في الفكر الاجتماعي عند الإمام علي (عليه السلام)
التجميع أمير المؤمنين عليه السلام
الکاتب عبد الرضا الزبيدي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

في الفكر الاجتماعي

عند الإمام علي (عليه السلام)


بسم الله الرّحمن الرّحيم


في الفكر الاجتماعي

عند الإمام علي (عليه السلام)

دراسة في ضوء

نهج البلاغة

تأليف

عبد الرضا الزبيدي

مكتبة فدك



المقدّمة

للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) صفات خاصّة تَميّز بها عمّن سواه من مُعاصريه وسابقيه والمتأخّرين عنه، ولا غلو في ذلك، فمنها - على سبيل المثال لا الحصر - سابقته في الإسلام، وجهاده المستميت في سبيله حتى ثبتت أركان الدين، علاوة على أخلاقه التي ليس لها مثيل، إلاّ تلك التي حملها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إضافة إلى الكثير من الصفات الحميدة ممّا أحصاه الكُتّاب والمؤرّخون، والتي لا مجال لذكرها هُنا حصراً.

لقد كتبَ الكثير بشأن الإمام علي (عليه السلام)، إلاّ أنّنا نجد في كلّ مرّة حَدثاً جديداً، أو مادّة غير مطروحة، أو بحثاً نافعاً وذا علاقة بحياتنا وتاريخنا بكلّ صوره، وما إلى ذلك. وفي هذا البحث المتواضع الذي يتعلّق بالفكر الاجتماعي عند الإمام علي (عليه السلام) لا أدّعي أو أفاخر قائلاً بأنّني أحطّت بكلّ ما يتعلّق بالموضوع، إلاّ أنّي أشكر الله سبحانه وتعالى الذي وفّقني إلى هذا الحدّ من المعرفة، والبحث في فكر هذا الرجل الإلهي الذي أفصح عن شيء من مكنونات حقيقته ولده الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في كلام له بعد استشهاده حين قال (عليه السلام): (والله، لقد قُبض فيكم الليلة رجلٌ ما سبقه الأوّلون إلاّ بفضل النبوة، ولا يُدركه الآخرون، وإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يبعثه المبعث فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره


فلا يرجع حتى يفتح الله عليه) (1) .

(وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليُسأل له علي بن أبي طالب عن ذلك، فلمّا بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب، فقال له عتبة أخوه: لا يَسمع هذا منك أهل الشام، قال: دعني عنك) (2) .

فقد برع في كلّ جوانب الحياة، وأطبق على المعارف كلّها، وعَلم من الأسرار الإلهيّة في هذا الكون مالا يعلمه أحد بعد النبي، وما زالت كلمته المُدوّية على مرّ التاريخ (سلوني قبل أن تفقدوني) ترنّ في أسماع العُلماء والمفكّرين في العالم أجمع.

فهو العالم بالفضاء وأسراره، والواصف الأرض بما حملت، والمُخبر عمّا جرى ويجري من الحوادث، اعتماداً على ما أخذه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عن الله تبارك وتعالى، والعالم الإلهي في علوم الأديان، والواعظ الصادق بخطبه ورسائله ومواعظه، والمُفسّر العظيم للقرآن الكريم (كتاب الله تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به)، ومُعلّم الأخلاق الذي أصبحت سيرته وحكمه مناراً يُهتدى بها، ونوراً يكشف اغطاش الظلام عن الأبصار، فإليه انتهى كلّ شيء.

لقد امتلك قلباً اتّسع العالم كلّه رغم ما تعرّض له من مآسٍ، فهو بين نكبات تعرّض لها من رفاق عرفوا وفهموا كلّ ما أوصى به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثُمّ نكثوا بيعته، وآخرين مَرقوا عليه، وبين آخر اعتكف في داره مُبتعداً عنه، فهو في مجتمع هدم صرح العهود الرساليّة، وباع بقاء الآخرة وعهودها بفناء الدنيا وانقضاء مدّتها وزوالها، فما أعظمه من مغبون، والأنكى تجاهل الكثير منهم؛ لعدم معرفتهم بعظمته وسعة إدراكه، وقوّة حجّته، إنّه عاش في غير عصره. ولم يُدرك كنهه ومداليل علمه أحدٌ من أولئك الذين ضيّعوه، بل تركوه في أحيان كثيرة يعيش

____________________

(1) المسعودي - مُروج الذهب - م 2 ص414 - دار الهجرة - 1404هـ، 1984م.

(2) البرّي التلمساني - محمد بن بكر الأنصاري - القرن السابع الهجري - تحقيق الدكتور محمد التنوخي - ص 74.


غصّته وحسراته وحيداً على أيام صدر الإسلام وعهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حتى تعاقبت الأزمان والدهور، وتحرّرت العقول رويداً رويداً، وبدأت البحوث العلميّة تسبر غور هذا الرجل العظيم لتستجلب العلوم والمعارف من فكره، حتى قال البعض: تعساً لذلك الزمان الذي عاش فيه ولم يُقدّروا حقه! فكلماته ليست خُطباً ومواعظ، إنّما هي دروس علميّة أخلاقية تاريخيّة اجتماعيّة سياسيّة نفسيّة واقتصاديّة، وقد طُرحت أنواع من البحوث بمُختلف العلوم التي حملها هذا العملاق، ونحن الآن على أعتاب كلّ ذلك ندخل بوابة فكره لنطرح ما استطعنا إدراكه وفهمه من تلك المعارف والمفاهيم.

وقد خصّصنا هذا البحث للجانب الاجتماعي من فكره الجبّار؛ لما فيه من الفائدة العمليّة والعلميّة للمجتمعات البشريّة، ولِما تُعاني منه الإنسانيّة في هذه الأزمنة، من تعقيدات الحياة على هذا الكوكب السيّار، الذي يعاني سكّانه من الضغوطات النفسيّة والاختلافات السياسيّة والاجتماعيّة والتفاوت الاقتصادي، بحيث انقسم العالم الأرضي إلى مجموعتين متناقضتين: الأولى غنيّة، والأخرى فقيرة، وازدادت الهوّة بينهما يوما بعد يوم، واستغلّ الأغنياء الفقراء ماديّاً ومعنويّاً، والأخطر من ذلك كلّه تلك الحرب الثقافيّة التي حطمت - بأفكارها الضالّة - كلّ النُظم الاجتماعيّة.

فماجت الأرض بذلك الضياع الفكري، وحالة الفراغ الروحي، الذي يعيشه الكثير من الشباب في هذا الوقت، كلّ هذه الأمور وغيرها دعت إلى طرح الفكر الاجتماعي عند الإمام علي (عليه السلام)، والدعوة لاستمرار أغناء العالم بهذه المباحث الاجتماعية نظراً للحاجة المُلحّة إليها، فمع هذا الفكر العظيم تتحرر العقول والأفكار التي اختلطت أوراق معرفتها وتشابكت خطوطها.

والذي أودّ قوله هو: إنّني بصدد وضع قراءة في فكر الإمام علي (عليه السلام)


الاجتماعي، ودراسته من خلال خُطبِه ورسائله وسيرته في الحكم؛ لأنّنا بأمسّ الحاجة للأخذ بالنظريّة الاجتماعيّة الإسلامية.

ووجدت أنّ الفكر الاجتماعي للإمام (عليه السلام) هو مليءٌ بأُسس ومعالم (عِلم الاجتماع) بكلّ فُروعه المطروحة على أنها مُستحدثة وجديدة، وهي في حقيقتها ومعالجاتها موجودة بكل أبعادها في فكر سيّد الموحدين (عليه السلام)، بل تجده كأنه واضع مبادئ هذا العلم بكلّ مضامينه، ولا أريد أن أجزم وأقول: إنّه (عليه السلام) مؤسّس عِلم الاجتماع قبل طرح أفكاره في هذا المجال، ومُناقشتها وتحليلها في الفصول القادمة إن شاء الله، وهي ممّا اقتبس نورها من كتاب الله تبارك وتعالى وسنّة نبيّه محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، علاوة على ما أفاض به فكره الخلاّق وما حواه من سياسة وتنظيم وقضاء واقتصاد وتربية وفلسفة وعلوم نفسيّة واجتماعيّة، بالإضافة إلى كلّ القيم الأخلاقيّة الإسلاميّة.

ولستُ مبالغاً في مثلِ هذا الطرح، إذ أنّ (نهج البلاغة) أمامنا وبين أيدينا، نتمعّن به ونستنتج منه ما نبغي ونريد، ولم يأتِ طرحنا من وراء تصورات غير واقعية أو أطروحات وهميّة، إنّما من أصل متين ثابت وقعه، قوي تأثيره، واسع مضمونه، وهو نهج بلاغي الفصاحة والعلوم بما اتّسعت، والفلسفة بما حوت.

فلو أنصفنا العلم والتاريخ والحقيقة، وتمعّنا في ما كَتبه المؤرّخ ابن خلدون في المقدّمة، وعشرات الكُتب والدراسات التي تناولته سلباً وإيجاباً، تمعّن الفاحص الدقيق؛ لعرفنا مصادر وأصول الكثير من فُصول مقدّمته وهو المسمّى بمؤسّس علم الاجتماع وواضع أُسسه، فنحن لا نُنكر شخصيّته، ولكن تسميته بمؤسّس علم الاجتماع لا تعني أنّه أبدع في هذا العلم من دون مثال سابق؛ لأنّ القرآن الكريم ونهج البلاغة زاخر بعدد وفير من السُنن والقوانين الاجتماعية.

نرجو من الباري عزّ وجلّ أن يوفّقنا لمراضيه، ويجنّبنا معاصيه، ويهدينا


سبيل الرشاد، ويُسدّدنا في طرح هذا المنهج بالصورة التي تُرضيه ورسوله الكريم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإمام الهدى علي (عليه السلام)، ويشرح صُدورنا لذلك، إنّه وليّ نعمتنا وإنّه نِعمَ المُعين.

عبد الرضا الزبيدي

1 ربيع الأوّل 1418 هـ

7 / 7 / 1997 م.



الباب الأوّل

مَدخل عام



الفصلُ الأوّل

عِلم الاجتماع



تعاريف عِلم الاجتماع وماهيّته

وضعتْ دراسات عديدة خاصّة في القرنين الأخيرين حول المجتمعات البشريّة ومسارات حركتها نظراً للظروف القاسية التي مرّت بها الإنسانية، والتخبّطات الفكريّة، والانحرافات السلوكية، ففي الجانب المسيحي كان هناك ابتعاد كلّي عن أصل العقيدة المسيحيّة التي هي عقيدة سماوية إلهية تامّة غير ناقصة في زمان عيسى (عليه السلام) وصاحبها نبي مرسل من أولي العزم، إلاّ أنّ التحريف الذي شوّه حقيقة هذا الدين وكتابه المقدّس جعل الزمان يتدخّل في الفكر العقائدي للمسيحية، ويشتت وحدته إلى اعتقادات متشعبة متباينة في أُصولها لمصالحها الخاصة بالتعاون مع طبقة الملوك والأمراء والنبلاء والإقطاعيين؛ لاعتبارات التوافق المصلحي لأولئك في تلك العصور، فضاع الحق بين ثنايا الباطل، وأصبحت الأُمم تسير في طُرق ومتاهات ومسالك خطرة، لا نفع فيها لمستضعف أو مسكين، ولا محافظة فيها على حريّة أو كرامة لإنسان، بل العكس، فقد حطّمت كلّ تلك الصور الروحيّة المُشرقة التي اعتبرتها خياليّة في عالم الدنيا، وأصبحت النزعة الموجودة الرضا بهذه الأوضاع السيئة؛ لأنّ الله فرضها عليهم - حسب ما اشبعوا الناس بهذه الفكرة المُميتة - فالتسلط للملوك والأمراء وغيرهم، وللمجتمع العبوديّة، والظلم الذي سلطه أولئك على الرعيّة


هو من الله تعالى، وعلى العبد أن يتكيّف ويرضخ لِما وقع عليه من ظلم؛ لأنّ الله هو الذي افترض هذا الأمر عليهم (وحاشا لله أن يفعل ذلك)، وصوّروا أنّ الملوك هم ظلّ الله في أرضه، وعلى الرعية الطاعة فقط، وتحمل المشتاق؛ لأنّ الدين لا يقبل التحدي والعصيان لكل من (جعلهم الله) ملوكاً على الخلق، وسيجد المرء ثواب ذلك السكوت والتحمّل في الآخرة كاملاً غير منقوص عند الله، بل بيعت قطع سكنيّة، وأراض زراعية، وقصور فارهة في الجنة، عن طريق القساوسة، بالإضافة إلى صكوك الغفران للعاصين من خلق الله والظالمين منهم. بهذا الفكر الجامد وعظوا الناس، وساروا بهم سنين طويلة، فتلك الطبقة المتسلّطة ترفل برفاهية العيش ونعيمه، وكأنّهم تركوا الجنّة للفقراء من الناس هديّة منهم، ورضوا هُم بالعيش المؤقّت في هذه الدنيا. فأيّة مهزلة هذه؟! وأيّة سخرية بخلق الله تعالى؟! وأيّ ظلم كبير؟!

أمّا في بلادنا الإسلامية، فالحكّام ابتعدوا عن السير على ما رسمه القرآن والسنّة النبويّة الطاهرة، حيث هجروا كتاب الله وعطلّوا سنّة نبيّه، واتخذوا هواهم منهجا، واتكئوا على طبقة من الوعّاظ الضالّين المُضلّين في تأويل الآيات وتحريف الأحاديث النبوية الشريفة؛ حتّى يسهل أمر السيطرة على الأُمة، وهو موضوع يشتمل على مباحث كثيرة لا أريد الخوض فيها والخروج عن صلب الموضوع المتعلّق ببحثنا وهو (الاجتماع).

فالخلل إذن ليس في العقيدة وأصولها وفروعها أنّما في المسلك الخاطئ للحكّام الذين لا يهمّهم إلاّ منافعهم الخاصة، والسيطرة على البلاد العباد. أمّا عند المسيحيّة، فالخلل هو في العقيدة المُحرّفة، والكتاب المختلف على نصوصه، وكذلك في القيّمين على أُمور الدين، والحكّام، وعلى عكس ما هو موجود عند المسلمين الذين حافظوا على كتابهم وعقيدتهم من التحريف، وبقوا على تمسكهم


بديانتهم رغم الظُروف القاسية التي مرّوا بها؛ وذلك لوجود أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين صانوا العقيدة والسُنّة النبويّة الطاهرة من التحريف والابتعاد عن أصلها، بل كانوا يتّخذون موقع الهادي والمحافظ وتثبيت الحقائق وتوضيحها للناس، فأصبحوا بذلك المرجعيّة الوحيدة والواقعيّة للمسلمين في ذلك الوسط المُرّ مع تلك المعاناة والصعوبات الشديدة التي رافقت مهمّتهم الرساليّة الكبرى.

ولا يذهبّن بالقارئ إلى تصورات غير صحيحة، من أنّ العالم الإسلامي كان يعيش أيضاً في ظلام الجهل في تلك الفترات، فهذا صحيح في الجانب السياسي، أمّا الجانب الفكري والعقائدي والاجتماعي، فهو غير ذلك وعكس ما يتصوره البعض؛ لأنّ الدين الإسلامي عالم كامل في كافّة مجالاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، فهو لا يحتاج إلاّ للتطبيق العملي، وقد أشبعه وأغناه الفقهاء بالتفاصيل والمباحث، حيث لا تجد نقصا في أمر ما.

