صراط الحق- الجزء 1
التجميع أصول الدين
الکاتب محمّد آصف المحسني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

علم الكلام

صراط الحق

في المعارف الإسلامية والأُصول الاعتقادية

بقلم: محمّد آصف المحسني

الجزء الأوّل



بسم الله الرحمن الرحيم



هذه طبعة ثالثة لهذا الكتاب، قام بها الخيّر الموفّق السيد يعقوب - أيّده الله تعالى لخدمة الدين وأهله - صاحب مكتبة ذوي القربى.

بإجازتي، وأرائي الجزء الأوّل بعد طبعة ووجدته جيداً مرغوباً فيه، وأصلحت بعض أخطائه المطبعية الباقية وغيّرت بعض مطالبه زيادةً ونقصاً، بمقدار قليل.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبّل منه ومني أَوّلاً، ثمّ أسأله أن يجعله نافعاً لأهل العلم طلاّب الحقيقة.

المؤلّف المحتاج إلى رحمة ربّه وغفرانه  

أفغانستان - كابل        

شعبان المعظّم سنة 1427 هـ. ق  

الشهر السادس سنة 85 / 13 هـ. ش


الإهداء

أهدي كتابي هذا إلى ساحة خاتم الأوصياء، وقائم الأولياء، ولي العصر، وناموس الدهر، الحجّة ابن الحسن - عجّل الله تعالى فرجه الشريف وجعلنا من أعوانه - قائلاً لحضرته الكريمة متضرّعاً ومتواضعاً:

( يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ ) بمحض فضلك ( وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ) بقبولها واجعلها ذريعةً إلى انتفاع روّاد العلم وهواة الحق ( إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ) .


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الملهم عباده الحمد، وفاطرهم على معرفة ربوبيته، الدال على وجوده بخلقه، وبحدوث خلقه على أزليته، وباشتباههم أن لا شبه له، المستشهد بآياته على قدرته وعلمه وحكمته، الممتنع من الصفات ذاته، ومن الأبصار رؤيته، ومن الأوهام الإحاطة به، لا أمد لكونه، ولا غاية لبقائه.

والصلاة والسلام على سيدنا وسيد العالمين محمد خاتم المرسلين، وعلى آله الأئمة المعصومين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

المطالب الحاضرة في هذا الكتاب، هي غاية ما وصل إليها فكري من طريق البرهان العقلي والاستدلال النقلي، على ضوء الإنصاف، ونمط الاعتدال، من غير حماية فئة، أو التعصّب على طائفة، بل ركنت إلى ما قادني إليه الدليل حينما رفضت التقليد، فإنّ (الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله).

فإن أصبت الواقع فالله أشكر ولا أفتخر، وإن أخطأته فإيّاه استغفر وإليه اعتذر.

لكن الرجاء من دائم فضله أن يتقبّل هذا العمل مني، وينفع به المسترشدين، ويهدي به الضالين، إنّه قريب مجيب، وإنّه أرحم الراحمين.



مدخل

الفائدة الأُولى: في تعريف علم الكلام، وموضوعه، وغرضه وغيرها

الفائدة الثانية: في وضع الكلام

الفائدة الثالثة: في بيان الأدلّة

الفائدة الرابعة: في وجوب النظر

الفائدة الخامسة: في جواز التقليد بشرط

الفائدة السادسة: حول الجاهل القاصر في المعارف الاعتقادية

الفائدة السابعة: في الأمر المولوي والإرشادي

الفائدة الثامنة: في تقسيم المفهوم

الفائدة التاسعة: في خواص واجب الوجود

الفائدة العاشرة: في خواص الممكن

الفائدة الحادية عشرة: في امتناع الدور والتسلسل


مدخل

لا بدّ لنا من تقديم فوائد جليلة هامّة أمام المقاصد؛ لِما بينهما من تمام الارتباط وكمال الاتّصال.


الفائدة الأُولى

في تعريف علم الكلام، وموضوعه، وغرضه وغيرها

قال الفيّاض اللاهيجي في گوهر مراد ما هذا محصّله: إنّ علم الكلام اعتبر على وجهين:

الأَوّل: كلام القدماء، وهو صناعة يقتدر معها على محافظة أوضاع الشريعة، بدلائل مؤلّفة من المقدّمات المسلّمة المشهورة بين المتشرعة، سواء انتهت إلى البديهيات أم لا.

الثاني: كلام المتأخرين، وهو علم بأحوال الموجودات على نهج قوانين الشرع، واحترزوا بالقيد الأخير عن علم الحكمة؛ لعدم اعتبار موافقة الشرع في مفهومها. انتهى.

وقال في المواقف: الكلام علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه.

وعرّفه في الشوارق: بأنّه صناعة نظرية يقتدر بها على إثبات العقائد الدينية.

أقول: التعريف الأَوّل باطل؛ إذ كل علم لا تنتهي مسائله إلى البديهيات، أو إلى ما في حكمها لا يعتنى به.

وأمّا الثاني فسيأتي أنّ القيد المذكور فاسد، فهو تعريف للحكمة دون الكلام.

وأمّا الأخيران فيرد عليهما أنّ مسائل العلم هو نفس العقائد الدينية، وأمّا الصناعة المذكورة فهي من المبادئ التصديقية كما بُيّن في المنطق، ومفاد التعريفين المذكورين هو عكس ذلك.

ثمّ إنّ المراد من الإثبات فيهما، هو الإثبات على الغير دون التحصيل كما صرّح به الجرجاني واللاهيجي، قال الأَوّل في شرح المواقف: العقائد تجب أخذها من الشرع وإن استقل بها العقل، وهو كما ترى؛ ضرورة أنّ جملةً من العقائد ممّا يتوقّف عليه الشرع فيدور هذا، مع أنّ الإثبات على الغير لا يمكن إلاّ بعد التحصيل، ولا موطن له إلاّ علم الكلام.

فالصحيح أن يقال في تعريفه: إنّه مسائل مشتملة على العقائد الدينية الحاصلة من أدلتها اليقينية، وأمّا ما قيل من أنّه علم يبحث فيه عن أحوال المبدأ والمعاد فهو غير متين، فإنّ العلم غير دخيل في مفهوم الكلام، فإنّه مسائل متشتتة جمعها موضوع واحد، أو غرض واحد علم بها عالم أو لا، وتخصيص المعاد بلا مخصّص ظاهر.

وأمّا موضوع هذا العلم ففيه أقوال ثلاثة:


أحدها: ما نُسب إلى المتقدّمين من علماء الكلام، من أنّه الموجود بما هو موجود، لكن من حيث كونه متعلّقاً للمباحث الجارية على قانون الإسلام؛ ليمتاز الكلام عن الفلسفة الإلهية (1) .

ثانيها: ما نُقل عن أكثر المتأخرين من أنّه المعلوم من حيث يتعلّق به إثبات العقائد الدينية (2) . قال في المواقف (3) تعلّقاً قريباً أو بعيداً، والأَوّل مثل مباحث التوحيد وصفات الله وأفعاله، والثاني ما يتوقف عليه هذه الأُمور كمباحث الأُمور العامة والطبيعيات.

وإنّما عدلوا عن لفظ الموجود إلى المعلوم؛ ليدخل في العلم مباحث العدم بناءً على رأي مَن ينكر الوجود الذهني، ومباحث أُمور لا يتوقف أحوالها على وجودها خارجاً كما يقال: النظر الصحيح يفيد العلم أم لا؟ ونحو ذلك. ثالثها: ما نُقل عن بعضهم (4) من أنّه ذات الله سبحانه.

أقول: لا بأس بالقول الأَوّل بناءً على دخول مباحث الأُمور العامة وغيرها في العلم، والتزام الاستطراد فيما لا يرجع إلى أحوال الموجود، غير أنّ ما جعلوه مميّزاً للكلام عن الفلسفة واهٍ جداً، بل لا فرق حينئذٍ بينهما من جهة الموضوع أصلاً.

بيان ذلك: أنّ مسائل الكلام إمّا ما يتوقّف عليه إثبات الشريعة، مثل مباحث إثبات الصانع، وعلمه وقدرته، وامتناع القبح عليه، وإثبات النبوّة ونحوها، وإمّا ما لا تتوقّف عليه فإنّه يستلزم الدور، وأمّا القسم الثاني فإن كان ممّا يدركه العقل ويستقل ويستنكف عنه، بل هو مجبول على اتّباعه فطرةً، فإن وُجد هنا ظاهر نقلي منافٍ لهذا الحكم العقلي، فلا ريب في لزوم تأويله، كما هو المتداول في الكلام والتفسير وغيرهما؛ وسرّ ذلك أنّ الشريعة أُسست من قبل المحيط بجميع الواقعيات، فلا تضاد العقل في أحكامه الصادقة، فنعلم أنّ الإرادة الجدّية من هذا الظاهر غير موافقة للإرادة الاستعمالية البتة.

وإن شئت فقل: إنّ حجّية النقل بالعقل وطرح الأصل لأجل الفرع غير معقول؛ فإنّه ينجر إلى سقوط الفرع وهذا خلف. وأمّا معارضة النقل القطعي مع حكم العقل الجزمي، فهذا غير ممكن ثبوتاً كي نبحث عنه إثباتاً، ولا يُظن بعاقل أن يدعي ذلك في مورد.

وإن لم يكن ممّا يدركه العقل، فإن ثبت بدليل قطعي من الشرع فنعتقد به؛ ضرورة حكم العقل بلزوم تصديق المعصوم عن الكذب والسهو، فهو مثل المستقلاّت العقلية في القبول إلاّ أنّه

____________________

(1) الشوارق 1 / 7.

(2) المصدر نفسه / 10.

(3) المواقف 1 / 26.

(4) لاحظ نفس المصدرين.


إدراك إجمالي للعقل، بمعنى أنّ العقل يصدّقه وإن لم يحط بوجهه تفصيلاً.

ثمّ إنّ الصحيح هو صحّة حصول القطع من الأدلة النقلية، كما هو واقع وجداناً، فإنكاره - كما عن المعتزلة وجمهور الأشاعرة (1) - لا يستحقّ الجواب، بل لا يُظن بهم أيضاً الالتزام به، كما لا يخفى على الناظر في مسائل العلوم الشرعية، وإن لم يثبت بدليل قطعي بل بدليل ظني، فإن كان الظن المذكور حاصلاً من غير الطرق المنصوبة شرعاً، فهو لا يغني من الحق شيئاً فلا عِبرة به، وإن كان من الطرق الشرعية، فإن كان المورد ممّا اعتبر الشارع العلم في صحة الاعتقاد به، فلا يعتنى بالظن المذكور، وإلاّ فالأظهر - خلافاً لِما نُسب إلى المشهور - هو حجية الظن المذكور، وجواز الاعتقاد بمتعلّقه، كما يأتي في آخر الفائدة الثالثة. وهذا الذي ذكرناه ممّا لا يمكن الشك فيه لمسلم، متكلماً كان أو حكيماً، فأين فائدة هذا القيد؟ وما هو الفارق بين العلمين؟ على أنّ القيد المذكور ممّا لا دخل له في عروض العوارض على الموجود فلا يصح أخذه في الموضوع، وإلاّ فتصبح العوارض المذكورة أعراضاً غريبة له، وإذا لم يصح ذلك فلا يكون وجهاً للامتياز، فإنّه عندهم بتمايز الموضوعات، والحيثية المذكورة راجعة إلى البحث دون الموضوع كما عرفت. والصحيح أنّ الفرق بين العِلمينِ من ناحية الغرض؛ حيث إنّ المتكلم يبحث لأجل معرفة العقائد الدينية، والفلسفي لأجل معرفة حقائق الأشياء عقلاً؛ ولذا عُنونت في الكلام مسائل اعتقادية غير مذكورة في الفلسفة؛ لعدم إدراك العقل لها تفصيلاً، ولعلّه واضح.

وعلى الجملة: لابدّ من انتهاء جميع المباحث الكلامية إلى البديهيات والقطعيات وإلاّ لا اعتبار بها، ومن هنا ينقدح أنّ طعن صاحب الشوارق (2) على هذا العلم بقوله: إنّ الاعتماد على الدلائل الكلامية من حيث هي كلامية غير مجدٍ في تحصيل العقائد الدينية، بل جدواها إنّما هو حفظ العقائد إجمالاً على العقول القاصرة - الغير القادرة على البلوغ إلى درجة اليقين التفصيلي، والتحقيق التحصيلي - غير وارد، بل هذا منه ومن غيره إفراط في القول، وزلة جمع من الكلاميين في عدة من المسائل لا تضرّ بالعلم نفسه، كما أنّ أغلاط قوم من الفلاسفة لا تُحسب على الفلسفة كما لا يخفى.

وأمّا القول الثاني فهو يساوق إنكار الموضوع من أصله؛ ضرورة أنّ المعلوم عنوان انتزاعي لا تأصّل له خارجاً، كيف ولا يعقل الجامع التأصلي بين الوجود والعدم، إلاّ أن يلتزم بتعدّد العلم المذكور حسب تعدّد الموضوعات كالوجود والعدم والحال؟ وهو كما ترى، مع أنّه يدخل في

____________________

(1) شرح المواقف 1 / 209.

(2) الشوارق 1 / 8.


هذا العلم بعض العلوم الأُخر أيضاً حسب هذا التعريف؛ لتعلّق العقائد بها ولو بعيداً، هذا مع أنّ الحيثية المذكورة - وهي المعلومية - لا ترتبط بعروض العوارض على موضوعاتها، فلا تكون راجعةً إلى الموضوع أصلاً. فالصحيح هو القول الثالث وإن كان القوم أبطلوه - كما في الشوارق - لوجهين:

الأَوّل: أنّه قد يُبحث فيه عن غير الأعراض الذاتية لذاته تعالى، كمباحث الجواهر والأعراض وغيرها، ولا يصح دخولها في المبادئ فإنّها غير مبيّنة في نفسها، فلابدّ من كونها مبيّنةً في علم آخر يكون هو أعلى من الكلام، وهو باطل اتّفاقاً. أقول: وفيه ما لا يخفى فلا مانع من إدراجها في المبادئ.

الثاني - وهو العمدة -: أنّ البحث عن وجود الموضوع خارج عن مسائل العلم، فإنّها مشتملة على إثبات العوارض الذاتية للموضوع، وإثبات شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، فلابدّ وأن يكون وجود الموضوع بنحو (كان التامة) مفروغاً منه في كل علم؛ ليتمركز البحث عن أحواله وأطواره، وبناءً عليه لا يجوز جعل ذاته تعالى موضوعاً لعلم الكلام؛ لأنّ إثباته غير بيّن في نفسه، فلابدّ من تبيينه في علم آخر، أو في مبادئ هذا العلم، مع أنّه من أهم مقاصد الكلام.

أقول: قد ذكرنا في تعليقتنا على كفاية الأُصول أنّ ما قالوه - من أنّ موضوع كلّ علم ما يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية - ممّا لا دليل عليه، وعليه فنقول: إنّ موضوع كلّ علم ما يُبحث عنه وعن أحواله، وهذا التحديد لا يخرج عن الاستحسان العقلائي، الذي هو السرّ في تشعّب العلوم وتعنون المسائل بعنوان ما، وحينئذٍ يصحّ جعل واجب الوجود موضوعاً لعلم الكلام، فإنّ البحث فيه حوله وحول صفاته وأفعاله، فيكون البحث عن إثبات وجوده أيضاً من مسائل العلم، وإن كان بالنسبة إلى بقية المسائل من المبادئ، ولا غرو في أن تكون القضية الواحدة من المسائل باعتبار نفسها ومن المبادئ باعتبار غيرها، بل هو واقع في العلوم. هذا مع إمكان دعوى بداهة هذه القضية وكونها بيّنةً في نفسها، فإنّ اختلاف الماديين في الصفات دون أصل المبدأ كما يأتي.

وأمّا غرضه فهو عرفان الحقائق الدينية والأُصول الاعتقادية كما يظهر من الكلمات المتقدّمة. وأمّا إرشاد المسترشدين، وإلزام المعاندين، وحفظ قواعد الدين من شُبه المبطلين، فهي من الفوائد والآثار، وليست من الأغراض كما لا يخفى.

وأمّا شرف هذا العلم فهو غني عن البيان، فإنّه في غاية السمو ونهاية العلو،


أَوَ ليس من ثمراته سعادة الإنسان الأبدية وخلوصه عن العذاب الدائمي؟! ولعمري إنّ إطالة الكلام هنا لغو فإنّ العيان بنفسه يغني عن البيان، فكيف إذا وافقه البرهان والقرآن؟!

وأمّا وجه تسميته بالكلام فهو؛ إمّا لأنّه بإزاء المنطق للفلاسفة، أو لأنّ أبوابه عنونت أَوّلاً في كتب القدماء بـ (الكلام في كذا) فسُمّي العلم به، أو لأنّه يورث القدرة على الكلام في الأُصول الشرعية، أو لأنّ مسألة الكلام - أعني قِدم القرآن وحدوثه - أشهر أجزاء هذا العلم، حتى آلَ الأمر فيه إلى التضارب والتقاتل (1) ، أو لتكلّم أربابه في صفات الله وأفعاله. والأخيران أقرب من غيرهما.

____________________

(1) ففي التمدّن الإسلامي 2 / 107: ضرب المعتصم العباسي أحمد بن حنبل على عدم إقراره بخلق القرآن ضرباً عظيماً، حتى غاب عقله وقطع جلده وحبس مقيّداً.


الفائدة الثانية

في وضع الكلام

لما توفّي النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقع الخلاف بين أصحابه في الخلافة والإمامة، وما تمكّنوا من حفظ توحيد الكلمة كما كانوا عليه في حياته صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثمّ إنّ حزب أبي بكر - الخليفة الأَوّل - وإن غلبوا في ذلك الوقت على أخذ السلطة التنفيذية، وعزل مخالفيهم عن تدبّر الأُمور، إلاّ أنّ النزاع لم يرتفع به، بل أصبح من أهم العوامل المؤثّرة في شؤون المجتمع الإسلامي، فهو الأساس لتشعّب المسلمين إلى فرقتين: الشيعة وغيرها، وهو البذر لحروب الجمل والصفين والنهروان وكربلاء وغيرها، وهو المحور للاختلاف في القوة التشريعية، فتشتّت المذاهب والآراء في الأُصول والفروع.

وممّا وسّع هذا الاختلاف خروج طاغية الشام على أمير المؤمنين عليه‌السلام بعد قتل عثمان، فإنّه بغى واستكبر فصار من المفسدين، ومن سوء الاتّفاق أنّه علا أمره، واستولى على ما أراد، فأتاح الأمر لمَن بعده من آل أمية، الذين هم شر قبائل العرب (1) ، وأنّهم أبغض الأحياء أو الناس إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (2) ، فآلَ الأمر إلى انعزال عترة النبي من السلطة التعليمية والإرشادية أيضاً، بعدما افتقدوا السلطة التنفيذية والإجرائية. والناس على دين ملوكهم. فقام أُناس - لا صلاحية لهم - في المجامع الدينية العلمية، وتصدّوا لتدريس الأُصول وتطبيق الفروع، وكلّما دخلت أُمّة لعنت أُختها، وكأنّ القرآن ينظر إليهم حيث يقول: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) (3) . وبما أنّه لم يكن لهم ميزان علمي، ولا أصل موضوعي، ولا قانون كلي، تكثّرث آراؤهم وتباينت أنظارهم، فاتّسعت الخوارج، وتولّدت المرجئة، وتكوّنت المعتزلة، وقامت الجبرية (4) ، وظهرت الأشعرية وهكذا.

____________________

(1) قال ابن حجر في تطهير الجنان واللسان / 30: إنّه حديث حسن.

(2) وفي نفس المصدر: قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.

(3) القصص 28 / 41.

(4) قُتل رئيسهم جهم بن صفوان في آخر مُلك بني أُميّة كما في الملل والنحل.


كل ذلك؛ لعدم مرجع لائق ديني يلم شَعث المسلمين، ويدير الحوزة العلمية.

وقد حكي (1) أنّه لمّا قيل لابن أبي العوجاء تلميذ الحسن البصري (21 - 110هـ): لِمَ تركت مذهب صاحبك - الحسن - ودخلت فيما لا أصل له (أي الزندقة)؟ أجاب: إنّ صاحبي كان مخلِطاً، كان يقول طوراً بالعدل وطوراً بالجبر، وما أعلمه أعتقد مذهباً دام عليه... فإذا كان هذا حال الحسن - وهو من دعائم هذه الطريقة وأساطين هذه المدرسة - فما حال غيره؟!

وقد قيل في حقّه أيضاً (2) : إنّه كان يلقى الناس بما يهوون، ويتصنّع للرئاسة، وكان رئيس القدرية، وكان يبغض علياً، ويُنقل حبّه له أيضاً، فإذا كان المصدر للمعارف الدينية أمثاله فما ظنّك بالمتعلّمين والمقلّدين؟

ولذا اخترع واصل بن عطاء (80 - 131 هـ) مذهب الاعتزال؛ حينما ألقى مسألةً بسيطة على أُستاذه - الحسن هذا - فعجز عن إقناعه، وقد علا أمر المعتزلة في المسائل الكلامية، فإنّ مطالبهم أقرب إلى الأحكام العقلية في الجملة، وربّما استفادوا من الفلسفة اليونانية لتصحيح مبانيهم، وللفلسفة المذكورة تأثير كبير في علم الكلام وتشتّت آراء المتكلمين.

وأمّا مخالفو المعتزلة فلم يكن لهم القوة في الكلام، حتى خالف علي بن إسماعيل أبو الحسن الأشعري (260 أو 270 - 330 على قول) في مسألة - نذكرها مع جوابها في موطنها المناسب من هذا الكتاب - أُستاذه المعتزلي محمد بن عبد الوهاب المعروف بأبي علي الجبائي (235 - 303 هـ)، فرجع عن مذهبه حينما لم يفهما حلّ المسألة، فتاب الأشعري من القول بخلق القرآن، والعدل، وعدم رؤية الله بالأبصار، ونحوها ممّا عليه أُستاذه (3) ! وسعى في تدوين تلفيقات سلفه حتى سُمّي المذهب باسمه، وله أقوال عجيبة ربّما تصادم الضرورة كما تقف عليها في هذا الكتاب.

قال معين الدين الأيجي الشافعي (4) ، واعلم أنّه - أي الأشعري - قد يرعوي إلى عقيدة جديدة بمجرّد اقتباس قياس لا أساس له، مع أنّه منافٍ لصرائح القرآن وصحاح الأحاديث... إلخ.

وهكذا خلفَ من بعدهم خلف أضاعوا الحق، واتّبعوا الميول والأهواء، وابتعدوا عن السفينة المنجية المحمدية، إلاّ القليل ممّن استقاموا على الطريقة الوسطى، فالتزموا العترة الهادية عن بكرة أبيهم، فانقادوا في كلّ عصر لإمامه من أئمة آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأخذوا عنهم الأُصول والفروع.

____________________

(1) بحار الأنوار 3 / 33.

(2) رجال المامقاني 1 / 270.

(3) لاحظ فهرست ابن النديم / 271.

(4) إحقاق الحق 1 / 100.


ونبغ منهم في كلّ عصر رجال أفذاذ وأعلام هداة، وأَوّل مدرسة تخرّج فيها هؤلاء الجهابذة الإسلاميون، هي مدرسة الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام (1) ، وهذا كتاب نهج البلاغة بين يديك وهو يدلّك على حقيقة الحال، ففيه أسرار التوحيد، وخفايا التنزيه، ومزايا المعارف الاعتقادية، وكليات القوانين الاجتماعية، والسنن الأخلاقية، والرسوم السياسية وغيرها.

ثمّ اتّسعت هذه المدرسة واشتهرت في عصر الإمامين العظيمين: الباقر والصادق عليهما‌السلام حتى عدّوا المتدرّسين فيها إلى أربعة آلاف، وقد تخرّج فيها الأكابر المتبحّرون والعلماء الكاملون، أمثال هشام بن الحكم، ومؤمن الطاق، ويونس وزرارة، وكثير من أقرانهم، فتحمّلوا من علوم آل نبيهم، وروّجوا ما تنوّر به المجامع العلمية الإسلامية والعالمية.

والمذاهب المتقدّمة (2) حيث لم تتمكن من مقاومة هذه المدرسة في ميدان العلم والفضيلة، قابلتها بالظلم والتعدّي والافتراء؛ فلذا نُسب إلى بعض هؤلاء الكاملين القول بالتشبيه، وإلى آخر منهم القول بالتجسّم، وإلى ثالث الاعتقاد بحدوث صفات الله، وهكذا، بل جعل لكل من هؤلاء المنقادين لإمامهم الصادق عليه‌السلام مذهب على حدة! ولم يزل هذا الوضع المشؤوم إلى يومنا هذا، يوم النور والتفكير، فما من كتاب من هؤلاء الجماعة المتقدمة، إلاّ وفيه أباطيل منسوبة إلى الشيعة وهم براء منها، وكم وقع عليهم الظلم والعدوان:

وكان ما كان ممّا لست أذكرُه فظنْ خيراً ولا تسألْ عن الخبرِ

والله الهادي... وقد تحصّل ممّا سطّر - إن لم تغلب العصبية على العاقلة - أنّ الأقدمين في علم الكلام وغيره من العلوم الشرعية هم الإمامية؛ لأنّهم أَوّل مَن شرعوا في التأليف والتدوين، فما في جملة من الكلمات من نسبة المسائل إلى المعتزلة أو الأشاعرة، ثمّ نسبة المتابعة والموافقة إلى الإمامية؛ إمّا جهل أو عناد، بل كثيراً ما يُهمل نقل أقوالهم لجهات غير خفية على الخبير. ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين.

____________________

(1) قال ابن النديم في الفهرست / 263: أَوّل مَن تكلم في مذهب الإمامة علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار، وميثم من أجلّة أصحاب علي (رضي الله تعالى عنه) ولعلي من الكتب كتاب الإمامة، كتاب الاستحقاق.

أقول: قد سبق علياً غيره، فلاحظ مقدمة وسائل الشيعة المطبوعة حديثاً؛ حتى تعلم أنّ الشيعة ابتدؤوا بتدوين الكتب من بدو ظهورهم.

(2) قال الشهرستاني في أوائل مِلله ونحله: أمّا رونق علم الكلام فابتداؤه من الخلفاء العباسية هارون وغيره، وانتهاؤه من الصاحب بن عبّاد وجماعة من الديالمة. وقيل: أَوّل مَن تكلّم في علم الكلام أبو هاشم ابن محمد بن الحنفية.


الفائدة الثالثة

في بيان الأدلّة

المسائل اليقينية إمّا ضروريات أو نظريات منتهية إليها قطعاً. والضروريات المذكورة ست:

منها: الأوّليات: وهي ما لا يتوقف إدراكه على شيء زائد من تصوّر طرفيه، وإن كان هذا التصوّر كسبياً، كقولنا: الممكن محتاج، وتُسمّى بالبديهيات أيضاً.

ومنها: الحسّيات: وهي ما يحكم العقل به بواسطة إحدى الحواس، فإن كانت ظاهرةً تسمّى المشاهدات، وإن كانت باطنةً - وهي الحس المشترك (بنطاسيا) والخيال، والواهمة، والحافظة - تسمّى الوجدانيات (1) ، وفيها يدخل ما تدركه النفس لا بتوسّط الآلات، مثل شعورنا بذاتنا وبصفاتنا النفسية، كالخوف، والسرور، والحزن، والجزع، والشبع ونظائرها.

قال المحقّق اللاهيجي في بحث أعراض الشوارق: ويدخل في المشاهدات الباطنية: الوهميات التي جعلها بعضهم قسماً سابعاً، وذلك ما يحكم به الوهم في المحسوسات فيصدّقه العقل في ذلك، نحو كلّ جسم فهو في جهة، ولا يكون جسم واحد في مكانين، فإنّ العقل يصدّق الوهم في أحكامه على المحسوسات لا على المجرّدات والمعقولات، كحكمه بأنّ كلّ موجود في جهة أو مكان... إلخ.

ومنها: المتواترات: وهي ما يحكم العقل به لكثرة أخبار المخبرين، بحيث يزول معها الشك والاحتمال بتواطؤ المخبرين على الكذب، ثمّ إنّ إفادة التواتر اليقين موقوف على أمور:

1 - كون المخبر عنه أمراً محسوساً؛ إذ لو كان أمراً حدسياً لَما حصل اليقين منه؛ لاحتمال خطأ الجميع في حدسهم كخطأ الفرد، وهذا بخلاف الحسّيات حيث إنّ وضوحها ينفي هذا الاحتمال، وخالف فيه الفارابي (2) فذكر أنّه لا حجّة أقوى من اجتماع الآراء على شيء واحد، بل هو ظاهر جماعة من المتكلّمين، حيث استدلّوا على إثبات الصانع بإجماع الأنبياء والعقلاء،

____________________

(1) قيل: الفرق بين الوجدان - بكسر الواو - والوجدان - بضمّها -: إنّ الأَوّل يُطلق على القوةّ المدركة، والثاني على إدراكها. وقيل: المتداول إطلاق كلّ منهما على كلّ من المعنيين.

(2) رهبر خرد / 236.


وعلّلوه بأنّ اتّفاق جمّ غفير من الأذكياء على شيء يوجب اليقين بصحّته؛ إذ من المحال عادةً أن يتّفقوا على أمر غير واقع، بل ذكر العلاّمة المجلسي رحمه‌الله (1)، أنّ ما يُجمع عليه العقلاء لا يكون إلاّ ضرورياً أو قريباً من الضروري، وبه استدلّ على استحالة النقص على الله تعالى.

أقول: حصول العلم يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، لكن الدليل حينئذٍ لا يكون إلزامياً، ولعلّ الغالب هو عدم حصول العلم منه في الحدسيات.

2 - عدم العلم بالمخبر عنه قبل حصول التواتر لاستحالة تحصيل الحاصل.

3 - عدم انتهاء الناقلين في تمام الطبقات والأدوار إلى عدد قليل يجوز تبانيهم على الكذب.

4 - صفاء الذهن بالنسبة إلى المخبر عنه، وعدم الاعتقاد على خلافه، وإلاّ لم يفد العلم. ذكره السيد المرتضى قدّس سره وقَبِله عنه الآخرون، ووجهه واضح.

وأمّا اشتراط الإسلام، والعدالة، واختلاف النسب، وعدم جمعهم في بلد، وتعيين عدد خاصّ من الناقلين، كالخمسة أو العشرين أو الأربعين أو السبعين أو ثلاثمِئة، فغير لازم قطعاً، بل بعضها جزاف.

ثمّ إنّ التواتر على أقسام ثلاثة:

الأَوّل: التواتر اللفظي: وهو اتّفاق الناقلين على ألفاظ الخبر وعباراته، كتواتر ألفاظ القرآن، وحديث المنزلة، وحديث الغدير ونحوها.

الثاني: التواتر المعنوي: وهو تواطؤهم على معنىً واحد وإن اختلفت ألفاظهم، سواء كانت دلالة الألفاظ على المعنى المخبر عنه بالمطابقة، أو بالتضمّن، أو بالالتزام، وهذا مثل ما ورد من الأخبار الحاكية عن شجاعة علي عليه‌السلام .

الثالث: التواتر الإجمالي: وهو نقل الوقائع الكثيرة، فإنّه يحصل العلم بوقوع بعضها عادةً، وإن كان كل واقعة بخصوصه مشكوكاً فيها، وأورد عليه الأُصولي الشهير المحقّق النائيني قدّس سره (2) ، بأنّ الأخبار إذا بلغت من الكثرة ما بلغت، فإن كان بينها جامع يكون الكلّ متّفقاً على نقله فهو راجع إلى التواتر المعنوي، وإلاّ فلا وجه لحصول القطع بصدق واحد منها بعد جواز الكذب على كلّ منها في حدّ نفسه.

ويدفع أَوّلاً: بجريانه في القسمين الأَوّلين أيضاً وهو لا يلتزم به.

وثانياً: أنّه شبهة في مقابل البداهة، أَليس مَن لاحظ كتاب التهذيب مثلاً، يضطر إلى القطع بصدور بعض ما فيه عن الأئمة عليهم‌السلام ؟

____________________

(1) البحار 3 / 231.

(2) أجود التقريرات 2 / 113.


ثم إنّه يمكن أن يقال بوجود جامع غير مقصود في التواتر الإجمالي، ولو في بعض مواردها، كما في مثل الروايات الدالّة على حجية خبر الثقة أو العادل - كما قرّرناه بعد ذلك في آخر كتابنا (روح) - دون الجامع المقصود كما في التواتر المعنوي.

ومنها: الفطريات: وهي ما يحكم به العقل باعتبار أوسط لا ينفك عن الذهن عند تصوّر حدودها، كقولنا: الاثنان زوج؛ لأنّه منقسم بمتساويين، والانقسام المذكور لا يغيب عن الذهن بعد معرفة طرفي القضية، ويقال لها: قضايا قياساتها معها أيضاً.

ومنها: التجربيات: وهي ما يحكم به العقل بسبب مشاهدات متكرّرة مع انضمام قياس خفي، وهو أنّه لو كان اتّفاقياً لَما كان دائمياً أو أكثرياً، بل هناك سبب إذا علم وقوعه علم وجود المسبّب، كقولنا: الضرب مؤلم، والفرق بينها وبين الاستقراء هو هذا القياس كما ذكر بعضهم؛ ولذا لم يعتبروا الاستقراء، وربّما نوقش (1) في إفادة التجربة لليقين، إلاّ أنّه غير مسموع جزماً، نعم هي لا تنهض دليلاً على غير المجرّب.

ومنها: الحدسيات: وهي ما يحكم العقل به بواسطة حدس من النفس بمشاهدة القرائن، كالحكم بأنّ نور القمر مستفاد من الشمس. والفرق بينها وبين التجربيات مع افتقار كلّ منهما إلى تكرار المشاهدة: أنّ الثاني يتوقّف على فعل يفعله الإنسان حتى يحصل المطلوب بسببه، فإنّ الإنسان ما لم يجرّب الدواء بتناوله، أو إعطائه غيره مرةً بعد أُخرى، لا يحكم عليه بأنّه مُسهِل مثلاً، وهذا بخلاف الحدس فإنّه غير موقوف على ذلك (2) .

ثمّ إنّ الحدس عبارة عن انتقال الذهن الدفعي من المبادئ إلى المطالب، وإن شئت فقل: إنّه حضور المبادئ في الذهن بلا مهلة وتراخٍ حين توجّهه إلى المطالب، وإحاطة النفس دفعةً واحدة على المطالب والمبادئ؛ ولذا أدخلوها في الضروريات دون النظريات الموقوفة على الفكر المعتبر فيها الحركة.

هذه هي القضايا الضرورية التي تقع مواد للبرهان القطعي، والأقوى منها هو: الأَوّليات، ثمّ المحسوسات، ثمّ الفطريات، ثمّ المتواترات، ثمّ الحدسيات، ثمّ المجرّبات، والمستدلّ بأحد هذه المبادئ يسمّى عندهم حكيماً، لكن الأَولى أن يُسمّى محقاً أو مبرهناً.

أقول: وهنا قسم سابع يمكن إدخاله في الضروريات المذكورة، وهو ما يحكم به الفطرة دون العقل، مثل قولنا: دفع الضرر واجب، فإنّه يذعن به مَن لا عقل له كالمجانين والحيوانات ونحوها، نعم تمييز الموارد في الجملة موقوف على إدراك العقل، وأمّا أصل الحكم فهو غير

____________________

(1) رهبر خرد / 232.

(2) لاحظ شرح المطالع / 334، وذكر العلاّمة الحلي فرقاً آخر بينهما في شرح التجريد / 139.


موقوف عليه؛ ولذا يجتنب من الضرر كلّ حسّاس مميّز. (فتأمّل).

هذه إحدى الصناعات الخمس.

وثانيها: الجدليات: وهي تتركب من المشهورات والمسلّمات. أمّا المشهورات: فهي قضايا تتّفق عليها الآراء، ويعترف بها عموم الناس؛ إمّا لمصلحة عامة كقولنا: العدل حسن والظلم قبيح، أو لرقّة كقولنا: معاونة الفقراء محمودة، أو لحميّة كقولنا كشف العورة مذموم، أو لعادة كقولنا التلبس حسن، أو لأدب كقولنا: شكر المنعم لازم، وتسمّى بالشرائع غير المكتوبة في مقابل الشرائع المكتوبة الإلهية التي لا يعترف بها العموم.

ومن المشهورات ما يعترف به الأكثر أو الطائفة الخاصّة، كقبح ذبح البقر عند الهنود، فاعتراف العموم غير معتبر فيها.

والفرق بينها وبين الأَوّليات: اعتبار مطابقة الواقع في الثانية دون الأُولى؛ ولذا قد تجتمعان في مورد، وربّما تشتبه الحال فلا يُعلم أنّ القضية الفلانية من الأَوّليات أو من المشهورات، والتمييز بأحد الوجود الثلاثة:

الأَوّل: تجريد النفس من جميع الخاطرات، بحيث يحسب أنّه مخلوق الساعة، لم يشاهد أحداً، ولم يمارس عملاً، فإذن إن حكم على القضية بحكم فهي برهانية، وإن توقف فهي مشهورية.

الثاني: احتمال الكذب في المشهورات؛ إذ ربّ شهرة لا أصل لها، بخلاف الأَوّليات.

الثالث: اختلاف المشهورات حسب اختلاف العادات والآداب، دون الأَوّليات.

أقول: والكل غير مطرّد كما لا يخفى على اللبيب.

وأمّا المسلّمات: فهي قضايا مسلّمة عند الخصم، فيُستدلّ بها لإلزامه أو إرشاده، سواء كانت باطلةً عند المستدل أو صحيحةً. وللمسلّمات معنى آخر (1) وهو: المسائل المأخوذة من علم للاستدلال والتعليم بها في علم آخر، وبهذا المعنى تنقسم إلى المصادرات، والعلوم المتعارفة، والأصول الموضوعة. والمستدل بالمشهورات والمسلّمات يسمّى مجادلاً، غرضه إقناع القاصرين وإلزام المعاندين، وقد عرفت أنّ نسبة المسائل الكلامية إلى الجدل - كما صدرت عن جماعة من الحكماء - نسبة كاذبة لا أصل لها.

ثالثها: الخطابيات: وهي تلتئم من المقبولات والمظنونات. أمّا الأُولى فهي ما يؤخذ من العلماء والأولياء، وأمّا الثانية فهي ما يحكم به العقل حكماً راجحاً غير جازم كقولنا: هذا الجدار ينهدم لانتشار ترابه، وزيد فقير لاندراس لباسه، فهي أعم من المقبولات صدقاً، والمستدلّ بها

____________________

(1) عبارة (وللمسلّمات معنى آخر) اصطلاح منّا (المؤلّف).


يسمّى خطيباً، غرضه إرشاد الناس إلى السعادة، وزجرهم عن الشقاوة والهلاكة. والخطابة وإن لا موقع لها في العلوم البرهانية، إلاّ أنّها أعظم شيء تأثيراً في نفوس العوام، فلابدّ من الاعتناء بها في علم الميزان.

رابعها: الشعريات: وهي تتألف من المخيّلات التي هي قضايا لا تذعن النفس بها، ولكن تنفعل بها ترغيباً أو تنفيراً، ولا سيما إذا كانت موزونةً، ويسمّى مستعملها شاعراً.

خامسها: السفسطيات: وهي تتركب من الوهميات والمشبّهات. الأُولى ما يحكم به الوهم في المعقولات قياساً على المحسوسات، مثل: كل موجود متحيّز. ويعرف كذبه بمساعدة العقل، وإلاّ لعدّت من الأَوّليات أو المشهورات، والثانية قضايا كاذبة شُبّهت بالقضايا الصادقة؛ لأجل الاشتباه اللفظي أو المعنوي. والمغالط يُسمّى سفسطياً إن كان في مقابل المبرهن، ومشاغباً إن كان في مقابل الجدلي.

ثم إنّ الاستدلال إمّا من العلة على المعلول، فهو برهان لمّي، وإمّا من المعلول على العلة أو من أحد المعلولين على الآخر، فهو دليل إنّي؛ وإمّا من العلة على نفسها فهو شبه لم، فما أُقيم على إثبات وجود الواجب وسمّوه باللّم فهو من شبه اللّم.

بقي هنا بحوث مهمة

البحث الأوّل: في عموم اعتبار الإدراكات العقلية:

فنقول: بعد الاعتراف بوجود الأشياء الخارجية، والسلامة من الأمراض اللاأدرية والسوفسطائية، يقع الكلام في أنّه هل يُعتمد على إدراكات العقل غير الحسّية؟ وهل يُصدّق العقل في أخباره الكلّية أم لا، بل المعتبر هو الإدراكات الحسية فقط؟

ذهب المتأخّرون من البحّاث الغربيين إلى الثاني؛ بحجّة أنّ المسائل العقلية الصرفة كثيراً ما يقع فيها الغلط والاشتباه، مع عدم ميزان يُفرّق به بين الصادقة والكاذبة، وأمّا المباحث الحسّية فهي ذات ميزان، فإنّ الإنسان إذا أدرك شيئاً بإحدى حواسّه، يعقبه بتكرير الأمثال وإعادة الأشباه؛ حتى يتّضح المقصود بحيث لا يمسّه شك ولا ترديد.

أقول: الدعوة المذكورة موهومة قطعاً، وهي مستوجبة حرمان الإنسان عن الحقائق الكلّية العقلية، وانحطاط النفس الناطقة عن معراج الكمال والفضيلة إلى هاوية النقصان والجهالة، والحجّة القائمة عليها مزيّفة:

أَوّلاً: بوقوع الخطأ في الحسّ أيضاً كما ذُكرت أمثلته في المطوّلات، فإذن يثبت قول الشكّاكين وإخوانهم بإنكار الحقائق الخارجية مطلقاً. وحلّ الإشكال: أنّ وقوع الاشتباه أحياناً


لا يستلزم إلغاء سلطنة العقل في إدراكاته بوجه من الوجوه.

وثانياً: لِما عرفت من توقّف التجربة في إفادتها العلم بالأمر الكلّي على القياس الخفي المذكور، وهو أنّ هذا الأمر لو كان اتّفاقياً لم يكن أكثرياً أو دائمياً، لكنّه كذلك فهو ليس باتّفاقي. وهذا القياس عقلي لا حسّي، فإذا ألغينا حكم العقل في المعقولات، فقد أبطلنا أساس الأحكام الحسّية، وهو التجربة المذكورة، وهذا هو السفسطة.

وبالجملة: أنّ الحسّ لا يمكنه الإحاطة بالقضايا الكلية أبداً؛ إذ لا يناله إلاّ الأمر الجزئي مثل: إنّ الضرب الواقع على زيد كان مؤلماً لجزعه، وكذا الواقع على زيد وعمرو، وكل ذلك أُمور جزئية، فالحكم بأنّ كل ضرب دائماً مؤلم غير داخل في سلطان الحسّ أصلاً، ولازم هذا بطلان جميع العلوم الطبيعية؛ إذ لا يترتّب الآثار المطلوبة إلاّ على تلك الكلّيات، كقول الطبيب: كل مرض كذائي ينفعه الدواء الفلاني مطلقاً، بلا اعتبار زمان مخصوص، ومكان كذلك، وعنصر معيّن، وهكذا، فلابدّ من قبول حكومة العقل حتى ينتظم ناموس العلوم التجربية.

وثالثاً: لو انتهى صحّة الإدراكات الحسّية إلى التجربة فقط، لَما انقطع السؤال عن انتهاء التجربة نفسها وأنّها إلى ماذا تنتهي؟ وما هو المصدّق لها هل نفسها حتى يدور؟ أو غيرها كي يبطل قولهم من رأس؟ والإنصاف أنّ هذه النظرية الرديئة راجعة إلى مزعومة السوفسطائيين لا محالة.

البحث الثاني: في الفرق بين المسائل الضرورية والنظرية:

وهو من وجوه:

الأَوّل: ما ذكره العلاّمة قدّس سره (1)، من أنّ الضروري من التصوّر ما لا يتوقّف على طلب وكسب، ومن التصديق ما يكفي تصوّر طرفيه في الحكم بنسبة أحدهما إلى الآخر إيجاباً أو سلباً، والمكتسب ضدّ ذلك فيهما.

أقول: لكنّه يختصّ بالأَوّليات من الضروريات ولا يشمل غيرها.

الثاني: ما ذكره الفاضل المقداد (2)، من أنّ المعلوم ضرورةً هو الذي لا يختلف فيه العقلاء، بل يحصل العلم به بأدنى سبب، ويزيّفه وقوع اختلافهم في الضروريات حتى في أَوّليّاتها، كما سيمرّ بك في هذا الكتاب إن شاء الله.

وما ذكره صاحب الشوارق (من أنّ البديهي عند مَن يرونه بديهياً لا يقع منهم الاختلاف،

____________________

(1) شرح التجريد / 136.

(2) شرح الباب الحادي عشر / 5.


وأمّا بالنسبة إلى الآخرين فيجوز الخلاف فيه) (1) فهو سقيم؛ إذ كل مسألة عُلمت صحّتها لا يقع فيها الاختلاف من العالمين بها ولو كانت نظريةً غامضة، فلا أثر للميزان المذكور.

الثالث: ما في المواقف وشرحها، (2) من أنّ الضروري هو ما لا يكون تحصيله مقدوراً للمخلوق، فلم يكن الانفكاك عنه أيضاً مقدوراً، وذلك كالمحسوسات بالحواس الظاهرة، فإنّها لا تعرض بمجرد الإحساس المقدور لنا، وإلاّ لَما عرض الغلط، بل تتوقّف على أُمور غير مقدورة، لا نعلم ما هي؟ ومتى حصلت؟ وكيف حصلت؟

والكسبي ما يقابل الضروري، فهو العلم المقدور تحصيله.

والبديهي ما يثبته العقل بمجرّد التفاته إليه من غير استعانة بحسّ أو غيره، فهو أخصّ من الضروري، وأمّا النظري فهو ما يتضمّنه النظر الصحيح.

أقول: هذا مع أنّه تعريف بالأخفى، غير صحيح أيضاً، فإنّ الضروري مقدور بغض البصر، وإرادة النوم، وترك التجربة، والاستماع ونحوها، وما ذكره من التعليل عليل، على أنّ مغايرة النظري مع الكسبي ممّا لم يثبت في اصطلاحهم، مع أنّ تعريف النظري دوري كما لا يخفى.

والصحيح أن يقال: الضروري ما لا يحتاج في حصوله إلى الفكر والتروّي، بخلاف النظري.

البحث الثالث: في الحجج النقلية:

العقل يدرك الشيء بوجهه وتفصيله تارةً وبإجماله وعنوانه أُخرى، كما في الأدلة الإنّية، فإنّه يدرك العلّة من جهة معلولها إدراكاً إجمالياً فيذعن بها، فإذن، لا فرق في الأحكام العقلية بين التفصيلية والإجمالية أصلاً، من حيث تصديقه بها واعتماده عليها.

وتدخل في القسم الثاني أقوال الله تبارك وتعالى، وعباده المعصومين من الجهل والسهو والغلط والكذب، التي هي المناشئ لمخالفة الحكاية من الواقع، فإذا انتفت هذه الأُمور فالخبر صادق لا محالة، بل يضطر العقل إلى الحكم بصحّته وصدقه، وأنّه حق واقع وإن لم يحط بكنهه ولمّه. فالقضية القائلة: قول المعصوم صادق ومطابق للواقع، من الأَوّليات على حدّ قولنا: الممكن مفتقر.

وأمّا لزوم امتثال أمر الواجب القديم، والانبعاث على وِفقه، والانزجار عمّا نهى عنه، فهو إمّا عقلي من باب لزوم شكر المنعم فيدخل في المشهورات، أو فطري من باب دفع الضرر المحتمل وهو استحقاق العقاب، فيندرج في القسم السابع من البرهانيات كما مرّ، ومنه ينبثق

____________________

(1) الشوارق 1 / 126.

(2) شرح المواقف 1 / 60.


وجوب إطاعة المعصوم الحاكي عن الله تعالى، وبالجملة لزوم الإطاعة ليس بشرعي وإلاّ لتسلسل فافهم.

هذا كلّه بحسب الكبرى، وأمّا الكلام بحسب الصغرى وتعيين قول مَن يجب امتثال حكمه - وهو الله سبحانه، ورسوله الأعظم، وأولو الأمر من بعده صلى‌الله‌عليه‌وآله - فنقول: لا يمكن مشافهة واجب الوجود عقلاً، ولا نزول الوحي إلى كلّ أحد قطعاً، بل ولا سبيل لنا إلى مواجهة المعصوم عليه‌السلام في هذه الأعصار ضرورةً، وعليه فينحصر تحصيل أقواله من الطرق التالية:

1 - الضرورة الدينية، وهي شهرة شيء بين المسلمين، رجالهم ونسائهم، خواصهم وعوامهم، بحيث يُفهم أنّ هذا الشيء ممّا قاله النبي الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وبالجملة ضروري الدين ما صار جزءً للدين، ولم يحتج إلى دليل بعد ثبوت أصل الدين، وهذا مثل وجوب الصلاة والصوم والزكاة وحقيقة المعاد ونحوها، وتلحق بها الضرورة المذهبية، فضروري المذهب ما أصبح جزءً لذلك المذهب، بحيث كان معلوماً لكل واحد من أهل ذلك المذهب، وهذا كوجوب الخمس على الأرباح وعصمة الأوصياء ونحوهما في مذهب الإمامية. وربّما سيأتي بعض أحكامها في بحوث المعاد إن شاء الله تعالى، وهذه الطريقة أقوم الطرق وأتقنها.

2 - التواتر: وقد دريت تفصيله.

3 - الخبر الواحد (أي غير المتواتر) المحفوف بالقرينة القطعية: وهذا في حكم التواتر لفرض إفادته اليقين بمدلوله.

4 - الإجماع: فإنّه طريق قويم إلى ما انعقد عليه من الشرعيات عند معظم المسلمين.

تفصيل وتحقيق

اختلف المسلمون في مناط حجّية الإجماع، أمّا الإمامية فلا يرون موضوعية لاتّفاق العلماء وإجماعهم على حكم من الأحكام، بل الملاك في اعتباره عندهم هو كشفه عن قول المعصوم أو رضائه، ثمّ اختلفوا في كيفية هذا الكشف، فالمنسوب إلى قدمائهم أنّ منشأ حجّية الإجماع هو دخول المعصوم في ضمن المجمعين، فإذا أجمع العلماء على شيء يُعلم أنّ المعصوم داخل فيهم وإن لم يُعرف شخصه بعينه، وأنت تعلم أنّ هذا أمر لا سبيل إلى إحرازه أصلاً.

ونُقل عن شيخ الطائفة رحمه‌الله أنّه اللطف، بمعنى أنّ العلماء إذا أجمعوا على حكم يجب أن يكون موافقاً لقول الإمام عليه‌السلام وإلاّ يجب عليه - لأجل قاعدة اللطف - الظهور أو إظهار مَن يبيّن الحق، فإذا لم يُحرز في المسألة المجمع عليها مخالفٌ يُستكشف منه رضى المعصوم عليه‌السلام به.


وفي القوانين (1) ، والظاهر أنّ له - أي للشيخ الطوسي - موافقاً ممّن تقدّم وممّن تأخر في هذه الطريقة.

أقول: اللطف هنا ليس بمعنى التقريب إلى الطاعة والتبعيد عن المعصية، فإنّهما متأخران عن إثبات أصل التكليف، بل هو بمعنى بيان الأحكام كما يأتي شرحه في محلّه، لكن ستعرف أنّه لا دليل على وجوب اللطف على الله تعالى بكلا معنييه، وإن ادّعاه العدلية أو معظمهم، فهذا الإجماع المسمّى بالإجماع اللطفي يلحق بالإجماع الدخولي المتقدّم في الضعف، نعم هنا أخبار كثيرة (2) نقلها المحدّث الجليل المجلسي رحمه‌الله في بحار الأنوار (3) ، وهي تدل بظواهرها على مذهب هذا الشيخ الأعظم، ولا بأس بذكر واحد منها، وهو خبر أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام قال: (إنّ الأرض لا تبقى إلاّ ومنّا فيها مَن يعرف الحق، فإذا زاد الناس قال: قد زادوا، وإذا نقصوا منه قال: قد نقصوا، ولولا أنّ ذلك كذلك لم يُعرف الحق من الباطل). وحمل هذه الروايات على زمان الحضور بعيد جداً، ولكن مع ذلك لا يمكن الالتزام بمفادها كما لا يخفى، فلابدّ من توجيهها بوجه صحيح.

وممّا يرد على هذا القول أيضاً، أنّ مخالفة الإمام عليه‌السلام - على فرض خطأ العلماء - إن كانت مع تعريف شخصه الشريف فهذا ممّا لم يقع ولا يقع، وإن كانت بدونه فلا تفيد؛ إذ يحتمل أن يكون القول المخالف المذكور من غير الطائفة الحقّة فلا يعتنى به.

وربّما يقال: إنّ الظنون الحاصلة من فتاوى الفقهاء إذا تراكمت تتولّد منها صفة اليقين، كما يحصل القطع من الخبر المتواتر بعين هذا الملاك، لكنّه تقدّم اعتبار الحس في المتواتر، فالقياس في غير محله.

وأمّا ما قيل: من أنّ الإجماع يكشف عن حجّة معتبرة، بدليل أنّ عدالة المجمعين مانعة عن الفتوى بغير علم، فيردّه أنّه يكشف عن حجة معتبرة عندهم، لا عن حجّة لو وصلت إلينا لكانت معتبرةً عندنا؛ لاختصاص التعليل بالأَوّل دون الثاني.

وذهب المتأخّرون إلى أنّ اتّفاق العلماء المرؤوسين يكشف بطريق الحدس عن رأي رئيسهم، والظاهر أنّ هذا أقوى الطرق وأمتن التقارير، في كيفية كشف الإجماع عن رأي الإمام عليه‌السلام ، إلاّ أنّه لا يتم في عصر الغيبة وعدم تمكّن الإمام عليه‌السلام - ولو من جهة عدم إذن الله تعالى - من المباشرة مع المأمومين، لكن لا سبيل إلى إنكار هذا الوجه رأساً لاختلاف الأشخاص في

____________________

(1) القوانين 1 / 350.

(2) بل أدعى المحقّق القمي في قوانينه تواترها. لاحظ القوانين 1 / 350.

(3) لاحظ البحار: أَوائل المجلد السابع.


حصول القطع لهم من ذلك، غير أنّ الدليل حينئذٍ لا يكون إلزامياً، ويعبّر عنه بالإجماع الحدسي.

هذا كلّه في الإجماع المحصّل، ومنه يُعرف حال الإجماع المنقول أيضاً.

وأمّا العامّة فهم يزعمون الموضوعية للإجماع، فهو حجّة عندهم بما هو إجماع، واستدلّوا عليه بوجوه:

منها: قوله تعالى: ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ) (1) . فإذا حرم اتّباع غير سبيل المؤمنين وجب متابعة سبيل المؤمنين، والإجماع هو سبيل المؤمنين.

وفيه: أَوّلاً: أنّه لا دليل على تخصيص المؤمنين بأهلّ الحل والعقد منهم.

وثانياً: عدم استفادة حرمة اتّباع غير المؤمنين بحياله وانفراده من الآية الكريمة، بل الظاهر منها أنّ اتّباع غير سبيل المؤمنين هو نفس مشاقّة الرسول، ومعنى الآية: ومَن يخالف الرسول في ما جاء به من الشريعة بعد إتمام الحجية عليه، نولِّه ما تولّى، وأين هذا من الإجماع؟ وإن شئت فقل: إنّ مخالفة الرسول من حيث هو رسول وبضميمة قوله تعالى: ( مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ) ليست إلاّ عدم امتثال الأحكام الشرعية، وهل سبيل المؤمنين إلاّ الشريعة فإذن نقول: إنّ ما أجمع عليه العلماء إن ثبت كونه من الشرع، فوجب متابعته من حيث إنّه ثابت في الكتاب والسُنة وإلاّ فلا، ولا دلالة للآية على لزوم اتّباع ما أجمع عليه عِدّة من العلماء. فاستدلال الشافعي بهذه الآية على حجّية الإجماع فاسد كما دريت، على أنّ فيه إشكالاً آخر كما ذكره الرازي في تفسيره فلاحظ.

ومنها: قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ) (2) قالوا: وسط كل شيء خياره وعدله، فمَن عدَّله الله يكون معصوماً، فإجماعهم حجّة، وللرازي في تفسيره كلام طويل حول الآية.

أقول: الأُمّة المذكورة في الآية الشريفة يراد بها إمّا مجموع أفرادها من أَوّلها إلى يوم القيامة، أو كل واحد منها على نحو الانحلال، أو المخاطبون الحاضرون في مجلس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله حين نزول الآية، أو أهل كلّ زمان، ولا خامس في البين.

أمّا الاحتمال الأَوّل فلا يُثبت اعتبار الإجماع المذكور أصلاً؛ إذ لا يعقل إجماع جميع الأُمّة إلاّ في القيامة. لا يقال: جعلهم الله وسطاً لأجل الشهادة المبقية على هذا الاحتمال، فإنّه يقال: بحملها على الشهادة في القيامة لا في الدنيا، وقد ذهب إليه كثير من العامة كما يظهر

____________________

(1) النساء 4 / 115.

(2) البقرة 2 / 143.


من تفسير الرازي:

وأمّا الاحتمال الثاني فبطلانه حسي، فإنّ المعاصي الواقعة من المسلمين غير خافية على أحد.

وأمّا الثالث فبطلانه اتّفاقي؛ إذ لم يخصّص أحد حجّية الإجماع بهؤلاء الحاضرين فقط. وأمّا الرابع فهو خارج عن قانون المحاورة وطاقة الدلالة.

هذا مع أنّ قول العادل إنّما ينهض حجة في الحسيات، وأمّا في الحدسيات فلا، بل لابدّ له من دليل خاص، فافهم.

ومنها: قوله تعالى: ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ ) (1) يدل بمفهومه على عدم وجوب الرد مع الاتّفاق.

أقول: ظاهر الآية أنّ الخطاب انحلالي، فمعنى الآية حينئذٍ: أنّ كل جماعة منكم - أقلّها اثنان - إذا تنازعتم في شيء... إلخ، فيكون مفهومه بناءً على ما تخيّلوه إذا لم يتنازع الخصمان - ولو كانا جاهلين - لم يجب الرد إلى الله ورسوله، بل مجرّد تركهما النزاع يكفي لنفوذ ما تصالحا عليه، وهذا قطعي الفساد. فإذن، لابدّ أن يكون عدم التنازع في مفروض الآية، مستنداً إلى دليل شرعي من كتاب أو سُنة، يعني إن جهلتم حكم شيء متنازع فيه فردوه إلى الله ورسوله وإن علمتموه فلا، وهذا لا ربط له بالإجماع كما هو ظاهر.

وأمّا الرازي فهو استدلّ على حجّية الإجماع بأَوّل هذه الآية، وهو قوله تعالى: ( أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) (2) بحسبان أنّ أُولي الأمر هم أهل الحل والعقد دون الأئمة المعصومين، وقد أفرط في تقريره وتطويله، وكلامه بتمامه خبط وغلط، فلا يليق أن نطوّل المقام بإيراده وإبطاله، وببالي تأليف تعليقة مستقلّة على تفسيره، والتوفيق من الله المنّان. ومنها: الأخبار المنسوبة إلى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله مثل: (لا تجتمع أمّتي على الخطأ. ولم يكن الله ليجمع أُمّتي على الخطأ. وكونوا مع الجماعة. ويد الله مع الجماعة)، بل ادّعي تواترها معنىً لكن الحاجبي والعضدي أنكرا التواتر في محكي كلامهما.

والجواب أنّها غير ثابتة من الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولو صحّت لَما دلّت على مرادهم، فإنّ الأَوّلين يعتبران اتّفاق جميع الأُمّة قاطبةً دون علمائهم، ولعلّ ما ورد في بعض رواياتنا من التمسّك بإجماع الأُمّة ينظر إلى ذلك (3) ، والأخيرين يحثّان على الاتّفاق المقابل للتفرقة، فتحصّل أنّ الإجماع ليس بدليل معتبر شرعاً، وما ذكره الخاصّة والعامة في وجهه غير تام، إلاّ إذا

____________________

(1) و (2) النساء 4 / 59.

(3) لاحظ أُصول الكافي 1 / 96، وبحار الأنوار 5 / 20 ويحتمل في بعضها إلزام الخصم.


حصل اليقين منه من جهة الحدس.

تتمة

هل الخبر الواحد الجامع لشروط الحجية - المقرّرة في أُصول الفقه - يصح التعويل عليه في علم الكلام أم لا؟

فيه خلاف وكلام، والأكثر على الثاني بل عن ظاهر بعضهم نفي الخلاف فيه، والأظهر هو الأَوّل، فإنّ عمدة ما دلّ على حجية الخبر الواحد المذكور، هي السيرة العقلائية والأخبار المتواترة معنىً، وهما غير مختصتان بالفروع، فإنّ العقلاء كما يقبلون خبر الثقة في الأُمور العملية، كذلك يقبلونه في الأُمور الاعتقادية بلا شك، والأخبار المتواترة أيضاً غير مقيّدة، وما قيل في وجه التقييد غير متين، والتفصيل لا يناسب المقام (1) .

نعم تتوقّف حجيّته على أُمور:

1 - أن لا تكون المسألة ممّا يتوقّف عليه أصل الشرع وإلاّ لدار.

2 - أن لا يكون للعقل إلى مضمونه سبيل وإلاّ فلا موضوع للتعبّد به.

3 - أن لا تكون المسألة ممّا اعتبر العلم الوجداني في جواز الاعتقاد به شرعاً.

وفي الواقع التعويل على مستند هذا الخبر، وهو السُنة المدّعى تواترها والسيرة العقلائية القطعية، فليس هذا من العمل بالظن.

البحث الرابع: عمّا ينبغي أن يُجعل خاتمة لهذه الفائدة، وفاتحة لِما يأتي بعدها من المطالب.

فنقول: الصناعات الخمس ليست بأسرها مبادئ للبرهان القطعي والدليل العلمي، بل المبدأ له الضروريات منها وحدها، وإذن، لابدّ من رعاية تمييزها عن غيرها؛ لينتظم أمر الاستفاضة والإفادة في صقع تحصيل الحقائق والمعارف، لكن العلوم الموجودة التي ينالها فكر الإنسان لا تقدر على بيان هذا الميزان، فإنّ المنطق إنّما يفسّر مفهوم مواد الأقيسة، ويشرح أحكامها، ولا سلطان له على تشخيص المصداق وتعيين الأفراد؛ ضرورة أنّ انطباق مفاهيم المواد على مصاديقها ليس أمراً واضحاً، لا يمسّه الالتباس كما هو كذلك في الصور؛ ولذا لا يقع الاختلاف في أنّ القياس الفلاني من الشكل الأَوّل أو الثاني.

فإذن، لا مميّز بين الأقيسة وأنّ أيّاً منها برهاني، وأيّاً منها مشهوري وهكذا، ومن هنا ترى أحداً يدّعي أنّ هذا القياس برهاني، وهو شعري، والآخر يقول: إنّه خطابي، وهو برهاني وهكذا.

____________________

(1) لاحظ الأمر الخامس من الأُمور المذكورة في خاتمة مسألة الانسداد من كتاب الرسائل للشيخ الأنصاري رحمه‌الله .


فمَن يطلب الحقّ، ولا يريد الضلالة والمِراء والعزّة، فلابدّ له من تصفية قلبه من الكدورات الخُلقية والعصبية الطائفية، وتطهير ذهنه عمّا مضى عليه مشايخه وآباؤه، فإنّ (الحقّ لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله)، فإذا أصلح سرّه وبنى تصحيح اعتقاده على الواقع - لا تطبيق الواقع على معتقده - فقد اهتدى إلى صراط الحق ومنهاج الصدق، قال الله تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (1) وأمّا إذا انحرف عن سبيل الإنصاف إلى حضيض الاعتساف، وتهيّأ للنقض والإبرام، وقول الهذر وحشو الكلام، فإياك والقرب منه، فإنّه من الذين قال الله تعالى في حقهم: ( لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ) (2) .

____________________

(1) العنكبوت 29 / 69.

(2) الأعراف 7 / 179.


الفائدة الرابعة

في وجوب النظر (1)

الكلام تارةً في أصل وجوب النظر، وأُخرى في أنّ الوجوب المذكور - على تقدير ثبوته - عقلي أو شرعي، لكن البحث في الأَوّل يغني عن الثاني فنقول:

والصحيح أنّه لا دليل على وجوب النظر في وجود واجب الوجود بما هو واجب، أو خالق أو غير ذلك من الحيثيات؛ إذ لا حكم للعقل بذلك، ولا سبيل للشرع وتعبّده إليه بلا شك.

وإنّما يجب ذلك من جهة وجوب دفع الضرر، فإنّ العاقل حينما يقرع سمعه قول أُناس - قليلين أو كثيرين - بعقاب أُخروي وعذاب دائمي لمَن أنكر المبدأ أو لم يعرفه ولم يعتقد به - وهذا النداء كان مسموعاً منذ صبيحة حياة البشر، وسيبقى قارعاً إلى غروب وجوده - يحتمل صدقه وكذبه قهراً، ولا سبيل له إلى تصديق أحد الطريفين قبل النظر.

فإذن، يتولّد احتمال الضرر المذكور في ذهنه، ويحصل له الخوف من احتمال صدق هذا القول، ولا طريق لدفعه غير النظر، فيجب لوجوب دفع الضرر فطرةً ولو كان محتملاً؛ وذلك لأنّ الإنسان - بل وكذا الحيوان وكل حسّاس - مجبول على حبّ ذاته، وينشأ من هذا الحب لزوم جلب المنافع ودفع المضار، وهذا الإلزام ليس من قِبل العقل، بل هو أمر فطري كما تدلّك عليه مشاهدة حال المجانين والصبيان والحيوانات، فإنّها تدفع الضرر عن نفسها، وتميل إلى منافعها وما هو يلائم أنفسها.

وإذا أعمل نظره وتفحّص عن الواقع، فقد أَمن من الضرر المذكور قطعاً، وتستريح نفسه من الخوف جزماً، فإنّه إن أدّى إلى الحقّ فقد فاز فوزاً عظيماً، وإن انجرّ إلى خلافه فهو مأمون

____________________

(1) قال الشيخ المفيد قدّس سره في أوائل المقالات: اتّفقت الإمامية على أنّ العقل يحتاج في علمه ونتائجه إلى السمع، وأنّه غير منفك عن سمع ينبّه الغافل عن كيفية الاستدلال، وأنّه لابدّ في أَوّل التكليف وابتدائه في العالم من رسول، ووافقهم في ذلك أصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية على خلاف ذلك، وزعموا أنّ العقول تعمل بمجرّدها من السمع والتوقيف، إلاّ أنّ البغداديين من المعتزلة خاصّةً يوجبون الرسالة في أَوّل التكليف.

أقول: هذا الذي نقل اتّفاق الإمامية عليه، هو عين ما اخترناه في هذه الفائدة، وإنّما ذكرناه؛ لئلا يظن تفرّدنا بالموضوع.


معذور: أمّا في الدنيا؛ فلاعتقاده ببطلان احتمال العقاب والحساب، وأمّا في الآخرة؛ فلأنّ عقابه بلا بيان ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلاّمٍ للعَبِيدِ ) (1) .

وبالجملة: إذا كانت جهالته مستندةً إلى قصوره - كما هو المفروض - لا معنى لاستحقاقه العقاب المختصّ بالعامّة والمقصّر، كما إذا لم يتفحّص مع قدرته عليه، وإنكار القاصر في المقام - كما عن جمهور المتكلّمين - ضعيف سنستوفي بحثه إن شاء الله.

وهذا الذي ذكرنا ممّا لا ريب فيه، قلنا بالتحسين والقبيح العقليين أم لم نقل؛ إذ الوجوب المذكور ليس بحكم عقلي بل هو فطري (2) . لا يقال: كيف والعقلاء كثيراً ما يقدمون على ارتكاب الضرر لبعض الأغراض. فإنّه يقال: نعم، لكن إذا كان الضرر قليلاً، وأمّا إذا كان كثيراً فلا ولو كان محتملاً، وهل يمكن لعاقل أن يختار عذاباً دائمياً وعقاباً أبدياً؟ كلا.

وأمّا الوجوب الشرعي فلا مسرح له؛ إذ لا شرع في حق الجاهل إثباتاً حتى ينفذ الحكم في حقّه. وبالجملة حجية الخطاب موقوفة على اعتراف المخاطب بآمرية المتكلم، وهي غير حاصلة في المورد، وأمّا ما ورد في القرآن العزيز في ذلك، فهو إرشادي لا مولوي وسيأتي الفرق بينهما.

نقل ونقد

الذائع في كلام المتكلّمين وجوب معرفة الله سبحانه، بل ادّعى الجرجاني إجماع الأُمّة عليه في شرح المواقف (3) ، ولكنّهم اختلفوا في طريقه، فالإمامية والمعتزلة على أنّه العقل، والأشاعرة على أنّه الشرع. استدلّ الأَوّلون على قولهم بوجهين:

الأَوّل: إنّ المعرفة دافعة للخوف كما تقدّم، ودفع الخوف واجب، فتجب المعرفة أيضاً من باب المقدمة. ويردُّه ما بيّناه من أنّ دفع الخوف يحصل بالنظر، سواء أدى إلى المعرفة أم إلى الجهالة.

الثاني: إنّ شكر المنعم واجب عقلاً؛ لاستحقاق تاركه الذم عند العقلاء، بل قيل (4) ، إنّ

____________________

(1) فصلت 41 / 46.

(2) وربّما جعله بعضهم دليلاً على إثبات الصانع وقال ما محصّله: إنّ المؤمن بالله مأمون سواء وافق اعتقاده الواقع أم لا، وهذا بخلاف المنكر فإنّه على خطر عظيم.

أقول: وهذا منه شيء عجيب، نعم هذا المضمون مذكور في بعض رواياتنا، لكن المراد به ما ذكرنا، لاحظ أُصول الكافي 1 / 78.

(3) شرح المواقف 1 / 156.

(4) شرح التجريد للعلاّمة / 258.


العقلاء بأسرهم يجزمون بوجوب شكر المنعم، وقيل (1) : إنّه متفق عليه بين الإمامية والمعتزلة، بل ادّعى بعضهم (2) الوجدان والفطرة الذاتية وضرورة جميع أهل الأديان والملل على وجوبه.

هذا من ناحية، ومن ناحية أُخرى أنّ كل عاقل يدرك أنّ ما به من النعم ليس منه ولا من مثله، بل هو من منعم غيره، فيجب معرفته حتى يتمكّن من شكره، وحيث إنّ المعرفة نظرية لا تحصل إلاّ بالنظر فوجب النظر والفحص، فإنّ مقدمة الواجب واجبة.

أقول: إنْ كان وجوب الشكر لاحتمال زوال النعم بتركه، ففيه منع هذا الاحتمال إلاّ شذوذاً، فإنّ الناظر يرى الكفّار والملحدين متنعّمين بالعافية والسعة، فكيف ينقدح الاحتمال المذكور في ذهنه؟ وعلى تقدير احتماله فلا نسلّم استحقاقه العقاب الأُخروي بتركه النظر والفحص؛ لعدم إتمام حجّة عليه في ذلك، ضرورة أنّ ما نبّهه عقله بترك الشكر هو زوال النعم الظاهرية فقط، فافهم جيداً.

وإن كان وجوبه لنفسه ولذاته، بحيث كان تركه قبيحاً في نفسه، ففيه:

أَوّلاً: ما ذكرناه من عدم استلزام استحقاق الذم استحقاق العقاب، فإنّ الأَوّل لا ينهض حجّةً على الثاني مع أنّه العمدة في المقام، فتأمّل.

وثانياً: إنّ وجوب شكر المنعم لا يستلزم وجوب المعرفة؛ لكفاية التخضّع قلباً للمنعم وإن كان مجهولاً بأوصافه، فيسقط الدليل.

وثالثاً: ما أفاده بعض الأعيان من أهل التدقيق (3) بقوله: ثمّ إنّ أصل وجوب الشكر عقلاً بحيث يستحق العقاب على تركه، لا يثبت إلاّ بإدخاله تحت قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، ومن البيّن عند التأمل أنّ شكر المنعم علماً وحالاً وعملاً (4) - وإن كان تعظيماً للمنعم وإحساناً إليه - إلاّ أنّه لا يثبت به إلاّ مجرّد الحسن واستحقاق المدح على فعله بمراتبه، وليس ترك كل إحسان ولا ترك الإحسان إلى المحسن ظلماً عليه، نعم الإساءة خصوصاً إلى المحسن ظلم، فيشتدّ قبحه بالإضافة إلى المحسن إليه، فالجهل بالمنعم، أو عدم التخضّع له قلباً، أو عدم القيام خارجاً بوظائف المجازاة بالإحسان، ليس إلاّ ترك ما حسن بذاته؛ إذ ليس من هذه الحيثية عقلاً فرق بين منعم ومنعم، والأمر في غيره تعالى كذلك، ففيه أيضاً من هذه الحيثية على ما مرّ، مضافاً إلى أنّ الاستناد في تحصيل المعرفة إلى وجوب شكر المنعم عقلاً، إنّما يجدي بعد الفراغ عن

____________________

(1) منهاج البراعة للخوئي 2 / 274.

(2) كفاية الموحّدين 1 / 7.

(3) نهاية الدراية في شرح الكفاية 2 / 155.

(4) يريد بالأَوّل معرفة المنعم، وبالثاني تخضّع القلب له، وبالثالث صرف النعمة لِما خلقت لأجله، كما صرّح به نفسه.


انتهاء النعمة إلى مبدأ موجود؛ ليتحقّق موضوع شكر المنعم، ليجب عقلاً، فهو إنّما في معرفته من حيث كيفية وجوده وصفاته لا في التصديق بوجوده. انتهى كلامه.

أقول: ويمكن أن يناقش في الوجه الأوّل بأنّ شكر المنعم بالأنعام الجزيلة الكثيرة واجب، وتركه قبيح عند العقلاء كما هو واضح، لكن الوجه الثاني متين، وبالجملة: وجوب الشكر إنّما يتمّ إذا كان المنعم قابلاً للشكر، أي كان شاعراً حسّاساً وإلاّ فلا معنى له، فلابدّ أَوّلاً من تشخيص أنّ المنعم مَن هو، فيكون مفاد الدليل هو لزوم النظر دون المعرفة، فتفطّن.

واستدلّ الأشاعرة (1) على وجوب المعرفة بإجماع الأُمّة، وحيث إنّها لا تتيسّر من دون النظر والاستدلال فهو أيضاً واجب شرعاً، فإنّ الخطاب الشرعي وإن كان متعلّقاً بالمسبّب إلاّ أنّه لابدّ من توجيهه إلى السبب.

وربّما استدل بعضهم على وجوب النظر والمعرفة ببعض الآيات كقوله تعالى: ( قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (2) ، وقوله: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ ) (3)، وأورد عليه بعضهم بأنّها تفيد الظن ولا اعتداد به، فالعمدة هو الإجماع.

أقول: لو سلّم حجّية الإجماع فهي أيضاً ظنّية، فإنّها استنبطت من ظواهر الآيات والروايات، وأمّا ما تفوّه به بعضهم (4) من دعوى الضرورة الدينية على اعتباره، فهو إفراط واختلاق.

ويرد على الاستدلال أيضاً أنّ المسبّب وإن كان غير مقدور بلا إيجاد سببه، إلاّ أنّه لا وجه لصرف التكليف المتعلّق به إلى سببه؛ ضرورة أنّ المقدور بالواسطة مقدور والسبب يجب من باب المقدمة عقلاً، ثمّ إنّ في هذا البيان تناقضاً واضحاً، حيث يدعون أَوّلاً وجوب المعرفة ثمّ يقولون بصرف الأمر إلى النظر؛ لأنّه المقدور فتكون المعرفة غير واجبة.

وعلى الجملة: الوجوب الشرعي - سواء تعلّق بالنظر أو المعرفة - غير معقول فإنّه متأخّر عن التصديق بنبوة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، المتأخرة عن التصديق بصفاته تعالى، المتأخّرة عن معرفة أصل وجوده، فما لم تثبت آمرية المتكلّم لا حجّية لأمره، فكيف يعقل الوجوب الشرعي في حق الجاهل بالله تعالى؟.

وملخّص الكلام: أنّه لا اعتبار بقول المجهول، ولا موضوع لوجوب معرفة المعلوم؛ لأنّها من

____________________

(1) المواقف وشرحها 1 / 157 وهكذا في غيرهما.

(2) يونس 10 / 101.

(3) محمّد 47 / 19.

(4) وهو الأيجي في شرح المواقف 1 / 159.


تحصيل الحاصل الممتنع (1) ، ومنه ينقدح أنّ ما توهّمه جمع من الأشعريين (2) من عدم بطلان تكليف الجاهل، بدعوى أنّ شرط التكليف فهمه لا التصديق به، فإنّ الغافل مَن لا يفهم الخطاب، أو لم يقل له: إنّك مكلّف، لا مَن لا يعلم أنّه مكلّف. فهو غفلة عن الواضحات كما عرفت.

ثمّ إنّه يلزمهم إفحام الأنبياء عليهم‌السلام ؛ إذ لا وجوب قبل المعرفة كما عرفت، ولا معرفة إلاّ بعد النظر، فلو قال المكلّف: لا أنظر حتى أعرف، لَما كان للنبي عليه سلطان، فبهذه الطريقة الأشعرية يمكن فرار الناس من الديانة الإسلامية.

وبالجملة: مفاسد هذا القول كثيرة.

وأمّا الاستشهاد بقوله تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (3) على الوجوب الشرعي، بدعوى أنّ نفي العذاب قبل البعثة يكشف عن نفي الوجوب، فهو ضعيف، فإنّ الكاشف عنه نفى استحقاق العذاب دون نفي فعليته ووقوعه كما في الآية الكريمة، نعم مَن أنكر العفو والشفاعة، وجعل العذاب من لوازم المعصية، كان الاستدلال عليه متّجهاً من باب الجدل. هذا مع أنّه - على تقدير صحّته - لا ينفي الوجوب الفطري المتقدم؛ لأنّ الشاك لا يرى حجّيةً لهذه الشهادة، فافهم.

والصحيح أنّ ظاهر الآية هو الإخبار بوقوع التعذيب سابقاً بعد البعث، فيختصّ بالعذاب الدنيوي الواقع على الأُمم السالفة، دون العقاب الأُخروي كما يدل عليه ما بعد الآية: قال الله تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا... فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ... ) الآيات (4) فالآية الكريمة أجنبية عن محلّ الكلام بالكلية.

تعقيب وتكميل

قضية الأدلة المتقدمة هي وجوب المعرفة، لأجل دفع الضرر، أو وقوع الشكر على ما يناسب حال المشكور المنعم، فهو وجوب غيري ليس بنفسي، وأمّا الوجوب الشرعي فقد دريت تعلّقه بالنظر دون المعرفة، كما صرّح به قائله، نعم هنا وجهان آخران يدلاّن على أنّ المعرفة واجبة وجوباً نفسياً:

الأَوّل: ما أفاده الأُصولي الشهير المحقّق الهروي في كفاية الأُصول قال: (نعم يجب

____________________

(1) وأمّا ما ذكره في القوانين 2 / 170 من لوم الدور من قولهم ففيه نظر فلاحظ.

(2) لاحظ شرح المواقف 1 / 158، وكلام ابن روزبهان في إحقاق الحق 1 / 161، وغيرهما.

(3) الإسراء 17 / 15.

(4) الإسراء 17 / 15، 16، 17.


تحصيل العلم في بعض الاعتقادات لو أمكن، من باب وجوب المعرفة لنفسها، كمعرفة الواجب وصفاته أداءً لشكر بعض نعمائه) (1) . فقد جعل المعرفة نفسها شكراً له.

وأورد عليه بعض الأعيان من تلاميذه: (من أنّ هذه المعرفة ليست مصداقاً للشكر، بل ما هو مصداقه معرفة المنعم بما هو منعم لا بذاته؛ لأنّ الحيثية التعليلية - وهي النعمة لوجوب الشكر - حيثية تقييدية له، كما في جميع الأحكام العقلية، فلا تجب معرفة الذات لإنعامه نفساً، بل مرجعه إلى معرفة (هكذا) وجوب معرفة الذات مقدمة لمعرفته بالمنعمية، مع أنّ المقصود إثبات وجوب المعرفة نفسها) (2) .

أقول: أمّا ما ذكره في الكفاية فقد عرفت ما فيه، وأمّا ما ذكره هذا المحقّق، من إرجاع الحيثيات التعليلية إلى الجهات التقييدية في هذا المقام وغيره ففيه كلام؛ لإمكان رجوع الأُولى إلى الواسطة في الثبوت، والثانية إلى الواسطة في العروض.

الثاني:ما أفاده هذا المحقّق المذكور. قال:(لنا طريق برهاني إلى وجوب تحصيل معرفته تعالى، وهو أنّ كلّ عاقل بالفطرة السليمة يعلم أنّه ممكن حادث معلول، لم يكن مثله في الإمكان والحدوث...) (3) .

ومن البيّن بعد التصديق بوجود المبدأ، أنّ النفس في حدّ ذاتها قوّة محضة على إدراك المعقولات التي هي كمالها، وأشرف الكمالات النفسانية معرفة المبدأ بذاته وصفاته وأفعاله بالمقدار الممكن، فإنّ شرف كل علم وعقل بشرف معلومه ومعقوله، وأفضل موجود وأكمله وجود المبدأ، فمعرفة المبدأ أشرف كمال وفضيلة للنفس، وبها نورانيتها، وبها حياتها، كما أنّه بعدم المعرفة أو بما يضادها ظلمانيتها وموتها... إلخ، ولعلّ ما أفاده بعض الأفاضل (4) راجع إلى هذا المعنى، بل يمكن نسبة ذلك إلى جميع الفلاسفة أيضاً، كما يظهر من القوانين (5) أيضاً، لكنّه مع اختصاصه ببعض آحاد الناس وعدم جريانه في حقّ أغلب أفراد النوع، لا يثبت الوجوب المستتبع مخالفته استحقاق العقاب كما لا يخفى، مع أنّه المقصود لا غيره، إلاّ أن يتشبّث بحديث تجسّم الأعمال المزيّف عندنا، على نحو سيمرّ بك في المقصد الخامس إن شاء الله.

فالمتحصّل: أنّ المعرفة لم يثبت وجوبها النفسي بشيء من هذه الوجوه، والصحيح أن يقال: إنّ المعرفة واجبة شرعاً بالضرورة الدينية، وهل الغرض الأهم من إرسال الرسل وإنزال الكتب

____________________

(1) كفاية الأُصول 2 / 154.

(2) نهاية الدراية 2 / 155.

(3) نهاية الدراية 2 / 158.

(4) الدين والإسلام 1 / 28.

(5) القوانين 2 / 168.


إلاّ ذلك؟ كيف ولولا وجوب المعرفة شرعاً لَما وجب النظر فطرةً، فإنّه نشأ من احتمال ترتّب العقاب على تركها، فلو كانت غير واجبة لم يطلبها النبي من الناس، فلم يتحقّق موضوع لزوم وجوب النظر وهو دفع الضرر، فإنّ ترك المعرفة إذن لا يستتبع عقاباً وعذاباً، فلم تحكم الفطرة بشيء.

ولعلّك تقول: إنّك قلت سابقاً بامتناع وجوب المعرفة شرعاً، فكيف تختاره هنا؟

لكنّنا نقول: الممتنع هو الوجوب الذي له داعوية نحو متعلّقه وباعثية إلى المطلوب، بلا توسّط حكم الفطرة بوجوب دفع الضرر، كما يزعمه الأشاعرة، وأمّا الوجوب الذي يتوسّطه الحكم المذكور فلا بأس به. بيان ذلك: أنّ الله تعالى أوجب المعرفة على المكلّفين ثبوتاً، فأمر نبيه بإبلاغها إلى الناس، والنبي يحذّر الناس بتركها ويهدّدهم عليه، والإبلاغ المذكور وإن لم يكن بحجّة على الناس أصلاً كما دريت، إلاّ أنّه يولّد احتمال الضرر في ذهنهم لإمكان صدقه، فتحكم الفطرة بدفع الضرر المذكور، ولا مدفع له إلاّ النظر فيكون واجباً.

ويتلخّص هذا البحث إلى أنّ المعرفة إن لم تكن واجبةً لا يبقى موضوع للحكم الفطري المذكور، فالوجوب الشرعي ليس بلغوٍ، وإنّ هذا الحكم الفطري إن لم يتوسّط ولم ينجِّز وجوب النظر، لم يثبت الوجوب الشرعي كما دريت، فلابدّ من اجتماعهما حتى يتمّ المقصود.

ثمّ إنّ الناظر إن أصاب فهو وإلاّ فهو معذور، لكن الحكم الشرعي بحاله لبطلان التصويب كما يأتي في محله إن شاء الله. هذا ما عندنا في هذا المقام، والله ولي الاعتصام.

تطبيق

قال الباقر عليه‌السلام - على ما في رواية زرارة -: (ليس على الناس أن يعلموا حتى يكون الله هو المعلّم لهم، فإذا أعلمهم (علّمهم) فعليهم أن يعلموا) (1) .

أقول: انطباقه على مسلكنا واضح، فإنّ وجوب النظر وإن كان فطرياً لكن تحقّق موضوعه موقوف على إعلام الله سبحانه؛ ضرورة أنّ العقل لا يحتمل الضرر بترك المعرفة ابتداءً.

وفي رواية عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : أصلحك الله هل جعل في الناس أداةً ينالون بها المعرفة؟ قال: فقال: (لا. قلت: فهل كُلّفوا المعرفة؟ قال: لا، على الله البيان ( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) (2) ...) (3) .

أقول: أمّا صدر الرواية ففي معناه أخبار أُخر، وسيأتي بحثها - وهو بحث معضل - في

____________________

(1) بحار الأنوار 5 / 222.

(2) البقرة 2 / 286.

(3) أُصول الكافي 1 / 163.


المقصد الخامس إن شاء الله، وأمّا قوله عليه‌السلام بنفي التكليف بالمعرفة فلعلّ المراد به، هو التكليف الابتدائي العقلي على نحو ما تقول به العدلية، فالرواية منطبقة على ما قرّرنا.

وقال الصادق عليه‌السلام - كما في رواية بريد بن معاوية -: (ليس له على خَلقه أن يعرفوا، وللخَلق على الله أن يعرّفهم، ولله على الخلق - إذا عرّفهم - أن يقبلوا) (1) .

أقول: موافقته لِما ذهبنا إليه واضحة، فافهم واغتنم، ولله الحمد.

____________________

(1) أُصول الكافي 1 / 164.


الفائدة الخامسة

في جواز التقليد

الصورة الحاصلة في الذهن إمّا أن تتأثر بها النفس من قبض أو بسط - وإن كان خلافاها ثابتاً لدى العقل - أو لا، والأَوّل يسمّى تخييلاً، وعلى الثاني فإمّا أن تكون نسبتها متساوية الطرفين بحيث لا يرجّح أحدهما على الآخر، فتسمّى شكّاً، وإمّا أن لا تكون متساويةً، فإن لم يحصل القطع بأحد طرفيها تسمّى وهماً إن كان الطرف مرجوحاً، وظناً إن كان راجحاً؛ وإن حصل القطع بأحد طرفيها فإن كان عدمها فهي كذب، وإن كان وجودها فهي جزم، فإن طابق الواقع فهو يقين إن لم يقبل التشكيك، واعتقاد وتقليد إن قبله؛ وإن لم يطابق الواقع فهو جهل مركب.

إذا تقرّر هذا فنقول: المقدار اللازم في الاعتقاد بالمعارف هو الجزم؛ إذ به يرتفع احتمال الضرر، فلا يبقى حكم الفطرة بلزوم الفحص والنظر أبداً، فإذا جزم بطرف فهو في مقام أمين طابق الواقع أم أخطأه قبل التشكيك أم لا؛ ضرورة أنّ موافقة الواقع ليست أمراً اختيارياً، فاشتراطها - مع عدم الدليل عليه - هدم للقواعد المقرّرة عند العدلية.

وليس الطلب يستلزم الوصول في كلّ مورد، فإذا خالف الواقع قصوراً لا شيء عليه أبداً، وسيأتي مزيد إيضاح للمقام، كما أنّ احتمال اعتبار نفي قبول التشكيك موهون بعدم الدليل عليه، بل الدليل على خلافه كما يظهر ممّا مرّ.

وأمّا الاكتفاء بالظن مطلقاً، كما حكي (1) عن المحقّق الطوسي، والمقدّس الأردبيلي، وصاحب المدارك، والشيخ البهائي، والعلاّمة المجلسي، والمحدّث الكاشاني، وغيرهم قدّس الله أسرارهم، أو بالظن الناشئ من النظر والاستدلال كما نُسب إلى بعض، أو من الأخبار الآحاد كما نقل عن غَفَلة أصحاب الحديث، أو من التقليد مع كون النظر واجباً مستقلاً لكن تركه معفو عنه، فهو ممّا نطق الدليل المتقدّم على خلافه كما دريت.

فالمتحصّل: أنّ القولين المتقدّمين - اعتبار اليقين المصطلح، وكفاية الظن ولو مع التمكّن من تحصيل الجزم - في طرفي الإفراط والتفريط، وخير الأُمور أوساطها.

____________________

(1) القوانين 2 / 175، ورسائل الشيخ الأعظم الأنصاري 2 / 302.


وهنا خلاف آخر بينهم وهو جواز التقليد - أي قبول قول الغير بلا دليل - في أُصول الدين وعدمه، فالمشهور المعروف من مذهب أصحابنا هو الثاني، وذهب جماعة منهم المحقّق الطوسي إلى الجواز، وذهب طائفة إلى حرمة النظر (1) ، وفصّل سيّدنا الأُستاذ الحكيم - دام ظله - فجعل الأظهر القول الأَوّل مع خوف الضلال بدون النظر، والثالث مع خوفه به، والثاني على تقدير الأمن من النظر وعدمه (2) ، ولكنّه ليس مخالفاً للقول الآتي كما لا يخفى، لكن تنجّز هذا الحكم موقوف على التفات المكلّف إليه، فافهم.

وذهب صاحب القوانين والشيخ العلاّمة الأنصاري (3) - رحمهما الله - إلى كفاية حصول الجزم وإن كان من التقليد.

أقول: القائل بجواز التقليد إن أراد كفاية التقليد مطلقاً وإن لم يكن مفيداً للجزم فهو مقطوع الفساد عقلاً؛ لعدم زوال الخوف بمجرّد متابعة الغير والبناء على قوله، وشرعاً؛ لعدم صدق العلم عليه وعدم كون المقلّد عالماً بمجرّد تقليده، مع اعتباره في صحّة الإيمان كما ينطق به القرآن العزيز.

إلاّ أن يقال: إنّ هذا الكلام يتمّ في ما يتوقّف عليه الدين لا في غيره من المعارف، فإنّ ما دلّ على اعتبار التقليد في الفروع يشمل الأُصول أيضاً، فيكون الظن الحاصل منه أو البناء على ما يقول المقلَّد - بالفتح - علماً ومعرفة تعبّداً وتنزيلاً، فلا ينافيه العمومات النقلية الدالة على عدم اعتبار الظن ولزوم تحصيل العلم؛ ولذا ذكر سيدنا الأُستاذ الحكيم (4) - دام ظله - أنّ العمدة في منع التقليد في أمثال هذه المعارف هو الإجماع المستفيض النقل.

قلت: استناد الإجماع المذكور إلى الوجوه الآتية إن لم يكن معلوماً فلا أقل من كونه محتملاً، فهو ليس بإجماع تعبدي معتبر، وجواز التقليد في حقّ مَن يتمكّن من تحصيل الجزم، يَشكل استفادته من أدلة جواز التقليد الشرعية كما قرّرناه في محلّه، هذا مع أنّ المراد بالمقلَّد - بالفتح - هنا ليس هو المجتهد الجامع للشرائط المذكورة في الفقه؛ حتى يشمله الأدلة الدالة على حجّية التقليد في الفرع، بل كل مَن كان ثقةً وفائقاً بزعم المكلّف، وإن كان جاهلاً في الواقع، فيشمل الخطباء الواعظين والأبوين والمعلّم ونحوهم، كما يظهر من المحقّق القمي قدّس سره أيضاً، نعم مثل هذا التقليد لا يتيسر للمتفطنين الملتفتين إلى احتمال خطأ المقلّد المذكور؛ إذ لا يحصل لهم

____________________

(1) القوانين 2 / 167.

(2) مستمسك العروة (الطبعة الأُولى) 1 / 51.

(3) رسائل الشيخ 1 / 312.

(4) المستمسك 1 / 51.


الجزم كما يحصل للبسطاء.

فتحصّل أنّ إطلاقات أدلة التقليد إنّما تنتج جواز التقليد فيما إذا كان المورد قابلاً للتعبّد، وكان المقلّد - بالفتح - جامعاً للشرائط المقرّرة في علم الفقه، فتأمل جيداً. فالصحيح أن يعنون البحث هكذا: هل يجب تحصيل الجزم من الاستدلال والنظر، أم يكفي مجرّد الجزم المذكور وإن حصل من التقليد وقول الغير؟

ثمّ إنّ أكثر العلماء (1) يجعلون النظر شرط تحقّق الإيمان؛ لأنّ الإيمان عندهم عبارة عن المعرفة الحاصلة من الدليل لا التقليد، كما ذكره الشيخ الأنصاري (2) ، نعم ذكر الشيخ الطوسي قدّس سره أنّه واجب مستقل، ولو تركه المكلّف لا يستحق العقاب فإنّه معفو عنه، لكنّه ضعيف، والأقوى هو القول الثاني كما يظهر ممّا سبق، من أنّه لا موضوع للحكم الفطري مع الجزم المذكور، ولا حكم للشرع بتحصيل النظر والاستدلال.

والذي يزيد في إيقانك منه: أنّ أكثر الناس ولا سيما أهل البوادي - وبالأخص نساؤهم - لا يقدرون على إثبات العقائد، كمباحث التوحيد والنبوّة ونحوهما بالدليل، فالأمر يدور بين أن يلتزم بتخصيص العمومات، التي تمسّك بها المشهور بجمع من المستعدّين، أو تكفير هؤلاء الناس وإخراجهم عن الإسلام، وكذا في فرض قدرتهم على الاستدلال، فإنّهم يقلّدون آباءهم في ديانتهم بلا دليل.

لكن الأَوّل باطل؛ لأنّه يستلزم التخصيص الأكثر المستهجن، والثاني فاسد بالضرورة. لا يقال: فعلى هذا تلزم معذورية أكثر أهل الملل الفاسدة لصحّة تقليدهم، قلت: لا بأس بها إذا كانوا قاصرين لا مقصّرين كما أشرنا إليه سابقاً أيضاً.

وأمّا القول المشهور فاستدلّ له بوجوه:

1 - ما دلّ على تحصيل العلم كقوله تعالى: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ ) (3) والخطاب وإن كان للنبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله لكن يجري على غيره أيضاً لوجوب التأسّي به، لقوله تعالى: ( لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (4) أو للأولوية.

والعلم: هو الجزم الثابت المطابق للواقع، ومثله ما دلّ على طلب العلم، ووجوب التفقّه في الدين، ونحو قوله تعالى: ( مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) (5) أي ليعرفون، وغير ذلك.

____________________

(1) القوانين 2 / 172.

(2) الرسائل 1 / 315.

(3) محمّد 47 / 19.

(4) الأحزاب 33 / 21.

(5) الذاريات 51 / 56.


ومن الظاهر أنّ العلم لا يحصل من التقليد؛ لاحتمال الخطأ في قول المقلَّد - بالفتح - وللزوم التناقض في المسائل الخلافية، كما إذا قال أحد بقِدم العالَم والآخر بحدوثه، فإنّ اعتقاد القولين معاً تناقض، وترجيح أحدهما إن كان بمرجّحٍ فهو اجتهاد وإلاّ فهو محال؛ ولأنّ قول الغير لو أفاد علماً لكان العلم بصدقه إمّا ضرورياً أو نظرياً، والأَوّل باطل والثاني يستدعي إعمال النظر هو خلف.

أقول: هذا الوجه بتمامه غير صحيح؛ فإنّ التأسّي غير واجب على الإطلاق، والأولوية باطلة، وتفسير العلم المذكور في الكتاب والسُنة بما اصطلح عليه أهل المعقول غير مقبول، بل العلم عند أهل العرف والمحاورة هو: الجزم فقط كما ذكره المحقّق القمي وصاحب الفصول رحمهما الله أيضاً، ومنه تبيّن أنّ هذا الاستدلال لا ربط له بالمقام؛ إذ مفروض الكلام هو حصول الجزم للمقلّد فهو عالم عارف فقيه تكويناً كما لا يخفى.

وأمّا تفسير جملة ( لِيَعْبُدُونِ ) بـ (ليعرفون) فممنوع؛ لعدم دليل عليه من الأخبار وإن ادّعاه بعض الأعاظم.

