رسالتان في البداء
تأليف
آية الله العظمى السيد أبوالقاسم الخوئي
والعلامة المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى ..
محيي معالم الدين وأهله ..
الإِمام المهديّ المنتظر ..
راجياً الصفح والدعاء ..
عبدك محمّد عليّ |
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على خير خلقه ، محمّد وآله الطّيبين الطاهرين ، لا سيما بقيّةاللّه في الأرضين ، عجّل الله تعالى فرجه الشريف.
الكلّ يعلم ما للأمور العقائدية من اهمّية في بناء فكرالفرد المؤمن ومبادئه ، ويستتبعها وجوده الخاصّ من خلال المواقف التي يتّخذها كلّ يوم في خضمّ التيّارات والاتّجاهات الفكرية المختلفة التي تسودالعالم اليوم.
ومن تلك الأمور التي امتازت به الإمامية عن غيرها ـ تبعاً لكتاب الله وسُنّة رسوله الأ كرم صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ هو القول بالبداء.
ممّا جعل بقيّة الفرق التي لم تتّخذ مدرسة أهل البيت عليهم السلام منهجاً لها ، جعلها تشنّع على الإمامية عقيدتهم هذه ، تجاهلاً أو جهلاً بأدلّتهم عليها.
ولو أنّهم كلّفو أنفسهم جهداً قليلا ، وبحثوا في ما كتبه علماء الإمامية في البداء ومفهومه ، لوجدوا أنّ الحقّ معهم.
ولذالك انبرى علماء الإمامية للردّ على افتراءات المفترين وشبهات المبطلين ، فأ ودعوا موسوعاتهم الحديثية ما ورد في البَداء من روايات عن العترة الطاهرة عليهم السلام ، وكتبوا فيه فصولاً ومباحث خاصّة في كتبهم الكلامية والعقائدية وغيرها ، كما أفردوا له كتباً ورسائل خاصّة ، فلا يكاد يخلوأيّ كتاب أُلّف في العقائد أو الكلام ـ وربما في غيرها ـ من البحث في البَداء.
فقد أحصى الشيخ آقا بزرك الطهراني ـ رحمه الله ـ في موسوعته القيّمة «الذريعة» نحواً من 30 كتاباً أو رسالة مستقلّة صنّفت في هذا المجال ، توضيحاً لمفهومه العقائدي وما المراد منه ، أو دفاعاً عن الاعتقاد به ، وردّاً للشكوك والشبهات المحاكة حوله(1) .
وإذا أضفنا إلى ما تقدّم كتبأً ورسائل أخرى قد ألّفت في نفس الموضوع ، في الفترة التي تلت إتمام تأليف «الذريعة» أو
____________
(1) انظر : الذريعه 3 / 51 ـ 57 رقم 131 ـ 151 و 11 / 127 رقم 790 و 26 / 87 رقم 419.
مما فات الشيخ الطهراني تسجيله فيها ، لكان العدد المحصى غير هذا.
أمّا إذا حاولنا استقصاء ما كتب عن البداء ـ كفصول وبحوث ـ ضمن الكتب المختلفة ، لكان إحصاء ذلك أمراً عسيرًا.
من ذلك كلّه يظهر مدى اهتمام علمائنا بأمر البداء لدقّة مطلبه وحساسيته ، وهذا ما سيتّضح من الرسالتين الآتيتين إن شاء الله تعالى.
المؤلّفان :
نحن نقف اليوم أمام عَلَمين من جهابذة أعلام علمائنا الإمامية في القرن الأخير ، رضوان الله عليهم ، فقد كانا مصداقاً حقيقياً لما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام حينما سأله معاوية بن عمّار قائلاً :
قلت لأبي عبدلله عليه السلام : رجل راوية لحديثكم ، يبثُ ذالك في الناس ، ويشدّده في قلوبهم وقلوب شيعتكم ، ولعل عابداً من شيعتكم ليست له هذه الراوية ، أيّهما أفضل؟
قال : الراوية لحديثنا ، يشدّد قلوب شيعتنا ، أفضل من ألف عابد(2) .
____________
(2) الكافي 1 / 25 ح 9 ، وقد نقل شيخ الإسلام العلامة المجلسي ما بمعناه عن مصادر شتّى في بحارالأنوار 2 / 1 ـ 25 ح 1 ـ 92 باب «ثواب الهداية والتعليم ، وفضلهما
وهما :
1 ـ العلّامة المجاهد آية الله الشيخ محمّد جواد البلاغي
(1282 ـ 1352 هـ) الذي ما فتئ يقارع الفرق الباطلة والأفكار الهدّامة ، ويدكّ حصونها ويفنّد مزاعمها ومفترياتها ، فبرع في ردّ كيدهم ودحض أبا طيلهم ، فكان أكثر من نصف مجموع ما جاد به يراعه الشريف ـ الذي تجاوز الخمسين مصنّفاً ـ هو في مجال العقائد ، والبقيّة في الفقه والأصول والتفسير وغيرها.
فكان من الأفذاذ الذين يندر وجودهم في الأزمان ممّن حامى وذبّ عن قدس الشريعة والمذهب؛ قدّس الله نفسه الزكية ، ونوّر مرقده ، وجعل الجنّة م ـ أواه(3) .
2 ـ آيةالله العظمى السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي
(1317 ـ 1413 هـ) الذي كان نجماً لامعاً في سماء المرجعية الدينية والحوزات العلمية ، فربّى وتخرّج على يديه ـ في غضون أكثر من ستّين سنة من التدريس والإفادة ـ مئات من العلماء والأفاضل والمجتهدين ، فصار منهم من هو مرجع تقليد للشيعة اليوم ، ومنهم المتخصّصين في شتّى علوم المعرفة ، كفقهاء ومحقّقين وباحثين ومفكّرين وخطباء ومرشدين وأساتذة
____________
وفضلهما ، وفضل العلماء ، وذمّ إضلال الناس».
(3) لمزيد الاطلاع على ترجمة ـ قدّس سرّه ـ انظر على سبيل المثال : أعيان الشيعة 4 / 255 ، نقباء البشر في القرن الرابع عشر 1 / 323 رقم 663 ، الكنى والأ لقاب 2 / 83 رقم 5 ، ا لأعلام 6 / 74.
أكفاء في الحوزات العلمية.
فهو بحقّ أستاذ الفقهاء والمجتهدين ، وزعيم الحوزات العلمية ، ومروّج الشريعة في العقود الأخيرة ، إذ لا تكاد تجد قضيّة من القضايا أو مسأ لة من المسائل لم يكن له فيها رأي ، مع الدقّة في العرض والقوه في الاستدلال والمبنى؛ قدّس الله روحه الطاهرة ، ونوّر مضجعه ، وجعل الجنّة مآله ومثواه(4) .
الرسالتان ومنهج العمل فيهما
هما من أفضل ما كُتب في «البداء» فهما بعيدتان عن الاختصار المخلّ ، والتطويل المملّ ، وهما على قصرهما تغنيان الباحث عن الحق عن غيرهما ، ممّا يثبت ويؤكّد منزلة المؤلفَيْن العلمية السامية ، فقد كتبتا بأسلوب واضح جليّ ، وبنيتا على استدلال جميل ظاهر ، ولم تشحنا بالاصطلاحات العلمية والتعبيرات الغامضة التي لا يفهمها الكثيرون ، وقد استقصى المؤلفان ـ قدّس الله سرّهما ـ فيهما كلّ جوانب المسألة ، ولم يتركا تساؤلاً إلا وأجابا عنه بالدليل القويّ المقنع.
امّا الرسالة الْأولى ، فهي للشيخ البلاغي عطّرالله مرقده ، كان قد حرّرها جواباً عن استفسار ورد إليه عن البَداء.
____________
(4) لمزيد الاطلاع على ترجمته ـ قدّس سرّه ـ انظر على سبيل المثال : معجم رجال الحديث 22 / 17 رقم 14697 ، نقباء البشر في القرن الرابع عشر 1 / 71 رقم 164.
