مقدمة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلَّى الله على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين
وبعد :
فإن وقائعَ وأحداثَ الطف الدامية استأثرت باهتمام المؤرخين وأصحاب السير مُنذ الأيام الاُولى لواقعة الطف ، حتى قيل إنه كان في معسكر عمر بن سعد مَنْ كانت مهمتُه مقتصرةً على تسجيل تلك الوقائع ، ومن هنا استوعبتها الكثير من كتب التاريخ والسيرة ، ومعظم المؤرخين ذكروا هذه الواقعة الأليمة جملةً وتفصيلاً ، واهتموا بدراستها واستكشاف دوافعها وأسبابها وما فيها من دروس وعبر وما تركته من آثار ونتائج على مختلف الأصعدة ، واعتبروها أهمَ حدثٍ جرى منذُ عام 61 ه بل أعظم حدث مأساوي في تاريخ الأمة الإسلامية حيث مقتل ابن بنت نبي الأمة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ومن خلال نظرة عابرة إلى كثرة ما أُلّف في سرد وقائع هذه الحادثة الأليمة من الكتب المعنية بدراستها فقط ككتب المقاتل ، وما أعطته الكتب التاريخية العامة وكتب الحديث لهذا الفصل من تاريخ الإسلام من أهمية ، ناهيك المقاتل المخطوطة التي لم يُقدَّر لها حتى الآن أن تطبع وتنشر ، تبدو الأهمية الكبرى لهذه الواقعة في أنظار الباحثين والمؤرخين وأصحاب السير والتراجم.
ومن الملاحظ أن أصحاب السّير والمؤرخين ذكروا جُلَّ وقائع هذه الحادثة الأليمة ، منذ خروج الإمام الحسينعليهالسلام من المدينة المنورة في شهر رجب إلى يوم العاشر من محرم الحرام والأحداث التي تلت المقتل ، ولم يتناسوا الليلةَ
الأخيرة من حياتهعليهالسلام وسجّلوا ما أمكنهم من وقائعها وأحداثها ، وإن كان بعض المؤرخين أهملها أو ذكرها في غاية الإختصار.
فاسترعى ذلك اهتماميَ الشديد في أن أعطي هذه الليلة بعض حقّها من عَرض وقائعها وحوادثها وما يرتبط بها بشيء من التفصيل ، ولما في هذه الليلة من أحداث ومواقف يجدر الوقوف عندها ودراستها بإمعان ، إذ هي الليلة الأخيرة من حياة الإمام الحسينعليهالسلام وأصحابه الأوفياء ، وليلة في منتهى العظمة ، قُدّر لها أن تبقى خالدةً بما فيها من عِبَر ودروس ومأساة ومواقف مشرفة ، فيجدر الاهتمام بالبحث والتمحيص في وقائعها وأحداثها والمعرفة الكاملة بما جرى في طياتها ، ولذا لا ننسى هنا تأكيد الأئمة الطاهرينعليهمالسلام الشديد في إحياء هذه الذكرى الأليمة والنظر إليها بعين الإعتبار.
ومن هنا قمت بجمع ما وسعني جمعه وإعداده من وقائع وحوادث هذه الليلة العظيمة وتنظيم تسلسل أحداثها وما جاء فيها من مواقف مُشرّفة ، وما جاء فيها من الأحاديث الشريفة وما يرتبط بها ، وتناولت أيضاً جانباً دراسياً عن أبعادها الدينية والأخلاقية وغيرهما من المواقف والأبعاد والتي يَجدُر الوقوفُ عندها والتأمل فيها والاستفادة منها ، فكان هذا هو القسم الاول :( ليلة عاشوراء في الحديث ) والذي يشتمل على الأمور التالية :
1 ـ الوقائع والأحداث
2 ـ أعمال ليلة عاشوراء
3 ـ الأبعاد المستوحاة من ليلة عاشوراء
وبما أنّ كتابنا هذا قد خُصّ بذكر ليلة عاشوراء في الحديث رأيت من الضرورة بمكان أن أتناول ليلة عاشوراء في الأدب ، فقمت بجمع ما تسنّى لي جمعه من قصائد وأشعار في ما يخصها ويرتبط بها ، كما إني التمست من إخواني
الأدباء والشعراء المشاركة بما تجود به قرائحهم الوقّادة بما يناسب هذه الليلة حدثاً وموقفاً وتسليط الأضواء عليها ـ تخليداً لهذه الذكرى الأليمة ـ وقد رتبت تسلسل القصائد على حسب الحروف الهجائية لأسماء الشعراء الأولى ، مع دراسة نقدية أيضاً حولها بقلم الأستاذ الأديب ثامر الوندي وذلك لأهمية مثل هذه الدراسات ، فكان هذه هو القسم الثاني( ليلة عاشوراء في الأدب ) والذي يشتمل على الأمور التالية :
1 ـ من خصائص الأدب الشيعي وميزاته.
2 ـ أهمية النقد الأدبي الموضوعي.
3 ـ مرايا ليلة عاشوراء ( دراسة نقدية ).
4 ـ القصائد في ليلة عاشوراء.
وكما لا يفوتني أن أقدم جزيل شكري وامتناني لكل أديب بارع وشاعر مبدع استجاب معي في المشاركة في هذا العمل الحسيني.
كما آمل أني قدمتُ بذلك خدمة متواضعة للمكتبة الحسينية إذ لا زلنا في حاجة ماسة إلى الإطلاع الواسع في هذه الواقعة الأليمة ، والمعرفة التامة بأبعادها ونتائجها ، والارتباط الشديد بها وإحيائها وعدم إغفالها في أي زمان ومكان ، وليتحقق بذلك إحياء أمر أهل البيتعليهمالسلام إذ هو أمرٌ واجبٌ على عاتق كل من يُدين بالولاء الصادق لهم ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى.
عبد الله الحسن الجمعة / 9 / 11 / 1416 ه |
تَمهيْد
في أحداث يوم التاسع
الخيل والرجال تحاصر الحسينعليهالسلام
جاء في حديث عن الإمام أبي عبد الله الصادقعليهالسلام عن يوم تاسوعا ، قال : تاسوعا يومٌ حوصر فيه الحسينعليهالسلام واصحابه ـ رضي الله عنهم ـ بكربلاء ، واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه ، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها ، واستضعفوا فيه الحسين صلوات الله عليه وأصحابَه وأيقنوا أنّه لا يأتي الحسينعليهالسلام ناصر ، ولا يمدَّه أهل العراق ، بأبي المستضعف الغريب(1) .
حديث الأمان
روى أصحاب السير أن عُمر بنَ سعد نهضَ إلى الحسينِعليهالسلام عشيةَ الخميسِ
__________________
(1) الفروع من الكافي للكليني : ج 4 ، ص 147 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 95.
لتسع مضينَ من المحرم ، وجاء شمرٌ حتى وَقفَ على أصحابِ الحسينِعليهالسلام فقال : أينَ بنو أختِنا ؟ فَخرجَ اليه العباسُ وجعفرٌ وعبد الله وعثمان بنو عليّعليهالسلام .
فقالوا له : ما لكَ وما تريد ؟ قال : أنتم يا بني أختي آمِنون ، قال له الفتية : لعنكَ اللهُ وَلعنَ أمانَكَ ، لئن كُنتَ خالنَا أتؤمِنُنا وَابن رسولِ اللهِ لا أمان له ؟
الحسين يرى جدهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال : ثُمَّ إن عُمرَ بنِ سعدٍ نادى : يا خيلَ الله اركبي وَأبشري فركب في الناسِ ثُمَّ زَحفَ نَحوهم بعدَ صلاةِ العصرِ وحسينٌعليهالسلام جالسٌ أمامَ بيتهِ مُحتبئٌ(1) بسيفهِ إذ خفقَ برأسه على ركبتيه ، وسمعت أخته زينب الصيحة فدنت من أخيها ، فقالت : يا أخي أما تسمع الأصوات قد اقتربت.
قال : فرفع الحسينعليهالسلام رأسه فقال : إني رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله في المنام فقال لي : إنك تروح إلينا ، قال : فلطمت أخته وجهها وقالت : يا ويلتا ، فقال : ليس لك الويل يا أختي ، اسكني رحمكِ الرحمن.
وفي رواية السيد ابن طاووس ـ عليه الرحمة ـ قال : وجلس الحسينعليهالسلام فرقد ثم استيقظ ، فقال : يا أختاه إني رأيتُ الساعةَ جدي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي علياً وأُمي فاطمة وأخي الحسنعليهمالسلام وهم يقولون : يا حسين إنك رائح الينا عن قريب ، وفي بعض الروايات غداً(2) .
__________________
(1) احتبى الرجُلُ : جمع ظهرَهُ وساقيهِ بثوب أو غيره المصباح المنير للفيومي : ص 120.
(2) اللهوف لابن طاووس : ص 39 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 391.
العباسعليهالسلام يكلم القوم
وقال العباس بن عليعليهالسلام : يا أخي أتاك القوم ، قال : فنهض ، ثم قال : يا عباس اركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم : ما لكم وما بدا لكم ؟ وتسألهم عمّا جاء بهم ؟
فأتاهم العباسعليهالسلام فاستقبلهم في نحوٍ من عشرين فارساً فيهم زهير بن القين(1) وحبيب بن مظاهر(2) ، فقال لهم العباس : ما بدا لكم وما تريدون ، قالوا :
__________________
(1) هو : زهير بن القين بن قيس الأنماري البجلي ، كان رجلاً شريفاً في قومه ، نازلاً بالكوفة ، وشجاعاً له في المغازي مواقف مشهورة ومواطن مشهودة وقد كان في بادىء أمره عثمانياً ، انضم إلى الحسينعليهالسلام في الطريق من مكة إلى العراق بعد أن كان كارهاً للقائه ، وكان في المسير ، إذا سار الحسين تخلف زهير وإذا نزل الحسين تقدّم زهير إلى أن اجتمع معه في منزل واحد بغير اختياره ، ثم أرسل إليه الحسين يدعوه وكان على الطعام فبقي كأن على رأسه الطير فقالت له زوجته دلهم بنت عمرو : أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه سبحان الله لو أتيته فسمعت من كلامه. ثم ذهب للحسين فما لبث أن جاء مستبشراً ، قد أسفر وجهه ، فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه ، فقوِّض وحمل إلى الحسين ثم قال لزوجته أنت طالق الحقي بأهلك فإني لا اُحب أن يصيبك بسببي إلاّ خير ، ثم لحق بركب الحسين ، واستشهد زهيرعليهالسلام بعد صلاة الخوف وأبلى بلاءً حسناً.
راجع إبصار العين للسماوي : ص 95 ـ 99 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 88.
(2) هو : حبيب بن مظهر بن رئاب بن الأشتر بن جخوان بن فقعس بن طريف بن عمرو بن قيس بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد أبو القاسم الأسدي الفقعسي ، كان صحابياً رأى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، نزل إلى الكوفة ، وصحب أمير المؤمنينعليهالسلام في حروبه كلها ، وكان من خاصته وحملة علومه ومن
جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم ، قال : فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد اللهعليهالسلام فأعرض عليه ما ذكرتم ، قال : فوقفوا ثم قالوا : القه فأعلمه ذلك ، ثم القنا بما يقول ، قال : فانصرف العباس راجعاً يركض إلى الحسينعليهالسلام يخبره بالخبر.
ووقف أصحابه يخاطبون القوم ، فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين : كلِّم القوم إن شئت وإن شئت كلّمتُهم ؟ فقال له زهير : أنت بدأت بهذا فكن أنت تكلّمهم ؟
فقال له حبيب بن مظاهر : أما والله لبئس القوم عند الله غداً قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذريّة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعترته وأهل بيتهعليهالسلام وعباد أهل المصر المجتهدين بالأسحار ، والذاكرين الله كثيراً(1) .
فقال له عزرة بن قيس : إنك لتزكي نفسك ما استطعت !؟
فقال له زهير : يا عزرة إن الله قد زكاها وهداها فاتق الله يا عزرة فإني لك من الناصحين ، أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضَّلال على قتل النفوس الزكية
__________________
شرطة الخميس ، وكان أحد الزعماء الكوفيين الذين كتبوا إلى الحسينعليهالسلام وأخذوا البيعة له ، ولما نزل الحسينعليهالسلام كربلاء سار إليه مختفياً والتحق به ، وكان معظماً عند الحسين وأهل بيته ، وذلك لجلالة قدره وعلو منزلته ، وقد حاول جهده في استقدام أنصار من بني أسد إلاّ أن الجيش الأموي حال دون وصولهم إلى معسكر الحسين ، وقد جعله الحسين على ميسرة أصحابه عند التعبئة للقتال ، وجاهدعليهالسلام مستميتاً إلى أن قُتل ، واحتز رأسه التميمي فهدّ مقتله الحسين ووقف عليه وقال : عند الله أحتسب نفسي وحُماة أصحابي.
راجع : إبصار العين للسماوي : ص 57 ـ 60 ، تاريخ الطبري : ج 4 ص 336 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 81 ـ 82.
(1) وفي الفتوح لابن الأعثم : الذاكرين الله كثيراً بالليل والنهار وشيعته الأتقياء الأبرار.
قال يا زهير : ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنما كنت عثمانياً !
قال : أفلست تستدلّ بموقفي هذا أني منهم ؟ أما والله ما كتبت إليه كتاباً قط ، ولا أرسلت إليه رسولاً قط ، ولا وعدته نصرتي قط ، ولكن الطريق جمع بيني وبينه ، فلما رأيته ذكرت به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومكانه منه وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم فرأيت أن أنصره ، وأن أكون في حزبه وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظاً لما ضيَّعتم من حق الله وحق رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : وأقبل العباس بن عليعليهالسلام يركض حتى انتهى إليهم.
فقال : يا هولاء إن أبا عبد اللهعليهالسلام يسألكم أن تنصرفوا هذه العشية حتى ينظر في هذا الأمر ، فإن هذا أمرٌ لم يجرِ بينكم وبينه فيه منطق فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله فإما رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه أو كرهنا فرددناه وإنما أراد بذلك أن يردهم عنه تلك العشية حتى يأمر بأمره ويوصي أهله فلما أتاهم العباس بن عليعليهالسلام بذلك ، قال عمر بن سعد : ما ترى يا شمر ؟ قال : ما ترى أنت ؟ أنت الأمير والرأي رأيك.
قال : قد أردت ألا أكون ثم أقبل على الناس ، فقال : ماذا ترون ؟ فقال عمر بن الحجاج بن سلمة الزبيدي : سبحان الله والله لو كانوا من الديلم(1) ثم سألوك هذه المنزلة لكانَ ينبغي لَكَ أن تُجيَبهُم إليها.
وفي رواية السيد ـ عليه الرحمة ـ فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي : والله لو أنهم من الترك والديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم ، فكيف وهم آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
__________________
(1) الديلم : القسم الجبلي من بلاد جيلان شمالي بلاد قزوين ، وهي من قرى أصبهان بناحية جرجان.
مراصد الإطلاع : ج 2 : ص 580 ، المنجد في الاعلام : ص 296.
فأجابوهم إلى ذلك(1) .
وَقال قيسُ بن الأشعث : أجبهُم إلى مَا سألوكَ فَلعمري ليصبِحنَّكَ بالقتالِ غدوةً فقال : واللهِ لو أعلمُ أنْ يفعلوا ما أخرتهم العشية.
قال : وكانَ العباسُ بن عِليعليهالسلام حينَ أتى حسيناً بما عرضَ عليه عمرُ بن سِعد قال : ارجعْ إليهم فإنْ استطعت أن تؤخرهم إلى غدوةَ ، وتَدفعهُم عند العشيةِ لعلنا نُصلّي لربِّنا الليلةَ وَندعوه وَنستغفُره ، فهوَ يَعلم أني قد كنتُ اُحبُ الصلاة لَه وَتلاوةَ كتابهِ وَكثرةَ الدعاءِ وَالاستغفارِ.
فاستمهل السبط الطغاة لعلّه |
يدعو إلى الله العلي ويضرعُ |
|
فأقام ليلته يناجي ربّه |
طوراً ويسجد في الظلام ويركع |
وَرويَ عن الإمام علي بن الحسينعليهالسلام قال : أتانا رسولٌ مِنْ قِبل عُمر بن سَعدٍ فقامَ مثلَ حَيثُ يُسمعُ الصوتُ فقال : إنا قَد أجلناكم إلى غد فإن استسلمتم سَرحنا بكُم إلى أميرِنا عبيد الله بن زياد وَإنْ أبيتُم فَلسنا تاركيكُم(2) .
حديث زينب مع أبي الفضل العباسعليهماالسلام
وذكر البعض حديثاً جرى بين العباسعليهالسلام وبين اخته زينبعليهاالسلام وذلك بعد رجوعه من محادثة الشمر ، وقد انكر عليه رافضا أمانه الذى جاء به له ولإخوته !
__________________
(1) اللهوف لابن طاووس : ص 39.
(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 315 ـ 317 ، نهاية الأرب للنويري : ج 20 ، ص 332 ـ 334 ، الإرشاد للمفيد : ص 230 ـ 231 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 391 ـ 392 ، العوالم للبحراني : ج 17 ، ص 243.
قال : ورجع أبو الفضل العباسعليهالسلام يتهدرس كالأسد الغضبان استقبلته الحوراء زينبعليهاالسلام وقد سمعت كلامه مع الشمر ، قالت له أخي إنّي أحدثك بحديث ؟ قال : حدّثي يا زينب لقد حلا وقت الحديث !
قالت : إعلم يا بن والدي لما ماتت أمنا فاطمةعليهاالسلام قال أبي لأخيه عقيل : اُريد منك أن تختار لي امرأةً ، من ذوي البيوت والشجاعة حتى اُصيب منها ولداً ينصر ولدي الحسين بطف كربلاء ، وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم ، فلا تقصّر يا أبا الفضل !
فلما سمع العباسعليهالسلام كلامها تمطى في ركاب سرجه حتى قطعهما ، وقال لها : أفي مثل هذا اليوم تشجعينني وأنا ابن أمير المؤمنينعليهالسلام ؟! فلما سمعت كلامه سرّت سروراً عظيما(1) .
بطلٌ إذا ركب المطهَّم خلتَه |
جبلاً أشّم يخفّ فيه مطهمُ |
|
بطلٌ تورّث من أبيه شجاعةً |
فيها انوف بني الضلالة ترغم |
وقد أجاد السيد محمد رضا القزويني حيث يقول :
قرَّت لها عينُ الكريمة زينب |
لتراك أهلاً أن تصون خباءَها |
|
فمضت تقص عليك دوراً عاصفاً |
فيك الشهامة ما اعتزمت فداءََها |
|
في ليلة طاب الحديث الحلو من |
اخت وأنت على الجواد إزاءَها |
|
تروي مصاهرة الكرام بقصة |
قد انجبتك ولم تُرد اخفاءَها |
|
فهززت سيفك أن تُطمئن قلبها |
بيدٍ تلقت في غد جذاءَها |
__________________
(1) ثمرات الأعواد : للسيد علي الهاشمي : ج 1 ، ص 167 ـ 168.
فتصاعدت بيضاء تدعوا ربّها |
ألا يَخيبَ السائلون رجاءَها |
|
فتحَّدث التاريخُ عنها أنَّها |
ملئت بأسخى المكرُمات عطاءَها |
حديث زهير مع أبي الفضل العباسعليهالسلام
ومثل هذا الحديث حديث أخر جرى بين زهير بن القين مع أبي الفضل العباسعليهالسلام كما في أسرار الشهادة للدربندي ـ عليه الرحمة ـ قال : أتى زهير إلى عبد الله بن جعفر بن عقيل قبل أن يُقتل ، فقال له : يا أخي ناولني الرّاية.
فقال له عبد الله : أوَفيَّ قصور عن حملها ؟! قال : لا ، ولكن لي بها حاجة ، قال : فدفعها إليه ، وأخذها زهير وأتى فجأةً العباس بن عليعليهالسلام وقال ! يابن أمير المؤمنينعليهالسلام ، أريد أن احدثك بحديث وعيته ، فقال : حَدّث ، فقد حلا وقت الحديث.
فقال له : اعلم يا أبا الفضل ، إنَّ أباك أمير المومنينعليهالسلام ، لما أراد أن يتزوج بأمك اُم البنين ، بعث إلى أخيه عقيل ، وكان عارفاً بأنساب العرب ، فقالعليهالسلام : يا أخي ، اُريد منك أن تخطب لي امرأةً من ذوي البيوت والحسب والنسب والشجاعة ، لكي اُصيب منها ولداً يكون شجاعاً وعضداً ينصر ولدي هذا ، وأشار إلى الحسينعليهالسلام ليواسيه في طفّ كربلاء ، وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم ، فلا تقصر عن حلائل أخيك وعن إخوانك ؟!
قال : فارتعد العباس وتمطى في ركابه حتى قطعه ، قال : يا زهير ، تشجعني في مثل هذا اليوم ؟ والله لأريَّنكَ شيئاً ما رأيتَه قط(1) .
__________________
(1) أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 497 ، معالي السبطين للحائري : ج 1 ، ص 434 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 209 بتفاوت.
لَيلَةُ عاشُوراءْ
الأستاذ جواد جميل
آه يا ليلةَ الأسى والدموع |
اطفئي في دم الطفوف شموعي |
|
ودعيني أعيش في ظلمة الحزن |
فعمري شمسٌ بغيرِ طلوع |
|
وانثري في عيوني الجمرَ وقّاداً |
وخلي اللهيبَ بين ضلوعي |
|
وأمسحي بالسواد لونَ وجودي |
فلقد كفّن الرمادُ ربيعي |
الشيخ مهدي المصلي
ليلةٌ أسهرت عيون الليالي |
لتُرينا عزائمَ الأبطالِ |
|
وتُرينا الشموسَ تفترسُ اللي |
لَ لتمحو عصرَ الليالي الطوالِ |
|
وتُرينا الإنسان يسمو على النج |
مِ مناراً ورجلُهُ في الرمالِ |
الأستاذ جاسم الصحيّح
يا ليلةً كستَ الزمانَ بغابة |
من روحها قمرية الأدغالِ |
|
ذكراكِ ملحمةٌ توشَّحَ سِفرُها |
بروائعٍ نُسجت منَ الأهوال |
|
فهنا الحسين بخيطُ من أحلامه |
فجرينِ فجرَ هوىً وفجرَ نِضال |
الأستاذ يقين البصري
يا ليلة يا مخاض الدهر يا حقباً |
قدسيةً يا نضالاً مورقاً ذهبا |
|
يا ليلة من عذابات مطرزة |
بالكبرياء شطبت المحل والجدبا |
الأستاذ فرات الأسدي
جنهم في الطفِ ليلٌ وهمُ |
بالحسين الطهر قد جنّوا خبالا |
|
فاشهدي يا ليلة الضوء هوىً |
نضراً يبتكر الرؤيا جمالا |
السيد مدين الموسوي
يا ليلةً وقفَ الزمانُ بها |
وجلاً يُدوّنُ أروع الصور |
|
وقف الحسين بها ومن معه |
جبلاً وهم كجنادل الحجر |
الشيخ عبد الكريم آل زرع
أليلةَ عاشوراءَ يا حلكاً شَبَّا |
حنينك أدرى من نهارك ما خبّا |
|
وما خبّأ الآتي صهاريج أدهُرٍ |
بساعَاتِه قد صبّ صاليَها صبّا |
الشيخ علي الفرج
أنت يا ليلة انخساف المرايا |
في وجوه السنين والأحقاب |
|
غُرست فيك آهتي واحتضاري |
ونمت فيك صرختي واغترابي |
الحسينعليهالسلام يخطب في أصحابه
ويأذن لهم بالتفرّق عنه
روي عن الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام قال : جمع الحسينعليهالسلام أصحابه بعدما رجع عمر بن سعد وذلك عند قُرب المساء ، قال : فدنوت منه لأسمع وأنا مريض فسمعتُ أبي وهو يقول لأصحابه : أُثني على الله تبارك وتعالى أحسنَ الثناء وأحمدَهُ على السّراء والضراء اللهم اني أحمَدُك على أن أكرمتنا بالنبوّة ، وعلّمتنا القرآن وفقهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً ، فاجعلنا من الشاكرين.
أما بعد فإني لا أعلمُ أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبرَّ ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكُم الله عني جميعاً خيراً ، ألا وإني أظنُ يوَمنا من هؤلاءِ الأعداء غداً إلاّ وإني قد أذنتُ لكم ، فانطلقوا جميعاً في حلٍ ليس عليكم حَرجٌ منّي ولا ذمام ، هذا الّليلُ قد غشيكم فاتّخذوه جَمَلا(1) .
__________________
(1) جاء فى المثل : اتخذ الليل جملاً ، وهو يضرب للرجل يجدُّ فى طلب الحاجه ، يقال : شمر ذيلا وادرع ليلا هكذا قال بعضهم ، وقال اخرون : معناه ركب الليل فى حاجته ولم يَنمْ حتى نالها.
وقولهم : الليل أخفى للويل ، اذا اردت ان تاتى بريبةٍ فأتها ليلاً فإنَّهُ أستر لها ، وكتب عبد الله بن طاهر إلى ابنه ، وقد بلغه عنه إقبالٌ على اللهو :
فبادر الليل بما تشتهى |
فإنما الليل نهار الاديب |
وليأخُذ كلُ رجلٍ منكم بيد رجل من أهل بيتي ، وتفرّقوا في سَوادِكم ومدائنكم حتى يُفرجَ الله ، فإنَّ القومَ إنما يطلبونني ولو قد أصابوني لَهوا عن طلب غيري.
جواب بني هاشم والأنصار للحسينعليهالسلام
فقال له إخوتُه وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر : لِم نفعل ؟ لنبقى بعدَكَ ! لا أرانا الله ذلك أبداً ، بدأهم بهذا القولِ ، العباسُ بن عليعليهالسلام ثم إنهم تكلموا بهذا أو نحوه .
وفي رواية أخرى : فقام اليه العباس بن علي أخوهعليهماالسلام وعلي ابنه ، وبنو عقيل ، فقالوا له : معاذ الله والشهر الحرام ، فماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم ، إنا تركنا سيدنا ، وابن سيدنا وعمادنا ، وتركناه غرضاً للنبل ، ودريئةً للرماح ، وجزراً للسباع ، وفررنا عنه رغبةً في الحياة ، معاذ الله ، بل نحيا بحياتك ، ونموت معك !! فبكى وبكوا عليه ، وجزاهم خيراً(1) .
فقال الحسينعليهالسلام : يا بني عَقيل ، حَسبُكم من القتلِ بمسلِم ، اذهبوا قد أذِنتُ لكم !.
قالوا : فما يقولُ الناس ؟ يقولون : إنّا تركنا شَيخَنا وسيدَنا وبني عمومتِنا خيرَ الأعمام ، ولم نرْم معَهم بسهم ، ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، ولا
__________________
وقال بعض العرب وأنشدني بالحجاز فتى من هلال :
فلم ار مثل الليل جنة هارب |
ولا مثل حد السيف للمرء صاحبا |
راجع : كتاب جمهرة الامثال لأبي هلال العسكري : ج 1ص 88 ج 2 ص 181 ـ 182.
(1) مقاتل الطالبيين لأبي فرج الاصفهاني : ص 112.
ندري ما صنعوا ! لا والله لا نفعل ، ولكن تفديك أنفُسنا وأموالُنا وأهلونا ونقاتلُ معك حتى نردَ مورِدَك فقبّحَ اللهُ العيشَ بعدَك !.
فقام إليه مسلمُ بنُ عوسجة الأسدي(1) فقال : أنحنُ نخلي عنك ولمّا نعذر إلى الله في أداء حقِك ؟ أما واللهِ حتى أكسر في صدورِهمْ رمحي وأضربَهمْ بسيفي ما ثبت قائمُه في يدي ولا أُفارقُكَ ولو لم يكنْ معي سلاح أقاتُلهم به لَقذفتُهم بالحجارة دونَك حتى أموت معك.
وقال سعد بن عبد الله الحنفي(2) : واللهِ لا نخليكَ حتى يعلمَ اللهُ أنا قد حفظنا
__________________
(1) هو : مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة بن دردان بن أسد بن خزيمة ابو حجل الأسدي السعدي ، كان رجلاً شريفاً عابداً متنسكاً ، قال ابن سعد في طبقاته : وكان صحابياً ممن رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان فارساً شجاعاً له ذكرٌ في المغازي والفتوح الإسلامية ، وكان ممن كاتب الحسينعليهالسلام في الكوفة ووفى له ، وممّن أخذ البيعة له عند مجيء مسلم بن عقيل إلى الكوفة ، وهو أول قتيل من أنصار الحسين بعد قتلى الحملة الاُولى ، وقد جاء في الزيارة المنسوبة للناحية المقدسة في مسلم بن عوسجة : وكنت أول من شرى نفسه وأول شهيد من شهداء الله قضى نحبه ، ففزت ورب الكعبة ، شكر الله لك استقدامك ومواساتك إمامك إذ مشى إليك وأنت صريع فقال : يرحمك الله يا مسلم بن عوسجة وقرأ :( فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) لعن الله المشتركين في قتلك عبد الله الضبابي وعبد الله بن خشكارة البجلي ، وفيه يقول السماوي :
ان امرءاً يمشي لمصرعه |
سبط النبي لفاقد التربِ |
|
أوصى حبيباً ان يجود له |
بالنفس من مقةٍ ومن حب |
|
اعزز علينا يا بن عوسجةٍ |
من ان تفارق ساعة الحرب |
|
عانقت بيضهم وسمرهم |
ورجعت بعد معانق الترب |
|
ابكي عليك وما يفيد بكا |
عيني وقد أكل الأسى قلبي |
راجع : بحار الأنوار : ج 45 ص 69 ، أبصار العين للسماوي : ص 61 و 64.
(2) هو : سعد بن عبد الله الحنفي ، وذكر في كتاب الحسينعليهالسلام إلى أهل الكوفة باسم سعيد ، أما بعد فإن
غَيبةَ رسول اللهِصلىاللهعليهوآلهوسلم فيك ، واللهَ لو علمتُ أني أقتلُ ثم أحيا ثم أحرقُ حيَّاً ثم اذرُّ يُفعلُ ذلك بي سبعين مرةً ما فارقتُك حتى ألقى حِمامي دونَك ، فكيف لا أفعل ذلكَ وإنما هي قتلةٌ واحدةٌ ، ثمَّ هيَ الكرامةُ التي لا انقضاء لها أبداً !.
ثم قام زُهير بن القين(1) وقال : واللهِ لوددتُ أني قُتلتُ ثم نُشرتُ ثم قُتلتُ حتى أقتلَ كذا ألف قتلةٍ ، وأن اللهَ يدفعُ بذلكَ القتلَ عن نفسِك وعن أنفُس هؤلاءِ الفتيةِ من أهل بيتك !.
وتكلم جماعةُ أصحابه بكلامٍ يشبهُ بعضه في وجهٍ واحدٍ ، فقالوا : واللهِ لا نُفارِقُكَ ، ولكن أنفُسنا لكَ الفداء ! نَقيكَ بنحورِنا وجباهِنا وأيدينا ، فإذا نحنُ قُتِلنا كُنا وفَينا وقضينا ما علينا(2) .
__________________
سعيداً وهانياً قدما عليَّ بكتبكم ، وذكر باسم سعد كما في زيارة الناحية ، كان من وجوه الشيعة في الكوفة ، وذوي الشجاعة والعبادة فيهم ، وهو أحد الرسل الذين حملوا رسائل الكوفيين إلى الحسينعليهالسلام وبعثه مسلم بن عقيل بكتاب إلى الحسين وبقي معه حتى جاء معه كربلاء ، وروى أبو مخنف : أنه لما صلّى الحسين الظهر صلاة الخوف ، اقتتلوا بعد الظهر ، فاشتد القتال ، ولما قرب الأعداء من الحسينعليهالسلام وهو قائم بمكانه ، استقدم سعيد الحنفي أمام الحسين ، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً ، وهو قائم بين يدي الحسين يقيه السهام طوراً بوجهه ، وطوراً بصدره ، وطوراً بيديه ، وطوراً بجنبيه ، فلم يكد يصل إلى الحسينعليهالسلام شيء من ذلك ، حتى سقط الحنفي إلى الأرض وهو يقول : اللهم العنهم لعن عاد وثمود ، اللهم أبلغ نبيك عني السلام وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإني أردت ثوابك في نصرة نبيك ، ثم التفت إلى الحسين ، فقال اوفيت يا بن رسول الله ، قال : نعم أنت أمامي في الجنة ، ثم فاضت نفسه النفيسة.
راجع : إبصار العين : ص 125 ـ 126 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 90 ـ 91.
(1) تقدمت ترجمته.
(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 317 ـ 318 ، نهاية الأرب للنويري : ج 20 ص 434 ، الكامل في التاريخ
الحسينعليهالسلام يأذن للحضرمي(1) بالانصراف لفكاك ولده
وقيلَ لمحمّدِ بن بشر الحضرمي في تلكَ الحال : قد أُسرَ ابنُك بثغر الرّي(2) فقال : عندَ اللهِ احتسبه ، ونفسي ما كُنتُ اُحبّ أَن يُؤسرَ وأن أبقى بعده !
فَسمِعَ الحسينعليهالسلام قولَه ، فقال : رَحِمكَ اللهُ ، أنت في حل من بيعتي ، فاعملْ
__________________
لابن الأثير : ج 4 ، ص 57 ـ 58 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ص 246 ـ 247 ، اللهوف : ص 39 ـ 40 ، الإرشاد للمفيد : ص 231 ، اعلام الورى للطبرسي : ص 237 ـ 239 ، امالي الصدوق : ص 133 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 316.
(1) هو : بشر بن الأحدوث الحضرمي الكندي ، ذُكر في زيارة الناحية باسم بشر ، وذكر في الزيارة الرجبية باسم بشير ، وذكره السيد الخوئيقدسسره مردداً بين بشر وبشير ، وقال الشيخ شمس الدين : ومن المؤكد أنه هو : محمد بن بشير الحضرمي الذي ورد ذكره عند السيد ابن طاووس بقرينة ذكره لقصة ابنه وقد وردت القصة في الزيارة مقرونة باسم بشر أو بشير على اختلاف النسخ. وكان بشر من حضرموت وعداده في كندة ، وكان تابعياً وله أولاد معرفون بالمغازي ، وكان بشر ممن جاء إلى الحسينعليهالسلام أيام المهادنة ، وهو أحد آخر رجلين بقيا من أصحاب الحسين قبل أن يقع القتل في بني هاشم ، والآخر هو سويد بن عمرو بن أبي المطاع ، وقتل بشر في الحملة الاُولى.
راجع : إبصار العين : ص 103 ـ 104 ، أنصار الحسين لشمس الدين ص 77 ـ 78 ، معجم رجال الحديث للسيد الخوئي قدسسره : ج 3 ص 319.
(2) الثغر : بالفتح ، ثم السكون ، وراء كل موضع قَرُب من أرض العدو وسمي ثغراً من ثغرة الحائط ، لأنه يحتاج أن يحفظ لئلا يأتي العدوّ منه.
والرَّيّ : بفتح أوله ، وتشديد ثانيه : مدينة مشهورة من أمهات البلاد واعلام المدن ، كثيرة الخيرات ، قصبة بلاد الجبال ، على طريق السابلة وبين طهران نحو فرسخ. مراصد الإطلاع ج 1 ، ص 597 ، و ج 2 ، ص 651 و ص 899.
في فكاكِ ابنِك ؟!
فقال : أكلتني السّباعُ حيّاً إنْ فارقتُكَ !
قال : فاعطِ ابنَكَ هذهِ الأثواب البُرُود ،(1) يستعينُ بها في فداء(2) أخيهِ ، فأعطاه خَمسةَ أثوابَ قيمتُها ألف دينار(3) .
ولله درّ السيد رضا الهندي ـ عليه الرحمة ـ إذ يقول في هذه الصفوة الانجاب :
صيداً إذا شبّ الهياج وشابت ال |
ارض الدما والطفل رعباً شابا |
|
ركزوا قناهم في صدور عداتهم |
ولبيضهم جعلوا الرقاب قرابا |
|
تجلو وجوههم دجى النقع الذي |
يكسو بظلمته ذكاء نقابا |
|
وتنادبت للذبّ عنه عصبة |
ورثوا المعالي أشيباً وشبابا |
|
من ينتدبهم للكريهة ينتدبْ |
منهم ضراغمة الأسود غضابا |
|
خفّوا لداعي الحرب حين دعاهم |
ورسوا بعرصة كربلاء هضابا |
|
أسدٌ قد اتخذوا الصوارم حليةً |
وتسربلوا حلق الدروع ثيابا |
|
تخذت عيونهم القساطل كحلها |
وأكفّهم فيض النحور خضابا |
|
يتمايلون كأنما غنّى لهم |
وقع الضبا وسقاهُمُ أكوابا |
__________________
(1) البرود : مفرده بُرد بالضم فالسكون ، وهو : ثوب مخطَّط ، وقد يُقال لغير المخطَّط أيضاً ، وجمعه بُرُود وأبرادٌ وأبرُد ، ومنه الحديث : الكفن يكون بُرداً ، فإن لم يكُن بُرداً فاجعله كله قطناً ! والبُردَة : كساءٌ أسود مربّع فيه صغر يكتسيه الأعراب ، وفي المنجد انه كساء من الصوف الأسود يلتحف به ، انظر : مجمع البحرين للطريحي : ج 3 ، ص 13 ، المنجد : ص 33.
(2) الفداء : بكسر أوله يُمدّ ويقصر وإذا فتح فهو مقصور ، والمراد به فكاك الأسير واستنقاذه بالمال ، يقال : فداه من الاسر تفدية إذا استنقذه بمالٍ. مجمع البحرين للطريحي : ج 1 ص 328.
(3) اللهوف : ص 40 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 394 ، العوالم : ج 17 ، ص 244 ، أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 221 ، ترجمة الإمام الحسين ( من تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ) ص 221 ، ح 202.
برقت سيوفهم فأمطرت الطلا |
بدمائها والنقعُ ثار سحابا |
|
وكأنهم مستقبلون كواعباً |
مستقبلين أسنةً وكعابا |
|
وجدوا الردى من دون آل محمدٍ |
عذباً وبعدهم الحياة عذابا |
|
ودعاهم داعي القضاء وكلُهُم |
ندبٌ إذا الداعي دعاه أجابا(1) |
روي عن موسى بن عمير ، عن أبيه قال : أمرني الحسين بن عليعليهالسلام قال : نادِ أَنْ لا يُقتل معي رجلٌ عليه دَينٌ ، وناد ِبها في الموالي فإنّي سمعتُ رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله يقول : من مات وعليه دين اُخذ من حسناته يومَ القيامة(2) .
وبمضون آخر وردت أيضاً عن موسى بن عمير الأنصاري ، عن أبيه ، قال : أمرني حسين بن عليعليهماالسلام فقال : نادِ في الناس أنْ لا يقاتلِنَّ معي رجلٌ عليه دينٌ ، فإنَّهُ ليس من رجُلٍ يموتُ وعليه دينٌ لا يَدعُ له وفاءً إلا دخلَ النَّار !!
فقام إليه رجلٌ فقالَ : إنَّ امرأتي تكفّلت عنّي ؟
فقال : وما كفالَةُ امرأةٍ ، وهل تقضي امراةٌ(3) .
وذكرها الذهبي أيضاً : عن الثوري عن أبي الجحَّاف ، عن أبيه : أن رجلاً قال للحسينعليهالسلام : إنَّ عليَّ ديناً.
قالعليهالسلام : لا يُقاتلُ معي مَنْ عليه دين(4) .
__________________
(1) رياض المدح والرثاء للقديحي : ص 94 ـ 95.
(2) إحقاق الحق : ج 19 ص 429 ، موسوعة كلمات الإمام الحسين : ص 417.
(3) احقاق الحق : ج 19 ، ص 429 ، موسوعة كلمات الإمام الحسين ، ص 417 ـ 418 ، حياة الإمام الحسين للقرشي : ج 3 ، ص 171 ، المعجم الكبير للطبراني : ج 3 ، ص 132 ، ح 6872.
(4) سير أعلام النبلاء للذهبي : ج 3 ، ص 301.
سكينة تصف ليلة العاشر
روي مؤلف كتاب نور العيون بإسناده ، عن سكينةَ بنت الحسينعليهالسلام ، أنها قالت : كُنتُ جالسةً في ليلة مقمّرة وسط الخيمة ، وإذا أنا أسمع من خلفها بكاءً وعويلاً ، فخشيت أن يفقه بي النساء ، فخرجت أعثر بأذيالي ، وإذا بأبيعليهالسلام جالس وحوله أصحابه وهو يبكي ، وسمعته يقول لهم : أعلموا أنّكم خرجتم معي لعلمكم أنّي أقدم على قوم بايعوني بألسنتهم وقلوبهم ، وقد إنعكس الأمر لأنهم استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ، والآن ليس لهم مقصدٌ إلاّ قتلي وقتل من يجاهد بين يدي وسبي حرمي بعد سلبهم ، وأخشى أنّكُمْ ما تعلمون وتستحون ، والخدع عندنا أهل البيت محرّم(1) ، فمن كره منكم ذلك فلينصرف ، فإنّ الليل ستير والسبيل غير خطير ، والوقت ليس بهجير ، ومَنْ واسانا بنفسه كان معنا غداً في الجنان نجيّاً من غضب الرحمن ، وقد قال جدّي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم : ولدي الحسين يُقتل بأرض كربلاء غريباً وحيداً عطشاناً فريداً ، فمن نصره فقد نصرني ونصر ولده القائم ـ عجل الله فرجه ـ ، ولو نصرنا بلسانه فهو في حزبنا يوم القيامة.
قالت سكينة : فو الله ما أتمّ كلامه إلاّ وتفرق القوم من عشرة وعشرين ، فلم يبق معه إلا واحد وسبعون رجلاً ، فنظرت إلى أبي منكساً رأسه فخنقتني العبرة ، فخشيت أن يسمعني ورفعت طرفي إلى السماء وقلت : اللهم انّهم خذلونا فاخذلهم
__________________
(1) وفي أسرار الشهادة : وأخاف أن لا تعلموا ذلك ، أو تعلموا ولا تتفرقوا للحياء منّي ، ويحرم المكر والخدعة عندنا أهل البيت.
ولا تجعل لهم دعاءً مسموعاً ، وسلط عليهم الفقر ولا ترزقهم شفاعة جدّي يوم القيامة ، ورجعت ودموعي تجري على خدي ، فرأتني عمتي أم كلثوم ، فقالت : ما دهاك يا بنتاه ، فأخبرتها الخبر ، فصاحت وا جدّاه وا عليّاه ، وا حسناه وا حسيناه ، وا قلّة ناصراه ، أين الخلاص من الأعداء ليتهم يقنعون بالفداء ، تركت جوار جدّك وسلكت بنا بُعدَ المدى ، فعلا منّا البكاء والنحيب.
فسمع أبي ذلك فأتى إلينا يعثر في أذياله ودموعه تجري ، وقال : ما هذا البكاء ؟
فقالت : يا أخي ردّنا إلى حرم جدّنا ، فقال : يا اختاه ليس لي إلى ذلك سبيل ، قالت : أجل ، ذكرهم محل جدّك وأبيك وأمك وأخيك ، قال : ذكّرتهم فلم يذكّروا ووعظتهم فلم يتعظوا ، ولم يسمعوا قولي ، فما لهم غير قتلي سبيل ، ولا بدّ أن تروني على الثّرى جديلاً ، ولكن أوصيكنّ بتقوى الله ربّ البريه والصبر على البلية وكظم نزول الرزيّة ، وبهذا أوعد جدّكم ولا خلف لما أوعد ، ودّعتكم إلهي الفرد الصمد ، ثم تباكينا ساعة والإمامعليهالسلام يقول :( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (1) (2) .
__________________
(1) سورة البقرة : الآية 57.
(2) الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 271 ـ 272 ، أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 222 ـ 223 ، الأيقاد : ص 93 ـ 94.
الإمام الحسينعليهالسلام يُخبر أصحابه بالشهادة
روى عن أبي حمزة الثماليرضياللهعنه قال : سمعت علي بن الحسين زين العابدينعليهماالسلام يقول : لمّا كان اليوم الذي اُستشهد فيه أبيعليهالسلام جمعَ اهله واصحابه في ليلة ذلك اليوم ، فقال لهم : يا أهلي وشيعتي اتخذوا هذا الليل جملاً لكم وانجو بانفسكم ، فليس المطلوب غيري ، ولو قتلوني ما فكروا فيكم ، فانجوا رحمكم الله ، فأنتم في حلٍّ وسعة من بيعتي وعهدي الذي عاهدتموني
فقال إخوته وأهله وأنصاره بلسان واحد : والله يا سيدنا يا أبا عبد الله ، لا خذلناك أبداً ، والله لا قال الناس : تركوا إمامهم وكبيرهم وسيدهم وحده حتى قُتل ، ونبلو بيننا وبين الله عُذراً ولا نخليك أو نُقتل دونك !!
فقال لهم : يا قوم إني في غَدٍ اُقتلُ وتُقتَلون كُلكُم معي ولا يَبقى مِنكم واحدٌ فقالوا : الحمدُ للهِ الذي أكرمَنا بنصرِكَ وشرّفَنَا بالقتل معك ، أو لا ترضى أن نكون معكَ في درجتِكَ يا ابن رَسولِ اللهِ ؟
فقالعليهالسلام جزاكم الله خيراً ! ودعا لهم بخير ، ـ فأصبح وقُتل وقُتلوا معه أجمعون ـ.
فقال له القاسم بن الحسنعليهالسلام : وأنا فيمن يُقتل ؟ فأشفق عليه ، فقال له : يا بُني كيف الموت عندك ؟ قال : يا عم فيك أحلى مِنَ العسل ، فقال : إي واللهِ فداك عَمُكَ ، إنك لأحد من يُقتل من الرجال معي بعد أن تبلو ببلاءٍ عظيم ، ويُقتل ابني عبد الله.
فقال : يا عم ويصلون إلى النساء حتى يُقتل عبد الله وهو رضيع ؟ فقال : فداك عمك ( يُقتل ابني عبد الله إذا جفت روحه عطشاً وصرت إلى خيمنا فطلبتُ له ماءً ولبناً فلا أجد قط فأقول : ناولوني ابني لاُشربه مِنْ فيَّ )(1) ، فيأتوني به فيضعونه على يديَّ فأحمله لأُدنيه من فيَّ فيرميه فاسق بسهم فينحره وهو يناغي فيفيض دمه في كفي فأرفعه إلى السماء وأقول : اللهم صبراً واحتساباً فيك ، فتعجلني الأسنة منهم ، والنار تسعر في الخندق الذي في ظهر الخيم ، فأكرُّ عليهم في أمرّ أوقاتٍ في الدنيا ، فيكونُ ما يُريد الله ، فبكى وبكينا وارتفع البكاءُ والصُراخ من ذراري رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الخيم.
ويسألني زهير بن القين وحبيب بن مظاهر عن علي ، فيقولون : يا سيدّنا فسيدّنا علي ؟ فيشيرون اليَّ ماذا يكون من حاله ؟
ـ فيقول مستعبراً ـ : ما كان الله ليقطع نسلي من الدنيا ، فكيف يصلون إليه وهو أبُ ثمانية أئمة(2) .
وفتية من بني عدنان ما نظرت |
عين الغزالة أعلى منهمُ حسبا |
|
اكفُهم يخصبُ المرعى الجديب بها |
وفي وجوههم تستمطر السُحبا |
|
أكرم بهم من مصاليت وليدهمُ |
بغير ضرب الطلى بالبيض ما طربا |
__________________
(1) كان في العبارة تصحيف وما بين القوسين هو ما أثبته صاحب معالي السبطين كما لا يخفى.
(2) مدينة المعاجز للبحراني : ج 4 ، ص 214 ، ح 295 ، و ص 286 ، ط ـ قديم ، وروى هذه الرواية بإسناده إلى أبي حمزة ، ابن حمدان الحضيني في الهداية الكبرى : ص 43 ( مخطوط ) ، معالي السبطين للحائري : ج 1 ، ص 343 ـ 344 ، نفس المهموم للقميّ : ص 343 ـ 344.
الإمام الحسينعليهالسلام يُري أصحابه منازلهم في الجنة
وروي أنَّ الحسينعليهالسلام كشفَ لأصحابه عن أبصارهم فرأوا ما حباهمُ اللهُ من نعيم ، وعرَّفَهم منازلَهم فيها ، وليس ذلك في القدرةِ الإلهية بعزيز ولا في تصرفاتِ الإمام بغريب ، فإنَّ سحرةَ فرعون لمّا آمنوا بموسىعليهالسلام وأراد فرعون قتْلَهم أراهم النبيُ موسىعليهالسلام منازلَهم في الجنة(1) .
قال شاعر أهل البيت الفرطوسي ـ عليه الرحمة ـ :
وأراهم وقد رأى الصدقَ منهم |
في الموالاة بعد كشف الغطاءِ |
|
مالهم من منازل قد اُعدت |
في جنان الخلود يوم الجزاءِ |
|
ولعمري وليس ذا بعسيرٍ |
أو غريب من سيد الشّهداءِ |
|
فلقد أطلعَ الكليمُ عليها |
منهم كلَّ ساحرٍ بجلاءِ |
|
حينما آمنوا بما جاءَ فيه |
عندَ إبطال سحرِهم والرياءِ |
|
بعد خوف من آلِ فرعونَ مُردٍ |
لهم منذر بسوءِ البلاءِ |
|
فأراهم منازلَ الخيرِ زلفىً |
وثواباً في جنةِ الأتقياءِ |
|
لازدياد اليقين بالحق فيهم |
بعد دحضٍ للشك والافتراءِ |
|
وثَباتاً منهم على الدين فيما |
شاهدوه من عالم الإرتقاءِ(2) |
وروي عن سعد بن عبد الله ، عن احمد بن محمد ابن عيسى ، عن الاهوازي ،
__________________
(1) أخبار الزمان للمسعودي : ص 274 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 215.
(2) ملحة أهل البيت للفرطوسي : ج 3 ، ص 291.
عن النضر بن سويد ، عن عاصم بن حميد ، عن ابي حمزة الثمالي ، قال : علي بن الحسينعليهالسلام كنت مع أبي في الليلة التي قُتل في صبيحتها فقالعليهالسلام لأصحابه : هذا الليل فاتّخذوه جملاً فإنَّ القوم إنما يريدونني ، ولو قتلوني لم يلتفتوا اليكم ، وانتم في حلٍ وسعةٍ.
فقالوا : والله لا يكون هذا ابداً ! قال : إنكم تُقتلون غداً ( كُلّكُم ) ولا يفلت منكم رجُل ، قالوا الحمد لله الذي شرفّنا بالقتل معك ثم دعا ، وقال لهم : ارفعوا رؤوسَكم وانظروا ، فَجعلوا يَنظرون إلى مواضعِهم ومنازلِهم من الجنة ، وَهو يقولُ لهم : هذا منزِلُكَ يا فلان ، وهذا قصرُك يا فلان ، وهذه درجتك يا فلان ، فكان الرجلُ يَستقبلُ الرّماحَ والسيوفَ بصدرِه وَوجهِه ، ليصلَ إلى مَنزِلِه مِنَ الجنة(1) .
وَفي حديثِ أبي جعفر الباقرعليهالسلام إن الحسينَعليهالسلام قال لأصحابه : ابشروا بالجنةِ فواللهِ إنّا نَمكثُ مَا شاء اللهُ بعدَ مَا يجري عَلينا ، ثم يُخرجُنا اللهُ وإياكم حتى يَظهر قَائمُنا فَينتقمَ من الظالمينَ ، وأنا وأنتم نُشاهِدهم في السلاسل والاغلال وأنواع العذاب !!
فَقيلَ له : مَنْ قائمُكُم يا ابن رسولِ الله ؟
قال : السابع مِن ولدِ ابني محمد بن عليِّ الباقر ، وهو الحجةُ ابنُ الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي ابني ، وهو الذي يَغيبُ مدةً طويلةً ثم يظهرُ وَيملأُ الأرض قسطاً وَعدلاً كما مُلئت ظلماً وَجوراً(2) .
__________________
(1) الخرائج والجرائح للراوندي : ج 2 ، ص 847 ـ 848 ، بحار الأنوار : ج 4 ، ص 298 ، أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 221.
(2) مقتل الحسينعليهالسلام للمقرم : ص 215 عن إثبات الرجعة.
وروى الصدوق ـ عليه الرحمة ـ في علّة إقدام أصحاب الحسينعليهالسلام على القتل ، قال : حدثنا محمد بن ابراهيم بن اسحاقرضياللهعنه قال : حدثنا عبدالعزيز بن يحيى الجلودي قال حدثنا محمد بن زكريا الجوهري قال : حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قلت له : أخبرني عن أصحابِ الحسينعليهالسلام وإقدامِهم على الموتِ ، فقال : إنَّهم كُشفَ لَهم الغطاء حتى رَأوا منازلَهم من الجنةِ ، فكانَ الرجلُ منهم يَقدمُ على القتلِ لِيُبادرَ إلى حَوراءَ يُعانِقُها وإلى مكانِه مِن الجنة(1) .
وجاء في زيارة الناحية المقدسة : أشْهدُ لَقدْ كَشفَ اللهُ لكمُ الغِطاء ، وَمَهّد لكُمُ الوطاء ، وأجزل لكم العطاء ، وكُنْتُمْ عن الحقِّ غَيرَ بطاء ، وأنتُم لنا فُرطاء ، ونحنُ لكُم خُلطاءُ في دارِ البقاء ، والسلام عليكُمْ ورحمةُ اللهِ وبركاته(2) .
ولقد أجاد من قال فيهمعليهمالسلام :
وذوو المروة والوفا أنصارُه |
لهم على الجيش اللئامِ زئيرُ |
|
طهرت نفوسهم لطيب اُصولها |
فعناصرٌ طابت لهم وحجورُ |
|
فتمثّلت لهم القصورُ وما بهِم |
لولا تمثّلت القصورُ قصورُ |
|
ما شاقَهم للموت إلاّ دَعْوَة |
الرحمن لا ولدانُها والحورُ(3) |
وقال الآخر :
__________________
(1) علل الشرائع : ح 1 ، ص 229 ، ب 163 ، ح 1 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 297 ، مدينة المعاجز : ج 4 ص 214.
(2) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 80 ، بحار الأنوار : ج 98 ، ص 273 ـ 274.
(3) نفثة المصدور للشيخ عباس القمي : ص 629.
وفتية من رجال الله قد صبروا |
على الجلاد وعانوا كلَّ محذورِ |
|
حتّى تراءت لهم عدن بزينتها |
مآتماً كُنَّ عُرس الخُرَّد الحورِ(1) |
وقال آخرٌ أيضاً :
وبيتوه وقد ضاق الفسيحُ به |
منهم على موعد من دونه العطلُ |
|
حتى إذا الحرب فيهم من غدٍ كشفت |
عن ساقها وذكا من وقد ما شعلُ |
|
تبادرت فتيةٌ من دونه غررٌ |
شمّ العرانين ما مالوا ولا نكلوا |
|
كأنّما يجتنى حلواً لانفسهم |
دون المنون من العسّالة العسلُ |
|
تراءت الحور في أعلى القصور لهم |
كشفاً فهان عليهم فيه ما بذلوا(2) |
الإمام الحسينعليهالسلام يعظ أصحابه ويبشّرهم
جاء في تفسير الإمام العسكريعليهالسلام في قوله عزوجل :( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (3)
قالعليهالسلام : ولمّا امتحن الحسينعليهالسلام ومن معه بالعسكر الذين قتلوه ، وحملوا رأسه قال لعسكره : أنتم من بيعتي في حلٍ فالحقوا بعشائركُم ومواليكم.
وقال : لأهل بيته قد جعلتكم في حلٍّ من مفارقتي ، فإنَّكمْ لا تُطيقونهم
__________________
(1) أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 6 ، ص 261.
(2) الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 278.
(3) سورة البقرة : الآية 34.
لتضاعف اعدادهم وقواهُمْ ، وما المقصود غيري ، فدعوني والقوم ، فإنَّ اللهَ ـ عزّوجلّ ـ يُعينُني ولا يُخليني من حُسن نظرهِ كعاداته في أسلافنا الطَّيبين.
فأمّا عسكره ففارقوه ، وأما أهله الأدنون من أقربائه فأبوا !! وقالوا : لا نفارقك ويحلُّ بنا ما يحلُّ بك ، ويحزننا ما يحزنك ، ويصيبنا ما يصيبك ، وإنّا أقرب ما نكونُ إلى الله إذا كنا معك.
فقال لهم : فإنْ كُنتم قد وطنتم أنفسكم على ما وطَّنت نفسي عليه ، فاعلموا أنَّ الله إنّما يهبُ المنازل الشريفة لعباده ( لصبرهم ) باحتمال المكارة ، وأنَّ الله وإنْ كان خَصَّني مع مَنْ مضى مِنْ أهلي الَّذينَ أنا آخرُهُم بقاءً في الدُّنيا من الكرامات بما يَسهل عليَّ معها احتمال الكريهات ، فإنَّ لكم شطرُ ذلك من كرامات الله تعالى ، واعلموا أن الدنيا حُلوها ومرها حُلمٌ(1) والانتباه في الآخرة ، والفائز من فاز فيها ، والشقيُّ مَنْ شقي فيها.
أولا اُحدثكم بأول أمرنا وأمركم معاشرَ أوليائنا ومحبينا ، والمعتصمينَ بنا ليسهل عليكم احتمال ما أنتم له معرضون(2) ؟
قالوا بلى يابن رسول الله.
قال : إنَّ الله تعالى لمّا خلقَ آدم ، وسوّاهُ وعلَّمَه أسماء كلَّ شيء وعرضهم على الملائكة ، جعل محمداً وعلياً وفاطمةَ والحسنَ والحسينَعليهمالسلام أشباحاً خمسةً في ظهرِ آدم ، وكانت أنوارُهم تُضيءُ في الآفاق من السماوات والحُجب والجنان والكرسيّ والعرش ، فأمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم تعظيماً له ، إنَّه قد فضّله
__________________
(1) وفي أسرار الشهادة : واعلموا أن الدنيا حلوها مرّ ، ومرها حلو.
(2) وفي بحار الأنوار : مقرّون.
بأن جعلهُ وعاء لتلك الأشباح التي قد عمَّ أنوارُها في الآفاق ، فسجدوا إلا إبليس أبى أنْ يتواضع لجلال عظمة الله ، وأن يتواضع لأنوارنا أهلَ البيت ، وقد تواضعت لها الملائكةُ كلُها واستكبر وترفَّع ، وكان باءِبائه ذلك وتكبّره من الكافرين(1) .
ومن جملة البشارات التي بشَّر بها الحسينعليهالسلام أصحابهعليهمالسلام هو ما رواه القطب الراوندي عن أبي سعيد سهل بن زياد ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبن فضيل ، عن سعد الجلاّب ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : قال الحسين بن عليعليهماالسلام لأصحابه قبل أن يُقتل : إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : يا بُنيَّ إنك ستساقُ إلى العراق ، وهي أرضٌ قد التقى بها النبيّون وأوصياء النبيّين ، وهي أرضٌ تدعى ( عموراء ) وإنك تستشهد بها ، ويستشهد معك جماعةٌ من أصحابك لا يجدون ألم مس الحديد ، وتلا :( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ) (2) تكونُ الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً فابشروا ، فو الله لئن قتلونا ، فإنَّا نرد على نبيّنا(3) .
__________________
(1) تفسير الامام العسكريعليهالسلام : ص 218 ـ 219 ، تاويل الآيات : ج 1 ، ص 44 ، ح 18 ( باختصار ) ، بحار الأنوار : ج 11 ، ص 149 ، ج 45 ، ص 90 ـ 91 ، الدمعة الساكبة : ج 4 ص 270 ، أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 223 إلى قوله الشقي من شقي فيها.
(2) سوره الأنبياء الآية : 69.
(3) الجرائح والخرائج للراوندي : ج 2 ، ص 848 ، بحار الأنوار ج 45 ، ص 80 ، ح 6 ، مدينة المعاجز للبحراني : ج 3 ، ص 504 ص 245 الطبعة الحجرية.
الإمام الحسينعليهالسلام يعالج سيفه
ووصيته لاُخته زينبعليهاالسلام
روي عن علي بن الحسينِ بن عليعليهالسلام قال : إني جالسٌ في تلكَ العشيّةِ التي قُتل أبي صَبيحتَها وَعمتي زينبُ عندِي تُمرضُني إذ اعتزلَ أبي بأصحابِه في خَباءٍ له وَعندَه حُوَى مَولى(1) أبي ذر الغفاري وَهو يُعالجُ سَيفَه(2) ويُصلِحُهُ وأبي يقولُ :
يَا دهرُ أفٍّ لكَ مِنْ خَليلِ |
كَمْ لكَ بالإشراقِ وَالأصيلِ |
|
مِنْ صَاحبٍ أو طالبٍ قَتيلِ |
وَالدهرُ لا يَقنعُ بالبديلِ |
|
وإنَّمَا الأمر إلى الجليلِ |
وَكلُّ حيٍّ سَالكُ السبيلِ |
__________________
(1) هو : جون بن حوى مولى أبي ذر الغفاري ، كما في الزيارة الرجبية وزيارة الناحية ، وكذا في مقاتل الطالبيين ، وذكره الخوارزمي والطبري باسم حُوى ، وذكره الشيخ المفيد في الإرشاد وابن شهراشوب في المناقب باسم جوين. وكان جون منضمَّاً إلى أهل البيتعليهمالسلام بعد أبي ذر فكان مع الحسنعليهالسلام ثم مع الحسينعليهالسلام ، وصحبَه في سفره من المدينة إلى مكة ثم إلى العراق ، وفي كامل بهائي أنه كان بصيراً بمعالجة آلات الحرب واصلاح السلاح ، وقتل بين يدي الحسينعليهالسلام ووقف عليه وقال : اللهم بيض وجهه وطيب ريحه واحشره مع الأبرار ، وعرف بينه وبين محمد وآل محمد ، وروي عن الباقر عن علي بن الحسينعليهمالسلام إنّ بني أسد الذين حضروا المعركة ليدفنوا القتلى وجدوا جوناً بعد أيّام تفوح منه رائحة المسك.
راجع : مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ص 237 ، تاريخ الطبري : ج 4 ص 318 ، المناقب لابن شهراشوب : ج 4 ص 103 ، كامل بهائي : ج 2 ، ص 280 ، إبصار العين : ص 105 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 80 ـ 81.
(2) وفي مقاتل الطالبيين : ص 113 ، وهو يعالج سهاماً له ، وبين يديه جون الخ.
قال : فأعادها مرتين أو ثلاثاً حتى فَهِمتُها ، فَعرَفتُ مَا أرادَ فَخنقَتني عَبرتي فرددّتُ دَمعي ولزمتُ السكون فَعلمتُ أنَ البلاءَ قد نزلَ ، فأمّا عمَّتي فإنها سَمِعت ما سمعتُ وهي امرأةٌ وَفي النساءِ الرقَّةُ والجزعُ فَلم تملك نفسَها أن وَثبت تَجرُّ ثوبَها وَإنها لحاسرةٌ حتى انتهت إليه فقالت : واثكلاه لَيتَ الموتَ أعدمني الحياة ، اليومَ ماتتْ فاطمةُ أمّي وعليٌّ أبي وحسنٌ أخي ، يا خليفةَ الماضي وثمال(1) الباقي(2) .
قال : فَنظَر إليها الحسينعليهالسلام فقال : يا أُخيّةُ لا يُذهبنَّ حلمَكِ الشيطانُ ، قالت : بأبي أنتَ وأمي يا أبا عبد الله استقتلتَ نَفسي فداكَ.
قالت أتُقتل نصبَ عيني جهرة |
ما الرأي فيَّ وما لديَّ خفيرُ |
|
فأجابها قلّ الفدا كثُر العدى |
قَصُرَ المدى وسبيلنا محصور |
فَردَّ غُصّتَهُ وَترقرقتْ عَيناهُ ، وَقالَ : لو تُركَ القطا(3) ليلاً لنام(4) ، قالت : يَا ويلتي
__________________
(1) جاء في حديث أبي طالبعليهالسلام يمدح ابن أخيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه |
ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للارامل |
الثمال : ككتاب ، الغياث والذي يقوم بامر قومه ، يقال : فلانٌ ثِمالُ قومه أي غِياثٌ لهم. مجمع البحرين للطريحي : ج 5 ، ص 332.
(2) وفي الإرشاد : ياخليفةَ الماضين وثمالَ الباقين.
(3) القَطَا : ضرب من الحمام ذوات أطواق يُشبه الفاخته والقُماري ، وفي المثل أهدى من القطا ، قيل أنه يطلب الماءَ مسيرة عشرة أيام وأكثر من فراخها من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فترجع ، ولا تُخطيء صادرة ولا واردة. مجمع البحرين للطريحي : ج 1 ، ص 347.
(4) لو ترك القطا ليلاً لنام ، جاء في قصة هذا المثل : إنه نزل عمرو بن مامة على قوم مُراد ، فطوقوه ليلاً ، فأثاروا القطا من أماكنها ، فرأتها امرأته طائرة فنبّهت المرأةُ زوجها ، فقال : إنما هي القطا ، فقالت : لو تُرك القطا ليلاً لنام. يُضرب لمن حُمل على مكروه من غير إرادته وقيل : أول من قال : لو ترك القطا
أفتَغصِبُ نفسَكَ اغتصاباً ؟ فذلكَ أقرحُ لِقلبي وأشدُّ على نَفسي وَلطمَتْ وَجهَهَا وأهوتْ إلى جَيبِها وشقتهُ ، وَخرّت مَغشياً عليها.
فقام إليها الحسينعليهالسلام فصبَّ على وَجهِهِا الماءَ ، وقال لها : يا أُخيَّة اتّقي اللهَ وَتعزّي بعزاءِ اللهِ واعلمي أنَّ أهل الأرضِ يَموتون ، وأنَّ أهل السماءِ لا يبقونَ وأنَّ كلَ شيءٍ هالكٌ إلا وجهَ اللهِ الذي خَلقَ الأرض بقُدرتهِ ، وَيبعثَ الخلقَ فيعودونَ وَهو فردٌ وحدَه ، أبي خيرٌ مني ، وأمي خيرٌ مني ، وأخي خيرٌ مني ، وَلي وَلَهم ولكلِ مُسلمٍ برسولِ اللهِ أسوةٌ.
قال : فعزّاها بهذا وَنحوهِ ، وقال لها : يا أُخيّة إني اُقسمُ عليكِ فأبرِّي قَسمي ، لا تشُقي عليَّ جَيباً ، وَلا تخمشي عليَّ وَجهاً ، وَلا تدعي عليَّ بالويلِ والثبورِ إذا أنا هلكت.
وفي رواية(1) ثم قالعليهالسلام : يا اُختاه يا اُمّ كلثوم ، وأنتِ يا زينب ، وأنتِ يا فاطمة ، وأنتِ يا رباب ، إذا أنا قُتلت فلا تشققنَ عليَّ جيباً ، ولا تخمشن عليَّ وجهاً ، ولا تقلن هجراً.
__________________
ليلاً لنام ، حذام بنت الريان وذلك لما سار عاطس بن خلاج لقتال أبيها ليلاً فلما كانوا قريباً منه أثاروا القطا ، فمرت بأصحاب الريان فخرجت حذام إلى قومها فقالت :
الا يا قومنا ارتحلوا وسيروا |
فلو تُرك القطا ليلاً لناما |
أي أن القطا لو تُرك ما طار هذه الساعة وقد أتاكم القوم ، فلم يلتفتوا إلى قولها ، وأخلدوا إلى المضاجع لمّا نالهم من التعب ، فقام دَيسم بن طارق وقال بصوت عال :
إذا قالت حذام فصدّقوها |
فإنَّ القولَ ما قالتْ حذامِ |
انظر : مجمع الامثال للميداني : ج 3 ، ص 82.
(1) اللهوف : ص 36 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ص 238.
اُخت يا زينب اُوصيك وصايا فاسمعي |
||
إنني في هذه الأرض ملاقٍ مَصرعي |
||
فاصبري فالصبرُ من خيم كرامِ المترعِ |
||
كلُ حيّ سينحيه عن الأحياء حين |
||
في جليلِ الخطبِ يا أختُ اصبري الصبر الجميل |
||
إن خيرَ الصبرِ ما كان على الخطبِ الجليل |
||
واتركي اللطمَ على الخدِ وإعلان العويل |
||
ثم لا أكره سَقيَ العينِ ورد الوجنتين |
||
واجمعي شملَ اليتامى بعد فقدي وانظمي |
||
واشبعي من جاعَ منهم ثم اروي مَنْ ظُمي |
||
واذكُري انهم في حفظهم طُل دمي |
||
ليتني من بينهم كالأنف بين الحاجبين |
||
قال : ثم جاء بها حتى أجلسَها عندي ، وَخرجَ إلى أصحابه فأمرَهم أن يُقرِّبوا بعض بيوتهم مِن بعض ، وأن يُدخِلوا الأطناب بعضها في بعض ، وأن يكونوا هُم بين البُيوت ، إلا الوجه الذي يأتيهم منهُ عدوّهُم(1) .
__________________
(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 318 ، نهاية الأرب للنويري : ج 20 ، ص 436 ، الكامل في التاريخ لابن الأثير : ج 4 ، ص 58 ـ 59 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ص 237 ـ 238 ، الإرشاد للمفيد : ص 232 ، إعلام الورى للطبرسي : ص 239 ـ 240 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 1 ـ 3 ، أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 224.
من وصايا الإمام الحسينعليهالسلام
قيل ومن جملة وصاياهعليهالسلام والتي استأثرت باهتمام بالغ عنده ، وتدل على مدى حرصه الشديد في نشر أحكام الدين والشرع المبين مع ما هو فيه ، هو وصيتهعليهالسلام لاُخته زينبعليهاالسلام بأخذ الأحكام من الإمام علي بن الحسينعليهماالسلام وإلقائها إلى الشيعة ستراً عليه.
فقد جاء عن علي بن أحمد بن مهزيار ، عن محمد بن جعفر الأسدي ، عن احمد بن إبراهيم ، قال : دخلت على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا ، اُخت أبي الحسن العسكريعليهمالسلام في سنة اثنين وثمانين ( ومائتين ) بالمدينة ، فكلمتها من وراء الحجاب وسألتها عن دينها ؟ فَسمّت لي من تأتم به ، ثمَّ قالت : فلان بن الحسنعليهالسلام فَسمتهُ.
فقلت لها : جعلني الله فداكِ معاينةً أو خبراً ؟ فقالت : خبراً عن أبي محمدعليهالسلام كتب به إلى أمه ، فقلت لها : فأين المولود ؟ فقالت : مستور ، فقلت : فإلى مَنْ تفزع الشيعة ؟ فقالت : إلى الجدَّة أم أبي محمدعليهالسلام .
فقلت لها أقتدي بمَنْ وصيتُهُ إلى المرأة ؟!
فقالت : إقتداءً بالحسين بن علي بن أبي طالبعليهماالسلام ، إنَّ الحسين بن عليعليهالسلام أوصى إلى اُخته زينب بنت علي بن أبي طالبعليهالسلام في الظاهر ، وكان ما يخرج عن علي بن الحسين من علم يُنسب إلى زينب بنت علي تَستّراً على علي بن الحسينعليهالسلام (1) .
__________________
(1) كمال الدين وإتمام النعمة للصدوق : ص 501 ، بحار الأنوار : ج 46 ، ص 19.
وفي هذا المعنى يقول الفرطوسي ـ عليه الرحمه ـ :
وهو أوصى إلى العقيلة جهراً |
ولزين العباد تحت الخفاء |
|
فهي تعطي الأحكام للناس فتوىً |
بعد أخذٍ من زينة الأولياء |
|
كلُّ هذا ستراً عليه وحفظاً |
لعليٍّ من أعيُنِ الرُقباء(1) |
ولهذا قيل : أنه كان لزينبعليهاالسلام نيابة خاصة عن الحسينعليهالسلام وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام حتى برئ زين العابدينعليهالسلام من مرضه(2) .
الإمام الحسينعليهالسلام يتفقّد التلاع والعقبات
وكلامه مع نافع بن هلال
كان نافع ابن هلال(3) من أخص أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام به ، وأكثرهم
__________________
(1) ملحمة أهل البيتعليهمالسلام للفرطوسي : ج 3 ، ص 295.
(2) وفاة زينب الكبرى للنقدي : ص 53.
(3) هو : نافع بن هلال بن نافع بن جمل بن سعد العشيرة بن مدحج ، المذحجي الجملي ، وفي زيارة الناحية ( البجلي ) ، وقد جاء في بعض الكتب هلال ابن نافع ، كان سيداً شريفاً سرياً شجاعاً ، وكان قارئاً كاتباً من حملة الحديث ، ومن أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام وحضر معه حروبه الثلاث في العراق ، وخرج إلى الحسينعليهالسلام فلقيه في الطريق ، وكان ذلك قبل مقتل مسلم ، وهو القائل للحسين بعد ما خطب خطبته التي يقول فيها : أما بعد فقد نزل من الأمر ما قد ترون وأنَّ الدنيا قد تنكرت الخ. ثم قام نافع
ملازمة له سيما في مضان الإغتيال ـ وقيل أنه كان حازماً بصيراً بالسياسة ـ فلما رأى الحسينعليهالسلام خَرجَ في جَوفِ الليلِ إلى خارج الخيامِ يَتفقدُ التلاعَ(1) والعقباتِ(2) تبعَهُ نافعُ ، فسألَه الحسينُعليهالسلام عمّا أخرجَهُ ؟ فقال : يَابنَ رسولِ اللهِ أفزعني خُروجُكَ إلى جِهةِ مُعسكر هذا الطاغي.
فقال الحسينُعليهالسلام : إني خرجتُ أتفَقدُ التلاعَ وَالروابي(3) مخافةَ أن تكونَ مَكمَناً لِهجُومِ الخيل يومَ تحملونَ ويَحملونَ ، ثُّم رجَععليهالسلام وَهو قَابضٌ على يدِ نافعَ ، وَيقولُ : هيَ هيَ واللهِ وَعدٌ لا خُلفَ فيه.
ثم قال لَه : ألا تَسلُك بَين هَذيَنِ الجبلَين في جَوفِ الليلِ وَتنجُو بنفسِك ؟ فَوقعَ نَافعُ على قَدميهِ يُقبّلهُما ويقولُ : ثَكلتني أمي ، إن سَيفي بألفٍ وَفرسي مثلُه ، فَواللهِ الذي مَنَّ بِكَ عليَّ لا فارقتُكَ حتى يَكلاّ(4) عن فَري وجري.
__________________
فقال : وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة ، فمن نكث عهده ، وخلع نيته ، فلن يضر إلاّ نفسه والله مغن عنه ، فسر بنا راشداً معافي ، مُشرّقاً إن شئت ، وإن شئت مُغرّباً ، فوالله ما اشفقت من قدر الله ، ولا كرهنا لقاء ربنا ، فإنّا على نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك ، ويُعدُ نافع ـ رضوان الله عليه ـ من المشاركين في جلب الماء مع العباسعليهالسلام ، وقاتل قتالاً شديداً حتى اُسر ، وقتله شمر بن ذي الجوشن. وفيه يقول السماوي :
فأضحى خضيب الشيب من دم رأسه |
كسير يدٍ ينقاد للأسر عن يدِ |
|
وما وجدوه واهناً بعد أسره |
ولكن بسيما ذي براثن ملبد |
راجع : إبصار العين : ص 86 ـ 89 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 109.
(1) التلعة : جمعه تلعات وتِلاع وتِلَع ، وهي مجرى الماء من أعلى الوادي ، وهي أيضاً : ما ارتفع من الأرض وما انهبط منها فهي من الأضداد. المصباح المنير للفيومي : ص 76 ، المنجد : ص 63.
(2) العقبات : جمع عقبة ، وهي المرقى الصعب من الجبال. المنجد : ص 518.
(3) مفردها : رَابية ، وهي المكان المرتفع من الأرض.
(4) كَلَّ السيف : أصبح غير قاطع ، وكَلَّ الفرس ؛ إذا تَعِبَ وأعيا.
زينبعليهاالسلام تحدّث الحسينعليهالسلام في استعلامه
نيّات أصحابه
ثُم دَخلَ الحسينعليهالسلام خَيمةَ زينب ، وَوقفَ نافعٌ بإزاءِ الخيمةِ ينَتظرُه فَسمعَ زينبَ تقولُ لَهُ : هَل استعلمتَ مِنْ أصحابِكَ نياتِهم فإني أخشى أن يُسلموك عند الوثَبة.
فقال لها : واللهِ لقد بلوتُهم ، فما وجدتُ فيهم إلا الأشوسَ(1) الاقعسَ(2) يَستأنسونَ بالمنيةِ دوني استيناسَ الطفلِ إلى محالبِ أمه.
قال نافعُ : فلّما سمعتُ هذا منه بَكيتُ وأتيتُ حبيبَ بنَ مظاهر وَحكيتُ ما سمعتُ منه وَمن أُختهِ زينب.
قال حبيب : واللهِ لولا انتظارُ أمرهِ لعاجلتُهم بسيفي هذه الليلة.
قلت : إني خَلّفتُه عندَ أُختهِ وأظنُ النساءَ أفقنَ وَشاركنها في الحسرةِ فهل لكَ أن تجمعَ أصحابَك وَتواجهُوهُنَّ بِكلامٍ يُطيّبُ قلوبَهُنَّ.
حبيبعليهالسلام يخطب في الأنصار
ويُطيّب خواطر النساء
فقام حبيبٌ ونادى : يا أصحابَ الحميةِ وليوث الكريهةِ ، فتطالَعوا من مضاربهم
____________
(1) الاشوس : الشديد.
(2) الاقعس : المنيع.
كَالأسود الضاريةِ ، فقالَ لبني هاشم : ارجعوا إلى مقركم لا سهرتْ عُيونُكُمْ.
ثُّم التفتَ إلى أصحابه وحَكى لهم ما شَاهدَهُ وسمعَهُ نافعٌ ، فقالوا بأجمعِهِم : والله الذي مَنَّ عَلينا بهذا الموقفِ لولا انتظارُ أمره لعاجلناهم بسيوفِنا الساعة ! فَطبْ نَفساً وَقرَّ عَيناً فجزاهُمْ خيراً.
وَقال : هَلمّوا معي لنواجه النسوةَ ونُطيبَ خَاطرَهُنَّ ، فجاءَ حبيبُ وَمعُه أصحابه وَصاحَ : يا معشرَ حرائرِ رسولِ اللهِ هذه صوارمُ فتيانِكُمْ آلوا ألا يغمدوها إلا في رقابِ مَنْ يُريدُ السوء فيكُمْ ، وَهذهِ أسنة غلمانِكُمْ أقسَموا ألا يَركزوها إلا في صُدورِ مَنْ يُفرّق نَاديكم.
فَخرجن النساء إليهم ببكاءٍ وعويلٍ وَقلن أيها الطيبون حاموا عن بناتِ رسولِ اللهِصلىاللهعليهوآلهوسلم وحرائرِ أمير المؤمنينعليهالسلام .
فضجّ القومُ بالبكاءِ حتى كأنَّ الأرض تَميد بهم(1) .
ولقد اجاد الصّحَيّح اذ يقول في ذلك :
ووراءَ أروقة الخيام حكايةٌ |
اخرى ، تتيه طيوفها بجمالِ |
|
فهنالك الأسديُّ يبدع صورةً |
لفدائه حوريّةَ الأشكال |
|
ويحاول استنفار شيمة نخبةٍ |
زرعوا الفلاة رجولة ومعالي |
|
نادى بهم والمجد يشهد أنه |
نادى بأعظم فاتحين رجال |
|
فاذا الفضاء مدجّج بصوارمٍ |
واذا التراب ملغمٌ بعوالي |
|
ومشى بهم أسداً يقود وراءه |
نحو الخلود كتيبة الأشبال |
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم : ص 218 ـ 219 ، معالي السبطين : ج 1 ، ص 344 ـ 346 ، الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 273 ـ 274 ، بتفاوت.
حتى إذا خدرُ العقيلة أجهشت |
استارُه في مسمع الأبطال |
|
القى السلام فما تبقّت نبضةٌ |
في قلبه لم ترتعشْ بجلال |
|
ومذ التقته مع الكآبة زينبٌ |
مخنوقة من همّها بحبال |
|
قطع استدارة دمعة في خدّها |
وأراق خاطرها من البلبال |
|
وتفجر الفرسان بالعهد الذي |
ينساب حول رقابهم بدلال |
|
قرِّي فؤاداً يا عقيلة واحفظي |
هذي الدموع فانهنَّ غوالي |
|
عهد زرعنا في السيوف بذوره |
وسقته ديمةُ جرحنا الهطال |
زينبعليهاالسلام تتفقّد
خيمة الحسين والعبّاسعليهماالسلام
روي عن فخر المخدّرات زينبعليهاالسلام قالت : لما كانت ليلة عاشوراء من المحرم خرجتُ من خيمتي لأتفقّد أخي الحسينعليهالسلام وأنصاره ، وقد أفرد له خيمة فوجدته جالساً وحده يُناجي ربّه ويتلو القرآن ، فقلت في نفسي : أفي مثل هذه الليلة يُترك أخي وحده ، والله لأمضين إلى إخوتي وبني عمومتي واُعاتبهم بذلك ، فأتيت إلى خيمة العبّاس فسمعت منها همهمةٌ ودمدمة ، فوقفت على ظهرها فنظرت فيها فوجدت بني عمومتي وإخوتي وأولاد إخوتي مجتمعين كالحلقة وبينهم العباس بن أمير المؤمنينعليهماالسلام وهو جاثٍ على رُكبتيه كالأسد على فريسته.
العباس يخطب في بني هاشم ويحرِّضهم على
القتال قبل الأنصار
فخطب فيهم خطبة ما سمعتها إلاّ من الحسينعليهالسلام مشتملة بالحمد والثناء لله والصلاة والسلام على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثم قال في آخر خطبته : يا إخوتي وبني إخوتي وبني عمومتي إذا كان الصباح فما تقولون ؟
فقالوا : الأمر إليك يرجع ونحن لا نتعدى لك قولك.
فقال العبّاسعليهالسلام : إن هؤلاء ، أعني الأصحاب قوم غرباء ، والحمل الثقيل لا يقوم إلاّ بأهله ، فإذا كان الصباح فأول من يبرز إلى القتال أنتم ، نحن نقدمهم للموت ، لئلا يقول الناس قدّموا أصحابهم فلما قتلوا عالجوا الموت بأسيافهم ساعة بعد ساعة ، فقامت بنو هاشم وسلّوا سيوفهم في وجه أخي العباس ، وقالوا : نحن على ما أنت عليه !
قالت زينبعليهاالسلام : فلما رأيت كثرة اجتماعهم وشدّة عزمهم وإظهار شيمتهم سكن قلبي وفرحت ولكن خنقتني العبرة.
حبيب يحاور الأنصار ويحرّضهم على القتال
قبل بني هاشم
فأردت أن أرجع إلى أخي الحسينعليهالسلام وأخبره بذلك فسمعت من خيمة
حبيب بن مظاهر همهمةٌ ودمدمة ، فمضيت إليها ووقفت بظهرها ونظرت فيها فوجدت الأصحاب على نحو بني هاشم مجتمعين كالحلقة وبينهم حبيب بن مظاهر وهو يقول : يا أصحابي لِمَ جئتم إلى هذا المكان ، أوضحوا كلامكم رحمكم الله فقالوا : أتينا لننصر غريب فاطمةعليهاالسلام !
فقال لهم : لم طلقتم حلائلكم ؟ فقالوا : لذلك !
قال حبيب : فإذا كان في الصباح فما أنتم قائلون ؟
فقالوا : الرأي رأيك ولا نتعدّى قولاً لك.
قال : فإذا صار الصباح فأول من يبرز إلى القتال أنتم ، نحن نقدمهم للقتال ولا نرى هاشمياً مضرّجاً بدمه وفينا عرقٌ يضرب ، لئلا يقول الناس : قدَّموا ساداتهم للقتال وبخلوا عليهم بأنفسهم.
فهزَّوا سيوفهم ( في ) وجهه ، وقالوا : نحن على ما أنت عليه.
زينبعليهاالسلام تتعجب من موقف بني هاشم والأنصار
قالت زينب : ففرحتُ من ثباتهم ولكن خنقتني العبرة فانصرفت عنهم وأنا باكية ، وإذا بأخي الحسينعليهالسلام قد عارضني فسكنت نفسي وتبسمت في وجهه ، فقال : أُخيّة. فقلت : لبيك يا أخي. فقالعليهالسلام : يا أختاه منذ رحلنا من المدينة ما رأيتك متبسمة أخبريني ما سبب تبسمك ؟
فقلت له : يا أخي رأيت من فعل بني هاشم والأصحاب كذا وكذا !!
فقال لي : يا أُختاه إعلمي أن هؤلاء أصحابي(1) من عالم الذرّ وبهم وعدني جدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هل تحبين أن تنظري إلى ثبات إقدامِهم ؟
فقلت : نعم. فقالعليهالسلام : عليك بظهر الخيمة.
الإمام الحسينعليهالسلام يخطب في أصحابه
ويكشف لهم عن أبصارهم
قالت زينب : فوقفت على ظهر الخيمة ، فنادى أخي الحسينعليهالسلام : أين إخواني وبنو أعمامي ! فقامت بنو هاشم وتسابق منهم العباس وقال : لبيك لبيك ما تقول ؟
فقال الحسينعليهالسلام : أُريد أن أُجدّد لكم عهداً ، فأتى أولاد الحسين وأولاد الحسن وأولاد علي وأولاد جعفر وأولاد عقيل ، فأمرهم بالجلوس فجلسوا.
__________________
(1) قد جاء في الأحاديث الشريفة إن أصحاب الحسينعليهالسلام معروفون بأسمائهم من قبل واقعة الطف ، روى ابن شهراشوب قال : عُنّف ابن عباس على تركه الحسينعليهالسلام فقال إن أصحاب الحسينعليهالسلام لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً ، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم ، وقال محمد بن الحنفية وإن أصحابهعليهالسلام عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم. راجع : مناقب آل أبي طالب لابن شهراشوب : ج 4 ، ص 53 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 185.
وروى بن قولويه ـ عليه الرحمة ـ قال : حدثني الحسن عن أبيه عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن يعقوب بن شعيب عن حسين بن أبي العلاء قال : والذي رفع اليه العرش لقد حدثني أبوك بأصحاب الحسين عليهالسلام لا ينقصون رجلاً ولا يزيدون رجلاً ، تعتدي بهم هذه الأمة كما اعتدت بنو إسرائيل يوم السبت الخ ، كامل الزيارات لابن قولويه : ص 73 ، وعنه بحار الأنوار : ج 45 ، ص 87.
ثم نادى : أين حبيب بن مظاهر ، أين زهير ، أين هلال ، أين الأصحاب ، فأقبلوا وتسابق منهم حبيب بن مظاهر. وقال : لبيك يا أبا عبد الله ، فأتوا إليه وسيوفهم بأيديهم ، فأمرهم بالجلوس فجلسوا فخطب فيهم خطبة بليغة.
ثم قال : يا أصحابي ، اعلموا أن هؤلاء القوم ليس لهم قصدٌ سوى قتلي وقتل من هو معي ، وأنا أخاف عليكم من القتل ، فأنتم في حلٍّ من بيعتي ومن أحب منكم الإنصراف فلينصرف في سواد هذا الليل.
فعند ذلك قامت بنو هاشم وتكلّموا بما تكلموا ، وقام الأصحاب وأخذوا يتكلّمون بمثل كلامهم فلما رأى الحسينعليهالسلام حُسن إقدامهم وثبات أقدامِهم ، قالعليهالسلام : إن كنتم كذلك فارفعوا رؤوسكم وانظروا إلى منازلكم في الجنة ، فكشف لهم الغطاء ورأوا منازلهم وحورهم وقصورهم فيها ، والحور العين ينادين العجل العجل فإنا مشتاقات إليكم !
فقاموا بأجمعهم وسلوا سيوفهم ، وقالوا : يا أبا عبد الله أتأذن لنا أن نغير على القوم ونقاتلهم حتى يفعل الله بنا وبهم ما يشاء.
فقالعليهالسلام : اجلسوا رحمكم الله وجزاكم الله خيراً.
الإمام الحسينعليهالسلام يأذن لنساء الأنصار بالانصراف لئلا
تُسبى ومحاورة علي بن مظاهر مع زوجته
ثم قال : ومن كان في رحله امرأة فلينصرف بها إلى بني أسد ، فقام علي بن مظاهر وقال : ولماذا يا سيدي ؟!
فقالعليهالسلام : إن نسائي تُسبى بعد قتلي وأخاف على نسائكم من السبي ، فمضى علي بن مظاهر إلى خيمته فقامت زوجته إجلالاً له فاستقبلته وتبسمت في وجهه. فقال لها : دعيني والتبسّم !!
فقالت : يا ابن مظاهر إني سمعت غريب فاطمةعليهاالسلام خطب فيكم وسمعت في آخرها همهمة ودمدمةً فما علمت ما يقول ؟
قال : يا هذه إن الحسينعليهالسلام قال لنا : ألا ومن كان في رحله امرأة فليذهب بها إلى بني عمها لأني غداً اُقتل ونسائي تُسبى.
فقالت : وما أنت صانع ؟ قال : قومي حتى أُلحقكِ ببني عمك بني أسد ، فقامت ونطحت رأسها في عمود الخيمة وقالت : والله ما أنصفتني يا بن مظاهر أيسرّك أن تُسبى بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا آمنة من السبي ؟ أيسرّك أن تُسلب زينب إزارها من رأسها وأنا أتسترّ بإزاري ؟ أيسرك أن تذهب من بنات الزهراء أقراطها وأنا أتزين بقرطي ؟ أيسرك أن يبيضّ وجهك عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويسودّ وجهي عند فاطمة الزهراءعليهاالسلام أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء.
فرجع علي بن مظاهر إلى الحسينعليهالسلام وهو يبكي ، فقال له الحسينعليهالسلام : ما يبكيك ؟ فقال : سيدي أبتْ الأسدية إلاّ مواساتكم ، فبكى الحسينعليهالسلام وقال : جُزيتم منّا خيراً(1) .
قال الشاعر :
رجالٌ تواصوا حيث طابت أصولهم |
وأنفسهم بالصبر حتى قضوا صبرا |
__________________
(1) معالي السبطين للحائري : ج 1 ، ص 340 ـ 342.
