بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين، من الأوّلين والآخرين.
فإنّ الله عزّ وجلّ أرسل نبيّه العظيمصلىاللهعليهوآله ( بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون ) (1) وأنزل عليه القرآن «حجّة الله على خلقه، أخذ عليه ميثاقهم، وارتهن عليهم أنفسهم، أتمّ نوره، وأكمل به دينه»(2) .
وكما كتب سبحانه لدينه الخلود، لكونه خير الأديان واتمّها وقال:( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) (3) ، كذلك تعهّد بحفظ القرآن - الذي وصفه أمير المؤمنينعليهالسلام بأنّه «أثافي الإسلام وبنيانه»(4) - حيث قال( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) (5) .
__________________
(1) سورة التوبة 9: 33.
(2) نهج البلاغة - فهرسة صبحي الصالح: 265 | 183.
(3) سورة آل عمران 3: 85.
(4) نهج البلاغة: 315 | 198.
(5) سورة التوبة 9: 15.
وكان النبيصلىاللهعليهوآله يعلّم الناس القرآن، وينظّم امور المجتمع على ضوء تعاليمه، فكان كلّما نزل عليه الوحي حفظ الآية الكريمة أو السورة المباركة، وأمر الكتّاب بكتابتها ثمّ أبلغها الناس، وأقرأها القرّاء واستحفظهم إيّاها، وهم يقومون بدورهم بنشر ما حفظوه ووعوه، وتعليمه لسائر المسلمين حتى النساء والصبيان.
وهكذا كانت الآيات تحفظ بألفاظها ومعانيها، وكانت أحكام الإسلام وتعاليمه تنشر وتطبّق في المجتمع الإسلامي.
غير أنّهصلىاللهعليهوآله كان يلقي إلى سيّدنا أمير المؤمنينعليهالسلام - إبتداءً أو كلّما سأله - تفسير الآيات وحقائقها، والنسب الموجودة فيما بينها، من المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيّد، والمجمل والمبيّن، إلى غير ذلك يقولعليهالسلام :
«وقد علمتم موضعي من رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسّني جسده، ويشمّني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل، ولقد قرن الله بهصلىاللهعليهوآله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالإقتداء به.
ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللهصلىاللهعليهوآله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليهصلىاللهعليهوآله فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبيّ، ولكنّك لوزير، وإنّك لعلى خير ...»(1) .
وبذلك توفّرت في شخصة - دون غيره - الأعلمية بالكتاب والسنّة،
__________________
(1) نهج البلاغة: 300 | 192.
التي هي من أولى الصفات المؤهّلة للإمامة وقيادة الأمّة بعد النبيصلىاللهعليهوآله .
* * *
وتوفّي النبيصلىاللهعليهوآله وتقمّص الذين كان يلهيم الصفق بالأسواق عن تعلّم القرآن وأحكام الدين - حتى أبسط مسائله اليومية - الخلافة، وآل أمرها إلى ما آل إليه فقام سيّدنا أمير المؤمنينعليهالسلام مقام النبيصلىاللهعليهوآله في حفظ الكتاب والسنّة وتعليمهما الناس، والترغيب فيهما، والحثّ عليهما فهو من جهة كان يبادر إلى جمع القرآن مضيفاً إليه ما سمعة من النبيصلىاللهعليهوآله حول آياته من التفسير والتأويل وغير ذلك، ويدرّس جماعة من أهل بيته وأصحابه ومشاهير الصحابة ممّا وعاه عن النبيصلىاللهعليهوآله من علوم الكتاب والسنّة، حتى كان من أعلامهم الحسن والحسينعليهماالسلام ، وعبدالله بن العبّاس، وعبدالله بن مسعود، وأمثالهم.
ومن جهة اخرى يراقب ما يصدر عن الحكّام وغيرهم عن كثب، كي ينفي عن الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
فكانعليهالسلام المرجع الأعلى لعموم المسلمين في جميع أمورهم الدينية لا سيّما المعضلات، حتى اضطرّ بعض أعلام الحفّاظ إلى الإعتراف بذلك وقال: «وسؤال كبار الصحابة له، ورجوعهم إلى فتاواه وأقواله، في المواطن الكثيرة، والمسائل المعضلات، مشهور»(1) .
وهكذا كان سعي أمير المؤمنينعليهالسلام في حفظ القرآن بجميع معاني الكلمة، وهكذا كان غيره من أئمّة أهل البيتعليهمالسلام .
وكان الإهتمام بالقرآن العظيم من أهمّ أسباب تقدّم الإسلام ورقيّ المسلمين، كما كان التلاعب بالعهدين من أهم الامور التي أدّت إلى انحطاط اليهود والنصارى، فأصبح الهجوم على القرآن نقطة التلاقي بين اليهود والنصارى وبين المناوئين للإسلام والمسلمين، لأنّهم إن نجحوا في ذلك فقد طعنوا الإسلام في الصميم.
__________________
(1) تهذيب الأسماء واللغات، للحافظ النووي 1: 346.
لكنّ الله سبحانه قد تعهّد القرآن وآن( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) (2) فاندحروا في جميع الميادين صاغرين، والحمد لله ربّ العالمين.
لكنّ «شبهة تحريف القرآن» ما زالوا يردّدونها بين حين وآخر، وعلى لسان بعض الكتّاب المتظاهرين باسم الإسلام ويا للأسف، يستأجرونهم لتوجيه الضربة إلى القرآن والاسلام من الداخل، ولإلقاء الفتنة فيما بين المسلمين، ولذا تراهم - في الأغلب - أناساً حاقدين على آل البيتعليهمالسلام ومذهبهم وأتباعهم.
* * *
ونحن في هذا البحث - الذي لم نقصد به الدفاع عن أحدٍ أو الردّ على أحد - تعرّضنا لهذه «الشبهة» وكأنّها «مسألة» جديرة بالبحث والتعقيب والتحقيق، فاستعرضنا في فصوله أهمّ ما يوهم التحريف قولاً وقائلاً ودليلاً لدى الشيعة وأهل السنّة ودرسنا كلّ ما قيل أو يمكن أن يقال في هذا الباب دراسةً موضوعيّة ...
وحدّدنا ما يمكن أن يتمسك به للتحريف من الأخبار والآثار، ومن يجوز أن ينسب إليه القول به من العلماء في الطائفتين فوجدنا الأدلّة على عدم التحريف من الكتاب والسنة وغيرهما كثيرةً وقويمة، وأنّ القول بصيانة القول عن التحريف هو مذهب المسلمين عامّةً إلاّ من شذّ ...
لكنّ هذا الشذوذ جاء اغتراراً بأحاديث مخرّجة في الكتب الموصوفة بالصحّة عند أهل السنّة مسندةً إلى جماعة من صحابة النبيصلىاللهعليهوآله وعلى رأسهم من اعترف منهم بأن «كلّ الناس أفقه منه حتى النساء في الخدور» وهذه هي المشكلة لكّن الحقّ عدم صحّة تلك الأحاديث أيضاً، وأنّ تلك الكتب - كغيرها - تشتمل على أباطيل وأكاذيب والحقّ أحقّ أن يتّبع
__________________
(1) سورة فصلت 41: 42.
وكان هذا البحث قد نشر في مجلّة «تراثنا» الموقّرة - التي تصدر عن (مؤسّسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث) العلمية التحقيقية المخلصة - على شكل حلقات، ثم طلبت مؤسّسة (دار القرآن الكريم) - من مؤسسات سيدنا الاستاذ وزعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد الگلپايگاني طاب ثراه - نشرة في كتاب.
فالله نسأل أن يؤفق المؤسّستين وسائر المخلصين لِخدمة «القرآن الكريم» و «آل البيتعليهمالسلام » وأن يتقبل أعمالنا جميعاً بأحسن القبول، إنّه سميع مجيب.
قم 13 / رجب المرجب / 140 هـ ق السيد علي الحسيني الميلاني |
الشيعة والتحريف
* كلمات أعلام الشيعة في نفي التحريف
* أدلة الشيعة على نفي التحريف
* أحاديث التحريف في كتب الشيعة
* شبهات حول القرآن على ضوء أحاديث الشيعة
* الرواة لأحاديث التحريف من الشيعة
الفصل الأول
كلمات أعلام الشيعة في نفي التحريف
من الواضح أنّه لا يجوز إسناد عقيدة أو قول إلى طائفة من الطوائف إلاّ على ضوء كلمات أكابر علماء تلك الطائفة، وبالإعتماد على مصادرها المعتبرة.
ولقد تعرض علماء الشيعة منذ القرن الثالث إلى يومنا الحاضر لموضوع نفي التحريف في كتبهم في عدة من العلوم، ففي كتب الإعتقادات يتطرقون إليه حيثما يذكرون الإعتقاد في القران الكريم، وفي كتب الحديث حيث يعالجون الأحاديث الموهمة للتحريف بالنظر في أسانيدها ومداليلها، وفي بحوث الصلاة من كتب الفقه في أحكام القراءة، وفي مسألة وجوب قراءة سورة كاملة من القرآن في الصلاة بعد قراءة سورة الحمد، وغيرها من المسائل، وفي كتب اصول الفقه حيث يبحثون عن حجّيّة ظواهر الفاظ الكتاب.
وهم في جميع هذه المواضع ينصّون على عدم نقصان القرآن الكريم، وفيهم من يصرح بأنّ من نسب إلى الشيعة أنّهم يقولون بأنّ القرآن أكثر من هذا الموجود بين الدفّتين فهو كاذب، وفيهم من يقول بأنّ عليه إجماع علماء الشيعة بل المسلمين، وفيهم من يستدلّ على النفي بوجوه من الكتاب والسنّة وغيرهما، بل لقد أفرد بعضهم هذا المواضع بتأليف خاص.
وعلى الجملة، فإنّ الشيعة الإمامية تعتقد بعدم تحريف القرآن، وأنّ الكتاب الموجود بين أيدينا هو جميع ما أنزله الله عزّ وجلّ على نبيّنا محمدصلىاللهعليهوآله من دون أيّ زيادة أو نقصان.
هذه عقيدة الشيعة في ماضيهم وحاضرهم، كما جاء التصريح به في كلمات كبار علمائها ومشاهير مؤلفيها، منذ أكثر من ألف عام حتى العصر الأخير.
* يقول الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، الملقّب بالصدوق - المتوفّى سنة 381 -: «إعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله على نبيّهصلىاللهعليهوآله هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس باكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشر سورة، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة، ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة. ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب. وما روي - من ثواب قراءة كلّ سورة من القرآن، وثواب من ختم القرآن كلّه، وجواز قراءة سورتين في ركعة والنهي عن القران بين سورتين في ركعة فريضة - تصديق لما في قلناه في أمر القرآن، وأن مبلغه ما في أيدي الناس. وكذلك ما روي من النهي عن قراءة القرآن كله في ليلة واحدة، وأنه لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام تصديق لما قلناه أيضاً.
بل تقول: إنه قدر نزل من الوحي الذي ليس من القرآن ما لو جمع
إلى القرآن لكان مبلغه مقدار سبع عشرة ألف آية، وذلك مثل كلّه وحي ليس بقرآن، ولو كان قرآناً لكان مقروناً به وموصولاً إليه غير مفصول عنه كما قال أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام لمّا جمعه، فلما جاء به فقال لهم: هذه كتاب الله ربكم كما أنزل على نبيكم لم يزد فيه حرف ولم ينقص منه حرف فقالوا: لا حاجة لنا فيه، عندنا مثل الذي عندك، فانصرف وهو يقول: فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون. وقال الصادقعليهالسلام : القرآن واحد، نزل من عند واحد، على نبي واحد، وإنما الإختلاف من جهة الرواة ...»(1) .
* ويقول الشيخ محمد بن محمد بن النعمان، الملقّب بالمفيد، البغدادي - المتوفّى سنة 413 -: «وقد قال جماعة من أهل الإمامة: إنه لم ينقص من كلمة، ولا من آية، ولا من سورة، ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنينعليهالسلام من تأويله، وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله، وذلك كان ثابتاً منزلاً وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز.
وعندي أنّ هذا القول أشبه من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل، وإليه أميل، والله أسأل توفيقه للصواب»(2) .
* ويقول الشريف المرتضى على بن الحسين الموسوي، الملقّب بعلم الهدى - المتوفّى سنة 436 -: «إنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبدان، والحوادث الكبار، والوقائع الوقائع العظام، والكتب المشهورة، واشعار العرب
__________________
(1) رسالة الإعتقادات، المطبوعة مع شرح الباب الحادي عشر ص 93.
(2) أوائل المقالات في المذاهب المختارات: 55 - 56.
المسطورة، فإنّ العناية اشتدّت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدّ لم يبلغه في ما ذكرناه، لأنّ القرآن معجزة النبوّة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينيّة، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟!».
وقال: «إنّ العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورةً من الكتب المصنّفة ككتابي سيبويه والمزني، فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها، حتى لو أنّ مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب لعرف وميزّ، وعلم أنّه ملحق وليس في أصل الكتاب، وكذلك القول في كتاب المزني، ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء».
وقال: «إنّ القرآن كان على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله مجموعاً مؤلّفاً على ما هو عليه الآن ...».
«واستدلّ على ذلك بأنّ القرآن كان يدرّس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان، حتى عيّن على جماعة من الصحابة في حفظهم له، وأنّه كان يعرض على النبيصلىاللهعليهوآله ويتلى عليه، وأنّ جماعة من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود واُبيّ بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبيصلىاللهعليهوآله عدّة ختمات.
كل ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتورٍ ولا مبثوت».
«وذكر أنّ من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتدّ
بخلافهم، فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث، نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا بصحّتها، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته»(1) .
ولقد عرف واشتهر هذا الرأي عن الشريف المرتضى حتى ذكر ذلك عنه كبار علماء أهل السنّة، وأضافوا أنّه كان يكفّر من قال بتحريف القرآن، فقد نقل ابن حجر العسقلاني عن ابن حزم قوله فيه: «كان من كبار المعتزلة الدعاة، وكان إمامياً، لكنّه يكفّر من زعم أنّ القرآن بدّل أو زيد فيه، أو نقص منه، وكذا كان صاحباه أبو القاسم الرازي أبو يعلى الطوسي»(2) .
* ويقول الشيخ محمد بن الحسن أبو جعفر الطوسي، الملقّب بشيخ الطائفة - المتوفّى سنة 460 - في مقدّمة تفسيره: «والمقصود من هذا الكتاب علم معانيه وفنون أغراضه، وأمّا الكلام في زيادته ونقصانه فممّا لا يليق به أيضاً، لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى - رحمة الله تعالى - وهو الظاهر من الروايات.
غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصّة والعامّة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً، والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها لأنّه يمكن تأويلها، ولو صحّت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفّتين، فإنّ ذلك معلوم صحّته لا يعترضه أحد من الامّة ولا يدفعه»(3) .
__________________
(1) نقل هذا في مجمع البيان 1: 15، عن المسائل الطرابلسيات للسيد المرتضى.
(2) لسان الميزان 4: 224، ولا يخفى ما فيه الخلط والغلط.
(3) التبيان في تفسير القرآن 1: 3.
* ويقول الشيخ الفضل بن الحسن أبو علي الطبرسي، الملقّب بامين الإسلام - المتوفّى سنة 548 - ما نصّة: «... ومن ذلك الكلام في زيادة القرآن ونقصانه، فإنّه لا يليق بالتفسير، فأمّا الزيادة فمجمع على بطلانها، وأمّا النقصان منه فقه روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة: إنّ في القرآن تغييراً ونقصاناً
والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى - قدّس الله روحه - واستوفي الكلام فيه غاية الإستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات»(1) .
* وهو حاصل كلمات السيد أبي القاسم علي بن طاووس الحلّي المتوفى سنة 664 في مواضع من كتابه القيّم (سعد السعود) منها: أنّه ذكر عن الجبائي أنه قال في تفسيره: «محنة الرافضة على ضعفاء المسلمين أعظم من محنة الزنادقة» ثم شرع يدّعي بيان ذلك بأن الرافضة تدّعي نقصان القرآن وتبديله وتغييره، قال السيد:
«فيقال له: كلّ ما ذكرته من طعن وقدح على من يذكر أنّ القرآن وقع فيه تبديل وتغيير فهو متوجّه على سيّدك عثمان، لأن المسلمين أطبقوا أنه جمع الناس على هذا المصحف الشريف وحرّف وأحرق ما عداء من المصاحف. فلولا اعتراف عثمان بأنّه وقع تبديل وتغيير من الصحابة ما كان هناك مصحف محرّف وكانت تكون متساوية.
ويقال له: أنت مقرّ بهؤلاء القرّاء السبعة فمن ترى ادّعى اختلاف القرآن وتغييره؟ أنتم وسلفكم، لا الرافضة. ومن المعلوم من مذهب من تسمّيهم رافضة أن قولهم واحد في القرآن ...»(2) .
__________________
(1) مجمع البيان 1: 15.
(2) سعد السعود: 144.
ونصّ السيد ابن طاووس في بحث له مع أبي القاسم البلخي حول أنّ البسملة أية من السورة أولا - حيث اختار البلخي العدم - على أن القرآن مصون من الزيادة والنقصان كما يقتضيه العقل والشرع(1) .
واستنكر ما روى أهل العامة عن عثمان وعائشة من أن في القرآن لحناً وخطأً قائلاً: «ألا تعجب من قوم يتركون مثل علي بن أبي طالب أفصح العرب بعد صاحب النبوة وأعلمهم بالقرآن والسنّة ويسألون عائشة؟ أما يفهم أهل البصائر أنّ هذا المجرد الحسد أو لغرض يبعد من صواب الموارد والمصادر ولو ظفر اليهود والزنادقة بمسلم يعتقد في القرآن لحناً جعلوه حجة»(2) .
* ويقول العلاّمة الحلّي المتوفى سنة 726 في بعض أجوبته حيث سئل: «ما يقول سيدنا في الكتاب العزيز هل يصح عند أصحابنا أنّه نقص منه شيء أو زيد فيه أو غيّر ترتيبه أو لم يصح عندهم شيء من ذلك؟ أفدنا أفادك الله من فضله، وعاملك بما هو من أهله» فأجاب:
«الحق أنه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم فيه، وأنّه لم يزد ولم ينقص، ونعوذ بالله تعالى من أن يعتقد مثل ذلك وأمثال ذلك، فإنه يوجب التطرق إلى معجزة الرسول عليه وآله السّلام المنقولة بالتواتر»(3) .
وسنذكر عبارته في (نهاية الوصول) أيضاً.
* ويقول الشيخ زين الدين البياضي العاملي المتوفى سنة 877:
«علم بالضرورة تواتر القرآن بجملته وتفاصيله، وكان التشديد في حفظه أتم، حتى نازعوا في أسماء السّور والتفسيرات. وإنما اشتغل الأكثر عن
__________________
(1) المصدر: 192.
(2) المصدر: 267.
(2) أجوبة المسائل المهناوية: 121.
حفظه بالتفكر في معانيه وأحكامه، ولو زيد فيه أو نقص لعلمه كلّ عاقل وإن لم يحفظه، لمخالفة فصاحته وأسلوبه»(1) .
* وألّف الشيخ علي بن عبدالعالي الكركي العاملي، الملقّب بالمحقّق الثاني - المتوفّى سنة 940 - رسالة في نفي النقيصة في القرآن الكريم، أورد السيد محسن الأعرجي البغدادي في كتابه (شرح الوافية في علم الأصول) كثيراً من عباراته فيها.
واعترض في الرسالة على نفسه بما يدلّ على النقيصة من أخبار فأجاب: «بأنّ الحديث إذا جاء على خلاف الدليل والسنّة المتواترة أو الإجماع، ولم يكن تأويله ولا حمله على بعض الوجوه، وجب طرحه»(2) .
* وبه صرّح الشيخ فتح الله الكاشاني - المتوفّى سنة 988 - في مقدمة تفسيره «منهج الصادقين»، وبتفسير الآية( وإنّا له لحافظون ) .
* وهو صريح السيد نور الله التستري، المعروف بالقاضي الشهيد - المستشهد سنة 1019 - في كتابه (مصائب النواصب) في الإمامة والكلام حيث قال: «ما نسب إلى الشيعة الامامية من القول بوقوع التغيير في القرآن ليس ممّا قال به جمهور الإماميّة، إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم».
* ويقول الشيخ محمد بن الحسين، الشهير ببهاء الدين العاملي - المتوفّى سنة 1030 -: «الصحيح أنّ القرآن العظيم محفوظ عن ذلك، زيادة
__________________
(1) الصراط المستقيم 1: 45.
(2) مباحث في علوم القرآن - مخطوط.
كان أو نقصاناً، ويدلّ عليه قوله تعالى:( وإنّا له لحافظون ) . وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم أمير المؤمنينعليهالسلام منه في بعض المواضع مثل قوله تعالى:يا أيّها الرسول بلّغ ما انزل إليك - في علي -، وغير ذلك فهو غير معتبر عند العلماء»(1) .
* ويقول العلاّمة التوني - المتوفّى سنة 1071 - صاحب كتاب (الوافية في الاصول): «والمشهور أنّه محفوظ ومضبوط كما انزل، لم يتبّدل ولم يتغيّر، حفظه الحكيم الخبير، قال الله تعالى:( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) ».
* ويقول الشيخ محمد محسن الشهير بالفيض الكاشاني - المتوفّى سنة 1019 - بعد الحديث عن البزنطي، قال: دفع إليّ أبو الحسنعليهالسلام مصحفاً وقال: لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه:( لم يكن الّذين كفروا ... ) فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً
قال: «لعلّ المراد أنّه وجد تلك الأسماء مكتوبة في ذلك المصحف تفسيراً للّذين كفروا والمشركين مأخوذة من الوحي، لا أنّها كانت من أجزاء القرآن، وعليه يحمل ما في الخبرين السابقين
وكذلك كلّ ما ورد من هذا القبيل عنهمعليهمالسلام ، فإنّه كلّه محمول على ما قلناه، لأنّه لو كان تطرّق التحريف والتغيير في ألفاظ القرآن لم يبق لنا اعتماد على شيء منه، إذا على هذا يحتمل كل آية منه أن تكون محرّفة ومغيّرة، وتكون على خلاف ما أنزله الله، فلا يكون القرآن حجّة لنا، وتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتّباعه والوصية به، وعرض الأخبار المتعارضة عليه».
ثم استشهد - رحمة الله تعالى - بكلام الشيخ الصدوق المتقدّم، وبعض
__________________
(1) آلاء الرحمن: 26.
الأخبار(1) .
وقال بتفسير قوله تعالى:( وإنّا له لحافظون ) : «من التحريف والتغيير والزيادة والنقصان»(2) .
* ويقول الشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي - المتوفّى سنة 1104 - ما تعريبه: «إنّ من تتبّع الأخبار وتفحّص التواريخ والآثار علم - علماً قطعيّاً - بأنّ القرآن قد بلغ أعلى درجات التواتر، وأنّ آلاف الصحابة كانوا يحفطونه ويتلونه، وأنّه كان على عهد رسول الله عليه وآله وسلّم مجموعاً مؤلّفاً»(3) .
* وأورد الشيخ محمد باقر المجلسي - المتوفّى سنة 1111 - بعد أن أخرج الأحاديث الدالّة على نقصان القرآن كلاماً للشيخ المفيد هذا نصه: «فإن قال قائل: كيف يصحّ القول بأن الذي بين الدفّتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان وأنتم تروون عن الأئمةعليهمالسلام أنّهم قرأوا: كنتم خير أئمّة أخرجت للناس، وكذلك: جعلناكم أئمّة وسطاً، وقرأوا: ويسئلونك الأنفال، وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس؟.
قيل له: قد مضى الجواب عن هذه، وهو: إنّ الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله تعالى بصحّتها، فلذلك وقفنا فيها ولم نعدل عمّا في المصحف الظاهر على ما امرنا به حسب ما بيّناه.
مع أنّه لا ينكر أن تأتي القراءة على وجهين منزلتين، أحدهما، ما
__________________
(1) الوافي 1: 273 - 274.
(2) الأصفى في تفسير القرآن: 348.
(3) انظر: الفصول المهمة في تأليف الاُمّة: 166.
تضمّنه المصحف، والثاني: ما جاء به الخبر، كما يعترف مخالفونا به من نزول القرآن على وجوه شتى ...»(1) .
* وهو ظاهر كلام السيد علي بن معصوم المدني الشيرازي - المتوفّى سنة 1118 - في «شرح الصحيفة السجادية» فليراجع(2) .
* وإليه ذهب السيد أبو القاسم جعفر الموسوي الخونساري - المتوفّى سنة 1157 - في كتاب (مناهج المعارف) فليراجع.
* وقال السيد محمد مهدي الطباطبائي، الملقّب ببحر العلوم - المتوفّى سنة 1212 - ما نصّه: «الكتاب هو القرآن الكريم والفرقان العظيم والضياء والنور والمعجز الباقي على مرّ الدهور، وهو الحقّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من لدن حكيم حميد، أنزله بلسان عربيّ مبين هدىً للمتقين وبياناً للعالمين - ثم ذكر روايتي: القرآن أربعة أرباع، و: القرآن ثلاثة أثلاث، الآتيتين، وقال - والوجه حمل الأثلاث والأرباع على مطلق الأقسام والأنواع وإن اختلف في المقدار ...»(3) .
* وقال الشيخ الأكبر الشيخ جعفر، المعروف بكاشف الغطاء - المتوفّى سنة 1228 - ما نصّه: «لا ريب في أنّ القرآن محفوظ من النقصان بحفظ الملك الدّيان، كما دلّ عليه صريح الفرقان وإجماع العلماء في جميع الأزمان، ولا عبرة بالنادر، وما ورد من أخبار النقيصة تمنع البديهة من العمل بظاهرها، ولا سيّما ما فيه نقص ثلث القرآن أو كثير منه، فإنه لو كان كذلك لتواتر نقله، لتوفّر الدواعي عليه، ولاتّخذه غير أهل الإسلام من أعظم المطاعن على الإسلام وأهله، ثم كيف يكون ذلك وكانوا شديدي المحافظة
__________________
(1) بحار الأنوار 92: 75.
(2) رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد العابدين، الروضة 42.
(3) الفوائد في علم الاُصول مبحث حجية الكتاب - مخطوط.
على ضبط آياته وحروفه؟ فلابد من تأويلها بأحد وجوه»(1) .
* وقال السيد محسن الأعرجي الكاظمي - المتوفّى سنة 1228 - ما ملخّصه:
«وإنّما الكلام في النقيصة، وبالجملة، فالخلاف إنّما يعرف صريحاً من علي ابن إبراهيم في تفسيره، وتبعه على ذلك بعض المتأخرين تمسّكاً بأخبار آحاد رواها المحدّثون على غرّها، كما رووا أخبار الجبر والتفويض والسهو والبقاء على الجناية ونحو ذلك».
ثمّ ذكر أنّ القوم إنّما ردّوا مصحف عليعليهالسلام «لما اشتمل عليه من التأويل والتفسير، وقد كان عادة منهم أن يكتبوا التأويل مع التنزيل، والذي يدلّ على ذلك قولهعليهالسلام في جواب الثاني: ولقد جئت بالكتاب كملاً مشتملاُ على التأويل والتنزيل، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ. فإنّه صريح في أنً الذي جاءهم به ليس تنزيلاً كلّه»(2) .
* وقال السيد محمد الطباطبائي - المتوفّى سنة 1242 - ما ملخّصه: «لا خلاف أنّ كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواتراً في أصله وأجزائه، وأمّا في محلّه ووضعه وترتيبه، فكذلك عند محقّقي أهل السنّة، للقطع بأنّ العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله، لأنّ هذا المعجز العظيم الذي هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم ممّا توفّر الدواعي على نقل جمله وتفاصيله، فما نقل آحاداً ولم يتواتر يقطع بأنّه ليس من القرآن قطعاً»(3) .
* وقال الشيخ إبراهيم الكلباسي الأصبهاني - المتوفّى سنة 1262:
__________________
(1) كشف الغطاء في الفقه، كتاب القرآن، 299.
(2) شرح الوافية في علم الاصول - مخطوط.
(3) مفاتيح الأصول، مبحث حجية ظواهر الكتاب.
«... إن النقصان في الكتاب مما لا أصل له»(1) .
* وصرّح السيد محمد الشهشهاني - المتوفىّ سنة 1289 - بعدم تحريف القرآن الكريم في بحث القرآن من كتابه (العروة الوثقى) ونسب ذلك إلى جمهور المجتهدين(2) .
* وصرّح السيد حسين الكوه كمري - المتوفّى سنة 1299 - بعدم تحريف القرآن، واستدلّ على ذلك بامور نلخّصها فيما يلي:
1 - الأصل، لكون التحريف حادثاً مشكوكاً فيه.
2 - الإجماع.
3 - مناقاة التحريف لكون القرآن معجزة.
4 - قوله تعالى:( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) .
5 - أخبار الثقلين.
6 - الاخبار الناطقة بالأمر بالأخذ بهذا القرآن(3) .
* وإليه ذهب الشيخ موسى التبريزي - المتوفّى سنة 1307 - في (شرح الرسائل في علم الاصول) واستدل له بوجوه، ثم ذكر وجوهاً لتأويل ما دلّ بظاهره على الخلاف.
* وأثبت عدم التحريف بالأدلّة الوافية السيد محمد حسين الشهرستاني الحائري - المتوفّى سنة 1315 - في رسالة اسمها (رسالة في حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف)(4) .
* وقال الشيخ محمد حسن الآشتياني - المتوفّى سنة 1319 -:
__________________
(1) إشارات الأصول، مبحث حجية ظواهر الكتاب.
(2) انظر: البيان في تفسير القرآن: 200.
(3) انظر: بشرى الوصول إلى أسرار علم الاصول، مبحث حجية ظواهر الكتاب.
(4) المعارف الجلية للسيد عبدالرضا الشهرستاني 1: 21.
«المشهور بين المجتهدين والاصوليّين - بل أكثر المحدّثين - عدم وقوع التغيير مطلقاً، بل ادّعى غير واحد الإجماع على ذلك»(1) .
* وإليه ذهب الشيخ محمد حسن بن عبدالله المامقاني النجفي المتوفّى سنة 1323 - في كتابه (بشرى الوصول إلى أسرار علم الاصول).
* وقال الشيخ عبدالله ابن الشيخ محمد حسن المامقاني - المتوفّى سنة 1351 - بترجمة (الربيع بن خثيم) بعد كلام له: «فتحصّل من ذلك كلّه أنّ ما صدر من المحدّث النوري رحمة الله من رمي الرجل بضعف الإيمان ونقص العقل جرأة عظيمة كجرأته على الإصرار على تحريف كتاب الله المجيد ...»(2) .
* وقال الشيخ محمد جواد البلاغي - المتوفّى سنة 1352 - ما نصّه: «ولئن سمعت من الروايات الشاذّة شيئاً في تحريف القرآن وضياع بعضه، فلا تقم لتلك الروايات وزناً، وقل ما يشاء العلم في اضطرابها ووهنها وضعف رواتها ومخالفتها للمسلمين، وفيما جاءت به في رواياتها الواهية من الوهية من الوهن وما ألصقته بكرامة القرآن مما ليس له شبه به ...»(3) .
فهذه طائفة من كلمات أعلام الإمامية - في القرون المختلفة - الصريحة في نفي التحريف عن القرآن الشريف
وهو رأي آخرين منهم:
* كالشريف الرضي - المتوفّى سنة 406.
* والشيخ ابن إدريس صاحب «السرائر في الفقه»، المتوفّى سنة 598.
* والفاضل الجواد، من علماء القرن الحادي عشر، في «شرح
__________________
(1) بحر الفوائد في حاشية الفرائد في الاصول، مبحث حجية ظواهر الكتاب: 99.
(2) تنقيح المقال 1: 426.
(3) آلاء الرحمن في تفسير القرآن: 18.
الزبدة في الاصول».
* والشيخ أبي الحسن الخنيزي، صاحب «الدعوة الإسلامية» المتوفّى سنة 1363.
* والشيخ محمد النهاوندي، صاحب التفسير، المتوفّى 1371.
* والسيد محسن الأمين العاملي، المتوفى سنة 1371، في كتابه «الشيعة والمنار».
* والشيخ عبدالحسين الرشتي النجفي، المتوفّى سنة 1373، في «كشف الإشتباه في مسائل جارالله».
* والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، المتوفى سنة 1373، في «أصل الشيعة واصولها».
* والسيد محمّد الكوه كمري المعروف بالحجّة، التوفّى سنة 1372 في فتوىً له.
* والسيد عبدالحسين شرف الدين العاملي، المتوفّى سنة 1381، في «أجوبة مسائل جار الله».
* والشيخ آغا بزرك الطهراني، المتوفّى سنة 1389، في رسالته «تفنيد قول العوام بقدم الكلام».
* وسيدنا الجدّ السيد محمد هادي الميلاني، المتوفّى سنة 1395، في فتوىً له.
* والسيد محمد حسين طباطبائي، المتوفّى سنة 1402، في تفسيره الشهير «الميزان في تفسير القرآن».
* والسيّد روح الله الموسوي الخميني - قائد الثورة الإسلاميّة - في بحثه الاصولي «تهذيب الاصول» في مبحث حجّية ظواهر القرآن.
* والسيد أبوالقاسم الخوئي في كتابه «البيان في تفسير القرآن» حيث بحث عن هذا الموضوع من جيمع جانبه وشيّد أركانه.
* وسيدنا الاستاذ السيد محمد رضا الگلپايگاني في فتوىً
له.
* والسيد شهاب الدين النجفي المرعشي في فتوىً له.
ولو أردنا أن ننقل كلمات هؤلاء الأعاظم من علماء الشيعة في هذا المضمار لطال بنا المقام، فمثلاً يقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء:
«وإنّ الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه للإعجاز والتحدّي ولتعليم الأحكام وتمييز الحلال من الحرام، وإنّه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم.
ومن ذهب منهم أو من غيرهم من فرق المسلمين إلى موجود نقص فيه أو تحريف فهو مخطئ يردّه نصّ الكتاب العظيم( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) .
والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذّة، وأخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً، فإمّا أن تؤوّل بنحو من الإعتبار أو يضرب بها الجدار»(1) .
ويقول السيد شرف الدين: «المسألة الرابعة: نسب إلى الشيعة القول بتحريف القرآن بإسقاط كلمات وآيات
فأقول: نعوذ بالله من هذا القول، ونبرأ إلى الله تعالى من هذا الجهل، وكلّ من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفتر علينا، فإنّ القرآن العظيم والذكر الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته وسائر حروفه وحركاته وسكناته تواتراً قطعياً عن أئمّة الهدى من أهل البيتعليهمالسلام لا يرتاب في ذلك إلاّ معتوه، وأئمّة أهل البيت كلّهم أجمعون رفعوه إلى جدّهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن الله تعالى، وهذا أيضاً ممّا
__________________
(1) أصل الشيعة وأًصولها 101 - 102، ط 15.
لا ريب فيه.
وظواهر القرآن الحكيم فضلاً عن نصوصه أبلغ حجج الله تعالى، وأقوى أدلّة أهل الحق بحكم الضرورة الأوليّة من مذهب الإماميّة، وصحاحهم في ذلك متواترة من طريق العترة الطاهرة، ولذلك تراهم يضربون بظواهر الصحاح - المخالفة للقرآن - عرض الجدار ولا يأبهون بها، عملاً بأوامر أئمّتهمعليهمالسلام .
وكان القرآن مجموعاً أيام النبيصلىاللهعليهوآله على ما هو عليه الآن من الترتيب والتنسيق في آياته وسوره وسائر كلماته وحروفه، بلا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير، ولا تبديل ولا تغيير.
وصلاة الإماميّة بمجرّدها دليل على ذلك، لأنّهم يوجبون بعد فاتحة الكتاب - في كلّ من الركعة الاولى والركعة الثانية من الفرائض الخمس - سورة واحدة تامّة غير الفاتحة من سائر السور، ولا يجوز عندهم التبعيض فيها ولا القران بين سورتين على الأحوط، وفقههم صريح بذلك، فلولا أنّ سور القرآن بأجمعها كانت زمن النبيصلىاللهعليهوآله على ما هي الآن عليه في الكيفية والكميّة ما تسنّى لهم هذا القول، ولا أمكن أن يقوم لهم عليه دليل.
أجل، إنّ القرآن عندنا كان مجموعاً على عهد الوحي والنبوّة، ومؤلّفاً على ما هو عليه الآن، وقد عرضه الصحابة على النبيصلىاللهعليهوآله وتلوه عليه من أوّله إلى آخره، وكان جبرائيلعليهالسلام يعارضهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالقرآن في كل عام مرّة، وقد عارضه به عام وفاته مرّتين، وهذا كلّه من الامور الضرورية لدى المحقّقين من علماء الإمامية، ولا عبرة ببعض الجامدين منهم، كما لا عبرة بالحشويّة من أهل السنّة القائلين بتحريف القرآن والعياذ بالله فإنّهم لا يفقهون.
نعم، لا تخلو كتب الشيعة وكتب السنّة من أحاديث ظاهرة بنقص القرآن غير أنّها ممّا لا وزن لها عند الأعلام من علمائنا أجمع، لضعف سندها، ومعارضتها بما هو أقوى منها سنداً، وأكثر عدداً، وأوضح دلالة، على أنّها من أخبار الآحاد، وخبر الواحد إنّما يكون حجّة إذا اقتضى عملاً، وهذه لا تقتضي ذلك، فلا يرجع بها عن المعلوم المقطوع به، فليضرب بظواهرها عرض الحائط»(1) .
وسئل السيد محمد هادي الميلاني عن رأيه في المسألة فأجاب بما معرّبه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى، إنّ الذي نقطع به هو عدم وقوع أيّ تحريف في القرآن الكريم، لا زيادةً ولا نقصاناً ولا تغييراً في ألفاظه، ولو جاء في بعض الأحاديث ما يفيد التحريف فإنّما المقصود من ذلك ما وقع من تغيير معاني القرآن حسب الآراء السقيمة والتأويلات الباطلة، لا تغيير ألفاظه وعباراته.
وأمّا الروايات الدالّة على سقوط آيات أو سور من هذه المعجزة الخالدة فمجهولة أو ضعيفة للغاية، بل إنّ تلك الآيات السور المزعومة - كالسورتين اللتين رواهما في (الإتقان) أو تلك السورة التي رويت في (دبستان المذاهب)، وكذا ما جاء في غيرهما من الكتاب - هي وحدها تكشف عن حقيقتها، إذ لا يشكّ الخبير بعد عرضها على اسلوب القرآن البلاغي في كونها مختلفة باطلة.
هذا، على أنّ أحداً لم يقل بالزيادة، والقول بنقصانه - كما توهّمه بعضهم - لا يمكن الركون إليه، لا سيمّا بعد الإلتفات إلى قوله تعالى( إنّ علينا
__________________
(1) أجوبة مسائل جار الله: 28 - 37، وانظر له: الفصول المهمة.
جمعه وقرآنه ) وقوله تعالى( وإنّا له لحافظون ) وقول تعالى( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) إلى غيرها من الآيات.
وبهذا الذي ذكرنا صرّح كبار علماء الإمامية منذ الطبقات الاولى كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطبرسي، وهم جميعاً يعتقدون بما صرّح به رئيس المحدّثين الشيخ الصدوق في كتاب (الإعتقادات) الذي ألّفه قبل أكثر من ألف سنة حيث قال: إعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمدصلىاللهعليهوآله هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك - إلى أن قال - ومن نسب إلينا أنّا نقول أنّه أكثر من ذلك فهو كاذب.
والحاصل: إنّ من تأمّل في الآدلّة وراجع تأريخ اهتمام المسلمين في حياة الرسولصلىاللهعليهوآله وبعده بضبط القرآن وحفظه ودراسته يقطع بأنّ سقوط الكلمة الواحدة منه محال.
ولو أنّ أحداً وجد حديثاً يفيد بظاهره التحريف وظنّ صحّته فقد أخطأ، وإنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً».
والسيد أبو القاسم الخوئي بعد أن ذكر أسماء بعض النافين للتحريف من أعلام الإماميّة قال: «والحقّ بعد هذا كلّه، إنّ التحريف بالمعنى الذي وقع النزاع فيه غير واقع في القرآن أصلاً بالأدلّة التالية ...»(1) ثم بيّن أدلّة النفي من الكتاب والسنّة وغيرهما.
وللسيد محمد حسين الطباطبائي بحث في «أنّ القرآن مصون عن التحريف» في فصول، أورده في تفسيره القيّم، في ذيل تفسير قوله تعالى:( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) (2) .
__________________
(1) البيان في تفسير القرآن: 207.
(2) الميزان في تفسير القرآن ج 12: 106.
الفصل الثاني
أدلة الشيعة على نفي التحريف
ذكرنا في الفصل الأول كلماتٍ لأعلام الإمامية في نفي التحريف عن القرآن الكريم، وقد جاء في بعض تلك الكلمات - التي ذكرناها على سبيل التمثيل لا الإستقراء والحصر - الاستدلال بوجوه عديدة على ما ذهبوا إليه.
والواقع أنّ الأدلّة الدالّة على عدم وجود النقص في القرآن الكريم هي من القوّة والمتانة، بحيث يسقط معها ما دلّ على التحريف بظاهره عن الإعتبار لو كان معتبراً، ومهما بلغ في الكثرة، ويبطل القول بذلك حتى لو ذهب إليه أكثر العلماء.
وقد عقدنا هذا الفصل لإيراد تلك الأدلة بإيجاز.
(1)
آيات من القرآن الكريم
والقرآن الكريم فيه تبيان لكل شيء، وما كان كذلك كان تبياناً لنفسه أيضاً، فلنرجع إليه لنرى هل فيه دلالة على نقصانه أو بالعكس.
أجل، إنّ في القرآن الحكيم آيات تدل بوضوح على صيانته من كلّ تحريف، وحفظه من كلّ تلاعب، فهو ينفي كل أشكال التصّرف فيه، ويعلن أنّه لا يصيبه ما يشينه ويحط من كرامته حتى الأبد.
وتلك الآيات هي:
1 - قوله تعالى:( إنّ الذين يلحدون في اياتنا لا يخفون علينا * أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة * إعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير * إنّ الذين كفروا بالذكر لمّا جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) (1) .
وإذا كان القرآن العظيم لا يأتيه «الباطل» من بين يديه ولا من خلفه، فإن من أظهر مصاديق «الباطل» هو «وقوع النقصان فيه».
فهو إذاً مصون من قبل الله تعالى عن ذلك منذ نزوله إلى يوم القيامة.
2 - قوله تعالى:( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) (2) .
والمراد من «الذكر» في هذه الآية الكريمة على الأصح هو
__________________
(1) سورة حم السجدة (فصلت) 41: 40 - 41.
(2) سورة الحجر 15: 9.
«القرآن العظيم» فالله سبحانه أنزله على نبيّه الكريم، وتعهّد بحفظه، منذ نزوله إلى الأبد، من كلّ ما يتنافى وكونه منهاجاً خالداً في الحياة ودستوراً عاماً للبشرية جمعاء.
ومن الواضح أنّ من أهمّ ما يتنافى وشأن القرآن العظيم وقدسيّته الفذة وقوع التحريف فيه وضياع شيء منه على الناس، ونقصانه عما أنزله عزّ وجلّ على نبيّهصلىاللهعليهوآله .
3 - قوله تعالى:( لا تحرّك به لسانك لتعجل به * إنّ علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرآناه فاتّبع قرآنه * ثم إنّ علينا بيانه ) (1) .
فعن ابن عباس وغيره في قوله تعالى:( إنّ علينا جمعه وقرآنه ) إنّ المعنى: إنّ علينا جمعه وقرآنه عليك حتى تحفظه ويمكنك تلاوته، فلا تخف فوت شيء منه(2) .
* * *
(2)
الأحاديث عن النبي والأئمةعليهمالسلام
والمصدر الثاني من مصادر الأحكام والعقائد الإسلامية هو السنّة النبوية الشريفة الواصلة إلينا بالطرق والأسانيد الصحيحة.
ولذا كان على المسلمين أن يبحثوا في السنّة عما لم يكن في الكتاب، وأن يأخذوا منها تفسير ما أبهمه، وبيان ما أجمله، فيسيروا على منهاجها، ويعملوا على وفقها، عملاً بقوله سبحانه:( ما آتاكم الرسول
__________________
(1) سورة القيامة 75: 16 - 19.
(1) مجمع البيان للطبرسي 5: 397.
فخذوه * وما نهاكم عنه فانتهوا ) (1) . وقوله تعالى:( وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى ) (2) .
وعلى هذا، فإنّا لما راجعنا السنّة وجدنا الأحاديث المتكثرة الدالّة بأقسامها العديدة على أنّ القرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو ما أنزل على النبيصلىاللهعليهوآله من غير زيادة ونقصان، وأنه كان محفوظاً على عهده،صلىاللهعليهوآله ، وبقي كذلك حتى الآن، وأنّه سيبقى على ما هو عليه إلى الأبد.
وهذه الأحاديث على أقسام وهي:
القسم الأول
أحاديث العرض على الكتاب
لقد جاءت الأحاديث الصحيحة تنصّ على وجوب عرض الخبرين المتعارضين، بل مطلق الأحاديث على القرآن الكريم، فما وافق القرآن اخذ به وما خالفه اعرض عنه، فلولا أنّ سور القرآن وآياته مصونة من التحريف ومحفوظة من النقصان ما كانت هذه القاعدة التي قرّرها الآئمّة من أهل البيت الطاهرين، آخذين إياها من جدهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولا أمكن الركون إليها والوثوق بها.
ومن تلك الأحاديث:
قول الإمام الصادقعليهالسلام : «خطب النبيصلىاللهعليهوآله بمنى فقال: أيها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلته،
__________________
(1) سورة الحشر 59: 7.
(2) سورة النجم 53: 3.
وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله»(1) .
وقول الإمام الرضاعليهالسلام : «... فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجوداً حلالاً أو حرماً فاتّبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب فأعرضوه على سنن النبيصلىاللهعليهوآله ...»(2) .
وقول الإمام الصادق عن أبيه عن جده عليعليهمالسلام : «إنّ على كلّ حق حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه»(3) .
وقول الإمام الهاديعليهالسلام : «فإذا وردت حقائق الأخبار والتمست شواهدها من التنزيل، فوجد لها موافقاً وعليه دليلاً، كان الإقتداء بها فرضاً لا يتعداه إلاّ أهل العناد ...»(4) .
وقول الإمام الصادقعليهالسلام : «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فأعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتال الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردّوه ...»(5) .
وقول الإمام الصادقعليهالسلام : «... ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة، وخالف العامّة فيؤخذ به، ويترك ما خالف الكتاب والسنّة ووافق العامّة ...»(6) .
__________________
(1) وسائل الشيعة 18: 79 عن الكافي.
(2) عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق 2: 20.
(3) الأمالي للشيخ الصدوق: 367.
(4) تحف العقول: 343.
(5) وسائل الشيعة 18: 84.
(6) وسائل الشيعة 18: 75.
فهذه الأحاديث ونحوها تدلّ على أنّ القرآن الموجود الآن هو نفس ما أنزله الله عزّ وجلّ على النبيصلىاللهعليهوآله ، من غير زيادة ولا نقصان، لانّه لو لم يكن كذلك لم يمكن أن يكون القرآن مرجعاً للمسلمين يعرضون عليه الأحاديث التي تصل إليهم عن النبيصلىاللهعليهوآله ، فيعرف بذلك الصحيح ويؤخذ به، والسقيم فيعرض عنه ويترك.
القسم الثاني
خطبة الغدير
وإنّ من حقائق التاريخ واقعة غدير خم وخطبة النبّي الكريمصلىاللهعليهوآله في ذلك اليوم العظيم غير أنّا لم نعثر على رواية كاملة لخطبتهصلىاللهعليهوآله إلاّ في كتاب (الإحتجاج) وفي هذه الخطبة أمر بتدّبر القرآن والرجوع في تفسيره إلى أمير المؤمنينعليهالسلام حيث قال:
«معاشر الناس تدبّروا القرآن، وافهموا آياته وانظروا إلى محكماته، ولا تتّبعوا متشابهه. فوالله لن يبيّن لكم زواجره ولا يوضّح لكم تفسيره إلا الذي أنا آخذ بيده ومصعده إليّ وشائل بعضده ومعلمكم أنّ: من كنت مولاه فهذا علي مولاه. وهو علي بن أبي طالب أخي ووصيّي. وموالاته من الله عزّ وجلّ أنزلها عليّ»(1) .
إن أمر المسلمين بتدبّر القرآن وفهم آياته والأخذ بمحكماته دون متشابهاته يستلزم أن يكون القرآن مؤلّفاً مجموعاً موجوداً في متناول أيديهم،
__________________
(1) الاحتجاج 1: 60.
بمحكماته ومتشابهاته. غير أنهم مأمورون - للوقوف على أحكامه التفصيلية وأسراره ودقائقه التي لا تبلغها العقول - بالرجوع إلى خليفته ووصيّة وتمليذه أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين من ولدهعليهمالسلام .
القسم الثالث
حديث الثقلين
ولم تمرّ على النبي الكريم والقائد العظيم محمدصلىاللهعليهوآله فرصة إلاّ وانتهزها للوصيّة بالكتاب والعترة الطاهرة، والأمر باتّباعهما والإنقياد لهما والتمسّك بهما.
لذا تواتر عنهصلىاللهعليهوآله حديث الثقلين الذي رواه جمهور علماء المسلمين بأسانيد متكثرة متواترة، وألفاظ مختلفة متنوعة، عن أكثر من ثلاثين صحابي وصحابية، وأحد ألفاظه:
«إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهم لن تضلّوا بعدي أبداً ...»(1) .
__________________
(1) حديث الثقلين من جملة الأحاديث التي لا يشك مسلم في صدورها من النبيصلىاللهعليهوآله . فقد رواه عنه أكثر من ثلاثين من الصحابة، وأورده من علماء أهل السنّة ما يقارب الـ 500 شخصية من مختلف طبقاتهم منذ زمن التابعين حتى عصرنا الحاضر من مؤرخين ومفسرين ومحدّثين وغيرهم.
وهذا الحديث يدل بوضوح على عصمة الأئمة من العترة ووجوب إطاعتهم وامتثال أوامرهم والإهتداء بهديهم في الامور الدينية والدنيوية، والأخذ بأقوالهم في الأحكام الشرعية وغيرها.
كما يدل على بقائهم وعدم خلو الأرض منهم إلى يوم القيامة كما هو الحال بالنسبة إلى القرآن.
وهذا يقتضي أن يكون القرآن الكريم مدوّناً في عهدهصلىاللهعليهوآله بجميع آياته وسوره حتى يصح إطلاق إسم الكتاب عليه، ولذلك تكرّر ذكر الكتاب في غير واحد من سورة الشريفة.
كما أنّه يقتضي بقاء القرآن كما كان عليه - على عهدهصلىاللهعليهوآله - إلى يوم القيامة، لتتمّ به - الهداية الأبوية للامة الإسلامية والبشرية جمعاء، ما داموا متمسكين بهما، كما ينصّ عليه الحديث الشريف بالفاظه وطرقه، وإلاّ لزم القول بعدم علمهصلىاللهعليهوآله بما سيكون في امته، أو إخلاله بالنصح التام لأمته، وهذا لا يقول به أحد من المسلمين.
القسم الرابع
الأحاديث الواردة في ثواب
قراءة السور في الصلوات وغيرها
وقد وردت طائفة من الأحاديث في فضيلة قراءة سور القرآن الكريم في الصلوات وغيرها، وثواب ختم القرآن وتلاوته في شهر رمضان وغير ذلك، فلولا أنّ سور القرآن وآياته مجموعة مؤلّفة ومعلومة لدى المسلمين لما تمّ أمرهم بذلك.
ولو كان قد تطرق النقصان في ألفاظ القرآن لم يبق مجال للإعتماد على شيء من تلك الأحاديث والعمل بها من أجل الحصول على ما تفيده من الأجر والثواب، لاحتمال أن تكون كلّ سورة أو كلّ آية محرفة
__________________
وقد بحثنا عن هذا الحديث سنداً ودلالة في ثلاثة أجزاء من كتابنا الكبير (خلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار) الذي طبع منه حتى الآن عشرة جزء.
عما كانت نازلة عليه.
ومن تلك الأحاديث:
قول الإمام الباقر عن أبيه عن جده عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
«من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ خمسين آية كتب من الذاكرين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين، ومن قرأ خمسمائة آية كتب من المجتهدين، ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار ...»(1) .
وقول الإمام الباقرعليهالسلام : «من أوتر بالمعّوذتين وقل هو الله أحد، قيل له: يا عبدالله أبشر فقد قبل الله وترك»(2) .
وقول الإمام الصادقعليهالسلام : «... وعليكم بتلاوة القرآن، فإن درجات الجنّة على عدد آيات القرآن، فإذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن إقرأ وارق، فكلّما قرأ آية رقى درجة ...»(3) .
وقول الإمام الصادقعليهالسلام : «الواجب على كل مؤمن إذا كان لنا شيعة أن يقرأ ليلة الجمعة بالجمعة وسبّح اسم ربك الأعلى فإذا فعل ذلك فإنما يعمل بعمل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكان جزاؤه وثوابه على الله الجنة»(4) .
__________________
(1) الامالي للشيخ الصدوق: 59 - 60، الكافي 2: 448.
(2) الأمالي للشيخ الصدوق: 60، ثواب الاعمال للشيخ الصدوق 157.
(3) الأمالي 359.
(4) ثواب الأعمال: 146.
وقول الإمام الباقرعليهالسلام : «من ختم القرآن بمكة من جمعة إلى جمعة وأقل من ذلك وأكثر، وختمه يوم الجمعة، كتب الله له من الأجر والحسنات من أول جمعة كانت إلى آخر جمعة تكون فيها، وإن ختمه في سائر الأيام فكذلك»(1) .
إلى غير ذلك من الأحاديث وما أكثرها، وقد ذكر الفقهاء - رضي الله تعالى عنهم - تفصيل ما يستحب أن يقرأ في الصلوات الخمس من سور القرآن(2) .
كما روى الشيخ الصدوق - رحمة الله تعالى - ثواب قراءة كلّ سورة من القرآن بحسب الآحاديث الواردة عن الآئمّةعليهمالسلام (3) .
وبهذا القسم من الأحاديث استدلّ بعض أكابر الإمامية كالشيخ الصدوق على ما ذهب إليه من عدم تحريف القرآن(4) .
القسم الخامس
الأحاديث الآمرة بالرجوع إلى القرآن الكريم واستنطاقه
وهي كثيرة جدّاً، نكتفي هنا منها بما جاء في كتب وخطب أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام.
قالعليهالسلام في خطبة له ينبّه فيها على فضل الرسول والقرآن:
«أرسله على حين فترة من الرّسل، وطول هجعة من الامم
__________________
(1) ثواب الأعمال: 125.
(2) راجع جواهر الكلام 9: 400 - 416.
(3) ثواب الاعمال: 130 - 158.
(4) الإعتقادات للشيخ الصدوق: 93.
وانتقاض من المبرم، فجاءهم بتصديق الذي بين يديه، والنور المقتدى به، ذلك القرآن.
فاستنطقوه ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه، ألا إنّ فيه علم ما يأتي ن والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم»(1) .
وقالعليهالسلام :
«واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضلّ، والمحدّث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحد إلاّ قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى أو نقصان في عمى، واعلموا أنّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غنى، فاستشفوه من أدوائكم، واستعينوا به على لأوائكم، فإنّ فيه شفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغّي والضلال، فاسألوا الله به وتوجّهوا إليه بحبه، ولا تسألوا به خلقه، إنّه ما توجه العباد إلى الله بمثله.
واعلموا أنّه شافع مشفّع، وقائل مصدّق، وإنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شفّع فيه، ومن محل له القرآن يوم القيامة صدّق عليه، فإنّه ينادي مناد يوم القيامة: ألا إنّ كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله، غير حرثة القرآن، فكونوا من حرثته وأتباعه، واستدلّوه على ربكم، واستنصحوه على أنفسكم، واتهموا عليه آراءكم، واستغشوا فيه أهواءكم»(2) .
وقالعليهالسلام في كتاب له إلى الحارث الهمداني رضي الله عنه:
__________________
(1) نهج البلاغة: 223 | 158.
(2) نهج البلاغة 202 | 176.
«وتمسّك بحبل القرآن واستنصحه، وأحلّ حلاله، وحرّم حرامه ...»(1) .
«ثم أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقّده، وبحراً لا يدرك قعره، ومنهاجاً لا يضل نهجه، وشعاعاً لا يظلم ضوؤه، وفرقاناً لا يخمد برهانه، وحقاً لا تخذل أعوانه، فهو معدن الإيمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل وغدرانه، وأثافي الإسلام وبنيانه، وأودية الحق وغيطانه، وبحر لا ينزفه المستنزفون، وعيون لا ينضبها الماتحون، ومناهل لا يغيضها الواردون، ومنازل لا يضل نهجها القاصدون، جعله الله رياً لعطش العلماء، وربيعاً لقلوب الفقهاء، ومحاجّ لطرق الصلحاء، ودواء ليس بعده داء، ونوراً ليس معه ظلمة، وحبلاً وثيقاً عروته، ومعقلاً منيعاً ذروته، وعزاً لمن تولاّه، وسلماً لمن دخله، وهدى لمن أئتمّ به، وعذراً لمن انتحله، وبرهاناً لمن تكلم به، وشاهداً لمن خاصم به، وفلجاً لمن حاجّ به، وحاملاً لمن حمله، ومطيّة لمن أعمله، وآية لمن توسّم، وجنّة لمن استلأم، وعلماً لمن وعى، وحديثاً لمن روى، وحكماً لمن قضى»(2) .
وقالعليهالسلام : «فالقرآن آمر زاجر، وصامت ناطق، حجّة الله على خلقه، أخذ عليهم ميثاقه، وارتهن عليه انفسهم، أتم نوره، وأكمل به دينه، وقبض نبيّهصلىاللهعليهوآله وقد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به، فعظّموا منه سبحانه ما عظّم من نفسه، فإنه لم يخف عنكم شيئاً من دينه، ولم يترك شيئاً رضيه أو كرهه إلاّ وجعل
__________________
(1) نفس المصدر 459 / 69.
(2) نفس المصدر 315 / 198.
له علماً بادياً، وآية محكمة، تزجر عنه أو تدعو إليه ...»(1) .
فهذه الكلمات البليغة وأمثالها تنصّ على أنّ الله تعالى جعل القرآن الكريم نوراً يستضاء به، ومنهاجاً يعمل على وفقه، وحكماً بين العباد، ومرجعاً في المشكلات، ودليلاً عند الحيرة، ومتبعاً عند الفتنة.
وكل ذلك يقتضي أن يكون ما بأيدينا من القرآن هو نفس القرآن الذي نزل على الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، وعرفه أمير المؤمنين وسائر الأئمّة والصحابة والمسلمون أجمعون.
القسم السادس
الأحاديث التي تتضمن تمسّك الأئمة
من أهل البيت بمختلف الآيات القرآنية المباركة
وروى المحدّثون من الإماميّة أحاديث متكاثرة جدّاً عن الأئمّة الطاهرين تتضمن تمسّكهم بمختلف الآيات عند المناظرين وفي كل بحث من البحوث، سواء في العقائد أو الأحكام أو المواعظ والحكم والأمثال، كما لا يخفى على من راجع كتبهم الحديثيّة وغيرها، وعلى رأسها كتاب (الكافي).
فهمعليهمالسلام تمسّكوا بالآيات القرآنية «في كل باب على ما يوافق القرآن الموجود عندنا، حتى في الموارد التي فيها آحاد من الروايات التحريف، وهذا أحسن شاهد على أنّ المراد في كثير من روايات التحريف من قولهمعليهمالسلام كذا نزل هو التفسير بحسب التنزيل في مقابل البطن والتأويل»(2) .
__________________
(1) نفس المصدر 265 | 183.
(2) الميزان في تفسير القرآن 12: 111.
القسم السابع
الأحاديث الواردة عنهمعليهمالسلام في
أن ما بأيدي الناس هو القرآن النازل من عند الله
وصريح جملة من الأحاديث الواردة عن أئمّة أهل البيت، أنهمعليهمالسلام كانوا يعتقدون في هذا القرآن الموجود بأنّه هو النازل من عند الله سبحانه على النبيصلىاللهعليهوآله ، وهذه الأحاديث كثيرة ننقل هنا بعضها:
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام :
«كتاب ربّكم فيكم، مبيّناً حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، وخاصّه وعامّه، وعبره وأمثاله، ومرسله ومحدوده، ومحكمه ومتشابهه، مفسّراً مجمله، ومبيّناً غوامضه، بين مأخوذ ميثاق في علمه، وموسّع على العباد في جهله، وبين مثبت في الكتاب فرضه، ومعلوم في السنّة نسخه، وواجب في السنّة أخذه، ومرخّص في الكتاب تركه، وبين واجب بوقته، وزائل في مستقبله، ومباين بين محارمه، من كبير أوعد عليه نيرانه، أو صغير أرصد له غفرانه، وبين مقبوله في أدناه، موسّع في أقصاه»(1) .
وقالعليهالسلام : «أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟ أم أنزل الله سبحانه ديناً تاماً فقصّر الرسولصلىاللهعليهوآله عن تبليغه وأدائه؟ والله سبحانه يقول:( ما فرّطنا في الكتاب من شيء ) وقال:
__________________
(1) نهج البلاغة 44 | 1.
( فيه تبيان لكل شيء ) وذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضاً، وأنّه لا اختلاف فيه، فقال سبحانه:( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) وإن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تكشف الظلمات إلاّ به»(1) .
وعن الريان بن الصلت قال: «قلت للرضاعليهالسلام يا ابن رسول الله ما تقول في القرآن؟
فقال: كلام الله، لا تتجاوزوه، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلوا»(2) .
وجاء فيما كتبه الإمام الرضاعليهالسلام للمأمون في محض الإسلام وشرائع الدين:
«وإنّ جميع ما جاء به محمد بن عبدالله هو الحق المبين، والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله وأنبيائه وحججه.
والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) وأنه المهيمن على الكتب كلّها، وأنه حق من فاتحته إلى خاتمته، نؤمن بمحكمه ومتشابهه، وخاصّه وعامّه، ووعده ووعيده، وناسخه ومنسوخه، وقصصه وأخباره، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله»(3) .
وعن علي بن سالم عن أبيه قال: «سألت الصادق جعفر بن محمدعليهماالسلام فقلت له: يا ابن رسول الله ما تقول في القرآن؟
__________________
(1) نفس المصدر 61 / 18.
(2) عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق 2: 57. الأمالي 546.
(3) عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق 2: 130.
فقال: هو كلام الله، وقول الله، وكتاب الله، ووحي الله وتنزيله، وهو الكتاب العزيز الذي( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) »(1) .
(3)
قول عمر بن خطاب: حسبنا كتاب الله
ومن الرزايا العظيمة والكوارث الفادحة التي قصمت ظهر المسلمين وأدّت إلى ضلال أكثرهم عن الهدى الذي أراده لهم الله ورسوله، ذلك الخلاف الذي حدث عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وفي اللحظات الأخيرة من عمره الشريف، بين صحابته الحاضرين عنده في تلك الحال.
ومجمل القضية هو: إنّ النبيصلىاللهعليهوآله لما حضرته الوفاة وعنده رجال من صحابته - فيهم عمر بن الخطاب - قال: هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، وفي لفظ آخر: إئتوني بالكتف والدواة - أو: اللوح والدواة - أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً.
فقال عمر: إنّ النبي قد غلب عليه الوجع(2) ، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله.
وفي لفظ آخر: فقالوا: إنّ رسول الله يهجر. - من دون تصريح
__________________
(1) الأمالي: 545.
(1) قال سيدنا شرف الدين: «وقد تصرّفوا فيه: فنقوله بالمعنى، لأنّ لفظه الثابت: إنّ النبي يهجر. لكنهم ذكروا أنّه قال: إنّ النبي قد غلب عليه الوجع، تهذيباً للعبارة، واتقاء فظاعتها ...» النصّ والإجتهاد: 143.
باسم المعارض -!
فاختلف الحاضرين، منهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر!
فلما أكثروا ذلك عندهصلىاللهعليهوآله قال لهم: قوموا عنّي(1) .
وليس نحن الآن بصدد محاسبة هذا الرجل على كلامه هذا الذي غيّر مجرى التأريخ، وحال دون ما أراده الله والرسول لهذه الامة من الخير والصلاح والرشاد، إلى يوم القيامة، حتى أنّ ابن عباس كان يقول - فيما يروى عنه -:
«يوم الخميس وما يوم الخميس» ثم يبكي(2) .
وكان رضي الله عنه يقول:
«إنّ الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبين كتابه»(3) .
وإنّما نريد الإستشهاد بقوله: «إن عندنا القرآن، حسبنا كتاب الله» الصريح في وجود القرآن عندهم مدوّناً مجموعاً حينذاك، ويدل على ذلك أنّه لم يعترض عليه أحد - لا من القائلين قرّبوا يكتب لكم النبي كتاباً، ولا من غيرهم - بأنّ سور القرآن وآياته متفرقة مبثوثة، وبهذا تم لعمر بن الخطاب والقائلين مقالته ما أرادوا من الحيلولة بينهصلىاللهعليهوآله وبين كتابة الكتاب.
__________________
(1) راجع جميع الصحاح والمسانيد والتواريخ والسير وكتب الكلام، تجد القضية باختلاف ألفاظها وأسانيدها.
(2) صحيح البخاري 2: 118.
(3) نفس المصدر ج 1 كتاب العلم، باب كتابة العلم.
(4)
الإجماع
ومن الأدلّة على عدم نقصان القرآن: إجماع العلماء في كل الأزمان كما في كشف الغطاء وفي كلام جماعة من كبار العلماء، وهو ظاهر كلمة «إلينا» أي «الإمامية» في قول الشيخ الصدوق «ومن نسب إلينا فهو كاذب».
وقال العلاّمة الحلّي: «واتّفقوا على أنّ ما نقل إلينا متواتراً من القرآن، فهو حجة لأن النبيصلىاللهعليهوآله كان مكلّفاً بإشاعة ما نزل عليه من حجة لأن النبيصلىاللهعليهوآله كان مكلّفاً بإشاعة ما نزل عليه من القرآن إلى عدد التواتر، ليحصل القطع بنبوّته في أنّه المعجزة له. وحينئذ لا يمكن التوافق على ما نقل مما سمعوه منه بغير تواتر، وراوي الواحد إن ذكره على أنّه قرآن فهو خطأ والإجماع دلّ على وجوب إلقائهصلىاللهعليهوآله على عدد التواتر، فإنه المعجزة الدالّة على صدقه، فلو لم يبلغه إلى حدّ التواتر انقطعت معجزته، فلا يبقى هناك حجّة على نبوّته»(1) .
وقال السيّد العاملي: «والعادة تقضي بالتواتر في تفاصيل القرآن من أجزائه وألفاظه وحركاته وسكناته ووضعه في محلّة، لتوفّر الدواعي على نقله من المقر لكونه أصلاً لجميع الأحكام، والمنكر لإبطاله لكونه معجزاً. فلا يعبأ بخلاف من خالف أو شك في المقام»(2) .
وقال الشيخ البلاغي: «ومن أجل تواتر القرآن الكريم بين
__________________
(1) نهاية الوصول - مبحث التواتر.
(2) مفتاح الكرامة 2: 390.
عامة المسلمين جيلاً بعد جيل، استمرت مادته وصورته وقراءته المتداولة على نحو واحد، فلم يؤثّر شيئاً على مادّته وصورته ما يروى عن بعض الناس من الخلاف في قراءته من القراء السبع المعروفين وغيرهم»(1) .
ومن المعلوم أنّ الإجماع حجّة لدى المسلمين، أمّا عند الإمامية فلأنّه كاشف عن رأي المعصومعليهالسلام (2) بل عدم النقصان من الضروريّات كما في كلام السيد المرتضى، وقد نقل بعض الأكابر عباراته ووافقه على ما قال.
(5)
تواتر القرآن
ومن الأدلّة على عدم نقصان القرآن تواتره من طرق الإماميّة بجميع حركاته وسكناته، وحروفه وكلماته، وآياته وسورة، تواتراً قطعياً عن الأئمّة الطاهرينعليهمالسلام عن جدّهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله (3) .
فهم يعتقدون بأن هذا القرآن الموجود بأيدينا هو المنزل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله بلا زيادة ولا نقصان. قال الصّدوق: «إعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيهصلىاللهعليهوآله هو ما بين الدفّتين وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشر سورة ...».
__________________
(1) آلاء الرحمن - الفصل الثالث من المقدمة.
(2) يراجع بهذا الصدد كتب اصول الفقه.
(3) أجوبة مسائل جار الله لشرف الدين، مجمع البيان عن السيد المرتضى.
(6)
إعجاز القرآن
ومن الأدلّة على عدم التحريف هو: أنّ التحريف ينافي كون القرآن معجزاً، لفوات المعنى بالتحريف، لأنّ مدار الإعجاز هو الفصاحة والبلاغة الدائرتان مدار المعنى، ومن المعلوم أنّ القرآن معجز باق.
وهذه عبارة «بشرى الوصول» في الوجه الثالث من الوجوه التي ذكرها على عدم تحريف القرآن.
وقد جاءت الإشارة إلى هذا الوجه في كلام السيد المرتضى حيث قال في استدلاله: «لأنّ القرآن معجزة النبوّة» وفي كلام العلاّمة الحلّي:
«إنّ القول بالتحريف يوجب التطرّق إلى معجزة رسول اللهصلىاللهعليهوآله المنقولة بالتواتر».
وفي كلام كاشف الغطاء: «إنّ الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه للإعجاز والتحدّي ...».
(7)
صلاة الإمامية
ومن الأدلّة على اعتقاد الإماميّة بعدم سقوط شيء من القرآن الكريم: صلاتهم، لأنّهم يوجبون قراءة سورة كاملة(1) . بعد الحمد في الركعة الاولى والثانية(2) من الصلوات الخمس اليوميّة من سائر سور القرآن عدا الفاتحة، ولا يجوز عند جماعة كبيرة منهم القران منهم القران بين سورتين(3) .
قال السيد شرف الدين:
«وصلاتهم بهذه الكيفيّة والأحكام دليل ظاهر على اعتقادهم بكون سور القرآن بأجمعها زمن الرسولصلىاللهعليهوآله على ما هي عليه الآن، وإلاّ لما تسنّى لهم هذا القول»(4) .
__________________
(1) أجوبة مسائل جار الله، وهذا هو المشهور بين الفقهاء، بل ادّعى جماعة عليه الإجماع، أنظر مفتاح الكرامة 2: 350.
(2) أما في الثالثة والرابعة فهو بالخيار إن شاء قرأ الحمد وان شاء سبح إجماعاً، وإن اختلفوا في أفضليّة أحد الفردين.
(3) جواهر الكلام والرياض وغيرهما. وقد ذكر جماعة من قدعاء الفقهاء والمفسرين إستثناء سورتي (الضحى وألم نشرح) وسورتي (الفيل والأيلاف) من هذا الحكم، مصرّحين بوجوب قران كل سورة منها بصاحبتها. أنظر مفتاح الكرامة 2: 385.
(4) أجوبة مسائل جار الله: 28.
(8)
كون القرآن مجموعاً على عهد النبي (ص)
ومن الأدلّة على عدم وجود النقص في القرآن ثبوت كونه مجموعاً على عهد الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، موجوداً كذلك بين المسلمين كما يدل على ذلك من الأخبار في كتب الفريقين، ومن ذلك أخبار أمرهصلىاللهعليهوآله بقراءة القرآن وتدبّره وعرض ما يروى عنهصلىاللهعليهوآله عليه وقد تقدم بعضها، وإنّ جماعة من الصحابة ختموا القرآن على عهده، وتلوه، وحفظوه، يجد أسماءهم من راجع كتب علوم القرآن، وإنّ جبرئيل كان يعارضهصلىاللهعليهوآله به كل عام مرة، وقد عارضه به عام وفاته مرتين(1) .
