دموع الأبرار

على مصاب أبي الأحرار

تأليف: السيّد محمّد علي الحسيني البقاعي



دموع الأبرار

على مصاب أبي الأحرار

تأليف: السيّد محمّد علي الحسيني البقاعي


« يا بن آدم: أكثرْ مِنَ الزّاد؛ فإنّ الطّريقَ بعيدٌ بعيدٌ، وجَدّدِ السفينةَ؛ فإنَّ البحرَ عَميقٌ عميقٌ، وخفّفِ الحملَ؛ فإنّ الصِّراطَ دقيقٌ دقيقٌ، وأخلِصِ العملَ؛ فإنَّ النَّاقِدَ بصيرٌ بصيرٌ، وأخَّر نومَكَ إلى القبرِ، وفخرَكَ إلى الميزانِ، وشهوَتَكَ إلى الجنَّةِ، وراحَتَكَ إلى الآخِرِة، ولَذَّتَكَ إلى الحورِ العيِنِ، وكُن لي أكنْ لكَ ».


الإهداء

إلى الطالب بدم المقتول بكربلاء.

إلى السبب المتصل بين الأرض والسماء.

إلى بقيّة الله قائم آل محمّد روحي لتراب مقدمه الفداء, اُهدي هذه الدموع.


اُرسلت إلى السيد (محمد الحسيني) بمناسبة إنجازه لكتابه الموسوم بـ (دموع الأبرار على مصائب أبي الأحرار) الشيخ إبراهيم الباوي

سيد (محمّد) ما ملكتُ خيارا

مُذ صرتَ ترسي للهدى معيارا

فمن المحاجرِ قد سجمتَ مدامعاً

تكوي الخدودَ وتسعدُ الأبرارا

فعلى مصائبِ مَنْ غدا في كربلا

يفني الطغاةَ ويُلهم الأحرارا

دبّجتَ سفراً طالما حلمت به

أهلُ الخطابةِ إذ تراه منارا

يابن (الحسين) فدتكَ نفسٍ قد غدت

تأبى الخنوع وتركبُ الأخطارا

فاكتب فما أوردتَ إلاّ منهلاً

يروي الظُماةَ ويغسلُ الأوضارا


بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

بقلم: الاُستاذ الشيخ أبي علي البصري

الحمد والثناء لله ربّ العالمين، حمداً وشكراً منتهى رضاه، ثمّ الصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريته وسيد أنبيائه ورسله، حبيب إله العالمين وحبيبنا، وطبيب قلوبنا وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمّد وعلى آله الطاهرين الميامين المعصومين، لا سيما بقيّة الله في الأرضين الحجّة بن الحسن العسكري المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، وجعلنا من خيار شيعته ومواليه، ومن المستشهدين بين يديه، إنّه سميع الدعاء، قريب مجيب.

عن عبد السلام بن صالح الهروي المعروف بـ (أبي الصلت الهروي) قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السّلام) يقول:« رحم الله عبداً أحيا أمرنا » . فقلت له: كيف يُحيي أمركم؟ قال:« يتعلّم علومنا ويُعلّمها الناس؛ فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا » (1) .

من المـُسلّمات عندنا وعند جميع المسلمين أنّ نبيّنا الأكرم محمّداً (صلّى الله عليه وآله) لم يأخذ أجراً ماديّاً على تبليغه للرسالة الإسلاميّة، بل كان أجره - كما وضّح لنا

____________________

(1) مستدرك الإمام الرضا (عليه السّلام).


القرآن الكريم - المودّة للقربى، قال تعالى: ( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المـَوَدَّةَ فِي الْقُرْبي ) ، حتّى إنّ الإمام الشافعي نظم هذين البيتين:

يا آلَ بيتِ رسولِ اللهِ حبّكمُ

فرضٌ من اللهِ في القرآنِ أنزلهُ

كفاكمُ من عظيمِ الشأنِ أنّكمُ

مَنْ لم يُصلِّ عليكم لا صلاةَ لهُ

وكذلك ابن العربي نظم هذين البيتين من الشعر:

رأيتُ ولائي آل طه فريضةً

على رغمِ أهلِ البعدِ يورثني القُربى

فما طلبَ المبعوثُ أجراً على الهدى

بتبليغهِ إلاّ المودةَ في القربى

فكان لأهل البيت (عليهم السّلام) حقوق على هذه الاُمة الإسلاميّة، ومن جملتها المودّة، ومن جملتها دفع الخمس لهم، ومن جملتها قول الشعر فيهم، ومن جملتها زيارة قبورهم، ومن جملتها أخذ العلوم عنهم، وذلك بسؤالهم: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلمـُونَ ) (1) .

ومن جملتها إحياء أمرهم، كما في الحديث الذي صدّرنا به المقالة عن إمامنا الرضا (عليه السّلام)، ومن قبل الإمام الرضا (عليه السّلام) جدّه الإمام الصادق (عليه السّلام) الذي أشار للفضل بن يسار أحد أصحابه حينما سأله الإمام الصادق (عليه السّلام): « أتجلسون وتتحدّثون؟ » . فقلت له: بلى. فقال الإمام: « إنّي اُحبُّ تلك المجالس، أحيوا أمرنا رحم الله مَنْ أحيا أمرنا أهل البيت » .

وهنا دعاء الإمام الصادق (عليه السّلام)، وكذلك دعاء الإمام الرضا (عليه السّلام) لكلّ مَنْ يُحيي هذه المجالس، والّتي هي مجالس الذكر الّتي

____________________

(1) سورة النحل / 43.


حثّنا عليها الأئمّة (عليهم السّلام)؛ لأنّنا إذا ذكرنا أهل البيت (عليهم السّلام) كأنّنا ذكرنا الله عزّ وجلّ؛ لأنّهم أولياؤه وأحباؤه.

روي عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: « إنّا نحن إذا ذُكرنا ذُكر الله عزّ وجلّ، وإذا ذُكر عدونا ذُكر الشيطان » (1) .

والإحياء تارة بعقد المجالس والاجتماع فيها والاستماع إلى مناقب وسجايا وأخلاق أهل البيت (عليهم السّلام)، وتارة يكون الإحياء بتدوين هذه الأخلاق والسجايا وجعلها في متناول الشباب والشابات؛ لينهلوا منها أخلاق القرآن وتعاليمه، أخلاق الأنبياء والأئمّة، وبالتالي يحبّهم الناس ويتعلّقون بهذه الوجودات والذوات الطاهرة المطهرة ويزدادون حبّاً لهم.

وهذا ما أشار إليه الإمام الصادق (عليه السّلام) في حديثه: « فإنّ الناس إذا عرفوا محاسن كلامنا أحبّونا واتّبعونا » .

جعلنا الله وجميع المؤمنين ممّن يوفّق لإحياء أمر أهل البيت (عليهم السّلام)، ومن الموفّقين في أداء هذه المهمّة الجليلة والّتي هي من مهام الأولياء، إنّه سميع الدعاء قريب مُجيب.

وكان من دواعي السرور أن يكون السيد الفاضل محمّد علي الحسيني (حفظه الله) ممّن وفّقه الله وأعانه في تقديم هذا الكتاب الحاوي على ذكر مجالس شريفة ومطالب نفيسة يقدّمها لمحبّي أهل البيت (عليهم السّلام) وخَدمة المنبر؛ عسى أن يكون ممّن ساهم ولو بجزء قليل من تلبية دعوة أجداده الطاهرين للأمر الذي ندبونا إليه.

وهو أحق في تلبية ندائهم؛ لأنّه ابنهم، وفرع من تلك الشجرة الطيبة، ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ... ) .

وطلب منّي أن اُقدّم مقدّمة لكتابه هذا فاستجبت له مع شغل البال، وضيق المجال، وقلّة البضاعة، فكتبت هذه الأسطر؛ تلبية لطلبه، وتشجيعاً له،

____________________

(1) الوسائل الجزء الحادي عشر.


وامتثالاً لما أدّبنا الله عزّ وجلّ في القرآن ( وتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوَى ) (2) ،راجياً من الكريم أن يتقبّلها منّا بقول حسن، إنّه يقبل اليسير، ويُجازي بالجليل الكثير.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على خير خلقه محمّد وآله الطاهرين.

مصلّياً مستغفراً منيباً

أبو علي البصري

نزيل عش آل محمّد

____________________

(1) سورة المائدة / 2.


مقدّمة المؤلِّف

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين محمّد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللّعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

قال الإمام الخامنئي (حفظه الله): « ينبغي على الخطباء إثارة عواطف الناس تجاه الحسين (عليه السّلام)، وتوضيح واقعة عاشوراء ومبادئها، وإثارة المعرفة والإيمان ».

من خلال هذه الكلمة يُحدّد لنا السيد القائد وظيفة الخطيب الحسيني، وهي عبارة عن ثلاثة اُمور:

أوّلاً: إثارة عواطف الناس تجاه مظلومية الحسين (عليه السّلام) الّتي لم يشهد التاريخ الإنساني مثلها؛ فتستذرف الدمعة الّتي يعظم الأجر بها، وتُغفر الذنوب، وهذا ما ورد عن الإمام الرضا (عليه السّلام):« فعلى مثل الحسين فليبك الباكون؛ فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام » .

ثانياً: توضيح واقعة عاشوراء ومبادئها، وهذا ما صرح به الإمام


الحسين (عليه السّلام):« إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مُفسداً ولا ظالماً، إنما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب، فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومَنْ ردّ عليّ أصبر حتّى يحكم الله، والله خير الحاكمين » .

هذه الكلمات النورانية هي خلاصة المبدأ المحمدي الأصيل، الذي مرجعه إلى كلمة النبي (صلّى الله عليه وآله) عندما جاءه عمّه أبو طالب ينقل له ما عرضته قريش عليه من مال وجاه، فقال (صلّى الله عليه وآله): « والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما فعلت، حتّى يظهره الله أو أهلك دونه » .

يعني كلّ ما لدى الإنسان يُبذل فداء للرسالة، وهذا ما فعله الحسين الشهيد (عليه السّلام).

ثالثاً: إثارة المعرفة والإيمان؛ فعلى الخطيب أن يستفيد من هذا المظهر الإعلامي، ومن المجالس المكتظّة بالناس؛ كي يوسع نطاق بحثه، فضلاً عن الموضوع الأساسي وهو عاشوراء. عليه أن يتناول جميع العناوين الإسلاميّة الاُخرى؛ من عقائد وأخلاق وسيرة، وسياسة واجمتاع، حتّى يجعل من كربلاء واقعاً حاكياً عن الحال، وليس مجرد تاريخ مضى وانقضى ولا شغل لنا به اليوم.

وإنّما نثبت نظرية الإمام الخميني (قدّس سرّه) حيث قال: « كلّ ما لدينا هو من بركة عاشوراء ».

وعلى أثر هذا لبّينا نداء القائد الخامنئي، وحاولنا على قدر التوفيق الإلهي أن نضع بين أيديكم كتاب «دموع الأبرار»، حيث جمعنا فيه عدداً كبيراً من القصائد الحسينيّة، مع شرحها وذكر الأطوار المختلفة.

كما وتطرّقنا إلى بعض الإشكالات الّتي اُوردت على الثورة الحسينيّة


في سياق عرضنا لسيرة مفجّرها (عليه السّلام)، وأجبنا عنها بالمقدار المناسب لهذا الكتاب.

كما قد ذكرنا ترجمة أهل بيت الحسين (عليه السّلام) وأصحابه، والأماكن الّتي لها علاقة بالواقعة، وأعداء الحسين (عليه السّلام) الذين ارتكبوا هذه الجريمة النكراء.

وقد عرجنا إلى بعض ما يتّصل بواقع البحث، وهي مواضيع مختلفة، كالنبوة والإمامة، وبعض المفاهيم الإسلاميّة، كالدعاء وتهذيب النفوس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما نسأل الله أن تتّسع الاستفادة من الروايات والقصائد، والسيرة والأطوار، والمصائب والنعي والآيات، وقد ذكرنا مصادر كثير منها.

وأخيراً أخصّ بالشكر اُستاذي سماحة الشيخ الخطيب أبا علي البصري وفّقه الله، وأيضاً بعض أساتذتي وإخواني على ملاحظتهم القيّمة الّتي وجّهوها لنا، فجزاهم الله خير جزاء المحسنين، ووفّقهم لخدمة الإسلام والمسلمين.

وأخيراً أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبّل منّا هذا القليل؛ فإنّه يُعطي الكثير بالقليل، ونلتمس من خطباء المنبر الحسيني الدعاء.

أقلّ ما اُقدّمه بين يديكم سيدي أيّها الطالب بدم المقتول بكربلاء في مولدكم المبارك

عبدكم: محمّد علي الحسيني

15 شعبان 1422 هـ - قم المقدسة



المجلس الأوّل

1 - القصيدة: كم يا هلال محرم.

2 - الموضوع: فضل وأهمية البكاء والجلوس في مجالس الحسين (عليه السّلام).

3 - ترجمة: خولّى بن يزيد الأصبحي.

4 - المصيبة: الزهراء (عليها السّلام) لم تكن غائبة عن مصائب كربلاء.



عظّم الله أجوركم يا بقيّة الله، يا صاحب العصر والزمان، بمصابكم بجدّكم أبي عبد الله الحسين وآل بيته وأصحابه.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، صلّى الله عليك وعلى آلك المظلومين، لعن الله الظالمين لكم من الأوّلين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساكبة، ويا عبرة كلّ مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتك لك الفدا يا شهيد كربلا، ويا قتيل العدا، ومسلوب العمامة والردا. ما خاب مَنْ تمسّك بكم، وأمن مَنْ لجأ إليكم، يا ليتنا كنّا معكم سادتي فنفوز والله فوزاً عظيماً.

كم يا هلالَ مُحرّمٍ تُشجينا(1)

ما زالَ قوسُك نبلهُ يُرمينا

كلُّ المصائبِ قد تهونُ سوى التي

تركت فؤادَ مُحمّدٍ محزونا

يومٌ بهِ ازدلفت(2) طغاةُ اُمّيةٍ

كي تَشفِيَنَّ مِنَ الحسينِ ضغونا(3)

____________________

(1) تحزننا، تحركنا.

(2) حشدت، نزلت.

(3) الحقد.


نادى ألا هل مِنْ معينٍ لم يجدْ

إلاّ المـُحدّدةَ الرقاقِ (1) مُعينا

فهوى على وجهِ الصعيدِ(2) مُبضّعاً (3)

ما نالَ تغسيلاً ولا تكفينا

وسروا بنسوتهِ على عُجف المطا(4)

تطوي(5) سهولاً بالفلا(6) وحُزونا

أَوَ مثلُ زينبَ وهي بنتُ محمّدٍ

برزت تُخاطبُ شامتاً ملعونا

فغدا بمحضرها يُقلّبُ مبسماً

كان النبي برشفهِ مفتونا

نثرت عقيقَ دموعَها لمـّا غدا

بعصاهُ ينكتُ لؤلؤاً مكنونا(7)

وصاحت عندما رأت رأس أخيها الحسين أمام يزيد:

____________________

(1) السيف القاطع.

(2) الأرض.

(3) مقطّعاً.

(4) الخيل الهزيلة التي لا يوجد عليها سرج.

(5) تقطع المسافات.

(6) الأرض الواسعة.

(7) سحر بابل وسجع البلابل. مجمع المصائب 1 / 21.


(نعي شعبي)

يحسين رأسك حين شفته

تلعب عصا ايزيد على شفته

ذاك الوقت وجهي لطمته

صدّيتله ابحرگه وندهته

شلّت يمينك يالضربته

(بحر طويل)

قلبك هالمسيه اشلون

يبن العسكري حاله

ابعينك من شفت عاشور

بيّن بالسّمه اهلاله

يا لبلواك بلوه أيوب

قلبك ما جزع صبره

عين الثار تتربّاك

لكن تسكب العبره

كيف اهلال المحرّم

يغايب عينك اتنظره

بينه كم طفل لحسين

ابنحره فتك سهم البين

من مثلك صبر عالدين

لو صبرك على المسكون

هذه اوزلزل اجباله

عينك من تشوف الماي

يالغايب أو جاريه

ما تذكر اطفال احسين

وشعملوا بني ميّه

الكم چم طفل تلعب

على اخدوده تراچيه


يلوج امن العطش والحر

اوچبده امن الضمه اتفطر

واُمّه ليه تتفكر(1)

(أبوذيّه)

اهلال الكدر والأحزان هلّيت

أودمه عين الموالي بيك هلّيت

يشهر النوح علإسلام هلّيت

لا تظهر أو تفرح بيك اُميّه

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

روى شيخنا الصدوق في أماليه عن ثامن الحجج وثمرة المهج، الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) أنّه قال: « مَنْ تذكّر مصابنا وبكى لما ارتُكب منّا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومَنْ ذُكّر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومَنْ جلس مجلساً يُحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب » (2) .

إنّ هذه الرواية تتحدّث عن فضل وأهمية البكاء والجلوس لإحياء مصائب أهل البيت (عليهم السّلام)؛ فإنّ أهل البيت (عليهم السّلام) من النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) إلى الزهراء والحسن والحسين (عليهم السّلام). من النبي (صلّى الله عليه وآله) حيث جاهد وهاجر واُوذي في سبيل الله؛ لكي يوصل الرسالة الّتي من خلالها تتمّ الحجّة الإلهية على الناس، فأوصل الرسالة ودافع عنها؛ حيث تعرّض للاعتداء والضرب، والاغتيال والتهجير، فقال (صلّى الله عليه وآله): « ما اُوذي نبي مثل ما اُوذيت » (3) .

____________________

(1) منهل الشرع 1 / 109.

(2) بحار الأنوار 44 / 278، عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) 1 / 294.

(3) بحار الأنوار 39 / 55، المناقب 3 / 247.


مع هذا تحمّل وصبر حتّى أكمل العمل وسلّم الولاية لعلي (عليه السّلام).

وأيضاً كان نصيب الإمام من المصائب كبيراً جدّاً؛ حيث اغتُصبت منه الخلافة (1) ،وهجموا على داره، إلى ما تعرّض له من مصائب معروفة، ومنها المصائب الّتي حصلت للزهراء بنت الرسول (صلّى الله عليه وآله) من غصب فدك (2) وإسقاط الجنين (3) .

على أيّ حال، مصائب أهل البيت (عليهم السّلام) كثيرة وصعبة، فمَنْ تذكّر مصائب أهل البيت (عليهم السّلام) - كما في الرواية - وبكى على ما فعله الأشرار بهم كان مع أهل البيت يوم القيامة، فيفوز فوزاً عظيماً، وينجو من أهوال ومشاهد يوم القيامة.

وأمّا مَنْ ذُكّر أو ذكّر بمصائبهم وأبكى وبكى فلم تبك عينه يوم تبكي العيون؛ فإنّ البكاء عليهم له عدّة فوائد، وخصوصاً على مصاب سيّد الشهداء.

____________________

(1) بعد أن جعله الرسول (صلّى الله عليه وآله) خليفة على الأمّة من بعده بأمر من الله، ونصبه أمام المسلمين في غدير خم فقال (صلّى الله عليه وآله):« مَنْ كنت مولاه فهذا علي مولاه، مَنْ كنت أنا نبيّه فعليٌّ إمامه ».

والروايات متواترة في ذلك لا ينكرها لا الخاصة ولا العامّة، إلاّ أنّهم نكثوا البيعة ونصبوا الخليفة الأوّل على المسلمين بدلاً من الإمام الحقيقي الذي نصبه الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله).

(2) وهي أرض قريبة من خيبر ورّثها النبي (صلّى الله عليه وآله) لابنته فاطمة (عليها السّلام)، ووصف الأرض كما جاء في شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد 16 / 208، قال (عليه السّلام):« كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أضلّته السماء ». فخاف الخليفة الأوّل والثاني من أن الأموال والخيرات الّتي سوف تخرج من أرض فدك سوف تكون عوناً للحزب العلوي؛ فمنعوها (عليها السّلام) إرثها، والتفاصيل موجودة في كتاب « فدك » للمظفر، وبحار الأنوار 6 / 107، فراجع.

(3) وهو محسن بن علي (عليه السّلام) الذي اسقطته وراء الباب عندما دخلوا على الدار، والحادثة معروفة بحادثة الدار، وتحدّث عنها سليم بن قيس الهلالي في كتابه، فراجع.


فوائد وفضل البكاء على الحسين (عليه السّلام)

الحسين (عليه السّلام) عبرة المؤمنين

الحسين (عليه السّلام) عبرة كلّ مؤمن ومؤمنة كما جاء في الحديث عن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام)، قال: « قال الحسين بن علي (عليه السّلام): أنا قتيل العبرة، لا يذكرني مؤمن إلاّ بكى » (1) .

وفي رواية اُخرى: « أنا قتيل العبرة، قُتلت مكروباً » (2) .

الباكي على الحسين (عليه السّلام) عينه تكون ضاحكة يوم القيامة ولا تمسّها النار. قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): « كلّ عين باكية يوم القيامة إلاّ عيناً بكت على مصاب الحسين؛ فإنّها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنّة » (3) .

ومَنْ بكى عليه لم تمسّ النار عينه كما في الحديث: « عينان لا تمسّهما النار؛ عين بكت من خشية الله، وعين بكت على مصاب أبي الله (عليه السّلام) » (4) .

غفران الذنوب

فإنّ من فوائد البكاء عليه (عليه السّلام) غفران الذنوب وتحطيمها كما جاء عن أبي عبد الله (عليه السّلام): « مَنْ ذكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذُباب

____________________

(1) مستدرك وسائل الشيعة 10 / 311، بحار الأنوار 44 / 279.

(2) وسائل الشيعة 14 / 422.

(3) بحار الأنوار 44 / 292.

(4) الخصال - للصدوق / 27.


غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر » (1) .

وعن الإمام الرضا (عليه السّلام): « فعلى مثل الحسين فليبك الباكون؛ فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام » (2) .

الخلاصة

إنّ البكاء عليه (عليه السّلام) فيه الأجر والثواب الكثير والمغفرة، وإنّ الدمعة الجارية على مصائب الحسين (عليه السّلام) لا يعلم ما فيها من كثرة الثواب إلاّ الله تعالى وأنّه غير محدود.

والروايات كثيرة في هذا المضمار كما جاء في كامل الزيارات عن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام): « مَنْ ذُكرنا عنده ففاضت عيناه حرّم الله وجهه على النار. لكلّ شيء ثواب إلاّ الدمعة فينا » (3) .

____________________

(1) بحار الأنوار 44 / 289، ثواب الأعمال - للصدوق / 189، تفسير القمي 2 / 292.

(2) بحار الأنوار 44 / 283، الوسائل 14 / 504، الأمالي - للصدوق / 128.

(3) نجاة الأمّة / 38.


خواص البكاء على سيّد الشهداء (عليه السّلام)

الاُسوة الحسنة

إنّ البكاء على الحسين (عليه السّلام) فيه اُسوة حسنة بالأنبياء والملائكة وعباد الله المخلصين، كما جاء في الحديث عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: « أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكون الحسين إلى أن تقوم الساعة » (1) .

وعن الصادق (عليه السّلام): « ما لكم لا تأتونه - قبر الحسين - فإن أربعة آلاف ملك يبكون عنده إلى يوم القيامة » (2) .

نعم، لم يبقَ نبي مرسل، ولا ملك مقرّب، ولا إنسان ولا جنّ، ولا سماء ولا أرض، ولا حجر ولا مدر إلاّ وبكى على مصاب سيّد الشهداء (عليه السّلام).

فيه أداء الحقّ

إنّه أداء لحقّ النبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السّلام)؛ ففي الرواية عن زرارة قال: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السّلام): « إنّ الباكي على الحسين قد أدّى حقّنا » (3) .

____________________

(1) الوسائل 14 / 420، بحار الأنوار 45 / 222.

(2) بحار الأنوار 45 / 22.

(3) كامل الزيارات / 81.


صلة ومودّة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)

إنّه صلة ومودّة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ فالحسين (عليه السّلام) من أهل المودّة الذين جعل الرسول (صلّى الله عليه وآله) مودّتهم أجراً على نبوّته كما جاء في كتاب الله: ( ذَلِكَ الذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المـَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) (1) .

إسعاد للزهراء (عليها السّلام)

إنّه إسعاد للزهراء (عليها السّلام)؛ فإنّها تبكيه كلّ يوم، فقال الصادق (عليه السّلام): « يا أبا بصير، أما تحبّ أن تكون فيمَنْ يُسعد فاطمة (عليها السّلام) » .

ورواية اُخرى: « وما من باك يبكي إلاّ وقد وصل فاطمة (عليها السّلام) وأسعدها عليه » (2) .

خواص مجالس الحسين (عليه السّلام)

أمّا الجلوس في مجالس الإمام الحسين (عليه السّلام) فله أهمية وخصوصية وفضل كبير.

____________________

(1) سورة الشورى / 23.

(2) كامل الزيارات / 81، نجاة الاُمّة / 50.


مجالس الحسين (عليه السّلام) نصرة له

فإنّ الجلوس في مجلس الحسين (عليه السّلام) يعني نصرة له ولخطّه ونهجه، ومبايعة له من جديد، فبذلك ينتصر الدم على السيف.

مجالس الحسين (عليه السّلام) رفض لبيعة يزيد

الجلوس في مجلس الحسين (عليه السّلام) يعني الرفض لبيعة يزيد وخطّه ونهجه وكلّ ظالم وطاغية مثل يزيد؛ لأنّه الراضي بفعل قوم كالداخل معهم، ونحن في الجلوس في مجلس الحسين (عليه السّلام) نقول له: يا ليتنا كنّا معكم، فنتمنى أن نكون في جبهة الحسين وخطّ الحسين وجند الحسين والمستشهدين مع الحسين (عليه السّلام) ضدّ يزيد وأمثال يزيد.

تعظيم لأعظم شعيرة

الجلوس في مجالس الحسين (عليه السّلام) هو تعظيم لأكبر شعيرة من شعائر الله، وهو دليل على تقوى القلب ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (1) ؛ فالحسين (عليه السّلام) هو أكبر شعيرة مثل الصلاة والصوم، والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو خرج لإحياء هذه الشعائر، فمَنْ يُعظّم ذكرى الحسين فإنّها من تقوى القلوب.

____________________

(1) سورة الحج / 31.


مصعد التسبيح

إنّ مجالس الحسين (عليه السّلام) مصعد التسبيح كما جاء عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السّلام): « نَفَس المهموم لظلمنا تسبيح، وهمّه لنا عبادة، وكتمان سرّنا جهاد في سبيل الله » (1) .

منظر الحسين (عليه السّلام)

إنّ المجلس منظر الحسين (عليه السّلام)؛ فإنّه عن يمين العرش ينظر إلى موضع معسكره ومَنْ حلّ به من الشهداء، وزوّاره، ومَنْ بكى عليه كما جاء عن الإمام الصادق (عليه السّلام): « إنّ الحسين بن علي (عليهما السّلام) عند ربّه عزّ وجلّ ينظر إلى معسكره ومَنْ حلّه من الشهداء معه، وينظر إلى زوّاره، وهو أعرف بهم، وبأسمائهم، وأسماء آبائهم، وبدرجاتهم ومنزلتهم عند الله عزّ وجلّ من أحدكم بولده، وإنّه ليرى مَنْ يبكيه فيستغفر له، ويسأل آباءه (عليهم السّلام) أن يستغفروا له » (2) .

المجالس قبّة الحسين (عليه السّلام)

إنّ مجالس العزاء قبّة الحسين (عليه السّلام)، فكلّ مجلس خضوع، خصوصاً مجلس ذكر الحسين (عليه السّلام) هو قبّة الحسين (عليه السّلام)، فللمجلس تأثير (3) في إجابة

____________________

(1) الكافي 2 / 226، بحار الأنوار 44 / 278، أمالي الطوسي / 115، أمالي المفيد / 338.

(2) نجاة الاُمّة / 41.

(3) فإن إجابة الدعاء تحت قبته السامية هو ممّا منحه الله للحسين (عليه السّلام) عوضاً عن الشهادة كما جاء عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر وجعفر بن محمّد (عليهما السّلام) يقولان:« إنّ الله تعالى قد عوّض الحسين من قتله أن جعل الإمامة في ذرّيته، وإجابة الدعاء عند قبره، والشفاء في تربته » الأمالي للطوسي، معالي السبطين 1 / 123.


الدعاء كتأثير الدعاء تحت قبّة الحسين (عليه السّلام).

إحياء القلوب وإحياء لأمر أهل البيت (عليهم السّلام)

إنّ مجالس الحسين (عليه السّلام) كما في رواية الإمام الرضا (عليه السّلام) تُحيي القلوب، [حيث قال:] « مَنْ جلس مجلساً يُحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب » .

وإنّ مجالس الحسين (عليه السّلام) إحياء لأمر أهل البيت (عليهم السّلام)، وهم يُحبّونها ويوصون بها كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السّلام): « فأحيوا أمرنا فرحم الله مَنْ أحيا أمرنا » (1) .

ولا ننسى أنّ مجالس الحسين (عليه السّلام) تكون في محضر الزهراء (عليها السّلام) كما ورد في مضمون الأحاديث: « ما عقد مجلس وكان فيه اثنان إلاّ وكانت الزهراء (عليها السّلام) ثالثة »؛ فإنّها لم تكن غائبة عن ولدها الحسين (عليه السّلام) حتّى يوم عاشوراء (2) ،بل كانت حاضرة بروحها يوم العاشر، وشاهدت تلك المشاهد المروّعة؛ من عطش الأطفال وذبحهم، وقتل الحسين وأصحابه، إلى سبي النساء، وفصل الرؤوس عن الأجساد، وكانت تنتقل مع رأس الحسين (عليه السّلام) من مكان إلى مكان، ومن بلدة إلى بلدة؛ ولهذا يُروى أنّ عمر بن سعد لمـّا بعث برأس

____________________

(1) مصادقة الإخوان / 32، وسائل الشيعة 12 / 22، الأمالي - للطوسي / 58، بحار الأنوار 1 / 202، 44 / 278.