إذن؛ الحالة المسيحية في أوربّا انتخبت تلك النظريّات الفكرية والانحرافات عن العقائد السماويّة بفعل تلك العوامل التي كانت موجودة في ذلك العصر، وما يهمّنا هنا من النظريات الاجتماعية التي سنتطرق إلى بعضها سريعاً هو التعرّف على مضامينها وأهدافها ونقاط القوّة والضعف فيها، ثُمّ نوضّح حجم الاستقاء الكبير من المفاهيم الإنسانيّة الموجودة في الفكر الإسلامي، ومطابقة ذلك مع أصل موضوعنا وهو الفكر الاجتماعي عند الإمام علي (عليه السلام)، فنبدأ أولاً بذكر بعض التعاريف لعلم الاجتماع وماهيته، ثُمّ نظريات بعض العُلماء البارزين في هذا الحقل.

لقد وُضعت تعاريف متعدّدة لعلم الاجتماع، ولا نستطيع القول أنّه لم يتفق للآن على تعريف واحد لهذا العلم عند الجميع، فكلّ تلك التعاريف لا تخلو من التقارب في المعاني والأهداف، وعليه فإنّه (يمكن القول أنّ علم الاجتماع: هو ذلك


العلم الذي يدرس طبيعة العلاقات الاجتماعية وأسباب هذه العلاقات ونتائجها، والعلاقة الاجتماعية حسب قول البروفسور مورس كنز برك: هي أيُّ اتصال أو تفاعل أو تجارب بين شخصين أو أكثر بغية سدّ إشباع حاجيات الأفراد الذين يُكوّنون هذه أو تلك العلاقة الاجتماعية). (1)

أمّا دوركايم، فيقول: (... علم الاجتماع هو الموضوع الذي يَدرس المجتمعات الإنسانيّة من ناحية نظمها ووظائفها ومستقبلها، أو هو العلم الذي يدرس أصل وتطور المؤسسات الاجتماعية التي يُبنى منها التركيب الاجتماعي). (2)

ويقول البروفسور هوب هوس الذي يتّفق مع دوركايم في دراسة مروفولوجية وفسيولوجية المجتمعات: (هي دراسة المجتمعات البشريّة من ناحية نموّها وتركيبها واضمحلالها وضعفها، مع التطرّق إلى دراسة تأريخها وعلاقاتها المشتركة). (3)

أمّا ادووستر مارك، فيُعرّف علم الاجتماع (بأنّه: الموضوع الذي يدرس المؤسسات الاجتماعيّة دراسة مُقارنة)، إلاّ أنّه يختلف عن زميله هوب هوس في عدم اهتمامه بمشاكل موضوع التقدّم الاجتماعي. (4)

إلاّ (أنّ اصطلاح (علم الاجتماع) قد ابتكره الفيلسوف (أوجيست كُنت 1798 - 1857 م) ( August Conte )، وهو يستعمل في معانٍ مُختلفة جداً، بحيث يتعسّر معه تقديم تعريف له، وكما يقول عالم الاجتماع الفرنسي المعاصر

____________________

(1) الحسن - إحسان محمّد - بعض نظريات عِلم الاجتماع في القرن العشرين، مجلّة كليّة الآداب العدد 17 ص 23، 1974م - بغداد.

(2) المصدر نفسه ص31.

(3) المصدر نفسه ص 31.

(4) المصدر نفسه ص 32


(ريمون بودن Ragmons Boudon ): (عندما نُحاول تعريف عِلم الاجتماع، فإنّنا نتذكّر فوراً حديث ريمون آرون الطريف، حيث يقول: إنّ علماء الاجتماع لا يختلفون إلاّ على نقطة واحدة، وهي صعوبة تعريف علم الاجتماع)، وأحياناً يُطلق (علم الاجتماع) على (جميع العلوم الاجتماعية التوصيفيّة المهتمّة بالشؤون الاجتماعيّة للإنسان)، ومن هُنا فهو يصبح مُرادفاً (للعلوم الاجتماعيّة)، ويكون (علم الاجتماع) بهذا المعنى شاملاً لكثير من العلوم، ومن جُملتها: الجغرافية الإنسانيّة، والجغرافية البشريّة، وعلم الإحصاء، وعلم الاقتصاد، والسياسة، ومعرفة الإنسان، والتاريخ، وعلم اللغة. فعندما يقول جورج گورفيج، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي (1894 - 1965): على أيّ حال، فنحن نعد الاثنولوجيا جزءاً من علم الاجتماع؛ لأنّ متعلّق البحث فيها هو معرفة الصور النوعيّة للمُجتمعات التي تُسمّى بالقديمة، وحينما يقول عالم الاجتماع الفرنسي الأستاذ هنري مندراس:

إنّ علم الاجتماع في رأينا يشمل على الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي ودراسة الشعوب معاً، فإنهما يقصدان هذا المعنى العام (علم الاجتماع). (1)

وهناك مَن اعتبر أنّ (المهمّة التاريخية للعلوم الاجتماعية هي مساعدة الإنسان في السيطرة على المجتمع).

ويمكن أن نقول: إنّ علم الاجتماع بصورة إجمالية يبحث في السبل الصحيحة لبناء المجتمعات باتّباع المناهج العلميّة والدراسات التطبيقيّة بالترابط مع بقيّة العلوم الأُخرى الاجتماعية منها بالذات.

إلاّ أنّ هناك من يهتم بالعلاقات الاجتماعية ويعتبرها الحلقة المهمّة في

____________________

(1) اليزدي - محمد تقي مصباح - المجتمع والتاريخ من وجهة نظر القرآن الكريم ص19، ترجمة محمد عبد المنعم الخاقاني، دار أمير كبير للنشر 1415هـ.


مفهوم هذا العلم، فيرى (أنّ دراسة العلاقات الاجتماعية التي يهتمّ بها علم الاجتماع المعاصر: هي دراسة تتطلب فحص المجتمع برمّته بغية التطلّع إلى أنماط علاقاته الاجتماعية التي لها أسباب مختلفة كالعلاقات التي تسبّبها العوامل والظروف الاقتصادية والتصوّف والتديّن، والعلاقات المتنوعة الأهداف والمقاصد تشكّل حقل علم الاجتماع الواسع الذي يهتم بدراسة حياة الإنسان بأكملها، هذه الحياة التي تتشعّب إلى نشاطات الإنسان المبذولة في سبيل المحافظة على كيانه ووجوده من الفقدان والضياع، وحقل عِلم الاجتماع يمتد إلى القوانين والأحكام التي تُنظّم السلوك الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية بين أعضاء المجتمع، ويدخل في دراسة نُظم المعرفة والمعتقدات والفنون الجميلة والأخلاق والأديان والفلسفة دراسةً وصفية تحليليّة تعتمد على ما يمكن في هذه المواضع مع التطرّق إلى القوى والعوامل التي تعمل على سكونها أو حركتها). (1)

(وترتيباً على ذلك، فإنّ موضوع علم الاجتماع هو (بنو الإنسان في وجودهم الذي يقوم على الاعتماد المُتبادل)، وليس معنى ذلك أنّ موضوعه هو جسم الإنسان وما تقوم به أعضاء هذا الجسم من وظائف، وإنّما يقوم موضوعه على الاهتمام بما يحدث عندما يقابل إنسان إنساناً آخر، أو عندما يشكّل الناس جموعاً أو جماعات، أو عندما يتعاونون ويقتتلون، أو يتحكّم بعضهم في بعض، أو يُحاكي بعضهم البعض الآخر، أو يطوّرون الثقافة أو يقوّضونها، إنّ وحدة موضوع علم الاجتماع ليست على الإطلاق فرداً واحد، ولكنّها تتمثّل - على الأقل في فردين يكونان معاً - على علاقة بشكل ما). (2)

____________________

(1) بعض نظريّات علم الاجتماع في القرن العشرين ص25.

(2) عبد الباقي - الدكتور زيدان - التفكير الاجتماعي نشأته وتطوّره ص 184، الطبعة الثالثة 1401 - 1981.


أقسام علم الاجتماع

وضع علماء الاجتماع تقسيمات لهذا العلم، كلٌّ حسب منظوره الخاص واتجاهاته واعتقاداته، إلاّ أنّنا نتطرّق ابتداءً إلى تقسيم العالم (دور كايم 1858 - 1917م)، وهو زعيم المدرسة الفرنسيّة لعلم الاجتماع، ومُنشئ علم الاجتماع الحديث وأحد دعائم الحركة العلميّة بصفة عامّة في تلك الفترة بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

فحسب رأيه ينقسم علم الاجتماع إلى ثلاثة أقسام بارزة:

القسم الأول: علم الاجتماع العام ( Sociologie generale )، ويشمل فلسفة العلم.

القسم الثاني: المورفولوجيا الاجتماعيّة وتتشعب إلى:

ألف - جغرافية البيئة وسكّانها، وعلاقة ذلك بالتنظيم الاجتماعي.

ب - دراسة السكّان من حيث كثافتهم وتخلخلهم على مساحة المجتمع.

القسم الثالث: عِلم الوظائف الاجتماعية، ويتشعب إلى:

ألف - علم الاجتماع الديني.

ب - علم الاجتماع الأخلاقي.

ج - علم الاجتماع القضائي.

د - علم الاجتماع الاقتصادي.

هـ - علم الاجتماع اللغوي.

و - علم الاجتماع الجمالي.

تلك تقسيمات دوركايم لعلم الاجتماع وفروعه، وقد أضاف لها تلاميذه


ومُعاونوه وسائر علماء الاجتماع فروعاً أُخرى لا تقلّ أهميّة عن هذه الفروع. (1)

أما أقسام مورس كنزبرك، فهي:

1 - دراسة المورفولوجيا الاجتماعية:

وتهتم هذه الدراسة بالتركيز على العوامل الجغرافيّة وأثرها في طبيعة المجتمع كدراسة آثار المناخ والتضاريس الأرضية الطبيعية على نوعيّة الحياة الاجتماعية الموجودة في مجتمع معين.

2 - دراسة التشريح الاجتماعي ( Soclal physiology ).

وتُعنى هذه الدراسة بالتخصّص في المواضيع التي تهتمّ بدراسة جوانب مُعينة من الحياة كالجوانب الدينيّة والأخلاقيّة والسياسيّة والقانونيّة والاقتصاديّة واللغويّة... إلخ.

ومواضع التشريح الاجتماعي التي تهتمّ بهذه الدراسات كثيرة ومتنوعة منها:

1 - عِلم اجتماع الدين.

2 - عِلم اجتماع المعرفة.

3 - عِلم اجتماع القانون.

4 - عِلم الاجتماع الاقتصادي.

5 - عِلم الاجتماع السياسي.

3 - عِلم الاجتماع العام: ووظيفة هذا العلم تتلخّص بجمع النتائج التي توصلت إليها العلوم الاجتماعيّة الأخصّائية، ثُمّ التوصل إلى الحقائق الاجتماعية المشتركة التي تتكهن في هذه العلوم، وبالتالي كشف احتمالية وجود قوانين عامة مشتركة تفسّر نتائج الدراسات الاجتماعية). (2)

____________________

(1) نفس المصدر السابق ص 374.

(2) بعض نظريّات علم الاجتماع - المصدر السابق، ص 29.


وربما نجد من المناسب إلفات نظر القارئ إلى هذه الأقسام؛ لأنّنا سنعود لطرحها مرة أُخرى ولكن بصورة أُخرى من خلال الحديث عن فكر الإمام علي (عليه السلام) الاجتماعي، إذ أنّ البحث في فكر هذا الرجل الخالد تناول كل ما طرحه المتأخرون وقسّموه، وهدفنا من التوضيح هو تبيان حقيقة هذا الإمام العظيم الذي ظُلم في حياته وما بعدها، بل حاول البعض حذف ومسح كلّ أفكاره العظيمة التي هي دواء وشفاء للمجتمعات بما حوته من المعارف والعلوم، لحاجة هذه المجتمعات لتلك الأفكار المضيئة، خصوصا في عصرنا الحاضر الذي يعيش التطوّر العِلمي الكبير، والانحراف الخُلُقي الواسع، والصراع الفكري، وفقدان حالة الإشباع الروحي الذي تعاني منه الكثير من الشعوب المُتقدّمة، وما حالات الانتحار الفردي والجماعي والمشاكل الاجتماعية والعُقد النفسيّة وجهل الإنسان لماهيّة وجوده في هذا الكوكب المعمور إلاّ بسبب ذلك الفراغ العقائدي وافتقاد الإيمان الذي يغذّي الروح الإنسانيّة بالقوى المعنويّة والإرادة الذاتية المقاومة لتلك التحديات، وقد وصلت الإنسانية إلى مُنعطفات خطيرة يستفسر فيها إنسان الكثير من مجتمعاتها عن سبب خلقه وعيشه، بل ويعتقد في أحيان كثيرة أنّ فكرة الموت أو الفناء التمام أفضل له وللمجموعة البشريّة معاً.

وتأتي أهميّة طرح هذا الفصل لتعريف القارئ العزيز غير المختص بهذا العلم حتى يستطيع إدراك ما طرحه الإمام علي (عليه السلام)، ومدى الجهل والتجاهل لعلوم الإسلام وأفكاره، وحتى من لدن بعضنا نحن المسلمين (... إلى أن أصبح المسلم المتفرنج يرغب بالشريعة السويسريّة الخرقاء بدلاً من الإسلاميّة جاهلاً ما في الشريعة الإسلاميّة من القواعد في الحقوق والاجتماع والفلسفة ما يُعتبر أكبر معجزة لرجال العصر، وأعظم مأثرة تمتاز بها القرون الأخيرة عن سابقتها وما ولدته من الحضارات والمدنيّة.


لنضرب مثلاً - لابن المدنيّة الحاضرة - رجلاً عاش في القرون الوسطى التي يُسمّيها بالظلمة والتوحش يَسنّ للمسلمين ما بعد اليوم آخر ما وصلت إليه أدمغة علماء الاجتماع في أحدث فنّ من الحقوق التي لم تدوّن إلاّ بعد مجهودات طويلة وسنين عديدة، وارتكزت على قواعد شتّى وتتبّعات مُتتالية، ألا وهي (الحقوق الإداريّة) الحديثة النشأة، ولا شكّ أنّه يندهش أيمّا دهشة حينما يسمع بذلك الرجل وليد القرون الوسطى يُملي على عامله مالك بن الأشتر النخعي (رضي الله عنه) نظريات الحقوق الإدارية التي لا يستغني عنها أيّ موظّف إداري في عصرنا هذا، ذلك الرجل هو صاحب النبي الأُمّي وصِهره وابن عمّه علي بن أبي طالب (عليه السلام). (1)

الظواهر الاجتماعيّة

(يدرس علم الاجتماع الظواهر الاجتماعية Social Phenomena ، وتعرف الظواهر الاجتماعية بأنّها: عبارة عن القواعد والاتّجاهات العامّة التي تتّخذ في مجتمع ما أساساً لتنظيم الحياة الجمعية، وتنسيق العلاقات التي تربط بين أفراد هذا المجتمع بعضهم ببعض وتربطهم بغيرهم...

هذا ومِن أهمّ الخواص التي تمتاز بها ظواهر الاجتماع الإنساني أنّها لا تجمد على حال، بل تختلف أوضاعها باختلاف الأُمم والشعوب، وتختلف في المجتمع الواحد باختلاف العصور، فمِن المُستحيل أن نجد أُمّتين تتّفقان تمام الاتّفاق في نظام اجتماعي ما، وفي طُرق تطبيقه، كما أنّه من المستحيل أن نجد نظاماً اجتماعياً

____________________

(1) الفكيكي - توفيق - الراعي والرعيّة - ص 61 - الطبعة الثانية 1402هـ - مؤسسة نهج البلاغة - شركة افست إيران.