حماةٌ حموا خدراً أبي الله هتكه |
فعظّمه شأناً وشرّفهُ قدرا |
|
فأصبح نهباً للمغاوير بعدهم |
ومنه بنات المصطفى أُبرزت حسرى |
وقال آخر :
السابقون إلى المكارم والعلى |
والحائزون غداً حياض الكوثر |
|
لو لا صوارمهم ووقع نبالهم |
لم تسمع الآذان صوتَ مكبر(1) |
الأعداء يطوفون حول خيام الحسينعليهالسلام
هذا وقد أمر عمر بن سعد حرساً بقيادة عزَرَةَ بن قيس الأحمسي بحراسة الحسينعليهالسلام وأصحابه ، فاخذوا يطوفون حول البيوت والفسطاط خوفاً من أن يفوت الحسينعليهالسلام من قبضتهم ، أو يلتحق بمعسكره أحدٌ من الناس(2) .
الإمام الحسينعليهالسلام يأمر أصحابه
بحفر الخندق وتنظيم الخيم
قال الراوي : وكان الحسينعليهالسلام أتى بقصبٍ وحطبٍ إلى مكان مِنْ ورائهم مُنخفضٍ ، كأنَه ساقية فَحفروه ، في ساعة مِنْ الليلِ فَجعلُوه كَالخَندَقِ ، ثمْ ألقوا فيه ذلك الحطب والقصب ، وَقالوا : إذا عَدوا علينا فقاتلُونا ألقينا فيه النار كيلا نُؤتى مِنْ
__________________
(1) نفثة المصدور للقمي : ص 629.
(2) الحسين وأصحابه للقزويني : ج 1 ، ص 255 ،حياة الإمام الحسين للقرشي : ج 3 ، ص 178.
وَرائنا وَقاتلونا القومُ مِنْ وَجهٍ واحدٍ ، ففعلوا وكانَ لهم نافعاً(1) .
وقال الدينوري : وأمر الحسينعليهالسلام أصحابه أن يضمّوا مضاربهم بعضهم من بعض ، ويكونوا أمام البيوت ، وأن يحفروا من وراء البيوت أخدُوداً ، وأن يضرموا فيه حطباً وقصباً كثيراً ، لئلا يُؤتوا من أدبار البيوت فيدخلوها(2) .
وجاء في البداية والنهاية : وجعلوا البيوت بما فيها من الحرم وراء ظهورهم ، وقد أمر الحسينعليهالسلام من الليل فحفروا وراء بيوتهم خندقاً ، وقذفوا فيه حطباً وخشباً وقصباً ، ثم أُضرمت فيه النار لئلا يَخلص أحدٌ إلى بيوتهم من ورائها(3) .
وفي الإرشاد ، إن الحسينعليهالسلام خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يُقرّب بعضُهم بيوتَهم من بعض ، وأن يُدخلوا الأطناب بعضها في بعض ، وأن يكونوا بين البيوت فيستقبلون القوم من وجه واحد ، والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم قد حفّت بهم إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم(4) .
الحكمة من ضم الخيم والمضارب
وقيل إنّه عمل ذلك لعلمه ـ صلوات الله عليه ـ بما كان يضمرُه عمر بن سعد مع رؤساءِ عسكره ليلةَ العاشر ، فقد اتفقت آراؤُهم على أن يهجموا دفعةً واحدةً
__________________
(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 320.
(2) الأخبار الطوال للدينوري : ص 256.
(3) البداية والنهاية لابن كثير : ج 4 ، ص 178.
(4) الإرشاد للمفيد : ص 232 ، إعلام الورى للطبرسي : ص 240.
على الحسينعليهالسلام وأصحابه على المخيم ، فيقتلون الرجال ويسبون النساء في ساعةٍ واحدة ، ولذا قال الشيخ المفيد ـ عليه الرحمة ـ : وأقبل القوم يجولون حول بيوت الحسينعليهالسلام فيرون الخندق في ظهورهم ، والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان اُلقيَ فيه(1) ، ولم يكن لهم طريق إلا من وجه واحد ، فغضبوا بأجمعهم(2) .
ويؤيد هذا ما جاء في الأنساب : واقتتلوا نصف النهار أشد قتالٍ وأبرحه ، وجعلوا لا يقدرون على إتيانهم إلاّ من وجه واحد لاجتماع أبنيتهم وتقاربها ، ولمكان النار التي أوقدوها خلفهم ، وأمر عمر بتخريق أبنيتهم وبيوتهم فأخذوا يُخرّقونها برماحهم وسيوفهم(3) .
وما جاء في الكامل أيضاً : فلمّا رأى ذلك عمر أرسل رجالاً يُقوّضونها عن أيمانهم وشمائلهم ليحيطوا بهم ، فكان النفر من أصحاب الحسينعليهالسلام الثلاثة والأربعة يتخلّلون البيوت ، فيقتلون الرجل وهو يُقوّض وينهب ويرمونه من قريب أو يعقرونه ، فأمر بها عمر بن سعد فأحرقت.
فقال لهم الحسينعليهالسلام دعوهم فليحرقوها فإنّهم إذا حرقوها لا يستطيعون أن يجوزوا إليكم منها فكان كذلك(4) .
وقد جاء في بعض الكتب أن بيوتَهم وخيمهم وفساطيطهم كانت مائة
__________________
(1) الإرشاد للمفيد : ص 233.
(2) معالي السبطين للحائري : ص 347.
(3) أنساب الأشراف للبلاذري : ج 3 ، ص 194.
(4) الكامل في التاريخ لابن الأثير : ج 4 ، ص 69.
وسبعين ، السبعون للحسينعليهالسلام وسائر بني هاشم ، والمائة للأنصار والأصحاب(1) والله أعلم بحقائق الأمور.
الإمام الحسينعليهالسلام يرى جدّه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في السَّحَر
روي إن الحسينعليهالسلام لمّا كانَ وَقتُ السَّحَر خَفقَ برأسهِ خفقةً ثُمَّ استيقظَ فقال : أتعلمونَ ما رأيتُ في منامي السّاعةَ ؟ فقالوا : وَما الذي رأيتَ يا بنَ رسولِ الله ؟
فقال : رأيتُ كأنّ كلاباً قد شدَّت عَليَّ لتنهَشني(2) وَفيها كَلبٌ أبقع رأيتُهُ أشدَّها عَليَّ وَأظنُّ أنّ الذي يَتولّى قَتلي رجلٌ أبرص(3) مِن بين هؤلاءِ القومِ ، ثم إنّي رأيتُ بعدَ ذلك جَدي رسول اللهِصلىاللهعليهوآلهوسلم وَمعَهُ جماعةٌ مِنْ أصحابه وهو يقولُ لي : يَا بُنَّي أنت شهيدُ آلِ محمّدٍ ، وَقد استبشرَ بكَ أهلُ السماوات وأهل الصفيحِ(4) الأعلى فليكن إفطارُكَ عندي الليلة عَجِّل وَلا تُؤخر ! فَهذا مَلكٌ قد نزلَ مِنَ السماءِ ليأخذَ دَمَكَ في قارورةٍ خضراء ، فهذا ما رأيتُ وَقد أزف الأمر ، واقترَبَ الرحيّلُ مَنْ هَذه الدنيا لا شَكّ في ذلك(5) .
__________________
(1) الإمام الحسين وأصحابه للقزويني : ج 1 ، ص 258.
(2) وفي الفتوح : تُناشبني.
(3) وفي الفتوح : رجل أبقع وأبرص.
(4) الصفيح أو الصَّفْح : من أسماء السماء ، ومنه ملائكة الصَفْح الأعلى ، أي ملائكة السماء العليا. مجمع البحرين للطريحي : ج 2 ، ص 386.
(5) بحار الأنوار : ج 45 ، ص 3 ، العوالم : ج 17 ، ص 247 ، الفتوح لابن الأعثم : ج 5 ، ص 111 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ص 251.
الأعداء يسمعون تلاوة الحسينعليهالسلام
وكلام برير(1) معهم
روى الضحاك(1) بن عبد الله المشرقي قال : فلّما أمسى حسينٌعليهالسلام وأصحابُه
__________________
(1) هو : بُرير بن خُضير الهمداني المشرقي ، وبنو مشرق بطن من همدان ، كان شيخاً تابعياً ناسكاً قارئاً للقرآن من شيوخ القراء ، ومن أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكان من أشراف أهل الكوفة من الهمدانيين ، وهو القائل للحسينعليهالسلام لما خطب في أصحابه الخطبة التي يقول فيها : أما بعد فإن الدنيا تغيّرت الخ. ثم قام برير فقال : والله يا بن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك ، تقطع فيك أعضاؤنا حتى يكون جدك يوم القيامة بين أيدينا شفيعاً لنا ، فلا أفلح قوم ضيعوا ابن بنت نبيهم ، وويلٌ لهم ماذا يلقون به الله ، وأُفٍ لهم يوم ينادون بالويل والثبور في نار جهنم ، قُتل بين يدي الحسينعليهالسلام وأبلى بلاءً حسناً.
راجع : إبصار العين للسماوي : ص 70 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 76 ـ 77.
(2) هو : الضحّاك بن عبد الله المشرقي ، كان قد أعطى الحسينعليهالسلام عهداً أن يقاتل معه ما كان قتاله معه نافعاً ، فإذا لم يجد مقاتلاً معه كان في حلٍ من الانصراف ، قال الضحاك : لما رأيت أصحاب الحسين قد أصيبوا وقد خَلُص إليه وإلى أهل بيته ولم يبق معه غير سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي وبشير بن عمرو الحضرمي قلت له : يا ابن رسول الله قد علمت ما كان بيني وبينك ، قلت لك : أقاتل عنك ما رأيتُ مقاتلاً فإذا لم أر مقاتلاً فأنا في حلٍّ من الانصراف ، فقلت لي نعم ، فقال : صدقت وكيف لك بالنجاء إن قدرت على ذلك فأنت في حلٍّ ، قال : فأقبلت إلى فرسي وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تُعقر أقبلت بها حتى أدخلتها فسطاطاً لأصحابنا بين البيوت ، وأقبلت اُقاتل معهم راجلاً فقتلت يومئذٍ بين يدي الحسين رجلين وقطعت يد آخر ، وقال لي الحسين يومئذٍ مراراً : لا تشلل ، لا يقطع الله يدك جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيكصلىاللهعليهوآلهوسلم فلما أذن لي استخرجت الفرس من الفسطاط … الخ.
راجع : تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 339 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 64.
قاموا الليلَ كلَّه يُصلونَ ويستغفرون ويَدعونَ ويتضرعون ، قال : فتمرُ بنا خيلٌ لَهم تَحرِسُنا ، وإنّ حسيناًعليهالسلام لَيقرأ :( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ *مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) (1) .
فسمِعَها رَجلٌ مِنْ تلكَ الخيلِ التي كانت تحرسُنا ، فقال : نَحنُ وَربِّ الكعبةِ الطيبونَ مُيّزنا منِكُمْ ، قال : فَعرفتُه ، فقلتُ لبِرُير بنِ خُضَير : تدري من هذا ؟ قال : لا ، قلتُ : هذا أبو حَرْب السبيعي عبد الله بن شهر وكان مضحاكاً بطلاً ، وكانَ شريفاً شجاعاً فاتكاً ، وكان سعيد بن قيس ربَّما حَبسُه في جنايةٍ ، فقال له بُريرُ بنُ خضير : يا فاسق أنت يَجعلكَ اللهُ في الطيبينَ ، فقال له : من أنت ؟
قال : أنا بريرُ بنِ خضير ، قال : إنّا لله ، عزّ عليَّ هلكتَ والله هَلكت والله يا بريرُ ، قال : يا أبا حرب هل لك أن تتوب إلى اللهِ من ذنوبك العظام ، فوالله إنا لنحنُ الطيبونَ ولكنَّكُمْ لأنتُم الخبيثونَ ، قال : وأنا على ذلك من الشاهدين ، قلتُ : ويحك أفلا ينفعُكَ معرِفتُكَ ، قال : جُعلتُ فِداكَ فمَن يُنادمُ يزيدُ بنِ عذرة الغفري من عنز بنِ وائل ، قال : ها هو ذا معي ، قال : قَبّحَ اللهُ رأيَك على كلِ حال أنت سفيه ، قال : ثم انصرفَ عنا ، وكانَ الذي يحرسُنا بالليلِ في الخيلِ عَزْرةُ بنِ قيس الأحمسي وكانَ على الخيل(2) .
وقد رويت هذه الحادثة بصورة اُخرى كما عن ابن الأعثم الكوفي
__________________
(1) سورة آل عمران الآية : 178 ـ 179.
(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 419 ـ 420 ، البداية والنهاية لابن كثير : ج 4 ، ص 177 ـ 178 ، الإرشاد للمفيد : ص 232 ـ 233 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 3 ـ 4.
والخوارزمي ، قالا : وجاء شمر بن ذي الجوشن في نصف اليل يتجسّس ومعه جماعة من أصحابه حتي قارب معسكر الحسينعليهالسلام فسمعه يتلو قوله تعالى :( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ *مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) (1) الآية.
فصاح رجل من أصحاب شمر : نحن وربّ الكعبة الطيبون ، وأنتم الخبيثون وقد مُيّزنا منكم ، فقطع برير بن خضير الهمداني صلاته ، ثم نادى : يا فاسق ، يا فاجر ! يا عدو الله ، يابن البوال على عقبيه ، أمثلُك يكون من الطيبين !؟ والحسين ابن رسول الله من الخبيثين ، والله ما أنت إلا بهيمة لا تعقل ما تأتي وما تذر ، فابشر يا عدو الله بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم ، فصاح شمر : إن الله قاتلك وقاتل صاحبك عن قريب.
فقال برير أبالموت تخوفني ؟! والله إن الموت مع ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أحب اليَّ من الحياة معكم ، والله لا نالت شفاعةُ محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم قوماً أراقوا دماء ذريته وأهل بيته !
فجاء إليه رجل من أصحابه وقال : يا برير إن أبا عبد الله يقول لك : ارجع إلى موضعك ولا تُخاطب القوم ، فلعمري لئِن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء ، فلقد نصحت وأبلغت في النصح والدعاء(2) .
__________________
(1) سوره آل عمران : الآيه 178 ـ 179.
(2) الفتوح لابن الأعثم الكوفي : ج 5 ، ص 110 ـ 111 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 251.
عبادة الحسينعليهالسلام وأصحابه
وَبات الحسينُعليهالسلام وأصحابُه ـ ليلةَ عاشوراء ـ وَلهم دويٌّ كَدويِّ النحلِ ، مَا بَينَ راكعٍ وساجد ، وقائمٍ وقاعد ، فَعبرَ عليهم مِنْ عسكرِ عُمر بنِ سَعد اثنانِ وَثلاثونَ رَجلاً ، وَكذا كانت سجيةُ الحسينِعليهالسلام في كَثرةِ صَلاتِه وَكمالِ صِفاته(1) .
فكان صلوات الله عليه كما وصفه ابنه إمامنا المهديعليهالسلام : كنت للرسول ولداً ، وللقرآن سنداً ، وللأُمة عضُداً ، وفي الطاعة مجتهداً ، حافظاً للعهد والميثاق ، ناكباً عن سبيل الفُسّاق ، تتأوّه تأوّه المجهود ، طويلَ الرّكوعِ والسّجود ، زاهداً في الدنيا زهدَ الرَّاحل عنها ، ناظراً إليها بعين المستوحشين منها(2) .
وقيل للامام علي بن الحسينعليهماالسلام : ما أقلَّ ولد أبيك ؟
فقالعليهالسلام : العجب كيف ولدت له ، وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ، فمتى كان يتفرغ للنساء !! وحجّ خمسة وعشرين حجة راجلاً(3) .
وروي عن الإمام علي بن الحسينعليهماالسلام : أنّه في الليلة التي قُتل أبوه في غدها ، قالعليهالسلام : إن أباه قام الليل كلَّه يصلّي ، ويستغفر الله ويدعو ويتضرع ، وقام أصحابه كذلك يدعون ويصلّون ويستغفرون(4) .
__________________
(1) اللهوف لابن طاووس : ص 41.
(2) بحار الأنوار : ج 98 ، ص 239 ، نفس المهموم للقمي : ص 233.
(3) العقد الفريد للأندلسي : ج 3 ، ص 169 ، و ج 4 ، ص 384 ، دار الكتاب العربي و ج 3 ، ص 114 ـ 115 ، و ج 5 ، ص 133 نشر دار الكتب العلمية ، تاريخ اليعقوبي : ج 2 ، ص 247.
(4) إعلام الوري : ص 240 ، الإرشاد للمفيد : ص 232 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 3.
وقيل : انه ما نام في هذه الليلة الحسينعليهالسلام ولا أحد من أصحابه وأعوانه إلى الصبح ، وكذلك النسوة والصبيان وأهل البيت كلّهم يدعون ، ويوادعون بعضهم بعضاً(1) .
قال السيد الأمين ـ عليه الرحمة ـ :
باتوا وبات إمامهم ما بينهم |
ولهم دوي حوله ونحيب |
|
من راكع أو ساجدٍ أو قاريءٍ |
أو مَنْ يُناجي رَبَّهُ وَينيبُ(2) |
وقال أيضاً ـ عليه الرحمة ـ :
باتَ الحسينُ وصَحبُه مِنْ حولهِ |
وَلَهم دويُّ النحل لـمّا باتوا |
|
من رُكّعٍ وَسطَ الظلامِ وسُجّدٍ |
للهِ مِنهم تَكثر الدعواتُ |
|
وتراءت الحورُ الحسانُ وزُيّنت |
لقدومِهم بنعيمِها الجنّاتُ |
|
وَبدا الصباحُ وَلم تنمْ عينٌ لَهمْ |
كلاّ وَلا نَابتْهُمُ غَفواتُ(3) |
عبادةُ أبي الفضل العباسعليهالسلام
وكان العباسعليهالسلام في العبادة وكَثرة الصلاة والسجود بمرتبة عظيمة ، قال الصدوق ـ عليه الرحمة ـ في ثواب الأعمال : كان يُبصَرُ بين عينيه أثَر السجود(4) ،
__________________
(1) الإمام الحسينعليهالسلام وأصحابه للقزويني : ج 1 ، ص 262.
(2) الدر النضيد للسيد الامين : ص 23.
(3) نفس المصدر : ص 73.
(4) ثواب الأعمال للصدوق : ص 259.
لكن وأي عبادة أزكى وأفضل من نصرة ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحماية بنات الزهراء ، وسقي ذراري رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قيل : إن أصحاب الحسينعليهالسلام باتوا ليلة العاشر من المحرّم ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد ، لكن خُصّص العباسعليهالسلام من بينهم بحفظ بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته ، كان راكباً جواده متقلّداً سيفه آخذاً رمحه يطوف حول الخيم ، لأنه آخر ليلة أراد أن يوفِ ما كان عليه ويرفع الوحشة عن قلوب الهاشميات حتى يَجدنَ طيب الكرى ، وقد أحاطت بهن الأعداء !
وكانت عيون الفاطميات به قريرةً ، وعيون الأعداء منه باكية ساهرةً ، لأنهم خائفون مرعوبون من أبي الفضلعليهالسلام وما تنام أعينهم خوفاً من بأسه وسطوته ونكال وقعته ، وانقلب الأمر ليلة الحادي عشر ، قرّت عيون العسكر ، وبكت وسهرت عيون الفاطميات ، ولنعم ما قيل :
اليوم نامت أعينٌ بك لم تنمْ |
وتسهّدت أخرى فعزّ منامُنها(1) |
وقال الفرطوسي ـ عليه الرحمة ـ :
وبنو هاشم نطاقُ عيونٍ |
مستدير على خيام النساءِ |
|
وأبو الفضل فارسُ الجمع ترنو |
مقلتاهُ لمقلة الحوراءِ(2) |
ويقول السيد مدين الموسوي :
نامت عيونُ القوم أجمعُها |
وعُيونهم مشبوحةُ النظرِ |
|
لله ترمقهُ ويرمقُها |
كِبراً وهم يعلون في كبرِ |
__________________
(1) معالي السبطين للحائري : ج 1 ، ص 443.
(2) ملحمة أهل البيت للفرطوسي : ج 3 ، ص 292.
عبادةُ العقيلة زينبعليهاالسلام
كانت زينبعليهاالسلام في عبادتها ثانية أمّها الزهراءعليهاالسلام وكانت تقضي عامّة لياليها بالتهجد وتلاوة القرآن.
قال بعض ذوي الفضل : إنها ـ صلوات الله عليها ـ ما تركت تهجّدها لله تعالى طول دهرها ، حتى ليلة الحادي عشر من المحرم.
قال : وروى عن زين العابدينعليهالسلام أنه قال : رأيتها تلك الليلة تصلّي من جلوس !
وعن الفاضل القائيني البيرجندي ، عن بعض المقاتل المعتبرة ، عن مولانا السجادعليهالسلام أنه قال : إن عمتي زينبعليهاالسلام مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام ما تركت نوافلها الليلية.
وعن الفاضل المذكور ، إن الحسينعليهالسلام لمّا ودّع أخته زينبعليهاالسلام وداعه الأخير قال لها : يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل.
وفي مثير الأحزان(1) للعلامة الشيخ شريف الجواهريقدسسره : قالت فاطمة بنت الحسينعليهماالسلام وأما عمتي زينبعليهاالسلام فإنها لم تزل قائمة في تلك الليلة ـ أي العاشرة من المحرم ـ في محرابها تستغيث إلى ربها ، فما هدأت لنا عين ، ولا سكنت لنا رنّة(2) .
__________________
(1) مثير الأحزان للجواهري : ص 56.
(2) زينب الكبرى للنقدي : ص 81 ـ 82.
يقول العلامة النقدي عليه الرحمة :
ربيبة عصمة طُهُّرت وطابتْ |
وفاقت في الصّفات وفي الفعالِ |
|
فكانت كالأئمة في هُداها |
وإنقاذ الأنام من الضلالِ |
|
وكان جهادُها بالقول أمضى |
من البيض الصوارم والنصالِ |
|
وكانت في المُصلّى إذ تُناجي |
وتدعو الله بالدمع المُذالِ |
|
ملائكة السماء على دُعاها |
تُؤمّن في خضوع وابتهالِ |
|
روت عن أمها الزهرا علوماً |
بها وصلت إلى حدّ الكمالِ |
|
مقاماً لم تكن تحتاج فيه |
الى تعليم علمٍ أو سؤالِ |
|
ونالت رتبةً في الفخر عنها |
تأخرت الأواخر والأوالي |
|
فلو لا أمها الزهراء سادت |
نساءَ العالمينَ بلا جدالِ(1) |
الإمام الحسينعليهالسلام يطلي بالنورة
وبرير يهازل عبد الرحمن
روي عن أبي صالح الحنفيِّ عن غلامٍ لعبد الرحمن بن عبدربه الأنصاري(2) ،
__________________
(1) زينب الكبري للنقدي : ص 173.
(2) هو : عبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي ، أحد الشخصيات البارزة ، وكان صحابياً ومن مخلصي أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام وهو أحد الصحابة الذين شهدوا لأمير المؤمنين بالولاية ، لما نشدهم في الرحبة بحديث الغدير : من كنت مولاه فعلي مولاه ، وقيل إن أمير المؤمنين هو الذي علّم
قال : كنت مع مولاي فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسينعليهالسلام أمر الحسين بفسطاط فضرب ثم أمر بمسك(1) فميث(2) في جفنة(3) عظيمة أو صفحة ، قال : ثم دخل الحسينعليهالسلام ذلك الفسطاط فتطلى بالنورة ، قال : ومولاي عبد الرحمن بن عبدربه وبُرير بن خضير الهمداني على باب الفسطاط تحتكّ مناكبهما ، فازدحما أيهما يطلي على أثره فجعل برير يهازل عبد الرحمن !
فقال له عبد الرحمن : دعنا فوالله ما هذه بساعة باطل ! فقال له برير : والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً ، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاقون ، والله إن بيننا وبين الحور العين إلاّ أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم ولوددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم !
قال : فلما فرغ الحسينعليهالسلام دخلنا فاطّلينا(4) (5) .
__________________
عبد الرحمن القرآن وربّاه ، وكان عبد الرحمن أحد الذين أخذوا البيعة للحسينعليهالسلام في الكوفة ، وجاء مع الحسين فيمن جاء من مكة ، وقُتل عبد الرحمن في الحملة الاُولى.
راجع : إبصار العين : ص 93 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 97.
(1) روي عن يسار بن عبد الحكم قال : أنتُهب عسكر الحسينعليهالسلام فوَجِدَ فيه طيب ، فما تطيّبت به امرأة إلا برصت. العقد الفريد : ج 4 ، ص 384 دار الكتاب العربي ، وج 5 ، ص 133 ، دار الكتب العلمية.
(2) موث : ماث موثاً وموثاناً ، الشيء بالشيء خلطه به ، والشيء في الماء أذابه فيه ، المنجد : ص 779.
(3) الجَفْنَة : القصعة الكبيرة.
(4) قد اُختلف في وقوع هذه الحادثة ليلاً ، وقد رواها أبو مخنف في اليوم التاسع ، قال الفاضل القزويني : ويظهر من ابن نما أيضاً أن ذلك كان في غداة يوم عاشوراء ، وهو بعيد جداً ، وأبعد منه أن ذلك كان في ليلة تاسوعاء ، صرح بذلك في الناسخ ، وقد ذكر جملة من وقائع ليلة عاشوراء في ليلة تاسوعاء ، وهو اشتباه في اشتباه. والأكثر ـ على ما صرحوا به ـ أنه كان في ليلة عاشوراء وهو الأصح نقلاً واعتباراً. الإمام الحسين وأصحابه للقزويني : ج 1 ، ص 259.
وجاء في البداية : فعدل الحسينعليهالسلام إلى خيمة قد نُصبت فاغتسل فيها وانطلى بالنورة وتَطيّب بمسك كثير ، ودخلَ بعدَهُ بعضُ الأمراء ففعلوا كما فعل ، فقال بعضهم لبعض : ما هذا في هذه الساعة ؟! فقال بعضهم : دعنا منك ، والله ما هذه بساعة باطل ! فقال يزيد بن حصين : والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً ، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لا قون ، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء القوم فيقتلوننا(1) .
استبشار الأنصار بالشهادة
ولقد مزح حبيب بن مظاهر الأسدي ، فقال له يزيد بن خضير الهمداني ، وكان يقال له سيد القرآء : يا أخي ليس هذه بساعة ضحك ! قال : فأيُّ موضعٍ أحقُّ من هذا بالسرور ، والله ما هو إلا أن يميل علينا هذه الطُّغام بسيوفهم فنعانق الحور العين(2) .
هكذا كان أصحاب الحسينعليهالسلام مستأنسين بالمنيّة غير مكترثين بما يجري عليهم فقد روي أن نافع بن هلال البجلي ـ رضي الله تعالى عنه ـ قضى شَطرَ ليله في كتابة اسمه على سهام نبله ، إمعاناً في طلب المثوبة والأجر ، وإمعاناً في السخرية
__________________
(5) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 321 ، الكامل في التاريخ لابن الأثير : ج 4 ، ص 6 ، اللهوف : ص 41 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 1.
(1) البداية والنهاية لابن كثير : ج 4 ، ص 178.
(2) إختيار معرفة الرجال للطوسي : ج 1 ، ص 293 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 93.
من الخطر ، وإمعاناً في الترحيب بالموت(1) .
وقد أجاد السيد مدين الموسوي إذ يقول :
ما هزهم عصفٌ ولا رعشت |
أعطافهم في داهم الخطرِ |
|
يتمايلون وليس من طربٍ |
ويسامرون وليس من سمرِ |
|
إلا مع البيض التي رقصت |
بأكفهم كمطالع الزهرِ |
|
يتلون سر الموت في سورٍ |
لم يتلها أحد مع السورِ |
|
ويرتّلون الجرح في ولهٍ |
فكأنه لحنٌ على وترِ |
|
خفّوا لداعي الموت يسبقهم |
عزمٌ تحدى جامد الصخرِ |
|
مُذ بان جنب الله مقعدهم |
ورأوه ملءَ الروح والبصرِ |
الإمام الحسينعليهالسلام يرسل ابنه عليّاًعليهالسلام لسقاية الماء
روي عن الإمام الصادقعليهالسلام في الأمالي : ثم إن الحسينعليهالسلام أمر بحفيرة فحفرت حول عسكره شبه الخندق وأمر فحُشيت حطباً ، وأرسل علياً ابنهعليهالسلام في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً ليستقوا الماء وهم على وجل شديد وأنشأ الحسينعليهالسلام يقول :
يا دهر اُفٍ لك من خليلِ |
كم لك في الإشراق والأصيلِ |
|
من طالب وصاحب قتيلِ |
والدهرُ لا يقنعُ بالبديلِ |
__________________
(1) أبناء الرسول في كربلاء ، خالد محمد خالد : ص 119 ، الدوافع الذاتية لأنصار الحسين ، محمد عابدين : ص 231.
وإنما الأمر إلى الجليلِ |
وكلُ حيّ سالكٌ سبيلي |
ثم قالعليهالسلام لأصحابه : قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم وتوضّأوا واغتسلوا واغسلوا ثيابكم لتكون أكفانكم ، ثم صلّى بهم الفجر(1) .
الأحداث بعد صلاة الفجر
قال بعض المؤرخين : إنهعليهالسلام تيمّم هو وأصحابه للصلاة نظراً لعدم وجود الماء عندهم ، وقد أئتمَّ به أهله وصحبه ، وقبل أن يتموا تعقيبهم دقت طبول الحرب من معسكر ابن زياد ، واتجهت فرقٌ من الجيش وهي مدججةٌ بالسلاح تنادي بالحرب أو النزول على حكم ابن مرجانة(2) .
ولما أصبح الحسينعليهالسلام يوم عاشوراء وصلّى بأصحابه صلاة الصبح ، قام خطيباً فيهم حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله تعالى أذن في قتلكم ، وقتلي في هذا اليوم فعليكم بالصبر والقتال(3) .
التعبئة للحرب وإشعال النار في الخندق
وعبّأعليهالسلام أصحابه بعد صلاة الغداة ، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً ، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه ، وحبيب بن مظاهر في ميسرة
__________________
(1) أمالي الصدوق : ص 133 ـ 134.
(2) حياة الإمام الحسين للقرشي : ج 3 ، ص 179.
(3) كامل الزيارات لابن قولويه : ص 73 ، إثبات الوصية للمسعودي : ص 163 ، بحار الأنوار : ج 45 ص 86.
أصحابه ، وأعطى رايته العباس أخاه ، وجعلوا البيوت في ظهورهم ، وأمر بحطبٍ وقصبٍ كان من وراء البيوت أن يُترك في خندق كان قد حُفر هناك ، وأن يُحرق بالنار مخافةَ أن يأتوهم من ورائهم.
وأصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم ، وهو يوم الجمعة ، وقيل يوم السبت ، فعبّأ أصحابه وخرج فيمن معه من الناس نحو الحسينعليهالسلام وكان على ميمنته عمرو بن الحجاج ، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن ، وعلى الخيل عروة بن قيس ، وعلى الرجالة شبث بن ربعي ، وأعطى الراية دُريداً مولاه.
دعاءُ الإمام الحسينعليهالسلام
روي عن الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهماالسلام أنه قال : لمّا أصبحت الخيل تقبل على الحسينعليهالسلام رفع يديه وقال : أللهم أنت ثقتي في كل كربٍ ، وأنت رجائي في كل شدةٍ ، وأنت لي في كل أمرٍ نزل بي ثقةٌ وعدة ، كم مِنْ همٍّ يضعف فيه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، أنزلته بك وشكوته اليك ، رغبةً منيّ إليك ، عمّن سواك ففرجته عني وكشفته ، فأنت وليُّ كل نعمة ، وصاحب كل حسنةٍ ، ومنتهى كلّ رغبةٍ.
الأعداء يجولون حول بيوت الحسينعليهالسلام
قال : وأقبل القوم يجولون حول بيوت الحسينعليهالسلام فيرون الخندق في
ظهورهم ، والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان اُلقي فيه.
فنادى شمر بن ذي الجوشن بأعلى صوته : يا حسين أتعجّلت النار قبل يوم القيامة.
فقال الحسينعليهالسلام مَنْ هذا كأنه شمر بن ذي الجوشن !! فقالوا له : نعم.
فقال له : يابن راعية المعزى أنت أولى بها صليّا !
ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهمٍ فمنعه الحسينعليهالسلام من ذلك.
فقال له : دعني حتى أرميه فإنه الفاسق من أعداء الله وعُظماء الجبارين وقد أمكن الله منه.
فقال له الحسينعليهالسلام : لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم(1) .
وجاء في الأمالي : عن الإمام الصادقعليهالسلام : وأقبل رجل من عسكر عمر بن سعد على فرس له ، يقال له : ابن أبي جويرية المزني ، فلما نظر إلى النار تتّقد صَفق بيده ونادى : يا حسين وأصحاب الحسين ، أبشروا بالنار فقد تعجّلتموها في الدنيا.
فقال الحسينعليهالسلام : مَن الرجل ؟ فقيل : ابن أبي جويرية المزني.
فقال الحسينعليهالسلام : اللهم أذقه عذاب النار في الدنيا ، فنفرَ به فرسُه فألقاه في تلك النار فاحترق.
ثم برز من عسكر عمر بن سعد رجلٌ آخر ، يقال له : تميم بن الحصين الفزاري ، فنادى : يا حسين ويا أصحاب الحسين ، أما ترون إلى ماء الفرات يلوح كأنه بطون الحيّات ، والله لا ذقتم منه قطرة حتى تذوقوا الموت جزعاً.
__________________
(1) الإرشاد للشيخ المفيد : ص 233 ـ 234 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 4 ـ 5 ، تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 321 ـ 322.
فقال الحسينعليهالسلام : مَن الرجل ؟ فقيل : تميم بن حُصين.
فقال الحسينعليهالسلام : هذا وأبوه من أهل النار ، أللهم اقتل هذا عطشاً في هذا اليوم.
قال : فخنقه العطش حتى سقط عن فرسه ، فوطأته الخيل بسنابكها فمات.
ثم أقبل آخر من عسكر عمر بن سعد ، يقال له محمد بن أشعث بن قيس الكندي ، فقال : يا حسين بن فاطمة ، أيةُ حرمة لك من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليست لغيرك ؟!
قال الحسينعليهالسلام : هذه الآية( إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ *ذُرِّيَّةً ) (1) . ثم قال : والله إنَّ محمداً لَمن آل إبراهيم وإن العترة الهادية لمن آل محمد ، مَن الرَجل ؟ فقيل : محمد بن أشعث بن قيس الكندي.
فرفع الحسينعليهالسلام رأسه إلى السماء فقال : أللهم أرِ محمدَ بن الأشعث ذُلاًّ في هذا اليوم لا تعزّه بعد هذا اليوم أبداً ، فعرض له عارض فخرج من العسكر يتبرز فسلّط الله عليه عقرباً فلذعه فمات باديَ العورة.
فبلغ العطش من الحسينعليهالسلام وأصحابه ، فدخل عليه رجل من شيعته يقال له : يزيد بن الحصين الهمداني فقال : يا بن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أتأذن لي فأخرج إليهم فآمُلُهم ، فأذن له.
فخرج إليهم فقال : يا معشر الناس إن الله ـ عزوجل ـ بعث محمداً بالحقِّ بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، وهذا ماءُ الفرات تقع فيه خنازير
__________________
(1) آل عمران الآية : ص 33 ـ 34.
السواد وكلابها ، وقد حيل بينه وبين ابنه ؟
فقالوا : يا يزيد فقد أكثرت الكلام فاكفف فوالله ليعطش الحسينعليهالسلام كما عطش مَنْ كان قبله.
فقال الحسينعليهالسلام : اقعد يا يزيد ، ثم وثب الحسينعليهالسلام متوكياً على سيفه ....الخ(1) .
إلى هنا قد تم ما تسنّى لي جمعُه وإعدادُه من كتب السيرة والحديث في خصوص أحداث ووقائع هذه الليلة العظيمة على أهل بيت محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وما يرتبط بها ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وسيعلمُ الذين ظلموا ـ آل بيت محمدٍ ـ أيَّ منقلب ينقلبون ، والعاقبةُ للمتّقين.
وذلك في ليلة الخميس السابعة من شهر رجب المرجب عام ألف وأربعمائة وستة عشر للهجرة المباركة على مهاجرها وآله أفضل الصلاة والتسليم.
__________________
(1) أمالي الصدوق : ص 134 ـ 135.
فضل إحياء ليلة عاشوراء بالعبادة
قد ورد في بعض الأحاديث التأكيد الشديد على إحياء هذه الليلة بالعبادة ، والمحافظة عليها وعدم إغفالها مهما أمكن ، وأن لها فضلاً عظيماً ، قال أحد الأعلام ـ عليه الرحمة ـ : في حديثه عن أعمال ليلة عاشوراء ويومها من الصلوات والدعوات ، إنها ـ أي الأعمال ـ ولو كانت واردة أيضاً يمكن أن يُحكم بترجيح الإشتغال بمراسم التعزية ، والصلوات له وللمستشهدين بين يديهعليهمالسلام ، ولعن قاتليهم ـ على الإشتغال بالعبادة ـ وإن تأكيدها أيضاً ثابت بالروايات(1) .
ومن الأحاديث الواردة فيها ما يلي :
1 ـ ما روي في كتاب دستور المذكّرين بإسناده عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : مَن أحيا ليلة عاشوراء فكأنّما عبد الله عبادة جميع الملائكة ، وأجر العامل فيها كأجر سبعين سنة(2) .
2 ـ ما روي عن الحارث بن عبد الله عن علي أمير المؤمنينعليهالسلام قال : إن استطعتَ أن تحافظ على ليلة الفطر ، وليلة النحر ، وأول ليلة من المحرّم ، وليلة عاشوراء ، وأوّل ليلة من رجب ، وليلة النصف من شعبان ، فافعل وأكثر فيهنّ من الدعاء والصلاة وتلاوة القرآن(3) .
__________________
(1) المراقبات ( أعمال السنة ) للملكي التبريزي : ص 15.
(2) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 45 ، وعنه بحار الأنوار : ج 95 ، ص 336.
(3) مصباح المتهجد للطوسي : ص 783 ، وسائل الشيعة : ج 5 ، ص 241 ، ح 10.
قال السيد ابن طاووس ـ عليه الرحمة ـ في ذكره فضل إحياء هذه الليلة : اعلم أنّ هذه الليلة أحياها مولانا الحسين ـ صلوات الله عليه ـ وأصحابه بالصلوات والدعوات ، وقد أحاط بهم زنادقة الإسلام ، ليستبيحوا منهم النفوس المعظّمات ، وينتهكوا منهم الحرمات ، ويسبوا نساءهم المصونات.
فينبغي لمن أدرك هذه الليلة ، أن يكون مواسياً لبقايا أهل آية المباهلة وآية التطهير ، فيما كانوا عليه في ذلك المقام الكبير ، وعلى قدم الغضب مع الله جلّ جلاله ورسوله صلوات الله عليه ، والموافقة لهما فيما جرت الحال عليه ، ويتقرّب إلى الله جلّ جلاله بالإخلاص من موالاة أوليائه ومعاداة أعدائه(1) .
وأما أعمال هذه الليلة وما ورد فيها من الصلوات والأدعية فنذكر هنا ما ذكره ابن طاووس ـ عليه الرحمة ـ من الأعمال الواردة فيها وقد ذكر ـ عليه الرحمة ـ أن اعتماده على مثل هذه الأحاديث هو على ما رواه عن الإمام الصادقعليهالسلام أنه : من بلغه شيءٌ من الخير فعمل كان له ذلك ، وإن لم يكن الأمر كما بلغه(2) . وإليك ما ذكره من الأعمال :
__________________
(1) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 45.
(2) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 47.
أ ـ الصلوات الواردة في ليلة عاشوراء
1 ـ ما روي عن محمد بن أبي بكر المديني الحافظ من كتاب دستور المذكّرين بإسناده المتصل عن وهب بن منبه ، عن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَنْ صلّى ليلة عاشوراء أربع رَكَعَات من آخر اللّيل ، يقرأ في كلّ ركعة بفاتحة الكتاب وآية الكرسي ـ عشر مرّات ، و( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ـ عشر مرّات ، و( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) ـ عشر مرّات ، و( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) ـ عشر مرّات ، فإذا سلّم قرأ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) مائة مرّة ، بَنَى الله تعالىٰ له في الجنّة مائة ألف ألف مدينة من نور ، في كلّ مدينة ألف ألف قصر ، في كل قصر ألف ألف بيت في كلّ بيت ألف ألف سرير ، في كل سرير ألف ألف فراش ، في كل فراش زوجة من الحور العين ، في كلّ بيت ألف ألف مائدة ، في كلّ مائدة ألف ألف قصعة ، في كلِّ قصعة مائة ألف ألف لون ، ومن الخدم علىٰ كلّ مائدة ألف ألف وصيف ، ومائة ألف ألف وصيفة ، علىٰ عاتق كلّ وصيف ووصيفة منديل ، قال وهب بن منبّه : صمّت أذناي إن لم أكن سمعت هذا من ابن عباس.
2 ـ ما روي أيضاً عن كتاب دستور المذكرين بإسناده المتصل عن أبي أُمامة قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من صلىٰ ليلة عاشوراء مائة ركعة بالحمد مرة و( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ثلاث مرّات ، ويسلّم بين كلّ ركعتين فإذا فرغ من جميع صلاته قال : سُبحانَ الله والحمْدُ للهِ ولا إله إِلا اللهُ والله أكبرُ ولا حوْلَ ولا قُوّةَ إلا باللهِ العليِّ العظيم ـ سبعين مرّة.
قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من صلّىٰ هذه الصلاة من الرجال والنساء ملأ الله
قبره إذا مات مسكاً وعنبراً ، ويدخل إلىٰ قبره في كل يوم نور إلىٰ أن يُنفخ في الصور ، وتوضع له مائدة منها نعيم يتناعم به أهل الدنيا منذ يوم خلق إلىٰ أن يُنفخ في الصور ، وليس من الرجال والنساء إذا وضع في قبره إلا يتساقط شعورهم إلاّ مَنْ صلّىٰ هذه الصّلاة ، وليس أحدٌ يخرج من قبره إلا أبيض الشعر إلا من صلّىٰ هذه الصلاة.
والّذي بعثني بالحقِّ إنّه من صلّىٰ هذه الصلاة ، فإنّ الله عزوجل ينظر إليه في قبره بمنزلة العروس في حجلته إلىٰ أن يُنفخ في الصور ، فإذا نُفخ في الصّور يخرج من قبره كهيئته إلىٰ الجنان كما يُزفُّ العروس إلىٰ زوجها ـ إلخ.
3 ـ ما روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : تصلي ليلة عاشوراء أربع ركعات في كلِّ ركعة الحمد مرَّة ، و( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) خمسون مرَّة ، فإذا سلّمت من الرّابعة فأكثر ذكر الله تعالىٰ ، والصلاة على رسوله ، والعن لأعدائهم ما استطعت.
4 ـ ما ذكره صاحب المختصر من المنتخب قال : الدعاء في ليلة عاشوراء أن يصلّي عشر ركعات في كلِّ ركعة فاتحة الكتاب مرّة واحدة ، و( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) مائة مرّة.
وقد روي أن يصلي مائة ركعة يقرأ في كلِّ ركعة الحمد مرّة و( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ثلاث مرّات ، فإذا فرغت منهنّ وسلّمت تقول : سُبْحان اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلا اللهُ واللهُ أكبرُ ، ولا حوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله العلي العظيم ، مائة مرّة ، وقد روي سبعين مرَّة ، وأستغفرُ الله مائة مرّة ، وقد روي سبعين مرَّة ، وصلىٰ الله على محمدٍ وآلِ محمدٍ مائة مرَّة ، وقد روي سبعين مرَّة(1) .
__________________
(1) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 46 ـ 48 ، وعنه بحار الأنوار : ج 95 ، ص 336 ـ 338 ، وذكرها بتفاوت في وسائل الشيعة : ج 5 ، ص 295 ، ح 3 ـ 6.
ب ـ الدعاء في ليلة عاشوراء
اَللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ.
وَأَسْأَلُكَ بِأَسْمائِكَ الْوَضِيئَةِ الرَّضِيَّةِ المَرْضِيَّةِ الْكَبيرَةِ الْكَثِيرَةِ يٰا اَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بأَسْمائِكَ الْعَزيزَةِ المَنِيعَةِ يٰا اَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بأَسْمائِكَ الْكٰامِلَةِ التّامَّةِ يٰا اَللهُ ، وَأَسْأُلُكَ بِأَسْمائِكَ المَشْهُورَةِ المشْهُودَةِ لَدَيْكَ يٰا اَللهُ ، وَأَسْألُكَ بِأَسْمائِكَ الَّتِي لا يَنْبَغِي لِشَيْءٍ أَنْ يَتَسَمّىٰ بهٰا غَيْرُكَ يٰا اَللهُ وَأَسْأَلُكَ بِأَسْمائِكَ الَّتِي لا تُرٰامُ وَلا تَزُولُ يٰا اَللهُ ، وَأَسْألُكَ بِما تَعْلَمُ أَنَّهُ لَكَ رضاً منْ أَسْمائِكَ يٰا اَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بِأَسْمائِكَ الَّتِي سَجَدَ لَهٰا كَُلُّ شَيءٍ دُونَكَ يٰا اَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بِأَسْمٰائِكَ الَّتِي لا يَعْدِلُهٰا عِلْمٌ وَلا قُدْسٌ وَلا شَرَفٌ وَلا وقٰارٌ يٰا اَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ مَسٰائِلِكَ بِمٰا عٰاهَدْتَ أَوْفَى الْعَهْدِ أَنْ تُجِيبَ سٰائِلَكَ بِهٰا يٰا اَللهُ.
وَأَسْأَلُكَ بِالمَسْأَلَةِ الَّتِي أَنْتَ لَهٰا أَهْلٌ يٰا اَللهُ ، وَأسْأَلُكَ بِالمسأَلةِ الَّتِي تَقُولُ لِسٰائِلِهٰا وَذٰاكِرِها : سَلْ ما شِئْتَ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكَ اْلإجٰابَةُ ، يٰا أَللهُ يٰا أَللهُ ، يٰا أَللهُ يٰا أَللهُ ، يٰا أَللهُ يٰا أَللهُ ، يٰا أَللهُ يٰا أَللهُ.
وَأَسألُكَ بِجُمْلَةِ ما خَلَقْتَ مِنَ المَسٰائِلِ الَّتِي لا يَقْوىٰ بِحَمْلِها شَيْءٌ دُونَكَ يٰا أَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ مَسائِلِكَ بِأَعْلاها عُلُوّاً ، وَأَرْفَعِها رِفْعَةً ، وَأَسْناها
ذِكْراً ، وَأَسْطَعِها نُوراً ، وَأَسْرَعِها نَجاحاً ، وَأَقْرَبِها إِجابَةً ، وَأَِتَمِّها تَماماً ، وَأَكْمَلِها كَمالاً وَكُلُّ مَسائِلِكَ عَظِيمَةٌ يا أَللهُ.
وَأَسْأَلُكَ بِما لا يَنْبغِي أَنْ يُسْأَلَ بِهِ غَيْرُكَ منَ الْعَظَمَةِ وَالْقُدْس وَالجَلالِ ، وَالْكِبْرِياءِ وَالشَّرَفِ وَالنُّورِ ، وَالرَّحْمَةِ وَالْقُدْرَةِ ، وَالإشْرافِ وَالمَسْأَلَةِ وَالجُودِ ، وَالْعَظَمَةِ وَالمَدْحِ وَالْعِزِّ ، وَالْفَضْلِ الْعَظِيمِ ، والرواج وَالمَسائِلِ الَّتِي بِها تُعْطِي مَنْ تُرِيدُ وَبِها تُبْدِئُ وَتُعِيدُ يا أَللهُ.
وَأَسْأَلُكَ بِمَسائِلِكَ الْعالِيَةِ الْبَيِّنَةِ المَحْجُوبَةِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ دُونَكَ يا أَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بأَسْمائِكَ المَخْصُوصةِ يا أَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بِأَسْمائِكَ الجَلِيلَةِ الْكَرِيمَةِ الحَسَنَةِ يا جَلِيلُ يا جَمِيلُ يا أَللهُ ، يا عَظِيمُ يا عَزِيزُ ، يا كَرِيمُ يا فَرْدُ يا وِتْرُ ، يا أَحَدُ يا صَمَدُ ، يا اَللهُ يا رَحْمانُ يا رَحِيمُ ، أَسْأَلُكَ بِمُنْتَهى أَسْمائِكَ الَّتِي مَحَلُّها فِي نَفْسِكَ يا أَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بِما سَمَّيْتَهُ بهِ نَفْسَكَ مِمَّا لَمْ يُسَمِّكَ بهِ أحَدٌ غَيْرُكَ يا اَللهُ.
وَأَسْأَلُكَ بما لا يُرى مِنْ أَسْمائِكَ يا أَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ أَسْمائِكَ بِما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُكَ يا أَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بِما نَسَبْتَ إِلَيْهِ نَفْسَكَ مِمَّا تُحِبُّهُ يا أَللهُ ، وأَسْأَلكَ بِجُمْلَةِ مَسائِلِكَ الْكِبْرِياءِ ، وَبِكُلِّ مَسْأَلَةٍ وَجدْتُها حَتّىٰ يَنْتَهِيَ إلى الاسْمِ الأعظم يا أَللهُ.
وَأَسْأَلُكَ بِأَسْمائِكَ الحُسْنىٰ كُلِّها يا أَللهُ ، وَأسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ وَجَدْتُهُ حَتّىٰ يَنْتَهِي إلى الاسْمِ الأعظم الْكَبِيرِ الأكْبَرِ الْعَلِيِّ الأعْلىٰ ، وَهُوَ اسْمُكَ الْكامِلُ الَّذِي فَضَّلْتَهُ عَلى جَميِعِ ما تُسَمّي بِهِ نَفْسَكَ ، يا أَللهُ يا أَللهُ ، يا أَللهُ يا
يا أَللهُ ، يا أَللهُ يا أَللهُ ، يا أَللهُ يا أَللهُ ، يا أَللهُ يا أَللهُ ، يا رَحْمانُ يا رَحِيمُ ، أَدْعُوكَ وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ هٰذهِ الأسْماءِ وَتَفْسِيرِها ، فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ تَفْسِيرَها أَحَدٌ غَيْرُكَ يا أَللهُ.
وَأَسْأَلُكَ بِما لا أَعْلَمُ وَلَوْ عَلِمْتُهُ سَألْتُكَ بِهِ ، وَبِكُلِّ اسْمٍ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلىٰ مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَأَمِينِكَ عَلىٰ وَحْيِكَ ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي جَمِيعَ ذُنُوبِي ، وَتَقْضِيَ لِي جَمِيعَ حَوائِجِي ، وَتُبَلِّغَنِي آمالِي ، وَتُسَهِّلَ لِي مَحابِّي ، وَتُيَسِّرَ لِي مُرادِي ، وَتُوصِلَنِي إلىٰ بُغْيَتِي سَرِيعاً عاجِلاً ، وَترْزُقَنِي رِزْقاً واسِعاً ، وَتُفَرِّجَ عَنِّي هَمِّي وَغَمِّي وَكَرْبِي يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ(1) .
__________________
(1) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 48 ـ 50 ، وعنه بحار الأنوار : ج 95 ، ص 338 ـ 340.
ج ـ المبيت عند الحسينعليهالسلام ليلة عاشوراء
ومن جملة الأعمال في هذه الليلة العظيمة هو المبيت في كربلاء عند قبر الحسينعليهالسلام وله فضل عظيم.
قال ابن قولويةقدسسره : حدثني أبي وأخي وجماعةُ مشايخي عن محمد بن يحيى عن محمد بن علي المدائني ، قال : أخبرني محمد بن سعيد البجلي عن قبيصة عن جابر الجعفي ، قال : دخلت على جعفر بن محمدعليهماالسلام في يوم عاشوراء فقال لي : هؤلاء زوار الله وحقٌّ على المزور أن يكرم الزائر ، من بات عند قبر الحسينعليهالسلام ليلة عاشوراء لقي الله ملطخاً بدمه يوم القيامة كأنما قتل معه في عرصته(1) .
وقال : من زار قبر الحسينعليهالسلام أي يوم عاشوراء وبات عنده كان كمن استشهد بين يديه(2) .
وقال الشيخ المفيدقدسسره : حدثني أبوالقاسم قال : حدثني أبي وأخي وجماعة مشايخيرحمهمالله ، عن محمد بن يحيى عن محمد بن علي المدائني ، قال :
__________________
(1) العَرَصَة بالفتح : كل بقعة بين الدار واسعة ليس فيها بناء ، والجمع العراص والعرصات ، ومنه : عرصات الجنة ، وفي الحديث : رجل اشترى داراً فبقيت عَرَصَة يعني لا بناء فيها مجمع البحرين للطريحي : ج 4 ، ص 174.
(2) كامل الزيارات لابن قولويه : ص 173 ، وعنه بحار الأنوار : ج 98 ، ص 104 ، ح 4 و 7 ، وسائل الشيعه : ج 10 ، ص 372 ، ح 3 و 4 ، مستدرك الوسائل للنوري : ج 10 ، ص 291 ، ح 1.
أخبرني محمد بن سعيد البلخي(1) عن قبيصة عن جابر الجعفي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : من بات عند قبر الحسينعليهالسلام ليلة عاشوراء ، لقي الله يوم القيامة ملطخاً بدمه كأنما قتل معه في عصره(2) .
وقال : من زار قبر الحسينعليهالسلام يوم عاشوراء وبات عنده ، كان كمن استشهد بين يديه(3) .
وقال السيد بن طاووسقدسسره : وقال شيخنا المفيد في كتاب التواريخ الشرعية(4) : وروى أن من زارهعليهالسلام وبات عنده في ليلة عاشوراء حتى يصبح ، حشره الله تعالى ملطّخاً بدم الحسينعليهالسلام في جملة الشهداء معهعليهالسلام (5) .
وقال الشيخ الطوسيقدسسره : وروى جابر الجعفي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : من بات عند قبر الحسينعليهالسلام ليلة عاشوراء لقي الله تعالى يوم القيامة ملطّخاً بدمه كأنما قتل معه في عَرَصَة كربلاء.
وقال : من زار الحسينعليهالسلام يوم عاشوراء وبات عنده كان كمن استشهد بين يديه(6) .
__________________
(1) في الكامل : البجلي كما مر عليك.
(2) في الكامل : عَرَصَته ، وفي مصباح المتهجد وإقبال الأعمال : عرصة كربلاء.
(3) كتاب المزار للمفيد : ص 51 ـ 52.
(4) انظر ، مسار الشيعة للمفيد : ص 44 ، ذكره مرسلاً.
(5) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 50.
(6) مصباح المتهجد للطوسي : ص 713 ، وعنه الإقبال : ج 3 ، ص 50.
ويستفاد استحباب ذلك من الروايات الواردة في فضل المبيت عنده ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ، وقد عقد الحر العامليقدسسره في الوسائل : باب تأكّد استحباب زيارة الحسينعليهالسلام ليلة عاشوراء ويوم عاشوراء ، وأورد عدة روايات منها ما يخص ليلة عاشوراء كرواية جابر الجعفي وما بعدها(1) ـ السابقتين ـ عن أبي عبد اللهعليهالسلام وكذلك المحدث النوريقدسسره أيضا في مستدركه(2) .
وذكر الشيخ التستري ـ عليه الرحمة ـ في الخصائص من جملة الأوقات المخصوصة التي يزار فيها الحسينعليهالسلام ليلة عاشوراء ويومها ، وقال : وخصوصية فضل زيارة عاشوراء الدخول في زمرة الشهداء والتلطّخ بدم الحسينعليهالسلام وإذا زاره ليلة عاشوراء وبات عنده وسقى عنده الماء(3) في ذلك الوقت كان كمن سقى عسكر الحسينعليهالسلام يوم عاشوراء(4) .
وقد ذكر ـ رفع الله مقامه ـ أن فضل زيارات الحسينعليهالسلام المخصوصة
__________________
(1) وسائل الشيعة : ج 10 ، ص 371 ، ب 55 ، ح 3 و 4.
(2) مستدرك الوسائل للنوري : ج 10 ، ص 291 ، ب 41.
(3) جاء في كامل الزيارات : ب 71 ، ص 174 ، عن ابن قولويه ـ عليه الرحمة ـ قال : وروى محمد بن أبي يسار المدائني بإسناده ، قال : من سقى يوم عاشورا عند قبر الحسينعليهالسلام كان كمن سقى عسكر الحسينعليهالسلام وشهد معه. وعنه أيضا بحار الأنوار : ج 98 ، ص 105.
(4) الخصائص الحسينية للتستري : ص 123 و 308.
بالأوقات هي عَرَفة وعاشوراء ، وقال : والذي يترجح أن خصوصية زيارة عاشوراء التي ورد فيها : أن زائره يحشر ملطّخاً بدم الحسينعليهالسلام في زمرة الشهداء ، أعلى من كل خصوصية حتى من مائة ألف حجة ، وألف حجة مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإن في زيارة عاشوراء قد ورد أيضاً مع هذه الخصوصية ، خصوصية أخرى وهي : أنه قد زار الله في عرشه(1) (2) .
هذا ويناسب أن يُزار الحسينعليهالسلام في ليلة عاشوراء بزيارة عاشوراء المعروفة ، كما أن هذه الزيارة الشريفة لا تختص بوقتٍ من الأوقات كما في رواية علقمة عن أبي جعفرعليهالسلام : وإن استطعت أن تزوره في كل يوم بهذه الزيارة من دارك فافعل فلك ثواب جميع ذلك(3) .
فتشمل يوم عاشوراء وغيره ، وسواءً كانت من قريب أو بعيد ، وقد دلّت أيضاً على استحباب ذلك الروايات الاُخرى الواردة في استحباب التسليم على الحسينعليهالسلام والصلاة عليه من قريب وبعيد كل يوم(4) فرأينا من المناسب ذكرها هنا ولما لها من الفضل العظيم.
وكما لا يخفى أن زيارة عاشوراء كما دلت عليها التجارب فريدة في آثارها
__________________
(1) كامل الزيارات : ص 174 ، مستدرك الوسائل للنوري : ج 10 ، ص 292 ، ح 3 و 5.
(2) الخصائص الحسينية للتستري : ص 309.
(3) مصباح المتهجد للطوسي : ص 718 ، بحار الأنوار : ج 98 ، ص 296 ، وسائل الشيعة : ج 10 ، ص 386 ـ 387 ، ب 63 ، ح 3.
(4) كامل الزيارات : ص 286 ، ب 96 ، وسائل الشيعة : ج 10 ، ص 385 ، ب 63 ، مستدرك الوسائل للنوري : ج 10 ، ص 305 ، ب 46.
وفي قضاء الحوائج ونيل المقاصد ودفع الأعادي.
وقد أكد أهل البيتعليهمالسلام على هذه الزيارة وحثوا شيعتهم عليها بما فيها دعاء علقمة والذي يُقرأ بعد الزيارة.
روي عن صفوان أنه قال : قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام : تعاهَدْ هذه الزيارة وادعُ بهذا الدعاء وزُرْ به فإني ضامنٌ على الله لكل من زار بهذه الزيارة ودعا بهذا الدّعاء من قُربٍ أو بُعد ، أنّ زيارته مقبولة وسعيه مشكور وسلامه واصل غير محجوب وحاجته مقضيّة من الله تعالى بالغةً ما بلغت ولا يخيّبُه.
يا صفوان ، وجدت هذه الزيارة مضمونة بهذا الضمان عن أبي ، وأبي عن أبيه عليّ بن الحسينعليهماالسلام مضموناً بهذا الضمان عن الحسينعليهالسلام والحسينعليهالسلام عن أخيه الحسنعليهالسلام مضموناً بهذا الضمان والحسنعليهالسلام عن أبيه أمير المؤمنينعليهالسلام مضموناً بهذا الضمان ، وأمير المؤمنينعليهالسلام عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مضموناً بهذا الضمان ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن جبرئيلعليهالسلام مضموناً بهذا الضمان وجبرئيل عن الله عزّوجلّ مضموناً بهذا الضمان ، وقد آلى الله على نفسه عزّوجلّ أنّ من زار الحسينعليهالسلام بهذه الزيارة من قُرب أو بُعد ودعا بهذا الدعاء قبلتُ منه زيارته وشفّعته في مسألته بالغاً ما بلغت ، وأعطيته سؤله ثم لا ينقلب عنّي خائباً ، وأقلبه مسروراً قريراً عينه بقضاءِ حاجته والفوز بالجنة والعتق من النار وشفّعته في كل من شفع خلا ناصب لنا أهل البيت آلى الله تعالى بذلك على نفسه ، وأشهدنا بما شهدت به ملائكة ملكوته على ذلك ، ثمّ قال جبرئيل : يا رسول الله ـ إن الله ـ أرسلني إليك سُروراً وبشرى لك ، وسروراً وبشرى لعليّ وفاطمة والحسن والحسين والائمة من ولدك وشيعتكم إلى يوم البعث.
ثم قال صفوان : قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام : يا صفوان إذا حدث لك إلى الله حاجة فزُرْ بهذه الزيارة من حيث كنت وادْعُ بهذا الدعاء وسَلْ ربّك حاجتك تأتِكَ من الله ، والله غير مخلفٍ وعده ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمنّه والحمدُ لله(1) .
وقال شيخنا ثقة الإسلام النوريرحمهالله : أما زيارة عاشوراء فكفاها فضلاً وشرفاً أنها لا تسانخ سائر الزيارات التي هي من إنشاء المعصوم وإملائه في ظاهر الأمر ، وإن كان لا يبرز من قلوبهم الطاهرة إلاّ ما تبلغها من المبدأ الأعلى ، بل تسانخ الأحاديث القدسية التي أوحى الله ـ جلّت عظمته ـ بها إلى جبرئيل بنصها بما فيها من اللعن والسّلام والدعاء فأبلغها جبرئيل إلى خاتم النبيينصلىاللهعليهوآلهوسلم (2) .
وإليك زيارة عاشوراء برواية الشيخ الطوسي ـ عليه الرحمة ـ كما في المصباح :
__________________
(1) مصباح المتهجد للشيخ الطوسي : ص 723 ـ 724 ، بحار الأنوار : ج 98 ، ص 299 ـ 300.
(2) مفاتيح الجنان : ص 463.
زيارة عاشوراء
السَّلأمُ عَلَيْكَ يَا أبَا عبد الله ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ أمِيرِ المُؤْمِنينَ ، وَابْنَ سَيِّدِ الوَصِيِّينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ فاطِمَةَ الزّهراءِ سَيِّدَةِ نِساءِ العالَمِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ثَارَ اللهِ وابْنَ ثارِهِ وَالْوِتْرَ المَوْتُورَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَى الأرْواحِ الّتي حَلّتْ بِفِنائِكَ ، وَأنَاخَتْ بِرحْلِك عَلَيْكُمْ مِنّي جميعاً سَلامُ اللهِ أبَداً ما بَقِيتُ وَبَقِيَ الليْلُ وَالنَّهارُ.
يَا أبَا عبد الله ، لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ ، وجَلّتْ وعَظُمَت المُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلَى جَمِيعِ أهْلِ الإسلام ، وَجَلَّتْ وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ فِي السَّمَوَاتِ عَلَى جَمِيعِ أهْلِ السَّمَوَاتِ ، فَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً أسَّسَتْ أساسَ الظُّلْمِ وَالجَوْرِ عَلَيْكُمْ أهل البيت ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيها ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً قَتَلَتْكُمْ ، وَلَعَنَ اللهُ المُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ ، بَرِئْتُ إلى اللهِ وَإلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ أشْياعِهِمْ وَأتْباعِهِمْ وَأوْلِيائِهِمْ.
يَا أبَا عبد الله ، إنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ وَوليٌ لِمَنْ والاكُم وعدوٌّ لِمَنْ عَاداكُمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ، وَلَعَنَ اللهُ آل زِيَادٍ وَآلَ مَرْوانَ ، وَلَعَنَ اللهُ بَنِي اُمَيَّةَ قاطِبَةً ، وَلَعَنَ اللهُ ابْنَ مَرْجانَةَ ، وَلَعَنَ اللهُ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ ، وَلَعَنَ اللهُ شِمْراً ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً أسْرَجَتْ وَألجَمَتْ وَتَهيّأتْ وَتَنَقَّبَتْ لِقِتالِكَ ، بِأبِي أنْتَ وَاُمِّي لَقَدْ عَظُمَ مُصابِي بِكَ ، فَأسْالُ اللهَ الّذِي أكْرَمَ مَقامَكَ ، وَأكْرَمَنِي بِكَ ، أنْ يَرْزُقَني طَلَبَ ثارِكَ مَعَ إمامٍ مَنْصُورٍ مِنْ أهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلّى الله
عَلَيْهِ وَآلِهِ.
اللّهمّ اجْعَلْني عِنْدَكَ وَجِيهاً بِالحُسَيْنِ عَلَيهِ السَّلام فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ مِنَ المقَرّبينْ.
يَا أبَا عبد الله ، إنِّي أتَقَرَّبُ إلى اللهِ تعالى ، وَإلَى رَسُولِهِ ، وَإلى أمِيرِ المُؤْمِنينَ ، وَإلَى فاطِمَةَ ، وإلى الحَسَنِ وَإلَيْكَ بِمُوالاتِكَ ، ومُوالاةِ أَوليائِك وَبِالْبَرَاءَةِ مِمَّنْ قَاتَلَكَ وَنَصبَ لَكَ الحَربَ ، وبالْبَرَاءةِ مِمَّنْ أسَّسَ أساسَ الظُّلْمِ وَالجَوْرِ عَلَيْكُمْ ، وَعلى أشياعِكُم وَأبْرَأُ إلى اللهِ وَإلى رَسُولِهِ وَبِالبراءِةِ مِمَّنْ أسَّسَ أساسَ ذلِكَ ، وَبَنى عَلَيْهِ بُنْيانَهُ ، وَجَرَى في ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ عَلَيْكُمْ وَعَلَى أشْياعِكُمْ ، بَرِئْتُ إلى اللهِ وَإلَيْكُمْ مِنْهُمْ ، وَأتَقَرَّبُّ إلى اللهِ وَإلى رَسولِهِ ثُمَّ إلَيْكُمْ بِمُوالاتِكُم وَمُوالاةِ وَلِيِّكُمْ ، وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْ أعْدائِكُمْ ،وَالنَّاصِبِينَ لَكُم الحَرْبَ ، وَبِالبَرَاءَةِ مِنْ أشْياعِهِمْ وَأتْباعِهِمْ ، يا أبا عبد الله إنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ ، وَوَلِيٌّ لِمَنْ والاكُمْ ، وَعَدُوٌّ لِمَنْ عاداكُمْ ، فَأسْألُ اللهَ الّذِي أكْرَمَني بِمَعْرِفَتِكُمْ ، وَمَعْرِفَةِ أوْلِيائِكُمْ ، وَرَزَقَني البَراءَةَ مِنْ أعْدائِكُمْ ، أنْ يَجْعَلَني مَعَكُمْ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ ، وَأنْ يُثَبِّتَ لي عِنْدَكُمْ قَدَمَ صِدْقٍ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ ، وَأسْألُهُ أنْ يُبَلِّغَنِي المقامَ المَحْمُودَ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ ، وَأنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثَارِي مَعَ إمَامٍ مَهْدِيٍّ ظَاهِرٍ نَاطِقٍ بالحقِّ مِنْكُمْ ، وَأسْألُ اللهَ بِحَقِّكُمْ وَبِالشَّأنِ الَّذِي لَكُمْ عِنْدَهُ أنْ يُعْطِيَنِي بِمُصابِي بِكُمْ أفْضَلَ ما يُعْطِي مصاباً بِمُصِيبَتِهِ ، يا لَها منْ مُصِيبَةٍ مَا أعْظَمَها وَأعْظَمَ رَزِيّتهَا فِي الإسلام وَفِي جَمِيعِ أهلِ السَّموَاتِ وَالأرْضِ.
اللّهُمَّ اجْعَلْني في مَقامِي هذا مِمَّن تَنالُهُ مِنْكَ صَلَواتٌ وَرَحْمَةٌ
وَمَغْفِرَةٌ.
اللهُمَّ اجْعَلْ مَحْيايَ مَحْيا مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَمَماتي مَماتَ مُحَمَّدٍ وَآل ِمُحَمَّدٍ.
اللهُمَّ إنَّ هَذا يَوْمٌ تَبَرَّكَتْ بِهِ بَنُو اُمَيَّةَ وَابْنُ آكِلَةِ الأكْبادٍ ، اللعِينُ بْنُ اللعِينِ عَلَى لِسانِكَ وَلِسانِ نَبِيِّكَ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ في كُلِّ مَوْطِنٍ وَمَوْقِف وَقَفَ فِيهِ نَبيُّكَ ـ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ ـ.
اللّهُمَّ الْعَنْ أبَا سُفْيانَ وَمُعَاوِيَةَ وَيَزيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وآلَ مَرْوَانَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ اللعْنَةُ أبَدَ الآبِدِينَ ، وَهذا يَوْمٌ فَرِحَتْ بِهِ آلُ زِيَادٍ وَآلُ مَرْوانَ عَليهِمُ اللَّعْنةُ بِقَتْلِهِمُ الحُسَيْنَ عَلَيْهِ السًَلام.
اللهُمَّ فَضاعِفْ عَلَيْهِمُ اللعْنَ وَالعَذابَ الألِيم.
اللهُمَّ إنِّي أتَقَرَّبُّ إلَيْكَ في هذَا اليَوْمِ ، وَفِي مَوْقِفِي هَذا ، وَأيَّامِ حَيَاتِي بِالبَرَاءَةِ مِنْهُمْ ، وَاللعْنَةِ عَلَيْهِمْ ، وَبِالْمُوالاةِ لِنَبِيِّكَ وَآلِ نَبِيِّكَ عَلَيِه و عليهم السلام.
ثمّ يقول :
اللهُمَّ الْعَنْ أوّلَ ظالِمٍ ظَلَمَ حَقَّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَآخِرَ تَابِع لَهُ عَلَى ذلِكَ ، اللهُمَّ الْعَنِ العِصابَةَ الَّتِي جاهَدَتِ الحُسَيْنَ عَلَيْهِ السًَلام وَشايَعَتْ وَبايَعَتْ وَتابَعَتْ عَلَى قَتْلِهِ. اللهُمَّ الْعَنْهم جميعاً ( يقول ذلك مائة مرّة ).
ثمّ يقول :
السَّلأمُ عَلَيْكَ يَا أبا عَبْدِ اللهِ وَعلَى الأرْواحِ الّتي حَلّتْ بِفِنائِكَ ، وَأنَاخَت برَحْلِك عَلَيْكَ مِنِّي سَلامُ اللهِ أبَداً مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ الليْلُ وَالنَّهارُ ، وَلا جَعَلَهُ اللهُ
آخِرَ العَهْدِ مِنِّي لِزِيَارَتِكُمْ ، أهْلَ البَيتِ السَّلامُ عَلَى الحُسَيْن ، وَعَلَى عَليِّ بْنِ الحُسَيْنِ ، وَعَلَى أوْلادِ الحُسَيْنِ ، وَعَلَى أصْحابِ الحُسَينِ الذينَ بَذَلُوا مُهَجَهُم دُونَ الحُسين ( يقول ذلك مائة مرّة ).
ثمّ يقول :
اللهمَّ خُصَّ أنْتَ أوّلَ ظالمٍ بِاللّعْنِ مِنِّي ، وَابْدَأْ بِهِ أوّلاً ، ثُمَّ الثَّانِي ، وَالثَّالِثَ وَالرَّابِع.
اللهُمَّ الْعَنْ يزِيَدَ خامِساً ، وَالْعَنْ عبيد الله بْنَ زِيَادٍ وَابْنَ مَرْجانَةَ وَعُمَرَ بْنَ سَعْدٍ وَشِمْراً وَآلَ أبي سُفْيانَ وَآلَ زِيَادٍ وآلَ مَرْوانَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
ثم تسجد وتقول :
اللّهمَّ لَكَ الحَمْدُ حَمْدَ الشَّاكِرينَ لَكَ عَلَى مُصابِهِمْ ، الحَمْدُ للهِ عَلَى عَظِيمِ رَزِيّتي.
اللّهُمَّ ارْزُقْني شَفاعَةَ الحُسَيْن عَلَيْهِ السًَلام يَوْمَ الوُرُودِ ، وَثَبِّتْ لي قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَكَ مَعَ الحُسَيْنِ وَأصْحابِ الحُسَيْن الّذِينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الحُسَيْن عَلَيْهِ السًَلام.
قال علقمة : قال أبو جعفرعليهالسلام وإن استطعت أن تزوره في كل يوم بهذه الزيارة من دارك فافعل فلك ثواب جميع ذلك.
دعاء علقمة
روى محمد بن خالد الطيالسي ، عن سيف بن عُميرة ، قال : خرجت مع صفوان بن مهران الجمَّال وعندنا جماعة من أصحابنا إلى الغريّ بعد ما خرج أبو عبد اللهعليهالسلام فسرنا من الحيرة إلى المدينة ، فلمَّا فرغنا من الزيارة صرف صفوان وجهه إلى ناحية أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ، فقال لنا : تزورون الحسينعليهالسلام من هذا المكان من عند رأس أمير المؤمنينعليهالسلام من هَهنا أومأ إليه أبو عبد الله الصادقعليهالسلام وأنا معه.
قال : فدعا صفوان بالزيارة التي رواها علقمة بن محمد الحضرمي ، عن أبي جعفرعليهالسلام في يوم عاشوراء ثم صلَّى ركعتين عند رأس أمير المؤمنينعليهالسلام وودَّع في دبرهما أمير المؤمنين وأومأ إلى الحسين بالسلام منصرفاً بوجهه نحوه ، وودَّع وكان فيما دعا في دبرهما :
يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ ، يَا مُجيبَ دَعوَةِ المُضْطَّرينَ ، يَا كَاشِفَ كُرَبِ المَكْرُوبِينَ ، يَا غِيَاثَ المُسْتَغِيثِينَ ، يَا صَرِيخَ المُسْتَصْرِخِينَ ، يَا مَنْ هُوَ أقْرَبُ إلَيَّ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، يَا مَنْ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ ، وَيَا مَنْ هُوَ بِالمَنْظَرِ الأعْلَى ، وَبِالاُفُق المُبِينِ ، وَيَا مَنْ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، وَيَا مَنْ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ، ويَا مَنْ لا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ ، يَا مَنْ لا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الأصوات ، وَيَا مَنْ لا تُغَلِّطُهُ الحَاجَاتُ ، وَيَا مَنْ لا يُبْرِمُهُ
إلحاحُ المُلِحِّينَ ، ويَا مُدْرِكَ كُلِّ فَوْتٍ ، وَيَا جَامِعَ كُلِّ شَمْلٍ ، وَيَا بَارِئَ النُّفُوسِ بَعْدَ المَوْتِ ، يَا مَنْ هُوَ كُلَّ يَوْمٍ في شَأْنٍ ، يَا قَاضِيَ الحَاجَاتِ ، يَا مُنَفِّسَ الْكُرُبَاتِ ، يَا مُعْطِيَ الْسُّؤلاتِ ، يَا وَلِيَّ الرَّغَبَاتِ ، يَا كَافِيَ المُهِمَّاتِ ، يَا مَنْ يَكْفِي مِنْ كُلِّ شَيءٍ وَلا يَكْفِي مِنْهُ شَيٌ فِي السَّمٰواتِ وَالأرْضِ ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَبيين وَعَلِيٍّ أمير المُؤمنين ، وَبِحَقّ فَاطِمَةَ بنتِ نَبيِّكَ ، وَبِحَقِّ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ.
فَإنِّي بِهِمْ أتَوَجَّهُ إلَيْكَ فِي مَقَامِي هَذَا ، وَبِهِمْ أتَوَسَّلُ ، وَبِهِمْ أتَشَفَّعُ إلَيْكَ ، وَبِحَقِّهِمْ أَسْأَلُكَ وَاُقْسِمُ وَأعْزِمُ عَلَيْكَ ، وَبِالشَّأْنِ الَّذِي لَهُمْ عِنْدَكَ وَبِالْقَدْرِ الّذِي لَهُمْ عِنْدَكَ ، وَبِالَّذِي فَضَّلْتَهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ، وَبِاسْمِكَ الّذَي جَعَلْتَهُ عِنْدَهُمْ ، وَبِهِ خَصَصْتَهُمْ دُونَ الْعَالَمِينَ ، وَبِهِ أبَنْتَهُمْ وَأَبَنْتَ فَضْلَهُمْ من فَضْلِ الْعَالَمِينَ حَتَّى فَاقَ فَضْلُهُمْ فَضْلَ الْعَالَمِينَ جميعاً أسألُكَ أنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ وَأنْ تَكْشفَ عَنِّي غَمِّي وَهَمِّي وكَرْبِي ، وَتَكْفِيَنِيَ المُهِمَّ مِنْ اُمُورِي ، وَتَقْضِيَ عَنِّي دَيْنِي ، وَتُجِيرَنِي مِنَ الْفَقْرِ ، وَتجْيرَني مِنْ الفَاقَةِ ، وَتُغْنِيَنِي عَنِ المَسْأَلَةِ إلى المَخْلُوقِينَ ، وَتَكْفِيَنِي هَمَّ مَنْ أخَافُ هَمَّهُ ، وَجَورَ مَنْ أَخافُ جَوْرَه ، وَعُسْرَ مَنْ أخَافُ عُسْرَهُ ، وَحُزُونَةَ مَنْ أخَافُ حُزُونَتَهُ ، وَشَرَّ مَن أخَافُ شَرَّهُ ، وَمَكْرَ مَنْ أخَافُ مَكْرَهُ ، وَبَغْيَ مَنْ أخَافُ بَغْيَهُ ، وَسُلْطَانَ مَنْ أخَافُ سُلْطَانَهُ ، وَكَيْدَ مَنْ أخَافُ كَيْدَهُ ، وَمَقْدُرَةَ مَنْ أخَافُ مَقْدُرَته عَلَيَّ ، وَتَرُدَّ عَنِّي كَيْدَ الْكَيَدَةِ ، وَمَكْرَ المَكَرَةِ.
اللّهُمَّ مَنْ أرادَني فَأرِدْهُ ، وَمَنْ كَادَنِي فَكِدْهُ ، وَاصْرِفُ عَنِّي كَيْدَهُ وَمَكْرَهُ وَبَأْسَهُ وَأمَانِيَّهُ ، وَامْنَعْهُ عَنِّي كَيْفَ شِئْتَ ، وَأنّى شِئْتَ.
اللّهُمَّ اشْغَلْهُ عَنِّي بِفَقْرٍ لا تَجْبُرُهُ ، وَبِبَلاءٍ لا تَسْتُرُهُ ، وَبِفَاقَةٍ لا تَسُدَّهَا ، وَبِسُقْمٍ لا تُعَافِيهِ ، وَذُلٍّ لا تُعِزُّهُ ، وَبِمَسْكَنَةٍ لا تَجْبُرُها.
اللّهُمَّ اضْرِبْ بِالذُلِّ نَصْبَ عَيْنيهِ ، وَاَدْخِلْ عَلَيْهِ الْفَقْرَ فِي مَنْزِلِهِ ، وَالْعِلَّةَ وَالسَّقْمَ فِي بَدَنِهِ ، حَتَّى تَشْغَلَهُ عَنِّي بِشُغْلِ شَاغِلٍ لا فَرَاغَ لَهُ ، وَأنْسِهِ ذِكْرِي كَما أنْسَيْتَهُ ذِكْرَكَ ، وَخُذْ عَنِّي بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَلِسانِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ وَقَلْبِهِ وَجَمِيعِ جَوَارِحِهِ ، وَأدْخِلْ عَلَيْهِ في جَميعِ ذَلِكَ السُّقْمَ ، وَلا تَشْفِهِ حَتَّى تَجْعَلَ ذَلِكَ لَهُ شُغْلاً شَاغِلاً بِهِ عَنِّي وَعَنْ ذِكْرِي.
وَاكْفِنِي يَا كافِي مَا لا يَكْفِي سِوَاكَ فَإنَّكَ الْكَافِي لا كافِيَ سِوَاكَ ، وَمُفَرِّجٌ لا مُفَرِّجَ سِوَاكَ ، وَمُغِيثٌ لا مُغِيثَ سِوَاكَ ، وَجَارٌ لا جارَ سِوَاكَ ، خَابَ مَنْ كَانَ جَارُهُ سِوَاكَ ، وَمُغِيثُهُ سِوَاكَ ، وَمَفْزَعُهُ إلى سِوَاكَ ، وَمَهْرَبُهُ إلى سِوَاكَ ، وَمَلْجَأُهُ إلى غَيْرِكَ ، وَمَنْجَاهُ مِنْ مَخْلُوقٍ غَيْرِكَ ، فَأنْتَ ثِقَتِي وَرَجَائِي وَمَفْزَعِي وَمَهْرَبِي وَمَلْجَايَ وَمَنْجَايَ ، فَبِكَ أسْتَفْتِحُ ، وَبِكَ أسْتَنْجِحُ ، وَبِمُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ أَتَوَجَّهُ إليْكَ وَأتَوسَّلُ وَأتَشَفَّعُ ، فَأَسْأَلُكَ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ ، فَلَكَ الحَمْدُ ، وَلَكَ الشُّكْرُ ، وَإلَيْكَ المُشْتَكَى وَأنْتَ المُسْتَعَانُ ، فَأسْألُكَ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ ، بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ أنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وآل مُحَمَّدٍ وَأَنْ تَكْشِفَ عَنِّي غَمِّي وَهَمِّي وَكَرْبِي فِي مَقَامِي هَذَا كَمَا كَشَفْتَ عَنْ نَبِيِّكَ هَمَّهُ وَغَمَّهُ وَكَرْبَهُ ، وَكَفَيْتَهُ هَوْلَ عَدُوِّهِ ، فَاكْشِفْ عَنِّي كَمَا كَشَفْتَ عَنْهُ ، وَفَرِّجْ عَنِّي كَمَا فَرَّجْتَ عَنْهُ ، وَاكْفِنِي كَمَا كَفَيْتَهُ واصْرِفْ عَنّي هَوْلَ مَا أخَافُ هَوْلَهُ وَمَؤُونَةَ مَا أخَافُ مَؤُونَتَهُ ، وَهَمَّ مَا أخَافُ هَمَّهُ بِلا مَؤُونَةٍ عَلَى نَفْسِي مِنْ ذلِكَ ، وَاصْرِفْنِي بِقَضَاءِ حَوَائِجِي ، وَكِفَايَةِ ما أهَمَّنِي هَمُّهُ مِنْ أمْرِ آخِرَتِي وَدُنْيَايَ.
يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ وَيَا أبَا عبد الله ، عَلَيْكُما مِنِّي سَلامُ اللهِ أبَداً ما بَقِيَ الليْلُ وَالنَّهارُ ، وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ زِيَارَتِكُمَا وَلا فَرَّقَ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُما.
اللهُمَّ أحْيِنِي حيَاةَ مُحَمَّدٍ صَلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، وَأمِتْنِي مَمَاتَهُمْ ، وَتَوَفَّنِي عَلَى مِلَّتِهِمْ ، وَاحْشُرْني في زُمْرَتِهِمْ ، وَلا تُفَرِّقْ بَيْني وَبَيْنَهُمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ أبَداً في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.
يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ وَيَا أبَا عبد الله ، أَتَيْتُكُمَا زائِراً وَمُتَوَسِّلاً إلى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمَا ، وَمُتَوَجِّهاً إلَيْهِ بِكُما ، وَمُسْتَشْفِعاً بِكُمَا إلى اللهِ تَعَالَى في حَاجَتِي هذِهِ فَاشْفَعَا لِي فَإنَّ لَكُما عِنْدَ اللهِ المَقَامَ المَحْمُودَ ، وَالجَاهَ الوَجِيهَ ، وَالمَنْزِلَ الرَّفِيعَ وَالوَسِيلَةَ ، إنِّي أنْقَلِبُ عَنْكُما مُنْتَظِراً لِتَنَجُّزِ الحَاجَةِ وَقَضائِهَا وَنَجاحِهَا مِنَ اللهِ بِشَفاعَتِكُما لِي إلى اللهِ في ذلِكَ فَلا أخِيبُ ، وَلا يَكُونُ مُنْقَلَبِي مُنْقَلَباً خَائِباً خَاسِراً بَلْ يَكُونُ مُنْقَلَبِي مُنْقَلَباً رَاجِحاً مُفْلِحاً مُنْجِحاً مُسْتَجَاباً بِقَضاءِ جَمِيعِ الحَوَائِجِ وَتَشْفَعا لِي إلى اللهِ ، انْقَلَبتُ عَلَى مَا شَاءَ اللهُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاّ بِاللهِ ، ومُفَوِّضاً أمْري إلى اللهِ ، مُلْجِئاً ظَهْري إلى اللهِ ، مُتَوَكِّلاً عَلَى اللهِ ، وَأقُولُ حَسْبِيَ اللهُ وَكَفَى ، سَمِعَ اللهُ لِمَنْ دَعَا ، لَيْسَ لي وَراءَ الله وَوَراءَكُمْ يا سادَتِي مُنْتَهى ، ما شاءَ رَبِّي كانَ ، وَمَا لَمْ يَشأْ لَمْ يَكُنْ ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاّ بِاللهِ أسْتَوْدِعُكُم اللهَ ، وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنِّي إلَيْكُمَا ، انْصرَفْتُ يَا سَيِّدِي يَا أميرَ المُؤْمِنِينَ وَمَوْلايَ وَأنْتَ يَا أبَا عبد الله ، يَا سَيّدِي وَسَلامِي عَلَيْكُما مُتَّصِلٌ مَا اتَّصَلَ الليْلُ وَالنَّهَارُ وَاصِلٌ ذلِكَ إلَيْكُمَا غَيْرُ مَحْجُوبٍ عَنْكُمَا ، سَلامِي إنْ شَاءَ ، اللهُ وَأسْأَلُهُ بِحَقِّكُما أنْ يَشاءَ ذلِكَ وَيَفْعَلَ فَإنَّهُ حَمِيدٌ مَجيدٌ ،
انْقَلَبْتُ يَا سَيِّدَيَّ عَنْكُما تَائِباً حَامِداً للهِ ، شاكِراً رَاجِياً لِلإجابَةِ ، غَيْرَ آيِسٍ وَلا قانِطٍ ، آئِباً عَائِداً راجِعَاً إلى زِيَارَتِكُمَا غَيْرَ رَاغِبٍ عَنْكُما وَلا عَنْ زِيارَتِكُما ، بَلْ رَاجِعٌ عَائِدٌ إنْ شاءَ اللهُ ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بِاللهِ العَليِّ العَظِيمِ ، يَا سَادَتي رَغِبْتُ إلَيْكُمَا وَإلَى زِيارَتِكُمَا بَعْدَ أنْ زَهِدَ فِيكُمَا وَفي زِيَارَتِكُمَا أهْلُ الدُّنْيا فَلا خَيَّبَنِي اللهُ مَا رَجَوْتُ ، وَمَا أمّلْتُ فِي زِيَارَتِكُمَا ، إنّه قَرِيبٌ مُجِيبٌ (1) .
__________________
(1) المصباح للشيخ الطوسي : ص 715 ـ 723 ، وعنه بحار الأنوار : ج 98 ، ص 293 ـ 299.
تمهيد
إن لهذه الليلة العظيمة أبعاداً مختلفةً ، وجوانبَ متعددةً ، وعِبَراً نافعةً ، في ميادين العقيدة والشريعة الإسلامية يجدُرُ الوقوفُ عليها ، واستكناه ما في سويعاتها العصيبة التي نزلت بساحة أهل بيت الوحي والتنزيلعليهمالسلام ، وما أعقبها من أحداث مُنيَ بها الإسلام والمسلمون بأفدح ما عرفهُ تاريخ البشرية أجمع ، وكيف لا وقد اتفقت الكلمةُ علىٰ إبادة أهل بيت الوحي ومعدن الرسالة ومهبط التنزيل.
إن ليلة عاشوراءَ الأليمة من سنة ( 61 ه ) وإن كانت في حساب الليالي ليلةً واحدةً ذات سُويعات محدودة ، إلا أنها في حساب التاريخ شكلت مُنعطفاً حاداً في تاريخ الإسلام ، لم تشهده ليلةٌ من لياليه مُنذ فجره وإلىٰ يومنا هذا ، سوىٰ ليالٍ معدودة شاءَ اللهُ أن يجعلها شموساً في تاريخ الإسلام ، والتي منها ليلةُ مبيتِ أمير المؤمنين عليعليهالسلام علىٰ فراش النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وليلةٌ سَمعت فيها فاطمة الزهراءعليهاالسلام صوتَ بلال يُردّد : أشهد أن محمداً رسول الله ، وأبوها العظيمصلىاللهعليهوآلهوسلم ملبٍّ نداء الله( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ) (1) .
وليلةٌ سمعت فيها عقيلةُ الهاشميينعليهاالسلام إخاها الحسينعليهالسلام ينشد ويردد : يا دهر اُفٍ لك من خليل ...
__________________
(1) سورة الفجر : الآية 27 و 28.
إنها ليلةُ عاشوراء التي أعاد صبحُهَا أحداثَ بدرٍ الكُبرىٰ ، مجسمةً حيّةً على رمال كربلاءَ ، حيثُ تصارعَ الكفرُ والإيمانُ ، وانهزم فيها السيف الجبان ، وانتصر الحقُّ بحدِّ اللسان وَكانت كلمةُ الله هي العليا ، وكلمة الكُفر هي السُفلىٰ.
صحيح أن أحداثَ ليلة عاشوراءَ قد غشيها الظلامُ ، إلا أن الحسينعليهالسلام جعل من ذلك الليلِ المظُلم شُموساً وأقماراً تُضيءُ التِلال والآكام ، وتدلُ على الحق وتُعرّف أهله ، وتشخّصُ الباطلَ وتلعنُ اهله في كل عصر وجيل.
وإذا ما نظرنا بعين الاعتبار في هذه الليلة العظيمة أدركنا أهمية هذه الليلة وضرورةَ الإطلاع عليها وعلىٰ أبعادها العقائدية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها ، ودراستها وفَهم ما أرادَه سيدُ الشهداءعليهالسلام منها.