(2) هو يوم 10 محرّم سنة 61 هـ، اليوم الذي قُتل فيه الحسين (عليه السّلام) عطشان مذبوحاً في أرض كرب وبلاء.


الحسين (عليه السّلام) مع خولّى بن يزيد الأصبحي (1) إلى ابن زياد، أقبل خولّى بالرأس الشريف إلى قصر الإمارة، فوجد باب القصر مغلقاً، فأتى بالرأس إلى منزله ثمّ وضعه تحت اُجانة، ثمّ أوى إلى فراشه، فقالت له زوجته: ما الخبر، وما عندك؟

قال: جئتك بخير الدنيا. [قالت:] بماذا جئتني؟ قال: هذا رأس الحسين معك في الدار. قالت: ويلك! الناس يأتون بالذهب والفضة، وأنت تأتيني برأس ابن رسول الله! لا والله لا جمعت رأسي ورأسك وسادة أبداً (2) .

تقول هذه المرأة: خرجت ليلاً وإذا بنور يسطع مثل العمود من تحت الاُجانة إلى السماء (3) ،وسمعت هاتفة تقول: « يا بُني، قتلوك وما عرفوك! ومن شرب الماء منعوك! » (4) .

ولا زالت الزهراء (عليها السّلام) تحضر كلّ مجلس يعقد باسم الحسين (عليه السّلام)، وشعارها البكاء والنياحة، وقولها: « يا بُني، قتلوك وما عرفوك! ومن شرب الماء منعوك! ».

____________________

(1) هو خولّى بن يزيد الأصبحي الإيادي الآباني الدرامي، كان من جيش عمر بن سعد الذي حارب الإمام الحسين (عليه السّلام) في كربلاء، فلمـّا وقع القتال رمى عثمان بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) بسهم فصرعه، ولمـّا سقط الإمام الحسين (عليه السّلام) على الأرض بعد أن اشتدّ عليه الضرب والطعن، تقدّم خولّي وأراد أن يحتزّ رأسه الشريف، إلاّ أنّه ضعف وأرعد.

تولّى حمل رأس الإمام (عليه السّلام) إلى الكوفة. قبض عليه في الكوفة سنة 66 هـ من قبل رجال المختار بن أبي عبيدة الثقفي وقتلوه.

ورد لعنه في زيارة الناحية المقدّسة بعد السلام على عثمان بن أمير المؤمنين (عليه السّلام):« لعن الله راميه بالسهم خولّى بن يزيد الأصبحي الإيادي الأباني الدرامي » الكامل في التاريخ 4 / 76، تاريخ الطبري 4 / 464، الإقبال / 49.

(2) الكامل في التاريخ 4 / 80 - 81، تاريخ الطبري ج 3.

(3) البداية - لابن كثير 8 / 190، مصائب آل محمّد / 397.

(4) بحار الأنوار 45 / 316.


(نعي مجاريد)

أنا الوالده والگلب لهفان

وادوّر عزا ابني وين ما چان

جسمه طريح ولا له اچفان

أو لعبت عليه الخيل ميدان

أنا الوالدة المذبوح ابنها

أو طول الدهر ما چل حزنها

مصيبة أو يشيب الطفل منها

سبعين جثة ابدور چنها

بالمعركة محّد دفنها

أو زينب حده الحادي ابضعنها

(بعد) الزهراء عندها طلب منك أيّها الموالي يا حبيب الحسين، تريدك أن تساعدها على البكاء على أبي عبد الله.

(عاشوري)

وين اليواسيني ابدمعته آه آه

على ابني الذي حزوا رقبته

أو تمت ثلث تيام جثته آه آه

أويلاه يبني الما حضرته

أو لا غسلت جسمه أو دفنته

(نعي مجاريد)

وين اليواسيني يشيعه

عله احسين وأصحابه ورضيعه

وابن والده عين الطليعه

أبو فاضل اكفوفه قطيعه

مطروح نايم علشريعه(1)

____________________

(1) مجمع المصائب 1 / 30.


(تخميس)

قضى وبسيفِ الشمرِ أرواهُ ورده

عفيرُ المحيّا ممكناً فيه حدّهُ

ولو أبصرت عيناك في التربِ خدّه

إذن للطمت الخدّ فاطمُ عنده

وأجريتِ دمعَ العينِ في الوجناتِ

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم. إنّا لله وإنا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا آل بيت محمّد أيّ منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.

نسألك اللّهمّ وندعوك باسمك العظيم الأعظم، الأعزّ الأجلّ الأكرم، يا محمود بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ علي، يا فاطر السماوات والأرض بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن، يا قديم لإحسان بحقّ الحسين (عليه السّلام) عجّل فرج وليك الحجّة المنتظر المهدي (عجّل الله فرجه)، وانجز له ما وعدته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه.

الإخوة الحاضرون تقبّل اللّهمّ عملهم بأحسن القبول، واقض حوائجهم بحقّ محمّد وآل محمّد، واجعل قلوبهم وديارهم عامرة بذكر محمّد وآل محمّد، وارزقهم شفاعة محمّد وآل محمّد،


واغفر لهم بحقّ محمّد وآل محمّد، واحشرهم مع محمّد وآل محمّد.

أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء

الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمّد وآل محمّد (صلّى الله عليه وآله).


المجلس الثاني

1 - القصيدة: ما للأحبّة لا يؤون.

2 - الموضوع: أسباب الثورة الحسينيّة.

3 - الترجمة: محمّد بن الحنفيّة.

مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله).

4 - المصيبة: فاطمة العليلة.



عظّم الله أجوركم يا بقيّة الله، يا صاحب العصر والزمان، بمصابكم بجدّكم أبي عبد الله الحسين وآل بيته وأصحابه.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، صلّى الله عليك وعلى آلك المظلومين، لعن الله الظالمين لكم من الأوّلين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساكبة، ويا عبرة كلّ مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتك لك الفدا يا شهيد كربلا، ويا قتيل العدا، ومسلوب العمامة والردا، ما خاب مَنْ تمسّك بكم، وأمن مَنْ لجأ إليكم. يا ليتنا كنّا معكم سادتي فنفوز والله فوزاً عظيماً.

ما للأحبّةِ لا يؤونَ خلاّنا(1)

هلاّ دروا أنّنا حانت منايانا(2)

فهل بدا من محبٍّ يومَ فرقتهم

ذنبٌ لذاك استحقوا فيه هجرانا

ما هاجني حبّهم يوماً ولا ذرفت

عيناي من بعدِهم دمعاً وعقيانا

____________________

(1) الأصدقاء.

(2) الموت.


لكن سمعتُ بشهر فيهِ قد لبست

آلُ الرسولِ ثيابَ الحزنِ ألوانا

هيّجت(1) يا شهرُ مافي القلبِ من شجنٍ(2)

إذ فيكَ أضحى رسولُ اللهِ ثكلانا(3)

والبضعةُ الطهر(4) أضحت فيكَ ثاكلةً

تُردّدُ الشجو(5) ألحاناً فألحانا

بل فيكَ أضحى أبو السجادِ منعفراً(6)

بأرض الطفّ فوقَ التُربِ عُريانا

أبكي الحسينَ وحيداً لا نصيرَ له

إلاّ المهندَ (7) والخطّي(8) أعوانا

أبكيهِ منعفرَ الجثمانِ قد رفعوا

فوقَ القناةِ (9) مُحيّاً منهُ إعلانا

يتلو من الكهفِ آياتٍ يُرتِّلُها

أبدى(10) بها للورى(11) آياً وبرهانا(12)

____________________

(1) حرّكت.

(2) الحزن.

(3) مفجوعاً.

(4) فاطمة الزهراء (عليها السّلام).

(5) المصائب - الحزن.

(6) ملامس للتراب، أي مقتول.

(7) السيف.

(8) الرمح.

(9) الرمح.

(10) أظهر.

(11) الناس.

(12) مجمع المصائب 1 / 175.


(بحر طويل)

لمن ظل وحيد احسين

وعليه داير العسكر

راح ايودّع اعياله

قبل افراق المقدر

رد امن الحرب مهظوم

لكن قصد لانصاره

لگاها أعلى الأرض نومه

أو دم الطعن يتجاره

وگف يمهم يعاتبهم

أو قلبه تلتهب ناره

يليوث الحرب نومه

أو منكم خالية الحومة

ثنيتكم المعلومة

عفتوا ادياركم لجلي

أو طلقتوا الأهل يكرام

ليش اليوم عفتوني

وحيد ابين هالظلام

عدكم حرم مذعوره

والكم بالطفوف اخيام

يا هو اللي يحاميها

العسكر لو دوه اعليها

هاي الخيل اجت ليها

اعاتبكم يهل بيتي

ولا كنكم تسمعوني

ليش اوحيد بين القوم

يهل الوفه اتخلوني

دارت عليّ عدواني

اوليكم شابحه اعيوني

كيف الكم يطيب النوم

وآنه اوحيد بين القوم

جزاكم يهل بيتي اللوم

لمن سمعت المظلوم

رادت تنتهض واتگوم

لكن حايل المحتوم

ما بين اخوته أو بينه(1)

____________________

(1) منهل الشرع 1 / 175.


(أبو ذيّه)

لونكم ليلي ونهاري لونكم

يلطحتوا وارماح الشر لونكم

شوفوا حالتي گوموا لونكم

إخوتي لو رحلتوا أو هاي هيه

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

جاء في وصية سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السّلام) لأخيه محمّد بن الحنفيّة(1) :« إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي (صلّى الله عليه وآله)؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب (عليه السّلام) » (2) .

هذه الوصية كانت شعار ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام)، فبيّن في هذه الكلمات أنّه

____________________

(1) محمّد بن الحنفيّة هو ابن أمير المؤمنين (عليه السّلام)، واُمّه من بني حنيفة. وكان بطلاً شجاعاً، حمل راية أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) يوم حرب الجمل وعمره عشرون سنة، وكذلك كانت الراية معه، وكان صاحب لواء أبيه في أكثر حروبه، يُعطيه الراية ويقول له:

أقدم بها مثل أبيك تحمد

لا خير في الحرب إذا لم توقد

لم يتمكّن محمّد بن الحنفيّة من الخروج مع أخيه الحسين لمرض ألمـّ به؛ فقد أصابته قروح كما ذكر العلاّمة الحلي في أجوبته ص 81.

ومكانة محمّد بن الحنفيّة وجلالة قدره واعترافه بإمامة ابن أخيه زين العابدين الإمام السجّاد (عليه السّلام) تؤكد لنا إخلاصه، وعدم تمكّنه من الخروج إلى كربلاء مع أخيه الحسين وعياله، لكنّه بقي بالمدينة يداوي علته.

(2) المجالس السنية 1 / 47، بحار الأنوار 44 / 328، مع الركب الحسيني 1 / 389، فتوح ابن أعثم 5 / 34، مقتل الخوارزمي 1 / 188.


لم يخرج في ثورته على الطاغية يزيد طلباً للدنيا أو رياسة أو ظلم، أو منافسة على منصب أو جاه(1) ، إنّما أسباب الخروج هي المسؤولية الشرعية تجاه الإسلام، بأن يُصلح في اُمّة جدّه، ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من جهة، ومن جهة أخرى الرجوع والسير بسيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد الانحراف الذي حلّ بالقوم.

____________________

(1) أراد الإمام (عليه السّلام) تبيان سبب خروجه أوّلاً، وعدم القول والاتهام بأنّه خرج على إمام زمانه أو أراد أن يشقّ عصا المسلمين، أو أراد المنصب والجاه ثانياً، ومع كلّ هذا صرّح بأنّه مقتول، فقال (عليه السّلام):« مَنْ التحق بنا استشهد » ،« شاء الله أن يراني قتيلاً » ، و« وكأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء » .

والروايات كثيرة تشهد بأنّه سوف يستشهد في كربلاء، وهذا ممّا يدلّ على أنّه غير ساع إلى منصب أو غيره، بل لطلب الإصلاح في الاُمّة بعد مجيء يزيد إلى السلطة، هذا الرجل المفسد الذي لم يشهد التاريخ مثله، فاستلم الخلافة ثلاث سنوات، والنتيجة كانت سنة 61 هـ قتل ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وسبى عياله.

سنة 62 هـ اقتحم المدينة واُفتضت الأبكار، وتعرف هذه الحادثة بالحرّة.

سنة 63 هـ ضرب بيت الله الحرام بالمنجنيق، فضلاً عن أعماله الّتي لا تُذكر؛ لذلك فالإمام (عليه السّلام) خرج على هذا الطاغي، وبيّن سبب خروجه في الوصية، ومع ذلك لم يسلم (عليه السّلام) من أقوال وأقلام الحاقدين والمنافقين، فمثاله ما جاء في كتاب الدولة الأمويّة لمؤلّفه الشيخ محمّد الخضري بيك / 288: « فإنّ الحسين أخطأ خطأ عظيماً في خروجه، هذا الذي جرّ على الأمّة وبال الفرقة والاختلاف، وزعزع عماد اُلفتها إلى يومنا هذا. ويزيد قد بايعه الناس ولم يظهر منه ذلك الجور ولا العسف عند إظهار هذا الخلاف ».


أسباب الثورة الحسينيّة

أسباب ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح من الفساد الاُموي، والخروج من الإسلام الاُموي والرجوع إلى الإسلام المحمّدي، والسير بسيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب (عليه السّلام).

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

أمّا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهما من فروع الدين، أي كالصلاة والصوم لأنّهما واجبان شرعيان على المكلّف، وقد ورد الحثّ عليهما في القرآن والأحاديث. يقول الله في كتابه العزيز:( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ اُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمـَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المـُنْكَرِ وَاُولَئِكَ هُمُ المـُفْلِحُونَ ) (1) .

وجاء في الحديث عن رسول (عليه السّلام):« إنّ الله عزّ وجلّ ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له » . فقيل له: وما المؤمن الضعيف الذي لا دين له؟ قال:« الذي لا ينهى عن المنكر » (2) .

إذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات والفرائض، ومن ضروريات الدين، ولكن وجوبهما له مراتب وله شروط، وهي من الاُمور الدقيقة والمهمّة الّتي تجب معرفتها ومراعاتها، ولا يجوز الانتقال من مرتبة إلى اُخرى مع احتمال تأثير المرتبة الاُولى وكفايتها.

____________________

(1) سورة آل عمران / 104.

(2) الكافي 5 / 59، وسائل الشيعة 16 / 122.


مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

المرتبة الاُولى:

وهي الإنكار بالقلب، بحيث إذا سمع صوت أغانٍ مثلاً عند جاره يجب أن يُنكر هذا العمل بقلبه، ويفهم بذلك مستمع الغناء على أنّه منكر للغناء وغير راضٍ؛ فإنّ الراضي بفعل قوم كالداخل معهم.

المرتبة الثانية:

هي الإنكار باللسان، أي بالكلام، مثلاً إذا سمع صوت غناء فيقول: إنّ الغناء حرام، وإذا رأى امرأة من دون حجاب عليه أن يأمرها بلبس الحجاب وإعلامها بوجوبه.

مراتب القول:

وللقول مراتب: من القول اللين والوعظ والإرشاد، إلى الكلمات الآمرة والزاجرة، ووصولاً إلى غلظة القول، فهي تكون حسب الأشخاص والظروف.

المرتبة الثالثة:

وهي الإنكار باليد، غير الضرب ونحوه؛ فإنّه يحتاج إلى إجازة، وهو مثلاً أن يُطفئ المسجلة، وهكذا.


شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

1 - معرفة المعروف والمنكر

أن يعرف الآمر أو الناهي المعروف والمنكر، فلا يمكن أن أمنع شارب الخمر من دون أن أعرف أن الخمر حرام، ولا يمكن أن آمر بالصلاة من دون أن أعلم أنّها واجبة، فتجب معرفة المعروف والمنكر شرعاً لكي يصح أن نأمر وننهى؛ فإنّ فاقد الشيء لا يعطيه.

2 - احتمال التأثير

أن يحتمل تأثير الأمر أو النهي، فيوجد بعض الأشخاص لا يريدون أن يسمعوا منّا ولا يهتمّون ولا يتأثّرون، فهنا يسقط الوجوب؛ لعدم احتمال التأثير.

3 - الإصرار

أن يكون العاصي مُصرّاً على الاستمرار في المعصية، بحيث ما زال يكذب، ويسرق، ويغتاب، ويسمع الحرام، فعندها لا يسقط وجوب الأمر والنهي، وإلاّ إذا علم أنّه ترك سماع الأغاني مثلاً لا يجب أن يأمره؛ لأنّه ترك.


4 - عدم المفسدة أو الضرر في الإنكار

أن لا يكون في إنكاره مفسدة أو ضرر كبير على الآمر والناهي، بحيث يُضرب أو يُشتم بما لا يليق به، فعند ذلك لا وجوب إلاّ إذا كان المنكر من الاُمور المهمّة والخطيرة الّتي يهتمّ بها الإسلام، كمحو وتغيير بعض شعائر الإسلام، فعندها لا بدّ من ملاحظة الأهمية حتّى لو أوجبت سفك دماء وأسر وجرح.

الإصلاح والسير بسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)

فإنّ الاُمّة انحرفت بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وزاد في هذا الانحراف عندما استلم يزيد؛ فإنّ يزيد استحلّ حرام الله وحرّم حلاله، وخالف سنة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأنكر نبوّته، وهو يقول على سدّة الخلافة الإسلاميّة الكفر والإلحاد وهو ينكت بالخيزران رأس أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام):

لعبت هاشمُ بالملكِ فلا

خبرٌ جاءَ ولا وحي نزل(1)

فأنكر النبوّة وأدخل البدع على الإسلام، وجار في حكمه، وأراد أن يرجع المسلمين إلى الجاهليّة، وحثّهم على شرب الخمر وترك الصلاة بشعره:

دع المساجدَ للعبّادِ تسكنها

وقف على دكّةِ الخمارِ واسقينا

ما قالَ ربّك ويل للاُلى شربوا

بل قال ربّك ويل للمـُصلّينا

فعندها قام الإمام الحسين (عليه السّلام) بثورته لكي يرجع الاُمّة إلى الإسلام الحقّ، ولا تنحرف عن سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) أكثر ممّا انحرفت في عهد الخليفة

____________________

(1) سيرة ابن هشام 3 / 97، الفتوح 5 / 241، معالم المدرستين 3 / 202، شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد 2 / 382.


الأول والثاني والثالث ومعاوية، فقال (عليه السّلام):« أيّها الناس، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: مَنْ رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بقول ولا فعل، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله » (1) .

أي يكون معه في جهنم ويتحاسب عن موقفه الذي اتّخذه ورضي به؛ فإنّ الراضي بفعل قوم كالداخل معهم.

موقف الإمام (عليه السّلام) من بيعة يزيد

أراد (عليه السّلام) أن يُعلن للاُمّة أنّه هو مُمثّل الشرعية لا الحكم الاُموي، وأنّه هو صاحب الحقّ بالطريق الأعظم، وبالخلافة وبكلّ شؤون الاُمّة، وأنّه هو الأصل الشرعي، وأن يزيد هو الشذوذ والانحراف والتمرّد على الشرعية.

قائلاً (عليه السّلام):« إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الرحمة، بنا فتح الله، وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يُبايع مثله، ولكن نُصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة » (2) .

فختم الإمام الحسين (عليه السّلام) قوله هذا مع علمه أنّه سوف يُذبح ويُقطع رأسه، وسوف يبذل الدماء والأرواح، وتُسبى النساء، مع هذا لم يسكت؛ فجمع رجاله

____________________

(1) بحار الأنوار 44 / 381.

(2) بحار الأنوار 44 / 324، تاريخ الطبري 3 / 270، صفحات من تاريخ كربلاء / 216، الكامل في التاريخ 4 / 15، مع الركب الحسيني 1 / 403.


وعياله وأراد أن يغادر مدينة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(1) ، وقد حمل عياله على النياق، صاح:« أين أخي؟ أين كبش كتيبتي؟ أين قمر بني هاشم؟ » .

فقال العباس (عليه السّلام): لبيك لبيك سيدي.

قال له الإمام (عليه السّلام):« أخي أبا الفضل، قدّم لي جوادي » . فقدمه ولزم ركاب الفرس حتّى ركب الحسين (عليه السّلام)، وركب بنو هاشم جميعاً، ثمّ ركب العباس وبيده الراية، فصاح أهل المدينة صيحة واحدة، وعلت أصوات بني هاشم بالبكاء والنحيب، وصاحوا: الوداع الوداع، الفراق الفراق.

فقال العباس (عليه السّلام): هذا والله الفراق، والملتقى بالجنّة.

ثمّ ساروا قاصدين كربلاء مع العيال وجميع الأولاد إلاّ فاطمة الكبرى(2) ، أكبر بنات الحسين (عليه السّلام)، وإذا بها ترى دار أبيها قد خلت من الأهل والأحبّة، استوحشت وزحفت إلى أن وصلت باب الدار، وإذا بها ترى الإخوة على متون الخيل؛ عمّاتها، أخواتها بالهوادج.

صاحت: أبه! إلى أين عنّي؟

(دكسن)

يبويه حسين ويّاكم اخذوني

وحدي ابداركم لا تخلّوني

____________________

(1) المدينة المنوّرة، وهي يثرب أوّل مدينة وعاصمة إسلاميّة، تقع في منطقة الحجاز في المنطقة الغربية من المملكة العربية السعودية، وإلى الشمال من مكة المكرّمة، وهي مدينة مقدّسة مهمّة؛ لأنّ بها قبر الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وفاطمة (عليها السّلام)، والحسن بن علي (عليه السّلام)، وعلي بن الحسين (عليه السّلام)، ومحمد بن علي (عليه السّلام)، وجعفر بن محمّد (عليه السّلام).

خرج منها الإمام (عليه السّلام) من تحت ليلته، وهي ليلة الأحد، ليومين بقيا من رجب متوجّهاً نحو مكة، ومعه بنوه وبنو أخيه، وإخوته وجل أهل بيته. (مع الركب الحسيني 1 / 404، الإرشاد / 222، موسوعة المدن العربية والإسلاميّة - يحيى الشامي / 41 - 43).

(2) مجمع المصائب 1 / 78.


عگبكم بس بكي وزادي همومي

واخاف امن البكه يعمن اعيوني

أريد أمشي اُوياكم للغاضريّه

أحط افراشكم أو نگعد سويه

يبويه امنين اجتني الغاضريّه

رجع الإمام الحسين (عليه السّلام) لها، صبّرها، قال:« بُنيّه، إذا وصلنا مكان الاستقرار أبعث إليك عمّك العباس وأخاك علياً الأكبر يحملانك إلينا » .

قالت: لا يا أبه، إنّ نفسي تحدّثني أن لا لقاء بعد هذا اليوم، هذا آخر لقاء، آخر اجتماع، ائذن لي أن أتزوّد من عمّاتي وأخواتي.

جاءت فاطمة تطوف على الهوادج تودّع عمّاتها وأخواتها، ولسان الحال:

شاروا هلي وآنه انظر الهم

عافوني بالوطن ما چني بنتهم

بگيت أبكي واصيح مارد ظعنهم

(عاشوري)

شار الظعن وآنّه اتركوني آه آه

وگالوا عليله أو ما خذوني

انطوني وعد خواني يجوني


شار الظعن وآنه عليله آه آه

أنه ابدارهم أبكي ونحيله

يا فرگت الأحباب اشگد ثجيله

بقيت تنتظر قدوم الأهل وهي تترقّب الركبان وتبكي على فراق الأهل:

طوّل سفرهم كن نسوني

ومن البكى راحن اعيوني

وحدي ابدارهم شو حيروني

ذاب الگلب رحتوا من اديه

واتاني جيت الطارش عليه

ليش الأحباب اگطعوا بيه

قيل: إنّ فاطمة العليلة بقيت تبكي ليلها ونهارها، وبين ساعة واُخرى تنظر إلى تلك الدار الموحشة الّتي خلت من أهلها، فكتبت كتاباً إلى والدها الحسين (عليه السّلام) وبيّنت فيه حالها وأعطته إلى أعرابي كان يريد الذهاب إلى أرض العراق، وكانت كلّ يوم تنوح وتبكي لفراق أبيها وبقيّة الأحباب، ولسان الحال:

رساله الهلي ابجناح الطير شديت

وگلت اخلافكم ظل خالي البيت

آنه ابوطن جدّي غريبه چني ظليت

أخذ الأعرابي كتاب فاطمة بنت الحسين (عليه السّلام) وجدّ بالسير إلى أرض العراق، فوصل إلى أرض كربلاء يوم عاشوراء بعد قتل الأصحاب وبني هاشم، فسأل عن الحسين (عليه السّلام)، فوجد الحسين (عليه السّلام) وحيداً لا ناصر له ولا مُعين، فسلّمه الكتاب.

وقيل: إنّه جاهد دون الحسين (عليه السّلام) حتّى استشهد بين يديه.

فتح الإمام الحسين (عليه السّلام) الكتاب وإذا به من ابنته فاطمة العليلة، فبكى بكاءً شديداً، وجاء عند الهاشميات صاح:« يا زينب، يا سكينة، يا اُمّ كلثوم، هلمنَ؛ فلقد وصل الكتاب


وعظم المصاب » .

فصاحت زينب: أمّا المصاب فها نحن فيه، إذاً ممّن الكتاب؟

قال:« هذا كتاب من ابنتي فاطمة » . وقرأ الرسالة، فبكت الهاشميات، وكأنّي بها تقول:

(نعي)

بويه منك فلا طارش إجاني

افراك الأهل غير الواني

والمرض شل حالي أو سلاني

ابنفسي أشوفك فرد مشوار

بعدك عليه مظلمه الدار

بويه شگولن لو إجه الدارك الزوار

عليله أو تهل دمعاتها العين

وتصيح عنّي غاب الحسين

يا ريت قبلك صابني البين(1)

(تخميس)

سألت ربع الندا والدمع ينهملُ

عن معشرٍ هاهنا عهدي بهم نزلوا

____________________

(1) عبرة الأحزان / 13 - 15.


أين استقلوا عن الأوطان وارتحلوا

بالأمس كانوا معي واليوم قد رحلوا

وخلفوا في سويدا القلب نيرانا

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم. إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا آل بيت محمّد أيّ منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.

نسألك اللّهمّ وندعوك باسمك العظيم الأعظم، الأعز الأجل الأكرم، يا محمود بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ علي، يا فاطر السماوات والأرض بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن، يا قديم الإحسان بحقّ الحسين (عليه السّلام) عجّل فرج وليك الحجّة المنتظر المهدي (عجّل الله فرجه)، وأنجز له ما وعدته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه.

الإخوة الحاضرون تقبّل اللّهمّ عملهم بأحسن القبول، اقض حوائجهم بحقّ محمّد وآل محمّد، واجعل قلوبهم وديارهم عامرة بذكر محمّد وآل محمّد، وارزقهم شفاعة محمّد وآل محمّد، واغفر لهم بحقّ محمّد وآل محمّد، واحشرهم مع محمّد وآل محمّد.

أمّن يُجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء

الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمّد وآل محمّد (صلّى الله عليه وآله).



المجلس الثالث

1 - القصيدة: وجه الصباح.

2 - الموضوع: الهجرة الحسينيّة.

3 - الترجمة: معاوية بن أبي سفيان.

يزيد بن معاوية.

الوليد بن عتبة.

مروان بن الحكم.

الزرقاء.

شمر بن ذي الجوشن.

4 - المصيبة: خروج الإمام (عليه السّلام) من مدينة جدّه.



عظّم الله أجوركم يا بقية الله، يا صاحب العصر والزمان، بمصابكم بجدكم أبي عبد الله الحسين وآل بيته وأصحابه.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، صلّى الله عليك وعلى آلك المظلومين، لعن الله الظالمين لكم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساكبة، ويا عبرة كلّ مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتك لك الفدا، يا شهيد كربلا، ويا قتيل العدا، ومسلوب العمامة والردا. ما خاب مَنْ تمسّك بكم، وأمن مَنْ لجأ إليكم، يا ليتنا كنّا معكم سادتي فنفوز والله فوزاً عظيماً.

وجهُ الصباحِ عليّ ليلٌ مظلمُ

وربيعُ أيامي عليّ محرمُ

والليل يشهدُ لي بأنّي ساهرٌ

إن طابَ للناسِ الرقادُ فهوّموا(1)

____________________

(1) أي إذا ناموا نوماً خفيفاً «بداية النوم».


قلقاً تقلبني الهمومُ بمضجعي(1)

ويغورُ(2) فكري في الزمانِ ويتهمُ (3)

مَنْ لي بيومِ وغىً (4) يشبُّ ضرامُهُ(5)

ويشيبُ فودُ الطفلِ منه فيهرمُ

فعسى أنالُ من التراثِ مواضياً (6)

تسدي(7) عليهنَّ الدهورُ وتلحمُ(8)

أو موتة بينَ الصفوفِ أحبّه

هي دينُ معشري الذينَ تقدّموا

ما خلتُ أنّ الدهرَ من عاداتِهِ

تُروى الكلابُ به ويُظمى الضيغمُ(9)

ويُقدّمُ الاُموي وهو مؤخرٌ

ويُؤخرُ العلوي وهو مقدّمُ

مثلُ ابن فاطمةٍ يبيتُ مشرّداً

ويزيدُ في لذّاتهِ متنعمُ

ويُضيّقُ الدنيا على ابنِ محمدٍ

حتى تقاذفهُ الفضاءُ الأعظمُ

____________________

(1) مكان نومه.

