهات، والعم من الأُم، والأخوال والخالات، وبنات الأعمام، والجد أبو الأم، فإذا مات إنسان ولا قريب له إلاّ واحد من هؤلاء تكون تركته لبيت المال، ولا يُعطون شيئاً عند الشافعي والمالكي؛ لأنّهم ليسوا من ذوي الفروض، ولا من العصبات. (المغني ج٦ ص ٢٢٩ الطبعة الثالثة).

وذهب الحنفية والحنابلة إلى توريثهم في حالة خاصة، وهي إذا فُقد أصحاب الفروض والعصبات.

وقال الإمامية بتوريثهم بدون هذا القيد، ويأتي التفصيل:

موانع الإرث:

اتفقوا على أنّ موانع الإرث ثلاثة: اختلاف الدِّين، والقتل، والرق. ونهمل الكلام عن الرق، ونتكلم عن المانعين الآخرين.

اختلاف الدِّين:

اتفقوا على أنّ غير المسلم لا يرث المسلم(١) . واختلفوا هل يرث المسلم من غير المسلم؟

قال الإمامية: يرث.

وقال الأربعة: لا يرث.

وإذا كان أحد أبناء الميت أو أقاربه غير مسلم، ثمّ أسلم بعد موت

____________________

(١) المسلم يعمّ جميع أهل القبلة، فالسنّي يرث الشيعي وبالعكس بنص الكتاب والسنّة والإجماع، بل هذا الحكم من ضرورات الدين تماماً كوجوب الصوم والصلاة.


المورِّث وبعد قسمة التركة بين الورثة فلا يرث بالاتفاق، واختلفوا إذا أسلم بعد الموت وقبل القسمة: هل يرث أو لا؟

قال الإمامية والحنابلة: يرث.

وقال الشافعية والمالكية والحنفية: لا يرث.

وقال الإمامية: إذا كان الوارث المسلم واحداً يختص بالإرث، ولا ينفع إسلام مَن أسلم في استحقاق الإرث.

المرتد:

والمرتد عن دين الإسلام لا يرث عند الأربعة، سواء أكان ارتداده عن فطرة أم عن ملّة(١) ، إلاّ أن يرجع ويتوب قبل القسمة. (المغني ج٦).

وقال الإمامية: المرتد عن فطرة إذا كان رجلاً يُقتل ولا يُستتاب، وتعتدّ امرأته عدة الوفاة من حين الارتداد، وتُقسّم تركته وإن لم يُقتل، ولا تُقبل توبته بالنسبة إلى فسخ الزواج وتقسيم التركة ووجوب القتل، وتُقبل في الواقع وعند الله، وبالنسبة إلى الأمور الأخرى من طهارة بدنه وصحة عبادته، كما أنّه يملك بعد التوبة الأموال الجديدة بسبب العمل والتجارة والإرث.

أمّا المرتد عن ملّة فإنّه يُستتاب، فإن تاب فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وإلاّ قُتل، وتعتدّ زوجته من حين الارتداد عدة الطلاق، فإن تاب في العدة رجعت إليه، ولا تُقسّم تركته حتى يُقتل أو يموت.

أمّا المرأة فلا تُقتل، سواء أكان ارتدادها عن فطرة أم عن ملّة، بل

____________________

(١) المرتد عن فطرة: مَن ولِد مسلماً ثمّ رجع عن الإسلام. والمرتد عن ملّة: مَن ولِد كافراً فأسلم وبعد الإسلام رجع عنه.


تُحبس، وتُضرب أوقات الصلاة حتى تتوب أو تموت، ولا تُقسّم تركتها إلاّ بعد الموت. (وسيلة النجاة للسيد أبو الحسن، وسفينة النجاة للشيخ أحمد كاشف الغطاء باب الإرث).

ميراث أهل الملل:

قال المالكية والحنابلة: لا يرث أهل الملل بعضهم من بعض، فلا يرث اليهودي من النصراني، ولا النصراني من اليهودي، وكذا مَن عداهما من أهل الأديان المختلفة.

وقال الإمامية والحنفية والشافعية: بل يرث بعضهم من بعض؛ لأنّهم ملّة واحدة، كلهم غير مسلمين. ولكنّ الإمامية اشترطوا في إرث غير المسلم من مثله عدم وجود الوارث المسلم، فإن وجِد وإن كان بعيداً يحجب غير المسلم وإن كان قريباً، وهذا الشرط غير معتبر عند الأربعة؛ لأنّ المسلم عندهم لا يرث غير المسلم، كما قدّمنا. (غاية المنتهى ج٢، وميزان الشعراني، والجواهر والمسالك).

الغلاة:

اتفق المسلمون كلمة واحدة على أنّ الغلاة مشركون ليسوا من الإسلام والمسلمين في شيء، ولكنّ الإمامية بوجه خاص تشددوا في أمر الغلاة إلى أقصى الحدود؛ لأنّ الكثير من أخوانهم السنّة قد حملوهم أوزار الغلاة ظلماً وعدواناً، فقد صرح علماء الإمامية في كتب العقائد والفقه بكفر الغلاة، من ذلك ما جاء في كتاب (شرح عقائد الصدوق) للشيخ المفيد ص٦٣ طبعة ١٣٧١ﻫ، قال: (الغلاة المتظاهرون بالإسلام هم الذين نسبوا علياً أمير المؤمنين والأئمة من ذرّيته إلى الإلوهية والنبوة،


ووضعوهم من الفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحد، وخرجوا عن القصد، وهم ضلاّل كفّار حكم فيهم أمير المؤمنين بالقتل والتحريق بالنار، وقضت عليهم الأئمة بالإكفار والخروج عن الإسلام).

وذكروهم في كتب الفقه في باب الطهارة، حيث حكموا بنجاستهم، وذكروهم أيضاً في باب الزواج، حيث قالوا بعدم جواز تزويجهم والزواج منهم، مع أنّهم أجازوا الزواج بالكتابيات، وذكروهم في باب الجهاد، حيث جعلوهم من المشركين - في حالة الحرب - كيف اتفق، كإلقاء النار عليهم وقذفهم بها، وذكروهم في باب الإرث، حيث منعوهم من ميراث المسلمين(١) .

منكِر الضرورة:

اتفقوا على كفر مَن أنكر شيئاً ثابتاً ومعلوماً من الدين بالضرورة - فقال للحرام: هذا حلال، وللحلال: هذا حرام - ودان بذلك فعندها يخرج من الإسلام ويدخل في الكفر، ومن هذا الباب مَن كفّر مسلماً.

ومن الخير أن نشير هنا إلى أمرين ذكرهما بنحو التفصيل الشيخ المتبحر شيخ علماء الإمامية أغا رضا الهمداني في الجزء الأوّل من (مصباح الفقيه).

____________________

(١) والذي أعتقده أنّه لا وجود اليوم لمن يؤلّه علياً وأولاده، وأنّ هذه الطائفة قد بادت، وأنّي زرت بنفسي بلاد العلويين في سورية الذين اتُّهِموا بهذا الافتراء، ومكثت بينهم أياماً، وتنقلت في بلادهم من قرية إلى أخرى، فرأيتهم يقيمون شعائر الإسلام كأيّ بلد مسلم دون أدنى تفاوت، ومإذا نقول لمن يُعلن على المآذن في أوقات الصلاة: (لا إله إلاّ الله، محمد رسول لله)؟ أليس نفي الإلوهية عمّن عدا الله سبحانه يتنافى مع القول بإلوهية غيره؟! فكيف إذن تصحّ نسبة الغلوّ إليهم؟! وقال الله سبحانه:( وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً ) (٩٣ النساء).


الأمر الأوّل: لو أنّ إنساناً أظهر الإسلام ونطق بالشهادتين ولم نعلم هل أظهر ذلك رياءً بدون إيمان واعتقاد، أو نطق بهما مؤمناً؟ لو كان الأمر كذلك يُحكم بإسلامه من غير خلاف، أمّا إذا علمنا بكذبه وأنّه لا يؤمن بالله ولا بالرسول، وإنّما أظهر الإسلام رياءً ونفاقاً لمأرب خاص، فهل نرتّب عليه آثار الإسلام؟

ويتلخص قول الشيخ بأنّ لهذا المنافق واقعاً وظاهراً، فواقعه غير مسلم وظاهره الإسلام، وعلينا أن نترك أمر الواقع لله سبحانه، وليس من شكّ أنّه يعامله معاملة غير المسلم؛ لأنّ المفروض أنّه كذلك واقعاً، أمّا نحن معاشر المسلمين فنأخذ بالظاهر فنخالطه مخالطة المسلمين من المناكحة والتوارث؛ لأنّنا مأمورون بذلك، فقد جاء في الحديث: (مَن قال لا إله إلاّ الله حُقِن دمه وماله) أي يجري عليه حكم الإسلام، سواء علمنا بصدقه أو بكذبه أو شككنا، ويشهد بذلك معاملة الرسول مع المنافقين كمعاملته مع سائر المسلمين، مع أنّه على علم بنفاقهم.

الأمر الثاني: إنّ السر لإجماع المسلمين على كفر مَن أنكر حكماً ضرورياً هو أنّ هذا الإنكار يستدعي إنكار رسالة الرسول بالذات، ويتفرع عن ذلك أنّ المنكِر إذا تنبّه إلى أنّ إنكاره مستلزم لإنكار نبوة محمد ورسالته يكون غير مسلم بلا شك، وأمّا إذا لم يتنبّه إلى ذلك وكان غافلاً عنه بالمرة، أو كان معتقداً أنّ إنكاره لا يستدعي إنكار النبوة فهل يكون غير مسلم؟

ويتلخص جواب الشيخ بأنّ لهذا الغافل حالات، فتارة تنشأ غفلته عن انهماكه في المعاصي وعدم مبالاته بالحرام، كمن داوم على الزنا من يومه الأوّل واستمر إلى الكهولة، وتولّد عن هذا الاستمرار الاعتقاد بحلّه وعدم حرمته، وهذا كافر قطعاً.

وتارة تنشأ غفلته عن تقليد مَن لا يجوز تقليده والأخذ بقوله، وهذا


غير مسلم أيضاً، حتى ولو اعتقد أنّ إنكاره لا يستدعي إنكار الرسالة(١) .

وثالثاً لا يكون سبب الغفلة أحد هذين، بل كان ذهوله ناشئاً عن عدم الانتباه لمقام الرسالة، بحيث إذا تنبّه إليها رجع عن إنكاره، وهذا مسلم بلا ريب؛ لأنّه أشبه بمن أنكر على الرسول أمراً وهو يجهله، ولما عرف أنّه الرسول رجع وأناب.

وهناك حالات أخرى ذكرها صاحب مصباح الفقيه تركناها لضيق المقام، ومَن أحبّ التفصيل فليرجع إلى المجلد الأوّل من الكتاب المذكور.

القتل:

اتفقوا على أنّ القتل عمداً بغير حق يمنع من الإرث؛ لحديث: (لا ميراث للقاتل)، ولأنّه تعجّل الميراث فعومل بخلاف قصده، واختلفوا فيما عدا ذلك:

قال الإمامية: مَن قتل قريبه قصاصاً أو دفاعاً عن نفسه، أو بأمر الحاكم العادل، وما إلى ذاك من المسوغات الشرعية، فالقتل - والحال هذه - لا يمنع من الإرث، وكذلك القتل خطأ غير مانع(٢) .

وقال صاحب الجواهر: (عمد الصبي والمجنون بحكم الخطأ، كما أنّ الخطأ يشمل شبه العمد)، ومثال شبه العمد أن يضرب أبٌ ولدَه بقصد التأديب فيموت بسبب الضرب. وقال السيد أبو الحسن الأصفهاني في الوسيلة: (بعض التسبيبات التي قد يترتب عليها التلف: كحفر البئر في الطريق إذا وقع القريب فيها يرث الحافر من قريبه وإن وجب عليه الضمان ودفع الدية)؛ وعلى هذا فلا مانعة جمع بين دفع الدية واستحقاق الإرث.

____________________

(١) هذا إذا كان قادراً على تحصيل الواقع وأهمل، أمّا العاجز فمعذور.

(٢) نقل صاحب الجواهر عن كثير من فقهاء الإمامية منع القاتل خطأ من الدية خاصة دون باقي التركة.


وذهب كل واحد من الأئمة الأربعة في ذلك إلى رأي: فرأي الإمام مالك يتفق مع الإمامية. ورأي الإمام الشافعي: إنّ قتل الخطأ يمنع من الإرث كقتل العمد، وكذا إذا كان القاتل مجنوناً أو صبياً. ورأي الإمام أحمد: إنّ القتل المانع من الإرث هو القتل الذي يوجب عقوبة ولو مالية، فيخرج القتل بحق، فمن قتل قصاصاً أو دفعاً عن النفس أو قتل العادلُ الباغيَ في الحرب فإنّه يرثه. ورأي الإمام أبي حنيفة: إنّ القتل المانع من الإرث هو الذي يوجب قصاصاً أو دية أو كفارة، ويدخل في ذلك قتل الخطأ، ولا يدخل القتل بالتسبيب، ولا قتل المجنون والصغير. (المغني ج٦، وأبو زهرة في ميراث الجعفرية).


توزيع التركة

أشرنا فيما سبق إلى أنّ الإرث يكون بالزواج وبالقرابة، ولا خلاف في أنّ الزوجين يشاركان جميع الورثة، وأنّ للزوج الربع مع الولد والنصف عند فقده، وأنّ للزوجة الثمن معه والربع عند عدمه، وإنّما الخلاف في ولد البنت: هل هو في حكم الولد للصلب، ويحجب أحد الزوجين عن نصيبه الأعلى إلى نصيبه الأدنى، أو أنّ وجود ولد البنت وعدمه سواء؟ وياتي التفصيل في ميراث الزوجين.

وأيضاً لا خلاف في أنّه يبدأ أوّل ما يبدأ في توزيع التركة بأصحاب الفروض المقدّرة في كتاب الله، وأنّ الفروض ستة لا غير، وإنّما الخلاف في عدد أصحابها المستحقين لها، وفيمن يستحق الفاضل عن الفروض.

وأيضاً اختلفوا في إرث أولاد البنت والعمات والأعمام لأُم والأخوال والخالات والجد لأُم، وأشرنا فيما سبق أنّ هؤلاء من ذوي الأرحام عند الأربعة، وحكمهم يختلف عن حكم أصحاب الفروض والعصبات.


الفروض وأصحابها:

الفرض: هو السهم المقدّر في كتاب الله، والسهام المقدّرة فيه ستة بالاتفاق: النصف، والربع، والثُمن، والثلثان، والسدس، وبعضهم اختصر التعبير، وقال: الثلث والربع، وضعف كل ونصفه.

والنصف (للبنت الواحدة) إذا لم يكن معها ابن، وبنت الابن كالبنت الصلبية عند الأربعة، وكأبيها عند الإمامية. ويُعطى النصف أيضاً (للأخت الواحدة) لأبوين أو لأب إذا لم يكن معها أخ كذلك، و(للزوج) إذا لم يكن للزوجة ولد.

والربع (للزوج) إذا كان للزوجة ولد، و(للزوجة) إذا لم يكن للزوج ولد.

والثُمن (للزوجة) إذا كان للزوج ولد.

والثلثان (للبنتين) فأكثر مع عدم وجود أولاد ذكور، و(للأختين) فأكثر لأبوين أو لأب مع وجود الأخ كذلك.

والثلث (للأُم) مع عدم وجود الولد الذكر للميت، ولا أخوة يحجبونها عمّا زاد عن السدس بالتفصيل الآتي، و(للاثنين) فصاعداً من الإخوة والأخوات من الأُم.

والسدس (للأب) مع الولد، و(للأُم) كذلك أو مع وجود الإخوة للميت، و(للأخ أو الأخت) للأُم مع عدم التعدد. وتوريث السدس لهؤلاء الثلاثة بالفرض محل وفاق، وزاد الأربعة توريث السدس بالفرض (لبنت ابن) فأكثر مع بنت صُلبية، فإذا كان للميت بنت وبنت ابن أخذت الأُولى النصف، والثانية السدس، فإذا كان له بنتان فأكثر وبنت ابن تُحرَم بنت الابن من الميراث إلاّ أن يكون مع بنت الابن غلام بحذائها، كما لو كان أخاها أو أسفل منها، كما لو كان ابن أخيها، أي ابن ابن ابن الميت. وأيضاً يُعطى السدس (للجد)


لأب مع عدم وجود الأب، و(للجدة) تماماً كالأُم، وإنّما ترث الجدة ذلك إذا كانت أُم الأُم أو أُم الأب أو أُم أب الأب، فإذا كانت أُم أب الأُم فإنّها لا ترث، وإذا اجتمع جدتان متحاذيتان كأُم الأُم وأُم الأب فالسدس بينهما على السوية(١) .

ثمّ إنّ الفروض يجتمع بعضها مع بعض، فالنصف يجتمع مع مثله كزوج وأخت، لكل منهما النصف، ويجتمع مع الربع كزوج وبنت، لها النصف وله الربع، ويجتمع مع الثمن كزوجة وبنت، للأُولى الثمن وللثانية النصف، ومع الثلث كزوج وأُم مع عدم الحاجب، له النصف ولها الثلث، ويجتمع مع السدس كزوج وواحد من كلالة الأُم، للزوج النصف وللكلالة السدس.

ويجتمع الربع مع الثلثين كزوج وبنتين، له الربع ولهما الثلثان، ويجتمع مع الثلث كزوجة ومتعدد من كلالة الأُم، للزوجة الربع وللكلالة المتعددة الثلث، ويجتمع أيضاً مع السدس كزوجة ومتحد من كلالة الأُم، للزوجة الربع وللكلالة السدس.

والثُمن يجتمع مع الثلثين كزوجة وبنتين، للزوجة الثُمن وللبنتين الثلثان، ويجتمع مع السدس كزوجة وأحد الأبوين مع الولد.

والثلثان يجتمعان مع الثلث كأختين فصاعداً لأب مع الإخوة لأُم، ويجتمعان مع السدس كبنتين وأحد الأبوين.

ويجتمع السدس مع السدس كالأبوين مع الولد، ولا يجتمع ربع وثُمن، ولا ثُمن وثلث، ولا ثلث وسدس.

____________________

(١) الميراث في الشريعة الإسلامية لعبد المتعال الصعيدي ص١٤ الطبعة الخامسة.


العُصبات:

العصبات النسبية(١) ثلاثة أنواع: عُصبة بنفسها، وعُصبة بغيرها، وعُصبة مع غيرها.

أمّا العصبة بالنفس فكل ذَكَر لا يدخل في نسبته إلى الميت أنثى، ومعنى العصوبة بالنفس: إنّها لا تفتقر إلى الغير، وإنّ صاحبها عاصب في جميع الصور والحالات. أمّا العصوبة بالغير ومع الغير فيكون صاحبها عاصباً في حالة دون أخرى، كما يتبين فيما يأتي. والعصوبة بالنفس أقرب العصبات، ويرث أهلها على الترتيب التالي:

الابن.

ثمّ ابن الابن وإن نزل فإنّه يقوم مقام أبيه.

ثمّ الأب.

ثمّ الجد لأب وإن علا.

ثمّ الأخ لأبوين.

ثمّ الأخ لأب.

ثمّ ابن الأخ لأبوين.

ثمّ ابن الأخ لأب.

ثمّ العم لأبوين.

ثمّ العم لأب.

ثمّ ابن العم لأبوين.

ثمّ ابن العم لأب.

وإذا اجتمع بعض هؤلاء مع بعض قُدّم الابن على الأب، بمعنى أنّ الأب يأخذ فرضه وهو السدس، وما بقي يأخذه الابن بالعصبة

____________________

(١) العصبية قسمان: نسبية وسببية، وهي ولاء المعتق وأبنائه.


عند الأربعة، وكذلك يُقدّم ابن الابن على الأب، ويُقدّم الأب على الجد لأب، وقد اختلف في هذا الجد: هل يُقدّم على الإخوة في الميراث أو أنّهم يرثون معه، ويكونون جميعاً في درجة واحدة؟ قال أبو حنيفة: الجد يُقدّم على الإخوة، ولا يرثون معه شيئاً. وقال الإمامية والشافعية والمالكية: يرثون معه؛ لأنّهم في درجته.

ويُقدّم - في العصبات - ذو القرابتين على ذي القرابة الواحدة، فالأخ لأبوين مقدّم على الأخ لأب، وابن الأخ لأبوين أولى من ابن الأخ لأب، وكذا الشأن في الأعمام، ويُعتبر في أصنافهم قرب الدرجة، وتقديم الأقرب فالأقرب، فعم الميت أولى من عم أبيه، وعم أبيه أولى من عم جده.

أمّا العصبة بالغير فأربع من الإناث:

١ - البنت أو البنات.

٢ - بنت ابن أو بنات ابن.

٣ - أخت أو أخوات لأبوين.

٤ - أخت أو أخوات لأب. ومعلوم أنّ جميع هؤلاء يرثن بالفرض إذا لم يكن معهن أخ(١) .

للواحدة النصف ومع التعدد الثلثان، وإذا كان معهن أخ يرثن بالعصبة - عند غير الإمامية - ولكن لا بأنفسهن، بل بأخيهن، ويقتسمن معه للذكر مثل حظ الأنثيين.

أمّا العصبة مع الغير: فالأخت أو الأخوات لأبوين أو لأب مع البنت أو بنت الابن، فالأخت والأخوات يرثن بالفرض إذا لم يكن معهنّ

____________________

(١) البنت والبنات يرثن بالفرض وبالرد عند الإمامية، وكذلك الأخت والأخوات، أمّا بنت الابن أو بنات الابن فإنّهم يأخذن نصيب مَن يتقربن به، وهو الابن.


بنت أو بنت ابن، ويرثن بالعصبة مع البنت أو بنت الابن، فتأخذ البنت أو بنت الابن فرضها، وما بقي تأخذه الأخت أو الأخوات الشقيقات أو لأب، فقد صرن عصبة مع البنت.

وبهذا يتبين أنّ الأخت لأبوين أو لأب لها ثلاث حالات: ترث بالفرض إذا لم يكن معها أخ ولم يكن للميت بنت، وترث بالعصبة بالغير إذا كان معها أخ، وترث بالعصبة مع الغير إذا كان للميت بنت، وكذلك الأخوات، وتبيّن أيضاً أنّ الأعمام لأبوين أو لأب لا يشتركون في الميراث مع البنت إلاّ عند فقد الإخوة والأخوات لأبوين أو لأب.

واتفق الأربعة على أنّ العاصب إذا انفرد عن ذي فرض يأخذ المال بكامله، وإذا اجتمع معه يأخذ ما فضل عن فرضه، وإذا لم يكن عصبة يُعطى الفاضل لبيت المال عند الشافعية والمالكية، ويرد على أصحاب الفروض عند الحنفية والحنابلة، ولا تُعطى التركة لبيت المال إذا لم يكن ذو فرض ولا عصبة ولا ذو رحم.

وأنكر الإمامية الميراث بالعصبة، وحصروه بصاحب الفرض والقرابة دون فرق بين قرابة النساء والرجال، فكما يختص الابن المنفرد بالميراث كذلك تختص به البنت المنفردة والأخت المنفردة، وجعلوا الوارثين ذكوراً وإناثاً على مراتب ثلاث:

الأُولى: الأبوان والأولاد وإن نزلوا.

الثانية: الإخوة والأخوات وإن نزلوا، والأجداد والجدّات وإن علوا من جميع الجهات.

الثالثة: الأعمام والعمات والأخوال والخالات من أيّة جهة وأولادهم(١) .

____________________

(١) وهذه المراتب الثلاث للوارثين طبيعية، إذ لا واسطة بين الميت وبين أبويه وأولاده فيأتون بالمرتبة الأُولى، ويأتي بعدهم مباشرة الإخوة والأجداد، حيث يتصلون بالميت بواسطة واحدة وهي الأب والأُم، فيكونون في المرتبة الثانية، ويتلوها مرتبة الأعمام والأخوال؛ لأنّهم يتصلون بالميت بواسطتين: الجد أو الجدة، والأب أو الأُم، فتكون مرتبتهم في الثالثة.


ومتى وجِد واحد أو واحدة من المرتبة المتقدمة حجب عن الأرث كل مَن كان في المرتبة المتأخرة، وعند سائر المذاهب تتداخل هذه المراتب، ويشترك بعضها مع بعض، وقد تجتمع الثلاث في بعض الحالات، كأُم وأُخت لأُم وعم لأبوين، فللأُم الثلث، وللأخت السدس، وللعم الباقي.


التعصيب

الفروض الستة المقدّرة في كتاب الله تارة تتساوى مع مجموع التركة، كبنتين وأبوين، وحينئذ لا عول ولا تعصيب، حيث تأخذ البنتان الثلثين، والأبوان الثلث.

وأخرى تنقص الفروض عن التركة، كبنت واحدة، فإنّ فرضها النصف، أو بنتين فإنّ فرضهما الثلثان، وهذا هو التعصيب.

وحين تزيد الفروض على مجموع التركة، كزوج وأبوين وبنت، فإنّ فرض الزوج الربع، والبنت النصف، والأبوين الثلث، والتركة لا تتحمل ربعاً ونصفاً وثلثاً، وهذا هو العول، ويأتي الكلام عنه في الفصل التالي.

التعصب:

عرّفوا التعصب هنا بأنّه توريث العصبة مع ذي فرض قريب، كما إذا كان للميت بنت أو أكثر، وليس له ولد ذكر، أو لم يكن له أولاد أصلاً لا ذكور ولا إناث، وله أخت أو أخوات، وليس له


أخ، وله عم، فإنّ مذاهب السنّة تجعل أخ الميت شريكاً مع البنت أو البنات، فيأخذ مع البنت النصف، ومع البنتين فأكثر الثلث، كما تجعل العم أيضاً شريكاً مع الأخت او الأخوات كذلك.

وقال الإمامية: إنّ التعصيب باطل، وإنّ ما بقي من الفرض يجب رده على صاحب الفرض القريب، فالتركة عندهم بكاملها للبنت أو للبنات، وليس لأخ الميت شيء، وإذا لم يكن له أولاد ذكور ولا إناث وكان له أخت أو أخوات، فالمال كله للأخت أو الأخوات، ولا شيء للعم؛ لأنّ الأخت أقرب منه، والأقرب يحجب الأبعد.

ومرجع الخلاف بين السنّة والإمامية في ذلك إلى حديث طاووس، فلقد اعترف به السنّة وأنكره الإمامية، وهو(ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأُولي عصبة ذكر) ، وروي بلسان آخر:(فما بقي فهو لرجل ذكر) ، فالبنت صاحبة فرض وهو النصف، وأقرب رجل إلى الميت بعدها أخوه فيُعطى النصف الباقي. وكذا إذا لم يكن له ولد أبداً وله أخت، وليس له أخ، تأخذ الأخت النصف بالفرض، والنصف الآخر يأخذه عم الميت؛ لأنّه أقرب رجل إليه بعد أخته.

والإمامية لا يثقون بحديث طاووس، وينكرون نسبته إلى النبي (ص)؛ لأنّ طاووس ضعيف عندهم، ولو وثقوا به لقالوا بمقالة أهل السنّة، كما أنّ أهل السنّة لولا ثقتهم بهذا الحديث لقالوا بمقالة الإمامية، وبعد أن أبطل الإمامية نسبة الحديث إلى النبي استدلوا على بطلان التعصيب بالآية ٦ من سورة النساء:( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ) .

فقد دلت هذه الآية على المساواة بين الذكور والإناث في استحقاق الإرث؛ لأنّها حكمت بالنصيب للنساء كما حكمت به للرجال، مع أنّ القائلين بالتعصيب قد فرقوا بين النساء والرجال، وقالوا بتوريث الرجال


دون النساء فيما إذا كان للميت بنت وابن أخ، فإنّهم يعطون النصف للبنت والنصف الآخر لابن الأخ، ولا شيء لأخته، مع أنّها في درجته ومساوية له. وكذا لو كان له أخت وعم وعمة، فإنّهم يوزّعون التركة بين البنت والعم دون العمة. فالقرآن يورّث النساء والرجال، وهم يورّثون الرجال ويهملون النساء، وبهذا يتبين أنّ القول بالتعصيب باطل؛ لأنّه مستلزم للباطل(١) .

وقيل إنّ توريث التركة بكاملها للبنت أو البنات يتنافى مع الآية ١٠ من سورة النساء:( فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَِلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ) ، وكذلك توريث التركة للأخت وحدها مخالف لنص الآية ١٧٥ من النساء:

( إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ ) .

حكم القرآن بالنصف للبنت وبالثلثين للبنتين فأكثر، وحكم أيضاً بالنصف للأخت وبالثلثين للأختين، وخالف الإمامية هذا الحكم صراحة.

وأجاب الإمامية عن الآية الأُولى:

١ - إنّ القرآن فرض الثلثين للبنتين فأكثر، وفرض النصف للبنت المنفردة، ولا بدّ من وجود شخص ما يُردّ عليه الباقي من الفرض، والقرآن لم يعيّن هذا الشخص بالذات، وإلاّ لم يقع الخلاف، والسنّة أيضاً لم تتعرض له من قريب أو بعيد؛ لأنّ حديث(ألحقوا الفرائض) غير صحيح كما قدّمنا، فلم يبقَ ما يدلّ على تعيين من يُردّ عليه الباقي إلاّ الآية ٥ من سورة الأحزاب:( وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ

____________________

(١) تعرض الشيخ أبو زهرة في كتاب (الميراث عند الجعفرية) لأدلة الإمامية على نفي التعصيب، ولم يشر إلى دليلهم هذا من قريب أو بعيد.


فِي كِتَابِ اللَّهِ ) ، حيث دلّت على أنّ الأقرب أولى ممّن هو دونه في القرابة، وليس من شكّ أنّ البنت أقرب إلى الميت من أخيه؛ لأنّها تتقرب به بلا واسطة، والأخ يتقرب إليه بواسطة الأب أو الأُم أو هما معاً، فيتعين - والحال هذه - الرد على البنت والبنتين دون الأخ.

٢ - قال الحنفية والحنابلة: إذا ترك الميت بنتاً أو بناتاً، ولم يوجد واحد من أصحاب الفروض والعصبات(١) فالمال كله للبنت، النصف بالفرض والباقي بالرد. وكذلك للبنتين الثلثان فرضاً والباقي رداً. وإذا كانت الآية لا تدلّ على نفي الرد على أصحاب الفروض في هذه الحالة فكذلك لا تدلّ على النفي في غيرها؛ لأنّ الدلالة الواحدة لا تتجزأ.

وقال الحنفية والحنابلة أيضاً: إذا ترك أُماً وليس معها أحد من أصحاب الفروض والعصبات، تأخذ الثلث بالفرض والثلثين الباقيين بالرد، وإذا أخذت الأُم جميع التركة فكذلك أيضاً يجب أن تأخذها البنت؛ لأنّ الاثنين من أهل الفروض. (المغني، وميزان الشعراني باب الفرائض).