قد ظلّ على حال واحدة في أُمّة ما في مُختلف مراحل حياتها، وتصدق هذه الحقيقة على شؤون السياسة والاقتصاد والأُسرة والقضاء وسائر أنواع الظواهر الاجتماعية حتى ما يتعلّق منها بشؤون الأخلاق ومقاييس الخير والشر والفضيلة والرذيلة، فما يكون خيراً في مُجتمع قد يكون شرّاً في مُجتمع آخر، وما تَعدّه أُمة فضيلة قد تعدّه أُمة أُخرى رذيلة، وما يراه شعب مُباحاً قد يراه شعب آخر محظوراً). (1)

هناك نقطة تُلفت النظر ويجب مناقشتها ولو بشكل مُختصر، وهي أنّ الظواهر الاجتماعية وإن كانت لا تجمد على حال واحدة وأنّ أوضاعها تختلف من مكان إلى آخر ومِن زمان إلى آخر، وأنّ الأُمم لا تتوافق على نظام اجتماعي واحد، إلاّ أنّ هناك نُقطة تستدعي الوقوف عندها، وهي مسألة التفاوت أو الاتّحاد في المقاييس الأخلاقية، فإنّ الشرّ شرّ في كلّ العقائد الدينيّة السماويّة والفضيلة دائما، وهذا ما نجده في الإسلام وغيره، حيث إنّ الإسلام بيّن ماهيّة الشرّ والخير والفضيلة والرذيلة، وإنها مفاهيم لها معانٍ لا خلاف فيها.

وأقول: لو أنّ الدين الإسلامي أصبح حاكماً على أغلب بقاع العالم ودانت الناس والمجتمعات به، فما هو موقفها من الخير والشرّ والرذيلة والفضيلة؟ هل هو التوافق على معاني هذه المفاهيم، أو التفاوت في القبول والرفض لها؟ حتما سيكون التوافق التام على معانيها والالتزام بما حدّده الدين لها من حيث التعامل مع الحقائق، فإذا كان الشخص مؤمنا أو عكس ذلك فهو يعرف أنّ هذا خير وذاك شرّ، وهذه فضيلة وتلك رذيلة، إلاّ أنّ انحرافه يجعله يرتكب الشرّ والرذيلة، ويبتعد عن الخير والفضيلة، وإذا عاد إلى رشده؛ فإنّه سيلتزم حتماً بتعاليم دينه ويبتعد

____________________

(1) التفكير الاجتماعي - نشأته وتطوّره - ص 182.


عن الشرّ والرذيلة.

وكذلك بالنسبة للمُباحات والمحرّمات، فهي واحدة في الأديان ولا خلاف عليها، سواء كانت في الشرق أو الغرب، عند العربي والأعجمي، فالمُباح ما إباحته الشريعة له، والمحرّم ما حرّمته الشريعة عليه، وهو ليس لمجتمع واحد وينكفئ عليه إنما هو للبشرية كافة، للمجتمعات على اختلاف ألوانها ومشاربها، إلاّ أن ارتكاب المُحرّم وعدم السير وفق هدى الشريعة المحمدية شيء وكون المجتمعات الإنسانيّة لا تتّفق على نظرة واحدة تجاه المباح والمحظور أو ما تعدّه أُمّة خيراً تعدّه الأُخرى شراً شيء آخر، ونظرة عابرة إلى كلّ الشعوب الإسلاميّة في هذا العالم نستوضح من خلالها الجواب على أنّ هذه الشعوب هل تختلف في نظرتها إلى الخير والشر والمباح والمحضور، أم أنّها لا تختلف، بل تتوافق في نظرة واحدة إلى تلك المفاهيم وحسب ما أعطته الشريعة الإسلاميّة وحدّدته؟ وهذا ما يجب أن يُعطي القارئ اللبيب رأيه فيه.

وإذا ما عدنا قليلاً إلى دراسة الفكر الإسلامي نجد أنّ الإسلام أوّل مَن درس الظواهر الاجتماعية ووضع الحلول المناسبة لها، وقد دخل الإمام علي (عليه السلام) بفكره الجبّار في عُمق هذه الظواهر ليُرشد الفكر الإنساني، ويُنبّهه إلى القواعد السليمة التي تحفظ المجتمع، وتُنقّي ظواهره من الشوائب والسلبيات وتُعزّز الإيجابي منها؛ لتحقيق كيان اجتماعي نقي وسليم يتّسم بالاستقرار والرفاهية.

وتبقى الظاهرة الاجتماعية هي محور الدراسات الاجتماعية، و(إذا كانت الأسرة هي وحدة المجتمع فإنّ الظاهرة الاجتماعية هي وحدة علم الاجتماع، وكلّ عِلم يختصّ بمجموعة من الظواهر التي تشكّل منطقة نفوذه، وما لم يقم كلّ علم بتحديد ظواهره وتعريفها؛ فإن تلك الظواهر تبقى معلقة تتلقفها العلوم الأُخرى، ومن دراستنا السابقة عرفنا أنّ ابن خلدون (مُنشئ عِلم الاجتماع) لم يُعرّف الظاهرة الاجتماعية، وإنّما اكتفى بضرب أمثلة لها كثيرة، على حين لم يحدد لنا كونت


خصائص الظاهرة الاجتماعية أيضاً، وإنّما قال: إنّ موضوع عِلم الاجتماع يجب أن يتناول الموضوعات التي لم تتناولها العلوم السابقة عليه في الظهور...، ومن هنا وجد دوركايم أنّ تحديد الطبيعة والخواص النوعية للظاهرة الاجتماعية من أهمّ موضوعات الدراسة في علم الاجتماع؛ لارتباطه أشدّ الارتباط بإمكانيّة قيام علم الاجتماع ومدى استقلاله). (1)

(ومن الأمثلة العديدة لهذه الظواهر هي: قواعد الأخلاق، الأُسرة، الممارسات الدينيّة، قواعد السلوك المهني، فمثل هذه الحقائق هي الظواهر الاجتماعية من وجهة نظر دوركايم، وهي التي تشكّل الميدان للدراسة السوسيولوجية... هذا وتعتبر الظواهر الاجتماعية بمثابة تيارات اجتماعية قائمة، حتى وإن لم يكن هناك تنظيم اجتماعي محدود بوضوح مثل موجات الحماس التي تدفع الفرد إلى الاندماج في الحشد أو الجمهرة.

هذه التيارات اجتماعية في جوهرها؛ لأنّ لها واقعاً موضوعيّاً، كما تمارس ضغوطاً متعدّدة على الفرد والجماعة...

وقد ضرب دوركايم أمثلةً للظواهر من أجل زيادة الأمور وضوحاً بقوله: في كل مجتمع إنساني مهما كانت درجة تحضّره، نجد أنّ الأفراد يسيرون في مختلف شؤون حياتهم، وفي مُختلف فروعها على أساليب خاصّة وقواعد وأوضاع لا يحيدون عنها، وعلى سبيل المثل فإنّه بصدد الدين نجد الأفراد يتّفقون على أُمور عامّة فيما يتعلّق بطقوسهم وشعائرهم وكائناتهم المُقدّسة، وفي الواجبات ا لتي تربطهم بهذه الكائنات) (2) . وكذلك يذكر دوركايم في شؤون الأُسرة والشؤون الاقتصاديّة والحياة السياسية كلّها يتّفق المجتمع على السير وفق

____________________

(1) المصدر السابق - ص356.

(2) المصدر السابق - ص 358.


طبيعتها وكذلك اللغة والنقود، فهذه كلّها ظواهر اجتماعية عند دوركايم، (هذه الظواهر الاجتماعية تصبح خارج شعور الأفراد حالة تفرّقهم، ويقصد دوركايم بالصفة الخارجيّة وجود هذه الظواهر في اللُغة والدين والاقتصاد والقانون... ودوامها من جيل إلى جيل وعدم تأثرها بتغيير الأفراد؛ وذلك لكونها مُستمرّة وبشكل معيّن، ويولد الأفراد ليجدوها سابقة على مولدهم، ويعرفونها ويأخذون بها عن طريق التعليم والتنشئة الاجتماعية، ويستدل دوركايم على خارجية الظواهر بثلاثة شواهد هي:

ألف - إنّها مسطورة وأغلبها مُدوّن وله كُتب ودساتير وقوانين موضوعة.

ب - بعضها محفوظ ومعروف يتحقّق عمليّا وهذا واضح في العادات والأعراف والتقاليد.

ج - إنّ بعضها موجات فعليّة تظهر في المجتمع مثل الإقبال على الانتحار والزواج والطلاق، أو الإكثار من الانسال، أو انتشار الإجرام...، ويمكن تحديد هذه الموجات تحديداً احصائيّاً). (1)

الظواهر الاجتماعيّة

وأثرها في بناءِ النظريّة الاجتماعيّة

إنّ أيّ مُجتمع من المجتمعات البشريّة له تنظيمه الحياتي والسلوكي الخاص، وكذلك صيغ تعامل أفراده فيما بينهم، بغضّ النظر عن تقدّم ذاك التنظيم البشري أو تخلّفه، فالنظام العام الذي يسير عليه مجتمع ما لم يقم عبثاً، إنّما هو حصيلة تراكمات ووقائع تاريخيّة تركت بصماتها على عملية حركة المجتمع ونظامه،

____________________

(1) المصدر السابق ص 356.


بالإضافة إلى تراث الأُمة الحماسي وما يحمله من معانٍ ثابتة في أذهان الناس، وصور متنوعة من الأحاديث الشعبية والأساطير الخياليّة والمفاخر الأبويّة والعقائد والآداب والرسوم والعادات والتقاليد والفنون وغيرها، التي تُعطي لذلك المجتمع قيماً دافعة باتّجاه حركة معيّنة نحو إشباع رغبات الناس الذاتيّة يفرضها واقع المُجتمع المُعاش، فاتّباع منهجيّة مشخّصة في الأعمال المختلفة تعطي في النهاية الصورة الجامعة لحياة المجتمع، فمثلاً هناك بعض السلوكيات ولِنَقُلْ العادات والتقاليد الشعبية لا زالت متداولة بين الناس وإن اختلف البعض منها عن الأصل بصورة جزئيّة، إلاّ أنّ صورتها من الأعلى واحدة.

إنّ الأساس في كلّ بناء اجتماعي إيجابي هو تنقية سلوك الإنسان قبل كلّ شيء، والارتفاع بمستوى القيم التي تنظّم أعماله، وهذا ما يضمنه الدين الإسلامي بتعاليمه الخالدة، ومراعاته للحيثيات التي تدخل على مسيرة المجتمعات فتُلقي بظلالها على النظام الاجتماعي السائد لتطرح أبعاداً جديدة وواقعاً متغيراً يحتاج إلى تعامل جديد يعالج تأثير المُتغيرات الحضاريّة الجديدة على حياة الناس وحاجاتهم، فلا بدّ إذن من فكر صالح يستوعب هذه الحالة الجديدة على الواقع ليُعطي الجواب الشافي والعلاج الناجع دون أن ينفي ما قد يحويه التراث من معالم حسنة ومُفيدة.

والإسلام بمبادئه يسدّ هذه الحالة المُلحّة، حيث المُرونة في التعامل مع المستجدات الحضاريّة القادمة وتلك المكتشفات العلمية بفقهه وأُصوله ومنهجه، فهو يشعّ بنور الهداية والأمان والاستقرار.

والنظام الاجتماعي إنّما يأخذ خصائصه من المنهج الأصلي الذي اعتمده في مسيرته، والمشروع العام الذي يستوعب نظاماً اجتماعياً متكاملاً محفوظاً من الإضافات الضارّة، ومحتفظاً بالنصّ الحقيقي بعيداً عن الخُرافات المضلّة، وله


قابليّة استيعاب التطوّر العلمي النافع، ومُعايشة العصر بأُسس علمية ثابتة ستكون له القدرة على جمع الأجناس البشريّة في كيانه، مع ضمان حريّة الحركة بين تراث الأمّة الصالح وبين واقع المُجتمع المُتجدّد من خلال دخول العناصر الحضاريّة الجديدة التي ستكون حتما ذات أثر خاصّ في تغيير حياته المدنيّة وسلوكه الاجتماعي، ومدى التَقبّل والرفض في القيم الاجتماعية لما يفرضه الواقع الجديد بحيث تكون المحافظة على الأُسس والأُصول الحيّة للعلاقة مع المجتمع طافحة للوجود.

الاستعارة السلبيّة

إنّ بناء النظريّة الاجتماعيّة بالاتكاء على مباني عِلم الاجتماع بصورته الأكاديميّة الحديثة والمنبثق من الواقع الأوربّي يُعتبر منهجاً غير صحيح، إن لم يكن يُنظر إليه بالريبة والشك.

(ومع أنّ منشأ عِلم الاجتماع كان ولا يزال غربياً في إطاره العام، وتركيبته العلمية والثقافية كانت ولا تزال مُنتزعة من التقاليد والأعراف الأوربية، إلاّ إنّ ارتباط مبادئ علم الاجتماع بالفلسفة الأخلاقية يجعلنا ننظر إليه - وبتحفّظ - من زاوية العلم الذي يدعو إلى التماس الارتكاز العقلائي يُساند الشريعة ويؤمن بها في كل توجيهاتها الفرديّة والاجتماعية، وما انحياز العديد من رجال الفكر الأوربي العُقلاء، أمثال (والدو امرسون)، و(برتراند رسل)، و(روجيه غارودي) وغيرهم، إلى الإسلام إلاّ دليل على ما ذهبنا إليه). (1)

____________________

(1) الأعرجي - الدكتور زهير - مباني النظريّة الاجتماعية في الإسلام - ص 63 المطبعة العلمية - قم - الطبعة الأُولى 1417.


لقد جاءنا هذا العلم بصورة غريبٍ قادمٍ من مكانٍ بعيدٍ لا نعرف ماهيّته ولا نستطيع التحاور معه؛ لقلّة البضاعة الثقافية والعلمية الموجودة في أيدينا، ولنقل بصراحة وبدون وجل: عدم وجوده في عالمنا الحديث، فأصبحنا ننظر إلى شكل القادم الجديد ولونه المُبهر منتظرين نُطقه، والأنكى من ذلك أنّه ليس لدينا القدرة على استنطاقه وإثارته لنسمع ماذا يحمل في جعبته، وحتى لو علمنا لا ندري أيّ شيء ينفعنا وأيّ شيء يضرّنا، وهذا التصوير الواقعي عايشه من هُم قبلنا ونحن شملنا ذلك أيضاً، فعدم اطلاعنا على العلوم والأفكار والنظريّات الجديدة جعلنا لا نستطيع الردّ على تلك الأطروحات وأخذ الصالح منها ونبذ ما يخالف عقيدتنا وطبيعة مجتمعنا؛ لأنّنا نمتلك تُراثاً علمياً زاخراً وتجربة فريدة ناجحة قادت الإنسانيّة إلى التطوّر العظيم قروناً متواصلة.