وكل هذا الذي ذكرنا دليل واضح على أنّ القرآن الموجود بين أيدينا هو نفس القرآن الذي كان بين يدي الرسولصلىاللهعليهوآله وصحابته على عهده فما بعد، من غير زيادة ولا نقصان.
وقد ذكر هذا الدليل جماعة.
__________________
(1) روى ذلك عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في جميع الكتب الحديثيّة وغيرها، حتى كاد يكون من الأمور الضرورية.
(9)
اهتمام النبي (ص) والمسلمين بالقرآن
وهل يمكن لأحد من المسلمين إنكار إهتمام النبيصلىاللهعليهوآله بالقرآن؟!
لقد كان حريصاً على نشر سور القرآن بين المسلمين بمجرد نزولها، مؤكداً عليهم حفظها ودراستها وتعلّمها، مبيناً لهم فضل ذلك وثوابه وفوائده في الدنيا والآخرة.
فحثّهصلىاللهعليهوآله وترغيبه بحفظ القرآن في الصدور والقراطيس ونحوها، وأمره بتعليمه وتعلّمه رجالاً ونساءً وأطفالاً، مما ثبت بالضرورة بحيث لا يبقى مجال لإنكار المنكر وجدال المكابر.
وأمّا المسلمون، فقد كانت الدواعي لديهم لحفظ القرآن والعناية به متوفّرة، ولذا كانوا يقدّمونه على غيره في ذلك، لأنّه معجزة النبوة الخالدة ومرجعهم في الأحكام الشرعيّة والامور الدينيّة، فكيف يتصور سقوط شيء منه والحال هذه؟!
نعم، قد يقال: إنّه كما كانت الدواعي متوفّرة لحفظ القرآن وضبطه وحراسته، كذلك كانت الدواعي متوفّرة على تحريفه وتغييره من قبل المنافقين وأعداء الإسلام والمسلمين، الذين خابت ظنونهم في أن يأتوا بمثله أو بمثل عشر سور منه أو أية من أياته.
ولكن لا مجال لهذا الاحتمال بعد تأييد الله سبحانه المسلمين في العناية والإهتمام بالقرآن، وتعهّده بحفظه بحيث( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) .
الفصل الثالث
أحاديث التحريف في كتب الشّيعة
قد ذكرنا في الفصل الأول شطراً من تصريحات كبار علماء الإمامية في القرون المختلفة في أنّ القرآن الكريم الموجود بين أيدينا مصون من التحريف، وهناك كلمات غير هذه لم نذكره اختصاراً، وربما تقف على تصريحات أو أسماء لجماعة آخرين منهم في غضون البحث.
وعرفت في الفصل الثاني أدلّة الإمامية على نفي التحريف وهي:
1 - آيات من القرآن العظيم.
2 - أحاديث عن النبي والأئمة عليهم الصلاة والسلام، وهي على أقسام.
3 - قول عمر بن الخطاب: حسبنا كتاب الله.
4 - الإجماع.
5 - تواتر القرآن.
6 - إعجاز القرآن.
7 - صلاة الإمامية.
8 - كون القرآن مجموعاً على عهد الرسولصلىاللهعليهوآله .
9 - عناية القرآن مجموعاً على عهد الرسولصلىاللهعليهوآله .
هذا، ولم ينكر أحد من أولئك الأعلام وجود أحاديث في كتب الشيعة، تفيد بظاهرها سقوط شيء من القرآن، بل نصّ بعضهم على كثرتها - كما توجد في كتبهم روايات ظاهرة في الجبر والتفويض، وفي التشبيه والتجسيم، ونحو ذلك - لكنهم أعرضوا عن تلك الأحاديث ونفوا وقوع التحريف في القرآن، بل ذهب البعض منهم إلى قيام إجماع الطائفة على ذلك، ومجرد إعراضهم عن حديثٍ يوجب سقوطه عن درجة الإعتبار، كما تقرّر في علم اصول الفقه.
ونحن في هذا المقام نوضّح سبب إعراضهم عن أخبار التحريف وندلّل على حصته ونقول:
تعيين موضوع البحث
هناك في كتب الإمامية روايات ظاهرة في تحريف القرآن، لكنّ دعوى كثرتها لا تخلو من نظر، لأنّ الذي يمكن قبوله كثرة ما دلّ على التحريف بالمعنى الأعم(1) وقد جاء هذا في كلام الشيخ أبي جعفر
__________________
(1) يطلق لفظ التحريف ويراد منه عدّة معان على سبيل الإشتراك:
أ - نقل الشيء عن موضعه وتحويله إلى غيره.
ب - النقص أو الزيادة في الحروف أو في الحركات مع حفظ القرآن وعدم ضياعه، وإن لم يكن متميزاً في الخارج عن غيره.
جـ - النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين مع التحفّظ على نفس القرآن المنزل.
الطوسي، فإنّه - بعد أن استظهر عدم النقصان من الروايات - قال: «غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن ونقل شيء منه من موضع إلى موضع».
وأما ما دلّ على التحريف بالمعنى الأخصّ الذي نبحث عنه وهو «النقصان» فلا يوافق على دعوى كثرته في كتب الامامية، ومن هنا وصفت تلك الروايات في كلمات بعض المحقّقين كالشيخ جعفر كاشف الغطاء والشيخ محمد جواد البلاغي بالشذوذ والندرة.
وروايات الشيعة في هذا الباب يمكن تقسيمها إلى قسمين:
الأول: الرويات الضعيفة أو المرسلة أو المقطوعة. وبكلمة جامعة: غير المعتبرة سنداً. والظاهر أنّ هذا القسم هو القسم هو الغالب فيها، ويتضح ذلك بملاحظة أسانيدها، ويكفي للوقوف على حال أحاديث الشيخ الكليني منها - ولعلّها هي عمدتها - مراجعة كتاب (مرآة العقول) للشيخ محمد باقر المجلسي، الذي هو من أهمّ كتب الحديث لدى الإماميّة، ومن أشهر شروح «الكافي» وأهمّها.
ومن الأعلام الذين دقّقوا النظر في أسانيد هذه الروايات ونصّوا على عدم اعتبارها: الشيخ البلاغي في (آلاء الرحمن) والسيد الخوئي
__________________
د - التحريف بالزيادة والنقصية في الآية والسورة مع التحفّظ على القرآن المنزل.
هـ - التحريف بالزيادة، بمعنى أنّ بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل.
و - التحريف بالنقيصة، بمعنى أنّ المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن المنزل.
وموضوع بحثنا هو التحريف بالمعنى الأخير، ونعني بالمعني الأعمّ ما يعمّ جميع المعاني المذكورة.
في (البيان) والسيد الطباطبائي في (الميزان). ومن المعلوم عدم جواز الإستناد إلى هكذا روايات في أيّ مسألة من المسائل، فكيف بمثل هذه المسألة الاصولية الإعتقادية؟!
والثاني: الروايات الواردة عن رجال ثقات وبأسانيد لا مجال للخدش فيها.
ولكن هذا القسم يمكن تقسيمه إلى طائفتين:
الاولى: ما يمكن حمله وتأويله على بعض الوجوه، بحيث يرتفع التنافي بينها وبين الروايات والأدلّة الاخرى القائمة على عدم التحريف.
والثانية: ما لا يمكن حمله وتوجيهه.
وبهذا الترتيب يتّضح لنا أنّ ما روي من جهة الشيعة بنقصان آي القرآن قليل جداً، لانّ المفروض خروج الضعيف سنداً والمؤوّل دلالة عن دائرة البحث.
وأوّل ما في هذه الروايات القليلة أنّها مصادمة للضرورة، ففي كلمات عدّة من أئمة الإمامية دعوى الضرورة على كون القرآن مجموعاً على عهد النبّوة، فقد قال السيد المرتضى: «إنّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة إنّ العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة»(1) .
وقال الشيخ جعفر كاشف الغطاء: «لا عبرة بالنادر، وما ورد
__________________
(1) المسائل الطرابلسيات، نقلاً عن مجمع البيان للطبرسي 1: 15.
من أخبار النقص تمنع البديهة من العمل بظاهرها»(1) .
وقال السيد شرف الدين العاملي: «إنّ القرآن عندنا كان مجموعاً على عهد الوحي والنبوة، مؤلفاً على ما هو عليه الآن وهذا كلّه من الامور الضرورية لدى المحقّقين من علماء الإمامية»(2) .
وقال السيد الخوئي: «إنّ من يدّعي التحريف يخالف بداهة العقل»(3) .
فإن نوقش في هذا، فلا كلام في مخالفة روايات التحريف لظاهر الكتاب حيث قال عزّ من قائل:( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) ليكون قدوة للامة وبرنامجاً لأعمالها، ومستقى لأحكامها ومعارفها، ومعجزة خالدة. ومن المعلوم المتسالم عليه: سقوط كل حديث خالف الكتاب وإن بلغ في الصحّة وكثرة الأسانيد ما بلغ، وبهذا صرّحت النصوص عن النبي والأئمةعليهمالسلام ، ومن هنا أعرض علماء الإمامية الفطاحل - الأصوليّون والمحدّثون - عن هذه الأحاديث قال المحدّث الكاشاني في (الصافي): «إنّ خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذّب له فيجب ردّه»(4) .
فإن نوقش في هذا أيضاً فقيل بأنّه استدلال مستلزم للدور، أو
__________________
(1) كشف الغطاء في الفقه، ونقله عنه شرف الدين في أجوبة المسائل: 33.
(2) أجوبة مسائل جار الله: 30.
(3) البيان: 27.
(4) تفسير الصافي 1: 46.
قيل بأن الضمير في «له» عائد إلى النبيصلىاللهعليهوآله ، فإن هذه الروايات تطرح لما يلي:
أولاً: إنّها موافقة للعامة، فإنّ القول بالتحريف منقول عن الذين يقتدون بهم من مشاهير الصحابة، وعن مشاهير أئمتهم وحفاظهم، وأحاديثه مخرّجة في أهمّ كتبهم وأوثق مصادرهم كما سيأتي في بابه، وهذا وجه آخر لسقوط أخبار التحريف عند فرض التعارض بينها وبين روايات العدم، كما تقرّر ذلك في علم اصول الفقه.
ثانياً: إنّها شاذة ونادرة، والروايات الدالّة على عدم التحريف مشهورة أو متواترة، كما في كلمات الأعلام كالشيخ كاشف الغطاء وغيره، وسيأتي الجواب عن شبهة تواتر ما دلّ على التحريف، فلا تصلح لمعارضة تلك الروايات، بل مقتضى القاعدة المقرّرة في علم الاصول لزوم الأخذ بما اشتهر ورفع اليد به عن الشاذ النادر.
ثالثاً: إنّه بعد التنزّل عن كلّ ما ذكر، فلا ريب فلا ريب في أنّ روايات التحريف أخبار آحاد، وقد ذهب جماعة من أعلام الإمامية إلى عدم حجّية الآحاد مطلقاً ومن يقول بحجّيتها لا يعبأ بها في المسائل الإعتقادية، وهذا ما نصّ عليه جماعة.
من اخبار التحريف
وبعد، فلا بأس بذكر عدد من أهمّ الروايات الموجودة في كتاب الإمامية - التي ادّعى بعض العلماء ظهورها في النقصان - وعلى هذه فقس ما سواها.
ولا بدّ من عرض تلك الأحاديث بنصوصها، ثم الكلام عليها بالنظر إلى اسانيدها وفي مدى دلالتها على المدعى، وما يترتّب عليها من شبهات ووجوه الجواب عنها.
وأهمّ الأحاديث التي قد يستند إليها للقول بتحريف القرآن هي الأحاديث التالية:
1 - عن جابر، قال:
«سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول: ما ادّعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أنزل إلاّ كذّاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل الله تعالى إلاّ علي بن أبي طالبعليهالسلام والأئمّة من بعدهعليهمالسلام »(1) .
2 - عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام إنّه قال:
«ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الأوصياء»(2) .
3 - عن سالم بن سلمة، قال:
«قرأ رجل على أبي عبداللهعليهالسلام - وأنا أسمع - حروفاً من
__________________
(1) الكافي 1: 178، ورواه الصّفار في بصائر الدرجات: 13.
(2) الكافي 1: 178، بصائر الدرجات: 213.
القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبداللهعليهالسلام :
مه، كفّ عن هذه القراءة، إقرأ كما يقرأ الناس، حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله تعالى على حدّه وأخرج المصحف الذي كتبه عليعليهالسلام .
وقال: أخرجه علي إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله تعالى كما أنزله على محمدصلىاللهعليهوآله ، وقد جمعته بين اللوحين، فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه. فقال: أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً، إنّما كان عليّ أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه»(1) .
4 - عن ميسر، عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال:
«لولا أنّه زيد في كتاب الله ونقص عنه، ما خفي حقّنا على ذي حجا، ولو قد قام قائمنا فنظق صدّقه القرآن»(2) .
5 - عن الأصبغ بن نباتة، قال:
«سمعت أمير المؤمنينعليهالسلام يقول: نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدوّنا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام»(3) .
وعن أبي عبداللهعليهالسلام قال:
«إنّ القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال، وربع حرام، وربع سنن وأحكام، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم، وفصل ما بينكم»(4) .
__________________
(1) الكافي 2: 462.
(2) تفسير العياشي 10: 13.
(3) الكافي 2: 459.
(4) الكافي 2: 459.
وعن أبي جعفرعليهالسلام ، قال:
«نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدوّنا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام»(1) .
6 - عن محمد بن سليمان، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسنعليهالسلام ، قال:
«قلت له: جعلت فداك، إنّا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها، ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم؟
فقال: لا، إقرؤوا كما تعلّمتم، فسيجيئكم من يعلّمكم»(2) .
7 - عن أبي عبداللهعليهالسلام ، قال:
«إنّ في القرآن ما مضى وما يحدث وما هو كائن، كانت فيه أسماء الرجال فالقيت، إنّما الإسم الواحد منه في وجوه لا تحصى، يعرف ذلك الوصاة»(3) .
8 - عن أبي عبداللهعليهالسلام ، قال:
«لو قد قرئ القرآن كما انزل لألفينا فيه مسمّين»(4) .
9 - عن البزنطي، قال: «دفع إليّ أبو الحسنعليهالسلام مصحفاً فقال - وقال -: لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه( لم يكن الذين كفروا ... ) فوجدت فيه - فيها - اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم
__________________
(1) الكافي 2: 459.
(2) الكافي 2: 453.
(3) تفسير العياشي 1: 12.
(4) تفسير العياشي 1: 13.
وأسماء آبائهم، قال: فبعث إليّ: إبعث إليّ بالمصحف»(1) .
10 - عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام ، قال:
«نزل جبرئيل بهذه الآية على محمدصلىاللهعليهوآله هكذا:( وإن كنتم في ريب ممّا نزّلنا على عبدنا - في علي -فأتوا بسورة من مثله ) (2) .
11 - عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبداللهعليهالسلام ، قال:
«من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب كان يوم القيامة في جوار محمدصلىاللهعليهوآله وأزواجه، ثم قال: سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم، يا ابن سنان: إنّ سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب، وكانت أطول من سورة البقرة، ولكن نقصوها وحرّفوها»(3) .
12 - عن أبي عبداللهعليهالسلام ، قال:
«أنزل الله في القرآن سبعة بأسمائهم، فمحت قريش ستة وتركوا أبا لهب»(4) .
13 - عن ابن نباتة قال:
«سمعت علياًعليهالسلام يقول: كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلّمون الناس القرآن كما انزل، قلت: يا أمير المؤمنين أو ليس هو كما انزل؟
فقال: لا، محي منه سبعون من قريش بأسمائهم وأسماء
__________________
(1) الكافي 2: 461، وانظر البحار 92: 54.
(2) الكافي 1: 345.
(3) ثواب الاعمال: 100، وعنه في البحار 89: 50.
(4) رجال الكشي 247، وعنه في البحار 89: 54.
آبائهم، وما ترك أبولهب إلاّ للإزراء على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّه عمه»(1) .
14 - عن أبي بصير، عن أبي عبداللهعليهالسلام في قول الله عزّوجلّ: «من يطع الله ورسوله - في ولاية علي والأئمة من بعده - فقد فاز فوزاً عظيماً. هكذا نزلت»(2) .
15 - عن منخّل، عن أبي عبداللهعليهالسلام ، قال: «نزل جبرئيل على محمّدصلىاللهعليهوآله بهذه الآية هكذا:( يا أيا الذين اوتوا الكتاب آمنا بما أنزلنا - في علي -نوراً مبيناً ) (3) .
16 - عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله في قوله:
( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات - في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم -فنسي ... ) (4) .
فهذه طائفة من تلك الأحاديث، ولنلق الأضواء عليها واحداً واحداً، لنرى ما قيل في الجواب عن كلّ واحد أو ما جاء فيه من تأويل.
الكلام على هذه الأخبار
الحديث الأول:
رواه الشيخ الكليني والشيخ الصفار، كلاهما بسند فيه «عمرو بن أبي المقدام» وقد اختلف علماء الرجال فيه على قولين، كما
__________________
(1) الغيبة للنعماني: 318.
(2) الكافي 1: 342.
(3) الكافي 1: 344.
(4) الكافي 1: 345.
اعترف بذلك بعضهم(1) .
الحديث الثاني:
رواه الشيخ الكليني والصفار أيضاً بسند فيه «المنخّل بن جميل الأسدي»
وقد ضعّفه أكثر علماء الرجال، بل كلّهم، وقالوا: إنّه فاسد العقيدة، وإنّه يروي الأحاديث الدالّة على الغلو في الأئمةعليهمالسلام (2) .
هذا بالإضافة إلى أنّه يمكن نفسير هذا الحديث وسابقة بمعنى آخر يساعد عليه اللفظ فيهما.
ولذا فقد قال السيد الطباطبائي في الخبرين ما نصّه:
«قولهعليهالسلام : إنّ عنده القرآن كلّه إلى آخره، الجملة وإن كانت ظاهرة في لفظ القرآن ومشعرة بوقوع التحريف فيه، لكنّ تقييدها بقوله: (ظاهره وباطنه) يفيد أنّ المراد هو العلم بجميع القرآن من حيث معانيه الظاهرة على الفهم العادي ومعانيه المستبطنة على الفهم العادي.
وكذا قوله في الرواية السابقة (وما جمعه وحفظه إلى آخره) حيث قيّد الجمع بالحفظ، فافهم»(3) .
وقد أورد السيد على بن معصوم المدني هذين الخبرين ضمن الأحاديث التي استشهد بها على أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام والأوصياء من أبنائه، علموا جميع ما في القرآن علماً قطعيّاً بتأييد إلهي وإلهام رباني وتعليم نبوي، وذكر أنّ الأحاديث في ذلك متواترة بين الفريقين، وعليه
__________________
(1) تنقيح المقال 2: 323.
(2) تنقيح المقال 3: 247.
(3) حاشية الكافي 1: 228.
إجماع الفرقة الناجية، وأنّه قد طابق العقل في ذلك النقل(1) .
وقد روى الشيخ الصفّار القمي حديثاً آخر في معنى الحديثين المذكورين هذا نصه بسنده:
«جعفر بن أحمد، عن عبد الكريم بن عبد الرحيم، عن محمد بن علي القرشي، عن محمد بن الفضيل، عن الثمالي، عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال: ما أحد من هذه الامة جمع القرآن إلاّ وصي محمّدصلىاللهعليهوآله »(2) . ولكن في سنده «محمد بن علي القرشي»(3) .
الحديث الثالث:
فإن راويه هو «سالم بن سلمة» أو «سالم بن أبي سلمة» ومراجعة واحدة لكتب الرجال تكفي للوقوف على رأيهم في هذا الرجل. فقد ضعّفه ابن الغضائري والنجاشي والعلاّمة الحلّي والشيخ المجلسي وغيرهم(4) . ويفيد الحديث مخالفة القرآن الذي جمعه أمير المؤمنينعليهالسلام مع القرآن الموجود بين أيدينا، وسيأتي الكلام على ذلك في فصل (الشبهات). كما يفيد أيضاً مخالفة القرآن الكريم على عهد سيدنا الإمام المهديعليهالسلام لهذا القرآن، وسيأتي الكلام على هذا أيضاً في الفصل المذكور.
__________________
(1) شرح الصحيفة السجادية: 401.
(2) بصائر الدرجات للصّفار، وعنه في البحار89: 48، وانظر مرآة العقول المجلد 2: 535.
(3) تنتيح المقال 3: 151.
(4) نفس المصدر 2: 4.
الحديث الرابع:
هو من رويات الشيخ العياشي في تفسيره(1) ، وقد رواه عنه الشيخ الحرّ العاملي على النحو التالي:
«وعن ميسر - أي وروى العياشي عن ميسر - عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال: لولا أنّه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقّنا على ذي حجا،
ولو قد قام قائمنا قنطق صدّقه القرآن»(2) .
ويبطل هذا الحديث إجماع المسلمين كافّة على عدم وقوع الزيادة في القرآن، وقد ادّعى هذا الإجماع: السيد المرتضى، وشيخ الطائفة، والشيخ الطبرسي، رضي الله تعالى عنهم.
وقال سيدنا الجدّ الميلاني: «هذا على أنذ أحداً لم يقل بالزيادة». وقال السيد الخوئي في بيان معاني التحريف: «الخامس: التحريف بالزيادة، بمعنى أنّ بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل، والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين، بل هو مما علم بطلانه بالضرورة»(3) .
الحديث الخامس:
وقد صرّح الشيخ المجلسيرحمهالله بأنّه مجهول(4) .
وفي الأول من تالييه: إنّه مرسل(5) .
__________________
(1) تفسير العياشي 1: 13.
(2) إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات 3: 43.
(3) البيان: 218.
(4) مرآة العقول 12: 517.
(5) مرآة العقول 12: 517.
وفي الثاني منهما بأنّه: موثّق(1) .
وظاهر هذه الأحاديث - وإن أنكر جماعة كالمجلسي والفيض وشارح الكافي - منافاة بعضها للبعض، كما اعترف بذلك السيد عبدالله شبر(2) وأوضح ذلك السيد هاشم معروف الحسني في دراساته.
الحديث السادس:
ضعّفه الشيخ المجلسي(3) ، وأوّله المحدّث الكاشاني في الوافي: على أنّ المراد من تلك الآيات، ما كان مأخوذاً من الوحي من قبيل التفسير وتبيين المراد، لا من القرآن الكريم على حقيقته، حتى يقال إنّه يدلّ نقصان القرآن.
الحديث السابع:
هو من روايات الشيخ الصفار القمي والشيخ العياشي، وسيأتي الكلام عن رواياتهما، على أنّهما روياه عن «إبراهيم بن عمر» وقد اختلفوا في تضعيفه وتوثيقه على قولين(4) .
ومن الممكن القول: بأنّ تلك الأسماء التي القيت إنما كانت مثبتة فيه على وجه التفسير لألفاظ القرآن، وتبيين الغرض منها، لا أنّها نزلت في أصل القرآن كذلك، كما قيل نظائره.
الحديث الثامن:
رواه الشيخ العياشي مرسلاً عن داود بن فرقد عمّن أخبره، عنه
__________________
(1) نفس المصدر 12: 517.
(2) مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار 1: 294.
(3) مرآة العقول 12: 506.
(4) تنقيح المقال 1: 27.
عليهالسلام ، وقد يجاب عنه أيضاً بمثل ما يجاب به عن الأحاديث الآتية.
الحديث التاسع:
رواه الشيخ الكليني عن البزنطي، وقد قال الشيخ المجلسي: إنّه مرسل(1) .
واعترف شارح الكافي بكونه: مرفوعاً.
وروى نحوه الشيخ الكشي عنه أيضاً(2) وسيأتي ما في رواياته.
هذا ولقد قال المحدّث الكاشاني بعده ما نصّه:
«لعلّ المراد أنّه وجد تلك الأسماء مكتوبة في ذلك المصحف تفسيراً للذين كفروا وللمشركين، مأخوذة من الوحي، لا أنّها كانت من أجزاء القرآن
وكذلك كل ما ورد من هذا القبيلعليهمالسلام »(3) .
الحديث العاشر:
ونظائره التي رواها الشيخان القمي والكليني وغيرهما، من الأحاديث الدالّة على حذف اسم أمير المؤمنين عليعليهالسلام و «آل محمد» وكلمة «الولاية» وأسماء «المنافقين» وغير ذلك.
ويغنينا عن النظر في أسانيد هذه الأحاديث واحداً واحداً اعتراف المحدّث الكاشاني بعدم صحتها، وحملها - على فرض الصحة - على أنّه بهذا المعنى نزلت، وليس المراد أنّها كذلك نزلت في أصل القرآن فحذف ذلك.
__________________
(1) مرآة العقول 12: 521.
(2) رجال الكشّي: 492.
(3) الوافي 2: 273.
ثم قال - رحمة الله تعالى -: «كذلك يخطر ببالي في تأويل تلك الأخبار إن صحت ...»(1) .
وقال السيد الخوئي:
«والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة: إنّا قد أو ضحنا فيما تقدّم أنّ بعض التنزيل كان من قبيل التفسير للقرآن، وليس من القرآن نفسه، فلا بدّ من حمل هذه الروايات على أنّ ذكر أسماء الأئمة في التنزيل من هذا القبيل، وإذا لم يتم هذا الحمل فلا بدّ من طرح هذه الروايات، لمخالفتها الكتاب والسنّة والأدلّة المتقدّمة على نفي التحريف.
وقد دلّت الأخبار المتواترة على وجوب عرض الروايات على الكتاب والسنّة، وإن ما خالف الكتاب منها يجب طرحه وضربه على الجدار».
وقال أيضاً: «ومما يدلّ على أنّ اسم أمير المؤمنينعليهالسلام لم يذكر صريحاً في القرآن: حديث الغدير، فإنّه صريح في أنّ النبيصلىاللهعليهوآله إنّما نصب علياً بأمر الله، وبعد أن ورد عليه التأكيد في ذلك وبعد أن وعده الله بالعصمة من الناس، ولو كان اسم «علي» مذكوراً في القرآن لم يحتج إلى ذلك النصب، ولا إلى تهيئة ذلك الاجتماع الحافل بالمسلمين، ولما خشي رسول اللهصلىاللهعليهوآله من إظهار ذلك، ليحتاج إلى التأكيد في أمر التبليغ».
وقال بالنسبة إلى هذا الحديث بالذات:
«على أنّ الرواية الآخيرة المرويّة في الكافي مما لا يحتمل صدقه في نفسه، فإنّ ذكر اسم عليعليهالسلام في مقام إثبات النبوّة والتحدى على
__________________
(1) نفس المصدر 2: 274.
الإتيان بمثل القرآن لا يناسب مقتضى الحال».
قال: «ويعارض جميع هذه الروايات صحيحة أبي بصير المروية في الكافي، قال: سألت أبا عبداللهعليهالسلام عن قول الله:( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) .
قال: فقال: نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسينعليهمالسلام .
فقلت له: إنّ الناس يقولون لهم: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نزلت عليه الصلاة ولم يسّم لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتى كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله فسّر لهم ذلك.
فتكون هذه الصحيحة حاكمة على جميع تلك الروايات، وموضّحة للمراد
منها»(1) .
هذا، وقد تقدّم عن الشيخ البهائي قوله:
«وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم أمير المؤمنينعليهالسلام منه في بعض المواضع، مثل تعالى:( يا ايّها الذين الرسول بلّغ ما انزل إليك - في علي -) وغير ذلك فهو غير معتبر عند العلماء»(2) .
الحديث الحادي عشر:
فيجاب عنه - بعد غضّ النظر عن سنده - بأنّ الشيخ الطبرسي رحمة الله وغيره رووه عن ابن سنان بدون زيادة «ثم قال ...»(3) .
__________________
(1) البيان 178 - 179.
(2) نقله عنه في آلاء الرحمن: 26.
(3) مجمع البيان 4: 334.
على أنّ نفس هذا الحديث، وكذا الحديثان الآخران(1) عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله دليل على أنّ سورة الأحزاب كانت مدوّنة على عهدهصلىاللهعليهوآله .
كما يجاب عنه - إن صح - بما اجيب عن نظائره فيما تقدّم.
ولنا أن نطالب - بعد ذلك كلّه - من يصحّح هذا الحديث ويعتمد عليه، أن يثبت لنا أن ذهبت هذه الكثرة من الآيات؟ وأن يذكر كيفيّة سقوطها - أو إسقاطها - من دون أن يعلم سائر المسلمين؟
ألم تكن الدواعي متوفّرة على أخذ القرآن وتعلّمه كلّما نزل من السماء؟ ألم
تكن السورة تنتشر بمجرد نزولها بأمر النبي(2) صلىاللهعليهوآله بين المسلمين وتقرأ في بيوتهم؟
الحديث الثاني عشر:
من روايات الشيخ الكشي، وسيأتي الكلام عنها بصورة عامة.
الحديث الثالث عشر:
سنده غير قويّ كما يتّصح ذلك لمن راجعه، ثمّ إنّ الشيخ النعماني نفسه قد روى حديثين آخرين:
أحدهما: عن أمير المؤمنينعليهالسلام أيضاً، قال: «كأنّي أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة، وقد ضربوا الفساطيط يعلّمون الناس القرآن كما أنزل»(3) .
__________________
(1) مجمع البيان، ورواه أهل السنة في كتبهم المعتبرة. انظر منها الدر المنثور 5: 179 عن جملة من كتب الحديث.
(2) نصّ على هذا أكابر الطائفة، منهم العلامة الحلّي في كتابة نهاية الوصول، وقد تقدمت عبارته في الفصل الثاني من الكتاب.
(3) الغيبة للنعماني: 317.
والثاني منهما: عن أبي عبدالله الصادقعليهالسلام ، قال: «كأنّي بشيعة علي في أيديهم المثاني يعلّمون القرآن»(1) .
وهذان الحديثان يعارضان الحديث المذكور.
وأوضح من ذلك قول الإمام الباقرعليهالسلام : «إذا قام القائم من آل محمد ضرب فساطيط لمن يعلّم الناس القرآن على أنزله الله عزّ وجلّ، فاصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لأنّه يخالف فيه التأليف»(2) .
وليتأمّل في قولهعليهالسلام : «لأنّه يخالف فيه التأليف» فإنّه يفيد فيما
سيأتي.
أمّا الأحاديث المتبقية - 14، 15، 16 - فقد ضعّفها الشيخ المجلسي جميعها(3) ، بالإضافة إلى أنّه يجاب عنها بما يجاب عن نظائرها.
__________________
(1) الغيبة للنعماني: 318.
(2) روضة الواعظين: 265، الإرشاد للشيخ المفيد: 365.
(3) مرآة العقول 5: 14، 29، 29.
الفصل الرابع
شبهات حول القرآن
على ضوء روايات الشيعة
وهناك شبهات تعرض للناظر في أحاديث الشيعة الإمامية حول القرآن الحكيم، فعلينا - بالرغم من ثبوت بطلان تلك الأحاديث المتقدّمة وأمثالها، وعدم صلاحيتها للإستناد إليها، بالأدلّة المذكورة على عدم وقوع التحريف في القرآن، وبالأجوبة السالفة عن كل منها - أن نتعرض لتلك الشبهات، ونبيّن وجه اندفاعها:
لما رأى بعض محدّثي الإمامية كثرة الأحاديث الظاهرة في تحريف القرآن، ووجدوا كثيراً منها في المجاميع الحديثيّة المعروفة، عرضت لهم شبهة تواتر تلك الأحاديث - ولا سيمّا الأخباريون الظاهريون ممن يرى صحّة كل حديث منسوب إلى أئمة الهدىعليهمالسلام من غير تحقيق - وهؤلاءهم:
1 - المحدّث الجزائري، فإنّه قال في وجوه ردّه على القول بتواتر
القراءات: «الثالث: إنّ تسليم تواترها عن الوحي الإلهي، وكون الكلّ قد نزل به الروح الأمين، يفضي إلى طرح الأخبار المستقيضة بل المتواترة الدالّة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن، كلاماً ومادة وإعراباً»(1) .
ولكن يردّه تصريح جماعة من كبار العلماء المحقّقين - وفيهم الأخباريون الفطاحل - بأنّ أحاديث التحريف أخبار آحاد، لا يمكن الركون إليها والإعتماد عليها في هذه المسألة الإعتقادية.
فقد قال شيخ الطائفة: «غير أنّه رويت كثيرة من جهة الخاصّة والعامّة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً، والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها».
وقال الشيخ المجلسي عن الشيخ المفيد: «إنّ الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد يقطع على الله تعالى بصحتها».
وكذا قال غيرهما من أعلام الطائفة.
على أنّ كلام هذا المحدّث نفسه يدل على أنّ دعواه تلك بعيدة كلّ البعد عما نحن بصدده، لأنّه يدّعي التواتر في أحاديث التحريف بمختلف معانيه كلاماً ومادة وإعراباً.
ومن المعلوم: إنّ طائفة من الأحاديث جاءت ظاهرة في أنّ المسلمين حرّفوا القرآن من جهة المعنى دون اللفظ، وحملوا آياته على خلاف مراد الله تعالى، وإن طائفة اخرى من الأحاديث جاءت ظاهرة في وقوع التحريف في القرآن نتيجة اختلاف القراءات. إلى غير ذلك من
__________________
(1) الأنوار النعمانية 2: 357.
طوائف الأحاديث الراجعة إلى تحريف القرآن، وتبقى الطائفة الدالّة منها على التحريف بمعنى «نقصان القرآن» وهو موضوع بحثنا، وقد ذكرنا نحن طائفة من تلك الأحاديث ونبّهنا على ما فيها.
2 - الشيخ المجلسي في كتابه (مرآة العقول) فإنّه قال بعد حديث قال إنّه موثق:
«ولا يخفى أنّ هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره. وعندى أنّ الأخبار في هذا الباب متواترة معنىً، وطرح جميعها يوجب رفع الإعتماد على الأخبار رأساً، بل ظنّي أنّ الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة، فكيف يثبتونها بالخبر».
ويردّه ما ذكره هو في «بحار الأنوار» وقد تقدّم نصّة.
على أنّ قوله: «وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن» غريب، فإنّ السيد المرتضى قال: «نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته».
كما أنكر صحتها الطوسي شيخ الطائفة والمحدّث الكاشاني، بل جاء في العبارة التي نقلناها عن بحاره «إنّ الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله تعالى بصحّتها».
ومن قبلهم قال شيخ المحدّثين ما نصّه: «إعتقادنا أنّ القرآن الذين أنزله الله على نبيّهصلىاللهعليهوآله هو ما بين الدفّتين وما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذاك ومن نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب». ولو كانت أحاديث النقيصة صحيحة ومقبولة لما قال الصدوق ذلك كما لا يخفى.
وأما قوله: «وطرح جميعها يوجب رفع الإعتماد على الأخبار
رأساً» ففيه: إنّ قبول جميعها أيضاً يوجب رفع الإعتماد على الأحاديث رأساً، على أنّه رحمة الله قد حكم في أكثر الأحاديث المخرّجة في «الكافي» والمفيدة نقص القرآن إمّا بالضعف وإمّا بالإرسال، كما تقدّم ذلك كلّه.
ومن العجيب قوله: «بل ظنّي ...» إذ إثبات الإمامية ليس دليلة منحصراً بالأحاديث حتى يقال ذلك، وكيف أنّ تلك الأحاديث لا تقصر عن أحاديث الإمامة؟ وهل يقصد الكثرة في الورود؟ أو القوة في الدلالة؟ أو الصحة في الأسانيد؟
3 - المحدّث الحر العاملي، فإنّه قال بعد أن روى حديثين عن تفسير العياشي:
«أقول: هذه الأحاديث وأمثالها دالّة على النصّ على الأئمةعليهمالسلام وكذا التصريح بأسمائهم، وقد تواترت الأخبار بأنّ القرآن نقص منه كثير وسقط منه آيات لمّا تكتب».
ويكفي لدفع دعوى التواتر هذه نصوص العلماء، وما تقدّم نقله عنه في الفصل الأول.
ولعلّ قوله رحمة الله بعد ذلك: «وبعضهم يحمل تلك الأخبار عن أنّ ما نقص وسقط كان تأويلاً نزل مع التنزيل، وبعضهم على أنّه وحي لا قرآن» يدلّ على أنّه لا يعتقد بوقوع التحريف في القرآن الشريف.
وكأنّه إنّما يدّعي التواتر في هذه الأحاديث للإحتجاج بها على وجود النصوص العامة على إمامة الأئمةعليهمالسلام ، ولذا فإنّه قال: «وعلى كلّ حال، فهو حجّة في النصّ، وتلك الأخبار متواترة من طريق
العامة والخاصة»(1) .
والخلاصة: إنّه لا مجال لدعوى التواتر في أحاديث تحريف القرآن بهذا المعنى المتنازع فيه.
وتفيد طائفة من أحاديث الشيعة أنّ علياً أمير المؤمنينعليهالسلام اعتزل الناس بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليجمع القرآن العظيم، وفي حديث رواه الشيخ بن إبراهيم القمي - رحمة الله تعالى - في تفسيره: إنّ عمله ذاك كان بأمر من النبيصلىاللهعليهوآله ، وقال: لا أرتدي حتى أجمعه، حتى روي أنّهعليهالسلام لم يرتد رداءه إلاّ للصلاة إلى أن فرغ من هذه المهمّة.
وأضافت تلك الأحاديث - ومنها الحديث الثالث من الأحاديث المتقدّمة وحديثان رواهما الشيخ أبو منصور الطبرسي في «الإحتجاج» - إنّهعليهالسلام حمل ذاك المصحف الذي جمعه إلى الناس، وأخبرهم بأنّه الذي نزل من عندالله سبحانه على النبي الكريمصلىاللهعليهوآله ، ولكنّ الناس ردوّه وأعرضوا عنه زاعمين أنّهم في غنىً عنه، فعند ذلك قال الإمامعليهالسلام : إنّكم لن تروه بعد اليوم.
والذي يستنتجه الناظر في هذه الأحاديث مخالفة ما جمعه الإمامعليهالسلام مع القرآن الموجود، ولو لم يكن بعض ما فيه مخالفاً لبعض ذلك المصحف لما حمله إليهم، ولما دعاهم إلى تلاوته والأخذ به وجعله
__________________
(1) إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات 3: 43.
القرآن المتّبع لدى جميع المسلمين.
ومن هنا تأتي الشبهة في هذا المصحف الذي بين أيدينا، إذ لا يشك مسلم في أعلميّة الإمامعليهالسلام بالكتاب ودرايته بحقائقه وأسراره ودقائقه.
ولكنّ هذه الشبهة تندفع - بعد التسليم بصحّة هذه الأخبار - بما ذكره جماعة من أنّ القرآن الكريم كان مجموعاً على عهد النبيصلىاللهعليهوآله ، ولم يكن في عهده مبثوثاً متفرقاً هنا وهناك حتى يحتاج إلى جمع، ويؤيد ذلك أنّ غاية ما تدلّ عليه هذه الأحاديث هو الخالفة بين المصحفين إجمالاً، وهي كما يحتمل أن تكون بالزيادة والنقصان في أصل الآيات والسور المنزلة، كذلك يحتمل أن تكون:
أولاّ: بالإختلاف في الترتيب والتأليف، كما يدلّ عليه الحديث في (الإرشاد) و (روضة الواعظين) وذهب إليه جماعة، فقد قال السيد الطباطبائي: «إنّ جمعهعليهالسلام القرآن وحمله إليهم وعرضه عليهم لا يدلّ على مخالفة ما جمعه لما جمعوه في شيء من الحقائق الدينيّة الأصليّة أو الفرعية، إلاّ أن يكون في شيء من ترتيب السور أو الآيات من السور التي نزل نجوماً، بحيث لا يرجع إلى مخالفة في بعض الحقائق الدينيّة.
ولو كان كذلك لعارضهم بالإحتجاج ودافع فيه ولم يقنع بمجرد إعراضهم عمّا جمعه واستغنائهم عنه، كما روي عنهعليهالسلام في موارد شتى، ولم ينقل عنهعليهالسلام فيما روي من احتجاجاته أنّه قرأ في أمر ولايته ولا غيرها آية أو سورة تدلّ على ذلك، وجبّهم على إسقاطها أو تحريفها»(1) .
__________________
(1) الميزان 12: 119.
وثانياً: بالإختلاف بالزيادة والنقصان من جهة الأحاديث القدسيّة، بأن يكون مصحف الإمامعليهالسلام مشتملاً عليها، ومصحفهم خالياً عنها، كما ذهب إليه شيخ المحدّثين الصدوق حيث قال: «وقد نزل من الوحي الذي ليس بقرآن ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغة مقدار سبع عشرة ألف آية، وذلك قول جبرئيلعليهالسلام للنبيصلىاللهعليهوآله : إنّ الله تعالى يقول لك: يا محمّد دار خلقي: ومثل قوله: عش ما شئت فإنّك ميت، وأحبب ما شئت فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنّك ملاقيه، وشرف المؤمن صلاته بالليل وعزّه كفّ الأذى عن الناس».
قال: «ومثل هذا كثير، كلّه وحي وليس بقرآن ولو كان قرآناً لكان مقروناً به وموصولاً إليه غير مفصول عنه، كما كان أمير المؤمنينعليهالسلام جمعه، فلما جاء به قال: هذا كتاب ربّكم كما أنزل على نبيّكم، لم يزد فيه حرف ولا ينقص منه حرف، قالوا: لا حاجة لنا فيه، عندنا مثل الذي عندك، فانصرف وهو يقول: فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون»(1) .
وثالثاً: بالإختلاف بالزيادة والنقصان من جهة التأويل والتفسير، بأن يكون مصحفهعليهالسلام مشتملاً على تأويل الآيات وتفسيرها، والمصحف الموجود خال عن ذلك، كما ذهب إلى ذلك جماعة.
قال الشيخ المفيد: «ولكنّ حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنينعليهالسلام من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله،
__________________
(1) الاعتقادات: 93.
وذلك كان ثابتاً منزلاً، وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز، وقد يسمّى تأويل القرآن قرآناً، قال الله تعالى:( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربّ زدني علماً ) فسمّى تأويل القرآن قرآناً، وهذا ما ليس فيه بين أهل التفسير اختلاف، وعندي أنّ هذا القول أشبه»(1) .
وقال المحدّث الكاشاني: «ولا يبعد أيضاً أن يقال: إن بعض المحذوفات كان من قبيل التفسير والبيان، ولم يكن من أجزاء القرآن، فيكون التبديل من حيث المعنى، أي: حرّفوه وغيّروه في تفسيره وتأويله، أعني: حملوه على خلاف ما هو به، فمعنى قولهمعليهمالسلام : (كذا أنزلت) أنّ المراد به ذلك، لا أنّها نزلت مع هذه الزيادة في لفظها، فحذف منها ذلك اللفظ.
وممّا يدلّ على هذا ما رواه في (الكافي) بإسناده عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه كتب في رسالته إلى سعد الخير: وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية الحديث.
وما رواه العامّة: إنّ علياًعليهالسلام كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ.
ومعلوم أنّ الحكم بالنسخ لا يكون إلاّ من قبيل التفسير والبيان، ولا يكون جزءاً من القرآن، فيحتمل أن يكون بعض المحذوفات أيضاً
__________________
(1) أوائل المقالات في المذاهب المختارات، وكذا قال في غيره كما سيأتي عن تاريخ القرآن.
كذلك»(1) .
وإلى ذلك ذهب السيد الخوئي(2) .
وقال الزنجاني: «ويظهر من بعض الروايات إنّ علياً أمير المؤمنينعليهالسلام كتب القرآن وقدّم المنسوخ والناسخ. خرّج إبن أشته في المصاحف عن ابن سيرين: إنّ علياًعليهالسلام كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ. وإن ابن سيرين قال: تطلبت ذلك وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه. وقال ابن حجر: قد ورد عن عليعليهالسلام أنّه جمع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبيصلىاللهعليهوآله وخرّجه ابن أبي داود.
وفي شرح الكافي عن كتاب سليم بن قيس الهلالي: إنّ علياًعليهالسلام بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله لزم بيته وأقبل على القرآن يجمعه ويؤلّفه فلم يخرج من بيته حتى جمعه كلّه، وكتب على تنزيله الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه.
ذكر الشيخ الإمام محمد بن محمد بن النعمان المفيد في كتاب الإرشاد والرسالة السروية: إنّ علياً قدّم في مصحفه المنسوخ على الناسخ، وكتب في تأويل بعض الآيات وتفسيرها بالتفصيل.
يقول الشهرستاني في مقدّمة تفسيره: كان الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - متفقين على إنّ علم القرآن مخصوص لأهل البيتعليهمالسلام إذا كانوا يسألون علي بن أبي طالب هل خصصتم أهل البيت دوننا بشيء سوى القرآن؟ فاستثناء القرآن بالتخصيص دليل على
__________________
(1) الصافي 1: 46، علم اليقين: 130.
(2) البيان: 197.
إجماعهم بأنّ القرآن وعلمه وتنزيله وتأويله مخصوص بهم»(1) .
وقال بعض الأعلام من أهل السنّة: إنّ قرآن على كان يشتمل على علم كثير(2) .
بل عن الإمامعليهالسلام نفسه أنّه قال للزنديق: انّه أحضر الكتاب كملاً مشتملاً على التنزيل والتأويل، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، لم يسقط منه حرف»(3) .
ويؤيّده: ما اشتهر من أن الذي جاءهم به كان مشتملاً على جميع ما يحتاج إليه الناس حتى أرش الخدش(4) .
ومن الأحاديث المتقدّمة وغيرها ما يفيد: أنّ القرآن الكريم على عهد الإمام الحجّة المهديّ المنتظر السّلام يختلف عما هو عليه الآن، وهذا يفضي - بلا ريب - إلى الشك في هذا القرآن الموجود.
ولكنّ هذه الشبهة أيضاً مندفعة، لعلمنا بضعف تلك الأحاديث، ومخالفتها للكتاب والسنّة والإجماع.
على أنّ المستفاد من هذه الأحاديث إختلاف قراءة أهل البيتعليهمالسلام مع القراءات المشهورة، إلاّ إنّهم كانوا يمنعون عن تلك القراءة، ويأمرون شيعتهم بقراءة القرآن كما يقرأ الناس حتى يظهر
__________________
(1) تاريخ القرآن: 25 - 26.
(2) التسهيل لعلوم التنزيل 1: 3.
(3) الصافي 1: 42.
(4) بحر الفوائد 99 عن شرح الوافية.
المهديعليهالسلام (1) .
وبعد، فليس لأصحاب الشبهة إلاّ أن يزعموا أنّ القرآن على عهدهعليهالسلام هو نفس ما جمعه الإمام أمير المؤمنين - كما هو ظاهر بعض الأحاديث - إذ القول بأنّه غيره قطعاً، فالشبهة هذه إذاً مبتنية على الشبهة السابقة، وهي مندفعة باندفاعها.
فالصحيح أنّ القرآن في عهده لا يختلف عن هذا القرآن الموجود من حيث الألفاظ، وعلى ذلك علماؤنا - رضي الله عنهم - بل قد صرّح شارح «الكافي» بأنّه: «يظهر القرآن بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر ويشهر به»(2) .
إنّ التحريف قد وقع في التوراة والإنجيل، وقد ورد في الأحاديث عن النبي الكريمصلىاللهعليهوآله أنّه: «كائن في امته ما كان في الامم السالفة» بل قال المحدّث العاملي - بعد أن روى طرفاً من تلك الأحاديث عن أكابر المحدّثين كالصدوق والكليني - «والأحاديث في ذلك كثيرة متواترة بين الشيعة والسنّة»(3) .
وقال السيد الطباطبائي: «هي متضافرة أو متواترة»(4) .
ومقتضى المماثلة المذكورة ينبئ عن وقوع التحريف في
__________________
(1) نصّ على ذلك فقهاؤنا - رضي الله تعالى عنهم - في موسوعاتهم الفقيهة في مبحث القراءة من كتاب الصلاة، ولهم هناك بحوث طويلة.
(2) الفصول المهمّة للسيد شرف الدين: 166.
(3) الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة: 111.
(4) الميزان 12: 120.
القرآن الكريم كما وقع في العهدين، وهذا يوجب الشك في هذا القرآن الموجود بين المسلمين.
وقد أجاب السيد الخوئي(1) عن هذه الشبهة بوجوه نلخصها ونتكلم عليها فيما يلي:
الأول: «إنّ هذه الأحاديث أخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً، ودعوى التواتر فيها جزافية لا دليل عليها، ولم يذكر من هذه الروايات شيء في الكتب الأربعة».
أقول: ولكنّ إنكار تواتر هذه الأحاديث لا يفيد في الشبهة.
وقوله: «لم يذكر ...»:
فيه: إنّ منها ما أخرجه الصدوق في (من لا يحضره الفقيه)، فقد جاء فيه في باب فرض الصلاة: «وقال النبيصلىاللهعليهوآله : يكون في هذه الامة كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة»(2) .
الثاني: لو سلّم تواتر هذه الأحاديث في السّند وصحّتها في الدلالة لما ثبت بها أنّ التحريف قد وقع فيما مضى من الزمن، فلعلّه يقع في المستقبل زيادة ونقيصة.
أقول: ولكن تجويز وقوع ذلك سواء في الماضي أو المستقبل، ينافي ما تقدّم من الأدلّة القويمة والشواهد الرصينة على امتناعه، لا سيّما وإن الله سبحانه قد وعد وضمن حفظ القرآن إلى يوم القيامة.
الثالث: إنّ المراد بالمماثلة والمشابهة ليس من جميع الوجوه،
__________________
(1) البيان: 220 - 221.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 203.
وإنّما المراد بها المماثلة من بعض الوجوه.
أقول: وبهذا الجواب اكتفى السيد الطباطبائي(1) وهو الصحيح، فإنّ كثيراً من القضايا التي وقعت في الامم السالفة لم تقع في هذه الامة، وبعضها لن يقع أصلاً، ومنها ما سيقع في المستقبل قطعاً.
__________________
(1) الميزان 12: 120.
الفصل الخامس
الرواة لأحاديث التحريف من الشيعة
مقدّمات
لقد كان بحثنا حتى الآن يدور حول الأحاديث التي وردت في كتب الشيعة الإمامية، وهي تفيد - بظاهرها - تحريف القرآن، بمعنى نقصانه وضياع شيء ممّا نزل على النبي.
والآن يجدر بنا أن ننظر في الكتب التي أخرجت تلك الأحاديث فيها، والعلماء الذين رووها، لنرى مدى صحّة التمسّك بهذه الأحاديث من هذه الجهة.
وقبل الخوض في البحث يجب أن ننبّه على امور:
الأول: إنّ رواية الخبر مطلقاً أعمّ من قبوله والإعتقاد بمضمونه، فقد عني محدّثو الشيعة منذ القرون الاولى بجمع الروايات الواصلة إليهم عن الأئمة، وتبويبها وتنظيمها، صوناً لها من الضياع والنسيان وما شابه
ذلك، من غير نظر في متونها وأسانيدها، ولذا تجد في روايات الواحد منهم ما يعارض ما رواه الآخر، بل تجد ذلك في أخبار الكتابين بل الكتاب الواحد للمؤلّف الواحد، وترى المحدّث يروي في كتابه الحديثي خبراً ينصّ على عدم قبول مضمونه في كتابه الفقهي أو الإعتقادي، لذلك فالرواية أعمّ من القبول والتصديق بالمضمون.
فلا يجوز نسبة مطلب إلى راوٍ أو محدّث بمجرد روايته أو نقله لخبر يدلّ على ذاك المطلب، إلاّ إذا نصّ على الإعتقاد به أو أورده في كتاب التزم بصحّة أخباره،
أو ذكره في كتاب صنّفه في بيان اعتقاداته أو فتاواه.
وهل يوجد عند الشيعة كتاب التزم فيه مؤلّفه بالصحّة من أوّله إلى آخره؟ الجواب: لا، وهذا هو الأمر:
الثاني: إنّه لا يوجد كتاب واحد من بين كتب الشيعة وصفت أحاديثه جميعها بالصحّة، وقوبلت بالتسليم والقبول لدى الفقهاء والمحدّثين، ولذا نجد أنّ أحاديث الشيعة - وحتى الواردة في الكتب الأربعة(1) التي عليها المدار في استنباط الأحكام الشرعية - قد تعرّضت لنقد علماء الرجال وأئمّة الجرح والتعديل، فكل خبر أجتمعت فيه شرائط الصحّة، وتوفّرت فيه مقتضيات القبول اخذ به، وكلّ خبر لم يكن بتلك المثابة، ردّ، أياً كان مخرجه وراويه والكتاب الذي أخرج فيه(2) .
__________________
(1) هي: الكافي للكليني، من لا يحضره الفقيه للصدوق، التهذيب والاستبصار للطوسي.
(2) مقباس الهداية في علم الرواية للمامقاني ط مع تنقيح المقال.
ولنأخذ مثالاً على ذلك كتاب (الكافي)(1) ، الذي هو أهمّ الكتب الأربعة وأوثقها لدى هذه الطائفة، وهو الذي أثنى عليه العلماء والمحدّثون والفقهاء وتلقّوه بيد الإحترام والتعظيم، فإنّ العلماء وزّعوا أحاديثه وهي (16199) حديثاً على أساس تصنيف الأحاديث إلى الأقسام الخمسة(2) . على النحو التالي:
الصحيح منها: 5072 حديثاً.
والحسن: 144 حديثاً.
والموثّق: 1118 حديثاً.
والقوي: 302 حديثاً.
والضعيف: 9485 حديثاً(3) .
فقد لوحظ أنّ أكثرها عدداً الأحاديث الضعيفة، ويمكن الإطّلاع على ذلك بمراجعة كتاب (مرآة العقول في شرح الكافي)(4) للشيخ
__________________
(1) يقع في ثمانية أجزاء: إثنان منها في الاصول، وخمسة منها في الفروع والثامن الروضة.
(2) وهي على أقسام، ويراجع للوقوف على تعريف كل قسم واقسامه كتب الدراية لدى الشيعة ككتاب الدراية للشيخ الشهيد الثاني، والوجيزة للشيخ البهائي وشروح الوجيزة، ومقباس الهداية لشيخنا الجدّ المامقاني وغيرها.
(3) دراسات في الكافي والصحيح للحسني، عن المستدرك للمحدّث النوري 3: 541.
(4) وكذا فعل المحدّث الجزائري في شرح التهذيب، قال المحدّث النوري: «والعجب من العلامة المجلسي وتلميذه المحدث الجزائري مع عدم اعتمادهما بهذا النمط الجديد خصوصاً الثاني، وشدّة إنكاره على من أخذه بنيا في شرحيهما على التهذيب والأول في شرحه على الكافي أيضاً على ذلك فصنعا بهما ما أشار إليه في الرواشح، ولم أجد محملاً صحيحاً لما فعلا» المستدرك 3: 771.
المجلسي، فإنّه شرح الكتاب المذكور على أساس النظر في أسانيده، فعيّن الصحيح منها والضعيف والموثّق والمرسل، على ضوء القواعد المقرّرة لتمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها.
وهذا كلّه دليل على أنّ أحاديث «الكتب الأربعة» غير قطعيّة الصدور عن النبيصلىاللهعليهوآله والأئمةعليهمالسلام عند الإمامية، إلاّ أنّه يبدو أنّ هناك جماعة قليلة ذهبوا إلى القول بذلك، ولكنه قول مردود:
قال المحقّق الأكبر الشيخ الأنصاري: «ذهب شرذمة من متأخري الأخباريين - فيما نسب إليها - إلى كونها قطعيّة الصدور».
قال: «وهذا قول لا فائدة في بيانه والجواب عنه إلاّ التحرّز عن حصول هذا الوهم لغيرهم كما حصل لهم، وإلاّ فمدّعي القطع لا يلزم بذكر ضعف مبنى قطعه، وقد كتبنا في سالف الزمان في ردّ هذا القول رسالة تعرّضنا فيها لجميع ما ذكروه وبيان ضعفها بحسب ما أدّى إليه فهمي القاصر»(1) .
وقال شيخنا الجدّ المامقاني: «وما زعمه بعضهم من كون أخبارها - أي
الكتب الأربعة - كلّها مقطوعة الصدور، إستناداً إلى شهادات(2) سطّرها في مقدمة الحدائق، لا وجه له كما اوضحناه في محلّه»(3) .
وتبعهما السيد الخوئي حيث قال: «ذهب جماعة من المحدّثين
__________________
(1) الرسائل: 67.
(2) أجاب عنها السيد حسن الصدر في شرح الوجيزة في علم الدراية.
(3) مقباس الهداية المطبوع في آخر تنقيح المقال في علم الرجال.
إلى أنّ روايات الكتب الأربعة قطعيّة الصدور، وهذا القول باطل من أصله، إذ كيف يمكن دعوى القطع لصدور رواية رواها واحد عن واحد، لا سيمّا وأنّ في رواة الكتب الأربعة من هو معروف بالكذب والوضع على ما ستقف عليه قريباً وفي موارده إن شاء الله تعالى»(1) .
ومن قبلهم قال السيد المجاهد الطباطبائي بعد كلام طويل: «وبالجملة: دعوى قطعيّة ما في الأربعة ممّا لا ريب في فسادها»(2) .
فهذه الكلمات وغيرها صريحة في عدم قطعيّة صدور أحاديث الكتب الأربعة.
وأمّا بالنسبة إلى تاريخ تصنيف الأحاديث، فقد حكى المحدّث البحراني عن جماعة: إنّ أوّل من نوّع الأخبار هو (العلاّمة) أو شيخه (ابن طاووس) - رحمهما الله - وأمّا المتقدّمون فكانوا يأخذون بجميع الأخبار المدوّنة في (الكتب الأربعة) وغيرها من (الاصول) معتقدين بصحتها أجمع. وهذا ممّا دعا إلى الخلاف بين الأخباريين والمجتهدين(3) .
وتقدم عن المحدّث النوري تعبيره عن هذا التنويع بـ «النّمط الجديد».
فهذان المحدّثان وغيرهما يزعمان أنّ التنويع يختص بالمتأخرين المجتهدين، وأنّ قدماء الأصحاب كانوا يعتقدون بصحّة
__________________
(1) معجم رجال الحديث 1: 36.
(2) مفاتيح الاصول للسيد محمد الطباطبائي الحائري: 9.
(3) الحدائق الناضرة 1: 14.
أحاديث «الاصول الأربعمائة» التي منها الّفت «الكتب الأربعة».
ولكنّ الظاهر أنّ هذه الدعوى لا أساس لها من الصحّة، فقد أجاب عنها شيخنا الجدّ - رحمة الله تعالى - بقوله: «وقد زعم القاصرين من الأخباريين اختصاص هذا الإصطلاح بالمتأخرين الذين أوّلهم (العلاّمة) رحمة الله على ما حكاه جمع منهم الشيخ البهائي رحمة الله في (مشرق الشمسين) أو (ابن طاووس) كما حكاه بعضهم، فأطالوا التشنيع عليهم بأنّه اجتهاد منهم وبدعة.
ولكنّ الخبير المتدبّر يرى أنّ ذلك جهل منهم وعناد، لوجود أصل الإصلاح عند القدماء، ألا ترى إلى قولهم: لفلان كتاب صحيح، وقولهم: أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن فلان، وقول الصدوق رحمة الله: كلّ ما صحّحه شيخي فهو عندي صحيح، وقولهم: فلان ضعيف الحديث، ونحو ذلك.
فالصادر من المتأخرين تغيير الإصطلاح إلى ما هو أضبط وأنفع، تسهيلاً للضبط وتمييزاً لما المعتبر منها عن غيره»(1) .
وأمّا قول المحدّث البحراني: «فأمّا المتقدّمون ...» ففيه: أنّ الأمر ليس كذلك، بل ربّما طعن الشيخ المفيد والشيخ الصدوق في بعض أحاديث الشيخ الكيني، وطعن الشيخ الطوسي في بعض أحاديث الصدوق والكليني(2) .
__________________
(1) مقباس الهداية في علم الدراية: 32.
(2) راجع: مفاتيح الاصول، وأوثق الوسائل، وقد بحث صاحب هذا الكتاب الموضوع من جميع جوانبه من ص 122 فراجعه فإنّه جدير بالملاحظة.
هذا، وذهب السيد الخوئي في (رجاله) إلى أنّ أخبار الكتب الأربعة ليست قطعية الصدور، بل ليس صحيحاً، وأثبت أنّ المتقدّمين من المحدّثين أيضاً كانوا
فإذا كان الأمر كذلك فيما بينهم - وهم أصحاب الكتب الأربعة - فكيف بالمتأخرين منهم المجدّدين لفكرة تنويع الأحاديث، والنظر في الأسانيد الواردة في كافة الكتب.
وهذا بحث واسع متشعّب الأطراف نكتفي بهذا المقدار بمناسبة المقام، فمن أراد التوسّع فيه فليراجع مظانّه من كتب الدراية والرجال.
والخلاصة: إنّ المحقّقين من الإمامية يبنون على أنّ وجود أيّ حديث في أيّ كتاب من كتب الشيعة لا يبرر بمجرّده الأخذ به والإعتقاد بصحّة مدلوله، إذ ليس عندهم كتاب التزم فيه مؤلّفه بالصحّة أبداً، بحيث يستغني بذلك الباحث عن النظر في أسانيد أحاديثه والفحص عن رجاله وما قيل فيهم من الجرح والتعديل.
وهذا بخلاف أهل السنّة، فإنّ لهم كتباً سمّوها بـ «الصحاح» وأهمها عند أكثرهم (صحيح البخاري) اعتقد جمهورهم بصحّة ما اخرج فيها، وقالوا في كتبهم الرجالية: من خرّج في الصحيح فقد جاز القنطرة، كما التزم أصحابها وبعض أصحاب «المسانيد» في كتبهم بالصحّة.
الثالث: إنّه على فرض وجود هكذا كتاب لدى الشيعة، فإنّه
__________________
يعتقدون نفس هذا الإعتقاد بالنسبة إلى (الاصول) و (الكتب الأربعة)، واستنتج من جميع ذلك: أنّ أخبار هذه الكتب لابدّ من النظر في سند كل منها، فإن توفّرت فيه شروط الحجّية اخذ به وإلاّ فلا، كما الشيخ المجلسي المحدّث الجزائري بالنسبة إلى (الكافي) و (التهذيب).
لا يجوز أن ينسب معتقد مؤلّفة إلى الطائفة كلّها، لأنّه قد يكون قوله بصحّة تلك الأخبار أو ذهابه إلى أحقّية ذاك المعتقد مبنيّاً على اسس غير صحيحة لدى غيره، كالقول بقطعيّة صدور أخبار الكتب الأربعة المذكورة سابقاً والمنسوب إلى مجموعة من متأخري الأخباريين، وهو باطل كما عرفت وستعرف، فإنّه يستلزم القول بالتحريف - لوجود ما يدلّ عليه فيها، بعد عدم قبول حملها على بعض الوجوه - إذن، لا يجوز إضافة معتقد لأحد العلماء وإن كان في غاية الشهرة والجلالة إلى الطائفة إلاّ في حال موافقة جمهور علماء الطائفة معه فيه، أو قولهم بصحّة كل ما ورد في ذلك الكتاب، كما هو الحال عند أهل السنّة بالنسبة إلى الصحاح الستّة والصحيحين بصورة خاصّة.
الرابع: إنّ ممّا لا ريب فيه وجود أحاديث مزوّرة باطلة تسرّبت إلى الآثار الإسلامية بصورة عامّة، فقد تهاون الصحابة - إلاّ القليل منهم - في صدر الإسلام في تدوين الأحاديث النبوية، بل قد امتنع بعضهم من ذلك وكرهه ومنع الآخرين بالأساليب المختلفة، لأغراض مذكورة ليس هذا موضع إيرادها.
ثمّ لما أخذوا بالتدوين خبطوا خبط عشواء، وخلطوا الغثّ بالسمين، والصحيح بالسقيم، وأخذوا من أفواه اناس مشبوهين، وكتبوا عن أفراد كذّابين، حتى كثرت الأحاديث المدسوسة والموضوعة على لسان النبيصلىاللهعليهوآله ، الأمر الذي علماء الحديث من أهل السنّة إلى وضع كتب تمكنّوا فيها من جمع مقدار كبير من تلك الموضوعات، ومن ناحية اخرى ألّفوا كتباً أوردوا فيها الأحاديث الصحيحة
فحسب، وذلك بحسب اجتهاداتهم وآرائهم في الرجال وغير ذلك.
ولكنّ الواقع أنّ اولئك وهؤلاء لم يكونوا موفّقين كلّ التوفيق في عملهم ذاك، ولم يكونوا معصومين من الخطأ، بل لم يكن بعضهم مخلصاً في قيامة بتلك المهمّة، إذ لم تخل الكتب التي وضعوها لجمع «الموضوعات» من الأحاديث الصحيحة، كما لم تسلم الكتب التي سمّوها بـ «الصحاح» من الأحاديث الموضوعة. هذا حال الأحاديث لدى أهل السنّة باختصار.
وكذا الحال في أحاديث الإماميّة، فما أكثر الأحاديث المدسوسة في كتبهم من قبل المخالفين وأصحاب المذاهب والآراء الفاسدة، ولقد كان قد زمن كل إمام من الأئمة عليهم الصلاة والسلام من يضع الأحاديث عن لسانه وينسبها إليه، وينشرها بي الشيعة، ويضعها في متناول أيدي رواتهم، حتى تسرّبت إلى مجاميعهم الحديثيّة.
فقد روي عن الإمام الصادقعليهالسلام أنه قال: «إنّ لكلّ رجل منّا رجل يكذب عليه»(1) .
وقال: «إنا أهل البيت صادقون، لا تحلو من كذّابٍ يكذب علينا»(2) .
وقال: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن ولسنة أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة، فإن المغيرة بن سعيد دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث ...»(3) .
__________________
(1) المعتبر في شرح المختصر للمحقّق الحلّي: 2.
(2) رجال الكشي: 593 / 2.
(3) رجال الكشي: ترجمة المغيرة بن سعيد.
ولذا، فإنّهمعليهالسلام جعلوا الكتاب والسنة ميزاناً لأحدايثهم بعرض عليهما ما روي عنهم فما وافقهما اخذ به، وما خالفهما ردّ على صاحبه.
فالذي نريد أن نقوله هنا هو: إنّ إحتمال الدسّ والتزوير يدفع حجّيه كلّ خبر، ويمنع من الإعتماد عليه، ويفسد إعتباره «حتى ما كان منها صحيح الإسناد، فإنّ صحّة السند وعدالة رجال الطريق انّما يدفع تعمّدهم الكذب دون دسّ غيرهم في أصولهم وجوامعهم ما لم يرووه»(1) .
وإذ انتهينا ممّا مهّدناه تقول: إنّ الذي أنتجه بحثنا الطويل وفحصنا الدقيق في كتب الشيعة الإمامية هو: أنّ المعروف والمشهور بينهم هو القول بعدم تحريف الكتاب، فإنّه رأي أعلام هذه الطائفة، منذ أكثر من ألف سنة حتى يومنا الحاضر، بين مصرّخ بذلك ومؤلّف فيه ومؤوّل لما ينافيه بظاهره، بل هو رأي من كتب في الإمامة ولم يتعرّض للتحريف.
وإنّ من أهمّ الكلمات في هذا الباب قولاً وقائلاً كلمة الشيخ محمد بن علي ابن بايوية الملقّب بالصدوق المتوفّى سنة (381) المتقدّمة في (الفصل الأول) وذلك:
أولاً: لقرب عهده بزمن الأئمةعليهمالسلام وأصحابهم، فلو كان الأئمة وتلامذتهم قائلين بالتحريف لما قال ذلك.
__________________
(1) الميزان في تفسير القرآن 12: 115.
وثانياً: لكونه من علماء الحديث بل رئيس المحدّثين، فلو كانت الأحاديث الظاهرة في التحريف مقبولة لدى الطائفة لما قال ذلك.
وثالثاً: لأنّها كلمة صريحة وقاطعة جاءت في رسالة اعتقادية كتبها على ضوء الأدلّة المتينة من الكتاب والسنّة، في حال أنّه بنفسه يروي بعض أخبار
التحريف في كتبه الحديثيّة مثل (ثواب الأعمال) و (عقاب الأعمال).
ورابعاً: لموافقة الأعلام المتأخرين عنه إيّاه في هذا الإعتقاد، لا سيمّا الشيخ المفيد الذي كتب شرحاً على عقائد الصدوق وخالفة في كثير من المسائل.
وكيف ينسب إلى الشيعة قول يتّفق على خلافة:
أبو جعفر الصدوق (381).
والشريف الرضي (406).
والمفيد البغدادي (413).
والشريف المرتضى (436).
وأبو جعفر الطوسي (460).
وأبو علي الطبرسي (548).
وابن شهر آشوب (588).
وابن إدريس الحلّي (598).
والعلاّمة الحلّي (726).
والزين البياضي (877).
والمحقّق الكركي (940).
والشيخ فتح الله الكاشاني (988).
والشيخ بهاء الدين العاملي (1030).
والعلاّمة التوني (1071).
والفاضل الجواد. (من أعلام القرن الحادي عشر).
والسيد نور الله التستري (1019).
والفيض الكاشاني (1094).
والشيخ الحر العاملي (1104).
والشيخ محمد باقر المجلسي (1110).
والسيد علي خان المدني (1118).
والسيد الموسوي الخونساري (1157).
والسيد بحر العلوم (1212).
والشيخ كاشف الغطاء (1228).
والسيد الأعرجي الكاظمي، شارح الوافية (1228).
والسيد محمد الطباطبائي (1242).
والكرباسي، صاحب الإشارات (1262).
والسيد حسين التبريزي (1299).
والسيد مهدي صاحب منهاج الشريعة في الرد على ابن تيميّة (1300)؟
وإليه ذهب المتأخرين أمثال:
المحقّق التبريزي صاحب «أوثق الوسائل في شرح الرسائل».
والسيد محمد حسين الشهرستاني صاحب «رسالة في حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف».
والشيخ محمد النهاوندي الخراساني صاحب التفسير.
والشيخ محمد حسن الآشتياني صاحب حاشية الرسائل.
والشيخ محمود بن أبي القاسم صاحب «كشف الإرتياب في عدم تحريف الكتاب».
والسيد محمد الشهشهاني صاحب «العروة الوثقى».
والشيخ محمد حسن المامقاني صاحب «بشرى الوصول».
والشيخ عبدالله المالقاني صاحب «تنتيح المقال».
والشيخ أبي الحسن الخنيزي صاحب «الدعوة الإسلامية إلى وحدة أهل السنة والإمامية».
والشيخ محمد جواد البلاغي صاحب «آلاء الرحمن في تفسير القرآن».
والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء صاحب «أصل الشيعة واصولها».
والشيخ عبد الحسين الرشتي النجفي صاحب «كشف الإشتباه في الرد على موسى جارالله».
والسيد محسن الأمين العاملي صاحب «نقض الوشيعة في الرد على موسى جار الله».
والسيد عبد الحسين شرف الدين صاحب «أجوبة مسائل جار الله».
والشيخ عبد الحسين الأميني صاحب «الغدير».
والشيخ آقا بزرك الطهراني صاحب «تفنيد قول العوام».
والسيد هبة الدين الشهرستاني صاحب «تنزيه التنزيل».
والسيد محمد هادي الميلاني جدّنا الراحل في فتوى له.
والشيخ محمد علي الاوردبادي الغروي صاحب «بحوث في علوم
القرآن».
والشيخ أبي الحسن الشعراني صاحب «الحاشية على الوافي».
والشيخ محمد رضا المظفر صاحب «عقائد الإمامية».
والسيد محمد حسين الطباطبائي صاحب «الميزان في تفسير القرآن».
والسيد روح الله الخميني كما في «تهذيب الاصول».