٣ - اتفق الأربعة على أنّ الميت إذا ترك أباً وبنتاً يأخذ الأب السدس بالفرض، وتأخذ البنت النصف كذلك، والباقي يُردّ على الأب وحده، مع أنّ الله سبحانه قال:( وَِلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ) . فكما أنّ هذا الفرض في هذه الآية لا ينفي أن يكون للأب ما زاد على السدس، كذلك الفرض في قوله تعالى:( فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ) لا ينفي أن يكون للبنات ما زاد على الثلثين، وللبنت ما زاد على النصف؛ بخاصة أنّ فرض البنات والأبوين وارد في آية واحدة، وسياق واحد.

٣ - قال الله سبحانه:( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ

____________________

(١) الأخوات لأبوين أو لأب عصبة مع البنت، ويشتركن معها في الميراث كالإخوة لأبوين أو لأب.


يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ) . نصّت هذه الآية على أنّ الدَّين يثبت بشاهدين، ويثبت أيضاً بشهادة رجل وامرأتين، مع أنّ بعض المذاهب الأربعة أثبته بشاهد ويمين، بل قال مالك: يثبت بشهادة امرأتين ويمين. فكما أنّ هذه الآية لم تدلّ على أنّ الدَّين لا يثبت بشاهد ويمين كذلك آية الميراث لا تدلّ على عدم جواز الرد على البنت والبنات، والأخت والأخوات.

وأجاب الإمامية عن الآية الثانية، وهي:( إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ) ، بأنّ الولد يُطلق على الذكر والأنثى؛ لأنّ لفظه مشتق من الولادة الشاملة للابن والبنت؛ ولأنّ القاسم المشترك بين الإنسان وأقاربه هو الرحم، والرحم يعمّ الذكور والإناث على السواء، وقد استعمل القرآن لفظ الأولاد بالذكور والإناث، فقال عزّ من قائل:( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) ، وقال:( مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ ) أي لا ذكر ولا أنثى، وقال:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى ) ؛ وعليه فكما أنّ الابن يحجب الأخ كذلك البنت تحجبه، هذا بالإضافة إلى أنّ ما أُجيب به عن ميراث البنت يُجاب به ميراث الأخت أيضاً. ثمّ إنّ الإمامية أوردوا على مذاهب السنّة أشكالاً عديدة، وألزموهم بإلزامات يأباها الطبع، ولا تتفق مع القياس الذي يعملون به، من ذلك ما جاء في كتاب الجواهر من أنّه لو كان للميت عشر بنات وابن، فيأخذ الابن في مثل هذه الحال السدس، والبنات خمسة أسداس، ولو كان مكان الابن ابن عم للميت - أي أنّه ترك عشر بنات وابن عم - فعلى القول بالتعصيب يأخذ ابن العم الثلث والبنات الثلثين؛ وعليه يكون الابن أسوأ حالاً من ابن العم.

هذا، إلى أنّ الإنسان أرأف بولده منه بإخوته، وهو يرى أنّ وجود ولده ذكراً كان أو أنثى امتداد لوجوده؛ ومن هنا رأينا الكثير من أفراد الأُسر اللبنانية الذين لهم بنات فقط يبدّلون مذهبهم من


التسنن إلى التشيع، لا لشيء إلاّ خوفاً أن يشترك مع أولادهم الإخوان أو الأعمام.

ويفكر الآن الكثير من رجال السنّة بالعدول عن القول بالتعصيب، والأخذ بقول الإمامية من ميراث البنت، تماماً كما عدلوا عن القول بعدم صحة الوصية للوارث، وقالوا بصحتها كما تقول الإمامية، على الرغم من اتفاق المذاهب على عدم الصحة.


العول

العول: أن تزيد السهام على التركة، كما لو ترك الميت زوجة وأبوين وبنتين، ففرض الزوجة الثُمن، وفرض الأبوين الثلث، وفرض البنتين الثلثان، والتركة لا تتسع للثُمن والثلث والثلثين. وكذا لو ماتت امرأة وتركت زوجاً وأختين لأب، فإنّ فرض الزوج النصف، وفرض البنتين الثلثان، ولا تحتمل الفريضة نصفاً وثلثين. والعول لا يتحقق إلاّ بوجود الزوج والزوجة.

واختلفوا: هل يدخل النقص - والحال هذه - على كل واحد من أصحاب الفروض، أو على بعض دون بعض؟

قال الأربعة بالعول، أي بدخول النقص على كل واحد بقدر فرضه، تماماً كأرباب الديون إذا ضاق المال عن حقهم، فإذا وجِدت زوجة مع أبوين وبنتين تكون المسألة عندهم من مسائل العول، وتصبح الفريضة من سبعة وعشرين سهماً بعد أن كانت أربعة وعشرين، تأخذ الزوجة من الـ ٢٧ ثلاثة أسهم - أي يصبح ثمنها تسعاً - ويأخذ الأبوان منها ثمانية، والبنات ستة عشر.

وقال الإمامية بعدم العول، وبقاء الفريضة كما كانت أربعة وعشرين،


ويدخل النقص على البنتين، فتأخذ الزوجة ثمنا كاملاً ٣/٢٤، ويأخذ الأبوان الثلث ٨/٢٤، والباقي للبنتين.

واستدل الأربعة على صحة العول ودخول النقص على الجميع بأنّ امرأة ماتت في عهد الخليفة الثاني عمر عن زوج واختين لأب، فجمع الصحابة، وقال: فرض الله للزوج النصف، وللأختين الثلثين، فإن بدأتُ بالزوج لم يبقَ للأختين الثلثان، وإن بدأتُ بالأختين لم يبقَ للزوج النصف، فأشيروا عليَّ.

فأشار عليه البعض بالعول، وإدخال النقص على الجميع، وأنكر ذلك ابن عباس وبالغ بالإنكار، ولكنّ عمر لم يأخذ بقوله وعمل بقول الآخرين، وقال للورثة: ما أجد في هذا المال شيئاً أحسن من أن أُقسّمه عليكم بالحصص. فعمر أوّل مَن أعال الفرائض، وتبعه جمهور السنّة.

واستدل الإمامية على بطلان العول بأنّه من المستحيل على الله سبحانه أن يجعل في المال نصفاً وثلثين، أو ثُمناً وثلثاً وثلثين، وإلاّ كان جاهلاً أو عابثاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ولذا نُقل عن الإمام علي وتلميذه عبد الله بن عباس أنّهما قالا: (إنّ الذي أحصى رمال عالج لَيعلم أنّ السهام لا تعول على الستة) أي لا تزيد على الستة المقدّرة في كتاب الله، وهي: النصف، والربع، والثُمن، والثلثان، والثلث، والسدس.

والنقص عند الإمامية يدخل دائماً على البنات والأخوات دون الزوج والزوجة والأُم والأب؛ لأنّ البنات والأخوات لهن فرض واحد، ولا يهبطن من فرض أعلى إلى فرض أدنى، فيرثن بالفرض مع عدم وجود الذكر وبالقرابة مع وجوده، وقد يكون لهن معه دون ما كان لهن منفردات. أمّا الزوج فيهبط من النصف إلى الربع، والزوجة من الربع إلى الثمن، والأُم من الثلث إلى السدس، ويرث الأب السدس بالفرض في بعض الحالات. وكل واحد من هؤلاء لا ينقص عن فرضه الأدنى،


ولا يزيله عنه شيء، فلدى الاجتماع يُقدّم ويبدأ به، وما بقي تأخذه البنات أو الأخوات.

وقال الشيخ أبو زهرة في كتاب (الميراث عند الجعفرية): قال ابن شهاب الزهري(١) : (لولا تقدم فتوى الإمام العادل عمر بن الخطاب على فتوى ابن عباس لكان كلام ابن عباس جديراً بأن يتبعه كل أهل العلم، ويصادف الإجماع عليه). وإنّ الإمامية قد اختاروا رأي ابن عباس رضي الله عنهما، وإنّه لفقه جيد، كما أشار إلى ذلك ابن شهاب الزهري، وهو بحر العلم.

____________________

(١) فقيه تابعي جليل ومعروف، أثنى عليه علماء السنّة أجمل الثناء وأبلغه، ولقي عشرة من الصحابة.


الحجب

المراد بالحجب - هنا -: منع بعض الأقارب عن الإرث، وهو إمّا حجب عن أصل التركة، كما يحجب الجد بالأب، ويُسمّى حجب حرمان، وإمّا حجب بعض الإرث، كما يحجب الولدُ الزوجَ من النصف إلى الربع، ويُسمّى حجب نقصان.

واتفقوا على أنّ الأبوين والأولاد والزوجين لا يُحجَبون حجب حرمان، وأنّه متى وجِدوا أخذوا حظهم من الميراث، لا يمنعهم عنه مانع، لأنّهم أقرب الجميع إلى الميت يمتّون إليه بلا واسطة، وغيرهم يتقرب به بالواسطة.

واتفقوا على أنّ الابن يمنع الإخوة والأخوات من الميراث، وبالأولى الأعمام والأخوال، ولا يمنع الابن الجد لأب، ولا الجدة لأُم عند أهل السنّة، وابن الابن تماماً كالابن عند فقد الابن، يرث كما يرث ويحجب كما يحجب.

واتفقوا على أنّ الأب يمنع الإخوة والأخوات من الميراث، ويمنع الجد لأب أيضاً، أمّا الجدة لأُم فإنّها تشترك مع الأب، وتأخذ معه السدس عند عدم الأُم - عند السنّة - وتشترك الجدة لأب مع الأب،


أي مع ابنها عند الحنابلة. وقال الشافعية والحنفية والمالكية: لا تأخذ معه شيئاً؛ لأنّها محجوبة به. (المغني ج٦ ص٢١١، والبداية والنهاية ج٢ ص٣٤٤).

وقال الإمامية: الأب كالابن لا يرث معه الأجداد ولا الجدات من جميع الجهات؛ لأنّهم من المرتبة الثانية، والأب من المرتبة الأُولى من مراتب الميراث.

وقال الأربعة: إنّ الأُم تحجب الجدات من جميع الجهات (المغني ج٦ ص٢٠٦)، ولا تحجب الأجداد ولا الإخوة والأخوات، ولا العمومة لأبوين أو لأب، فإنّ هؤلاء يشتركون معها في أصل الميراث.

وقال الإمامية: الأُم كالأب تمنع الأجداد والجدات والإخوة والأخوات من جميع الجهات.

وقال الأربعة: البنت لا تحجب ابن الابن، وإنّ البنتين فأكثر يحجبن بنات الابن إلاّ إذا كان مع بنات الابن ذكر، أمّا البنت الواحدة فلا تحجب بنات الابن، والبنت الواحدة والبنات يحجبن الإخوة لأُم.

وقال الإمامية: البنت كالابن تحجب أولاد الأولاد ذكوراً وإناثاً، وبالأولى الإخوة والأخوات.

واتفقوا على أنّ كلاً من الجد والأخ يحجب الأعمام، وأنّ الولد ذكراً كان أو أنثى يحجب الزوج من النصف إلى الربع، والزوجة من الربع إلى الثُمن، واختلفوا في أقلّ ما يحجب الأُم من الثلث إلى السدس:

قال المالكية: أقلّ ما يحجبها عن الثلث اثنان من الإخوة. وقال الحنفية والشافعية والحنابلة: اثنان من الإخوة أو الأخوات.

وقال الإمامية: لا تحجب الإخوة الأم إلا بشروط:

١ - أن يكونوا أخوين أو أخاً وأختين أو أربع أخوات، والخُناثى كالإناث.

٢ - انتفاء موانع الإرث كالقتل والاختلاف في الدِّين.


٣ - أن يكون الأب موجوداً.

٤ - أن يكونوا أخوة الميت لأبيه وأُمه أو لأبيه فقط.

٥ - أن يكونوا منفصلين، فلو كانوا حملاً لم يحجبوا.

٦ - أن يكونوا أحياء، فلو كان بعضهم ميتاً لم يحجب.

وعلى الجملة فالفرق بين مذاهب السنّة ومذاهب الإمامية: إنّ الإمامية يُقدّمون الأقرب على مَن دونه في القرابة، سواء أكان من صنفه - كتقديم الولد على ولد الولد وتقديم الأب على الجد - أو كان من صنفٍ آخر - كتقديم ولد الولد على الإخوة -، وقالوا: إنّ مَن يتقرب بالأبوين يمنع المتقرب بالأب وحده مع تساوي الحيز، فالأخت لأبوين تمنع الأخ لأب، والعمة لأبوين تمنع العم لأب، وكذلك الخالة، ولا يمنع المتقرب بالأبوين من الأعمام المتقرب بالأب فقط من الأخوال لاختلاف الحيز، ولا فرق عندهم - الإمامية - بين الذكور والإناث في استحقاق الميراث، فكما أنّ أولاد الأولاد يقومون مقام الأولاد عند فقدهم، كذلك أولاد الإخوة والأخوات يقومون مقام آبائهم عند فقدهم.

وأهل السنّة يقولون بقاعدة الأقرب فالأقرب، لكن لا مطلقاً بل بشرط الاتحاد في الصنف، أي أنّ الأقرب يمنع القريب الذي يدلي به، ما عدا أخوة الأُم فإنّهم لا يُحجَبون بالأُم التي يتقربون بها، وكذا أُم الجدة فإنّها ترث مع الجدة، أي مع ابنتها. أمّا إذا أدلى بغيره فلا، كالأب فإنّه يمنع أب الأب ولا يمنع أُم الأُم، وكالأُم فإنّها تمنع أُم الأُم ولا تمنع أب الأب، وعمومة الميت يُقدَّمون على عمومة أب الميت، كذلك أجداد الميت يُقدَّمون على أجداد أبيه، والجدة القربى تمنع الجدة البعدى، كل ذلك لقاعدة الأقرب(١) ، ويفرّقون بين الذكور والإناث،

____________________

(١) الجدة القربى من جهة الأب لا تحجب البعدى من جهة الأُم عند الشافعية والمالكية، كأُم الأب مع أُم الأُم، وتحجبها عند الحنفية والحنابلة. (الميراث في الشريعة الإسلامية للصعيدي).


فإخوة الميت يرثون مع بناته ولا يرثون مع أبنائه، وأولاد الإخوة عندهم لا يشاركون الأجداد، على عكس ما هي عليه الإمامية.

هذه صورة مجملة جداً للحجب، أردت بها الإشارة إلى ما هي عليه الإمامية من جهة والمذاهب الأخرى من جهة ثانية، وإلاّ فإنّ باب الحجب واسع ويمكن أن يدخل الكاتب فيه جميع مسائل الإرث، ويتبين ذلك من البحوث الآتية.


الرد

لا يتحقق الرد إلاّ مع أصحاب الفروض؛ لأنّ سهامهم مقدّرة ومحدودة، وقد تستغرق جميع التركة كأبوين وبنتين، وللأبوين الثلث وللبنتين الثلثان، وقد لا تستغرقها كبنت وأم، للبنت النصف وللأم السدس، ويبقى الثلث فماذا نصنع به، وعلى مَن نرده؟ أمّا إذا لم يكن للورثة سهام مقدّرة كالإخوة والأعمام الذين يرثون بغير الفرض فلا يتأتى الرد.

وقال الأربعة: ما زاد عن أصحاب الفروض يُعطى للعصبة، فإذا كان للميت بنت واحدة أخذت النصف والباقي للأب، فإن لم يكن فللأخوات لأبوين أو لأب؛ لأنّهن عصبة مع البنت، فإن لم يكن فلابن الأخ لأبوين، فإن لم يكن فلابن الأخ لأب، فالعم لأبوين، فالعم لأب، فابن العم لأب، فإن فُقد هؤلاء جميعاً رُد الفاضل على ذوي الفروض بقدر سهامهم إلاّ الزوج والزوجة فلا يُردّ عليهما، وإليك المثال: إذا ترك الميت أُماً وبنتاً، فللأُم السدس وللبنت النصف فرضاً، والباقي يُردّ عليهما أرباعاً وتكون الفريضة من أربعة، الربع للأُم وثلاثة أرباع للبنت، وكذلك إذا ترك أختاً لأب وأختاً لأُم، أخذت الأُولى سهم البنت والثانية سهم الأُم.


وقال الشافعية والمالكية: إذا لم يكن ذو عصبة يُعطى الباقي عن ذوي الفروض لبيت المال.

وقال الإمامية: يُرد الفاضل على كل ذي فرض بحسب سهمه إذا لم يوجد قريب في مرتبته، أمّا إذا وجِد فيأخذ ذو الفرض فرضه والباقي للقريب، كأم وأب، تأخذ الأُم نصيبها المفروض والباقي للأب، وإذا وجِد ذو الفرض مع مَن هو في غير مرتبته من الأقارب أخذ ذو الفرض فرضه، ورُد الباقي عليه، كأُم وأخ، للأُم الثلث بالفرض والباقي يُرد عليها، ولا شيء للأخ؛ لأنّه من المرتبة الثانية وهي من الأُولى. وكذلك الأخت لأب مع العم، ترث الأخت النصف فرضاً والنصف الثاني رداً، ولا شيء للعم؛ لأنّه من المرتبة الثالثة وهي من الثانية.

والإمامية لا يردّون على وِلد الأُم إذا اجتمعوا مع ولد الأب، فإذا ترك الميت أختاً لأُم وأختاً لأب، فللأُولى السدس وللثانية النصف، والباقي يُرد عليها دون الأخت لأُم، أجل، يُرد على ولد الأُم إذا لم يكن غيرهم في مرتبتهم، كما لو ترك الميت أختاً لأُم وعماً لأب، فالمال كله لها دونه؛ لأنّه مرتبة ثالثة وهي مرتبة ثانية.

وأيضاً لا يرد الإمامية على الأُم مع وجود ما يحجبها عما زاد عن السدس، فلو كان للميت بنت وأبوان، وأخوة يحجبونها عن الثلث، فالباقي يُرد على الأب والبنت فقط، وإذا لم يوجد ما يحجبها رُد الباقي على الأب والبنت والأُم على حسب سهامهم.

ويأتي في ميراث الزوجين أنّ الإمامية يردّون على الزوج دون الزوجة إذا لم يكن وارث غيرهما.


الحمل وولد الملاعنة والزنا

الحمل:

إذا مات وامراته حامل، فإن أمكن وقف الأمر إلى أن يتبين فهو، وإلاّ فيوقف للحمل شيء، واختلفوا في مقدار ما يوقف، قال الحنفية: (يوقف للحمل حظ ابن واحد؛ لأنّه الغالب والزائد موهوم). (كشف الحقائق في شرح كنز الدقائق ج٢ باب الفرائض في فقه الحنفية).

وفي كتاب (الميراث في الشريعة الإسلامية) لمعوض محمد مصطفى ومحمد محمد سعفان نقلاً عن كتاب (سراجية) إنّ مالكا ًوالشافعي قالا: يوقف نصيب أربعة بنين وأربع بنات.

ومن الطريف ما جاء في ج٦ من كتاب (المغني) طبعة ثالثة ص٣١٤.

(حكي عن المارديني أنّ يمنياً من أهل الدين والفضل أخبره أنّ امرأة وُلِدَت باليمن شيئاً كالكرش، فظُنّ أن لا ولد فيه، فأُلقي على قارعة الطريق، فلمّا طلعت الشمس وحمي بها تحرك فشقّ فخرج منه سبعة أولاد ذكور، عاشوا جميعاً، وكانوا خلقاً سوياً، إلاّ أنّه كان


في أعضائهم قصر، قال اليمني الفاضل: وصارعني أحدهم فصرعني، فكنتُ أُعيَّر به، ويقول لي الناس: صرعكَ سبع رجل).

وقال الإمامية: يوقف نصيب ذكرين من باب الاحتياط، ويُعطى أصحاب الفروض كالزوج والزوجة أقلّ النصيبين.

وإنّما يرث الحمل بشرط سقوطه حياً(١) ، وبأن تأتي به لأقلّ من ستة أشهر، بل ولو لستة أشهر إذا جامع ومات بعد الجماع بلا فاصل، وأن لا يتجاوز أقصى مدة الحمل بعد الوفاة على اختلاف المذاهب في هذه المدة كما ذكرناها في كتاب الزواج والطلاق، فلو ولدته بعد أن مضى على الوفاة أكثر من أقصى مدة الحمل فلا يرث بالاتفاق.

ولد الملاعنة:

اتفقوا على أنّه لا توارث بين الزوجين المتلاعنين، ولا بين ولد الملاعنة وأبيه، ومَن يتقرب بالولد من جهة الأب، وعلى أنّ التوارث يتحقق بين الولد وأُمه ومن يتقرب بها، ويتساوى في ميراثه مَن يتقرب بأبويه ومَن يتقرب بأُمه فقط، فأخوته لأبيه وأخوته لأُمه سواء.

وقال الإمامية: لو رجع الأب واعترف بالابن بعد الملاعنة ورث الابن من الأب، ولا يرث الأب من الابن.

ولد الزنا:

اتفق الأربعة على أنّ ولد الزنا كولد الملاعنة في كل ما ذُكر من

____________________

(١) اختلفوا فيما تتحقق به الحياة: هل هو الاستهلاك أو الحركة أو الصراخ أو الرضاع؟ والمهم إثبات الحياة كيف كان، فلو ثبت أنّه خُلِق مغمياً عليه وأنّ الحياة كانت فيه مستقرة يرث بلا شك.


عدم التوارث بينه وبين أبيه، وعلى ثبوت التوارث بينه وبين أُمه. (المغني ج٦ باب الفرائض).

وقال الإمامية: لا توارث بين ولد الزنا وأُمه الزانية، كما لا توارث بينه وبين أبيه الزاني؛ لأنّ السبب في كل منهما واحد وهو الزنا.


زواج المريض وطلاقه

قال الحنفية والشافعية والحنابلة: الزواج في المرض كالزواج في حالة الصحة من جهة تورّث كل من صاحبه، سواء أدخل الزوج أو لم يدخل. والمراد بالمريض هنا مرض الموت.

وقال المالكية: إذا جرى عقد الزواج في حالة مرض الرجل أو المرأة فالزواج يكون فاسداً إلاّ أن يدخل الزوج. (المغني باب الفرائض).

وقال الإمامية: إذا تزوج في مرض الموت، ومات قبل أن يدخل فلا مهر ولا ميراث له منها، بل لا ميراث له منها لو ماتت هي قبله من دون دخول، ثمّ مات هو بعدها في ذلك المرض (الجواهر باب الميراث). وإذا تزوجت المرأة وهي في مرض الموت فحُكمها حكم الصحيحة من جهة توريث الزوج منها.

واتفقوا على أنّ المريض إذا طلّق زوجته ومات قبل أن تنقضي العدة فإنّها ترثه، سواء أكان الطلاق رجعياً أو بائناً(١) ، ولا ترث بالاتفاق إذا مات بعد انقضاء عدتها وزواجها من الغير، واختلفوا إذا كان الموت بعد انقضاء العدة وقبل التزويج من الغير، قال المالكية والحنابلة:

____________________

(١) هذا قول الشافعي في القديم، وقال في الجديد: ترث الرجعية في العدة دون البائنة.


ترثه مهما طال الزمن.

وقال الحنفية والشافعية: إذا انقضت عدتها تصبح أجنبية لا يحق لها شيء من الميراث. (المغني باب الفرائض).

وهذا القول موافق للقواعد والأصول؛ لانقطاع العلاقة الزوجية بانقضاء العدة؛ لأنّها تباح للأزواج الأجانب، وكل مَن تباح للأزواج فلا ترث ممّن كان بينها وبينه زوجية سابقة، وهذا الأصل لا يخرج عنه إلاّ بآية منزلة أو رواية مثبتة.

وقال الإمامية: إذا طلّق الرجل زوجته في مرض موته طلاقاً رجعياً أو بائناً كالمطلّقة ثلاثاً، وكغير المدخول بها والآيسة، ثمّ مات قبل أن تمضي سنة على تاريخ وقوع الطلاق، فإنّها ترثه بشروط ثلاثة:

١ - أن يكون الموت مستنداً إلى المرض الذي طلّقها فيه.

٢ - أن لا تتزوج.

٣ - أن لا يكون الطلاق بطلب منها، واستدلوا على ذلك بروايات عن أهل البيت.


ميراث الاب

لميراث الأب حالات:

١ - اتفقوا على أنّ الأب إذا انفرد عن الأُم والأولاد وأولادهم، وعن الجدات وأحد الزوجين حاز المال كله، ولكن يحوزه بالقرابة عند الإمامية، وبالتعصيب عند السنّة، أي أنّ الخلاف بينهم في تسمية السبب الموجب للإرث لا في أصل الإرث ومقدار الميراث.

٢ - إذا كان معه أحد الزوجين أخذ نصيبه الأعلى، والباقي للأب بالاتفاق.

٣ - إذا كان معه ابن أو بنون أو بنون وبنات، أو ابن ابن وإن نزل، يأخذ الأب السدس، والباقي للآخر أو للآخرين بالاتفاق.

٤ - إذا كان معه بنت واحدة، فله السدس بالفرض ولها النصف كذلك، ويبقى الثلث يُردّ عليه بالتعصيب عند أهل السنّة، فيكون النصف لها فرضاً والنصف الآخر فرضاً ورداً. والأب يحجب الأجداد والإخوة والأخوات من سائر الجهات، لأبوين كانوا أم لأب أو لأُم.

وقال الإمامية: يُردّ الباقي على الأب والبنت معاً لا على الأب فقط،


وتكون الفريضة من أربعة، واحد منها للأب، وثلاثة للبنت؛ لأنّ كل موضع من مواضع الرد كان الوارث فيه اثنين من ذوي الفروض فالرد أرباعاً، وإن كان الورثة فيه ثلاثاً فالرد فيه أخماساً. (مفتاح الكرامة مجلد ٢٨ ص١١٥).

٥ - إذا كان معه بنتان فأكثر، فللبنات الثلثان وله الثلث عند أهل السنّة.

وقال الإمامية: للأب الخمس، وللبنات أربعة أخماس؛ لأنّ السدس الباقي عن فرضه وفرضهن يُردّ على الجميع، لا على الأب وحده، كما تقدّم في الفقرة السابقة.

٦ - أن يكون معه جدة لأُم - أي أُم أُم - فإنّها تأخذ السدس، ويأخذ هو الباقي؛ لأنّ هذه الجدة عند أهل السنّة لا تحجب بالأب. (الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ج٢ باب الفرائض).

وقال الإمامية: المال كله للأب، وليس للجدة شيء من أيّة جهة كانت؛ لأنّها من المرتبة الثانية، وهو من الأُولى.

٧ - إذا كان معه أُم، تأخذ الثلث إذا لم تحجب عنه باثنين من الإخوة أو الأخوات عند أهل السنّة، و بأخوين أو أخ وأختين أو أربع أخوات عند الإمامية كما قدّمنا في الكلام عن الحجب، والباقي يأخذ الأب، وإن حُجِبت بالإخوة تأخذ السدس والباقي للأب إجماعاً.

ويتجه هذا السؤال: لماذا لم يرد الإمامية الباقي على الأُم والأب، كما فعلوا في اجتماع الأب والبنت؟

والجواب: إنّ كلاً من الأب والبنت من أصحاب الفروض عند اجتماعهما - وإذا اجتمع ذوو الفروض - أخذ كل ذي فرض فرضه، وما بقي يُردّ على كل حسب فرضه ونصيبه، وفي صورة اجتماع الأب مع الأُم - كما فيما نحن فيه - لا يرث الأب بالفرض لعدم الولد، وإرثه كان بالقرابة، أمّا الأُم فإنّها ترث بالفرض، وكلّما اجتمع ذو فرض مع غيره كان


الباقي للآخر غير ذي الفرض. (المسالك ج٢ باب الميراث).

٨ - إذا كان معه ابن بنت، يأخذ الأب كل التركة، ولا شيء لابن البنت عند الأربعة؛ لأنّه من ذوي الأرحام.

وقال الإمامية: للأب السدس بالفرض، ولابن البنت نصيب والدته النصف، ويُردّ الباقي عليهما معاً، تماماً كمسألة اجتماعه مع البنت التي أشرنا إليها في الفقرة الرابعة.


ميراث الأُم

لميراث الأُم حالات:

١ - قال الإمامية: تحوز الأُم الميراث كله إذا لم يكن معها أب، ولا أولاد ولا أولادهم، ولا أحد الزوجين.

وقالت بقية المذاهب: لا تأخذ الأُم جميع المال إلاّ عند فقد جميع أصحاب الفروض والعصبات، أي لا أب وجد لأب، ولا أولاد وأولادهم، ولا أخوة وأخوات وأولادهم، ولا أجداد، ولا أعمام وأولادهم، أمّا الجدّات فلا يمنعها من حيازة جميع التركة؛ لأنّهنّ جميعاً يسقطن بها، كما يسقط الأجداد بالأب، وكذا الأخوال والخالات لا يمنعن الأُم من حيازة التركة؛ لأنّهم يدلون بها، ومن أدلى بغيره حجب به(١) .

٢ - الصورة الأُولى بحالها مع وجود أحد الزوجين، فيأخذ نصيبه الأعلى، وما بقي للأُم.

____________________

(١) إنّ قاعدة مَن أدلى بغيره حجب به مسلّمة عند الإمامية، واستثنى أهل السنّة من هذه القاعدة الإخوة لأُم فإنّهم يرثون معها مع أنّهم يدلون بها، وقال الحنابلة بتوريث الجدة لأب مع الأب، أي مع ابنها. (المغني ج٦ ص٢١١ طبعة ثالثة).


٣ - إذا كان معها ابن أو بنون أو بنون وبنات، أو ابن ابن وإن نزل، تأخذ السدس والباقي للآخر أو للآخرين بالاتفاق(١) .

٤ - إذا كان معها بنت واحدة دون غيرها من العصبات كالجد لأب والإخوة والأعمام، ودون أصحاب الفروض كالأخوات وأحد الزوجين تأخذ الأُم السدس بالفرض، وتأخذ البنت النصف كذلك، والباقي يُردّ عليها عند الإمامية والحنفية والحنابلة، وتكون الفريضة من أربعة الربع للأُم، وثلاثة أرباع للبنت.

وقال الشافعية والمالكية: يُردّ الباقي لبيت المال، وجاء في كتاب. (الإقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع ج٢): إنّ بيت المال إذا لم يُنظّم، كما لو كان الإمام غير عادل يُردّ الباقي على أصحاب الفروض بنسبة سهامهم.

٥ - أن يكون معها بنتان دون غيرهما من ذوي الفروض والعصبات، كما هي الحال في الفقرة السابقة، والأقول هنا هي الأقوال هناك، سوى أنّ الفريضة هنا تكون من خمسة، للأُم منها الخمس، وأربعة أخماس للبنتين.

٦ - أن يكون معها أب، وتقدّم الكلام عن ذلك في الفقرة السابعة من ميراث الأب.

٧ - أن يكون معها جد لأب عند فقد الأب، قال الأربعة: يقوم الجد مقام الأب، والحكم فيها واحد.

وقال الإمامية: المال كله للأُم ولا شيء للجد؛ لأنّه من المرتبة الثانية وهي من الأُولى.

____________________

(١) عند السنّة تأخذ الأُم السدس إذا كان للميت أولاد للصُلب، أو أولاد ابن وإن سفل، أمّا أولاد البنت فوجودهم وعدمهم سواء لا يحجبون الأُم عمّا زاد عن السدس، وأولاد البنت عند الإمامية كأولاد الصُلب، فبنت البنت تُعتبر ولداً تحجب الأُم عمّا زاد عن السدس، تماماً كالابن دون فرق.