إنّ من أبيَن الخطأ ما يقع به البعض من محاولة استعارة تلك الصياغة الغربية ذاتها لنظريات علم الاجتماع الحديث لاعتمادها في تفسير مشكلاتنا الاجتماعية وصناعة غدنا المنشود، دون الالتفات إلى واقع تلك النظريّات التي تمخّضت أساساً عن دراسات أُخذت من واقع تلك المُجتمعات التي كان يسودها الظَلام والظُلم والعبوديّة والحروب، وليس عن دراسات موضوعيّة شاملة، كما أنّها لم تنبثق في الأساس من قواعد معرفيّة أصيلة.

ومما ينبغي التنبيه له أيضاً هو (أنّ علم الاجتماع الذي يُدرس الآن في الجامعات الأجنبية لم تكتمل معالمه بعد، وهو لا يزال متأثراً في بعض أُصوله وأُسسه بالمحيط الاجتماعي الذي نشأ فيه...، إنّه لم يبلغ بعد مستوى العلوم الأُخرى التي نمت منذ زمن طويل فأصبحت تستند في مفاهيمها على أُسس عامّة تصلح للتطبيق في كلّ زمان ومكان، فقد نشأ عِلم الاجتماع مُنذ مئة سنة تقريباً، وهذا عمر يكاد يكون صغيراً بالنسبة لأعمار كثير من العلوم


الأخرى... لا ننكر ما في علم الاجتماع الحديث من نظريّات قيّمة تُنير السبيل للباحث الاجتماعي أينما ذهب في أنحاء الأرض، ولكنّنا مع ذلك لا يجوز أن نتّخذ منه دستوراً صلباً أو نقلّده تقليداً أعمى). (1)

نظرةٌ عامّة

إلى آراء بعض عُلماء الاجتماع

جان جاك روسو (1712 - 1778):

(تأثر روسو بكلّ ما كتب حول فلسفة التعاقد الاجتماعي، وراح يسبغ عليها الكثير من الآراء التي يستخلصها من فكرة أو مُشكلة سيطرت على تفكيره، ومبناها (أنّ الأفراد وجدوا أنْ ليس ثمّة وسيلة لإنقاذهم من حالة الطبيعة إلاّ البحث عن شكل للوحدة أو الاجتماع من شأنه أن يحمي ويقي شخص كلّ عضو وممتلكاته... شكل للوحدة يكون فيه كل عضو، وقد اتحد مع الأعضاء الآخرين، غير خاضع مع ذلك إلاّ لنفسه، ويظل أيضاً متمتّعاً بنفس الحرية التي كان يتمتّع بها من قبل)، وهذه الفكرة هي محور كتابه (العقد الاجتماعي)، وكان يبحث في تحقيق تلك الوحدة يفكر من خلال عقيدة اتخذها لنفسه نبراساً في كلّ دراساته، وهي أنّ الحالة الطبيعية أو الاجتماع الطبيعي الذي نشأ في ظِلّه الإنسان الأوّل كان أسعد حالا، وأن التطوّر والتقدّم هو الذي أفسد طبائع الأفراد وسبّب شقاءهم وأقام الفروق بينهم، وأدّى بهم إلى عدم التساوي مع أنّ الطبيعة خلقتهم أحراراً). (2)

____________________

(1) الوردي - الدكتور علي - دراسة في طبيعة المجتمع العراقي - ص 20 - منشورات الشريف الرضي - قم.

(2) المصدر السابق ص 238.


فيكو (1668 - 1744):

(ومُجمل نظر نظريّة فيكو في فلسفة التاريخ أنّ التاريخ يُمثّل وحدة متماسكة، وأنّه من خلال التطوّر تمرّ كلّ الشعوب ومظاهر حضاراتها في ثلاث مراحل:

1 - المرحلة الدينية، وهي عهد الآلهة. Lage divin

2 - المرحلة البطوليّة أو عهد البطولة.. Lage heroque

3 - المرحلة الإنسانيّة أو عهد الإنسانيّة. Lage hunain

وهذه المرحلة - الثالثة - التي تسود فيها الحقوق المدنيّة والسياسية في ظلّ الحرية، وتكون الحكومات فيها - في الغالب - ديمقراطية وليس للدين من هدف سوى رفع المُستوى العالمي للأخلاق في المجتمع، وبذلك تختفي الفروق الطبيعيّة، ولا يكون لأفراد معينين امتيازات خاصّة، أو تكون هناك فروق اجتماعية تُفضّلهم على غيرهم كما يسود الرخاء ويزداد الترف، حيث يكون كلّ فرد مسؤولاً عن إنتاجه وعن عمله في ظل المُنافسة الحُرّة). (1)

وهذا الفيلسوف له آراء تتناقض والواقع؛ فيعبّر عن شعب من الشعوب بأنّه كسول وجاهل ويمرّ بعهد من عهوده التي حددها، إلا أنّه في حقيقة الأمر لم يدرس التأريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لكلّ شعب أو حضارة معينة، متناسياً أنّ هذه المراحل التي يعددها لا تمثّل قانوناً عامّاً لمختلف المجتمعات، ولا منهجا صالحا ومثالياً لهم؛ لأنّ الأساس هو دراسة تراث الأمم ودراسة حضارات البلدان والرقي والتمدّن الحاصل لكل شعب من الشعوب وأثر ذلك على حركة المجتمع وتطوّره. بل الأبعد من كلّ ذلك أنّه تناسى الأحداث التأريخية

____________________

(1) المصدر السابق ص 247.


المُهمّة والتعاليم الدينية التي إن طُبّقت كما وضعها الباري عزّ وجل، وأُحسن الاستفادة منها في بناء المجتمع، ولم يسمح بإطلاق العنان للذات المريضة المُنحرفة بالتخريب والانحدار، ستصل عند ذلك المجتمعات إلى الرقي والازدهار، والإّ فقد تنشأ حضارة أو مدنية في فترة ما إلاّ أنّها سريعة الانهيار، وقد لا يمتدّ بها العُمر طويلاً؛ لأنّ الجذر الفاسد لا يمكن أن يُعطي ساقاً وأوراقاً خضراء، ولا ثمراً ناضجاً طيباً: ( وَالْبَلَدُ الطّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَالّذِي خَبُثَ لاَيَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً ) (1) .

وقد يصدق القول بأنّ الدين ليس له هدف سوى رفع المستوى الأخلاقي العالمي على المسيحية التي تنحصر تعاليمها في جملة من الوصايا الأخلاقية، ولكنه لا يصدق على الإسلام الذي هو نظام متكامل للحياة. ولو كان هذا المفكر قرأ شيئاً عن فكر الإمام علي (عليه السلام)، وشاهد المستوى الرفيع للنظام الاجتماعي الذي افتقد القدرة هو وأسلافه ومَن كان بعده على إدراكه بفعل عوامل الانحطاط الفكري واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان لكان غيّر رأيه وقدّم تصوراً آخر للدين ودوره في حياة الإنسان.

وهذا مُفكّر الثورة الفرنسية والتي كانت آراؤه من أهمّ أسباب قيام الثورة الفرنسيّة وهو: فولتير (1694 - 1778): حيث (... كان يدعو للدين العقلاني، ويُهاجم الدين الجامد والتعصّب في أيّ صورة، ويخوض المعارك الضارية دفاعاً عن حريّة الفكر وعن التسامح الديني، ويُنادي بحكم العقل ويُناهض حُكم العاطفة والشهوات... رغم أنّه

____________________

(1) سورة الاعراف: الاية 58.


اتّخذ مذهبا في الفلسفة قريباً من مذهب (الدييزم) أي (الإلهيّة)... وأساسه أنّ الله خلق الكون متقن القوانين كالساعة المُتقنة الصنع، التي لا تحتاج إلى إصلاح، ومنذ يوم الخليقة وكلّ شيء يسير في انتظام وفقاً لهذه القوانين الثابتة، فهو ليس بحاجة إلى التدخل لإصلاحه، حتى ما يبدو لنا في الظاهر أنّه شرّ هو في حقيقته شرّ جُزئي وُجد من أجل خيرٍ كلّي، وهذه الفلسفة العقلانيّة بطبيعة الحال كانت في حقيقتها معادية للمسيحية وللكنيسة؛ لانّها تُنكر المُعجزات وكل ألوان التدخل الالهي في الزمان والمكان، وتقطع التواصل نهائياً بين السماء والأرض، إلاّ في البداية والنهاية، وهي ليست فلسفة دهريّة أو ماديّة، لأنّها تعترف بوجود الله وقَدَه على العالم المادي، ولكنّها ترفض - كالمعتزلة - فكرة الله المشخص ذي الصفات الحسان، المتدخل بذاته في شؤون البشر داخل الزمان والمكان، فهو عندها كالملك الدستوري الذي يملك ولا يحكم، وقد حاول فلاسفة هذه المدرسة استرضاء الكنيسة والرأي العام المسيحي بقولهم: إنّ الله تدخّل مرّة واحدة منذ بدء الخليقة عندما أرسل الروح القدس إلى مريم العذراء، ليخلق المسيح). (1)

وفولتير يريد أن يسير في الطريق ولكن ليس على الطريق المُعبّد، إنّما يُريد أن يسير على أطرافه الترابيّة، فإن أتعبه صعد إلى الطريق المُعبّد، ولكن سُرعان ما يعود إلى طريقه الأصلي وهو تناسي النبوّات، وبالأخص نُبّوة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

وكذلك لم يدخل في فكره مسألة الدعاء التي قد لا يعتقد بها ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ ) (2) أو قد لم يفهم السُنن

____________________

(1) التفكير الاجتماعي - نشأته وتطوره ص240.

(2) سورة البقرة: الآية 186.


الإلهيّة الكونيّة والتأريخيّة، إذ يرى فولتير أنّ الإنسانيّة مرّت بعهدين:

1 - عهد الفطرة.

2 - مرحلة صنع الإنسان.

ويطرح فولتير العوائق الرئيسيّة لعدم وصول الإنسان إلى المرحلة الأخيرة وهي:

أ - الانحراف الطبقي: كان يرى أنّ النظام الطبقي ضرورة اجتماعية؛ لأنّ هناك فُروقاً في الأساس بين الأفراد تختفي.

ب - انحراف الملكيّة.

ج - انحراف اضطهاد الأجناس.

د - انحراف الاضطهاد الديني.

وهناك علماء آخرون لا مجال لتعداد آرائهم وما يعتقدون به أمثال: ترجو، وكوندرسيه، وسان سيمون وغيرهم، لذا ننتقل إلى نماذج أخرى أكثر ارتباطاً بعلم الاجتماع ونبدأ بـ:

أوجيست كونت (1798 - 1857):

كان كونت فيلسوفاً اجتماعياً فرنسياً من مفكري القرن التاسع عشر... يرى أنّ كلّ فرع من فروع معرفتنا، يمرّ في سيره عبر التاريخ نتيجة لطبيعة التفكير الإنساني نفسه بثلاث حالات نظرية مختلفة، هي: الحالة الميثولوجية أو الخياليّة، ثُمّ الحالة الميتافيزيقيّة أو المُجرّدة، وأخيراً الحالة العلميّة أو الوضعيّة.

وتلك الحالات الثلاث التي اعتبرها قانونا هي التي مهدت لقيام علم الاجتماع الحديث لدى أوجيست كونت...، ومن المعروف أنّ المؤرّخين ينسبون إلى (أوجيست كونت) الفضل في إنشاء علم الاجتماع في أوربا، ولا يزال هذا


الاعتقاد قائماً حتى الآن). (1)

(لاحظ كونت وجود بعض الفروق البسيطة في التكوين الجسماني بين الإنسان وبين السُلالات الحيوانيّة القريبة منه، كما لاحظ وجود شيء مُعين لدى الإنسان غير موجود بالمرّة لدى كافّة أنواع الحيوانات، وهذا الشيء هو وجود حضارة معينة مرتبطة بتاريخ مُعين لدى الإنسان، كما لاحظ أنّ عنصر التاريخ هذا يُميّز الإنسان على الحيوان، وأنّ هذا العنصر يتكوّن بصفة أساسيّة من المحافظة على القديم من جانب، والاتّجاه نحو التقدّم من جانب آخر، وكما يقوم عنصر التاريخ على النقل، فإنّه يحتوي أيضاً على خاصيّة الابتكار، واستشهد على ذلك بتجمّع القِردة الذي يقوم على فكرة دون الابتكار، بينما التاريخ ينطوي على كثير من الاختراعات الإنسانيّة، ذلك أنّ التاريخ هو الذي يُسجّل التأثير المُنتظم والمستمر للأجيال بعضها على البعض الآخر، ومن هذه التأثيرات الحضارية يتكوّن الوجود التاريخي، كما أنّ الحضارة تسجّل داخل هذا الوجود بواسطة التاريخ.

ولمّا كانت الخاصيّة المُميّزة للإنسان هي حركة الحضارة عبر التاريخ فإنّ العِلم الوضعي للإنسان سوف يكون بالضرورة دراسة تلك الحركة الحضاريّة...، كما نستطيع تحديد الخطوط العريضة للتاريخ الذي هو جوهر الحياة الإنسانيّة). (2)

إنّ أفكار كونت هذه هي ليست اكتشافاً ذهنياً حضارياً للإنسانية، فهو بتأكيده على العنصر التاريخي وما يضمّ من جانب المحافظة على تراث الأُمة الممتد لمئات السنين والعنصر الثاني خاصية التطور والإبداع عند الإنسان خلال

____________________

(1) التفكير الاجتماعي - نشأته وتطوره - ص 302.

(2) التفكير الاجتماعي - المصدر السابق - ص 304.


المسيرة الحضاريّة أو ما يُسمّيه بالابتكار والاختراعات الإنسانيّة إنّما اتّخذ منهجاً كان الإسلام قد سبقه إلى ذلك من خلال ما سنوضّحه تِباعاً؛ لأنّه قد تبقى أُمّة خاملة لسنين طويلة على واقعها المريض لكنّها بطبيعة وجود المؤثرات الأخرى لا بدّ أن يصيبها التطوّر الحضاري الجزئي أو يشملها النزر اليسير من ذلك التقدّم، ولا ريب أنّ الأجيال المتعاقبة يتأثّر بعضها بالبعض أو تتأثر بتاريخها وتراثها الحضاري الباقي أو الزائل، وكلّ ذلك ينقله التاريخ ويُسجّله لبواعث خاصة لها أثر إيجابي على مستقبل الأُمم والحضارات، والقرآن الكريم حينما يذكر ويؤكّد على الإنسان أن يهتم بماضيه وما جرى وحلّ فيه من السُنن التاريخية التي أعطاها القرآن للإنسان كهداية ورحمة من الله وقانون اجتماعي تاريخي هدفه المحافظة على العنصر الإنساني من الانحراف أو التمادي في الظُلم والاستغلال ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُِولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى‏ وَلكِن تَصْدِيقَ الّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَي‏ءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (1) .

وقد أكّد النبي الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كذلك على تلك السنن التاريخيّة والاهتداء بها، أمّا الإمام علي (عليه السلام)، فقد اهتمّ بالتراث وتاريخ الأُمم، وله في ذلك مقالة مهمّة، وقد شرحناها في الموضوع التالي تحت عنوان (تراث الأُمّة وبناء المجتمع).

فإذن ما حاول (كونت) أن يطرحه ضمن أفكاره ونظريّته كان الإمام علي (عليه السلام) قد وضّحه في عهده للأشتر (رضي الله عنه)، وهو ليس بشيء جديد بالنسبة للفكر الإسلامي العظيم، (ومفهوم التاريخ لدى كونت ينضوي تحت لوائه التاريخ الاجتماعي، الاقتصادي، السياسي، والفنّي وكذلك تاريخ الآداب والفنون، وذلك لارتباطها

____________________

(1) سورة يوسف: الآية 111.