(2) يدخل.

(3) شبه الشاعر الزمان بأرض تهامة الّتي يقصدها المسافر.

(4) الحرب.

(5) اشتعال النار في الحلفاء.

(6) ما قد ذهب.

(7) تهملها الدهور.

(8) تلتئم.

(9) الأسد.


خرجَ الحسينُ من المدينةِ خائفاً

كخروجِ موسى خائفاً يتكتّمُ

وقد انجلى عن مكّةٍ وهو ابنها

وبهِ تشرّفتِ الحطيمُ(1) وزمزمُ (2)

لم يدرِ أينَ يريحُ بدنُ ركابهِ

فكأنّما المأوى عليهِ محرّمُ(3)

(بحر طويل)

ودّع وطن طيبه احسين

والكربلا اتعناها

اوحفّت بالظعن عدنان

واتعنّت مناياها

يثرب حين ودّعها

اوعنها الظعن راد ايشيل

أو هاشم سمعت ابنيته

ناوي اعلى المسير ابليل

لفاه (محمد) اينادي

أو دمعه اعلى الخدود ايسيل

ناوي ابها الظعن لا وين

ماخذ كل هلك يحسين

لا تظعن ينور العين

(يثرب) ما تود فركاك

ليش اتريد فركاه

____________________

(1) هو جزء من المسجد الحرام، وهو أفضل مواضعه. وحدود الحطيم هي ركن الحجر الأسود، وباب الكعبة، ومقام إبراهيم (عليه السّلام).

(2) وهو بئر الماء الذي نبع لإسماعيل (عليه السّلام) وأمّه هاجر من المسجد الحرام، وماؤه خير ماء على وجه الأرض.

(3) للسيد جعفر الحلّي - رياض المدح والرثاء / 172، الدرّ النضيد / 287.


ليش ابضعنك ابها الليل

طالع من وطن جدّك

يظلم من عكب عينك

(أو هاشم) تذل من بعدك

انكان الكصد للكوفه

اترك يا فحل كصدك

لا تظعن الواديها

تخونك بس تصل ليها

يخويه انسيت اهاليها

بخوك اشسوت اوعودك

اوتدري ابكل سجاياها

لمن سمع حچيه احسين

ون اوصفك ايد ابأيد

يكله الكوم يردوني

ابايعهم واطيع ايزيد

واكضي العمر بالذله

يخوي الها العمر ما ريد

خليني ارشد ابنيتي

وآخذ كل اهل بيتي

بالعز رايد امنيتي

عليل الدين يمحمد(1)

(أبو ذيّه)

إلك ماتم ابوسط الگلب ينصاب

وذكرك من يمر الدمع ينصاب

گلبي بدال گلبك ريت ينصاب

وخدي بدال خدك عالوطيه

____________________

(1) منهل الشرع 1 / 212.


لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

قال تعالى في كتابه الكريم:( وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) (1) .

في هذه الآية الكريمة عدّة اُمور مهمّة يُمكن الاستفادة منها بما يناسب هجرة وخروج الإمام الحسين (عليه السّلام) من المدينة إلى مكة؛ فموضوع هذه الآية الهجرة، ثمّ الجهاد، ثمّ الشهادة في سبيل الله كما حصل للإمام الحسين (عليه السّلام).

أوّلاً: الهجرة تعني الانتقال من مكان إلى مكان.

ثانياً: الهجرة نوعان؛ هجرة بالاختيار، وهجرة بدون اختيار.

ثالثاً: الهجرة تارة تكون في سبيل الله، وتارة في سبيل النفس والدنيا.

بعد أن عرفنا أن الهجرة هي الانتقال من مكان لآخر نأتي إلى بيان الهجرة الروحية النفسية؛ لأنّها أشرف من الجسدية.

الهجرة النفسيّة

هي عبارة عن ترك الذنوب الكبيرة منها والصغيرة والانتقال إلى الطاعة، وترك عبادة النفس والانتقال إلى عبادة الله، وترك التعلّق بالدنيا والانتقال إلى التعلّق بالآخرة، وترك النفس الأمّارة بالسوء والانتقال إلى النفس المطمئنة؛ فإنّ البقاء في الذنوب، وعبادة النفس والتعلّق بالدنيا، والإبقاء على النفس الأمّارة بالسوء يعني الخسران المبين، وعبادة الشيطان الذي هو عدو لنا، كما قال تعالى:( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ

____________________

(1) سورة الحج / 58.


مُبِينٌ ) (1) ، ويعني أيضاً السقوط إلى مرتبة أقل من مرتبة الحيوانات كما قال تعالى:( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) (2) .

وفي المقابل الانتقال إلى الطاعات وعبادة الله، والانتقال إلى النفس المطمئنة والقلب السليم يعني الفوز العظيم بالجنّة والمغفرة والرضوان، والدخول إلى مرتبة الصالحين والذين أنعم الله عليهم، وهذا هو معنى الهجرة الروحية.

الهجرة الجسديّة

هي غنية عن التعريف، وهي أن يسافر الإنسان من بلد إلى بلد.

الهجرة بالإرادة

وهي أن يترك الإنسان الذنوب وينتقل إلى الطاعات، وأن يترك بلده إلى بلد آخر دون أمر اضطراري، أو لا يكون هناك مَنْ يجبره على الهجرة، فتكون هذه الهجرة باختياره.

الهجرة الاضطراريّة

وهي بدون اختيار من الإنسان، وتكون تارة بأخذ الأجر والثواب والجلوس في طاعة الله كما في شهر رمضان؛ فإنّ الله يُعطي الإنسان الأجر

____________________

(1) سورة يس / 60.

(2) سورة الفرقان / 44.


والحسنات حتّى في نومه ونفسه، وأيضاً الأجر والثواب وغفران الذنوب يحصل في الجلوس في المسجد ومجالس العزاء؛ فإنّ التواجد في هذه المجالس يُعطي الأجر والحسنات للإنسان من حيث لا يحتسب.

أمّا الهجرة الجسديّة الاضطراريّة

فتكون عبر السفر لتحصيل العلم، والسفر لتحصيل المعيشة بسبب قلّة العمل والفقر، وعبر الترحيل والتعذيب والتخويف والتهديد بالقتل وهتك الحرمة؛ فيضطر الإنسان المـُهدّد بالقتل إلى الهجرة إلى مكان آمن يُمكنه العيش فيه.

الهجرة في سبيل النفس والجاه

وهي تكون حسب أهواء النفس بما يسرها وترغب في الوصول إليه من الجاه والعلم والزعامة والغنى المادي.

ويُمكن أن تتحقّق هذه الهجرة في هجرة النفس أيضاً؛ لأنّها عبارة عن نيّة وعمل موقوف على النيّة، فكما أنّ الهجرة تكون من أجل المال والجاه والتعلّم من أجل أن يرى نفسه مميّزاً عن الآخرين وله سلطة، ليس ضعيفاً ومعه مال غير محتاج بل الناس محتاجون له فهجرته للدنيا لا لله.

الهجرة الحقيقيّة

وهي الّتي تكون في سبيل ربّ العالمين، فهي هجرة النفس المذنبة إلى النفس المطيعة المطمئنة، وفي هذه الهجرة تكون كلّ خطوة لله، فلا يبالي


المهاجر أوقع على الموت أو وقع الموت عليه. وهذا ما حصل لسيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) عندما هاجر من مدينة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، هاجر هجرة الجسد والاضطرار، وكانت لله سبحانه وتعالى.

يقول المؤرّخون: بعد هلاك معاوية(1) استلم الخلافة ابنه يزيد اللعين(2) ، وكان يزيد - كما يجمع على ذلك المؤرّخون(3) - يقضي كلّ وقته في اللهو والخمر والنساء، ويزيد المتربي عند النصارى وملاعب القردة والكلاب صار الخليفة على المسلمين، وأول أمر قام به هو أخذ البيعة من الحسين (عليه السّلام)؛ حيث كتب إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان(4) - وكان على المدينة من قبل معاوية - أن يأخذ من الحسين (عليه السّلام)

____________________

(1) هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن اُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، ولد بمكة قبل الهجرة بخمس عشرة سنة، ونُصب والياً على الشام من قبل الخليفة الثاني.

ففي شهر رجب من عام 60 هـ مات معاوية بن أبي سفيان بالشام بعد أن توّج حياته الطويلة المليئة بالجرائم والمنكرات؛ من قتل الأبرياء، وظلم المسلمين، إلى سبّ علي أمير المؤمنين (عليه السّلام) على المنابر، وإبعاد الصالحين؛ علاوة على إلحاقه زياد بأبيه وتقريب أولاد الزنا.

وأخيراً التحدّي الصريح لتعاليم الإسلام وشرائعه بتسليط ولده يزيد يتحكّم برقاب المسلمين.

(2) ولد يزيد بن معاوية في الشام سنة 25 أو 26 هـ في بادية طب بني أخواله، وهم نصارى، ويرجع يزيد بالأمومة إلى بني كلب، هذه القبيلة الّتي تدين بالمسيحيّة قبل الإسلام، فتربية يزيد لم تكن إسلاميّة، فلم يبقَ ما يُستغرب معه أن يكون متجاوزاً مستخفاً بما عليه جميع المسلمين، لا يحسب لتقاليدهم واعتقاداتهم أيّ حساب، ولا يُقيم لها وزناً. ثمرة الأعواد 1 / 50.

(3) كان يزيد بن معاوية أوّل مَنْ أظهر شرب الشراب، والاستهتار بالغناء، والصيد، واتخاذ القيان والغلمان، والتفكّه بما يضحك منه المترفون من القرود، والمعاقرة بالكلاب والديكة. معالم المدرستين 3 / 24.

(4) الوليد بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن اُمية، ابن أخي معاوية بن أبي سفيان وأحد ولاته. ولد في النصف الأول من القرن الأول الهجري، وقيل: إنّه توفي في سنة 64 هـ.

عاصر من المعصومين الإمام علياً والإمام الحسن والإمام الحسين والإمام زين العابدين (عليهم السّلام).

عاصر من الحكّام الأمويين معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية. ولاّه عمّه على المدينة المنوّرة سنة 57 هـ وبقي عليها حتّى وفاة معاوية، وتسلّم يزيد الحكم فعزله لسماحه للحسين (عليه السّلام) بالخروج من عنده، ولم يستخدم معه الشدّة والعنف. مختصر تاريخ دمشق 26 / 331، الكامل في التاريخ 4 / 174.


البيعة، ولا يُرخّص له في التأخر عن ذلك.

فأنفذ الوليد إلى الحسين (عليه السّلام) في الليل فاستدعاه، فعرف الحسين (عليه السّلام) الذي أراد، فدعا الإمام جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح، وقال لهم:« إنّ الوليد قد استدعاني في هذا الوقت، ولست آمناً أن يكلّفني أمراً لا اُجيبه إليه، وهو غير مأمون، فكونوا معي؛ فإذا دخلت عليه فاجلسوا على الباب، فإن سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه منّي » .

فصار الحسين (عليه السّلام) إلى الوليد، فوجد عنده مروان بن الحكم(1) ، فنعى إليه الوليد معاوية، فاسترجع الإمام الحسين (عليه السّلام)، ثمّ قرأ الوليد كتاب يزيد وما أمره به، فقال الإمام (عليه السّلام):« إنّي أراك لا تقنع ببيعتي سرّاً حتّى اُبايعه جهراً » .

فقال الوليد: أجل.

فقال الإمام (عليه السّلام):« فنصبح ونرى رأينا في ذلك » .

فقال له الوليد: انصرف على اسم الله حتّى تأتينا مع جماعة الناس.

فقال مروان: والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يُبايع لا تقدر منه على مثلها أبداً حتّى يكثر القتل بينكم وبينه، احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتّى يُبايع، وإلاّ فاضرب عنقه.

____________________

(1) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن اُميّة، واُمّه آمنة بنت علقمة بن صفوان الكناني، ولد في السنة الثانية من الهجرة، وأسلم أبوه الحكم في عام الفتح فنشأ مروان مسلماً، وكان في عهد عثمان بن عفّان كاتباً له ومدبّراً، وولي لمعاوية المدينة عدّة مرّات.

ولمـّا مات يزيد أوشك أن يذهب إلى ابن الزبير ليُبايعه لولا عبد الله بن زياد؛ فإنّه أشار أن يطلب الخلافة لنفسه لأنّه شيخ بني اُميّة فاستشرف لها ووجد مَنْ ينصره على ذلك.

وتمّ له الأمر بعد واقعة مرج راهط، وكان أمره في الشام ومصر، لم يتجاوزهما حتّى مات في رمضان سنة 65 هـ، وكان قد عهد بالخلافة لابنيه عبد الملك ثمّ عبد العزيز. (الدولة الاُمويّة / 294).


فغضب الإمام الحسين (عليه السّلام) ثمّ قال:« وَيلٌ لك يابن الزَرقاء (1) ! أنت تضرب عنقي، كذبت وَلؤمت؟ » (2) . ثمّ أقبل على الوليد فقال:« أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الرحمة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يُبايع مثله، ولكن نُصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة » (3) .

فخرج الإمام (عليه السّلام) وأخبر بما قاله يزيد إن لم يبايع؛ فعزم الإمام على الخروج من مدينة جدّه، فتوجّه في الليلة الأولى إلى قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال (عليه السّلام):« السلام عليك يا رسول الله، أنا الحسين بن فاطمة، فرخك وابن فرختك، وسبطك الذي خلّفتني في اُمّتك، فاشهد عليهم يا نبي الله أنّهم قد خذلوني وضيّعوني ولم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك (4) ، حيث لم اُبايع يزيد شارب الخمر وفاعل الشرور؛ إن فعلت كفرت، وإن أبيت قُتلت » .

ثمّ جعل يبكي عند القبر حتّى إذا كان قريباً من الصبح وضع رأسه على القبر وغفا، فإذا هو برسول الله قد أقبل ومعه كتيبة من الملائكة عن يمينه وشماله وبين يديه حتّى ضمّ الحسين (عليه السّلام) إلى صدره، وقبّل بين عينيه، وقال:« حبيبي يا حسين، كأنّي أراك عن قريب مُرمّلاً بدمائك، مذبوحاً بأرض كرب

____________________

(1) الزرقاء بنت وهب، كانت جدّة مروان، ومن البغايا المومسات ومن ذوات الأعلام. ذكرها سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / 229، والآداب السلطانية / 88، موسوعة النبي والعترة 6 / 97، والكامل - لابن الأثير 4 / 70.

(2) روضة الواعظين 1 / 171، طلائع الشهداء / 202، الكامل في التاريخ 4 / 15.

(3) اللهوف / 10، تاريخ الطبري 3 / 270، بحار الأنوار 44 / 324.

(4) بحار الأنوار 44 / 388 باب 37، مقتل العوالم / 54، مقتل الحسين (عليه السّلام) - الخوارزمي / 186.


وبلاء، وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقى، وظمآن لا تُروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي! لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة. حبيبي يا حسين، إنّ اُمّك وأباك وأخاك قدموا عليّ وهم مشتاقون إليك، وإنّ لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلاّ بالشهادة » .

فجعل الحسين (عليه السّلام) في منامه ينظر إلى جدّه ويقول:« يا جدّاه، لا حاجة لي بالرجوع إلى الدنيا، فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك » (1) .

وكأنّي به:

(بحراني)

ضمّني عندكَ يا جدّاه في هذا الضريح

علّني يا جد من بلوى زماني استريح

ضاق بي ياجدّ من فرط الأسى كلّ‌فسيح

فعسى طودُ الأسى يندكُ بين الدكتين

فعلا من داخل القبرِ بكاءٌ ونحيب

ونداءٌ بافتجاعٍ يا حبيبي يا حسين

ومضى إلى قبر اُمّه فاطمة مودّعاً، وقف على القبر وقال:« السلام عليك يا اُمّاه يا فاطمة. يا اُمّاه، حسينك جاء لوداعك، وهذه آخر زيارتي إيّاكِ » .

فإذا النداء من القبر:« عليك السلام يا مظلوم الاُمّة، ويا شهيد الاُمّة » .

وكانت الزهراء (عليها السّلام) تعلم بأنّ الحسين (عليه السّلام) سوف يموت شهيداً، غريباً،

____________________

(1) بحار الأنوار 44 / 328 باب 37.


مظلوماً؛ لذلك أوصت ابنتها زينب:« إذا رأيت أخاك الحسين وحيداً فريداً بأرض كربلاء فقبّليه في نحره، وشمّيه في صدره، وهذه وصيتي » . لذلك عندما جاء الإمام (عليه السّلام) إلى الميدان نادته: أخي يا حسين، نور عيني يا حسين، قف لي.

فوقف، قالت له: انزل عن جوادك. فنزل، فشمّته في صدره، وقبّلته في نحره، وتوجّهت نحو المدينة ونادت: اُمّاه يا فاطمة، قد استُرجعت الأمانة.

فقال لها:« أيّ أمانة؟! » .

فقالت له: عندما دنت وفاة اُمّنا فاطمة (عليها السّلام) أوصتني بأن أشمّك في صدرك - موضع سنابك الخيول - واُقبّلك في نحرك - موضع ضربات السيوف -.

نعم، هذا ولم تره الزهراء (عليها السّلام) قبل العاشر من محرّم، ولكن تحقّق عندما صعد الشمر(1) على صدر أبي عبد الله.

يقول الشمر: قبل أن أذبح الحسين سمعت منادية تنادي:يا شمر، لا تذبح ولدي. فذبحته من الوريد إلى الوريد.

فتوجّهت إليه زينب ونادت: اليوم مات جدّي رسول الله، اليوم ماتت اُمّي فاطمة. فتوجّهت إلى جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا مُحمّداه! صلّى عليك مليك السماء، هذا حسين مُرمّل

____________________

(1) شمر بن ذي الجوشن بن ربيعة الكلابي، كنيته أبو السابغة. شهد صفين مع الإمام علي (عليه السّلام) وجُرح حينها في جبينه. شهد لزياد بن أبيه مع مَنْ شهد من أهل الكوفة على أنّ حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق الجماعة، ودعا إلى حرب الفتنة. انضمّ إلى عبيد الله بن زياد في أوائل ولايته من قبل يزيد سنة 60 هـ، ودخل معه قصر الإمارة في الكوفة عندما حاصره مسلم بن عقيل فيه.

حرّض عبيد الله بن زياد على قتل الإمام (عليه السّلام) وعدم قبول ما اشترطه الإمام عليه. عُيّن الشمر قائداً لميسرة الجيش في كربلاء، وأخذ يُحرّض على قتل الإمام (عليه السّلام) حين رآه قد ضعف من القتال، فنزل الشمر بعد أن سقط الإمام (عليه السّلام) على الأرض واحتزّ رأسه الشريف ودفعه إلى خولّى بن يزيد.

أرسل المختار خلفه جماعة فأدركوه في منطقة قرب البصرة، فقتلوه واحتزوا رأسه، وذلك سنة 66 هـ. ورد فيه اللعن في زيارة عاشوراء: ( اللّهمّ العن... وعمر بن سعد وشمراً ). الطبقات الكبرى - لابن سعد 6 / 46، الإرشاد 2 / 12، وقعة صفين / 267.


بالدماء، مُقطوع الأعضاء، مسلوب العمامة والرداء(1) .

(دكسن)

يجدي گوم شوف احسين مذبوح

على الشاطي وعلى التربان

يجدي ما بگتله أمن الطعن روح

يجدي گلب اخوي حسين فطر

يجدّي مات محّد مدّد ايديه

ولا واحد يجدّي عدل رجليه

يعالج بالشمس محدّ وصل ليه

يحطله اظلال يا جدّي امن الحر

فرأت اُمّ سلمة زوجها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم عاشوراء بعد ذبح الحسين في منامها، قالت: بأبي أنت واُمّي يا رسول الله! ما لي أراك قد أهملت نفسك هذا الإهمال؟! فقال:« يا اُمّ سلمة، الآن قُتل ولدي الحسين » .

بادرت اُمّ سلمة إلى القارورة وإذا بالقارورة تفور دماً عبيطاً، فصاحت اُمّ سلمة(2) : وا ولداه وا حسيناه!

____________________

(1) معالي السبطين 2 / 50، الكامل في التاريخ 4 / 81، واقعة الطفّ - لأبي مخنف / 259 - 260.

(2) سير النبلاء 3 / 213، تاريخ اليعقوبي 1 / 247، سنن الترمذي 13 / 193، معالم المدرستين 3 / 73.


(عاشوري)

إجاني الخبر بحسين مذبوح آه آه

ودمه على التربان مسفوح

لنوحن وكضي العمر بالنوح آه آه

واعمي اعيوني واتلف الروح

كيف الصبر وحسين مذبوح

(تخميس)

تبكيكَ عيني لا لأجلِ مثوبةٍ

لكنّما عيني لأجلكَ باكيه

تبتلّ منكم كربلا بدمٍ ولا

تبتلّ منّي بالدموعِ الجاريه

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم. إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا آل بيت محمّد أيّ منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.

نسألك اللّهمّ وندعوك باسمك العظيم الأعظم، الأعزّ الأجل الأكرم، يا محمود بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ علي، يا فاطر السماوات والأرض بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن، يا قديم الإحسان بحقّ الحسين (عليه السّلام) عجّل فرج وليك الحجّة المنتظر المهدي (عجّل الله فرجه)، وأنجز له ما وعدته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه.

الإخوة الحاضرون تقبّل اللّهمّ عملهم


بأحسن القبول، اقض حوائجهم بحقّ محمّد وآل محمّد، اجعل قلوبهم وديارهم عامرة بذكر محمّد وآل محمّد، ارزقهم شفاعة محمّد وآل محمّد، اغفر لهم بحقّ محمّد وآل محمّد، واحشرهم مع محمّد وآل محمّد.

أمن يُجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمّد وآل محمّد (صلّى الله عليه وآله).



المجلس الرابع

1 - القصيدة: وعدت غريباً.

2 - الموضوع: الرسول والسفير الحسيني.

3 - الترجمة: مسلم بن عقيل.

الكوفة.

عبيد الله بن زياد.

مسجد الكوفة.

محمد بن الأشعث.

قصر الإمارة.

حميدة بنت مسلم.

سكينة.

4 - المصيبة: شهادة مسلم بن عقيل.



عظّم الله أجوركم يا بقية الله، يا صاحب العصر والزمان بمصابكم بجدّكم أبي عبد الله الحسين وآل بيته وأصحابه.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، صلّى الله عليك وعلى آلك المظلومين، لعن الله الظالمين لكم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساكبة، ويا عبرة كلّ مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتك لك الفدا، يا شهيد كربلا، ويا قتيل العدا، ومسلوب العمامة والردا. ما خاب مَنْ تمسّك بكم، وأمن مَنْ لجأ إليكم، يا ليتنا كنّا معكم سادتي فنفوز والله فوزاً عظيماً.

وعدتُ غريباً بتلك الديار

أرى صفقتي لم تكن رابحهْ

كما عادَ مسلمٌ بينَ العدى

غريباً وكابدها جائحهْ

رسولُ حسينٍ ونعمَ الرسول

إليهم من العترةِ الصالحهْ

لقد بايعوا رغبةً منهمُ

فيا بؤسَ للبيعةِ الكاشحهْ

وقد خذلوهُ وقد أسلموه

وغدرتُهم لم تزل واضحهْ

فيابنَ عقيلٍ فدتكَ النفوس

لعظمِ رزيّتكَ الفادحهْ


لنبكِ لها بمُذابِ القلوب

فما قدرُ أدمعنا المالحهْ

بكتكَ دماً يابنَ عمِّ الحسينْ

مدامعُ شيعتكَ السافحهْ

لأنّكَ لم تروَ من شربةٍ

ثناياكَ فيها غدت طائحهْ

رموكَ من القصر إذ أوثقوك

فهل سلمت فيكَ من جارحهْ

وسحباً تجرّ بأسواقهمْ

ألستَ أميرهم البارحهْ

قتلتَ ولم تبككِ الباكيات

أما لكَ في المصرِ من نائحهْ(1)

امرأة واحدة فقط بكت على مسلم في الكوفة وهي طوعة، بكته عندما رأتهم يجرّونه بحبالهم، وكأنّي بها:

(بحراني)

ظلّت تناديهم يا أهل كوفان ارحموه

هذا ابن أخو الكرار حيدر لا تسحبوه

خلّوه يمشي براحته گلبه شعبتوه

خافوا من الله ما لكم مذهب ولا دين

صاحت يا مسلم يا عظمها خجلتي بيك

إشبيدي وآنه حرمة وضعيفة‌مگدر احميك

لو يتركوني چان أفت گلبي وداويك

إن‌چان‌أسلمت‌من‌گيدهم سلّم‌على‌حسين

____________________

(1) للسيد باقر الهندي - سفينة النجاة / 458، مجمع المصائب 1 / 107.


گلها يطوعه اليوم ما تحصل سلامه

اُوصيچ چان ابهل البلد طبو يتامه

گولي تره مسلم يبلغكم سلامه

وأجرك على الله والنبي سيّد الكونين(1)

(أبو ذيّة)

كفر كوفان أبد ما بيها مسلم

انكر بيعته إللي چان مسلم

ريت القصر منه الطاح مسلم

تتلايم على أهله الوطيه

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

قال تعالى في كتابه العزيز:( مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (2) .

إن شاء الله تعالى سوف نتكلّم عن السفارة الربانية، أيّ النبوّة، وعن الرسول الإلهي والرسول الإمامي، أيّ عن رسول الحسين (عليه السّلام)

____________________

(1) المعتمد في العزاء / 88، الجمرات الودّية 1 / 32.

(2) سورة الإسراء / 15.


مسلم بن عقيل (عليه السّلام)(1) .

نتوقّف عند هذه الآية لكي نستفيد منها بما يناسب الموضوع؛ فأوّل الآية نفي من الله بأنّه لن يعذّب الخلق إلاّ بشرط إرسال رسول من قبله ينذر الناس من مخالفة الدين، وشرط إطاعة الرسول، ومخالفة تكليف الله، فإذا بلّغ الرسول وأنذر الناس ومع ذلك عصوا وخالفوا فعندئذ سوف لن يكون العاصي والمخالف في أمان من عذاب الله.

دلالة الآية باختصار

الآية تدلّ على أنّه إذا لم تعلم - بشرط أن لا تكون مُقصّراً - فلا تكليف عليك يؤدّي إلى الحساب، وهذا ما قاله الرسول (صلّى الله عليه وآله) في حديث الرفع عن أبي عبد الله (عليه السّلام)، قال:« قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): رفع عن اُمّتي تسع خصال - إلى أن قال -:وما لا يعلمون » (2) .

إذاً، الأساس هو التبليغ وعدم التقصير والمخالفة.

____________________

(1) مسلم بن عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عمّ الإمام الحسين (عليه السّلام)، ومن أصحابه وسفيره إلى أهل الكوفة.

ولد في المدينة المنوّرة سنة 22 هـ، واستشهد يوم التاسع ذي الحجّة سنة 60 هـ في الكوفة، ومرقده جنب المسجد الأعظم فيها. عاصر الإمام علياً والإمام الحسن والإمام الحسين (عليهم السّلام)، وعاصر من الحكّام الأمويين معاوية ويزيد بن معاوية.

اشترك في معركة صفّين، وكان في ميمنة جيش أمير المؤمنين (عليه السّلام) مع الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر. خرج مع الإمام الحسين (عليه السّلام) من المدينة إلى مكة، أرسله الإمام (عليه السّلام) سفيراً إلى أهل الكوفة لاستطلاع الأوضاع هناك وأخذ البيعة منهم.

خرج من مكة في منتصف شهر رمضان سنة 60 هـ، ودخل الكوفة في يوم السادس من شهر شوال، وكان أميرها يومئذ النعمان بن بشير الأنصاري، فنزل في دار مسلم بن عوسجة، وقيل: في دار المختار. ( سفير الحسين / 12، مراقد المعارف 2 / 370، مناقب آل أبي طالب 3 / 197، مقاتل الطالبيِّين / 99 / 101، تاريخ الطبري 3 / 291 ).

(2) الكافي 2 / 463، الوسائل 15 / 224.


المـُبلّغ

فنتكلّم الآن عن المـُبلّغ، فالمـُبلّغ هو الحجّة على العباد، وهو نوعان: باطني وظاهري، كما جاء في الحديث عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السّلام):« لله على الناس حجّتان: حجّة ظاهرة وحجّة باطنة؛ فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة؛ أما الباطنة فالعقول » (1) .

الحجّة الباطنة

نعم، فإنّ العقل يُدرك بنفسه الأعمال الحسنة والقبيحة، وتُسمّى الحسن والقبح العقليان، أيّ غير التشريعي.

فالإنسان بفطرته - أيّ في خلقته - يعرف أنّ هناك قوّة ما أوجدته وأوجدت كلّ المخلوقات، ولا ينكر ذلك، ونرى أن بعض الناس عبدوا الشمس؛ لأنّهم ظنّوا أنّها هي القوّة، وآخرون عبدوا النار، وآخرون عبدوا الأصنام، والكلّ مُتّفق على أنّه هناك قوّة، ولكنّهم اختلفوا في المصاديق.