ولا ندعي استيعابَ جميع ما فيها من أبعاد ، فهي أوسع من أن تُحصر أو تُعدّ لأنها الحد الفاصلُ بين محض الإيمان ولبابه ، وبين مَكر الشيطان وأوليائه ، إلا أن ما لم يُدرك كُلّه لا يُترك جلّه ، وفي إدراك اليسير النافع من أبعاد هذه الليلة ومحاولة الاستفادة منها وتجسيدها علىٰ أرض الواقع هو ما نرجوه ومن الله التوفيق والعون.
إن ليلة عاشوراءَ وما ترتب عليها من آثار ومواقف جاءت نتيجة لموقف الحسينعليهالسلام الشرعي ، وانطلاقاً من مبدئه السامي القائم علىٰ طلب الإصلاح في أُمة جدهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما أوضح هذا قبل خروجه قائلاً :
وأني لم أخرُج أَشِراً ولا بَطِراً ولا مُفسِداً ولا ظالِماً ، وإِنما خَرجتُ لطِلبِ الإصلاح في اُمّة جَدّيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، اُريدُ أَن آمرَ بالمعروف وأَنهىٰ عن المُنكر ، وأَسيرَ بسيرةِ جَدّي وَأبي علي بن أبي طالب ، فمن قَبلني بقَبول الحق فاللهُ أولى بالحق َ ومَنْ رَدَّ عليَّ هذا أصبرُ حتىٰ يقضي اللهُ بيني وبين القوم وهو خيرُ الحاكمين(1) .
وقد أكد علىٰ ذلك أيضاً في خطبته التي خطبها في ذي حُسْم(2) قائلاً :
إنَّهُ قد نَزل بنا مِن الأمر ما قد تَرون ، وإِنَّ الدُّنيا قَدْ تَغيَّرت وتَنكّرَت وأَدبر معرُوفُها ، واستمرَّت جِدّاً ، فلم يَبقَ مِنْها إلا صُبابَةٌ كصُبابةِ الإناءِ ، وخَسيسُ عَيشٍ كالمرعى الوبيلِ ، أَلا تَرَونَ أن الحَقَّ لا يُعملُ بهِ ، وأن الباطل لا يُتناهىٰ عنهُ ، ليرغَبِ المؤْمنُ في لقاءِ اللهِ مُحقّاً ، فإنّي لا أَرى المَوتَ إلا سعادةً ، ولا الحياةَ مع الظالِمين إلا بَرماً(3) .
__________________
(1) بحار الأنوار : ج 44 ، ص 329 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 188ـ 189 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 139.
(2) قيل : إنه موضع بالكوفة أو جبل في طريق البر ، وفيه استقبل الحر الرياحي في ألف فارس.
(3) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 305 ، تاريخ دمشق لابن عساكر ( ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ) : ص 214 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 381.
فقد أوضحعليهالسلام في خُطبته أن الدنيا تغيرت عمّا هو المرجو من جريانها ، وأنكرت وأدبر معروفها ، بحيث صار المُنكر مَعروفاً والمعروف مُنكراً ، ولا بدَ من إصلاح ما فسد وتقويم ما اعوج ، وإن أدىٰ ذلك إلى الشهادة ، وهو ما عَبّر عنه بقولهعليهالسلام : ليرغب المؤمنُ في لقاءِ الله مُحقاً.
ومما أشار إليهعليهالسلام في خطبته هو أنه يرى الحياةَ مع الظالمين برماً ، ولِذا وَقف موقفاً صارماً وحازماً من بيعة يزيد بن معاوية.
وحيث أن الإمام الحسينعليهالسلام إمامٌ معصومٌ مفترضُ الطاعة فيجب على الأمة الانقياد إليه والائتمار بأمره ، فما رآهعليهالسلام ودعا إليه فهو الحق وما رفضه ونهىٰ عنه فهو الباطل ، فلما رأىٰعليهالسلام بأن وظيفته وتكليفه يحتمان عليه السير في إصلاح ما فسد في الأمة ، ليحق الحق ويبطل الباطل سار علىٰ ذلك وإن انتهى به الأمر إلى الشهادة ، وله بهذا أسوةٌ بالأنبياءعليهمالسلام الذين واجهوا الصعاب في سبيل الله تعالىٰ ، حتى أُوذوا وشُرِّدوا ونُفوا عن أوطانهم ، ومنهُم من تَعرَّض للقتل ونُشر بالمنشار ، ومنهم من قُطع رأسُه في سبيله تعالىٰ كيحيىٰ بن زكرياعليهالسلام وأُهدي رأسُه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.
واختار يحيىٰ أن يُطاف برأسه |
وله التأسي بالحسين يكونُ |
ومنهم من أرادوا إحراقه بالنار لولا أن نجاه اللهُ كإبراهيم الخليلعليهالسلام الذيِ سار علىٰ ضَوءِ ما يُمليِه عليه الواجب الديني ، فَكسّرَ أصنام المشركين فكانت النتيجة تعرضه للقتل( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ ) (1) وغيرهما من
__________________
(1) سورة الأنبياء : الآية 68.
الأنبياءعليهمالسلام وَلم يَمنعهم كلُ ذلك من السعي قُدماً تجاه وظائفهم الشرعية من أجل إصلاح الأمة ، ودعوتهم إلى الله تعالىٰ وإن أدىٰ ذلك إلى الشهادة.
فكذلك الحسينعليهالسلام الذي لا يثنيه عن عزيمته أمرٌ ولا يلويه أحدٌ عن موقفه الديني ، سار حسبما أملاه عليه الواجب الشرعي والديني وإن تعرض هو مع أهل بيته للتشريد والقتل والإبادة ما دام ذلك بنظر الله وأمره تعالى.
وقد ذكر الحجة الشيخ التُستري أعلى الله مقامه : أن للحسينعليهالسلام تكليفين : واقعي وظاهري :
أ ـ أما الواقعي الذي دعاه للإقدام على الموت ، وتعريض عيالهِ للأسر وأطفاله للذبح مع علمه بذلك ، فالوجه فيه : أن عتاة بني اُمية قد اعتقدوا أنهم على الحق ، وأن علياً وأولاده وشيعتهم على الباطل ، حتىٰ جعلوا سبَّه من أجزاء صلاة الجمعة ، وبلغ الحالُ ببعضهم أنه نَسي اللعن في خُطبة الجمعة فذكره وهو في السفر فقضاه ! وبنوا مسجداً سَمُوه « مسجدَ الذكر » فلو بايع الحسينُ يزيدَ وسَّلَّم الأمر إليه لم يبق من الحقِ أثرٌ ، فإن كثيراً من الناس يعتقدُ بأن المحالفة لبني أُمية دليلُ استصواب رأيهم وحسن سيرتهم.
وأما بعد محاربة الحسين لهُم ، وتعريض نفسه المقدسة وعياله وأطفاله للفوادح التي جرت عليهم ، فقد بيَّن لأهل زمانه والأجيال المتعاقبة أحقيتهُ بالأمرِ وضَلال من بغى عليه.
ب ـ وأما التكليف الظاهري فلأَنهعليهالسلام سعى في حِفظ نفسهِ وعياله بكل وجه ، فلم يتيسّر له وقد ضَيّقوا عليه الأقطار ، حتى كتب يزيد إلىٰ عامله على المدينة أن يقتله فيها ، فخرَج منها خائفاً يترقب ، فلاذَ بحرم الله الذي هو اَمْنُ الخائف وكهف
المستجير ، فجَدُّوا في إلقاءِ القبض عليه ، أو قتله غيلةً ولو وُجدَ مُتعلقاً بأستارِ الكعبة ، فالتزم بأن يجعل إحرامَهُ عُمرةً مُفردةً وترك التمتعَ بالحج ، فتوجه إلى الكوفة لأنهم كاتبوه وبايعوه وأكدوا المصيرَ إليهم لإنقاذهم من شرور الأمويين ، فألزمَهُ التكليف بحسب ظاهر الحال إلىٰ موافقتهم إتماماً للحجة عليهم ، لئلا يعتذروا يوم الحساب بأنهم لجأوا إليه واستغاثوا به من ظلم الجائرين ، فاتهمهم بالشقاق ولم يغثهم مع أنه لو لم يرجع إليهم فإلى أين يتوجه ، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحُبت ، وهو معنى قوله لابن الحنفية : لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتىٰ يقتلوني(1) !
وقال لأبي هرّة ـ الأزدي ـ : إنَّ بني أُميةَ أخذُوا مالي فَصبرْت ، وَشتموا عِرضي فَصبرت ، وَطلبُوا دَمي فهرَبت(2) (3) .
ولهذا كانعليهالسلام يُؤكدُ للناس أنها وظيفةٌ شرعيةٌ لا محيص عنها ، وخصوصاً مع أُولئك الذين حاولوا صرفَهُ عن طريقه ، وتغيير وجهَة نظره ، فكان ينسبُ الأمر إلى الله تعالى وبأمرٍ من جدهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما أوضح هذا إلىٰ أخيه محمد بن الحنفية حينما عزم على الخروج من مكة المكرمة ، وقد قال له أخوه ابن الحنفية : ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟ قال : بلىٰ ، ولكن بعدما فارقتك أتاني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال : يا حسين اخرج فان الله تعالىٰ شاءَ أن يراك قتيلاً.
__________________
(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 288 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 218 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 99.
(2) مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 226 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 368 ، اللهوف : ص 30.
(3) مقتل الحسين للمقرم : ص 170 عن الخصائص الحسينية ص 85.
فاسترجع محمد ، وحينما لم يعرف الوجه في حمل العيال معه وهو علىٰ مثل هذا الحال ، قال له الحسينعليهالسلام : قد شاء الله تعالىٰ أن يراهنّ سبايا(1) .
الأمر الذي يدل علىٰ أن هناك أمراً وتكليفاً شرعياً كما يُستفاد هذا أيضاً من كلمة « شاء الله » حيث قيل أنها المشيئة التشريعية التي يتعلق بها الأمر ، فاللهُ تعالىٰ يُريد أن يرى الحسينعليهالسلام المُدافع والمُحامي عن الدين ، والمصلح لما فسد منه ، ولو أدىٰ ذلك إلى الشهادة والقتل في سبيله.
وقد أكَّد هذا أيضاً وذلك حينما اعترضه أحدهم يريد أن يثنيه عن عزمه ، قائلاً له : إني أُذكركَ اللهَ في نفسك فإني أشهد لئن قاتلت لتُقتلنّ !!
فقال له الحسينعليهالسلام أفبالموت تخوفني ، وهل يَعدو بكمُ الخطبُ أن تَقتلوني ، وسأقول ما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرةَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتىٰ |
إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلماً |
|
وواسى الرجال الصالحين بنفسه |
وفارق مثبوراً وخالف مُجرماً |
|
فإن عشت لم أندم وإن متُ لم اُلَمْ |
كفىٰ بك ذُلاً أن تعيش وتُرغما(2) |
وفي رواية أنه لما أكثروا عليه في ذلك قرأعليهالسلام بعد الأبيات المذكورة هذه الآية الشريفة :( وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ) (3) (4) .
__________________
(1) اللهوف : ص 28 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 364 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 167.
(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 305 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 232 ، الإرشاد للشيخ المفيد : ص 225.
(3) سورة الأحزاب : الآية 38.
(4) تذكرة الخواص لابن الجوزي : ص 217 ، نفس المهموم : ص 170.
وفي رواية قالعليهالسلام بعد الشعر : لَيسَ شَأني شأَنَ مَنْ يَخافُ الموتَ ، ما أهوَنَ الموت علىٰ سبيل نَيْلِ العزِّ وإحياءِ الحقِّ ، ليسَ الموتُ علىٰ سبيلِ العزِّ إلا حياةً خالدةً ، وليستِ الحياةُ مَعَ الذُّلِّ إلاَّ المَوتَ الَّذي لا حَياةَ مَعَهُ ، أفَبالمَوتِ تُخوّفُني ، هيهاتَ طاشَ سهْمُكَ وَخاب ظَنّك لستُ أخافُ الموتَ ، إنَّ نَفْسي لا بْكرٍ وَهِمَّتي لأَعلىٰ مِنْ أن أحمِل الضَّيم خَوفاً مِنَ الموتِ ، وهل تقدرُون علىٰ أكثر من قتلي ؟! مرحباً بالقتل في سبيلِ اللهِ ، ولكنَّكُم لا تقدرُون علىٰ هَدم مَجدي ومَحو عزّي وَشرَفي فإذاً لا اُبالي بالقتل(1) .
يقول السيد حيدر ـ عليه الرحمة ـ :
كيف يَلوي على الدنيَّة جيداً |
لسوى الله مالواهُ الخضوعُ |
|
ولديه جأشٌ أردُّ من الدُرع |
لظمأى القنا وَهُنَّ شُروعُ |
|
وبه يَرجعُ الحفاظُ لصدرٍ |
ضاقتِ الأرضُ وهي فيه تَضيعُ |
|
فأبىَ أن يعيش إلا عزيزاً |
أو تجلى الكفاحُ وهو صَريعُ(4) |
__________________
(1) إحقاق الحق : ج 11 ، ص 601 ، أعيان الشيعة : ج 1 ، ص 581 ، موسوعة كلمات الإمام الحسين : ص 360.
(4) ديوان السيد حيدر الحلي : ج 1 ص 87.
وإذا ما تتبّعنا الدوافع التي دفعت بأنصار الحسينعليهالسلام للوقوف إلىٰ جانبه ونصرته إلىٰ آخر رمق في حياتهم ، وجدناها دوافع انبثقت من الشعور بالمسؤولية الشرعية ، والتي تأخذ بأعناقهم جميعاً وتلزمهم بالتضحية معه مهما كلفهم الأمر.
وقد أفصحت مواقفهم في هذه الليلة عن نواياهم الصادقة النبيلة ، وعلىٰ طهارة نفوسهم فارتقوا بذلك إلىٰ أرقى الكمالات النفسية ، إذ لم يمازح أهدافهم تلك أيُ نوعٍ من الأهداف الشخصيةِ ، أو المنافع المادية ، أو المطامع الدنيوية ، أو حُبُ الجاه والشهرة.
بل كانت غايتهم رضى الله تعالىٰ ونصر الرسولصلىاللهعليهوآله في شَخص الحسينعليهالسلام فأصبحوا مصداقاً لقوله تعالىٰ :( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى *وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ) (1) .
وإذا أمعنا النظر في أفعالهم وأقوالهم في هذه الليلة ، وجدناها تُفصحُ عن دوافعهم الإيمانية وشعورهم بالمسؤولية الشرعية التي لا مناص من الالتزام بها ، وهذا ما كان واضحاً جلياً في كلماتهم التي عاهدوا فيها الحسينعليهالسلام على الشهادة حينما أذن لهم بالانصراف ، فمن تلك الكلمات ما يلي :
__________________
(1) سورة الكهف : الآية 13 و 14.
1 ـ كلمةُ مسلم بن عوسجة والتي يقول فيها : أنحن نخلّي عنكَ ولمَّا نَعذرُ إلى الله في أداء حقكِ.
وهذا صريح في أن هذا الأمر واجب وفرض لا مناص منه ولِذا ابتدأ كلمته هذه بالاستفهام الإنكاري قائلاً : أنحن نخلي عنك ؟! موضحاً أن الإعذار إلى الله تعالى لا يتُم إلا بنصر الحسينعليهالسلام والوقوف معه وأنه ملزم بالإعذار تجاه الله تعالىٰ وإنها مسؤولية شرعية ، معنى هذا أنه لو تخلىٰ عنها هو وأصحابه فلا يكونون معذورين عند الله تعالىٰ ، وجاءَ في رواية الشيخ المفيد ـ عليه الرحمة ـ بدل قوله : « ولمَّا نعذَر إلى الله » وبمَ نعتذر إلى الله في أداء حقك ، فبعدَ الاعتراف والإقرار بأن للحسينعليهالسلام حقاً عليهم معنىٰ هذا أنهم إذا لم يَنصرُوه ولم يؤُدوا حقَه كانُوا مسؤولين أمام الله تعالىٰ وليس لهم حينئذٍ حجةٌ أمامَه يعتذرونَ بها.
2 ـ كلمةُ سعد بن عبد الله والتي يقول فيها : والله لا نُخليك حتى يعلمَ اللهُ أنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك(1) .
وهذه صريحة أيضاً كسابقتها في الدلالة في أن الأمر لا يَعدو كونَه تكليفاً شرعياً يتضمن الالتزام بحفظ غيبة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ والتي لا يختلف فيها اثنان ـ والمتمثلة في شخص الحسينعليهالسلام الذي هو امتدادٌ لرسالة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وهذا ما أشار إليه أيضاً زهير بن القين في كلمته التي يقول فيها : فلما رأيتُه ذَكرتُ به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومكانه منه(2) .
3 ـ كلمة جماعة من أصحابه والتي يقولون فيها :فإذا نحن قُتلنا كُنا وَفينا
__________________
(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 318 ، الإرشاد للشيخ المفيد : ص 231.
(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 316 ، وقعة الطف لأبي مخنف : ص 194.
وقضينا ما علينا(1) .
وهذه الكلمة تفصح أيضاً عن إيمانهم العميق بلزوم مؤازرته ، وشعورهم بالمسؤولية الشرعية التي تلزمهم بالدفاع عنه الذي هو حقّ للحسينعليهالسلام عليهم كالدين الشرعي والذي لا يتحقق قضاؤه إلا بالقتل معه فإذا تم ذلك قضوا ما عليهم من الالتزام ووفوا بما عاهدوه عليه.
إلى غير ذلك من كلماتهم والتي أفصحوا فيها عن إحساسهم وشعورهم بالمسؤولية الشرعية الدينية ، والجري نحوها مهما كلف الأمر ، ولذا عاهدوه على الشهادة معه في سبيل الله تعالىٰ.
__________________
(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 318.
وهو : ترك الاعتراض والسخط باطناً وظاهراً ، وَقولاً وَفعلاً ، وهو : من ثمراتِ المحبة ولوازمها ، إذ المُحب يَستحسنُ كُلمَا يصدر عن محبوبه ، وصاحبُ الرضا يستوي عندَهُ الفقرُ والغنىٰ ، والراحةُ والعناء ، والعزُ والذل ، والصحةُ والمرض ، والموتُ والحياة ، ولا يُرجحُ بعضَها على بعض ، ولا يثقلُ شيءُ منها علىٰ طَبعه ، إذ يرىٰ صُدورَ الكل من الله سبحانه ، وقد رسخ حُبه في قلبه ، بحيث يُحب افعالَه ، ويَرجُح علىٰ مُراده مُرادُه تعالىٰ ، فيرضىٰ لكل ما يكون ويرد.
وروي : أن واحداً من أرباب الرضا عمَّر سبعين سنةً ، ولم يَقل في هذه المُدة لشيءٍ كان : ليتَهُ لم يكن ، ولا لشيء لم يكن : ليته كان.
وقيل لبعضهم : ما وجَدتَ من آثار الرضا في نفسك ؟
فقال : ما فيَّ رائحةٌ من الرضا ! ومع ذلك لو جعلني اللهُ جسراً علىٰ جهنَّم ، وعبرَ عليه الأولون والآخرون من الخلائق ودخلوا الجنة ، ثم يلقوني في النار ، وملأ بي جهنَّم ، لأحببت ذلك من حُكمه ، ورضيتُ به من قسمه ، ولم يختلج ببالي أنه لِمَ كان كذا ، وليت لم يكن كذا ، ولِمَ هذا حظي وذاك حظهم.
وصاحبُ الرضا أبداً في رَوحٍ وراحةٍ ، وسُرورٍ وبهجةٍ ، لأنهُ يشاهدُ كلَ شيءٍ بعين الرضا ، وينظرُ في كلِ شيء إلىٰ نور الرحمة الإلهية ، وسر الحكمة الأزلية ، فكأن كلَ شيء حصل علىٰ وفق مُراده وهواه.
وفائدةُ الرضا ، عاجلاً ، فراغُ القلبِ للعبادة والراحة من الهموم ، وآجلاً ،
رضوان الله والنجاة من غضبه تعالىٰ.
والرضا بالقضاء أفضل مقاماتِ الدين ، وأشرف منازل المقربين ، وهو بابُ الله الأعظم ، ومن دخلهُ دخلَ الجنة ، قال الله سبحانه :( رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) (1) .
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه سأل طائفةً من أصحابه : ما أنتم ؟ فقالوا : مؤمنون. فقال : ما علامةُ إيمانكم ؟ فقالوا : نَصبرُ على البلاءِ ، ونشكُر عند الرخاء ، ونرضىٰ بمواقع القضاء. فقال : مؤمنون ورب الكعبة.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا أحب الله عبداً ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، فإن رضي اصطفاه(2) .
ذلك هو الرضا والتسليم لله تعالىٰ في قضاءه وقدره من خير أو شر ، والذي هو من سمات وصفات الأولياء وأهل الإيمان والذين ينظرون إليه تعالىٰ ـ بعين الرضا وكأنه حصل وفق مرادهم.
وهذا الجانب الإيماني العظيم ظهر وبشكل بارز وواضح في سلوك أهل البيتعليهمالسلام كما نراه واضحاً في سلوك سيد الشهداء الحسينعليهالسلام والذي ما انَفك عنه في كُل أحواله وأفعاله وأقواله ، ولم يظهر عليه أيُ أثرٍ خلاف ذلك.
بل كان في أعلىٰ درجات الرضا والتسليم للخالق تعالىٰ ، فكانت حكمتهُ في الحياة : رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبرُ علىٰ بلائه ، ويوفّينا أجور الصابرين(3) .
وقد روي انهعليهالسلام فَقدَ له ولداً في حياته فلم يُرَ عليه أثراً للكآبة فقيل له في
__________________
(1) سورة المائدة : الآية 122.
(2) جامع السعادات للنراقي : ج 3 ، ص 202.
(3) اللهوف : ص 26 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 367.
ذلك ؟!
فقالعليهالسلام : إنّا أهل بيتٍ نسأل الله فيعطينا ، فإذا أراد ما نكره فيما نحب رضينا(1) .
وتشهدُ له بهذا أيضاً المواقف المريرة ، ـ يوم العاشر ـ والتي يقول فيها : وقوله أيضاً عند اشتداد المصائب عليه وذلك لما قُتل رضيعه : هَوّنَ عليِّ ما نَزَل بي أنَّهُ بعين الله(2) .
وقولهعليهالسلام لمّا اُصيب بسهم : اللهم إنّ هذا فيك قليل(3) .
يقول الشيخ الوائلي :
ومشت في شفاهك الغر نجوى |
نمَّ عنها التحميد والتهليلُ |
|
لك عتبي يا رب ان كان يرضيك |
فهذا إلى رضاك قليلُ |
وقال آخر على لسان حال الحسينعليهالسلام :
تركت الخلق طراً في هواكا |
وأيتمت العيال كي اراكا |
|
فلو قطّعتني بالحب إرباً |
لما مال الفؤاد إلىٰ سواكا |
فكان ـ صلوات الله عليه ـ في أعلى درجات الإيمان والذي من إشعاعه الرضا والتسليم لأمر الله تعالىٰ وقضائه.
وأما ظهور هذا الأمر في هذه الليلة العظيمة ، فأمرٌ واضح في سلوكهعليهالسلام ، مع ما هو فيه من البلاء العظيم الذي يحدق به وبأهله وأصحابه ، فكان كلما اشتد عليه
__________________
(1) حياة الإمام الحسينعليهالسلام للقرشي : ج 1 ، ص 123.
(2) اللهوف لابن طاووس : ص 50 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 46.
(3) حياة الإمام الحسين للقرشي : ج 3 ، ص 284.
الأمرُ يكثر وقاره ، ويزيد اطمئنانه ، ويشرقُ لونه ، وتهدأُ جوارحه ، وتسكن نفسه(1) لأنه ـ صلوات الله عليه ـ يشاهد كل ما يجري عليه وعلى أهل بيته بعين الرضا والتسليم.
وكيف لا تطمئن نفسه وهو ينظرُ إلى في كل شيء بنور الرحمة الإلهية ، ولذا اختص بنداءٍ خاص(2) بقوله تعالىٰ :( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ ) واختص برضاه عن ربّه ورضاه عنه بقوله :( رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ) ، واختص بعبودية خاصة وجنة خاصة منسوبة إلى الله بقوله :( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي
__________________
(1) جاء في معاني الأخبار للصدوق ـ عليه الرحمة ـ ص 288 باب معنىٰ الموت ( ونقله في بحار الأنوار أيضاً : ج 44 ، ص 297 ) : عن أبي جعفر الثاني ، عن أبائهعليهمالسلام قال : قال علي بن الحسينعليهالسلام : لمَّا اشتدَّ الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم ، لأنهم كلما اشتدُ الأمر تغيرت ألوانُهم ، وارتعدت فرائصُهم ووجلت قلوبُهم ، وكان الحسينعليهالسلام وبعضُ مَنْ معه من خصائصه تشرقُ ألوانُهم ، وتهدأُ جوارحُهم ، وتسكن نفوسُهم.
فقال بعضهم لبعض : انظروا لا يُبالي بالموت !! فقال لهم الحسين عليهالسلام : صبراً بني الكرام فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة ، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر ؟ وما هو لأعدائكم إلا كمن ينتقل من قصر إلى ٰسجن وعذاب ، إنَّ أبي حدثني عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : ان الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. والموت جسر هؤلاء إلى ٰجنانهم ، وجسر هؤلاء إلى ٰجحيمهم ، ما كذبت ولا كُذبت.
(2) روي عن دارم بن فرقد قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : إقرءوا سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم ، فإنها سورة الحسين بن عليعليهماالسلام وارغبوا فيها رحمكم الله تعالى ، فقال له أبو اُسامة وكان حاضرَ المجلس : وكيف صارت هذه السورة للحسينعليهالسلام خاصّة ؟ فقال : ألا تسمع إلى قوله تعالى( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ) الآية ، إنّما يعني الحسين بن عليعليهماالسلام فهو ذو النّفس المطمئنّة الرّاضية المرضيّة ، وأصحابه من آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم هم الراضون عن الله يوم القيامة ، وهو راض عنهم. بحار الأنوار : ج 44 ، ص 218.
وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (1) (2) .
ومن كلمات الرضا التي ظهرت في كلماته الشريفة في هذه الليلة قولهعليهالسلام في ضمن أبيات أنشدها مراراً :
وإنما الأمر إلى الجليل |
وكلُ حيٍّ سالكٌ سبيلي |
قالها بكل ثقة واطمئنان مذكّراً بأنّ هذا سبيل كلّ إنسان ، وأن الأمر ينتهي إليه تعالى فلا رادَّ لقضائه ولا دافعَ لحكمته ـ عزّوجّل ـ.
ولما خطب في أصحابه هذه الليلة ابتدأها بكلماتِ الرضاء والتسليم لله تعالىٰ وبالثناء عليه والشكر له تعالىٰ قائلاً : أُثني على الله تبارك وتعالىٰ أحسنَ الثناء وأحمدَهُ على السّراء والضراء ، اللهم إني أحمَدُك علىٰ أن أكرمتنا بالنبوة ، وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً فاجعلنا من الشاكرين(3) .
إنه بِحق أعظم موقف في مقام الشكرِ والامتنان لله تعالىٰ علىٰ ما أعطاه ومنحهُ من نِعَمٍ ، كما يثني عليه ويحمده على السراء والضراء الأمر الذي يدل على تسليمه لأمر الله ـ تعالى ـ ورضاه بقضائه في جميع الأحوال.
ومنها أيضاً قولهعليهالسلام : في موقف مع أصحابه وأهل بيتهعليهمالسلام : فإنَّ اللهَ لا يُخليني من حُسنِ نظره كعادته في أسلافنا الطيبين(4) ، والذي يدل على ارتباطه
__________________
(1) سورة الفجر : الآية 27 ـ 30.
(2) الخصائص الحسينية للتستري : ص 54.
(3) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 317 ، الإرشاد للشيخ المفيد : ص 231.
(4) أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 223.
الشديد بالله ، وثقته العظيمة به وأنّ ما يجري عليه هو بنظره تعالى.
ومن كلماتهعليهالسلام في ذلك لهم : فاعلموا أن الله إنما يَهبُ المنازلَ الشريفة لعباده باحتمال المكاره ، وإن الله وإن كان قد خصَّني مع مَنْ مضىٰ من أهلي الذين أنا آخرُهُم بقاءً في الدنيا من الكرامات ، بما سهّل معها على احتمال الكريهات ، فإن لكم شطرَ ذلك من كرامات الله ، واعلموا أن الدنيا حُلوها مرّ ، ومرُّها حُلوٌ ، والانتباه في الآخرة ، والفائز مَنْ فازَ فيها والشقي من يشقى فيها(1) .
إذ أخذ ـ صلوات الله عليه ـ يرغبهم في احتمال المكاره ، وأنه تعالىٰ يَهبُ المنازلَ باحتمالها وأنه يحتملُها كرامةً لله ـ تعالىٰ ـ ، كما أخذَ يُنَبهُهم من أمر الدنيا ، ويبين حقيقتها فالإنسان فيها إمّا أن يُسعد أو يشقى ، فسعادته هي سيرهُ وفقاً لما أراده الله عزوجل وسعياً لتحقيق الأهداف التي من أجلها خُلق ووجد ، وشقاؤه من اتباع شهوات الدنيا والتعلق بحبائلها والإنشغال بزخارفها.
وأوضحعليهالسلام أن مرارة الدنيا وصعوباتها حين تكون في طريق الله سبحانه تتسم في نظر المؤمن بالحلاوة والجمال ، فالمؤمن مُحب لله ويستحسن كلما يجري عليه من أجل محبوبه.
__________________
(1) أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 223.
ليس من المُعتاد أن يفرح الإنسان ويبتهج وهو يعلم بدنو أجله وانقطاع حبل حياته من الدنيا ، فتراه إذا ما علم بدنو أجله ، اعتراه الخوف والوجل والاضطراب ، ولربما مات بسبب خوفه من الموت ، إذ أن كل إنسان يحب الحياة والبقاءَ ويتشاءم من الموت.
ولعلك تعجب إذا ما سمعت بأن أصحاب هذه الليلة باتوا ليلتهم وهم أشدُ الناس فرحاً ، وأبهجهم حالةً ، وأربطهم جأشاً ، مستبشرين بما أقدموا عليه وبما يصيرون إليه وقد أخذ يداعبُ بعضهم بعضاً ، مع علمهم بدنو آجالهم ، وأن أجسادهم سوف تصبح عن قريب طعمةً للسيوف ونهبةً للأسنة. ومرمىً للسهام.
ولعله لم تمر عليهم ليلةٌ بأسعد منها ، حتى بدت علىٰ وجوههم الطلاقة والإشراق والطمأنينة لا يستشعرون بخوف ولا وجل ، وذلك أنهم وجدوا أنفسهم يؤدون وظائفهم الشرعية تجاه سبط الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ سوف يحوزون علىٰ أعظم وأقدس شهادة عرفها تاريخ البشرية ، ثم ذلك النعيمُ الدائم الذي لا اضمحلال فيه ، فأصبحوا مصداقاً لقوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ *أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (1) .
__________________
(1) سورة الأحقاف الآية : 13 و 14.
وقوله تعالىٰ :( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) (1) .
والجدير بالذكر انه جاء في زيارة على بن الحسينعليهماالسلام : أشهد أنّك من ال( فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (2) ، وتلك منزلةُ كلّ شهيدٍ فكيف منزلة الحبيب إلى الله ، القريب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (3) .
فهذا ما كان عليه أهل بيت الحسينعليهالسلام وأصحابه من الاستبشار والفرح بالشهادة في سبيل الله تعالى ، ولا غروان تتَنزّل عليهم الملائكة وتبشرهم وتطمئنهم( أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) ، وحسبك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذه الليلة أن يكون هو المبشر بهذا لولده الحسينعليهالسلام باستبشار الملائكة به.
فقد جاء في الرواية أن الحسينعليهالسلام لما خفق خفقة في سحر ليلة العاشر رأىٰ جدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول له : يا بُني أنت شهيدُ آلِ محمدٍ ، وقد استبشرَ بكَ أهلُ السماوات وأهلُ الصفيح الأعلىٰ ، فليكن إفطارُك عندي الليلة عجل ولا تُؤخر ، هذا مَلكٌ قد نزل من السماءِ ليأخذ دَمَكَ في قارورة خضراء ..(4) .
الأمر الذي يدل علىٰ استبشار الملائكة وأهل الفصيح الأعلىٰ بلقاء
__________________
(1) سورة فصلت الآية : 30.
(2) سورة آل عمران الآية 170.
(3) بحار الأنوار : ج 98 ص 242.
(4) بحار الأنوار : ج 45 ، ص 3 ، الفتوح لابن الأعثم : ج 2 ، ص 153.
الحسينعليهالسلام وأصحابه ، كما استبشر هو أيضاً بهذا اللقاء والذي ما فتىء يَحنو إليه واعتبر يوم يلقاه سعادة كما أشار إلى هذا في قولهعليهالسلام : إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما(1) .
وهو القائلعليهالسلام :
وإن تكن الأبدان للموت اُنشئت |
فَقتلُ امرئٍ بالسيف في الله أفضل(2) |
فالقتل في سبيل الله عنده سعادة ، والاستشهاد بالسيف أفضل ، إذا كان في ذلك نصرٌ لدينه ، وإحياءٌ لأمره ، وحفظٌ لشرعه ، فكان حقيقاً بهعليهالسلام أن يبتهج ويشرق وجهُهُ استبشاراً بلقاء الله بنفس مطمئنة غير وجلة ، وهو القائل : لست أخاف الموت ، إن نفسي لأبكر وهمتي لأعلىٰ من أن أحمل الضيم خوفاً من الموت ، وهل تقدرون علىٰ أكثر من قتلي ، مرحباً بالقتل في سبيل الله(3) .
يقول السيد حيدر الحلي ـ عليه الرحمة ـ :
وسامته يركب إحدىٰ اثنتين |
وقد صرَّت الحرب أسنانها |
|
فأمّا يُرىٰ مذعناً أو تموت |
نفسٌ أبى العزُّ اذعانها |
|
فقال لها اعتصمي بالإبا |
فنفس الأبيّ وما زانها |
|
إذا لم تجد غير لبس الهوان |
فبالموت تنزع جثمانها |
|
رأى القتل صبراً شعار الكرام |
وفخراً يُزين لها شأنها(3) |
__________________
(1) تقدم تخريجه.
(2) مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 223 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 180.
(3) تقدم تخريجه.
(4) ديوان السيد حيدر الحلي ج 1 ص 109 ، رياض المدح والرثاء : ص 61.
فكانعليهالسلام أربط جأشاً مع كل ما جرى عليه غير مكترث بعدتهم وعديدهم وقد انعكس هذا الأمر على أصحابه فكانوا غير مكترثين بما يجري عليهم ، مع علمهم بمصيرهم المهول ، إذ استقبلوه بشجاعةٍ فائقة ، لا يوجد فيها تخاذل أو تردّد بل على العكس هُم في عَدّ السويعات القليلة ، مع رجاء انقضائها وبزوغ شمس الجهاد والتضحية ، وفلق هام رؤوس الأشرار ، مع السرور والحبور وملاقاة الحور بشراء النفس ابتغاء مرضات الله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكيف لا يكونون أشد الناس فرحاً وهم يَبلغون مَبلغَ الفتح العظيم ، ويستقبلون اعظم شهادة مقدسة عرفها التاريخ ، كما أشار إلى هذا سيد شباب أهل الجنة ـ صلوات الله عليه ـ في كتابه إلىٰ بني هاشم : فإن من لحق بي منكم استشهد ، ومن تخلف عني لم يبلغُ مبلغ الفتح(1) .
وكما لا يخفى أن من آثار الفتح الفرح والاستبشار عند الفاتح ، ولعل إلىٰ هذا أشار سلمان الفارسي ـ رضوان الله عليه ـ في حديثه مع زهير بن القين ، وقد حدث به أصحابه لما التحق الأخير بركب الحسينعليهالسلام قائلاً لهم : من أحب منكم ان يَتْبعني وإلا فهو آخر العهد.
إني سأحدثكم حديثاً ، إنا غزونا البحر ففتح الله علينا وأصبنا غنائم ، فقال سلمان الفارسي ـ رحمة الله عليه ـ : أفرحتم بما فتَح الله عليكم وأصبتم من الغنائم ؟! قلنا : نعم ، فقال : إذا أدركتم سيدَ شباب آل محمد فكونوا أشدَ فرحاً بقتالكم معهم مما أصبتم اليوم من الغنائم(2) .
__________________
(1) اللهوف لابن طاووس : ص 28 ، المناقب لابن شهر آشوب : ج 4 ، ص 76 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 330 ، وج 45 ص 85.
(2) الإرشاد للشيخ المفيد : ص 221 ، بحار الأنوار : ج 44 ص 372 ، تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 299.
وهذا ما كانوا عليه ـ صلوات الله عليهم ـ إذ أخذ كل منهم يداعب الآخر ويضاحكه استبشاراً منهم بالشهادة والتي سوف يحققونها عملياً على صعيد ذلك التراب الطاهر.
وهذا في الواقع يُمثل قمة الشجاعة والصمود حيث أنهم في ساعاتهم الأخيرة ، غير مكترثين بالأعداء ، ومواقفهم ليلة العاشر تَشهد علىٰ ذلك والتي منها : موقف برير مع عبد الرحمن لما أخذ يهازله ويضاحكه إقال له عبد الرحمن : دعنا فوالله ما هذه بساعة باطل ؟ قال له برير : والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً ، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاقون ، والله إن بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم ، ولو وددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم !!(1) .
وموقف حبيب بن مظاهر مع يزيد بن الحصين الهمداني ، حينما رأى يزيدُ حبيبَ خارجاً يضحك !!
فقال له : ما هذه ساعة ضحك ؟!
فقال حبيب له : فأي موضع أحق مِنْ هذا السرور ؟ والله ما هو إلا أن يميل علينا هذه الطغام بسيوفهم فنعانق الحور العين(2) .
وكذلك أيضا موقف نافع بن هلال ـ رضي الله عليه ـ الذي قضىٰ شطرَ ليله في كتابة اسمه علىٰ سهام نبله إمعاناً في طلبه المثوبة والأجر ، وإمعاناً في السخرية من
__________________
(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 321 ، اللهوف : ص 41.
(2) إختيار معرفة الرجال للطوسي : ج 1 ص 293.
الخطر ، وإمعاناً في الترحيب بالموت(1) .
فكانوا حقاً كما قال فيهم الحسينعليهالسلام : فما وجدت فيهم إلا الأشوس الأقعس ، يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلى محالب أمه(2) .
وهذا ما استأثر بعناية بالغة عند شعراء وأدباء الطف إذ صوّروا ما كان عليه أصحاب الحسينعليهالسلام من التفوق والروح المعنوية العالية ، واستبشارهم وفرحهم بالشهادة ، يقول السيد رضا الهندي ـ عليه الرحمة ـ :
يتمايلون كأنما غنّىٰ لهم |
وَقعُ الظّبىٰ وسقاهُمُ أكوابا |
|
وكأنَّهم مستقتبلونَ كواعباً |
مستقبلين أسنةً وكعابا |
|
وجدوا الردىٰ من دون آل محمد |
عَذباً وبعدَهُم الحياة عذاباً(2) |
وقال أيضاً :
أدركوا بالحسين أكبر عيد |
فغدوا في منى الطفوف أضاحي(4) |
ويقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ـ نور الله ضريحه ـ :
وبأسرة من آل أحمد فتتية |
صينت ببذل نفوسها فتياتها |
|
يتضاحكون إلى المنون كأنَّ في |
راحاتها قد أُترعت راحاتها |
|
وترى الصَّهيل مع الصَّليل كأنَّه |
فيهم قيانٌ رجِّعت نغماتها |
|
وكأنَّما سمر الرماح معاطفٌ |
فتمايلت لعناقها قاماتها |
__________________
(1) الدوافع الذاتية لأنصار الحسين لعابدين : ص 231.
(2) الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 273 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 219.
(3) رياض المدح والرثاء : ص 95.
(4) رياض المدح والرثاء : ص 97.
وكأنما بيض الظّبي بيض الدّمىٰ |
ضمنت لمى رشفاتها شفراتها |
|
وكأنَّما حمر النصول أنامل |
قد خضَّبتها عَنْدَماً كاساتها(1) |
ويقول السيد محمد حسين الكيشوان : عليه الرحمة ـ في وصفه لهمعليهماالسلام :
تجري الطَّلاقة في بهاء وجوهِهم |
إن قطَّبت فَرَقاً وجوهُ كُماتها |
|
وتطلَّعت بدجى القتام أهلَّة |
لكن ظهور الخيل من هالاتها |
|
فتدافعت مشي النزيف إلى الردىٰ |
حتّىٰ كأنَّ الموت من نشواتها |
|
وتعانقت هي والسّيوف وبعدذا |
ملكت عناق الحور في جناتها |
وقال شاعر آخر :
ومُذ أخذت في نينوىٰ منهم النوىٰ |
ولاح بها للغدر بعض العلائم |
|
غداً ضاحكاً هذا وذا مُتبسّماً |
سروراً وما ثغرُ المنون بباسم(1) |
وبهذه الروح المعنوية العالية انتصروا وحققوا ما كانوا يصبون إليه وما يهدفونه ، مع قلتهم وكثرةِ عدوهم الذي كان يفقد الروح المعنوية في مواجهة الحرب إذ كانوا مدفوعين بالقوة لا هدف لهم سوى الباطل. فأخذوا يرقبون الحربَ وهم علىٰ خوف ووجل ، بخلاف ما كان عليه أصحاب الحسينعليهالسلام الذين باتوا في أبهج حالة وأربط جأش مطمئنّين بما يجري عليهم ، فكانوا كلما اشتد الموقف حراجة أعقب فيهم انشراحاً وسروراً.
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم : ص 381.
(2) نفس المصدر : ص 216.
قيل إن من آثار المحبة ولوازمها الشوق والاُنس في الخلوة مع المحبوب ، ولذة مناجاته ، كما أن من شأن المُحب أن يؤثر مراد محبوبه علىٰ مراده.
ولذا كان من شأن المُحب(1) للخالق تعالىٰ عدم الغفلة عن عبادته وذكره في كل أحواله ( إذ من أحب شيئاً أكثر ضرورةً ذكرَه وذكر ما يتعلق به ، فمحب الله لا يخلو عن ذكر الله وذكر رسوله وذكر القرآن وتلاوته ، لأنه كلامه ، ويكون محباً للخلوة ليتفرد بذكره وبمناجاته ، ويكون له كمالُ الأنس والالتذاذ بمناجاته ، وفي أخبار داوود : كَذبَ من ادعىٰ محبتي وإذا جنه الليل نام عني ، أليس كل محب يحب لقاءَ حبيبه ، فها أنا ذا موجود لمن طلبني )(2) .
وكذا أيضاً من آثار المحبة للخالق عزوجل عدم الصبر على فراقه والبعد عنه ، قال أمير المؤمنينعليهالسلام في دعاء كميل : فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي وربي صبرت علىٰ عذابك ، فكيف أصبرُ علىٰ فراقك ، وكما جاء أيضاً في مناجاة الإمام زين العابدينعليهالسلام : وغلتي لا يُبردها إلا وصلُك ، ولوعتي لا يطفيها إلا لقاؤُك ، وشوقي إليك لا يبله إلا النظر إلىٰ وجهك ، وقراري لا يقر دون دنوي منك(3) .
ومن شأن العبد المُحب أيضاً الإحساس والشعور دائماً بالتقصير نحو الخالق تعالىٰ مهما كثرت عبادته وطالت مناجاته ، جاء في دعاء الإمام زين العابدينعليهالسلام :
__________________
(1) كما لا يخفى أن محبة الله تعالىٰ تتفاوت من شخص لآخر حسب الإيمان ! وان كانوا مشتركين جميعهم في أصل المحبة باعتبارهم مؤمنين به تعالىٰ ، فعلىٰ هذا يترتب على المحبة شدةً أو ضعفاً آثار ولوازم.
(2) جامع السعادات للنراقي : ج 3 ، ص 176.
(3) جامع السعادات : ج 3 ، ص 154.
إلهي قد تقشّع الظلامُ ولم أقض من خدمتك وطراً ، ولا من حياض مُناجاتك صدراً(1) .
الأمر الذي يدل على الشوق والأنس بمناجاة الخالق ، والرغبة الأكيدة في الاستمرار في عبادته بلا انقطاع بدون ملل ولا سأم عند اوليائه ، كل ذلك حُباً فيه(2) وتعظيماً له واعترافاً له بالعبودية والتي سمتها الخشوع والخضوع ، جاء في دعاء الحسينعليهالسلام يوم عرفة : وَأقمني بصدق العُبوديَّة بين يدَيكَ.
إنه الموقف الصادق في سلوك أهل بيت العصمةعليهمالسلام والذي يُمثل أعلىٰ مراتب الانقياد والطاعة والخشوع بين يدي المولىٰ ، والإقرار بمقام العبودية والإذعان له تعالىٰ ، فلا يأنسون إلا بذكره ، ولا تبرد غلتهم إلا بوصله ، ولا تنطفئ لوعتهم الا بلقائه ، فإذا ما سدل الليلُ ستَره ، ونامت العيون ، أخذوا في مناجاة الخالق بالعبادة في بُكاءٍ وخشوعٍ لا يشغلهم شاغلٌ عمّاهُم عليه من التوجه إلى الباري تعالىٰ ، فكانوا كما قال عنهم تعالى :( كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ *وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (3) وقال تعالى :( تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) (4) .
__________________
(1) بحار الأنوار : ج 46 ، ص 40.
(2) وهذه العبادة أفضل العبادات ، وهي التي تسمى بعبادة الأحرار ، روي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : إنَّ العبادة ثلاثة : قومٌ عبدوا الله ( عزّوجل ) خوفاً فتلك عبادة العبيد ، وقومٌ عبدوا الله تبارك وتعالىٰ طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء ، وقومٌ عبدوا الله ( عزّوجلّ ) حبّاً له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة. بحار الأنوار : ج 70 ، ص 255.
(3) سورة الذاريات : الآية 17 و 18.
(4) سورة السجدة : الآية 16.
وإذا ما راجعنا سيرة أمير المؤمنينعليهالسلام في خصوص هذا الأمر ، وجدناهعليهالسلام إذا ما جنّ عليه الليل خرج يبحث عن مكان يخلو فيه مع ربه ، كما شهدت له بُعيلاتُ النخيلِ بذلك ، وليلةُ الهرير ، وهو بين السهام والرماح ، ولم يثنه ذلك عن مناجاة الخالق تعالى.
وعلىٰ هذا المنهج سار أولادُه الطاهرونعليهمالسلام وإنك لتجد ذلك واضحاً في سيرتهم كجزء من حياتهم لا ينفك عنهم ولا يبتغون غيره ولا يأنسون إلا به ، فهذا سيدُ شباب أهل الجنة الحسينعليهالسلام يَحكي سيرةَ أبيه أمير المؤمنينعليهالسلام وَما كان عليه حالهُ في العبادة كَماً وكيفاً.
أما كمّاً ، فناهيك عمّا حَدّثَ به من هو أعرف الناس به والمُطلع علىٰ شؤونه وأسرار حياته ، ولدُه زينُ العابدين وسيدُ الساجدينعليهالسلام لمَّا قيل له : ما أقلَ ولد أبيك ؟!
قالعليهالسلام : العجبُ كيف ولدتُ له !! كان يصلي في اليوم والليلة ألفَ ركعة ، فمتىٰ كان يتفرغ للنساء(1) .
وأما كيفاً ، فناهيك عمّا يعتريه إذا حضرته الصلاةُ من شدة الخوف ، فيتغير لونُه وترتعد مفاصلهُ ، فقيلَ له في ذلك ؟! فقالعليهالسلام حقٌ لمؤمن يقف بين يدي المَلكِ القهار أن يَصفّرَ لونُه وترتعدُ مفاصلُه(2) .
وقد تعجب الناسُ الذين شاهدوا حالتَه من شدة خوفه فقالوا له : ما أعظم
__________________
(1) العقد الفريد للأندلسي : ج 4 ، ص 384.
(2) العوالم ( الأمام الحسين ) للبحراني : ج 17 ، ص 61 ، الخصائص الحسينية للتستري : ص 45.
خوفك من ربك ؟! فقالعليهالسلام : لا يأمن يومَ القيامة إلا من خاف الله في الدنيا(1) .
فهكذا كان حالهعليهالسلام إذا حضرته الصلاة ، وقام بين يدي الله تعالىٰ وكأنه انتقل إلىٰ عالم آخر ، فلا يشعر بمن حوله ، وناهيك عن صلاته يوم العاشر وهو بين الأسنة والرماح وقد أحاط به الأعداء فلم يكترث بهم ولم يشغله ذلك عن مُناجاة الله تعالى ، الأمر الذي يدل علىٰ ارتباطه الشديد الوثيق بالخالق تعالىٰ ، والذي ما انفك عنه مذ خلقه الله تعالىٰ نوراً في الأنوار
ومهلِّلين مكبرين وآدم |
من مائه والطين لن يتركبا |
وقد كانعليهالسلام في بطن أُمه ـ صلوات الله عليها ـ وكانت تسمع منه الذكر والتسبيح(2) .
وأما التلاوة فكان يتلو كتاب الله آناءَ الليل وأطراف النهار وقد رُفع رأسُه على الرمح وسُمع منه الذكر وقراءة القرآن فقد روي عن زيد بن أرقم انه قال : مُرَّ به عليَّ وهو علىٰ رمح ، وأنا في غرفة لي فلما حاذاني سمعته يقرأ :( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ) (3) فوقف والله شعري وناديت رأسك والله يا بن رسول الله أعجب وأعجب(4) .
وأما الدعاء فلم يبارح شفتيه وناهيك عن أدعيته في السراء والضراء وفي الأماكن المقدسة كدعاء عرفة وغيره وكأدعيته في ليلة عاشوراء ويومها إلىٰ أن
__________________
(1) مناقب آل ابي طالب : ج 4 ، ص 69 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 192.
(2) الخرائج والجرائح للراوندي : ج 2 ، ص 844 ، بحار الأنوار : ج 43 ، ص 273.
(3) سور الكهف : الآية 9.
(4) الإرشاد للشيخ المفيد : ص 245.
غمضت عينه ولسانه لهجٌ بذكره تعالىٰ.
هذا ما كان عليهعليهالسلام في العبادة والذكر والمناجاة ولأجل هذا استمهلعليهالسلام القومَ ليلة عاشوراء التي هي آخر ليلة من عمره الشريف فأراد أن تكون كسائر لياليه الماضية ، وليتزوّد فيها من العبادة بالصلاة والاستغفار والدعاءِ وقراءة القرآن.
وقد أفصحعليهالسلام بهذا حين قال لأخيه العباسعليهالسلام عصر تاسوعاء : فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة ، وتدفعهم عند العشية ، لعلنا نصلي لربِّنا الليلة وندعوه ونستغفر له ، فهو يعلم أني قد كنت أُحب الصلاة له ، وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار(1) .
فجعل هذه الليلة العظيمة ليلة توديع وتزود من العبادة والمناجاة ، فبات ـ صلوات الله عليه ـ وأصحابه ولهم دوي كدويِّ النحل ، ما بين راكع وساجد ، وقائم وقاعد ، حتى الصباح فكانت ليلة عبادة ومناجاة كما أرادهاعليهالسلام .
قال أحد الشعراء :
قال امهلونا يا طغاة إلىٰ غدٍ |
وغداً سَيحكُم بيننا الصمصامُ |
|
ودعوا سواد الليل أن يَلقىٰ بنا |
قوماً بحبُ صلاتِهم قد هاموا |
|
والله يعلم أن سبط محمدٍ |
ما راعهُ كرُّ ولا إقدامُ |
|
لكنه يهوى الصلاةَ لربه |
ولهُ بها رَغم الخطوب غرامُ(2) |
وقال آخر :
خَيّمَ الليلُ فالعبادة وهجٌ |
يتمنىٰ ألا يضيءَ الصديعُ |
__________________
(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 316 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 392.
(2) كربلاء ( ملحمة أدبية ) : للعسيلي ص 289.
لا لأنّ الرحيل صعبٌ ولكن |
عشقَ النسكَ فالفراق مروعُ |
|
حيث لو خيروه بين جنانٍ |
أو رجوع لها لقال : الرجوعُ |
الأمر الذي يدل علىٰ تفانيه في العبادة ، وعشقه وتعلقه بالصلاة ، والمحافظة عليها ، والاهتمام بها مهما بلغ به الحال وكانت الظروف فلا يشغله شيءٌ عن ذلك حتى لو اجتمعت عليه الإنس والجن(1) .
مع أنه مَنْ كان في مثل موقفه الرهيب كيف يتسنىٰ له أن يفرغ نفسه للعبادة ، وهو في ليلة حرب وقتال مع علمه بما يجري عليه وعلىٰ أهل بيته ؟ وأيُّ قلب يحمل مثل هذه الهموم يكون فارغاً للعبادة ويتعلق بالخالق مع تراكم الأحداث الأليمة وتعرضه للقتل والتشريد ، مع أن العبادة تحتاج إلى فراغ القلب وعدم الانشغال وراحة البال لتصفو له المناجاة مع الخالق.
ومع هذا كله نجد سيد شباب أهل الجنةعليهالسلام وبما اعتراه من المصائب والآلام يتوجه للعبادة ويفرغ نفسه لها وكأنه لم يحدث شيء من ذلك ، وهذا غاية التفاني في الله تعالىٰ والتعلق به والإخلاص إليه !.
ويذكرنا ـ صلوات الله عليه ـ بهذا أن الصلاة لا تُترك بحال من الأحوال ، لأنها الصلة والرابطة بين الخالق تعالىٰ والمخلوق فهي ربيع القلوب ، وشرف المؤمن ، وعمود الدين ، وروح العبادة ، وأول ما يُسأل عنها العبد يوم القيامة ، وهذا بعض ما يُستفاد من دروس ليلة الطف الخالدة.
__________________
(1) روي عن الإمام الصادقعليهالسلام عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها وأحبّها بقلبه وباشرها بجسده وتفرغ لها فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عُسرٍ أم على يُسرٍ. سفينة البحار : ج 6 ، 271.
والجدير بالذكر أنّ هذه الليلة العظيمة من الليالي التي ينبغي إحياؤها بالعبادة وعدم إغفالها ، فقد جاء في الحديث المروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من أحيا ليلة عاشوراء فكأنما عبد الله عبادة جميع الملائكة ، وأجر العامل فيها كأجر سبعين سنة(1) .
وروي أيضاً عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال : إن استطعت أن تحافظ علىٰ ليلة الفطر ، وليلة النحر ، وأول ليلة من المحرم ، وليلة عاشوراء ، وأول ليلة من رجب ، وليلة النصف من شعبان ، فافعل وأكثر فيهن من الدعاء والصلاة وتلاوة القرآن(2) .
فعلىٰ هذا تُعدُّ ليلةُ عاشوراء من الليالي العبادية والتي ينبغي إحياؤها ، وهذا بلا شك يلحظه أهلُ البيت ـ صلوات الله عليهم ـ.
فكانت هذه الليلة الشريفة ـ ليلةُ الدعاء والعبادة ـ مع موعد لتتزامن فيه مع السبط الشهيدعليهالسلام في مواقفه البطولية الرائدة ، لتكتنف في طياتها ما يمليه عليها ، وما يتركه من بصمات فيها ، ولتشهد الحدث والموقف ـ على تراب كربلاء الطاهر الذي شهد بعضاً منهما في السابق من مواقف بعض الأنبياء(3) عليهمالسلام لتمليهما على الأجيال في كل زمان ومكان ، وتزيل بهما الحجب والأستار عن وجه الحق.
__________________
(1) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 45.
(2) مصباح المتهجد للطوسي : ص 783.
(3) روي عن الإمام الباقرعليهالسلام أنّه قال : خرج عليعليهالسلام يسير بالناس حتى إذا كان بكربلاء على ميلين أو ميل تقدّم بين أيديهم حتى طاف بمكان يقال له المقذفان ، فقال قُتل فيها مائتا نبي ومائتا سبط كلّهم شهداء ، ومناخ ركاب ومصارع عشّاق شهداء ، لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم من جاء بعدهم.
بحار الأنوار : ج 41 ، ص 295 ،ح 18.
فكان مما شهدته هذه الليلة العظيمة ، هو ذلك العروج الملكوتي والارتباط الروحي مع عالمَ الغيب ، وذلك حينما قام سيد شباب أهل الجنةعليهالسلام مع أصحابه بين يدي الخالق منقطعين إليه تعالىٰ بين راكع وساجدٍ ، وقارئ للقرآن ، ولهم دويٌ كدوي النحل ، فتراهم خُشعاً أبصارهم ، وقد كَستهم العبادة أنواراً إلهية ، فكان لها الأثر الكبير في تهذيب نفوسهم وشَحذ قلوبِهم وصقلها فتسلحوا بها علىٰ أعدائهم ، وحققوا بها أكبرَ انتصارٍ عرفهُ التاريخ.
يقول الشاعر :
ودويٌ كالنحل في صلوات |
لو أتوها على الوجود لزالا |
|
يَشحذون الفؤاد كي لا يهالا |
حين ترتجُّ أرضُها زلزالا |
وما أحقهم بوصف من قال :
لله قومٌ إذا ما الليلُ جنّهمُ |
قاموا مِنَ الفُرش للرحمٰن عُبّادا |
|
ويركبون مطايا لا تملّهمُ |
إذا هُم بمنادي الصّبح قد نادى |
|
همُ إذا ما بياض الصبح لاح لهمْ |
قالوا من الشوق ليت الليل قد عادا |
|
همُ المُطيعون في الدنيا لسيّدهم |
وفي القيامة سادوا كلّ مَنْ سادا |
|
الأرضُ تبكي عليهم حين تفقدهم |
لأنّهم جُعلِوا للأرضِ أوتادا(1) |
وقد كان لعبادتهم أيضاً أثر كبير في نفوس آخرين ، فقد اهتدىٰ بهم ـ كما في الرواية(2) ـ اثنان وثلاثون رجلاً من معسكر بن زياد إذ عبروا إليهم ، وقد كانوا بالقُرب من خيامِهم ، وذلك لمَّا استوقفتهم تلك الأصوات الرخيمة التي كانت تعلو
__________________
(1) سفينة البحار للقمي : ج 5 ، ص 45.
(2) اللهوف : ص 41.
خيام الحسينعليهالسلام بهمهمة التسبيح وتلاوة القرآن ، فجذبت قلوبَهم ورأوا أنفسهم يتحركون نحوهم حتىٰ انضموا إلىٰ ركبهم ، وهذا خيرُ دليل علىٰ صِدق عبادتِهم وطهارة نفوسِهم وإخلاصهم لله تعالىٰ.
هذا وقد أمضوا ليلتهم هذه حتى الصباح في عبادة وخشوع ، ومِنْ بينهم سيدُ شباب أهل الجنة ـ صلوات الله عليه ـ وهو يرتّلُ القرآنَ ترتيلاً ، وقد أحدقوا به يَستمدون من إشعاعاتهِ النورانية ما يهيئهم للقاء الله تعالىٰ ، وقد انعكس حاله وما كان عليه من المناجاة على حالهم ، فأقبلوا معه يتضرعون إلى الله تعالىٰ ويستغفرونه ويتلون كتابه ، فكانت عبادة بحق خالصة لوجهه الكريم ، ولهذا زادتهم صموداً واستعداداً في مواجهة الطغيان والتحدي.
ليس في القارئين مثلُ حسينٍ |
عالماً بالجواهر الغاليات |
|
فهو يدري خلف السطور سطوراً |
ليس كلُ الاعجاز في الكلمات |
|
للبيان العُلويّ في أنفس الأطهار |
مسرى يفوقُ مسرى اللُغات |
|
وهو وقفٌ على البصيرة ، فالأبصار |
تَعشو ، في الأنجم الباهرات |
|
يَقذفُ البحرُ للشواطئ رَملاً |
واللآلي تغوصُ في اللُّجات |
|
والمصلون في التلاوة أشباهٌ |
وإن الفروقَ بالنيات |
|
فالمناجاةُ شعلةٌ من فؤادٍ |
صادقِ الحسّ مرهف الخلجات |
|
فإذا لم تكن سوىٰ رجع قول |
فهي لهوُ الشفاه بالتمتمات |
|
إنما الساجد المصلي حسينٌ |
طاهرُ الذيلِ طَيّبُ النفحات(1) |
__________________
(1) عيد الغدير لبولس سلامه : ص 262.
الصدق هو : من الصفات الكريمة ومن أشرفها ، والتي تؤدي إلى سمو الإنسان ورفعته وتكامل شخصيته ، وأساس ثقة الناس به ، وهو أحد الأركان التي عليها مدار نظام المجتمع الإنساني.
ولذا عنى الإسلام بهذه الصفة الكريمة وبالغ في التحلي بها ، وقد أثنىٰ علىٰ من تخلق بها ، قال تعالىٰ :( مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ) (1) كما أثنىٰ تعالىٰ علىٰ نبيه إسماعيل به وقال :( إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا ) (2) .
ومما ورد عن أهل بيت العصمةعليهمالسلام في مدح هذه الخصلة الشريفة والتحلي بها :
ما روي عن الإمام الصادقعليهالسلام أنه قال : إن الله لم يبعث نبياً إلا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة إلى البر والفاجر(3) .
وروي عنهعليهالسلام يوصي شيعته : كونوا دعاةً للناس بالخير بغير ألسنتكم ، ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع(4) .
__________________
(1) سورة الأحزاب : الآية 23.
(2) سورة مريم : الآية 54.
(3) أصول الكافي للكليني : ج 2 ، ص 104 ، ح 1.
(4) أصول الكافي للكليني : ج 2 ، ص 105 ، ح 10.
وكما لا يخفى أن هذه الخصلة الشريفة من خصال أهل بيت العصمةعليهمالسلام ، والتي ظهرت بشكل واضح علىٰ أفعالهم وأقوالهم ، فهمُ الصديقون حقاً ، كما عناهم القرآن الكريم بذلك في قوله تعالىٰ :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (1) فهمُ الصادقونَ الذين أمر القرآنُ الكريم باتباعهم والسيرَ علىٰ منهجهم الشريف.
وقد استأثرت هذه الخصلة الشريفة بعناية بالغة عندَهمعليهمالسلام مؤكدين عليها ، وملتزمينَ بها في حياتهم ، وفي تعاملهم مع سائر الناس ، بعيداً عن المداهنة والخداع والتضليل ، حتىٰ في وقت الشدائد ووقوع المكاره ، فقد اتسم طريقُهم بالصِدقِ والصراحة في جميع فترات حياتهم ، وإن أدىٰ ذلك إلى تفرُّق الناس عنهم ، ما داموا على الحق والذي لا يعدلون به إلىٰ غيره.
إذ ليسوا كغيرهم ـ صلوات الله عليهم ـ من أولئك الذين يصلون إلىٰ غاياتهم ، بكل وسيلة ما دام ذلك يُعزِّرُ موقفهم والتفاف الناس حولَهم ، ويُحقّق لَهمُ الفوزَ والغلبةَ علىٰ مُناوئيهم ولو بالمُداهنة والخُداع والتضليل.
إلا أن أهلَ البيتعليهمالسلام المتميزين عن غيرهم بما خَصهُم اللهُ تعالىٰ ومنحهمُ به ، لا يتوصلونَ للحق إلا مِنْ طريق الحق ، فهذا أمير المؤمنينعليهالسلام لما أشار عليه المُغيرة بن شعبة أن يبقيَ معاوية بن أبي سفيان أميراً على الشام ولا يعزله كيما يستتب له الأمر ، ثم بعد ذلك يعزله.
قال لهعليهالسلام : أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه ؟ قال : لا ،
__________________
(1) سورة التوبة : الآية 119.
قالعليهالسلام لا يسألني الله عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبداً( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا ) (1) الخبر(2) .
ومما حدّث به بعضهم في فضائلهعليهالسلام قال : ثمّ ترك الخديعة والمكر والغدر ، إجتمع الناس عليه جميعاً فقالوا له : أكتب يا أمير المؤمنين إلى من خالفك بولايته ثمّ اعزله ، فقال : المكر والخديعة والغدر في النار(3) .
وكذا إذا لاحظنا موقفهعليهالسلام يومَ الشورىٰ حينما بُويع بعد وفاة الخليفة الثاني علىٰ أن يعمل بسيرة الشيخين لم يُساومهم ولم يخادعهم ، بل كان صريحاً معهم في موقفه من ذلك وقالعليهالسلام : بل علىٰ كتاب الله وسنّة رسوله واجتهاد رأيي ، فعدل عنه إلى الخليفة الثالث(4) ولم يكنعليهالسلام بوسعه أن يسلك طريقاً لا يراه ، بل أوضح لهم المنهج الذي يَسير عليه ، وإن ذهبت الخلافةُ إلىٰ غيره.
فهوعليهالسلام يَبني أساس الحكم على الصدق والحق ، وعدم الالتواء مع الآخرين وإن كان ذلك يُحقق له انتصاراً وغلبةً على الآخرين.
وإلى غير ذلك من الشواهد الأخرىٰ في سيرتهم ، والتي أوضحوا فيها منهجَهم الصادق القائم العدل والحق.
ويتضح هذا الأمر أيضاً في مواقف الحسينعليهالسلام وفي منهجه الشريف والذي اتسم بالصدق والصراحة ، بعيداً عن تلك الأساليب التي ينتهجها بعضهم في ساعة المحنة ،
__________________
(1) سورة الكهف الآية : 51.
(2) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب : ج 3 ، ص 195 ، وعنه بحار الأنوار : ج 32 ، ص 34 ، ح 20 ـ 22.
(3) بحار الأنوار : ج 40 ، ص 105 ، ح 117.
(4) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد : ج 1 ، ص 188.
والصراخة ، بعيداً عن تلك الأساليب التي ينتهجها بعضهم في ساعة المحنة ، فيخدعون الآخرين بكل وسيلة وحيلة من أجل البقاء علىٰ سلامة رؤوسِهم ، ولو كلف ذلك إبادتهم جميعاً !!.
( فكان ـ صلوات الله عليه ـ في جميع فترات حياته لم يوارب ولم يُخادع ، ولم يَسلك طريقاً فيه أيَ التواء ، وإنما يَسلك الطريق الواضح الذي يتجاوب مع ضميره الحي ، وابتَعد على المنعطفات التي لا يقرّها دينُه وخُلقُه ، وكان من ألوانِ ذلك السلوك النَيِّر أن الوليد حاكم يثربَ دعاه في غَلس الليل ، وأحاطهُ علماً بهلاك معاوية ، وطلب منه البيعةَ ليزيد مُكتفياً بها في جنح الظلام ، فامتنععليهالسلام وصارحَه بالواقع قائلاً : يا أمير إنا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد فاسق فاجر ، شارب الخمر ، قاتلُ النفس المحرمة ، مُعلنٌ بالفسق والفجور ، ومثلي لا يبايع مثله(1) ، وكشفت هذه الكلمات عن مدىٰ صراحته ، وسمُو ذاته ، وقوة العارضة عنده في سبيل الحق.
ومن ألوان تلك الصراحة التي اعتادها وصارت من ذاتياته أنه لما خرج إلى العراق وافاه النبأُ المُؤلم وهو في أثناء الطريق بمقتل سفيره مسلم بن عقيلعليهالسلام ، وخُذلان أهل الكوفة له ، فقال للذين اتبعوه طلباً للعافية لا للحق : فَمَن أحبَّ مِنكُم الانصراف فلينصرفْ ، لَيْسَ عَليه منّا ذِمامٌ(2) ، فتفرق عنه ذوو الأطماع ، وبَقىٰ معه الصفوةُ من أهل بيته.
لقد تجَنّبعليهالسلام في تلك الساعات الحرجة التي يتطلب فيها إلى الناصر
__________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 184 ، اللهوف : ص 10 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 325.
(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 300 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 374.
والإغراء والخُداع ، مؤمناً أن ذلك لا يمكن أن تتصف به النفوس العظيمة المؤمنة بربها والمؤمنة بعدالة قضيتها )(1) .
ويتضحُ هذا الأمرُ جلياً في هذه الليلة التي خَلّدها التاريخ ، وذلك من خلال موقفهعليهالسلام في ساعات هذه الليلة الأليمة مع أهل بيته وأصحابه ، وذلك حينما أوقف أصحابه علىٰ الأمر الواقع ولم يخفِ عليهم ليكونوا علىٰ بينة من أمرهم ومستقبلهم ، فوقف قائلاً لهم : إني غداً أُقتل وكلكُم تُقتلون معي ولا يبقىٰ منكم أحد(2) حتى القاسم وعبد الله الرضيع(3) .
مؤكداً عليهم أن كلَ من يَبق معه منهم سوف يستشهد بين يديه ، فهوعليهالسلام لا يُريد أن يتركَهُم في غَفلة من أمرهم ، ولئلا يتوهم أحدٌ منهم بأنه ربّما يُهادنُ القومَ فيما بَعد ، أو يقبل بخيار آخرَ غيرِ القتال ، ولكنهعليهالسلام بَيّن لهم أنه يُقتل وهُم أيضاً يُقتلون إذا مَا بقُوا معه ! وبهذا يكونعليهالسلام قد أوقفهم علىٰ حقيقة الأمر.
وقد أكد هذا الأمر مرةً أخرىٰ فيما قال لهم ، مشفقاً عليهم قائلاً : لهم أنتم جئتم معي لعلمِكم بأني أذهب إلىٰ جماعة بايعوني قلباً ولساناً ، والآن تجدونَهم قد استحوذَ عليهم الشيطانُ ونسوا الله ، والآن لم يكن لهم مقصدٌ سوىٰ قتلي ، وقتل من يجاهد بين يدي ، وسبي حريمي بعد سلبهم ، وأخاف أن لا تعلموا ذلك ، أو تعلموا ولا تتفرقوا للحياء مني ، ويحرم المكر والخدعة عندنا أهل البيت(4) .
__________________
(1) حياة الإمام الحسين (ع) للقرشي : ج 1 ، ص 119 ـ 120.
(2) نفس المهموم : ص 230.
(3) مقتل الحسين للمقرم : ص 215.
(4) أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 222 ، الإيقاد : ص 93.
فأحاطهم علماً بأنه يُقتل ومن معه أيضاً ، وأن حريمَه تُسبىٰ بعد قتله ، إذ لعل بعضهم يكره هذا ، خصوصاً من جاء بنسائه فيكون علىٰ علم بهذا الأمر. كما أنهعليهالسلام عَدَّ إخفاءَ هذا الأمر عليهم خُدعةً ومكراً وأن ذلك محرمٌ عندهم لا يجوز بحال من الأحوال ، إذ كانواعليهمالسلام أبعد الناس عن مثل هذه الامور التي لا يقرونها لأحدٍ مهما كلف الأمر.
وقد حَذَّروا من هذا الأمر وذموا من يتصف به ، فقد روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنه قال : ليس منّا مَنْ ماكر مسلماً.
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه كان كثيراً ما يتنفس الصُعداء ويقول : واويلاه يمكرون بي ويعلمون أني بمكرهم عالم وأعرف منهم بوجوه المكر ، ولكني أعلم أن المكر والخديعة في النار ، فأصبرُ علىٰ مكرهم ولا أرتكب مثل ما ارتكبوا(1) .
وهذا أيضاً مما تميز به منهجهم ـ صلوات الله عليهم ـ الذي حوىٰ كل صفات الأخلاق الرفيعة والمُثل العليا.
ولذا وقف سيدُ الشهداءعليهالسلام في هذه الليلة العظيمة مُشفقاً علىٰ أصحابه ، ليطلعهم علىٰ ما خفي عليهم ما داموا قد وطنوا أنفسهم معه علىٰ ذلك الأمر الخطير ، فهو لا يُريد ناصراً قد منعه الحياء عن نصرته ، ما لم يكن عن علمه وبقناعته الشخصية في ذلك.
وهذا من أعظم الدروس الأخلاقية والتربوية المستفادة من ليلة الطف العظيمة ،
__________________
(1) جامع السعادات للنراقي : ج 1 ، ص 239.
التي ينبغي الوقوف عليها والاستفادة منها.
وهنا لا ننسىٰ أيضاً ظهور هذا الجانب الأخلاقي العظيم في سلوك أنصار الحسينعليهالسلام إذ ظهر الصدقُ علىٰ أقوالهم وأفعالهم ، حينما عاهدوه على الشهادة معه والدفاع عنه ، فكانت نياتُهم في ذلك صادقةً لا يشوبها أيُّ تَردّدٍ أو ميل ، فكانوا عازمين بالفعل علىٰ نصرته والذب عنه ، وخير شاهد علىٰ ذلك هو وفاؤهم بما ألزموا به أنفسهم ، وتسابقهم إلى الشهادة بين يديه ، فلم تنحل عزيمتُهم وهم في أوج المحنة وشدتها ـ في ظهر عاشوراء ـ مع شدة العطش وحرارة الشمس ، وجراحات السنان ، وطعنات الرماح ، إذ أن النفس ساعتها ربما سَخت بالعزم وتناست الوعد ، وتعلقت بحب البقاء ، وحينها يتلاشىٰ ما التُزم به من وعود وعهود.
إلا أنهم ـ رضوان الله عليهم ـ ثبتوا أمام الأعداء بلا تراجع أو تردد وقاتلوا بجدارة فائقة منقطعة النظير ، وَوفَوا بما التزموا به ، فوافقت ظواهُرهم بواطَنهم ، وبهذا وصلوا إلىٰ أعلىٰ مراتب الإخلاص في صدقهم ، كما أن الوفاءَ بالعهد أفضل أنواع الصدق القولي فكانوا بحق مصداقاً لقوله تعالى :( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (1) .
والجديرُ بالذكر أن الحسينعليهالسلام كان يُردّد هذه الآية الشريفة حين مقتل أصحابه(2) ـ رضوان الله عليهم ـ ، الأمر الذي يدل علىٰ وفائهم وصدق موقفهم النبيل.
__________________
(1) سورة الأحزاب : الآية 23.
(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 331 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 20.
ب ـ الصبر وقوة التحمل
الصبر : هو حبس النفس عمّا تنازع إليه من ضد ما ينبغي أن يكون عليه ، وضده الجزع قال :
فَإنْ تَصبِرا فالصَّبْرُ خَيْرٌ مغبَّة |
وإِن تجزَعا فالامرُ ماتَريانِ(1) |
( ومما يدعو إلىٰ تماسك الشخصية وتوازنها الصبر علىٰ الأحداث وعدم الانهيار أمام محن الأيام وخطوبها ، وقد أكد الإسلام علىٰ هذه الظاهرة بصورة خاصة ، وحث المسلمين على التحلي بها وأن من يتخلق بها فإن الله يَمنحهُ الاجرَ بغير حساب ، قال تعالىٰ :( وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (2) ، وقال تعالى :( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (3) ، وقال تعالى :( وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ) (4) ، وقال تعالى :( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (5) ، وقال تعالىٰ في مدحه لنبيه أيوبَعليهالسلام :( إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) (6) .
__________________
(1) مجمع البيان للطبرسي : ج 4 ، ص 855.
(2) سورة النحل : الآية 96.
(3) سورة الزمر : الآية 10.
(4) سورة الإنسان : الآية 12.
(5) سورة السجدة : الآية 24.
(6) سورة ص : الآية 44.
إنَّ الصبر نفحةٌ من نفحات الله ، يَعتصمُ به المؤمن فيتلقى المكارهَ والمصاعب بحزمٍ ثابت ونفسٍ مطمئنة ، ولولاهُ لانهارت نفسُه ، وتحطّمت قواه ، وأصبحَ عاجزاً عن السير في رَكب الحياة ، وقد دعا الإسلامُ إلى الاعتصام به لأنه من أهم الفضائل الخُلقية ، وقد ذكرهُ القرآنُ الكريم في سبعين آية ، ولم يذكر فضيلة أخرىٰ بهذا المقدار ، وما سببُ ذلك إلا لعظيم أمره ، ولأنه من مصادر النهوض الإجتماعي ، فالأمة التي لا صَبرَ لها لا يُمكن أن تصمُدَ في وجهِ الأعاصير ، مضافاً لذلك أنه يُربي ملكاتِ الخير في النفس فما فضيلة إلا وهي محتاجةٌ إليه.
وقد أثر عنهم في ذلك الشيء الكثير من الأخبار ، فقد قال الإمام أبو جعفرعليهالسلام : الجنة محفوفةٌ بالمكاره والصبر ، فمن صَبَر على المكاره في الدُنيا دخل الجنة(1) ، وقال الإمام زين العابدينعليهالسلام : الصبرُ من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبرَ له(2) .
إن الصبر بلسمٌ للقلوب المكلومة التي أثكلها الخطب وجار عليها الزمانُ ، وهو عزاءٌ للنفوس الحزينة التي هامت بتيار الهواجس والهموم ، وهو تسليةٌ للمعذبين يجدون فيه الاطمئنان ، وتحت كنفه ينعَمون بالراحة والاستقرار )(3) .
وفي ليلة عاشوراء التي حَفلت بعظيمِ المكاره والمصائب والأرزاء ، والتي لا يُعهد لها مثيل في تاريخ البشرية ، نرىٰ وقد برزَ الصبرُ فيها ، وصار أحدَ سِماتها ، وصفةً قد تحلىٰ بها أصحابُها ، حتىٰ أصبحَ كلُ واحد منهم كالجبل الأصم لا تهزه
__________________
(1) أصول الكافي للكليني : ج 2 ، ص 89 ، ح 7 ، بحار الأنوار : ج 68 ، ص 72 ، ح 4.
(2) أصول الكافي للكليني : ج 2 ، ص 89 ، ح 4 ، بحار الأنوار : ج 68 ، ص 81 ، ح 17.
(3) النظام التربوي في الإسلام : للقرشي ص 283.
العواصف ومِنْ بينهم سيدُ شباب أهل الجنة ـ صلوات الله عليه ـ الذي كُلما ازداد الموقف شدةً ازداد صبراً وإشراقةً.
يقول الأربلي : شجاعةُ الحسينعليهالسلام يُضربُ بها المثل ، وَصبرُه في مأقط الحرب أعجزَ والاواخر الأوائلَ والأواخر(1) .
وكما قيل : إن في بشاشة وَجه الرئيس أثراً كبيراً في قوُة آمال الأتباع ونشاط أعصابهم ، فكان أصحابه كلما نظروا إليهعليهالسلام ازدادوا نَشاطاً وصمُوداً ، هَذا مع ما هو فيه ـ صلوات الله عليه ـ من البلاء العظيم والخطب الجسيم في ليلة لم تمر عليه بأعَظمَ منها ، حيث يرَى الأعداءَ قد اجتمعوا لقتاله وقتال أهل بيته ، وهو يَرىٰ أهلهَ يرقبونَ نزولَ البلاء العظيم مع ما هُم فيه من العطش الشديد ، بلا زادٍ ولا ماء حتىٰ ذَبُلت شِفاهُهُم وغارت عيونُهم ، وبُحّت أصواتهم ، وذعُرتْ أطفالهم ، وارتاعت قلوبهم ، في وَجَل شديد علىٰ فراق الأحبة وفقد الأعزة ، ومَنْ يرىٰ ذلك كيف لا ينهار ولا يضعُف ولا تقل عزيمته وهو يرىٰ ما يَبعثُ على الالم ويُحطِّم القُوىٰ !!
إلا أن الحسينعليهالسلام الذي كان يَلحظ ذلك بعينه ، لا تجد أثراً من ذلك في نفسه بل كان يزدادُ صبراً وعزيمةً ، وتحمل تلك الأعباء الثقيلة ، وتسلح بالصبر على الأذىٰ في سبيل الله تعالىٰ وهو القائل : ومَنْ رَدَّ عليَّ هذا أصبرُ حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين(2) فكانعليهالسلام نعم الصابر المحتسب عند الله تعالىٰ.
وقد جاء في الزيارة عن الإمام الصادقعليهالسلام : وصَبرتَ على الأذىٰ في جنبه
__________________
(1) كشف الغمة للإربلي : ج 2 ص 20.
(2) بحار الأنوار : ج 44 ، ص 330.
محتسباً حتىٰ أتاك اليقين(1) .
وناهيك تعجب ملائكة السماء من صبره كما جاء في الزيارة : وقد عجبت من صبرك ملائكةُ السموات(2) .
وكان يقولعليهالسلام في أوقاتِ الشدة يوم عاشواء وهو متشحّط بدمه : صَبراً علىٰ قضائك يا رب لا إلهَ سِواكَ ، يا غِياثَ المستغيثين(3) ما لي ربٌّ سواك ولا معبود غيرك صبراً علىٰ حكمك(4) وناهيك عن موقفه المرير وهو يُشاهد مقتلَ رضيعه الصغير وهو يقول : اللهم صبراً واحتساباً فيك(5) .
وكيف لا يكونُ صابراً محتسباً وهو من الذين عناهم الله تعالىٰ في قوله :( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ) (6) وقوله :( وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ) (7) .
فالحسينعليهالسلام شخصيةٌ منفردةٌ بجميع صفات الكمال ، وتجسدت فيه كلُ صور الأخلاق ، وقد أرادعليهالسلام أن يضفي من كماله علىٰ أصحابه وأهل بيته بوصاياه لهم بالصبر الجميل ، وتوطين النفس ، واحتمال المكاره ، ليستعينوا بذلك في تحمُّل الأعباء ومكابدة الآلام ، وليحوزوا علىٰ منازل الصابرين وما أعَد اللهُ لهم.
__________________
(1) بحار الأنوار : ج 98 ، ص 293 و ج 98 ، ص 256.
(2) بحار الأنوار : ج 98 ، ص 240.
(3) أسرار الشهادة : ج 3 ، ص 68.
(4) مقتل الحسين للمقرم : ص 283.
(5) معالي السبطين : ج 1 ، ص 343.
(6) سورة السجدة : الآية 24.
(7) سورة الإنسان : الآية 12.
فأما أصحابه فقد أوصاهمعليهالسلام مراراً بالصبر والتسلُّح به في مواجهة النوائب والمحن ، والصبر علىٰ حدِّ السيف وطعن الأسنَّة وعلىٰ أهوال الحرب.
وكما لا يخفىٰ أن هذا ليس بالأمر السهل إذ أن مواجهة ذلك يحتاج إلى التدرُّع بالصبر والحزم ، وعدم الجزع من أهوال المعركة والثبات عند القتال ، وعدم الاستسلام أو الانهزام ، فإذا ما تسلح المقاتل بالصبر كان في قمة المواجهة ، لا يبالي بما يلاقيه وما يتعرَّض إليه من ألم السنان وجرح الطعان.
ولذا نادى ـ صلوات الله عليه ـ فيمن تبعه من الناس ـ في بعض المنازل ـ قائلاً لهم : أيها الناسُ فمَنْ كان منكم يصبر على حدِّ السيف وطعن الأسنة فليقُمْ معنا وإلا فلينصرف عنَّا(1) .
فإذا كان المقاتل لا صبر له علىٰ ذلك كيف يثبت في ساحة القتال حينما يرى أهوال المعركة إنّ هذا وأمثاله لا يؤمن منه الجزع ، فإما أن ينهزمَ أو يستسلم للأعداء.
وهنا لا ننسى تأكيد القرآنُ الكريم في هذا الجانب إذ حثّ المجاهدين في سبيل الله تعالى علىٰ التحلَّي بالصبر والثبات في ساحة القتال قال تعالىٰ :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ) (2) ، وقال تعالىٰ :( إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) (3) ، وقال تعالىٰ :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
__________________
(1) ينابيع المودة : ص 338 ، كلمات الإمام الحسين : ص 348.
(2) سورة آل عمران : الآية 200.
(3) سورة الأنفال : الآية 65.
لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (1) .
ومن الواضح أن نجد الحسينعليهالسلام في هذه الليلة ـ استعداداً للمواجهة ـ أن يوصي أصحابه بذلك ويرغبهم في احتمال المكاره قائلاً لهم : فإن كنتُم قد وطأتم أنفسكم علىٰ قد وطّأتُ عليه نفسي ، فاعلمُوا أن الله إنما يَهبُ المنازلَ الشريفةَ لعبادة باحتمال المكاره ، وإن الله وإن كان قد خَصَّني مع مَنْ مضىٰ من أهلي الذين أنا آخِرهُم بَقاءً في الدُنيا من الكرامات ، بما سَهّل معها علىٰ احتمال الكريهات ، فإنَّ لكم شطرَ ذلك من كرامات الله ، واعلموا أن الدُنيا حُلوها مرٌ ، ومرُّها حُلوٌ ، والانتباه في الاخرة ، والفائزُ من فاز فيها والشقي من يشقىٰ فيها(2) .
الأمر الذي أثَّر في نفُوسهم وزاد في تَحمُّلهم ، حتىٰ أوقفهم علىٰ غامض القضاء ، وكَشف عن أبصارهم فرأوا منازلهم من الجنة وما حباهُم الله تعالىٰ من النعيم.
كما أوصاهمعليهالسلام بهذا أيضاً ونحوه بعد ما صلَّىٰ بهم الغداةً قائلاً لهم : إن الله تعالىٰ أذنَ في قتلكم وقتلي في هذا اليوم ، فعليكم بالصبر والقتال(3) .
وكذلك لما رآهم وقد تناوشتهم السيوف وقفعليهالسلام قائلاً لهم : صَبراً يا بَني عُمومتي صبراً يا أهل بيتي ، لا رأيتُم هَواناً بعد هذا اليوم أبداً(4) .
وكذا يوصي غلاماً له وقد قُطعت يده ، فضَمّهُ إليه قائلاً له : يا بن أخي اصبر
__________________
(1) سورة الأنفال : الآية 45.
(2) أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 223.
(3) كامل الزيارات لابن قولويه : ص 73 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 86.
(4) مقتل الحسين للخوارزمي : ج 2 ، ص 27 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 36.
علىٰ ما نَزلَ بك واحتسب في ذلك الخير(1) .
وفي رواية أنه يقولعليهالسلام بعد ما يُقتل طفله الرضيع ويضع كفيه تحتَ نحره : يا نفس اصبري ، واحتسبي فيما أصابَكِ(2) .
وأما أهل بيته وعياله فقد أوصاهم ـ صلوات الله عليه ـ غير مرة بالصبر والتقوىٰ وعدم الجزع ، وتحمل المتاعب في سبيل الله تعالىٰ والتوكل عليه ، والقيام بالمسئولية علىٰ أحسن حال.
ومن وصاياه لهم : ولا بدّ أن تروني على الثرىٰ جديلاً ، ولكن أُوصيكم بالصبر والتقوىٰ ، وذلك أخبر به جدكم ولا خُلف لوعده ، وأسلمُكم علىٰ من لو هتك الستر لم يستره أحد(3) .
ومن وصاياه أيضاًعليهالسلام لأخته زينبعليهاالسلام وذلك حينما رآها وقد أثّر عليها ألمُ المُصاب وحرارةُ الفراق ، أوصاها قائلاً :
يا أختاه تعزي بعزاء الله وارضي بقضاء الله(4) .
يا أخية لا يذهبنَّ حلمَك الشيطان ...
يا أُخية اتقّي اللهَ وتعزّي بعزاءِ الله ، واعلمي أن أهل الأرض يَموتون وأن أهل السماء لا يبقون ، وأن كلَ شيء هالكٌ إلا وجْهَ اللهِ الذي خلقَ الأرض بقُدرتهِ ، ويبعث الخلقَ فيعودون وهو فردٌ وحدَه ، أبي خيرٌ مني وأمي خيرٌ مني وأخي خيرٌ مني ولي وَلهُم ولكل مُسلمٍ برسولِ الله أسوةٌ.
__________________
(1) وقعة الطف : ص 254 ، الإرشاد للشيخ المفيد : ص 241.
(2) تظلم الزهراء : ص 203 ، معالي السبطين : ج 1 ، ص 423.
(3) أسرار الشهادة : ج 2 ، ص 222.
(4) مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 238.
قال : فعزّاها بهذا وَنحوهِ ، وقال لها : يا أخيّةُ إني أقسمُ عليك فأبرِّي قسمي ، لا تشُقي عليَّ جَيباً ولا تخمشي عليَّ وَجهاً وَلا تدعي عليَّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت(1) .
وفي رواية ثم قالعليهالسلام : يا اُختاه يا أمَّ كلثوم وأنت يا زينب وأنت يا فاطمة وأنت يا رباب إذا أنا قُتلت فلا تَشققنَّ عليَّ جيباً ، ولا تخمشن عليَّ وجهاً ، ولا تقلن هجراً(2) .
وقد أخذعليهالسلام في وصاياه يؤكد عليهنَّ بالصبر على الاحداث الأليمة ، والتجلد في المواقف الرهيبة والكوارث الأليمة ، وأن يتمالكن أنفسَهُنّ حين يَرينهُ صريعاً مُجدلاً.
وخصوصاً أخته زينبعليهاالسلام والتي حَمّلها مسؤليةَ حفظ الحرم والأطفال ، وقد أكّدَ عليها كثيراً بالصبر والتجلد لكي تقوم بالمسؤلية ، ولتؤدي وظيفتها علىٰ أحسن حال في حفظ ورعاية العيال والأطفال ، الذين ليس لهم مُحامٍ ومدافع سواها ، ولكي تُشاطرَهُ في مهمته ، ولئلا يَغلب عليها الأسىٰ في إبلاغ حجته ، وإتمام دعوته ، خصوصاً في المواقف الحرجة الأليمة في الكوفة والشام.
وَكلُّ هذا التأكيد عليها في وصاياه لها ( إعلامٌ لها بتحمُّل المسؤولية وأن تكون أمام الكوارث المقبلة كالجبل الأشم ، والصخرة الصماء ، تتكسر عليها كل عوامل الذلة والانكسار ، ولا تستولي عليها دوافع الضعف ، وعوامل الانهيار ، وأن تتأسّىٰ بجدها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتتعزىٰ بعزاء الله.
إنه عبءٌ ثقيل في تحمُّل مسؤولية الكفاح المتواصل لربط الثورة بأهدافها
__________________
(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 319 ، الإرشاد للمفيد : ص 232.
(2) اللهوف : ص 36.
المتوقعة وعواملها المنتظرة ، وقد تجسّدت لها الحوادث بعد أن أطلعها الحسين علىٰ كثير من مهماتِها ، وَفتحَ أمامَها نوافذَ مهمة مَهّدَ لها طُرقَ التسلية عمّا تلاقيه فيها من بلاءٍ وما تصطدم بها من نكبات.
ولقد كانت علىٰ موعد مع هذا الحدث العظيم ، حدثتها اُمها فاطمة الزهراءعليهاالسلام وسمعت من أبيها عليعليهالسلام ، ما يدل علىٰ وقوع ذلك ، وكما لمّح لها أخوها الحسنعليهالسلام بآثار الفاجعة ، وصرّح لها الحسينعليهالسلام بدنو ما كانت تخشاه ، وحلول ما كانت تتوقعه.