ولا ترث الجدات مع الأُم، سواء أكان لأب أم لأُم، وكذا الجد لأُم لا يرث مع الأُم إجماعاً. لا يرث مع الأب أحد من الأجداد والجدات إلاّ أب الأب، ولا يرث مع الأب أحد منهم ومنهن إلاّ أُم الأُم عند أهل السنّة، أمّا الإمامية فلا يَشركون أحداً من الأجداد والجدات مع الأُم ولا مع الأب.

٨ - إذ كان معها أخ لأبوين أو لأب أخذت الأُم الثلث بالفرض وبالباقي للأخ بالتعصيب - عند أهل السنّة - وإذا كان معها اثنان من الإخوة أو الأخوات للميت لأبوين أو لأب أو لأُم(١) أخذت السدس، والباقي للأخوة؛ لأنّها تحجب بهم عمّا زاد عن السدس، وعند الإمامية تأخذ المال كله فرضاً ورداً ولا شيء للأخوة.

٩ - إذا كان معها أخت أو أختان لأبوين أو لأب، فكما لو كان معها بنت أو بنتان على ما تقدّم في الفقرة الرابعة والخامسة.

١٠ - إذا كان معها واحد من الإخوة أو الأخوات لأُم دون غيره من ذوي الفروض والعصبات، أخذ الواحد من قرابة الأُم السدس بالفرض، وأخذت الأُم الثلث كذلك، والباقي يُردّ على كلٍ حسب فرضه، وإذا كان معها اثنان أو أكثر من الإخوة والأخوات لأُم أخذوا الثلث فرضاً، وأخذت الأُم الثلث كذلك، والباقي يُردّ عليهما معاً؛ لأنّ ما يفضل عن صاحب الفروض يُردّ عليهم على قدر سهامهم عند الحنفية والحنابلة، ويُعطى لبيت المال عند الشافعية والمالكية، وعند الإمامية تحوز المال كله.

١١ - إذا كان معها أخت لأبوين وأخت لأب، فللأُم الثلث، وللأخت لأبوين النصف، وللأخت لأب فقط السدس تكملة الثلثين، أي ليصبح سدسها ونصف أختها ثلثين، وعند الإمامية المال كله للأُم.

____________________

(١) كشف الحقائق شرح كنز الدقائق ج٢، والإقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع ج٢ باب الفرائض.


١٢ - إنّ اجتماع العمومة لأبوين أو لأب معها، كاجتماع الإخوة لأبوين أو لأب معها من حيث التوريث ومقدار الأنصبة عند أهل السنّة.

١٣ - إذا كان معها عم لابن وأخت لأُم، أخذت الأُم الثلث، والأخت السدس، والباقي للعم، فالعم الذي هو من المرتبة الثالثة عند الإمامية يجتمع مع الأخت التي هي من المرتبة الثانية ومع الأُم التي هي من المرتبة الأُولى. وعند الإمامية المال كله للأُم.

١٤ - إذ كان معها زوج، وأخوة لأُم فقط، وأخوة لأب وأُم، وتُسمّى هذه المسألة: المسألة الحمارية؛ لأنّ عمر ورث الإخوة لأُم، وأسقط الإخوة لأبوين من الميراث، فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، هب أنّ أبانا كان حماراً. فعاد عمر، وأشركهم في الميراث.

قال الحنفية والحنابلة: يأخذ الزوج النصف، والأُم السدس، والإخوة من الأُم الثلث، ولا شيء للأخوة من الأبوين؛ لأنّهم عصبة، وقد تمّ المال بالفروض، أي أخذ كل ذي فرض فرضه، ولم يبقَ للعصبة شيء.

وقال المالكية والشافعية: إنّ الثلث يكون للأخوة لأبوين، والإخوة لأُم يقتسمونه بينهم للذكر مثل حظ الأُنثيين. (المغني ج٦ ص١٨٠ طبعة ثالثة).

وقال الإمامية: المال كله للأُم.

١٥ - إذا كان معها بنت بنت فقط، للأُم الثلث فرضاً والباقي رداً، ولا شيء لبنت البنت عند أهل السنّة.

وقال الإمامية: إنّ حال الأُم مع بنت البنت كحالها مع البنت على ما مرّ في الفقرة الرابعة.

هل تأخذ الأُم ثلث الباقي؟

قال أهل السنّة: إذا كان مع الأُم أب وأحد الزوجين تأخذ الأُم


ثلث الباقي عن سهم أحد الزوجين، لا ثلث أصل المال؛ وعللوا ذلك - كما في المغني - بأنّه لو أخذت ثلث الأصل لزاد سهمها على سهم الأب. وقال الشيخ أبو زهرة في (ميراث الجعفرية): (إنّ أخذَ الأب نصف نصيب الأُم بعيدٌ عن مرمى الآية)، يريد بذلك أنّه بناء على أنّ للأُم ثلث الأصل لا ثلث الباقي يكون لها ٨ من ٢٤، وللزوج ١٢، وللأب ٤، وهو نصف سهم الأُم، وبعيد أن تريده الآية، أمّا إذا أخذت الأُم ثلث الباقي فيكون لها ٤ من ٢٤، وللأب ٨ من٢٤ وهو ضعف سهم الأُم، وهذا قريب وممكن أن تريده الآية.

وقال صاحب كشف الحقائق: إذا كان مكان الأب جد فإنّ الجد لا يردّها إلى ثلث الباقي، بل تأخذ الأُم ثلث الأصل، وعلى هذا تنحصر هذه المسألة في خصوص ما لو كان مع الأُم أب وأحد الزوجين فقط، ولا تشمل غيرها من المسائل.

وقال الإمامية: إنّ للأُم ثلث الأصل لا ثلث الباقي، سواء أكان معها أحد الزوجين أم لم يكن، لأنّ الآية الكريمة( فَِلأَمِّهِ الثُّلُثُ ) تدلّ بظاهرها على ثلث جميع ما ترك الميت، ولم تقيِّد ذلك بعدم وجود أحد الزوجين، والأحكام الشرعية لا تصاب بالعقول، ولا تُبنى على مجرد الاستبعاد.


ميراث الأولاد وأولاده

البنون:

الابن المنفرد عن الأبوين وأحد الزوجين يأخذ المال بكامله، وكذا الابنان والبنون. وإذا اجتمع البنات والبنون اقتسموا للذكر مثل حظ الأُنثيين. والابن يحجب أولاد الأولاد والإخوة والأخوات والأجداد والجدات بالاتفاق، وابن الابن كالابن عند عدمه بدون خلاف.

البنات:

قال الإمامية: إذا انفردت البنت والبنتان فأكثر عن الأبوين وأحد الزوجين أخذت البنت جميع المال، النصف بالفرض، والنصف الآخر بالرد، وكذلك تأخذ البنتان الثلثين فرضاً، والباقي رداً، ولا شيء للعصبة.

وقال الأربعة: إنّ الأخوات لأبوين أو لأب عصبة مع البنت أو البنات، ومعنى هذا أنّ البنت الواحدة لأبوين أو لأب ترث النصف


بالفرض مع عدم الذكر والأنثى، وإنّ البنتين فأكثر لهن الثلثان بالفرض مع عدم الولد، فإذا كان للميت بنت أو بنات أو بنت ابن، وكان له أخت أو أخوات لأبوين أو لأب، وليس مع الأخت أو الأخوات أخ أخذت الأخت أو الأخوات ما بقي عن سهم البنت أو البنات بالعصبة، وتكون الأخت لأبوين تماماً كالأخ لأبوين في التعصيب وحجب ابن الأخ لأب ومَن بعده من العصبة، وتكون الأخت لأب عصبة كالأخ لأب، وتحجب ابن الأخ لأبوين ومن بعده من العصبة. (المغني ج٦ ص١٦٨ طبعة ثالثة، والميراث في الشريعة الإسلامية للصعيدي ص١٢ طبعة خامسة).

وقال الإمامية: لا يرث أحد من الإخوة والأخوات مع البنت ولا البنات ولا مع بنت الابن ولا بنت البنت؛ لأنّ البنت وإن نزلت مرتبة أُولى، والإخوة مرتبة ثانية.

وقال الحنفية والحنابلة: إذا لم يكن ذو فرض ولا عصبة ولا وارث سوى البنات حِزن المال بأجمعه فرضاً ورداً، وإلاّ فإن كان معهنّ أب أخذ الباقي عن الفرض، فإن لم يكن فالجد لأب، فإن لم يكن فالأخ لأبوين، فإن لم يكن فالأخ لأب، فإن لم يكن فابن الأخ لأبوين، فإن لم يكن فابن الأخ لأب، فإن لم يكن فالعم لأبوين، فإن لم يكن فالعم لأب، فإن لم يكن فابن العم لأبوين، فإن لم يكن فابن العم لأب، فإن فُقِد هؤلاء العصبات جميعاً، وفُقِد أصحاب الفروض كالأخوات حازت البنات جميع المال، حتى ولو كان للميت أولاد بنات وأولاد أخوات، وبنات أخوة وأولاد أخوة من الأُم وعمات من جميع الجهات، وعم من الأُم وأخوال وخالات وجد لأُم.

وقال المالكية والشافعية: إذا كانت الحال كذلك تأخذ كل من البنت الواحدة والبنات فرضها، ويُردّ الباقي لبيت المال. (المغني ج٦ باب الفرائض، وكشف الحقائق ج٢ ص٣٥٦).


أولاد الأولاد:

اختلفوا فيما إذا ترك الميت أولاداً وأولاد أولاد، وقد أجمع الأربعة على أنّ الابن يحجب أولاد الأولاد ذكوراً كانوا أو إناثاً، أي أنّ أولاد الأولاد لا يرثون شيئاً مع الابن، وإذا ترك الميت بنتاً وأولاد ابن، فإن كان أولاد الابن ذكوراً فقط أو ذكوراً وإناثاً أخذت البنت النصف، والنصف الآخر لأولاد الابن، يقتسمونه للذكر مثل حظ الأُنثيين. وإذا كان مع البنت الواحدة بنات ابن، فللبنت النصف، ولبنات الابن واحدة أو أكثر السدس، وما بقي للأخت. (المغني ج٦ ص١٧٢ طبعة ثالثة).

وإذا كان للميت بنتان وأولاد ابن، يُنظر: فإن لم يكن مع أولاد الابن ذكر فليس لهنّ شيء، وإن كان معهن ذكر أخذت البنتان فأكثر الثلثين، والباقي لأولاد الابن، يقتسمونه للذكر مثل حظ الأُنثيين. (المغني ج٦ ص١٧٠ و١٧٢). والبنت تحجب أولاد البنت الأخرى، كما يحجب الابن ابن الابن.

وقال الإمامية: لا يرث واحد من أولاد الأولاد مع وجود واحد من الأولاد ذكراً كان أو أنثى، فاذا ترك بنتاً، وابن ابن، فالمال كله للبنت، ولا شيء لابن الابن.

وإذا لم يكن للميت أولاد أبداً لا ذكور ولا إناث، وكان له أولاد أولاد فقد أجمعت المذاهب الأربعة على أنّ ابن الابن كالابن يقوم مقامه في الحجب والتعصيب وما إلى ذاك، وإذ كان مع ابن الابن أخوات اقتسموا المال للذكر مثل حظ الأُنثيين. وأجمع الأربعة أيضاً على أنّ بنات الابن بمنزلة البنات للصُلب عند عدمهن في أنّ للواحدة النصف، وللاثنتين فأكثر الثلثين، وفي حجبهن الإخوة من الأُم، وفي أنّه إذا كان معهن ابن ابن يقتسمون المال للذكر مثل حظ الأُنثيين، سواء أكان


ابن الابن أخاً لهن أو ابن عم. وبالجملة: إنّ بنت الابن كالبنت، وبتعبير ثانٍ: إنّ أولاد ابن الميت كأولاد الميت تماماً. (المغني ج٦ ص١٦٩).

أمّا أولاد البنات فإنّهم لا يرثون شيئاً ذكوراً كانوا أو إناثاً عند المالكية والشافعية؛ لأنّهم من فئة ذوي الأرحام، فإذا لم يوجد أحد من أصحاب الفروض ولا العصبات يُمنع أولاد البنات من التركة وتُعطى بكاملها لبيت المال، ومثله الحكم في أولاد بنات ابن الميت.

وقال الحنفية والحنابلة: إنّ أولاد البنت، وأولاد بنات الابن يرثون إذا لم يكن ذو فروض ولا عصبة. (الغني ج٦ فصل ذوي الأرحام، وكشف الحقائق ج٢ ص٢٥٥).

هذا مجمل رأي المذاهب الأربعة في ميراث أولاد الأولاد عند عدم الأولاد. وقال الإمامية: إنّ أولاد الأولاد يقومون مقام الأولاد عند عدمهم، ويأخذ كل فريق منهم نصيب من يتقرب به، فلأولاد البنت ولو تعددوا وكانوا ذكوراً الثلث، ولأولاد الابن ولو كانت أنثى واحدة الثلثان، ويقتسمون بينهم مع التساوي بالسوية، ومع الاختلاف فللذكور مثل حظ الأُنثيين، أولاد ابنٍ كانوا أو بنت، والأقرب يمنع الأبعد، ويشاركون أبوي الميت كآبائهم، ويُردّ على أولاد البنت كما يُردّ عليها ذكوراً أو إناثاً، ولو كان معهم زوج أو زوجة كان لهما النصيب الأدنى(١) .

____________________

(١) الجواهر والمسالك وغيره من كتب الفقه للإمامية، ولكنّ التعبير بكامله للشيخ أحمد كاشف الغطاء في (سفينة النجاة)، واخترته على عبارة كتابي (الفصول الشرعية)؛ لأنّه أبلغ وأجمع.


ميراث الإخوة والأخوات

الإخوة والأخوات:

إذا فُقِد الابن والأب(١) ورث الإخوة والأخوات، ويشتركون عند أهل السنّة مع الأُم والبنات، وعند الإمامية لا يرثون إلاّ بعد فقد الأبوين، والأولاد وأولادهم ذكوراً كانوا أو إناثاً. ثمّ إنّ الإخوة والأخوات على ثلاثة أقسام:

١ - للأبوين.

٢ - للأب فقط.

٣ - للأُم فقط.

الإخوة والأخوات لأبوين:

للأخوة والأخوات لأبوين حالات:

____________________

(١) أمّا ميراث الإخوة والأخوات مع الجد لأب ففيه تفصيل عند المذاهب الأربعة، يأتي في فقرة الأجداد من هذا الفصل.


١ - أن يجتمع الذكور والإناث، ولم يوجد معهم أحد من ذوي الفروض والعصبات، أي لا أب ولا أُم ولا بنت ولا جدة ولا ابن ولا ابن ابن، وعندها يحوزون المال بأجمعه، ويقتسمون للذكر مثل حظ الأُنثيين.

٢ - أن يكونوا ذكوراً فقط، أو ذكوراً وإناثاً، ومعهم أخ أو أخت لأُم فيأخذ ولد الأُم السدس، والباقي لولد الأبوين، للذكر مثل حظ الأُنثيين، وإذا كان ولد الأُم اثنين فأكثر فلهم الثلث ذكوراً أو إناثاً، والباقي لولد الأبوين.

٣ - أن يكون للميت أخت واحدة لأبوين، فلها النصف فرضاً، وإن كان له أختان فأكثر فلهن الثلثان بالفرض، وإذا لم يوجد مع الأخت والأخوات لأبوين بنت ولا أحد من الإخوة والأخوات لأُم، ولا الأجداد الصحيحين والجدات الصحيحات(١) رُدّ الباقي على الأخت والأخوات عند الإمامية.

وقال الأربعة: يُعطى الباقي للعصبة، وهم العم لأبوين، فإن لم يكن فالعم لابن، فإن لم يكن فابن العم لأبوين، فإن لم يكن فالعم لأب، فإن لم يكن فابن العم لأبوين، فإن لم يكن فابن العم لأب، فإن لم يكن رُدّ الباقي على الأخت أو الأخوات عند الحنفية والحنابلة، فالرد إنّما يكون على ذوي الفروض فقط، وشرطه عدم وجود العصبات، أمّا عند الشافعية والمالكية فيُعطى الباقي لبيت المال.

وبالاختصار: إنّ حال الأخوات لأب وأُم كحال البنات للصُلب، للواحدة النصف، وللاثنتين فصاعداً الثلثان، وإن اجتمعن مع الإخوة لأبوين اقتسموا للذكر مثل حظ الأُنثيين.

____________________

(١) الجد الصحيح في عرف فقهاء السنّة: هو الذي لم تدخل في نسبته إلى الميت أنثى، كأب الأب. والجدة الصحيحة: هي التي لم تنتسب إلى الميت بواسطة جد فاسد، كأُم الأُم، فإنّ توسط جد فاسد كأُم أب الأُم تكون الجدة فاسدة.


٤ - قال أهل السنّة: إذا كان للميت أخ لأبوين مع أخ لأب ورث الأوّل وسقط الثاني من الميراث، ويقوم الأخ لأب مقام الأخ لأبوين عند عدمه.

وإذا كان للميت أخت واحدة لأبوين، وأخت أو أكثر لأب أخذت الأخت لأبوين النصف، وأخذت الأخت أو الأخوات لأب السدس، إلاّ إذا كان مع الأخوات لأب ذكر فلهن مع أخيهن النصف يقتسمونه للذكر مثل حظ الأُنثيين.

وإذا كان للميت أخوات لأبوين، وأخوات لأب فللأخوات لأبوين الثلثان، ولا شيء للأخوات لأب إلاّ أن يكون معهن ذكر فلهن مع أخيهن الباقي، يقتسمونه للذكر مثل حظ الأُنثيين.

والخلاصة: إنّ الأخ لأبوين يمنع الأخ لأب، وإنّ الأخت الواحدة لأبوين لا تمنع الأخوات لأب، وإنّ الأخوات لأبوين يمنعن الأخوات لأب اللاتي لا ذكر معهن.

وقال الإمامية: إنّ المتقرب بالأبوين من الإخوة والأخوات يمنع المتقرب بالأب وحده مطلقاً ذكراً كان أو أنثى، فلو ترك الميت أختاً واحدة لأبوين، وعشرة أخوة لأب ورثت هي دونهم.

٥ - إذا كان مع الأخت أو الأخوات بنت أو بنتان للصلب تأخذ كل من البنت المنفردة أو البنات النصيب المفروض في كتاب الله من النصف أو الثلثين، والباقي للأخت أو الأخوات عند السنّة، وبنت الابن تماماً كالبنت للصلب.

وقال الإمامية: المال كله للبنت أو البنات ولا شيء للأخت والأخوات.

الإخوة والأخوات لأب:

يقوم الإخوة والأخوات لأب مقام الإخوة والأخوات لأبوين عند


فقدهم، والحكم فيهما واحد من أنّ للواحدة النصف وللأكثر الثلثين وفي الرد عليهما حسب التفصيل السابق.

الإخوة والأخوات لأم:

الإخوة والأخوات لأُم لا يرثون مع الأب ولا مع الأم ولا مع الجد لأب ولا مع الأولاد ذكوراً وإناثاً(١) ولا مع بنات البنين، أي أنّ الإخوة والأخوات لأُم يسقطون بالأُم والبنت وبنت الابن، وقدّمنا في ميراث الأُم والبنت أنّ الإخوة والأخوات لأبوين أو لأب يرثون مع الأُم ومع البنت، بل لو اجتمع الإخوة والأخوات لأبوين أو لأب مع أولاد البنات ورث الإخوة والأخوات وحدهم، ومنعوا من الإرث أولاد البنات حتى الذكور منهم عند الذاهب الأربعة. ولا يسقط الإخوة والأخوات لأُم بالإخوة أو الأخوات لأبوين أو لأب. وللواحد من ولد الأُم السدس ذكراً كان أو أنثى، وللأكثر الثلث ذكوراً كانوا أو إناثاً، أو هما معاً، ويقتسمون بينهم بالسوية للأنثى مثل الذكر إجماعاً.

فرع:

قال صاحب المغني: إذا كانت أخت لأبوين، وأخت لأب، وأخت لأُم، فللأُولى النصف، وللثانية السدس، وللثالثة أيضاً السدس، والباقي

____________________

(١) عند السنّة تحجب البنت الإخوة والأخوات لأُم، ولا تحجب الإخوة والأخوات لأبوين أو لأب، مع أنّهم قالوا: إذا اجتمع ذو فرض وعصبة بدِئ بذي الفرض، وما بقي للعصبة، وولد الأُم من ذوي الفروض وولد الأبوين أو لأب عصبة، فيجب على هذا أن لا تحجب البنت ولد الأُم، أو تحجب ولد الأُم والأب، كما قال الإمامية.


يُردّ عليهن على قدر سهامهن، وتكون الفريضة من خمسة: ثلاثة أخماس للأخت لأبوين وخمس منها للأخت لأب، وخمس للأخت لأم.

وقال الإمامية: للأخت لأبوين النصف، وللأخت من الأُم السدس، ولا شيء للأخت من الأب؛ لأنّها تسقط بالأخت لأبوين، والباقي يُردّ على الأخت لأبوين(١) وحدها، وتكون الفريضة من ستة: خمسة منها للأخت من الأبوين، وسهم واحد للأخت من الأُم.

أولاد الإخوة والأخوات:

قال الأربعة: إنّ الأخ لأب يُحجَب عن الميراث بين الأخ لأبوين، وإنّ بني الأخ لأبوين يحجبون أبناء الأخ لأب، أمّا أولاد الأخوات من أيّة جهة كنّ، وأولاد الإخوة لأُم، وبنات الإخوة لأبوين أو لأب - أمّا هؤلاء جميعاً - فهم من فئة ذوي الأرحام لا يرثون شيئاً مع وجود الأعمام لأبوين أو لأب، ولا مع أولادهم. وإذا فُقِد الأعمام لأبوين أو لأب وأولادهم استحقوا الإرث عند الحنفية والحنابلة، ولا يستحقونه عند الشافعية والمالكية، فيُحرَمون من الميراث كليّة، وتُعطى

____________________

(١) الإمامية لا يردّون على ولد الأُم إذا اجتمعوا مع ولد الأبوين أو الأب، ويردّون على ولد الأبوين أو الأب فقط.


التركة لبيت المال(١) . (البداية والنهاية ج٢ ص ٣٤٥، والمغني ج٦ ص٢٢٩).

وقال الإمامية: إنّ أولاد الإخوة والأخوات من أيّة جهة كانوا لا يرثون مع وجود واحد من الإخوة أو الأخوات من أيّة جهة كان، ومتى فُقِد الإخوة والأخوات جميعاً قام أولادهم مقامهم، ويأخذ كلٌ نصيب مَن يتقرب به، فالسدس لابن الأخ أو الأخت من الأُم، والثلث لأولاد الإخوة من الأُم إذا كان الإخوة متعددين، والباقي لأولاد الأخ من الأبوين أو الأب، ويسقط من أولاد الإخوة المتقرب بالأب خاصة بوجود المتقرب بالأبوين، فابن الأخ من الأب لا يرث مع ابن الأخ من الأبوين، ويقتسم أولاد الإخوة والأخوات من الأُم بالسوية كآبائهم، ويقتسم أولاد الإخوة والأخوات من الأب بالتفاوت للذكر مثل حظ الأُنثيين كآبائهم، والأعلى من أولاد الإخوة يحجب الأسفل، فابن ابن الأخ يسقط بوجود بنت الأخت؛ لقاعدة الأقرب بالأقرب، وأولاد الإخوة يشاركون الأجداد كآبائهم عند عدمهم، فابن الأخ أو الأخت يرث مع الجد لأب، كما يرث أبو الجد مع الأخ اذا فُقِد الجد.

الجد لأُم:

قال أهل السنّة: إنّ الجد لأُم من فئة ذوي الأرحام الذين لا يرثون مع ذي فرض أو عصبة، وعليه فلا يرث الجد لأُم مع الجد لأب، ولا مع الإخوة والأخوات ولا مع أبناء الإخوة لأبوين أو لأب، ولا مع العمومة كذلك ولا مع أبنائهم، فإن فُقِدوا جميعاً ولم يوجد

____________________

(١) وعلى أساس أنّ أبناء الأخ لأبوين أو لأب عصبة، وبناته من ذوي أرحام، اتفق الأربعة على أنّ الميت إذ ترك ابن أخ لأبوين أو لأب، وكان معه أخت لأُمه وأبيه اختص هو بالإرث دونها.


ذو فرض استحق أب الأُم الميراث عند الحنفية والحنابلة، ولا يرثون أبداً عند الشافعية والمالكية.

وقال الإمامية: يرث الجد لأُم مع الجد لأب، ومع الإخوة والأخوات من جميع الجهات، كما أنّ هذا الجد يمنع من الميراث الأعمام والأخوال من جميع الجهات؛ لأنّه من المرتبة الثانية، وهم من المرتبة الثالثة من مراتب الإرث، فإذا وجِد الجد مع العمومة لأبوين حاز الجد لأُم جميع التركة، ولا شيء للعم.

الجدات:

اتفقوا على أنّ الأُم تمنع من الميراث جميع الجدات من أيّة جهة كنّ.

وقال فقهاء السنّة: إذا فُقِدت الأُم قامت أُمها مقامها، وإنّها تجتمع في الميراث مع الأب ومع الجد لأب، وإنّ لها السدس معهما، كما أنّه لا خلاف في توريث جدتين معاً كأُم الأُم، وأب الأب، ولهما عند المذاهب الأربعة السدس يقتسمونه بالسوية.

والقربى من الجدات تمنع الجدة البعدى من جهتها، فأُم الأُم تمنع أُمها، وكذلك أُم الأب، وإنّ القربى من جهة الأُم، كأُم الأُم، تمنع البعدى من جهة الأب، كأُم الجد لأب. واختلفوا - أي أهل السنّة -: هل القربى من جهة الأب كأُم الأب تمنع البعدى من جهة الأُم، كأُم الجد لأُم، أو لا تمنعها عن الإرث؟ (الإقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع ج٢، والمغني ج٥ باب الفرائض). وعند الحنابلة ترث أُم الأب مع ابنها، فإذا اجتمعا كان لها السدس، وله الباقي.

وقال الإمامية: إذا اجتمعت الجدة لأُم مع الجدة لأب أخذت الأُولى الثلث، والثانية الثلثين؛ لأنّ المتقرب بالأُم من الأجداد والجدات يأخذ


الثلث واحداً كان أو أكثر ويقتسمون بالسوية، والمتقرب بالأب يأخذ الثلثين واحداً كان أو أكثر ويقتسمون بالتفاوت.

الجد لأب:

اتفق الأربعة على أنّ أبا الأب يقوم مقام الأُم عند عدمها، ويشترك في الميراث مع الابن كالأب، ويفترق عنه في مسألة أُم الأب، فإنّها لا ترث مع الأب إلاّ عند الحنابلة، وترث مع الجد لأب، أي مع زوجها، ويفرق الأب عن الجد أيضاً في مسألة اجتماع الأبوين مع أحد الزوجين، فإنّ للأُم مع الأب وأحد الزوجين ثلث الباقي عن سهم أحد الزوجين، وإذا اجتمعت الأُم مع الجد وأحد الزوجين تأخذ ثلث أصل المال لا ثلث الباقي.

واتفق الأربعة أيضاً على أنّ الجد لأب يمنع عن الميراث الإخوة والأخوات لأُم، وأولاد الإخوة لأبوين أو لأب. واختلفوا فيما بينهم: هل يمنع الجد لأب نفس الإخوة والأخوات لأبوين أو لأب، أو يجتمع معهم في الميراث؟

قال أبو حنيفة: إنّ الجد لأب يمنع الإخوة والأخوات من الميراث من أيّة جهة كانوا، تماماً كما يمنعهم الأب، هذا مع العلم أنّ الجد لأُم لا يمنع الإخوة والأخوات من جميع الجهات عند الأربعة؛ لأنّه من ذوي الأرحام كما أسلفنا.

وقال المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن تلميذا أبي حنيفة: يشترك الإخوة والأخوات لأبوين أو لأب مع الجد لأب، أمّا كيفية توريثهم معه فإنّه يُعطى أوفر الحظين من ثلث جميع المال، ومن تنزيله منزلة الأخ، وعلى هذا فإن كان الإخوة ذكراً وأنثى اعتُبر كأخ، وأخذ سهمين من خمسة أسهم، وإن كان الإخوة ثلاثة ذكور


أخذ الثلث؛ لأنّه إن اعتُبر أخاً معهم كان له الربع. (المغني ج٦ ص٢١٨).

وقال الإمامية: إنّ الأجداد والجدات والإخوة والأخوات يشتركون في الميراث ومرتبتهم واحدة، فإذا اجتمعوا واتحدوا في النسبة إلى الميت، فكانوا جميعاً لأب أخذ الجد مثل الأخ، وأخذت الجدة مثل الأخت، واقتسموا المال للذكر مثل حظ الأُنثيين.

وإذا اجتمعوا وكانوا جميعاً لأُم اقتسموا للأنثى مثل الذكر.

وإذا اجتمعوا واختلفوا في النسبة إلى الميت، فكان الجد والجدة لأُم، والإخوة والأخوات لأبوين أو لأب، أخذ الجد أو الجدة أو هما معاً الثلث، وأخذ الإخوة والأخوات الثلثين.

وإذا كان الأجداد لأب، أو الإخوة لأُم، فللأخ المنفرد أو الأخت المنفردة السدس، وإذا تعدد الإخوة لأُم أخذوا الثلث واقتسموا بالسوية ذكوراً وإناثاً، والباقي للجد أو الجدة معاً اقتسما للذكر مثل الأُنثيين.

وأولاد الإخوة والأخوات من أيّة جهة وإن نزلوا، يقومون مقام آبائهم عند عدمهم في مقاسمة الأجداد والجدات من أيّة جهة، ويرث كل واحد منهم نصيب مَن يتقرب به.


ميراث الأعمام والأخوال

قال الأربعة: لا ترث العمات من جميع الجهات، ولا العم لأُم، ولا الأخوال والخالات من أيّة جهة مع العمومة لأبوين أو لأب ولا مع أبنائهم(١) ، فاذا وجِد عم لأبوين أو لأب أو ابن أحدهما مُنِع هؤلاء جميعاً من الميراث؛ لأنّهم من فئة ذوي الأرحام، وهو عصبة، والعصبة مقدّم على ذي رحم عندهم، بل ذوو الأرحام لا يرثون كلية عند الشافعية والمالكية، حتى ولو يكن ذا فرض وعصبة، وقد أشرنا إلى ذلك مراراً.

وإنّما يرث العم لأبوين إذا لم يوجد أحد من الإخوة لأبوين أو لأب، ولا أحد من أبنائهما، ولا مع الأخوات لأبوين أو لأب فإنّ هؤلاء وإن كانوا عصبة إلاّ أنّ رتبتهم متقدمة على رتبة العم في التعصيب.

ويجتمع العم لأبوين في الميراث مع البنت والأُم لأنّهما ترثان بالفرض، وهو يرث بالتعصيب، وإذا اجتمع العصبة مع صاحب فرض أخذ

____________________

(١) لا يرثون مع أبناء العم خاصة، أمّا بنات العم فإنّ وجودهن كعدمهن مع أبناء العم. ولذا اتفق الأربعة على أنّ الميت إذا ترك ابن عم لأبوين أو لأب وكان معه أخت لأُمه وأبيه اختص بالميراث دونها.