والعقل يُدرك أنّ الكذب مثلاً قبيح، فبالكذب تُفقد الثقة، وبدون ثقة لا يمكن العيش، والعقل يُدرك أنّ الصدق حسن؛ لأنّه يُعطي صاحبه الثقة والعدالة بين الناس.

على كلّ حال، ننتقل من الحجّة الباطنة إلى الحجّة الظاهرة وهو النبي.

الحجّة الظاهرة

النبي: وهو السفير المـُرسل من السفارة الإلهية إلى الناس؛ ليزكّيهم

____________________

(1) الوسائل 15 / 206، الكافي 1 / 15، تحف العقول / 383، بحار الأنوار 1 / 137.


ويعلّمهم الحكمة، ويكون لهم بشيراً إلى الجنة، ونذيراً من النار، فهو المـُقرّب لطاعة الله من خلال تبيان الوظائف والأحكام الشرعية، وهو المـُبعد عن النار من خلال تبيان المـُحرّمات والتنبيه على المعاصي؛ فإنّ المرسل واجب الإطاعة(1) وهذا ما قاله الله:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (2) .

ومخالفته أيضاً تدخل النار، فهذه وظيفة النبي باختصار.

صفة النبي

فيجب أن يكون متصفاً بأكمل الصفات الخُلقية والعقلية وأفضلها، من نحو الشجاعة والسياسة والتدبير، ويجب أن يكون طاهر المولد، أميناً صادقاً مُنزّهاً عن الرذائل قبل بعثته أيضاً(3) .

الفرق بين النبي والرسول

النبي الذي ينزل عليه الوحي في المنام، والرسول هو الذي يرى منزل الوحي، ويكون له رسالة، مثل نوح (عليه السّلام)، وإبراهيم (عليه السّلام)، وموسى (عليه السّلام)، وعيسى (عليه السّلام) والنبي محمّد (صلّى الله عليه وآله)(4) .

____________________

(1) العقائد الإمامية - للزنجاني 2 / 151، الباب الحادي عشر، بتصرّف بسيط.

(2) سورة النساء / 59.

(3) عقائد الإمامية - للمظفر في ثوبه الجديد / 80.

(4) الكافي 1 / 177.


كيفية معرفة مُدّعي النبوّة

فهناك عدّة طرق:

1 - النّص

وهو أن ينصّ السابق على اللاحق، مثل النبي عيسى (عليه السّلام) حيث نصّ على النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله)، كما ورد في التوراة والقرآن الكريم:( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لمـَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلمـَا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ) (1) .

الإمامة

وأيضاً الإمامة لا تكون إلاّ بالنّص، كما نصّ النبي (صلّى الله عليه وآله) على أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) يوم الغدير(2) ، وعلى باقي الأئمّة (عليهم السّلام).

2 - المعجزة

إتيان مدّعي النبوّة بما يخرق نواميس الطبيعة ويعجز عنه غيره؛ ليكون دليلاً وشاهداً على صدق دعواه(3) .

____________________

(1) سورة الصف / 6.

(2) المكان الذي أخذ فيه البيعة للإمام علي (عليه السّلام) يُسمّى بغدير خم، وهو بين مكة والمدينة، حيث يروي في البحار 37 / 127 - 197 نزل الرسول (صلّى الله عليه وآله) غدير خم فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله):« أيّها الناس، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ » . قالوا: بلى يا رسول الله. فأخذ بيد علي حتّى أشخصها، ثمّ قال:« مَنْ كنت مولاه فهذا علي مولاه » والروايات متواترة في هذا الشأن. ( عقائد الإمامية / 100 ).

(3) البيان في تفسير القرآن / 43.


معجزة الأنبياء

النبي موسى (عليه السّلام)

العصا الّتي تلقف السحر وما يأفكون؛ إذ كان السحر في عصره فنّاً شائعاً، فلمـّا جاءت العصا بطل ما كانوا يعملون، وعلموا أنّها فوق مقدورهم.

النبي عيسى (عليه السّلام)

إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى؛ إذ جاء في وقت كان فن الطبّ هو السائد بين الناس، وفيه علماء وأطباء لهم المكانة العالية، فعجز علمهم عن مجاراة ما جاء به النبي عيسى (عليه السّلام).

النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله)

القرآن الكريم المعجز ببلاغته وفصاحته، في وقت كان فن البلاغة معروفاً، وكان البلغاء هم المقدّمون عند الناس بحسن بيانهم وسمو فصاحتهم، فجاء القرآن كالصاعقة أذهلهم وأدهشهم وأفهمهم أنّهم لا قبل لهم به، فخضعوا له مهطعين عندما عجزوا عن مجاراته، وتحدّاهم أن يأتوا بسورة من مثله فنكصوا.


النبوّة لطف

ولا شك أنّ النبوّة لطف من ربّ العالمين، والنبي هو المـُقرّب لطاعة الله من خلال تبيين الطريق لذلك، وهو المبعد عن معصية الله من خلال تبيين ذلك. وهذه الوظيفة أيضاً تسلّمها رسول الحسين (عليه السّلام) مسلم بن عقيل، فكان الوكيل والسفير والرسول، وتحمّل هذا المنصب وهذه المسؤولية بكلّ إخلاص وثبات من حجّة الله... الإمام الحسين (عليه السّلام).

فبعد أن وصلت إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) كتب أهل الكوفة(1) الّتي يقولون فيها: « قد أينعت الثمار، واخضرّ الجناب، وإنّما تقدم على جند لك مُجنّدة »(2) . فهذه المكاتبة من الكوفة بمثابة حجّة على الإمام بالخروج إليهم، كما قال الإمام علي (عليه السّلام) في نهج البلاغة:« لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر... » (3) .

فبعد أن تمّت الحجّة على الإمام بالخروج إليهم طلب من ابن عمّه مسلم التوجّه إلى الكوفة، وأعطاه كتاباً كتب فيه:« إنّي باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن

____________________

(1) الكوفة هي إحدى المدن الأربعة الّتي اختارها الله تعالى، وبها قد فسّرت كلمة (طور سينين). وفي الحديث إنّها حرم الله وحرم رسوله (صلّى الله عليه وآله) وحرم أمير المؤمنين (عليه السّلام).

تقع الكوفة جنوب مدينة النجف، وتبعد عنها بمسافة 10 كم، والكوفة قضاء تابع للنجف، سُمّيت الكوفة لاستدارتها ولاجتماع الناس فيها.

عاش فيها سبعون رجلاً من صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ممّن شهدوا بدراً، كما عاش فيها عمّار بن ياسر وعبد الله بن مسعود، واتّخذها الإمام علي (عليه السّلام) عاصمة لحكومته، وقد ازدهرت في أروقة مسجدها الكبير الدراسات الفقهية وقراءة القرآن والصرف والنحو، وتميّزت بخطّها المعروف بالخطّ الكوفي. وإن شاء الله سوف تكون مركزاً لبقيّة الله أرواحنا لتراب مقدمه الفداء. (الدليل الإداري للجمهورية العراقية 2 / 166).

(2) الإرشاد 2 / 97، مثير الأحزان / 25، بحار الأنوار 45 / 7.

(3) شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد 1 / 202.


عقيل » (1) . فتوجّه مسلم إلى الكوفة فقرأ عليهم الكتاب، فراحوا يبكون، فبايعه ثمانية عشر ألفاً(2) ، فكتب إلى الإمام بذلك.

ولكن بعدها دخل إلى الكوفة وصار عاملاً عليها عبيد الله بن زياد(3) ، فأمر بإحضار أشراف أهل الكوفة، وحذّرهم من القتال، وخوّفهم بجنود الشام، فكانت المرأة تأتي إلى ابنها وزوجها، والأخ إلى أخيه، وكلّ يقول: غداً يأتي جيش الشام، ما لنا والدخول بين السلاطين.

فصلّى مسلم في جامع الكوفة(4) جماعة، ولمـّا أتمّ والتفت خلفه لم يجد سوى بضعة أشخاص، فلمـّا بلغ الباب لم يكن معه من يدلّه على الطريق حتّى بقي يمشي وحيداً، فجلس على عتبة باب

____________________

(1) مصائب آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) / 177، طلائع الشهداء / 220، الإرشاد / 2 / 39.

(2) مصائب آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) / 178، ومثير الأحزان / 11.

(3) عبيد الله بن زياد بن أبيه، كنيته أبو حفص، ويعرف بابن مرجانة. ولد بالبصرة سنة 28 هـ. ولاّه معاوية بن أبي سفيان خراسان سنة 53 هـ، فغزا ما وراءها سنة 54 هـ، ثمّ عزله معاوية سنة 56 هـ. ولاّه معاوية على البصرة ثمّ عزله عنها سنة 59 هـ، ثمّ أعاده في نفس السنة.

تجرّد لقتال الخوارج، وبقي والياً على البصرة حتّى مات معاوية، فلمـّا جاء ابنه يزيد أقرّه على ولايته على البصرة وأضاف إليه الكوفة.

أمره يزيد بالتوجّه إلى الكوفة وطلب مسلم بن عقيل وقتله أو نفيه. أقبل إلى الكوفة فدخلها مُلثّماً، فكان يسلّم على الناس فيقولون: وعليك السلام يابن بنت رسول الله، وهم يظنّون أنّه الحسين (عليه السّلام)، فدخل قصر الإمارة وخطب الناس وتوعّدهم، وقام بطلب مسلم بن عقيل ومطاردته حتّى إنّه لمـّا وضع رأس الإمام (عليه السّلام) بين يديه أخذ ينكت ثنايا الإمام (عليه السّلام).

(4) وهو أحد المساجد الأربعة الجديرة بأن تُشدّ إليها الرحال؛ لدرك فضلها، وهو أحد المواطن الأربعة التي يكون المسافر فيها بالمختار بين القصر والتمام. وفي الروايات أنه موضع قد صلّى فيه الأنبياء (عليهم السّلام)، وسيصلّي فيه القائم المهدي صلوات الله عليه. (مفاتيح الجنان / 478).


بيت، فخرجت امرأة كانت تنتظر ابنها، وإذا برجل غريب على الباب طلب منها شربة ماء فجاءته بالماء فشرب.

ولمـّا عادت المرأة إلى الباب وجدته جالساً ولم يغادر، فقالت له: اذهب إلى منزلك، إلى أهلك. فوقف متحيّراً، فنظرت إليه فوجدت سيماء الإيمان في وجهه، فقالت له: يا عبد الله، لا أحلّ لك الجلوس على باب داري. عندها قال لها: أمّة الله، هل لك في خير يُكافئك عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب (عليه السّلام) يوم القيامة؟

فقالت له: مَنْ أنت حتّى يُكافئني بك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السّلام)؟

قال لها: أنا مسلم بن عقيل بن أبي طالب، خذلني أهل الكوفة.

فقالت: أنت مسلم! ادخل على الرحب والسعة.

فدخل الدار وجلس في غرفة فبات مصلّياً إلى الصباح، فجاء ولد المرأة واسمه بلال وعلم بوجود مسلم، فأعلم ابن زياد فأرسل محمّد بن الأشعث(1) لجلبه ومدّه بالرجال فأحاطوا بالدار، واستعدّ مسلم لقتالهم فراحوا يشعلون النار ويرمون بها مسلماً ولم يقدروا عليه؛ فأرسل الأشعث إلى ابن زياد أن أمدّني بالرجال، فأرسل إليه ابن زياد: أرسلتك إلى رجل واحد فكيف إذا أرسلتك إلى غيره؟!

فقال ابن الأشعث: وهل تظنّ أنّك أرسلتني إلى بقّال من بقّالي الكوفة؟! إنّما أرسلتني إلى سيف من سيوف علي بن أبي طالب.

فحفروا لمسلم حفيرة فسقط فيها، فصار يبكي، فقالوا له: يا مسلم، إنّ الذي يطلب مثل الذي تطلب لا يبكي!

فقال: إنّما أبكي لحسين وآل حسين.

فجاؤوا به إلى قصر

____________________

(1) أبوه الأشعث بن قيس والي آذربيجان من قِبل معاوية، عزله أمير المؤمنين (ع) لمـّا بُويع بالخلافة. كان من المقربين لابن زياد، قال له ابن زياد: مرحباً بمَن لا يستغش ولا يُتّهم. (صفحات من تاريخ كربلاء / 329)


الإمارة، فأمر ابن زياد بقتله قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام(1) ، فصعدوا به إلى أعلى قصر الإمارة(2) وهو يسبح الله تعالى ويستغفره، ويصلّي على النبي (صلّى الله عليه وآله).

ثمّ ضُربت عنقه، وإذا به يُرمى من السطح جثة بلا رأس(3) ، رحم الله مَنْ قال: وا مسلماه! فوصل خبر مسلم إلى الحسين (عليه السّلام)، فقال:« إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ائتوني بحميدة (4) ابنة مسلم » . فأحضروها فأجلسها الإمام (عليه السّلام) في حجره ومسح رأسها، ومسحُ الرأس دليل على اليتم، فقالت: عمّاه، هل حصل لأبي مكروه؟

فقال لها:« بُنية أنا أبوك، وأخواتي عمّاتك » . فأخبرها الإمام (عليه السّلام) بما جرى على والدها.

وكأني بها قالت:

(بحراني)

جاني الخبر عن مسلم يا حزينه

يگلون من قصر الإمارة ذابينه

وبالحبل بالأسواق جسمه ساحبينه

وراس البطل ودّوه للطاغي هديه

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 214، أعيان الشيعة 1 / 592.

(2) قصر الإمارة هو أقدم بناية حكوميّة شُيّدت في الإسلام، بناها سعد بن أبي وقاص، وقد بنى القصر بناءً محكماً ليكون في حماية آمنة من كلِّ غزو خارجي، حتّى كان من المتعذر اقتحامه والاستيلاء عليه.

وقد اندثرت معالمه الآن كما اندثرت جميع معالم الكوفة ما عدا الجامع، واهتمت مديرية الآثار بالعراق بمسجد الكوفة؛ فكشفت عن أساسه وأظهرت ضخامته، والقصر أيضاً بان شيءٌ منه كالجدار وبعض الغرف. (موسوعة العتبات المقدسة للخليلي - قسم النجف، طلائع الشهداء / 228)

(3) اللهوف / 57 - 58، مصائب آل محمد / 187.

(4) بنت مسلم بن عقيل، عمرها ثلاث عشرة سنة، كانت مع بنات الإمام (عليه السّلام)، وتصاحبهنَّ ليلاً ونهاراً. (مصائب آل محمد / 224)


صرخت الطفلة والدمع بخدودها يسيح

تقوم مذعورة وعلى وجه الثرى تطيح

تلطم على رأسها بعشرها وتاره اتصيح

گومي ييمه والبسي ثياب الرزيه(1)

نعم، هذه يتيمة مسلم مسح الحسين (عليه السّلام) على رأسها ومسح الدمع عن وجهها، ولكن هناك يتيمة لم يحتضنها عمّها ولا مسح على رأسها، وإذا بكت ضربوها؛ وهي يتيمة أبي عبد الله سكينة(2) .

قيل: عندما توجّه الحسين (عليه السّلام) إلى المعركة إذا بصوت من خلفه: أبتاه، قف لي هنيهئة. فوقف الإمام (عليه السّلام)، فقالت له: انزل عن جوادك. فجلست على ركبته ومسحت بيده على رأسها، فقال لها (عليه السّلام):« لمـَ صنعت هذا؟ » .

قالت: أنت الآن تمسح على رأسي، ولكن بعد ساعة مَنْ يمسح على رأسي؟

فقال لها الحسين (عليه السّلام):

سيطولُ بعدي يا سكينةَ فاعلمي

منكِ البكاءُ إذا الحمامُ دهاني

لا تُحرقي قلبي بدمعكِ حسرةً

مادام منّي الروحُ في جثماني(3)

فإذا قُتلتُ فأنتَ أولى بالذي

تأتينهُ يا خيرةَ النسوانِ(4)

وكأنّي بها:

____________________

(1) المعتمد في العزاء / 100، الجمرات الودية 1 / 38.

(2) هي سكينة بنت الإمام الحسين (عليه السّلام)، من الرباب بنت امرئ القيس. واسم سكينة آمنة، وإنما غلب عليها اسم سكينة وليس باسمها. بحار الأنوار 45 / 47.

(3) المناقب 4 / 109.

(4) مجمع المصائب 1 / 233، نَفَس المهموم / 184، معالي السبطين 2 / 25


(عاشوري)

يا والدي والله هظيمه آه آه

أصير من زغري يتيمه

يبويه نروح كلّ احنا فداياك آه آه

اِخذني يا عزيز الروح وياك

(تخميس)

ويتيمة فرّت لجسمِ كفيلها

وكفيلها مُرمى على الرمضاءِ

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم. إنا لله وإنا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا آل بيت محمّد أيّ منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.

نسألك اللّهمّ وندعوك باسمك العظيم الأعظم، الأعز الأجل الأكرم، يا محمود بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ علي، يا فاطر السماوات والأرض بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن، يا قديم الإحسان بحقّ الحسين (عليه السّلام) عجّل فرج وليك الحجّة المنتظر المهدي (عجّل الله فرجه)، وأنجز له ما وعدّته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه.

الإخوة الحاضرون تقبّل اللّهمّ عملهم بأحسن القبول، اقض حوائجهم بحقّ محمّد وآل محمّد، اجعل قلوبهم وديارهم عامرة


بذكر محمّد وآل محمّد، ارزقهم شفاعة محمّد وآل محمّد، اغفر لهم بحقّ محمّد وآل محمّد، واحشرهم مع محمّد وآل محمّد.

أمّنْ يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمّد وآل محمّد (صلّى الله عليه وآله).



المجلس الخامس

1 - القصيدة: صحبته من خير الرجال.

2 - الموضوع: الجهاد الأكبر (جهاد النفس).

3 - الترجمة: عمر بن سعد.

الحر بن يزيد الرياحي.

4 - المصيبة: شهادة الحر.



عظّم الله أجوركم يا بقيّة الله، يا صاحب العصر والزمان، بمصابكم بجدّكم أبي عبد الله الحسين وآل بيته وأصحابه. صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، صلّى الله عليك وعلى آلك المظلومين، لعن الله الظالمين لكم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساكبة، ويا عبرة كلّ مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتك لك الفدا، يا شهيد كربلا، ويا قتيل العدا، ومسلوب العمامة والردا. ما خاب مَنْ تمسّك بكم، وأمن من لجأ إليكم، يا ليتنا كنا معكم سادتي فنفوز والله فوزاً عظيماً.

صحبتهُ من خيرِ الرجالِ عصابةٌ

غرٌّ فطابَ الصحبُ والمصحوبُ

آسادُ ملحمةٍ ضراغمُ غابةٍ

لهم بنازلةِ الوغى ترحيبُ

أبطالُ حربٍ كم بهم قامت على

أهلِ النفاقِ وقائعٌ وحروبُ


منهم زهيرٌ زاهرُ الأفعالِ يتـ

لوه الحرّ ومسلمٌ وحبيبُ!

وأتى المساءَ وقد تجهّمَ وجهه

واليوم محتشدُ البلاءِ عصيبُ

قال اذهبوا وانجوا ونجّوا أهل بيـ

تي إنّني وحدي أنا المطلوبُ

فأبت نفوسهمُ الأبيةُ عند ذا

أن يتركوهُ مع العدى ويؤوبوا

إنّا تركنا شيخنا وإمامنا

بين العدا وحسامُنا مقروبُ

فالعيشُ بعدكَ قُبّحتْ أيامُه

الموتُ فيكَ محبّبٌ مرغوبُ

وتقدّمَ الأنصارُ للأقرانِ مسرعةً

وللحربِ العوانِ شبوبُ!

يأبونَ أن يبقوا وآل نبيهم

كلٌّ على وجهِ الصعيدِ تريبُ

فاستقبلوا ضربَ السيوفِ بأوجهٍ

غراءَ عن زهرِ النجومِ تنوبُ


حتى هووا فوقَ الصعيدِ كأنّهم

أقمارُ تمٍّ في الدماءِ رسوبُ(1)

(بحر طويل)

من شاف اعلى حرب حسين

گام الجيش يتدنه

راح الحر لبو السجّاد

يبكي ويعتذر منه

من شاف الغدر بيّن

من ابن ازياد وشراره

وگامت تزحف الرايات

وگام ايجول بفكاره

گله واحد امن الگوم

اشمالك يحر هذا اليوم

گله والگلب مهموم

روحي گمت اخيرها

بين النار والجنّه

آنه الجعجعت بحسين

وآنه الروّعت گلبه

وراد يسدّر الطيبه

وعليه الزمت دربه

ما ادري ابروايه الشر

كلها تعلك الحربه

عليه الناس مشتدّه

كلمن مرهفه ابيده

شنهو العذر من جدّه

باچر ساعة الميعاد

من اوگف وشوفنه

حث غوجه وگصد لحسين

لكن يسكب العبره

خايف يعتذر منه

وما يقبل بعد عذره

____________________

(1) الدر النضيد / 25، مجمع المصائب 1 / 123.


تايب جيتك وندمان

يا ريحانة الزهره

وريدك لا تخيبني

وتقبل توبتي منّي

وترضه سيدي عني

وجدّك سيدي رحمه

امن الباري انبعث إنه

ما أدري يبو السجّاد

هيچي الناس بيك اتخون

يگطعون الورد عنكم

ومن الماي تنحرمون

آنه الروعت زينب

وريدنكم علي ترضون

وشبه الحرب نيرانه

وصير أول شهيد آنه

جدامك يريحانه

وجاور جدّك المختار

بالفردوس وتهنه(1)

(أبو ذيّه)

بالطف من لهيب الشمس والحر

ذاب اوسال دم العبد والحر

وهلال وحبيب الليث والحر

هوو مثل النجوم اعلى الوطيه

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

روي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام):« أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) بعث سرية، فلمـّا

____________________

(1) منهل الشرع.


رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر. فقيل يا رسول الله: وما الجهاد الأكبر؟ قال جهاد النفس » (1) .

سوف نتكلّم عن الجهاد الأكبر، جهاد النفس، وسوف نُعطي نموذجين لذلك.

يُحكى أنّ شخصاً خضع لنفسه الأمّارة بالسوء فأصبح كالأنعام بل أضل سبيلاً، باع الآخرة واشترى الدنيا. وشخص آخر قاوم نفسه وجاهدها وأصبح في مرتبة الأولياء والصالحين الذين أنعم الله عليهم. لكن نقف عند رواية الرسول (صلّى الله عليه وآله) لكي نتحدّث عن النفس ومراتبها:

أولاً: لا بدّ من مقدّمة، وهي أنّ المخلوقات الحيّة المتحرّكة بالإرادة هي أربعة أقسام: الملائكة، الحيوانات، الإنسان، والجن.

الملائكة

وهي مخلوقات من عقل دون شهوة، تُسبح وتحمد الله تعالى كما قال تعالى في القرآن:( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلمـَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلمـُ مَا لاَ تَعْلمـُونَ ) (2) .

____________________

(1) الوسائل 15 / 161، مشكاة الأنوار / 245، الجعفريات / 78.

(2) سورة البقرة / 30.


الحيوانات

وهي مخلوقة من شهوة تأكل وتشرب، همّها علفها كما جاء عن الإمام علي (عليه السّلام)« فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة همّها علفها » (1) .

الإنسان

وهو من أشرف المخلوقات في شرافة أصله، إنّما هو بعقله لا بنسبه وحسبه، فالعقل هو منشأ الشرافة(2) ، والإنسان مشترك من عقل وشهوة موجودين في جسده. أما عنصر العقل، وهو المرتبة الّتي يصل إليها الإنسان بحيث يصبح مسيطراً على عناصر الشهوة الحيوانية فيصبح مع صف الأولياء والصالحين.

عنصر الشهوة

أما عنصر الشهوة، وهي المرتبة الّتي يصل إليها الإنسان بحيث يصبح عبداً لشهوته، فيكون أقلّ من مرتبة الحيوان؛ لأنّ الحيوان مخلوق لهذا، أما الإنسان فهو مخلوق لشيء عظيم.

الجسد

وهو مكان المعركة الحقيقية بين العقل من جهة، والشهوة من جهة اُخرى؛ لكي يحدّد صورته إمّا روحانية وإمّا حيوانية شهوانيّة.

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 16 / 287.

(2) بحار الأنوار 1 / 82.


الأدوات

هي العين والأذن والرجل واليد واللسان؛ فالإنسان يمكنه استعمال العين في الحلال والحرام، فينظر إلى المحرّمات وهو مأمور بغض النظر عنها فيصبح كالحيوان، وكذلك الاُذن فإنّه تارة يسمع بها الحرام، كالغناء والغيبة، ومرّة يسمع القرآن والمواعظ وما يرضي الله.

فهنا إذا تغلبت أدوات العقل على أدوات الشهوة أصبح الإنسان في مقام رفيع ومحمود، وأمّا إذا تغلّبت أدوات الشهوة على أدوات العقل أصبح كالأنعام بل أضل سبيلاً؛ فلذا الإنسان يوم القيامة تتجسّد أفعاله وتظهر صورته الحقيقة في الآخرة؛ إمّا صورة نورانية، وإمّا صورة حيوانية.

القرآن الكريم وجهاد النفس

والقرآن الكريم يحدّثنا عن النفس في سورة الشمس:( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ) (1) .

إنّ الله يقول للإنسان: إنّي ألهمتك وعرّفتك بأنّ هذا العمل قبيح أو حسن من خلال إرسال الحجّة الظاهرة: الأنبياء والرسل، والأئمّة والعلماء؛ فإنّهم عرّفونا وبيّنوا لنا الاُمور الّتي تقرّب من الله وتدخلنا الجنّة، ونكون مع الأولياء والصالحين، والأمور الّتي تبعدنا عن الله وتدخلنا النار فنكون من المغضوب عليهم والضالين.

وبعد المعرفة يجب أن يجاهد نفسه للحالتين؛

____________________

(1) سورة الشمس / 8 - 9.


للبقاء على حالة الطاعة والتقوى، وللخروج من الفجور والفساد، فلا يوجد الأعذار كما جاء في قوله تعالى:( بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) (1) ، فإذا جاهد نفسه فإنّه قد أفلح بذلك وعمل صالحاً وفاز برتبة الصالحين ودخل جنات النعيم، وإذا ترك نفسه فقد خاب ونال العذاب الأليم وحُشر مع الكفار والظالمين.

نموذجان عن حالة الفجور والتقوى

رجل باع الآخرة وخسر الدنيا ورجل باع الدنيا وربح الآخرة، وهما: عمر بن سعد والحرّ بن يزيد الرياحي اللذان يوجد فيهما اجتماع وافتراق.

نقطة الاجتماع

وهي الصراع النفسي الذي دار بين قوّة العقل وقوّة الشهوة، جنود الرحمان وجنود الشيطان، إنّ الحرّ وعمر بن سعد كانا في جيش يزيد وفي الصف الأول؛ فالحرّ قاد الحملة على الحسين إلى الحصر، وجعجع ببنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وعمر بن سعد كان قائد الهجوم على الحسين، الاثنان فكّرا بالأمر جيّداً ولم يكونا من الجهّال.

____________________

(1) سورة القيامة / 14 - 15.


نقطة الافتراق

* عمر بن سعد

وهي أنّ عمر بن سعد(1) بعدما طُلب منه الخروج إلى الحسين (عليه السّلام) على أنّ له ملك الري، وطلب مهلة ليلة ليفكّر بالأمر، فبدأ يشاور، ولم يؤيّده أحد على ذلك الفعل(2) ، ولكن ترك نفسه وفجورها وهو يقول:

أأتركُ ملكَ الريّ والريُّ مُنيتي

أم أرجعُ مأثوماً بقتلِ حسينِ

حسينُ ابنُ عمّي والحوادثُ جمّةٌ

لعمري ولي في الريِّ قرّةَ عيني(3)

وبهذه الأبيات حدّد موقفه من الخروج على ابن بنت رسول الله (عليه السّلام)، وهو يعلم أنّ في قتله النار وجهنم خالداً فيها مقابل بضعة أيام يعيشها في هذه

____________________

(1) عمر بن سعد بن أبي وقاص، كنيته أبو حفص، سكن الكوفة، كتب إليه ابن زياد عهد الريّ وأمره بالخروج على الحسين (عليه السّلام)، فخرج معسكراً بالناس، فلمـّا قدم الإمام (عليه السّلام) إلى العراق أمره ابن زياد أن يسير إليه، وإن لم يفعل يعزله عن عمله ويهدم داره. فأطاعه وخرج إلى قتال الإمام الحسين (عليه السّلام).

فتقدّم يوم العاشر من المحرّم سنة 61 هـ نحو عسكر الحسين (عليه السّلام) ورمى بسهمه، وقال: اشهدوا لي عند الأمير أنّي أول مَنْ رمى.

بعد استشهاد الإمام (عليه السّلام) أمر ابن سعد عشرة من رجاله أن يرضّوا جسده الشريف، فداسوا بخيولهم حتّى رضّوا ظهره وصدره. بقي بعد واقعة كربلاء إلى أن خرج المختار الثقفي يتتبع قتلة الإمام (عليه السّلام)، بعث المختار أبا عمرة صاحب شرطته إلى عمر بن سعد، فقام عمر فعثر في جبّة له، فضربه أبو عمرة بسيفه فقتله وجاءه برأسه في أسفل قبائه حتّى وضعه بين يدي المختار.

ورد لعنه في زيارة عاشوراء (اللّهمّ العن عمر بن سعد). تاريخ الطبري 3 / 464 - 465، طبقات بن سعد 5 / 168، تهذيب التهذيب 7 / 451.