ولقد تحملت مسؤولية إتمام الرسالة التي قام بها الحسينعليهالسلام فأوضحت للعالم عواملَ الثورة ، فنبّهت الغافل ، وفضحت تلك الدعايات المُضلِلة ، لقد مَثّلت زينبعليهاالسلام دورَ البطولة في ميدان الجهاد ، وثبتت أمام المحن والمكاره ، ثبوتَ الجبلِ أمامَ العواصف ، واحتسبت ما أصابها من بلاءٍ في جنب الله ، طلباً لمرضاته وجهاداً في سبيله ، وإعلاءً لكلمته ، لقد أدّت واجبها في ساعة المحنة ، فهي تسلي الثاكل وتُصبر الطفل ، وتُهدّئُ روعَ العائلة.
وانظر إلى موقفها كيف وقفت أمام مجتمع الكوفة فحملتهم مسؤولِيةَ هذه الجريمة الكبرىٰ ، ووسمتهُم بالذُلِ وألبستهم العار ، وكيف قابلت يزيد الماجن المستتر الطائش ، فأوضحت للملأ الحادَه وكفرَه ، وسلبتهُ مواهب التفكير ، فوقف أمام قوة الإيمان موقف ذلةٍ وانكسار ، فكان النصرُ حليفَها ولا زال إلى الأبد )(1) .
وتشاطرت هي والحسينُ بدعوةٍ |
حتمَ القضاءُ عليهما أن يُندبا |
|
هذا بمشتبك النصولِ وهذه |
في حيث مُعترك المكاره في السبا(2) |
__________________
(1) مع الحسين في نهضته لأسد حيدر : ص 202 بتصرف.
(2) للعلامة المرحوم ميرزا محمد علي الأوردبادي نور الله ضريحه.
ومما اتّسمت به أخلاق أهل البيتعليهمالسلام في تعاملهم مع الآخرين أنهم لا يفرضون أنفسهم عليهم بالغلبة والقوة ، بل يتركون لهم حرية اتخاذ القرار بأنفسهم.
كما نجد هذا واضحاً في سيرة أمير المؤمنينعليهالسلام مع أصحابه ومَنْ حوله ، فلم يقسر أحداً علىٰ موالاته ، أو علىٰ صحبته أو بيعته ، فإن هناك من تخلّف عن بيعته ، ولم يجبر أحداً منهم علىٰ ذلك ، ولم يمنعهم عطاءهم.
ناهيك عن موقف الزبير وطلحة تجاهه ـ وذلك حينما أرادا الانصرافَ عنهُ ، استأذناه في الذهاب إلى العُمرة ، مع علمهعليهالسلام بما يضمراه له من سوءٍ ، فلم يمنعهما من الانصراف بل أذن لهما ، مع علمه أيضاً أنهما سوف يؤلّبان الناس عليه.
ولما خرجا قالعليهالسلام لأصحابه : والله ما يريدان العمرة وإنما يريدان الغدرة(1) فتركهما وشأنهما فكانت مكافأتهما له عداوته وجر الناس إلى حربه.
وغيرهما ممن تركه وانصرف عنه كالذين انصرفوا عنه إلىٰ معاوية بن أبي سفيان في جنح الليل ، وقد كان قادراً علىٰ منعهم وردهم إلا أنه ترك لهم حرية الرأي وتحديد المصير ، وإن كان علىٰ خلاف ما يريد ويهوىٰ ما لم يستلزم من ذلك محذوراً آخر يقتضي خلاف ذلك.
نعم لا ينافي هذا أنهمعليهمالسلام يُرشدون أمثال هؤلاء إلىٰ طريق الحق ، كما لا
__________________
(1) بحار الأنوار : ج 32 ، ص 25 ، ح 8 ، ب 1 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 1 ، ص 232.
يدّخرون وسعاً في إيقاظهم وتوعيتهم وهدايتهم ، إن كان هؤلاء أهلاً لذلك ، وإلاّ خلوا بينهم وبين أنفسهم ، وهذا علىٰ خلاف ما جرت به سيرة الكثير من الذين يرغَموا الآخرين ـ وإن لم يقتنعوا بهم ـ على الانضواء في صفوفهم وفي حمايتهم ، بالقَسر والغلبة مما يؤدي بهم إلى الانخراط قهراً تحت سيطرتهم والدفاع عنهم خوفاً من بطشهم وجبروتهم ، وإذا ما دافعوا عنهم تعَرضوا حتماً للأذىٰ والبطش ، وإذا ما واجهوا الحرب فلا خيار لهم غيرها ، ولذا غالباً أمثالُ هؤلاء يقاتلون بالجبر والأكراه وليس عن قناعة من أنفسهم.
وأما إذا جئت تستوحي عظمة الأخلاق وسمو الرفعة والنبل في موقف الحسينعليهالسلام مع أصحابه وأتباعه تجده مثالاً فريداً من نوعه في كيفية التعامل معهم ، فقد التحق بركبه كثيرٌ من الناس وهو في مسيره إلىٰ كربلاء إلا أنه كان يطلعهم علىٰ حقيقة الأمر فمن شاء التحق به ومن شاء انصرف عنه غير مُكرهٍ لأحد منهم علىٰ مناصرته واللحوق به.
كما أكَّد بهذا ونحوه علىٰ أصحاب الإبل حينما مَر عليهم بالتنعيم(1) قائلاً لهم : لا أكرِهُكُم ، مَنْ أحبَّ أنْ يمضي معنا إلى العراق أو فينا كراءَهُ وأحسنّا صحبتَهُ ، ومَنْ أحَبَّ أن يُفارقنا من مكاننا هذا أعطيناهُ من الكراءِ علىٰ قَدْر ما قطع من الأرض(2) .
__________________
(1) التنعيم : موضعٌ بمكة خارج الحرم ، هو أدنى الحلّ إليها ، على طريق المدينة ، منه يحرم المكيُّون بالعُمْرة ، به مساجدُ مبنية بين سرف ومكة. مراصد الأطلاع : ج 1 ، ص 277.
(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 290 ، الإرشاد للمفيد : ص 219 ، اللهوف : ص 30 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 367.
وفي ليلة عاشوراء بعد ما خَيّمَ الليلُ وأرخىٰ سترَهُ ، حيثُ إن الليل ستير ، والسبيل غير خطير ، يقفعليهالسلام خاطباً في أصحابه آذنا لهم بالتفرق والأنصراف عنه ، في وقت يتطلب الناصر والمُعين ، قائلاً لهم : ألا وإني قد أذنت لكم ، فانطلِقُوا جميعاً في حِلٍّ ليسَ عليكُم حرجٌ مني ولا ذِمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً ، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي ، وتفرقوا في سوادكم ، ومدائنكم حتىٰ يُفرّج الله فإِن القومَ إنما يطلبوني ، ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري(1) وفي رواية أخرى قال لهم : وأنتم في حلٍّ وسعةٍ من بيعتي وعهدي الَّذي عاهدتموني(2) .
الأمر الذي يدل علىٰ عدم إكراههعليهالسلام لأحدٍ منهم علىٰ مناصرته.
وقد أكد هذا الأمر أيضاً للحضرمي حينما سمعَ أن ابنه اُسر في ثغر الري قال لهعليهالسلام رحمك الله ، أنت في حل من بيعتي ، فاعمل في فكاك ابنك(3) ؟!
هذا ولم يُبدِعليهالسلام لهم وحشتَه وانكساره فيما لو تفرقوا عنه ، بل أكد عليهم أن انصرافهم عنه ليلاً أسهل منه نهاراً ، وذلك للاختفاء عن الأنظار بعكس النهار الذي قد لا يأمن فيه الهارب من الطلب.
ولذا قالعليهالسلام كما في بعض الروايات : فالليل ستير والسبيلُ غير خطير ، والوقت ليس بهجير(4) .
والحسينعليهالسلام على الرغم من إبلاغ أصحابه بذلك وتركه الأمر لهم ، إلا أنه أخذ يؤكد عليهم في ذلك مِراراً ، كما حصل هذا مع نافع بن هلال ، وذلك حينما تبع
__________________
(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 317 ، الإرشاد للمفيد : ص 231.
(2) موسوعة كلمات الإمام الحسين : ص 401.
(3) أسرار الشهادة : ج 2 ، ص 219 ، اللهوف : ص 40 بحار الأنوار : ج 4 ، ص 392.
(4) الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 271.
الحسينعليهالسلام لما خرج في جوف الليل يتفقد التلاع والعقبات ، فلما رآهُ قال لهعليهالسلام : ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك(1) .
الأمر الذي يدل علىٰ تأكيده لهم وعدم خصه أحداً بالبقاء معه ، بل خاطبهم جميعاً بما فيهم الصغير والكبير والعبد والحر حتىٰ نساءهم.
وقد وجدناهعليهالسلام يومَ العاشر عند اشتداد الأمر ، وهو يطلق العنان لواحد منهم ، وقد أحلّه من بيعته وهو : الضحاك المشرقي الذي تعهد للحسينعليهالسلام بالدفاع عنه ما رأىٰ معه مقاتلاً ، ولما بقيعليهالسلام وحده ، قال للإمام : يا بن رسول الله قد علمت أني ما كان بيني وبينك ، قلتُ لك أقاتل عنك ما رأيتُ مقاتلاً فإذا لم أر مقاتلاً فأنا في حلّ من الانصراف ؟ فقلتَ لي نعم.
فقال لهعليهالسلام : صدقت وكيف لك بالنجاء إن قدرت علىٰ ذلك فأنت في حلٍّ.
فأخرج فرسه من الفسطاط وركبه وهرب ونجا بنفسه(2) .
وهذا الموقف النبيل في تعامل الحسينعليهالسلام مع أصحابه لا تجده في سائر المعسكرات الأخرىٰ والتي قد يُتناسىٰ فيها العهود والمواثيق.
فلم يجبر الحسينعليهالسلام أحداً من أصحابه علىٰ نصرته والدفاع عنه ، بل ترك الأمر لهم وباختيارهم ، وهذا في الواقع ما زاد في عزيمتهم وجعلهم يقاتلون بمحض إرادتهم عن عزيمة صادقة.
وكم هو فرق بين أن يقاتل المقاتل في المعركة عن رغبة وشوقٍ وبين أن يقاتل مُكرَهاً علىٰ ذلك ، أو من أجل المطامع الدنيوية التي هي منتهى الزوال والاضمحلال.
__________________
(1) معالي السبطين : ج 1 ، ص 344 ، الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 273.
(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 339.
وهو : من أفضل الطاعات والقربات عند الله تعالىٰ ، وعنصر من عناصر المحبة والإخاء ، ومما يزيد في ترابط المجتمع ووحدتهم وقد ندب الإسلام وحث عليه ومن ذلك :
ما روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : من قَضى لأخيه المُؤمن حاجةً ، كان كمن عبدَ اللهَ دَهراً(1) .
وروي عن الإمام الصادقعليهالسلام أنه قال : ومَنْ قضى لأخيه المؤمن حاجةً ، قضى اللهُ ( عزوجل ) له يومَ القيامة مائة ألف حاجة من ذلك ، أوّلُها الجنة(2) .
وَقد عَدّ الشرعُ الحنيف التهاونَ في قضاءِ حوائج المؤمنين خصوصاً مع القدرة عليها ، من رذائل الصفات ، ودليلاً على ضـعف الإيمان ، وباعثاً على سلب التوفيق ، ومما ورد في ذلك :
ما روي عن الإمام الصادقعليهالسلام أيّما رجل من شيعتنا أتىٰ رجلاً من إخوانه ، فاستعانَ به في حاجته فلم يعنْهُ ، وهو يقدر إلاّ ابتلاه اللهُ تعالىٰ بأن يَقضي حوائج عدّةٍ من أعدائنا ، يُعذّبهُ اللهُ عليها يومَ القيامة(3) .
وروي أيضاً عنهعليهالسلام : أيّما مؤمن منع مؤمناً شيئاً مما يحتاج إليه ، وهو يقدر عليه
__________________
(1) أمالي الطوسي : ص 481 ، بحار الأنوار : ج 71 ، ص 302 ، ح 40.
(2) أصول الكافي للكليني : ج 2 ، ص 192 ، ح 1 ، بحار الأنوار : ج 71 ، ص 322 ، ح 90.
(3) أصول الكافي للكليني : ج 2 ، ص 366 ، بحار الأنوار : ج 75 ، ص 181.
عليه من عنده أو من عند غيره ، أقامَهُ اللهُ عزوجل يوم القيامة مُسودّاً وجهه ، مزرّقةً عيناهُ ، مغلولةً يداهُ إلىٰ عُنقه ، فيقال : هذا الخائن الذي خان الله ورسوله ، ثم يؤمرُ به إلى النار(1) .
وفي ليلة عاشوراء والتي تُمثل الظروف العصيبة تكتنف في طياتها ألواناً من الأخلاق الفاضلة ، والتي تمثل خُلق الإسلام الحنيف ، فهذا سيدُ شباب أهل الجنة ـ صلوات الله عليه ـ يضرب لنا مثالاً صادقاً في مواساة مَنْ معهُ ، وقضاءِ حوائجهم ، فتراه مَهموماً من أجل غُلام مُسلم قد أسر بثغر الري ، وقد وجد أباه مهموماً من أجله ، فيقول لهعليهالسلام : رحمك الله أنت في حِلٍّ من بيعتي ، فاعمل في فكاك ابنك ، وقد أمر له بخمسة أثواب قيمتها ألف دينار ، ليستعين بها في فداءِ ابنه(2) .
هذا وقد ترىٰ كأنَّ الحالة التي يعيشُهاعليهالسلام حالةً طبيعيةً في تلك الليلة حتى يطلب من أبي الغلام الأسير أن يسعىٰ لفكاك ولده من الأسر ويترك ما هو عليه ، بل ويجعله في حلٍ من بيعته !!
إنه بحق موقفٌ أخلاقي واجتماعي ، فريدٌ من نوعه ، وليس له أهلٌ غير من تَربّىٰ في حجر الرسالة وارتضع لبانَ الإباء صبياً ، وتخلق بأخلاق الأنبياء ، وتحلّىٰ بحُلية الأوصياء ، فهذه من أخلاقه الكريمة والتي أفرزت ليلةُ عاشوراء جانباً يسيراً منها !
ومن تلك المواقف أيضاً والتي تَدلُّ علىٰ مَدىٰ حرصِهعليهالسلام في قضاء حوائج الناس وحفظ حقوقهم ، وإرجاعها إليهم مهما كَلَّفَ الأمر ، وذلك حينما أمر مُنادياً
__________________
(1) أصول الكافي للكليني : ج 2 ، ص 367 ، ح 1 ، بحار الأنوار : ج 71 ، ص 201 ، ح 83.
(2) اللهوف : ص 40 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 392.
في أصحابه ، لا يُقتل معنا رجل وعليه دين ، فقام إليه رجل من أصحابه فقال له : إنّ علي ديناً وقد ضمنته زوجتي فقالعليهالسلام : وما ضمان امرأة(1) ؟
وروي عن موسىٰ بن عمير عن أبيه قال : أمرني الحسين بن عليعليهماالسلام قال : نادِ أن لا يُقتلَ مَعي رَجُلٌ عليه دَينٌ ، ونادِ بها في الموالي ، فإنِّي سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يَقول : مَنْ مَات وعليه دينٌ اُخذ من حسناته يوم القيامة(2) .
لقد أراد الإمامعليهالسلام أن يكونَ المستشْهدُ بين يديه مُتحرّجاً في دينه خاليَ الذمة من حقوق الناس وأموالهم ، ولا يريد أن يكون سبباً في ضياع أيِّ حقٍ من حقوق الآخرين.
وهذا غاية سُمو الأخلاق والرفعةَ والنُبل ، ونموذج مِثالي من الدروس الأخلاقية العظيمة لكل الأجيال في كل زمان.
__________________
(1) المعجم الكبير للطبراني : ج 1 ، ص 141 ، إحقاق الحق : ج 19 ، ص 429 ، حياة الإمام الحسين للقرشي : ج 3 ، ص 171.
(2) إحقاق الحق : ج 19 ، ص 429 ، موسوعة كلمات الإمام الحسين : ص 417.
الإيثار ، وهو : من الصفات الكريمة التي تؤدي إلىٰ سمُوّ الإنسان ، وتكامل شخصيته ونكرانه لذاته وتفانيه في سبيل الحق والخير ، وقد عني به الإسلام عنايةً بالغة ، وأثنىٰ علىٰ مَنْ يتخلق به ، فقد مدح القرآن الكريم جماعةً من نُبلاءِ المسلِمين وأفداذِهم ، لأنهم آثروا إخوانَهم على أنفُسهم ، قال تعالىٰ :( وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) (1) (2) .
ولا تجد أجلىٰ مصداقاً للآية الشريفة سوىٰ مَنْ نزلت فيهم وأثنت عليهم ، وهم أهل بيت العصمة ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ الذين أثروا غيرهم علىٰ أنفسهم ، وناهيك عن صور الإيثار التي عرضها القرآنُ الكريم عنهم كما في سورة ـ هل أتىٰ ـ وغيرها ، كليلة مبيت أمير المؤمنينعليهالسلام علىٰ فراش رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليلةَ الغار مؤثرَهُ علىٰ نفسه ، حتىٰ تعجبت من إيثاره ملائكةُ السماءِ ، وباهى الله به ملائكتَهُ.
فكانت هذه الصفة من صفاتهم البارزة ، والتي ظهرت في سيرتهم مع الآخرين ، وقد حفلتْ سيرتُهم بألوان من صور الإيثار كما لا يخفىٰ ذلك علىٰ من يراجع سيرتهم وحياتهم الخالدة.
وكان من الطبيعي أن يتخلق بهذه الخصلة كلُّ من يعاشرُهم ، ويقتفي أثرهم ،
__________________
(1) سورة الحشر : الآية 9.
(2) راجع : النظام التربوي في الإسلام للقرشي : ص 299.
ويستقي من أخلاقهم ، مثلُ حواريهم وأصحابهم المُخلصين ، والذين تخلقوا بأخلاقهم ، وتحلّوا بصفاتهم وحذوا حذوهم.
وفي طليعة هؤلاءِ الذين مَجّدهم التاريخ وحفظ ذكرهم ، أصحاب الحسينعليهالسلام والذين مثلوا أروع صُورِ الإيثار التي خلدها التاريخ وأثنىٰ عليها.
ومن تلك الصور الخالدة ، وقوفُهم ليلةَ عاشوراء مع الحسينعليهالسلام وقد عاهدوهُ على التضحية والشهادة بين يديه ، ووقف كلٌّ منهم يُعاهدُ الآخر علىٰ أن يؤثرَه علىٰ نفسه ، وكلٌ منهم يُريد أن يَسبق الآخر إلىٰ ساحة القتال !!
ولذا لم يعرف التاريخُ أصحاباً أفضل منهم ، وذلك بما حازوا عليه من صفات شريفة ، وخصال حميدة ، وملكات نفسية ، أهلتهم أن يكونوا أفضل الأصحاب وخيرهم ، ومن ذلك هو تسابقُهم إلى الشهادة ، بإخلاصٍ وتفانٍ في سبيل الحق ، غير مكترثين بالحياة ساخرين من الموت ، متعطشين إلى الشهادة.
قال أحد الأعلام : السبقُ إلى النفع غريزةٌ في الأحياءِ لا يحيدون عنها ولا يُلامونَ عليها ، وقد يؤولُ إلى النزاعِ بين الأشخاص والأنواع ، ولكنَّ التسابق إلى الموت لا يُرىٰ في العُقلاءِ إلاَّ لغايات شريفة تَبلغُ في مُعتقدِهم من الاهتمام مبلغاً قصياً أسمىٰ من الحياة الحاضرة ، كما إذا اعتقدَ الإنسان في تَسابُقه إلى الموت نيلَ سعاداتٍ ولذاتٍ هي أرقىٰ وأبقىٰ من جميع ماله في الحياة الحاضرة.
ولهذا نظائرُ في تواريخِ الغُزاة والمجاهدين ، ففي صحابة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ) (1) وتسابقوا إلى القتال بين يديه ، مُعتقدين أن ليس
__________________
(1) سورة الأحزاب : الآية 23.
بينهم وبين جنان الخلد والفردوس الأعلىٰ سوىٰ سُويعاتٍ أو تُميراتٍ يأكلونها أو حملاتٍ يَحملونها ، وهذا من أشرف السباق ، وموتُه أهنأ موتٍ ، وشعارهُ أقوىٰ دليلٍ على الفضيلة والإيمان ، ولم يَعهد التأريخُ لجماعةٍ بِداراً نحوَ الموتِ وسباقاً إلى الجنة والأسنةً مثل ما عهِدناهُ في صَحبِ الحسينعليهالسلام .
وقد عَجم الحسينُعليهالسلام عودَهم واختبرَ حُدودَهُم ، وكَسب منهمُ الثقةَ البليغة ، وأسفرت امتحاناتُه كلُّها عن فوزه بصحَبٍ أوفياء وأصفياء وإخوانِ صدقٍ عند اللقاء ، قَلَّ ما فازَ أو يَفوزُ بأمثالهم ناهض ! فلا نجد أدنىٰ مبالغةٍ في وصفه لهم عندما قال : أما بعد ، فإني لا أعلمُ أصحاباً خَيراً مِن أصحابي ، ولا أهلَ بيتٍ أبرَّ وأوفى من أهلِ بيتي(1) .
وكان الفضلُ الأكبرُ في هذا الانتقاء يَعودُ إلىٰ حُسن انتخاب الحسينعليهالسلام وقيامهِ بكلِّ وجائب الزعامة والإمامة ، وقيامُ الرئيسِ بالواجب يَقود أتباعَه إلىٰ أداءِ الواجب ، واعتصامُ الزعيم بِمبدئِه القويم يسوقُ مَنْ معهُ إلى التمسُّك بالمبدأ والمسلك والغاية ، فكان سُرادق الحسينعليهالسلام بما فيه من صَحبٍ وآلٍ ونساء وأطفالٍ كالماءِ الواحد لا يفترق بعضُه عن بعض ، فكان كلٌّ منهم مِرآةَ سيدهِ الحسينعليهالسلام بحاله وفعاله وأقواله ، وكانوا يفتدونَه بأنفُسهم كما كان يتمنى القتلَ لنفسه قبلَهم(2) .
جادوا بأنفسهم في حُبِ سيدهم |
والجودُ بالنفس أقصى غايةُ الجودِ |
ومن صور الاقتداء والإيثار في هذه الليلة العظيمة هو حينما هبَّت الصفوةُ الطيبةُ من أنصاره ، وأهل بيتهعليهمالسلام بإيمانهم العميق بالمبدأ السامي للدفاع عن حريم
__________________
(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 317 ، اللهوف : ص 39.
(2) نهضة الحسين للشهرستاني : ص 113.
الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، يتعاهدون على الشهادة والتضحية بين يدي سيد شباب أهل الجنةعليهالسلام ويتنازعون فيما بينهم أيُّهم ينزل ساحةَ الحرب قبل الآخر.
فهذا العباس بن أمير المؤمنينعليهماالسلام يَقفُ خاطباً في إخوته وبني عمومته ، مؤكداً عليهم ومُحفزاً لهم على القتال ، وأنهم أولُ من يَبرزُ إلى ساحة القتال ، وأنَّ الحِملَ الثقيل لا يقومُ به إلا أهلُه ؟!
فيجيبُه بنو هاشم وقد سَلوا سيوفَهم في وجهه : نحنُ على ما أنت عليه !!
وأما الأنصارُ فقد وقف حبيب بن مظاهر الأسدي وهم حوله كالحلقة ، قائلاً لهم ومؤكداً عليهم : فإذا صار الصباحُ فأولُ من يَبرزُ إلى القتالِ أنتم ، نَحنُ نقدمهم للقتال ولا نرىٰ هَاشمياً مُضرجاً بدمه وفينا عرقٌ يضرب لئلا يقول الناس : قدَّموا ساداتهم للقتال وبخلوا عليهم بأنفسهم ؟!
فهزُّوا سيوفَهمُ ، وقالوا : نحنُ علىٰ ما أنتَ عليه !!
ولما رأت زينب هذين الموقفين من الأنصار وبني هاشم تعجّبت من إيثارهم وصدق ثباتهم وشدة عزمهم ، فسكن قلبُها واطمأنّت نفسها ، فأخبرت الحسينعليهالسلام بذلك متعجّبةً مما رأتُه !!
فقال لهاعليهالسلام : يا اُختاه اعلمي أن هؤلاءِ أصحابي من عالم الذرّ وبهم وعدني جدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (1) .
وأما التفاني فهي صفحة أخرىٰ منقطعة النظير نقرؤها عند أنصار الحسينعليهالسلام في ولائهم وإخلاصهم ، وقد ضربوا في ذلك أروع الأمثلة في صلابة عزمهم
__________________
(1) معالي السبطين للحائري : ج 1 ، ص 340.
وتصميمهم على الدفاع عنه وعن أهل بيته ، ولم يكترثوا بتلك القوى الهائلة ، ولم يرتاعوا من القتل بل سخروا من الحياة واستهانوا بالموت ، واندفعوا نحو الحسينعليهالسلام يعاهدونه على التضحية والفداء بالنفس ، وبكل ما يمكن الدفاع به لنصرته حتىٰ آخر رمق في حياتهم ، وهذا الموقف البطولي الباسل تجده واضحاً في مواقفهم ليلة العاشر ، وتشهد على ذلك كلماتهم التي تفيض بالفداء والتفاني في سبيله وذلك لمَّا أذن لهم بالانصراف عنه !!
وإليك بعضاً من تلك الكلمات التي يحار فيها العقل ويقف عندها بإعجاب وإكبار ، فمن كلماتهم ما يلي :
1) كلمة أهل بيته والتي يقولون فيها : لِم نفعل لنبقىٰ بعدَك لا أرانا الله ذلك أبداً ؟!
2) كلمة بني عقيل والتي يقولون فيها : لا والله لا نفعل تفديك أنفُسُنا وأموالُنا وأهلونا ، ونقاتل معك حتىٰ نرد موردك فقبّح الله العيش بعدك ؟!
3) كلمة مسلم بن عوسجة والتي يقول فيها : أما والله لا أفارقك حتىٰ أكسر في صدورهم رمحي وأضربُهم بسيفي ما ثبت قائمُه في يدي ، ولا اُفارقك ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتُهم بالحجارة دونك حتىٰ أموت معك !
4) كلمة سعد بن عبد الله الحنفي والتي يقول فيها : والله لو علمتُ أني اُقتلُ ثم أحيا ثم اُحرقُ حيَّاً ثم اُذرُّ يُفعلُ ذلك بي سبعين مرةً ما فارقتُك حتى ألقىٰ حِمامي دونك ، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلةٌ واحدةٌ ثم هيَ الكرامة لا انقضاء لها أبداً !!
5) كلمة زهير بن القين والتي يقول فيها : والله لوددت أني قُتلتُ ثم نُشرت
ثم قُتلتُ حتىٰ أُقتل كذا ألف قتلةٍ وأن الله يدفعُ بذلك القتل عن نفسك وعن أنفُس هؤلاء الفتية من أهل بيتك !
6) كلمة جماعة من أصحابه والتي يقولون فيها : والله لا نُفارقُك ، ولكن أنفُسَنا لك الفداء تقيك نحورنا وجباهنا وأيدينا فإذا نحن قُتلنا كُنا وفينا وقضينا ما علينا(1) .
7) كلمة بشر الحضرمي والتي يقول فيها : أكلتني السباعُ حيّاً إن فارقتُك(2) .
8) كلمة نافع بن هلال والتي يقول فيها : ثكلتني أمي ، إن سيفي بألفٍ وفرسي مثلهُ ، فو الله الذي مَنَّ بِكَ عليَّ لا فارقتُكَ حتىٰ يَكلا من فري وجري(3) .
9) كلمة القاسم بن الحسنعليهماالسلام لمَّا قال له الحسينعليهالسلام يا بني كيف الموت عندك ؟ قال : يا عم فيك أحلىٰ من العسل(4) .
فهذه بعضٌ من كلماتهم والتي تفيض بالتفاني والإخلاص فهذا الحسينعليهالسلام ينطق بالحق في ما يقوله عنهم حين قال لأخته زينبعليهالسلام : والله لقد بلوتُهم فما وجدتُ فيهم إلا الأشوس الأقعس يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلىٰ محالب أمه(5) .
__________________
(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 318 ، الإرشاد للشيخ المفيد : ص 231.
(1) اللهوف : ص 40 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 392.
(2) الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 273.
(3) معالي السبطين : ج 1 ، ص 343.
(4) تقدم تخريجه.
من الأعمال التي قام بها الحسينعليهالسلام في هذه الليلة العظيمة هو الاستعداد التام لمواجهة الأعدء عسكرياً ، وقد أخذ علىٰ عاتقه كلَّ ما مِنْ شأنه تعزيز موقعهم في طريق مواجهو العدو.
هذا مع ما كان عليهعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه في هذه الليلة الخطيرة التي حفِلت بالمكاره والصعاب والمخاطر ، وقد أصبحو بين اُناس ليس في قلوبهم ذرةٌ من الرحمة أو الشفقة ، فمنعوهم كلَّ الوسائل الحيوية ، وأهم ما يُعتمد عليه في الحياة إذ حالوا بينهم وبين الماء(1) الذي يلوح ببريقه يرونه ولا يصلون إليه !! حتى أضر العطش بالحسين وأهل بيته وأصحابه !!
كما مُنعوا وصولَ أي مدد للحسينعليهالسلام من شأنه أن يُعزز مكانه ويقف إلى جانبه ، كما حالوا بينهعليهالسلام وبين وصول الأسديين ، الذين جاءوا لنصرته والدفاع عنه ، بقيادة حبيب بن مظاهر من نواحي كربلاء(2) ، وقد أخذوا أيضاً يرقبون عن كثب تحركات الحسينعليهالسلام وأصحابه ، وضيّقوا عليهم أشد تضييق وقد روي أنه نادىٰ ابن سعد : يا خيل الله اركبي وابشري ! فركب النّاسُ ، ثم زحف نحو الحسينعليهالسلام وأصحابه فكانوا علىٰ مقربة من بيوتهم بحيث كانوا يسمعون أصواتهم(3) .
هذا ولم يسلم الحسينعليهالسلام وأصحابه حتىٰ من كلمات العدو الجارحة النابية ، والتي ما زالوا يسمعونها بين الآونة والأخرىٰ ، الأمر الذي يدل علىٰ خساسة
__________________
(1) راجع : تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 312 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 389.
(2) راجع : الفتوح لابن الأعثم : ج 5 ، ص 100 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 386.
(3) راجع : تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 315 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 391.
عدوهم ودناءته !!
وأما حديث النساء والأطفال فأمرٌ آخر ، مع ما هم عليه من الفزع والرُعب ، فأحدقت أعينهم ولم يناموا ليلتهم وهم يَرون أنفسهم في قبضة عدوٍ لا يرحم أحداً ، مُحاصرين بين سياج من الأسنة والحراب ، وجيش بات علىٰ أهبة الاستعداد ينتظر أوامر قيادته للزحف والهجوم عليهم ، فكيف مع هذا كله يغمض لهم جفن ، أو يهدا لهم روعٌ ؟!
ومع هذا كله نجده ـ صلوات الله عليه ـ لم ينسَ أن يَتخذ التدابير اللازمة والإجراءات الوقائية في حماية أهل بيته ، والاستعداد لمواجهة الأعداء ، وما يتقوىٰ به على القتال في سبيل الله تعالى.
وقد ارتكز هذا الجانب العسكري علىٰ عدة أمور دقيقة وهي :
التعبئةُ المعنوية لها دورٌ كبير في تكامل المواجهة وترسيخ النفس ، ومقاومتها لآخر رمق ; وذلك بالاقتناع التام بالهدف والمبدأ اللذينِ يُقاتل من أجلهما وفي سبيلهما ، إذ يهون حينها كلُّ شيءٍ ما دام يرى نفسَه علىٰ حقٍ ، وبعكس ذلك لا يمكن أن يقف في المواجهة طالما لا هدف له من وراءِ ذلك ، وما دامَ غير مُقتنع فحينها لا يكونُ موطّناً نفسه علىٰ ذلك.
وقد وجدنا أنصار الحسينعليهالسلام قد وطّنوا أنفسهم في مواجهة أعدائهم ، وذلك بعزيمة صادقة لا تردّدَ فيها ، وبإيمان لا يشوبُه شكٌ حيث الاقتناع التام بالمبدأ السامي الذي يدافعون عنه ويقاتلون من أجله ، فكانوا يتمتّعون بروحيّة عالية
تخوّلُهم الوقوفَ أمام ذلك الجيش الهائل ، فكان من يراهم يُصاب بالدهشة وذلك لعظم موقفهم ، وربط جأشهم وقلة مُبالاتِهم ، فأصبحوا في ذلك مَضرباً للمثل بحقٍ ، إذ لو تصفحت التاريخ لا تجد أنصاراً كهؤلاء قاتلوا بروحية عالية ، حيث يتمنىٰ أحدهم أن يُقاتل ويُقتل سبعين مرةً بلا ملل في سبيل الحسينعليهالسلام ، حتى أصبحت هذه النخبة المباركة متكاملةً من جميع الجهات ، ووصلت إلى الذروة في الإقدام والبطولة والصمود.
والفضل في هذا كله يعود في الحقيقة إلى الحسينعليهالسلام الذي انتخبهم وانتقاهم من بين الآخرين ، حيث كانعليهالسلام يلاحظ ذلك بعين الاعتبار من حيث كفاءة الرجل ونزاهته وتوطينه للنفس ، وقد أعلنها كلمةً صريحة قُبيل خروجه إلى العراق قائلا : مَنْ كان باذلاً فينا مهجته ، وموطنا على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا ، فإنني راحلٌ مصبحاً إنشاء الله تعالى(1) فكانعليهالسلام حريصاً في أن تكون النخبة التي تقاتل معه وتقف إلى جانبه متكاملةً من حيث توطين النفس والإخلاص في التضحية ، ولهذا كان أحدهم كألف ، فكانوا كما قيل عنهم :
قومٌ إذا نودوا لدفع ملمّة |
والخيل بين مدعّس ومكردس |
|
لبسوا القلوب على الدروع كأنهم |
يتهافتون إلى ذهاب الأنفس(2) |
وقال كعب بن جابر قاتل برير في وصفهم :
ولم ترَ عيني مثلهم في زمانهم |
ولا قبلهم في الناس إذا أنا يافعُ |
|
أشدّ قراعاً بالسيوف لدىٰ الوغى |
ألا كلّ من يحمي الذمار مقارعُ |
__________________
(1) اللهوف : ص 26.
(2) اللهوف : ص 48.
وقد صبروا للطعن والضرب جُسّراً |
وقد نازلوا لو أن ذلك نافعُ(3) |
وقد قال بعض المؤرخين يصف قتالهم يوم العاشر من المحرم : وقاتلوهم حتى انتصف النهار أشد قتال خلقه الله(1) .
الأمر الذي يدل علىٰ صدق نياتهم وشدة وثباتهم ، وناهيك عن شهادة أعدائهم لهم بذلك ، قيل لرجل شهد الطف مع ابن سعد : ويحك أقتلتم ذرية الرسول ؟!
فقال : عضضت بالجندل ، إنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ، ثارت علينا عصابةٌ أيديها علىٰ مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطم الفرسان يميناً وشمالاً تلقي نفسها على الموت ، لا تقبل الأمان ولا ترغب في المال ولا يحول حائلٌ بينها وبين المنية أو الاستيلاء على الملك ، فلو كففنا عنها رويداً لأتت علىٰ نفوس العسكر بحذافيرها فما كنا فاعلين لا اُمَّ لك(3) !!
ووصفهم بعضهم بقوله : لقوا جبال الحديد ، واستقبلوا الرماح بصدورهم ، والسيوف بوجوهم وهم يُعرض عليهم الأمان والأموال فيأبون ويقولون : لا عذر لنا عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إن قُتل الحسينعليهالسلام ومنا عينٌ تَطرُف ، حتى قُتلوا حوله(4) .
فبعد هذا تعرف أن هؤلاء الصفوة هم الذين استبقاهم الحسينعليهالسلام وانتقاهم من بين أولئك الطامعين أو الخائفين ، فهو لا يقبل كلَّ من وفد عليه ما لم يكن مؤهلاً ، فهذا عبيد الله بن الحر لمَّا دعاه الحسين إلى نصرته ليمحو بها ذنوبه الكثيرة
__________________
(1) سفينة البحار للقمي : ج 5 ، ص 42.
(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 333 ، وقعة الطف لأبي مخنف : ص 228.
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 3 ، ص 263 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 69.
(4) إختيار معرفة الرجال للطوسي : ج 1 ، ص 293 / 133.
قال ابن الحر : فإن نفسي لا تسمح بالموت ولكن فرسي هذه الملحقة والله ما طلبت عليها شيئاً قط إلا لحقته ولا طلبني أحد وأنا عليها إلا سبقته فخذها لك.
فقال له الحسينعليهالسلام : أما إذا رغبت بنفسك عنا فلا حاجة لنا في فرسك ولا فيك( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا ) (1) وإني أنصحك كما نصحتني ، إن استطعت أن لا تسمع صراخنا ، ولا تشهد وقعتنا فافعل ، فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلا أكبّه الله في نار جهنم(2) .
فكان أمثال هؤلاء يجنّبهم الحسينعليهالسلام ساحة القتال ، ويحذّرهم من سماع واعيته ما داموا غير موطنين أنفسهم للدفاع عنه.
ولذا كان لأذن الحسينعليهالسلام لأصحابه بالتفرق عنه أكبر الأثر في ابقاء الصفوة الخالصة التي لا يحتمل في حقها الهزيمة أو الخذلان إذ من الطبيعي مَن كان صادقاً في عزيمته وموطناً على ذلك نفسه ـ وانطلاقاً من الشعور بالمسؤولية ـ لا يتخلىٰ عنه في ساعة المحنة وفي أحلك الظروف واشتداد الأمر ، ولذا بقي معه من وطَّن نفسه على ذلك وأبت حفيظتُهُ مفارقتَه ولسان حالهم يقول :
إنّا على العهد لم نخذلك في غدنا |
وكيف يخذل مَنْ في حبكم فُطِما |
وأما من كان غير متصف بهذا كان من الطبيعي أن يتخلىٰ عنه ولو بقي معه مثل هذا ! لا يؤمن منه أن يسلمه عند الوثبة ويخذله في ساحة الحرب ، فيكون أسوأ حالاً ممن انصرف عنهعليهالسلام ليلة العاشر ، فعلىٰ هذا لا محالة يواجه خطرين عظيمين :
أحدهما : أنه يبوءُ بغضبِ الله تعالى لا نهزامه وزحفه من ساحة المعركة ، ولا
__________________
(1) سورة الكهف : الآية 51.
(2) مقتل الحسين للمقرم : ص 189 ، تاريه الطبري : ج 4 ، ص 307 ، بتفاوت.
يخفىٰ أن هذا من أعظم الكبائر ، فيكون مصداقاً لقول الحسينعليهالسلام : مَن سمع واعيتنا أو رأىٰ سوادنا فلم يجبنا أو يغثنا كان حقاً علىٰ الله عزوجل أن يكبّه علىٰ منخريه في النار(1) .
ثانيهما : إظهار الوهن والخذلان في أصحاب الحسينعليهالسلام كما يثير ذلك أيضاً شماتة الأعداء !!
وهذا ما دفع زينبعليهاالسلام أن تسأل الحسينعليهالسلام عن صدق نيات أصحابه ؟
فقالت له : هل استعلمت من أصحابك نيّاتهم فإني أخشىٰ أن يسلموك عند الوثبة ؟!
فقال لها : والله لقد بلوتهم فما وجدتُ فيهم إلا الأشوس الأقعس ، يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلىٰ محالب أمه !!
وعلىٰ إثر هذا الكلام جاء حبيب بن مظاهر مع أصحابه وواجهوا النسوة قائلين : يا معشرَ حرائر رسول الله هذه صوارم فتيانكم آلوا ألا يغمدوها إلا في رقاب من يريد السوء فيكم وهذه أسنة غلمانكم أقسموا ألا يركزوها إلا في صدور من يفرق ناديكم(2) ، فعند ذلك طابت خواطرهن وسكنت قلوبهن. وذلك لما رأين عزائم الأبطال الصادقة وثبات موقفهم.
وبهذا يكونُ أصحاب الحسينعليهالسلام متفوقين بالروح المعنوية علىٰ أعدائهم مع قلتهم ، وبمحض إرادتهم ، ودوافعهم النفسية والدينية ، وهذا كما لا يخفى له دورٌ كبير.
__________________
(1) ثواب الأعمال للصدوق : ص 309 ، إختيار معرفة الرجال للطوسي : ج 1 ، ص 331 / 181 بحار الأنوار : ج 45 ص 84 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 190.
(2) معالي السبطين : ج 1 ، ص 345 ، الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 273 ـ 274 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 219.
في تعزيز المواجهة والاستعداد لدخول المعركة.
ومن الأمور العسكرية التي لاحظها الحسينعليهالسلام ليلة عاشوراء هو إعداد السلاح ، وذلك بشحذ السيوف وصقل الحراب وإصلاحهما ، ليتقوىٰ بذلك علىٰ قتال الأعداء ، وكما قال تعالى( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ ) (1) ، إذ أنّ إعداد السلاح قبل لقاء الأعداء ، وما يتقوّىٰ به علىٰ قتالهم من الرجال وآلات الحرب أمورٌ مهمة في تعزيز الموقف.
ولذا من جملة أعمال الحسينعليهالسلام في هذه الليلة هو الإعداد لهذا الجانب وقد أشرف عليه بنفسه ، كما جاء في رواية الإمام زين العابدينعليهالسلام : إني جالس في تلك العشية التي قُتل أبي صبيحتها وعمتي زينب عندي تُمرضني إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباءٍ له وعنده حوَّى مولىٰ أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويُصلحه(2) .
وقد رجح البعض إرجاع الضمير في عبارة : ( وهو يعالج سيفه ويصلحه ) إلى جون مولىٰ أبي ذر ، لا إلى الحسينعليهالسلام ، وقد عُرف عن جون أنه كان بصيراً بمعالجة آلات الحرب وإصلاح السلاح كما في كامل البهائي(3) وغيره(4) .
وقد عُرف هذا أيضاً عن أبي ثمامة الصائدي ، الذي هو من فرسان العرب
__________________
(1) سورة الأنفال : الآية 60.
(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 318 ، الإرشاد للمفيد : ص 232.
(3) كامل البهائي : ج 2 ، ص 280.
(4) الإمام الحسين وأصحابه للقزويني : ج 1 ، ص 92.
ووجوه الشيعة ، فهو الآخر كان بصيراً بالألحة وشؤونها(1) .
وعلىٰ أية حال ، فإن معالجة السلاح وإصلاحه حتىٰ وإن تمت على يد جونرضياللهعنه أو غيره من الأنصار فإنها لم تخرج عن إشراف الحسينعليهالسلام ورعايته وأمره ، إذ المقطوع به أنهم كانوا جميعاً رهنَ إشارته وفي خدمته ولا يصنعون شيئاً دون رضاه ـ صلوات الله عليه ـ.
ومن الأمور التي قام بهاعليهالسلام أنه أمر أصحابه أن يجعلوا خيامهم في خط واحد ، وأن يقربوا البيوت بعضها من بعض ويدخلوا الأطناب بعضها في بعض ، وقيل إنها صارت علىٰ شكل الهلال مما يعزز جبهتم القتالية.
وأن يكونوا بين البيوت فيستقبلون القوم من وجه واحد ، والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم قد حفت بهم إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوّهم(2) . وإنما فعل هذا لئلا يتسلل الأعداء من منافذها.
وقد أمرعليهالسلام أصحابه بحفر خندق في مكان منخفض كأنه ساقية وراء الخيام ، كما أمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت ، وذلك لاستخدامه في الصباح وإشعال النار فيه ، وذلك ينفعهم في أمور وقائية هامة منها :
أ ـ لتكون عوائلهم في أمان من العدو ومن أولئك الذين يتجولون حول
__________________
(1) الكنىٰ والألقاب للقمي : ج 1 ، ص 34.
(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 319 ، الإرشاد للشيخ المفيد : ص 232.
خيامهم وخصوصاً ساعة المعركة إذ ليس هناك ما يمنع الأعداء من اقتحامها والهجوم على النساء وأسرهن كرهينةٍ بأيديهم إذ لا رادع لهم عن ذلك.
ب ـ ليستقبلوا الأعداء من جهة واحدة ، ويمنع تعدد جبهات القتال عليهم ، وهذا ما يعزز موقفهم وترابطهم ولذا جاء في الرواية : ففعلوا وكان لهم نافعاً(1) .
وهذه واحدة من أعمالهعليهالسلام والتي لم يغفل عنها مع ما هو فيه ، إذ خرج في جوف الليل بنفسه إلىٰ خارج الخيام يتفقد التلاع والعقبات والروابي المحيطة بهم والمشرفة علىٰ بيوتهم مخافة أن تكون مكمناً لهجوم الخيل(2) .
الأمر الذي يدل علىٰ إحاطته وبصيرته وحنكته في ذلك ، وغيرته علىٰ عياله وأهل بيته ، وبهذا يكون ـ صلوات الله عليه ـ قد أنجز المهمات العسكرية الضرورية استعداداً للمواجهة.
كما أنهعليهالسلام نظم أصحابه صباح عاشوراء استعداداً للقتال فجعل زهير بن القين في الميمنة ، وحبيب بن مظاهر في الميسرة ، وثبت هوعليهالسلام وأهل بيته في القلب ، وأعطىٰ رايته أخاه العباسعليهالسلام ، لأنه وجده أكفأ من معه لحملها ، واحفظهم لذمامه ، وأرأفهم به ، وأدعاهم إلىٰ مبدئه ، وأوصلهم لرحمه ، وأحماهم لجواره ، وأثبتهم للطعان ، وأربطهم جأشاً ، وأشدهم مراساً(3) .
__________________
(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 320.
(2) الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 273 ، معالي السبطين : ج 1 ، ص 344.
(3) مقتل الحسين للمقرم : ص 225.
(1)
من خصائص الأدب الشيعي وميزاته
مما لا شكّ فيه أن الشعر ـ بما له من مميزات ـ يُعتبر من العوامل المؤثرة إلى حدٍّ كبير في إحياء وحفظ الوقائع والأحداث ، وما ينبغي تخليده وتدوينه وخصوصاً القضايا التي لا غنى للمسلم عن معرفتها والوقوف على حقيقتها ، إذ أنَّ ما سجله الشعر تتلقاه الأجيال ، ويبقى في قلوب الناس.
وقد كان الشعر ـ خصوصاً في تلك الأيام ـ الوسيلة الوحيدة التي بها يُناط نقل الأخبار والأحداث ، إذ لم تكن في السابق وسائل إعلام كما هو عليه الحال في الزمان الحاضر ، ولذا دأب الشعراء على تسجيل ما هو مهم في نظرهم في الشعر ولذلك ترى الكثير من الوقائع والأحداث تلقيناها من طريق الشعر ، هذا مع ما مرّ عليه من ظروف وملابسات ، ولهذا اُعتبر الشعر مدرسة مهمة في حفظ التاريخ والحوادث بصورها الواقعية ، وقد يؤرخها بأجلى أبعادها وأصدق معانيها.
ومن مميزات الشعر التي لا تنكر كونه عاملاً مساعداً في تفجير العواطف النفسية واستمالة القلوب والضمائر ، والانشداد التام فيجعل من السامع كأنّما يعيش الواقعة تماماً وكأنه يراها أمام عينيه ، وما ذلك إلاّ لاشتماله على المؤثرات النفسية التي يتميز بها عن غيره.
ولهذا كلّه تعرف سبب اهتمام أهل البيتعليهمالسلام وإلحاحهم الشديد في تخليد شهادة الحسينعليهالسلام وما جرى على أهل بيته ـ في الشعر خاصة ـ فقد تواتر عنهم
أنهم ركَّزوا تركيزاً بالغ الاهتمام في نظم الشعر في فضائلهم ومصائبهمعليهمالسلام وخصوصاً في الحسينعليهالسلام ، ولم يقتصروا على ذلك بل تحدَّثوا أيضاً عن فضله وثوابه العظيم عند الله ـ تعالى ـ ترغيباً لهم في ذلك ، ولا شك في أن إنشاد الشعر فيهمعليهمالسلام هو مصداق من مصاديق إحياء أمرهم ، وإليك بعض ما ورد في ذلك :
1 ـ ما روي عن عبيد بن زرارة عن أبيه قال : دخل الكميت بن زيد على أبي جعفرعليهالسلام وأنا عنده ، فأنشده : « من لقلب مُتيّم مستهام » ، فلما فرغ قالعليهالسلام للكميت : لا تزال مؤيداً بروح القُدُس ما دمت تقول فينا(1) .
2 ـ ما روي عن علي بن سالم عن أبيه عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : ما قال فينا قائلٌ بيتاً من شعر حتى يؤيّد بروح القُدُس(2) .
3 ـ ما روي عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : من قال فينا بيت شعر ، بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة(3) .
4 ـ وروي أن جعفر بن عفان دخل على الإمام الصادقعليهالسلام فقال له : أنك تقول الشعر في الحسينعليهالسلام وتجيده قال : نعم ، فاستنشده فلما قرأ عليه بكى حتى جرت دموعه على خديه ولحيته وقال له : لقد شهدت ملائكة الله المقرّبون قولك في الحسينعليهالسلام وإنهم بكوا كما بكينا ولقد أوجب الله لك الجنة ثم قالعليهالسلام : من قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى غفر الله له ووجبت له الجنة(4) .
__________________
(1) إختيار معرفة الرجال للطوسي : ج 2 ، ص 467 / 366 ، وعنه بحار الأنوار : ج 47 ، ص 324 ، ح 20.
(2) عيون أخبار الرضاعليهالسلام للصدوق : ج 2 ص 15 ،ح 2 ،وعنه بحار الأنوار : ج 26 ، ص 231 ،ح 4.
(3) عيون أخبار الرضاعليهالسلام للصدوق : ج 2 ص 15 ، ح 1 ، بحار الأنوار : ج 26 ص 231 ح 3.
(4) إختيار معرفة الرجال للطوسي : ج 2 ، ص 574 / 508 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 282 ، ح 16.
5 ـ ما روي عن الحسن بن الجهم قال : سمعت الرضاعليهالسلام يقول : ما قال فينا مؤمن شعراً يمدحنا به ، إلاّ بنى الله له مدينة في الجنة أوسع من الدنيا سبع مرّات يزوره فيها كل ملك مقرّب وكل نبي مرسل(1) .
وغير ذلك من الأخبار التي أكدوا فيهاعليهمالسلام ورغبوا شيعتهم في ذلك مع بيان فضل الإنشاد وما له من الثواب والجزاء عند الله ـ تعالى ـ ، وما ذلك كلّه إلاّ لأهمية الشعر وأثره الكبير في إحياء ذكرهم.
وامتثالاً لأمرهمعليهمالسلام هبّ الاُدباء والشعراء ـ قديماً وحديثاً ـ لهذا النداء فأخذوا يبثّون فضائل أهل البيتعليهمالسلام ويُظهرون مظلوميتهم وما جرى عليهم من قتل وتشريد وتعذيب في السجون ونفي عن الأوطان ، وخصوصاً واقعة الطف الدامية وما جرى فيها على ذرية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يكتفوا بذلك إذ ضمّنوا أشعارهم الاحتجاجات الصارخة المدوية والاستنكار الشديد على قاتليهم وظالميهم ، ولذلك كان الشعر الحسيني ولا يزال يُدوي في ضمير التاريخ ، ويلهب النفوس ويوقظ النائمين وينبه الغافلين والذين عُتمت عليهم الحقيقة ولتصحو كلُ نفس من سباتها العميق.
فالادب الشيعي الحسيني هو من قوام وأساس التعبير الصادق الذي يُظهر لنا المأساة بأجلى أبعادها وصورها وأصدق معانيها الواقعية.
قال أحد الأعلام : أنا لا أنكر ما للأدب الشيعي من الروعة ، وما فيه من الجمال ، لأنّ هذه الظاهرة في الأدب الشيعي واضحة يجدها كل قارئ تذوّق
__________________
(1) عيون أخبار الرضاعليهالسلام للصدوق : ج 2 ، ص 15 ، ح 3 ، بحار الأنوار : ج 26 ، ص 231 ،ح 5.
الأدب ، أدب الشيعة صدى لعواطف ملتهبة ، أخمد الزمان لهيبها أن يظهر ، وأطلق الأدب دخانها أن يثور ، ففاح كما يفوح النَّدُ حين يحترق ، وماء الورد حين يتصعد.
وفي الأدب الشيعي رقة الدمع ورهبة الدم ،والحزن للقلوب الكئيبة ، كالنار حين تنفي خبث الحديد وتنقي الذهب الأبريز ، ويستطيع الأديب الشيعي أن يبكي في ثورته وأن يثور في بُكائه وأن يُسيطر على الموقف في كلتا الحالتين ، لأنه يُلقي من شظايا فؤاده.
لم تستطع الشيعة أن تعمل ولكنها استطاعت أن تقول ، والكبت حين يشتد يتصل بأعماق النفس ليمزج العقيدة بالعاطفة ، ثم يتصعد مع الزفرات أدباً يُلهب ويتلهب ويبكي ويستبكي ، وفي أنّة الحزين معاني لا تستطيع أن تعبر عنها أنةُ المعافى وإن تشابهتا في التوقيع.
هذا ما يجعل أدب الشيعة في القمة من أدب المسلمين وفي الذروة من أدب العروبة وهذا بعض ما استفادته من يوم الحسينعليهالسلام وأيام العترة في التاريخ ، وأيامهم في التاريخ دموعاً ودماً(1) .
ولما كانت هذه بعض خصائص ومميزات الأدب الشيعي ، وقف المناوئون ـ لأهل البيتعليهمالسلام وخصوصاً بنو اُمية وأتباعهم ومن نحا نحوهم لاتخاذ المواقف الحازمة ، والتدابير اللازمة ضد شعراء أهل البيتعليهمالسلام والذين جعلوا على عاتقهم إظهار مظلوميتهم انتصاراً للحق مهما كلفهم ذلك ما دام أنه يرضي الله ورسوله ، إذ أن الأمويين واتباعهم يُدركون تماماً مدى خطورة التفاعل الشعري على نواياهم وافعالهم.
__________________
(1) كتاب مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي والمهدوية لزين الدين : ص 88.
ومع ذلك كلّه نجد بعضاً من ذلك الشعر مدحاً ورثاءً قد وصل إلينا على امتداد العصور مع ما لابسه من محن ومتاعب ، ناهيك عمّا ضمّته موسوعات الشعر الحسيني في ذلك والذي يمثل ثروة أدبية لا غنى للمكتبة الإسلامية عنها.
ولأهمية هذا الأدب الثري يضم هذا القسم ما جاء في ليلة عاشوراء ـ قديماً وحديثاً ـ من قصائد الولاء والتي ارسلت أضوأها على أحداث ومواقف هذه الليلة العظيمة تخليداً لذكراها الأليمة.
(2)
أهمية النقد الأدبي الموضوعي
إنّ من أهم الدراسات الأدبية هي الدراسات النقدية الموضوعية ، والتي تستأثر بأهمية بالغة عند الدارسين والباحثين في الأدب ، وموضع عناية الأديب والناقد والشاعر ، وحتى القارئ النبيه الذي تستهويه مثل هذه الدراسات.
وكما لا يخفى أنّ للنقد الأدبي قيمته الذاتية ، إذ هو يُقوّم النص الأدبي ، ويُميّز جيده من غيره ، ويحلله ويدرسه على ضوء أدوات النقد الأدبي ومعادلاته الخاصة ، والتي منها ـ كما قيل ـ :
الذوق السليم ، والتجربة الشخصية ، والقواعد العقلية ، والمعرفة اللغة العربية وقواعدها ، والإحاطة بأساليب البيان ، بعيداً عن كلّ نزعة وتعصب أو ميول نفسية ، ومَنْ ثَمَّ الحكم على النص من خلال قراءته وملاحظة عناصره الأخرى.
ومن الضرورة بمكان أن يتناول النقدُ القصيدة من جهاتها المُهمّة والتي تنصب على مستوى اللفظ وسلامته والمعنى وصحته ، واستقامة الغرض ، وملاحظة الوزن والقافية ، وائتلاف كل منهما مع الآخر ، ويتناولها أيضاً من الناحية الفنية والجمالية والإشارة إلى مفاهيمها ، واستخراج معانيها النفيسة التي يرمي اليها الشاعر والأغراض التي إعتمدها الشاعر في بناء قصيدته ، ومقدار عمقها وسعة خيالها ومزاياها الأدبية الاُخرى ، كما يبحث أيضاً عن خلل القصيدة واضطرابها وعيوبها إن وجد ذلك.
فعلى هذا أصبح من الضروري أن يقف الشاعر على نقاط الضعف في قصيدته ، الأمر الذي يجعله أكثر دقة وتلافياً لأخطائه في محاولاته الاُخرى اللاحقة.
وهذا هو شأن الدراسات النقدية الأدبية البنّاءة الهادفة والتي تُعد ثروة فكرية لا غنى عنها في عالم الأدب.
وانطلاقاً من ذلك وللأهمية المتوخاة نقدّم دراسة نقدية موضوعية بقلم الأستاذ ثامر الوندي حول ما جاء في ليلة عاشوراء من قصائد وتقويم مستواها وذكر بعض مزاياها وأغراضها والإشارة أيضاً إلى خللها واضطرابها إن وجد ذلك ،كما تناول دراسة عامة لبعض السمات المشتركة فيما يخص ليلة عاشوراء ، فلم يألُ جهداً في هذه الدراسة القيّمة والتي إستغرقت منه وقتاً ليس بالقصير فجزاه الله خيراً.
وكما لا يخفى أنّ الأستاذ الناقد لا تخفى قدرته النقدية وعمقه في معاني الشعر ، وإني أخاله يستنطق القصيدة بلا عناء فتُفصح له عن أسرارها الكامنة فتُخرج له ماخبأه الشاعر في أعماقها بما في ذلك أسرار شاعرية صاحبها ، ليقف الشاعر على ما تركه من لمسات في نصّه الشعري ليكون له حافزاً في تطوره مستقبلا.
وآمل أن تكون مثل هذه الدراسات مستوعبة أدب الجيل بالشكل المناسب وتعطيه أهميةً بالغةً لما في ذلك من تقدم أدبي على صعيد أفضل مما يجعله أكثر تطوراً من ذي قبل.
(3)
مرايا ليلة عاشوراء
بقلم الأستاذ الوندي(1)
داخل هذا التخصيص والحصر ، لا يمكن للإستقصاء الباحث عن النصوص الشعرية أن يصل إلى أقصى مما وصل إليه الباحث في الحصول على نصوص تخصّ ليلة العاشر من المحرم وحدها ، وهذا الجهد الظاهر والعناء الواضح من لدن الباحث في تضاعيف المنشور والمطبوع من النصوص المختصة يصاحبه جهد وعناء آخر تحمّله الإخوة الشعراء المعاصرون الذين طاردتهم رغبة الباحث وملاحقاته الجادة وحتى توسلاته ـ جزاه الله كل خير ـ ولا أرى فيه إلا معرفته الحقّة بما يعتري الشعراء من نزقٍ منطلقٍ بلا قيودٍ ونزوعٍ طفوليّ إلى التحرر والإنعتاق من كل فكرة ضاغطة ومشروع يفرض على الشاعرية ما يريده لا ما تريده هي ، وإذ نحيّي سعي الباحث الدؤوب نكبر كذلك الروح الولائية الوثّابة والاستجابة الكريمة التي أولاها الإخوة الشعراء لهذا المشروع الرائد.
لنقرّر إبتداءً بعض نقاط الإنطلاق كفرضيات قابلة للإمتداد التطبيقي في
__________________
(1) هو : الأديب الناقد الأستاذ ثامر محمد الوندي ، شاعر ناقد ، مضطلع في الثقافة والفنون ولد سنة 1377 ه في البصرة ـ العراق ، يحمل شهادة الدبلوم في صحة البيئة ، له بعض المقالات النقدية المنشورة ، والنصوص المسرحية والقصصية والموشحات الإسلامية ، وله مشاركات شعرية في الملتقيات الأدبية والدينية.
قراءتنا للنصوص الشعرية وهي :
1 ـ إن الأحداث التي جرت في ليلة عاشوراء هي مادة أولية خام سيتناولها الشاعر أو الأديب في نصّه فيعمل كلّ على شاكلته ، بمعنى الإختلاف في طرق وأساليب التناول مما يفرز نتاجات مختلفة أو حتى متقاطعة متباينة لكنها مؤطّرة بالإطار الكلي العام.
2 ـ تباين الرؤيا الشعرية عن الرؤية التأريخية حيث تُعنى الثانية بالتطابق مع المقطع الزمني للحادثة بتفاصيلها في شكل الصدق الواقعي ، أما الاُولى فتُعنى بالعلاقة الضمنية أو حتى التلازمية مع الحادثة في شكل الصدق الفني الجمالي.
3 ـ إن الشاعرية عمل إنساني كباقي الأعمال الإنسانية الاُخرى ، ففيها عرض عريض بين القوة والضعف ، وبين الإجادة والكبوة ، والإتقان والرداءة ، فربما نواجه شاعراً مُجيداً لم تتوفر في نصّه هنا عوامل الإجادة والإتقان والتوفيق ، فلن تمنعنا إجادته في نصوصه الاُخرى عن مُساءلته نقديّاً والإشارة إلى مواطن الضعف في نصّه مع جليل إحترامنا لتجربته ورصيده.
4 ـ هناك نصوص شعرية مكتوبة للقراءة الشعرية سيكون انحياز الإهتمام والرعاية النقدية لها مبرّراً ، لقابلية مثل هذه النصوص على إعطاء الفحص والاستقصاء النقدي أكثر من مفتاح لذلك ، مع الاشارة المستعجلة لثلاثة أنواع من النصوص المنظومة الاُخرى : ـ أوّلها منظوم للتوثيق ، والثاني للخطابة ، والثالث للإنشاد.
5 ـ في غمرة هذا الخليط لم نجد ما يشترك به الشعراء والناظمون ليؤلّف سمة مشتركة يمكن تحديدها وإبرازها لذا آثرنا أن نتعامل مع النصوص بشكل مفرد
وقد أهملنا بعض النصوص إما لخلوّها من القيم الجمالية الفنية ، أو اختصاراً لوجود تجارب مشابهه مع الاعتذار من كل الاخوة.
6 ـ رأيت أن أتوسع مع الشاعر بولس سلامة لمقتضيات عقائدية ، لانّه كتب عن أهل البيتعليهمالسلام وهو مسيحي الديانة ، ولمقتضيات فنية لانّ شعره نموذج للتجربة الشعرية الناضجة فنيّاً ، ولمقتضيات تأريخية لانّه كتب ملحمته شعراً عمودياً في سنين الخروج على هذا الشكل من النظم بالشكل الجديد المسمى ( الشعر الحر ) أعوام 1947 ـ 1948 م.
7 ـ سأبدأ بدراسة عامة لبعض السمات المشتركة عند شعراء المجموعة فأتناول أولاً الخطاب الشعري الخاص بالشعراء لليلة عاشوراء على المستوى المضموني ثم أدرس ثانياً وعلى المستوى الشكلي البنائي ظاهرة الإستحضار الحسي أو الشعوري في شعر بعض الشعراء الذين وثّقوا لحالتين أسميتهما على التوالي ( إتخاذ الليل جملا ودويّ النحل ) وهذه هي السمات المشتركة التي وجدتها في النصوص وإن لم يشترك فيها معظم الشعراء.
فنرجو أن تروق لكم هذه المحاولة ونسأل الله السداد والتوفيق.
القسم الأول : الخطاب الشعري لليلة عاشوراء
عندما نمتلك وعياً نقدياً مبسّطاً ونقرأ من خلاله المشهد الشعري المجاور لحركة بثّ المنظومة المعرفية الحسينية على إختلاف وسائطها ، لا نرى هناك إلا الشعر محرّكاً للوجدان والضمير الموالي ، ولا نجد سواه وَقوداً ملتهباً متأججاً بانفعالاته المتولدة من صوره وتراكيب ألفاظه وجمله.
فلو تأملنا مجلساً حسينياً بلا شعر ، فهل يستطيع خطيب أن يقرّب سامعيه من الأبعاد المأساوية بِقِطَعٍ نثرية ؟ وكيف سيتمكّن من تصوير المصاب بإغفال الجذوة الجيّاشة بالعواطف والأحاسيس والمشاعر التي يحملها الشعراء في حبات قلوبهم ؟ لابد من تأشير ذلك لئلا يُهمّش دور الشعر في الحمّى التبخيسية التي تتعرض لها كلّ الأنشطة الإنسانية الحقة والتي تملأ الفراغات الحساسة في حيات البشر ، بعد غَلَبة الأفكار المُسلّطة التي تحمل طابع السطو على المجالات والحقول المؤثّرة والفاعلة في الإنسان الفرد والمجتمعات.
ولعلّي أجد أكثر من مبرّر أحتمي تحت ظلاله في محاولتي قراءة نصوص المجموعة إنطلاقاً من النصوص نحو ليلة عاشوراء وليس العكس ، أي من ليلة عاشوراء نحو النصوص.
فليلة عاشوراء لا تحتاج الأدب إلا كحلّة لها ، وصورة تتجلّى بها ، ووتر يرنّم انشودة العطاء والفداء والتضحية.
ربّ سائل يطرح هذه الإثارة ( ما علاقة النقد الأدبي بليلة عاشوراء ؟ ) ونحن
بدورنا نجيب :
أنها علاقة أي نشاط إنساني حيوي بمبادئه وثوابته ومرتكزاته العقائدية والدينية من خلال الواقع والتاريخ الذي يعيشه ، فمادام هناك أدب يُكتب عن المأساة الحسينية ( شعراً كان أو غيره من الأجناس الأدبية والفنية ) فلابد من وجود نقد يختبر ويفحص ويؤشّر ويقوّم ويثمّن ويوجّه ويفتتح طرق التلقي السليم ويُشذّب أساليب القراءة الصحيحة.
فالنقد يُفعّل عملية الإلتفاف حول الأدب ( مؤلفين وقراء ) وكذلك هو يرفع من درجات الإهتمام بالنشاط الأدبي كنشاط إنساني ضروري يكتسب مشروعيته من حاجة الناس اليه لإيجاد حالة التوازن في الجانب الشعوري الوجداني لبني البشر.
وبعد فالشاعر الولائي بحاجة إلى الإحتضان والرعاية والإحتفاء ، لأنه المعادِل العاطفي الوجداني للعالِم والمفكّر والفيلسوف ، وهو حنجرة الأماني المستترة ، وصوت الضمير النابع من أعماق الذات المتفاعلة مع النداء الإلهي المتجلي ، دائماً وأبداً على صفحات الولاء الحق لحملة النور الرباني المتوهّج ، بسيد الأكوان والمخلوقات الرسول الأكرم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وآلِ بيته المعصومينعليهمالسلام .
ليلة عاشوراء ما هي إلا محطة من محطات المسيرة العظيمة ، وهي موقف يمتد وأفق إنتظار لما سيحدث ، فلا غرو أن تُثير عند الشعراء كوامن الإبداع وينابيع العطاء ليقفوا أمام جلالها وعظمتها وقفة حيرة ووجل.
ما الذي يفعله كائن سينتهي في يوم ما من أيام الزمن مع واقعة تشمخ على قوانين الزمن الصارمة ؟.
إن لليلة عاشوراء من الخصائص ما يجعلها تحقق إمتدادات متنائية النهايات ،
ومساحات مترامية الأبعاد ، وحجوماً غائرة الأعماق في الوجود الإنساني عبر أزمانه المتعددة.
تُرسل الواقعة رسالتها ـ إلى هدا الكائن الحساس في زمنه المحصور المهشّم ـ عبر سياق يحفظ للرسالة هويتها وصفاتها ، وهذا السياق هو ـ عملية نقل الوقائع التاريخية المهمة ـ وسيكون هناك نظام إتصال مادّي يؤمّن وصول الواقعة بطزاجتها ونضارتها وحيويتها من المرسل ( ليلة عاشوراء ) إلى المستلم ( وهو الشاعر هنا ) وستنبري شيفرة محددة خاصة ـ يعرف الشاعر المستلم مفاتيحها ـ لإعادة حدوث الواقعة في ذهن المستلم.
بعد هذا ما الذي سيحدث ؟
هل يصح أن نعدّ المفردات التاريخية لليلة عاشوراء كمواد أولية خام للعملية التحويلية الشعرية التي ستتناولها أم لا ؟
إن مفردات ليلة عاشوراء ـ أحداثاً وشخصيات وحوارات وخِطباً ـ لحظات زمنية خاصة تجاوزة خصوصيتها المشخصة ، وتخطة إثباتها في السجلّ التاريخي لتستمرّ في نفض أغبرة النسيان عنها بنبض حيوي متصاعد لتتواصل ، مع كل اللحظات والأزمان الخاصة التي ستعقبها وتليها ، بنداء حيّ متدفق فتخاطب عقولاً وقلوباً لم تعش معها تلك اللحظة التاريخية ولم تعاصرها ولم تتزامن معها.
فهي مواد أوليّة لعملية الكتابة تشعّ إمكانات وقدرة وطاقة هائلة لا يمكن أن يحيط بكلياتها متأمل ، ولا يستطيع أن يستوعب جزئياتها متفكر ، فنرى الشعراء حيارى بين من يقارب الوثيقة التاريخية بنظمه موثّقاً ، وبين من يستبطن مفرداتها ويدور حولها متصوّراً.
سنقف عند أحد المداخل المتفاعلة مع الليلة ، وهذا المدخل هو الخطاب الذاتي الخاص بالشاعر عندما ينادي ليلة عاشوراء لنرى سمات وصفات وأبعاداً سنحددها تباعاً من مجمل خطابات شعراء المجموعة كالآتي :
لابدّ لظاهرة الألم والتوجّع أن تطفو على السطح في الغليان الإنساني المنفعل بالقضية الحسينية على وجه العموم ، لكني أقصد هنا حصر الخطاب الشعري لليلة عاشوراء بالصورة العامة للألم والمأساة بدون تفاصيل فنرى الشيخ النصيراوي يخاطبها :
ياليلة الحزن خطّي للنهى علما |
فقد كتبناك في أعماقنا ألما |
وهو بعد يوضح أثر الليلة على حزن الشاعر ، حيث يتجسد هذا الحزن بصورة دمع يسيل دماً عند الشيخ المنصوري في خطابه لها :
بك يا ليلة الوداع الرهيب |
سال دمعي دماً لرزء الغريب |
أو أن يتجسد جمراً وحرقة في الأكباد عند السيد القزويني :
ليلة العاشر قد خلّفت حتى الحشر في الأكباد جمراً
وهو بعد يخاطب فيه الشاعر الليلة كحق مضيّع ، فيسقطها تاريخياً على
الحاضر والمستقبل ليتم التحرك نحو ثارات الإمام الحسينعليهالسلام كما عند السيد مدين الموسوي :
لا تتركي حجراً على حجرِ |
يا ليلة الأرزاء والكدر |
|
صبّي على الدنيا وما حملت |
من نار غيضك حارق الشرر |
|
يا ليلة وقف الزمان بها |
وجِلاً يُدوّن أروع الصور |
ونهج الشاعر ناجي الحرز المنهج نفسه لكن بتفصيل بالمطالبة للثارات ليقول :
أليلة يوم عاشوراء عودي |
بكلّ الصحوّ والهمم العظام |
|
أعيدي فتحك القدسيّ زهواً |
حسينياً على الداء العقام |
|
وصبي النور في شرق وغرب |
وليس على عراق أو شآم |
|
لقد عمّ الظلام وعاد حياً |
أبو سفيان ينفخ في الظلام |
أو أن يتوجه الشاعر لكشف حركية الليلة وما تولّده في الحركة العامة للانسان والكون والحياة كما عند الشيخ مهدي المصلي :
ليلة أسهرت عيون الليالي |
لترينا عزائم الأبطال |
|
وترينا الشموس تفترس الليل |
لتمحو عصر الليالي الطوال |
|
وترينا التاريخ أشرق فيه |
عِقد نور مُرصّع باللآلي |
|
وترينا الإنسان يسمو على النجم |
مناراً ورجله في الرمال |
|
وترينا الليل الذي يلد الفجر |
فيهوي ظلامه للزوال |
أو هي حركيّة قيم ومُثُل وتجاوز على ثبات التاريخ في نداء أخلاقي سلوكي كما عند يقين البصري :
يا ليلةً يا مخاضَ الدهرِ يا حِقباً |
قدسيةً يا نضالاً مورقاً ذهبا |
|
يا ليلة من عذابات مطرّزة |
بالكبرياء شطبت المحل والجدبا |
|
يا ليلة عمرها التاريخ أجمعه |
والمجدُ أشرفُه بالعزّ ما اكتسبا |
أو هي حركية سموّ ورفعة على الزمن بأيامه ولياليه كما عند السيد محمد شعاع فاخر :
أليل سجى في كربلاء أم الحشر ؟ |
تسامت به الأيام وافتخر الدهر |
وهو بعد يقابل فيه الشاعر الليلة مع النهار كمفاهيم زمنية ليُخرِج الليلة من زمنيتها ولحظويتها كما عند الشاعر عبد الكريم آل زرع :
أليلة عاشوراء يا حلكاً شبّا |
حنينكِ أدرى من نهارك ما خبّا |
أما تقابل صفات الليل والنهار ، فبين السواد والبياض يعرض سعيد العسيلي ذلك :
هي ليلة كانت برغم سوادها |
بيضاء تبعث في الهدى تغريدا |
وهو بعد الإستبطان وإعادة الصياغة والإنشاء التصويري للمفردات ، فالليلة تبدو فاجعة في إنعكاسها عند الشيخ علي الفرج ليصفها هكذا :
أنت يا ليلة إنخساف المرايا |
في وجوه السنين والأحقاب |
ويطالب الشاعر جواد جميل الليلة أن تُطفئ شموعه بدم الطفوف في تشكيل صوري بين سيولة الدماء واشتعال الشموع في تقابل ( الماء ـ النار ) من
العناصر الأربعة في جدلها عندما يخاطب الليلة قائلاً :
آهِ يا ليلة الأسى والدموعِ |
أطفئي في دم الطفوف شموعي |
وسنتوسع مع أحد أبيات الشاعر جاسم الصحيّح فيما بعد والذي يحقق هذا البعد أيضاً حين يقول :
يا ليلة كست الزمان بغابةٍ |
من روحها قمرية الأدغالِ |
أما الشاعر فرات الأسدي فقد خاطب الليلة عبر إخراجها عن دلالتها الزمنية إلى دلالة تشكيلية ملونة بلون النزيف حقّق فيها ظاهرة لغوية قرآنيّة في التلاوة تسمّى تعانق الوقف ، فبإمكاننا أن نقرأ بيته التالي :
فَناوِلي دمه يا ليلةً عبرتْ |
إلى النزيف جريح الخطو منسكبا |
إمّا أن تكون شبه الجملة ( إلى النزيف ) عائدةً إلى ( يا ليلةً عبرت ) أو عائدةً إلى ( فناولي دمه ) لتندمج بذلك حالتا التشكيل الرؤيويّة واللفظيّة كما هو معهود عنده.
القسم الثاني : ظاهرة الإستحضار الحسي
بعد أن يتم الإتصال بين الشاعر ـ في لحظته الزمنية الهشّة وبين الواقعة التي تكرّست كموقف وجودي للإنسان النوعي في لحظتها الزمنية الخارجة على التسلسل الطبيعي لسيرورة الزمن ـ يقرّر الشاعر أن يشتغل على إستحضار الهيئة الحسيّة أو الشعورية للواقعة ، فيكون هناك مفترق طرق في أساليب التناول والمعالجة.
ولأن الواقعة أرسلت تفاصيلها رسالة إليه ( عبر نظام إتصال ماديّ ـ كتب المقاتل والسير والتأريخ عادة ـ ضمن سياق تاريخي حاضر يؤطرها ويحميها ويؤمّن توصيلها كمعنى حيوي وطازج ، إضافة إلى وجود شفرة شفافة موجّهة ومحفزة لانتباه المتلقي للرسالة ) عبر طريق إتصال كتابي ، فسيكون الإشتغال على الوثيقة المكتوبة الناقلة للواقعة كظاهرة لغوية فإما أن يطابقها باستنساخ فوري على ورقة أخرى ـ إن صح التعبير ـ أو أن لا يفعل ذلك ، ولغرض فحص هذه الفرضية سنتعرض ـ على مستوى الإمتداد التطبيقي للفرضية ـ إلى محطتين أو موقفين من مواقف ليلة عاشوراء الحافلة بالمواقف لنلاحظ كيف عالج الشعراء هذين الموقفين في شعرهم :
محطة ( اتخاذ الليل جملاً )
نبدأ أولاً بالنص الذي حاور به الإمام الحسينعليهالسلام أصحابه ليلة العاشر من المحرم ليتركوه وحده للأعداء في نص يحمل كلّ أسرار البلاغة العلوية حين قال لهم : ( هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً ).
فسنرى كيف تناول الشعراء مقطعاً منه تحديداً وإختصاراً وهو نص ( فهذا الليل فاتخذوه جملاً ) فعند محاولة استحضاره وأستضافته سيكون هناك استحضاران للأداء الشعري المقابل في صيغة إعادة إنتاج أو مقاربة متدرجة وهما :
في هذا الجزء من النصّ الأصلي ثلاث كلمات هي ( الليل ، فاتخذوه ، جملاً ) وبما أن السياق الذي جاءت فيه هذه الكلمات في النص هو سياق الخطاب النثري غير الموزون فسوف يقرّبه الشعراء إلى واقع النظم وفقاً لمتطلبات الأوزان العروضية التي سيستخدمونها ، وسنقسّم هذا الإستحضار اللفظي وفقاً لوجود الكلمات الثلاث إلى :
أ ـ لفظي تام :
إستطاع الشعراء أن يستخدموا الكلمات الثلاث فيه ومنهم الشيخ هادي آل كاشف الغطاء في إرجوزته حيث قال من بحر الرجز :
الليل قد أجنّكم وأقبلا |
فاتخذوه للنجاة جملا |
وكذلك السيد محد رضا القزويني حيث قال من بحر الرمل :
أقبل الليل ألا فاتخذوه جملاً فالستر أحرى ...
ب ـ لفظي ناقص :
إستخدم الشيخ عبد المنعم الفرطوسي لفظة ( الظلام ) بدلاً عن لفظة ( الليل ) لمقتضيات عروضية إقتضاها النظم على بحر الخفيف فقال :
جنّ هذا الظلام فاتخذوه |
جملاً للنجا وأضفى غشاء |
ومن بحر الكامل قال السيد محسن الأمين في قصيدته ( همم على هام النجوم ) :
جاء المسا فدعاهمُ قوموا اذهبوا |
فالليلُ ستر جهرهُ إخفات |
وقال في قصيدته الاُخرى بعد أن إستبدل لفظة ( الليل ) بلفظة ( المساء ) ولم يذكر الكلمتين الأخريتين :
وأتى المساء وقد تجهّم وجهه |
واليوم محتشد البلاء عصيبُ |
|
قال اذهبوا وانجوا ونجّوا أهل |
بيتي إنني وحدي أنا المطلوب |
وقال السيد أحمد العطار بعد إبداله نفس اللفظة بلفظة ( الدجى ) ولم يذكر غيرها أيضا من بحر الخفيف :
إذهبوا فالدجى ستير وما الوقت |
هجيراً ولا السبيل خطيرا |
وكذلك الشيخ محمد سعيد المنصوري باستبدالها بلفظة ( الغروب ) ولم يذكر غيرها أيضاً من بحر الخفيف :
قال يا صحبي الكرام وفيتم |
فاذهبوا في ظلام هذا الغروب |
ومن الشعراء من ذكر لفظة ( الليل ) دون غيرها كما فعل الشيخ ابن مغامس من بحر الطويل :
ألا فارحلوا فالليل مرخٍ سدوله |
عليكم ومنهاج البسيطة خالِ |
وكذلك فعل الشاعر بولس سلامه من بحر الخفيف :
وخذوا عترتي وهيموا بجنح الليل |
فالليل درعكم للنجاة |
وكذلك الشاعر ابن الخلفة من بحر الكامل :
قوموا بحفظ الله سيروا واغنموا |
ليلاً نجاة النفس قبل فواتها |
وكذلك العسيلي في ملحمته من بحر الكامل :
هذا سواد الليل مدّ ظلامه |
وجناحه من فوقكم مسدول |
|
هيا إذهبوا إن الفلاة وسيعة |
وجبالها حصن لكم ومقيل |
وكذلك الشيخ النصيراوي من بحر البسيط :
ويعجب الناس أن الليل حين بدا |
يمدّ جنحاً من الظلماء محتدما |
|
قال الحسين لهم : خفّوا على عجل |
فما سواي أراد المعتدون دما |
وممن إستبدل لفظة ( الليل ) بتركيب ( قبل الصبح ) الشيخ لطف الله الحكيم فقال من بحر الكامل :
يا قوم من يُردِ السلامة فليجدَّ |
السير قبل الصبح وليترحّلِ |
جرى التفاعل هنا مع الصورة البصرية لاتخاذ الليل جملا ، فاستحضرت هيئة
الركوب المجازية التي قالها الإمام الحسينعليهالسلام ببلاغة التركيب المنتج للمعنى فتمّ للشاعر نزار سنبل باستحضار لفظي ناقص ـ كما أسميناه ـ أن ياتي باستحضار معنوي فيه الكثير من دقة المعنى فقال بعد أن مهّد لقوله بصورة مركبة عن إرتداء الدرب :
إرتدوا الدرب في الخفاء سراعاً |
وإركبوا الليل أيّها الأزكياء |
على أن الشاعر محمد سعيد المناميين يتوسّع مع قرينة الركوب ليفصّلها ويفكّكها إلى أدواتها ، ويوصل الركوب إلى الإمتطاء فيخصصه لأن الإمتطاء يكون ركوباً على ظهور الحيوانات فقط ليطابق مع لفظة النص ( جملا ) معنوياً ويستبدل لفظة ( الليل ) بلفظة ( الظلام ) وهو المطلوب من الليل في حديث الإمام الحسينعليهالسلام .
لكن المناميين يتوغل في مطابقة المعنى بإيراده للفظة ( صهوة ) وأضاف ( الظلام ) اليها ، ليحسن لديه جمال التركيب أيضاً إضافة إلى الإيجاز والتمكّن من حصر كل هذا في مجزوء الخفيف حيث قال :
فامتطوا صهوة الظلامْ |
أسرعوا لا تلفّتوا |
محطة ( دويّ النحل )
بعد أن رأينا التعامل مع الصورة البصرية فيما سبق سنتناول الآن صورة ( دويّ النحل ) السمعية ، ومع إن استحضار الواقعة التاريخية يجري عادة على المستوى الشعوري حسّاً وانفعالاً ، فإن الصورة البصرية تكون قريبة الاثر في الاستحضار أكثر من الصورة السمعية لأسباب تتعلق بطبيعة حاسة البصر وقابليتها التخييلية فهي
تعطي الإنفعال مساحة أوسع من قابلية حاسة السمع على ذلك ، نظراً للمسحة الموضوعية الدقيقة التي تتمتع بها السمعيات.
فالسمع والمسموعات أكثر عقلنة ـ إن صح التعبير ـ من البصر والمرئيات. وفي موضوع معالجتنا للصورة السمعية التي تناولها شعراء المجموعة سنفترض وجود اسلوبين من الاستحضار هما :
وهو استحضار تدرّج في الاقتراب من اللفظ على الأقل وورد على نوعين :
أ ـ مقترب مطابق :
وهو إستحظار جاء فيه التركيب كاملاً ( دويّ النحل ) مثلما أورده الشيخ هادي كاشف الغطاء في إرجوزته :
لهم دويّ كدويّ النحل |
من ذاكر لله أو مصلِّ |
وجاء في ملحمة ( أهل البيتعليهمالسلام ) للشيخ الفرطوسي :
كدويّ النحل ابتهالاً ونجوى |
لهم في غياهب الظلماء |
أو إستخدام السيد محمد رضا القزويني له في :
ولهم فيها دويّ كدويّ النحل قد غادر وكرا
أو الشيخ محمد حسين الأنصاري حين قال :
ودويّ كالنحل في صلوات |
لو أتوها على الوجود لزالا |
أو السيد الأمين في قصيدته ( همم على هام النجوم ) :
بات الحسين وصحبُه من حوله |
ولهم دويّ النحل لمّا باتوا |
ب ـ مقترب غير مطابق :
وهو في إستحضار جزء من التركيب لمتطلبات ومقتضيات جعلته هكذا كما في بائية السيد محسن الأمين :
باتوا وبات إمامهم ما بينهم |
ولهم دويٌّ حوله ونحيب |
أو الشيخ محمد سعيد المنصوري عندما أورده ناقصاً :
ثم باتوا لهم دويّ تعالى |
بالمناجاة للإله المجيب |
وكذلك فعل الشيخ عبد الكريم آل زرع :
يقضّي بها صحب الحسين دُجاهم |
دويّاً كمن يُحصي بجارحة تعبى |
وهو استحضار يتمثّل اللحظة جمالياً من خلال طاقتها الصوتية ويتمادى أحياناً في إستخدام جزء صغير من الظاهرة الصوتية وهو إهتزاز الحبال الصوتية فيركّب صورة ذهنية مرتبطة بالجوّ العام لكنها مزاحة بالكامل عن ألفاظها في النص ، مثل هذا الإستخدام ورد في قصيدة فرات الأسدي ( الليلة الآخرة ) :
عكفت تشحذ للموت نصالا |
أو تهزّ الليل ذكراً وابتهالا |
أو تتم الإزاحة إلى ظاهرة صوتية طبيعية أخرى عبر إستحضار مقترب غير مطابق كما عند الشيخ المصلّي عندما أزاح النحل عن الدويّ ليشكل صورة أخرى بربطه للدويّ بالنهر في إنشاء تصويري يفيض إيحاءً وترميزاً فيقول :
في دويّ كالنهر يملؤه التسبيح |
ينساب من رُبى شلال |
لكن الإزاحة عند الشيخ علي الفرج جاءت متشابكة مع الإقتراب المطابق حيث استخدم التركيب كاملاً ( دويّ النحل ) وأضاف اليه ظاهرة الإهتزاز أيضاً ليصورهما في بيت محبوك بحنكة ودراية وتأمل :
عجب أن أرى لديك ( دويّ النحل ) |
يهتزّ من اسود الغاب |
وقُصارى القول أن التحام الشاعر مع هذه الليلة الجليلة القدر يتم بوجل وخوف وخصوصاً عندما يتم اختيار الشعر لتوثيق الواقعة أو توصيلها بشكلها الشعري ، فكما هو معلوم ، فالشاعر ليس مدوّناً ولا موثّقاً ولا مسجّلاً للأحداث ، لكنه كائن نوعي ينفعل بواقعة عظيمة فيختار أن يوصلها عبر قنوات التعبير الفني والجمالي.
ليلة الحزن
يا ليلةَ الحزنِ خُطي للنُهى علما |
فقد كتبناكِ في أعماقِنا ألما |
|
ثارت بك الاُسدُ والعلياءُ مقصدُها |
لِتحصُدَ الغيَّ مِمن عاثَ أو ظلما |
|
هزَّتْ عروشَ بني سفيان قاطبةً |
ًبصرخةٍ أسمعت من يشتكي الصمَما |
|
قومٌ قليلونَ لكن عزمهُم جبلٌ |
إذا دنا السيفُ منهم رنَّ وارتطما |
|
اُولاءِ سُلاّكُ دربٍ قصده وهجٌ |
مِنَ الضميرِ يرى فيض الدما نِعَما |
|
يحدو بهم للمنايا نصرُ مبدئِهم |
فعانقوا الفجرَ يَسقونَ العدى حِمما |
|
ما زّل يوماً لهم في موقف قدمٌ |
وما أقرّوا على ظُلمٍ لِمَنْ حكما |
|
يستبشرون وهم في ليلةٍ مُلئتْ |
رُعباً كأنّ المنايا كانت الحُلما |
|
جَنَّ الظلامُ وأرضُ الطفِ مشرقةٌ |
بأوجهٍ لم يُخالِط حُسنها السأما |
|
تدنو المنيةُ والأصحابُ في شُغلٍ |
عن الحياةِ ولم يَبدو لها ندما |
|
ويعجبُ الناسُ إنّ الليلَ حين بدا |
يَمدُّ جُنحاً من الظلماءِ مُحتدما |
|
قال الحسينُ لهم خُفّوا على عجلٍ |
فما سوايَ أرادَ المعتدونَ دما |
__________________
(1) هو : الخطيب الشاعر الفاضل الشيخ إبراهيم بن علوان النصيراوي ، ولد سنة 1376 ه في محافظة العمارة ـ العراق ، أكمل دراسته الأعدادية ثم التحق بالحوزة العلمية في النجف الأشرف عام 1399 ه ، وبعد أن أكمل مراحلها الأولى حضر درس السيد الخوئيقدسسره ، ومن تأليفاته : 1 ـ حديث كربلاء 2 ـ القواعد النحوية 3 ـ أعلام الفقهاء 4 ـ ديوان شعر ( مخطوط ) ، وله مشاركات في النوادي الأدبية والثقافية والدينية.
هَبّوا وأعُينهم بالدمعِ ناطقةٌ |
واللهِ دونكَ نرجو الساعةَ العدما |
|
لو قطَّعونا بأسيافٍ لهم إرباً |
لَما رضخنا ونمضي للفدا قُدُما |
|
إنَّا على العهد لم نخذلكَ في غدنا |
وكيفَ يخذلُ مَنْ في حُبكم فُطما |
* * *
ثم انثنى لبناتِ الوحي ينظُرها |
رأى الجلال على تلك الوجوهِ سَما |
|
قد جلّلتهُنّ أيدي المكرماتِ فما |
أرجفنَ في القول أو ثبَّطن من عزما |
|
تقودهُنَّ إلى العلياءِ زينبُهمْ |
تلك التي ورثت من حيدرٍ عِظما |
|
قد ودّعت إخوةً عزّت نظائرُها |
بأدمُعِ البِشرِ منها سالَ وانتظما |
|
تضمُّ في كفّها قلباً لها وَجِلاً |
وعَزمُها يتحدى ظالماً رَغما |
|
تحكي علياً ويومُ الروعِ يعرفُه |
يُعطي البسالةَ حقاً صارماً وفَما |
|
ما احتجّ إلا وكان الندُّ مُنكسراً |
أو كرَّ إلاّ وكان الخصمُ مُنهزِما |
|
وهؤلاء بنوه الوارثون أباً |
بسيفه وبه جبريلُ قد قسما |
|
هُم هؤلاء لهم يهوى العُلا شرفاً |
هُم هؤلاءِ رقوا في مجدهم قِمما |
|
قد جَنّهم ليل حزنٍ حاملاً غُصصاً |
لو مَست الطودَ أضحى صَلدُه رِمما |
|
جيشانِ جيشٌ يحاكي الشمسَ منظرُه |
وآخرٌ راح في درب الضلال عمى |
|
يُعمّرون لهم ديناً على وهمٍ |
وإنَّ أخسر شيءٍ من بنى وهما |
إبراهيم النصيراوي 8 / ذو القعدة / 1416 ه |
الشيخ إبراهيم النصيراوي
هناك قلّة من خطباء المنبر الحسيني من يستطيع أن يفلت من متطلبات الخطابة عندما ينظم ، فهم ـ ومنهم النصيراوي ـ ذوو حس يتفوق عليهم فيوظّفون كل معارفهم لخدمة هذه الوسيلة المباركة للإتصال المحاطة بالعناية الإلهية المسددة.