وأمّا ما لُفّق في عدم إفادة التقليد علماً فيزيّف الأَوّل بخروجه عن المقام؛ لاختصاص الكلام بالغافلين والعوام الذين لا يختلج في صدورهم شك ولا احتمال، ولسنا نجوّزه في حقّ الملتفتين المتفطّنين لاحتمال الخطأ كما مرّ في صدر المسألة، ومنه ظهر فساد الثاني، فإنّ الاختلاف لا يحيّر الغافل، مع أنّه يختار أحد القولين؛ لأوثقية قائله، أو أقربيته نسباً وصحبة، إلى غير ذلك من المرجّحات غير الراجعة إلى الدليل.

والثالث موهون، فإنّ علم المقلِّد بصدق مقلَّده حدسي ناشئ من اعتقاده بأكمليته أو الاستيناس بطريقته، والإنصاف أنّ هذه الوجوه مخالفة للوجدان والعيان.

2 - ما دلّ على وجوب النظر كقوله تعالى: ( انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (1) ، وقوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ ) (2) ، وقوله تعالى: ( لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (3) إلى غير ذلك.

لكن الظاهر أنّها إرشادية إلى تحصيل الإيمان بالله، فإذا آمن به ولو عن تقليد كفى.

3 - ما دلّ على النهي عن اتّباع الظن، وجوابه واضح.

4 - ما دلّ على تحريم التقليد، مثل قوله تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ

____________________

(1) يونس 10 / 101.

(2) الروم 30 / 8.

(3) الأعراف 7 /176.


بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ) (1) ، ومثل قوله تعالى: ( قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ) (2) ، وقوله: ( أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ) (3) ، وقوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ) (4) ، وقوله: ( قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ ) (5) ، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

وهذا عمدة الوجوه فيدلّ على منع التقليد مطلقاً، وإلاّ لَما استحقّ هؤلاء الكفار ذماً وعتاباً وعقاباً، بل لهم المعارضة بجوازه في الشرع، فما مرّ من أنّ اعتبار مطابقة الواقع - في الجزم المذكور - يصادم ناموس العقل وقانون العدل. والجواب التحقيقي عنه، عدم بقاء الجزم لهم بعد مقابلتهم للأنبياء المبعوثين من الله تعالى إليهم، بل الظاهر زواله بمشاهدة المعجزات وخوارق العادات الصادرة عنهم، فهؤلاء الكفّار إنّما بقوا على مسلك آبائهم؛ تعصّباً وعناداً كما يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: ( كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) (6) ، وقوله تعالى: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ) (7) ، وغيرهما.

5 - الأخبار الدالّة على أنّ الإيمان هو ما استقر في القلب، مثل ما قاله الصادق عليه‌السلام - في جواب محمد بن مسلم حيث سأله عن الإيمان -: (إنّه شهادة أن لا إله إلاّ الله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى، وما استقر في القلوب من التصديق بذلك) (8) . ولا استقرار إلاّ لِما حصل باليقين، ولا يحصل إلاّ بالاستدلال، لكنّه بيّن الفساد؛ لعدم انحصار حصول الاستقرار بالاستدلال بل يحصّله التقليد أيضاً، ولا شكّ أنّ كل ما حصّله الاستدلال غير مستقرّ دائماً كما هو محسوس، ثم إنّ المناط في استقرار الإيمان واستيداعه شيء آخر لاحظ الروايات (9) ، ولعلّنا نعود إليه في بعض بحوث المعاد إن شاء الله.

____________________

(1) البقرة 2 / 170.                                    (2) الأعراف 7 / 70.

(3) الزخرف 43 / 21، 22.                          (4) الزخرف 43 / 23.

(5) الزخرف 43 / 24، 25.                          (6) البقرة 2 / 109.

(7) النمل 27 / 14.                                   (8) قوانين الأُصول 2 / 176.

(9) أُصول الكافي 2 / 416 - 420.


6 - الإجماع، قال العلاّمة الحلي قدّس سره في الباب الحادي عشر: أجمع العلماء كافّة على وجوب معرفة الله، وصفاته الثبوتية والسلبية، وما يصح عليه وما يمتنع عنه، والنبوة، والإمامة، والمعاد، بالدليل لا بالتقليد، فلابدّ من ذكر ما لا يمكن جهله على أحد من المسلمين، ومَن جهل شيئاً من ذلك خرج عن رِبقة المؤمنين واستحقّ العقاب الدائم.

أقول: يُفهم من آخر كلامه أنّ الجاهل بالمعارف بالدليل - ولو كان عالماً بها تقليداً - كافر مخلّد في النار، وقد نقل الإجماع على عدم جوازه، عن السيموري والمبادي والقوشجي والعضدي (1) والحاجبي، بل وصف سيّدنا الأستاذ الحكيم - دام ظله - هذا الإجماع بالمستفيض النقل كما مرّ.

أقول: معقد هذه الإجماعات إمّا بطلان المعرفة الحاصلة من التقليد، وأنّها في حكم الجهالة من جهة العقاب والخلود، وإمّا عدم صحّة التقليد غير المفيد للعلم، وإمّا حرمة التقليد المفيد للجزم حرمة تكليفية محضة، ولا ربط لها بالإيمان فيكون المقلّد الجازم مؤمناً فاسقاً مثلاً. والظاهر أنّ معقد إجماع العلاّمة هو الأَوّل كما عرفت، لكن ذكر لي سيدنا الحكيم - دام ظله - شفاهاً أنّ معقد الإجماع المستفيض المذكور هو الشق الثاني، وهذا هو الذي استظهره المحقّق القمي قدّس سره من الأُصوليين، فلاحظ كلامه (2)، فعلى هذا الوجه لا بأس بهذا الإجماع المذكور بل لا حاجة إليه؛ لأنّ المدعى واضح كما تقدّم.

وأمّا الاحتمال الثالث فلا مضايقة عنه أيضاً، والمسألة حينئذٍ تكون فقهيةً لا ربط لها بالمقام، لكن الشأن في تحقّق الإجماع كما ستعرف.

وأمّا الاحتمال الأَوّل - كما هو ظاهر العلاّمة ومعقد إجماعه، وهو المنقول عن الشهيد والمحقّق الأَوّل والمحقّق الثاني أيضاً (3) بل هو المنقول عن المشهور كما مر - فهو ممنوع جداً موهون قطعاً:

أمّا أوّلاً: فلِما مرّ من عدم حجّية الإجماع إلاّ إذا كان مفيداً للقطع برأي المعصوم، ونحن لا نظن به ولو ظناً ضعيفاً بسبب هذا الإجماع المنقول.

وأَمّا ثانياً: فلاشتراط اعتباره بعدم استناده إلى دليل آخر ولو احتمالاً، وإلاّ فلا اعتبار به، بل لابدّ من النظر إلى ذلك الدليل، ومن المظنون قوياً استناد المجمعين في دعواهم الإجماع إلى الوجوه المتقدّمة وغيرها، فلا يكون الإجماع المذكور تعبّدياً.

____________________

(1) قوانين الأُصول 2 / 158.

(2) القوانين 2 / 162.

(3) رسائل الشيخ 1 / 311.


وأَمّا ثالثاً: فلمخالفة جماعة جوّزوا الاكتفاء بالظن، أو قالوا بجواز التقليد المفيد للجزم، فلا يتمّ الإجماع المذكور، فافهم.

ورابعاً: ما مرّ منا من الدليل على كفاية مطلق الجزم ولو كان حاصلاً من التقليد.

ثمّ إنّ ما ادّعاه العلاّمة غير صحيح بمجموعه قطعاً، وقد تعرّض له الشيخ الأعظم الأنصاري قدّس سره أيضاً في آخر مباحث الانسداد من رسائله.

7 - إنّ الإيمان الحاصل من التقليد في معرض الزوال، فيجب تثبيته بالاستدلال دفعاً للضرر المحتمل أو المظنون.

أقول: الإيمان الحاصل من النظر أيضاً في معرض الزوال، فإنّ النظر لا ينفي المعرضية المذكورة بوجه، والمدّعي مكابر، وحله أنّ الجازم لا يرى تزلزلاً ومعرضية للزوال في نفسه، فهذا الشك ساقط.

والمتحصّل: لزوم تحصيل الجزم في الاعتقاد بالعقائد الدينية ولو من تقليد، ولا يعتبر حصوله من الاستدلال.


الفائدة السادسة

حول الجاهل القاصر

في المعارف الاعتقادية

الحقّ تحقّق الجاهل القاصر في المعارف الدينية، فليس كلّ مَن لم يعتقدها مستحقاً للعذاب والعقاب، بل المعاقب هو المعاند للحق أو المقصّر فيه، وأمّا مَن قصر استعداده، وضاق تفكيره، أو استولى عليه الغفلة وسلطان البيئة، فجهل الحق، فهو معذور عقلاً وشرعاً.

والدليل على وجود القاصر المذكور هو الحس، فإنّا نشاهد كثيراً من المسلمين المخالفين لنا في الاعتقاد - ولا سيما نسائهم الساكنات في قعر بيوتهنّ - قاصرين عن تحقيق الحقّ وتحصيل الواقع، وكذا نعلم قطعاً أنّ عدداً كثيراً من سكان الهند وروسيا وغيرهما قاصرون، في جهلهم بالله العظيم، وشؤونه، ونبوّة نبينا الأعظم، وأوصيائه الكرام، وهذا ممّا لا يدخله ريب ولا احتمال، بل مزيد العناية في إثباته لغو وعبث، فإنّ العيان يغني عن البيان.

ولكن مع ذلك اتّفق الجمهور من المسلمين، على أنّ المصيب من المجتهدين المختلفين في العقليات التي وقع التكليف بها واحد، وأنّ الآخر مخطئ آثم، وخالف فيه شذوذ من أهل الخلاف كما في المعالم والقوانين (1) .

أقول: هذا الاتفاق على خصوص التخطئة وبطلان التصويب متين، وأمّا على استحقاق العقاب فلا، نعم نُسب إلى الجاحظ والعنبري معذورية القاصر (2) ، وهو الذي اختاره بعض المتأخّرين من علماء أُصول الفقه أيضاً، لكن الجمهور من المسلمين على خلافه، بل عن جماعة من الخاصّة والعامّة الإجماع على ذلك (3) فتأمّل، بل ادعى الفقيه الأعظم شيخ المجتهدين صاحب الجواهر الضرورة المذهبية على ذلك، حيث قال في ردّ كلام الشهيد الثاني - وهو أي كلام الشهيد - من غرائب الكلام المخالف لظاهر الشريعة وباطنها -: إذ من ضرورة المذهب عدم المعذورية في أُصول الدين التي منها الإمامة... وبالجملة لا يستأهل هذا الكلام ردّاً؛ إذ هو

____________________

(1) معالم الأُصول / 226، والقوانين 2 / 207.

(2) المواقف وشرحها 3 / 236.

(3) القوانين (الحاشية) 2 / 207، ورجال المامقاني (المدخل) 1 / 206.


مخالف لأُصول الشيعة... إلخ (1).

أقول: وسيأتي من بعض العامّة أيضاً دعوى الضرورة على ذلك، هذا مضافاً إلى وجوه أُخر دلّت على ذلك:

فمنها: أنّ الله كلّف بالعلم ونصب عليه دليلاً فالمخطئ مقصّر آثم، نُقل هذا عن جماعة من أصحابنا، بل نُسب إلى الجمهور.

ومنها: قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (2)، فقد جعل الهداية على تقدير المجاهدة، فالضالّ لم يجاهد باختياره فهو مقصّر آثم.

ومنها: ما في المواقف وشرحها (3) من قوله: واعلم أنّ الكتاب والسُنة والإجماع يبطل ذلك - أي معذورية القاصر - بل نقول: هو مخالف لِما عُلم من الدين ضرورة؛ إذ يعلم قطعاً أنّ كفّار عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، الذين قتلوا وحكم بخلودهم في النار لم يكونوا عن آخرهم معاندين، بل منهم مَن يعتقد الكفر بعد بذل المجهود، ومنهم مَن بقي على الشك بعد إفراغ الوسع... إلخ.

ومنها: قوله تعالى: ( مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) (4) أي ليعرفون، فالمعرفة علّة غائية لخلقة الإنسان، وفرض وجود القاصر المذكور يوجب تخلّف المعلول عن العلة المذكورة؛ لانتفاء إمكان المعرفة في حقّه على الفرض، وهو لغو ينزّه عنه فعل الحكيم، ومثله قوله تعالى في الحديث القدسي: (كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلقَ لأُعرف). نقله المحقّق الآشتياني في شرح الرسائل (5) .

ومنها: قوله تعالى: ( رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (6) ، وللقاصر على الله حجّة فلابدّ من عدمه. نقله في حقائق الأُصول (7).

ومنها: العمومات الدالّة على حصر الناس في المؤمن والكافر، مع ما دلّ على خلود الكافرين بأجمعهم في النار، بضميمة حكم العقل بقبح عقاب الجاهل القاصر، فيكشف ذلك عن تقصير كلّ غير مؤمن، وأنّ مَن تراه قاصراً عاجزاً عن العلم، قد تمكّن من تحصيل العلم بالحقّ ولو

____________________

(1) أوائل كتاب الشهادات.

(2) العنكبوت 29 / 69.

(3) شرح المواقف 3 / 236.

(4) الذاريات 51 / 56.

(5) شرح الرسائل / 288.

(6) النساء 3 / 165.

(7) حقائق الأُصول 2 / 214.


في زمان ما، والعقل لا يقبّح عقاب مثل هذا الشخص. نقله الشيخ في رسائله (1) .

ومنها: قوله تعالى: ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) (2) والفطرة هي المعرفة والتوحيد كما ورد في الروايات المفسّرة للآية الكريمة (3) ، ومثله قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (كل مولود يولد على الفطرة)، فيُفهم أنّ المعرفة مرتكزة في النفوس البشرية لا تزول عنها إلاّ بصارف، وعليه فكيف يُفرض العجز عنها؟ نقله المحقّق الآشتياني بلا تعرّض لذكر الروايات المذكورة، مع أنّ الاستدلال بالآية الشريفة لا يتمّ إلاّ بها.

هذه هي الوجوه التي استخدمت لنفي الجاهل القاصر وأنّه غير متحقّق.

ثمّ إنّه لابدّ أن تعرف أنّ متكلّمي الأشاعرة وغيرها، وإن وافقوا الإمامية في عدم معذورية الجاهل، إلاّ أنّ الإمامية يقولون به من جهة نفي القاصر في الخارج، بخلاف الأشعريين فإنّهم قالوا به مع وجوده كما صرّح به صاحب المواقف وشارحها، على ما نقلناه في الوجه الثالث، والسر في ذلك: أنّ عقاب القاصر قبيح عقلاً، فإذا ثبت عقاب كلّ جاهل فلابدّ من إنكار القاصر جمعاً بين الأدلة، لكن الأشعري لمّا تظاهر بإنكار الأحكام العقلية لم يبالِ الالتزام بعذاب القاصر، وكأنّه ما سمع قوله تعالى: ( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ) (4) وقوله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ ) (5) وقوله: ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) (6) إلى غير من الآيات الكريمة الدالة على ذلك، بل لم يقفوا على ذلك حتى نسبوه إلى المسلمين، فقال قائلهم بلا استحياء: (أجمع المسلمون على أنّ الكفّار مخلّدون في النار أبداً، لا ينقطع عذابهم، سواء بالغوا في الاجتهاد والنظر في معجزة الأنبياء ولم يهتدوا، أو علموا نبوّتهم وعاندوا وتكاسلوا) (7) .

أقول: الإسلام والمسلمون - غير الأشعريين ومَن شابههم - بريئون من هذه الأباطيل، التي تسوّد وجه الإسلام في العالم كلّه، وتنافي رحمة الله الواسعة وفضله وعدله وحكمته الشاملة. بل نقل بعضهم (8) أنّ أطفال الكفار عند أكثرهم أيضاً يدخلون النار ويخلّدون، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً، ولصاحب الكفاية قدّس سره أيضاً في المقام كلام ينافي بظاهره قواعد

____________________

(1) الرسائل 1 / 312.

(2) الروم 30 / 30.

(3) لاحظ البحار 5 / 277.

(4) الأنفال 8 / 42.

(5) يونس 10 / 44.

(6) فصّلت 41 / 46.

(7) حاشية شرح المواقف 3 / 235.

(8) المصدر نفسه.


العدلية (1) فلاحظ.

وكيف ما كان، الحس يدلّ على تحقّق الجاهل القاصر، ومعه لا استيحاش من ردّ الإجماعات المنقولة المتقدمة وإن كثر نقلها، ولضعف مدركها كما ستعرف، وأمّا دعوى الضرورة المذهبية كما تقدّمت عن صاحب الجواهر قدّس سره، فهي أمر غريب عن مثل هذا المقام العظيم والعلم الفخيم، ولعلّ العبارة ناظرة إلى غير ما استظهرناه (2) ، كيف وقد قال به جملة من الأعلام، كشيخنا البهائي على ما حكي عنه في قصص العلماء للتنكابني، وهو ظاهر الشهيد الثاني أيضاً، والشيخ الأنصاري، وصاحب الكفاية، وجملة من محشّي الرسائل والكفاية، والمحقّق القمي، وغيرهم من أرباب التحقيق والتدقيق من الأُصوليين.

فالعمدة هي هذه الوجوه، فنقول:

أمّا الوجه الأَوّل: فضعفه ظاهر؛ لمنع الصغرى وعدم ثبوت التكليف لجميع آحاد الناس حتى القاصر، بل التكليف مختصّ بالقادرين من الأَوّل والقاصر غير قادر، بل هذا الوجه مصادرة واضحة، ( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) (3) .

والوجه الثاني: لو سلّم تفسير المجاهدة بالاستدلال يرد عليه: أنّ ترتّب الهداية على المجاهدة لا يدلّ على إمكان المجاهدة لكلّ أحد، والقاصر إمّا لنقص استعداده أو لعروض الغفلة ونحوها غير متمكن من المجاهدة.

والثالث: فاسد، بأنّ جواز قتله، ونجاسة، بدنه، وغير ذلك من الأحكام التكليفية والوضعية التعبدية، غير مقصودة بالمقام، ونحن نلتزم بها، والمقصود هو استحقاق العقاب والخلود في العذاب، وادّعاء الإجماع على ذلك كذب واضح.

والرابع: ضعيف بمنع التفسير المذكور كما تقدّم، والحديث مجهول السند، بل قال المحدّث الكاشاني: إنّه من مجعولات الصوفية مع أنّه يُنتقض بالمجانين والأطفال الذين يموتون قبل البلوغ، وأمّا تحقيق المقام فسيأتي إن شاء الله في مبحث تعلّل أفعاله بالأغراض.

وأمّا الخامس: فباطل إذ التكليف غير واجب على الله تعالى ليكون للقاصر حجة، نعم إذا أراد الله سبحانه عقابه وعذابه فيكون له حجّة عليه تعالى، لكنّا نقول بعدم عقابه وتعذيبه، مع أنّ النقض المتقدّم جارٍ هنا أيضاً.

____________________

(1) حقائق الأُصول 2 / 216.

(2) مثل عدم معذوريته في ترتّب الأحكام التعبّدية عليه.

(3) البقرة 2 / 286.


وأمّا السادس: فساقط بما أفاده الشيخ الأنصاري قدّس سره (1) ، من وجود الأخبار المستفيضة الدالة على ثبوت الواسطة بين المؤمن والكافر، ولا يخفى أنّ هذه الواسطة التي تخيّلها واصل بن عطاء الاعتزالي، ويمكن أن يقال بانصراف العمومات عن القاصرين فلا نحتاج إلى الاستدلال بالأخبار.

وأمّا السابع: ففيه النقض بالمجانين، والحلّ بأنّ الفطرة المذكور لا تنافي فقدان الشرط، أو طروء المانع كالغفلة، أو الاعتقاد الحاصل من البيئة على خلافها.

وربّما ذهب بعضهم إلى التفصيل (2) ، وإليه يميل المحقّق القمي قدّس سره حيث قال في ضمن كلامه: (نعم لو فصّل أحد وقال بذلك - أي بإنكار القاصر - في وجود الصانع مثلاً، أو ذلك مع وحدته، أو ذلك مع أصل النبوة، أو ذلك مع أصل الميعاد، لم يكن بعيداً؛ إذ الظاهر أنّ الأدلّة المذكورة ممّا يمكن فيها دعوى لزوم إصابة الحقّ النفس الأمري، وأمّا مثل تجرّده، وعينية الصفات، وحدوث العالم، ونفي العقول، وكيفيات الميعاد، فلا) (3) .

أقول: وربّما قيل بإنكاره في أصل وجود الصانع فقط، لكن كلّ ذلك يلحق بقول الجمهور في مصادمته الحس والعيان، ووضوح أدلة تلك الأُصول لا يوجب المكنة في قليل الاستعداد أو عظيم الغفلة، كما هو أوضح من أن يخفى.

ولنختم المقال بذكر رواية رواها الكليني قدّس سره في الكافي بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين قال: سألت أبا عبد الله عليه‌السلام : (مَن لم يعرف شيئاً هل عليه شيء؟ قال: لا) (4) .

____________________

(1) الرسائل 1 / 313.

(2) روضة المسائل / 5.

(3) القوانين 2 / 159.

(3) القوانين 2 / 159.

(4) الكافي 1 / 164.


الفائدة السابعة

في الأمر المولوي والإرشادي

لا شك أنّ قضية قانون المولوية والعبودية لزوم امتثال أوامر الآمر على مَن دونه، فكل سافل موظّف بمتابعة مَن هو عالٍ عليه، ولزوم هذا التوظيف من المشهورات المسلمّة بين الكل للمصلحة العامة، ومنه يظهر أنّ أوامر الشارع واجبة الامتثال، كما أنّ مناهيه لازمة الاجتناب.

ولك أن تستند في ذلك إلى الحكم الفطري، وهو دفع الضرر المحتمل؛ لاستتباع مخالفة أحكامه عقابه وعذابه، وأمّا ما ذهب إليه جمع من الأُصوليين من دلالة نفس صيغة الأمر والنهي، على الوجوب والحرمة فهو محل بحث وخلاف، كما ذكرناه في تعليقتنا على كفاية الأُصول، فتحصّل: أنّ حمل الحكم على الندب أو الكراهة محتاج إلى قرينة حالية أو مقالية، وإلاّ فالأصل الأَوّل هو الإلزام.

لكن هذا إذا كان الحكم مولوياً، وأمّا إذا كان إرشادياً فهو بمنزلة الإخبار لا يستفاد منه الوجوب ابتداءً. والفرق أنّ الأَوّل يقصد منه البعث أو الزجر عن متعلّقه، والثاني يقصد منه الحكاية عن شيء كالمصلحة أو المفسدة، فالأَوّل وإن دلّ على مصلحة أو مفسدة لكن الدلالة المذكورة غير مقصودة ذاتاً، كما أنّ الثاني وإن كان موجباً للبعث والزجر لكنّه غير مرادٍ من الخطاب نفسه، ومثاله في العرفيات أمر الطبيب بشرب الدواء للمريض، ولا سيما إذا كان المريض عالياً، فإنّه إرشادي، أي إخبار عن مصلحة كائنة في شرب الدواء للمريض بلا قصد البعث والتحريك ابتداءً.

وأمّا في الشرعيات فله موارد:

منها: ما لا يمكن للشارع إيجابه؛ إمّا لعدم ثبوت مولويته بعد، كوجوب النظر على ما مرّ فلابدّ من حمل الأمر المذكور - إذا صدر عنه - على الإرشاد إلى الحكم العقلي الفطري؛ وإمّا لمحذور آخر كالتسلسل مثلاً، كما قالوه في مثل قوله تعالى: ( أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) (1) فإنّ إطاعة الله سبحانه لو كانت واجبةً بوجوب شرعي، لكان إطاعة

____________________

(1) النساء 4 / 59.


نفس هذا الوجوب محتاجةً إلى وجوب آخر، وهكذا حتى يتسلسل أو يدور، فلابدّ من الالتزام بكونه إرشادياً.

ومنها: ما كان العقل حاكماً به، ويكون الأمر الشرعي لغواً، كما إذا أوجب الصعود إلى السطح ثمّ أمر بنصب السلّم، فإنّ الأمر المذكور إرشاد إلى حكم العقل الحاكم بلزوم إتيان مقدمة الواجب، ولا أثر للأمر الشرعي في أمثال المقام.

ومنها: ما إذا ورد الأمر بأجزاء مركب واجب، فإنّه لا يكون نفسياً ولا غيرياً كما تقرّر في محله، فلابدّ من حمله على الإرشاد والإخبار عن الجزئية (1) ، وإنّ المركب المذكور لا يتمّ إلاّ به.

ومنها: إذا لم يكن الآمر في مقام الاستعلاء، وإنّما يأمر لمجرّد مصلحة للمأمور، كالأوامر الواردة في شرب الأدوية في الشرع، ومنها غير ذلك.

والمقصود التنبيه على ذلك؛ حتى لا يقع الباحث في الاشتباه والتحيّر، ويعلم أنّ البعث والزجر معلولان لنفس الأمر والنهي المولويين، وللعلم بالمصلحة والمفسدة في الإرشاديين، فتدبّر جيداً.

____________________

(1) إلاّ إذا قلنا بأنّه لبيان الوجوب الضمني التعبّدي دون الوجوب الاستقلالي.


الفائدة الثامنة

في تقسيم المفهوم

المفهوم إمّا أن يكون مصداقه موجوداً خارجياً بنفسه، وإمّا أن يكون غير موجود كذلك، وإمّا أن يكون موجوداً أو معدوماً بغيره لا بنفسه، والأَوّل هو الواجب الوجود لذاته، والثاني هو الممتنع الوجود لذاته، والثالث هو الممكن، وأمّا احتمال كونه موجوداً ومعدوماً معاً لذاته أو لغيره، أو احتمال عدم كونه موجوداً ومعدوماً كذلك، فهو ساقط.

وهذه القسمة الحقيقة الثلاثية هي المعبر إلى علم الكلام ووصول المرام، وما ذكرنا في تقريرها سالم عمّا أورده صاحب الأسفار (1) على بعض التقارير الأُخر، نعم المقسم للواجب الذاتي والغيري والقياسي ليس الواجب الخارج من هذا التقسيم؛ بداهة اختصاصه بالواجب لذاته، بل المقسم المذكور الواجب بمفهومه الأعم اللغوي، وهكذا الحال في الممتنع.

ثمّ إنّ الدور، والتسلسل، والخلف، واجتماع الضدين، واجتماع المثلين، وغيرها من المستحيلات، راجعة إلى التناقض واجتماع الوجود والعدم، الذي امتناعه ضروري أَوّلي تصوراً وتصديقاً، وكل ما لا ينتهي إليه فليس للعقل سبيل إلى الحكم بامتناعه، فإذن، الأساس الأصيل والبناء القويم لجميع المباحث العقلية هو بطلان التناقض وامتناعه، وقد دريت أنّه ضروري أَوّلي، بل لا يمكن إنكاره من سليم العقل أبداً، بيد أنّ الفلاسفة الديالكتيكية أنكرت ذلك، فإنّ الذين اخترعوها بنوها على وقوع التناقض فضلاً عن إمكانه، وذكروا لإثباته أمثلةً فاقدة للوحدات المعتبرة في امتناعه؛ جهلاً منهم بالمباحث العقلية، وليتهم يدرون أنّ التناقض لو كان جائزاً لكان إنكار امتناعه باطلاً؛ إذ صحيح حينئذٍ أن يكون محالاً وغير محال ممكناً وغير ممكن! فهذا الإنكار ينجرّ إلى الإثبات، فافهم جيداً.

وأمّا الوحدات المعتبرة في التناقض فهي ثمانية كما قيل، بل نُسب إلى المشهور، قال شاعرهم:

در تناقض هشت وحدت شرط دان

وحدت موضوع ومحمول ومكان

____________________

(1) الأسفار 1 / 84.


وحدت شرط واضافه جزء وكل

قوه وفعل أست در آخر زمان

وزيد عليها اختلاف الكم في المحصورات واختلاف الجهة في الموجّهات.

أقول: الوحدات أكثر من هذه المذكورات، مثل: وحدة الحال، والتمييز والرتبة، والغرض، والحمل، والوحدة وغير ذلك، بل ربّما يبلغ تعدادها إلى الثلاثين (1) والأخصر أن يقال: إنّ اجتماع الوجود والعدم محال؛ إذ فيه كفاية للمرام.

____________________

(1) لاحظ رهبر خرد / 180.


الفائدة التاسعة

في خواصّ الواجب الوجود

اعلم أنّ لكلّ من الواجب والممكن خواصّ، وقد جرت عادتهم على بيانها بعد تقرير التقسيم المتقدّم، ونحن نتّبعهم في ذلك فنبدأ ببيان خواصّ الواجب وهي أُمور:

1 - إنّ إمكانه بالإمكان العام يكفي لثبوته وجوباً وضرورةً، ونسمّيه بقاعدة الملازمة، ولم نرَ مَن ذكرها في خواصّ الواجب مع أنّها مهمة ومفيدة جداً.

فنقول: الواجب إذا لم يكن بممتنع عقلاً يكون موجوداً وثابتاً، بلا حاجة إلى لمّية الثبوت والإثبات؛ وذلك لاستحالة الإمكان الخاصّ في حقّه، فإنّه قسيم للوجوب كما تقرّر في التقسيم الثلاثي المتقدّم، فالممكن الخاصّ لا يوجد إلاّ بعد علّته ثبوتاً، ولا يصدق بوجوده إلاّ بعد سببه إثباتاً وإن كان إمكانه معلوماً على كل تقدير، فإنّه لا يلازم فعليته ووجوده كما لا يخفى، وهذا بخلاف الواجب؛ حيث إنّ مجرّد إمكانه العام كافٍ في تحقّقه ثبوتاً وإثباتاً، فالواجب المفروض إمّا ممتنع أو متحقّق، وهذا لا يقتضي زيادة إيضاح.

وتجري هذه القاعدة في صفاته الواجبة أيضاً، فيقال: القدرة الواجبة - مثلاً - غير ممتنعة لمبدأ الواجب فهي ثابتة له وهكذا، نعم بناءً على القول بإمكان الصفات وزيادتها على الذات - كما عليه أُمّة الأشعري - لا مجرى لها فيها.

وقد استدلّ للقاعدة المذكورة أيضاً (1) ، بأنّ صفاته الذاتية متى صحّت وجبت؛ وإلاّ لافتقر في اتّصاف الذات بها إلى الغير، والافتقار عليه محال.

أقول: استحالة الافتقار - بهذا المعنى - أخفى من نفس المدّعى.

2 - إنّ الواجب الوجود واجب من جميع الجهات، قال في الأسفار (2) : المقصود من هذا أنّ الواجب الوجود ليس فيه جهة إمكانية، فإنّ كلّ ما يمكن له بالإمكان العام فهو واجب له.

أقول: الاستدلال عليه بوجوه:

____________________

(1) شرح الباب الحادي عشر / 16.

(2) الأسفار 1 / 122.


الأوّل: ما تجشّم بإقامته صاحب الأسفار، وهو: أنّ الواجب تعالى لو كان له - بالقياس إلى صفة كمالية - جهة إمكانية بحسب ذاته بذاته للزم التركيب في ذاته، وهو محال، فيلزم أن يكون جهة اتّصافه بالصفة المفروضة الكمالية وجوباً وضرورةً لا إمكاناً وجوازاً.

أقول: إن أراد بالإمكان اللازم فيه تعالى الإمكان القياسي ففيه منع لزوم التركيب، وإلاّ لجرى في الامتناع القياسي أيضاً، وقد صرّح نفسه (1) ، بأنّ الامتناع بالقياس إلى الغير يعرض لكل موجود - واجباً كان أو ممكناً - بالنسبة إلى عدم معلوله أو عدم علّته.

وحلّه أنّ معنى الإمكان بالقياس، هو عدم وجوب الصفة له تعالى بالنظر إلى ذاته المقدّسة، مع إمكانها بالإمكان العام على ضدّ مفاد القاعدة، أعني بها وجوب الواجب من جميع الجهات، وأين هذا من التركيب؟ ولذا لو فرضنا الواجب متعدّداً كان كل واحد ممكناً بالقياس إلى الآخر وإلى معاليله، كما ذكره هو أيضاً، فلا ملازمة بين التركيب والإمكان المذكور.

ثمّ إنّ الأمر في الأفعال أوضح؛ لأنّا سنبرهن على تبعيتها للمصالح والأغراض الزائدة على ذاته تعالى، فلا يجب الفعل بالنسبة إلى مجرّد ذاته تعالى.

فإن قلت: لا معنى للإمكان القياسي بين العلة والمعلول.

قلت: نعم، بيد أنّ المقام ليس من هذا الباب، لأنّا نبحث عن الشيء الممكن قبل إيجاده، فنقول مثلاً: إنّ هذا الفعل المعدوم خارجاً بالفعل الموجود في الذهن، هل يجب بالنسبة إلى الواجب أم لا؟ فالاشتباه إنّما هو من جهة خلط ما في الذهن بما في الخارج فتفطّن.

ومنع الإمكان القياسي في هذه المرتبة أيضاً مصادرة واضحة؛ لأنّه المدّعى فتحصّل أنّ جميع ما يمكن أن يتعلّق به قدرته تعالى ممكن له - تعالى - بالإمكان القياسي بملاحظة ذاته ولا وجوب له أبداً، نعم يجب بالوجوب القياسي والغيري بلحاظ إرادته التابعة للأغراض الزائدة على ذاته تعالى.

وإن أراد من الإمكان القوة والاستعداد، كما يظهر من تلميذه اللاهيجي (2) في مقام الاستدلال على إثبات صفاته، ففيه: أنّه لا يعقل القوّة في حق الواجب بلا شك، ولكن إنكار الوجوب المذكور لا يؤدّي إلى لزومها فيه تعالى، وقد قال هذا المستدل - أي صاحب الأسفار - في ربوبيات كتابه رداً على استدلال المتأخّرين على عينية الصفات مع الذات: الأَوّل إنّا نقول: إنّ هاهنا اشتباهاً من باب آخذ القبول بمعنى الانفعال الاستعدادي مكان القبول بمطلق الاتّصاف، والبرهان لا يساعد إلاّ على نفي الأَوّل دون الثاني... - إلى أن قال -: والثاني إنّ الدليل

____________________

(1) الأسفار 1 / 159.

(2) سرمايه إيمان / 32.


منقوض بالصفات الإضافية له تعالى كالمبدئية والسببية وغيرهما؛ لجريان الدليل بجميع مقدماته فيهما، فيلزم إمّا اتّصافه بتلك الصفات، أو عدم كونها زائدةً على الذات، وكلا القولين باطل... إلخ.

أقول: فعليك بتطبيق كلامه على المقام أيضاً.

وإن أراد من الإمكان العدم - كما هو الظاهر من كلامه في بيان برهانه العرشي على توحيده تعالى، حيث قال: بل يكون ذاته بذاته مصدقاً لحصول شيء وفقد شيء آخر من طبيعة الوجود ومراتبه الكمالية، فلا يكون واحداً حقيقياً، والتركيب بحسب الذات والحقيقة ينافي الوجوب الذاتي (1) ... إلخ بل هذا هو مراده جزماً - ففيه: أنّه لا دليل على امتناع مثل هذا التركيب، بل نمنع كون هذا تركيباً، فإنّ التركيب من الوجود والعدم، أو الوجدان والفقدان، أو الوجوب والإمكان، أو ما شئت فسمِّه ليس تركيباً واقعياً؛ إذ العدم أو الفقدان ليس شيئاً له مطابق في الخارج كما هو لائح.

وأمّا ما ذكره السبزواري في حاشيته على المقام - من أنّ شرّ التراكيب هو التركيب من الوجود والعدم؛ إذا كان العدم عدم الخير والكمال؛ إذ العدم سنخ آخر مقابل الوجود.... وأمّا التركيب من وجود ووجود فليس تركيباً واقعياً، إذا كان ما به الامتياز في الوجود بما هو وجود عين ما به الاشتراك - فهو من الشعريات.

ثمّ يمكن أن يقال بإرجاع الاحتمال السابق إلى هذا الاحتمال، وأنّ المراد بالقوة هو العدم. ثمّ إنّ هذا الدليل، وإن كان بظاهره مختصّاً بالصفات الكمالية، غير أنّ مراد المستدل تعميمه للصفات الإضافية أيضاً، والحق أنّ الأُولى عين ذاته، وليس للحق جهة إمكانية بالنسبة إليها كما يأتي بحثها في محلها، وأمّا الثانية فهي ممكنة له مع قطع النظر عن إعمال قدرته تعالى، فإنّ ما استدل على القاعدة المبحوث عنها في المقام غير تام، كما يظهر من بطلان هذا الوجه والوجوه التالية.

الثاني: ما لعلّه المشهور من أنّ ذاته لو لم تكن كافيةً فيما له من الصفات، لكان شيء من صفاته حاصلاً له من غيره، فيكون وجود ذلك الغير علّةً لوجود تلك الصفة فيه تعالى، وعدمه علّةً لعدمها، وحينئذٍ لا يكون ذاته تعالى إذا اعتبرت من حيث هي بلا شرط يجب لها الوجود؛ لأنّها إمّا أن يجب مع وجود تلك الصفة أو يجب مع عدمها، فإن كان الوجوب مع وجود الصفة المذكورة، لم يكن وجودها من غيره؛ لحصولها بذات الواجب من حيث هي هي بلا اعتبار حضور الغير، ولو جُعلت القضية وصفيةً لم يكن الوجوب له تعالى ذاتياً أزلياً، وإن كان مع عدمها لم يكن

____________________

(1) الأسفار 1 / 137.


عدمها من عدم العلة وغيبتها، ولو جُعلت الضرورة مقيّدةً لم تكن ذاتيةً أزلية، وإذا لم يجب وجودها بلا شرط لم يكن الواجب لذاته واجباً لذاته، وهذا خلف.

أقول: في الأسفار زيادة على ذلك أتمّ بها نظم الاستدلال فلاحظ (1) .

هذا وكونه غير تام؛ لِما أُورد عليه من النقض بالنسب والإضافات اللاحقة لذات المبدأ بجريان الحجة المذكورة فيها، فيلزم أن يكون تلك الإضافات واجبة الحصول له تعالى بحسب مرتبة ذاته بلا مدخلية الغير فيها، وأن يمتنع تجدّدها وتبدّلها عليه تعالى، مع أنّ ذات الواجب غير كافية في حصولها؛ لتوقّفها على أُمور متغايرة متجدّدة متعاقبة خارجة عن الذات بالضرورة، وهذا ممّا لا خفاء فيه؛ ولذا اعترف به الشيخ ابن سينا في محكي الشفاء (2) حيث قال: ولا نبالي بأن يكون ذاته مأخوذةً مع إضافة ما ممكنة الوجود، فإنّه من حيث هي علة لوجود زيد ليست بواجبة الوجود بل من حيث ذاته. انتهى.

وقَبِله كثير من الأتباع كما قيل، فهذه الحجة أيضاً سقيمة وفيه إشكال آخر أيضاً تركناه مخافة التطويل.

وأمّا ما نسجه في الأسفار في إبرام هذا النقض فهو أليق بمقام الخطابة، بل كلّه مغالطة من باب أخذ ما في الذهن مكان ما في الخارج، كما نبّهنا عليه سابقاً فلاحظ وتأمل حتى يظهر لك الحال، نعم لو تمّ قاعدة كون بسيط الحقيقة كلّ الأشياء لصح بيانه، كما صحّحه السبزواري بها على ما يظهر من حاشيته على المقام، لكنّها مزيّفة جدّاً كما ستأتي في محلّها إن شاء الله، وسوف نهدم بنيانها ونخرّب أساسها.

الثالث: إنّ كلّ ما هو ممكن للواجب من الصفات توجبه ذاته، وكلّ ما توجبه ذاته فهو واجب الحصول، أمّا الكبرى فظاهرة، وأمّا الصغرى؛ فلأنّها لو لم تصدق لكان وجوب وجود بعض الصفات بغير الذات، فذلك الغير إن كان واجباً لذاته لزم تعدّد الواجب، وإن كان ممكناً فإمّا توجبه الذات، فيلزم كونها موجبةً للبعض الذي فرضناها غير موجبة إيّاه من الصفات؛ إذ الموجب للموجب موجب أَوّلاً، بل يكون وجوبه بموجب ثانٍ يوجبه وننقل الكلام إليه، فإمّا أن تذهب سلسلة الموجبات إلى غير النهاية، أو ينتهي إلى موجب يوجبه الذات ويلزم خلاف المفروض، والحاصل أنّ الذات لو لم توجب الصفات بأسرها لزم أحد الأُمور الممتنعة من، تعدّد الواجب، والتسلسل، وخلاف المفروض (3) .

____________________

(1) الأسفار 1 / 124.

(2) الأسفار 1 / 126.

(3) شرح الهداية / 149.


أقول: يرد عليه - مضافاً إلى ابتنائه على زيادة الصفات القديمة الباطلة التي تتخيّلها الأشاعرة - أنّ لزوم هذه المحاذير إنّما هو في صورة تحقّق الصفة خارجاً، وأمّا إن قلنا بعدم تحقّقها له تعالى مع إمكانها فلا يلزم شيء منها كما ليس بسر، وأمّا الأفعال فخروجها عن مدلول الدليل المذكور ظاهر؛ لأنّها تابعة للإرادة دون الذات نفسها، والعمدة التي يترتّب عليها جملة من المسائل المختلف فيها، هو وجوب الأفعال الذي لا دلالة للدليل عليه، وأمّا وجوب الصفات وعينيتها مع الذات المقدّسة، فهو ممّا لا شبهة فيه كما سيأتي في المقصد الرابع.

الرابع: ما ذكره الحكيم اللاهيجي (1) وغيره، من أنّه لو لم يجب ما أمكن في حقّه، لزم افتقاره إمّا إلى نفسه فيلزم أن يكون الله فاعلاً وقابلاً، وإمّا إلى غيره فيلزم أيضاً ذلك المحذور لانتهاء غيره إليه.

أقول: بطلان كونه تعالى فاعلاً وقابلاً غير مبيّن بل مرّ منعه، بل هو أيضاً حقّق عدم بطلانه في مثل الشقّ الأَوّل في كتبه (2) ، هذا مع أنّه لو تمّ لَما جرى في أفعاله؛ فإنّ وجوبها بإرادته التابعة للمِلاكات الواقعية، فلا يلزم الافتقار.

فتحصل أنّ هذه القاعدة لم تثبت في خواصّ الواجب القديم.

3 - امتناع كونه جزءً للغير، فالأجزاء إمّا عقلية تحليلية مثل الجنس والفصل، وإمّا خارجية مقدارية كأجزاء السكنجبين مثلاً، وإمّا غير مقدارية - أي معنوية - نحو المادة والصورة، ولا يعقل أن يكون الواجب جزءً لغيره بجميع هذه المعاني.

أمّا عدم كونه جزءً عقلياً؛ فلأنّه موجود خارجي، وأمّا عدم كونه جزءً مقدارياً؛ فلأنّه ليس بمادي ولا كم له، فلا يعقل عروض المقدار له، وأمّا عدم كونه جزءً معنوياً؛ فلأنّ المحل ملتمس إلى الصورة في فعليتها، والصورة لابدّ لها من مادة تحلها، فكلاهما لا يناسب الوجوب. وإن شئت فقل: احتياج الحال إلى محله، إمّا في الوجود كما إذا كان عرضاً، أو في التشخّص إذا كان صورةً، وعلى كلا التقديرين يكون الحال ممكناً ولا سيما إن تشخّصه - تعالى - بنفس وجوده.

وأيضاً تحقّق التركّب بتأثير الأجزاء وتأثّرها بالضرورة، والواجب لا يتأثّر من غيره؛ وأيضاً المركّب إمّا واجب وإمّا ممكن، لا يصحّ الأَوّل؛ لِما يأتي من امتناع التركيب على الواجب، ولامتناع قوام الواجب بالممكن كما في صورة إمكان الجزء الآخر، ولا يصحّ الثاني؛ لاجتماع الوجوب والإمكان في شيء واحد؛ ضرورة أنّ المركب نفس الأجزاء، فتدبّر.

4 - استحالة التركيب عليه، أمّا تركّبه من الأجزاء الخارجية فبطلانه واضح؛ ضرورة

____________________

(1) لا يحضرني الآن موضع هذا الكلام في كتبه، نعم هو مذكور في الصفحة 16 من شمع اليقين لابنه الميرزا حسن.

(2) گوهر مراد / 193.


احتياج المركّب إلى كل جزء بنفسه في تحقّقه، والجزء غير الكل، فكل مركّب محتاج إلى غيره في وجوده، وهذا هو الإمكان المضاد للوجوب.

وأيضاً الواجب لا يكون متكمّماً فلا مقدار له، وأيضاً المركّب لابدّ له من مركّب - بالكسر - والواجب لا فاعل له.

وأمّا تركّبه من الأجزاء العقلية - وإن فرض بساطته خارجاً - فيفسده:

أوّلاً: إنّه لو كان له جنس وفصل لكان جنسه مفتقراً إلى الفصل لا في مفهومه ومعناه، بل في أن يوجد ويحصل بالفعل، فحينئذٍ نقول: ذلك الجنس لا يخلو إمّا أن يكون وجوداً محضاً أو مهية غير الوجود، فعلى الأَوّل يلزم أن يكون ما فرضناه فصلاً لم يكن فصلاً؛ إذ الفصل ما يوجد به الجنس، وهذا إنّما يتصوّر إذا لم يكن حقيقة الجنس حقيقة الوجود، وعلى الثاني يلزم أن يكون الواجب ذا مهية، والحال أنّه نفس الوجود.

ذكره صاحب الأسفار (1) ولعلّه تفصيل ما ذكره الفارابي في الفصّ السابع من فصوصه.

وثانياً: إنّ المركّب محتاج إلى أجزائه العقلية فيصير ممكناً، وتنظّر فيه بعض المتكلّمين (2) فقال: إنّ الممكن هو ما يحتاج في وجوده الخارجي إلى غيره، والواجب ما لا يحتاج كذلك؛ إذاً التقسيم الثلاثي المتقدّم إنّما هو بملاحظة الوجود الخارجي، فلو فرض تركّب الوجود من الأجزاء الذهنية لا يلزم إلاّ احتياجه في التحقّق الذهني إلى أجزائه العقلية، وهذا لا ينافي الوجوب.

ويمكن أن يجاب عنه بأنّ تقسيم المفهوم إلى الجهات الثلاث وإن كان بحسب الوجود الخارجي، إلاّ أنّ الأجزاء العقلية موجودة في نفس الأمر؛ ضرورة عدم كونها من الاختراعيات، فحينئذٍ يتوقّف وجوده في نفس الأمر على غيره، وهذا النحو من الافتقار أيضاً ينافي الوجوب؛ إذ وجود الواجب ضروري في حد نفسه، فافهم.

وقال الفارابي في الفصّ التاسع من فصوصه: وجوب الوجود لا ينقسم بأجزاء القوام مقدارياً كان أو معنوياً - يريد به الصورة والمادة فقط، أو مع الجنس والفصل - وإلاّ لكان كلّ جزء منه إمّا واجب الوجود فيتكثّر واجب الوجود، وإمّا غير واجب الوجود فهو أقدم بالذات من الجملة، فيكون الجملة أبعد من الجزء في الوجود. انتهى.

وهذا برهان متين؛ إذ الواجب أقدم في الوجود من جميع الممكنات فلا جزء ممكن له، وبقية الكلام في محله.

____________________

(1) المجلد الثاني.

(2) شرح القوشجي على التجريد / 52.


5 - امتناع كون وجوده واجباً بذاته وبغيره معاً، ووجهه ظاهر؛ ضرورة أنّ الواجب الوجود إنّما يستند وجوب وجوده إلى ذاته لا إلى غيره أيضاً.

طريق آخر وهو: أنّ الغير الذي يُفرض استناد الوجوب إليه، إن كان واجباً ننقل الكلام إليه، ونسأل عمّا به وجوبه الغيري ليتسلسل، وإن كان ممكناً يلزم الدور؛ ضرورة توقّف وجوده ووجوبه الغيري على الوجوب الذاتي، فلو استند وجود الواجب ووجوبه إلى الممكن المذكور لدار.

وأيضاً الوجوب الغيري يعرض للمعلول، والمعلول ممكن، والمسألة واضحة جداً، والصحيح أنّها ليست من خواصّ الواجب لجريانها في الممكن أيضاً كما لا يخفى.

6 - تشخّصه بذاته ونفسه، وإن قلنا بأنّ تشخّص الموجودات بالعوارض لا بنفس وجوداتها الخاصة؛ وذلك لأنّ الواجب لو تشخّص بغير نفسه لاحتاج إلى ذاك الغير، والوجوب لا يجامع الاحتياج.

وأيضاً إن كان هذا الغير واجباً ننقل الكلام إلى تشخّصه حتى يتسلسل، وإن كان ممكناً لزم تقدّم الشيء على نفسه، وهو محال.

7 - تفرّده وعدم تعدّده، فإنّ التعدّد يستلزم الإمكان ولا يجامع الوجوب؛ إذ الواجبان إمّا أن يكونا متساويين في تمام الذات، أو متخالفين كذلك، أو يتشاركان في جهة ويفترقان من جهة، ولا شق رابع.

والأَوّل باطل؛ لاستلزام افتقار كلّ منهما إلى التمييز بما هو خارج عن ذاتيهما، وبالجملة حالهما حينئذٍ حال فردين من نوع واحد في الاحتياج إلى المشخّصات الفردية، وهو عين الإمكان.

قال الفارابي في الفصّ الخامس من فصوصه: (كل واحد من أشخاص الماهية المشتركة فيها ليس كونه تلك الماهية، هو كونه ذلك (1) الواحد وإلاّ لاستحال تلك الماهية لغير ذلك الواحد، فإذن ليس كونها ذلك الواحد واجباً لها من ذاتها، فهي بسبب وهي معلولة) هذا، مع أنّ المائز المذكور إن كان واجباً ننقل الكلام إلى مائزه حتى يتسلسل، وإن كان ممكناً فلا يصلح للتمييز؛ إذ نسبة كل ممكن إلى الواجبين على حد سواء، فتأمّل جيداً، مع أنّ وجود الممكن قبل تشخّص الواجب باطل لكونه دورياً، كما لا يخفى.

والثاني: فاسد، فإنّ حقيقة كلّ منهما إن كانت نقصاً يصير كلّ منهما ممكناً؛ لأنّ النقص من لوازم الإمكان ولا يكون الواجب إلاّ كمالاً خالصاً، وإن كانت كمالاً وبهاءً يلزم خلو كلّ منهما من الكمال؛ لفرض أنّ كلاً منهما فاقد في نفسه حقيقة الآخر، والخلو من الكمال لا يلائم

____________________

(1) في العبارة نوع غموض والمراد واضح.


الوجوب؛ لِما قلنا من استلزام النقص للإمكان.

وأمّا الثالث: فضعفه جلي؛ لأنّ التركيب يمتنع في حقّ الواجب كما تقدّم، وبهذا التقرير اندفع شبهة ابن كمونة، بل لم يبقَ لها مجال أصلاً، فهذا البرهان مع قلّة مؤونته، ووضوح أركانه، كثير المعونة جداً، إلاّ أنّه متوقّف على استحالة النقص على الواجب، ولزوم اتّصافه بكل كمال، وسيأتي بحثها في المقصد الثالث إن شاء الله.

ثمّ إنّ الكلام في هذا المقام طويل الذيل، وسنفصّله في المقصد الرابع إن شاء الله.

8 - في أنّ الواجب ماهيّته إنيّته، بمعنى أنّه لا ماهية له سوى الوجود الخاصّ المجرّد عن مقارنة الماهية، بخلاف الممكن كالإنسان مثلاً، فإنّ له ماهية هو الحيوان الناطق، ووجوداً وهو كونه في الأعيان، واستدلّوا عليه بوجوه.

الأوّل: لو لم يكن وجود الواجب عين ذاته يلزم كونه مع بساطته قابلاً وفاعلاً؛ لأنّ وجوده - لكونه عرضياً لماهيته - يكون معلولاً؛ لأنّ كلّ عرضي معلول إمّا لمعروضه وإمّا لغيره، فلو كان معلولاً لغيره يلزم إمكانه؛ إذ المعلولية للغير ينافي الواجبية، فإذن الماهية تكون قابلةً للوجود من حيث المعروضية، فاعلةً له من حيث الاقتضاء، وهذا - أي كون الماهية فاعلةً وقابلةً - مستلزم للتركيب.

الثاني: لو كان وجوده زائداً عليه لزم تقدّم الشيء بوجوده على وجوده، وبطلانه ضروري.

بيان الملازمة: أنّ الوجود حينئذٍ يحتاج إلى الماهية احتياج العارض إلى المعروض، فيكون ممكناً ضرورة احتياجه إلى الغير، فيفتقر إلى علّة هي الماهية لا غير؛ لامتناع افتقار الواجب في وجوده إلى الغير، وكلّ علّة فهي متقدّمة على معلولها بالضرورة، فيكون الماهية متقدّم على وجودها بوجودها.

أقول: وإن شئت فقل: إنّ الكلام فيما يكون العلّة فيه علّةً للوجود أو الموجود في الخارج، وبديهة العقل حاكمة بوجوب تقدّمها عليه بالوجود، كما أفاده المحقّق الطوسي قدّس سره، فما تخيّله الرازي الأشعري من قياس المقام بقابلية الماهية وغيرها مزيّف جداً.

الثالث: لو كان زائداً يلزم إمكان زوال وجود الواجب وهو ضروري الاستحالة؛ وذلك لأنّ الوجود إذا كان محتاجاً إلى غيره كان ممكناً، وكان جائز الزوال نظراً إلى ذاته وإلاّ لكان واجباً لذاته، مستقلاً في حقيقته، غير متعلّق بالماهية، وهذا خلف.

الرابع: ما ذكره صاحب التلويحات، واستحسنه صاحب الأسفار، وأوضحه بقوله: إنّه لمّا كان الوجوب والامتناع والإمكان من لوازم الماهيات والذوات؛ إذ المنظور إليه في تقسيم الشيء إلى الأُمور الثلاثة حاله في نفسه مقيساً إلى الوجود، فلو كان المفروض واجباً معنىً غير


نفس الوجود، يكون معنىً كلياً له جزئيات بحسب العقل، (فإنّ كلّ ما يفصّله الذهن إلى معروض وعارض وهو الوجود، كان في مرتبة ذاته مع قطع النظر عن وجوده كلياً لا محالة، وكلّ ما له ماهية كلّية فنفس تصوّره، لا يأبى عن أن يكون له جزئيات غير ما وقع إلاّ لمانع خارج عن نفس ماهيّته).

فتلك الجزئيات إمّا أن يكون جميعها ممتنعةً لذاتها، أو واجبةً لذاتها، أو ممكنةً لذاتها، والشقوق الثلاثة بأسرها باطلة؛ إذ الأَوّل ينافي الوجوب والوجود، والثاني ينافي العدم فيما لم يقع، والثالث ينافي الوجوب فيما يُفرض واقعاً، وبطلان شقوق التالي بأسرها مستلزم لبطلان المقدّم، وهو كون الواجب معنىً غير الوجود. فإذن، إن كان في الوجود واجب بالذات، فليس إلاّ الوجود الصرف المتأكد المتشخّص بنفسه، لا يلحقه عموم ولا خصوص، وإن شئت أن تطلع على بطلان ما أُورد على هذه الحجّة فلاحظ الأسفار.

الخامس: إنّ الوجود لو كان زائداً على ماهية الواجب لزم وقوعه تحت مقولة الجوهر، فيحتاج إلى فصل مقوّم فيتركب ذاته، وهو محال.

السادس: كلّ ما صحّ على الفرد صحّ على الطبيعة من حيث هي؛ لأنّ اللابشرط ولا سيما المقسمي عين الفرد، فصحّة شيء على الفرد عين الصحّة على الطبيعة، وكلّ ما امتنع على الطبيعة امتنع على أفرادها، ولمّا لزم قول الإمكان على بعض الجواهر ضرورةً، صحّ وقوع الإمكان على مقولتها لذاتها، فلو دخل واجب الوجود تحت مقولة الجوهر، للزم فيه جهة إمكانية باعتبار الجنس، فلا يكون واجب الوجود بالذات، وهذا خلف، فكل ما له ماهية زائدة على الوجود فهو إمّا جوهر أو عرض، فلا يكون للواجب ماهية كذلك.

قلت هذه الوجوه الستة بتغيير عمّا في الأسفار (1) .

السابع: لو كان للواجب تعالى ماهية سوى الوجود - ولو كانت ماهيةً بسيطة نوعية - لكان زوجاً تركيبياً، والتالي باطل، فالمقدّم مثله. بيان الملازمة: أنّ الواجب حينئذٍ مجموع الماهية والوجود لا الماهية فقط؛ إذ المراد بها ما هي مقابلة للوجود، فليست من حيث هي إلاّ هي، فلا يمكن كونها بلا وجود حقيقة الواجب تعالى وهو ظاهر، ولا من حيث كونها ملزومة الوجود بحيث يكون الوجود خارجاً، والحقيقة نفس الماهية اللاموجودة واللامعدومة، بل مجموع الماهية والوجود حقيقته تعالى، وهذا لا يرتفع بجعل أحدهما لازماً والآخر ملزوماً، كما أنّ التركيب لا يُسلب عن الممكن بجعل الوجود عارضاً والماهية معروضةً أو بالعكس.

الثامن: لو كان له ماهية لم يكن محيطاً بكل التعيّنات؛ لأنّ خصوصية أيّة ماهية كانت، لا

____________________

(1) الأسفار 1 / 96 - 108.


تجامع خصوصيات الماهيات الأُخر، فلابدّ أن يكون هو تعالى وجوداً يجامع كلّ التعيّنات، وينبسط على كلّ الماهيّات.

التاسع: لو كان له ماهية لزم إمكان تعقّله للبشر، واللازم باطل عقلاً واتّفاقاً، فالملزوم مثله. بيان الملازمة: أنّ سنخ الماهية ممكن التعقّل والاكتناه أينما تحقّقت، كما اشتهر أنّ التعريف للماهية وبالماهية، ولو لم تعقل بالفعل فلا أقلّ من إمكان التعقّل، كما أنّ ماهية الإنسان ممكنة التعقّل وإن لم يعقلها العامّي بالفعل، ولو فرض أنّ الممكن لم يكن له ماهية لم يمكن تعقّله أيضاً؛ إذ وجوده الخارجي لا يحصل في الذهن وإلاّ لانقلب.

ذكر هذه الوجوه الثلاثة الحكيم السبزواري في حاشيته على الأسفار (1) في هذا المقام، وله وجه رابع قرّره في حاشيته على إلهيات الأسفار، لكن لم نرَ لزوماً لنقله.

العاشر: لو كان وجوده زائداً عليه، حتى يكون ألفاً موجوداً مثلاً، لم يكن في حدّ ذاته مع قطع النظر عن العارض موجوداً ولا معدوماً، كما حقّق في مبحث الماهية، وكلّما كان كذلك فهو ممكن؛ لأنّ اتصّافه بالوجود إمّا بسبب ذاته وهو محال؛ إذ الشيء ما لم يوجد لم يوجد، فيلزم تقدّمه بالوجود على نفسه وهذا خلف، وإمّا بسبب غيره فيكون معلولاً فلا يكون واجباً بل ممكناً.

نقله في إلهيات الأسفار، وربّما يُقرّر (2) بأنّ اتّصاف الشيء بالوجود لابدّ له من علّة بها يصير متصفاً بالوجود، فتلك العلّة إمّا ذات الشيء أو غيرها، وعلى الأَوّل يلزم تقدّم الشيء على الوجود بالوجود؛ ضرورة تقدّم المحتاج إليه على المحتاج بالوجود، فيلزم التسلسل أو تقدّم الشيء على نفسه، وعلى الثاني يلزم إمكان الواجب وهو واضح.

الحادي عشر: لو كان الوجود زائداً لكان ذاته فاقداً في ذاته للوجود خالياً عنه، فلم تكن موجوديته نظراً إلى ذاته بذاته، بل تحتاج موجوديته إلى غير الذي هو وجوده، فيلزم إمكانه (3) .

الثاني عشر: إنّه لو كان للواجب ماهية ووجود، فإن كان الواجب هو المجموع لزم تركّبه ولو بحسب العقل، وإن كان أحدهما لزم احتياجه؛ ضرورة احتياج الماهية في تحقّقها إلى الوجود، واحتياج الوجود لعروضه إلى الماهية، نقله القوشجي في شرحه على التجريد (4) .

____________________

(1) الأسفار 1 / 106 - 107.

(2) كما نقله في الشوارق 1 / 99.

(3) ذكره بعض محشي الشوارق 1 / 99.

(4) شرح التجريد / 57.


تحليل وتنقيد

وهذه هي الوجوه التي استدلّوا بها على المدعى، وقبل التفتيش فيها لابدّ من إرجاع النظر إلى أصل الدعوى؛ لتحليلها وتصويرها بصورة معقولة، فإنّ المسألة نفسها مجملة محجوبة، فها هنا موقفان:

الموقف الأَوّل: في تحليل نفس المدعى،

وأنّه ما هو مقصودهم من نفي الماهية

عنه تعالى، وأنّها عين وجوده؟

فنقول: إنّ كل ممكن زوج تركيبي له ماهية ووجود، أحدهما تأصلي والآخر اعتباري انتزاعي، ولا يصح تأصّلهما معاً؛ لِما ذكره السبزواري في أوائل شرح منظومته وحاشيتها، واختلفوا في الأصيل منهما فذهب بعضهم إلى أنّه الماهية والمنتزع هو الوجود، فالمجعول بالذات هو الماهية نفسها، والوجود يُنتزع من تحقّقها خارجاً، وذهب الآخرون إلى أنّه الوجود والماهية هي المنتزعة من حدود الوجود، وقد استقرّ عليه المذهب من زمن صاحب الأسفار.

بيان ذلك: أنّه لا خلاف يعتد به بين المشّائين وأهل الإشراق وغيرهم من المحقّقين، في أنّ الكلّي الطبيعي المعبّر عنه بالماهية في ألسنة الحكماء - أي المقسم للمطلقة والمجرّدة والمخلوطة - موجود، إلاّ أنّ الخلاف في أنّه بعد جعل الجاعل موجود بالأصالة والوجود واسطة في الثبوت، أو موجود بالعرض والوجود واسطة في العروض.

والأَوّل هو معنى أصالة الماهية، والثاني هو معنى أصالة الوجود، والمراد من الواسطة بالعروض هو قسم خاصّ منها، وهو ما لا تحصّل للمعروض بدون الواسطة، كما صرّح به السبزواري في حاشية الأسفار (1) ، إذا تقرّر ذلك فيتّضح لك معنى مسألتنا المبحوث عنها، وأنّه يختلف باختلاف القولين المتقدّمين.

أمّا على القول بأصالة الماهية فإليك - في تفسير مقصود المسألة - تعبير الدواني الذي هو من المصرّين على أصالتها قال: هذا المعنى العام المشترك فيه (يعني به مفهوم الوجود) من المعقولات الثانية، هو ليس عيناً بشيء منها حقيقةً، نعم مصداق حمله على الواجب ذاته بذاته، ومصداق حمله على غيره ذاته من حيث هو مجعول الغير، فالمحمول في الجميع زائد بحسب الذهن، إلاّ أنّ الأمر الذي هو مبدأ انتزاع المحمول في الممكنات ذاتها، من حيثية مكتسبة من الفاعل، وفي الواجب ذاته بذاته، فإنّه وجود قائم بذاته، فهو في ذاته بحيث إذا لاحظه العقل انتزع

____________________

(1) الأسفار 1 / 38.


منه الوجود المطلق بخلاف غيره (1) انتهى.

وهذا هو ظاهر المحقّق اللاهيجي أيضاً في (گوهر مراد).

وأمّا على القول بأصالة الوجود، فإليك تقرير صاحب الأسفار الذي هو كالمؤسس لهذا القول - أي أصالة الوجود - قال: فقولهم: إنّ الوجود زائد في الممكن عين في الواجب، معناه أنّ ذات الممكن وهويّته ليست بحيث إذا قُطع النظر عن موجده ومقوّمه يكون موجوداً وواقعاً في الأعيان؛ لأنّ الهويات المعلولية - كما مرّ - فاقرات الذوات إلى وجود جاعلها وموجدها، فوجود الممكن حاصل بالجعل البسيط، فوجود الجاعل مقوّم للوجود المجعول، فلو قُطع النظر إلى وجوده عن جاعله لم يكن وجوده متحقّقاً - كما علمت - بخلاف الواجب جلّ ذكره، فإنّه موجود بذاته لا بغيره، فالممكن لا يتمّ له وجود إلاّ بالواجب، فوجود الواجب تمام لوجود غيره، وهو غني الذات عن وجود ما سواه، فثبت أنّ الوجود زائد في الممكن عين في الواجب، تأمّل فيه فإنّه حقيق بالتدقيق (2) انتهى. وقد ذكره في مبحث عموم علمه تعالى أيضاً.

وقال في الشوارق: إنّ هذا المعنى هو مراد الحكماء وهو المطابق للبرهان (3) .

أقول: فعلى هذا تصبح المسألة - على رغم اهتمام الباحثين بها - لغواً لا أثر لها؛ إذ معنى الواجب الوجود هو أن لا يكون له حيثية تعليلية، وأنّ ذاته بذاته مصداق لحمل الوجود الاعتباري عليه بلا جهة مكتسبة من الغير، أو أنّ وجوده قائم بنفسه لا بغيره، فليس في هذه المسألة شيء زائد يكون خاصة للواجب، بل مفادها تشريح مفهوم الواجب فقط، فتأمّل.

فإن قال قائل: إنّ الأدلة القائمة على وجود الواجب تنفي الواسطة في الثبوت، ولا تتكفل بإبطال الواسطة بالعروض، بل هو من ثمرة هذه المسألة.

نقول له: أمّا على القول بأنّه تعالى ماهيّة مخالفة لسائر الماهيّات فلا مسرح لهذا الكلام، فإنّ الأدلة المذكور إذا أبطلت الواسطة في الثبوت، تبطل الواسطة في العروض أيضاً، كما هو غير خفي على مَن أمعن النظر.

وأمّا على القول بأنّه وجود بحت قائم بنفسه، فالأدلة المزبورة وإن لم تكن كافيةً لنفي الواسطة في العروض؛ لاحتمال أن يكون لوجوده ماهية موجودة - كما في الممكن - ويحمل الوجود عليها بالواسطة في العروض، إلاّ أنّ نفيها غير لازم، فإذا قيل: إنّ الواجب حقيقته وجود بحت لا علّة له ولا واسطة في العروض له، ولكن له ماهية اعتبارية تُنتزع من وجوده، وهي

____________________

(1) نقله في الأسفار 2 / 11.                          (2) الأسفار 2 / 11.

(3) الشوارق / 105. فبين كلامه هذا وما ذكره في گوهر مراد / 144 تغاير.


موجودة بسبب وجوده، لا محذور فيه، فتأمل جيداً.

الموقف الثاني: في صحة تلك الوجوه وسقمها

فنقول: أمّا الوجه الأَوّل فيزيّف بمنع استلزام كونه فاعلاً وقابلاً تركّبه، كما أشرنا إليه فيما مرّ وحقّ الجواب أنّه لا علّية في المقام؛ إذ الوجود - بناءً على أصالة الماهية - ليس أمراً متحقّقاً ومتأصّلاً، بل مفهوم انتزاعي على الفرض فلا يقع معلولاً كما هو ظاهر جداً.

وأمّا بناءً على أصالته فالماهية شيء اعتباري، فلا معنى لتأثّرها من الوجود تأثر المسبّب من سببه. ولعمري إنّ حديث العلّية في المقام ظاهر البطلان، ومنه ينبثق ضعف الوجه الثاني أيضاً؛ لابتنائه على تخيّل السببية.

وأمّا الوجه الثالث فيفسده أنّ إمكان الوجود الذاتي لا يستلزم إمكان زواله عن الماهية؛ لاحتمال وجوبه لها كالزوجية للأربعة، وبعبارة صناعية: أنّ الإمكان الذاتي لشيء لا ينافي وجوبه الذاتي على نحو مفاد (كان الناقصة).

وأمّا الوجه الرابع فهو متين؛ تصويباً لنظر الحكيم الشيرازي والشيخ السهروردي، إلاّ أنّ مفاده أنّ حقيقة الواجب هو الوجود لا الماهية، فالباحث وإن قال بأصالة الماهية في الممكن، لكن لابدّ له من القول بأصالة الوجود في الواجب من جهة هذا الدليل. وأمّا نفي الماهية المنتزعة عن الوجود الخاصّ الخارجي - كما هو محلّ الكلام - فلا نظارة للدليل إليه، فتأمّل.

أمّا الوجه الخامس فهو ممنوع بما لا يخفى على أهله، ويلحق به الوجه السادس أيضاً.

وأمّا السابع فضعفه لائح لمنع لزوم التركّب فيه؛ إذ حقيقة الواجب هو الوجود الخاص فقط أو الماهية فقط؛ إذ كلّ منهما - على القول بأصالة الآخر - أمر اعتباري محض، فلا موضوع للتركّب أبداً.

وأمّا الثامن فهو ساقط، فإنّه إن أُريد من الإحاطة الإحاطة من حيثية القدرة والعلم والفيض ونحوها، فالملازمة ممنوعة، وسند المنع واضح؛ وإن أُريد منها ما يتضمّنه قاعدة: إنّ بسيط الحقيقة كلّ الأشياء، فالتالي غير باطل بل سيأتي - في محلّه - أنّ القاعدة المذكورة باطلة ولو على القول بأصالة الوجود، نعم إنّ الله داخل في الأشياء لكن لا كدخول شيء في شي، كما أنه خارج منها لكن لا كخروج شيء من شيء، وتفصيل الكلام في غير المقام.

وأمّا التاسع فلا يتّسع؛ إذ الماهية وإن كانت - بسنخها - قابلةً للاكتناه بها، إلاّ أنّه ما لم يمنع عنه مانع كما في المقام؛ إذ عدم تناهيها يُبطل إمكان تعقّلها واكتناهها للمدرك المحدود، نعم لو التزمنا بوجود ممكن غير محدود فنلتزم بإمكان تعقّلها له.


وأمّا العاشر فغير نافع؛ إذ بناءً على أصالة الماهية يكون الوجود يُنتزع عنها، وهي منشأ لانتزاعه، فكيف لا تكون موجودةً في نفسها وإن منع من إطلاق لفظ الموجود؟ فنقول: إنّها بنفسها متحقّقة واجبة الصدق خارجاً فأنّى يلزم إمكانها؟ وأمّا التقرير الثاني ففيه: إنّ اتّصاف الماهية بالوجود لا يحتاج إلى علّة؛ إذ هو ذاتي لها، ونعني بالذاتي الذاتي في كتاب البرهان.

وملخّص الكلام أنّ الوجود ضروري الثبوت للماهية فهو من لوازمها، وقد تقرّر أنّ الجعل لا يتعلّق باللوازم استقلالاً، بل يتعلّق بها بتبع الجعل المتعلّق بالملزومات، وإذا كان الملزوم غير قابل للجعل - كما في المقام - فلا يكون اللازم أيضاً مجعولاً لا مستقلاً ولا تبعاً، فمرادنا من ضرورية الوجود لماهية، ليس هو الوجوب الغيري كما زعمه المحقّق اللاهيجي، بل الوجوب الذاتي بنحو مفاد (كان الناقصة)، ومثل هذه الضرورة لا تنافي الإمكان، بل المنافي له هو الضرورة بنحو مفاد (كان التامّة) وهذا واضح، وبهذا البيان ينهدم ما أورده المحقّق المذكور في شوارقه (1)، والدواني في حواشيه على شرح القوشجي فتأمّل.

وأمّا الوجه الحادي عشر فيفسده ما أفسد الوجه العاشر، ولا ينكره إلاّ القاصر.

وأمّا الوجه الأخير فلا خير فيه عند الخبير بما تقدّم من النظير والله الهادي.

ويمكن أن يفسّر قولهم: إنّ ماهيّته إنيّته، وإنّ للممكن ماهيّة انتزاعية من وجوده، بأن لا حدّ للواجب بخلاف الممكن فإنّه محدود؛ وذلك لأنّ الماهية تنتزع من حدود الوجود، فما له ماهيّة يكون ذا حدّ وتناهٍ، وما ليس له ماهيّة لا حدّ له ولا نهاية له، قال الحكيم الشيرازي في بعض كلماته: والوجود الإمكاني لا تعيّن له إلاّ بمرتبة من القصور ودرجة من النزول، ينشأ منها الماهية، وينتزع بحسبها المعاني الإمكانية... (2) إلخ فتأمّل جيداً.

ونختم المقام بجملة من رواية هشام بن الحكم المروية في الكافي، وهي قول السائل للصادق عليه‌السلام : فله - أي الله تعالى - إنيّة ومائية؟ قال عليه‌السلام : (نعم لا يثبت الشيء إلاّ بإنيّة ومائية... إلخ) (3) ، وللشرّاح حولها كلمات يراجع إليها طالبها والله الهادي.

وأمّا ما نُقل عن جمهور المتكلّمين (4)، من أنّ الوجود عرض قائم بالماهية في الواجب والممكن جميعاً قيام الأعراض، ففيه منع جداً.

____________________

(1) الشوارق 1 / 100.

(2) الأسفار 1 / 187.

(3) الكافي 1 / 84.

(4) الأسفار 1 / 249.


الفائدة العاشرة

في خواصّ الممكن

الخاصة الأُولى: عدم اقتضائه الوجود والعدم

فنقول: الممكن - على ما خرج من التقسيم الثلاثي المتقدّم - هو ما لا ضرورة لوجوده وعدمه بلحاظ نفسه، قبال الواجب لذاته والممتنع لذاته، فإذن، يُحتمل أن يكون الممكن موجوداً أو معدوماً بنفسه، لكن لا بنحو الضرورة بل بالأولوية غير البالغة حدّ الضرورة، وهذه الأولوية راجعة إمّا إلى اقتضاء ذات الممكن كما في تقرير المشهور، أو إلى نفس أحد الطرفين، بأن يكون الوجود أو العدم أليق وأولى بذات الممكن، كما في تقريب السيد الداماد قدّس سره (1) ، فينسدّ باب إثبات الصانع حينئذٍ، فلابدّ من إقامة الدليل على إبطال هذه الأولوية.

ثمّ إنّ الأولوية المتصوّر على أقسام أربعة: الأولوية الذاتية الكافية، والأولوية الذاتية غير الكافية، والأولوية الغيرية الكافية، والأولوية الغيرية غير الكافية. والبحث هنا يتشعبّ إلى شعبتين:

الشعبة الأُولى: في الأولوية الذاتية

وفيها أقوال:

القول الأَوّل: إنّ وجود الممكن وعدمه بالنظر إلى ذاته على السواء، ولا أولوية لأحدهما على الآخر، فيكون متساوي الطرفين. نقله في الشوارق عن الجمهور (2) .

القول الثاني: إنّ العدم أَولى به؛ لأنّه أسهل وقوعاً، فإنّ الوجود يتحقّق بعد تحقّق جميع أجزاء علّته التامّة بخلاف العدم؛ إذ يكفيه انتفاء جزء من العلّة.

القول الثالث: إنّ وجود بعض الممكنات أَولى من عدمه بالنظر إلى ذاته، لا على وجه يخرج عن حيّز الافتقار إلى الغير، ويسدّ به إثبات الصانع، بل على وجه يستدعي أكثرية وقوع وجوده بإيجاب العلّة وإفاضة الجاعل، وبعض الممكنات بالعكس ممّا ذكر.

____________________

(1) الشوارق 1 / 84.

(2) الشوارق 1 / 82.


أقول: المراد بالأُولى الوجودات القارّة، وبالثانية الوجودات السيّالة غير القارّة، بتوهّم أنّ العدم أَولى بهذه الوجودات - كالأصوات والحركات والأزمنة - وإلاّ لجاز بقاؤها مع أنّه غير جائز، وإذا جازت الأَولوية في جانب العدم فليكن جوازها في جانب الوجود - كما في الوجود القارّ - أَولى.

القول الرابع: تخصيص هذه الأَولوية في طرق العدم فقط، بالقياس إلى طائفة من الممكنات بخصوصها، أي السيّالة غير القارة.

نُقلت هذه الأقوال الثلاثة الشاذة عن الفلاسفة.

أقول: أمّا القول الثاني فهو أجنبي عن المقام؛ إذ السهولة في علّة العدم لا في نفسه، فهذه الأولوية إنّما هي بالنظر إلى الغير لا بالنظر إلى ذات الممكن.

وأمّا القول الثالث فيفسده أنّ الوجود غير البقاء، بل لا يلزمه، فعدم البقاء لا يسبّب أَولوية العدم بالنسبة إلى الماهية. وبوجه آخر: إنّ التصرّم والبقاء من خصوصيات الوجود أو الماهية، ولا صلة لهما بأَولوية أحد الطرفين بها، وأَولوية الماهية بأحدهما كما لا يخفى، وإن شئت فقل: إنّهما راجعان إلى الإمكان الاستعدادي دون الإمكان الذاتي، ومنه ينقدح بطلان القول الرابع أيضاً.

وأمّا القول الأَوّل فله دلائل:

1 - ما ذكره القوشجي في شرحه على التجريد (1) من أنّه مع ذلك الرجحان، لو لم يجز وقوع الطرف المرجوح نظراً إلى ذات الممكن، لم يكن ممكناً ما فرضناه ممكناً، ولو جاز وقوعه نظراً إلى ذاته، لجاز رجحانه على الطرف الراجح نظراً إلى ذاته؛ إذ لا يتصوّر الوقوع بدون الرجحان، لكنّه لا يجوز: لمنافاته مقتضى ذات الممكن وهو رجحان الطرف الراجح.

ويمكن الخدش فيه، بأنّه مبني على أنّ الذات تقتضي الأولوية وجوباً، وأمّا إذا قيل بأنّ اقتضاءها لها أيضاً على نحو الأَولوية فيرتفع المنافاة المذكورة.

2 - ما ذكره الرازي واستحسنه غيره (2)، من أنّ ما يقتضي رجحان طرف فهو بعينه يقتضي مرجوحية الطرف الآخر؛ للتضايف الواقع بينهما، ومرجوحية الطرف الآخر يستلزم امتناعه؛ لاستحالة ترجيح المرجوح، وامتناعه يستلزم وجوب الطرف الراجح، فتصبح الأولوية وجوباً وهو خلف. واختاره الدواني أيضاً (3) .

____________________

(1) شرح التجريد / 43.

(2) نقله في الأسفار 1 / 202.

(3) شرح القوشجي (الحاشية) / 43.


وردّه صاحب الأسفار، بأنّه إذا كان اقتضاء رجحان طرف بعينه على سبيل الأُولوية، كان استدعاء مرجوحية الطرف المقابل أيضاً على سبيل الأولوية لمكان التضايف، والمرجوحية المستلزمة لامتناع الوقوع إنّما هي المرجوحية الوجوبية، لا ما هي على سبيل الأولوية، فلا خلف.

ولو سلّمنا ذلك فمن المستبين أنّ مرجوحية الطرف المرجوح، إنّما يستدعي امتناعه بالنظر إلى الذات مع تقييدها بتلك المرجوحية، أعني الذات المحيّثة بالحيثية المذكورة لا الذات بما هي هي، وهذا امتناع وصفي، فيكون بالغير، ولا يستدعي إلاّ وجوب الطرف الراجح كذلك، أي بالغير لا بالذات، فليس فيه خرق الفرض، والامتناع بالوصف الذي هو ممكن الانفكاك يكون ممكن الانفكاك، فكيف ظنّك بالوجوب الذي بإزاء هذا الامتناع؟

3 - ما قيل (1) من أنّ الطرف الآخر إن امتنع بسبب تلك الأَولوية، كان هذا الطرف الأَولى لذاته واجب الوجود أو العدم، وهذا خلف وإن لم يمتنع، فإمّا أن يقع بلا علّة فهو محال وإمّا أن يقع بعلّة، فثبوت الأولوية للطرف الأَولى به يتوقّف على عدم تلك العلّة التي للطرف الآخر؛ إذ معها يكون الراجح هو الطرف الآخر بالضرورة، وعليه فلا تكون تلك الأَولوية لذات الممكن وحده، بل مع انضمام ذلك العدم إليه، وهذا خلاف المفروض.

أقول: ويرد على الشقّ الأَوّل من الترديد، أنّ الامتناع المذكور وصفي كما عرفت آنفاً، وعلى الثاني منه أنّ الأولوية المذكورة كما تقتضي وجود الطرف الأَولى، كذلك تقتضي مرجوحية سبب الطرف الآخر، فتكون الأولوية لذات الممكن وحده، ولا تتوقّف على شيء آخر، فإنّها توجب العدم المذكور فكيف يفرض توقّفها عليه؟ فتأمل.

4 - ما نقل القوشجي (2) من أنّه لو تحقّق أولوية أحد الطرفين لذاته، فإن لم يمكن طريان الطرف الآخر، كان ذلك الطرف ممتنعاً، فيكون الطرف الراجح واجباً وقد فرضناه ممكناً، وإن أمكن طريان الطرف الآخر فإمّا لا بسبب فيلزم ترجّح المرجوح وهو محال، أو بسبب، فإن لم يصر ذلك الطرف أَولى به لم يكن السبب سبباً، وإن صار يلزم مرجوحية الطرف الأَولى لذاته فيزول ما بالذات وهو ممتنع.

أقول: ويرد عليه ما أوردناه على الوجه الأَوّل.

هذا ولكن التحقيق أنّ المسألة غير محتاجة إلى مزيد العناية وكثير الرعاية؛ لأنّها إمّا ضرورية أو قريبة من الضروري؛ إذ الوجود إن كان عين الذات أو جزءها كان الموجود واجباً،

____________________

(1) شرح المواقف 1 / 417.

(2) شرح التجريد / 43.


وإن كان زائداً عليها - كما هو المفروض - لم يعقل اقتضاء أولوية أحد الطرفين لها أصلاً، فإنّ الذات المذكورة قبل وجودها أو جعل جاعلها أمر اعتباري محض، فالقول باقتضائها الوجود ملازم للالتزام بتأثير المعدوم في الوجود، وهذا واضح البطلان وضروري الفساد، ولا فرق في ذلك بين كون الاقتضاء بنحو الوجوب أو الأولوية، وإلى ما ذكرنا ينظر كلام الأسفار حيث قال: فأمّا تجويز كون نفس الشيء مكوّن نفسه ومقرّر ذاته - مع بطلانه الذاتي - فلا يتصوّر من البشر تجشّم ذلك ما لم يكن مريض النفس... (1) إلخ.

وقال أيضاً: ثمّ مع عزل النظر عن استحالة الأولوية يقال: لو كفت في صيرورة الماهية موجودةً، يلزم كون الشيء الواحد مفيداً لوجود نفسه ومستفيداً عنه، فيلزم تقدّمه بوجوده على وجوده (2) انتهى.

أقول: ومن هنا لم يلتزم بالأولوية الكافية أحد من العقلاء، ومَن قال بالأولوية فإنّما قال بغير الكافية منها، هذا مع أنّا لو فرضنا صحّة الأولوية الكافية - بفرض المحال - لكان باب إثبات الواجب الوجود مفتوحاً غير مسدود كما سيأتي في محلّه، نعم ينسدّ به باب إثبات الصانع وهذا ظاهر.

ثمّ لا فرق فيما ذكرنا من بطلان الاقتضاء للذات الاعتبارية الصرفة، بين كون الأولوية كافيةً أو غير كافية كما لا يخفى، وإن كان نفي الثانية مستصعباً عند قوم من الباحثين، وأمّا الأولوية بالمعنى المنقول عن السيد الداماد قدّس سره فهي أيضاً ظاهرة البطلان، على كلّ من أصالة الوجود وأصالة الماهية كما يظهر وجهه بالتأمّل.

الشعبة الثانية: في الأَولوية الغيرية

وفيها أيضاً أقوال:

الأَوّل: أَولوية الوجود عند وجود المقتضي وانتفاء الشرط، وأَولوية العدم في صورة فقدان المؤثّر وتحقّق الشرط (3) .

الثاني: أَولوية ما هو الواقع خارجاً من الوجود أو العدم، نسبها في الأسفار (4) إلى طائفة من أهل الكلام؛ لمنعهم تحقّق الوجوب فيما سوى الواجب وإن كان بالغير، وفي موضع آخر منها إلى

____________________

(1) الأسفار 1 / 200.

(2) الأسفار 1 / 202.

(3) شرح المواقف 1 / 417.

(4) الأسفار 1 / 204.


أكثر المتكلمين (1) .

الثالث: التفصيل بين الأفعال الاختيارية وغيرها، فالأُولى تصدر عن غير وجوب سابق، والثانية لا تتحقّق ما لم تجب كذلك، والظاهر أنّ هذا مذهب جماعة من العلماء، وهو مختار سيدنا الأُستاذ العلاّمة الخوئي - دام ظله - وكان يصرّ عليه في مجلس درسه الشريف (خارج أُصول الفقه).

ثمّ إنّ بعض الكلاميين أنكروا الأَولوية أيضاً كما قيل، بل نسبه العلاّمة الحلي قدّس سره (2) إلى أكثر المعتزلة والأشاعرة متمثّلين بالهارب الواصل إلى طريقين متساويين، فإنّه يسلك أحدهما لا محالة من غير ترجيح لأحدهما على الآخر.

بل يظهر من الأسفار أنّ بعض المتكلّمين أنكر الوجوب اللاحق أيضاً، وهو الضرورة بشرط المحمول، لكنّه بعيد فإنّ العقل بإدراكه البدوي يجزم بالوجوب المذكور.

الرابع: إنّ ما لم يجب وجوده لم يوجد، وما لم يمتنع عدمه لم ينعدم، ولا تكفي الأَولوية في ترجيح أحد طرفي الممكن أصلاً، ذهب إليه الفلاسفة وجمع من المتكلّمين، بل نسبه المحقّق الطوسي رحمه‌الله إلى محقّقيهم، ونقل إنكاره عن بعض القدماء (3) .

واستدلّوا عليه بأنّا إذا فرضنا هذه الأَولوية متحقّقةً ثابتة، فإمّا أن يمكن معها وجود الطرف الآخر المقابل لطرف الأولوية، أو لا يمكن، والثاني يقتضي أن تكون الأَولوية وجوباً، والأَوّل يلزم منه المحال، وهو ترجيح أحد طرفي الممكن المتساوي على الآخر لا لمرجّح؛ لأنّا إذا فرضنا الأَولوية ثابتةً يمكن معه وجود الطرف الراجح والمرجوح، فتخصيص أحد الطرفين بالوقوع دون الثاني ترجيح من غير مرجّح وهو محال، ولهذه الحجّة تقريبات كلّها متحدة المعنى لكنّها عندي مزيّفة، فإنّ الأَولوية وإن لا تنفي إمكان المقابل، إلاّ أنّها تكفي لوقوع متعلّقها على الفرض، ولا ملازمة بين الأمرين كما زعموها، فافهم.

الثاني: ما استدلّ به الحكيم السبزواري بقوله: (4) الأَولوية ماهية من الماهيات، فهي مستوية النسبة إلى الوقوع واللاوقوع، فوقوعها ولا وقوعها جائز.

أقول: وفيه نظر.

الثالث: ما استدلّ به هو أيضاً، من أنّ الأولوية لو لم تكن مستويةً بل متعلّقة بأحد الطرفين

____________________

(1) الأسفار 1 / 222.

(2) شرح قواعد العقائد / 42.

(3) شرح قواعد العقائد / 40.

(4) الأسفار (الحاشية) 1 / 222.


جاء لزوم التعلّق ووجوبه، والفرض أنّه لا وجوب، وفيه أيضاً نظر.

الرابع: ما في شرح المواقف (1) ، من أنّ الوجود إذا صار بسبب تلك العلّة أَولى بلا وجوب، وكان ذلك كافياً في وقوعه، فلنفرض مع تلك الأَولوية الوجود في وقت والعدم في وقت آخر، فإن لم يكن اختصاص أحد الوقتين بالوجود لمرجّح لم يوجد في الآخر، لزم ترجّح أحد المتساويين بلا سبب، وإن كان لمرجّح لم تكن الأولوية الشاملة للوقتين كافيةً للوقوع، والمقدّر خلافه.

أقول: الأَولوية مرجّحة للوجود، فالعدم لابدّ له من مخصّص فتأمل.

الخامس: ما فيه أيضاً، من أنّ الأولوية لا تنشأ إلاّ من العلّة التامة؛ لأنّه متى فُقد جزء من أجزائها كان العدم أَولى، فإذا فُرض أنّ اختصاص أحد الوقتين لمرجّح لم يوجد في الآخر، لم تكن العلّة التامّة علّةً تامّة، فقد ثبت أنّ الأولوية وحدها غير كافية. وفيه بحث.

هذا ما وجدناه من أدلّتهم، والصحيح عندي، أنّ الآثار الصادرة من العلل الموجبة والأفعال الاختياري التوليدية، ممّا لابدّ من وجوبها قبل وجودها، فما لم يجب شيء منها لم يوجد، وأمّا الأفعال الاختيارية المباشرية ففيها إشكال سندرسه في مسألة الجبر والتفويض.

ثمّ إنّ الموجود من الممكن مع لحاظ وجوده واجب بالضرورة، وهذا هو الوجوب بشرط المحمول، المسمّى بالوجوب اللاحق، وهذا ممّا لا شكّ في تحقّقه، وهكذا الكلام في المعدوم من الممكن، فإنّه مع لحاظ عدمه ممتنع.

فالنتيجة: أنّ كلّ ممكن موجود محفوف بالوجوبين، وكلّ ممكن معدوم محفوف بالامتناعين، هذا مع بقاء الماهية الإمكانية على ما هي عليه من الإمكان الذاتي، غير أنّ في الوجوب السابق للفعل المباشري كلاماً أشرنا إليه آنفاً، بل الوجوب اللاحق يجري في الواجب أيضاً، كما يقال: الله العالم عالم بالضرورة، الله الموجود موجود بالضرورة، وهكذا، كما أنّ الامتناع اللاحق يجري في الممتنع الذاتي أيضاً.

الخاصّة الثانية: حاجة الممكن

وفيها بيان ملاكها: أقول: بعد ما تقرّر أنّ الممكن لا يقتضي الوجود ولا العدم، وأنّهما بالنسبة إليه متساويان، فقد أصبح احتياج الممكن في وجوده إلى العلّة ضرورياً لا يقبل الترديد، والخفاء الطارئ عليه في بدء النظر إنّما هو؛ لعدم تصوّر الممكن كما هو حقّه، وعدم وضوح مفهومه، وإلاّ فالتصديق في نفسه ضروري، على حدّ التصديق بأنّ الكل أعظم من الجزء. وهذا

____________________

(1) شرح المواقف 1 / 419.


ممّا لا ينبغي أن يُتكلّم فيه أكثر من ذلك، وإنّما المهم معرفة علّة هذه الحاجة، فإنّ الباحثين قد اختلفوا فيها على أقوال:

فمنها: أنّها الإمكان، وهو مذهب الحكماء والمحقّقين من متأخّري المتكلّمين، كما في الشوارق (1) .

ومنها: أنّها الحدوث، نسبه في المواقف إلى المتكلّمين (2) ، وقيل: إنّه مذهب جماعة منهم.

ومنها: أنّها الإمكان والحدوث مركّباً، نُقل عن بعض المتكلّمين.

ومنها: أنّها الإمكان بشرط الحدوث، حكي أيضاً عن بعضهم.

ومنها: أنّها الوجود، قال به بعض الفلاسفة الماركسية (3) .

استدلّوا على الأَوّل، بأنّ العقل إذا لحظ كون الشيء بحيث يتساوى طرفا وجوده وعدمه بالنظر إلى ذاته، حكم بأنّه لا يترجّح أحد طرفيه على الآخر إلاّ لمرجّح، سواء لاحظ الحدوث في هذه الحالة أو لم يلاحظه، فالعلم بإمكان شيء لمّا استلزم العلم بافتقاره، دلّ على أنّ الإمكان هو العلّة للافتقار في نفس الأمر دون الحدوث؛ إذ يمكن تصوّر الحدوث بلا استلزامه حصول العلم بافتقار الشيء الحادث إلى علّته ما لم يُلحظ إمكانه، حتى لو فُرض حادث واجب بالذات - فرض محال - يحكم باستغنائه عن المؤثّر كما قيل، والعمدة في نفي علّية الحدوث للحاجة - ولو بنحو الشرطية - أنّ الحدوث كيفية للوجود؛ لأنّه عبارة عن مسبوقية الوجود بالعدم، فيتأخّر عن الوجود، المتأخّر عن الإيجاد، المتأخّر عن الحاجة، المتأخّرة عن الإمكان، فلو كان الحدوث هو علّة الحاجة لكان سابقاً على نفسه بدرجات وهو محال.

وتوهّم صاحب المواقف (4) أنّ هذا الدليل مغالطة ناشئة من اشتباه الأُمور الذهنية بالخارجية؛ لأنّ القائلين بعلّية الحدوث لا يريدون إلاّ أنّ حكم العقل بالحاجة لملاحظة الحدوث وحده أو مع الإمكان، لا أنّ الحدوث علّة في الخارج للحاجة، فيوجد فتوجد الحاجة؛ لأنّ الحدوث والحاجة أمران اعتباريان، فكيف يتصوّر كون أحدهما علّة للآخر في الخارج حتى يرد عليه ما أُورد؟

لكن خفي عليه أنّهما وإن لم يكونا بخارجيين، إلاّ أنّهما من الأُمور الموجودة في نفس

____________________

(1) الشوارق 1 / 80.

(2) شرح المواقف 1 / 412.

(3) فلسفتنا / 300.

(4) شرح المواقف 1 / 414.


الأمر؛ إذ لا شك أنّ الممكن متّصف في نفس الأمر بالحاجة، وهذا الاتّصاف محتاج إلى علّة في نفس الأمر، فهي إن كانت الإمكان فهو، وإن كانت الحدوث فجاء فيه المحذور المذكور، وأمّا كونه علّةً للتصديق بالحاجة فقط، فهو خارج عن محلّ الكلام، فإنّ البحث في العلّة في نفس الأمر لا في مقام الإثبات.

فإن قيل: الإمكان - أيضاً لكونه كيفية النسبة بين الماهية والوجود - متأخّر عن الوجود، فلا يكون علّةً للافتقار المتقدّم عليه بمراتب.

فيقال: الإمكان إنّما هو كيفية النسبة بين الماهية ومفهوم الوجود من حيث هو متصوّر، لا بين الماهية والوجود الحاصل لها؛ ولهذا تُوصف الماهية بالإمكان قبل اتّصافها بالوجود بخلاف الحدوث، فإنّه مسبوقية الوجود الحاصل للماهية بالعدم، فلا شك في تأخّره عن الإيجاد.

والإنصاف أنّ الحكم بعلّية الإمكان لافتقار ضروري أو قريب منه جداً، فإنّ الإمكان هو تساوي الطرفين، بمعنى عدم اقتضاء الممكن شيئاً منهما في نفسه كما مرّ، وهذا المعنى يُعطي حاجته إلى المرجّح في أحد الطرفين بالضرورة، ولا نعني بالعلّية إلاّ هذا المعنى، وإن شئت فقل: كما أنّ الغَناء معلول للوجوب والامتناع بلا مدخلية القِدم فيهما، فكذا الافتقار وعدم الغَناء معلول لعدم الوجوب والامتناع - وهو الإمكان - بلا مشاركة الحدوث أصلاً.

نقل وإبطال

إنّ الذين قالوا بعلّية الحدوث للحاجة زعموا أنّ الممكن متساوي الطرفين، فلا حاجة له إلاّ مع اعتبار حدوثه خارجاً، فما لم يلحظه العقل موصوفاً بصفة الحدوث لم يجزم باحتياجه إلى سبب، وإنّ الإمكان إذا كان علّةً للافتقار لاحتاج الباقي أيضاً إلى المؤثّر مع أنّه غير ممكن، فإنّ التأثير إن كان في الحاصل لزم تحصيل الحاصل، وإن كان في أمر متجدّد كان الباقي مستغنياً، والتأثير إنّما هو في الحادث، (1) ولاحتاج المعدوم منه أيضاً إلى العلّة، فتكون الأعدام الأزلية معلّلةً مع كونها مستمرّةً.

وأمّا مَن ذهب إلى أنّ السبب هو الإمكان بشرط الحدوث، فكأنّه ظنّ أنّ العقل ما لم يُحط بالإمكان المفسّر باستواء الطرفين لم يحكم بالاحتياج إلى السبب، وما لم يَلحظ معه صفة الحدوث لم يتحقّق بنظره حصول الاحتياج، كما أنّ مَن دان باشتراكهما في السببية، نظر إلى عدم تحقّق الحاجة بدون كلّ منهما، ويمكن أن يكون القولان الأخيران ناشئين من عدم ترجيح أحد القولين الأَوّلين على الآخر، فتوهّموا أنّ لكلّ من الإمكان والحدوث مدخليةً في السببية، وأنّ

____________________

(1) شرح قواعد العقائد / 10.


أدلة الطرفين تقتضي اعتبارهما معاً فيها.

أقول: يبطل القول الأَوّل بأنّ الإمكان أحوجَ الممكن في وجوده إلى المؤثّر، فالحدوث متعلّق الحاجة لا سببها، وأمّا الممكن الباقي فهو كالحادث منه في الاحتياج على ما سيمرّ بك بحثه، ويلحق بالباقي المعدوم الممكن في الحاجة، فإنّ عدم علّة الوجود علّة لعدم المعلول، وهذا ممّا لابدّ منه؛ لئلا يلزم ترجّح أحد المتساويين على الآخر، وممّا ذكرنا تسقط بقية الأوهام أيضاً.