كانت قد نشرت لأ ول مرّة في أواسط الخمسينات من هذا القرن الميلادي ، باسم : «مسألة في البداء» في آخر المجموعة الرابعة من سلسلة «نفائس المخطوطات» التي كان يصدرها في بغداد الشيخ محمّد حسن آل ياسين.
فأعدت العمل عليها بما يناسب عصرنا الحالي من الإ خراج الفنّي ، مثل توزيع النصّ والاستفادة من علامات الترقيم الحديثة ، وتخريج الروايات اعتماداً على مصادرها الأ صلية ، فأدرجت هذه في الهامش مع توضيحات أخرى.
أمّا تعضيدالروايات الواردة فيها بمصادر أخرى ، فقد استغنيت عنه في هذه الرسالة بما جاء منه في الرسالة الثانية ، فمن لم يرو غليله إجمال الرسالة الأولى انتقل إلى الثانية؛ لأ نّها أكثر تفصيلاً.
إذ أنّني لم اقدّم الأ ولى على الثانية إلا لأنّها أقدم تاريخاً ، وأصغر حجماً؛ ولأنّ الشيخ البلاغي كان أستاذ السيّد الخوئي في علم الكلام ، رحمهما الله رحمة واسعة.
امّا الرسالة الثانية ، فهي احدى فصول كتاب «البيان في تفسير القرآن» للسيد الخوئي طيب الله مضجعه ، تحت عنوان : «البداء في التكوين» كتبه استطراداً لمبحث «النسخ في التشريع» فاستللتها منه ، وأعدت العمل عليها كما مرَّ آنفا.
وقد تصرّفت بالفقرة التي سبقت تمهيد السيّد الخوئي بما يناسب جعل الفصل المستلّ كرسا لة مستقلّة ، ووضعت
ذلك بين معقوفتين [ ].
كما أعدت ترتيب وصياغة التخريجات في هوامشها ، إذ ربما نقل السيّد الخوئي ـ قدس سره ـ الرواية بالواسطة لا من المصدر الأصلي ، وذلك بإ حالتها على مصادرها الأ صلية أوّلاً ، وأثبتّ ما تضمّنته من اختلافات ، ومن ثمّ ألحقت بها المصادر الوسيطة ، كالجوامع الحديثية : بحار الأنوار والوافي ، واعتمدت في ذلك كلّه على الطبعات الجديدة للمصادر؛ لأنها أكثر تداولاً ، وأيسر تناولاً.
وأبقيت على التخريجات القديمة كما هي ، التي ربما اعتمد فيها السيد الخوئي على الطبعات الحجرية ، وجعلتها بين قوسين ( ) محافظة على الأصل من ناحية ، وليستفيد منها من يمتلك تلك الطبعات من المصادر من نا حية أخرى؛ وليكون الجمع أتم وأكمل ، كما إنّني لم أدقّق في صحّة هذه التخريجات ، لعدم توفّر تلك الطبعات لديّ ، ولذلك لم أدرجها في قائمة المصادر ، كما وقد أشرت في الهامش إلى ما كان منقولاً منه بالواسطة.
كما أدرجت تخريجات الآيات الكريمة في الهامش بدلاً عن إلحاقها بها في المتن كما كانت عليه في السابق.
ثمّ انّ السيد الخوئي كان قدأحال على ثلاث تعليقات في آخر كتابه ، فأدرجتها في محالّها من الهامش.
كما أضفت بعض الهوامش التوضيحية ، فما كان منه
مستقلاً ألحقت به حرف (م) وما كان منه ملحقاً بالهامش الأصلي جعلته بين معقوفتين[ ] وألحقت به حرف (م) أيضاً ، ليعلم أنّه ممّا ليس في الأصل ، فهو مضاف مزيد ، أمّا ما كان في ثنايا الهامش فاكتفيت بجعله بين المعقوفتين [ ] لتميّز عمّا كان في الأصل.
فكل ما في الهوامش هو منه قدّس سره ، إلا ما كان بين معقوفتين [ ] أو ملحقاً به حرف (م) فأصبحت الهوامش هي هي ، وهي غيرها.
في الختام :
ما كان عملي هذا إلا خدمة للحقّ ابتغاء مرضاة الله تبارك وتعالى ، وما هو إلا من منّه وفضله ، عسى الله أن ينفع به ، فهو وليّ ذلك ، والله من وراء القصد ، وهو يهدي السبيل.
والحمد لله اوّلاً وآخراً
9 ربيع الاول 1414 هـ ذكرى اليوم الاول من إمامة الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف محمد علي الحكيم / قم المشرّفة |
مسألة في
البداء
تأليف
العلامة المجاهد آيةالله
الشيخ محمد جواد البلاغي
بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد وهو المستعان
انّ الله جلّ شأنه قد اقتضت حكمته ولطفه بعباده ـ في دلالتهم على مقام إلهيّته في علمه وقدره وإرادته ـ أن يجعل نظام العالم ـ في أحواله وأدواره ومواليده ـ مبنيّاً ـ نوعاّ ـ على قوانين الأسباب والتسبيب في المسببات ، المرتبطة بالغايات والحكم ، والدالّه على قصدها.
وهو الخالق للسبب والمسبّب ، والجاعل للتسبيب ، وبيده الأسباب وتسبيباتها ، في وجودها وبقائها وتأثيرها ، وتحكيم بعضها على بعض ، فقد يعدم السبب ، وقد يبطل
تأثيره ، وقد يمنع تأثيره بسببٍ آخر ، وقد يعدم ما يحسب الناس أنه موضوع القانون المقرّر ويقيم غيره مقامه.
وهذا هو مقام البداء والمحو والإثبات ، وهو ـ جلّ شأنه ـ عالم منذ الأزل بما تؤدي إليه مشيئته من المحو والإثبات ، وهذا العلم هو( ام الكتاب ) (1) .
فالمحو انما هو لما له نحو ثبوتٍ بتقديرالأسباب وتسبيباتها ، وسيرها في التسبيب.
وعلى ذلك يجري ما روي في أصول الكافي في صحيفة هشام وحفص ، عن ابي عبدالله عليه السلام :
[و](2) هل يمحى إلا ما كان ثابتاً؟! الرواية(3) .
إذ لا يعقل محو ما هو ثابت الوقوع بعينه في علم الله وأم الكتاب.
وأمّا كون المراد من المحو هو إفناء الموجود ، ومن الإثبات إيجاد المعدوم أو إبقاء الموجود ـ كما ذكر في صدر السؤال(4) ـ :
فيدفعه اوّلاً : أنه خلاف ظاهر الآية الكريمة وسوقها ؛ لأنّ
____________
(1) سورةالرعد 39 : 13
(2) أثبتناه من المصدر.
(3) الكافي 1 / 114 ح 2 ، وتتّمته : وهل يثبت إلا ما لم يكن؟!
(4) يشير المؤلف ـ نوّر الله مرقده ـ إلى ورود سؤال عن البداء إليه ، وإلى تحرير هذه الرسالة جواباً عن ذلك السؤال.
استعمال المحوو مقابلته بأم الكتاب إنما يناسب مقام التسجيل والكتابة ، التي هي كناية عن التقدير والتسجيل بسير الأ سباب ـ وإن كان نوعياً ـ.
ولا يناسب في المقام إفناء العين الموجودة ، مضافاً إلى أنّه عند إرادة الإفناء لا يبقى لقوله تعالى :( وعنده أمّ الكتاب ) (5) معنىً تأسيسيّ ترتبط به أطراف الكلام في الآية ، ويناسب ذكر المحو والإثبات ، كما لاينبغي أن يخفى.
ويدفعه ثانياً : احتجاج الإمام عليه السلام بهذه الآية للبداء ، وكذا الكثير من استشهادات الأئمة بهذه الآية.
* * *
وأما البداء فهو بمعنى الظهور. مأخوذ من : بدا يبْدو بدواً وبُدُوّاً وبداءةً وبداءً وبدوءً ، فيقال : فلان بدا له في الرأي ، أي ظهر له ما كان مخفيّاً عنه ، وفلان برز فبداله من الشجاعة ما كان مخفيّأً عن الناس(6) .