جميعاً برباط واحد وهو أنّها من ابتكارات الإنسان، بمعنى أنّ مزج هذه التواريخ يُشكّل تاريخ التفكير الذي يُمهّد لكافّة أنواع النشاط الإنساني في الوجود، ومن هُنا فإنّ عِلم الإنسان لدى كونت ليس شيئاً آخر سوى فلسفة التفكير عبر تاريخ العلوم، وفلسفة جميع فروع التاريخ التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً في داخل كلّ نوع من أنواع الحضارة، فإذا كانت السِمة التي تُميّز الإنسان هي فكرة التاريخ التي تقوم على فكرة الحضارة، فإنّنا نجد أنّ هذه الفكرة هي التي تربط الأفراد بعضهم بالبعض الآخر، وفي تلك الأثناء وقعت الثورة الفرنسيّة، وبدأ المفكّرون في وضع أُسس الإصلاح الاجتماعي المنشود للمجتمع الفرنسي، مع إعادة تنظيم ذلك المجتمع بالصورة المُثلى، ومن هنا اتّخذ كونت من دوره في الإصلاح الاجتماعي وسيلة لتأسيس علم جديد هو (علم الطبيعة الاجتماعية Physique Sociala )، ثُمّ عاد وأطلق عليه اسم (علم الاجتماع Sociologie ) على اعتبار أنّ كونت وجد أنّ المجتمع الفرنسي يُعاني اضطراباً شديداً في التفكير، وهذا الاضطراب ناشئ من وجود اسلوبين متناقضين للتفكير وفهم الظواهر:

أحدهما الأسلوب العلمي الوضعي الذي يتّجه إليه الناس في عصره. وثانيهما التفكير الديني الميتافيزيقي الذي يلجؤون إليه عند التفكير في الظواهر التي تتعلّق بالإنسان وبالمجتمع...، وبمُقتضى استمرار هذين الأُسلوبين سوف يستمرّ الاضطراب الفكري الإنساني، بل ويحدث أقصى ما يمكن حدوثه من اضطراب في التفكير، إذ ليس بعد قبول النقيضين خَلل في التفكير، ولا اضطراب في الفهم، ومِن هنا أطلق (كونت) على هذه الحالة اسم (الفوضى العقليّة)، ثُمّ أكّد - ما ترتّب على ذلك - أي على الفوضى العقلية من فساد في الأخلاق والسلوك؛ لأنّ كلّ ما يعتري الفكر من اضطراب وفساد يتردّد صداه في نظر كونت - في الاخلاق والسلوك - وكذلك أدّى فساد الاخلاق والسلوك إلى فساد شامل في


مختلف فروع الحياة؛ لأنّ هذه الحياة قائمة على دعائم من الاخلاق والمُثُل، فبفساد هذه الدعائم وانهيارها تفسد جميع فروع هذه الحياة وتتقوّض أركانها...، فلا سبيل إذن للإصلاح الاجتماعي الإّ بإصلاح الفكر الانساني، فبصلاحه يصلح ما أفسد من الاخلاق، وبصلاح الأخلاق تصلح جميع فروع الحياة الاجتماعية) (1) ، حتى تستقيم المُجتمعمات من خلال مبادئه الخاصة التي يؤمن بها ولا سيما بعد ابتداعه ديانة جديدة سمّاها - ديانة الإنسانيّة - لتحلّ محلّ الله والديانات الأُخرى، وقد بينّا رأيه في فصل آخر.

إنّ أغلب علماء الاجتماع يتّصفون بحالة واحدة كانهم اتفقوا عليها، وهي الحَوم حول الحقيقة ومُجانبتها في نفس الوقت، وقد أشرنا إلى ذلك قبلاً، ولا حقاً؛ لأنّ هذه المسألة هي الأساس في الخِلاف الفكري.

أمّا حول قضيّة ما يُسمّيه كونت (بالفوضى العقلية) وإصلاح الفكر الانساني الذي بإصلاحه يصلح المُجتمع وفروع الحياة الاجتماعية، فهو كغيره يدلّ على البُستان المُثمر، ولا يُشير إلى كيفيّة الوصول إليه وسلامة الإنسان في هذا الطريق والمحافظة على هذا الإنسان وعلاقاته هناك، فهو يؤكّد على مسألة الأخلاق التي يَعتبر فيها صلاح أخلاق الناس هي صلاح للمجتمع في كلّ جوانبه، والذي أعتقده أنّ ابتعاده عن الدين الذي يصون أخلاق الإنسان والمجتمع هو بسبب الوضع السائد في الكنائس المسيحيّة في أوربا، والبشاعة التي ارتُكبت بحقّ الناس باسم الدين والرب، الأمر الذي جعله يدعو إلى إصلاح هذه الأُمور حتى يستقيم المجتمع.

ولهذا، (فالفكرة إذن هي أساس النَسق الاجتماعي Social System ، ومن

____________________

(1) نفس المصدر السابق ص 302.


هنا وجد كونت أنّ خلاص المجمتع من تلك الفوضى العقلية يحتاج إلى فلسفة إصلاحيّة جديدة، فالفلسفة من وجهة نَظره ليست لها غاية في ذاتها، وإنّما هي وسيلة للوصول إلى غايات عمليّة في شؤون الاجتماع والأخلاق والسياسة والدين، وأنّ الفلسفة بهذا المفهوم هي علم الاجتماع، وأنّ هناك قاعدتين لكي يفهم الناس ظواهر المجتمع بهذا الأُسلوب هما:

1 - أن تكون ظواهر المجتمع خاضعة لقوانين ولا تسير وفق أهواء ومصادفات.

2 - تيسير وسائل فهم الناس للقوانين التي تخضع لها ظواهر الاجتماع) (1) .

وعلى أساس ما تقدّم حول إصلاح الفكر الإنساني والوضع العام الذي عاشه الفرنسيون بعد الثورة، وما ترتب عليه من نشوء لجان للإصلاح كان كونت عضواً في لجنة الإصلاح الاجتماعي بعد الثورة، فسعى إلى معرفة ودراسة الظواهر الاجتماعية دراسة مباشرة، هدفه منها كشف القوانين التي تؤثر على الظواهر الاجتماعية للمجتمع الفرنسي، ورأى أنّه لا بدّ من قيام علم وظيفته دراسة ظواهر الاجتماع دراسة علمية وصفية تحليلية، وأطلق عليه اسم (علم الاجتماع) هدفه القضاء على الفوضى الأخلاقيّة، وبالتالي القضاء على الفوضى الاجتماعية.

نظرية كونت في الأسرة

(الأُسرة في نظر كونت هي أساس الحياة الأخلاقية الفرديّة والحياة السياسيّة في نفس الوقت، ففي داخل الأسرة تنشأ الفضائل الاجتماعيّة، والمجتمع الإنساني في نظره: عبارة عن أسرة كبيرة العدد، والحركة مستمرة فيها تعتمد على

____________________

(1) المصدر السابق ص 308، 308.


تقدّم العلوم والفنون، ولهذا فإنّ علم الاجتماع يُقرّر حقيقة تاريخية، وهي أنّه في كلّ مجتمع وصل إلى درجة من التقدّم توجد قوّتان جماعيّتان تتميّز كلّ منهما عن الأُخرى... إحداهما: هي السلطة الزمنية التي تحكم وتُسيطر، والأُخرى: هي السلطة الروحية التي توجّه وترشد (من خلال ديانته الجديدة ديانة الإنسانيّة)، وهذا الازدواج هو مظهر من مظاهر الحضارة، ولهذا يجب أن ندركه إدراكاً تامّا، وأن نُنظّمه تنظيماً يُحقّق للمجتمع تقدّمه وسعادته). (1)

ولا بدّ أن نشير إلى أنّ هناك مدارس اجتماعية متعدّدة، منها:

1 - المدرسة الاجتماعية البيولوجيّة: بزعامة هربرت سبنسر، وأفكار هذه المدرسة تقوم على الربط بين الظواهر البيولوجية والظواهر الاجتماعيّة.

2 - المدرسة الماديّة التاريخية: بزعامة الفيلسوف الألماني كارل ماركس، وتعتبر الماديّة الاقتصادية بمثابة قطب الرحى في التطوّر السياسي والأخلاقي والاجتماعي، ومِن ثَمّ ينتهي إلى أنّ العامل الاقتصادي هو العامل الوحيد الذي يشكّل شؤون المجتمع في السياسة والأخلاق والدين، ومعنى ذلك أنّ كلّ ما يحدث في جوّ المجتمع، وكلّ ما ينشأ فيه من ظواهر ونُظم إنّما يرجع إلى طبيعة اقتصادية.

3 - المدرسة الجغرافيّة: بزعامة برون ومشيليه، وتقوم على تفسير كلّ ما يحدث في المجتمع بظواهر جغرافيّة وبصورة تعسفيه.

4 - المدرسة النفسية: بزعامة (تارد وغوستاف لوبون) تلك التي لا تعترف باستقلال علم الاجتماع، وتقول بأنّ ظواهر علم الاجتماع إنّما تقوم على التقليد والمحاكاة الناجمين عن الإرادة الفرديّة وترتيباً على ذلك تلحق ظواهر الاجتماع بعلم النفس، وتلك محاولة كان هدفها القضاء على شخصيّة علم

____________________

(1) المصدر السابق ص 324.


الاجتماع، وتفسير الظواهر الاجتماعية تفسيراً نفسيّاً.

وهناك مدارس أُخرى، منها: المدرسة الاثنولوجية، والمدرسة الانثربولوجيا الاجتماعية أو دراسة المجتمعات المُختلفة، والمدرسة الفرنسيّة لعلم الاجتماع بزعامة دوركايم ومعاوينه. (1)

البناء المُستقبلي وعِلم الاجتماع

كان لطرح فكرة معرفة الطبيعة البشريّة، واستخلاص القوانين والمبادئ التي تتحكّم في تطور المجتمعات وتقدّمها أثره الإيجابي، وذلك من خلال معرفة الظواهر الاجتماعية في أي مجتمع كان، والتأثيرات التي تتركها تلك الظواهر، بالاضافة إلى المؤثّرات الحضاريّة الخارجيّة، والانفجار العلمي الواسع الذي بدأ من خلاله طرح الأفكار والنظريّات وبقوة للتاثير على سلوكيّات الناس بإدخال طُرق حضاريّة جديدة نابعة من الحَرب الإعلاميّة والنفسية التي تقودها الدول المتقدّمة ضدّ دول العالم الثالث التي لا سبيل لها للدفاع عن فكرها ومُعتقدها وتراثها أمام الأقمار الصناعيّة والأجهزة الكومبيوتريّة المُعقّدة والانترنيت الدولي والبث الإذاعي والتلفزيوني الذي يدخل كلّ بيت وفي كلّ نقطة من العالم وفي كلّ لحظة ودون حياء أو استئذان، كل ذلك مؤثّرات تحتاج إلى البحث والدراسة بصورة عامّة ووضع العلاج المناسب لكلّ داء، فالشبكات والقنوات الفضائيّة التلفزيونيّة التي تحمل السموم في مضامينها، وتوجّه بثّها إلى البلدان الأُخرى نستطيع أن نصفها بالفاسد المنافق؛ لأنّ هدفها الأوّل إفساد المجتمع، وحرف الناس عن معتقداتهم الدينية وقيمهم الأخلاقيّة وبالتالي طمس المعالم الحضاريّة

____________________

(1) المصدر السابق ص 353.


والتراثية وتدميرها بصورة كاملة، في حين تُعطي صورة مُغايرة لهدفها الأصلي بأنها رسول الحريّة والتقدّم الحضاري.

وأمام هذا الغزو الثقافي فنحن نحتاج إلى عِلم الاجتماع في هذا الوقت أكثر من أيّ وقت مضى، ذلك العلم الذي قدّمه علي (عليه السلام) بفكره الاجتماعي الواسع لا بالنظريات الاجتماعية الأوربيّة وغيرها، فالذي يستهوينا ويجذب قلوبنا هو تخطيط مستقبلي وفق أُسس علميّة ومنهجيّة واضحة، وبناء حضاري وتقدّم عمراني واقتصادي وثبات سياسي واجتماعي، ونموّ حقيقي وواقعي يعطينا الهيكلية الصحيحة لبناء المجتمع المُتماسك الذي يسوده العدل والمساواة، وهذا يحتاج إلى الدراسة والبحث في جميع جوانب خلايا النسيج الاجتماعي، وقد أعطى الإمام (عليه السلام) صورة واضحة لذلك البناء من خلال تعاطيه كافة المشكلات بصورة علمية وموضوعية، بحيث وضع لتحليل ودراسة الظواهر الاجتماعية أُسساً مثاليّة تستند إلى دراسة لم يسبقه أحد بها، مستوحاة من الفكر الإسلامي العظيم، فبالإضافة إلى معرفة كافّة الجوانب المؤثّرة في الحياة العامّة، والطرق والأساليب الواجب اتّخاذها والنابعة من خزين عميق وخلفيّة علميّة واسعة لا يسع أحد حملها الإّ علي (عليه السلام) نراه يعطي لكلّ جانب من جوانب مسيرة المجتمع وحركته تصوّراته المستقبليّة بصورة متوازنة، والتي ما إن بعدت عن المسيرة حتّى انحرف المجتمع، وحلّ الضياع الذي يتبعه الفساد الاجتماعي والإداري، والخلل في المعاملات العامّة الاقتصادية وغيرها، وبالتالي ينهدم كيان المجتمع ويفلت زمام الأمر من أيدي أهل السلطة وقوامها، فالامام علي (عليه السلام) يصلح في موقع الاصلاح، ويُنبّه قبل اجتياح الفيضان وخراب المجتمع والبلدان، ويضع لنا صورة القائد الذي يجب أن يكون في مكانه الحقيقي، وكأن تناسق وترادف الكلمات في بياناته ورسائله خطوات مُبرمجة وواضحة المعالم يسير عليها


المهتدي إلى جادة السلام، والتي بدورها تُعطي الملاكات الكاملة لازدهار حياة الأُمّة وإبعاد كلّ المخاطر عنها وعن مسيرة تطوّر وضع المُجتمع.

كما نعلم أنّ هناك اتصالاً وثيقاً بين العلوم الاجتماعية بأشكالها، سواء كان في حقل التاريخ والجغرافية، أو علم النفس وعلم الاجتماع والتربية، أو العلوم السياسيّة والاقتصادية، فهي العلوم التي تدرس الجوانب المتعدّدة لموضوع واحد - المجتمع والحياة الاجتماعية - فمن الطبيعي أن تتقاطع وتتماسك ويتّصل بعضها ببعض ليُكمله.

وأكثر ما تكون هذه الظاهرة بروزاً في العقود المتأخرة من قرننا الحالي، حيث تطوّرت الحياة، واحتاجت المجتمعات والدول إلى دراسات علمية مُعمّقة لغرض استخلاص النتائج الإيجابية لبلورة صيغة تكفّل بناء مجتمع لا نستطيع أن نقول أنّه مثالي، بل تضمن فيه الحقوق المشروعة، ويمنع الظلم، وتسود العدالة والسعادة والاستقرار والرفاهية، وبالتالي فالحاجة أصبحت ماسّة إلى صياغة سياسات اجتماعية جديدة، ومثال واحد يكفي في توضيح مستوى الترابط الوثيق بين هذه العلوم المختلفة، ومثالنا الذي نختاره هو مشروع تخطيط سياسة تعليمية في مجتمع ما، فمشروع كهذا لا بد أن يبدأ بالدراسات التالية:

1 - دراسة ديموغرافية لذلك المجتمع.

