باسمه تعالى
الفِرقُ والمذاهب الإسلاميّة تجمعُ - مع اختلافٍ طفيف بينها - على حتميّة انتصار قوى الحق والعدالة والسلام في صراعها مع قوى الباطل والظلم والعدوان في نهاية المطاف، وتؤمن بغدٍ يشعّ فيه نور الإسلام على جميع ربوع المعمورة، وتسود فيه القيَم الإنسانيّة سيادة تامّة، ويتحقّق ظهور المدينة الفاضلة والمجتمع الأمثل.
المسلمون يُجمعون أيضاً: أنّ هذه الآمال الإنسانيّة الكبيرة ستتحقّق على يد شخصيّة مقدّسة، أطلَقت عليها الروايات الإسلاميّة اسم (المهدي).
هذه الفكرة تنطلق أساساً من المفاهيم القرآنيّة التي تؤكّد على حتميّة انتصار رسالة السماء
( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة /33، الصف/9) وحتميّة انتصار الصالحين ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (الأنبياء /105)، وحتميّة انهزام قوى الظلم والطغيان ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (القصص/ 5 و6)، وحتميّة بزوغ فجر غد مشرق سعيد على البشريّة ( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (الأعراف/128).
هذه الفكرة تنطوي قبل كلّ شيء على نظرة تفاؤليّة تجاه المسيرة العامّة للنظام الطبيعي وتجاه مسيرة التاريخ، وتبعث الأمل في المستقبل، وتزيل كلّ النظرات التشاؤميّة بالنسبة لمَا تنتظره البشريّة في آخر تطلّعاتها.
الأمل في تحقّق هذا الهدف الإنساني العالَمي، وردَ في الروايات الإسلاميّة بعبارة (انتظار الفرج)،
واعتبر الإسلام هذا الانتظار عبادة من أفضل العبادات.
مبدأ انتظار الفرج يمكن استنباطه من مفهوم قرآني آخر هو (حرمة اليأس من روح الله).
المجموعة المؤمنة بالنصر الإلهي لا تفقد الأمل مهما قَست الظروف، ولا تُسلّم نفسها لليأس والعبث بأي حال من الأحوال.
مفهوم انتظار الفرج وعدم اليأس من روح الله، من المفاهيم الإسلاميّة الشاملة التي لا تختص بفرد معيّن أو جماعة محدّدة، فهو يحمل البشائر البشريّة بأجمعها، ويحمل معه أيضاً صفات محدّدة لهذه البشائر.
انتظار الفرج، والتطلّع إلى مستقبلٍ أفضل على نوعين:
الأوّل: انتظار مُثمر بنّاء يبعث على الالتزام ويمنح القوّة والتحرّك، ومثل هذا الانتظار يمكنه أن يكون نوعاً من العبادة وطريقاً لطلب الحق.
الثاني: انتظار محرّم هدّام يؤدّي إلى الوقوع في الأغلال وإلى شلّ الطاقات، ويمكن اعتباره نوعاً من (الإباحيّة) كما سنوضّح ذلك في آخر هذا البحث.
هذان النوعان من الانتظار ينطلقان من انطباعين مختلفين عن ظهور المهدي الموعود، وهذان الانطباعان بدورهما ناشئان عن رؤيتين متباينتين للتطوّرات والتغيّرات التاريخيّة، من هنا يلزمنا أن نُلقي بعض الضوء على طبيعة مجرى الأحداث التاريخيّة.
شخصيّةُ المجتمع وطبيعته
هل التطوّرات التاريخيّة سلسلة من الأمور الطبيعيّة، أم مجموعة من الأحداث التي تتحكّم فيها الصدفة والاتّفاق؟
الطبيعة خالية طبعاً من الصدفة الواقعيّة، أي خالية من بروز أو حدوث ظاهرة ليست لها علّة، لكنّ الصدفة موجودة بشكلٍ نسبي قطعاً.
لو خرجتَ صباح أحد الأيام من بيتك، وشاهدتَ صديقاً لك لم تراه منذ سنين وهو يمرّ من أمام بيتك، فإنّك ستقول: إنّ هذا اللقاء حدثَ بطريق المصادفة والاتّفاق، لماذا؟
لأنّ طبيعة الخروج من البيت - بشكلٍ عام - لا تستلزم مثل هذا اللقاء، ولو استلزمَ ذلك لالتقيتَ بهذا الصديق كلّ يوم.
نحن إذاً نُطلق اسم (الصدفة) على كلّ ظاهرة لا تنسجم علّتها مع الطبيعة العامّة لعلّة تلك الظاهرة.
ما يحدث بالصدفة لا يخضع لضوابط عامّة، ولا لقوانين علميّة، إذ إنّ القوانين العلميّة تُعبّر عن الأحداث العامّة للطبيعة.
نعود إلى السؤال الذي طرحناه آنفاً.
رُبّ قائلٍ: إنّ أحداث التاريخ هي سلسلة من الصِدَف والاتفاقات، أي أنّها لا تنضبط تحت قاعدة عامّة، هذه المقولة تعني : أنّ المجتمع عبارة عن مجموعة من أفراد ذوي طبائع فرديّة شخصيّة، وما يقوم به هؤلاء الأفراد من نشاطات نابعة من دوافعهم الفرديّة الشخصيّة، يؤدّي إلى سلسلة من المصادفات والاتّفاقات، وهذه بدورها تؤدّي إلى التغييرات التاريخيّة.
هذه نظرة، والنظرة الأخرى، ترى أنّ للمجتمع وجوده وشخصيّته المستقلّة عن الأفراد،
وله مسيرته التي تقتضيها طبيعته وشخصيّته، فشخصيّة المجتمع هي غير شخصيّة الأفراد، والشخصيّة الواقعيّة والحقيقيّة للمجتمع تركيب مكوّن من التفاعل الثقافي للأفراد كسائر التراكيب المشهودة في الطبيعة الحيّة والجامدة.
المجتمع - بناءً على هذا - له طبيعته وقواعده وضوابطه الخاصّة التي تؤطِّر مسيرته، وهذه المسيرة - بكلّ ما فيها من أفعال وردود أفعال - إنّما تقوم على أساس قوانين كليّة عامّة.
لا يمكن أن تكون للتاريخ فلسفة ولا قواعد ولا ضوابط عامّة، ولا بمقدوره أن يكون موضوعاً للفكر وأساساً للدراسة والتذكّر والاعتبار، ما لم يكن للمجتمع شخصيّة مستقلّة وطبيعة خاصّة.
وإن افتقدَ المجتمع هذه الشخصيّة المستقلّة تحوّل التاريخ إلى تعبير عن حياة مجموعة من الأفراد، وفقدَ عطاءه التربوي، وإن كانت في مثل هذا التاريخ عِظة وعبرة اقتصرت العِظة والعِبرة على الحياة الفرديّة، ولا تتعدّاها إلى حياة الشعوب والجماعات.
فَهمُنا لأحداث التاريخ يقوم إذاً على أساس فهمنا لشخصيّة المجتمع وطبيعته.
مسألة (انتظار الفرج) التي نريد معالجتها في هذا البحث دينيّة إسلاميّة، ذات جذور قرآنيّة، إضافة لمَا لها من طابع فلسفي واجتماعي، ينبغي على هذا أن نوضِّح رأي القرآن في المجتمع وأحداثه وتطوّراته قبل البحث في مسألة الانتظار.
ليس هناك شك في أنّ القرآن الكريم يذكر التاريخ على أنّه مصدر للتذكّر والتفكّر ولتلقّي العِبرة والدروس، لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد يدور حول طبيعة النظرة القرآنيّة، في طرح العِبر والدروس من حياة الأفراد أم من حياة الجماعات؟
وإذا كان القرآن يتّجه في سرده للتاريخ إلى حياة الجماعات لا الأفراد، فهل هذا يعني أنّ القرآن يعتبر المجتمع شخصيّة مستقلّة مُدركة ذات قوّة وشعور، ومستقلّة عن حياة الأفراد؟
وإذا كان جواب السؤال الأخير إيجابيّاً، فهل نستطيع أن نستنبط من القرآن الكريم السُنن
والقوانين التي تحكم المجتمعات؟
هذه المواضيع تحتاج إلى دراسات وافية وتتطلّب تدوين رسالات مستقلّة (راجع تفسير الميزان)، الجزء 4 ص 103، الجزء 7 ص 333، الجزء 8 ص 85، الجزء 10 ص 71-73، الجزء 18ص 191.
نستطيع هنا أن نشير بشكلٍ موجَز جدّاً إلى أنّ القرآن ينطلق في قِسم من دروسه وعِبره - على الأقل - من حياة الأُمم والجماعات.
( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (البقرة/134).
القرآن يطرح مِراراً مسألة حياة الأُمم وآجالها فيقول مثلاً:
( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) (الأعراف/34).
القرآن الكريم يرفض بشدّة النظرة العبثيّة إلى التاريخ
ويشدِّد على وجود قواعد ثابتة دائمة لمسيرة الأُمم والجماعات فيقول:
( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) (فاطر/ 43)
القرآن يشير إلى مسألة تربويّة هامّة في حقل القوانين التي تحكم التاريخ، حين يؤكّد أنّ البشريّة هي التي ترسم بيدها مصيرها عن طريق ما تقوم به من أعمال صالحة أم طالحة.