فمعنى بدا في المثالين واحد ، ولكنّ الاختلاف فيهما جاء من ناحية اللام وربطها للظهور.
____________
(5) سورة الرعد 39 : 13.
(6) أنظر مادّة بدا من : لسان العرب 14 / 65 والصحاح 6 / 2278.
فالبداء المنسوب إلى الله جلّ شأنه إنما هو بمعنى المثال الثاني. أي : ظهر لله من المشيئة ما هو مخفي على الناس ، وعلى خلاف ما يحسبون.
هذا ما يقتضيه العقل.
ويشهد له من صريح الأحاديث ما رواه في أصول الكافي في صحيح عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله عليه السلام :
ما بدا الله في شي ء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له(7) .
ورواية عمروبن عثمان ، عنه عليه السلام :
إن الله لم يبدُ له من جهل(8) .
وصحيحة فضيل ـ الآتية ـ عن أبي جعفر عليه السلام.
وصحيفة منصور بن حازم : سألت أبا عبدالله عليه السلام : هل يكون اليوم شي ء لم يكن في علم الله بالأمس؟
قال عليه السلام : لا من قال هذا فأخزاه الله.
قلت : أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، أليس في علم الله؟!
قال عليه السلام : بلى ، قبل أن يخلق الخلق(9) .
____________
(7) الكافي 1 / 114 ح 9.
(8) الكافي 1 / 115 ح 10.
(9) الكافي 1 / 115 ح 11.
أقول :
وإنّ قوله تعالى :( يَمحو الله ما يشاء ويُثبت وعندهُ امّ الكتاب ) (10) ينادي بأنّ مقام المحو والإ ثبات هو غير مقام أم الكتاب ، وعلم الله المكنون ، ومشيئته وإرادته الأزلية.
بل هو في مقام الظاهر في سير الأسباب وتسبيباتها.
فقد تقتضي مشيئته ـ جلّ اسمه ـ أن يمنع أسباب البقاء وطول العمر عن الزاني وقاطع الرحم ، وقد يمنع الأسباب المهلكة عن واصل الرحم والمتصدّق والداعي مثلاً؛ فيمحو في هذه الموارد ما جعله لنوع الأسباب من التسبيب ، وقد لا يمحوه في بعض الموارد لحكمة أخرى ، فيكون قد أثبته ، أي أبقاه ثابتاً.
وقد يراد من قوله تعالى : (يُثبتُ) أنه يثبت حين المحو خلاف المحو ، والله العالم.
قد كان الناس يحسبون أنّ إسماعيل بن الصادق عليه السلام هو الإمام بعد أبيه ، لما عملوه من أنّ الإمامة للولد الأ كبر ما لم يكن ذا عاهةٍ؛ ولأنّ الغالب في الحياة الدنيا وأسباب البقاء أن يبقى إسماعيل بعد أبيه عليه السلام ، فبدا وظهر بموت إسماعيل انّ الإمام هو الكاظم عليه السلام؛ لأنّ عبدالله كان ذا عاهة ، فظهر لله(11) وبدا للناس ما هو في علمه المكنون.
____________
(10) سورة الرعد 39 : 13.
(11) أي : من الله.
وكذا في موت محمّد بن الهادي عليهما السلام ، حيث ظهر للشيعة أن الإمام بعد الهادي والحسن العسكري عليه السلام.
وهذا الظهور للشيعة هو الأ مر الذي أحدثه الله بموت محمد ، كما قال الهادي للعسكري عليهما السلام عند موت محمد : أحْدِث لله شكراً ، فقد أحدَثَ فيك أمراً(12) .
فالإمامة ثاب ـ تة للكاظم والعسكري منذ الأ زل ، وقد جاء في الأ حاديث البالغة حدّ التواتر ـ أو ما يقاربه ـ عن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم والأ ئمة ممّن هو قبل الكاظم والعسكري عليهم السلام ما يتضمن النصّ على إمامتهما في جملة الأ ئمة عليهم السلام ، وقد ذكر [نا](13) بعض هذه الأ خبار بنحو الإشارة إليها في كتاب نصائح الهدى(14) .
وإلى ما ذكرناه في معنى البداء والمحو يرشد ما رواه في أصول الكافي :
كصحيحة زرارة ، عن أحدهما عليهما السلام :
____________
(12) الكافي 1 / 262 ح 4 و 5 و 8.
(13) أثبتناها لضرورة السياق.
(14) نصائح الهدى : 22 وما بعدها ، وراجع في أمر النصّ على إمامة الإمامين موسى الكاظم والحسن العسكري عليهما السلام : الكافي 1 / 245 ـ 248 و 261 ـ 264 و 441 ح 1 و 442 ح 3 ، كفاية الأثر : 255 ـ 263 ـ و 282 ـ 288 ومواضع أخرى مختلفة منه ، الإرشاد 2 / 216 ـ 220 و 314 ـ 320 ، إعلام الورى : 294 ـ 300 و 367 ـ 370.
ما عُبِدَ اللهُ بشيء مثل البداء(15) .
ومعتبرة هشام بن سالم ، عن أبي عبدالله عليه السلام :
ما عُظّم الله (بشيء مثل) البداء(16) .
وصحيحة الريان ، عن الرضا عليه السلام :
ما بعث الله نبيّاً قطّ إلا بتحريم الخمر وأن يقرّ لله با لبداء(17) .
ونحوها معتبرتا مرازم وجهم ، عن أبي عبدالله عليه السلام(18) .
فإن الاعتراف بمجرد انّة يظهر لله من الأمور ما لم يكن محتسباً ـ بل كان المحتسب غيره ـ ليس له أهميّة بالنسبة إلى جلال الله.
إذن ، فالفضل المذكور والأهميّة الكبرى للاعتراف
____________
(15) الكافي 1 / 113 ح 1.
(16) الكافي 1 / 113 ذح 1 ، وفيه بدل ما بين القوسين : بمثل.
(17) الكافي 1 / 115 ح 15.
(18) قال مرازم : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : ما تنبّأ نبيّ قطّ حتى يقرّ لله بخمس خصال : بالبداء ، والمشيئة ، والسجود ، والعبوديّة ، والطاعة. الكافي 1 / 115 ح 13.
وقال جهم عمّن حدّثه ـ : قال أبو عبدالله عليه السلام : أن الله عزّو جلّ أخبر محمداً صلّى الله عليه وآله وسلّم بما كان منذ كانت الدنيا ، وبما يكون إلى انقضاء الدنيا ، وأخبره بالمحتوم من ذلك ، واستثنى عليه فيما سواه. الكافي 1 / 115 ح 14.
بالبداء ما هو إلا لأنّه يرجع إلى الاعتراف بحقيقة الإلهية ، وأنّ الموجد للعالم انّما هو إله موجد بالإرادة والقدرة على مقتضى الحكمة ، متصرّف بقدرته بما يتراءى من العلل وتعليلاتها التي هي من صنعه وإيجاده ، والخاضعة لتصرّف مشيئته فيها ، لا أنّ وجود العالم منوط بالتعليلات الطبيعية ومحض اقتضاء الطبيعة العمياء فاقدة الشعور والإرادة ، تعالى الله عمّأ يقولون.
وعلى ذلك تجري صحيحة محمد بن مسلم ، عن أبي عبدالله عليه السلام :
ما بعث الله نبياً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال : الإقرار [له](19) بالعبودية ، وخلع الأنداد ، وأن الله يقّدم ما يشاء ويوّخر ما يشاء(20) .
فالبداء ، وأنّ الله يمحو ما يشاء ويثبت ، وعنده أم الكتاب ، يكون الاعتراف بحقيقتها المعقولة ومدلول الأ حاديث ، هوالفارق بين الإلهية والطبيعية ، وهو الفارق بين الاعتراف بحقيقة الإلهية وبين المزاعم المستحيلة في مسألة العقول العشرة المبنية على التقليد الأعمى للفسلفة اليونانية ومزاعم أوهامها ، مع الخبط في أمر الإيجاد بالأرادة والتعليل الطبيعي.