صاحب الفرض فرضه، وما بقي من التركة فللعصبة، وإذا لم يكن ذو فرض أبداً حاز العصبة جميع التركة. ومن هنا إذا اجتمع العم لأبوين أو لأب أو أحد أبنائهما مع أولاد البنت أو أولاد بنات الابن حاز المال بكامله العم أو ابنه ولا شيء لأولاد البنت حتى الذكور منهم عند المذاهب الأربعة، وعند الإمامية بالعكس المال كله لأولاد البنت ولا شيء للعم.

وإذا فُقِد العم لأبوين قام مقامه العم لأب، فإن لم يكن فإبن العم لأبوين، فإن لم يكن فإبن العم لأب. أمّا كيفية توريث العم لأبوين ومَن يقوم مقامه فكما أشرنا من أنّه يأخذ المال إذا انفرد عن ذي فرض ويأخذ الباقي إذا اجتمع معه. وبالأختصار: فإنّ العم لأبوين أو لأب تماماً كالأخ لأبوين أو لأب عند عدمه.

ويقدّم العم الأقرب على العم الأبعد، فعم الميت مقدّم على عم أبيه، وعم الأب مقدّم على عم الجد، كما أنّ العم من الأبوين مقدّم على العم لأب.

ومتى فُقِد العم لأبوين والعم لأب وأبناؤهما استحق الإرث - عند الحنفية والحنابلة - العم لأُم والعمات من جميع الجهات والأخوال والخالات. وإذا انفرد أحدهم أخذ المال كله، وإذا اجتمعوا يُعطى لقرابة الأب الثلثان، ولقرابة الأُم الثلث. فلو ترك خالاً وعمة فللخال الثلث وللعمة الثلثان، ويقتسم الأخوال والخالات لأُم بينهم للذكر مثل حظ الأُنثيين، مع أنّ أولاد الأخ لأُم يقتسمون للأنثى مثل الذكر(١) . (الميراث في الشريعة الإسلامية لعبد المتعال الصعيدي فصل إرث ذوي الأرحام).

____________________

(١) أطال فقهاء السنّة الكلام عن ذوي الأرحام الذين اعتبروهم نوعاً ثالثاً بعد ذوي الفروض والعصبات، وذكروا صوراً وحالات يُعسر ضبطها وحصرها وفهمها؛ لذلك اكتفينا بهذه الإشارة للدلالة على مجرد الفكرة، ومَن طلب المزيد فليرجع إلى المغني ج٦ طبعة ثالثة، وكتاب الميراث في الشريعة الإسلامية للصعيدي.


وقال الإمامية: متى فُقِد الأبوان والأولاد وأولادهم، والإخوة والأخوات وأبناؤهم والجد والجدات، استحق الإرث الأعمام والعمات والأخوال والخالات من أيّة جهة كانوا، وقد ينفرد بعضهم عن بعض، وقد يجتمعون، وإليك المحصّل:

إذا وجِد الأعمام والعمات وليس معهم أحد من الأخوال والخالات فللعم الواحد وللعمة الواحدة المال كله، سواء أكان عم الميت لأبوين أو لأب أو لأُم فقط.

وإذا تعدد الأعمام والعمات واتحدوا في النسبة إلى المورِّث: فإن كانوا جميعاً لأبوين أو لأب اقتسموا بينهم للذكر مثل حظ الأُنثيين.

وإذا كانوا جميعاً لأُم اقتسموا بالسوية من غير فرق بين الذكر والأنثى.

وإذا اختلفت نسبة الأعمام والعمات إلى المورث، فكان بعضهم لأبوين وبعضهم لأب أو لأُم فقط، فالمتقرب بالأب فقط يسقط بالمتقرب بالأبوين، وإنّما يرث المتقرب بالأب فحسب إذا فُقِد المتقرب بالأبوين ويأخذ العم والعمة لأب ما يأخذه العم والعمة لأبوين.

واذا اجتمع الأعمام والعمات لأبوين أو لأب مع الأعمام والعمات لأُم، يأخذ الواحد من قرابة الأُم السدس، وإن تعددوا أخذوا جميعاً الثلث واقتسموه بالسوية من غير فرق بين الذكر والأنثى.

وإذا وجِد الأخوال والخالات وليس معهم أحد من الأعمام والعمات، فللخال الواحد المال كله لأب كان أو لأُم أو لهما. وإذا تعدد الأخوال والخالات واتحدوا في النسبة إلى المورث، فإن كانوا جميعاً لأبوين أو لأب أو لأُم فقط اقتسموا بالسوية للذكر مثل حظ الأنثى.

وإذا اختلفوا في النسبة إلى المورِّث، فكان بعضهم لأبوين وبعضهم لأب أو لأُم، سقط المتقرب بالأب خاصة بالمتقرب بالأبوين. وإذا اجتمع


الأخوال والخالات لأبوين أو لأب مع الأخوال والخالات لأُم يأخذ الواحد من قرابة الأُم السدس، وإن تعددوا أخذوا الثلث واقّتسموه بالسوية ذكوراً وإناثاً، والباقي لقرابة الأبوين أو الأب والقسمة بينهم أيضاً بالسوية للذكر مثل الأنثى من غير تفاوت.

وإذا اجتمع العم والخال فللخال الثلث واحداً كان أو أكثر، ذكراً كان أم أنثى، والثلثان للعم واحداً كان أو أكثر، ذكراً كان أم أنثى، ويقتسم الأخوال الثلث بينهم كما يقتسمونه في حال الانفراد عن الأعمام، ويقتسم الأعمام الثلثين كذلك.

ومتى فُقِد الأعمام والعمات والأخوال والخالات جميعاً قام أبناؤهم مقامهم، ويأخذ كل نصيب مَن يتقرب به واحداً كان أو أكثر. فلو كان لعم عدة أولاد ولعم آخر بنت كان للبنت وحدها النصف ولأولاد العم الأخرين النصف. والأقرب من أحد الصنفين يحجب الأبعد الذي من صنفه ومن الصنف الأخر، فابن العم لا يرث مع العم ولا مع الخال إلاّ في ابن عم لأبوين مع عم لأب خاصة المال كله لابن العم، وابن الخال لا يرث مع الخال ولا مع العم، فلو كان ابن عم وخال فالمال كله للخال. ولو كان ابن خال مع عم فالمال كله للعم.

وعمومة الميت وعماته وأخواله وخالاته وأولادهم أولى في الميراث من عمومة أب الميت وخؤولته. وكل أولاد بطنٍ أولى بالإرث من بطنٍ أبعد، فلو كان ابن عم وعم الأب فالمال لابن العم، ومثله ابن خال مع خال الأب؛ لقاعدة الأقرب فالأقرب.

وإذا اجتمع الزوج أو الزوجة مع العم والخال، فللزوج أو الزوجة نصيبه الأعلى، وللخال الثلث واحداً كان أو أكثر، ذكراً كان أو أنثى، والباقي للعم واحداً كان أو أكثر، ذكراً كان أو أنثى، فالنقص يدخل على العم في الحالات التي يجتمع فيها أحد الزوجين مع الأعمام


والأخوال. فإذا كان زوج مع خال أو مع خالة، وعم أو عمة، فللزوج ثلاثة أسداس وللخال أو الخالة سدسان، وللعم أو العمة سدس، وإذا كانت زوجة فلها ثلاثة من اثني عشر جزءاً، وللخال أربعة من اثني عشر، والباقي للعم خمسة من اثني عشر جزءاً.


ميراث الزوجين

اتفقوا على أنّ كلاً من الزوج والزوجة يشارك في الميراث جميع الورثة دون استثناء، وعلى أنّ للزوج النصف من تركة الزوجة إذا لم يكن لها ولد منه ولا من غيره، والربع إذا كان لها ولد منه أو من غيره، وعلى أنّ للزوجة الربع إذا لم يكن للزوج ولد منها أو من غيرها، والثُمن إذا كان له ولد منها أو من غيرها.

وقال الأربعة: إنّ المراد بالولد هنا ولد الميت للصُلب، وولد الابن فقط ذكراً كان أو أنثى، أمّا ولد البنت فإنّه لا يمنع أحد الزوجين من نصيبه الأعلى. بل قال: الشافعية والمالكية: إنّ ولد البنت لا يرث ولا يحجب؛ لأنّه من فئة ذوي الأرحام.

وقال الإمامية: المراد بالولد مطلق الولد وولد الولد ذكراً كان أو أنثى، فبنت البنت تماماً كالابن تحجب أحد الزوجين من نصيبه الأعلى إلى الأدنى.

وإذا تعددت الزوجات فهنّ شركاء في الربع أو الثُمن يقتسمنه بالسوية.

واتفقوا على أنّ الرجل إذا طلّق زوجته طلاقاً رجعياً، ثمّ مات أحدهما في أثناء عدة المطلّقة توارثا، كما هي الحال مع عدم الطلاق.


واختلفوا فيما إذا لم يكن وارث إلاّ أحد الزوجين: هل يُردّ الباقي من نصيبه عليه، أو يُعطى لبيت المال؟

قال الأربعة: لا يُردّ على الزوج ولا على الزوجة. (المغني).

واختلف الإمامية فيما بينهم على ثلاثة أقوال، الأوّل: الرد على الزوج دون الزوجة. وهذا هو المشهور، وعليه عمل الفقهاء.

الثاني: الرد على الزوج والزوجة معاً مطلقاً وفي جميع الحالات. الثالث: الرد عليهما إذا لم يوجد الإمام العادل، كما هي الحال الآن، والرد على الزوج دون الزوجة إذا وجِد الإمام العادل، وبهذا قال الصدوق ونجيب الدين بن سعيد والعلاّمة الحلّي والشهيد الأوّل، وحجتهم على ذلك أنّ بعض الأخبار قالت: (يُردّ على الزوجة). وبعضها قالت: (لا يُردّ عليها). فنحمل الأُولى على صورة عدم وجود الإمام العادل، والثانية على صورة وجوده.


أموال المفقود

المفقود: هو الذي غاب وانقطعت أخباره، ولم يُعلَم موته ولا حياته. وقد تكلمنا في كتاب (الزواج والطلاق) عن حكم زوجته، وطلاقها بعد أربعة أعوام، ونتكلم هنا عن تقسيم أمواله، وعن حقه في الإرث إذا مات قريب له حال غيبته. وبديهة أنّ تطليق الزوجة بعد أربع سنوات لا يستدعي تقسيم التركة بعدها، ولا عدم تقسيمها، بل تُطلّق الزوجة ولا تُقسّم التركة، إذ لا ملازمة بين الطلاق والموت.

وقد اتفقوا على أنّه يجب التربص في تقسيم أمواله، حتى تمضي مدة لا يعيش في مثلها(١) ، ويرجع ذلك إلى نظر القاضي واجتهاده، وتختلف هذه المدة باختلاف الزمان والمكان، ومتى حكم القاضي بموته ورثه الأولى بميراثه عند الحكم، لا مَن مات من أقاربه قبل ذلك.

____________________

(١) نقل صاحب المسالك والجواهر أنّه قد اشتُهر بين فقهاء الإمامية أنّ أمواله لا تُقسّم إلاّ بعد التحقق من موته بالتواتر وبالبينة أو بالخبر المحفوف بالقرائن المفيدة للعلم، أو بانقضاء مدة لا يعيشها أمثاله في الغالب.


وإذا مات قريب لهذا المفقود حال الغيبة المنقطعة وجب أن يُعزل نصيبه مستقلاً، ويكون كسائر أمواله، حتى يتبين الأمر أو يحكم القاضي بموته بعد مدة الانتظار.


ميراث الحرقى والغرقى والمهدوم عليهم

ذكر فقهاء السنّة والشيعة مسألة ميراث الغرقى والحرقى والمهدوم عليهم وأمثالهم، واختلفوا في توريث بعضهم من بعض إذا اشتبه الحال، لم يُعلَم تقدم موت أحدهما على موت الأخر.

فذهب الأئمة الأربعة: الحنفي والمالكي والشافعي وابن حنبل إلى أنّ بعضهم لا يرث بعضاً، بل تنتقل تركة كل واحد لباقي ورثته الأحياء، ولا يشاركهم فيها ورثة الميت الأخر، سواء أكان سبب الموت والاشتباه الغرق أم الهدم أم القتل أم الحريق أم الطاعون(١) .

أما الشيعة الإمامية فكان لاجتهادهم أثر بليغ في هذه المسألة، فقد شرحها فقهاء العصر الأخير منهم شرحاً وافياً، وفرّعوا عنها صوراً لم تخطر في ذهن أحد من رجال التشريع قديماً وحديثاً، فقبل أن يتكلموا عن ميراث الغرقى والمهدوم عليهم بالخصوص تكلموا عنهم وعن أمثالهم


بوجه يشمل كل حادثين عُلِم بوجودهما، ولم يُعلَم المتقدم من المتأخر، وكان تأثير أحدهما في حالة السبق والتقدم غير تأثيره في حالة التأخير والتخلف عن الأخر. إنّ المجتهدين من فقهاء الشيعة المتأخرين يرون مسألة ميراث الغرقى وغيرهم مسألة جزئية لكلّية كبرى، وفرداً من أفراد قاعدة عامة لا تختص بمسألة دون مسألة وباب دون باب من أبواب الفقه، بل تشمل كل حادثين حصلا، واشتُبه المتقدم من المتأخر، سواء أكان الحادثان أو أحدهما من نوع العقود، أم من الإرث، أم من الجنايات، أم غير ذلك، فيدخل في القاعدة ما لو حصل عقدا بيع، أحدهما أجراه المالك الأصيل بنفسه مع عمر على شيء خاص من ممتلكاته، والثاني أجراه وكيله في بيع ذلك الشيء مع زيد، ولم يُعلَم أي العقدين متقدم ليحكم بصحته وأيّهما متأخر ليحكم بفساده؟ وهكذا كل حادثين يرتبط تأثير أحدهما بتقدم الأخر عليه مع فرض أنّه ليس في البين دلائل تدلّ على وقوع الحادثين في لحظة واحدة، أو سبق أحدهما على الأخر. فليست مسألة الغرقى وغيرهم مسألة مستقلة بذاتها، وإنّها هي من جزئيات قاعدة عامة، لذلك نرى المجتهدين من فقهاء الشيعة الإمامية صرفوا الكلام قبل كل شيء إلى القاعدة نفسها، وبيان حكمها، وبعد هذا تكلموا عن ميراث الغرقى وغيرهم، وأنّ حكمهم هل هو حكم القاعدة العامة، أو أنّ هناك ما يوجب استثناء حكم الغرقى عن القاعدة؟ ولا ريب أن تحرير البحث على هذا النحو أجدى نفعاً، وأكثر فائدة.

وحيث إنّ معرفة هذه القاعدة تتوقف على معرفة أصلين آخرين يتصلان اتصالاً وثيقاً بها، لذلك نختصر الكلام عنهما بمقدار ما تدعو الضرورة لمعرفة القاعدة المقصودة بالذات، على أنّهما لا يقلاّن عنها نفعاً. والأصلان هما: أصل عدم وقوع الحادث الذي شُك في وقوعه، وأصل تأخر الحادث الذي عُلِم وقوعه.


أصل عدم وقوع الحادث:

لنا قريب في المهجر، كنا نراسله ويراسلنا، ثمّ قطع عنّا الرسائل، وقطعناها نحن عنه، وبعد أمد طويل يخطر لنا أن نرسل إليه كتاباً، فنكتب له على عنوانه الأوّل، مع أنّه لم يخالجنا الشك بأنّه مات أو انتقل من مكانه. فما هو السر الذي دعانا إلى عدم الاهتمام بما طرأ على ذهننا من الشك واحتمال الموت، وتغيّر العنوان؟ وأيضاً نعتقد بأمانة إنسان وصدقه، فنجعله محل ثقتنا، ونأتمنه على أثمن الأشياء، ثمّ يصدر منه عمل فنظنّ أنّه تغيّر وتبدّل، ومع ذلك نمضي معه كما كنا أوّلاً، وهكذا في جميع المراسلات والمعاملات والمواصلات.

والسر في ذلك أنّ الإنسان مسوق بفطرته على الأخذ بالحال السابقة إلى أن يثبت العكس، فإذا علم بحياة زيد، ثمّ حصل الشك بحدوث موته، فالأصل الذي تقره الفطرة هو البقاء على نية الحياة إلى أن يثبت الموت بأحد طرق الإثبات، وهذا معنى أصل عدم وقوع الحادث الذي لم يثبت وقوعه، وإليه يهدف قول الإمام الصادق:(مَن كان علي يقين ثمّ شك فلا ينقض اليقين بالشك، إنّ اليقين لا ينقصه إلاّ اليقين، لا تدخل الشك على اليقين، ولا تخلط أحدهما بالأخر، ولا تعتد بالشك مع اليقين في حال من الأحوال) .

فإذا علمنا أنّ فلاناً مدِين بمال، ثمّ ادعى الوفاء، فالأصل بقاء الدين إلى أن يثبت الوفاء، أي كما علمنا بالدين يجب أن نعلم بالوفاء؛ لأنّ العلم لا يزيله إلاّ العلم، والشك الطارئ بعد العلم لا أثر له، فمن ادّعى شيئاً يضاد الحال السابقة فهو مدّعٍ، عليه أن يقيم البينة على مدّعاه، ومَن كان قوله وفق الحال السابقة فهو منكر لا تتجه عليه سوى اليمين.

فتحصل من هذا البيان أنّ معنى أصل عدم الحادث في حقيقته هو الأخذ بالحال السابقة إلى أن يثبت العكس.


أصل تأخر الحادث الواحد:

لو علم القاضي أنّ خليلاً كان حياً في يوم الأربعاء، وأنّه في يوم الجمعة كان في عداد الأموات، ولم يعلم هل حدث موته في يوم الخميس أو في يوم الجمعة، وليس لديه أيّة دلالة تعيّن زمن الموت بالخصوص، فبماذا يحكم؟ أيحكم بأنّ خليلاً مات يوم الجمعة أو يوم الخميس؟

إنّ في فرضنا هذا ثلاثة أزمنة: زمن العلم بالحياة وهو يوم الأربعاء، وزمن العلم بالموت وهو يوم الجمعة، والزمن المتخلل بينهما وهو يوم الخميس، الذي لم يعلم بالحياة فيه ولا بالموت. والأصل يوجب إلحاق هذا الزمن المتخلل بالزمان الذي قبله لا بالذي بعده، أي نلحق زمن الجهل بالحياة بالحالة السابقة، وهي العلم بالحياة، فنبقى على علمنا بالحياة إلى زمن العلم بالموت، وتكون النتيجة أنّ الموت تأخر زمن حدوثه إلى يوم الجمعة. وهكذا كل شيء عُلِم بحدوثه، وحصل الشك في تقدمه وتأخره إذا كان الحادث واحداً غير متعدد.

العلم بوقوع حادثين مع الجهل بالمتقدم منهما:

بعد أن مهدّنا بذكر الأصلين - عدم وقوع الحادث وتأخر وقوع الحادث الواحد - نشرع ببيان حكم القاعدة العامة المقصودة بالذات من هذا البحث، وهي العلم بوقوع حادثين يرتبط تأثير أحدهما بتقدمه على الأخر مع الجهل بالمتقدم منهما، كوقوع عقدين أجرى أحدهما الأصيل، والأخر أجراه الوكيل، وكحصول الولادة والهبة، كما قلنا فيما تقدّم، وكموت متوارثين لا يُعرف أيّهما توفي قبل صاحبه.

ويختلف حكم هذه القاعدة باختلاف علم القاضي بزمن وقوع كل


واحد من الحادثين، أو عدم علمه بزمان حدوثهما، أو علمه بزمن حدوث أحدهما خاصة، فالحالات ثلاث:

١ - أن يعلم القاضي من أقوال المتداعيين أو من الوقائع تاريخ كل واحد من الحادثين، فيحكم والحال هذه بموجب علمه.

٢ - أن يجهل القاضي تقدّم أحد الحادثين على الأخر، ولكن يحصل له العلم بتاريخ حدوث أحدهما دون الأخر، كما لو علم بأنّ بيع الفرس حصل في اليوم الثاني من شهر حزيران، ولا يدري هل وقع العيب في اليوم الأوّل منه كي يجوز الرجوع أو اليوم الثالث كي لا يجوز؟ والعمل في هذه الحال هو الحكم بتقدم معلوم التاريخ، وتأخر المجهول؛ لأنّ أصل تأخر الحادث الذي تقدّم ذكره لا يجري في معلوم التاريخ، فإنّ العلم يمنع من الأخذ بالأصل. أمّا الحادث الذي جهلنا زمن حدوثه فيجري فيه أصل تأخر الحادث؛ لأنّ هذا الأصل يعتمد عليه في مقام الجهل.

والخلاصة: إنّه إذا وقع حادثان أحدهما معلوم التاريخ والأخر مجهول التاريخ يحكم بقول مطلق بتقدم المعلوم وتأخر المجهول، سواء أكان الحادثان من نوع واحد كموت شخصين، أو وقوع عقدين، أو كان الحادثان متغايرين.

٣ - أن لا يعلم القاضي زمن حدوثهما، ولا زمن حدوث أحدهما خاصة - أي يكونا مجهولين التاريخ -، وحينئذ لا أصل يعيّن تقديم أحدهما وتأخير الأخر؛ لأنّ أصل تأخير أحدهما عن الثاني ليس بأولى من أصل تأخير الثاني عن صاحبه - بعد أن كان كل منهما مجهول التاريخ -، فأصل تأخر الحادث إنّما يؤخذ به إذا كان الحادث واحداً أو كان متعدداً، ولكن أحدهما معلوم التاريخ لا يجري فيه الأصل، والأخر مجهول يجري فيه الأصل، أمّا إذا كانا مجهولين ولا ميزة لأحدهما على الأخر فيسقط


الاعتماد على الأصل بكل منهما لمكان المعارضة(١) .

الغرقى والمهدوم عليهم:

قد يكون بين اثنين قرابة قريبة، ولكن ليس لأحدهما أهلية الإرث من قريبه كأخوين لهما أولاد، وهذه الحال خارجة عمّا نحن فيه وينتقل ميراث كل واحد لأولاده، سواء أمات هو وأخوه في لحظة واحدة أو تقدّم الموت أو تأخر، ويتفق هذا مع ما جاء في كتب الفقه لجميع المذاهب الإسلامية، وما نُقل عن القانون الفرنسي.

وقد تكون أهلية الإرث ثابتة لأحد الطرفين دون الطرف الثاني كأخوين لأحدهما خاصة أولاد، وليس للآخر أولاد، وهذه الحال خارجة أيضاً عن الموضوع؛ لأنّ أبا الأولاد ينتقل ميراثه لأولاده، والذي ليس له أولاد تختص تركته بسائر أقاربه الوارثين غير أخيه الذي مات معه غرقاً أو حرقاً أو غير ذلك؛ لأنّ الشرط في الإرث أن تعلم حياة الوارث عند موت الموروث، والمفروض عدم العلم بحياة أبي الأولاد عند موت مَن لا ولد له(٢) .

وقد تكون الموارثة ثابتة لكلا الطرفين، كإبن وأب وكأخوين ليس لهما أب وأم، وليس لهما أو لأحدهما أولاد كزوجين وارث كل منهما غير وارث الآخر، وهذه الحال تدخل في صميم الموضوع، ويشترط

____________________

(١) تجد هذا التفصيل في كتب أصول الفقه للشيعة الإمامية (باب تنبيهات الاستصحاب)، ومن تلك الكتب الكتاب المعروف بالرسائل للشيخ الأنصاري، وكتاب تقريرات النائيني للسيد الخوئي، وكتاب حاشية الرسائل للشيخ الأشتياني.

(٢) كتاب مفتاح الكرامة، وكتاب المسالك، وكتاب اللمعة.


الشيعة الإمامية لتوريث بعضهم من بعض أمرين:

١ - أن يكون موت كل منهما مستنداً إلى سبب واحد، وذلك السبب يجب أن يكون الهدم أو الغرق خاصة، بأن يكونا في بناية فتنهار عليهما أو سفينة فتغرق بهما، ولو هلك أحدهما بسبب الغرق والآخر بسبب الحريق أو الانهيار، أو هلكا معاً بسبب الطاعون أو في المعركة فلا توارث، والمنقول عن القانون الفرنسي أنّه يُشترط للتوارث اتحاد سبب الموت، ولكنّه لا يُحصر السبب بالغرق والهدم فحسب - كما تقول الشيعة - بل يتحقق التوارث أيضاً إذا كان الهلاك بالحريق.

٢ - أن يكون زمن كل واحد من الهالكين مجهولاً، فلو عُرِف زمن موت أحدهما وجُهِل زمن موت الآخر يرث المجهول دون المعلوم.

وإليك المثال: انهارت بناية على رجل وزوجته أو غرقت بهما سفينة، وحين الإسعاف عُثِر على الزوج وهو يلفظ النفس الأخير وكانت الساعة قد بلغت الخامسة، وبعد ساعتين عثر رجال الإسعاف على الزوجة وهي جثة هامدة، ولم يعلموا هم ولا نحن هل فارقت الحياة قبل الزوج أو بعده أو معه؟ فزمن موت الزوج معلوم وزمن موت الزوجة مجهول، وأصل تأخر الحادث الذي أشرنا إليه يستدعي أن ترث الزوجة التي جُهِل تاريخ وفاتها من الزوج الذي عُلِم تاريخ وفاته، ولا يرث هو منها شيئاً. وإذا انعكس الأمر فعُلِم زمن موت الزوجة، وجُهِل زمن موت الزوج ورث الزوج دون الزوجة. وبتعبير ثانٍ: إنّه إذا عُلِم تاريخ إحدى الوفاتين فمجهول التاريخ يرث من المعلوم، ومعلوم التاريخ لا يرث من المجهول.

وحيث إنّ الإرث يختص بالمجهول فحسب، وغير ثابت للطرفين فلا يُفرّق في هذه الحال بين أسباب الموت، فالحكم واحد سواء أكان سبب الموت الغرق أو الحريق أو الانهيار، أو الوباء العام أو القتل في المعركة.

أمّا إذا جُهِل التاريخان كما لو عُثِر على جثة الزوج والزوجة وهما


هامدتان ولم يُعلَم زمن موت أحدهما تتحقق الموارثة بين الطرفين - أي يرث كل واحد من صاحبه -. وهذا التفصيل بين حال العلم بتاريخ أحد الهالكين من جهة والجهل بالتاريخين من جهة ثانية لم يُنقل عن قانون أجنبي، ولم أجده في كتب فقهاء السنّة المتقدمين والمتأخرين، ولا في كلمات الشيعة السالفين، وإنّما ذكره مجتهدو الشيعة المتأخرون في كتب أصول الفقه.

والخلاصة: إنّ الشيعة الإمامية يحصرون التوارث فيما إذا كان سبب الموت الغرق أو الهدم خاصة، ولم يُعلَم زمن موت واحد من الهالكين، وعلى هذا إذا ماتا حتف الأنف أو بسبب الحريق أو القتل في المعركة أو الطاعون وما إلى ذلك فلا توارث، بل ينتقل مال كل واحد إلى ورثته الأحياء، ولا يرث أحد الهالكين من صاحبه شيئاً، وإذا عُلِم تاريخ موت أحدهما دون الآخر يرث المجهول من المعلوم، ولا يرث المعلوم من المجهول.

كيفية التوارث:

كيفية التوارث أن يُفرَض أنّ الزوج مات قبل الزوجة، ويخرج من تركته نصيبها، وتقتسم ورثتها أموالها التي كانت لها في قيد الحياة ونصيبها المتصل إليها بالإرث من زوجها، ثمُ يُفرَض أنّ الزوج مات بعد الزوجة، ويخرج من تركتها نصيب الزوج، ويقتسم ورثته أمواله التي كانت له وهو حي ونصيبه المتصل إليه بالإرث من زوجته، ولا يرث أحدهما من الأموال التي ورثها منه صاحبه، فإذا كانت الزوجة تملك مئة ليرة والزوج يملك ألفاً فترث الزوجة من الألف فحسب، والزوج من المئة فقط؛ لأنّه لو ورث أحدهما من الأموال التي ورثها صاحبه منه لأدّى ذلك إلى أنّ الإنسان بعد موته يرث من مال نفسه! ومن المحال أن يرث


الإنسان شيئاً ورثه هو لغيره.

والخلاصة: إذا مات اثنان بسبب الغرق أو الهدم، وكان بينهما توارث واشتُبه المتقدم من المتأخر، ولم يُعلَم تاريخ وفاة أحدهما يرث بعضهم من بعض من تلاد المال دون طارفه(١) عند الإمامية فقط.

____________________

(١) تلاد المال: هو ما كان للميت حال حياته. وطارفه: هو ما ورثه من ميت معه.


نماذج للتوضيح

إذا استقرأت ما قدّمنا رأيت أنّ المذاهب الأربعة تحرم من الميراث الأنثى ومَن يتقرب بها في كثير من الحالات، فأولاد البنت والعمات والعم لأُم والجد لها، والأخوال والخالات ليسوا بشيء إذا وجِد واحد من العصبات الذين يتقربون إلى الميت بواسطة الأب. وبنت الأخ لأبوين أو لأب لا ترث مع أخيها من أُمها وأبيها، وكذلك بنت العم لا ترث مع أخيها من أُمها وأبيها. ولولا نص القرآن الكريم على ميراث البنت والأخت والأخوات لأب، والإخوة والأخوات لأُم بالذات لكان شأنهن شأن غيرهن من الإناث ومن يتقرب بهنّ.

وهذه عادة جاهلية، حيث كان الميراث عند أهلها قائماً على أساس التعصب والانتصار للرجل، ولذا حصروا الإرث بالولد الأكبر الذي يحمل السلاح ويقاتل، فإن لم يكن من الأولاد مَن يحمل السلاح أعطوا الإرث لعصبة الأب. وقد لاحظتُ وأنا أُراجع أحكام الإرث عند السنّة، أنّ الأنثى إنّما ترث إذا كان لها فرض منصوص عليه في كتاب الله، أو اقتضى القياس أن تكون مساوية لصاحبة الفرض، كإلحاق بنت الابن بالبنت للصُلب، وحرمان الإناث فيما عدا ذلك. أمّا الإمامية


فقد ساووا في استحقاق الميراث بين الذكور والإناث، ويتضح ذلك من الأمثلة التالية:

ترك بنتاً وأخاً لأبوين أو لأب

قال الأربعة: المال كله للعم، ولا شيء للجد.

وقال الإمامية: المال كله للجد، ولا شيء للعم.


ترك ابن أخ لأبوين أو لأب، وخمسة أبناء أخ آخر لأبوين أو لأب

قال الأربعة: يُقسّم المال على عدد رؤوسهم لا على عدد آبائهم، وتكون الفريضة من ستة لكل واحد سهم.

وقال الإمامية: يُقسّم المال على عدد آبائهم، لا على عدد رؤوسهم، ويأخذ كل نصيب مَن يتقرب به، فلابن الأخ الواحد خمسة من عشرة، وللخمسة الآخرين خمسة أسهم، لكل واحد سهم من عشرة.