وهذا يعني أنّ النظريّة القرآنيّة تذهب إلى أنّ قوانين المسيرة البشريّة، ما هي إلاّ سلسلة من ردود الفعل لمَا تفعله الأقوام والجماعات.
من هنا نفهم أنّ النظريّة القرآنيّة تؤكّد على وجود قوانين ونواميس كونيّة ثابتة لمسيرة التاريخ، كما تؤكّد في الوقت ذاته على دور الإنسان وحريّته واختياره.
في القرآن الكريم آيات كثيرة بهذا الصدد، نذكر منها على سبيل المثال الآية 11 من سورة الرعد:
( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم )
(الرعد/11).
تفسير تكامل التاريخ
المدرسة الفكريّة التي تنظر إلى المجتمع باعتباره موجوداً ذا شخصيّة مستقلّة وطبيعة خاصّة، لها نظرتها المعيّنة أيضاً إلى تكامل المجتمع، ولها تفسيرها الخاص لطبيعة المسيرة البشريّة ولمسألة التكامل.
مرّ بنا أنّ القرآن الكريم يؤكّد على شخصيّة المجتمع وواقعيّته، كما يؤكّد أيضاً على الاتّجاه الارتقائي التكاملي للمجتمع.
ومن جهةٍ أخرى، نعلم أنّ ثمّة مدارس فكريّة أخرى تذهب أيضاً إلى أنّ مسيرة البشريّة تسير سيراً ارتقائياً تفرضه حتميّة التاريخ.
من هنا كان لزاماً علينا أن نُلقي الضوء على الفَرق بين النظرة القرآنيّة في هذا المجال، ونظرة بعض المدارس الفكريّة الأخرى، وأن نفهم من خلال ذلك دور الإنسان ومسؤوليّته لنستجلي من ذلك كلّه طبيعة (الانتظار الكبير) وكيفيّته.
تكامل التاريخ يمكن تفسيره بطريقتين مختلفتين:
الطريقة الأولى: نُطلق عليها اسم التفسير (الآلي) أو (الديالكتيكي).
والطريقة الأخرى: التفسير (الإنساني) أو (الفطري)، ومن هاتين الطريقتين المتباينتين لتفسير تكامل التاريخ ينبثق اتّجاهان فكريان مختلفان شكلاً وماهية.
نستعرض فيما يلي هاتين الطريقتين بقدر ما يتعلّق الموضوع بمسألة (الانتظار) و (الأمل) بالمستقبل لا أكثر.
الطريقة الديالكتيكيّة أو الآليّة
هذه الطريقة تفسِّر تكامل التاريخ على أساس الصراع بين النقائض، وأولئك الذين يتّخذون من هذه الطريقة وسيلة لتفسير تكامل المسيرة البشريّة لا يقتصرون على التاريخ، بل يفسِّرون كلّ أجزاء الطبيعة على هذا الأساس.
نشير فيما يلي بشكلٍ موجز إلى التفسير الديالكتيكي للطبيعة باعتباره أساساً للتفسير الآلي للتاريخ.
يقوم التفسير الديالكتيكي للطبيعة على الأُسس التالية:
أولاً: الطبيعة في حركة مستمرّة ودائمة، وليس فيها ما هو ساكن وثابت، فالنظرة الصحيحة للطبيعة إذاً هي أن ترى الأشياء في حالة حركة وتغيّر دائمَين، والفِكر هو أيضاً متغيّر باعتباره جزءاً من الطبيعة.
ثانياً: كلّ جزء من أجزاء الطبيعة يتأثّر بأجزاء الطبيعة الأخرى ويؤثّر فيها، فهناك ارتباط عام بين جميع الأجزاء، وعلى هذا فالنظرة إلى الطبيعة لا تكون صحيحة ما لم تدرس جميع الأشياء وهي مرتبطة مع بعضها، لا مفكّكة ومجزّأة.
ثالثاً: الحركة ناشئة عن صراع النقائض، فكما قال (هرقليطس) اليوناني قبل خمس وعشرين قرناً: الصراع أساس كلّ تطوّر.
وصراع النقائض يأتي عن طريق اتّجاه كلّ ظاهرة نحو ضدّها ونقيضها، وهذه الظاهرة تحمل نقيضها معها، فكلّ ظاهرة موجودة ومعدومة في آنٍ واحد؛ لأنّها تحملعوامل عدمها وفنائها معها.
ومع نموّ النقيض يحتدم الصراع بين الظاهرة الأصليّة التي نريد الحفاظ على وضعها ووجودها، وبين نقيضها الذي يريد أن يبدّلها إلى ضدّها.
رابعاً: الصراع بين النقائض داخل الظاهرة يزداد شدّة باستمرار حتى يبلغ ذروته، أي أنّ التغيير الكمّي يزداد ليبلغ أقصى حدّ ممكن، وحينئذٍ تحدث طفرة ثوريّة في التغييرات الكميّة لتتحوّل إلى تغييرات كيفيّة، وينتهي الصراع لصالح القوى الجديدة، وتندحر القوى القديمة ويتبدّل الشيء بأجمعه إلى نقيضه.
فهذه الطريقة لفهم الوجود تتلخّص إذاً في افتراض قضيّة أولى وجعلها أصلاً: وهي ما يطلق عليها اسم (الأطروحة)، ثُمّ ينقلب هذا الأصل إلى نقيضه وهو (الطباق) بحكم الصراع في المحتوى الداخلي بين المتناقضات، ثُمّ يأتلف النقيضان في وحدة وهي (التركيب)، وتصبح هذه الوحدة بدورها أصلاً ونقطة انطلاق جديدة، وهكذا يتكرّر هذا التطوّر الثلاثي وبهذا الشكل تطوي الطبيعة مراحل تكاملها.
فالطبيعة ليست هادفة ولا تنشُد كمالها، بل تتّجه نحو انهدامها، لكنّ هذا الانهدام يحمل بدوره عنصر انهدامه،
وكلّ نقيض يتّجه بدوره نحو نقيضه.. ونفي النفي نوع من التركيب الذي يؤدّي إلى دفع التاريخ نحو التكامل بشكلٍ حتمي وجبري.
والتاريخ جزء من الطبيعة، وهو لذلك يطوي نفس مسيرة الطبيعة على الرغم من أنّ عناصر المسألة التاريخيّة هم أفراد البشر.
أي أنّ التاريخ تحرّك مستمر وارتباط متبادل بين الإنسان والطبيعة والإنسان والمجتمع.. وهو مواجهة وجدل دائمان بين المجموعات الإنسانيّة الفتيّة، والمجموعات التي تتّجه نحو الزوال، وهذه المواجهة تؤدّي في نهاية الأمر إلى حركة حادّة ثوريّة لصالح القوى الفتيّة النامية.
بعبارة أخرى: التاريخ مسرح لصراع الأضداد... حيث تتّجه كلّ ظاهرة نحو ضدّها ثُمّ يتمّ التكامل على أثر تركيب الأضداد.
هذه النظريّة تذهب بعد ذلك إلى أنّ العمل الإنتاجي هو أساس حياة البشريّة والعامل المحرِّك للتاريخ.
فالعمل الاجتماعي - في أيّة مرحلة من مراحل التاريخ - يخلق نوعاً خاصّاً من العلاقات الاقتصاديّة
بين الأفراد، وهذه العلاقات الاقتصاديّة تؤدّي إلى انبثاق مجموعة من العلاقات الأخرى: كالعلاقات الخلقيّة، والسياسيّة، والقضائيّة، والعائليّة ونظائره.
والعمل الإنتاجي لا يتوقّف على شكل معيّن، إذ إنّ الإنسان مزوّد بقدرة على تطوير وسائل الإنتاج، وتكامل وسائل الإنتاج يؤدّي إلى زيادة الإنتاج، وإلى خَلق جيل جديد يحمل أفكاراً جديدة متكاملة.. أي أنّ هناك تأثيراً متبادلاً بين الإنسان والآلة، الإنسان يخلق الآلة، والآلة تخلق الإنسان الجديد.
ومن جهةٍ أخرى، زيادة الإنتاج تؤدّي إلى إيجاد علاقات اقتصاديّة تبعث مجموعة أخرى من العلاقات الاجتماعيّة، وهذا هو المقصود من مقولة: الاقتصاد يشكِّل البناء التحتي للمجتمع، وكلّ ما عداه فهو بناء فوقي، أي أنّ جميع الأوضاع الاجتماعيّة معلولة للوضع الاقتصادي.
وعندما يتغيّر البناء التحتي على أثر تطوّر وسائل الإنتاج تتغيّر كلّ الأبنية الفوقيّة، وفي هذه الحالة تحاول القوى التي ترتبط مصالحها بالوضع الاقتصادي القديم أن تحافظ على هذا الوضع بشكله الموجود، لكنّ الطبقة الفتيّة - المرتّبة بوسائل الإنتاج الجديدة - ترى أنّ مصالحها
تقتضي تغيّر الأوضاع وإحلال نظام اقتصادي جديد، ومن هنا تسعى إلي تغيير المجتمع وتطويره، وإلى إيجاد نوع من التناسق بين المسائل الاجتماعيّة من جهة، ووسائل الإنتاج المتكاملة ومستوى الإنتاج الجديدة من جهةٍ أخرى.
ويستمرّ الصراع بين الفريقين: فريق رجعي ومرتبط بالماضي، وفريق تقدّمي يرتبط بالمستقبل.