ثم ان مقتضى دلالة العقل والنقل هو أنّ البداء والمحو لا يقعان فيما أخبرالله به أنبياءه وأوصياءهم ، وأخبروا به عنه جلّ
____________
(19) أثبتناه من المصدر.
(20) الكافي 1 / 114 ح 3.
اسمه.
اما دلالة العقل ، فلأن وقوع ذلك يستلزم عدم وثوق الناس بهم وبأخبارهم ، وحمل الناس لهم على الجهل والكذب على الله ، فيسقط محلّهم ، وينقض الغرض من نصبهم للنبوّه والإمامة ، ونقض الغرض قبيح ومحال على الله جلّ اسمه.
وامّا النقل ، فمنه ما رواه في أصول الكافي ، في صحيحة الفضلي ، عن أبي جعفر عليه السلام :
«العلم علمان : فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه ، وعلم علّمه ملائكته ورسله فأنه سيكون ، لا يكذب الله نفسه ولا ملائكته ولا رسله ، وعلم عنده مخزون يقدّم منه ما يشاء ، ويؤخّر منه ما يشاء ، ويثبت ما يشاء»(21) .
ونحوها صحيحته الأخرى عن أبي جعفر عليه السلام(22) ورواية أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام(23) .
وايضًا : أنّ الأنبياء والأئمة لا يخبرون عن المغيّبات من
____________
(21) الكافي 1 / 114 ح 6.
(22) قال الفضيل : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : من الأمور أمور موقوفة عندالله ، يقدّم منها ما يشاء ويؤخّر منها ما يشاء. الكافي 1 / 114 ح 7.
(23) قال أبو بصير : قال أبوعبدالله عليه السلام : أن لله علمين ، علم مكنون مخزون ، لا يعلمه إلا هو ، من ذلك يكون البداء ، وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه فنحن نعلمه. الكافي 1 / 114 ح 8.
اطّلاعهم على الأسباب وقوانينها ، التي هي معرض للبداء والمحو ـ كما يسمّيها الناس بالنفوس الفلكية والأ لواح القدرية ـ إن هي الا أسماء ـ فإنه اعتماد على الظن ، وهو خلاف وظيفتهم الكريمة ، ويلزم من ذلك أن يجعلوا أنفسهم معرضاً لعدم الوثوق بهم ، وعدّ الناس لهم من الكاذبين حينما يظهر خلاف ما أخبروا به ، وهذا نقض لغرضهم في دعوة الناس إلى الله وإلى قبول أقوالهم وإرشادهم وتصديقهم ، ونقض الغرض قبيح مستحيل على المعصوم.
إذن ، فلا يخبرون الناس بالغيب اعتماداً على الأسباب أو الألواح القدرية ـ كما يقال ويزعم ـ ، وإن كانوا أكمل البشر في تلك العلوم.
ومما يشهد لذلك ما روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام من قوله في بعض المواطن : ولولا آية سبقت في كتاب الله ـ وهي قوله تعالى :( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب ) لأخبرتكم بما يكون إلى يوم القيامة(24) .
يريد ـ صلوات الله عليه ـ أن هذه العلوم المستندة إلى سيرالأسباب والتسبيبات والتقدير هو أعلم الناس بها ، وأكملهم فيها ، ولكنّه لا يعتمد عليها ، ولا يخبر الناس
____________
(24) ورد الحديث باختلاف يسير في المصادر التالية : التوحيد : 305 ، أمالي الصدوق : 280 ب 55 ح 1 ، الاحتجاج : 258 ، قرب الإسناد : 353 ح 1266 ، وعنها في بحار الأنوار 4 / 97 ح 4 و 5.
بمد اليلها ، لأنها معرض للمحو.
فالمحصّل مما ذكرناه :
أنّ المحو والإثبات في الآية الكريمة ليس المراد منها إفناء الموجود وإبقاءه ، أو تجديد موجود آخر.
وأن البداء والمحو لا يتعلق بما في أم الكتاب ، ولا بما يخبر الله به أنبياءه والأئمة ، ولا بما يخبرون به عن الله من أنباء الغيب ، ولا يخبرون عما هو معرض للبداء والمحو ، صلوات الله وسلامه عليهم.
والحمد لله أولاً وآخراً
* * *
البداء
في التكوين
تأليف
أستاذ الفقهاء والمجتهدين آية الله العظمى
السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي
[ بسم الله الرحمن الرحيم ]
توطئة :
[ لمّا كان ] النسخ في الأحكام وهو في أفق التشريع ، [ وكذا البداء ] وهو في أفق التكوين.
وبمناسبة خفاء معنى البداء على كثير من علماء المسلمين ، وأنهم نسبوا إلى الشيعة ماهم برآء منه ، وأنهم لم يحسنوا في الفهم ، ولم يحسنوا في النقد!
وليتهم إذ لم يعرفوا تثبّتوا ، أو توقفوا(1) كما تفرضه الأمانة
____________
(1) ومن الذين لم يثبتوا ولم يتوقفوا [واختلقوا نسبة الجهل إلى الله تعالى على لسان الشيعة] : الفخر الرازي ، عند تفسيره قوله تعالى :( يمحوالله ما يشاء ويثبت ... ) قال :
في النقل ، وكما تقتضيه الحيطة في الحكم ، والورع في الدين.
بمناسبة كل ذلك وجب أن نذكر شيئاً في توضيح معنى البداء.
تمهيد :
لا ريب في أن العالم بأجمعه تحت سلطان الله وقدرته ، وأن وجود أي شيء من الممكنات منوط بمشيئة الله تعالى ، فإن شاء أوجده ، وإن لم يشأ لم يوجده.
ولا ريب ـ أيضاً ـ في أن علم الله سبحانه قد تعلّق بالأشياء كلّها منذ الأزل ، وأن الأشياء بأجمعها كان لها تعين علميّ في علم الله الأزليّ ، وهذا التعيّن يعبّر عنه بـ «تقديرالله» تارةً ، وبـ «قضائه» تارةً أخرى.
____________
قالت الرافضة البداء جائز على الله تعالى ، وهو أن يعتقد شيئاً ، ثمّ يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده. إنتهى. [التفسير الكبير 19 / 66 المسألة الخامسة من الشبهة السادسة ].
سبحانك اللهم إن هذا إلا اختلاق.
وقد حكى الرازي في خاتمة كتاب «المحصّل» [ص 365] عن سليمان بن جرير كلاماً يقبح منه ذكره ، ولا يحسن مني سطره.
وإن هذه الكلمة قد صدرت على أثر كلمة أخرى تشابهها ، تفوّه بها بعض النصارى في حق الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله حينما جاء بأحكام ناسخة لما جاء به قبلها [أنظر : الهدى إلى دين المصطفى 1 / 257 ـ 259 ، أعاجيب الأكاذيب : 82 ـ 84 رقم 11. (م)].
كبرت كلمة تخرج من أفواههم ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.
ولكنّ تقدير الله وعلمه سبحانه بالأ شياء منذ الأزل لايزاحم ولا ينافي قدرته تعالى عليهاحين إيجادها ، فأنّ الممكن لا يزال منوطاً بتعلّق مشيئة الله بوجوده ، التي قد يعبّر عنها بالإختيار ، وقد يعبر عنها بالإرادة.
فإن تعلقت المشيئة به وجد ، وإلا لم يوجد.
والعلم الإلهي يتعلق بالأشياء على واقعها من الإناطة بالمشيئة الإلهية؛ لأن انكشاف الشيء لا يزيد على واقع ذلك الشيء ، فإذا كان الواقع منوطاً بمشيئة الله تعالى كان العلم متعلقاً به على هذه الحالة ، وإلا لم يكن العلم علماً به على وجهه ، وانكشافاً له على واقعه.
فمعنى تقدير الله تعالى للأشياء وقضائه بها : أن الأشياء ـ جميعها ـ كانت متعينة في العلم الإلهي منذ الأزل ـ على ما هي عليه ـ من أنّ وجودها معلق على أن تتعلق المشيئة بها ، حسب اقتضاء المصالح والمفاسد التي تختلف باختلاف الظروف ، والتي يحيط بها العلم الإلهيّ.