ترك ابن أخ وبنت أخ لأبوين أو لأب

قال الأربعة: يرث الذكر دون الأنثى مع أنّها أخته لأُمه وأبيه.

وقال الإمامية: يرثان معاً للذكر مثل الأُنثيين.

نكتفي بهذا القدر من الأمثلة، وهي كافية وافية لتقديم صورة كاملة عن أنّ الميراث عند الإمامية يختلف اختلافاً جوهرياً عنه عند مذاهب السنّة.



الوَقْف



تعريفه:

الوقف يجمع على وقوف وأوقاف، والفعل منه وقف، أمّا أوقف فشاذ، كما في تذكرة العلاّمة الحلّي. ومعناه لغة: الحبس والمنع، تقول: وقفتُ عن السير، أي امتنعت عنه.

وفي الشرع: نوع من العطية يقضي بتحبيس الأصل، وإطلاق المنفعة. ومعنى تحبيس الأصل: المنع عن الإرث، والتصرف في العين الموقوفة بالبيع أو الهبة أو الرهن أو الإجارة أو الإعارة، وما إلى ذاك. أمّا تسبيل المنفعة: فهو صرفها على الجهة التي عينها الواقف من دون عوض.

ويرى بعض الفقهاء أنّ الوقف غير مشروع في الشريعة الإسلامية، وأنّه منافٍ لمبادئها إلاّ فيما كان مسجداً، وهو قول متروك عند المذاهب.

التأبيد والاستمرار:

اتفقوا ما عدا المالكية على أنّ الوقف لا يتحقق إلاّ إذا أراد به الواقف التأبيد والاستمرار، ولذا يُعبّر عنه بالصدقة الجارية، فلو حدده بأمد معيّن، كا لو قال: هذا وقف إلى عشر سنوات، أو قال: على أن استرجعه متى شئتُ، أو عند حاجتي، أو حاجة أولادي، أو ما


إلى ذاك - لو كان هكذا - لا يكون وقفاً بمعناه الصحيح.

وذهب كثير من فقهاء الإمامية إلى أنّه يبطل وقفاً ويصحّ حبساً(١) إذا قصد صاحب العين الحبس، أمّا إذا قصد الوقف بطل وقفاً وحبساً. ومعنى صحته حبساً: إنّ الجهة التي خصصها صاحب العين للاستثمار تنتفع بالعين طوال المدة المضروبة، وبعدها ترجع إلى المالك، كما كانت الحال من قبل.

ومهما يكن، فإنّ هذا لا يتنافى مع اعتبار التأبيد والاستمرار في الوقف، وقد التبس الأمر على الشيخ أبي زهرة، وصعب عليه التمييز بين الوقف والحبس عند الإمامية، لذا نسب إليهم القول بأنّ الوقف يجوز عندهم أن يكون مؤبداً وأن يكون مؤقتاً. وهذا خطأ، بل الوقف عندهم لا يكون إلاّ مؤبداً.

وقال المالكية: لا يُشترط في صحة الوقف التأبيد، بل يصحّ ويلزم مدة تعيينه سنة مثلاً، ويكون بعدها ملكاً لصاحبه.

وكذا إذا اشترط أن يبيع الواقف العين الموقوفة هو أو الموقوف عليه، صح ويتبع الشرط. (الجزء السابع شرح الزرقاني باب الوقف)(٢) .

وإذا وقف على جهة تنقرض ولا تدوم - كما لو قال: هذا وقف على أولادي الموجودين، أو على غيرهم من الذين ينقرضون في الغالب - فهل يصحّ الوقف، أو يبطل؟ وعلى افتراض الصحة فلمن يكون الوقف بعد الجهة المنقرضة؟

____________________

(١) الفرق بين الوقف والحبس: إنّ بالوقف يزول الملك عن الواقف كلية، ولذا يمتنع إرث العين وغيره من التصرفات، أمّا الحبس فالعين باقية على ملك الحابس، وتُورث وتباع الخ. وقد خفي هذا الفرق على شيخ أبي زهرة، ونسب إلى الإمامية ما لا يريدون، كما سترى.

(٢) إنّ لمسألة التأبيد في الوقف صلة تامة بمسألة من يملك العين الموقوفة التي سنتكلم عنها في هذا الفصل بالذات، فلاحظ.


قال الحنفية: يصحّ الوقف، ويُصرف بعد انقراض الجهة إلى الفقراء.

وقال الحنابلة: يصحّ، ولكن يُصرف إلى أقرب الناس للواقف، وهو أحد قولي الشافعية.

وقال المالكية: يصحّ، ويرجع لأقرب الفقراء إلى الواقف، فإن كلهم أغنياء إلى عصبتهم. (المغني، والزرقاني، والمهذب).

وقال الإمامية: يصحّ وقفاً، ويرجع إلى ورثة الواقف. (الجواهر).

القبض:

القبض: هو أن يتخلى المالك عن العين، ويُسلّط عليها الجهة الموقوف إليها، وهو عند الإمامية شرط في لزوم العقد، لا في صحته، فإذا وقف ولم يحصل القبض فللواقف أن يرجع.

فلو وقف على جهة عامة كالمسجد أو المقبرة أو على الفقراء لا يلزم الوقف إلاّ باستلام المتولي، أو الحاكم الشرعي، أو بالدفن في القطعة، أو الصلاة في المسجد، أو بتصرف الفقير بإذن الواقف، وإذا لم يحصل القبض بشيء من ذلك يجوز للواقف الرجوع عن الوقفية. وإذا وقف على جهة خاصة كأولاده، فإن كانوا كباراً لا يتم الوقف إلاّ باستلامهم بإذنه، وإن كانوا صغاراً لم يحتج إلى قبض جديد؛ لأنّ يده يدهم، لمكان ولايته. وإذا مات الواقف قبل القبض بطل الوقف، وأصبح ميراثاً، ومثاله أن يقف دكاناً في سبيل الخير، ثمّ يموت وهي في تصرفه، فتعود - والحال هذه - إلى الورثة.

وقال المالكية: لا يكفي القبض وحده، بل لا بدّ معه من الحيازة سنة كاملة، كأن يقبض الموقوف إليه أو المتولي العين، وتبقى سنة في تصرفه، وبعد تمامها يلزم الوقف، ولا يمكن إبطاله بحال.

وقال الشافعية، وابن حنبل في بعض أقواله: لا يحتاج الوقف لتمامه


إلى القبض، بل يزول ملك الواقف بمجرد القول. (أبو زهرة كتاب الوقف).

مَن يملك العين الموقوفة؟

ليس من شك أنّ العين قبل الوقف كانت على ملك الواقف، إذ لا وقف إلاّ في ملك، وبعد تمام الوقف هل تبقى العين على ملكه كما كانت من قبل، غاية الأمر أنّها تكون مسلوبة المنفعة بالقياس إليه، أو أنّها تنتقل إلى الموقوف إليهم، أو تصبح بلا مالك أصلاً، وهو المعبّر عنه بفك الملك؟

للفقهاء في ذلك أقوال: فقد ذهب المالكية إلى أنّ العين الموقوفة باقية على ملك الواقف، ولكنّه ممنوع من التصرف فيها.

وقال الحنفية: ليس للعين الموقوفة مالكاً بالمرة، وهو أصحّ الأقوال عند الشافعية(١) . (فتح القدير ج٥ باب الوقف، وأبو زهرة كتاب الوقف).

وقال الحنابلة: تنتقل العين إلى ملك الموقوف إليهم. أمّا الإمامية فقد نسب إليهم الشيخ أبو زهرة - في صفحة ٤٩ طبعة ١٩٥٩ - القول ببقاء العين على ملك الواقف، ثمّ قال في صفحة ١٠٦: إنّ هذا القول هو الراجح عند الإمامية.

ولم يذكر أبو زهرة مصدراً لهذه النسبة، ولا أدري من أين استخرجها؟

____________________

(١) وردّ أبو زهرة هذا القول في ص٥٠ بأنّه لا معنى لملكية الله هنا؛ لأنّه عالى يملك كل شيء. ويلاحظ بأنّه ليس المراد من ملك الله للوقف أنّه يصير بمنزلة المباحات الأصلية، بل يكون ملكه له على نحو ملكه خمس الغنيمة الي جاءت في قوله:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ) .


وقد جاء في كتاب الجواهر - وهو أهم كتاب وأوثق مصدر لفقه الإمامية - ما نصه بالحرف الواحد: (الوقف إذا تم زال ملك الواقف عند الأكثر، بل عن المشهور، بل في محكي الغنية والسرائر الإجماع عليه).

وبعد أن اتفق الإمامية كلهم أو جلهم على زوال الملك عن الواقف، اختلفوا في أنّ العين هل يرتفع عنها وصف الملكية كلّية، بحيث لا تكون على ملك الواقف ولا الموقوف إليهم، وهو المعبّر عنه في لسانهم بفك الملك، أو أنّها تنتقل من الواقف إلى الموقوف إليهم؟

ذهب جماعة منهم إلى التفصيل بين الوقف العام - كالمساجد والمدارس والمصاح وما إليها - وبين الوقف الخاص، كالوقف على الذرية، فما كان من النوع الأوّل فهو فك ملك، وما كان من النوع الثاني ينتقل من ملك الواقف إلى ملك الموقوف إليه.

وتظهر فائدة الخلاف في ملكية العين الموقوفة - تظهر - في جواز البيع وعدمه، وفيما لو وقف العين إلى أمد، أو انقرضت الجهة الموقوف إليها، فبناء على قول المالكية من بقاء العين على ملك الواقف يجوز البيع، وتعود العين إلى الواقف بعد انتهاء الأمد، أو انقراض الجهة. وبناء على انتفاء الملكية بالمرة عن العين لا يجوز البيع؛ لأنّه لا بيع إلاّ في ملك، ويبطل الوقف المحدود. وبناء على انتقالها إلى ملك الموقوف إليه لا تعود إلى الواقف. وتُعرَف النتيجة بجلاءٍ من المسائل التي سنعرضها، ولذا ينبغي أن نكون على معرفة من هذا الخلاف؛ لأنّه يلقي ضوءاً على كثير من مسائل الوقف.

أركان الوقف:

أركان الوقف أربعة: الصيغة، والواقف، والعين الموقوفة، والموقوف عليه.


الصيغة:

اتفق الكل على أنّ الوقف يتحقق بلفظ (وقفتُ)؛ لأنّه يدلّ على الوقف صراحة وبدون قرينة، لغة وشرعاً وعرفاً، واختلفوا في تحققه بلفظ (حبستُ، وسبلتُ، وأبّدتُ) وما إلى ذاك، وأطالوا الكلام بدون طائل.

والحقّ أنّه يقع ويتم بكل لفظ يدلّ عليه، حتى باللغة الأجنبية؛ لأنّ الألفاظ - هنا - وسيلة للتعبير، وليست غاية في نفسها(١) .

المعاطاة:

هل يتم الوقف بالفعل، كما لو بنى مسجداً وأذّن للصلاة فيه، أو أذِن بالدفن في قطعة أرضٍ بنية وقفها مقبرة، دون أن يقول: وقفتُ وحبستُ، وما أشبه، أو لا بدّ من النطق، ولا يكفي مجرد الفعل؟

قال الحنفية والمالكية والحنابلة: يكفي مجرد الفعل، وتصير العين وقفاً به. (المغني لابن قدامة ج٥ باب الوقف، وشرح الزرقاني على مختصر أبي ضياء ج٧ باب الوقف).

وعلى هذا القول جماعة من كبار الإمامية، منهم السيد اليزدي في

____________________

(١) أمّا القائلون: إنّ الوقف لا يقع إلاّ بلفظ معيّن، فيتلخص دليلهم بأنّ الأصل بقاء الملك لمالكه، أي أنّ العين قبل التلفظ كانت على ملك المالك، وبعده نشك في انتقالها عنه، فنستصحب بقاء الملك. ويلاحظ بأنّ هذا يتم لو شككنا في أنّ المالك هل أراد الوقف أم لا؟ أو علمنا بأنّه أراد قطعاً، ولكن شككنا في أنّه هل أنشأه وأوجد سببه؟ أمّا إذا قطعنا بأنّه أراد الوقف، وأيضاً قطعنا بأنّه أتى بما يدلّ عليه فلا يبقى مجال للتشكيك والحال هذه، وإن حصل التشكيك فهو وهم لا أثر له، اللهم إلاّ إذا رجع الشك إلى سببية الصيغة وتأثيرها من الوجهة الشرعية.


ملحقات العروة، والسيد أبو الحسن الأصفهاني في وسيلة النجاة، والسيد الحكيم في منهاج الصالحين، وحُكِي عن الشهيد الأوّل وابن إدريس.

وقال الشافعية: لا يتم الوقف إلاّ بالصيغة اللفظية. (المغني ج٥).

القبول:

هل يحتاج الوقف إلى قبول، أو يُكتفى بمجرد الإيجاب؟ وبكلمة ثانية:

هل يتحقق إنشاء الوقف بإرادة واحدة، أو لا بدّ من إرادتين متوافقتين؟

وقد فصّل الفقهاء بين الوقف على جهة عامة - كالفقراء والمسجد والمقبرة - حيث لا يقصد الواقف شخصاً معيناً، وبين الوقف على معيّن، كأولاده وما أشبه.

واتفق الأربعة على أنّ غير المعيّن لا يحتاج إلى قبول، أمّا المعيّن فقال المالكية وأكثر الحنابلة: هو كغيره لا يفتقر إلى القبول.

أمّا الشافعية فالأرجح عندهم اشتراط القبول. (كفاية الأخيار للحصني الشافعي ج١ باب الوقف، وكتاب الوقف لأبي زهرة ص٦٥ طبعة ١٩٥٩).

واختلف فقهاء الإمامية فيما بينهم على ثلاثة أقوال: اشتراط القبول مطلقاً في المعيّن وغير المعيّن، وعدم اعتباره كذلك، والتفصيل بين غير المعيّن - أي الجهة العامة - فلا يحتاج إلى قبول، وبين المعيّن - أي الجهة الخاصة - فيحتاج إليه، تماماً كالقول الراجح للشافعية، وهذا هو الحق(١) .

____________________

(١) ذهب إلى هذا التفصيل جماعة من كبار الإمامية كصاحب الشرائع، والشهيدين، والعلاّمة الحلّي وغيرهم، وعليه يكون الوقف عقداً يحتاج إلى إيجاب وقبول في المعيّن، ولا مانع شرعاً ولا عقلاً في أن يكون الوقف عقداً بلحاظ، وإيقاعاً بلحاظ، وإن منعه صاحب الجواهر.


التنجيز:

قال المالكية: يجوز أن يكون الوقف معلقاً على شرط، فإذا قال المالك: إذا جاء الوقت الفلاني فداري وقفٌ، صحّ وتم الوقف. (الزرقاني على مختصر أبي ضياء ج٧ باب الوقف).

وقال الحنفية والشافعية: لا يصحّ التعليق، بل يجب أن يكون الوقف مطلقاً، فإذا كان معلقاً كالمثال المذكور يبقى الدار على ملك صاحبه. (الإقناع للشربيني ج٢ باب الوقف، وفتح القدير ج٥ كتاب الوقف).

ولا أدري كيف أجاز هذان المذهبان التعليق في الطلاق ومنعاه في غيره، مع العلم بأنّ الاحتياط والتشديد في الفروج ألزم منه في غيرها.

وقال الحنابلة: يصحّ التعليق على الموت فقط، كما لو قال: هذا وقف بعد موتي، ولا يصحّ فيما عدا ذلك. (غاية المنتهى ج٢ باب الوقف).

وذهب أكثر الإمامية إلى وجوب التنجيز، وعدم جواز التعليق. (التذكرة للحلّي ج٢، والجواهر ج٤، وملحقات العروة باب الوقف)(١) ، وعليه إذا قال: إذا متُّ فهذا وقف، لم يصر وقفاً بعد الموت. أمّا إذا قال: إذا متُّ فاجعلوا هذا وقفاً، يكون وصية بالوقف وعلى الوصي أن ينفذ، ويُنشئ الوقف.

____________________

(١) لا دليل من القرآن ولا من السنّة ولا من العقل على عدم جواز التعليق في العقود والإيقاعات، ومَن أبطل التعليق استند إلى الإجماع، وبديهة أنّ الإجماع إنّما يكون حجة إذا لم نعرف له مستنداً، وإذا عُرف سببه سقط عن الاعتبار، ونُظر إلى نفس السبب والمستند الذي استند إليه المجتمعون، وقد استندوا - هنا - إلى التوهم بأنّ الإنشاء معناه: إنّه موجود بالفعل، ومعنى التعليق على الشرط: إنّ الإنشاء غير موجود، وتكون النتيجة: إنّ الإنشاء متحقق وغير متحقق. ويُردّ هذا أنّ الإنشاء متحقق بالفعل وغير معلق على شيء، وإنّما آثاره هي التي ستحصل في المستقبل على تقدير حصول الشرط، تماماً كالوصية المعلقة على الموت، والنذر المعلق على وجود الشرط.


الواقف:

اتفقوا على أنّ كمال العقل شرط لإنشاء الوقف، فلا يصحّ وقف المجنون؛ لنفي التكليف عنه، وعدم الأخذ بمقاصده وأقواله وأفعاله.

وأيضاً اتفقوا على أنّ البلوغ شرط، فلا يجوز وقف الصبي مميزاً كان أو غير مميز، ولا يحق لوليه أن يقف عنه، ولا للقاضي أن يتولى ذلك أو يأذن به، وقال بعض فقهاء الإمامية: يصحّ وقف الصبي البالغ عشراً. ولكنّ أكثرهم على المنع.

ولا يصحّ وقف السفيه؛ لأنّه من التصرفات المالية، وهو ممنوع منها(١) ، وقال الحنفية: يصحّ أن يوصي السفيه من ماله بالثلث، على شريطة أن تكون الوصية في وجه البر والإحسان، سواء أكانت بالوقف أو بغيره. (الفقه على المذاهب الأربعة ج٢ باب مبحث الحجر على السفيه).

نية القربة:

ليس من شك أنّ قصد الوقف شرط في تحققه، فإذا تلفّظ به السكران، أو المغمى عليه، أو النائم، أو العابث، يكون لغواً لأصالة بقاء الملك على ما كان.

واختلفوا في نية القربة: هل هي شرط كالعقل والبلوغ، بحيث لو قصد الواقف أمراً دنيوياً لا يتم الوقف، أو أنّه يتم بدونها؟

قال الحنفية: إنّ القربة شرط في الحال أو المآل، أي أنّ الموقوف

____________________

(١) اختلفوا في أنّ الحجر على السفيه: هل يبتدئ من وقت حدوث السفه وإن لم يحكم القاضي بالتحجير، أو من وقف الحكم عليه بذلك؟ وسنعرض له مفصلاً في باب الحجر إن شاء الله.


يجب أن يُصرف على وجوه البر إمّا حالَ الوقف وإمّا بعده، كما لو وقف على الأغنياء الموجودين، ومن بعدهم على أولادهم الفقراء. (فتح القدير)(١) .

وقال مالك والشافعي: لا يُشترط في الوقف نية القربة. (أبو زهرة كتاب الوقف ص٩٢ وما بعدها).

وقال الحنابلة: يُشترط أن يكون الوقف على بر وقربة، كالمساكين والمساجد والقناطر والأقارب وكتب العلم؛ لأنّه شرع لتحصيل الثواب، فإن لم يكن لم يحصل المقصود الذي شرع من أجله. (منار السبيل لابن ضويان ص٦ طبعة أولى).

وقال صاحب الجواهر وصاحب العروة في ملحقاتها - من الإمامية -: إنّ القربة ليست شرطاً لصحة الوقف ولا لقبضه، بل للأجر والثواب عليه وإذن يتم الوقف بدونها.

مرض الموت:

مرض الموت هو الذي يتصل به، ويكون من شأنه أن يُميت صاحبه حسب المظنون.

واتفق الكل على أنّ هذا المريض إذا وقف شيئاً من أملاكه صحّ، وخرج من الثلث إن اتسع، وإن زاد توقف الزائد على إجازة الورثة.

وبكلمة، إنّه يُشترط في الواقف جميع ما يُشترط في البائع من العقل والبلوغ والرشد والملك، وعدم الحجز عليه لإفلاس أو سفه.

____________________

(١) نطلق لفظ (فتح القدير) على الكتاب المعروف بهذا الاسم، مع العلم بأنّه مجموعة من أربعة كتب أحدها فتح القدير.


الموقوف:

اتفقوا على أنّ الموقف يُشترط فيه ما يُشترط في الشيء المباع من كونه عيناً معينة مملوكة للواقف، فلا يصحّ وقف الدَّين ولا المجهول - كعقار من ملكي، أو جزء منه - ولا وقف ما لا يملكه المسلم كالخنزير. واتفقوا أيضاً على أنّه لا بدّ من إمكان الانتفاع بالموقوف مع بقاء عينه، أمّا ما لا يصحّ الانتفاع به إلاّ باتلافه - كالمأكول والمشروب - فلا يصحّ وقفه، ومن هذا النوع المنفعة، فمن استأجر داراً أو أرضاً لأمدٍ معيّن فلا يصحّ منه وقف منفعتها، إذ لا يصدق عليها مفهوم الوقف من أنّه تحبيس الأصل وتسبيل العين.

وأيضاً اتفقوا على صحة وقف الأعيان الثابتة كالأرض والدار والبستان.

وأيضاً اتفقوا ما عدا الحنفية على صحة وقف الأعيان المنقولة، كالحيوان والماعون، حيث يمكن الانتفاع بهما مع بقاء العين.

وقال أبو حنيفة لا يصحّ بيع المنقول، أمّا صاحباه أبو يوسف ومحمد: فذهب الأوّل إلى صحة وقف المنقول تبعاً، كما لو وقف ضيعة بمواشيها وآلاتها، وذهب الثاني إلى صحته في خصوص السلاح والكراع، أي الخيل. (فتح القدير ج٥، وشرح الزرقاني ج٧).

وأيضاً اتفقوا على أنّه يصحّ وقف حصة شائعة، كالنصف أو الربع أو الثلث إلاّ في المسجد(١) والمقبرة، لأنّهما لا يقبلان الشركة. (تذكرة العلاّمة، وميزان الشعراني، والوقف لمحمد سلام مدكور).

وجاء في ملحقات العروة في فقه الإمامية: لا يصحّ وقف العين المرهونة، ولا ما لا يمكن تسليمه - كالطير في الهواء والسمك في

____________________

(١) قال السيد كاظم في الملحقات: إذا كان له حصة في دار جاز له أن يقفها مسجداً، ويستأذن المصلّون من الشريك الآخر. ولست أفهم لهذا محصّلاً.


الماء - وإن كان ملكاً له، ولا وقف الحيوان الضال، ولا العين المغصوبة التي لا يستطيع الواقف ولا الموقوف إليه تخليصها.

أمّا إذا أوقف على غاصبها بالذات فيصحّ؛ لأنّ القبض متحقق بالفعل.

الموقوف عليه:

الموقوف عليه هو الذي يستحق فعلاً ريع الوقف، والانتفاع بالعين الموقوفة، ويُشترط فيه ما يلي:

١ - أن يكون موجوداً حين الوقف، فإذا كان معدوماً - كما لو وقف على مَن سيولد - فلا يصحّ عند الإمامية والشافعية والحنابلة، ويصحّ عند المالكية. فقد جاء في كتاب شرح الزرقاني على أبي ضياء ج٧: (يصحّ الوقف على مَن سيولد، ويقف اللازم إلى أن يولد، فإن آيس من حملها أو مات الحمل بطل الوقف).

ويصحّ الوقف على المعدوم تبعاً للموجود فعلاً - عند الجميع - كمن وقف على أولاده الموجودين، ومَن سيوجد من أولادهم. أمّا الوقف على الحمل الموجود حين الوقف فقد ذهب الشافعية والإمامية والحنابلة إلى أنّه لا يصحّ، إذ ليس للحمل أهلية التملك إلاّ بعد انفصاله حياً، أمّا عزل الميراث له وجواز الوصية فلوجود دليل خاص، هذا إلى أنّ عزل مقدار من الإرث إمّا هو لدفع محذور تفويت الحق، أو إعادة القسمة من جديد، وفي ذلك ما فيه من العسر والحرج.

٢ - أن يكون أهلاً للتملك، فلا يجوز الوقف على حيوان ولا الوصية له، كما يفعل الغربيون، حيث يوصون بشطر من أموالهم للكلاب، بخاصة (السيدات). أمّا الوقف على المساجد والمدارس والمصحّات وما إليها، فهو في الحقيقة وقف على مَن ينتفع بها من الآدميين.


٣ - أن لا يكون معصية الله تعالى، كالوقف على الدعارة، وأندية القمار، ومجالس الخمر، وقطّاع الطريق. أمّا الوقف على غير المسلمين، كالذمي فيجوز بالاتفاق؛ لقوله تعالى:( لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ) (٨ الممتحنة).

وقال الفقيه الإمامي السيد كاظم في ملحقات العروة باب الوقف: بل يجوز الوقف والبر والإحسان للحربي أيضاً، ترغيباً في الخير.

وقال الشهيد الثاني في اللمعة الدمشقية ج١ باب الوقف ما نصه بالحرف: (يجوز الوقف على أهل الذمة؛ لأنّه ليس بمعصية، وإنّهم عباد الله ومن جملة بني آدم المكرمين ثمّ قال: لا يجوز الوقف على الخوارج ولا الغلاة(١) ؛ لأنّ أولئك كفّروا أمير المؤمنين علياً، وهؤلاء ألّهوه، والخير هو النمط الأوسط، كما قال الإمام: (هلك فيَّ اثنان: مبغض قالٍ، ومحبٌّ غال).

٤ - أن يكون معيّناً غير مجهول، فإذا وقف على رجل أو امرأة بدون تعيين بطل.

وقال المالكية: يصحّ الوقف وإن لم يعيّن الواقف له مصرفاً، فإذا قال: وقفٌ داري هذه، وسكت صحّ، وأُنفق في سبيل البر. (شرح الزرقاني على أبي ضياء).

٥ - قال الإمامية والشافعية والمالكية: لا يصحّ للواقف أن يقف على نفسه، أو يدخلها مع الموقوف عليهم، إذ لا يُعقل أن يملِّك

____________________

(١) لا شيء أصدق في التعبير عن عقيدة أهل المذهب من كتبهم الدينية، بخاصة كتب الفقه والتشريع، والشهيد الثاني من أعظم المراجع عند الشيعة الإمامية، وهذا قوله صريح بأنّ غير المسلمين من أهل الأديان أفضل من الغلاة، وإنّهم عباد الله المكرمون فكيف يُنسب إلى الإمامية الغلو والمغالاة؟


الإنسان نفسه بنفسه. أجل، إذا وقف على الفقراء، ثمّ افتقر يكون كأحدهم، وكذلك إذا وقف على طلبة العلم وأصبح طالباً.

وقال الحنابلة والحنفية: يصحّ. (المغني، وأبو زهرة، وميزان الشعراني، وملحقات العروة).

الوقف على الصلاة:

ومن عدم جواز الوقف على النفس يتبين بطلان الأوقاف الكثيرة الموجودة في قرى جبل، والتي وقفها أربابها على الصلاة عنهم بعد موتهم، حتى ولو قلنا بجواز النيابة عن الميت في الصلاة المستحبة فضلاً عن الواجبة؛ لأنّها في الحقيقة وقف على النفس.

الاشتباه:

قال صاحب الملحقات: إذا اشتُبه الموقوف عليه بين شخصين أو جهتين فالمرجع القرعة، أو الصلح القهري، ومعنى الصلح القهري: أن يُقسّم الناتج بين الاثنين اللذين هما طرفا الاشتباه.

وإذا جُهِلت جهة الوقف، ولم نعلم هل هي المسجد أو الفقراء أو غيرهما، صُرف الوقف في سبيل البر والخير.

وإذا ترددت العين الموقوفة بين شيئين، كما لو علمنا بوجود الوقف، ولم نعلم أنّه الدار أو الدكان، رجعنا إلى القرعة أو الصلح القهري، أي أخذنا للوقف نصف الدكان ونصف الدار.


شروط الواقف وألفاظه

إرادة الواقف:

إذا كان الوقف عطية وتبرعاً وصدقة يكون الواقف - والحال هذه - معطياً ومتبرعاً ومتصدقاً. وبديهة أنّ للإنسان - العاقل البالغ الراشد الصحيح غير المحجَر عليه في التصرفات المالية - له أن يتبرع من أمواله ما يشاء إلى مَن يشاء بالنحو الذي يراه. وفي الحديث (الناس مسلّطون على أموالهم). وقال الإمام: (للوقوف بحسب ما يقفها أهلها)؛ ولأجل هذا قال الفقهاء: شروط الواقف كنص الشارع، وألفاظه كألفاظه في وجوب اتباعها والعمل بها ومثله الناذر، والحالف، والموصي، والمقر.

وعلى هذا، فإن عُلِم قصد الواقف، وأنّه أراد هذا المعنى دون سواه أُخذ به، حتى ولو خالف فهم العرف، كما لو علمنا أنّه أراد من لفظة: أخي صديقه فلاناً، فنُعطي الوقف للصديق، لا للأخ؛ لأنّ العرف إنّما يكون حجة متبعة باعتباره وسيلة تكشف عن القصد، فإذا عرفنا القصد يسقط العرف عن الاعتبار. أمّا إذا جهلنا القصد كان العرف هو المتبع، وإذا لم يكن للعرف اصطلاح، ولم يُفهم من ألفاظ الواقف


شيء رجعنا إلى اللغة، تماماً كما هو الشأن في ألفاظ الكتاب والسنّة.

الشرط السائغ:

قلنا: إنّ للواقف الجامع للشروط أن يشترط ما يشاء، ونستثني الآن الحالات التالية:

١ - يلزم الشرط وينفذ إذا اقترن بإنشاء الوقف وحصل معه، أمّا إذا ذكر الشرط بعد تمام الإنشاء فيكون لغواً، إذ لا سلطان للواقف على العين بعد خروجها عن ملكه.

٢ - أن لا يذكر شرطاً ينافي مقتضى العقد وطبيعته، كما لو شرط أن تبقى العين على ملكه، فيورثها ويبيعها ويهبها ويؤجرها ويعيرها إن شاء. ومعنى هذا في حقيقته أنّ الوقف ليس بوقف، وأنّ ما ليس بوقف هو وقف. وإذا جعل هذا الشرط الإنشاء لغواً يكون الوقف بلا إنشاء، والمفروض أنّه لا يتم بدونه. وبكلمة، إنّ حال هذا الواقف أشبه بحال البائع الذي يقول: بعتُكَ هذا على أن لا ينتقل المبيع إليك، ولا ينتقل الثمن إليَّ. ومن أجل هذا أجمع الفقهاء على أنّ كل شرط ينافي مقتضى العقد فهو باطل ومبطِل.

ولكنّ السنهوري القانوني الشهير قال في مجموعة القوانين المختارة من الفقه الإسلامي: إنّ الحنفية قالوا: يُستثنى من ذلك المسجد، فإنّ هذا الشرط الفاسد لا يفسد وقفيته، أمّا بالنسبة إلى غير المسجد يكون فاسداً ومفسِداً. (الوقف لمدكور).