والسيد أبي القاسم الخوئي صاحب «البيان في تفسير القرآن».
نعم، هناك في بعض الكلمات نسبته إلى «المحدّثين» من علماء الشيعة، وقد بذلنا الجهد في التحقيق حول مدى صحة هذه النسبة، وراجعنا ما توفّر لدينا من الكتب والكلمات بإمعان وإنصاف، فلم نجد دليلاً على ذلك ولا وجهاً مبرّراً له، بل هو حدس وتخمين أو ذهول عن الواقع إن لم يكن تعصّب.
والتحقيق: إنّ «المحدّثين» من الشيعة الإمامية الرواة لأخبار التحريف على ثلاث طوائف:
فطائفة يروون من الأخبار الظاهرة في التحريف في كتبهم الحديثية ولا يعتقدون بمضامينها، بل يؤولونها أو يجمعون بينها وبين ما يدلّ على النفي ببعض الوجوه، ومنهم من ينصّ على اعتقاده، بخلافها أو بما يستلزم هذا الاعتقاد، وعلى رأسهم الشيخ الصدوق.
وطائفة يروونها ولا وجه لنسبة القول بالتحريف إليهم إلاّ أنّهم يروونها، وعلى رأسهم الشيخ الكليني، إن لم نقل بأنّه من الطائفة الاولى.
وطائفة يروونها وينصّون على اعتقادهم بمداليلها وإيمانهم
بمضامينها، وعلى رأسهم الشيخ علي بن إبراهيم القمي، إن تمت النسبة إليه.
وبهذا يتبيّن أنّه لا يجوز نسبة القول بالتحريف إلاّ إلى هذه الطائفة الثالثة من «المحدّثين» من الإمامية، وقد وافقهم من شذّ من «الاصوليين» على تفصيل، وهو الشيخ النواقي.
فهذا مجمل ما توصّلنا إليه واعتقدنا به، وإليك تفصيله وإقامة البرهان عليه:
1 - الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي المتوفّي سنة 381.
وقد أجمعت الطائفة على تقدّمه وجلالته، ووصفه الشيخ أبو العباس النجاشي بـ «شيخنا وفقيهنا، وجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن»(1) وعنونه الشيخ الطوسي قائلاً: «كان جليلاً حافظاً للأحاديث، بصيراً بالرجال، ناقداً للأخبار، لم يرفي القمّيين مثله في حفظه وكثرة علمه»(2) وذكره شيخنا الجدّ الماقاني بقوله: «شيخ من مشايخ الشيعة وركن من أركان الشريعة، رئيس المحدّثين، والصدوق فيما يرويه عن الأئمةعليهمالسلام »(3) .
__________________
(1) رجال النجاشي: 276.
(2) فهرست الطوسي: 184.
(3) تنقيح المقال 3: 154.
ولد بدعاء الإمام المهدي المنتظر عجّل الله فرجه، كما نصّ عليه أعلام الطائفة «وصدر في حقه من الناحية المقدّسة بأنه فقيه خير مبارك، فعمّت بركته ببركة الإمامعليهالسلام وانتفع به الخاصّ والعام، وبقيت آثاره ومصنفاته مدى الأيام، وعمّ الإنتفاع بفقهه وحديثه الفقهاء الأعلام»(1) .
رحل في طلب العلم ونشره إلى البلاد القريبة والبعيدة كبلاد خراسان وما وراء النهر والعراق والحجاز، وألّف نحواً من ثلاثمائة كتاب.
وأحد هذه المصنّفات (كتاب الإعتقادات)، الذي قال فيه بكلّ وضوح وصراحة: «إعتقادنا في القرآن أنه كلام الله ووحيه وتنزيله وقوله وكتابه، وأنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم، وأنّه القصص الحقّ، وأنّه لقول فصل وما هو بالهزل، وأنّ الله تبارك وتعالى محدثه ومنزله وربّه وحافظه والمتكلّم به.
إعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمدصلىاللهعليهوآله هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة، وعندنا أنّ (الضحى) و (ألم نشرح) سورة واحدة، و (لايلاف) و (ألم تركيف) سورة واحدة»(2) .
__________________
(1) تنقيح المقال 3: 154.
(2) الإعتقادات - مطبوع مع النافع يوم الحشر، للمقداد السيوري -: 92.
يعني رحمة الله: إن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه، أي: أن كل ما أوحي إليه بعنوان «القرآن» هو «ما بين الدفّتين» لا أنّ هذا الموجود «ما بين الدفّتين» بعضه، وهو ما في أيدي الناس، فما ضاع عنهم شيء منه، فالقرآن عند الشيعة وسائر «الناس» واحد، غير أنّ القرآن الموجود عند المهديعليهالسلام - وهو ما كتبه عليعليهالسلام - يشتمل على علم كثير.
ثم يقول: «ومن نسب إلينا أنّا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب»(1) .
ومنه يظهر أنّ هذه النسبة «إلينا» أي: إلى الطائفة الشيعية قديمة جدّاً، وأنّ ما تلهج به أفواه بعض المعاصرين من الكتّاب المأجورين أو القاصرين ليس بجديد، فهو «كاذب» وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
إذن، يحرم نسبة هذا القول إلى «الطائفة» سواء كان الناسب منها أو من غيرها.
ثم قال رحمة الله: «وما روي من ثواب قراءة كل سورة من القرآن، وثواب من ختم القرآن كلّه، وجواز قراءة سورتين في ركعة نافلة، والنهي عن القران بين السورتين في ركعة فريضة، تصديق لما قلناه في أمر القرآن، وأن مبلغه ما في أيدي الناس، وكذلك ما ورد من النهي عن قراءة كلّه في ليلة واحدة وأن لا يجوز أن يختم في أقل من ثلاثة أيام، تصديق لما قلناه أيضاً، بل نقوى أنّه قد نزل الوحي الذي ليس بقرآن، ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه مقدار سبع عشرة ألف آية، ومثل هذا كثير،
__________________
(1) الإعتقادات: 93.
وكلّه وحي وليس بقرآن. ولو كان قرآناً لكان مقروناً به وموصولاً إليه غير مفصول عنه، كما كان أمير المؤمنين جمعه فلما جاء به قال: هذا كتاب ربكم كما انزل على نبيّكم لم يزد فيه حرف ولا ينقص منه حرف، فقالوا: لا حاجة لنا فيه، عندنا مثل الذي عندك، فانصرف وهو يقول:( فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون ) (1) »(2) .
ومع هذا كلّه نرى الشيخ الصدوق يروي في بعض كتبه مثل (ثواب الأعمال) ما هو ظاهر في التحريف، بل يروي في كتابه (من لا يحضره الفقيه) الذي يعدّ أحد الكتب الحديثية الأربعة التي عليها مدار البحوث في الأوساط
العلمية واستنباط الأحكام الشرعية في جميع الأعصار، وقال في مقدّمته: «لم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما افتي به وأحكم بصحّته وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي» من ذلك ما لا يقبله ولا يفتي به أحد من الطائفة، وهو ما رواه عن سليمان بن خالد، قال: «قلت لأبي عبداللهعليهالسلام : في القرآن رجم؟ قال: نعم، قلت: كيف؟ قال: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فإنهما قضيا الشهوة»(3) .
ورواه الشيخان الكليني والطوسي أيضاً عن عبدالله بن سنان بسند صحيح بحسب الإصطلاح، كما ستعرف.
والخبران يدلان على ثبوت الرجم على الشيخ والشيخة مع
__________________
(1) سورة آل عمران: 187.
(2) الإعتقادات: 93.
(3) من لا يحضره الفقيه 4: 26.
عدم الإحصان أيضاً، ولا قائل بذلك منا كما في (مباني تكملة المنهاج) الذي أجاب عن الخبرين قائلاً: «ولا شك في أنهما وردا مورد التقية، فإن الأصل في هذا الكلام هو عمر بن الخطاب.
فإنّه ادّعى أن الرجم مذكور في القرآن وقد وردت آية بذلك، وقد تعرّضنا لذلك في كتابنا (البيان) في البحث حول التحريف وأن القرآن لم يقع فيه تحريف»(1) .
ولهذا ونظائره أعضل الأمر على العلماء حتى حكى في (المستمسك)(2) عن بعض العلماء الكبار أنه قال بعدول الصدوق في أثناء الكتاب عما ذكره في أوله، وأشكل عليه بأنه لو كان كذلك لنوّه به من حيث عدل، وإلاّ لزم التدليس ولا
يليق بشأنه، وللتفصيل في هذا الموضوع مجال آخر.
وكيف كان، فإنّ كلام الشيخ الصدوق رحمة الله في (الإعتقادات) مع العلم بروايته لأخبار التحريف في كتبه وحتى في (من لا يحضره الفقيه) لخير مانع من التسرع في نسبة قولٍ أو عقيدةٍ إلى شخصٍ أن طائفةٍ مطلقاً، بل لابدّ من التثبّت والتحقيق حتى حصول الجزم واليقين.
كما أن موقفه الحازم من القول بالتحريف ونفيه القاطع له - مع العلم بما ذكر - لخير دليل على صحة ما ذهبنا إليه فيما مهّدناه وقدّمناه
__________________
(1) مباني تكملة المنهاج 1: 196، وسيأتي البحث حول هذه الآية المزعومة في الباب الثاني (السنّة والتحريف) بالتفضيل فانتظر.
(2) مستمسك العروة الوثقى 1: 303 حكاه عن المجلسي رحمة الله.
قبل الورود في البحث حول معرفة آراء الرواة لأخبار تحريف القرآن، وستظهر قيمة تلك الامور الممهدة وثمرتها - لا سيما بعد تشييدها بما ذكرناه حول رأي الشيخ الصدوق - في البحث حول رأي الطائفة الثالثة وعلى رأسهم الشيخ الكليني.
2 - الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، المتوفّى سنة 460.
قال عنه العلاّمة الحلّي في (الخلاصة): «شيخ الإمامية، ورئيس الطائفة، جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة، عين، صدوق، عارف بالأخبار والرجال والفقه والاصول والكلام والأدب، وجميع الفضائل تنسب إليه، صنّف في كلّ فنون الإسلام، وهو المهذّب للعقائد في الاصول والفروع، الجامع لكمالات النفس في العلم والعمل»(1) . وقال السيد بحر العلوم في (رجاله): «شيخ الطائفة الحقة، ورافع أعلام الشريعة الحقة، إمام الفرقة بعد الأئمة المعصومينعليهمالسلام ، وعماد الشيعة الإمامية في كلّ ما يتعلق بالمذهب والدين، محقّق الاصول والفروع، ومهذّب فنون المعقول والمسموع، شيخ الطائفة على الإطلاق، ورئيسها الذي تلوى إليه الأعناق، صنّف في جميع علوم الإسلام، وكان القدوة في
__________________
(1) خلاصة الأقوال في معرفة أحوال الرجال: 148.
ذلك والإمام»(1) .
فإنّه - رحمة الله - مؤلّف كتابين من «الكتب الأربعة» وهو من أكبر أساطين الإمامية النافين لتحريف القرآن الشريف حيث يقول: «أمّا الكلام في زيادته ونقصانه فمها لا يليق به، لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها، وأمّا النقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى، وهو الظاهر في الروايات، غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجد علماً، فالأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها»(2) .
فالكلام في نقصان القرآن مما لا يليق بالقرآن، فيجب تنزيهه عنه.
والقول بعدم النقصان هو الأليق بالصحيح من مذهبنا.
وما روي في نقصانه آحاد لا توجب علماً، فالأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها.
وهذه الكلمات تؤكد ما ذكرناه من أن الرواية شيء والأخذ بها شيء آخر،لأن الشيخ الطوسي الذي يقول بأن أخبار النقصان لا توجب علماً فالأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها، يروي بعضها
__________________
(1) الفوائد الرجالية 3: 227.
(2) التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي 1: 3.
في كتابه (إختيار معرفة الرجال)(1) بل يروي في (تهذيب الأحكام) - وهو أحد الكتب الأربعة - قضية رجم الشيخ والشيخة بسند صحيح(2) .
أمّا في كتابه (الخلاف) فالظاهر أن استدلاله الرّجم من باب الإلزام، لأنّه - بعد أن حكم بوجوب الرجم على الثيب الزانية - حكى عن الخوارج أنّهم قالوا: لا رجم في شرعنا، لأنّه ليس في ظاهر القرآن ولا في السنّة المتواترة، فأجاب بقوله: «دليلنا إجماع الفرقة، وروي عن عمر أنه قال: لولا أنني أخشى أن يقال زاد عمر في القرآن لكتبت آية الرجم في حاشية المصحف»(3) .
إذن، الطوسي ينفي التحريف، ورواية الحديث ونقله لا يعني الإعتماد عليه والقول بمضمونه والإلتزام بمدلوله.
3 - الشيخ محمد محسن الفيض الكاشاني، المتوفّى سنة 1091.
قال عنه الشيخ الحر العاملي في (أمل الآمل): «كان فاضلاً عالماً ماهراً حكيماً متكلماً محدّثاً محققاً شاعراً أديباً حسن التصنيف»(4) ووصفه الأردبيلي في (جامع الرواة) بـ «العلاّمة المحقق المدقق، جليل
__________________
(1) انظر: الفائدة الثامنة من الفوائد المذكورة في خاتمة الجزء الثالث من تنقيح المقال في علم الرجال، لمعرفة أن الكتاب المعروف برجال الكشي الموجود الآن هو للشيخ الطوسي.
(2) التهذيب 10: 3.
(3) الخلاف 2: 438.
(4) أمل الآمل 2: 305.
القدر عظيم الشأن، رفيع المنزلة، فاضل كامل أديب متبحّر في جميع العلوم»(1) وقال المحدّث البحراني في (لؤلؤة البحرين): «كان فاضلاً محدثاً أخبارياً صلباً»(2) وترجم له الخونساري في (روضات الجنات) فقال: «وأمره في الفضل والفهم والنبالة في الفروع والاصول والإحاطة بمراتب المعقول والمنقول وكثرة التأليف والتصنيف مع جودة التعبير والترصيف أشهر من أن يخفى في هذه الطائفة على أحد إلى منتهى الأبد»(3) .
وقد روى الفيض الكاشاني أحاديث نقصان القرآن في كتابيه (الصافي في تفسير القرآن) و (الوافي) عن كتب المحدّثين المتقدّمين كالعياشي والقمي والكليني، فقال في (الصافي) بعد أن نقل وطرفاً منها: «المستفاد من جميع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيتعليهمالسلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما انزل على محمدصلىاللهعليهوآله »(4) .
لكن هذا المحدّث الأخباري الصّلب - كما عبّر الفقيه الأخباري الشيخ يوسف البحراني - لم يأخذ بظواهر تلك الأحاديث ولم يسكت عنها، بل جعل يؤوّلها في كتابيه - كما تقدّم نقل بعض كلماته - فقال في (الوافي) في نهاية البحث:«وقد استوفينا الكلام في هذا المعنى وفيما يتعلق
__________________
(1) جامع الرواة 2: 42.
(2) لؤلؤة البحرين: 121.
(3) روضات الجنات: 542.
(4) الصافي في تفسير القرآن 1: 44 ط لبنان.
بالقرآن في كتابنا الموسوم بـ (علم اليقين) فمن أراده فليرجع إليه»(1) .
وفي هذا الكتاب ذكر أن المستفاد من كثير من الروايات أنّ القرآن بين أظهرنا ليس بتمامه كما انزل، ثم ذكر كلام الشيخ علي بن إبراهيم، وروايتي الكليني عن ابن أبي نصر وسالم بن سلمة، ثم قال: «أقول: يرد على هذا كلّه إشكال وهو أنه على ذلك التقدير لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن، إذ على هذا يحتمل كلّ آية منه أن تكون محرّفة ومغيّرة، ويكون على خلاف ما أنزله الله، فلم يبق في القرآن لنا حجّة أصلاً، فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتّباعه والوصية به، وأيضاً قال الله عزّ وجلّ( وإنّه لكتاب عزيز ) وأيضاً قال الله عزّ وجلّ:( إنّا نحن نزّلنا الذكر ) وأيضاً، قد استفاض عن النبي والأئمة حديث عرض الخبر المروي عنهم على كتاب الله».
ثمّ قال: «ويخطر بالبال في دفع هذا الإشكال - والعلم عنه الله - أن مرادهم بالتحريف والتغيير والحذف إنما هو من حيث دون اللّفظ أي: حرّفوه وغيروه في تفسيره، وتأويله، أي: حملوه على خلاف ما هو عليه في نفس الأمر، فمعنى قولهم، كذا انزلت
أنّ المراد به ذلك لا ما يفهمه الناس من ظاهره، وليس مرادهم أنها نزلت كذلك في اللّفظ، فحذف ذلك إخفاءً للحق، وإطفاءً لنور الله.
ومما يدلّ على هذا ما رواه في الكافي بإسناده عن أبي جعفر أنه كتب في رسالته إلى سعد الخير: وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده».
ثمّ أجاب عن الروايتين وقال: «ويزيد ما قلناه تأكيداً ما رواه
__________________
(1) الوافي 2: 478.
علي بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن مولانا الصادق قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لعلي: القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس، فخذوه واجمعوه ولا تضيّعوه كما ضيّعت اليهود التوراة».
ثمّ ذكر كلام الشيخ الصدوق في (الإعتقادات) بطوله ثم قال: «وأما تأويل أهل البيت أكثر الآيات القرآنية بفضائلهم ومثالب أعدائهم فلا إشكال فيه، إذ التأويل لا ينافي التفسير، وإرادة معنى لا تنافي إرادة معنى آخر، وسبب النزول لا يخصّص»(1) .
ثمّ استشهد لذلك بخبر في الكافي عن الصادقعليهالسلام . ولعلّنا نورد محل الحاجة من عبارته كاملة فيما بعد.
4 - الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي، المتوفى في سنة 1104.
قال الشيخ يوسف البحراني عنه: «كان عالماً فاضلاَ محدّثاً أخبارياً»(2) . وقال الخونساري «شيخنا الحر العاملي الأخباري، هو صاحب كتاب وسائل الشيعة، وأحد المحمّدين الثلاثة المتأخرين الجامعين لأحاديث هذه الشريعة»(3) . وقال المامقاني: «هو من أجلّة المحدّثين ومتّقي الأخباريّين»(4) .
__________________
(1) علم اليقين 1: 562 - 569.
(2) لؤلؤة البحرين: 76.
(3) روضات الجنات: 466.
(4) مقباس الهداية: 120.
روى بعض أخبار تحريف القرآن في كتابيه (إثبات الهداة بالنصوصوالمعجزات) و (وسائل الشيعة) عن الكتب الأربعة وغيرها.
لكنه - رحمه الله - من المحدّثين النافين للتحريف بصراحة كما تقدّم في الفصل الأول.
5 - الشيخ محمد باقر المجلسي، المثوفّى سنة 1111.
قال الحرّ العاملي عنه: «مولانا الجليل محمد باقر بن مولانا محمد تقي المجلسي، عالم، فاضل، ماهر، محقّق، مدقّق، علاّمة، فهّامة، فقيه، متكلّم، محدّث، ثقة ثقة، جامع للمحاسن والفضائل، جليل القدر، عظيم الشأن»(1) ، وقال البحراني: «العلاّمة الفهّامة، غوّاص بحار الأنوار، ومستخرج لآليء الأخبار وكنوز الآثار، الذي لم يوجد له في عصره ولا قبله ولا بعده قرين في ترويج الدين واحياء شريعة سيد المرسلين، بالتصنيف والتأليف والأمر والنهي وقمع المعتدين والمخالفين وكان إماماً في وقته في علم الحديث وسائر العلوم وشيخ الإسلام بدار السلطنة إصفهان»(2) .
روى المجلسي في كتابه (بحار الأنوار) أحاديث نقصان القرآن الكريم عن الكافي للكليني وغيره، بل لعلّة استقصى كافة أحاديث التحريف بمختلف معانيه.
لكنّنا نعلم بأنّ كتابه (بحار الأنوار) على جلالته وعظمته موسوعة
__________________
(1) أمل الآمل 2: 248.
(2) لؤلؤة البحرين: 55.
قصد منها جمع الأخبار المرويّة عن أهل البيتعليهمالسلام وحصرها في كتاب واحد، صوناً لها من التشتّت والضياع والتبعثر، ولذا نرى أنّه لم يصنع فيه ما صنع
في كتابه (مرآة العقول) في شرح كتاب الكافي للكليني، حيث نظر في الأسانيد والمتون نظرة علميّة تدلّ على طول باعه وسعة اطلاعه وعظمة شأنه في الفقه والحديث والرجال وغيرها من العلوم.
هذا، مضافاً إلى أنّه - رحمة الله - بعد رواية تلك الأخبار على ما تقدّم نقله، نقل كلام الشيخ المفيد وفيه النص على الإعتقاد بأنّ القرآن المنزل من عند الله هو مجموع ما بين الدفّتين من دون زيادة أو نقصان.
1 - الشيخ على بن إبراهيم القمي، صاحب التفسير المعروف باسمه، الثقة في الحديث والثبت المعتمد في الرواية عند علماء الرجال(1) ومن أعلام القرن الرابع.
فقد جاء في مقدمة التفسير ما هذا لفظه: «وأما ما هو محرّف منه فهو قوله:( لكن الله يشهد بما انزل اليك - في علي -انزله بعلمه والملائكة يشهدون ) وقوله:( يا ايها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك - في علي -فإن لم تفعل فما بلّغت رسالته ) وقوله:( إنّ الذين كفروا - وظلموا آل محمد حقهم -لم يكن الله ليغفر لهم ) وقوله:( وسيعلم الذين ظلموا - آل محمد حقهم -أي منقلب ينقلبون ) وقوله:( ولو ترى - الذين ظلموا آل محمد
__________________
(1) انظر ترجمته في تنقيح المقال 2: 260.
حقهم -في غمرات الموت ) ومثله كثير نذكره في مواضعه»(1) .
وذكر الشيخ الفيض الكاشاني عبارة القمي في (علم اليقين)، وعلى هذا الأساس نسب إليه الإعتقاد بالتحريف في كتاب (الصافي في تفسير القرآن).
لكنّ هذا يبتني على أن يكون مراد القمي من «ما هو محرّف منه» هو الحذف والإسقاط للفظ، وأمّا إذا كان مراده ما ذكره الفيض نفسه من «أنّ مرادهم بالتحريف والتغيير والحذف إنّما هو من حيث المعنى دون اللفظ، أي حرّفوه وغيّروه في تفسيره وتأويله، أي حملوه على خلاف ما هو عليه في نفس الامر» فلا وجه لنسبة القول بالتحريف - بمعنى النقصان - إلى القمي بعد عدم وجود تصريح منه بالإعتقاد بمضامين الأخبار الواردة في تفسيرة والقول بما دلّت عليه ظواهرها، بل يحتمل إرادته المعنى الذي ذكره الفيض كما يدّل عليه ما جاء في رسالة الإمام إلى سعد الخير فيما رواه الكليني.
مضافاً الى أنّ القمي نفسه روى في تفسيره بإسناده عن مولانا الصادقعليهالسلام قال: «إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لعليعليهالسلام : القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس، فخذوه واجمعوه ولا تضيّعوه كما ضيّع اليهود التوراة»(2) .
ويؤكّد هذا الإحتمال كلام الشيخ الصدوق، ودعوى الإجماع من بعض الأكابر على القول بعدم التحريف.
ثم إن الأخبار الواردة في تفسير القمي ليست كلّها للقمي
__________________
(1) تفسير القمّي 1: 10.
(2) 1 / 562 - 569 وقد تقدّمت عبارته.
رحمة الله بل جلّها لغيره، فقد ذكر الشيخ آغا بزرك الطهراني أنّ القمي اعتمد في تفسيره على خصوص ما رواه عن الصادقعليهالسلام ، وكان جلّه ممّا رواه عن والده إبراهيم بن هاشم عن مشايخه البالغين إلى الستين رجلاً
قال: «ولخلو تفسيره هذا عن روايات سائر الأئمةعليهمالسلام ، عمد تلميذه الآتي ذكره والراوي لهذا التفسير عنه، على إدخال بعض روايات الإمام
الباقرعليهالسلام التي أملاها على أبي الجارود في أثناء التفسير، وذلك التصرف وقع منه من أوائل سورة آل عمران إلى آخر القرآن»(1) .
وهذه جهة أخرى تستوجب النظر في أسانيد الأخبار الواردة فيه، لا سيمّا ما يتعلق منها بالمسائل الإعتقادية المهمّة كمسألتنا.
2 - السيد نعمة الله التستري الشهير المحدّث الجزائري، المترجم له في كتب التراجم والرجال مع الإطراء والثناء.
قال الحرّ العاملي: «فاضل عالم محقّق علاّمة، جليل القدر، مدرّس»(2) ، وقال المحديث البحراني: «كان هذا السيد فاضلاً محدّثاً مدققاً، واسع الدائرة في الإطلاع على أخبار الإمامية وتتبع الآثار المعصومية»(3) وكذا قال غيرهما.
__________________
(1) الذريعة 4: 303.
(2) أمل الآمل 2: 336.
(3) لؤلؤة البحرين: 111.
وقد ذهب هذا المحدّث إلى القول بنقصان القرآن عملاً بالأخبار الظاهرة فيه، مدّعياً تواترها بين العلماء، وقد تقدّم نصّ كلامه والجواب عنه في فصل (الشبهات).
ولا يخفى أنّ الأساس في هذا الإعتقاد كون الرّجل من العلماء الأخباريين، ولذا استغرب منه المحّدث النوري اعتماده على تقسيم الأخبار وتنويعها في شرحه لتهذيب الأحكام، وإذا تمت المناقشة في الأساس إنهدم كلّ ما بني عليه.
3 - الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي، المتوفّى سنة 1244، وهو من كبار الفقهاء الاصوليين، وله مصنّفات ومؤلفات كثيرة، من أشهرها: مناهج الأحكام - في الأصول -، ومستند الشيعة - في الفقه -، ومعراج السعادة - في الأخلاق -.
قال الشيخ النراقي بعد أن ذكر أدلّة المثبتين والنافين: «والتحقيق: إنّ النقص واقع في القرآن، بمعنى أنّه قد اسقط منه شيء وإن لم يعلم موضعه بخصوصه، لدلالة الأخبار الكثيرة، والقرائن المذكورة عليه من غير معارض، وأما النقص في خصوص المواضع وإن ورد في بعض الأخبار إلاّ أنذه لا يحصل منها سوى الظن، فهو مظنون، وأمّا غير المواضع المنصوصة فلا علم بالنقص فيها ولا ظن، وأمّا الإحتمال فلا دافع له ولا مانع، وإن كان مرجوحاً في بعض المواضع.
وأمّا الزيادة فلا علم بوقوعها بل ولا ظن، بل يمكن دعوى العلم على عدم زيادة مثل آية أو آيتين فصاعداً، وأمّا التغيير والتحريف في بعض الكلمات عمداً أو سهواً فلا يمكن نفيه وإن لم يمكن إثباته علماً
كالإختلاف في الترتيب»(1) .
وكأنّ هذا الذي ذكره وجعله هو التحقيق، جمع بين مقتضى القواعد الاصولية وبين الأخبار والواردة في لمسألة، لكن ما ورد من الأخبار دالاً على وقوع النقص في القرآن من غير تعيين لموضعه بخصوصه قليل جدّاً. وما دلّ على وقوعه في خصوص المواضع بعد تماميته سنداً وجواز الأخذ بظاهره لا يحصل منه سوى الظن - كما قال - وهو لا يغني من الحق شيئاً في مثل مسألتنا، وحينئذٍ يبقى
إلاّ الإحتمال، وهو مندفع بالأدلّة المذكورة على نفي التحريف، ومع التنزّل عنها يدفعه أصالة العدم.
4 - السيد عبدالله ابن السيد محمد رضا الشبّر الحسيني الكاظمي، المتوفّى سنة 1242، المترجم له في كتب الرجال بالثناء والاطراء، قال الشيخ القمي: «الفاضل النبيل والمحدّث الجليل، والفقيه المتبحّر الخبير، العالم الرباني والمشتهر في عصره بالمجلسي الثاني، صاحب شرح المفاتيح في مجلدات، وكتاب جامع المعارف والأحكام - في الأخبار شبه بحار الأنوار - وكتب كثيرة في التفسير والحديث والفقه واصول الدين وغيرها»(2) .
وقد يذكر هذا السيد في الطائفة الثانية لكلام له جاء في كتاب (مصابيح الأنوار) ثم لا حظنا أنّه في (تفسيره) يفسّر الآيات المستدلّ بها على نفي التحريف بمعنى آخر، ولم يشر إلى عدم التحريف في بحثه حول
__________________
(1) مناهج الأحكام. مبحث حجيّة ظواهر الكتاب.
(2) الكنى والألقاب 2: 323.
القرآن ووجوه إعجازه في كتابه (حق اليقين في معرفة اصول الدين).
وأمّا عبارته في كتابه (مصابيح الأنوار) فهذا نصّها:
«الحديث 153: ما رويناه عن ثقة الإسلام في (الكافي) والعياشي في تفيسره بإسنادهما عن أبي جعفرعليهالسلام قال: نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا، وربع عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام. وزاد العياشي: ولنا كرائم القرآن.
بيان: هذا الحديث الشريف فيه مخالفة لما اشتهر بين الأصحاب وصرّحوا به: من أن الآيات التي يستنبط منها الأحكام الشرعية خمسمائة آية تقريباً.
ولما ذهب إليه أكثر القرّاء(1) من أنّ سور القرآن بأسرها مائة وأربعة عشر سورة، وإلى أنّ آياته ستة الآف وستمائة وستة وستون آية، وإلى أنّ كلماته سبع وسبعون ألف وأربعمائة وثلاثون كلمة، وإلى أنّ حروفه ثلاثمائة ألف واثنان وعشرون الف وستمائة وسبعون حرفاً، وإلى أنّ فتحاته ثلاث وتسعون ألف ومائتان وثلاث وأربعون فتحة، وإلى أن ضماته أربعون ألف وثمانمائة وأربع ضماّت، وإلى أنّ كسراته تسع وثلاثون ألفاً وخمسائة وستة وثمانون كسرة، وإلى أنّ تشديداته تسعة عشر ألف ومائتان وثلاث وخمسون تشديدة، وإلى أنّ مداته ألف وسعمائة وإحدى وسبعون مدة.
وأيضاً، يخالف ما روياه بإسنادهما عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنينعليهالسلام يقول: نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي
____________
(1) وكذا جاء أيضاً في «الوافي» و «مرآة العقول» نقلاه عن «المحيط الأعظم في تفسير القرآن» للسيد حيدر الآملي، من علماء القرن الثامن، عن أكثر القراء.
عدوّنا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام.
وما رواه العياشي بإسناده عن خيثمة عن أبي جعفرعليهالسلام قال: القرآن نزل أثلاثاً: ثلث فينا وفي أحبائنا، وثلث في أعدائنا وعدوّ من كان قبلنا، وثلث سنن ومثل، ولو أنّ الآية إذا نزلت في قوم ثم مات اولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء، ولكن القرآن يجري أوّله على آخره ما دامت السماوات والأرض، ولكل قوم آية يتلونها من خيرٍ أو شرٍ».
ثم قال رحمه الله: «ويمكن رفع التنافي بالنسبة إلى الأول: بأنّ القرآن الذي
انزل على النبيصلىاللهعليهوآله أكثر مما في أيد أيدينا اليوم وقد اسقط منه شيء كثير، كما دلّت عليه الأخبار المتضافرة التي كادت أن تكون متواترة، وقد أوضحنا ذلك في كتابنا: منية المحصّلين في حقيّة طريقة المجتهدين.
وبالنسبة إلى الثاني: بأنّ بناء التقسيم ليس على التسوية الحقيقيّة ولا على التفريق من جميع الوجوه، فلا بأس باختلافه بالتثليث والتربيع، ولا بزيادة بعض الأقسام على الثلث والربع أو عنهما، ولا دخول بعضها في بعض، والله العالم»(1) .
5 - الشيخ محمد صالح بن أحمد المازندراني.
قال الحرّ العاملي: «فاضل عالم محقّق، له كتب منها شرح
__________________
(1) مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار 2: 294 - 295.
الكافي، كبير حسن ...»(1) وقال الخونساري: «كان من العلماء المحدّثين والعرفاء المقدّسين، ماهراً في العقول والمنقول، جامعاً للفروع والاصول»(2) .
فإنّه يستفاد من كلام له في (شرح الكافي) أخذه بظواهر ما ورد فيه، وربما ذكر الوجوه والمعاني الاخرى التي ذكرها المحدّثون لتلك الأخبار على وجه الإحتمال، بل رأينا منه أحياناً تكلّفاً لإبقاء بعضها على ظاهره.
قال رحمه الله في شرح حديث الكليني عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي(3) «وكأنّ هذا المصحف المدفوع إليه هو الذي جمعه أمير المؤمنينعليهالسلام بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله وأخرجه وقال: هذا هو القرآن الذي أنزله سبحانه، وردّه قومه ولم يقبلوه، وهو الموجود عند المعصوم من ذرّيّته كما دلّت عليه الأخبار».
ثم قال: «وفي هذا الخبر دلالة على وجود مصحف غير هذا المشهور بين الناس، وعلى وجود التحريف والتغيير والحذف فيما أنزله الله تعالى من القرآن على محمدصلىاللهعليهوآله .
ورفعه لا يضر، لاعتضاده بأخبار اخر من طرقنا، وهي كثيرة مذكورة في كتاب الروضة وغيره».
__________________
(1) أمل الآمل 2: 276.
(2) روضات الجنات: 319.
(3) الكافي 2: 461، ونصّ الحديث:
عن البزنطي، قال: دفع إليّ أبو الحسنعليهالسلام مصحفاً وقال: لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه: لم يكن الّذين كفروا فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، قال: فبعث إليّ: إبعث إليّ بالمصحف.
قال - وهو يقصد تقوية ذلك بأحاديث أهل السنّة -: «وقد دلّت الاخبار من طرقهم أيضاً على وقوع التغيير»(1) .
وفي كلامه مواقع للنظر:
1 - قوله: «كأن هذا المصحف المدفوع إليه هو الذي جمعه أمير المؤمنين»
إستظهار منه ولا دليل عليه، وإن تم فقد تقدم الكلام على ذلك في فصل (الشبهات) على ضوء أقوال أكابر الطائفة.
2 - قول: «وفي هذا الخبر دلالة» فيه: إنّ دلالته غير تامّة، كيف والمحدّثون أنفسهم يفسرونه بمعان اخر كما تقدّم؟!
3 - قوله: «ورفعه لا يضر» إعتراف منه بأنّ حديث البزنطي هذا مرفوع كما تقدم، وعدم إضراره محل بحث وخلاف.
4 - قوله: «لاعتضاده بأخبار اخر من طرقنا» فيه: أنّ تلك الأحاديث في الأغلب بين ضعيف ومرسل وشاذ نادر، وهل يعتضد الحديث المرفوع بالضعيف أو بالنادر؟!
5 - قوله: «وهي كثيرة» فيه: أنّه لو سلّم فإنّ الكثرة من هذا القبيل لا تجدي نفعاً، ولا تفيد لإثبات معتقدٍ أو حكم.
6 - قوله: «مذكورة في كتاب الروضة وغيره» فيه: أنّ مما ذكر في كتاب الروضة هو الحديث الذي يفيد عدم نقصان القرآن في ألفاظه بوضوح، وقد استشهد به المحدّث الكاشاني وغيره كما تقدّم.
7 - قوله: «وقد دلّت الأخبار من طرقهم أيضاً» فيه: أنّ تلك
__________________
(1) شرح الكافي 11: 71 - 72.
الأحاديث ليست حجة قاطعة علينا، على أن علماء الشيعة يردّون أو يؤوّلون أحاديثهم الدالّة على ذلك، فكيف بأحاديث أهل السنّة؟!
وبعد، فإنّا نستظهر من كلام الشيخ المازندراني أنّه من القائلين بنقصان القرآن أخذاً بظواهر الأخبار، ولكن حكى السيد شرف الدين والشيخ الاُوردبادي أنه قال في شرح الكافي: «يظهر القرآن بهاذ الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر ويشهر به» فإن كان هذا القول له حقاً عدّ في الطائفة الاولى، والله العالم.
8 - الشيخ ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي، المتوفي سنة 1320، من أعلام القرن الرابع عشر، ومن مشاهير محدّثي الشيعة الإمامية، توجد ترجمته في كتب الشيخ آغا بزرك الطهراني، والشيخ عباس القمي وغيرهما من أصحاب التراجم والرجال.
وهو المشتهر بهذا القول في المتأخرين، وله فيه كتاب (فصل الخطاب) الذي سبّب تنديد بعض الجهلة والأعداء بالشيعة والتهويس عليهم، ذاهلين عن أنّه رأي شخصي من هذا المحدّث الغظيم وليس رأي الطائفة، فإن أساطين هذه الطائفة في القرون المختلفة يذهبون إلى صيانة القرآن عن كلّ أشكال التلاعب، وقد أوردنا طرفاً من كلماتهم في الفصل الأول.
ويؤكّد ما ذكرناه - من أنّه رأي شخصي - أنّ علماء الشيعة المعاصرين له والمتأخرين عنه تناولوا كتابه بالرّد والنقد، كالسيّد محمد حسين الشهرستاني والشيخ محمود العراقي وغيرهما، وللشيخ البلاغي بعض الكلام في هذا الباب في مقدّمة تفسيره (آلاء الرحمن) بل إنّ
الشيخ النوري نفسه يعترف بصراحة بتفرّده في هذا القول، كما لا يخفى على من راجع كتابه(1) .
وهم المحدّثون الذين أوردوا في مصنّفاتهم جميع ما رووه أو طرفاً منه، مع
عدم الإلتزام بالصحة سنداً ومتناً ودلالة، فهم يروون أحاديث نقصان القرآن كما يروون أحياناً أحاديث الغلو والجبر والتفويض والتجسيم، وما شاكل ذلك مما لا يعتقدون به لا يذهبون إليه، وقد ذكرنا أنّ الرواية أعمّ من الإعتقاد.
وعلى أساس الامور الأربعة التي ذكرناها من قبل - مع الإلتفات إلى كلام الصدوق ابن بابويه وغير ذلك - نقول بعدم صحة نسبة القول بالتحريف إلى هذه الطائفة من الرواة فضلاً عن نسبته إلى الطائفة إستناداً إلى رواية هؤلاء لتلك الإخبار، مضافاً إلى نقاط متعلقة بهم أو بأخبارهم سنشير إليها.
ومن هذه الطائفة:
1 - الشيخ محمد بن مسعود العياشي، صاحب التفسير المعروف، ترجم له الشيخ النجاشي فقال: «ثقة صدوق، عين هذه الطائفة، وكان يروي عن الضعفاء كثيراً، وكان في أول عمره عامّي
__________________
(1) فصل الخطاب: 35.
المذهب، وسمع حديث العامة فأكثر»(1) وقال الشيخ الطوسي: «أكثر أهل المشرق علماً وأدباً وفضلاً وفهماً ونبلاً في زمانه، صنّف أكثر من مائتي مصنّف، ذكرناها في الفهرست، وكان له مجلس للخاصّي ومجلس للعامي، رحمة الله»(2) وقال شيخنا الجدّ المامقاني: «وربما حكي من بعض شرّاح التهذيب - والظاهر أنّه المحقق الشيخ محمد نجل الشهيد الثاني - أنه قدح في توثيقه بكونه في أول عمره عامياً، فلا يعلم أن الجرح والتعديل للرجال الذي ينسب إليه هل كان قبل التبصّر أو بعده»(3) .
فهو - وإن كان ثقة في نفسه - يروي عن الضعفاء كثيراً، وأخبار تفسيره مراسيل كما هو معلوم، ويتلخص عدم صحة نسبة القول بالتحريف إليه، وعدم جواز الإعتماد على أخبار تفسيره في هذا المضهار.
2 - الشيخ محمد بن الحسن بن فروخ الصفار القمي، الثقة الثبت المعتد عند جميع علماء الرجال، ولا حاجة إلى نقل نصوص كلماتهم.
روى هذا الشيخ بعض الأخبار المذكورة سابقاً في كتابه (بصائر الدرجات) ولكن لا وجه لنسبة القول بالتحريف إليه، وقد تكلّمنا هناك على تلك الأخبار سنداً ومتناً على ضوء كلمات علماء الحديث
__________________
(1) رجال النجاشي: 247.
(2) رجال الشيخ الطوسي: 497.
(3) تنقيح المقال 3: 183.
والرجال، ومن الضروري النظر في أسانيد أخبار كتابه (بصائر الدرجات) ومعانيها كسائر الكتب الحديثيّة.
3 - الشيخ أبو عمرو محمد بن عمر الكشي صاحب كتاب (الرجال).
قال النجاشي «كان ثقة عيناً، روى عن الضعفاء كثيراً، وصحب العياشي، وأخذ عنه وتخرّج عليه في داره التي كانت مرتعاً للشيعة وأهل العلم، له كتاب
الرجال كثير العلم وفيه أغلاط كثيرة»(1) وقال الشيخ أبو علي الرجالي: «ذكر جملة من مشايخنا أن كتاب رجاله المذكور كان جامعاً لرواة العامة والخاصة، خالطاً بعضهم ببعض، فعمد إليه شيخ الطائفة - طاب مضجعه - فلخّصه وأسقط منه الفضلات»(2) .
وعلى ضوء ما تقدم ليس الشيخ الكشي من القائلين بالتحريف، ولا يجوز الإستناد إلى الأخبار الواردة في (رجاله) لأنه كا يروي عن الضعفاء كثيراً على ما نصّ عليه النجاشي، وكان من أصحاب العياشي، والمتخرجين عليه كما نصوا عليه، وقد تقدّم أن العياشي - وإن كان ثقة جليلاً - كان يروي عن الضعفاء كثيراً أيضاً، فلا اعتبار بكلّ أخبار هذا الكتاب حتى بعد تهذيب الشيخ إيّاه، لكون نظر إلى الرجال المذكورين فيه لا الأخبار المرويّة في غضونه.
__________________
(1) رجال النجاشي: 263.
(2) رجال أبي علي. وانظر مقباس الهداية: 121.
4 - الشيخ محمد بن إبراهيم النعماني: الثقة الجليل عند علماء الرجال والجرح والتعديل(1) .
له في كتابه (الغيبة) رواية صريحة في مخالفة القرآن على عهد الإمام المهديعليهالسلام للقرآن الموجود الآن، وقد بيّنا في محلّه وجه التعارض بين روايته تلك مع روايتين اخريين له، ثم نقلنا حديثاً عن (الإرشاد) و (روضة الواعظين) يوضح المراد من تلك الأحاديث الثلاثة.
وذكرنا هناك أن سند ذلك الحديث الصريح غير قوي، كما بيّنّا في الكلام على الشبهة الثالثة أنه لا يمكن الإعتماد على ما ظاهره مخالفة القرآن في عهد الإمام المنتظر عجّل الله فرجه لهذا القرآن.
والحق أنه لا سبيل إلى نسبة القول بالتحريف إليه، وكلامه في مقدمة كتابه لا يدل على التزامه بالصحّة وإن توهم ذلك، فليراجع.
5 - الشيخ أحمد بن علي الطبرسي، المتوفى سنة 548 صاحب كتاب (الاحتجاج على أهل اللجاج) من مشايخ ابن شهر آشوب، ومن أجلاء أصحابنا المتقدمين، عالم فاضل محدّث ثقة(2) .
__________________
(1) نقيح المقال 3: 55 حرف الميم.
(2) نظر: معالم: ص 25، أمل الآمل 2: 17، روضات الجنات 1: 19، تنقيح المقال 1: 69، الكنى والألقاب 2: 404.
روى في كتابه المذكور ما يفيد التحريف، ومن ذلك ما رواه في احتجاجات سيّدنا أمير المؤمنينعليهالسلام مع المهاجرين والأنصار، المتضمن مخالفة مصحفه الذي جمعه مع المصحف الذي اتخذوه، وقد أشرنا إلى ذلك في الكلام على الشبهة الثانية.
وكتاب (الاحتجاج) وإن كان من الكتب الجليلة إلاّ أن أكثر أخباره مراسيل كما صرّح بذلك الشيخ المجلسي في مقدمة (البحار)، والشيخ الطّهراني في (الذريعة إلى تصانيف الشيعة).
وعلى هذا، فلا يصلح ما رواه في هذا الباب للإعتماد، ولا دليل على أن ينسب إليه هذا الإعتقاد، وإن جاء في كلام بعض علمائنا الأمجاد.
6 - السيّد هاشم البحراني، من مشاهير محدّثي الإمامية، وكان على جانب عظيم من الجلالة، يضرب به المثل في الورع والتقوى، وله تصانيف كثيرة، منها (البرهان في تفسير القرآن)، توفي سنة 1107(1) .
روى هذا المحدّث الجليل في كتابه المذكور طائفة من الأخبار الظاهرة في نقصان القرآن عن العياشي وأمثاله، لكن تفسيره المذكور يشتمل على أنواع الأخبار وأقسامها، وكأنّه - رحمه الله - قصد من تصنيفه جمع الروايات الواردة في تفسير الآيات ووضع كلّ حديثٍ في ذيل الآية التي يناسبها، بل كانت هذه طريقته في جميع كتبه، فقد قال المحدّث البحراني ما نصه: «وقد صنّف كتباً عديدة تشهد بشدة تتبعه وإطلاعه،
__________________
(1) انظر: لؤلؤة البحرين: 63، أمل الآمل 2: 341، الكنى والألقاب 3: 93.
إلاّ أنّي لم أقف له على كتاب فتاوى في الأحكام الشرعية بالكلية ولا في مسألة جزئية، وإنما كتبه مجرّد جمع وتأليف، ولم يتكلّم في شيء منها مما وقفت عليه على ترجيح في الأقوال أو بحث أو إختيار مذهب وقول في ذلك المجال، ولا أدري أن ذلك لقصور درجته عن رتبة النظر والإستدلال أم تورّعاً من ذلك ...»(1) .
وإن أشهر رواة الأحاديث التي ذكرناها وغيرها وأعظمهم هو الشيخ محمد
ابن يعقوب الكليني المتوفى سنة 329. روى تلك الأخبار في كتابه (الكافي) الذي هوأهم الكتب الأربعة المشهورة بين الشيعة الإمامية.
لقد كان - وما زال - التحقيق حول رأي الشيخ الكليني في المسألة موضع الإهتمام بين العلماء والكتّاب، لما له ولكتابه من مكانة مرموقة متّفق عليها بين المسلمين، فنسب إليه بعض المحدّثين من الشيعة القول بالتحريف إعتماداً على ظاهر كلامه في خطبة كتابه «الكافي»، ونفي ذلك آخرون، وحاول بعض الكتّاب القاصرين نسبة القول بذلك إلى الطائفة عامة والتشنيع عليها - بزعمه - بعد وصف «الكافي» بـ (الصحيح) لكنها محاولة يائسة كما سنرى.
لقد تقدّم في الفصل الثاني من هذا البحث ذكر أهم الأخبار التي رواها الكليني في «الكافي» وبيّنّا ما في كلّ منها من مواقع النظر أو وجوه الجواب، بحيث لا يبقى مجال للقول بأنها تدل على تحريف
__________________
(1) لؤلؤة البحرين: 63.
القرآن.
والتحقيق حول رأي الكليني وما يتعلّق بذلك يتم بالبحث في عدة جهات:
لقد ترجم علماء الشيعة للكليني بكلّ ثناء وإطراء وتعظيم وتفخيم، فقد قال أبو العباس النجاشي: «شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم، وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم، صنّف الكتاب الكبير المعروف بالكليني، يسمى (الكافي) في عشرين سنة»(1) وقال الشيخ الطوسي: «ثقة عارف بالأخبار، له كتب، منها كتاب الكافي»(2) وقال إبن شهر آشوب: «عالم بالأخبار، له كتاب(الكافي) يشتمل على ثلاثين كتاباً»(3) وقال المامقاني: «أمر محمد بن يعقوب في العلم والفقه والحديث والثقة والورع وجلالة الشأن وعظيم القدر وعلوّ المنزلة وسموّ المرتبة أشهر من أن يحيط به قلم ويستوفيه رقم»(4) .
وقال الشيخ بهاء الدين العاملي في (الوجيزة): «ولجلالة شأنه عدّه جماعة من علماء العامة كابن الأثير في كتاب جامع الاصول من المجددين لمذهب الإمامية على رأس المائة الثالثة، بعد ما ذكر أن سيدنا
__________________
(1) رجال النجاشي: 266.
(2) الفهرست للطوسي: 161.
(3) معالم العلماء: 154.
(4) تنقيح المقال 3: 201.
وإمامنا أبا الحسن علي بن موسى الرضاعليهالسلام هو المجدّد لهذا المذهب على رأس المائة الثانية».
أما كتابه «الكافي» فهو أهم كتب الشيعة الإثني عشرية وأجلّها وأعظمها في الاصول والفروع والمعارف الإسلامية، وإليه يرجع الفقيه في استنباطه للأحكام الشرعية، وعليه يعتمد المحدّث في نقله للأخبار والأحاديث الدينية، ومنه يأخذ الواعظ في ترهيبه وترغيبه.
إلاّ أنّه تقرر لدى علماء الطائفة - حتى جماعة من كبار الأخباريين - لزوم النظر في سند كلّ خبر يراد الأخذ به في الاصول والفروع، إذ ليست أخبار الكتب الأربعة - وأوّلها الكافي - مقطوعة الصدور عن المعصومين، بل في أسانيدها رجال ضعّفهم علماء الفن ولم يثقوا برواياتهم، ومن هنا قسّموا أخبار الكتب إلى الأقسام المعروفة، واتّفقوا على اعتبار «الصحيح» وذهب أكثرهم إلى حجّية «الموثّق» وتوقف بعضهم في العمل بـ «الحسن». وأجمعوا على وجود الأخبار «الضعيفة» في الكتب الأربعة المعروفة، وقد ذكرنا هذه الحقيقة في الامور الأربعة ببعض التفصيل.
ونزيد تأكيداً هنا بذكر مثالين أحدهما: أنّ الكليني روى في «الكافي» أن يوم ولادة النبيصلىاللهعليهوآله هو اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل - ولذا نسب إليه القول بذلك - ولم يوافقه احد من علماء الشيعة عليه فيما نعلم، بل ذهبوا إلى أنّه اليوم السابع عشر منه. والثاني: أنّ الكليني روى في «الكافي» كتاب (الحسن بن العباس بن حريش) في فضل «إنّا أنزلناه في ليلة القدر» وقد ضعف الشيخ أبو العباس النجاشي والشيخ ابن الغضائري وغيرهما
الرجل وذمّوا كتابه المذكور(1) .
وسواء صح ما ذكروا أو لم يصح فإنّ الغرض من ذكر هذا المطلب هو التمثيل لما ذكرناه من رأي أكابر العلماء في روايات الكليني.
وعلى الجملة، فإنّه ليست أخبار «الكافي» كلها بصحيحةٍ عند الشيعة حتى يصح إطلاق عنوان «الصحيح» عليه، بل فيها الصحيح والضعيف وإن كان «الصحيح» قد لا يعمل به، و «الضعيف» قد يعتمد عليه، كما هو معلوم عند أهل العلم والتحقيق وهذه هي نتيجة البحث في هذه الجهة.
قد ينسب الى الكليني القول بتحريف القرآن بدعوى اعتقاده بصدور ما رواه عن المعصومينعليهمالسلام ، لكن هذه الدعوى غير تامّه فالنسبة غير صحيحة، إذ أن الكليني لم ينصّ في كتابه على اعتقاده بذلك أصلاً، بل ظاهر كلامه يفيد عدم جزمه به، وإليك نصّ عبارته في المقدّمة حيث قال: فاعلم يا أخي - أرشدك الله - أنّه لا يسع أحداً تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماءعليهمالسلام برأيه إلاّ على ما أطلقه العالمعليهالسلام بقوله: أعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردّوه. وقولهعليهالسلام : دعوا ما وافق القوم، فإنّ الرشد في خلافهم، وقولهعليهالسلام : خذوا بالمجمع عليه، فإن المجمع عليه لا ريب فيه.
ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلاّ أقلّه، ولا نجد شيئاً أحوط
__________________
(1) انظر تنقيح المقال 1: 286.
ولا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالمعليهالسلام ، وقبول ما وسع من الأمر فيه بقولهعليهالسلام : بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم.
وقد يسّر الله - وله الحمد - تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت» وأشار بقوله هذا الأخير إلى قوله سابقاً:
«وقلت: إنك تحبّ أن يكون عندك كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون علم الدين».
هذا كلامه - يرحمه الله - وليس فيه ما يفيد ذلك، لأنه لو كان يعتقد بصدور جميع أحاديثه - لما أشار في كلامه إلى القاعدة التي قررها أئمة أهل البيتعليهمالسلام لعلاج الأحاديث المتعارضة، وهي عرض الأحاديث على الكتاب والسنّة، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
واستشهاده - رحمه الله - بالرواية القائلة بلزوم الأخذ بالمشهور بين الأصحاب عند التعارض دليل واضح على ذلك، إذ هذا لا يجتمع مع الجزم بصدور الطرفين عن النبيصلىاللهعليهوآله أو الامامعليهالسلام .
وقوله - رحمه الله - بعد ذلك: «ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلاّ أقله، ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالمعليهالسلام » ظاهر في عدم جزمه بصدور أحاديث كتابه عن المعصومعليهالسلام .
نعم قد يقال: إنّ أحاديث «الكافي» إن لم تكن قطعية الصدور فلا أقل من صحتها إسناداً، ذلك لأنّ مؤلّفه قد شهد - نتيجة بذله غاية ما وسعه من الجهد في التحري والإحتياط - بصحّة جميع أحاديث كتابه حيث قال في المقدمة: «وقلت: إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلّم، ويرجع إليه
المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقينعليهمالسلام ، والسنن القائمة التيعليهاالسلام العمل وبها يؤدّى فرض الله عزّ وجلّ وسنة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
فإن ظاهر قوله «بالآثار الصحيحة عن الصادقينعليهمالسلام » إعتقاده بصحّة ما أورده في كتابه.
ولكنّ هذا - بغض النظر عما قالوا فيه(1) - لا يستلزم وثوق الشيخ الكليني بدلالة كلّ حديث موجود في كتاب حتى ينسيب إليه - بالقطع واليقين - القول بمداليل جميع رواياته، ويؤكد هذا قوله: «ونحن لا نعرف من جميع ذلك» بل ويؤكّده أيضاً ملاحظة بعض أحاديثه.
توضيح ذلك: أنّه - رحمة الله - روى - مثلاً - أحاديث في كتاب الحج من فروعه تفيد أنّ الذبيح كان (إسحاق) لا (إسماعيل)، ومن تلك الأحاديث ما رواه عن أحدهماعليهماالسلام : «وحج إبراهيمعليهالسلام هو وأهله وولده، فمن زعم أن الذبيح هو إسحاق فمن هاهنا كان ذبحه».
قال الكليني: «وذكر عن أبي بصير أنّه سمع أبا جعفر وأبا
__________________
(1) مفاتيح الاصول، معجم رجال الحديث، وغيرهما، وقد جاء في المفاتيح: 332 عن المحدث الجزائري وغيره التصريح بأنّه ليس في كلام الكليني ما يدلّ على حكمه بصحة أحاديث كتابه.
عبداللهعليهماالسلام يزعمان أنّه إسحاق. فأمّا زرارة فزعم أنّه إسماعيل»(1) .
قال المحدّث المجلسي: «وغرضه - رحمة الله - من هذا الكلام رفع الإستبعاد عن كون إسحاق ذبيحاً، بأنّ إسحاق كان بالشام والذي كان بمكة إسماعيل، فكون إسحاق ذبيحاً مستبعد.
فدفع هذا الإستبعاد بأنّ الخبر يدلّ على أن ابراهيمعليهالسلام قد حجّ مع أهله وولده، فيمكن أن يكون الأمر بذبح إسحاق في هذا الوقت»(2) .
وروى - رحمه الله - في خبر طويل عن أبي جعفر وأبي عبداللهعليهماالسلام :
«... قال: فلما قضت مناسكها فرقت أن يكون قد نزل في ابنها شيء، فكأني أنظر إليها مسرعة في الوادي واضعة يدها على رأسها وهي يقول: رب لا تؤاخذ بما عملت بامّ إسماعيل.
قال: فلما جاءت سارة فأخبرت الخبر قامت الى إبنها تنظر فإذا أثر السكين خدوشاً في حلقه، ففزعت واشتكت، وكان بدء مرضها الذي هلكت فيه»(3) .
قال المحدّث الفيض الكاشاني هنا: «يستفاد من الخبر أن الذبيح إسحاق، لأن سارة كانت أمّ إسحاق دون إسماعيل، ولقولها: لا تؤاخذني ...»(4) .
__________________
(1) الكافي 4: 205 - 206.
(2) مرآة العقول 3: 256، بحار الأنوار 12: 135.
(3) الكافي 4: 208 - 209.
(4) الوافي 1: 548.
وروى - رحمة الله - في باب المشيئة والإرادة من كتاب التوحيد عن أبي الحسنعليهالسلام في حديث قوله: «وامر إبراهيم أن يذبح إسحاق ولم يشأ أن يذبحه، ولو شاء لما غلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله تعالى»(1) .
قال السيد الطباطبائي في حاشية: «وهو خلاف ما تضافرت عليه أخبار الشيعة».
فهل هذا الأحاديث صحيحة في رأي الشيخ الكليني؟ وإذا كانت صحيحة - بمعنى الثقة بالصدور - فهل يثق ويعتقد بما دلّت عليه من كون الذبيح إسحاق؟ وإذا كان كذلك فماذا يفعل بالأحاديث التي رواها وهي دالة على كونه إسماعيل؟ وهب أنّه من المتوقّفين في المقام - كما قال المجلسي في نهاية الأمر - فهل يلتئم هذا مع الإلتزام بالصحّة في كلّ الأحاديث؟
ونتيجة البحث في هذه الجهة: عدم تمامية نسبة القول بالتحريف إلى الكليني إستناداً إلى عبارته في صدر «الكافي».
وبعد، فإن من الجائز نسبة القول بعدم التحريف إلى الشيخ الكلينيرحمهالله لعدة وجوه:
1 - إنّه كما روى ما ظاهره التحريف فقد روى ما يفيد عدم التحريف بمعنى الإسقاط في الألفاظ، وهو ما كتبه الإمامعليهالسلام إلى سعد الخير «وكان من نبذهم الكتاب أن اقاموا حروفه وحرّفوا حدوده،
__________________
(1) الكافي 1: 151.
فهم يروونه ولا يرعونه، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية» الحديث. وقد استدلّ به الفيض الكاشاني على أنّ المراد من أخبار التحريف هو تحريف المعاني دون الألفاظ، فيكون هذا الخبر قرينة على المراد من تلك الأخبار. ولو فرضنا التعارض كان مقتضى عرض الخبرين المعارضين على الكتاب - عملاً بالقاعدة التي ذكرها الكليني، ولزوم الأخذ بالمشهور كما ذكر أيضاً - هو القول بعدم وقوع التحريف في القرآن.
2 - إنّ عمدة روايات الكليني الظاهرة في التحريف تنقسم إلى قسمين:
الأول - ما يفيد اختلاف قراءة الأئمة مع القراءة المشهورة.
الثاني - ما ظاهره سقوط أسماء الأئمة ونحو ذلك.
أما القسم الأول فخارج عن بحثنا.
وأما القسم الثاني - فمع غض النظر عن الأسانيد - فكلّه تأويل من أهل البيتعليهمالسلام ، والتأويل لا ينافي التفسير، وإرادة معنى لا تضاد إرادة معنى آخر، وقد روى الكليني ما هو صريح في هذا الباب عن الصادقعليهالسلام في قول الله عزّ وجلّ:( الّذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) : «إنّها نزلت في رحم آل محمد. وقد يكون في قرابتك - ثم قال - ولا تكوننّ ممن يقول في الشيء أنّه في شيء واحد».
ومقتضى القواعد التي ذكرها الكليني أن لا يؤخذ بظواهر الأخبار من القسم الثاني.
3 - إنّ كلمات الأعلام والأئمة العظام من الشيعة الإمامية - كالصدوق والمفيد والمرتضى والطبرسي - الصريحة في أن المذهب هو عدم التحريف، وان القائلين بالتحريف شذاذ من «الحشوية»،
تقتضي أن لا يكون الكليني قائلاً بالتحريف، لا سيمّا كلام الصدوق الصريح في «أن من نسب إلينا فهو كاذب». وإلاّ لم يقولوا كذلك، إذ لم ينسوا شأن الكليني وعظمته في الطائفة.
4 - إنّ دعوى الإجماع من جاعة من أعلام الطائفة - كالشيخ جعفر كاشف الغطاء وغيره - ترجّع القول بأن الكليني من نفاة التحريف، وإلاّ لما ادّعوه مع الإلتفات إلى شخصية الكليني.
5 - إنّ الكليني رحمة الله روى الأخبار المفيدة للتحريف في (باب النوادر)، ومن العلوم أنّ النوادر هي الأحاديث الشاذة التي تترك ولا يعمل بها كما نص على ذلك الشيخ المفيد(1) .
وعن الشيخ في التهذيب بعد حديث لحذيفة: «إنّه لا يصلح العمل بحديث حذيفة، لأن متنه لا يوجد في شيء من الأصول المصنّفة بل هو موجود في الشواذ من الأخبار».
ثم إن الشيخ المامقاني بعد أن أثبت الترادف بين «الشاذ» و «النادر» عرّف الشاذ بقوله: «وهو على الاظهر الأشهر بين أهل الدراية والحديث هو ما رواه الثقة مخالفاً لما رواه الجماعة ولم يكن له إلاّ إسناد واحد»(2) .
فجعله تلك الأحاديث تحت العنوان المذكور يدل على تشكيكه بصحتها وطرحه لها. قال السيّد محمد تقي الحكيم: «ولعل روايتها في (النوادر) من كتابه دليل تشكيكه بصدورها ورفضه لها، وكأنّه أشار بذلك لما ورد في المرفوعة من قولهعليهالسلام : دع الشاذ النادر»(3) .
__________________
(1) معجم رجال الحديث 1: 45، مقباس الهداية: 45.
(2) مقباس الهداية: 45.
(3) الاصول العامّة المقارن: 110.
وقال السيّد حسين مكي العاملي: «ولأجل ما هي عليه من الضعف وندرتها وشذوذها وغرابتها مضموناً جعلها الإمام الكليني من الأخبار الشاذّة النادرة، فسطرها تحت عنوان (باب النوادر). وهذا دليل على أنّه خدش في هذه الأخبار وطعن فيها ولم يعتبرها، إذ لم يغب عن ذهنه - وهو من أكابر أئمة الحديث - ما هو معنى النادر الشاذ لغة وفي اصطلاح أهل الحديث.
فالحديث الشاذ النادر عندنا، معشر الإمامية الإثني عشرية، هو الحديث الذي لا يؤخذ به، إذا عارضه غيره من الروايات المشهورة بين أهل الحديث أو خالف مضموناً، كتاباً أو سنّة متواترة أو حديثاً مشهوراً بين أهل الحيدث ...».
قال: «وأما البحث في حكم النادر الشاذ من الأحاديث فهو: أنّه إذا خالف الكتاب والسنّة أو كان صحيحاً في نفسه، ولكنه معارض برواية أشهر بين الرواة لا يعمل به، كما قرره علماؤنا ...»(1) .
خاتمة الباب الأول
لقد استعرضنا في الباب الأول كلّ ما يتعلق بـ «الشيعة والتحريف»، حيث ذكرنا كلمات أعلام الشيعة في نفي التحريف، وأدلّتهم على ما ذهبوا إليه من الكتاب والسنّة والإجماع وغيرها، وأجوبتهم عن الروايات الواردة في كتبهم المفيدة بظاهرها لنقصان القرآن، وعن الشبهات التي قد تثار حوله على ضوء تلك الروايات.
__________________
(1) عقيدة الشيعة في الإمام الصادقعليهالسلام : 165.
ولقد لا حظنا أنّ الروايات الموهمة للتحريف منقسمة إلى ما دلّ على اختلاف قراءة أهل البيت مع القرّاء في قراءة بعض الآيات، وما دلّ على تأويلات لهم لبعضٍ آخر، وما دلّ على سقوط كذا آية من السورة وكذا آية من تلك.
أمّا القسم الأوّل فلا ينكر أنّ الأئمةعليهمالسلام يختلفون مع القرّاء في قراءة كثير من الآيات والكلمات، غير أنّهم أمروا شيعتهم بأن قرأوا كما يقرأ الناس، وهذا القسم خارج عن بحثنا.
وأما القسم الثاني فإنّه راجع إلى التأويل، ولا ريب في أن أهل البيتعليهمالسلام أدرى بحقائق القرآن، معاني آياته من كلّ أحد، والأدلة على ذلك لا تحصى، وقد روي عن أبي الطفيل أنّه قال: «شهدت علياً يقول: سلوني، والله لا تسألوني إلاّ أخبرتكم، سلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلاّ وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل»(1) .
وعن ابن سعد: «سمعت علياً يقول: والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت، إنّ ربي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً ناطقاً»(2) .
ولذا رووا عن ابن مسعود أنّه قال: «ما من حرف إلاّ وله ظهر وبطن، وإنّ علياً عنده من الظاهر والباطن»(3) .
وروى ابن المغازلي: أنّ الذي عنده علم الكتاب هو علي بن
__________________
(1) طبقات ابن سعد 2: 238، الاصابة 4: 503، المستدرك 2: 466، الصواعق 1: 127، كنز العمال 6: 405، فيض القدير 3: 46، الرياض النضرة 2: 188.
(2) طبقات ابن سعد 2: 228، كنز العمال 6: 396، الصواعق: 12.
(3) حلية الأولياء 1: 65.
أبي طالبعليهالسلام (1) .
ومتى وردت رواية معتبرة تحكي تأويلاً أو تفسيراً عنهم لآية وجب الآخذ بها، إمتثالاً لأمر النبيصلىاللهعليهوآله في الأحاديث المتواترة بين المسلمين بالرجوع إليهم والإنقياد لهم والأخذ عنهم والتعلّم منهم.
وأما القسم الثالث فإنّ ما تمّ منه سنداً نادر جداً، على أنّ أهل السنّة يشاركون الشيعة في نقل مثل هذه الروايات كما سنرى.
ومن هنا لا حظنا أنّ أكثر من 90% من علماء الشيعة - الذين عليهم الإعتماد وإليهم الإستناد في اصولهم وفروعهم - ينفون النقصان عن القرآن نفياً قاطعاً ولم يقل بنقصانه إلاّ أقل من الـ 5% منهم وهي آراء شخصيّة لا تمثل رأي الطائفة.
وتلخّص: أنّ مذهب الشيعة عدم تحريف القرآن بمعنى النقيصة في ألفاظه، وقد اعترف بذلك الشيخ عبدالعزيز الدهلوي(1) والشيخ رحمة الله الهندي(2) وغيرهما من أعلام أهل السنّة، وهذا هو الذي ينسب إلى أئمتناعليهمالسلام وعلى رأسهم أمير المؤمنين الذي قال: «إنا لم نحكّم الرجال وإنّما حكّمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين، لا ينطق بلسان ولا بدّ له من ترجمان».
فلننظر ما هو رأي غيرهعليهالسلام من الصحابة، وما رأي شيعتهم المنعكس في صحامهم ومسانيدهم وكتبهم المعتبرة، في الباب الثاني ..
__________________
(1) المناقب: 314.
(2) التحفة الاثنا عشرية: 139.
(3) إظهار الحق 2: 89.
الباب الثاني
اهل السنّة والتحريف
* أحاديث التحريف في كتب أهل السنّة
* الرواة لأحاديث التحريف في كتب أهل السنّة
* الاقوال والآراء في أهل السنّة حول التحريف وأحاديثه
* نقد وتمحيص
* مشهوران لا أصل لهما
وإنّ المعروف من مذهب أهل السنّة هو نفي التحريف عن القرآن الشريف، وبذلك صرّحوا في تفاسيرهم وكتبهم في علوم القرآن والعقائد، ولا حاجة إلى نقل خصوص كلماتهم.
لكنّ الواقع: إن أحاديث نقصان القرآن الكريم في كتبهم كثيرة في العدد، صحيحة في الإسناد، واضحة الدلالة.
أمّا الكثرة في العدد - والتي اعترف بها بعضهم أيضاً كالآلوسي - فلأنها بها ولا نأبه بها من حيث هي مطلقاً، وإنما المشكلة في صحة هذه الأحاديث ووضوحها في الدلالة، حتى لو كانت قليلة.
وذلك: لأنها مخرّجة في الكتب الستّة المعروفة بـ (الصحاح) عندهم، والتي ذهب جمهورهم إلى أنّ جميع ما اخرج فيها مقطوع بصدوره عن النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، لا سيمّا كتابي البخاري ومسلم بن الحجّاج النيسابوري، هذين الكتابين الملقّبين بـ «الصحيحين» والمبرّأين عندهم من كلّ شين، فهي في هذه الكتب، وفي كتبٍ أخرى تليها في الإعتبار والعظمة يطلقون عليها اسمها «الصحيح» واخرى يسمّونها بـ «المسانيد».
الفصل الأول
أحاديث التحريف في كتب السنّة
قد ذكرنا أنّ المعروف من مذهب أهل السنّة هو موافقة الشيعة الإثني عشرية في القول بصيانة القرآن الكريم من التحريف، فيكون هذا القول هو المتّفق عليه بين المسلمين.
بل نقل ابن حجر العسقلاني - وهو من كبار حفّاظ أهل السنّة ومن أشهر علمائهم المحقّقين في مختلف العلوم - أنّ الشريف المرتضى الموسوي - وهو أحد أعاظم علماء الشيعة وأئمّتهم في مختلف العلوم كذلك - كان يكفّر من يقول بنقصان القرآن.
وإذا كان المعروف من مذهب أهل السنّة ذلك، فمن اللازم أن يكونوا قد تأوّلوا أو أعرضوا عمّا جاء في كتبهم من الأحاديث الصريحة بوقوع التحريف وغيره من وجوه الإختلاف في القرآن الكريم، عن جماعة كبيرة من أعيان الصحابة وكبار التابعين ومشاهير العلماء والمحدّثين.
والواقع أنّ تلك الأحاديث موجودة في أهمّ أسفار القوم، وإن شقّ الإعتراف بذلك على بعض كتّابهم، وهي كثيرة - كما اعترف
الآلوسي(1) - وليست بقليلة كما وصفها الرافعي(2) .
هذا مضافاً إلى ما دلّ على وقوع الخطأ واللحن في القرآن، والزيادة فيه، وتبديل لفظ منه لفظ آخر.
ولنذكر نماذج ممّا رووه عن الصحابة في الزيادة والتبديل، ثمّ ما رووه عنهم في النقيصة - وهو موضوع هذا الفصل - ثم طرفاً مما نقل عن الصحابة من كلماتهم وأقوالهم في وقوع الخطأ واللحن في القرآن.
فمن الزيادة في القرآن - في السور - ما اشتهر عن عبدالله بن مسعود وأتباعه من زيادة المعوّذتين، فقد روى أحمد وغيره عن عبد الرحمن بن يزيد: «كان عبد الله يحكّ المعوّذتين من مصافحه، ويقول: إنّهما ليستا من كتاب الله تعالى»(3) وفي الإتقان: قال ابن حجر في شرح البخاري: «قد صحّ عن ابن مسعود إنكار ذلك»(4) .
ومن الزيادة - في ألفاظه -: ما رووه عن أبي الدرداء من زيادة «ما خلق» في قوله تعالى:( وما خلق الذكر والانثى ) (5) ففي البخاري بسنده عن علقمة: «دخلت في نفر من أصحاب عبدالله الشام، فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا فقال: أفيكم من يقرأ؟ فقلنا: نعم. قال:
__________________
(1) روح المعاني 1: 25.
(2) إعجاز القرآن: 44.