وقال المحدّث المجلسي قدّس سره (1) : وأحد الآخرين - علّية الحدوث أو الإمكان بشرط الحدوث - هو الظاهر من أكثر الأخبار.

أقول: نحن وإن لم نلاحظ تلك الأخبار بتمامها، إلاّ أنّا لا نقبل منه هذا الاستظهار، وأنّ الروايات لا تثبت ذلك كما ظهر لنا من ملاحظة بعضها فلاحظ.

وأمّا قول بعض أتباع ماركس فحاصله: أنّه لا وجود متحرّر من الحاجة أصلاً، مستنداً في ذلك إلى التجارب التي حُقّقت في مختلف ميادين الكون، على أنّ الوجود بشتى ألوانه التي كشفت عنها التجربة، لا يتجرّد عن سببه، ولا يستغني عن العلة، واستنتجوا منه إنكار الواجب الوجود، فإنّه وجود لا علّة له، وقالوا: إنّ القول به قول بالصدفة!

أقول: وفيه أَوّلاً: إنّ الوجود ليس علّةً للافتقار، والتجربة لا تقدر أن تثبت مثل هذه المسألة العقلية، فإنّ المحسوس هو احتياج الموجود إلى العلّة، أمّا أنّ مِلاكه هل هو الوجود أو الحدوث أو الإمكان فلا، بل العلّة هي الإمكان كما عرفت.

وثانياً: إنّ التجربة إنّما تحكم على ما هو في سلطانها من المادّيات المحسوسة، ولا نفوذ لها إلى مطلق الوجودات، وهذا ظاهر، إلاّ أن تغلب الغباوة على الشخص!

الخاصية الثالثة: حاجة الممكن بقاءً

حينما انقدح سببية الإمكان للحاجة، فقد لاح أنّ الممكن كما يحتاج في حدوثه إلى المؤثر يحتاج في بقائه أيضاً إليه، فإنّ الإمكان ممتنع الانفكاك عن المهية الممكنة، وإلاّ لانقلب الممكن واجباً أو ممتنعاً، وهو ضروري الاستحالة، وعليه فالافتقار ضروري الثبوت بداهة عدم إمكان تخلّف المعلول عن العلة، كل ذلك ظاهر.

____________________

(1) بحار الأنوار 14 / 52.


تحليل وتسجيل

الماهية قبل انتسابها وارتباطها بجاعلها لا شيء محض، وإنّما تتحقّق بجعل الجاعل، فهذا التحقّق والتكوّن والتبرّز - وما شئت فسمِّه - أمر خارج عن نفسها، مترشّح من فاعلها وخالقها، فالماهية كما تحتاج في حدوثها إلى المؤثّر المكوّن المحقّق كذلك في بقائها، فإنّ التكوّن الجائي من قبل الجاعل لا يصير ذاتياً لها بعد الحدوث حتى ينقطع حاجتها إليه.

ومنه يبطل السؤال المشهور عن التأثير، وأنّه أمّا في الوجود الحاصل فهو تحصيل الحاصل المحال، وأمّا في الوجود الجديد فيكون التأثير في أمر جديد، فلم يثبت التأثير في الباقي.

وجه البطلان: أنّ التأثير في بقاء ذلك الوجود السابق وأثر الجعل هو البقاء، فإنّ الماهية المتحقّقة لا اقتضاء لها لتحقّقها في الآن الثاني، فتفتقر فيه إلى مؤثّر يبقي تحقّقها الأَوّل بحاله.

ولعلّ ما قيل: من اختيار الشق الأَوّل من السؤال، وأنّ التأثير في الوجود الأَوّل لكن في الزمان الثاني، وهذا تحصيل للحاصل في الزمان الأَوّل، في الزمان الثاني يرجع إلى ما قرّرنا.

ثمّ لا ينبغي للباحث أن يتوهّم (1) - كما توهّم - أنّ استمرار الوجود الأَوّل إمّا حاصل قبل هذه الحالة، وإمّا ليس بحاصل، فعلى الأَوّل يلزم تحصيل الحاصل، وعلى الثاني يلزم التأثير في الأمر الجديد؛ ضرورة أنّ إبقاء الوجود الأَوّل لا يعدّ من التأثير في الجديد.

هذا وإن شئت وضوح ما قلنا فاعتبر كيفية الصور المرتسمة في ذهنك، فإنّها كما يستحيل حدوثها من غير الالتفات والتوجّه، كذلك يمتنع بقاؤها مع الغفلة والذهول.

ويمكن أن نختار الشق الثاني ونقول: إنّ أثر التأثير هو الوجود الثاني على سبيل الاتّصال بالوجود الأَوّل من غير انقطاع، وهذا يسمّى عند العرف بالاستمرار، فليس فيه خلاف الفرض؛ لأنّه ليس بأمر جديد، وإنّما يلزم خلاف الفرض لو كان الوجود الثاني منفصلاً عن الوجود الأَوّل، ولك أن تقيس المقام بضياء الكهرباء، حيث يتولّد من الطاقة الكهربائية في كلّ آن ضوءاً جديداً ونوراً ثانياً، ومع ذلك كان الوجودات المتلاحقة عندهم استمراراً وبقاءً كما لا يخفى.

تكميل وتطبيق

هذا كلّه حسب كون الإمكان هو العلّة للافتقار، وأمّا بناءً على سببية الحدوث، أو شطريته أو شرطيته فيلزم كون الممكن بعد حين الحدوث مستغنياً عن المؤثّر؛ إذ لا حدوث بعد الحدوث الأَوّل حتى يفتقر، وقد التزمه جماعة من القائلين بها، وقالوا: إنّه لو جاز العدم على الواجب الوجود لبقي العالم بحاله، ومثّلوا ببقاء البناء بعد فناء البنّاء.

____________________

(1) درر الفوائد / 136.


أقول: بناءً على اختيار الشق الثاني المتقدّم، يجب القول بافتقار الممكن بعد الحدوث الأَوّل أيضاً؛ إذ في كلّ آن حدوث وحدوث، فاستغناء الممكن لا يكون مترتّباً على القول بتأثير الحدوث في الحاجة مطلقاً، بل مختصّ بما إذا تعيّن الشق الأَوّل؛ ولذا لم يلتزم به كلّ مَن قال بعلّية الحدوث بل بعضهم.

وأمّا ما مثّلوا من البناء الباقي بعد البنّاء ففيه: أنّ البنّاء علّة محدِثة فقط وليس بمبقية أيضاً، بل العلّة المبقية هي جاذبية الأرض أو غيرها، كالفدى الكائنة في مواد البناء، والله من ورائها محيط.

هداية

إمكان الماهية يغاير إمكان الوجود، فإنّ الأَوّل بمعنى عدم التماس الوجود أو العدم كما مرّ، والثاني بمعنى الفقر؛ ضرورة بطلان عدم اقتضاء الوجود نفسه ونقيضه، بل الوجود وجود بالضرورة وليس بعدم بالضرورة؛ لأنّ ثبوت الشيء لنفسه ضروري وسلبه عن نفسه ممتنع، فتفسير الإمكان الوجودي بما فسّر به الإمكان الماهوي غير معقول، نعم ضرورة الوجود ضرورة ذاتية لا أزلية، فهو ما دام موجوداً ضروري، فيفتقر إلى موجده حدوثاً وبقاءً كالماهية.

ومنه ينقدح بطلان أَولويته؛ إذ هو قبل إيجاده لا شيء محض، وبعده ضروري الثبوت كما عرفت، فينتزع الماهية عنه قهراً، فلا معنىً لأولوية الوجود بالماهية، وحيث إنّ الماهية في رتبة متأخّرة عن الوجود - لمكان انتزاعها منه - لم يكن أَولويتها به قبله بمعقول، كما أنّها بناءً على أصالتها لا تكون أولى بالوجود الاعتباري المنتزع عنها بعد تعلّق الجعل بها؛ إذ لا يتصوّر أولويّتها به قبل الجعل، ومنه يبان عدم أَولوية الوجود بها أيضاً، فإنّه - على أصالتها - أمر اعتبار متأخّر عن تحقّق الماهية، فلا معنىً لأولويّته بها قبل تبرّزها.

نكتة

بقي شيء هو أنّ علّة الممكنات المحدثة هل هي بعينها العلّة المبقية أم لا؟ صريح السبزواري هو الثاني حيث قال: اعلم أنّ من المعلولات ما يكون علّة حدوثه غير علّة بقائه كالبناء، فإنّ علّة حدوثه البنّاء وعلّة بقائه يبس العنصر، ومنها ما يكون علّة حدوثه هي علّة بقائه، كالقالب المشكّل للماء، والعالم بالنسبة إلى الواجب تعالى من قبيل الثاني؛ لكونه واجب الوجود بالذات، وواجب الوجود من جميع الجهات... إلخ (1) .

أقول: علّة العالم الإمكاني هي إرادة الله تعالى، وسيأتي في صفاته الثبوتية أنّها بمعنى

____________________

(1) الأسفار (الحاشية) 1 / 220.


الإحداث، فإذن يمكن أن يقال بأنّ الإرادة المتعلّقة بالبقاء غير المتعلّقة بالحدوث؛ لأنّ الإحداث فعل لا دوام له، وأيضاً التأثير - بناءً على اختيار الشق الثاني من السؤال المتقدّم - لا يعقل إلاّ بتجدّد الإرادات، وأمّا بناءً على الوجه الأَوّل ففيه الوجهان.

مسألة

قالوا: إنّ الممكن القديم - أعني به المسبوق بالغير فقط لا بالعدم - لا يحتاج إلى المؤثّر، بناءً على مدخلية الحدوث في الحاجة؛ ضرورة فقدان مناط الحاجة حينئذٍ في القديم.

أقول: وفيه تفصيل، وأمّا بناءً على سببية الإمكان للفقر دون اشتراك الحدوث، فلا شكّ في أنّه محتاج إلى المؤثّر في بقائه بداهة ترتّب المعلول على علّته، وإنّما الكلام في أنّه هل يستند إلى المختار أو الموجب؟ والظاهر من أرباب الكلام هو الثاني، فإنّ فعل المختار مسبوق بالقصد، والقصد إلى الإيجاد متقدّم عليه، مقارن لعدم ما قصد إيجاده؛ لأنّ القصد إلى إيجاد الموجود ممتنع بديهةً.

وعن شارح المقاصد (1) أنّ هذا متّفق عليه بين الفلاسفة والمتكلّمين والنزاع فيه مكابرة، وقال اللاهيجي في شوارقه: التحقيق أنّ استناد القديم الممكن إلى المختار بالاختيار الزائد على الذات محال بدليل مرّ نقله، سواء كان الاختيار الزائد تامّاً كاختيار الواجب عند المتكلّمين، أو ناقصاً كاختيارنا، وذلك ضروري... والحكماء ينفون القصد عن الواجب؛ لأنّهم يجعلون القصد بالاختيار الزائد على الذات ويقولون: إنّ القصد لا يمكن إلاّ.. ولا ينفون الاختيار مطلقاً؛ لأنّهم مصرّحون بكونه تعالى فاعلاً بالاختيار الذي هو عين ذاته تعالى، ويعبّرون عنه بالرضاء (2) ... إلخ.

والتحقيق: أنّ القصد - بمعنى الصفة النفسانية - لا يتعلّق بالموجود بالضرورة، فلا يمكن استناد القديم إلى المختار بهذا المعنى، لكن القصد بهذا المفهوم ممتنع على الواجب كما يأتي في محلّه، والمراد من القصد المستعمل في حقّه هو تعلّل أفعاله بالأغراض الزائدة على ذاته.

وعليه فعدم استناد القديم إليه ليس بضروري بل سيأتي إن شاء الله - في مبحث قدرته واختياره - جواز استناد الممكن القديم إلى الواجب الوجود، فهذا الذي نقل اتّفاق المتكلّمين والفلاسفة عليه، ليس بشيء.

____________________

(1) الشوارق 1 / 131.

(2) المصدر نفسه.


وأمّا ما ذكره الفيّاض من أنّ الحكماء ينفون القصد دون الاختيار فسوف نتعرّض له تحليلاً ونقداً.

ثمّ إنّ الرازي (1) منع استناد الممكن القديم إلى الموجب أيضاً، متمسّكاً بأنّ تأثيره فيه إمّا حال بقائه فيلزم إيجاد الموجود، وإمّا حال عدمه أو حدوثه فيلزم كونه حادثاً، وقد فرضناه قديماً.

أقول: ما احتج به مدخول بعين ما أجبنا السؤال المتقدّم المشهور، فإنّه هو هو بعينه، وأمّا نفس المدّعى فهو لا يخلو عن وجه سندرسه في مسألة حدوث العالم.

ولكن لابدّ أن يلتفت الرازي أنّ هذه الدعوى تهدم ما بنى عليه هو وأشياخه الأشعريون وغيرهم، من زيادة الصفات الممكنة القديمة القائمة بالواجب الصادرة عنه بالإيجاب والجبر، وهذه زلّة وذلة وضلة عظيمة منهم في أعظم مباحث التوحيد، عصمنا الله من التخلّف عن السفينة المنجية المحمدية.

الخاصّة الرابعة: أنّ كلّ ممكن زوج تركيبي من الوجود والماهية

قال صاحب الأسفار: كما أنّ الضرورة الأزلية مساوقة للبساطة والأَحدية، وملازمة للفردية والوترية، فكذلك الإمكان الذاتي، رفيق التركيب والازدواج، فكل ممكن زوج تركيبي؛ إذ الماهية الإمكانية لا قِوام لها إلاّ بالوجود، والوجود الإمكاني لا تعيّن له إلاّ بمرتبة من القصور ودرجة من النزول ينشأ منها الماهية، ويُنتزع بحسبها المعاني الإمكانية ويترتّب عليها الآثار المختصة...

فإذن، كلّ هوية إمكانية ينتظم من مادة وصورة عقليتين هما المسمّاتين بالماهية والوجود، وكلّ منهما مضمّن فيه الآخر وإن كانت من الفصول الأخيرة والأجناس القاصية (2) انتهى كلامه.

وقال في موضع آخر منها: زيادة وجود الممكن على ماهيته، ليس معناه المباينة بينهما بحسب الحقيقية، كيف وحقيقة كلّ شيء نحو وجود الخاص به؟ ولا كونه عرضاً قائماً بها قيام الأعراض لموضوعاتها، حتى يلزم للماهية سوى وجودها وجود آخر، بل بمعنى كون الوجود الإمكاني، لقصوره وفقره، مشتملاً على معنىً آخر غير حقيقة الوجود، منتزعاً منه، محمولاً عليه، منبعثاً عن إمكانه ونقصه، كالمشبّكات التي يتراءى من مراتب نقصانات الضوء والظلال، الحاصلة من تصوّرات النور (3) انتهى.

____________________

(1) لاحظ شرح المواقف، وشرح التجريد للقوشجي / 77.

(2) الأسفار 1 / 186.

(3) الأسفار 1 / 243.


الفائدة الحادية عشرة

في امتناع الدور والتسلسل

أمّا الدور فهو في اللغة - كما في بعض كتبها - التقلّب والحركة إلى ما كان عليه، وفي الاصطلاح هو توقّف الشيء على ما يتوقّف عليه (1) ، وإن شئت فقل: إنّه تعاكس الشيئين في السببية والمسببية، فإن توسّط بينهما واسطة أو وسائط أخرى يسمّى مضمراً، وإلاّ فمصرّح، فتوقّف الشيء على نفسه لا يسمّى دوراً بل هو نتيجته.

ثمّ إنّه ربّما يطلق الدور على شيئين لهما معيّة، ويقال له الدور المعي، وهو ليس بمحال، وهو أن يكون شيئان موجودان، يتوقّف كلّ منهما على الآخر في صفة من الصفات، بمعنى أن تتوقّف الصفة في كلّ منهما على ذات الآخر، سواء كانت تلك الصفة فيهما من نوع واحد، كالأُخوة في أخوين والمعية في شيئين، أو من نوعين كالفوقية والتحتية في الفوق والتحت، والتقدّم والتأخر بحسب المكان في جسمين، وهذا الدور جارٍ في كلّ متضايفين كما قيل.

ثمّ إنّ الدليل على استحالة الدور - بمعنييه المتقدّمين - أنّه يستلزم تقدّم الشيء على نفسه وتأخّره عن نفسه؛ ضرورة تقدّم العلّة على المعلول تقدّماً عليّاً وتقدّماً بالذات، فإذا كانت العلّة معلولة لمعلولها، لزم تأخّر الشيء عن نفسه بمرتبتين، وكذلك تقدّمه، وهو - أي تقدّم الشيء على نفسه أو تأخّره عنها - ضروري الاستحالة، مع أنّه قد يستدلّ عليه، بأنّه يستلزم تخلّل العدم بين الشيء ونفسه، وهو واضح الاستحالة، وبأنّ التقدّم نسبة لا تعقل إلاّ بين شيئين.

فإنّ توهّم أحد أنّ المراد بالتقدّم هنا إمّا التقدّم الزماني وهو غير لازم في العلة، أو العليّ وهو مصادرة؛ لأنّ معنى قولنا: إنّ الشيء لا يتقدّم على نفسه، أنّ الشيء لا يكون علّةً لنفسه.

يقال له: إنّ معنى تقدّم العلّة على معلولها هو صحّة مثل قولنا: تحركت اليد فتحرّك الخاتم، طلعت الشمس فوُجد النهار، وبطلان عكسه أي قولنا، تحرك الخاتم فتحركت اليد، وهذا الاعتبار الذي ممّا لا يشك فيه عاقل، بديهي البطلان بالنظر إلى الشيء ونفسه.

____________________

(1) الفرق بين تقدّم الشيء على نفسه، وتوقف الشيء على نفسه اعتباري، فإنّ الأَوّل باعتبار علّية كلّ منهما للآخر، والثاني باعتبار معلولية كلّ منهما للآخر.


فإن قلت: إنّ الفرق بين الأجزاء التي هي العلة والمركّب الذي هو المعلول، إنّما هو باعتبار بشرط الشيء واللابشرط أو بشرط اللا، وقد ذكروا من جملة العلل الأربع المادة والصورة مع أنّهما عين المعلول، فكيف المخلص؟

قلت: الأجزاء بالنسبة إلى المركّب الذي ليس إلاّ نفسها ليست إلاّ نفسه، لا علية ولا معلولية بينهما، وإنّما يطلقون عليها العلية؛ لأنّ بها قِوام المركّب، فهي علل القِوام لا علل الوجود، والتأثير في الثانية لا في الأُولى، فافهم.

وأمّا تقدّم الأجزاء على المركّب ففيه بحث طويل، قد تعرّض له صاحب الأسفار مجملاً، وصاحب الشوارق مفصّلاً فراجع.

ثم إنّ معنى الدور - بتعبير واضح - هو كون الشيء علّةً وفاعلاً لوجود نفسه، وهذا ضروري الاستحالة، بديهي البطلان، يكذّبه العقل بأَوّل تصويره، فلا معنى لإطالة الكلام حوله وقد نقل العلاّمة قدّس سره (1) ، أنّ أكثر العقلاء على ضرورة استحالته.

وأمّا التسلسل فهو عند المتكلّمين (2) عبارة عن مطلق الأُمور غير المتناهية إذا ضبطها الوجود، سواء كانت مجتمعةً أم لا، مترتّبةً أم لا، ودليلهم على ذلك برهان التطبيق، فإنّهم يجرونه في الأُمور المتعاقبة في الوجود كالحركات الفلكية، وفي الأُمور المجتمعة، سواء كان بينها ترتّب طبيعي كالعلل والمعلولات، أو وضعي كالأبعاد، أو لا يكون هناك ترتّب أصلاً كالنفوس الناطقة المفارقة (3) .

وعند الحكماء يفسّر بالأُمور غير المتناهية المجتمعة في الوجود مع ترتّبٍ وضعاً أو طبعاً؛ ولذا قال صاحب الأسفار: وعليه (أي برهان التطبيق) التعويل في كلّ عدد ذي ترتيب موجود، سواء كان من قبيل العلل والمعلولات، أو من قبيل المقادير والأبعاد، أو الأعداد الوضعية (4) ... إلخ.

ثمّ إنّ الأدلة على امتناع التسلسل في الجملة كثيرة جداً، لكنّها بمجموعها غير مسلّمة عندهم، فلهم ردود ودفوع ونقوض ونقود، والبحث حولها طويل الذيل لا يسعه هذا المختصر، لكنّنا نستخدم لك منها حجّةً قويمة، قليلة المؤونة، وكثيرة المعونة، وهي ما اخترعه سلطان المحقّقين العلاّمة الطوسي (5) ، وأشار إليه في تجريده وإليك تقريره بعبارة

____________________

(1) كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد / 30.

(2) الشوارق 1 / 200، وكشف الفوائد / 30.

(3) شرح المواقف 1 / 541.

(4) الأسفار 2 / 145.

(5) كما ذكره صاحب الشوارق، ونُقل عن المحقّق الدواني أيضاً، لكن قيل: إنّ السيد الداماد رحمه‌الله ادّعى وجدان هذا الدليل في كتاب بهمنيار.


المحقّق اللاهيجي (1) :

إنّ الممكن لا يجب لذاته، وما لا يجب لذاته لا يكون له وجود، وما لم يكن له وجود لا يكون لغيره عنه وجود، فلو كانت الموجودات بأسرها ممكنةً لَما كان في الوجود موجود، فلابدّ من واجب لذاته، فقد ثبت واجب الوجود وانقطعت السلسلة أيضاً.

ثمّ تعريضاً على الشارح العلاّمة قدّس سره حيث تنظّر فيها، والشارح القوشجي حيث حسبها مصادرةً، قال: وهذه الطريقة حسنة حقّة... إلخ، والأمر كما أفاد.

تتميم وتقسيم

ما لا يتناهى على ستة أقسام:

الأَوّل: المجتمع في الوجود، والمترتّب بالترتب العليّ.

الثاني: المجتمع في الوجود، والمترتّب بالترتب الوضعي كالأبعاد.

الثالث: المجتمع في الوجود بلا ترتيب، كالنفوس الناطقة على رأي الحكماء.

الرابع: المتعاقب في الوجود من قبل الماضي، مثل الصور الطارئة على المادة على سبيل المحو والإثبات.

الخامس: المتعاقب في الوجود في طرف المستقبل.

السادس: العدد.

أقول: أمّا الأَوّل فهو محال بلا خلاف بين الباحثين، بل لم أفز على مخالف ولو من الدهريين والماديين، فكأنّ هذا الاحتمال مصادم ما أودعه الله في كينونة البشر، فما يلتزم به فرد من هذا النوع الإنساني؛ ولذا ترى عبّاد الطبيعة متحيرين في تعيين المبدأ الأَوّل، فالتسلسل المذكور احتمال بدوي لم يتجاوز عن المسفورات العلمية إلى الخارج، وما نقلناه آنفاً من البرهان وغيره حجّة واضحة على إبطاله.

وأمّا الثاني فامتناعه موضع وِفاق بين المتكلّمين والحكماء، واستدلّوا عليه بأدلة منها برهان التطبيق، الذي هو عندي محلّ إشكال.

وأمّا الثالث والرابع فهما ممكنان، بل واقعان على زعم أصحاب الفلسفة؛ ولذا يدينون بقِدم العالم زماناً، لكنّ المتكلّمين يرونهما ممتنعين أيضاً، والحق معهم لِما سنبرهن على حدوث العالم في هذا الجزء إن شاء الله.

وأمّا الخامس فإمكانه متّفق عليه بينهم، فإنّ الوجود لم يضبطه، وهذا ما لا شك فيه، كيف

____________________

(1) الشوارق 1 / 199.


وخلود المكلّفين في الجنة والنار، وبقاء ما يرتبط بهم من الضروريات الإسلامية؟

وأمّا السادس فهو مثل الخامس في اتّفاقهم على إمكانه، فإنّه إمّا غير موجود كما عن المتكلمين، وإمّا لا ترتّب بينها في غير الواحد كما عن الفلاسفة، فلم يتحقّق فيه مناط الاستحالة (1) .

وممّا ينبغي أن نختم به الكلام هنا، أنّ إبطال الدور والتسلسل إنّما يتوقف عليه إثبات الصانع؛ ضرورة أنّ إمكان أحدهما لا يدع مجالاً لإثباته، وأمّا إثبات الواجب الوجود، فهو غير موقوف عليه لِما ستعرفه إن شاء الله من الدليل على وجوده، سواء كان الممكن موجوداً خارجاً أم لا، أمكن الدور والتسلسل أم لا، وبعبارة أُخرى: إمكان الدور والتسلسل يبطل الأدلة الإنيّة، ولا ربط له بالبراهين اللميّة أو الشبيهة باللم.

هذا تمام كلامنا في المقدّمات، ثمّ بعد ذلك نرجع إلى بيان المقاصد، وإليك بيانها إجمالاً:

المقصد الأَوّل: في بيان الطريق إلى معرفة الواجب.

المقصد الثاني: في صفاته الثبوتية ذاتيةً كانت أو فعليةً.

المقصد الثالث: في صفاته السلبية.

المقصد الرابع: في التوحيد، أفردناه من سابقه اهتماماً بشأنه.

المقصد الخامس: في العدل.

المقصد السادس: في النبوّة.

المقصد السابع: في الإمامة.

المقصد الثامن: في المعاد.

____________________

(1) ولصاحب الأسفار هاهنا احتمال، وللسبزواري عليه كلام، لا يخلو مراجعتهما عن الفائدة، الأسفار 2 / 152.


مقاصد الكتاب

المقصد الأَوّل: في بيان الطرق إلى معرفة الواجب لذاته

المقصد الثاني: في صفاته الثبوتية

المقصد الثالث: في صفاته السلبية

المقصد الرابع: في التوحيد

المقصد الخامس: في العدل

المقصد السادس: في النبوّة

المقصد السابع: في الإمامة

المقصد الثامن: في المعاد


المقصد الأَوّل

في بيان الطرق إلى معرفة الواجب لذاته

البراهين والصُرط

مَن هم المخالفون في هذا المقصد؟

وما هو اعتقادهم؟

النظام الكامل يقضي على علّية المادة

ما يقول الماديون عن هذا النظام الأجمل؟

خاتمة


المقصد الأَوّل

في بيان الطرق إلى معرفة

الواجب لذاته

وهو من أشرف المقاصد وأعظمها وأجلّها وأهمها، بل لا تكتسب مسألة علمية شرفاً وفضلاً ما لم تخدم هذا المقصد، فهو آخر ما تُناخ به الرواحل العقلية في سفر السعادة والفضيلة. ( أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ( أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ ) .

وصُرط التصديق الحقّة المستقيمة، إلى الواجب القديم القدوس الأقدس - جلّت كبريائه وعَظُم سلطانه - متعدّدة، وإليك منها ما يناسب هذه الرسالة:

الصراط الأَوّل: إنّ العقل لا يرى الموجود الواجب لذاته مستحيلاً، بل يحكم بإمكانه إمكاناً عامّاً، ولا سيما قد شاهد الواجب الذاتي بنحو مفاد كان الناقصة، مثل زوجية الأربعة، ورطوبة الماء، ودسومة الدهن ونحوها، فإذا أمكن، وُجد وثبت من دون شرط وسبب، على ما أسلفنا برهانه.

وهذا الصراط أشرف الصُرط المذكورة في هذا المقصد، ليس له زيادة مؤونة، ولا توقّف له على استحالة الدور والتسلسل، بلا ولا على وجود ممكن، كل ذلك ظاهر جداً.

ولزيادة التأكيد لحكم العقل بعدم امتناع الواجب نقول: إنّ العقلاء - مليين كانوا أو ماديين (1) - اتفقوا في كلّ زمان ومكان، على الإذعان بوجود المبدأ الأَوّل في الخارج، وهذا ممّا يؤيّد استقلال العقل بعدم امتناع مثل هذا الوجود، والعجب من ذهول الباحثين عن هذا البرهان؛ حيث لم يذكروه في هذا المقام (2) .

الصراط الثاني: إنّ الأحاسيس قد قضت على أنّ في الخارج موجوداً ما، فهو إن كان واجباً لذاته فقد حصل الغرض، وإن كان ممكناً فهو يستلزم المقصود؛ لاستحالة الدور والتسلسل، وهذه الحجّة غير قائمة بوجود الممكن كما هو ظاهر.

____________________

(1) غير مَن قال منهم بجواز الترجّح بلا مرجّح (إن كان).

(2) وبه يمكن أن يفسّر ما أُثر عن مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام : (يا مَن دلّ على ذاته بذاته)، وما عن السجّاد عليه‌السلام : (بك عرفتك وأنت دللتني عليك).


ثمّ إنّ هذين الوجهين المذكورين، ليسا من الأدلة الإنيّة، ولا من البراهين اللميّة؛ لعدم انتقال فيهما من العلّة إلى المعلول، ولا من المعلول إلى علّته، بل هما من شبه اللم، كما يظهر من كلمات عدّة من أكابر الحكماء.

الصراط الثالث: ما نقلناه سابقاً من المحقّق الطوسي قدّس سره في إبطال التسلسل، فإنّه يفضي إلى معرفة الواجب الوجود، ويجوز أن نعبّر عنه بألفاظ أُخرى فنقول: لا يمكن أن يكون ممكن ما من الممكنات منشأ لوجوب الممكنات، ولا لامتناع طريان العدم علّيها بالكلية، فلابدّ من واجب. وبوجه آخر: إنّ الممكن لا يستقلّ بنفسه في وجوده وهو ظاهر، ولا في إيجاده لغيره؛ لأنّ مرتبة الإيجاد بعد مرتبة الوجود، فإنّ الشيء ما لم يُوجَد لم يُوجِد، فلو انحصر الموجود في الممكن، لزم أن لا يوجد شيء أصلاً؛ لأنّ الممكن وإن كان متعدّداً، لا يستقلّ بوجود ولا إيجاد، وإذ لا وجود ولا إيجاد، فلا موجود لا بذاته ولا بغيره، إلى غير ذلك من التقارير والتعابير.

الصراط الرابع: الممكن موجود بلا ريب، فإنّ الأجسام مركّبة، وكلّ مركّب ممكن، والأعراض لمكان حاجتها إلى موضوعاتها ممكنة، بل حدوث بعض الأشياء وفقدانها وفناؤها محسوس فهو ممكن، ومهما يكن من شيء فالممكن موجود قطعاً بل ضرورةً، فيكون الواجب موجوداً بالضرورة؛ لِما مرّ من احتياج الممكن إلى الواجب، ومن بطلان الدور والتسلسل، ولعلّ قوله تعالى: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) (1) يشير إلى ذلك، فإنّ الممكن لا يمكن أن يكون خالق نفسه؛ لما عرفت في بطلان الدور، ولا يمكن أن يوجد بلا خالق فإنّه ترجّح بلا مرجّح، ويمكن إدراج نفي التسلسل أيضاً في هذا الفرض كما يظهر بالتأمل.

ثمّ إنّ هذا الدليل الإنّي أساس لعدّة من الدلائل الأُخرى.

الصراط الخامس: ما سلكه المتكلّمون فقالوا: إنّ العالم حادث، وكلّ حادث له محدَث كما تشهد به بديهة العقل؛ ولذا مَن رأى بناءً حادثاً حكم حكماً بتياً جزمياً، بأنّ له بانياً، وعن أكثر مشايخ الاعتزال أنّ هذه المسألة - أي الكبرى - استدلالية، وقد استدلّوا عليه بوجهين (2) ، لكنّ ذلك خطأ وما استدلوا به غلط.

ثمّ إنّ هذا المحدث الصانع إن كان حادثاً احتاج إلى مؤثّر آخر، فيلزم الدور أو التسلسل وهما محالان، وإن كان قديماً أو منتهياً إلى القديم فقد ثبت المطلوب.

هذا، ولكن جملة من الفلاسفة لم يرتضوا بسلوك هذا الصراط لوجوه ثلاثة:

الأَوّل: تفنيد حدوث العالم بشراشره، بل منه ما هو قديم، ومنه ما هو حادث.

____________________

(1) الطور 52 / 35.                                   (2) شرح المواقف 3 / 3.


الثاني: قصور هذا الدليل عن إثبات الواجب لذاته؛ لجواز أن يكون ذلك المحدِث غير الحادث ممكناً قديماً، فلا يفتقر إلى علة، فتنقطع السلسلة بلا إثبات الواجب، كما ذكره الحكيم اللاهيجي في شوارقه (1) .

الثالث: خروجه عن منهج الصدق؛ لأنّ مناط الحاجة إلى العلّة هو الإمكان دون الحدوث ولو شرطاً، ذكره الحكيم السبزواري (2) ، وقبله عنه غيره أيضاً.

أقول: هذه الوجوه ساقطة، ولا يمكن سد هذا الصراط المستقيم بها، أمّا الأَوّل، فلِما سيمرّ بك في محلّه، من حدوث تمام ما سوى الله وبطلان قِدم شيءٍ منه.

وأمّا الثاني، فينبثق بطلانه من بطلان الأَوّل؛ فإنّ القديم حينئذٍ لا يكون ممكناً، فهو واجب لعدم واسطة بينهما بالضرورة، فالقديم والواجب لذاته مترادفان عند المتكلّمين.

وأمّا الثالث ففيه، أنّ معنى علّية الإمكان للحاجة، هو سببيته للحاجة في وجوده، أو عدمه إلى المرجّح الخارجي، فحدوث الوجود، معلول عن هذا المرجّح المحدِث الخارجي، وكاشف عنه كشف كلّ معلول عن علّته، ويعبّر عنه في عرفهم بدليل الإن، فهذا لا ربط له ببطلان علّية الحدوث للحاجة، والإنصاف أنّ دلالة الحدوث على المحدِث ضرورية، وإنكارها عن هذا الرجل الفيلسوف بعيد جداً.

فاتّضح أنّ الدليل تام في نفسه، من غير أن يُبنى على الحركة الجوهرية كما تبرّع به بعضهم، لكن الذي يوجب صعوبة سلوك هذا الطريق في الجملة، هو أنّ إثبات المدّعى أسهل من تثبيت مقدّمتها الأُولى، أعني بها حدوث العالم بأجمعه، فإنّه وإن كان حقّاً إلاّ أنّ المدّعى أظهر منه، وإن أخذنا حدوث بعض العالم في المقدّمة حتى تكون ضروريةً، فلا يستنتج منها المطلوب، كما ذكره صاحب الشوارق من جواز كون القديم ممكناً.

ولا دافع له حينئذٍ أصلاً إلاّ أن يقال: بأنّ هذا القديم لا يكون إلاّ واجباً، فإنّ الممكن يستلزمه دفعاً للدور والتسلسل، لكن الدليل حينئذٍ لا يكون بلحاظ الحدوث فقط، بل مع انضمام لحاظ الإمكان.

فالتحقيق أن يقال: إنّ جملةً من هذه الموجودات حادثة حسّاً، والحادث يقتضي محدِثاً بالضرورة، وهذا المحدِث إن لم يكن له سبب وعلّة فهو المراد؛ إذ لا نعني بالقديم أو الواجب إلاّ المحدِث الذي لا سبب له، وإن كان له سبب فلابدّ من الانتهاء إلى محدِث كذلك، أي بلا سبب وعلة دفعاً للدور والتسلسل، فافهم.

____________________

(1) الشوارق 2 / 204.

(2) شرح المنظومة / 143.


الصراط السادس: ما سلكه الحكماء الطبيعيون، وهو الاستدلال بالحركات، فإنّ المتحرّك لا يوجب حركةً بل يحتاج إلى محرِّك غيره، والمحرِّكات لا محالة تنتهي إلى محرِّك غير متحرك دفعاً للدور والتسلسل، فإن كان واجباً فهو وإلاّ استلزمه لِما مرّ.

الصراط السابع: إذا كانت الموجودات منحصرةً في الممكنات لزم الدور، إذ تحقّق موجود ما يتوقّف - على هذا التقدير - على إيجاد ما؛ لأنّ وجود الممكنات إنّما يتحقق بالإيجاد، وتحقّق إيجاد ما يتوقّف أيضاً على تحقّق موجود ما؛ لأنّ الشيء ما لم يوجَد لم يُوجِد.

لكن الإنصاف، أنّ هذا التوقّف من قبيل توقّف النطفة على الحيوان، وتوقف الحيوان على النطفة، وتوقف البيض على الدجاج، وتوقف الدجاج على البيض، وهذا ليس بدور محال؛ لأنّ الدور هو الذي يكون طرفاه واحداً بالعدد، لا ما يتقدّم فيه طبيعة مرسلة على طبيعة مرسلة أُخرى، وهي تتقدّم أيضاً عليها في صورة التسلسل، فالمغالطة نشأت هاهنا، من أخذ الكلّي مكان الجزئي، والوحدة النوعية مكان الوحدة الشخصية، فتتميم هذا البرهان لا يمكن إلاّ بالتسلسل كما في الأسفار، وما رامه اللاهيجي من إصلاح الدليل، وإتمامه بالدور فقط غير تام، ومنه يظهر الحال في الصراط الآتي بكلا طريقيه.

الصراط الثامن: إنّه ليس للموجود المطلق من حيث هو موجود مبدأ، وإلاّ لزم تقدّم الشيء على نفسه، وبذلك ثبت وجود واجب الوجود بالذات، وبعبارة أُخرى: مجموع الموجودات من حيث هو موجود ليس له مبدأ بالذات، فثبت بذلك وجود الواجب لذاته.

الصراط التاسع: مجموع الموجودات من حيث هو موجود يمتنع أن يصير لا شيئاً محضاً، ومجموع الممكنات ليس يمتنع أن يصير لا شيئاً محضاً، فيثبت به الواجب لذاته.

وفيه: أنّ حيثية الإمكان وإن كانت مخالفةً لحيثية الوجود؛ لأنّ الموجود بما هو موجود يستحيل أن يصير معدوماً: لأنّ فيه ضرورة بشرط المحمول، بخلاف الموجود بما هو ممكن، فإنّ عدمه غير ممنوع، لكن هذا الاختلاف لا يؤدي إلى الاختلاف في الموضوع، كما أفاده صاحب الأسفار أيضاً.

الصراط العاشر: ما ذكره صاحب الأسفار ومَن تبعه وقال: إنّه سبيل الصدّيقين الذين يستشهدون بالحقّ على الحق، ووصفه بأنّه أسدّ البراهين وأشرفها، وإليك تقريره بعبارة السبزواري (1) مع تغيير ما: حقيقة الوجود الذي ثبتت أصالته، إن كانت واجبةً فهو المراد، وإن كانت ممكنةً - بمعنى الفقر والتعلّق بالغير، لا بمعنى سلب ضرورة الوجود والعدم؛ لأنّ ثبوت الوجود لنفسه ضروري، ولا بمعنى تساوي نسبتي الوجود والعدم؛ لأنّ نسبة الشيء إلى نفسه

____________________

(1) شرح المنظومة / 141.


ليست كنسبة نقيضه إليه؛ لأنّ الأُولى مكيّفة بالوجوب والثانية بالامتناع - فقد استلزمت الواجب على سبيل الخلف؛ لأنّ تلك الحقيقة لا ثاني لها حتى تتعلّق به وتفتقر إليه، بل كلّما فرضته ثانياً فهو هي لا غيرها، والعدم والماهية حالهما معلومة؛ أو على سبيل الاستقامة، بأن يكون المراد بالوجود مرتبة من تلك الحقيقة، فإذا كان هذه المرتبة مفتقرة إلى الغير استلزم الغني بالذات دفعاً للدور والتسلسل، والأَوّل أوثق وأشرف وأخصر.

أقول: هذا الوجه مبني على مقدّمات، هي أغمض تصديقاً من أصل الدعوى بمراتب، فلابدّ أن يُرجع إلى الصراط الثاني.

الصراط الحادي عشر: اتّفاق الأنبياء والأولياء والعقلاء على ذلك، فإنّهم أخبروا عن وجود الواجب الصانع، وهذا الاتّفاق أقوى من التواتر، ولا شيء من المتواترات مساوٍ له في القوّة وإفادة اليقين، ذكره بعض المؤلّفين (1) ، وببالي أنّ هذا الوجه نُسب إلى جماعة من المتكلّمين.

لكن الاستدلال المذكور هيّن جداً، فإنّ العقلاء في ذلك مختلفون، وأمّا الأنبياء فهم كغيرهم، ما لم تثبت نبوّتهم المتوقّفة على وجود الواجب وصفاته، بل لا سبيل لنا إلى إحراز وجودهم - سوى خاتمهم صلى‌الله‌عليه‌وآله - من غير جهة إخباره تعالى.

هذا، مع أنّ التواتر في الحدسيات غير حجّة؛ فإنّه لا يفيد اليقين، وقد مرّ بعض الكلام فيه في المقدّمات، نعم يمكن الاستدلال بمعجزات خاتمهم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأوصيائه عليهم‌السلام ، على المطلوب، ولا محذور فيه أصلاً.

الصراط الثاني عشر: لو انحصرت الموجودات في الممكن لاحتاج الكلّ إلى موجِد مستقل - بأن لا يستند وجود شيء منها إلاّ إليه ولو بالواسطة - يكون ارتفاع الكلّ بالكلية - بأن لا يوجد الكلّ ولا واحد من أجزائه - ممتنعاً بالنظر إلى وجوده؛ لأنّ ما لم يجب لم يوجد، ويلزم من ذلك امتناع عدم المعلول من أجل العلة، والشيء الذي إذا فُرض عدم جميع أجزائه، كان ذلك العدم ممتنعاً نظراً إلى وجوده، يكون خارجاً عن المجموع، لا نفسه ولا داخلاً فيه؛ لأنّ عدم شيء منهما ليس ممتنعاً نظراً إلى ذاته، فيكون واجباً لذاته؛ إذ لا واسطة في الخارج بين الممكن والواجب، فتدبّر فيه.

هذه هي الصُرط القويمة، الحقّة المستقيمة، الموصلة إلى معرفة الواجب القديم، والصانع الحكيم (2)، وأنّ للعالم مبدأً تنتهي سلسلة الموجودات إليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

____________________

(1) كفاية الموحّدين 1 / 26.

(2) سوى بعضها، الذي ناقشنا فيه.


مَن هم المخالفون

في هذا المقصد؟ وما هو اعتقادهم؟

نُسب إلى جماعة من القدماء كذيمقراطيس وأتباعه، إنكار حاجة الممكن إلى المؤثّر، وجعلوا كون العالم بالبخت والاتفاق، وأنكروا أن يكون له صانع أصلاً، ورأوا أنّ مبادئ الكل أجرام صغار لا تتجزّأ لصغرها وصلابتها، وأنّها غير متناهية بالعدد، ومبثوثة في خلاء غير متناهٍ، وأنّ جوهرها في طبايعها جوهر متشاكل، وبأشكالها تختلف، وأنّها دائمة الحركة في الخلاء، فيتفق أن يتصادم منها جملة، فتجتمع على هيئة ويكون منها عالم، وأنّ في الوجود عوالم مثل هذا العالم غير متناهية بالعدد، لكن مع ذلك يرون أنّ الأُمور الجزئية - مثل الحيوانات والنباتات - كائنة لا بحسب الاتّفاق، بل بحسب أسباب سماوية وأرضية، وفرقة أخرى منهم - كانباذقلس ومَن يجري مجراه - لم يقدموا على أن يجعلوا العالم بكلّيته كائناً بالاتفاق، ولكنّهم جعلوا الكائنات متكوّنةً عن الاسطقسات بالاتّفاق، وبالجملة فهؤلاء بأجمعهم يجوّزون الحدوث بلا سبب والكون بلا علة (1) .

أقول: هل ذميقراطيس (460 ق م) وانباذقلس كانا منكرين للواجب لذاته أم لا؟ سؤال لا طريق لنا إلى جوابه جزماً. وقد ذكر بانگون (2) ، أنّ الأَوّل ليس بمادي بل كان يعتقد وجود الروح، وذكر صاحب الأسفار أنّ كلام الثاني ناظر إلى أصالة الوجود واعتبارية الماهيات، وذكر غيره أنّ مراده هو إنكار العلة الغائية (3) ، لكن هذه الضلالة الخبيثة، والجهالة المبطلة حد الإنسانية، حدثت منذ زمن غير قريب، فإنّ آحاد الإنسان في أفكارهم ليسوا على مستوىً واحد، فمنهم مَن هو قاصر، ومنهم مَن هو متوسط، ومنهم مَن هو عالٍ، ولكلّ منها درجات.

هذا من ناحية، ومن ناحية أُخرى أنّ الحدود المقرّرة في الشرائع السماوية، كثيراً ما تضاد الشهوات النفسانية، والميولات الغريزية، والمخلص من هذا التضاد، هو البناء على إنكار المبدأ الشاعر القادر لا غير. قال أبيقورس أحد زعماء الماديين: إنّ راحة البال التي تقوم بها سعادة

____________________

(1) نقله في الشوارق 1 /126 من كتاب الشفاء لابن سينا.

(2) على أطلال المذهب المادي / 15.

(3) الأسفار 1 / 210.


الإنسان، هي في اضطراب دائم؛ من جري الريب الواقع من نسبة الإنسان إلى الخليقة وإلى الله (1) ... فهذان السببان - أي القصور الفكري والشهوة - هما أحدثا هذه البلية الفاجعة.

وما قيل من أنّ المستفاد من أكثر التواريخ، أنّ تأسيس هذه النظرية الرديئة قبل ميلاد المسيح عليه‌السلام بستة قرون أو سبعة قرون، فلعلّه يُقصد به انتشارها واشتهارها، كما أنّ شدّة ظهورها وكثرة رواجها، إنّما كانت في القرن الثامن عشر والتاسع عشر بين الغربيين، فسرت منهم إلى الشرقيين، ثمّ ضعفت في القرن العشرين؛ لكشف بطلان ما اعتمدوا عليه في هذه الدعوى.

وأمّا أصل هذا المسلك فله عهد بعيد، كما ربّما يؤيّد قوله تعالى: ( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ) (2) ، وإن لم يكن بدليل عليه كما لا يخفى.

ثمّ إنّ أساس عقائدهم يتخلّص إلى أصول أربعة. كما قيل:

1 - لا موجود في العالم غير المادة وآثارها.

2 - العالم مركّب من العلل والمعاليل المادية، وكلّ شيء يعلّل بعلل مادية.

3 - الموجودات بأسرها تؤثّر بعضها في بعضها، فكلّ منها علّة شيء ومعلول لشيء آخر، وجميع الحوادث في تغيّر وتحوّل، بيد أنّ القدر الجامع بينها - يعني المادة - أمر أزلي.

4 - إنّ الكائنات - بشموسها، وكواكبها، وأقمارها، وأراضيها، وسمواتها، وجميع جزئياتها - معلولة التصادف والاتّفاق، لا بمعنى أن لا علّة لها، بل بمعنى اتّحاد العلّة الفاعلية والعلة المادية فيها، فلا مُوجِد لها إلاّ المادة، ولا صانع مختار لها أبداً، فليس لها العلّة الغائية أيضاً.

والحاصل: أنّهم لا ينكرون مبدأ الكائنات، بل ينكرون شعوره وقدرته وإرادته.

تفتيش وتفنيد

أمّا الأصل الأَوّل ففيه بحثان: الأَوّل: في بيان المادة. والثاني: في بيان انحصار الموجودات بها.

أمّا البحث الأَوّل: فالمعروف عن ديمقراط (3) أنّ المادة هي الجواهر الفردة، وهي الأجزاء التي لا تتجزّأ (الأتُم)، وليس لها إلاّ أشكال هندسية، فالعالم عنده مركّب من هذه الذرّات، التي لها بنظر بعضها إلى بعض حركة دائرة، وحركة اصطدام مستقيمة (4) ، ويرى أنّ هذه الذرّات يتخلّل

____________________

(1) الرحلة المدرسية للعلاّمة المجاهد الشيخ جواد البلاغي / 292.

(2) يس 36 / 30.

(3) وقيل: إنّ أَوّل مَن تفوّه به لوقيوس أُستاذ ديمقراط.

(4) الرحلة المدرسية / 298.


بينها فراغ، خلافاً لأرسطو وأتباعه، حيث ذهبوا إلى أنّ الجسم شيء واحد متماسك، يمكننا أن نقسّمه إلى أجزاء منفصلة، لا أنّه يشتمل سلفاً على أجزاء كذلك (1) . ثمّ إنّ هذا الذرّات غير مختلفة في حقيقتها، وما يشاهد من اختلاف آثار الموجودات المتكوّنة منها، إنّما هو من جهة اختلاف أشكالها، وأحجامها، وأمكنتها، ونظامها، وأوضاعها، هذا ولمّا كان الشكل الهندسي متناقضاً لعدم التجزّؤ، رفضوا شكلها وقالوا: إنّها غير مشكّلة؛ ولذا قال المحقّقون من أهل العصر: إنّ الجواهر التي نقول بها هي أصغر من جوهر ديمقراط جداً (2) .

أقول: وهو كذلك قطعاً، فإنّ الذرة التي زعموا عدم إمكان تجزئتها ولزوم بساطتها، قد وقع عليها التجزئة خارجاً عام 1919م، من قِبل العالِم روترفورد، ثمّ عُلم أنّ لها أجزاءً عمدتها: بروتون ونوترون والكترون.

وذهب لوسيبوس إلى أنّ تلك الذرّات تتحرّك في الفراغ منذ الأزل، والأشياء تظهر وتخفى بحسب ما تجمع وتنفصل، وعن أبيقورس: أنّها متحرّكة دائماً في الخلاء الذي لا نهاية له، بانحراف بعضها على موازاة بعض، بحيث تصطدم وتحدث حركة لولبية مخروطية كحركة الزوابع، فتؤدّي إلى تراكيب عديدية وصور متنوعة ومتغيّرة. وقال بخنر: أمّا حركة الجواهر عندنا، فمن تضادّ قوتي الجذب والدفع، اللتين نعتبرهما غريزتين في الجوهر (3).

هذا، ولكن لمّا رأى بعض العلماء أنّ الفراغ مستحيل في الطبيعة، فرضوا أنّ تلك الجواهر تسبح في مادة لطيفة، أو غاز (4) أخف من الهواء، أو سائل تام الاتصال مالئ للخلاء سمّوه الأثير، تتحرك فيه الجواهر التي هي أجزاؤه حركة الزوابع في الهواء الهادئ، ومن أحوال اجتماعها بالحركة وأفاعيلها تظهر صور الكائنات، وهذه الجواهر في الرأي القديم، هي أزلية أبدية، لم تحدث بعد العدم، ولا تتلاشى ولا تنعدم، وإنّما تخفى بتفرّقها، ولكن الرأي الجديد حسب اكتشافات العالم الفرنسي - غوستاف لبون - الرأي المبني على المشاهدة والاختبار، بحيث وافقه أكثر علماء أوروبا - هو أنّ المادة قوّة متكاثفة، وأنّ المادة ليست أبديةً، بل تتلاشى بانحلالها إلى القوة، والقوة أيضاً تنحلّ إلى الأثير، كما أنّ المادة ليست أزليةً، بل إنّ الأثير تكاثف في الأزمان البعيدة - بسبب لا نعلمه - فصار مادّةً (5) .

وأمّا البحث الثاني - وهو انحصار الموجودات في مضيقة المادة، وعدم الحاجة إلى علّة

____________________

(1) فلسفتنا / 318.

(2) الرحلة المدرسية / 274.

(3) الرحلة المدرسية / 298.

(4) جوهر هوائي قابل للضغط سيّال.

(5) الرحلة المدرسية للشيخ جواد البلاغي / 275.


فاعلية غير مادية - فقد ذكروا لإثباته وجوهاً: الأَوّل: وهو عمدة تلفيقاتهم وأشهرها: إنّ مثل هذه العلّة غير مدركة بأحد الأحاسيس، ولم تدلّ عليها التجربة العلمية، فلا سبيل لنا إلى الإيمان به.

الثاني: إنّ كلّ موجود لابدّ له من سبب، كما أثبتته التجربة العلمية، فالوجود الغني عن السب غير معقول. ذكره بعض الفلاسفة الماركسية على ما تقدّم.

الثالث: إنّ العالم المادي لو لم يكن أزلياً وغنيّاً عن علّة مجردة لكان معلولاً لها، فيكون مخلوقاً من العدم، وهذا غير معقول، فإنّ العدم لا يسبّب الوجود ولا يكوّنه.

الرابع: إنّ كلّ موجود يجب أن يكون في الزمان والمكان، ولا يعقل ما يكون متحرّراً منهما.

الخامس: إنّ حدوث المادة غير محسوس، فلا دليل على كونها مخلوقةً للفاعل الخارج عن نشأة الطبيعة، فإذن هي قديمة.

السادس: إنّ مبدأ العالم لو كان فاعلاً مختاراً، لكان له غرض من خلقته لا محالة، مع أنّا لا نعلم الغرض المفيد في جملة من الأشياء.

السابع: إنّ التجربة العلمية دلّت على أنّ كلّ موجِد مادّي، معلّل بسبب مادّي آخر، ومعه لا ملزم للالتزام بوجد فاعل مجرّد مختار بعد المادة المذكورة.

الثامن: المؤثّر في العالم لابدّ أن يكون إمّا إرادة الفاعل المختار، وإمّا العلل الطبيعية - على سبيل منع الجمع والخلو - فإنّ تأثير المريد المختار، ينافي النظام الحاصل من تأثير العلل الطبيعي، الذي لا يتغيّر ولا يتشتّت، وحيث إنّ العلوم قاضية بتأثير العلل المادية، وإنّ الحوادث الطبيعية مسبّبة عن أسباب طبيعية، يستكشف منها عدم المبدأ المختار المذكور.

هذه هي تلفيقاتهم في هذا المبحث، ومن الضروري أنّها مخالفة للوجدان، والفطرة، والبرهان، والفلسفة، والمميّز العاقل لا يقدم على إبراز هذه الكلمات الفاسدة المخالفة لضرورة العقول الساذجة، والإنصاف أنّ هؤلاء الماديين المتفلسفين، بين مَن غرّته العلوم الطبيعية، فحسب أن تبحّره ومهارته فيها، يجوّز له الإفتاء في كل علم وفن، وإن كان جاهلاً به رأساً:

قل للذي يدّعي في العلمِ فلسفةً

حفظتَ شيئاً وغابتَ عنك أشياءُ

وبين مَن دعته إليه الأغراض السياسية الدنية، وبين مَن اشتبه عليه تباين الإلهيات والطبيعيات، فحيث لم يجد الله في الحقل التجربي أنكره، ولم يدرِ المسكين أنّ طريق الاستنتاج في كلّ من العلمينِ لا يرتبط بالآخر أصلاً، وبين مَن أضلّه تعريف أصحاب الكنائس، حيث جعلوا الخالق جسماً متحرّكاً، آكلاً شارباً، متصارعاً، إلى غير ذلك من خرافات التوراة والأناجيل الموجودين، فإذا أصبح الإله المعبود كذلك فالحق مع الماديين، والجناية حينئذٍ على عاتق


القسّيسين والأحبار وكتّابهم.

وعلى الجملة: أنّ الموجودات - بكراتها السامية العظيمة، وميكروباتها الصغيرة - دليل على وجود الله سبحانه وتعالى، ولا يتأتى من عاقل صحيح المزاج إنكاره، وهذه الواهيات المذكورة ممّا يصادم الفطرة البشرية في أحكامها الأَوّلية، وعلى سبيل التوضيح - وإن كان توضيحاً للواضحات - ننبّه على فساد كلّ واحد واحد:

فنقول: أمّا الوجه الأَوّل فقد تقدّم بطلانه في أوائل الكتاب، وذكرنا أنّ المدركات العقلية كالحسية في الاعتبار والحجّية، بلا يتمّ إدراك حسي إلاّ بتوسط الحكم العقلي، فلابدّ أن يكون الإنسان إمّا شكّاكاً، وسوفسطائياً، أو فلسفياً يقبل العقليات والحسيات معاً؛ إذ لا حدّ فاصل بينهما.

ونزيد هنا فنقول: ماذا يريدون بقولهم هذا؟

فإن أرادوا الإحساس المباشري، وأنّ الشيء ما لم يحس بنفسه - بأحد الأحاسيس - لا يذعنون به، فهذا يرفض كيان العلوم الطبيعة بأسرها، ويبطل المجرّبات التي يقدّسونها من أصلها، أَليست الأرض متحرّكةً بحركات مختلفة؟ أَليس للهواء المحيط بنا ثقل عظيم؟ أَليس الأثير موجوداً بزعمهم بل جعلوه مبدأ الكائنات؟ أَليس الأتُم موجوداً؟ أَليست الجاذبية العامّة التي استكشفها نيوتن مسلّمةً؟ فهل الحواس أدركت حركة الأرض، وثقل الهواء، ووجود الأثير، والذرة، والجاذبية، فيجوز إنكارها بتاتاً؟ وهكذا الحال في أُلوف من نظائرها، كلا، فالإحساس المباشري لا يرتبط بقبول الحقائق والمعارف بتاتاً.

وإن أرادوا الأعم من ذلك، وأنّ الشيء يُصدّق به ولو بإحساس آثاره - كما هو المقرّر الثابت في العلوم التجربية، على ما عرفت من الأمثلة المزبورة - فهذا بعينه يجري في المقام، فإنّ الله الواجب القديم المجرّد عن الزمان والمكان، وإن لم يُدرك بإحدى الحواس لكن آثاره محسوسة، فإنّ جميع هذه الكائنات المشاهدة المحسوسة آثاره، كما تقدم برهانه، وستعرف أنّ المادة لا تصلّح للمبدئية بل هي مخلوقة لله القهّار.

وأمّا الشبهة الثانية، فقد مرّ جوابها في الفائدة العاشرة من فوائد المدخل وقلنا: إنّ التجربة قاصرة عن تثبيت الحكم في خارج الحقل المادي، ونزيدك هنا ونقول: لو صحّت ضرورة العلّة لكلّ موجود، لوجب مسببية المادّة المزعومة من مبدأ آخر، وكلّ شيء تفرضونه مبدأ للأشياء المادية، لابدّ له من سبب بحكم التجربة، فهذا - مع كونه من التسلسل المحال - يبطل قولكم أيضاً.

وأمّا الشبهة الثالث فهي مخالفة للوجدان، فإنّ الأحاسيس تشاهد في كلّ يوم أُلوفاً من


الموجودات، توجد في الخارج بعد ما كانت معدومةً، أَليست الصور الطارئة على المادة الأزلية المزعومة حادثةً عندكم؟ فما هو جوابكم في إصلاحها؟ هو الجواب في حدوث المادة. وحلّ المطلب: أنّ معنى قولنا: يوجد من العدم، ليس كون العدم علّةً مادية للموجود، ولعلّه لم يخطر ببال صبيّ مميّز من صبيان الموحّدين، ولم يتصوّره عالم من العلماء الإلهيين، بل معناه أنّ الله يوجد الشيء بعد ما لم يكن موجوداً، فهذه الشبهة من غفلتهم بمراد المليين أو تجاهلهم به.

وأمّا الشبهة الرابعة فجوابها: أنّ كلّ موجود مادّي لابدّ له من مكان وزمان، ولا دليل على انسحاب هذا الحكم إلى كل موجود مطلقاً، وسيأتي تحقيقه في المقصد الثالث إن شاء الله.

وأمّا الخامسة فهي مضحكة، فإنّ قِدم المادة مثل حدوثها في عدم إحاطة الأحاسيس به، فكيف يذعنون بأحدهما دون الآخر، وهذا شيء عجيب؟ وسيأتي في آخر هذا الجزء أنّ العقل قاضٍ بحدوث جميع الموجودات الممكنة.

وأمّا الشبهة السادسة فهي واضحة الفساد، فإنّ الجهل بفائدة خلقة جملة من الأشياء - مع إحرازها في كثير من الموجودات بنحو تدهش العقول منها - لا يدل على أنّ المؤثّر غير عالم، بل لابدّ من الإذعان بوجود الغرض الكامل فيها إجمالاً، وأن لا نعلمه تفصيلاً؛ وذلك من جهة ما علمنا من تحقّقه في أكثر المخلوقات، أَليس إذا شاهدنا ماكنةً كبيرة ذات آلات كثيرة، وعلمنا فائدة أكثر أجزائها، لكن جهلنا فائدة بعضها الآخر، يحكم عقلنا بأنّ صانعها عالم قادر؟ وأنّ عدم علمنا بغرضه في بعض أجزائها، لا يدلّ على جهل الصانع المذكور، وإنّي أثق كل الثقة أنّ هذا الجواب ممّا يعرفه الصبيان في حين وجدانهم التمييز، لكن مَن غلب فطرته الغباوة والسفاهة لا يدرك ذلك.

وأمّا السابعة فتزيّف بأنّ الكلام في العلّة الأُولى انقطاعاً للدور التسلسل، فهي إمّا الأثير، وإمّا المادة، وعلى كلّ منهما يبطل ما ادّعوه من الكلّية المذكورة، فإنّ الذرّات أو الأثير مادّية لا علة مادّية لها، وإلاّ جاء الدور والتسلسل، فلابدّ من الالتزام بأنّ لها علّة غير مادية، وهي الواجب الوجود، ولِما ستعرف من أنّ المادة - بأي شيء فسّرت - لا تصلح للمبدئية.

وبالجملة: لزوم علّة مادية لكلّ موجود مادّي لا ينافي تأثير الواجب الوجود، ولم ينكر اللزوم المذكور الإلهيون، بل يقولون بصحّة الأسباب والمسبّبات الطبيعية في عالم الطبيعة، ومع ذلك يقولون بتأثير الواجب الوجود أيضاً، فإنّ الممكن بعلّته ومعلوله غير مستغنٍ عن الواجب حدوثاً وبقاءً كما مرّ.

وأمّا الثامنة فهي من أرذل الكلام، ولعلّ القائل بها لم يملك إدراكه حين التلفّظ بها؛ إذ أي إلهي يقول بإله ذي إرادة هدّامة للنظام الطبيعي، حتى يستكشف النظام عن عدمه؟ بل نقول: إنّ


نظام الطبيعة من فعله وإرادته وهو - لمكان علمه وقدرته وحكمته وغنائه - لا يريد إلاّ الأصلح، فهذا النظام أكبر برهان على أنّ مبدأ العالم حي قادر عالم حكيم كامل، كما سيأتي توضيحه فيما بعد، والعمدة إلى العلل المادية في طول إرادة الخالق الحكيم، لا في عَرضها، فلا تنافي بينهما، وقد خفي هذا الموضوع المهم العالي على الماركسيين.

چشم باز وگوش باز واين عمى

حيرتم از چشم بندى خدا

فاتضح أنّ ما نسجه عبّاد المادة لا يناسب الموازين العلمية، ولا يرتبط بالنواميس العقلية، وإنّما الداعي لهم إليه ما تقدّم من الأسباب، وصدق القرآن المجيد حيث يقول: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ) (1) .

هذا كله في الأصل الأَوّل من أُصولهم الأربعة المتقدّمة، ومن تزييفه وهدمه يظهر سقوط الأصل الثاني والثالث منها أيضاً، فيبقى الأصل الرابع، وهو أنّ مبدأ العالم ومؤثّره ليس إلاّ المادة المذكورة، وقد تقدّم تفسير المادّة وكيفية تشكيل الأجسام منها. وخلاصة القول: أنّ صلاحية المادّة للمبدئية المطلقة، موقوفة على وجوبها الذاتي، وعدم توقّفها على سبب آخر، كما هو ظاهر، وكونها واجبة الوجود، وأزلية الثبوت، متفرّع على بساطتها، وعدم تركّبها اتفاقاً - ولذا أنكروا تجزئتها أشد الإنكار، فإنّ التركّب أمارة المسببية كما مرّ - وعلى أنّ حركتها من ذاتها لا من غيرها، وإلاّ كان فوقها قاهر محرّك يدبّرها، وكِلا الأمرين باطل قطعاً، فلا يمكن وقوف تعليل الموجودات على المادة المذكورة.

ثمّ يُعلم أنّا لا ننكر تركّب الأجسام من الذرّات؛ تثبيتاً لتركّبها من العناصر الأربعة المعروفة (2) أو أكثر منها، ولسنا نحن بصدده، فإنّه من مسائل العلوم الطبيعة، وإنّما ننتقد كونها علّة العالم وحدها، بحيث لا تحتاج إلى علّة فاعلية أُخرى، فنقول:

أمّا كون المادة أو الأثير مركّباً، فهو ممّا لا يدانيه شك ولا يمسّه ريب، وقد أكثروا الأدلة على ذلك وإليك بعضها:

1 - كلّ موجود مادّي له جهات ستّ، وكلّ جهة منه غير جهة أُخرى منه بالضرورة؛ إذ ليس جهتها اليمنى عين جهتها اليسرى، ولا جهتها الفوقانية عين جهتها التحتانية بالبداهة، ويستنتج منه أنّ كلّ ذرة - مهما فُرض صغرها - مركبة من أجزاء ستّة، وإن عجزت الآلات الصناعية عن تجزئته في الخارج.

____________________

(1) الحج 22 / 3.

(2) وهي الماء والتراب والهواء والنار، وزاد عليها بعض علماء العرب ثلاثة أخرى: الكبريت والزئبق والملح، وعدّها الباحثون الغربيون إلى 104 عناصر.


2 - إذا جعلنا الذرّة بين الجسمين كالصحيفتين، فقهراً تلاقي السطحين من الجسمين المذكورين، وعليه فيكون لها سطحان؛ إذ لا يعقل تلاقي السطحين بسطح واحد بالضرورة.

وهنا وجوه أُخرى تدلّ على تركّبها بصورة قاطعة، لكنّ هذين الوجهين من أبسطها وأقربها إلى الأفهام الساذجة. فإذن، نثبت أنّ هذه الذرّات والأجزاء الصغار - سواء في ذلك ذرات ذيمقراط، وأمواج روتر فورد، الذي كسر الذرّة واستكشف أمواجها كما تقدّم - مركّبة، فلابدّ لها من مركِّب فاعل التركيب، وهو الله الواحد القهّار.

وأمّا كون الحركة ليست من نفس المادة، بل هو من غيرها - وهو الله تعالى - فلِما تقرّر في كتب الكلام والفلسفة، من لزوم تعدّد المحرّك والمتحرّك فلاحظ.

هذا وعلى قولهم من الحركة الذاتية، يلزم تركّب الأجزاء، وإن سلّمنا إمكان بساطتها في نفسها، فإنّ الأجزاء لها جهة مشتركة في الجوهرية، وجهة مميّزة؛ لاختصاص كلّ منها بحركة في جهة تتوجه إليها حركة الذرّة الأُخرى؛ إذ لو كان حركاتها إلى جهة واحدة بلا انحراف، لَما تشكّل الأجسام منها بالضرورة، وهكذا الكلام، في قول بخنز: فإنّ محلّ الدفع غير الجذب، فيتركّب الجزء، وإن جُعل الدفع في جزء والجذب في جزء، فهذا أيضاً يلزم التركّب من جزء مشترك بين الجزءين في الجوهرية، ومن جزء مميّز بالدفع والجذب. وهذا يكفي لهدم جميع ما أسّسوه، وإبطال ما ذكروه بصورة قاطعة، ولا يبقى للعاقل احتمال في بطلان مبدئية الذرّات للعالم، فإذن، لابدّ من الالتزام والإذعان، بوجود الواجب القديم المجرّد عن المادة ولواحقها.

أضف إلى ذلك أنّ المادة - كما نادوا بأعلى أصواتهم - حقيقة واحدة، والحقيقة الواحدة لا يصدر عنها آثار مختلفة، فكيف يسوغ لهم، استناد هذه الموجودات المتفاوتة المتباينة إلى المادة المزبورة؟ فإن صحّ ذلك، وأمكن بروز الآثار المتفاوتة عن حقيقة فاردة، أصبحت العلوم الطبيعية عقيمةً ولا تُنتج شيئاً؛ بداهة أنّ التجربة لا تقع إلاّ على موارد محدودة، يُعلم منها أنّ هذه الحقيقة ذات أثر كذا، فيوضع ذلك قانوناً كلّياً وقاعدةً شاملة، فيقال مثلاً: إنّ الدواء الفلاني يزيل المرض الفلاني مطلقاً؛ اعتماداً في الكلية المذكورة، على أنّ الحقيقة الواحدة لا يختلف أثرها، وأمّا إذا فرضنا جواز اختلافه فلا يتمّ قاعدةً تجربية قطعاً، فالعلوم التجربية كالفلسفة تقتضي عدم استناد العالم إلى الذرّات المذكورة، وقد نُقل أنّ بعض متفكّري الغرب تنبّه لذلك فآمن بالله العظيم، فلو صحّ بساطة المادة لَما صلحت للعلّية المطلقة من هذه الناحية (1) .

____________________

(1) الزمر 39 / 62.


النظام الكامل

يقتضي على علّية المادة

ولئن أغمضنا النظر عن جميع ما تقدّم، من تزييف مبدئية المادة للعالم، لكان نظام الخِلقة، وإتقان الطبيعة، أحسن شاهد وأقوى كاشف، عن وجود المبدأ العليم المريد الحكيم، وقد ظلت العلوم الطبيعية تكشف لنا أسرار الكون، وعجائب الخِلقة، ودقائق الصنع، بما يندهش منه العقول، أَفليس هذا العالم البديع المنظّم - بكراته السامية، وشموسه المضيئة، وميكروباته الصغيرة، وموجوداته الحية، ونباتاته النامية، وجماداته المتنوّعة، وما أُودع في كلّ منها من الحكمة والدقّة - دليلاً على وجود المعبود الواجب القديم المجرّد؟ أَليست قبة واحدة تحكي عن بنّاء عالم بقانون العمارة والبناء؟ أيمكن أن يقال: إنّ طائرة واحدة طارت إلى السماء بلا سائق أو مدبّر؟ وهكذا، فإذا دلّت ماكنة صغيرة على فاعلها الشاعر، فكيف لا يدلّ هذا النظام البهي الجميل على علم فاعله؟!

وهذه الدلالة ضرورية بديهية لا يمكن لذي شعور إنكارها، فكما لا يمكن أن يصير الجاهل البدوي، مدرّساً في العلوم المختلفة بلا تعلّم، فكذا المادة لا تكون خلاّقة لهذا النظام الكامل التام، بل هو يكشف عن وجود مدبّر عالم حكيم وهو الله تعالى. وهذا - لمكان بداهته، وشدّة جلائه، وارتكازه في النفوس الإنسانية - لا يحتاج إلى زيادة بيان، وكثرة إيضاح، فضلاً عن توسيط برهان حسب الاحتمالات، الذي ابتكره بلز پاسكال عام 1654م وقَبله عنه غيره، هذا مع أنّه غير تام عندي في نفسه.

وعلى الجملة: مَن شك في هذا الدليل، فقد خرج عن الفطرة السليمة الإنسانية، والقرآن الحكيم في جملة من آياته المباركة قد نبّه الإنسان من هذا الطريق على معرفة ربّه فقال: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً * تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ) (1) وقال: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً

____________________

(1) الفرقان 25 / 59 - 62.


وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً * وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاّ كُفُوراً ) (1) وقال: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (2) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة، وأمّا السنة فهي مشحونة بأمثالها.

____________________

(1) الفرقان 25 / 47 - 50.

(2) المؤمنون 23 / 12 - 14.


ما يقول المادّيون

عن هذا النظام الأجمل؟

حينما تستنطق الماديين في انبثاق هذا النظام الأكمل عن الطبيعة الجامدة العمياء يجيبونك بوجهين:

الأَوّل: إنّه اتّفاق وتصادف، فهذه الأناظيم حصلت اتّفاقاً وصدفةً، من حركات الأجزاء غير المتجزّئة! وقد أشرنا إلى أنّ هذا الكلام لا ينافي ناموس العلم فقط، بل يصادم الإنسانية في فطرتها المودعة فيها فلا جواب له، ولو تمّ التصادف، بطل قانون العلية، وببطلانه تنهدم العلوم من أساسها.

الثاني: إنّه نتيجة الانتخاب الطبيعي والتنازع - التناحر - في البقاء. توضيح ذلك على سبيل الاختصار: إنّ شارلز روبرت داروين الانجليزي (1809 - 1882م)، دوّن فرضية رجوع الأنواع إلى أصل واحد أو أصول محدودة، وبعبارة أُخرى: أنّ هذه الفرضية تقول: إنّ هذه الأنواع الموجودة من الحيوانات، لم تكن كذلك في أصلها، بل أصلها إمّا نوع واحد أو أنواع محدودة، وجعل لتركيزها نواميس أربعة:

1 - التنازع في البقاء: فكلّ حي ينازع في حفظ كيانه وتثبيت بقائه، وان كان ذلك مستلزماً للتجاوز على الآخرين.

2 - الانتخاب الطبيعي: يعني أنّ نتيجة التنازع المذكور، بقاء الأصلح وفساد غير الأصلح أو ضعفه جداً.

3 - قانون المطابقة: وهو تأثير الأمكنة، والأغذية، والملابسات الواقعة في الحياة، في اختلاف الأفراد والأنواع، فقوة أظفار الأسد وحدته لافتراسه، فلو وقع في محلّ لا يمكنه الصيد، واضطر إلى أكل الحشائش - كالدواب مثلاً - تبطل خاصية أظفاره، بل تقوى أنيابه وهكذا.

4 - قانون الوارثة: وهو أنّ الصفات العارضة والأطوار الاتّفاقية، التي طرأت على الحيوانات من جهة اختلاف الأحوال تنتقل إلى أولادها، فتوجب اختلاف أشكالها، بحيث ينجرّ إلى تخيّل اختلاف أنواعها في الأصل، مع أنّ الاختلاف المذكور نتيجة التوارث بتمادي الزمان، وعليه يترتّب رجوع الأنواع إلى نوع واحد، أو أنواع محدودة.


ولما انتشرت هذه الفرضية فرح المادّيون بها، وحسبوا أنّها كافية لأن يُعلّل بها النظام المحكم الساري في أجزاء العالم، ومعها لا موجب للتشبّث بالصدفة والاتّفاق، الذي يرفضه أوائل العقول الساذجة، وينافره شرف العلم والإنسانية، فقالوا: إنّ الطبيعة وإن كانت غير شاعرة، إلاّ أنّ هذا النظام متولّد من انتخابها بعد التنازع في البقاء، بضميمة المطابقة والوراثة، فارتقاء الموجودات إلى هذه الدرجة من التكامل، معلول لهذه النواميس دون المادة نفسها.

أقول: البحث حول هذه الفرضية عن ناحيتين: الناحية الأُولى في صحّتها في نفسها، والناحية الثانية في استنتاج ما تخيّله الماديون منها.

أمّا الناحية الأُولى وصحّتها في نفسها فلا دليل عليها، غير بعض التخمينات والتخرّصات التي لم يقرّ بها العلم ولا الفلسفة، بل البرهان على خلافها، بل الإنصاف أنّها مخالفة للحسّ والوجدان والأخلاق، كما فصّلنا القول فيها في مجموعتنا المسماة بـ (كشكول محسني)، وقد دلّل على بطلانها غير واحد من باحثي الغرب، حتى أخرجها بعضهم من المسائل العلمية، وجعلها آخر منافيةً للتمدّن الغربي وموجبةً لتأخّره، وحسبها الثالث من الأقاصيص التي تحكيها الأُمهات لأولادها الصغار، بل نسبها بعضهم إلى الجنون... إلى غير ذلك من الكلمات الحادّة التي نقدوا بها هذه النظرية (1) .

وأمّا الناحية الثانية فنقول: إذا سلّمنا هذه الفرضية بتمامها وحسبناها قطعيةً، فلا يمكن استفادة مرام الماديين منها، كما لا يمكن استفادة الحرارة من الثلج!

نقول: مَن الذي أوجد هذه الموجودات؟ مَن الذي خلق هذه الذرّات المركّبة؟ مَن الذي أعطى الطبيعة انتخابها؟ مَن الذي أودع التنازع في كيان الأشياء؟ وهكذا فلابدّ إمّا من الرجوع إلى الصدفة والاتفاق، أو إلى الإيمان بخالق الإنس والجان، وهذا الذي ذكرنا لم يخفَ على داروين نفسه؛ ولذا لم يجعلها دليلاً على إنكار الصانع، بل قيل: إنّه كان عاملاً ومقيّداً بجميع ما جاء في مذهب الپرتستان أرتدوكس (2) ، من دين المسيح عليه‌السلام ، بل صرّح بأنّ عقائده لا تنافي المذاهب (3) .

وإليك ملخّص ما كتبه هو إلى بعض الألمانيين عام 1873: يستحيل على العقل الرشيد أن تمرّ به خلجة من الشك، في أنّ هذا العالم الفسيح، بما فيه من الآيات البالغة، وتلك الأنفس الناطقة

____________________

(1) الجينات الوراثية أثبتت اليوم خِلقة الإنسان الابتدائية، وأبطلت تحوّل الإنسان من الحيوان، وتدلّ هي على صدق القرآن على أخباره، أنّ الإنسان خُلق كذلك ابتداءً.

(2) فيلسوف نماها / 226.

(3) المصدر نفسه/ 225.


المفكّرة، قد صدر عن مصادفة عمياء؛ لأنّ الأعمى لا يخلق نظاماً ولا يبدع حكمةً، ذلك أكبر برهان يقوم عندي على وجود الله.

ثمّ يقول: ولقد قامت عندي شكوك كثيرة لأَوّل عهدي بالبحث، فسألت: من أين جاءت العلّة الأُولى؟ وهل لها نشأة ومعاد؟ غير أنّي لم ألبث حتى استبان لي، أنّ هذا الشك نفسه قد يخطر للإنسان، إذا فكّر في نشأة المادّة المحسوسة ذاتها، فمن أين جاءت المادة القديمة؟ وهل لها أَوّل؟ أم هي أزلية؟ فإذا كانت أزليةً - وغالبة الظن على ذلك - فمن أين أتت؟ تلك الحدود التي يقف عندها الفكر الإنساني معترفاً بالعجز (1) ، لكنّ الماديين أكثروا السرعة من مقلّدهم - بالفتح - ولم يدروا أنّ هذه التلفيقات على فرضِ صحّتها، لا ترتبط بهوَساتهم أصلاً.

ثمّ إنّ شارلز داروين ليس مؤسّساً لهذه النظرية، بل ذكرها غير واحد ممّن سبقه، كما ذكره فريد وجدي في دائرة المعارف، بل يوجد ذلك في كلمات العرب - إخوان الصفا وغيرهم أيضاً - كما نقلها إسماعيل مظهر في مقدّمة ترجمة أصل الأنواع (2) ، مع أنّهم من المسلمين، فاتضح من جميع ذلك أنّ هذه النظرية لا تشفي داء الماديين، فإنّ صحّتها لا تصادم وجود الله تعالى، بل ولا غيره من الأصول الدينية، نعم هي غير صحيحة عند القرآن، فإنّه يبيّن خِلقة الإنسان بدواً وينفي - بالدلالة الالتزامية - تكوّنه من القرود وغيرها، فهي تخالف الإسلام في مسألة فرعية جزئية، وقد عرفت أنّ البرهان والحسّ والأخلاق ترجّح جانب القرآن.

ولهم جواب ثالث معروف بالفلسفة الدياليكتيكية، وقد بُنيت على أُصول أربعة:

التغيّر والتحوّل الباطني (في مقابل التغيّر الحاصل من خارج الشيء المسمّى بالميكانيك)، صحّة التناقض والتضاد، بل ضرورة وقوعهما في كلّ شيء، تأثير التقابل وهو ارتباط الأشياء بعضها ببعض، بلا انفصال لشيء منها من هذه السلسلة المرتبطة، تبديل الكمّية إلى الكيفية دفعة واحدة؛ وعليها بنوا إنكار الواجب الوجود والأديان، بل وجميع الأحكام العقلية؛ إذ لا شيء ثابت عندهم أصلاً، بل كلّ شيء له أَوّل ونهاية، وبها علّلوا نظام العالم المتقن! لكن هذه الفرضية واضحة البطلان؛ لأنّ الأصل الأَوّل يشمل نفس هذه الفرضية أيضاً، فلا قيمة لها، فإنّها محكومة بالزوال والاضمحلال.

وحلّه: أنّ التغيّر غير جارٍ في العلوم غير المادية، أَليست نتيجة ضرب الاثنين في الاثنين هي الأربعة، وهل يحتمل أحد أن تكون النتيجة خمسة أو ثلاثة في زمان من الأزمنة؟ لكنّهم لا يفرّقون بين العلوم الطبيعية والعقلية، فيطبّقون أحكام الأُولى على الثانية.

____________________

(1) مقدّمة ترجمة أصل الأنواع بالعربية تأليف إسماعيل مظهر / 26.

(2) أصل الأنواع / 29 - 41.


وأمّا صحّة التناقض والتضاد والحكم بوقوعهما، بل بضرورة وقوعهما فضلاً عن إمكانه، فهو مخالف للفطرة الإنسانية والضرورة الأَوّلية، فإنّ امتناعهما ضروري عند كل أحد حتى الصبيان، لكن الأمر اشتبه على الماديين الدياليكتيكيين، ولم يقدروا على ضبط الوحدات المعتبرة في التناقض، وحيث أتوا بأمثلة جزئية دالة على وقوعه، لم يلتفتوا إلى فقدان وحدة أو وحدات منها، فحسبوا أنّهم فازوا بمرادهم! وقد مرّ الكلام فيه (1) .

وأمّا الثالث فلا كلّية وتعميم فيه ولا دليل على ذلك، وأمّا الرابع فهو باطل وما قيل في وجهه مضحك جداً، ولا ينبغي أن نضيّع الوقت بإطالة الكلام معهم إثباتاً ونفياً، ولعمرك إنّ وضوح فساد كلام المادّيين وشدّة اختلاله، دليل آخر على وجود الواجب الوجود، وضرورة إثبات الصانع المختار العليم ( أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) .

وعلى الجملة: أنّ جميع فرضيات الماديين حول مبدأ العالم، وتلفيقاتهم حول نظام العالم البديع، ترجع إلى صدفة عمياء لا غير، وهي تناقض مبدأ العليّة العامّة الشاملة غير القابلة للاستثناء، فلا تغرنّكم كثرة تعابيرهم وفرضياتهم، فدقّق النظر تجد صدق قولنا، وبعد ثبوت تركّب الذرّة وتجزئتها، فقد سقط معبود الماديين إلى اليوم وإلى الأبد.

____________________

(1) وخلاصة الكلام أنّ الماديين اشتبهوا في مبدأ التناقض، أَوّلا باشتباه التضاد الفلسفي بالتضاد العلمي، وثانياً بعدم الفرق بين التناقض والتضاد الفلسفيين، وثالثاً بإمكان الأخيرين وضرورة وقوعهما! غافلين عن أنّ التناقض الفلسفي لو كان ممكناً، لكان إنكارهم على مخالفيهم باطلاً؛ لصحّة ووقوع التناقض وعدمه!


خاتمة

اعلم أنّ معرفته تعالى على درجات: الدرجة الأُولى: ما يحصل من الدلائل الإنيّة. الدرجة الثانية: ما يثبت بالبراهين الشبيهة باللم. الدرجة الثالثة: ما يستقرّ بالمشاهدة القلبية، ولها عرض عريض رزقنا الله إيّاها، ففي رواية أبي الحسن الموصلي عن أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام قال: جاء حبر إلى أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته؟ قال: فقال: (ويلك ما كنت أعبد ربّاً لم أرَه. قال: وكيف رأيته؟ قال: ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان) (1) .

وفي دعاء يوم عرفة المنسوب إلى أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام : (إلهي تردّدي في الآثار يوجب بُعد المزار، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك، كيف يُستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهِر لك؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك؟ ومتى بعُدت حتى تكون الآثار هي التي تُوصل إليك؟ عَميت عينٌ لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حبّك نصيباً... منك أطلب الوصول إليك، وبك استدلّ عليك، فاهدني بنورك إليك... أنت الذي أشرقتَ الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحدّوك، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبّائك حتى لم يحبّوا سواك... إلخ) هذا، وكل ميسّر لِما خلق لأجله.

واعلم أنّ معرفة معظم المؤمنين الباحثين - فضلاً عن العوام - بالله تعالى إنّما هي بمفاهيم كلية يضم بعضها مع بعض، تنطبق على الموجود الواحد المخصوص وهو الله تعالى، كمفهوم الواجب الوجود غير المركّب والمتعدّد، وكمفهوم الصانع والخالق الحكيم المدبّر، وكمفهوم القديم الأزلي الأبدي الباقي ونحوها، وهي معرفة علمية يكتسبها أهل المعقول من المباحث الفلسفة والكلامية.

وأمّا المعرفة القلبية الإشراقية الإلهامية - وما شئت فسمِّها به - فهي تحصل من العبودية، والإخلاص، والخضوع مع صفاء الروح، والمؤلّف الفقير الناقص حيث لم يذق حلاوة الإيمان في باطنه، يعلم أنّ إيمانه بالله تعالى، ومعرفته علمية لا معرفته قلبية. فـ ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (2) .

____________________

(1) أُصول الكافي 1 / 98.

(2) الحجر 15 / 99.


المقصد الثاني

في صفاته الثبوتية

تمهيد

الموقف الأَوّل: في صفاته الثبوتية الذاتية الكمالية

الموقف الثاني: في صفاته الثبوتية المدحية

الموقف الثالث: في صفاته الثبوتية الفعلية الجمالية


المقصد الثاني

في صفاته الثبوتية

تمهيد

كل ما أوجب اتّصاف الواجب به كمالاً وبهاءً بلا استتباع نقص، فهو صفة ثبوتية، وما لم يكن كذلك فهو صفة سلبية؛ لِما سيمرّ عيك في محلّه - إن شاء الله - من أنّه كامل في غاية الكمال، كيف وهو مصدر كلّ كمال فلا سبيل للنقص إليه أبداً؟.

وأمّا ما ذكره بعض المتكلّمين، وشاع في الألسن، من حصر الصفات الثبوتية في الثمانية، (1) والسلبية في السبعة، (2) فخطأ محض، ولعلّه؛ للاهتمام بها، أو لوقوع الاختلاف فيها، أو لاحتياجها إلى الاستدلال، وغير ذلك من الاعتبارات، وإلاّ فلا حدّ لحميد صفاته وجميل أفعاله.

وقد ورد في الشرع له تعالى أوصاف كثيرة جمّة، كما يظهر لمَن راجع الأخبار ولا سيما الأدعية.

ثمّ إنّ مصادر هذه النعوت - كالعلم والقدرة والرحمة مثلاً - تسمّى في اصطلاحهم بـ (صفات الله)، ومشتقاتها - مثل العالم والقادر والرحيم - بـ (أسماء الله).

إذا تبيّن ذلك فاعلم أنّ جميع صفاته تعالى:

إمّا حقيقة محضة، وهي ما لا يعتبر في ثبوته له تعالى لحاظ شيء آخر، مثل الحياة، والوجوب، والحقية، مثلاً، فهو حيّ واجب حق بلا لحاظ أمر آخر يتوقّف عليه صدق هذه الصفات وأمثالها.

إمّا إضافيّة محضة، وهي ما لا تحقّق له إلاّ بعد وجد شيء آخر، كالرزق والخلق والرحمة وغيرها، فإنّها لا تثبت إلاّ إذا كان هناك موجود مرزوق مخلوق مرحوم.

وإمّا حقيقية ذات إضافة، وهي ما لا يتوقف مفهومه على شيء آخر، وليس الإضافة مأخوذةً في واقعها، إلاّ أنّها تعرض له، وان شئت فقل: إنّ تحقّق هذا القسم من الصفات غير موقوف على

____________________

(1) كما قال شاعرهم:

عالم وقادر وحى است مريد ومدرك

هم قديم وابدى دان متكلم صادق

(2) كما قيل:

نه مركّب بود ونه جسم مرئى نه محل

لا شريك است ومعانى تو غنى دان خالق


أمر ثانٍ، لكن ترتّب أثرها لا يكون إلاّ بإضافتها إلى شيء مقدور، كالقدرة مثلاً، فإنّ أصل تحقّقها له تعالى لا يحتاج إلى شيء آخر، فليست الإضافة معتبرةً في مفهومها، لكن أثر القدرة لا يتنجّز إلاّ بوجود مقدور.

وإمّا سلبية، وهي ما يُعتبر في مفهومها السلب، كالبساطة والتجرّد والوحدة والغنى وأشباهها؛ إذ الأَوّل سلب التركيب، والثاني سلب المادة وعوارضها، والثالث سلب الشركة، والرابع سلب الفقر وهكذا، فهذا القسم وإن كان على صورة الثبوت لكنّها من النفي حقيقة، على حدّ سلب الجسمية والمعاني والرؤية والحلول والاتحاد، وغيرها من الصفات السلبية ظاهراً وواقعاً.

ثمّ يقال للقسم الأَوّل والثالث: الصفات الذاتية، والصفات الكمالية، ويعبّر عن القسم الثاني بالصفات الفعلية، والصفات الإضافية، والصفات الجمالية، وهنا قسم آخر لم يذكروه وسمّيناه بالصفات المدحية، وسيأتي بحثها في هذا المقصد إن شاء الله، ويسمّى الجميع بالصفات الثبوتية، وأمّا القسم الرابع فيقال له - بكلا نوعيه - الصفات السلبية، والصفات الجلالية، والصفات التقديسية، والذي يهم في المقام بيانه هو فرق الذاتية والفعلية، وأنّه كيف نعرف أنّ هذه الصفة الثبوتية فعلية وهي حادثة، وتلك ذاتية وهي قديمة؟

وإليك ذكر ما يفرّق بينها من الموازين.

1 - كلّ صفة أمكن نفيها عن الواجب القديم، وصحّ إثبات نقيضها له، فهي فعلية، وإلاّ فهي ذاتية؛ وذلك لأنّ الصفة الذاتية إمّا واجبة بل عين ذاته كما هو الحق، وإمّا واجبة الثبوت للذات فلا يمكن انفكاكها عنها (1) .

2 - كلّ صفة كان لها ضدّ وجودي فهي فعلية؛ إذ الذاتية عين الذات، وستعرف في محله أن لا ضدّ للذات الواجبة، وأمّا إذا لم يكن لها ضدّ فلا يجب أن تكون ذاتيةً، فالملازمة من أحد الطرفين كما لا يخفى.

3 - كلّ صفة اعتبرت في مفهومها الإضافة فهي فعلية؛ لاحتياجها إلى غير الواجب، فلا يعقل كونها ذاتيةً، وهذا واضح، وكلّ صفة لم تكن إضافية محضة فهي ذاتية؛ إذ لا واسطة بين الفعلية والذاتية؛ فحيث إنّ الصفة غير الإضافية المحضة لا تكون فعليةً؛ للزوم الإضافة في قوام الفعل، فهي ذاتية لا محالة.

4 - كلّ ما وقع تحت قدرته فهو من الصفات الفعلية، وما لم يقع فهو من الصفات الذاتية؛

____________________

(1) وأمّا الصدق والعدل، وأن لا يجوز سلبهما عن الله تعالى في شيء من الأوقات عند الناس، إلاّ أنّ سلبهما بسلب منشائهما، فيقال: إنّه لم يكن متكلّماً ومعاملاً أزلاً فلا يكون صادقاً وعادلاً.


والسر في ذلك واضح، فإنّ الخارج عن القدرة ليس إلاّ الواجب.

5 - كلّ صفة أمكنة وقوعها تحت الإرادة فهي فعلية، وإلاّ فهي ذاتية، ويظهر وجهه ممّا سبق.

وأمّا قوله تعالى: ( وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ) (1) ، وقوله عليه‌السلام : (شاء - أي الله - أن لا يكون شيء في ملكه إلاّ بعلمه) حيث تعلّق المشية بالقدرة وبكون الشيء معلوماً له تعالى، مع أنّ القدرة والعلم من الصفات الذاتية، فلابدّ من توجيههما بوجه مقبول.

6 - كلّ صفة وقعت في حيّز ألفاظ دالّة على الحدوث والإمكان فهي فعلية لا محالة، ومن الألفاظ المذكور: سوف، سين الاستقبال، جملة من حروف الجر، عسى، ونظائرها، الفاء العاطفة الدالة على الترتيب، ثمّ، إذا، إن، لو، وغير ذلك.

قال الله تعالى: ( فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ ) (2) ، ( سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ ) (3) ، ( لِيُضِلَّ قَوْماً ) (4) ، ( عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) (5) ، ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى ) (6) ، ( إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ ) (7) ، ( فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ) ، ( وَلَوْ شِئْنَا ) (8) .

وأمّا قوله تعالى: ( وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ ) (9) ، وقوله: ( إِلاّ لِنَعْلَمَ ) (10) وأمثاله فسيأتي ما يتعلّق به في مبحث علمه إن شاء الله.

ثمّ إنّ هذا الميزان الأخير السادس - لمكان اتخاذه من ظواهر الألفاظ - ظني غير قطعي، إذا تقرّر ذلك فلنبحث في هذا المقصد عن المواقف الثلاثة: الموقف الأَوّل: في صفاته الثبوتية الذاتية الكمالية، والموقف الثاني: في صفاته الثبوتية المدحية التي لم يذكرها العلماء، والموقف الثالث: في صفاته الثبوتية الفعلية الجمالية.

____________________

(1) الشورى 42 / 29.

(2) المائدة 5 / 54.

(3) التوبة 9 / 71.

(4) التوبة 9 / 109.

(5) التوبة 9 / 102.

(6) المؤمنون 23 / 45.

(7) النحل 16 / 40.

(8) الأعراف 7 / 176.

(9) الأنفال 8 / 23.

(10) البقرة 2 / 143.


الموقف الأَوّل

في صفاته الثبوتية الذاتية الكمالية

الفصل الأَوّل: في قدرته

الفصل الثاني: في علمه

الفصل الثالث: سمعه وبصره

الفصل الرابع: في حياته


الفصل الأَوّل

في قدرته تعالى

الناحية الأُولى: في إثبات أصل القدرة

الناحية الثانية: في كيفية القدرة وتفسيرها

الناحية الثالثة: في عموم قدرته

مطالب مهمّة


الفصل الأَوّل

في قدرته تعالى

والكلام فيه من نواحٍ ثلاث:

الناحية الأُولى:

في إثبات أصل القدرة

فنقول: إنّ ما يدل على ذلك وجوه:

الأَوّل: إنّ القدرة الواجبة لا تستحيل على الذات الواجبة الوجود قطعاً، فهي إذن ثابتة له؛ لِما مرّ من قاعدة الملازمة.

الثاني: إنّ هذه الكائنات المشهودة، تدل على أنّ الله الذي أوجدها قادر بأتم قدرة، أمّا الصغرى - وهي كون الواجب خالقاً لها - فقد مرّ إثباتها في المقصد الأَوّل بأكمل بيان، وقد عرفت في المدخل أيضاً، أنّ الكائنات الممكنة محتاجة إلى فيضه حدوثاً وبقاءً، وأمّا الكبرى فهي من الأوّليات البديهية، وهذه الحجة أقوى الحجج وأتمّها وأظهرها بلا ريب.

الثالث: القدرة الممكنة متحقّقة في الخارج حسّاً ووجداناً، وهي تقتضي القدرة الواجبة؛ إذ كلّ ما بالغير لابدّ وأن ينتهي إلى ما به الغير دفعاً للدور أو التسلسل، ولا تُعقل القدرة الواجبة إلاّ للذات الواجبة، ثمّ إنّ اختلاف ما بالغير عمّا به الغير سنخاً ونوعاً، وإن كان ممكناً، إلاّ أنّ ما به القدرة لا يكون إلاّ قدرة، كما يظهر وجهه للمتأمّل.

الرابع: العجز نقص، والنقص عليه محال، فهو قادر؛ لعدم واسطة بين القدرة والعجز، إلاّ أنّ المدّعى أظهر من الكبرى بمراتب.

الخامس: اتّفاق الملل والنحل، وإجماع الأنبياء، والآيات القرآنية، والروايات المتواترة، تدل على أنّ الله قادر. ذكره بعض المتكلمين.

أقول: اتّفاقهم وإجماعهم من جهة الأدلة العقلية المتقدّمة لا أنّه تعبّدي، على أنّ المطلوب ليس أمراً محسوساً يصحّ فيه التواتر، وحجّية قول النبي بل نبوّته، وحجية القرآن وصدقه، موقوفة على قدرته تعالى، كما سيأتي في محلّه، فلو توقّف إثبات القدرة عليها للزم الدور.

السادس: ما في المنظومة وشرحها للسبزواري من قوله: (وكونه تعالى نوراً على القدرة


دلّ؛ لأنّ الفياضيّة لازم النور، وهذا النور عين المشيّة والشعور) (1) .

أقول: وسيأتي أنّ المشيّة ليست عين وجوده، على أنّ الاستدلال أيضاً غير واضح، فهذا الوجه أيضاً غير تام عندنا.

لا يقال: القادر على الفعل قادر على الترك، وإلاّ كان موجباً؛ ضرورة تساوي القدرة إلى الطرفين، لكن العدم غير مقدور؛ لأنّه أزلي، ولأنّه نفي محض لا يصلح لأن يكون أثراً.

فإنّه يقال: القادر هو الذي يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل، لا أن يفعل العدم، وأمّا أزلية العدم فهي لا تنافي القدرة؛ لأنّ استمراره بيد القادر، والشبهة سخيفة جداً؛ لأنّها تبطل القدرة مطلقاً، مع أنّها وجدانية ومحسوسة في الحيوان.