أحدهما: يرى ضرورة بقاء الأوضاع الموجودة من أجل استبقاء وجوده، والآخر: يسعى نحو أجواء جديدة وأوضاع جديدة، أحدهما: يتّجه نحو الزوال، والآخر: نحو النمو.
ويشتدّ الصراع ويحتدم ليبلغ ذروته حيث يحدث الانفجار، ويتبدّل المجتمع في خطوة ثوريّة تبدّلاً يتمثّل بتغيّر النظام القديم، وإحلال النظام الجديد وانتصار القوى الجديدة وفشل القوى القديمة.
وهنا تبدأ مرحلة جديدة من مراحل التاريخ، وهذه المرحلة الجديدة تتطوّر أيضاً إلى مرحلة جديدة أخرى بنفس الطريقة السابقة.
فالتاريخ - في مفهوم هذه النظريّة - يطوي مسيرته عبر الأضداد، وكلّ مرحلة من مراحل التاريخ تحمل
في أحشائها المرحلة التالية، وبعد صراع مستمر تترك المرحلة السابقة مكانها للمرحلة التالية.
هذا الاتّجاه الفكري لتفسير الطبيعة والتاريخ يسمّى (الاتّجاه الديالكتيكي).
ولمّا كان هذا الاتّجاه يعتبر كلّ القيَم والأوضاع الاجتماعيّة - في جميع مراحل التاريخ - مرتبطة بوسائل الإنتاج وتابعة لها، فقد أطلقنا عليه اسم (التفسير الآلي)، ومتى ما ذَكرنا مصطلح (التفسير الآلي للتاريخ)؛ فإنّنا نقصد به هذا اللون من التفكير.
العنصر الأساسي
ما هو العنصر الأساسي الذي يمتاز به التفكير الديالكتيكي في حقل التاريخ والطبيعة؟
ما هو الفرق الرئيسي بين هذا الاتّجاه وهذا المنطق، والاتّجاهات الفكريّة والمنطقيّة الأخرى؟
ما الذي يميّز هذا التفسير للظواهر الطبيعيّة، عن التفسير الذي يَطلق عليه أرباب المنطق الديالكتيكي اسم) التفسير الميتافيزيقي)؟
دُعاة المنطق الديالكتيكي يتّبعون مع الأسف طريقة (الغاية تبرِّر الوسيلة) في عرض المفاهيم، وهم لذلك يلقون التُهم تلو التُهم على ما يسمّونه بـ(المنطق الميتافيزيقي)، عند إجابتهم على الأسئلة المذكورة.
ويقولون أيضاً: إنّ التفكير الديالكتيكي ينظر إلى جميع الأشياء باعتبارها متحرِّكة، بينما يعتبر الاتّجاه الميتافيزيقي جميع أجزاء الطبيعة ساكنة جامدة.
لكنّ الحقيقة غير ذلك، فأرباب الاتّجاه الميتافيزيقي لا ينظرون الأشياء باعتبارها جامدة غير متحرِّكة، بل بالعكس فالبحوث المتعلّقة بالطبيعة في الفلسفة الإلهيّة ترى أنّ السكون في الطبيعة مفهوم نسبي، والثبات من خصائص ما وراء الطبيعة(للتوسّع في هذا الصدد راجع (فلسفتنا)، محمّد باقر الصدر، فصل (حركة التطوّر) (المترجِم).
ويقولون أيضاً: إنّ التفكير الديالكتيكي يَعتبر الأشياء مرتبطة مع بعضها وذات تأثير متبادل مع بعضها، بينما أصحاب ما يسمّى بالمنطق الميتافيزيقي ينظرون إلى الأشياء مفكّكة غير مترابِطة مع بعضها.
وهذا مخالف للواقع فيما يسمّونه بالمنطق الميتافيزيقي، فهو لا ينظر إلى الأشياء باعتبارها منفصلة ومفكّكة عن بعضها (راجع نفس المصدر، فصل (الارتباط العام) (المترجم)).
والفلاسفة الإلهيّون أوّل مَن نظرَ إلى أجزاء العالَم باعتبارها مرتبطة مع بعضها ارتباطا عضويّاً، وإلى العالَم على أنّه إنسان كبير، وإلى الإنسان على أنّه عالَم صغير، مع فارق في التعبير وطريقة الاستنتاج بين المادّيين والإلهيّين في هذا الصدد.
ويقول كذلك: إنّ المسألة الأساسيّة التي تميّز التفكير الديالكتيكي عن التفكير الميتافيزيقي هي: مسألة التضاد.
ويستند هؤلاء إلى المبدأ المعروف في المنطق والفلسفة القائل بعدم إمكان اجتماع النقيضين وارتفاعهما ليستنتجوا: أنّ التفكير الميتافيزيقي يرفض أي نوع من التناقض، وإنّه يرى جميع أجزاء الطبيعة منسجمة مع بعضها حتى الماء والنار! وإنّ أرباب التفكير الميتافيزيقي يَدعون القوى الاجتماعيّة الكادِحة المسحوقة - انطلاقاً من رؤيتهم هذه - إلى المصالحة والمسألة كذا.
والحقيقة أنّ المبدأ المذكور لا علاقة له إطلاقاً بمسألة التناقض، وهذا اللون من الاستنتاج تحريق للحقائق.. فأصحاب التفكير الإلهي يرون أنّ التضاد في عناصر الطبيعة، شرط لازم لدوام الفيض من الباري تعالى (كتب المؤلِّف الشهيد مقالاً قيّماً في هذا الحقل تحت عنوان (أصل التضاد في الفلسفة الإسلاميّة) عسى أن أوفّق لنشر ترجمته العربيّة قريباً) (المترجِم).
ويدّعون أيضاً: أنّ العنصر الأساسي الذي يمتاز به التفكير الديالكتيكي في حقل التاريخ والطبيعة، هو مبدأ قفزات التطوّر والحركات الثوريّة في التاريخ.
لكنّ هذا الادّعاء مرفوض أيضاً؛ لأنّ مسألة قفزات التطوّر ليست لها أصالة في التفكير الديالكتيكي.
هيغل - أبو الديالكتيك - لم يذكر هذا المبدأ ضمن مبادئ الديالكتيك وهكذا كارل ماركس.
ظهرَ مبدأ قفزات التطوّر خلال القرن التاسع عشر في علم الأحياء، وإضافة أنجلس - تلميذ ماركس - إلى مبادئ الديالكتيك، واليوم يُعتبر هذا المبدأ من قوانين علم الأحياء، وليس له ارتباط بأيّة مدرسة فكريّة.
فما هو العنصر الأساسي إذاً؟
العنصر الأساسي الذي يمتاز به هذا الاتّجاه الفكري عن غيره من الاتّجاهات يتلخّص بما يلي:
1- قوله بديالكتيكيّة الفكر: أي أنّ الفكر الإنساني جزء من الطبيعة، وهو بالتالي خاضع لقوانين الديالكتيك الأربعة: (حركة التطوّر، وتناقضات التطوّر، وقفزات التطوّر، والارتداد العام) والاتّجاه الديالكتيكي ينفرد في هذا، ولا يشاركه فيه اتّجاه آخر.
2- تحديده للتناقض بالانتقال من الأطروحة إلى الطباق ومنه إلى التركيب، أي أنّ الديالكتيك يفهم التناقض بأنّه ضرورة احتواء كلّ ظاهرة على ضدّها، ثُمّ انتقال تلك الظاهرة إلى حالة الضد، وهذه الحالة الجديدة تستمرّ في التطوّر على نفس الطريقة، وبذلك فالطبيعة والتاريخ يطويان مسيرتهما عبر الأضداد، والتكامل في رأي الديالكتيك هو اجتماع الضدّين في تركيبٍ جديد.
مبدأ التناقض قديم: وهو يعني أنّ أجزاء الطبيعة في حالة صراع، بل وأحياناً في حالة تركيب مع بعضها، وأمّا إضافة الفكر الديالكتيكي إلى هذا المبدأ هو أنّ الصراع بين المتناقضات لا يقتصر على أجزاء الطبيعة، بل إنّ كلّ
ظاهرة تربّي في أحشائها نقيضها، وتبرز ظاهرة التناقض بالصراع بين العوامل الجديدة.
هاتان الخاصيّتان تشكّلان العنصر الأساسي للفارق بين التفكير الديالكتيكي والتفكير غير الديالكتيكي.
ومن الخطأ - بناءً على ما تقدّم - إضفاء صفة الديالكتيك على كلّ مدرسة تؤمن بمبدَأي الحركة والتناقض بين أجزاء الطبيعة.
لقد حاول البعض وصف الفكر الإسلامي بأنّه فكر ديالكتيكي، بعد أن شاهدوا مبدأ الحركة والتغيير والصيرورة، وكذلك مبدأ التناقض في التراث الإسلامي.
والحقيقة غير ذلك، فالفكر الإسلامي يؤمن بوجود حقائق ثابتة خالدة غير قابلة للتغيّر، وهذا ما لا يؤمن به الفكر الديالكتيكي الذي يعتبر كلّ ما في الذهن من حقائق عن العالَم إنّما هي مؤقّتة ونسبيّة.