(3) مسند أحمد 5: 129.
(4) الإتقال في علوم القرآن 1: 271.
(5) سورة الليل: 3.
فأيّكم أقرأ؟ فأشاروا إليّ فقال: إقرأ، فقرأت: والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والانثى. فقال: أنت سمعتها من فيّ صاحبك؟ قلت: نعم. قال: وأنا سمعتها من فيّ النبي وهؤلاء يأبون علينا»(1) .
وفي رواية مسلم والترمذي: «أنا والله هكذا سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقرؤها، وهؤلاء يريدونني أن أقرأها: وما خلق، فلا أتابعهم»(2) .
ومن التغيير والتبديل في ألفاظ القرآن ما رووه عن ابن مسعود أنّه قد غيّر «إنّي أنا الرزّاق ذو القوّة المتين» إلى:( إنّ الله هو الرزّاق ... ) (3) ففي مسند أحمد وصحيح الترمذي، بسندهما عنه، قال «أقرأني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّي أنا الرزّاق ذوالقوة المتين» قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»(4) .
وما رووه عن عمر أنّه كان يقرأ: «فامضوا إلى ذكر الله» بدل( فاسعوا ... ) ففي الدرّ المنثور عن عدّة من الحفّاظ والأئمة أنّهم رووا عن خرشة بن الحرّ، قال: «رأى معي عمر بن الخطّاب لوحاً مكتوباً فيه: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله(5) فقال: من أملى عليك هذا؟ قلت: اُبيّ بن كعب، قال: إنّ ابيّاً أقرؤنا
__________________
(1) صحيح البخاري 6: 210.
(2) صحيح الترمذي 5: 191، صحيح مسلم 1: 565.
(3) سورة الذاريات: 58.
(4) مسند أحمد 1: 394، صحيح الترمذي 5: 191.
(5) سورة الجمعة: 9.
للمنسوخ، إقرأها: فامضوا إلى ذكر الله ...»(1) .
أحاديث نقصان القرآن
وأحاديث نقصان القرآن منها ما يتعلّق بالسور، ومنها ما يتعلّق بالآيات وأجزائها،فمن القسم الأول:
1 - ما رواه الحافظ السيوطي، بقوله: «أخرج عبد الرزاق في المصنّف، والطيالسي، وسعيد بن منصور، وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند، وابن منيع والنسائي، والدار قطني في الأفراد، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم - وصحّحه - وابن مردويه، والضياء في المختارة: عن زرّ، قال: قال لي اُبيّ بن كعب: كيف تقرأ سورة الأحزاب - أو كم تعدّها -؟. قلت: ثلاثاً وسبعين آية. فقال اُبي: قد رأيتها وإنّها لتعادل سورة البقرة وأكثر من سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتّة نكالاً من الله والله عزيز حكيم» فرفع منها ما رفع»(2) .
وروى المتقي عن زر بن حبيش أيضاً، قال: «قال اُبيّ بن كعب: يا زر: كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاث وسبعين آية. قال: إن كانت لتضاهي سورة البقرة أو هي أطول من سورة
__________________
(1) الدرّ المنثور 6: 219.
(2) الدرّ المنثور 5: 179.
البقرة ...»(1) .
2 - ما رواه الحافظ السيوطي عن عائشة، أنّها قالت: «كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن رسول اللهصلىاللهعليهوآله مائتي آية، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاّ على ما هو الآن»(2) .
3 - ما رواه الحافظ السيوطي عن البخاري في تأريخه عن حذيفة قال: «قرأت سورة الأحزاب على النبيصلىاللهعليهوآله فنسيت منها سبعين آية ما وجدتها»(3) .
ويفيد الحديث الأول المنقول عن اُبيّ بن كعب أنّه كان يرى أنّ الآيات غير الموجودة من سورة الأحزاب - ومنها آية الرجم - كانت ممّا أنزله الله سبحانه على نبيّه، ومن القرآن حقيقة، وأنّها كانت تقرء كذلك على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتى «رفع منها ما رفع»، فما معنى هذا الرفع؟ ومتى كان؟
وأمّا الحديث الثاني المنقول عن عائشة فيتضمّن الجواب عن هذا السؤال، فإنّه يفيد أنّ المراد من «الرفع» هو «الإسقاط» وأنّه كان عندما كتب عثمان المصاحف.
1 - ما رواه الحافظ السيوطي بقوله: «أخرج ابن أبي شيبة
__________________
(1) كنز العمّال 2: 567.
(2) الإتقان في علوم القرآن 3: 82، الدر المنثور 5: 180 عن أبي عبيدة في الفضائل وابن الأنباري وابن مردويه.
(3) الدر المنثور 5: 180.
والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه، عن حذيفة، قال: التي تسمّون سورة التوبة هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلاّ نالت منه، ولا تقرأون ممّا كنّا نقرأ إلاّ ربعها»(1) .
2 - ما رواه السيوطي أيضاً بقوله: «أخرج أبو الشيخ عن حذيفة، قال: ما تقرأون ثلثها»(2) .
3 - ما رواه السيوطي أيضاً بقوله: «أخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة! قال: التوبة؟! بل هي الفاضحة، ما زالت تنزل فيهم حتى ظنّنا أن لن يبقى منا أحد إلاّ ذكر فيها»(3) .
4 - وروى مثله عن عمر بن الخطاب(4) .
فسورة التوبة كانت في رأي هؤلاء الأصحاب - وهو:
1 - عبدالله بن عباس.
2 - حذيقة بن اليمان.
3 - عمر بن الخطاب.
أضعاف هذا المقدار الموجود منها.
وقد روى رأي هؤلاء كبار أئمّة الحديث والحفاظ المشاهير من أهل السنّة، منهم:
1 - أبو بكر ابن أبي شيبة. صاحب المصنّف.
2 - الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك الصحيحين.
__________________
(1) الدرّ المنثور 3: 208.
(2) الدّر المنثور 3: 208.
(3) الدرّ المنثور 3: 208.
(4) الدّر المنثور 3: 208.
3 - أبو القاسم الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير.
4 - أبو بكر ابن مردويه الأصبهاني.
5 - أبو بكر ابن المنذر.
الأحاديث الواردة حول سورة كانوا يشبّهونها في الطول والشدّة بسورة براءة، ومنها:
ما رواه مسلم في صحيحة، والحاكم في مستدركه، والسيوطي في الدّر المنثور عن مسلم وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي، عن أبي موسى الأشعري، أنّه قال لقرّاء أهل البصرة: «وإنّا كنّا نقرأ سورة كنا نشبّهها في الطول والشدّة ببراءة فنسيتها غير أنّي حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لا بتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوفه إلاّ التراب»(1) .
الأحاديث الواردة حول سورة كانوا يشبّهونها بإحدى المسبّحات، ومنها:
ما رواه من ذكرنا في ذيل الحديث عن أبي موسى حول السورة السابقة، فقد رووا عنه أنّه قال: «وكنّا نقرأ سورة نشبّهها بإحدى المسبّحات أوّلها: سبّح لله ما في السماوات، فانسيتها غير أنّي حفظت منها: يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا مالا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم
__________________
(1) صحيح مسلم 2: 726 ح 1050، المستدرك على الصحيحين 2: 224، الدر المنثور.
فتسألون عنها يوم القيامة».
ذكر الحافظ السيوطي في (الإتقان) سورتين سمّاها: (الحفد) و (الخلع) وروى أنّ السورتين كانتا ثابتتين في مصحف اُبيّ بن كعب ومصحف ابن عبّاس، وأنّ أمير المؤمنينعليهالسلام علّمهما عبدالله الغافقي، وأنّ عمر بن الخطّاب قنت بهما في صلاته، وأنّ أبا موسى كان يقرؤهما(1) .
ولا أثر لهاتين السورتين في المصحف الموجود.
الحديث حول آية الرجم وسقوطها من القرآن الكريم، أخرجه الشيعة والسنّة معاً في كتبهم الحديثيّة، وذكروه في كتب الفقه في أبواب الحدود. فهو موجود في: «الكافي» و «من لا يحضره الفقيه» و «التهذيب» و «وسائل الشيعة» من كتب الشيعة. وفي «صحيح البخاري» و «صحيح مسلم» و «مسند أحمد» و «موطّأ مالك» وغيرها من كتب السنّة.
لكنّ الأصل في القضية هو (عمر بن الخطاب) ومن قال بمقالته من الصحابة، ولذا حمل السيد الخوئي ما ورد من
__________________
(1) الإتقان في علوم القرآن 1: 226.
طرق الشيعة منه على التقية(1) .
ويشهد بذلك ما روي في كتب الفريقين عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، أنّه لمّا جلد شراحة الهمدانيّة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة قال: حددتها بكتاب الله ورجمتها بسنّة رسول الله عليه وآله»(2) . فلو كانعليهالسلام يرى أن الرجم من القرآن كما رأى عمر لم يقل كذلك.
فالأمر من طرف الشيعة مفروغ منه، وأمّا مرويّات أهل السنّة:
1 - فقد أخرج البخاري عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: «إنّ الله بعث محمداً بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل:
والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله.
ثم إنّا كنّا نقرأ - فيما نقرأ من كتاب الله -: أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن أبائكم، أو: إنّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم ...»(3) .
وأخرج أيضاً عنه قوله:
«إنّ الله بعث محمداً فالرجم في كتاب الله حق على من زنى
__________________
(1) مباني تكملة المنهاج 1: 196.
(2) عوالي اللآلي 2: 152، 3: 552 وهو في مسالك الأفهام، جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام 41: 30 وغيرها، ورواه أحمد والبخاري والنسائي والحاكم وغيرهم كما في مقدّمة آلاء الرحمن.
(3) صحيح البخاري 8: 208.
إذا احصن من الرجال والنساء إذا قامت عليه البيّنة»(1) .
وأخرجه مسلم بن الحجّاج أيضاً في صحيحة(2) ، وأحمد بن حنبل - إمام الحنابلة - في مسنده(3) .
وروى مالك بن أنس - إمام المالكية - عن سعيد بن المسيب - وهو من أكابر التابعين - عن عمر قوله: «إيّاكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدّين في كتاب الله، فقد رجم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ورجمنا. والّذي نفسي بيده: لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها (الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتّة) فإنّا قد قرأناها»(4) .
ورواه أيضاً أحمد بن حنبل في مسنده(5) والحافظ جلال الدين السيوطي عن عبد الرزاق وأحمد وابن حبّان - وسيأتي نصّه -.
وقال الحافظ السيوطي أيضاً: «وقد أخرج ابن أشته في (المصاحف) عن الليث بن سعد، قال: أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد وأنّ عمر أتى بأية الرجم فلم يكتبها لأنّه كان وحده»(6) .
هذا كلّه عن عمر، والمستفاد من الأحاديث أنّه كان يعلم بكون آية الرجم من القرآن، إلاّ أنّه لم يكتبها لكونه وحده، فلو شهد بها معه أحد
__________________
(1) صحيح البخاري 8: 208.
(2) صحيح مسلم 3: 1317.
(3) مسند أحمد 1: 40 و 55.
(4) الموطأ 2: 824 | 10.
(5) مسند أحمد 1: 36 و 43.
(6) الإتقان في علوم القرآن 1: 206.
من الصحابة لكتب، وبذلك صرّح الحدّثون، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «فلم يلحقها بنصّ المصحف بشهادته وحده» ولو كانت منسوخة التلاوة لم يجز إلحاقها به حتى لو شهد معه كلّ الصحابة.
2 - وأخرج ابن حاجة عن عائشة، قالت: «نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها»(1) .
3 - وأورد الحافظ جلال الدين عن أبي عبيد بسنده عن أبي امامة بن سهل: «أنّ خالته قالت: قد أقرأنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله آية الرجم: الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة بما قضيا من اللذّة»(2) .
4 - وروى الحافظ السيوطي أيضاً عن جماعة من المحدّثين الحفّاظ عن ابي ابن كعب: أنّه كان يعتقد بأنّ آية الرجم من القرآن حقيقة، وقد تقدّم نصّه في ما ذكر حول سورة الأحزاب.
نقتصر على هذه الأحاديث حول «آية الرجم» طلباً للإختصار، وقد لوحظ فيها أنّ جماعة من الصحابة كانوا يصرّحون بأنّهم قد قرأوا هذه الآية وعقلوها وحفظوها. وكان أشدّهم إصراراً على ذلك: عمر بن الخطّاب، هؤلاءهم:
1 - عمر بن الخطاب.
2 - اُبيّ بن كعب.
3 - عائشة بنت أبي بكر.
__________________
(1) السنن لابن ماجة 1: 625 | 1944.
(2) الإتقان في علوم القرآن 3: 82.
4 - خالة أبي أمامة بن سهل.
بل المفهوم من حديث عائشة: أنّ الآية كانت من القرآن حتى بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآله وسيأتي مزيد كلام في ذلك.
وقد نقلنا هذه الأحاديث عن:
1 - صحيح البخاري.
2 - صحيح مسلم.
3 - مسند أحمد.
4 - الموطّأ لمالك.
5 - السنن لابن ماجة.
6 - الإتقان في علوم القرآن للحافظ السيوطي.
وعن جماعة من الأصحاب أنّه كان من القرآن - وقد اسقط فيما اسقط - آية: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» أو نحوه في اللّفظ، وقد سمّيناها بـ «آية الرغبة»:
1 - أخرج البخاري في (الصحيح) عن عمر بن الخطّاب في حديث تقدّم لفظه: «ثم إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو: «إنّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم»(1) .
2 - وقال الحافظ السيوطي: أخرج ابن الضريس عن ابن
__________________
(1) صحيح البخاري 8: 208.
عباس، قال: كنا نقرأ «لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم» أو: «إنّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم»(1) .
3 - وقال الحافظ الجلال السيوطي أيضاً: «أخرج الطيالسي وأبو عبيد والطبراني، عن عمر بن الخطاب، قال: كنا نقرأ فيما نقرأ «لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم» ثم قال لزيد بن ثابت: أكذلك يا زيد؟ قال: نعم»(2) .
وقد علم من هذه الأحاديث أنّ جماعة من الصحابة وهم:
1 - عمر بن الخطاب.
2 - عبدالله بن عباس.
3 - زيد بن ثابت.
كانوا بعتقدون أنّ «أية الرغبة» من القرآن الكريم.
وقد نقلنا هذه الأحاديث عن:
1 - البخاري صاحب الصحيح.
2 - الحافظ السيوطي عن عدّة من الفّاظ وهم:
عبدالرزاق بن همام.
أحمد بن حنبل.
أبوالقاسم الطبراني.
أبو عبيد القاسم بن سلام.
أبو عبدالله بن الضريس.
أبو الوليد الطيالسي.
__________________
(1) الإتقان في علوم القرآن 2: 42.
(2) الإتقان في علوم القرآن 3: 83.
إبن حبّان صاحب الصحيح.
حول آية «لو كان لابن آدم واديان»
1 - أخرج مسلم بن الحجّاج في (الصحيح) عن أبي الأسود، عن أبيه، قال:
«بعث أبو موسى الأشعري إلى قرّاء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقرّاؤهم، فاتلوه ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنّا كنّا نقرأ سورة كنا نشبّهها في الطول والشدة بـ «براءة» فانسيتها، غير أنّي حفظت منها: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب»(1) .
2 - وقال الحافظ جلال الدين السيوطي: «أخرج أبو عبيد وأحمد، والطبراني في «الأوسط»، والبيهقي في «شعب الإيمان»، عن أبي واقد الليثي، فقال: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا اوحي إليه أتيناه فعلّمنا ممّا اوحي إليه، قال: فجئت ذات يوم، فقال: إنّ الله يقول: «إنّا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو كان لابن آدم وادياً من ذهب لأحبّ أن يكون إليه الثاني، ولو كان الثاني لأحبّ أن يكون إليهما الثالث، ولا يملأ جوف إبن آدم إلاّ التراب، ويتوب الله على من تاب»(2) .
3 - وقال الحافظ السيوطي أيضأ: «أخرج أبو عبيد وأحمد
__________________
(1) صحيح مسلم 2: 726 | 1050.
(2) الدر المنثور، الإتقان 30: 83.
وأبو يعلى والطبراني، عن زيد بن أرقم، قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضّة لابتغى الثالث، ولا يملأ بطن ابن آدم إلاّ التراب، ويتوب الله على من تاب»(1) .
4 - وقال الحافظ السيوطي: «أخرج أبو عبيد، عن جابر بن عبدالله،
قال: كنا نقرأ «لو أنّ لابن آدم ملء واد مالاً لأحبّ إليه إليه مثله، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ويتوب الله على من تاب»(2) .
5 - وقال الحافظ المذكور أيضاً: «أخرج البزار وابن الضريس، عن بريدة، قال: سمعت النبيصلىاللهعليهوآله يقرأ: «لو أنّ لابن آدم ...»(3) .
6 - وقال أيضاً: «أخرج ابن الأنباري، عن أبي ذر، قال: في قراءة ابيّ بن كعب: «ابن آدم لو اعطي وادياً ...»(4) .
وقال أيضاً: «أخرج أحمد والترمذي والحاكم - وصحّحه - عن اُبيّ بن كعب: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ:( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ) فقرأ فيها: «ولو أنّ ابن آدم سأل وادياً من مال ...»(5) .
وروى هذا الحديث أيضاً إبن الأثير عن الترمذي(6) .
__________________
(1) الدر المنثور أورده باسناده عن ابن عباس 6: 378.
(2) المصدر نفسه.
(3) الدر المنثور 6: 378.
(4) المصدر نفسه.
(5) الدر المنثور 6: 378.
(6) جامع الاصول 2: 500 | 972.
7 - وقال الراغب الأصبهاني في (محاضرات الأبرار) واثبت ابن مسعود في مصحفه: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى معهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ويتوب الله على من تاب».
نكتفي بهذه الأحاديث حول هذه الآية، وصريح الحديث الأول المخرّج في (الصحيح): أنّ أبا موسى كان يحفظ سورة من القرآن الكريم بكاملها فنسيها ما
خلا الآية المذكورة.
وقد علمنا من هذا الأحاديث أنّ الصحابة التالية أسماؤهم يعتقدون بكون الآية من القرآن الكريم، حتى أنّ ابن مسعود أثبتها في مصحفه، وكان اُبيّ بن كعب يقرؤها، وقد ذكر أبو واقد أنّ النبي قد علّمه الآية هذه، وهؤلاء الصحابة هم:
1 - أبو موسى الأشعري.
2 - أبو واقد الليثي.
3 - زيد بن أرقم.
4 - جابر بن عبدالله.
5 - بريدة بن الحصيب.
6 - ابيّ بن كعب.
7 - عبدالله بن مسعود.
وقد نقلنا هذه الأحاديث عن:
1 - مسلم بن الحجّاج صاحب الصحيح.
2 - إبن الأثير صاحب جامع الاصول.
3 - الراغب الأصبهاني صاحب المحاضرات.
4 - الحافظ السيوطي عن جماعة من كبار الحفّاظ ومنهم: -
أ - الحاكم أبو عبدالله النيسابوري صاحب المستدرك.
ب - أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي صاحب المسند.
ج - أحمد بن حنبل صاحب المسند وأحد الأئمة الأربعة.
د - أبو القاسم الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة.
هـ - أبوبكر البيهقي صاحب السّنن الكبرى.
و - أبوبكر البزار صاحب المسند.
ز - أبو عيسى الترمذي صاحب السنن أحد الصحاح الستّة.
روى الحافظ جلال الدين السيوطي عن السور بن مخرمة ما نصّة:
«قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا: «أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة» فأنا لا أجدها؟
قال: اسقطت فيما اسقط من القرآن»(1) .
في هذا الحديث: أنّ اثنين من كبار الصحابة وهما:
1 - عمر بن الخطاب.
2 - عبد الرحمن بن عوف.
كانا يعتقدان: أنّ الآية كانت ممّا انزل من قبل الله تعالى من القرآن الكريم.
ثم إنّ معنى قوله: «اسقطت ...» أنّهما كانا يعتقدان بكونها من القرآن بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآله أيضاً.
__________________
(1) الاتقان 3: 84.
وهي قوله تعالى:( فما استمتعم به منهنّ فآتوهنّ اُجورهنّ ) (1) ، فقد ورد في أحاديث القوم عن بعض الصحابة أنّه كان يقرأ «فما استمتعتم به منهنّ (إلى أجل) ...» وأنّ بعضهم كتبها كذلك في مصحفه، وعن ابن عباس قوله: «والله لأنزلها كذلك» وقد صحّح الحاكم هذا الحديث عنه في «المستدرك» من طرقٍ عديدة(2) .
وفي التفسير الكبير: أنّ ابيّ بن كعب وابن عباس قرءا كذلك، والصحابة ما أنكروا عليها(3) .
وقال الزمخشري: «وعن ابن عباس: هي محكمة - يعني لم تنسخ - وكان يقرأ: فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى، ويروى: أنّه رجع عن ذلك عند موته، وقال: اللّهم إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقولي في الصرف»(4) .
وقال الحافظ ابن حجر في تخريجه: «أمّا رجوعه عن المتعة فرواه الترمذي بسند ضعيف عنه، وأمّا قوله: اللّهمّ إني أتوب إليك من قولي بالمتعة فلم أجده».
وإذا ما لوحظ إلى ذلك ثبوت مشروعية المتعة وعمل المسلمين بها حتى زمن عمر بن الخطاب، حيث نهى عنها وأوعد بالعقاب عليها،
__________________
(1) سورة النساء 4: 2، انظر الدّر المنثور 2: 139 وما بعدها.
(2) المستدرك على الصحيحين 2: 35.
(3) التفسير الكبير 10: 51.
(4) الكشاف 1: 519.
حصل القطع بنزول الآية كذلك كما تفيد الأحاديث المذكورة، وأنّ كلمة «إلى أجل» وقع بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله .
روى الحافظ جلال الدين السيوطي عن حميدة بنت أبي يونس، قالت: «قرأ عليّ أبي - وهو ابن ثمانين سنة - في مصحف عائشة «إنّ الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً - وعلى الذين يصلّون الصفوف الأول -.
قالت: قبل أن يغيّر عثمان المصاحف»(1) .
يفيد الحديث: أنّ هذه الزيادة كانت مثبتة في مصحف عائشة، ولا شك أنّها قد سمعت الآية كذلك من النبيصلىاللهعليهوآله ، وكتبتها في مصحفها كما سمعت، وبقي المصحف إلى زمن عثمان بن عفان يتلوه النّاس ويتداولونه، حتى قام عثمان فغيّر المصاحف وأسقط من الآية هذه الزيادة.
هذا ما يفيده الحديث، وهو يدّل على أنّ عائشة والّذين كانوا يقرأون مصحفها - ومنهم أبو يونس الذي قرأ الآية على ابنته وهو ابن ثمانين سنين كما حدّثتنا هي - كانوا يعتقدون أنّ الزيادة تلك من القرآن الكريم على حقيقته.
أخرج مسلم بن الحجاج في «الصحيح» عن أبي موسى
__________________
(1) الإتقان في علوم القرآن 3: 82.
الأشعري أنّه قال - في الحديث المتقدّم، فيما ذكرناه حول سورة كانوا يشبّهونها بإحدى المسبّحات -: «وكنّا نقرأ سورة كنا تشبّهها بإحدى المسبّحات فنسيتها غير أنّي حفظت منها:
يا أيّها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون - فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة -»(1) .
وهذا حديث صحيح لإخراج مسلم إيّاه في (صحيحه)، هو يفيد أنّ أبا موسى الأشعري كان يحفظ سورة طويلة، وكان يقرؤها، غير أنّه لم يحفظ منها غير الآية، وفيها زيادة: «فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة» وهي غير موجود في المصحف الموجود.
حول آية «ولاية النبيصلىاللهعليهوآله »
1 - قال الحافظ جلال الدين السيوطي: «أخرج الفريابي والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، أنّه كان يقرأ هذه الآية: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم - وهو أب لهم - وأزواجه أمّهاتهم»(2) .
2 - وقال الحافظ السيوطي أيضاً: «أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وإسحاق بن راهويه، وابن المنذر، والبيهقي، عن مجالد، قال: مرّ عمر ابن الخطاب بغلام وهو يقرأ في المصحف: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امّهاتهم - وهو أب لهم -».
فقال: يا غلام حكّها.
__________________
(1) صحيح مسلم 2: 726.
(2) الدر المنثور 5: 183.
فقال: هذا مصحف ابيّ بن كعب.
فذهب إليه فسأله فقال: إنّه كان يلهيني القرآن، ويلهيك الصفق بالأسواق»(1) .
فزيادة «وهو أب لهم» - بحسب هذين الحديثين - كانت من القرآن الكريم في رأي صحابيّين كبيرين هما:
1 - عبد الله بن العباس.
2 - اُبيّ بن كعب.
حتى أنّ عمر لمّا اعترض على ابيّ أجابه بقوله «إنّه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق».
ويفيد الحديث أنّ مصحف ابيّ بن كعب كان متلواً بين الناس معتقدين صحته ومعتمدين عليه، حتى أنّ عمر لما قال للغلام: «حكّها» قال له: «هذا مصحف ابيّ بن كعب».
وقد روى الحافظ السيوطي ذلك عن جماعة من أعيان الحفّاظ وهم:
1 - عبد الرزّاق بن همام الصنعاني.
2 - سعيد بن منصور. صاحب السنن.
3 - إسحاق بن راهويه. شيخ البخاري ومسلم وغيرهما.
4 - الحاكم النيسابوري، صاحب المستدرك.
5 - الفريابي شيخ أحمد والبخاري وغيرهما.
6 - أبو بكر ابن مردويه الأصبهاني.
7 - أبوبكر البيهقي صاحب السنن الكبرى.
__________________
(1) الدرّ المنثور 5: 183.
8 - أبوبكر ابن المنذر الإمام المجتهد.
روى الحافظ جلال الدين السيوطي عن النسائي الحاكم قال: وصحّحة - من طريق ابن أبي إدريس «عن ابيّ بن كعب أنّه كان يقرأ: «إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميّة حميّة الجاهلية - ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام - فأنزل الله سكينته على رسوله» فبلغ ذلك عمر، فاشتدّ عليه، فدعا ناساً من أصحابه - فيهم زيد بن ثابت - فقال:
من يقرأ منكم سورة الفتح؟
فقرأ زيد على قراءتنا اليوم.
فغلّظ له عمر، فقال: إني أتكلّم؟
فقال: تكلّم.
قال: لقد علمت أني كنت أدخل على النبيصلىاللهعليهوآله ويقرؤني وأنت بالباب، فإن أن اقرىء الناس على ما أقرأني أقرأت وإلاّ لم أقرأ حرفاً ما حييت.
قال: بل أقرئ الناس»(1) .
وفي هذا الحديث: أنّ عمر بن الخطاب عندما بلغته قراءة ابيّ اشتدّ عليه ثم أغلظ له أمام ناس من الصحابة، ولكن أبيّاً خصمه بما قال: ومعنى ذلك: أنّ تلك الزيادة قد تعلّمها من النبيصلىاللهعليهوآله ، وهو عندما كان يقرى الناس كان يعتقد بأنّه
__________________
(1) الدر المنثور 6: 79.
يقرؤهم القرآن الكريم كما انزل على النبيصلىاللهعليهوآله .
ولقد كان لاعتقاده الراسخ وجزمه برأيه أثره البالغ في نفس عمر، حتى قال له بعد أن اشتدّ عليه وأغلظ له: «بل أقرئ الناس».
وقد روى الحافظ السيوطي الحديث عن:
1 - النسائي صاحب السنن أحد الصحاح الستّة.
2 - الحاكم صاحب المستدرك على الصحيحين. وذكر أنّ الحاكم صحّح الحديث.
روى الحافظ جلال الدين السيوطي في تفسير قوله تعالى:( كفي الله المؤمنين القتال ) (1) عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر، «عن ابن مسعود: أنّه كان يقرأ الآية هكذا: «كفى الله المؤمنين القتال - بعلي بن أبي طالب -»(2) .
وهذا الحديث صريح في أنّ عبدالله بن مسعود كان يعتقد أنّ اسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام كان ثابتاً في أصل القرآن الكريم، وكذلك في بعض روايات الشيعة، وللآية نظائر كثيرة كما تقدم في (الباب الأول).
وابن مسعود كان من أكثر الصحابة تعلّماً من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وحضوراً عنده، حتى روى أهل السنّة عنهصلىاللهعليهوآله ، في حقه أحاديث كثيرة منها قوله صلّى الله عليه
__________________
(1) سورة الأحزاب: 25.
(2) الدر المنثور 5: 192.
وآله وسلّم: «تمسّكوا بعهد ابن امّ عبد».
ولقد كان مصحفه هو المصحف الوحيد المعتمد لدى امّة كبيرة من المسلمين، وسيأتي أنّ عثمان بن عفان طلب مصحفه فلم يدفعه إليه، فأمر بضربه.
وقد روى الحافظ السيوطي الحديث عن ثلاثة من أئمة الحفاظ وهم:
1 - أبو القاسم ابن عساكر حافظ الشام.
2 - إبن أبي حاتم الرازي.
3 - أبوبكر إبن مردويه الأصبهاني.
1 - ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني: «أنّه روى مسلم بن الحجاج وأحمد ابن حنبل من طريق أبي يونس عن عائشة: إنّها أمرته أن يكتب لها مصحفاً، فلمّا بلغت:( حافظوا على الصلوات ) قال: فأملت عليّ: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى - وصلاة العصر -» قالت: سمعتها من رسول اللهصلىاللهعليهوآله »(1) .
ورواه مالك بن أنس أيضاً(2) .
2 - وروى مالك عن عمرو بن نافع قال: «كتبت مصحفاً لحفصة، فقالت: إذا أتيت هذه الآية فآذنّي، فأملت عليّ: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى - وصلاة العصر -»(3) .
__________________
(1) فتح الباري في شرح البخاري 8: 158.
(2) الموطّأ 1: 138 | 25.
(3) الموطّأ 1: 139 | 26.
ورواه الحافظ السيوطي عن عدّة من الأئمة والحفّاظ(1) .
تفيد هذه الأحاديث: أنّ كلمة «وصلاة العصر» كانت ثابتة في مصحف عائشة وحفصة، ولو لم تكونا معتقدتين أنّها من القرآن حقيقة لما أمرتا بإثباتها، ولا سيمّا حفصة، حيث أمرت الكاتب أمرت الكاتب أن يؤذنها ببلوغه الآية لتملي عليه.
فما هذا الإهتمام البالغ من عائشة وحفصة إلاّ لعلمهما القاطع بأنّ «وصلاة العصر» من الآية حقيقة، وأنّها نزلت من الله سبحانه على النبي الكريمصلىاللهعليهوآله .
ورواة الأحاديث هم أئمة أهل السنّة، أمثال:
1 - عبد الرزاق بن همام الصنعاني.
2 - أحمد بن حنبل صاحب المسند وأحد الأئمة الأربعة.
3 - مالك بن أنس صاحب الموطّأ وأحد الأئمة الأربعة.
4 - البخاري صاحب الصحيح.
5 - مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح.
6 - أبي يعلى الموصلي صاحب المسند.
7 - عبد بن حميد صاحب المسند.
8 - ابن جرير الطبري صاحب التاريخ والتفسير وتهذيب الآثار.
9 - ابن أبي داود صاحب المصاحف.
10 - أبي بكر البيهقي صاحب السنن الكبرى.
11 - النسائي صاحب السنن أحد الصحاح.
12 - الترمذي صاحب السنن أحد الصحاح.
__________________
(1) الدر المنثور 1: 302.
13 - ابن حجر العسقلاني شيخ الاسلام الحافظ على الإطلاق.
14 - جلال الدين السيوطي صاحب المؤلّفات الكثيرة.
أخرج ابن ماجة عن عائشة قالت: «نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها»(1) .
وأخرجه غيره أيضاً.
وظاهره أنّ الآية كانت ممّا يتلا ويقرأ من القرآن حتى وفاتهصلىاللهعليهوآله ، ومقتضى ذلك أن تذكر الآية في القرآن وتحفظ عند جمعه حتى لو فرض نسخ حكمها.
حول آية (يا أيّها الرسول بلّغ ...)
قال الحافظ السيوطي: «أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود، قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله «يا أيّها الرسول بلّغ ما انزل إليك من ربك - إنّ علياً مولى المؤمنين - وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس»(2) .
وهذا موجود في كتب الشيعة من طرفهم، ولقائل أن يقول: لعلّ وجود هذا ونحوه في مصحف ابن مسعود هو السبب في رفض القوم له،
__________________
(1) السنن لابن ماجة 1: 625.
(2) الدرّ المنثور 2: 298.
وإصرارهم على أخذه منه وإعدامه.
أخرج الثعلبي بسنده عن أبي وائل قال: «قرأت في مصحف عبدالله بن مسعود: إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران - وآل محمد - على العالمين»(1) .
وهذا أيضاً ممّا رواه الشيعة في كتبهم بطرقهم.
روى الحافظ جلال الدين السيوطي عن أبي سفيان الكلاعي: «أنّ مسلمة ابن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم: أخبروني بأيتين من القرآن لم تكتبا في المصحف، فلم يخبروه - وعندهم أبو الكنود وسعد بن مالك -.
قال لي مسلمة: «إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ألا أبشروا أنتم المفلحون.
والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم، اولئك لا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون»(2) .
وظاهر هذا الحديث: أنّ مسلمة كان يعتقد بأنّ الآيتين من آيات القرآن الحكيم حقيقة، ولكن سقطتا ولم تكتبا في المصحف.
__________________
(1) تفسير الثعلبي - مخطوط -.
(2) الإتقان في علوم القرآن 3: 84.
ولو لم تكن الآيتان من القرآن العظيم لردّ عليه الحاضرون ذلك، وكان عذراً لهم في عدم إخبارهم إيّاه عن الآيتين أو جهلهم به.
روى الحافظ السيوطي عن عبدالله بن عمر بن الخطاب أنّه قال: «لا
يقولنّ احدكم قد أخذت من القرآن كلّه، وما يدريه ما كلّه؟! قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل: قد أخذت منه ما ظهر»(1) .
وروى الحافظ المذكور أيضاً عن الطبراني عن عمر الخطاب أنّه قال: «القرآن ألف ألف (وسبعة وعشرون آلف) حرف»(2) .
إنّ المستفاد من هذين الحديثين هو: ضياع أضعاف هذا القرآن الموجود بين الناس.
فابن عمر ينهى عن أن يقول قائل: «قد أخذت من القرآن كلّه» موضحاً ذلك بقوله: «قد ذهب منه قرآن كثير» ثم يأمر بأن يقول: «قد أخذت منه ما ظهر» أي: ما بقي.
وأمّا عمر بن خطاب فقد ذكر عدد حروف القرآن الكريم الذي نزل على النبيصلىاللهعليهوآله ، وهاذ العدد أكثر بكثير من عدد حروف القرآن الموجود.
__________________
(1) الإتقان في علوم القرآن 3: 81.
(2) الإتقان في علوم القرآن 1: 242.
أحاديث كيفية جمع القرآن
ثمّ إنّ ممّا يدلّ على النقصان أو يثير شبهات في الأذهان،الأحاديث التي يروونها في كيفيّة جمع القرآن، وهي أيضاً كثيرة في العدد ومعتبرة في السند، وإليك شطراً منها:
1 - السيوطي عن زيد بن ثابت: «قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولم يكن القرآن جمع في شيء»(1) .
2 - البخاري بسنده عن زيد بن ثابت، قال: «أرسل إليّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبوبكر: إنّ عمر أتاني فقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرأن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك رأي عمر، قال زيد، قال أبو بكر: إنّك رجل شابّ عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فتتبع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ماكان اثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القآن قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري
__________________
(1) الإتقان في علوم القرآن 1: 202.
لم أجدها مع أحد غيره:( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم ... ) حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر في حياته، ثم عند حفصة بنت عمر»(1) .
3 - وروى البخاري بسنده عن أنس، قال: «إنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الامة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردّها عليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا المصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف على حفصة، فأرسل إلى كلّ أفق بمصحف ممّا نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق»(2) .
4 - أخرج ابن أبي داود: «إنّ أبا بكر قال لعمر وزيد: أقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه»(3) .
__________________
(1) صحيح البخاري - باب جمع القرآن - 6: 225.
(2) صحيح البخاري 6: 226.
(3) الإتقان في علوم القرآن 1: 205.
5 - أخرج ابن أبي داود: «أنّ عمر سأل من آية من كتاب الله: فقيل:
كانت مع فلان، قتل يوم القيامة، فقال: إنّا لله وأمر بجمع القرآن، فكان أول من جمعه في المصحف»(1) .
6 - أخرج ابن أبي داود بإسناده عن عليعليهالسلام قال: «أعظم الناس في المصاحف أجراً أبو بكر، إنّ أبا بكر أوّل من جمع كتاب الله»(2) .
الشبهات النّاشئة عن هذه الأحاديث
هذه الطائفة من الأحاديث في كيفية جمع القرآن، ومن أراد المزيد فليراجع ابواب جمع القرآن وغيرها من المظان، في الصحاح وغيرها ككنز العمّال والإتقان.
وفي هذه الأحاديث شبهات حول القرآن:
لقد دلّت هذه الأحاديث على أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد قبض ولمّا يجمع القرآن، ففي واحد منها يقول زيد بن ثابت لأبي بكر بعد أن أمره بجمع القرآن: «كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله» وفي آخر يقول: «قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولم يكن القرآن جمع في شيء» وقد تقدّم عن عائشة أنّها قالت بالنسبة إلى بعض الآيات: «كان في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول الله - صلى الله
__________________
(1) الإتقان في علوم القرآن 1: 204.
(2) الإتقان في علوم القرآن 1: 204.
عليه وآله وسلّم - وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها».
وإذا كان القرآن كما تقيد هذه الأحاديث غير مجموع على عهدهصلىاللهعليهوآله على ما هو عليه الآن، وأنّ الصحابة هم الذين تصدّوا الجمعه من بعده، فإنّ من المحتمل قريباً ضياع بعضه هنا وهناك بل صريح بعضها ذلك، وحينئذ يقع الشك في أن يكون هذا القرآن الموجود جمعاً لجميع ما أنزل الله عزّ وجلّ على النبيصلىاللهعليهوآله .
وتفيد طائفة اخرى من أحاديثهم في باب جمع القرآن: أنّ الجمع كان بعد أن قتل عدد كبير من القرّاء في حرب اليمامة(1) . فعمدوا إلى جمعه وتدوينه مخافة أن يفقد القرآن بفقد حفّاظه وقرّائه، كما ذهبت آية منه مع أحدهم كما في الخبر.
وهذا بطبيعة الحال يورث الشك والشبهة في هذا القرآن.
وصريح بعض تلك الأحاديث: أنّهم تصدّوا الجمع القرآن من العسب والرقاع واللخاف(2) ومن صدور الرجال الباقين بعد حرب اليمامة، لكن بشرط أن يشهد شاهدان على أنّ ما يذكره قرآن، ففي الحديث عن زيد: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال» وفيه: «وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان».
__________________
(1) راجع حول حرب اليمامة: حوادث السنة 11 من تاريخ الطبري 3: 281 - 301.
(2) اللخاف: حجارة بيض رقاق، واحدتها لخفة. الصحاح (لخف) 4: 1426.
ومن المتسالم عليه بين المسلمين عدم عصمة الأصحاب(1) ، والعادة تقضي بعدم التمكّن من الإحاطة بجميع ما هم بصدده في هذه الحالة، بل لا أقل من احتمال عدم إمكان إقامة الشاهدين على بعض ما يدّعى سماعه من النبيصلىاللهعليهوآله ، بل قد وقع ذلك بالنسبة إلى بعضهم كعمر في آية الرجم، حيث ذكروا: «أنّ عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنّه كان وحده».
لكن العجيب من زيد ردّ عمر لكونه وحده وقبول ما جاء به أبو خزيمة الأنصاري وحده، فلماذا ردّ عمر وقبل أبا حزيمة؟ وهل كان لأبي خزيمة شأن فوق شأن عمر؟ وهو من الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشّرة بالجنّة عندهم؟!
وإعدام عثمان المصاحف ممّا تواترت به الأخبار بل من ضروريات التأريخ الإسلامي(2) وهذه القضية - بغضّ النظر عن جزئياتها - تفضي إلى الشكّ في هذا القرآن، إذ الإختلاف بينه وبينها قطعي، فما الدليل على صحته دونها؟ ومن أين الوثوق بحصول التواتر لجميع سوره وآياته؟ لا سيمّا وأنّ أصحاب المصاحف تلك كانوا أفضل وأعلم من زيد بن ثابت في علم القرآن، لا سيمّا عبدالله بن مسعود الذي أخرج البخاري عنه أنّه قال: «والله لقد أخذت من فيّ رسول الله
__________________
(1) بل فيهم من ثبت فسفه ونفاقه وسنتكلّم بعض الشيء حول عدالة الصحابة في الفصل الخامس.
(2) جاء في بعض الأخبار أنّه أمر بطبخها، وفي بعضها: أمر بإحراقها، وفي بعضها: أمر بمحوها.
صلىاللهعليهوآله بضعاً وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله بضعاً وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله أنّي أعلمهم بكتاب الله» وروى أبو نعيم بترجمته أنّه قال: «أخذت من فيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله سبعين سورة وإنّ زيد بن ثابت لصبي من الصبيان، وأنا أدع ما أخذت من فيّ رسول الله؟!»(1) .
كلمات الصحابة والتابعين
في وقوع الحذف والتغيير والخطأ في القرآن المبين
ويظهر من خلال الأخبار والآثار كثرة تكلّم الصحابة والتابعين في جمع عثمان المصاحف، فمنهم من طعن في زيد بن ثابت الذي باشر الأمر بأمر عثمان، ومنهم من طعن في كيفيّة الجمع، ومنهم من كان يفضّل مصحف غيره من الصحابة تفضيلاً لأصحابها على عثمان في علم القرآن.
لقد كثر التكلّم والقول فيه حتى انبرى أمير المؤمنينعليهالسلام - فيما يروون - ليدافع عن عثمان ومصحفه. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «وقد جاء عن عثمان أنّه إنّما فعل ذلك بعد أن استشار الصحابة، فأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة قال: قال علي: لا تقولوا في عثمان إلاّ خيراً، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلاّ عن ملأٍ منّا، قال: ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني أنّ بعضهم يقول: إنّ قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد يكون كفراً، فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا
__________________
(1) حلية الأولياء 1: 125.
يكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت»(1) .
وكذلك العلماء والمحدّثون في كتبهم، حتى ألّف بعضهم كتاب «الردّ على من خالف مصحف عثمان»(2) .
فعن ابن عمر أنّه قال: «... ما يدريه ما كلّه؟ قد ذهب منه قرآن كثير»(3) .
وعن عبدالله بن مسعود: «أنّه كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف»(4) .
وعنه: «لو ملكت كما ملكوا لصنعت بمصحفهم مثل الذي صنعوا بمصحفي»(5) .
وعن ابن عباس في قوله تعالى:( حتى تستأنسوا وتسلّموا ) (6) : «إنّما هي خطأ من الكاتب، حتى تستأذنوا وتسلّموا»(7) .
وعنه في قوله تعالى:( أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله ... ) (8) : «أظنّ الكاتب كتبها وهو ناعس»(9) .
وعنه في قوله تعالى:( وقضى ربك ... ) (10) : «إلتزقت الواو
__________________
(1) فتح الباري 9: 15.
(2) لابن الانباري كتاب بهذا الإسم.
(3) الدّر المنثور، الاتقان 2: 41.
(4) فتح الباري 9: 16.
(5) محاضرات الراغب.
(6) سورة النور: 27.
(7) الإتقان في علوم القرآن 1: 316.
(8) سورة الرعد: 31.
(9) الإتقان في علوم القرآن 1: 316.
(10) سورة الإسراء 18: 23.
بالصاد وأنتم تقرأونها: وقضى ربك ...»(1) .
وعنه في قوله تعالى:( ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء ... ) (2) : «خذوا هذا الواو واجعلوها هاهنا:( والذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم ... ) (3) .
وعن عائشة بعد ذكر آية: «قبل أن يغيّر عثمان المصاحف»(4) .
وعنها في قوله تعالى:( إنّ هذان لساحران ) وقوله:( إنّ الذين آمنوا والصّابئون ... ) قالت: «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين»(5) .
وعنها في قوله تعالى:( والذين يؤتون ما آتوا ... ) (6) : «كذلك انزلت ولكن الهجاء حرّف»(7) .
وعنها وعن أبان بن عثمان في قوله تعالى:( والمقيمين الصلاة ) (8) : «هو غلط من الكاتب»(9) .
__________________
(1) الإتقان في علوم القرآن.
(2) سورة الأنبياء 21: 48.
(3) الإتقان في علوم القرآن.
(4) الإتقان في علوم القرآن 3: 182.
(5) الإتقان في علوم القرآن.
(6) سورة المؤمنون 23: 60.
(7) الإتقان في علوم القرآن.
(8) سورة النساء 4: 162.
(9) معالم التنزيل.
وعن مجاهد والربيع في قوله تعالى:( وإذا أخذ الله ميثاق النبيين ... ) (1) : «هي خطأ من الكاتب» قال الحافظ السيوطي: «أخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله تعالى:( وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لما آتيتكم من كتاب رحمة ) قال: هي خطأ من الكتاب وهي قراءة ابن مسعود: ميثاق الذين اوتوا الكتاب، وأخرج ابن جرير عن الربيع أنّه قرأ: وأذ أخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب. قال: وكذلك كان يقرؤها اُبيّ بن كعب»(2) .
وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى:( والمقيمين الصّلاة ) : «هو لحن من الكاتب»(3) .
وقال الفخر الرازي في قوله تعالى:( إنّ هذان لساحران ) (4) : «القراءة المشهورة( إنّ هذان لساحران ) ، ومنهم من ترك هذه القراءة وذكروا وجوهاً، أحدها: قرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر: إنّ هذين لساحران. قالوا: وهي قراءة عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن جبير والحسن، وروي عن عثمان أنّه نظر في المصحف، فقال: أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها»(5) .
فالعجيب جداً طعن عثمان نفسه في هذا المصحف.
وفي رواية البغوي قال عثمان: «إنّ في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له: ألا تغيّره! فقال: دعوه فإنّه لا يحلّ حراماً
__________________
(1) سورة آل عمران 3: 81.
(2) الدر المنثور 2: 47.
(3) الإتقان في علوم القرآن.
(4) سورة طه: 63.
(5) التفسير الكبير 22: 74.
ولا يحرّم حلالاً»(1) .
وفي الإتقان عن عثمان أنّه قال: «لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف»(2) .
__________________
(1) معالم التنزيل.
(2) الإتقان في علوم القرآن.
الفصل الثاني
الرواة لأحاديث التحريف من أهل السنّة
ولقد روى أحاديث التحريف من أهل السنّة أكثر علمائهم، من محدّثين ومفسّرين وفقهاء واصوليّين ومتكلّمين ونحن نكتفي بذكر من أوردنا الأحاديث السابقة عنه مباشرة أو بواسطة مع موجز تراجمهم(1) :
1 - مالك بن أنس؛ أحد الأئمّة الأربعة، روى عنه الشافعي وخلائق جمعهم الخطيب في مجلّد، وهو شيخ الائمة وإمام دار الهجرة عندهم. (179).
2 - عبد الرزاق بن همام الصنعاني: أحد الأعلام، روى عنه أحمد وجماعة. (211).
__________________
(1) استخرجناها من كتاب «طبقات الحفاظ» للحافظ السيوطي، وكتاب «طبقات المفسّرين» لتلميذه الداودي، وقد أعطى محقّق الكتابين في الهامش مصادر اخرى لكل ترجمة.
3 - الفريابي، محمد بن يوسف بن واقد؛ أحد الأئمة، روى عنه أحمد والبخاري. (212).
4 - أبو عبيد، القاسم بن سلاّم؛ أحد الأعلام، وثّقه أبو داود وابن معين وأحمد وغير واحد. (224).
5 - الطيالسي، أبو الوليد هشام بن عبد الملك الباهلي؛ أحد الأعلام، روى عنه أحمد والبخاري وأبو داود، قال أحمد: «هو شيخ الإسلام اليوم، ما أقدّم عليه أحداً من المحدّثين». (227).
6 - سعيد بن منصور؛ الحافظ، أحد الأعلام، روى عنه أحمد ومسلم وأبو داود، قال أحمد: «من أهل الفضل والصدق»، وقال أبو حاتم: «من المتقنين الأثبات، ممّن جمع وصنّف». (227).
7 - ابن أبي شيبة، أبو بكر عبدالله بن محمد؛ روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما. (235).
8 - أحمد بن حنبل؛ صاحب «المسند»، أحد الأئمة الأربعة، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. (238).
9 - إبن راهويه، إسحاق بن إبراهيم؛ أحد أئمة المسلمين وعلماء الدين، إجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصّدق والورع والزّهد، روى عنه الجماعة سوى ابن ماجة. (238).
10 - إبن منيع، أحمد بن منيع البغوي؛ روى عنه مسلم والجماعة. (244).
11 - ابن الضريس، الحافظ أبو عبد الله محمد بن أيوب؛ وثّقه ابن أبي حاتم والخليلي. (249).
12 - البخاري، محمد بن إسماعيل؛ صاحب الصحيح، روى عنه مسلم والترمذي. (256).
13 - مسلم بن الحجّاج النيسابوري؛ صاحب الصحيح، روي عنه أنّه قال: «صنّفت هذا السند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة». (261).
14 - الترمذي، محمد بن عيسى؛ صاحب «الجامع الصحيح»، كان أحد الأئمة الّذين يقتدى بهم - عندهم - في علم الحديث. (279).
15 - إبن ماجة القزويني، أبو عبدالله محمد بن يزيد؛ صاحب السنن، قال الخليلي: «ثقة كبير، متّفق عليه، محتجّ به». (283).
16 - عبدالله بن أحمد بن حنبل؛ الحافظ ابن الحافظ، قال الخطيب: «كان ثقة ثبتاً فهماً». (290).
17 - البزّار، أبوبكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري؛ الحافظ العلاّمة الشهير. (292).
18 - النسائي، أحمد بن شعيب، الإمام، الحافظ، شيخ الإسلام، أحد الأئمة المبرزين والحفّاظ المتقنين والأعلام المشهورين. قال الحاكم: «كان النسائي أفقه مشايخ مصرفي عصره» وقال الذهبي: «هو أحفظ من مسلم بن الحجاج». (303).
19 - أبو يعلى، أحمد بن علي الموصلي؛ الحافظ الثقة محدّث الجزيرة، قال الحاكم: «كنت رأى أبا علي الحافظ معجباً بأبي يعلى وإتقانه وحفظه لحديثه». (307).
20 - الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير؛ قال الخطيب: «كان أحد الأئمة يحكم بقوله ويرجع إليه». (310).
21 - ابن المنذر، أبو بكر محمد بن إبراهيم؛ الحافظ العلاّمة الثقة الأوحد، كان غاية في معرفة الإختلاف والدليل مجتهداً لا يقلّد أحداً. (318).
22 - إبن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي؛ الإمام الحافظ الناقد شيخ الإسلام، قال الخليلي: «أخذ علم أبيه وأبي زرعة، وكان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال، ثقة حافظاً زاهداً، يعدّ من الأبدل». (327).
23 - ابن الأنباري، أبو بكر محمد بن القاسم المقرئ النحوي اللغوي؛ وكان صدوقاً فاضلاً ديّناً من أهل السنّة، وكان يحفظ مائة وعشرين تفسيراً بأسانيدها. (228).
24 - ابن أشته، محمد بن عبدالله اللوذري أبوبكر الأصبهاني؛ استاذ كبير وإمام شهير ونحوي محقّق، ثقة، قال الدّاني: «ضابط مشهور مأمون ثقة، عالم بالعربية، بصير المعاني، حسن التصنيف». (360).
25 - الطبراني: سليمان بن أحمد؛ الإمام العلاّمة الحجّة، بقيّة الحفّاظ، مسند الدنيا، وأحد فرسان هذا الشأن. (360).
26 - أبو الشيخ، عبدالله بن محمد بن جعفر بن حيان؛ الإمام الحفاظ، مسند زمانه، وكان مع سعة علمه وغزارة حفظه صالحاً خيّراً، قانتاً لله صدوقاً، قال ابن مردويه: «ثقة مأمون»، وقال الخطيب: «كان حافظاً ثبتاً متقناً»، وقال أبو نعيم: «أحد الأعلام». (369).
27 - الدار قطني، أبو الحسن علي بن عمر؛ الإمام شيخ الإسلام، حافظ الزمان، حدّث عنه الحاكم وقال: «أوحد عصره في الفهم والحفظ والورع، إمام في القرّاء والمحدّثين، لم يخلف على أديم الأرض مثله»، وقال القاضي أبو الطيّب: «الدار قطني أمير المؤمنين في الحديث». (385).
28 - الراغب الأصفهاني، أبو القاسم المفضّل بن محمد؛ صاحب المصنّفات، ذكر الفخر الرازي أنّه من أئمّة السنّة وقرنه بالغزالي، وكان
في أوائل المائة الخامسة.
29 - الحاكم النيسابوري، أبو عبدالله محمد بن عبدالله؛ الحافظ الكبير، إمام المحدّثين في عصره في الحديث والعارف به حق معرفته، وكان صالحاً ثقة يميل إلى التشيّع. (405).
30 - ابن مردويه، أبوبكر أحمد بن موسى الأصبهاني، الحافظ الكبير العلاّمة، كان فهماً بهذا الشأن، بصيراً بالرجال، طويل الباع، مليح التصانيف. (410).
31 - البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين؛ الإمام الحافظ العلاّمة، شيخ خراسان، إنفرد بالإتقان والضبط والحفظ، وعمل كتباً لم يسبق إليها وبورك له في علمه. (458).
32 - ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسن؛ الإمام الكبير حافظ الشام بل حافظ الدنيا، الثقة الثبت الحجّة، سمع منه الكبار، وكان من كبار الحفّاظ المتقنين. (571).
33 - ابن الأثير، المبارك محمد بن محمد؛ من مشاهير العلماء وأكابر النبلاء وأوحد الفضلاء (606).
34 - الضياء المقدسي، أبو عبدالله محمّد بن عبدالواحد؛ الإمام العالم الحافظ الحجّة، محدّث الشام شيخ السنّة، رحل وصنّف، وصحّح وليّن، وجرّح وعدّل، وكان المرجوع إليه في الشأن، جبلاً ثقة ديّناً زاهداً ورعاً. (643).
35 - القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري؛ مصنّف التفسير المشهور الذي سارت به الركبان، كان من عباد الله الصالحين والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا، قال الذهبي: «إمام متقن متبحّر في العلم، له تصانيف مفيدة تدلّ على إمامته وكثيرة اطّلاعه ووفور
فضله». (671).
36 - إبن كثير، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر؛ الإمام المحدّث الحافظ، وصفه الذهبي بالإمام المفتي المحدّث البارع، ثقة متفنّن محدّث متقن. (774).
37 - إبن حجر العسقلاني، أحمد بن علي المصري؛ شيخ الإسلام، وإمام الحفّاظ في زمانه، وحافظ الديار المصرية، بل حافظ الدنيا مطلقاً، قاضي القضاة، صنّف التصانيف التي عمّ النفع بها. (852).
38 - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر؛ الحافظ الشهير صاحب المؤلفات الكثيرة في العلوم المختلفة، أثنى عليه مترجموه كالشوكاني في (البدر الطالع) والسخاوي في (الضوء اللامع) وابن العماد في (شذرات الذهب) وغيرهم. (911).
39 - المتّقي، نور الدين علي بن حسام الهندي؛ كان فقيهاً محدّثاً صاحب مؤلفات، أشهرها: كنز العمّال، أثنى عليه ابن العماد في (شذرات الذهب) والعيدروسي في (النور السافر في أعيان القرن العاشر). (975).
40 - الآلوسي، شهاب الدين محمود بن عبدالله البغدادي؛ المفسّر المحدّث الفقيه اللغوي النحوي، صاحب «روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني». وغيره من المؤلفات (1270).
هؤلاء جملة ممّن روى أحاديث التحريف
فهل تجوز نسبة القول بالتحريف إليهم جميعاً؟
لقد علم ممّا سبق في غضون الكتاب: أنّ مجرّد رواية الحديث وثقله لا يكون دليلاً على التزام الناقل والراوي بمضمونه، وعلى هذا الأساس لا يمكننا أن ننسب إليهم هذا القول الباطل
نعم، فيهم جماعة التزموا بنقل الصحاح، فلم يخرجوا في كتبهم إلاّ ما قطعوا بصدوره من النبيصلىاللهعليهوآله وصحابته، حسب شروطهم التي اشترطوها في الراوي والرواية، فهم - وكل من تبعهم في الإعتقاد بصحّة جميع أخبار كتبهم - ملزمون بظواهر ما أخرجوا فيها من أحاديث التحريف، مالم يذكروا لها محملاً وجيهاً أو تأويلاً مقبولاً
وممّن التزم بنقل الصحاح من هؤلاء:
لقد اشترط مالك في كتابه (المؤطّأ) الصحّة، ولذلك استشكل بعض الأئمة إطلاق أصحيّة كتاب البخاري مع اشترك البخاري ومالك في اشتراط الصحّة والمبالغة في التحرّي والتثبّت(1) .
وقال الشافعي: «ما أعلم في الأرض كتاباً في العلم أكثر صواباً من كتاب مالك»(2) .
__________________
(1) هدى الساري 1: 21.
(2) مقدّمة ابن الصلاح: 14 وغيره.
وقال الحافظ مغلطاي: «أول من صنّف الصحيح مالك»(1) .
وقال الحافظ ابن حجر: «كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلّده على ما اقتضاء نظره من الإحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما»(2) .
قال أحمد في وصف مسنده:
«إنّ هذا كتاب قد جمعته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله فارجعوا إليه، فإن كان فيه وإلاّ ليس بحجّة»(3) .
وعنه: إنّ شرط في مسنده الصحيح(4) .
وقال السبكي: «ألّف مسنده وهو أصل من اصول هذه الامّة»(5) .
وقال الحافظ المديني: هذا الكتاب أصل الكبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتقي من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجعل إماماً ومعتمداً وعند التنازع ملجأ ومستنداً»(6) .
هذا وقد ألّف الحافظ ابن حجر كتاباً في شأن «المسند»
__________________
(1) تنوير الحوالك: 8.
(2) تنوير الحوالك: 8.
(3) تدريب الراوي 1: 172 وغيره.
(4) تدريب الراوي وغيره.
(5) طبقات الشافعية، ترجمة أحمد.
(6) طبقات الشافعية. ترجمة أحمد.
سماّه «القول المسدّد في الذبّ عن المسند» ردّ به على قول من قال بوجود أحاديث ضعيفة في مسند أحمد.
وقد أتمّه الحافظ السيوطي بذيل سماّه «الذيل الممهّد»(1) .
وقد شرط البخاري في كتابه: أن يخرج الحديث المتّفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متّصلاً غير مقطوع، وإن كان للصحابي راويان فصاعداً فحسن، وإن لم يكن إلاّ راو واحد وصحّ الطريق إليه كفى(2) .
وعن البخاري أنّه قال: «ما وضعت في كتاب الصحيح حديثاً إلاّ اغتسلت قبل ذلك وصلّيت ركعتين»(3) .
وعنه أيضاً: «صنّفت كتابي الصحيح في المسجد الحرام وما أدخلت فيه حديثاً حتّى استخرت الله تعالى وصلّيت ركعتين وتيقّنت صحّته»(4) .
وعنه: «صنّفت الجامع من ستمائة ألف حديث في ستّ عشرة سنة وجعلته حجّة فيما بيني وبين الله»(5) .
وعنه أيضاً: «رأيت النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وكأنّني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذبّ بها عنه، فسألت بعض
__________________
(1) تدريب الراوي 1: 172.
(2) هدى الساري: 2: 261.
(3) هدى الساري 2: 261.
(4) هدى الساري 2: 261.
(5) هدى الساري 2: 261.
المعبّرين فقال لي: أنت تذبّ عنه الكذب.
فهذا الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح»(1) .
وعنه أنّه قال: «لم اخرج في هذا الكتاب إلاّ صحيحاً وما تركت من الصحيح أكثر ...»(2) .
وقال الحافظ ابن حجر:
«تقرّر أنّه التزم فيه الصحّة، وأنّه لا يورد فيه إلاّ حديثاً صحيحاً، هاذ أصل موضوعه، وهو مستفاد من تسميته إيّاه الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وأيّامه، وممّا نقلناه عنه من رواية الأئمة عنه صريحاً ...»(3) .
وقال ابن الصلاح: «أول من صنّف في الصحيح: البخاري أبو عبدالله محمد بن إسماعيل، وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجّاج القشيري، ومسلم مع أنّه أخذ عن البخاري واستفاد منه فإنّه يشارك البخاري في كثير من شيوخه، وكتاباهما أصحّ الكتب بعد كتاب الله العزيز ثمّ إنّ كتاب البخاري أصحّ الكتابين صحيحاً وأكثرهما فوائد ...»(4) .
وقد نقل هذا الحافظ ابن حجر وأثبت اصحيّة كتاب البخاري من كتاب مسلم، وذكر أنّ هذا ممّا اتّفق عليه العلماء، واستشهد بكلمات الأئمّة على ذلك(5) .
__________________
(1) هدى الساري 1: 18.
(2) هدى الساري 1: 18.
(3) هدى الساري 1: 19.
(4) مقدّمة ابن الصلاح: 13 - 14.
(5) هدى الساري 1: 21.
وكذا الحافظ النووي في التقريب، ووافقه الحافظ السيوطي في شرحه وقال: «وعليه الجمهور، لأنّه أشدّ اتصالاً وأتقن رجالاً ...»(1) .
وقال مسلم: «ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنّما وضعت ما أجمعوا عليه»(2) .
وقال: «لو أنّ أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديث فمدارهم على هذا المسند - يعني صحيحة -»(3) .
وقال أيضاً: «عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي فكلّ ما أشار أنّ له علّة تركته، وكلّ قال أنّه صحيح وليس له علّة أخرجته»(4) .
وقال: «صنّفت هذا السند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة»(5) .
هذا، وقد قالوا: إنّ أصحّ الكتب بعد القرآن الكريم الصحيحان، ثمّ اختلفوا في أنّ أيّهما أفضل وأصحّ، فذهب جمهورهم إلى أنّ البخاري أصحّ، وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: ما تحت أديم السماء
__________________
(1) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي 1: 88 - 91.
(2) مقدّمة ابن الصلاح: 16، تدريب الراوي 1: 98.
(3) المنهاج في شرح مسلم 1: 22 هامش إرشاد الساري.
(4) المصدر نفسه.
(5) المنهاج في شرح مسلم 1: 22 هامش إرشاد الساري.
كتاب أصحّ من كتاب مسلم، وتبعه بعض شيوخ المغرب(1) .
قال الترمذي: «صنّفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به.
ومن كان بيته هذا الكتاب فكأنّما في بيته نبي يتكلّم»(2) .
وقال في كتاب العلل الذي في آخر جامعه:
«جميع ما في هذا الكتاب - يعني جامعه - من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم ما خلا حديثين: حديث عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنه: إنّ النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر ولا سفر، وحديث النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أنّه قال: من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه.
قال: وقد بيّنّا علّة الحديثين جميعاً في الكتاب».
قال المباركفوري: «قلت: قد تعقّب الملاّ معين في كتابه (دراسات اللبيب) على كلام الترمذي هذا، وقد أثبت أنّ هذين الحديثين كليهما معمول به، والحقّ مع الملاّ معين عندي والله تعالى
__________________
(1) تدريب الراوي 1: 93 وغيره.
(2) تذكرة الحفّاظ - ترجمته.
أعلم»(1) .
هذا، وقد جاء في مقدّمة تحفة الأحوذي فصل «في بيان أنّه ليس في جامع الترمذي حديث موضوع»(2) .
وجامع الترمذي من الكتب الستّة الصحاح عند أهل السنّة بلا خلاف بينهم، غير أنّهم اختلفوا في رتبته هل هو بعد الصحيحين أو بعد سنن أبي داود أبو بعد سنن النسائي؟(3) .
وكتاب النسائي أحد الصحاح الستّة بلا خلاف.
قالوا: وقد صنّف النسائي في أول أمره كتاباً يقال له: «السنن الكبير» ثمّ اختصره وسماّه «المجتبى» وسبب اختصاره: أنّ أحداً من أمراء زمانه سأله أنّ جميع أحاديث كتابك صحيح؟
قال: لا.
فأمره الأمير بتجريد الصحاح وكتابة صحيح مجرّد.
فانتخب منه «المجتنى» وأسقط منه كل حديث تكلّم في إسناده(4) .
فإذا أطلق المحدّثون بقولهم: رواه النسائي، فمرادهم هذا المختصر المسمّى بالمجتنى لا السنن الكبير(5) .
__________________
(1) مقدّمة تحفة الاحوذي: 367.
(2) مقدّمة تحفة الاحوذي: 365 - 367.
(3) مقدّمة تحفة الاحوذي: 364.
(4) جامع الاصول 1: 66 وغيره.
(5) مقدّمة تحفة الاحوذي: 131.
وعن الحاكم وأبي علي الحافظ والخطيب: للنسائي شرط في الرجال أشدّ من شرط مسلم(1) .
قال ابن ماجة: عرضت هذه السنن على أبي زرعة فنظر فيه وقال: أظنّ إن وقع هذا في أيدي الناس تعطّلت هذا الجوامع أو أكثرها ...»(2) .
وقال المباركفوري: «وأمّا سنن ابن ماجة فهو سادس الصحاح الستّة ...»(3) .
وفي كشف الظنون: «إنّه سادس الصحاح الستّة عند بعض الأئمة»(4) .
قلت: وممّن بذلك الحافظان ابن طاهر وعبد الغني المقدسيان.
وألّف أبو عبدالله الحاكم النيسابوري كتاب «المستدرك على الصحيحين»، ذكر فيه ما فات البخاري ومسلماً ممّا على شرطهما أو شرط أحدهما أو هو صحيح(5) .
__________________
(1) مقدّمة تحفة الاحوذي: 131.
(2) تذكرة الحفّاظ 2: 636.
(3) مقدّمة تحفة الاحوذي: 134.
(4) كشف الظنون: 1004.
(5) فيض القدير في شرح الجامع الصغير 1: 26.
فالمستدرك من الكتب التي التزم فيها بالصحّة، ولذا يعبّر عنه بالصحيح المستدرك(1) .
ولقد أثنى على الجاكم كلّ من جاء بعده من الحفّاظ، ونسبه بعضهم إلى التشيّع وقالوا: إنّه قد تساهل في ما استدر على شكرط الصحيح.
قلت: لا يبعد أن يكون من أسباب رميه بالتشيّع والتساهل إخراجه أحاديث في فضل أمير المؤمنينعليهالسلام ، بل قد صرّح بذلك الخطيب(2) .
وقد التزم أبو جعفر محمد بن جرير الطبّري الصحّة في كتابه (تهذيب الآثار) الّذي أورد فيه بعض الأحاديث المذكورة كما أورد منها في (تفسيره) ...
وقد التزم الحافظ الضياء المقدسي الصحّة في كتابه «المختارة».
قال الحافظ العراقي: «وممّن صحّح أيضاً من المتأخّرين الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي، فجمع كتاباً سماّه (المختارة)
__________________
(1) تدريب الراوي 1: 108، مقدّمة تحفة الاحوذي: 155.
(2) مقدّمة تحفة الاحوذي: 156.
التزم فيه الصحّة ...»(1) .
وقال الحافظ السيوطي: «ومنهم الحافظ ضياء الدين محمد بن عبدالواحد المقدسي، فجمع كتاباً سماّه (المختارة) التزم فيه الصحّه وذكر فيه أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها»(2) .
وفي «كشف الظنون» بعد أن صرّح بما تقدّم: «قال ابن كثير: وهذا الكتاب لم يتمّ، وكان بعض الحفّاظ من مشايخنا يرجّحه على مستدرك الحاكم»(3) .
هذا، وقد أثنى عليه كل من ترجم له، قال الحافظ الذهبي ما ملخّصه: «الإمام العالم الحافظ الحجّة، محدّث الشام، شيخ السنّة، صاحب التصانيف النافعة، نسخ وصنّف، وصحّح وليّن، وجرّح وعدّل، وكان المرجع إليه في هذا الشأن، قال تلميذه عمر بن الحاجب: شيخنا أبو عبدالله شيخ وقته ونسيج وحده علماً وحفظاً وثقة وديناً، من العلماء الربّانيّين، وهو أكبر من أن يدلّ عليه مثلي.
رأيت جماعة من المحدّثين ذكروه فأطنبوا في حقّه ومدحوه بالحفظ والزهد.
سألت الزكيّ البرزالي عنه فقال: ثقة، جبل، حافظ، ديّن.
قال ابن النجّار: حافظ متقن حجّة، عالم بالرجال، ورع تقي.
وقال الشرف ابن النابلسي: ما رأيت مثل شيخنا الضياء»(4) .
__________________
(1) التقييد والإيضاح لما اطلق أو اغلق من كتاب ابن الصلاح.
(2) تدريب الراوي 1: 144.
(3) كشف الظنون.
(4) تذكرة الحفّاظ: 4: 1406.
الفصل الثالث
الأقوال والآراء في أهل السنّة
حول التحريف وأحاديثه
لقد تقدّم ذكر الأحاديث الدالّة على التحريف وعرفت من خلال ذلك أنّ القول بنقصان القرآن مضاف إلى جماعة كبيرة من صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعلى راسهم:
عمر بن الخطّاب، عثمان بن عفّان، عبدالله بن العبّاس، عبدالله بن عمر، عبدالرحمن بن عوف، اُبيّ بن كعب، عبدالله بن مسعود، زيد بن ثابت، أبو موسى الأشعري، خديفة بن اليمان، جابر بن عبدالله، زيد بن أرقم، عائشة بنت أبي بكر، حفصة بنت عمر
ومن مشاهير التابعين وعلى رأسهم:
سعيد بن جبير، عكرمة، الضحّاك، سعيد بن المسّيب، عروة بن الزبير، محمد بن مسلم الزهري، زرّ بن حبيش، مجاهد، الحسن البصري
وعرفت أنّ تلك الاحاديث مخرجة في أهمّ كتب أهل السنّة
وأسفارهم، ومن أشهرها:
الموطّأ، صحيح البخاري، صحيح مسلم، صحيح الترمذي، صحيح النسائي، صحيح ابن ماجة، المصنّف لابن أبي شيبة، المسند لأحمد، المستدرك للحاكم، الجوامع الثلاثة للطبراني، المسند لأبي يعلى، السنن للبيهقي، جامع الاصول، فتح الباري، إرشاد الساري، المصاحف لابن الأنباري، الدرّ المنثور، كنز العمّال، تاريخ دمشق، تفسير الطبري، تفسير الرازي، تفسير القرطبي، تفسير البغوي، تفسير الخازن، الكشّاف، البحر المحيط تفسير ابن كثير، مشكل الآثار، التسهيل لعلوم التنزيل، البرهان في علوم القرآن، مناهل العرفان في علوم القرآن، الإتقان في علوم القرآن، وغيرها من الكتب في الحديث والفقه والتفسير ...
أمّا علماء الشيعة فإنّ موقفهم من هذه الأحاديث والآثار المنقولة عن الصحابة نفس الموقف الذي اتّخذوه تجاه الأحاديث المرويّة في كتبهم أنفسهم فإنّهم بعدما قالوا بعدم تحريف القرآن - للأدلّة القائمة عليه كتاباً وسنّة وإجماعاً - حملوا ما أمكن حمله من أحاديثهم المعتبرة سنداً على بعض الوجوه، وطرحوا كل خبر غير معتبر سنداً أو غير قابل للتأويل كما عرفت في (الباب الأول) بالتفصيل.