(2) الكامل في التاريخ 4 / 22، تاريخ الطبري 4 / 310.

(3) ثمرة الأعواد / 192، مرآة الجنان - لليافعي 1 / 134، كشف الغمة 2.


الدنيا الفانية، فأصبح كالحيوان بدون تفكير، فاختار شهوة السلطة على الآخرة.

وهذا ما أخبر به الإمام علي (عليه السّلام)؛ حيث قال لعمر بن سعد:« ويحك يا بن سعد! كيف بك إذا أقمت يوماً مقاماً تُخيّر فيه بين الجنّة والنار فتختار النار؟ » (1) .

* الحرّ بن يزيد الرياحي

وأمّا الحرّ(2) فلا، فبعد ما توجّهت الاُمور إلى القتال وسأل عمر بن سعد: أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: نعم. فوقف متفكّراً؛ إمّا النار بقتل ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أو الجنّة بالقتال معه، فقال: والله، إنّي أخيّر نفسي بين الجنّة والنار، والله لا أختار على الجنّة شيئاً.

فكانت نقطة الفراق مع عمر بن سعد؛ حيث اختار عمر الدنيا واختار الحرّ الآخرة، فعمر أصبحت نفسه أقلّ من مرتبة الحيوانات ودخل مع القوم الظالمين، والحرّ ارتفع ودخل مع الصدّيقين والشهداء الصالحين.

فتقول الرواية: توجّه الحرّ نحو الحسين (عليه السّلام) ولحقه ولده حتّى صارا قريبين من مخيّم الحسين (عليه السّلام)، فنزل من على ظهر فرسه، وقلب ترسه وأغمد سيفه، ووضع يديه على رأسه، وجاء إلى الحسين (عليه السّلام) وهو يقول: « اللّهمّ إليك أتوب وإليك اُنيب، فتب عليّ؛ فقد أرعبت قلوب أولاد نبيّك ».

ثم سلّم على

____________________

(1) تهذيب الكمال 14 / 75، تذكرة الخواص / 223، منتهى الآمال / 1.

(2) الحرّ بن يزيد الرياحي ولد في الجاهليّة، كان من وجوه العرب وشجعان المسلمين، وكان قائداً من أشراف تميم. أرسله والي الكوفة عبيد الله بن زياد مع ألف فارس لصدّ الإمام الحسين (عليه السّلام) عن الدخول إلى الكوفة.

بقي ملازما لركب الحسين (عليه السّلام)، وأخذ يسير معه حتّى أنزله كربلاء. استشهد في كربلاء في العاشر من محرّم سنة 61 بعد ما عاد إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) تائباً. ورد السلام عليه في زيارة الناحية:« السلام على الحرّ بن يزيد الرياحي » الإقبال / 51.


الحسين (عليه السّلام)، فردّ الحسين (عليه السّلام) السلام، وقال: سيدي، أنا صاحبك الذي منعتك عن الرجوع، وجعجعت بك في الطريق، فهل لي من توبة؟

فكيف أجابه الإمام (عليه السّلام)، وأيّ رحمة قابله بها، فقال له:« إن تبت تاب الله عليك (1) ، انزل » .

قال: سيدي، كيف أنزل؟! أخجل من بنات رسول الله؛ أنا روّعت النساء والأطفال.

تعال معي أيّها الموالي إلى يوم العاشر حيث كان عمر بن سعد أوّل من ابتدأ بإشعال الحرب على آل رسول الله؛ حيث رمى ابن سعد سهماً نحو مخيّم الحسين (عليه السّلام) وصاح: اشهدوا لي عند الأمير بأنّي أوّل مَنْ رمى(2) .

فقال الحسين (عليه السّلام) لأصحابه:« قوموا رحمكم الله أيّها الكرام إلى الموت الذي لا بدّ منه؛ فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم » (3) .

فقال الحرّ: أنا لك فارساً خير منّي راجلاً؛ اُقاتلهم لك على فرسي ساعة وإلى النزول آخر أمري(4) . سيدي، إذا كنتُ أوّل مَنْ خرج عليك فأذن لي أن أكون أوّل قتيل بين يديك. فأذن له الإمام (عليه السّلام)، فتوجّه إلى الميدان، فشدّت عليه الرجال حتّى وقع عن الفرس، فشدّت عليه الرجال وتكاثروا عليه بين ضارب بالسيف وطاعن بالرمح حتّى قتلوه.

فجاء إليه الإمام (عليه السّلام) ومسح الدم والتراب عن جبينه وهو يقول:« أنت حرّ كما سمّتك اُمّك، حرّ في الدنيا والآخرة » (5) .

فكان أوّل شهيد في كربلاء. ويُروى عندما أمر عمر بن سعد بقطع الرؤوس توجّهت عشيرة الحرّ ومنعت الأعداء من قطع

____________________

(1) اللهوف / 45، معالي السبطين 1 / 363، ثمرات الأعواد 1 / 187.

(2) اللهوف / 100.

(3) بحار الأنوار 5 / 12، اللهوف / 43 - 44.

(4) أعلام الورى / 242، تاريخ الطبري 3 / 32، الكامل في التاريخ / 4.

(5) روضة الواعظين 1 / 186، موسوعة النبي والعترة 6 / 276.


رأسه(1) . هذا وزينب تنظر إلى عشيرة الحرّ وسيّد الشهداء ملقى على الأرض من دون عشيرة، ورأسه على الرمح حتى دخلوا به إلى الشام والناس يتفرّجون عليه وعلى بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(2) ، وهنّ مكشّفات الوجوه.

هذه الوجوه الّتي لم يرها الناس أبداً في وجود الحسين (عليه السّلام)، ولكن ها هو رأسه على الرمح، وكأنّي بزينب (عليها السّلام):

(دكسن)

اشمال الناس تتفرّج علينا

عمت عينه اليصد بالعين لينه

اويخسه الگال لن غايب ولينه

وراسه اعلى الرمح لينه ايتفكر

(أبو ذيّه)

وحگ اللي سعه بالبيت والطاف

عندنه الموت مثل الشهد والطاف

انه الحرّه الگبل عاشور والطاف

طولي بالشمس ما شفت فيّه

(تخميس)

نادت ولا ستر لها إلاّ الحيا

وأشعة قد حجبتها بالضيا

____________________

(1) معالي السبطين 1 / 367.

(2) بحار الأنوار 45 / 127.


والشمر يُركبها النياقَ تعديا

إنسان عيني يا حسين أخي يا

أملي وعقد جماني المنضودا

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم. إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا آل بيت محمّد أيّ منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.

نسألك اللّهمّ وندعوك باسمك العظيم الأعظم، الأعز الأجل الأكرم، يا محمود بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ علي، يا فاطر السماوات والأرض بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن، يا قديم الإحسان بحقّ الحسين (عليه السّلام)، عجّل فرج وليك الحجّة المنتظر المهدي (عجّل الله فرجه)، وأنجز له ما وعدته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه.

الإخوة الحاضرون تقبّل اللّهمّ عملهم بأحسن القبول، اقض حوائجهم بحقّ محمّد وآل محمّد، اجعل قلوبهم وديارهم عامرة بذكر محمّد وآل محمّد، ارزقهم شفاعة محمّد وآل محمّد، اغفر لهم بحقّ محمّد وآل محمّد، واحشرهم مع محمّد وآل محمّد.

أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمّد وآل محمّد (صلّى الله عليه وآله).



المجلس السادس

1 - القصيدة: كلّما تعذلان.

2 - الموضوع: الدنيا والآخرة مع حبيب بن مظاهر.

3 - ترجمة: كربلاء.

حبيب بن مظاهر.

4 - المصيبة: شهادة حبيب بن مظاهر وبقاء الحوراء وحيدة.



عظّم الله أجوركم يا بقيّة الله، يا صاحب العصر والزمان، بمصابكم بجدّكم أبي عبد الله الحسين وآل بيته وأصحابه.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، صلّى الله عليك وعلى آلك المظلومين، لعن الله الظالمين لكم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساكبة، ويا عبرة كلّ مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتك لك الفدا، يا شهيد كربلا، ويا قتيل العدا، ومسلوب العامة والردا. ما خاب مَنْ تمسّك بكم وأمن مَنْ لجأ إليكم، يا ليتنا كنّا معكم سادتي فنفوز والله فوزاً عظيماً.

كلّما تعذلانِ زدتُ نحيبا

يا خليليَّ(1) إن ذكرتُ حبيبا

يا حبيبَ القلوبِ رزؤكَ (2) مهما

ذكرتهُ الراثون شقَّ القلوبا

يا وحيداً حاميتَ دونَ وحيد

حيث لا ناصراً يرى أو مُجيبا

بعت نفساً نفيسةً (3) فاشتراها

بارئ النفسِ منكَ والربح طوبا(4)

____________________

(1) يا صديقي.

(2) مصابك.

(3) غالية وعزيزة الوجود.

(4) شجرة في الجنة.


إن نصرتَ الحسينَ غير عجيبٍ

إن تخلّفتَ عنهُ كانَ عجيبا

يا وزيرَ الحسينِ حزتَ مقاماً

كُلّ آنٍ يزدادُ عرفاً وطيبا

كم عن السبطِ قد كشفتَ كروباً

بعدما قد لقيتَ يا حبيب حروبا

إنّ يوماً اُصبتَ فيهِ لَيوم

فيهِ طه والمرتضى قد اُصيبا

يا مصاباً أصابَ قلبَ حسينٍ

أيّ قلبٍ لذكره لن يذوبا(1)

وكأنّي بالحسين ينظر إلى أصحابه وهم مطروحون على أرض كربلاء، وقف بينهم وكأنّي به يقول:

تطلّبتم العليا فنلتم طلبكم

وأجزلكم ربّ العالمين ثوابكم

وإنّي وإن حاولت وجداً عتابكم

أحباي لو غير الحمام أصابكم

عتبت ولكن ما على الموت معتبُ

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

قال تعالى في كتابه العزيز:( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلمـُتَّقِينَ ) (2) .

سوف نتحدّث عن الدارين الأولى والآخرة مع المقارنة بينهما، وكيفية

____________________

(1) ديوان شعراء الحسين (عليه السّلام) / 118، مجمع المصائب 1 / 129.

(2) سورة القصص / 83.


الفوز بالآخرة كما حصل لحبيب بن مظاهر الأسدي وزير الحسين (عليه السّلام) في كربلاء(1) .

أوّلاً: الآية الكريمة يُستفاد منها أنّ الآخرة الّتي هي الجنّة لن تكون للمتكبّرين والمفسدين والظالمين أبداً، بل هي للمؤمنين الذين أنعم الله عليهم في النهاية إن شاء الله. ولكن نريد أن نُقارن بين دنيا الكافر والمنافق، ودنيا المؤمن العامل الصالح.

للإنسان واجبات في الدنيا

إنّ الدنيا هي دار يمكث بها الإنسان مدّة معينة، لكن لا يكون متروكاً بحيث لا توجد ضوابط وقوانين تحكمه، بل توجد قوانين وضوابط وهي الدين، فيكون الدين هو التكليف الواجب اتّباعه، من فعل الواجبات مثل الصلاة والصوم، والحج والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك المحرمات: القتل، الزنا، السرقة، الكذب.

فيكون الإنسان في هذه الدنيا عاملاً بلا حساب، أي مكلّفاً بالفعل الواجب وترك العمل المحرّم، ولكن بنفس الوقت هو ليس مُسيّراً للفعل أو الترك إنّما هو متروك مُخيّر من هذه الناحية، فالواجبات معروفة والمحرّمات أيضاً، ولا يستطيع فعل شيء وترك آخر.

____________________

(1) كربلاء العراق هو ذلك المكان الموعود من صعيد كربلاء الطيّب، الذي نزله الإمام الحسين (عليه السّلام) ليبقى فيه إلى الأبد، حيث وقعت أعظم مأساة اتسمت بقسوة القلوب وخيانة العهود والغدر، وسجّل التاريخ حادثة لها أعظم وأبلغ الأثر في النفوس، ألا وهي نهضة الحسين (عليه السّلام) وقيامه بالدفاع عن الحقّ والكرامة.

تقع الأرض الّتي نزلها الإمام الحسين (عليه السّلام) جنوب شرق مدينة كربلاء حالياً على بُعد 3 كم شرقاً، و 2 كم جنوباً. كربلاء في الذاكرة 9 / 154، معجم البلدان 4 / 424.


دنيا المؤمن

فالإنسان المؤمن مَن آمن بالله والرسول وما أنزل عليه، فلكي يكون عمله كاملاً في الدنيا فيجب الإطاعة والإيمان بكلّ ما اُنزل على الرسول، وإذا تخلّف عن ذلك عصى وأفسد في الأرض فسوف يستحق العقاب، هذا من ناحية، ومن ناحية اُخرى يجب على الإنسان أن يعمل في الدنيا؛ فإنّ الدنيا ساعة فاجعلوها طاعة، وإنّ الدنيا عمل بلا حساب، والآخرة حساب بلا عمل، فينبغي للإنسان العاقل أن يتفكّر في هذه الدنيا وما فيها.

فعن علي بن إبراهيم قال: سألت أبا عبد الله الصادق (عليه السّلام) عمّا يروي الناس:« إنّ تفكّر ساعة خير من قيام ليلة » . قلتُ: كيف يتفكّر؟ قال:« يمرّ بالخربة أو بالدار فيقول: أين ساكنوكِ؟ أين بانوكِ؟ ما بالك لا تتكلّمين؟ » (1) .

على أنّها ممرّ ليست مقرّاً؛ فيعمل بها عمل إنسان راحل عنها، فيتّخذها ممرّاً لخير مستقر، فيخرج بروحه قبل بدنه كما جاء في خطبة أمير المؤمنين (عليه السّلام):« أيّها الناس، إنّ الدنيا دار فناء، والآخرة دار بقاء، فخذوا من ممرّكم لمقرّكم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم؛ ففي الدنيا حييتم، وللآخرة خُلقتم » (2) .

ما جاء في كتاب الله عن وصف الدنيا

( اعْلمـُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ ) (3) ، فلا تلهكم أموالكم وأولادكم عن ذكر الله؛ فإنّ الإنسان

____________________

(1) الكافي 2 / 54، مشكاة الأنوار / 37، الزهد / 15، المحاسن 1 / 26.

(2) بحار الأنوار70 / 88، إرشاد القلوب 1 / 19، الأمالي - للصدوق / 219، عيون أخبار الرضا 1/ 298.

(3) سورة الحديد / 20.


نادراً ما يتمكن أن يجمع بين الدنيا والآخرة بالحلال وطاعة الله، فكما جاء في الحديث عن الإمام علي (عليه السّلام):« مثل الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب، إذا اقتربت من أحدهما بعدت عن الآخر » (1) .

فإنّ الإنسان لا يستطيع أن يقبل على الآخرة وهو مُتعلّق بالدنيا؛ لأنّهما لا يجتمعان، كما الليل والنهار، والإسلام والكفر، والإيمان والنفاق كما جاء عن النبي عيسى (عليه السّلام): « مثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له ضرّتان؛ إن أرضى إحداهما سخطت الاُخرى »(2) .

نعم، فإنّ الآخرة خير وأبقى كما قال تعالى للنبي (صلّى الله عليه وآله):( وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الاُولَى ) (3) .

مصير الإنسان قبل الحساب

مصير الإنسان حفرة صغيرة، إمّا أن تكون روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النار، وكلّ ما قدّمه واكتسبه في الدنيا فسوف يُسأل عنه؛ سواء في الحلال أو في الحرام كما جاء عن الإمام علي (عليه السّلام) قال:« الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب » (4) . فيا أسفاه على كلّ كانز لغيره!

سؤال أهل القبور

قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهو يمرّ على مقبرة:« السلام عليكم يا أهل القبور،

____________________

(1) مجموعة ورام 2 / 24.

(2) روضة الواعظين 2 / 448.

(3) سورة الضحى / 4.

(4) الكافي 2 / 459، تحف العقول / 201، شرح نهج البلاغة 6 / 238، مشكاة الأنوار / 241.


أنتم لنا سلف ونحن لكم خلف، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون. أمّا المساكن فسُكنت، وأمّا الأزواج فنُكحت، وأمّا الأموال فقُسّمت، هذا خبر ما عندنا فليت شعري ما خبر ما عندكم؟ » . ثمّ قال:« أما إنّهم إن نطقوا لقالوا: وجدنا التقوى خير زاد » (1) . نعم، هذه الدنيا الّتي حبّها رأس كلّ خطيئة.

آخرة المؤمن

وأمّا الآخرة فهي دار مقرّ ولا يوجد فيها تكاليف، وإنّما هي دار جزاء تكون للذين آمنوا وعملوا الصالحات، للذين اخلصوا لله وعبدوه، للذين لم يستكبروا في الأرض ولم يُفسدوا، كمثال الفقيه الصالح حبيب بن مظاهر الأسدي(2) ، فقد كان من أصحاب الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وأمير المؤمنين والحسين (عليهما السّلام).

____________________

(1) بحار الأنوار 75 / 71 باب 16، شرح نهج البلاغة 18 / 322.

(2) حبيب بن مظاهر الأسدي، كُنيته أبو القاسم، من أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام)، استشهد في كربلاء في اليوم العاشر من المحرّم سنة 61 هـ، وكان عمره يوم استشهد (75 سنة)، دُفن في حرم الحسين (عليه السّلام) منفصلاً عن قبور الشهداء.

قيل: إنّه تشرّف بخدمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وسمع منه أحاديث. روى عن أمير المؤمنين علي (عليه السّلام). كان يحفظ القرآن كلّه، وكان يختمه في كلّ ليلة من بعد صلاة العشاء حتّى طلوع الفجر. من خاصة أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) وحملة علومه ومن أصحابه.

كان من الذين كتبوا إلى الإمام (عليه السّلام) يدعونه إلى المجيء إليهم. جعله الإمام على الميسرة يوم الطفّ. هزّ مقتله الإمام (عليه السّلام).

قال الإمام السجّاد (عليه السّلام):« رحمك الله يا حبيب، فقد كنت فاضلاً تختم القرآن في ليلة واحدة » أعيان الشيعة 4 / 553 - 554، الإقبال / 51، الكامل في التاريخ 4 / 71، وقعة الطفّ / 230.


الواجب الشرعي

فحبيب هذا الشيخ الكبير تخلّى عن كلّ حطام الدنيا الفانية، ورأى أنّ هناك واجباً بالإضافة إلى الصلاة والصوم، وهو الجهاد مع ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ فالجهاد ضدّ المفسدين الظالمين واجب، والدفاع عن حوزة الإسلام واجب، لكن مَنْ أحبُّ الدنيا وصارت أكبر همه لا يستطيع أن يتركها بسهولة، بينما حبيب عندما رأى أهل الكوفة يجمعون الخيل والأسلحة لقتل الإمام الحسين (عليه السّلام) بكى وقال: والله لا تُصبغ هذه (وأشار إلى لحيته) إلاّ من دم منحري دون الحسين.

فدخل حبيب إلى بيته وجلس مع زوجته، وإذا بطارق يطرق الباب، فخرج حبيب وقال: مَنْ الطارق؟ قال: أنا رسول الحسين إليك. ففتح حبيب الباب وأخذ الكتاب، فإذا به:« أمّا بعد يا حبيب، فأنت تعلم قرابتنا من رسول الله، وأنت أعرف بنا من غيرك، وأنت ذو شيمة وغيرة، فلا تبخل علينا بنفسك، يُجازيك جدّي رسول الله يوم القيامة » (1) .

فبكت زوجته وقالت: بالله يا حبيب، لا تقصّر عن نصر ابن فاطمة. فقال: أجل، حتّى اُقتل بين يديه وتُصبغ شيبتي من دم نحري. ثمّ قال حبيب لعبده: خذ الجواد وانتظرني في البستان في الليل. فأخذ العبد الجواد ومضى وبقي ينتظر، فلمـّا تأخّر حبيب قال العبد للجواد: يا جواد، إن لم يأت صاحبك لأعلونّك وأذهب لنصرة الإمام الحسين (عليه السّلام). فسمع حبيب خطاب الغلام، فقال: بأبي أنت واُمّي يابن رسول الله!

____________________

(1) نَفَس المهموم - نهج الشهادة / 66، مصائب آل محمّد / 270، أسرار الشهادة / 39، معالي السبطين 1 / 369.


العبيد يتمنّون نصرتك، فكيف بالأحرار؟! فقال للغلام: اذهب أنت حرّ لوجه الله. فأبى الغلام الرحيل إلاّ مع حبيب.

وكان الإمام الحسين (عليه السّلام) قد عقد اثنتي عشرة راية، فوزّعها على أصحابه، فبقيت واحدة، فكان يأتي إليه بعض أصحابه ويقول: سيدي، مُنّ عليّ بحمل الراية. فيقول:« لا، سوف يأتي صاحبها » . حتّى علت غبرة من بعيد فقال:« أتى صاحبها » .

فنزل حبيب عن جواده وقبّل الأرض وقال: الحمد لله الذي جعلني أدركت الإمام الحسين. فسلّم على الإمام، فسمعت زينب فقالت: بُني علي الأكبر، مَنْ التحق بنا؟

فقال لها: عمّتي زينب، إنّ حبيباً قد وصل. فلمـّا سمعت باسم حبيب قالت: ولدي علي، بلّغ حبيباً عنّي السلام. فذهب إليه وقال: يا حبيب، إنّ عمّتي زينب تُقرئك السلام.

فجعل يلطم على وجهه ويقول: مَنْ أنا أكون حتّى تُسلّم عليّ زينب بنت أمير المؤمنين(2) . فاستأذن من الإمام الحسين ليسلّم على زينب فأذن له، فأقبل وقال: آه لوجهك يا زينب يوم تحملين على بعير ضالع، واليتامى من حولك والثكالى، ورؤوسنا على القنا!

قالت: نعم، بهذا أخبرني ابن اُمِّ. ثمّ أخذ حبيب الراية من يد الإمام الحسين (عليه السّلام):

(بحراني)

تناول حبيب العلم من كف الشفيه

أو هزّه ابيمنه وگال طابت المنيّه

____________________

(1) معالي السبطين 1 / 371، مصائب آل محمّد / 271.


سمعتك تنادي بالحرب عندي الحرب عيد

انموت بمعزّه ولا نعيش بطاعة ايزيد

طاعتك يابن النبي فرضاً عليا

والله يا ابو السجاد لو خيروني

بسيف والخطي والنار احرگوني

وذروا عظامي بالهواء وتالي ينشروني

سبعين مرّة هالفعل يجري عليّ

والله يا ابو السجّاد ما فارق جمالك

روحي ومالي والأهل كلّهم فدا لك

كل شيعتك تفنى ولا تهتك عيالك

والتفت لاصحابه وقال وعبراته جاريه(1)

استأذن من الإمام وانطلق إلى الميدان يُقاتل، ثمّ عاد إلى الإمام باكياً، قال له الإمام:« لمَ تبكِ؟ لعلك تذكّرت الأهل والأوطان؟ » .

قال: لا سيدي، إنّي استبدلت عن أهلي أهلاً، وعن داري داراً.

-« إذاً لمَ تبكِ؟ » .

- أبكي لحال هذه الواقفة وما يجري عليها من بعدك. فالتفت الحسين (عليه السّلام) وراءه وإذا به يرى اُخته زينب (عليها السّلام).

ثمّ انطلق إلى الميدان وجعل يُقاتل قتال الأبطال، والإمام ينظر إليه، وإذا بحبيب: سيدي يا أبا عبد الله أدركني! فأقبل إليه الإمام ووضع رأسه في حجره وقال:« رحمك الله يا حبيب، فقد كنت فاضلاً تختم القرآن في

____________________

(1) الجمرات الودّية 1 / 41، المعتمد في العزاء / 257.


ليلة واحدة، بلّغ رسول الله عنّي السلام، وقل له: إنّي في الأثر » (1) .

نعم سيدي أبا عبد الله، أنت رفعت رأس حبيب، وأنت مَنْ رفع رأسك؟ رفعته العقيلة زينب ووضعته في حجرها، وجعلت تُخاطبه: أخي حسين، نور عيني يا حسين، كلّمني بحقّ جدّنا رسول الله، بحقّ أمّنا فاطمة وأبينا علي.

ففتح الحسين عينه في وجهها وقال:« اُخيّه زينب، لقد كسرتي قلبي، وزدتيني كرباً فوق كربي؛ ارجعي إلى الخيام واحفظي العيال والأطفال » .

(دكسن)

اتگله أنا ابعيني لباريلك اعيالك

وبروحي لسكتلك أطفالك

والموت لو يرضه ابدالك

رحنا يبو اليمه فدا لك

فقامت الحوراء زينب (عليها السّلام) بجمع العيال والأطفال في مكان واحد، فلمـّا جمعتهم أخذ الأطفال ينظر بعضهم إلى بعض ودموعهم تتحادر على الخدود، وأخذوا يسألون الحوراء زينب، هذه تنادي: عمّه زينب، أين أبي؟ وذاك ينادي: أين عمّي؟ وآخر ينادي: عمّه، أين أخي؟ ماذا تجيبهم الحوراء زينب؟!

أتقول لهم: إنّهم صرعى على وجه الأرض، أم عندها جواب آخر؟ نعم، قامت إليهم، أخذت تضمّ الطفلة إلى صدرها لتهدئها عن البكاء والعويل، فإذا هدأت أخذت الاُخرى ضمّتها إلى صدرها، وكأنّي بها في تلك اللحظات، لحظات

____________________

(1) مقتل أبي مخنف / 108، معالي السبطين 1 / 374، نَفَس المهموم / 643.


اللوعة والألم، تلتفت إلى أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) قائلة:

(نعي مجاريد)

خويه اتحيّرت والله ابيتاماك

ما ينحمل يحسين فرگاك

والمثل هذا الوكت ردناك

(عاشوري)

صاحت يبو اليمه ابدمع جاري آه آه

بناتك زيدن عگبك مراري

يخويه المن اسكت يو أباري آه آه

اوتدري اشچم طفل عگبك تيتم

ولكنّها لم تسمع من الحسين جواباً، وأنّى له بالجواب وقد فُرق بين رأسه وجسده؟ لهذا حوّلت بوجهها إلى الغري شاكية مصابها لأبيها أمير المؤمنين (عليه السّلام):

(نعي مجاريد)

بويه عليه الليل هوّد

وانا حُرمة أوغريبة اُومالي أحّد

بيمن يبويه الگلب يضمد

بالحسين هلعندي امدد

وابن والدي العباس ما رد

خلصوا هلي الله ولحد


(فايزي)

امسه المسه والنار ما خلت لنا اخيام

صيوان ما ظل تلتجي ابفيه هاليتام

اگبل علينه الليل وزدادت الوحشه

اُوما شوف غير ايتام تتصارخ ابدهشه

أوشيخ العشيره احسين محّد شال نعشه

مطروح وابجنبه علي الأكبر اُوجسام

(أبو ذيّه)

يناعي حيل صيح ابصوت وليان

يحيدر يا امطوع الإنس والجان

ترى زينب بگت من غير وليان

تحشم وينكم يهل الحميه

(تخميس)

قم يا علي فما هذا القعود وما

عهدي تغضّ على الأقذاء أجفانا(1)

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم. إنّا لله وإنّا إليه راجعون،

____________________

(1) مجمع المصائب 1 / 300.


وسيعلم الذين ظلموا آل بيت محمّد أيّ منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.

نسألك اللّهمّ وندعوك باسمك العظيم الأعظم، الأعز الأجل الأكرم، يا محمود بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ علي، يا فاطر السماوات والأرض بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن، يا قديم الإحسان بحقّ الحسين (عليه السّلام) عجّل فرج وليك الحجّة المنتظر المهدي (عجّل الله فرجه)، وأنجز له ما وعدته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه.

الإخوة الحاضرون تقبّل اللّهمّ عملهم بأحسن القبول، اقضِ حوائجهم بحقّ محمّد وآل محمّد، اجعل قلوبهم وديارهم عامرة بذكر محمّد وآل محمّد، ارزقهم شفاعة محمّد وآل محمّد، اغفر لهم بحقّ محمّد وآل محمّد، واحشرهم مع محمّد وآل محمّد.

أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمّد وآل محمّد (صلّى الله عليه وآله).



المجلس السابع

1 - القصيدة: عبست وجوه القوم.

2 - الموضوع: المؤمنون إخوة.

3 - [ الترجمة: ] العباس بن علي (عليه السّلام).

حكيم بن الطفيل.

زيد بن الرقاد.

4 - المصيبة: شهادة العباس بن علي (عليه السّلام).



عظّم الله أجوركم يا بقيّة الله، يا صاحب العصر والزمان، بمصابكم بجدّكم أبي عبد الله الحسين وآل بيته وأصحابه.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، صلّى الله عليك وعلى آلك المظلومين، لعن الله الظالمين لكم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساكبة، ويا عبرة كل مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتك لك الفدا، يا شهيد كربلا، ويا قتيل العدا، ومسلوب العمامة والردا. ما خاب مَنْ تمسّك بكم، وأمن مَنْ لجأ إليكم، يا ليتنا كنّا معكم سادتي فنفوز والله فوزاً عظيماً.

عبست وجوهُ القومِ خوفَ الموتِ والـ

عباسُ فيهم ضاحكٌ يتبسمُ

قلبَ اليمينَ على الشمالِ وغاصَ في الـ

أوساطِ يحصدُ في الرؤوسِ ويحطمُ

وثنى أبو الفضلِ الفوارسَ نكّصاً(1)

فرأوا أشدّ ثباتهم أن يُهزموا

____________________

(1) أي محجمين عمّا أقدموا عليه، وراجعين إلى الوراء رجوع القهقرى.