الناحية الثانية: في كيفية القدرة وتفسيرها

وهذه مسألة هامّة جداً، وقد أصبحت من أهم معارك الآراء الفلسفية والأنظار الكلامية، والتضارب فيها شديد جداً بحيث نسبت طائفة إلى الجهل والضلال، وابتليت فرقة بالتكفير والتفسيق.

وتصوير النزاع في هذه المسألة:

أنّ الواجب الوجود هل يتمكن من ترك الفعل أو لا؟ وإن شئت فقل: إنّ ما يصدر عنه هل هو واجب منه أم لا؟ بل يمكنه الترك والفعل معاً، فلا وجوب للفعل منه، وإنّما الوجوب بعد تعلّق إرادته، فإنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد.

وبكلمة أوضح بياناً: لا شك عند الموحّدين أنّ الله مختار في خلقه وفعله، لكن هل اختياره من سنخ اختيار الحيوان، الذي هو بمعنى له أن يفعل وله أن لا يفعل، أم لا بل هو من سنخ آخر؟

المتكلّمون على الأَوّل، والفلاسفة على الثاني، وحيث إنّ البحث عنه مهم جداً، نبدأ بنقل ما أفاده الباحثون من الطرفين فيها؛ حتى تتّضح المسألة المذكورة حقّ وضوحها، ولنكن حين الاستدلال والاختيار على بصيرة تامّة من أمرنا.

فنقول: قال الفيلسوف الشهير في أسفاره (2): إنّ للقدرة تعرفينِ مشهورين:

أحدهما: صحّة الفعل ومقابله أعني الترك.

وثانيهما: كون الفاعل في ذاته، بحيث إنّ شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.

والتفسير الأَوّل للمتكلمين والثاني للفلاسفة، ومن المتأخّرين من ذهب إلى أنّ المعنيين

____________________

(1) منظومة السبزواري / 172.

(2) الأسفار، المجلد الثاني، الفصل الأَوّل من الموقف الرابع، (الطبعة القديمة).


متلازمان بحسب المفهوم والتحقّق، وأنّ مَن أثبت المعنى الثاني يلزمه المعنى الأَوّل قطعاً؛ وذلك لأنّ الفاعل إذا كان بحسب ذاته بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، كان لا محالة من حيث ذاته - مع عزل النظر عن المشيّة واللامشيّة - يصح منه الفعل والترك، وإن كان يجب منه الفعل إذا وجب المشية، والترك إذا وجب اللامشيّة، فلزوم الفعل ووجوبه من تلقاء دوام المشية ووجوبها، لا ينافي صحّة الترك على تقدير اللامشيّة، وكذلك قياس مقابله في الاعتبارين.

أقول: ما ذكره غلط وخبط، فإنّ الصحة والجواز في الفعل ومقابله، مرجعهما الإمكان الذاتي، وتحقّقه مستحيل فيه تعالى؛ فإنّه وجوب بلا إمكان، وإنّما يجوز تلك النقائص عند مَن يجعل صفاته زائدةً على ذاته كالأشاعرة، أو يجعل الداعي على صنعه وإيجاده أمراً مبايناً، فيكون ذاته بذاته مع قطع النظر عن هذه الزوائد؛ صفةً كانت أو داعياً، جائز المشيئة واللامشيئة صحيح الفاعلية واللافاعلية، وأمّا عند مَن وحّده وقدّسه عن شوائب الكثرة والإمكان، فالمشية المتعلّقة بالجود والإفاضة عين ذاته بذاته، بلا تغاير بين الذات والمشيئة خارجاً وذهناً، بلا اختلاف حيثية تقييدية وتعليلية، فصدق القضية الشرطية القائلة: إن شاء فعل، لا ينافي وجوب المقدّم، وضرورة العقد الحملي له ضرورة أزلية دائمة، وكذا الشرطية القائلة: إن لم يشأ لم يفعل، لا ينافي استحالة المقدّم امتناعاً ذاتياً، وضرورة نقيضه ضرورة أزلية، فعلم أنّ التفسير الثاني صادق عند الحكماء دون الأَوّل، ولا تلازم بينهما إلاّ في القادر الذي يكون إرادته زائدةً على ذاته، وأمّا الواجب فلكونه فوق التمام، وبذاته البسيطة الحقة يفعل ما يفعل، لا بمشيئة زائدة، ولا بهمة عارضة، لازمة أو مفارقة، فهو بمشيئته وعلمه ورضائه وحكمته، التي هي عين ذاته يفيض الخير ويجود النظام، وهذا أتم أنحاء القدرة، وأفضل ضروب الصنع، ولا يلزم من ذلك جبر كفعل الماء في تبريده... إلخ انتهى كلامه مع تغيير ما.

وقال الحكيم السبزواري: لا يلزمنها - أي القدرة - حدوث ما انفعل، أي الحدوث الزماني في المقدور القابل للأثر، خلافاً للمتكلّمين، فاعتبروا في مفهوم القدرة انفكاك متعلّقها وقتاً ما عن الذات - (وبعضهم اعتبروا في القدرة إمكان الترك إمكاناً ذاتياً، وبعضهم إمكانه إمكاناً وقوعياً، والإمكان الوقوعي ما لا يلزم من فرض وقوعه محال، والحال أنّ فيه محالاً كلّ المحال؛ لأنّ عدم المعلول كاشف عن عدم علّته، كعدم العقل الأَوّل أو عدم الفعل مطلقاً؛ وبعضهم اعتبروا الوقوع في الترك، وفيه: أنّه تخلّف المعلول عن العلّة التامّة) (1) - وقد عرّفوا قدرته بصحّة الفعل والترك، وهو باطل؛ إذ الصحّة هي الإمكان، وواجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات، فالقدرة كون الفاعل بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل... فالحق تعالى

____________________

(1) هذه الجملة مذكورة في حاشية شرح المنظومة، ونحن أدرجناها في المتن، بين قوسين.


موجِب - بسكر الجيم - أي فاعل يجب فعله بقدرته وأخياره، وهذا على مذهب الحكيم حيث يقول: الشيء ما لم يجب لم يوجد، وليس موجَباً - بفتح الجيم - أي فاعلاً يجب فعله لا بقدرته واختياره كالمضطر، تعريض إلى مَن نسب إلى الحكماء إطلاقهم الموجب عليه بهذا المعنى، بأنّه حرّف الكلمة عن موضعها (1) ... إلخ.

وقال المحقّق الطوسي قدّس سره في قواعد العقائد: والقادر هو الذي يصحّ منه أن يفعل الفعل ولا يجب، وإذا فعل فعلاً باعتبار (اختيار ظ) وإرادة لداع يدعوه إلى أن يفعل، ويقابله الموجب، وهو الذي يجب أن يصدر عنه الفعل ويجب أن يقارنه فعله؛ لأنّه لو تأخّر الفعل عنه لَما كان صدور الفعل عنه واجباً؛ إذ لم يصدر عنه في الحال المتقدّم على الصدور. والمتكلّمون يقولون بأنّ الباري تعالى قادر، إذا كان فعله حادثاً غير صادر عنه في الأزل، ويلزم القائل بالقِدم كون فاعله موجباً.

والحكماء يقولون: كل فاعل فَعل بإرادةٍ مختارٌ، سواء قارنه الفعل في زمانه أو تأخّر عنه، وموضع الخلاف في الداعي، فإنّ المتكلّمين يقولون: إنّه لا يدعو الداعي إلاّ إلى معدوم ليصدر عن الفاعل وجوده، بعد الداعي بالزمان، أو تقدير الزمان، ويقولون: إنّ هذا الحكم ضروري والحكماء ينكرونه (2) انتهى.

قال الحكيم اللاهيجي في شوارقه: إنّه تعالى قادر مختار، بمعنى أنّه يتمكّن من الفعل والترك، بمعنى أنّه تعالى بحيث قد يتخلّف عنه الفعل، فإنّ القدرة بهذا المعنى هو المتنازع فيه بين المتكلمين والحكماء، وأمّا القدرة بمعنى كونه بحيث يصحّ منه فعل العالم وتركه بالنظر إلى ذاته تعالى، أو بمعنى كونه بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، فمتفق عليه بين الفريقين... إلى أن قال: فالنزاع إذن ليس في معنى القدرة، الذي هو المفهوم الشرطي، بل في وجوب وقوع مفهوم المقدّم وعدم وجوبه (3) .

قال العلاّمة الحلي قدّس سره في ضمن كلام له: لزم خروج الواجب تعالى عن كونه قادراً، ويكون موجباً، وهذا هو الكفر الصريح؛ إذ الفارق بين الإسلام والفلسفة إنّما هو هذه المسألة (4) !

قال في شرح المواقف: أي يصح منه إيجاد العالم وتركه، فليس شيء منهما لازماً لذاته بحيث يستحيل انفكاكه عنه، وإلى هذا ذهب الملّيون كلّهم، وأمّا الفلاسفة فإنّهم قالوا: إيجاده

____________________

(1) شرح المنظومة / 172.

(2) شرح قواعد العقائد / 39.

(3) الشوارق 2 / 210 - 211.

(4) إحقاق الحق 2 / 116.


للعالم على النظام الواقع من لوازم ذاته، فأنكروا القدرة بالمعنى المذكور... وأمّا كونه تعالى قادراً بمعنى إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، فهو متّفق عليه بين الفريقين... (1) إلخ.

قال القوشجي في شرح التجريد: ذهب الملّيون قاطبةً إلى أنّ تأثير الواجب في العالم بالقدرة والاختيار، على معنى أنّه يصح منه فعل العالم وتركه، وذهب الفلاسفة إلى أنّ تأثيره فيه بالإيجاب (2) انتهى.

وكذا الإصبهاني في شرحه مطالع الأنظار على طوالع الأنوار.

وقال بعض الفضلاء السادة في شرحه على نهج البلاغة: وقيل: هو (أي القادر) كون ذاته بذاته في الأزل، بحيث يصحّ منه خلق الأشياء فيما لا يزال على وِفق علمه بها، وهي عين ذاته، وقيل: هي - القدرة - علمه بالنظام الأكمل من حيث أنّه يصحّ صدور الفعل عنه، وقيل: هي عبارة عن نفي العجز عنه، وقيل: هي فيض الأشياء عنه بمشيئته التي لا تزيد على ذاته، وهي العناية الأزلية (3) انتهى.

تعقيب تحصيلي

هذه نبذة من كلماتهم في المسألة، وهي تدلّك على حقيقة القولين المذكورين دلالةً واضحة، ولمزيد تنقيح البحث نذكر ما يستفاد من هذه التعابير، وهو أُمور:

الأَوّل: إنّ البحث ليس بلفظي كما توهم، ولا ملازمة بين القولين أصلاً كما زعم، فإن المتكلّمين يعتبرون الصحّة التي هي الإمكان في تعريف القدرة، والفلاسفة ينكرونها أشدّ الإنكار.

فالتعريف الأَوّل - وهو صحّة الفعل والترك - صحيح عند أصحاب الكلام، وباطل بزعم أرباب الفلسفة، وأمّا التعريف الثاني - وهو إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل - فهو ينطبق على كلا المسلكين، فإنّ صحّة الشرطية لا تنافي ضرورة المقدّم وامتناع التالي ولا إمكانهما، فالمتكلّم على الثاني والفلسفي على الأوّل.

الثاني: اعتراف الحكماء بصحة تعريف المتكلّمين، في الذي كان إرادته زائدةً على ذاته، وكان داعيه أمراً مبايناً، فإنّ الفعل بالنظر إلى ذاته من حيث هي ممكن الصدور والترك، والخلاف فيمَن كان إرادته وداعيه عين ذاته بلا فرق أبداً.

الثالث: ضرورة العالم بالنسبة إلى ذاته تعالى من حيث هي ذاته، وعدم إمكان تخلّفه عنها -

____________________

(1) شرح المواقف 3 / 41.

(2) شرح التجريد / 348.

(3) منهاج البراعة 1 / 309.


سواء كان إمكاناً ذاتياً أو وقوعياً- فضلاً عن وقوع الترك، كما ظهر من كلام الأسفار وشرح المنظومة، فما تقدّم من الشوارق من أنّ القدرة، بمعنى كونه بحيث يصحّ منه فعل العالَم وتركه بالنظر إلى ذاته، أو بمعنى كونه بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، فمتفق عليه بين الفريقين، ساقط جداً فإنّ فعل العالَم بالنسبة إلى ذاته تعالى ضروري عند الحكماء، فأين الاتفاق؟ نعم التعريف الثاني متّفق عليه بينهما على نحو ما عرفت.

الرابع: معنى اختيار الواجب عند الحكماء، هو صدور الفعل عنه مقارناً للعلم والرضاء فقط، ولا يعتبرون إمكان التخلّف فيه ولو إمكاناً ذاتياً، بل يرون امتناعه كما مرّ، وهذا بخلاف المتكلّمين، فإنّهم يرون وقوع التخلّف شرطاً في مفهوم الاختيار، كما يظهر من عبارة المحقّق الطوسي، أو إمكان التخلّف إمّا ذاتياً أو وقوعياً، كما نقله السبزواري عن بعضهم.

أقول: فالإيجاب عند الأَوّلين هو صدور الفعل من غير العلم والرضاء به، وعند الآخرين صدوره بلا جواز تخلّفه، فالحكيم إذا ادّعى أنّ الواجب القديم مختار يعني به: أنّه عالم بصدور فعله عنه، وليس كالشمس في إشراقها والنار في إحراقها. قال خاتم الفلاسفة في أسفاره: فإذن ما يقال من أنّ الفرق بين الموجب والمختار: أنّ المختار ما يمكنه أن يفعل وألاّ يفعل، والموجب ما لا يمكنه أن لا يفعل، كلام باطل؛ لأنّك قد علمت أنّ الإرادة متى كانت متساويةً لم تكن جازمةً، وهناك يمتنع حدوث المراد إلاّ عند مَن نفى العلّية والمعلولية بين الأشياء كالأشاعرة، ومتى ترجّح أحد طرفيها على الآخر صارت موجبةً للفعل، ولا يبقى حينئذٍ بينها وبين سائر الموجبات فرق من هذه الجهة، بل الفرق ما ذكرنا، من أنّ المريد هو الذي يكون عالماً بصدور الفعل الغير المنافي عنه، وغير المريد هو الذي لا يكون عالماً بما يصدر عنه -كالقوى الطبيعية- وإن كان الشعور حاصلاً، لكن الفعل لا يكون ملائماً، بل منافراً، مثل الـمُلجَأ على الفعل فإنّ الفعل لا يكون مراداً له... إلخ.

الخامس: محور النزاع ومناط البحث في المقام هو الداعي، فإنّه إن ثبت زيادته على ذاته تعالى تمّ قول المتكلّمين؛ إذ الفعل حينئذٍ بالنسبة إلى الذات من حيث هي ممكن الصدور واللاصدور، كما ذكره في الأسفار وهو واضح، أو لأنّ الداعي لا يدعو إلى المعدوم بالضرورة، كما نقله العلاّمة الطوسي عن المتكلّمين، بل تقدّم عن التفتازاني (1) أنّه متّفق عليه بين الفلاسفة والمتكلّمين، وعليه فإنكار الحكماء في قول المحقّق الطوسي المتقدّم - حيث قال: والحكماء ينكرونه - راجع إلى الداعي نفسه، لا إلى عدم داعويته إلى المعدوم فتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المراد بالداعي - كما يظهر من مسفوراتهم - هو إرادته التابعة

____________________

(1) تقدّم في الصفحة 81 من هذا الجزء.


للأغراض الزائدة على ذات الواجب، كما عن الإمامية والمعتزلة، والحكماء ينكرونه جداً ويقولون: إنّ الغرض من فعله، نفس ذاته المقدّسة. والأشعريون ينكرون الغرض من أصله في أفعاله تعالى، ولكنّهم يجعلون صفاته زائدةً على ذاته، فيصح لهم إثبات اختياره من هذه الناحية، كما اعترف به كلام الأسفار المتقدّم.

ومسألة تعلّل أفعاله بالأغراض الزائدة، مسألة مهمة عويصة طويلة الذيل جداً، ومع ذلك أُهملت في الكتب الكلامية، ولكنّنا سنستوفي بحثها في المقصد الخامس إن شاء الله تعالى، وسنبرهن من العقل والقرآن على صحته، لكنّ الشأن في الابتناء المذكور، فإنّ الفعل - بناءً على زيادة الداعي على الذات - وإن كان ممكناً بالنسبة إلى الذات المذكورة، من حيث الصدور واللاصدور، كما ذكره في الأسفار، وهو يبطل مذهب الفلاسفة من نفي إمكان الفعل بالنسبة إلى الذات، لكنّه لا يثبت مذهب المتكلّمين، ما لم يتحقّق مقدورية الداعي المذكور، فإنّا لو فرضنا أنّ الداعي غير مقدور كان الفعل الصادر عنه - صدور المعلول عن علّته التامة - أيضاً غير مقدور، فأين الاختيار؟

وقد ذهب جمع كثير إلى إرجاع إرادته تعالى إلى العلم بالمنفعة والمصلحة، ولعلّه المشهور بين العدلية، ومن الواضح أنّ العلم - سواء كان عين ذاته، أو زائداً عليها وقائماً بها من الأزل - غير مقدور للواجب.

وخلاصة المقال: أنّ مجرّد إمكان الفعل صدوراً وتركاً، بلحاظ ذاته تعالى من حيث هي، لا يفي بإثبات اختيار الواجب، الذي يصرّ عليه المتكلّمون، فإنّه بمعنى له أن يفعل وله أن لا يفعل، وهذا إنّما يتحقّق في فرض مقدورية الدّاعي، وأمّا ما ادّعاه شركاء الفن وغيرهم، من الضرورة على أنّ الدّاعي لا يدعو إلاّ إلى معدوم، فهو ممّا لا سبيل لنا إلى تصديقه؛ إذ يمكن الالتزام بهذا الداعي - وهو علمه بما في الفعل من المصلحة - والقول مع ذلك بضرورة صدور الفعل عنه من جهة أدلة الحكماء الآتية، فإنّ الله قديم الذات وقديم العلم، فهو عالم أزلاً بأنّ الشيء الفلاني فيه مصلحة مثلاً، فهذا العلم القديم بما أنه علّة يستلزم قِدم المعلول. نعم لو بنينا على قول الفلاسفة من نفي الداعي، فلا يمكن أن نذهب إلى اختياره تعالى في أفعاله، كما يرومه الكلاميون، اعتماداً على ما سيجيء من دلائلهم في هذه المسألة ومسألة حدوث العالم، كما ستعلم وجهه في الدليل الثاني من أدلّة الحكماء.

السادس: الظاهر من كلام المحقّق الطوسي قدّس سره، أنّ وقوع تخلّف الفعل عن الفاعل معتبر في مفهوم الاختيار، لكنّه غير مدلّل، بل الملاك هو إمكانه إمكاناً وقوعياً، وأمّا نفس التخلّف خارجاً فهو غير معتبر، نعم هنا شيء آخر وهو أنّ الممكن الوجود هل يمتنع قِدمه أو لا؟ وسيأتي بحثه


في مسألة حدوث العالم، لكن القول بامتناعه لا يشهد على اعتبار التخلّف في الاختيار؛ إذ استحالة قِدم الممكن في نفسه شيء، ومنافاته لمفهوم الاختيار شيء آخر، ولا ربط بينهما أصلاً.

هذا ما يتعلّق بجهات البحث وتصوير المدّعى، ولنرجع الآن إلى بيان أدلّتهم فنقول: استدل الفلاسفة على دعواهم بوجوه، وإليك بيانها وتوضيحها:

الأَوّل: إنّ الواجب كما تجب ذاته تجب صفاته، فهو واجب في ذاته وصفاته، وحيث إنّ القدرة من أوصافه تعالى، فلا يعقل تفسيرها بالإمكان والصحّة.

أقول: هذه عمدة ما ينهدم به بناء المتكلّمين، نعم الأشعري يعتذر بإمكان الصفات القديمة، القائمة بذاته تعالى، الزائدة عليها، وعدم وجوبها، فهذا الوجه لا يهمّه كما هو واضح، إلاّ أنّ الكلام في صحّة هذا الاعتذار، وستعلم أنّ لبّ القول بإمكان الصفات، ليس إلاّ التزاماً بمذهب الماديين، وأمّا الاعتزالي فيمكنه التخلّص من هذه العويصة، بما يقول في غير هذا المقام، أو يُنسب إليه من إنكار الصفات رأساً، ونيابة الذات منابها في آثارها، فمعنى كونه تعالى قادراً، أنّ ذاته تفعل وتترك بلا إيجاب ذاتي.

أقول: ويرد عليه أنّ النيابة المذكورة عين قول الدهريين، كما ستقف عليه في المقصد الرابع إن شاء الله، فالشبهة باقية على حالها، ولا وزن لهذين الجوابين المذكورين، فلابدّ الالتزام إمّا بإيجابه ونفي الإمكان عن قدرته، أو بعدم وجوب قدرته. والفلسفي يستريح بقبول الشقّ الأَوّل، كما أنّ الأشعري والاعتزالي يبنيان على الثاني؛ وحيث إنّ الإمامي يرى بطلان الشقّين معاً، فيحتاج إلى طريق ثالث، لكنّني لم أرَ ذكراً له في كتبهم الموجودة عندي، بل هذه الشبهة قد أُهملت في الكتب الكلامية رأساً، مع أنّها ذات أهمّية جداً، ومغزاها أنّ القول بالاختيار المختار عند المتكلمين، لا يجامع القول بعينية الصفات، كما عليها الإمامية والحكماء. والتحقيق في الجواب: أنّ القدرة ليست هي نفس صحّة الصدور واللاصدور كما في الحيوان، فإنّ القدرة فيه من الكيفيات النفسانية؛ لأنّها صفة قائمة بذوات الأنفس، فكذا في الواجب؛ وحيث إنّ كنه الواجب وذاته يمتنع الاكتناه والإحاطة بها، استحال معرفة قدرته أيضاً، لكن يلزمها صحّة الفعل والترك، فالقدرة ليست نفس الصحّة المذكورة، لا في المخلوق ولا في الخالق، بل هي صفة تستوجب الصحة المذكورة (1) .

فنقول: إنّ الله تعالى قادر لِما استخدمناه من الدلائل، وستدري أنّ قدرته عين ذاته؛ وحيث

____________________

(1) نقل العلاّمة قدّس سره في شرح قواعد العقائد / 40: أنّ القادر عند أوائل المعتزلة مَن كان على صفة لأجله عليها يصح منه الفعل. ونفاة الأحوال قالوا: هو الذي يصحّ منه أن يفعل وأن لا يفعل.

أقول: الثاني باطل كما عرفت، والأَوّل صحيح لكنّ الصفة نفس ذاته.


اتّفق الباحثون من المتكلّمين والحكماء - كاتّفاق العقل والنقل - على امتناع إدراك حقيقته وعرفان ذاته، امتنع الإحاطة بحقيقة قدرته، لكن نعلم أنّ الصحّة المذكورة من لوازم قدرته وشؤون سلطانه، فإذن لا منافاة بين القول باختياره والقول بعينية صفاته، فإذن لا يكون مانع من الالتزام بها. هذا، وللمتكلم أن يرجع ويقول على سبيل النقض: إنّ تفسير القدرة بأن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، لا يجامع القول بعينية الصفات كما عليه الفلاسفة؛ إذ مرجعها حينئذٍ إلى ضرورة المشيّة واللامشيّة، وليست المشيّة عندهم إلاّ العلم بالعناية، ولا نتعقّل من مفهوم العلم إلاّ الانكشاف والإراءة، ولا يلتزم عاقل بأنّ الانكشاف نفس ذاته الواجبة، وأنّ حقيقة الواجب هو الكشف! فلابدّ أن يقولوا: إنّ الكشف لازم علمه تعالى.

الثاني: إنّ إرادته عين ذاته الواجبة فهي أيضاً واجبة، وعليه فالفعل أيضاً واجب بالنسبة إلى ذاته، ولا يمكن التخلّف أصلاً؛ لأنّه من تخلّف المعلول عن علّته التامّة، يظهر ذلك من الأسفار وحواشيها للسبزواري.

أقول: المنقول من معظم متكلّمي الإمامية ورؤساء المعتزلة، أنّ إرادته تعالى هو علمه بما في الفعل من المصلحة والمنفعة، ويعبّرون عنه بالداعي، وعليه فيتوجّه عليهم أنّ علمه عين ذاته تعالى، وتعلّقه بالأشياء ضروري، فيكون تحقّق الفعل أيضاً ضرورياً؛ لاستحالة تخلّف المعلول عن علّته التامّة.

وهذا هو الإيجاب الذي يدّعيه الفلاسفة، وأمّا الأشاعرة فهم وإن يروا زيادة إرادته على ذاته، لكنّهم يقولون بتعلّقها بأحد طرفي الفعل لذاتها، فلا يتحقّق اختياره تعالى على مذهبهم أيضاً، فالإرادة لازمة لذاته تعالى صادرة عنه بالإيجاب، وهي لذاتها متعلّقة بأحد طرفي الفعل، وهذا عين الإيجاب، وما أجاب في المواقف (1) بأنّ الوجوب بالاختيار، لا ينافي الاختيار، فهو مزيّف بعدم تعقّل الاختيار له تعالى على هذا المسلك.

والإنصاف أنّ ما قاله المتكلّمون في إرادته تعالى، يصام اختياره المفسّر بالصحّة المذكورة.

ثمّ إنّ عينية الإرادة مع الذات وإن توجب ضرورة الفعل وبطلان الصحّة المذكورة، إلاّ أنّها لا تثبت قِدم العالم؛ لأنّها ليست هي العلم فقط، بل العلم بالمصلحة، ولعلّها غير متحقّقة في الأزل، أو إنّ قِدم الممكن غير ممكن، فإثبات قِدم العالَم موقوف على إمكان قِدم الممكن وتحقّق المصلحة، كما لا يخفى.

لكن الذي يبطل هذا الوجه، هو ما ذهبنا إليه من حدوث إرادته تعالى، وعدم

____________________

(1) شرح المواقف 3 / 69.


قِدمها، ووجوبها، وعينيتها، مع الذات الأحدية الواجبة، فهذه العويصة المهمّة منحلة على أُصولنا بلا تكلف.

الثالث: إنّ الواجب الوجود واجب من جميع جهاته، فكيف يعقل الصحّة في حقه؟ ذكره صاحب الأسفار والسبزواري وغيرهما ممّن تقدّمهما.

أقول: إن أرادوا بذلك وجوب القدرة له تعالى، وعدم إمكان انفكاكها عن الذات، فهو ممّا لا خلاف فيه لأحد، حتى من الأشعري القائل بإمكان صفاته، فإنّه يرى ضرورة ثبوت القدرة الممكنة له تعالى، وإن أرادوا بذلك إثبات وجوب القدرة في نفسها وأنّها واجبة، فهذا وإن كان حقاً متيناً وبه اعتقد الإمامية، إلاّ أنّ القاعدة المستدلّ بها لا تفي بإثبات ذلك، كما يظهر لمَن لاحظها، وإن أرادوا بذلك نفي إمكان أفعاله بالنسبة إليه تعالى، وأنّها تصدر عنه تعالى ضرورةً ووجوباً، ولا يعقل الإمكان في حقه مطلقاً سواء في أفعاله وأوصافه، فهذا وإن كان هو مفاد القاعدة، لكنّنا نردّه بأنّ القاعدة المذكورة باطلة لا أساس لها أبداً، كما سلف بحثها مفصّلاً.

الرابع: ما سلف في عبارة الأسفار وإليك بيانه الآخر، قال: ثمّ إنّك إذا حقّقت حكمت بأنّ الفرق بين المريد وغير المريد - سواء كان في حقّنا أو في حقّ الباري تعالى - هو ما أشرنا إليه، فإنّ إرادتك ما دامت متساوية النسبة إلى وجود المراد وعدمه، لم تكن صالحةً لرجحان أحد ذينك الطرفين على الآخر، وإذا صارت إلى حد الوجوب لزم منه الوقوع، فإذن الإرادة الجازمة حقّاً يتحقّق عند الله... إلخ.

أقول: هذا مأخوذ من كلام الرازي في محكي المباحث المشرقية، كما نقله هو في بعض فصول بحث إرادة الله تعالى، واللاهيجي أيضاً في مبحث إرادته تعالى من شوارقه، وجوابه: أنّ الوجوب الناشئ من قِبل الإرادة والاختيار، لا ينافي الاختيار بل يؤكّده، وهذا خارج عن محل الكلام كما هو واضح للمبتدئين، وأمّا وجوب الإرادة نفسها فقد أشرنا إلى أنّ إرادته تعالى كإرادة بقية الفاعلين حادثة، كما سيأتي بحثهما.

الخامس: ما ذكره أيضاً صاحب الأسفار بقوله: وممّا يدلّ على ما ذكرنا - من أنّه ليس مَن شرط كون الذات مريداً وقادراً إمكان أن لا يفعل - أنّ الله تعالى إذا علم أنّه يفعل الفعل الفلاني في الوقت الفلاني، فذلك الفعل لو لم يقع لكان علمه جهلاً، وذلك محال، والمؤدّي إلى المحال محال، فعدم وقوع ذلك الفعل محال فوقوعه واجب... مع أنّ الله مريد وقادر عليه.

أقول: وهذا التلفيق من مثله عجيب جداً، أَلم يعلم أنّ هذا الدليل لو تمّت دلالته على مرامه، لعمّ جميع الفاعلين من الحيوان وغيره؟ فيبطل الاختيار رأساً، ولا يصحّ تفسير القدرة بصحّة الصدور واللاصدور حتى في القادر، الذي يفعل بداع زائد على ذاته، وقدرة زائدة على ذاته، مع


أنّه صرّح - في غير مورد - بصحّة التفسير المذكور في غير الواجب.

وحلّ هذه الشبهة، أنّ الله كما يعلم بصدور الفعل عن نفسه أو عن غيره، كذلك يعلم بصدوره عنه اختياراً، وأنّ تركه ممكن له ذاتاً ووقوعاً، فلو فرضا عدم إمكان الترك للزم جهله تعالى وهو محال، والمستلزم للمحال محال.

ثمّ إنّ هذه الشبهة مشهورة ذكرها الجبريون في قِبال العدلية، وسنرجع إليها في مباحث المقصد الخامس إن شاء الله.

السادس: ما ذكره هو أيضاً، من أنّ الفاعل قادراً، إنّما يكون فاعلاً بالفعل حال صدور الفعل عنه، وفي تلك الحال يستحيل أن يصدق عليه أنّه شاء أن لا يفعل فلم يفعل... إلخ.

أقول: وهذا منه غريب وخبط عظيم، فقد خُلط عليه محلّ البحث؛ ولذا أصرّ على أنّ هذا الوجه يثبت مرامه، ولا يدري أنّ الوجوب الناشئ عن الإرادة بعد تحقّقها اختياراً، غير وجوب الفعل بالنسبة إلى ذات الفاعل، كيف والأَوّل عامّ يشمل جميع الفاعلين، والثاني خاصّ بمَن كان فعله لا لصفة زائدة ولا لداعٍ زائد، كما صرّح به مراراً؟ وإنْ كان اكتفى في بعض كلماته، بصدور الفعل عن علم وإرادة في صدق المختار، ولو في غير الله تعالى، بل ادّعى أنّه لا يقال مثل هذا الفاعل في العرف العامّي ولا الخاصّي: إنّه فاعل غير مختار.

أقول: بطلانه واضح؛ لأنّ إطلاق المختار على مثله اصطلاح فلسفي، والعرف لا يقول له المختار قطعاً، كما اعترف به ابن سينا وغيره أيضاً.

السابع: قد ثبت قِدم العالَم في طبيعيات الفلسفة، وهو لا يمكن إلاّ عن مُفيض تام الفاعلية. نقله المحقّق الطوسي عن الحكماء في محكي شرحه على الإشارات ردّاً على الرازي.

أقول: هذا الوجه باطل صغرى وكبرى. أمّا الصغرى؛ فلِما يأتي من حدوث العالم بشراشره، وأمّا الكبرى؛ فلِما تقدّم من أنّ المعتبر في مفهوم المختار، هو إمكان تخلّف فعله عنه، لا وقوعه خلافاً لشركاء الفن أو معظمهم، فقِدم العالَم لا يكشف عن صحّة مقصودهم، كما أنّ حدوثه على نحو مطلق لا يدلّ على اختياره، كما يأتي إن شاء الله.

الثامن: الاختيار بالمعنى الذي يعتقده المتكلّمون، يستدعي زيادة الداعي الذي يفعل بوجوده ولا يفعل بعدمه، وليكون الفعل بالنسبة إلى ذات الفاعل ممكن الصدور واللاصدور، وهي - أي زيادة الداعي على ذاته - تستلزم الاستكمال المحال في حقّه تعالى. يستفاد من الأسفار والشوارق.

أقول: استلزام الاستكمال باطل جداً، كما ستعرفه في المقصد الخامس إن شاء الله.

وأعجب من ذلك ما ذكره ابن سينا على ما في الأسفار: عند المعتزلة أنّ الاختيار يكون


بداعٍ أو بسبب، والاختيار بالداعي يكون اضطراراً، واختيار الباري وفعله ليس بداعٍ، انتهى. وقَبِله صاحب الأسفار أيضاً فكرّره في كتابه.

أقول: وهذا الكلام عندي لا يستحقّ ردّاً ولا جواباً؛ لأنّه مثل أن يقال: إذا كانت الشمس طالعة فالليل موجود!

التاسع: إنّ تعلّق القدرة بأحد الضدّين، إمّا لذاتها بلا مرجّح فيستغني الممكن عن المرجّح، فإنّ نسبة ذات القدرة إلى الضدّين على السوية، فيلزم سدّ باب إثبات الصانع؛ لجواز ترجّح وجود الممكن حينئذٍ على عدمه، وأيضاً يلزم قِدم الأثر؛ لأنّ الواجب وقدرته وتعلّقها أزلي مع أنّ أثر المختار حادث، وإمّا لا لذاتها بل بمرجّح خارجي، ولا يجب الفعل مع ذلك المرجّح وإلاّ لزم الإيجاب، بل كان جائزاً هو وضدّه، فيحتاج إلى مرجّح آخر ويلزم التسلسل في المرجّحات.

العاشر: إنّ إرادة الله وقدرته، متعلقتان من الأزل إلى الأبد، بترجّح الحادث المعين، وإيجاده في وقت معيّن، والتغيّر في صفاته محال، فوجود ذلك الحادث في ذلك الوقت واجب، فهو موجب بالذات لا فاعل بالاختيار. نقلهما بعضهم عن الفلاسفة (1) .

الحادي عشر: إنّ ما لم يجب لم يوجد، فلابدّ من أن يكون الله تعالى موجباً - بكسر الجيم - فإنّه موجِد، وليس موجَباً - بفتح الجيم - كما زعم المتكلمون وينسبونه إلى الحكماء. يظهر ذلك من كلام السبزواري المتقدّم.

أقول: أمّا الوجه التاسع فنختار وجوب الفعل، ولكن ليس هذا من الإيجاب المتنازع فيه كما مرّ غير مرّة؛ ضرورة جريان هذا الوجوب في جميع الفاعلين، بخلاف الثاني، فإنّه لا يشمل الفاعل من الحيوان.

وبالجملة: الكلام في وجوب الفعل عليه من جهة وجوب إرادته له وجوباً ذاتياً، لا في وجوبه الناشئ من تعلّق إرادته، وإن كانت غير ذاته بل كانت ممكنةً أو حادثة، وهذا ظاهر لا ستر عليه. وأجاب الناقل ومَن تبعه عنه بشيء أسخف من أصل الشبهة، ولا يليق بنا أن نتعرّض له، ومنه ظهر بطلان الوجه الأخير أيضاً، وأنّ الله تعالى على مذهبهم فاعل موجَب - بفتح الجيم - ولا يُستشم منه رائحة الاختيار له تعالى لا عقلاً ولا عرفاً، فإصرار السبزواري وغيره على أنّه موجِب - بالكسر - لا موجَب - بالفتح - واستيحاشهم من التصريح بما هو صميم مذهبهم من إيجابه وعدم اختياره، شيء عجيب جداً، لا ندري ما الذي دعاهم إلى إخفاء مسلكهم في هذا المقام؟

____________________

(1) شرح المواقف 3 / 44، 46.


هذا كلّه بناءً على تمامية القاعدة القائلة: إنّ ما لم يجب لم يوجد في الأفعال الاختيارية المباشرية، وأمّا بناءً على عدم تماميتها فالأمر واضح، وأمّا حديث لزوم التسلسل في المرجّحات، فليس إلاّ دليلاً آخر على تلك القاعدة ونفي الأولوية، وسنرجع إليها في المقصد الخامس.

وأمّا الوجه العاشر فجوابه: أنّ قدرته متعلّقة بجميع التروك والأضداد، فليس الترجّح مستند إليها، وإلاّ لزم التناقض والجمع بين الضدين، بل هو مستند إلى إرادته، التي ليست هي إلاّ إحداثه، وتعلّق الإرادة بهذا المعنى من الأزل محال، بل تعلّق القدرة بالفعل قديم غير مستلزم للوقوع، وتعلّق الإرادة حادث وموجب للوقوع لكنّها قابلة للتغيّر، فافهم جيداً.

ويناسب المقام مباحث أُخر، سنتعرض لها إن شاء الله في مباحث الإرادة، وحدوث العالم، وتعلّل أفعال الله بالأغراض؛ إذ هذه المباحث لها اشتراك وارتباط شديد كما يعرفه الراسخون.

هذا ما استدلّ به أصحاب الفلسفة لإثبات مرامهم، ولم ندع شيئاً منه مهملاً، وقد دريتَ أنّ الإنصاف العقلي يحكم بعدم تمامية دلالة دلائلهم، بل وبعضها خارج عن محلّ النزاع رأساً، فحينئذٍ إن تمّ أدلة المتكلّمين على مذهبهم لَما كان بأساً ومانعاً من الالتزام به، وكذا لو ثبت من الشرع ما يدلّ عليه؛ إذ المسألة قابلة للتعبّد الشرعي ولا محذور فيه أصلاً، فإنّ الاختيار وهو كيفية القدرة، ممّا لا يتوقّف عليه حجّية كلام الشارع حتى يلزم الدور ونحوه، فالآن نرجع إلى أدلّتهم، فقد استدلّوا على مذهبهم بوجوه:

الأَوّل: لو لم يكن مختاراً للزم إمّا قِدم العالَم أو حدوث القديم، وكلا الأمرين محال، فيمتنع المقدّم المذكور بامتناع التالي. بيان الملازمة: أنّ أثر الموجب لا ينفكّ عنه، فهو وأثره مقارنان في الخارج، فإذا لم يكن الواجب مختاراً جاز تأخّر فعله عنه، ولوجب تحقّقهما - أي الله والعالَم - إمّا في الأزل أو في الحدوث، وأمّا بطلان التالي فامتناع حدوث الواجب واضح، كما أنّ حدوث العالم مبيّن كما يأتي في محلّه. وبالجملة: أنّ حدوث العالم دليل على اختيار خالقه.

الثاني: إنّ الإيجاب الذي اصطلح عليه الحكماء باسم الاختيار نقص؛ لعدم تمكّنه حينئذٍ من الترك أو الفعل، بل صدور أحد الطرفين واجب عليه، والنقص عليه محال اتّفاقاً وعقلاً، كما يأتي بحثه إن شاء الله في المقصد الآتي.

الثالث: إنّه لو لم يكن مختاراً للزم أحد الأمور الأربعة: إمّا نفي الحادث بالكلّية، أو عدم استناده إلى المؤثّر، أو التسلسل، أو تخلّف الأثر عن المؤثّر الموجب التام، وبطلان اللوازم دليل بطلان الملزوم. بيان الملازمة: أنّه إمّا أن لا يوجد حادث أو يوجد، فإن لم يوجد فهو الأمر الأَوّل، وإن وجد فإمّا أن لا يستند إلى موجد أو يستند، فإن لم يستند فهو الثاني، وإن استند فإمّا أن لا


ينتهي إلى قديم أو ينتهي، فإن لم ينتهِ فهو الثالث أي التسلسل؛ وذلك لأنّه إذا استند إلى مؤثّر غير قديم ولا منتهٍ إليه، فلابدّ هناك من مؤثّرات حادثة غير متناهية مع كونها مترتّبةً مجتمعة، وهو تسلسل محال اتّفاقاً؛ وإن انتهى فلابدّ قديم يوجب حادثاً بلا واسطة من الحوادث؛ دفعاً للتسلسل فيها، سواء كانت مجتمعةً أو متعاقبة، فيلزم الرابع.

الرابع: إنّه تعالى لو لم يكن مختاراً لاستحال تغيّر الموجودات، وتبدّل الكائنات بالمرة، فإنّه يتبع تغيّر العلّة وتبدّلها، وهو في حقّ الواجب مستحيل، فثبت أنّه مختار.

الخامس: إنّه لو كان موجِباً لوجب تحقّق جميع الموجودات الممكنة، في درجة واحدة، بلا تقدّم وتأخر بينها، فإنّها متساوية النسبة إلى العلّة، أعني بها ذاته المقدسة، والتخصيص الواقع يكون ترجيحاً بلا مرجّح، بل ترجّحاً من دون مرجّح.

السادس: الآيات القرآنية الدالة على ذلك، مثل قوله تعالى: ( إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) (1) ، وقوله: ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (2) ، وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) (3) ، وقوله: ( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) (4) وأمثالها من الآيات الصريحة في المدعى.

السابع: الأخبار المتواترة عن النبي الأعظم وآله الكرام (صلى الله عليه وعليهم أجمعين)، مثل ما ورد في أنّه يمحو ويثبت، ويقدّم ويؤخّر وله البداء، ونحو ذلك.

الثامن: الضرورة الدينية على اختياره، بل تقدّم عن العلاّمة الحلي قدّس سره أنّه الفارق بين الإسلام والفلسفة، بل ادّعى الجرجاني والقوشجي والأصبهاني اتّفاق المليّين قاطبةً على ذلك كما مرّ.

هذا ما وقفنا عليه في كتبهم من الأدلّة على اختياره تعالى.

أقول: أمّا الوجه الأَوّل، فهو موقوف على ثبوت أمرين، الأَوّل: حدوث العالم كما هو ظاهر، الثاني: إمكان أزلية الممكن؛ إذ لو استحال وجود الممكن في الأزل، وتحتّم مسبوقية الممكن بالعدم، لَما كشف حدوث العالم عن الاختيار.

وبالجملة: حدوث العالم بمجرّده، وإن كان يبطل قول الفلاسفة بقِدمه، إلاّ أنّه لا ينفع المتكلّمين ما لم يحرز إمكان أزليته، حتى يكون عدم تحقّقه مستنداً إلى إرادة الفاعل دون المانع

____________________

(1) إبراهيم 14 / 19.

(2) النحل 16 / 40.

(3) الحج 22 / 14.

(4) الرعد 13 / 39.


في نفس المفعول، وستعرف إن شاء الله في محلّه امتناع أزليته، فهذا الدليل - بما له من الاشتهار - غير تام، وأنّ الحدوث لا يثبت الاختيار، كما أنّ الاختيار أيضاً لا يدلّ على الحدوث، خلافاً لِما توهّمه الرازي في محكي شرح الإشارات، فإنّا قد ذكرنا إمكان مقارنة فعله معه من حيث هو مختار.

وأمّا الوجه الثاني، فأجاب عنه الفلاسفة بمنع عقد الوضع، وأنّ صدور الفعل مع العلم والإرادة ليس بإيجاب، وإن لم يكن هناك التمكّن من تركه، بل ذكروا أنّه كمال الاختيار وأفضل أنحاء الصنع، بل لا اختيار إلاّ لمَن يفعل لذاته بذاته، وأمّا مَن يفعل لداعٍ زائد فهو مضطرّ في صورة الاختيار، فالواجب - عزّ مجده - موجب بكسر الجيم لا بفتحه.

أقول: إنكار الإيجاب مع نفي التمكّن تناقض بحت وتهافت واضح، ومهما قالوا في توجيهه وتصحيحه، فلا يخلو هو من جهالة أو تجاهل أو إغفال، ولا يكون الواجب على مذهبهم، إلاّ موجَباً بفتح الجيم لا بكسره، وتحريف الكلم عن مواضعه غير نافع، فالصحيح أن يمنع عقد الحمل، وأنّ الإيجاب المذكور ليس بنقص، بل هو ممّا أثبته الأدلة العقلية المتقدّمة.

وأمّا الوجه الثالث، فإتمام شقّه الرابع موقوف على حدوث العالم بشراشره، وإلاّ أمكن ردّه بوجود ممكن قديم مختار يؤثّر في الحوادث، وهو معلول الواجب الموجب، أو الالتزام بوجود حوادث غير متناهية على ما ذكره أرباب الفلسفة.

وبالجملة: هذا الوجه راجع إلى الوجه الأَوّل ولا مزية له غير الزيادة في العبارة.

وأمّا الوجه الرابع والخامس، فصحّتهما موقوفة على بطلان ما ذكره الفلاسفة، في ارتباط الحادث بالقديم؛ إذ لو صحّ ما ذكروه لا يبقى مجال لهما، على أنّ القابل في نفسه أيضاً قاصر عن التحقّق في مرتبة واحدة.

وأمّا الوجه السادس، فيمكن أن يجاب عنه بأنّ مفاد الآيات المذكورة وقوع الفعل عند إرادته، وهذا ممّا لا خلاف فيه لأحد، وإنّما الكلام في تحديد إرادته وأنّها واجبة أو لا، وهل للواجب قبل وجود الفعل تمكّن من تركه أو لا؟ لكن الإنصاف أنّ القرآن - بظواهره لا بنصوصه - يدلّ على اختياره تعالى، فإنّ مَن أُلقي عليهم خطابات القرآن - وهم عامّة الناس - لا يفهمون من بعض الآيات المذكورة وأمثاله إلاّ التمكّن المذكور، لكن لا حجّية للظهور في قبال الأدلة العقلية، فهذا الوجه موقوف على عدم تمامية شيء من دلائل الفلاسفة.

وأمّا الثامن فالإنصاف أنّه غير بعيد، فإنّ اختياره تعالى - بنحو يدعيه المتكلّمون - ممّا ارتكز في أذهان المسلمين، رجالهم ونسائهم، جاهلهم وعالمهم، صغيرهم وكبيرهم، وهذا الارتكاز لا يكون مستنداً إلاّ إلى الدين وطريقة الشارع، فالثابت من الدين هو ذلك، وقد عرفت


أنّ ما قيل في امتناعه وبطلانه كان مزيّفاً ضعيفاً، فإذن يتعيّن تعييناً تعبّدياً لا عقلياً التديّن والاعتقاد بهذا المسلك؛ لِما مرّ في فوائد المدخل من إقرار العقل بتصديق قول المعصوم.

خلاصة المقال في تنقيح المقام

قد استبان ممّا ذُكر أنّ النظرية الفلسفة المذكورة لا تتمّ إلاّ بأُمور:

1 - كون إرادته عين ذاته، وإلاّ كان الفعل بالنظر إلى ذاته المقدّسة ممكن الصدور واللاصدور.

2 - كون الغرض من فعله نفس ذاته، وإلاّ لكان وجوب الفعل بلحاظ ذلك الغرض دون ذاته.

3 - قِدم العالم إذا أمكن أزلية الممكن.

فإذا لم يثبت واحد من هذه الأُمور فقد انهدم بناؤهم من أساسه، ولكن لا يلزم منه صحّة قول المتكلّمين، كما يظهر من مراجعة ما سبق، نعم إذا ثبت حدوث العالم وأزلية الممكن، ثبت اختياره تعالى؛ إذ عدمه في الأزل مستند حينئذٍ إلى إرادته تعالى، فيكون الواجب متمكّناً من الفعل والترك، فتأمل.

فمجرّد بطلان قول الفلاسفة لا يكشف عن صحّة قول المتكلّمين، فإنّها موقوفة على إمكان صدور الفعل وعدمه بالنسبة إلى ذاته تعالى، وإلى داعيه، وعدم كون الإرادة واجبة، نعم الوجوب الناشئ من الإرادة - المسمّى بالوجوب السابق - لا ينافي الاختيار، فإذن اختياره تعالى وإن كان ثابتاً من جهة الشرع كما مرّ، إلاّ أنّه غير ثابت من جهة العقل؛ لِما عرفت من عدم تمامية أدلّة أرباب الكلام.

هذا، والذي يدلّ على حقية مذهبهم هو قاعدة الملازمة المتقدّمة، فإنّ القدرة الواجبة - التي تستلزم التمكّن وصحّة الصدور واللاصدور - ممكنة الثبوت للواجب؛ لِما عرفت من بطلان دلائل الفلاسفة، فهي إذن ثابتة له، فهو قادر مختار أي له أن يفعل وله أن لا يفعل.

ويمكن أن يستدلّ أيضاً، بأنّ الاختيار بهذا المعنى كمال للقادر بلا شك، وأنّ ما يزعمه أهل الفلسفة نقص له، وحيث إنّه جامع لجميع الكمالات، بل لا كمال إلاّ وهو معطيه ولا سبيل للنقص إليه، فهو مختار بالمعنى الذي أثبته الكلاميون لا غير، والله الهادي.

تنبيه

اختياره بهذا المعنى وإن ادّعاه المتكلّمين بأجمعهم، بل مرّ أنّه ضروري من دين الإسلام، لكنّه لم يتديّن به - حقّ التديّن - إلاّ الطائفة الإمامية، الذين أخذوا أُصولهم وفروعهم من آل محمد (صلى الله عليه وعليهم أجمعين)، فإنّ الاعتزاليين قالوا بالثابتات الأزلية، والأشعريين بالقدماء


الثمانية، ولا شك أنّ الواجب بالنسبة إليها موجَب، كما صرّح به أنفسهم، فتأمل.

فأعظم الله جزاء الإمام الصادق من أئمة أهل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ حيث أدّب أتباعه على سلوك صراط الحق ونهج الصدق.

الناحية الثالثة: في عموم قدرته

المدّعى: أنّ الواجب الوجود قادر على كلّ ممكن (1) تحقّق في الخارج أم لا، والدليل على ذلك وجوه:

1 - إنّ الممكن - كما علمت ممّا مضى - لا يقتضي الوجود ولا العدم ولو بنحو الأولوية، بل هما متساويان إليه، يوجد لوجود المرجّح ويعدم بعدم المرجّح، فإذن هو محتاج إلى غيره في الوجود والعدم، هذا من ناحية، ومن ناحية أُخرى، أنّ الممكن لا يعقل أن يبقى على حالة الاستواء في الخارج؛ لاستحالة ارتفاع النقيضين، وإنّما هي بلحاظ نفسه، وعليه فكل ممكن إمّا موجود وإمّا معدوم، وقد قرّرنا أنّ كل موجود محتاج إلى وجود المرجّح، وكلّ معدوم مفتقر إلى عدمه، وليس هذا المرجّح إلاّ إرادة الواجب عزّ اسمه؛ لانتهاء سلسلة الموجودات إليها، فيستنتج من هذه المسائل، أنّ الممكنات بأسرها محتاجة إلى الله تعالى أزلاً وأبداً، وأنّ الله هو المفيض القابض، وحيث تقدّم أنّ فاعليته تعالى بنحو الاختيار والتمكّن دون الجبر والإيجاب، فقد اتّضح أنّه قادر على كلّ ممكن، وكلّ ممكن مقدور له، وهذا دليل إنّي متين قوي على المطلوب.

2 - إنّ القدرة ثابتة له في الجملة على ما مرّ، وبما أنّها عين ذاته المقدّسة، فهي غير محدودة، فإنّ التناهي من خصائص الإمكان ونواقض الوجوب، كما يأتي في المقصد الثالث إن شاء الله، وعليه فقد ثبت عدم تناهي قوته وقدرته، وهذا هو معنى عمومها وتعلّقها بكل ممكن، فتدبّر.

3 - القدرة العميمة ممكنة الثبوت له تعالى، وما أمكن في حقّه وجب كما سلف.

4 - العجز - ولو في بعض الموارد - نقص، وهو ممتنع عليه. ذكره بعضهم.

5 - لو لم يكن قادراً على الإطلاق لكان محتاجاً - ولو في مورد - إلى غيره، فهو إن كان ممكناً لزم الدور، فإنّ الممكن في حدوثه وبقائه، وفي وجوده وأفعاله، محتاج إلى الواجب، وإن

____________________

(1) قال مَن في قلبه مرض في مختصر تحفة الاثني عشر / 81: إنّ الله قادر على كل شيء، خالف الشيخ أبو جعفر الطوسي والشريف المرتضى وجمع كثير من الإمامية في ذلك، فإنّهم قالوا: إنّ الله لا يقدر على عين مقدور العبد.

أقول: النسبة كاذبة، كما تعرف من مراجعة الصفحة الآتية، في الوجه التاسع، وقد ذكرنا في المطلب الثالث من عنوان تنوير عقلي:: 36 مراد العلَمينِ: الشيخ الطوسي والسيد المرتضى قدّس سرهما.


كان واجباً فأدلة التوحيد تنفيه.

أقول: هذا الوجه ينفي المحتاج إليه دون الحاجة، ولا ملازمة بينهما قطعاً.

6 - إنّ علم الواجب فعلي، فإنّه عين ذاته، التي هي عين حيثية العلّية لكلّ شيء، وعلمه تعلّق بكلّ شيء، فقدرته تعلّقت بكلّ شيء. ذكره السبزواري في شرح المنظومة، وكذا الوجه الآتي.

وفيه: ما يأتي من أنّ إرادته زائدة على ذاته.

ويرد أيضاً على قوله: (وعلمه تعلّق بكل شيء) أنّه مصادرة محضة، فإنّ تعلّق علمه الفعلي، الذي هو إرادته بشيء فرع مقدوريته، وكون الواجب قادراً عليه وهو أَوّل الكلام، وإن شئت فقل: إنّه مستلزم للدور؛ بداهة توقّف الإرادة على شمول القدرة، فلو عُكس لدار، فافهم.

7 - إنّ الإيجاد فرع الوجود، وإذ لا وجود حقيقي للممكنات في ذواتها؛ إذ الممكن من ذاته أن يكون ليس، وله من علّته أن يكون أَيس، فلا إيجاد حقيقي لها، فإذن كما لا وجود إلاّ وهو ترشّح من لديه، كذلك لا حول ولا قوة إلاّ بالله العظيم.

أقول: هذا بيان متين، لكن مع أنّه أخص من المدّعى - حيث لا يجري في الممكن غير الموجود - راجع إلى الوجه الأَوّل.

8 - ما قيل إنّه المشهور، من أنّ المقتضي للقدرة هو الذات لوجوب استناد صفاته إلى ذاته، والمصحّح للمقدورية هو الإمكان؛ لأنّ الوجوب والامتناع يحيلان المقدورية، ونسبة الذات إلى جميع الممكنات على السوية، وإذا ثبت قدرته على بعضها تثبت على كلها.

ويُزيّف بأنّ مجرّد كون الإمكان مصحّحاً لا علّة موجبة، غير كافٍ لإثبات المقدورية؛ لاحتمال توقّفها على شرط مفقود، وإن أُريد من المصحّح العلية، فيفسده أنّ الإمكان علّة للاحتياج دون المقدورية، وإلاّ كانت العلل الموجبة مؤثّرات بالاختيار.

9 - الضرورة المذهبية والإجماع والكتاب والسنّة بأجمعها تدل على ذلك، ذكره بعض المتكلّمين من أصحابنا.

أقول: الاستدلال بالنقل لا محذور فيه في المقام كما يظهر بالتدبّر، غير أنّ الإجماع التعبّدي غير متحقّق قطعاً، كما يظهر وجهه ممّا سبق، وأمّا الكتاب فيحتمل أن قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (1) ونحوه ناظر إلى كلّ شيء موجود، فيكون أخص من المدّعى، نعم قوله تعالى: ( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ

____________________

(1) فاطر 35 / 1.


الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (1) يمكن أن يكون شاملاً للمقام، لكنّه ظهور غير قطعي. وأمّا الضرورة فهي غير بعيدة، فتأمل.

مطالب مهمّة

المطلب الأَوّل:

قد نسبوا الخلاف في هذه المسألة إلى طوائف من الناس، وأنّهم ينكرون عموم قدرة الله تعالى على كل ممكن.

أقول: الظاهر أنّه لا مخالف في المقام أصلاً، وأنّ الكلّ متّفقون على الكلّية المذكورة، وإنّما نزاعهم في امتناع بعض الأشياء وعدمه، فالبحث صغروي، وبعبارة واضحة: أنّ قدرته تعالى لا تتعلّق بالواجب والممتنع، فإنّ ضرورة الوجود أو العدم يبطل تعلّق القدرة، التي هي ما تلزمه صحة الصدور واللاصدور، فمتعلّقها هو الممكن لا غير، فيقال: هذا ممكن، وكل ممكن مقدور لله تعالى، والكبرى كما أنّها قطيعة عقلاً وفاقية قولاً، والصغرى مختلف فيها، وهذا الخلاف ليس بعزيز، بل هو منتشر في كثير من المسائل العلمية، إذا تقرّر ذلك فإليك بيان تلك الموارد، التي وقع الخلاف في إمكانها وامتناعها:

المورد الأَوّل: عدم صدور الكثير من الواحد الحقيقي، فلا يمكن أن يصدر عن الواجب البسيط أكثر من شيء واحد بلا توسّط أمر آخر، ادّعاه الحكماء وأصرّوا عليه، وأنكره أرباب الكلام وشدّدوا عليهم النكير، وإليك بيان هذه القاعدة المشهورة بـ (الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد) من كتاب الأسفار: قال مؤلّفها (2) :

البسيط إذا كان ذاته بحسب الحقيقة البسيطة علّةً لشيء، كانت ذاته محض علّة ذلك الشيء، بحيث لا يمكن للعقل تحليلها إلى ذات وعلّة؛ لتكون علّيتها لا بنفسها من حيث هي، بل بصفة زائدة، أو شرط، أو غاية، أو وقت، أو غير ذلك، فلا يكون مبدأ بسيطاً بل مركّباً، فالمراد من المبدأ البسيط، أنّ حقيقته التي بها يتجوهر ذاته هي بعينها كونه مبدأً لغيره، وليس ينقسم إلى شيئين يكون بأحدهما تجوهر ذاته، وبالآخر حصول شيء آخر عنه، كما أنّ لنا شيئين نتجوهر بأحدهما، وهو النطق ونكتب بالآخر هو صفة الكتابة، فإذا كان كذلك صدر عنه أكثر من واحد، ولا شك أنّ معنى مصدر كذا غير معنى مصدر غير كذا - فتقوّم ذاته من معنيين مختلفين، هو خلاف المفروض، فافهم هذا ودع عنك الإطنابات التي ليس فيها كثير فائدة، وإيّاك أن تفهم من لفظ

____________________

(1) يس 36 / 81.

(2) الأسفار 2 / 214.


الصدور وأمثاله الأمر الإضافي، الذي لا يتحقّق إلاّ بعد شيئين؛ لظهور أنّ الكلام ليس فيها، بل كون العلّة بحيث يصدر عنها المعلول، فإنّه لابدّ أن تكون للعلّة خصوصية، بحسبها يصدر عنها المعلول المعيّن دون غيره، وتلك الخصوصية هي المصدر في الحقيقة، وهي التي يعبّر عنها بالصدور، ومرّة بالمصدرية، وطوراً بكون العلّة بحيث يجب عنها المعلول؛ وذلك لضيق الكلام عمّا هو المرام، حتى أنّ الخصوصية أيضاً لا يراد بها المفهوم الإضافي، بل أمر مخصوص له ارتباط وتعلّق بالمعلول المخصوص، ولا شك في كونه موجوداً ومتقدّماً على المعلول المتقدّم على الإضافة العارضة لهما، وذلك قد يكون نفس العلّة إذا كانت العلّة علّةً لذاتها، وقد يكون زائداً عليها، فإذا فرض العلّة بما هي به علّةً بسيطاً حقيقياً، يكون معلوله أيضاً بسيطاً حقيقياً، وبعكس النقيض، كلّ ما كان معلوله فوق واحد ليس بعضها بتوسّط بعض، فهو منقسم الحقيقة إمّا في ماهية أو في وجود، انتهى كلامه.

وقال في موضع آخر ردّاً على الرازي: إنّ المصدرية بالمعنى المذكور نفس ماهية العلة البسيطة، والماهية من حيث هي ليست إلاّ هي، فإذا كان البسيط الحقيقي مصدراً لـ «1» مثلاً، ولِما ليس «1» مثلاً، كانت مصدريته لِما ليس «1» غير مصدريته لـ «1» التي هي نفس ذاته، فتكون ذاته غير ذاته وهذا هو التناقض.

قال تلميذه في شوارقه (1) : إنّ الفاعل المستقل إذا كان واحداً من جميع الجهات، بحيث لا يكون فيه كثرة الأجزاء، ولا كثرة الوجود والمهية، ولا يكون متّصفاً بصفة حقيقية زائدة في الخارج، أو اعتبارية زائدة في العقل، ولا يتوقّف فعله على شرط وآلة وقابل، فلا يمكن أن يصدر عنه في مرتبة واحدة إلاّ معلول واحد، سواء كان الفاعل موجباً أو مختاراً اختياره وإرادته نفس ذاته، والحكماء يسمّون مثل هذا المختار الفاعل بالرضاء، وأمّا إذا كان إرادته واختياره زائدةً على ذاته، وهو الذي يسمّونه الفاعل بالقصد فهو خارج عمّا نحن فيه؛ لأنّ فيه اثنينية بالفعل، سواء تعدّد إرادته أو تعلّقها أو لا، فلا يكون واحداً من جميع الجهات.

أقول: لو سلّمنا هذه القاعدة، وفرضنا صحّة دليلها كما هو الصحيح، لم يصحّ إجراؤها في المقام؛ لأنّ فاعليته تعالى - كما سيأتي في محلّه - بالعلل الغائية الزائدة على ذاته، وإن شئت فقل: الممكن لابدّ من مسبوقية وجوده بعدمه، ولا ربط ولا سنخية بين الوجود البحت والعدم المحض، وإنّما يوجِد الواجب ما يوجده بلا ربط واقتضاء ذاتي، بل من أجل المصالح والغايات، فحينئذٍ الواجب الوجود عزّ اسمه غير مشمول لهذه القاعدة باعتراف الفلاسفة، فتدبّر جيداً.

هذا، وقد مرّ أنّ الفلاسفة لم يقدروا على إثبات أنّ ماهيته إنيّته، فمن هذه الجهة أيضاً لا

____________________

(1) الشوارق 1 / 191.


يمكن إجراء القاعدة على الواجب، هذا كله بناءً على مسلك العدلية أو معظمهم، وأمّا بناءً على مسلك الأشاعرة القائلة بزيادة الصفات فالأمر أوضح، لكن الالتزام بمقالة الحكماء أسهل وأهون من الميل إلى هذه النظرية الرديئة الباطلة، بمراتب بالقياس إلى النواميس العقلية.

وأمّا ما قيل، من أنّ في القرآن ألف آية أو قريب منه تدل على بطلان المقالة المزبورة، فهو ممنوع، فتدبّر جيداً.

المورد الثاني: القبائح فإنّها غير مقدورة لله تعالى؛ إذ إتيانها مع العلم بقبحها سفه، وبدونه جهل، وكلاهما محال على الله سبحانه، نسبوه إلى النظام وأتباعه.

أقول: وكان هذا المسكين لم يعلم أنّ مفاد هذا البيان أنّها لا تصدر عنه لحكمته، لا أنّها غير مقدورة، فالقبيح مقدور له تعالى، فيمكنه إدخال الأنبياء في النار مثلاً، لكنّه لا يفعل لمخالفته لحكمته البالغة.

وأمّا ما أجاب به الأشعريون من أنّه لا قبح بالنسبة إليه، فله التصرّف في ملكه كيف يشاء، فهو في سخافته كأصل الشبهة، كما ستعرفه في محله إن شاء الله.

المورد الثالث: الإتيان بمثل أفعالنا فإنّها إمّا طاعة أو معصية أو سفه، والكل محال.

أقول: إذ لا آمر له تعالى ليصدق الطاعة والمعصية في حقّه، وهو عالم فلا يتصوّر السفاهة فيه، نقل هذا عن البلخي ومَن تبعه، وفيه: أنّ المحال هو صدق هذه العناوين أي الطاعة والمعصية لا نفس الأفعال، نعم لابدّ من اشتمالها على مصلحة، ولكن المصلحة لا تستلزم عنوان الطاعة بلا إشكال، وإنّما هو في أفعالنا بلحاظها إلى أمر الله تعالى، نعم لا يمكن له أن يفعل مثل جملة من أفعالنا المحتاجة إلى الجسم كالتكلّم، والتفكّر، والتحرّك، والركوع، والسجود ونحوها، وذلك واضح ولعلّهم أيضاً أرادوا ذلك.

المورد الرابع: الإتيان بعين مقدورنا ومفعولنا، بعين دليل التمانع المذكور في مبحث التوحيد. نسب ذلك الجبائيينِ وأتباعهما. ويزيّف بأنّ التأثير في فرض مزاحمة قدرة العبد وربّه، مستند إلى إرادة الله تعالى فإنّها أقوى، وهذا واضح بل مشاهد في تزاحم إرادتي الممكنينِ، فإذا حرّك أحد جسماً إلى جانب، والآخر حرّكه إلى جانب آخر، يكون الترجيح مع الأقوى، نعم هاهنا شيء آخر وهو أنّ الله تعالى لا يمكنه الإتيان بعين أفعالنا، وإلاّ لم تكن الأفعال أفعالنا بل هي أفعاله، وهذا مثل عدم قدرته على إيجاد ابن زيد من غير زيد، أو إيجاد العرض بغير معروضه، وهكذا، فمعنى أنّه قادر على جميع الأشياء، أنّه قادر عليها إمّا بلا واسطة أو بواسطة، وهذا بيّن جداً.

المورد الخامس: ما علم الله عدم وقوعه لاستحالة وقوعه، وكذا ما علم أنّه يقع لوجوبه.


نقله في الشوارق، وقد تقدّم جوابه في بحث اختياره. قال شيخنا المفيد قدّس سره (1) : إنّه سبحانه قادر على ما علم أنّه لا يكون ممّا لا يستحيل كاجتماع الأضداد، ونحو ذلك من المحال، وعلى هذا إجماع أهل التوحيد إلاّ النظام وشذاذ من أصحاب المخلوق. انتهى.

المورد السادس: الشرور بحجّة أنّ الواحد لا يكون خيّراً وشرّيراً، فلو كان الله قادراً على الشرّ - كما هو قادر على الخير - لكان خيّراً وشرّيراً، والقائل به المجوس.

أقول: مع أنّه لا دليل على بطلان التالي في الفاعل المختار نمنع الملازمة؛ إذ مجرّد تعلّق القدرة على الشرّ لا يوجب كون القادر شرّيراً، وإنّما الشرّير مَن يفعل الشرّ لا مَن يقدر عليه، ولعلّ هذا ضروري، فالواجب الحكيم قادر على الخير والشر بقدرة تامّة، لكنّه لا يريد الشرور ولا يفعلها البتة.

تنوير عقلي

حديث الشرور ذو إعضال شديد، قد تحيّرت فيه الأنظار والآراء، ومجمله أنّ الشرور متحقّقة في الكون تحقّقاً محسوساً لكل أحد، فوقع البحث في استنادها وتعيين منبعها، وللناس فيه مذاهب ومسالك:

فمنهم مَن أنكروا وجود الواجب الصانع؛ بدعوى أنّ فاعل العالَم لو كان مدبّراً حكيماً لَما صدر عنه هذه الشرور، فأسندوا العالَم إلى المادة، وهم الماديون.

ومنهم مَن أثبتوا مع الله خالقاً آخر، فأسندوا الخيرات إلى الله والشرور إلى ذلك الآخر، وهم الثنوية، فقال المجوس منهم: (2) إنّ فاعل الخير يزدان، أي الله، وفاعل الشر أهرمن، أي الشيطان.

وقالت الديصانية والمانوية منهم: إنّ فاعل الخير هو النور، وفاعل الشر هو الظلمة، ولعلّ حجّتهم في ذلك ما نقلناه عن الماديين.

ومنهم مَن أسندوا الشرور كلّها إلى الله الحكيم كاستناد الخيرات إليه فقالوا: إنّه تعالى خالق الجميع؛ ولذا أجابوا عن شبهة المجوس بالتزام التالي، وأنّه تعالى خالق للخيرات والشرور كلها، وإنّما لا يطلق لفظ الشرّير عليه، كما لا يُطلق عليه لفظ خالق القردة والخنازير مع كونه خالقاً لهما؛ وذلك لأحد الأمرين: إمّا لعدم التوقيف من الشرع وأسماء الله توقيفية، وإمّا لأنّه يوهم أن يكون الشر غالباً في فعله كما يقال: فلان شرّير، أي ذلك مقتضى طبعه (3) .

____________________

(1) أوائل المقالات / 23.

(2) ظاهر بعضهم كصريح آخر: أنّ الثنوية تشمل المجوس والمانوي والديصانية، لكنّ المذكور في تبصرة العوام أنّ الديصانية والمانوية من أقسام المجوس، وأنّ الثنوية غير المجوس فلاحظ. وأمّا تفصيل عقائدهم فلا ربط له بالمقام.

(3) شرح المواقف 3 / 51.


انتهى، وهم الأشاعرة.

وهذه الطوائف الثلاث بأسرها قد ضلّوا ضلالاً مبيناً، وخسروا خسراناً كبيراً، أمّا شبهة الماديين فسيأتي وجه حلها، وأمّا أهرمن المجوس وظلمة المانوية والديصانية، فإن كانتا ممكنتين فلابدّ من استنادهما واستناد أفعالهما إلى الله تعالى، وإن كانتا واجبتين، فأدلة التوحيد تدفعهما، وأمّا توهّم الأشعريين فهو سخيف جداً؛ لِما سيأتي من أنّ الله تعالى لا يفعل القبائح العقلية، فإنّها لا تليق بالحكيم، ولعمري إنّ هذا - أي عدم صدور الشر من الله الحكيم - ممّا أودعه الله في الفطرة البشرية؛ فلذا لم ينكره أحد غير هؤلاء المخالفين للنواميس العقلية.

ولذا أشرك المجوس، وكفر الماديون، ولم ينكروا حكمة الخالق القديم، واستحيوا من استناد الشرور إليه.

فإن قلت: لا موجود إمكاني إلاّ وهو معلول له تعالى، إمّا بلا واسطة أو بواسطة، والكلّ من عند الله وهو خالق كلّ شيء، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العظيم، فما تقول أنت في إسناد الشرور؟ وهل يمكن إسنادها إلى غير الواجب؟ فإن أجبت بالنفي فهو مذهب الأشعري، وإلاّ فهو مذهب المجوس أو المادي.

قلت: قد أجابوا عن هذا بوجهين:

الأَوّل: ما نقل عن أفلاطون من أنّ الشرّ عدمي، والعدم لا يحتاج إلى علّة: فالشرور الواقعة في العالم لا تقتضي فاعلاً حتى يتكلّم فيه، فبهذا يُدفع جميع ما لزم الماديين والثنوية والأشعرية.

أقول: أمّا الصغرى فقد اعتنى بها الفلاسفة جداً، وأوضحوها بذكر أمثلة (1) ومن جملتها القتل، فإنّه شرّ عند العقلاء، فقالوا: إنّ شريّته ليست من جهة قدرة القاتل عليه، ولا من جهة حركات أعضائه فإنّهما كمال له، ولا من جهة قطع الآلة فإنّه أيضاً كمال لها، ولا من حيث قبول العضو المقطوع للتقطيع لأنّه أيضاً كمال له، بل هي من جهة إزالة الحياة، وهي عدمية. نعم كل واحد من هذه المذكورات شرّ بالعرض لا بالذات؛ لِما عرفت من أنّه خير كذلك، وهكذا النار فإنّها خير بالذات شرّ بالعرض، فالشر بالذات لا يكون إلاّ عدمياً.

وقد ادّعى عليها - أي على عدمية الشرّ - الضرورة بعضهم، ولشارح حكمة الإشراق عليها برهان ذكره صاحب الأسفار معتمداً عليه، والظاهر أنّ اهتمام الفلاسفة بذلك؛ إنّما هو لأجل اعتبار السنخية في العلّة والمعلول عندهم؛ إذ لو كان الشر وجودياً لامتنع استناده إلى الخير

____________________

(1) وللمحقّق الطوسي كلام في توضيح ذلك نقله اللاهيجي في شوارقه 1 / 48 عن شرح الإشارات، ولصاحب الأسفار أيضاً كلام مفصّل في ذلك.


المحض، وهو الله الواجب، وإذا قيل لهم: إنّ العدم لا أثر له والشر مؤثّر، يقولون: إنّه ليس عدماً صرفاً بل عدم ملكة وله تأثير كالعمى ونحوها.

الثاني: ما نقل عن أرسطو - وقيل: إنّه تفاخر به - من أنّ الأشياء على خمسة احتمالات: ما لا خير فيه، وما لا شرّ فيه، وما يتساويان فيه، وما خيره غالب، وما شره غالب، وذات الواجب بالذات لمّا لم يمكن أن تصير مبدأ للشر، وجب أن لا يصدر عنها إلاّ قسمان من هذه الأقسام، أي ما لا شريّة فيه، وما خيريته غالبة، فإنّ ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير.

أقول: أمّا الوجه الأَوّل فبعد تسليم الصغرى وعدم المناقشة فيه، فيرد عليه: أنّ الممكن كما يحتاج في وجوده إلى إرادة الواجب، كذلك في عدمه إلى عدمها، فعدم الممكن مستند إلى عدم إرادته، فيعود الإشكال وأنّه تعالى لِمَ ما أراد كذا حتى لا يتحقّق الشر؟ فإرجاع الشرّ إلى العدم لا يجدي عن دفع الإشكال.

وأمّا الوجه الثاني فهو بمجرّده غير مفيد؛ لأنّه لم يخرج عن حدّ المدّعى بعد فهو مصادرة. هذا، والظاهر من جماعة من الفلاسفة جعل الوجهين وجهاً واحداً، فالشر عدم محض وليس بأمر وجودي حتى لا يصحّ صدوره من الواجب من أجل عدم السنخية. وأمّا الشرور بالعرض فهي وإن كانت أُموراً وجودية، لكن غير صادرة عنه تعالى بالقصد الأَوّل بل بالعرض،فإنّها غالبة الخيرية وإيجادها لأجل غلبة خيرها على شرها، وأمّا الشرور بالذات فهي مستندة إلى عدم إرادته، والواقع منها القسمان المتقدّمان لا غير، فإنّ الشرور التي تلحق الأشياء هي في أنفسها خيرات، وبالقياس إلى بعض الأشياء شرور، كوجود النار والماء، والسيف والسنان، والسبع والحية، وغيرها من الذوات، وكوجود الغضب والشهوة، والجُربزة والشيطنة، وغيرها من الصفات، وكوجود الضرب والطعن والقتل وغير ذلك من الأفعال.

أقول: لا شكّ في أنّ جملةً كثيرة من الموجودات - التي توجب الشر لبعض الأشياء الأُخر - خيرات في نفسها، وبها ينتفع غيرها انتفاعاً أكثر ممّا يترتّب عليها من الشر المذكور، إلاّ أنّ الإشكال لا يُدفع بهذا المقدار، فإنّه يقال: إنّ إحراق النار لثوب الفقير ممكن والله سبحانه قادر على منع تأثيرها، فلِمَ لم يمنعه؟ وكذا وقوع الطفل في النار، أو غرق شاب في الماء مثلاً، فإنّ إيجاد النار أو الماء مثلاً لأجل المنافع الكثيرة، لا يوجب استحالة منع تأثيرهما في توليد الشر في بعض الموارد، وهذا ما يقال: من أنّ الذي يغلب خيره على شره، لِمَ لم يوجد عن الباري على وجه لا يعتريه شرّ أصلاً؛ حتى يكون الموجودات كلها خيرات محضة؟

وأمّا ما أُجيب عنه وارتضاه صاحب الأسفار (1) - من أنّه لو كان كذلك لكان الشيء غير

____________________

(1) الأسفار، المجلد الثاني، الموقف الثامن، الفصل السادس.


نفسه؛ إذ كان هذا القسم غير ممكن في هذا القسم من الوجود... إلى أن قال: فإذا قلت: لِمَ لا يوجِد النار التي هي أحد أنواع هذا القسم على وجه لا يلزمها شر، فكأنّك قلت: لِمَ لم يجعل النار غير النار؟ ومن المستحيل أن يجعل النار غير النار، ومن المستحيل أن يكون النار ناراً، وتمس ثوب ناسك، ولا مانع من الحريق، ولا تحرقه. انتهى - فهو قعقعة، ويظهر فساده ممّا أشرنا إليه آنفاً فلاحظ.

وقال في مورد آخر من هذا الفصل: وأكثر مَن يطوّل حديث الخير والشر، ويستشكل الأمر يظن أنّ الأُمور العظمية الإلهية، من الأفلاك وما فيها، إنّما خُلقت لأجل الإنسان، وأنّ الأفعال الإلهية منشؤها إرادة قُصدت بها أشياء وأغراض، على نحو إرادتنا وأغراضنا في الأفعال الصادرة عنّا بالاختيار، ولو تأمّل هذا الجاهل المحجوب عن شهود العارفين أدنى تأمّل، لدرى أنّ الأمر لو كان كما توهّمه، ولم يكن هناك أحكام مضبوطة، وعلوم حقّة إلهية، وضوابط ضرورية أزلاً وأبداً، ما كان أحوال أولياء الله في الدنيا على هذا الوجه من المحن الشديدة... إلى آخر ما لفّقه ممّا لا فائدة في نقله.

وقد دريت أنّ الله تعالى فاعل مختار، وسيأتي أنّ أفعاله تابعة للأغراض على ما يقتضيه البرهان، فلا ضرورة له في إيجاد شيء أبداً، فإذن بقي الأشكال على حاله، وملخّصه أنّ المصلحة النوعية لشيء، لا تجوّز وقوع الشرّ منه من حيث الحكمة، ما دام تأثير الشيء موقوفاً على إذنه تعالى.

فالصحيح أن يقال: إنّ كلّ شرّ يستند إلى الله تعالى، له مصلحة زائدة على أصل المصلحة النوعية في نفس الموجود المسمّى بالشر بالعرض، مثلاً أنّ للنار مصلحةً هامّة نوعية، وفي إحراقها ثوب أحد، أو ولد آخر، مصلحة أُخرى للمتضرّر والمغموم أو لطف لأجنبي، لكن مع العِوض للمالك أو الوالد، وهكذا.

وهذا العِوض أكثر فائدة للمتضرّر من ضرره، وهذا الكلام ممّا لابدّ منه لوجوه:

الأَوّل: إنّ صدور الشرّ منه تعالى - ولو في مورد مع الاختيار والقدرة على دفعه - قبيح، والقبح غير جائز عليه.

الثاني: إنّ أفعاله معلّلة بالأغراض الراجعة إلى نفع غيره، فلابدّ من عائدة في الشرّ المذكورة راجعة إلى مَن ابتُلي بالشر المذكور، كما سيأتي تفصيله في بحث الأعراض من المقصد الخامس إن شاء الله.

الثالث: إنّ صدور الشر عنه ترجيح المرجوح على الراجح، أو ترجيح بلا مرجّح وهو باطل، فتلخّص أنّ الموجود في العالم هو ما لا شرّ فيه، أو ما فيه شرّ أقلّ من خيره، وهذا الشر


أيضاً لابدّ له من مصلحة شخصية، ويمكن أن يقال: إنّ الشرور الواقعة من سوء أفعال العباد الاختيارية لا مصلحة شخصية فيها، أو لا ملزم لها ولو دائماً سوى المصلحة العامّة في جعل الإنسان مختاراً؛ لكي لا تبطل التكاليف والتشريعات، فإنّ المضطرّ لا يجوز تكليفه، فتأمّل.

ثم إنّه بعد ما ثبت لزوم المصلحة في أفراد الشرور، لا مانع من إمكان موجود كان شره أكثر من خيره، كما لا يخفى وجهه على المتأمل، فتدبّر جيداً.

ثمّ إنّ جميع ما ذكرنا واضح بحمد الله، فشبهة الشرور مندفعة، غير أنّ مسألة خلود الكافرين في العقاب أمر مشكل، كما سيأتي توضيحه في بحث تعلّل أفعاله بالأغراض، وما أُجيب عنه (1) من تجسّم الأعمال باطل.

المطلب الثاني:

قد دريت أنّ القدرة إنّما تتعلّق بالممكن وحده دون الواجب والممتنع، فإنّ الشيء إذا كان ضروري الوجود أو العدم ولا يمكن تغيّره، استحال أن يتعلّق به القدرة التي هي بمعنى صحّة الفعل والترك؛ بداهة تصادم الصحّة والضرورة، فذات واجب الوجود وصفاته الذاتية خارجة عن دائرة قدرته، بل لا قدرة على مطلق الذاتيات، فلا يكون زوجية الأربعة، وإمكان الماهيات، وفقر الموجودات الممكنة، وأمثالها بمقدورة أصلاً، وكذا شريك الباري واجتماع النقيضين ونحوهما.

كلّ ذلك ظاهر، وأمّا قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (2) إمّا منصرف إلى الشيء الممكن من الأَوّل بحيث لا يشمل لفظ الشيء الضروريات، أو هو مخصّص به على تقدير الشمول اللفظي، ولا فرق في ذلك التخصّص والتخصيص بين أن يعبّر بعدم القدرة، وبين أن يعبّر بعدم قابلية المحل، فإنّ الضروري ممّا لا يتعلّق به قدرة القادر، سواء كان عدم التعلّق من جهة العجز أو من نقص القابل، فإنكار التخصيص على الثاني كما توهّمه صاحب الأسفار (3) لا وجه له.

وممّا ذكرنا كلّه ظهر أنّ إدخال العالم كلّه في بيضة، مع عدم تصغير العالم ولا تكبير البيضة، محال غير قابل لتعلّق القدرة الأزلية به، وقد دلّ عليه مرسلة ابن أبي عمير عن الإمام الصادق عليه‌السلام (4) قال: إنّ إبليس قال لعيسى ابن مريم عليه‌السلام : أَيقدر ربّك على أن يدخل الأرض

____________________

(1) المجيب صاحب الأسفار ناسباً جوابه إلى الفلاسفة، وسيأتي وجه بطلانه في مسألة بطلان الجبر والتفويض.

(2) النور 24 / 45.

(3) الأسفار، مباحث الشرور.

(4) البحار 4 / 142.


بيضةً، لا تصغر الأرض ولا تكبر البيضة؟ فقال عيسى - على نبينا وآله وعليه السلام -: ويلك، إنّ الله لا يوصف بعجز، ومَن أقدر ممّن يلطف الأرض ويعظم البيضة!.

ورواية ابن أُذينة عنه عليه‌السلام قال: (قيل: لأمير المؤمنين عليه‌السلام : هل يقدر ربّك أن يُدخِل الدنيا في بيضة، من غير أن تصغر الدنيا أو تكبر البيضة؟ قال: إنّ الله تبارك، وتعالى لا يُنسب إلى العجز، والذي سألتني لا يكون).

ورواية أبان بن عثمان المشتملة على جواب أمير المؤمنين لرجل، بمثل ما أجاب به عيسى عليه‌السلام في مرسلة ابن أبي عمير المتقدّمة.

وأمّا رواية البزنطي - قال: جاء رجل إلى الرضا عليه‌السلام فقال هل يقدر ربّك أن يجعل السماوات والأرض وما بينهما في بيضة؟ قال: (نعم وفي أصغر من البيضة، وقد جعلها في عينك، وهي أقل من البيضة؛ لأنّك إذا فتحتها عاينت السماء والأرض وما بينهما، ولو شاء لأعماك عنها) - فالجواب مبني على إفحام السائل وإسكاته، فإنّه لم يكن طالباً لواقع الأمر وحقيقة الحال، وإنّما سأله تعنّتاً ولجاجاً كما يظهر من قوله عليه السلام: (ولو شاء لأعماك)، فإنّ هذا الخطاب لا يليق بغير المعاند اللجوج.

ويمكن أن يقال بمثله في رواية هشام بن الحكم أيضاً، وأنّ السائل من هشام بن الحكم كان لجوجاً، أو أنّ الجواب منزّل على قصور فهمه. فلاحظ (1) .

فجواب الصادق عليه‌السلام في هذه الرواية، وجواب الرضا في رواية البزنطي، ليسا لبيان الواقع، وإلاّ لقالا بالعدم كما في الروايات المتقدمة، ومن العجيب ما يظهر من المحدّث الجزائري من الالتزام بمفادها وبنائه على مقدورية ذلك، قال: فسبحان مَن هو قادر على أن يدخل الدنيا في بيضة، من غير ترقيق الدنيا ولا تعظيم البيضة (2) ، وكذا ابن الحزم الأندلسي قال: وهو تعالى قادر على نفسه كما هو عالمٌ بها (3) ، وكلا القولين ضعيف جداً باطل قطعاً.

المطلب الثالث:

إنّ الفاضل الطريحي نقل عن العلاّمة الحلي قدّس سرهما، في حاشيته على شرح الباب الحادي عشر (4) : أنّه حكي عن السيد المرتضى والشيخ الطوسي رحمهما الله، أنّهما ممّن نفى قدرة الباري وقالا: إنّه خلاف الحقّ.

____________________

(1) البحار 4 / 140.                                  (2) الأنوار النعمانية 1 / 208.

(3) الفصل 2 / 128.                                  (4) شرح الباب الحادي عشر / 13.


أقول: ما أدري هل هذه الجملة المطبوعة من الطريحي أم لا؟ نقلها العلاّمة أم لا؟ قال بها العلَمان المذكوران أم لا؟ نعم ذكر الرجالي الشهير المامقاني رحمه‌الله كلاماً عن البحراني ومن جملته: أنّ الشيخ الطوسي وشيخه أبا عبد الله المفيد قدّس سرهما، يذهبان إلى أنّه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد، كما هو مذهب أبي على الجبائي المعتزلي، نقل ذلك العلاّمة في بعض كتبه الكلامية وغيره (1) . انتهى.

أقول: وعليه فيمكن أن يكون المراد من نفي القدرة المذكور في عبارة الطريحي المتقدّمة هو ذلك، أي نفيها عن عين مقدور العبد، وإلاّ فهو مقطوع الكذب، فإنّا نقطع أنّ ذلك لم يخطر ببالهما فضلاً عن اعتقادهما به.

وأمّا الكلام الأخير المحكي عن الشيخين، من إنكار قدرته تعالى على عين مقدور العبد فله وجه صحيح، كما ذكرنا في ذيل كلام الجبائي وقلنا: إنّ عين فعل العبد غير ممكن الصدور عن الله تعالى بلا واسطة العبد، وإلاّ لم يكن الفعل فعل العبد بل فعل الربّ، وما هو غير ممكن غير مقدور، كما مرّ فلاحظ.

ويحتمل قريباً أنّ مراد الشيخ والسيّد - على تقدير صدور هذا الكلام منهما - هو نفيها عن غير الممكنات، وهذا الاحتمال قريب جداً.

____________________

(1) تنقيح المقال (المدخل) / 208.


الفصل الثاني

في علمه تعالى

الجهة الأُولى: في إثبات أصل علمه

الجهة الثانية: في بيان عموم علمه

الجهة الثالثة: في إبطال الآراء المنحرفة

الجهة الرابعة: في بيان العلم الإجمالي

الجهة الخامسة: في العلم التفصيلي

الجهة السادسة: حول البداء

الجهة السابعة: في علمه وقدرته

الجهة الثامنة: جملة من الآيات في العلم الحادث له


الفصل الثاني

في علمه تعالى

واستيفاء المرام فيه من بيان جهات:

الجهة الأُولى: في إثبات أصل علمه تعالى

ونستخدم له وجوهاً من الدلائل:

الأَوّل: إنّ العلم له ممكن وما أمكن في حقه واجب له كما تقدّم.

الثاني: إنّ العلم الإمكاني موجود ولابدّ من استناده إلى العلم الواجب؛ بداهة عدم حصول العلم من غير العلم، فإذا كان ما بالغير هو العلم، فلابدّ وأن يكون ما به الغير أيضاً هو العلم، ومعلوم أنّ العلم الواجب ليس إلاّ للذات الواجبة.

الثالث: إنّ الممكنات مستندة إليه حدوثاً وبقاءً كما مرّ، ومن الضروري أنّ المفيض المختار لا يكون إلاّ عالماً بفعله وفيضه ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (1) .

الرابع: إنّا ندرك أنّ جملةً من الأشياء الموجودة على كمال الإتقان والإحكام، ففاعلها عالم؛ بداهة عدم صدور هذه المحكمات العجيبة عن الجاهل، وهذا الوجه قوي جداً، فإنّ الصغرى حسية والكبرى ضرورية، فإنّا نذعن - بأوّل التفات - بأنّ الجاهل البَدوي لا يتمكّن من التدريس في الجوامع العلمية، وأنّ البِناء العالي لا يتكوّن من التُرب المثارة بالأهوية.

فالواجب الصانع لمّا فعل أفعالاً محكمة متقنة، نذعن إذعاناً اضطرارياً بأنّه عالم.

وهم ودفع

نوقش في البرهان الثالث بصدور الفعل القليل عن النائم والغافل، مع أنّهما قادرين عند المعتزلة وكثير من الأشاعرة؛ إذ لو جاز ذلك لجاز صدور الكثير أيضاً، فإنّ حكم الشيء حكم مثله، ومن الظاهر أنّهما غير عالمينِ، فالإيجاد لا يدل على العلم.

أقول: ويتوجه عليه:

أوّلاً: إنّ معنى المختار مَن له الفعل والترك، ويرجّح أحدهما على الآخر، ومن الظاهر أنّ

____________________

(1) الملك 67 / 14.


النائم والساهي ليسا بهذا الشأن، وليس لهما ترجيح لأحد الطرفين على الآخر، بل يصدر الفعل عنهما بلا رَوية.

وثانياً: منع عدم الفرق بين الفعل القليل والكثير، فإنّ القليل وإن كان ممكن الصدور من الفاعل غير العالم، لكن الكثير غير ممكن بالضرورة، ولا أظنّ أن يعدّ هذا سرّاً على عاقل، وأمّا ما ذكره المدقّق اللاهيجي (1) - من منع استدعاء صدور الفعل الاختياري العلم بالمقصود، مستنداً فيه إلى صدوره عن الحيوانات العجم مع خلوها عن العلم، وقال: وادّعاء الضرورة فيه لا يخلو عن إشكال؛ لمكان فعل النائم والساهي، ولا فرق بين القليل والكثير في ذلك؛ إذ لو امتنع صدور الكثير بلا علم، امتنع صدور الواحد؛ لامتناع تحقّق المشروط بدون تحقّق الشرط. انتهى - فهو ليس إلاّ وسوسة علمية لا طائل تحتها، فإنّ إنكاره علم الحيوانات بلا دليل، بل هي تعلم ما يصدر عنها بعلم خاصّ أودعه الله في نفوسها، ومنع الضرورة غير مسموع، وليس مجرّد الفعل دالاً على العلم حتى يمنع من صدور القليل بلا علم، بل المشرط به هو الفعل الكثير، وهما - أي القليل والكثير - كما يختلفان في جملة من الأحكام، فليكونا كذلك في المقام، وبالجملة هذا تشكيك في قبال الضرورة.

ثمّ إنّ الفاضل المقداد (2) لم يعتمد في إثبات الكبرى على الضرورة، بل برهن عليها بأنّ فعل المختار تابع لقصده، ويستحيل قصد شيء من دون العلم به.

أقول: القصد إمّا أن يراد به الصفة النفسانية فهي محال عليه تعالى، أو تعلّل أفعاله بالأغراض فالبيان مصادرة؛ ضرورة توقّف هذا على علمه كما يأتي في محلّه إن شاء الله، أو الإرادة فالدليل عين المدّعى؛ لأنّها عنده هي علمه بالأنفع، وهل الكلام إلاّ فيه؟ فالصحيح ما ذكرنا من دعوى الضرورة عليها كما هو الظاهر من جماعة.

ونوقش في البرهان الرابع، بما يصدر عن الحيوانات العجم من الأفعال المحكمة والمتقنة، ولا سيما بعد ما أثبتته العلوم الحديثة، وبالأخصّ ما تفعله النحل والنمل والعنكبوت وأمثالها.

أقول: وجوابه ما تقدّم من إثبات العلم لها دائماً، أو بإلهام منه تعالى حين صدور هذه الأفعال، قال الله تعالى: ( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ... ) (3) وقال أيضاً حاكياً عن نملة: ( يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ

____________________

(1) الشوارق 2 / 222.

(2) شرح الباب الحادي عشر / 14.

(3) النحل 16 / 68.


سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) (1) . فقد حذّرت قومها من عدم شعور الإنسان، والهدهد علّم سليمان وأخبره عن ملكة اليمن، وبالجملة: الكتاب والسُنة والعلم الحديث تدلّ على علم الحيوانات وشعورها، فالبرهان غير منتقض.

بقي شيء يجب بيانه، وهو أنّ التفتازاني ذكر في محكي كلامه (2) ، أنّ المحقّقين من المتكلّمين على أنّ طريقة القدرة والاختيار، أوكد وأوثق من طريقة الإتقان والأحكام؛ لأنّ عليها سؤالاً صعباً، وهو أنّه لِمَ لا يجوز أن يوجب الباري تعالى موجوداً يستند إليه تلك الأفعال المتقنة المحكمة، ويكون له العلم والقدرة؟ ودفعه بأنّ إيجاد مثل ذلك الموجود وإيجاد العلم والقدرة فيه، يكون أيضاً فعلاً محكماً بل أحكم فيكون فاعله عالماً، لا يتم إلاّ ببيان أنّه قادر مختار؛ إذ الإيجاب بالذات من غير قصد لا يدلّ على العلم، فيرجع طريق الإتقان إلى طريق القدرة، مع أنّه كافٍ في إثبات المطلوب. انتهى.

قلت: صدور الممكن العالم الفاعل لهذه المتقنات المحكمات من العلة الموجبة العديمة الشعور غير معقول، فإنّه يرجع إلى صدور العلم عن الجاهل كما يدّعيه الماديون، وقد نبّهنا سابقاً على استحالته بالضرورة العقلية، فهذه الشبهة سخيفة جداً، بل هذا البرهان أوثق وأوكد، وإن كانت طريقة الاختيار أعمّ مدلولاً.

الخامس: إنّ الجهل نقص، والنقص عليه محال.

أقول: إن فرضنا الكبرى ضرورية أو فطرية أي متسالمة عند جميع العقلاء، كما قد يظهر ذلك من بعضهم فهو، وإلاّ فالمدّعى أسهل إثباتاً من الكبرى، وسيأتي بحثها إن شاء الله.

السادس: إخباره عن المغيّبات الآتية كما في الكتاب العزيز، وكذا إخبار أنبيائه وأوليائه بها، فإنّه يدل على علمه دلالةً واضحة.

السابع: إنّ الله عالم بذاته، فإنّه خلق العالمينَ بذواتهم، فهو أيضاً عالم بذاته؛ لأنّ معطي الكمال لا يكون فاقده، أو أنّه مجرّد، وكل مجرّد عاقل بذاته، وذاته عين العلّة لكل شيء، وقد تقرّر أنّ العلم بالعلّة - أي بجميع جهاتها واعتباراتها اللازمة لها، وإن شئت فقل: أي بالجهة المقتضية للمسبّب سواء كانت عين ذات العلة أو زائدةً، ولا شك أنّها عين حيثية ترتّب المسبّب على السبب؛ إذ التخلّف عن السبب التام محال - عين العلم بالمعلول، كما صرّح به السبزواري (3) ، أو يقتضي العلم به، أو يستلزمه كما في تعابير الآخرين.

____________________

(1) النمل 27 / 18.

(2) الشوارق 2 / 222.

(3) شرح المنظومة / 159.


أقول: قد أشرنا غير مرّة أنّ فاعليته تعالى لأجل الأغراض الزائدة على ذاته تعالى، وإلاّ كان فعله لغواً، فعلمه بذاته لا يدلّ على علمه بغيره، فافهم جيداً.

نعم علمه بذاته وبتلك المصالح يدلّ على علمه بمعاليله، إلاّ أنّ الكلام في علمه بهذه المصالح المذكورة فالبيان مصادرة. وبالجملة هذه القاعدة لو تمّت لاختصت بالعلل الموجبة التي تأثيرها بمجرّد ذواتها، فتدبّر.

الثامن: إنّ الضرورة الدينية، واتّفاق أهل المِلل والنِحل، والقرآن المجيد، والسُنة المتواترة، كلها تدلّ على علمه تعالى.

أقول: النبوة موقوفة على علمه ثبوتاً وإثباتاً، فالتمسّك بهذا الوجه دوري.

لا يقال: القرآن لكونه معجزاً ليس من كلام البشر، بل هو من كلام الله سبحانه، فإذا ثبت وجوده تعالى يخبر هو عن علمه، فلا يلزم الدور...

حينئذٍ قلت: المحقَّق هو أنّ القرآن بمجموعه وتمامه، ليس من إنشاء البشر، وأمّا أنّ جميعه ليس منهم فهو غير ثابت عقلاً؛ إذ لا شك في إمكان المماثلة ببعض الآيات، وحينئذٍ يحتمل أنّ الآيات الدالة على علمه تعالى صادرة عن الذي جاء بالقرآن، فما لم يثبت نبوّته وعصمته لم يتمّ حجّية القرآن، فالتمسك بالنقل في إثبات أصل علمه وقدرته غير صحيح.