وهذا هو النهج الذي ينبغي اتّباعه بالنسبة إلى أحاديث التحريف في كتب أهل السنّة وبه يتمّ الجمع بين الإعتقاد بعدم التحريف والإعتقاد بصحّة أخبار الصحيحين وغيرهما على اصول أهل السنّة
إنّ التأويل إمّا الحمل على التفسير، وإمّا الحمل على اختلاف القراءة، وإمّا الحمل على نسخ التلاوة. لكنّ التأويل على الوجهين الأوّلين لا يتمّ إلاّ بالنسبة إلى قليل جدّاً من الأحاديث، والحمل على نسخ التلاوة غير تامّ صغروياً وكبروياً، كما ستعرف في «الفصل الرابع».
فلا مناص من الردّ والتكذيب ولا مانع، إلاّ ما اشتهر بينهم من عدالة جميع الصحابة وصحّة أخبار الصحيحين وأمثالها لكنّ هذين المشهورين لا أصل لهما كما ستعرف في «الفصل الخامس».
هذه خلاصة الطريقة الصحيحة لعلاج هذه الأحاديث، وعليها المحقّقون من أهل السنّة، كما سيظهر في هذا الفصل والفصلين اللاحقين.
وأمّا أهل السنّة فالرواة لهذه الأحاديث منهم من يلتزم بصحّتها كأصحاب الصحاح الستّة وأمثالهم من أرباب الكتب المشهورة والمسانيد، ومنهم من لا ندري رأيه فيها كما لا ندري أنّ القائلين بالحصّة يحملون تلك الآيات المحكيّة في هذه الأحاديث على النسخ، أو يقولون بالتحريف تبعاً لمن قال به من الصحابة والتابعين
وفي المقابل طائفتان من المحدّثين والعلماء؛ طائفة تقول بالتحريف صراحة، أخذاً بالأحاديث الظاهرة فيه، واقتداءاً بالصحابة المصرّحين به، وطائفة تقول ببطلان الأحاديث وتردّها الردّ القاطع
فأهل السنّة بالنسبة إلى أحاديث التحريف على ثلاثة طوائف:
وهم المحدّثون والعلماء الّذين يروون أحاديث التحريف وينقلونها في كتبهم الحديثية وغيرها، ولا سبيل لنا إلى الوقوف على آرائهم في تلك الأحاديث، فهل يقولون بصحّتها أولا؟ وعلى الأول هل يحملونها على النسخ؟ أو يقولون بالتحريف حقيقة؟
وهؤلاء كثيرون، بل هم أكثر رجال الحديث والمحدّثين والعلماء الرواة والناقلين لهذه الأحاديث ...
وهم الّذين أوردوا الأحاديث والآثار الظاهرة أو الصريحة في نقصان القرآن من غير جواب أو تأويل، وهؤلاء عدّة من العلماء وليس عددهم بقليل
فمثلاً:
يقول ابن جزي الكلبي في تفسيره: «والصابئون. قراءة السبعة بالواو، وهي مشكلة، حتى قالت عائشة: هي من لحن كتاب المصحف»(1) .
- «والمقيمين» منصوب على المدح بإضمار فعل، وهو جائز كثيراً
__________________
(1) التسهيل لعلوم التنزيل 1: 173 وابن جزي الكلبي المالكي وصفه الداودي في طبقات المفسرين 1: 101 بقوله: كان شيخاً جليلاً ورعاً زاهداً عابداً متقلّلاً من الدنيا وكان فقيهاً مفسّراً وله تفسير القرآن العزيز، توفّي في حدود العشرين وستمّائة.
في الكلام، وقالت عائشة: هو من لحن كتّاب المصحف، وفي مصحف ابن مسعود: (والمقيمون) على الأصل»(1) .
- «إنّ هذان لساحران» قرىء: إنّ هذين، بالياء، ولا إشكال في ذلك وقالت عائشة رضي الله عنها: هذا ممّا لحن فيه كتاب المصحف»(2) .
ويقول الخطيب الشربيني في تفسيره:
«وحكي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - وأبان بن عثمان: أنّ ذلك غلط من الكتاب، ينبغي أن يكتب «والمقيمون الصلاة». وكذلك قوله في سورة المائدة:( إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والصابئون والنصارى ) وقوله تعالى:( إنّ هذان لساحران ) قالا: ذلك خطأ من الكاتب، وقال عثمان: إنّ في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له: ألا تغيّره؟! فقال: دعوه فإنّه لا يحلّ حراماً ولا يحرّم حلالاً. وعامّة الصحابة وأهل العلم على أنّه صحيح»(3) .
وإذا ما قارنت بين هذا الموقف وموقف الطائفة الثالثة من هذه الأحاديث، وأساليبهم في ردّها، أمكنك نسبة القول بالتحريف إلى هذين العالمين الجليلين وأمثالهما من أهل السنّة ...
بل في علماء أهل السنّة من يعتقد بتحريف القرآن الكريم
__________________
(1) التسهيل لعلوم التنزيل 1: 164.
(2) التسهيل لعلوم التنزيل 3: 15.
(3) السراج المنير 1: 345 لمحمد بن أحمد الخطيب الشربيني الفقيه الشافعي المفسّر، توفي سنة 977، له ترجمة في الشذرات 8: 384.
وينادي به بأعلى صوته إمّا اعتماداً على ما روي في كيفية جمع القرآن، وإمّا اعتقاداً بصحّة كل ما اخرج في كتابي البخاري ومسلم، وإمّا إنكاراً لنسخ التلاوة وعلى كلّ حال فقد ذهب جماعة منهم إلى القول بسقوط شيء من القرآن، قال الرافعي ما نصّه: «... فذهب جماعة من أهل الكلام - ممّن لا صناعة لهم إلاّ الظّن والتأويل واستخراج الأساليب الجدليّة من كلّ حكم وكلّ قول - إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شيء، حملاً على ما وصفوا من كيفيّة جمعه»(1) .
وقال القرطبي: «قال أبو عبيد: وقد حدّثت عن يزيد بن زريع، عن عمران بن جرير، عن أبي مجلز، قال: طعن قوم على عثمانرحمهالله - بحمقهم - جمع القرآن، ثمّ قرأوا بما نسخ»(2) .
وقال: «قال أبو عبيد: لم يزل صنيع عثمان - رضي الله عنه - في جمعه القرآن يعدّ له بأنّه من مناقبه العظام، وقد طعن عليه فيه بعض أهل الزيغ، فانكشف عواره ووضحت فضائحه»(3) .
وقال أيضاً: «قال الإمام أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري: ولم يزل أهل الفضل والعقل يعرفون من شرف القرآن وعلوّ منزلته ما يوجب الحقّ والإنصاف والديانة، وينفون عنه قول المبطلين وتمويه الملحدين وتحريف الزائغين، حتى نبغ في زماننا هذا زائغ زاغ عن الملّلة وهجم على الامّة بما يحاول به إبطال الشريعة التي لا يزال الله يؤيّدها ويثبت اسّها وينمي فرعها ويحرسها عن معايب اولي
__________________
(1) إعجاز القرآن: 41.
(2) الجامع لأحكام القرآن 1: 84.
(3) الجامع لأحكام القرآن 1: 84.
الجنف والجور ومكائد أهل العداوة والكفر.
فزعم أنّ المصحف الذي جمع عثمان رضي الله عنه - باتّفاق أصحاب رسول الله [صلىاللهعليهوآله ] على تصويبه فيما فعل - لا يشتمل على جميع القرآن، إذ كان قد سقط منه خمسمائة حرف، قد قرأت ببعضها وسأقرأ ببقيّتها، فمنها [ والعصر - ونوائب الدهر - ] فقد سقط من القرآن على جماعة المسلمين «ونوائب الدهر» ومنها [ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّيّنت وظنّ أهلها أنّهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس - وما كان الله ليهلكها إلاّ بذنوب أهلها - ] فادّعى هذا الإنسان أنّه سقط عن أهل الإسلام من القرآن «وما كان الله ليهلكها إلاّ بذنوب أهلها» وذكر ممّا يدّعي حروفاً كثيرة ...»(1) .
ولقد نسب هذا القول إلى الحشوية من أهل السنّة والجماعة - وهم أصحاب أبي الحسن البصري - فإنّهم ذهبوا إلى وقوع التحريف في القرآن تغييراً ونقصاناً(2) .
وفي كلام النحّاس: إنّ العلماء تنازعوا حديث عائشة في الرضاع، فردّه جماعة وصحّحه آخرون، قال:
«وأمّا قول من قال: إنّ هذا كان يقرأ بعد وفاة رسول الله - صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم - فعظيم ...» وستأتي عبارته كاملة.
ومن الواضح: أنّه إذا كان يقرأ بعد وفاتهصلىاللهعليهوآله في أصل القرآن وأنّه لا نسخ بعدهصلىاللهعليهوآله بالإجماع فهو
__________________
(1) الجامع لأحكام القرآن 1: 81 - 82.
(2) مجمع البيان وغيره.
إذاً ساقط من القرآن، فالقرآن محرّف ومن ثمّ استعظم النّحّاس هذا القول.
وأمّا توجيه البيهقي لهذا الحديث: فإقرار منه بأنّ هذا كان من القرآن حتى بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله وكان المسلمون يتلونه في أصل القرآن.
وزعمه: أنّ الآية كانت منسوخة على عهدهصلىاللهعليهوآله وأنّ الذّين كانوا يتلونها لم يبلغهم النسخ، عارٍ عن الصحّة ولا دليل يدلّ عليه، على أنّا نقطع بأنّه كما كان النبيصلىاللهعليهوآله ينشر سور القرآن وآياته ويأمر بقراءتها بمجّرد نزولها، فإنّه كان عليه - على فرض وجود النسخ بصورة عامّة - أن يذيع ذلك بين الامّة ويبلّغهم جميعاً ليطّلع الكلّ على ذلك، كما كان يفعل بالنسبة إلى نشر الآيات والسور النازلة.
على أنّ كلامه يستلزم أن تكون الآية من القرآن وأن لا تكون منه في وقت واحد، وهو باطل وسيأتي مزيد بحث حوله في «الفصل الرابع».
وقال الشعراني(1) : «ولو لا ما يسبق للقلوب الضعيفة ووضع الحكمة في غير أهلها لبيّنت جميع ما سقط من مصحف عثمان»(2) .
وقال الزرقاني - في بيان الأقوال في معنى حديث نزول القرآن على سبعة أحرف - ما نصّه: «وهو: أنّ المراد بالأحرف: السبعة أوجه من
__________________
(1) الشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراني، من فقهاء الحنفية ومن علماء المتصوّفين، له مؤلفات كثيرة في الحديث والمواعظ والتراجم وغيرها من العلوم، توفّي سنة 973، وله ترجمة في الشذرات: 8: 372 وغيرها.
(2) الكبريت الاحمر - المطبوع على هامش اليواقيت والجواهر: 143.
الألفاظ المختلفة في كلمة واحدة ومعنى واحد، وإن شئت فقل: سبع لغات من لغات العرب المشهورة في كلمة واحدة ومعنى واحد، نحو: هلمّ وأقبل وتعال وعجّل وأسرع وقصدي ونحوي، فهذه ألفاظ سبعة معناها واحد هو: طلب الإقبال.
وهذا القول منسوب لجمهور أهل الفقه والحديث، منهم: سفيان، وابنه وهب، وابن جرير الطبري، والطحاوي».
قال: «إنّ أصحاب هذا القول - على جلالة قدرهم ونباهة شأنهم - قد وضعوا أنفسهم في مأزق ضيق، لأنّ ترويجهم لمذهبهم اضطرّهم إلى أن يتورّطوا في أمور خطرها عظيم، إذ قالوا: إنّ الباقي الآن حرف واحد من السبعة التي نزل عليها القرآن، أمّا الستّة الاخرى فقد ذهبت ولم يعد لها وجود ألبتّة، ونسوا أو تناسوا تلك الوجوه المتنوّعة القائمة في القرآن على جبهة الدهر إلى اليوم.
ثمّ حاولوا أن يؤيّدوا ذلك فلم يستطيعوا أن يثبتوا للأحرف السّتة التي يقولون بضياعها نسخاً ولا رفعاً، وأسلمهم هذا العجز إلى ورطة اخرى هي: دعوى إجماع الامّة على أن تثبت على حرف واحد وأن ترفض القراءة بجميع ما عداه ما الاحرف الستّة، وأنّى يكون لهم هذا الإجماع ولا دليل عليه؟!
هنالك احتالوا على إثباته بورطة ثالثة وهي: القول بأنّ استنساحخ المصاحف في زمن عثمان - رضي الله عنه - كان إجماعاً عن الامّة على ترك الحروف الستذة والإقتصار على حرف واحد هو الذي نسخ عثمان المصاحف عليه.
إلاّ إنّ هذه ثغرة لا يمكن سدّها، وثلمة يصعب جبرها، وإلاّ فكيف يوافق أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله على ضياع ستّة
حروف نزل عليها القرآن دون أن يبقوا عليها مع أنّها لم تنسخ ولم ترفع؟!
وقصارى القول: إنّنا نربأ بأصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يكونوا قد وافقوا أو فكّروا فضلاً في أن يتآمروا على ضياع أحرف القرآن الستّة دون نسخ لها، وحاشا عثمان - رضي الله عنه - أن يكون قد أقدم على ذلك وتزعّمه ...»(1) .
قلت: ومثل هذا كثير، يجده المتتبّع لكلماتهم وآرائهم في كتب الفقه والحديث والتفسير والقراءات.
وعن الثوري(2) أنّه قال: «بلغنا أنّ ناساً من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله كانوا يقرأون القرآن اصيبوا يوم مسيلمة فذهبت حروف من القرآن»(3) .
وقال ابن الخطيب في كتابه (الفرقان)(4) تحت عنوان «لحن
__________________
(1) مناهل العرفان 1: 244.
(2) سفيان بن سعيد الثوري، الملقّب عندهم بـ «أمير المؤمنين في الحديث» والموصوف بـ «سيّد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى» وغير ذلك. أنظر ترجمته في حلية الأولياء 6: 356، تهذيب التهذيب 4: 111، تاريخ بغداد 9: 151، وغيرها.
(3) الدرّ المنثور 5: 179.
(4) طبع هذا الكتاب بمطبعة دار الكتب المصرية سنة 1367 - 1948، وصاحبه من الكتاب المصريّين المعاصرين، وهو يشتمل على بحوث قرآنية في فصول تناول فيها بالبحث مسالة القرءآت، والناسخ والمنسوخ، ورسم المصحف وكتابته، وترجمة القرآن إلى اللغات. إلى غير ذلك، وله في هذا الكتاب آراء وأفكار أهمّها كثرة الخطأ في القرآن ووجوب تغيير رسمه وجعل ألفاظه كما ينطق بها اللسان وتسمعها الآذان، فطلب علماء الأزهر من الحكومة مصادرة هذا الكتاب، فاستجابت له وصادرته، وسنذكر رأينا في خصوص ما ذكره حول خطأ الكتّاب، في بحوثنا الآتية.
الكتّاب في المصحف»: «وقد سئلت عائشة عن اللحن الوارد في قوله تعالى:( إنّ هذان لساحران ) وقوله عزّ من قائل:( والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ) وقوله جلّ وعزّ:( إنّ الذّين آمنوا والّذين هادوا والصابئون ) . قالت: هذا من عمل الكتّاب، أخطأوا في الكتاب.
وقد ورد هذا الحديث بمعناه بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي خلف - مولى بني جمع - أنّه دخل على عائشة فقال: جئت أسألك عن آية في كتاب الله تعالى كيف يقرؤها رسول الله؟ قالت: أيّة آية؟ قال: الّذين يأتون ما أتوا. أو: الّذين يؤتون ما آتوا! قالت: أيّهما أحبّ إليك؟ قال: والذي نفسي بيده، لإحداهما أحبّ إليّ من الدنيا جميعاً. قالت: أيّتهما؟ قال: الّذين يأتون ما أتوا. فقالت: أشهد أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كذاك كان يقرأها وكذلك انزلت، ولكنّ الهجاء حرّف.
وعن سعيد بن جبير، قال: في القرآن أربعة أحرف لحن: والصّابئون. والمقيمين. فاصّدّق وأكن من الصالحين. إنّ هذان لساحران.
وقد سئل أبان بن عثمان كيف صارت:( لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما انزل إليك وما انزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ) ما بين يديها وما خلفها رفع وهي نصب؟ قال:من قبل الكاتب، كتب ما قبلها ثمّ سأل المملي: ما أكتب؟ قال: أكتب المقيمين الصلاة، فكتب ما قيل له لا ما يجب عربّيةً ويتعيّن قراءةً.
وعن ابن عبّاس في قول تعالى:( حتى تستأنسوا وتسلّموا ) قال: إنّما هي خطأ من الكاتب، حتى تستأذنوا وتسلّموا.
وقرأ أيضاً: أفلم يتبيّن الّذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس
جميعاً. فقيل له: إنّها في المصحف:( أفلم ييأس ) ؟ فقال: أظنّ أن الكاتب قد كتبها وهو ناعس.
وقرأ أيضاً: ووصّى ربّك ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه وكان يقول: إنّ الواو قد التزقت بالصاد.
وعن الضحّاك: إنّما هي: ووصّى ربّك، وكذلك كانت تقرأ وتكتب، فاستمدّ كاتبكم فاحتمل القلم مداداً كثيراً فالتزقت الواو بالصاد، ثمّ قرأ:( ولقد وصّينا الّذين اوتوا الكتاب من قبلكم وإيّاكم أن اتّقوا الله ) .( ووصّينا الإنسان بوالديه ) . وقال: لو كانت «قضى» من الربّ لم يستطع أحد ردّ قضاء الربّ تعالى. ولكنّها وصيّة أوصى بها عباده.
وقرأ ابن عبّاس أيضاً: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء. ويقول: خذوا الواو من هنا واجعلوها ها هنا عند قوله تعالى:( الّذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) يريد بذلك أن تقرأ: والّذين قال لهم الناس.
وقرأ أيضاً: مثل نور المؤمن كمشكاة، وكان يقول: هي خطأ من الكتاب، هو تعالى أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة.
وذكر ابن أشتة بأنّ جميع ما كتب خطأ يجب أن يقرأ على صحّته لغةً لا على رسمه، وذلك كما في «لا أوضعوا، لا أذبحنّه» بزياده ألف في وسط الكلمة. فلو قرء ذلك بظاهر الخطّ لكان لحناً شنيعاً يقلب معنى الكلام ويخلّ بنظامه، يقول الله تعال:( إنّا نحن الذكر وإنّا له لحافظون ) .
ومعنى حفظ القرآن: إبقاء شريعته وأحكامه إلى يوم القيامة وإعجازه أبد الدهر، بحيث يظلّ المثل الأعلى للبلاغة والرصانة والعذوبة، سهل النطق على اللسان، جميل الوقع في الآذان، يملك قلب القارئ ولبّ
السامع.
وليس ما قدّمنا من لحن الكتّاب في المصحف بضائره أو بمشكّك في حفظ الله تعالى له، بل إنّ ما قاله ابن عبّاس وعائشة وغيرهما من فضلاء الصحابة وأجلاّء التابعين أدعى لحفظه وعدم تغييره وتبديله. وممّا لا شك فيه أنّ كتّاب المصحف من البشر، يجوز عليهم ما يجوز على سائرهم من السهو والغفلة والنسيان. والعصمة لله وحده، ومثل لحن الكتّاب كلحن المطابع، فلو أنّ إحدى المطابع طبعت مصحفاً به بعض الخطأ - وكثيراً ما يقع هذا - وسار على ذلك بعض قرّاء هذا المصحف، لم يكن ذلك متعارضاً مع حفظ الله تعالى له وإعلائه لشأنه»(1) .
قال: «وإنّما الذي يستسيغه العقل ويؤيّده الدليل والبرهان أنّه إذا تعلّم فرد الكتابة في امّة اميّة، فإنّ تعلّمه لها يكون محدوداً ويكون عرضة للخطأ في وضع الرسم والكلمات، ولا يصحّ والحال كما قدّمنا أن يؤخذ رسمه هذا انموذجاً تسير عليه الامم التي ابتعدت عن الاميّة بمراحل، وأن نوجب عليها أخذه على علاّته وفهمه على ما فيه من تناقض ظاهر وتنافر بيّن، وذلك بدرجة أنّ العلماء الّذين تخصّصوا في رسم المصحف لم يستطيعوا أن يعلّلوا هذا التباين إلاّ بالتجائهم إلى تعليلات شاذة عقيمة»(2) .
هذا ومن المناسب أن ننقل في المقام ما ذكره الحجّة شرف الدين بهذا الصدد، فقد قال ما نصه:
«وما أدري - والله - ما يقولون فيما نقله عنهم في هذا الباب
__________________
(1) الفرقان: 41 - 46 ملخصاً.
(2) الفرقان: 58.
غير واحد من سلفهم الأعلام كالإمام أبي محمد بن حزم، إذ نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري في ص 207 من الجزء الرابع من (الفصل) أنّه كان ويقول:
إنّ القرآن المعجز إنّما هو الذّي لم يفارق الله عزّ وجلّ قطّ، ولم يزل غير مخلوق ولا سمعناه قطّ ولا سمعه جبرائيل ولا محمدعليهماالسلام قطّ، وإلى آخر ما نقله عن الإمام الأشعري وأصحابه - وهم جميع أهل السنّة - حتى قال في ص 211 ما هذا لفظة:
«وقالوا كلّهم: إنّ القرآن لم ينزل به قطّ جبرائيل على قلب محمد عليه الصلاة والسلام، وإنّما نزل عليه شيء آخر هو العبارة عن كلام الله، وإنّ القرآن ليس عندنا ألبتّة إلاّ على هذا المجاز، وإنّ الذي نرى في المصاحف ونسمع من القرآن ونقرأ في الصلاة ونحفظ في الصدور ليس هو القرآن ألبتّة، ولا شيء منه كلام الله ألبتة بل شيء آخر، وإنّ كلام الله تعالى لا يفارق ذات الله عزّ وجلّ».
ثمّ استرسل في كلامة عن الأشاعرة حتى قال في ص 210: «ولقد أخبرني علي بن حمزة المرادي الصقلي: أنّه رأى بعض الأشعرية يبطح المصحف برجله، قال: فأكبرت ذلك وقلت له: ويحك! هكذا تصنع بالمصحف وفيه كلام الله تعالى؟! فقال لي: ويلك! والله ما فيه إلاّ السخام والسواد، وأمّا كلام الله فلا».
قال ابن حزم: «وكتب إليّ أبو المرحي بن رزوار المصري: أنّ بعض ثقات أهل مصر من طلاّب السنن أخبره: أنّ رجلاً من الأشعرية قال له مشافهة: على من يقول: إنّ الله قال: قل هو الله أحد الله الصمد، ألف لعنة» إلى آخر ما نقله عنهم، فراجعه من ص 204 إلى ص 226 من
الجزء الرابع من (الفصل) ...»(1) .
وهم الّذين لم يأخذوا بما دلّت عليه تلك الأحاديث ولم يتّبعوا الصحابة فيما تحكيه عنهم تلك الآثار، وهم بين رادّ عليها الردّ القاطع، وبين مؤوّل لها على بعض الوجوه وقد انصبّت كلمات الردّ والنقد - في الأغلب - على الآثار المحكيّة - التي ذكرنا بعضها في الفصل الأول تحت عنوان «كلمات الصحابة والتابعين في وقوع الحذف والتغيير والخطأ في القرآن المبين» - بالطعن في الراوي أو الرواية أو الصحابي على تفاوت فيما بينها في المرونة والخشونة ...
قال الطبري بعد ذكر مختاره: «وإنّما اخترنا هذا على غيره لأنّه قد ذكر أنّ ذلك في قراءة اُبيّ بن كعب (والمقيمين) وكذلك هو في مصحفه فيما ذكروا، فلو كانذلك خطأ من الكاتب لكان الواجب أن يكون في كلّ المصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه بخلاف ما هو في مصحفنا، وفي اتّفاق مصحفنا ومصحف اُبيّ ما يدلّ على أنّ الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ. مع أنّ ذلك لو كان خطأ من جهة الخطّ لم يكن الّذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله يعلّمون من علّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بالسنتهم ولقّنوه للامّة تعليماً على
__________________
(1) أجوبة مسائل جار الله: 36.
وجه الصواب، وفي نقل المسلمين جميعاً ذلك - قراءة على ماهو به في الخطّ مرسوماً - أدلّ دليل على صحّة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب»(1) .
وقال الداني: «فإن قال قائل: فما تقول في الخبر الذي رويتمره عن يحيى ابن يعمر وعكرمة مولى ابن عبّاس عن عثمان أنّ المصاحف لمّا نسخت عرضت عليه فوجد فيها حروفاً من اللحن، فقال: أتركوها فإنّ العرب ستقيمها - أو ستعربها - بلسانها. إذ ظاهره يدلّ على خطأ في الرسم.
قلت: هذا الخبر عندنا لا يقوم بمثله حجّة، ولا يصحّ به دليل من جهتين، إحداهما: أنّه - مع تخليط في إسناده واضطراب في ألفاظه - مرسل، لأنّ ابن يعمر وعكرمة لم يسمعا من عثمان شيئاً، ولا رأياه، وأيضاً، فإنّ ظاهر ألفاظه ينفي وروده عن عثمان، لما فيه من الطعن عليه، مع محلّة من الدين ومكانه من الإسلام، وشدّة اجتهاده في بذل النصيحة، واهتباله بما فيه الصلاح للأمّة. فغير متمكّن أن يقول لهم ذلك وقد جمع المصحف مع سائر الصحابة الأخيار الأتقيار الأبرار نظراً لهم ليرتفع الإختلاف في القرآن بينهم، ثمّ يترك لهم فيه مع ذلك لحناً وخطأً يتولّى تغييره من يأتي بعده، ممّن لا شكّ أنّه لا يدرك مداه ولا يبلغ غايته ولا غاية من شاهد. هذا ما لا يجوز لقائل أن يقوله، ولا يحلّ لأحد أن يعتقده.
فإن قال: فما وجه ذلك عندك لو صحّ عن عثمان؟
قلت: وجهه أن يكون عثمان أراد باللحن المذكور فيه التلاوة
__________________
(1) تفسير الطبري 6: 19.
دون الرسم»(1) .
وقال الزمخشري: «( والمقيمين ) نصب على المدح لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع قد ذكره سيبويه على أمثله وشواهد، ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً في خطّ المصحف، وربّما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الإختصاص من الإفتنان، وغبّي عليه أنّ السابقين الأوّلين الّذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همّة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها من بعدهم، وخرقاً يرفوه من يلحق بهم ...»(2) .
وقال الرازي: «وأمّا قوله:( والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ) ففيه أقوال؛ الأول: روي عن عثمان وعائشة أنّهما قالا: إنّ في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها. واعلم: أنّ هذا بعيد، لأنّ هذا المصحف منقول بالنقل المتواتر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟!»(3) .
وقال الزمخشري في الآية( ... حتى تستأنسوا ... ) بعد نقل الرواية عن ابن عبّاس فيها: «ولا يعول على هذه الرواية»(4) .
وقال الرازي فيها: «واعلم أنّ هذا القول من ابن عبّاس فيه نظر، لأنّه يقتضي الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر، ويقتضي صحّة القرآن الذي لم ينقل بالتواتر، وفتح هذين البابين يطرق الشكّ في كل
__________________
(1) تاريخ القرآن - لمحمد طاهر الكردي - ص 65 عن المقنع.
(2) الكشّاف 1: 582.
(3) التفسير الكبير 11: 105 - 106.
(4) الكشاف 3: 59.
القرآن، وأنّه باطل»(1) .
وقال النيسابوري: «روي عن عثمان وعائشة أنّهما قالا: إنّ في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، ولا يخفى ركاكة هذا القول، لأنّ هذا المصحف منقول بالتواتر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟!»(2) .
وقال ابن كثير في( ... حتى تستأنسوا ... ) بعد نقل قول ابن عبّاس: «وهذا غريب جدّاً عن ابن عبّاس»(3) .
وقال الخازن في( ... والمقيمين ... ) : «اختلف العلماء في وجه نصبه، فحكي عن عائشة وأبان بن عثمان: أنّه غلط من الكتّاب، ينبغي أن تكتب: والمقيمون الصلاة. وقال عثمان بن عفّان: إنّ في المصحف لحناً ستقيمه العرب بألسنتهم، فقيل له: أفلا تغيّره؟! فقال: دعوه، فإنّه لا يحلّ حراماً ولا يحّرم حلالاً. وذهب عامّة الصحابة وسائر العلماء من بعدهم إلى أنّه لفظ صحيح ليس فيه خطأ من كاتب ولا غيره.
واجيب عمّا روي عن عثمان بن عفّان وعن عائشة وأبان بن عثمان: بأنّ هذا بعيداً جدّاً، لأنّ الّذين جمعوا القرآن هم أهل اللغة والفصاحة والقدوة على ذلك، فكيف يتركون في كتاب الله لحناً يصلحه غيرهم، فلا ينبغي أن ينسب هذا لهم، قال ابن الأنباري: ما روي عن عثمان لا يصحّ لأنّه غير متصل، ومحال أن يؤخّر عثمان شيئاً فاسداً ليصلحه غيره. وقال الزمخشري في الكشّاف: ولا يلتفت إلى ما
__________________
(1) التفسير الكبير 23: 196.
(2) تفسير النيسابوري 6 | 23 هامش الطبري.
(3) تفسير ابن كثير 3: 280.
زعموا ...»(1) .
وقال في( ... حتى تستأنسوا ... ) «وكان ابن عبّاس يقرأ: حتى تستأذنوا. ويقول: تستأنسوا خطأ من الكاتب، وفي هذه الرواية نظر لأنّ القرآن ثبت بالتواتر»(2) .
وقال الرازي في الآية( إن هذان لساحران ) :
«القرءة المشهورة إنّ هذان لساحران. ومنهم من ترك هذه القراءة، وذكروا وجوهاً اخر [ فذكرها ووصفها بالشذوذ، ثمّ قال: ] واعلم أنّ المحقّقين قالوا: هذا القراءات ال يجوز تصحيحها، لأنّها منقولة بطريق الآحاد والقرآن يجب أن يكون منقولاً بالتواتر، إذ لو جوّزنا إثبات زيادة في القرآن بطرق الآحاد لما أمكننا القطع بأنّ هذا الذي هو عندنا كل القرآن، لأنّه لمّا جاز في هذه القراءات أنّه مع كونها من القرآن ما نقلت بالتواتر جاز في غيرها ذلك، فثبت أنّ تجويز كون هذه القراءات من القرآن يطرق جواز الزيادة والنقصان والتغيير إلى القرآن، وذلك يخرج القرآن عن كونه حجّة، ولمّا كان ذلك باطلاً فكذلك ما أدّى إليه، وأمّا الطعن في القراءة المشهورة فهو أسوأ ممّا تقدّم من وجوه:
أحدها: أنّها لمّا كان نقل هذه القراءة في الشهرة كنقل جميع القرآن فلو حكمنا ببطلانها جاز مثله في جميع القرآن، وذلك يفضي إلى القدح في التواتر وإلى القدح في كلّ القرآن، وأنّه باطل، وإذا ثبت ذلك امتنع صيرورته معارضاً بخبر الواحد المنقول عن بعض الصحابة.
وثانيها: أنّ المسلمين أجمعوا على أنّ ما بين الدفّتين كلام الله
__________________
(1) تفسير الخازن 1: 422.
(2) تفسير الخازن 3: 323.
تعالى، وكلام الله تعالى لا يجوز أن يكون لحناً وغلطاً، فثبت فساد ما ينقل عن عثمان وعائشة أن فيه لحناً وغلطاً.
وثالثها: قال ابن الأنباري: إنّ الصحابة هم الأئمة والقدوة، فلو وجدوا في المصحف لحناً لما فوّضوا إصلاحه إلى غيرهم من بعدهم، مع تحذيرهم من الإبتداع وترغيبهم في الإتّباع ..»(1) .
وقال أبو حيّان الأندلسي في( ... والمقيمين ... ) بعدما ذكر عن عائشة وأبان بن عثمان فيها: «ولا يصحّ عنهما ذلك، لأنّهما عربيّان فصيحان»(2) .
وقال القنوجي: «وعن عائشة أنّها سئلت عن( المقيمين ) وعن قوله( إنّ هذان لساحران ) و( الصابئون ) في المائدة، قالت: يا ابن أخي، الكتّاب أخطأوا.
وروي عن عثمان بن عفّان أنّه فرغ عن المصحف واتي به قال: أرى فيه شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له: ألا تغيّره؟! فقال: دعوه، فإنّه لا يحلّ حراماً ولا يحرّم حلالاً.
قال ابن الأنباري: وما روي عن عثمان لا يصحّ، لأنّه غير متّصل، ومحال أن يؤخّر عثمان شيئاً فاسداً ليصلحه غيره، ولأنّ القرآن منقول بالتواتر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟!
وقال الزمخشري في الكشّاف: ولا يلتفت ...»(3) .
__________________
(1) التفسير الكبير 22: 74.
(2) البحر المحيط 3: 394.
(3) فتح البيان 6: 407 - 408.
وقال في( إنّ هذان لساحران ) : «فهذه أقوال تتضمّن توجيه هذه القراءة بوجه تصحّ به وتخرج به عن الخطأ، وبذلك يندفع ما روي عن عثمان وعائشة أنّه غلط من الكاتب للمصحف»(1) .
وقال الآلوسي في( والمقيمين ) : «ولا يلتفت إلى من زعم أنّ هذا من لحن القرآن وأنّ الصواب (والمقيمون) بالواو كما في مصحف عبدالله وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي، إذ لا كلام في نقل النظم متواتراً فلا يجوز اللحن فيه أصلاً. وأمّا ما روي أنّه لمّا فرغ من المصحف أتي به إلى عثمان فقال: قد أحسنتم وأجملتم فقد قال السخاوي: إنّه ضعيف، والإسناد فيه اضطراب وانقطاع، فإنّ عثمان جعل للناس إماماً يقتدون به، فكيف يرى فيه لحناً ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها، وقد كتب عدّة مصاحف وليس فيها اختلاف أصلاً إلاّ فيما هو من وجوه القراءات. وإذا لم يقمه هو ومن باشر الجمع - وهم هم - كيف يقيمه غيرهم؟!»(2) .
أقول: فهذه كلمات في ردّ هذه الأحاديث، ويلاحظ أنّ بعضهم يكتفي «بالاستبعاد»، وآخر يقول: «فيه نظر»، وثالث يقول: «لا يخفى ركاكة هذا القول»، ورابع يقول: «لا يلتفت ...»، وخامس يقول: «غريب»
ومنهم من يتجرّأ على التضعيف بصراحة فيقول: «لا يصحّ» وفي( الإتقان ) عن ابن الانباري أنّه جنح إلى تضعيف هذه الروايات(3)
__________________
(1) فتح البيان 6: 49.
(2) روح المعاني 6: 13 - 14.
(3) الإتقان 2: 329.
وعليه الباقلاني في «نكت الإنتصار»(1) وجماعة.
لكنّ بعضهم يستدلّ ويبرهن على بطلان هذه الأحاديث، لأنّ القول بها يفضي إلى القدح في تواتر القرآن، والطعن في الصحابة وخاصة في جامعي المصحف وعلى رأسهم عثمان، فهذه الأحاديث باطلة لاستلزامها للباطل
وجماعة ذهبوا إلى أبعد من كل هذا، وقالوا بوضع هذه الأحاديث واختلاقها، من قبل أعداء الإسلام
فيقول الحكيم الترمذي(2) : «... ما أرى مثل هذه الروايات إلاّ من كيد الزنادقة ...»(3) .
ويقول أبو حيّان الأندلسي: «ومن روى عن ابن عبّاس أنّ قوله:( حتى تستأنسوا ) خطأ أو وهم من الكاتب، وأنّه قرأ حتى (تستأذنوا) فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين، وابن عبّاس بريء من هذا القول»(4) .
وهكذا عالج بعض العلماء والكتّاب المتأخّرين والمعاصرين هذه الأحاديث، فنرى صاحب «المنار» يقول:
«وقد تجرّأ بعض أعداء الإسلام على دعوى وجود الغلط النحوي في القرآن، وعدّ رفع «الصابئين» هنا من هذا الغلط. وهذا جمع بين السخف والجهل، وإنّما جاءت هذه الجرأة من الظاهر المتبادر من
__________________
(1) نكت الانتصار: 127.
(2) وهو الحافظ أبو عبدالله محمد بن علي، صاحب التصانيف، من أئمّة علم الحديث، له ترجمة في تذكرة الحفّاظ 2: 645 وغيرها.
(3) نوادر الاصول: 386.
(4) البحر المحيط 6: 445.
قواعد النحو، مع جهل أو تجاهل أنّ النحو استنبط من اللغة ولم تستنبط اللغة منه ...»(1) .
ويقول: «وقد عدّ مثل هذا بعض الجاهلين أو المتجاهلين من الغلط في أصحّ كلام وأبلغه، وقيل: إنّ (المقيمين) معطوف على المجرور قبله وما ذكرناه أولاً أبلغ عبارة وإن عدّة الجاهل غلطاً ولحناً. وروي أنّ الكلمة في مصحف عبدالله بن مسعود مرفوعة، فإن صحّ ذلك عنه وعمّن قرأها مرفوعة كمالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي كانت قراءةً، وإلاّ فهي كالعدم.
وروي عن عثمان أنّه قال: إنّ في كتابة المصحف لحناً ستقيمه العرب بألسنتها، وقد ضعّف السخاوي هذه الرواية وفي سندها اضطراب وانقطاع. فالصواب أنّها موضوعة، ولو صحّت لما صحّ أن يعدّ ما هنا من ذلك اللحن، لأنّه فصيح بليغ ...»(2) .
وهو رأي الرافعي ومحمد أبو زهرة، فقد وصف محمد أبو زهرة هذه الأحاديث المنافية لتواتر القرآن بـ: «الروايات الغريبة البعيدة عن معنى تواتر القرآن الكريم، التي احتوتها بطون بعض الكتب كالبرهان للزركشي والإتقان للسيوطي، التي تجمع كما يجمع حاطب ليل، يجمع الحطب والأفاعي، مع أنّ القرآن كالبناء الشامخ الأملس الذي لا يعلق به غبار».
ثمّ استشهد بكلام الرافعي القائل: «... ونحسب أنّ أكثر هذا ممّا افترته الملحدة» وقال: «وإنّ ذلك الذي ذكره هذا الكاتب
____________
(1) المنار 6: 478.
(2) المنار 6: 64.
الإسلامي الكبير حقّ لا ريب فيه»(1) .
فهذا موقف هؤلاء من هذا القسم من الأحاديث والآثار، وعليه آخرون ممن لم نذكر كلماتهم هنا اكتفاءً بمن ذكرناه
وقد اغتاظ من هذا الموقف جماعة واستنكر بشدّة ومن أشهرهم الحافظ ابن حجر العسقلاني، الذي تحامل على الزمخشري ومن كان على رأية قائلاً بعد الحديث عن ابن عبّاس «كتبها وهو ناعس»: «وأمّا ما أسنده الطبري عن ابن عبّاس فقد اشتدّ إنكار جماعة ممّن لا علم له بالرجال صحّته، وبالغ الزمخشري في ذلك كعادته - إلى أن قال - وهي والله فرية بلا مرية، وتبعه جماعة بعده، والله المستعان.
وقد جاء عن ابن عبّاس نحو ذلك في قوله تعالى:( وقضى ربّك ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه ) أخرجه سعيد بن منصور بإسناد جيّد عنه.
وهذه الأشياء - وإن كان غيرها المعتد - لكن تكذيب المنقول بعد صحّته ليس من دأب أهل التحصيل، فلينظر في تأويله بما يليق»(2) .
لكنّ العجب من ابن حجر لماذا أحال التأويل اللائق إلى غيره وقد كان عليه أن يذكره بنفسه وهو بصدد الدفاع عن الأحاديث الصحاح؟!
نعم، نظر بعضهم في تأويله وذكرت وجوه، فقال الداني
__________________
(1) المعجزة الكبرى: 43.
(2) فتح الباري 8: 301.
بالنسبة إلى ما روي عن عثمان - على فرض صحّته -: «وجهه أن يكون أراد باللحن المذكور في التلاوة دون الرسم».
وأجاب ابن أشتة عن هذه الآثار كلّها بأنّ المراد: «أخطأوا في الإختيار وما هو الأولى للجمع عليه من الأحرف السبعة، لا أنّ الذي كتب خطأ خارج عن القرآن.
فمعنى قول عائشة: «حرّف الهجاء» القي إلى الكاتب هجاء غير ما كان الأولى أن يلقى إليه من الأحرف السبعة، وكذا معنى قول ابن عبّاس: «كتبها وهو ناعس» يعني: فلم: فلم يتدبّر الوجه الذي هو أولى من الآخر. وكذا سائرها»(1) .
وأتعب السيوطي نفسه في هذا المقام، فإنّه بعد أن أورد الآثار بيّن وجه الإشكال فيها وتصدّى لتأويلها ولننفل عبارته كاملة لننظر هل جاء «بما يليق»؟!
قال: «هذه الآثار مشكلة جدّاً، وكيف يظنّ بالصحابة أولاً: أنّهم يلحنون في الكلام فضلاً عن القرآن، وهم الفصحاء اللدّ؟! ثمّ كيف يظنّ بهم ثانياً: في القرآن الذي تلقّوه من النبيصلىاللهعليهوآله كما انزل، وحفظوه وضبطوه واتقنوه؟! ثم كيف يظنّ بهم ثالثاً: اجتماعهم كلّهم على الخطأ وكتابته ثمّ كيف ظنّ بهم رابعاً: عدم تنبّههم ورجوعهم عنه؟!
ثمّ كيف يظنّ بعثمان: أنّه ينهى عن تغييره؟! ثمّ كيف يظنّ أنّ القراءة استمرّت على مقتضى ذلك الخطأ، وهو مروي بالتواتر خلفاً عن سلف؟! هذا ممّا يستحيل عقلاً وشرعاً وعادة.
__________________
(1) الإتقان 2: 329.
وقد أجاب العلماء عن ذلك بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنّ ذلك لا يصحّ عن عثمان، فإنّ إسناده ضعيف مضطرب منقطع، ولأنّ عثمان جعل للناس إماماً يقتدون به، فكيف يرى فيه لحناً ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها، فإذا كان الّذين تولّوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك وهو الخيار فكيف يقيمه غيرهم؟! وأيضاً: فإنّه لم يكتب مصحفاً واحداً بل كتب عدّة مصاحف.
فإن قيل: إنّ اللحن إن وقع في جميعها فبعيد اتّفاقها على ذلك، أو في بعضها. فهو اعتراف بصحّة البعض، ولم يذكر أحد من الناس أنّ اللحن كا في مصحف دون مصحف، ولم تأت المصاحف قطّ مختلفة إلاّ فيما هو من وجوه القراءة، وليس ذلك باللحن.
الثاني: على تقدير صحّة الرواية، فإنّ ذلك محمول على الرمز والإشارة.
الثالث: أنّه مؤوّل على أشياء خالف لفظها رسمها وبهاذا الجواب وما قبله جزم ابن اشتة في كتاب «المصاحف».
وقال ابن الأنباري في كتاب (الردّ على من خالف مصحف عثمان) في الأحاديث المرويّة عن عثمان في ذلك: «لا تقوم بها حجّة، لأنّها منقطعة غير متّصلة، وما يشهد عقل بأنّ عثمان وهو إمام الامّة الذي هو إمام الناس في وقته وقدوتهم يجمعهم على المصحف الذي هو الإمام، فيتبيّن فيه خللاً ويشاهد في خطّه زللاً فلا يصلحه، كلاّ والله ما يتوهّم عليه هذا ذو إنصاف وتمييز، ولا يعتقد أنّه أخّر الخطأ في الكتاب ليصلحه من بعده، وسبيل الجائين من بعده البناء على رسمه والوقوف عند حكمه.
ومن زعم - أنّ عثمان أراد بقوله: أرى فيه لحناً: أرى في خطّه
إذا أقمناه بألسنتنا كا الخطّ غير مفسد ولا محرّف من جهة تحريف الألفاظ وإفساد الإعراب - فقد أبطل ولم يصب، لأنّ الخطّ منبئ عن النطق، فمن لحن في كتبه فهو لاحن في نطقه، ولم يكن عثمان ليؤخّر فساداً في هجاء ألفاظ القرآن من جهة كتبٍ ولانطق، ومعلوم أنّه كان مواصلاً لدرس القرآن، متقناً لألفاظه، موفقاً على ما رسم في المصاحف المنفذة إلى الأمصار والنواحي
ثم قال ابن أشتة. أنبأت محمد بن يعقوب، أنبأنا أبو داود سليمان بن الاشعث، أنبأنا أحمد بن مسعدة، أنبأنا إسماعيل، أخبرني الحارث بن عبد الرحمن، عن عبد الأعلى بن عبدالله بن عامر، قال: لمّا فرغ من المصحف اتي به
عثمان فنظر فيه فقال: أحسنتم وأجملتم، أرى شيئاً سنقيمه بألسنتنا.
فهذا الأثر لا إشكال فيه، وبه يتّضح معنى ما تقدّم، فكأنّه عرض عليه عقب الفراغ من كتابته فرأى فيه شيئاً كتب على لسان قريش، كما وقع لهم في (التابوة) و(التابوت)، فوعد بأنّه سيقيمه على لسان قريش، ثمّ وفى بذلك عند العرض والتقويم، ولم يترك فيه شيئاً. ولعلّ من روى تلك الآثار السابقة عنه حرّفها، ولم يتقن اللفظ الذي صدر عن عثمان، فلزم منه ما لزم من الإشكال، فهذا أقوى ما يجاب عن ذلك. ولله الحمد.
وبعد، فهذه الأجوبة لا يصحّ منها شيء عن حديث عائشة. أمّا الجواب بالتضعيف فلأنّ إسناده صحيح كما ترى، وأمّا الجواب بالرمز وما بعده فلأنّ سؤال عروة عن الأحرف المذكورة يطابقه، فقد أجاب عنه ابن أشته - وتبعه ابن جبارة في شرح الرائية - بأنّ معنى قولها «أخطأوا» أي في اختيار الأولى من الأحرف السبعة لجمع الناس عليه، لا أنّ الذي
كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز
وأقول: هذا الجواب إنّما يحسن لو كانت القراءة بالياء فيها والكتابة بخلافها، وأمّا والقراءة على مقتضى الرسم فلا.
وقد تكلّم أهل العربية عن هذه الأحرف ووجّهوها أحسن توجيه، أمّا قول:( إنّ هذان لساحران ) ففيه أوجه وأمّا قوله:( والمقيمين الصلاة ) ففيه أيضاً أوجه وأمّا قوله:( والصابئون ) ففيه أيضاً أوجه ...»(1) .
فهذا ما يتعلّق بـ «كلمات الصحابة والتابعين ...».
وأمّا الأحاديث التي رووها حول جمع القرآن، المتضاربة فيما بينها، والتي اعترف بعضهم كمحمد أبو زهرة بوجود روايات مدسوسة مكذوبة فيها(1) فقد يمكن الجمع بينها، ثمّ رفع التنافي بينها وبين أدلّة عدم التحريف والبناء على أنّ القرآن مجموع في عصر النبيصلىاللهعليهوآله وبأمرٍ منه وإليك بيان ذلك بالتفصيل:
لقد تضاربت روايات أهل السنّة حول جمع القرآن، وعلى ضوئها اختلفت كلمات علمائهم والمتحصّل من جيمعها: أنّ الجمع للقرآن كان على مراحل ثلاث؛ الاولى: على عهد النبيصلىاللهعليهوآله ،
__________________
(1) الاتقان 2: 320 - 326.
(2) المعجزة الكبرى: 33.
حيث كتب في الرقاع والعسب والثانية: على عهد أبي بكر، وكان بانتساخه من العسب والرقاع وغيرها وجعله في مكان واحد والثالثة: على عهد عثمان، والذي فعله ترتيبه وحمل الناس على قراءة واحدة هذا ما كادت تجمع عليه كلماتهم.
والجمع في عهد النبيصلىاللهعليهوآله كان «حفظاً» و «كتابة» معاً، أمّا حفظاً فإنّ الّذين جمعوا القرآن في عهد النبيصلىاللهعليهوآله كثيرون(1) . وأمّا كتابةً فإنّ القرآن لم يكن كاملاً في الكتابة على عهده عند الّذين حفظوه كاملاً، لكن كانت كتابته كاملة عند الجميع، فهو مكتوب كلّه عند جميعهم، وما ينقص من عند واحد يكمله ما عند الآخر، إلاّ إنّه كان متواتراً كلّه عن النبيصلىاللهعليهوآله في عصره حفظاً(2) .
فعمد أبو بكر إلى جمعه، إذ أمر - بعد يوم اليمامة - بجمع تلك الكتابات وجمع القرآن منها بتأليفه وتدوينه(3) .
ثمّ لمّا كثرت فيه القراءات ووقعت في لفظه الإختلافات جمع عثمان المصاحف من أصحابها، وحمل الناس على قراءة واحدة من بينها، وأعدم سائر المصاحف المخالفة لها.
لكنّ استخلاص هذه النتائج من تلك الأحاديث، ودفع
__________________
(1) مباحث في علوم القرآن: 65.
(2) المعجزة الكبرى: 28.
(3) الاتقان 1 | 62، مناهل العرفان 1: 242، إعجاز القرآن: 236.
الشبهات التي تلحق بالقرآن، يتوقف على النظر في ما ورد في هذا الباب سنداً ومتناً، والجمع بينها بحمل بعضها على البعض بقدر الإمكان، وهذا أمر لابدّ منه فنقول:
أوّلاً: لقد وردت عن بعض الصحابة أحاديث فيها حصر من جمع القرآن على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله في عدد معيّن، إتّفق عبدالله بن عمرو وأنس بن مالك على أنّهم «أربعة» على اختلاف بينهم في بعض أشخاصهم
فعن عبدالله بن عمرو أنّهم: عبدالله بن مسعود، سالم، معاذ بن جبل، أبيّ ابن كعب(1) .
وعن أنس بن مالك - في حديث عن قتادة عنه - هم: اُبيّ بن كعب، معاذ ابن جبل، زيد بن ثابت، أبو زيد. قال: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي(2) .
وفي آخر - عن ثابت عنه - قال: «مات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد».
فأيّ توجيه صحيح لحصر جمّاع القرآن في أربعة؟ وكيف الجمع بين ما روي عن الصحابّيين، ثمّ بين الحديثين عن أنس؟
قال السيوطي: «قد استنكر جماعة من الأئمّة الحصر في الأربعة، وقال المازري: لا يلزم من قول أنس «لم يجمعه غيرهم» أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك قال: وقد تمسّك بقول أنس هذا
__________________
(1) صحيح البخاري 6: 102، صحيح مسلم 7: 149.
(2) صحيح البخاري 6: 102. واختلف في اسم أبي زيدٍ هذا. انظر الاتقان 1: 74.
جماعة من الملاحدة ولا مستمسك لهم فيه، فإنّا لا نسلّم حمله على ظاهره» ثمّ ذكر السيوطي كلاماً للقرطبي ونقل عن الباقلاّني وجوهاً من الجواب عن حديث أنس ثمّ قال: «قال ابن حجر: وفي غالب هذه الإحتمالات تكلّف»(1) .
ثانياً: قد اختلفت أحاديثهم في «أوّل من جمع القرآن» ففي بعضها أنّه «أبو بكر» وفي آخر «عمر» وفي ثالث «سالم مولى أبي حذيفة» وفي رابع «عثمان».
وطريق الجمع بينها أن يقال: إنّ أبا بكر أول من جمع القرآن أي دوّنه تدويناً، وأنّ المراد من: «فكان [ عمر ] أول من جمعه في المصحف» أي: أشار على أبي بكر أن يجمعه، وأنّ المراد فيما ورد في «سالم»: أنّه من الجامعين للقرآن بأمر أبي بكر، وأمّا «عثمان» فجمع الناس على قراءة واحدة.
ثالثاً: في بيان الأحاديث الواردة في كيفية الجمع وخصوصيّاته في كلّ مرحلة. أمّا في المرحلة الأولى، فقد رووا عن زيد قوله: «كنّا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولم يكن القرآن جمع شيء»(2) وأنّه قال لأبي بكر لمّا أمره بجمع القرآن: «كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله؟!»(3) .
إلاّ أنّه يمكن الجمع بين هذه الأخبار بحمل النافية على عدم تأليف القرآن وجمعه بصورة كاملة في مكان واحد، بل كانت كتابته
__________________
(1) الاتقان 1 | 244 - 247.
(2) المستدرك 2: 662.
(3) الاتقان 1: 202.
كاملة عند الجميع
وهكذا تندفع الشبهة الاولى.
وأمّا في المرحلة الثانية: فإنّه وإن كان أمر أبي بكر بجمع القرآن وتدوينه بعد حرب اليمامة، لكنّ الواقع كثرة من بقي بعدها من حفّاظ القرآن وقرّائه، مضافاً إلى وجود القرآن مكتوباً على عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا تطرق الشبهة من هذه الناحية في تواتره. وأمّا الحديث: «إنّ عمر سأل عن آيةٍ من كتاب الله كانت مع فلان قتل يوم اليمامة ...» فإسناده منقطع(1) .
فالشبهة الثانية مندفعة كذلك.
وأمّا جمع القرآن من العسب واللخاف وصدور الرجال - كما عن زيد - فإنّه لم يكن لأنّ القرآن كان معدوماً، وإنّما كان قصدهم أن ينقلوا من عين المكتوب بين يدي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يكتبوا من حفظهم. وأمّا قوله: وصدور الرجال: فإنّه كتب الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن، فكان يتتبّعها من صدور الرجال ليحيط بها علماً(1) .
وأمّا قول أبي بكر لعمر وزيد: «اقعدا على باب المسجد فمن جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه» فقد قال الشيخ أبوالحسن السخاوي في (جمال القراء): معنى هذا الحديث - والله أعلم - من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله الذي كتب بين
__________________
(1) الاتقان 1: 59.
(2) المرشد الوجيز: 57.
يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإلاّ فقد كان زيد جامعاً للقرآن. ويجوز أن يكون معناه: من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله تعالى. أي: من الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن ولم يزد على شيء ممّا لم يقرأ أصلاً ولم يعلم بوجه آخر(1) .
وأمّا معنى قوله في الآية التي وجدها عند خزيمة، فقال ابن شامة: «ومعنى قوله: فقدت آية كذا فوجدتها مع فلان؛ أنّه كان يطلّب نسخ القرآن من غير ما كتب بأمر النبي، فلم يجد كتابة تلك الآية إلاّ مع ذلك الشخص، وإلاّ فالآية كانت محفوظة عنده وعند غيره. وهذا المعنى أولى ممّا ذكره مكّي وغيره(2) : إنّهم كانوا يحفظون الآية لكنّهم نسوها، فوجدوها في حفظ ذلك الرجل فتذاكروها واثبتوها، لسماعهم إيّاها من النبيصلىاللهعليهوآله »(3) .
وأمّا أنّ عمر أتي بآية الرجم فلم يكتبها لأنّها كان وحده، فهي رواية مخالفة للمعقول والمنقول(4) وإن أمكن تأويلها ببعض الوجوه.
وهكذا تندفع الشبهة الثالثة.
وأمّا في المرحلة الثالثة: فإن عثمان - عندما اختلف المسلمون في القراءة - أرسل إلى حفصة يطلب منها ما جمع بأمر أبي بكر قائلاً: «أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثمّ نردّها عليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد ابن ثابت و فنسخوها في
__________________
(1) المرشد الوجيز: 75.
(2) كالزركشي في البرهان 1: 234.
(3) المرشد الوجيز: 75.
(4) الجواب المنيف في الردّ على مدّعي التحريف: 121.
المصاحف ...»(1) .
هذا هو الواقع في هذه المرحلة، وما خالفه يطرح أو يؤوّل كالحديث الذي روي: أنّه كان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان. أوّله ابن حجر على أنّ المراد من «الشاهدين» هو «الحفظ والكتابة»، وناقش البيهقي في سنده وتبعه ابن شامة وصبحي الصالح(2) ، قال ابن شامة بعد أن رواه: «وأخرج هذا الحديث الحافظ البيهقي في كتاب المدخل بمخالفة لهذا في بعض الألفاظ وبزيادة ونقصان فقال: جلس عثمان على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّما عهدكم بنبيّكمصلىاللهعليهوآله منذ ثلاث عشرة سنة، وأنتم تختلفون في القراءة، يقول الرجل لصاحبه: والله ما تقيم قراءتك. قال: فعزم على كل من كان عنده شيء من القرآن إلاّ جاء به، فجاء الناس بما عندهم، فجعل يسألهم عليه البيّنة أنّهم سمعوه من رسول الله. ثمّ قال: من أعرب الناس؟ قالوا: سعيد بن العاص، قال: فمن أكتب الناس؟ قالوا: زيد بن ثابت كاتب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: فليمل سعيد وليكتب زيد قال: فكتب مصاحف ففرّقها في الأجناد، فلقد سمعت رجالاً من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقولون: لقد أحسن.
قال البيهقي: فيه انقطاع بين مصعب وعثمان. وقد روينا عن زيد بن ثابت أنّ التأليف كان في زمن النبيصلىاللهعليهوآله وروينا عنه أنّ الجمع في الصحف كان في زمن أبي بكر والنسخ في
__________________
(1) صحيح البخاري 6: 225 - 226.
(2) مباحث في علوم القرآن: 76.
المصاحف كان في زمن عثمان، وكان ما يجمعون أو ينسخون معلوماً لهم، فلم يكن به حاجة إلى مسألة البيّنة.
قلت: لم تكن البيّنة على أصل القرآن، فقد كان معلوماً كما ذكروا، إنّما كانت على ما أحضروه من الرقاع المكتوبة، فطلب البيّنة عليها أنّها كانت كتبت بين يدي رسول الله، وبإذنه على ما سمع من لفظه على ما سبق بيانه، ولهذا قال: فليمل سعيد. يعني من الرقاع التي احضرت، ولو كانوا اكتبوا من حفظهم لم يحتج زيد فيما كتبه إلى من يمليه عليه.
فإن قلت: كان قد جمع من الرقاع في أيّام أبي بكر، فأيّ حاجة إلى استحضارها في أيّام عثمان؟
قلت: يأتي جواب هذا في آخر الباب»(1) .
قال أبو شامة: «وأمّا ما روي من أنّ عثمان جمع القرآن أيضاً من الرقاع كما فعل أبو بكر فرواية لم تثبت، ولم يكن له إلى ذلك حاجة وقد كفيه بغيره ويمكن أن يقال: إنّ عثمان طلب إحضار الرقاع ممّن هي عنده وجمع منها وعارض بما جمعه أبو بكر أو نسخ ممّا جمعه أبو بكر، وعارض بتلك الرقاع أو جمع بين النظر في الجميع حالة النسخ، ففعل كل ذلك أو بعضه استظهاراً ودفعاً لوهم من يتوهّم خلاف الصواب، وسدّاً لباب القالة: إنّ الصحف غيّرت أو زيد فيها أو نقص»(2) .
وأمّا ما رووا عن ابن مسعود من الطعن في زيد بن ثابت فكلّه
__________________
(1) المرشد الوجيز: 58 - 59.
(2) المرشد الوجيز: 75.
موضوع(1) . وإنّ عمل زيد لم يكن كتابةً مبتدأةً ولكنّة إعادة لمكتوب، فقد كتب في عصر النبيصلىاللهعليهوآله ، وإنّ عمله له يكن عملاً احادياً بل كان عملاً جماعياً(2) .
وأمّا المصاحف التي أمر بتحريقها - قال بعضهم -: «فإنّها - والله أعلم - كانت على هذا النظم أيضاً، إلاّ أنّها كانت مختلفة الحروف على حسب ما كان النبيصلىاللهعليهوآله سوّغ لهم في القراءة بالوجوه إذا اتّفقت في المعنى - وإن اختلفت في اللفظ -»(3) .
قال: «ويشهد بذلك ما روي عن محمد بن كعب القرظي، قال: رأيت مصاحف ثلاثة: مصحفاً فيه قراءة ابن مسعود، ومصحفاً فيه قراءة اُبيّ، ومصحفاً فيه قراءة زيد. فلم أجد في كلّ منها ما يخالف بعضها بعضاً»(4) .
ردّ أحاديث نقصان القرآن:
وأمّا أحاديث نقصان القرآن فالمعروف بينهم حملها على نسخ التلاوة، لئلا يلزم ضياع شيء من القرآن، ولا الطعن فيما أخرجه الشيخان وما رواه الأئمّة الأعيان، وقد ذكروا لها أيضاً وجوهاً من
__________________
(1) مباحث في علوم القرآن: 82.
(2) المعجزة الكبرى: 33.
(3) مقدّمتان في علوم القرآن: 45.
(4) مقدّمتان في علوم القرآن: 47.
التأويل سنذكرها.
ولكن - مع ذلك - نجد فيهم من يطعن في بعض تلك الأحاديث، فعن ابن الأنباري في: «ابن آدم وادياً»، ورواية عكرمة: «قرأ عليّ عاصم( لم يكن ) ثلاثين آية هذا فيها»:
«إنّ هذا باطل عند أهل العلم، لأنّ قراءتي ابن كثير وأبي عمرو متّصلتان بابيّ بن كعب لا يفرقان فيهما هذا المذكور في: لم يمكن»(1) .
وقال بعضهم في «آية الحميّة»: «روي عن عطيّة بن قيس، عن أبي إدريس الخولاني: إنّ أبا الدرداء ركب إلى المدينة في نفر من أهل دمشق ومعهم المصحف ليعرضوه على ابيّ بن كعب وزيد وغيرهما، فغدوا على عمر، فلمّا قرؤوا بهذه الآية: إذ جعل الّذين كفروا في قلوبهم الحميّة قال عمر: ما هذه القراءة؟ فقالوا: أقرأنا اُبيّ ...، فهذه وما يشبهها أحاديث لم تشتهر بين نقلة الحديث، وإنّما يرغب فيما من يكتبها طلباً للغريب»(2) .
وقال فيما ورد عن زرّ عن ابيّ بن كعب في عدد سورة الأحزاب(3) : «يحمل - إن صحّ، لأنّ أهل النقل ضعّفوا سنده - على أنّ تفسيرها ...»(4) .
وقال الطحاوي في «آية الرضاع»: «هذا ممّا لا نعلم أحداً رواه كما ذكرنا غير عبدالله بن أبي بكر، وهو عندنا وهم منه، أعني ما فيه
__________________
(1) مقدّمتان في علوم القرآن: 85.
(2) مقدّمتان في علوم القرآن: 92.
(3) في لفظ رواية كتاب «مقدّمتان في علوم القرآن»: «الأعراف».
(4) مقدّمتان في علوم القرآن: 82.
ممّا حكاه عن عائشة أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم توفي وهنّ ممّا يقرأ من القرآن. لأنّ ذلك لو كان كذلك لكان كسائر القرآن، ولجاز أن يقرأ به في الصلوات، وحاشا لله أن يكون كذلك، أو يكون قد بقي من القرآن ما ليس في المصاحف التي قامت بها الحجّة علينا ونعوذ بالله من هذا القول ممّن يقوله.
ولكن حقيقة هذا الحديث عندنا - والله أعلم - ما قد رواه من أهل العلم عن عمرة من مقداره في العلم وضبطه له فوق مقدار عبدالله بن أبي بكر وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر فهذا الحديث أولى من الحديث الذي ذكرناه قبله لأنّ محالاً أن يكون عائشة تعلم أن قد بقي من القرآن شيء لم يكتب في المصاحف، ولا تنبّه على ذلك من اغفله
وممّا يدلّ على فساد ما قد زاده عبدالله بن أبي بكر على القاسم بن محمد ويحيى بن سعيد في هذا الحديث: أنّا لا نعلم أحداً من أئمة أهل العلم روى هذا الحديث مع عبدالله بن أبي بكر غير مالك بن أنس. ثمّ تركه مالك فلم يقل به وقال بضدّه، وذهب إلى أنّ قليل الرضاع وكثيره يحرّم. ولو كان ما في هذا الحديث صحياً أنّ ذلك في كتاب الله لكان ممّا لا يخالفه ولا يقول بغيره»(1) .
وقال النحّاس بعد ذكر حديث آية الرضاع: «فتنازع العلماء هذا الحديث لما فيه من الإشكال، فمنهم من تركه وهو مالك بن أنس وهو راوي الحديث وممّن تركه أحمد بن حنبل وأبو ثور
وفي الحديث لفظة شديدة الإشكال، وهو قولها: فتوفي رسول الله
__________________
(1) مشكل الآثار 3: 7 - 8.
صلىاللهعليهوآله ، وهنّ ممّا يقرأ في القرآن. فقال بعض أجلّة أصحاب الحديث: قد روى هذا الحديث رجلان جليلان أثبت من عبدالله بن أبي بكر، فلم يذكرا أنّ هذا فيما، وهما: القاسم بن محمد بن أبي بكر، ويحيى بن سعيد الأنصاري. وممّن قال بهذا الحديث وأنّه لا يحرم إلاّ بخمس رضعات: الشافعي.
وأمّا القول في تأويل «وهنّ ممّا يقرأ في القرآن» فقد ذكرنا ردّ من ردّه، ومن صحّحه قال: الذي يقرأ من القرآن:( وأخواتكم من الرضاعة ) .
وأمّا قول من قال: إنّ هذا كان يقرأ بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فعظيم، لأنّه لو كان ممّا يقرأ لكانت عائشة قد نبّهت عليه، ولكان قد نقل إلينا في المصاحف التي نقلها الجماعة الّذين لا يجوز عليهم الغلط. وقد قال الله تعالى:( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) وقال:( إنّ علينا جمعه وقرآنه .. ) ولو كان بقي منه شيء لم ينقل إلينا لجاز أن يكون ممّا لم ينقل ناسخاً لما نقل، فيبطل العمل بما نقل، ونعوذ بالله من هذا فإنّه كفر»(1) .
وقال السرخسي: «والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى:( إنّا نحن نزّلنا الذكر ) وبه يتبيّن أنّه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته - صّى الله عليه وآله - وما ينقل من أخبار الآحاد شاذّ لا يكاد يصحّ شيء منها، وحديث عائشة لا يكاد يصحّ»(2) .
وقال الزركشي في الكلام على آية الرضاع: «وحكى القاضي أبو بكر في الإنتصار عن قوم إنكار هذا القسم، لأنّ الأخبار فيه أخبار
__________________
(1) الناسخ والمنسوخ: 10 - 11.
(2) الاصول 2: 78.
آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجّيّة فيها»(1) .
وقال صاحب المنار: «وروي عنها أيضاً أنّها قالت: كان فيما نزل من القرآن: (عشر رضعات معلومات يحرمن) ثمّ نسخن بـ (خمس رضعات معلومات يحرمن) فتوفي النبي وهي فيما يقرأ من القرآن. وقد اختلف علماء السلف والخلف في هذه المسألة ورواية الخمس هي المعتمدة عن عائشة وعليها العمل عندها قال الذاهبون إلى الإطلاق أو إلى التحريم بالثلاث فما فوقها: إنّ عائشة نقلت آية الخمس نقل قرآن لا نقل حديث، فهي لم تثبت قرآناً لأنّ القرآن لا يثبت إلاّ بالتواتر، ولم تثبت سنّة فتجعلها بياناً للقرآن، ولابدّ من القول بنسخها لئلاّ يلزم ضياع شيء من القرآن، وقد تكفّل الله بحفظه وانعقد الإجماع على عدم ضياع شيء منه، والأصل أن ينسخ المدلول بنسخ الدالّ لا أن يثبت خلافه. وعمل عائشة به ليس حجّة على إثباته. وظاهر الرواية عنها أنّها لا تقول بنسخ تلاوته فيكون من هذا الباب.
ويزاد على ذلك أنّه لو صحّ أنّ ذلك كان قرآناً يتلى لما بقي علمه خاصّاً بعائشة، بل كانت الروايات تكثر فيه ويعمل به جماهير الناس ويحكم به الخلفاء الراشدون، وكل ذلك لم يكن، بل المرويّ عن رابع الخلفاء وأول الأئمة الأصفياء القول بالإطلاق كما تقدّم، وإذا كان ابن مسعود قد قال بالخمس فلا يبعد أنّه أخذ ذلك عنها، وأمّا عبدالله بن الزبير فلا شك في أنّ قوله بذلك اتّباع لها، لأنّها خالته معلّمته، واتّباعه لها لا يزيد قولها قوّة ولا يجعله حجّة.
__________________
(1) البرهان في علوم القرآن 2: 39 - 40.
ثمّ إنّ الرواية عنها في ذلك مضطربة، فاللفظ الذي الذي أوردناه في أول السياق رواه عنها مسلم وكذا أبو داود ولانسائي، وفي رواية لمسلم: نزل في القرآن عشر رضعات معلومات ثمّ نزل أيضاً خمس معلومات. وفي رواية الترمذي: نزل في القرآن عشر رضعات معلومات فنسخ من ذلك خمس رضعات إلى خمس رضعات معلومات، فتوفي رسول اللهصلىاللهعليهوآله والأمر على ذلك. وفي رواية ابن ماجة: كان فيما أنزل الله - عزّ وجلّ - من القرآن ثمّ سقط: لا يحرّم إلاّ عشر وضعات أو خمس رضعات.
فهي لم تبيّن في شيء من هذه الروايات لفظ القرآن ولا السورة التي كان فيها، إلاّ أن يراد برواية ابن ماجة أنّ ذلك لفظ القرآن
- ثمّ قال بعد إيراد تأويلٍ قاله «الجامدون على الروايات من غير تمحيص» كما وصفهم -:
إنّ ردّ هذه الرواية عن عائشة لأهون من قبولها مع عدم عمل جمهور من السلف والخلف بها كما علمت. فإن لم نعتمد روايتها فلنا اسوة بمثل البخاري وبمن قالوا باضطرابها، خلافاً للنووي، وإن لم نعتمد معناها فلنا اسوة بمن ذكرنا من الصحابة والتابعين ومن تبعهم في ذلك كالحنفية. وهي عند مسلم من رواية عمرة عن عائشة. أو ليس ردّ رواية عمرة وعدم الثقة بها أولى من القول بنزول شيء من القرآن لا تظهر له حكمة ولا فائدة، ثمّ نسخة أو سقوطه أو ضياعه، فإنّ عمرة زعمت أنّ عائشة كانت ترى أنّ الخمس لم تنسخ؟! وإذاً نعتدّ بروايتها»(1) .
__________________
(1) المنار4: 471 - 474.
وأبطل صاحب الفرقان الأحاديث الواردة في «الرضاع» و «الرجم» و «لو كان لابن آدم ...» ونصّ على «دسّ الأباطيل في الصحاح»(1) .
وقال بعض المعاصرين: «نحن نستبعد صدور مثل هذه الآثار بالرغم من ورودها في الكتب الصحاح وفي بعض هذه الروايات جاءت العبارات التي لا تنّفق ومكانه عمر ولا عائشة، ممّا يجعلنا نطمئنّ إلى اختلاقها ودسّها على المسلمين»(2) .
وقال آخر في خبر ابن أشبة في المصاحف: إنّ عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها زيد لأنّه كان وحده: «هذه الرواية مخالفة للمعقول والمنقول»(3) .
وتنازع العلماء حديث إنكار ابن مسعود الفاتحة والمعوّذتين، ففي (الإتقان) عن الفخر الرازي: «نقل في بعض الكتب القديمة أنّ ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة والمعوّذتين من القرآن. وهو في غاية الصعوبة، لأنّا إن قلنا: إنّ النقل المتواتر كان حاصلاً في عصر الصحابة يكون ذلك من القرآن، فإنكاره يوجب الكفر، وإن قلنا: لم يكن حاصلاً في ذلك الزمان فيلزم أنّ القرآن ليس بمتواتر في الأصل. قال: والأغلب على الظنّ أنّ نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل باطل، وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة».