ما كرّ ذو بأسٍ لهُ متقدّماً

إلاّ وفرّ ورأسه المتقدّمُ

بطلٌ تورّثَ من أبيهِ شجاعةً

فيها اُنوفُ بني الضلالةِ تُرغمُ (1)

أَوَ تشتكي العطشَ الفواطمُ عنده

وبصدرِ صعدتهِ الفراتُ المفعمُ

في كفّهِ اليسرى السقاءُ يقلّهُ

وبكفّهِ اليمنى الحسامُ (2) المخذّمُ

قسماً بصارمهِ(3) الصقيلِ وإنّني

في غيرِ صاعقةِ السما لا اُقسمُ

لولا القضا لمحى الوجودَ بسيفه

والله يقضي ما يشاءُ ويحكمُ

حسمت يديهِ المرهفاتُ (4) وإنّه

وحسامُهُ من حدّهنّ لأحسمُ

وهوى بجنبِ العلقمي فليتهُ

للشاربينَ بهِ يدافُ(5) العلقمُ

____________________

(1) أي تلصق بالتراب.

(2) أي السيف القاطع سريع القطع.

(3) أي السيف القاطع.

(4) أي السيوف الّتي رقت أطرافها، وهي السيوف الماضية القاطعة.

(5) أي يخلط العلقم ترابه مع مائه فلا يبقى ماء صافياً صالحاً للشرب. وهذا دعاء عليهم.


ومشى لمصرعهِ الحسينُ وطرفه

بينَ الخيامِ وبينهُ متقسّمُ

نادى وقد ملأ البوادي صيحةً

صمُّ (1) الصخور لهولها تتألمُ(2)

(بحراني)

طفح جواده أو وگف يمه ودمعه يهل

ينادي يبو فاضل علينا حاطت الخيل

يا هو اليباري هلحرم لو هوّد الليل

وأنا بعد ساعة على التربان لازم

لكن يخوي وين بَتّارك طرحته

گله يخويه انگطعت اكفوفي اوتركته

لو سلم كفي كان للبيرق نشرته

أو ردّيت للخيمة وجود الماي سالم

گله يخويه بو الفضل في وين الكفوف

گله يخوي اتوزّعت ما بين الطفوف

____________________

(1) الصخور الّتي لا تسمع.

(2) للسيد جعفر الحلّي - سفينة النجاة / 412، المعتمد في العزاء / 176، مثير الأحزان / 99، الدرّ النضيد / 288.


دمي على عيني جمد يحسين ما شوف

نشّف ادمومي يا بقية آل هاشم

اتخوصر على اعضيده‌يودعه‌أوصعّد أنفاس

يا جمرة الكون الذي ما قط تنداس

ظهري ترا هو انكسر من فقدك يا عباس

طاح العلم وتفللت منّي العزايم(1)

(أبو ذيّه)

الدهر عباس من بعدك لوانا

واتمنينا الفنا گبلك لوانا

الله واياك يا لشايل لوانا

بعدك مِن يشيل العلم ليّه

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

جاء في كتاب اُصول الكافي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) أنّه قال:« المؤمن أخو المؤمن؛ عينه ودليله، لا يخونه ولا يظلمه، ولا يغشّه ولا يعده عدة فيخلفه » (2) .

الإسلام جاء وجعل بالتشريع اُخوّة بين المؤمنين غير أخوّة النسب الطبيعية الّتي تكون من خلال الأب والاُمّ؛ فالاُخوّة بين المؤمنين لها شروط وواجبات لا بدّ من مراعاتها

____________________

(1) مجمع المصائب 1 / 152.

(2) الكافي 2 / 166، وسائل الشيعة 12 / 205، بحار الأنوار 71 / 268.


كما حدّدها لنا أهل البيت (عليهم السّلام)، نذكر منها:

عدم هتك حرمة المؤمن

وهذا عند الله عظيم، والخبر ما رواه جابر قال: نظر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى الكعبة فقال:« مرحباً بك من بيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك! والله إنّ المؤمن أعظم حرمة منك عند الله عزّ وجلّ؛ لأنّ الله حرّم منك واحدة ومن المؤمن ثلاثة؛ دمه وماله وأن يُظنّ به ظنّ السوء » (1) .

أي حرمة المؤمن أعظم من حرمة بيت الله الحرام الذي يحرم فيه القتال والفسوق وباقي المحرّمات، فيجب المحافظة على حرمة المؤمن.

عدم الأذيّة مطلقاً

من خيانة وتحقير وتتبّع عيوب وإخافة وغش المؤمن، كما جاء في رواية الإمام الصادق (عليه السّلام).

الأذيّة

عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السّلام) يقول:« جاء في الحديث القدسي: ليأذن بحرب منّي مَنْ آذى عبدي المؤمن » (2) ، فالذي يؤذي المؤمن فسوف يحاربه الله.

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 18 / 278، الخصال 1 / 27.

(2) الكافي 2 / 350، وسائل الشيعة 12 / 264، بحار الأنوار 72 / 152، ثواب الأعمال / 238.


التحقير

جاء عن الصادق (عليه السّلام):« مَنْ حقّر مؤمناً مسكيناً أو غير مسكين لم يزل الله عزّ وجلّ حاقراً ماقتاً له حتّى يرجع عن محقرته إيّاه » (1) .

تتبّع عيوب المؤمن

جاء في الحديث عن أبي عبد الله (عليه السّلام) أنّه قال:« قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا تتطلّبوا عثرات المؤمنين؛ فإنّ مَنْ تتبّع عثرات أخيه تتبّع الله عثراته، ومَنْ تتبّع الله عثراته يفضحه ولو في جوف بيته » (2) .

إخافة المؤمن

عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) أنّه قال:« قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): مَنْ نظر إلى مؤمن نظرة ليُخيفه بها أخافه الله عزّ وجلّ يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه » (3) .

غش المؤمن

عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) قال:« ليس منّا مَنْ غشنا » (4) .

____________________

(1) إرشاد القلوب 1 / 142، الكافي 2 / 311، بحار الأنوار 69 / 52، مشكاة الأنوار / 322.

(2) الكافي 2 / 355، وسائل الشيعة 12 / 275، مشكاة الأنوار.

(3) وسائل الشيعة 12 / 303، بحار الأنوار 72 / 151، إرشاد القلوب 1 / 142، مشكاة الأنوار / 100.

(4) التهذيب 7 / 12؛ الكافي 5 / 160، بحار الأنوار 72 / 363.


فهذه حقوق يجب مراعاتها كما جاء في رواية الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّ:« المؤمن أخو المؤمن، عينه ودليله، لا يخونه ولا يظلمه، ولا يغشّه ولا يعده عدة فيخلفه » (1) .

أمّا الواجبات الأخوية الّتي ينبغي للمؤمن مراعاتها كما جاء في روايات أهل البيت (عليهم السّلام)، فنذكر منها:

مُلاطفة المؤمن

التبسّم بوجهه ومزاحه كما جاء عن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) أنّه قال:« مَنْ أخذ من وجه أخيه المؤمن قذاة كتب الله عزّ وجلّ له عشر حسنات، ومَنْ تبسّم في وجه أخيه كانت له حسنة » (2) .

ستر عورة المؤمن

فهذه لها فضل كبير، وأمّا الذين يحبّون كشف عورته فجزاؤهم كما قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) (3) . وفي رواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال:« ومَنْ سمع فاحشة فأفشاها كان كمَنْ أتاها، ومنْ سمع خيراً فأفشاه كان كمَنْ عمله » (4) .

____________________

(1) الكافي 1 / 166.

(2) الكافي 2 / 205، وسائل الشيعة 12 / 120، مصادقة الإخوان / 53.

(3) سورة النور / 19.

(4) وسائل الشيعة 12 / 296.


تحب للمؤمن ما تحب لنفسك

فجاء في صحيح الأخبار:« حبّ لأخيك المؤمن كما تحبّ لنفسك، واكره له كما تكره لنفسك » (1) .

مصافحته

« مَنْ صافح محبّاً لعلي غفر الله له وأدخله الجنة بغير حساب » (2) .

زيارة المؤمن

جاء عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السّلام) قالا:« أيّما مؤمن خرج إلى أخيه يزوره عارفاً بحقّه، كتب الله له بكلّ خطوة حسنة، ومُحيت عنه سيئة، ورُفعت له درجة، وإذا طرق الباب فتُحت له أبواب السماء » (3) .

قضاء حوائج المؤمنين

ورد في الرواية عن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) أنّه قال:« مَنْ مشى في حاجة أخيه المؤمن يكتب له عشر حسنات، ويرفع له عشر درجات، وحطّ عنه عشر سيئات، وأعطاه عشر شفاعات » (4) .

____________________

(1) منية المريد / 190، أعلام الدين / 417.

(2) إرشاد القلوب 2 / 257.

(3) الكافي 2 / 183، وسائل الشيعة 12 / 231، بحار الأنوار 73 / 34.

(4) بحار الأنوار 71 / 312 باب 20.


وفي رواية عن الكاظم (عليه السّلام) في حديث طويل:« إنّ لله تحت عرشه ظلاً لا يسكنه إلاّ مَنْ أسدى إلى أخيه معروفاً » (1) .

فمن أهم الحوائج الّتي ينبغي للإنسان أن يقضيها هي أن يقضي حوائج نسائه وعياله ومَنْ يتعلّق به، هذا في الحالة الطبيعية، فكيف إذا كان يراهم بتلك الحالة الّتي كان يتقطّع قلبه لها، ينظر إليهم تتلّوى قلوبهم وأكبادهم من العطش كما حصل مع أبي الفضل العباس(2) ، حيث كان منذ البداية يهتمّ بشؤون العيال والأطفال؛ من خروج الإمام من المدينة حتّى يوم العاشر، حيث كانت أصعب مهمّة يُكلّف بها العباس بعد أن استشهد كلّ الأصحاب، وكلّ أهل بيت الحسين، ولم يبق مع الحسين إلاّ أخوه أبو الفضل العباس.

فتقدّم العباس إلى أخيه الحسين مستأذناً للنزول إلى الميدان، إلاّ أنّ الحسين (عليه السّلام) بكى بكاءً شديداً، ثمّ قال (عليه السّلام):« يا أخي، أنت صاحب لوائي، وإذا قُتلت تفرّق عسكري » (3) .

____________________

(1) بحار الأنوار 71 / 313.

(2) العباس بن علي بن طالب (عليه السّلام)، ولد سنة 26 للهجرة، اُمّه فاطمة بنت حزام الكلابية. تزوّج العباس من لبابة بنت عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وولد له منها ولدان: عبد الله والفضل، وبه يُكنى، فيُقال له: أبو الفضل.

عاش مع أبيه (عليه السّلام) (14) سنة، ومع أخيه الحسن (عليه السّلام) (24) سنة، ومع أخيه الحسين (عليه السّلام) (34) سنة، وذلك عمره.

كان لواء الحسين (عليه السّلام) معه يوم قُتل، ولقّب في كربلاء وبعد استشهاده بـ (السقّاء)؛ لأنّه خاطر بنفسه في سبيل تزويد معسكر الحسين بالماء، واستشهد في إحدى محاولاته هذه في يوم العاشر من المحرّم سنة 61 هـ بعد أن قُطعت يداه أثناء القتال.

قال الإمام السجّاد (عليه السّلام):« رحم الله عمّي العباس، فلقد آثر وأبلى، وإنّ للعباس عند الله تبارك وتعالى لمنزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة » مقاتل الطالبيِّين / 89، منتهى الآمال 1 / 688، الخصال - للصدوق / 68.

(3) نَفَس المهموم / 336، بحار الأنوار / 45 / 41، مقتل العوالم / 94.


فقال العباس: لقد ضاق صدري وسئمت الحياة، وأريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين.

فقال الحسين (عليه السّلام):« فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء » (1) .

فذهب العباس ووقف أمام الأعداء، وخطب فيهم وحذّرهم من غضب الجبّار، ثمّ طلب منهم قليلاً من الماء للنساء والأطفال، فكان الجواب على لسان الشمر اللعين: يابن أبي تراب، لو كان وجه الأرض كلّه ماء وهو تحت أيدينا لما سقيناك منه قطرة إلاّ أن تدخلوا في بيعة يزيد(2) .

فعاد العباس إلى الحسين حزيناً وسمع صراخ الأطفال(3) ، ومن بينهم سكينة بنت الحسين، وهم ينادون: العطش، العطش!

يگله يا خوي يا زهرة زماني

يا خوي نحلّت سكنه عظامي

تخليني أريد الحك عمامي

أريد الثار گلبي دومه يفور

فأخذ العباس القربة بيده وحمل السيف بيمينه، وانطلق بجواده قاصداً المشرعة، كشف الأعداء الذين كانوا يحيطون بشاطئ الفرات، وصل إلى الماء مطمئناً، مدّ يده إلى الماء، اغترف غرفة لكنّه تذكّر عطش أخيه الحسين والنساء، هنا وقف العباس يُخاطب نفسه ويقول:

يا نفس من بعد الحسين هوني

وبعده لا كنت أن تكوني

هذا حسينٌ واردُ المنونِ

وتشربين باردَ المعينِ

تالله ما هذا فعال ديني

ولا فعال صادق اليقين(4)

____________________

(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) - للمقرّم / 328، مصائب آل محمّد / 317.

(2) موسوعة النبي والعترة 6 / 300.

(3) تظلّم الزهراء / 118.

(4) رياض المصائب / 313.


فرمى الماء من يده ولم يذق منه قطرة، وقال: « والله لا أذوق الماء وسيدي الحسين عطشان »(1) . ثم ملأ القربة وعاد متوجهاً إلى مخيّم الحسين (عليه السّلام)، فقُطع عليه الطريق، فجعل يُقاتلهم ويقول:

إني أنا العباس أغدو بالسقا

ولا أخاف الموت يوم الملتقى

نفسي لسبط المصطفى الطهر وقا

فلمـّا عجز الأعداء عن التغلّب على العباس (عليه السّلام) وجهاً لوجه راحوا يكمنون له وراء النخيل، فلمـّا مرّ العباس بنخلة كمن له وراءها لعين من الأعداء هو زيد بن الرقّاد(2) فضربه بالسيف على يمينه فقطعها، فخاطب العباس (عليه السّلام) اُولئك القوم قائلاً:

واللهِ إن قطعتموا يميني

إنّي أحامي أبداً عن ديني

وعن إمامٍ صادقِ اليقينِ

نجلِ النبي الطاهرِ الأمين

وأخذ السيف بيساره، ووضع القربة على سرج فرسه ممسكاً طرفها بأسنانه، لكنّ لعيناً آخر وهو حكيم بن الطفيل(3) ضربه من وراء نخلة على

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 41، مقتل أبي مخنف / 90، منتخب التواريخ / 258.

(2) زيد بن الرقاد الحيتي، خرج مع جيش عمر بن سعد لقتال الإمام الحسين (عليه السّلام)، وكمن للعباس (عليه السّلام) من وراء نخلة، فضربه فقطع يده.

وقال ابن الأثير: إنّ المختار بعث إلى زيد بن الرقاد، فلمـّا أتاه أصحاب المختار خرج إليهم بالسيف، فقال لهم ابن كامل: لا تطعنوه ولا تضربوه بالسيف، ولكن ارموه بالنبل والحجارة. ففعلوا ذلك به، فسقط فأحرقوه حيّاً.

ورد لعنه في الزيارة:« لعن الله قاتله زيد بن رقاد » ورد الاختلاف في اسم أبيه؛ فقد جاء في الإرشاد - للشيخ المفيد: زيد بن ورقاء. الإقبال / 49، الكامل في التاريخ 2 / 243، الإرشاد 2 / 110، تاريخ الطبري 3 / 335.

(3) حكيم بن الطفيل الطائي السنبسي، خرج مع جيش عمر بن سعد لقتال الإمام الحسين (عليه السّلام) فقام بقطع يسار أبي الفضل العباس (عليه السّلام)، وقام بسلبه بعد استشهاده، وقام برمي الإمام (عليه السّلام) بسهم، وكان أحد العشرة الذين انتدبهم ابن سعد لرض الإمام (عليه السّلام).

بعث المختار بعبد الله بن كامل إلى حكيم بن الطفيل، فأتاه ابن كامل فأخذه ثمّ أقبل به، فلمـّا انتهوا به إلى دار العنزيين وهو مكتوف، نصبوه غرضاً، ثمّ قالوا له: سلبت ابن علي (عليه السّلام) ثيابه! والله لنسلبنّ ثيابك وأنت حي تنظر.

فنزعوا ثيابه، ثمّ قالوا له: رميت حسيناً (عليه السّلام) واتّخذته غرضاً لنبلك! وأيم الله لنرمينّك كما رميته بنبال ما تعلّق بها أجزاك. فرموه رشقاً واحداً، فصار كأنّه قنفذ؛ لِما فيه من كثرة النبل.

ورد لعنه في الزيارة:« لعن الله قاتله... وحكيم بن الطفيل الطائي » الإقبال / 49، اللهوف / 58 - 59، مقتل الحسين - لأبي مخنف / 377 - 378.


يساره فقطعها من الزند، الله أكبر، فخطب العباس (عليه السّلام) قائلاً:

يا نفس لا تخشي من الكفارِ

وابشري برحمةِ الجبّارِ

قد قطعوا ببغيهم يساري

فأصلهم يا ربِّ حرّ النارِ

أصبح كلّ اهتمام العباس (عليه السّلام) أن يوصل القربة إلى المخيّم، صاح عمر بن سعد في جيشه: ويلكم! ارشقوا القربة بالنبال؛ فوالله إن وصل من هذا الماء شيء للحسين لأفناكم عن آخركم.

فتكاثر الأعداء على العباس (عليه السّلام)، وسقطت عليه السهام كالمطر، فأصابته في صدره(1) ، وسهم أصاب أحد عينيه فأطفأها، وتجمّد الدم على عينه الاُخرى فلم يبصر بها، وأصاب القربة سهم فاُريق ماؤها، عندها وقف العباس (عليه السّلام) حائراً، فليس لديه يدان يُقاتل بهما، ولا عينان يبصر بهما، ولا ماء يوصله إلى الأطفال والنساء.

وبينما هو كذلك إذ ضربه خبيث من الأعداء بعمود من الحديد على رأسه ففلق هامته المباركة(2) ، (استعدوا للخبر المفجع يا شيعة أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام)، انظروا بعين القلب)، وسقط على الأرض،

____________________

(1) رياض المصائب / 315.

(2) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 221، منتهى الآمال 1 / 688، أعيان الشيعة 1 / 608، معالي السبطين 1 / 446.


ولكن بماذا يتلقّى الأرض مَنْ ليس له يدان، والسهم نابت بالعين، ورأسه مفلوق نصفين؟!

صاح: يا أخي أدركني! ويروى أنّ أبا الفضل العباس لأوّل مرّة يقول: يا أخي؛ فقد كان طوال حياته يناديه: يا سيّدي، يا أبا عبد الله، لكن في هذه اللحظة نادى: يا أخي أبا عبد الله.

لمـّا سمعه الحسين (عليه السّلام) أقبل نحوه مسرعاً فوجده بهذه الحالة، حينها وضع الإمام يده على ظهره وقال (عليه السّلام):« الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوي » (1) ، يا أخي يا عباس.

وكأنّي بلسان حاله يقول:

(عاشوري)

يخوي انكسر ظهري ولا اگدر أگوم آه آه

صرت مركز يخويه لكل الهموم

يخوي استوحدوني بعدك الگوم آه آه

ولا واحد علينا بعد ينغر

(بحراني)

ظهري انكسر يا خوي وانت اللي كسرته

ماني أخوك اشلون اخوك اليوم عفته

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 42، فرسان الهيجاء 1 / 203، معالي السبطين 1 / 446، مصائب آل محمّد / 322.


انته التجيب الماي وانته الكافل انته

اتخلي العقيلة بلا ولي بين آل اُميّه

جلس (عليه السّلام) عند أخيه أبي الفضل ووضع رأسه في حجره، ومسح الدم والتراب عنه، لكن العباس (عليه السّلام) أعاد رأسه إلى التراب، فأعاده الحسين (عليه السّلام) إلى حجره ثانياً، فردّه العباس إلى الأرض وهكذا في الثالثة، عند ذلك قال له الحسين (عليه السّلام):« أخي أبا الفضل، ما لي كلّما أخذتُ برأسك رددته إلى التراب يابن والدي؟! » .

فقال العباس (عليه السّلام): أخي أبا عبد الله، أنت الآن تأخذ برأسي فبعد ساعة مَنْ يرفع رأسك عن التراب، ومَنْ يمسح التراب عن وجهك؟(1) .

أراد الحسين (عليه السّلام) أن يحمل أبا الفضل (عليه السّلام) إلاّ أنّ العباس (عليه السّلام) طلب منه أن يتركه في مكانه، فقال (عليه السّلام):« لماذا؟ » .

قال العباس (عليه السّلام): إنّي مستحي من سكينة وقد وعدتها بالماء ولم آتها به(2) .

(نعي)

يخوي احسين خليني ابمچاني

يگله ليش يا زهرة زماني

يخويه واعدت سكنه تراني

بماي واستحي منها من اسدر

عظّم الله أجوركم، وفاضت روح أبي الفضل العباس (عليه السّلام) بين يدي أخيه الحسين (عليه السّلام)، فقام من مصرعه حزيناً باكياً، منحني الظهر، يُكفكف دموعه بكمه وهو ينادي:« أما من مغيث يغيثنا! أما من مجير يجيرنا! أما من طالب حقّ

____________________

(1) مصائب آل محمّد / 325.

(2) تذكرة الشهداء / 272.


ينصرنا! » .

كانت سكينة واقفة في باب الخيمة تنتظر رجوع عمّها بالماء.

(دكسن)

يگلها ليش تبچي يا سكينه

تگله عمّي العباس وينه

شرب ماي ونسانا وما نسينه

العطش وگلوبنا تلهب من الحر

وخرت دمعة حسين وتنحّب

وگللها ونار الگلب تلهب

بشط العلگمي عمچ مترّب

قضا وفرّت تصيح الله واكبر

عندما تقدّم الحسين (عليه السّلام) إلى عمود خيمة أبي الفضل واقتلعه رأته العقيلة زينب، فبكت وصاحت: أخي حسين، هل اُصيب أخي أبي الفضل بمكروه؟!

أبو الفضل كفيل زينب كان صاحب غيرة على زينب، فقال لها الحسين:« عظّم الله لك الأجر بأخيك العباس يا زينب » . فصاحت: وا أخاه! وا عباساه! وا قلّة ناصراه! وا ضيعتنا بعدك(1) يا أبا الفضل! أخي أبا الفضل مَنْ يردّنا الآن إلى المدينة؟

يا عبّاس منتا اللي جبتني

وبيدك يخويه ركبتني

طول الدرب ما فارگتني

چيفن رحت عنّي وعفتني

اگعد يخوي وشوف متني

ترى سياط زجر الورّمتني

____________________

(1) الكبريت الأحمر / 162.


(تخميس)

ماذا أقولُ لو التقيتُ بشامتٍ

إنّي سُبيتُ وإخوتي بإزاءِ

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم. إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا آل بيت محمّد أيّ منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.

نسألك اللّهمّ وندعوك باسمك العظيم الأعظم، الأعزّ الأجل الأكرم، يا محمود بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ علي، يا فاطر السماوات والأرض بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن، يا قديم لإحسان بحقّ الحسين (عليه السّلام) عجّل فرج وليك الحجّة المنتظر المهدي (عجّل الله فرجه)، وأنجز له ما وعدته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه.

الإخوة الحاضرون تقبّل اللّهمّ عملهم بأحسن القبول، اقض حوائجهم بحقّ محمّد وآل محمّد، اجعل قلوبهم وديارهم عامرة بذكر محمّد وآل محمّد، ارزقهم شفاعة محمّد وآل محمّد، اغفر لهم بحقّ محمّد وآل محمّد، واحشرهم مع محمّد وآل محمّد.

أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمّد وآل محمّد (صلّى الله عليه وآله).


المجلس الثامن

 - القصيدة: حجر على عيني

 - الموضوع: الدعاء والتوسّل بالأئمّة عليهم السّلام.

 - ترجمة: علي الأكبر

 ليلى

مرّة بن منقذ

 - المصيبة: شهادة علي الأكبر



عظّم الله أجوركم يا بقيّة الله، يا صاحب العصر والزمان، بمصابكم بجدّكم أبي عبد الله الحسين وآل بيته وأصحابه.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، صلّى الله عليك وعلى آلك المظلومين، لعن الله الظالمين لكم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساكبة، ويا عبرة كلّ مؤمن ومؤمنة. روحي وأرواح شيعتك لك الفدا، يا شهيد كربلا، ويا قتيل العدا، ومسلوب العمامة والردا. ما خاب مَنْ تمسّك بكم وأمن مَنْ لجأ إليكم، يا ليتنا كنّا معكم سادتي فنفوز والله فوزاً عظيماً.

حجرٌ(1) على عيني يمرّ بها الكرى

من بعدِ نازلةٍ بعترةِ أحمدِ

شتى مصائبُهمْ فبينَ مكابدٍ(2)

سمّاً ومنحورٍ وبينَ مصفّدِ (3)

____________________

(1) أي منع على عينيه أن يأتي إليها النوم أو النعاس.

(2) المكابد للسمّ: المعاني من مشقّته.

(3) المصفّد: هو المشدود والذي أوثق بالأغلال.


(بحر طويل)

من هاشم شبل معلوم

لاح ابظهر خياله

طب الخطّة الحومه

اوگلب احسين يبراله

لمن حصّل (الرخصة)

اولاح ابظهر الكحيله

____________________

(1) استجذّت: قطعت واستؤصلت.

(2) ترقرقت عبراته: جرت جرياً سهلاً.

(3) ذؤابة هاشم: المراد بها أشراف هاشم، فهو من هاشم كالظفائر من الشعر القريبة من أعلى الرأس.

(4) ريحانة ريانة: المملوءة بطيب الرائحة.

(5) الأصيد: تُقال للملك الذي لا يلتفت يميناً ولا شمالاً.

(6) مثير الأحزان / 129، سفينة النجاة - للعاملي / 483، المعتمد في العزاء / 302.


گام ابن الفحل يحدي

أو تهلهل بالخيم ليله

شد اعلى الحرب مغضب

اوعين احسين تربيله

گام ايجول بالملعب

اوبيده ايهز المذهب

الحربي ايصيح من يگرب؟

طلعله (بكر بن غانم)

اوشد اعليه علي الأكبر)

لاچن وجه أبوه احسين

لونه انخطف وتغير

طلعت صارخه ليله

تگوم اوعالوجه تعثر

تگله انصاب المدلّل

اشوفن لونك اتبدّل

يگلها اعلى ابنك اموجّل

طلعله امن العرب فارس

تشهد دوم بفعاله

يليله الخيمتچ ردي

وادعيله ابدمع مسكوب

طبت لعد خيمتها

اوعلى ابنيها گلبها ايلوب

يا مَنْ سدّرت (يوسف)

من سجنه لعد يعگوب

يا معبود ردّ ابني

منّه لا تخيبني

يلاهي تعلم ابحزني

ما عندي ولد غيره

واريد ادلّل ابجاله

استجاب الله دعه ليله

اوجندل بكر بن غانم

جاب الراس بيمينه

اوعوّد للخيم باسم

تلگّه احسين مدلوله

اودمعه امن الفرح ساجم

يشمه اوليه يتفكّر

يگله والگلب مستر

لمـّك روح يالأكبر


عليك اموجله يبني

اومنها العين همّاله

أريدن جايزه ايگله

منك (شربة اُمّيّه)

آه آه! يعزّ والله عليك يا أبا عبد الله هذا الطلب ولا تستطيع أن تجيبه عليه

بعد ما شوف بعيوني

يبويه لحگ اعليه

يگله امنين اجيب الماي

وتلهّف على ابنيه

حچيك مرد دلالي

يلكبر واشدهت بالي

رد للحرب يالغالي

اوجدّك لا بد ايروّيك

من العذب وازلاله(1)

(أبو ذيّه)

يبويه اشلون [بيّه] وصل ورداك

وصل ليه وسدر لك قطع ورداك

من الكوثر ينور العين ورداك

ونسه الدنيه غدت ظلمه عليه

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

قال تعالى في كتابه العزيز:( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (2) .

____________________

(1) منهل الشرع 1 / 155.

(2) سورة البقرة / 186.


قبل أن نشرع في تفسير الآية الكريمة لا بدّ من مقدّمة، وهي أنّ المصدر الأساسي الذي نستخرج منه الحكم الشرعي هو القرآن والسنة؛ فالقرآن المصدر الأوّل الذي يبيّن لنا الأحكام الشرعيّة وإن كان بشكل إجمالي.

وأما الأحاديث فتبيّن لنا الأحكام بشكل تفصيلي كما قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (1) ، أو قال تعالى:( وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (2) ، أو قال:( أَقِيمُوا الصَّلاَةَ ) (3) ، أو قال تعالى:( ادْعُوا ) .

فهذه الأوامر الموجودة في الآيات من وجوب الصيام والحج، والصلاة والدعاء لا تفيد إلاّ الوجوب بشكل إجمالي، فكيف نصوم؟ وإلى متى؟ وعن ماذا نمتنع؟ فالتفصيل موكّل إلى روايات آل البيت (عليهم السّلام)؛ فهم يُبيّنون التكاليف بشكل مفصّل؛ فهم مع القرآن كما جاء في وصية رسول الله (صلّى الله عليه وآله):« إنّي تارك فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » (4) .