٣ - أن لا يخالف الشرط حكماً من أحكام الشريعة الإسلامية، كأن يشترط فعل الحرام، أو ترك الواجب. وفي الحديث: (مَن اشترط شرطاً سوى كتاب الله عزّ وجلّ فلا يجوز ذلك له ولا عليه). وقال الإمام: (المسلمون عند شروطهم، إلاّ شرطاً حَرَّم حلالاً أو أحلّ


حراماً).

وما عدا ذلك من الشروط التي تقترن بالعقد، ولا ينافي طبيعته ولا حكماً من أحكام الكتاب والسنّة، فإنّها جائزة يجب الوفاء بها بالاتفاق، كما لو اشترط أن يبنوا من غلّة الوقف داراً للفقراء، أو يبتدؤوا بأهل العلم، وما إلى ذاك. وبكلمة: إنّ الواقف كأيّ إنسان يجب أن تتمشى جميع تصرفاته مع الأسس العقلية والشرعية، سواء أكانت هذه التصرفات من نوع الوقف أو الأكل والسفر أو غيره، فمتى وافقت الشرع والعقل وجب احترامها وإلاّ أُهملت.

العقد وهذا الشرط:

ليس من شك أنّ الشرط الباطل لا يجب الوفاء به، مهما كان نوعه. وأيضاً ليس من شك أنّ ما كان منه منافياً لمقتضى العقد وطبيعته يسري بطلانه إلى العقد بالذات، فيكون باطلاً بنفسه مبطِلاً لغيره بالاتفاق، من غير فرق بين الوقف وغير الوقف.

واختلفوا في الشرط المنافي لأحكام الكتاب والسنّة فقط، لا لطبيعة العقد، كمن وقف داره على زيد بشرط أن يرتكب فيها المحرمات، أو يترك الواجبات، إختلفوا: هل بطلان هذا الشرط يوجب بطلان العقد أيضاً، بحيث لا يجب الوفاء بالعقد كما لا يجب الوفاء بالشرط، أو يختصر الفساد والبطلان على الشرط فقط؟

نقل الشيخ أبو زهرة عن الحنفية في كتاب الوقف ١٦٢: (إنّ الشروط المخالفة للمقررات الشرعية تبطل هي فقط، أمّا الوقف فصحيح، ولا يفسد بفسادها؛ لأنّ الوقف تبرّع، والتبرعات لا تبطلها الشروط الفاسدة).

أمّا الإمامية فقد اختلفوا فيما بينهم، فمِن قائل: إنّ فساد الشرط لا


يوجب فساد العقد، وقائل: بأنّه يوجبه، وتوقّف ثالث. (الجواهر، ومكاسب الأنصاري).

والذي نراه نحن أنّ فساد الشرط المنافي لأحكام الكتاب والسنّة لا يسري إلى العقد بحال، ذلك أنّ للعقد أركاناً وشروطاً، كالإيجاب والقبول، وكون العاقد عاقلاً بالغاً، والمعقود عليه ملكاً للعاقد، وقابلاً للنقل والانتقال، فمتى تم ذلك صحّ العقد بلا ريب، أمّا ذكر الشروط الفاسدة التي لا تمسّ أركان العقد وشروطه من قريب أو بعيد، بل ذُكرت معه فقط، فإنّ فسادها لا يستتبع فساد العقد، ولو افتُرض أنّ فساد العقد أحدث خللاً في العقد - كالجهالة الموجبة للغرر في عقد البيع - يكون العقد - والحال هذه - فاسداً، ولكن للجهالة، لا لفساد الشرط.

وإلى هذا ذهب صاحب الجواهر، وهو مَن هو في ذوقه وتحقيقه، وممّا يدلّ على صفاء هذه الفطرة قوله: (أمّا دعوى أنّ الشرط الفاسد إذا أُخذ بنحو القيدية فيفسد العقد، وإذا أُخذ بنحو الداعي فلا يفسده، أمّا هذه الدعوى فسفسطة لا محصّل تحتها).

أجل، إنّها سفسطة وكلام فارغ؛ لأنّ العرف لا يدرك ولا يميّز بين الحالين، وبديهية أنّ الخطابات الشرعية مُنزَّلة على الأفهام العرفية، لا على الدقة العقلية.

قدّمنا أنّ الفقهاء قسّموا الشروط إلى صحيحة وفاسدة، وقالوا: يجب الوفاء بالأُولى دون الثانية، وأنّهم قسّموا الفاسدة إلى ما ينافي طبيعة العقد، وإلى ما لا ينافيه، وإنّما ينافي أحكام الشريعة، وأنّهم اتفقوا على أنّ النوع الأوّل فاسد ومفسِد، واختلفوا في النوع الثاني، فمِن قائلٍ بأنّه فاسد غير مفسِد، وقائلٍ بفساده وإفساده.

ثمّ اختلفوا في كثير من الموارد والأمثلة: هل هي من نوع الشرط الفاسد؟ وعلى افتراض أنّها منه، فهل هي مفسِدة أيضاً، أو فاسدة غير مفسِدة؟ وفيما يلي نذكر طرفاً من هذه الأمثلة:


الخيار:

قال الشافعية والإمامية والحنابلة: إذا اشترط الواقف لنفسه أن يكون له الخيار أمداً معلوماً في إمضاء الوقف، أو العدول عنه بطل الشرط والوقف معاً؛ لأنّه شرط ينافي طبيعة العقد.

وقال الحنفية: بل كلاهما صحيح. (فتح القدير، والمغني، والتذكرة).

الإدخال والإخراج:

قال الحنابلة والشافعية في القول الأرجح: إنّ اشترط الواقف أن يُخرج مَن يشاء من أهل الوقف، ويُدخل مَن يشاء من غيرهم لم يصحّ، ويبطل الوقف؛ لأنّه منافٍ لمقتضى العقد فأفسده. (المغني، والتذكرة).

وقال الحنفية والمالكية: بل يصحّ. (شرح الزرقاني، وأبو زهرة).

وفصّل الإمامية: بين الإدخال والإخراج، وقالوا: إن اشترط إخراج مَن يريد من أرباب الوقف بطل الوقف، وإن اشترط إدخال من سيولد مع الموقوف عليهم جاز، سواء أكان الوقف على أولاده أو أولاد غيره. (التذكرة).

الأكل ووفاء الدين:

قال الإمامية والشافعية: لو وقف على غيره، واشترط وفاء ديونه وإخراج مؤنته من الوقف يبطل الوقف والشرط. (الجواهر، والمهذِّب).

فائدة:

وحيث ذكرنا شرط الخيار، وبعض الأمثلة للوقوف المقيدة بشرط


يحسن أن نشير بهذه المناسبة إلى ما دار وتداول على ألسنة فقهاء الإمامية من قولهم: خيار الشرط، وشرط الخيار، وقولهم: مطلق العقد، والعقد المطلق، وأن نفرق بين الشرطين والإطلاقين.

أمّا شرط الخيار: فهو أنّ العاقد عند إنشاء العقد قد ذكر الخيار بلفظه، واشترطه لنفسه، كما لو قال: بعتُكَ هذا ولي الخيار في فسخ البيع والرجوع عنه مدة كذا. أمّا خيار الشرط، وبالأصلح خيار تخلّف الشرط أمراً آخر، كما لو قال البائع للمشتري: بعتُكَ هذا على أن تكون عالماً، ثمّ تبين أنّ المشتري جاهل، وهذا التخلف يُحدث للبائع الخيار في فسخ البيع والرجوع عنه، إن شاء أمضاه وإن شاء فسخه، ومعلوم أنّ الفرق كبير جداً بين الموردين.

أمّا الفرق بين العقد المطلق ومطلق العقد فيتبين بعد أن نعرف أنّ العقد على أنواع: منه العقد المجرد عن كل قيد، وهو العقد المطلق، ومنه العقد المقيد بقيد إيجابي أو بقيد سلبي، ومنه العقد من حيث هو هو، أي غير ملحوظ به الإطلاق، ولا قيد الإيجاب أو السلب، وهو مطلق العقد الشامل للعقد المطلق، وللعقد المقيد. وعليه يكون كل من المطلق والمقيد قسيم للآخر، وفي عرض أخيه وحياله، وهما معاً قسمان لمطلق العقد، تماماً كالرجل والمرأة بالقياس إلى مفهوم الإنسان(١) .

____________________

(١) ومن التعابير المختصرة ما هو معروف بين طلاب النجف من قولهم: بشرط شيء، وبشرط لا، ولا بشرط، ويريدون من (بشرط شيء): المقيد بالإيجاب كقولك: أعطيك بشرط أن تفعل كذا، ومن (بشرط لا): المقيد بالسلب، كقولك: أعطيك بشرط أن لا تفعل، و (لا بشرط) كقولك: أعطيك، دون تقيد بسلب أو بإيجاب. وبديهة أنّ (اللا بشرط) يشمل الأمرين معاً، ويصدق على البشرط شيء، والبشرط لا.


البنين والبنات:

إذا وقف على البنين لا تدخل البنات، وإذا وقف على البنات لا يدخل البنون، وإذا وقف على أولاده دخلا معاً، واقتسما بالسوية. وإذا قال: للذكر مثل حظ الأُنثيين، أو له مثل الأنثى، أو للأنثى مثل حظ الذكرين، أو قال: مَن تزوجتُ من النساء فلا حظ لها أبداً، صحّ في ذلك كله مراعاة لشرط الواقف. ولم أجد فيما لدي من كتب الفقه للمذاهب الخمسة قولاً يتنافى مع شيء من هذا سوى ما نقله أبو زهرة في كتاب الوقف عن المالكية ص٢٤٥: (إنّ الإجماع في مذهب مالك قائم على تأثيم مَن وقف على بنيه دون بناته، أو جعل استحقاق الوقف مقيداً بعدم الزواج، وإنّ بعضهم جعل ذلك التأثيم علة للبطلان).

ونعتقد أنّ القول بالبطلان، أو بإدخال البنات في لفظ البنين قولٌ متروك لا وزن له عند المالكية، فإنّ لدي من كتبهم أكثر من خمسة، ومنها المطوّل والمختصر، وما وجدت فيها إشارة إلى هذا القول رغم البحث والتنقيب، بل على العكس، فقد جاء فيها: (إنّ ألفاظ الواقف تُحمَل على العرف، وهي كألفاظ الشارع في وجوب الاتباع). أجل، فقد نقل عن عمر بن العزيز أنّه حاول أن يدخل البنات في أوقاف البنين، وابن عبد العزيز ليس مالكياً. هذا، إلى أنّ محاولته إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على عطفه وإنسانيته.

أولاد الأولاد:

وكما اختلف الفقهاء في بعض الشروط أنّها باطلة أو صحيحة، وأنّ الباطل منها هل يُبطِل؟ فقد اختلفوا أيضاً في دلالة بعض الألفاظ، من تلك إذا قال: هذا وقفٌ على أولادي، وسكت: هل


يشمل لفظ أولادي أولاد الأولاد؟ وفي حال الشمول: هل يعمّ أولاد البنين والبنات معاً، أو أولاد البنين فقط؟

فالمشهور من قول الإمامية أنّ لفظ أولادي لا يشمل أولاد الأولاد، ولكنّ السيد الأصفهاني قال في وسيلة النجاة: إنّ لفظ الأولاد يعمّ أولاد الأولاد ذكوراً وإناثاً. وهذا هو الحق؛ لأنّه المفهوم العرفي الذي عليه المعوّل.

وروى صاحب المغني عن ابن حنبل أنّ لفظ ولد يصدق على الذكر والأنثى للصُلب، وعلى أولاد الابن دون أولاد البنت.

وقال الشافعية: إنّ لفظ الولد يصدق على الذكر والأنثى من الصُلب، ولا يصدق على أولاد الأولاد إطلاقاً، أمّا لفظ ولد الولد عندهم فيعمّ الذكور والإناث، وبه قال الحنفية. (فتح القدير، والمهذّب).

وقال المالكية: تدخل الإناث في لفظ الأولاد، ولا تدخل في لفظ أولاد الأولاد. (الزرقاني).

وقول المالكية هذا يناقض نفسه؛ لأنّ مادة اللفظ واحدة، وهي: ل. و. د، فكيف دلّت على الذكور والإناث معاً بدون الإضافة، ومعها دلّت على الذكور فقط؟


الولاية على الوقف

الولاية على الوقف: هي سلطة محددة برعايته وإصلاحه واستغلاله، وإنفاق غلّته في وجهها. وتنقسم الولاية إلى نوعين: عامة، وخاصة. والعامة: هي التي تكون لولي الأمر. والخاصة: ما كان لمن يولّيه الواقف عند إنشاء الوقف، أو يولّيه الحاكم الشرعي.

واتفقوا على أنّ الولي يجب أن يكون عاقلاً بالغاً راشداً أميناً، بل اشترط الشافعية وكثير من الإمامية العدالة. والحق الاكتفاء بالأمانة والوثاقة، مع القدرة على إدارة الوقف إدارة كاملة.

واتفقوا على أنّ المتولي أمين لا يضمن إلاّ بالتعدي أو التقصير.

وأيضاً اتفقوا إلاّ مالكاً على أنّ للواقف أن يجعل التولية حين الوقف لنفسه مستقلاً، أو يشترط معه غيره مدة حياته، أو لأمد معيّن، وله أن يجعل أمرها بيد غيره.

وعن كتاب فتح الباري إنّ مالكاً قال: لا يجوز للواقف أن يجعل الولاية لنفسه؛ لئلا يصير كأنّه وقف على نفسه، أو يطول العهد فيُنسى الوقف، أو يفلس الواقف فيتصرف فيه، أو يموت فيتصرف فيه ورثته، وإذا حصل الأمنُ من ذلك كله فلا بأس بأن يجعل الولاية في يده.


الأُولى عين جديدة فإنّ الثانية لا تأخذ حكمها، ولا تكون وقفاً مثلها، بل هي تماماً كناتج الوقف يجوز بيعها بدون عروض المبرر إذا رأى المتولي مصلحة في البيع. والحق ما ذهب إليه الأنصاري والشهيد وغيرهما من المحققين من عدم الفرق بين البدل والمبدل منه.


من طرائف الوقف

ما كان في نيتي أن أُسجّل هنا شيئاً يتصل بالوقف بعد أن أنهيت الحديث عنه وعن أقوال المذاهب فيه، ولكن تشاء الصدف أن أقرأ شيئاً طريفاً وممتعاً عن الأوقاف المصرية في عهد المماليك والعثمانيين القدامى في نفس اللحظة التي انتقلتُ فيها من باب الوقف الى باب الحجر، في هذه اللحظة بالذات وصلتني جريدة لسان الحال البيروتية، وجريدة الأخبار المصرية تاريخ ٧/٧/١٩٦٤، فتركتُ القلم، وتصفحتُ الجريدتين، لأعرف ما يجري حول غرفتي من حوادث، ولأُخفّف عن نفسي أثقال الصبر على طعام واحد.

وإذا بي أرى في جريدة الأخبار أنّ في مديرية الأوقاف المصرية غرفة من حديد، مضى عليها مئات السنين وهي مقفلة، وشاءت المديرية أن تفتحها، وتطّلع على ما في داخلها، وما إن فتحت أبواب الغرفة حتى رؤيت آلاف الحجج والوثائق مكدسة تعلوها الأتربة، فخصّصت عشرين موظفاً لفحصها ومعرفتها، وحين باشروا بالعمل، رأوا العجائب والغرائب، ٣٠٠ حجة كُتبت بماء الذهب، وحجة يرجع تاريخها إلى ألف سنة. وقد أحسستُ بمتعة وطرافة في قراءتها، إمّا لأنّها كذلك


في واقعها، وإمّا لأنّي كنت غارقاً في التنقيب والتفكير والكتابة عن الوقف إلى قمة الرأس، وإليك طرفاً من هذه المحتويات عساك أن تشعر بالمتعة كما شعرتُ:

عقار وقِف على علف البغلة التي كان يركبها شيخ الأزهر في ذلك الوقت.

فلانة وقَفَت ثلاثة آلاف فدان على العلماء بشرط أن يكونوا على مذهب أبي حنيفة.

الباشا فلان وقف عشرة آلاف فدان على وضع سعف النخل والريحان على مقابر أُسرته.

ورجل وقف أسهماً من ثروته على الزملاني، أي ساقي المياه في الجامع.

وآخر وقف على الذي يلقي خطبة الجمعة.

وسيدة وقفت على حبال الدلاء التي يُستقى بها في المسجد.

ووقْف على الجبب والقاطين للشيوخ.

ووقْف لإطلاق البخور في حلقات الدرس.

وأذكر أنّي قرأت فيما مضى عن وقف في سورية يُشترى بريعه صحونٌ بدل الصحون التي تكسرها الخادمات، كي يسلمن من غضب مخدوماتهن.

وسمعتُ أنّ في حمص وقفاً على مَن يرى هلال رمضان ليلة العيد، ومن أجل هذا تكثر دعاوى رؤيته هناك. ويوجد في بعض قرى جبل عامل وقفٌ على أكفان الموتى.

وإذا دلّت هذه الأوقاف على شيء فإنّها تدلّ على نوع التفكير في ذاك العهد، وحياة المجتمع الذي كان يعيش فيه الواقفون وعاداته، وإنّ كثيراً من الناس إذا ماتوا لم يجد ذووهم ما يكفّنونهم به.


الحَجْر



المجنون والصغير

الحَجْر:

الحجر - بفتح الحاء وسكون الجيم - ومعناه لغة: المنع، ومنه قوله تعالى:( وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ) (الفرقان - ٢٢). وشرعاً: منع الإنسان عن التصرف في أمواله كلها أو بعضها. وأسبابه التي نتكلم عنها هنا أربعة: الجنون، والصغر، والسفه، والإفلاس(١) .

المجنون:

المجنون محجَر عليه في جميع تصرفاته بالنص والإجماع، دائماً كان الجنون أو إدواراً، ولكنّ الإدواري إذا تصرّف حالَ إفاقته نفذ تصرفه، وإذ صدر منه تصرف ولم نعلم أنّه كان في حال الجنون أو الإفاقة لم ينفذ؛ لأنّ العقل ركن في صحة المعاملة، والشك فيه شك

____________________

(١) ومرض الموت من الأسباب أيضاً، حيث يُمنع المريض من التصرف في أمواله إذا زاد عن الثلث، وقدّمنا الكلام في ذلك في باب الوصايا بعنوان: (تصرفات المريض)، فراجع.


في أصل تحقق العقد لا في صحته، فيُنفى بالأصل. وبتعبير ثانٍ: إذا كان الشك في صحة العقد ناشئاً عن الشك في وجود العقل حين العقد نستصحب الحالة السابقة، ونبقي ما كان على ما كان.

والمغمى عليه والسكران بحكم المجنون.

وإذا وطأ المجنون امرأة وحملت منه أُلحق به الولد، تماماً كالشبهة.

الصغير:

الصبي محجَر عليه بالاتفاق، واختلفوا في بعض تصرفات المميز - كما سنشير - وإذا تكامل فيه العقل والبلوغ يصبح رجلاً، وتنفذ جميع تصرفاته.

وقال الإمامية والشافعية: إذا بلغ الصبي عشراً صحّت وصيته في البر والإحسان. وقال أكثر من واحد من الإمامية: يصحّ طلاقه أيضاً استناداً إلى بعض الروايات.

وأشرنا في باب الزواج فصل (شروط العاقدين) إلى البلوغ بالسن وعلاماته، فراجع.

الضمان:

إذا أتلف المجنون أو الصبي مال الغير بغير إذنه فعليهما الضمان؛ لأنّ الضمان من الأحكام الوضعية التي لا يُشترط فيها العقل والبلوغ(١) ، فإن

____________________

(١) كل حق أدبي يعود إلى الله سبحانه يكون العقل والبلوغ شرطين فيه، وكل حق مالي يعود إلى الإنسان فلا يُشترط فيه العقل ولا البلوغ.


كان لهما مال في يد الولي طولب بالوفاء من مالهما، وإلاّ فعلى صاحب المال أن ينتظر، حتى يفيق المجنون ويبلغ الصبي فيطالبهما بحقه.

الصبي المميز:

الصبي المميز: هو الذي يستطيع أن يفرّق بين الضار والنافع في الجملة، ويعرف عقد البيع من عقد الإجارة، والصفقة الرابحة من الخاسرة.

قال الحنفية: تجوز تصرفات الصبي المميز بدون إذن الولي إذا عادت عليه بالنفع المحض، كقبول الهبات والوصايا، والأوقاف من غير عوض، أمّا التصرفات التي يُحتمل فيها النفع والضرر - كالبيع والشراء والرهن والإجارة والإعارة - فلا تصحّ إلاّ بإذن الولي.

أمّا غير المميز فلا تصحّ تصرفاته بشتّى أنواعها، أذن الولي أو لم يأذن، سواء تصرّف في الشيء الحقير أو الخطير.

وقال الحنابلة: يصحّ تصرف المميز بإذن الولي، ويصحّ تصرف غير المميز بالشيء الحقير وإن لم يأذن الولي، كما لو اشترى من بائع الحلوى ما يشتريه الأطفال عادة، أو باع عصفوراً من رجل ليطلقه المشتري. (التنقيح، والتذكرة).

وقال الإمامية والشافعية: إنّ معاملة الصبي بكاملها غير شرعية، سواء أكانت بالوكالة أو بالأصالة، قبضاً أو إقباضاً، في الحقير أو في اليسير، نذراً كانت أو إقراراً، مميزاً كان الصبي أو غير مميز. قال الشيخ الأنصاري في المكاسب: (العمدة في سلب عبارة الصبي هو الإجماع المحكي المعتضد بالشهرة العظيمة وإنّ العمل على المشهور).

وقد فرّع الإمامية على ذلك فروعاً، فيها دقة وعمق ذكرها العلاّمة الحلّي في التذكرة:


(منها) إذا كان عليك لرجل دين، وقال لك: سلّم المال الذي لي في ذمتك إلى ولدي. وكان ولده قاصراً، فسلّمتَ المال المطلوب منك للولد بناءً على طلب أبيه، وصادف أنّ المال فُقِد من الولد - إذا كان كذلك - لم تبرأ ذمتك من الدين، ولصاحبه أن يطالبك به ثانية على الرغم من أنّه هو الذي أمرك بالتسليم إلى ولده. كما أنّ الولد لا يضمن المال الذي أضاعه، ولا يحق لك أن تطالب به ولي الطفل، ولا الطفل بعد أن يكبر.

أمّا بقاء الدين في ذمتك فلأنّ الدين لا يتعين إلاّ بالقبض الصحيح، والمفروض أنّ صاحب الدين لم يقبضه هو ولا وكيله الشرعي، وقَبضُ الطفل وجودُه كعدمه بعد أن افترضنا أنّه ليس أهلاً للقبض والإقباض، أمّا الإذن بالتسليم فهو تماماً كمن قال لك: إرمِ بما أطلبك من دين في البحر. وفعلتَ بما قال، فإنّ الدين - والحال هذه - يبقى في ذمتك.

وأمّا عدم ضمان الصبي للمال الذي سلّمته له؛ فلأنّك أنت الذي أضعته بسوء اختيارك، حيث جعلته في يد مَن لا أثر ليده، حتى مع إذن الولي وأمره.

و(منها) ما إذا كان للصبي عندك أموال، وقال لك وليّه: سلّمه إياها. فسلّمتَه وأضاعها الصبي، كان عليك الضمان، إذ لا يحق لك أن تفرّط بأموال القاصر، حتى ولو أذن الولي بذلك.

و(منها) إذا عرض عليك الطفل ديناراً لتنظر فيه، وأنّه هل هو صحيح أو زائف، أو أعطاك متاعاً لتقوّمه أو تشتريه، أو لغير ذلك فلا يجوز لك بعد أن أصبح في يدك أن تردّه إليه، بل عليك أن ترده إلى الولي.

و(منها) إذا تبايع الصبيان وتقابضا، وأتلف كل منهما ما قبضه، فإن جرى ذلك بإذن الوليين فالضمان عليهما، وإن كان بدون إذنهما فالضمان في أموال الصبيين.


هذا ما قاله الإمامية. أمّا الذي نراه نحن فهو: إذا علمنا علم اليقين بأنّ هذا التصرف الذي صدر من الصبي المميز هو في مصلحته مئة بالمئة وجب على الولي أن يقره عليه، ولا يجوز له أن يبطله، بخاصة إذا كان في إبطاله ضرر على الطفل.

أمّا الأدلة العامة الدالة على بطلان تصرّف الصبي فإنّها منصرفة عن هذه الحال، أو إنّ هذه الحال مخصصة لتلك العمومات، ذلك أنا على يقين من أنّ مقاصد الشريعة هي المصلحة، ومتى علمنا بوجود المصلحة وجب الأخذ بها، تماماً كمفهوم الأولوية، والأقيسة القطعية. وليس هذا اجتهاداً في قبال النص، بل هو عمل بالنص، إذ العلم بالمقصد الشرعي تماماً كالعلم بالنص، إذا لم يكن هو بالذات.

ولو أخذنا بقول الإمامية والشافعية لكانت المكافأة كالساعة - مثلاً - تهديها المدرسة للطالب المتفوق - في غير محلها. وإذا قبضها الطالب غير البالغ فلا يملكها، وهذا يتنافى مع الفطرة، وما عليه العقلاء والأديان والمذاهب.

عمد الصبي خطأ:

إذا قتل الصبي إنساناً أو جرحه أو قطع بعض أعضائه فلا يقتض منه تماماً كالمجنون؛ لأنّه ليس أهلاً للعقوبة دنياً ولا آخرة، وفي الحديث (عمد الصبي خطأ). ولا خلاف في ذلك بين المذاهب، أمّا الدية فتتحملها العاقلة.

وإذا جاز ضرب الصبي في بعض الحالات فإنّما هو للتأديب، لا للقصاص ولا للتعزيز.


السفيه

تعريفه:

يفترق السفيه عن الصبي بالبلوغ، وعن المجنون بالعقل، فالسفه من حيث هو يجتمع مع الإدراك والتمييز؛ لأنّ السفيه هو الذي لا يحسن إدارة أمواله وإنفاقها بالمعروف، سواء أكانت فيه جميع المؤهلات لحسن الإدارة ولكنّه أهل ولم يفعل، أم كان فاقداً لها. وبكلمة: إنّه المهمِل المبذِّر، على أن يتكرر منه الإهمال والتبذير. ومن التبذير أن يتصدق بكلّ أو جُلّ ما يملك، أو يبني مسجداً أو مدرسة أو مصحّاً لا يُقدِم عليه مَن كان في وضعه المادي والاجتماعي، بحيث يضرّ به وبمن يعول، ويراه الناس خارجاً عن طريقة العقلاء في إدارة أموالهم.

التحجير:

اتفقوا - ما عدا أبا حنيفة - على أنّ السفيه يُحجر عليه في خصوص التصرفات المالية، وإنّ شأنه في ذلك شأن الصبي والمجنون إلاّ إذا أذن له الولي، وله مطلق الحرية في التصرفات التي لا تتصل بالمال من قريب


أو بعيد. والسفيه لا يُفك عنه الحجر حتى يبلغ، ويُعلم منه الرشد؛ لقوله تعالى:( وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) (النساء - ٥)(١) .

وبهذا قال الإمامية والشافعية والمالكية والحنابلة، وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة.

وقال أبو حنيفة: إنّ الرشد ليس شرطاً في تسليم الأموال لأصحابها، ولا في صحة تصرفاتهم المالية، فإذا بلغ الإنسان رشيداً ثمّ عرض له السفه تصحّ تصرفاته، ولا يجوز التحجير عليه حتى ولو كانت سنّه دون الخامسة والعشرين، وكذلك مَن بلغ سفيهاً، بحيث يتصل السفه بالصغر، لا يُحجر عليه بحال بعد بلوغ الـ ٢٥. (فتح القدير، وابن عابدين).

وهذه مخالفة صريحة لإجماع الأُمة بكاملها، بل لِما هو معلوم بضرورة الدين ونص القرآن الكريم، وهو قوله جلّ وعزّ:( وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ ) .

حكم الحاكم:

قال المحققون من الإمامية: إنّ المعوّل في بطلان تصرفات السفيه على وجود ظهور السفه، لا على حكم الحاكم بالتحجير، فكل تصرّف يصدر عنه حال السفه يكون باطلاً، سواء أحجر الحاكم أم لم يحجر، اتصل السفه بالصغر أو تجدد بعد البلوغ. فلو كان سفيهاً ثمّ حصل

____________________

(١) عبّرت الآية عن أموال القاصرين بكاف المخاطب أوّلاً، ثمّ بهاء الغائب ثانية، إشعاراً بأنّ كل ما يملكه الإنسان له صفتان: الأُولى: سلطته الخاصة عليه، والثانية: أن يصرفه بما يعود عليه وعلى مجتمعه بالنفع، أو لا يعود عليهما بالضرر على أسوأ التقادير.


الرشد ارتفع عنه الحجر، فإن عاد السفه عاد، فإن زال زال، وهكذا. (وسيلة النجاة للسيد الأصفهاني).

وهذا القول قريب جداً من قول الشافعية.

وقال الحنفية والحنابلة: لا يُحجر على السفيه إلاّ بحكم الحاكم، فإذا تصرّف قبل الحكم عليه بالتحجير نفذ التصرف وإن كان في غير محله، ولا ينفذ بعد الحكم وإن كان في محله.

ولا يتم هذا إلاّ على القول بأنّ حكم الحاكم يغيّر الواقع، وهذا القول مختص بالحنفية فقط. أمّا الشافعية والمالكية والحنابلة فإنّهم يتفقون مع الإمامية على أنّ حكم الحاكم لا يمسّ الواقع من قريب أو بعيد؛ لأنّه وسيلة لا غاية، وقد فصّلنا القول في كتابنا (أصول الإثبات).

وقال المالكية: إذا اتصف الشخص بالسفه يكون مستحقاً للحجر ذكراً كان أو أنثى، فإذا عرض له السفه بعد زمن قليل كعامٍ، فإنّ الحجر عليه يكون من حقوق أبيه؛ لأنّ ذلك الزمن قريب من زمن البلوغ. أمّا إذا عرض له السفه بعد البلوغ بأكثر من عام فإنّ الحجر عليه لا يكون إلاّ بحكم الحاكم. (الفقه على المذاهب الأربعة ج٢ باب الحجر).

وأيضاً قال المالكية: إنّ الأنثى وإن بلغت رشيدة فليس لها أن تتصرف في أموالها، إلاّ بعد أن تتزوج ويدخل بها الزوج، فإذا تزوجت ودخل تنفذ تبرعاتها بمقدار الثلث، وما زاد عنه يتوقف على إذن الزوج ما لم تصر عجوزاً. (الزرقاني).

أمّا بقية المذاهب فلا تفرق بين الذكر والأنثى؛ لعموم قوله تعالى:( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) .


الإقرار والحلف والنذر:

إذا أُذِن للسفيه بالتصرف المالي، وتصرّف جاز بالاتفاق. أمّا غير التصرفات المالية، كما لو أقر بالنسب، أو حلف أو نذر فِعلَ شيءٍ أو تركه ولا صلة له بالمال - أمّا هذا - فينفذ وإن لم يأذن الولي.