قال السيوطي: «وكذا قال القاضي أبو بكر: لم يصحّ عنه أنّها ليست من القرآن ولا حفظ عنه، وإنّما حكّها وأسقطها من مصحفه
__________________
(1) الفرقان: 157.
(2) النسخ في القرآن 1: 283.
(3) الجواب المنيف في الردّ على مدّعي التحريف: 121.
إنكاراً لكتابتها لا حجداً لكونها قرآناً
وقال النووي في شرح المهذّب: أجمع المسلمون على أنّ المعوّذتين والفاتحة من القرآن، وأنّ من جحد منها شيئاً كفر. وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح.
وقال ابن حزم في المحلّى: هذا كذب على ابن مسعود وموضوع، وإنّما صحّ عنه قراءة عاصم، عن زّر، عنه؛ وفيها المعوّذتان والفاتحة».
قال السيوطي: «وقال ابن حجر في شرح البخاري: قد صحّ عن ابن مسعود إنكار ذلك، فأخرج أحمد وابن حبّان عنه: أنّه كان لا يكتب المعوّذتين في مصحفه. وأخرج عبدالله بن أحمد في زيادات المسند والطبراني وابن مردويه من طريق الأعمش عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن بن يزيد النخعي، قال: كان عبدالله بن مسعود يحكّ المعوّذتين من مصحفه ويقول: إنّهما ليستا من كتاب الله. وأخرج البزّار والطبراني من وده آخر عنه أنّه: كان يحكّ المعوّذتين من المصحف ويقول: إنّما أم النبيصلىاللهعليهوآله أن يتعوّذ بهما وكان لا يقرأ بهما. أسانيده صحيحة. قال البزّار: لم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة، وقد صحّ أنّهصلىاللهعليهوآله قرأ بهما في الصلاة.
قال ابن حجر: فقول من قال: إنّه كذب عليه مردود، والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل، بل الروايات صحيحة والتأويل محتمل»(1) .
أقول: لكن لم نر من ابن حجر تأويلاً لهذه الأحاديث، فهو إحالة
__________________
(1) الاتقان في علوم القرآن 1: 270 - 272.
إلى غيره كما فعل بالنسبة إلى الأحاديث السابقة!!
قال السيوطي: «وقد أوّله القاضي وغيره على إنكار الكتابة كما سبق. وهو تأويل حسن، إلاّ إنّ الرواية الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك، حيث جاء فيها: ويقول: إنّهما ليستا من كتاب الله».
قال: ويمكن حمل لفظ كتاب الله على المصحف فيتمّ التأويل المذكور.
لكن من تأمّل سياق الطرق المذكورة إستبعد هذا الجمع.
وقد أجاب ابن الصبّاغ بأنّه لم يستقرّ عنده القطع بذلك ثمّ حصل الاتّفاق بعد ذلك، وحاصله: أنّهما كانتا متواترتين في عصره لكنّهما لم يتواترا عنده.
وقال ابن قتيبة في «مشكل القرآن»: «ظنّ ابن مسعود أنّ المعوّذتين ليستا من القرآن، لأنّه رأى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يعوّذ بهما الحسن والحسين، فأقام على ظنّه، ولا نقول: إنّه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار».
قال السيوطي: «وأمّا إسقاطه الفاتحة من مصحفه فليس لظنّه أنّها ليست من القرآن، معاذ الله، ولكنّه ذهب إلى أنّ القرآن إنّما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشكّ والنسيان والزيادة والنقصان، ورأى أنّ ذلك مأمون في الحمد لقصرها ووجوب تعلّمها على كلّ واحد»(1) .
أقول: هذه وجوه التأويل في حديث إنكار ابن مسعود كون
__________________
(1) الاتقان في علوم القرآن 1: 272.
الفاتحة والمعوّذتين من القرآن، ولهم في حمل الأحاديث الاخرى وجوه:
وقد حمل بعضهم عليه عدداً من الأحاديث، من ذلك ما ورد حول ما أسميناه بآية الجهاد فقال: يحمل على التفسير. والمراد من «أسقط من القرآن» أي: أسقط من لفظه فلم تنزل الآية بهذا اللفظ، لا أنّها كانت منزلة ثمّ اسقطت، وإلاّ فما منع عمر وعبد الرحمن من الشهادة على أنّ الآية من القرآن وإثباتها فيه؟!(1) .
ومن ذلك: ما ورد حول آية المحافظة على الصلوات عن عائشة وحفصة من إلحاق كلمة «وصلاة العصر» بقوله تعالى:( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) بأنّ الكلمة ادرجت على سبيل التفسير والإيضاح(2) .
ومن ذلك: ما ورد عن أبي موسى الأشعري حول سورة كانوا يشبّهونها في الطول والشدّة بسورة براءة، فقد ذكر بعضهم له وجوهاً منها: أنّه يجوز أن يكون تفسيراً، وحفظ منها أي من تفسيرها ومعناها(3) .
ومن ذلك: ما ورد عن زرّ بن حبيش، عن اُبيّ بن كعب، أنّه قال له: «كم تقرأ سورة الأعراف(4) ؟ قلت: ثلاثاً وسبعين آية ...»:
__________________
(1) مقدّمتان في علوم القرآن: 100.
(2) البرهان في علوم القرآن 1: 215، مباحث في علوم القرآن: 112، الناسخ والمنسوخ: 15.
(3) مقدّمتان في علوم القرآن: 97.
(4) كذا، والذي نقلناه سابقاً عن الدرّ المنثور عن طائفة من أهمّ مصادرهم: «الأحزاب».
فقد قيل: «يحمل إن صحّ - لأنّ أهل النقل صعّفوا سنده - على أنّ تفسيرها كان يوازي سورة البقرة، وأنّ في تفسيرها ذكر الرجم الذي وردت به السنّة»(1) .
وهذا وجه آخر اعتمد عليه بعض العلماء بالنسبة إلى عدد من الأحاديث:
ومن ذلك: قول أبي جعفر النحّاس وبعضهم في آية الرجم: «إسناد الحديث صحيح، إلاّ أنّه ليس حكمه حكم القرآن الذي نقله الجماعة عن الجماعة، ولكنّها سنّة ثابتة وقد يقول الإنسان: «كنت أقرأ كذا» لغير القرآن، والدليل على هذا أنّه قال: ولولا أني أكره أن يقال: زاد عمر في القرآن، لزدته»(2) .
ومن ذلك: قول بعضهم حول آية: «لو كان لابن آدم ...»: «إنّ هذا معروف في حديث النبيصلىاللهعليهوآله على أنّه من كلام الرسول لا يحكيه عن ربّ العالمين في القرآن ويؤيده حديث روي عن العبّاس بن سهل، قال: سمعت ابن الزبير على المنبر يقول: قال رسول الله: لو أنّ ابن آدم اعطي واديان ...»(3) .
وهو قال العلاّمة الزّبيدي حيث ذكره في كتابه في الأحاديث المتواترة قال: «الحديث الرابع والأربعون: لو أنّ لابن آدم وادياً من
__________________
(1) مقدّمتان في علوم القرآن: 83.
(2) الناسخ والمنسوخ: 8، مقدّمتان في علوم القرآن: 78.
(3) مقدّمتان في علوم القرآن: 85.
ذهب لأحبّ رواه من الصحابة خمسة عشر نفساً: أنس بن مالك وابن الزبير وابن عبّاس وابن كعب وبريدة بن الخصيب وأبو سعيد الخدري وسمرة بن جندب وعائشة وجابر بن عبد الله وزيد بن أرقم وأبو موسى الأشعري وسعد بن أبي وقّاص وأبو واقد الليثي وأبو امامة الباهلي وكعب بن عياض الأشعري ...»(1) .
وعليه حمل بعضهم آية الرضاع حيث قال: «يحمل على الحكم النازل سنّة لا على جهة القرآنية، وإلاّ لما أكله الداجن، والله يقول:( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) ولو كان من القرآن لما اجتمع فيه الناسخ والمنسوخ في آية واحدة، بل كانت الآية الناسخة تتأخّر عن المنسوخة، كما لا يجوز أن يجتمع حكمان مختلفان في وقت واحد وحال واحدة. وكيف يجوز أن يكون قرآن يتلى على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله - على ما أخبرت به عائشة - ولا يحفظه واحد من الصحابة»(2) قال: «ويدلّ على ذلك قولهصلىاللهعليهوآله : أوتيت القرآن ومثله معه، إنّه الحكمة»(3) .
وكذا حمل عليه آية الرجم، قال: «وهو الذي اعتمده، شيخي أبو جعفر محمد بن أحمد بن جعفر»(4) .
__________________
(1) مقدّمتان في علوم القرآن: 87 - 88.
(2) مقدّمتان في علوم القرآن: 81.
(3) مقدّمتان في علوم القرآن: 85 - 86.
(4) مقدّمتان في علوم القرآن: 86.
وهذا ما قاله بعضهم في ما سمّي بـ «سورة الحفد» و «سورة الخلع» فقال: «وأمّا ما ذكر عن اُبيّ بن كعب أنّه عدّ دعاء القنوت: اللهمّ إنّا نستعينك سورةً من القرآن، فإنّه - إن صحّ ذلك - كتبها في مصحفه لا على أنّها من القرآن، بل ليحفظها ولا ينساها احتياطاً، لأنّه سمع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقنت بها في صلاة الوتر - وكانت صلاة الوتر أوكد السنن ...»(1) .
__________________
(1) مقدّمتان في علوم القرآن: 75.
الفصل الرابع
نقد وتمحيص
قد ذكرنا أهمّ ما ورد في كتب أهل السنّة ممّا هو نصّ أو ظاهر في نقص القرآن وتحريفه ثمّ عقبناه بما قاله أكابرهم في توجيهه وتأويله أو ردّه وتزييفه
لقد استمعنا القول من هؤلاء وهؤلاء فأيّهما الأحسن حتى نتّبعه؟
إنّ هذه الآثار تفيد أنّ اؤلئك الأصحاب نسبوا «اللحن» و «الخطأ» و «الغلط» إلى القرآن وهذه جرأة على الله تعالى، وإثبات نقص له ولكتابه، وفي ذلك خروج عن الإسلام بلا كلام.
أمّا ما كان من هذه الآثار في الصحاح فأصحابها والقائلون بصحّة جميع أحاديثها ملزمون بها، فإمّا الإلتزام بما دلّت عليه، وإمّا التأويل اللائق والحمل على بعض الوجوه المحتملة.
وكذا الكلام بالنسبة إلى ما روي من هذا القبيل بأسانيد صحاح عندهم في خارج الصحاح.
وأمّا الّذين ردّوا هذه الأحاديث وهم كثيرون جدّاً، فقد اختلفت كلماتهم في كيفية الردّ، لأنّ منهم من يضعّف الرواية أو يستبعدها تنزيهاً للصحابي عن التفوّه بمثل الكلام، حتى أنّ بعضهم قال: «ومن روى عن ابن عبّاس فهو طاعن في الإسلام، ملحد في الدين، وابن عبّاس بريء من هذا القول»(1) . ومنهم من يقول: «هذا القول فيه نظر» أو: «لا يخفى ركاكة هذا القول» ونحو ذلك وظاهر هؤلاء تصحيح الحديث اعتماداً على رجاله، ثمّ الردّ على الصحابة أنفسهم.
وعلى كل حال فإنّ هذه الفئة من العلماء متّفقة على أنّ هذه الأحاديث لا يجوز تصديقها قال الزمخشري بتفسير:( أفلم ييئس الّذين آمنوا ... ) (2) : «ومعنى أفلم ييئس: أفلم يعلم ويدلّ عليه: أنّ علياً وابن عبّاس وجماعة من الصحابة والتابعين قرؤوا: أفلم يتبيّن، وهو تفسير أفلم ييئس. وقيل: إنّما كتبه الكاتب وهو ناعس مستوي السينات.
وهذا ونحوه ممّا لا يصدّق في كتاب الله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتاً بين
__________________
(1) البحر المحيط 6: 445.
(2) سورة الرعد: 31.
دفّتي الإمام، وكان متقلّباً في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله، المهيمنين عليه، لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصاً عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي عليها البناء؟!! وهذه - والله - فرية ما فيها مرية»(1) .
فهذا موقف القائلين ببطلان هذه الآثار.
أمّا الفئة الاولى الدائر أمرهم بين الالتزام بمداليل الآثار وبين التأويل المقبول لدى الأنظار، فقد اختار جمع منهم طريق التأويل:
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «الطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل، بل الروايات صحيحة والتأويل محتمل»(2) وقال أيضاً في الآية:( أفلم ييأس ) :
«وروى الطبري وعبد بن حميد - بإسناده صحيح كلّهم من رجال البخاري - عن ابن عبّاس: أنّه كان يقرؤها: أفلم يتبيّن: ويقول: كتبها الكاتب وهو ناعس. ومن طريق ابن جريح، قال: زعم ابن كثير وغيره أنّها القراءة الاولى: وهذه القراءة جاءت عن علي وابن عبّاس وعكرمة وابن أبي مليكة وعلي بن بديمة وشهر بن حوشب وعلي بن الحسين وابنه زيد وحفيده جعفر بن محمد، في آخرين قرؤوا كلّهم: أفلم يتبيّن.
وأمّا ما أسنده الطبري عن ابن عبّاس فقد اشتدّ إنكار جماعة ممّن لا علم له بالرجال صحّته، وبالغ الزمخشري في ذلك كعادته - إلى أن
__________________
(1) الكشّاف 2: 531.
(2) فتح الباري وعنه في الإتقان 1: 270.
قال: - وهي والله فرية مافيها مرية، وتبعه جماعة بعده والله المستعان، وقد جاء عن بن عبّاس نحو ذلك في قوله تعالى:( وقضى ربّك ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه ) قال: (ووصّى) التزقت الواو في الصاد. أخرجه سعيد بن منصور بإسناد جيّد عنه.
وهذه الإشياء - وإن كان غيرها المعتمد - لكن تكذيب المنقول بعد صحّته ليس من دأب أهل التحصيل، فلينظر في تأويله بما يليق به»(1) .
وظاهر كلمات ابن حجر في الموردين هو العجز عن الإتيان بتأويل،يساعده اللفظ ويرضاه «أهل التحصيل»
نعم ذكر في قوله تعالى:( يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم ... ) (2) : «أخرج سعيد بن منصور والطبري والبيهقي في الشعب بسند صحيح: أنّ ابن عبّاس كان يقرأ: (حتى تستأذنوا) ويقول: أخطأ الكاتب، وكان يقرأ على قراءة اُبيّ بن كعب، ومن طريق مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي، قال: في مصحف ابن مسعود (حتى تستأذنوا). وأخرج سعيد بن منصور من طريق مغيرة، عن إبراهيم: في مصحف عبدالله: (حتى تسلّموا على أهلها وتستأذنوا). وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في أحكام القرآن عن ابن عبّاس واستشكله. وكذا طعن في صحّته جماعة ممّن بعده.
وأجيب: بأنّ ابن عبّاس بناها على قراءته التي تلقّاها عن ابيّ بن كعب. وأمّا اتّفاق الناس على قراءتها بالسين فلموافقة خطّ المصحف
__________________
(1) فتح الباري 8: 301.
(2) سورة النور: 27.
الذي وقع الاتّفاق على عدم الخروج عمّا يوافقه. وكان قراءة ابيّ من الأحرف التي تركت القراءة بها - كما تقدّم تقريره في فضائل القرآن -. وقال البيهقي: يحتمل أن يكون ذلك كان في القراءة الاول ثمّ نسخت تلاوته. يعني: ولم يطّلع ابن عبّاس على ذلك»(1) .
أقول: وفي هذا الجواب نظر من وجوه:
أولاً: إنّ هذا الجواب - إن تمّ - فهو توجيه لقراءة ابن عبّاس، لا لقوله في كتابة المصحف: «أخطأ الكاتب».
وثانياً: كون هذه القراءة «من الأحرف التي تركت القراءة بها» يبتني على ما رووه من أنّه «نزل القرآن على سبعة أحرف» هذا المبنى الذي اختلفوا في معناه وتطبيقه اختلافاً شديداً، وذكروا له وجوهاً كثيرة جداً لا يرجع شيء منها الى محصّل(2) .
__________________
(1) فتح الباري: 11: 6.
(2) يمكن الاطلاّع على ما ذكروه بمراجعة مقدّمات التفاسير، وكتب علوم القرآن، وفتح الباري في شرح البخاري 9: 22 - 30 وغيرها. وقد وقع القوم بالتزامهم بصحّة أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف في مأزق كبير جدّاً، وكان عليهم الالتزام بلوازمه الفاسدة التي منها القول بتحريف القرآن وضياع حروف نزّل عليها من السماء ولو أردنا الدخول في هذا البحث لطال بنا المقام، وقد تقدّم بعض ما يتعلّق به فيما سبق، ويكفي أن نقول بأنّ المرويّ صحيحاً عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام : «إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكنّ الاختلاف يجيء من قبل الرواة» وفي آخر: «كذبوا أعداء الله، ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد» [ الكافي 2: 461 باب النوادر | حديث 12 و 13 ].
وثالثاً: ما احتمله البيهقي يبتني على القول بنسخ التلاوة، وسيأتي البحث عنه مفصّلاً.
ورابعاً: قول ابن حجر: «يعني: ولم يطّلع ابن عبّاس» غريب جدّاً، إذ كيف يخفى على مثل ابن عبّاس نسخ تلاوة شيء من القرآن وهو حبر هذه الأمّة وإمام الأئمة في علوم القرآن؟!.
هذا النسبة إلى ما رووه عن ابن عبّاس ونصّوا على صحّته، ثمّ عجزوا عن تأويله «التأويل اللائق».
وأجابوا عمّا رووه عن عثمان بجوابين، ذكر هما السيوطي - بعد أن قال: «هذا الآثار مشكلة جدّاً» - وقد نقلنا عبارته سابقاً.
وقال الشهاب الخفاجي - بعد كلام الكشّاف: «ولا يلتفت ...» -: «وقيل عليه: لا كلام في نقل النظم تواتراً، فلا يجوز اللحن فيه أصلاً، وهل يمكن أن يقع في الخطّ لحن بأن يكتب «المقيمون» بصورة «المقيمين» بناءً على عدم تواتر صورة الكتابة؟ وما روي عن عثمان وعائشة أنّهما قالا: إنّ في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها - على تقدير صحّة الرواية - يحمل على اللحن في الخطّ. لكنّ الحقّ: ردّ هذه الرواية وإليه أشار - أي الكشّاف - بقوله: إنّ السابقين
(قال): أقول: هذا إشارة إلى ما نقله الشاطبي في الرائية وبيّنه شرّاحه وعلماء الرسم العثماني بسند متّصل إلى عثمان أنّه لمّا فرغ من المصحف قال السخاوي: وهو ضعيف والإسناد فيه اضطراب وانقطاع وتأوّل قوم (اللحن) في كلامه على تقدير صحّته عنه بأنّ المراد الرمز والإيماء.
(قال): تنبيه: قد نخلنا القول وتتبّعنا كلامهم ما بين معسول ومغسول فآل ذلك إلى أنّ قول عثمان فيه مذهبا، أحدهما: أنّ المراد باللحن ما خالف الظاهر، وهو موافق له حقيقة ليشمل الوجوه تقديراً واحتمالاً. وهذا ما ذهب إليه الداني وتابعه كثيرون. والرواية فيه صحيحة.
والثاني: ما ذهب إليه ابن الأنباري من أنّ (اللحن) على ظاهره، وأنّ الرواية غير صحيحة»(1) .
أقول: وكأن المتأوّلين التفتوا إلى كون تأويلاتهم مزيّفة، فالتجؤوا إلى القول بأنّ تلك الآثار «محرّفة» فقد جاء في الإتقان عن ابن أشتة: أنّه روى الحديث بإسناده عن عثمان وليس فيه لفظ «اللحن» بل إنّه لمّا نظر في المصحف قال: «أحسنتم وأجملتم، أرى شيئاً سنقيمه بألسنتنا». قال: «فهذا الأثر لا إشكال فيه وبه يتّضح معنى ما تقدّم ولعلّ من روى تلك الآثار السابقة عنه حرّفها ولم يتقن اللفظ الذي صدر عن عثمان، فلزم ما لزم من الإشكال. فهذا أقوى ما يجاب عن ذلك».
قال السيوطي بعد إيراد الأجوبة عن حديث عثمان: «وبعد، فهذه الأجوبة لا يصحّ منها شيء من حديث عائشة. أمّا الجواب بالتضعيف فلأنّ إسناده صحيح كما ترى ...»(2) .
أقول: هذه عمدة ما ورد في هذا الباب ممّا التزموا بصحّته، وقد عرفت أن لا تأويل صحيح له عندهم، فهم متورّطون في أمر خطره عظيم،
__________________
(1) عناية القاضي 3: 201.
(2) الإتقان 2: 320 - 326.
إمّا الطعن في القرآن، وإمّا الطعن في هؤلاء الصحابة الأعيان!!!
ولا ريب في أنّ نسبة «الخطأ» إلى «الصحابة» أولى منه إلى «القرآن» وسيأتي - في الفصل الخامس - بعض التحقيق في حال الصحابة علماً وعدالة، هذا أولاً.
وثانياً: إنّ القول بعدم جواز تكذيب المنقول بعد صحّته - كما هو مذهب الحافظ ابن حجر العسقلاني - غير صحيح، إذ الحديث إذا خالف الكتاب أو السنّة القطعية أو الضروري من الدين أو الجمع عليه بين المسلمين يطرح وإن كان في الكتب المسمّاة بالصحاح كما سيأتي - في الفصل الخامس - ذكر نماذج من ذلك
أقول: والذي يهوّن الخطب في هذا المقام: أنّ كثيراً من هذه الآثار في سندها «عكرمة مولى ابن عبّاس» وخاصّة الحديث عن عثمان: «إنّ المصاحف لمّا نسخت عرضت عليه فوجد فيها حروفاً من اللحن فقال: اتركوها ...» والحديث عن ابن عبّاس في الآية:( أفلم ييئس ... ) حيث قال: «أظنّ الكتاب كتبها وهو ناعس».
«وعكرمة» من أظهر مصاديق «الزنادقة» و «أعداء الإسلام» الّذين نسب إليهم اختلاق مثل هذه الآثار، في كلام جماعة من العلماء الكبار، كالحكيم الترمذي، وأبي حيّان الأندلسي، وصاحب «المنار» ...
لقد كان هذا الرجل طاعناً في الإسلام، مستهتراً بالدين
والمسلمين، من أعلام الضلالة ودعاة السوء:
فقد نقلوا عن قوله: إنّما أنزل الله متشابه القرآن ليضلّ به.
وأنّه قال في وقت الموسم: وددت أنّي اليوم بالموسم وبيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً.
وأنّه وقف على باب مسجد النبيصلىاللهعليهوآله وقال: ما فيه إلاّ كافر.
وأنّه قدم البصرة فأتاه أيّوب وسليمان التميمي ويونس، فبينما هو يحدّثهم سمع صوت غناء، فقال عكرمة: اسكتوا فنستمع. ثم قال: قاتله الله، لقد أجاد.
وعن أبي بكر بن أبي خيثمة: رأيت في كتاب علي بن المديني: سمعت يحيى ابن سعيد يقول: حدّثوني - والله - عن أيّوب أنّه ذكر: أنّ عكرمة لا يحسن الصلاة: قال أيّوب، أو كان يصلّي؟!
وعن سماك، قال: رأيت في يد عكرمة خاتماً من الذهب.
وعن رشدين بن كريب: رأيت عكرمة قد أقيم قائماً في لعب النرد.
وإنّما أخذ أهل إفريقية رأي الصفرية - وهم من غلاة الخوارج - من عكرمة وذكروا أنه نحل ذلك الرأي إلى ابن عبّاس.
وعن يحيى بن معين: إنّما لم يذكر مالك بن أنس عكرمة، لأنّ عكرمة كان ينتحل رأي الصفرية.
وقال الذهبي: قد تكلّم الناس في عكرمة، لأنّه كان يرى رأي الخوارج.
ثمّ إنّه نسب تارة إلى «الإباضية» واخرى إلى «الصفرية» وثالثة إلى «نجدة الحروري» وكأنّه كان كلّما جاء فرقة جعل نفسه منهم طمعاً في دنياهم قالوا: وقد طلبه والي المدينة فتغيّب عند داود بن الحصين حتى مات عنده.
كذب على ابن عبّاس، وقد أوثقه علي بن عبدالله بن العبّاس على باب كنيف الدار فقيل له: أتفعلون هذا بمولاكم؟ قال: إنّ هذا يكذب على أبي.
وعن سعيد بن المسيّب أنّه قال لمولاه: يا برد، إيّاك أن تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عبّاس.
وعن القاسم: إنّ عكرمة كذّاب، يحدّث غدوة ويخالفة عشيّة.
وقال ابن عمر لنافع: إتّق الله - ويحك يا نافع - لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عبّاس.
وعن ابن سيرين ويحيى بن معين ومالك بن أنس: كذّاب.
وعن ابن ذويب: رأيت عكرمة مولى ابن عبّاس وكان غير ثقة.
وقال طاوس: لو أنّ عبد ابن عبّاس إتّقى الله وأمسك عن بعض حديثه لشدّت إليه المطايا.
وقد اشتهر تكذيب الناس إيّاه وطعنهم فيه حتى أنه كان يقول: «هؤلاء يكذّبون من خلفي، أفلا يكذّبوني في وجهي»(1) .
__________________
(1) حاول ابن حجر العسقلاني [ مقدّمة فتح الباري: 427 ] توجيه الكلام، ولكن لا ينفعه ذلك، فحال عكرمة تشبه حال أبي هريرة الذي قال للناس:
قال موسى بن يسار: رأيت عكرمة جائياً من سمرقند وهو على حمار تحته جوالقان - أو خرجان - حرير أجازه بذلك عامل سمرقند ومعه غلام. قال: وسمعت عكرمة بسمرقند وقيل له: ما جاء بك إلى هذه البلاد؟ قال: الحاجة.
وقال عبد المؤمن بن خالد الحنفي: قدم علينا عكرمة خراسان فقلت له: ما أقدمك إلى بلادنا؟ قال: قدمت آخذ من دنانير ولاتكم ودراهمهم.
وقال عبدالعزيز بن أبي رواد: قلت لعكرمة: تركت الحرمين وجئت إلى خراسان! قال: أسعى على بناتي.
وقال أبو نعيم: قدم على الوالي بأصبهان فأجازه بثلاثة آلاف درهم.
وقال عمران بن حدير: رأيت عكرمة وعمامته منخرقة فقلت: ألا اعطيك عمامتي؟ فقال: إنّا لا نقبل إلاّ من الامراء.
أبو طالب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان عكرمة من أعلم الناس ولكنّه كان يرى رأي الصفرية ولم يدع موضعاً إلاّ خرج إليه، خراسان والشام واليمن ومصر وإفريقية، كان يأتي الامراء فيطلب جوائزهم، وأتى الجند إلى طاووس فأعطاه ناقة.
ومن الطبيعي أن يستجيب هكذا رجل لرغبات الولاة والامراء
__________________
أتزعمون أنّي أكذب على الله ورسوله وأحرق نفسي بالنار ...؟!
فيضع كل ما تقتضيه السياسة ويدعم الحكومات الجائرة
ومن الطبيعي أيضاً سقوط هكذا إنسان في المجتمع الإسلامي، فلا تبقى قيمة لا له ولا لأحاديثه حتى إذا مات فلا تشيّع جنازته ولا يصلّى عليه كما ذكر المؤرّخون في ترجمة عكرمة وأضافوا أنّه قد اتّفق موت عكرمة وكثير عزّة الشاعر الشيعي في يوم واحد فشهد الناس جنازة كثير وتركوا جنازة عكرمة. قيل: فما حلمه أحد واكتروا له أربعة رجال من السودان.
6 - قدح الأكابر فيه وتكذيبه:
ولهذه الأور وغيرها كذّب عكرمة كبار الأئمّة الأعلام - الّذين طالما اكتفى علماء الجرح والتعديل بطعن واحدٍ منهم - منهم: ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وابن سيرين، ومالك بن أنس، والشافعي - حيث حكى كلام مالك وقرّره - وسعيد بن المسيّب، والقاسم، ويحيى بن سعيد.
وحرّم مالك الرواية عنه، وأعرض عنه مسلم، وقال مسلم محمد بن سعد: ليس يحتجّ بحديثه، وقال غيره: غير ثقة(1) .
__________________
(1) المصادر المنقول ترجمة عنها عكرمة هي: تهذيب الكمال، تهذيب التهذيب 7: 273 - 263، طبقات ابن سعد 5: 287، وفيات الأعيان 1: 319 ميزان الاعتدال 3: 93، المغني في الضعفاء 2: 84، سير أعلام النبلاء 5: 9، الضعفاء الكبير 3: 373.
ومع هذا كلّه فإنّ البخاري يروي عنه!! ولكن لا عجب إذ «كلّ يعمل على شاكلته» بل العجب من ابن حجر، حيث ينبري للدفاع عن «عكرمة البربري» والمقصود هو الدفاع عن «صحيح البخاري» فكيف يدافع عمّن تجرّأ على الله، واستهزأ بشعائره، واستخفّ بأحكامه، وطعن في القرآن، واستحلّ دماء المسلمين ...؟ وكيف يدافع عمّن كذّبه الأئمة الثقات حتى ضربوا بكذبه المثل لاشتهاره بهذه الصفة؟ وكيف يدافع عمّن امتنع الناس من حمل جنازته والصلاة عليها؟!
ويتلخّص البحث في هذه الناحية في النقاط التالية:
1 - إنّ الآثار المشتملة على وقوع «الخطأ» في القرآن الكريم باطلة وإن كانت مخرّجة في الصحاح وفي غيرها بأسانيد صحيحة وفاقاً لمن قال بهذا من أعلام المحقّقين من أهل السنّة كما عرفت ووجود الأحاديث الباطلة في الصحاح الستّة أم ثابت، وعدد الاحاديث من هذا القبيل فيها ليس بقليل كما ستعرف.
2 - إنّ التأويلات التي ذكرت من قبل القائلين بصحّة هذه الآثار لا تحلّ المشكلة كما عرفت، ولذا اضطرّ بعضهم إلى القول بأنّها محرّمة، والتزم بالإشكال بعض آخر، ومنه قول ابن قتيبة: «ليست تخلو من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب أو تكون غلطاً من الكاتب كما ذكرت عائشة، فإن كانت على مذاهب النحو والنحويّين فليس ها هنا لحن والحمدالله، وإن كانت على خطأ في الكتاب فليس
على الله ولا على رسوله جنابة الكاتب في الخطّ»(1) .
3 - إنّ مصادرة كتاب «الفرقان» - إن كانت لأجل إثبات «اللحن» في الكتاب - لا تحلّ المشكلة بشكل من الأشكال، فإنّ صاحب هذا الكتاب ينقل الآثار المتضمّنة لهذا المعنى عن الكتب المعتبرة والتي اخرجت فيها تلك الآثار بأسانيد صحيحة على شرط الشيخين، ثمّ يؤكّدها بقوله: «ليس ما قدّمناه من لحن الكتاب في المصحف بضائرة أو بمشكّك في حفظ الله تعالى له، بل إنّ ما قاله ابن عبّاس وعائشة وغيرهما من فضلاء الصحابة وأجلاًء التابعين أدعى لحفظه وعدم تغييره وتبديله. وممّا لا شكّ فيه أنّ كتّاب المصحف من البشر يجوز عليهم ما يجوز على سائرهم من السهو والغفلة والنسيان. والعصمة لله وحده
ومثل لحن الكتّاب كلحن المطابع ...»(2) .
وعلى هذا الأساس يدعو هذا المؤلف إلى تغيير الرسم العثماني وجعل الألفاظ كما ينطق بها اللسان وتسمعها الآذان، بل ينقل عن العزّ ابن عبد السلام أنّه قال بعدم جواز كتابه المصحف بالرسم الأول(3) .
أقول: إنّ مسألة الرسم والخطّ هي أيضاً من المشاكل المترتّبة على القول بصحّة هذه الآثار عن الصحابة والالتزام بصدورها عنهم - فإن لم تكن مترتّبة عليه فلا أقلّ من أن يكون القول بصحّة تلك الآثار سنداً ومتناً مؤيّداً لمن يدعو إلى تغيير الرسم والكتابة - ونحن هنا لا نتعرّض لهذه المسألة، بل نقول بأنّ استدلال مؤلف كتاب «الفرقان» أو استشهاده
__________________
(1) مشكل القرآن: 40.
(2) الفرقان: 41 - 46.
(3) الفرقان: 58.
بهذه الآثار تامّ، وأنّه لا يلام على إيراده تلك الآثار في كتابه، بل اللوم على من يرويها ويصحّح أسانيدها ويخرجها في كتابه وأنّ طريق الجواب هو ردّها وإبطالها على ما ذكرناه بالتفصيل ...
لقد وعد الله سبحانه نبيّه بحفظ القرآن وبيانه، وضمن له عدم ضياعه ونسيانه.
وكان النبيصلىاللهعليهوآله كلّما نزل من القرآن شيء أمر بكتابته ويقول في مفرقات الآيات: ضعوا هذا في سورة كذا(1) .
وكانصلىاللهعليهوآله يعرضه على جبرئيل في شهر رمضان في كل عام مرّة، وعرضه عليه عام وفاته مرّتين(2) .
وحفظه في حياته جماعة من أصحابه، وكل قطعة كان يحفظها جماعة كبيرة أقلّهم بالغون حدّ التواتر هذا هو الحقّ والأمر الواقع
وقد أوردنا أحاديث القوم في قضية جمع القرآن ووجدناها متناقضة وعقّبناها بذكر ما قيل أو يمكن أن يقال في معناها ووجه الجمع فيما بينها فهل ترتفع المشكلة بهذا الاسلوب؟
لابدّ قبل الورود في البحث من أن نقول:
لقد كان أمير المؤمنين عليعليهالسلام أعلم الناس بكتاب الله
__________________
(1) مسند أحمد 1: 57، الترمذي 11: 225، أبو داود 1: 290، المستدرك 2: 230.
(2) صحيح البخاري 1: 101 وغيره.
- عزّ وجلّ - عند المخالف والمؤالف، وهو القائل: «والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت»(1) والقائل: «سلوني عن كتاب الله، فإنّه ليس آية إلاّ وقد عرفت أبليل نزلت أن بنهار، في سهل أو جبل»(2) .
وهو الذي قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حقّه:
«علي أعلم الناس بالكتاب والسنّة»(3) .
وقال: «علي مع القرآن والقرآن مع علي»(4) .
وناهيك بحديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها»(5) .
وعليعليهالسلام استاذ ابن عبّاس في التفسير، وقد ذكر القوم أنّ «أعلم الناس بالتفسير أهل مكّة لأنّهم أصحاب ابن عبّاس»(6) .
فلماذا لم يعدّه أنس بن مالك - ولا غيره - من حفّاظ القرآن، ومن الّذين أم الرسولصلىاللهعليهوآله بتعلّمه منهم والرجوع إليهم فيه، فيما رواه البخاري في صحيحه؟!
ثمّ إنّهعليهالسلام رتّب القرآن الكريم ودوّنه بعيد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله من القراطيس التي كان مكتوباً عليها،
__________________
(1) حلية الأولياء 1: 67، أنساب الأشراف 1: 99.
(2) أنساب الأشراف 1: 99، الاستيعاب 3: 1107.
(3) المعيار والموازنة: 102.
(4) المستدرك 3: 124، الصواعق: 76 و 77، كفاية الطاب: 254.
(5) من الأحاديث المتواترة بين المسلمين. بحثنا عنه سنداً ودلالةً في الجزء العاشر وتالييه من أجزاء كتابنا (نفحات الازهار في خلاصة عبقات الأنوار).
(6) الإتقان 2: 385.
فكان له مصحف تامّ مرتّب يختصّ به كما لعدّة من الصحابة في الأيام اللاحقة، وهذا من الامور المسلّمة تاريخياً عند جميع المسلمين(1) ومن جلائل فضائل سيّدنا أمير المؤمنين فلما ذا لم يستفيدوا منه؟!
ولعلّ إعراض القوم عن مصحف علي هو السبب في قدح ابن حجر العسقلاني(2) ومن تبعه كالآلوسي(3) في الخبر الحاكي له مع أنّ هذا الأمر من الامور الثابتة الضرورية المستغنية عن أيّ خبر مسند لكنّ هؤلاء يحاولون توجيه ما فعله القوم أو تركوه كلّما وجدوا إلى ذلك سبيلاً ..!!
ثمّ إنّه لماذا لم يدعوا الإمامعليهالسلام ولم يشركوه في جمع القرآن؟! فإنّا لا نجد ذكراً له فيمن عهد إليهم أمر جمع القرآن في شيء من أخبار القضية، لا في عهد أبي بكر ولا في عهد عثمان فلماذا؟! ألا، إنّ هذه امور توجب الحيرة وتستوقف الفكر!!
وبعد فإنّ التحقيق - كما عليه أهله من عامّة المسلمين - أنّ القرآن قد كتب كلّه في عهد النبيصلىاللهعليهوآله بعده، وجمع في الصدور والسطور معاً من قبل جماعة من أصحابهصلىاللهعليهوآله غير أنّ الجامعين له - أي: الحافظين في
__________________
(1) انظر: فتح الباري 9: 9، الاستيعاب - ترجمة أبي بكر -، الصواعق: 78، الإتقان 1: 99، حلية الأولياء 1: 67، التسهيل لعلوم التنزيل 1: 4 المصنّف لابن أبي شيب 1: 545، طبقات ابن سعد 2: 338.
(2) فتح الباري 9: 9.
(3) روح المعاني 1: 21.
صدورهم - أكثر ممّن كتبه، كما أنّ من كتبه بتمامه فكان ذا مصحف يختصّ به أقلّ ممّن كان عنده سور من القرآن كتبها واحتفظ بها لنفسه فهل كان الجامعون له بتمامه أربعة كما عن أنس بن مالك(1) وعبدالله بن عمرو(2) أو خمسة كما عن محمد بن كعب القرظي(3) أو ستّه كما عن الشعبي(4) أو تسعة كما عن النديم(5) ؟!
إنّ الجامعين للقرآن أكثر من هذه الأعداد وأمّا حديث الحصر في الأربعة وأنّ كلّهم من الأنصار - كما عن أنس بن مالك - فنحن نستنكره تبعاً لجماعة من الأئمّة كما ذكر الحافظ السيوطي ولا نتكلّف تأويله ولا ننظر في سنده ..
بل الكلام في أنس بن مالك نفسه لأنّا قد وجدناه رجلاً كاذباً كاتماً للحقّ، آبياً عن الشهادة به، في قضية مناشدة أمير المؤمنين بحديث الغدير فإنّ أنس بن مالك كان في الناس الّذين نشدهم أمير المؤمنينعليهالسلام وطلب منهم الشهادة بما سمعوا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم غدير خم فقام القوم فشهدوا إلاّ ثلاثة منهم لم يقوموا فدعا عليهم فأصابتهم دعوته، منهم أنس بن مالك إذا قال له الإمام: «يا أنس، ما يمنعك أن تقوم فتشهد ولقد حضرتها؟
__________________
(1) صحيح البخاري 6: 102.
(2) صحيح البخاري 6: 102، صحيح مسلم 7: 149.
(3) الإتقان 1: 72، منتخب كنز العمّال 2: 47.
(4) الإتقان 1: 72، البرهان 1: 241.
(5) الفهرست: 30.
فقال: يا أمير المؤمنين كبرت ونسيت، فقال: اللّهم إن كان كاذباً فارمه بيضاء لا تواريها العمامة، فكان عليه البرص»(1) .
ووجدناه كاذباً في قضية حديث الطائر فإنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا اتي إليه طائر مشوي ليأكل منه وقال: «اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإليّ يأكل معي من هذا الطائر» كان يترقّب دخول عليعليهالسلام عليه، وكان أنس كلّما جاء علي ليدخل ردّه قائلاً: «إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله على حاجة» حتى كانت المرة الأخيرة، فرفع علي يده فوكز في صدر أنس ثمّ دخل فلما نظر إليه رسول اللهصلىاللهعليهوآله قام قائماً فضمّه إليه وقال: ما أبطأ بك يا علي؟! قال: يا رسول الله، قد جئت ثلاثاً كل ذلك يردّني أنس، قال أنس: فرأيت الغضب في وجه رسول الله وقال: يا أنس، ما حملك على ردّه؟! قلت: يا رسول الله سمعتك تدعو، فأحببت أن تكون الدعوة في الأنصار، قال: «لست بأوّل رجل أحبّ قومه، أبي الله يا أنس إلاّ أن يكون ابن أبي طالب»(2) .
إنّه يكذب غير مرّة، ويمنع أحبّ الناس إلى الله ورسوله من الدخول، ويتسبّب في تأخير استجابة دعوة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، و كما يحصر حفّاظ القرآن في أربعة من الأنصار حبّاً لهم ..!!.
إنّ الباعث له على ما فعل في قصّة الطائر ليس «حبّ الأنصار»
____________
(1) انظر: نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار | قسم حديث الغدير، والغدير 1: - 191: 195.
(2) حديث الطير من الأحاديث المتواترة، تجده في جلّ كتب الحديث والفضائل، وله طرق كثيرة جدّاً حتى أفرده بعضهم بالتأليف وكلّها تشتمل على صنيع أنس بن مالك وهذا الحديث أيضاً من الأحاديث المبحوث عنها بالتفصيل في كتابنا (نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار) في الجزئين: 13 - 14.
بل «بغض الأمير» هذه الحقيقة التي كشف عنها بكتمان الشهادة بحديث «الغدير» ...
وعلى كلّ حال، فإن القرآن كان مجموعاً على عهد الرسولصلىاللهعليهوآله وإنّ الجامعين له - حفظاً وكتابة - على عهده كثيرون
وإذا كان القرآن مكتوباً على عهد النبيصلىاللهعليهوآله وكان الأصحاب يؤلّفونه بأمره - كما يقول زيد بن ثابت -(1) فلا وزن لما رووه عن زيد أنّه قال: قبض رسول الله ولم يكن القرآن جمع في شيء»(2) لأنّ «التأليف» هو «الجمع» قال ابن حجر: «تأليف القرآن: أي جمع آيات السورة الواحدة أو جمع السور مرتّبة في المصحف»(3) .
وعلى هذا الأساس، يجب رفض ما رووه من الأحاديث في أنّ «أوّل من جمع القرآن أبوبكر» أو «عمر» أو غيرهما من الأصحاب بأمرهما لأنّ الجمع في المصحف قد حصل قبل أبي بكر فلا وجه لقبول هذه الأحاديث - حتى لو كانت صحيحة سنداً - كي نلتجئ إلى حمل «فكان [ عمر ] أوّل من جمعه في المصحف»(1) مثلاً على أنّ المراد:
__________________
(1) المستدرك 2: 662.
(2) الإتقان 1: 202.
(3) فتح الباري 9: 8.
(4) الإتقان 1: 204.
«أشار على أبي بكر أن يجمعه»(1) جمعاً بينه وبين ما دلّ على أنّ «الأول» هو «أبو بكر».
وكذا نرفض ما أخرجه البخاري عن زيد بن ثابت أنّه قال: «أرسل إليّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة ...»(2) لوجوه منها:
أولاً: إنّ القرآن كان مجموعاً مؤلّفاً على عهد النبيصلىاللهعليهوآله أو بعيد وفاته بأمر منه، وإذ قد فعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذلك كيف يقول زيد لأبي بكر: «كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول اللهصلىاللهعليهوآله »؟!
وثانياً: قوله: «فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال» يناقضه ما دلّ على كونه مؤلّفاً ومدوّناً على عهد النبيصلىاللهعليهوآله وقد رواه هو بل رووا أنّ جبريل عرض القرآن على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في عام وفاته مرّتين، بل ذكر ابن قتيبة أنّه كا آخر عرض قام به رسول اللهصلىاللهعليهوآله للقرآن على مصحف زيد بن ثابت نفسه(3) .
وثالثاً: قوله: «حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره» ممّا اضطرب القوم في معناه، كما اختلفوا في اسم هذا الرجل الذي وجد عنده ذلك(4) .
__________________
(1) فتح الباري 9: 10.
(2) صحيح البخاري 6: 225.
(3) المعارف: 260.
(4) فتح الباري 9: 12، إرشاد الساري 7: 448، المرشد الوجيز: 43، البرهان 1: 236، مناهل العرفان 1: 266.
وكذا نرفض ما أخرجه ابن أبي داود: «إنّ أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين من كتاب الله فاكتباه»(1) قال ابن حجر: «رجاله ثقات مع انقطاعه». فإنّه بغضّ النظر عمّا في سنده تدفعه الضرورة، فلا حاجة إلى الوجوه التي ذكرها ابن حجر التوجيهه حيث قال: «كأنّ المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة، أو المراد أنّهما يشهدان على أنّ ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو المراد أنّهما يشهدان على أنّ ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن، وكان غرضهم أن لا يكتب إلاّ من عين ما كتب بين يدي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا مجرّد الحفظ»(2) مع أنّ بعض تلك الوجوه غير قابل للتصديق به أبداً.
ولهذا الحديث - في الدلالة على كتابة القرآن بشهادة شاهدين - نظائر في كتبهم نذكر بعضها مع إسقاط أسانيده:
1 - «لمّا قتل أهل اليمامة أمر أبو بكر عمر بن الخطّاب وزيد بن ثابت فقال: أجلسا على باب المسجد فلا يأتينّكما أحد بشيء من القرآن تنكرانه يشهد عليه رجلان إلاّ أثبتمّاه؛ وذلك لأنّه قتل باليمامة ناس من أصحاب رسول الله قد جمعوا القرآن»(3) .
2 - «أراد عمر بن الخطّاب أن يجمع القرآن فقام في الناس
__________________
(1) المصاحف: 55.
(2) فتح الباري 9: 11.
(3) منتخب كنز العمّال 2: 45.
فقال: من كان تلقّى من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم شيئاً من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شهيدان، فقتل وهو يجمع ذلك إليه، فقام عثمان فقال: من كان عنده من كتاب الله شيء فليأتنا به، وكان لا يقبل من ذلك شيئاً حتى يشهد عليه شهيدان، فجاء خزيمة بن ثابت فقال: إنّي قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، قالوا: وما هما؟ قال: تلقّيت من رسول الله( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم ... ) إلى آخر السورة. فقال عثمان: وأنا أشهد أنّهما من عند الله، فأين ترى أن نجعلهما؟ قال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن، فختمت بهما براءة»(1) .
3 - «كان عمر لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد رجلان، فجاء رجل من الأنصار بهاتين الآيتين:( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ... ) إلى آخرها، فقال عمر: لا أسألك عليها بيّنة أبداً، كذلك كان رسول الله»(2) .
4 - خزيمة بن ثابت: «جئت بهذا الآية:( لقد جاءكم ... ) على عمر بن الخطّاب وإلى زيد بن ثابت، فقال زيد: من يشهد معك؟ قلت: لا والله ما أدري. فقال عمر: أنا أشهد معه على ذلك»(3) .
5 - زيد بن ثابت: «لمّا كتبنا المصاحف فقدرت آية كنت أسمعها من رسول اللهصلىاللهعليهوآله فوجدتها عند خزيمة بن
__________________
(1) منتخب كنز العمّال 2: 45.
(2) منتخب كنز العمّال 2: 45 - 46.
(3) منتخب كنز العمّال 2: 46.
ثابت:( من المؤمنين رجال صدقوا ... ) وكان خزيمة يدعى ذا الشهادتين، أجاز رسول اللهصلىاللهعليهوآله شهادته بشهادة رجلين»(1) .
6 - «أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب إلاّ بشهادة عدلين، وإنّ آخر سورة براءة لم توجد إلاّ مع أبي خزيمة ابن ثابت، فقال: اكتبوها فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جعل شهادته بشهادة رجلين، فكتب. وإنّ عمر أتى بآية الرجم فلم نكتبها لأنّه كان وحده»(2) .
وممّا يزيد بطلان هذه الأحاديث وضوحاً وجود التكاذب فيما بينها، وبيان ذلك:
إنّ الحديث الثاني صريح في أنّ الجمع كان في زمن عمر والآتي بالآيتين خزيمة بن ثابت والشاهد معه عثمان. لكن في الثالث «جاء رجل من الأنصار» وقال عمر: «لا أسألك عليها بيّنة أبداً كذلك كان رسول الله». وفي الرابع: «فقال زيد: من يشهد معك؟» قال خزيمة: «لا والله ما أدري، فقال عمر: أنا أشهد معه». وفي السادس: أنّ الجمع كان في زمن أبي بكر والكاتب زيد «فكان لا يكتب آية إلاّ بشهادة عدلين» وأنّ آخر سورة براءة لم توجد إلاّ مع خزيمة بن ثابت، فقال: «أكتبوها فإنّ رسول الله جعل شهادته بشهادة رجلين».
وأيضاً: وجود التكاذب بينها وبين الحديث التالي: «إنّهم جمعوا القرآن في المصاحف في خلافة أبي بكر، وكان رجال يكتبون ويملي
__________________
(1) منتخب كنز العمّال 2: 49 و 52.
(2) الإتقان 1: 101.
عليهم اُبَيّ، فلمّا انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة:( ثم انصرفوا صرف الله ... ) فظنّوا أنّ هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال اُبَيّ بن كعب: أقرأني بعدها آيتين:( لقد جاءكم رسول ... ) (1) .
وهكذا ترتفع جميع الشبهات حول القرآن الكريم بعد سقوط الأحاديث التي هي المناشيء الأصليّة لها ...
ويبقى الكلام حول ما صنعه عثمان فهل جمع القرآن من جديد؟ وكيف؟ وبواسطة من؟
لقد اختلفت أحاديث القوم وكلمات علمائهم في هذا المقام أيضاً، وقد أشرنا إلى بعض ذلك فيما تقدّم ولمّا كان الصحيح كون القرآن مكتوباً على عهد الرسولصلىاللهعليهوآله ومجموعاً مدوّناً قبل عهد عثمان بزمن طويل، بل لا دور لمن تقدّم عليه في جمعه فالصحيح أنّ الذي فعله عثمان على عهده لم يكن إلاّ جمع المسلمين على قراءة واحدة، وهي القراءة المشهورة المتعارفة بينهم، المتواترة عن النبيصلىاللهعليهوآله ومنعهم عن القراءات الاخرى المبنيّة على أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف.
أمّا هذا العمل فلم ينتقده عليه أحد من المسلمين، لأنّ مصاحف الصحابة والتابعين كانت مختلفة، حتى أنّ بعض العلماء ألّف في أختلافها كتاباً خاصاً،(2) وكان لكل من الصحابة أتباع في البلاد يقرؤون على
__________________
(1) مجمع الزوائد 7: 35.
(2) أنظر: المصاحف لابن أبي داود السجستاني.
قراءته، ومن الطبيعي أن يؤدّي الإختلاف في قراءة القرآن إلى ما لا تحمد عقباه
بل أعلن بعض الأصحاب تأييده لما قام به عثمان، ورووا عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال: «لا تقولوا في عثمان إلاّ خيراً، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلاّ عن ملأٍ منّا. قال: ما تقولون في هذه القراءة، فقد بلغني أنّ بعضهم يقول: إنّ قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفراً، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا يكون فرقة ولا اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت(1) .
وعنه أنّه قال: «لو ولّيت لفعلت مثل الذي فعل»(2) .
وقد يؤيّده نقل السيّد ابن طاووس ذلك وسكوته عليه، حيث جاء في الباب الثاني الذي عقده لنقل أشياء من كتب التفاسير ونقدها: «فصل فيما نذكره من كتاب عليه: جزء فيه اختلاف المصاحف تأليف أبي جعفر محمد بن منصور رواية محمد بن زيد بن مروان، قال في السطر الخامس من الوجهة الاولة منه: إن القرآن جمعه على عهد أبي بكر زيد بن ثابت، وخالفة في ذلك أبي وعبدالله بن مسعود وسالم ومولى أبي حذيفة، ثم عاد عثمان جمع القرآن برأي مولانا علي بن أبي طالب ...»(3) .
وأيضاً: أنّ عدج الآي والسور الذي عليه أكثر القرّاء كما تقدم في الفصل الخامس من الباب الأول عن عدةٍ من أعلام الإمامية هو
__________________
(1) فتح الباري 9: 15.
(2) إرشاد الساري 7: 448، البرهان 1: 240 وغيرهما.
(3) سعد السعود: 278.
العدد الكوفي كما ذكر الشيخ الطوسي(1) وقد ذكر الشيخ الطبرسي في أوّل تفسيره. «أن عدد أهل الكوفة أصح الأعداد وأعلاها إسناداً، لأنه مأخوذ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب»(2) .
وأيضاً: قول العلاّمة الحلّي: «يجب أن يقرأ بالمتواتر من الآيات وهو ما تضمنّه مصحف عليعليهالسلام ، لأن أكثر الصحابة اتّفقوا عليه، وأحرق عثمان ما عداه، ولا يجوز أن يقرأ مصحف ابن مسعود ولا أبي ولا غيرهما»(3) .
نعم، انتقد على عثمان أخذه المصاحف من أصحابها بالقوّة وإحراقه لها، وقد رووا عن ابن مسعود الإمتناع من تسليم مصحفه والإنتقاد الشديد لتقديم زيد بن ثابت عليه
قلت: أمّا امتناعه من تسليم مصحفه فهو من الامور الثابتة التي لا تقبل الخدش، ولا حاجة إلى ذكر أخباره ومصادر، وأمّا اعتراضه على تقديم زيد بن ثابت ففيه روايات صحيحة عندهم فقد روى الحافظ ابن عبدالبرّ، عن الأعمش، عن شقيق، قال: «لمّا أمر عثمان في المصاحف بما أمر قام عبدالله بن مسعود خطيباً فقال: أيأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت؟! والّذي نفسي بيده لقد أخذت من فيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله سبعين سورة وأنّ زيد بن ثابت لذو ذؤابة يلعب به الغلمان، والله ما نزل من القرآن شيء إلاّ وأنا أعلم في أيّ
__________________
(1) التبيان 10: 438.
(2) مجمع البيان 1: 11.
(3) تذكرة الفقهاء 1: 115.
شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله منّي، ولو أعلم أحداً تبلّغنيه الإبل أعلم بكتاب الله منّي لأتيته. ثمّ استحيى ممّا قال فقال: وما أنا بخيركم، قال شقيق: فقعدت في الحلق فيها أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله فما سمعت أحداً أنكر ذلك عليه ولا ردّ ما قال»(1) .
فهذا الحديث يكشف عن مدى تألّم ابن مسعود وتضجره وشدّة اعتراضه وانتقاده لتقديم زيد بن ثابت عليه ومثله أحاديث وآثار اخرى.
وهذا الموضع أيضاً من المواضع المشكلة ولذا اضطرب القوم فيه إضطراباً شديداً، أمّا البخاري فقد أخرج الحديث محرّفاً وتصّرف فيه تستّراً على عثمان وزيد، فرواه عمن الأعمش، عن شقيق، قال: «خطبنا عبد الله فقال: والله لقد أخذت من فيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بضعاً وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله أنّي من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم. قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت رادّاً يقول غير ذلك»(2) .
وأمّا إبن أبي داود فقد ترجم باب رضى ابن مسعود بعد ذلك بما صنع عثمان، لكن لم يورد ما يصّرح بمطابقة ما ترجم به(3) .
__________________
(1) الإستيعاب 3: 993.
(2) صحيح البخاري بشرح ابن حجر 9: 39.
(3) فتح الباري 9: 40.
وقال بعضهم: ما رووا عن ابن مسعود من الطعن في زيد بن ثابت كلّه موضوع(1) .
وأمّا ما كان من عثمان بالنسبة إلى ابن مسعود فمشهور في التاريخ، فقد ضربه حتى كسر بعض أضلاعه، ومنعه عطاءه، ووقعت بينهما منافرة شديدة حتى عهد ابن مسعود إلى عمّار أن لا يصلّي عثمان عليه. وعاده عثمان في مرض الموت فقال له: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي. فقال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: أدعو لك طبيباً؟ قال: الطيب أمرضني. قال: أفلا آمر لك بعطائك؟ قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه وتعطينية وأنا مستغن عنه؟ قال: يكون لولدك. قال: رزقهم على الله تعالى. قال: إستغفر لي يا أبا عبد الرحمن. قال: أسأل الله أن يأخذ لي عنك حقّي»(2) .
قلت: ما رواه الأعمش عن شقيق أخرجه مسلم والنسائي وأبو عوانة وابن أبي داود وسواء كان صحيحاً أو موضوعاً فإنّ أمر جميع ما ورد حول القرآن. مشتملاً على دور لزيد بن ثابت فيه. مريب
لأنّ هذا الرجل الذي كان حين قدوم رسول اللهصلىاللهعليهوآله المدينة ابن إحدى عشرة سنة(3) قد جعلوه من مؤلّفي القرآن على
__________________
(1) مباحث في علوم القرآن، لصبحي الصالح: 82.
(2) اُسد الغابة 3: 259، تاريخ ابن كثير 7: 163، الخميس 2: 268، السيرة الحلبيّة 2: 78، شرح النهج 1: 236. نقلاً عن هامش نهج الحق: 295.
(3) الاستيعاب 2: 536.
عهد الرسول وأنّه على قراءة عارض جبريل القرآن مع النبي عام وفاتهصلىاللهعليهوآله وأنّه الذي جمع القرآن الموجود على عهد عثمان بأمره وأن القرآن الموجود على حرف زيد ...!!
فإن صحّ هذا كلّه فهي «شنشنة أعرفها من أخزم».
ولكنّ محمد بن كعب القرظي لم يذكر زيداً فيمن جمع القرآن على عهد النبيصلىاللهعليهوآله (1) .
وأمّا على عهد أبي بكر فقد عرفت بطلان أحاديث الجمع على عهده، على أنّ أبا بكر لم يصفه إلاّ بـ «إنّك رجل شابّ عاقل لا نتّهمك» وما كا فيه شيء يتقدّم به على ابن عبّاس وابن مسعود واُبَيّ بن كعب وأضرابهم من حفّاظ القرآن وقرّائه والعلماء فيه
مضافاً إلى أنّ قوماً من أهل السنّة عارضوا بهذا الحديث حديث أنس بن مالك أنّ زيد بن ثابت أحد الّذين جمعوا القرآن على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله قالوا: «فلو كان زيد قد جمع القرآن على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأملاه من صدره وما احتاج إلى ما ذكر»(2) .
وأمّا حديث معارضة القرآن على قراءته - كما عن ابن قتيبة - فقد تكذّبه رواية وكيع وجماعة معه، عن الأعمش عن أبي ظبيان «قال: قال لي عبدالله بن عبّاس: أيّ القراءتين تقرأ؟ قلت: القراءة الأولى قراءة ابن امّ عبد، فقال: أجل هي الآخرة، إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يعرض القرآن على جبرئيل في كلّ عام مرّة، فلمّا كان العام الذي
__________________
(1) الإتقان 1: 272، منتخب كنز العمّال 2: 370.
(2) الاستيعاب 2: 538.
قبض فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله عرضه عليه مرّتين، فحضر ذلك عبدالله فعلم ما نسخ من ذلك وما بدّل»(1) .
ويتلخّص البحث في هذه الناحية في النقاط التالية:
1 - إنّ القرآن الكريم كان مكتوباً على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكان حفّاظه وقرّاؤه يفوق عددهم حدّ التواتر بكثير.
2 - إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام جمع القرآن الكريم على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثمّ رتّبه ودوّنه بعد وفاته على ترتيب نزوله، وذكر فيه الناسخ والمنسوخ وبعض التفسير والتأويل.
3 - إنّ الخلفاء الثلاثة لا دور لهم في جمع القرآن ولا في كتابته ولا في حفظه، لا على عهد الرسولصلىاللهعليهوآله ولا في عهد حكومتهم.
4 - إنّ الذي فعله عثمان هو ترتيب سور القرآن كما هو موجود الآن، من غير زيادة فيه ولا نقصان، وحمل الناس على قراءة هذا المصحف ونبذ القراءات الاخرى التي كان عليها تبعاً لأصحابها.
وهي أنّه لو أطاع المسلمون نبيّهمصلىاللهعليهوآله وامتثلوا أمره بالرجوع إلى أهل بيته من بعده والتمسك بهم والتعلم منهم - كما
__________________
(1) الاستيعاب 3: 992.
في حديث الثقلين المتواتر وغيره - لأخذوا القرآن وعلومه من عين صافية، ولكن هل علم الذي قال: «حسبنا كتاب الله» ثم منع عن كتابة السنّة وسعى وراء عزل أهل البيت عن قيادة الامّة، وحرمها من العلوم المودعة عندهمعليهالسلام بأنّ القرآن سيمزّقه على المدى البعيد على يد «الوليد»، فلا يبقى كتاب ولا سنّة ولا عترة؟!
إنّه قد يصعب على بعض الناس القبول بترتّب كل هذه الآثار، بل تغيّر مصيرامّة بكاملها على كلمة واحدة قالها قائلها!!
وأمّا أخبار نقصان القرآن فقد ذكرنا ردّ من ردّها مطلقاً، وتأويلات من صحّحها، وأشرنا إلى أنّ المعروف بين المتأوّلين هو الحمل على نسخ التلاوة لكنّا نبحث عن هذه الآثار على التفصيل الآتي:
أمّا ما كان من هذه الآثار ضعيفاً سنداً فهو خارج عن دائرة البحث وقد عرفت ممّا تقدّم أنّ هذا حال قسم ممّا يدلّ على نقصان.
وأمّا التي صحّت سنداً فهي أخبار آحاد، ولا كلام ولا ريب في عدم ثبوت القرآن بخبر الواحد.
ثمّ إنّ ما أمكن حمله منها على تفسير وبيان شأن النزول ونحو ذلك فلا داعي للردّ والتكذيب له - كما لم يجز الأخذ بظاهره الدالّ عل النقصان - فإنّ عدّة من الأصحاب كانوا قد كتبوا القرآن، وكان بين مصاحفهم الإختلاف في ترتيب السور وقراءة الآيات وما شاكل ذلك. وإنّ بعضهم قد أصناف إلى الآيات ما سمعه من النبيصلىاللهعليهوآله من التفسير والتوضيح لها، ومن هذا القبيل جلّ ما في أجزاء
الآيات، كآية ولاية النبي، وآية المحافظة على الصلوات، وآية المتعة، وآية( يا أيّها الرسول بلّغ ... ) وأمثالها ...
وإن لم يمكن - أو لم يتمّ - الحمل على بعض الوجوه كما هو الحال فيما ورد حول سور وآيات كاملة اسقطت من القرآن فإمّا الحمل على نسخ التلاوة وإمّا الردّ والتكذيب ...
لكنّ الحمل على نسخ التلاوة دون الحكم أو هما معاً غير تامّ لوجوه:
الأول: إنّه لا أصل للقسمين المذكورين من النسخ وتوضيح ذلك: أنّهم قالوا: بأنّ النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب، أحدها: ما نسخ لفظه وبقي حكمة. والثاني: ما نسخ لفظه وحكمة معاً. والثالث: ما نسخ حكمه دون لفظه. وقد مثّلوا للضرب الأول بآية الرجم، ففي الصحيح عن عمر: «إنّ الله بعث محمداً بالحقّ وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل عليه آية الرجم فقرأتها وعقلتها ووعيتها». قال ابن حزم: «فأمّا قول من لا يرى الرجم أصلاً فقول مرغوب، عنه لأنّه خلاف الثابت عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد كان نزل به قرآن، ولكنّه نسخ لفظه وبقي حكمه»(1) .
__________________
(1) المحلّى 11: 334.
وعلى ذلك حمل أبو شامة(1) وكذا الطحاوي، قال: «لكنّ عمر لم يقف على النسخ فقال ما قال، ووقف على ذلك غيره من الأصحاب، فكان من علم شيئاً أولى ممّن لم يعلمه، وكان علم أبي بكر وعثمان وعلي بخروج آية الرجم من القرآن ونسخها من أولى من ذهاب ذلك على عمر»(2) .
قال السيوطي: «وأمثلة هذا الضرب كثيرة» ثمّ حمل عليه قول ابن عمر: «لا يقولنّ ...» وما روي عن عائشة في سورة الأحزاب، وما روي عن أبيّ وغيره من سورة الخلع والحفد(3) .
وفي (المحلّى) بعد أن روى قال أبيّ في عدد آيات سورة الأحزاب: «هذا إسناد صحيح كالشمس لا مغمز فيه» قال: «ولو لم ينسخ لفظها لأقرأها اُبَيّ بن كعب زرّاً بلا شكّ، ولكنّه أخبره بأنّها كانت تعدل سورة البقرة ولم يقل له: إنّها تعدل الآن، فصحّ نسخ لفظها»(4) .
ومثّلوا للثاني بآية الرّضاع عن عائشة: «كان ممّا انزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن ثمّ نسخن بخمس رضعات يحرّمن، فتوفي رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهنّ ممّا يقرأ من القرآن». رواه الشيخان. وقد تكلّموا في قولها: «وهنّ ممّا يقرأ» فإنّ ظاهره بقاء التلاوة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وليس كذلك وقد تقدّم بعض الكلام فيه قال مكّي: «هذا المثال فيه المنسوخ غير متلوّ،
__________________
(1) المرشد الوجيز: 42: 43.
(2) مشكل الآثار 3: 5 - 6.
(3) الإتقان 2: 81.
(4) المحلّى 11: 234.
والناسخ أيضاً غير متلوذ ولا أعلم له نظيرا»(1) .
وقال الآلوسي: «اسقط زمن الصدّيق مالم يتواتر وما نسخت تلاوته، وكان يقرؤه من لم يبلغه النسخ وما لم يكن في العرضة الأخيرة، ولم يأل جهداً في تحقيق ذلك، إلاّ أنّه لم ينتشر نوره في الآفاق إلاّ زمن ذي النورين. فلهذا نسب إليه» ثمّ ذكر طائفة من الآثار الدالّة على نقصان القرآن عن أحمد والحاكم وغيرهما فقال: «ومثله كثير، وعليه يحمل ما رواه أبو عبيد عن ابن عمر، قال: لا يقولّون والروايات في هذا الباب أكثر من أن تحصى، إلاّ أنّها محمولة على ما ذكرناه»(2) .
وفي آية الرّضاع قال: «والجواب: أنّ جميع ذلك منسوخ كما صرّح بذلك ابن عبّاس فيما مرّ، ويدلّ على نسخ ما في خبر عائشة أنّه لو لم يكن منسوخاً لزم ضياع بعض القرآن لم ينسخ، وإنّ الله تعالى قد تكفّل بحفظه، وما في الرواية لا ينافي النسخ ...»(3) .
ووافق الزرقاني على حمل هذه الآحاديث على النسخ لورود ذلك في الأحاديث(4) .
لكنّ جماعة من علمائهم المتقدّمين والمتأخرين ينكرون القسمين المذكورين من النسخ، ففي الإتقان بعد أن ذكر الضرب الثالث - ما نسخ تلاوته دون حكمه - وأمثلته: «تنبيه: حكى القاضي أبو بكر في الإنتصار عن قوم إنكار هذا الضرب، لأنّ الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجّة فيها.
__________________
(1) الإتقان 2: 70.
(2) روح المعاني 1: 24.
(3) روح المعاني 1: 228.
(4) مناهل العرفان 2: 225.
وقال أبو بكر الرازي: نسخ الرسم والتلاوة إنّما يكون بأن ينسيهم الله إيّاه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف، فيندرس على الأيّام كشائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله:( إنّ هذا لفي الصّحف الاولى صحف إبراهيم وموسى ) ولا يعرف اليوم منها شيء.
ثمّ لا يخلو ذلك من أن يكون في زمان النبيصلىاللهعليهوآله حتى إذا توفي لا يكون متلوّاً في القرآن أو يموت وهو متلوّ بالرسم ثم ينسيه الله الناس ويرفعه من أذهانهم، وغير جائز نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله »(1) ثمّ أورد كلام الزركشي الآتي ذكره.
وقال الشوكاني: «منع قوم من نسخ اللفظ من بقاء حكمه، وبه جزم شمس الدين السرخسي، لأنّ الحكم لا يثبت بدون دليله»(2) .
وحكى الزرقاني عن جماعة في منسوخ التلاوة دون الحكم: إنّه مستحيل عقلاً، وعن آخرين منع وقوعه شرعاً(3) .
ولم يصحّح الرافعي القول بنسخ التلاوة وأبطل كلّ ما حمل على ذلك وقال: «ولا يتوهّمنّ أحد أنّ نسبة بعض القول إلى الصحابة نصّ في أنّ ذلك المقول صحيح ألبتّة، فإنّ الصحابة غير معصومين، وقد جاءت روايات صحيحة بما أخطأ فيه بعضهم من فهم أشياء من القرآن على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وذلك العهد هو ما هو. ثمّ بما
____________
(1) الإتقان 2: 85، وانظر البرهان 2: 39 - 40.
(2) إرشاد الفحول: 189 - 190، وتقدّم نصّ عبارة السرخسي عن اصوله 2: 78.
(3) مناهل العرفان 2: 112.
وهل عنه بعضهم ممّا تحدّثوا من أحاديثه الشريفة، فأخطأوا في فهم ما سمعوا، ونقلنا في باب الرواية من تاريخ آداب العرب أنّ بعضهم كان يرّد على بعض فيما يشبه لهم أنّه الصواب خوف أن يكونوا قد وهموا على أنّ تلك الروايات القليلة [ فيما زعموه كان قرآناً وبطلت تلاوته ](1) إن صحّت أسانيدها أو لم تصحّ فهي على ضعفها وقلّتها ممّا لا حفل به ما دام إلى جانبها إجماع الامّة وتظاهر الروايات الصحيحة وتواتر النقل والأداء على التوثيق»(2) .
وقال صبحي الصالح: «والولوع باكتشاف النسخ في آيات الكتاب أوقع القوم في أخطاء منهجية كان خليقاً بهم أن يتجنّبوها لئلاّ يحملها الجاهلون حملاً على كتاب الله لم يكن خفيّاً على أحد منهم أنّ الآية القرآنية لا تثبت إلاّ بالتواتر، وأنّ أخبار الآحاد ظنّية لا قطيعة، وجعلو النسخ في القرآن - مع ذلك - على ثلاثة أضرب: نسخ الحكم دون التلاوة، ونسخ التلاوة دون الحكم، ونسخ الحكم والتلاوة جميعاً.
وليكثروا إن شاؤوا من شواهد الضرب الأول، فإنّهم فيه لا يمسّون النصّ القرآني من قريب ولا بعيد، إذ الآية لم تنسخ تلاوتها بل رفع حكمها لأسرار تروبية وتشريعية يعلمها الله، أمّا الجرأة العجيبة ففي الضربين الثاني والثالث، اللذين نسخت فيهما بزعمهم تلاوة آيات معيّنة، إمّا مع نسخ أحكامها وإمّا دون نسخ أحكامها.
والناظر في صنيعهم هذا سرعان ما يكتشف فيه خطأ مركّباً
__________________
(1) ما بين القوسين ذكره في الهامش. قلت: ما ذكره في الجواب عن هذه الآحاديث هو الحقّ لكنّ وصفها بالقلّة في غير محلّة فهي كثيرة بل أكثر من أن تحصى كما تقدّم في عبارة الآلوسي.
(2) إعجاز القرآن: 44.
فتقسيم المسائل إلى أضرب إنّما يصلح إذا كان لكل ضرب شواهد كثيرة أو كافية على الأقلّ ليتيسّر استنباط قاعدة منها، وما لعشّاق النسخ إلاّ شاهد أو اثنان على كلّ من هذين الضربين [ أمّا الضرب الذي نسخت تلاوته دون حكمه فشاهده المشهور ما قيل من أنّه كان في سورة النور: الشيخ والشيخة أنظر: تفسير ابن كثير 3: 261، وممّا يدلّ على اضطراب الرواية: أنّ في صحيح ابن حبّان ما يفيد أنّ هذه الآية التي زعموا نسخ تلاوتها كانت في سورة الأحزاب لا في سورة النور، وأمّا الضرب الذي نسخت تلاوته وحكمه معاً فشاهده المشهور في كتب الناسخ والمنسوخ ماورد عن عائشة أنّها قالت: كان فيما انزل من القرآن ](1) وجميع ما ذكروه منها أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخة بأخبار آحاد لا حجّة فيها.