فيجب العمل والأخذ من القرآن وأهل البيت (عليهم السّلام) معاً.

وفي هذه الآية يقول الله تعالى:( إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي ) شرط السؤال، فلا يمكن أن يقول الإنسان: الله أعلم بحالي من دون دعاء، فالله يحبّ أن يسمع صوت عبده وإلحاحه في المسألة، ولعلّ الإجابة في بعض الأحيان تكون مشروطة بالسؤال، والسؤال هو الدعاء، لكن للدعاء شروط

____________________

(1) سورة البقرة / 183.

(2) سورة آل عمران / 97.

(3) سورة البقرة / 43.

(4) وسائل الشيعة 27 / 34، بحار الأنوار 23 / 106.


كما بيّنها أهل البيت (عليهم السّلام). والآن ما هو الدعاء؟

الدعاء

هو طلب من الداني إلى العالي، فهو طلب الإنسان من ربّه.

أما أهمية الدعاء

فليس كما يظنّ أنّ الدعاء هو للحوائج فقط، بل للدعاء أهمية كبيرة نذكر منها:

الدعاء عبادة

كما جاء في الحديث:« الدعاء مخّ العبادة » (1) ، وجاء في كتاب الله:( ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (2) ، فدخول النار لا يكون إلاّ لتارك العبادة، أي العاصي.

الدعاء سلاح المؤمن

كما ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله):« الدعاء سلاح المؤمن » (3) .

السلاح هو الوسيلة الّتي يستخدمها الإنسان للمواجهة مع الأعداء، فدعاء المؤمن خصوصاً المظلوم عند الله مستجاب كما جاء في كتاب الله تعالى:( إنّي مَغْلُوبٌ

____________________

(1) وسائل الشيعة 7 / 28، عدة الداعي / 40، إرشاد القلوب 1 / 148.

(2) سورة غافر / 60.

(3) الكافي 2 / 468، وسائل الشيعة 7 / 39، الجعفريات / 222.


فانْتَصِر ) (1) .

وجاء في الحديث:« إيّاكم ودعوة المظلوم؛ فإنّها تُرفع فوق السحاب حتّى ينظر الله عزّ وجلّ إليها فيقول: ارفعوها حتّى أستجيب له. وإيّاكم ودعوة الوالد؛ فإنّها أحدُّ من السيف » (2) .

الدعاء يربي النفوس

كما جاء في الصحيفة السجّادية عن الإمام زين العابدين (عليه السّلام) في دعاء يوم الإثنين:« اللّهمّ إنّي استغفرك لكلّ نذر نذرته، وكلّ وعد وعدته، وكلّ عهد عاهدته ثمّ لم أفِ به. وأسألك في حمل مظلوم العباد عنّا، فأيّما عبد من عبيدك، أو أمة من إمائك كانت له قبلي مظلمة ظلمته إيّاه في نفسه، أو في عرضه، أو في ماله، أو في أهله وولده، أو غيبة اغتبته بها... » (3) ، إلى آخر الدعاء.

فنأخذ الدروس من هذه الأدعية على أن لا نظلم ولا نغتاب، وأن لا نعهد وننكس العهد كما فعلوا بالإمام الحسين (عليه السّلام)، فمن خلال هذه الأدعية نربّي النفوس على أن لا نفعل هذه الأعمال.

الدعاء والفوائد العلميّة

كما في دعاء زين العابدين (عليه السّلام) في التسبيحات حيث عرفنا أنّه يوجد للظلمة والنور وزن مثقال، حيث قال:« سبحانك تعلم وزن الظلمة والنور! سبحانك تعلم وزن الفيء والهواء! سبحانك تعلم وزن الريح كم هي من مثقال ذرّة! سبحانك قدوس قدوس قدوس! سبحانك عجباً لمـَنْ عرفك كيف

____________________

(1) سورة القمر / 10.

(2) الكافي 2 / 509، وسائل الشيعة 7 / 128.

(3) بحار الأنوار 87 / 176، البلد الأمين / 116، مصباح الكفعمي / 113.


لا يخافك؟! سبحانك اللّهمّ وبحمدك! سبحان الله العلي العظيم! » (1) .

فقبل أن يعرف العالم (انشتاين) أنّ هناك وزناً للظلمة والنور جاءت الأدعية لتفيدنا بذلك قبل مئات السنين.

الدعاء يعطينا العقائد

كما في الدعاء:« لا إله إلاّ الله إلهاً واحداً » (2) . فهذا التوحيد،« ولا أخشى إلاّ عدله » (3) . فهذا العدل« وأشهد أنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) عبدك ورسولك » (4) . فهذا في النبوّة، وأمّا الإمامة ففي دعاء الندبة قال:« مَنْ كنت مولاه فهذا علي مولاه » (5) . فنستفيد من الدعاء وحدانية الله وعدله، والنبوّة والإمامة.

أما شروط الدعاء

توجّه الدّاعي إلى ربّ العالمين، وحسن الظنّ به، والأمل في استجابة الدعاء، وقضاء الحوائج.

الصلاة على محمّد وآل محمّد

البدء بالبسملة ثمّ الصلاة على محمّد وآل محمّد والختم بها، جاء في الحديث:« إذا دعا أحدكم فليبدأ بالصلاة على محمّد وآل محمّد، يقول: افعل

____________________

(1) بحار الأنوار 83 / 226.

(2) بحار الأنوار 83 / 43.

(3) بحار الأنوار 87 / 164.

(4) التهذيب 3 / 143.

(5) الكافي 1 / 420.


فيّ كذا وكذا؛ فإنّ العبد إذا قال: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى أهل بيته استجاب له، فإذا قال: افعل بي كذا وكذا كان أجود من أن يردّ بعضاً ويستجيب بعضاً » (1) .

الإقبال بالقلب وتيقّن الإجابة

كما جاء عن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام):« فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثمّ تيقّن الإجابة » (2) .

التوسّل بأقرب وأفضل خلق الله

كما جاء في الكتاب العزيز:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (3) . وفي آية اُخرى:( للهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (4) .

يقول الإمام الصادق (عليه السّلام):« نحن والله الوسيلة، نحن والله الأسماء الحسنى الذي لا يقبل من أحد إلاّ بمعرفتنا، قال: فادعوه بها » (5) .

فمَنْ أقرب إلى الله من أهل البيت (عليهم السّلام)؟ فينبغي التوسّل بهم إلى الله في كلّ حاجة في السرّاء والضرّاء خصوصاً في الصراع مع الأعداء. جاء في إحدى الزيارات:« فاز مَنْ تمسّك بكم، وأمن مَنْ لجأ إليكم » (6) .

فالدعاء مع مثل هذا التوسّل يكون السلاح الأقوى

____________________

(1) مستدرك الوسائل 5 / 225.

(2) الكافي 2 / 472، الوسائل 7 / 53.

(3) سورة المائدة / 35.

(4) سورة الأعراف / 180.

(5) بحار الأنوار91 / 6 الباب 28.

(6) التهذيب 6 / 97.


على الأعداء كما حصل لليلى(1) اُمّ علي الأكبر.

ذكر أرباب المقاتل أنّه لمـّا قُتل أصحاب الحسين (عليه السّلام) ولم يبقَ معه إلاّ أهل بيته، تقدّم إليه ولده علي الأكبر(2) فاستأذنه للبراز، وكان علي الأكبر من أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً، فنظر إليه الحسين (عليه السّلام) وأرخى عينيه بالدموع وأطرق برأسه إلى الأرض؛ لئلاّ يراه العدو ويشمت به، فقال له الحسين:« ولدي علي، إليّ أودّعك وتودّعني، أشمّك وتشمّني » .

فتعانقا حتّى غُشي عليهما، فلمـّا أفاق الحسين (عليه السّلام) رفع رأسه مشيراً بسبابته إلى السماء وقال:« اللّهمّ اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى هذا الغلام. اللّهمّ امنعهم بركات الأرض، وفرّقهم تفريقاً، ومزّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضِ الولاة عنهم أبداً؛ فإنّهم دعونا لينصرونا ثمّ عدوا علينا يُقاتلوننا » .

ثم صاح بعمر بن سعد:« ما لك! قطع الله رحمك كما قطعت رحمي،

____________________

(1) ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي، زوجة الإمام الحسين (عليه السّلام)، والدة علي الأكبر، قد اختلف في وجودها في كربلاء.

(2) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، كُنيته أبو الحسن، اُمّه ليلى بنت أبي مرّة الثقفي.

ولد في المدينة في 11 شعبان سنة 33 هـ، استشهد يوم العاشر من محرّم سنة 61 هـ، ودفن عند رجلي أبيه (عليه السّلام) بكربلاء، وكان أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) خلقاً وخُلقاً ومنطقاً. لقّب بالأكبر تمييزاً له عن أخيه علي بن الحسين السجّاد (عليه السّلام) الذي وصفه المؤرّخون بعلي الأصغر.

استشهد علي الأكبر (عليه السّلام) على يد مرّة بن منقذ العبدي؛ حيث اعترضه وطعنه بالرمح فصرعه، والتفّ عليه الناس فقطّعوه بأسيافهم. ورد سلام عليه في الزيارة:« السلام على أوّل قتيل من نسل خير سليل... » أعيان الشيعة 8 / 206، اللهوف / 49، الإقبال / 48، مقاتل الطالبين / 115، مثير الأحزان / 68.


ولا بارك الله لك في أمرك، وسلّط الله عليك مَنْ يذبحك على فراشك » (1) .

فكأنّما علم علي الأكبر الرخصة من أبيه، فحمل على القوم وهو يرتجز ويقول:

(حدي)

أنا علي بن الحسين بن علي

نحن وبيت الله أولى بالنبي

أضربكم بالسيفِ أحمي عن أبي

ضربَ غلامٍ هاشمي علوي

وجعل يُقاتل القوم مقاتلة الأبطال حتّى قتل على عطشه مئة وعشرين فارساً، هذا والحسين (عليه السّلام) واقف على باب الخيمة وليلى تنظر في وجهه تراه يتلألأ نوراً وسروراً بشجاعة ولده علي، حتّى برز إليه بكر بن غانم فتغيّر لون وجه الحسين (عليه السّلام)، فقالت له ليلى: سيدي، أرى لون وجهك قد تغيّر، هل اُصيب ولدي بشيء؟

فقال لها:« لا يا ليلى، ولكن برز إليه مَنْ أخاف منه عليه. يا ليلى، ادعي لولدك؛ فإنّ دعاء الوالدة بحقّ ولدها مُستجاب » .

دخلت ليلى إلى الخيمة، نشرت شعرها، رفعت يديها إلى السماء وقالت: إلهي، بغربة أبي عبد الله، إلهي بعطش أبي عبد الله، يا راد يوسف إلى يعقوب اردد إليّ ولدي علياً.

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 42، اللهوف / 49، مثير الأحزان / 68 - 69.


(نعي مجاريد)

طبّت الخيمتها الغريبه

تبچي أو على ابنيها امريبه

والگلب ناره ايشب لهيبه

أو فرّعت والدمعه سكيبه

وتوسّلت لله ابحبيبه

أو بالحسين وشما بيه مصيبه

يا راد يوسف من مغيبه

اليعگوب ومسكّت نحيبه

أريدن علي سالم تجيبه

فاستجاب الله دعاء ليلى، ونصر علياً على بكر بن غانم فقتله وضرب رأسه وجاء به يحمله إلى أبيه وهو ينادي: العطش قد قتلني، وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة ماء من سبيل أتقوّى بها على الأعداء؟

قال له الحسين (عليه السّلام):« ولدي علي، هذا لساني خذه ضعه في فمك علّك تجد فيه شيئاً من الماء » .

وضع الحسين (عليه السّلام) لسانه في فم ولده علي، فصاح: والدي، لسانك والله أجفّ من لساني.

(نصاري)

يبويه شربة اميه الچبدي

اتگوه ورد للميدان وحدي

يبويه فطر چبدي وحگ جدّي

العطش والشمس والميدان والحر

(نعي مجاريد)

يگله سهله يبويه طلبتك هاي

لكن يعگلي اوماي عيناي

امنين أجيبن شربة الماي

والعطش مثلك يبس احشاي


« بُني علي، اصبر قليلاً يسقيك جدّك المصطفى بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً. بُني علي، ادخل على اُمّك أدركها قبل أن تموت؛ فإنّها مُغمى عليها في الخيمة » .

فأسرع علي الأكبر نحو اُمّه، فلمـّا وصل إليها نزل عندها، أخذ رأسها ووضعه في حجره، ونضحها بدموع عينيه، فتساقطت قطرات من دموعه على خد اُمّه، فأفاقت قائلة: ولدي علي! قال: بلى يا أمّاه فداك ولدك! فقالت: مرحباً بك يا نور عيني، يا ثمرة فؤادي.

ولدي علي، اُريد منك أن تتقدّم أمامي وتتخطّى في هذه الخيمة لأتنوّر من النظر إلى قوامك الشبيه بقوام جدّك المصطفى. فقام بين يديها يتخطّى في تلك الخيمة وهي تنظر إليه.

(نصاري)

گام اگبالها ينگل اجدامه

وهي اتعاين لعد نصّت الگامه

يبعد أهلي تگله بالسلامه

عسن دايم يروحي أولبة احشاي

فرجع علي الأكبر وجعل يُقاتل الأعداء حتّى قتل تمام المئتين.

قال حميد بن مسلم: كنت واقفاً وبجنبي مرّة بن منقذ التميمي(1) ، وعلي بن الحسين يشدّ على القوم يمنة ويسرة فيهزمهم، فقال مرّة: عليّ آثام العرب إن مرّ

____________________

(1) مرّة بن منقذ التميمي بن النعمان العبدي، اشترك في حرب الجمل مع الإمام علي (عليه السّلام) وكانت معه راية أهل الكوفة، خرج مع جيش عمر بن سعد لقتال الإمام (عليه السّلام)، وقام بطعن علي الأكبر فصرعه. طلبه المختار بعد خروجه في الكوفة سنة 66 هـ، فأرسل إليه جماعة مع عبد الله بن كامل فخرج إليهم وقاتلهم، واجتمع عليه أصحاب ابن كامل فقتلوه.

ورد لعنه في الزيارة:« حكم الله لك على قاتلك مرّة بن منقذ بن النعمان العبدي لعنه الله وأخزاه ». الإقبال / 49، مثير الأحزان / 69، تاريخ الطبري 3 / 48 و 331، مقتل الحسين - لأبي مخنف / 164.


بي هذا الغلام ولم أثكل به أباه.

ومرّ بنا علي الأكبر وهو يطرد كتيبة أمامه، فطعنه برمحه فانقلب على قربوس سرج فرسه واعتنق الفرس، فحمله الفرس إلى مخيّم الأعداء، ومن كثرة الدماء الّتي سالت على عيني الفرس أضاع الطريق فحمل علياً الأكبر إلى معسكر الأعداء، فاحتوشوه وقطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً(2) .

ولمـّا بلغت روحه التراقي نادى: أبه عليك منّي السلام، هذا جدّي رسول الله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً(3) .

قالت سكينة: لمـّا سمع أبي صوت علي أخذ تارة يقوم واُخرى يجلس وهو يقول:« وا ولداه! » . ثمّ انحدر إليه الحسين (عليه السّلام) ومعه أهل بيته حتّى وقف عليه، رآه مقطّعاً بالسيوف إرباً إرباً، فقال:« قتل الله قوماً قتلوك يا بني! ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول! » .

ثمّ استهلت عيناه بالدمع وقال:« ولدي علي، على الدنيا بعد العفا! أمّا أنت فقد استرحت من همّ الدنيا وغمّها وبقي أبوك لهمّها وكربها » .

(دكسن)

يبويه من عدل راسك ورجليك

أو من غمّض اعيونك واسبل ايديك

ينور العين كل سيف الوصل ليك

گطع گلبي أو لعند احشاي سدّر

____________________

(1) مقاتل الطالبيِّين / 115، الفتوح: 5 / 130، الكامل في التاريخ 4 / 74.

(2) اللهوف / 49، مقاتل الطالبيِّين / 116.


يبويه من سمع يمك ونينك

وعند الموت من غمّضت عينك

للعشرين ما وصلن اسنينك

أو حاتفني عليك الدهر الگشر

عندها خرجت من الخيمة امرأة وهي تنادي: وا حبيباه! وابن أخاه! فسألوا عنها فقيل لهم: هي عمّته زينب(1) ، جاءت إلى علي الأكبر تقلّبه يميناً ويساراً.

شاهد منه الحسين (عليه السّلام) شيئاً عجيباً يلفت النظر؛ رآه بين التبسم والبكاء، فسأله عن ذلك قائلاً:« بُني، أراك بين حالتين؛ بين فرح وحزن، فما هو الباعث يا نور عيني يا ولدي؟! » .

فقال له: يا أبتاه، أمّا تبسّمي فإنّي إذا نظرت إلى هذه الجهة أرى جدّي رسول الله وبيده الكأس الذي وعدتني به؛ وأمّا بكائي فإنّي إذا نظرت إلى هذه الجهة أرى جدّتي الزهراء جالسة إلى جنبي تنظر إلى جراحاتي ثمّ تنظر في وجهك، فكلّما رأت دموعك جارية لطمت وجهها. ثمّ شهق شهقة عميقة وخرجت روحه الطاهرة.

(دكسن)

يبويه اشلون ما تبچي الزچيه

وگطع يبني الدهر وصلك عليه

يبويه جدّك وجدتك هيه

اعتنوا لي يعزّوني على فگدك

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 43 - 44 مع اختلاف يسير، تاريخ الطبري 7 / 358، الكامل في التاريخ 3 / 293، اللهوف / 39، مقاتل الطالبيِّين / 115.


(أبو ذيّه)

شافه والنبل شابچ علي راح

هوه فوگه أو صفج راح على راح

صاح ابصوت يا زينب علي راح

يخويه اظلمـّت الدنيه عليه

(تخميس)

أفاطم لو خلتِ الحسين مجدّلاً

وقد ماتَ عطشاناً بشطِّ فراتِ

إذن للطمتِ الخدَّ فاطمُ عنده

وأجريتِ دمعَ العينِ في الوجناتِ

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم. إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا آل بيت محمّد أيّ منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.

نسألك اللّهمّ وندعوك باسمك العظيم الأعظم، الأعزّ الأجل الأكرم، يا محمود بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ علي، يا فاطر السماوات والأرض بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن، يا قديم لإحسان بحقّ الحسين (عليه السّلام) عجّل فرج وليك الحجّة المنتظر المهدي (عجّل الله فرجه)، وأنجز له ما وعدته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه.

الإخوة الحاضرون تقبّل اللّهمّ عملهم


بأحسن القبول، اقضِ حوائجهم بحقّ محمّد وآل محمّد، اجعل قلوبهم وديارهم عامرة بذكر محمّد وآل محمّد، ارزقهم شفاعة محمّد وآل محمّد، اغفر لهم بحقّ محمّد وآل محمّد، واحشرهم مع محمّد وآل محمّد.

أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمّد وآل محمّد (صلّى الله عليه وآله).



المجلس التاسع

1 - القصيدة: شهد الطغاة بعمّه.

2 - الموضوع: القاسم بن الحسن (عليه السّلام).

3 - الترجمة: رملة.

القاسم.

عمر بن سعد الأزدي.

4 - المصيبة: شهادة القاسم.



عظّم الله أجوركم يا بقيّة الله، يا صاحب العصر والزمان، بمصابكم بجدّكم أبي عبد الله الحسين وآل بيته وأصحابه.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، صلّى الله عليك وعلى آلك المظلومين، لعن الله الظالمين لكم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساكبة، ويا عبرة كلّ مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتك لك الفدا يا شهيد كربلا، ويا قتيل العدا، ومسلوب العمامة والردا. ما خاب مَنْ تمسّك بكم، وأمن مَنْ لجأ إليكم، يا ليتنا كنّا معكم سادتي فنفوز والله فوزاً عظيماً.

شهدَ الطغاةَ بعمّهِ قد أحدقوا

مثل النواهسِ(1) كلّهم لقطاءُ (2)

وسيوفَهم مشهورةً من حوله

وعلى السيوفِ نذالةٌ وعداءُ

فتحرّكت روحُ الإباءِ كأنّها

في جانحيهِ عواصفٌ هوجاءُ (3)

واستلَّ سيفاً صارماً بيمينهِ

فيهِ لأوجاعِ الرؤوسِ دواءُ

____________________

(1) النهس: هو العض على الشيء وأخذه بمقدّم الأسنان.

(2) لقطاء: المنبوذون والمتروكون.

(3) الهوجاء: الّتي تقلع البيوت من شدّتها.


وبسيفهِ فلقَ الرؤوسَ فلم يجد

إلاّ الفراغَ وكلّها جوفاءُ

فتكاثروا والخوفُ هزّ قلوبَهم

وأتتهُ منهم ضربةٌ نكراءُ

صرخَ الفتى متألّماً مستنجداً

عمّاه قد ذبحتني الأعداءُ

هبَّ الحسينُ إلى الغلامِ كأنّهُ

بركانُ نارٍ عجَّ فيهِ فضاءُ

فبرى ذراعَ المعتدي في ضربةٍ

هي والجحيمُ على الخبيثِ سواءُ

ثمّ انحنى فوقَ الفتى ودموعُهُ

تجري وقد ذابت بهِ الأحشاءُ

ناداه يابنَ أخي وفلذةَ مُهجتي

لكَ نورُ عيني والفؤادُ فداءُ

ويعزُّ يابنَ أخي عليّ بأنْ أرى

فيكَ المصابَ ولا يُجابُ نداءُ

بُعداً لمـَنْ جاروا عليكَ وخصمُهم

يومَ القيامةِ اُمّكَ الزهراءُ

(أبو ذيّة)

گلب احسين على القاسم محنه

يعمّي ابموتتك زادت محنه

شاله احسين وبدمّه محنه

آه شلون حال أمه الزچيه

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العي العظيم.

قال الله تعالى في كتابه العزيز: ( وَلاَ تَقُولُوا لمـَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ ) (1) .

____________________

(1) سورة البقرة / 154.


الله تعالى جعل لكلّ إنسان حياة وموتاً، فما من أحد يأتي إلى عالم الدنيا إلاّ وله يوم يُتوفّى فيه مهما تعدّدت أسباب هذه الوفاة، إلاّ أنّ حياة كلّ إنسان وموته تختلف عن حياة إنسان آخر وموته.

نوعيّة الناس

إنّ هناك نوعيّة من الناس تبدأ حياتها من حين الولادة وتنتهي عند حدود القبر، ولا تترك أثراً على المجتمع من حولها، وموتها لا يُؤثّر ولا يُغيّر شيئاً من الواقع.

وإنّ هناك نوعيّة اُخرى من الناس تبدأ حياتها منذ ولادتها، ولكن هذه الحياة لا تنتهي عند حدود القبر بل تستمر؛ لأنّ هذه النوعيّة سخّرت كلّ إمكاناتها وطاقاتها وكلّ ما تملك وحتى روحها من أجل حياة اُمّة بأكملها.

فالاُمّة ومصالحها تحتلّ قسماً كبيراً من حياة هذه النوعيّة؛ لذلك فحياتها مشاعل للأمّة؛ لأنّها نذرت نفسها لخدمة الناس وفي سبيل الله.

صحيح إنّ هذه النوعيّة من الناس قد ماتت وغُيّبت تحت التراب، لكنّها بقيت حيّة بحياة الأمّة؛ لأنّها أعطتها الحياة بتاريخها وحركتها؛ لذلك ليس صحيحاً أن نقول: إنّ الشهداء أموات. وليس صحيحاً أن نقول: إنّ الذين قدّموا أرواحهم وأعطوا الأمّة الوجود والعزّة والكرامة أموات، وكتاب الله تعالى يصدح بالقول: ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (1) .

____________________

(1) سورة آل عمران / 169.


الحسين (عليه السّلام) حيّ باقٍ

عندما نقف أمام ثورة أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) الّتي انطلقت منذ سنة 61 للهجرة في العاشر من المحرّم، نلاحظ أنّها لم تنته، بل استمرت حتّى يومنا الحاضر، وستستمر إلى أن يأذن الله تعالى بقيام الساعة، فمَنْ منّا يقول: إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) قُتل؟ ومَنْ منّا يقول: إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) غاب؟ الإمام الحسين (عليه السّلام) لم يمُت؛ لأنّه بقي حيّاً بحياة الأمّة.

مَنْ يقول: إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) استطاعت الفئة الباغية من طغاة بني اُميّة أن تتغلّب عليه؟ إنّه باقٍ في شعارات الأمّة ووجدانها وضميرها.

الحوراء زينب باقية

مَنْ يقول: إنّ زينب (عليها السّلام) قد ماتت؟ بل قد أصبحت رمزاً للصبر والثبات وللإيمان العظيم وللتضحية.

مَنْ يقول: إنّها (عليها السّلام) غير حاضرة في وجدان وضمير الاُمّة؟! إنّها حيّة، وإلاّ لم يكن عندنا زينبيات يسرنَ على خُطى الحوراء (عليها السّلام).

الاُمّة مستمرة على خطّ الحسين (عليه السّلام)

الاُمّة الّتي انطلقت مع الحسين (عليه السّلام) من كربلاء، واستمرت بالحسين (عليه السّلام) وبأصحاب الحسين (عليه السّلام) وأتباعه وبالشهداء على خُطاه اُمّة باقيّة بإذن الله مهما كثر عدد المتآمرين والمتخاذلين والمنافقين من حولها.

والاُمّة الّتي تخطّ تاريخاً بدماء شهدائها هي الّتي تدخل التاريخ من بابه الواسع، والاُمّة الّتي


تُضحي برجالها ونسائها، بصغيرها وكبيرها هي الاُمّة الحيّة، وبحياتها يحيا الشهداء ولا يموتون، ولنا بأهل البيت (عليهم السّلام) اُسوة حسنة.

الاُمّة المتخاذلة

الاُمّة المتخاذلة الّتي لا تعرف كيف تكتب تاريخها بدمائها وبدماء شهدائها هي الاُمّة المندثرة والمضمحلّة.

حضور المجتمع المؤمن مع الحسين (عليه السّلام)

عندما نعيش مع الإمام الحسين (عليه السّلام) في ثورته نرى فيها الأمّة بأجمعها، فالشيخ والشاب، والمرأة والغلام، وحتى الطفل كانوا حاضرين في كربلاء.

فحضور الشيوخ والشباب والنساء والفتية والأطفال في كربلاء يعني أن لا يقول شيخ أو امرأة أو فتى أو طفل: أنا لا أقدر أن أفعل شيئاً. لا، فالكلّ قادر على المشاركة في إحياء الاُمّة.

الجهاد في كربلاء لم يسقط حتّى عن الغلام اليتيم

الإمام الحسين (عليه السّلام) لم ينكر الجهاد حتّى على غلام لم يبلغ الحلم، وهو ابن أخيه القاسم (عليه السّلام) (1) . هذا الغلام عندما رأى عمّه يخرج من المخيّم منادياً:

____________________

(1) القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، أمّه رملة، جاء مع عمّه الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى كربلاء. جاء إلى عمّه يستأذنه للقتال، فلمـّا رآه الإمام (عليه السّلام) اعتنقه وبكى، ولم يأذن له، فألحّ عليه فأذن له.

ضربه عمرو بن سعد بن نفيل على رأسه بالسيف فقتله. ورد السلام عليه في الزيارة:« السلام على القاسم بن الحسن، المضروب هامته » الإقبال / 49 - 50، منتهى الآمال 1 / 680، مقاتل الطالبيِّين / 93، الإرشاد 2 / 107 - 108.


« هل من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله؟ هل من موحّد يخاف الله فينا؟ هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا » (1) . خرج ينادي: لبيك عمّ أبا عبد الله.

أقبل الحسين (عليه السّلام) إليه، ضمّه إلى صدره، وقال له: « يابن أخي، أنت البقيّة من أخي الحسن، فلا أحبّ أن أعرضك لضرب السيوف » .

قال: يا عم، لقد ضاق صدري، وهذه وصية والدي الحسن مكتوب فيها: « بُني قاسم، إذا رأيت عمّك الحسين (عليه السّلام) وحيداً فريداً فلا تُقصّر عن نصرته » .

فضمّه الحسين (عليه السّلام) إلى صدره وبكيا طويلاً، وقال:« بُني، قد أذنت لك » .

فأقبل القاسم إلى اُمّه فرحاً مسروراً، وهو يقول: يا أمّاه يا أمّاه، إنّ عمّي قد أذن لي. فضمّته رملة(2) إلى صدرها.

بعض الروايات تقول: إنّ رملة بنفسها ألبست لامة الحرب لابنها القاسم ليُقاتل بين يدي أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام). فانطلق القاسم إلى المعركة، وتساءل الأعداء عن شخصية هذا الغلام، فبدأ يرتجز ويقول:

إن تنكروني فأنا نجل الحسنْ

سبط النبي المصطفى والمؤتمنْ

هذا حسينٌ كالأسير المـُرتهنْ

بين اُناسٍ لا سُقوا صوب المزنْ

يقول حميد بن مسلم: خرج إلينا القاسم وبيده سيفه، وجهه كفلقة قمر طالع، وعليه قميص وإزار، وفي رجليه نعلان.

____________________

(1) اللهوف / 50، مقتل الخوارزمي 2 / 32، تاريخ الطبري 7 / 36.