إضافةً إلى ذلك، فالتناقض في التراث الإسلامي يتعارض مع مفهوم التناقض الديالكتيكي، الذي يحصر حركة التاريخ والطبيعة بالسير عبر مثلث (الأطروحة، والطباق، والتركيب).
هذا الخطأ ناشئ بالدرجة الأولى من التهريج الذي يعمد إليه كثير من أتباع المادّة الديالكتيكيّة، حين يطلقون في أحاديثهم اسم الاتّجاه الميتافيزيقي على كلّ اتّجاه فكري غير ديالكتيكي، ثُمّ يرشِّقون هذا الاتّجاه الميتافيزيقي بوابل من التُهم، كعدم الإيمان بالحركة والارتباط العام وبالتناقض.
هذه التُهم تُطرح ضمن ثرثرة لغويّة مسهبة وبعبارات قاطعة حاسمة، تدفع بقارئها السطحي إلى الإيمان بأنّ الحركة والارتباط العام والتناقض، مبادئ يختصّ بها الفكر الديالكتيكي وحده لا غير.
ومثل هذا القارئ يتّخذ تجاه الفكر الإسلامي أحد موقفين خاطئين: إمّا أن يضع الإسلام - باعتباره ديناً سماويّاً - إلى صف الأفكار الميتافيزيقيّة (غير الديالكتيكيّة) ويخرج بنتيجة سريعة هي: أنّ الفكر الإسلامي كسائر الأفكار الميتافيزيقيّة يقوم على أساس الثبات والسكون، وعدم وجود ارتباط عام بين أجزاء الطبيعة وعدم وجود تناقض بين هذه الأجزاء.
وإمّا أن يكون هذا القارئ مطّلعاً على الفكر الإسلامي وعالِماً بخلوّ الفكر ممّا يُتهم به الفكر الميتافيزيقي، بل بوجود مبادئ الحركة والارتباط العام
والتناقض في الفكر الإسلامي، فيستنتج من ذلك أنّ التفكير الإسلامي ليس بميتافيزيقي.
ولمّا كان دعاة الماديّة الديالكتيكيّة قد أوحوا له أنّ الاتّجاهات الفكريّة لتفسير الطبيعة لا تزيد على اثنين:
الديالكتيكي، والميتافيزيقي، فإنّ مثل هذا القارئ السطحي ناتج - كما قلنا - عن تساهل دعاة الماديّة الديالكتيكيّة في عرض أفكار الآخرين، وعن انتهاجهم أسلوب التهريج وإلقاء التُهم بالنسبة للاتّجاهات الفكريّة غير الديالكتيكيّة، وحقيقة المسألة - كما ذكرنا - هي غير ذلك.
نتائج الاتّجاه الآلي لتفسير التاريخ
1- مفهوم القديم والجديد:
تعبير القديم والجديد في المنطق الديالكتيكي لا ينطلق من تعاقب جيلي، أي لا يُعني المجابهة بين الجيل الجديد والجيل القديم، لا يعني أنّ الجيل الجديد يقف بالضرورة في صفوف الجبهة الثوريّة، ولا يعني أيضاً أنّ الجيل القديم يقف بالضرورة في الجبهة المحافظة.
كما أنّ هذا المفهوم لا ينطلق من إطار ثقافي، أي أنّه لا يعني المجابهة بين المثقّفين والأُميين، بل إنّه مفهوم اجتماعي واقتصادي بَحت.
فالطبقة القديمة هي التي ترتبط مصالحها بالوضع الموجود، والطبقة الجديدة هي الناقمة على الوضع
الموجود، وهي التي فَرضت عليها وسائل الإنتاج الجديدة أن ترى الأوضاع الموجودة معارضة لمصالحها، وأن تسعى إلى تغيير البناء الفوقي للمجتمع.
فالتقدّمي - في رأي هذا الاتّجاه -: هو نصير تغيير الأوضاع الموجودة وتكامل المجتمع.. والرجعي: هو الذي يطالب بالثبات وببقاء الأوضاع الاجتماعيّة على ما هي عليه.
الطبقة المُرفّهة والمنتفعة من الأوضاع الموجودة هي رجعيّة جامدة الفكر بالضرورة؛ لأنّ محتوى التفكير الاجتماعي للأفراد يتكوّن من خلال مكانتهم الطبقيّة وظروفهم الاقتصاديّة، وبنفس السبب فالطبقة المسحوقة المستثمرة تقدميّة ذات فكر متطوّر متحرِّك، وهذه مسألة لا علاقة لها بالمعلومات وبالثقافة، فالحركة الاجتماعيّة تبدأ غالباً من الفئات والطبقات ذات المستوى العلمي الهابط، لكنّ هذه الفئات مثقّفة لمكانتها الطبقيّة.
2- التسلسل المنطقي للتاريخ:
المراحل التاريخيّة - في المنطق الديالكتيكي - مرتبطة مع بعضها ارتباطاً طبيعيّاً ومنطقيّاً، وكلّ حَلقة من حلقات
التاريخ لها مكانها المعيّن الخاص، وليس بالإمكان أن تتقدّم أو تتأخّر.
فالرأسماليّة: مرحلة تاريخيّة تتوسّط مرحلة الإقطاع والمرحلة الاشتراكيّة، ومن المستحيل أن ينتقل المجتمع من الإقطاع إلى الاشتراكيّة دون أن يمرّ بالمرحلة الرأسماليّة، فلا طفرة في مراحل التاريخ كما كان يعتقد الفلاسفة الأقدمون.
فالطفرة في التاريخ تشبه انتقال نطفة الإنسان إلى مرحلة الطفولة دون أن تمرّ في المرحلة الجنينيّة، وتشبه انتقال الوليد إلى مرحلة الشباب دون أن يمرّ في مرحلة الطفولة.
من هنا فأصحاب هذا المنطق يطلقون اسم الاشتراكيين المثاليين على الاشتراكيين، الذين أرادوا أن ينطلقوا من إيمانهم بالفكرة الاشتراكيّة إلى تطبيق هذه الاشتراكيّة، دون أن يراعوا جبر التاريخ والتسلسل المنطقي للمراحل التاريخيّة، كما سمّوا اشتراكيّتهم بالاشتراكيّة الطوباويّة أو الخياليّة، خلافاً للاشتراكيين الماركسيين الذين يقيمون فكرهم على أساس التسلسل المنطقي لحلقات التاريخ.
3- ذروة كلّ مرحلة:
ليس من الضروري أن يمرّ التاريخ في مراحله المتوالية المرسومة دون طفرة فحسب، بل من الضروري أيضاً أن تبلغ كلّ مرحلة من المراحل إلى ذروة كمالها لتتبدّل إلى مرحلة جديدة أخرى، ولتستمرّ المسيرة التكامليّة.
لابدّ لمرحلة الإقطاع - مثلاً - أن تطوي مسيرتها بالتدريج؛ لتبلغ مرحلة تاريخيّة معيّنة يحدث فيها التغيير.
وانتظار أيّة مرحلة مُقبلة من مراحل التاريخ دون أن تبلغ المرحلة الراهنة ذروتها، كانتظار الولادة قبل أن تطوي النطفة مراحلها الجنينيّة، وولادة مثل هذه - إن تمّت - فهي إجهاض وليست ولادة سليمة.
4- قدسيّة النضال:
لمّا كان الصراع بين القديم والجديد شرطاً أساسيّاً لانتقال التاريخ من مرحلة إلى مرحلة أخرى، وركناً ضروريّاً من أركان تكامل المجتمع البشري، فالصراع بين القديم والجديد هو نضال مقدّس مهما كان لونه.
فالقديم يستحقّ الفناء لا لكونه معتدياً،... بل لأنّه
قديم..؛ ولأنّ زواله يَدفع بالمجتمع نحو التكامل.
من هنا فقدسيّة النضال لا تنطلق من كونها دفاعاً عن حق أو ردّاً لهجوم.
5- إثارة الفوضى:
نضال الجديد للقديم ليس وحده هو المشروع والمقدّس، بل كلّ تحرّك يمهِّد للثورة ويدفع بعجلة التكامل مشروع ومقدّس أيضاً، كإثارة الاضطرابات من أجل خلق الاستياء، وتعميق الفجوات وتصعيد النضال.
فالتكامل - كما ذكرنا - هو أن ينقلب الضدّ إلى ضدّه في حركة ثوريّة سريعة، وطريق هذا التغيير هو الصراع الداخلي للتناقضات.
ولا يمكن لهذا التغيير أن يتمّ دون أن يصل عمق الفجوات وشدّة الصراع إلى أعلى مرحلة من مراحل تكامله.
وكلّ ما من شأنه أن يوسِّع الثغور يعمل على الإسراع في تغيير المجتمع من مرحلة إلى مرحلة أسمى.
ولمّا كانت عمليّة إثارة الفوضى والاضطرابات تستطيع أن تنهض بهذا الدور،
فهي مشروعة ومقدّسة طبقاً لهذا المنطلق.
6- الإصلاحات:
من جهةٍ أخرى، الإصلاحات الجانبيّة والخطوات الرامية إلى تسكين آلام المجتمع، هي خيانة وتخدير ووقوف بوجه التكامل وانخراط في جبهة أعداء التطوير، إذ إنّ مثل هذه الإصلاحات والخطوات تقلِّل من الفجوات ولو بشكلٍ مؤقّت، وتخفِّض حدّة التناقضات، وهذا ما يؤدي إلى تأخير موعد انفجار الثورة.. وتأخير هذا الموعد يعادل زيادة مدّة بقاء المجتمع في مرحلة معيّنة، وتأخير موعد التغيير والتكامل.