موقف اليهود من قدرة الله
وذهبت اليهود إلى أنّ قلم التقدير والقضاء حينما جرى على الأشياء في الأزل استحال أن تتعلق المشيئة بخلافه؛ ومن أجل ذلك قالوا : يد الله مغلولة عن القبض والبسط والأخذ
والإعطاء ، فقد جرى فيها قلم التقدير ولا يمكن فيها التغيير(2) .
ومن الغريب أنهم ـ قاتلهم الله ـ التزموا بسلب القدرة عن الله ، ولم يلتزموا بسلب القدرة عن العبد ، مع أنّ الملاك في كليهما واحد ، فقد تعلق العلم الأزلي بأفعال الله تعالى ، وبأفعال العبيد على حدٍٍّسواء.
موقع البداء عند الشيعة
ثم إن البداء الذي تقول به الشيعة الإمامية إنما يقع في القضاء غير المحتوم ، أما المحتوم منه فلا يتخلف ، ولا بدّ من أن تتعلق المشيئة بما تعلق به القضاء.
وتوضيح ذلك أنّ القضاء على ثلاثة اقسام :
____________
(2) وهذه بعض الأخبار الدالّة على مشيئة الله تعالى في خلقه :
روى الصدوق في كتابي «التوحيد» و «معاني الأخبار» بإسناده عن أبي عبدالله عليه السلام ، أنه قال في قول الله عزو جلّ :( وقالت اليهود يدالله مغلولة ) : لم يعنوا أنّه هكذا ، ولكنهم قالوا : قد فرغ من الأمر ، فلا يزيد ولا ينقص. فقال الله جلّ جلاله تكذيباً لقولهم( غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) ألم تسمع الله عزوجل يقول :( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) . [التوحيد 167 ح 1 ، معاني الأخبار : 18 ح 15].
وروى العيّاشي ، عن يعقوب بن شعيب ، وعن حمّاد ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، نحو ذلك. [تفسير العياشي 1 / 330 ح 146 و 147].
هذه الروايات وغيرها ـ مما نذكره في هذه الرسالة ـ موجودة في كتاب البحار لشيخنا المجلسي ، 4 / 92 ـ 134 (ج 2 ص 131 ـ 142 ط كمباني).
أقسام القضاء الألهيّ
الأول : قضاء الله الذي لم يطّلع عليه أحداً من خلقه ، والعلم المخزون الذي استأثره لنفسه.
ولا ريب في أنّ البداء لا يقع في هذا القسم ، بل ورد في روايا ت كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام أنّ البداء إنما ينشأ من هذا العلم.
روى الشيخ الصدوق في «العيون» بإسناده عن الحسن ابن محمد النوفلي ، أنّ الرضا عليه السلام قال لسليمان المروزي :
«رويت عن أبي ، عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال : إنّ لله عزّو جلّ علمين : علماً مخزوناً مكنوناً ، لا يعلمه إلا هو ، من ذلك يكون البداء؛ وعلماً علّمه ملائكته ورسله ، فالعلماء من أهل البيت نبيّك يعلمونه(3) .
وروى الشيخ محمد بن الحسن الصفار في «بصائر الدرجات» بإسناده عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال :
____________
(3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 / 181 باب 13 في ذكر مجلس الرضا عليه السلام مع سليمان المروزي ، وفيه : «نبينا» بدل «نبيك» ، وعنه في بحارالأنوار 4 / 95 ح 2 (باب البداء والنسخ ، ج 2 ص 132 ط كمباني) ـ وكان المتن منقولاً من البحار ـ.
«إنّ لله علمين : علم مكنون مخزون ، لا يعلمه إلا هو ، من ذلك يكون البداء؛ وعلم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه ، ونحن نعلمه»(4) .
الثاني : قضاء الله الذي أخبر نبيه وملائكته بأنّه سيقع حتماً.
ولا ريب في أنّ هذا القسم ـ أيضاً ـ لا يقع فيه البداء ، وإن افترق عن القسم الأول بأن البداء لا ينشأ منه.
قال الرضا عليه السلام لسليمان المروزي ـ في الرواية المتقدمة ـ عن الصدوق : «إنّ علياً عليه السلام كان يقول : العلم علمان : فعلم علمه الله ملائكته ورسله ، فما علمه ملائكته ورسله فأنه يكون ، ولا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله؛ وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه ، يقدم منه ما يشاء ، ويؤخر ما يشاء ، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء»(5) .
وروى العياشي ، عن الفضيل ، قال : سمعت أبا جعفر
____________
(4) بصائر الدرجات : 129 ح 2 ، وعنه في بحار الأنوار 4 / 109 ح 27 (باب البداء والنسخ ، ج 2 ص 136 ط كمباني) ـ وكان المتن منقولاً من البحار ـ ، والكافي 1 / 114 ح 8 وفيه : «فنحن» بدل «ونحن» ، وعنه في الوافي 1 / 513 ح 414 (باب البداء ، ج 1 ص 113).
(5) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 / 182 (باب 13) ، ورواه الشيخ الكليني عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام في الكافي 1 / 114 ح 6 بأختلاف يسير ، وعنه في الوافي 1 / 512 ح 412 (باب البداء ج ص 113).
عليه السلام يقول :
«من الأمور أمور محومة جائية لا محالة ، ومن الأمور أمور موقوفة عند الله ، يقدّم منها ما يشاء ، ويمحو ما يشاء ، ويثبت منها ما يشاء ، لم يطلع على ذلك أحداً ـ يعني الموقوفة ـ فأما ما جاء ت به الرسل فهي كائنة ، لا يكذب نفسه ، ولا نبيه ، ولا ملائكته»(6) .
الثالث : قضاء الله الذي أخبر نبيه وملائكته بوقوعه في الخارج ، إلا أنه موقوف على أن لا تتعلق مشيئتة الله بخلافه.
وهذا القسم هوالذي يقع فيه البداء :
( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب ) (7) ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) (8) .
وقد دلت على ذلك روايات كثيرة ، منها هذه :
1 ـ ما في «تفسير علي بن إبراهيم» عن عبدالله بن مسكان ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال :
«إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى سماء الدنيا ، فيكتبون ما يكون من قضاء الله تعالى في تلك السنة ، فإذا أراد الله أن يقدم شيئاً ، أو يؤخره ، أو ينقص شيئا ،
____________
(6) تفسير العياشي 2 / 217 ح 65 بأختلاف يسير ، وعنه في بحار الأنوار 4 / 119 ح 58 (باب البداء والنسخ ج 2 ص 133 ط كمباني) ـ وكان المتن منقولاً من البحار ـ.
(7) سورة الرعد 39 : 13.
(8) سورة الروم 4 : 30.
أمر الملك أن يمحو ما يشاء ، ثم أثبت الذي أراده.
قلت : وكلّ شيء هو عند الله مثبت في كتاب؟
قال : نعم.
قلت : فأيّ شيء يكون بعده؟
قال : سبحان الله! ثمّ يحدث الله أيضاً ما يشاء ، تبارك وتعالى»(9) .
2 ـ ما في تفسيرة أيضاً ، عن عبدالله بن مسكان ، عن أبي جعفر وأبي عبدالله وأبي الحسن عليهم السلام ، في تفسير قوله تعالى :( فيها يفرق كل أمرٍ حكيم ) (10) .
«أي : يقدر الله كل أمر من اللحق ومن الباطل ، وما يكون في تلك السنة ، وله فيه البداء والمشيئة ، يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء من الآجال والأرزاق والبلايا والأعراض والأمراض ، ويزيد فيها ما يشاء وينقص ما يشاء ...»(11) .
3 ـ ما في كتاب «الأحتجاج» عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنه قال :
«لولا آية في كتاب الله ، لأخبرتكم بما كان ، وبما يكون ، وبما هو كائن إلى يوم القيامة ، وهي هذه الآية :( يمحو
____________
(9) تفسير القمي 1 / 366 بأختلاف يسير ، وعنه في بحار الأنوار 4 / 99 ح 9 (باب البداء والنسخ ج 2 ص 133 ط كمباني) ـ وكان المتن منقولاً من البحار.