فلا محيص من التسليم بنفور الشعر من أن يصغي ويعمل وفقاً لشروط ومتطلبات من خارج قوانينه ، فلذا تتميز القصيدة المنبرية بمميّزات سنشرحُها عندما نتعرض لنصوص الشيخ محمّد سعيد المنصوري وإني آمل من خلال معرفتي برغبة ونزوع الشيخ النصيراوي لتطوير قابليته الشعرية والخطابية أن يكون من القلّة من الخطباء الشعراء.
وأنوّه أن للنصيراوي قصائد ولائية أخرى نلمس فيها بدقةٍ هذا المنحى الذي لا نجده في قصيدته هذه عن ليلة عاشوراء.
وفاء الأصحاب
لست أنساهُ حين أيقن بالموت |
دعاهم فقام فيهم خطيبا |
|
ثم قال الحقوا بأهليكُم إذ |
ليس غيري أرى لهم مطلوبا |
|
شكر الله سعيكم إذ نصحتم |
ثم أحسنتم لي المصحوبا |
|
فأجابوه ما وفيناك إن نحن |
تركناك بالطفوف غريبا |
|
أي عذرٍ لنا يوم نلقى |
الله والطهر جدّك المندوبا(1) |
|
حاش لله بل نواسيك أو يأخذ |
كلّ من المنون نصيبا |
|
فبكى ثم قال جوزيتم الخير |
فما كان سعيكم أن يخيبا |
|
ثم قال اجمعوا الرجال وشبّوا |
النار فيها حتى تصير لهيبا |
|
وغدا للقتال في يوم عاشوراء |
فأبدى طعناً وضرباً مُصيبا |
|
فكأنّي بصحبه حوله صرعى |
لدى كربلا شباباً وشيبا(2) |
__________________
(1) هكذا ورد في المنتخب وواضح أن صدر البيت جاء على مجزوء المتدراك المرفّل أي ( فاعلن فاعلن فاعلاتن ) وليس من بحر الخفيف الذي نظمت عليه القصيدة.
(1) المنتخب للطريحي : ص 399 ـ 400.
الإمام المفدّى
فديتك من ناعٍ إلى الناس نفسَهُ |
وموذنِ أهليه بوشكِ وبالِ |
|
كأن حياةَ النفسِ غير أحينةٍ |
فمالك لا ترنو لها بوصالِ |
|
لعمرك إن الموتَ مُرٌّ مذاقُه |
فما بالُ طعم الموتِ عندك حالي |
|
فديتُ وحيداً قد أحاط برحلهِ |
لآل أبي سفيان جيشُ ظلالِ |
|
يقول لأنصارٍ له قد أبحتُكُمْ |
ذمامي وعهدي فاسمعوا لمقالِ |
|
ألا فارحلوا فالليلُ مرخ سدولَهُ |
عليكم ومنهاجُ البسيطةِ خالِ |
|
فمالهم من مطلب قد تألَّبوا |
عليه سوى قتلي ونهبِ رحالي |
|
فقالوا جميعاً ما يُقال لنا وما |
نقولُ جواباً عندَ ردِّ سؤالِ |
|
تقيكَ من الموتِ الشديدِ نفوسُنا |
ويرخصُ عندَ النفسِ ما هو غالِ |
|
أمِنْ فَرَقٍ نبغي الفريق وكلُّنا |
لأولاده والعيش بعدك قالِ |
|
فطوبى لهم قد فاز والله سعيُهُم |
فكلُهم في روضةٍ وظلالِ(1) |
__________________
(1) المنتخب للطريحي : ص 301.
اللؤلؤُ المنثور
لست أنسى إذ قام في صحبه |
ينثر من فيه لؤلؤاً منثورا |
|
قائلاً ليس للعدى بغية غيري |
ولا بُدَّ أن أردّى عفيرا |
|
اذهبوا فالدجى ستيرٌ وما الوقت |
هجيراً ولا السبيل خطيرا |
|
فأجابوه حاش لله بل نفديك |
والموت فيك ليس كثيرا |
|
لا سلمنا إذن اذا نحن اسلم |
ناك وتراً بين العدى موتورا |
|
أنخليّك في العدو وحيداً |
ونولّي الأدبار عنك نفورا |
|
لا أرانا الإله ذلك واختا |
روا بدار البقاء مُلكاً كبيرا |
|
بذلوا الجهد في جهاد الأعادي |
وغدا بعضهم لبعض ظهيرا |
|
ورموا حزب آل حرب بحربٍ |
مأزقٌ كان شرّهُ مستطيرا |
|
كم أراقوا منهم دماً وكأيٍّ |
من كمّيٍ قد دمّروا تدميرا |
|
فدعاهم داعي المنون فسّروّا |
فكأن المنون جاءت بشيرا |
__________________
(1) هو : الحجة الفاضل السيد أحمد بن محمد بن علي بن سيف الدين الحسني البغدادي الشهير بالسيد أحمد العطار ، ولد في النجف الاشرف سنة 1128 ه ، كان فاضلاً فقيهاً اصولياً رجالياً ، أديباً شاعراً ، عَلماً من اعلام عصره ، وله مؤلفات في الفقه والأدب منها 1 ـ التحقيق في الفقه 2 ـ اصول الفقه في مجلدين 3 ـ رياض الجنان في اعمال شهر رمضان 4 ـ الرائق في الشعر والأدب ، توفي عليه الرحمة في النجف الاشرف سنة 1215 ه راجع : ادب الطف للسيد جواد شبر : ج 6 ص 69 ـ 70.
فاجأبوه مسرعين إلى القتل |
وقد كان حظهم موفورا |
|
فلئن عانقوا السيوف ففي مق |
عدِ صدقٍ يُعانقون الحورا |
|
ولئن غودروا على الترب صرعى |
فسيجزون جنةً وحريرا |
|
وغداً يشربون كأساً دهاقا |
ويُلقّون نظرةً وسرورا |
|
كان هذا لهم جزاءً من |
الله وقد كأن سعيهم مشكورا |
|
فغدا السبط بعدهم في عراص الطف |
يبغي من العدو نصيرا |
|
كان غوثاً للعالمين فأمسى |
مستغيثاً يا للورى مستجيرا |
|
فأتاه سهمٌ مشومٌ به انقضّ |
جديلاً على الصعيد عفيرا |
|
فأصاب الفؤاد منه لقد |
اخطأ من قد رماه خطأً كبيرا |
|
فأتاه شمرٌ وشَمّر عن سا |
عد أحقاد صدره تشميرا |
|
وارتقى صدره اجتراءً على |
الله وكان الخبُّ اللئيم جسورا |
|
وحسين يقول ان كنت من يجهل |
قدري فاسأل بذاك خبيرا |
|
فبرى رأسه الشريف وعلاّ |
ه على الرمح وهو يُشرق نورا |
|
ذبح العلمَ والتقى إذ براه |
وغدا الحقّ بعده مقهورا |
|
عجباً كيف تلفح الشمس شمساً |
ليس ينفك ضوؤها مستنيرا |
|
عجباً للسماء كيف استقرت |
ولبدر السماء يبدو منيرا |
|
كيف من بعده يضيء أليس البدر |
من نوره وجهه مستعيرا |
|
غادروه على الثرى وهو ظل الله |
في أرضه يقاسي الحرورا(1) |
__________________
(1) أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 6 ، ص 64 ـ 66.
(1)
مناجاة الحسينعليهالسلام
ناولوني القرآن قال حسين : |
لذويه » وجدَّ في الركعاتِ |
|
فرأى في الكتاب سِفرَ عزاءٍ |
ومشى قلبه على الصفحاتِ |
|
ليس في القارئين مثلُ حسينٍ |
عالماً بالجواهر الغالياتِ |
|
فهو يدري خلف السطور سُطوراً |
ليس كلُ الأعجاز في الكلماتِ |
|
للبيان العُلوي ، في أنفُس الأطهار ، |
مسرى يفوقُ مسرى اللغاتِ |
|
وهو وقفٌ على البصيرة ، فالأبصارُ |
تعشو ، في الأنجم الباهراتِ |
|
يقذف البحرُ للشواطىء رملاً |
واللآلي تغوص في اللُّجاتِ |
|
والمصلُّون في التلاوة أشباه |
وإنَّ الفروق بالنيّاتِ |
|
فالمناجاة شعلةٌ من فؤادٍ |
صادق الحس مُرهف الخلجاتِ |
__________________
(1) هو : الأديب اللبناني الكبير الأستاذ بولس سلامه ،ولد سنة 1910 م في قضاء جزين ـ لبنان ، درس الحقوق في الجامعة اليسوعية ، وعمل قاضياً سنة 1928 م ، وتوفي سنة 1979 م ، له عدة دراسات أدبية وفكرية معروفة ، من مؤلفاته : 1 ـ أيام العرب ( ملحمة ) ، 2 ـ عيد الغدير ( ملحمة إسلامية ) ، تناول فيها سيرة أهل البيتعليهمالسلام في أهم ما يتصل بهم واختتمها بمأساة كربلاء ، وقد أنتج هذه الملحمة على فراش الألم كما يُذكر ، وذلك باقتراح من المرحوم الحجة السيد عبد الحسين شرف الدينقدسسره .
فإذا لم تكن سوى رجع قولٍ |
فهي لهو الشفاه بالتمتماتِ |
|
إنما الساجد المُصلّي حسينٌ |
طاهرُ الذيل ، طيّب النفحاتِ |
|
فتقبّلْ جبريلُ أثمارَ وحيٍ |
أنت حُمّلتهُ إلى الكائناتِ |
|
إذ تلقَّاه جدُّه وتلاه |
مُعجزاتٍ ترنُّ في السجعاتِ |
|
وأبوه مُدوّن الذكر ، أجراه |
ضياءً على سوادِ الدواةِ |
|
فالحسين الفقيهُ نجلُ فقيهٍ |
أرشد المؤمنين للصلواتِ |
|
أطلق السبط قلبه في صلاةٍ |
فالأريج الزكيّ في النسماتِ |
|
المناجاة ألسُنٌ من ضياءٍ |
نحو عرش العليِّ مرتفعاتِ |
الإمام الحسينعليهالسلام يرى جدّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وهمت نعمةُ القدير سلاماً |
وسكوناً للأجفن القلقاتِ |
|
ودعاهُ إلى الرقاد هدوءٌ |
كهدوءِ الأسحار في الربواتِ |
|
وصحا غبَّ ساعة هاتفاً |
« اختاهُ بنت العواتك الفاطماتِ |
|
إنني قد رأيت جدي واُمي |
وأبي والشقيقُ في الجناتِ |
|
بَشّروني أني إليهم سأغدو |
مُشرقَ الوجه طائرَ الخطواتِ » |
|
فبكت والدموع في عين اُختٍ |
نفثات البُركان في عبراتِ |
|
صرختْ :ويلتاه ، قال : خلاك الشرُّ |
فالويل من نصيب العتاةِ |
الإمام الحسينعليهالسلام يأذن لأصحابه بالتفرّق عنه
ودعا صحبَه فخفُّوا إليه |
فغدا النسر في إطار البُزاةِ |
قال إني لقيت منكم وفاءً |
وثباتاً في الهول والنائباتِ |
|
حسبكم ما لقيتم من عناءٍ |
فدعوني فالقوم يبغون ذاتي |
|
وخذوا عترتي ، وهيموا بجُنح الليل ، |
فالليل درعُكم للنجاةِ |
|
إن تظلوا معي فإن أديم |
الأرض هذا يغصُّ بالأمواتِ |
جواب الأنصار للحسينعليهالسلام
هتفوا يا حسين لسنا لئاماً |
فَنخلّيك مُفرداً في الفلاةِ |
|
فتقول الأجيالُ ويلٌ لصحب |
خلَّفوا شيخهم أسير الطغاةِ |
|
فَنكونُ الأقذارَ في صفحةِ التأ |
ريخ والعارَ في حديثِ الرُواةِ |
|
أو سُباباً على لسان عجوزٍ |
أو لسان القصّاص في السهراتِ |
|
يتوارى أبناؤنا في الزوايا |
من أليم الهجاء واللعناتِ |
|
سترانا غداً نشرفُ حَدَّ |
السيفِ حتى يَذوبَ في الهبواتِ |
|
يشتكي من سواعدٍ صاعقاتٍ |
وزنودٍ سخيّةِ الضرباتِ |
|
إن عطشنا فليس تَعطشُ أسيافٌ |
تعبُّ السخين في المهجاتِ |
|
لا ترانا نرمي البواتر حتى |
لا نُبقّي منها سوى القبضاتِ |
|
ليتنا يا حسين نسقط صرعى |
ثم تحيا الجسوم في حيواتِ |
|
وسنُفديك مرةً بعد اُخرى |
ونُضحّي دماءنا مرّاتِ |
* * *
أصبحوا هانئين كالقوم في عرس |
سكوت مُعطّل الزغرداتِ |
|
إنّ درع الإيمان بالحق درعٌ |
نسجته أصابعُ المُعجزاتِ |
|
يُرجع السيف خائباً ، ويردُّ |
الرمح ، فالنصلُ هازئ بالقناةِ |
|
مثلما يطعن الهواء غبيٌّ |
فيجيب الأثير بالبسماتِ |
|
يغلب الموتَ هازئاً بحياةٍ |
لا يراها إلاّ عميق سُباتِ |
|
فاللبيبُ اللبيبُ فيها يجوبُ العمر |
في زحمة من الترّهاتِ |
|
ويعيش الفتى غريقاً بجهلٍ |
فإذا شاخ عاش بالذكرياتِ |
|
ألمٌ في شبابه ، فمتى ولّى |
فدمعُ الحرمان في اللفتاتِ |
|
إنَّ ما يكسب الشهيدُ مضاءً |
أمل كالجنائن الضاحكاتِ |
|
فهو يطوي تحت الأخامص دُنيا |
لينال العُلى بدهرٍ آتِ(1) |
__________________
(1) عيد الغدير لبولس سلامة : ص 262 ـ 265.
الأستاذ بولس سلامة
بسلاسة الألفاظ وعذوبتها ورقتها الوجدانية وجمال التراكيب والعبارات والجمل وبهاء صياغاتها ، وبكفاءة التخيّل وقدرة التأمّل والتصوّر تم لبولس سلامة ـ كشاعر متميز ـ أن يدور حول الحوادث والشخصيات والأمكنة في ليلة العاشر من المحرم ليقتنص ظلالها الشفّافّة فيوثّق التاريخ بريشة ساحرة ويرسم معادِلاً شعرياً للأفكار يحاذي ثباتها بمتغيراته ، ويوازي قطعيّتها باحتمالاته ، ويساوق أبديتها بلحظاته فيصطاد الرؤى الشعرية ويضع لها أجنحة تحلّق في آفاق الإبداع ويحيط الانفعال ليحرقه وقوداً للفكرة المقدسة الأبدية ، سنبدأ مع بولس سلامة من بيت جميل يقول فيه : ـ
فرأى في الكتاب سفر عزاء |
ومشى قلبه على الصفحات |
كيف يستطيع قلب أن يمشي على صفحات كتاب ؟ هذا ما سَنُسميه خرق المألوف وتجاوز السائد في اللغة والكلام اليوميين ، وهذا يتم للشاعر بعد إختياره الواعي بين أنساق الكلام وألفاظ اللغة ثمّ التأليف المتبصّر للكل من الأجزاء فيجد الشاعر مبرراته المقنعة للخروج على الاُلفة والعادات اللغوية كونه يتعامل مع البيان الإلهي ومع الإنسان الكامل ـ الإمام الحسينعليهالسلام ـ فيقول مفسراً :
للبيان العلوي في ، أنفس الأط |
هار مسرى يفوق مسرى اللغات |
ومن هنا نرى أن القلب الذي يمشي على صفحات القرآن متابعاً للمسرى والطريق الإلهي الذي يجعل القلوب تتمشي على مفرداته والفاظه ونرى ـ أيضاً ـ أن
الشاعر يولي لفظة ( القلب ) إهتماماً خاصاً بقصد أو بدون قصد فنرى : ـ
1 ـ ( ومشى قلبه )
2 ـ ( فالمناجاة شعلة من فؤاد صادق الحس )
3 ـ ( أطلق السبط قلبه في صلاة فالأريج الزكي في النسمات )
ويكون التجاوز متمثلاً في تحول القلب إلى طائر مرتهن في قفص يطلقه الإمام الحسينعليهالسلام في صلاته فيضوع من أثر التحوّل أريج يغمر النسمات.
هذا الإجتهاد المتميز في تركيب صور متجددة ومثيرة لهو نتاج الكفاءة في التخيّل المبدع والشاعرية المتحسّسة الدفّاقة التي تجتلي حالة الإتصال بالله تعالى عبر نورية المناجاة فتصوّرها هكذا :
فالمناجاة شعلة من فؤاد أو المناجاة ألسن من ضياء.
فالمناجاة عندما تكون قلبية فهي شعلة من فؤاد وعندما تكون لسانية فهي ألسن من ضياء ومن إشتعال الفؤاد وإنطاق الضياء يتحدد الإتصال من الإمامعليهالسلام بالله الخالق الحق الذي أفاض من نوريته على الإمام وعلى أبيهعليهماالسلام أيضاً.
فأبوه مدوّن الذكر ، أجراه |
ضياء على سواد الدواة |
فتتجمع الأجزاء النورية في وحدة عضوية تلفّ بناء القصيدة وتمنحه تماسكاً خفياً وقوة باطنية واُسّاً شاخصاً في مركز ثقل هيكل البناء ، ونقطة من نقاط الإرتكاز والثبات في عالم المعنى.
وهناك آلية اُخرى يستخدمها الشاعر ليؤكّد شاعرية نصه واختلافه ومغايرته لما هو سائد من آليات اللغة ، هذه الآلية الظاهرة في معالجته للمحسوسات والمجردات في تفاعل شعري يجمعهن ليعطي صفة إحداهن للاُخرى وبالعكس ،
في تآلف عجيب يؤكد غرائبية التصوّر والرؤيا التي تتفتّح على آفاق متعددة قابلة للقراءات المختلفة والتأويل المشروع ، فهو يهيّيء لحالة الحلم التي يتم خلالها التواصل بين الإمامعليهالسلام وجده الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم [ بعد أن تم التواصل بينه وبين الخالق الحق ـ عزوجل ـ ] عبر هذه الآلية فنرى :
( وهمت نعمة القدير ...
إن نعمة القدير كمفهوم مجرّد إتخذت صفة حسية عندما ( همت ) أي سالت أو جرت ، لكن هذه السيولة أو الجريان الحسيّين توافقا مع مفهومين آخرين : ـ الاوّل مجرد هو السلام ، والثاني حسّيّ هو السكون ، في تآلف يجمعهما الإشتراك اللفظي في صوت حرف السين الذي تبدأ به اللفظتان ( سلام ـ سكون ) نقول مثلما قال الشاعر : إن نعمة القدير قد جرت سلاماً وسكوناً وهذا الجريان أو السيولة جريان بلين ورقّة ، فالفعل ( همى ) يعني السيولة أو الجريان برقة مثل تساقط الدموع السائلة على الخدود أو تساقط قطرات الندى من الأغصان فجراً ، فما أبرعه من تصوير للحلم لأن هذه النعمة الإلهية قد تساقطت على ( الأجفن القلقات ) لتمنحها ( السلام والسكون ) برؤيتها لسيد المخلوقات ( الرسول الاكرم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم )
وهمت نعمة القدير سلاماً |
وسكوناً للأجفن القلقات |
|
ودعاه إلى الرقاد هدوء |
كهدوء الأسحار فى الربوات |
وهناك امثلة اُخرى على هذه الآلية في تبديل موقع الحسّي بالمجرد أو بالعكس كما في ( معجزات ترنّ ) أو في ( المناجاة شعلة ) ( المناجاة ألسن ).
وهذه الآلية تصبّ ـ أيضاً ـ في مركز ثقل هيكل القصيدة كما قدمنا
هناك ـ أيضاً ـ تأثير الآداب المجاورة التي لابدّ أن تلقي ظلالها ـ بوعي من
الشاعر أو من غير وعي ـ فتظهر في نتاجه بشكل يدّل على التداخل أو إذا شئنا أن نستعير من أبي حيّان التوحيدي ما يدعوه ب ( المقابسة ) والذي يسمى حديثاً ب ( التناصّ ) والذي كان الجهد النقدي القديم يعدّه من السرقات عندما لا يتعاطف مع النصوص المتداخلة فيؤلف كتاب حول ( الإبانة عن سرقات المتنبي ) ويكون الرّد المتعاطف مع آليات التداخل بعبارة ( وقع الحافر على الحافر ).
ويُعلن النقد الأكثر حداثة عن عدم براءة أي نص من التداخل ونرى مثلاً في أحد أبيات القصيدة
مثلما يطعن الهواء غبيّ |
فيجيب الأثير بالبسمات |
اقتباساً واضح المعالم من الكاتب الأسباني سرفانتيس في روايته ( دون كيشوت ) الفارس الذي يقاتل طواحين الهواء برمحه في عبثية وغباء.
ثم نرى مسألة اُخرى تزيد النص وحدة وتماسكاً وهي النظرة إلى علاقات الإمامعليهالسلام فهو يبدأ في الإتصال بالله ـ عزوجل ـ عبر قنوات ثلاث هي :
1 ـ القرآن ..
ناولوني القرآن قال حسين |
لذويه وجدّ في الركعات |
2 ـ الصلاة ..
إنما الساجد المصلّي حسين |
طاهر الذيل ، طيب النفحات |
3 ـ المناجاة ..
المناجاة ألسن من ضياء |
نحو عرش العليّ مرتفعات |
ليحدث بعد ذلك تصعيد جديد في علاقات الإمامعليهالسلام في اتصاله بجده رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عبر قناة الحلم ويكون في معيّة الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ايضاً اُمه الزهراء وأبوه أمير المؤمنين وأخوه الحسنعليهمالسلام .
إنني قد رأيت جدي وامي |
وأبي والشقيق في الجنات |
ليحدث تصعيد ثالث في علاقاته من خلال إتصاله بشقيقته زينبعليهاالسلام
وصحا غبّ ساعة هاتفاً |
اُختاه بنت العواتك الفاطماتِ |
ثم يحدث التصعيد الرابع في لقائه بأصحابه وأهل بيته :
ودعا صحبه فخفّوا اليه |
فغدا النسر في إطار البزاة |
وتتم الدورة باللقاء بالله ـ عزّوجلّ ـ شهيداً والانتقال إلى العالم الآخر
إنَّ ما يكسب الشهيد مضاء |
أمل كالجنائن الضاحكات |
|
فهو يطوى تحت الاخامص دنيا |
لينال العلى بدهر آت |
هذه الحركات الخمس أعطت للقصيدة إيقاعاً داخلياً وهّاجاً ليضيف لهيكل القصيده دعائم بنائية متواشجة مع نقاط الارتكاز الاُخرى أو لِنَقُل : الخيوط التعبيرية والتوصيلية التي تنسج شبكة النص.
هناك ـ أيضاً ـ إستخدام الحوارات المختصرة المعبّرة بشكل فني ينمّ عن وعي مسرحي عال يترجم الحوارات الاصلية التي قيلت ليلة العاشر من المحرم
حسبكم ما لقيتم من عناء |
فدعوني فالقوم يبغون ذاتي |
مقابل ( إنّ القوم إنما يطلبونني ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري )
أو :
وخذوا عترتي وهيموا بجنح الليل |
فالليل درعكم للنجاة |
مقابل : ( وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ـ هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا )
أو :
ليتنا يا حسين نسقط صرعى |
ثم تحيا الجسوم فى حيوات |
|
وسنفديك مرة بعد اُخرى |
ونضحي دماءنا مرات |
مقابل :( قال زهير بن القين : والله وددت إني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أُقتل كذا ألف مرة )
وربما تكون بعض المقتضيات الفنية قد جعلته يبتكر في الحوارات مالم يُقل نصّاً بل ما يُستشعر بأنه سيقال حتى أنه جاء بلغة معاصرة لا يمكن لأنصار الحسين أن يقولوا مثلها في زمنهم بل يقولونها بلغة عصرهم الذي عاشوا فيه :
فنكون الأقذار في صفحة التاريخ |
والعار في حديث الرواةِ |
|
أو سباباً على لسان عجوزٍ |
أو لسان القصّاص في السهراتِ |
|
يتوارى أبناؤنا في الزوايا |
من اليم الهجاء واللعناتِ |
وهذا التمكن في إستخدام أدوات الفنون الاُخرى كالمسرح أضفى على القصيدة درامية في التعبير تضاف إلى الحصيلة العامة مما أسميناه بالخيوط التعبيرية والتوصيلية الناسجة لشبكات الإتصال بين النص والمتلقي حين تنكشف معطيات القصيدة كإنجاز نوعي على مستوى المبنى الحامل للمعنى بموقف جمالي متقدم.
(2)
الكوكبُ الفرد
أنزلوه بكربلاء وشادوا |
حوله من رماحهم أسوارا |
|
لا دفاعاً عن الحسين ولكن |
أهل بيت الرسول صاروا أُسارى |
|
قال : ما هذه البقاعُ فقالوا |
كربلاءٌ فقال : ويحكِ دارا |
|
هاهنا يشربُ الثرى من دمانا |
ويثيرُ الجمادَ دمعُ العذارى |
|
بالمصير المحتوم أنبأني جدّي |
وهيهات أدفع الأقدارا |
|
إنْ خَلَتْ هذه البقاع من |
الأزهار تمسي قبورُنا أزهارا |
|
أو نجوماً على الصعيد تهاوت |
في الدياجير تُطلعُ الأنوارا |
|
تتلاقى الأكبادُ من كُلّ صوبٍ |
فوقَها والعيونُ تهمي ادّكارا |
|
مَنْ رآها بكى ومن لم يزرها |
حَمَّل الريحَ قلبُه تِذكارا |
|
كربلاءُ !! ستصبحين محجّاً |
وتصيرين كالهواءِ انتشارا |
|
ذكركِ المفجع الأليم سيغدو |
في البرايا مثلَ الضياءِ اشتهارا |
|
فيكون الهدى لمن رام هدياً |
وفخاراً لمن يرومُ الفخارا |
|
كُلّما يُذكر الحسينُ شهيداً |
موكبُ الدهر يُنبت الأحرارا |
|
فيجيءُ الأحرار في الكون بعدي |
حيثما سرتُ يلثمون الغبارا |
|
وينادون دولةَ الظلم حيدي |
قد نقلنا عن الحسين الشعارا |
|
فليمت كلُّ ظالمٍ مستبدٍّ |
فإذا لم يمت قتيلاً توارى |
|
ويعودون والكرامةُ مَدّت |
حول هاماتهم سناءً وغارا |
فإذا أُكرهوا وماتوا ليوثاً |
خَلّدَ الحقُ للأُسود انتصارا |
|
سَمِعَتْ زينبُ مقالَ حسينٍ |
فأحسّتْ في مُقلتيها الدوارا |
|
خالتْ الأزرقَ المفضّض سقفاً |
أمسكتُهُ النجومُ أن ينهارا |
|
خالتْ الأرض وهي صمّاءُ حزنٌ |
حمأً تحت رجِلها مَوّارا |
|
ليتني مُتُّ يا حسينُ فلمْ |
اسمع كَلاماً أرى عَليه احتضارا |
|
فُنيتْ عِترةُ الرسولِ فأنتَ |
الكوكبُ الفردُ لا يزالُ منارا |
|
مات جدي فانهدَّت الوردةُ ال |
زهراءُ حزناً ، وخلَّفتنا صغارا |
|
ومضي الوالدُ العظيمُ شهيداً |
فاستبدّ الزمانُ والظلُّ جارا |
|
وأخوك الذي فقدناهُ مسموماً |
فبتنا من الخطوبِ سُكارى |
|
لا تَمُتْ يا حسينُ تفديكَ منّا |
مُهجاتٌ لم تقرب الأوزارا |
|
فتقيكَ الجفونُ والهُدب نرخيها |
ونلقي دون المنون ستارا |
|
شقّت الجيبَ زينبٌ وتلتها |
طاهراتٌ فما تركن إزارا |
|
لاطماتٍ خُدودهنَّ حُزانى |
ناثراتٍ شعورهنَّ دثارا |
|
فدعاهنَّ لاصطبارٍ حسينٌ |
فكأنَّ المياه تُطفئ نارا |
|
قال : إن مت فالعزاءُ لَكُنَّ |
الله يُعطي من جوده إمطارا |
|
يلبس العاقلُ الحكيمُ لباسَ الصبر |
إن كانتْ الخطوبُ كبارا |
|
إنّ هذي الدنيا سحابةُ صيفٍ |
ومتى كانت الغيومُ قرارا |
|
حُبّيَ الموتُ يُلبسُ الموتَ ذلاً |
مثلما يكسفُ الّلهيبُ البخارا(2) |
__________________
(1) عيد الغدير : بولس سلامة : ص 250 ـ 253.
تأملات في ليلة عاشوراء
ذكراكِ ملءُ مَحاجِرِ الأجيالِ |
خَطَرَاتُ حُزنٍ يَزْدَهِي بِجَلالِ |
|
وَرَفَيفُ سِرْبٍ من طُيُوفِ كآبةٍ |
تختالُ بينَ عواصِفٍ ورِماَلِ |
|
يَا لَيْلَةً كَست الزمانَ بِغَابَةٍ |
مِنْ رُوحِها ، قَمرِيَّةِ الأَدْغالِ |
|
ذكراكِ مَلْحَمةٌ تَوَشَّحَ سِفْرُهاَ |
بروائعٍ نُسِجَت من الأَهْوَال |
|
فَهناَ ( الحسينُ ) يَخِيطُ من أحْلامِهِ |
فَجْرَيْنِ : فَجْرَ هوىً وَفَجْرَ نِضَالِ |
|
وَ أَماَمَهُ الأجيال يلمحُ شَوْطَها |
كَابٍ على حَجرٍ من الإِذْلالِ |
|
فيجيشُ في دَمِهِ الفداءُ ويصطلي |
عَزْماً يُرَمِّمُ كَبْوَةَ الأجيالِ |
* * *
وَهُنِا ( الحسينُ ) يُرِيقُ نبضَ فؤادِهِ |
مُتَمَرِّغاً في جَهْشَةِ الأطفالِ |
__________________
(1) هو : الشاعر الأستاذ جاسم محمد أحمد الصحيّح ، ولد سنة 1384 ه في الجفر إحدى قرى الأحساء ، حاز على بكالوريس في الهندسة الميكانيكية ، ويعمل حالياً موظفاً في شركة آرامكو السعودية ، ومن نتاجه الشعري الرائع ، أربعة دواوين وهي : 1 ـ عناق الشموع والدموع 2 ـ خميرة الغضب 3 ـ ظلّي خليفتي عليكم 4 ـ سهام أليفة ، وله مشاركات في النوادي الأدبية والثقافية والدينية.
طَعَنُوهُ من صَرخاتِهِمْ بِأَسِنَّةٍ |
وَرَمَوْهُ من أَنَّاتِهمْ بِنِبالِ |
|
( فَأَحَلَّ ) من ثَوْبِ التجلُّدِ حَانِياً |
وَ ( أفاَضَ ) في دَمْعِ الحنانِ الغالي |
|
وانْهارَ في جُرْحِ الإباءِ مُضَرّجاً |
بِالحُزْنِ مُعْتَقَلاً بِغَير عِقَالِ |
|
فَتَجَلَّتِ ( الحوارءُ ) في جَبَرُوتِها ال |
قُدْسِيِّ تجلو موقف الأبطالِ |
|
مَدَّتْ على البَطَلِ الجريحِ ظِلالَها |
وَطَوَتْهُ بين سَوَاعِدِ الآمالِ |
|
فَتَعاَنَقاَ رُوحَينِ سَلَّهُمِا الأسىٰ |
بِصَفَائِهِ من قَبْضَةِ الصَلْصَالِ |
|
وعلىٰ وَقِيدِ الهَمِّ في كَبِدَيْهِما |
نَضَجَ العِنَاقُ خَمَائِلاً ودَواَليِ |
* * *
وَهُناكَ ( زينُ العابدين ) يَشُدُّ في |
سَاقَيْهِ صَبْرَهُماَ على الأَغْلالِ |
|
و ( سُكَيْنَةٌ ) باتَتْ تودِّعُ خِدْرَهاَ |
فَتدِبُّ نارُ الشوقِ في الاَسْدَالِ |
|
والنسوةُ الخَفِراَتُ طِرَنَ حمائماً |
حيرىٰ الرفيفِ كئيبةَ الأَزْجَالِ |
|
مَا زِلْنَ خلفَ دموعِ كل صَغِيرةٍ |
يَخْمِشنَ وَجْهَ الـصبرِ بالأذيالِ |
|
حتَّى تفجَّرَ سِرْبُها في سَرْوَةِ ال |
أحزانِ فاحْترقَتْ مِنَ المَوَّالِ |
|
ووراءَ أروِقَةِ الخيامِ حكايةٌ |
أُخْرَى تتيه طيُوفُها بِجَمَالِ |
|
فَهُناَلِكِ ( الأَسَدِيُّ ) يُبْدِع صورةً |
لِفِدائِهِ ، حُورِيَّةَ الأشكالِ |
|
ويحاولُ استنفارَ شِيمَةِ نخْبَةٍ |
زرعوا الفَلاةَ رُجُولَةً ومعَالي(1) |
|
نادى بِهِمْ والمجدُ يشهدُ أنَّهُ |
نادىٰ بِأعظمِ فَاتِحِينَ رِجاَلِ |
|
فإذا الفضاءُ مُدَجَّجٌ بِصوارمٍ |
وإذا الترابُ مُلَغَّمٌ بِعَوَال |
__________________
(1) حكم ( دوالي ـ معالي ) النصب عطفاً.
ومشىٰ بِهِم أَسداً يقودُ وَرَاءه |
نحو الخلودِ ، كتيبةَ الاَشْبَالِ |
|
حتى إذا خدرُ ( العقيلةِ ) أجهشتْ |
أستارُه في مَسْمعِ الأَبْطَالِ |
|
ألقىٰ السلامَ فما تبقَّتْ نَبْضَةٌ |
في قَلْبِه لم ترتعشْ بِجَلالِ |
|
وَمذ الْتَقَتْهُ ـ مَعَ الكآبةِ ـ زينَبٌ |
مخنوقَةً من هَمِّها بِحِبَالِ |
|
قَطع استدارةَ دمعةٍ في خَدِّها |
وَأَراَقَ خَاطِرَها من البَلْبالِ |
|
وَتَفَجَّرَ الفرسانُ بِالعَهْدِ الذي |
ينسابُ حول رِقَابِهم بِدَلالِ |
|
قرِّي فُؤَاداً يا ( عقيلةُ ) واحفظي |
هٰذي الدموع فإنَّهنَّ غوالي |
|
ما دامتِ الصحراءُ يَحْفَلُ قلبُها |
مِنَّا ـ بِنَبْضَةِ فارِسٍ خَيَّالِ |
|
سيظلُّ في تاريخ كلِّ كرامةٍ |
ميزان عِزِّكِ طافِحَ المِكْيَالِ |
|
عَهْدٌ زَرَعْناَ في السيوفِ بُذُورَهُ |
وَسَقَتْهُ دِيمَةُ جُرْحِناَ الهَطَّالِ |
* * *
أمّا ( الفراتُ ) فَمُقْلةٌ مَشبُوحَةٌ |
نحو الصباح ، مُسَهَّدُ السَلْسَالِ |
|
يَتَرقَّبُ الغَدَ بِالدِمَاءِ يَزُفُّهُ |
عَبْرَ امْتِدَادِ أَبَاطِحٍ وتلالِ |
|
وَيَتُوقُ ( لِلْعَبَّاسِ ) يَغْسِلُ مَاءََهُ |
بِأَجَلِّ مَعْنىً للوفاءِ ، زُلالِ |
جاسم محمد أحمد الصحيّح 24 / شهر رمضان / 1416 ه الجفر ـ الأحساء |
الأستاذ جاسم الصحيّح(1)
نحن إزاء شاعرية تهندس خطابها بصخب هادر وتُزاوج رؤاها بليونة الطين في يد النّحات المتمرّس.
هناك مخطط في بناء القصيدة لا يُخطئ المتلقي في فرزه وتمييزه ، وهناك جهد يختبئ خلف سطور النص ، وهناك جدارة تنزوي خوفاً من قسوة التلقّي وبطشه ، لكن هناك جرأة وشجاعة على مستوى التعبير وعلى مستوى الخروج على النمط لا يستطيع القارئ إغفاله :
يا ليلةً كست الزمان بغابةٍ |
من روحها قمريّة الأدغال |
إنّ القوافي سلسة المجيء إلى نهايات البيت الشعري ولها ما يبرر مجيئها في حشو البيت ، لكن ما هذه الجرأة في التركيب ( غابة من روحها ) وما هذا الإنشاء التصويري في المزاوجة بين خطابه لليلة وبين إكتساء الزمان منها بضوء قمر جاء على شكل غابة من الروح أدغالها نورانية الإشعاع ؟
وسنلاحظ هذا النهج في أكثر من بيت عند الصحيّح مما يؤكد أصالة الإلتصاق والإلتحام بما هو جوهري في التأمل الشعري وكيفية معالجته.
والامثلة تتعدد في قصيدته الهادرة فمثلاً نلاحظ :
فهنا الحسين يخيط من أحلامه |
فجرين : فجر هوى وفجر نضال |
|
وهنا الحسين يريق نبض فؤاده |
متمرّغاً في جهشة الأطفال |
ونلاحظ ( متمرّغاً في جهشة الأطفال ) التي لها معنى بعيد عن المعنى
المعجمي المحدود ، وكأن الصحيّح انتشلها من نسقها القديم ونظّفها من أغبرة الإستخدام المألوف وركّب لها جناحين لتطير في سماء شاعريته ، ونرى أيضاً :
فتعانقا روحين سلّهماالأسى |
بصفائه من قبضة الصلصال |
وكأنه يقول إنّ الألم الإنساني في تجلّياته المأساوية يجرّد الإنسان من طينيّته ليسمو روحاً تعانق الأرواح القدسية المتآخية.
ونلاحظ ايضا :
قطع استدارة دمعة في خدّها |
وأراق خاطرها من البلبال |
هذا النظر إلى كتلة الأجسام التي يصوّرها وتحديد أشكالها داخل منظور هندسي تتشابك المفردات في تظليلها وتلوينها ، يكشف اللمسات البارعة للريشة المبدعة التي يقبض عليها جاسم الصحيّح بكل كفاءة واقتدار تجعل من شاعريته الفيّاضة متقدمة بخطوةٍ أوسع من مجايليه.
(1)
ليلة الشجى
ليلةَ العشرِ كمْ بعثتِ الضَّراما |
لقلوبِ الأنامِ عاماً فعاما |
|
ليلةَ العشرِ ما تزال حكاياكِ |
تُثير الشجى دموعاً سجاما |
|
حدّثينا عن المآسي العظيما |
ت توالت على الهدى تترامى |
|
حدّثينا عن غربة السبط تُبدي |
زُمرُ الشركِ في عداه الخصاما |
|
يوم جاءت يقودها البغيُ ظُلماً |
واستشاطت لحربه أقزاما |
|
حاولت أن تذلَّه ليزيدٍ |
أو يذوقَ المنونَ جاما فجاما |
|
فرأتهُ صعبَ المجسَّةِ صُلبَ العودِ |
يأبى له الحجى أنْ يُضاما |
|
وبوادي الطفوف سجّل مجداً |
كلَّما مرَّ ذكره يتسامى |
|
بات والأهلُ والصحابُ تُناجيه |
بنطقٍ تعطيه فيه التزاما |
|
تتفداه بالبنين وبالأهل |
وتستعذبُ الردى حينَ حاما |
__________________
(1) هو : الشاعر الخطيب الشيخ جعفر بن الشيخ عبدالحميد الهلالي ، ولد سنة 1351 ه في مدينة البصرة ـ العراق ، درس في الحوزة العلمية في النجف الأشرف والتحق بكلية الفقه وتخرج منها عام 1386 ه بشهادة بكالوريوس في الشريعة الإسلامية وعلوم العربية ، ويُعدُّ من ابرز الخطباء المعاصرين ، ومن مؤلفاته 1 ـ معجم شعراء الحسينعليهالسلام 2 ـ الملحمة العلوية 3 ـ ديوان شعر 4 ـ محاضرات إسلامية.
وعويلُ النساءِ والصبيةِ الأطفال |
في ليلةِ الوداعِ يتامى |
|
وابنةُ الطهرِ زينبٌ عمّها الوجدُ |
فآبت تدعو الحسينَ الإماما |
|
يا أخي من لنا يُحيط حمانا |
إن فقدناك حارساً مقداما |
|
ليت لا كان يومَ عاشوراء لكن |
ما قضى الله كان حتماً لزاما |
الشيخ جعفر الهلالي 15 / شوال / 1416 ه |
(2)
دجى الليل
يا ليلةَ العشر كم تسمو بكِ الفكَرُ |
وفي دروسك ما تحيى به العِبرُ |
|
رهطٌ لنسل رسول الله يطرده |
عن داره موغلٌ بالظلم مؤتزرُ |
|
رهطٌ تقاذفه البيداء لا سكنٌ |
يأوي إليه ، عليه حَوّم الخطرُ |
|
يا للعجائب كم للظلم من صورٍ |
يأتي بها بشرٌ في فعله أشِرُ |
|
مثل الحسين الذي في جدّه نَعُمتْ |
هذي الأنام غدا يُجفى ويُحتقرُ |
|
ونغلُ ميسون بين الناس حاكمُها |
وهو الذي لم يصنه الدين والخفرُ |
|
يُملي على السبط إذعاناً لبيعته |
ودون ما يبتغيه الصارم الذّكرُ |
|
حاشا ابن فاطمة أن يغتدي تبعاً |
وهو الذي غُصنه ما عاد ينكسرُ |
* * *
يا ليلةَ العشرِ من عاشور أيّ فتىً |
قد بات ليلك لا ماءٌ ولا شجرُ |
|
وحوله النسوةُ الأطهار ذاهلةً |
وسط الخيام ومنها القلبُ منفطرُ |
|
كلٌ تراها وقد أودى المصاب بها |
وعندها من مآسي صبحها خَبرُ |
|
وبنيها زينبٌ والهم يعصرها |
ودمعها من جفون العين ينحدرُ |
|
ترى الحسينَ أخاها وهو يُعلمها |
بقتله والعدا من حوله كُثُرُ |
فأعولت والأسى يُذكي جوانبها |
ممّا دهاها ونار الحزن تستعرُ |
|
فراح يطلب منها ان تشاطره |
عُظمَ المهمة مهما يعظم الضررُ |
|
يا اخت لا تجزعي ممّا يُلمُّ بنا |
فذاك أمرٌ به لله نأتمرُ |
* * *
يا ليلةَ العشرِ ما خرّت عزائم مَنْ |
للبسط دون الورى في الحق قد نصروا |
|
باتوا ومثلُ دوّي النحل صوتُهمُ |
وللصلاة لهم في ليلهم وطرُ |
|
وبين من يقرأ القرآن ديدنُه |
حتى الصباح فما ملّوا وما فتروا |
|
أكرم بهم من حماةٍ ما لهم شبهٌ |
بين العباد وإن قلّوا وإن نزروا |
|
هم إن دجى الليل رهبان سماتُهمُ |
وفي النّهار ليوث الغاب إن زأروا |
|
صلى الأله عليهم ما همّت سُحُب |
وما أضاء بأنوار له القمر |
الشيخ جعفر الهلالي 7 / 12 / 1417 ه |
الشيخ جعفر الهلالي
خطاب منفتح على ليلة عاشوراء لتحديد أثرها العاطفي حرقةً في القلوب على مدى التاريخ ، وحكايا تثير الأحزان دموعاً ساكبات ، ثمّ يدور الخطاب ليصبح حواراً مع الليلة أو مطالبةً بالحديث من الليلة كي تسرد الحوادث والمآسي وهي طريقة يختصّ بها الخطباء الشعراء ضمن طرقهم لشرح ما يدور من وقائع حيث يستنطقون حالةً ما أو شخصيةً ما أو غيرها في سرد الحوادث التي جرت على الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء ، والشيخ الهلالي من الخطباء الذين يوظّفون معارفهم وعلومهم وأدبهم خدمة للمنبر الحسيني فلا يفوته فنٌّ شعري أو أسلوب أدبي أو طريقة خطابة إلاّ وجنّدها في صفّه ليغني منبره ويجوّد خطابته ، وكيف وهو شاعر أيضاً يختار لمقدّمات خطابته ما جوّدته القريحة الموالية وما أحسنت صنعه الشاعرية المتفاعلة مع قضية الإمام الحسينعليهالسلام .
(1)
ودعيني
ودّعيني ففي غدٍ يشرب السيفُ وريدي ويحفرُ القلبَ نصلُ |
وغداً تذعرين حين ترين الخيلَ في وجهها جنونٌ وقتلُ |
وغداً تحملين أشلائيَ الحمراء غِمداً لألف سيفٍ يُسلُّ |
وغداً تُنهب الخيامُ وخلفَ النارِ تبكي النسا ويهربُ طفلُ |
وغداً لا يَظلُّ من يوم عاشوراء إلاّ جراحنا والرملُ |
هاهنا تصرخ الرؤوس الخضيبات ويبكي على صداها النخلُ |
وترضُّ الخيولُ صدري فيبكي النهرُ في صمته وتبكي الخيلُ |
آهِ يا زينبَ البطولةِ خلّي الصبرَ رمحاً على خيامكِ يعلو |
ودعي الدمعَ جمرةً ولهيباً من كُوى الغيب كلُّ آنٍ يَطلُّ |
فطريقُ الخلودِ صعبٌ وفيه يفتحُ المرءُ جُرحَهُ أو يذلُّ |
جواد جميل الأحد 27 شوال 1416 ه ق |
__________________
(1) هو : الشاعر الأستاذ جواد جميل ، ولد سنة 1373 ه في سوق الشيوخ إحدى مدن العراق الجنوبية ، تخرج من كلية الهندسة سنة 1395 ه ، وحاز على البكالوريوس فيها ، ومن نتاجه الأدبي الحسينعليهالسلام لغة ثانية وله مجاميع شعرية اُخرى ، وله مساهمة فعالة في النوادي الأدبية والثقافية.
(2)
ليلة الأسى والدموع
آهِ ، يا ليلة الأسى والدموعِ ، أطفئي في دمِ الطفوف شموعي |
ودّعيني أعيش في ظلمة الحزن ، فعمري شمسٌ بغير طلوعِ |
وانثري في عيوني الجمرَ وقّاداً ، وخلّي اللهيب بين ضلوعي |
وامسحي بالسواد لون وجودي فلقد كفّنَ الرمادُ ربيعي |
واحمليني لكربلاءَ خيالاً بجناحٍ من عبرةٍ وخشوعِ |
حيث نحر الحسين ينتظر الماءَ ، ويهفو لرأسهِ المقطوعِ |
وجراحاته تئنُّ ، فيبكي ألفُ كونٍ ، على الصدى الموجوعِ |
والشفاهُ المخضّباتُ نجومٌ شاحباتٌ من الظما والجوعِ |
وتمنّى « الفراتُ » لو طهّرتهُ قطرةٌ من دماءِ نحر الرضيعِ |
يا عيوني أين البكاءُ ؟ ففيضي هذه كربلا وهذا شفيعي |
هذه كربلا وهذي الخيولُ الجُرْدُ تعدو على التريبِ الصريعِ |
هذه كربلا وهذا رسول الله يبكي في ساعة التوديعِ |
جواد جميل 21 / 11 / 1416 ه |
الأستاذ جواد جميل
شاعريّة الحيوية الإنسانية المتدفقة المنتصبة أمام الفناء والموت بكل شموخ الموقف الوجودي التفصيلي الذي يصون ويديم قيم الحياة ونقاءها الخلاّب ، شاعرية الرؤى والتأملات الهاربة خلف نزقٍ طفولي يمسك بطين الإبداع ليشكّله وفق أعين الكبار الذين يرون فيه توازناً وانسجاماً مفقوداً لديهم.
لذلك فشاعرها يبكيهم لكن ليس من أجل البكاء ، فلا يصل بكاؤه إلى مناطق العويل لأنه سرعان ما ينتبه إلى التدفّق والنموّ والنضارة والطراوة التي تحيط الأشياء فيهرب اليها بلا وقار ولا تصنّع.
إن النزق العابث هو روح شاعرية جواد جميل الذي يلائم نصّه مع حاجاته الإتصالية بكل سلاسة فهو ذو رؤيا ملتفتة بشدّة إلى البدء الاول أو إلى الجوهري والصميمي من الأشياء ، وعلاقته بمادته علاقة حدسيّة متوقّدة يستشرف النهايات بعمقٍ منذ الوهلة الاولى ، وهو أكثر إخلاصاً لما لم يتشكّل بعد ، وما لم يأت بعد ، وما لم يخن الجذور الاولى ، فتأتي قصيدته دائماً مثل حلم اليقظة ، حلم وطفولة وبدائية منفتحة على كل الإحتمالات والإمكانات من جهة ، وفي الجهة الاخرى هي يقظةٌ ووعي وموقف واستشراف للأبعاد المستترة والخفية ، ومن معطيات هذا الوعي واليقظة محاولة جادة متسلطة على قصيدة العمود ذات الشطرين لتحديثها من خلال ضخّ الكريّات الأدونيسية في دمها بشكل يمكن أن نصطلح على تسميته ب ( أدنسة العمود ) مع خشيةٍ حريصة على عدم تشتّت وتبعثر الأوليات إلى شظايا شعرية متناثرة ، فهذه المحاولة لا تزال في افق التجريب والإختبار ، مع كفاءتها في التوازي
والتجاور وقدرتها على الإمتداد والثبوت والإنطلاق.
أما عن قصيدتيه ( ليلة الاسى والدموع ـ ودّعيني ) فهما صدى محاكي لتجربة الشاعر في ديوانه الأخير ( الحسين لغة ثانية ) ولم تستطيعا تجاوز الافق الشعري الذي افترضته تلك التجربة المجدّدة ، بل إن الشاعر لا يزال يناغي الرؤيا ذاتها ويشتغل على موضوعة ليلة عاشوراء بنفس الآليات ولكن بمخطّطٍ مبتور عن الوحدة العضوية التي نسجت شبكات التعبير والتوصيل في الديوان ، فنراه قد لجأ إلى تكنيك الحوار في كلتا القصيدتين ففي قصيدة ( ليلة الاسى والدموع ) كان الحوار يدور بين ذات الشاعر ـ كمحاوِرٍ نوعيّ ـ وبين الليلة ـ كمخاطَبٍ جماعي ـ له أن يردّ أو لا يردّ الخطاب ، مما جعل الحوار ذا بعد وطرف واحد فتقلّص إلى مونولوجٍ داخلي يسرد ما يحدث بإحاطة وشمولية العارف بكل شيء.
وفي قصيدة ( ودّعيني ) يرتدي الحوار حنجرة الإمام الحسينعليهالسلام محاوراً الحوراء زينبعليهاالسلام في عرض بانورامي لما سيحدث بلغة التنبؤ وإستشراف المستقبل.
وعلى مستوى الألفاظ وطرق تركيبها فهو لا يتجاوز قاموسه الخاص ولا يتخطّى طرقه المعتادة في التركيب والبناء ، فلا يزال النسق الناري ينتظم بمفرداته ( إطفاء الشموع ، الشمس ، الجمر الوقّاد ، اللهيب ، النجوم الشاحبات ) وتدفّق مفردات النسق المائي ماثلة ( دم الطفوف ، انتظار الماء ، الظمأ ، الفرات ، قطرة من دماء ، فيضي ، يشرب السيف وريدي ، يبكي النهر ، الدمع ) إضافة للسيوف والأغماد والخيول والخيام والرماح والخضاب والرماد.
ومع انتظام الإيقاع وفق ما يؤثره الشاعر من أبحر الشعر فقد إختار تراكب الحركات الإيقاعية لبحر الخفيف لتنظيم هيكلية القصيدتين البنائية.
الصبر الجميل
ها هنا تُنحر النحور ولم يبقَ |
لنا في الحياة غير القليلِ |
|
ها هنا يصبح العزيزُ من الأشراف |
في قبضة الحقير الذليلِ |
|
ها هنا تُهتك الكرائم من آلِ |
عليٍّ بذلةٍ وخمولِ |
|
من دمي يُبلَل الثرى ها هنا |
واحرّ قلبي على الثرى المبلولِ |
|
ورقى فوق منبرٍ حامد الله |
يُثني على العزيز الجليل |
|
ثم قال أربعوا فقتلي شفاءٌ |
لصدورٍ مملوءةٍ بالذحولِ |
|
فأجابوه حاشَ لله بل يُفديك |
كلٌّ بالنفس يا بن البتولِ |
|
فجزاهمُ خيراً وقال لقد |
فُزتم ونلتم نهاية المأمولِ |
|
ومضى يقصدُ الخيامَ ويدعو |
ودّعيني يا أخت قبل الرحيلِ |
|
ودّعيني فما إلى جمع شملٍ |
بكم بعد فرقةٍ من سبيلِ |
|
ودّعيني واستعملي الصبر إنّا |
من قبيلٍ يفوقُ كلّ قبيلِ |
|
شأنُنا إن طغت علينا خطوبٌ |
نتلقّى الأذى بصبرٍ جميلِ |
|
لا تشقي جيباً ولا تلطمي خداً |
فإنّا أهل الرضا والقبولِ |
|
واخلفيني على بناتي وكوني |
خير مستخلفٍ لأكرم جيلِ |
|
وأطيعي إمامك السيد السجّاد |
ربّ التحريم والتحليلِ |
|
فاذا ما قضيت نحبي فقولي |
في الإله ( الجليل ) خير سبيلِ |
|
واذكريني أذا تنفلتِ بالليلِ |
عقيب التكبير والتهليلِ(1) |
__________________
(1) المنتخب للطريحي : ص 489 ـ 490.
(1)
فديتك يا أخي
هلاّ علمتَ بيوم عاشوراءِ |
ماذا جرى من كربةٍ وبلاءِ |
|
فيه الحرائر قد بكين من الأسى |
وجفونهنّ نأت عن الإغفاء |
|
وصغارهنّ تعجّ من فرط الظّما |
والأرض تغرق حولهم بالماء |
|
وتلفّ أنوار اليقين ضلالةً |
كاللّيل لفّ البدر بالدّهماء |
|
وصهيل خيل الظلم قد بلغ المدى |
حتى تجاوز قمة الجوزاء |
|
والشمس تحتضن الرماح كأنها |
ترمي عليها ألفَ ألفِ غطاء |
|
والحزن ضمّ جفون آل محمدٍ |
وقلوبهم بنوازل البلواءِ |
|
وبدا الحسين يسنُّ شفرة صارمٍ |
فيه يواجه كثرة الأعداء |
|
ويعاتب الدهرَ الخؤون بحسرةٍ |
منها يقاسي شدة الأرزاء |
|
سمَعتُه حاميةُ العيال فأسرعت |
تَرنو اليه بمقلةٍ حوراء |
|
قالت فديتُكَ يا أخيّ بمهجتي |
وحشاشتي ومحاجري ودمائي |
|
ليت المنيّة أعدمتني والفنا |
رقصت مصائبه على أشلائي |
|
تشكو زمانك هل يئست من البقا |
وجماله يا فلذة الزهراء |
|
يا غاسلاً بالدمع لون محاجري |
حتى غدت كالشمعة البيضاء |
|
سيطول بعدك يا أُخيّ تنهّدي |
وتلوّعي وتأسّفي وبكائي |
فأجابها اعتصمي بحبل محمدٍ |
وتصبري فالصبر خير عزاء |
|
قالت أتغتصب الهدوء وأنت في |
همٍّ لتؤنس وحشتي وشقائي |
|
فبكى وقال لها فلو ترك القطا |
ليلاً لنام بمهمه الصحراء |
|
آن الوداع وإنما هي ليلةٌ |
فتودّعي من رؤيتي ولقائي |
|
وأطلّ نور الفجر بعد أن انقضى |
ليلٌ مريرٌ فيه كل شقاء |
|
فمضى إلى صون العيال بخندقٍ |
ترتدّ عنه غارة النذلاء |
|
والنار فيه أوقدت ولهيبها |
خلف الخيام يذيب عين الرائي |
|
نادى على أصحابه مستبشراً |
كالنور يضحك في دجى الظلماء |
|
اليوم عرس شهادةٍ نرجو بها |
رضوان خالقنا وفيض هناء |
|
ودماؤنا تروي الفلاة وتكتسي |
منها الرمال بحلّةٍ حمراء |
|
والصّبر ليس لنا سواه إذا جرت |
خيل الردى خبباً على البيداء |
|
ورنت إلى خيل العدى أنظاره |
فرأى بها بحراً على الصحراء |
|
والموج يزخر بالضلالة والعمى |
وبه تموت ضمائر السفهاء |
|
فتوجّهت أبصاره نحو السما |
ودعا بكل تضرعٍ وثناء |
|
ربّاه أنت من المصائب منقذي |
يا عدتي في شدتي ورخائي |
|
أنت الكريم عليك حُسن توكلي |
حمداً وأنت مُعَوّلي ورجائي |
|
فاجعل خواتيم الفعال محجّة |
بيضاء واكتبني مع الشهداء(1) |
__________________
(1) كربلاء ( ملحمة ) للعسيلي : ص 302 ـ 304.
(2)
رهبان الليل والنجم
سَلْ كربلاء ويومها المشهودا |
وسَلِ السهول وَسلْ هناك البيدا |
|
وسل الرّبى عمّا رأته من الأسى |
والدمع أغرقَ سهلهَا وجرودا |
|
وسل النجومَ البيض تعلم أنها |
صارت على هول المصائب سودا |
|
هذي الفواطم من بنات محمدٍ |
يلبَسن من خوف المصير برودا |
|
والجوّ مربدّ الجوانب قاتمٌ |
والريح تبعث في الرمال وقيدا |
|
ما كان يسمع غير وَلْوَلَة النسا |
وصياحهن يفجّر الجلمودا |
|
وبكاءُ أطفالٍ ونهدةُ مرضعٍ |
لم تستطع أن ترضع المولودا |
|
وبرغم قرب الماء ليس ينالُه |
أحدٌ وباتَ على الحسين بَعيدا |
|
من دونه خيلُ العدى وصوارمٌ |
بيضٌ أقامت بالفرات سدودا |
|
والظالمون تنكّروا لمحمدٍ |
علناً وأمسوا للضلال عبيدا |
|
وتبادرت للذبّ عنه عصبةٌ |
عقدتْ على هام الزمان عقودا |
|
تستقبل الموتَ الزّؤامَ كأنها |
تلقى بمعترك النزال الغيدا |
|
كانوا ضراغمةً يرون أمامَهم |
جَيشاً كثيفاً أنكرَ التوحيدا |
|
وبرغم ذلك يضحكونَ كأنهُمْ |
فوقَ المعالي يرتقونَ صعودا |
|
يتهازلون وهزلهم لا ينطوي |
إلاّ على تقوى تصافح جودا |
|
هذا بُرَير ضاحكٌ مستبشرٌ |
وحبيبُ يَعزفُ للمنونِ نشيدا |
رهبانُ ليلٍ والعبادةُ دأبُهم |
أما الضحى فَيُرى الجميع أسودا |
|
والليلُ يطربه نشيد صلاتهم |
والنجمُ يرعى للأُبَاة سجودا |
|
خطبوا الردى بدمائهم فكأنما |
قد أمهروه ذمةً وعهودا |
|
يفدون بالمُهج الحسينِ لأنهم |
عرفوا ومُذ كان الحسينُ وليدا |
|
أنّ الوصية لم تكن في غيره |
والناس ما برحوا لذاك شهودا |
|
وبرغم قِلتِهمْ ونَقصِ عديدِهم |
كانت لهم غُرُب السيوف جنودا |
|
هي ليلةٌ كانت برغم سوادها |
بيضاء تبعث في الهدى تغريدا |
|
راح الحسين السبط يُصلح سَيفَهُ |
فيها ليهزم بالشفار حشودا |
|
ويذيق أعناق الطغاة بحده |
ضرباً يثير زلازلاً ورعودا |
|
وبدا يعاتب دهره وكأنه |
قد كان منه مُثقلاً مجهودا |
|
ويقول أفٍّ يا زمان حملت لي |
همّاً وكيداً حالف التنكيدا |
|
عُميت بصائر هؤلاء عن الهدى |
ولقيت منهم ضلةً وجحودا |
|
والأمر للرحمن جلّ جلاله |
كتبَ المهيمِنُ أن أموت شهيدا |
|
سمعت عقيلة هاشمٍ إنشادَه |
فأتتهُ تلطمُ بالأكفّ خدودا |
|
وتقول واثكلاه ليت منيتي |
جاءت وشقت لي فداك لحودا |
|
اليوم ماتت يا ابن أميَ فاطمٌ |
واليوم أصبح والدي ملحودا |
|
واليوم مات أخي الزكّي المجتبى |
والحزن سَهّد مقلتي تسهيدا |
|
فأجابها كلُ الوجود إلى الفنا |
إلا الذي وهب الحياة وجودا |
|
لا تجزعي أختاه صَبراً واعلمي |
أني سَالقى في الجنان خلودا |
|
مهما تمردت الطغاة فإنما |
جنح البعوضة أهلك النمرودا |
وبكت حرائر آل بيت محمدٍ |
وندبنَ بحراً للهدى مورودا |
|
قال الحسين برقّةٍ نبويةٍ |
حملت لهنّ من الفؤاد ورودا |
|
لا تخمشنّ عليّ وجهاً إن أتى |
حتفي وصرتُ على الثرى ممدودا |
|
شدّوا العزائمَ واستعدّوا للعنا |
ودعوا الرسالة تبلغ المقصودا |
|
لا يستقيم الدّين إلا في دمٍ |
من منحري إن سال يخضب جيدا |
|
والخيل تمشي في حوافرها على |
ظهري وتحتز السيوفُ وريدا |
|
وبذاك أعتبرُ المنيةَ فرحةً |
كبرى وأعتبرُ الشهادة عيدا(1) |
__________________
(1) كربلاء ( ملحمة ) للعسيلي : ص 295 ـ 298.
(3)
البدر بين النجوم
وكفاه فخراً أنّه للمرتضى |
شبلٌ وللهادي العظيم سليلُ |
|
والنورُ أدنى من ضياء محمدٍ |
وكأنهُ بإزائه قنديلُ |
|
وقفَ الحسينُ وحولَهُ أصحابُه |
كالبدرِ ما بينَ النجوم يقولُ |
|
هذا سوادُ الليل مَدّ ظلامَه |
وجناحه من فوقكم مسدولُ |
|
هَيّا إذهبوا إنّ الفَلاةَ وسيعةٌ |
وجبالُها حصنٌ لكم ومقيلُ |
|
ولقد وقفتُ إلى الوداع كأنما |
يدعو إلى هذا الوداع رحيلُ |
|
فالقومُ لا يبغونَ غير مقاتلي |
فيها تجولُ بواترٌ ونصولُ |
|
وغداً سألقى الظالمين بصارمٍ |
منه الجبالُ على السهول تميلُ |
|
فأدقُّ أصلاباً ثوى فيها الخنا |
وأشقُّ أكباداً بها التضليلُ |
|
ثابوا إليه كالأسود عوابسٌ |
بعزائمٍ منها يغيضُ النيلُ |
|
قالوا وقد زار اليقينُ قلوبَهُم |
تفدّيك منّا أنفسٌ وعقولُ |
|
فغداً ترانا بين معترك القنا |
كالنار بين الظالمينَ نجولُ |
|
وسيُوفُنا تشوي الوجوهَ كأنها |
لهبٌ لها فوقَ الرقابِ صليلُ |
|
لله يا تلك النفوس وقد أبت |
إلاّ نزالاً ليس عنه بديلُ |
|
فمضت لخالقها بعزّ شهادةٍ |
طابت وقاتِلُها هو المقتول(1) |
__________________
(1) كربلاء ( ملحمة ) للعسيلي : ص 293.
(4)
على أعتاب ليلة عاشوراء
رَكبٌ يحلُ بكربلا وخيامُ |
نُصبتْ وقد غَدرَتْ به الأيامُ |
|
فيه حرائرُ آلِ بيتِ محمدٍ |
تحت الهجيرِ على الرمالِ تنامُ |
|
لا ظلَّ إلا الشمسُ حرَّ لهيبها |
نارٌ بها تتقلّب الأجسامُ |
|
تهفو إلى ماء الفُراتِ ولا ترى |
إلا الأسنّةَ حَولهنَّ تُقامُ |
|
والخيلُ تصهلُ والسيوفُ لوامعٌ |
والجوّ فيه غِبرةٌ وقتامُ |
|
والرعبُ خَيَّمَ والجفونُ دوامعٌ |
والخوفُ بين ضلوعهنَّ سهامُ |
|
عَجباً وأبناءُ الرسالة في عنا |
ويزيدُ مِنْ فوقِ الحرير ينامُ |
|
عجباً وسبطُ محمدٍ يشكو الظما |
ويحيطُ فيه على الفُرات لئامُ |
|
والشمرُ يَنعُمُ في الظلال وَيرتوي |
من مائه ويلفُه الإنعامُ |
|
لم لا تغيبـي يا نجومُ من السما |
أسفاً ويحَتلُّ الوجودَ ظلامُ |
|
والبدرُ يُخسفُ فى علاه وينتهي |
عمرُ الكواكبِ والمعادُ يُقامُ |
|
والناسُ تُنشرُ للحساب لكي ترىٰ |
قوماً بأحضانِ الضلالةِ ناموا |
|
واستكبرُوا وعتوا وضلّوا وانطوى |
هَديٌ وعاشت فِيهُمُ الأصنامُ |
|
منعوا الحسينَ من الورودِ كأنّما |
هذا الورودُ على الحُسين حرامُ |
|
أطفالهُ عَطشى تعجُّ من الأسى |
ونساؤه طافتْ بها الآلامُ |
|
فَكأنهُم حَرموا النبيَّ محمداً |
من ماءِ زمزمَ والنبيُّ يُضامُ |
باعَ ابنُ سعدٍ جنةً أزليةً |
بجهنَّمٍ فيها يُشبُّ ضرامُ |
|
أغراه مُلكُ الرّيّ فاختارَ الشقا |
وتحكّمت بمصيرهِ الأزلامُ |
|
نادى الخبيثُ إلى الوغى فتحرّكت |
خيلٌ عليها سيطر الإجرامُ |
|
ورأت تحرُّكَهَا العقيلةُ زينبٌ |
فأصابها مما رأت أسقامُ |
|
وتلفّتتْ نحوَ الحُسينِ وإذ به |
غافٍ تُراود جفنَهُ الأحلامُ |
|
قالتْ أُخيَّ شقيقَ روحي جانِحي |
أَغَفَوتَ ؟ إنَّ الحادثاتِ جسامُ |
|
هذا العدو أتاك يزحف وهو في |
حقدٍ عليكَ تَقُودُه الظلاّمُ |
|
فصحا وقال رأيتُ جدي المصطفى |
حينَ اعترني بالغفاء منامُ |
|
هو زفَّ لِي بُشرى نهاية مصرعي |
بشهادةٍ يعلو بها الإسلامُ |
|
ذُعرَتْ لما سمعت وجرّح قلبها |
خبرٌ يهونُ لهولهِ الإعدامُ |
|
راحت تنادي ويلتاهُ وحُزنُها |
منه تذوبُ مفاصلٌ وعظامُ |
|
وتحرّكَ العباسُ نحو من اعتدى |
كالليثِ إنْ خَطُرَتْ به الأقدامُ |
|
قال امهلونا يا طغاةُ إلى غدٍ |
وغداً سيحكم بيننا الصمصام |
|
ودعوا سوادَ الليلِ أنْ يلقي بنا |
قوماً بُحبِّ صلاتِهم قد هاموا |
|
واللهُ يعلم أنَّ سبطَ محمدٍ |
ما راعَهُ كرٌّ ولا إقدامُ |
|
لكنهُ يهوى الصلاةَ لربهِ |
وله بها رغمُ الخطوبِ غرامُ(1) |
__________________
(1) كربلاء ( ملحمة ) للعسيلي : ص 288 ـ 290.
(5)
الجفونُ المُسّهَدة
فرَّ التقىٰ وتبرّأ القرأنُ |
ممَّن بهِم تتحكّمُ الأوثانُ |
|
إسلامُهُم ما كان إلا خدعةً |
فيها تجلّى الزورُ والبهتانُ |
|
باعوا الضمائرَ بالضلالِ وآثروا |
دنُيا بها يتعطّلُ الوجدانُ |
|
وعدوا الحسينَ بنصره وتخلّفوا |
عنه وعهدُ محمّدٍ قد خانوا |
|
والبغيُ أنهضهم إليه وأعلنوا |
حَرباً عِواناً قادها الطغيانُ |
|
وتجمّعوا حولَ الفُراتِ بخسةٍ |
ما ردَهُم شَرفٌ ولا إيمانُ |
|
أطفالُه مثلُ الورودِ بِلا ندى |
والماءُ ـ جارٍ قُربُهم ـ غِدرانُ |
|
والرعبُ حولَ نسائِهِ بعثَ الأسىٰ |
فيهنَّ وهو محاصَرٌ ظمآنُ |
|
سامُوهُ أن يَردَ الهوانَ أو الردىٰ |
وهل الصقورُ تُخيفُها الغُربانُ ؟ |
|
فأبى الهوانَ لأنَّ فيه مذلةً |
وبه لربّ محمدٍ عِصيانُ |
|
أنَّى لشبلِ المرتضى أن يرتضي |
عاراً حَوتهُ مذلَّةٌ وهوانُ |
|
فاختارَ حرباً كاللهيبِ غمارُها |
حمراء منها تفزعُ الأزمانُ |
|
وتبادرت نحو المنيةِ عصبةٌ |
معَهُ بها يستبشرُ الميدانُ |
|
وسمتْ أماجدُها إليه كأنّهُ |
مَلِكٌ سَمَتْ لجلالِه التيجانُ |
|
ومَشتْ إلى الغمراتِ لا ترجو سوى |
رضوانِه فتباركَ الرضوانُ |
|
يمشي الهوينا نحو خيمةِ زينبٍ |
أُمّ العيالِ وكلّهُ اطمينانُ |
أصحابُهُ مثل الصقور ، كواسرٌ |
عند اللقاء وكلهم إخوانُ |
|
قالت هل استعلمتَ عن نيَّاتِهمْ |
وثباتِهم إنْ جالت الفُرسانُ |
|
فلعلَّهمْ قد يُسلموكَ إلى الردى |
بالخوفِ أو يُغريهِمُ السلطانُ(1) |
|
فأجابَها إني اختبرتُ ثباتَهم |
فوجدتُهُم وكأنَّهمْ عُقبانُ |
|
يستأنسونَ إذا المنيةُ أقبلتْ |
والحربُ إن صَرَّتْ لها أسنانُ |
|
كالطفلِ يأنسُ في محالبِ أمّه |
ويضُمُهُ عندَ البُكاءِ حنانُ |
|
وبكتْ حناناً والدموعُ تَسيلُ من |
جفنٍ به تتوقدُ الأحزانُ |
|
قال الحسينُ وقد تهدّجَ صوتُه |
لا تحزني فلنا الجنانُ أمانُ |
|
أُختاهُ إنَّ الصبرَ خيرُ وسيلةٍ |
لا يَذهبَنَّ بحلمِكِ الشيطانُ |
|
ومضت من الليلِ المُعذّبِ فترةٌ |
سوداءَ لم تَغفُ بها الأجفانُ(2) |
|
لكن أبيُّ الضيمِ مالَ لغفوةٍ |
أذكت جواهُ ، وطرفُهُ وسِنانُ |
|
وصحا فقالَ : رأيتُ كلباً أبقعاً |
قُربي يلوحُ بوجهِهِ الكُفرانُ |
|
أنيابُهُ حمراء تَنهشُ مهجتي |
ويبينُ في قسماتِهِ الخزيانُ |
|
ثم استعدوا للردى فتحنّطوا |
والكلُّ منهُم ضاحكٌ جذلانُ |
|
والطيبُ راحَ يُشمُّ مِنْ أجسادهم |
طيباً به يستأنسُ الغُفرانُ(3) |
__________________
(1) لا نعرف سبباً لجزم ( يسلموك ).
(2) جاءت ( تغفُ بها ) على ( مفتعلن ) في حشو البيت وهي من العيوب العروضية الواضحة.
(3) كربلاء ( ملحمة ) للعسيلي : ص 299 ـ 301.
الأستاذ سعيد العسيلي
مع وحدة البحر ( بحر الكامل ) واختلاف القوافي ينفتح سعيد العسيلي في ملحمته علىٰ آفاق تعبيرية أرحب تعينه شاعرية تدور علىٰ الوثائقية التسجيلية بريشة متوثبة تهرب من أسار التأريخية لتتأمل فتُصور ظلالاً ذاتية تتخطى النظم المدرسي وجفافه لتنثر عبير الشعر وعطوره في فضاء النص ولكن بتحرج وتردد سرعان ما يعود إلىٰ قفص التأريخ ليسجل حوادث الليلة بلغة التقرير والخطاب الإخباري لكن نزوعه الشعري ومثابرته لتحديد موقف جمالي تُداخل بين اللغتين وتوازن بين المنحيين فنراه مصوراً بارعاً تارة
في :
والشمس تحتضن الرماح كأنها |
ترمي عليها الف الف غطاءِ |
أو :
يا غاسلاً بالدمع لون محاجري |
حتىٰ غدت كالشمعة البيضاءِ |
ونراه يزاوج التسحيل الوثائقي بالفن الشعري في :
ليت المنية اعدمتني والفنا |
رقصت مصائبه علىٰ أشلائي |
أو :
قالت اتغتصب الهدوء وأنت في |
همٍّ لتؤنس وحشتي وشقائي |
فلاحظ في ( والفنا رقصت مصائبه على أشلائي ) تداخل الوثيقة بالفن وكذلك ( أتغتصب الهدوء ) فحوارات الحوراء زينبعليهاالسلام تُقال عند العسيلي بلغةٍ فنيّة
جمالية تناسب عصرنا الحاضر مع عدم فقدانها للدلالة الأصلية التي قيلت من أجلها ، لكنه يخفق أحياناً في إضافاته عندما يتقابل نصه مع نص مثبّت من تلك الليلة العظيمة كما في المثال التالي :
ويقول افٍّ يا زمان حملت لي |
هماً وكيداً حالف التنكيدا |
|
عميت بصائر هؤلاء عن الهدى |
ولقيت منهم ضلةً وجحودا |
|
والأمر للرحمن جلّ جلاله |
كتب المهيمن أن أموت شهيداً |
فأعادة صياغة النصّ الاصلي جاءت مهلهلة ومترهلة ونستطيع أن نعزو ذلك إلى أن التقابل هنا تم مع نص شعري للإمام الحسينعليهالسلام وهو إرجوزة وجدانية تفجّعية قالها الإمامعليهالسلام من صفاء روحه الطاهرة وهي عصية على الترجمة واعادة الإنتاج بألفاظها الرقيقة وجرسها المنغّم الدافق ولا نراها تحمل سمة زمانية محددة بل هي لا تعبر عن لحظتها التأريخية فقط لكنها جاءت بلغة طافحة فوق كلّ زمان كنشيد أبديّ خالد ولذا ظهر عجز العسيلي عن التواشج معها والمقابسة وأخفق قبله الشيخ الفرطوسي عندما حاول محاذاتها في :
وهو يتلو يا دهر كم لك غدراً |
من قتيل مضرّج بالدماءِ |
|
لك اُفّ على مرور الليالي |
من خليل مولّعٍ بالجفاءِ |
علىٰ إننا نثني علىٰ شجاعة المحاولة وجرأة التجريب فتجربة العسيلي فيها الكثير الكثير من التجاوز على عادية الطريقة التسجيلية ومألوف الاسلوب التوثيقي مما يمتع المتلقي الباحث عن الفن والجمال.
المساء الأخير
زينبعليهاالسلام تخاطب ليلة العاشر
طُلْ يا مساءُ فلا أروم صباحا |
إن كان صبحُك للأسى مفتاحا |
|
لو دَرّ ضرع الصبح خيراً لإمرىءٍ |
فأنا سأُسقى ضيمَهُ أقداحا |
|
وإذا تلألأ نورُهُ متبّسماً |
ألقى عليَّ من الهموم وشاحا |
|
يا ليلُ لم أسأم ظلامكَ طالما |
عيناي تُبصرُ كوكباً لمّاحا |
|
فمتى انجليت فسوف أُفجع بالذي |
عنّي يزيل الغمَّ والأتراحا |
|
لو كنت تعلمُ ما يحلُّ بنا غداً |
لم تَطْوِ عن أفق الطفوف جناحا |
|
يا ليلُ انَّ الأمّ تَسعدُ بابنها |
وبه ترى صفو الحياةِ مُتاحا |
|
ومتى توارى شخصُه عن عينها |
قَضَت الحياةَ تأوّهاً ونواحا |
|
فَلَكَمْ قلوبٍ سوفَ تذرفُ مِنْ دمٍ |
دمعاً يفوقُ العارضَ السَّحّاحا |
|
فغداً جميعُ الطاهرات بكربلا |
كلٌّ ستثكل سيداً جِحجاحا |
|
يا ليلُ صُبحك متخمٌ بفجائعٍ |
دمها سيغمرُ أنجداً وبطاحا |
__________________
(1) هو : الشاعر الأستاذ سلمان عاصي الربيعي ، ولد سنة 1951 م في الحلّة ـ العراق ، له مشاركات في النوادي الأدبية والدينية ، صدر له ثلاثة دواوين شعرية : 1 ـ على أعتاب الديار 2 ـ الديار المحجوبة 3 ـ طيف الوطن.
فغداً بأرض الطفِّ طُهْرُ دمِ الهدى |
يغدو بشرع الظالمين مُباحا |
|
حيث الطغاةُ على ابن بنت نبيِّهم |
جيشاً أراهم حشَّدوا وسلاحا |
|
وأراه قلباً ظامئاً ما بينهُمْ |
وسيوفُهم قد أثخنتْهُ جراحا |
|
وأرى أخي العباس من طعن القنا |
نسراً له جذَّ الطغاةُ جناحا |
|
وعلى رمال الطفِّ أجساداً أرى |
زُحلاً شأت بعلوّها وضُراحا |
|
وجليلُ ما تبكي له عينُ الهدى |
ويزلزل الأبدانَ والأرواحا |
|
نحرُ الرضيعِ غداةَ يُرسَلُ نَحوَهُ |
سَهمُ ( ابن كاهل ) خارقاً ذبّاحا |
|
وأرى عيالَ محمدٍ أسرى العدى |
مَنْ ذا سَيُطلِقُ للأسير سراحا |
|
يا ليلُ إذ يقعُ الذي يُدمي الحشا |
أتوَدُّ عيني أن ترى الإصباحا |
|
إنّا إلى حكم الدعيِّ ورهطه |
هيهات نَركنُ أو نلين جماحا |
|
فليقتفِ الأحرارُ نهجَ زعيمِهِم |
ليرَوْهُ في آفاقهم مصباحا |
|
وليقصد الظمآنُ ماءَ غديرنا |
ليذوقَ من فيض الجنان قراحا |
|
لو لا دمانا ما استقامَ لمسلمٍ |
دينٌ ولا بدرُ الكرامةِ لاحا |
|
ما سال من نحر الحسين بكربلا |
للمجد خَطَّ المنهجَ الوضاحا |
أبو أمل الربيعي 24 شوال 1417 ه |
الأستاذ سلمان الربيعي
قصيدة الربيعي مثبّتة في المتن الشعري كنصٍّ يستحضر بإخلاص وجهد تجربة تدّعي التجارب الشعرية الجديدة أنها قد طواها الزمن لكن الربيعي يراها لا تزال حيّة ونابضة وله الحقُّ في ذلك طالما أن هناك فئات كثيرة من القرّاء لا زالت تستحسن ذلك وتعدّه صحيحاً وتجد في الربيعي من الشعراء مَنْ يُرسّخ ويثبّت هذا الإستصحاب لِما كان في نتاجه الغزير لإثراء هذا التوجه كمّاً ونوعاً.
وللإنصاف فالربيعي من الشعراء المعدودين الذين يواصلون سدّ إحتياجات المنبر الحسيني إلى الجديد من النصوص خطباء ومنشدي عزاء وهو شاعر على أهبة الإستعداد لتلبية نداءات الولاء والقضية الحسينية.
والقصيدة عند الربيعي تعبويّة التوجّه مخطّطٌ لها بإحكام يركن بجدّ إلى معطيات علوم العربية في كلّ تشعّباتها من نحوٍ وصرف وبلاغة وبيان ومعان وعروض ، وأغلب شعره يُرى فيه قابليته لأن يكون شاهداً من شواهد العلوم.
فالربيعي يستعرض ما تعلّمه من فنون وعلوم في شعره وخصوصاً في تفريعات العلوم اللغوية ويرى فيه نوعاً من الإنتماء إلى الأصيل والثابت الذي يشكّل هويته الشعرية والذي يُخلص في الالتحام به على الرغم من كون هذه النظرة نظرة تراثية إلى التراث نفسه ، لكن الربيعي يحتمي تحت سقفها وله فيها كل الحق.
ولا زلت أرى في خروجه على طوق النظم في بحر الكامل ـ الأثير لديه ـ وتثبيت هذا الخروج إنفتاحاً على إمكانات بنائية تمنحها الأبحر الأخرى للربيعي الذي بدأ ذلك في مجموعته الشعرية الثالثة ـ طيف الوطن ـ ولكن بحذرٍ شديد وتوجس.
إلى سيدتي الذكري
أطلّي ...
فقد أينع الشوقُ وانداحَ عطرُ الحنين
وجئنا على الوعد يا امرأةً زادُها الحزنُ والذكرياتْ
لأبنائها الراحلينْ
مع الشمس كي يُشعلوا ظُلمات المساءْ
لنقطف من شجر القلب أشهى القصائدْ
وننثُرها بين كفّيك يُنبوع ماءْ
قرابينَ
لكنها ...
ـ يالفرط البلاهة ـ
من أحرف مطفآت
لكيما ...
__________________
(1) هو : الشاعر الأستاذ شفيق معتوق العبادي ، ولد سنة 1385 ه فى تاروت ـ القطيف اكمل الثانوية العامة ، يعمل حاليا موظّفا فى كلية الطب بجامعة الملك فيصل بالدمام ، يكتب الشعر والمقالة والقصة وينشر نتاجه الأدبي في الصحف المحلية وبعض الصحف العربية ، كتب عنه في عدد من الكتب التي تناولت ادب المنطقة وفي الدوريات الأدبية وله مشاركات بارزة على الصعيد الادبي والثقافي.
تُضمّد أحزانها وتطيرْ
وتبقين وحدك في وحشة الدرب
ترعين غرس الدماءْ
* * *
ولكنه العشق سيّدتي فاعذريني
إذا ما خدشتُ حياء القصيدةْ
فجاءتْك ترقص في موكب الحزن مأنوسة بالجراحْ
وقد راح غيري يروّيك بالأدمع الخاثراتْ
ففي حضرة الوجد مَنْ ذا يُطيق إغتصاب الحروفْ ؟
* * *
إذا ما انتحيت عن السرب حلّقتُ وحدي
أُعير جناحيَّ للريح كيما تحلّقَ بي للفضاءْ
فلا أُفق غير العيون المليحات يستوطن الشعرَ
لا شيء يُطرب هذا اليراع المعنّى
سوى لغةٍ منكِ تُذكي لظاهْ
ليرحلَ نحو النجومِ البعيدةْ
ويبحثَ عن لغةٍ طعمُها العشقُ
عن لغةٍ لونُها العشقُ
كي يستعير القوافي
ليستلهم الذكريات العذارى
ويروي الحروف الظماءْ
ويعزف من وجع القلب ذكرى هواهْ
وذكرى صباهْ
وذكرى الليالي الجميلةْ
فأنت العيون التي ألهمت ريشتي كلّ هذا الغناءْ
* * *
وأنت العيون التي شاغلتني خطاها طويلاً
وأوسعتها غزلاً
ذبتُ فيها جوى
سرتُ من أجلها في دروب المنافي
تأرجحت فوق حبال المشانقِ
خالفت في شرعة الحب كلّ القوانينِ
عارضت كلّ رجالِ القبيلةْ
فلولاكِ ..
لولاكِ ..
يا حلوتي ما تجشّمتُ هذا العناءْ
* * *
وسافرتُ بين سواحلها الزرق
أبحث عن نورس أنكرتْه الشواطئُ
ضاقت بعينيه كلّ الدروبْ
وقصَّ جناحيه بردُ المدينةْ
جزيرتُه في أقاصي البحار
وأعراقُها في حنايا السماءْ
يجيء على فرس الريح في كلّ عامٍ اليها
ليُسمِعها الأغنيات الحزينةْ
ويحمل ما بين عينيه ذكرى جديدةْ
لملحمة الكبرياء
ليغرس
أعشاشها في الذرى
ويرحل عنها لُقىً في العراءْ
شفيق العبادي 20 / 2 / 1417 ه تاروت |
الأستاذ شفيق العبّادي
شفيق العبّادي حسٌّ نابض بحيوية العاطفة وصدقها ، بجرأة المواجهة يُغنّي موّالاً مفرداً بأسى عميق لكن بلا دموع ، فهو يحتفل بحزنه الخاص على طريقته الخاصة أيضاً ، لذا فهو يعزف تحت شرفة الذكرى ، يعزف على أوتار الشوق اليانع والحنين المعطّر لكي تُطلّ عليه الليلة بحزنها وذكرياتها ليتمّ لقاؤه بها ، فينثر بين كفيها قصائده النابعة من القلب بأحرفها المطفآت ليعبّر لها عن الخيبة والمرارة لأنه صادق العواطف لكنّه يصاب بالبله أمام جلالها الآسر فلا يمنحها إلاّ خواء قصائده التي تضمّد أحزانها بعد اللقاء وتطير في سماواتها لتبقى الذكرى وحدها في عمليةٍ مستحيلة لغرس الدماء.
ويرجع العبّادي ثانية ليعزف على وتر آخر هو وتر العشق ليرقّص قصيدته المخدوشة في حيائها في الموكب العام للحزن ، في الإحتفالية الجماعية بقدوم الذكرى.
يحس العبّادي بتفرده فيسلك سلوكاً مغايراً للسائد والمتعارف وكل ذلك بسبب من علاقة حضور صوفيّة أسماها ( الوجد ) تضيع فيها اللغة وتعود للحروف بكارتها الاولى فلا يستطيع الواجد الصوفي أن يرى إغتصاب الحروف فيلجأ إلى نوع من الصمت الناطق بالحيرة والذهول والتفرّد والإنتحاء عن السرب والتحليق المنفرد التائه لأنه يعير أجنحته للريح لضياع أمكنته فلا أفق له ، لكن عيون الذكرى تستوطن الشعر وتشعل إنطفاءاته ليبتدئ البحث عن لغةٍ حسيّة بطعم العشق ولونه
فتكتمل أدوات الشاعر ليعزف على وتر الوجع ، تكتمل أدوات الفن كلّها ، ريشة ملهمة تغنّي ووتر يعزف ، ويبدأ عزف آخر على وتر الغزل لتنكشف تضحيات الشاعر وعناؤه وذوبانه ثمّ نفيه ثم بحثه عن قناع يندرج تحت ظلاله فيجده في نورسٍ منفيّ تنكره بيئته البحرية وتمنعه المدن بظواهرها غير الطبيعية من الطيران فيعاني غيبة وانقطاعاً عن المكان ، لكنه يتواصل مع الذكرى تواصلاً حياً دفّاقاً ، له موعدٌ محدّد يجدّد الذكرى التي يحملها ما بين عينيه ويغرس حنوّه والتحامه معها ثم يرحل أيضاً.
والعبّادي يحاصر تجربته بجوّ محزنٍ حادّ ويمسحها بجناح رومانسي محلّق ويطوّع نَفَساً ونبرة إيقاعيتين متبادلتين ومتعامدتين في تتابع مقاطع القصيدة ، فمع أفقية النَفَس ( الذي لا يفارق القافية بيسرٍ بل يختم مقاطع القصيدة بقافيةٍ همزيةٍ متكرّرة ـ الدماء ، الفناء ، العناء ، العراء ـ وهذه الظاهرة فيها بصمات الإكثار من النظم على طريقة العمود ) تقفز تلك النبرة المتخفية لتلملم شتات التداعيات ليسلم تأمله الشارد من أضطرابات اللاشعور الذي يكشف رغبات وأماني الشاعر المكبوتة في تجاوز الألم التقليدي وإكتشاف شعائر أخرى للتعامل مع المتخيَّل عند الجماعة ، فهو تجنّب السطحية والتقريرية والمباشرة لصالح الغموض وعَمَه الرموز الذي قد يؤدي إلى العجز عن تصوّر أو تشكيل رموزه عند المتلقّين مما يحقّق فجوة عريضة على مستوى التوصيل.