2 - دراسة تاريخية للمراحل الحضاريّة التي مرّ بها هذا المجتمع وكياناته.

3 - الاطلاع على المراحل التي كان فيها التقدم الاجتماعي والحضاري واضح المعالم، والآثار السياسية المنعكسة على ذلك.

4 - دراسة سايكولوجية أفراد كلّ منطقة من مناطق الكيان الاجتماعي، ومعرفة الترابط والتنافر الموجود فيه.

5 - العقيدة الدينية التي يؤمن بها المجتمع وقوّة الإيمان لدى أفراده والتلازم


الموجود في سلوكيّة المجتمع من جرّاء ذلك ومدى الإيمان بالقيم الأخلاقيّة والروحيّة والالتزام بها.

6 - دراسة العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية والثقافية العامّة التي يحملها ذلك المجتمع، واستخلاص ما كان فيها نفع ودفع وما كان منها يشلّ ويهدم.

7 - دراسة جغرافيّة من كافّة النواحي (المناخ، والطقس، واختلاف درجات الحرارة، والأمطار)، وأثر ذلك على حركة الأفراد وقوّة الإبداع لديهم، وعلى أمزجتهم.

8 - البناء الاقتصادي للمجتمع، وحجم الفواصل الطبقيّة بين الناس، ومدى أهميّة وتأثير ذلك في حركة وتطور المُجتمع ونموّه.

9 - الأسرة التي تعتبر النواة الأولى في الكيان الاجتماعي ومعرفة قوّة ترابط النسيج الاجتماعي ومدى تأثير ذلك الترابط في المسيرة العامّة.

10 - الاطلاع على البيانات والاحصائيّات عن المتعلّمين وغير المُتعلّمين، وأثر ذلك في الدفع المعنوي للإقبال على التعليم العام.

هذه نقاط عن الجوانب المُهمّة والأساسية التي يجب دراستها لغرض وضع سياسة تعليمية خاصة لأيّ مجتمع، وهذا يدخل ضمن علم الاجتماع التعليمي، وبالتالي نرجو من ذلك الحصول على نتائج إيجابية لبناء تلك السياسة حتى نحصل على النجاحات المرجوّة والمطلوبة.

وقد وضّح علي (عليه السلام) ذلك لنا في صور مُختلفة، وأعطانا نتائج مُثمرة جاهزة وُمتكاملة في مُختلف جوانب الحياة العامّة، لذلك تبرز أهمية دراسة عِلم الاجتماع.

وللإمام (عليه السلام) - كما قلنا - أفكار رسمها، وعلوم بثّها في مُختلف المجالات سبقت عقول أُولئك الذين ادّعوا الريادة في العلوم الاجتماعية أو غيرها، وكما هو معلوم


من جُملة التعاريف والمعاني الموجودة لعلم التاريخ، أنّه (كلّ تطوّر حاصل في المجتمع)؛ فإذا ما علمنا أنّ الإمام (عليه السلام) هو أول مَن وضع أساس الارتباط الوثيق بين حركة التاريخ وعلم الاجتماع كدعامة أساسيّة للتخطيط المستقبلي وبناء الدولة المتكاملة والمجتمع المُترّاص والوصول بالمجتمع إلى أعلى مرحلة من مراحل النضج الفكري ووضوح الرؤى، وهذه القضايا لا تنفذ إلى المجتمع، وتأخذ قرارها في فكر المجتمع الإنساني خلال سنة واحدة أو سنتين أو أكثر إنّما تحتاج إلى عملية بناء طويلة.

إنّنا نؤكّد أنّ الإمام (عليه السلام) رجل الاجتماع الأوّل، ورجل العدالة الاجتماعية والنظام الاجتماعي الحديث بما حوته أفكاره الدقيقة والمُشخّصة لكلّ السلبيّات والإيجابيات.



الفصل الثّاني

الترابط الوثيق



تُراث الأمّة وبناء المُجتمع

الحضارات التي تعاقبت على الأرض حمّلت هذه الكرة الفضائيّة تاريخاً تراثاً ضخماً دلّ على تطوّر الشعوب ومدنيّتها والأحوال التي مرّت بها، وأصبح لدى الأجيال فيما بعد علماً تراكمي في كافة مناحي الحياة، وبالأخص الجانب الاجتماعي منها.

وحياة الأمم والشعوب فيها تنوع واختلاف وسلائق خاصة بكلّ منها، وكما نعلم فإنّ لكلّ مجتمع بشري طبائع وأعرافاً متداولة وقيماً متواردة تُميّزه عن غيره، ولا يمكن للإنسان الباحث أن يغضّ النظر عن ذلك، فدراسة حياة الشعوب لا بدّ أن تبدأ من دراسة التراث المتراكم الذي ما زال البعض منه حياً تتداوله المجتمعات من جيل إلى آخر وتعمل به، فالقيم والأعراف والعادات والتقاليد وغيرها مضافةً إلى التطورات الحضاريّة المُختلفة تُلقي بظلالها على حركة تطوّر المجتمع وتقدّمه، لذا فالبحث التاريخي الاجتماعي يحتاج الدخول في مفاصل الحياة العامّة للمجتمعات البشريّة، أو ما يُسمّى بالظواهر الاجتماعيّة، ومنها القيم والأفكار والمُعتقدات والمفاهيم الشعبيّة الخاصة، أي التراث بصورة عامة نحصل من خلالها على الصورة الحقيقة الناصعة عن ذلك المجتمع، ولا نتغافل عن جانب ونبرّز جانباً آخر، كما لا نطوي طبيعة حياة الجمع العام ونتعلّق بحياة البلاط والحاشية، فالحركة الاجتماعية لا تقوم بها طبقة من المجتمع دون الأُخرى


فالكلّ رسم بصماته على تاريخ البلد، وأنّ حركة المجتمع تبدأ من الصغير والكبير على السواء، فالكلّ يتكامل بأجزائه، ولا تنهض المدنيّة الحضاريّة لبلدٍ نحو الأفضل الإّ بتظافر أجزاء كيانه، وكذلك لا ننسى أنّ أفكار العامّة تحمل من التراث ما لم يحمله غيرها وتحتفظ وتفخر به، وهذا يعتبر عندهم جزءاً من الإرث المعنوي الكبير لهم، إذن لا يُمكن سحق كلّ ذلك والحكم عليه بالإعدام؛ لأنّه جزء من أدوات حركة المجتمع العامّة، لذلك نرى قيام الدين الإسلامي بمراعاة هذا الأمر وطوّر فيه الصالح من العادات والتقاليد والأعراف، وخير مثال ما قام به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خلال مسيرته الخالدة والحافلة عندما أقرّ الكثير من السُنن والأعراف والعادات الصالحة، وأصلح ما فسد منها ضمن إطار المحافظة على تراث الأمّة من خلال الاقتداء بالسنّة الطيّبة الطاهرة في قيادة الناس للصلاح.

أمّا أن يقوم من يدّعي التقدميّة والتطور بطمس أفكار الديانات البشريّة وقلعها من أذهان الناس الذين اعتنقوها منذ مئات السِنين، ويهتم بأمور لا تمثل حقيقة معنى التراث النافع للمجتمع، ويعمل على تنمية المفاسد الاجتماعية فيه إنّما ذلك يعتبر سحقاً لكل القيّم التي تحيي الإنسان وتحافظ على كرامته، وقد نسي هؤلاء أنّ الفطرة الطاهرة ستبقى ما بقي الإنسان في هذه الحياة، ويخرج زرعها من الإرض عند أول قطرة ماء تسقى بها، وهذا ما شاهدناه في حياتنا المعاصرة، وكما أنّ هناك سُنناً إلهيّة لا يمكن إهمالها والابتعاد عنها وإدارة الظاهر لها، هناك أيضا سُنن - اجتماعيّة سارت عليها المجتمعات لا يمكن محوها من الأذهان بصورة تامّة، فما صلح منها يعتبر عاملاً مهمّاً في تقدّم المجتمعات وتطورها، وما كان سيّئاً منها يجب تقويمه بصورة صحيحة بعيداً عن العنف والتهوّر والقوّة؛ لأنّ إزالة الأفكار الخاطئة عن أذهان بعض الناس يحتاج إلى بناء ذهنيّة جديدة، كما فعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع ذلك المجتمع البدوي المتعصّب المتمسّك بتقاليده وعاداته التي


تحسبه لا يتنازل عنها يوماً، إلاّ أنّه بخُلُقه الكريم وشريعته السمحاء قام ببناء ذلك المجتمع على أساس الإسلام وحضارته العظيمة.

إذن؛ يجب أن يعتمد عملنا على التحاور العقلائي الذي يستند إلى الأدلّة الواقعية الحيّة والمُعتمدة على الصور التاريخيّة والواقع المُعاش، وتوضيح ما تتركه تلك العادات والسُنن السيئة من سلبيات ظاهرة في حياة المجتمع، ولذلك نقول: إنّنا بحاجة إلى الكثير من الاهتمام بدراسة تراث الأمم وتشذيبه للاستفادة منه في بناء المجتمعات، فنأخذ المآثر الحسنة للاستفادة منها، ونضع الدراسات التاريخيّة الاجتماعية على ضوء ذلك، وطرح منهج تفسيري وتحليلي مناسب للضرورة المطلوبة حتى نحصل على الصورة الحقيقيّة للمجتمع ومناحيه وما يعتمده؛ كي نفقه ما نُخطّط له ونكتب إليه ونتحدّث عنه، ونقدّم ما هذّبناه من الأفكار إلى الأجيال القادمة نقياً صافياً نافعاً، وهذا هو هدفنا وهدف علم الاجتماع.

فعليٌّ (عليه السلام) قد اهتمّ بالتاريخ والتُراث الصالح والحضارات والدول، وأكد على معرفتها وصور إعمالها حتى يمكن الاستفادة من بعضها في المحافظة على تشكيلات المجتمع والكيان السياسي (ثُمّ اعْلَمْ يَا مَالِكُ أَنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إلى بِلادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ مِنْ عَدْلٍ وَ جَوْرٍ).

ثُمّ إنّ الإمام (عليه السلام) يؤكّد على الاهتمام بالسنن الصالحة للمجتمع، ويرفض أن تنقض مثل تلك السنن أو يحدث بها أضرار (وَ لاَ تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الأمّة وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الأُلْفَةُ وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ، وَلاَ تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ؛ فَيَكُونَ الأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا، وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ وَمُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلادِكَ وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ


قَبْلَكَ). (1)

فالإمام (عليه السلام) يشير إلى احتمال أن تطغى على ذات الإنسان الحاكم حالة من رفض لما سنّه مَن كان قبله على سدّه الحكم، لتداخل عوامل عديدة، منها: الطموح، وحبّ الذات، والظهور بمَظهر المُصلح، والاغترار بالنفس أو الكُره لِما هو موجود بحيث يدفعه ذلك إلى ترك العمل بما وضعه أو سنّه مَن كان قبله أو ما صلح عليه أمر الرعيّة، وكما ذكرت سابقاً فإنّ المجتمعات لها سُنن انتقلت اليها تعاقباً، أو سارت عليها من جيل إلى جيل، فالإمام (عليه السلام) يوضح الأمور بحيث يشعر الوالي بالالتفات إلى صغائرها، فهو ينظر إلى جميع جوانب حياة المجتمع كعالمٍ اجتماعي تاريخي لا مثيل له وعارفٍ بطبائع الخلق ومعلمٍ للإنسانيّة، فالسنّة الصالحة هي لصالح المجتمع وتقدّمه وازدهاره، والمجتمع الذي جرت سليقته على المسير في تلك السنن الصالحة سوف يحظى بالرقي، فما من شيء حفظ في قلب الأمّة، من سنة صالحة، أو طبع سليم، أو أخلاق اجتماعية صحيحة مُتداولة، أو أعراف وتقاليد تنجي المجتمع من الأخطار والمشاكل، أو أدب جرى على الألسن وحفظ في الصدور إلاّ واعتبر سُلّم طريق لحفظ الاستقامة والعدالة من غيره ومن كل تعليم جديد وارد من بعيد، فالخزين المحفوظ خيرٌ من الحديث الذي لا يألفه الإنسان ولا يستقرئ ويُعالج واقعة (وَ لاَ تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الأمّة، وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الأُلْفَةُ، وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ)، فالإمام (عليه السلام) يشير إلى أنّ المجتمع إذا كان يعيش وادعاً سليماً بتلك السُنن، ولم تخالف شرعاً ولا عقيدة، فما الداعي للاضرار بها، فتغيير ثقافات المجتمعات بصورة كاملة وطمرها تحت الأرض يورث العناء والتبعثر والتشتّت؛ لأنّ هذه الثقافات تداولها المجتمع

____________________

(1) نص عهد الإمام علي (عليه السلام) للأشتر - نهج البلاغة - تحقيق الدكتور صبحي الصالح - ص 431 دار الهجرة - 1395.


ومرّت بمخاضات كثيرة حتى صُقلت ووصلت إلى الآخرين شبه تامّة تقريباً، وذلك نتيجة لِما قدّمه السابقون من تجارب وتضحيات، وربما خسائر مادّية ومعنوية حتى وصلت إلينا سُنّة صالحة.

فالإمام (عليه السلام) هنا يؤكّد على السُنّة الصالحة فقط؛ لأنّها الأكثر أثراً في النفس، وبها سارت الأُمّة بالمنهج الصحيح، فالمجتمعات البشريّة التي لديها تراث حضاري ضخم هي أكثر المجتمعات ثقافةً وعلماً، لكنّ الظروف التي مرّت على بعض تلك الشعوب، من حروب دامية، وسيطرة أجنبيّة، وأيّام قاحلة سوداء مظلمة، واقتتال طائفي وقومي بعيد كلّ البعد عن القيم الأنسانيّة أدّى إلى خمود حركة تلك الشعوب ودمارها، بحيث أصبح من العسير عليها أن تنهض مرّة أُخرى، بل تراجعت وتخلفت، فالإمام علي (عليه السلام) يُشير إلى البُعد الثقافي والحضاري للشعوب، وأثره في النظرة الاجتماعية للوالي اتجاه رعيته، وما نلاحظه الآن هو كثرة اهتمام الدول بماضي الأُمم وحضاراتها وتراثها، وقد سارت على هذا النهج الكثير من الدول، واهتمّت بالتراث الشعبي من حيث الأزياء وفنّ العمارة والمساكن والأداب، بالأضافة إلى الفنون الشعبيّة والصناعات اليدويّة المحليّة، وأخذت تُطوّرُها وتبعث فيها الحياة من جديد لتبرزها إلى الشعوب وتفخر بها وتصرف الأموال الطائلة عليها من أجل ذلك.

ولا زال الكثير من الشعوب يعتزّ بتراثه وأمجاده، وهي وسائل دفع معنوي لتلك المجتمعات للنهوض والتقدّم، وما من شعب بدّل ثقافته وتُراثه وطرحهما جانبا واستعاض عنهما بافكار وثقافات دخيلة، إلاّ وبرز الخلل فيه وانتشر الفساد ولم تعمر البلاد، فالتقدّم الحضاري لا يعني تدمير أفكار الشعوب أو إفسادها وترك كلّ ما هو خيّر وصالح، فالحضارة والتقدّم لا تتنافى مع السُنن الصالحة وحفظ التراث، بل بالعكس إذا امتزج العلم والمعرفة بتلك السنن


الصالحة تحدث تطوّرات عظيمة وطفرات حضارية واسعة، ولا يكون هناك تنافر بين الصور الحضاريّة الإنسانيّة وبين التراث العام للأُمّة ما كان صالحاً منه، بل يزيد من ثباته، ويُقوّي إرادة المجتمعات في التقدّم والتطوّر في كافّة نواحي الحياة، ولا أعني هُنا بالتراث (الفجور والرقص وحالات تبنّي القوانين الجاهليّة، وصور التعامل القديم وغيرها)، فذلك لنا موقف آخر اتجاهه.