وما قيل (1) من أنّه إذا ثبت صدق الرسل بالمعجزات، حصل العلم بكلّ ما أخبروا به، وإن لم يخطر بالبال كون المرسِل عالماً، ففيه: أنّ دلالة المعجزة على صدق الرسل، تتوقّف لا محالة على أن يكون المرسِل عالماً قادراً، فإنّ طلب المعجزة ليس إلاّ طلب تصديق المرسِل من المرسَل، فلابدّ من كونه عالماً بالطلب وقادراً على التصديق.

الجهة الثانية: في بيان عموم علمه

وهو إن فسّرناه بتعلّق علمه بكلّ شيء موجود أو كان موجوداً، فدليله ما تقدّم من الوجه الثالث، فإنّه يدلّ على أنّه تعالى عالم بجميع مخلوقاته، سواء كانت ذواتاً، أو معاني، أو غير ذلك، فهو عالم بالموجودات وبالمحالات التي يعلمها العلماء، فإنّ الصور المرتسمة في أذهان العلماء مخلوقة لله تعالى، فهو عالم بها بطريق أَولى، بل يمكن الاستدلال عليه بالوجه الأَوّل والخامس والسابع أيضاً كما لا يخفى.

وهنا وجه آخر دالّ على المراد ذَكَره غير واحد، وهو أنّ الموجب للعلم هو ذاته تعالى، والمقتضي للمعلومية هو ذات الممكن، ونسبة ذاته تعالى إلى جميع الممكنات نسبة متساوية،

____________________

(1) الشوارق 2 / 222 نقله عن بعضهم.


فإذا علم بعضها فقد علم الجميع، وإلاّ لزم الترجيح بلا مرجّح وهو باطل.

أقول: الظاهر أنّ الدليل تامّ لا بأس به، غير أنّه يجب أن يقال في تقريبه: إنّه قد ثبت له العلم في الجملة، بدل قولهم: الموجب للعلم هو ذاته، فإنّه ناظر إلى زيادة الصفات على ذاته تعالى، وهي باطلة عندنا، وما ذكرنا يشمل كلا المذهبين.

قال الله تعالى: ( وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (1) وقال: ( عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (2) وقال: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (3) ... وإلى غير ذلك من الآيات الشريفة، وعن نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه‌السلام (4) : (يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ، وَمَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ، وَاخْتِلافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ، وَتَلاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ). ومِثله كثير.

وإن فسّرناه بأنّه تعالى عالم من الأزل، بجميع الأشياء والأحوال والتقادير إلى الأبد، فهذا هو البحث الغامض المعضل، الذي لا نظير له في الصعوبة في علم الكلام، والإنصاف أنّ إثبات هذه المسألة عقلاً مشكل جداً، ولم أرَ له أثراً في كتب الكلام أصلاً، وكيفما كان فهنا أمران:

الأَوّل: إنّ الله عالم بجميع الأشياء من الأزل، وعلمه كذاته أزلي، كما اتّفق عليه الفلاسفة والمتكلّمون سوى قوم شاذّ ونفر قليل منهما، وهذا هو الثابت من الديانة الإسلامية ثبوتاً قطعياً.

الأمر الثاني: إنّ العلم إمّا صفة حقيقية ذات إضافة، أو صفة إضافية محضة فلا يمكن إلاّ بمتعلّق، وإن شئت فقل: إنّه إمّا نفس انكشاف الواقع أو ما يستلزمه، وعلى كل تقدير لابدّ له من معلوم، فإذا قلنا: إنّه تعالى عالم بجميع الأشياء أزلاً، لابدّ أن نلتزم بوجود جميع الأشياء خارجاً أو ذهناً في الأزل، مع أنّه لا يلتزم به أحد، فإنّ العالَم أو حوادثه غير موجودة في الأزل، والواجب تعالى لا ذهن له حتى تنطبع فيه الصور، هذا مع أنّ صورة الشيء لا تتولّد إلاّ من إدراك الشيء ولو بوجه، وهو هاهنا (أي في القِدم) أَوّل الكلام، فإذن لا يتعقلّ معنى أنّه تعالى عالم بالأشياء أزلاً، فظهر أنّ الجمع بين الأمرين صعب أو غير ممكن عقلاً؛ فلذا اختلفت الأنظار، وتشتّت الأفكار، وكثرت الأقوال، ومع ذلك لم تنجلِ المسألة ولم تنحل المشكلة، بل ازدادت مصاعبها.

وأحسن ما قيل في المقام بحيث يمكن أن يعوّل عليه في المقال مسلكان:

____________________

(1) النساء 4 / 176.                                  (2) سبأ 34 / 3.

(3) ق 50 / 16.                                       (4) البحار 4 / 92.


المسلك الأَوّل: ما ذكره أرسطو في أثولوجيا (1) ، من أنّ الأشياء عند الباري جلّ ذكره كاملة تامّة، زمانيةً كانت أو غير زمانية، وهي عنده كانت أَوّلاً كما تكون عنده أخيراً، وقال: الأشياء هناك دائمة لا تتغيّر بل على حال واحد... إلخ.

أقول: وتوضيح ذلك: أنّ نسبة جميع الأزمنة إليه تعالى كانت واحدة، كما أنّ نسبة جميع الأمكنة إليه تكون واحدة، بمعنى أنّ أعيان الموجودات الزمانية - قديمة أو حادثة حاضرة عنده تعالى دفعةً واحدة، بلا اختلاف في القبلية، والمعية، والبعدية والمضي، والحال، والاستقبال؛ لكونه تعالى بريئاً عن الوقوع في شيء من الأزمنة، كبراءته عن الوقوع في شيء من الأمكنة، بل هو محيط بقاطبة الزمانيات والمكانيات إحاطةً واحدة، وإنّما ذلك الاختلاف لها بقياس بعضها إلى بعض وفيما بينها، لا بالقياس إلى الحضور عنده تعالى والمعية عنه.

وقد نسبه اللاهيجي في شوارقه إلى ظنّ جماعة منهم الدواني في بعض رسائله، وصاحب القبسات، بل نسبه المجلسي (2) إلى محقّقي الحكماء، بل نقله بعض عن جميع الحكماء، ومثّلوا ذلك بخيط مختلف الأجزاء بالسود والبيض، فإنّه إذا نظر إليه الإنسان مثلاً يلاحظ مجموع تلك الأجزاء المختلفة الألوان دفعةً واحدة، ويرى الجزء الأسود في موضعه والأبيض في موضعه، كليهما معاً وفي آن واحد، بخلاف الحيوان الضيّق الحدقة كالنملة، فإنّه يرى كل جزء يوصل إليه في آن وصوله إليه، ولا يرى الجزء الذي بعده أو قبله في هذا الآن، بل في آن هو بعد ذلك الآن أو قبله.

وقد ارتضاه اللاهيجي في كتابه المسمّى بـ (گوهر مراد) (3) وقال: إنّ هذا التحقيق منقول من الحكماء السالفين، وإنّ المحقّق الطوسي قدّس سره قرّره في شرح رسالة العلم بأتمّ الوجوه، وذكره غيره من المحقّقين أيضاً، وجعل تصحيح العلم الحضوري في الواجب معلّقاً على هذا التحقيق، وقال: إنّا بيّنا هذا المعنى في حواشي إلهيات التجريد، بحيث لم يبقَ للتأمّل فيه مجال. هذا ولكن المذكور في شوارقه عدم ارتضائه ذلك.

وأمّا نسبته إلى المحقّق الطوسي فهي في محلها، كما يظهر من عبارته المحكية في الشوارق (4) .

وممّن اختار هذا الطريق، المحدّث الكاشاني في كتابه الوافي (5) ، فإنّه ذكر في باب نفي

____________________

(1) نقله العلاّمة المجلسي قدّس سره في بحار الأنوار 14 / 59.

(2) البحار 4 / 72.

(3) گوهر مراد / 195.

(4) الشوارق، أواخر المجلد الثاني.

(5) الوافي 1 / 77.


الزمان والمكان والكيف عنه كلاماً طويلاً نذكر شطراً منه، قال: إنّ المخلوقات، وإن لم تكن موجودةً في الأزل لا نفسها وبقياس بعضها إلى بعض، على أن يكون الأزل ظرفاً لوجوداتها كذلك، إلاّ أنّه موجودة في الأزل لله سبحانه وجوداً جمعياً وحدانياً غير متغيّر، بمعنى أنّ وجوداتها اللايزالية الحادثة ثابتة لله سبحانه في الأزل كذلك، وهذا كما أنّ الموجودات الذهنية موجودة في الخارج إذا قيّدت قيامها بالذهن، وإذا أطلقت من هذا القيد فلا وجود لها إلاّ في الذهن، فالأزل يتّسع القديم والحادث والأزمنة وما فيها وما خرج عنها... إلخ.

فهو وإن لم يصرّح هنا بأنّ هذا هو طريق تعلّق علمه بالأشياء أزلاً، لكنّه سلّم وأصرّ على أنّ نسبة الأزمنة إليه كالأمكنة واحدة، وإنّما الاختلاف بالقياس إلى الحوادث نفسها، فيسهل استنتاج المطلوب منه، بل صرّح به في موضع آخر من ذلك الكتاب (1) .

أقول: قياس الأزمنة على الأمكنة، واضح الفساد ولائح الفرقان، فإنّ الأُولى غير قارّة لا يمكن وجودها بجميع أفرادها دفعةً واحدة، وإن قايسناها إلى مَن هو خارج عن سجن المكان والزمان، فإنّ القصور راجع إلى الزمان نفسه لا إلى غيره حتى يفرّق بين الزماني وغيره، وهذا بخلاف الأمكنة فإنّها غير تدريجية الحصول بل هي من الأُمور القارّة، وكذا الخيط المختلف الألوان، وبالجملة: هذا الوجه وإن كان له صورة في بدء النظر، ويرتضيه العقل والنقل من نتيجته على تقدير تماميته، لكنّه ضعيف الأساس عند التأمل، بل لم أجد دليلاً عليه في كلمات مَن ذكره غير ذكر المثال المذكور.

المسلك الثاني: ما سلكه صاحب الأسفار ومَن تبعه، وقد نسبه في أسفاره إلى طريقة قدماء الحكماء، وهو أنّ الواجب تعالى هو المبدأ الفيّاض لجميع الحقائق والماهيات، فيجب أن يكون ذاته تعالى مع بساطته وأحديته كلّ الأشياء، وقال: نحن قد أقمنا البرهان على أنّ البسيط الحقيقي من الوجود، يجب أن يكون كلّ الأشياء، فإذن لمّا كان وجوده تعالى وجود كلّ الأشياء، فمَن عقل ذلك الوجود عقل جميع الأشياء، وذلك الوجود هو بعينه عقل لذاته وعاقل، فواجب الوجود عاقل لذاته بذاته، فعقله لذاته عقل لجميع ما سواه، وعقله لذاته مقدّم على وجود جميع ما سواه، فعقله لجميع ما سواه سابق على جميع ما سواه، فثبت أنّ علمه تعالى بجميع الأشياء حاصل في مرتبة ذاته بذاته قبل وجود ما عداه، سواء كانت صوراً عقلية قائمة بذاته، أو خارجة منفصلة عنها، فهذا هو العلم الكمالي التفصيلي بوجه، والإجمالي بوجه؛ وذلك لأنّ المعلومات على كثرتها وتفصيلها بحسب المعنى، موجودة بوجود واحد بسيط، ففي هذا المشهد الإلهي والمجلي الأَوّلي ينكشف ويتجلّى الكلّ من حيث لا كثرة فيها، فهو الكلّ في وحدة.

____________________

(1) الوافي 1 / 98.


ثمّ قال بعد كلام طويل: فإن قلت فإذا ثبت كون الأشياء كلّها معقولةً له تعالى - كما هي عليها - بعقل واحد بسيط فما الحاجة في علمه تعالى إلى إثبات الصور العقلية الزائدة مقارنةً كانت أو مباينة؟ وأيضاً إذا كان ذاته تعالى بحيث ينكشف له الحقائق المتخالفة في وجودها الخارجي، فما الحجّة على إثبات العقل من طريق أحدية المبدأ الأعلى؟ إذ مبناه على أنّه واحد من كل وجه بلا اختلاف حيثية، وأنتم أثبتم في ذاته معاني كثيرة.

قلت: أمّا إثبات الصور فهو لازم من تعقّله لذاته المستلزم لتعقّل ما هو معلوله القريب، ومَن تعقّل معلوله تعقّل معلول معلوله الثالث، وهكذا الرابع والخامس إلى الآخر المعلولات على الترتيب العلّي والمعلولي؛ فإنّ ذاته لمّا كان علّةً للأشياء بحسب وجودها، والعلم بالعلّة يستلزم العلم بمعلولها على الوجه الذي هو معلولها، فتعقّلها من هذه الجهة لابدّ أن يكون على ترتيب صدورها واحداً بعد واحد، وهذا غير تعقّلها على وجه لا يكون هو بحسبه معلولة.

وأمّا وجوب كون المعلول الأَوّل واحداً لا متعدّداً وبسيطاً لا مركّباً، مع كون المبدأ الأعلى مصداقاً ومظهراً لماهيّات الممكنات كلها، فذلك؛ لأجل أنّ تكثّر العنوانات لا يقدح في أحدية ذات الموضوع؛ فإنّ الحيثيات المختلفة التي توجب كثرة في الذات، هي الحيثيات التي اختلافها بحسب الوجود، لا التي تعدّدها واختلافها بحسب الآثار.

فمثال الأَوّل كالاختلاف في القوّة والفعل، والتقدّم والتأخّر، والعلّية والمعلولية، والتحريك والتحرّك.

ومثال القسم الثاني كالعلم والقدرة، وكالعاقلية والمعقولية، وكالوجود والتشخّص وغيرها. انتهى كلامه.

أقول: هذه النظرية وإن كان مبنيّة على أصالة الوجود ووحدته، إلاّ أنّ العمدة في طريقها هي القاعدة القائلة، بأنّ بسيط الحقيقة كلّ الأشياء، كما صرّح به نفسه؛ وحيث إنّ القاعدة المذكورة عندنا ضعيفة الأركان منهدمة الأساس، فقد سقط هذا المسلك أيضاً بلا كلام.

وأمّا بيان بطلان القاعدة، فستلاحظه في المقصد الثالث إن شاء الله بأوضح كلام وأوثق برهان.

ثمّ إنّا لو أغمضنا النظر عن هذه الناحية، وفرضنا المقدمات صحيحةً لَما ترتّبت عليها هذه النتيجة؛ وذلك لأنّ اندكاك الأشياء فيه تعالى ليس بنحو التعيين والتمييز، وإلاّ للزم الكثرة فيه، كما صرّح هو به أيضاً، بل بنحو حذف حدودها وتشخّصاتها، ومن الواضح أنّ العلم بمثل هذا الوجود الجمعي الفاقد للميزات، لا يستلزم العلم بالأشياء تفصيلاً، كما تخيّله المستدل، بل لا يُستشمّ منه رائحة التفصيل، فإنّه علم إجمالي تعلّق بأُصول الموجودات، تعلّقاً في غاية الإجمال،


وشدّة الإبهام، ونهاية الإهمال، كما اعترف به اللاهيجي أيضاً حيث قال: بعد ما اختار هذا المسلك وبيّنه تحت عنوان (تكميل عرشي): وهذا هو المراد من كون ذاته تعالى علماً إجمالياً بالأشياء، وعقلاً بسيطاً لها على ما حصّلناه من كلام الشيخ... إلى أن قال: فبالاضطرار لزم القول بالعقل التفصيلي المحقّق بحصول صور المهيات في العاقل، متميّزةً بعضها عن بعض، وعن الوجود في علمه تعالى بالأشياء، وهذا العِلمان هما المشار إليهما بالكلّ الأَوّل والكلّ الثاني في كلام الفارابي في الفصوص (1) ... إلخ فهذا المسلك أيضاً غير مفيد.

هداية

بعد ما بطل هذان المسلكان ولم يتمّا، فلا تتمنّ الوصول إلى الواقع عن بقيّة المسالك الدائرة في بيان علمه بالأشياء أزلاً، وكيفية تعلّقه بها: (چون نديدند حقيقت ره افسانه زدند)، فالذي ينبغي أن يقال في هذا المقام: إنّا قد برهنّا سابقاً على أنّ فعل الفاعل المختار مسبوق بالعلم بالضرورة، فإذن نعلم أنّ الذي خلق هذه الكائنات المختلفة المتعدّدة المتكثرة عالم قطعاً، وإمّا خلق ما خلق عن علم سابق على خلقته بالضرورة العقلية، فقد ثبت أنّه تعالى كان عالماً قبل فعله وخلقه بما يفعله ويخلقه، ولو بلحظة ثبوتاً بتّياً ضرورياً عقلاً، بحيث لا يمسّه شك، فإذا أمكن العلم قبل المعلوم ولو بلحظة فقد أمكن قبله ولو بملايين السنين؛ بداهة عدم تأثير قصر المدّة وطولها في الحكم العقلي من الإمكان والامتناع؛ لأنّ الشيء إن كان ممكناً فهو ممكن أزلاً وأبداً، وإن كان ممتنعاً فهو ممتنع كذلك، ولا يعقل انقلاب الجهات الثلاث عقلاً واتّفاقاً، فإذن نستيقن أنّ العلم بالأشياء قبل كونها ولو بقليل ثابت، وبكثير ممكن، وقد دريت أنّ ما أمكن في حقّه، ولم يمتنع عليه، فهو واجب له، فنستنتج أنّه تعالى عالم بجميع الأشياء تفصيلاً في الأزل.

ولك أن تحصّل النتيجة المذكورة من دون توسيط قاعدة الملازمة المزبورة، بأن تقول: حيث إنّه تعالى فاعل مختار، فهو عالم بفعله قبل فعله كما مرّ، وحينئذٍ نسأل عن حين حدوث هذا العلم؟ وأنّه في أي جزء من الزمان أو غيره حدث؟ فأي جزء اختير فيه حدوث علمه فهو ترجيح بلا مرجّح، بل ترجّح بلا مرجّح، وهو ضروري الاستحالة؛ أو يقال: إنّ العلم عين ذاته كما يأتي برهانه في المقصد الرابع، فلا يمكن القول بحدوثه فيما لا يزال، بل وجب الإذعان بثبوته فيما لم يزل.

وحاصل هذه الطرق الثلاثة - أي قاعدة الملازمة، وحديث الترجّح بلا مرجّح، وقانون العينية - أنّ جميع ما يصدر عن الخلاّق الحكيم المختار، وما سيصدر عنه تعالى إلى الأبد فهو

____________________

(1) الشوارق 2 / 251.


معلوم ومنكشف له تعالى من الأزل.

وأمّا كيفية هذا العلم ونحو تعلّقه بالأشياء فهي خارجة عن طاقة البشر؛ وذلك لأنّ الممكن محدود والواجب غير محدود، وهيهات أن يحيط المحدود بمَن هو خارج عن الحد والتناهي اتّفاقاً وبرهاناً، كما سندلّل عليه في المقصد الثالث إن شاء الله، فالممكن لا يدرك حقيقة الواجب الوجود باتّفاق الفلاسفة والمتكلّمين (1) ، وبدلالة العقل وهداية الشرع، والمفروض أنّ علمه عين ذاته، فلا يمكن لنا الوصول إلى كيفية تعلّقه بالأشياء، فالذي يمكن للعقل هو الإذعان بأنّه تعالى عالم بالأشياء أزلاً بطريق ذكرنا، وأمّا أنّه كيف علم الأشياء مع أنّه لا وجود لها؟ فهو أمر خارج عن وِسعنا؛ لأنّا ما أُوتينا من العلم إلاّ قليلاً، ( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) .

نعم كلّ دون صفاته تعبير اللغات، وضلّ هنالك تصاريف الصفات، وحار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير، وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير.

ثمّ إنّ هذا الدليل لا يثبت لنا تعلّق علمه بالممكنات التي لا تقع إلى الأبد كما في قوله تعالى: ( وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ) (2) ، ولا بالملازمات الواقعية كما في قوله تعالى: ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) (3) ، ولا بامتناع الممتنعات التي لم يعلم غيره، وأمّا ما علمه غيره فهو يعلمه؛ لأنّه الخالق للصور المذكورة في مشعر غيره، وليس عدم إثبات تعلّق علمه تعالى بهذه الموارد الثلاثة من قصور طريقنا وحده، بل المسلكان المتقدّمان أيضاً لا يثبتانه أيضاً كما هو ظاهر، بل ما اخترعوه من العلم التفصيلي حضورياً كان - كما عليه الإشراقيون - أو حصولياً - كما عليه المشّاؤون - أيضاً لا يشمل هذه الموارد، فلابدّ لإثبات ذلك من التماس قاعدة الملازمة ابتداءً، أو الاعتماد على دلالة الشرع وحدها.

وهنا طريق آخر يمكن أن يفضي بنا إلى المطلوب، وهو ما تقدّم من عدم اقتضاء الممكن للوجود والعدم، واستواء ماهيّته بالنسبة إليهما وفقر وجوده، فهو محتاج في عدمه إلى غيره، كما يحتاج إليه في وجوده، ومن هذا ينقدح أنّ الله المختار عالم بالأشياء الممكنة، سواء وقعت في الخارج أم لم تقع، فإنّه هو الذي اختار عدمها على وجودها، ولم يرد طرف وجودها في أَوّل ظروف إمكانها.

وبالجملة: عدم الأشياء مستند إلى عدم إرادته تعالى لوجوداتها، وإرادة إيجادها تابعة لعلمه بالمصلحة، فيكون عدم إرادته من جهة علمه بعدم المصلحة، فهو عالم بكل شيء أزلاً.

____________________

(1) وما نُسب إلى القوم الثاني أو جمع منهم - من إمكان معرفة ذاته - غير ثابت.

(2) الأنعام 62 / 28.

(3) الأنبياء 21 / 22.


وهذا الدليل أخصر وأعم، أمّا الأخصرية فهي ظاهرة (1) ، وأمّا الأعميّة؛ فلشموله الممكنات غير الواقعة في دار الوجود أصلاً فتأمّل فيه.

هذا كله من ناحية حكم العقل، وأمّا من جهة الشرع فإليك نبذة ممّا ورد منه في الكتاب والسُنة:

أمّا الكتاب العزيز ففيه آيات بيّنات:

فمنها قوله تعالى: ( عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) (2) بناءً على تفسير الغيب بما لم يكن كما في الرواية، لا بما هو الموجود الحاضر، الغايب عن مشاعرنا.

ومنها قوله: ( إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) (3) .

ومنها قوله: ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) (4).

ومنها قوله: ( وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ) (5).

ومنها قوله: ( وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ) (6) .

ومنها قوله: ( غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) (7) ومثلها غيرها.

وأمّا الروايات فنُقل بعضها المذكور في الكافي، وتوحيد الصدوق رحمه‌الله ، وقد نقلها المجلسي رحمه‌الله أيضاً.

1 - صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه‌السلام قال: سمعته يقول: (كان الله ولا شيء غيره، ولم يزل عالماً بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه).

2 - رواية الحسين بن بشّار عن الرضا عليه‌السلام قال: سألته أيعلم الله الشيء الذي لم يكن، أن لو كان كيف يكون، أو لا يعلم إلاّ ما يكون؟ فقال: إنّ الله تعالى هو العالِم بالأشياء قبل كون الأشياء، قال عزّ وجل: ( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (8) وقال لأهل النار: ( وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا

____________________

(1) هذا بناءً على إمكان أزلية الممكن، وأمّا بناءً على عدمه فالدليل يحتاج إلى أحد الطرق الثلاثة المتقدمة كما لا يخفى.

(2) الأنعام 6 / 73.

(3) لقمان 31 / 34.

(4) الأنبياء 21 / 22.

(5) الأنعام 6 / 28.

(6) الأنفال 8 / 23.

(7) الروم 30 / 3.

(8) الجاثية 45 / 29.


نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) (1) فقد علم الله عزّ وجل أنّه لو ردّهم لعادوا لِما نهوا عنه، وقال للملائكة لما قالوا: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (2) فلم يزل الله عزّ وجل علمه سابقاً للأشياء قديماً قبل أن يخلقها، فتبارك ربّنا وتعالى علوّاً كبيراً،خلق الأشياء وعلمه بها سابق لها كما شاء، كذلك لم يزل ربّنا عليماً سميعاً بصيراً (3) .

3 - رواية فتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن عليه‌السلام ، قال: قلت له: يعلم القديم الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون؟ قال: (ويحك أنّ مسألتك لصعبة أَما سمعت الله يقول: ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) (4) وقوله: ( وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) (5) وقال يحكي قول أهل النار ( ارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) (6) وقال: ( وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ) (7) فقد علم الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون...) إلخ.

4 - رواية ابن حازم عن الصادق عليه‌السلام ، قال: قلت له: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس كان في علم الله؟ قال: (بلى قبل أن يخلق السماوات والأرض).

5 - روايته الأخرى عنه عليه‌السلام ، قال: سألت أبا عبد الله عليه‌السلام : هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله عزّ وجل؟ قال: (لا، بل كان في علمه قبل أن يُنشئ السماوات والأرض).

6 - رواية صفوان بن مسكان، قال: سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الله تعالى: أَكان يعلم المكان قبل أن يخلق المكان، أم علمه عندما خلقه وبعد ما خلقه؟ فقال: (تعالى الله، بل لم يزل عالماً بالمكان قبل تكوينه، كعلمه به بعدما كوّنه، وكذلك علمه بجميع الأشياء كعلمه بالمكان).

7 - رواية الهروي عن الرضا، قال عليه‌السلام في جواب المأمون السائل عن قوله تعالى: ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (8) : (إنّه عزّ وجل خلق خلقه ليبلوهم بتكليف طاعته وعبادته، لا على سبيل الامتحان والتجربة؛ لأنّه لم يزل عليماً بكل شيء).

8 - رواية فضيل بن سكرة، حيث قال أبو جعفر عليه‌السلام في جواب مَن سأله عن علمه بذاته قبل

____________________

(1) الأنعام 6 / 28.

(2) البقرة 2 / 30.

(3) لاحظ البحار 4 / 78.

(4) الأنبياء 21 / 22.

(5) المؤمنون 23 / 91.

(6) فاطر 35 / 37.

(7) الأنعام 6 / 28.

(8) هود 11 / 7.


خلقه: (ما زال الله عالماً تبارك وتعالى ذِكره).

9 - مكاتبة أيوب بن نوح، أنّه كتب إلى أبي الحسن عليه‌السلام يسأله عن الله عزّ وجل: أكان يعلم الأشياء قبل أن يخلق الأشياء وكونها، أو لم يعلم ذلك حتى خلقها وأراد خلقها وتكوينها، فعلم ما خلق عندما خلق وما كوّن عندما كوّن؟ فوقع بخطه عليه‌السلام : (لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء، كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء).

10 - رواية ابن حازم قال: سألت أبا عبد الله عليه‌السلام : هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس؟ قال: (لا، مَن قال هذا فأخزاه الله. قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم الله؟ قال: بلى قبل أن يخلق الخلق).

11 - رواية أبي هشام الجعفري المروية عن الخرائج حيث قال أبو محمد عليه‌السلام : (تعالى الجبّار الحاكم العالم بالأشياء قبل كونها).

12 - ما رواه الشيخ الطوسي قدّس سره في كتاب الغيبة، عن سعد عن عيسى عن البزنطي، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال: (قال: علي بن الحسين، وعلي بن أبي طالب قبله، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد عليهم‌السلام : كيف لنا بالحديث مع هذه الآية ( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (1) فأمّا مَن قال بأنّ الله لا يعلم الشيء إلاّ بعد كونه، فقد كفر وخرج عن التوحيد).

13 - رواية أبي بصير وسماعة عن الصادق عليه‌السلام ، كما عن إكمال الدين، قال: (مَن زعم أنّ الله عزّ وجل يبدو له في شيء لم يعلمه أمس، فابرؤوا منه).

14 - رواية هشام بن الحكم، كما في الاحتجاج، سأل الزنديق عن الصادق عليه‌السلام فقال: فلم يزل صانع العالم عالماً بالأحداث التي أحدثها قبل أن يحدثها؟ قال: (لم يزل يعلم فخلق) (2) .

هذه جملة من الأخبار الواردة من أصحاب الحكمة والعصمة، في هذه المسألة ممّا ذكرته لك، ومن المعلوم أنّ مثل هذه الروايات أكثر من ذلك كما يجدها المتتبع، ثمّ إنّ هنا روايات أُخر تدلّ على المطلوب، وإليك فهرسها مجملاً:

الطائفة الأُولى: بعض ما ورد في موضوع البداء، فلاحظ الجزء الرابع من بحار الأنوار وغيرها.

الطائفة الثانية: ما ورد من أنّ علمه عين ذاته، وأنّه علم لا جهل فيه، كما ستقف عليها في المقصد الرابع.

الطائفة الثالثة: ما دلّ على علم الأئمة بالأُمور الآتية، وهي لعلّها بنفسها متواترة كما يأتي.

____________________

(1) الرعد 13 / 39.

(2) البحار 4 / 67.


الطائفة الرابعة: ما ورد في اللوح المحفوظ، وأنّ الله كتب جميع الوقايع فيه أَوّلاً.

الطائفة الخامسة: ما ورد في الشقاوة والسعادة، وما يكتب عند ولوج الروح في الجنين.

فقد ثبت من جميع ذلك ثبوتاً قطعياً بتيّاً، أنّ السُنّة تنطق بعلمه تعالى بالأشياء أزلاً (1) ، ثمّ إنّ من وراء العقل، والقرآن، والسنة، الضرورة المذهبية أو الإسلامية، قال الشيخ المفيد (2) : أقول: إنّ الله عالم بكلّ ما يكون قبل كونه، وأنّه لا حادث إلاّ وقد علمه قبل حدوثه، ولا معلوم وممكن أن يكون معلوماً إلاّ وهو عالم بحقيقته... وبهذا قضت دلائل العقول، والكتاب المسطور، والأخبار المتواترة عن آل الرسول، وهو مذهب جميع الإمامية... ومعنا فيما ذهبنا إليه في هذا الباب جميع المنتسبين إلى التوحيد، سوى الجهم بن صفوان من المجبّرة، وهشام بن عمر القوطي من المعتزلة، فإنّهما كانا يزعمان أنّ العلم لا يتعلّق بالمعدوم، ولا يقع إلاّ على موجود، وأنّ الله تعالى لو علم الأشياء قبل كونها لَما حسن منه الامتحان.

وقال العلاّمة المجلسي: (3) ثمّ اعلم أنّ من ضروريات المذهب كونه تعالى عالماً أزلاً وأبداً، بجميع الأشياء كليّاتها وجزئياتها، من غير تغيّر في علمه تعالى، ثمّ نقل بعض مذاهب الفلاسفة في علمه تعالى، فأعقبه بقوله: وجميع هذه المذاهب الباطلة كفر صريح مخالف لضرورة العقل والدين... إلخ.

فإذن، لا دغدغة في المسألة، فإنّها ممّا توافق عليه العقل والشرع، كما قرّرناه بأوضح التقرير.

الجهة الثالثة: في إبطال الآراء المنحرفة

قد نقلوا الخلاف علمه، أو عمومه من جماعات من الناس، فنذكر أقوالهم ووجه بطلانها تكميلاً للمقام:

____________________

(1) قال بعض مَن في قلبه مرض في مختصر تحفة الاثني عشرية: قالت الشيطانية - وهم أتباع شيطان الطاق -: إنّه تعالى لا يعلم الأشياء قبل كونها، وجماعة من الاثنا عشرية، من متقدّميهم ومتأخّريهم منهم المقداد صاحب كنز العرفان قالوا: إنّ الله لا يعرف الجزئيات قبل وقوعها.

أقول: وقد عرفت مذهب الإمامية بأسرهم في عموم تعلّق علمه بالأشياء أزلاً، ولا قائل من الإمامية بما افتراه أحد، وإنّما هو قول غيرنا من العامّة وغيرهم، فلعنة الله على الكاذبين.

ومؤمن الطاق رجل حاذق، من أجلاّء متكلّمي الإمامية، وأصحاب الصادق عليه‌السلام ، وليس له فِرقة وحزب خاصّ، كما تخيّله هذا القائل تقليداً للشهرستاني وغيرها.

(2) أوائل المقالات / 21.

(3) بحار الأنوار 4 / 87.


الأَوّل: إنّه تعالى لا يعلم نفسه (1) ؛ لأنّ العلم نسبة تقتضي الشيئين المتغايرين بالضرورة، ولا تعقّل في شيء واحد، وتضعّفه عينية العلم مع ذاته تعالى، فهو ليس فيه تعالى بنسبة، هذا مع أنّ العلم صفة لا تقتضي أزيد من عالم ومعلوم، واجتماع هذين العنوانين على شيء واحد ممكن، كما في علمنا بأنفسنا، فمن حيث إنّا نعلم أنفسنا فنحن عالمون، ومن حيث إنّ أنفسنا منكشفة لدينا فنحن معلومون، فكذا في الباري تعالى.

الثاني: إنّه لا يعلم شيئاً أصلاً؛ وإلاّ أمكن أن يعلم نفسه أيضاً، وقد مرّ أنّ إمكان علمه بنفسه ممنوع. نُقل هذا القول عن بعض قدماء الفلاسفة، وقد اتّضح لك فساده.

الثالث: إنّه لا يعلم غيره وإن كان عالماً بذاته؛ وذلك لأنّ العلم بالشيء غير العلم بغير ذلك الشيء، وإلاّ فمَن علم شيئاً علم جميع الأشياء، فلو كان الله عالماً بالأشياء لكانت له علوم متعدّدة، فيتحقّق في ذاته كثرة غير متناهية.

وأجيب عنه بمنع تعدّد العلم بتعدّد المعلومات، فالكثرة في الإضافات والتعلّقات، وأمّا العلم فهو واحد، وهي - أي كثرة الإضافات - غير ممتنعة، لأنّها أُمور اعتبارية لا وجود لها خارجاً.

أقول: إتمام هذا الجواب موقوف على أنّ علم الواجب ليس بحصولي ولا حضوري، وسيأتي أنّ علمه ليس بشيء منهما.

الرابع: إنّه لا يعلم غير المتناهي؛ إذ المعقول متميّز، وغير المتناهي غير متميّز عن غيره، وإلاّ لكان له حد ينفصل به عن غيره، فيكون متناهياً وهو خلف.

وفيه أَوّلاً: إنّ كلّ فرد في نفسه متميّز، فيتعلّق العلم بكل واحد منه.

وثانياً: إنّ التميّز لا يستلزم الحد، فلا مانع من أن يكون ما لا يتناهى متميّزاً.

الخامس: إنّه لا يعلم الجميع، بمعنى سلب إيجاب الجميع لا بمعنى السلب الكلي؛ إذ لو علم كلّ شيء للزم أن يعلم أيضاً علمه به، وأن يعلم علمه بعلمه، فيلزم التسلسل في العلوم.

وأجيب عنه بأنّ (2) العلم عندنا من قبيل الإضافات، وتسلسلها غير باطل.

أقول: علمه تعالى ليس من الإضافات والنِسب بل هو عين ذاته، والمجيب أيضاً قائل بأنّه موجود قديم تبعاً لشيخه الأشعري، فحكمه هنا بإضافة العلم واعتباريته تناقض منه في أُصوله.

____________________

(1) نُسب هذا القول إلى الدهرية، مع أنّهم ينكرون قدرته وحياته وحكمته وتجرّده أيضاً، فإنّهم يرون أنّ مبدأ العالم أجسام صغار كما تقدّم، فتخصيص نفي العلم به وحده بلا مخصّص، فتأمّل.

(2) ذكره في المواقف وشرحها 3 / 64.


وأمّا هذه الشبهة فيمكن أن يجاب عنها، بأنّ انكشاف العلم بنفسه لا بعلم ثانٍ.

لا يقال: إنّه لو صح ذلك لبطل العلم البسيط وهو خلاف الوجدان.

فإنّه يقال: لا علم لمَن غفل عن علمه حقيقةً، نعم هو عالم بمعنى تمكّنه من حصوله بالالتفات، وبالجملة: مَن كان له علم بشيء فهو ملتفت إليه، فإذا بطل التفاته فقد بطل علمه، ولا معنى لتقسيم العلم إلى البسيط والمركب إذا أُريد بالمقسم الانكشاف الفعلي. فتأمّل فيه.

السادس: إنّه لا يعلم ذاته ولكن يعلم غيره على عكس القول الثالث، والمصرّح في كلام العلاّمة الحلّي (1) والمحدّث المجلسي (2) - على اختلاف جزئي بين الكلاميين - أنّ هذا القول بل القول الأَوّل والثاني والثالث والرابع والخامس من قدماء الفلاسفة.

أقول: فساد هذا الوجه ظاهر.

السابع: إنّه تعالى لا يعلم الجزئيات المتغيّرة بما هي جزئيات متغيّرة، كما عن الفلاسفة أو جمهورهم، وبرهنوا عليه بأنّ علمه تعالى إن بقى على حاله حين تغيّر تلك الجزئيات فيلزم الجهل، وإن تغيّر بتبع تغيرها لزم التغيّر في ذاته، بل لا يعلم الجزئيات المتشكّلة وإن لم تتغيّر، كأجرام الأفلاك الثابتة على أشكالها؛ لأنّ إدراكها إنّما يكون بالآلات الجسمانية، وأمّا الجزئيات الثابتة غير المشكّلة - كذاته تعالى والعقول الكلية - فهي معلومة له تعالى بأشخاصها بلا محذور، كما أنّ الجزئيات المتغيّرة والمتشكّلة أيضاً ممّا يتعلّق به علمه تعالى على نحو كلّي.

وبيانه ما قرّره ابن سينا في محكي الشفاء (3) حيث قال في بحث إلهياته: ولأنّه مبدأ كل وجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له، وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها، والموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها أَوّلاً وبتوسط ذلك بأشخاصها، ومن وجه آخر لا يجوز أن يكون عاقلاً لهذه المتغيّرات مع تغيّرها، من حيث هي متغيّرة عقلاً زمانياً مشخّصاً، بل على نحو آخر منه، فإنّه لا يجوز أن يكون تارةً يعقل عقلاً زمانياً أنّها موجودة غير معدومة، وتارةً أنّها معدومة غير موجودة، فيكون لكلّ واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة، ولا واحدة من الصورتين يبقى مع الثانية، فيكون واجب الوجود متغيّر الذات، ثمّ الفاسدات إن عقلت بالماهية المجرّدة بما يتبعها ممّا لا يتشخّص، لم يعقل بما هي فاسدة، وإن أدركت بما هي مقارنة لمادة، وعوارض مادة، ووقت، وتشخّص، وتركيب، لم يكن معقولةً بل هي محسوسة أو متخيّلة.

ونحن قد بيّنا في كتب أُخرى أنّ كلّ صورة لمحسوس، وكل صورة خيالية فإنّما يدرك من

____________________

(1) شرح قواعد العقائد / 45.                          (2) البحار 4 / 87.

(3) الشوارق 2 / 252.


حيث هي محسوسة ومتخيّلة بآلة متجزية، وكما أنّ إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له، كذلك إثبات كثير من التعقّلات، بل الواجب الوجود إنّما يعقل كلّ شيء على نحو كلي، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات والأرض، وهذا من العجائب التي يحوج تصوّرها إلى لطف قريحة.

قال في التعليقات (1) في ضمن كلام له: وأمّا أنّه كيف يكون علمه؟ فهو أن يكون بسبب، أعني أن يكون يعرف الموجودات كلّها على وجه كلّي، وإذا كانت الأشياء كلها واجبةً عنده إلى أقصى الوجود فإنّه يعرفها كلّها؛ إذ كلّها من لوازمه ولوازم لوازمه، وإذا علم أنّه كلّها كان كذا، أعني جزئياً، وكلّما كان كذا كان كذا، أعني جزئياً آخر، يكون هذه الجزئيات مطابقةً لهذا الحكم، يكون قد عرف الجزئيات على الوجه الكلّي، الذي لا يتغيّر الذي يمكن أن يتناول أي جزئي كان، لا هذا المشار إليه.

ثمّ قال: ومثل هذا أنّ منجّماً يعلم أنّ الكواكب (هكذا) الفلاني كان أَوّلاً في الدرجة الفلانية، فصار إلى الدرجة الفلانية، ثمّ بعد كذا ساعة قارن الكوكب الفلاني، ثمّ دخل بعد كذا ساعة في ذلك الكسوف، ثمّ بقي كذا ساعة في ذلك الكسوف، ثمّ فارق الشمس وانجلى، يكون قد عرف كل ذلك بأسبابه، ولا يكون قد عرف أنّ هذا الكوكب في هذه الساعة في الدرجة الفلانية، حتى يكون الساعات التي بعدها مستندة إلى هذه المشار إليها، ويتغيّر علمه بتغيّر الأحوال وبحدودها.

فإذا عرف على الوجه الذي ذكرنا - أعني بالسبب - كان حكمه في اليوم وغداً وأمس حكماً واحداً، والعلم لا يتغيّر، فإنّه صحيح دائماً في هذا الوقت، وفيما قبله، وفيما بعده، أنّ الكوكب الفلاني كذا ساعة يقارن الكوكب الفلاني، فأمّا إن قال: إنّ الكوكب الفلاني في هذا الوقت الفلاني المشار إليه المستفاد علمه من خارج، متقارن لكوكب الفلاني (هكذا)، وغداً مقارناً لكوكب آخر، فإنّه إذا جاء الغد بطل الحكم الوقتي والعلم الوقتي، فإذن الفرق بين العلمينِ ظاهر.

فواجب الوجود علمه على الوجه الكلي علم لا يعزب عنه مثقال ذرة، وهذا الكسوف الشخصي وإن كان معقولاً على الوجه الكلي؛ إذ قد علم بأسبابه، والمعقول منه بحيث يجوز حمله على كسوفات كثيرة، كلّ واحد منها حاله حال هذا الكسوف، فإنّ الأَوّل تعالى يعلم أنّه شخص في الوجود وعلمه محيط بوحدانيته، فإنّه إن لم يعرف وحدانيته لم يعرفه حقّ المعرفة، وكذلك نظام الموجودات عنه، وإن عرفه على وجه كلّي بحيث يكون معقولةً يجوز حمله على كثيرين، فإنّه يعلم أنّه واحد، وعلمه بأنّ هذا الكسوف شخصي، لا يرفع المعقول الكلي والعلم ما

____________________

(1) الشوارق 2 / 254.


يكون بأسباب، والمعرفة ما يكون بمشاهدة، فالعلم لا يتغيّر البتة وإن كان جزئياً، فإن علمنا بأنّ الكسوف غداً يكون مركّباً من علم ومشاهدة، ولو كان غداً لم يكن مشار إليه، بل كان معلوماً بأسبابه لم يكن إلاّ علماً كلّياً.

ولم يكن يجوز أن يتغيّر، ولم يكن زمانياً، فإنّ كلّ علم لا يُعرف بالإشارة وبالاستناد إلى شيء مشار إليه كان بسبب، والعلم بالمسبّب ما دام السبب موجوداً، لكن العلم الذي يتغيّر هو أن يكون مستفاداً من وجود الشيء ومشاهدته، فواجب الوجود تعالى منزّه عن ذلك؛ إذ لا يعرف الشيء من وجوده فيكون علمه زمانياً ومستحيلاً ومتغيّراً. انتهى ما أردنا نقله من كلامه.

واعلم أنّه كما يصحّح العلم بالجزئيات المتغيّرة من هذا الطريق، كذلك يصحّح العلم بالجزئيات المتشكّلة أيضاً، فإنّ إدراك المتشكّلات إذا لم يكن من سبيل الجزئية المستندة إلى الإشارة والإحساس، بل من سبيل التخصيص بصفات مستندة إلى مبدأ نوعه في شخصه، لا يستدعي الانطباع في آلة جسمانية، كما قاله اللاهيجي في شوارقه، وقال أيضاً: إنّ نفي علمه تعالى عن الجزئيات على وجه الجزئية، عبارة عن نفي الإحساس بها عنه، كما هو صريح كلام الشيخ، ولا يلزم من نفي الإحساس بالشيء نفي العلم به (1) .

أقول: وللمتكلّمين في جواب هذه المقالة أقوال:

الأَوّل: ما قيل من أنّ العلم إضافة محضة، والتغيّر الحاصل فيه لا يستلزم التغيّر في نفس الذات، بل التغيّر في مفهوم اعتباري وهو جائز، وإدراك المتشكّل إنّما يحتاج إلى آلة جسمانية إذا كان العلم حصول الصورة، وأمّا إذا كان إضافةً فلا.

أقول: وهذا المجيب نسي مذهبه في صفاته تعالى، من أنّها صادرة عنه تعالى أزلاً وقائمة به، وإلاّ لم يقل: إنّه اعتباري محض، وأيضاً أَليس الممكن القديم عندهم مستنداً إلى الموجب دون المختار كما مرّ؟ أَوَ ليس القديم يمتنع عليه العدم والزوال؛ لاستحالة تخلّف المعلول عن علّته؟ فكيف سوّغ تغيّر العلم؟! وأيضاً العلم بزعمه قائم به تعالى قيام العرض بمحله، فلو تغيّر وتجدّد للزم كونه تعالى محلاًّ للحوادث، وهو باطل عقلاً واتّفاقاً.

الثاني: ما عن أكثر الأشاعرة ومشايخ المعتزلة (2) ، من أنّ العلم بأنّه وجد الشيء والعلم بأنّه سيوجد واحد، فإنّ مَن علم أنّ زيداً سيدخل البلد غداً، فعند حصول الغد يعلم بهذا العلم أنّه دخل البلد الآن، إذا كان علمه هذا مستمراً بلا غفلة مزيلة له، وإنّما يحتاج أحدنا إلى علم آخر متجدّد يعلم به أنّه دخل الآن؛ لطريان الغفلة عن الأَوّل، والباري تعالى يمتنع عليه الغفلة، فكان

____________________

(1) وكأنّ هذا القول مصادم لكونه تعالى بصيراً وسميعاً.             (2) شرح المواقف 3 / 62.


علمه بأنّه وُجد عين علمه بأنّه سيوجد.

أقول: ويظهر من المحدّث المجلسي قدّس سره أيضاً اختيار هذا المذهب (1) ، وبرهن عليه بأنّ العلم بالقضية، إنّما يتغيّر بتغيّرها، وهو إمّا بتغيّر موضوعها أو محمولها، والمفروض عدمه. نعم يمكن أن يشار إليه إشارة خاصّة بالموجود حين وجوده ولا يمكن في غيره، وتفاوت الإشارة إلى الموضوع لا يؤثر في تفاوت العلم بالقضية، بل هو راجع إلى تغيّر المعلوم.

أقول: والحق أنّ العلم بأنّه سيوجد غير العلم بأنّه وُجد، كما برهن عليه أبو الحسين البصري الاعتزالي (2) ، بل يمكن أن يقال: إنّ هذا الجواب هو عين الالتزام بالإشكال، فإنّ الحكماء ما نفوا علمه بالجزئيات مطلقاً، بل على وجه جزئي، وأمّا على النحو الكلي فهم قائلون به من أجل؛ أنّ العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول، كما اتّضح من كلام ابن سينا المتقدّم. وهذا الجواب لا يُثبت أكثر من العلم الكلي، فتدبّر.

الثالث: إنّ العلم صفة حقيقية ذات إضافة، وتغيّر المعلوم لا يؤثر في العلم بل في إضافته، فالمتغيّر هو إضافة العلم المتعلّقة بالمعلوم لا نفس العلم، كما ذكره المحقّق الطوسي قدّس سره وغيره، وشبّهه العلاّمة (3) بالقدرة حيث إنّ تغيّر المقدور وفقدانه لا يوجب تغيّر القدرة، بل هي على حالها وإنّما المتغيّر به هو نسبة القدرة إلى المقدور المذكور.

أقول: تغيّر العلم تابع لتغيّر المعلوم لا محالة، فإنّ العلم إمّا حصولي، وإمّا حضوري، أمّا الثاني فالعلم والمعلوم شيء واحد، ولا يعقل الانفكاك بينهما، وأمّا الأَوّل فإن كانت الصورة بعد تغيّر مطابقها باقيةً فهي كذب، وإلاّ فقد ثبت المطلوب، فحديث كونه ذا النسب لا نفس النسب لا يفيد أصلاً.

ثمّ إنّ للمحقّق الطوسي قدّس سره كلاماً حول المسألة لا بأس بذكره، قال في محكي شرح رسالة العلم (4) : وأمّا علم الباري بالجزئيات ففيه خلاف بين المتكلّمين والفلاسفة؛ وذلك أنّ المتكلّمين قالوا: إنّ الباري تعالى يعلم الحادث اليومي، على الوجه الذي يعلم أحدنا أنّه موجود في هذا الوقت، ولم يكن موجوداً قبله، ويمكن أن يوجد أو لا يمكن، ثمّ إذا انتبهوا بوجوب التغيّر للعلم بالمتغيّرات حسب تغيّرها، التزم بعضهم جواز التغيّر في صفات الله تعالى أو في بعضها، فقال القائلون بالإضافات فقط: إنّ تغيّر الإضافات في الله جائز عند جميع العقلاء كالخالقية

____________________

(1) البحار 4 / 72.                                                (2) لاحظ شرح المواقف 3 / 63، وغيره.

(3) شرح التجريد / 176.                               (4) الشوارق 2 / 256.


والرازقية الإضافة إلى كلّ شخص. وقال غيرهم: يجوز أن يكون ذاته محلاًّ للحوادث، كما جوّز طائفة من الحكماء كونه محلاًّ للحوادث، قابلاً للصور المعلومات الغير المتغيّرة، ولم يجوّز (1) التغيّر في صفاته في هذا الوضع، وأنكر التغيّر أصلاً وقال: العلم بما سيوجد هو العلم بوجوده عين وجوده، إلى أمثال ذلك من المتمسّكات الواهية.

أمّا الحكماء فالظاهريون المنتسبون إليهم قالوا: إنّه تعالى عالم بالجزئيات على الوجه الكلّي لا على الوجه الجزئي، فقيل لهم: لا يمكن أن ينكر وجود الجزئيات على وجه الجزئية المتغيّرة، وكلّ موجود فهو في سلسلة الحاجة إلى الباري تعالى، الذي هو المبدأ والعلّة الأُولى، وعندكم أنّ العلم التامّ بالعلّة التامة يستلزم العلم التام بمعلولها، وأنّ علم الباري تعالى بذاته أتمّ العلوم، فأنتم بين أن تعترفوا بعلمه تعالى بالجزئيات على وجه الجزئية المتغيّرة، وبين أن تقرّوا بانثلام إحدى المقدمات المذكورة؛ إذ من الممتنع أن يُستثنى من الأحكام الكلّية العقلية بعض جهاتها الداخلة فيها، كما يستثنى في الأحكام النقلية بعضها لتعارضها الأدلة السمعية، فهذه على المذاهب المشهورة... إلخ.

أقول: ما ذكره ابن سينا ونُقل عن أكثر الحكماء، من نفي علمه بالجزئيات على وجه جزئي، مبني على كون علمه تعالى حصولياً وبارتسام الصور، وعلى هذا يلزم التكثير في علمه أيضاً، وما أجيب عنه يشكل الاعتماد عليه، ولكن أسلفنا أنّ المستفاد من الأدلة، أنّ الله عالم أزلاً بجمع الأشياء إلى الأبد فقط، وأمّا كيفية هذا العلم فقد ذكرنا أنّها غير معلومة لنا، ولا يمكن إدراكها للممكن المحدود، فإنّ الإحاطة بعلمه عين الإحاطة بذاته المقدّسة، وهي مستحيل اتّفاقاً وبرهاناً.

هذا من ناحية، ومن ناحية أُخرى إنّا سنبرهن على إبطال العلم الحصولي، الذي تخيّله هذا القائل وأصحابه في مستأنف القول إن شاء الله، فإذن، لا موقع لهذا المسلك. ولعلّ ما ورد في الكتاب والسُنة من اتّصافه تعالى بالسميع والبصير يدفع هذا القول صريحاً فتأمل.

وخلاصة المقال: أنّ علمه تعالى ليس بحصولي ولا بحضوري، بل إنّه عالم بالأشياء قاطبةً، وعلمه عين ذاته، فلابدّ حينئذٍ من أن لا يوجب تغيّر المعلوم، إلاّ تغيّراً في ناحية الإضافة والنسبة لا في العلم نفسه، كما في الجواب الثالث، فالجواب المذكور صحيح، لكن بعد إنكار انحصار العلم في الحصولي والحضوري، وإقامة البرهان على عموم علمه.

الثامن: إنّه لا يعلم الأشياء قبل وجودها، نسبه الشهرستاني في المِلل والنِحل (2) إلى

____________________

(1) في العبارة سقط قطعاً واشتباه لفظي أيضاً، ولم يحضرني المصدر نفسه.

(2) الفصل لابن حزم (الهامش) 1 / 35.


هشام بن عمرو الغوطي القدري، والأصم من أصحابه، وأنّهما اتّفقا على أنّ الله تعالى يستحيل أن يكون عالماً بالأشياء قبل كونها، ومنعا كون المعدوم شيئاً. ونسبه إلى هشام بن الحكم وزرارة أيضاً.

أقول: لا يجوز للمسلم المحقّق وللباحث المدقّق الاعتماد على كتاب الشهرستاني، فإنّه مشحون بالافتراءات والاشتباهات التي لا يمكن المسامحة فيها، وقد غلب عليه التعصّب فنسب إلى مخالفيه في مذهبه ما نسب، ونحن لا نحتمل أنّ زرارة قال بهذه المقالة الرديئة، ولا هشام بن الحكم بعد انقطاعه إلى الإمام الصادق عليه‌السلام ، كيف وهو الذي يروي لنا عن الصيقل، عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، عن عيسى بن منصور، عن جابر الجعفي، عن الباقر عليه‌السلام : (أنّ الله علم لا جهل فيه، وحياة لا موت فيه، ونور لا ظلمة فيه) (1) ؟!

فإذا علم من إمامه أنّ العلم عين ذات الباري تعالى، فكيف يعتقد حدوث علمه؟ وأيضاً قد مرّ روايته عن الصادق عليه‌السلام ، بأنّ الله يعلم الحوادث قبل وجودها، لكن الشهرستاني لا يلتفت إلى ذلك، بل يريد أن يخترع مذهباً باسم الهشامية، ومذهباً باسم الزرارية وهكذا تكثيراً لفِرق الشيعة؛ لأغراض غير خافية على المتأمّلين، وإلاّ فهشام وزرارة ويونس ومؤمن الطاق وأمثالهم من الأجلاّء والأعيان، ليسوا إلاّ من الفِرقة الإمامية المعتقدين بإمامة الاثني عشر إماماً من آل محمد (صلى الله عليه وعليهم)، ولا وجود للهشامية والزرارية وأمثالهما من المذاهب المتخيّلة في خيال الشهرستاني، ومَن قلّده من متكلّمي الأشاعرة وغيرها.

ومن هنا لا جزم لنا ولا ظن، بأنّ هشام بن عمرو الغوطي والأصم قالا بنفي علمه تعالى، غير أنّ الشيخ الأعظم المفيد قدّس سره نقل هذا القول عن الغوطي المذكور كما تقدّم، بل إنّ العلاّمة الحلي قدّس سره نقل (2) عن جمع من قدماء المتكلّمين، أنّه تعالى لا يعلم الموجود الزماني إلاّ عند وجوده، وهذا هو الذي اختاره السهروردي المقتول رئيس الفلاسفة الإشراقيين، قال اللاهيجي في شوارقه (3) : نفى صاحب الإشراق العلم المقدّم على الإيجادات كلّها مطلقاً، وأبطل العناية رأساً زعماً أنّ قبل كون الموجودات ووجودها ذهناً وخارجاً، كيف يتصوّر تحقّق العلم بها؟ فإنّ العلم بها لا يتصوّر بدون وجودها ذهناً أو خارجاً؛ ضرورة عدم تمايز المعدومات الصرفة، ولا يمكن وجود الموجودات قبل وجودها، أمّا خارجاً فظاهر، وأمّا ذهناً فللزم الكثرة في ذاته تعالى، فليس للواجب علم فعلي أصلاً. انتهى.

____________________

(1) بحار الأنوار 4 / 84 نقلاً عن توحيد الصدوق.

(2) شرح قواعد العقائد / 45.

(3) الشوارق 2 / 224.


وقال أيضاً: إنّه - يعني صاحب الإشراق - بعد إبطال العناية، جعل النظام المشاهد في عالَم الأجسام لازماً عن النظام الواقع فيما بين المفارقات العقلية الطولية والعرضية، وأضوائها المنعكسة عن بعضها إلى بعض، وجعل ذلك بدلاً عن العناية في سببية النظام، صرّح بذلك في حكمة الإشراق.

أقول: وعلى قول هذا الإشراقي يبطل فاعليته تعالى الاختيارية، فإنّ المختار عند الفلاسفة هو الذي يسبق علمه فعله، وهذا الرجل ينكر سبق علمه، فيكون الله موجباً لا مختاراً، هذا مع أنّ هذا القول ينافي ما تسالم عليه الفلاسفة من عينية علمه لذاته تعالى.

وأمّا مَن حاول أن يصلح هذا القول ويدفع عنه الشناعة، فما أتى بشيء غير أن فضح نفسه، نعم ذكر السبزواري في حاشيته على الأسفار وفي شرح منظومته، أنّ هذا الإشراقي غير منكر للعلم الإجمالي، فإنّه متّفق عليه بين الإشراقيين والمشّائيين، وإنّما المنفي عنده العلم التفصيلي، لكن هذا شيء ذكره من جهة حسن ظنّه بهذا القائل، وإلاّ فهو صرّح في مطارحاته بإنكار العلم الإجمالي أيضاً، كما نقله صاحب الأسفار اعترف به، وكذا اللاهيجي في شوارقه، وأمّا ما ذكره هذا الموجّه - أي السبزواري في حاشية الأسفار - من أنّ مراده بالعلم الإجمالي الذي أنكره غير الإجمالي الكمالي، بل شيء آخر فهو أعرف بتوجيهه، بل في الأسفار في بحث مراتب علمه تعالى: نسبة إنكار العناية إلى أتباع الإشراقيين عموماً.

أقول: وكأنّ الله سبحانه وتعالى طبع على قلب هذا الظلماني، حيث ما التفت إلى أنّ صدور العقول الطولية والعرضية التي تدبّر نظام العالم المتقن، أقوى دليل على علمه تعالى قبل صدورها.

وأنت إذا علمت مقالة هذا الرجل الذي يتّبعه الفلاسفة الإشراقيون، ومسلك ابن سينا الذي يقلّده المشّاؤون فيما تقدّم وما سيأتي من صوره المخترعة، وقول صاحب الأسفار، الذي اقتدى به أرباب الفلسفة المتعالية حول بسيط الحقيقة، وحول جسميته تعالى، كما سننقله في المقصد الثالث إن شاء الله، تعلم أنّ ما يقولون حول فلسفتهم من إتقان مسائلها، ووصول أربابها إلى الكشف والشهود قعقعة.

ثمّ إنّ مسألة تحقّق علمه أزلاً، وعدم تحقّق المعلوم خارجاً وذهناً مع امتناع انفكاكهما، قد مرّ حلّها بوجه قطعي عقلي إجمالي، ونقلي تفصيلي، والإنصاف أنّ مسألة علمه تعالى مطلقاً ذات مصاعب كثيرة، قلَّ مَن يمكنه الوصول إليها.

وممّن نُسب إليه هذا القول جهم بن صفوان وأصحابه، قالوا: إنّ الله لا يعلم الشيء قبل


وقوعه، وعلمه حادث لا في محل (1) ، وكذا أبو الحسن البصري على ما استفيد من كلامه (2) ، وممّن قال بهذا القول الشيخ أحمد الأحسائي على ما يظهر من كلماته في شرح العرشية وشرح المشاعر، وبعض كلماته صريح في ذلك، وكذا من كلامه في محكي شرح رسالة الكاشاني (3) ، وحاصل ما استفدناه من كلامه من الدليل تصحيح دعواه وجوه:

الأَوّل: إنّ العلم في الواجب والممكن عين المعلوم، فلا يعقل تقدّم العلم على معلومه، وحيث لا معلوم موجَد في الأزل فلا علم به أيضاً.

الثاني: إنّ علمه عين ذاته، فكما أنّ تحقّق الممكنات في ذاته في الأزل محال فكذا العلم بها محال؛ لِما مرّ من وحدة العلم والمعلوم.

الثالث: شرط العلم المطابقة مع المعلوم وتطبيقه عليه، وبما أنّ علمه عين ذاته، لا يعقل تطبيقه على المعلوم الممكن، بل بينهما مباينة صرفة.

الرابع: إنّ علمه بالأشياء أزلاً يستلزم أزلية الحوادث، وبطلان التالي يكفي لبطلان المقدّم.

الخامس: إنّه تعالى غير محدود، فإذا كان عالماً بما سواه أزلاً، يلزم أن يعلم تحديد نفسه كي يمتاز عن غيره، وفساد الثاني يكشف عن بطلان الأَوّل.

السادس: قوله تعالى: ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ... ) (4) ، وقوله تعالى: ( وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ ) (5) ، قال: فأخبر أنّه تعالى لا يعلم له شريكاً، ووجود شيء من كلّ ما سواه في الأزل محال، كوجود الشريك للباري، فكما جاز أنّه لا يعلم له في الأزل شريكاً، جاز أنّه لا يعلم في الأزل غيره.

أقول: ومثلهما قوله تعالى: ( وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ... ) (6) .

السابع: رواية أبي بصير عن الصادق عليه‌السلام (7) قال: سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول: (لم يزل الله - عزّ وجلّ ربّنا - والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته لا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصَر، والقدرة ذاته ولا مقدور، فلمّا أحدث الأشياء وكان المعلوم، وقع العلم منه على المعلوم، والسمع

____________________

(1) الأنوار النعمانية وشرح المشاعر، وقد تقدّم حكايته عنه في كلام المفيد.

(2) لاحظ شرح المواقف 3 / 64.

(3) الحاكي هو صاحب كفاية الموحّدين في المجلّد الأَوّل منها.

(4) يونس 10 / 18.                                               (5) الرعد 13 / 33.

(6) الأنفال 8 / 23.                                               (7) أُصول الكافي 1 / 107.


على المسموع، والبصر على المبصَر، والقدرة على المقدور... إلخ).

ورواية حمّاد بن عيسى (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه‌السلام فقلت: لم يزل يعلم؟ قال: (أنّى يكون ذلك ولا معلوم، قال: قلت: فلم يزل الله يسمع؟ قال أنّى يكون ذلك ولا مسموع. قال: قلت: فلم يزل الله يبصر؟ قال: أنّى يكون ذلك ولا مبصَر. ثمّ قال: ولم يزل الله عليماً سميعاً بصيراً ذات علامة سميعة بصيرة).

أقول: هذه الوجوه واضحة البطلان لائحة الفساد، بل لا ينبغي صدورها عن أصاغر أهل العلم، ولمزيد الوضوح نقول:

أمّا الوجه الأَوّل، ففيه ما مرّ من أنّ علمه عين ذاته، ولكن له نسبة إلى المعلومات، فما ذكره من اتّحاده مع المعلوم غير صحيح، بل لا نسلّمه في العلم الممكن فضلاً عن العلم الواجب، وأمّا أنّه كيف يعلم الشيء قبل وجوده؟ فقد تقدّم بيانه.

وأمّا الوجه الثاني، فقد اتّضح بطلانه من إبطال الوجه الأَوّل، مع أنّ لازمه هو نفي علمه مطلقاً حتى فيما لا يزال، فإنّ تحقّق الكثرة فيه تعالى محال أبداً وأزلاً، والاعتذار بأنّ انكشاف الحادث بالعلم الذاتي مردود بأنّ هذا يؤدّي إلى بطلان فاعليّته الاختيارية، بل مآله إلى قول المادين، وأنّ مَن لا علم سابق له على فعله بفعله كيف يوجد مثل هذا النظام المحكم المتقن؟

وهذا الكلام جارٍ على الوجه الثالث أيضاً، مع أنّه مزيّف بأنّ معنى المطابقة والوقوع هو انكشاف الشيء عند العالم، لا المطابقة والوقوع الخارجيين، كوقوع شيء مادي على شيء مادي آخر، فإنّه ممّا لم يتوهّمه إلاّ جاهل.

وأمّا الوجه الرابع، فقد ظهر ضعفه ممّا مرّ أيضاً.

وأمّا الوجه الخامس، فالملازمة بين المقدّم والتالي فاسدة جداً، مع أنّها لو تمّت لعمّت حتى في ما لا يزال.

وأمّا الوجه السادس، فعدم العلم في الآيات الكريمة كناية عن عدم الوجود، فإنّ عدم علمه تعالى بشيء يكشف عن عدم وجوده، وهذه التعابير بمنزلة أن يقال بأنّ الله يعلم عدم شريك له، ويعلم أنّه لا خير فيهم، كيف وقد نفى الله الشريك عنه، وأنّه واحد لا شريك له؟ فلو كان غير عالم به لَما نفاه بل سكت عنه. والإنصاف أنّ هذا منه تجاهل لأغراض هو أعلم بها منّا، وليس بجهالة، فإنّ المسألة واضحة جدّاً، وأيضاً قد مرّ أنّ القرآن ينادي، بأنّ الله يعلم الحوادث قبل وقوعها.

وأمّا الوجه السابع، فبعد ضعف الخبرين سنداً، ودلالة الأخبار المتواترة على تعلّق علمه

____________________

(1) البحار 4 / 72.


بالأشياء أزلاً قبل وجوداتها، يُحمل الأَوّل منهما على الوقوع الشهودي المسبوق بالتعلّق الأزلي لا المسبوق بالجهل، كما يدلّ عليه قوله عليه‌السلام والقدرة على المقدور؛ إذ لا شكّ في لزوم اعتبار القدرة قبل الشيء، وضرورة بطلان وجودها بعد وجود المقدور، فافهم واغتنم، وكأنّ الرواية ناظرة إلى بطلان قول مَن نفى علمه تعالى بالأشياء الجزئية بما هي جزئية، فإنّه اكتفى بالعلم الكلّي دون الجزئي كما مرّ، والثاني منهما على نفي العلم المستلزم لوجود المعلوم، لا على نفي مطلق العلم؛ ولذا صرّح الإمام عليه‌السلام - على تقدير صحّة الرواية - بأنّه تعالى ذات علامة، وأنّ العلم ذاته.

فقد تلخّص أنّ الله تعالى عالم أزلاً بجميع الأشياء وأحوالها وخصوصياتها. نعم، إنّه تعالى غير عالم بالأشياء أزلاً على نحو ظرفية الأزل للأشياء، وهذا من قبيل القضية السالبة بانتفاء الموضوع، بل هو عالم بعدمها أزلاً وبوجودها في أوقاتها، فالأزلي هو العلم دون المعلوم، فإن كان مراد الأحسائي هذا المعنى - كما ربّما يظهر من بعض كلماته - فهو ممّا لا شك فيه عندنا.

ثمّ إنّه ربّما يورد على القول بتعلّق علمه أزلاً بالحوادث، بأنّه يستلزم وجوبها، وإلاّ لجاز ألاّ يوجد فينقلب العلم جهلاً.

أقول: وجوابه ما مرّ منّا في مبحث القدرة.

التاسع: إنّه لا يعلم الأُمور الحاضرة، وشبّهوه بكونه تعالى قادراً قالوا: كما إنّه لا يقدر على الموجود فكذلك، لا يعلم الموجود. نسبه ابن الراوندي إلى معمّر بن عبّاد أحد شيوخ الأشاعرة، كما نقله الأحسائي في شرح العرشية (1) ، وقد دريت أنّ الممكن حدوثاً وبقاءً محتاج إلى فيض ربّه والتفات خالقه، فكيف لا يعلم مَن خلق؟ فهذه الآراء الخبيثة والأنظار السخيفة، كلّها مخالفة للعقل والشرع، والصحيح ما عرفت منّا وله الحمد.

واعلم أنّ أكثر هذه الأقوال المنحرفة عن الحق، إنّما نشأت من قياس علمه تعالى بعلمنا، وعلى هذا لا جواب مقنع لها، وهؤلاء القائلون الذين ضلوا وأضلوا، نسوا وغفلوا عن استحالة الإحاطة بكنه الواجب اللامحدود لإنسان محدود وجوده وعلمه.

الجهة الرابعة: في بيان العلم الإجمالي للحكماء

قسّم جماعة كثيرة من الفلاسفة علم الواجب إلى الإجمالي والتفصيلي، بل يظهر من السبزواري أنّ هذا التقسيم ممّا اتّفق عليه الكل، حيث قال (2) : والعلم الإجمالي الكمالي المتّفق

____________________

(1) شرح العرشية / 62.

(2) شرح المنظومة / 164.


عليه بين الإشراقي والمشّائي، حيث يقول الإشراقي: إنّ نفس وجود الذات علم إجمالي مقدّم على العلم التفصيلي، الذي هو وجود الأشياء، ويقول المشّائي: إنّ علو الأَوّل ومجده ليس بهذه الصور المرتسمة، بل بذاته التي هي علم إجمالي سابق عليها، وإنّما كان أجمالياً؛ لأنّ وجود الذات واحد بسيط، فلا يمكن أن ينكشف به الأشياء المتخالفة تفصيلاً عندهم. انتهى.

فقد جعلوا العلم الإجمالي عين ذاته الواجبة، وأمّا التفصيلي فهو زائد على ذاته تعالى عندهم، فالواجب الوجود عالم بالأشياء إجمالاً في مرتبة ذاته بعلم هو عين ذاته تعالى، وتفصيلاً بعد ذلك إمّا قبل وجود الأشياء كما عليه المشّاؤون، أو حين وجودها كما عليه الإشراقيون.

وأمّا إثبات العلم التفصيلي في مرتبة ذاته تعالى، بحيث يكون العلم المزبور عين ذاته فلم يتيسّر لأحد من الفلاسفة، بيد ما مرّ من طريق بسيط الحقيقة، كما ادّعاه صاحب الأسفار ومَن تبعه، أو الالتزام بوجود الأشياء أزلاً في محالّها، كما تقدّم عن جماعة منهم، لكن قد عرفت أنّ الأَوّل مع بطلان أساسه ليس مفاده إلاّ العلم الإجمالي، وأمّا الثاني فلم يدلّ عليه دليل متين بل كان عليه سؤال صعب كما مرّ.

وأمّا ما يقال من امتناع العلم الذاتي التفصيلي من جهة بساطته تعالى - كما نقله السبزواري في كلامه المتقدّم عن المشّائي - فهو مبني على كون علمه تعالى حصولياً وبارتسام الصور في ذاته، وقد مرّ تزييف ذلك، وقلنا: إنّ الإحاطة بذلك محال عقلاً، فالعلم التفصيلي الذاتي غير ممتنع في حقّه.

وأمّا الدليل على هذا العلم الإجمالي، فهو أنّه تعالى عالم بذاته، فإنّه الخالق للعالمين بذواتهم، فكيف لا يكون هو عالماً بذاته، ومعطي الكمال لا يكون فاقده؟ وقد ثبت أنّ العلم بالعلّة علم بالمعلول، فإنّ علمه بذاته التي هي علّة لكل شيء علم بكل شيء إجمالاً، هذا مع أنّ سلب العلم عنه في مرتبة ذاته نقص، والنقص غير جائز عليه تعالى، لكنّك دريت فيما تقدّم أنّ الوجه الأَوّل غير متين عندنا، والوجه الثاني لا يختصّ بالإجمالي بل يثبت التفصيلي أيضاً، بل وكذا الوجه الأَوّل على تقدير تماميته، فتأمل جيداً.

ثمّ إنّ لبيان هذا العلم الإجمالي وتصويره تقاريب ثلاثة، على ما وجدته في كلماتهم:

الأوّل: ما ذكره المحقّق الطوسي قدّس سره في محكي شرح الرسالة (1) : كما أنّ الكاتب يُطلق على مَن يتمكن من الكتابة، سواء كان مباشراً للكتابة أو لم يكن، وعلى مَن باشرها حال المباشرة باعتبارين، كذلك العالم يُطلق على مَن يتمكّن أن يعلم، سواء كان في حال استحضار المعلومات

____________________

(1) الشوارق 2 / 234 و 245.


أو لم يكن، وعلى مَن يكون مستحضراً لها حال الاستحضار باعتبارين، والعالِم الذي يكون علمه ذاتياً فهو بالاعتبار الأَوّل؛ لأنّه بذلك الاعتبار لا يحتاج في كونه عالماً إلى شيء غير ذاته، والعلم بهذا الاعتبار شيء واحد. انتهى.

ولعلّ هذا هو مختار اللاهيجي في كتابه (گوهر مراد) حيث قال (1) : ليكن علمى كه عين ذات است بمعنى عالميت است وآن بودن ذاتست بحيثيتى كه هر گاه معلوم متحقق شو بوجود عينى يا بوجود ظلى، هر آئينه منكشف باشد بر او، واين معنىدر واجب متحققست خواه معلوم متحقق باشد وخواه نه، پس واجب در مرتبه ذات نيز عالمست باين معنى با آنكه تحقق معلوم در آن مرتبه ممتنع است وعد تحقق معلوم منافى عالميت ومستلزم عدم علم واجب نيست، ليكن تحقق إضافة عالميت كه عبارت است از تعلق علم بمعلوم موقوفست بر تحقق معلوم چه تحقق اضافه فرع تحقق طرفين است لا محاله. انتهى.

أقول: أمّا ما ذكره المحقّق الطوسي قدّس سره فيرد عليه: أنّه لا يُخرج الواجب عن حد الجهل، غايته أنّه عالم بالقوة، مع أنّها ممتنعة في حق القديم البريء عن المادة ولواحقها، كيف وقد مضى أنّ صفاته الواجبة ثابتة له فعلاً بمجرّد عدم امتناعها؟ وبمثله نردّ قول اللاهيجي أيضاً، فإنّه يرجع في المآل إلى أنّه غير عالم في مرتبة ذاته تعالى بالأشياء، فأمثال هذه التقارير لا تغني ولا تسمن.

الثاني: ما ذكره ابن سينا في كتبه (2) قال: نفس تعقّله هو وجود الأشياء عنه، ونفس وجود هذه الأشياء نفس معقوليتها. وقال: ليس علوّ الأَوّل ومجده هو أن يعقل الأشياء، بل علوّه ومجده بأن يفيض عنه الأشياء معقولةً، فيكون بالحقيقة علوه ومجده بذاته لا بلوازمه التي هي المعقولات، وقال أيضاً في محكي الشفاء: ثمّ يجب لنا، أن نعلم أنّه قيل للأوّل: عقل، قيل على المعنى البسيط الذي عرفته في كتاب النفس، وأنّه ليس فيه اختلاف صور مترتبة متخالفة، كما يكون في النفس، فهو كذلك يعقل الأشياء دفعةً واحدة، من غير أن يتكثّر بها في جوهره، أو يتصوّر في حقيقة ذاته بصورها، بل يفيض عنه صورها معقولةً، وهو أَولى بأن يكون عقلاً من تلك الصور الفائضة عن عقله؛ لأنّه يعقل ذاته وأنّها مبدأ كلّ شيء، فيعقل من ذاته كلّ شيء. انتهى.

أقول: المفهوم من هذه الكلمات وغيرها أنّ كمال الواجب، هو كونه بحيث يفيض عنه هذه الصور المعقولة، فالعلم الإجمالي الذي هو عين ذاته تعالى، هو علمه بذاته الذي هو علّة فيضان

____________________

(1) گوهر مراد / 197.

(2) لاحظ الأسفار والشوارق وغيرهما.


الصور المعقولة عنه، ومفاد هذا الكلام عند الغور والتعمّق أنّه لا علم ذاتي له تعالى بما سواه، فهو يعلم ذاته بذاته، وأمّا ما سواه فهو غير معلوم له بعلمه الذاتي، بل بالصور المعقولة الفائضة عنه.

هذه هي فلسفة ابن سينا وغيره من المشّائين، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ ذاته الأحدية مشتملة على جميع الأشياء بحذف حدودها، فيكون علمه بذاته علم بما سواه إجمالاً، كما مرّ في بيان مقالة صاحب الأسفار، لكن هذا القائل غير متوجّه إلى هذه الجهة، ومع فرض توجّهه إليها فقد دريت أنّها باطلة فلا تنفعه، وبالجملة: لم يتحصّل لنا من كلامه بيان معقول لعلم الواجب الذاتي الإجمالي بما سواه.

الثالث: ما نقلوه (1) عن أكثر متأخّري الفلسفة، وتوضيح مذهبهم بإيراد مثال في علم الإنسان فإنّ له أقساماً ثلاثة:

أحدها: أن له يكون له مَلَكة تحصل من ممارسة العلوم والإدراكات بقدر، ويتمكّن بحصول تلك المَلَكة من استحضار الصور العقلية التي كان اكتسبها من قبل، متى شاء بلا تجشّم كسب جديد، وإن كان تلك العلوم والإدراكات غير حاضرة في نفسه؛ إذ ليس في وِسعها أن تعقل الأشياء معاً.

ثانيها: كونه بحيث يورد عليه مسائل كثير دفعةً، فيحصل له علم إجمالي بجواب الكلّ، ثمّ يأخذ بعده في التفصيل شيئاً فشيئاً، فهو يعلم من نفسه يقيناً أنّه يحيط بالجواب جملةً، ولم يفصّل في ذهنه بترتيب الجواب، ثمّ يخوض في الجواب مستمدّاً من الأمر البسيط الذي يدركه من نفسه، فهذا العلم الواحد البسيط فعّال للتفاصيل.

ثالثها: أن يكون علومه وصوره العقلية تفصيلية زمانية، على سبيل الانتقال من معقول إلى معقول على سبيل التدريج، فأثبتوا القسم الثاني الذي هو متوسّط بين الصورتين للواجب تعالى وقالوا: إنّه العلم الإجمالي الذاتي المقدّم على وجود الأشياء. نعم إنّ هذه الحالة البسيطة الخلاّقة للمعقولات المفصّلة مَلَكة وصفة زائدة في النفس، وفي الواجب ذاته بذاته، وهل هذا صحيح ليس فيه القوّة، أو لا بل هو حالة متوسّطة بين الفعلية المحضة والقوة المحضة؟ فيه كلام بين الشيخ الإشراقي وصاحب الأسفار، وبين اللاهيجي والسبزواري، فالأَوّلان على الثاني، والأخيران على على الأَوّل.

وكيفما كان، فقد استدلّوا على وجود هذا العلم، بأنّ الواجب مبدأ مجعولاته المتميّزة في الخارج، ومبدأ تمييز الشيء يكون علماً به؛ إذ العلم ليس إلاّ مبدأ التمييز. أقول: وفيه: أنّ العلم وإن كان مبدأ التمييز، إلاّ أنّ مبدأ التمييز علم دائماً، فهو غير مبيّن، ولعلّ هذا مراد الحكيم

____________________

(1) الناقل هو صاحب الأسفار، وصاحب الشوارق، والسبزواري، وغيرهم قدّس سرهم.


الشيرازي، حيث أورد على الحجة بأنّها مبنيّة على انعكاس الموجبة الكلّية كنفسها فلاحظ.

فقد تلخّص: أنّ ما تخيّلوه من تقسيم العلم إلى الإجمالي والتفصيلي، وجعل الأَوّل عين ذاته تعالى ضعيف البنيان، منهم الأساس، باطل الأركان، وسيأتي أنّ ما ذكروه حول العلم التفصيلي أيضاً لا يبتني على ركن وثيق، فإذن وجب الرجوع إلى ما قرّرناه من أنّ الله عالم بجميع الأشياء أزلاً قبل وجودها تفصيلاً، وسنبرهن على أنّ هذا العلم عين ذاته المقدّسة.

وأمّا كيفية هذا العلم، وأنّه كيف يتعلّق بالمعلوم؟ فهي خارجة عن قدرة نفوسنا وسلطة علومنا ( وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) (1) .

وحيث إنّ هذا العلم عين ذاته فقد امتنع كونه حصولياً أو حضورياً؛ لامتناع اتّحاد الصور أو الموجودات الخارجية مع الذات الواجبة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ومَن قال بأحدهما فإنّما هو في علمه التفصيلي الزائدة على ذاته بزعمه كما ستعرفه.

ثمّ إنّ هذا العلم الإجمالي لا يكفي لتحقيق هذا النظام الأجمل الموجود، فإنّه يقتضي العلم التفصيلي المتقدّم كما لا يخفى. وهذا الإشكال يجري في التقريب الأَوّل بلا خفاء.

وأمّا في الثاني؛ فلأنّا نقول: إنّ القائل به وإن يسند النظام إلى الصور المذكورة؛ إلاّ أنّها أيضاً تحتاج في صدورها عن الواجب إلى علم سابق عليها، وما قيل: من أنّ علمه بذاته يكفي لصدورها فهو ممّا لا برهان عليه.

وأمّا في الثالث؛ فلأجل أنّ العلم المفروض مجمل وبسيط، فلا يفي لفاعليته التامّة الكاملة الاختيارية، فتأمّل.

الجهة الخامسة: في العلم التفصيلي للحكماء.

معلومية الشيء إمّا بمجرّد حضور ذاته وعدم غيبتها، أو بتوسّط صورته، والأَوّل هو العلم الحضوري، والثاني هو العلم الحصولي، وكلا العلمينِ فينا متحقّق، فإنّا نعلم ذاتنا بنفس ذاتنا، والصور المرتسمة في أذهاننا بنفس تلك الصور، ونعلم الأشياء الخارجية بصورها وهذا واضح، وإنّما الكلام في العلم التفصيلي الثابت للواجب تعالى، وأنّه حصولي أو حضوري؟

فيه خلاف شديد، فذهب أرسطو وغيره وتوابع المشّائين - منهم الشيخان: أبو النصر الفارابي وابن سينا، وتلميذه بهمنيار وكثير من المتأخرين - إلى الأَوّل وتخيّل ارتسام صور الممكنات في ذاته تعالى وحصولها فيها، وسلك السهروردي (بل في الأسفار: وحكم بصحة هذه الطريقة كل مَن أتى بعده) الثاني وأنّ الأشياء - سواء كانت مجرّدات أو مادّيات، مركّبات أو

____________________

(1) الإسراء 17/ 85.


بسائط - بوجوداتها الخارجية مناط علمه تعالى وعالميته بها، قال في الأسفار: فعلمه تعالى عنده - الشيخ الإشراقي - محض إضافة إشراقية، فواجب الوجود مستغنٍ في علمه تعالى بالأشياء عن الصور، وله الإشراق والتسلّط المطلق، فلا يحجبه شيء عن شيء، وعلمه وبصره واحد؛ إذ علمه يرجع إلى بصره، لا أنّ بصره يرجع إلى علمه كما في غير هذه القاعدة... إلخ.

وأمّا المحقّق الطوسي فلم يوافق السهروردي كلّياً، فإنّه - أي السهروردي - أجرى هذه القاعدة في الأجسام والجسمانيات كلّها، وإنّ حضور ذواتها كافٍ في أن تعلم بالإضافة الاشراقية، والمحقّق المذكور لم يكتفِ بذلك، بل جعل مناط علمه بالأجسام والجسمانيات ارتسام صورهما في المبادئ العقلية والنفسية، فالقاعدة عنده مختصّة بتلك المبادئ، كما في الأسفار، لكن السبزواري جعل القولين واحداً فلاحظ.

وكيف ما كان، فبيان هذا القول نأخذه من عبارة المحقّق الطوسي، في محكي شرح رسالة العلم (1) قال قدّس سره: والحق أنّه ليس من شرط كلّ إدراك أن يكون بصورة ذهنية؛ وذلك لأنّ ذات العاقل إنّما يعقل نفسه بعين صورته التي بها هي هي، وأيضاً المدرِك للصورة الذهنية إنّما يدركها بعين تلك الصورة لا بصورة أُخرى، وإلاّ لتسلسل (2) ، ولزم مع ذلك أن يجمع في محلّ واحد صوراً متساوية في الماهية مختلفة بالعدد فقط،وذلك محال،فإذن، إنّما يحتاج في الإدراك إلى صورة المدرَك، أمّا الاحتياج إلى صورة ذهنية فقد يكون لكون المدرَك غير حاضر عند المدرِك، وعدم الحضور يكون إمّا لكون المدرَك غير موجود أصلاً، أو لكونه غير موجود عند المدرِك، أي يكون بحيث لا يصل إليه الإدراك البتة؛ وذلك إنّما يكون بسبب شيء من الموانع العائدة، إمّا إلى المدرِك نفسه،أو آلة الإدراك أو إليهما جميعاً.

ثمّ قال: وإدراك الأَوّل تعالى إمّا لذاته فيكون بعين ذاته لا غير، ويتّحد هناك المدرَك والمدرِك والإدراك ولا يتعدّد إلاّ بالاعتبارات التي تستعملها العقول؛ وإمّا لمعلولاته القريبة، فيكون بأعيان ذوات تلك المعلومات؛ إذ لا يتصور هناك عدم حضور بالمعاني المذكورة أصلاً، ويتّحد هناك المدركات والإدراكات ولا يتعدّدان إلاّ بالاعتبار ويغايرهما المدرك، وإمّا لمعلولاته البعيدة كالماديات والمعدومات التي من شأنها إمكان أن يوجد في وقت، أو أن يتعلّق بموجود، فيكون بارتسام صورها المعقولة في المعلولات القريبة، التي هي المدركات لها أَوّلاً وبالذات، وكذلك إلى أن ينتهي إلى إدراك المحسوسات بارتسامها في آلات مدرِكيها؛ وذلك لأنّ الموجود في الحاضر حاضر، والمدرِك للحاضر يدرك لِما يحضر معه، فإذن لا يعزب عن علمه

____________________

(1) الشوارق 2 / 226.

(2) أقول: والتسلسل المذكور ممنوع؛ لانقطاع السلسلة بانقطاع الالتفات في غيره تعالى.


مثقال ذرة، في الأرض، ولا في السماء، ولا أصغر، منها ولا أكبر، فيكون ذوات معلولاته مرتسمة بجميع الصور؛ وهي التي يعبّر عنها تارة بالكتاب المبين، وتارة باللوح المحفوظ ويسمّيهما الحكماء بالعقول الفعّالة. انتهى.

وقال في شرح الإشارات - في ضمن كلامه -: ولا تظننّ أنّ كونك محلاً لتلك الصورة شرط في تعقّلك إيّاها، فإنّك تعقل ذاتك مع أنّك لست محلاً لها، بل إنّما كان كونك محلاً لتلك الصورة شرطاً في حصول تلك الصورة، الذي هو شرط في تعقّلك إيّاها، فإن حصلت تلك الصورة لك بوجه آخر غير الحلول فيك، حصل التعقّل من غير حلول فيك... إلخ.

أقول: والإنصاف أنّ هذا الظن لم يظهر دفعه، فالبيان غير وافٍ لإثبات مذهبه، وبالجملة: إنّ الحصول الذي يكفي في تحقّق العلم على ما هو المسلّم، إنّما الحصول المتحقّق في ضمن الاتحاد، كما في علم ذاتنا بذاتنا، أو القيام كما في قيام الصور بذهننا قياماً حلولياً، وأمّا كفاية مطلق الحصول على أيّ نحو كان في ذلك، فممنوع كما ذكره المحقّق اللاهيجي أيضاً (1) .

أقول: وممّا يزيّف هذا لزومه خلو الواجب عن العلم التفصيلي أبداً؛ إذ الموجودات بأسرها لا تجتمع في زمان، فهو لا يعلم جميع الأشياء في وقت من الأوقات، إلاّ أن يلتزم بتحقّق الأشياء أزلاً في مواطنها الحادثة كما مرّ بحثه، وقد علمت أنّه أيضاً غير ثابت، هذا مع أنّ فعل الفاعل المختار لابدّ من مسبوقيّته بالعلم، وقد مرّ أنّ العلم الإجمالي لا يكفي لذلك.

وأمّا ما أورده صاحب الأسفار على هذا القول من الإيرادات الثمانية، فهو لا يخلو عن كلام، فإنّه بين ما يتوجه على نفس السهروردي لا على القول نفسه، وبين ما هو غير وارد، وبين ما هو غير ظاهر في نفسه؛ ولذا لم يعتنِ بها السبزواري، فاختار هذا القول في المنظومة زائداً على ما اختاره من مذهب هذا المورد، لكن الحقّ بطلان المذهبين معاً كما عرفت، والله الهادي.

نقل ونقد

استدلّ الشيخ الإشراقي على هذا القول بقاعدة الملازمة حيث قال - على ما في الأسفار -: إنّ كلّ ما هو كمال مطلق للموجود من حيث هو موجود، فيجب له، وإذا تحقّق شيء منه في معلومه فتحقّقه له أَولى، وكلّ ما هو أَولى فهو واجب له بالضرورة، وإذا صحّ العلم الإشراقي للنفس ففي الواجب الوجود أَولى، فيدرك ذاته لا بأمر زائد عليها، ويدرك ما سواه بمجرّد إضافة الإشراق عليها... إلخ.

وأمّا المحقّق الطوسي فله دليل آخر، ومحصّله: أنّ ذاته تعالى علّة لِما سواه، وعلمه بذاته

____________________

(1) الشوارق 2 / 228.


عين ذاته، والعلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول، وحيث إنّ العلّة - أي ذاته تعالى وعلمه بها - واحدة، فالمعلول - هو ما عداه والعلم به - أيضاً واحد؛ ضرورة عدم صدور الكثير عن الواحد.

أقول: وهذا أحسن من الوجه الأَوّل كما لا يخفى، لكنّ الوجهين ضعيفان: أمّا الأَوّل فبعد ما عرفت منافي عموم علمه، لا يبقى له مجال بالضرورة. وأمّا الثاني ففيه:

أَوّلاً: منع جريان قاعدة استلزام العلم بالعلّة العلم بالمعلول كما مرّ.

وثانياً: منع قاعدة عدم صدور الكثير عن الواحد، كما سبق.

وأَمّا القول الأَوّل - أعني تفسير علمه التفصيلي بالعلم الحصولي - فمجمله: أنّ العلم إمّا فعلي وإمّا انفعالي، والأَوّل ما يكون سبباً لوجود المعلوم في الخارج، سواء كان سبباً ناقصاً - كعلم البنّاء، حيث إنّه يصوّر في ذهنه لقوةٍ خيالية صورة البيت، ثمّ تصير تلك الصورة محرّكةً لأعضائه حتى يوجد البيت في الخارج، فإنّ علمه هذا يفتقر في إيجاد البيت إلى آلة وزمان خاصّ وشرائط أُخرى - أو سبباً تامّاً كعلم الباري بالعالم، فإنّ مجرّد علمه به كافٍ لوجوده، فصدور الأشياء عن الباري جلّ اسمه في الخارج بأنّها عُقلت أَوّلاً فصدرت، وتعقّله تعالى إيّاها ليست بأنّها وجدت أَوّلاً فعقلت؛ لأنّ صدورها عن عقله لا عقله من صدورها، فالواجب يعلم ذاته فيفيض صور الأشياء عنه معقولةً؛ لأنّها من لوازم ذاته، فعلمه بما سواه من جهة هذه الصور وهي علمه العنائي الموجب للنظام، وهذه الصور صادرة عنه تعالى مرتسمة في ذاته الواجبة.

واستدلّ له بأنّه تعالى يعلم ذاته وذاته سبب للأشياء، والعلم بالسبب التامّ للشيء يوجب العلم بذلك الشيء، فذاته تعلم جميع الأشياء في الأزل، لكنّ الأشياء كلّها غير موجودة في الأزل بوجود أصيل، فلو لم تكن موجودةً بوجود علمي لم يتحقّق العلم ضرورة استدعائه المعلوم، ولا يعقل تعلّقه بالمعدوم الصرف، فظهر كون الأشياء موجودةً بالوجود العقلي الصوري عند الباري قبل وجودها الخارجي.

ثمّ إنّ هذه الصور إمّا منفصلة عن الباري فيلزم المُثُل الأفلاطونية، وإمّا بأن تكون أجزاء لذاته فيلزم التركيب في ذاته، وكلاهما محالان؛ أو بأن تكون زائدةً على ذاته لكنّها متّصلة بها مرتسمة فيها، وهو المطلوب.

أقول: قد تقدّم أنّ الله عالم بالأشياء أزلاً بالعلم الذي هو ذاته كما برهنّا عليه، وأمّا أنّه تعلّق بالصور أو بالذوات الموجودة في مواطنها، فهذا ممّا لا سبيل لنا إلى تعقّله كما مرّ، فنقول حينئذٍ: إنّ هذا الدليل مدخول، فإنّ علمه بالأشياء عين ذاته لا الصور الفائضة عنه، وأيضاً نُقض بالقدرة الواجبة الأزلية؛ لأنّها مثل العلم صفةٌ ذات إضافة تتعلّق بالمقدورات، ولا شك أنّ قدرته تعالى شاملة لجميع الممكنات أزلاً مع عدم وجودها في الأزل، ولا يمكن دفعه بالصور الأزلية،


فإنّ ذوات الأشياء الخارجية مقدورة بأنفسها كصورها، فلابدّ من تحقّق نفس هذه الموجودات أزلاً وإلاّ لم يتحقّق القدرة.

وأمّا ما أجاب عنه الحكيم الشيرازي في أسفاره، بأنّ القدرة وإن سُلّم جريان الدليل فيها، وأنّ حكمها حكم العلم في اقتضاء الطرفين، لكن لا نسلّم تخلّف الحكم في القدرة؛ إذ كما في العلم لا يلزم وجود المعلوم بعينه الخارجي، بل يكفي وجوده بصورته، فكذلك لا يلزم وجود المقدور بعينه الخارجي بل وجوده بصورته، وذلك الوجود الصوري كما أنّه معلوم له كذلك مقدور صادر عنه، فواضح البطلان؛ لِما صرّح المورد من أنّ المقدور بوجوده الخارجي مقدور، فحضور صورته لا يكفي لمقدورية ذاته الخارجية، وهذا واضح جداً.

لكن الإنصاف أنّ هذا النقض غير متين، فإنّ القدرة - على ما عرفت منّا تفسيرها - لا تقضي وجود المقدور ولو بصورته كما نشاهد ذلك في أنفسنا، فإنّا قادرون على أُمور غير موجودة خارجاً، من غير أن تقوم قدرتنا بصور تلك الأُمور.

وأمّا العلم فلابدّ له من شيء يتعلّق به، سواء كان عيناً خارجياً أو صورةً ذهنية، فإنّه يستلزم الانكشاف عن العالم، والمعدوم الصرف لا انكشاف له، وأمّا ما أورده عليه في الأسفار، فهو لا يرجع إلى أساس صحيح، فلاحظ ولا نطوّل المقام بذكره وردّه.

هذا ما يرجع إلى الدليل، وأمّا الدعوى نفسها فهي مزيّفة من وجوه:

الأَوّل: ما أفاده المحقّق الطوسي قدّس سره في محكي شرح الإشارات، من أنّ ارتسام الصور الممكنة في ذاته تعالى يوجب تكثّره وهذا باطل، وأمّا ما أجاب عنه المحقّق الشيرازي في أسفاره، والمحقّق اللاهيجي في شوارقه و (گوهر مراد)، وصرّح الشيخ ابن سينا نفسه، بأنّ حصول الكثرة بالترتيب السببي والمسبّبي، فلا ينثلم بها الوحدة، كما في الفعل حيث إنّه تعالى يوجد الكثير بالترتيب، مع أنّه لا يصدر الكثير عن الواحد، فهو عجيب من هؤلاء الباحثين، فإنّ الترتيب وإن كان يمنع الكثرة في مسألة الإيجاد، ولا يصادم القاعدة القائلة بعدم صدور الكثير عن الواحد، إلاّ أنّه لا يرتبط بالمقام؛ إذ بعد الالتزام بارتسام الصور المطابقة للأشياء الخارجية في ذاته تعالى، لابدّ من فرض تكثّر الذات حسب تكثّر الصور، سواء كان حصولها بالترتيب أو بغير الترتيب، وهذا قريب من البداهة، ولمّا كان تجزّي الباري وتركّبه محالاً كان هذا القول أيضاً محالاً.

الثاني: إنّه يلزم كونه تعالى موصوفاً بصفات زائدة على ذاته غير إضافية ولا سلبية، مع أنّه باطل باتّفاق من الإمامية والفلاسفة، فإنّهم يعتقدون العينية، وهذا أيضاً ممّا أورده المحقّق الطوسي قدّس سره على هذا المدّعى، وأنت بعد ما عرفت بطلان العلم الإجمالي المزعوم المتقدّم، تعلم


أنّ جواب هؤلاء المتقدّمين عن هذا الاعتراف لا يرجع إلى محصّل.

الثالث: إنّ هذه الدعوى ترجع عند التحقيق إلى قول الأشاعرة القائلين بزيادة الصفات القديمة القائمة بذاته تعالى، فيبطله ما يبطلها، والأُصول المتقدّمة تفسد ما يمكن أن يجاب عن هذا الرجوع.