(1)
صفحات من مسرح الدم
حرّكَ الليل سيفَهُ الأمويّا |
يَرسمُ الصبحَ مسرحاً دمويّا |
|
يطعنُ النجمَ والدراري اغتيالاً |
غاضَهُ الأفقُ مُذ بدا قمريا |
|
فتلقتُه أنجمٌ زاهراتٌ |
سكبت فيه نورَها العلويا |
|
نحتتهُ النجومُ ليلاً منيراً |
تحسدُ الشمسُ نورَه السرمديا |
|
ثم غنّتهُ للّيالي نشيداً |
ملأ الأفقَ صرخةً ودويا |
|
إنَّ لحناً به الحسينُ تغنّى |
سوفَ يبقى على المدى أبديّا |
* * *
خيّمَ الصمتُ والحسينُ هديرٌ |
أرهبَ الصحبَ منه ذاكَ المُحيّا |
|
واستدارت حروفُه في شِفاهٍ |
تصهرُ الروحَ عزمةً ومضيّا |
__________________
(1) هو : الخطيب الفاضل السيد ضياء السيد عدنان الخباز ، ولد سنة 1396 ه في القطيف ، وفيها درس المقدمات الحوزوية والتحق بحوزة قم المقدسة سنة 1415 ه ولا يزال يواصل دراسته العلمية ، وله مشاركة في النوادي الأدبية والدينية ومن تأليفه 1 ـ كتاب صفحات مشرقة من حياة الإمام السبزواري 2 ـ مجموعة شعرية في المناسبات وغيرها 3 ـ كتابات أُخرى.
قال « اُفٍّ » وليته لم يقلْها |
فبها ظلّ دهرُنا أمويا |
|
ويدُ الموتِ خلفَهُ تنسجُ الموتَ |
طريقاً إلى العُلى دمويا |
|
قبّلتْها أنصارُه في هيامٍ |
وجدوا الموتَ في الحسينِ هنيّا |
|
قرأوا في الدماءِ جناتِ عدنٍ |
صاغها اللهُ مرفأً أزليا |
|
فمضَوا للخلودِ في زورق الطفّ |
وخاضوا نهر الدماءِ الزكيا |
|
ما ألذّ الدماء في نُصرةِ الله |
إذا كان نبعُها حيدريّا |
* * *
وتلاقتْ على الهدى بسماتٌ |
لم يرعْها موتٌ يلوحُ جليّا |
|
ضحكوا يهزؤون بالموتِ شوقاً |
للقاءٍ يحوي الإمامَ عليّا |
|
وانبروا للّقاء في سكرةِ الحُبّ |
الإلهيِّ بالصلاة سويّا |
|
وانقضى الليلُ وهو يرسمُ صبحاً |
نحتَ اللهُ شمسَهُ في الثريّا |
|
أطفأتْ وهجَهُ السيوفُ فما |
زالت رماداً ولم يزل هو حيّا |
ضياء الخباز 19 / شوال / 1416 ه |
(2)
فصول من قصة الحسينعليهالسلام
وغفا الليل في عيون الصحارىٰ |
يتخفّىٰ في جفنها إعصارا |
|
والعيونُ السمراءُ كانتْ رماداً |
وهو تحت الجفون كان جِمارا |
|
وإذا أقبلَ الصباحُ سيمت |
دُّ ضباباً يخفىٰ لهيباً ونارا |
|
فأعدَّ الحسينُ سيفاً من النور |
ونحراً وثلةً أقمارا |
|
هاتفاً يا ظلامُ ( أُفٍ ) فكم أطفأ |
تَ فجراً وكم نحرتَ نهارا |
|
ولقد آنَ أن تموت لتحيا |
فوقَ أشلائِكَ الشموسُ العذارى |
* * *
قصةُ الليل والحسين حَكاياتُ |
جراحٍ تفجّرتْ أنهارا |
|
قصةٌ لم تزل تتوّجُ عرشَ الفجر |
نوراً وللشموس مدارا |
|
فبها ينفخ الحسينُ فتسري |
في شرايينها الحروفُ سكارى |
|
قصةٌ صاغها الحسينُ ولولا |
زينبٌ ما تمخّضتْ إعصارا |
* * *
ورنت زينبُ البطولة في كفّ |
أخيها سيفاً ونوراً ونارا |
يوقد النارَ للألى طعنوا الشمس |
ونوراً للتائهين الحيارىٰ |
|
يعزفُ الموتَ للحياةِ وكان |
السيفُ في وحي صمته قيثارا |
|
قرأت في عينيه من لغة الدمّ |
حروفاً قد عاهدتُه انتصارا |
|
ورأته يبني الشموخَ على أطلالِ |
جُرحٍ لم يعرف الإنكسارا |
|
ويريقُ الشريانَ شلالَ هديٍ |
كانَ ينسابُ من يديه بحارا |
|
فانبرت والرمالُ تسبقُها خَطواً |
إلى الشمس قبل أن تتوارىٰ |
|
إيهِ يا شمسُ لا تموتي فإنّا |
ما ألفنا من غير شمسٍ نهارا |
|
إن عزمتِ على الغروب فردينا إلى |
موطن إشراقك لنحياكِ ثارا |
|
وهنا المسرحُ الحسينيُّ قد |
أسدل ستراً وأطفا الأنوارا |
ضياء الخباز 25 / 10 / 1417 ه |
السيد ضياء الخباز
إعلان الشاعرية أمام ساحة التلقي شيءُ ، ومواجهتها للجهد النقدي فحصاً وإختباراً شيءٌ آخر ، بمشاركتين يثبت السيد ضياء الخباز بدايته كسائر في طريق الإبداع الشعري الطويل ، زوّادته الولاء والحب والعشق الإلهي ، وأدواته الألفاظ الرقيقة والتراكيب الرشيقة والصور الخلاّبة المشرقة ولعلّ في قصيدتيه أصداء من الآخرين نجح في إخفائها بتفوّقٍ ظاهر مما يحقق لديه نتائج قراءاته وإصغائه في شكلٍ يتداخل فيه نصّه الشعري مع نصوص الآخرين الشعرية في عملية تلاقحٍ منتج تفيد تجربته الواعدة وتغنيها فنرجو منه أن لا يستسلم لعوامل الإحباط والخيبة ، فالعملية الشعرية عسرة المخاض والولادة ولاتتأتّى لصاحبها بالهيّن من الجهد بل بالمثابرة والتواصل والمتابعة المستمرة.
ونحن نترك للقرّاء إكتشاف هذه الموهبة الواعدة من خلال نصّيه المدرجين.
ليلة الحداد
يا ليلَ عَشرِ محرمٍ ألبستنا |
ثوبَ الحدادِ فكلُّنا مثكولُ |
|
وافيتنا بالنائباتِ وإنَّها |
أمرٌ على كلِّ النفوس ثقيلُ |
|
فجَّرْتها يومَ الطفوفِ عظيمةً |
منها ربوعٌ قد بكت وطلولُ |
|
حاربتَ مَنْ في فضلهم دون الورى |
نطق الكتابُ ونوّهَ الانجيلُ |
|
لما رأيتَ ابن النبي ونورَه |
( عُرضُ الدُنى فيه زها والطولُ ) |
|
أمَّ العراقَ بِفتيةٍ من أهله |
ليُقيمَ أمراً قد عراه خمولُ |
|
أثقلتَ كاهلَه بها وأعَقْتَه |
من أن يحقّقَ ما هو المأمولُ |
|
ورميتَه بسهام غدرٍ ما ابتلى |
فيها وصيٌ قبلَه ورسولُ |
|
خَذَلَتْه أقوامٌ تسابقَ رُسْلُهم |
منهم مُريحٌ عنده وعجولُ |
|
برسائلٍ مضمونُها وحديثُها |
أن ليس غيرُك للنجاةِ سبيلُ |
|
إنّا لأمرك طائعون فقم بنا |
فإلامَ يحكم في البلاد جهولُ |
|
عجِّل فدتك نفوسُنا فكبيرُنا |
وصغيرُنا لك ناصحٌ ووصولُ |
__________________
(1) هو : الخطيب المعاصر الشيخ عبد الحسين عبد السادة الديراوي ولد في خوزستان وسلك في عداد خدّام المنبر الحسيني كما درس في الحوزة العلمية في قم المقدسة والأهواز ، وله ديوان شعر شعبي ( مطبوع ) أغلبه في واقعة الطف وله مشاركاتٌ في المناسبات الدينية وغيرها.
تالله إن لم تستجب لندائنا |
فالدينُ دين أميّةٍ سيؤولُ |
|
ومن المدينة حين راح يحفّه |
مَنْ مالَهم في العالمين مثيلُ |
|
قد نُزِّهوا عن كل ما من شأنهِ |
يُوري فهم لذوي العُلا إكليلُ |
|
نزلوا بأرض الغاضرية فازدهتْ |
من نورهم ليت المقام يطولُ |
|
باتوا وبات ابن النبي كأنَّه |
بدرُ السماء وذالكمْ تأويلُ |
|
أحيىٰ وأحيوا ليلَهم بتضرّعٍ |
وتبتُّل وعلا لهم تهليل |
|
وغدا يودّعُ بعضُهم بعضاً فما |
أحرى بأن يبكي الخليلَ خليلُ |
|
حتى إذا ولَّى الظلامُ وأصبحوا |
أُسداً تجول على العدى وتصولُ |
|
شهدت ببأسهم الفيالقُ إذ رأتْ |
موتَ الزؤام له بهم تعجيلُ |
|
فكأنَّ يومَ النفخ آن أوانُه |
وبه الموكّل أُعطيَ التخويلُ(1) |
|
منهم تهيَّب جيشُ آل أميةٍ |
وعرا الجميعَ تخاذلٌ وذهولُ |
|
وَعَلَيهِمُ حام القضا فدعاهُم |
داعي المنونِ وإنَّه لعجولُ |
|
فهووا على حرِّ الصعيدِ وبعدَهم |
نُكِبَ الهدى إذ ربُّه المثكولُ |
|
أمَّ الخيام إلى النساء معزِّياً |
ومودِّعاً فبدا لهنَّ عويلُ |
|
وغدا يُسَلِّي الثاكلاتِ وهكذا |
حتى هَدَأنَ فقام وهو يقولُ |
|
(مَنْ ذا يُقدّمُ لي الجوادَ ولامتي |
والصحبُ صرعى والنصيرُ قليلُ) |
__________________
(1) في القيامة اقواءٌ واضح.
الليلة الخالدة
خَيَّمَ الليل والذوي صقيعُ |
وسجودٌ وشاحُهُ وركوعُ |
|
وجه السبطُ محورَ القلب يدعو |
بالعباداتِ قدرَ ما يستطيعُ |
|
ودعا اللهَ سيدُ الكون يرنو |
أن يطيل الظلامَ ربٌّ سميعُ |
|
خَيَّم الليلُ فالعبادة وهجّ |
يتمنى أن لا يضيء الصديعُ |
|
لا لأن الرحيل صعبٌ ولكن |
عشق النسك فالفراق مروعُ |
|
حيث لو خيَّروه بين جنان |
أو رجوع لها لقال : الرجوعُ |
* * *
قال يا صاحب إننا سوف نمضي |
للمنايا وليس منها منيعُ |
|
فانظروا كيف تصنعون فكلٌ |
في اختيار إذا عصى أو يطيعُ |
|
فتلقوه بالصمود ونادوا |
يا ابن بنت النبي نحن الدروع |
__________________
(1) هو : الشاعر الشيخ عبد الله بن أحمد بن مهدي آل عمران ، ولد سنة 1390 ه في جزيرة تاروت ـ القطيف ، أكمل دراسته الأكاديمة ، وحاز على شهادة البكالوريوس في العلوم الادارية من جامعة الرياض ، وله مشاركة في النوادي الأدبية والثقافية الدينية.
فامض : فينا فان أرواحنا تف |
ديك حتى يسيلَ النجيعُ |
|
قال : قد هوَّم الظلامُ فهبّوا |
نحو إحيائه فلبى الجميعُ |
|
فَهُمُ بين قارئٍ ومصلي |
في اشتياقٍ وقد براهمْ خضوعُ |
|
هكذا كان ليلُهم في وداعٍ |
ولذا ما غشي العيونَ هجوعُ |
* * *
ها هنا فرقتان فالسبط والآ |
لُ وسربالُها التقى والخشوعُ |
|
وبنو الحقد والنفاق وتبدو |
في نفوس وقد غشاها الخنوعُ |
|
هذه أنفسٌ من القدس صيغتْ |
ونفوسُ الأعدادِ بناها وضيعُ |
|
وهنا العزُ والبسالةُ روحاً |
وهمُ ساقهم جبانٌ جزوعُ |
|
وهنا عفةٌ وصدقٌ وحلمٌ |
وهناكَ الدها وغدرٌ فظيعُ |
|
وهنا للفداء عنوانُ حقٍ |
وهناك فنُ القذارات ريعُ |
|
وهنا العطف والحنان تسامى |
وهم ما نجى ـ لديهم ـ رضيعُ |
|
وهنا تزدهي الصراحةُ شمساً |
وهم خادع له مخدوعُ |
|
هذه صفحةٌ من الطُهر صيغت |
وعلى تلكم الهوى والميوعُ |
|
واشترى الله أنفساً طاهراتٍ |
لا تحابي بمبدأ أو تبيعُ |
|
ها هم الصحبُ بالوفاءِ تسمّوا |
فمجال الوفاء قطعاً وسيعُ |
* * *
قد بدا الحقدُ في ابن سعدٍ فجرماً |
قد أتاه فساء منه صنيعُ |
|
أسخطوا الوحي والسماءَ عليهمْ |
إن حرب الحسين جرمٌ شنيعُ |
|
ليس حرباً لشخصه بل لروحٍ |
هي للدين أصله والفروعُ |
|
فغذاً هذه الشموعُ ستدوّي |
ذاك فوق الصعيد مرمى صريعُ |
|
وعزيزٌ بكت عليه الثكالى |
خضّبوهُ فسال منه النجيعُ |
|
ونساءٌ يصحن إنا عطاشى |
وأبو الفضل لليدين قطيعُ |
|
وغداً تندب اليتامى لقتلي |
صحْنَ قد ( قوض العماد الرفيعُ ) |
|
إنما هذه الضحايا ستبقى |
وستهدي الأنام هذي الشموعُ |
|
وسيبقى الحسينُ يجري بدمٍ |
في عروقي فبالعبير يضوعُ |
|
ويهيم الفؤاد في تلبياتٍ |
كُلّما مرّ ذكرُهُ ويميعُ |
|
ليلة السبطِ خلَّدت دينَ طه |
حيث لولاه دينُ طه يضيعُ |
عبد الله أحمد آل عمران 20 / 11 / 1416 ه |
الشيخ عبد الله آل عمران
القصيدة محاولة جادة بالأدوات الشعرية التوصيل رؤى الشاعر وتصوراته الخاصة عن ليلة عاشوراء ، وبطريقة تجريبية اختار الشاعر مساحة عريضة للتعبير ليفحص طول نَفَسه الشعري مع بحر مركّب التفعيلات متداخل الإيقاع هو بحر الخفيف وكذلك مع قافية صعبة المنال وعسرة الرويّ هي قافية حرف العين.
إن على الشاعر المتصدّي لإحياء أمر أهل البيتعليهمالسلام أن ينتبه إلى أنه يطرح شعره أمام متلقين منصهرين النصوص ، فهم يتلون آيات القرآن الكريم في الصلاة وغيرها ، ويزورون الأئمةعليهمالسلام بنص ، ويقرأون أدعيتهم بنصٍ أيضاً ، مما يجعل مساحة تعاملهم مع النصوص مساحة عريضة ، ودرجة تلقّيهم عالية التوتر ، فيجب الإلتفات إلى القابلية المتحصّلة لديهم لغرض تحقيق التوصيل الحامل للمتطلبات الفنية والأدبية والجمالية.
ونخلص إلى أن آل عمران مع حمله للبذرة الساحرة المسحورة التي تمكنه من الثبات والتفوق في الساحة الشعرية فقد حاول التعبير عن أحداث الليلة لاجئاً إلى التطابق الواقعي مع التفاصيل دون التطابق الفني فامتدّ نصه حين شرح التقابل بين المعسكرين لينتهي بعلاقته الشخصية بالإمام الحسينعليهالسلام ويُقرر في النهاية قراراً نهائياً عن ليلة عاشوراء قائلاً :
ليلةُ السبطِ خلّدت دينَ طه |
حيث لولاه دين طه يضيعُ |
منازل كربلاء
فمضى يخبّر صحبه عما جرى |
ويُبين للأمر المهول الأكبرِ |
|
هذي الطفوف وذي منازل كربلا |
أفما ترون لسابقي لم يجسر |
|
قد قال جدي إنها أوطاننا |
وبها تسيل دماؤنا كالأبحر |
|
وبها تسام الخسف نسوة أحمد |
وبها تصيب الدين طعنة أكفر |
|
لكنّكم في الحلّ مني فارحلوا |
من قبل ابلاج الصباح المسفر |
|
قالوا له انت الصباح وسيره |
فيه الصلاحُ لعاقلٍ مستبصر |
|
ماذا نقول إذا أتينا أحمداً |
وأباك والزهراء عند الكوثر |
|
تفديك يا نفس الرسول نفُوسنا |
وأقل شيءٍ أن تُراق بمحضر |
|
فاصدع بأمرك تحظ قصدك عاجلاً |
وترَ الصحيح من القتال الأكبر |
|
لله در نفوسهم لمّا علوا |
فوق السوابق والخيول الضمَّر |
|
فكأنَّهم فوق الخيول كواكبٌ |
تسمو على مرّيخها والمشتري |
|
وكأنَّ خيلهمُ نجومٌ قد هوت |
رجماً لشيطانٍ وكلّ مكفّر |
|
لم يحسبوا رشق النبال أذَّيةً |
كلا ولا طعن الرماح بمُذعر |
|
ولكم أبادوا من عُصاةٍ ذادةٍ |
لبسوا الدروعَ واقبلوا كالأنسُر |
|
حتى قضوا ما بين مشتبك القنا |
وبقي حسينٌ مفرداً لم يُنصر(2) |
__________________
(1) هو المرحوم الشيخ عبد الله بن الشيخ علي بن محمد بن علي بن درويش القطيفي المشهور بالعوى ، أحد أعلام القرن الثالث الهجري توفي سنة 1210 ه.
(2) محرك الأشجان : للحاج أحمد العوى : ص 558.
العبق الفواح
أليلة عاشوراء يا حلكاً شَبَّا |
حنينك أدرى من نهارك ما خبّا |
|
وما خبّأ الآتي صهاريج أدهُرٍ |
بساعَاتِه قد صبّ صاليَها صبّا |
|
بساعات ليلٍ صرَّم الوجدُ حينها |
يُناغي بها الولهان معشوقه حُبّا |
|
يُقضِّي بها صحبُ الحسين دجاهُمُ |
دَويّاً كمن يُحصي بجارحةٍ تعبى |
|
لقد بيّتوا في خاطر الخلدِ نيةً |
أضاءت دُجى التاريخ نافثةً شُهبا |
|
وقد قايضوا الأرواح بالخلد والظما |
برشف فرنْدٍ يحتسون به الصَّهبا |
|
فواعظمهم أنصار حَقٍّ توغّلوا |
إلى حِمِم الهيجاءِ واستنزفوا الصعبا |
|
فأكبْر بهم عزّاً وأكرمْ بهم تُقىً |
وأعظمْ بهم شُوساً وأنعمْ بهم صحبا |
|
بهم ظمأٌ لو بالجبال لهدَّها |
ولو بالصّخور الصُمِّ فتّتهّا تُربا |
|
عزائمُهمْ لو رامت الشمسَ بُلِّغت |
ولو رامت الأفلاك كانت لها تربا |
|
وأعيُنُهمْ لا يَسبر الفكرُ غورَها |
شُرودٌ بها قد حَيَّر الفِكرَ واللبّا |
__________________
(1) هو : الشاعر الشيخ عبد الكريم بن مبارك آل زرع ، ولد في تاروت ـ القطيف سنة 1381 ه ، يعمل حالياً في شركة ارامكو ، ولا يزال أيضاً يواصل دراسته الحوزوية في القطيف ، ومن نتاجه الأدبي القيّم ديوان شعر ( مخطوط ) أكثره في أهل البيتعليهمالسلام ، وهو أحد النشطين بالمشاركة في النوداي الأدبية والدينية.
تُراعي بأشباح الظلام عُيونُهم |
حريماً وأطفالاً مُرَوَّعَةً سغبى |
|
حريماً وأطفالاً براهُنَّ غائلٌ |
من الوجَل المحتوم مُنقَدحاً كربا |
|
على وجلٍ يخفقنَ من كلِّ همسةٍ |
يُنمنْمُ هولُ الخطبِ في عينِها عَضبا |
|
خيامٌ عليها خيَّم الوجدُ ناحِلاً |
وَجَلّى عَليهَا الغمُّ بالهم مُنصَبَّا |
|
بنفسِيَ آلُ المصطفى أَحدَقتْ بهم |
ضُروبُ الرزايا حَزَّبتْ حَولهمُ حِزبا |
|
تدور عليهم بالشجى فكأنّهم |
بفطرتهم كانوا لجمرتها قُطبا |
|
ألا ليتني حيث التمني عبادةٌ |
لمن ليس في عينيه غير المنى دربا |
|
خباءٌ به النيران كفٌ تقطّعت |
وصدرٌ غدا للخيل مضمارها نهبا |
|
وقلبٌ تفرّى بالظَّما وجوارحٌ |
تُوزَّعُ بالأسياف مَحمرّةً إربا |
|
بنفسي أبو الأحرار ما ذاق جُرعةً |
ليجرع كأس العزِّ مُترعةً نخبا |
|
ألا ليت لي لثم الضريح ورشفهُ |
من العبق الفواح ألثمُه عبّا |
|
وأهتف يا مولايَ جئتك دمعةً |
نشيداً ، جراحاً ، دامياً ، ولِهاً ، صَبَّا |
|
ألا ليتني بين السيوفِ فريسةً |
لإيقاعها غنَّت جوارحيَ التعبى |
|
أقي قلبك الصادي بقلبٍ أذابَهُ |
نوى هجرك الممتدِّ يا سيدي حقبا |
|
اُفدِّيك إجلالاً وأنشدُك الحُبّا |
أتُحرمُ عذبَ الوِرد يا مورداً عذبا |
|
ويا عنصر الألطاف من روح أحمدٍ |
بأوردة الدنيا يُكلّلها الخصبا |
|
ويا عبقاً من رحمة الوحي فاتحاً |
تَنشَّقَ منه الماحلُ النسمَ الرطبا |
|
ويا قبساً في العين يُثقلها رؤى |
تفرَّسُ بالايمان تخترقُ الحُجبا |
|
ويُكحلها التقوى حياءً وعفّةً |
ويسكبُ فيها من هواه المدى سكبا |
|
فأنت الذي في العين يُذكي سناءَها |
فتحلو إذا ترنو أو اثّاقلت هدبا |
لأنّ مراسيها هواكم ونورُكم |
وإكسيرُها فيضُ المودة في القربى |
|
أفدِّيك يا من الهبَ الشمس والسما |
نجيعاً فذابا في قداستهِ ذوبا |
|
على أنّ مُحمرّ السماءِ تألَّقٌ |
لتُزجي به من فيضك الشرق والغربا |
|
أفدّيك يا فرع الرسالة يا هوى |
لأحمد في الآفاق يملؤها حُبّا |
|
ويا مبسماً يحكي شفاهَ مُحمّدٍ |
وريّاه ما قلّت ولا عطرُها أكبى |
|
عليه ولا أدري أتقبيل عودةٍ |
بها شغفٌ أم رام يوسعه ضربا |
|
ويا كبداً حرّى تفرَّت من الظما |
وفيها الفراتُ انساب سائغهُ شُربا |
|
ويا صارماً لولا الحنانُ أعاقَهُ |
لَقَدَّ الدنى قَدّاً وقَطَّعهَا إربا |
|
بمهجته الغيرى وان نزَّ جُرحُها |
يرصُّ معاني المجد مملوءةً لبا |
|
ويا صامداً ما زعزعتْ من كيانهِ |
صنوفُ الردى بل لم تحرك له هدبا |
|
ويا مقلةً ما زال يعصرها الأسى |
لترويْ بقايا الآهِ والدمَ والجدبا |
|
بكت قاتليها والذين تَجمَّعُوا |
لثاراتِ بدرً ضدَّه اجتمعوا إلبا |
|
رأت روحُك الإسلام جرحاً فلم تطقْ |
هواناً وصبراً فاعتلتْ تُعلنُ الحربا |
|
وتلثمُ صابَ الدهرِ جذلى ولا ترى |
جراحاً تنزُّ الآه قد ذربت ذربا |
|
وسالت على جرح الهدى اعتصمتْ به |
وصبَّت حياة القدس في فمه صبّا |
|
اُفدِّيك يا من قبَّل السيفُ نَحرَه |
ففاض وأضفى وانثنى يكرَهُ النصبا |
|
ويا واحدا لا نِدَّ شاركَهُ المدى |
وَوهْجَ الجهادِ الحرِّ والدمَ والدربا |
|
اُنبِّيكَ ما زال الزمانُ مردّداً |
صداكَ ملأتَ البحرَ والأُفقَ والرحبا |
|
وأنَّ سياجاً من دماك وجمرِها |
وأحمرِها ما زالَ متقَّداً شهبا |
|
يحيطُ الطواغيتَ اللئام بلفحِهِ |
فيصبُغُهمْ ذعراً ويملؤهم رعبا |
إلى الآن وقعُ اسم الحسين بسمعِهمْ |
وأحرفِهِ ما زالَ مستصعباً صعبا |
|
تصارعُ أحقابُ الدهورِ ونفسها |
على أن ترى ندّاً يجدّده وثبا |
|
يعيد لميدان الجهاد وميضَه |
ويُذكى أواراً من سوى فيك ما شَبّا |
|
ويوقظُ افكاراً عليها من الونى |
تراكمُ أحقابٍ مخثّرةٍ حجبا |
|
ويروي بسلسالِ النجيعِ عقيدةً |
بغيرِ دماكَ الطهرِ لم تعرفِ الخصبا |
|
ويصنعُ يا مولاي ما كنتَ صانعاً |
ويهمي علينا من بسالتِه صوبا |
|
ولكنه الدهرُ الذي عَقمتْ به |
لياليهِ أن تأتي بمثلكَ أو تُحبى |
|
ولو رام نِدّاً لاستشاركَ عنوةً |
لأنَّك أولى مَنْ يخطّطُه لحبا |
|
وأدرى به علما وأجلى به رؤىً |
ولكنّه يأبى وإنّك لا تأبى |
|
لقد خسر الدهرُ الرهانَ فلم يطق |
محالٌ عليه اليوم ان كرّر الذنبا |
|
وقد صدَقَ الحُسادُ أنَّ يزيدَهم |
تكرّر في الأزمان ممتلئاً عُجبا |
|
ونحن نقولُ السبطُ ما زال باقياً |
هو السبطُ لا قولَ افتراءٍ ولا كذبا |
عبد الكريم آل زرع 28 / 10 / 1416 ه تاروت ـ القطيف |
الشيخ عبد الكريم آل زرع
الشاعر آل زرع يختبر طاقاته التعبيريه والتوصيلية إختباراً مطوّلاً مع بحرٍ عصيّ وقافيةٍ غير مطواعة عاصت جهده ودأبه في أكثر من موضع ، فتراكيبه وأبنيته تُظهره لنا صائغاً يحاول أن يتفرّد في استخدامه للألفاظ والعبارات ، فيرفع عن كفيه أصابع الآخرين حين الكتابة ، وهذه المحاولة جادّةٌ وظاهرة عنده فقصيدته لها شخصيةٌ متميّزه لعلها لا تُحاكي أحداً ولا تُصغي لقول الآخرين الشعري بحيث تبدو بصمات الغير على قماش القصيدة أو إطارها ، وأمام آل زرع مهمة شاقّة لأن قصيدته طرقٌ متأنٍّ على حجرٍ صلد يحاول الشاعر أن يقنعنا أنه قد شكّل أو كوّن ما يمكن معرفته ، لكنّي أقول إنه متعجّلٌ في التعامل مع مادّته الشعرية ، فهو يطهو على نار هادئة لكنّه يُنزل قدره قبل النضج بفترة وجيزة ـ إن صحّ التشبيه ـ وهذا واضح عند تأمّل أبياته فهو صاحب بيتٍ شعري متماسك الصدر دائماً لكنه يتعب في عجز البيت غالباً فيصل القافية منهكاً ، فنلاحظ هذا الصدر المتجاوز للمألوف بصياغته المتفرّدة
يقضّي بها صحبُ الحسينِ دُجاهمُ دوياً ...
فما أجمل هذه المحاذاة الناقلة لحالة ( دويّ النحل ) لكن آل زرع تعجّل بإلصاق عبارة تشبيهية تُضرّ بجمال ما تقدّم وهي عبارة ( كمن يحصي بجارحة تعبى ) فما علاقة الإحصاء بالجارحة التعبى بحالة العبادة والخشوع التي يؤدّيها الأصحاب في اُفق الإنتظار ، ونلاحظ أيضاً هذا البيت :
وقد قايضوا الارواح بالخلد والظما برشف فِرَنْدٍ ...
فينتقل من الرشف وهو شرب على رقّةٍ للسوائل من المشروبات إلى الاحتساء الذي هو شرب أيضا ولكنّه للأغذية الصلبة التي اُسيلت فتُشرب حارة عادةً ، فدخل البيت إلى منطقة القلق في المعاني بعبارة ( يحتسون بها الصهبا ) فكان الجمال في التصوّر والتأمل لكنّ الألفاظ خانت التعبير.
وكذلك الحال في أكثر من موضع حيث تنقلب الأعجاز على الصدور الجميلة فتخنقها فمثلاً :
على وجلٍ يخفقن من كلِ همسةٍ ...
فأنت الذي في العين يُذكي سناءها ...
ويا مبسماً يحكي شفاه محمد ...
من أين تأتّى لهذا الغرّيد الفذّ أن يكبو هذه الكبوة ؟
في نظري أن آل زرع إختار أن يتحدّى قالباً شعرياً من أعسر القوالب في إختياره بحر الطويل التام وفي إختياره لحرف الباء المفتوح كرويٍّ لقصيدته ، فبحر الطويل التام أطول بحور الشعر العربي قاطبة وخصوصاً في الأعجاز التي يستمرّ الشاعر في النظم عليها إلى نهاية القصيدة ، فعلى الشاعر أن يحشو فيه بكثرة لكي يصل إلى آخره ، فلم يستطع الأفذاذ من شعراء العربية أن يكتبوا به نتاجهم الأفضل منذ إمرئ القيس في :
ألا أنعم صباحاً أيّها الطلل البالي |
وهل ينعمنْ من كان في العصر الخالي ؟ |
وهذا الحكم سائرٌ على القصيدة العربية المنظومة به كقاعدةٍ قابلة للإستثناء.
وإذا أضفنا أن آل زرع إختار حرف الباء المفتوح كرويّ لقافيته فستزداد
الصعوبة ويتعسّر الطلب ، وللشاهد سنذكر قصيدتين كانتا على بحر الطويل التام وزناً وعلى حرف الباء المفتوح رويّاً لنثبت ـ على سبيل المثال ـ ما قدّمنا.
القصيدة الاولى للسيد حيدر الحلي ومطلعها :
لحى الله دهراً لو يميل إلى العتبى |
لأوسعت بعد اليوم مسمعه عتبا |
والقصيدة الثانية للسيد مصطفى جمال الدين بعنوان ( معلّم الأمة ) والتي مطلعها :
جذورُكَ في بغداد ضامئةٌ سغبى |
وظلُّك في طهران يحتضن العربا |
فالمتتبع لنتاج الشاعرَيْن يرى بوضوح أن هاتين القصيدتين ليستا من جيّد شعرهما مما يؤكّد ما ذهبنا اليه في أن الشاعر عبد الكريم آل زرع ركب المركب الصعب.
وعلى قسوة هذه الملاحظات فإنها تشد على يد الشاعر بإخلاص للتأني وعدم العجلة فإن في قصيدته المزيد من الموفقية ولعلي أختم بإبداء إعجابي بأكثر أبيات القصيدة توفيقاً وهو :
لأنَّ مراسيها هواكم ونوركم |
واكسيرها فيض المودّة في القربى |
من الملحمة الحسينية
خطبة الإمام الحسينعليهالسلام في أصحابه مساء يوم التاسع
ولقد قام خاطباً سبطُ طه |
بعَد جمعِ الأصحابِ في كربلاءِ |
|
قال أُثني علىٰ إله البرايا |
شاكراً فضلَه بخيرِ ثَناءِ |
|
وله في البلاء حَمدي وشُكري |
مثل حَمدي له علىٰ السرَّاءِ |
|
وله الحمدُ حين مَنّ علينا |
كرماً في نبوّة الأنبياءِ |
|
وحبانا التفقيه في الدينِ رشداً |
بعدَ تعليمِنا كتابَ السَّماءِ |
|
لم نكن مشركينَ حين اصطفانا |
وهدىٰ للتوحيد خير اهتداءِ |
|
بعد خَلق الأبصارِ والسمعِ منا |
وبناء القلوب خير بناءِ |
|
أُشهد اللهَ ما رأيتُ كصحبي |
أبداً في الولا وصدقِ الوفاءِ |
|
أهل بيتي ولا أبرّ واتقىٰ |
منهمُ ما رأتهُ مقلةُ رائي |
__________________
(1) هو : شاعر أهل البيتعليهمالسلام العلامة الحجة الشيخ عبد المنعم بن الشيخ حسين الفرطوسي ، وفاضل محقق ، ولد في النجف الأشرف عام 1335 ه ، قرأ المقدمات على يد فريق من أرباب الفضيلة وأخذ الفقه والأصول على يد السيد محمد باقر الشخص الأحسائي ، ولازم أخيراً بحث آية الله العظمى المرحوم السيد الخوئيقدسسره ، ومن آثاره العلمية 1 ـ شرح كفاية الأصول ( الجزء الاول ) 2 ـ شرح المكاسب 3 ـ ديوان شعر 4 ـ ملحمة أهل البيت ( وقد تناول فيها سيرة أهل البيتعليهمالسلام ) توفي سنة 1404 ه ودفن في جوار أمير المؤمنينعليهالسلام في النجف الأشرف راجع شُعراء الغري للخاقاني : ج 6 ، ص 3 ـ 7.
ولقد قال مُخبِراً لي بقتلي |
سيّدُ الرُسلِ خَاتمُ السُفرَاءِ |
|
سوف تمضي لكربلاءَ فَتغدو |
بعدَ سَوق لها من الشُهداءِ |
|
وأظنُّ اليومَ الذي فيه نلقىٰ |
هؤلاءِ الخصومَ ليس بنائيِ |
|
فَجُزيتم عنّي بخير جزاءٍ |
في مواساتكم وأسنىٰ حباءِ |
|
لكم قد أذِنتُ طُرّاً فسيروا |
بافتراقٍ عنّي وطولِ تنائي |
|
أبداً ما عليكم من ذمامٍ |
وحقوقٍ تُقضىٰ بوقتِ الأداءِ |
|
جَنَّ هذا الظلامُ فاتّخذوه |
جملاً للنجا وأضفىٰ غشاءِ |
|
وليصاحب مِنْ أهلِ بيتي منكم |
كلُّ شخصٍ شخصاً بخيرِ إخاءِ |
جواب بني هاشم لهعليهالسلام
فأجابَ الحسينَ بَعدَ قيامٍ |
مِنْ بني هاشم أُسودُ الإباء |
|
وأخوه العباسُ يقدمُ فيهم |
وهُمُ خلفَه بخيرِ اقتداء |
|
لمَ يا ابنَ الرسول نفعلُ هذا |
ألنَبْقىٰ وأنتَ رَهنُ الفناء |
|
لا أرانا الإلهُ بَعدكَ هذا |
يا سليلَ النبيّ طولَ البقاء |
|
ورنا قائلاً لآلِ عقيل |
فاذهبوا أنتم بغيرِ جَفاء |
|
قد كُفيتم في قَتل مُسلمَ عمّا |
أنتم فيه أحسنَ الاكتفاء |
|
فأجابوه كيف نذَهبُ عنكم |
بسلامٍ في ساعةِ الابتلاء |
|
أيُّ شيءٍ يقولُه الناسُ عنّا |
ولهم ما نقولُ عندَ اللقاء |
|
إن خذلنا أعمامَنا وتركنا |
شيخَنا وهو خيرةُ الأصفياء |
دون ضربٍ ودونَ طعنٍ ورميٍ |
معهم عندَ ساعةِ الالتقاء |
|
أَمَا واللهِ إنّنا سوف نلقىٰ |
ما تلاقونه بحدٍّ سَواء |
|
ونواسيك بالنفوسِ ونغدو |
لك عندَ الطعانِ خيرَ فداء |
جواب الأنصار لهعليهالسلام
ولقد قال مُسلمٌ ليس نمضي |
أبداً عنكم بيومِ البلاء(1) |
|
وبأي الامورِ نُبدي اعتذاراً |
حينَ نمضي عنكم لربِّ السماء |
|
بعد تركِ الحقِّ العظيمِ علينا |
لك من ربِّنا بدونِ قَضاء |
|
ليس نمضي بدونِ طعنٍ وضربٍ |
في صدور العِدا بأقوىٰ مضاء |
|
ولو انّي فقدتُ كلَّ سلاحٍ |
حينما ألتقي بأهلِ العداء |
|
لقذفتُ العِدا لألقىٰ حِمامي |
دونَكُم بالحجارةِ الصَمَّاء |
|
وسعيدٌ أهابَ كالليث فيهم |
صارخاً في بسالة وضراء(2) |
|
لا نُخلّي عنكم ونذهب حتىٰ |
يعلمَ اللهُ بَعدَ حُسن البلاء |
|
أنّنا كلّنا حفظنا غياباً |
فيكم حقَّ خاتمِ الأنبياء |
|
ولو انّي أُحْرِقْتُ بالنارِ حرقاً |
أنا سبعينَ مرّة باقتفاء |
|
بعد قتلٍ للسيف يتلوه قتلٌ |
وأُذرّىٰ في إثرِها بالهواء |
|
ليس أمضي عنكم وَما هي إلاّ |
قتلةٌ عندَ ساعةِ الالتقاء |
__________________
(1) هو مسلم بن عوسجة.
(2) هوَ سعيد بن عبد الله الحنفي.
بعدها نحنُ بالكرامة نَحظىٰ |
وهي تبقىٰ لنا بدونِ انقضاء |
|
ولقد قال لو قُتلتُ زهيرٌ |
ثم اُحييتُ يا أبا الأزكياء(1) |
|
هكذا ألفُ مرّة بي يجري |
وأنا مُذعِنٌ بِحُكم القضاء |
|
هان هذا عليَّ واللهُ يُنجي |
مِنكُمُ فتيةً كشُهبِ السماء |
|
وجميعُ الأصحابِ أَدْلَوا بقولٍ |
يُشبهُ البعضُ بعضَهُ بجلاء |
|
فجزاهم خَيراً وأثنىٰ عليهم |
بعدَ صدْقِ الولا بخيرِ ثنَاء |
موقف الحضرمي الصادق
وتراءىٰ الإخلاص بابن بشيرٍ |
وهو في مثلِ حالهِ المترائي(2) |
|
حين أوحىٰ وكانَ بعضُ بنيه |
أخبروه عن أسره وهو نائي |
|
قائلاً ما وددتُ أنّيَ أبقىٰ |
وهو يُمسي فِيهم من الأسراء |
|
وأجابَ الحسينُ أنت بحلٍّ |
من ذمامي فاذهب لبذلِ الفداء |
|
قال واللهِ لَستُ أذهبُ عنكُم |
حين يَغدو في شدّةٍ أو رخاء |
|
قال هذي الثيابُ خُذها وارسل |
عنك للريّ صنوَهُ في الإخاء |
|
ساعياً بالفكاكِ وهي تُساوي |
ألفُ دينار ساعةَ الإفتداء |
|
وهو أوحىٰ لصحبه حين أبدىٰ |
غامضَ السرِّ مِنْ ضميرِ الخَفاء |
|
إنّكم تُقتلونَ حتىٰ رَضيعي |
وأنا في غدٍ بغيرِ امتراء |
__________________
(1) هو : زهير بن القين.
(2) هو : محمد بن بشير الحضرمي.
دونَ زين العبّادِ يَحفظ منّي |
فيه نسلَ الأئمةِ الامُناء |
|
فأجَابوهُ نَحمدُ اللهَ شُكراً |
وامتناناً علىٰ عظيمِ العَطاء |
|
إذ حبانا فضلَ الشهادةِ فوزاً |
معَكُم في كرامةٍ وعُلاء |
|
أفلا ترتضي بأنّا سنغدو |
معَكُم في منازلِ السُعداء |
الإمام الحسينعليهالسلام يُري أصحابه منازلهم
في الجنّة
وأراهم وقد رأىٰ الصدقَ منهُم |
في الموالاةِ بعد كشفِ الغطاء |
|
ما لهم من منازلٍ قد أُعدت |
في جنانِ الخلودِ يومَ الجزاء |
|
ولعمري وليس ذا بعسيرٍ |
أو غريبٍ من سيّدِ الشُهداء |
|
فلقد أطْلعَ الكليمُ عليها |
منهمُ كلَّ ساحرٍ بجلاء |
|
حينما آمنوا بما جاء فيه |
عند إبطال سحرهمْ والرياء |
|
بعد خوفٍ من آل فرعون مُردٍ |
لهم منذرٍ بسوءِ البلاء |
|
فأراهُم منازلَ الخيرِ زُلفىً |
وثواباً في جنّة الأتقياء |
|
لازديادِ اليقينِ بالحقّ فيهم |
بعد دحضٍ للشكّ والإفتراء |
|
وثَباتاً منهم علىٰ الدينِ فيما |
شَاهدوه مِن عالمَ الإرتقاء |
ليلة الوداع
هذه ليلةُ الوداعِ وهذا |
آخرُ العهدِ منهم باللّقاء |
عَمّرُوها من التقىٰ فأماتوا |
شهواتِ النفوسِ بالإحياء |
|
يومَ باتوا علىٰ هدىٰ صلواتٍ |
بين خوفٍ من ربهِم ورجاء |
|
كدويِّ النحلِ ابتهالاً ونجوىً |
لهُمُ في غياهبِ الظلماء |
|
وهُمُ بينَ راكعٍ بخضوعٍ |
وخشوعٍ وضارعٍ في دُعاء |
|
يتهادَون والهدايا تحايا |
بُشرياتٍ بغبطةٍ وَهناء |
|
هذه الجنّةُ التي قد أُعدّتْ |
تتراءىٰ لأُعين الشُهداء |
|
لم تكن غيرَ ساعةٍ هي فصلٌ |
بين أُخرىٰ الهنا ودُنيا الشقاء |
|
ثم تحظىٰ بخيرِ فوزٍ ونعمىٰ |
بعد مأوىٰ لجنّةِ الأتقياء |
|
وبنو هاشمٍ نطاقُ عيونٍ |
مستديرٌ علىٰ خيامِ النساء |
|
وأبو الفضلِ فارسُ الجمع ترنو |
مقلتاهُ لمقُلةِ الحوراء |
الاستعداد للحرب
ولقد قاربوا الخيامَ جميعاً |
دونَ بُعدٍ ما بينها وتنائي |
|
واُحيطت في خَندق ملأوهُ |
حطباً حولهَا بخيرِ امتلاء |
|
ليشبّوا يومَ الوغىٰ فيه ناراً |
فيكونَ القتالَ عند اللقاء |
|
حينما يحملونَ فيه لوجهٍ |
واحدٍ دونَ سائرِ الأنحاء |
|
كلُّ هذا قد كان منهم بأمرٍ |
أخذوه عن سيّدِ الشهداء |
كلام الحسينعليهالسلام مع نافع
وتهادىٰ سبطُ النبوّةِ ليلاً |
لاختبار الرُبىٰ بظلِّ الخفاء |
|
حذراً أن تكونَ دون اختبارٍ |
مكمَناً للعدا وخيرِ وقاء |
|
ورأىٰ نافعٌ إمامَ البرايا |
خارجاً في غياهبِ الظلماء |
|
فاقتفىٰ إثرَهُ احتفاظاً عليه |
خيفةً من غوائلِ الأعداء |
|
فرنا قائلاً : أنافُع هذا |
ما الذي جاء فيكَ بعدَ العشاء |
|
قلتُ يا سيّدي خروجُك ليلاً |
لثنايا مُعسكرِ الخُصَماء |
|
قال فاسُلكْ ما بينَ تلك الروابي |
وانجُ بالنفس من عظيم البلاء |
|
هي واللهِ ليلةُ الوعد صدقاً |
وهو وعدٌ خلوٌ من الافتراء |
|
قلتُ واللهِ ما أنا عنكَ ماضٍ |
قطّ حتىٰ أذوقَ كأسَ الفناء |
|
فَرسي هَذهِ بألفٍ وسيفي |
مثلُها سيّدي بحدٍّ سواء |
|
لستُ أنأىٰ حتّىٰ يَكِلاّ بفريٍ |
وبجريٍ منّي بأيّ تنائي |
حبيب والأصحاب أمام خيمة النساء
وسمعتُ الحوراءَ حينَ توارىٰ |
وأنا واقفٌ أمامَ الخباء |
|
تَتناجىٰ معَ الحسينِ وقالت |
وهي تبكي يا سيّدَ الشُهداء |
|
هل تبيّنتَ وابتليتَ النوايا |
من جميعِ الأصحابِ خيرَ ابتلاء |
إنّ طعمَ الحِمام مُرٌّ وأخشىٰ |
أنا أن يُسلموك دونَ عناء |
|
عندَ وقتِ اصطكاكِ كلّ سنانٍ |
بسنانٍ في وثبةٍ شعواء |
|
قال جرّبتُهم فلم أر إلاّ |
أشوساً أقعساً شديدَ المضاء |
|
وهُمُ يأنسونَ بالموت دوني |
رغباً في مسرّةٍ وهناء |
|
مثلما في محالب الأمِّ شوقاً |
يأنسُ الطفلُ عند وقت الغذاء |
|
قلت إي والإله وانصعتُ أسعىٰ |
لحبيبٍ في حَسرةٍ ورثاء |
|
قلتُ هذا جرىٰ فهلاّ تُنادي |
كلَّ أصحابنا بخير نداء |
|
قال سمعاً وطاعةً ودعاهُم |
يا ليوثَ الهيجا بخيرِ دُعاء |
|
فأجابوا لبّيكَ حينَ تجلَّوا |
كأُسودِ الشرىٰ وشُهب السماء |
|
قال ردّوا فلا سهرتُم عُيوناً |
لبني هاشمٍ عيونُ العلاء |
|
وحكىٰ للصحاب ما قد حكاهُ |
نافعٌ عندَ ساعةِ الإبتداء |
|
فأجابوه كلُّهم لو أَتَتنا |
ساعةُ الإذنِ من أبي الأزكياء |
|
لبدأناهُمُ جميعاً عُجالاً |
نَحنُ بالحرب دونَ أيّ رخاء |
|
قال سيروا معي وكان أمامَ الصَحب |
يَسري عَدْواً وهُم من ورَاء |
|
وهُمُ يَهرعونَ جنباً لجنبٍ |
وَجثوا قرب خيمة الحوراء |
|
وحبيبُ نادىٰ فنادوَاوا جميعاً |
يا كريماتِ خاتم الأنبياء |
|
هذهِ هذهِ السيوفُ المواضي |
من جميعِ الغُلمان والأولياء |
|
قد أصرّوا طُرّاً بأن يُغمدُوها |
في نَحور العدا بيوم اللقاء |
|
والعوالي آلوا بأن يركزُوها |
دونَكُم في صدورِ أهل العِداء |
|
سوفَ نفديكم بكلِّ نفيسٍ |
ونفوسٍ مخلوقةٍ للفداء |
لن تُصابوا ونحنُ تَطرفُ فينا |
مقلةٌ قطّ بالأذىٰ والعَناء |
|
لا نرى منكُمُ قتيلاً وفينا |
رَمقٌ مِن نوابض الأحياء |
|
فتعالىٰ من النساء صُراخٌ |
ضجّ منه بالنوحِ كلُّ فناء |
|
دافعوا عن بناتِ طهِ وحاموا |
غيرةً عن حرائرِ الزهراء |
|
فعراهُم من النحيبِ دوّيٌ |
طَبّقَ الأفقَ مِن رحيبِ الفضاء |
الإمام الحسين والحوراء زينبعليهماالسلام
وعليُّ السجادِ أنبأ فيها |
بحديثٍ عن سيّد الشُهداء |
|
قد رأيتُ الحسينَ يُصلحُ سَيفاً |
بينَ كفيّهِ تحتَ ظل الخباء |
|
وهو يَتلو يا دهرُ كم لك غدراً |
من قتيلٍ مُضرّجٍ بالدماء |
|
لك أُفٍّ علىٰ مرور الليالي |
من خليلٍ مُولّعٍ بالجفاء |
|
فَتفهّمتُ ما أرادَ بهذا |
وتيقّنتُ في وقوع البلاء |
|
وأتت عمّتي وقد سمعتْها |
من أخيها تجُرّ ذيلَ الرداء |
|
وهيَ تدعو بالثّكل ليت حياتي |
قبل هذا قد اُعدمَتْ بالفناء |
|
يا ثمال الباقين من أهل بيتي |
ولمن غاب خيرة الخلفاء |
|
هكذا يا أُخيُّ يُصنَعُ ظُلماً |
بكَ منهم يا نبعةَ الأصفياء |
|
قال لا يذهبنّ في حلمك الشيطانُ |
طيشاً أُختاه دون ارعواء |
|
وتَعزِّ استكانةَ واصطباراً |
بعزاءِ الرحمن خيرَ عزاء |
|
ليس يبقىٰ أهلُ السماء وأهلُ |
الأرض يُفنونَ مثلَ أهل السماء |
ولنا اسوةٌ وخيرُ عزاءٍ |
بالمنايا في خاتم الأنبياء |
|
وبكى رقّةً عليها وحزناً |
حينَ أهوت من غشية الإغـماء |
|
قال فاربط أمناً علىٰ القلبِ منها |
منكَ بالصبر يا إلهَ العطاء |
|
وهو أوصىٰ إلىٰ العقيلة جهراً |
ولزين العُبّادِ تحت الخفاء |
|
فهي تعطي الأحكامَ للناس فتوىً |
بعد أخذٍ من زينة الأولياء |
|
كلُّ هذا ستراً عليه وحفظاً |
لعليٍّ من أعيُنِ الرُقَباء |
الإمام الحسينعليهالسلام يرىٰ جده في الرُؤيا
ورأى جدَّه فأوحىٰ اليه |
قد تدانىٰ ميعادُ يومِ اللقاء |
|
سيكونُ الإفطارُ منك بحقٍّ |
في غدٍ عندنا بوقت المساء |
|
بك أهلُ الجنان زادوا ابتشاراً |
والصفيحُ الأعلىٰ بأصفىٰ هناء(1) |
|
ولقد جاء من إله البرايا |
مَلَكٌ من أكارم الاُمناء |
|
ليصون الدماءَ منكَ احتفاظاً |
بين جنَبيْ قارورةٍ خضراء |
__________________
(1) الصفيح : السماء.
برير وعبد الرحمن
قال عبد الرحمن حُبّاً ونُصحاً |
لبريرٍ بدون أيِّ جفاء(1) |
|
حينما هازلَ ابتهاجاً وبُشراً |
شخصَه في تَحبُّبٍ وإخاء |
|
ليس هذي بساعةٍ يعتريها |
باطلٌ دونَ ريبةٍ وامتراء |
|
قال واللهِ ما ودَدتُ اشتياقاً |
أبداً كلَّ باطلٍ ورياء |
|
طولَ عُمري طفلاً وكهلاً وقومي |
لي بهذا من خيرةِ الشُهداء |
|
غير أنّي مُستبشرُ النفسِ فيما |
سوف نلقاهُ من نعيم البقاء |
|
ليس إلاّ بأن يَميلوا علينا |
بالمواضي في ساعة الإلتقاء |
|
ثم إنّا نعانقُ الحورَ فوزاً |
بعدَ هذا في جَنّة السُعداء |
|
وحبيبٌ عندَ التبسُّم أوحىٰ |
ليزيدٍ هذا بحدٍ سواء(2) |
|
لو أتاني إذنُ الحسين لعجّلتُ |
عليهم مِنْ ساعتي باللقاء(3) |
__________________
(1) عبد الرحمن الأنصاري وبرير بن خضير الهمداني.
(2) يزيد بن الحصين الهمداني.
(3) ملحمة أهل البيتعليهمالسلام للشيخ الفرطوسي : ج 3 ص 288 ـ 296.
الشيخ عبدالمنعم الفرطوسي
ليس هناك في التأريخ البشري ـ حسب علمنا ـ قصيدة أو منظومة أو ملحمة شعريّة نظمت من بحر واحد وقافية واحدة ورويٍّ واحد واجتاز طولها آلاف الأبيات مثل ( ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ) التي نظمها الشيخ عبد المنعم الفرطوسي ولا أدري إن كان ما يسمىٰ في الغرب بكتب الارقام القياسية قد وصلته هذه المعلومة أم إنها قد طويت جهلاً أو تبخيساً مثل كلّ الإنجازات الخارقة والأعمال الباهرة التي لا يُلتفت أليها عمداً وقصداً.
فهذه الملحمة ـ ان صحّ التعبير ـ ماراثون طويل بنفسٍ واحد وبخطوةٍ متكررة واحدة وبحركةٍ حثيثة واحدة ويكفي الشيخ الفرطوسي فخراً أنه أطالها وتجاوز في إطالتها ولو لم يكن له منها إلا هذا الطول لكفاه.
أما ما يخصّ ليلة عاشوراء فلدينا 157 بيتاً من الملحمة توثّق كلّ ما جرىٰ في هذه الليلة العظيمة علىٰ طريقة المنظومات مع حساب الفارق فالنظم هنا على بحر مركّب التفعيلات هو بحر الخفيف وليس بحر الرجز السهل النظم ـ فالعرب تسمّيه حمار الشعر وتسمّي من ينظم فيه راجزاً لا شاعراً تفريقاً ـ إضافة إلىٰ القافية الموحّدة في ملحة الفرطوسي وهي غير قوافي المزدوجات السهلة اليسيرة.
الغد الدامي
في غدٍ يشرق الصباح مدمىً |
وعلى الترب أنجمٌ مُطفآتُ |
|
واشتعال الرمال يلهب أفقاً |
أجّجته ضغائن وهناتُ |
|
والمدى الرحب خلفه يتوارى |
فيه غابت شموسه النيّراتُ |
|
وجفون السماء تقطر دمعاً |
سكبته عيونُها الباكياتُ |
|
علّها تُطفئ اللظي بزلال |
وعلىٰ الأرض أكبدٌ ظامئاتُ |
|
أغلقت دونها الينابيع عذباً |
بعدما شحّ بالرواء الفراتُ |
|
أيبس الطفّ والقلوب جفافٌ |
ونفوسٌ عن الرؤىٰ مجدباتُ |
|
لن ترى غير مقتل الحق نصراً |
فهي في صحوة الحياة سباتُ |
|
غادرت يقظة الضمائر موتىٰ |
فتعرّت أشلاؤها الصدئاتُ |
|
رسمت لوحة الخطيئة بحراً |
من جحيمٍ وعمقه الظلماتُ |
|
أبحرت فيه والمتاه دليلٌ |
مزّقتها عواصفٌ مهلكاتُ |
__________________
(1) هو : الشاعر الأستاذ عبّود الأحمد النجفي ، ولد في النجف الاشرف سنة 1367 ه ، أكمل الدراسة الثانوية واتّجه بعدها للعمل الحر ، مارس كتابة الشعر الشعبي ثم الشعر العمودي والحر قبل الثمانينات ، عمل في مؤسسات تحقيقية ، وشارك في عدة ندوات أدبية وأمسيات شعرية ، أصدر مجموعة شعرية بعنوان ( اهتزاز الذاكرة ) عام 1417 ه.
نبذت قبر عريها كلّ أرضٍ |
فهي في رقدة العذاب شتاتُ |
|
في غدٍ تملأ الشعاب صبايا |
ونساءٌ فواجعٌ ثا كلاتُ |
|
أثقلتها مصائبٌ ورزايا |
غاب عنها أعزّةٌ وحماةُ |
|
طاردتها شمس الظهيرة جوّاً |
وقفارٌ تحت الخطى مسعراتُ |
|
خلفها يُشعل الخيامَ ضرامٌ |
حاط فيها توحّشٌ وقساةُ |
|
وخيول الأعداء تطحن صدراً |
وضلوعاً تهفو لها الكائناتُ |
|
جسدٌ ضمَّ في ثناياهُ كوناً |
يتسامى وفيضُهُ المكرماتُ |
|
عانقَ الموتَ والشهادةَ شوقاً |
فجنانٌ لشوقهِ عاشقاتُ |
|
ووحيداً يُلقّن الحشدَ درساً |
بثباتٍ يحارُ فيه الثباتُ |
|
حوله من بنيه والصحب جمعٌ |
جمعتهم مواقفٌ خالداتُ |
|
وقفوا وقفةَ الإباء بحزمٍ |
وسيوفٍ تهاب منها الكُماةُ |
|
سطّروا صفحةَ الوفاء وساروا |
بطريقٍ تهيم فيه الأباةُ |
|
فإلى الخلد أنفسٌ تتعالى |
وعلى الرمل أبدنٌ زاكياتُ |
|
سال منها دمُ الحياة نديّاً |
بربيع الجراح تَحيى المواتُ |
* * *
في غدٍ يرحل الزمان مجّداً |
وتباريُ أيامَه اللحظاتُ |
|
وإلى الشام يستحثّ مسيراً |
وإلى الشام تنتهي الخطواتُ |
|
فعلى الرمح ثورةٌ رؤوسٌ |
وعلى النوق أنفسٌ حائراتُ |
سوف تجتاح في غدٍ معقل الظلم |
وتنهار أعرشٌ نكراتُ |
|
وستبقى الدماءُ ما دام فيها |
صحوةُ الدين والفدا والعظاتُ |
|
وستبقى الدماء أغلى وجوداً |
من حياةٍ يعيش فيها الجناةُ |
|
ينحني السيفُ خاشعاً وذليلاً |
وخضوعاً ستركع المرهفاتُ |
|
حين أعطت قيادها للئامٍ |
ثم أودت بعزّها عثراتُ |
|
فاستحقّت مدى الزمان عتاباً |
وتنامت بفعلها النائباتُ |
عبّود الأحمد النجفي 1 / 11 / 1417 ه |
الأستاذ عبّود الأحمد النجفي
عبّود الأحمد النجفي شاعرٌ يصارع الألم ولايزال في تفاصيل حياته ، فلذا يتبدّى ولاؤه للمأساة الحسينية في أشكال ذاتية يتحسّسها بقربٍ روحي عميق ، وإذا أضفنا إلى ذلك تمرّسه في الكتابة باللهجة المحلية للمنبر الحسيني لسنين طويلة فسوف تختمر تجربته وتتصاعد ، فلا غرو أن تستجيب شاعريّته لموضوعةٍ محدّدة التفاصيل مثل ليلة عاشوراء ليصوّرها من أفق الانتظار :
في غدٍ يشرق الصباح مدمّى |
وعلى الترب أنجمٌ مطفآتُ |
ليُصوّر الغد الدامي بتجربةٍ مبتورة إذا نظرنا إلى بقية شعره ، فأنا قد لاحظت قبلاً على النجفي سمة الإرتقاء الشعري من قصيدة إلى أخرى لكنّه في هذه المحطة لم يقلْ ما تريده حصيلته الشعرية المتصاعدة ولا أعلم سبباً وجيهاً لهذا النكوص ، فالنجفي لا تضغط على شاعريته المناسبة فهو من فرسانها المجلّين مع ثُلّة من إخوانه من شعراء الولاء ، لكنّه بدأ مع تراكم تجربته في الكتابة بالتوجه إلى منحى آخر في التأمّل والرؤيا الشعرية ازدانت به مجموعته ـ اهتزاز الذاكرة ـ مما أثرى تجربته بارتياد مناطق كانت مجهولة لديه وانفتح عليها نبوغه وتطلّعه ولعلي أصيب حين أسميّه بالنابغة النجفي تيمّناً بنوابغ الشعر العربي الأصيل ، فعبّود الأحمد النجفي كتب الشعر الفصيح متأخراً فتصحّ عليه هذه التسمية ولعله يقبلها برحابة صدره المعهودة.
العزمات الصادقة
فلما رأى أن لا مناص من الردى |
وإنّ مراد القوم منه كبيرُ |
|
فقال لأهليه وباقي صحبه |
ألا إنّ لبثي فيكمُ ليسيرُ |
|
عليكم بهذا الليل فاستتروا به |
وقوموا وجدّوا في الظلام وسيروا |
|
ويأخذ كلُّ منكم يدَ واحدٍ |
من الآن واخفوا في البلاد وغوروا |
|
فما بُغيةُ الأرجاس غيري وخالقي |
على كلّ شيءٍ يبتغيه قديرُ |
|
فقالوا معاذَ الله نسلمُكَ للعدى |
وتُضفى علينا للحياة ستورُ |
|
فأيُّ حياة بعد فقدك نرتجي |
وأيُّ فؤادٍ يعتريه سرورُ |
|
ولكن نقي عنك الردى بسيوفنا |
لتحظى بنا دارُ النعيم وحورُ |
|
فقال جُزيتم كلّ خيرٍ فأنتمُ |
لكلّ الورى يوم القيامة نورُ |
|
فأصبح يدعو هل مغيثٌ يُغيثُنا |
فقلّ مُجيبوه وعزّ نصيرُ |
|
ولم تبقَ إلا عصبةٌ علويةٌ |
لهم عزماتٌ ما بهنَّ قصورُ |
|
ولمّا شبت نار الحروب وأضرمت |
وقتْ نفسَه هامٌ لهم ونحورُ |
|
ولم أنسه يوم الهياج كأنّهُ |
هزبرٌ له وقعُ السيوف زئيرُ |
|
يكرُّ عليهم والحسام بكفّهِ |
فلم يرَ إلا صارخٌ وعفيرُ |
|
وراح إلى نحو الخيام مودعاً |
يُهمهمُ بالقرآن حيثُ يسيرُ |
فقمن إليه الفاطميات حُسَّراً |
يفدّينه والمعولات كثيرُ |
|
فقال استعينوا بالإله فإنَّه |
عليمٌ بما يُخفي العباد بصيرُ |
|
ألا لاتشقّنَّ الجيوب ولا يُرى |
لكُنَّ عويلٌ إنَّ ذاك غرورُ |
|
ألم تعلمي يا أختُ إنَّ جميعَ من |
على الأرض كلٌ للمماتِ يصيرُ |
|
عليك بزين العابدين فإنّه |
إمامكِ بل للمؤمنين أميرُ |
|
أطيعي له إنْ قال مولىً فإنَّه |
المطاعُ بأحكام الكتاب خبيرُ(1) |
__________________
(1) المنتخب للطريحي : ص 121 ـ 122.
حديث النجوم
أغسلي يا نجومُ عن سأم اللي |
ل جفونَ الحسينِ والأصحابِ |
|
وَدّعي ذلك الزعيمَ ودمعاً |
ذابَ فيه طبعُ انكسارِ السحابِ |
|
دمعةٌ منه أنبتتْ للملايي |
ن حِراباً من سُنّةٍ وكتابِ |
|
ودّعيه دماً تأهّب في الأق |
داح كيما يُراق في الأكوابِ |
|
دمُه صبغة السماءِ وأين الس |
يفُ منه وهو انتماء التُرابِ |
* * *
حدّثي يا نجومُ عن خيم الوح |
ي ودمعٍ من زينبٍ سَكّابِ |
|
ليلُها أين ليلُها ؟! نسيتْهُ |
نسيتْ صمتَه انتظارَ العذابِ |
|
حولهَا من خواطر الظمأ المرِّ |
ضبابٌ في عُتمةٍ من ضبابِ |
__________________
(1) هو : الشاعر فضيلة الشيخ علي بن عبد الله الفَرَج ، ولد في القديح إحدى مناطق القطيف سنة 1391 ه ، انهى المرحلة الثانوية ثم التحق بالحوزة العلمية في النجف الأشرف سنة 1410 ه ثم درس شطراً في سوريا سنة 1412 ه وأخيراً التحق بالحوزة العلمية في قم المقدسة سنة 1416 ه ، ولا يزال يواصل دراسته العلمية فيها ، وله ديوان شعر : أصداء النغم المسافر ، وكتابات اُخرى ، وله مشاركات في النوادي الأدبية والثقافية في القطيف وسوريا وقم المقدسة.
قسماً لو جرى الفرات وريداً |
في دماها كسلسلٍ مُنسابِ |
|
هَدَرتهُ ماءً فتجتمع الأط |
فال ، فيه تعود ملأى القرابِ |
* * *
حدّثيني عن الاُسود كم امتدَّ |
بهم للسما خيوطُ انتسابِ |
|
زرعوا الليل أعيناً تحرس الغا |
ب كَسربٍ من الردى جوّابِ |
|
أنت يا ليلة انخساف المرايا |
في وجوه السنين والأحقاب |
|
غُرست فيك آهتي واحتضاري |
ونمت فيك صرختي واغترابي |
|
عجبٌ أن أراك سوداءَ والشم |
س بجنبَيكِ معبدُ الأهداب |
|
عجبٌ أن أرى لديك ( دويَّ الن |
حل ) يهتزُّ من أُسود الغاب |
|
سهروا بين جانحيك جبالاً |
وغدوا فوق راحتيك روابي |
* * *
حدّثيني عن الظلام وما احمرَّ |
بأعماقه من الأرهاب |
|
ضاع في رُعبه أنينُ يتامى ال |
غد ضاعت مباسمُ الأحباب |
|
وفؤاد الحسين ذاب حناناً |
وعجيبٌ يذوب فوق الحرابِ |
على الفَرَج 10 / 11 / 1416 ه قم المقدسة |
الشيخ علي الفرج
شاعريّة علي الفرج من الشاعريات القليلة التي تُجبر متلقّيها على الإقرار بضرورة الشعر في حياة الإنسان وتجعله متقرّباً بأكثر من وسيلة إلى التفاعل والإنصهار مع الظواهر الشعرية في كل تجلّياتها وكشوفها فهو حدّاءٌ أصيل يراقب قافلة التلقّي والقراءة بأكثر من حاسّة ويحنو على قارئه حنوّ المشفق ، فيُصاحبه صحبة إدهاشٍ وإبهار بسحر الألفاظ المنتقاة وجمال صياغته للتراكيب الموحية وهو يفعل هذا برقّة وشفافية تنمّ عن طبع شعري متجذّر وخُلق فنّي راسخ ، بعيداً عن دنس تنفير الآخرين وازدرائهم ومقتهم.
فشاعريته بها نزوعٌ نحو التلاحم مع الناس بطيبةٍ صادقة ونيّة حسنة ليقرّر رسالة الشعر ووظيفته كنداءٍ من ضميرٍ ووجدان جماعيٍّ يعبّر عن كل الآمال وجميع الآلام ، ولذا فهو يمتلك من إمكانات الإختيار في خطابه الشعري الشيء الكثير ، وله قدرةٌ متشعّبة في توليد التراكيب غير النمطيّة يعاضده إنتقاء واعٍ لألفاظه ، فلا تستطيع أيّة لفظة كانت أن تعبر سياج حقوله الشعرية بلا إذنٍ من رقابته الصارمه وتفحّصه الدؤوب ، ولا شكّ أنّ البساطة التي تظهر بسيولة في شعره هي بساطة مصنوعة بتعب وإخلاص وتفانِ وهناك جهدٌ آخر يقوم به الفرج في إخفائه لآثار الصنعة في بساطة شعره وعذوبته وسيولته ، ولعل السيولة أقرب إليه من غيرها فهو شاعر الماء بحقٍّ وهو ( نهّام ) يؤدّي مواويله البحرية لكي يدفع عجلة الحياة ، وإذا تسنّى للفحص والإختبار النقدي أن يولي قصيدة ( حديث النجوم ) إهتمامه فسوف
يتأكّد رسوخ الصور والألفاظ والتراكيب المائية في نسيج القصيدة ، وربّما تجاوز الماء إلى كلّ الظواهر والأشياء السائلة بحيث نرى أنه لا يكاد أن يخلو بيتٌ شعريٌّ للشيخ علي الفرج من ذلك ، وسنحصي ذلك بالترتيب في قصيدته ( اغسلي ، دمعاً ، ذاب ، السحاب ، دمعة ، دماً ، الأقداح ، يُراق ، الأكواب ، دمه ، سكّاب ، الظمأ ، ضباب ، جرى ، الفرات ، وريداً ، دماها ، سلسل ، منساب ، ماء ، ملأى ، القراب ) في الأبيات العشرة الاولى فيحقّق انسيابية سيّالة لرؤاه وصوره لكي يشكّل مدخلاً إلى مشهد الفجيعة الذي يتعمّد فيه الشاعر عدم استخدام مفرداته المائية ليصوّر ليلة عاشوراء ويخاطبها واصفاً إياها بليلة انخساف المرايا فلا انعكاس أمام وجه الزمن لكن الشاعر يخرج من هذا المشهد وينهي القصيدة بهذا البيت :
وفؤاد الحسين ذاب حناناً |
وعجيب يذوب فوق الحراب |
فحتى الشهادة العظيمة لسيد الشهداءعليهالسلام يصوّرها الفرج بصورة الذوبان فوق الحراب مبدياً عجبه لذلك ، لكنّنا لا نعجب فالشاعر يريد للشهادة المحبّبة إلى نفسه أن تتزيىّ بحلّة الماء الذي يحقق حيويّةَ شاعريّةِ علي الفرج المنفتحة على مصاديق الآية الكريمة( وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) على مستويين : شعوريّ يصاحبه الإختيار الواعي ، ولا شعوري دفين في رغبات وأماني الشيخ علي الفرج الذي يختار لقصائده أوزاناً منسابة برشاقة الإيقاع الشعري كبحريّ الخفيف والبسيط اللذين طالما كتب بهما أجمل قصائده.
(1)
مشيئة الدم
عليه اُغمضُ روحي ـ حلمَه العجبا ـ ! |
فكيف فرَّ إلى عينيَّ مُنسربا |
|
ومن أضاءَ له حُزني فغادَرَهُ |
إلى فضاءٍ قصيّ اللمح فاقتربا ! |
|
حتى تسلّل من حُبٍّ ومن وجعٍ |
دمعاً يُطهّر نبعَ القلب لا الهدبا |
|
رأيتُ فيما رأيتُ الدهشة انكسرت |
وخضّبت جسداً للمستحيل كبا |
|
وكأن يَلقى سيوفَ الليل منصلتاً |
ويستفزُّ مُدىً مجنونة وظبى |
|
وكان يعبر في أشفارها فزعاً |
مُرّاً ، وترتدُّ عن أوداجه رعُبا ! |
|
تمتدُّ لهفتها حيرى فيُسلمُها |
إلى ضلوع تشظّت تحتها نهبا |
|
مَنْ ينحرِ الماء مَنْ يخنقْ شواطئه ؟ |
والنهر مدَّ يديه نحوه وأبى ! |
|
فناولني دمَهُ يا ليلة عبرت |
إلى النزيف جريح الخطو منسكبا |
* * *
__________________
(1) هو : الشاعر الأستاذ فرات الأسدي ، ولد سنة 1380 ه ، من عائلة علمية معروفة ، أنهى شطراً من الدراسة الاكاديمية ودرس عدة مراحل في الحوزة العلمية ، ومن نتاجه الأدبي 1 ـ ذاكرة الصمت والعطش ( مطبوع ) 2 ـ صدقت الغربة يا ابراهيم 3 ـ النهر وجهك 4 ـ الخناجر الميتة ( رواية ) ، وله مساهمات فعالة في النوادي الأدبية والثقافية والدينية ، كما شارك في الصحافة والكتابة الأدبية ، ويدير الآن دار الأدب الاسلامي : مشروع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته في الشعر العربي.
يا نافراً مثل وجه الحلم رُدَّ دمي |
إلى هواكَ دمي الممهور ما اغتربا |
|
يطلُّ ظلُّك فيه بوحَ اُغنيةٍ |
ظمآنةٍ عبَّ منها لحنُها اللهبا |
|
رأيتُ فيما رأيتُ الليلَ متّشحاً |
عباءةَ الشمس مختالاً بها طربا |
|
وفوق أكتافِه فجرُ النعوش هوتْ |
نجومُه والمدى يرتجُّ منتحبا |
|
قبلَ الحرائق كأن الورد يُشبههُ |
وبَعدَهُ لرماد الريح صار سِبا |
|
قبلَ الفجيعة من لون الفرات لهُ |
شكلٌ ، ومن طينهِ وجهٌ يفيض صبا |
|
وبعدها سقطتْ في النار خضرته |
وحال عن بهجة مسحورة ، حطبا |
|
وما تألقَ من جمرٍ فبسمتهُ |
غارتْ ، وتحت رمادٍ باردٍ شحبا ! |
* * *
وأنتَ ، دون عزيف الموت ، صرختُنا |
وأنتَ تنفخ فيها صوتها نسبا |
|
وأنتَ عندكَ مجدُ الله آيتهُ |
بيارقاً نسَلَتْ جرّارةً حقبا |
|
وأنت تلوي عنان الأرض ثمّ إلى |
أقدارها تُطلقُ الأقدار والشُهبا |
|
وعند جرحكَ ماتَ الموتُ وانبجست |
من الصهيل خيولٌ تنهَبُ الصخَبا |
|
فاحملْ دمَ الكوكب الغضّ الذبيح وسر |
إلى الخلود فقد أرهقتَه نصَبا |
|
وقفْ فحيثُ مدار الكون صرتَ له |
مشيئةً تكتب التاريخ ، أو قُطُبا |
فرات الأسدي 8 / ذو القعدة / 1416 ه |
الأستاذ فرات الاسدي
مشيئة الدم
قصيدةٌ عمودية في ظاهرها فقط ، أما جّوها وبناؤها ولغتها وصورها وتراكيب جملها فهي برزخية الإنتماء تتقاطع مع التراث والمعاصرة في مفترقات وملتقيات عدّة لتبرز هويّتها غير المنحازة وغير المتعيّنة على وجه الدقة ، وهي قصيدة خروجٍ على السائد في كل محاورها وخصوصاً على الثوابت النحوية ـ التي لفرات الأسدي رسوخ طويل بها ـ فهي تقفز منذ صدر البيت الاول فوق المعايير لتُلجئ المتلقّي إلى التأويل والتمحّل لما هو بين شارحتين ـ حلمه العجبا ـ ويتأكد هذا القفز فوق الثوابت النحوية في مشاكساتٍ ومحاولاتٍ للخروج الواعي أو هي على الأقل إشعار بذلك ، مما يُنبئ أن الشاعر يضيق ذرعاً بالمعيارية التي تمتدّ ضاغطةً على الرؤى غير المتشكّلة بعد ، وعلى القواعد التي تحاصر فضاءه وهو ( فضاء قصّي اللمح ) فهو يفرض الحيرة على المتلقي مثلاً في
مَن ينحرِ الماء مَنْ يَخنُقْ شواطئه ؟ |
والنهر مدّ يديه نحوه وأبى |
فهل ( من ) إستفهامية أم شرطية وكيف جزمت الفعلين ؟ إن التعمّد والقصديّة واضحان في التجاوز ونُضيف إلى ذلك ما يمكن أن نسميّه ب ( إزدحام الأفعال ) كظاهرةٍ بارزةٍ في القصيدة حتى وصل عدد الأفعال المستخدمة في بيتٍ واحد إلى خمسة أفعال :
رأيتُ فيما رأيت الدهشة إنكسرتْ |
وخضّبت جسداً للمستحيل كبا |
ولأن الفعل في العربية ـ غالباً ـ ما يشكّل بدايات الجمل فهذا البيت يطالب ذهن المتلقي أن يقف خمس وقفات ليبتدأ من إنطلاقات الجمل فيحتاج إلى تأمّلٍ أكثر ووقتٍ أطول فتتعدّد المفاتيح الباحثة عن أبواب النص وهناك لدى فرات الأسدي ظاهرة نحوية اخرى يتعمّدها في نصّه وهي حشد الضمائر المتصلة فعلى إمتداد (22) بيتاً هناك (53) ضميراً متّصلاً على الأقل بحيث تعسر الإحالة ويصعب الإرجاع وسنرى هذا المثال :
وكان يلقى سيوف الليل منصلتاً |
ويستفزّ مُدىً مجنونة وظُبى |
|
وكان يعبر في أشفارها فزعاً |
مرّاً وترتدّ عن أوداجه رعُبا |
|
تمتدّ لهفتها حيرى فيسلمها |
الى ضلوع تشظّت تحتها نهَبا |
فاذا أردنا معرفة عائدية الضمير ( ها ) المتصل بالفعل ( يسلم ) فلن يسهل ذلك ، لانه قابل للإحالة إلى ( اللهفة ، الأشفار ، الظُبى ، المُدى ، سيوف الليل ) وإذا أضفنا إلى ذلك العُسر صعوبة تمييز فاعل الفعل ( يسلم ) هل هو فاعل ( كان يعبر ) أي الفاعل الأساس أم هو الفزع المرّ أم الرعب ؟ تشابكت القراءات وتنافرت على المحور الدلالي العام مما يصوّب رأينا القائل أن قصيدة فرات مكتوبة لكي يقرأها المتلقي لا لكي يسمعها فهي نخبوية متوغّلة في موقف جمالي عميق لا يشف وهي درامية البناء قائمةٌ على النفور من العواطف والإنفعالات البسيطة لذا نراها تجاهلت المدخليّات المألوفة إلى ليلة عاشوراء ودارت محاورها على لغة حلميةٍ عميقةٍ تعتمد الإيحاء والإيماء والغموض البرّاق في التعامل مع الأحداث بصدق فني لا يتطابق مع الصدق الواقعي بل يتضمنه ويلازمه في تجربة غنية حافلة بالاجتراح وشاعريةٍ جامحةٍ متمرّسة طالما أغنت ساحتها تجارب كثيرة مميّزة.
(2)
الليلة الآخِرة
عكفتْ تشحذُ للموتِ النصالا |
أو تهزُّ الليلَ ذكراً وابتهالا |
|
فتيةٌ ناداهمُ ربُّهُم |
أقدِموا ، فاستسهلوا الاُخرىٰ منالا |
|
ومضوا عن هذه الدنيا عُجالىٰ |
وسرَوا للخُلدِ يبغونَ الوِصالا |
|
بسَمَ المجدُ لهم فابتسموا |
وإلىٰ أسيافهمْ مالوُا فَمالا |
|
وارتدَوا من عدَّةِ الحربِ هُدىً |
ووفاءً ومُروءاتٍ ثِقالا |
|
جَنَّهُمْ في الطفِّ ليلٌ وهُمُ |
بالحسينِ الطُهرِ قد جَنُّوا خَبالا |
|
فاشهدي يا ليلة الضوء هوىً |
نضراً يبتكر الرؤيا جمالا |
* * *
يا مساءً لم يلُحْ في أفْقهِ |
غيرُ وجهِ اللهِ ، والسبطِ ـ تعالىٰ ـ ! |
|
ترقبُ الفجرَ به أمنيةٌ |
حُرَّةٌ لم تُلقِ للرَّهبةِ بالا |
|
رغبتْ أن تشهد الفتحَ غداً |
بدمٍ ما سالَ بل صالَ وجالا ! |
|
فأعدَّتْ للِقاهُ صَبرَها |
ونفوساً أنِفَتْ تهوىٰ الضلالا |
|
وتمدّ اليدَ للطاغي وقد |
عاثَ بالدين حراماً وحلالا |
|
ترِبَتْ كفُّ أبيهِ ليتَهُ |
نَصبَ القردَ أميراً واستقالا ! |
أيُّ ليلٍ ضمَّ للحقّ رجالا |
يُرخِصون الروحَ أصحاباً وآلا |
|
ونساءً حُجِبتْ في خدرِها |
واطمأنَّتْ في حِمىٰ الصِيد عيالا |
|
وصغاراً هَوَّمَتْ أعينُها |
وعن الأقدار لم تُحفِ السؤالا |
|
لو أطلّتْ لرأتْ خيل العدىٰ |
ترمَحُ الأرضَ جنوباً وشمالا |
|
عاهدتْ شيطانَها لن تنثني |
يومَها أو تطأ القومَ مجالا |
|
وبناتُ الوحي تُسبىٰ ذُعَّراً |
وخيامُ الوحيِ تنهدُّ اشتعالا |
|
وبأطراف القنا رأسُ الهدىٰ |
وعلىٰ العُجْف السبايا تتوالىٰ |
|
وعليٌ يقدِمُ الركبَ وفي |
عُنْقه من رجلهِ القيدُ استطالا |
|
وله زينبُ تشكو ذُلَّها |
وهُموماً عاينتْ منها المَحالا |
|
صبرتْ واحتسبتْ ما نالَها |
في سبيل الله تلقاه نوالا |
|
حسبُها من أهل بيتٍ شمسُهُمْ |
في مَدىٰ التاريخ لم تغربْ زوالا |
|
كتبَ الله لهم أجرَهُمُ |
ان يكونوا للكراماتِ مثالا |
|
ويشيدوا بالتقىٰ دولتهمْ |
آخرَ الدهر انتصافاً وسجالا |
|
وإمامُ الحقِّ في أشياعهِ |
يطلبُ الثاراثِ زحفاً واقتتالا |
فرات الاسدي 6 / شعبان / 1416 ه |
الليلة الآخرة
على الرغم من حرصه أن تكون قصيدته منبرية التوجّه لكنّها أفلتت من القالب والنمط المنبري في مواضع عدة ، ولو تسنّى لخطباء المنبر الحسيني أن يضخّوا دماً جديداً في شرايين إختياراتهم الشعرية لما عَدَوا هذه القصيدة أو ما نُسج على منوالها من قصائد الولاء للشعراء المعاصرين.
فالخطاب المنبري الموجّه إلى الأجيال الشابة المتطلعة إلى المستقبل يجب أن يفحص أدواته ويوظّف الوسائل الفاعلة في الأوساط التي يخاطبها وعلى سبيل المثال ليته يُعيد إختياراته لقصائد العزاء والمصيبة منحازاً إلى المنبريات الجديدة من القصائد والأشعار التي تمثّل هذه القصيدة مثالاً لها.
(3)
موت النهار
(1) |
ليركضَ كالبحر مرّ المساءْ
ومرّتْ وراء خطاه النجومُ التي أزهر الضوء في نسغها ،
والسماواتُ مبتلّةٌ بالبريقْ
لينهضَ كالبحر مدّ المساءُ مداه الغريقْ
والغى حرائقه السودَ في الطرقاتِ
وفاجأَ غلغلةَ الومض بالأسئلهْ
ومرَّ إلى الدهشة المقبلهْ !
(2) |
ليوغلَ كالليل دارَ الغبارْ !
وطوّقَ نبضَ التراب بأقدامه المثقَلهْ
وأقصى الغيومَ عن النوءِ والنهرَ عن مائهِ المستعارْ !
ودارَ الغبارْ.
(3) |
ـ وكانت هوادجهمْ تذرعُ الريحَ ، كان الحداءُ
يُخامرُ عشبَ الكلامِ النديّ ويُشعلُ فيه الحنينْ
وكانوا يُلمّون أرواحهم حفنةً حفنةً في ضياع السنينْ
يموتونَ يحيونَ ينطفئونَ
وها هو طقس الحكايا
يُخامِرُهم بالفرات وبالأخضر القادم ـ الآن ـ من دمهِ ،
الذاهبِ ـ الآنَ ـ من دمهِ والظمأْ
الى كوكبٍ آخرٍ ما انطفأْ
وما حرثَتْهُ مرايا الصدأْ !! ـ.
(4) |
ليركضَ كالبحر مرَّ بسحنته العاريهْ
مساءً من اللّهفة المشتهاة إلى وهَجٍ مترَفٍ ،
أو ينابيعَ مغسولةٍ برماد الفجيعهْ
ـ رمادِ المياه المضاجعِ جمرتَها الذاويهْ !
(5) |
ليوغلَ كاللّيلِ دارَ على الأرضِ
واشتبكتْ بالنخيل ملامحُه وتوارىٰ
بقايا من الحزنِ
سرباً من الأغنيات الحيارىٰ
ومرَّ إلى النهر في خلسةٍ واستدارْ
.. إستدارا
ليشهدَ موتَ النهارْ !!.
فرات الأسدي 3 / 11 / 1417 ه |
موت النهار
أشعر أن فرات الأسدي قد وجد تعبيريّته المناسبة في هذه القصيدة الرؤيوية المركّبة بإدهاشٍ متقَن فهو في معظم شعره لا يقترب من البساطة المجردة ولا يتعامل معها أبداً ، فالأشياء في شعره أشياء ضمن علاقات بل هو يُقارب بين الأشياء التي لا علاقة بينها في تراكيب لفظيةٍ ليُنشئ حداثته بتأمّلٍ شعريٍّ متفلسف ، فقصيدته لها منطقٌ خاص بها ولو تجرّأنا فاستخدمنا شيئاً من المنطق العام أو بعض معطياته لتوصّلنا إلى كشف منطق قصيدته أو شيء مشابه لذلك ، فموت النهار قائمٌ على تقابل الموت مع الحياة التي جاء النهار هنا معادلاً لها لكن وفقاً للمشيئة التركيبية التي يعمل بها الشاعر.
سيكون الصراع بين الموت والحياة ظاهراً بعلاقاته التي لها أطرافها
المتشابكة ، فالنهار سيقابل المساء وهو غير المقابل المنطقي للنهار أي الليل ومن هنا تبدو خصوصيّة منطق القصيدة الذي يجعل هذا المساء يركض كالبحر وفق العلاقة التي ذكرناها ( العلاقة بين الأشياء التي لا علاقة بينها ) لتتولّد معان جديدة ويحتدم الجدل المتفلسف فيعرو التأمل الفلسفي شيءٌ من منطق الشعر بأسئلة لها ملامح الطفولة التي تُرجع الفلسفة إلى بداياتها ، فتبدأ جدلية العناصر الأربعة ( الماء ، التراب ، النار ، الهواء ) فعندما يمرّ المساء تمرّ خلف خطاه النجوم التي يشكّلها الشاعر كشجرة لها نسغ يُزهر فيه الضوء فتبتلّ السماوات بالبريق في علاقة بين الماء والنار عبر البلل وهو من خصائص فعل الماء ، وبين البريق وهو من خصائص فعل النار ، وبعد ذلك أراد المساء أن ينهض لكن كالبحر أيضاً فمدّ مداه الغريق ، والمدى من خصائص الأرض فعندما إبتلّت السماوات بالبريق كان نصيب الأرض الغرق في شكل مدى المساء ، هذا على مستوى المعاني ، أما المباني فسيكون هناك تقابل بين ( ليركض كالبحر مرّ المساء ) مع ( لينهض كالبحر مدّ المساء ) هناك نظام تقفية داخلي مغاير لنظام التقفية التقليدي مع النظر إلى العلاقة في الجناس الناقص بين الفعلين ( مرّ ) و ( مدّ ) بنفس الفاعل ( المساء ) مع إستخدام نظام تقفية خارجي في ( البريق ـ الغريق ) في شكل من اللزوميات التي لو تواصلت لأورد الشاعر مثلاً لفظتي ( الحريق ـ الطريق ) اللتين جاء بهما الشاعر في صيغة الجمع ليكسر نظام التقفية لكنهما عَلقا في اللاشعور فتداعتا تداعاً حرّاً في المقطع اللاحق ( وألغى حرائقه السود فى الطرقات ) طرائق جهنمية سوداء تجعل المساء يتساءل أسئلة مصيرية مندهشة اثر الإلغاء وما تبعه من غلغلة الومض ومفاجأته وينتهي المقطع.
المقطع الثاني حركةٌ دورانية للغبار وهو من جهةٍ معادلٌ للمساء ومن جهةٍ
اخرى جدل عنصرين من العناصر الأربعة ( الهواء ـ التراب ) وهنا جرى تشبيهه بالليل في إيغاله ( ليوغل كالليل دار الغبار ) يطوّق نبض التراب ويقصي الغيوم من جهة والنهر عن مائه من جهة اخرى ، وهذه الحركة أو الدوران الغباري تمنع التراب من اللقاء بالماء لكيلا تنتهي العلاقة بولادة الطين الذي هو أصل الإنسان ، وتُقصي النهر عن الماء حتى وأن كان ماءً مستعاراً لتمنع حركة الحياة ويتم للغبار ذلك.
في المقطع الثالث كانت الهوادج تقابل الريح والهوادج عادة تحمل النساء وهنّ حاضنات الإمتداد الإنساني بنوعه في ولادتهنّ ، ليعلن الشاعر جدلية الإنتصار ويكون الحداء مفعماً ونابضاً بالحياة فهو ينطق بكلامٍ له نداوة العشب المشتعل بالحنين للنمو والولادة في تقابل آخر مع الريح ، وتكتمل صورة القافلة التي تواجه الريح في تشكّل الموقف أمام ضياع السنين في لملمة شتات الأرواح لمواجهة الأسئلة المصيرية ( يموتون يحيون ) والسؤال الأخير ( ينطفئون ) والإنطفاء يعني موت النور أو موت النهار أمام الريح في جدل آخر بين ( النار والهواء ) لكن الحكايا تؤكّد طقوسها وانكشاف وعودها بالنَمَاء المتشكّل من الفرات والإخضرار الحسيني المتحرك حركتين : حركة قدوم إلى الحياة المنطلقة إلى الشهادة ، وحركة ذهاب بالدم والظمأ إلى الخلود الأبدي التي لا تستطيع المرايا الصدئة أن تعكسه ، وهي لو عكسته ـ جدلاً ـ فذلك مساوٍ لفعل الحرث السلبي المشوِّه لا الايجابي المساوق لفكرة النماء ، كل ذلك في تعبيريّة حديثة مكّثفة مثل ( حرثته مرايا الصدا ) !
في المقطع الرابع ستكون هناك حركة مرورية للمساء الذي يتلهّف إلى مصرع الوهج والينابيع أي مصرع النور والماة فيرى الماء وهو أصل الخلق ( وجعلنا من
الماء كل شيءٍ حي ) يراه مغسولاً برماد الفجيعة ونلاحظ هنا تركيب ( رماد المياه ) حيث العلاقة بين عناصر ثلاث من العناصر الأربعة فالرماد هو جدل ( النار ـ التراب ) وهو هنا خاص بالمياه فتتواشج العناصر الثلاثة ( النار ـ التراب ـ الماء ) في علاقةٍ غائبةٍ مع العنصر الرابع ( الهواء ) الذي عادلته الريح أو الغبار الراجع في المقطع الخامس ليوغل كالليل ويدور على الأرض فتشتبك ملامحه مع النخيل الذي هو الرمز الواقعي للعطاء في الأرض التي قُتل فيها النهار ليمرّ على النهر وهو رمز آخر عن واقع الأرض يحدّد جغرافيتها ويستدير ليشهد موت النهار ...