ثُمّ ينتقل الإمام علي (عليه السلام) إلى جانب مُرتبط بما سبقه، وهو دور العِلم والعُلماء في مساعدة الوالي لقيادة المجتمع فيقول:

(وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ وَمُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلادِكَ، وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ). (1)

فالعلماء وأهل المعرفة وحكماء الأُمّة من ذلك البلد هُم أعرف بخفايا وخبايا وتاريخ مُجتمعهم والأدوار السياسيّة التي مرّت عليهم، وهنا يطلب الإمام (عليه السلام) الأخذ بأفكارهم والتباحث معهم ومُحادثتهم في أمور البلاد من أجل الصالح العام؛ لأنّهم أعرف الناس بما صلح عليه أمر الأُمّة والبلاد، وأكثر الناس دراية فيما استقاموا عليه من قبل؛ لأنّهم في حقيقة الأمر أئمّة في واقع مجتمعهم، وأعلم بالحال من غيرهم، وعندهم التاريخ الاجتماعي كُلّه، فالوالي بإمكانه بناء نهجه باستخلاص العِبَر والدروس مما يحمّله هؤلاء، فهم سجل ناصح للحقائق التاريخيّة، وهؤلاء نستطيع أن نُعبّر عنهم أيضاً بالقيّمين الحقيقيّين على تُراث المجتمع، فيجب أن يتقدّموا على غيرهم في مُباحثة ومداولة الوالي، والأخذ منهم أفضل من الأخذ من طرف بعيد غيرهم؛ لأنّهم مُستودع علمي وثقافي وتُراثي

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. الصالح - ص431.


وتاريخي ضخم، ونستدلّ من ذلك أنّ الإمام (عليه السلام) أعطانا قانوناً اجتماعيّاً عامّاً ينفع المجتمعات البشريّة، وهو أنّ كلّ مُجتمع إنساني له خصائصه وميزاته وتراثه وامتداده التاريخي عند هذا الطرف الاجتماعي أو ذاك؛ لأنّ التاريخ الإنساني مُترابط بعضه ببعض، بحيث لا يمكن تطبيق سُنن وطُرق حياتيّة لهذه المجتمعات أو وضع تشريعات وقوانين تمسّ حياة الأمّة وتحذف عنها تراثها وتاريخها بصورة كاملة، إلاّ بشريعة واحدة استوعبت كلّ هذه المعاني، وهي الشريعة الإلهيّة التي جاء بها محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لأنّها أقرّت الشيء الصالح والقانون الثري والملائم الذي تَحتفظ به الأمم، والذي لا يتناقض مع أصل العقيدة الدينيّة والإيمان بالله والرُسل واليوم الآخر.

فالمجتمعات التي لها تراث حضاري كبير، امتزجت فيه السُنن الصالحة مع التشريعات الإلهيّة القادمة عليهم حقّقت طفرات حضاريّة وعلمية كبيرة، وتقدّماً منقطع النظير في تلك الحياة التي تسودها العدالة الاجتماعية، وفرق كبير بين هذا وبين الأفكار الوضعيّة الواردة لتلك الشعوب، والتي تؤدّي إلى مسخ ثقافاتها وتُراثها عن طريق الأفكار التي تتنافر أساساً مع البُنية الثقافية والتراثية لتلك المجتمعات، ولم تمتزج معها حتى لفظتها بعيداً عن واقع مجتمعاتها ولو بعد مُدّة طويلة وعادت الشعوب إلى مبادئها الأصيلة.

فمعالجة مشاكل المجتمع تأتي من خلال أخذ الحقائق والمعارف عن المجتمعات من خلال عُلماء الأمّة وحُكمائها؛ حتى لا تضيع البلاد في المتاهات الضالة المُنحرفة، وقد لا حظنا أنّه ما من حكم حاول إبدال التقاليد وأساليب الحياة وعادات المجتمع الصالحة وتراثه الخالد، خصوصاً في بُلداننا الإسلاميّة التي عمل الدين على تنقية التراث فيها وتربية المجتمع تلك التربية الصالحة، إلاّ وفشل.


حيث أخذت الشعوب المبادئ الإسلاميّة، واحتفظت بالتراث المُنقّى رغم محاولات الحُكّام المتأثّرين بالغرب الذين حاولوا اتّخاذ ذلك المنهج الغريب لتلك الصور الحضاريّة المُزيّفة وغير الواقعية، والتي لا علم ولا معرفة ولا تقدّم في جنباتها كنظام اجتماعي جديد حاولوا تطبيقه بالقوّة ليسحقوا تلك القيم والمبادئ الإسلاميّة لتعيش الشعوب السنين من عمرها على السراب حيث انتشر الفساد وضاع كلّ شيء منهم، إلاّ أنّ المبادئ الأصيلة التي حفظت التراث الصالح عادت وبرزت من جديد متحدية كلّ التعدّي والتغيير والإبدال الذي حاول الحُكّام العمل به.

وما (رضا خان) في إيران و(كمال اتاتورك) في تركيا إلاّصور حقيقيّة وتاريخيّة لِما قام به هؤلاء من تلك الأعمال الشائنة ضدّ شعوبهم.

وليس ما نُشاهده الآن من انقلاب حقيقي وعودة إلى الفطرة السليمة في إيران وتركيا إلاّ شاهداً حيّاً على ما ذكرناه سابقاً.

منفعة الأُمّة وصلاح أمرها إذاً هما من واجبات الوالي، وما يتعين عليه القيام به، والإمام علي (عليه السلام) يؤكّد ذلك ويقول: (وَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ، مِنْ حُكُومَةٍ عَادِلَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ فَاضِلَةٍ، أَوْ أَثَرٍ عَنْ نَبِيِّنَا (صلى الله عليه وآله)، أَوْ فَرِيضَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِيهَا) (1) ، وهذا تأكيد ثانٍ للإمام (عليه السلام) على الأخذ بالعبرة التاريخيّة النافعة والسنّة الفاضلة مع الاهتداء بالقرآن والسُنّة النبويّة الطاهرة، ثُمّ الاقتداء بإمامه في أعماله المُقيّدة في هذا الجانب بما شاهده من عمل الإمام علي (عليه السلام) بتك الفريضة أو السُنّة النبويّة.

____________________

(1) نص العهد للأشتر.


عِلم الاجتماع والتاريخ

هناك ارتباط وثيق بين علم الاجتماع والتاريخ؛ إذ إنّ المجتمع بحركته اليوميّة هو تاريخ للبشريّة مُستقبلاً، والدراسة الاجتماعية لا تكون ناضجة وتامّة إذا لم تكن هناك دراسة مُتكاملة للتاريخ الاجتماعي وظواهره الاجتماعية، ثُمّ تأتي دراسة الأمور الأُخرى السياسية والاقتصاديّة والنفسيّة والعسكريّة وغيرها، وكلّها تدخل في هذا النطاق، ولهذا بُذلت الجهود لوضع فلسفة خاصة لتفسير التاريخ، وكانت هُناك عدّة تفسيرات مُتنوّعة حسب الايدلوجيات المطروحة، ومنها التفسير الإسلامي للتاريخ، الذي يعتمد على السُنن التاريخيّة التي وضّحها القرآن الكريم، وكان هناك مجموعة من العُلماء والفلاسفة الذين درسوا التاريخ والمجتمعات ليُعطوا للعالم نظرياتهم الخاصة التي لا تعتبر قانونا تامّاً للمجتمعات إنّما فيها الغثّ والسمين، إلاّ أنّ أغلبهم كان يؤكّد على الجانب الأخلاقي في حياة الأمم والشعوب، فقد (كان (فيخته) - وهو أقرب إلى العنصر الأخلاقي في فكر (كانت) - يعتبر المُطلق جوهريّاً من حيث أنّه نظام أخلاقي، فإنّ مفهومه الأساس (للأنا) كان يعني (كما كان يُردّده بيسر) لا (الأنا) الفرديّة ولكن المطلق، والأرواح الفرديّة المتناهية هي الأحوال التي تفصح بها الحياة اللامُتناهية عن نفسها، ووفقاً لهذه النظرة، فإنّ كلّ واحد يجب أن يكون له مكان وحيد في التاريخ، ومع ذلك فإنّ (فيخته) كان يعلن في مُحاضراته المنشورة بعنوان منهج للوصول إلى الحياة الأسعد (مَن لا يزال له أنا بعد، فليس يوجد فيه بكل تأكيد أي شيء طيب)). (1)

____________________

(1) ويد جيري - البان ج - المذاهب الكبرى في التاريخ من كونفو شيوس إلى توينبي - ص 230 ترجمة ذوقان قرقوط - دار القلم بيروت - الطبعة الثانية 1979.


إلاّ أنّ هذا الفيسلوف كان ضائعاً في متاهات اللامعقول والخيال العاري، فهو يضع فكره على بساط الريح ولا يعلم متى وكيف ينزل إلى عالم الواقع، ثُمّ يؤكّد على عنوان (الأنا) في الإنسان دون أن يوضّح الطبيعة الذاتيّة للإنسان، وهو يريد أن يحصل على الأشياء الطيّبة - أي زينة النفس الإنسانيّة (الأخلاق الفاضلة) - ويُهمل مسألة مهمّة، وهي النوازع الذاتية في نفس الإنسان، والطموحات والرغبات التي تدفعه إلى المنازلة مع العالم المجهول لاكتشاف الحقائق النافعة لتطوير المجتمع وتقدُّمه، فقد نفى كلّ شيءٍ ولم يُعطِ شيئاً للنفس الإنسانيّة وللدغدغة الذاتيّة للروح، فهو يغوص في مفاهيم غامضة نوعاً ما، ويبتعد فيها عن الواقع الذي لا مناصّ منه، وهو تأثير العقائد الروحيّة على كبح جماح النفس أمام المطالب غير المشروعة، والتي تضرّ بالقيم الروحية والأخلاقيّة، وتُفسد الحالة الاجتماعية، وتتفشّى فيها حالة (الأنا) بصورة قاطعة على خلاف رغباتها ونوازعها باتّجاه الخير، فحبّ الإنسان للظهور بموقع عامل الخير هو دافع ذاتي وحبّ للأنا إذا ما أردنا مُقايسته وأثره في النفس العاملة، ولكنّه في واقع الحال شيء حسن، وهو أن يعمل الإنسان الخير ولو كان الدافع الأول هو حبّ الظهور للحصول على الإطراء والثناء والمديح من الآخرين، وهُنا يبدأ دور العقائد الروحيّة في تهذيب فكر الإنسان لتُرشده إلى أنّ هذا العمل الطيب إذا كان خالصاً لله وبعيداً عن الرياء فهو أصلح وأنفع؛ فصلاحه يحافظ على كرامة الإنسان، ونفعه هو الفلاح بالثواب عند الله، حتى في مجالات العبادة والتوسّل والدعاء، فإنّ الدوافع الأساسيّة لذلك هو إشباع رغبات النفس للتقرّب إلى الله تعالى والحصول على ثوابه وحسناته.

فإذن؛ (الأنا) هنا مشروعة بإرادة الله تعالى، وهي لا تتناقض مع العدالة والحق والاستقامة في المجتمع، بل تُعطي هذه المفاهيم قوّة كاملة للتطبيق والعمل بها.

إذن؛ لا بدّ من فصل بين الدوافع الذاتيّة


المشروعة النافعة والضارّة غير المشروعة، فعمليّة بناء الذات لدى الإنسان وفق التصوّرات الواقعيّة لا تأتي من الطرح النظري الفارغ، إنّما تأتي من أصالة المبادئ الروحيّة التي تصقل أفكار الإنسان ونفسه باتجاه حفظ المعالم الاجتماعية والتعاون الإنساني.

وقد (كان فيخته، وهو يناقش مصيرية الإنسان، يصف (الكمال) كأنّه (غاية الإنسان البعيدة المنال)، وأنّه (أبديّة استكمال موهبته)، فإنني (أعرف في كلّ لحظة من حياتي ما يجب أن أفعله، وفي هذا تكمن قابليتي في النطاق الذي يتعلّق هذا بي)، ولكنّني (لا أستطيع أن أفهم قابليتي بتمامها؛ فإنّ ما أكونه في العالم الآخر يُفارق فكري) (1) .

ويظلّ (فيخته) في هذا الدوران الذي لا يبلغ بصاحبه مركز الدائرة، إنّما غايته البقاء في محيطها الأبعد، (غير أنّ الإرادة الأبديّة تتصرّف بالكلّ في سبيل الأحسن، وفي النهاية كلّ شيء يصل إلى مرفأ السلام الأمين وإلى التطهير الأبديَّين). (2)

وكان فيخته يقرّ بأنّ هذا الضرب من التفكير لا يمكن أن ينتج بأيّة حال من ملاحظة العالم البسيطة، فكان يُبرهن في الواقع على أنّ أوّل حكمة لنا يجب أن تكون (عدم قبول الحياة الظاهرة في الزمن كشيء أكيد وحقيقي بذاته، وإنّما افتراض وجود ما هو أرفع، فيما وراء هذه الحياة). (3)

وكان (ماكس نوردو) 1849 - 1923م بتأثير أوجست كونت يجنح أحياناً إلى جعل علم الاجتماع والتاريخ متماثلين.

(إنّ علم الاجتماع هو التاريخ ولكن بدون أسماء أعلام، والتاريخ هو علم

____________________

(1) نفس المصدر السابق ص230.

(2) نفس المصدر السابق ص230.

(3) نفس المصدر السابق ص230.


الاجتماع مَجداً وفرداً) وكان يتوجه، منطلقاً من هنا نحو علم النفس فيلحّ إلحاحاً نوعيّاً على الشخص الفردي (إنّ علم الناس الفردي وحده هو الحقيقي)؛ إذ ليس من الممكن الوصول إلى فكرة دقيقة عن بنية الحياة الإنسانيّة الداخليّة إلاّ بدراسة المميزات الفرديّة وضروب الفكر وردّ الفعل، باختصار البيولوجية والسيكولوجية الفرديّين؛ ذلك أنّ (تاريخ البشريّة مؤلّف من أعمال رجال فرديّين، وإذ كان يُعطي وصفا قائماً على السعادة الحسيّة لرغبة الفرد في الحياة، فهو يعيش وسوف يعيش؛ لأنّه ينتفع باللذّة من الحياة)، إلاّ أنّه في ختام رأيه يُعلن أنّ المَثل الأعلى وحده يستطيع دعم بحث في المعرفة غير مُنحاز: (الطيبة والحبّ النزيه). (1)

إنّ (نوردو) تدور آراؤه كما هو (نيتشه) أيضاً على (الأنا)، أي: حبّ الذات، وهي في نظره تقود الإنسان إلى الأفكار الأخلاقيّة واللاهوتيّة ثُمّ يطلب (المحافظة عليها)، وكان قد سبقه العالم الألماني (فريديريك نتشه 1844 - 1900م) في ذلك التخبّط الممقوت والدوران الزائف والابتعاد الممزوج بالتعصّب عن صور الحق، وكان هذا قد هاجم تصورات هيجل العقلية والمثالية، ويَعتبر التاريخ (مُجرّداً من المعنى)، أو يقول: (إنّ القوى التي تعمل في التاريخ تكون ممكنة التميّز منذ أن نضع جانباً من التأمّلات في معنى الغائيّة والأخلاقيّة والدينية، فيجب أن تكون هذه القوى التي تعمل كذلك في مجموع ظاهرة الوجود العضوي، إنّ أوضح حالات ظهورها توجد في مملكة النبات). (2)

وهو متأثر إلى أبعد حدّ حول حركة الإنسانيّة بالتفسير البيولوجي للتطور، حيث يعتبر أيضاً ((النفس) و(الروح) و(حريّة الاختيار) و(الله)

____________________

(1) المصدر السابق ص277.