هذه هي أهم نتائج الاتّجاه الديالكتيكي أو الآلي لتفسير التاريخ.
الطريقة الإنسانيّة أو الفطريّة
الطريقة الإنسانيّة أو الفطريّة لتفسير التاريخ تقف في النقطة المقابِلة للتفسير الآلي.
هذه الطريقة تمنح الإنسان والقيَم الإنسانيّة أصالة، سواء على مستوى الفرد أم على مستوى المجتمع.
هذه الطريقة تنظر إلى الكائن الإنساني - في إطار علم النفس - بأنّه مكوّن من مجموعة غرائز ماديّة يشترك فيها سائر الحيوانات، ومجموعة من الغرائز السامية التي تميّزه عن غيره من الحيوانات: كالغريزة الدينيّة، والغريزة الأخلاقيّة، وغريزة البحث عن الحقيقة (حبّ التطلّع)، والغريزة الجماليّة.
وفي الإطار الفلسفي، تنظر هذه الطريقة إلى المجتمع (من حيث ارتباط أجزائه وأفراده بأنّه تركيب حقيقي، كما تنظر إلى المجتمع (من حيث خصاله) بأنّه مجموعة من الخصال الدانية والسامية للأفراد، إضافة إلى مجموعة خصال باقية مستمرّة في المجتمع.
هذه الخصال الباقية المستمرّة تتحكّم في المجتمعات دون أن تتأثّر بفناء الأفراد.
على أنّ تكامل الإنسان والمجتمع الإنساني يمنح هذه الخصال الباقية نظاماً أفضل.
مسيرة التاريخ - انطلاقاً من هذه النظرة - متحوّلة متكاملة كالطبيعة ذاتها، والحركة باتّجاه الكمال ضرورة لا
تنفصل عن ذات أجزاء الطبيعة بما فيها التاريخ.
تحوّل التاريخ وتكامله لا يقتصر على الجانب الفنّي والآلي.. أي يقتصر على الجانب المَدني، بل إنّه يعمّ ويشمل جميع الشؤون المعنويّة والثقافيّة للإنسان، ويتّجه نحو تحرير الإنسان من القيود البيئيّة والاجتماعيّة.
والإنسان - بفعل تكامله الشامل - يتحرّر تدريجيّاً من ارتباطه ببيئته الطبيعيّة والاجتماعيّة، ويتّجه نحو توثيق ارتباطه بالعقيدة والإيمان والأيديولوجيّة، وسيصل في المستقبل إلى الحريّة المعنويّة التامّة المتمثّلة في الارتباط التام بالعقيدة والإيمان والمدرسة الفكريّة.
الإنسان في الماضي كان أسيراً وعبداً لقوى الطبيعة على الرغم من قلّة تمتّعه بمواهبها، والإنسان في المستقبل سيتحرّر من قيود الطبيعة، وستزداد سيطرته عليها في نفس الوقت الذي سيزداد للطبيعة إلى أقصى حدٍ ممكن.
لا ينبغي تفسير التكامل بآلات الإنتاج، ولا ينبغي اتّخاذ المعلول مكانة العلّة، تكامل وسائل الإنتاج هو بدوره معلول اندفاع الإنسان الفطري نحو الكمال والتنويع والاستزادة، وناتج عن قوّة الابتكار لدى الأفراد.
هذه القوّة وذاك الاندفاع باستمرار جَنباً إلى جنب في جميع جوانب الحياة الإنسانيّة.
وهذه الطريقة ترى أنّ من خصائص الإنسان انطواءه على صراع داخلي بين الجانب الأرضي أو الترابي، والجانب السماوي المتعالي... أي بين الغرائز الهابطة ذات الهدف الفردي المحدود المؤقت، والغرائز السامية التي تتجاوز حدود الفرديّة وتتّسع لجميع البشريّة، وتستهدف تحقيق القيَم الخلقيّة والدينيّة والعلميّة والعقليّة.. هذا الصراع أطلقَ عليه القدماء اسم (النزاع بين العقل والنفس).
هذا الصراع الداخلي في نفس الإنسان سينجر إلى صراع بين المجموعات البشريّة، ويتّخذ صورة حرب بين الإنسان المتكامل المتحرِّر روحيّاً، والإنسان المنحط المغلول بقيود حيوانيّة.
هذا الاتّجاه الفكري يقبل مبدأ الصراع الاجتماعي ويؤمن بدور هذا الصراع في تغيير التاريخ وتكامله، لكنّه يرفض أن يكون هذا الصراع طبقيّاً دائراً بين الفئة المرتبطة بوسائل الإنتاج والنُظم الاجتماعيّة القديمة، وبين الفئة المرتبطة بوسائل الإنتاج الجديدة.
فالصراع الذي يؤمن به هذا الاتّجاه الفكري ويؤمن بدوره في تطوير التاريخ هو: الصراع بين الأفراد الملتزمين المؤمنين الهادفين المتحرّرين من قيود الطبيعة والغرائز الحيوانيّة، والأفراد المنحطّين المتسافِلين الراسفين في أغلال الشهوات الهابطة.
وقائع التاريخي تشهد أنّ كثيراً من الثورات التي قامت من أجل تأمين الاحتياجات الماديّة للمجتمع، تصدّرَ قيادتها أو دَعمها على الأقل رجال متحرّرون من قيود الشهوات الهابطة.
وبين الطريقين: (الآليّة والإنسانيّة) اختلاف في تفسير طبيعة الثورات والنهضات.
الطريقة الآليّة: ترى أنّ تكامل وسائل الإنتاج يخلق طبقة محرومة تنهض بالثورات من أجل تأمين احتياجاتها الماديّة، فتعمد هذه الطبقة إلى تغيير الأنظمة والقوانين الموجودة وتستبدلها بأنظمة وقوانين جديدة... وتدّعي أيضاً: أنّ المحتوى الداخلي لأي إنسان يعكس مكانته الطبقيّة، والطبقة الحاكمة تسعى دوماً إلى حفظ النظام القائم وصيانته.
أمّا الطريقة الإنسانيّة: فتقدِّم أمثلة تاريخيّة للثورات التي لم تقتصر على الطبقة المحرومة، بل نهضَ فيها أفراد نشأوا في الطبقات المرفّهة، ووقفوا بوجه النظام الحاكم بقوّة وبسالة كنهضات: إبراهيم، وموسى، ومحمّد، والحسين بن علي.
ولم تكن أهداف الثوار ماديّة دوماً، وخير دليل على ذلك: ما شهده التاريخ الإسلامي من نهضات في سبيل الله، وخاصّة في عصر صدر الإسلام، فيصف علي بن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام) الرعيل الأول من المسلمين المجاهدين فيقول: (حَملوا بصائرهم على أسيافهم) نهج البلاغة، الخطبة 148.
والثورات والنهضات لم تكن دوماً مرافقة لتطوّر وسائل الإنتاج، كالنهضات التي شهدها الشرق والغرب خلال القرون الأخيرة؛ من أجل مقارعة الاستبداد والطغيان..
فأيّ تطوير لوسائل الإنتاج حدثَ في إيران - مثلاً - أبانَ النهضة الدستوريّة؟!
ولم تكن الفوضى الاجتماعيّة دوماً وليدة نقص القوانين الموجودة.. بل كانت أحياناً وليدة عدم تنفيذ القوانين النظريّة المقبولة، فانطلقت الحركات الاجتماعيّة من أجل تطبيق هذه القوانين وتنفيذها عمليّاً: كحركات الشعوبيّة،
وثورات العلَويين في التاريخ الإسلامي.
وأخيراً.. فالإنسان ليس بالموجود الذي لا يملك أيّة قدرة في التحكّم بنفسه، وليس بالكائن المدفوع دوماً بدوافع غرائزه الماديّة ومصالحة الذاتيّة الآنيّة.
نتائج الاتّجاه الإنساني أو الفطري
لتفسير التاريخ
1- المعارك الرابحة:
معارك التاريخ اتّخذت أشكالاً وماهيّات مختلفة وانطلقت من عِلل وأسباب متباينة، لكنّ المعارك التقدّميّة - التي دَفعت بعجلة التاريخ والإنسانيّة على سلّم الارتقاء - هي المعارك التي دارت رحاها بين الإنسان العقائدي الملتزم المؤمن المتسامي، والإنسان العابث المنحط المغلول بقيود شهواته الحيوانيّة والبعيد عن خط الالتزام والهدف والتعقّل.
المعارك التقدّميّة التكامليّة ليست بذات صفة طبقيّة، وليست بالمجابهة بين القديم والجديد بالمفهوم الذي ينصّ عليه الاتّجاه الآلي.
المعارك البشريّة تتّجه على مرّ التاريخ بالتدرّج نحو اتّخاذ صفة أيديولوجيّة،
ويتّجه الإنسان بالتدرّج نحو التكامل في قيَمه الإنسانيّة، أي يقترب من الإنسان المثالي ومن المجتمع المثالي.
ستكون نهاية المسيرة الإنسانيّة إقامة حكومة العدل وحكومة سيادة القيَم الإنسانيّة، أو بالتعبير الإسلامي (حكومة المهدي)،
كما ستزول حكومة قوى الباطل والطغيان والضلال المنساقة بدوافعها الحيوانيّة والأنانيّة.