وإذا أقر بالسرقة يُقبل في القطع دون المال، أي في حق الله، لا في حق الناس.

وقال الحنفية: يؤخذ بإقراره في الأحوال التي آلت إليه بعد الحجر دون ما كانت له عند الحجر، وكذلك تصحّ وصيته من الثلث في الخير والبر.

وقال الإمامية: لا فرق بين الأموال اللاحقة والسابقة، بل قالوا: لا يجوز للسفيه أن يؤجّر نفسه في عمل من الأعمال، وإن كانت في صالحه إلاّ بإذن الولي. وقالوا: لو أودع إنسان عند السفيه وديعة، وهو يعلم بسفهه، وباشر السفيه إتلافها بنفسه عمداً أو خطأ ضَمِن السفيه، أمّا إذا تلفت الوديعة بدون مباشرة السفيه ولكن للتقصير في حفظها فلا يضمن؛ لأنّ المفرِّط والمقصِّر في هذه الحال هو صاحب الوديعة بالذات، أمّا الضمان مع مباشرة الإتلاف فلدليل:(مَن أتلف مال غيره فهو له ضامن) . (وسيلة النجاة).

زواجه وطلاقه:

قال الشافعية والحنابلة والإمامية: لا يصحّ زواج السفيه، ويصحّ طلاقه وخلعه، ولكنّ الحنابلة قيدوا الزواج بالحاجة إليه.

وقال الحنفية: يصحّ زواجه وطلاقه وعتقه؛ لأنّ هذه الثلاث تصحّ


مع الهزل فبالأولى مع السفه، ولكن إذا تزوج بأكثر من مهر المثل صح بمقدار المثل فقط.

ثبوت الرشد:

اتفقوا على أنّ الرشد يُعرف بالاختبار بداهة، ولقوله تعالى:( وَابْتَلُوا ...فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ) . ولا تنحصر طرق الاختبار بمعيّن، ولكنّ الفقهاء ذكروا على سبيل المثال أن يُفوّض للصبي إدارة أملاكه إن كانت له أملاك، أو يسند إليه شراء أو بيع بعض الحاجات وما إلى ذاك، فإن أحسن التدبير كان رشيداً. أمّا الصبية فيُفوّض إليها إدارة شؤون البيت، ومنها نكتشف رشدها أو عدمه.

ويثبت الرشد بشهادة رجلين عدلين في الرجال والنساء بالإجماع؛ لأنّ شهادة الرجلين هي الأصل. وقال الإمامية: يثبت أيضاً بشهادة رجل وامرأتين، أو أربع نساء في النساء فقط، أمّا في الرجال فلا يثبت إلاّ بشهادة الرجال فحسب. (التذكرة).


وليّ الصغير والمجنون والسفيه

الصغير:

تقدّم الكلام عن التحجير على الصغير والمجنون والسفيه، وبديهة أنّه لا بدّ لكل محجَر عليه في شيء من ولي أو وصي يرعى ذلك الشيء ويدبّره نيابة عن الأصيل، فمَن هو هذا الولي والوصي؟ وتنبغي الإشارة قبل كل شيء إلى أنّ الحديث في هذا الفصل ينحصر في الولاية على المال فقط، أمّا الولاية على الزواج فتقدّم الكلام عليها في بابه.

اتفقوا على أنّ ولي الصغير أبوه، وأنّ الأُم لا ولاية لها إلاّ على قولٍ لبعض الشافعية. واختلفوا في غير الأب، قال الحنابلة والمالكية: تكون الولاية بعد الأب لوصيه: فإن لم يكن للأب وصي فللحاكم الشرعي، أمّا الجد فلا ولاية له إطلاقاً؛ لأنّه لا يُنزّل منزلة الأب في شيء - عندهم - وإذا كانت هذه حال الجد لأب فبالأولى الجد لأُم.

وقال الحنفية: تكون الولاية بعد الأب لوصيه، ثمّ للجد لأب، ثمّ لوصيه، فإن لم يكن فللقاضي.

وقال الشافعية: تنتقل من الأب إلى الجد، ومنه إلى وصي الأب، ومنه إلى وصي الجد، ثمّ إلى القاضي.


وقال الإمامية: تكون الولاية أوّلاً للأب والجد له في مرتبة واحدة، بحيث يكون لكل منهما أن يتصرف مستقلاً عن الآخر، وأيّهما سبق أُخذ بقوله، مع مراعاة ما يجب، وإذا تشاحا يقدّم تصرّف الجد، وإذا تصرّف كل منهما تصرفاً يتنافى مع تصرّف الآخر أُخذ بالمتقدم، وأُلغي المتأخر، ومع التقارن يقدّم الجد، وإذا فُقِدا معاً كانت الولاية لوصي أحدهما، والجد أولى من وصي الأب، فإن لم يكن جد ولا أب ولا وصي لأحدهما فللحاكم الشرعي.

المجنون:

المجنون تماماً كالصغير، وأقوال المذاهب فيهما واحدة، سواء بلغ الصبي مجنوناً أم بلغ رشيداً ثمّ جن، إلاّ ما كان من جماعة من الإمامية، فإنّهم فرّقوا بين الجنون المتصل بالصغر وبين الجنون المتجدد بعد البلوغ والرشد، وقالوا: إنّ الولاية للأب والجد على المجنون الأوّل، أمّا الثاني فللحاكم مع وجودهما. ويتفق هذا القول مع القياس عند الحنفية؛ لأنّ ولايتهما قد سقطت، والساقط لا يعود، ولكنّ الحنفية هنا خالفوا القياس وأخذوا بالاستحسان.

وقال صاحب الجواهر الفقيه الإمامي: الأحوط توافق الجد والأب مع الحاكم، أي أنّ التصرف بمال المجنون الذي انفصل جنونه عن صغره يكون برأي الجميع. وقال السيد الأصفهاني في الوسيلة: لا يُترك الاحتياط بتوافق الجميع.

وأقول: إنّ الاحتياط حسنٌ لا ريب فيه، ولكنّه هنا مندوب لا واجب؛ لأنّ الأدلة التي أثبتت الولاية للأب والجد لم تفرق بين الحالين، وعليه يُقدّم الأب والجد على الحاكم إطلاقاً؛ لأنّ الحكم يدور مدار موضوعه وجوداً وعدماً، وعموم أدلة ولاية الجد والأب حاكم على عموم أدلة الولاية للحاكم.


هذا، إلى أنّ شفقة الأب والجد لا توازيها شفقة الحاكم وغير الحاكم، وأيّ عاقل يستسيغ أن يعيّن الحاكم قيّماً أو وصياً أجنبياً على القاصر مع وجود أبيه أو جده الجامع لكل الشروط والمؤهلات.

السفيه:

اتفق الإمامية والحنابلة والحنفية على أنّ الصبي إذا بلغ رشيداً، ثمّ تجدد السفه بعد الرشد تكون الولاية للحاكم دون الأب والجد، وبالأولى دون وصيهما.

ويأتي هنا ما قلناه في المجنون من أنّ العاقل لا يستسيغ أن يقيم الحاكم قيّماً أو وصياً أجنبياً مع وجود الأب والجد، فالأولى أن يختار الحاكم الأب أو الجد قيّماً على ولده من باب الاحتياط. أمّا إذا اتصل السفه بالصغر كأن بلغ سفيهاً، فكلام كل مذهب من هذه المذاهب الثلاثة هو الكلام في الصغير. (المغني، والفقه على المذاهب الأربعة، وأبو زهرة، والجواهر)(١) .

أمّا الشافعية فلم يفرقوا بين الولاية على الصغير والمجنون والسفيه، ولا بين تجدد السفه بعد البلوغ وبين اتصاله.

شروط الولي:

اتفقوا على أنّ الولي والوصي يُشترط فيه البلوغ والرشد والاتحاد في الدين، بل اشترط كثير منهم العدالة، حتى في الأب والجد.

____________________

(١) قال صاحب الجواهر في باب الحجر: أجمع الإمامية على أنّه إذا تجدد السفه بعد البلوغ فالولاية للحاكم، وإذا اتصل بالصغر فقد نقل الإجماع على أنّه للأب والجد، ولكنّ الإنصاف تحققُ الخلاف في هذه الحال، إلاّ أنّ جماعة من المحققين صرّحوا بثبوت الولاية لهما.


واختلفوا إذا سكت الواقف، ولم يجعل التوليه له ولا لغيره، قال الحنابلة والمالكية: تكون التولية للموقوف عليهم إذا كانوا معروفين محصورين، وإلاّ فهي للحاكم. (التنقيح، وشرح الزرقاني).

وقال الحنفية: تبقى الولاية للواقف، وإن لم ينص عليها لنفسه. (فتح القدير).

أمّا الشافعية فقد اختلفوا فيما بينهم على ثلاثة أقوال، الأوّل: أن تكون التولية للواقف. الثاني: للموقوف عليهم. الثالث: للحاكم. (المهذّب).

والمعروف عند الإمامية أنّه إذا لم يعيّن الواقف ولياً كانت التولية للحاكم، إن شاء باشرها بنفسه، وإن شاء فوّضها إلى غيره. وقال السيد كاظم في الملحقات، والسيد الأصفهاني في الوسيلة: إنّ هذا صحيح بالنسبة إلى الأوقاف العامة، أمّا بالقياس إلى الأوقاف الخاصة فإنّ للموقوف عليهم أن يحافظوا على الوقف، ويصلحوه، ويؤجروه، ويستوفوا الناتج بدون إذن الحاكم، والعمل على هذا.

وقال الإمامية: إذا اشترط الواقف الولاية لنفسه وكان غير مأمون، أو اشترطها لرجل يعلم بفسقه، فليس للحاكم أن ينزع الولاية من الواقف، ولا ممّن ولاّه، كما جاء في تذكرة العلاّمة الحلّي. بل قال صاحب الملحقات: لو اشترط الواقف أن لا يكون للحاكم أيّة مداخلة في أمر وقفه صحّ، وإذا مات مَن ولاّه الحاكم يكون الأمر للموقوف عليهم، أو لعدول المسلمين.

قال صاحب فتح القدير الحنفي في ج٥ ص٦١: (لو شرط الواقف ولايته لنفسه، وكان غير مأمون على الوقف، فللقاضي أن ينزعها من يده، وكذا إذا شرط أن ليس للسلطان ولا لقاضٍ أن يخرجها من يده ويولّيها غيره؛ لأنّه شرط مخالف لحكم الشرع، فبطل).

ولا أدري كيف يجتمع هذا مع ما نقله أبو زهرة في كتاب الوقف ص٣٧٢ عن كتاب البحر من أنّ القاضي لا ينعزل بالفسق، فالناظر


أولى؛ لأنّ القضاء أشرف وأخطر!

ومتى أقام الواقف أو الحاكم ولياً فليس لأحد عليه سلطان، ما دام قائماً بالواجب، فإن قصّر أو خان بحيث يلزم الضرر من بقائه واستمراره في الولاية فإنّ للحاكم أن يستبدله، والأولى أن يضم معه نشيطاً أميناً، كما قال الحنابلة.

وإذا مات مَن عيّنه الواقف أو جن أو غير ذلك ممّا يخرجه عن الأهلية، فلا تعود الولاية إلى الواقف إلاّ إذا جعل ذلك له حين إنشاء العقد.

وقال المالكية: بل تعود، وله أن يعزله متى شاء.

وقال الإمامية والحنابلة: إذا اشترط التولية لاثنين، فإن صرح بأنّ لكل منهما الاستقلال في العمل استقل، وإذا مات أحدهما أو خرج عن الأهلية انفرد الآخر، وإن صرح بالاجتماع وعدم الاستقلال فلا يجوز لأحدهما التصرف بمفرده، وإذا أطلق ولم يبيّن حُمل كلامه على صورة عدم الاستقلال بالتصرف، وعليه يعيّن الحاكم آخر ويضمّه إلى رفيقه. (الملحقات والتنقيح).

وفي فتح القدير عن قاضيخان الحنفي: (إنّ الواقف إذا جعل الولاية لاثنين، فأوصى أحدهما إلى صاحبه في أمر الوقف ومات، جاز تصرف الحي في جميع الوقف).

قال صاحب الملحقات: إذا عيّن الواقف مقداراً من المنافع للمتولي تعيّن ذلك كثيراً كان أو قليلاً، وإن لم يعيّن استحق أجرة المثل. ويتفق هذا مع ما نقله مدكور عن القانون المصري في كتاب الوقف.

واتفقوا على أنّ للولي الذي عيّنه الواقف أو الحاكم أن يوكّل مَن شاء في إنجاز مصلحة من مصالح الوقف، سواء أصرّح من أسند إليه الولاية بذلكا أم لم يصرح، اللهم إلاّ إذا اشترط عليه المباشرة بالذات. وأيضاً اتفقوا على أنّه ليس للمتولي أن يفوّض التولية من بعده إلى غيره إذا منعه عنها الولي الأصيل، كما اتفقوا على أنّ له أن يفوّضها إلى


غيره إذا أذن له. أمّا إذ سكت ولم يتعرض للتفويض إيجاباً ولا سلباً فقد ذهب الحنفية إلى أنّ له ذلك، وقال الإمامية والحنابلة والشافعية والمالكية: ليس له، وإذا فوّض يكون تفويضه لغواً.

أبناء العلماء والأوقاف:

وجد في عصرنا علماء يحرصون على دنياهم حرص علي على دينه، ومن ذلك أنّهم يجعلون ولاية الوقف الذي في يدهم إلى أولادهم، ثمّ أولاد أولادهم، ثمّ إلى يوم يبعثون، ويتسترون بلفظ الأرشد فالأرشد من هذا النسل.

ولا أريد أن أردّ على هذه البدعة أو السنّة بالآيات والروايات، وإنّما أوجّه هذه التساؤلات: هل قصد الشيخ من هذا التفويض مصلحة الوقف والمجتمع، أو المصلحة الشخصية لمن يوجد من الذرية؟ ثمّ هل الباعث على هذا التفكير مكارم الأخلاق والعفة والزهد والتضحية في سبيل الدين، أو الغنم للأولاد وأولاد الأولاد عن طريق الاتجار بالدين، واستغلاله؟ وهل اطّلع جنابه على الغيب، وعلم أنّ الأرشد من نسله أفضل للإسلام والمسلمين من الأرشد من نسل غيره؟

وبالتالي، ألا يتعظ هذا الشيخ بما رآه وشاهده من الشجار بين أولاد العلماء، وبين أهل البلد الذي فيه الوقف، ثمّ النزاع بين الأولاد بعضهم مع بعض على تعيين الأرشد، واتفاقهم بالنهاية على إقسام الوقف، تماماً كما يقتسمون الميراث؟


بيع الوقف

أسئلة:

هل توجد أسباب في الواقع تستدعي جواز بيع الوقف؟ وما هي هذه الأسباب في حال وجودها؟ ثمّ ما هو حكم الثمن لو جاز البيع ووقع؟ هل نستبدل به عيناً تستهدف جهة الوقف الأُولى، وتحلّ العين الجديدة محلّ العين القديمة وتأخذ حكمها؟

المكاسب والجواهر:

وسنعرض أقوال المذاهب بالتفصيل، ومنها يتضح الجواب عن هذه التساؤلات وغيرها. ولم أجد فقيهاً من فقهاء المذاهب الخمسة قد أطال الكلام في هذ المسألة كالفقيهين الإماميين الشيخ الأنصاري في مكاسبه، والشيخ محمد حسن في جواهره - باب التجارة - فقد تناولاها من جميع أطرافها، وفرّعا عليها فروعاً شتّى، مع التبسيط في عرض الأقوال وغربلتها، وتنقية الحقائق الصافية الخالصة. وسنلخّص المهم ممّا جاء في


هذين السفرين اليتيمين اللذين اعتمدنا عليهما أكثر من أي كتاب في بيان ما ذهب إليه الإمامية.

وبهذه المناسبة أشير - بإيجاز - إلى أنّ الشيخ الأنصاري وصاحب الجواهر لم يوفّرا أبداً على قارئهما الجهد والعناء في كل ما أنتجا وتركا من آثار، بل طلبا منه الكد والصبر والذكاء، والمؤهلات العلمية الثرية، ومحال على مَن فقد هذه المؤهلات أن يتابعهما في شي أو يلحق بغبارهما، بل يدعانه ضالاً في التيه، لا يدري أين شاطئ السلام؟

أمّا مَن أقام بنيانه على أساس من العلم فيعطيانه أثمن الجواهر، وأجدى المكاسب، على شرط الصبر والمتابعة أيضاً. ولا أعرف فقيهاً إمامياً من القدامى والجدد أعطى الفقه الجعفري وأصوله الحيوية والأصالة بقدر ما أعطاه قلمهما الجبار.

ومعذرة من هذا الاستطراد الذي قادتني إليه قسراً تلمذتي على يد هذين العظيمين، أو على آثارهما بالأصح.

هذه المسألة:

لقد تعددت أقوال الفقهاء، وتضاربت في هذه المسألة أكثر من أيّة مسألة غيرها في الفقه أو في باب الوقف، وتعرّض صاحب الجواهر إلى هذا التعدد والتضارب، نقطف من كلامه هذه الملمومة:

وقع الاختلاف بين الفقهاء في بيع الوقف على وجه لم نعثر على نظيره في مسألة من مسائل الوقف إطلاقاً، فهم ما بين مانع من بيع الوقف إطلاقاً، ومجيز له في بعض الموارد، ومتوقف عن الحكم. بل تعددت الأقوال، حتى انفرد كل فقيه بقول، بل خالف الفقيه الواحد نفسه بنفسه في كتاب واحد، فذهب في باب البيع إلى غير ما قاله في باب الوقف، وربّما ناقض قوله في كلام واحد، فقال في صدره ما يخالف


عجزه. ثمّ أنهى صاحب الجواهر الأقوال إلى ١٢ قولاً، وتعرف هذه الأقوال أو المهم منها من المسائل التالية:

المسجد:

للمسجد حكم عند المذاهب الإسلامية يخالف حكم جميع الأوقاف بشتى أنواعها، ولذا اتفقوا ما عدا الحنابلة على عدم جواز بيعه بحال، ومهما كانت الظروف والأسباب، حتى ولو خرب، أو انتقل أهل القرية والمحلة وانقطع المارة عن طريقه، بحيث يعلم جزماً أنّه لا يمكن أن يصلّي فيه إنسان، مع ذلك كله يجب أن يبقى على ما هو بدون تغيير ولا تبديل؛ وعللوا ذلك بأنّ وقف المسجد يقطع كل صلة بينه وبين الواقف وغير الواقف إلاّ الله سبحانه، ومن هنا عبّروا عنه تارة بفك ملك، وأخرى بتحرير ملك، أي أنّه كان مقيداً فأصبح طلقاً من كل قيد، وإذا لم يكن ملكاً لأحد فكيف يجوز بيعه، مع العلم بأنّه لا بيع إلاّ في ملك؟

ورتّبوا على ذلك أن لو استثمره غاصب - فسكن فيه أو زرعه - يأثم، ولكن لا يضمن ولا يغرم شيئاً؛ لأنّه غير مملوك لأحد.

ويلاحظ بأنّ خروجه عن الملك إنّما يمنع من تملكه بالبيع والشراء، ولا يمنع من تملكه بالحيازة، كسائر المباحات العامة.

وقال الحنابلة: إذا انتقل أهل القرية عن المسجد، وصار في موضع لا يُصلّى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه، ولا عمارة بعضه إلاّ بيع بعضه جاز، وإن لم يمكن الانتفاع بشيء إلاّ ببيع يباع. (المغني ج٥ باب الوقف).

ويلتقي قول الحنابلة في وجوه مع ما ذهب إليه الفقيه الإمامي السيد كاظم، حيث قال في ملحقات العروة بعدم الفرق بين المسجد وبين غيره من الأوقاف.


فالخراب الذي يبرّر بيع غير المسجد يبرّر بيع المسجد أيضاً، أمذا التحرير وفك الملك فلا يمنع البيع في نظره ما دامت العين متصفة بالمالية. والحق ما قلناه من عدم جواز التملك بالبيع، وجوازه بالحيازة.

والذي يعزّز قول هذا الفقيه العظيم من عدم الفرق أنّ مَن أجاز بيع غير المسجد إذا خرب إنّما أجازه لأنّ الخراب ينفي الغرض المقصود من الوقف، أو ينفي عنه الوصف الذي جعله الواقف موضوعاً أو قيداً للوقف، كما لو وقف بستاناً من حيث هو بستان ولم يقف نفس الأرض من حيث هي هي، وهذا بعينه جارٍ بالقياس إلى المسجد؛ لأنّ إقامة الصلاة فيه قيد في وقفه، فإذا انتفى القيد انتفت الوقفية، أو انتفت صفة المسجدية التي اعتُبرت فيه، وحينئذ يجري عليه ما يجري على غيره من جواز التملك بأحد أسبابه ولو بالحيازة.

أموال المساجد:

في الغالب أن يكون للمساجد أوقاف كحانوت، أو دار، أو أشجار، أو قطعة أرض، ينفق ريعها على إصلاح المسجد وفرشه وخادمه. وبديهة أنّ هذا النوع لا يترتب عليه أحكام المسجد من الإحترام، وأفضلية الصلاة فيه، للفرق بين الشيء نفسه وبين أمواله وأملاكه التابعة له.

وأيضاً فرق بينهما من جهة البيع، فكل مَن منع من بيع المسجد الخراب له أن يجيز بيع الأوقاف التابعة له، إذ لا ملازمة شرعية ولا غير شرعية بينهما؛ لأنّ المسجد وقف للعبادة، وهي روحية خالصة، أمّا الدكان فوقف لأجل المنفعة المادية، ولذا كان المسجد من نوع الوقف العام، بل هو أظهر أفراده، أمّا أوقافه فهي من الأوقاف الخاصة به وحده. إذن يجوز بيع أوقاف المسجد، وأوقاف المقبرة والمدرسة بلا ريب، حتى ولو قلنا بعدم جواز بيع المدرسة والمقبرة. ولكن هل يجوز


بيع الأعيان التابعة للوقف مطلقاً، حتى مع عدم وجود سبب مبرر كالخراب أو ضآلة الناتج، أو لا بدّ فيها من وجود المبرر شأنها في ذلك شأن الوقف على الذرية وما إليه من الأوقاف الخاصة؟

الجواب:

إنّ هذه الأعيان على قسمين:

الأوّل: ما ينشئه المتولي من ريع الوقف، كأن يكون للمسجد بستان فيؤجّره المتولي، ويشتري أو يبني المتولي بناتجه دكاناً لفائدة الوقف، أو يوجد الدكان بتبرعات المحسنين، إذا كان الأمر كذلك يجوز البيع والاستبدال مع المصلحة، سواء أوُجِد سبب من الأسباب التي ذكرها الفقهاء لجواز البيع أم لم يوجد؛ لأنّ هذه الأعيان ليست وقفاً، وإنّما هي ناتج ومال للوقف، فيتصرف فيه المتولي تبعاً للمصلحة، تماماً كما يتصرف بثمر البستان الموقوف لمصلحة المسجد(١) . اللهم إلاّ أن يتولى الحاكم الشرعي إنشاء وقف العقار الذي اشتراه المتولي، وحينذ لا يباع العقار إلاّ مع وجود سبب يبرر البيع. أمّا وقف الناظر فلا أثر له بدون إذن الحاكم؛ لأنّه وليّ من أجل رعاية الوقف واستثماره، لا لإنشاء الأوقاف وإيجادها.

القسم الثاني: الأعيان التي ينشئ وقفها المحسنون لمصلحة المسجد أو المدرسة، كمن أوصى بداره أو دكانه أو أرضه أن تكون وقفاً للمسجد أو المدرسة، أو أنشأ هو الوقف بنفسه، فهذه العين تُعطى حكم الأوقاف الخاصة، يجوز فيها البيع لسبب من أسباب الجواز كالخراب وضآلة العائد الملحَق بالعدم، وبدونه لا يجوز. ولم أجد فيما لدي من كتب المذاهب الأربعة مَن ذهب إلى هذه التفرقة الموضوعية.

____________________

(١) ينبغي الإنتباه للفرق بين العقار الذي نشتريه بناتج الوقف، وبين أن نبيع الوقف الخرب ونشتري بثمنه عقاراً آخر، فإنّ الثاني يأخذ حكم الأوّل في هذه الحال، أمّا العقار الذي نشتريه من ناتج الوقف فلا يأخذ حكم الوقف.


وقد استوحيتها ممّا ذكره الشيخ الأنصاري في كتاب المكاسب، وهو يتكلم عن حكم حصير المسجد، قال ما نصه: (فرقٌ بين ما يكون مُلكاً طلقاً، كالحصير المشترى من مال المسجد، فهذا يجوز للناظر بيعه مع المصلحة، ولو لم يخرج من حيّز الانتفاع، بل كان جديداً غير مستعمل، وبين ما يكون من الأموال وقفاً على المسجد، كالحصير الذي يشتريه الرجل ويضعه في المسجد، والثوب الذي يُلبِس البيت، فمثل هذا يكون ملكاً للمسلمين لا يجوز لهم تغييره عن وضعه إلاّ في مواضع يسوغ فيها بيع الوقف).

وإذا جاز للناظر أن يبيع الحصير الجديد الذي كان قد اشتراه من مال المسجد جاز له في غيره بلا ريب. ويدلّ على عدم الفرق بين قول الشيخ نفسه بعد أسطر من العبارة السابقة، حيث قال: (إنّ حكم الحمامات والدكاكين التي أُنشئت لتحصيل المنافع بالإيجار ونحوه غير حكم المساجد والمقابر والمشاهد).

ومثل ذلك تماماً قول النائيني في تقريرات الخونساري:

(وإذا هُدِم أو هُجِر المسجد، ولم يعد بحاجة إلى أوقاف ولا غيرها صُرف الوقف الخاص به إلى وجوه البر، والأولى صرفه إلى مسجد آخر)، وكذلك إذا كان الوقف على مدرسة خاصة أو مصحّ خاص وخرب، فإنّه يُصرف إلى الخير والبر، أو إلى النظير والمثيل.

غير المسجد:

أشرنا إلى أقوال المذاهب في المسجد، وأنّ الإمامية والشافعية والحنفية والمالكية ضد الحنابلة فيه، أمّا في غير المسجد من الأوقاف فإنّ للإمامية في مسألة بيعها مسلكاً خاصاً، لذا نشير أوّلاً إلى أقوال المذاهب الأربعة، ثمّ إلى قول الإمامية على حدة.


وإذا أجاز الحنابلة بيع المسجد مع وجود المسوّغ، فبالأولى أن يجيزوا بيع غيره من الأوقاف واستبداله مع السبب الموجب.

أمّا الشافعية فقد منعوا البيع والاستبدال إطلاقاً، حتى ولو كان الوقف خاصاً، كالوقف على الذرية، ووجِد ألف سبب وسب. وأجازوا للموقوف عليهم أن يستهلكوا بأنفسهم الوقف الخاص إذا وجِد المقتضي، كالشجرة تجف ولم تعد صالحة للثمر، فإنّ للموقوف عليهم أن يتخذوها وقوداً، ولا يجوز لهم بيعها ولا استبدالها.

أمّا المالكية، فقد جاء في شرح الزرقاني على أبي ضياء أنّ الوقف يجوز بيعه في حالات ثلاث:

الأُولى: أن يشترط الواقف البيع عند إنشاء الوقف، فيتبع شرطه.

الثانية: أن يكون الموقوف من نوع المنقول، ولم يعد يصلح للجهة الموقوف عليها، فيباع ويُصرف ثمنه في مثله ونظيره.

الثالثة: يباع العقار لضرورة توسيع المسجد، أو الطريق، أو المقبرة، وفيما عدا ذلك لا يسوغ البيع، حتى ولو خرب العقار وأصبح لا يُستغل في شيء.

أمّا الحنفية فقد نقل عنهم أبو زهرة في كتاب الوقف أنّهم أجازوا الاستبدال في جميع الأوقاف الخاصة منها والعامة - غير المسجد - وأنّهم ذكروا لذلك ثلاث حالات:

الأُولى: أن يشترط الواقف ذلك حين الوقف.

الثانية: أن يصير الوقف بحال لا ينتفع به.

الثالثة: أن يكون الاستبدال أدرّ نفعاً وأكثر غلة، ولا يوجد شرط من الواقف يمنع من البيع.

هذا هو ملخّص رأي المذاهب الأربعة في غير المسجد، وهم كما رأيت لا فرق عندهم بين الأوقاف الخاصة وبين الأوقاف العامّة - غير المسجد - من جهة البيع، على عكس الإمامية الذين فرقوا بينهما.


العام والخاص:

قسّم الإمامية الوقف إلى نوعين، وجعلوا لكل منهما حكمه وآثاره:

الأوّل: الوقف الخاص، وهو ما كان ملكاً للموقوف عليهم، أي الذين يستحقون استثماره والانتفاع به، ومنه الوقف الذري، والوقف على العلماء أو الفقراء، ووقف العقار لمصلحة المسجد والمقبرة والمدرسة وما إليها. وهذا النوع من الوقف هو الذي وقع الخلاف بينهم في أنّه يجوز بيعه مع الأسباب الموجبة، أو لا يجوز إطلاقاً، حتى ولو وجِد ألف سبب وسبب.

الثاني: الوقف العام، وهو ما أُريد منه انتفاع الناس، كل الناس، لا فئة خاصة ولا صنف معيّن، ومنه المدارس والمصحّات، والمساجد والمشاهد، والمقابر والقناطر والخانات التي كانت منذ زمان، وعيون الماء، والأشجار المسبلة للمارة، وفي حكمها المساجد والمقابر والمشاهد؛ لأنّها لا تخص بمسلم دون مسلم، ولا بفئة من المسلمين دون فئة.

وقد اتفق الإمامية على أنّ هذه الأوقاف العامّة لا يجوز بيعها، ولا استبدالها بحال، حتى لو خربت وأوشكت على الهلاك والضياع؛ لأنّها عندهم أو عند أكثرهم فك ملك، أي إخراج لها عن ملك مالكها الأوّل إلى غير مالك، فأصبحت بعد الوقف تماماً كالمباحات العامة، وبديهة أنّه لا بيع إلاّ في ملك. بخلاف الأوقاف الخاصة، فإنّها تحويل من ملك الواقف إلى ملك الموقوف عليهم بنحو من الأنحاء. أجل، إذا انقطعت الجهة الموقوف عليها كلية يجوز تحويل الوقف إلى جهة أخرى قريبة من الأُولى، كالمدرسة ينقطع عنها الطلاب بحيث يتعذر إقامة الدروس فيها، فيباح تحويلها إلى مكتبة عامة، أو نادٍ للمحاضرات.

وقد أشرنا في مسألة المسجد إلى أنّه إذا امتنع التملك بالبيع فإنّه لا يمتنع بالحيازة، وأشرنا أيضاً إلى أنّ السيد صاحب ملحقات العروة يرد


على الفقهاء بعدم الفرق بين الوقف العام والخاص، وأنّ السبب الذي يبرر بيع الخاص يبرر أيضاً بيع العام، وأنّه لا يعترف بأنّ الوقف في العام من نوع فك الملك وتحريره. وإذا افتُرض أنّه كذلك فلا مانع عنده من البيع؛ لأنّ المبرر للبيع في نظره مجرد اتصاف العين بالمالية.