الرابع: إنّ مدار هذا القول على العلم الفعلي، وإنّ علم الواجب بذاته يوجب فيضان هذه الصور عنه، وسيأتي في مبحث الإرادة إن شاء الله بطلانه، وإنّ علمه تعالى ليس بفعلي بأن يكون علةً لفعله، ولا بانفعالي بأن يكون صورةً حاصلة من المعلوم، فإنّ علمه عين ذاته كما سيأتي برهانه، والصور لا تكون ذات الواجب الوجود فإنّها مخلوقة له؛ ولأنّها عَرض فلا يمكن اتّحادها مع الواجب، فإذن، عُلم أنّ علمه تابع للأشياء في التعلّق والإضافة، لا في أصل تحقّقه، وبالجملة: علمه تعالى ليس بحضوري، ولا بحصولي، ولا بفعلي، ولا بانفعالي، ولا بإجمالي، ولا بتفصيلي، ممّا اصطلحوا عليه.

ثمّ إنّ لصاحب الأسفار وجوهاً من الإيراد على قول المشّائين القائلين بارتسام الصور في ذاته، لكنّها غير واردة عليهم إلاّ الواحد منها بناءً على أصالة الوجود فراجع.

هذا تمام كلامنا حول الأقوال المهمّة الدائرة على علمه تعالى، وبيان ما هو الحق في المقام، والحمد لله، وقد عرفت إلى هذه الأقاويل نَشَأت من قياس علم الواجب بعلمنا أملاً، ومن عدم الالتفات إلى استحالة فهمنا بحقيقته، فإنّه تعالى وصفاته الذاتية.

الجهة السادسة: حول البداء

قد ظهر أنّ مذهب الإمامية طبقاً للبراهين العقلية، والآيات القرآنية، والسُنة القطعية، هو عموم علمه تعالى بالأشياء، وأنّه لا يتصوّر الجهل والبداء في حقّه أصلاً، كما دريته درايةً كاملة.

وأمّا ما ورد في روايات أهل العصمة والطهارة، من إثبات البداء له تعالى فهو بمعنى الإبداء، أي أبدى الله شيئاً كذا، للناس بعدما أخفاه عليهم، وهذا أمر معقول لا غبار عليه، وقد تقدّمت رواية البزنطي عن الرضا عليه‌السلام في الجهة الثانية القائلة بكفر مَن اعتقد تعلّق علمه بالشيء بعد كونه.

وممّا يدل على مرادنا أيضاً رواية أبي بصير وسماعة (1) : (مَن زعم أنّ الله عزّ وجلّ يبدو له في شيء لم يعلمه أمس، فابرؤوا منه)، ورواية ابن سنان عنه أيضاً (2) : (إنّ الله يقدّم ما يشاء، ويؤخّر

____________________

(1) بحار الأنوار 4 / 111.

(2) بحار الأنوار 4 / 121.


ما يشاء، ويمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء، وعنده أُمّ الكتاب، وقال: فكلّ أمر يريده الله فهو في علمه قبل أن يصنعه، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه، إنّ الله لا يبدو له من جهل).

وروى الصدوق في عقائده (1) عن الصادق عليه‌السلام : (مَن زعم أنّ الله بدا له من شيء بداء ندامة، فهو عندنا كافر بالله العظيم). وصحيحة عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام : (ما بدا لله في شيء إلاّ كان في علمه قبل أن يبدو له). ورواية عمرو (3) عنه عليه‌السلام : (إنّ الله لم يبدُ له من جهل)، لكن الذين طبع الله على قلوبهم، ولا يخافون الله، ولا يستحيون من الناس، ينسبون إلى الإمامة القول البداء، أي ظهور الشيء لله تعالى بعد خفائه عليه، سبحانك هذا بهتان عظيم، ولا يوجد من الإمامية قائل بذلك، فضلاً عن أن يكون ذلك معتقد جميعهم.

ثمّ إنّنا نذكر جملةً من كلمات بعض علمائنا الأعلام؛ توضيحاً للمراد / وتعميماً للانتفاع، وردّاً على هؤلاء المتقوّلين، فنقول: قال شيخنا الأَجلّ المفيد (336 أو 338 - 413) في كتابه أوائل المقالات (4) :

أقول: في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله، من الإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، والإماتة بعد الإحياء، وما يذهب أهل العدل خاصّة من الزيادة في الآجال والأرزاق، والنقصان منها بالأعمال، فأمّا إطلاق لفظ البداء فإنّما صرت إليه بالسمع الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله عزّ وجلّ، ولو لم يرد به سمع أعلم صحّه، ما استجزتُ إطلاقه (5) ، كما أنّه لو لم يرد على سمع، بأنّ الله يغضب ويرضى ويحب ويعجب لَما أطلقت ذلك عليه سبحانه، ولكنّه لمّا جاء السمع به صرت إليه على المعاني التي لا تأباها العقول، وليس بيني وبين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف، وإنّما خالف مَن خالفهم في اللفظ دون ما سواه... وهذا مذهب الإمامية بأسرها انتهى.

وله كلام طويل آخر في توضيح هذه المسألة، في شرحه على عقائد الصدوق رحمه‌الله حيث قال: فالمعنى في قول الإمامية: بدا لله في كذا، أي ظهر له فيه، ومعنى ظهر فيه أي ظهر منه، وليس المراد منه تعقّب الرأي ووضوح أمر كان قد خفي عنه... إلخ.

ونظيره كلام الشيخ الصدوق، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وغيرهم من أعيان الطائفة

____________________

(1) العقائد للصدوق / 73.                            (2) الكافي 1 / 148.

(3) الكافي 1 / 148.                                  (4) أوائل المقالات / 53.

(5) أقول: ففي صحيح البخاري 4 / 146 بإسناده عن أبي عمرة، أنّ أبا هريرة سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (إنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأعمى وأقرع بدا لله عزّ وجلّ أن يبتليهم، فبعث إليهم مَلَكاً، فأتى الأبرص...) إلخ.


وأعاظم الملّة قدّس الله أسرارهم (1) .

ولسيدنا الأُستاذ العظيم الفقيه الأُصولي العلاّمة الخوئي - دام ظله - كلمةً حول معنى البداء وتحليله في مدخل تفسيره (البيان) ينبغي نقل بعضها تتميماً للفائدة، قال - دام ظله الوارف - (2) : ثمّ إنّ البداء الذي تقول به الشيعة الإمامية إنّما يقع في القضاء غير المحتوم، أمّا المحتوم منه فلا يتخلّف، ولابدّ من أن تتعلّق المشيئة بما تعلّق به القضاء، توضيح ذلك: أنّ القضاء على ثلاثة أقسام:

الأَوّل: قضاء الله الذي ام يُطلع عليه أحداً من خلقه، والعلم المخزون الذي استأثر به لنفسه، ولا ريب أنّ البداء لا يقع في هذا القسم، بل ورد في أخبار كثيرة عن أهل البيت عليهم‌السلام أنّ البداء إنّما ينشأ من هذا العلم.

الثاني: قضاء الله الذي أخبر نبيّه وملائكته بأنّه سيقع حتماً، ولا ريب في أنّ هذا القسم أيضاً لا يقع فيه البداء، وإن افترق عن القسم الأَوّل بأنّ البداء لا ينشأ منه.

الثالث: قضاء الله الذي أخبر نبيّه وملائكته بوقوعه في الخارج، إلاّ أنّه موقوف على أن لا تتعلّق مشيئة الله بخلافه، وهذا القسم هو الذي يقع فيه البداء ( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (3) .

وقد دلّت على ذلك روايات كثيرة... إلى أن قال: والبداء إنّما يكون في القضاء الموقوف المعبّر عنه بلوح المحو والإثبات، فلا يستلزم نسبة الجهل إلى الله تعالى.

فالقول بالبداء هو الاعتراف الصريح، بأنّ العالم تحت سلطان الله وقدرته في حدوثه وبقائه، وأنّ إرادة الله نافذة في الأشياء أزلاً وأبداً، بل وفي القول بالبداء يتّضح الفارق بين العلم الإلهي وبين علم المخلوقين، فعلم المخلوقين - وإن كانوا أنبياء أو أوصياء - لا يحيط بما أحاط به علمه تعالى، فإنّ بعضاً منهم - وإن كان عالِماً بتعليم الله إيّاه - بجميع عوالم الممكنات - لا يحيط بما أحاط به علم الله المخزون الذي استأثر به لنفسه، فلا يعلم إلاّ ما أخبره الله على نحو الحتم.

والقول بالبداء يوجب انقطاع العبد إلى الله، وطلبه إجابة دعائه منه، وكفاية مهمّاته وتوفيقه للطاعة، وإبعاده عن المعصية، فإنّ إنكار البداء والالتزام بأنّ ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة - كما يراه اليهود ومَن يحذو حذوهم - يلزمه يأس المعتقِد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه، فإنّ ما

____________________

(1) لاحظ الجزء الرابع من البحار وتعاليقه.

(2) البيان / 271.

(3) الرعد 13 / 39.


يطلبه العبد من ربّه إن كان قد جرى قلم التقدير بإنفاذه، فهو كائن لا محالة، ولا حاجة إلى الدعاء والتوسّل، وإن كان قد جرى القلم بخلافه، لم يقع أبداً ولم ينفعه الدعاء، فيترك التضرّع إلى خالقه.

وهذا هو سرّ ما ورد في روايات كثيرة (1) عن أهل البيت عليهم‌السلام ، من الاهتمام بشأن البداء، كقول الصادق عليه‌السلام في رواية هشام بن سالم: (ما عُظّم الله عزّ وجلّ بمثل البداء)، وقوله عليه‌السلام في رواية محمد بن مسلم: (ما بعث الله عزّ وجلّ نبياً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار بالعبودية، وخلع الأنداد، وأنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء).

والسرّ في هذا الاهتمام، أنّ إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول، بأنّ الله غير قادر على أن يغيّر ما جرى عليه قلم التقدير، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، فإنّ كلا القولين يؤيّس العبد من إجابة دعائه، وذلك يوجب عدم توجّهه في طلباته إلى ربّه، مع أنّ القرآن يحثّ العبد بالتوجّه إلى ربّه.

أقول: ولنِعم ما قال الصادق عليه‌السلام في رواية مالك الجهني (2) : (لو عَلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر، ما فتروا عن الكلام فيه). وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، الذي كل يوم هو في شأن.

الجهة السابعة: في أنّ معلوماته أكثر من مقدوراته

قد ثبت ممّا تقدّم أنّ معلوماته تعالى أكثر من مقدوراته، فإنّ علمه تعالى يشمل الممكنات، والضروريات، والممتنعات، وجميع المفاهيم الاعتبارية والانتزاعية، وأمّا قدرته فهي تختصّ بالممكنات، فحينئذٍ يمكن أن يتوهّم أحد أنّ هذا ينافي ما عليه الإمامية والحكماء، من عينية صفاته مع ذاته تعالى، وعينية كلّ صفة مع صفة أُخرى خارجاً؛ إذ لو أنّ القدرة والعلم أمراً وحداً لَما تفارقا في كثير من الموارد.

وجوابه: أنّ الاختلاف لا يرجع إلى الصفة بل إلى المتعلّق، فإنّ الأشياء بين ما يقبل المقدورية وبين ما لا يقبلها، حينما يقبل جميعها المعلومية، فإذن، لا منافات بين أكثرية المعلومات وعينية قدرته مع علمه جلّ جلاله، كما لا منافاة بين العينية المذكورة، وثبوت الإضافة للعلم والقدرة دون الحياة، فإنّ اتّصافه بالحياة والموجودية، لا يتوقّف على شيء، ولا تعلّق لهما بشيء، وذلك يرجع إلى اختلاف المفاهيم، فإنّ مفهوم الحياة والوجود مغاير لمفهوم العلم والقدرة حتى في الواجب الوجود، وإنّما الوحدة في جانب المصداق والخارج.

____________________

(1) ذكرها المجلسي في الجزء الرابع من البحار.

(2) أُصول الكافي 1 / 148.


الجهة الثامنة: حول العلم الحادث

وهي مشتملة على ذكر ما تتضمّنه جملة من الآيات العلم الحادث له تعالى، وإليك نقلها بلا إيفائها:

1 - ( وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ ) (1) .

2 - ( لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ ) (2).

3 - ( وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ) (3).

4 - ( لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا ) (4).

5 - ( إِلاّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ... ) (5).

6 - ( ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ) (6).

7 - ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (7).

فهذه الآيات الشريفة وغيرها تدلّ على إثبات العلم الحادث له تعالى، وقد مرّ أنّ علمه بالأشياء أزلاً كعلمه بها بعدها، فيمكن أن تُحمل على العلم الشهودي، على ما قال به جمع كثير في سمعه وبصره كما يأتي، ونحن وإن لا نوافقهم في ذلك في هاتين الصفتين؛ لجهة غير جارية هي في المقام، لكنّا نقول هنا: إنّ له علمينِ، وهما: العلم غير الشهودي الذي هو عين ذاته على ما تقدّم، والعلم الشهودي الحادث بعد وجود المعلوم خارجاً، أو أن تُحمل على المشاكلة، وجرى الكلام مع المخاطبين على ما هو مقتضى أحوالهم وطبائعهم، من تحصّل علمهم بالشيء بعد وجوده.

هذا، ولكن في النفس من هذه الآيات شيء، ولا أذكر عاجلاً مَن تعرّض لهذه المشكلة تفصيلاً. نسأل الله التوفيق من فضله.

____________________

(1) آل عمران 3 / 141.

(2) المائدة 5 / 94.

(3) الحديد 57 / 26.

(4) الجن 72 / 28.

(5) سبأ 34 / 21.

(6) الكهف 18 / 12.

(7) الملك 67 / 2.


الفصل الثالث

في سمعه وبصره تعالى

المورد الأَوّل: في أصل ثبوت سمعه وبصره شرعاً وعقلاً

المورد الثاني: في معنى سمعه وبصره

المورد الثالث: في تخصيص السمع والبصر بالذكر شرعاً

المورد الرابع: في الروايات الواردة حولهما


الفصل الثالث

في سمعه وبصره تعالى

والكلام فيه في موارد:

المورد الأَوّل: في أصل ثبوت سمعه وبصره شرعاً وعقلاً.

أمّا شرعاً فاتّصافه تعالى بالسمع والبصر والإدراك قطعي، بل ضروري والكتاب والسُنة به مشحونان، وأمّا عقلاً فلوجوه:

الأَوّل: ما ذكره المحقّق الطوسي قدّس سره (1) بقوله: ويدلّ عليه إحاطته بما يصحّ أن يسمع ويبصر؛ فلهذا المعنى وللإذن الشرعي بإطلاق هاتين الصفتين عليه يوصف بهما.

الثاني: ما ذكر العلاّمة في الباب الحادي عشر (2) بقوله: لأنّه حيّ فيصحّ أن يدرك، وقد ورد القرآن بثبوته له فيجب إثباته له.

الثالث: ما ذكره بعض الأشاعرة (3) ، بأنّه تعالى حيّ وكلّ حي يصحّ اتّصافه بالسمع والبصر، ومَن صحّ اتّصافه بصفة اتّصف بها أو بضدّها، وضدّ السمع والبصر هو الصمم والعمى وأنّهما من صفات النقص، فامتنع اتّصافه تعالى بهما، فوجب اتّصافه بالسمع والبصر.

الرابع: ما استدلّ به بعضهم - كما يظهر من الشوارق (4) - من أنّه حيّ وكلّ حيّ يصح أن يسمع ويبصر، وما أمكن في حقّ الواجب تعالى واجب له.

أقول: إن كان المراد بهما هو العلم بالمسموعات والمبصرات فالمقام داخل في المسألة المتقدّمة، فيتمّ الوجه الأَوّل والرابع، ولكن لابدّ أن يقال في الوجه الرابع: إنّ اتّصاف الواجب بهما ممكن، فهما ثابتان بلا توسيط الحياة، فإنّها عندهم بمعنى اتّصافه بالعلم والقدرة، ومفاد التقرير يكون هكذا: المتّصف بالعلم والقدرة يمكنه العلم، وهو كما ترى!

وإن كان شيئاً آخر فلا؛ إذ ليس حياته كحياة الممكن، حتى أمكن في حقّه ما أمكن في حقّنا،

____________________

(1) شرح قواعد العقائد / 48.

(2) شرح الباب الحادي عشر / 18.

(3) شرح المواقف 3 / 72.

(4) الشوارق 2 / 263.


فلا تكفي قاعدة الملازمة ولا إحاطته بما يصحّ أن يبصر ويسمع، فإنّ علمه به غير سمعه وبصره به.

وأمّا الوجه الثاني فهو راجع إلى الرابع؛ لأنّ ما أمكن في حقّه واجب بلا حاجة إلى توسيط النقل.

وأمّا الوجه الثالث فهو ضعيف جداً؛ لأنّ الحياة المأخوذة في الصغرى غير المأخوذة في الكبرى، وإلاّ فهي مصادرة، والصمم والعمى من قبيل عدم المَلَكة بالنسبة إلى السمع والبصر، لا أنّهما ضدان لهما، فيمكن خلو الواجب عن كليهما. وبالجملة: إن قلنا بتضمّن هاتين الصفتين ما يزيد على العلم الثابت له بالأدلة المتقدمة، فلا سبيل للعقل إلى إثباتهما، وإلاّ فيجري فيه الأدلّة المذكورة، ولا يحتاج إلى ذكر هذه الوجوه أو تكرارها.

هذا ومن الناس مَن نفى هاتين الصفتين اللتينِ دلّ عليهما الكتاب والسُنة، وتمسّكوا له بوجهين:

الأَوّل: إنّهما تأثر الحاسة عن المسموع والمبصَر أو مشروطان به كسائر الإحساسات، وهو محال في حق الله تعالى.

ورُدّ بمنع كونهما كذلك في الواجب؛ لأنّ صفاته مخالفة بالحقيقة لصفاتنا.

الثاني: إثبات السمع والبصر في الأزل ولا مسموع ولا مبصَر فيه خروج عن المعقول.

وأُجيب عنه، بأنّ انتفاء التعلّق أزلاً لا يستلزم انتفاء الصفة، كما في سمعنا وبصرنا، فإنّ خلوّهما عن الإدراك في وقت لا يوجب انتفاءهما أصلاً في ذلك الوقت، وفي الجوابين كلام لعلّه سينجلي فيما بعد.

المورد الثاني: في تفسير سمعه وبصره

وفيه أقوال:

الأَوّل: إنّهما عبارة عن العلم بالمسموعات والمبصرات، فهما فردان لمطلق العلم، قال به الفلاسفة كما قيل، أو الفلاسفة النافون لعلمه بالجزئيات على وجه جزئي كما في الأسفار، والكعبي أبو الحسين البصري.

أقول: وهذا هو مختار المفيد في كتابه أوائل المقالات (1) ، والعلاّمة في شرح قواعد العقائد، وبعض آخر من أصحابنا، قال شيخنا المفيد - بعدما فسّر السمع والبصر والإدراك، وكونه راءٍ بالعلم خاصّة دون ما زاد عليه في المعنى -: ولست أعلم من متكلّمي الإمامية في هذا الباب

____________________

(1) أوائل المقالات / 21.


خلافاً، وهو مذهب البغداديين من المعتزلة وجماعة عن المرجئة ونفر من الزيدية، ويخالف فيه المشبّهة وإخوانهم من أصحاب الصفات، والبصريون من أهل الاعتزال. انتهى.

أقول: دليلهم واضح فإنّ زيادة معنى البصر والسمع على العلم، ترجع إلى الإحساس المنفي عنه تعالى، فلابدّ من إرجاعهما إلى العلم، وإليه ذهب أبو الحسن الأشعري، كما في شرح القوشجي والأسفار.

الثاني: إنّهما زائدتان على العلم كما عن جمهور الأشاعرة والمعتزلة والكرامية، فإنّه إذا علم شيء علماً جلياً ثمّ وقع عليه البصر، يوجد بين الحالتين تفرقة ضرورةً، فإنّ الحالة الثانية تشتمل على زيادة مع حصول العلم فيهما، فذلك الزائد هو الإبصار، واحتياجنا إلى الآلة إنّما هو؛ لعجزنا وقصورنا، وأمّا الواجب فيحصل له الإبصار بلا آلة، وهذا هو الذي ذهب إليه السهروردي -فأرجع علمه إلى بصره- وصاحب الأسفار ومَن تبعه، وقد بيّنه في أسفاره فلاحظ.

الثالث: إنّهما نوعان من الإدراك لا يتعلّقان إلاّ بالموجود العيني، فهما من توابع الفعل، فليكونان حادثين بعد الجود (1) . قال به طائفة (2) .

وبالجملة: البصر والسمع عندهم عبارة عن تعلّق العلم بالمسموع والمبصر الخارجيينِ.

الرابع: التوقّف كما عن المحقّق الطوسي قدّس سره في نقد المحصّل، قال: والأَولى أن يقال: لمّا ورد النقل آمنا بذلك، وعرفنا أنّهما لا يكونان إلاّ بالآلتين المعروفتين، واعترفنا بعدم الوقوف على حقيقتهما.

أقول: وكلام العلاّمة في شرح التجريد أيضاً مشعر بذلك.

أقول: القول الثاني هو الأوفق بمدلول لفظ البصير والسميع، فإنّ الإدراك ليس هو العلم المطلق، ولا العلم بالجزئيات، بل ولا العلم المتعلّق بالمحسوسات بأي طريق كان، بل هو الكشف المحسوس الذي إذا كان صادراً عنّا يسمّى إحساساً.

وهذا النحو من الإدراك أشدّ في المحسوسات من العلم الحضوري الذي تخيّله السهروردي، أَلا ترى أنّ الصور الحالة فينا معلومة لنا بالعلم الحضوري، ولو أدركناها بالإحساس كان انكشافها حينئذٍ أشدّ من علمنا الحضوري بالفعل؟ فهذا المعنى إمّا هو المعنى الحقيقي للفظة الإدراك والسمع والبصر، على تقدير عدم مداخلة العضو في معانيها، أو هو أقرب المعاني المجازية على تقدير مداخلته فيها.

غير أنّ الذي يوجب رفضه، بل وكذا رفض القول الثالث، هو ما دلّ على قِدم هذه الصفات

____________________

(1) كما نقله في البحار 4 / 73.

(2) شرح المواقف 3 / 73.


إن تمّت صحّة أسانيدها، وكونها من الصفات الذاتية؛ إذ لا موجود محسوس أزلاً حتى يتعلّق به هذا الإدراك، فإذن لابدّ من إرجاعه إلى العلم كما قال الأَوّلون.

وأمّا الاعتذار المتقدّم في جواب الإيراد الثاني للنافين فهو في موضع منع؛ إذ ليس حالهما حال العلم المطلق حتى لا يضرهما فقدان المتعلّق، فتلخّص أنّ الأظهر هو القول الأَوّل، والأحوط هو القول الرابع، فإنّه مقتضى التثبّت الديني.

وأمّا الروايات الواردة في المقام فلم استفد منها شيئاً يترجّح به أحد المعنيين، سوى ذكر السمع والبصر في مقابل العلم المشعر بالتعدّد، وفوق كلّ ذي علم عليم، نعم قول أمير المؤمنين عليه‌السلام - على ما في خطبته المشهورة (1) -: (أحاط بالأشياء علماً قبل كونها، فلم يزدد بكونها علماً، علمه بها قبل أن يكوّنها كعلمه بعد تكوينها) يؤيّد القول الأَوّل، بل يمكن أن يُجعل أكثر ما تقدّم من الروايات الدالة على عموم علمه مؤيّداً له. والله الهادي.

المورد الثالث: في تخصيص

السمع والبصر بالذكر شرعاً

قالوا: إنّ عدم اتّصافه تعالى بالشمّ واللمس والذوق؛ لأجل عدم وروده من الشرع، وأسماء الله توقيفية.

ولعلّ النكتة في تخصيص السمع والبصر بالذكر شرعاً دون البقية، هو ردع المكلّفين عن المعاصي، فإنّ اعتقاد عامّة الناس بهما يمنعهم من الاقتحام في الجرائر والجرائم، ونفي توهّم الجسمية في حقّه تعالى، فإنّ تلك البقية أشدّ ارتباطاً بالجسم كما لا يخفى، وإلاّ فهو تعالى كما يعلم المسموعات والمبصرات، كذلك يعلم المشمومات والمذوقات والملموسات، إلاّ أن يقال: إنّ هذا يتمّ على التفسير الأَوّل وأمّا على التفسير الثاني فلا؛ إذ المفروض أنّ المعنى الزائد المذكور على العلم غير ثابت بالعقل، بل بالنقل وهو مختص بهما، ويمكن إثباته في البقية بقاعدة الملازمة بعد إمكانه، بل وقوعه في المبصرات والمسموعات، فتدبّر جيداً.

المورد الرابع: الروايات

الواردة في السمع والبصر

إنّ ما وجدته من الروايات الواردة حول هاتين الصفتين عاجلاً هو سبع نذكر واحدة منها، وهي: ما رواه ثقة الإسلام الكليني، بإسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام - والسند

____________________

(1) أُصول الكافي 1 / 135.


صحيح - أنّه قال في صفة القديم: (إنّه واحد، صمد، أحدي المعنى، ليس بمعاني كثيرة مختلفة، قال: قلت: جعلت فداك يزعم قوم من أهل العراق، أنّه يسمع بغير الذي يبصر، ويبصر بغير الذي يسمع، قال: فقال: كذبوا وألحدوا وشبّهوا، تعالى الله عن ذلك، إنّه سميع بصير، يسمع بما يبصر ويبصر بما يسمع، قال: قلت: يزعمون أنّه بصير على ما يعقلونه. قال: فقال: تعالى الله عن ذلك، إنّما يعقل ما كان بصفة المخلوق وليس الله كذلك) (1) .

وربّما تشعر الرواية بالقول الأَوّل. والله العالم.

____________________

(1) أُصول الكافي 1 / 108.


الفصل الرابع

إنّه تعالى حيّ


الفصل الرابع

إنّه تعالى حيّ

قد علم بالضرورة من الدين، وثبت بالكتاب والسُنّة، واتّفاق أهل الملل، أنّه تعالى حي، وحيث إنّ الحياة المتحقّقة في الحيوان - وهي صفة تقتضي الحس والحركة مشروطة باعتدال المزاج - غير ممكنة في حقه تعالى، اختلفوا في تفسيرها على أقوال:

1 - إنّها عبارة عن عدم استحالة كونه عالماً وقادراً. نُسب (1) إلى المتكلّمين من الإمامية والمعتزلة، وقيل (2) : إنّه مذهب الحكماء وأبي الحسين البصري، ومرجعها إذن إلى الصفات السلبية كما لا يخفى.

2 - إنّها صفة توجب صحّة العلم والقدرة، فهي إذن صفة زائدة على ذاته المتّصفة بالعلم والقدرة. نُقل هذا عن الأشاعرة وجمهور المعتزلة، أي قدمائهم القائلين بزيادة الصفات (3) .

3 - إنّها بمعنى الدرك والفعل، فكونه تعالى حياً أنّه درّاك فعّال، أي كون ذاته بحيث تكون درّاكةً وفعّالة، وإلاّ فهذا القول ظاهر الفساد، فإنّ حياته التي هي من صفاته الذاتية لا تكون نفس الفعل. وحكى هذا القول من الحكماء، المجلسي (4) وغيره.

4 - معنى كونه حيّاً هو الفعّال المدبّر اختاره الصدوق في كتابه التوحيد (5) .

أقول: الحياة والممات كالحركة والسكون، والقيام والجلوس منفية عنه تعالى بانتفاء موضوعها، أعني الجسم والجسماني، فلو كنّا نحن وعقولنا لمّا جوّزنا اتّصافه بالحياة أصلاً، ولكن لمّا ورد النقل به جوّزناه تعبّداً.

وعليه فجميع هذه الأقوال بلا شاهد ودليل عليها، بل هي - باستثناء الأَوّل - ثابتة العدم، فإنّ القول الثاني يبطل بالمذهب الصحيح من عينية الصفات، والثالث والرابع مستلزمان قِدم

____________________

(1) بحار الأنوار 4 / 69.

(2) المواقف 3 / 66 وغيرها.

(3) المصدر نفسه.

(4) بحار الأنوار 4 / 68.

(5) بحار الأنوار 4 / 192.


العالم فيبطلان ببطلان لازمها، والعجب من الصدوق فإنّه مع اعتقاده بحدوث العالم فسّر حياته تعالى - وهي من صفاته الذاتية - بما يلزم قِدم العالم، وبالجملة لابدّ أن يقول إمّا بقِدم العالم أو بحدوث الحياة، وكلا الأمرين باطل عنده.

وأمّا القول الأَوّل، فاتّصافه بالعلم والقدرة إنّما يُستكشف عن وجوده تعالى، وأنّه موجود غير معدوم لا عن حياته، فإنّها لا تكون شرطاً للعلم والقدرة مطلقاً كما لا يخفى.

فالإنصاف أنّه لم يتّضح لنا معنى الحياة الواردة في حقّه تعالى شرعاً، نعم لو قلنا بأنّ معنى الحياة في الحيوان يتمّ بإدراك وفعل، كما ادّعاه صاحب الأسفار لكان القول الثالث حقاً، وحينئذٍ يمكن إثباته عقلاً بقاعدة الملازمة المتقدّمة، لكن على نحو لا يستلزم قِدم العالم، إلاّ أنّه غير ظاهر.

ويمكن أن يقال: إنّ هذه الصفة حيث وردت في الكتاب والسنة الملقيَين على عامة الناس حسب عقولهم، أُريد بها ما هو متفاهم عندهم، فلا يكون معناها بمجمل، فيكون حياته بمعنى أنّه يتمكّن من الفعل، وأنّه يمكن أن يصدر منه آثاره اختياراً، وليس كالميت حيث لا أثر له، أو بمعنى أنّه موجود غير معدوم والله العالم.

وأعلم أنّ الحياة على أقسام بحياة الإنسان، وحياة الحيوان - ولعلّها على درجات - حياة الملائكة، وحياة الجن، حياة الموجودات الحية في المجرّات والسماوات، ولعلّها على أقسام متباينة، وهناك أقسام أُخر للحياة، كحياة الخلايا، وحياة أعضاء البدن، وحياة الشعر وغيرها، كما ذكرها الطب الجديد ولقلّتها في كتابنا (الفقه ومسائل طبيّة) الذي ألّفناه بعد أكثر من أربعين عاماً أو أكثر من تأليف هذا الكتاب، ونحن لا نعرف حقيقة حياة هذه المخلوقات، بل لا نعلم حقيقة حياتنا إلاّ بمقدار أنّها حصلت من تعلّق الروح بالبدن تعلّقاً تدبيرياً، وأمّا حقيقة حياتنا فهي مجهولة لنا، إلاّ بآثارها من التغذية، والنمو، والحسّ والحركة، والإدراك، والتكاثر ونحو ذلك، كما بُيّنت في علم الإحياء الحديث (البايولوجيا)، فكيف نحيط بحياته تعالى، حتى نحرّفها في الكلام والفلسفة! والأقوى ردّ جميع الأقوال المذكورة في الكتاب وغيره، والتوقّف في معرفتها، وإنّ المذكورات من آثارها الحياة لا منها ولا من لوازمها (1) .

إلحاق وإتمام

قد برهنّا - إلى الآن - على وجوده، ووجوبه، وقدرته، واختياره، وبصره وسمعه، وحياته، ولكن يرجع اختياره إلى قدرته، وأمّا سمعه وبصره فقد مرّ أنّهما من أفراد علمه أو من توابعه،

____________________

(1) ذكرنا هذه الزيادة عند طبع الكتاب مرّة ثالثة في سنة 1385 هـ. ق = 1427 هـ. ق.


على تردّد في ذلك، وأمّا الوجوب فليس إلاّ الوجود الغير المسبوق بالعدم، فأُصول صفاته ثلاثة: بعد وجوده: الحياة والعلم والقدرة، والبقية راجعة إليها.

فإلى الوجود يرجع الأزلية، والأبدية، السرمدية، والبقاء، والحقّية، والسالمية، والدوام، وأمثالها.

وإلى العلم يرجع رؤيته، (1) وإحاطته، وحكمته على أحد الوجهين، وعينه، وأمثالها.

وإلى القدرة يرجع قوته، وبطشه، وشدّته، ويده، وقهره، ونظائرها.

وستقف إن شاء الله على أنّ هذا التعدّد الثلاثي إنّما يجول في ميدان المفهوم وساحة الاعتبار فقط، وإلاّ ففي واقع المصداق ليس إلاّ الذات الأحدية البسيطة، فكلّه الوجود والقدرة والعلم، وعلمه قدرته ووجوده، وقدرته علمه ووجوده، ووجوده علمه وقدرته ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) (2) .

____________________

(1) كما قال تعالى: ( وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) .

(2) طه 20 / 111.


الموقف الثاني

في صفاته المدحيّة


الموقف الثاني

في صفاته المدحيّة

قد مضى أنّ صفاته الثبوتية إمّا ذاتية قائمة بذاته تعالى قياماً ذاتياً، وإمّا فعلية قائم بها قياماً صدورياً.

وهنا قسم آخر لم يلتفت إليه الباحثون، أو أهملوه لعدم الخلاف فيه، وسمّيناه نحن بـ (الصفات المدحيّة) وهي قائمة به تعالى قياماً وقوعياً (1) مثل: محمود، مقصود، مطلوب، وكيل - بمعنى مَن يُعتمد عليه - مرجع، ظاهر - أي معلوم للممكن بآثاره - باطن أي مجهول بحقيقته، إلى غير ذلك.

فإنّ أمثال هذه النعوت ليست بذاتية ولا بفعلية، صدرت مباديها عنه تعالى وهو ظاهر.

____________________

(1) وسنذكر أقسام القيام في مبحث تكلّمه من الموقف الثالث إن شاء الله.


الموقف الثالث

في صفاته الفعلية

الفريدة الأُولى: في إرادته تعالى

الفريدة الثانية: في أسباب فعله تعالى

الفريدة الثالثة: في حكمته

الفريدة الرابعة: في تكلّمه

الفريدة الخامسة: في صدقه تعالى

الفريدة السادسة: في رحمته

الفريدة السابعة: في أنّه جبّار وقهّار

الفريدة الثامنة: في رضاه وسخطه

الفريدة التاسعة: في جملة من صفاته الفعلية الأُخرى

خاتمة: في حدوث أفعاله (حدوث العالَم)


الموقف الثالث

في صفاته الفعلية

قالت اليهود: ( يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) (1) فهو كلّ يوم في شأن جديد، وإحداث بديع لم يكن، يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء، ولا رادع عن فعله، ولا مانع من قضائه، فله الإحياء والإمحاء، والرحم والغفران، والغضب والجود، والرزق والتدبير، والكفالة والهداية، والفصل والوصل، والإغناء والحفظ، وغير ذلك ممّا لا يعدّ ولا يُحصى، فسبحان الذي يفعل ما يشاء، ولا يفعل ما يشاء أحد غيره (2) .

وقد مضى أنّ انحصار الصفات في الثمانية بلا أساس، غير أنّ التعرّض والبحث يخصّ بعضها دون الجميع؛ إمّا لأجل الأهمية، أو لوقوع الخلاف فيه.

ثمّ إنّ الفلاسفة اصطلحوا على تخصيص لفظ (الإبداع)، بإفادة موجود غير مسبوق بالمادة والمدّة كالعقول، وقالوا: إنّه أفضل أنحاء الإيجاد.

والتكوين، بإفادة شيء مسبوق بالمادةّ كالماديات.

والإحداث بإفادة شيء مسبوق بالمدّة كالحوادث اليومية.

والاختراع بإيجاد شيء بلا مِثال له في الخارج.

وأمّا الفعل والخلق والصنع فهي بمعنىً واحد أعم.

ويطلقون على جميع الموجودات الممكنة ألفاظ المخلوق والمصنوع والمفعول. كما ذكره المحقّق اللاهيجي (3) .

ولكن في شرح المنظومة (4) : المفعول إمّا أن يكون مسبوقاً بالمادّة والمدّة وهو الكائن، وإمّا أن لا يكون مسبوقاً بشيء منهما وهو المبتدَع، وإمّا أن يكون بالمادّة وهو المخترَع، وإمّا عكسه فاحتمال في بادي الرأي غير متحقّق في الخارج، ومثّل للثالث بالفَلك والفلكيات، فإنّها مسبوقة بالمادة دون الزمان المتأخّر عن حركة الفَلك المتأخّرة عن نفسه.

أقول: لا مشاحّة في الاصطلاح، غير أنّ الصحيح مسبوقية نوع فعله بالعدم، كما سيأتي بحثه إن شاء الله.

____________________

(1) المائدة 5 / 64.

(2) مأخوذ من حديث معتبر سنداً.

(3) گوهر مراد / 200.

(4) شرح المنظومة / 181.


وكيفما كان، فلنرجع إلى بيان صفاته الفعلية المناسبة للذكر؛ مزيداً للمعرفة بشؤونه تعالى، وتوضيحاً لمداليلها، والله وليّ السداد والتأييد.

وتمام الكلام في ضمن فرائد:


الفريدة الأُولى

في إرادته تعالى

الناحية الأُولى: الإرادة بمعنى القصد

الناحية الثانية: في إثبات إرادته تعالى

الناحية الثالثة: جريان التعبّد في الإرادة

الناحية الرابعة: في بيان الأقوال في الإرادة وتحقيق الحق


الفريدة الأُولى

في إرادته تعالى

وهي من مهمّات هذا الفن، فإنّ اختياره تعالى وحدوث العالَم مرتبطان بها، والكلام فيها من نواحٍ:

الناحية الأُولى: الإرادة بمعنى القصد

الأظهر أنّ الإرادة بمعنى القص كما هو المتبادر منها، والتبادر علامة الحقيقة، وبالجملة، هي من صفات النفس فاستعمالها في الطلب وإن كان جائزاً بل واقعاً، لكنّه مجازي، فإنّ الطلب مبرِز للإرادة لا نفسها، ولا يبعد أنّها باقية على معناها اللغوي بلا اصطلاح جديد، فإنّ التعاريف المذكورة في أَلسنة القوم شرح لفظي تبيّن مفهومها.

وبالجملة: القصد من الصفات الوجدانية، وهي معلومة لكلّ أحد فلا حاجة إلى تعريفه، غير أنّ الباحثين اختلفوا في معنى الإرادة اختلافاً واسعاً، وقد تعرّض لنقله الحكيم الشيرازي، في مبحث قدرة الله وإرادته من كتاب الأسفار مفصّلاً، والأحسن ما ذكرنا، وسيأتي ما يرتبط بالمقام في بعض مباحث العدل إن شاء الله.

وهنا اختلاف آخر، وهو اتّحاد الإرادة والطلب مفهوماً ومصداقاً وعدمه، فعن الأشعريين اختيار الثاني، وعن العدلية اختيار الأَوّل، والمسألة محرّرة في أًُصول الفقه من كتب أصحابنا على وجه مفصّل.

هذا كلّه في إرادة الإنسان، وأمّا إرادة الواجب فيمتنع تفسيرها بالقصد المذكور؛ فإنّها من الصفات النفسانية الموقوفة على الجسم والجسمانيات، وأيضاً القصد مسبوق بالتصوّر والتصديق، الملازمين للجهل السابق، ولحلول الحادث فيه تعالى، ولاستكماله، فتأمّل وكل ذلك عليه من المحالات، وأيضاً القصد لا يبقى بعد حصول المقصود فيلزم التغيّر فيه تعالى؛ ولذا اختلف أهل النظر في معناها على أقوال يأتي ذكرها.


الناحية الثانية: في إثبات إرادته تعالى

لا ريب في إثبات إرادته تعالى، فإنّ القرآن والسنّة تدلاّن عليه دلالةً قطعية، وقد نقلوا اتّفاق أهل الملل والنحل عليه، بل وإطباق العقلاء أيضاً، وقالوا: إنّه من الضروريات الدينية.

واستدلّوا عليه مضافاً إلى ذلك من العقل، بأنّ الله تعالى أوجد بعض الممكنات دون بعض، وفي زمان دون زمان، فلابدّ لهذا التخصيص من مخصّص وهو الإرادة؛ إذ وجوده وقدرته وعلمه وحياته متساوية إلى وجود الأشياء وعدمها، إلى تمام الأزمان.

وهذا الدليل تامّ حتى عند مَن يرى جواز الترجيح بلا مرجّح، فإنّه لا ينكر الإرادة بل ما يدعو إلى العمل من اعتقاد نفع أو غيره؛ ولذا يصرّح بأنّ الهارب من السبع يرجّح أحد الطريقين المتساويين بإرادته بلا مرجّح آخر، فما ذكره المحقّق الطوسي - من عدم جريانه على القول الأخير - غير تامّ (1) ، لكن مَن يفسّر إرادته تعالى بنفس الإيجاد والإحداث، فلا يرى لهذا الاستدلال صحّةً؛ ولذا صرّح شيخنا المفيد بأنّ إثبات الإرادة لله تعالى من جهة النقل دون العقل (2) .

الناحية الثالثة: جريان التعبّد في الإرادة

ذكرنا في المباحث السابقة المعيار في جريان التعبّد الشرعي وعدمه، في الأُصول الاعتقادية وفروعها، وعليه لا شكّ في جريان التعبّد في هذه المسألة، فإذا ثبت من الشرع ما يُفسّر به مفهوم إرادته تعالى، ولم يكن من العقل على خلافه محذور، يتّبع لا محالة.

الناحية الرابعة: في بيان الأقوال في الإرادة

فعن الحكماء كما في جملة من كتبهم: أنّها العلم بالنظام الأصلح.

وعن متكلّمي الإمامية (3) ، أو جمهورهم، (4) أو مشهورهم، (5) وجماعة من رؤساء المعتزلة (6) : أنّها العلم بما في الفعل من المصلحة، ويسمّونه بالداعي.

وعن الأشاعرة وجمهور معتزلة البصرة: أنّها صفة ثالثة مغايرة للعلم والقدرة، وهي توجب

____________________

(1) شرح قواعد العقائد / 41.

(2) أوائل المقالات / 19.

(3) مرآة العقول / 76.

(4) حاشية الآشتياني على رسائل الشيخ / 35.

(5) بحار الأنوار 4 / 136.

(6) شرح المواقف 3 / 67.


أحد المقدورين لذاتها.

وعن الكعبي: أنّها في فعله علمه بما في الفعل من المصلحة.

وعن البلخي: أنّها فيه إيجاده، وأمّا في أفعال غيره فقالا: إنّها أمره بها.

وعن ضرار: كونه تعالى مريداً، نفس ذاته.

عن الكرامية: أنّها حادثة قائمة به تعالى.

وعن الجبائية: أنّها حادثة لا في محلّ.

وعن الحسين النجّار معنى مريديته كونه غير مغلوب ولا مكره.

فهذه أقوال تسعة، لكن الثاني يرجع إلى الأَوّل؛ إذ لا فرق بينهما من جهة أنّ التأثير من العلم بالأصلح، وإنّا يفترقان في أنّ الأصلح المذكور هل هو علّة غائية لفعله تعالى كما يقوله المتكلّمون، أو لا بل العلة الغائيّة هو نفس ذاته المقدّسة دون سواها؟ فإنّ العالي لا يُقصد لأجل السافل كما يتوهّمه الفلاسفة. وبكلمة واضحة: الاختلاف بينهما في العلّة الغائية دون العلّة الفاعلية، التي هي المبحوث عنها في المقام، فما به التخصيص وعنه التأثير، هو علمه تعالى بالأصلح على كلا القولين، فافهم جيّداً.

وأمّا القول الثالث فهو مبني على أصل فاسد وهو زيادة صفاته تعالى وقِدمها، فإذا هدّمناه - كما يأتي في المقصد الرابع إن شاء الله - ينهدم القول المذكور، نعم يحتمل أن تكون الإرادة بلا رجوعها إلى العلم وغيره، من الصفات الذاتية على نحو العينية، وهذا يحتاج إلى جواب آخر وسيأتي بحثه. وأمّا ما نُقل عن ضرار فهو مجمل إلاّ أن يرجع إلى القول الأَوّل، ومن رواية سليمان المروزي المنقولة في توحيد الصدوق، يظهر أنّ له قولاً آخر نُسب إليه.

وأمّا القول الرابع فهو أيضاً راجع إلى الثاني، وتفسيره إرادة الله المتعلّقة بأفعالنا بالأمر؛ إمّا من جهة إبطال شبهة الجبر، وإمّا للإشارة إلى تقسيم الإرادة إلى التكوينية والتشريعية، وبه يظهر حال تفصيل القول الخامس أيضاً، فإنّه قول بحدوث إرادته تعالى، وإنّه نفس الإيجاد، وحيث إنّ إيجاده أفعال غيره غير معقول، وإلاّ كانت الأفعال أفعاله لا أفعال غيره، فسّرها بالأمر بها.

وأمّا القول السابع فأُورد عليه أنّه مستلزم لكونه تعالى محلاًّ للحوادث.

وأمّا الثامن فردّ باستحالة صفةٍ لا في محلّ فينتقص به حدّ الجوهر والعرض.

هذا وأوردوا على القولين معاً لزوم التسلسل في الإرادات، فإنّ الإرادة حادثة، وكلّ حادث لابدّ له من إرادة، وهذا ظاهر.

وأمّا القول الأخير فهو تعريف للإرادة بلوازمها لا بنفسها.

فالمتحصّل أنّ ما يصحّ تفسير إرادته تعالى به أُمور ثلاثة:


1 - إنّها صفة في قبال سائر الصفات من دون رجوعها إلى العلم.

2 - إنّها علمه بالأصلح، فتكون هي واجبة عين ذاته تعالى.

3 - إنّها الإيجاد والإحداث فتكون حادثةً.

أمّا الوجه الأَوّل فقد اختاره بعض الأجلاّء من أهل المعقول والمنقول قال: (ومن البيّن أنّ مفهوم الإرادة كما هو مختار الأكابر من المحقّقين، هو الابتهاج والرضا وما يقاربهما مفهوماً، ويعبّر عنه بالشوق الأكيد فينا، والسرّ في التعبير عنها بالشوق فينا، وبصرف الابتهاج والرضا فيه تعالى؛ إنّا لمكان إمكاننا ناقصون غير تامين في الفاعلية، وفاعليتنا لكل شيء بالقوة؛ فلذا نحتاج في الخروج من القوة إلى الفعل إلى أمور زائدة على ذواتنا من تصوّر الفعل، والتصديق بفائدته، والشوق الأكيد، المميلة جميعاً للقوّة الفاعلة المحرّكة للعضلات، بخلاف الواجب تعالى، فإنّه لتقدّسه عن شوائب الإمكان، وجهات القوّة والنقصان، فاعل وجاعل بنفس ذاته العليمة المريدة، وحيث إنّه صرف الوجود، وصرف الوجود صرف الخير، فهو مبتهج بذاته أتمّ ابتهاج، وذاته مرضي لذاته أتمّ الرضا.

وينبعث من هذا الابتهاج الذاتي - وهي الإرادة الذاتية - ابتهاج في مرحلة الفعل، فإنّ مَن أحبّ شيئاً أحبّ آثاره، وهذه المحبّة الفعلية، هي الإرادة في مرحلة الفعل، وهي التي وردت الأخبار عن الأئمة الطاهرين (سلام الله عليهم) بحدوثها....

والوجه في تعبير الحكماء عن الإرادة الذاتية بالعلم بنظام الخير وبالصلاح: أنّهم بصدد ما به يكون الفعل اختيارياً، وهو ليس العلم بلا رضا، وإلاّ كانت الرطوبة الحاصلة بمجرّد تصوّر الحموضة اختياريةً... وكذلك ليس الرضا بلا علم، وإلاّ كانت جميع الآثار والمعاليل الموافقة لطبايع مؤثّراتها وعللها اختياريةً، بل الاختياري هو الفعل الصادر عن شعور ورضا.

فمجرّد الملاءمة والرضا المستفادَينِ من نظام الخير والصلاح التام لا يوجب الاختيارية، بل يجب إضافة العلم إليهما، فما يكون به الفعل اختيارياً منه تعالى، هو العلم بنظام الخير، لا أنّ الإرادة فيه تعالى بمعنى العلم بنظام الخير.

وهذا الذي ذكرنا مع موافقته للبرهان مرموز في كلمات الأعيان، بل مصرّح به في كلمات جملة من الأركان...). وقال أيضاً: (إنّ حقيقة إرادته تعالى في مرتبة ذاته ابتهاج ذاته بذاته... فهو صرف الخير، والخير هو الملائم اللذيذ الموجب للابتهاج والرضا، فهو صرف الرضا والابتهاج، كما كان صرف العلم والقدرة... إلخ) (1) .

أقول: ومن جملة الأركان الفيلسوف الشهير صاحب الأسفار، والسبزواري في شرح

____________________

(1) نهاية الدراية شرح كفاية الأُصول 1 / 164.


منظومته وحاشية الأسفار، ففي الأسفار: الإرادة والمحبّة معنى واحد كالعلم، وهي في الواجب عين ذاته، وهي بعينها عين الداعي. وقال في فصل آخر: بل هو مبتهج بذاته وعاشق لذاته، ويلزم من هذا الابتهاج ويترشّح منه حصول سائر الخيرات والابتهاجات... إلخ، لكنّه صرّح غير مرّة أيضاً، بأنّ إرادته هو العلم بالنظام الأتم، ونسبه إلى مذهب الحكماء كما يظهر لمَن لاحظ مبحث القدرة والإرادة من إلهيات أسفاره.

لكنّ الحقّ أنّ الإرادة ليست نفس الشوق والابتهاج كما عرفت، بل ولا ملزومة له كما في الأفعال العادية من تحريك الأعضاء، وكثير من الأفعال العبثية والجزافية، وكما في تناول الأدوية وغيرها، كما صرّح به في الأسفار أيضاً.

وأمّا ما تصوّره في حقّ الواجب المجرّد القديم من الابتهاج، ففيه: أنّ الابتهاج والرضا وما يقاربهما مفهوماً غير معقولة في حقّه؛ لبراءته عن الجسم والجسمانيات، ولا يفي دليل لإثبات الابتهاج في حقّه، ولا مجال لقياس الواجب على الممكن بوجه. أمّا إن أُريد بالابتهاج معنى آخر غير ما نجده في أنفسنا، فلابدّ من بيانه وذكر برهانه، وأنّى لهم بذلك، هذا مع أنّ الفعل الاختياري لا يتحقّق بمجرّد العلم والرضا، فإنّ مَن تصوّر الحموضة تصوّراً قهرياً، وحصلت الرطوبة في فمه، لا يقال: إنّه حصّل الرطوبة باختياره وإن كان راضياً ومائلاً بحصولها، فالإنصاف أنّ ما ذكره هذا المدقّق الجليل لا يتمّ قطعاً.

وأمّا القول الثاني فقد عرفت قائله، وما قيل أو يمكن أن يقال في إثباته وجوه:

1 - ما ذكره المحقّق الطوسي في التجريد، من أنّ الإرادة ليست زائدةً على الداعي؛ وإلاّ لزم التسلسل على تقدير حدوثها، أو تعدّد القدماء بناءً على تقدير قِدمها.

أقول: إلزام التسلسل على حدوث الإرادة معروف ومشهور وقد ذكره الكثيرون، وربّما أُجيب عنه بأجوبة غير دافعة عنه، لكن هذا الإلزام عندي هيّن جداً؛ إذ المراد بالإرادة الحادثة هو الإيجاد والإحداث لا غير، ومن الضروري أنّ الإيجاد فينا وفيه تعالى لا يحتاج إلى إيجاد آخر، نعم هو يحتاج إلى مرجّح وهو علمه بالأصلح.

2 - الإرادة الواجبة له ممكنة، فهي ثابتة له بالقاعدة الملازمة.

وفيه: أنّها إمّا الابتهاج فقد عرفت عدم تعقّله في حقّه تعالى، وإمّا العلم بالصلاح والخير فسيأتي أنّه غير مؤثّر، فلا يصلح تفسير الإرادة به فإنّها مؤثّرة، وإمّا ما ندركه نحن من أنفسنا فهو ممتنع في حقّ الواجب المجرّد، ولا معنى معقول لها غير هذه الثلاثة، فإذن، الصغرى باطلة في هذا القياس.

3 - إنّ الإرادة إن كانت من الصفات الذاتية فتمّ الدست، وإلاّ فإن كانت قديمةً لزم تعدّد


القدماء، الذي يقول به الأشعريون وهو فاسد يقيناً، وإن كانت حادثةً فإمّا في غير محل، وإمّا في محل هو غيره تعالى، فهو باطل كما لا يخفى.

وإن كان حالّةً فيه تعالى لزم كونه محلاً للحوادث، وهو ممتنع كما سندلّل عليه، فبطلان هذه الشقوق يعيّن المطلوب.

أقول: إرادته الحادثة قائمة به تعالى قياماً صدورياً لا قياماً حلولياً، وسيأتي بيان توضيح أقسام القيام في مبحث التكلّم إن شاء الله.

وبالجملة: المِلّيون بأسرهم يقولون بفاعليته تعالى، وأنّه فعّال وكلّ فعل قائم بفاعله، وليس هذا من الحلول، وكونه تعالى محلاًّ للحادثات بشيء، والإرادة ليست إلاّ نفس الإيجاد، وهذا واضح.

كيف يؤثّر العلم؟

الذي يدور عليه هذا القول ويقوم به هو كون علمه تعالى فعلياً، فإذا ثبت ذلك فقد تمّ المطلوب، ولابدّ من تسليم أنّ إرادته هي علمه بنظام الخير والأصلح، وإلاّ فالمصير إلى القول الثالث متعيّن.

فنقول: الذي نتعقّله من مفهوم العلم، هو ما به انكشاف الأشياء وجلاؤها عن العقل، وأمّا كونه ذا تأثير فليس ببيّن، فلابدّ من تبيينه بالبرهان، وإنّي كلّما تصفّحت مظانّه لم أجد منهم دليلاً على ذلك أصلاً، لا في مباحث الأعراض، ولا في مبحث أقسام الفاعل، ولا في الإلهيات، سوى أمثلة ذكروها مثل علم المهندس، فإنه يتصوّر البِناء أَوّلاً ثمّ يوجده على وِفق علمه، فهذا العلم فعلي؛ إذ المعلوم تابع له دون العكس كما في الانفعالي.

قال في الأسفار: ولا استبعاد في كون العلم نفسه سبباً لصدور الأشياء ووجودها، كالماشي على جدار دقيق العرض إذا تصوّر السقوط يسقط بتصوّره، وعدّ من هذا القبيل تأثير بعض النفوس بالهمّة والوهم، وكذا إصابة العين التي عُلم تأثيرها بإخبار الوحي والسنة، من قوله تعالى: ( وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ) (1)، ومن قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (العين تُدخل الرجل القبر والجمل القِدر)، وإذا جاز أن يكون العلم الضعيف البشري مؤثّراً في وجود المعلوم، فأَولى أن يجوز ذلك في العلم الأزلي لمُنشِئ العالَم من العدم الصرف. انتهى.

والإنصاف أنّ ذلك منهم عجيب! يفرّعون جملةً من البحوث المهمّة في الإلهيات، على أصل من الأُصول المهمّة العقلية الاعتقادية، ولا يقدرون على إثباته، فيكتفون بذكر مثال واستشهاد

____________________

(1) القلم 68 / 51.


وقياس ضعيف، ثمّ يدّعون أنّ الفلسفة تحصيل الحقائق، ويطعنون على غيرهم بالتقليد والمسامحة في ناموس البرهان والاستدلال! أَليس علم المهندس أيضاً انفعالياً أُخذ من مشاهداته الخارجية غالباً؟ نعم هو بالنسبة إلى هذا العمل سابق، لكنّه لا تأثير له تماماً، وإنّما هو من مقدّمات إرادة ذلك العمل، وإلاّ فالبِناء لا يوجد ولو تصوّره البنّاء ألف مرّةً.

وبالجملة: إن أرادوا أنّ العلم في طريق العمل، فهذا ممّا لا شكّ فيه لعاقل؛ إذ كل عمل اختياري لابدّ له من تصوّر وتصديق ولو ارتكازاً، ونحن نقر إقراراً ضرورياً أنّ علمه تعالى بالصلاح هو المرجّح لأفعاله، وبه يترجّح وجوداتها على أعدامها، وبعض أطوارها على الأُخر؛ وإن أُريد أنّه المؤثّر التامّ - كما قالوا ذلك في علم الله سبحانه، وسمّوه الفاعل بالعناية - فقد عرفت أنّه محض الدعوى، والمثال الذي ذكروه لا يفي به، بل الوجدان على خلافه.

وأمّا المثال الثاني ففيه: أنّ تصور السقوط ممّن قام على جدار عالٍ، علم واحد موجود في الخائف المدهوش الذي يسقط به، وفيمَن اعتاد القيام عليه بكثرة التكرار لا يسقط به كالبنّاء فوق الأبنية والجدران العالية، ولو كان علة لم يختلف كما اعترف به بعض أفاضلهم أيضاً، بل الصحيح أنّه لا علم في المثال المفروض؛ إذ الصاعد على الجدار يُحتمل سقوطه، ونفس هذا الاحتمال يولّد الخوف في قلبه، وهذا الخوف هو الذي يسبّب سقوطه، فهو لا يستند إلى العلم، فتأمل.

وأمّا تأثير النفس وإصابة العين فهما وإن كانا ثابتين في الجملة، لكن المقام منهما أجنبي بلا خفاء فيه.

فإذن، قد تحصّل أن ما تسالموا عليه من تقسيم العلم إلى الفعلي والانفعالي، وجعل الأَوّل علّة المعلوم لا تابعاً له، أمر خيالي فاسد جداً لا واقع له أبداً.

ومنه يظهر أنّ القول الثاني في تفسير إرادته كالقول الأَوّل منهدم الأساس، وما فرّع عليه ساقط أيضاً، فإذن، لابدّ من الرجوع إلى القول الثالث، وهو أنّ علمه تعالى غير علّة للممكنات، بل العلّة هو الإيجاد المسمّى بالإرادة، وأمّا القصد فلا يعقل في حقه كما يتصوّر في حقنا؛ ولذا قلنا: إنّ إثبات الإرادة لله القديم نقلي لا عقلي.

وممّا يدلّ على أنّ إرادته تعالى ليست راجعةً إلى علمه، وأنّ علمه ليس بفعلي - زائداً على ما ذكرنا - وجهان:

الأَوّل: إنّه يعلم نفسه ويعلم الضروريات، كلزوم الإمكان للممكن، والزوجية للأربعة ونحوهما، ويعلم امتناع الممتنعات، مع أنّ علمه بهذه الأُمور لا يكون بفعلي ومؤثّر قطعاً، ولا يمكن أن يتفوّه به عاقل جزماً، فمطلق علمه ليس بفعلي، فلئن كان، فهو علمه بالممكن الأصلح،


فإذن، نسأل من أين جاءت هذه السببية والتأثير؟ أَليس علمه تعالى شيئاً واحداً لا اختلاف في حقيقته؛ لأنّها عين الذات المقدّسة، فإذا لم يكن التأثير مستنداً إلى العلم نفسه، وإلاّ لم يتعلّق بالضروريات الآبية عن التأثير المذكور مع أنّ علمه متعلّق بها اتّفاقاً، فلابدّ من استناده إمّا إلى نفس الأصلح، وهذا هو معنى كون الشيء مؤثّراً ومتأثراً، ومعنى إثبات عجز الإله، ومعنى الترجّح بلا مرجّح، ومعنى إنكار فاعلية الحقّ بتاتاً؛ وإمّا إلى تعلّق العلم بالأصلح، وهذا أيضاً باطل؛ إذ التعلّق المذكور اعتباري محض وهو لا يصير منشأ للتأثير، كيف ولو كان كذلك لكان تعلّق علمنا بالأصلح أيضاً مؤثّراً؟ وهو كما ترى.

الثاني: إنّ الله تعالى يعلم كلّ شيء كما مرّ، فيعلم الشرّ والظلم والكفر والقبايح بما هي شرّ وظلم وكفر وقبايح، بلا فرق بين علمه بها، وعلمه بالعدل والإيمان والخير والمحاسن أصلاً، بل يعلم الجميع مع أنّه تعالى لعدله وحكمته لا يريد الطائفة الأُولى أبداً، فيُعلم أنّ إرادته غير علمه، فتأمل.

وأمّا ما أجاب عنه في الأسفار وأطال، فيظهر ضعفه من نفس هذا التقريب، فلا نطوّل بذكره ونقده، فقد ثبت حينئذٍ ثبوتاً قطعياً، أنّ إرادته هو إحداثه وإيجاده لا غير، فإنّ بطلان القولين الأَوّلين يعيّن الالتزام بهذا القول، إذ لا شقّ رابع.

وهذا القول هو الذي اختاره ثقة الإسلام الكليني، (1) والشيخ الأجلّ الصدوق، (2) والشيخ الأعظم المفيد، (3) حيث قال: إنّ إرادة الله تعالى لأفعاله هي نفس أفعاله، وإرادته لأفعال خلقه أمره بالأفعال، وبهذا جاءت الآثار عن أئمة الهدى من آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو مذهب سائر الإمامية إلاّ مَن شذّ منها عن قرب، وفارق ما كان عليه الأسلاف (4) ، وإليه يذهب جمهور البغداديين من المعتزلة، وأبو القاسم البلخي خاصّةً، وجماعة من المرجئة، ويخالف فيه من المعتزلة البصريون، ويوافقهم على الخلاف فيه المشبّهة وأصحاب الصفات انتهى.

قوله: نفس أفعاله، أي نفس إيجاداته فلا تغفل.

فظهر أنّ هذا القول هو مختار الإمامية في الأعصار الأُولى، غير أنّ المتأخّرين منهم أو جماعة من المتأخّرين عدلوا عنه إلى القول بأنّها العلم بالمصلحة، ولعمري إنّ هذا القول لا يجامع القول باختياره تعالى أصلاً، كما أشرنا إليه سابقاً أيضاً.

____________________

(1) أُصول الكافي 1 / 109.

(2) توحيد الصدوق / 11.

(3) أوائل المقالات / 19.

(4) فما في الكتاب المنسوب إليه المسمّى بـ (نكت الاعتقاد) من تفسيرها بعلمه الموجب لوجود الفعل غير صحيح عنه، فتأمّل.


وأظن أنّ القائلين به من متكلّمي الإمامية جماعة غير كثيرة، على خلاف ما مرّ من المجلسي رحمه‌الله من نسبته إلى مشهورهم أو جميعهم، ويدلّ على ما ذكرناه أو يؤيّده، أنّ السيّد المرتضى الرازي رحمه‌الله ذكر، في باب الحادي والعشرين من كتابه تبصرة العوام في عداد معتقدات الإمامية: أنّ الله مريد بالإرادات الحادثة، فنسب حدوثها إلى الإمامية قاطبةً، واختاره من متأخّري المتأخّرين جمع كثير، كصاحب مجمع البحرين، وصاحب الفصول، وصاحب تفسير لوامع التنزيل وسواطع التأويل، (1) وصاحب كفاية الموحّدين قدّس سرهم، وسيدنا الأُستاذ المحقّق الخوئي - دام ظله العالي - وغيرهم، بل المظنون أنّه مختار معظم الأخباريين من أصحابنا، حتى أنّ المحدّث الجزائري جعل حدوث الإرادة - في محكي شرح التهذيب (2) - موارد التعارض بين العقل القطعي الدالّ على قِدمها، والشرع الدالّ على حدوثها، وما توهّمه هذا المحدّث الجليل ضعيف جداً.

وبالجملة: إنّ هذا القول كما يقتضيه العقل يدلّ عليه ظاهر الكتاب وصريح السُنة أيضاً، أمّا القرآن المجيد، فإليك بعض آياته الكريمة:

1 - ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (3) .

2 - ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (4) . فكلمة (إذا) تدلّ على حدوث الإرادة، فإنّ الصفات الذاتية يستحيل تحقّقها في وقت دون وقت.

3 - ( ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ ) (5) .

4 - ( إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ) (6) .

5 - ( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (7) . وجه الدلالة واضح، وقد مرّ في أَوّل هذا المقصد ما يوضّح المقام إيضاحاً تامّاً.

وأمّا السنّة فإليك ما بلغه جهدي من الروايات:

1 - صحيحة صفوان قال: قلت لأبي الحسن عليه‌السلام : أخبرني عن الإرادة من الله ومن الخلق؟ قال: فقال: (الإرادة من الخلق الضمير، وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأمّا من الله تعالى فإرادته

____________________

(1) لوامع التنزيل وسواطع التأويل 7 / 8.

(2) الحاكي هو المحقّق الآشتياني في حاشية الرسائل / 35.

(3) يس 36 / 82.

(4) النحل 16 / 40.

(5) عبس 22.

(6) الأحزاب 33 / 17.

(7) البقرة 2/ 185.


إحداثه لا غير ذلك؛ لأنّه لا يروي ولا يهم ولا يتفكّر، وهذه الصفات منفية عنه، وهي صفات الخلق، فإرادة الله الفعل لا غير ذلك، يقول له: كن فيكون، بلا لفظ، ولا نطق بلسان، ولا همّة، ولا تفكّر، ولا كيف لذلك كما أنّه لا كيف له) (1) .

2 - صحيحة ابن أُذينة عن الصادق عليه‌السلام قال: (خلق الله المشيئة بنفسها ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة) (2) ومعنى هذه الرواية على مسلكنا: أنّه تعالى أوجد الأشياء، وأعطى لها الوجود بإيجاده، وأمّا هذا الإيجاد فهو صادر عنه تعالى بنفسه لا بإيجاد ثانٍ كما هو واضح، وكأنّ الرواية ناظرة إلى إبطال التسلسل المتوهّم المتقدّم.

3 - صحيحة محمد بن مسلم عنه عليه‌السلام قال: (المشيئة مُحدَثة) (3) .

4 - صحيحة عاصم بن حميد عن أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام قال: قلت: لم يزل الله مريداً؟ قال: (إنّ المريد لا يكون إلاّ المراد معه، لم يزل الله عالماً قادراً ثمّ أراد) (4) .

5 - رواية بكير بن أعين قال: قلت: لأبي عبد الله عليه‌السلام : علم الله ومشيئته مختلفان أو متّفقان؟ فقال: (العلم ليس هو المشيئة، أَلا ترى أنّك تقول: سأفعل كذا إن شاء الله، ولا تقول: سأفعل كذا إن علم الله، فقولك: إن شاء الله، دليل على أنّه لم يشأ، فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء، وعلم الله سابق المشيئة) (5) . وفي التوحيد: (وعلم الله سابق للمشيّة) (6) .

أقول: وهذه الرواية الشريفة ناصّة على بطلان القول الثاني، فيتعيّن القول الثالث كما يدلّ عليه قوله: (وعلم الله سابق للمشيئة).

6 - صحيحة سليمان بن جعفر الجعفري قال: قال الرضا عليه‌السلام : (المشيئة والإرادة من صفات الأفعال، فمَن زعم أنّ الله لم يزل مريداً شائياً فليس بموحّد) (7) .

أقول: لأنّه يستلزم إيجابه وقِدم العالَم.

7 - رواية أبي سعيد القماط قال: قال أبو عبد الله عليه‌السلام : (خلق الله المشيئة قبل الأشياء ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة) (8) .

____________________

(1) أُصول الكافي 1 / 109.                                       (2) أُصول الكافي 1 / 110.

(3) أُصول الكافي 1 / 110.                                       (4) أُصول الكافي 1 / 109.

(5) أُصول الكافي 1 / 109.                                       (6) التوحيد / 144.

(7) البحار 4 / 145.                                              (8) البحار 4 / 145.


ولعلّ المراد بالقبلية: القبلية الرتبية؛ ولذا يقال: أوجد فوجد ولا يُعكس، وعلى أيّ، فالرواية تدلّ على حدوث الإرادة وهو المطلوب، ويُحتمل أن تكون المشيئة بمعناها الآتي.

8 - حديث الإهليلجة المعروف حيث قال الرضا عليه‌السلام في جواب الطبيب: (إنّ الإرادة من العباد: الضمير وما يبدو بعد ذلك من الفعل، وأمّا من الله عزّ وجلّ فالإرادة للفعل إحداثه، إنّما يقول: كن فيكون بلا تعب وكيف) (1) .

9 - رواية عبد الرحيم القصير عن الصادق عليه‌السلام (2) ففيها: (كان - عزّ وجلّ - ولا متكلّم ولا مريد، ولا متحرّك ولا فاعل، جلّ وعزّ ربّنا، فجميع هذه الصفات محدثة عند حدوث الفعل منه) (3) .

10 - رواية الهاشمي الطويلة المشتملة على مباحثة الرضا عليه‌السلام مع أهل المِلل، ففيها قال عمران: فأيّ شيء غيره؟ قال الرضا عليه السلام: (مشيئته واسمه وصفته وما أشبه ذلك، وكل ذلك محدث مخلوق مدبّر)، وقال عليه‌السلام فيها أيضاً: (واعلم: الإبداع والمشيئة والإرادة معناها واحد وأسماؤها ثلاثة) (4) .

11 - رواية النوفلي الهاشمي (5) المتقدّم عنه عليه‌السلام في مناظرته مع سليمان المروزي، وللإمام عليه‌السلام كلام طويل في هذه الرواية، في إبطال قِدم الإرادة، وكونها من صفات الذات، وكونها نفس العلم، وكونها نفس الأشياء، كما قال به جمع من أصحاب الفلسفة، وقسّموا الإرادة إلى الذاتية والفعلية، ولعمري إنّ الرواية بطولها وتشديدها حجّة ساطعة على مرادنا، وكأنّ الإمام عليه السلام كان ناظراً إلى أقوال الفلاسفة فردّ عليهم، فلاحظها والله الهادي.

12 - صحيحة يونس عن الرضا عليه‌السلام ففيها (6) : قلت: فما معنى شاء؟ قال: (ابتداء الفعل. قلت: فما معنى أراد؟ قال: الثبوت عليه) وفي رواية الهاشمي عن الكاظم عليه‌السلام ، أيضاً تفسير معنى شاء بابتداء الفعل (7) .

13 - رواية ابن إسحاق عن أبي الحسن عليه‌السلام قال فيها: (أتدري ما المشيئة؟ فقال: لا، فقال:

____________________

(1) البحار 3 / 196.                                  (2) البحار 5 / 31.

(3) التوحيد، الباب 64.                                (4) التوحيد، الباب 64.

(5) التوحيد، الباب 65.                                (6) مرآة العقول 1 / 104، والبحار 5 / 122.

(7) الكافي 1 / 150.


همّه بالشيء، أَوَ تدري ما أراد؟ قال: لا، قال: إتمامه على المشيئة) (1) .

أقول: لعلّ المراد بالهمّ هو ابتداء الفعل كما يفهم من قوله: إتمامه، ومن تصريح الرواية المتقدّمة بذلك، وإلاّ فالهمّ عليه محال، وقد صرّح به في الروايات المتقدّمة أيضاً.

وأمّا الفرق بين المشيئة والإرادة فسيأتي بحثه إن شاء الله.

هذا ما وقفنا عليه من الروايات الدالة على حدوث الإرادة، ولم أجد روايةً - ولو ضعيفة السند والدلالة - على أنّها قديمة، أو عين ذاته تعالى، أو هي راجعة إلى العلم، مع أنّ الصفات الذاتية مصرّح بها في روايات كثيرة، عن أهل العصمة والنبوّة سلام الله عليهم أجمعين.

وأمّا ما ذكره بعض الأماجد (2) من آل كاشف الغطاء - من أنّ الإرادة في لسان أهل البيت تُطلق على معنيين: الخلق الإيجاد، ثمّ العلم حسبما استقصينا من أحاديثهم، واستشهد للثاني برواية نقلها عن الكافي - فهو ممنوع، والموجود في الكافي مغاير لِما نقله في كتابه، على أنّ استعمال الإرادة في العلم أحياناً، لا يُسمن ولا يغني من شيء أصلاً كما لا يخفى، ولا سيما بعد ما صرّح في الرواية الخامسة بتغايرهما.

إزاحة وإنارة

قد تحصّل أنّ الروايات صريحة كما هي الأكثر، أو ظاهرة غاية الظهور في حدوث الإرادة، وجملة منها صحيحة الإسناد، فلا يعتريها شكّ وارتياب، غير أنّ جماعةً من الباحثين كالمحقّق الداماد على ما في الأسفار، والمحدّث المجلسي في البحار ومرآة العقول، وصاحب الأسفار في شرحه على الكافي، والفيض الكاشاني في الوافي، والفيّاض اللاهيجي في الشوارق وگوهر مراد، والشيخ المحقّق محمد حسين في نهاية الدراية وتحفة الحكيم، وغيرهم في غيرها أغمضوا أعينهم عن صراحة هذه الروايات، فوجّهوها بتوجيهات باردة، وحملوها على محامل بعيدة فاسدة، بل بعضها مخالف لصراحة بعض الروايات المذكورة.

وإنّي لا أرى فائدةً في إيرادها وإبطاله، فالمنصف إذا راجعها ولاحظها بالقياس إلى الروايات يجدها موهومةً موهونة، والعجب أنّ الأئمة عليهم‌السلام بيّنوا صفات الذات وعينيتها معها، ولكن لمّا وصل بيانهم إلى الإرادة لم يبيّنوها؛ لعدم استعداد الأذهان كما يقول بعض هؤلاء، أو أنّهم عليهم‌السلام بيّنوا الإرادة الفعلية، وأهملوا ذكر الإرادة الذاتية، مع أنّه لا أثر إلاّ في أوهام هذا القوم. وإن تعجب فعجب من المجلسي قدّس سره، فإنّه مع جموده الجميل على ظواهر الروايات، كيف ترك

____________________

(1) البحار 5 / 122.

(2) الدين والإسلام 1 / 188.


النصوص، وأصرّ على تأويلها والعصمة لأهلها؟!

تتمة

ثمّ إنّك - بعد ما دريت معنى الإرادة تقدر على تطبيق جملة كثيرة من الآيات الكتابية عليه (1).

نعم ربّما يعسر تفسير بعض الآيات المشتملة على هذه المادة - الإرادة والمشيئة - بهذا المعنى كقوله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ) (2) ، وقوله: ( وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) (3) ، وقوله: ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) (4) وغيرها، فإنّ تنزيلها على الإحداث، والإيجاد، والفيض، وإعمال القدرة، وإنفاذ القوّة، إلى غير ذلك من الألفاظ المترادفة بعيد جداً، فلك أن تحملها على القصد للمشاكلة لإرادتنا، كما في قوله تعالى ( يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) فنسب الإرادة إلى الجدار مع أنّه لا قصد له أصلاً، وإن أبيتَ عن ذلك فلابدّ لك أن تحملها على المعنى الثاني للإرادة، فإنّ لها معنيين كما يأتي إن شاء الله، فكن على بصيرة من أمرك.

____________________

(1) الآيات المتضمّنة للفظة الإرادة والمشيئة تزيد على المِئة والستّين، على ما استخرجناها من القرآن الحكيم.

(2) المائدة 5 / 1.

(3) البقرة 2 / 253.

(4) هود 11 / 107.


الفريدة الثانية

في أسباب فعله تعالى

المسألة الأُولى: في اللوح

المسألة الثانية: في فَرق المشيئة والإرادة

المسألة الثالثة: في الكراهة والاختيار

المسألة الرابعة: في الإرادة التكوينية والتشريعية

المسألة الخامسة: في القدر

المسألة السادسة: في القضاء

خاتمة: في آراء الناس في القضاء والقدر


الفريدة الثانية

في أسباب فعله تعالى

علمه تعالى بالمصلحة في وجود شيء مرجّح لإيجاده بالاختيار كما عرفت، فليس لفعله تصوّر وتصديق، وشوق وقصد، ولا غيرها، سوى علمه المخصوص، وأنت إذا أخذت الفَطانة بيدك تعلم أنّ اعتبار المصلحة المذكورة؛ لأجل الحذر عن اللغوية والعبثية فقط، وإلاّ فهو فاعل مختار يمكنه فعل ما يشاء.

هذا بالنظر إلى القضاء العقلي، وأمّا بالنسبة إلى البيان الشرعي فلفعله تعالى أسباب وهي: المشيئة، والإرادة، والقدر، والقضاء، كما تدلّ رواية علي بن إبراهيم الهاشمي (1) قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه‌السلام يقول: (لا يكون إلاّ ما شاء الله وأراد وقدّر وقضى. قلت: ما معنى شاء؟ قال: ابتداء الفعل، قلت: ما معنى قدّر؟ قال: تقدير الشيء من طوله وعرضه. قلت: ما معنى قضى؟ قال: إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مردّ له).

في الرواية سقط يظهر من رواية يونس - غير المعتبر - عن يونس عن الرضا عليه‌السلام ... (ولكن لا يكون إلاّ ما شاء الله وأراد وقدّر وقضى، أتدري ما المشيّة يا يونس؟ قلت: لا. قال: هو الذِكر الأَوّل، وتدري ما الإرادة؟ قلت: لا. قال: العزيمة على ما شاء، وتدري ما التقدير؟ قلت، لا، قال: هو وضع الحدود من الآجال، والأرزاق، والبقاء، والفناء، وتدري ما القضاء؟ قلت: لا. قال: هو إقامة العين ولا يكون إلاّ ما شاء الله في الذكر الأَوّل) (2) .

وحسنة يونس (3) حيث قال يونس: لا يكون إلاّ بما شاء الله وأراد وقدّر وقضى، فقال الرضا: (لا يكون إلاّ ما شاء الله وأراد وقدّر وقضى).

ورواية حمزة بن حمران (4) ففيها قوله: وإنّهم لا يصنعون شيئاً من ذلك، إلاّ بإرادة الله ومشيئته وقضائه وقدره. فقال الصادق عليه‌السلام : (هذا دين الله الذي أنا عليه وآبائي). ورواه الصدوق

____________________

(1) أُصول الكافي 1 / 150.

(2) البحار 5 / 117.

(3) الكافي 1 / 158.

(4) بحار الأنوار 5 / 162.


بسند آخر عنه عن الصادق عليه‌السلام (1) ، والبرقي في محاسنه بسند ثالث عنه مضمراً لكنّ فيه (2) : (ولا يكون إلاّ ما شاء الله وقضى وقدّر وأراد فقال... إلخ).

ورواية معلّى بن محمد قال (3) : سئل العالم: كيف علم الله؟ قال: (علم وشاء وأراد وقدّر وقضى وأمضى، فأمضى ما قضى، وقضى ما قدّر، وقدّر ما أراد، فبعلمه كانت المشيئة، وبمشيئته كانت الإرادة، وبإرادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الإمضاء، والعلم متقدّم على المشيئة، والمشيئة ثانية والإرادة ثالثة: والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء... فالعلم في المعلوم قبل كونه، والمشيئة في المنشأ قبل عينه، والإرادة في المراد قبل قيامه، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها، والقضاء بالإمضاء هو المبرم... فبالعلم علم الأشياء قبل كونها، وبالمشيئة عرف (من التعريف) صفاتها، وحدودها، وبالإرادة ميّز أنفسها في ألوانها وصفاتها، وبالتقدير قدّر أقواتها (عن التوحيد أوقاتها) وعرف أَوّلها وآخرها... إلخ).

ورواية هشام بن سالم المروية عن المحاسن (4) قال: قال أبو عبد الله عليه‌السلام : (إنّ الله إذا أراد شيئاً قدّره، فإذا قدّره قضاه، فإذا قضاه أمضاه).

ورواية ابن إسحاق المتقدّمة قال: قال أبو الحسن الرضا عليه‌السلام ليونس مولى علي بن يقطين: يا يونس: (لا تتكلّم بالقدر، قال: إنّي لا أتكلّم بالقدر ولكن أقول: لا يكون إلاّ ما أراد الله وشاء وقضى وقدّر. فقال: ليس هكذا أقول ولكن أقول: لا يكون إلاّ ما شاء الله وأراد وقدّر وقضى، ثمّ قال: أتدري ما المشيئة؟ فقال: لا، فقال: همّه بالشيء، أو تدري ما أراد؟ قال: لا. قال: إتمامه على المشيئة، فقال: أَوَ تدري ما قدّر؟ قال: لا، قال: هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء، ثمّ قال: إنّ الله إذا شاء شيئاً أراده، وإذا أراده قدّره، وإذا قدّره قضاه، وإذا قضاه أمضاه... إلخ) (5) .

ورواية حريز وابن مسكان عن الصادق عليه‌السلام أنّه قال: (لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء، إلاّ بهذه الخصال السبع: بمشيئة، وإرادة، وقدر، وقضاء، وإذن، وكتاب، وأجل، فمَن زعم أنّه يقدر على نقض واحدة فقد كفر) (6) .

ورواية زكريا بن عمران عن موسى بن عفر عليه‌السلام قال: (لا يكون شيء في السماوات ولا في الأرض إلاّ بسبع: بقضاء، وقدر، وإرادة، ومشيئة، وكتاب، وأجل، وإذن، فمَن زعم غير هذا فقد

____________________

(1) بحار الأنوار 5 / 36.                               (2) بحار الأنوار 5 / 41.

(3) أُصول الكافي 1 / 148.                           (4) البحار 5 / 121.

(5) البحار 5 / 122.                                  (6) أُصول الكافي 1 / 149.


كذب على الله، أو ردّ على الله عزّ وجلّ) (1) .

تعقيب وتحصيل

قد تحصّل من هذه الروايات وغيرها المستفيضة (2) ، أنّ أسباب فعله تعالى هي المشيئة، والإرادة، والقدر، والقضاء، بالترتيب المذكور، من تقدّم المشيئة على الإرادة، المتقدّمة على القدر، السابق على قضائه، على عكس ما اشتهر بين الناس من تقدّم القضاء على القدر، وهذا الترتيب مستفاد من صراحة بعض الروايات، وظهور بعضها الآخر، وأمّا ما في بعضها من خلافه، فهو محمول على مجرّد بيان الأُمور المذكورة، وعدم النظارة إلى حيثية الترتيب كما لا يخفى، ومِثله ما في بعض أدعية شهر رمضان من قولهم عليهم‌السلام : تقضي وتقدّر.

وأمّا الإذن والأجل والكتاب المزبورة في الروايتين الأخيرتين، فيمكن أن يُحمل الأَوّل منها - وهو الإذن - على قدرته أو علمه أو إمضائه، فعلى الأَوّلين يرجع إلى ذاته، وعلى الثالث فهو فعله أي إرادته بالمعنى المتقدّم.

وأمّا الأجل فهو داخل في القدر وتخصيصه بالذكر لعلّه للاهتمام، وأمّا الكتاب فلعلّ المراد به كتابة الأشياء في اللوح المحفوظ، كما نطق به القرآن قبل السُنة على ما يأتي إن شاء الله، فلا شيء سبب لفعله تعالى وراء هذه الأُمور الأربعة.

ثمّ إنّه لا شك - حسب دلالة هذه الروايات - أنّ المشيئة والإرادة اللتينِ هم من أسباب فعله تعالى، غير الإرادة المتقدمة في الفريدة الأُولى، التي هي نفس إيجاده وإحداثه، فإنّها بعد القضاء، والتي وقعت في سلسلة أسباب الفعل تتقدّم على الإمضاء، الذي هو إيجاده بمراتب كما عرفت.

وهذا فليكن مفروغاً عنه مقطوعاً به، بلحاظ هذه الروايات، ومن هنا ينقدح أنّ لإرادته تعالى معنيين: أحدهما الإيجاد، والثاني ما ستعرفه هنا.

إذا تقرّر ذلك فنقول: الظاهر أنّ المشيئة بمعنى ذكر أصل إيجاد الشيء في علمه تعالى فقط، أو في اللوح المحفوظ أيضاً، كما هو الأظهر المدلول عليه بقوله عليه السلام: (الذكر الأَوّل)، والإرادة هو تثبيته وتقريره وتتميمه في علمه أو في اللوح أيضاً، فنسبة الإرادة إلى المشيئة في اللوح نسبة المؤكّد - بالكسر - إلى المؤكّد بالفتح، وإن شئت فقل: إنّ المشيئة تشبه التصوّر في حقّنا، والإرادة الشوق فينا من وجه، وإن كان التشبيه غير كامل.

وأمّا القدر فهو بمعناه اللغوي، وهذا بمنزلة التصديق بالنفع فينا، وعليه فسببيته لأفعاله

____________________

(1) المصدر نفسه.

(2) أسانيد أكثرها ضعيفة، وبحث المتن مبنيّ على فرض الاطمينان بصدور بعضها، كما هو غير بعيد.


تعالى عقلية لا تعبّدية محضة؛ إذ الفاعل المختار ما لم يتصوّر الشيء بحدوده لا يطلبه؛ لعدم ترتّب غرضه عليه بعد، كما لا يخفى.

وأمّا ما عن أمير المؤمنين عليه‌السلام (1) ، من تفسير القضاء والقدر بالأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية، والتمكين من فعل الحسنة وترك المعصية، والمعونة على القربة إليه والخذلان لمَن عصاه، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وأنّ كل ذلك قضاء الله في أفعالنا وقدره بأعمالنا... إلخ، فهو لا ينافي ما ذكرنا؛ لأنّ مصداق القدر في الأفعال الاختيارية للمكلّفين من وجهتها التشريعية ليس إلاّ ذلك، فكأنّ الإمام عليه‌السلام لم يكن في مقام بيان تقدير الأفعال بما هي تكوينية، بل بما هي متعلّقة للتكليف، كما يظهر من ملاحظة صدر الرواية، ولا شك أنّ جميع ما ذكره عليه‌السلام قدر وقضاء.

وبالجملة، حمل الأمر والنهي وغيرهما - في هذه الرواية - على القضاء، ليس من الحمل الذاتي والحصر المفهومي، بل من الحمل الشائع الصناعي.

وأمّا القضاء فهو الحكم البتّي المستتبع للإمضاء غالباً، فهو بمنزلة القصد فينا، وإنّما قلنا غالباً؛ للجمع بين هذه الروايات ونحوها، وبين ما دلّ على أنّ الدعاء - وكذا غيره - يردّ القضاء.

والخلاصة: أنّه يُكتب في اللوح المحفوظ أَوّلاً أنّ الشيء الفلاني يوجد، ثمّ يكتب توكيده وإتمامه، فكأنّ الأَوّل مقتضٍ لوجود الشيء والثاني شرطه، ثمّ يُكتب حدوده من خواصه وأَوّله وآخره وغيرها من تشخّصاته، ثمّ يُكتب الحكم البتّي على إيجاده، فالأَوّل هو المشيئة، والثاني هو الإرادة، والثالث هو القدر، والرابع هو القضاء، والخامس أعني - الإيجاد والإمضاء - هو الإرادة المبحوث عنها في الفريدة الأُولى.

قال الأديب الطريحي في مجمع البحرين في كلمة المشيئة: قال بعض أفاضل العلماء: المشيئة والإرادة والقدر والقضاء كلّها بمعنى النقش في اللوح المحفوظ، وهي من صفات الفعل لا الذات... إلخ.

وسيأتي مزيد تصحيحه أيضاً، ثمّ إنّ إتقان هذه الفريدة وإيضاحها، موقوف على البحث عن مسائل مهمّة أخرى لا يمكن إهمالها، فنقول وبالله الاعتصام:

المسألة الأُولى: في اللوح

المستفاد من الكتاب والسُنة أنّ لله - في عالم الكون - كتاباً ذكر فيه جميع الأشياء بتفاصيلها، وقد اشتهر اسمه - على حدّ تفسير القرآن المجيد - باللوح المحفوظ، وإليك نبذة من

____________________

(1) بحار الأنوار 5 / 96، 126.


الآيات الكريمة في هذا الشأن:

1 - ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً ) (1) .

2 - ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (2).

3 - ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ ) (3).

4 - ( لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (4).

5 - ( وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (5).

6 - ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) (6).

والآيات في ذلك كثيرة جداً، وتصوّر هذا الكتاب في عصر الكمبيوتر أصبح سهلاً.

فثبت أنّ هذا اللوح قد ذُكر فيه جميع الأشياء؛ لمصالح هو سبحانه أعلم بها منّا.

والروايات الواردة حول الموضوع من طريقنا وطريق العامّة أيضاً كثيرة، ربّما يبلغ عددها العشرين، كما نقلها العلاّمة المجلسي قدّس سره، في كتاب السماء والعالم من بحار الأنوار، وإليك بعضها وهو ما رواه علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام قال: (أوّل ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة)، وفي صحيح البخاري قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : (كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كلّ شيء).

تتمّة

قال المجلسي قدّس سره: ثمّ اعلم أنّ الآيات والأخبار تدلّ، على أنّ الله خلق لوحين أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات، أحدهما: اللوح المحفوظ الذي لا تغيّر فيه أصلاً، وهو مطابق لعلمه تعالى.

والآخر: لوح المحو والإثبات، فيُثبت فيه شيئاً ثمّ يمحوه لحِكم كثيرة... إلخ (7) .

____________________

(1) النبأ 78 / 29.

(2) النمل 27 / 75.

(3) الحج 22 / 70.

(4) سبأ 34 / 3.

(5) هود 11 / 6.

(6) البروج 85 / 21، 22.

(7) البحار 2 / 136، كتاب بدء الخلق، في آخر رواية حصين بن عمران.


أقول: قوله تعالى: ( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (1) يدلّ على اللوحين المذكورين، فإنّ اللوح المحفوظ قد كتب فيه كلّ شيء، فلا يغيب عنه ذكر شيء كما مرّ، فهذا المحو والإثبات لابدّ أن يكونا في لوح آخر، ففي صحيحة حفص ابن البختري، وهشام بن سالم، وغيرهما، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال في هذه الآية ( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) قال: فقال: (وهل يُمحي إلاّ ما كان ثابتاً، وهل يُثبت إلاّ ما لم يكن؟) (2) ، فهذه الصحيحة دالة على تغاير اللوحين، فإنّ المحو بعد الإثبات، والإثبات بعد المحو، لا يكونان في اللوح المحفوظ؛ لِما عرفت من ضبط كلّ شيء فيه بوجهه الكامل من الأَوّل، فلا موضوع للتغيّر والتبدّل، فتحصّل أنّ الإثبات والمحو في لوح، وأُمّ الكتاب لوح آخر، وهو اللوح المحفوظ، ومثل هذه الصحيحة رواية الأرمني عن العسكري عليه‌السلام (3) ، ومرسلة العيّاشي عن جميل عن الصادق عليه‌السلام (4) .

وممّا يدل على وجود اللوحين مرسلة عمّار بن موسى، كما رواه العياشي عن الصادق عليه‌السلام ، سئل عن قول الله: ( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ... إلخ ) قال: (إنّ ذلك الكتاب كتاب يمحو الله ما يشاء وثبت، فمن ذلك الذي يرد الدعاءُ القضاءَ، وذلك الدعاء مكتوب عليه: الذي يرد به القضاء، حتى إذا صار إلى أُمّ الكتاب لم يغنِ الدعاء فيه شيئاً) (5) ، فهذا ما أحرزنا دلالته على وجود اللوحين، فما ذكره المجلسي قدّس سره من دلالة الآيات والأخبار عليه: منظور فيه، فإنّا لم نجد من الكتاب والسُنة غير ما ذكرنا.

تنبيه

اللوح عن الفلاسفة، هو العقل المفارق كما تقدّم في كلام المحقّق الطوسي قدّس سره، وعرّفه في الأسفار وغيره بالنفس الكلية الفَلكية، قال بعض أفاضلهم (6) : إن كنّا بحثنا عن اللوح من جهة العقل، فالبرهان يثبت في الوجود أمراً نسبته إلى الحوادث الكونية نسبة الكتاب إلى ما فيه من المكتوب، ومن البديهي أنّ لوحاً جسمانياً لا يسع كتابة ما يستقبل نفسه وأجزائه، من الحالات والقصص، في أزمنة غير متناهية، وإن كبر ما كبر، فضلاً عن شرح حال كلّ شيء في الأبد الغير المتناهي، وإن كنّا بحثنا من جهة النقل، فالأخبار نفسها تؤوّل اللوح والقلم إلى مَلَكين من

____________________

(1) الرعد 13 / 39.

(2) أُصول الكافي 1 / 146.

(3) البحار 4 / 115.

(4) المصدر نفسه / 118.

(5) البحار 4 / 121.

(6) البحار 4 / 131.


ملائكة الله.. إلخ.

وقال الصدوق في اعتقاداته: اعتقادانا في اللوح والقلم أنّهما مَلَكان انتهى.

ويظهر من المجلسي في السماء والعالم من كتاب بحاره الميل إليه وقال: إذ يمكن كونهما مَلَكين، ومع ذلك يكون أحدهما آلة النقش والآخر منقوشاً فيه.

أقول: ومستندهما في ذلك روايتان (1) : الأُولى ما عن سفيان الثوري عن الصادق عليه‌السلام قال فيه: (فنون مَلَك، يؤدّي إلى القلم، وهو مَلَك، والقلم يؤدّي إلى اللوح، وهو مَلَك... إلخ).

الثانية: رواية إبراهيم الكرخي قال: سألت جعفر بن محمد عليهما‌السلام عن اللوح والقلم فقال: (هما مَلَكان) (2) .

أقول: ولكنّهما ضعيفان من حيث السند فلا اعتداد بهما، ولعلّه لأجل هذا قال شيخنا المفيد (3) : وأمّا مَن ذهب إلى أنّ اللوح والقلم مَلَكان فقد أبعد بذلك، ونأى به عن الحقّ؛ إذ الملائكة عليهم‌السلام لا تسمّى ألواحاً ولا أقلاماً، ولا يُعرف في اللغة اسم مَلَك ولا بشر لوح ولا قلم. انتهى.

أقول: والإنصاف أنّ حقيقة اللوح والقلم غير ثابتة شرعاً، فلا ينبغي البناء على طرف دون طرف، وإنّما الثابت شرعاً أصل وجودهما، فإنّ الخبرين المتقدّمين مع ضعف سنديهما لا يخلوان عن المعارض أيضاً، فلاحظ تفسير البرهان فالصحيح التوقف.

قال بعض العامّة (4) : اللوح المحفوظ عند جمهور أهل الشرع جسم فوق السماء السابعة، كُتب فيه ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة، كما يُكتب في الألواح المعهودة، وليس هذا بمستحيل؛ لأنّ الكائنات عندنا متناهية، فلا يلزم عدم تناهي اللوح المذكور في المقدار، وأمّا عند الفلاسفة فهو النفس الكلّي للفَلَك الأعظم، يرتسم فيه الكائنات ارتسام المعلوم في العالِم. انتهى.

أقول: ما نسبه إلى الجمهور فتوىً لابدّ له من الدليل، وأمّا ما ذكره من نفي الاستحالة، فهو مزيّف بأنّ الكائنات متناهية عندنا من طرف أَوّل، وأمّا من طرف آخر، فهي غير متناهية بالضرورة الإسلامية القائمة على خلو المكلّفين في الجنة والنار.

نعم ما ذكره الحكماء أيضاً دعوى بلا دليل، ولا سيما بعد ظهور بطلان الأفلاك الموهومة

____________________

(1) البحار 14 / 76.

(2) البحار 14 / 76.

(3) شرح عقائد الصدوق / 29.

(4) شرح المواقف 3 / 77، الحاشية.


المذكورة في هذا الأعصار.

فإذا علمت اللوح وما فيه فقد هان عليك تصديق ما ذكرنا، من أنّ الأسباب الأربعة المذكورة، إنّما هي بكتابتها في اللوح دون مجرّد تقرّرها في العلم القديم، كما يشهد له عدّ العلم في قِبال الأُمور المذكورة في رواية المعلّى، وهذا هو مختار العلاّمة الحلي قدّس سره في شرح التجريد.

وبالجملة، هذا وإن لم يكن بجزمي من ملاحظة الروايات المتقدّمة بنفسها غير رواية المعلّى، إلاّ أنّه ممّا يقتضيه الاعتبار العقلي الناشئ من تلك الروايات وغيرها، ويمكن أن يستشهد له بصحيحة عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال: سمعته يقول: (إنّ القضاء والقدر خَلقان من خلق الله، والله يزيد في الخلق ما يشاء)؛ إذ لا معنى لكونهما مخلوقين إلاّ كونهما مكتوبين؛ إذ تقرّر حدود الأشياء في العلم والحكم عليها لا يسمّى مخلوقاً، فهذه الرواية كقوله تعالى: ( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) (2).

وأمّا ما احتمله المجلسي رحمه‌الله من ضمّ حرف الخاء - أي صفتان من صفات الله - فهو مرجوح، لقوله عليه‌السلام : (والله يزيد في الخلق ما يشاء) فإنّه بمنزلة كبرى منطبقة على قوله (خَلقان)، ومن الظاهر أنّ صفاته غير مخلوقة، ولا قابلة للزيادة والنقصان.

ثمّ إنّ المجلسي قد نقل هذه الرواية عن التوحيد عن عبد الله بن سلمان، لا ابن سنان كما في النسخة الموجودة عندي من التوحيد، ورواه أيضاً عن تفسير القمي عن حمران عن الصادق عليه‌السلام ، وعن البصائر عن جميل عنه عليه‌السلام فلاحظ (3) فتدبّر والله العالم.

المسألة الثانية: في فرق المشيئة والإرادة

وفيها أقوال:

1 - إنّه لابدّ من تحقّق معنى في نفس الفاعل المختار منّا بعد العلم وقبل الفعل، وهذا المعنى من حيث ارتباطه بالفاعل يسمى مشيئة، ومن حيث ارتباطه بالفعل يسمّى إرادة، ذكره بعض سادة العصر (4) .