2- حَلقات التاريخ:
التسلسل المنطقي لحلقات التاريخ ليس له أساس من الصحّة كما يصوِّره أصحاب التفسير الآلي، وقائع التاريخ عامّة - وما شهده القرن الماضي خاصّة - تؤكّد زيف هذه النظريّة.
في القرن الماضي اتّجهت بلدان إلى الاشتراكيّة دون أن تطوي المرحلة الرأسماليّة، نظير الاتحاد السوفيتي والصين وبلدان أوروبا الشرقيّة.
ومن جهةٍ أخرى، ثمّة بلدان بَلغت فيها الرأسماليّة ذروتها كالولايات المتّحدة وبريطانيا، لكنّها بقيت في هذه المرحلة دون تغيير أو انتقال، وثبت خطأ كلّ التوقّعات التي أعربَ عنها زعماء الاتّجاه الآلي
حين أكّدوا على قرب اندلاع الثورة العمّاليّة في البلدان الصناعيّة: كبريطانيا، وفرنسا.
أحداث التاريخ أوضحت زيف ادّعاءات الجبر، وأثبتَت إمكان وصول طبقة البروليتاريا إلى درجة معيّنة من الرفاه بحيث لم تعد تخامرها فكرة الثورة، كما أثبَتت إمكان انتقال مجتمع من الحالة البدويّة إلى أسمى مراحل الحضارة الإنسانيّة على أثر انبثاق إيديولوجيّة معنيّة، وانتشار إيمان ديني بين أفراد المجتمع كما حدثَ في صدر الإسلام.
- قدسيّة النضال
مشروعيّة النضال وقداسته لا تنحصر في إطار الوقوف بوجه الاعتداء على الحقوق الفرديّة والوطنيّة، بل إنّ إطار هذه المشروعيّة والقداسة يتّسع لكلّ نضال يستهدف الدفاع عن إحدى المقدّسات البشريّة المهدّدة بالخطر.
فالنضال مشروع متى ما تعرّض حقٌ لخطر، خاصّة إذا كان ذلك الحق يتعلّق بالمجتمع الإنساني: كالنضال من أجل التحرير، ومن أجل إنقاذ المستضعفين - على حد التعبير القرآني - كما أنّ النضال على طريق التوحيد مشروع
متى ما تعرّض التوحيد للخطر - أيّاً كان هذا الخطر - إذ إنّه أهم مقوّمات سعادة البشريّة.
4 - الإصلاحات
الإصلاحات الجانبيّة والتدريجيّة لا يمكن إدانتها بأي شكل من الأشكال، فالتاريخ لا يطوي مسيرته عبر الأضداد، ومن هنا فالإصلاحات الجانبيّة والتدريجيّة لا تمنع مسيرته التكامليّة ولا تقف بوجه انفجار أحداثه.
الإصلاحات الجانبيّة التدريجيّة تساهم بدورها في دعم الحق خلال صراعه مع الباطل، كما تساعد في دفع مسيرة التاريخ لصالح دعاة الحق.
ومقابل ذلك، فأعمال الفسق والفجور تساعد قوى العدوان، وتُعيق حركة التاريخ لمَا فيه ضرر أصحاب الحق.
تطوّر الأحداث - بناءً على هذا التصوّر - هو كنضج الفاكهة على غصن الشجرة، لا كانفجار القدر الكاتم - كما في التصوّر الآلي -.
فالشجرة تعطي فاكهة أفضل وأسلم، وربّما أسرع،
لو اهتمَمنا برعايتها وسقيها وكافَحنا آفاتها.
5 - إثارة الفوضى
الدليل على شرعيّة الإصلاحات الجزئيّة التدريجيّة، هو ذاته الدليل على عدم شرعيّة أعمال التخريب وإثارة الفوضى والاضطرابات من أجل خلق الأزمات والضائقات، بخلاف النظريّة الآليّة التي تضفي صفة الشرعيّة على مثل هذه الإعمال.
6 - تأرجِح مُنحني التاريخ
المسيرة التاريخيّة في خطّها الكلّي العام تتّجه نحو التكامل، إلاّ أنّ هذا الخط المتصاعد لا يسير سيراً تكامليّاً جبرياً في جميع نقاطه، فليس من الضروري حتماً أن يكون المجتمع في مرحلة معيّنة من تاريخه أكثر تكاملاً من مرحلته التاريخيّة السابقة؛ لأنّ العامل الأساسي في حركة التاريخ هو الإنسان، والإنسان موجود مختار وذو إرادة حرّة.
مُنحني المسيرة البشريّة يتأرجَح بين الهبوط والارتفاع، وبين السرعة والبطء والسكون أحياناً، وتاريخ الحضارات
البشريّة ليس سوى سلسلة من حالات الازدهار والهبوط والسقوط والانقراض، كما يقول تويمبي:
انحطاط الحضارات أمرٌ لا يمكن رفضه، لكنّ تاريخ البشريّة يُطوى بمجموعة مسيرة تكامليّة.
7 - التحرّر من أغلال الطبيعة
المسيرة التكامليّة للبشريّة تتّجه نحو التحرّر من أغلال الطبيعة الماديّة والظروف الاقتصادية والمصالح الفرديّة والجماعيّة؛ لتتّخذ طابع الالتزام والإيمان الفكري.
إرادة الإنسان الابتدائي كانت محدودة غالباً بتأثيرات بيئته الطبيعيّة والاجتماعيّة وغرائزه الحيوانيّة، لكنّ إرادة الإنسان المتطوّر تحرّرت بالتدرّج من أسِر البيئة والغرائز الحيوانيّة، بل وأضحت تتحكّم في عوامل البيئة والغرائز تَبعاً لتكامل ثقافة الإنسان، واتّساع آفاقه وازدياد التزامه بالأيديولوجيات التقدّميّة.
8 - ماهيّة الجهاد
حركة الجهاد والأمر بالمعروف لها ماهيّة إنسانيّة لا طبقيّة.
9 - أصالة القوى الفكريّة والأخلاقيّة
قوّة الإقناع الفكري، أي قوّة الاستدلال والبرهان، لها أصالتها في الموجود الإنساني، وبعبارةٍ أخرى: الضمير البشري - سواء من الناحية الفكريّة، أو من حيث النزوع نحو السمو الإنساني - قوّة أصيلة تتحكّم أحياناً في المتطلّبات الماديّة.
10 - المثلث الهيغلي
مثلث الديالكتيك: (الأطروحة، والطباق، والتركيب) بشكله الهيغلي الماركسي، لا ينطبق على التاريخ ولا على الطبيعة.
حلقات التاريخ ليست سلسلة من الأضداد المنبثقة بعضها من بعض، كما أنّ الطبيعة لا تسير عبر هذا المثلث.
هذا المثلث يقوم على أساس تبدّلين وتركيب واحد، أي تبدّل الشيء إلى ضدّه، وهذا الضدّ إلى ضدّه، ثُمّ يحدث التركيب في المرحلة الثالثة
وما يحدث في الطبيعة إمّا أن يكون تركيباً للأضداد دونما تبدّل، أو تبدّلاً للأضداد دونما تركيب، أو أن يكون تكاملاً خالياً من تركيب الأضداد وتبدّلها.
فتفاعل الأوكسجين والهيدروجين، تركيب ليس فيه تبدّل أي: لم يتبدّل أحد العنصرين إلى العنصر الآخر.
ويحدث أحياناً أن تتدخّل الطبيعة في إيجاد حالة تعادل بين ظاهرتين متناقضتين، وفي مثل هذه الحالة يحدث تبدّل ليس معه تركيب وتكامل.
وجدير بنا أن نقول للمغرَمين بألفاظ المثلث الهيغلي وبلفظة الديالكتيك: إنّنا نستطيع أن نطلق على أحد الموجودين المتفاعلين اسم (الأطروحة)، وعلى الآخر اسم (الطباق)، وكذلك على حالة التعادل بين الظاهرتين المتناقضتين اسم (التركيب).
كما نستطيع أيضاً أن نُطلق على كلّ فكر يقوم على أساس الحركة والتناقض اسم (الفكر الديالكتيكي)، ولو أنّ هذا الفكر يفتقد العنصر الأساسي الذي امتازت به الماركسيّة.
لكنّه ينبغي الالتفات إلى أنّ إطلاق هذه الألفاظ هو اصطلاحي محض، قد تدفعنا إليه رغبة شخصيّة لا أكثر.
نطريتان لتفسير الانسان
الطريقتان السابقتان لتفسير الحركة التكامليّة للتاريخ، ناتجتان عن نظريّتين مختلفتين لتفسير الإنسان وهوّيته الواقعيّة ومَلكاته الكامنة.
إحدى النظريّتين: ترى الإنسان موجوداً مغلولاً بمصالحه الماديّة ومصالحه الاقتصاديّة، ومُسيّراً في اتّجاه جبري يفرضه عليه تطوّر وسائل الإنتاج.
وكلّ ما ينطوي عليه الإنسان من مشاعر ورغبات وأحكام وأفكار وقدرة على الانتخاب؛ إنّما هو انعكاس لظروف بيئته الطبيعيّة والاجتماعيّة.