الإيحاء والإيماء والرمز كطرق للتعبير تواصلت في تصوير ليلة عاشوراء بأسلوبٍ فني فذٍّ لا يمتّ للتسجيل الواقعي والتوثيق التأريخي بأدنى صلة ، فالنهار كان رمزاً للإمام الحسينعليهالسلام به تنفتح بوابات النص أمام المتلقي الذي يواجه أحد أفضل النصوص التي تناغمت مع ليلة عاشوراء.
بكائية كربلاء
يومُ الحسين تناهى ذكره ألما |
لو أنصف الدمعُ فيه لاستحال دما |
|
بكت على رزئه الدنيا وما فتِئتْ |
حتى اليراعُ إذا خطّ ( الحسين ) هما |
|
يظلّ يمتدّ في عُمق الزمان لظىً |
يُثير بركانُها في قلبه الحمما |
|
يُذكي لهيبَ رزايا الطفّ ذاكرُها |
كأن قلب الهوى يسلو إذا اضطرما |
|
تغيّرت صور الأشياء يومَ قضى |
كأنّها قتلتهُ فانطوت ندما |
|
تبثّ آهاتِها خلفَ الترابِ وقد |
غالته غائلةٌ واستهدفته دُمى |
|
وطالما بثّها أحزانَه سحراً |
في الطفّ يُبدي لها من دهره سأما |
|
أنا الحسينُ الذي أوصى النبيُّ به |
فأين ضاعت وصاياه وما رَسما ؟ |
|
أنا الحسينُ واُمّي فاطمٌ وأبي |
كان الإمامَ الوصيَّ المُفردَ العلما |
|
أنا الحسينُ ، فقالت زينبٌ وكفىٰ |
بذكركَ الخير يا أعلى الورى قدَما |
|
فقال يا أخت ماذا جدّ من حدثٍ |
حتى أموت غريب الدار مهتضما ؟ |
|
ماذا جنيتُ ؟ فقالت يا أخي وبكت |
لأنك ابن عليٍّ والمصابُ نما |
|
فقلّبَ السيفَ في كفّيهِ وارتعدتْ |
يدُ السماءِ وناداها : وهل أثِما ؟ |
__________________
(1) هو : الشاعر الفاضل الشيخ قاسم بن عبد الشهيد بن علي آل قاسم ، ولد في القديح ـ القطيف سنة 1382 ه ، حاز على الشهادة الثانوية العامة ( القسم العلمي ) وإبتدأ دراسته الحوزوية في القطيف عام 1407 ه ثم غادرها إلى قم المقدسة عام 1412 ه حيث يحضر الآن مرحلة البحث الخارج ، ومن نتاجه الأدبي : 1 ـ ديوان شعر ( مخطوط ) ، ومن نتاجه العلمي : 2 ـ بحث في نشأة اللغة وحقيقة الوضع ، وله مشاركة في النوادي الثقافية والدينية.
كأنهمْ نكروا منه مواقفَهُ |
في حربِ آبائهم قِدماً وما رحما |
|
لم يُثنه عزمُه عن قَطعِ دابرهِم |
ولم يكن يرعَ في أعدائه ذِمَما |
|
حتى تواصوا على إفناء عترته |
قتلاً وهتكاً وجاؤوا يركبون عمى |
|
وما دروا أنّنا أسيافُ حيدرةٍ |
أصداؤنا أورثَتْهم في الوغى صَمَما |
|
وكيف نرضى بما تأباهُ عزّتُنا |
لعصبةٍ لم نكن نرضى بهم خدما |
|
فأسبلت عبراتٍ ملؤها ألمٌ |
كأنّما قلبُها في دمعها انسجما |
|
وفي غدٍ يتفانى جمعُكُم وأنا |
أراكُم جُثثاً فوق الثرى رمما |
|
يا ليتما طال ليلي والحسينُ معي |
وذاكَ شبلُ عليٍّ يَحرسُ الخيما |
|
لكنّها أشرقتْ شمسُ الصباحِ بها |
وظلَّ يقتاتُهم صرفُ الردى نَهِما |
|
حتى تقضّت مناياهُمْ وأفردَها |
جورُ الزمان ، وساقوهُنّ سَوقَ إما |
|
يومٌ تَكَشّفَ عن دُنياً مزيّفةٍ |
داست بأقدامها الإسلام والقيما |
|
عجبتُ كيف يواريه ثرى جدثٍ |
وكيف تحويه أرضٌ والحسينُ سَما |
|
أليس ذا وأخوه طالما ارتقيا |
كتفَ النبيِّ « ونعم الراكبانِ هُما » |
|
وكيف خَلّف أُختاً لا حياةَ لها |
إلاّ على قلبه لكنه انثلما |
|
وكيف مرّت على أشلائه ورنت |
بنظرةٍ تتحرّى الكفَّ والقَدَما |
|
كانت به تُبصر الأشياءَ فانكسفت |
أنوارُه فاستوت في عينها عدما |
|
كانت له ساعداً في يوم محنته |
وشاطرتُه الرزايا غُربةً وظما |
|
لكنّها امرأةٌ مثكولةٌ ورثتْ |
على مصائبها الأيتامَ والحُرما |
قاسم آل قاسم الخميس 1 / 11 / 1416 ه |
الشيخ قاسم آل قاسم
قصيدة آل قاسم باحثة عن الجدوى مما حدث ومبينة للأسباب التي أوصلت النتائج فهي برهانية السجيّة ، منطقية الترتيب لبست هنا حلّة الشعر كأداة إيصال لبحثها وإستنتاجاتها فهي راقبت ماوراء الظواهر لكن لتصل إلى الفحوى والعبرة واقتفاء الأثر ، فهي مهتمّة بما ينير الدرب للسالك الباحث عن الجدوىٰ ، وهي زاهدة بالجمال العارض وإن كانت تجاوره وتحاوره وتساقيه بأكؤوسها العرفانية غير المليئة تماماً ، فهي تتعهّد الجمال كحالة خيّرة ولا تُصاحبه إلا لأنّه وعاء لما هو حقٌّ صُراح ، لكن مجاهدته للحيلولة دون أن يفلت الجميل المحسوس من لسانه تبقى مجاهدة ناقصة فنلاحظ أنّ الجمالية تطغى على براهينه وسلوكه وزهده ومجاهدته لتقول له : ( إنني شعرٌ تقوله شفتاك بعد أن إحتدم في داخلك وإنكشف أمام المتلقين مظهراً ازدواجية الجدوى وانشطار السلوك وتشظّي المجاهدة لأن لي وجوداً أصيلاً فيك بلا تواضع ، وأسّاً غائراً في روحيتك بلا زهد ) ، وأنا كمتتبع لنتاج آل قاسم أراه قد كتب هذه القصيدة بأصابعه التي حملت قلمه ، سوى بعض الأبيات التي فرّت من أسار التعجل المقصود مثل :
عجبت كيف يواريه ثرى جدثِ |
وكيف تحويه أرض والحسين سما ؟ |
أو مثل هذين البيتين :
وكيف مرت على أشلائه ورنت |
بنظرة تتحرّى الكفّ والقدما |
|
كانت به تُبصر الأشياء فانكسفت |
أنواره فاستوت في عينها عدما |
لكننا رأينا في تجاربه الأخيرة منحى جديداً يعيده ـ إن لم يقدّمه ـ إلى مكانه في الصف الشعري المتقدم.
الشهب الزاهية
أبكي الحسينَ وآلَهُ في كربلا |
قُتلوا على ظمأٍ دُوينَ المنهلِ |
|
مَاتوا وَما بلّوا حرارات الحشا |
إلا بطعنةِ ذابل أو منصلِ |
|
يا كربلا مَا أنت إلا كربةٌ |
ذِكرَاك أحزنني وَساقَ الكربَ لي |
|
مُذ أقبلَ الجيشُ اللَهام كأنَّهُ |
قِطَعُ الغَمامِ وجُنحُ ليلٍ أليّل |
|
بأبي وَبي أنصارَهُ مِنْ حَولهِ |
كَالشُهبِ تزهو في ظلام القسطلِ |
|
أفديه وهو مُخاطبٌ أنصارَهُ |
يَدعوهُمُ بلطيفِ ذاك المِقولِ |
|
يا قومُ مَنْ يُردِ السلامةَ فليجدَّ |
السيرَ قَبلَ الصُبح وليترَحّلِ |
|
فالكلُ قالَ لَهُ على الدُنيا العفا |
والعيشُ بعدكَ يا ربيعَ المُمحلِ |
|
أنفرُّ عنكَ مخافةَ الموتِ الذي |
لا بُدَّ منهُ لمُسرعٍ أو مُمهِلِ |
|
واللهِ طعمُ الموتِ دونَكَ عِندنا |
حُلوٌ كطعمِ السلسبيل السلسَلِ |
|
فجزاهُمُ خيراً وقال ألا انهضوا |
هَيّا سُراعاً للرحيل الأوّلِ |
|
فتوطّأوا الجُردَ العُتاقَ وَجرّدوا |
البيضَ الرقاق بسُمرِ خطٍّ ذُبَّل |
__________________
(1) هو : المرحوم الشيخ لطف الله بن يحيى بن عبد الله بن راشد بن علي بن عبد علي بن محمد الحكيم الخطي ، كان فاضلاً تقياً ورعاً ، له أياد بيضاء أوجبت محبتَهُ في القلوب ، له مَراثٍ كثيرة في أهل البيتعليهمالسلام . أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 7 ، ص 279.
مِن فوقِ كُلِّ أمونِ عثراتِ الخِطى |
صافي الطلاءِ مُطهّمٍ وَمحَجّلِ |
|
ما زالَ صَدرُ الدستِ صدرَ الرتبةِ ال |
عُلياء صدرَ الجيش صدرَ المحفلِ |
|
يَتطاولون كأنَّهُم اسدٌ على |
حُمرٍ فتنفِرُ كالنعَام الجُفَّلِ |
|
وَمضوا على اسمِ الله بينَ مُكبّرٍ |
ومُسبّحٍ ومُقدسٍ ومُهلِّلِ |
|
يَتسِابقونَ إلى المنونِ تَسابقُ اله |
يمِ العِطاش إلى ورود المنهلِ |
|
حتى قضوا فرضَ الجهادِ وصُرّعُوا |
فوق الوهاد كشهب أُفقٍ أُفّلِ |
|
صَلّى الالهُ عَليهِمُ وسلامُهُ |
وَسقى ثَراهُمْ صَوبَ كُلّ مُجلجلِ(1) |
__________________
(1) أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 7 ، ص 279 ـ 280.
ليلة الخلد
لا تتركي حجراً على حجَرِ |
يا ليلة الأرزاء والكدرِ |
|
صُبّي على الدنيا وما حملتْ |
من نار غيضك مارق الشررِ |
|
وتهتّكي من كلّ ساترةٍ |
لم تحفظي ستراً لمنسترِ |
|
لا عاد صُبحك أو بدا أبداً |
في ظلّ وجهك مشرِقُ القمر |
|
يا ليلةً وقف الزمانُ بها |
وجلاً يدوِّن أروع الصورِ |
|
وقفَ الحسين بها ومَنْ معه |
جبلاً وهم كجنادل الحجرِ |
|
ما هزّهم عصفٌ ولا رعشتْ |
أعطافهم في داهم الخطرِ |
|
يتمايلون وليس من طربٍ |
ويُسامرون وليس في سمرِ |
|
إلاّ مع البيض التي رقصتْ |
بأكفّهم كمطالع الزُهرِ |
|
يتلون سرَّ الموت في سورٍ |
لم يتلُها أحدٌ مع السورِ |
|
ويرتّلون الجرح في ولهٍ |
فكأنّه لحنٌ على وترِ |
|
خفّوا لداعي الموت يسبقهم |
عزمٌ تحدّى جامد الصخرِ |
__________________
(1) هو : الشاعر الأستاذ السيد مدين الموسوي ، ولد سنة 1378 ه ، له مشاركة فعالة في النوادي الأدبية والثقافية والمناسبات الدينية ، ومن نتاجه الأدبي : 1 ـ الجُرح يا لغة القرآن 2 ـ أوراق الزمن الغائب 3 ـ كان لنا وطن 4 ـ لهم الشعر 5 ـ الحلي شاعراً اطروحه ماجستير.
مذ بان جنب الله مقعدُهم |
ورأوه ملء الروح والبصرِ |
|
هدروا كما تحمي لها أجماً |
أُسْدٌ دماة الناب والظفرِ |
|
وبناتُ آل الله ترقبَهُم |
بعيونها المُرقاة بالسهرِ |
|
يا نجمُ دونكَ عن منازلهم |
لا تقتربْ منها ولا تدُرِ |
|
لا تستمعْ لنداء والهةٍ |
مكلومةٍ من بطشة القدرِ |
|
أو تنظرنَّ إلى معذَّبةٍ |
حرّى تودّع مهجة العُمُرِ |
|
تسقي عيون البيد أدمعها |
لتظلَّ مورقةً من الشجرِ |
|
لله قد نذروا بقيّتهم |
وتسابقوا يُوفون بالنُذُرِ |
|
والموت يرقبهم على حذرٍ |
منهم وهم منه بلا حذرِ |
|
نامت عيون الكون أجمعها |
وعيونهم مشبوحةُ النظرِ |
|
لله ترمقهُ ويرمقُها |
كبراً وهم يعلون في كبرِ |
|
وأبو الفداء السبط يشحَذها |
بالعزم يوقظ ساكن الغِيَرِ |
|
حتى إذا بانَ الصباحُ لهم |
لم تدر هل بانوا من البشرِ |
|
أم هم ملائكةٌ مطهَّرةٌ |
يستمطرون الموت للطهرِ |
|
هبطوا وعادوا للسماء معاً |
في خير زادٍ عُدَّ للسفرِ |
مدين الموسوي 1 / ذو القعدة / 1416 ه |
السيد مدين الموسوي
( ليلة الخلد ) قصيدة موازاة ومضاهاة تحاذي النماذج الشعرية المتقدّمة في العصر الحديث ، ولعلها تحاكي جوهر التجربة الجواهرية في أكثر من موضع مخلصةً ووفيّة للوقوف في موقع الماضي الذي تعتقده أفضل ، لتجذّر لإنطلاقها فهي رميةُ قوسٍ وسهمٍ كلما ارتدّ إلى الوراء أكثر إكتسب طاقة وقدرة أكبر للإنطلاق إلى الأمام أكثر.
وهي تُبجّل القوانين المعيارية والأعراف التي صنعت مجد القصيدة العربية في كل زمان ، وهي تُديم زخم الإستمرار في محاكاة أفضل ما في التراث العربي الشعري وترى أن هذا الإستمرار أفضل من الإنشقاق والخروج غير المحسوب العواقب ، فهي تحاول أن تبني كلاسيكية جديدة لا تنافس تلك الكلاسيكية بل تساير نماذجها الخالدة مولية حركة الحياة إهتمامها في تأصيلٍ يحفظ الثوابت ويراقب المتغيّرات ومع خلق حالة التوازن بين متصارعات متعددة تبدو مهمة مدين الموسوي عسيرة وضاغطة في التحلّي تارة بما هو أصيل والتخلّي أُخرى عن ما هو طارئ حتى ولو كان فيه إغناء للتجربة وتعميق للمشاركة الوجدانية المحتدمة.
وبعد فالقصيدة في لغتها تحاذي وتحتذي أساليب النموذج في عملية إختيارها للألفاظ مع تحفّظٍ واضح من طريقة الكتابة قرب معجمٍ مفتوح ، بل هي تفلت في أحيان كثيرة من هذا الأسار الضاغط لتقول :
يا ليلة وقف الزمان بها |
وجلاً يدوّن أروع الصور |
أو تقول :
ويرتّلون الجرح في ولهٍ |
فكأنّه لحنٌ على وترِ |
وتساهم انسيابية بحر الكامل الأحذّ وترنّمه في فسح المجال أمام الشاعر لمضاهاة حتى بعض التراكيب أو الأنماط الشائعة مثل صيغة ( حتى إذا ) :
حتى إذا بان الصباح لهم |
لم تدرِ هل بانوا من البشر |
في اختلاس حذر من الإستخدام الممتدّ من أبي تمّام وحتى مصطفى جمال الدين.
ونخلص إلى أنّ قصيدة مدين الموسوي حقّقت سندها في المتن الشعري لكنها محتاجة إلى أكثر من جرعة منشّطة تجعل دقات قلبها متناغمة مع حركة الزمن وتصاعده.
(1)
المهج الغوالي
وأتى المساءُ وقد تجهّمَ وجهُهُ |
واليوم محتشد البلاء عصيبُ |
|
قال اذهبوا وانجوا وَنَجّوا أهلَ بي |
تي انني وحدي أنا المطلوبُ |
|
لا ذمةٌ مني عليكم لا ولا |
حرجٌ ينالكم ولا تثريبُ |
|
فأبتْ نفوسُهُم الأبيّة عند ذا |
أن يتركوه مع العِدى ويغيبوا |
|
وَتواثبت أبطالهم وجميعها |
بالحزم والقول السديد تجيبُ |
|
كلا فلسنا تاركيكَ وما به |
يوم القيامة للنبيّ نجيبُ |
|
نفديكَ بالمهج الغوالي نبتغي الر |
ضوان ما فينا بذاك مُريبُ |
|
نيل الشهادة بالسعادة كافلٌ |
يومَ الحسابِ وأجرُها مَجلوبُ |
__________________
(1) هو : الحجة الكبير العلم السيد محسن بن السيد عبد الكريم الأمين الحسيني العاملي ، عالمٌ شهيرٌ ، ولد في قرية شقراء في جنوب لبنان حدود سنة 1282 ه ، درس المقدمات في مدارس جبل عامل على المشاهير من فضلائها ، وهاجر إلى النجف الأشرف سنة 1308 ه وحضر عند الشيخ آغا رضا الهمداني والخراساني وشيخ الشريعة ، وهاجر من النجف إلى الشام سنة 1319 ه بطلب من أهلها ، ومن مؤلفاته القيمة 1 ـ نقض الوشيعة 2 ـ أعيان الشيعة 3 ـ مفتاح الجنات 4 ـ الدر النضيد 5 ـ المجالس السنية 6 ـ البرهان على وجود صاحب الزمان وغيرها ، توفيقدسسره في بيروت في سنة 1371 ه ، ودفن في جوار السيدة زينبعليهاالسلام في دمشق راجع : أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 10 ، ص 33 ـ 35.
هَذي الجنانُ تهيّأت وَتزينت |
للقائنا ولريحِهنَّ هُبوبُ |
|
والطالبية للقِراعِ تواثبتْ |
تَدعو وكل للنزالِ طَلوبُ |
|
ماذا يقول لنا الورى ونقولهُ |
لَهم وما عنّا يُجيب مُجيبُ |
|
إنّا تركنا شيخنا وإمامنا |
بين العدا وحُسامُنا مَقروبُ |
|
يأبى لنا شرف الأرومة أن يُرى |
فينا مَشينٌ أو يكون مَعيبُ |
|
فالعَيشُ بعدكَ قُبِّحَتْ أيامُه |
وَالموتُ فيكَ مُحبَّبٌ مَرغوبُ |
|
بَاتوا وَباتَ إِمامُهُم ما بينَهمُ |
وَلهم دَويٌّ حولَه وَنحيبُ |
|
مِنْ راكعٍ أو ساجدٍ أو قارئٍ |
أو مَنْ يُناجي رَبَّه وَيُنيبُ |
|
وَبدا الصباحُ فأقبلتْ زُمَر العدى |
نَحوَ الحسينِ لها الضلالُ جَنيبُ |
|
سامُوه وِردَ الضيمِ أو وردَ الردى |
فأبى الدنيّةَ والنجيبُ نَجيبُ |
|
يأبى له وردَ الدنيّةِ ضارعاً |
شَرفٌ إلى خيرِ الانامِ يؤوبُ |
|
هيهاتَ ان يرضى مقامَ الذلِّ أَو |
يقتادهُ الترهيبُ والترغيبُ(1) |
__________________
(1) الدر النضيد : للسيد الأمين ص 23.
(2)
هِمَمٌ على هامِ النجوم
فرماهُمُ المسرى بعرصةِ كربلا |
فغدت بلاءً تلكُم العرصاتُ |
|
قال انزلوا هي كربلا وعراصُها |
فيها البلاءُ وعندها الكُرباتُ |
|
باع ابنُ سعدٍ دينَه وشرى به الد |
نيا ولكن ربحُه حسراتُ |
|
للريّ أمسى والياً وشرى به |
غضبَ الالهِ فحظُّه النقماتُ |
|
قاد الجيوشَ لحربِ سبطِ محمدٍ |
ضاقتْ بها الارجاءُ والفلواتُ |
|
ما إِن تمتّعَ بالولايةِ واغتدتْ |
بالرأس منه تَمايلُ القصباتُ |
|
جاء المسا فدعاهُم قوموا اذهبوا |
فالليلُ سترٌ جَهرهُ إخفاتُ |
|
لا يطلبُ الأعداءُ غيري فاتركو |
ني ما بكُم مِن بيعتي تبِعاتُ |
|
فأجابَه الأنصارَ هذي منّةٌ |
سَبقتْ لنا قَلَّت لها المنّاتُ |
|
إنا نُجاهدُ دونَكُم وتُقطَّعُ ال |
أَعضاءُ منا فيكَ وَالرقَباتُ |
|
ثم الرسولُ شَفيعُنا يومَ الجزا |
وَلنا بهذا تُرفعُ الدرجاتُ |
|
أفنحنُ يوماً تَارِكوكَ وَهَذهِ |
بك قد أحاطتْ اذؤبٌ وعداةُ |
|
لا كانَ منا اليومَ تَركُكُ وَالذي |
قد اُحصيتْ في علمه الذرّاتُ |
|
بالسيفِ أضربُهم وَأطعنُهم برُم |
حي ما استقامتْ في يديَّ قَناةُ |
|
تاللهِ لو أَنّي قُتلتُ وبعدَ ه |
ذا قد نُشرتُ تُصيبني قتلاتُ |
|
في كُلِّها أحيا واُقتلُ ثُمَّ اُح |
رقُ بعدَ هَذا كلُّ ذا مراتُ |
ما حُدتُ عَنكَ وإنما هي قتلةٌ |
فيها نعيمٌ ليسَ فيه فواتُ |
|
وأجابَه أبناءُ هاشمَ خيرُ مَنْ |
وَلدتهُمُ الآباءُ والأمّاتُ |
|
لِمَ نحنُ هَذا فاعلونَ فَقُبِّحتْ |
مِن بعدِ فقدكَ للنُفُوسِ حياةُ |
|
لا كانَ مِنّا مثلُ هذا لا ولا |
كانتْ لنا لمّا مضيتَ نجاةُ |
|
هيهاتَ انا تاركوكَ وما لنا |
عُذرٌ غداةَ تضُمُّنا الندواتُ |
|
نفديكَ بالمُهجِ الغوالي كُلّنا |
وتُخاض مِنّا دونَكَ الغُمراتُ |
|
بدأَ المقالَ بذلك العبّاسُ واتّبعوه |
تُشرقُ منهم الوجناتُ |
|
أشبالُ حيدرةٍ وأبنا جعفرٍ |
وبنو الزكي القادةُ الساداتُ |
|
وبنو الحسينِ ومِنْ عقيلٍ عُصبةٌ |
لهم بمضمارِ العلا السبَقاتُ |
|
أبني عقيلٍ قَتلُ مُسلمَ حَسبُكُم |
قوموا اذهبوا لا تلقكم نَكبَاتُ |
|
ماذا يقولُ لنا الورى ونقولهُ |
لَهمُ وَفيهم لُوَّم وَوشاةُ |
|
إنّا تركنا شيخَنَا وإمامَنا |
وبنو العمومةِ ما لهم نجدَاتُ |
|
مِن خيرِ مَنْ ولدَ العمومُ وانجبتْ |
مِنْ نَسلها الخَالاتُ والعماتُ |
|
لم نرمِ سَهماً مَعَهُم كَلا ولمْ |
نَضرِبْ بسيفٍ والسيوفُ مُضاةُ |
|
لكننّا نمَضي بنهجِكَ سبّقاً |
تَفديكَ منا الروحُ والمهُجاتُ |
|
فالعيشُ بَعدكَ قُبّحتْ ايامُه |
وَوجُوهُه بالشّرِ مُسودّاتُ |
|
فخراً بني عَمرو العُلاء فأنتُم |
للعزّ ما بينَ الورى الذرواتُ |
|
انّ الفخارَ مُخيّمٌ في بابكُم |
والعزُ فيكُم والعُلا مَلكاتُ |
|
هذي النفوسُ السامياتُ لذكرِها |
مَهما ذُكرنَ روائحٌ عَطراتُ |
|
طَابتْ أصولهُمُ فطِبنَ فُروعُهم |
وعلى الأرومةِ تنبت الدوَحَاتُ |
قومٌ زكت أعراقُهم وَسمتْ لهُم |
هِمَمٌ وطابتْ أنفُسٌ وَذواتُ |
|
قومٌ لَهمْ قَصبُ السباقِ إلى العُلا |
وَالمجدُ إن ضَمَّتهُمُ الحلَباتُ |
|
هَذي النفوسُ وليسَ من مِثلٍ لها |
بنفوسِ هذا الخلقِ مَفدِيّاتُ |
|
هذي النفوسُ الكاملاتُ وَهذه |
هِممٌ على هامِ النجومِ علاتُ |
|
هذي الجواهرُ للوجُودِ غَدتْ على |
كلِّ الجواهرِ وَهي مُختاراتُ |
|
تَمضي العصورُ وفي أعالي لوحِها |
أخبارها بالنورِ مَسطُوراتُ |
|
باتَ الحسينُ وصحبُه مِنْ حَولهِ |
وَلَهُم دويُّ النحلِ لمَّا بَاتوا |
|
مِنْ رُكّعٍ وسطَ الظلامِ وسُجّدٍ |
للهِ منهُم تكثرُ الدّعواتُ |
|
وَتراءت الحورُ الحسانُ وزُيّنتْ |
لِقدُومِهمْ بنعيمِها الجنّاتُ |
|
وَبدا الصباحُ وَلم تَنْم عينٌ لَهمْ |
كلاّ ولا نابتهُمُ غَفواتُ |
|
وَدنا ابنُ سَعدٍ منهُمُ بجيوشه |
راياته بالكُفرِ مَعقوداتُ |
|
نادى اشهدوا إني لأوّلُ منْ رمى |
جيشَ الحسينِ وتابعتهُ رُماةُ |
|
يبغي رضا نسلِ البغايا مُغضِبا |
رَبَّ السما فجزاؤُه الدرَكَاتُ |
|
فَهُناكَ أنصار الحسينِ تَسابقُوا |
للحربِ قد صَحّت لهم نيّاتُ |
|
فكأنَّ كُلاًّ مِنهُمُ ليثٌ به |
قَذفَت إلى خَوضِ الوغى الغَاباتُ |
|
نيفٌ وسبعونَ التقوا مَعْ عِدّةٍ |
فيها الثلاثون الألوفَ طُغاةُ |
|
كَرُّوا على تلكَ الجموعِ ضَراغماً |
وَلهم هنالِك صولةٌ وثباتُ |
|
حتى أُبيدوا مُقبلينَ بواسلاً |
لثغُورِهم تحتَ الوغى بسماتُ |
|
وَقضوا كراماً بعد ما حطموا القنا |
وَتثلّمتْ للماضياتِ ظِباتُ |
|
ولمجدِهم كُتبَ الخلودُ ودامَ في |
أنفِ الزمانِ لذكرِهم عَبَقاتُ |
شهدتْ لهَم تلكَ الوقائعُ أَنَّهم |
نُجبٌ كِرامٌ طيّبونَ سراةُ |
|
وتسابقتْ من بعدهِم مِن هاشمٍ |
آسادُ حربٍ مُقدِمونَ كُفاةُ(1) |
السيد محسن الأمين
يتواصل السيد الامين في قصيدتيه مع إنجازات القصيدة العمودية في تجربة النهضة فهو يوازيها ويحاذيها في التقاطه لشذرات متعدّدة من منابع متعددة بما يظهر الجهد الموسوعي في تلقّي النتاج الشعري الذي سبقه والذي عاصره ويمتزج هذا بتوقٍ عاطفي رومانسي متقاطع مع معطيات مدرسة المهجر في التعامل مع موضوعات حياتية شفافة مثل ( المساء ) الذي يرد في قصيدتي السيد الامين :
وأتى المساء وقد تجهم وجهة ...
او :
جاء المسا فدعاهم قوموا اذهبوا ...
وموضوع ( الصباح ) الذي يرد في القصيدتين أيضا بنفس التركيب :
وبدا الصباح فاقبلت زمر العدى |
نحو الحسين لها الضلال جنيبُ |
وبدا الصباح ولم تنم عينٌ لهم ...
فالمساء يأتي أو يجيء لأنه يريد أن يأتي أو يجيء ، أما الصباح فهو يبدو
__________________
(1) الدر النضيد للسيد محسن الامين : ص 71 ـ 73.
ليفاجئ ويدهش ، وهذه حركة يُدرك منها انفتاح بسيط من السيد الامين على تجربة شعراء المهجر أو جماعة الديوان أو جماعة ابولو الشعريّتين وغير ذلك فقصيدتاه توظف للإيصال والنقل كل المعطيات حتى أن السيد يستخدم التدوير مرتين في قصيدته الاولى وسبع مرات في الثانية مع نفور هذه الآلية عن السلامة السمعية في بحر الكامل ، بل ويتمادى السيد الامين إلى ( خزل ) التفعيلة في البحر أي تحويل ( متفاعلن ) إلى ( مفتعلن ) تطبيقاً لنظر عروضي محض ليس له شواهد في الشعر العربي سوى الشواهد التي أوجدها العروضيون أنفسهم فنراه يقول :
لم نرمِ سهماً معهم ...
مستفعلن مفتعلن ...
فهو لا يعير اهتماماً لجمال المبنى بالقدر الذي يهمه توصيل المعنى بأيّ شكلٍ كان ...
ما العذر عند محمد
وحصانِ ذيلٍ كالأهلّة أوجهاً |
بسنائها وبهائها وصفاتِها |
|
ما زال يخترق الفلا حتى أتى |
أرض الطفوف وحلَّ في عرصاتها |
|
وإذا به وقف الجواد فقال يا |
قوم أخبروني عن صدوق رواتها |
|
ما الأرض قالوا : ذي معالم كربلا |
ما بال طرفك حادَ عن طُرقاتها |
|
قال انزلوا : فالحكم في اجداثنا |
أن لا تُشقّ سوى على جنباتها |
|
حطّ الرحال وقام يُصلح عضبه |
الماضي لقطع البيض في قمّاتها |
|
بينا يُجيل الطرف إذ دارت به |
زُمَرٌ يلوح الغدر من راياتها |
|
ما خلتُ أنّ بدور تمّ بالعرا |
تُمسي بنو الزرقاء من هالاتها |
* * *
__________________
(1) هو : الشيخ محمد بن اسماعيل البغدادي الحلي الشهير بابن الخلفة ، شاعرٌ ناثر أديب ولد ببغداد وهاجر أبوه منها وهو طفل إلى الحلة ، ونشأ محبّاً للأدب ، واتصل ببعض الأعلام منهم الشيخ أحمد النحوي فذاعَ صيته واشتهر أمره حتى عند الاُمراء والولاة ، وهو مع ذلك لم يحضر على استاذ سوى ما كان يتلقفه من النوادي والمجالس ، قال عنه صاحب الحصون المنيعة في ج 9 ص 335 : كان أديباً شاعراً ، يُعرب الكلام على السليقة ، ولم يحصل على العربية ليعرف المجاز من الحقيقة ، وكان يتحرف بالبناء على انه ذو إعراب ، ويطارح الشعراء في غير كتاب ، وله شعر في الأئمة الأطهار وفي مدح العلماء والأشراف ، وكانت له اليد الطولى في فن البند ، توفي سنة 1247 ه في الحلة ونقل إلى النجف ودفن فيها. راجع : ادب الطف للسيد جواد شبر : ج 6 ص 94 ـ 96.
قال الحسين لصحبه مذ قوّضت |
أنوار شمس الكون عن ربواتها |
|
قوموا بحفظ الله سيروا واغنموا |
ليلاً نجاةَ النفس قبل فواتها |
|
فالقوم لم يبغوا سواي فأسرِعوا |
ما دامت الأعداء في غفلاتها |
|
قالوا عهدنا الله حاشا نتبعْ |
أمَّارةً بالسوء في شهواتها(1) |
|
نمضي وأنت تبيتُ ما بين العدى |
فرداً وتطلب أنفسٌ لنجاتها |
|
تبغي حراكاً عنك وهي عليمةٌ |
أبداً عذاب النفس من حركاتها |
|
ما العذر عند محمّدٍ وعلي |
والزهراء في أبنائها وبناتها |
|
لا بدّ أن نرد العدى بصوارمٍ |
بيض يدبّ الموت في شفراتها |
|
ونذود عن آل النبيّ وهكذا |
شأن العبيد تذود عن ساداتها |
* * *
فتبادرت للحرب والتقت العدى |
كالأُسد في وثباتها وثباتها |
|
جعلت صقيلات الترائب جنّةً |
كيما تنال الفوز في جناتها |
|
كم حلّقت بالسيف صدر كتيبة |
وشفت عليل الصدر في طعناتها |
|
فتواتر النقط المضاعف خلتَه |
حلق الدلاص به على صفحاتها |
|
فتساقطت صرعى ببوغاء الثرى |
كالشهب قد أفلت برحب فلاتها |
|
ما خلت سرب قطا بقفرٍ بلقعٍ |
إنّ التراث تكون من لقطاتها |
|
رحلت إلى جنّات عدن زُخرفت |
سكنت جوار الله في غرفاتها(2) |
__________________
(1) لا وجه لجزم الفعل ( نتّبعْ ).
(2) أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 6 ص 110 ـ 111.
ما أعظمها من ليلة
قف بوادي الطفّ واصرخ صرخةً |
تملأُ الدنيا ضجيجاً ورنينْ |
|
يا ضيوفاً نزلوا في نينوى |
فتلقّتُهم جيوشُ الظالمينْ |
|
بالسُيوف استقبلوهم والقنا |
قاصدينَ الغدرَ لا مستقبلينْ |
|
اُمويّون ولا دينَ لهم |
شيمةُ الغدرِ لهم والغادرينْ |
|
واليزيديّون كم عاثوا وكم |
حاربوا الإسلام باسم المسلمينْ |
|
وبنو حربٍ وصخرٍ اقبلوا |
بقلوبٍ ملؤها الحقدُ الدفينْ |
|
ورثوا الأحقادَ من أسلافهِم |
آه ما أقسى قلوبَ الحاقدينْ |
|
اعلنوا الإلحادَ والكفرَ كما |
أنكروا القرآنَ والشرعَ المبينْ |
|
والخياناتُ التي منهم بدتْ |
والجناياتُ لها يندى الجبينْ |
|
لم يُراعوا المصطفى في آله |
صفوةِ الخلقِ كرامٍ أطيبينْ |
|
وعلى آل عليٍّ قد عَدوا |
واعتدَوا تعساً لهم من معتدينْ |
|
وحسينٌ ما جنى ذنباً سوى |
أنّه شبلُ أميرِ المؤمنينْ |
__________________
(1) هو : الشاعر الخطيب الشيخ محمد باقر بن الشيخ محمد صادق بن عبد الحسين الايرواني النجفي ، ولد في النجف الأشرف ، له مشاركات في النوادي الأدبية والثقافية والدينية ، وله باع طويل في التواريخ الشعرية ، وقد أرّخ كثيراً من القضايا الدينية وغيرها في الشعر ، وله بعض المؤلفات.
وكذا أولادهُ من نسلهِ |
خيرُ نسلٍ بل خيارُ الخيّرينْ |
|
ورأوا في صحبهِ روحَ الوفا |
لا كأتباع ابن سفيان اللعينْ |
|
منعوا السبطَ ومن في رهطه |
أنْ يذوقوا باردَ الماءِ المعينْ |
|
كربلا حُفّت بكربٍ وبلا |
نذكرُ السبط بها في كلِ حينْ |
* * *
ليلةُ العاشرِ ما مِنْ ليلةٍ |
مثلُها مرّت على مر السنينْ |
|
ليلةٌ ملأى بألوان الأسى |
ذكرُها للحشر يُشجي الذاكرينْ |
|
ليلةٌ ضاقت بها الدُنيا على |
آلِ طه الاطيبينَ الأطهرينْ |
|
آهِ ما أعظَمَها من ليلةٍ |
أحزنت كلَّ قلوبِ المؤمنينْ |
|
وسويعاتٍ وما أنكدَها |
من سويعاتٍ بها الوجدُ يبينْ |
|
وإلى التوديع أصواتٌ علت |
بصُراخٍ وبكاءٍ وحَنينْ |
|
أوداعٌ أم فراقٌ محرقٌ |
لقلوبٍ في غدٍ مفترقينْ |
|
آهِ ما أفجَعَها من فرقةٍ |
لم تدَعْ شملاً لهُمْ مجتمعينْ |
|
والحسينُ السبطُ قد حَفّتْ به |
لُمّةٌ بين بناتٍ وبنينْ |
|
ويَرى مِنْ جانبيه نسوةً |
أحدقت فيه يساراً ويمين |
|
يا بنفسي من وداعٍ مؤلمٍ |
وبعقباهُ افتراقُ الأقربينْ |
|
ولأطفالٍ صغارٍ رضَّعٍ |
عُطّشاً تبكي ولكن بأنينْ |
|
يا له من مَشهدٍ أبكى الملا |
والسماواتِ العُلى والأرضين |
ليلةٌ آلُ رسولِ الله في |
صُبحها بينَ ذبيحٍ وطعينْ |
* * *
يومُ عاشوراءَ ما يجري به |
فبعينِ اللهِ ربِّ العالمينْ |
|
يومُ عاشوراءَ يومٌ لم يكن |
مثلُهُ يومٌ وبالحُزن قرينْ |
|
ألبسَ الكونَ حداداً دائماً |
بشعارِ الحُزنِ والكونُ حزينْ |
|
لضحايا الطفِّ هُمْ آلُ الهُدى |
من شُيوخٍ وشبابٍ أنجبينْ |
|
في سبيل الله والدين معاً |
جاهدوا حتى تفانوا أجمعينْ |
|
بقيَ السبطُ وحيداً بعدهم |
ويُناديهم ألا هل من مُعينْ |
|
لم يجد منهم مُجيباً أبداً |
يا لمأساةٍ لها الصخرُ يلينْ |
|
للحسينِ السبطِ إعلانُ العزا |
والمُعزَّى جَدُّه الهادي الأمينْ |
محمد باقر الايرواني النجفي 19 / 11 / 1416 ه قم المقدسة |
دويّ النحل
ذاك ليلٌ فيه استعدّت لصبحٍ |
ثُلَّةُ العزِّ وهي عزَّت مثالا |
|
غار بالليل كلُّ نجم مُضيءٍ |
خجلاً منهُمُ فزادوا جلالا |
|
فحسينٌ كساهُم أيَّ نورٍ |
فيه تخفى الأنوارُ وهي تلالا |
|
لا يعدّون عمرهم غير صبرٍ |
بين حدِّ السيوف إلاًّ حلالا |
|
لا يعدّون عُمرهم غير شربٍ |
لكؤوس المنون حتّى الثمالا |
|
ودويٍّ كالنحل في صلواتٍ |
لو أتوها على الوجود لزالا |
|
يشحذون الفؤادَ كي لا يُهالا |
حين ترتجّ أرضُها زلزالا |
|
فحبيبٌ يُوصيهُمُ بحبيبٍ |
وحبيبُ الجميع ربٌّ تعالى |
|
برزوا للوجود أحلى نجومٍ |
منهُمُ ازداد كلُّ شيءٍ جمالا |
|
وإذا بالحَمَار يبدأُ فجراً |
كلُّ فجرٍ بُحمرةٍ يتعالى |
|
إذ يبثُّ الحياةَ في كلِّ شيءٍ |
منه حتّى الجماد يبغي انتقالا |
__________________
(1) هو : الفاضل الشيخ محمد حسين بن الشيخ عبد الغفار الأنصاري ، ولد في العمارة ـ العراق سنة 1372 ه ، أكمل دراسته الأكاديمية وحاز على شهادة الهندسة ، ثم التحق بالحوزة العلمية في النجف الأشرف في منتصف السبعينات ( الميلادية ) ، وواصل دراسته فيها حتى حضر بحث الخارج عند السيد الخوئيقدسسره ، ومن مؤلفاته : 1 ـ لمسات الشيخ المفيد على سنن التاريخ 2 ـ ثورة الحسين عطاء دائم 3 ـ المعايير العلمية لنقد الحديث 4 ـ ديوان شعر (خاص بالحسينعليهالسلام ) 5 ـ وكتابات فقهية.
وكأنّ الجميعَ هبّ سريعاً |
من عِقال وما يُريدُ اعتقالا |
|
وإذا بالحسين فجرٌ عجيبٌ |
يتصدّى لليل ظُلمٍ توالى |
|
يضمحلُّ الطُغيانُ وهو عظيمٌ |
وعنيدٌ بنورهِ اضمحلالا |
محمد حسين الأنصاري 12 / محرم / 1414 ه |
(1)
العباس وليلة العاشر
قد انجبتك من الفحولة حرّةٌ |
لم يعرف التاريخ بعدُ وفاءَها |
|
اُمّ البنين أصيلة أكرم بها |
اُمّاً فدت لإمامها أبناءَها |
|
غذّتك من ثدي الكرامة والوفا |
حُبَّ الحسين فكنت أنت عطاءَها |
|
وبطولة من حيدر فجمعتها |
في كربلاء لكي تصَّدَ بلاءَها |
|
قرَّت لها عينُ الكريمة زينبٍ |
لتراك أهلاً أن تصون خِباءَها |
|
فمضت تَقُصّ عليك دوراً عاصفاً |
فيك الشهامة ما اعتزمت فداءَها |
|
في ليلةٍ طاب الحديث الحلوُ من |
اُختٍ وأنت على الجواد إزاءَها |
|
تروي مصاهرةَ الكرام بقصةٍ |
قد انجبتك ولم تُرِدْ إخفاءَها |
|
فهززت سيفك أن تُطمئنَ قلبها |
بيدٍ تلقّت في غدٍ جذّاءَها |
|
فتصاعدت بيضاء تدعو ربها |
ألاّ يَخيب السائلون رجاءَها |
__________________
(1) هو الأستاذ شاعر السيد محمد رضا بن العلامة الحجة السيد محمد صادق بن السيد محمد رضا القزويني ( الموسوي ) ، ولد سنة 1360 ه في خراسان ، وله مشاركات في كثير من النشاطات الأدبية والثقافية وله مشاركة فعّالة أيضاً في النوادي الحسينية وخصوصاً يوم العاشر من المحرم ، ومن مؤلفاته : 1 ـ نعيم وجحيم ( شعر ) ، مدائح لأهل البيتعليهمالسلام 2 ـ كربلاء ودورها القيادي في ثورة العشرين ( مخطوط ) ، 3 ـ ديوان شعر ( مخطوط ) ، كما نشرت له قصائد في بعض الصحف والمجلات.
فتحدّث التاريخ عنها أنّها |
ملأت بأسخى المكرُمات عطاءَها |
|
وعلى الشريعة ودّعتك مُقطّعاً |
اُختٌ تُساق وَخلّفتك وراءَها |
|
لكنَّ رأسك فوق رمحٍ شامخاً |
قد كان يرعى شجوها وبُكاءَها |
|
قمراً يُنير الدرب أيَّ قوافل |
ويضمَّ تحت شُعاعه اُسراءَها |
|
نادتك من قلب ذوت أوشاجُه |
وبأدمُع هوت العيونُ بُكاءَها |
|
أأخيَّ عند العهد بعدك لم تزل |
وأراك تسمعُ للصغار نداءَها |
|
لا زلت تحرس ركبنا وتُزيل في |
أنوار وجهك للعدى ظلماءَها |
(2)
حديث الليل
ليلة العاشر قد خَلّفتِ حتى الحشر في الأكباد جمرا |
كيف قَدْ مرّت سويعاتِك بالآل وبالأطفال قهرا |
وحسينٌ كلّما اشتدَّ به وقعُ الظَّما قد زاد صبرا |
خطبَ الأصحاب والعترةَ فانهلّتْ له الأعينُ عبرى |
قائلاً إنَّ العدى لم يطلبوا غيري في الآفاق وترا |
فدعوني وسيوفَ القومِ إنَّ الله قد قدَّرَ أمرا |
أقبلَ الليلُ ألا فاتخذوه جملاً فالسترُ أحرى |
وليُصاحبْ كلُّ فردٍ في ظلام الليل إنْ أمكن سِرّا |
رجلاً من أهل بيتي فلقد ألقيتُ للأصحاب عُذرا |
* * *
فتبارى القومُ يبكون لِما قال وهُمْ بالعُذر أدرى |
وتنادى كلُّ فردٍ مِنهُمُ يَفتحُ للنصرةِ صَدرا |
قائلاً لو قطَّعوني إرباً ما كنتُ من هاب وفرّا |
وإذا ما فعلوا ذلك بي سبعينَ تقتيلاً وذرّا |
لم أكن أتركُ هذا السبطَ للأوغاد أو أمنعَ نصرا |
كيف واليوم أُلاقي ميتة تُعقبُ في الأجيالِ فخرا |
وغداً ألقى رسولَ اللهِ في الجنّاتِ قد أجزلَ أجرا |
وعليّاً وهو الساقي على الحوض فما أعذب نهرا |
* * *
وهنا جزّاهُمُ السبط عن الله لدى النصرة خيرا |
وإذا الأقدام صُفَّت في صلاةٍ تِصلُ المغربَ فجرا |
ولهم فيها دويٌ كدويِّ النحل قد غادر وكرا |
وسرَتْ زينب من خيمتها تختبر الأصحاب خُبرا |
سَمعتْ كلَّ خطيبٍ منهُمُ يَفتحُ للأحرار سِفرا |
قائلاً هيهات أن يسبقنا العترةُ نحوَ الحربِ شبرا |
نحنُ أولى بجهادٍ وفداءٍ يَسبقُ الأهلينَ طُرّا |
فذرونا نرتوي كأسَ الشهاداتِ قُبيل الموتِ دَهرا |
بادِرَوها ساحةَ الحرب وفضل البدء أن تُؤخذَ بكرا |
ودعوا سبطَ رسولِ اللهِ أن يشرح بالأصحاب صَدرا |
طَمْئِنوا زينبَ في نصرِ أخيها فهي للزهراءِ ذكرى |
فتسرّى عن رؤى زينبَ ما كانت تعاني منه سرّا |
* * *
ومشت نحو أخيها السبط تستلهم من لُقياه أمرا |
سمعتهُ ناعياً يَرجزُ أبياتاً ويستعرض اخرى |
فتنادت بعويلٍ مذ غَدتْ تقرأُ فيه اليأس نُكرا |
فابتداها كيف لا ييأس من يفقد عندَ الحربِ نصرا |
غيرَ سبعين من الأصحاب والأهلِ وإن زادوا فنزرا |
قد مضى العهد وقد أوصى به جدي بأنْ أُقتَلَ صبرا |
وتُقادين بأسرٍ وعيالاتي إلى الشام فيالله أسرى |
فاصبري اُختاه يوماً قد أعدَّ الله للصابر أجرا |
واصنعي بالأهل والأطفال والأيتام ما أرجوك ذُخرا |
فرأى الاُختَ على العهد ومَنْ كان بذاك العهد أحرى |
* * *
ومضت تبحث في عمق ظلام الليلِ والمحنةِ بدرا |
لترى العباس قد شمَّر للنخوة يُمناه ويسرى |
أسداً يختال ما بين خيامٍ يمتطي بالزهو مُهرا |
فدَعتْهُ وهو فوق المهر لا يسطيع فوق السرج صبرا |
قَمرَ الآلِ على رسلك قد طاب الحديثُ الآن غَورا |
حدَّثته بحديث الزيجة المُنجبة الأبطال نَذْرا |
وبما اختار عقيلٌ لأبيها من بنات الأسدِ بكرا |
بعدما قد مضت الزهراءُ واستوصت بنا حيدرَ خيرا |
وبما قد وعد اللهُ لهذا السبط بالأبطال ذُخرا |
* * *
وإذا العباس للنخوة هزَّ السيف إيذاناً وفخرا |
وتلّوى في ركاب المهر إذ قطَّعها شداً وجرّا |
قائلاً إنَّ غداً سوف يراه القوم من بأسيَ نُكرا |
لأُقِرنَّك عيناً أختُ ما زلتُ على عهدك حُرّا |
أنا أفديك وهذا السبط ما أملك من روحي شَطرا |
وأنا نجلُ عليٍّ أسد الله الذي ما يومَ فرّا |
وحسينٌ سيدي قبل إخائي وإمامُ الكونِ طُرّا |
أنا مَنْ ردّ أمان القائد الفاسق ما حمَّل شمرا |
أأمانٌ لي وإخواني وهذا السبط لا يأمنُ شرّا ؟ |
أنا أرويك غداً يا ساحة الحرب دماً ينساب نهرا |
أنا اُصْليْ القومَ ناراً قبل أن يحترقوا في الخُلد سُعرا |
أنا مَنْ اُفزع قلبَ الجيش من قبل لقاء الحرب دهرا |
أنا من ألقي بسوح الحرب في أفئدة الأبطال ذُعرا |
أنا فخرٌ لبني هاشم في النُبل ومن حيدرَ ذكرى |
أنا والقاسم والأكبر في يوم غدٍ نُهديك سفرا |
سيظلُّ الدهرُ شوقاً كلّما ردَّده يَستافُ عطرا |
سنجلّي ساحة الحرب بما يُشرق في التاريخ بدرا |
لو تقاسمنا جيوش القوم إذ نقلبها بطناً وظهرا |
ولأفنى كلُّ شهمٍ من عرانينك للجحفل شطرا |
ولألفيت فلول الجيش قد أَلقت إلى المهزوم عُذرا |
وسعيد القوم من أسعفه الحظُ من القتل وفرّا |
بَيْدَ أنَّ الله لا تعلم ما سوف غداً يقضيه أمرا |
محمد رضا القزويني 28 / شوال / 1416 ه |
السيد محمد رضا القزويني
إقتطع السيد محمد رضا القزويني في قصيدته ( العباس وليلة العاشر ) مقطعاً مؤثّراً من مقاطع ليلة عاشوراء الأليمة فاختار شخصية أبي الفضل العباسعليهالسلام في خطاب ذاتي من الشاعر مع الكمالات الروحية والجسدية التي وضعها العباسعليهالسلام رخيصة فداء لولائه لسيد الشهداءعليهالسلام ثم صوّر لنا جانياً آخر تشارك فيه الشاهدة العظيمة على المأساة وتفاصيلها زينبعليهاالسلام لتحتدم رؤى القصيدة وتتصاعد فجيعة وفقداناً لننتهي بلسان حالها وهي تخاطبه خطاب الوفاء والمحبة بعقائديّة مذهلةٍ
وايمانٍ غيبيٍّ متوهّج وهذه الالتفاتة في اختيار السيد القزويني لهذا المقطع المأساوي وايفاؤه لمتطلباته في لغة هي للتراث اقرب منها للحداثة ينمّ عن ذوق وحس شفافين نراهما ـ أيضا ـ في قصيدته الاُخرى ( حديث الليل ) والتي أفاضت على كل أحداث الليلة بتوثيقها وتسجيلها وحفظها بلغةٍ سلسلةٍ رشيقة ساوقها الإيقاع المرهف والمتقافز لبحر الرمل الذي جاء به السيد القزويني بخمس تفعيلات خارجاً عن مألوف عمودية البحر بصدر بيته المساوي لعجزه في عدد التفعيلات فأصبحت القصيدة من نظام الاشطر المتساوية في عدد تفعيلاتها وليست من نظام الصدر والعجز التقليدي وهو خروج يشعر القارئ المتمرّس بشيء من المغايرة فيشده للإنتباه إلى خصوصية البناء وفرادته وهذه الحال ـ بلا ادنى شك ـ قصدها السيد القزويني اثارة محسوبة على التجريب الواعي في عملية النظم وكسراً ملحوظاً للرتابة والتكرارية.
على مشارف الشمس !
نجمةٌ أنتَ أم أنا |
أم هو الحلم بيننا ؟ |
|
كيف فاجأتَ حُلكة |
من ظلام توطّنا ؟ |
|
أنت أشمست ليلها |
فاستفاقت ، وأذعنا |
|
أخجل الضوءُ من سنا |
وجهكَ ، الليلَ فانحنىٰ |
* * *
لم يكن غيرُه هناكْ |
عندما خطَّ مسرحا |
|
حاصر الأرض والزمانْ |
ثم للأُفق لوَّحا |
|
رمقت عينُه النجومْ |
فأحاطَته ، كالرحىٰ |
|
.. أنا نجمٌ تفتّحا |
بالدما قد توشّحا |
* * *
ها أنا مطرقٌ ؛ يقول : |
لن أُنادي ، سأسكتُ |
|
فامتطوا صهوة الظلامْ |
أسرعوا لا تَلَفّتوا |
|
.. ألف عصفورة هنا |
ـ يا رفاقي ـ ستصمتُ |
|
شمعُنا هاهنا ؛ يضيعْ |
ضوؤه ، ثم يخفتُ |
__________________
(1) هو : الشاعر الخطيب الشيخ محمد سعيد عبد الله المناميين ، ولد سنة 1390 ه في القطيفه ، أكمل المرحلة المتوسطة ثم طلب العلم في النجف الاشرف سنة 1409 ه ، ثم في حوزة قم المقدسة سنة 1411 ه ولا زال يواصل دراسته العلمية ، له نثارات شعرية ، وله مشاركة في النوادي الأدبية والدينية.
في غدٍ أسهُمُ الطُغاةْ |
حولنا سوف تقنتُ |
|
إنما هذه الحياةْ |
فرَصٌ لا تفوَّتُ |
* * *
.. ها هنا مصرع الرضيعْ |
هكذا السهمُ قَبَّلهْ |
|
لو ترون التماعة النّ |
صلِ في كفِّ حرملهْ |
|
حينما شدَّ قوسهُ |
صوّب النحرَ مقتلهْ |
|
عطشٌ يخنقُ الضلوعْ |
وارتجاف وحوقلةْ |
|
.. ثمَّ دوّىٰ ، أزيزُهُ |
ملأ الكون ، أذهلهْ |
|
ولمحتُ احتضارهْ |
بسمةً ثمَّ بسملةْ |
* * *
فأحاطوه ، أحدقوا |
طوّقوهُ ، تألَّقوا ! |
|
وأجابوه أحرفاً .. |
شفةَ الشمس ترمقُ |
|
أحرفاً لونُها القنا |
ودموعاً تَرقرَقُ |
|
: هل هو الموت ؟ مرحباً |
فالمنايا سنَطرُقُ |
|
سوف نؤوي سهامها |
وبها سوف نرفقُ |
|
أن نوارىٰ فمشرقٌ |
ـ أنت ـ في القبر يُورقُ |
* * *
لم أكن نجمةً أنا |
بل هو الحُلم بيننا |
1 / 11 / 1417 ه محمد سعيد المناميين |
الشيخ محمد سعيد المناميين
بعدما أكثر من الإصغاء ومرافقة الشعراء والأدباء قرّر محمد سعيد المناميين أن يلج البوابة السحرية بجواز سفرٍ يشهره بثقةٍ أمام حرس الحدود ليُذعنوا لرغبته في الدخول بترنيمة عذبة تؤشّره كصاحب شاعريةٍ واعدة بالعطاء الثرّ والإنجاز النوعي المتنامي على مستوى القصيدة الحديثة الرؤى ، الاصيلة في محتواها.
إنّ تجربة المناميين هذه لا تغفل التحدي بل تطلبه مع الذات ومع الآخرين أيضاً فهي عرضٌ للقدرة وفحصٌ للكفاءة جاءت على مستوى البناء لتصدح على مجزوء الخفيف لتقول لسامعها : ( إنني أتجاوز حدود الصنعة الشعرية بأدوات متمكنّة في الجانب الإجرائي التنفيذي ) ، أما على مستوى الإنشاء التصويري فقد حبك المناميين قصيدته في نسيج متآلف يتدرّج بصوره لينوّع داخل وحدة متماسكة ، ويقفز برشاقة المقتدرين من الشعراء ليواصل مسيرة القصيدة بنفس خاص وخطى متميزة تقرّب تجربته الجديدة إلى قمم الإبداع الأصيل.
فنلاحظ صراع النور والظلام في المقطع الأول من القصيدة على قصر الجمل وإيجازها قد تبدّى بشكل ومضات شعرية لمّاحة تنتهي بضربة تعبيرية كثيفة ليقول :
أخجل الضوء من سنا |
وجهك الليل فانحنى |
وفي المقطع الثالث يعالج الأحداث الواقعية بلغة شعرية متمكّنة ، ويُسلس قياد حرف التاء كقافية عصية ليقول :
ألف عصفورة هنا |
يا رفاقي ستصمت |
ونحن نبارك له هذا الإعلان عن شاعريته ونصافحه بقوة لإعجابنا بهذا البيت من المقطع الرابع :
ولمحت احتضاره |
بسمةً ثمّ بسملة |
(1)
ليلة الوداع
بكِ يا ليلة الوداعِ الرهيبِ |
سال دمعي دماً لرُزءِ الغريبِ |
|
مذ أحاطت به الجيوشُ وأمسى |
يتلقَّى الردىٰ بصدرٍ رحيبِ |
|
قال يا صحبيَ الكرامَ وفيتم |
فاذهبوا في ظلام هذا الغروبِ |
|
واتركوني والقومَ فالقصدُ قتلي |
فأجابوه يا حبيبَ القلوبِ |
|
كيف ترضى نفوسُنا بالتخلِّي |
عنك في محنةٍ ويومٍ عصيبِ |
|
لك نفدي أرواحَنا وقليلٌ |
لك بذلُ الأرواحِ عند الوثوبِ |
|
سيدي كيف ينتهي الأمرُ فينا |
لنكوصٍ بعد اتضاحِ الوجوبِ |
|
أنخلّيك مفرداً يا بنَ طه |
والأعادي عندَ اشتدادِ الخطوبِ |
|
أي عذرٍ لنا إذا ما سُئِلْنا |
ما جرى فالتجأتُمُ للهروبِ |
|
يا أبا عبد الله دَعْنا ننالُ ال |
أجرَ والفضل في الجهادِ الدؤوب |
__________________
(1) هو الخطيب الشاعر الشيخ محمد سعيد بن الشيخ موسى المنصوري ، ولد سنة 1354 ه قرأ في البصرة والمحمرة والبحرين وقطر والكويت ، وقم المقدسة ويُدرس حالياً الخطابة في معهد الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن مؤلفاته : 1 ـ ميراث المنبر في جزأين 2 ـ مفاتيح الدموع لكل قلب مروع. 3 ـ ديوان السعيد في رثاء السبط الشهيد 4 ـ الذكر الخالد ( محاضرات ) في ثلاثة أجزاء ، وله نشاطٌ بارز في النوادي الحسينية والشعريّة.
فجزاهم خيراً وقال إليكم |
ما أردتم والفوز للمستجيبِ |
|
وأراهم منازلاً قد أُعدَّت |
لَهُمُ في الجنانِ بالترحيبِ |
|
ليروا راحةً بها وارتياحاً |
بعد ذاك العنا وتلك الكروبِ |
|
ثم باتوا لهم دويٌ تعالىٰ |
بالمناجاةِ للإلهِ المجيبِ |
|
فقضوها بالعشقِ ليلةَ وصلٍ |
ببكاءٍ وحسرةٍ ونحيبِ |
|
ومع الدهرِ للحسين عتابٌ |
بخطابٍ إلى القلوب مذيبِ |
|
قال يا دهرُ منك كم قد أُصِبْنا |
ودُهينا بكل خطبٍ مريبِ |
|
هدَّنا خطبُك الجليلُ وإنّا |
منه شِبْنا قبل يوم المشيبِ |
|
ثم طوراً يرنو لزينبَ تبكي |
ولها ينثني بقلبٍ كئيبِ |
|
أختُ يا زينبُ العقيلةُ صبراً |
إن رماكِ القضا برزءٍ عجيبِ |
|
كم علينا حوادث الدهر جرّت |
من مآسٍ تُدمي عيون اللبيبِ |
|
أنتِ أمُ النبوغِ بنت علي |
وعليٌ في الدهر أسمى خطيبِ |
|
هو ممن ذلت لديه المعاني |
لسمو التفكير في الترتيبِ |
|
فخذي خط أمك في جهادٍ |
لك في محتواه أوفى نصيبِ |
|
وابذلي في زمان أسركِ جهداً |
ببيانٍ مفصلٍ ومصيبِ |
|
أوضحي فيه أمرنا لاُناسٍ |
قادهم للشقاء قولُ كذوبِ |
|
وضعي في عروشِ آل أميٍ |
قبساً يابنة الهدى من لهيبِ |
|
واحفظي لي العيالَ ثم اعرضي عن |
جزَعٍ موجبٍ لشقّ الجيوبِ |
|
واتركي النوح والبكاءَ لوقتٍ |
من لقانا بعد الفراق قريبِ |
|
واذكريني عند الصلاة بليلٍ |
رُبّ ذكرى تُريك وجه الحبيبِ |
واندبيني إن شئتي ندبيَّ حيناً |
واروي حرّ الحشا بدمعٍ سكوبِ |
|
أبلغي منيَّ السلام لجديّ |
ولأمي وأعلني بالوجيبِ |
|
واقربي عنيَّ السلام شقيقي |
حسنَ الفعل في جميع الدروبِ |
|
وعلى البعد وجّهي لأبينا |
في الغريين أجمل الترحيبِ |
|
ثم قصّي عليه رزءاً بكاه |
قبلُ في نينوى ببعض الحروبِ |
|
واخبريه بأننا قد أصبنا |
من رزايا زماننا بضروبِ |
|
فرقتنا يد النوائب شرقاً |
وشمالاً وما لنا من صحيبِ |
|
يا ابنة الطاهرين جدّاً وأماً |
وأباً ذا حجا وصدرٍ رحيبِ |
|
اصبري صبره فَبالصبر يرقى |
كل حي لذا الاله الرقيبِ |
|
واعلمي أننا على الحق نحيى |
وعليه نموت من دون حوبِ |
|
وسلامٌ عليكِ منيَّ يترى |
في حياتي وبعد يوم مغيبِ |
(2)
صورة من الوداع
صاحِ دهري ولم أكن بالجزوعِ |
قد رماني بكلّ خطبٍ فظيعِ |
|
وسقاني كؤوس همٍّ وحزن |
سلبت راحتي وأحنت ضلوعي |
|
ذالكم حين صاح ليلاً حسينٌ |
يا بني هاشم بصوتٍ رفيعِ |
|
هذه ليلة الوداع فقوموا |
بعد لبس القلوب فوق الدّروعِ |
|
ودّعوا الطاهرات وابكوا عليها |
وهي تبكيكم بحمر الدّموعِ |
|
حرّ قلبي لزينب الطّهر لمّا |
أقبل الطّاهرون للتّوديعِ |
|
رأتِ الأمَّ تلثم الابن شوقاً |
وكذا الابن ينحني بخضوعِ |
|
يلثم الوالد الحنون فيحنو |
فوقه من أسىً بقلبٍ وجيعِ |
|
فهو طوراً يرنو العيال وطوراً |
يرسل الطرف نحو مهد الرّضيعِ |
|
حيث يدري بطفله سوف يُرمىٰ |
وعن الماء يرتوي بالنَّجيعِ(1) |
__________________
(1) ديوان ميراث المنبر للمنصوري : ص 224.
(3)
حديث مع الليل
يا ليلةَ العشر طُولي |
قد زاد فيكِ نحولي |
|
وددْتُ من قبل قومي |
يَحِيْنُ وقتُ رحيلي |
|
بكربلا مذ نزلنا |
عَلمتُ عند النّزولِ |
|
بأنّنا سوف نبقىٰ |
بلا حمىً وكفيلِ |
|
وذاك أعظمُ خطبٍ |
من الزّمان جليلِ |
|
يمسي الحسينُ قتيلاً |
ويا له من قتيلِ |
|
فيا دموعي سِيلي |
عليه كلَّ مَسيلِ |
|
ثم انثنت بنتُ طه |
بعبرةٍ وعويلِ |
|
تخاطب اللّيلَ لكن |
خطابُها عن ذهولِ |
|
فاللّيل يُسري وتسري |
نجومه للأُفولِ |
|
تقول لا تُبدِ صبحاً |
وذا من المستحيلِ |
|
أيسمعُ الليلُ قولاً |
من الكلام الطويلِ(1) |
__________________
(1) ديوان ميراث المنبر للمنصوري : ص 216.
(4)
زينب تخاطب الليل
تشبُّ بقلبي نارُ وجدي وتُضرمُ |
لذكراكَ يا ليلَ الوداعِ متيّمُ |
|
وهيهات أن أسلو مصائب كربلا |
وتلك بَكاها قبلُ طه المكرّمُ |
|
فما زلت في بحرٍ من الحزن والشّجا |
أعومُ وطرفي بالكرى لا يهوّمُ |
|
مدى العمر لا أنسى عقيلةَ حيدرٍ |
عشيّةَ أمست والقضاءُ مخيّمُ |
|
تودّع أهليها الكرامَ وتنثني |
مع اللّيل من فرط الأسى تتكلّمُ |
|
تقول له يا ليلُ رفقاً بحالنا |
فأنت بنا من شمس صبحكَ أرحمُ |
|
بربّك لا تُبدي الصّباحَ فإنّه |
صباحٌ به جيشُ الضلالةِ يهجمُ |
|
أطلْ يا رعاكَ اللهُ وقتَكَ أن تجد |
طريقاً ولا تخفى لجوّك أنجمُ |
|
أطلْ لوداع الطّاهراتِ حماتِها |
فصُبحكَ فيه منهمُ يُهرقُ الدّمُ |
|
أنا زينبُ الكبرى سليلةُ أحمدٍ |
وهذا حسينٌ والزّمانُ محرّمُ |
|
وهذي جيوشُ الظالمينَ تراكمت |
علينا فهل فيما يُريدونَ تعلمُ |
|
يُريدونَ قتلَ ابن النبي وصحبهِ |
وإنّك تدري مَنْ حسينٌ وَمَنْ همُ |
|
أطالت مع اللّيل الحديث من الأسى |
وأجفانُها كالمُزنِ تهمي وتسجمُ |
|
فلو فَهِمَ اللّيلُ البهيمُ كلامَها |
لرقَّ لها لكنّه ليس يفهمُ |
|
ولو كان ذا حسٍّ ويعرفُ قدْرَها |
أجاب نداها لكن اللّيلُ أبكمُ |
|
تُخاطِبُه في أن يُطيلَ ظلامَه |
عليها وما للّيلٍ أُذنٌ ولا فمُ |
شكتْ همّها للّيل واللّيلُ أخرسٌ |
وزينبُ حيرى والفؤادُ مكلَّمُ |
|
ومرَّ عليها وقتُهُ وتصرَّمت |
دقائِقُه والصُبحُ بالشرِّ مُفعمُ |
|
ولاقتْ مُصاباً لو اُصيبَ ببعضه |
أشمُّ الرواسي الشامخات يُهدَّمُ |
|
لقد شاهدتْ قتلَ الحسينِ بعينها |
وهل منه أدهى في الزمان وأعظمُ(1) |
* * *
__________________
(1) ديوان ميراث المنبر للمنصوري : ص 221.
الشيخ محمد سعيد المنصوري
الشيخ المنصوري مشدود إلى تلبية نداء الخطابة الصارم في شعره بشكل لا يخفى على المطّلع ، لذا فشعره مضغوط داخل شروط ومتطلبات آمرة ناهية تحصر الشاعر بحدّتها وضيقها ومع ذلك فالشيخ المنصوري يتجاوز كل هذا بعد تحقيقه وينصرف إلى جمال التصوير بلغة توصيلية سهلة التلقي يراعي فيها ثقافة السامعين اللغوية ليحقق جماهرية النص فى التواصل على حساب التعبير التوّاق إلى الإنطلاق والتحرر من المباشر والسائد والمألوف.
إن القصيدة المنبرية تتوجه لمخاطبة مساحة عريضة من المتلقين فتكون لذلك قصيدة محافظة على جذورها واُسسها ، لا تستخدم آليات الإيماء البعيد والإشارة المحتاجة للمفاتيح الغائبة أو الغموض الموحي بالدلالة غير المباشرة ، وهي أقرب إلى نقل الجانب المأساوي الفاجع الباكي أو المتباكي أو هي تصنع هذا الجو مثيرة لحزن المتلقّي مستدّرة لدموعه وناشدة للتوجّع والتأوه على ماحدث لسيد الشهداءعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه من مآسٍ وأحداث دامية فلغتها تعريفية متدرّجة في نقل المعلومات التفصيلية التي تذكّر السامع بكل شيء حتى وإن كان من البديهيات المسلّم بها فمثلاً يقول المنصوري بلسان حال زينبعليهاالسلام :
أنا زينب الكبرى سليلة احمد |
وهذا حسين والزمان محرّم |
وهذه طريقةٌ منبرية قائمة على شرح وتفسير تفاصيل الأحداث رغبةً بالشمولية واستيعاب كل ما جرى ، على أن قصائد المنصوري تنحو منحى ذاتياً في
استهلالها ، فالقصيدة تبدأ من وقفة الشاعر الخطيب على الحدث معبّراً عن عواطفه وانفعاله واحاسيسه ولواعجه :
تشبّ بقلبي نار وجدي وتضرمُ |
لذكراك يا ليل الوداع متيّم |
|
وهيهات أن أسلو مصائب كربلا |
وتلك بكاها قبل طه المكرّم |
|
فما زلت في بحر من الحزن والشجا |
أعوم وطرفي بالكرى لا يُهوّم |
ثم يلتفت إلى الحدث لنقله :
مدى العمر لا أنسى عقيلة حيدر |
عشيّةَ أمست والقضاء مخيّم |
وتبدأ الأحداث بين رسمه وتصويره وتعقيبه وبين حوارات زينبعليهاالسلام وبنفس الاسلوب وذات الطريقة نرى قصيدة اُخرى :
بكِ يا ليلة الوداع الرهيب |
سال دمعي دماً لرزء الغريبِ |
ويلتفت سريعاً :
مذ أحاطت به الجيوش وأمسى |
يتلقّى الردى بصدرٍ رحيبِ |
وفي قصيدة ثالثة نرى :
صاح دهري ولم أكن بالجزوع |
قد رماني بكل خطبٍ فظيعِ |
|
وسقاني كؤوس همّ وحزن |
سلبت راحتي وأحنت ضلوعي |
ويلتفت كالعادة :
ذلكم حين صاح ليلاً حسينٌ |
يا بني هاشمٍ بصوت رفيع |
وقد تكون قصيدته لسان حال احدى الشخصيات مثل زينبعليهاالسلام منذ البداية تخاطب ليلة الوداع في حوارية نسيجها العتاب المرّ والشكوى والأنين فنرى :
يا ليلة العشر طولي |
قد زاد فيكِ نحولي |
|
وددتُ من قبل قومي |
يحين وقت رحيلي |
ليلة في زمن الأنبياء
أليلٌ سجى في كربلاءَ أم الحشرُ ؟ |
تَسامت به الأيام وافتخر الدهرُ |
|
وهل بسماتُ الوالهين إلى الرضا |
أضاءَتْهُ أم ثغرُ الحقيقةِ يفترُّ |
|
وتلك دموعُ المشفقات تسابقتْ |
شآبيبَ أم سحبٌ بها انبجسَ القطرُ |
|
وهذي جباهٌ أم بروقُ صوارمٍ |
أم اللوحُ محفوظاً بهيكله الذكرُ |
|
وهل تلك أرضٌ أشرقت في عراصها |
ـ أو الفلكِ الأعلى ـ الكواكبُ(3) البدرُ |
|
نعم حلَّها ثقلُ الرِّسالةِ فاكتسى |
بهم سندساً من فيضِ جدواهم القفرُ |
* * *
تعالتْ على رمضان أيّامُ عشرها |
وعن ليلة القدر استطال بها القدرُ |
|
لئن زاد قدرُ الشهرِ بالذكرِ وحدَهُ |
ففي العشر منها استُشهد الذكرُ والطهرُ |
|
وإن كان يفنى بالثلاثين عدُّه |
فما هي إلا الدهر أيامها العشرُ |
__________________
(1) هو : الفاضل الخطيب الشاعر السيد محمد شعاع فاخر ، ولد سنة 1360 ه في الضفة الشمالية من شط العرب درس في حوزة الأهواز العلمية ثم هاجر إلى حوزة النجف الأشرف لإكمال دراسته وكان عضواً في الرابطة الأدبية في النجف الأشرف ، ثم عاد إلى الأهواز وحضر عند العلامة الكرمي ، ثم آثر الإقبال على الخطابة والكتابة ، من مولفاته 1 ـ حجة الشيعة الكبرى 2 ـ دفاع عن السيد المسيح 3 ـ جهاد كربلاء والإنسان 4 ـ ديوان شعر بعنوان « أنا الشاعر ».
(2) فاعل أشرقت.
وليس ظلاماً ما أرى بل صحيفةً |
من النور تبدو والجهادُ لها سِفْرُ |
|
جرت من أبيِّ الضّيمِ فيها دماؤُهُ |
كتاباً جهادُ الأنبياء به سطرُ |
|
ففي كلِّ جرحٍ من عديد جراحه |
لنوحٌ وبلواهُ السفينةُ والبحرُ |
|
وفي كلِّ حرفٍ من لهيب ندائه |
خليلٌ لإسماعيله في الحشا جمرُ |
|
وإنْ كان بالذبح العظيم فداؤُهُ |
لتُفْدى بإسماعيلَ فتيانه الغُرُّ |
* * *
وإنْ فخرت أرضُ الطَّواف بها جرٍ |
فكم هاجرٍ بالطَّفِّ أبرزها الخدرُ |
|
سَعتْ ألفَ شوطٍ تطلبُ الماءَ بعدما |
جرى في مسير النَّهر ريّقُهُ الغمرُ |
|
ولو ملكتْ أمراً سقت من دموعها |
عطاشاه لولا أنَّها أدمعٌ حُمرُ |
|
تسيلُ بجنب النهر يندى بها الثرى |
وتنسجُ برديه الشّقائقُ والزَهْرُ |
|
فلم يعرفِ الراؤونَ ما الدمعُ منهما |
غداةَ جرى من مقلتيها وما النَّهْرُ |
* * *
وهذا ابنُ عمرانَ استقلَّ جهَادَه |
وما صَغُرَتْ شأناً مواقفُه الكُثْرُ |
|
غداةَ رأى سبطَ النبيِّ بكربلا |
به يستجيرُ الدينُ إذ مسَّهُ الضُرُّ |
|
لئن خانه الحانون في الذل جبهةً |
وأصبتهم الدنيا فما خانه النَّصرُ |
|
وإن ظلَّ فرداً حيثُ خلاَّه عسكرٌ |
فكان له من عزمهِ عسكرٌ بحرُ |
|
تمنَّى كليمُ الله تفديه نفسُهُ |
ودونَ الحسينِ السبطِ تنحرهُ السُمْرُ |
|
وجلَّ الصليبُ المجتلىٰ فوق عوده |
مسيحٌ كما يجلى من الغَبَش الفَجْرُ(1) |
__________________
(1) هذه الأبيات ناظرة إلى ما جاء في الإنجيل من أن المسيحعليهالسلام جزع حين رُفع على خشبة الصليب وأظهر ضعفاً ، وبالطبع هذا مفتعل على روح الله ولكن الشاعر جرى على معنى الإنجيل وفيه شبه الرد على النصارى.
تسلَّق أعواد الصليب فما ونَتْ |
رؤاه ولكن باح بالألم السرُّ |
|
يقولُ وملءُ الكونِ منه شكايةٌ |
إلى الله ممزوجٌ بها الألمُ المُرُّ |
|
إلهي وربي كُنْ معي في مصيبتي |
رفيقي فقد عنَّاني الصلبُ والأسرُ |
|
وأُولاءِ فتيانُ الرسولِ تسابقوا |
إلى الموت يتلو الحُرَّ في سعيه والحُرُّ |
|
تَلفُّهُمُ الحربُ العَوانُ كأنَّها |
نعيمٌ وفيه الأُنسُ لا البيضُ والسُمْرُ |
|
فما ضَعُفَت منها القلوبُ عن الوغى |
أجَلْ مات فيها الخوفُ وانذعر الذُعْرُ |
|
وإن جلَّ يوم المطمئنِ وخائفٍ |
فَمَن منهما في السابقين له الفَخْرُ ؟ |
* * *
طوى اللهُ آناءِ الزَّمانِ الذي مضى |
وفي ليلِ عاشوراءَ كان له النَّشْرُ |
|
تَطلَّعَ ماضٍ في الزَّمانِ وحاضرٌ |
كراءٍ جيادَ السبقِ أبرزها الحضرُ |
|
إلى فتيةٍ قد زانت الأرضَ بالسنا |
كما ازدان في عقدٍ من الدُرَرِ النَّحْرُ |
|
أحاطت بسرِّ الله فيها كأنَّه |
فؤادٌ حواه بين أضلُعهِ الصدرُ |
|
تمنَّت لقاءَ الموت قبل أوانهِ |
فأمْثَلُ شيءٍ أن يطولَ بها العُمْرُ |
|
تبرَّجَ رضوانُ الإله بعينها |
نعيماً وما أخفاه عن ناظرٍ سِتْرُ |
|
هَفَتْ لعناق البيض وهي مشوقةٌ |
لمقعدِ صدقٍ عندهُ يَعظمُ الأجْرُ |
|
وحَفَّتْ بسبط المصطفى وهو باسمٌ |
أضاءَ الهدى في ثغره إذ دجا الكفر |
|
أبَتْ أن ترى من هاشمٍ بشبا الظُبا |
عفيراً فعند المصطفى ما هو العُذْرُ |
|
ولكن أبَتْ فرسانُ هاشم أن تُرى |
مُحَلأةً والموتُ ريَّانُ مُحْمَّرُ |
|
ونادى الهدى في حكمه متنهِّداً |
كما فاح من غَنَّاءَ مطلولةٍ نَشْرُ |
|
دَعُوا للوغى أنصارنا فقلوبُها |
لقطف رؤوس الكفر ضاق بها الصبرُ |
|
ومذ حَظِيتْ بالحكم في الموت أقبلت |
كما احتشدت في الأفقِ أنجُمُهُ الزُهرُ |
وقد مال خدرُ الهاشمياتِ بالأسى |
كما مال في زغبٍ مروَّعةٍ وكرُ |
|
دعوا عند آل الله لنْ يخلص العدى |
إليكم بضرٍّ ما جرى دَمُنا الثرُّ |
|
فما عرفت ما الخوفُ حتى تمرَّغتْ |
على الفلق الريَّان من دمها العُقْرُ |
* * *
ويا لك من ليلٍ محت مُدلهِمَّه |
جباهُهُم والبدرُ والقُضُبُ البُتْرُ |
|
رأى الملأُ الأعلى لو انَّ متونَهُ |
لهم صهواتٌ لا المُجمَّلةُ الشُقْرُ |
|
جرى دمهم في المَهْمِه القفر فاغتدى |
نعيماً وأمسى وهو مُؤتلفٌ نضرُ |
|
وما سال فوقَ الأرض حتى تضَّرجت |
به وجناتُ الأفقِ مما جنى الغدرُ |
|
تفجَّرتْ الدّنيا جمالاً بهم كما |
تفجَّرَ بالإبداعِ من مُلهمٍ فِكْرُ |
|
وحقَّق للإنسانِ معنى وجوده |
دمٌ سال منهم لا قليلٌ ولا نزرُ |
|
وخصَّهم بالسبط ربٌّ بَراهُمُ |
فلا قَدْرَ إلا فوقَه لهم قَدْرُ |
السيد محمد شعاع فاخر 27 / 10 / 1417 ه الأهواز |
السيد محمد شعاع فاخر
قصيدة الإقتطاف الجميل من حدائق النص القرآني الكريم هي قصيدة السيد محمد شعاع فاخر ( ليلة من زمن الأنبياء ) وهو توجّه مقتدر كم أحببت أن يساوقه تحرّرٌ من أسار الفخامة والتراكيب المستدعية لنمط التراكيب القديمة التي إستنفدت طاقتها فلم
تعد تخاطب السمع النابض لحركة العصر الحديث.
فمنذ الصدر الاول يتبادر إلى الذهن هذا التنميط الذي يجر القصيدة إلى الوراء فمثلاً ( أليلٌ سجى في كربلاء ) يُذكّرني بقوة ( أبرقٌ بدا من جانب الحي لامع ) لكن الشاعر يغادر هذه المناطق كثيراً مما يمنح القصيدة عدم الإستقرار على محورٍ نظميّ محدّد وواضح فكأن شاعريته مرآة تعكس ما يمرّ أمامها من نصوص يداخلها في نصّه
فنرى مثلاً هذا البيت الرائع :
تسلّق أعواد الصليب فما ونت |
رؤاه ولكن باح بالألم السرُّ |
ليلة عاشوراء أعراس الدم
قِدُ الحرف وسط الليلِ يقتحم القدرْ |
فقلبُ المنايا من لغاك سينتحرْ |
|
تناغيك أمواج الأعاصير في غدٍ |
تعدُّ لها المهر الجريح لتنتصر |
|
تُرى ليلَ عاشوراء عرسَ منابرٍ |
تمشّىٰ بها صحوُ الضمير فما عثر |
|
قُمَيْرٌ يناغي النجم وهي تحوطه |
تفدّيه إن ألوىٰ بجانبه الخطر |
|
ومن كلّ نجمٍ ينزف الضوءُ أحمراً |
تُضاءُ بها الأكوان ، تُفتتنُ العصر |
|
فيا ليلة العشاق كان دويّهم |
تخرُّ له الدنيا ويستسلم القدر |
|
يمدُ الدجى فوق الرمال مخاوفاً |
فتنكسر الصحراء والعزمُ معتمّر |
|
وأنت فمٌ قد جلل الكونَ رفضُه |
وأنفٌ شموخُ فرّعتْ كبرَهُ مضر |
|
فتعلنُ أن الموت غايتك التي |
سَتُسعَدُ فيها والحياةُ لمن قُهر |
|
وينثالُ كلٌّ يستبيحُ وجودَهُ |
فداءً لظل الله والأضلع الطهر |
|
صمودٌ له التاريخ يندى جبينه |
ويرقى على عين الزمان فيُختصر |
|
ستبصر عند الأفق شرذمةً سعت |
لتغتالَ ضَوء الشمس أو تطفئ القمر |
|
وسوف تمدُّ الطرفَ نشوانَ والوغىٰ |
كغابات خوفٍ والاسنّةُ كالشجر |
__________________
(1) هو : الشاعر الأستاذ محمد الشويلي ولد سنة 1387 ه في بغداد ، تخرج من معهد التكنولوجيا ، له مشاركات في الملتقيات الأدبية والدينية ، وله ديوان شعر ( مخطوط ).
ويوم غدٍ من كل طعنةِ خنجر |
يصيحُ فمٌ إنَّ البغاة ستندحر |
|
ستعدو بهم والأفق سُدَّت تخومه |
من الخيل ، والرمضاء ترميه بالشرر |
|
رويداً سيلقاكم رضيعي بنحره |
خطاباً عصيّاً دكّ افئدة الحجر |
|
ويلقاكم حتى الصبي يُشدُّ في |
ذراعيه عزمات النبي فما انكسر |
|
ولادة أحلام هنا تقهر الظما |
ونبعٌ مذالٌ في مدى الروح ينفجر |
|
فصِحْ يا فراتُ الآنَ هذي دماؤنا |
ستغترف الأجيالُ من نزفها الغَضِر |
|
ويا حزمةً للضوءِ ودَّتْ لو انّها |
تُحرِّقُ ألفاً أو تُذرُّ ولاتَذَر |
|
تخطَّي على الدنيا نبوءة عاشق |
توطّئ في أزكى مواجعها المطر |
|
فيا أيها الحرف المطهر لم يزل |
على شفة الأرماح بالوحي يدَّكر |
|
ويا ليلةً ( غابت نحوس نجومها ) |
لك المجدُ أن أشرقتِ في ظلمة البشر |
محمد الشويلي 1 / 12 / 1417 ه |
خصلةُ شَعرٍ لساعديَّ
ومن ذا سيعبر بين الفراتين ..؟
هذا أنا ..
ربّ هذا المسيل المولّه بالصافنات الجيادْ !
قرونٌ وأنت تمرّين من ههنا ياجيادْ
على هذه الأضلع الخاوياتْ
بربك أيّ المضامير رحت تجوبين فيّ ؟
وأيّ الأعنة شدّت يداي ؟
أحبّك يا من تجيبين نذري
عقدتُ على ساعديّ الضعيفين
خصلة شعر لجيدكِ
ثمّ ارتميت اقبّل نقش الحوافر فوق الصعيد
__________________
(1) هو : الشاعر الأستاذ محمد حسن يوسف الماجد ، ولد سنة 1386 ه في تاروت ـ القطيف ، حاز على شهادة البكالوريوس في العمارة من كلية تصاميم البيئة في جامعة الملك للبترول والمعادن سنة 1411 ه ويعمل حالياً في إدارة المشاريع والصيانة بالإدارة العامة للتعليم ، وله مشاركة في النوادي الأدبية والثقافية.
اقومُ وأهوي عليها مراراً !
أقوم ..
وأهوى عليها مراراً !
فهلا تعجّلت بُرئي
فهذا صدى الحمحمات يذيب فؤادي
ـ قرونٌ عليه ـ
ومازال يملأ صدري نحيبا
جياد الخلاص
اضاء لك البرق ليل المتاهة فاجري
صراطك : صدري وقلبي ونحري
صراطك : هذا الممدّد بين الفراتين
ربّ المسيل الموّله بالصفنات الجياد
افيقيه عدواً ..
أقضّي مضاجع هذا الرفات ..
قليل من العدو يسكر رمسى ..!
فطوفى عليه مطاف الجوامح
أُنعلْنَ جمراً ..
وأُشربْن نخب الطفوف
ذرفْن الدموع علي ساكنيها
وزرْن ( الغريب ) ..
تحلقن حول الضريح المدمىّ
ألوفا الوف
ألا يا جياد ..!
قليلٌ من العدو يسكر رمسي
فأصحو ..
لينشقّ عن مدنفٍ لا يتوب
تحمّل ما لا يطاق
وعاد تحمّل ما لا يطاق
وعاد وعاد ..
الى ان افاق
محمد الماجد 20 / 3 / 1417 ه سنابس |
الأستاذ محمد الماجد
قصيدة الماجد ( خصلة شعر لساعديّ ) إعتمدت الوحدة العضوية في نسيجها بمتابعة متأملة لحركة خيول يستعطيها أن تأتي من زمنٍ عصيّ لتمسح البعد المأساوي عن صفحة الوجود ، وانعكست حركة الخيول إيقاعاً نفسيّاً داخلياً أحاط أجواء القصيدة في مونولوجها الداخلي وتداعياتها المتسائلة الباحثة عن الخلاص من ليل المتاهة.
الإستعطاء تبدّى في عنف الأسئلة المتتالية ، فالنص يبدأ بسؤال كبير ( من ذا سيعبر بين الفراتين ؟ ) والعبور ببقعة جغرافية محددة رَمَزَ لها الشاعر بالفراتين فأزاح الدلالة عن أن تكون مخصوصة بالفرات ـ وهو مفردة تنتظم في تشكيلة الطفّ جغرافياً وشعورياً ـ ليذهب أبعد في انتظار ما سيحدث فيخاطب الخيول ليعرّفها بنفسه ( هذا أنا ربُّ هذا المسيل المولّه بالصافنات الجياد ) إنه صاحب المسيل والإقتران المائي واضح في تتابع ( الفراتين ـ المسيل ) لكن هذا المسيل هو تيار الوعي الذي يلازم الحب هنا بصيغة الخلاص فهو مولّه بالصافنات الجياد في إسقاط قرآني لتلبّس شخصية النبي سليمانعليهالسلام بشكل ناقص ، فهو أضلع خاويات تتساءل بإلحاح مقترن بالقسم ( بربك أيُّ المضامير رحت تجوبين فيَّ ؟ ) في حركة داخلية نفسية هي حركة الأمل داخل الذات و ( أيّ الأعنّة شدّت يداي ؟ ) وهو أمل آخر عندما تقبض يداه على أعنّة غير محدّدة للخيول ، ليبتدئ مونولوجاً عاطفياً يناجيها به من ( أحبك يا من تجيبين نذري ) إلى أن تظهر صنميّة الحب في تقبيل
نقش الحوافر فوق الصعيد وتكون آثار الأمل الصغيرة هي الأمل كلّه في قيام وهويّ ينتهي إلى التحضيض والطلب ( فهلاًّ تعجّلت برئي ) ويتحوّل جانب حسيّ من الأمل هو ( صدى الحمحمات ) إلى نحيبٍ ذائب في القلب لتبدأ حركة أخرى من ندائه لها لكن على التخصيص هنا ( جياد الخلاص ) ويطرح عهداً وميثاقاً بالتضحية قائماً على الإستعطاف والإلحاح في الطلب ( أفيقيه عدواً أقضّي مضاجع هذا الرفات ) وهي حالة يأس من النهوض والقيام الذاتي فتتمّ مطالبة الأمل المجسد في الخيول في حركتها الصاخبة الممتلئة بالحيوية ( قليل من العدو يسكر رمسي ) هذه الحاجة إلى ومض بسيط لتنبعث الحرائق وتدبّ الحياة ، ويتكرر هذا الخطاب ثانية في القصيدة لتلحقه لفظة ( فأصحو ) هذه الصحوة المطلوبة بإصرار مبدئي تأخذ شكل الحتمية في عودة الروح إلى أوصال المدنف التي تحمّلت عناء المسيرة ، وتكرّر هذا التحمل والمعاناة إلى أن تتم الإفاقة والنهوض.
قصيدة الماجد ولائية الجذور وعقيدية الإنطلاقة بشكل يخلق واقعية خاصة يمكن أن نسميها الواقعية الشعرية التي لا تصاحب الواقع الحقيقي لتطابقه ، بل لتوازيه وتنهل من ينابيعه بإختيار صادر عن موقفٍ وتجربة وتوجه جماليٍّ فنّي.
وأخيراً فإنّ ليلة عاشوراء لم تكن موجودةً في نصه كوثيقة تاريخية بل كحالة مستبطَنة يخاطبها الشاعر بإيماءٍ مكثّف من خلال خطاب عام للجرح الحسيني الغائر في الأعماق المتلهّفة للخلاص.