وبهذا الرأي السديد أخذ ابن ظفر في كتابه الينبوع، إذ أنكر عدّ هذا ممّا نسخت تلاوته، قال: لأنّ خبر الواحد لا يثبت القرآن»(2) .
وقال مصطفى زيد وهو ينكر نسخ التلاوة دون الحكم: «وأمّا الآثار التي يحتجّون بها فمعظمها مرويّ عن عمر وعائشة، ونحن نستبعد صدور مثل هذه الآثار عنهما، بالرغم من ورودهما في الكتب الصحاح وفي بعض هذه الروايات جاءت العبارات التي لا تتّفق ومكانه عمر ولا عائشة، ممّا يجعلنا نطمئن إلى اختلافها ودسّها على المسلمين»(3) .
__________________
(1) ما بين القوسين مذكور في الهامش.
(2) مباحث في علوم القرآن: 265 - 266.
(3) النسخ في القرآن 1: 283.
وقال الخضري: «لا يجوز أن يرد النسخ على التلاوة دون الحكم، وقد منعه بعض المعتزلة وأجازة الجمهور، محتجّين بأخبار آحاد لا يمكن أن تقوم برهاناً على حصوله. وأنا لا أفهم معنى لآية أنزلها الله تعالى لتفيد حكماً ثم يرفعها مع بقاء حكمها»(1) .
هذا، وستأتي كلمات بعض أعلامهم في خصوص بعض الآثار.
وكذا أنكر المحقّقون من الإمامية القسمين المذكورين من النسخ
فقد قال السيد المرتضى: «ومثال نسخ التلاوة دون الحكم غير مقطوع به لأنّه من خبر الآحاد، وهو ما روي أنّ من جملة القرآن: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة، فنسخت تلاوة ذلك. ومثال نسخ الحكم والتلاوة معاً موجود في أخبار الآحاد وهو ما روي عن عائشة ...»(2) .
وقد تبعه على ذلك غيره(3) .
الثاني: وعلى فرض تمامية الكبرى فإنّه لا دليل على أنّ هذه الآيات التي حكتها الآثار المذكور منسوخة، إذ لم ينقل نسخها، ولم يرد في حديث عن النبيصلىاللهعليهوآله في واحد منها أنّها منسوخة، ولقد كان المفروض أن يبلّغصلىاللهعليهوآله الأمّة بالنسخ كما
__________________
(1) تاريخ التشريع الاسلامي.
(2) الذريعة إلى اصول الشريعة 1: 428.
(3) البيان في تفسير القرآن: 304.
بلّغ بالنزول.
فقد ورد في الحديث أنّه قال لابيّ: «إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن» فقرأ عليه (آية الرغبة)، فلو كانت منسوخة - كما يزعمون - لأخبره بذلك ولنهاه عن تلاوتها، ولكنّه لم يفعل - إذا لو فعل لنقل - ولذا بقي اُبَيّ - كما في حديث آخر عن أبي ذرّ - يقرأ الآية بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم معتقداً بكونها من آي القرآن العظيم.
ونازع عمر ابيّاً في قراءته (آية الحميّة) وغلّط له، فخصمه ابيّ بقوله: «لقد علمت أنّي كنت أدخل على النبيصلىاللهعليهوآله ويقرؤني وأنت بالباب، فإن أحببت أن أقرىء الناس على ما أقرأني وإلاّ لم أقرىء حرفاً ما حييت»، فقال له عمر: «بل أقرىء الناس».
وهذا يدلّ على أنّ اُبَيّاً قد تعلّم الآية هكذا من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وجعل يقرئ الناس على ما أقرأه، ولو كان ثمّه ناسخ لعلمه ابيّ أو أخبره الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فكفّ عن تلك القراءة هذا من جهة.
ومن جهة اخرى، فإنّ قول عمر في جوابه: «بل أقرئ الناس» يدلّ على عدم وجود ناسخ للآية أصلاً، وإلاّ لذكره له في الجواب.
حملها على نسخ التلاوة غير ممكن
الثالث: عدم إمكان حمل الآيات المذكورة على منسوخ التلاوة على فرض صحّة القول به:
فآية الرجم قد سمعها جماعة - كما تفيد الأحاديث المتقدّمة - من رسول اللهصلىاللهعليهوآله مصرّ حين بأنّها من آي القرآن
الكريم على حقيقة التنزيل.
وقد رأينا - فيما تقدّم - إصرار عمر بن الخطّاب على أنّها من القرآن، وحمله الصحابة بالأساليب المختلفة على كتابتها وإثباتها في المصحف كما انزلت: وقوله: «والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها ...» وكل ذلك صريح في أنّها كانت من القرآن وممّا لم ينسخ، وإلاّ لما أصرّ عمر على ذلك، ولما جاز له كتابتها في المصحف الشريف.
ومن هنا قال الزركشي: «إنّ ظاهر قوله: لولا أن يقول الناس أنّ كتابتها جائزة وإنّما منعه قول الناس، والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه، وإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة، لأنّ هذا شأن المكتوب.
وقد يقال: لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر - رضي الله عنه - ولم يعرّج على مقال الناس، لأنّ مقال الناس لا يصلح مانعاً.
وبالجملة، فهذه الملازمة مشكلة، ولعلّه كان يعتقد أنّه خبر واحد والقرآن لا يثبت به وإن ثبت الحكم ...»(1) .
ومن هنا أيضاً: أنكر ابن ظفر(2) في كتابه (الينبوع) عدّ آية الرجم ممّا زعم أنّه منسوخ التلاوة وقال: «لأنّ خبر الواحد لا يثبت القرآن»(3) .
__________________
(1) البرهان 2: 39 - 40، الإتقان 2: 62.
(2) وهو: محمد بن عبدالله بن ظفر المكي، له: ينبوع الحياة في تفسير القرآن، توفي سنة 565. وفيات الأعيان 1: 522، الوافي بالوفيات 1: 141 وغيرهما.
(3) البرهان 2: 39 - 40، الإتقان 2: 26.
ومثله أبو جعفر النحّاس(1) حيث قال: «وإسناد الحديث صحيح، إلاّ أنّه ليس حكمه حكم القرآن الذي نقله الجماعة عن الجماعة، ولكنّه سنّة ثابتة ...»(2) .
ورأينا أنّ اُبَيّا وابن مسعود قد أثبتا في مصحفهما آية «لو كان لابن آدم واديان ..» وأضاف أبو موسى الأشعري: إنّه كان يحفظ سورة من القرآن فنسيها إلاّ هذه الآية.
ولو لم تكن الآية من القرآن حقيقة - بحسب تلك الأحاديث - لما أثبتاها، ولما قال أبو موسى ذلك.
وقد جعل الشوكاني هذه الآية مثالاً للقسم الخامس من الأقسام الستّة حسب تقسيمه للنسخ، وهو: «ما نسخ رسمه لا كلمة ولا يعلم الناسخ له».
و «السادس: ناسخ صار منسوخاً وليس بينهما لفظ متلوّ».
ثم قال: «قال ابن السمعاني: وعندي أنّ القسمين الأخبرين - أي الخامس والسادس - تكلّف، وليس يتحقّق فيهما النسخ»(3) .
ورأينا قول ابيّ بن كعب لزرّ بن حبيش في سورة الأحزاب: «قد رأيتها، وإنها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: الشيخ والشيخة فرفع ما رفع».
فهل كان ابيّ بقصد من قوله: «فرفع ما رفع» ما نسخت
__________________
(1) وهو: أبو جعفر أحمد بن محمد النحّاس، المتوفي سنة 338، وفيات الأعيان 1: 29، النجوم الزاهرة 3: 300.
(2) الناسخ والمنسوخ: 8.
(3) إرشاد الفحول: 189 - 190.
تلاوته؟!
ورأينا قول عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطّاب حين سألة عن آية الجهاد: «اسقطت فيما اسقط من القرآن» فسكت عمر، الأمر الذي يدلّ على قبوله ذلك.
فهل يعبّر عمذا نسخت تلاوته بـ «اسقطت فيما اسقط من القرآن»؟!
ورأينا قول عائشة بأنّ آية الرضاع كانت ممّا يقرأ من القرآن بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنّها كانت في رقعة تحت سريرها - فهل كانت تعني ما نسخت تلاوته؟ ومتى كان النسخ؟
وهنا قال أبو جعفر النحّاس: «فتنازع العلماء هذا الحديث لما فيه من الإشكال، فمنهم من تركه وهو مالك بن أنس - وهو راوي الحديث - ولم يروه عن عبدالله سواه، وقال: رضعة واحدة تحرّم، وأخذ بظاهر القرآن، قال الله تعالى:( وأخوانكم من الرضاعة ) ، وممّن تركه: أحمد بن حنبل وأبو ثور، قالا: يحرم ثلاث رضعات لقول النبيصلىاللهعليهوآله : «لا تحرّم المصّة ولا المصّتان».
قال أبو جعفر: وفي هذا الحديث لفظة شديدة الإشكال وهو قولها: «فتوفي رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهنّ ممّا نقرأ في القرآن» فقال بعض أجلّة أصحاب الحديث: قد روى هذا الحديث رجلان جليلان أثبت من عبدالله بن أبي بكر فلم يذكرا هذا فيها، وهما: القاسم ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق - رضي الله عنه - ويحيى بن سعيد الأنصاري.
وممّن قال بهذا الحديث وأنّه لا يحرم إلاّ بخمس رضعات: الشافعي.
وأمّا القول في تأويل: «وهنّ ممّا نقرأ في القرآن فقد ذكرنا ردّ من ردّه، ومن صحّحه قال: الذي نقرأ من القرآن:( وأخوانكم من الرضاعة ) وأمّا قول من قال: إنّ هذا كان يقرأ بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فعظيم، لأنّه لو كان ممّا يقرأ لكانت عائشة - رضي الله عنها - قد نبّهت عليه، ولكان قد نقل إلينا في المصاحف التي نقلها الجماعة الّذين لا يجوز عليهم الغلط، وقد قال الله تعالى:( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) وقال:( إنّ علينا جمعه وقرآنه ) ، ولو كان بقي منه شيء لم ينقل إلينا لجاز أن يكون ممّا لم ينقل ناسخاً لما نقل، فيبطل العمل بما نقل ونعوذ بالله من هذا فإنّه كفر»(1) .
الرابع: أن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف ونقصان القرآن:
«وبيان ذلك: أنّ نسخ التلاوة هذا إمّا أن يكون قد وقع من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وإمّا أن يكون ممّن تصدّى للزعامة من بعده.
فإن أراد القائلون بالنسخ وقوعه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله فهو أمر يحتاج إلى الإثبات، وقد اتّفق العلماء أجمع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد، وقد صرّح بذلك جماعة في كتب الاصول وغيرها، بل قطع الشافعي وأكثر أصحابه وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنّة المتواترة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين
__________________
(1) الناسخ والمنسوخ: 10 - 11.
عنه، بل إنّ جماعة ممّن قال بإمكان نسخ الكتاب بالسنّة المتواترة منع وقوعه، وعلى ذلك فكيف تصحّ نسبة النسخ إلى النبيصلىاللهعليهوآله بأخبار هؤلاء الرواية؟!
مع أنّ نسبة النسخ إلى النبيصلىاللهعليهوآله تنافي جملة من الروايات التي تصمّنت أنّ الإسقاط قد وقع بعده.
وإن أرادوا أنّ النسخ قد وقع من الّذين تصدّوا للزعامة بعد النبيصلىاللهعليهوآله فهو عين القول بالتحريف.
وعلى ذلك، فيمكن أن يدّعى أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنّة، لأنّهم يقولون بجواز نسخ التلاوة، سواء نسخ الحكم أو لم ينسخ، بل تردّج الاصوليّون منهم في جواز تلاوة الجنب ما نسخت تلاوته، وفي جواز أن يمسّه المحدث، واختار بعضهم عدم الجواز.
نعم ذهبت طائفة من المعتزلة إلى عدم جواز نسخ التلاوة»(1) .
بل قال السيد الطباطبائيقدسسره : «إنّ القول بذلك أقبح وأشنع من القول بالتحريف»(2) .
وقال المحقّق الاُوردباديقدسسره : «وقد تطرّف بعض المفسّرين، فذكروا في باب النسخ أشياء غير معقولة ...
ومنها: ما ذكره بعضهم من باب نسخ التلاوة: آية الرجم
وهذا أيضاً من الأفائك الملصقة بقداسة القرآن الكريم من تلفيقات المتوسّعين
وهناك جمل تضمّنتها بطون غير واحد من الكتب التي لا تخلو
__________________
(1) البيان في تفسير القرآن: 224.
(2) الميزان في تفسير القرآن 12: 120.
عن مساهلة في النقل فزعم الزاعمون أنّها أيات منسوخة التلاوة أو هي والحكم، نجلّ بلاغة القرآن عمّا يماثلها، وهي تدودها عن ساحة البراعة، لعدم حصولها على مكانة القرآن من الحصافة والرصافة، فمن ذلك ما روي عن أبي موسى ومنها: ما روي عن أبيّ: قال: كنّا نقرأ: لا ترغبوا
وإنّ الحقيقة لتربأ بروعة الكتاب الكريم عن أمثال هذه السفاسف القصيّة عن عظمته، أنا لا أدري كيف استساغوا أن يعدّوها من آي القرآن وبينهما بعد المشرقين، وهي لا تشبه الجمل الفصيحة من كلم العرب ومحاوراتهم فضلاً عن أساليب القرآن الذهبية؟!
نعم، هي هنات قصد مختلقوها توهين أساس الدين والنيل من قداسة القرآن المبين، ويشهد على ذلك أنّها غير منقولة عن مثل مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام الذي هو لدة القرآن وعدله.
وإنّي أحسب أن يعزب عن أي متضلّع في الفضيلة حال هذه الجمل وسقوطها حتى تصل النوبة في دفعها إلى أنّها من أخبار الآحاد التي لا تفيد علماً ولا عملاً، ولا يعمل بها في الاصول القطعيّة التي أهمّها القرآن - كما قيل ذلك - ...»(1) .
وقال الشيخ محمد رضا المظفّر بعد كلام له: «وبهذا التعبير يشمل النسخ: نسخ تلاوة القرآن الكريم على القول به، باعتبار أنّ القرآن من المجعولات الشرعية التي ينشئها الشارع بما هو شارع، وإن كان لنا كلام غير دعوى نسخ التلاوة من القرآن ليس هذا موضع تفصيله.
ولكن باختصار نقول: إنّ نسخ التلاوة في الحقيقة يرجع إلى
__________________
(1) بحوث في علوم القرآن - مخطوط -.
القول بالتحريف، لعدم ثبوت نسخ التلاوة بالدليل القطعي، سواء كان نسخاً لأصل التلاوة أو نسخاً لها ولما تضمّنته من حكم معاً، وإن كان في القرآن الكريم ما يشعر بوقوع نسخ التلاوة، كقوله تعالى:( وإذا بدّلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزّل قالوا إنّما أنت مفتر ) وقوله تعالى:( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) ولكن ليستا صريحتين بوقوع ذلك، ولا تظاهرتين، وإنّما أكثر ما تدلّ الآيتان على إمكان وقوعه»(1) .
هذا كلّه فيما يتعلّق بالآيات والسور التي زعموا سقوطها من القرآن ...
وأمّا مشكلة إنكار ابن مسعود الفاتحة والمعوّذتين، فقد اضطربوا في حلّها اضطراباً شديداً كما رأيت، فأمّا دعوى أنّ ما روي عنه في هذا المعنى موضوع وأنّه افتراء عليه فغير مسموعة، لأنّ هذا الرأي عن ابن مسعود ثابت، وبه روايات صحيحة كما قال ابن حجر
وأمّا ما ذكروا في توجيهه فلا يغني، إذ أحسن ما ذكروا هو: أنّه لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن، إنّما أنكر إثباتهما في المصحف، لأنّه كانت السنّة عنده أن لا يثبت إلاّ ما أمر النبيصلىاللهعليهوآله بإثباته، ولم يبلغه أمره به، وهذا تأويل منه وليس جحداً لكونهما قرآناً(2) .
__________________
(1) اصول الفقه 2: 53.
(1) الإتقان 1: 270 - 272، شرح الشفاء - للقاري - 4: 558، نسيم الرياض 4: 558.
ولو كان لمثل هذا الكلام مجال في حقّ مثل ابن مسعود لما جنح الرازي وابن حزم والنووي إلى تكذيب أصل النقل للخلاص من هذه العقدة كما عبّر الرازي
ولماذا كل هذا الإضطراب؟ ألأنّ ابن مسعود من الصحابة؟!
إنّ الجواب الصحيح أن نقول بتخطئة ابن مسعود وضلالته في هذه المسألة وإلى ذلك أشار ابن قتيبة بقوله: «لا نقول إنّه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار».
وأمّا قضية سورتي الحفد والخلع فنحن لم نراجع سند الرواية، فإن كان ضعيفاً فلا بحث، وإن كان معتبراً فإن تمّ التأويل الذي أوردناه عن بعضهم فهو وإلاّ فلا مناص من تكذيب أصل النقل ...
وهنا سؤال يتعلّق بقضية ابن شنبوذ البغدادي
فهذا الرجل - وهو أبو الحسن محمد بن أحمد، المعروف بابن شنبوذ البغدادي، المتوفي سنة 328 - مقرئ مشهور، ترجم له الخطيب وقال: «روى عن خلق كثير من شيوخ الشام ومصر، وكا قد تخيّر لنفسه حروفاً من شواذّ القراءات تخالف الإجماع، يقرأ بها، فصنّف أبو بكر ابن الأنباري وغيره كتباً في الردّ عليه.
وقال إسماعيل الخطبي في كتاب التاريخ: اشتهر ببغداد أمر
رجل يعرف بابن شنبوذ، يقرئ الناس ويقرأ في المحراب بحروف يخالف فيها المصحف ممّا يروي عن عبدالله بن مسعود وابيّ بن كعب وغيرهما، ممّا كان يقرأ به قبل جمع المصحف الذي جمع عثمان بن عفّان، ويتتبّع الشواذّ فيقرأ بها ويجادل، حتى عظم أمره وفحش وأنكره الناس، فوجّه السلطان فقبض عليه وأحضر القضاة والفقهاء والقرّاء وأشاروا بعقوبته ومعاملته بما يضطرّه إلى الرجوع، فأمر بتجريده وإقامته بن الهبازين وضربه بالدرّة على قفاه، فضرب نحو العشرة ضرباً شديداً، فلم يصبر واستغاث وأذعن بالرجوع والتوبة، فخلّي عنه واعيدت عليه ثيابه واستتيب، وكتب عليه كتاب بتوبته واخذ فيه خطّه بالتوبة»(1) .
نكتفي بهذا القدر من قضية هذا الرجل وما لاقاه من السطان بأمر الفقهاء، والقضاة ..!! ونتساءل: أهكذا يفعل بمن تبع الصحابة في إصرارهم على قراءتهم حسبما يروي أهل السنّة عنهم في أصحّ أسفارهم؟!
وهنا كلمة قصيرة لابدّ منها وهي: أنّ شيئاً من هذا السفاسف التي رواها القوم عن صحابتهم - الّذين يعتقدون بهم - بأصحّ أسانيدهم، فاضطرّوا إلى حملها على النسخ، ظنّاً منهم بأنّه طريق الجمع بين صيانة القرآن عن التحريف وصيانة الصحاح ورجالها وسائر علمائهم ومحّثيهم عن رواية الأباطيل - غير منقول عن مولانا وسيّدنا الإمام أمير المؤمنين
__________________
(1) تاريخ بغداد 1: 280، وفيات الأعيان 3: 326، وقد ذكر ابن شامة القصة في المرشد الوجيز: 187 وكأنّه يستنكر ما قوبل به الرجل ..!!
عليهالسلام ولا عن أبنائه الأئمّة الأطهار، وغير وارد في شيء من كتب شيعتهم الأبرار.
ويتلخّص البحث في هذه الناحية في النقاط التالية:
1 - إنّ من أخبار نقصان القرآن ما لا اعتبار به سنداً فهو خارج عن البحث.
2 - إنّ الآثار الواردة في هذا الباب بسند صحيح أخبار آحاد، والخبر الواحد لا يثبت به القرآن.
3 - إنّ بعض هذه الآثار الصحيحة سنداً صالح للحمل على التفسير وبيان شأن النزول ونحو ذلك، فلا داعي لإبطاله.
4 - إنّ حمل ما لا يقبل الحمل على بعض الوجوه المذكورة على نسخ التلاوة ساقط، للوجوه الأربعة المذكورة، والتي منها: أنّ القول بنسخ التلاوة هو القول بالتحريف، بل أقبح منه.
5 - إن إنكار ابن مسعود الفاتحة والمعوّذتين خطأ وضلالة منه، وتكذيب الخبر الحاكي لذلك باطل، كما أنّ تأويل فعله ساقط.
6 - إنّ ما سمّي بـ «سورتي الحفد والخلع» ليس من القرآن قطعاً وإن رواه القوم عن جمع من الصحابة من غير أهل البيتعليهمالسلام ، قال العلاّمة الحلّي: «روى غير واحد من الصحابة سورتين فقال عثمان: إجعلوهما في القنوت ولم يثبتهما في المصحف، وكان عمر يقنت بذلك، ولم ينقل ذلك من طريق أهل البيت، فلو قنت بذلك جاز لاشتمالهما على الدعاء»(1) .
__________________
(1) تذكرة الفقهاء 1: 128.
7 - إنّ ضرب ابن شنبوذ وقع في غير محلّه - كمصادرة كتاب «الفرقان» - من حيث أنّ الذنب للصحابة ورواة الآثار الواردة عنهم أو الموضوعة عليهم حول الآيات.
ثم رأينا الحافظ ابن الجزري يلمّح إلى ما استنتجناه، حيث ترجم لابن شنبوذ وشرح محنته وذكر أنّها كانت كيداً من معاصره ابن مجاهد الذي كان يحسده وينافسه، وإلاّ فإنّ الإقراء بما خالف الرسم ليس ممّا يستوجب ذلك، بل نقل عن الحافظ الذهبي ذهاب بعض العلماء قديماً وحديثاً إلى جوازه قال ابن الجزري:
«وكان قد وقع بينه وبين أبي بكر ابن مجاهد على عادة الأقران، حتى كان ابن شنبوذ لا يقرئ من يقرأ على ابن مجاهد وكان يقول: هذا العطشي - يعني ابن مجاهد - لم تغبّر قدماه في هذا العلم، ثم إنّه كان يرى جواز القراءة بالشاذّ وهو ما خالف رسم المصحف الإمام، قال الذهبي الحافظ: مع أنّ الخلاف في جواز ذلك معروف بين العلماء قديماً وحديثاً: قال: وما رأينا أحداً أنكر الإقراء بمثل قراءة يعقوب وأبي جعفر، وإنّما أنكر من أنكر القراءة بما ليس بين الدفّتين. والرجل كان ثقة في نفسه صالحاً ديّناً متبحّراً في هذا الشأن، لكنّه كان يحطّ على ابن مجاهد ...»(1) .
8 - إنّ ما لا يقبل الحمل على بعض الوجوه يجب ردّه ورفضه، فإن أذعن القوم بكونه مختلقاً مدسوساً في الصحاح سقطت كتبهم الصحاح عن الاعتبار، وإلاّ توجّه الردّ والتكذيب إلى الصحابي المرويّ عنه، كما هو الحال بالنسبة إلى ابن مسعود في قضية الفاتحة والمعوّذتين، وهو قول سيّدنا
__________________
(1) غاية النهاية في طبقات القرّاء 2: 52.
أبي عبداللهعليهالسلام : «أخطأ ابن مسعود - أو قال: كذب ابن مسعود - وهما من القرآن ...»(1) .
وهكذا يظهر أنّ القول بعدالة الصحابة أجمعين، والقول بصحّة أحاديث الصحاح - وخاصّة الصحيحين - مشهوران لا أصل لهما. وسيأتي مزيد بيان لذلك - في الفصل الخامس والأخير - إن شاء الله تعالى.
__________________
(1) وسائل الشيعة 4: 786.
الفصل الخامس
مشهوران لا أصل لهما
لقائل أن يقول: لقد أوضحت ما كان غامضاً من أمر التحريف والقائلين به ولكنّ بحثك يشتمل على التجهيل والتفسيل لبعض الصحابة، والطعن في الصحيحين، وهذا مذهب جمهور أبناء السنّة في المسألتين!!
وأقول: نعم إنّ المشهور بين أهل السنّة هو القول بصحّة أخبار كتب اشتهرت بالصحاح فقالوا بصحّة كتب: البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجة وأبي داود وهذه هي الكتب المعروفة عندهم بالصحاح ومنهم من زاد عليها الموطّأ، أو نقص منها سنن ابن ماجة لكن لا كلام بينهم في كتابي البخاري ومسلم، بل ادّعي الإجماع على صحّة ما في هذين الكتابين وأنّهما أصحّ الكتب بعد القرآن المبين - وإن اختلفوا في ترجيح أحدهما على الآخر - بل ادّعى جماعة منهم القطع بأحاديثهما، وعلى هذا الأساس قالوا بأنّ من روى له الشيخان
فقد جاز القنطرة(1) .
قال ابن حجر المكّي: «روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما اللذين هما أصحّ الكتب بعد القرآن بإجماع من يعتدّ به»(2) .
وقال أبو الصلاح: «أوّل من صنّف في الصحيح: البخاري أبو عبدالله محمد ابن إسماعيل، وتلاوه أبو الحسين مسلم بن الحجّاج القشيري، ومسلم مع أنّه أخذ عن البخاري واستفاد منه فإنّه يشارك البخاري في كثير من شيوخه، وكتاباهما أصحّ الكتب بعد كتاب الله العزيز»(3) .
وقال الجلال السيوطي: «وذكر الشيخ - يعني ابن الصلاح - أنّ ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحّته، والعلم القطعي حاصل فيه. قال: خلافاً لمن نفى ذلك، محتجّا بأنّه لا يفيد إلاّ الظنّ، وإنّما تلقّته الأمّة بالقبول لأنّه يجب عليهم العمل بالظنّ والظّن قد يخطئ، قال: وكنت أميل إلى هذا وأحسبه قويّاً، ثمّ بان لي أن الذي اخترناه أوّلاً هو الصحيح، لأنّ ظنّ من هو معصوم عن الخطأ لا يخطئ، والامّة في إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المبني على الإجتهاد حدّة مقطوعاً بها، وقد قال إمام الحرمين: لو حلف إنسان بطلان امرأته أنّ ما في الصحيحين - ممّا حكما بصحّته - من قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ألزمته الطلاق، لإجماع علماء المسلمين على صحّته.
__________________
(1) المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجّاج - مقدّمة الكتاب.
(2) الصواعق المحرقة: 5.
(3) علوم الحديث لأبي الصلاح. وعنه في مقدّمة فتح الباري: 8.
قال المصنّف: وخالفه المحقّقون والأكثرون فقالوا: يفيد الظنّ ما لم يتواتر. قال في شرح مسلم: لأنّ ذلك شأن الآحاد، ولا فرق في ذلك بين الشيخين وغيرهما، وتلقّي الامّة بالقبول إنّما أفاد وجوب العمل بما فيهما من غير توقّف على النظر فيه، بخلاف غيرهما فلا يعمل به حتى ينظر فيه يوجد فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الامّة على العمل بما فيهما إجماعهم على القطع بأنّه كلام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . قال: وقد اشتدّ إنكار ابن برهان على من قال بما قاله الشيخ، وبالغ في تغليطه.
وكذا عاب ابن عبدالسلام على ابن الصلاح هذا القول وقال: إنّ بعض المعتزلة يرون أنّ الامّة إذا عملت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحّته، قال: وهو مذهب رديء.
قال البلقيني: ما قاله النووي وابن عبدالسلام ومن تبعهما ممنوع، فقد نقل بعض الحفّاظ المتأخّرين مثل قول ابن الصلاح عن جماعة من الشافعية، كأبي إسحاق وأبي حامد الإسفرانيّين، والقاضي أبي الطيّب، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعن السرخسي من الحنفية، والقاضي عبدالوهّاب من المالكية، وأبي يعلى وابن الزاغوني من الحنابلة، وابن فورك وأكثر أهل الكلام من الأشعرية، وأهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامّة. بل بالغ ابن طاهر المقدسي في (صفوة التصوّف) فألحق به ما كان على شرطها وإن لم يخرجاه. وقال شيخ الإسلام: ما ذكره النووي مسلّم من جهة الأكثرين، أمّا المحقّقون فلا. وقد وافق ابن اصلاح أيضاُ محقّقون وقال ابن كثير: وأنا مع ابن الصلاح فيما عوّل عليه وأرشد إليه.
قلت: وهو الذي أختاره ولا اعتقد سواه»(1) .
وقال أحمد بن عبدالرحيم الدهلوي في (حجّة الله البالغة): «وأمّا الصحيحان فقد اتّفق المحدّثون على أنّ جميع ما فيهما من المتّصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنّهما متواتران إلى مصنّفيهما وأنّ كلّ من يهوّن أمرهما فهو مبتدع متّبع غير سبيل المؤمنين».
أقول: إنّ البحث عن «الصحيح» و «الصحاح» و «الصحيحين» طويل عريض لا نتطرّق هنا إليه، عسى أن نوفّق لتأليف كتاب فيه لكنّا نقول بأنّ الحقّ مع من خالف ابن الصلاح، وأنّ ما ذكره الدهلوي مجازفة، وأنّ الإجماع على أحاديث الصحيحين(2) غير قائم نعم ذاك هو المشهور لكنّه لا أصل له وسنبّين هذا بإيجاز:
الكلام حول الصحيحين
والحقيقة أنّا لم نفهم حتى الآن السبب في تخصيص هذا الشأن بالكتابين، وذكر تلك الفضائل لهما(3) دون غيرهما من كتب
__________________
(1) تدريب الراوي - شرح تقريب النواوي 1: 131 - 134.
(2) ونخصّ الصحيحين بالبحث، لأنّه إذا سقط ما قيل في حقّهما سقط ما قيل في حق غيرهما بالأولوية، ونعبّر عنهما بالصحيحين لأنّهما موسوما بهذا الاسم.
(3) ذكروا للبخاري خاصّة ما لا يصدّق، ففي مقدّمة فتح الباري - ص 11 -: ذكر الإمام القدوة أبو محمد بن أبي جمرة في اختصاره للبخاري، قال: قال لي من لقيمته من العارفين ممّن لقي من السادة المقرّ لهم بالفضل: إنّ صحيح البخاري ما قرئ في شدّة إلاّ فرّجت، ولا ركب به في مركب فغرق؛ قال: وكان مجاب الدعوة وقد دعا لقارئه» وفيها - ص 490 -: قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي - فيما
المصنّفين!!
ألم يصنّف مشايخ الرجلين وأئمّة الحديث من قبلهما في الحديث؟!
ألم يكن في المتأخّرين عنهما من هو أعرف بالحديث الصحيح منهما؟!
ألم يكن في المتأخرين عنهما من هو أعرف بالحديث الصحيح منهما؟!
أليس قد فضّل بعضهم كتاب أبي داود على البخاري، وقال الخطابي: «لم يصنّف في علم الحديث مثل سنن أبي داود، وهو أحسن وضعاً وأكثر فقهاً من الصحيحين»(1) ؟!
أليس قد قال ابن الأثير: «في سنن الترمذي ما ليس في غيرها من ذكر المذاهب ووجوه الإستدال وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب»؟!
أليس قد قيل في النسائي: إنّ له شرطاً في الرجال أشدّ من شرط البخاري ومسلم؟!(2) .
أليس قد وصف غير الكتابين من كتب الحديث بما يقتضي
__________________
قرأنا على فاطمة وعائشة بنتي محمد بن الهادي -: إنّ أحمد بن أبي طالب أخبرهم، عن عبدالله بن عمر بن علي، أنّ أبا الوقت أخبرهم عنه سماعاً، أخبرنا أحمد بم محمد بن إسماعيل الهروي، سمعت خالد بن عبدالله المروزي، يقول: سمعت أبا سهل محمد بن أحمد المروزي، يقول: سمعت أبا زيد المروزي، يقول: كنت نائماً بين الركن والمقام فرأيت النبيصلىاللهعليهوآله في المنام فقال لي: يا أبا زيد، إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟! فقلت: يا رسول اللهصلىاللهعليهوآله وما كتابك؟! قال: جامع محمد بن إسماعيل.
(1) ذكره الأدفوي في عبارته الآتية.
(2) البداية والنهاية 11: 123، تهذيب الكمال ذ1: 172، طبقات الشافعية للسبكي 3: 16، الوافي بالوفيات 6: 417.
الترجيح عليهما؟!
إنّه لم يكن للرجلين هذا الشأن في عصرهما وبين أقرانها فلماذا هذا التضخيم لهما فيما بعد؟!
لا ندري هل للسياسة دور في هذه القضية كما كان في قضية حصر المذاهب؟ أو أنّ شدّة تعصّبهما ضدّ أهل البيتعليهمالسلام هو الباعث لترجيح أبناء السنّة كتابيهما على سائر الكتب؟!
لكنّي أرى أنّ السبب كلا الأمرين لأنّ السلطات - في الوقت الذي كانت تضيّق على أئمّة أهل البيتعليهمالسلام وتلامذتهم ورواة حديثهم وعلماء مدرستهم - كانت تدعو إلى عقائد المخالفين لهم وتروّج كتبهم وتساعد على نشرها ومن الطبيعي أن يتقدّم كلّ من كا أكثر عداوة وأشدّ تعصّباً في هذا الميدان
قال السيد شرف الدين: «.. وأنكى من هذا كلّه عدم احتجاج البخاري في صحيحه بأئمّة أهل البيت النبوي، إذ لم يرو شيئاً عن الصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والزكي والعسكري وكان معاصراً له، ولا روى عن الحسن بن الحسن، ولا عن زيد بن علي بن الحسين، ولا عن يحيى بن زيد، ولا عن النفس الزكيّة محمد بن عبدالله الكامل ابن الحسن الرضا به الحسن السبط، ولا عن أخيه إبراهيم بن عبدالله، ولا عن الحسين الفخّي ابن علي بن الحسن بن الحسن، ولا عن يحيى بن عبدالله بن الحسن، ولا عن أخيه إدريس بن عبدالله، ولا عن محمد بن جعفر الصادق، ولا عن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل ابن إبراهيم بن الحسن بن الحسن المعروف بابن طباطبا، ولا عن أخيه القاسم الشرسي، ولا عن محمد بن زيد بن علي، ولا عن محمد بن القاسم بن علي بن عمر الأشرف بن زيد العابدين صاحب الطالقان المعاصر
للبخاري، ولا عن غيرهم من أعلام العترة الطاهرة وأغصان الشجرة الزاهرة، كعبدالله بن الحسن وعلي بن جعفر العريضي وغيرهما، ولم يرو شيئاً عن حديث سبطه الأكبر وريحانته من الدنيا أبي محمد الحسن المجتبى سيّد شباب أهل الجنّة مع احتجاجه بداعية الخوارج وأشدّهم عداوة لأهل البيت عمران بن حطّان القائل في ابن ملجم وضربته لأمير المؤمنينعليهالسلام :
يا ضربة من تقيّ ما أراد بها |
إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا |
|
إني لأذكره يوماً فأحسبه |
أوفى البريّة عند الله ميزانا»(1) |
نعم هكذا فعلت السلطات والعلماء والمحدّثون المتربّعون على موائدهم، والسائرون على ركابهم، الآخذون منهم مناصبهم ورواتبهم، يتسابقون في تأييد خططهم وتوجيهها، تزلّفاً إليهم وتقرّباً منهم حتى بلغ الأمر بهم إلى وضع الفضائل للكتابين ومؤلفيهما ثم دعوى الإجماع على قطعيّة أحاديثهما، وعلى تلقّي الامّة إيّاها بالقبول ثم القول بأنّ كلّ من يهوّن أمرهما فهو مبتدع متبّع غير سبيل المؤمنين.
تماماً كالذي فعلوا - بوحي من السلطات - في قضية حصر المذاهب، حيث أفتوا بحرمة الخروج عن تقليد الأربعة مستدلّين بالإجماع، فعودي من تمذهب بغيرها، وانكر عليه، ولم يولّ قاضٍ ولا قبلت شهادة أحد ما لم ملّقداً لأحد هذه المذاهب.
لقد كان التعصّب ضدّ أهل البيت الأطهارعليهمالسلام ، خير وسيلة للتقرّب إلى أحكّام وللحصول على الجاه والمقام في بعض الأدوار فكلّما كان التعصّب أشدّ وأكثر كان صاحبه أفضل وأشهر ..
__________________
(1) الفصول المهمّة في تأليف الامّة: 168.
ولذا تراهم يقدّمون كتاب البخاري - بالرغم من أنّ لكتاب مسلم مزايا لأجلها قال جماعة بأفضليّته - لأنّه لم يخرّج ما أخرجه مسلم من مناقب أهل البيت كحديث الثقلين وتراهم يقدحون في الحاكم وفي مستدركه على الصحيحين لأنّه أخرج فيه فيما ما لم يخرجاه وإن كان واجداً لكلّ ما اشترطاه.
ويشهد بذلك تضعيفهم الحديث الوارد فيهما إذا كان فيه دلالة أو تأييد لمذهب الشيعة كما طعن ابن الجوزي وابن تيميّة في حديث الثقلين وطعن الآمدي ومن تبعه في حديث: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» المخرّج في الصحيحين.
فهذا هو الأصل في كلّ ما ادّعوا في حقّ الكتابين إنّه إلاّ التعصّب وإلاّ فإنّهما يشتملان على الصحيح وغيره كسائر الكتب، وصاحباهما محدّثان كسائر الرجال فها هنا مقامات ثلاثة:
(1)
آراء العلماء في الشيخين
1 - لقد امتنع أبو زرعة عبدالله بن عبدالكريم الرازي من الرواية عن البخاري، أمّا مسلم فقد ذكر صحيحه فقال: «هؤلاء قوم أرادوا التقدّم قبل أوانه فعملوا شيئاً يتسوّقون به».
هذا رأي أبي زرعة في الرجلين، ذكر ذلك جماعة من الأعلام، قال الذهبي: «قال سعيد البرذعي: شهدت أبا زرعة ذكر صحيح مسلم فقال: هؤلاء قوم أرادوا التقدّم قبل أوانه فعملوا شيئاً يتسوّقون به، وأتاه
رجل - وأنا شاهد - بكتاب مسلم، فجعل ينظر فيه فإذا حديث عن أسباط بن نصر فقال: ما أبعد هذا عن الصحيح! ثم رأى قطن بن نسير فقال لي: وهذا أطمّ من الأول، قطن بن نسير يصل أحاديث عن ثابت جعلها عن أنس ثم نظر فقال: يروي عن أحمد ابن عيسى في الصحيح! ما رأيت أهل مصر يشكّون في أنّه - وأشار إلى لسانه -»(1) .
وقال: «قال أبو قريش الحافظ: كنت عند أبي زرعة فجاء مسلم بن الحجّاج فسلّم عليه وجلس ساعة وتذاكرا، فلمّا قام قلت له: هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح. قال: فلمن ترك الباقي؟! ثمّ قال: هذا ليس له عقل، لو دارى محمد بن يحيى لصار رجلاً»(2) .
وقال الذهبي في ترجمة على بن المديني شيخ البخاري: «علي بن عبدالله بن جعفر ابن الحسن الحافظ، أحد الأعلام الأثبات، وحافظ العصر، ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء فبئس ما صنع، فقال: جنح إلى ابن داود والجهمية، وحديثه مستقيم إن شاء الله. قال لي عبدالله بن أحمد: كان أبي حدّثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه وكان يقول: حدّثنا رجل، ثمّ ترك حديثه بعد ذلك. قلت: بل حديثه عنه في مسنده، وقد تركه إبراهيم الحربي وذلك لميلة إلى أحمد بن أبي داود، فقد كان محسناً إليه.
وكذا امتنع مسلم عن الرواية عنه في صحيحة لهذا المعنى، كما امتنع أبو زرعة وأبو حاتم من الرواية عن تلميذه محمد(3) لأجل مسألة اللفظ. وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم: كان أبو زرعة ترك الرواية عنه من
__________________
(1) تذهيب التهذيب - ترجمة أحمد بن عيسى المصري، ميزان الاعتدال 1: 125.
(2) سير أعلام النبلاء - ترجمة محمد بن يحيى الذهلي 12: 280.
(3) هو محمد بن إسماعيل البخاري.
أجل ما كان منه في المحنة»(1) .
وقال المناوي في ترجمة البخاري: «زين الامّة، إفتخار الأئمّة، صاحب أصحّ الكتب بعد القرآن وقال المذهبي: كان من أفراد العالم مع الدين والورع والمتانة. هذه عبارته في الكاشف. ومع ذلك غلب عليه الغضّ من أهل السنّة، فقال في كتاب الضعفاء والمتروكين: ما سلم من الكلام لأجل مسألة اللفظ، تركه لأجلها الرازيّان(2) . هذه عبارته واستغفر الله تعالى، نسأل الله السلامة ونعوذ به من الخذلان»(3) .
ترجمة أبي زرعة الرازي
وقد ترجم الذهبي وابن حجر وغيرهما أبا زرعة ترجمة حافلة وأوردوا كلمات القوم في إمامته وثقته وحفظه وورعه بما يطول ذكره، والجدير بالذكر قول الذهبي في آخر ترجمته: «قلت: يعجبني كثيراً كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل يبين عليه الورع والخبرة»(4) .
وقول أبي حاتم في حقّه: «إذا رأيت الرازي ينتقص أبا زرعة فاعلم أنّه مبتدع»(5) .
وقول ابن حبّان: «كان أحد أئمّة الدنيا في الحديث، مع الدين والورع والمواظبة على الحفظ والمذاكرة وترك الدنيا وما فيه
__________________
(1) ميزان الاعتدال 3: 138.
(2) هما: أبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي.
(3) فيض القدير 1: 24.
(4) سير أعلام النبلاء 13: 81.
(5) تهذيب التهذيب 7: 30.
الناس»(1) .
وقول ابن راهويه: «كلّ حديث لا يعرفه أبو زرعة فليس له أصل»(2) .
2 - وامتنع أبو حاتم الرازي من الرواية عن البخاري كما عرفت.
3 - وتكلّم محمد بن يحيى الذهلي في البخاري، وكذا إخراجه مسلماً من مجلس بحثه، مذكور في جميع كتب التراجم
قال الذهبي عن الحاكم: «وسمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول: لمّا استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم بن الحجّاج الإختلاف إليه، فلمّا وقع بين الذهلي وبين البخاري ما وقع في مسألة اللفظ ونادى عليه ومنع الناس عنه، انقطع عنه أكثر الناس غير مسلم، فقال الذهلي يوماً: ألا من قال باللفظ فلا يحلّ له أن يحضر مجلسنا، فأخذ مسلم رداءه فوق عمامته وقام على رؤوس الناس، وبعث إلى الذهلي ما كتب عنه على ظهر حمّال، وكان مسلم يظهر القول باللفظ ولا يكتمه.
قال: وسمعت محمد بن يوسف المؤذّن: سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: حضرت مجلس محمد بن يحيى، فقال: ألا من قال: لفظي
__________________
(1) تهذيب التهذيب 7: 30.
(2) سير أعلام النبلاء 13: 71، تهذيب التهذيب 7: 29، الكاشف 2: 201.
بالقرآن مخلوق فلا يحضر مجلسنا، فقام مسلم بن الحجّاج عن المجلس، رواها أحمد بن منصور الشيرازي عن محمد بن يعقوب، فزاد: وتبعه أحمد بن سلمة.
قال أحمد بن منصور الشيرازي: سمعت محمد بن يعقوب الأخرم، سمعت أصحابنا يقولون: لمّا قام مسلم وأحمد بن سلمة من مجلس الذهلي قال: لا يساكنني هذا الرجل في البلد. فخشي البخاري وسافر»(1) .
وترجم له الخطيب فقال: «كان أحد الآئمة والعارفين والحفّاظ المتقنين والثقات المأمونين، صنّف حديث الزهري وجوّده، وقدم بغداد وجالس شيوخها وحدّث بها، وكان الإمام أحمد بن حنبل يثني عليه وينشر فضله، وقد حدّث عنه جماعة من الكبراء» فذكر كلمات الثناء عليه حتى نقل عن بعضهم قوله: «كان أمير المؤمنين في الحديث»(2) .
والجدير بالذكر رواية البخاري عنه بالرغم ممّا كان منه في حقّه، لكن مع تدليس في اسمه، قال الذهبي: «روى عنه خلائق منهم محمد بن إسماعيل البخاري، ويدلّسه كثيراً، لا يقول: محمد بن يحيى، بل يقول: محمد فقط، أو محمد ابن خالد، أو محمد بن عبدالله، ينسبه إلى الجدّ ويعمّي اسمه لمكان الواقع بينهما»(3) .
__________________
(1) سير أعلام النبلاء 12: 460، هدى الساري في مقدّمة فتح الباري 2: 264.
(2) تاريخ بغداد 3: 415.
(3) سير أعلام النبلاء 12: 274.
4 - وأورد بن أبي حاتم البخاريّ في كتاب (الجرح والتعديل) وقال ما نصّه: «قدم محمد بن إسماعيل الريّ سنة 250 وسمع منه أبي وأبو زرعة، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنّه أظهر عندهم بنيسابور أنّ لفظه بالقرآن مخلوق»(1) .
وقد وصفوا ابن أبي حاتم بالإمامة والحفظ والثقة والزهد، بل قالوا: «كان يعدّ من الأبدال»(2) . وقال الذهبي: «له كتاب نفيس في الجرح والتعديل»(3) . وعن ابن مندة: «له الجرح والتعديل في عدّة مجلّدات، تدلّ على سعة حفظه وإمامته»(4) .
5 - وقال أبو بكر ابن الأعين: «مشايخ خراسان ثلاثة: قتيبة، وعلي بن حجر، ومحمد بن مهران الرازي. ورجالها أربعة: عبدالله بن عبدالرحمن السمرقندي، ومحمد بن إسماعيل البخاري - قبل أن يظهر -،
__________________
(1) الجرح والتعديل 7: 191.
(2) سير أعلام النبلاء 103: 264، مرآة الجنان 2: 289، فوات الوفيات 2: 288.
(3) سير أعلام النبلاء 13: 264.
(4) فوات الوفيات 2: 288.
ومحمد بن يحيى، وأبو زرعة»(1) .
وقوله: «قبل أن يظهر» طعن كما هو ظاهر.
وابن الأعين من أكابر الحفّاظ الأعلام.
6 - وأورد الذهبي البخاري في كتاب «ميزان الإعتدال في نقد الرجال» وكتاب «المغني في الضعفاء»(2) وهو ما استنكره المناوي في عبارته آنفة الذكر.
(2)
آراء العلماء في الصحيحين
وتضمّنت الكلمات السالفة الذكر - عن جمع من أعلام الجرح والتعديل الّذين يكفي قدح الواحد منهم للسقوط عن درجة الاعتبار - الطعن في الصحيحين أو أحدهما. وفي ذلك كفاية في وهن دعوى الإجماع على تلقّي الامّة(3) أحاديثهما بالقبول وهنا نتعرّض لآراء عدّة من الأكابر السابقين واللاحقين في حكم أحاديث الصحيحين.
__________________
(1) سير أعلام النبلاء - ترجمة على بن حجر 11: 50.
(2) ميزان الاعتدال 3: 485، المغني 2: 557.
(3) مضافاً إلى أنّ الشيعة الاثني عشرية، والزيدية والحنفية، والظاهرية لا يقولون بذلك وهم من هذه الأمّة.
وقبل الورود في ذلك نذكر معلوماتٍ نقلاً عن شرّاح الكتابين والعلماء المحقّقين في الحديث:
1 - قد انتقد حفّاظ الحديث البخاري في «110» أحاديث، منها «32» حديثاً وافقه مسلم فيها، و «78» انفرد هو بها(1) .
2 - الّذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم «أربعمائة وبضعه وثلاثون» رجلاً. المتكلّم فيه بالضعف منهم «80» رجلاً. والّذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري «620» رجلاً، المتكلّم فيه بالضعف منهم «160» رجلاً(2) .
3 - الأحاديث المنتقدة المخرّجة عندهما معاً بلغت «210» حديثاً، اختصّ البخاري منها بأقلّ من «80» حديثاً، والباقي يختصّ بمسلم(3) .
4 - هناك رواة يروي عنهم البخاري، ومسلم لا يرتضيهم ولايروي عنهم، ومن أشهرهم: عكرمة مولى ابن عبّاس.
5 - قد اتفّق الشيخان على الرواية عن أقوام انتقدهم أصحاب الصحاح الاخرى وأئمّة المذاهب ومن أشهرهم: محمد بن بشّار حتى نسب إلى الكذب(4) .
__________________
(1) مقدّمة فتح الباري: 9.
(2) مقدّمة فتح الباري: 9.
(3) مقدّمة فتح الباري: 9.
(4) ميزان الاعتدال: 3 / 490.
6 - إنّه قد اختلف عدد أحاديث البخاري في روايات أصحابه لكتابه، وقال ابن حجر: عدة ما في البخاري من المتون الموصولة بلا تكرار «2602» ومن المتون المعلّقة المرفوعة «159»، فالمجموع «2761»، وقال في شرح البخاري: إنّ عدّته على التحرير «2513» حديث(1) .
7 - إنّ البخاري ما قبل أن يبيّض كتابه، ولذا اختلفت نسخه ورواياته(2) .
8 - إن البخاري لم يكن يكتب الحديث في مجلس سماعه، بل بلده؛ فعن البخاري أنّه قال: ربّ حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، وربّ حديث سمعته بالشام كتبته بمصر، فقيل له: يا أبا عبدالله بكماله؟! فسكت»(3) .
أمّا مسلم فقد «صنّف كتابه في بلده بحضور اصوله في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرّ في الألفاظ ويتحرّى في السياق ...»(4) .
وبعد، فإنّ دعوى تلقّي الامّة أحاديث الصحيحين بالقبول وقيام الإجماع عن صحّتها لا أساس لها من الصحّة لما تقدّم ويأتي:
1 - النووي: «ليس كلّ حديث صحيح يجوز العمل به فضلاً عن أن
__________________
(1) أضواء على السنّة المحمّدية: 307.
(2) انظر: مقدّمة فتح الباري: 6، أضواء على السنّة المحمّدية: 301.
(3) تاريخ بغداد 2: 11.
(4) مقدّمة فتح الباري: 10.
يكون العمل به واجباً»(1) وقال: «وما يقوله الناس: إنّ من روى له الشيخان فقد جاز القنطرة، هذا من التجوّه ولا يقوى»(2) .
2 - كمال الدين ابن لهمام: «وقول من قال: أصحّ الأحاديث ما في الصحيحين، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما اشتمل على شرطهما، ثم ما اشتمل على شرط أحدهما، تحكّم لا يجوز التقليد فيه، إذا الأصحّيّة ليست إلا لاشتمال رواتهما على الشروط التي اعتبراها، فإن فرض وجود تلك الشروط في رواة حديث في غير الكتابين، أفلا يكون الحكم بأصحيّة ما في الكتابين عين التحكّم؟!»(3) .
3 - أبو الوفاء القرشي: «فائدة: حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله في مسلم وغيره - يشتمل على أنواع منها التورّك في الجلسة الثانية - ضعّفه الطحاوي ولا يحنق علينا لمجيئه في مسلم، وقد وقع في مسلم أشياء لا تقوى عند الإصطلاح، فقد وضع الحافظ الرشيد العطّار على الأحاديث المقطوعة المخرّجة في مسلم كتاباً
__________________
(1) التقريب في علم الحديث، عنه في منتهى الكلام في الردّ على الشيعة: 27.
(2) المنهاج في شرح صحيح مسلم، وعنه أضواء على السنّة المحمّدية: 313، «والتجّوه» طلب الجاه بتكلّف.
(3) شرح الهداية في الفقه، وعنه في أضواء على السنّة المحمّدية: 312.
(4) ترجمته في: حسن المحاضرة 1: 471، الدرر الكامنة 2: 392، شذرات الذهب 6: 238.
سماّه بـ (غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في مسلم من الأحاديث المقطوعة) وبيّنها الشيخ محيي الدين في أوّل شرح مسلم.
وما يقوله الناس: إن من روى له الشيخان فقد جاز القنطرة، هذا أيضاً من التحنّق ولا يقوى، فقد روى مسلم في كتابه عن ليث بن أبي مسلم وغيره من الضعفاء، فيقولون: إنّما روى في كتابه للإعتبار والشواهد والمتابعات والإعتبارات، وهذا لا يقوى، لأنّ الحفّاظ قالوا: الإعتبار والشواهد والمتابعات والإعتبارات امور يتعرّفون بها حال الحديث، وكتاب مسلم التزم فيه الصحّة، فكيف يتعرّف حال الحديث الذي فيه بطرق ضعيفة.
واعلم أنّ (عن) مقتضية للإنقطاع عند أهل الحديث، ووقع في مسلم والبخاري من هذا النوع شيء كثير، فيقولون على سبيل التحنّق: ما كان من هذا النوع في غير الصحيحين فمنقطع، وما كان في الصحيحين فمحمول على الإتّصال.
وروى مسلم في كتابه عن أبي الزبير عن جابر أحاديث كثيرة بالعنعنة، وقال الحافظ: أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكّي يدلّس في حديث جابر، فما كان يصفه بالعنعة لا يقبل، وقد ذكر ابن حزم وعبدالحقّ عن الليث بن سعد أنّه قال لأبي الزبير: علّم لي أحاديث سمعتها من جابر حتى أسمعها منك، فعلّم لي أحاديث أظنّ أنّها سبعة عشر حديثاً فسمعتها منه، قال الحافظ: فما كان من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر صحيح.
وقد روى مسلم في كتابه أيضاً عن جابر وابن عمر في حجّة الوداع: إنّ النبيصلىاللهعليهوآله توجّه إلى مكّة يوم النحر، وطاف
طواف الإفاضة، ثم رجع فصلّى الظهر بمنى، فينحنقون ويقولون: أعادها لبيان الجواز، وغير ذلك من التأويلات، ولهذا قال ابن حزم في هاتين الروايتين: إحداهما كذب بلا شكّ.
وروى مسلم أيضاً حديث الإسراء وفيه: «وذلك قبل أن يوحى إليه» وقد تكلّم الحفّاظ في هذه اللفظة وبيّنوا ضعفها.
وروى مسلم أيضأ: «خلق الله التربة يوم السبت»، واتفّق الناس على أنّ يوم السبت لم يقع فيه خلق.
وروى مسلم عن أبي سفيان أنّه قال للنبيصلىاللهعليهوآله لمّا أسلم: يا رسول الله اعطني ثلاثاً: تزوّج ابنتي أمّ حبيبة، وابني معاوية اجعله كاتباً، وأمّرني أن اقاتل الكفار كما قاتلت المسلمين، فأعطاه النبيصلىاللهعليهوآله ، والحديث معروف مشهور. وفي هذا من الوهم ما لا يخفى، فامّ حبيبة تزوّجها رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهي بالحبشة وأصدقها النجاشي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أربعمائة دينار، وحضر وخطب وأطعم، والقصّة مشهورة. وأبو سفيان إنّما أسلم عام الفتح وبين الهجرة إلى الحبشة والفتح عدّة سنين، ومعاوية كان كاتباً للنبيصلىاللهعليهوآله من قبل، وأمّا إمارة أبي سفيان فقد قال الحافظ: إنّهم لا يعرفونها.
فيجيبون على سبيل التحنّق بأجوبة غير طائلة فيقولون في نكاح ابنته: إعتقد أن نكاحها بغير إذنه لا يجوز وهو حديث عهد بكفر، فأراد من النبيصلىاللهعليهوآله تجديد النكاح. ويذكرون عن الزبير بن بكّار بأسانيد ضعيفة أنّ النبيصلىاللهعليهوآله أمّره في بعض الغزوات، وهذا لا يعرف.
وما حملهم على هذا كلّه بعض التعصّب، وقد قال الحافظ:
إنّ مسلماً لمّا وضع كتابه الصحيح عرضه على أبي زرعة الرازي فأنكر عليه وقال: سمّيته الصحيح فجعلت سلّماً لأهل البدع وغيرهم، فإذا روى لهم المخالف حديثاً يقولون: هذا ليس في صحيح مسلم؛ فرحم الله تعالى أبا زرعة فقد نطق بالصواب، فقد وقع هذا.
وما ذكرت ذلك كلّه إلاّ أنّه وقع بيني وبين بعض المخالفين بحث في مسألة التورّك، فذكر لي حديث أبي حميد المذكور أولاً، فأجبته بتضعيف الطحاوي فما تلفّظ وقال: مسلم يصحّح والطحاوي يضعّف، والله تعالى يغفر لنا وله آمين»(1) .
4 - أبو الفضل الأدفوي(2) : «ثم أقول: إنّ الامّة تلقّت كلّ حديث صحيح وحسن بالقبول، وعملت به عند عدم المعارض، وحينئذ لا يختصّ بالصحيحين، وقد تلقّت الامّة الكتب الخمسة أو الستّة بالقبول وأطلق عليها جماعة اسم (الصحيح) ورجّح بعضهم بعضها على كتاب مسلم وغيره.
قال أبو سليمان أحمد الخطّابي: كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف لم يصنّف في حكم الدين كتاب مثله، وقد زرق من الناس القبول كافّة، فصار حكماً بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وكتاب السنن أحسن وضعاً وأكثر فقهاً من كتب البخاري
__________________
(1) الجواهر المضيّة في طبقات الحنفية 2: 428 - 430.
(2) ترجمته في: الدرر الكامنة 2: 72، النجوم الزاهرة 10: 237، البدر الطالع 1: 182، حسن المحاضرة 1: 320، شذرات الذهب 6: 153.
ومسلم.
وقال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: سمعت الإمام أبا الفضل عبدالله بن محمد الأنصاري بهراة يقول: وقد جرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه فقال -: كتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم.
وقال الإمام أبو القاسم سعيد بن علي الزنجاني: إنّ لأبي عبدالرحمن النسائي شرطاً في الرجال أشدّ من شرط البخاري ومسلم.
وقال أبو زرعة الرازي لمّا عرض عليه ابن ماجة السنن كتابه: أظنّ إن وقع هذا في أيدي الناس تعطّلت هذه الجوامع كلّها، أو قال: أكثرها.
ووراء هذا بحث آخر وهو: أنّ قول الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح: إنّ الامّة تلقّت الكتابين بالقبول، إن أراد كلّ الامّة فلا يخفى فساد ذلك، إذ الكتابان إنّما صنّفا في المائة الثالثة بعد عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وأئمّة المذاهب الأربعة، ورؤوس حفّاظ الأخبار ونقّاد الآثار المتكلّمين في الطرق والرجال، المميّزين بين الصحيح والسقيم.
وإن أراد بالأمّة الّذين وجدوا بعد الكتابين فهم بعض الامّة، فلا يستقيم له دليله الذي قرّره من تلقّي الامّة وثبوت العصمة لهم، والظاهرية إنّما يعتنون بإجماع الصحابة خاصة، والشيعة لا تعتدّ بالكتابين وطعنت فيهما، وقد اختلف في اعتبار قولهم في الإجماع والإنعقاد.
ثم إن أراد كلّ حديث فيهما تلقّي بالقبول من الناس كافّة فغير مستقيم، فقد تكلّم جماعة من الحفّاظ في أحاديث فيهما، فتكلّم الدار قطني في أحاديث وعلّلها، وتكلّم ابن حزم في أحاديث كحديث
شريك في الإسراء، قال: إنّه خلط، ووقع في الصحيحين أحاديث متعارضة لا يمكن الجمع بينها، والقطع لا يقع التعارض فيه.
وقد اتّفق البخاري ومسلم على إخراج حديث «محمد بن بشّار بندار» وأكثرا من الإحتجاج بحديثه، وتكلّم فيه غير واحد من الحفّاظ، أئمّة الجرح والتعديل، ونسب إلى الكذب، وحلف عمرو بن علي الفلاس شيخ البخاري أنّ بندار يكذب في حديثه عن يحيى، وتكلّم فيه أبو موسى، وقال علي بن المديني في الحديث الذي رواه في السجود: هذا كذب، وكان يحيى لا يعبأ به ويستضعفه، وكان القواريري لا يرضاه.
وأكثرا من حديث «عبد الرزّاق» والإحتجاج به، وتكلّم فيه ونسب إلى الكذب.
وأخرج مسلم عن «أسباط بن نصر» وتكلّم فيه أبو زرعة وغيره.
وأخرج أيضاً عن «سماك بن حرب» وأكثر عنه، وتكلّم فيه غير واحد، وقال الإمام أحمد بن حنبل: هو مضطرب الحديث، وضعّفه أمير المؤمنين في الحديث شعبة، وسفيان الثوري؛ وقال يعقوب بن شعبة: لم يكن من المتثبّتين؛ وقال النسائي: في حديثه ضعف؛ قال شعبة: كان سماك يقول في التفسير عكرمة، ولو شئت لقلت له: ابن عبّاس، لقاله: وقال ابن المبارك: سماك ضعيف في الحديث؛ وضعّفه ابن حزم قال: وكان يلقّن فيتلقّن.
وكان أبو زرعة يذمّ وضع كتاب مسلم ويقول: كيف تسمّيه الصحيح وفيه فلان وفلان وذكر جماعة.
وأمثال ذلك يستغرق أوراقاً، فتلك الأحاديث عندهما ولم يتلقّوهما بالقبول.
وإنّ أراد غالب ما فيهما سالم من ذلك لم يبق له حجّة»(1) .
5 - الشيخ علي القاري حول صحيح مسلم: «وقد وقع منه أشياء لا تقوى عند المعارضة، وقد وضع الرشيد العطّار كتاباً على الأحاديث المقطوعة فيه، وبيّنها الشيخ محيي الدين في أول شرح مسلم.
وما يقوله الناس: إنّ من روى له الشيخان فقد جاز القنطرة، هذا أيضاً من التجاهل والتساهل فقد روى مسلم في كتابه عن الليث ...» إلى آخر ما ذكره من الأمثلة لما قاله، بعبارات تشبه عبارات الأدفوي(2) .
محبّ الله بن عبد الشكور
6 - الشيخ محبّ الله بن عبدالشكور صاحب «مسلّم الثبوت».
عبدالعلي الأنصاري
7 - الشيخ عبدالعلي الأنصاري الهندي - شارح مسلّم الثبوت -، وهذا كلامه مازجاً بالمتن: «(فرع: إبن الصلاح وطائفة) من الملقّبين بأهل الحديث (زعموا أنّ رواية الشيخين) محمد بن إسماعيل (البخاري ومسلم) بن الحجّاج صاحبي الصحيحين (تفيد العلم النظري، للإجماع
__________________
(1) الإمتاع في أحكام السماع، عنه في خلاصة عبقات الأنوار - تأليف: علي الحسيني الميلاني - 6 / 169
(2) اُنظر: خلاصة عبقات الأنوار 6 / 167.
على أنّ للصحيحين مزيّة) على غيرهما، وتلقّت الامّة بقبولهما، والإجماع قطعي.
وهذا بهت، فإنّ من رجع إلى وجدانه يعلم بالضرورة أنّ مجرّد روايتهما لا يوجب اليقين ألبتّة، وقد روي فيهما أخبار متناقضة، فلو أفادت روايتهما علماً لزم تحقّق النقيضين في الواقع (وهذا) أي ما ذهب إليه ابن الصلاح وأتباعه (بخلاف ما قاله الجمهور) من الفقهاء والمحدّثين، لأنّ انعقاد الإجماع على المزيّة على غيرهما من مرويّات ثقات آخرين ممنوع، والإجماع على مزيّتهما في أنفسهما لا يفيد و (لأنّ جلالة شأنهما وتلقّي الأمّة لكتابيهما والإجماع على المزيّة لو سلم لا يستلزم ذلك) القطع والعلم، فإنّ القدر المسلّم المتلقّى بين الامّة ليس إلاّ أنّ رجال مرويّاتهما جامعة للشروط التي اشترطها الجمهور لقبول روايتهم، وهذا لا يفيد إلاّ الظنّ، وأمّا أنّ مرويّاتهما ثابتة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلا إجماع عليه أصلاً. كيف ولا إجماع على صحّة جميع ما في كتابيهما، لأنّ روايتهما منهم قدريّون وغيرهم من أهل البدع، وقبول رواية أهل البدع مختلف فيه، فأين الإجماع على صحّة مرويّات القدريّة؟!»(1) .
8 - ابن أمير الحاجّ(2) : «ثم ممّا ينبغي التنبّه له أنّ أصحّيّتهما
__________________
(1) فواتح الرحموت بشرح مسلّم الثبوت 2 / 123.
(2) ترجمته في: شذرات الذهب 6 / 328، الضوء اللامع 9 / 210، البدر الطالع 2 / 254.
على ما سواهم تنزّلاً إنّما تكون بالنظر إلى من بعدهما، لا المجتهدين المتقدّمين عليهما، فإنّ هذا مع ظهوره قد يخفى على بعضهم أو يغالط به»(1) .
9 - المقبلي(2) في كتابه (العلم الشامخ): «في رجال الصحيحين من صرّح كثير من الأئمة بجرحهم، وتكلّم فيهم من تكلّم بالكلام الشديد، وإن كان لا يلزمهما إلاّ العمل باجتهادهما»(3) .
10 - السيّد محمد رشيد رضا، بعد أن عرض للأحاديث المنتقدة على البخاري: «وإذا قرأت ما قاله الحافظ(4) فيها رأيتها كلّها في صناعة الفنّ ولكنّك إذا قرأت الشرح نفسه (فتح الباري) رأيت له في أحاديث كثيرة إشكالات(5) في معانيها أو تعارضها مع غيرها، مع محاولة الجمع بين المختلفات وحلّ المشكلات بما يرضيك بعضه دون بعض»(6) .
__________________
(1) التقرير والتحبير في شرح التحرير في اصول الفقه، وعنه في أضواء على السنّة المحمديّة: 314.
(2) صالح بن مهدي ترجمته في: الأعلام 3: 197.
(3) العلم الشامخ، وعنه في أضواء على السنّة المحمديّة: 310.
(4) هو الحافظ ابن حجر العسقلاني.
(5) قلت: سنشير على مواضع منها فيما سيأتي.
(6) المنار 29: 41.
وقال: «ممّا لا شكّ فيه أيضاً أنّه يوجد في غيرهما من دواوين السنّة أحاديث أصحّ من بعض ما فيهما ولا يخلو [ البخاري ] من أحاديث قليلة في متونها نظر قد يصدق عليه بعض ما عدّوه من علامة الوضع، كحديث سحر بعضهم للنبيصلىاللهعليهوآله الذي أنكره بعض العلماء كالإمام الجصّاص من المفسّرين المتقدّمين والاستاذ الإمام محمد عبده من المتأخّرين، لأنّه معارض بقوله تعالى:( إذ يقول الظالمون إن تتّبعون إلاّ رجلاً مسحوراً * انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلّوا فلا يستطيعون سبيلاً ) [ الإسراء 17: 47 و 48 ].
هذا، وإنّ في البخاري أحاديث في امور العادات والغرائز ليست من اصول الدين ولا فروعه، فإذا تأمّلتم هذا وذاك علمتم أنّه ليس من اصول الدين ولا من أركان الإسلام أن يؤمن المسلم بكلّ حديث رواه البخاري مهما يكن موضوعه، بل لم يشترط أحد في صحّة الإسلام ولا في معرفته التفصيلية، الإطّلاع على صحيح البخاري والإقرار بكلّ ما فيه.
وعلمتم أيضاً أنّ المسلم لا يمكن أن ينكر حديثاً من هذه الأحاديث بعد العلم به إلاّ بدليل يقوم عنده على عدم صحّته متناً أو سنداً، فالعلماء الّذين أنكروا صحّة بعض هذه الأحاديث لم ينكروها إلاّ بأدلّة قامت عندهم، قد يكون بعضها صواباً وبعضها خطأً، ولا يعدّ أحدهم طاعناً في دين الإسلام»(1) .
11 - الشيخ محمود أبو ريّة فإنّه انتقد الصحيحين انتقاداً
__________________
(1) المنار 2: 104 - 105.
علمياً، واستشهد في بحثه بكلمات العلماء من المتقدّمين والمتأخرين(1) .
12 - الدكتور أحمد أمين - حول البخاري -: «إنّ بعض الرجال الّذين روى لهم ثقات، وقد ضعّف الحفّاظ من رجال البخاري نحو الثمانين، وفي الواقع هذه مشكلة المشاكل ...»(2) .
13 - الأمير شكيب أرسلان: «إنّ كثير بن من المسلمين ومن ذوي الحميّة الإسلامية وممّن لا ينقصهم شيء من الإيمان والإيقان لا يرون من الواجب الديني الإيمان بكلّ ما جاء في الصحيحين وغيرهما من الأحاديث، لاحتمال أن يكون تطرّق إليها التبديل والتغيير أو دخلها الزيادة والنقصان ...»(3) .
14 - الشيخ أحمد محمد شاكر: «قد وقع في الصحيحين أحاديث كثيرة من رواية بعض المدلّسين»(4) .
__________________
(1) أضواء على السنّة المحمديّة: 299 - 316.
(2) ضحى الإسلام 2: 117 - 118.
(3) حاضر العالم الإسلامي 1: 44 - 51، وعنه في أضواء على السنّة المحمديّة: 326.
(4) شرح ألفيّة السيوطي، عنه في أضواء على السنّة المحمديّة: 311.
(3)
الصحيحان في الميزان
هذا وقد ألّف بعض أعاظم القوم «علل الحديث» المخّرج في الصحيحين كالدار قطني.
وآخر «غريب الصحيحين» كالضياء المقدسي.
وثالث: «نقد الصحيح» كالفيروز آبادي.
ورابع «التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح» كالزركشي.
وخامس «غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في مسلم من الأحاديث المقطوعة» كالعطّار
ودافع ابن حجر العسقلاني عن البخاري وحاول رفع مشكلات حديثه في مقدّمة شرحه، لكنّه أخفق في موضع واعترف بالإشكال وستعلم بعض ذلك ...
وقبل الشروع في ذكر نماذج من الأحاديث المحكوم عليها بالوضع أو الضعف أو الخطأ المخرّجة في الصحيحين نذكّر بمطلبين:
1 - إنّا عندما نلاحظ كتب الحديث وعلومه عند القوم، ونستعرض أحوال محدّثيهم ورواتهم، نجد أنّهم يهتمّون برواية الحديث ونقله بسنده ومتنه، ولا يعتنون بالنظر في معناه ومدلوله، وأنّ الأوصاف والألقاب والمناقب والمراتب تعطى لمن كان أوسع جمعاً وأكثر رواية، لا لمن أدقّ نظراً وأوفر درايةً ومن هنا كثرت منهم الأغلاظ الفاحشة، حتى
في الآيات القرآنية والأحكام الشرعية.
قال ابن الجوزي: «إنّ اشتغالهم بشواذّ الحديث شغلهم عن القرآن إن عبدالله بن عمر بن أبان مشكدانة قرأ عليهم في التفسير: (ويعوق وبشراً) فقيل له: (ونسراً) فقال: هي منقوطة من فوق فقيل له: النقط غلط. قال: فارجع إلى الأصل.