(10) سورة الدخان 4 : 44.
(11) تفسير القمي 1 / 366 ، وعنه في بحارالأنوار 4 / 101 ح 12 (باب البداء والنسخ ج 2 ص 134 ط كمباني) ـ وكان المتن منقولاً من البحار ـ.
الله ... ) (12) .
وروى الصدوق في «الأمالي» و «التوحيد» بإسناده عن الأصبغ ، عن أميرالمؤمنين عليه السلام ، مثله(13) .
4 ـ ما في «تفسير العياشي» عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال :
«كان علي بن الحسين عليه السلام يقول : لولا آية في كتاب الله لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة.
فقلت : أية آية؟
قال : قول الله :( يمحو الله ... ) (14) .
5 ـ ما في «قرب اللإ سناد» عن البزنطي ، عن الرضا عليه السلام قال :
«قال أبوعبدالله ، وأبوجعفر ، وعلي بن الحسين ، والحسين بن علي ، والحسن بي علي ، وعلي بن أبي طالب عليهم السلام : والله لولا آية في كتاب الله لحدثناكم بما يكون إلى أن تقوم الساعة :( يمحو الله ... ) »(15) .
____________
(12) الأحتجاج : 258 (ص 137 ، المطبعة المرتضويّة ، النجف الأشرف).
(13) الأمالي : 280 ح 1 ب 55 ، التوحيد : 305 ، وعنهما في بحارالأنوار 4 / 97 ذح 4. (م).
(14) تفسير العياشي 2 / 215 ح 59 ، وعنه في بحارالأنوار 4 / 118 ح 52 (باب البداء والنسخ ج 2 ص 139 ط كمباني) ـ وكان المتن منقولاً من البحار ـ.
(15) قرب الإسناد : 353 ح 1266 ، وعنه في بحارالأنوار 4 / 97 ح 5 (باب البداء والنسخ ج 2 ص 132 ط كمباني) ـ وكان المتن منقولاً من البحار ـ.
إلى غيرذلك من الروايات الدالة على وقوع البداء في القضاء الموقوف.
وخلاصة القول :
إن القضاء الحتمي المعبّر عنه باللوح المحفوظ ، وبأم الكتاب ، والعلم المخزون عندالله ، يستحيل أن يقع فيه البداء.
وكيف يتصوّر فيه البداء؟! وأنّ الله سبحانه عالم بجميع الأشياء منذ الأزل ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
روى الصدوق في «إكمال الدين» بإسناده عن أبي بصير وسماعة ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال :
«من زعم أنّ الله عزّو جلّ يبدو له في شيء [اليوم](16) لم يعلمه أمس فابرأوا منه»(17) .
وروى العياشي عن ابن سنان ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، يقول :
«إن الله يقدّم ما يشاء ، ويؤخّر ما يشاء ، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، وعنده أم الكتاب.
____________
(16) أثبتناه من المصدر. (م).
(17) إكمال الدين : 70 ، وعنه في بحارالأنوار 4 / 111 ح 30 (باب البداء والنسخ ج 2 ص 136) ـ وكان المتن منقولاً من البحار ـ.
وقال : فكلّ أمر يريده الله فهو في علمه قبل أن يصنعه ، ليس شيء يبدو له إلا وقد كان في علمه ، إن الله لا يبدو له من جهل»(18) .
وروى أيضاً عن عمار بن موسى ، عن أبي عبدالله عليه السلام :
«سئل عن قول الله :( يمحو الله ... ) .
قال : إن ذلك الكتاب كتاب يمحو الله [فيه](19) ما يشاء ويثبت ، فمن ذلك الذي يردّ الدعاء القضاء ، وذلك الدعاء مكتوب عليه : الذي يردّ به القضاء ، حتى إذا صار إلى أم الكتاب لم يغن الدعاء فيه شيئاً»(20) .
وروى الشيخ الطوسي في كتاب «الغيبة» بإسناده عن البزنطي ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام ، قال : «[قال](21) علي بن الحسين ، وعلي بن أبي طالب قبله ، ومحمد بن علي ، وجعفربن محمد : كيف لنا بالحديث مع هذه الآية :( يمحوالله ... ) فأما من قال بأن الله تعالى لا يعلم
____________
(18) تفسير العياشي 2 / 218 ح 71 وفيه : «لكل» بدل «فكل» ، وعنه في بحار الأنوار 4 / 121 ح 63 (باب البداء والنسخ ج 2 ص 139) ـ وكان المتن منقولاً من البحار ـ.
(19) أثبتناه من المصدر. (م).
(20) تفسير العيّاشي 2 / 220 ح 74 ، وعنه في بحار الانوار 4 / 121 ح 65 (باب البداء والنسخ ج 2 ص 139) ـ وكان المتن منقولاً من البحار ـ.
(21) أثبتناه من المصدر. (م).
الشيء إلا بعد كونه ، فقد كفر وخرج عن التوحيد»(22) .
والروايات الأثورة عن أهل البيت عليهم السلام أن الله لم يزل عالماً قبل أن يخلق الخلق ، فهي فوق حدّ الإحصاء(23) ، وقد اتّفقت على ذلك كلمة الشيعة الإمامية طبقاً لكتاب الله وسنّة رسوله ، جرياً على ما يقتضيه حكم العقل الفطري الصحيح.
____________
(22) الغيبة : 430 ح 420 ، وعنه في بحارالأنوار 4 / 115 ذح 40 (باب البداء والنسخ ج 2 ص 136 ط كمباني) ـ وكان المتن منقولاً من البحار ـ.
وروى الشيخ الكليني بإسناده عن عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : «مابدا لله في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له». الكافي 1 / 114 ح 9 ، وعنه في الوافي 1 / 514 ح 416 (باب البداء ج 1 ص 113).
(23) أنظر ذلك ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ في : الكافي 1 / 67 ح 2 باب أدنى المعرفة ، و 1 / 83 ـ 84 ح 1 ـ 6 باب صفات الذات ، و 1 / 104 ـ 109 ح 1 و 4 و 6 باب جوامع التوحيد ، و 1 / 115 ح 11 باب البداء ، التوحيد : 135 ح 5 و 6 ، وص 136 ح 8 ، وص 137 ح 9 باب العلم ، وص 139 ـ 148 ح 1 ـ 19 باب صفات الذات وصفات الأفعال.
وكذا ما ورد في تفسير قوله تعالى : ( وما يعمّرمن معمّرو لاينقص من عمره إلا في كتاب ) سورة فاطر 11 : 35 ، وقوله تعالى : ( كلّ يوم هو في شأن ) سورة الرحمن 29 : 55 ، وقوله تعالى : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في انفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ) سورة الحديد 22 : 57 ، وقوله تعالى : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ... ) سورة القدر 1 : 97 ـ 5 وغيرها كثير. (م).
ثمرة الاعتقاد بالبداء
والبداء : انما يكون في القضاء الموقوف ، المعبّر عنه بلوح المحو واللإثبات. والالتزام بجواز البداء فيه لا يستلزم نسبة الجهل إلى الله سبحانه ، وليس في هذاالالتزام ما ينافي عظمته وجلاله.
فالقول بالبداء : هو الاعتراف الصريح بأن العالم تحت سلطان الله وقدرته في حدوثه وبقائه ، وأنّ إرادة الله نافذة في الأشياء أزلا وابدا.
بل وفي القول بالبداء يتّضح الفارق بين العلم الإلهي ّ وبين علم المخلوقين.
فعلم المخلوقين ـ وإن كانوا أنبياء أو أوصياء ـ لا يحيط بما أحاط به علمه تعالى ، فانّ بعضاً منهم وإن كان عالما ـ بتعليم الله إياه ـ بجميع عوالم الممكنات لا يحيط بما أحاط به علم الله المخزون الذي استأثر به لنفسه ، فإنه لا يعلم بمشيئة الله تعالى ـ لوجود شيء ـ أو عدم مشيئته إلا حيث يخبره الله تعالى به على نحو الختم.