الإنسان - بموجِب هذه النظرة - مرآة لا تستطيع أن تعكس سوى ما يحيطه، وليس بمقدوره أن يقوم بأدنى حركة، خلافاً لمَا تسمح به الظروف البيئيّة الطبيعيّة والاجتماعيّة.
والنظرة الأخرى: ترى الإنسان موجوداً متمتّعاً بخصال إلهيّة، ومزوّداً بفطرة تدفعه لأن يطلب الحقّ وينشده،
وقادراً على التحكّم بنفسه وعلى التحرّر من جبر الطبيعة والبيئة والغرائز والمصير المحتوم.
والقيَم الإنسانيّة بموجِب هذه النظرة لها أصالتها في الإنسان، أي أنّ ثمّة نَزعات قد أودِعت في طبيعة الإنسان، والموجود البشري بموجِب طبيعته الإنسانيّة ينشد القيَم الإنسانيّة السامية، وبعبارة أخرى: ينشد الحق والحقيقة والعدالة ومكارم الأخلاق، ويستطيع بموجب قواه العقليّة أن يخطّط لبناء مجتمعه وأن لا يستسلم استسلاماًً أعمى لظروف البيئة، وأن ينفِّذ مشاريعه الفكريّة انطلاقاً من إرادته وقدرته على الانتخاب.
دور الوحي هو الموجّه والمساعد للإنسان، باعتبار أنّ الوحي هادي البشريّة وحامي القيَم الإنسانيّة.
الإنسان يتأثّر دون شك بظروف بيئته، لكنّ هذا التفاعل لا يسير باتّجاه واحد، بل إنّ الإنسان يؤثّر أيضاً على بيئته.
والمسألة الأساسيّة في هذا التفاعل: هي أنّ تأثير الإنسان على البيئة لا يظهر على شكل ردود فعل جبريّة قهريّة، فالإنسان - باعتباره موجوداً واعياً حرّاً مريداً قادراً
على الانتخاب، ومجهّزاً بخصائص فطريّة سامية - يُبدي أحياناً ردود فعل تختلف عمّا يُبديه حيوان مُسّير فاقد للوعي من ردود فعل .
الخصلة الرئيسيّة التي تميّز الإنسان عن سائر الموجودات: هي قوّة سيطرة الإنسان على نفسه والثورة على انحرافاته.
وكلّ النقاط المضيئة في تاريخ البشريّة نابعة من هذه الخصلة.
وهذا الجانب المتسامي من الإنسان منسيٌ تماماً في الاتّجاه الآلي لتفسير التاريخ.
التفسير القرآني للتاريخ ينطلق دون شك من النظرة الثانية.
القرآن يسرد وقائع التاريخ البشري منذ بداية الخليقة على أنّها صراع مستمر بين قوى الحق وقوى الباطل، بين مجموعة من أمثال: إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد (عليهم الصلاة والسلام)، وأتباعهم المؤمنين، ومجموعة أخرى من أمثال: نمرود، وفرعون، وجبابرة اليهود، وأبي سفيان، وأمثالهم.
فلكلّ فرعون موسى...
وفي خضمّ هذا الصراع المستمرّ، ينتصر الحق حيناً والباطل حيناً آخر.
وانتصار أحد الفريقين أو فشله، يرتبط طبعاً بمجموعة من العوامل الاجتماعيّة والاقتصاديّة والأخلاقيّة.
تأكيد القرآن الكريم على تأثير العوامل الأخلاقيّة في مسيرة التاريخ صيّر من التاريخ مصدر تعليم مثمر معطاء، لو نظرنا إلى التاريخ مصدر تعليم مثمر معطاء، ولو نظرنا إلى التاريخ على أنّه مجموعة صِدف واتفاقات ليس لها علّة ولا موازين أو ضوابط، لتبدّلت أحداث التاريخ إلى أساطير لا تصلح إلاّ للتسلية والسمر وتربية الخيال، دون أن يكون فيها أي عطاء تعليمي.
ولو آمنّا بوجود قواعد وموازين للتاريخ دون أن يكون للإنسان دور فيه؛ لأضحى العطاء التعليمي للتاريخ نظريّاً فقط لا عمليّاً.
وسوف نتعلّم - في هذه الحالة - من التاريخ، نظير ما نتعلّمه من حركات الكواكب والمجرّات.
وكما أنّ معلوماتنا عن الكواكب والنجوم لا تساعدنا في تغيير مسيرها، كذلك معلوماتنا عن التاريخ لا تمنحنا
أي دور في تعيين مسير حركة التاريخ.
أمّا حينما نؤمن بضوابط التاريخ وموازينه وقواعده، وبدور إرادة الإنسان في تعيين مسير حركة التاريخ وبالدور الأصيل والحاسم للقيَم الأخلاقيّة والإنسانيّة، يصبح التاريخ حينئذٍ ذا عطاء تعليمي مفيد، والقرآن الكريم ينظر إلى التاريخ من هذه النافذة.
القرآن الكريم يتحدّث مراراً عن الدور الرجعي الذي يلعبه (الملأ، والمترفون، والمستكبرون) على مسرح التاريخ، كما يتحدّث عن دور (المستضعفين)..
ويؤكّد القرآن الكريم في الوقت ذاته، على أنّ الصراع المستمر بين الفريقين - منذ فجر التاريخ - ذو هويّة معنويّة إنسانيّة لا ماديّة طبقيّة.
مسألة نهضة المهدي (عليه السلام) قضيّة اجتماعيّة فلسفيّة كبرى.
هذه المسألة لها أركانها وعناصرها المختلفة، بعض هذه الأركان والعناصر فلسفي عالَمي يشكّل جزءاً من
التصوّر الإسلامي، وبعضها ثقافي تربوي، وبعضها سياسي، وبعضها اقتصادي، وبعضها اجتماعي، وبعضها إنساني أو طبيعي (أُلقيت ثماني محاضرات في هذا الموضوع عام 1974، أرجو أن أوفّق لنشرها بعد إعادة النظر فيها).
لا يسعنا هنا أن ندرس هذه المسألة على ضوء القرآن الكريم والسُنّة، كذلك نكتفي بذكر خلاصة لخصائص هذه البشرى الكبرى للكشف عن ماهيّة (الانتظار الكبير):
أ - التفاؤل بمستقبل البشريّة: فحولَ مستقبل المسيرة البشريّة اختلفت الآراء والنظرات.
اعتقدَ بعض المفكّرين أنّ الشرّ والفساد والتعاسة صفات لا تفارق الحياة البشريّة، وذهبوا إلى أنّ الحياة لا قيمة لها على الإطلاق، وأفضل ما يستطيع أن يقوم به الإنسان هو أن يضع نهاية لهذه الحياة.
وبعض آخر ذهبَ إلى أنّ الحياة البشريّة بتراء، وقال: إنّ البشرية تحفر قبرها بيدها بفعل تطوّرها التكنولوجي وتقدّمها في صنع وسائل التخريب والدمار،
وهي على شفا السقوط والانهيار.
يقول رسل في (الآمال الجديدة):.. ثمّة أفراد - منهم أنشتاين - يزعمون أنّه من المحتمل جدّاً أن يكون الإنسان قد طوى دورة حياته، وسيستطيع خلال السنوات القليلة القادمة أن يبيد نفسه بما يتمتّع به من خلال مهارة علميّة فائقة.
واستناداً إلى هذه النظريّة، تواجه البشريّة الفناء الآن وهي في ربيع عمرها، وعلى أبواب نضجها الثقافي.
وإذا اكتفينا بالشواهد الظاهريّة؛ فإنّنا لا نستطيع طبعاً أن ننفي هذا الاحتمال.
أمّا النظريّة الثالثة، فترفض المقولتين السابقتين، فلا الشرّ والفساد والتعاسة صفات تلازم البشريّة، ولا التطوّر المَدني المادّي بقادر على إبادة البشريّة، بل إنّ البشريّة تتّجه نحو مستقبل مشرق سعيد تنقلع فيه جذور الظلم والفساد.
هذه النظريّة يبشِّر بها الدِين، ونهضة المهدي ترتبط بهذه البشرى.
ب - انتصار الحق والتقوى والسلام والعدل والحريّة على الظلم والدجل والاستكبار والاستعباد.
ج - قيام حكومة عالَميّة واحدة.
د - عمران الأرض بحيث لا تبقى بقعة خربة غير عامرة.
هـ - بلوغ البشريّة حدّ النضج والتكامل يلتزم فيه الإنسان طريق العقل والعقيدة، ويتحرّر من أغلال الظروف الطبيعيّة والاجتماعيّة والغرائز الحيوانيّة.
و - استثمار ذخائر الأرض إلى أقصى حدٍ ممكن.
ز - إحلال المساواة التامّة بين البشر في حقل الثروة.
ح - اقتلاع جذور الفساد: كالزنا، والربا، والخيانة، والسرقة، والقتل، وشرب الخمر، وخلوّ النفوس من العُقد والأحقاد.
ط - زوال شبح الحروب وسيادة السلام والحب والتعاون والصفاء.
ي - المواءمة بين الإنسان والطبيعة.
هذه الأهداف تلقي الضوء على ماهيّة مسألة المهدي، وكلّ واحدة منها تحتاج إلى استدلال وتحليل ودراسة لا
يسعها بحثنا هذا، فنتركها إلى فرصة أخرى.