قال الدار قطني: سمعت أحمد بن عبيدالله المنادي يقول: كنّا في دهليز عثمان ابن أبي شبية فخرج إلينا فقال:( ن والقلم ) في أيّ سورة هو؟
قال: وأمّا بيان إعراضهم عن الفقه شغلاً بشواذّ الأحاديث، فقد رويت عنهم عجائب وقفت امرأة على مجلس في يحيى بن معين وأبو خيثمة وخلف ابن سالم في جماعة يتذاكرون الحديث، فسمعتهم يقولون: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ورواه فلان، وما حدّث به غير فلان، فسألتهم المرأة عن الحائض تغسل الموتى - وكانت غاسلة -؟ فلم يجبها أحد منهم، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض، فأقبل أبو ثور فقالوا لها: عليك بالمقبل، فالتفتت إليه فسألته فقال: نعم تغسل الميت بحديث عائشة: إنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال لها: حيضك ليست في يدك، ولقولها: كنت أفرق رأس رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالماء وأنا خائض، قال أبو ثور: فإذا فرقت رأس الحيّ فالميّت أولى به، فقالوا: نعم، رواه فلان وحدّثنا فلان؛ وخاضوا في الطرق، فقالت المرأة: فأين
كنتم إلى الآن؟!»(1) .
قال: «وقد كان فيهم مع كثرة سماه وجمعه للحديث من يرويه ولا يدري ما معناه، وفيهم من يصحّفه ويغيره أخبرنا الدرا قطني: أنّ أبا موسى محمد بن المثنّى العنزي قال لهم يوماً: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة قد صلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلينا، لما روي أنّ النبيصلىاللهعليهوآله صلى الى عنزة، توهّم أنّه صلى إلى قبلتهم، وإنّما العنزة التي صلى إليها رسول اللهصلىاللهعليهوآله هي حربة»(2) .
قال: «وقد كان أكثر المحدّثين يعرفون صحيح الحديث من سقيمه وثقات النقلة من مجروحيهم ثم يعابون لقلّة الفقه، فكان الفقهاء يقولون للمحدّثين: نحن الأطبّاء وأنتم الصيادلة ...»(3) .
قال: «والآن فالغالب على المحدّثين السماع فحسب، لا يعرفون صحابياً من تابعي، ولا حديثاً مقطوعاً من موصول، ولا صحّة إسناد من بطلانه، وفرض مثل هؤلاء القبول ممّن يعلم ما جهلوه ...»(4) .
وبالجملة فإنّ هذا حال أهل الحديث إلاّ القليل منهم الّذين نظروا في الأحاديث وبحثوا عن أحوالها على أساس النظر في المفاد والمدلول، فجاء عنهم الطعن والقدح في أحاديث كثيرة حتى من الصحيحين لأنّ الحديث إذا عارض الكتاب أو خالف الضرورة من الدين أو العقل أو التاريخ يكذّب وإن صحّ سنده وقد أشرنا إلى هذه
__________________
(1) آفة أصحاب الحديث - بتحقيق وتقديم وتعليق علي الحسيني الميلاني -: 44.
(2) المصدر نفسه: 46.
(3) المصدر نفسه: 49.
(4) المصدر نفسه: 49.
القاعدة المقرّرة من قبل ..
إنّه قد اختلف القوم في أسباب الجرح والتعديل اختلافاً فاحشاً، فرُبّ راو هو موثوق به عند البخاري ومجروح عند مسلم كعكرمة مولى ابن عبّاس، أو موثوق عندهما ومجروح عند غيرهما كما ذكرنا
ويتلخّص أنّ في أحاديث الصحيحين ما هو مطعون من جهة السند، وما هو مطعون فيه من جهة دلالته على معنى تخالفه الضرورة من النقل أو العقل: وما هو مطعون فيه من الجهتين وإليك نماذج من هذه الأنواع:
1 - أخرج البخاري في كتاب الطبّ بسنده عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال في كسب المعلّمين: «إن أحق ما اخذ عليه الأجر كتاب الله»(1) .
وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، حيث رواه بسنده عن ابن أبي مليكة عن عائشة، وطعن في سنده ثم قال: «والحديث منكر»(2) .
2 - أخرج البخاري في كتاب التفسير عن ابن عباس قال: «قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بمكّة: والنجم فلمّا بلغ:( أفرأيتم
__________________
(1) صحيح البخاري 7: 170.
(2) الموضوعات 1: 229.
اللات والعزّى ومناة الثالثة الاخرى ) ألقى الشيطان في امنيّته ...»(1) .
قال الرازي: «أمّا أهل التحقيق فقد قالوا: هذا الرواية باطلة موضوعة وبيّن بطلانها.
وحكي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنّه سئل عن هذه القصّة فقال: إنّها من وضع الزنادقة.
وقال الإمام أبوبكر البيهقي: هذه القصّة غير ثابتة من جهة النقل»(2) .
وقال القاضي عياض المالكي: «قد قامت الحجّة وأجمعت الامّة على عصمتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة النقيصة ...»(3) .
3 - قال ابن حزم في (المحلى): «ومن طريق البخاري، قال: هشام بن عمار، نا صدقة بن خالد، نا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، نا عطيّة بن قيس الكابلي، نا عبدالرحمن بن غنم الأشعري، حدّثني أبو عامر وأبو مالك الأشعري - والله ما كذبني - أنّه سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ليكوننّ من أمّتي قوم يستحلّون الخزّ والخنزير والخمر والمعازف.
وهذا منقطع لم يتّصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد، ولا يصحّ في هذا الباب شيء أبداً، وكلّ ما في موضوع».
4 - أخرج البخاري بسنده عن عروة: «إنّ النبيصلىاللهعليهوآله خطب عائشة بنت أبي بكر، فقال له أبو بكر: إنّما أنا أخوك،
__________________
(1) لاحظ: إرشاد الساري 7: 242 - 243، الدر المنثور 4: 366.
(2) تفسير الرازي 23: 50.
(3) الشفاء 2: 118.
فقال: أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال»(1) .
قال ابن حجر: «قال مغطاي: في صحّة هذا الحديث نظر، لأنّ الخلّة لأبي بكر إنّما كانت بالمدينة، وخطبة عائشة كانت بمكّة، فكيف يلتئم قول: إنّما أنا أخوك؟! أيضاً فالنبيصلىاللهعليهوآله ما باشر الخطبة بنفسه ...»(2) .
5 - أخرج البخاري في كتاب التفسير بسنده عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: «يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا ربّ إنّك وعدتني ألاّ تخزني يوم يبعثون: فيقول الله: إنّي حرّمت الجنّة على الكافرين»(3) .
قال ابن حجر: «وقد استشكل الإسماعيلي هذا الحديث من أصله وطعن في صحّته، فقال بعد أن أخرجه: هذا خبر في صحّته نظر من جهة أنّ إبراهيم عالم أنّ الله لا يخلف الميعاد، فكيف يجعل ما صار لأبيه خزياً له مع علمه بذلك؟! وقال غيره: هذا الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى:( وما كان استغفار .. ) »(4) .
6 - أخرج البخاري في كتاب الصلح بسنده عن أنس، قال: «قيل للنبيصلىاللهعليهوآله لو أتيت عبدالله بن اُبيّ، فانطلق إليه النبيصلىاللهعليهوآله وركب حماراً، فانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة، فلمّا أتاه النبيصلىاللهعليهوآله قال: إليك عنّي، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: والله
__________________
(1) صحيح البخاري 7: 6.
(2) فتح الباري 11: 26.
(3) صحيح البخاري 6: 139.
(4) فتح الباري 8: 46.
لحمار رسول اللهصلىاللهعليهوآله أطيب ريحاً منك، فغضب لعبدالله رجل من قومه فشتمه فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكا بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنّها نزلت:( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) قال أبو عبدالله: هذا ممّا انتخبت من مسدّد قبل أن يجلس ويحدّث»(1) .
قال الزركشي: «فبلغنا أنّها نزلت:( وإن طائفتان ) قال ابن بطّال: يستحيل نزولها في قصّة عبدالله بن أبيّ والصحابة، لأنّ أصحاب عبدالله ليسوا بمؤمنين وقد تعصّبوا بعد الإسلام في قصّة فدك، وقد رواه البخاري فدلّ على أنّ الآية لم تنزل فيه، وإنّما نزلت في قوم من الأوس والخزرج اختلفوا في حقّ فاقتتلوا بالعصي والنعال»(2) .
7 - أخرج البخاري في كتاب التفسير بسنده عن ابن عمر قال: «لمّا توفّي عبدالله بن اُبيّ، جاء ابنه عبدالله بن عبدالله إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليصلّي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله فقال: يا رسول الله، تصلّي عليه وقد نهاك ربّك أن تصلّي عليه؟! فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّما أخبرني الله فقال:( إستغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة ) وسأزيده على السبعين. قال: إنّه منافق! قال: فصلّى عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأنزل الله:( ولا تصلّ على أحد منهم مات
__________________
(1) صحيح البخاري 3: 239.
(2) التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح، عنه في خلاصة عبقات الأنوار 6 / 208.
أبداً ولا تقم على قبره ) »(1) .
أبو بكر الباقلاني.
أبو حامد الغزّالي.
الإمام الداودي.
قال ابن حجر: «استشكل فهم التخيير من الآية، حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحّة الحديث، مع كثرة طرقه واتّفاق الشيخين وسائر الّذين خرّجوا الصحيح على تصحيحه ...» ثم ذكر كلمات القوم ثم قال: «والسبب في إنكارهم صحّته ما تقرّر عندهم ممّا قدّمناه، وهو الذي فهمه عمر من حمل (أو) على التسوية لما يقتضيه سياق القصّة، وحمل السبعين على المبالغة ...»(2) .
8 - أخرج البخاري بسنده عن مسروق، قال: «أتيت ابن مسعود فقال: إنّ قريشاً أبطؤا عن الإسلام، فدعا عليهم النبيصلىاللهعليهوآله فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيما وأكلوا الميتة والعظام، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحمن إنّ قومك هلكوا
زاد أسباط عن منصور: دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآله فسقوا الغيث ...»(3) .
وطعن فيه:
__________________
(1) صحيح البخاري 6: 85 و 2: 121.
(2) فتح الباري 8 / 271.
(3) صحيح البخاري 2 / 37.
إبن حجر العسقلاني.
العيني، صاحب (عمدة القاري).
الإمام الداودي.
أبو عبدالملك.
الحافظ الدمياطي.
الكرماني، صاحب (الكواكب الدراري).
قال العيني: «واعترض على البخاري زيادة أسباط هذا، فقال الداودي: أدخل قصّة المدينة في قصّة قريش وهو غلط. وقال أبو عبدالملك: الذي زاده أسباط وهم واختلاط وكذا قال الحافظ شرف الدين الدمياطي.
والعجب من البخاري كيف أورد هذا ومكان مخالفاً لما رواه الثقات!!
__________________
(1) فتح الباري 8: 271.
(2) صحيح البخاري 2: 37.
وهذا من المواضع التي اعترف فيها ابن حجر بنكارة الحديث ولم يتمكّن من الدفاع عنه
9 - أخرج البخاري عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: «تكثير لكم الأحاديث من بعدي فإذا روي لكم حديث فأعرضوه على كتاب الله تعالى ...».
قال يحيى بن معين: «إنّه حديث وضعته الزنادقة».
وقال التفتازاني: «طعن فيه المحدّثون».
قال: «وقد طعن فيه المحدّثون بأنّ في رواته يزيد بن ربيعة وهو مجهول، وترك في إسناده واسطة بين الأشعت وثوبان فيكون منقطعاً. وذكر يحيى بن معين أنّه حديث وضعته الزنادقة، وإيراد البخاري إيّاه في صحيحه لا ينافي الإنقطاع أو كون أحد رواته غير معروف بالرواية»(1) .
10 - أخرج البخاري بسنده عن ابن عمر: «كنّا في زمن النبيصلىاللهعليهوآله لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله لا نفاضل بينهم»(2) .
قال ابن عبدالبّر: «هو الذي أنكر ابن معين وتكلّم فيه بكلام غليظ، لأنّ القائل بذلك قد قال بخلاف ما أجمع عليه أهل السنّة من السلف والخلف من أهل الفقه والآثر: أنّ عليّاً أفضل الناس بعد عثمان، وهذا ممّا لم يختلفوا فيه، وإنّما اختلفوا في تفضيل علي وعثمان. واختلف السلف أيضاً في تفضيل علي وأبي بكر.
وفي إجماع الجميع الذي وصفنا دليل على أنّ حديث ابن عمر
__________________
(1) التلويح في اصول الفقه 2: 397.
(2) صحيح البخاري 5: 18.
وهم وغلط وأنّه لا يصحّ معناه وإن كان إسناده صحيحاً ...»(1) .
11 - أخرج الشيخان عن شريك بن عبدالله عن أنس بن مالك قصّة إسراء النبيصلىاللهعليهوآله ، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ليلة اسري برسول اللهصلىاللهعليهوآله من مسجد الكعبة أنّه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم ...»(2) .
طعن فيه النووي فقال: «وذلك قبل أن يوحى إيه، وهو غلط لم يوافق عليه، فإن الإسراء أقلّ ما قيل فيه: أنّه كان بعد مبعثه بخمسة عشر شهراً ...»(3) .
والكرماني فقال: «قال النووي: جاء في رواية شريك أوهام أنكرها العلماء، من جملتها أنّه قال: ذلك قبل أن يوحى إليه. وهو غلط لم يوافق عليه، وأيضاً: العلماء أجمعوا على أنّ فرض الصلاة كان ليلة الإسراء فكيف يكون قبل الوحي؟!
أقول: وقول جبرئيل جواب بوّاب السماء إذ قال: أبعث؟ نعم، صريح في أنّه كان بعده»(4) .
وابن القيّم وعبارته: «قد غلّط الحفّاظ شريكاً في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه ثم قال: فقدّم وأخّر وزاد ونقص، ولم يسرد الحديث وأجاد»(5) .
12 - أخرج البخاري بسنده: «عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت
__________________
(1) الاستيعاب 2: 1115.
(2) صحيح البخاري 9: 182، صحيح مسلم 1: 102.
(3) المنهاج في شرح مسلم 2: 65.
(4) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري 25: 204.
(5) زاد المعاد في هدي خير العباد 2: 49.
في الجاهلية قردة اجتمع عليه قردة قد زنت فرجموها فرجمتها معهم»(1) .
طعن فيه:
الحافظ الحميدي.
وابن عبدالبّر.
قال ابن حجر: «استنكر ابن عبد البرّ قصّة عمرو بن ميمون هذه وقال: فيها إضافة الزنا إلى غير مكلّف، وإقامة الحدّ على البهائم، وهذا منكر عنه أهل العلم وأغرب الحميدي في الجمع بين الصحيحين فزعم أنّ هذا الحديث وقع في بعض نسخ البخاري، وأنّ أبا مسعود وحده ذكره في الأطراف، قال: وليس في نسخ البخاري أصلاً، فلعلّه من الأحاديث المقحمة في كتاب البخاري ...»(2) .
13 و14 و15 - أخرج البخاري ثلاثة أحاديث عن عطاء عن ابن عبّاس، اثنان منها في كتاب الطلاق، والآخر في كتاب التفسير(3) .
وقد طعن الأئمّة في هذه الأحاديث. وأذعن أبن حجر بخطأ البخاري في إخراجها، وهذا نصّ كلامه: «تعقّبه أبو مسعود الدمشقي فقال: ثبت هذا الحديث والذي قبله - يعني بهذا الإسناد سوى الحديث المتقدّم في التفسير - في تفسير ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عبّاس، وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، وإنّما أخذ الكتاب من ابنه عثمان ونظر فيه. قال أبو علي: وهذا تنبيه بليغ من أبي مسعود ...».
__________________
(1) صحيح البخاري 5: 56.
(2) فتح الباري 7: 127.
(3) صحيح البخاري 7: 62 - 63 و 6: 199.
قال ابن حجر: «وهذا عندي من المواضع العقيمة عن الجواب السديد، ولابدّ للجواد من كبوة، والله المستعان. وما ذكره أبو مسعود من التعقّب قد سبقه إليه الإسماعيلي، ذكر ذلك الحميدي في الجمع عن البرقاني عنه، قال: وحكاه عن علي بن المديني، يشير إلى القصّة التي ساقها الغسّاني، والله الموفق»(1) .
16 - أخرج البخاري في كتاب المغازي بسنده عن مسروق بن الأجدع قال: «حدّثتني أمّ رومان - وهي امّ عائشة - ...»(2) .
وقد غلّط كبار الأئمّة هذا الحديث من جهة أنّ مسروقاً لم يدرك أمّ رومان ومنهم:
الخطيب البغدادي(3) .
ابن عبدالبرّ القرطبي(4) .
القاضي عياض في مشارق الأنوار(5) .
إبراهيم بن يوسف، صاحب مطالع الأنوار(6) .
أبو القاسم السهيلي شارح السيرة(7) .
ابن سيّد الناس صاحب السيرة(8) .
____________
(1) هدى الساري - مقدمة فتح الباري 2: 135.
(2) صحيح البخاري 5: 154.
(3) انظر: فتح الباري 7: 353.
(4) الاستيعاب 4: 1937.
(5) انظر: فتح الباري 7: 353.
(6) انظر: فتح الباري 7: 353.
(7) الروض الآنف 6: 440.
(8) عيون الأثر 2: 101.
الحافظ المزّي(1) .
الحافظ شمس الدين الذهبي(2) .
الحافظ صلاح الدين العلائي(3) .
17 - أخرج البخاري في كتاب المغازي بسنده عن علي: «إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية»(4) .
وأخرجه مسلم بأسانيد متعدّدة(5) .
وقد غلّط هذا الحديث جماعة منهم:
الحافظ أبو بكر البيهقي.
الحافظ إبن عبدالبّر.
الحافظ أبو القاسم السهيلي.
الحافظ إبن قيّم الجوزية.
العلاّمة العيني.
شهاب الدين القسطلاني
قال السهيلي: «هذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر أنّ المتعة حرّمت يوم خيبر ...»(6) .
وقال ابن القيّم: «لم تحّرم المتعة يوم خيبر وإنّما كان تحريمها عام
__________________
(1) تهذيب الكمال - مخطوط -.
(2) اُنظر: فتح الباري 7: 353.
(3) اُنظر: فتح الباري 7: 353.
(4) صحيح البخاري 5: 172، وانظر 123 و 9: 31.
(5) صحيح مسلم: 4: 134 - 135.
(6) الروض الانف 6: 557.
الفتح، هذا هو الصواب. وقد ظنّ طائفة من أهل العلم أنّه حرّمها يوم خيبر، واحتجّوا بما في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه ...»(1) .
وقال العيني: «قال ابن عبد البرّ: وذكر النهي عن المتععة يوم خيبر غلط. وقال السهيلي ...»(2) .
وقال القسطلاني: «قال ابن عبدالبرّ: إنّ ذكر النهي يوم خيبر غلط، وقال البيهقي: لا يعرفه أحد من أهل السير»(3) .
18 - أخرج البخاري:» عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: لم يكذب إبراهيم إلاّ ثلاثاً
عن أبي هريرة: لم يكذب إبراهيم إلاّ ثلاث كذبات، ثنتين منهنّ في ذات الله عزّو جلّ: إنّي سقيم. وقوله: بل فعله كبيرهم هذا.
وقال: بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبّار من الجبابرة فقيل له: إنّ هاهنا رجلاً معه امرأة م أحسن الناس، فأرسل إيه فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: اختي ...»(4) .
وأخرجه مسلم(5) .
وهذا الحديث كذّبه الفخر الرازي في تفسيره وقال: بأنّ نسبة الكذب إلى الراوي أولى من نسبته إلى الخليلعليهالسلام (6) .
__________________
(1) زاد المعاد 2: 142 و 183 و 4: 6.
(2) عمدة القاري 17: 246 - 247.
(3) إرشاد الساري 6: 536 و 8: 41.
(4) صحيح البخاري 4: 171.
(5) صحيح مسلم 7: 98.
(6) تفسير الرازي 22: 185 و 26: 148.
19 - أخرج مسلم عن عكرمة بن عمّار، عن أبي زميل، عن ابن عبّاس، قال: «كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال: يا نبي الله ثلاث أعطنيهنّ، قال: نعم، قال: أحسن العرب وأجملهم أمّ حبيبة ازوّجكها، قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم، قال: وتؤمّرني أن اقاتل الكفّار كما كنت اقاتل المسلمين، قال: نعم ...»(1) .
وقد طعن فيه جماعة سنداً ومتناً منهم:
الذهبي في ترجمة عكرمة بن عمّار(2) .
الحافظ إبن حزم.
الحافظ النووي.
الحافظ إبن القيّم.
الحافظ إبن الجوزي.
قال إبن القيّم في (زاد المعاد): «إنّ حديث عكرمة في الثلاث التي طلبها أبو سفيان من النبيصلىاللهعليهوآله غلط ظاهر لا خفاء به. قال أبو محمد ابن حزم: هو موضوع بلا شك، كذبه عكرمة بن عمّار. قال ابن الجوزي: هذا الحديث وهم من بعض الرواة لا شكّ فيه ولا تردّد.
وقد اتّهموا به عكرمة بن عمّار، لأنّ أهل التواريخ أجمعوا على أنّ أمّ حبيبة كانت تحت عبيدالله بن جحش، ولدت له وهاجر بها إلى أرض الحبشة، ثم تنصّر وثبتت أمّ حبيبة على إسلامها، فبعث رسول الله
__________________
(1) صحيح مسلم 7: 171.
(2) ميزان الإعتدال 3: 90.
صلىاللهعليهوآله إلى النجاشي يخطبها فزوّجه إيّاها وأصدقها عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى النجاشي يخطبها فزوّجه إيّاها وأصدقها عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله صداقاً، وذلك في سنة سبع من الهجرة. وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة ودخل عليها فثنت فراش رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتى لا يجلس عليه. ولا خلاف في أنّ أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكّة سنة ثمان.
وأيضاً: في الحديث أنّه قال: وتؤمّرني حتى أقتل الكفّار كما كانت اقاتل المسلمين فقال: نعم، ولا يعرف أنّهصلىاللهعليهوآله أمّر أبا سفيان ألبتّة».
وقال النووي: «إعلم أنّ هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإشكال ...»(1) .
20 - أخرج مسلم حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد ضعّفه الطحاوي وغيره كما قد تقدّم في عبارة عبدالقادر القرشي.
خلاصة البحث
هذا بعض الكلام حول الصحيحين وأخبارهما على ضوء كلمات الأعلام وقد رأيت في الكتابين رجالاً كاذبين وأحاديث موضوعة وباطلة
وأحاديث نقصان القرآن من القبيل فلا يهولنّك الطعن فيها بعد ثبوت مخالفتها للإجماع والضرورة ومحكم التنزيل والله هو الهادي إلى سواء السبيل
__________________
(1) شرح صحيح مسلم - هامش إرشاد الساري 11: 360.
الكلام حول الصحابة
إنّ المشهور بين أهل السنّة «عدالة الصحابة» أجمعين قال أبو إبراهيم المزني في معنى حديث أصحابي كالنجوم: «إن صحّ هذا الخبر فمعناه فيما نقلوا عنه وشهدوا به عليه، فكلّهم ثقة مؤتمن على ما جاء به، لا يجوز عندي غير هذا»(1) .
وقال ابن حزم: «الصحابة كلّهم من أهل الجنّة قطعاً»(2) وقال الخطيب: «عدالة الصحابة ثابتة معلومة»(3) وقال النووي في التقريب: «الصحابة كلّهم عدول من لابس الفتنة وغيرهم».
بل ادّعى بعضهم الإجماع على هذا المعنى صريحاً كابن حجر العسقلاني(4) وابن عبد البرّ القرطبي(5) .
1 - الصحابة عدالةً:
لكنّ دعوى الإجماع باطلة والمشهور لا أصل له
أمّا دعوى الإجماع فيكذّبها نسبة هذا القول إلى الأكقر في كلام جماعة من الأئمة قال ابن الحاجب: «الأكثر على عدالة الصحابة، وقيل: كغيرهم، وقيل: إلى حين الفتن فلا يقبل الداخلون، لأنّ الفاسق
__________________
(1) انظر: جامع بيان العلم 2: 8 - 90.
(2) انظر: الإصابة 1: 19.
(3) انظر: الإصابة 1: 17 - 18.
(4) الإصابة 1: 17 - 18.
(5) الاستيعاب 1: 8.
غير معيّن، وقالت المعتزلة: عدول إلاّ من قاتل عليّاً ...»(1) .
وقال الغزّالي: «الذي عليه سلف الامّة وجماهير الخلف أنّ عدالتهم معلومة بتعديل الله عزّو جلّ أيّاهم وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيه إلاّ أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه به، وذلك ممّا لا يثبت، فلا حاجة لهم إلى التعديل وقد زعم قوم أنّ حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث، وقال قوم: حالهم العدالة في بدائة الأمر إلى ظهور الحرب والخصومات، ثم تغيّر الحال وسفكت الدماء فلابدّ من البحث، وقال جماهير المعتزلة: عائشة وطلحة والزبير وجميع أهل العراق والشام فسّاق بقتال الإمام الحقّ ...»(2) .
وكذا في (جمع الجوامع) وشرحه حيث قال: «والأكثر على عدالة الصحابة لا يبحث عنها في رواية ولا شهادة ...» ثم نقل الأقوال الاخرى(3) .
وفي (مسلم الثبوت) وشرحه: «الأكثر قالوا: الأصل في الصحابة العدالة، وقيل ...»(4) .
بل صرّح جماعة من أكابر القوم من المتقدّمين والمتأخرين كالسعد التفتازاني(5) ، والمازري - شارح البرهان -(6) ، وابن العماد
__________________
(1) المختصر في الأصول 2: 67.
(2) المستصفى 1: 164.
(3) انظر: النصائح الكافية: 160.
(4) فواتح الرحموت بشرح مسلّم الثبوت 2: 155.
(5) إحقاق الحقّ - للتستري - 2: 391 - 392 عن شرح القاصد.
(6) الإصابة 1: 19، النصائح الكافية: 161.
أحمد بن حنبل(1) .
أبو إبراهيم المزني(2) .
أبو بكر البزّار(3) .
ابن القطّان(4) .
الحافظ الدار قطني(5) .
الحافظ ابن حزم(6) .
الحافظ البيهقي(7) .
الحافظ إبن عبدالبرّ(8) .
الحافظ إبن عساكر(9) .
الحافظ إبن الجوزي(10) .
الحافظ إبن دحية(11) .
__________________
(1) نقل ذلك عنه في: التقرير والتحبير - لابن أمير الحاج -، المنتخب - لابن قدامة - التيسير في شرح التحرير 3: 243، مسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 1: 79.
(2) جامع بيان العلم - لابن عبدالبرّ - 2: 89 - 90.
(3) جامع بيان العلم 2: 90، أعلام المؤقّعين 2: 223، البحر المحيط 5: 528.
(4) الكامل | ترجمة جعفر بن عبد الواحد الهاشمي القاضي وحمزة النصيبي.
(5) غرائب مالك، تخريج أحاديث الكشّاف 2: 628.
(6) البحر المحيط 5: 528، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 1: 78.
(7) المدخل، وعنه في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشّاف - المطبوع على هامش الكشّاف - 2: 628.
(8) جامع بيان العلم 2: 90 - 91.
(9) التاريخ، وعنه في فيض القدير في شرح الجامع الصغير 4: 76.
(10) العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، وانظر: فيض القدير 4: 76.
(11) تعليق تخريج أحاديث منهاج البيضاوي.
الحافظ أبو حيّان الأندلسي(1) .
الحافظ الذهبي(2) .
الحافظ إبن القيّم(3) .
الحافظ إبن حجر العسقلاني(4) .
الحافظ السخاوي(5) .
الحافظ السيوطي(6) .
الحافظ الشوكاني(7) .
2 - الصحابة علماً:
وأمّا جهل الأصحاب بالقرآن الكريم والأحكام الشرعية فالشواهد عليه كثيرة جدّاً، بل يمتنع أن تحصي له عدداً وتبلغ به حدّاً ونحن نكتفي هنا بكلام لإبن حزم وللتفصيل فيه مجال آخر.
قال الحافظ ابن حزم: «ووجدنا الصحاب من الصحابة - رضي الله عنهم - يبلغه الحديث فيتأوّل فيه تأويلاً يخرجه به عن
__________________
(1) البحر المحيط 5: 527 - 528.
(2) ميزان الاعتدال 1: 413 و 2: 102.
(3) أعلام الموقّعين 2: 223.
(4) الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشّاف.
(5) المقاصد الحسنة 26: 27.
(6) الجامع الصغير - بشرح المناوي - 4: 76.
(7) إرشاد الفحول: 83.
وراجع أصحابي كالنجوم: 21 - 60 للاطّلاع على كلمات العلماء الّذين سبق ذكرهم وعلى كلمات علماء آخرين غيرهم بهذا الخصوص.
الحنبلي(1) ، والشوكاني(2) ، وأبي ريّة(3) ، ومحمد عبدة(4) ، ومحمد بن عقيل(5) ، ومحمد رشيد رضا(6) ، والمقبلي(7) ، والرافعي(8) ، وطه حسين، وأحمد أمين وغيرهم بأنّ في الصحابة عدولاً وغير عدول، وهذا هو رأي الشيعة الإثني عشرية(9) .
وأمّا أنّه مشهور لا أصل له فلأنّ هذا القول يناقض القرآن الكريم الذي تنصّ آيات كثيرة منه على أنّ كثيراً من الأصحاب حول النبي في حياتهصلىاللهعليهوآلهوسلم منافقون فسقة(10) حتى جاءت سورة منه بعنوان «المنافقين».
ونصّت الآية الكريمة: «... أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ...»(11) على ارتداد كثيرين منهم من بعده ...
وجاءت الأحاديث الصحيحة شارحةً هذه الآية المباركة ومن أشهرها وأصحّها حديث الحوض الوارد في الصحيحين وغيرهما بألفاظ
__________________
(1) النصائح الكافية: 162 عن الآلوسي.
(2) إرشاد الفحول: 158.
(3) شيخ المضيرة أبوهريرة: 101.
(4) أضواء على السُنّة المحمدية: 322.
(5) النصائح الكافية: 163.
(6) شيخ المضيرة أبوهريرة: 101.
(7) المصدر نفسه.
(8) إعجاز القرآن: 141.
(9) اُنظر كتاب: «أصحابي كالنجوم» العدد الأول من سلسلة الأحاديث الموضوعة، تأليف: علي الحسيني الميلاني.
(10) اُنظر الآيات في سورة آل عمران، سورة التوبة ...
(11) آل عمران: 3 / 144.
وطرق مختلفة(1) ، بل عدّة بعضهم في الأحاديث المتواترة عن النبيّصلىاللهعليهوآله فقد ذكر العلاّمة: الزبيدي في كتابه في (الأحاديث المتواترة): «الحديث السبعون حديث الحوض. رواه عن الصحابة خمسون نفساً» فَذكَرَ أسمإهم (ع).
فالقول المذكور يناقض الكتاب والسُنّة ويناقض السير والتواريخ وأحوال الصحابة ..
وبالجملة فإنّ الصحابة ما كانوا يرون في أنفسهم لأنفسهم وفيما بينهم ما قيل في حقّهم ووضع في شأنهم فلقد تباغضوا وتسابّوا وتضاربوا وتقاتلوا ..
وإنّ الآثار المنقولة عنهم الحاكية لارتكابهم الكبائر واقترافهم السيئات من الزنا، وشرب الخمر، والربا وغير ذلك كثيرة لا تحصى(2) .
فهذا هو القول بعدالة الصحابة أجمعين فهو مشهور لكن لا أصل له ..
نعم يستدلّون له بأدلّة عمدتها ما رووا بأسانيدهم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديهم اهتديتم» لكنّه حديث يعارض الكتاب والسنّة والتاريخ الصحيح فلا اعتبار به مضافاً إلى أنّ جمعاً كبيراً من أعيان القوم ينصّون على أنّه حديث باطل موضوع، ومنهم:
__________________
(1) صحيح البخاري، باب في الحوض 4 / 87 - 88.
(2) اُنظر: أصحابي كالنجوم: 73 - 81.
ظاهره، ووجدناهم - رضي الله عنهم - يقرّون ويعترفون بأنّه لم يبلغهم كثير من السنن، وهكذا الحديث المشهور عن أبي هريرة: إنّ إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإنّ إخواني من الأنصار كان يشغلم القيام على أموالهم، وهكذا قال البراء قال: ما كلّ ما نحدّثكموه سمعناه من رسول الله صلّى الله عليه [ آله ] وسلّم [ و ] لكن حدّثنا أصحابنا، وكانت تشغلنا رعية الإبل.
وهكذا [ وهذا ] أبو بكر - رضي الله عنه - لم يعرف فرض ميراث الجدّة وعرفه محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة، وقد سأل أبو بكر - رضي الله عنه - عائشة في كم رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم؟
وهذا عمر - رضي الله عنه - يقول في حديث الإستئذان: اخفي عليّ هذا من أمر رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم. ألهاني الصفق في الأسواق!
وقد جهل أيضاً أمر إملاص المرأة وعرفه غيره، وغضب على عيينة بن حصن، حتى ذكّره الحرّ بن قيس بن حصن بقوله تعالى:( وأعرض عن الجاهلين ) .
وخفي عليه أمر رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب إلى آخر خلافته، وخفي على أبي بكر - رضي الله عنه - قبله أيضاً طول مدّة خلافته، فلمّا بلغ عمر أمر بإجلائهم فلم يترك بها منهم أحداً.
وخفي على عمر أيضاً امرهعليهالسلام بترك الإقدام على الوباء، وعرف ذلك عبد الرحمن بن عوف.
وسأل عمر أبا واقد الليثي عمّا كان يقرأ به رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم في صلاتي الفطر والأضحى، هذا، وقد صلاّهما رسول الله
[صلىاللهعليهوآله ] أعواماً كثيرة.
ولم يدر ما يصنع بالمجوس حتى ذكّره عبدالرحمن بأمر رسول الله صلّى الله عليه [ وآل ] وسلّم فيهم.
ونسي قبولهعليهالسلام الجزية من مجوس البحرين وهو أمر مشهور، ولعلّه - رضي الله عنه - قد أخذ من ذلك المال حظّاً كما أخذ غيره منه.
ونسي أمرهعليهالسلام بتيمّم الجنب فقال: لا يتيمّم أبداً ولا يصلّي ما لم يجد الماء، وذكّره بذلك عمّار.
وأراد قسمة مال الكعبة حتى احتجّ عليه اُبيّ بن كعب بأنّ النبيعليهالسلام لم يفعل ذلك، فأمسك.
وكان يردّ النساء اللواتي حضن ونفرن قبل أن يودّعن البيت، حتى أخبر بأنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أذن في ذلك. فأمسك عن ردّهن.
وكان يفاضل بين ديات الأصابع حتى بلغه عن النبي - صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم - أمره بالمساواة بينها، فترك قوله وأخذ المساواة.
وكان يرى الدية للعصبة فقط حتى أخبره الضحّاك بن سفيان بأنّ النبي - صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم - ورّث المرأة من الدية، فانصرف عمر إلى ذلك.
ونهى عن المغالاة في مهور النساء استدلالاً بمهور النبي صلّى الله [ وآله ] وسلم، حتى ذكّرته امرأة بقول الله عزّو جلّ:( وآتيتم إحداهنّ قنطاراً ) فرجع عن نهيه.
وأراد رجم مجنونة حتى اعلم بقول رسول الله - صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم -: رفع القلم عن ثلاثة، فأمر أن لا ترجم.
وأمر برجم مولاة حاطب حتى ذكّره عثمان بأنّ الجاهل لا حدّ عليه، فأمسك عن رجمها.
وأنكر على حسّان الإنشاد في المسجد، فأخبر هو وأبو هريرة أنّه قد أنشد فيه بحضرة رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم، فسكت عمر.
وقد نهى عمر أن يسمّى بأسماء الأنبياء، وهو يرى محمد بن مسلمة يغدو عليه ويروح وهو أحد الصحابة الجلّة منهم، ويرى أبا أيّوب الأنصاري وأبا موسى الأشعري، وهما لا يعرفان إلاّ بكناهما من الصحابة، ويرى محمد بن أبي بكر الصدّيق وقد ولد بحضرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حجّة الوداع، واستفتته امّه إذ ولدته ماذا تصنع في إحرامها وهي نفساء، وقد علم يقيناً أنّ النبيصلىاللهعليهوآله علم بأسماء من ذكرنا وبكناهم بلا شكّ وأقرّهم عليها ودعاهم بها ولم يغيّر شيئاً من ذلك، فلمّا أخبره طلحة وصهيب عن النبي - صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم - بإباحة ذلك أمسك عن النهي عنه.
وهمّ بترك الرمي في الحجّ، ثم ذكّر أنّ النبي - صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم - فعله فقال: لا يجب لنا أن نتركه.
وهذا عثمان - رضي الله عنه -، فقد رووا عن أنّه بعث إلى الفريعة اخت أبي سعيد الخدري يسألها عمّا أفتاها به رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم في أمر عدّتها، وأنّه أخذ بذلك.
وأمر برجم امرأة قد ولدت لستّة أشهر، فذكّره علي بالقرآن وأنّ الحمل قد يكون ستّة أشهر، فرجع عن الأمر برجمها.
وهذه عائشة وأبو هريرة - رضي الله عنهما - خفي عليهما المسح على الخفّين وعلى ابن عمر معهما، وعلّمه جرير ولم يسلم إلاّ قبل موت النبي - صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم - بأشهر، وأقرّت عائشة أنّها لا علم لها به
وأمرت بسؤال من يرجى عنده علم ذلك وهو علي رضي الله عنه.
هذه حفصة أمّ المؤمنين سئلت عن الوطء، يجنب فيه الواطئ أفيه غسل أم لا؟ فقالت: لا علم لي؟!
وهذا ابن عمر توقّع أن يكون وحديث نهي عن النبي - صلّى الله عليه [ وآل ] وسلّم - عن كراء الأرض بعد أزيد من أربعين سنة من موت النبي - صلّى الله عليه [ واله ] وسلّم - فأمسك عنها وأقرّ أنّهم كانوا يكرونها على عهد أبي بكر وعمر وعثمان، ولم يقل: إنّه لا يمكن أن يخفى على هؤلاء ما يعرف رافع وجابر وأبو هريرة، وهؤلاء إخواننا يقولون فيما اشتهوا: لو كان هذا حقّاً ما خفي على عمر!
وقد خفي على زيد بن ثابت وابن عمر وجمهور أهل المدينة إباحة النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم للحائض أن تنفر، حتى أعلمهم بذلك ابن عبّاس وامّ سليم، فرجعوا عن قولهم.
وخفي على ابن عمر الإقامة حتى يدفن الميّت، حتى أخبره بذلك أبو هريرة وعائشة فقال: لقد فرّطنا في فراريط كثيرة.
وقيل لابن عمر في اختياره متعة الحجّ على الإفراد: إنّك تخالف أباك فقال: أكتاب الله أحقّ أن يتّبع أم عمر؟! روينا ذلك عنه من طريق عبدالرزّاق، عنه معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر.
وخفي على عبدالله بن عمر الوضوء من مسّ الذكر، حتى أمرته بذلك عن النبيصلىاللهعليهوآله بسرة بنت صفوان، فأخذ بذلك.
وقد تجد الرجل يحفظ الحديث ولا يحضره ذكره حتى يفتي بخلافه وقد يعرض هذا في آي القرآن، وقد أمر عمر على المنبر بأن لا يزاد في مهور النساء على عدد ذكره، فذكّرته أمرأة بقول الله تعالى:( وآتيتم إحداهنّ قنطاراً ) فترك قوله وقال: كلّ أحد أفقه منك يا عمر، وقال:
أمرأة أصابت وأمير المؤمنين أخطأ!
وأمر برجم امرأة ولدت لستّة أشهر، فذكّره علي بقول الله تعالى:( وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ) مع قول تعالى:( والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين ) فرجع عن الأمر برجمها.
وهمّ أن يسطو بعيينة بن حصن إذا قال له: يا عمر ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، فذكّره الحرّ بن قيس بن حصن بن حذيفة بقول الله تعالى:( وأعرض عن الجاهلين ) وقال له: يا أمير المؤمنين هذا من الجاهلين، فأمسك عمر.
وقال يوم مات رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم: والله ما مات رسول الله ولا يموت حتى يكون آخرنا، أو كلاماً هذا معناه، حتى قرئت عليه:( إنّك ميّت وإنّهم ميّتون ) ، فسقط السيف من يده وخرّ إلى الأرض وقال: كأنّي والله لم أكن قرأتها قطّ!
قال الحافظ ابن حزم: فإذا أمكن هذا في القرآن فهو في الحديث أمكن، وقد ينساه ألبتّة، وقد لا ينساه بل يذكره ولكن يتأوّل فيه نأويلاً، فيظنّ فيه خصوصاً أو نسخاً أو معنًى مّا، وكلّ هذا لا يجوز اتّباعه إلاّ بنصّ أو إجماع، لأنّه رأي من رأى ذلك ولا يحلّ تقليد أحد ولا قبول رأيه ...»(1) .
هذا، ولقد ذكر هذه القضايا يا وغيرها ابن القيّم في (أعلام الموقّعين) وقال: «وهذا باب واسع لو تتبّعناه لجاء سفراً كبيراً».
__________________
(1) الإحكام في اصول الأحكام 2: 12.
خاتمة الباب الثاني
لقد استعرضنا في الباب الثاني كلّ ما يتعلّق بـ (أهل السنّة والتحريف) حيث ذكرنا أن المشهور بينهم هو تنزيه القرآن عن الخطأ والنقصان، وتعرّضنا للأحاديث الموهمة لذلك عن أهمّ أسفارهم فما أمكن حمله على بعض الوجوه المقبولة حملناه، وما لم يمكن نظرنا في سنده فما ضعف رددناه وما صحّ على اصولهم كذّبناه، لتكذيب الكتاب والسنّة والإجمال إيّاه
لكنّ هذا الردّ والتكذيب أثار سؤالاً عمّا إذا كان الحديث صحيحاً وصريحاً في اعتقاد بعض الأصحاب لتحريف الكتاب فكيف يكذّب وتكذيبه طعن في الصحيحين وعدالة الأصحاب؟! وهذا ما دعانا إلى الدخول في بحث موجز حول كتابي البخاري ومسلم، وعدالة أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله
وتلخّص أنّ مذهب أهل السنّة نفي تحريف القرآن إلاّ القائلين منهم بصحّة جميع ما أخرج في الكتابين، وبعدالة الصحابة أجمعين وهؤلاء هم «الحشوية» الّذين نسب إليهم هذا القول الطبرسي(1) وغيره. وأنّه لا قيمة لإنكار ذلك من الآلوسي(2) وغيره.
__________________
(1) مجمع البيان 1: 15.
(2) روح المعاني 1: 21.
خاتمة البحث
فيا أهل الإسلام!! الله الله في القرآن في حفظه والعمل به والسعي في تطبيقه في المجتمعات الإسلامية ولا يسبقنّكم بالعمل به غيركم
ولا ينسبّن أحد منكم القول بتحريفه والتلاعب به إلى أخيه فإنّه لم يثبت القول بذلك من أحد من الشيعة إلاّ من شذّ، ولم يقل به من السنّة إلاّ الحشوية لأحاديث لا يستبعد محقّقوا الفريقين دسّها بين المسلمين من قبل الملاحدة والزنادقة دسّوها ليتسنّى لهم الطعن في القرآن المجيد. هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فعوا وكونوا على حذر من المشاغبين
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
قم علي الحسيني الميلاني 1409 هـ |
فهرس مصادر الكتاب
مصادر الباب الأول
1 - آلاء الرحمن في تفسير القرآن 2 - إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات 3 - أجوبة المسائل المنهاوية 4 - أجوبة مسائل جار الله 5 - إختيار معرفة الرجال 6 - أصل الشيعة وأصولها 7 - إظهار الحق 8 - الإحتجاج على أهل اللجاج 9 - الإرشاد إلى معرفة خير العباد 10 - الإشارات في الاصول 11 - الإصابة في معرفة الصحابة 12 - الأصفى في تفسير القرآن 13 - الاصول العامة للفقه المقارن 14 - الإعتقادات 15 - الأمالي |
للشيخ محمد جواد البلاغي للشّيخ الحر العاملي للعلامة الحلي للسيد شرف الدين العاملي للشّيخ أبي جعفر الطوسي للشّيخ كاشف الغطاء لرحمة الله الهندي لأبي منصور الطبرسي للشّيخ المفيد البغدادي للشّيخ إبراهيم الكلباسي لابن حجر العسقلاني للفيض الكاشاني للسيد محمد تقي الحكيم لأبي جعفر ابن بابويه الصدوق لأبي جعفر ابن بابويه الصدوق |
16 - الأنوار النعمانية 17 - الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة 18 - أمل الآمل في علماء جبل عامل 19 - أوائل المقالات في المذاهب المختارات 20 - أوثق الوسائل في شرح الرسائل 21 - بحار الأنوار 22 - بحر الفوائد في شرح الفرائد 23 - بشرى الوصول إلى علم الأصول 24 - بصائر الدرجات 25 - البيان في تفسير القرآن 26 - تاريخ القرآن 27 - التبيان في تفسير القرآن 28 - التحفة الإثنا عشرية 29 - تحف العقول عن آل الرسول 30 - التسهيل لعلوم التنزيل 31 - التفسير 32 - التفسير 33 - تفنيد قول العوام بقدم الكلام 34 - تنزيه التنزيل 35 - تنقيح المقال في علم الرجال 36 - تهذيب الكلام 37 - ثواب الأعمال 38 - جامع الرواة 39 - جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 40 - الحاشية على الكافي 41 - الحاشية على الوافي 42 - الحدائق الناضرة من فقه العترة الطاهرة |
للسيّد نعمة الله الجزائري للشّيخ الحرّ العاملي للشيّخ الحرّ العاملي للشّيخ المفيد البغدادي للشّيخ موسى التبريزي للشّيخ محمد باقر المجلسي للشّيخ محمد حسن الآشتياني للشّيخ محمد حسن المامقاني للشّيخ محمد بن الحسن الصفار للسيّد أبي القاسم الخوئي لأبي عبدالله الزنجاني للشّيخ أبي جعفر الطوسي لعبد العزيز الدهلوي لإبن شعبة الحراني لابن جزي الكلبي للشّيخ علي بن إبراهيم القمي للشّيخ العياشي للشّيخ آغا بزرك الطهراني للسيّد هبة الدّين الشهرستاني للشّيخ عبدالله المامقاني للشّيخ أبي جعفر الطوسي للشّيخ أبي جعفر ابن بابويه للشّيخ محمد الأردبيلي للشّيخ محمد حسن الجواهري للسيّد العلامة الطباطبائي للشّيخ أبي الحسين الشعراني للشّيخ يوسف البحراني |
43 - حلية الأولياء 44 - خلاصة الأقوال في معرفة أحوال الرجال 45 - خلاصة عبقاة الانوار في امامتها لائمه الاطهار 46 - الخلاف في الفقه 47 - دراسات في الكافي والصحيح 48 - الدر المنثور في التفسير بالمأثور 49 - الدعوة الاسلامية إلى وحدة السنّة والإمامية 50 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة 51 - الرجال 52 - الرجال 53 - الرسائل في الاصول 54 - روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات 55 - روضة الواعظين 56 - رياض السالكين إلى صحيفة سيد الساجدين 57 - الرياض النضرة في مناقب العشرة 58 - السرائر في الفقه 59 - سعد السعود 60 - شرح الكافي 61 - شرح الوافية 62 - الشيعة والمنار 63 - الصافي في تفسير القرآن 64 - الصحيح 65 - الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم 66 - الصواعق المحرقة 67 - الطبقات الكبرى 68 - العروة الوثقى 69 - عقيدة الشيعة في الإمام الصادق |
لأبي نعيم الأصبهاني للعلاّمة الحلي للسيّد علي الميلاني للشّيخ أبي جعفر الطوسي للسيّد هاشم معروف الحسني لجلال الدّين السيوطي للشّيخ أبي الحسن الخنيزي للشّيخ آغا بزرگ الطهراني للشيخ أبي جعفر الطوسي للشيخ أبي العباس النجاشي للشّيخ مرتضى الأنصاري للسيّد الخونساري الروضاتي للشّيخ الفتال النيسابوري للسيّد علي المدني للمحبّ الطبري الشافعي لابن إدريس الحلّي للسيد ابن طاووس الحلّي للشّيخ محمد صالح المازندراني للسيّد محسن الأعرجي للسيّد محسن الأمين للفيض الكاشاني لمحمد بن إسماعيل البخاري لزين الدين البياضي لابن حجر المكي لابن سعد كاتب الواقدي للسيّد محمد الشهشهاني للسيّد حسين مكي العاملي |
70 - علم اليقين 71 - عيون أخبار الرضا 72 - الغدير في الكتاب والسنة والأدب 73 - الغيبة 74 - فصل الخطاب 75 - الفصول المهمة في تأليف الأمة 76 - الفهرست 77 - الفوائد في الأصول 78 - الفوائد في الرجال 79 - فيض القدير في شرح الجامع الصغير 80 - الكافي 81 - كشف الإشتباه في مسائل جار الله 82 - كشف الغطاء في الفقه 83 - الكنى والألقاب 84 - كنز العمال 85 - لؤلؤة البحرين 86 - لسان الميزان 87 - مباحث في علوم القرآن 88 - مباني تكملة المنهاج 89 - مجمع البيان في تفسير القرآن 90 - مرآة العقول في شرح الكافي 91 - المستدرك على الصحيحين 92 - المستدرك الوسائل 93 - مستمسك العروة الوثقى 94 - مصائب النواصب 95 - مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار 96 - المعارف الجليّة |
للفيض الكاشاني لأبي جعفر الصدوق للشيخ عبدالحسين الأميني للشّيخ النعماني للشّيخ النوري للسيّد شرف الدين العاملي لأبي جعفر الطوسي للسيّد مهدي بحر العلوم للسيد مهدي بحر العلوم لتاج الدين المناوي للشيخ الكليني للشّيخ عبدالحسين الرشتي للشيخ جعفر كاشف الغطاء للشّيخ عباس القمي للشّيخ علي المتقي الهندي للشّيخ يوسف البحراني لابن حجر العسقلاني للشّيخ محمد علي الاوردبادي للسيّد أبو القاسم الخوئي لأبي علي الطبرسي للشّيخ المجلسي للحاكم النيسابوري للشيخ النوري للسّيد محسن الحكيم للسيّد نور الله التستري للسيّد عبدالله شبر للسيّد عبدالرضا الشهرستاني |
97 - معالم العلماء 98 - المعتبر في شرح المختصر 99 - معجم رجال الحديث 100 - مفاتيح الاصول 101 - مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة 102 - مقباس الهداية في علم الدراية 103 - مناقب أمير المؤمنين 104 - مناهج الأحكام 105 - مناهج المعارف 106 - من لا يحضره الفقيه 107 - منهاج الشريعة في الرد على ابن تيمية 108 - منهج الصادقين في التفسير 109 - الميزان في تفسير القرآن 110 - النص والإجتهاد 111 - نفحات الرحمن في تفسير القرآن 112 - نقض الوشيعة 113 - نهاية الوصول في الاصول 114 - نهج البلاغة 115 - الوافي في الحديث 116 - الوافية في الاصول 117 - وسائل الشيعة |
لابن شهر اشوب السروي للمحقق الحلّي للسيّد أبو القاسم الخوئي للسيّد محمد الطباطبائي للسيّد محمد جواد العاملي للشّيخ عبدالله المامقاني لابن المغازلي الواسطي للشّيخ أحمد النراقي للسيّد أبي القاسم الخونساري لأبي جعفر الصدوق للسيّد مهدي القزويني للشيخ فتح الله الكاشاني للسيّد العلامة الطباطبائي للسيّد شرف الدّين العاملي للشّيخ النهاوندي للسيّد محسن الأمين العاملي للعلامة الحلي للسيّد الرضي للفيض الكاشاني للفاضل التوني للشيّخ الحر العاملي |
مصادر الباب الثاني
1 - آفة أصحاب الحديث |
لأبي الفرج ابن الجوزي. علّق عليه: السيد علي الحسيني الميلاني |
||
2 - آلاء الرحمن في تفسير القرآن 3 - أجوبة مسائل جار الله 4 - إحقاق الحق 5 - إرشاد السّاري في شرح صحيح البخاري 6 - إرشاد الفحول إلى علم الاصول 7 - اسد الغابة في معرفة الصحابة 8 - أصحابي كالنجوم - كتاب 9 - أصول الفقه 10 - أضواء على السنّة المحمديّة 11 - إعجاز القرآن 12 - إعلام الموقعين عن رب العالمين 13 - الإتقان في علوم القرآن 14 - الإحكام في أصول الأحكام 15 - الإستيعاب في معرفة الأصحاب |
للشّيخ محمد جواد البلاغي للسيّد شرف الدّين العاملي للسيّد نور الله التستري لشهاب الدّين القسطلاني للقاضي القسطلاني لابن الأثير الجزري للسيّد علي الحسيني الميلاني للشّيخ محمد رضا المظفر لمحمود أبو رية لمصطفى صادق الرفعي لابن قيّم الجوزية لجلال الدين السيوطي لابن حزم الأندلسي لابن عبد البرّ الأندلسي |
||
16 - الأعلام 17 - أنساب الأشراف 18 - البحر المحيط - تفسير 19 - البداية والنهاية - تاريخ 20 - البدر الطالع لأعيان القرن السابع 21 - البرهان في علوم القرآن 22 - البيان في تفسير القرآن 23 - تاريخ الامم والملوك 24 - تاريخ بغداد 25 - تاريخ القرآن 26 - تاريخ القرآن 27 - تاريخ التشريع الإسلامي 28 - التبيان في تفسير القرآن 29 - تحفة الآحوذي في شرح الترمذي 30 - تدريب الراوي - شرح تقريب النواوي 31 - تذكرة الحفاظ 32 - تذكرة الفقهاء 33 - تذهيب التهذيب 34 - التسهيل لعلوم التنزيل 35 - التفسير 36 - التفسير 37 - التفسير 38 - التفسير 39 - التفسير الكبير 40 - التقييد والإيضاح 41 - التلويح في أصول افقه 42 - تنوير الحوالك - شرح موطأ مالك 43 - تهذيب التهذيب |
لخير الدين الزركلي للبلاذري لأبي حيان الاندلسي لابن كثير الدمشقي للقاضي الشوكاني لبدر الدّين الزركشي للسيّد أبي القاسم الخوئي لابن جرير الطبري للخطيب البغدادي لأبي عبدالله الزنجاني لمحمد طاهر الكردي للشّيخ محمد الخضري لأبي جعفر الطوسي للمبار كفوري الهندي لجلال الدّين الذهبي لشمس الدّين الذهبي للعلاّمة الحلي لشمس الدّين الذهبي لابن جزي الكلبي لابن كثير الدمشقي لنظام الدين النيسابوري للخازن لابن جرير الطبري للفخر الرازي للزين العراقي للسعد التفتازاني للجلال السيوطي لابن حجر العسقلاني |
44 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال 45 - التيسير في شرح التحرير 46 - الجامع لأحكام القرآن 47 - جامع الاصول 48 - جامع بيان العلم 49 - الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير 50 - الجرح والتعديل 51 - الجواب المنيف لمدعي التحريف 52 - الجواهر المضّية في طبقات الحنفيّة 53 - جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام 54 - حاضر العالم الاسلامي 55 - حسن المحاضرة في محاسن مصر والقاهرة 56 - حلية الأولياء 57-خلاصة عبقات الانوار في امامة الائمة الاطهار 58 - الخميس في تاريخ النفس النفيس 59 - الدر المنثور في التفسير بالمأثور 60 - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 61 - الذريعة إلى أصول الشريعة 62 - روح المعاني في تفسير القرآن 63 - الروض الانف في شرح السيرة 64 - زاد المعاد في هدي خير العباد 65 - السراج المنير - تفسير 66 - سعد السعود 67 - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 68 - السنن 69 - السنن 70 - سير أعلام النبلاء 71 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب |
للمزي لابن كمال باشا للقرطبي لابن الاثير الجزري لابن عبد البّر القرطبي لجلال الدين السيوطي لابن أبي حاتم الرازي لمحمد أحمد الصديق لأبي الوفاء القرشي للشّيخ محمد حسن النجفي لشكيب أرسلان لجلال الدّين السيوطي أبي نعيم الاصفهاني للسيد علي الميلاني للديار بكري للجلال السيوطي لابن حجر العسقلاني للسيّد المرتضى الموسوي لشهاب الدّين الآلوسي لأبي القاسم السهيلي لابن قيم الجوزية للخطيب الشربيني للسيّد ابن طاووس الحلي لناصر الدين الألباني لابن داود لابن ماجة لشمس الدين الذهبي لابن العماد |
72 - شرح الشفاء 73 - شرح نهج البلاغة 74 - الشفا في حقوق المصطفى 75 - شيخ المضيرة أبو هريرة 76 - الصحاح في اللغة 77 - الصحيح 78 - الصحيح 79 - الصحيح 80 - الصواعق المحرقة 81 - ضحى الاسلام 82 - الضعفاء الكبير 83 - طبقات الحفاظ 84 - طبقات الشافعية 85 - طبقات الشافعية 86 - الطبقات الكبرى 87 - طبقات المفسّرين 88 - علوم الحديث 89 - عمدة القاري في شرح البخاري 90- عناية القاضي - حاشية على البيضاوي 91 - غوالي اللآلي 92 - عيون الأثر في سيرة خير البشر 93 - غاية النهاية في طبقات القراء 94 - الغدير في الكتاب والسنة والأدب 95 - فتح الباري في شرح صحيح البخاري 96 - فتح البيان في تفسير القرآن 97 - الفرقان 98 - الفصول المهمّة في تأليف الأمّة 99 - الفهرست |
لعلي القاري لابن أبي الحديد للقاضي عياض لمحمود أبورية للجوهري اللغوي لمحمد بن إسماعيل البخاري لمسلم بن الحجاج لأبي عيسى الترمذي لابن حجر المكّي للدكتور أحمد أمين لأبي جعفر العقيلي لجلال الدين السيوطي للسبكي للأسنوي لابن سعد للداوودي المالكي لابي الصلاح لبدر الدين العيني للشهاب الخفاجي لابن أبي جمهور الاحسائي لابن سيد النّاس لابن الجزري للشيخ عبدالحسين الأميني لابن حجر العسقلاني لصديق حسن القنوجي لابن الخطيب للسيد شرف الدين العاملي للنديم |
100 - فواتح الرحموت في شرح مسلّم الثبوت 101 - فيض القدير في شرح الجامع الصغير 102 - الكاشف عن أسماء رجال الكتب الستة 103 - الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 104 - الكافي 105 - الكامل في الضعفاء 106 - الكبريت الأحمر 107 - الكشاف - تفسير 108 - كشف الظنون في أسماء الكتب والفنون 109 - الكشف والبيان في تفسير القرآن 110- كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب 111 - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال 112 - الكواكب الدراري في شرح البخاري 113 - مباحث في علوم القرآن 114 - مباحث في علوم القرآن 115 - مباني تكملة المنهاج 116 - مجمع البيان في تفسير القرآن 117 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 118 - المحاضرات 119 - المحلى في الفقه 120 - المرشد الوجيز 121 - المستدرك على الصحيحين 122 - المستصفى من علم الاصول 123 - المسند 124 - مشكل الآثار 125 - المصاحف 126 - المصنف 127 - المعارف |
لعبد العلي الأنصاري لتاج الدين المناوي لشمس الدين الذهبي لابن حجر العسقلاني للكليني الرازي لابن عدي الجرجاني لعبد الوهاب الشعراني لجار الله الزمخشري لحاج خليفة للثعلبي للكنجي الشافعي لعلي المتقي للكرماني للشيخ محمد علي الاوردبادي لصبحي الصالح للسيد أبو القاسم الخوئي لأبي علي الطبرسي لنور الدين الهيثمي للراغب الإصفهاني لابن حزم لابن شامة للحاكم النيسابوري لأبي حامد الغزالي لأحمد بن حنبل لأبي جعفر الطّحاوي لابن أبي داود لابن أبي شيبة لابن قتيبة |
128 - معالم التنزيل - تفسير 129 - المعجزة الكبرى 130 - المعيار والموازنة 131 - المعني في الضعفاء 132 - المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة 133 - المقدمة 134 - مقدمتان في علوم القرآن 135 - المنار - تفسير 136 - مناهل العرفان في علوم القرآن 137 - منتخب كنز العمال 138 - منتهى الكلام في الرد على الإمامية 139 - المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج 140 - الموضوعات 141 - الموطأ 142 - ميزان الإعتدال في نقد الرجال 143 - الميزان في تفسير القرآن 144 - الناسخ والمنسوخ 145 - النجوم الزاهرة في محاسن مصر والقاهرة 146 - النسخ في القرآن 147 - نسيم الرياض - شرح شفاء القاضي عياض 148 - النصائح الكافية لمن يتولى معاوية 149 - نكت الإنتصار 150 - نوادر الاصول 151 - الوافي بالوفيات 152 - هدي الساري - مقدمة فتح الباري 153 - وفيات الأعيان |
لمحيي السنّة البغوي لمحمد أبو زهرة لأبي جعفر الإسكافي لشمس الدين الذهبي لشمس الدين السخاوي لابن الصلاح لابن الصلاح لمحمد رشيد رضا للزرقاني لعلي المتقي لحيدر علي الهندي للنووي لأبي الفرج ابن الجوزي لمالك بن أنس لشمس الدين الذهبي للعلاّمة الطباطبائي لأبي جعفر النحاس لابن تغري بردي للدكتور مصطفى زيد لشهاب الدين الخفاجي لمحمد بن عقيل لأبي بكر الباقلاني للحكيم الترمذي للصلاح الصفدي لابن حجر العسقلاني لابن خلكان |
الفهرس
مقدّمه 3
الباب الأوّل. 8
الفصل الأول: كلمات أعلام الشيعة في نفي التحريف 9
الفصل الثاني: أدلة الشيعة على نفي التحريف 28
(1) آيات من القرآن الكريم. 29
(2) الأحاديث عن النبي والأئمة عليهمالسلام.... 30
القسم الأول: أحاديث العرض على الكتاب.. 31
القسم الثاني: خطبة الغدير 33
القسم الثالث: حديث الثقلين. 34
القسم الرابع: الأحاديث الواردة في ثواب قراءة السور في الصلوات وغيرها 35
القسم الخامس: الأحاديث الآمرة بالرجوع إلى القرآن الكريم واستنطاقه 37
القسم السادس: الأحاديث التي تتضمن تمسّك الأئمة من أهل البيت بمختلف الآيات القرآنية المباركة 40
القسم السابع: الأحاديث الواردة عنهم عليهمالسلام في أن ما بأيدي الناس هو القرآن النازل من عند الله 41
(3) قول عمر بن خطاب: حسبنا كتاب الله. 43
(4) الإجماع. 45
(5) تواتر القرآن. 46
(6) إعجاز القرآن. 47
(7) صلاة الإمامية 48
(8) كون القرآن مجموعاً على عهد النبي (ص) 49
(9) اهتمام النبي (ص) والمسلمين بالقرآن. 50
الفصل الثالث: أحاديث التحريف في كتب الشّيعة 51
تعيين موضوع البحث.. 52
إنّها مصادمة للضرورة 54
إنها مخالفة لظاهر الكتاب.. 55
إنها موافقة لأخبار العامة 56
إنها نادرة 56
إنها أخبار آحاد 56
من اخبار التحريف.. 57
الكلام على هذه الأخبار 61
الفصل الرابع: شبهات حول القرآن على ضوء روايات الشيعة 71
الشبهة الاولى: تواتر أحاديث تحريف القرآن. 71
الشبهة الثانية: اختلاف مصحف علي عليهالسلام مع المصحف الموجود 75
الشبهة الثالثة: القرآن في عهد الإمام المهدي عليهالسلام. 80
الشبهة الرابعة: كائن في هذه الامّة ما كان في الامم السالفة 81
الفصل الخامس: الرواة لأحاديث التحريف من الشيعة 84
1 - الرواية أعم من الإعتقاد 84
2 - لا كتاب عند الشيعة صحيح كلّه 85
3 - لا تجوز نسبة معتقد صاحب الكتاب إلى الطائفة 90
4 - وجود الأخبار الباطلة في الكتب المعروفة 91
نكات في كلام الشيخ الصّدوق. 93
ذكر من وافقه من الأعلام 94
المحدّثون وأخبار التحريف.. 97
ترجمة الشيخ الصّدوق. 98
عبارته في اعتقاداته 99
ترجمة الشيخ الطوسي. 103
نفيه للتحريف مع روايته له: 104
ترجمة الفيض الكاشاني. 105
نفيه للتحريف مع روايته له: 106
ترجمة العاملي. 108
ترجمة المجلسي. 109
حول عبارة القمّي في مقدّمة تفسيره 110
ترجمة السيد الجزائري ورأيه 112
ترجمة الشيخ النراقي ورأيه 113
ترجمة السيد شبر ورأيه 114
ترجمة الشيخ المازندراني ورأيه 116
النظر في كلامه 118
رأي الشيخ النوري. 119
محدّثون لا وجه لنسبة القول بالتحريف إليهم. 120
العيّاشي. 120
الصفّار 121
الكشي. 122
النعماني. 123
أبو منصور الطبرسي. 123
السيد البحراني. 124
تحقيق حول رأي الكليني. 125
ترجمته وشأن كتابه 126
هل الكليني ملتزم بالصحّة؟ 128
جواز نسبة القول بعدم التحريف إليه 132
خاتمة الباب الأول. 135
الباب الثاني: أهل السنّة والتحريف.. 138
الفصل الأول: أحاديث التحريف في كتب السنّة 139
الزيادة في القرآن. 140
التبديل في الألفاظ. 141
أحاديث نقصان القرآن. 142
الأحاديث الواردة حول نقصان سورة الأحزاب، ومنها: 142
الأحاديث الواردة حول نقصان سورة التوبة، ومنها: 143
الأحاديث الواردة حول سورة كانوا يشبّهونها في الطول والشدّة بسورة براءة، ومنها: 145
حول سورتي الخلع والحفد: 146
ومن القسم الثاني: ماورد حول آية «الرجم». 146
حول آية «الرغبة». 150
حول «آية الجهاد». 155
حول آية «المتعة». 156
حول آية «الصلاة على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم». 157
حول آية «الشهادة». 157
حول آية «الحميّة». 160
حول آية (كفي الله المؤمنين القتال). 161
حول آية «المحافظة على الصلوات». 162
حول آية «رضاعة الكبير عشراً». 164
حول آية (إنّ الله اصطفى آدم ...) 165
حول «آيتين سقطتا من المصحف». 165
حول «عدد حروف القرآن». 166
أحاديث كيفية جمع القرآن. 167
الشبهات النّاشئة عن هذه الأحاديث.. 169
الشبهة الأولى: جمع القرآن بعد وفاة النبي صلىاللهعليهوآله.... 169
الشبهة الثانية: جمع القرآن بعد مقتل القرّاء 170
الشبهة الثالثة: جمع القرآن من العسب ونحوها ومن صدور الرجال. 170
الشبهة الرابعة: إحراق عثمان المصاحف.. 171
كلمات الصحابة والتابعين. 172
في وقوع الحذف والتغيير والخطأ في القرآن المبين. 172
الفصل الثاني: الرواة لأحاديث التحريف من أهل السنّة 177
من تجوز نسبة التحريف إليه منهم. 183
1 - مالك بن أنس.. 183
2 - أحمد بن حنبل. 184
3 - محمد بن إسماعيل البخاري. 185
4 - مسلم بن الحجّاج النيسابوري. 187
5 - أبو عيسى الترمذي. 188
6 - أحمد بن شعيب النسائي. 189
7 - ابن ماجة القزويني. 190
8 - الحاكم النيسابوري. 190
9 - أبو جعفر الطبّري. 191
10 - الضياء المقدسي. 191
الفصل الثالث: الأقوال والآراء في أهل السنّة حول التحريف وأحاديثه 193
موقف علماء الشيعة من هذه الأخبار والآثار: 194
موقف أهل السنّة من هذه الأحاديث والآثار: 195
طائفة يروون التحريف ولا نعلم رأيهم فيه 196
طائفة يروونه ويقولون به: 196
التصريح بوقوع التحريف.. 197
طائفة يروون ويردّون أو يؤوّلون. 207
ردّ أحاديث الخطأ في القرآن. 207
تأويل أحاديث الخطأ في القرآن. 216
أحاديث جمع القرآن بين الردّ والتأويل. 220
مراحل الجمع. 220
دفع الشبهات.. 221
وهكذا تندفع الشبهة الرابعة. 228
تأويل أحاديث نقصان القرآن. 236
1 - الحمل على التفسير: 237
2 - الحمل على السنّة 238
3 - الحمل على الحديث القدسي: 239
4 - الحمل على الدعاء 240
الفصل الرابع: نقد وتمحيص.. 241
1 - في الآثار في خطأ القرآن. 241
دليل الرادّين لهذه الآثار 242
طريق التأويل لها 243
مناقشة هذا التأويل. 245
تأويل «اللحن» و «الخطأ» وجوابه 246
ترجمة عكرمة مولى ابن عباس. 248
1 - طعنه في الدين: 248
2 - إنّه كان يرى رأي الخوارج: 249
3 - إنّه كان كذّاباً: 250
4 - عكوفه على أبواب الامراء للدنيا: 251
5 - ترك الناس جنازته: 252
خلاصة البحث.. 253
2 - في أحاديث جمع القرآن. 255
إعراض القوم عن علي في جمع القرآن. 255
حصرهم الجامعين على عهد النبوة في عدد!! 257
كلمة حول أنس بن مالك.. 258
رفض أحاديث جمع القرآن على عهدي أبي بكر وعمر 260
رفض أحاديث قبول الآية بشاهدين. 262
حول ما صنعه عثمان. 265
ما كان بين عثمان وابن مسعود 267
إضطراب القوم في ما رووه عن ابن مسعود في زيد. 268
كلمة في زيد بن ثابت.. 269
خلاصة البحث.. 271
كلمة لابُدّ منها: 271
3 - في أحاديث نقصان القرآن. 272
تحقيق في النسخ. 273
هذا النسخ مستحيل أو ممنوع شرعاً 273
لا دليل على أنّ هذه الآيات منسوخة 279
القول بنسخ التلاوة هو القول بالتحريف.. 284
إضطرابهم فيما رووه عن ابن مسعود في المعوّذتين. 287
في سورتي الحفد والخلع. 288
قضية ابن شنبوذ 288
كلمة لابدّ منها: 289
خلاصة البحث: 290
الفصل الخامس: مشهوران لا أصل لهما 293
الكلام حول الصحيحين. 296
(1) آراء العلماء في الشيخين. 300
إمتناع أبي زرعة من الرواية ع البخاري. 300
إمتناع أبي حاتم من الرواية عن البخاري. 303
تكلّم الذهلي في البخاري ومسلم. 303
ترجمة الذهلي. 304
البخاري في كتاب (الجرح والتعديل). 305
ترجمة ابن أبي حاتم. 305
طعن إبن الأعين في البخاري. 305
البخاري في كتاب (الضعفاء للذهبي) 306
(2) آراء العلماء في الصحيحين. 306
معلومات عن الصحيحين. 307
النووي. 308
ابن الهمام 309
أبو الوفاء القرشي(4) 309
الأدفوي. 312
القاري. 315
ابن أمير الحاج. 316
المقبلي. 317
محمد رشيد رضا 317
أبورية 318
أحمد أمين. 319
شكيب أرسلان. 319
أحمد محمد شاكر 319
(3) الصحيحان في الميزان. 320
مقدّمة فيها مطلبان. 320
1 - آفات أهل الحديث: 321
2 - إنّه قد اختلف القوم في أسباب الجرح والتعديل. 323
من الأحاديث الموضوعة والباطلة في الصحيحين. 323
طعن فيه: 327
خاتمة الباب الثاني. 348
خاتمة البحث.. 349
فهرس مصادر الكتاب.. 350