والقول بالبداء : يوجب انقطاع العبد إلى الله ، وطلبه إجابة دعائه منه ، وكفاية مهماته ، وتوفيقه للطاعة ، وإبعاده عن المعصية.
فإن إنكار البداء والالتزام بأن ما جرى به قلم التقدير
كائن لا محالة ـ دون استثناء ـ يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه.
فإنّ ما يطلبه العبد من ربّه إن كان قد جرى قلم التقدير بإنفاذه فهو كائن لا محالة ، ولا حاجة إلى الدعاء والتوسّل.
وإن كان قد جرى القلم بخلافه لم يقع أبداً ، ولم ينفعه الدعاء والتضرّع.
وإذا يئس العبد من إجابة دعائه ترك التضرع لخالقه ، حيث لا فائدة في ذلك ، وكذلك الحال في سائر العبادات والصدقات التي ورد عن المعصومين عليهم السلام انها تزيد في العمر أو في الرزق ، أو غير ذلك ممّا يطلبه العبد.
وهذا هوسرّ ما ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام من الاهتمام بشأن البداء.
فقد روى الصدوق في كتابه «التوحيد بإسناده عن زرارة ، عن أحدهما عليهما السلام ، قال :
«ما عبد الله عزّو جلّ بشيء مثل البداء.»(24) .
وروى بإسناده عن هشام بن سالم ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال :
____________
(24) التوحيد : 332 ح 1 (باب البداء ص 272 ط سنة 1386 ، وفي نسخة أخرى : «أفضل من البداء» بدل «مثل البداء») ، ورواه الشيخ الكليني أيضاً في الكافي 1 / 113 ح 1 ، وعنه في الوافي 1 / 507 ح 403 (باب البداء ج 1 ص 113).
«ما عظّم الله عزّو جلّ بمثل البداء»(25) .
وروى وبإسناده عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال :
«ما بعث الله عزوجل نبياً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال : الإقرار بالعبودية ، وخلع الأنداد ، وأنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء»(26) .
والسرّ في هذاالاهتمام : أنّ إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول بأنّ الله غير قادر على أن يغيّر ما جرى عليه قلم التقدير ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً؛ فإن كلا القولين يؤيس العبد من إجابة دعائه ، وذلك يوجب عدم توجّهه في طلباته إلى ربّه.
____________
(25) التوحيد : 333 ح 2 (باب البداء ص 272 ط سنة 1386) ، ورواه الشيخ الكليني أيضاً في الكافي 1 / 113 ذ ح 1 ، وعنه في الوافي 1 / 507 ح 404 (باب البداء ج 1 ص 113).
(26) التوحيد : 333 ح 3 (باب البداء ص 272 ط سنة 1386) ، ورواه الشيخ الكليني أيضاً في الكافي 1 / 114 ح 3 وفيه : «الإقرار له» ، وعنه في الوافي 1 / 510 ح 406 (باب البداء ج 1 ص 113).
[وروى الشيه الكليني بإسناده عن مالك الجهني ، قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه. الكافي 1 / 115 ح 12. (م).]
حقيقة البداء عند الشيعة
وعلى الجملة : فإن البداء ـ بالمعني الذي تقول به الشيعة الإمامية ـ هومن الإبداء (الإظهار) حقيقةً (27) ، وإطلاق لفظ البداء عليه مبني على التيزيل والإطلاق بعلاقة المشاركة؛ وقد أطلق بهذا المعنى في بعض الروايات من طرق أهل السنة.
روى البخاري بإسناده عن أبي عمرة ، أنّ أبا هريرة حدّثه أنة سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول :
«إنّ ثلاثة في بني إسرائيل : أبرص ، وأعمى ، وأقرع ، بدا لله عزّ وجلّ أن يبتليهم ن فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص ...»(28) .
وقد وقع نظير ذلك في كثير من الاستعمالات القرآنية :
كقوله تعالى :( الآن خفّف الله عنكم وعلم أنّ فيكم ضعفاً ) (29) .
وقوله تعالى :( لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ) (30) .
وقوله تعالى :( لنبلوهم أيّهم أحسن عملاً ) (31) .
____________
(27) أنظر مادّة «بدا» من : لسان العرب 14 / 65 والصحاح 6 / 2278. (م).
(28) صحيح البخاري 4 / 208 (4 / 146 باب ما ذكر عن بني إسرائيل).
(29) سورة الأنفال 66 : 8.
(30) سورة الكهف 12 : 18.
(31) سورة الكهف 7 : 18.
وما أكثر الروايات من طرق أهل السنّة في أنّ الصدقة والدعاء يغيّران القضاء(32) .
أما ما وقع في كلمات المعصومين عليهم السلام من الإنباء بالحوادث المستقبلة ، فتحقيق الحال فيها : أنّ المعصوم متى ما أخبر بوقوع أمر مستقبل على سبيل الحتم والجزم ، ودون تعليق ، فذلك يدلّ أنّ ما أخبر به مما جرى به القضاء المحتوم ، وهذا هو القسم الثاني (الحتمي) من أقسام القضاء المتقدّمة؛ وقد علمت أنّ مثله ليس موضعاً للبداء ، فإنّ الله لا يكذّب نفسه ولانبيّه.
ومتى ما أخبر المعصوم بشيء معلقاً على أن لا تتعلق المشيئة الإلهية بخلافه ، ونصب قرينةً ـ متّصلة أو منفصلة ـ
____________
(32) ومن الروايات التي تفيد أنّ الدعاء يغير القضاء ما يلي :
روى سليمان ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم : لا يردّ القضاء إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر الا البرّ.
رواه الترمذي في سننه 4 / 448 ح 2139 (8 / 350 باب ما جاء : لا يردّ القدر إلا الدعاء).
وروى ثوبان ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا يزيد في العمر إلا البرّ ، ولا يردّ القدر إلا الدعاء ، وإن الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها [أو : بالذنب يصيبه].
رواه ابن ماجة في سننه 1 / 35 ح 90 [و 2 / 1334 ح 4022] (1 / 24 باب في القدر) ، ورواه الحاكم في المستدرك 1 / 493 وصحّحه ولم يتعقبه الذهبي ، ورواه أحمد في مسنده 5 / 277 و 280 و 282.
والروايات بهذا المعنى كثيرة تطلب من مظانّها.
على ذلك ، فهذا الخبر إنّما يدلّ على جريان القضاء الموقوف ، الذي هو موضع البداء.
والخبر الذي أخبر به المعصوم صادق وإن جرى فيه البداء ، وتعلقت المشيئة الإلهية بخلافه ، فإنّ الخبر ـ كما عرفت ـ منوط بأن لا تخالفه المشيئة.
روى العياشي عن عمروبن الحمق ، قال :
«دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام حين ضرب على قرنه ، فقال لي : يا عمرو ، إني مفارقكم. ثمّ قال : سنة السبعين فيها بلاء ...
فقلت : بأبي أنت وأمّي ، قلت : إلى السبعين بلاء ، فهل بعد السبعين رخاء؟
قال : نعم يا عمرو ، إنّ بعد البلاء رخاء وذكر آية( يمحو الله ... ) (33) .
____________
(33) تفسير العياشي 2 / 217 ح 68 ، وعنه في بحار الأنوار 4 / 119 ح 60. (م).
مصادر التوثيق والتعضيد
1 ـالقرآن الكريم .
2 ـالاحتجاج على أهل اللجاج ، لأبي منصورأحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (ق 6 هـ) تعليق : السيد محمد باقر الموسوي الخرسان ، نشر : دارالمرتضى ، مشهد / 1403 هـ (مصوّر على طبعة مؤسسة الأعلمي ، بيروت / 1403 هـ).
3 ـ الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ، للشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (336 ـ 413 هـ) تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت ـ عليهم السلام ـ لإحياء التراث ، قم / 1413 هـ.