عزائم الأبطال
ليلةٌ أسهرت عيون الليالي |
لتُرينا عزائمَ الأبطالِ |
|
وتُرينا الشموسَ تفترسُ اللي |
لَ لتمحو عصرَ الليالي الطوالِ |
|
وتُرينا التاريخَ أشرقَ فيه |
عقدُ نورٍ مرصّعٍ باللآلي |
|
وتُرينا الإنسانَ يسمو على النج |
مِ مناراً ورجلُهُ في الرمالِ |
|
وتُرينا الليلَ الذي يلد الفج |
رَ فيهوي ظلامُهُ للزوالِ |
|
فيها عصبةٌ تُسبّحُ بالحم |
دِ فتذكي شوامخَ الآمالِ |
|
في دويٍّ كالنهرِ يملؤُهُ التس |
بيحُ ينسابُ من رُبى شَلاّلِ |
|
في جلالٍ كنسمةِ الفجرِ هبّت |
لتبُثَّ الحياةَ في الآصالِ |
|
والحسينُ الشهيدُ يفتحُ باباً |
في زوايا المسيرِ والترحالِ |
|
إنّما شخصيَ المرادُ فسيروا |
ودعوا ساحةَ القنا والنصالِ |
__________________
(1) هو : الأستاذ الفاضل الشيخ مهدي بن الحاج حسن بن الحاج عيسى المصلّي ، ولد في سنة 1383 ه في جزيرة تاروت ـ القطيف ، أكمل شطراً من الدراسة الأكاديمية ، ثم التحق بالحوزة العلمية في قم المقدسة سنة 1400 ه ، ثم واصل دراسته الحوزوية متنقلاً بين القطيف والأحساء وسوريا ، ولا يزال يواصل مسيرته العلمية في النجف الأشرف ، ومن مؤلّفاته 1 ـ رسالة في غسل الوجه ( استدلالية ) ( مطبوعة ) 2 ـ الأصول النقية ( مخطوط ) 3 ـ ديوان شعر ( مخطوط ) وله كتاباتٌ أخرى ، وله مشاركات فعالة في النوادي الثقافية الدينية والادبية.
فإذا بالقلوبِ تنطقُ إنّا |
بمواضي سيُوفِهم لا نُبالي |
|
إنما الموتُ يفتحُ البابَ للخل |
دِ فتُمحى عظائمُ الأهوالِ |
|
إنّنا نعشقُ الشهادةَ في الحقِّ |
وإن مُثِّلَتْ بألفِ مِثالِ |
|
وسنبقى حولَ الحسينِ سِياجاً |
من قلوبٍ لا من سيوفٍ صقالِ |
|
فالقلوبُ الولهى أحدُّ من السيفِ |
وأقوى من الدروعِ الثقالِ |
|
والفؤادُ المجروحُ يعصفُ كالاع |
صارِ يمحو ثوابتَ الآجالِ |
|
والجريحُ المظلومُ لا يَرهبُ الموتَ |
إذا ما دعاهُ داعي النِّزالِ |
|
إنَّما الموتُ خطوةٌ لجنانِ الخل |
دَ أو رشفةٌ من السلسالِ |
|
حبَّذا الموتُ في سبيلِكَ يا سِ |
بْطُ ويا حَبَّذا مروعُ القتالِ |
|
ليس في الموتِ ما يُخيفُ إذا كا |
نَ سيُحيي ضمائرَ الأجيالِ |
|
ليس في الموتِ ما يُخيفُ إذا كا |
نَ طريقاً إلى جَميل المآلِ |
|
رايةٌ قَلبُها الحسينُ تَشقُّ |
الحشرَ شقاً إلى عظيمِ النَّوالِ |
|
وقلوبٌ حُبُّ الحسينِ يناغي |
ها تغذَّت حياتُها بالزّلالِ |
|
حُبُّهم مصدرُ الرواءِ وأسّ الطُ |
هرِ والخيرِ والهدى والجمالِ |
|
في سبيل الحسين ما أنتَ يا موتُ |
سوى يومِ رحلةٍ للكمالِ |
|
ليس أغلى من الحياة ولكن |
لك غالي أرواحِنا والعيالِ |
|
كلُّ غالٍ تَملَّكَ القلبَ حُباً |
في سبيل الحسينِ ليسَ بغالِ |
مهدي المصلي 12 / 11 / 1416 تاروت ـ القطيف |
الشيخ مهدي المصلّي
تتدفّق الصور في قصيدة المصلّي ببراءة إبداعية متصاعدة في الكشف عن أحداث ليلة عاشوراء ، فهو حريص على التسجيل والتوثيق لكن عبر عينيه المفتوحتين على ماوراء الظاهر والسطحي والمألوف لنشاركه كشوفه وارتياداته لدروب الحقيقية والمصير البشري عبر ليلة نوعية في حسابه لليالي التي مرّت ولا زالت تمرّ وستبقى تمرّ كاشفة لنا بؤس المصير لغير المرتبطين بسموّ الحقائق المطلقة ، السائرين في متاهات السراب والخواء والجدب ، فنرى المصلّي صدّاحاً بما تجلوه الليلة من ضميره :
وتُرينا الإنسان يسمو على النجم |
مناراً ورجلُه في الرمال |
مع إرتباطه بما هو أرضي فهو متطلّعٌ إلى السمو والتحليق بروحه في سماوات الوجود الحق ، فهكذا الإنسان المتكامل.
والمصلّي مع معانقته لجلال الأفكار السامية فهو لا يعدم وسيلة إلى طرحها بمعادلاتها الشعرية الوجدانية المصوّرة ، حتى أنه يقارب المتن التاريخي بصور شفّافة وتكوينات بصرية برّاقة فنراه يقول عن الوصف التاريخي لعبادة الأصحاب ( دويّ النحل ) :
فى دويٍّ كالنهر يملؤه التسبيح |
ينساب من ربى شلال |
فهو يفكّك الوثيقة التاريخية ليعيد إنتاجها وفق ما تريد شاعريته لكن ضمن الإطار الدلالي العام الذي لا يعوم بعيداً عن ضفاف التوصيل وربما خرج علينا بحلّة
شاعرية محضة ليُنطِق الشخصيات التأريخية بما يخطر لتأملاته أن تقول فنراه يُنطِق الأصحاب بما يحسّه هو :
وسنبقى حول الحسين سياجاً |
من قلوب لا من سيوفٍ صقال |
هذا هو التوغل الباحث عمّا هو جوهري وعما وراء الظواهر في تجربة المصلي الشعرية يتجلّى في هذا البيت المنسوج بكل الأدوات الممكنة ، فنرى الخروج على التراكيب النمطية التقليدية في بؤرة تركيبة مشعّة على عموم البيت في ( سياجاً من قلوب ) وهذا التركيب حداثيٌّ أدخله المصلي بكل يسر إلى قلب البيت لينظّم دقّاته بنبضٍ متسارع على مستوى المضمون والشكل ، ولنا أن نلاحظ أيضاً ثيمة إيقاعية تقصّدها الشاعر في إستخدامه لحرفين من حروف الصفير الصاخبة هما ( السين والصاد ) فنرى صدر البيت وقد توشّح نُطقاً بثلاثة سينات تموسق الإيقاع المتشابك لبحر الخفيف ببريق لحني أخّاذ في ( وسنبقى حول الحسين سياجاً ) في تعارضٍ ثنائي مع حائين في الوسط متجوّفين كعمق نغمي مستقر في ( حول الحسين ) لننتهي إلى قفلةٍ مطربة تسبق جرس حرف الروي من القافية عندما إشتبكت السين في ( سيوف ) مع الصاد في ( صقال ) بصفير متقابل لا يُوفّق له إلا ذو حظّ عظيم من الشاعرية التي تستوعب وتشمل ، وأراني منساقاً إلى إبداء أكثر من الإعجاب بهذه الشاعرية الفذّة التي سيكون لها شأن عندما تنفتح بشكل أكثر عمقاً على التجارب الشعرية الأخرى وأختم إنطباعاتي ببيت آخر للشاعر بلا تعليق :
رايةٌ قلبها الحسين تشقّ |
الحشر شقّاً إلى عظيم النوال |
الليل ورفيقه
في الليلة الأخيرة
« في آخر ليلة وقف الحسين بن علي عليهالسلام بين يدي الله متهجِّداً كعادته غير أن الليل في هذه المرّة له حوار مع نفسه وهو انه يشعر بانقضائه إلى الأبد حينما يأتي الصباح » |
الليلُ قد نثر الدموعَ رحيقا |
وهوى يُقبّل في الظلامِ رفيقا |
|
خمسُونَ ما رعِشَ الضميرُ لغيره |
أبداً وما عَرفَ الفؤادُ عُقوقا |
|
كانت لياليه الحسانُ وضيئةً |
تزهو على كبد الزمان بروقا |
|
وتصاعدت أنفاسُه في موكبٍ |
قد زُفّ للأفلاك نوراً يوقا |
|
وإذ ارتقى نحو السماءِ نشيجهُ |
غفت الشجونُ وجُنّت الموسيقى |
|
رقصت وقد سال النُهىٰ في كأسه |
فالفجرُ جاءَ مُهرولاً ليذوقا |
__________________
(1) هو : الفاضل الشاعر السيد مهند بن الشاعر الكبير المرحوم الدكتور السيد مصطفى جمال الدين ، ولد سنة 1385 ه في سوق الشيوخ إحدى مدن العراق الجنوبية ، تخرّج من معهد التكنولوجيا ببغداد سنة 1407 ه ، التحقَ بالحوزة العلمية في قم المقدسة 1412 ه ، ومن نتاجه الأدبي ديوان شعر ( مخطوط ) وكتابات اُخرى ، وله مشاركاتٌ في النوادي الأدبية والثقافية.
حتى إذا اقتربت إليه غادةٌ |
حسناءُ تضرمُ في الدِماءِ حَريقا |
|
الصُبحُ في وَجناتَها مُتورّدٌ |
ومن الفضاءِ النورُ يشكو ضيقا |
|
فترنّحت بالوجد تَعتصرُ المُنى |
لتصبَّ قلباً في الغرام أُريقا |
|
قالتْ وقدْ فاحَ العبيرُ بصوتها |
والثغرُ نثَّ أقاحياً وشقيقا : |
|
« هلاّ نزلت إلى فؤادي مَرّةً |
وهل ارتشفت رضابَهُ والريقا » |
|
« إنّي أمدُّ يداً لقد ذابت لها |
كلُّ القلوبِ ومُزّقتْ تمزيقا » |
|
فهل ارتضيتَ بأن أكون عقيلةً |
لأصونَ من غيظي الدّمَ المحروقا ؟! |
|
فأجاب :مَنْ هذي التي دَوّت بنا |
وَمَضَتْ إلى النجوى تَشقُّ طَريقا ؟! |
|
قالت : أنا « الدُنيا » وهذي نِعمتي |
تجني الثمارَ أساوراً وعقيقا |
|
فأجابها والحلمُ يمتشق السنا |
ويمدُّ صوتاً في الوجود طليقا : |
|
« حَرُمَتْ على الأبناء من قد طُلّقَتْ |
وأبوهُمُ مَنْ أَوقعَ التطليقا » |
|
« وأبي لقد حَفِظَ الزّمانُ طَلاقهُ |
لكِ في صَميمِ الخالداتِ بريقا » |
* * *
الليلُ يسمعُ ما يدورُ بقلبه |
فيعدُّ دقّاتٍ له وشهيقا |
|
ويعدُّ ليلته ـ وقد ماست به ـ |
أملاً يَموتُ وعالماً مَسروقا |
|
هي آخرُ العنقودِ يدري أنها |
تلِدُ الصباحَ وضوءَه المخنوقا |
|
فلتستعدّي يا نجومُ وتخمدي |
فجراً تخطّى نحونا وشروقا |
|
طولي فقد شدَّ الرحيلُ رِكابَهُ |
وبه تهجّى الضارعُ التفريقا |
فغداً يخرُّ الوهم من عليائه |
« وأبو عليٍّ » يَرسمُ التصديقا |
|
وغداً يُطهِّرُ من نزيف جراحه |
ماءً على نهرِ الفراتِ غريقا |
|
ويشيدُ نصراً للإباءِ مُنضِّراً |
ويُنيرُ جُرحاً للسُراة عميقا |
|
ويَخطُّ للثوّارِ درباً واضحاً |
ويصونُ للمتطلّعين حقوقا |
مهند جمال الدين الأحد 4 / 11 / 1416 ه |
السيد مهند جمال الدين
في قصيدة ( الليل ورفيقه ) يبدو مهند جمال الدين وريثاً كفوءاً لتجربة أبيه الشاعر الدكتور مصطفى جمال الدين إلى حد الإقتراب من التطابق رؤىً وتأملاً وأدوات جزالة لفظ وتصورات مشرقة وبناء منتظماً بكل مميّزات قصيدة مصطفى جمال الدين العاشقة الولهى التي تناغم إشراقات النَفَس العباسي الأصيل في استخدام معاصر للمفردات واستصحاب للتراكيب المتقدمة زمنياً وتفوق في إختيار موقعٍ مغاير للإطلالة المتأملة على جوّ القصيدة وحدودها وآفاقها وتحوّلاتها وتطلعاتها.
إن هذه القصيدة تخيّرت الإصطفاف والإنضمام إلى طابور طويل يقف فيه شعراء العمود مدافعين بصرامة واستبسال عن ماء وجه القصيدة العربية الذي تأكّله جذام النظم الرديء والتنميط المسطّح لكل خواء روحي مصبوب في قالب الوزن ومجترّات القوافي المقحمة.
على أني رأيت أخيراً في نتاج السيد مهند جمال الدين تطلّعاً مختلفاً عن الإتّباعية والإحتذاء بالمثال في بواكيره على الرغم من إخلاصه ووفائه في هذه القصيدة لكي يكون صدى وترجيعاً حتى في إختياره لبحر الكامل دون البحور الاُخرى ( والذي يشكل ثلث شعر السيد مصطفى جمال الدين المنشور ) أو تطعيمه لقصيدته بصيغ بنائية تخصّ المرحوم والده كصيغة ( حتى إذا ) التي لا تكاد تخلو قصيدة من قصائد المرحوم الشاعر مصطفى جمال الدين منها فنرى عند مهند :
حتى إذا إقتربت إليه غادةٌ |
حسناء تضرم في الدماء حريقا |
ويمكننا أن نرى البذور المستزرَعة القابلة للنمو والإنطلاق إلى آفاق جديدة في التعبير والتوصيل مثل هذه البذرة :
وإذا إرتقى نحو السماء نشيجه |
غفت الشجون وجُنّت الموسيقى |
فهو يقابل المحسوسات الصوتية المسموعة في نهاية الصدر ( نشيجه ) ونهاية العجز ( الموسيقى ) في حركة بنائية محدثة.
ونرى كذلك بذور الإنطلاق والتجدد في الحوارات المبثوثة في منتصف القصيدة بين ( قالت ـ وأجابها ) أو عندما يزاوج بين الخيالات والمحسوسات في :
فأجابها والحلم يمتشق السنا |
ويمدّ صوتاً في الوجود طليقا |
فالحلم خيالات تنطلق بلغة الضوء المرئيّ الحسيّ ( السنا ) إمتشاقاً أو تنطلق بلغة الصوت المسموع الحسيّ ( صوتاً ) إمتداداً في الوجود.
إنّ شاعرية مهند جمال الدين هنا تتبرزخ مشدودة إلى أصداء ما مضى وإلى نداءات ما سيأتي بدون إنحيازٍ واضح هذا على مستوى البناء ، أمّا على مستوى التأمل والتصوّر فهي منحازة بعض الشيء إلى السياقات والأنساق الحديثة أكثر.
الفتح المقدس
يُحيِّرُني مصابُكَ كلَّ عامِ |
ويختطفُ الجسارةَ من كلامي |
|
فأحشدُ في يدٍ ظماى القوافي |
وأشعلُ في اليدِ الاُخرىٰ عُرامي |
|
فتنطفئُ الحروفُ على رؤاهُ |
الغريقةِ في السيوفِ وفي السِّهامِ |
|
فأمتشقُ الدموعَ تذبُّ عني |
وتؤنِسُ ركبَ حُبِّكَ في عِظامي |
* * *
أُحبُّكَ يا حسينُ وأنت أدرى |
لأيّ مَدى يُغامرُ بي هيامي |
|
فَبعضُ الوجدِ أنشُرُه لِواءً |
وَبعضُ الوجدِ أسرجُهُ أمامي |
|
وأجترحُ الخُطى حتى إذا ما |
وقفنَ بلهفتي بينَ الخيامِ |
|
سمِعتُكَ ليلةَ التوديعِ تتلو |
مواثيقَ المحبَّةِ والسّلامِ |
__________________
(1) هو : الشاعر المبدع الأستاذ ناجي داود علي الحرز ، ولد سنة 1379 ه في المبرّز ـ الأحساء ، نظم الشعر في سنٍ مُبكّر في الثانية عشرة من عمره ، حصل على دبلوم في المعهد الثانوي التجاري في الأحساء ، وله مشاركاتٌ في النوادي الأدبية والدينية ، والكتابات النثرية والاجتماعية ، ومن نتاجه الأدبي المطبوع : 1 ـ ديوان نشيد ونشيج ( قصائد وجدانية ) 2 ـ ديوان يا حبيبي يا محمد ( أناشيد إسلامية ) 3 ـ ديوان الوسيلة ، ( قصائد ولائية ) 4 ـ الإمام علي في وجدان الشاعر ( دراسة أدبية نقدية لملحمة الغدير ) ..
وتُقسِمُ أن يظلَّ الدينُ حياً |
بفيضِ جراحِكَ الحُمْرِ الدَّوامي |
|
رأيتكَ ليلةَ التوديعِ فجراً |
كأنّكَ أحمدٌ خيرُ الأنامِ |
|
وعباساً يكادُ يشبُّ نارَ ال |
عزيمةِ في السِّنانِ وفي الحُسامِ |
|
وزينبَ تستعدُّ لخطبِ يومٍ |
يَشيبُ لهوله رأسُ الغُلامِ |
|
ويَرجعُ جانبُ الدُنيا فتيّاً |
ترفُّ عليه أسرابُ الحَمَامِ |
* * *
أليلةَ يومِ عاشوراءَ عودي |
لكونٍ ساغبٍ للعدلِ ظامِ |
|
لأكبادٍ مُروَّعةٍ تُساقى |
كؤوسُ المُرِّ من صابٍ وجامِ |
|
لأعيُننا التي في الذُلِّ شاختْ |
ولا تَنفكُّ تَحلُمُ بالفِطامِ |
|
أليلةَ يومِ عاشوراءَ عودي |
بكُلِّ الصحو والهمَمِ العظامِ |
|
أعيدي فتحَكِ القُدْسيَّ زهواً |
حُسينيَّاً على الداءِ العُقامِ |
|
وصُبِّي النورَ في شرقٍ وغربٍ |
وليسَ على عراقٍ أو شآمِ |
|
فقد عَمَّ الظلامُ وعادَ حَيَّاً |
أبو سُفيانُ ينفخُ في الظلامِ |
ناجي الحرز الأربعاء 19 / 4 / 1317 ه الهفّوف ـ الأحساء |
الأستاذ ناجي الحرز
إمتازت قصيدة الحرز برشاقة القفز على الموضوع عندما ترك الشاعر المداخل التقليدية المثبّتة للولوج فدخل من النوافذ لا من الأبواب بل تسلّق أسوار الموضوع من الواجهات الخلفية فاختار زاوية نظر ذاتية بعيداً عن التسجيل المباشر والتوثيق المطابق والإيغال في التفاصيل.
تبدأ القصيدة بإعلان الحيرة المتكررة كل عام مع حلول الذكرى التي تختطف فروسية الكلام وشجاعته ، فمع وقوف الشاعر بأدواته الفنية وتأملاته الجمالية لكن الحروف تنطفئ عندما تكشف الرؤيا الشعرية أمام الشاعر صورة الإمام الحسينعليهالسلام غريقاً بين السيوف والسهام ، فيترك الشاعر القصيدة ويرفع لافتة الدموع المقابلة لحالة الوجد المرتعش في عظامه والمصوَّرة ـ ببراعة ـ بهيئة ركب أو موكب موالات محتاج للاُنس الذي يجده في الدموع ولا يجده في القصيدة.
فالحرز يُعلف هيامه ووجده في مسيرته نحو الجرح الخالد وهو يجترح ـ بشاعريته ـ خطاه التي تحمل لهفته وشوقه للقاء فيسمع ثم يرى ويتخلص إلى نداء الليلة ومطالبتها بالعودة إلى زمنه الحاضر في شكل إسقاط تأريخي يقارن فيه بين زمنين ويُعلن عن حاجة زمانه إلى طفٍ جديد وفتح قدسي يمتد على كل الأرض :
أليلةَ يومِ عاشوراءَ عودي |
بكلِّ الصحوِ والهممِ العظامِ |
|
وصبّي النورَ في شرقٍ وغربٍ |
وليس على عراقٍ أو شآمِ |
حوار في دائرة الضوء
يجلس أصحاب الحسينعليهالسلام يتحدّثون فيما بينهم :
في هُدوء الظلامِ يَفترش الر |
مل كماةٌ من الهُدى أمناءُ |
|
قد اُديرت حكايةُ الزمنِ الما |
ضي وما قد تفوّهَ الأنبياءُ |
|
خيرةُ الناس في الزمان رجالٌ |
حضَنتْهُم في تُربها كربلاءُ |
|
في غدٍ تُفرشُ الجنانُ الروابي |
ويلمُّ السعادةَ الشهداءُ |
|
فعَلتْ في ثغورهم بسماتٌ |
إيهِ يا قوم إنّنا السعداءُ |
يأتي الإمام الحسينعليهالسلام فيجمع أصحابه ويخاطبهم :
لفَّ جنحُ الظلام أودية الأر |
ض فأَغفت عيونها الأعداء |
__________________
(1) هو : الفاضل والشاعر الشيخ نزار بن محمد شوقي بن عبد الرزاق بن الشيخ بدر آل سنبل ، ولد سنة 1385 ه في الجش إحدى بلاد القطيف ، التحق بالحوزة العلمية بعد إنهائه شطراً من الدراسة الأكاديمية سنة 1401 ه ودرس في القطيف والنجف الأشرف وأخيراً في قم المقدسة حيث يحضر الآن البحث الخارج ، ومن نتاجه الأدبي : 1 ـ ديوان شعر 2 ـ أهل البيت في الشعر القطيفي المعاصر 3 ـ رواية ـ عندما يُرفع الستار ( عقائدية ) ، كما نُشرت له بعض القصائد في مجلتي الموسم والتوحيد ، ومن نتاجه العلمي 4 ـ تقرير بحث الخارج فقهاً واُصولاً لبعض الأساتذة الأعلام ، وله أيضاً مشاركة في النوادي الأدبية والثقافية.
والدروبُ السمراءُ تعتنق اللي |
ل بشوقٍ فتختفي الأشياء |
|
قد وَفيتُم وليس غيريَّ مطلو |
باً لدى القوم أيّها الأوفياء |
|
ارتدوا الدربَ في الخفاء سراعاً |
واركبوا الليل أيّها الأزكياء |
فيقوم أخوه العباسعليهالسلام ويتبعه بنو هاشم فيقولون :
أفنمضي وأنت وحدكَ تبقى ؟ |
ليس هذا من شيمة النبلاءِ |
|
أفنمضي لكي نعيش فنشقى ؟ |
قد أبينا الحياة في الظلماءِ |
ثم يتوجه الإمامعليهالسلام نحو بني عقيل ويقول :
حسبكُم مسلم العظيمُ شهيدا |
فاذرعوا الليل خلسةً والبيدا |
ولكنّهم يجيبونه :
نحن نحن الفداء والقربانٌ |
إنما أنت بالقلوب تُصانُ |
|
كيف نمضي وما تعرَّت ذراعٌ |
واكتوى خافِقٌ وبُحَّ لسانُ |
ثم يقوم مسلم بن عوسجة الأسدي ويُشير إلى معسكر الأعداء فيقول :
السياجُ الذي تلوَّثَ بالحق |
دِ ذئابٌ ممسوخةُ الألوانِ |
|
أيّ عذرٍ إذا التحم القومُ |
فأقعت عن نَصركُم ساعدانِ |
|
لا يراني الإلهُ أهربُ خوفاً |
سوف أمشي للحرب والميدانِ |
|
إنّ سهمي مرماه صدرُ الأعادي |
ورماحي مشتاقةٌ للطعان |
ويقوم سعيد بن عبد الله الحنفي فيقول :
لو قُتلنا سبعين قتلة عزٍّ |
ما تركناك للسيوف طعاما |
|
وسنبقى ليعلم الله أنّا |
قد حفظنا فيك العهود ذماما |
ويقوم زهير بن القين ويقول :
قد وددت الممات ألفاً وكانت |
لغةُ القتل للحسين وقاءا |
|
إنّ روحي على يديَّ وأمشي ؟ |
حاشَ لله أن أروم بقاءا |
|
إنها النعمة الكبيرة تنصبُّ |
لأُلقي لها الفؤاد إناءا |
|
فرحةُ النفس أن تروح فداءا |
لحسينٍ فترتدي الأضواءا |
ويتكلّم جماعة أصحاب الإمامعليهالسلام بكلام يشبه بعضه بعضاً فيقولون :
قد أبت أنفسُ الكرام انهزاما |
وأحطناك سيّداً وإماما |
|
في غدٍ نُطعمُ المواضي قلوباً |
ونهزّ الرماحَ والأعلاما |
|
شرفٌ أن نموت دون حسينٍ |
ونفوسٌ نفدي بها الأسلاما |
وهنا يشكرهم الإمامعليهالسلام على موقفهم هذا :
لكم الجنّة الموشّاةُ بالنور |
وفائي وعينُ كلّ وسامِ |
|
أنتمُ الهالة المضيئة سرٌّ |
غرقت فيه قصة الأيامِ |
|
في غدٍ تنطوي الحياة ولكن |
سوف تحيونَ في نفوس الكرامِ |
|
كلُّ فردٍ يلقى المنيّة دوني |
دمه الماءُ في عروق النوامي |
صوت يجيء من وراء الغيب :
بارك الله في النفوس نفوسا |
عانقت في الوغى السيوف عروسا |
نزار سنبل الخميس 1 / 11 / 1416 |
الشيخ نزار سنبل
ما نفّذه العسيلي في ملحمته من وحدة البحر واختلاف القوافي نفذه الشيخ نزار سنبل في (32) بيتاً من ملحمة مصغرة من بحر الخفيف ومن قوافٍ متعددة تحت عنوان يشعّ شعراً ـ أيضاً ـ هو ( حوار في دائرة الضوء ).
ويبدو الشيخ نزار سنبل هنا وهو يدور حول الحادثة بعينيّ فنانٍ تشكيلي تقتنصان ما يجري لتوصلاه إلىٰ مخزن التأمل والرؤيا عند الشاعر فمثلاً :
الدروب السمراء تعتنق الليل |
بشوقٍ فتختفي الاشياء |
أو :
السياج الذي تلوث بالحقد |
ذئابٌ ممسوخة الألوانِ |
|
لكم الجنة الموشاة بالنور |
وفائي وعين كل وسامِ |
|
أنتم الهالة المضيئة سرٌ |
غرقت فيه قصة الايامِ |
وتتم عملية تحويل الصور الملتقطة ألواناً وخطوطاً وظلالاً إلى لغة مركّزة وتراكيب كثيفة تبتدئ المقطعين الاولين من الظلام لتدخل إلى المكان بطريقة سرديّةٍ مستقاة من تقنيات القصة القصيرة أو الأدب الروائي في الاستهلال المكاني فنرى المقطع الاول يبتدئ هكذا :
فى هدوء الظلام يفترش الرمل |
كماةٌ من الهدى أمناءُ |
وفي المقطع الثانى :
لفّ جنح الظلام أودية الارض |
فأغفت عيونها الاعداء |
ثم تبتدئ الحوارات في تقابلها من جميع الأطراف يصعّدها الايجاز والإختصار في درامية شفّافة تسجل لنزار سنبل تمكناً واضحاً في إستخدام لغة المسرح وأدواته فنرى مثلاً حوار زهير بن القين مع الإمامعليهالسلام :
قد وددت الممات الفاً وكانت |
لغة القتل للحسين وقاءا |
|
إنّ روحي على يديَّ وأمشي |
حاش لله أن أروم بقاءا |
|
إنها النعمة الكبيرة تنصبّ |
لأُلقي لها الفؤاد إناءا |
|
فرحة النفس أن تروح فداءا |
لحسين فترتدي الاضواءا |
ولا تسلم تقنيات فن السينما من توق الشاعر إلى إستخدام كل الطرق والوسائل التعبيرية الفنية الممكنة ليوصل القارئ إلى ما يريد فمقاطع قصيدته لقطاتٌ سينمائيّة قريبة ومتوسطةٌ وبعيدة يلمّها مونتاج متتابع في تشابكٍ من خارج بناء القصيدة يمنحها إيقاعاً صورياً يقطعه ( صوت يجي من وراء الغيب ) ليعلن نهاية المشاهد وانغلاق دائرة الضوء.
إن قصيدة الشيخ نزار قصيدة ذاهبة إلى المستقبل والتجدّد بكفاءة أدواتها وكثافة رؤاها وأشكالها المتحركة على محاور تعبيرية متعدّدة ناقلةً ولاءها وإخلاصها عبر تقاطع أبعاد الزمان وهي من نصوص المجموعة المتفوقة في عطائها.
من الارجوزة الحسينية
الإمامعليهالسلام ينعىٰ نفسه
واعتزلَ الحسينُ وَهو يُنْشِدُ |
وَسيفُهُ أمامَهُ مُجرّدُ |
|
يا دَهرُ أُفٍّ لَكَ مِنْ خَليلِ |
كمْ لك بالإشْراقِ وَالأصيلِ |
|
مِنْ صاحبٍ أو طِالبٍ قتيلِ |
والدّهرُ لا يَقْنَعُ بالبَديلِ |
|
وَكلُّ حيّ سالكٌ سبيلي |
ما أقَربَ الوَعْدَ من الرّحِيلِ |
|
وقدْ وَعَتْ هذا النشيدَ زَينبُ |
وَكادَ قَلْبُها له ينْشعبُ |
|
قالت أُخيَّ يا عزيزَ أهلي |
هذا كلامُ موقنٍ بالقتلِ |
|
قال لها نعم أيا أختاهُ |
قالت له بعدك واثكلاهُ |
|
يَنْعىٰ إليَّ نفسَهُ الحسينُ |
يقولُ قدْ دنا إِليَّ الحينُ |
|
وَشقّقَتْ جيُوبَها النساءُ |
وَقدْ عَلا العَويلُ وَالبُكاءُ |
__________________
(1) هو : العلامة الحجة الشيخ هادي بن الشيخ عباس بن الشيخ علي بن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء النجفيقدسسره ، ولد في النجف الأشرف سنة 1289 ه ، وتوفي سنة 1361 ه ، وقد نشأ في ظلال أسرة كريمة معروفة بالعلم ، تتلمذ ـ عليه الرحمة ـ على يد الآخوند وشيخ الشريعة واليزدي ـ عليهم الرحمة ـ ، ومن مؤلفاته 1 ـ مستدرك نهج البلاغة 2 ـ مدارك نهج البلاغة 3 ـ شرح شرائع الإسلام 4 ـ هدى المتقين ( رسالة عملية ) 5 ـ المقبولة الحسينية ( ملحمة ) راجع : أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 9 ، ص 224 ، الملحمة الكبرى ( أو المقبولة الحسينية ).
وأمُّ كلثومٍ غَدَتْ تنادي |
تندبُ بالآباءِ والأجدادِ |
|
وا أبتاهُ وا محمّداهُ |
وَوا عليّاهُ وَوا أخاهُ |
|
تَقُولُ واضَيْعَتَنا جميعا |
بعدكَ إذْ تَغْدوا لقىٰ صريعا |
|
قالَ تَعَزَّيْ بعزاءِ اللهِ |
وَفوّضي الأمرَ إلىٰ الإلٰهِ |
|
فكلُّ مَنْ فوق الثرىٰ لا يبقىٰ |
وَإنّ سكّانَ السماءِ تفنىٰ |
|
صبراً إذا أنا قُتلتُ صبراً |
فلا تَقُلْنَ بعد قتلي هَجراً |
|
وَلا تَشُقّنّ عَليَّ جَزَعا |
جَيْباً وإنْ جَلَّ المُصابُ مَوقعا |
|
وقد روىٰ المفيدُ في الإرشادِ(1) |
مُذْ سمعتْ زينبُ بالإنشادِ |
|
قامتْ تجرُّ الثوبَ وهيَ حَسْرىٰ |
الىٰ أخيها لا تُطيقُ صَبْرا |
|
قالتْ لَهُ يا ليتَ إنَّ موتي |
أعدمَني الحياةَ قَبلَ الفوتِ |
|
اليومَ ماتتْ أُميَ الزَهّراءُ |
وَماتْت الاخوةُ وَالأبناءُ |
الإمامعليهالسلام يُهدّئ خواطرَ العقيلات ويأمرهن بالصبر
والتسليم والرضا بقضاء الله
قالَ لَها وَشأنُهُ الكِتْمانُ |
لا يُذْهِبَنَّ حِلْمَكِ الشّيْطانُ |
|
وَهوَ الذيّ لَمْ يكُ بالجزَوعِ |
ترَقرَقتْ عيناهُ بالدّموعِ |
|
ثمَّ هَوَتْ مَغْشِيّةً عَلَيْها |
فقامَ ـ جلَّ صبرُه ـ إليها |
|
عنْ نفسِهِ بنفسه عَزَّاها |
وبَالرّضا وَالصبرِ قَدْ أوْصاها |
__________________
(1) الإرشاد للشيخ المفيد : ص 232.
مجيء الجيوش والتضييق علىٰ الحسينعليهالسلام
وَاقبلتْ جيوُش آلِ حرْبِ |
حتّى بهم قدْ ضاقَ كلُّ رَحْبِ |
|
جاءَتْ لهُ بخيلها وَالرّجْلِ |
كأنّها تطِلبُهُ بِذَحْلِ |
|
عشرون ألف فارسٍ بَلْ زادوا |
وَالرّاجلونَ ما لَهم عِدادُ |
|
فضيّقوا علىٰ الحسينِ السّبُلا |
وَمَنَعوهُ سَهْلَها وَالجبَلا |
|
وَشَمّروا ثِيابَهمْ للحَرْبِ |
واسْتَسهَلوا لذاك كلَّ صَعْبِ |
تأجيل الحرب إلىٰ الصبح
فقالَ للعباسِ سِرْ للقَوْمِ |
واصْرِفْهُمُ بياضَ هذا اليومِ |
|
لَعَلَّنا لرَبّنا نُصلّي |
في هذه الليلة ذاتِ الفضلِ |
|
وَقدْ توقَّفَ ابنُ سعد عُمَرُ |
والخيرُ مِن أَمثالِه لا يَظْهرُ |
|
لكنَّ بعضَ القومِ من أتباعِهِ |
أبدىٰ لَهُ المَلامَ في امتناعِهِ |
|
قال : لو انّ غيرَهُم إِلينا |
جاؤوا وَرامُوا ذاك ما أبينا |
|
كيفَ وَهُمْ اَجلُّ ساداتِ العَرَبْ |
وَهُمْ سُلالَةُ النبيِّ المُنْتَجَبْ |
|
فقالَ ذلكَ الظَّلومُ المعتدي |
إنّي قد أجّلْتُهُم إلىٰ غَدِ |
الإمامعليهالسلام يأذن للأصحابه بالتفرق
والسِّبْطُ لَيلاً قد دعا أصحابَهُ |
مُوَجِّهاً إليْهِمُ خِطَابَهُ |
|
فقالَ بعدَ الحمدِ والثناءِ |
والشكرِ للمُنعمِ ذى الآلاءِ |
|
إنّي لا أعلمُ فيما أعلمُ |
أوفى ولا أصلحَ صَحباً منكُمُ |
|
وَلست أَدري أَهل بيتٍ أَفضلا |
من أَهلِ بيتي نَجْدَةً وأَوْصلا |
|
جزاكُم اللهُ جميعاً خَيْرا |
وَلا رَأَيْتُم ما حَييتُم ضَيْرا |
|
ألا وإنّي قَدْ أَذنْتُ لَكُمُ |
فانطلقوا لا عَهْدَ لي عليكُمُ |
|
والليلُ قَدْ أَجَنَّكُمْ وأَقْبَلا |
فاتخذوهُ للنجاةِ جَمَلا |
|
والقومُ لا يبغونَ غيري أَحَدا |
فارتحِلوا لِتَسْلَموا مِنَ الرَّدَىٰ |
جواب أهل بيتهعليهمالسلام
فَابتدأ العبّاسُ في مقالِهِ |
وَقدْ جرىٰ الصَّحْبُ علىٰ منْوالِهِ |
|
قالوا جميعاً : وَلماذا نفعلُ |
نَظَلُّ أَحياءً وَأَنت تُقْتَلُ |
|
فَلا اَرانا اللهُ ذاكَ أَبَدَا |
وَليتَ أنّا لَكَ قَدْ صِرْنا فِدا |
|
قالَ مُخاطباً بني عقيلِ |
حَسْبُكُمُ مُسلم مِنْ قتيلِ |
|
وَعندَ ذا تكلّموا جَميعا |
وَقدْ أَبَوْا عنْ عَزْمِهمْ رُجُوعا |
|
وَأَقسموا أَنْ لا يفارُقوهُ |
يَوماً وَبالأَنْفُسِ أَنْ يَقوهُ |
|
فالعيشُ من بعدِ الحسينِ يَقْبُحُ |
وبَعدَه الحياةُ ليست تَصْلُحُ |
جواب أصحابهعليهمالسلام
ثُمّ تلاهم مسلمُ بنُ عَوْسَجَهْ |
قالَ مَقالاً صادقاً ما أَبْهَجَهْ |
|
نحنُ نُخَلّيكَ كذا وَنسري |
وَقدْ أَحاطَ فيكَ أهلُ الغَدْرِ |
|
ما العُذرُ عندَ اللهِ في أداءِ |
حَقِّك وَهْوَ أوجبُ الأشياءِ |
|
لأحْفَظَنَّ غَيْبَةَ الرسولِ |
بالنفسِ والكثيرِ والقليلِ |
|
لوْ لَمْ يَكُنْ معي سلاحٌ أبدا |
قَذَفْتُهُمْ بالصَّخْرِ حتّىٰ يَنْفَدا |
|
سبعين مرّةً لَو انّي اُقتلُ |
أُحْرَقُ مثلَها بنارٍ تشعلُ |
|
ثم أُذَرّىٰ بعدُ في الهواءِ |
ما ملْتُ عنْ نصري وَلا وَلائي |
|
فكيفَ وَهي قتلةٌ وَبعدَها |
كرامَة خالقُها أَعدَّها |
|
وَقامَ بعدَ مسلمٍ زهيرُ |
وَكلُّهُمْ يُؤْمَلُ فيه الخيرُ |
|
قالَ وَدَدْتُ لَو قُتلْتُ ألفا |
وَيدفعُ اللهُ بذاكَ الحَتْفَا |
|
عنكَ وَعنْ فتْيانِك الأبرارِ |
ذوي الإبا وَالعزِّ وَالفِخارِ |
|
تَكلّم الباقونَ منْ أَصحابِهِ |
والكلُّ قدْ أَجادَ في جوابهِ |
|
قالوا لَهُ أَنْفُسُنا لَكَ الفِدا |
نقيك بالأَرواح مِنْ بَأسِ العِدىٰ |
|
فإنْ قُتِلْنا فلقدْ وَفينا |
وقدْ قَضَيْنا لكَ ما علينا |
الحضرمي يعلن عن تصميمه الصادق علىٰ
ملازمة الإمامعليهالسلام وفدائه
وَقدْ أتَىٰ للحَضْرَمِيِّ الخبرُ |
أنّ الأعادي لابنه قدْ أَسروا |
|
قالَ قَدْ احْتَسَبتُهُ وَنفسي |
عندَ إلهي إذ أحلّ رَمْسي |
|
ما كنتُ أهوىٰ بَعْدَهُ بقائي |
وَهوَ أسيرٌ في يدِ الاعداءِ |
|
دعا لَهُ سِبْطُ الهُدىٰ بالرّحمهْ |
لمّا رأىٰ أمرَ ابنِهِ أهمّهْ |
|
قال لَهُ من بيعتي في حِلٍّ |
أنت فَسِرْ وَلا تُقِمْ من أجلي |
|
واطلُب نجاةَ ابنكَ من هلاكِهِ |
وَاعملْ بما يُجْديك في فَكَاكِهِ |
|
قالَ السِّباعُ أكلتني حَيّاً |
إنْ رُمتُ عنكَ مَوْضَعاً قَصَيّا |
|
فانظرْ رَعاكَ اللهُ ما أوْفاهُ |
وَما أَبرَّهُ وَما أتقاهُ |
|
وَهكذا فَلْيَكُنِ الإيمانُ |
والحبُّ وَالوفاءُ وَالعرْفانُ |
|
لَمْ يَعْتذرْ وَعُذْرُهُ مَقبوُلُ |
وَما انثنىٰ وَرزْؤهُ جَليلُ |
|
مضىٰ مَضاءَ الصارمِ الصقيلِ |
في طاعةِ المهيمنِ الجليلِ |
|
عنْ ابنهِ وَهو أسيرٌ أعْرَضا |
وفَوّضَ الأمرَ لمالكِ القضا |
|
لَمْ يَفْتَتنْ قَطُّ بِتلكَ المِحنهْ |
والولْدُ للأبِ العطوفِ فتنهْ |
|
حقٌّ بأنْ نرْثي لمِثلِ حالِهِ |
وَحَقَّ انْ نبكي علىٰ أمثالِه |
إحياء ليلة عاشوراء بالعبادة
والسِّبْطُ والصَّحْبُ اُولو الوفاءِ |
باتُوا بِتلْكَ اللَّيْلةِ اللَّيْلاء |
|
لَهُمْ دَويٌّ كَدَويِّ النَّحلِ |
من ذاكرٍ للهِ أو مُصَلِّ |
|
صلاةَ عبدٍ خاشعٍ مُوَدّعِ |
يدعوه بالخضوعِ وَالتضرّعِ |
|
أحْيَوا جميعَ الليلِ بالعباده |
فأدركوا سعادةَ الشهاده |
|
وَأَصبحوا مثلَ الليوثِ الضاريه |
قد أَرْخَصوا النفوسَ وهي غاليه |
|
لَذَّ لَهُمْ طَعمُ المنايا وَحلا |
في طاعةِ الرّحمنِ جلَّ وَعلا |
|
طابَ وَراقَ لهُمُ المماةُ |
والموتُ في نصر الهدىٰ حياةُ |
|
فاستقبلوا الموتَ بجأْشٍ ثابتِ |
وعَزمِ شهمٍ للحياةِ ماقتِ |
استبشار أصحاب الإمامعليهالسلام
قالَ بريرٌ لابنِ عبد رَبِّهِ |
لّما رأىٰ تأنيبَهُ بِعَتْبِهِ |
|
قدْ عَلِمَ القومُ جميعاً أنّني |
ما مِلْتُ للباطلِ طولَ زَمَني |
|
وإنّما أفعلُ ذا استبشارا |
بما إليْه أمرُنا قدْ صارا |
|
ما هوَ إلاّ أنْ نخوضَ الحَرْبا |
بالسُّمْرِ طَعْناً وَالسيوفِ ضَرْبا |
|
وَبَعْدَها لا نَصَبٌ وَلا عَنا |
نُعانِقُ الحُورَ وَنحظىٰ بالمُنىٰ(1) |
__________________
(1) الملحمة الكبرى لواقعة الطف : للشيخ هادي كاشف الغطاء : ص 63ـ 75.
اُرجوزة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء
منظومة تأريخية جليلة قامت بتوثيق المجريات والأحداث والاقوال والشخصيات توثيقاً تطابقياً دقيقاً.
ومما لا يخفى أن هذا المنحى في نظم المزدوجات من بحر الرجز هو طريقة مدرسية أكاديمية لتسهيل حفظ المطالب والدروس في العلوم المختلفة ومن أشهر أمثلتها ( الفية ابن مالك ) في النحو ومنظومة السبزواري في الحكمة.
وتكون هذه المنظومات عادة وفيّة للمادة التي تعالجها أو الموضوع الذي تطرحه ولا تولي اهتماماً لفن الشعر وجماليته ، ولغتها على العموم الغالب لغة العلم النثرية القائمة على الإخبار ونقل المعلومات بتقريرية ومباشرة لا مجال للشاعرية والتأمّلات الجمالية فيها ، فروحها روح علمية وصلتها بالأدب والشعر صلة علميّة أيضا فهي تعتني بعلم العروض كثوب لها وتختار من نظام التقفية نظام المزودجات لسهولته ولعدم قناعتها في الإيغال بفنون القوافي ..
إنّها كربلاء
وكأنّي بها عشيةَ ألقى |
سبطُ خيرِ الورى الركابَ لداها |
|
يسألُ القومَ وهو أعلمُ حتى |
بعد لأيٍ أن صرّحوا بسماها |
|
إنّها كربلا فقال استقلوا |
فعلينا قد كرّ حتمُ بلاها |
|
فلديها قبورُ مختلفِ الزوّار |
فيها صباحُها ومساها |
|
وبها تُهتَكُ الكرائمُ منّا |
ورؤوسُ الكرامِ تعلو قناها |
|
وتبدّت شوارعُ الخيلِ والسمر |
وفرسانُها يرفّ لواها |
|
تتداعى ثاراتُ بدرٍ ولمّا |
يكفها كبدُ حمزةٍ وكلاها |
|
فدعا صحبَهُ هلموا فقد أسمع |
داعي المنون نفسي رداها |
|
كنتُ عرّضتكُم لمحبوبِ أمرٍ |
أن تروا فيه غبطةً وارتفاها |
|
فإذا الأمرُ عكسُ ما قد رجونا |
محنةٌ فاجأت وأُخرى ولاها |
|
فأجابَ الجميعُ عن صدقِ نفسٍ |
أجمعت أمرَها وحازتْ هُداها |
__________________
(1) هو : شاعر أهل البيتعليهمالسلام الحاج الشيخ هاشم بن حردان الكعبي الدورقي ، ولد ونشأ في الدورق مسكن عشائر كعب في الأهواز ثم سكن كربلاء والنجف توفي سنة 1231 ه ويعد من فحول الشعراء وفي طليعتهم ، له ديوان أكثره في الأئمةعليهمالسلام . راجع أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 6 ، ص 218 ـ 219.
لا نُخلّيكَ أو نُخلّي الأعادي |
تتخلّى رؤوسُها عن طلاها |
|
أو تنالَ السيوفُ منّا غذاها |
أو تروي الرماحُ منّا ظماها |
|
ثم مع ذاك لم يكن قد قضينا |
من حقوقٍ لزمْنَنا أدناها |
|
كيف تقضي العبيدُ من حقّ مولىً |
شكرُ نعماهُ نعمةً أولاها |
|
فجزاها خيراً فليت لنفسي |
بعضُ حظٍّ مما به قد جزاها |
|
واستباتت على الوفا تتواصاه |
وأضحى كما تواصت وفاها |
|
تتهادى إلى الطعان اشتياقاً |
ليت شعري هل في فناها بقاها |
|
ولقد أخبر الرواةُ حديثاً |
صحَّ لي عن طريقتي وهداها |
|
أنه لم يُصب حُسيناً من القوم |
جراحٌ إلا عقيبَ فناها |
|
لم تكن ترتقي إليه سهامٌ |
دون أن نفتدي حشاهُ حشاها |
|
تتلقّى نحورُها البيضَ والسمرَ |
ومقصودُها لنحرٍ سواها |
|
ذاكَ حتى ثوتْ موزَّعةَ الأشلاءِ |
صرعى سافي الرماح كساها(1) |
__________________
(1) ديوان الشيخ هاشم الكعبي : ص 13 ـ 14.
ليلة الوجل
قِفْ حاسراً ودُرِ المطيةَ وارتجلْ |
في حقِّ من أدمى المدامعَ والمُقلْ |
|
واحلل هُنالك ما حَييتَ موفيّاً |
رُزءاً بكته المعصراتُ ولم يزلْ |
|
وذرِ القوافي تستدرّ بُحورَها |
بدمٍ يُسالُ مدى الزمان وما انبتلْ |
|
واخطب هُنالك في فيافي كربلا |
لا زال يفتُكُ سيفُ حُقدكِ لم يُكَلّْ |
|
أفلا علمتِ بأن ثقلَ محمدٍ |
بكِ قد أقرَّ ركابَه أمناً وحَلّْ |
|
أفهل ضيوفٌ مثلُ آلِ محمدٍ |
قَدِمُوا عليكِ ليستضيفُوا أو أجلْ |
|
مالي أراكِ وقد عَبستِ فجُعجَعتْ |
حرمُ الرسولِ فجودُ يُمناكِ الوَجلْ |
|
ما خلتُ ذكراهُم وقد سُدلَ الدُجى |
إلا وداجي الحزن في قلبي انسدلْ |
|
تالله لا أنسى العيالَ وزينباً |
وبكاءَها خلفَ الحسينِ وقد رحلْ |
|
أفلا يُهيجك يا حسين بكاؤنا |
أم حِرتَ بين إجابةٍ ولقا الأجلْ ؟؟ |
|
نادتك شرساءُ المنيةِ عاجلاً |
فأجبت صارخةَ النداءِ بلا وَجلْ |
|
أفلا ترى الأطفالَ ليلةَ عاشرٍ |
إذ غار في أحداقها ومضُ الأملْ |
__________________
(1) هو : الشاعر السيد وائل بن السيد هادي بن السيد حسين بن السيد باقر الهندي الشاعر الحسيني المعروف ، ولد سنة 1394 ه في الكاظمية ـ العراق ، أكمل الاعدادية ، التحق بالحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة سنة 1411 ه ، له مجموعة شعرية وله مشاركات في النوادي الأدبية والدينية.
هذا يُنادي واحسينُ وآخرٌ |
يبكي وأُخرىٰ لا تقوم من العللْ |
|
وتصيح أُخرى من يصون خدورنا |
مَن ذا يغيرُ على العدوّ إذا حملْ |
|
أَأُخيَّ صاحت زينبٌ من ذا لنا ؟ |
فيكون كهفاً إن أتى رزءٌ جللْ |
|
أتُرى تكونُ كهوفُنا سِرب القنا |
ويكون مُؤوِينا الخباءُ لو اشتعلْ ؟! |
|
ونفرُّ بالبيدا ونحنُ حواسرٌ |
ويكونُ حامينا العليلُ وقد حجلْ ! |
|
اليوم يحمينا الحسينُ يُظلّنا |
وغداً حيارى دون حامٍ أو ظُلَلْ |
|
نبكي ولكن لا يرقُّ لشجونا |
غير السياط كخطف برقٍ قد نزلْ |
وائل الموسوي 9 / ذو القعدة / 1416 ه |
مخاض النجوم
قلبٌ على شِفَةِ الرملِ الحَرُوق صبا |
فعاد من هَمْسِهِ المذبوح شوطَ إبا |
|
يجتازُ أفياءَ دنيانا إلى خَلَدٍ ... |
لمكفهرِّ المنايا يبتغي طلبا |
|
يُطلُّ من لغةٍ ظمياء مُلهِمَةٍ |
بيانُها مُخْرِسٌ من قالَ أو خطبا |
|
وقد تجحفلَ شوكُ الأرض أجمعُهُ |
يحاصرُ الدينَ والأخلاق والكُتبا |
|
تململَ الفَلكُ الدوّارُ معتذراً |
أنْ يُطلعَ الفجرَ أو أنَ يكشف الحُجبا |
|
وطالَ ليلٌ كأنَّ الدهر عضَّ بهِ |
على نواجذهِ اليَهماء واضطربا |
|
هنا تَبتّلَ انجيلٌ فرتلّهُ |
فمُ الزّبور مع القران مُنتحبا |
|
هنا على النهر ترنو ألفُ مشنقةٍ |
إلى الصباح لتُطْفي الشمسَ والشُهُبا |
|
هنا زفيرُ المنايا الحُمرِ منتظرٌ |
مخاضَةُ الصعب مزهوّاً ومنتصبا |
|
وقد تدافَعت الدنيا بكلكلها |
على ابنِ فاطمةٍ ما اهتزَّ وارتعبا |
|
تجوبُ وارفةُ الآمالِ خيمتَهُ |
بذي الفجاج ويزدادُ الأسى طربا |
|
ويرمقُ الأفقَ يُذكي جمرَهُ عَطشاً |
فيستطيبُ احتدام المجد واللهبا |
|
غداً تُمزُّقني هذي السيوف لمن ؟ |
لتكتسي الزَبَدَ المزدولَ والكذبا |
__________________
(1) هو : الشاعر المبدع الأستاذ يقين البصري ، ولد في البصرة سنة 1370 ه ، أنهى دراسته الأولية فيها ، ودخل جامعة بغداد ـ كلية القانون ـ سنة 1391 ه وتخرّج منها سنة 1395 ه ، وله مشاركات في الاحتفالات والمنتديات الأدبية والثقافية ، ومن نتاجه الأدبي ديوان شعر مخطوط وكتابات اخرى.
غداً ستنتهبُ الذؤبان أفئدةً |
هي النجومُ العذارى لحمَها نَهَبا |
|
غداً سأُطعمُ أسيافَ العدى جسدي |
وأخوتي الشُمَّ والأبناء والصُحُبا |
|
أنا على ضفةِ الأمواج مَشرعَةٌ |
عطشى تؤمّل أنْ تُعطي وأنْ تهبا |
|
يا دهرُ بئسَ خليلٍ أنتَ منطوياً |
على مخالبِ ذئبٍ فاعلاً عجبا |
|
لم ترعَ أيَّ ذمامٍ حقَّ صاحبهِ |
عن الحتوف وترضى الزيف والرِّيَبا |
|
على حوار ضميرِ الكون قد فَزَعَتْ |
بنتُ النبي بقلبٍ غصَّ وارتهبا |
|
أراكَ تُسْلِمُ للموت الزؤام دماً |
مُقدّساً والطهورَ القلبَ والحَسبا |
|
فقالَ لا تجزعي وعدٌ وعِدْتُ به |
لأرقأ الليلَ أو أعطي الزمان صِبا |
|
وحولَهُ العصبةُ العظمى مجنّحةٌ |
هيَ الليوث تُزيلُ السهلَ والصَعِبا |
|
يا مطلعَ الشمسِ هذا الليل تُغرقُنا |
أمواجُهُ والصراعُ الفذُّ ما اقتربا |
|
لَنُشعِلَنَّ غداً دنيا الفداءِ لظىً |
والحربَ أسطورةً ما مثلُها كُتبا |
|
دونَ الحسين نُروّي كلَّ لاهبةٍ |
من الرمالِ ونُغري الموتَ أنْ يثبا |
|
لننصبنَّ مناراً من دمٍ شرسٍ |
مدى الزمانِ عصّياً ثائراً صَلِبا ... |
|
يا ليلةً يا مخاضَ الدهر يا حقباً |
قدسيّةً يا نضالاً مورقاً ذهبا |
|
يا ليلةً من عذاباتٍ مُطرّزةٍ |
با لكبرياءِ شَطَبْتِ المَحْل ، والجَدَبا .. |
|
يا ليلةً عمرُها التأريخ أجمعُهُ |
والمجدُ أشرفُهُ بالعِزِّ ما اكتُسِبا |
|
ويا حديثَ المدى الأقصى بما نضَحَتْ |
مكارمُ السبطِ حدّثني حديثَ إِبا |
يقين البصري 14 / 8 / 1416 ه |
الأستاد يقين البصري
قصيدة البصري حادة سجالية تتصارع فيها قيم ومثل وسلوكات المشاهد الوجودية المختلفة ونرى فيها الشاعر واقفاً بكل انحياز إلى الطرف الشاخص المعبّر عن مكارم الأخلاق فالشعر عنده وسيلة توصيل وإخبار عن معانٍ توظّف كل ما هو جمالي لصالح الخير والحق ضدّ الشّر والباطل ، وهو يستخدم الجمال ليصارع به قباحة الحياد وظلاميته معلناً هتافه المتطرّف بشموخ البطولة والفروسية صائناً للمثال الذي لا يعاصره زمنياً ، فهو إمّا ؛ غائرٌ في أصداء الماضي المخنوق ، أو ناءٍ في نداءات المستقبل الذي لم يصله الشاعر بعد ، وبين هذا وذاك ينقل الشاعر توقه وحنينه بوثوقية ويقين المنتظِر مفلسفاً إنتظاره في خطاب أخلاقي يصل حدّ الهتاف في الوجوه التي تحاصره وتطوّقه.
لأنّه مشغولٌ بالايصال في عالمٍ يحتاج أن يُسمّي الأشياء بأسمائها فهو يُقلّص موقفه الجمالي إلى معجمية مباشرة ، فلا وقت عنده للتأملات الشاردة الباحثة عن آفاقها خلف الأشياء ، فهناك منايا مكفهرّة وهناك أيضاً ما يهدّد كل شيء ويُهمّشه :
هنا على النهر ترنو ألف مشنقةٍ |
إلى الصباح لتطفي الشمس والشهبا |
|
هنا زفير المنايا الحمر منتظِرٌ |
مخاضه الصعبَ مزهوّاً ومنتصبا |
فلات ساعة شرودٍ أمام اغتيال الدم المقدّس والنجوم العذارى بمخالب الذئاب ، لابدّ من عذابات مطرّزة بالكبرياء تشطب المَحْل والجدب الروحي والاخلاقي والقيمي ، لابد من انتصاب المنار ـ المثال حتى لو كان من الدم الشرس العصيّ الثائر الصلب ،
لابد من الصراع الفذّ مع أشواك الأرض المتجحفلة ، فإن حركة الطبيعة إعتذرت عن الولادة والمخاض وانقطعت الديانات الاخرى وتبتّلت عن أن تجيب أسئلة الهتاف الشاهق ، وكان لابد من لغة يُخْرِس بيانها كل الخطابات المتهرّئة.
فهذا حوار ضمير الكون يقف بعطشه أمام أمواج الليل فلا يرى إلا الزبد المرذول.
وعوداً على بدء تتبدّى قصيدة ( مخاض النجوم ) هتافاً أخلاقياً يحاذي الفقدان بتعبيريةٍ تزاوج صدى النائي ونداء المرتقَب ، ويكتفي يقين البصري بهذا الوعي المكثّف مزيحاً عن قصيدته ما يعتقده ترفاً يورثه تآكلاً على مستوى القيم.
مصادر الكتاب
حرف الألف
1 ـ إبصار العين في أنصار الحسين : السماوي ، الشيخ محمد بن طاهر. ط ـ الأولى 1414 ه ، نشر الشريف الرضي ، قم ـ ايران.
2 ـ أبناء الرسول في كربلاء : خالد محمد خالد ، ط ـ الخامسة 1406 ه ، نشر دار ثابت للنشر والتوزيع ، القاهرة ـ مصر.
3 ـ إثبات الوصية : المسعودي ، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي ( ت 346 ه ) ط ـ الخامسة ، نشر مكتبة بصيرتي ، قم ـ ايران.
4 ـ إحقاق الحق وإزهاق الباطل : المرعشي التستري ، السيد النور الله الحسيني ( ت 1019 ه ) نشر مكتبة المرعشي النجفي ، قم ـ ايران.
5 ـ أخبار الزمان : المسعودي ، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي ( ت 346 ه ) ط ـ الثانية 1386 ه ، نشر دار الأندلس ، بيروت ـ لبنان.
6 ـ الأخبار الطوال : الدينوري ، أبو حنيفة أحمد بن داود ( ت 282 ه ) ، تحقيق عبد المنعم عامر ، ط الأولى 1960 م ، إحياء الكتب العربية ، القاهرة ـ مصر.
7 ـ إختيار معرفة الرجال ( المعروف برجال الكشي ) : الطوسي ، أبو جعفر محمد بن الحسن ( ت 460 ) تحقيق السيد مهدي الرجائي نشر مؤسسة آل البيت ، 1404 ه ، قم ـ ايران.
8 ـ أدب الطف أو شعراء الحسين : شبر ، السيد جواد ط ـ الثانية 1409 ه ، دار المرتضى بيروت ـ لبنان.
9 ـ الإرشاد : المفيد ، محمد بن محمد بن النعمان ( ت 413 ه ) ط الثالثة 1399 ه نشر مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ـ لبنان.
10 ـ الأصول من الكافي : الكليني ، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق ، ( ت 329 ه ) ط الثالثة 1388 ه نشر دار الكتب الإسلامية ، طهران ـ ايران.
11 ـ إعلام الورى بأعلام الهدى : الطوسي ، أبو علي الفضل بن الحسن ( ت ـ ق 6 ) ط ـ الثالثة ، نشر دار الكتب الإسلامية.
12 ـ الإقبال بالأعمال الحسنة : ابن طاووس ، السيد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر ( ت 664 ه ) تحقيق جواد الأصفهاني ط ـ الأولى 1414 ه ، نشر مكتب الإعلام الإسلامي ، قم ـ ايران.
13 ـ إكسير العبادات في أسرار الشهادات : الدربندي ، الشيخ آغا بن عابد الشيرواني ( ت 1285 ه ) تحقيق الشيخ محمد جمعه بادي والأستاذ عباس ملا عطيه الجمري ، ط ـ الأولى 1415 ه ، نشر شركة المصطفى ، المنامة ـ البحرين.
14 ـ الأمالي : الطوسي ، أبو جعفر محمد بن الحسن ( ت 460 ه ) ، مؤسسة البعثة ، ط ـ الأولى 1414 ه ، نشر دار الثقافة قم ـ ايران.
15 ـ الأمالي الصدوق : أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( ت 381 ه ) ، ط ـ الخامسة 1400 ه ، نشر مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ـ لبنان.
16 ـ الإمام الحسين وأصحابه : القزويني ، الشيخ فضل علي ( ت 1367 ه ) تحقيق السيد أحمد الحسيني ، ط ـ الأولى 1415 ه ، نشر ابن المؤلف ، قم ـ ايران.
17 ـ أنساب الأشراف : البلاذري ، أحمد بن يحيى بن جابر ( ت ق 3 ) تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي ، ط ـ 1394 ه ، نشر مؤسسة الأعلمي بيروت ـ لبنان.
18 ـ أنصار الحسين : شمس الدين ، الشيخ محمد مهدي ، ط الثانية 1401 ه نشر الدار الإسلامية بيروت ـ لبنان.
19 ـ الإيقاد : الشاه عبد العظيمي ، السيد محمد بن ميرزا محمد ( ت 1334 ه ) تحقيق محمد جواد الرضوي ، ط الأولى 1411 ه منشورات الفيروزآبادي قم ـ ايران.
حرف الباء
20 ـ بحار الأنوار : المجلسي ، الشيخ محمد باقر ( ت 1111 ه ) ط ـ الثانية 1403 ه ، دار إحياء التراث العربي بيروت ـ لبنان.
21 ـ البداية والنهاية : ابن كثير ، أبو الفداء اسماعيل ( ت 774 ه ) دار الفكر بيروت ـ لبنان.
حرف التاء
22 ـ تأريخ الأمم والملوك : الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير ( ت 310 ه ) مطبعة الاستقامة بالقاهرة 1358 ه.
23 ـ تاريخ اليعقوبي : اليعقوبي ، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر ( ت 284 ه ) دار صادر ، بيروت ـ لبنان.
24 ـ تأويل الآيات الطاهرة : الاسترابادي النجفي ، السيد شرف الدين علي الحسيني ، من أعلام القرن العاشر ، تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهديعليهالسلام قم المقدسة ط ـ الأولى 1407 ه.
25 ـ تذكرة الخواص : ابن الجوزي أبو المظفر شمس الدين بن فرغلي بن عبد الله البغدادي ( ت 654 ه ) مؤسسة أهل البيتعليهالسلام بيروت ـ لبنان ، 1401 ه.
26 ـ ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق : ابن عساكر ، أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الشافعي ( ت 571 ه ) تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي نشر مجمع إحياء الثقافة الإسلامية.
27 ـ تظلم الزهراء : القزويني ، السيد رضي بن نبي ( ت 1136 ه ) ط ـ الثالثة 1405 ه منشورات الرضي قم ـ إيران.
28 ـ التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري عليهالسلام : تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهديعليهالسلام ، ط ـ الأولى 1409 ه قم ـ ايران.
حرف الثاء
29 ـ ثمرات الأعواد : الهاشمي ، السيد علي بن الحسين ، ط الأولى 1412 ه منشورات الشريف الرضي قم ـ إيران.
30 ـ ثواب الأعمال وعقابها : الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( ت 381 ه ) تحقيق علي أكبر الغفاري ، نشر مكتبة الصدوق طهران ـ ايران.
حرف الجيم
31 ـ جامع السعادات : النراقي ، الشيخ محمد مهدي ( ت 1209 ه ) تحقيق السيد محمد كلانتر ، ط ـ الثالثة مطبعة النجف 1383 ه.
حرف الحاء
32 ـ حياة الإمام الحسين عليهالسلام : القرشي ، الشيخ باقر شريف ، ط ـ الرابعة 1413 ه نشر المدرسة العلمية ، قم ـ إيران.
حرف الخاء
33 ـ الخرائج والجرائح : الراوندي ، قطب الدين ( ت 573 ه ) ط ـ الأولى 1409 ه تحقيق مؤسسة الإمام المهديعليهالسلام .
34 ـ الخصائص الحسينية : التستري ، الشيخ جعفر بن حسين ( ت 1303 ه ) تحقيق السيد جعفر الحسيني ، نشر أنوار الهدى والإعتصام قم ـ إيران.
حرف الدال
35 ـ الدر النضيد في مراثي السبط الشهيد : الأمين ، السيد محسن بن عبد الكريم ( ت 1371 ه ) ط ـ مطبعة الإتقان 1365 ه دمشق ـ سوريا.
36 ـ الدمعة الساكبة : البهبهاني ، ملا محمد باقر نشر مؤسسة الأعلمي 1409 ه بيروت ـ لبنان.
37 ـ الدوافع الذاتية لأنصار الحسين : عابدين ، محمد ، ط ـ الثانية 1983 نشر دار الكتاب الإسلامي.
38 ـ ديوان السيد حيدر الحلي : السيد حيدر بن سليمان بن داود ( ت 1304 ه ) تحقيق الشيخ علي الخاقاني ، ط ـ الرابعة 1404 ه منشورات مؤسسة الأعلمي بيروت ـ لبنان.
39 ـ ديوان الشيخ هاشم الكعبي : الكعبي ، هاشم بن حردان الدورقي ( ت 1231 ه ) منشورات المكتبة الحيدرية 1385 ه ، النجف الاشرف ـ العراق.
40 ـ ديوان ميراث المنبر : المنصوري ، الشيخ محمد سعيد ، ط ـ الأولىٰ 1414 ه نشر الشريف الرضي قم ـ إيران.
حرف الراء
41 ـ رياض المدح والرثاء : القديحي ، الشيخ حسين علي ، ط ـ الثالثة 1412 ه نشر مكتبة الداوري قم ـ إيران.
حرف الزاء
42 ـ زينب الكبرى : النقدي ، الشيخ جعفر الربيعي ( ت 1370 ه ) ط ـ الاُولىٰ 1411 ه ، نشر مؤسسة الإمام الحسينعليهالسلام ، قم ـ ايران.
حرف السين
43 ـ سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار : القمي ، الشيخ عباس بن محمد
رضا ( ت 1359 ه ) تحقيق مركز الدراسات والتحقيقات الإسلامية ط ـ الأولى 1414 ه نشر دار الأسوة.
44 ـ سير أعلام النبلاء : الذهبي ، الشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان ( ت 748 ه ) ط ـ الثالثة 1405 ه مؤسسة الرسالة بيروت ـ لبنان.
حرف الشين
45 ـ شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد ، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد ( ت 656 ه ) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط الأولى 1378 ه. دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان.
46 ـ شعراء الغري : الخاقاني ، الشيخ علي ، ط ـ الثانية 1408 ه ، نشر مكتبة المرعشي النجفي ، قم ـ إيران.
حرف العين
47 ـ العقد الفريد : الأندلسي ، أحمد بن محمد بن عبد ربه ( ت 328 ه ) ط ـ الأولى 1404 ه. دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان ، و ط ـ أخري نشر دار الكتاب العربي 1406 ه ، بيروت ـ لبنان.
48 ـ علل الشرائع : الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( ت 381 ه ) نشر المكتبة الحيدرية ـ النجف 1385 ه.
49 ـ عوالم العلوم والمعارف والآثار : البحراني الإصفهاني ، الشيخ عبد الله بن نور الله ( ت ق 12 ) نشر المدرسة الإمام المهديعليهالسلام ، قم ـ ايران.
50 ـ عيد الغدير : بولس سلامة ، ط ـ الثالثة 1393 ه نشر دار الكتاب اللبناني بيروت ـ لبنان.
51 ـ عيون أخبار الرضا : الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( ت 381 ه ) ط الأولى 1404 ه نشر مؤسسة الأعلمي بيروت ـ لبنان.
حرف الفاء
52 ـ الفتوح : الكوفي ، ابن الأعثم ( ت 314 ه ) ط ـ الأولى 1406 ه دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان.
53 ـ الفروع من الكافي : الكليني أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الرازي ( ت 329 ه ) ط ـ الثالثة 1401 ه ، دار التعارف بيروت ـ لبنان.
حرف الكاف
54 ـ كامل بهائي : عماد الدين الطبري ، الحسن بن علي بن محمد بن علي بن الحسن ( كتبت النسخة في سنة 675 ه ) نشر المكتبة الرضوية طهران ـ إيران.
55 ـ كامل الزيارات : ابن قولوية ، أبو القاسم جعفر بن محمد ( ت 367 ه ) ط ـ المطبعة المرتضوية 1356 ه النجف الأشرف ـ العراق.
56 ـ الكامل في التاريخ : ابن الأثير ، عز الدين أبو الحسن ( ت 606 ه ) ط ـ الأولى 1385 ه نشر مؤسسة الأعلمي بيروت ـ لبنان.
57 ـ كتاب جمهرة الأمثال : العسكري ، أبو هلال تحقيق محمد أبو الفضل ط ـ الثالثة 1408 ه دار الجيل بيروت ـ لبنان.
58 ـ كربلاء ( ملحمة أدبية تاريخية ) : العسيلي ، سعيد ، ط ـ الأولى نشر دار الزهراء بيروت ـ لبنان.
59 ـ كشف الغمة في معرفة الأئمة : الأربلي ، أبو الحسن علي بن عيسىٰ بن أبي الفتح ( ت 693 ه ) نشر المطبعة العلمية 1381 ه قم ـ إيران.
60 ـ كمال الدين وتمام النعمة : الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( ت 381 ه ) تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري مؤسسة النشر الاسلامي قم ـ إيران.
حرف اللام
61 ـ الكنى والألقاب : القمي ، الشيخ عباس بن محمد رضا ( ت 1359 ه ) نشر المكتبة الصدر ، طهران ـ ايران ، ط الخامسة 1409 ه.
62 ـ اللهوف في قتلى الطفوف : ابن طاوس ، السيد رضي الدين علي بن موسىٰ بن جعفر بن محمد الحسيني ( ت 664 ه ) نشر الشريف الرضي ، ط ـ الاولىٰ 1412 ه قم ـ إيران.
حرف الميم
63 ـ مثير الأحزان : الجواهري ، الشيخ شريف ، مركز انتشارات الأعلمي ، طهران ـ إيران.
64 ـ مجمع الأمثال : الميداني ، أبو الفضل أحمد بن أحمد ( ت 518 ه ) تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم ط ـ الثانية 1407 ه نشر دار الجيل ، بيروت ـ لبنان.
65 ـ مجمع البحرين : الطريحي ، الشيخ فخر الدين بن محمد علي بن أحمد ( ت 1085 ه ) تحقيق السيد أحمد الحسيني ، ط ـ الأولىٰ 1386 ه نشر المكتبة المرتضوية طهران ـ إيران.
66 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن : الطبرسي ، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن ( ت ق 6 ه ) ط ـ الأولى 1406 ه نشر دار المعرفة ، بيروت ـ لبنان.
67 ـ محرك الأشجان : العُوى ، الحاج أحمد بن عبد الله بن محمد ، ط السادسة 1417 ه قم ـ ايران ، نشر المؤلف.
68 ـ مدينة المعاجز : البحراني ، السيد هاشم بن سليمان ( ت 1109 ه ) تحقيق ونشر مؤسسة المعارف الإسلامية ط ـ الأولى 1414 ه ، قم ـ ايران ، وط ـ الحجرية منشورات مكتبة المحمودي ، طهران ـ ايران.
69 ـ مراصد الإصلاع : البغدادي ، صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق ( ت 739 ه ) تحقيق علي محمد البجاوي ط ـ الأولى 1373 ه نشر دار المعرفة بيروت ـ لبنان.
70 ـ المراقبات ( أعمال السنة ) : الملكي التبريزي ، ميرزا جواد بن شفيع ( ت 1343 ه ) مطبعة حيدري 1381 ه ، نشر مكتبة شفيعي.
71 ـ المزار : المفيد ، الشيخ محمد بن النعمان ( ت 413 ه ) ط ـ الأولى 1413 ه ، نشر المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.
72 ـ مسار الشيعة في مختصر تواريخ الشريعة : المفيد ، الشيخ محمد بن محمد بن النعمان ( ت 413 ) ط ـ الأولى 1413 ه ، نشر المؤتمر العالمي لألفية الشيخ مفيد.
73 ـ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل : النوري الطبرسي ، ميرزا حسين ( ت 1320 ه ) تحقيق مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث ط ـ الأولى 1407 ه مشهد ـ ايران.
74 ـ مصباح المتهجد : الطبرسي ، أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن ( ت 460 ه ) نشر وتصحيح إسماعيل الأنصاري الزنجاني ، قم ـ ايران.
75 ـ المصباح المنير : الفيومي ، أحمد بن محمد بن علي المقري ( ت 770 ه ) ط ـ الثانية 1414 ه ، نشر المؤسسة دار الهجرة قم ـ ايران.
76 ـ مع الحسين عليهالسلام في نهضته : أسد حيدر ، ط ـ الثالثة 1399 ه ، نشر دار التعارف للمطبوعات ، بيروت ـ لبنان.
77 ـ معالي السبطين : الحائري ، الشيخ محمد مهدي ، ط ـ الأولى 1409 ه نشر الشريف الرضي قم ـ ايران.
78 ـ معجم رجال الحديث : الخوئي السيد أبو القاسم الموسوي ( ت 1413 ه ) ، ط الثالثة 1403 ه ، بيروت ـ لبنان ، نشر مدينة العلم.
79 ـ المعجم الكبير : الطبراني ، أبو القاسم سليمان بن أحمد ( ت 360 ه ) تحقيق حمدي السلفي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان.
80 ـ مقاتل الطالبيين : الأصفهاني ، أبو الفرج ( ت 356 ه ) تحقيق السيد أحمد صقر ، نشر دار المعرفة ، بيروت ـ لبنان.
81 ـ مقتل الحسين : الخوارزمي ، أبو المؤيد الموفق بن أحمد المكي أخطب خوارزم ، ( ت 568 ه ) تحقيق الشيخ السماوي ، نشر مكتبة المفيد قم ـ ايران.
82 ـ مقتل الحسين : المقرم ، السيد عبد الرزاق الموسوي ( ت 1391 ه ) ط ـ الثانية 1411 ه ، دار الثقافة للطباعة والنشر قم ـ ايران.
83 ـ الملحمة الكبرىٰ لواقعة كربلاء : آل كاشف الغطاء ، الشيخ هادي بن عباس علي بن جعفر ( ت 1361 ه ) تحقيق السيد جعفر الحسيني ط ـ الاولىٰ 1416 ه نشر أنوار الهدىٰ قم ـ إيران.
84 ـ ملحمة أهل البيت عليهمالسلام : الفرطوسي ، الشيخ عبد المنعم بن حسين بن حسن ( ت 1404 ه ) ط ـ الاولىٰ 1398 ه نشر دار الزهراء بيروت ـ لبنان.
85 ـ مناقب آل أبي طالب : ابن شهر آشوب ، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروري المازندراني ( ت 588 ه ) تحقيق السيد هاشم المحلاتي نشر مؤسسة انتشارات العلامة ، قم ـ ايران.
86 ـ المنتخب : الطريحي ، فخر الدين بن محمد علي بن أحمد ( ت 1085 ه ) ط ـ الثالثة 1412 ه نشر الشريف الرضي ، قم ـ ايران.
87 ـ موسوعة كلمات الإمام الحسين عليهالسلام : إعداد لجنة الحديث في معهد تحقيقات باقر العلوم ، ط ـ الثانية 1415 ه ، نشر دار المعروف ، قم ـ ايران.
حرف النون
88 ـ النظام التربوي في الإسلام : القرشي ، الشيخ باقر شريف ، نشر دار التعارف للمطبوعات 1399 ه ، بيروت ـ لبنان.
89 ـ نفثة المصدور : القمي ، الشيخ عباس بن محمد رضا ( ت 1359 ه ) ط ـ الثانية 1405 ه ، نشر مكتبة بصيرتي ، قم ـ ايران.
90 ـ نفس المهموم : القمي ، الشيخ عباس بن محمد رضا ( ت 1359 ه ) الخامسة 1405 ه ، نشر مكتبة بصيرتي ، قم ـ ايران.
91 ـ نهاية الإرب في فنون الأدب : النويري ، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب ( ت 733 ه ) تحقيق محمد رفعت فتح الله ، نشر المكتبة العربية 1359 ه ، القاهرة ـ مصر.
92 ـ نهضة الحسين : الشهرستاني ، السيد هبة الدين ، ط ـ الثانية ، نشر الشريف الرضي ، قم ـ ايران.
حرف الواو
93 ـ وسائل الشيعة : الحر العاملي ، الشيخ محمد بن الحسن ( ت 1104 ه ) تحقيق الشيخ عبد الرحيم الشيرازي ، ط ـ الخامسة ، نشر المكتبة الإسلامية ، طهران ـ ايران.
94 ـ وقعة الطف : أبو مخنف ، لوط بن يحيىٰ الأزدي الغامدي الكوفي ( ت 158 ه ) تحقيق الشيخ محمد هادي الغروي ، ط ـ الاولىٰ مؤسسة النشر الاسلامي.
حرف الياء
95 ـ ينابيع المودة : القندوزي الحنفي ، الحافظ سليمان بن إبراهيم ( ت 1294 ه ) ط ـ الثامنة نشر دار الكتب العراقية ـ 1385 ه.
فهرس الكتاب
مقدمة الكتاب............................................................... 7
تَمهيْد.................................................................... 13
في أحداث يوم التاسع..................................................... 13
الخيل والرجال تحاصر الحسين عليهالسلام.......................................... 13
حديث الأمان............................................................ 13
الحسين يرى جده صلىاللهعليهوآلهوسلم.................................................. 14
العباس عليهالسلام يكلم القوم................................................... 15
حديث زينب مع أبي الفضل العباس عليهماالسلام.................................. 18
حديث زهير مع أبي الفضل العباس عليهالسلام.................................... 20
لَيلَةُ عاشُوراءْ............................................................... 21
الحسين عليهالسلام يخطب في أصحابه............................................ 23
ويأذن لهم بالتفرّق عنه..................................................... 23
جواب بني هاشم والأنصار للحسين عليهالسلام.................................... 24
الحسين عليهالسلام يأذن للحضرمي(1) بالانصراف لفكاك ولده..................... 27
الإمام الحسين عليهالسلام لا يأذن بالشهاده لمن كان عليه دين...................... 29
سكينة تصف ليلة العاشر.................................................. 30
الإمام الحسين عليهالسلام يُخبر أصحابه بالشهادة................................... 32
الإمام الحسين عليهالسلام يُري أصحابه منازلهم في الجنة............................. 34
الإمام الحسين عليهالسلام يعظ أصحابه ويبشّرهم.................................. 37
الإمام الحسين عليهالسلام يعالج سيفه............................................. 40
ووصيته لاُخته زينب عليهاالسلام................................................. 40
من وصايا الإمام الحسين عليهالسلام.............................................. 44
الإمام الحسين عليهالسلام يتفقّد التلاع والعقبات................................... 45
وكلامه مع نافع بن هلال.................................................. 45
زينب عليهاالسلام تحدّث الحسين عليهالسلام في استعلامه................................ 47
نيّات أصحابه............................................................ 47
حبيب عليهالسلام يخطب في الأنصار............................................ 47
ويُطيّب خواطر النساء..................................................... 47
زينب عليهاالسلام تتفقّد........................................................ 49
خيمة الحسين والعبّاس عليهماالسلام.............................................. 49
العباس يخطب في بني هاشم ويحرِّضهم على................................... 50
القتال قبل الأنصار....................................................... 50
حبيب يحاور الأنصار ويحرّضهم على القتال................................... 50
قبل بني هاشم............................................................ 50
زينب عليهاالسلام تتعجب من موقف بني هاشم والأنصار........................... 51
الإمام الحسين عليهالسلام يخطب في أصحابه...................................... 52
ويكشف لهم عن أبصارهم................................................. 52
الإمام الحسين عليهالسلام يأذن لنساء الأنصار بالانصراف لئلا...................... 53
تُسبى ومحاورة علي بن مظاهر مع زوجته...................................... 53
الأعداء يطوفون حول خيام الحسين عليهالسلام.................................... 55
الإمام الحسين عليهالسلام يأمر أصحابه........................................... 55
بحفر الخندق وتنظيم الخيم.................................................. 55
الحكمة من ضم الخيم والمضارب............................................ 56
الإمام الحسين عليهالسلام يرى جدّه النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم في السَّحَر......................... 58
الأعداء يسمعون تلاوة الحسين عليهالسلام........................................ 59
وكلام برير(1) معهم....................................................... 59
عبادة الحسين عليهالسلام وأصحابه............................................... 62
عبادةُ أبي الفضل العباس عليهالسلام.............................................. 63
عبادةُ العقيلة زينب عليهاالسلام.................................................. 65
الإمام الحسين عليهالسلام يطلي بالنورة............................................ 66
وبرير يهازل عبد الرحمن.................................................... 66
استبشار الأنصار بالشهادة................................................. 68
الإمام الحسين عليهالسلام يرسل ابنه عليّاً عليهالسلام لسقاية الماء.......................... 69
الأحداث بعد صلاة الفجر.................................................. 70
التعبئة للحرب وإشعال النار في الخندق...................................... 70
دعاءُ الإمام الحسين عليهالسلام.................................................. 71
الأعداء يجولون حول بيوت الحسين عليهالسلام.................................... 71
فضل إحياء ليلة عاشوراء بالعبادة........................................... 77
أ ـ الصلوات الواردة في ليلة عاشوراء.......................................... 79
ب ـ الدعاء في ليلة عاشوراء................................................ 81
ج ـ المبيت عند الحسين عليهالسلام ليلة عاشوراء................................... 84
د ـ زيارة الإمام الحسين عليهالسلام ليلة عاشوراء.................................... 86
زيارة عاشوراء............................................................. 90
دعاء علقمة.............................................................. 94
تمهيد.................................................................. 101
أ ـ البعد الديني في موقف الحسين عليهالسلام..................................... 105
ب ـ البعد الديني في موقف أصحابه عليهالسلام.................................. 111
ج ـ الرضا والتسليم لله تعالىٰ.............................................. 114
د ـ الإستبشار بالشهادة.................................................. 120
أ ـ الصدق والصراحة في التعامل........................................... 141
ب ـ الصبر وقوة التحمل................................................. 148
ج ـ لا إكراه علىٰ المناصرة................................................ 157
د ـ السعي في قضاء حوائج الناس ومواساتهم................................. 161
ه ـ الإيثار والتفاني...................................................... 164
الأمر الأول : التعبئة المعنوية.............................................. 174
الأمر الثاني : تهيئة السلاح وإصلاحه...................................... 179
الأمر الثالث : تنظيم الخيام............................................... 180
الأمر الرابع : حفر الخندق............................................... 180
الأمر الخامس : تفقد التلاع والعقبات..................................... 181
من خصائص الأدب الشيعي وميزاته........................................ 185
أهمية النقد الأدبي الموضوعي............................................ 190
مرايا ليلة عاشوراء........................................................ 193
بقلم الأستاذ الوندي...................................................... 193
القسم الأول : الخطاب الشعري لليلة عاشوراء............................... 196
أ ـ البعد المأساوي المجرّد :................................................. 199
ب ـ البعد المأساوي المتجسّد :............................................ 199
ج ـ البعد الحركي :...................................................... 199
د ـ البعد الزمني المتقابل :................................................. 201
ه ـ البعد التشكيلي :.................................................... 201
القسم الثاني : ظاهرة الإستحضار الحسي.................................. 203
محطة ( اتخاذ الليل جملاً )................................................ 204
1 ـ الإستحضار اللفظي :................................................ 204
2 ـ الإستحضار المعنوي :................................................ 206
محطة ( دويّ النحل ).................................................... 207
1 ـ الإستحضار المقترب :................................................ 208
2 ـ الإستحضار المُزاح :.................................................. 209
1 ـ للشيخ ابراهيم النصيراوي............................................. 213
ليلة الحزن.............................................................. 213
2 ـ للشيخ ابن حمّاد رحمهالله................................................. 216
وفاء الأصحاب......................................................... 216
3 ـ للشيخ ابن مغامس رحمهالله................................................ 217
الإمام المفدّى........................................................... 217
4 ـ للسيد أحمد العطار رحمهالله.............................................. 218
اللؤلؤُ المنثور............................................................ 218
5 ـ للأُستاذ بولس سلامه.................................................. 220
مناجاة الحسين عليهالسلام..................................................... 220
الكوكبُ الفرد.......................................................... 230
6 ـ للشاعر الأستاذ جاسم الصحيّح........................................ 232
تأملات في ليلة عاشوراء.................................................. 232
7 ـ للشيخ جعفر الهلالي................................................. 237
ليلة الشجى............................................................ 237
دجى الليل............................................................. 239
8 ـ للشاعر الأستاذ جواد جميل........................................... 242
ودعيني................................................................ 242
ليلة الأسى والدموع..................................................... 243
9 ـ للشيخ الخليعي رحمهالله.................................................. 246
الصبر الجميل........................................................... 246
10 ـ للشاعر الأستاذ سعيد العسيلي....................................... 247
فديتك يا أخي......................................................... 247
رهبان الليل والنجم...................................................... 249
البدر بين النجوم........................................................ 252
على أعتاب ليلة عاشوراء................................................. 253
الجفونُ المُسّهَدة......................................................... 255
11 ـ للشاعر الأستاذ سلمان الربيعي....................................... 259
المساء الأخير........................................................... 259
12 ـ للشاعر الأستاذ شفيق العبادي....................................... 262
إلى سيدتي الذكري...................................................... 262
13 ـ للسيد ضياء الخباز................................................. 268
صفحات من مسرح الدم................................................. 268
فصول من قصة الحسين عليهالسلام............................................ 270
14 ـ الشيخ عبدالحسين الديراوي........................................ 273
ليلة الحداد............................................................. 273
15 ـ للشاعر الشيخ عبد الله آل عمران.................................... 275
الليلة الخالدة............................................................ 275
16 ـ للشيخ عبد الله العوى القطيفي....................................... 279
منازل كربلاء........................................................... 279
17 ـ للشيخ عبد الكريم آل زرع.......................................... 280
العبق الفواح............................................................ 280
18 ـ للشيخ عبد المنعم الفرطوسي........................................ 287
من الملحمة الحسينية..................................................... 287
19 ـ للشاعر الأستاذ عبود الأحمد النجفي................................. 299
الغد الدامي............................................................ 299
20 ـ للشيخ علي بن عبد الحميد رحمهالله..................................... 303
العزمات الصادقة........................................................ 303
21 ـ للشيخ علي الفرج.................................................. 305
حديث النجوم.......................................................... 305
22 ـ للشاعر الأستاذ فرات الأسدي....................................... 309
مشيئة الدم............................................................. 309
الليلة الآخِرة............................................................ 313
موت النهار............................................................ 316
23 ـ للشيخ قاسم آل قاسم.............................................. 322
بكائية كربلاء.......................................................... 322
24 ـ للشيخ لطف الله الحكيم............................................ 325
الشهب الزاهية......................................................... 325
25 ـ للسيد مدين الموسوي.............................................. 327
ليلة الخلد.............................................................. 327
36 ـ للسيد محسن الامين ـ عليه الرحمة ـ................................. 331
المهج الغوالي............................................................ 331
هِمَمٌ على هامِ النجوم.................................................... 333
27 ـ للشيخ محمد بن الخلفة............................................ 338
ما العذر عند محمد...................................................... 338
28 ـ للشيخ محمد باقر الايرواني......................................... 340
ما أعظمها من ليلة...................................................... 340
29 ـ للشيخ محمد حسين الأنصاري...................................... 343
دويّ النحل............................................................ 343
30 ـ للسيد محمد رضا القزويني.......................................... 345
العباس وليلة العاشر..................................................... 345
حديث الليل........................................................... 347
31 ـ للشيخ محمد سعيد المنامين........................................ 353
على مشارف الشمس !................................................. 353
32 ـ للشيخ محمد سعيد المنصوري...................................... 356
ليلة الوداع............................................................. 356
صورة من الوداع......................................................... 359
حديث مع الليل........................................................ 360
زينب تخاطب الليل...................................................... 361
33 ـ للسيد محمد شعاع فاخر............................................ 365
ليلة في زمن الأنبياء...................................................... 365
34 ـ للشاعر الأستاذ محمد الشويلي...................................... 370
ليلة عاشوراء أعراس الدم................................................. 370
35 ـ للشاعر الأستاذ محمد الماجد....................................... 372
خصلةُ شَعرٍ لساعديَّ................................................... 372
36 ـ للشيخ مهدي المصلّي.............................................. 377
عزائم الأبطال.......................................................... 377
37 ـ للسيد مهنّد جمال الدين............................................ 381
الليل ورفيقه............................................................ 381
في الليلة الأخيرة......................................................... 381
38 ـ للشاعر الأستاذ ناجي الحرز......................................... 386
الفتح المقدس........................................................... 386
39 ـ للشيخ نزار سنبل................................................... 389
حوار في دائرة الضوء..................................................... 389
40 ـ إرجوزةُ للشيخ هادي آل كاشف الغطاء............................... 394
من الارجوزة الحسينية.................................................... 394
41 ـ للشيخ هاشم الكعبي................................................ 402
إنّها كربلاء............................................................. 402
42 ـ للسيد وائل الهندي................................................. 404
ليلة الوجل............................................................. 404
43 ـ للشاعر الأستاذ يقين البصري........................................ 406
مخاض النجوم........................................................... 406
مصادر الكتاب......................................................... 411
فهرس الكتاب.......................................................... 425