أمّا نحن فنلاحظ على قول الفقهاء، وعلى قول السيد أيضاً: وردّنا على الفقهاء بأنّ عدم الملك إن مُنع من التملك بالبيع فإنّه لا يُمنع منه بالحيازة، كما أنّ الملك بمفرده لا يبرر البيع، فالعين المرهونة مملوكة بلا ريب، ومع ذلك لا يجوز بيعها إلاّ بإذن المرتهن.

وأمّا ردّنا على السيد فهو: إنّ الاتصاف بالمالية وحدها لا يجدي نفعاً، فإنّ المباحات كالسمك في الماء والطير لها مالية، ومع ذلك لا يجوز بيعها، إذن ينحصر سبيل التملك الحيازة، كما قلنا.

المقبرة:

قدّمنا أنّ المقابر من الأوقاف العامة - كالمسجد - وأنّ الإمامية لا يجيزون بيع الأوقاف العامة بحال، حتى ولو خربت واندرست. ورأيت من المفيد أن أُخصص المقبرة بهذه الفقرة، لأمرين:

الأوّل: لمكان الحاجة إلى بيان الحكم، فإنّ كثيراً من مقابر المسلمين قد هُجِرت واستُعيض عنها.

الثاني: إنّ للمقبرة حالاً تغاير بقية الأوقاف - في الغالب - وتتبين هذه الحال المغايرة ممّا يلي:

لو علمنا أنّ إنساناً وقف أرضه مقبرة، واستُعملت للدفن جرى عليها حكم الوقف العام، وكانت من الأوقاف التي لا يجوز بيعها، حتى ولو اندرست رسومها، وانمحت آثارها، وبليت عظام موتاها.


وإذا علمنا أنّ هذه القطعة كانت مواتاً، ولم يملكها مالك من قبل، ثمّ اتخذها أهل القرية مقبرة، كما هي الحال - في الغالب - فلن تكون وقفاً من الأساس، لا عامّاً ولا خاصاً، وإنّما تبقى على ما كانت مشاعاً يحوزها مَن سبق، فإذا دُفن ميت في جزء منها لم يجز لغيره نبشه، أو استعماله بما يستدعي الهتك، ولكن لأيّ إنسان أن يحيي أيّ جزء شاء من هذه القطعة بالذات، يحييه بالعمارة أو الزراعة، إذا كان خالياً من القبور، أو كان فيه قبر قديم وقد صارت عظام صاحبه تراباً أو كالتراب، يجوز له ذلك تماماً كما جاز له أن يحيي أرضاً أعرض عنها أو هجرها مَن كان قد أحياها، حتى عادت إلى ما كانت عليه قبل الإحياء.

وإذا جهلنا الحال، ولم نعلم بأنّ هذه القطعة التي استعملت مقبرة هل كانت مملوكة، ثمّ وقفها المالك، حتى تكون الآن وقفاً وتأخذ حكمه، أو إنّها كانت في الأصل مواتاً، ثمّ جعلها أهل القرية مقبرة لموتاهم - إذا كان الأمر كذلك - فلا تأخذ حكم الوقف؛ لأنّ الاصل عدم الوقف، حتى يثبت العكس بالبينة الشرعية؟

وتقول: إنّ الوقف يثبت بالشياع، فلمإذا لا نثبت به وقف المقبرة؟

وجوابنا: إنّه إذا حصل الشياع بأنّ هذه المقبرة هي وقف، كأن يتناقل جيل عن جيل أنّ فلاناً وقفها مقبرة، إذا كان هكذا فإنّا نثبت الوقف قطعاً، أمّا مجرد الشياع بأنّ هذه مقبرة فلا يجدي شيئاً، إذ المفروض إنّا نعلم بالوجدان أنّها مقبرة، وأنّه لم ينازع في ذلك منازع، ولكن مجرد العلم بأنّها مقبرة لا يثبت الوقفية، إذ قد تكون مقبرة ولا تكون وقفاً، بل تكون مشاعاً، ومعلوم أنّ الخاص لا يثبت بوجود العام.


فرع:

إذا حفر إنسان قبراً لنفسه كي يُدفن فيه عندما يوافيه الأجل، جاز لغيره أن يدفن فيه ميتاً آخر، حتى ولو كان في الأرض سعة، والأولى أن يتركه له تجنباً لإيذاء المؤمن.

الأسباب المبررة:

قدّمنا أنّ فقهاء الإمامية اتفقوا على أنّ الأوقاف العامة - كالمساجد والمقابر وما إليها - لا يجوز بيعها، وأنّهم اختلفوا في بيع الأوقاف الخاصة - كالوقف على الذرية، وعلى العلماء أو الفقراء - إذا وجِد السبب المبرر للبيع، وهذي هي الأسباب التي ذكروها لتبرير بيع الوقف الخاص:

١ - أنّ لا تبقى للعين الموقوفة أيّة منفعة للجهة الموقوف عليها، كالجذع البالي يجفّ ولا يثمر، والحصير الحلق لا يصلح إلاّ للنار، والحيوان إذا ذُبح لم يعد صالحاً إلاّ للأكل. وليس من شك أنّ هذا سبب مبرر للبيع.

٢ - قال السيد أبو الحسن الأصفهاني في وسيلة النجاة: إنّ الآلات والفرش وثياب الضرائح وأشباه هذه، إن أمكن الانتفاع بها مع بقائها على حالها لا يجوز البيع، وإن استغنى عنها المحَل، بحيث يستدعي بقاؤها فيه الضياع والتلف جُعلت في محل آخر مماثل، فإن لم يوجد المماثل أو وجِد وكان في غنى عنها، صُرفت إلى المصالح العامة. أمّا إذا لم يمكن الانتفاع بها إلاّ ببيعها، ولزم من بقائها ضياعها أو تلفها بيعت، وصُرف ثمنها في ذاك المحل إن احتاج إليه، وإلاّ ففي المماثل، ثمّ في الصالح العام.


٣ - أن يخرب الوقف، كالدار تنهدم، والبستان لم يعد صالحاً للانتفاع به، أو كانت منفعته ضئيلة أشبه بالعدم، فإن أمكنت عمارته ولو بإجاره إلى سنوات فذاك، وإلاّ جاز البيع، على أن يُستبدل بثمنه عين تحلّ محل العين الأُولى، كما يأتي.

٤ - إذا اشترط الواقف أن تباع العين إذا اختلف الموقوف عليهم، أو قلّ ريعها، أو غير ذلك من الشروط التي لا تحلّل حراماً ولا تحرّم حلالاً اتُّبع شرطه.

٥ - إذا وقع اختلاف بين أرباب الوقف يخشى منه على ضياع الأنفس والأموال، بحيث لا ينحسم النزاع إلاّ بالبيع جاز، ووزِّع الثمن على الموقوف عليهم، إذا لم ينحسم النزاع إلاّ بهذه السبيل.

هكذا قالوا، ولا أعرف له مدركاً إلاّ ما ذكروه من دفع الضرر الأشد، ومعلوم بالبديهة أنّه لا يجوز دفع الضرر عن النفس بإدخاله على الغير، وفي البيع ضرر على البطون اللاحقة.

٦ - إذا أمكن أن يباع من الوقف الخرب، ويُصرف الثمن لإصلاح الجزء الآخر جاز.

٧ - إذا هُدِم المسجد فأحجاره وأخشابه وأبوابه وسائر أدواته لا تأخذ حكم المسجد، ولا حكم العقار الموقوف لصالحه من عدم جواز البيع إلاّ بمبرر، بل يكون حكمها حكم أموال المسجد، وناتج أوقافه تماماً كإجار الدكان يتّبع فيها المصلحة التي يراها المتولي.

ثَمن الوقف:

إذا بيع الوقف بسبب مبرر، فمإذا نصنع بالثمن: هل نوزّعه على


الموقوف عليهم، تماماً كما نوزّع الناتج، أو يجب أن نشتري به عقاراً مماثلاً إن أمكن، ويأخذ الثاني مكان الأوّل؟

قال المحقق الأنصاري وكثيرٌ غيره من ذوي الاجتهاد: (إنّ الثمن حكمه حكم الوقف الأوّل من كونه ملكاً للبطون، فإن كان الثمن عقاراً أخذ مكان الأوّل، وإن كان نقداً اشترينا به ما هو أصلح، ولا يحتاج البدل إلى صيغة الوقف؛ لأنّ نفس البدلية تستدعي بطبيعتها أن يكون الثاني كالأوّل من غير فرق؛ ولذا قال الشهيد في غاية المراد: (إنّه - أي البدل - صار مملوكاً على حد الملك الأوّل، إذ يستحيل أن يُملك على حدة).

ثمّ قال الأنصاري في المكاسب في آخر كلامه عن الصورة الأُولى لصور جواز بيع الوقف: (لو تعذّر أن نشتري بالثمن عقاراً وضِع الثمن عند أمين مترقبين الفرص، وإذا دعت المصلحة للاتجاز به جاز، ولكنّ الربح لا يوزّع على المستحقين، كما هو الشأن في الناتج، بل يكون حكمه حكم أصل الوقف؛ لأنّه جزء من المبيع وليس كالنماء الحقيقي).

هذا ما قاله المحقق الأنصاري، وهو أعلم بمراده رضوان الله عليه. أمّا أنا فلم أدرك الفرق بين ربح التجارة بمال الوقف، وبين ثمرة العين الموقوفة، فكما أنّ الثمرة توزّع على المستحقين كذلك ينبغي أن يوزّع الربح، اللهم إلاّ أن يقال بأنّ ناتج العقار الموقوف ليس من نوع العين الموقوفة، بل يباينها، أمّا أرباح التجارة فهي من نوع المال، ولا يختلف عنه في شيء، ومتى حصل الفرق اختلف الحكم. ومهما يكن، فإنّ الفكر إذا جال وجد الحل لكل مشكلة وإشكال، ولكن من الوجهة النظرية، وبديهة أنّ العبرة بالواقع، والواقع المحسوس: إنّ العرف لا يجد فرقاً بين الحالين، وعليه المعوّل.

وقال الشيخ النائيني في تقريرات الخونساري: إذا ابتيع بثمن العين


وليس من شك أنّ هذا سد لباب الولاية بالإسمنت المسلح، لا بالحجر والطين فقط، هذا إلى أنّ العدالة وسيلة للحفظ والغبطة، وليست غاية في نفسها، وإن دلّ شرط العدالة على شيء فإنّما يدلّ على أنّها كانت غير نادرة في المجتمع الذي عاش فيه مَن اعتبرها واشترطها.

واتفقوا على أنّ تصرفات الولي التي تكون خيراً ونفعاً للمولَّى عليه تنفذ، وإنّ الضارة منها لا تنفذ. واختلفوا فيما لا نفع فيها ولا ضرر من التصرفات، قال فريق من الإمامية: تنفذ إذا كانت من الأب والجد فقط؛ لأنّ الشرط في تصرفهما عدم المفسدة لا وجود المصلحة، أمّا الحاكم والوصي فمقيد بالمصلحة، بل قال بعضهم: ينفذ تصرّف الأب مع المفسدة والمضرة على الطفل(١) .

وقال غير الإمامية: لا فرق بين الأب والجد والحاكم والوصي من أنّ تصرّف الجميع لا ينفذ إلاّ فيما فيه الغبطة والمصلحة، وعلى هذا كثير من الإمامية.

وعليه يجوز للولي أن يتّجر بمال الصبي والمجنون والسفيه، أو يعطيه لمن يتّجر به، وأن يشتري له عقاراً، أو يبيع من ماله أو يقرضه، كل ذلك وما إليه بشرط المصلحة والنصيحة، وتنحصر المصلحة في القرض بالخوف على المال من الضياع.

ومن المفيد أن ننقل طرفاً من الفروع التي ذكرها الفقيه الإمامي الكبير العلاّمة الحلّي في التذكرة باب الحجر:

____________________

(١) قال النائيني في تقريرات الخونساري ج١ ص٣٢٤ طبعة ١٣٥٧ﻫ: (الحق ثبوت الولاية للأب، ولو مع المفسدة والمضرة للطفل). ولكنّ المقرّر الخونساري نقل عن أستاذه النائيني العدول عن هذا الرأي بعد أن جزم به.


العفو والصلح:

قال بعض علمائنا: ليس لولي الصبي القصاص المستحق؛ لأنّ الطفل ربما يرغب في العفو، وليس للولي أيضاً أن يعفو؛ لأنّه قد يرغب في الاستيفاء تشفياً. ثمّ اختار العلاّمة بأنّ للولي الاستيفاء والعفو والصلح ببعض مال الطفل مع المصلحة.

الطلاق والشفقة:

ليس للولي أن يطلّق زوجة الصبي لا مجاناً ولا بالعوض.

ولو كان للصبي شريك في عين، وباع شريكه لأجنبي كان للولي الأخذ بالشفعة أو الترك بحسب المصلحة، وهو أصحّ وجهي الشافعية.

إخراج الحقوق:

يجب على الولي أن يخرج من مال المولَّى عليه الحقوق الواجية، كالديون وعوض الجنايات والزكاة، وإن لم تُطلَب من الولي. أمّا نفقة الأقارب الواجبة على الطفل فلا يدفعها الولي للمستحق إلاّ مع المطالبة.

الإنفاق على المولَّى عليه:

يجب على الولي الإنفاق على مَن يلي أمره بالمعروف، ولا يجوز له التقتير عليه ولا الإسراف في النفقة، بل يكون معتدلاً جارياً معه على عادة أمثاله.

والولي أو الوصي أمين لا يضمن إلاّ بثبوت التعدي أو التفريط، فإذا


بلغ الصبي، وادّعى على الولي التعدي أو التفريط فعليه البينة، وعلى الولي اليمين؛ لأنّه أمين، وما على الأمين إلاّ اليمين.

بيع الولي من نفسه:

قال الشافعية وبعض الإمامية: ليس للولي ولا للوصي أن يبيع مال الطفل والمجنون من نفسه، ولا أن يبيع ماله من الطفل. ثمّ اختار العلاّمة الجواز، وعدم الفرق بينه وبين الأجنبي، مع المصلحة وانتفاء التهمة، كما أنّه يجوز للأمين الذي نصّبه الحاكم أن يبيع على الحاكم مال اليتيم في موضع جواز البيع، وكذا للوصي، وإن كان الحاكم هو الذي جعله أميناً وصياً. أمّا أن يبيع الحاكم ماله من اليتيم فقد منعه أبو حنيفة؛ لأنّ ذلك قضاء من القاضي لنفسه، وقضاؤه لنفسه باطل. وقال العلامة: لا بأس به، أي بقول أبي حنيفة.

ويلاحظ بأنّ به أكثر من بأس؛ لأنّ هذا ليس بقضاء ولا يمتّ إليه بسبب قريب أو بعيد، وإذا جاز للقاضي أن يشتري من مال اليتيم مع المصلحة جاز أن يبيعه أيضاً مع المصلحة، والفرق تَحكّم.

وكيل الولي والوصي:

للولي والوصي أن يستنيبا غيرهما في مباشرة ما لا يقدران على مباشرته، وفيما يقدران عليه أيضاً ولكن لا يصلحان للمباشرة تبعاً للعادة، أمّا إذا صلحا فالأولى المنع.

ويلاحظ بأنّ كلاً من الأصالة والوكالة هنا وسيلة لتحقق المصلحة وأداء ما يجب، فمتى حصلت هذه الغاية نفذ التصرف، سواء أكان من الولي أو الوكيل، وإلاّ فلا ينفذ التصرف حتى ولو كان من الولي نفسه.


المفلِس

تعريفه:

لغةً: مَن لا مال ولا عمل له يسدّ حاجته. وفي اصطلاح الفقهاء: مَن حجر عليه الحاكم لديون تستغرق جميع أمواله وتزيد عنها، بحيث إذا وزِّعت على أرباب الدين لا تكفي للوفاء.

واتفقوا على أنّ المفلِس لا يُمنع من التصرف في أمواله بالغة ديونه ما بلغت إلاّ بعد أن يحجر الحاكم عليه، فلو تصرّف بجميع أمواله قبل التحجير نفذت تصرفاته، وليس للغرماء ولا لأيٍّ كان منعه من ذلك، على شريطة أن لا يكون التصرف بدافع الفرار من وفاء الديون، ولغاية تضييع الحقوق على أهلها، بخاصة إذا لم يُرجَ تجديد مال له بحسب المعتاد وظاهر الحال. ولا يحجر الحاكم إلاّ بشروط:

١ - أن يكون مديوناً، ويثبت الدين شرعاً.

٢ - أن لا تزيد أمواله على ديونه بالاتفاق. وأيضاً اتفقوا على جواز الحجر إذا قصرت الأموال عن الديون، وزادت هذه على تلك. واختلفوا فيما لو تساوت الديون والأموال، قال الإمامية والحنابلة والشافعية: لا يُحجر عليه. (الجواهر، والتنقيح، والفقه على المذاهب الأربعة).


وقال الصاحبان محمد وأبو يوسف: بل يُحجر عليه. وعلى قولهما فتوى الحنفية. أمّا أبو حنيفة فقد نفى فكرة الحجر على المفلس من الأساس، حتى ولو زادت ديونه على أملاكه؛ لأنّ في التحجير عليه هدراً لأهليته وآدميته، ولكنّ أبو حنيفة قال: إذا طلب الغرماء حبْس المدين حُبس حتى يبيع هو أمواله، ويقضى منها دينه.

ولهذا الحبس وجه إذا كان للمديون مال ظاهر - كما سنشير - ولكن أبو حنيفة أجاز حبسه وإن لم يظهر له مال، فلقد نُقل عنه في فتح القدير ج٧ ص٢٢٩ باب الحجر بسبب الدين ما نصه بالحرف: (فإن لم يُعرف للمفلس مال، وطلب غرماؤه حبسه، وهو يقول: لا مال لي، حبسه الحاكم في دين التزمه بعقد، كالمهر والكفالة).

وهذا مخالف لنص الآية الكريمة:( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) ، ولِما أجمعت عليه الأُمة بكامل مذاهبها: الشافعية والإمامية والحنابلة والمالكية ومحمد وأبو يوسف. (فتح القدير، وابن عابدين، والفقه على المذاهب الأربعة، والسنهوري في مصادر الحق ج٥).

٣ - أن يكون الدين حالاً لا مؤجلاً، عند الإمامية والشافعية والمالكية والحنابلة، أمّا إذا كان بعضه حالاً وبعضه مؤجلاً نُظر، فإن وفّت الأموال بالديون الحالّة فلا حجر، وإن قصرت يُحجر، وإذا حُجِر بالديون المعجّلة تبقى المؤجّلة إلى حينها. (التذكرة، والفقه على المذهب الأربعة).

٤ - أن يكون التحجير بطلب الدائنين كلهم أو بعضهم.

ومتى توافرت هذه الشروط حجر عليه الحاكم، ومنعه من التصرف في ماله بيعاً وإجاراً ورهناً وإعارة، وما إلى ذاك ممّا يضرّ بالغرماء.

ويبيع الحاكم أموال المدين، ويوزّعها بين أرباب الدين، فإن وفّت بها جميعاً فذاك، وإلاّ كانت القسمة بالمحاصة، لكل بنسبة ما لَه من حق.


ومتى تمّ التقسيم والتوزيع زال الحجر تلقائياً؛ لأنّ الغرض منه حفظ المال للغرماء، وقد حصل.

المستثنيات:

قال العلاّمة الحلّي في التذكرة باب التفليس: لا يباع من مال المفلس دار سكناه، ولا خادمه، ولا فرس ركوبه، وبهذا قال الإمامية وأبو حنيفة وابن حنبل.

وقال الشافعي ومالك: يباع جميع ذلك.

وأيضاً يُترك له ولمن يعول النفقة في يوم القسمة فقط، وإذا مات قبل القسمة يكفّن ويجهّز من ماله؛ لأنّ التجهيز مقدّم على الدين.

والحق أنّ كل ما تدعو إليه الضرورة العاجلة يُترك له، كالثياب، وقوت يوم أو أكثر بحسب الملابسات، والكتب التي لا يستغني عنها أمثاله، وأدوات الصناعة التي يكتسب منها قوته، وأثاث البيت الضروري كالفرشة واللحاف والمخدة والقدر والصحن والإبريق، كل ذلك وما إليه ممّا لا غنى لأحد عنه في حالته الراهنة.

العين الموجودة وصاحبها:

إذا وجد العين صاحبها وكان قد اشتراها منه المفلس نسيئة، فهو بها أولى دون الغرماء جميعاً حتى ولو لم يكن هناك غيرها، عند الإمامية والمالكية والشافعية والحنابلة.

وقال الحنفية: ليس له ذلك، وله أسوة بغيره من الغرماء. (التذكرة، وفتح القدير).

المال المتجدد:

إذا تجدد للمفلس مال بعد الحجر، فهل يشمله الحجر تماماً كالمال


الموجود حال الحجر، أو لا يشمله ويكون للمفلس مطلق الحرية في التصرف فيه؟

قال الحنابلة: لا فرق بين المال المتجدد بعد الحجر وبين الموجود في حينه.

وللشافعية قولان، ومثلهم الإمامية. وقال العلاّمة الحلّي: الأقرب أنّ الحجر يتعدى إليه أيضاً؛ لأنّ الغرض من الحجر إيصال الحق إلى أهله، ولا يختص هذا بالموجود عند الحجر.

وقال الحنفية: لا يشمله الحجر، وينفذ فيه إقرار المفلس وتصرفه. (فتح القدير، والتذكرة، والفقه على المذاهب الأربعة).

وإذا وقعت جناية على المفلس، فإن كانت خطأ توجب المال فليس للمفلس العفو عنها، حيث تعلّق بها حق الغرماء، وإن كانت عمداً توجب القصاص كان بالخيار بين أن يقتص، وبين أن يأخذ المال بدلاً عن الجناية، وليس للغرماء إجباره على أخذ المال وترك القصاص. (الجواهر).

إقرار المفلس:

لو أقر المفلس بدين لشخص بعد التحجير، فهل يُقبل منه ويشارك المـُقرّ له الغرماء في تقسيم المال؟

قال الشافعية والحنفية والحنابلة: لا ينفذ إقراره في ماله الموجود عند الحجر.

واختلف فقهاء الإمامية فيما بينهم، فذهب صاحب الجواهر وكثير غيره من المحققين إلى ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية والحنفية.

الزواج:

قال الحنفية: إذا تزوج المفلس بعد الحجر صحّ، وللزوجة أن تشترك مع الدائنين بمقدار مهر المثل، وما زاد يكون ديناً في ذمته.

وقال الشافعية والإمامية: يصحّ الزواج، ولكنّ المهر بكامله يثبت في الذمة، ولا تشارك الزوجة الغرماء في شيء.


الحبس:

قال الإمامية: لا يجوز حبس المعسر مع ظهور إعساره؛ لقوله تعالى:( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) . وإذا وجِد له مال ظاهر أمَره الحاكم بالتسليم، فإن امتنع تخير الحاكم بين أن يبيع أموال المديون ويوفي منها الدين، لأنّ الحاكم ولي الممتنع، وبين أن يحبسه حتى يوفي المديون ديونه بنفسه؛ لحديث: (لي الواجد تحلّ عقوبته وعرضه) أي إهانته، كأن يقول الدائن للمدين: يا ظالم، يا مماطل، وما إلى هذا.

وقال أبو حنيفة: ليس للحاكم أن يبيع أملاكه قهراً عنه، وله أن يحبسه.

وقال الشافعي وابن حنبل: بل للحاكم أن يبيع ويوفي الديون. (التذكرة، والجواهر).

المنع من السفر:

ليس من شك أنّه إذا جازت عقوبته بالحبس جازت أيضاً بمنعه عن السفر، ولكن بالشروط نفسها، وهي أن يثبت عليه الدين شرعاً، وأن يكون قادراً على الوفاء، ومع ذلك لوى وماطل. ويزيد على هذا أن يخشى - بحسب المعتاد - ضياع الحق إذا سافر، كما لو كان السفر بعيداً أو خطراً، فإذا لم يثبت الدين، أو ثبت وكان المدين معسراً يعجز عن الوفاء، أو كان له وكيل أو كفيل، أو لا يخشى ضياع الحق من السفر - إذا كان الأمر كذلك - فلا يجوز منعه بحال.

ومن هنا يتبين أنّ القرارات التي تتخذها المحاكم الشرعية بلبنان لمنع سفر المدَّعى عليه بمجرد تقديم الدعوى لا تستند إلى مبرر من الشريعة الإسلامية، بل إلى مادة قانونية وضعية.

والحمد لله على العافية والإعفاء من هذه الأسواء وهو سبحانه المسؤول أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبطاعته عن معصيته، وبفضله عمّن سواه. وصلّى الله على محمد وآله الأطهار والأخيار.


الفهرس

هذه الطبعة ٥

مقَدِّمَة ٧

القِسمُ الأوّل ١٣

العِبَادَات ١٣

الطهارة ١٥

الماء المطلق ١٦

الماء المستعمل ١٦

الماء المضاف ١٧

الكُر والقلتان ١٨

الجاري والراكد ٢٠

تطهير الماء النجس ٢٢

النجاسات ٢٤

المطهِّرات ٢٨

موجبات الوضوء ونواقصه ٣٠

فرائض الوضوء ٣٥

شروط الوضوء ٣٩

مستحبات الوضوء ٣٩

الشك في الطهارة والحدث ٤٠

الغسل ٤٢

الميت وأحكامه ٥٤

التيمم ٦٧

المذاهب وآية التيمم ٧٥


الصلاة ٧٧

رواتب الفرائض ٧٧

وقت الظهرين ٧٩

وقت العشاءين ٨٠

وقت الصبح ٨١

القبلة ٨٢

الجاهل بالقبلة ٨٢

ما يجب ستره وما يحرم النظر إليه من البَدن ٨٥

ما يجب ستره من البدن في حال الصلاة ٩٢

مكان المصلّي ٩٧

الأذان ١٠١

الإقامة ١٠٤

فرائض الصلاة وأركانها ١٠٥

السهو والشك في الصلاة ١١٦

صلاة الجمعة ١٢٠

صلاة العيدين ١٢٣

صلاة الكسوف والخسوف ١٢٦

صلاة الاستسقاء ١٢٨

صلاة القضاء ١٣٠

صلاة الجماعة ١٣٣

المتابعة ١٣٥

صلاة المسافر ١٣٩

مبطلات الصلاة ١٤٤


الصيام ١٤٩

زوال العذر ١٥١

شروط الصوم ١٥٢

المفطرات ١٥٤

أقسام الصيام ١٥٧

الزكاة ١٦٦

شروط زكاة الأموال ١٦٦

الأموال التي تجب فيها الزكاة ١٦٩

شروط الزكاة في الماشية ١٧٠

زكاة الذهب والفضة ١٧٣

زكاة الزرع والثمار ١٧٤

زكاة مال التجارة ١٧٤

أصناف المستحقين للزكاة ١٧٧

زكاة الفطر ١٨٢

الخُمس ١٨٦

مصرف الخُمس ١٨٨

الحج ١٨٩

شروطه: ١٨٩

البلوغ: ١٨٩

الجنون: ١٩٠

الاستطاعة: ١٩٠

الفور: ١٩١

فروع الاستطاعة ١٩٣

الاستنابة ١٩٦


العُمرة ٢٠٠

أنواع الحج ٢٠٥

مواقيت الإحرام ٢٠٨

الإحرام ٢١١

واجباته ومستحباته ٢١١

مخطورات الإحرام ٢١٨

الطواف ٢٢٨

السعي والتقصير ٢٤٠

الوقوف في عرفة ٢٤٨

الوقوف بالمزدلفة ٢٥٣

في منى ٢٥٧

جمرة العقبة ٢٥٩

الهدي ٢٦٣

بين مكة ومنى ٢٧٢

صورة الحج ٢٧٧

هلال ذي الحجة ٢٨١

زيارة الرسول الأعظم ٢٨٤

تاريخ بناء الحرمين الشريفين ٢٨٥


القِسمُ الثاني ٢٨٩

الأَحْوَالُ الشَّخْصيَّة ٢٨٩

الزَّواج ٢٩١

العقد وشروطه ٢٩٣

شروط العاقدين ٢٩٨

شروط الزوجة على الزوج ٣٠١

دعوى الزواج ٣٠٣

المحرِّمات ٣٠٧

الولاية ٣٢١

الكفاءة ٣٢٦

العيوب ٣٢٨

خيار الشرط ٣٣٥

المهر ٣٤٠

لو افتض الزوج بكارة الزوجة بغير المعتاد ٣٥٠

اختلاف الزوجين ٣٥٢

الجهاز ٣٥٦

النسب ٣٥٨

التلقيح الصناعي ٣٧٢

الحضانة ٣٧٧

استحقاق النفقة ٣٨٤

تقدير النفقة ٣٩١

نفقة الأقارب ٣٩٩


الطَّلاق ٤٠٧

المطلِّق ٤٠٩

المطلَّقة: ٤١١

الصيغة: ٤١٣

الإشهاد على الطلاق: ٤١٥

الطلاق رجعي وبائن ٤١٨

الخُلع ٤٢٢

المخالعة على أكثر من المهر: ٤٢٣

شروط عوض الخلع: ٤٢٣

شروط الزوجة المخالعة: ٤٢٥

شروط الزوج المخالِع: ٤٢٦

صيغة الخلع: ٤٢٧

العدة ٤٢٩

الرجعة ٤٤٣

تصديق المدّعي بلا بينة ٤٤٧

طلاق القاضي ٤٥١

الظهار والإيلاء ٤٥٥

الظهار: ٤٥٥

الإيلاء: ٤٥٧

الوَصَايا ٤٥٩

الوصايا ٤٦٢

أركان الوصية: ٤٦٢

مقدار الوصية ٤٧٠

تصرفات المريض ٤٧٦

الوصاية ٤٨٣


المـَواريث ٤٩١

أحكام التركة ٤٩٣

الموجبات والموانع ٤٩٨

توزيع التركة ٥٠٦

التعصيب ٥١٣

العول ٥١٩

الحجب ٥٢٢

الرد ٥٢٦

الحمل وولد الملاعنة والزنا ٥٢٨

زواج المريض وطلاقه ٥٣١

ميراث الاب ٥٣٣

ميراث الأُم ٥٣٦

ميراث الأولاد وأولاده ٥٤١

ميراث الإخوة والأخوات ٥٤٥

ميراث الأعمام والأخوال ٥٥٤

ميراث الزوجين ٥٥٩

أموال المفقود ٥٦١

ميراث الحرقى والغرقى والمهدوم عليهم ٥٦٣

نماذج للتوضيح ٥٧٢

الوَقْف ٥٧٦

تعريفه: ٥٧٨

التأبيد والاستمرار: ٥٧٨

القبض: ٥٨٠

مَن يملك العين الموقوفة؟ ٥٨١


أركان الوقف: ٥٨٢

شروط الواقف وألفاظه ٥٩٢

الولاية على الوقف ٦٠٠

من طرائف الوقف ٦٠٢

الحَجْر ٦٠٤

المجنون والصغير ٦٠٦

السفيه ٦١١

وليّ الصغير والمجنون والسفيه ٦١٦

بيع الوقف ٦٢٢

المفلِس ٦٣٨