4 ـأعاجيب الأكاذيب ، للشيخ محمد جواد البلاغي (1282 ـ 1352 هـ) إعداد : السيد محمد علي الحكيم ، نشر : دار الإمام السجاد عليه السلام ، قم / 1412 هـ.
5 ـالأعلام ، لخير الدين الزركلي ، المتوفى سنة 1396 هـ ، الطبعة السادسة ، نشر : دارالعلم للملايين ، بيروت / 1984 م.
6 ـإعلام الورى بأعلام الهدى ، لأمين الإسلام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي ، المتوفى سنة 548 هـ ، تقديم : السيّد محمد مهدي الخرسان ، الطبعة الثالثة ، منشورات دار الكتب الإسلامية ، طهران ، بالتصوير على طبعة النجف الأشرف.
7 ـأعيان الشيعة ، للسيد محسن الأمين العاملي ، تحقيق : السيد حسن الأمين ، نشر : دارالتعارف ، بيروت / 1403 هـ.
8 ـإكمال الدين وإتمام النعمة ، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن
علي بن الحسين بن بابويه القمي ، المتوفى سنة 381 ه ، تصحيح وتعليق : علي أكبر الغفاري ، نشر : مؤسسة نشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية ، قم / 1405 هـ.
9 ـالأمالي ، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمدبن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، المتوفى سنة 381 ه ، تقديم : الشيخ حسين الأعلمي ، نشر : مؤسسة الأعلمي ، بيروت / 1400 هـ.
10 ـبحارالأنوار ، لشيخ الإسلام العلامة محمد باقر المجلسي ، المتوفى سنة 1110 هـ ، الطبعة الثانية ، نشر : مؤسسة الوفاء ، بيروت / 1403 هجرية.
11 ـبصائر الدرجات الكبرى ، لشيخ القمييّن أبي جعفر محمد بن الحسن بن فرّوخ الصفار ، المتوفى سنة 290 هـ ، منشورات مؤسسة الأعلمي ، طهران / 1404 هـ.
12 ـتفسير العياشي ، لأبي النضر محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي (ق 3 هـ) تحقيق : السيد هاشم الرسولي المحلاتي ، نشر : المكتبة العلمية الإسلامية ، طهران.
13 ـتفسيرالقمي ، لأبي الحسن علي بن إبراهيم القمي (ق 3 و 4 ه) تصحيح وتعليق : السيد طيب الموسوي الجزائري ، الطبعة الثالثة ، مؤسسة دارالكتاب ، قم / 1404 ه (مصوّرة على طبعة بيروت الثانية ، سنة 1387 هـ).
14 ـالتفسير الكبير ، للفخر الرازي ، المتوفى سنة 606 هـ ، الطبعة الثالثة.
15 ـالتوحيد ، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ابن بابويه القمي ، المتوفى سنة 381 هـ ، تصحيح وتعليق : السيد هاشم الحسيني الطهراني ، نشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين
في الحوزة العلمية ، قم.
16 ـالذريعة إلى تصانيف الشيعة ، للعلامة الشيخ آقا بزرك الطهراني ، المتوفى سنة 1389 ه ، الطبعة الثالثة ، نشر : دارالأضواء ، بيروت / 1403 هـ.
17 ـسنن ابن ماجة ، للحافظ أبي عبدالله محمد بن يزيد القزويني (207 ـ 275 ه) تحقيق : محمد فؤاد عبدالباقي ، نشر : دار الفكر.
18 ـسنن الترمذي (الجامع الصحيح) ، لأبي عيسى محمد بن عيسى ابن سوره (209 ـ 297 ه) تحقيق وشرح : أحمد محمد شاكر ، نشر : دارإحياء التراث العربي ، بيروت.
19 ـالصحاح ، لإسماعيل بن حماد الجوهري ، تحقيق : أحمدعبدالغفور عطار ، الطبعةالثالثة ، نشر : دارالعلم للملايين ، بيروت / 1404 هـ.
20 ـصحيح البخاري ، لأبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي (194 ـ 256) تحقيق : أحمد محمد شاكر ، نشر : دارإحياء التراث العربي ، بيروت.
21 ـعيون أخبار الرضا عليه السلام ، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، المتوفى سنة 381 هـ ، تصحيح : السيد مهدي الحسيني اللاجوردي ، نشر : انتشارات جهان ، طهران.
22 ـالغيبة ، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 ـ 460 ه) تحقيق : الشيخ عبادالله الطهراني والشيخ علي أحمد ناصح ، نشر : مؤسسة المعارف الإسلامية ، قم / 1411 هـ.
23 ـقرب الإسناد ، للشيخ أبي العباس عبدالله بن جعفر الحميري
(ق 3 هـ) تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت ـ عليهم السلام ـ لإحياء التراث ، قم / 1413 ه.
24 ـالكافي ، لثقة الإسلام أبي جعفرمحمد بن يعقوب الكليني الرازي ، المتوفى سنة 329 ه ، تصحيح : الشيخ نجم الدين الآملي ، تعليق : علي أكبرالغفاري ، نشر : المكتبة الإسلامية ، طهران / 1388 هـ.
25 ـكفاية الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر ، لأبي القاسم علي ابن محمد بن علي الخزاز القمي الرازي (ق 4 هـ) تحقيق : السيد عبداللطيف الحسيني الكوه كمري الخوئي ، نشر : انتشارات بيدار ، قم / 1401 هـ.
26 ـالكنى والألقاب ، للمحدّث الشيخ عباس قمي ، المتوفى سنة 1359 هـ ، تصحيح : السيد حسن الحسيني اللواساني النجفي ، مطبعة العرفان ، صيدا / 1357 ه.
27 ـلسان العرب ، لابن منظور المصري ، أدب الحوزة ، قم / 1405 هـ (مصوّر).
28 ـمعاني الأخبار ، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمدبن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، المتوفى سنة 381 ه ، تصحيح : علي أكبر الغفاري ، نشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية ، قم / 1361 هـ. ش.
29 ـمحصل افكار المتقدّمين والمتأخّرين ، لفخرالدين محمد بن عمرالخطيب الرازي (544 ـ 606 هـ) تعليق : طه عبدالرؤوف سعد ، الطبعة الأولى ، نشر : دارالكتاب العربي ، بيروت / 1404 هـ.
30 ـالمستدرك على الصحيحين ، للحافظ أبي عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري ، المتوفى سنة 405 هـ ، نشر : دارالفكر ، بيروت / 1398 هـ.
31 ـمسند أحمد بن حنيل ، نشر : دارالفكر ، بيروت.
32 ـمعجم رجال الحديث ، لآية الله العظمى السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي (1317 ـ 1413 هـ) الطبعة الثالثة ، بيروت / 1403 ه ، منشورات مدينة العلم ـ قم.
33 ـنصائح الهدى والدين ، للشيخ محمد جواد البلاغي (1282 ـ 1352 هـ) الطبعة الأولى ، مطبعة دارالسلام ، بغداد / 1339 هـ.
34 ـنقباء البشر في القرن الرابع عشر (طبقات أعلام الشيعة) ، للعلامة الشيخ آقا بزرك الطهراني ، المتوفى سنة 1389 هـ ، تعليق : السيد عبدالعزيز الطباطبائي ، الطبعة الثانية ، نشر : دارالمرتضى ، مشهد / 1404 هـ.
35 ـالهدى إلى دين المصطفى ، للشيخ محمد جواد البلاغي (1282 ـ 1352 هـ) نشر : دارالكتب الإسلامية ، قم (مصوّر على الطبعة الثانية ـ النجف الأشرف).
36 ـالوافي ، للمحدث الشيخ محمد محسن الفيض الكاشاني ، المتوفى سنة 1091 هـ ، نشر : مكتبة الإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام ، أصفهان / 1406 هـ.
فهرس المحتوى
الإِهداء..................................................................... 5
مقدمه الاعداد............................................................... 7
مسألة في البداء........................................................... 15
البداء في التكوين......................................................... 29
مصادر التوثيق والتعضيد.................................................... 49
فهرس المحتوى............................................................ 55