(2) في طبقات ابن سعد: رملة زوجة الإمام الحسن (عليه السّلام)، واسمها نفيلة، وهي اُمّ القاسم وأبي بكر وعبيد الله الذين استشهدوا في واقعة الطفّ بكربلاء مع عمّهم الإمام الحسين (عليه السّلام). طلائع الشهداء / 45.


وفي ذلك يقول حميد بن مسلم: لو تصفّحت التاريخ لما وجدت غلاماً كهذا، يبرز إليه سبعون رجلاً وعليه قميص وإزار، والحالة أنّ العرب كانوا لا يبرزون إلاّ بعد الاستعداد ولبس الدروع والمفاخر، حتّى إنّ الرجل منهم كان لا يُعرف لكثرة ما عليه من الحديد ومن لامة الحرب، ولا يُرى منه إلاّ عيناه، والقاسم بن الحسن (عليه السّلام) برز يوم عاشوراء إلى الأعداء وعليه قميص وإزار، فأين هذا من ذاك؟!

وأعجب من هذا أنّ القاسم لعدم مبالاته بكثرة الأعداء انقطع شسع نعله، ووقف بين تلك الجموع يشدّه، وبينما هو كذلك إذ بدر إليه لعين من أعداء الله وهو عمر بن سعد بن نفيل الأزدي (1) وقال: عليّ آثام العرب إن لم أثكل به اُمّه وعمّه.

فقال له حميد: أما ترى وجهه كفلقة قمر؟ دعه يكفيك الذين احتوشوه. فقال: لا والله حتّى اضرب ضربتي. فما ولّى عدو الله حتّى ضرب مولانا القاسم على اُمّ رأسه فشقّ هامته نصفين... فهوى على الأرض منادياً: يا عمّاه أدركني!

فأتاه الحسين (عليه السّلام)، وإذا بالغلام يفحص بيديه ورجليه، فقال الإمام (عليه السّلام): « عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يُجيبك، أو يُجيبك فلا يُعينك، أو يُعينك فلا يُغني عنك. بعداً لقوم قتلوك، ومَنْ خصمهم يوم القيامة جدّك وأبوك! هذا يوم والله كثُر واتره، وقلّ ناصره » (2) .

____________________

(1) خرج مع جيش عمر بن سعد لقتال الإمام الحسين (عليه السّلام)، وقام بقتل القاسم بن الحسن (عليه السّلام) في كربلاء في العاشر من محرّم سنة 61 هـ.

ورد لعنه في الزيارة بعد السلام على القاسم بن الحسن (عليه السّلام):« ولعن قاتلك عمر بن سعد بن عروة بن نفيل الأزدي، وأصلاه جحيماً، وأعدّ له عذابا أليماً » الإقبال / 50، مثير الأحزان / 69، مقاتل الطالبيِّين / 93، تاريخ الطبري 3 / 331.

(2) تاريخ الطبري 4 / 331، اللهوف / 50، الإرشاد / 239، الإقبال / 49 - 50، معالي السبطين 1 / 454، أعيان الشيعة 1 / 608.


بچه اُوناداه يا جاسم اشبيدي

ياريت السيف گبلك حز وريدي

هان الكم تخلوني اوحيدي

أو على إخيمي يا عمّي الگوم تفتر

يعمّي اشگالت امن الطبر روحك

يجاسم ما تراويني اجروحك

لون ابگه يعمّي كنت أنوحك

ابگلب مثل الغضا وبدمع محمر(1)

يُقال: لمـّا سقط القاسم على الأرض مشى إليه الحسين (عليه السّلام) وقف عنده ودموعه جارية وحسراته وارية، وأنشأ يقول:

غريبونَ عن أوطانِهم وديارِهم

تنوحُ عليهم في البراري وحوشُها

وهل كيف لا تبكي العيونُ لمعشرٍ

سيوفُ الأعادي في البراري تنوشُها

بدورٌ توارى نورها فتغيّرت

محاسنُها تربُ الفلاةِ نعوشُها(2)

ثمّ نزل إليه ووضع صدره على صدر القاسم واحتمله إلى المخيّم ورجلاه تخطّان في الأرض خطّاً.

جاء بالقاسم إلى الخيمة الّتي فيها ولده علي الأكبر طرحه إلى جنبه (3) ،

____________________

(1) مجمع المصائب 1 / 162.

(2) معالي السبطين 1 / 454.

(3) معالي المدرستين 3 / 158، تاريخ الطبري 3 / 331، الإرشاد 2 / 102 - 103، مقاتل الطالبيِّين / 93.


وجعل ينظر تارة إلى وجه الأكبر وينحني عليه وينادي:« وا علياه! » . وينظر تارة اُخرى إلى وجه القاسم وينادي:« وا قاسماه! » .

(دكسن)

جابه ومدّده ما بين اخوته

وبچه عدهم يا ويلي وهم موتى

بس ما سمعن النسوان صوته

إجت رمله تصيح الله اكبر

كأنّي بأمّه رمله تقول:

(أبو ذيّة)

ردتك ما ردت دنيا ولا مال

تحضرني لو وگع حملي ولا مال

يجاسم خابت اظنوني والآمال

عند الضيق يبني اگطعت بيه

ربيتك أو عيني اعليك تربي

أو يحس بيك ليل انهار گلبي

يجاسم بيش أوچدّ بعد دربي

اوضوه عيوني طفاها الدهر واظلم

مبارك بين سبعين الف جابوك

عن الحنه بدم الراس حنوك

بدال الشمع بالنشاب زفوك

على راسك ملبس نبل ينثر

بنيّ قتلوك وما عرفوك


(تخميس)

ما كنتُ آملُ أن أبقى وأنتَ على

حرّ الصعيدِ ضجيعَ الصخرِ والحجرِ

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم. إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا آل بيت محمّد أيّ منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.

نسألك اللّهمّ وندعوك باسمك العظيم الأعظم، الأعزّ الأجل الأكرم، يا محمود بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ علي، يا فاطر السماوات والأرض بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن، يا قديم لإحسان بحقّ الحسين (عليه السّلام) عجّل فرج وليك الحجّة المنتظر المهدي (عجّل الله فرجه)، وأنجز له ما وعدته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه.

الإخوة الحاضرون تقبّل اللّهمّ عملهم بأحسن القبول، اقض حوائجهم بحقّ محمّد وآل محمّد، اجعل قلوبهم وديارهم عامرة بذكر محمّد وآل محمّد، ارزقهم شفاعة محمّد وآل محمّد، اغفر لهم بحقّ محمّد وآل محمّد، واحشرهم مع محمّد وآل محمّد.

أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمّد وآل محمّد (صلّى الله عليه وآله).


المجلس العاشر

1 - القصيدة: أبا صالح يا مدرك الثار.

2 - الموضوع: الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) والثأر.

3 - الترجمة: عبد الله الرضيع.

حرملة.

الرباب.

4 - المصيبة: شهادة عبد الله الرضيع.



عظّم الله أجوركم يا بقيّة الله يا صاحب العصر والزمان بمصابكم بجدّكم أبي عبد الله الحسين وآل بيته وأصحابه.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، صلّى الله عليك وعلى آلك المظلومين، لعن الله الظالمين لكم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

صلّى الله عليك يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساكبة، ويا عبرة كلّ مؤمن ومؤمنة.

روحي وأرواح شيعتك لك الفدا يا شهيد كربلا، ويا قتيل العدا، ومسلوب العمامة والردا. ما خاب مَنْ تمسّك بكم، وأمن مَنْ لجأ إليكم، يا ليتنا كنّا معكم سادتي فنفوز والله فوزاً عظيماً.

أبا صالح يا مدركَ الثار كم ترى

وغيضك(1) وارٍ غير أنّك كاظمهْ

وهل يملكُ الموتورُ صبراً وحوله

يروحُ ويغدو آمنُ السربِ غارمهْ

____________________

(1) غيظك وار: أي غضبك متّقد.


أتنسى أبيَّ الضيمِ في الطفِّ مُفرداً

تحومُ عليهِ للوداعِ فواطمهْ

أتنساهُ فوقَ التُربِ مُنفطرَ الحشا

تناهبهُ سمرُ الردى وصوارمهْ

ورُبَّ رضيع أرضعتهُ قسيّهُم

من النبلِ ثدياً درّه الثرُ فاطمهْ

فلهفي لهُ مذ طوّقَ السهمُ جيدَهُ

كما زيّنتهُ قبلَ ذاكَ تمائمهْ

ولهفي لهُ لمـّا أحسّ بحرِّهِ

وناغاهُ من طيرِ المنيّةِ حائمهْ

هفا لعناقِ السبطِ مبتسمُ اللمى(1)

وداعاً وهل غيرُ العناقِ يُلائمهْ

ولهفي على اُمّ الرضيعِ وقد دجا

عليها الدّجا والدوحُ ناحت حمائمهْ

تسللَ في الظلماءِ ترتادُ طفلها

وقد نجمت بين الضحايا علائمهْ

أقلّته بالكفينِ ترشفُ ثغرَهُ

وتلثمُ نحراً قبلها السهمُ لاثمهْ

____________________

(1) اللمى: سمرة الشفتين واللثاث.


بُنيَّ أفق من سكرةِ الموتِ وارتضعْ

بثدييكَ علّ القلبَ يهدأ هائمهْ

بُنيَّ فقد درّا وقد كضّكَ الظما

فعلّك يُطفى من غليلكَ ضارمهْ

بُنيَّ لقد كنتَ الأنيس لوحشتي

وسلواي إذ يسطو من الهمِّ غائمهْ(1)

(أبو ذيّة)

مياتم للحزن ننصب ونبني

فجعني حرملة بنبله ونبني

الطفل عادة يفطمونه ونبني

انفطم يا ناس بسهام المنيهْ

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (2) .( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ ) (3) .

إنّ أتباع كلّ الديانات على مرّ التاريخ يؤمنون بوجود مخلّص لهم في

____________________

(1) للشيخ محمّد تقي آل صاحب الجواهر - كربلاء / 397، المعتمد في العزاء / 226، مقتل الحسين (عليه السّلام) - للمقرّم / 397، مجمع المصائب 1 / 203.

(2) سورة القصص / 5.

(3) سورة الأنبياء / 105.


آخر الزمان ينقذهم من الظلم والجور، ويظهر العدل على يديه فينعمون في ظلّ العدل والمساواة ورغد العيش.

فالمسيحيون يقولون بخروج المسيح في آخر الزمان، والبوذيون يؤمنون ببوذا أنّه سيخلّصهم في آخر الزمان، حتّى اليهود يؤمنون بهذا المخلّص أيضاً، والمسلمون على اختلاف مذاهبهم يؤمنون بوجود المهدي (عجّل الله فرجه) حتّى لو اختلفوا حول شخصيته أو طبيعة غيابه وظهوره؛ فرسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) (1) يؤكّد لنا وجود هذا الإمام العظيم.

ولا بدّ لنا من التعرّف عليه حتّى لا نكون كأهل الجاهليّة نموت على غير دين الإسلام، فعنه (عليه السّلام): « مَنْ مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة » (2) .

وصرّح في أحاديثه الشريفة عن نسبه واسمه ومواصفاته ومنها: « لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يبعث الله فيه رجلاً من ولدي، يواطئ اسمه اسمي، يملؤها عدلاً وقسطاً كما مُلئت ظلماً وجوراً » (3) .

فقام سلمان وقال: من أيّ ولدك هو؟ فقال (صلّى الله عليه وآله): « من ولدي هذا » . وضرب بيده منكب الإمام الحسين (عليه السّلام).

مَنْ هو الإمام المهدي المنتظر (عجلّ الله فرجه الشريف)؟

فالإمام المنتظر (عجّل الله فرجه) هو شريك القرآن، سيف الله المسلول، وفلذة كبد البتول (عليها السّلام)، صاحب العصر والزمان (عجّل الله فرجه)، هو محمّد بن الحسن العسكري (عليه السّلام)، والإمام الثاني عشر من أئمّة الهدى وأعلام التّقى.

اُمّه نرجس، وهي من ذريّة

____________________

(1) سورة النجم / 3 - 4.

(2) بحار الأنوار 2 / 331 باب 8.

(3) الإرشاد 2 / 340، سيرة الأئمّة الاثني عشر 2 / 522، صحيح الترمذي.


شمعون وصي المسيح (عليه السّلام) وأبرز حوارييه، ولمـّا حملت بالإمام (عليه السّلام) لم تظهر عليها آثار الحمل، كان شأنّها كشأن اُمّ موسى (عليه السّلام)، فلمـّا ولد الإمام الحجّة (عليه السّلام) وقع على الأرض ساجداً أو كهيئة الساجد، فرفعته عمّته حكيمة، فإذا به طاهر ونظيف، فأخذته إلى أبيه الحسن العسكري (عليه السّلام)، فمسح بيده على سمعه وبصره قائلاً له: « تكلّم يا بُني » .

عندها قال: « أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمداً رسول الله (صلّى الله عليه وآله) » . ثم صلّى على كلّ الأئمّة بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى أن وصل إلى ذكر اسمه فأحجم عن الكلام، وتلا الآية الكريمة: ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (1)(2) .

عصر ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

وتميّز العصر الذي ولد فيه الإمام (عليه السّلام) بشدّة الأذى على أهل البيت (عليهم السّلام)، ومراقبتهم وقلّة ولدهم؛ لذا كان الإمام العسكري (عليه السّلام) يبالغ في ستر ولده المهدي (عليه السّلام) وفي إبعاده عن أعين الناس؛ لأنّه وليده الوحيد، والحجّة على العباد من بعد أبيه (عليه السّلام) الذي انتقل إلى جوار ربّه والمهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) له من العمر خمس سنوات على بعض الروايات، فانتقلت إليه الإمامة؛ الأمر الذي أغاظ الذي كان يلقّب بجعفر الكذّاب؛ لأنّه ادّعى الإمامة لنفسه زوراً وبهتاناً.

وبعد وفاة الإمام العسكري (عليه السّلام) تقدّم جعفر (3) للصلاة على الإمام (عليه السّلام)، وإذ بصبي بوجهه سمرة

____________________

(1) سورة القصص / 5.

(2) الإمام المهدي (عليه السّلام) من المهد إلى الظهور / 118.

(3) هو جعفر ابن الإمام علي بن محمّد الهادي (عليه السّلام)، وقد انحرف عن خطّ آبائه الطاهرين وسلك طريق الهوى، حيث رشّح نفسه للإمامة الكبرى والخلافة العظمى. الإمام المهدي من المهد إلى الظهور / 148.


يتقدّم ويأخذ برداء عمّه إلى الوراء وهو يقول: « تأخّر يا عمّ، فأنا أحقّ منك بالصلاة على أبي » .

فتأخّر جعفر من دون أن تبدو منه أيّة معارضة، وصلّى الإمام المهدي (عليه السّلام) (1) على والده، وكانت هذه هي المرّة الاُولى الّتي يظهر بها الإمام (عليه السّلام) أمام الناس.

ثمّ يُقال: إنّه نزل في سرداب وغاب عن الأبصار، فكانت هذه غيبته الصغرى، وسُمّيت بالصغرى؛ لأنّ الإمام فيها كان لديه السفراء (2) الذين يرعون شؤون الناس الموالين للإمام (عليه السّلام)، وللتوسّط بينهم وبينه.

وكانوا يُهيئون الناس ويعودونهم على مسألة غياب الإمام (عليه السّلام)، وحتى لا يؤدّي الاحتجاب المفاجئ إلى الإنكار المطلق لوجوده (عليه السّلام).

وبعد وفاة السفير الرابع(3) بدأت غيبة الإمام (عليه السّلام) الكبرى الّتي ما زالت مستمرة إلى أن يأذن الله له بالظهور في آخر الزمان.

وممّا جاء بشأنه (عليه السّلام) عن الإمام السجّاد (عليه السّلام):« في القائم منّا سنن من سنن الأنبياء؛ سنّة من آدم، وسنّة من نوح، وسنّة من إبراهيم، وسنّة من موسى، وسنّة من عيسى، وسنّة من أيوب، وسنّة من محمّد (صلّى الله عليه وآله).

فأمّا من آدم ومن نوح فطول العمر، وأمّا من إبراهيم فخفاء الولادة واعتزال الناس، وأمّا من موسى فالخوف والغيبة، وأمّا من عيسى فاختلاف الناس فيه، وأمّا من أيوب فالفرج بعد البلوى،

____________________

(1) بحار الأنوار 5 / 332، سيرة الأئمّة الاثني عشر 2 / 535، الإمام المهدي من المهد إلى الظهور / 150.

(2) هم: عثمان بن سعيد العمري، محمّد بن عثمان العمري، الحسين بن روح، علي بن محمّد السمري.

(3) وهو علي بن محمّد السمري، كانت وفاته سنة 329 هـ. سيرة الأئمّة الاثني عشر 2 / 544.


وأمّا من محمّد (صلّى الله عليه وآله) فالخروج بالسيف » (1) .

هذه السنن كلّها اجتمعت في إمام زماننا المهدي (عجّل الله فرجه) وآخرها سنّة جدّه (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّه سيخرج مُجرّداً قناته، شاهراً سيفه، ولن يكون من جنده إلاّ مَنْ أحسن انتظاره، ولا يكون هذا الانتظار بالجلوس جانباً وعدم العمل وعدم الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، ولكن بإصلاح أنفسنا ومجتمعنا، وإقامة حكم الله في الأرض، وطاعة ولي الأمر الذي أمرنا بإطاعته.

وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): « أفضل أعمال اُمّتي انتظار الفرج من الله عزّ وجلّ » (2) ؛ لذلك علينا التهيئة والتوطئة لهذا الظهور المبارك ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً؛ ليأخذ بثأر جدّه الحسين (عليه السّلام) من أعدائه الظالمين.

الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) واليوم الموعود

وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السّلام): « كأنّي بالمهدي في يوم العاشر من المحرّم الذي قُتل فيه جدّه الحسين (عليه السّلام)، فإذا ظهر وضع سيفه على عاتقه، ميكائيل عن يمينه، إسرافيل عن شماله، وجبرائيل ينادي بين السماء والأرض: ظهر المهدي من آل بيت محمّد (صلّى الله عليه وآله) » .

الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وكربلاء

وروي أنّه يأتي إلى أرض كربلاء فتجري دموع عينيه على خديه، فيقول:

____________________

(1) بحار الأنوار 52 / 217 باب 31، إكمال الدين، الإمام المهدي (عليه السّلام) من المهد إلى الظهور / 73.

(2) بحار الأنوار 52 / 128 باب 22.


« ما هذه الأرض الّتي أحزنتني؟ » . فيُقال له: « هذه أرض كربلاء الّتي قُتل بها جدّك الحسين ». فيأتي إلى المقام الذي دُفن فيه الحسين (عليه السّلام) فيقول:« السلام عليك يا جدّاه » . فيخرج صوت من داخل الضريح:« وعليك السلام يا ولداه، إلى الآن تأخّر ظهورك وقد كسرت الأعداء جناحي صدري! » .

ثمّ يحفر (عجّل الله فرجه) بسيفه عند قبر الحسين فيستخرج طفلاً صغيراً مذبوحاً، وهو جثّة بلا رأس، فيغضب (عجّل الله فرجه) ويقول:« يا ربّي، ما ذنب هذا الطفل؟ » .

نعم سيدي يا صاحب الأمر، هكذا كان نداء جدّك الحسين (عليه السّلام) في يوم عاشوراء، صاح:« يا قوم، قد قتلتم أخي وأولادي وأنصاري، وما بقي غير هذا الطفل (1) ، وهو يتلظّى عطشاً من غير ذنب أتاه إليكم، فاسقوه شربة من الماء » .

فاختلف المعسكر فيما بينهم؛ منهم مَنْ قال: إذا كان ذنب للكبار فما ذنب هذا الطفل؟ ومنهم مَنْ قال: اقتلوه ولا تبقوا لأهل هذا البيت باقية.

فلمـّا رأى ابن سعد ذلك صاح بحرملة (2) : ويلك يا حرملة! اقطع نزاع

____________________

(1) عبد الله بن الحسين (عليه السّلام) أمّه الرباب، قُتل على صدر والده الحسين (عليه السّلام) وعمره ستة أشهر، ولا يزال رضيعاً. ورد السلام عليه في الزيارة:« السلام على عبد الله بن الحسين الطفل الرضيع، المرمي الصريع، والمتشحّط دماً، المصعّد دمه في السماء، المذبوح بالسهم في حجر أبيه » الإقبال / 49، إبصار العين / 24 - 25.

(2) حرملة بن كاهل الأسدي، خرج مع عمر بن سعد لقتال الإمام الحسين (عليه السّلام)، فقام برمي عبد الله بن الحسن (عليه السّلام) وعبد الله بن الحسين الطفل الرضيع فأرداه قتيلاً، وبعد انتهاء المعركة قام بحمل رأس أبي الفضل العباس إلى الكوفة.

بعد خروج المختار في الكوفة قبض عليه أصحاب المختار وسلّموه إليه، فلمـّا نظر إليه المختار قال له: الحمد لله الذي مكّنني منك، فأمر بقطع يديه ورجليه، ثمّ اُحرق بالنار.

ورد لعنه في الزيارة بعد السلام على عبد الله الرضيع:« لعن الله راميه حرملة بن كاهل الأسدي وذويه » تذكرة الخواص / 253، إبصار العين / 25، الإقبال / 49، الأمالي - للطوسي / 238 - 233.


القوم. قال: فما أصنع؟. قال: ارم الطفل بسهم. فقال حرملة: فرأيت رقبته تلمع على عضد أبيه الحسين، فرميت الطفل بسهمي فذبحته من الوريد إلى الوريد، فلمـّا أحسّ الطفل الرضيع بحرارة السهم أخرج يديه من القماط واعتنق أباه، وجعل يرفرف كالطير المذبوح.

(دكسن)

نظر طفله ورگبته شلون مالت

حن ودمعته من العين سالت

يبويه من السهم روحك اشگالت

ذبح وعطش بويه ذگت الاثنين

فوضع الحسين (عليه السّلام) كفّه تحت منحر الرضيع، فلمـّا امتلأت دماً رمى به نحو السماء وقال (عليه السّلام): « هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين الله. اللّهمّ لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة صالح » . ثمّ رجع إلى المخيّم (1) .

يقولون: إنّ الحسين (عليه السّلام) كان يقف عند باب الخيمة ثمّ يرجع، يفعل ذلك أكثر من مرّة؛ لأنّ الرباب (2) اُمّ الرضيع كانت تنتظر ولدها وقد شرب الماء، فالإمام (عليه السّلام) لا يستطيع أن يدخل

____________________

(1) الكبريت الأحمر / 126، مصائب آل محمّد / 338، معالم المدرستين / 146، الكامل في التاريخ 4 / 75.

(2) الرباب بنت امرئ القيس بن عدي، زوجة الإمام الحسين (عليه السّلام)، وهي اُمّ ولده عبد الله الرضيع وسكينة، وكان الحسين (عليه السّلام) يقول كما في بعض الروايات:

لعمري إنّني لأحب داراً

تحلّ بها سكينة والربابُ

طلائع الشهداء / 458.


الخيمة ويخبرها بما جرى؛ لهذا عندما رأته أخته زينب (عليها السّلام) صاح: « اُخيّة زينب، ساعديني » .

أقبلت زينب (عليها السّلام)، فجعلا يحفران لهذا الرضيع، بينما هما كذلك وإذا بالرباب قد أقبلت تقول: سيدي أبا عبد الله، قف لي هنيئة حتّى اُودّع ولدي، دعني أقبّل ولدي:

ردوك يبني بسهم مفطوم

يالرحت عن الماي محروم

بعدك لحرّم لذّة النوم

واصبغ يعگلي سود الهدوم

وابچي عليك بگلب مألوم

يقولون: في ليلة الحادي عشر من المحرّم رأت الرباب في منامها أنّها تهزّ مهد ولدها، فانتبهت من نومها وإذا بها ترى المهد خالياً من ولدها.

في هذه الليلة افتقدت العقيلة زينب (عليها السّلام) الرباب، فأخذت تبحث عنها بين النساء فلم تجدها، توجّهت نحو المكان الذي دُفن فيه الطفل الرضيع، سمعت هناك أنيناً وحنيناً، أقبلت العقيلة زينب (عليها السّلام) نحوها، قالت لها: رباب، ما تصنعين هنا؟ قالت لها: سيدتي، عندما أباحوا لنا الماء وشربت منه درّ ثدياي عليّ فأوجعني صدري، فقلت: آتي إلى رضيعي لعلّي أجد فيه رمقاً من الحياة، لكنّه مذبوح من الوريد إلى الوريد.

جيت ارضع ابني الما شرب ماي

درّت يبت حيدر ثداياي

بلچت يزينب يسمع انداي

ويگوم روحي اولبّة احشاي

وكانت الفرصة مناسبة للحوراء (عليها السّلام) لتبث شكواها إلى أخيها الحسين (عليه السّلام):


(مجاريد)

أمسى المسه يحسين وحدي

أو متحيره وايدي اعلى خدي

بس الأطفال اتنوح عندي

يحسين يومك مرض چبدي

أو لا تنطفي نيران وجدي

يا ضوه اعيوني اوبدر سعدي

لون البچه يحسين يجدي

بالعين الك والروح لفدي

(أبو ذيّة)

الحرم خويه بهضم والضيم يحسين

من بعدك بحال الحرم يحسين

يخويه بگت بس نسوان يحسين

وانته موسّد الغبره رميه

(تخميس)

أأخي ما لك عن بناتك معرضاً

والكل منك بمنظر وبمسمع

لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم. إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا آل بيت محمّد أيّ منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.

نسألك اللّهم وندعوك باسمك العظيم الأعظم، الأعزّ الأجل الأكرم، يا محمود


بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ علي، يا فاطر السماوات والأرض بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن، يا قديم لإحسان بحقّ الحسين (عليه السّلام) عجّل فرج وليك الحجّة المنتظر المهدي (عجّل الله فرجه)، وأنجز له ما وعدته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه.

الإخوة الحاضرون تقبّل اللّهمّ عملهم بأحسن القبول، اقض حوائجهم بحقّ محمّد وآل محمّد، اجعل قلوبهم وديارهم عامرة بذكر محمّد وآل محمّد، ارزقهم شفاعة محمّد وآل محمّد، اغفر لهم بحقّ محمّد وآل محمّد، واحشرهم مع محمّد وآل محمّد.

أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمّد وآل محمّد (صلّى الله عليه وآله).


المصادر

1 - إرشاد القلوب.

2 - أسرار الشهادة.

3 - أصول الكافي.

4 - أعيان الشيعة.

5 - الإقبال.

6 - الإمام المهدي من المهد إلى الظهور.

7 - الباب الحادي عشر.

8 - بحار الأنوار.

9 - البيان في تفسير القرآن.

10 - تاريخ الطبري.

11 - تاريخ اليعقوبي.

12 - تفسير الميزان.

13 - تحف العقول.

14 - التهذيب.

15 - الجعفريات.

16 - الدرّ النضيد.

17 - الدليل الإداري للجمهورية العراقية.

18 - ديوان شعراء الحسين (عليه السّلام).

19 - روضة الواعظين.

20 - رياض المدح والرثاء.

21 - سيرة الأئمة الاثني عشر.

22 - صفحات من تاريخ كربلاء.

23 - طلائع الشهداء من آل هاشم.

24 - عدة الداعي.

25 - عقائد الإمامية.

26 - عيون أخبار الرضا.

27 - الفتوح.

28 - القرآن الكريم.

29 - كامل الزيارات.

30 - الكامل في التاريخ.

31 - اللهوف.

32 - مثير الأحزان.

33 - مجمع المصائب.

34 - مستدرك الوسائل.

35 - مشكاة الأنوار.


36 - مصائب آل محمّد (صلّى الله عليه وآله).

37 - مصادقة الإخوان.

38 - مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة.

39 - معالم المدرستين.

40 - معالي السبطين.

41 - المعتمد في العزاء.

42 - مفاتيح الجنان.

43 - مقاتل الطالبيِّين.

44 - منتهى الآمال.

45 - منهل الشرع.

46 - موسوعة العتبات المقدّسة.

47 - موسوعة النبي والعترة.

48 - نَفَس المهموم.

49 - نهج البلاغة.


صدر للمؤلّف

الماسونية والصهيونية العالمية.

قيام إسرائيل بين أكذوبة الوعد الإلهي والاستعمار الغربي.

الموساد الإسرائيلي والإرهاب الصهيوني.

دموع الأبرار على مصاب أبي الأحرار.

مستحبات العمرة والحج.

الحجامة في الشرع والطب.

حقيقة زواج المسيار ومشروعية المتعة.

جامع أحكام الصيام.

حياة وكرامات السيدة فاطمة المعصومة.

المصطلحات والتعابير السياسية.

النظام السياسي في الكيان الصهيوني.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين


الفهرس

الإهداء 5

المقدمة 7

مقدّمة المؤلِّف.. 11

المجلس الأوّل. 15

فوائد وفضل البكاء على الحسين (عليه السّلام) 22

خواص البكاء على سيّد الشهداء (عليه السّلام) 24

خواص مجالس الحسين (عليه السّلام) 25

المجلس الثاني. 33

أسباب الثورة الحسينيّة 40

مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 41

شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 42

موقف الإمام (عليه السّلام) من بيعة يزيد. 44

المجلس الثالث.. 51

الهجرة النفسيّة 57

المجلس الرابع. 69

المجلس الخامس.. 87

المجلس السادس.. 103

المجلس السابع. 119

المجلس الثامن. 137

المجلس التاسع. 157

المجلس العاشر 169

المصادر 183

صدر للمؤلّف.. 185