2 - الفرق بين المشيئة والإرادة بالكلية والجزئية والتقدّم والمقارنة، وكذا الفرق بين القضاء والقدر على المشهور، وأمّا في الأخبار فالقضاء بمعنى الحكم والإيجاب، فيُأخّر عن القدر.

____________________

(1) توحيد الصدوق، الباب 59.

(2) الرعد 13 / 39.

(3) البحار 5 / 120 و 112.

(4) أُصول الكافي 1 / 150، الحاشية.


ذكره المحدّث الفيض (1) والمحقّق صاحب الفصول في مبحث نفي الجبر والتفويض من كتابه.

3 - المشيئة قصد الفعل أو تركه على نحو كان نسبتها متساويةً، والإرادة تعلّقه بالفعل أو الترك بخصوصه، قال به بعضهم (2) وذكر أنّ هذا الفرق مأخوذ ممّا روي عن الرضا عليه‌السلام .

4 - ما قيل (3) من أنّه لا فرق بينهما إلاّ عند الكرامية، حيث جعلوا المشيئة صفة واحدة أزلية يتناول ما شاء الله بها من إحداث محدَث، والإرادة حادثة محدَثة متعدّدة تعدّد المرادات.

5 - لا فرق بينهما في العبد، وأمّا في حق القديم فالمشيئة بمعنى التقدير، نُقل عن جماعة من القدماء.

أقول: للإرادة والمشيئة - كما عرفت منا - معنيان: الإيجاد والإحداث والنقش في اللوح، وإن كان نفس هذا النقش أيضاً إحداثاً لكنّه ليس إحداثاً لوجود الشيء خارجاً.

أمّا المعنى الأَوّل، فالظاهر المطابق لمدلول الروايات الأُولى اتحادهما فيه، فهما مترادفان، ويدلّ عليه الاستعمالات القرآنية أيضاً، ويشهد له ما عن الرضا عليه‌السلام ، واعلم أنّ الإبداع والمشيئة والإرادة معناها واحد، وأسماؤها ثلاثة كما مرّ.

وأمّا المعنى الثاني، فالروايات الثانية ناصّة على اختلافهما فيه كما عرفت، وذكرنا أنّ نسبة الإرادة إلى المشيئة نسبة المؤكِّد إلى المؤكَّد بالفتح، ونسبة الشرط إلى المقتضي.

وبالجملة، المشيئة ذكر وجود الشيء في اللوح، والإرادة ذكر تأكيده والعزيمة عليه، فالأقوال الخمسة كلها لا ترجع إلى أساس صحيح.

فإنّ الأَوّل إن تمّ لتمّ في حقنا دون الباري.

والثاني ضعيف جداً؛ إذ المشيئة والإرادة كلتاهما متساويتان، من حيث الجزئية والكلية والتقدّم على الفعل كما عرفت. والظاهر أنّ هذين العَلَمينِ لم يلتفتا إلى تعدّد معنى الإرادة، فحسبا أنّها بمعنى الإيجاد مطلقاً، وهذا الاستظهار من عبارة الفصول أقوى.

وأمّا الثالث، فهو شيء عجيب فإنّه أطلق المشيئة على التردّد ولا شك في بطلانه، وأعجب إسناد قوله إلى الرواية، فإنّك قد لاحظت الروايات على ما مرّ، ولا يوجد فيها إشعار به.

وأمّا الرابع؛ فلِما دلّلنا على بطلان قِدم المشيئة، مع أنّ الفرق المذكور دعوى بلا شاهد، ومثله القول الخامس، فلا تُطلب الحقيقة إلاّ من أهلها.

____________________

(1) الوافي 1 / 114.

(2) شمع اليقين / 16.

(3) كما نقله في الشوارق 2 / 259.


المسألة الثالثة: في الكراهة الاختيار

الكراهة بمعنى عدم الإيجاد، أو بمعنى عدم النقش، وربّما تأتي بمعنى منع الإلطاف، وإيجاد المانع أيضاً، ولعلّ قوله تعالى: ( وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ ) (1) بالمعنى الثالث، وأمّا على المشهور فالكراهة بمعنى العلم بعدم المصلحة.

وأمّا الفرق بين الإرادة والاختيار، فهو أنّ الاختيار إيثار لأحد الطرفين وميل إليه، أو التمكّن منه، والإرادة هي القصد إلى إصدار ما يؤثره ويميل إليه، فكأنّ المختار ينظر إلى الطرفين ويميل إلى أحدهما، والمريد ينظر إلى الطرف الذي يميل إليه، هذا في الشاهد، وأمّا في الباري تعالى فيشبه أن يكون كلاهما واحداً، كما في الشوارق وغيرها.

ولكن على طريقتنا الحقّة الإرادة هي الإيجاد الإفاضة، والاختيار هو التمكّن من الفعل والترك، فالفرق بينهما ظاهر جداً. وللاختيار معنى آخر وهو الترجيح، وهذا عين الإيجاد الذي هو معنى الإرادة، فلا تغفل.

وسيأتي أنّ بعض أصحاب الحكمة قد خلطوا بين المعنيين واشتبه عليهم الاختيار، بمعنى له أن يفعل وله أن لا يفعل، والاختيار بمعنى الترجيح.

المسألة الرابعة: في الإرادة التكوينية والتشريعية

قسّموا الإرادة إلى: التكوينية والتشريعية، فالأُولى هو علمه بالنظام الأصلح، والثانية علمه بالمصلحة في فعل المكلّف، وتخلّف المراد عن الأُولى غير معقول؛ ضرورة امتناع تخلّف المعلول عن العلّة، وأمّا تخلّفه عن الثانية فلا، بل هو واقع كما في الآثام والمعاصي والفسوق. ولسيدنا الأُستاذ المحقّق الحكيم - دام ظله العالي - كلام يوضّح المقام إيضاحاً تامّاً، وإليك شطر منه:

(فالإرادة التشريعية هي إرادة الشيء بلحاظ وجوده من حيث التشريع، وتقابلها الإرادة التكوينية وهي المتعلّقة بالفعل من جميع جهات وجوده، ومنه يظهر أنّ امتناع تخلّف المراد عن الإرادة، إنّما هو في المراد بالإرادة التكوينية لا التشريعية؛ إذ الثانية لم تتعلّق بالمراد من جميع جهات وجوده، وإنما تعلّقت به من جهة تشريع حكمه.... نعم لو لم يُحفظ وجود المراد من قِبل التشريع يلزم تخلّف المراد عن الإرادة، لكن المفروض حفظه كذلك بتحقّق التشريع انتهى.

وقال أيضاً: إنّ الإرادة التكوينية والتشريعية من سنخ واحد، وإنّما الاختلاف في كيفية

____________________

(1) التوبة 9 / 46.


التعلّق بالمراد... إلخ) (1) .

وأمّا سيدنا الأُستاذ المحقّق الخوئي - أدام الله ظله - فقد أبطل هذا التقسيم بإبطال الإرادة التشريعية؛ إذ لا يعقل تعلّق إرادته تعالى بفعل الغير الاختياري إلاّ على سبيل الجبر، فالفعل فعله تعالى لا فعل الغير، نعم لا مضايقة من هذه التسمية بلحاظ كون متعلّق الإرادة أمراً شرعياً، ففي الحقيقة الإرادة تكوينية أبداً، غير أنّ متعلّقها تارةً من التكوينيات وأُخرى من الشرعيات.

أقول: ويمكن أن نتخلّص من هذا الاعتراض بما ذكره بعض الأفاضل بقوله: للمشيئة والإرادة انقسام إلى الإرادة التكوينية الحقيقية، والإرادة التشريعية الاعتبارية، فإنّ إرادة الإنسان التي تتعلّق بفعل نفسه حقيقية تكوينية، تؤثّر في الأعضاء للانبعاث إلى الفعل، ويستحيل معها تخلّفها عن المطاوعة إلاّ لمانع، وأمّا الإرادة التي تتعلّق منا بفعل الغير - كما إذا أمرنا بشيء أو نهينا عن شيء - فإنّها إرادة بحسب الوضع والاعتبار، لا تتعلّق بفعل الغير تكويناً... إلخ (2) .

فالشوق وإن يتعلّق بالملائم بشكل واحد، سواء كان الملائم المذكور فعل نفسه أو غيره، إلاّ أنّ الإرادة وهي القصد لا تتعلّق إلاّ بأمره ونهيه، لا بفعل الغير إلاّ بحسب الاعتبار، ولعلّ هذا هو مراد الجميع فلا اختلاف في المقام؛ إذ مركز النفي غير مركز الإثبات فافهم.

ومنه يظهر جواز تخلّف المراد عن إرادته التشريعية دون التكوينية، فإنّ عمل المكلّف مراد بالاعتبار لا واقعاً، والذي يكون مراداً واقعاً هو التشريع، وتخلّفه عنها محال، فإنّها بالنسبة إليه تكوينية.

لكن يشكل بأنّ إرادة الله - التي هي نفس الإيجاد - لا يعقل تعلّقها بالتشريع الذي ليس إلاّ اعتبار الفعل على ذمة المكلّف، فإنّه اعتباري صرف، فكيف يصحّ أن يتعلّق الإيجاد بشيء غير موجود؟

هذا، ويمكن أن يقال: إنّ الإرادة بمعنى الإيجاد لا تُقسّم بهذا التقسيم، وإنّما الإرادة بمعنى النقش في اللوح هي التي تنقسم إليهما، فإنّ المنقوش إن كان أمراً تكوينياً فهي الإرادة التكوينية، وإن كان حكماً شرعياً فهي الإرادة التشريعية، فتدبّر في المقام والله ولي الإفضال.

المسألة الخامسة: في القدر

قال في مجمع البحرين: فالقدر - بالفتح فالسكون - ما يقدّره الله من القضاء، وبالفتح ما

____________________

(1) حقائق الأُصول 1 / 152.

(2) أُصول الكافي 1 / 151، الحاشية.


صدر مقدوراً عن فعل القادر... إلخ (1) .

وفي مختار الصحاح: قدّر الشيء مبلغه.

قلت: وهو بسكون الدال وفتحها، ذكره في التهذيب والمجمل، وقَدر الله وقدّره بمعنى، وهو في الأصل مصدر.. والقدر أيضاً ما يقدّره الله من القضاء. إذا تقرّر ذلك فالكلام يقع فيه من جهات:

الأُولى: في عموم تعلّقه بكلّي شيء، وهذا ممّا لا يحتاج إلى دليل؛ إذ كلّ شيء لابدّ له من حدّ خاصّ من جميع الجهات بلا شك، وقد مرّ أنّ كلّ شيء - بجميع حالاته وأوصافه - ثابت في علم الله ومذكور في اللوح.

ولا نعني بالقدر إلاّ تحديد الشيء من جميع جوانبه، فقد ثبت أنّ كلّ شيء بقدر الله سبحانه، ولعلّه المومأ إليه بقوله تعالى: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ) (3) ، وأمّا ما في تفسير الرازي من احتمال كون القدر في الآية الأُولى بمعنى التقدير، أو المقدار، أو القدر المقابل للقضاء فمن الفضول؛ إذ المقدار والتقدير عين معنى القدر، الذي هو مقابل للقضاء كما عرفت، وهو المدلول عليه لبعض الروايات أيضاً (4) .

الثانية: في أنّ النهي الوارد عن الكلام في القدر (5) ، لا يشمل شرح مفهومه وبيان مدلوله كما فعلنا، بل الظاهر أنّه راجع إلى السؤال عن علّة تقديره تعالى وأنه لِمَ قدّر كذلك؟ وما قدّر كذا؟ فإنّ عقول الناس لا تصل إلى علل الأشياء أبداً. فوزانه وزان قوله تعالى: ( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ) (6) ، وهذا الذي استظهرنا هو أحد احتمالي كلام شيخنا المفيد قدّس سره (7) في هذه المسألة.

الثالثة: في أنّه ذُمّت القدرية في أخبارنا أشدّ الذمّ، وأنّ قوله تعالى: ( ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (8) نزل في حقهم، وورد أيضاً التحريض على الإيمان بالقدر وعدم التكذيب به (9) .

وقال الرازي عند تفسير هذه الآية: أكثر المفسّرين اتّفقوا على أنّها نازلة في القدرية...

____________________

(1) وقد تُسكّن داله، ومنه: ليلة القدر كما قال.

(2) القمر 54 / 49.

(3) الرعد 13 / 8.

(4) البحار 5 / 93 و 95 و 114 وغيرها.

(5) البحار 5 / 97 و 110 و 126.

(6) الأنبياء 21 / 23.

(7) شرح عقائد الصدوق / 20.

(8) القمر 54 / 48 و 49.

(9) وهذه الروايات منتشرة في أوائل الجزء الخامس من البحار.


وكثرت الأحاديث في القدرية.

وعن شارح المقاصد: لا خلاف في ذم القدرية، وقد ورد في صحاح الأحاديث، لعنَ الله القدريةَ على لسان سبعين نبياً... إلخ.

فالمسألة متسالم عليها، إلاّ أنّ الكلام في تشخيصهم، فإنّ كلاًّ من المعتزلة والأشاعرة ادّعى صاحبتهم مصداقاً للروايات، غير أنّ الرازي أراح الفرقتين من هذه المعضلة فقال في تفسيره الكبير: والحقّ أنّ القدري الذي نزل فيه الآية، هو الذي ينكر القدر، ويقول بأنّ الحوادث كلّها حادثة بالكواكب اتّصالاتها... إلخ. وأمّا القدري في هذه الأُمّة فجعله الذي ينكر قدرة الله إن قلنا: إنّ النسبة للنفي، أو الذي يثبت قدرة غير الله على الحوادث إن قلنا: إنّ النسبة للإثبات.

وقال أيضاً: والحقّ الصراح أنّ كلّ واحد من المسلمين الذين ذهبوا إلى المذهبين خارج عن القدرية، ولا يصير واحد منهم قدرياً إلاّ إذا صار النافي نافياً للقدرة والمثبت منكراً للتكليف، يعني به الجبري الذي ينفي التكليف؛ لعدم الاختيار في المكلّف.

هذا وقال العلاّمة المجلسي قدّس سره (1) : إنّ لفظ القدري يُطلق في أخبارنا على الجبري وعلى التفويضي... إلخ.

وما ذكره صحيح، فالقدرية كلّ مَن لم يستقم في قدرة الله وقدره، سواء كان في جانب التفريط كالمفوّضة، أو في طرف الإفراط كأتباع الجهم ومقلّدي الأشعري.

فإن قلت: القدري إذا كان لفظه من القدرة فهو يشمل الطائفتين المتقدّمتين، فإنّ إحداهما تقول: بكفاية قدرة العبد في أفعاله، وعدم احتياجه فيها إلى الله تعالى، وثانيتهما تقول: بتأثير قدرة الله وحده، وعدم استناد أفعال العباد إلى قدرتهم وإرادتهم.

وأمّا إذا قلنا بأنّ لفظ القدري من القدر والتقدير الذي هو مع القضاء كما هو الظاهر، فلا يرتبط بهاتين الطائفتين، فإنّهما لا ينكران تحديد الأشياء في اللوح، ولا أنّ الجبر والتفويض يستلزمان ذلك، كيف وذكر التقدير لا يزيد على علمه بالتقدير؟ فكما أنّ الثاني لا ينافيهما فكذا الأَوّل.

قلت يمكن أن يقال: إنّ القدر والقدرة متلازمان في الإنكار والإفراط، فإنّ هؤلاء يزعمون أنّ لقدر الله تأثيراً، فإذا قالوا: إنّ أفعالنا ليست بقدرة الله بل بقدرتنا، فمعناه أنّهم ينكرون تعلّق قدره بها أيضاً، وهكذا إذا قيل: إنّ كلّ شيء حتى أفعال الإنسان واقع بقدرة الله تعالى، فلابدّ لقائله أن يقول: إنّ كلّ شيء حتى فعل العبد واقع بقدره تعالى لا باختيار العبد، وهذا هو التعدّي في قدر الله تعالى.

____________________

(1) البحار 5 / 5.


وهذا الذي ذكرنا يستفاد من مجموع الروايات الواردة، في باب نفي الجبر والتفويض، وباب القضاء والقدر، يؤيّد ذلك ما في شرح المواقف (1) : والمعتزلة ينكرون القضاء والقدر في الأفعال الاختيارية الصادرة عن العباد، ويثبتون علمه تعالى بهذه الأفعال، ولا يسندون وجودها إلى ذلك العلم، بل إلى اختيار العباد وقدرتهم انتهى.

وسيأتي في مبحث عموم إرادته، وهو مبحث الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين، أنّ جميع الأشياء واقع وِفق تقدير الله سبحانه حتى أفعال العباد خلافاً للمعتزلة، ومع ذلك العبد مختار في فعله خلافاً للأشعرية، فالقدر والقضاء لا ينافيان الاختيار كما زعموه، وهذا هو الأمر بين الأمرين، الذي ثبت من آل محمد (صلى الله عليه وعليهم) وقالت به الإمامية.

والحاصل: أنّ الجبري يُسند جميع القبائح والآثام إلى قدر الله فهو قدري، والتفويضي يسند أَفعاله إلى نفسه وينكر قدره فيها، فهو قدري فتشملهم الروايات، فتأمّل.

المسألة السادسة: في القضاء

قال الصدوق رحمه‌الله (2) : وسمعت بعض أهل العلم يقول: القضاء على عشرة أوجه: الأَوّل العلم... والثاني: الإعلام... والثالث: الحكم... والرابع: القول... الخامس: الحتم... والسادس: الأمر... السابع: الخلق... الثامن: الفعل... التاسع: الإتمام... العاشر: الفراغ... الحادي عشر: القتل كما في مجمع البحرين.

أقول: الظاهر أنّ هذه المذكورات ليست بمعانٍ موضوع لها اللفظ بالاشتراك اللفظي، بل بعضها داخل في البعض، فذكرها من باب اشتباه المفهوم بالمصداق، وبعضها غير ثابت في نفسه، وللفقهاء فيه اصطلاح آخر، وهو إتيان العمل المؤقّت خارج وقته، ولا يبعد أن يكون معناه الحكم الفصل تكوينياً كان أو اعتبارياً، وبهذا المفهوم الفارد يُستعمل في المعاني المذكورة، وقد عرفت أنّ معنى القضاء الذي هو من أسباب الفعل، هو كتابة الحكم البتّي - ولو من غير جهة الدعاء والصدقة ونحوهما - في اللوح.

ويدلّ على عمومه ما مرّ، ورواية حمزة بن محمد الطيار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (3) قال: (ما من قبض ولا بسط، إلاّ ولله فيه مشيئة وقضاء وابتلاء)، وروايته الأُخرى عنه عليه‌السلام قال: (إنّه ليس شيء فيه قبض أو بسط، ممّا أمر الله به أو نهى عنه، إلاّ وفيه لله عزّ وجل ابتلاء وقضاء)، وما في

____________________

(1) شرح المواقف 3 / 145.

(2) توحيد الصدوق، الباب 59.

(3) أُصول الكافي 1 / 152.


آخر رواية أبان المذكورة في التوحيد وغيره (1) من قول الصادق عليه‌السلام : (وإن كان كلّ شيء بقضاء الله وقدره فالحزن لماذا؟)، والمتتّبع يجد أكثر من ذلك، والأمر سهل.

نكتة

روى الصدوق بإسناده عن ابن نباتة (2) قال: إنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر فقيل له: يا أمير المؤمنين تفرّ من قضاء الله؟ قال: (أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله عزّ وجلّ) انتهى.

ويشكل أَوّلاً: بأنّ وقوع الحائط عليه‌السلام لم يحرزه السائل أنّه من قضاء الله، فهو منه تخرّص، بل قضاء الله تشريعاً هو فراره من عنده، وقد أقرّه الإمام على سؤاله.

وثانياً: إنّ قضاء الله فرع قدره ومترتّب عليه والقدر أصل له، فلا مخالفة بينهما حتى يفرّ من أحدهما إلى الآخر، ويمكن أن يقال: إنّ مقصوده عليه‌السلام أنّ الله كما قضى على الحائط السقوط قدّر عمري باقياً بعد ذلك، وبالجملة كما أنّ السقوط - بعد تقديره - مقضي فكذا بقاء حياتي - قبل قضائه - مقدّر، فأفرّ من قضاء الله المتعلّق بسقوط الحائط إلى قدر الله المتعلّق بحياتي فتأمل.

تنبيه: بقي هنا شيء وهو ما اتّفقوا عليه من لزوم الرضا بالقضاء.

أقول: الكلام تارةً في أصل تصوير الرضا بالقضاء، وأخرى في لزومه، والبحث عن هذه المسألة وإن كان مربوطاً بالمقام، غير أنّا ذكرناه في مسائل الجبر والتفويض، فسيمر تفصيله عليك هناك إن شاء الله.

دقيقة

الروايات الواردة في ترغيب المكلّفين إلى الرضا بكثرتها مختصة بالقضاء دون القدر، نعم في الدعاء الذي يُقرأ ليلة الجمعة قبل فجرها: (والرضا بقضائك وقدرك).

وأمّا الروايات الواردة في الإيمان وعدم التكذيب فهي مخصوصة بالقدر، فاللازم هو الإيمان بالقدر وعدم التكذيب به، والرضا بالقضاء.

أقول: والوجه في ذلك - على ما أظن - أنّ الفعل الخارجي هو الذي يعتريه السخط والرضا، وقد مرّ أنّ القضاء هو الحكم الفصل، وهو آخر مقدمات فعله تعالى، بحيث إنّ الفعل يصدر عنه؛ فلذا أمر الأئمة عليهم‌السلام بالرضا بمناشئ الفعل الأخير المستتبع له، وبما أنّ القضاء تابع للقدر، وأنّ

____________________

(1) توحيد الصدوق، الباب 59.

(2) توحيد الصدوق، الباب 59.


الأصل في أفعاله هو تقديره وتدبيره، أُمروا بالإيمان به، وبما أنّ المصالح والمفاسد الواقعية غير معلومة للإنسان، مُنعوا عن الخوض فيه، والله العالم.

خاتمة حول آراء الناس في القدر والقضاء

مسألة القدر والقضاء ممّا جاءت به جميع الأديان، وليست من خصائص الإسلام كما يقيل، وهي من المسائل التي تَوجّه المسلمون إليها في الصدر الأَوّل، كما يظهر من الآثار، ثمّ اتّسعت دائرتها باتّساع الآراء والأنظار، حتى أصبحت عند الناس من المعضلات التي لا تنحل، والحال أنّ الأمر ليس كذلك كما عرفته من أئمة أهل البيت (سلام الله عليهم أجمعين)، لكنّ للباحثين فيها أقولاً، وإليك نبذة منها:

قال خاتم الفلاسفة في كتابه الأسفار: وأمّا القضاء فهي عندهم - أي المشّائين - عبارة عن وجود الصور العقلية لجميع الموجودات، فائضةً عنه تعالى على سبيل الإبداع دفعةً بلا زمان؛ لكونها عندهم من جملة العالَم، ومن أفعال الله المبائنة ذواتها لذاته، وعندنا صور علمية لازمة لذاته بلا جعل وتأثير وتأثّر، وليست من أجزاء العالم؛ إذ ليست لها حيثية عدمية ولا إمكانات واقعية، فالقضاء الربانية - وهي صور علم الله - قديمة بالذات باقية ببقاء الله كما مرّ بيانه.

وأمّا القدر فهو عبارة عن وجود صور الموجودات في عالَم النفسي السماوي على الوجه الجزئي، مطابقةً لِما في موادّها الخارجية الشخصية، مستندةً إلى أسبابها وعللها، واجبةً بها، لازمةً لأوقاتها المعيّنة وأمكنتها المخصوصة. انتهى.

قال الفيّاض اللاهيجي (1) : ولفظا القضاء والقدر ربّما يطلقان بحسب العلم، وربّما بحسب الوجود، فإذا أُطلقا في العلم، كان المراد من القضاء العلم الإجمالي البسيط الذي هو عين الواجب تعالى، ومن القدر الصور العلمية المفصّلة؛ وإذا أُطلقا في الوجود، كان المراد من القضاء المعلول الأَوّل، الذي اشتمل إجمالاً على جميع وجودات ما بعده، والمراد من القدر أعيان الموجودات الكلية والجزئية المتحقّقة في الخارج على سبيل التفصيل.

وعلى كلّ، القدر تفصيل للقضاء، والأقرب إلى التحقيق هو الإطلاق الثاني، أعني الإطلاق بحسب الوجود؛ إذ من الظاهر أنّ القضاء والقدر اعتباران للأشياء باعتبار تعلّق فاعلية الواجب بها، وليس العلم إلاّ اعتبار ظهور الأشياء وانكشافها؛ ولذا أنّ الشارح المحقّق - يعني به العلاّمة الطوسي - والشارح المشكّك - الرازي - كليهما فسّرا لفظ القضاء والقدر في شرح الإشارات بما يطابق الإطلاق الثاني، قال الرازي: وأمّا لفظا القضاء والقدر فنعني بالقضاء معلوله الأَوّل؛ لأنّ

____________________

(1) گوهر مراد / 230، وما ذكرناه ترجمة كلامه بالفارسية.


القضاء هو الحكم الواحد الذي تُرتّب عليه سائر التفاصيل والمعلول الأَوّل كذلك، وأمّا القدر فهو سائر المعلولات الصادرة عنه طولاً وعرضاً؛ لأنّها بالنسبة إلى المعلول تجري مجرى تفصيل الجملة وهو القدر.

وقال المحقّق الطوسي: فاعلم أنّ القضاء عبارة عن وجود جميع الموجودات في العالم العقلي مجتمعةً ومجملةً على سبيل الإبداع، والقدر عبارة عن وجودها في موادّها الخارجية بعد حصول شرائطها مفصّلةً واحداً بعد واحد، كما جاء في التنزيل: ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) (1) .

وقال الرازي في تفسيره عند قوله تعالى: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (2) : وقالت الفلاسفة... إنّ ما يقصد إليه فقضاء وما يلزمه فقدر، فيقولون: خلق النار حارّة بقضاء وهو مقضي به؛ لأنّها ينبغي أن تكون كذلك، لكن من لوازمها أنّها إذا تعلّقت بقطن عجوز.. تحرقه فهو بقدر لا بقضاء، وهو كلا فاسد، بل القضاء ما في العلم والقدر ما في الإرادة... إلخ.

وقال الجرجاني في شرح المواقف (3) : واعلم أنّ قضاء الله عند الأشاعرة، هو إرادته الأزلية المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، وقدره إيجاده إيّاها على قدر مخصوص، وتقدير معيّن في ذواتها وأحوالها، وأمّا عند الفلاسفة فالقضاء عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكون عليه الوجود؛ حتى يكون على أحسن النظام وأكمل الانتظام، وهو المسمّى عندهم بالعناية، التي هي مبدأ لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه وأكملها، والقدر عبارة عن خروجها إلى الوجود العيني بأسبابها، على الوجه الذي تقرّر في القضاء. انتهى.

إلى غير ذلك من الكلمات والتعابير المختلفة والمتضادة، وهي ظلمات بعضها فوق بعض، ولا يكشف بها واقع القضاء والقدر، الذي أراده الدين الإسلامي من هذين اللفظين المذكورين، فهذه الأقاويل - لو صحّت في أنفسها - اصطلاحات من أربابها، ولا دخل لها بالقدر والقضاء الثابتين شرعاً، مع أنّها في أنفسها أيضاً غير تامّة، كما يعرفها المتطلّع على أصولنا الحقة المتقدّمة والآتية، والله الهادي الملهم.

____________________

(1) الحجر 15 / 21.

(2) القمر 54 / 49.

(3) شرح المواقف 3 / 146.


الفريدة الثالثة

في حكمته

براهين حكمته تعالى

تفريع وتكميل: في أدلّة النظام الأحسن الفعلي الحاضر

مسألة: في ترجيح أحد المتساويين على الآخر


الفريدة الثالثة

في حكمته

الحكمة ربّما تُفسّر بالعلم بالأشياء على ما هي عليه، وحيث إنّا قد أسلفنا القول في علمه تعالى فلا نبحث عنها بهذا المعنى. وربّما تفسّر بإصدار الأشياء وإبداعها على أكمل ما ينبغي أن يصدر، وهذا المعنى هو المقصود في هذا المبحث، والإنصاف أنّه أشرف من أكثر المسائل، ومع ذلك قد تسامح فيه الكلاميون ولم يبحثوا عنه حقّ البحث.

وكيف ما كان، والذي يدلّ على إثبات حكمته بهذا المعنى، وأنّه لا يفعل إلاّ ما هو أكمل الوجوه الممكنة وأفضلها، وجوه:

الأول: إنّه تعالى عالم بجميع جهات الفعل المحسّنة والمقبّحة، وقادر على إيجاده بأيّ وجه شاء، وليس له حاجة وشهوة بشيء أصلاً، فلا مانع ولا رادع له من إتيانه أبداً، فإذا فُرض دوران الأمر بين إيجاد شيء على وجه أكمل وأسدّ ممكن، وإيجاده على وجه كامل فضلاً عن ناقص، فلا شكّ في اختياره تعالى الجانب الأَوّل بالضرورة، أَلا ترى أنّا معاشر العقلاء في مفروض المثال، نختار إيجاد الشيء على النحو الأكمل، فالأكمل بطبيعة عقولنا وخميرة فطرتنا، بلا تردد وتوقّف، فما علمك بالواجب المتعالي عن النقصان، المتكامل ذاتاً بكل الكمال؟

فإن قلت: فكيف هؤلاء العقلاء الذين يختارون اللذات الآنية، والشهوات الدنية، ويؤثرونها على الأنعام الدائمية والآلاء العظيمة؟ وكيف يرجّحون مقتضى الشهوية والغضبية على العاقلة؟ وغضب الخالق على رضاه؟

قلت: المختار لهذه الأُمور حين اختياره لا محالة يرى أرجحية فعلها من تركها وإلاّ لَما فعلها، فالجاني - لضعف عقله وغلبة شهوته أو غضبه - يعتقد في ذلك الحين أنّ جريمته أرجح من تركها، فيرتكبها ولا دخل لمفسدتها الواقعية في اختياره هذا، واعتقاده الأرجحية كما لا يخفى، فهذا السؤال غير متوجّه إلى المقام، فإنّ الإقدام على القبيح إمّا من جهة الجهل، أو الغفلة عن حقيقة الحال، أو من جهة مزاحمة الداعي، ومحل الكلام فرض انتفاء الجميع، وإن شئت فقل: إنّ اختيار الناقص بل الكامل على الأكمل في مفروض المثال، ترجيح المرجوح على الراجح، وهو ممتنع عقلاً.


الثاني: إنّ إتقان أكثر أفعاله محرز، وكلّ ما يزداد في رقي العلوم ويتّسع دائرتها، يزداد في انكشاف حكمته البالغة المتحقّقة في الأشياء، ويظهر إتقان المصنوعات وإحكامها على وجه أدق، تندهش به العقول وتضطرب الأفكار، فيضطر الإنسان إلى الإقرار بحكمته، وكمال خلقته، وتمام فاعليته. فلست أن ترى ( فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ) والبصيرة كرّات ( يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ) (1) والبصيرة عاجزة وهي متحيّرة.

وعن هرشل: كلّما اتّسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدافعة القوية، على وجود خالق أزلي لا حدّ لقدرته ولا نهاية، فالجيولوجيون - علماء طبقات الأرض - والرياضيون والطبيعيون، قد تعانوا وتضامنوا على تشييد صَرح العلم، وهو صرح عظمة الله وحده. انتهى.

فالناظر لهذه الكائنات المرموزة التي تظهر كلّ يوم عجائبها، بكراتها السامية المنظّمة الكثيرة الكبيرة، التي تخرج عن سلطان عقولنا، وبموجوداتها الأرضية البرية والبحرية إلى المكروبات الصغار، وإلى حِكم أعضاء الإنسان نفسه وإلى... وإلى... وإلى ما لا نهاية، يتيقّن - يقيناً تامّاً قوياً متأكداً وأشدّ من كلّ يقين - أنّ فاعلها وموجِدها خلق جميع أفعاله بإحكام وإتقان، كما إذا شاهدنا ماكنةً دقيقة، وعلمنا إحكام جملة من أجزائها وجهلنا إتقان بعضها، فإنّ عقلنا يحكم بإتقانه واقعاً، ولا يجعل جهله دليلاً على عدم إتقانه، فهذا الاستقراء وإن كان ناقصاً؛ ضرورة عدم إحراز الحكمة في جميع أفعاله غير أنّ العقل - بقوة الحدس - يذعن بحكمته تعالى مطلقاً إذعاناً قطعياً قهرياً.

هذا، ولكن مقتضى هذه الحجة إثبات محكمية أفعاله وإتقانها وعدم الخلل فيها، وأمّا صدورها عنه على أكمل الوجوه الممكنة كما هو المقصود فلا يثبت بها، فإنّا لم نحرز المقيس عليه بهذا الوصف، بل لا يمكن للبشر العادي تحصيله، فقد ظهر الفرق بينهما وبين الحجّة الأُولى في المفاد.

الثالث: إنّ إرادته تعالى هو علمه بالنظام الأكمل، فكل أكمل فهو موجود لا محالة؛ ضرورة استحالة تخلّف المعلول عن علّته، فلو تحقّق ما ليس بأكمل وأصلح في الخارج، فقد وُجد المعلول بلا علّة، وهذا هو الترجّح بلا مرجّح.

أقول: وهذا أحسن الأدلة حتى من الوجه الأَوّل، فإنّه يبطل إمكان اختيار المقابل للأكمل فضلاً عن وقوعه.

لكن يرد عليه: أَوّلاً: ما مرّ من إبطال كون العلم إرادةً ومؤثراً.

____________________

(1) الملك 67 / 4.


وثانياً: إنّه لا دليل على كون العلم بالأصلح هو الإرادة، بل يمكن أن يكون العلم بالصالح إرادة فلا يثبت المقصود، إلاّ أن يقال: إنّ اختيار الكامل وترك الأكمل - مع إمكانه - شر، وهو ممتنع على الواجب، فتأمّل. فإنّ العلم بالأصلح وأن لم يكن إرادةً ومؤثّراً، لكن لا شك في أنّه مرجّح لإرادته وإحداثه، فيتمّ به المطلوب.

الرابع: إنّ اختيار غير الأكمل مع إمكانه نقص، وهو عليه محال، لكنّه مزيّف بأنّ النقص في أفعاله، هو عبارة أُخرى عن القبح الممتنع عليه من جهة حكمته، فيكون الاستدلال دورياً.

الخامس: دلالة النقل عليه، فقد وصف الله نفسه في كتابه بالحكيم ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً ) (1) ، وهكذا في السُنة.

قال الفاضل الطريحي في مجمع البحرين: المحكم في اللغة المضبوط المتقن، الحكمة العلم الذي يرفع الإنسان عن فعل القبيح، مستعار من المحكمة: اللجام، وهي ما أحاط بحَنك الدابة، يمنعها الخروج، والحكمة فهم المعاني، سُمّيت حكمة لأنّها مانعة عن الجهل.

ثمّ قال: ومن أسمائه: الحكيم والقاضي، فالحكيم فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يُحكم الأشياء ويتقنها، فهو فعيل بمعنى مفعل، أو ذو الحكمة وهي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم انتهى.

أقول: المقطوع من الكتاب والسُنة مثل قوله تعالى: ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) (2) وغيره هو حكمته بمعنى إتقان فعله، وأمّا إنّه على أكمل أنحائه الممكنة فلا، فهذا الوجه يرجع إلى الوجه الثاني في المفاد.

هذا ولكنّ المعنى الأَوّل وإن ثبت شرعاً لكنّه غير قابل للتعبّد؛ إذ حجّية الشرع موقوفة على امتناع الكذب والقبح عليه تعالى، وهذا الامتناع موقوف على حكمته، وعدم الفساد في أفعاله، نعم إذا ثبت عقلاً إحكام أفعاله، وإنّه لا يفعل القبيح الفاسد كما في الوجه الثاني - وهو المستفاد من الوجه الأَوّل أيضاً بالأولوية - أمكن التعبّد بأخباره، بأنّه يُصدر الأشياء عنه بأكمل محتملاتها الممكنة، ولكنّه غير واقع، فما يصحّ به التعبّد لم يثبت شرعاً ثبوتاً قطعياً، وما لا يصلح التعبّد به فهو ثابت كذلك. فلابدّ لنا من حمله على الإرشاد إلى حكم العقل بحكمته أو إثبات وجوده وغيره، فتدبّر جيداً.

فالعمدة في المقام هو الوجهان الأَوّلان، أَوّلهما برهان لمّي، وثانيهما دليل إنّي، والأَوّل يدلّ على أنّ الصادر عنه يكون على نحو الأكمل، بل وعلى لزوم صدور الأكمل عنه لزوماً غير منافٍ

____________________

(1) النساء 4 / 122.

(2) السجدة 32 / 7.


لاختياره، والثاني يدل على أنّ أفعاله محكمة متقنة، فلا خلل، ولا فساد، ولا قبح، ولا نقص، في أفعاله تعالى.

تفريع وتكميل: في أدلّة النظام العقلي الحاضر

بعد ما تقرّر أنّ أفعاله تعالى على أفضل ما ينبغي أن تكون، وأكمل ما يمكن أن تصدر عنه، بحيث لا يتصوّر مرتبة أرقى ممّا هي عليه، فقد ظهر أنّه لا يمكن وجود نظام أحسن وأكمل من النظام الفعلي الحاضر، فإنّه على آخر درجة من درجات الكمال، وكأنّه ظاهر لا يحتاج إلى بيان أزيد ممّا تقدّم.

ولهذا المطلب أدلة أُخرى ذكرها الفلاسفة وغيرهم، إلاّ أنّها بين ما يرجع إلى المختار، وبين ما لا يتمّ على أُصولنا المبرهن عليها، ونحن نذكر وجهين منها:

الأَوّل: ما عن الغزالي من أنّه لا يمكن أن يوجد العالم أحسن ممّا هو عليه؛ لأنّه لو أمكن ذلك ولم يعلم الصانع المختار أنّه ممكن إيجاد ما هو أحسن، فيتناهى علمه المحيط بالكلّيات والجزئيات، وإن علم ولم يفعل مع القدرة عليه فهو يناقض جوده الشامل لجميع الموجودات.

واستحسنه العربي في محكي فتوحاته، ثمّ الحكيم الشيرازي في أسفاره، فقال في ربوبياتها: وهو كلام برهاني، فإنّ الباري - جلّ شأنه - غير متناهي القوة، تام الجود والفيض، فكلّ ما لا يكون له مادّة، ولا يحتاج إلى استعداد خاصّ، ولا أيضاً له مضادّ ممانع، فهو بمجرّد إمكانه الذاتي فائض عنه تعالى على وجه الإبداع، ومجموع النظام له ماهية واحدة كلية، وصورة نوعية وحدانية بلا مادّة، وكل ما لا مادّة له نوعه منحصر في شخصه... فلم يمكن أفضل من هذا النظام نوعاً ولا شخصاً. انتهى.

أقول: حديث الجود ليس بخطابي، فإنّه واجب عليه بحسب حكمته كما مرّ، نعم ليس بواجب عنه على ما سلف في بحث اختياره، فقول الغزالي راجع إلى المختار.

وأمّا ما أتى به صاحب الأسفار فهو ضعيف، فإنّ فرض العالم بمجموعه موجوداً واحداً غير مادي، مجرّد خيال ينفع الشعراء ولا وزن له في المباحث العقلية، وربّما سنفصّل القول فيه في بعض مسائل التوحيد إن شاء الله.

الثاني: ما ذكره اللاهيجي (1) ناقلاً عن الحكماء، ومحصّله: أنّ الواجب الوجود خير محض، فإنّ الخير ليس إلاّ فعلية الوجود وكمالاته وتماميتهما، والشر فقدان الوجود أو كمالاته، وواجب الوجود عين الوجود، وتامّ الوجود، وكامل في وجوده وكمالاته، فهو خير محض ولا

____________________

(1) گوهر مراد / 224.


موجود غيره بخير محض، وكلّ ما هو خير محض لا يصدر عنه إلاّ الخير المحض؛ إذ جهة صدور الشر - وهي العدم - ليس بمتحقّق فيه..... وظاهر أنّ سبب نظام الكلّ - أي المجموع من حيث هو مجموع - ليس إلاّ الواجب الوجود، فهو خير محض على وجه لا يمكن الأتمّ منه؛ إذ مكان الأتمّ من هذا النظام يستلزم عدم تمامية هذا النظام، فإذا لم يكن بتامّ لزم كونه شراً، فيمتنع صدوره عن الخير المحض.

أقول: وللنظر فيه مواضع.

منها: ما تقدّم في بحث الشرور.

ومنها: أنّ الواجب وإن كان هو المؤثّر في الكل، غير أنّ للعقول والأفلاك أيضاً تأثيراً فيه، فإنّها عندهم واقعة في السلسلة الفاعلية وتكون جهات مؤثّريته تعالى، وحيث إنّ هذه الأُمور ممكنة وإمكاناتها عدمية، والعدم شرّ، فلا يتحقّق الخير المحض في المعاليل.

ومنها: أنّ فيه تناقضاً، فإنّه تارةً يقول: ولا موجود غيره بخير محض، وأُخرى يدّعي أنّ الجميع خير محض، فتأمل، فإنّ البرهان على قدرتنا تام، وهو يدلّ على نفي النقص في ذاته تعالى أيضاً.

فإن قلت: كيف يكون هذا النظام على نهاية الكمال وغاية الإتقان، والحال أنّ المصائب والبلايا محيطة بالحيوان ولا سيما الإنسان؟

هذا من ناحية، ومن ناحية أُخرى، أنّ الآثام، والمعاصي، والقتل، وهتك الناموس، والظلم وغير ذلك من الجنايات، ما زالت مستمرّة الصدور عن نوع الإنسان، حتى قُتل الأنبياء والأولياء، وضعفت الديانة والإنسانية، وأُخفيت معالم الشرع، وقلّ الديّانون.

قلت: أمّا البلايا والمصائب فقد مرّ بحثها مفصّلاً، وأمّا المعاصي فهي وإن كانت مبغوضاً عليها لله الحكيم سبحانه من حيثية التشريع وقبيحة في نفسها، غير أنّ تكليف الإنسان لمّا كان ذا مصلحة هامّة في نفس الأمر، وهو كان موقوفاً على اختيار الإنسان وتمكّنه، وإلاّ لارتفع فائدة التشريع، وبطل الثواب العقاب، فجعل الله الإنسان مختاراً ثمّ كلّفه، فهذه الجنايات مستندة إلى اختيار الإنسان، واختياره ممّا لابدّ منه لمصلحة أهمّ من قبح هذه المفاسد، فافهم جيداً.

مسألة: في ترجيح أحد المتساويين على الآخر

هل يحسن للمختار أن يرجّح أحد المتساويين على الآخر بمجرّد إرادته أم لا؟ وعلى تقدير العدم هل هو جائز أو ممتنع؟


المعروف عن الأشاعرة هو الجواز بل الوقوع (1) ، وعن العدلية - الإمامية والمعتزلة - والحكماء امتناعه (2) . والظاهر تمركز النزاع في المختار فقط، فإنّ الموجب إذا رجّح أحد المتساويين على الآخر - كما إذا أحرق النار أحد المتساويين فقط - فقد وقع الترجّح بلا مرجّح، لكنّه مجرّد فرض باطل.

ثمّ إنّ الأشاعرة ليس لهم دليل على قولهم سوى ذكر أمثلة، ودعوى الضرورة على وقوع الترجيح بلا مرجّح فيها، مع أنّ بعضهم ناقش في الأمثلة المذكورة (3) .

قال المحقّق الآشتياني: واستدلّوا عليه - أي الأشاعرة على الجواز - بالوجدان؛ حيث إنّ العطشان والجائع والهارب من السبع، يختار أحد القدحين والرغيفين والطريقين، مع فرض المساواة من جميع الجهات التي لها دخل في الترجيح، فيعلم من ذلك أنّ اختيار أحد طرفي الممكن لا يتوقّف على مرجّح خارجي. والعدلية من الإمامية والمعتزلة إلى الثاني؛ لِما عرفت من قضاء ضرورة العقل، بعدم تعلّق الاختيار بأحد طرفي الممكن من دون داعٍ وسبب، فلو وُجد لوُجد بلا سبب، وهذا معنى رجوع الترجيح بلا مرجّح إلى الترجّح بلا مرجّح.

وأمّا ما زعمه الأشاعرة ففاسد جداً.

أمّا أَوّلاً: فلمنع تحقّق التساوي من جميع الجهات فيما مثّلوا به وأمثاله، ومجرد الفرض لا يوجب تحقّق المفروض، والمدار عليه لا على فرضه.

وأمّا ثانياً: فلأنّا نختار بعد التسليم عدم اختيار أحدهما، ومجرّد دعواه لا يفيد في شيء... إلخ.

أقول: هذان الجوابان اللذان نُقلا عن المعتزلة، بل ادّعوا الضرورة على الجواب الثاني، ممنوعان جداً، بل الضرورة على خلافه، وأنّ المضطرّ يختار أحدهما بلا تردّد. والإنصاف أنّهما لا يستحقان الجواب.

ويلحق بهما في الضعف ما أجاب به صاحب الأسفار (4) ، فإنّه مبني على الجبر، وإنّ أفعال المخلوقين أفعال الله تعالى فلاحظ.

قال بعض أهل التدقيق من جامعي المعقول والمنقول (5) : تحقيق المقام أنّ الترجيح موضوعه الفعل الإرادي، وثبوت الإرادة فيه مفروغ عنه، وإلاّ لكان ترجّحاً بلا مرجّح، وهو

____________________

(1) شرح المواقف 2 / 218.

(2) حاشية المحقّق الآشتياني على رسائل الشيخ الأنصاري / 246.

(3) شرح المواقف 2 / 218.

(4) الأسفار 1 / 209.

(5) نهاية الدراية في شرح كفاية الأُصول 3 / 170.


مساوق للمعلول بلا علّة، وامتناعه بديهي لا يختلف فيه أحد، ففي الموضوع الإرادي قالوا بقبحه تارة وبامتناعه أخرى بيانه:

إنّ الأشاعرة بنوا على خلو أفعال الله تعالى التكوينية والتشريعية، عن الغايات الذاتية والعرضية، وعن الحِكم والمصالح الواقعية؛ نظراً إلى جواز الترجيح بلا مرجّح؛ لإمكان الإرادة الجزافية تمسّكاً منهم بأمثلة جزئية... ونفياً منهم للحسن والقبح بالكلّية، فالفعل الإرادي الخالي عن الغرض معلول للإرادة المستندة إلى المريد، فلا يلزم المعلول بلا علّة، وحيث لا حسن ولا قبح فلا يتّصف مثل هذا الفعل الخالي عن الغاية بكونه قبيحاً.

وأجاب الحكماء - بعد إثبات الحسن والقبح عقلاً في كلية أفعال الله تعالى والعباد - بأنّ الفعل الخالي عن الغاية والغرض قبيح من كل عاقل، وبأنّ تجويز الإرادة الجزافية يؤول إلى تجويز الترجّح بلا مرجّح؛ لأنّ الإرادة من الممكنات فتعلّقها بأحد الأمرين دون تعلّق إرادة أُخرى بالآخر، إمّا بإرادة أُخرى فيدور أو يتسلسل، وإمّا بلا إرادة... كان معناه حدوث الإرادة بلا سبب، وهو عين الترجّح بلا مرجّح... فبالإضافة إلى نفس الفعل وإن كان ترجيحاً بلا مرجّح، إلاّ أنّه بالإضافة إلى إرادته ترجّح بلا مرجّح.

فعُلم ممّا ذكرنا أنّ محلّ النزاع هو الفعل الإرادي الخالي عن مطلق الغاية والغرض، لا الخالي عن الغرض العقلائي، فإنّه لم يقع النزاع في إمكانه، كما عُلم أنّ القبح بأي نظر، وأنّ الامتناع بأي لحاظ، فإنّه قبيح بالنظر إلى خلوه عن الحكمة والمصلحة، وممتنع بالنظر إلى حدوث الإرادة بلا موجب، غاية الأمر أنّ الموجب في إرادته تعالى منحصرة في الحكمة والمصلحة لا مطلق الغرض.

وأمّا مسألة ترجيح المرجوح على الراجح فهي أجنبية عن مقاصد الحكماء، والأشاعرة في تلك المسألة المتداولة، إلاّ أنّه يمكن فرضها قبيحاً تارةً وممتنعاً أُخرى، فبالنظر إلى خلو الفعل عن جهة مصحّحة من حكمة ومصلحة قبيح، وبالنظر إلى حدوث الإرادة بلا سبب ممتنع.

ويزيد على الترجيح بلا مرجّح، بأنّ ترك الراجح مع وجود غاية مصحّحة قبيح آخر، وتخلّف الإرادة عمّا يوجبها محال آخر انتهى.

أقول: فقد ظهر أنّ استحالة الترجيح بلا مرجّح؛ لأجل رجوعه إلى الترجّح بلا مرجّح، وإلاّ فهو ليس بمحال، انتهى.

وأمّا ما ذكره المحقّق اللاهيجي (1) من استحالة الترجيح المذكور في نفسه أيضاً، بل ادّعى بداهتها عند الوجدان المستقيم، فممّا لم نعرف له وجهاً.

____________________

(1) گوهر مراد / 147.


والتحقيق أنّ الترجيح بلا مرجّح ربّما يصير ممتنعاً، وربّما يكون ممكناً، فإذا أمكن فهو تارةً يكون واجباً ولازماً فضلاً عن مجرّد كونه حسناً، وأُخرى يكون قبيحاً.

بيان ذلك: أنّ الترجيح بمجرّد الإرادة من دون سبب ومرجّح أصلاً محال لِما تقدّم، ولا وقع لإنكار الأشعريين وغيرهم، وبمرجّح غير عقلائي قبيح، كما في تقديم المفضول على الفاضل لأجل كبر السِّن مثلاً، وهذا ممكن قبيح وليس بمحال كما هو ظاهر، وبمرجّح عقلائي قائم بطبيعي الفعل الجامع للفردين لازم وواجب، كما في الأمثلة المتقدّمة وغيرها؛ وذلك لأنّ طبيعي الفعل إذا كان ذا مصلحة ملزمة أو غير ملزمة، وكانت الأفراد بالنسبة إليه متساويةً، حيث إنّ كلاً منها محصّل له ومحقّق إيّاه، فلا يجوز أو لا ينبغي للعاقل أن يترك أصل الفعل المشتمل على المِلاك؛ لأجل استواء الأفراد في المزية وتحصيل الغرض، أَلا ترى أنّ العقلاء بأسرهم يقبّحون، مَن ترك الأكل من أحد الإناءين المتساويين حتى مات جوعاً، بل يضحكون على مَن اعتذر عنه بعدم جواز الترجيح بلا مرجّح أو قبحه.

والسرّ في جوازه وعدم مآله إلى الترجّح، هو أنّ المنظور إليه استقلالاً هو طبيعي الفعل وحده، وأمّا الأفراد فلا نظارة إليها إلاّ آلةً وتبعاً، فالإرادة المتعلّقة بطبيعي الفعل المذكور تسوّغ اختيار أي من الأفراد، ولا تؤول إلى الإرادة الجزافية الممتنعة.

وهذا الذي ذكرنا - مضافاً إلى عدم الدليل على امتناع، بل الدليل على صحته كما عرفت منا - ضروري أيضاً كما يفهم من المثال المزبور، فالصحيح في المسألة هو هذا التفصيل الثلاثي.

وأمّا ما تقدّم من المحقّق الآشتياني، من نسبة القول بالامتناع إلى الإمامية والمعتزلة ففيه: أنّ كثيراً من المعتزلة قائلون بالجواز، كما نقله اللاهيجي (1) .

وأمّا الإمامية فلم يثبت هذا القول منهم جلياً، بل ذهب بعض الأجلاّء الأُصوليين (2) منهم إلى الجواز مطلقاً، والحق ما قلنا.

____________________

(1) گوهر مراد / 147.

(2) وهو المحقّق صاحب الكفاية قدّس سره 2 / 369 من كتابه، ويمكن حمله على ما ذكرنا من التفصيل.


الفريدة الرابعة

في تكلّمه

المقام الأَوّل: في حدوثه

المقام الثاني: في الكلام النفسي

المقام الثالث: في إطلاق الكلام على القرآن


الفريدة الرابعة

في تكلّمه

التكلّم هو التحدّث، والكلام هو القول كما في القاموس وغيره، فهو في أصل اللغة عبارة عن أصوات متتابعة لمعنى مفهوم.

وإن شئت فقل: إنّه الحروف المنتظمة المسموعة، فهو من الكيف المسموع. قال المحدّث المجلسي رحمه‌الله (1) : فالإمامية قالوا بحدوث كلامه تعالى، وأنّه مؤلّف من أصوات وحروف، وهو قائم بغيره، ومعنى كونه تعالى متكلّماً عندهم، أنّه موجِد تلك الحروف والأصوات في الجسم، كاللوح المحفوظ، أو جبرئيل، أو النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو غيره كشجرة موسى، وبه قالت المعتزلة أيضاً... إلخ.

أقول: إن أراد من الحروف تلفّظها فهو متين، وإن أراد نقشها كما يشهد له ذكر اللوح المحفوظ، أو إلهامها كما يشعر به ذكر النبي، فيردّه أنّ النقش والإلهام ليسا بكلام، وفاعلهما ليس بمتكلّم، بل هو ملهَم ومنقش أو كاتب.

وبالجملة، الذي هو من فعله ليس إلاّ مثل كلام الآدميين بلا فرق أصلاً، غير أنّ إصداره عنا بجارحة مفقودة في حقه تعالى.

ثمّ إنّ الفاضل المقداد (2) ذكر، أنّ طريق إثبات تكلّمه تعالى عند الأشاعرة عقلي، وعند المعتزلة نقلي، لكن فيه نظر بل منع كما ستعرفه.

نعم، ربّما استدلّ عليه من جهة العقل جماعة من غير الأشعرية، وإليك بيان الوجوه العقلية المذكورة وغيرها:

1 - قاعدة الملازمة المتقدّمة، استدلّ بها اللاهيجي (3) ، وابنه قدّس سرهما (4) ، لكنّك عرفت فيما تقدّم اختصاص القاعدة بالصفات الذاتية، وأنّه لا مجرى لها في أفعاله تعالى التي هي ممكنة

____________________

(1) بحار الأنوار 4 / 150.

(2) شرح الباب الحادي عشر / 19.

(3) سرمايه إيمان / 31.

(4) شمع اليقين / 17.


بالإمكان الخاصّ.

وأمّا ما صنعه المستدلّ، من تفسير كلامه تعالى بالقدرة على إيجاد الألفاظ لا نفس الألفاظ، فإنّها كلام بمعنى ما يتكلم به؛ وذلك لأنّ الكلام من صفاته تعالى، وصفاته لا تكون حادثةً (1) ، فهو تعسّف بلا جهة، ولا فرق في كلام الله وغيره كما عرفت.

وأمّا دليله فهو خلط بين صفاته الذاتية والفعلية، فإنّا وإن نصفه بالتكلّم وأنّه متكلّم، إلاّ أنّه من صفات أفعاله كغيره من الأفعال، وهذا واضح جداً.

ومثله في الضعف ما يظهر من المحقّق الطوسي قدّس سره في التجريد، من أنّ عموم قدرته يدلّ على ثبوت الكلام، فإنّ الكلام وإن كان مقدوراً له، إلاّ أنّه ليس كلّ مقدور بواقع وموجود خارجاً بالضرورة.

2 - عدم التكلّم ممّن يصحّ اتّصافه به نقصٍ واتّصاف بأضداد الكلام، وهو محال على الله تعالى، فإن نوقش في كونه نقصاً سيما إذا كان مع قدرته على الكلام - كما في السكوت - فلا خفاء في أنّ المتكلّم أكمل من غيره، ويمتنع أن يكون المخلوق أكمل من خالقه. ذكره القوشجي (2) دليلاً لقول المحقّق الطوسي في تجريده.

أقول: بعد تخصيصه بما لا يزال وإلاّ فهو واضح الفساد، يرد عليه منع النقص قطعاً، وعدم اتّصافه بأضداده جزماً؛ إذ تكلّمه إيجاد الصوت ونقيضه عدم الإيجاد، وهذا ليس بضدّ.

وأمّا الخرس فهو في المخلوق دون الخالق المنزّه عن الجوارح، بل ضدّ التكلّم فيه إيجاد شيء آخر غير الصوت، وهو كمال له ومنع أكملية المتكلّم من غيره، وإلاّ لزم استمرار إيجاده الأصوات إلى الأبد! أو أكملية مخلوقه منه من هذه الجهة، حين عدم إيجاده الصوت وتكلّمهم.

وبالجملة، هذا الوجه ضعيف جداً لمنع جميع مقدماته، ومنه انقدح بطلان ما استدلّ به الفاضل الطبرسي (3) من أنّ التكلّم كمال لفعله فعدمه نقص له، والنقص بجميع أنحائه محال عليه؛ إذ فيه أنّ إيجاد الصوت ممّا لا كمال فيه بحيث يعدّ عدمه نقصاً، أي قبيحاً كما هو الظاهر.

3 - اللطف واجب على الله الحكيم سواء فسّر ببيان المصلحة والمفسدة، أو بتقريب المكلّف إلى الطاعة وإبعاده عن المعصية، وهو لا يمكن إلاّ بإنزال الكتب وإرسال الرسل، وإنزال الكتب موقوف على التكلّم بما يعرفه المخاطب من الكلام، فوجب عليه التكلّم عقلاً (4) .

____________________

(1) كما في الشوارق وسرمايه إيمان.                     (2) شرح التجريد / 356.

(3) كفاية الموحّدين 1 / 328.                                    (4) المصدر نفسه / 327.


وفيه: أَوّلاً: منع وجوب اللطف وسيأتي بحثه.

وثانياً: أنّ إنزال الكتاب غير موقوف على التكلّم، بل يمكن بنقش الحروف في اللوح ليطالعه المَلَك المبلِّغ إلى النبي أو الرسول، بل اللطف غير موقوف على إنزال الكتاب أصلاً؛ لإمكان إلهام الله نبيه في النوم أو اليقظة الأحكام والمعارف النافعة للناس؛ ولذا لم يكن لكلّ نبي كتاب كما يأتي.

4 - إنّ الله قادر على كلّ ممكن، فالتكلّم - بما أنّه ممكن - مقدور، والداعي والغرض من إيجاده متحقّق، والصارف والمانع مفقود، فوجب تحقّق التكلّم؛ لاستحالة تخلّف المعلول عن علّته. ذكره وسابقه في كفاية الموحّدين (1) .

أقول: تحقّق الداعي غير بيّن ولا بمبيّن، ولعلّه أراد به إنزال الكتب، وقد عرفت ما فيه.

5 - إجماع الأنبياء وتواتر أخبارهم (سلام الله عليهم) بذلك، ذكره جمع. ولكنّه محتاج إلى علم الغيب؛ إذ لم يصل إلينا من نبي - غير خاتمهم صلى‌الله‌عليه‌وآله - أنّه تعالى متكلّم، وقد عرفت أنّ إنزال الكتب والوحي لا يدلاّن على تكلّمه؛ لاحتمال استنادهما إلى إيجاد الحروف المنقوشة دون المسموعة.

6 - إجماع الملّيين واتّفاق المسلمين.

7 - الكتاب والسُنة، فمن الأَوّل قوله تعالى: ( وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً ) (2) وقوله: ( وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ) (3) وقوله تعالى: ( يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ) (4) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على قوله، ومن الثاني ما سيجيء بعضه. وهذا الوجه هو العمدة في المقام، فتحصّل أنّ إثبات تكلّمه نقلي لا عقلي.

إذا تقرّر ذلك فاعلم أنّ هاهنا مقامات للبحث:

المقام الأَوّل: في حدوثه

لا خفاء في أنّ كلامه حادث، فإنّه عبارة عن إيجاد الصوت القائم بالهواء المعدوم في الأزل، بناءً على حدوث العالَم، وأيضاً قِدمه يستلزم وجود المخاطب القديم صوناً عن اللغوية، والمسلّم بين المتكلّمين عدمه، فيبطل قِدم الكلام ولو بتوارد الأمثال، ويثبت

____________________

(1) المصدر نفسه / 328.

(2) النساء 5 / 164.

(3) الأعراف 6 / 143.

(4) البقرة 2 / 75.


حدوثه شخصاً ونوعاً.

وأيضاً الحروف المسموعة من الموجودات الغير القارّة، ولا يمكن جمع حرفين منهما في آن واحد، فلابدّ من الترتّب بينهما، ولا شكّ أنّ الحرف المسبوق المتأخر عن السابق حادث، فكذا السابق فإنّه سابق عليه بزمان محدود، والمتقدّم على الحادث بمقدار محدود حادث بالضرورة، كلّ ذلك واضح لا سترة عليه، وقد نصّ عليه القرآن الكريم أيضاً حيث قال: ( مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ ) (1) وقال: ( وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ ) (2).

ومع ذلك فالحنابلة - أتباع أحمد بن حنبل، من أهل السُنة - ادّعوا أنّ كلامه حرف وصوت يقومان بذاته تعالى، وأنّه قديم، وقد بالغوا فيه حتى قال بعضهم جهلاً: الجلد والغلاف قديمان فضلاً عن المصحف (3) ، سبحانك عن هذه الضلالة العظيمة.

وأمّا الكرامية فهم وإن خالفوا هؤلاء في قِدم الكلام وقالوا بحدوثه، لكنّهم وافقوهم في قيامه بذاته تعالى؛ لتجويزهم قيام الحوادث به (4) ، لكن سيأتي بطلان هذا التجويز، وأنّ قيام الحوادث وحلولها به تعالى ممتنع عقلاً.

ومن هنا اخترع الأشاعرة الكلام النفسي؛ ليصحّ قيامه بذاته، ولا يلزم منه ما ذكره الكرامية، فكأنّ هؤلاء الأحزاب لم يصلّوا إلى الحقّ أصلاً، ولم يفهموا أنّ الحروف لا تصير قديمةً، وأنّ الحادث لا يحلّ فيه تعالى، وأنّ قيام الحادث به لا يستلزم الحلول حتى يحتاج إلى الاختراع الفاسد المذكور، فإنّ قيام المبادئ بذويها على أنحاء شتّى، ونحن نذكرها هنا فإنّه ينفعك في غير المقام أيضاً، فلا تقع في الغلط والضلالة كما وقع فيه أقوام، فنقول وبالله الاعتماد:

1 - القيام الحلولي: مثل: مريض، ميت، جائع، خائف، شجاع، عالم، حليم، طويل، أسود، قائم، عاشق، غضبان، راضٍ، محبّ، عدو... إلى غير ذلك من المبادئ التي تحلّ محالها، ويسمّى قيامها بالقيام الحلولي.

2 - القيام الانتزاعي: وهو ما ليس بإزاء المبدأ في الخارج شيء متأصّل، ويعبّر عنه في بعض أفراده بالمحمول بالصميمة، مثل: ممكن، زوج، مالك، حر، عبد، مملوك، أب، ابن، قريب، بعيد، واحد... إلى غير ذلك من المبادئ الاعتبارية التي لا تحقّق لها في الخارج أصلاً، وإنّما

____________________

(1) الأنبياء 21/ 2.                                     (2) الشعراء 26 / 5.

(3) شرح المواقف 3 / 76 وكذلك في غيره.

وفي الحاشية شرحها: نقل عن بعضهم، أنّ الجسم الذي كُتب به القرآن فانتظم حروفاً ورقوماً هو بعينه كلام الله، وقد صار قديماً بعد ما كان حادثاً!

(4) المصدر نفسه.


الموجود هو نفس الذات، وأمّا المبدأ فهو إمّا في الذهن فقط كما هو الغالب، أو في نفس الأمر كما في مثل الإمكان والامتناع، وزوجية الأربعة، ونحوها.

3 - القيام الوقوعي: مثل: محمود، مضروب، مشكور، منصور، معلوم، معبود.... إلى غير ذلك من المشتقات التي تُحمل مبادئها على ذويها باعتبار وقوعها عليها وقوعاً حسّياً أو اعتبارياً.

4 - القيام الذاتي: وهو ما كان المبدأ نفس الذات، مثل: قولنا: الوجود موجود، فإذا قلت في تحليل الموجود: شيء له الوجود، فذلك الشيء نفس الوجود بلا مداخلة شيء آخر، ومثله قولنا: الضوء مضيء والنور منور.

ومن هذا القبيل الصفات الذاتية الثابتة للواجب الوجود، بناءً على مذهب أهل الحقّ من عينيتها مع الذات، فإذا قلنا إنّه عالم، قادر، حيّ، وغير ذلك فقد اعترفنا بقيام مبادئها بذاته تعالى، والحال أنّها نفس ذاته المقدّسة.

وأمّا على زعم الأشعريين فهي داخلة في القسم الأَوّل، وعلى حسبان جمع من الاعتزاليين داخلة في القسم الثاني كما لا يخفى على البصير.

فإن قلت: فقد اختلف إطلاق هذه الصفات عند أهل الحقّ على الخالق والمخلوق؛ حيث إنّ قيام مبادئها في الأَوّل ذاتي وفي الثاني حلولي، فهل يلتزمون بالاشتراك أو المجاز أو غير ذلك؟

قلت: لا بل الإطلاق على كلا الموردين حقيقة، والاستعمال بنحو فارد، والاختلاف الواقع في ناحية المصداق، غير مرتبط بجانب المفاهيم التي عليها مدار وضع الألفاظ، وتحقيق هذه المسألة في أُصول الفقه.

5 - القيام الصدوري: وهو ما كان المبدأ صادراً عن الفاعل وحالاًّ في غيره، كالقاتل، والكاسر، والجارح، والضارب، والمعطي، والمكرِم ونحوها، ومن هذا القبيل التمّار، والحدّاد، واللابن، والصبّاغ، ونحوها بناءً على تفسيرها ببائع التمر والحديد واللبن أو صانع الحديد وعامل الصبغ، وأمّا لو فسّرناها بغير هذا المعنى، فلابدّ من جعل القيام فيها قسماً برأسه، وتسميته بالقيام الاعتباري؛ إذ لا يدخل في القسم الثاني كما لا يخفى.

وهذا التقسيم ممّا لا يحتاج إلى دليل وشاهد، فإنّه بيّن في نفسه، فإنّ العاقل إذا تصوّره على وجهه يصدّقه لا محالة، ويذعن بأنّ المشتقّات وما بحكمها لم توضع للقيام الحلولي فقط، بل لمطلق القيام وتعيين أحد الأقسام من خصوصيات الموارد، كما في سائر الألفاظ الموضوعة، كلفظ الإنسان مثلاً فإنّه وضع للطبيعي الجامع، وأمّا كونه متحرّكاً أو ساكناً، عالماً أو جاهلاً، ذكراً أو أُنثى، إلى غير ذلك من أقسامه، فهو يستفاد من الخارج وهذا واضح جداً، اللهم إلاّ أن يرجّح الشخص تقليد مشايخه الأَوّلين على وجدانه وإدراكاته الأَوّلية.


فإذا تحقّق ذلك فاعلم أنّ جميع أفعاله تعالى قائمة به قياماً صدورياً، كما أنّ صفاته الذاتية قائمة به قياماً ذاتياً كما مرّ، فالتكلّم كنظائره من الأفعال صادر عنه وقائم به قياماً صدورياً، ويحلّ في جسم من الأجسام لا فيه تعالى، بل الصحيح أنّ قيام مبدأ التكلّم بالمتكلّم الممكن أيضاً قيام صدوري، وفرقه عن الواجب بالجارحة المخصوصة لا يرتبط بما هو محل البحث، فإنّ صدور الكلام عن العضو المذكور، غير معتبر في مفهوم التكلّم أصلاً، كعدم اعتبار جهل المتكلّم، أو فقره، أو سيادته، أو علمه، أو غير ذلك من الخصوصيات، بل معناه هو إيجاد الكلام كما دريت.

وأنت من عقائد الحنابلة والكرامية في الكلام اللفظي، ومن أوهام الأشعرية في الكلام النفسي الآتي وغيره من المسائل الأُصولية، تعلم قيمة قول نبيك الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله : (مَثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، مَن ركبها نجا، ومَن تركها غرق) والهداية من الله تعالى.

المقام الثاني: في الكلام النفسي

فقد تحصّل أنّ كلامه هو الحروف المسموعة، وتكلّمه إيجادها مثل كلامنا وتكلّمنا، وهذا هو مذهب الإمامية ووافقهم عليه المعتزلة، وأمّا الأشاعرة فلا أدري أنّهم يتبعوننا في ذلك بأسرهم أم لا؟ غير أنّ المصرّح به في كلام جماعة منهم (1) ، هو الأَوّل وقبول أنّ كلامه اللفظي حادث غير قائم به، إلاّ أنّهم أثبتوا معنى آخر للكلام، وسمّوه بالكلام النفسي (2).

أقول: الكلام تارةً في تصوّره، وأُخرى في تصديقه، فللبحث جهتان:

أمّا الجهة الأُولى:

فقد قال جمع من أعلامنا: إنّه غير معقول في نفسه، لكنّ الأشعرية أصرّت على تصويره، ففي المواقف وشرحها (3) : وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبّر عنه بالألفاظ، ونقول هو الكلام حقيقةً، وهو قديم قائم بذاته تعالى، ونزعم أنّه غير العبارات؛ إذ تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام، ولا يختلف ذلك المعنى النفسي، بل يدلّ عليه بالإشارة والكتابة كما يدلّ

____________________

(1) لاحظ شرح المواقف وحواشيه، وشرح القوشجي وكلام ابن روزبهان.

(2) قال الأحسائي في شرح المشاعر: إنّ هذا قول الأشعري ومتابعيه تبعاً لمحمد بن عبد الوهاب القطّان.

أقول: وعن بعض العامّة نقلاً عن بعض العلماء، إنّه ما تلفّظ بالكلام النفسي أحد إلاّ في أثناء المِئة الثالثة، ولم يكن قبل ذلك في لسان أحد. لاحظ إحقاق الحق 1 / 222.

وفي حاشيته لبعض المتتبعين: قيل: إنّ أَوّل مَن تفوّه به أبو محمد عبد الله المتكلّم البغدادي من أهل القرن الثالث.

(3) شرح المواقف 3 / 77.


عليه بالعبارة، والطلب الذي هو معنىً قائم بالنفس واحد لا يتغيّر مع تغيّر العبارات، وغير المتغيّر غير المتغيّر، وهو غير العلم؛ إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه، بل يعلم خلافه أو يشك فيه، وغير الإرادة؛ لأنّه قد يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبِر. وأمّا قِدمه؛ فلامتناع حلول الحوادث في الواجب... وهو واحد (1) وانقسامه إلى الأمر والنهي والاستفهام والخبر والنداء بحسب التعلّق، فذلك الكلام الواحد باعتبار تعلّقه بشيء على وجه مخصوص يكون خبراً، وباعتبار تعلّقه بشيء آخر... يكون أمراً، وكذا الحال في البواقي.

وقيل: كلامه خمسة. وقال ابن سعيد من الأشاعرة: هو في الأزل واحد، وليس متّصفاً بشيء من تلك الخمسة، وإنّما يصير فيما لا يزال.

أقول: كلّ ذلك لا يرجع إلى معنى معقول:

أمّا أَوّلاً: فدعوى أنّه الكلام حقيقةً دعوى كاذبة؛ فإنّ الكلام حقيقةً هو الحروف المسموعة كما مرّ؛ ولذا اعترف ابن روزبهان أنّ هذا المعنى ممّا لا يفهمه العرف.

وأمّا ثانياً: فلأنّهم لم يعلموا الفرق بين التصوّر والتصديق، وإلاّ لم يدّعوا تغايره مع العلم، فإنّ الإخبار - ولو عن شيء مقطوع العدم - أمر اختياري لابدّ له من تصوّر وعلم، ولا مانع من أن يتصوّر المخبِر ما يذعن بعدمه ثمّ يخبر عن وجوده، فالعلم التصوري موجود، ولعمري إنّ أكثر ما قالوه في معناه لا يخرج عن معنى العلم أصلاً، فهذا المعنى هو الوجود الذهني ولو كان تصوراً لا تصديقاً.

وأمّا ثالثاً: فكما أنّه لا إرادة حقيقةً في فرض الاختيار، ولا طلب جدياً أيضاً، بل الموجود هو الطلب الصوري وفيه تأمّل.

وأمّا رابعاً: فلِما ذكره بعض الأشاعرة (2) بأنّ قوله تعالى ( أَقِيمُوا الصَّلاةَ ) (3) مع قوله: ( وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَا ) (4) متباينان لفظاً ومعنىً تباين زيد مع عمر، فالقول باتّحادهما في الأزل قول باتّحاد الآيتين، وهو ضروري البطلان.

وأمّا خامساً: فلأجل أنّ الالتزام بكون الكلام النفسي المذكر مدلولاً للكلام اللفظي، التزام بأنّه أمر ونهي، وخبر واستفهام، وتمنٍ وترجٍّ، وتعجّب وقَسَم ونداء، فإنّ الكلام اللفظي ليس إلاّ أحد هذه الأمور، ومن البديهي عدم تعقّل معنى آخر له وراء هذه المعاني، فإذا صحّ ذلك فيلزمهم الالتزام بكذبه تعالى وسفهه، تعالى الله عمّا يقول الظالمون الجاهلون علواً كبيراً؛ وذلك لأنّه أخبر

____________________

(1) شرح المواقف 3 / 83.                              (2) حاشية شرح المواقف 3 / 82.

(3) البقرة 2 / 110.                                    (4) الإسراء 17 / 32.


بقوله: ( إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ ) (1) ، وهكذا أخبر عن وقوع جملةً كثيرة من الأُمور، والحال أنّ وقوعها غير ثابت في الأزل.

والكلام النفسي عندهم قديم، وأيضاً أنّه أمر بأُمور ونهى عن أُمور وحكى أشياء، والحال أنّه لا مكلّف ولا مخاطَب في الأزل، وقطعية بطلان التالي يكشف عن قطعية بطلان المقدّم.

وأمّا إنكار اتّصافه بهذه الأنواع في الأزل مع كونه مدلولاً للفظ، فهو عسير جداً، كما اعترف به القوشجي، بل هو غير معقول أصلاً.

وأمّا سادساً: فلوقوع النسخ اتّفاقاً، وهو غير راجع إلى اللفظ فقط، بل إلى المعنى قطعاً، فلو كان الكلام قديماً لَما وقع النسخ، الذي هو بمعنى الدفع حقيقةً، والرفع صورةً؛ وذلك لِما تسالم عليه الجميع من أنّ ما ثبت قِدمه امتنع رفعه، بل لزم أبديته وهذا ظاهر.

ثمّ إنّ صحّة هذه القاعدة المتسالم عليها بإطلاقها وإن كانت غير ثابتة عندي، وقد تقدّم بحثها في البحوث الماضية، إلاّ أنّها في غير الأفعال الاختيارية ممّا لا شكّ فيه، والكلام النفسي من الصفات دون الأفعال.

قاله القوشجي في تصوير هذا الكلام النفسي (2) .

أقول: المعنى النفسي الذي يدّعون أنّه قائم بنفس المتكلم، ومغاير للعلم في صورة الإخبار عمّا لا يعلمه، هو إدراك مدلول الخبر، أعني حصوله في الذهن مطلقاً.

أقول: هل الإدراك المذكور إلاّ العلم التصوّري فأين المغايرة؟ ولعمري إنّ هذا غير خافٍ على المبتدئين. قال ابن روزبهان (3) في تصويره: ليراجع الشخص إلى نفسه إنّه إذا أراد التكلّم بالكلام، فهل يفهم من ذاته أنّه يزوّر - يقوّم ويحسّن - ويرتّب معانٍ فيعزم على التكلّم بها... ويقول في نفسه: سأتكلّم بهذا... فهذا هو الكلام النفسي.

أقول: وبمثله أجاب عن لزوم السفه والكذب، كما أوردناه في الإيراد الخامس، ولكنّه ما التفت إلى أنّ ما ذكره ليس إلاّ تصوّر المعاني، وتصوّر ترتيبها والتصديق بحسنه، فيدخل في العلم الذي يتخيّل تغايره معه، فلا دافع عن لزوم السفه والكذب أصلاً.

وقيل: إنّه ألفاظ متخيّلته.

أقول: وهذا أيضاً راجع إلى التصوّر كما هو ظاهر، مع أنّ هذه التلفيقات لا تتمّ إلاّ بقياس الغائب على الشاهد الباطل اتّفاقاً.

____________________

(1) نوح 71 / 1.                                       (2) شرح التجريد / 277.

(3) إحقاق الحق 1 / 204.


ثمّ إنّ الكلام وإن دلّ على التصوّر والتصديق، لكنّها دلالة عقلية كدلالة كلّ فعل اختياري على مقدّماته، فالأقوال والأفعال من هذه الجهة سواء، فليست بوضعية فضلاً عن كونها لفظيةً.

تعقيب وتحقيق

الذي يظهر من هؤلاء الناس أنّ معنى الأمر والنهي هو الطلب - أي طلب الفعل وطلب الترك - القائم بالنفس المغاير للإرادة.

وأمّا الأخبار فقال القوشجي (1) : والأشاعرة يدّعون أنّ نسبة أحد طرفي الخبر قائمة بنفس المتكلم ومغايرة للعلم... إلخ فيكون معنى الإخبار عندهم هو هذه النسبة.

أقول: أمّا الطلب فهو عندي وعند جملة من أصحابنا الأُصوليين المتأخرين مغاير للإرادة، كما أشرنا إليه في أَوّل الفريدة الثانية، فإنّ الإرادة بمعنى القصد ومن النفسيات.

وأمّا الطلب فهو بمعنى السعي نحو الشيء؛ ولذا يقال لمَن عزم على تحصيل العلم ولكنّه لم يحصّله بعد: إنّه مريد للعلم، ولا يقال: إنّه طالب؛ إذ هو ما طلبه بعد فهو من الأفعال، ومنه ينقدح أنّه ليس قائماً بنفس المتكلّم، فإنّه فعل لا صفة.

فالذي يدلّ على أنّه غير الإرادة خلافاً لجمع من أصحابنا والمعتزلة، هو الذي يدلّ على أنّه غير قائم بالنفس، فلا يكون معنىً للكلام النفسي في الأمر والنهي.

وأيضاً الأمر والنهي بنفسهما مصدقان للطلب، لا أنّهما وضعا لمعنى الطلب وهو موضوع له لهما.

وأمّا الإخبار فالمنسوب إلى العدلية (2) ، أنّه دال على ثبوت النسبة وعدمها، نعم خالف فيه بعضهم منهم سيدنا الأُستاذ المحقّق - دام ظله - فذهب إلى أنّ معناه أمر آخر قرّرناه مع جوابه في أُصول الفقه، فحينئذٍ يتّحد المذهبان - أي: مذهب جمهور العدلية ومذهب الأشعرية - في ذلك مع أنّ النزاع بينهما قائم أشد قيام، وإلى هذا يُنظر ما حكي عن المحقّق الرشتي قدّس سره في بدائعه، من أنّ الالتزام بالنسبة الحكمية التزام بالكلام النفسي.

أقول: والتحقيق عدم الاتّحاد؛ وذلك لأنّ لفظ النسبة يطلق على معنيين:

أحدهما: الصفة الموجودة النفسية في قبال سائر الصفات النفسانية، وهذه هي مراد الأشعرين، ويجعلونها الكلام النفسي في الأخبار، ويزعمون قِدمها في الواجب.

ثانيهما: الأمر الاعتباري المحض، الملحوظ للعقل بين المحمول والموضوع، الساري في

____________________

(1) شرح التجريد / 276.

(2) كفاية الأُصول 1 / 98.


الممتنعات وبين الشيء ونفسه ولوازمه، مثل: اجتماع الضدّين محال، زيد زيد، الإنسان ممكن، والنسبة الوجودية غير معقولة في هذه الموارد، وقيام هذه النسبة الاعتبارية في النفس على حدّ قيام سائر الأُمور الاعتبارية، مثل الملكية، والزوجية، والأُمور الإضافية، مثل الفوقية، والتحتية ونحوها.

وإن شئت فقل: إنّ النسبة الأُولى قائمة بالنفس قياماً عينياً، على حذو قيام العلم والشوق والتمنّي، والثانية قائمة بها قياماً علمياً، مثل قيام الموجودات الخارجية بالنفس، فإنّه بصورها لا بأعيانها؛ ولذا يقول الأصحاب ومَن تبعهم بصحّة الثانية وبطلان الأُولى، وأنّها غير معقولة، وما قالوه حقّ لمَن أنصف من نفسه، ولم يكابر وجدانه؛ تحفّظاً على تقليده مذهب أبائه وأشياخه!

فتحصّل: أنّ كلامه تعالى هو إيجاده الألفاظ المترتّبة، المسموعة، الدالة على معانيها، المنقسمة تقسيماً ذاتياً إلى الإخبار والإنشاء الطلبي وغير الطلبي، وليس هنا معنى آخر غير الصفات المشهورة من العلم والإرادة ونحوهما، يسمّى كلاماً نفسياً كما تخيّله هؤلاء.

وكلامه تعالى هذا حادث متكثّر مثل تكثّر بقية أفعاله، كالرزق والخلق، والإحياء والإماتة، ونحوها، كل ذلك ظاهر لا سترة عليه.

ثمّ إنّ للعضدي توهّماً آخر أضعف ممّا مرّ، نقله الجرجاني في شرح كتابه المواقف في هذا المقام، وقد اعترف التفتازاني في شرح العقائد النفسية، والقوشجي في شرح التجريد، بخروجه عن التعقّل وطور العقل، فلا نطيل الكلام بنقله وردّه.

ثمّ للأحسائي حديث آخر حول الكلام النفسي، في شرحه على عرشية الحكيم الشهير الشيرازي، ولا بأس بنقل كلامه وكلام الماتن مختصراً.

قال الماتن (1) : الكلام ليس كما قالته الأشاعرة: صفةً نفسية ومعاني قديمة قائمة بذاته... لأنّه غير معقول، وإلاّ لكان علماً لا كلاماً، وليس عبارةً عن مجرّد خلق الأصوات والحروف الدالة على المعاني، وإلاّ لكان كلّ كلام الله، ولا يفيد التقييد بكونه على قصد إعلام الغير من قِبل الله، أو على قصد الإلقاء من قِبله؛ إذ الكل من عنده، ولو أُريد بلا واسطة فهو غير جائز أيضاً، وإلاّ لم يكن أصواتاً وحروفاً، بل هو عبارة عن إنشاء كلمات تامّات... إلخ.

قال الشارح، ذكر الكلام بعد العلم لجعله إيّاه من الصفات الذاتية، والمستفاد من فحوى كلامه وكلام أتباعه - مثل الملا محسن - أنّه قديم... لأنّه بعض الشؤون الذاتية... وقد صرّح الملا محسن في كتابه أنوار الحكمة، والتكلّم فينا مَلَكة قائمة بذواتنا... وفيه سبحانه عين ذاته... قوله: (ليس كما قالته الأشاعرة) أصحاب علي بن إسماعيل بن أبي بشير أبي الحسن الأشعري...

____________________

(1) شرح العرشية / 67.


وكان على طريقة المعتزلة يقول بحدوث القرآن، ثم خطب وهو قاضٍ بالبصرة، وعدل إلى مذهب محمد بن عبد الوهاب القطّان...

أقول: الذي ظهر لي أنّ الأشاعرة أشاروا إلى معنى لو كان ذلك في حق الحادث لكان صحيحاً، ولكنّ بطلان قولهم لا من حيث إنّه غير معقول، بل هو معقول معروف، إلاّ أنّهم عجزوا عن التعبير في بيان ما أرادوا بعبارة تدلّ على مطلوبهم، فلمّا نظر مخالفوهم إلى المفهوم من خصوص تعبيرهم عنه، وجدوا شيئاً لا يعرف العقل استقامته... والعبارة الدالة على مرادهم: هو أنّ النفس لها كلام مثل كلام اللسان بحروف وأصوات إلاّ أنّها نفسية، فالنفس تخاطب مثال غيرها، وتأمره، وتنهاه، وتطلب منه، وكذلك، مثالها وهو قولهم: مثل حديث النفس؛ لأنّ النفس قد تحدّث نفسها، وتحدّث غيرها بكلام مشتمل على كلمات لفظية، وحروف صوتية، مثل الكلام المسموع بالأذان، إلاّ أنّه نفسي لا جسماني. هذا كلامهما. أقول: أمّا قول الماتن (وإلاّ لكان كلّ كلام الله) فهو مبني على كون أفعال المخلوق أفعال الله، أي على الجبر الباطل عندنا وعند متابعينا من المعتزلة.

وأمّا قوله: (وإلاّ لم يكن أصواتاً وحروفاً)، فهو مبني على أنّ الصادر عن الله تعالى بلا واسطة أمر مجرّد، وسيأتي في آخر هذا الجزء بطلانه.

وأمّا جعله إيّاه من الصفات الذاتية، فهو أضعف بناءً على إرادة ما أرادته الشريعة الإسلامية من هذه الكلمة، وإلاّ فلكل أحد الاصطلاح بكل ما أراد!

وأمّا ما أتى به الشارح الأحسائي، وزعم عجز الطرفين عن فهمه، فهو شيء عجيب، فإنّه ليس إلاّ تصوّر الألفاظ لا غير، وكلامه بطوله وما أصرّ عليه من أنّه غير العلم خبط وغلط، فلا نطوّل المقام به، فاستقم ولا تكن من ذوي الاعوجاج.

وأمّا الجهة الثانية

ففي بيان أدلتهم على ذلك المرام الخيالي وهي وجوه:

1 - إنّ الكلام صفة له، وكل ما هو صفة له فهو قديم، فكلامه قديم.

أقول: وهذا منهم عجيب، فإنّ الكلام ليس بصفة، بل هو يضاف إلى الله فيقال: كلام الله، ولا يقال: الله كلام، كما يقال: زيد مخلوق الله، ولا يقال: الله زيد المخلوق، فالكلام الذي هو مؤلّف من الحروف والأصوات مخلوقه لا وصفه، وما يتّصف به هو التكلّم فيقال: الله متكلم، أي ثبت له التكلّم، وهذا ظاهر للمبتدئين، فلو تمّت الكبرى لكانت النتيجة هي قِدم التكلّم، الذي هو إيجاد الحروف المذكورة لا نفس الكلام؛ ليحتاج حينئذ إلى الكلام النفسي، فافهم.

وأمّا الكبرى، فإن أُريد بالصفة المذكورة فيها مطلق ما يتّصف به الله سبحانه فهي باطلة؛ إذ


صفاته الفعلية كلها حادثة، كما تقول: الله رازق، خالق، رحيم، مميت، معطي، مثيب، ومعاقِب، إلى غير ذلك، وإنّما القديم صفاته الذاتية.

وإن أُريد بها الصفة الذاتية فالأوسط غير متكرّر؛ فإنّ التكلّم في الصغرى صفة فعلية وهذا واضح.

وإن شئت فقل على سبيل النقض: إنّ الله كما يتّصف بالكلام النفسي على زعمهم، يتّصف بالكلام اللفظي باعترافهم، فلابدّ لهم من القول بقِدم اللفظي بعين هذا الوجه! فهذا التلفيق فاسد جداً.

2 - كلّ متكلّم يرتّب الكلام في نفسه قبل التلفّظ به، واللفظ كاشف عن الكلام النفسي المذكور، كما قال الأخطل:

إنّ الكلام لفي الفؤادِ وإنّما جُعل اللسانُ على الفؤادِ دليلاً

وفيه: أنّ الكلام النفسي بهذا المعنى تصور الألفاظ لا غير، ولا نمنع عن إطلاق الكلام عليه غير أنّه عين العلم، ودلالة اللفظ عليه ليست بلفظية، بل هي عقلية كما في الأفعال على ما قلنا سابقاً.

3 - إنّ إطلاق الكلام على الموجود الذهني صحيح بلا عناية فيقال: في نفسي كلام، وفي التنزيل ( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (1) .

أقول: وهذا كما يقال: في نفسي أن أُسافر غداً، وفي نفسي صوم الجمعة، وهكذا، فهل للصوم والمسافرة مسافرة نفسية وصوم نفسي حتى يكون للكلام كلام نفسي؟

4 - إطلاق المتكلّم على الواجب صحيح، ومعناه مَن قام به الكلام لا مَن أوجده؛ ولذا لا يقال: الذائق على مَن أوجد الذائقة، ولا المتحرّك إلاّ لمَن قام به الحركة، والقائم به تعالى لا يكون إلاّ قديماً.

أقول: قد عرفت ضعفه، وإنّ قيام المبادئ بذويها على أنحاء مختلفة، وأنّه ليس بحلولي دائماً، فهذا الإشكال صدر عن غفلة وجهالة بأنحاء القيام، وإلاّ فيرد عليه استلزامه قِدم الرزق والخلق وغيرهما، كما هو واضح.

وفي خاتمة البحث نقول: الدليل على إثبات أصل هذه الصفة للواجب، هو إجماع الأنبياء وتواتر أخبارهم، بأنّ الله أمر بكذا ونهى عن كذا، والأمر والنهي من أقسام الكلام كما قالوا، والثاني القرآن العزيز، وكلاهما يدلّ على الكلام اللفظي دون النفسي، فلا ملزم بل لا مجوّز لهم أن يعتقدوا بالكلام النفسي القائم بذاته بعد قبولهم الكلام اللفظي، فتأمّل جيداً.

____________________

(1) الملك 67 / 13.


المقام الثالث: في إطلاق الكلام على القرآن

قد عرفت أنّ الكلام من مقولة الكيف المسموع، ولا يقال للألفاظ المنقوشة: إنّها كلام، وأمّا إطلاق الكلام على القرآن المجيد في لسان المسلمين تبعاً لقوله تعالى: ( حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ) ، فهو باعتبار أنّ هذه الحروف أوجدها الله سبحانه من غير وساطة، فمَن سمعها - ولو من إنسان - فكأنّما سمع من الله تعالى.

وهذا الإطلاق - بهذه العناية - شائع في العرف؛ ولذا يقال: سمعت كلامك من فلان، بلغني كلامك، وهكذا، فالقرآن بمعنى كلامه حادث؛ ضرورة حدوث الألفاظ المسموعة، وكذا بمعنى المنقوش والمكتوب، وهو واضح وإن عميت عنه الحنابلة، حتى إنّ إمامهم أحمد بن حنبل أفتى بكفر مَن اعتقد مخلوقية القرآن! ونقل أيضاً (1) عن شرح المقاصد مناظرة أبي حنيفة وأبي يوسف ستة أشهر، ثمّ استقرار رأيهما على أنّ مَن قال بخلق القرآن فهو كافر!

ولعمري إنّ تكلّمه تعالى ممّا لا يحتاج إلى بحث وتوضيح أصلاً، غير أنّ مخالفة هؤلاء الناس وتفرّدهم بأمر باطل حملنا على هذا البحث، ونختم كلامنا في هذه الفريدة بنقل بعض الروايات الواردة عن أهل العصمة والطهارة:

ففي آخر رواية أبي بصير (2) قال: قلت: فلم يزل الله متكلماً؟ قال: فقال - أي الصادق عليه‌السلام -: (إنّ الكلام صفة محدَثة، ليست بأزلية كان الله عزّ وجلّ ولا متكلّم). ورواها المفيد باختصار (3) وفي آخرها: (كان الله عزّ وجل وليس بمتكلّم ثمّ أحدث الكلام)، وكذلك الشيخ الطوسي قدّس سره (4) ، وأمّا الصدوق فرواها بتعبير آخر، لكن ذيلها متحد مع ما رواه الكليني (5) .

وفي رواية عبد الملك بن أعين قال عليه‌السلام : (كلام الله محدَث وغير أزلي). وفي صحيحة صفوان قال الرضا عليه‌السلام في جواب أبي قرّة المحدّث: (التوراة والإنجيل، والزبور والقرآن، وكل كتاب أنزله كان كلام الله، أنزله للعالمين نوراً وهدىً، وهي كلها محدَثة، فقال أبو قرّة: فهل يفنى؟ قال عليه‌السلام : أجمع المسلمون على أنّ ما سوى الله فعل الله، والتوراة والإنجيل والزبور القرآن فعل الله، أَلم تسمع الناس يقولون: ربّ القرآن... كلّها محدَثة مربوبة، أحدثها مَن ليس كمثله شيء... فمَن زعم أنّهنّ لن يزلنَ فقد أظهر أنّ الله ليس بأَوّل قديم ولا واحد، وأنّ الكلام لم يزل معه).

أقول: وهذا هو الإلزام بتعدّد القدماء كما اشتهر، وسيأتي في محلّه.

____________________

(1) آخر الشوارق، الجزء الثاني.                                      (2) أُصول الكافي 1 / 197.

(3) بحار الأنوار 4 / 150.                                         (4) المصدر نفسه / 68.

(5) المصدر نفسه / 72.


الفريدة الخامسة

في صدقه تعالى


الفريدة الخامسة

في صدقه تعالى

لا شكّ في أنّه صادق في كلامه وإخباره، فإنّ الكذب قبيح وهو ينافي حكمته البالغة المبرهن عليها سالفاً، فلا يصدر عنه الكذب بالضرورة.

ثمّ إنّ الصدق وإن كان من نعوت الكلام باعتبار مطابقته للواقع، لكنّ مرادنا هو الأعم، وهو عدم إغرائه غيره بخلاف الواقع، سواء كان من ناحية التكلّم، أو من جهة الإلهام، أو من جانب النقش في اللوح، أو من غيرها، فهو وإن كان قادراً على جميع القبائح إلاّ أنّه لا يفعلها البتة؛ لأنّه حكيم كما عرفت.

وهنا وجوه أُخر استدلّ بها على هذا الوصف كما في كفاية الموحّدين وغيرها:

1 - لا داعي للكذب سوى العجز والاضطرار المنفيين في حقّه تعالى فهو صادق.

أقول: حصر الداعي فيما ذُكر ممنوع، كما يظهر ممّا قلناه في حكمته تعالى، فهذا البيان ناقص إلاّ أن يرجع إلى ما قرّرناه.

2 - لو جاز عليه الكذب لارتفع منه الوثوق والاعتماد بوعده ووعيده؛ لاحتمال تخلّفه في ثوابه وعقابه، والتالي مخالف لضرورة العقل فكذا المقدّم.

أقول: وهذا من قبيل إثبات العلّة بالمعلول ثبوتاً وهو باطل جزماً.

وإن شئت فقل: إنّ الوثوق المذكور إنّما يحصل من أجل أنّه صادق، فلو عُكس لجاء الدور المحال.

هذا، ولكن العضدي والجرجاني والقوشجي نقلوا هذا الوجه عن المعتزلة بنحو آخر، وهو: إنّ في ارتفاع الوثوق عن إخباره تعالى بالثواب، والعقاب، وسائر ما أخبر به من الأحوال الآخرة والأُولى، فوات مصالح لا تُحصى، والأصلح عليه واجب، فلا يجوز الإخلال به.

أقول: وجوب الأصلح إن تمّ فهو لأجل محذور القبح كما يأتي، وهو يكفي لإثبات صدقه بلا توسيط الوجوب المذكور.

3 - لو جاز عليه لانتفى فائدة الترغيب في الطاعات والترغيب على المعاصي، وفيه ما تقدّم.


4 - جواز الكذب عليه مستلزم للظلم على العباد؛ إذ يجوز حينئذٍ أن يأمر بالمفاسدة ويخبر عن المهالك، وأن ينهى عمّا هو مصالحهم ومنافعهم، وهذا ظلم.

أقول: وفيه أَوّلاً: إنّ الملازمة ممنوعة؛ إذ جواز الكذب لا يلازم الظلم نفسه بل جوازه.

وثانياً: إنّ هذا ليس بدليل لمّي ولا إنّي، فإنّ المقدّم لا علّية ولا معلولية له للتالي، بل بطلان الكذب وبطلان الظلم، وكلاهما معلولان لبطلان القبح وعدم صدوره عن الله الحكيم، فتفطن.

5 - الكتاب والسُنة كقوله تعالى: ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً ) .

أقول: الاستدلال بالأَوّل دور مصرّح، وبالثاني دور مضمر كما هو ظاهر.

6 - اتّفاق الملل عليه.

أقول: وجهه ما مرّ فليس بدليل مستقل.

7 - إخبار الأنبياء والأوصياء بذلك بالتواتر.

وفيه: ما في سابقه مع أنّه ليس هنا خبر واحد صحيح نقل عن أحدهم في هذا الباب، وإنّما نعلم ذلك - أي إخبار الأنبياء بصدقه تعالى - من جهة ما مرّ من الدليل العقلي، كل ذلك ظاهر.

وأمّا الذين ينكرون الحسن والقبح العقليين بلسانهم، فاستدلّوا على إثبات صدقه تعالى بأُمور:

1 - إنّ الكذب نقص، والنقص عليه محال إجماعاً، وأيضاً فيلزم على تقدير أن يقع الكذب في كلامه، أن نكون نحن أكمل منه في بعض الأوقات، أعني وقت صدقنا في كلامنا.

2 - إنّه لو اتّصف بالكذب لكان كذبه قديماً؛ إذ لا يقوم الحادث بذاته تعالى، فيلزم أن يمتنع عليه الصدق المقابل لذلك الكذب، وإلاّ لجاز زوال ذلك الكذب وهو محال، فإنّ ما ثبت قِدمه امتنع عدمه، واللازم باطل، فإنّا نعلم بالضرورة أنّ مَن علم شيئاً أمكن له أن يخبر عنه على ما هو عليه.