المستقبل الذي ينبغي أن تُعقد عليه الآمال، والذي شاءت الإرادة الإلهيّة أن يسير نظام العالَم تجاهه، هو هذا الذي ذكرناه.
والآن ينبغي أن نعود إلى موضوع انتظار الفرج الذي قسّمناه في بداية هذا الحديث إلى قسمين:
انتظار بنّاء حركي ملتزم عبادي، بل من أفضل العبادات، وانتظار مخرِّب معوِّق يبعث على الخمود والخمول والكسل والتقاعس، ويُعتبر نوعاً من الإباحيّة.
ذكرنا أنّ هذين اللونين من الانتظار، ينطلقان من نوعين من التصوّر حول الحدث التاريخي العظيم المتمثل بظهور المهدي الموعود.
وهذان التصوّران يُنتجان بدورهما نوعين من التصوّر بشأن تطوّر التاريخ.
نشرح فيما يلي هذين النوعين من الانتظار نبدأ بالانتظار المخرِّب:
الانتظار المخرِّب
بعض المؤمنين بظهور المهدي يتصوّرون أنّ نهضة هذا المُنجي ذات طابع انفجاري محض، وناتجة فقط عن انتشار الظلم والجوع والفساد والطغيان، أي أنّ مسألة الظهور نوع من الإصلاح ناتج عن تصاعد الفساد.
هؤلاء يتصوّرون أنّ مسيرة البشريّة تتّجه إلى انعدام العدل والقسط، وإلى زوال أنصار الحق والحقيقة، وإلى استفحال الباطل.
وحينما يصل هذا الانحدار إلى نقطة الصفر يحدث الانفجار المرتقب، وتمتد يد الغيب لإنقاذ الحقيقة - لا أنصار الحقيقة - إذ لن يبقى للحقيقة أنصار آنذاك.
هذا التصور يُدين كلّ إصلاح؛ لأنّ الإصلاح يشكّل نقطة مضيئة على ساحة المجتمع العالَمي، ويؤخِّر الإمداد الغيبي كما يَعتبر هذا التصوّر كلّ ذنب وتمييز وإجحاف مباحاً؛ لأنّ مثل هذه الظواهر تمهِّد للإصلاح العام وتقرِّب موعد الانفجار.
هذا التصوّر يميل إلى مذهب الذرائع الذي يذهب إلى أنّ الغاية تبرِّر الوسيلة.
فإشاعة الفساد - بناءاً على هذا التصوّر - أفضل عامل على تسريع ظهور المهدي، وأحسن شكل لانتظار فرج ظهوره.
أصحاب هذا التصوّر ينظرون إلى الذنوب نظرة تفاؤل واستبشار، ويعتبرونها عاملاً مساعداً على انطلاق الثورة المقدّسة الشاملة.
هؤلاء ينظرون إلى المصلحين والمجاهدين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بعين الحقد والعداء..؛ لأنّهم يعملون على تأخير ظهور المهدي.
أصحاب هذا التصوّر - إن لم يكونوا هم من زمرة العاصين - ينظرون إلى أصحاب المعاصي بعين الارتياح والرضا؛ لأنّهم يمهِّدون لظهور القائم المنتظر.
تصوّر شبه ديالكتيكي
الاتّجاه المخرِّب في فهم قضيّة ظهور المهدي، يشترك مع الاتّجاه الديالكتيكي في معارضته للإصلاحات، وفي تأييده لأنواع الظلم والفساد باعتبارها مقدّمة لانفجار مقدّس،
مع فارقٍ بين الاتّجاهين هو: أنّ الاتّجاه الديالكتيكي يُعارض الإصلاحات ويؤكّد على ضرورة تشديد الفوضى والاضطرابات، انطلاقاً من هدف مشخّص يتمثّل في تعميق الفجوات والتناقضات لتصعيد النضال.
لكنّ هذا التفكير المبتذَل في مسألة ظهور المهدي يفتقد هذه النظرة، ويرتأي زيادة الظلم والفساد من أجل الوصول إلى النتيجة المطلوبة تلقائيّاً.
هذا اللون من الفهم لمسألة ظهور المهدي، وهذا النوع من الانتظار للفرج، لا يرتبط على الإطلاق بالموازين الإسلاميّة والقرآنيّة، إذ إنّه يؤدّي إلى التعمّد في تعطيل الحدود والأحكام الإسلاميّة بل إلى نوع من الإباحيّة.
الانتظار البنّاء
الآيات الكريمة التي تشكّل أرضيّة التفكير حول ظهور المهدي المنتظر تتّجه إلى جهة معاكسة للنظرة السابقة.
هذه الآيات تشير إلى أنّ ظهور المهدي حلقة من حلقات النضال بين أهل الحق وأهل الباطل، وإنّ هذا النضال سيسفر عن انتصار قوى الحق، وتتوقّف مساهمة
الفرد في تحقيق هذا الانتصار على انتمائه العملي إلى فريق أهل الحق.
هذه الآيات التي تستند إليها الروايات في مسألة ظهور المهدي، تشير إلى أنّ المهدي تجسيد لآمال المؤمنين العاملين، ومَظهر لحتميّة انتصار فريق المؤمنين.
( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ) (النور: 55).
ظهور المهدي الموعود تحقيق لمنّة الله على المستضعفين ووسيلة لاستخلافهم في الأرض ووراثتهم لها.
( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (القصص5 -6).
ظهور المهدي الموعود تحقيق لمَا وعدَ الله به المؤمنين والصالحين والمتّقين في الكتب السماوية المقدّسة:
( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (الأنبياء: 105).
ثمّة حديث معروف في هذا المجال يذكر أنّ المهدي (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً) .
هذا الحديث شاهد على ما ذهبنا إليه في مسألة الظهور، لا على ادّعاء أرباب الانتظار المخرِّب.
هذا الحديث يركِّز على مسألة الظلم ويشير إلى وجود فئة ظالمة وفئة مظلومة، وإلى أنّ المهدي يظهر لنصرة الفئة المظلومة التي تستحقّ الحماية.
ولو كان الحديث يقول: (إنّ المهدي يملأ الله به الأرض وإيماناً وتوحيداً وصلاحاً، بعدما مُلئت كفراً وشركاً وفساداً)، لكان معنى ذلك أنّ نهضة المهدي الموعود تستهدف إنقاذ الحق المسحوق لا إنقاذ أنصار الحق، وإن كان هؤلاء الأنصار أقليّة.
يروي الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق (عليه السلام):
(إنّ ظهور المهدي لا يتحقّق حتى يشقي مَن شُقي ويسعُد مَن سعد).
الحديث عن الظهور يدور حول بلوغ كلّ شقي وكلّ سعيد مداه في العمل، ولا يدور حول بلوغ الأشقياء فقط منتهى درجتهم في الشقاوة.
وتتحدّث الروايات الإسلاميّة عن نخبة من المؤمنين يلتحقون بالإمام فور ظهوره.
ومن الطبيعي أنّ هذه النخبة لا تظهر معلّقة في الهواء، بل لا بدّ من وجود أرضيّة صالحة تربّي هذه النخبة على الرغم من انتشار الظلم والفساد، وهذا يعني أنّ الظهور لا يقترن بزوال الحق والحقيقة، بل أهل الحق - حتى ولو قلّوا فرضاً - يتمتّّعون بكيفيّة عالية تجعلهم في مصافي المؤمنين الأخيار، وفي مرتبة أنصار الحسين بن علي(عليه السلام).
الروايات الإسلاميّة أيضاً تتحدّث عن سلسلة من النهضات يقوم بها أنصار الحق قبل ظهور المهدي، منها: نهضة اليماني، مثل هذه النهضات لا يكن أن تبتدئ بساكن، ولا تظهر دون أرضيّة مسبقة.
بعض الروايات تتحدّث عن قيام دولة أهل الحق التي تستمر حتى ظهور المهدي،.. حتى أنّ بعض العلماء أحسنوا الظنّ بدولة بعض السلالات الحاكمة، فظنّوها أنّها
الدولة التي ستحكم حتى ظهور المهدي.
هذا الظن - وإن كان ينطلق من سذاجة في فهم الوقائع السياسيّة والاجتماعيّة - يدلّ على استنباط هؤلاء العلماء من الروايات والأخبار المتعلّقة بظهور المهدي، ما يشير إلى أنّ الظهور لا يقترن بفناء الجناح العدل والتقوى والصلاح على جناح الظلم والتحلّل والفساد.
الآيات والروايات المرتبطة بظهور المهدي المنتظر، تدلّ على أنّ ظهوره يشلّ آخر حلقات الصراع الطويل بين أنصار الحق وأنصار الباطل منذ بدء الخليقة.
(المهدي المنتظر تجسيد لأهداف الأنبياء والصالحين والمجاهدين على طريق الحق).
الفهرس
انتظار الفرج 2
نوعان من الانتظار: 3
شخصيّةُ المجتمع وطبيعته 4
القرآنُ والتاريخ 7
تفسير تكامل التاريخ 10
طريقتان مختلفتان: 11
الطريقة الديالكتيكيّة أو الآليّة 11
نتائج الاتّجاه الآلي لتفسير التاريخ 25
نتائج الاتّجاه الإنساني أو الفطري 37
لتفسير التاريخ 37
نطريتان لتفسير الانسان 45
التفسير القرآني 47
الانتظار الكبير 53
الانتظار المخرِّب 54
تصوّر شبه ديالكتيكي 55