3 - وعليه اعتمادهم لصحّته ودلالته على الصدق في الكلام النفسي واللفظي معاً، وهو خبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بكونه صادقاً في كلامه كلّه، وهذا ممّا يُعلم بالضرورة من الدين، بل نقول تواتر عن الأنبياء عليهم‌السلام كونه صادقاً.

لا يقال: صدق النبي موقوف على تصديق الله إيّاه، وهو موقوف على كونه تعالى صادقاً، فلو ثبت صدقه تعالى بصدق النبي لزم الدور.

فإنّه يقال: تصديق النبي غير موقوف على صدقه تعالى بل على المعجزة، فهو تصديق فعلي لا قولي، ودلالتها على التصديق دلالة عادية لا يتطرّق إليها شبهة.

أقول: أمّا الوجه الأَوّل فهو مخصوص بالكلام النفسي - كما صرّح به الجرجاني - دون


اللفظي فإنّه من الأفعال، والنقص فيها عين القبح العقلي كما اعترف به العضدي في مواقفه، وهو عندهم غير ثابت، وما تكلّف القوشجي من إجرائه في اللفظي أيضاً، لا يرجع إلى محصّل أصلاً.

وكذا الوجه الثاني كما اعترف به العضدي أيضاً، فإنّ الكلام اللفظي الكاذب حادث فلا يمتنع عدمه.

فهذان الوجهان إن تمّا لدلاّ على صدق الكلام النفسي، دون اللفظي الذي هو الأهم في المقام، وقد عرفت أنّ النفسي غير معقول، وما هو معقول لا يكون مدلول اللفظي قطعاً.

فهذان الوجهان ساقطان، مع أنّ الوجه الأَوّل يزيّف، بأنّ الكبرى ممّا لا دليل عليها إلاّ الإجماع، الذي استفادوا حجّيته من ظواهر الكتاب والسُنة، ومن الضروري أنّ اعتبارهما موقوفين على صدقه تعالى في كلامه، وهو عين النزاع في المقام.

وأمّا لزوم أكمليتنا منه تعالى، فبطلانه على قواعد الأشعريين غير بيّن، ولا بمبيّن، فإنّ أئمتهم يقولون: إنّ القول بالكمال والنقصان خطابي.

والوجه الثاني ممنوع من جهة أنّ دعوى الضرورة المذكورة من قبيل قياس الغائب على الشاهد، فإنّ كذبنا غير قديم؛ فلذا يمكننا التكلّم صادقين بالضرورة، وأمّا إذا كان قديماً فلا تجري فيه الضرورة المذكورة.

وأيضاً ينتقض بامتناع الكذب عليه، فإنّ صدقه قديم فيمتنع عدمه فلا يمكنه الكذب، مع أنّا نعلم بالضرورة أنّ مَن علم شيئاً يمكنه الإخبار على خلافه. وأمّا الوجه الثالث فهو يزيّف أَوّلاً: بما قدّمناه في مبحث علمه تعالى في جواب مَن استدلّ على إثباته بالأدلة النقلية.

وثانياً: إنّه لا دلالة للمعجزة على صدق النبي في دعوى نبوته على أُصولهم، فإنّهم ينكرون تعلّل أفعاله بالأغراض، ويجوّزون عليه جميع القبائح العقلية، بدعوى أنّه لا قبح بالنسبة إليه تعالى، فإذن إجراء المعجزة وإن كان يدلّ على وجود الواجب الوجود: لكنّه لا يدل عل نبوّة المدّعي، فإنّ الله لم يجرِها لتصديق دعواه، وإلاّ لزم تعلّل أفعاله بالغرض، وهو مستلزم لنقصه في أوهامهم، ودعوى الضرورة في حصول العلم العادي مع هذا البناء مجازفة واضحة ومكابرة ظاهرة؛ ولذا اضطر بعضهم، بأنّ يجوّز الكذب على الله (1) تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وهذا معنى قول بعض أصحابنا: إنّ القواعد الإسلامية لا تجري على أُصول الأشاعرة، وهو متين، فإنّه إذا لم يثبت صدقه تعالى فلا يثبت شيء من الشرعيات الاعتقادية والعملية، فيجوز حينئذٍ إنكار جملة من الضروريات الدينية، إلى غير ذلك من المفاسد الكثيرة.

____________________

(1) نقله السيد الجليل المعاصر في حاشيته على إحقاق الحق 1 / 231.


بقي في المقام أمران:

الأمر الأَوّل: لا إشكال في حدوث صدقه فإنّه من صفة أفعاله، نعم لا يقال في العرف: كان الله ولم يكن صادقاً لإشعاره بثبوت ضدّه له، بل لابدّ أن نقول: كان الله ولم يكن متكلّماً أو فاعلاً، فالمسلوب هو المنشأ.

هذا ولكن في رواية جابر عن الباقر عليه‌السلام قال: (إنّ الله تبارك وتعالى كان - ولا شيء غيره - نوراً لا ظلمة فيه، وصادقاً لا كذب فيه، وعالِماً لا جهل فيه، وحياً لا موت فيه، وكذلك هو اليوم، وكذلك لا يزال أبداً) (1) ، وفي رواية المفضّل عن الصادق عليه‌السلام (... وصدق ليس فيه كذب، وعدل ليس فيه جور... كذلك لم يزل ولا يزال... إلخ) (2) .

أقول: ويمكن حمل الصدق فيهما على الحقّ والكذب على الباطل، فيرجعان إلى الصفات الثبوتية، وتشهد له صحيحة هشام بن سالم (3) عن الصادق عليه‌السلام ففيها: (هو نور لا ظلمة فيه، وحياة لا موت فيه، وعلم لا جهل فيه، وحقّ لا باطل فيه... إلخ)، ويُحتمل أن يكون الصدق والعدل بمعنى سلب الكذب والجور كما ذكره الإمام أيضاً، ولا شك أنّه تعالى كان في الأزل غير كاذب ولا بجائر، والأمر سهل.

الأمر الثاني: قد عرفت أنّ امتناع الكذب عليه تعالى إنّما هو من جهة عدم صدور القبح عنه، وسيأتي في المقصد الخامس أنّ الصحيح كونه بالوجوه والاعتبار، فإذن يمكن أن يقول قائل: بمنع امتناع الكذب عليه؛ إذ على هذا القول - أي كون القبح بالوجوه والاعتبار - يمكن أن تتحقّق في الكذب مصلحة مرجّحة لوقوعه رافعة لقبحه، فإذا تطرّق هذا الاحتمال فقد بطل الاستدلال على امتناع الكذب المذكور.

ويؤيّده ما ثبت عند أصحابنا الإمامية - رضي الله عنهم - من جواز التقية على الإمام، فإنّها لا تختصّ عندهم بالأفعال، بل تجري في الأقوال أيضاً، فإذا جاز أن يقول الإمام عبارةً كاشفة عن الواقع على خلاف ما هو عليه؛ مراعاةً لمصلحة التقية، جاز مثله في حقّ النبي بل وفي حق الله تعالى.

ومن هنا ذهب بعض الزنادقة من المنتسبين إلى الإسلام - كما في الفصول الغروية في الأُصول الفقهية - إلى أنّ الأخبار الواردة في الشريعة - ممّا يتعلّق بتعذيب الكفّار والفسّاق بأسرها - أخبار صورية غير مطابقة للواقع، قصد بها مجرّد التخويف؛ لحفظ النظام وتكميل الأنام.

____________________

(1) بحار الأنوار 4 / 69.

(2) المصدر نفسه 3 / 306.

(3) المصدر نفسه 4 / 70.


هذا ولكن هذا الإشكال مقطوع البطلان، فإنّ القبح وإن كان بالوجوه والاعتبار، غير أنّه من الواضح أنّ قبح الكذب لا يزول، إلاّ من جهة الاضطرار الممتنع في حقّ القادر على كلّ شيء، فإنّه لا يُعجزه شيء في السماوات والأرض، فلا يعقل جواز الكذب في حقّه أبداً، وهذا ظاهر.

وأمّا النبي فقد استدلّ المحقّق الأُصولي صاحب الفصول على امتناع الكذب في حقه بوجهين:

الأَوّل: إنّ المعجزة تدلّ على تصديق الله إيّاه فيما يدّعي ويُخبر به، ولا ريب في قبح تصديق الكاذب إلاّ مع الاضطرار؛ لأنّه في معنى الكذب، وقد ثبت امتناع الاضطرار عليه تعالى.

الثاني: إنّه لو جاز التقية على الأنبياء لزال فائدة بعثتهم، وهو منافٍ للحكمة الباعثة عليه. ثمّ قال: وأمّا الإمام فليس الحال فيه كذلك، والفرق أنّ النبي منصوب بقاعدة اللطف؛ لإظهار الحقّ، وإمحاق الباطل، وإتمام الحجّة، وقطع المعاذير على مَن آمن برسالته ومَن كفر بها، سواء أَمن من شره أو لم يأمن، وأمّا الإمام فهو وإن كان قائماً مقام الرسول، في كونه الرئيس العام الواجب اتّباعه على سائر الأنام، إلاّ أنّ منصبه منصب العلماء الحاملين لأحكام الشريعة وأسرارها، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر عند التمكّن من الضرر، فإذا اضطرّوا إلى التقيّة في الكلام جاز لهم ذلك بطريق التورية.

والسر في ذلك: أنّ الحجّة قد تمّت ولزمت على الأنام ببيان الرسول (عليه وآله السلام)، حتى بالنسبة إلى وجوب معرفة الإمام واتّباعه، فشأنه بعد الرسول إنّما هو إزاحة الجهل، ببيان ما يحتاج إليه من تفاصيل المعارف والأحكام مع أمن الضرر، ولا ريب أنّ هذا لطف آخر لا يغني عنه اللطف السابق، وعند التحقيق هذا كمال لذلك اللطف... إلخ.

أقول: لم أرَ لحدّ الآن أحداً من علمائنا ذكر جواز التقية على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، غير أنّ جملةً من علماء العامة نسبه إلى الإمامية، وأنّهم يقولون بجواز التقية على النبي، وهذه النسبة كذب، بل الأمر بالعكس؛ إذ يظهر من بعض رواياتهم أنّ النبي الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يتّقي من قوم عائشة، كما ورد (1) أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعائشة: (لولا أنّ لقومك عهداً بالجاهلية - وفي رواية عهد حديث بالكفر - وأخاف أن ينكر قلوبهم لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت ما أخرج عنه... إلخ)، فتدبّر.

وأمّا ما ذكره صاحب الفصول قدّس سره من الوجهين المتقدّمين، والفرق بين الإمام والنبي فهو ممنوع بل ظاهر الفساد، كما لا يخفى على الخبير.

____________________

(1) رواه القاضي في صوارمه عن الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عائشة، ومن المتّفق عليه، وذكره شارح الوقاية من الحنفية في كتاب الحجّ.


الفريدة السادسة

في رحمته

الفرق بين الرحمن والرحيم

نقد كلام سيدنا الأُستاذ الخوئي


الفريدة السادسة

في رحمته

الفرق بين الرحمن والرحيم

قد وصف الله نفسه بالرحمن والرحيم، وهما مشتقان من الرحمة، وهي - كما في القاموس - الرقّة والمغفرة والتعطّف، وعليه فليست الرقّة مأخوذة في مفهومها، حتى لا يكون استعمالها في حقّه تعالى حقيقياً، كما يظهر من مجمع البحرين، وإلى الأَوّل ذهب بعض السادة الأفذاذ من أساتذتنا الأعلام في تفسيره (1)، وقال: إنّ الرقّة من لوازم الرحمة في البشر.

ثمّ إنّه لا شك أنّ لفظة الرحمن لا تُطلق على غيره بخلاف الرحيم؛ وعلّله الشهيد الثاني قدّس سره (2) بأنّ معنى الرحمن المنعِم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها، وليس الوجه فيه كونها من الصفات الغالبة؛ لأنّه يقتضي جواز استعماله في غيره تعالى بحسب الوضع انتهى.

أقول: إنكار الجواز بحسب الوضع مشكل، نعم لا شكّ فيه بحسب الشرع، بل هو بمنزلة العلم في حقه تعالى؛ ولذا لا يقال: رحمان بنا أو بالناس، وقد استعمل في القرآن المجيد في غير مورد من دون اعتبار الوصفية كقوله تعالى: ( هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) (3) وقوله: ( وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ ) (4) وقوله: ( إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ ) وغيرها.

وأمّا ما نقله الصدوق قدّس سره، من أنّ قوماً جوّزوا أن يقال للرجل: رحمان، فهو باطل وخطأ.

ثمّ إنّ الفرق بين الرحمة الرحمانية والرحمة الرحيمية بوجهين:

1 - ما قاله الشهيد رحمه‌الله من أنّ تعقيب الرحمن بالرحيم من قبيل التتميم، فإنّه لمّا دلّ الرحمن على جلائل النِعم وأُصولها ذكر الرحيم؛ ليتناول ما خرج منها، لكنّه ليس بوجه وجيه.

2 - ما ذكره أُستاذنا المتقدّم - دام ظله - من أنّ الفارق بين الصفتين، أنّ الرحيم يدلّ على لزوم الرحمة للذات وعدم انفكاكها عنها، والرحمن يدلّ على ثبوت الرحمة فقط... إلخ؛ وذلك لِما

____________________

(1) البيان / 300.

(2) ديباجة شرح اللمعة.

(3) يس 36 / 52.

(4) يس 36 / 15.


أفاده أَوّلاً بقوله: ومن خصائص هذه الصيغة - الرحيم - أنّها تُستعمل غالباً في الغرائز واللوازم الغير المنفكة عن الذات: كالعليم والقدير والشريف والوضيع وغيرها.

أقول: ليس مراده عدم انفكاك الرحمة عن ذاته تعالى مطلقاً حتى يلزم قِدم المرحوم، فإنّه لا يقول بقِدم العالَم.

ويظهر من الأخبار فرق ثالث بينهما، وهو أنّ الرحمة الرحمانية تعمّ جميع الخلق، والرحمة الرحيمية تخصّ المؤمنين فقط، وهذه الروايات موجودة في أوائل تفسير البرهان (1) :

منها: ما رواه بطرق عديدة عن الصادقينَ عليهم‌السلام في تفسير البسملة، قال: (الباء بهاء الله، والسين سناء الله، والميم ملك الله، والله إله كل شيء، والرحمن بجميع خلقه، والرحيم بالمؤمنين خاصةً).

ومنها: مرسلة صفوان عنه عليه‌السلام : قلت: الرحمن، قال: (بجميع العالم، قلت: الرحيم، قال: بالمؤمنين خاصّةً).

ومثلها رواية ابن سنان، وقريب منها رواية أبي بصير، وهو المستفاد من رواية محمد بن سيّار الطويلة عن العسكري عليه‌السلام ، وإليه يرجع ما في المجمع والصافي من قول الصادق عليه‌السلام : (الرحمن اسم خاصّ لصفة عامة، والرحيم اسم عامّ لصفة خاصّة)، فإنّ معناه أنّ لفظ الرحمن يختصّ بالله ولا يُطلق على غيره، لكنّ معناه عام لجميع العالَم، ولفظ الرحيم يُطلق عليه وعلى غيره، لكنّ معناه مخصوص بالمؤمنين، أو أنّ الرحمة الرحمانية خاصّة بالدنيا، عامة للمؤمن والكافر، والرحيمية عامة للدنيا والآخرة، لكن مختصة بالمؤمنين.

ولا منافاة بين هذه الروايات، وما في المجمع من رواية أبي سعيد الخدري عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : (قال عيسى بن مريم: الرحمن رحمن الدنيا، والرحيم رحيم الآخرة)، فإنّه رحمان في الدنيا برحمته على الجميع، ورحيم في الآخرة برجوع رحمته إلى ما يتعلّق بالآخرة، وإن كانت الرحمة على المؤمنين في الدنيا.

وأمّا ما عن الصحيفة السجّادية من قوله عليه‌السلام : (يا رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما)، فلا شك في أنّه رحيم على المؤمنين في الدنيا والآخرة.

نعم يشكل إثبات الرحمة الرحمانية في الآخرة، ويمكن أن تكون مختصّةً بالمؤمنين؛ إذ لا دليل على انقطاع الرحمة المذكورة في الآخرة حتى من المؤمنين، نعم في الصافي عن تفسير

____________________

(1) ويوجد بعضها في تفسير القمي، وبعضها في الكافي وفي غيرهما، وفيها الصحيح وغيره.


العسكري: (الرحيم بعباده المؤمنين في تخفيفه عليهم طاعاته، وبعباده الكافرين في الرِفق في دعائهم إلى موافقته)، فينافي ما تقدّم.

ويمكن أن يقال: إنّ شمول الرحمة الرحيمية للكافرين، إنّما هي من جهة دعوتهم إلى الإيمان والدين، فلا ترتبط بأُمور دنياهم، فلا منافاة بينهما.

فإذا ثبت ذلك فقد بانَ لك ضعف الفرقين المتقدّمينِ، نعم هذا الفرق يلائم القول الثاني، فإنّ الرحمة الرحمانية حيث لا تلازم الذات فهي منحصرة في الدنيا، والرحيمية حيث لا تنفكّ عنها فهي عامة في الدارين، ولكن سيدنا الأُستاذ - دامت أيام إفاداته - لم يرتضِ هذا الفرق وقال: لا مناصَ من تأويل هذه الروايات أو طرحها؛ لمخالفتها الكتاب العزيز، فإنّه قد استُعمل فيه لفظ الرحيم من غير اختصاص بالمؤمنين أو بالآخرة كقوله تعالى:

1 - ( فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (1) .

2 - ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (2) .

3 - ( إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) (3) .

4 - ( رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) (4) .

5 - ( وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ) (5) .

إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

وفي بعض الأدعية والروايات: رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما.

نقد كلام سيدنا الأُستاذ الخوئي

ثمّ قال - دام ظله الوارف -: ويمكن أن يوجّه هذا الاختصاص، بأنّ الرحمة الإلهية إذا لم تنتهِ إلى الرحمة في الآخرة فكأنّها لم تكن رحمةً، وما جدوى رحمة تكون عاقبتها العذاب والخسران، فإنّ الرحمة الزائلة تندكّ أمام العذاب الدائم لا محالة، وبلحاظ ذلك صحّ أن يقال: الرحمة مختصّة بالمؤمنين أو بالآخرة، انتهى كلامه الشريف.

أقول: ومن الواضح أنّ الله لا يغفر للمشركين والكافرين، ففي كل آية ذُكرت صفة الغفور

____________________

(1) إبراهيم 14 / 36.

(2) الحجر 15 / 49.

(3) الحج 12 / 65.

(4) الإسراء 17 / 66.

(5) الأحزاب 32 / 24.


قبل صفة الرحيم، كانت صفة الرحيم مختصّة بالمؤمنين بشهادة السياق، وإن لم تكن تلك الروايات ثابتةً، ومنه ظهر عدم متانة الاستدلال بالآية الأُولى والثانية والثالثة التي هي العمدة.

أو نقول كما قال الصادق عليه‌السلام كما في تفسير الصافي في ذيل الآية الأُولى: (تقدر أن تغفر له وترحمه)، ولا شك أنّ الله قادر على أن يرحم الكفّار بالرحمة الرحيمية.

ثمّ إنّ شمول الرحمة الرحيمية لغير المؤمنين في هذه الآيات وغيرها، إنّما هو بالإطلاق أو بالعموم؛ إذ لم أجد آيةً دلّت على أنّ الله رحيم بالكافرين، ولا شك أنّ هذه الروايات صالحة للتقييد والتخصيص، كما هي من الضروريات الفقهية والمسلّمات الأُصولية في هذه الأعصار.

وأمّا ما أفاده من التوجيه، فهو إنّما يتمّ إذا كانت الرحمة بإطلاقها منفيّة عن الكافرين وثابتة للمؤمنين، والحال أنّه ليس كذلك بل المنفي هو الحصّة الخاصّة منها، فيلزم أن تكون الرحمة الرحمانية غير مندكّة أمام العذاب الدائم، وهو كما ترى فافهم.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الرحمة من صفات أفعاله تعالى، فإنّه بمعنى الفضل والجود والكرم ونحوها، فما في مشتقات كفاية الأُصول للمحقّق الهروي، وأنوار التوحيد لسبط النراقي - رحمهما الله - من عدّها من الصفات الذاتية، ممّا لا وجه له أبداً، كما أنّ ما يظهر من المحقّق الطوسي في تجريده، من أنّ وجوب الوجود يدلّ على ثبوت جوده أيضاً غير تام؛ بناءً على ما هو المختار عنده وعندنا من اختيار الواجب، فيمكن أن يكون الواجب غير رحيم وجواد.

نعم الذي يتخيّل ضرورة صدور فعله عنه له أن يدّعي ذلك كما هو ظاهر.

ثمّ إنّ الرحمة والجود لا تنافي تعلّل أفعاله بالأغراض العائدة إلى غيره، بل تؤكّده خلافاً للفلاسفة، وسيأتي بحثه إن شاء الله الرحمن.

ثمّ إنّ الظاهر من العلاّمة الحلي (1) والقوشجي (2) في شرحهما على التجريد، إرجاع الرحمة والكرم والرضاء إلى الإرادة وهو غير صحيح، فإنّ الرحمة غير الإرادة قال الله تعالى: ( يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ) . فتأمّل رحمنا الله وإيّاكم فإنّه رحمان رحيم.

____________________

(1) شرح التجريد للعلاّمة الحليّ / 185.

(2) شرح التجريد للقوشجي / 372.


الفريدة السابعة

في أنّه جبّار وقهّار


الفريدة السابعة

في أنّه جبّار وقهّار

فهو يجبر الخلق على الأُمور التي ليس لهم فيها اختيار، أو يجبر حالهم ويصلحها.

وأمّا القهر فهو إمّا بمعنى القدرة أو بمعنى الغلبة، قال أمين الإسلام الطبرسي (1) : والجبّار في صفة الله صفة تعظيم؛ لأنّه يفيد الاقتدار، وهو سبحانه لم يزل جبّاراً، بمعنى أنّ ذاته تدعو العوارف بها إلى تعظيمها، والفرق بين الجبّار والقهّار أنّ القهّار هو الغالب لمَن ناواه، أو كان في حكم المناوي بمعصيته إيّاه، ولا يوصف سبحانه فيما لم يزل بأنّه قهّار، والجبّار في صفة المخلوقين صفة ذمّ؛ لأنّه يتعظّم بما ليس له، فإنّ العظمة لله سبحانه، انتهى.

قال العلاّمة في شرح التجريد: فهو يجبر لِما بالقوة بالفعل والتكميل، كالمادة بالصور، وفسّر القهّار بمعنى أنّه يقهر العدم بالوجل والتأثير.

أقول: والمتحصّل أنّ الجبّار إن أُخذ من الجبران أو الغلبة، فهو من صفاته الفعلية، وإن أُخذ من العظمة ونحوها، كما في كلام الأمين الطبرسي، وشيخنا الأجلّ الصدوق، وغيرهما، فهو من الصفات الذاتية، وأمّا القهر فهو بمعناه الأَوّل من الثانية وبمعناه الثاني من الأُولى.

____________________

(1) مجمع البيان 1 / 299.


الفريدة الثامنة

في رضائه وسخطه


الفريدة الثامنة

في رضائه وسخطه

قد ثبت بالقرآن والسُنة اتّصافه بالرضاء والغضب والسخط، ولا شك أنّ هذه من الصفات النفسانية الممتنعة على الواجب المجرّد عن الجسم ولواحقه، وأمّا إرجاع الرضاء إلى الإرادة - ولا سيما إذا كانت من الصفات الذاتية - فهو فاسد جداً كما مرّ، والاستعمالات القرآنية لا تناسبه، وفي بعض الروايات: (شاءَ وأراد ولم يرضَ) إلاّ أن يراد به في الرواية الرضا التشريعي.

والحاصل: أنّ المستفاد من الظواهر الشرعية، كون هذه الصفات من الصفات الفعلية، وحينئذٍ لابدّ من العمل بالقاعدة الناطقة بـ (خُذ الغايات واترك المبادئ) فيحتمل أنّ رضاه ثوابه، وغضبه وسخطه، عقابه، كما تدلّ عليه الأخبار أيضاً. ويمكن استعمالها بمعنى إرادة الثواب والعقاب، بمعنى كتابتهما في اللوح أو في صحيفة أعماله، وهذا المعنى محتمل قوياً في جملة من موارد استعمالاته في الشريعة المقدّسة.

ثمّ إنّ الروايات الواردة في الباب ست (1) ، نذكر إحداها وهي ما رواه ثقة الإسلام الكليني (2) ، بإسناده عن هشام بن الحكم، في حديث الزنديق الذي سأل أبا عبد الله عليه‌السلام ، فكان من سؤاله أن قال له فله رضاء وسخط؟ قال أبو عبد الله عليه‌السلام : (نعم، ولكن ليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، وذلك أنّ الرضا حال تدخل عليه فتنقله من حال إلى حال؛ لأنّ المخلوق أجوف معتمل مركّب، للأشياء فيه مدخل، وخالقنا لا مدخل للأشياء فيه؛ لأنّه واحد، واحدي الذات، واحدي المعنى، فرضاه ثوابه وسخطه عقابه، من غير شيء يتداخله فيهيّجه وينقله من حال إلى حال؛ لأنّ ذلك من صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين)، رضي الله عنّا وعنكم.

____________________

(1) لاحظ أُصول الكافي، البحار 4 / 66.

(2) أُصول الكافي 1 / 110.


الفريدة التاسعة

في جملة من صفاته الفعلية الأُخر


الفريدة التاسعة

في جملة من صفاته الفعلية الأُخر

فمنها: أنّه قيّوم. قال الصدوق (1) : القويم والقيام... من قمت بالشيء إذا وليته بنفسك، وتولّيت حفظه وإصلاحه. انتهى.

وعليه فهو من الصفات الفعلية. وقال العلاّمة في شرح التجريد: إنّه قائم بذاته مقيم لغيره، وعليه فهو من الصفات الذاتية باعتبار جزئه الأَوّل.

ومنها: أنّه واسع. قال الأمين الطبرسي (2): والواسع في صفات القديم اختُلف في معناه، وقيل: إنّه واسع العطاء أي المكرمة، وقيل: هو واسع الرحمة، ويؤيّده قوله تعالى: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) ، وقيل: إنّه واسع المقدور. انتهى.

وقيل: الواسع المحيط بكل شيء علماً، وقيل غير ذلك، فعلى بعض الوجوه صفة ذاتية، وعلى بضعها الآخر فعلية، والأمر سهل.

ومنها: أنّه نور. كما قال: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (3) ، قيل: النور ظاهر بنفسه مظهر لغير والله كذلك، وقيل: إنّه بمعنى المنور أي موجِد النور، ويؤيّده قوله تعالى: ( مَثَلُ نُورِهِ ) (4) فإنّ الإضافة تدلّ على المغايرة، وفي جملة من الروايات (5) أنّه بمعنى الهادئ، والمناسبة بين النور والهداية غير خافية، فهو من الصفات الفعلية، لكن في صحيح هشام بن سالم ورواية جابر المتقدّمين - في بحث صدقه - أنّه نور لا ظلمة فيه، فهو من الصفات الذاتية، ولعلّه حينئذٍ بمعنى الوجود أو الكمال، فللنور معنيان: الأَوّل الوجود والكمال والعظمة، والثاني الهداية، نوّرنا الله.

ومنها: أنّه وكيل. بمعنى أنّه قائم بأمر مخلوقه كما قال: ( وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ) (6) ، وقد نفى

____________________

(1) البحار 4 / 201.

(2) مجمع البيان 1 / 275.

(3) النور 24 / 35.

(4) النور 24 / 35.

(5) البحار 4 / 15.

(6) النساء 4 / 81.


الوكالة عن نبيّه الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله كما قال: ( قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ) (1) ، قال الطريحي في مجمع البحرين عند قوله تعالى: ( أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً ) (2)، أي معتمداً تكلون إليه أُموركم، وعلى الأَوّل فهي صفة فعلية، وعلى الثاني فهي صفة مدحيّة.

ومنها: أنّه لطيف. وقد ذُكرت له معانٍ ثلاثة: الأَوّل: أنّه ذو برّ وإحسان. والثاني: أنّه لطيف في فعله وتدبيره. الثالث: أنّه الخالق للأشياء اللطيفة. ففي الحديث الإهليلجية المعروف: قلت سمّيناه لطيفاً للخلق اللطيف، ولعلمه بالشيء اللطيف ممّا خلق من البعوض والذرة وما هو أصغر منها، لا يكاد تدركه الأبصار والعقول؛ لصغر خَلقه من عينه وسمعه وصورته، وأنّه لطيف بخَلق يخلق اللطيف، كما سمّيناه قوياً بخلق القوي.

أقول: ولعلّ هذا منه عليه‌السلام تنبيه على وجود المكروبات والجراثيم المستكشفة في هذه الأعصار، بالآلات المخصوصة المستحدثة المعدومة في زمانه عليه‌السلام ، فهو من معجزاته سلام الله عليه وآله، وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه الطيّبين.

وفي نهاية البحث، إنّه تعالى كلّ يوم في شأن جديد، وإنّه فعّال لِما يشاء.

وإنّه لا حول ولا قوّة إلاّ به، وفي الحديث المعتبر سنداً: (يا مَن يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء أحد غيره)، فله صفات فعليه كثيرة.

____________________

(1) الأنعام 6 / 66.

(2) الإسراء 17 / 2.


خاتمة في حدوث أفعاله

المقام الأَوّل: في نقل الأقوال

المقام الثاني: فيما استدلّ به لقِدم العالم

أدلّة حدوث العالم

النقل والحدوث

أَوّل ما خلقه الله

فناء العالم

تعدّد العوالم

استدراك


خاتمة

في حدوث أفعاله

قد مرّ أنّ صفاته إمّا ذاتية وإمّا مدحية وإمّا فعلية، وهي نفس أفعاله تعالى، والمقصود هنا أنّ فعله بتمامه هل هو حادث أم لا؟ بل منه ما هو قديم ومنه ما هو حادث؟ وهذا هو النزاع المعروف بحدوث العالَم وقِدمه.

والمراد بالحدوث هو المسبوقية بالعدم لا بالغير فقط وإن لم يكن مسبوقاً بالعدم، فإنّه ليس من الحدوث في شيء، نعم اصطلح الفلاسفة على ذلك، ولا مشاحّة في الاصطلاح، فالحدوث عندهم مرادف للإمكان الذاتي، والحاصل أنّ مرادنا بالحدوث هو معناه الواقعي، وهو المسبوق بالعدم، والكلام فيه يقع في مقامات:

المقام الأَوّل: في نقل الأقوال

1 - حدوث ما سوى الله وصفاته، فالأشياء صادرة عنه تعالى بعد أن لم تكن أصلاً، هذا هو مذهب المتكلّمين قاطبةً، بل ادّعى غير واحد اتّفاق الملّيين عليه، بل نُسب إلى جمع من أساطين الحكمة وقدماء الفلاسفة، وقيل: إنّ القول بقِدم العالَم وأزلية الحركات ظهر بعد أرسطو (1) ، ولكن ستعرف أنّ حدوث العالَم بمعناه الواقعي ممّا لم يلتزم به فِرقة غير الشيعة الإمامية، فيما أعلم.

2 - قِدم السماوات بذواتها وصفاتها إلاّ الحركات والأوضاع، فإنّهما قديمتان بالنوع فقالوا: إنّ الفَلكيات قديمة بموادّها، وصورها الجسمية والنوعية، وبمقاديرها وأشكالها، وغيرهما من الأعراض، وأمّا العنصريات فقديمة بموادّها وبصورها الجسمية بنوعها، وبصورها النوعية بجنسها، وأمّا الصور المشخّصة في هذه الصور الجسمية، والنوعية، والأعراض المختصة، فهي حادثة، حكي عن أرسطو، ومَن وافقه ومنهم الفارابي، وابن سينا وغيرهما.

أقول: ولا شك في أنّهم قائلون بقِدم العقول أيضاً، بل مرّ التزامهم بقِدم الصور المرتسمة في

____________________

(1) البحار 14 / 49.


ذاته تعالى، التي جعلوها مناط علمه بالأشياء، وسمّوها بالعلم التفصيلي.

3 - قِدم العالم ذاتاً وحدوثه صفةً، نسب إلى جماعة، لكن اختلفوا في هذه الذات القديمة فقيل: إنّه ماء، وقيل: إنّه بخار، وقيل غير ذلك.

4 - ما ذهب إليه صاحب الأسفار ومَن تبعه، من قِدم العقول وحدوث الطبائع من جهة الحركة الجوهرية، لكن هذا الحدوث حدوث فردي وليس بنوعي؛ لئلاّ يلزم انقطاع الفيض وإمساك الجود، كما صرّح به نفسه والسبزواري في شرح المنظومة، وعلى هذا القول يتمّ القياس المعروف: إنّ العالم متغيّر، وكل متغيّر حادث، ولا يرد عليه حينئذٍ منع الصغرى في الذوات واختصاصها بالصفات.

5 - ما ذكره السيد الداماد من حدوث العالّم بأجمعه، لكنّه حدوث دهري، وأوضحه السبزواري في شرح منظومته وإليك ملخّصه: إنّ كل موجود فلوجوده وعاء، أو ما يجري مجراه، فوعاء السيّالات كالحركات والمتحرّكات هو الزمان سواء كان بنفسه أو بأطرافه، وما يجري مجرى الوعاء للمفارقات النورية هو الدهر، وهو كنفسها بسيط مجرّد عن الكمية والاتّصال ونحوها، وما يجري مجرى الوعاء للحق وصفاته وأسمائه هو السرمد، فمعنى الحدوث الدهري: أنّ عالَم المُلك (1) مسبوق بالعدم الدهري؛ لأنّه مسبوق بوجود الملكوت الذي وعاؤه الدهر سبقاً دهرياً.

وإن شئت فقل: إنّ وجود عالم المُلك مسبوق بعدمه الواقعي الفَلكي الواقع في عالم الدهر، بمعنى أنّه ليس بموجود بالوجود الدهري، فهو حينئذٍ معدوم بذلك الوجود، بل هو موجود بوجود عالَم المُلك كما قيل، وهكذا حال الدهر بالنسبة إلى السرمد.

والحاصل: أنّ العالم عنده مسبوق الوجود بالعدم الواقعي الدهري، لا الزماني الموهوم كما يقول المتكلّم، ولا العدم المجامع الذي في مرتبة الماهية فقط، كما ينسب إلى بعض الفلاسفة.

6 - ما ذكره السبزواري في شرح المنظومة من الحدوث الأسمى، وهو غير واضح، وشرحه بعض الأفاضل بما يرجع إلى نفي العالَم رأساً.

المقام الثاني: فيما استدلّ به لقِدم العالَم

وهو وجوه لكنّا نذكر أهمّها، وهو أنّه إذا لاحظنا الواجب أَزلاً في طرف وجميع ما عداه - بحيث لا يشذّ عنه شيء - في طرف آخر، فحينئذ إمّا أن يكون الواجب سبحانه علّةً تامة لشيء ما أم لا، وعلى الأَوّل يلزم قِدم ذلك الشيء المعلول؛ ضرورة استحالة تخلّف المعلول عن

____________________

(1) وهو عالَم الناسوت ويقال له: عالم الشهادة أيضاً.


علّته التامة، وعلى الثاني توقّف وجود الأثر - وهو العالَم - على شيء آخر، فهذا مع كونه خُلفاً يرد عليه أنّ هذا الشيء إن كان قديماً فقد ثبت أيضاً قِدم العالَم، وإن كان حادثاً فلابدّ له من مرجّح حادث، وإلاّ لكان الحادث غير حادث، ثمّ ننقل الكلام إلى ذلك المرجّح الحادث في احتياجه إلى مرجّح آخر حادث، وهكذا إلى غير النهاية، فيلزم قِدم العالَم من وجود حوادث لا أَوّل لها.

وإن شئت فقل: إنّ العالَم بماله من الشروط الحادثة المذكورة بحيث لا يشذّ عنها شيء، إذا لاحظنا الواجب إليه فهو إمّا علة تامة له أم لا، الأَوّل يُثبت المطلوب، والثاني يوجب نفي وجود العالَم أزلاً وأبداً.

أقول: وهذا أقوى دليلهم في هذا المقام، وقد أجاب عنه المتكلّمون بوجوه عديدة، وبجوابات مختلفة، وإليك بيان بعضها:

الجواب الأَوّل: ما هو المشهور بين المتكلّمين (1) ، من أنّ الفلاسفة إنّما يقولون بقِدم العالَم؛ لزعمهم لزوم توسّط أمر ذي جهتي استمرار وتجدّد بين الحادث اليومي والقديم؛ لئلا يلزم التخلّف عن العلة التامّة.

ونحن نقول: إنّه الزمان ولا يلزم القِدم؛ لكونه أمراً اعتبارياً انتزاعياً، وأدلة وجوده مدخولة، ولا نقول بانتزاعه من موجود ممكن حتى يلزم القِدم أيضاً، بل هو منتزع من بقائه تعالى (2) ، فكما أنّهم يصحّحون ربط الحادث بالقديم بالحركة والزمان، كذلك نصحّحه أيضاً بالزمان، وكون الزمان مقدار حركة الفًلك ممنوع، بل نعلم بديهة أنّه إذا لم يتحرّك الفَلك مثلاً، يتوهّم هذا الامتداد المسمّى بالزمان، والقول بأنّه لعلّه من بديهة الوهم لا يصغى إليه.

ثمّ إنّ الزمان وإن كان وهمياً إلاّ أنّه ليس باختراعي، بل هو نفس أمري؛ ومثل هذا الوهمي يصحّ أن يكون منشأ للأمور الموجودة، لا بأن يكون فاعلاً لها بل دخيلاً فيها.

وحاصل هذا الجواب: أنّا نختار أنّه ليس في الأزل مستجمعاً لشرائط التأثير.

قولهم: فلابدّ له من مرجّح حادث.

قلنا: هو تمام قطعة من الزمان يتوقّف عليها وجود العالم، ويرتبط به الحادث بالقديم، على نحو ما التزمه الفلاسفة في الحركة.

____________________

(1) السماء والعالَم / 57.

(2) هذا هو المسمّى بالزمان الموهوم، وهو الامتداد الموهوم المنتزع من بقاء الواجب، وأمّا الزمان المتوهّم فهو الامتداد الموهوم غير المنتزع من بقاء الواجب، فالموهوم ما لا فرد لا يحاذيه، ولكن له منشأ الانتزاع، والمتوهّم ما لا فرد له ولا منشأ لانتزاعه، ويجعلون هذا الزمان وعاءً لعدم العالَم، فيقولون: إنّ العالَم حادث زماني وليس بقديم.


وما قيل: من امتناع انتزاع الزمان من بقاء الواجب؛ لعدم المناسبة بين الأمر التدريجي وما لا تدريج فيه أصلاً، وإنّما هو منتزع من الحركة القطعية التي هي أمر تدريجي غير قارّ.

فجوابه: أنّ اعتبار المناسبة المذكورة غير بيّن ولا بمبيّن على نحو الإطلاق، وعلى فرض تسليمه فهو غير منحصر فيما نفهمه؛ لاحتمال وجود مناسبة خفيّة علينا، أَلا ترى أنّ أكثر الانتزاعيات - كالزوجية والفردية والفوقية والتحتية وغيرها - يُنتزع من محالّها، ولا يحكم وجداننا بتحقّق مناسبات تفصيلية بين كلّ منتزع وما يُنتزع منه؟

لا يقال: البقاء ينتزع من الزمان فلو عُكس لدار.

فإنّه يقال: إنّ الزمان المزبور يُنتزع من نفس وجود الواجب الذي لا يعرضه العدم، فتوقّف البقاء عليه لا يستلزم محذوراً.

فإن قلت: لو انتزع الزمان منه لكان صفةً له، كما هو شأن سائر ما يُنتزع منه، مثل العلم والإرادة والقدرة والخلق وغيرها، مع أنّه لا يتّصف به لا بالحمل مواطاةً وهو ظاهر، ولا اشتقاقاً فإنّه ليس بزماني.

قلنا: لا نسلّم أنّ كلّ ما يُنتزع من شيء يجب أن يكون صفةً له؛ لأنّ مناط الوصفية هو وجود العلاقة الناعتية بينهما، واستلزام الانتزاع لهذه العلاقة غير بيّن ولا بمبيّن، ولو سلّم فنقول: إنّ ما ورد من أنّه تعالى ليس بزماني ولا بمكاني معناه: أنّه كما لا يحيط به مكان حتى يكون ظرفاً له مشتملاً عليه، كذلك لا يحيط به زمان حتى يتقدّم عليه جزء من ذلك الزمان، ويتأخّر عنه جزء آخر منه، فيكون وجوده مقارناً لحدّ خاصّ من الزمان مسبوقاً بحدّ آخر منه خالٍ عن وجوده.

وأمّا مقارنة الحقّ القديم للزمان، وتحقّقه معه في نفس الأمر من الأزل إلى الأبد، فلا شكّ في صحّته ووقوعه، وهذا المقدار كافٍ فيما نحن بصدده.

وأمّا عدم اتّصافه بالمكان؛ فلعدم تحقّق كلا المعنيين المفروضين في الزمان هناك، فليس المكان محيطاً به ولا مقارناً له، ثمّ إنّ ما ورد شرعاً، من أنّه قديم أزلي سرمدي أبدي دائم وغيرها، يشهد بأنّه تعالى زماني بالمعنى الثاني، وليس فيه مانع.

الجواب الثاني: ما استظهره المجلسي قدّس سره من أكثر قدماء الإمامية واختاره هو أيضاً وقال: إنّه في غاية المتانة، وهو مبني على عدم صحّة انتزاع الزمان منه تعالى، وعلى أنّه ليس بزماني مطلقاً.

ومحصّله: أنّا لا نسلّم تخلّف المعلول عن العلّة في فرض حدوث العالَم، فإنّ التخلّف إنّما يتصوّر لو كان العلّة زمانيةً، ووجدت العلّة في زمان ولم يوجد المعلول معه في ذلك الزمان، وهنا لعلّ العلّة والمعلول كليهما لم يكونا زمانيين، أمّا العلّة فانتفاء الزمان عنها واضح، وأمّا


المعلول فالكلام في الصادر الأَوّل، وهناك لم يوجد زمان ولا زماني أصلاً.

وبالجملة: إذا كانت العلّة والمعلول كلاهما زمانيين يجب أن يجمعها آن أو زمان، وإلاّ فلا، ونظيره التخلّف المكاني، فإنّه لو كانا مكانيين يتصوّر الاجتماع والافتراق والمماسة واللامماسة، وأمّا إذا لم يكن أحدهما أو كلاهما مكانيين لم يتصوّر أمثال هذه الأُمور، وكذا إنّما يتصوّر الترجيح بلا مرجّح، إذا تحقّق زمان وقع أمر في جزء منه دون جزء، وصدر المعلول عن العلّة مرّة ولم يصدر مرة أُخرى، فإذا فرضنا الزمان معدوماً، فلا يجري فيه أمثال هذه الأوهام الكاذبة الحاصلة من الأُلفة بالزمان والمكان.

فصاحب هذا القول يقول: بأنّ الزمان والحركات وسلسلة الحوادث كلّها متناهية في طرف الماضي، وأنّ جميع الممكنات ينتهي في جهة الماضي في الخارج إلى عدم مطلق ولا شيء بحت، لا امتداد فيه، ولا تكمّم، ولا تدريج، ولا قارية، ولا سيلان.

ويقرب من هذا القول أو يرجع إليه، ما أفاده المحقّق الطوسي قدّس سره في تجريده.

ومحصّله: أنّ الحدوث اختصّ بوقت الإحداث؛ لانتفاء وقت قبله، فلا معنى لطلب الترجيح فيه.

أقول: لكنّ السؤال يتوجّه إلى نفس الوقت المذكور، وأنّه لِمَ وجد في هذا الحدّ دون سابقه؟ إلاّ أن يقال: لا تدرّج ولا امتداد قبل الوقت المذكور حتى يُسأل عن الترجيح، فتأمل.

الجواب الثالث: ما قيل من عدم تحقّق جميع ما لابدّ منه في وجود العالم في الأزل، إذ من جملته تعلّق الإرادة بوجوده في الأزل، ولم تتعلّق الإرادة بوجوده في الأزل، بل وجوده فيما لا يزال من الأوقات الآتية؛ لحكمة ومصلحة.

الجواب الرابع: النقض بالحادث اليومي، فإنّ هذا الوجه لو تمّ لأبطل الحادث مطلقاً، إذ نقول حينئذٍ: هل الواجب علّة تامّة لشيء ما أم لا؟ فعلى الثاني ينتفي العالَم، وعلى الأَوّل نأخذ الصادر الأَوّل، ونقول: الواجب مع هذا الصادر إمّا أن يكون علّةً تامّة لشيءٍ ما ممّا عداهما أم لا، ويلزم قِدم الصادر الثاني، وهكذا ينتهي إلى الحادث اليومي فيدخل في سلسلة القدماء، وهذا خلف.

الجواب الخامس: ما ذكره المستحلّون للترجيح بلا مرجّح، من أنّ الفاعل المختار يتمكّن من إيجاد فعل بلا مرجّح وداعٍ.

إلى غير ذلك من الأجوبة التي لا حاجة إلى نقلها.

لكنّ الخامس باطل كما مرّ في مبحث الترجيح بلا مرجّح، وقد عرفت أنّ الحقّ هو التفصيل الثاني.

والرابع فيه بحث طويل الذيل.


والثالث ممنوع؛ إذ الامتداد الوهمي المذكور عدم بحت، لا تأثير له في توليد المصلحة في طرف المفعول، فإن كان أصلح فهو كذلك أزلاً، فلا يُقاس بالحوادث الزمانية التي يختلف صلاحها وفسادها باختلاف الزمان.

والثاني يصعب قبوله؛ إذ بعد تمامية فاعلية الواجب، وكونه علّةً تامّة، لا يتصوّر تخلّف المعلول عنه، وقدماء الإمامية لم يثبت منهم تجويز هذا المعنى، وعبارة المجلسي المتقدّمة أيضاً غير ظاهرة حقّ الظهور في هذه النسبة إليهم، بل الظاهر منها هو نفي الزمان الموهوم عنه تعالى، فلاحظ.

والأَوّل أُورد عليه، بامتناع انتزاع الأمر التدريجي عن مَن هو بريء من التدرّج والسيلان، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ الوجهين المذكورين - الأَوّل والثاني - وإن لم يكونا بثابتين، لكنّهما يوجبان الاحتمال المنافي للدليل المتقدّم، فإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

تحقيق وتفنيد

هذا الذي ذكره الفلاسفة، وتشعّب المتكلّمون في جوابه إلى شعب، مجرّد تلفيق لا واقع له أصلاً، بل السؤال المذكور فيه غلط لا مسرح له في المقام.

توضيح ذلك: أنّ ما عنه التأثير على قسمين: الفاعل المختار والعلّة الموجبة، والأَوّل كالحيوان؛ إذ له أن يفعل وله أن لا يفعل، والثاني كالأسباب الطبيعية، والسؤال المذكور في الدليل المزبور إنّما يتمشّى على الثاني، فإنّ المؤثّر الطبيعي إمّا علّة تامّة، كالنار بالنسبة إلى الحرارة، والشمس بالنسبة إلى النهار، وإمّا ليس كذلك بل مقتضٍ له يتوقّف تنجّز أثره على شرط أو أمر آخر، كالنار بالقياس إلى الإحراق، والشمس إلى التسخين، وأمّا الفاعل المختار فمهما بلغ شوقه إلى إيجاد الفعل الملائم له فهو متمكّن من الفعل والترك، ولا يجب الفعل عنه أصلاً، فإنّ الوجوب السابق باطل في أفعاله، فالفعل موقوف على إعمال قدرته لا على شوقه.

إذا تقرّر ذلك فنقول: إنّا قد قرّرنا سابقاً أنّ الله تعالى ليس بعلّة موجَبة بفتح الجيم، وحقّقنا أيضاً أنّ إرادته ليست هو علمه بالأصلح، أو نفس ذاته ابتداءً، بلا رجوعها إلى العلم، بل هي حادثة؛ فحينئذٍ له أن فعل وله أن لا يفعل، والسؤال المذكور لا مجرى له في حقّه تعالى كما عرفت، ولنا أن نختار كلاًّ من الشقين فنقول: إنّه تعالى كان مستجمعاً لجميع شرائط التأثير، وعلةً تامة، بمعنى أنّه غير محتاج إلى شيء بحيث إن شاء لفعل، أو نقول: إنّه ليس مستجمعاً لشرائط التأثير، وليس بعلّة تامة، ونعني به أنّ الفعل غير صادر عنه؛ لأنّه لم يرده ولا يمكن صدوره عنه اضطراراً وإيجاباً.

فهذا السؤال - بعد تمهيد الأُصول السالفة الحقّة من اختياره تعالى وحدوث إرادته - ممّا لا


مجال له أبداً من جهة الحكمة النظرية وأحكام العقل العلمية، نعم يمكن أن يقرّر الاستدلال من وجهة الحكمة العملية فيقال: الواجب وإن كان مختاراً غير أنّ إهمال الأصلح أو الصالح قبيح منه، وهو لحكمته البالغة لا يفعله وإن كان قادراً عليه، بل مرّ أنّ صدور الأكمل أو الكامل لازم عنه، فهذا السؤال له وجه ولا يدفعه الوجوه المتقدّمة، كما هو مسلّم عند مَن أنصف من نفسه.

ولكن هؤلاء القوم لو تركوا العصبية والعناد، وامتنعوا من السب والطعن، وأسكتوا غضبهم لنجيبهم، بأنّ قِدم الممكن ممتنع، والممتنع المحال لا يعقل صدوره عن الواجب؛ إذ لا قابلية له لتعلّق القدرة الكاملة العميمة الواجبة به، فأين ترك الجود وإمساك الفيض؟ وأين البخل؟ ومع الغض عمّا قلناه آنفاً أين تخلّف المعلول عن العلّة؟ فإنّ الشيء إذا كان ممتنع الوجود لا يصير معلولاً أبداً، وهذا ظاهر.

وأمّا توضيح الجواب فسيمرّ عليك إن شاء الله، فانتظر، وهذا الجواب يكفي لإبطال جميع الوجوه المستدلّ بها على قِدم العالَم.

أدلّة حدوث العالم

أكثر المتكلّمون دلائلهم على حدوث ما سوى الله، وقد نقل أكثرها صاحب الأسفار في آخر إلهيات كتابه الأسفار، وأجاب عنه حسب ما اقتضى تفكيره الفلسفي، وهاهنا وجوه أُخر نذكرها نحن مع وجه واحد من تلك الدلائل، فمنها ما في المواقف وغيرها (1) من أنّ العالَم فعل الفاعل المختار، والقديم لا يستند إلى المختار كما مرّ، فينتج من الشكل الثاني أنّ العالَم ليس بقديم.

أقول: الصغرى برهانية عندنا كما دريت في مبحث الاختيار، وأمّا الكبرى فهي مسلّمة بين المتكلّمين والفلاسفة، فإنّ القصد لا يتعلّق إلاّ بالمعدوم بالضرورة، لكن قد عرفت أنّ ما استدلّ لتصحيحها غير تمام، وسيأتي ما يتعلّق به.

ومنها: ما دلّ على استحالة مطلق ما لا نهاية له في جانب الماضي، من برهان التطبيق وغيره، لكنّنا أشرنا فيما مضى إلى أنّه عندي غير تمام.

ومنها: ما ذكره العلاّمة المجلسي قدّس سره (2) ، من أنّ الجعل لا يتصوّر في القديم؛ لأنّ تأثير العلّة إمّا إفاضة أصل الوجود، وإمّا إفادة بقاء الوجود واستمرار الجعل الأَوّل، والأَوّل هي العلّة الموجِدة والثاني هي المبقية، والموجود الدائمي محال أن تكون له علّة موجودة، كما تحكم به

____________________

(1) شرح المواقف 2 / 494.

(2) السماء والعالَم / 52.


الفطرة السليمة، سواء كان بالاختيار أو بالإيجاب، لكنّ الأَوّل أوضح وأظهر، وممّا ينبّه عليه أنّ في الحوادث المشاهدة في الآن الأَوّل تأثير العلّة، هو إفاضة أصل الوجود، وفي كل آن بعده من آنات زمان الوجود تأثير العلّة، هو إبقاء الوجود واستمرار الجعل الأَوّل، فلو كان ممكن دائمي الوجود، فكل آن يُفرض من آنات زمان وجوده غير المتناهي في طرف الماضي فهو آن البقاء واستمرار الوجود، ولا يتحقّق آن إفاضة أصل الوجود، فجميع زمان الوجود هو زمان البقاء، ولا يتحقّق آن ولا زمان للإيجاد وأصل الوجود قطعاً... لو كان... قديماً لزم أن لا يحتاج إلى علّة أصلاً، أمّا الموجِدة فلِما مرّ، وأمّا المبقية فلأنّها فرع الموجِدة.

إنارة عقليّة

لا ريب في أنّ ما سوى الله تعالى ممكن كما تنطق به أدلة التوحيد، وهذا ممّا اتّفق عليه الفريقان، وكلّ ممكن فهو حادث لا محالة، فالعالَم حادث وهذا هو المطلوب.

أمّا الكبرى فنقول في تصحيحها: إنّ الممكن مفتقر في تحقّقه إلى مؤثّر بالضرورة، ولا يعقل أن يوجد حال وجوده؛ فإنّه من تحصيل الحاصل المحال، فلابدّ أن يوجد حال لا وجود له، فيكون وجوده مسبوقاً بلا وجوده، وهذا هو معنى الحدوث.

وقرّره في الأسفار هكذا (1) : تأثير المؤثّر إمّا حال عدمه، أو حال حدوثه، أو حال بقائه، والأَوّلان يفيدان الدعوى، والثالث باطل؛ لأنّه يلزم تحصيل الحاصل وهو محال.

ثمّ قال: والجواب، أنّا نختار أنّ التأثير في حال الوجود والبقاء، قوله: ذلك إيجاد للموجود أو إبقاء للباقي، قلنا: ليس الأمر كذلك، وإنّما كان كذلك لو كان الفاعل يعطيه وجوداً ثانياً، وبقاءً مستأنفاً وليس كذلك، بل الفاعل يوجده بنفس هذا الإيجاد؛ لأنّ تأثير الفاعل في شيء عبارة عن كونه تابعاً له في الوجود، واجب الوجود بعلته.

ثمّ الذي يدلّ على أنّ التأثير يجب أن يكون في حال الوجود وجوه:

أحدها: إنّه لو بطل أن يكون التأثير في حال الوجود، وجب أن يكون إمّا في حال العدم، ويلزم من ذلك الجمع بين الوجود والعدم، وذلك ممتنع، أو لا في حال الوجود ولا في حال العدم، فيلزم من ذلك ثبوت الواسطة بينهما، وذلك أيضاً باطل.

ثانيها: إنّ الإمكان - في كلّ ممكن - علّة تامّة للاحتياج؛ لِما يحكم هذا العقل بأنّه أمكن فاحتاج، فلو لم يحتج حال البقاء لزم إمّا الانقلاب في الماهية، أو تخلّف المعلول

____________________

(1) لاحظ أواخر فن ربوبياتها.


عن العلّة التامّة.

ثالثها:... إنّ صفاته زائدة على ذاته، قديمة موجودة بإيجاد الذات إيّاها عند الأشاعرة، فهي مادة النقض عليهم.

رابعها: إنّه لو استغنى الممكن في حال بقائه عن المؤثّر، فلزم أنّه لو فرض انعدام الباري لم ينعدم العالّم، ولزمهم أن لا ينعدم شيء من الحادث، وذلك باطل قبيح شنيع، لكن بعضهم التزموه... إلخ.

خامسها: إنّ الدليل منقوض عليهم باحتياج الحوادث في الأعدام الأزلية إلى العلة؛ إذ الممكن كما لا يوجد بنفسه لا ينعدم بذاته، فيلزم عليهم إعدام المعدوم، انتهى كلامه.

أقول: هذا الجواب بماله من الدلائل المذكورة لا يرجع إلى محصّل، فإنّ ما اخترعه من عند نفسه، من تفسير التأثير بكون المتأثّر تابعاً للمؤثّر في الوجود، لا يرجع إلى معنى معقول، بل معنى التأثير هو الإصدار والإبداع والإيجاد وما شئت فسمِّه، وهذا الإيجاد إمّا بنحو الترشّح، كما في النار والحرارة وغيرها من الأسباب الطبيعية، وإمّا بنحو التكوين لا من شيء، كما في الحيوان وأفعاله الاختيارية.

وهذا التكوين مستلزم لعدم الفعل قبله كما هو المحسوس، وحيث إنّ الواجب فاعل مختار عند الملّيين كما مرّ، فتكون أفعاله - كأفعال الحيوان - مسبوقةً بالعدم، بل ويمكن حينئذ دعوى الضرورة على حدوث العالَم، فإنّ أفاعيلنا المشاهدة مسبوقة بالعدم، وإنّما توجد بعد عدمها، والتأثير في حال عدمها لا في حال وجودها، فكذا أفعال الواجب؛ إذ لا فرق بين أفعالنا وأفعاله تعالى من هذه الناحية، وليست للقصد الكائن فينا مدخلية في هذا المعنى حتى يتفاوت الحال، كما لا يخفى.

ولب المرام وخلاصة المقال: أنّ الممكن إن كان موجوداً قبل الإيجاد فهو ترجّح بلا مرجّح، وإن كان معدوماً فهو الحدوث المدّعى ولا شق ثالث بالضرورة.

وبالجملة: لو لم نقدر على دعوى أن كلّ ممكن يوجده المؤثّر حادث، بدعوى أنّ تأثير العلل الموجبة في معاليلها، هو متابعة المعلول علته في الوجود وترشّحه عنه - كما ذكره المستدلّ - وهو لا يستلزم حدوث المعلول إذا كانت علته قديمةً، مع أنّ الدعوى المذكورة منظور فيها، فلا شك في قولنا: إنّ كل ممكن يوجده الفاعل المختار فهو حادث، وإلاّ لزم تحصيل الحاصل، بل ندّعي أنّه محسوس، وحيث إنّ خالق الممكنات بأسرها هو الواجب المختار، فيثبت أنّ كلّ ممكن حادث فافهم واغتنم.

والمتحصّل: أنّ حدوث العالم مبني على اختياره تعالى، لا أنّ اختياره مستفاد من حدوث


العالَم، كما يزعم أكثر المتكلّمين أو جميعهم.

هذا ما يرجع إلى نفس الجواب، أمّا ما استدلّ به من الوجوه الخمسة، فنقول:

إنّ الوجه الأَوّل، خلاف المحسوس في أفعالنا، وتحليل المقام: إنّ العدم في قولنا: الإيجاد حال العدم، أُخذ على نحو الظرفية دون الشرطية، فنفس الإيجاد يخرجه من العدم، فلا يجتمع السلب والإيجاب.

والوجه الثاني عجيب؛ إذ مَن يقول بأنّ الإمكان ليس بعلّة الاحتياج؟ وما هو ربطه بالمقام؟ وقد سلف تحقيق افتقار الممكن في البقاء في محلّه فلاحظ.

وبالجملة: علّية الإمكان للحاجة لا تنافي اشتراط العدم في المفعول، كيف وإيجاد الموجود بوصف كونه موجوداً محال؟ لأنّه من تحصيل الحاصل، مع أنّ الإمكان ثابت له مع وصف الموجودية المذكورة.

وأمّا الوجه الثالث، فإن تمّ فهو نقض على مقلدي الأشعري وغيرهم، كما أفاد المستدلّ.

وأمّا الوجه الرابع، فقد ظهر جوابه من جواب الثاني.

وبالجملة: الدليل المتقدّم لا ينافي احتياج الممكن في بقائه حتى يلزم من إثباته بطلانه.

وأمّا الوجه الأخير فجوابه: إنّ الممكن ما لا يقتضي الوجود ولا العدم بحسب ذاته عند العقل، وأمّا بحسب الخارج فإن تحقّق مؤثّره فهو موجود وإلاّ فهو معدوم، فالإعدام غير الإيجاد؛ إذ الثاني أمر واقعي خارجي؛ ولذا لا يمكن تعلّقه بالموجود كما دريت، وأمّا الإعدام فهو أمر عقلي محض، وهو في الخارج عبارة عن عدم الإيجاد، فلا معنى للسؤال عن أنّ إعدام الممكن حال وجوده أو حال عدمه؟ حتى يلزم من الشق الثاني تحصيل الحاصل كما قصده المُورِد، بل هو عدم فعل المؤثّر، فلا تأثير ولا تأثّر.

وبالجملة: عدم المعلول من جهة عدم الإيجاد لكن بالاستناد العقلي، لا الخارجي كما في الإيجاد، فالموردان مختلفان فلا معنى للنقض، فافهم.

فإذن، تحصّل أنّ العقل حاكم والحس شاهد، بأنّه يشترط في الفعل الاختياري تقدّم العدم عليه لا تقدّماً رتبياً وحده كما زعمه السبزواري (1) ، بل تقدّماً فكياً واقعياً لا يجامع المتقدّم المتأخّر أصلاً.

نعم، إنّ صاحب الأسفار عقد باباً في الأمور العامّة من كتاب أسفاره (2) ، وأورد فيه ثمانية أوجه على عدم اشتراط العدم في الفعل، وأصرّ على دلالتها على مطلوبه، لكن يظهر من كلامه

____________________

(1) الأسفار 2 / 390، الحاشية.

(2) الأسفار 2 / 383.


في أَوّل هذا الباب، أنّه كان حين تقرير الوجوه المذكورة وإيرادها ساخطاً على المتكلّمين المخالفين له، ولأقرانه في هذا الباب، وكأنّ هذا السخط أوجب انحرافه عن جادة الاعتدال؛ فلذا لم يُصب في شيء من كلماته، حيث إنّ الوجوه المذكورة كلها ضعيفة سخيفة، بل بعضها غير مربوط بالمقام، وبعضها إن تمّ لتمّ في خصوص العلّة الموجبة دون الفاعل المختار.

ولذا علّق السبزواري على أصل عنوان الباب: وكفى في إبطاله - أي إبطال تقدّم العدم على الفعل - لزوم تخلّف المعلول عن العلّة التامّة، ولكنّنا برهنا على اختياره تعالى، فلا ربط للبحث المذكور بالمقام.

وحيث إنّ ذِكر تلك الوجوه الثمانية وإبطالها يفيء إلى التطويل المملّ، تركناها وأهملنا إيرادها، والمنصف الفطِن إذا لاحظها بدقّة يعرف وجه الخلل فيها، والله الهادي.

ولنا دليل ثانٍ على حدوث ما سوى الله من الموجودات، وهو ما برهنّا عليه من حدوث إرادته تعالى، فإنّ الأشياء مسبّبة عن إرادة الله تعالى اتّفاقاً، ومن الضروري تأخّر المعلول عن العلّة وتقدّمها عليه، فإذا ثبت حدوث العلّة كان المعلول أَولى بالحدوث بالضرورة، فالأشياء بأسرها حادثة لا محالة، ومرجّح الإحداث والإرادة علمه تعالى بالأصلح، وكيفية قدرته أي كونه تعالى بحيث له أن يفعل وله أن يفعل.

لا يقال: الثابت ممّا تقدّم هو حدوث الإرادة الشخصية لا النوعية، فيمكن قِدمها بتعاقب أفرادها بلا انقطاع من الطرف الأَوّل، كما لا انقطاع لها من الجانب الآخر اتّفاقاً.

قلت: إذا كان كلّ فرد حادثاً لكان الجميع حادثاً بحكم الحدس القطعي، وهذا نظير ما ذكروه في برهان الحيثيات الدال على إبطال التسلسل، فلاحظ.

قال السيد الداماد في محكي القبسات (1) : والقانون الضابط أنّ الحكم المستوعب الشمولي لكلّ واحد واحد، إذا صحّ على جميع تقادير الوجود لكلّ من الآحاد مطلقاً، منفرداً كان عن غيره، أو ملحوظاً على الاجتماع، كالحكم بالإمكان على كلّ ممكن، كان ينسحب ذيله على المجموع الجملي أيضاً من غير امتراء، وإن اختصّ بكلّ واحد واحد بشرط الانفراد، كان حكم الجملة غير حكم الآحاد (كالحكم على كل إنسان بإشباع رغيف إيّاه).

أقول: والمقام من قبيل الأَوّل كما لا يخفى، فحدوث إرادته تعالى كما يترتّب عليها اختياره تعالى، كذا يترتّب عليها حدوث العالَم، فتدبّر.

____________________

(1) شرح المنظومة / 130.


النقل والحدوث

قد قضى العقل بحدوث الممكنات قاطبةً، وأنّ كلّ ممكن موجود لابدّ من مسبوقيّته بالعدم غير المجامع لوجوده، وأمّا الشرع فهو أيضاً كذلك، ودلالته عليه من وجوه:

الأَوّل: دعوى إجماع الأنبياء والأوصياء عليه، كما عن السيد الداماد قدّس سره في قبساته (1) ، وهو الظاهر من صاحب الأسفار أيضاً.

أقول: وهي محتاجة إلى علم الغيب؛ إذ لا طريق لنا إلى نبيّاً من الأنبياء (سلام الله عليهم) قال بحدوث العالَم بالمعنى المتنازع فيه، فضلاً عن إحراز اتّفاق جميعهم على ذلك، مع أنّه إن تمّ لدلّ على نفي العقول أيضاً، ولا يلتزم به مدّعي الإجماع نفسه.

الثاني: إجماع المِلل الأربع عليه، وهم اليهود والنصارى والمجوس والمسلمون، ادّعاه جمع من المتكلّمين، كالشهرستاني في كتاب نهاية الإقدام، وصحّحه المحقّق الطوسي (2) ، وادّعاه أيضاً العلاّمة الحلي قدّس سره لكن على حدوث الأجسام فقط (3) إلاّ أن يقال: العقول غير ثابتة، أو غير ممكنة عند الملّيين، وحدوث الأجسام هو حدوث العالَم، وممّن ادّعاه أيضاً العلاّمة المجلسي، وكذلك في المواقف وشرحها (4) ، والإصبهاني في شرح طوالع الأنوار للبيضاوي (المسمّى بمطالع الأنظار) وكذا غيرهم.

لكن الجزم بهذه النسبة مشكل، بل غير ممكن، فإنّ المنقول عن اليهود أنّ الواجب في الجهة كبقية الأجسام، وهو مماس للصفحة العليا من العرش، ويجوز عليه الحركة والانتقال وتبدّل الجهات (5)، أَليس هذا التزاماً بقِدم الجهة والعرش؟ وهذا هو مذهب محمد بن كرام من أهل السُنة بعينه.

وأمّا النصارى فقولهم بالقدماء الثلاثة مشهور (6) .

وأمّا المجوس فمنهم مَن قال بالقدماء الخمسة، وهي: النفس، والخلأ، والزمان، والهيولى، والواجب، واختاره ابن زكريا الرازي، ومنهم مَن قال بقِدم النور والظلمة، ومنهم مَن قال بقِدم الباري والشيطان، ومنهم مَن قال بقِدم الكواكب السبعة، ومنهم مَن قال بأزلية الطبائع

____________________

(1) البحار 14 / 49 الطبعة القديمة.

(2) المصدر نفسه.

(3) شرح التجريد / 100.

(4) شرح المواقف 2 / 490.

(5) شرح المواقف 3 / 16.

(6) لاحظ الفصل في المِلل 1 / 48.


الأربعة (1) ... إلى غير ذلك من الخرافات، فأين إجماع المِلل؟ إلاّ أن يقال: إنّهم اتّفقوا على حدوث الأفلاك والعنصر، وهذا أيضاً غير معلوم.

الثالث: الضرورة الدينية على حدوث ما سوى الله وصفاته، كما نقله المجلسي قدّس سره عن بعضهم (2) .

أقول: الأشاعرة وغيرهم قالوا بقِدم صفاته السبع أو الإحدى عشرة، والمعتزلة قالوا بثبوت الأحوال أَزلاً، ولم يقولوا بحدوث جميع الأشياء، فكيف يمكن أن يقال: إنّ القول بقِدم العقول كفر ومخالف للضرورة الدينية دون القول بقِدم الصفات الزائدة؟ فكما أنّ الأشعري يتمحّل بأنّها لا هو ولا غيره، كذلك الفلسفي يقول: إنّ العقول ليست من العالَم، بل هي من شؤون الواجب الوجود، موجودة بوجوده لا بإيجاده، باقية ببقائه لا بإبقائه، كما صرّح به صاحب الأسفار، بل الالتزام بالقول الثاني أهون من الالتزام بالقول الأَوّل بكثير، وإن كان كلاهما ممّا لا يرجع إلى محصّل.

وأمّا المجسّمة والمشبّهة فحالهما أظهر من أن يخفى، فقولهم: بأنّ الله جالس على العرش في جهة الفوق يستلزم قِدم العرش والجهة، وقد مرّ عن بعض الحنابلة القول بقِدم جلد القرآن، وقال السيد الرازي في كتابه تبصرة العوام: إنّ أهل بخارى يقولون بقِدم الإيمان، وأهل سمرقند يقولون بقِدم الهداية، فأين الضرورة الدينية، وأين إجماع المسلمين؟ اللهم إلاّ على بعض الأجسام.

نعم الذين يقولون بحدوث تمام العالَم وجميع ما سوى الله هم الطائفة الإمامية - رضوان الله عليهم - فإنّهم لا يقولون بقِدم شيء سوى ذات الواجب الوجود، المستجمع للصفات الكمالية، التي هي عين ذاته، ولكن لا ينبغي لأحد أن يدّعي الضرورة المذهبية على حدوث العالَم؛ إذ معنى الضرورة وكون الشيء ضرورياً، هو كونه معروفاً معلوماً عند جميع أهل ذلك المذهب أو معظمهم، بحيث صار جزءً له، وهذا مثل عصمة الأئمة، ووجوب الخمس، وجواز المتعة، واستحباب القنوت في الصلاة، ونحو ذلك في مذهب الإمامية.

ومن المعلوم أنّ حدوث العالَم ليس بهذه المرتبة من الاشتهار والعرفان، بل لا يحسن دعوى إجماع العلماء الإمامية أيضاً على ذلك؛ لأنّ الإجماع الذي هو دليل مستقلّ في قبال الأدلة الثلاثة، هو الإجماع التعبّدي الذي لا يستند المجمعون إلى شيء آخر من الأدلة، وإلاّ لم يكن الإجماع بدليل مستقلّ، بل لابدّ من النظر إلى نفس ذلك المستند كما قُرّر في أُصول

____________________

(1) الفصل 1 / 34 - 35.

(2) السماء والعالَم / 49. الطبعة القديمة.


الفقه، ومن المعلوم أنّ إجماع الإمامية على ذلك، إنّما هو من جهة الأدلّة العقلية التي ذكرنا بعضها، ومن جهة الأدلّة النقلية من الكتاب والسُنة، ولا أقل من احتمال ذلك، فلا ينهض الإجماع حجّة على المقام.

وأمّا تكفير مَن قال بقِدم العالَم، وأنّه في حكم باقي الكفّار، كما عن العلاّمة الحلّي وغيره، فهو محل نظر، قال الأَوّل في محكي كلامه (1) : مَن اعتقد قِدم العالَم فهو كافر بلا خلاف؛ لأنّ الفارق بين المسلم والكافر ذلك، وحكمه حكم باقي الكفّار بالإجماع. انتهى.

أقول: الفارق بينهما أُمور كثيرة غير هذا، ودعوى الإجماع على كفره عندي غير ثابتة ولا حجّية فيه.

وبالجملة: أنّ الممكنات بأسرها حادثة عقلاً وشرعاً، كتاباً وسنّةً، غير أنّ مَن أنكر حدوث بعضها لشبهة فهو لا يخرج عن الإسلام، فافهم.

الرابع: القرآن الكريم فإنّه يدلّ على حدوث السماوات والأرض، والآيات الدالة على ذلك كثيرة جدّاً، فإنّ الخَلق لا يعقل إلاّ في المسبوق بالعدم كما مرّ، وأمّا دلالته على حدوث ما سوى الله جميعاً فبآيات نذكر بعضها:

1 - ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) (2) .

2 - ( وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ) (3) .

3 - ( خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) (4) .

4 - ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (5) ... إلى غير ذلك.

الخامس: السُنة، ونقلها يستوجب وضع كتاب مستقل، وهي قطعية بمجموعها دلالةً وسنداً (6) ، وقد نقل أكثرها العلاّمة المجلسي قدّس سره في السماء والعالَم من بحاره شكر الله مساعيه الجميلة، والإنصاف أنّه لو لم يكن في المقام إلاّ الأخبار الواردة في حدوث إرادته تعالى - كما مرّت -  لكفت لإثبات المراد.

وأمّا ما ذكره اللاهيجي، من عدم دلالة الأخبار على حدوث العالم بالمعنى الذي يقوله المتكلّمون، بل على مطلق الحدوث الصادق على الحدوث الذاتي كما يقوله الفلاسفة، فمن

____________________

(1) السماء والعالَم / 49.                               (2) غافر 40 / 62.

(3) الذاريات 51 / 49.                               (4) الأنعام 6 / 101.

(5) القمر 54 / 49.

(6) نعم لم أجد عاجلاً ما هو المشهور: (كان الله ولم يكن معه شيء) لكن يوجد ما هو قريب منه لفظاً.


أضعف الكلام وأسخف القول، فلا يستحق الاعتناء.

فتحصّل أنّ العقل والنقل متّفقان على مسبوقية جميع الموجودات الممكنة بالعدم، ومن هنا صحّ أن يقال: كلّ ما ثبت قِدمه لزم دوامه ولا يمكن فناؤه كما لا يخفى؛ إذ الممكن القديم لا يمكن صدوره من المختار، لكن لا لأجل أنّ قصده لا يدعو إلى الموجود كما قاله شركاء الفن؛ إذ هو غير جارٍ في حقّ القديم كما مرّ، بل لِما عرفت من أنّ إيجاد الممكن موقوف على عدمه، فتدبّر.

وأمّا ما ذكره السيد الداماد من الحدوث الدهري، فهو غير صحيح عندي في نفسه، والمقام لا يسع التعرّض له.

عدّة مطالب جليلة

الأَوّل: في أَوّل ما خلقه الله، وأنّه ما هو؟

قال الفلاسفة: إنّه العقل الأَوّل (1) واستدلوا عليه بوجوه:

1 - من طريق النقل والشريعة، فعن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله (أَوّل ما خلق الله العقل).

2 - من جهة قاعدة الممكن الأشرف؛ إذ لا أشرف من العقل.

3 - من جهة قاعدة امتناع صدور الكثير من الواحد.

4 - من مسلك الملاءمة والمناسبة الذاتية بين المقتضي والمقتضى، فيجب أن يكون المناسبة الذاتية الحاصلة للعقل الأَوّل والمعلول الأقدم، أتمّ وأكمل ما يتصوّر من المناسبات بالقياس إلى أي ممكن فُرض بعده، فإذن، إن هو إلاّ أكرم العقول القادسة.

5 - من جهة إخراج ما بالقوّة إلى ما بالفعل للنفوس، في باب كمالاتها العلمية والعملية، فإنّ مخرِج ذواتها من القوّة إلى الفعل ليس ذواتها لوجوه كثيرة، فلابدّ من مَعلَم قدسي ومصوّر عقلي متوسّط بين الفيّاض الحق والنفوس المستفيضة، ويجب أن يكون بريئاً من القوّة والاستعداد والانفعال؛ وإلاّ لاحتاج إلى مكمّل آخر يخرجه من القوّة إلى الكمال، فيتسلسل إلى غير ذلك من المناهج التي عدّها في الأسفار إلى ثلاثة عشر منهجاً.

أقول: الوجه الثاني موقوف على الوجه الثالث الباطل عندنا بما تقدّم، والرابع استحساني محض فهو ينفع مقام الخطابة، إلاّ أن يرجع إلى الوجه الثاني فيكون باطلاً، وكذا الخامس فإنّه تلفيق محض لو لم يرجع إلى الوجه المذكور، بل أكثر الوجوه راجعة إليه.

____________________

(1) ربّما يظهر من صاحب الأسفار، أنّه الوجود المنبسط دون العقل الأَوّل، ولكن أُورد عليه بأنّه الصدور، فالعقل الأَوّل هو الصادر الأَوّل، نعم هو مسبوق بالصدور.


وبالجملة: هذه الوجوه العقلية التي ذكرها صاحب الأسفار، ممّا لا يرجع إلى أساس متين وميزان عقلي؛ لذا أهملنا تفصيلها وبيانها، فالإنصاف أنّه لا دليل على أصل وجود العقول فضلاً عن كونها أَوّل الموجودات، بل لو كان حقيقة العقول مناقضةً للحدوث لكان عدمها مقطوعاً به؛ لِما عرفت من قطعية حدوث العالَم، والقول بأنّها ليست من العالم من أرذل الكلام، فإنّ الموجود إمّا ممكن، وإمّا واجب بالضرورة، ولا شق ثالث لهما، فهي إن كانت واجبةً فتدفعها أدلة التوحيد، وإن كانت ممكنةً فهي حادثة كبقية أجزاء العالَم الإمكاني، فهذا التمجمج غير نافع.

وأمّا الوجه الأَوّل فهو وإن كان مشهوراً في الألسن بل في گوهر مراد (1)، أنّه ورد في روايات الأئمة المعصومين عليهم‌السلام ، لكنّه لا أصل له، ولم نجد الرواية من طرقنا، وهذا العلاّمة المجلسي يعترف أيضاً في كتبه - كالبحار ومرآة العقول - بعدم وجدانه إيّاها، نعم رواها في عوالي اللآلي (2) مرسلاً عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولعلّه أخذه من العامّة مع أنّه مرسل لا اعتداد به، وقد طعن في هذا الكتاب مَن لم يكن دأبه الطعن في الروايات المجهولة سنداً.

نعم في الكافي (3) بإسناده عن سماعة بن مهران عن الصادق عليه‌السلام في حديث: (أنّ الله عزّ وجل خلق العقل، وهو أَوّل خَلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره... إلخ)، بل في البحار (4) أنّ له أسانيد كثيرة، لكنّه أيضاً غير مفيد؛ إذ لا دلالة له على تقدّم خِلقة العقل على جميع الأشياء، وسيأتي أنّ جملةً من الأخبار تدلّ على أنّ أَوّل ما خلق الله هو الماء، مع أنّه ليس بروحاني.

بقي هنا ما نقل عن ابن طاووس في كتابه سعد السعود (5) من قوله: وكان المسلمون قد رووا أَوّل ما خلق الله العقل فقال له: أقبل، فأقبل، وقال: أدبر، فأدبر... الخ.

أقول: ولعلّه أراد العامّة أو اشتبه في عبارة الرواية، وإلاّ فهذا المضمون غير ثابت في رواياتنا، وفيها: (لمّا خلق الله العقل)، نعم احتمل أنّ بعض المؤلّفين ادّعى وجوده في تفسير علي بن إبراهيم، ولكنّني لم أجده فيه، ولا عِبرة به إن وجد، فإنّ التفسير المذكور غير معتبر.

وممّا يدلّ على أنّ العقل ليس أَوّل ما خلق الله ما في غير واحد من الروايات: (ما خلقت خلقاً أحبّ منك)، فإنّ الظاهر أنّ النفي راجع إلى الأَحبيّة وحدها دون الخِلقة أيضاً، وإلاّ لا تكريم فيه للعقل، والحال أنّ الله في مقام تكريمه.

____________________

(1) گوهر مراد / 212.

(2) بحار الأنوار 1 / 97.

(3) الكافي 1 / 21.

(4) السماء والعالَم / 64.

(5) سعد السعود / 202، طبع النجف.


وأمّا استنباط أَوّل المخلوقات من الأخبار، فهو لا يخلو من صعوبة، فإنّها مختلفة المضامين في بدو النظر، ففي بعضها أنّه الماء، وفي بعضها أنّه النور، وفي بعضها أنوار النبي الأكرم، والأئمة من ذريته (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم)، وفي بعضها أنّه العرش، وفي بعضها نور النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله وحده.

قال العلاّمة المجلسي قدّس سره (1) وفي بعض الأخبار العامية عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : (أَوّل ما خلق روحي)، وعن تفسير علي بن إبراهيم (2) عن الصادق عليه‌السلام : (إنّ أوّل ما خلق الله القلم)، وعن ابن الأثير في الكامل: صحّ في الخبر عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيما رواه عنه عبادة بن الصامت أنّه سمعه يقول: (إنّ أَوّل ما خلق القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن) (3) .

أقول: والأخير معارض بما أورده في تفسير البرهان حول قوله تعالى: ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) (4) ، من الروايات فلاحظ.

وأمّا الأقوال فقيل: إنّه الماء، وقيل: إنّه الهواء، وقيل: إنّه النار، وقيل: إنّه البخار، وقيل: إنّه النور والظلمة، وقيل: إنّه الأجزاء الصغار، وقيل: إنّه المكان.

وعن التوراة: أنّ مبدأ الخلق جوهر خَلَقه الله، ثمّ نظر إليه نظر الهيبة، فذابت أجزاؤه فصارت ماءً.

أقول: ولعلّ الأظهر في المقام أنّه نور النبي وأنوار الأئمة (سلام الله عليهم)، وفي جملة من الأخبار تقدّم الخمسة الطيبة على غيرهم، والصحيح هو التوقّف عن الحكم فيه.

الثاني: فناء العالَم

إنّ فناء العالَم بأسره ممكن عندنا، وأمّا عند الفلاسفة فلا، فإنّ صدوره عن الواجب واجب الفيض، والفيض عنه لازم ودائم، بل العقول موجودة بوجوده تعالى عندهم لا بإيجاده.

وبالجملة: علّة العالم نفس ذاته، وتخلّف المعلول عن العلة محال، فلا يمكن إعدام العالَم رأساً.

ثمّ لا يخفى أنّه لو أمكن صدور الممكن القديم عنه تعالى، لحكمنا أيضاً بإمكان فنائه؛ إذ مجرّد القِدم لا يستلزم البقاء وامتناع الفناء، بل المستلزم له صدور الشيء ولو كان حادثاً عن علة موجِبة قديمة، وهذا ظاهر.

____________________

(1) السماء والعالَم / 64. الطبعة القديمة.

(2) والرواية صحيحة سنداً كما مرّ في البحث عن اللوح، لكنّها في تفسير القمي، وهو غير معتبر كما ذكرنا بعد ذلك في بحوث في علم الرجال.

(3) السماء والعالَم / 65.                               (4) القلم 68 / 1.


وأمّا ما عن الكرامية، من تخيّل امتناع فناء الأجسام مع حدوثها وصدورها عن المختار، فهو فاسد جداً.

الثالث: في تعدّد العوالم

والروايات فيه كثيرة نذكر بعضها:

1 - مرسلة عبد الخالق عن الصادق عليه‌السلام (1) قال: (إنّ لله عزّ وجل اثني عشر ألف عالَم، كلّ عالَم منهم أكبر من سبع سماوات وسبع أرضين، ما يرى عالَم منهم أنّ لله عزّ وجل عالماً غيرهم، وإنّي الحجّة عليهم).

2 - رواية جابر بن يزيد عن الباقر عليه‌السلام قال: سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن قول الله عزّ وجل: ( أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) (2) فقال: (يا جابر، تأويل ذلك: أنّ الله إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالَم، وسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، جدّد الله عالماً (3) غير هذا العالم، وجدّد عالماً من غير فحولة ولا إناث يعبدونه، وخلق لهم أرضاً غير هذه الأرض تحملهم، وسماءً غير هذه السماء تظلّهم، ولعلّك ترى أنّ الله عزّ وجل إنّما خلق هذا العالم الواحد، أو ترى أنّ الله عزّ وجل لم يخلق بشراً غيركم، بلى والله لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالَم، وألف ألف (ميليون واحد) آدم، وأنت في آخر تلك العوالم وأُولئك الآدميين).

أقول: كوننا في آخر تلك العوالم لا ينافي وجود عوالم أُخرى بعدنا كما هو ظاهر، فلا تنافي بين صدر الرواية وذيلها.

3 - رواية محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول: (لقد خلق الله عزّ وجل في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين، ليس هم من وُلد آدم، خلقهم من أديم الأرض، فأسكنهم فيها واحداً بعد واحد مع عالمه، ثمّ خلق الله عزّ وجل آدم أبا البشر وخلق ذرّيته منه، ولا والله ما خلت الجنّة من أرواح المؤمنين منذ خلقها، ولا خلت النار من أرواح الكفّار والعصاة منذ خلقها عزّ وجل، لعلّكم ترون أنّه إذا كان يوم القيامة، وصيّر الله أبدان أهل الجنة مع أرواحهم في الجنة، وصيّر أبدان أهل النار مع أرواحهم في النار، أنّ الله تبارك وتعالى لا يعبد في بلاده؟ ولا يخلق خَلقاً يعبدونه ويوحّدونه؟ بلى والله ليخلقنّ الله خَلقاً من غير فحولة ولا إناث، يعبدونه ويوحّدونه ويعظّمونه، ويخلق لهم أرضاً تحملهم وسماء تظلهم... إلخ).

____________________

(1) السماء والعالَم / 66. الطبعة القديمة المجلّد الرابع عشر.

(2) ق50 / 15.

(3) وفي نسخة: خلقاً.


4 - مرسلة ابن أبي عمير (1) عن الصادق عليه‌السلام يرفع الحديث إلى الحسن بن علي عليه‌السلام أنّه قال: (إنّ لله مدينتين إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب... وفيها (2) سبعون ألف ألف لغةً، يتكلّم كل لغة بخلاف لغة صاحبه، وأنا أعرف جميع اللغات وما فيها وما بينهما، وما عليها حجّة غيري والحسين أخي).

5 - رواية عبد الصمد قال: دخل رجل على علي بن الحسين عليه‌السلام فقال له علي بن الحسين: (مَن أنت؟ قال: أنا منجّم، قال: فأنت عرّاف؟ قال: فنظر إليه ثمّ قال: هل أَدلّك على رجل قد مرّ مذ دخلت علينا في أربع عشر عالَماً، كل عالَم أكبر من الدنيا ثلاث مرّات لم يتحرّك من مكانه؟ قال: مَن هو؟ قال: أنا وإن شئت أنبأتك بما أكلت وما ادّخرت في بيتك).

والروايات غير المعتبرة سنداً كثيرة في ذلك، ولعلّه المراد بقوله تعالى: ( الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (3) .

إلى هنا تمّ الجزء الأوّل وِفق تقسيم المؤلّف وختمه بعبارة:

هذا تمام كلامنا في هذا المقام، وبه نختم الجزء الأَوّل من كتابنا (صراط الحق)، ونسأل الله التوفيق لطبع بقية الأجزاء، والقبول بفضله وكرمه، وأن يجعله نافعاً للمسترشدين، وهدايةً للطالبين بحقّ محمد وآله عليهم‌السلام أفضل العالمين، وله الحمد أبد الآبدين.

وقد وقع الفراغ من تبييضه بيد مؤلّفه الفقير إلى رحمة ربّه، الغني محمد آصف المحسني، ليلة الاثنين من سادس شهر شوال سنة 1384 هـ في النجف الأشرف، في جوار أمير المؤمنين وسيّد الوصيين (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله).

استدراك

ذكرنا في آخر هذا الجزء بعض الروايات الدالة على تعدّد الأسباب واتّساع العالَم.

وفيما يلي نبيّن بعض الشيء عن هذه المسألة من وجهة نظر علم الهيئة الحديث، فنقول:

شخّص عالم النجوم هرشل بمنظاره، أنّ المجرّة ليست سحاباً عادياً، وحزاماً من الغيوم الغازية المتناثرة في الفضاء اللامتناهي، بل هي أكداس من النجوم تعتبر شمسنا مع منظومتها إحدى نجومها المتوسطة، وتفصلها عن مركز المجرّة 30 ألف سَنة ضوئية، وقد قدّر عدد الكواكب داخل هذه المجرّة بمئتي ألف مليون كوكب.

____________________

(1) السماء والعالَم / 48.

(2) أي المدينة.

(3) الفاتحة 1 / 2.


وأظهرت الدراسات التي أُجريت بواسطة المنظار الفلكي بدائرة الأرصاد الجوية في مانت ويلسن بكاليفورنيا، أنّ المسافة بين أقرب المجرّات إلى الكرة الأرضية ما بين 680.000 إلى 500.000.000 سنة ضوئية.

والمجرّات متناثرة في الفضاء بنسق واحد، والمسافة بين مجرّتين منها تقرّب من 200.000 سنة ضوئية، ويشتمل أُفق العالم إلى الحدّ الذي يمكن أن يرى على 100.000.000 مجرّة مستقلّة.

كان هذا جزءً من مدى اتّساع العالم، وترامي أطرافه، ممّا يعكس عظمة الخالق العليم وقدرته وحكمته، ولا يخفى أنّ سرعة الضوء في الثانية الواحدة هي 300.000 كيلومتر تقريباً، ثمّ بعد ذلك جاء دور تلسكوب هابل فأُثبتت عدد المجرّات المكتشفة لحدّ الآن (سنة طبع الكتاب) إلى 125.000.000.000!!

نِعمَ الحمد لله ربّ العالمين.


مصادر التأليف

1 - إحقاق الحقّ

2 - الأسفار

3 - أُصول الكافي

4 - أنوار التوحيد

5 - أوائل المقالات

6 - بحار الأنوار

7 - تفسير البرهان

8 - تفسير البيان لسيدنا الأستاذ

9 - تفسير الرازي

10 - تفسير الصافي

11 - تفسير الميزان

12 - توحيد الصدوق

13 - حقّ اليقين

14 - درر الفوائد

15 - الدين والإسلام

16 - رجال المامقاني

17 - الرحلة المدرسية

18 - رسائل الشيخ

19 - روضة المسائل

20 - رهبر خرد

21 - شرح الباب الحادي عشر

22 - شرح التجريد للعلاّمة

23 - شرح قواعد العقائد

24 - شرح القوشجي

25 - شرح المشاعر وشرح العرشية

26 - شرح المنظومة

27 - شرح المواقف

28 - شمع اليقين

29 - الشوارق

30 - فصوف الفارابي

31 - فصول الأُصول

32 - فلسفتنا

33 - الفهرست لابن النديم

34 - فيلسوف نماها

35 - قوانين الأُصول

36 - كفاية الأُصول

37 - كفاية الموحّدين

38 - گوهر مراد وسرمايه إيمان

39 - مجمع البحرين

40 - مجمع البيان

41 - مختار الصحاح

42 - مطالع الأنظار

43 - المِلل والنِحل

44 - نهاية الدراية

45 - الوافي

46 - وغيرها


فهرس المحتويات

مدخل 10

الفائدة الأُولى: في تعريف علم الكلام، وموضوعه، وغرضه وغيرها 11

الفائدة الثانية: في وضع الكلام 16

الفائدة الثالثة: في بيان الأدلّة 19

بقي هنا بحوث مهمة 23

البحث الأوّل: في عموم اعتبار الإدراكات العقلية: 23

البحث الثاني: في الفرق بين المسائل الضرورية والنظرية: 24

البحث الثالث: في الحجج النقلية 25

تفصيل وتحقيق 26

تتمة 30

البحث الرابع: عمّا ينبغي أن يُجعل خاتمة لهذه الفائدة، وفاتحة لِما يأتي بعدها من المطالب 30

الفائدة الرابعة: في وجوب النظر 32

نقل ونقد 33

تعقيب وتكميل 36

تطبيق 38

الفائدة الخامسة: في جواز التقليد 40

الفائدة السادسة: حول الجاهل القاصر في المعارف الاعتقادية 47

الفائدة السابعة: في الأمر المولوي والإرشادي 52

الفائدة الثامنة: في تقسيم المفهوم 54

الفائدة التاسعة: في خواصّ الواجب الوجود 56

تحليل وتنقيد 66


الموقف الأَوّل: في تحليل نفس المدعى، وأنّه ما هو مقصودهم من نفي الماهية عنه تعالى، وأنّها عين وجوده؟ 66

الموقف الثاني: في صحة تلك الوجوه وسقمها 68

الفائدة العاشرة: في خواصّ الممكن 70

الخاصة الأُولى: عدم اقتضائه الوجود والعدم 70

الشعبة الأُولى: في الأولوية الذاتية 70

الشعبة الثانية: في الأَولوية الغيرية 73

الخاصّة الثانية: حاجة الممكن 75

نقل وإبطال 77

الخاصية الثالثة: حاجة الممكن بقاءً 78

تحليل وتسجيل 79

تكميل وتطبيق 79

هداية 80

نكتة 80

مسألة 81

الخاصّة الرابعة: أنّ كلّ ممكن زوج تركيبي من الوجود والماهية 82

الفائدة الحادية عشرة: في امتناع الدور والتسلسل 83

تتميم وتقسيم 85

مقاصد الكتاب 87

المقصد الأَوّل: الواجب لذاته 89

مَن هم المخالفون في هذا المقصد؟ وما هو اعتقادهم؟ 94

تفتيش وتفنيد 95

النظام الكامل 102

يقتضي على علّية المادة 102

ما يقول المادّيون عن هذا النظام الأجمل؟ 104

خاتمة 108

المقصد الثاني: تمهيد في صفاته الثبوتية 110

الفصل الأَوّل: في قدرته تعالى 115


الناحية الأُولى: في إثبات أصل القدرة 115

الناحية الثانية: في كيفية القدرة وتفسيرها 116

تعقيب تحصيلي 119

خلاصة المقال في تنقيح المقام 130

تنبيه 130

الناحية الثالثة: في عموم قدرته 131

مطالب مهمّة 133

المطلب الأَوّل: 133

تنوير عقلي 136

المطلب الثاني: 140

المطلب الثالث: 141

الفصل الثاني: في علمه تعالى 144

الجهة الأُولى: في إثبات أصل علمه تعالى 144

وهم ودفع 144

الجهة الثانية: في بيان عموم علمه 147

هداية 152

الجهة الثالثة: في إبطال الآراء المنحرفة 157

الجهة الرابعة: في بيان العلم الإجمالي للحكماء 168

الجهة الخامسة: في العلم التفصيلي للحكماء 172

نقل ونقد 174

الجهة السادسة: حول البداء 177

الجهة السابعة: مقدوراته أقل من معلوماته تعالى 180

الجهة الثامنة: جملة من الآيات في العلم الحادث له تعالى 181

الفصل الثالث: في سمعه وبصره تعالى 183

المورد الأَوّل: في أصل ثبوت سمعه وبصره شرعاً وعقلاً 183

المورد الثاني: في تفسير سمعه وبصره 184

المورد الثالث: في تخصيص السمع والبصر بالذكر شرعاً 186

المورد الرابع: الروايات الواردة في السمع والبصر 186


الفصل الرابع: إنّه تعالى حيّ وأقسام الحياة 189

إلحاق وإتمام 190

الموقف الثاني: في صفاته المدحيّة 193

الموقف الثالث: في صفاته الفعلية 195

الفريدة الأُولى: في إرادته تعالى 198

الناحية الأُولى: الإرادة بمعنى القصد 198

الناحية الثانية: في إثبات إرادته تعالى 199

الناحية الثالثة: جريان التعبّد في الإرادة 199

الناحية الرابعة: في بيان الأقوال في الإرادة 199

كيف يؤثّر العلم؟ 203

إزاحة وإنارة 209

تتمة 210

الفريدة الثانية: في أسباب فعله تعالى 212

تعقيب وتحصيل 214

المسألة الأُولى: في اللوح 215

تتمّة 216

تنبيه 217

المسألة الثانية: في فرق المشيئة والإرادة 219

المسألة الثالثة: في الكراهة الاختيار 221

المسألة الرابعة: في الإرادة التكوينية والتشريعية 221

المسألة الخامسة: في القدر 222

المسألة السادسة: في القضاء 225

نكتة 226

دقيقة 226

خاتمة حول آراء الناس في القدر والقضاء 227

الفريدة الثالثة: في حكمته 230

تفريع وتكميل: في أدلّة النظام العقلي الحاضر 233

مسألة: في ترجيح أحد المتساويين على الآخر 234


الفريدة الرابعة: في تكلّمه 239

المقام الأَوّل: في حدوثه 241

المقام الثاني: في الكلام النفسي 244

أمّا الجهة الأُولى: 244

تعقيب وتحقيق 247

وأمّا الجهة الثانية 249

المقام الثالث: في إطلاق الكلام على القرآن 251

الفريدة الخامسة: في صدقه تعالى 253

الفريدة السادسة: في رحمته 259

الفريدة السابعة: في أنّه جبّار وقهّار 264

الفريدة الثامنة: في رضائه وسخطه 266

الفريدة التاسعة: في جملة من صفاته الفعلية الأُخر 268

خاتمة: في حدوث أفعاله 271

المقام الأَوّل: في نقل الأقوال 271

المقام الثاني: فيما استدلّ به لقِدم العالَم 272

تحقيق وتفنيد 276

أدلّة حدوث العالم 277

إنارة عقليّة 278

النقل والحدوث 282

الأَوّل: في أَوّل ما خلقه الله، وأنّه ما هو؟ 285

الثاني: فناء العالَم 287

الثالث: في تعدّد العوالم 288

استدراك 289

مصادر التأليف 291

فهرس المحتويات 292