(2) المصدر السابق ص274.


كلّها معاني في خدمة الأخلاق، وليست سوى (أكاذيب)). (1)

إنّها مُجرّد أفكار سطحيّة يدور بها صاحبها في سوق بائر، ولا مكان لها في المجتمع البشري الذي انقلب على واقعه الآن بحثا عن المبادئ السماويّة والروحيّة والأخلاقيّة للتخلّص من كابوس المدنيّة المُعاصرة الذي سحق كلّ القيم.

إلاّ أنّ عالماً كوليام وينوودريد (1838 - 1975م) وضع دراسات تحت عنوان (استشهاد الإنسان) بحث فيه من وجهة نظره الخاصّة في أمرٍ مهمٍ، وأبدى رأياً متميّزاً عن غيره، وباشر في طرح نظريّته وتشعّباتها، ثُمّ عالج تاريخ البشريّة بصور أُخرى، حيث (اعتبر طبيعة التقدّم من خلال الحروب، ومن خلال الأديان، والكفاح في سبيل الحرية ورقي الذكاء ونمو المعرفة بواعث أساسية، وكانت فكرته الرئيسيّة هي أنّ الأجيال المُتتابعة لا تتوصل إلى الارتقاء إلى مُستويات أرفع في الحياة إلاّ (بالاستشهاد)، وكان (ريد) يرمي من وراء هذه النظرة الشاملة التصويرية للتاريخ الحقيقي، إلى البرهان على أنّ الحروب وإن كانت وهميّة خُرافيّة، والعبوديّة مهما كان الذم الذي يوجّه اليها - بل والجهل - أمورٌ كانت تُساعد في تقدّم الجنس البشري). (2)

إنّه يخلط بين القيم السماويّة والأهداف الرساليّة، وبين الأفكار الوهميّة التي لا تصلح إلى الأيمان بها أبداً، وهذا الخط غير منطقي وليس فيه أيّة واقعية.

أمّا هيجل، فيعتقد (أنّ هذه الفكرة عن الأخلاقيّة تَحُلّ أحد الألغاز الكبرى في حياة البشر، وهو أنّ الطيّب التقي غالباً، أو أكثر الأحيان يعيش حياة نكدة في هذا العالم، بينما الخبيث الذي يميل إلى الشرّ يعيش حياة رغدة، فهو يرى أنّ الإنسانيّة إذا اخلصت نفسها لهدف واحد ووجّهت جهودها إليه دون النَظر

____________________

(1) المصدر السابق ص275.

(2) المصدر السابق ص279.


إلى ما سواه؛ فحينئذٍ لا يمكن أن يعتبر ما يسمّى تعساً أو منعماً من الأفراد عناصر أساسيّة في النظام المنطقي المُحكم الذي يسير عليه العالم، وكل ما هو مطلوب إنّما هو أن يتحقّق هذا الهدف العظيم، وأنّ الناس يشعرون بعدم الرضا لمجرد أنّهم لا يجدون الحاضر مُلائماً لتحقيق الأهداف التي يعتقدون أنّها حقّ وعدل.

ولكن ما هو الشكل الذي به يمكن تحقيق الهدف العظيم؟

يُجيب هيجل بأنّه: الدولة، ولكنّها لا تعني عنده السلطة المُلزمة التي تكون قانوناً فوق كلّ فرد أو جماعة وتكون جزءاً من المجتمع، إنّها الشكل الذي تتخذه الروح إذ تتجسد تجسداً كاملاً، (وهذا هو اتحاد الذاتي مع الإرادة العقليّة) إنّها الكلّ الأخلاقي، الذي هو ذلك الشكل من الحقيقة الذي يكون فيه للفرد حريّة يتمتّع بها، ولكن على شرط أن يعترف بالأمور المشتركة لهذا (الكل)، ويعتقد فيها وتتجه إرادته نحوها، إنّ الإرادة الذاتيّة، والاندفاع الذاتي يُحرّكان البشر ويدفعانهم إلى النشاط الذي يُحقّق (الوجود العملي)، إن الفكرة هي المنبع الداخلي للعمل، والدولة هي الحياة الخُلقيّة المُتصوّرة التي توجد حقيقة في عالم الواقع، لذلك فكلّ ما لدى الأفراد من أخلاق إنّما حصل لديهم بهذه الطريقة فقط، إنّها الحقيقة فكرة الروح ظاهرة في المظهر الخارجي للإرادة الإنسانيّة وحُريّتها، ويعرفها هيجل بأنّها: (فكرة إلهيّة)). (1)

أمّا كتابات هـ ج. ويلز (1866 - 1947م) مثل مُختصر لتاريخ العالم، فهو يُعطي جانباً من اهتمامه وبحوثه إلى المسيحيّة والإسلام، إذ (تأتي أهميّة المسيحية والإسلام التاريخية الهائلة من أنّهما كلاهما - وفقاً لطريقة كلّ منهما الخاصّة - قد وعدا ولأوّل مرّة في سير التجربة البشريّة، بإعطاء تربية أخلاقيّة مُشتركة لكتلة

____________________

(1) الشرقاوي - محمود - التفسير الديني للتاريخ ج1 - ص86 - دار الشعب.


من الناس، وتقديم تاريخ مشترك للماضي، وكذلك بتقديم فكرة مشتركة عن المصير الإنساني وأهدافه...، ورأى (ويلز) أنّه بالرغم من أنّه كُتب الكثير، وبصورة خاطئة، عن تناقض العلم والدين، فالحقيقة ليس ثمّة شيء كهذا، فما كشفت عنه جميع الأديان العالميّة بالإلهام والحَدس هو أنّ التاريخ كلّما أصبح أكثر وضوحاً، والعلم كلّما اتّسعت آفاقه يؤيّد أنّه كواقعة معقولة ويمكن البرهان عليها، أنّ الناس يُشكّلون أخاءً عالميّا، وهمُ أصل مشترك تتقاطع حيواتهم الفرديّة وأُممهم وعروقهم، وتتمازج وتتجه نحو اتحادٍ نهائي في مصيرٍ مُشتركٍ بين الجميع فوق هذا السيّار الصغير التائه بين الكواكب). (1)

وقد رُدّ عليه بأنّ (هذا الاعتراف بالدور الذي تلعبه الأديان في التاريخ لا يمنع من أن نتساءل مع ذلك فيما إذا كان (ويلز) يعطيها اعتبارها تماما كما يجب، فقد كان يتصوّر الدين من زاوية اجتماعيّة قبل كلّ شيء كتصور مثالي ساذج للإخاء بين الناس، ويؤدّي ما في هذا التصور من نقص، عمليّا، إلى رؤية خاطئة لطبيعة الدين كما ظهر في التاريخ، كان (ويلز) نادراً ما يستخدم عبارة (الله) وفي كتابه: الله الملك الذي لا يُرى، 1917، يصف الله كأنّه شخص، والدليل الذي يقود البشرية في حربها ضدّ الشر وفي كفاحها من أجل الخير، غير أنّ (ويلز)، كأنّما كانت هذه الفكرة تركبه، يعدل عنها في كتاباته التالية..، وكان (ويلز) في ختام مؤلّفه يلحّ على الأخلاق، فالمعرفة يجب أن ترتكز على متانة الأخلاق، (والتاريخ لم يتوصّل بعد ليكون أثراً عظيماً في مستوى الكرامة الإنسانية)، والحياة الإنسانية ستبقى على الدوام مشروعاً يتقدّم وسيتقدّم) (2) .

____________________

(1) المذاهب الكبرى في التاريخ - ص294.

(2) نفس المصدر السابق ص294.


السُنَنُ التاريخيّة ودورها الإيجابي

إنّ الشيء المُهم هو وضع دراسة للمجتعمات البشرية تحت عنوان (لماذا الانحراف؟)، وأخذ أبعاد ذلك من واقع المجتمع وصور من المراحل التي مرّت بها المجتمعات، ودراسة كلّ مرحلة على حِدة، ومعرفة أسباب السعادة والاستقرار أو الانحراف والانحطاط، فهذا الفيلسوف والمؤرّخ (أرنولد توينبي) صاحب نظريّة (التحدّي والاستجابة) في التاريخ، يُعطي صورة أقرب من غيرها إلى الواقع (... إنّ التاريخ الكلّي للمدنية يمكن أن يدرك على أنّه سلسلة من التحدّيات الخُلقيّة والعقليّة التي واجهت الإنسان، ووضعت أمام عبقريّته نوعاً من الحيرة، كان عليه أن يتحرّك مُستخدماً كلّ فكره وطاقاته لمُحاولة التصدّي لها، وعندما يعثر المجتمع على الحلول الناجحة يتحرك نحو مستويات أعلى وأعلى جديدة، فإذا لم يتمكّن المُجتمع من مواجهة هذه التحدّيات فإنّه يتفكّك وينهار إلى حدّ التلاشي. وإذن؛ فتاريخ المدنيّة عبارة عن مراحل من النجاح والفَشل في مواجهة التحدّيات، وهذا هو السرّ في تعاقب المدنيّات في كلّ منطقة من العالم.

إنّ أحد العلامات المُميّزة للمشاكل أنّها شديدة الصِلة بالقيم الأخلاقيّة، وهي اجتماعية من وجهة نظر خاصّة؛ لأنّها مُتّصلة إتصالا وثيقاً بالعلاقات الإنسانيّة، وتظهر في المضمون الذي تتواجد فيه باستمرار علاقات الإنسان، أو هي مشاكل؛ لأنّها تُعتبر خروجاً على ما يمكن اعتباره صوابا أو صحيحاً على أساس ما يُحدّده المجتمع للصفات المرغوبة، أو بمعنى آخر: إنّ المشاكل تُعتبر كذلك؛ لأنّها تُقلقل الأنماط والعلاقات التي يضع المجتمع لها أهمية كُبرى خلال التاريخ). (1)

____________________

(1) غيث - دكتور محمد عاطف - دراسات في علم الاجتماع التطبيقي ص 66 - دار النهضة العربيّة للطباعة والنشر - بيروت.


إلاّ أنّ توينبي لم يُحدّد في هذا المقطع أسباب تعثّر المجتمع وتفكّكه وانهياره، بل تلاشيه كما يذكر، أو الطُرق التي اتخذها مجتمع ما والحلول الناجحة - كما يصفها - التي تأخذ به إلى العُلا والتقدّم، أو الأسباب في النجاح والفشل في مسيرة المدنيّات التي مرّت وانقضت، فكلّ ذلك لم يُبيّنه لنا (توينبي) ليسهّل علينا الطريق في وضع المنهج الحقيقي لدراسة المجتمعات، ورغم أنّ توينبي له نظريّته الخاصّة، فهو دائما يعزو تحرّك المجتمع إلى تحدّي الواقع وشدّة وطأته على الأمم، فيُحفّز طاقات البشر فتُحرّك كوامنها بتدافع قوي ضدّ ضغط ذلك التحدّي ليتمكن المجتمع عند ذاك من بناء حضارة أو مدنيّة، لكن لم يذكر الوسائل أو المبادئ التي تتحكّم بهذه الاستجابة وتعطيها دافعاً معنويّاً كبيراً في نفوس المجتمع، فلا بدّ من قيمٍ تفرض نفسها وتُعطي زخماً دافعاً قويّاً لبناء معنويّات الإنسان المُنهارة أساساً بفعل الضغوطات الطاغوتيّة أو المبادئ الفاسدة المستشرية، بما فيها الظُلم والجور وسيادة الباطل واندثار الحق وغير ذلك، في حين وضح لنا القرآن الكريم السُنن التاريخيّة التي أبصرت العيون وفتقت العقول وأعطت المدلول ليبني الإنسان مستقبله على أحسن ما يكون، قال الله تعالى في كتابه المجيد:

( وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لّيَكُونُنّ أَهْدَى‏ مِنْ إِحْدَى‏ الأمم فَلَمّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مّا زَادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً * اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السّيّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ سُنّتَ الأَوّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللّهِ تَحْوِيلاً ) . (1)

( سُنّةَ اللّهِ فِي الّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً ) . (2)

(... فإنّ الله يُحدّثنا عن الثبات في سنّة الله، فلا تتبدّل ولا تتحول إلى سُنّة

____________________

(1) سورة فاطر: الآية 42 و43.

(2) سورة الأحزاب: الآية 62.


أُخرى أو إلى مسار آخر، تماما كما هو القانون الطبيعي الذي يحكم الوجود الكوني الذي لا مجال لتبديله، كما يُحدّثنا عن بعض هذه السُنن بأنّها (سنّة الأولين) للايماء بأنّ الإنسان هو الذي يُحرّك هذه القوانين التاريخيّة، فلا مُنافاة بين نسبتها إلى الله من حيث إنّه هو الذي أودع في الأسباب سرّ السببيّة، وربط بين السبب والمُسبب، ونسبتها إلى الإنسان باعتبار أنّه هو الذي يمسك بالسبب في حركته الإراديّة في تحريك الأسباب في حركة الوجود في الأمر الذي يجعل من التنمية الثقافيّة للإنسان هدفاً كبيراً للرسالات، لتكون حركته في اتجاه الإمساك بالخير لا الشر لتنطلق السُنن في خطّ الإيجاب بإرادته المنطلقة من فكره ومشاعره وتطلعاته، ولا بدّ لنا في الدراسة القرآنية من اكتشاف هذه السُنن في حركة التاريخ على مُستوى القاعدة التي تحكم النظام الإنساني الطبيعي في الكون، ليستفيد من ذلك في وعي النتائج السلبيّة أو الإيجابية في الواقع، ولنعرف كيف نُحرّك القضايا الإنسانيّة في اتجاه الحصول على حياة إنسانيّة مُتوازنة، والابتعاد عن كلّ الأوضاع السيّئة التي تُرهق مسيرة الإنسان وتُثقل مصيره؛ لأنّ هناك فرقاً بين دراسة الحركات الإنسانية في التاريخ الذي صنعه الإنسان في الماضي والتاريخ الذي يصنعه في الحاضر والمُستقبل). (1)

وكذلك فقد قال إمامنا علي (عليه السلام):

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَالْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٍ، خَلَقَ الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَاسْتَعْبَدَ الأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ، وَسَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ، وَبَعَثَ إلى الْجِنِّ وَالإِنْسِ رُسُلَهُ؛ لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا، وَلِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا، وَلِيُبَصِّرُوهُمْ

____________________

(1) المنهاج - مجلة تصدر عن مركز الغدير للدراسات الاسلامية - العدد الثالث، السنة الاولى 1996م - 1417هـ ص 263، منتدى المنهاج، السيد محمد حسين فضل الله.


عُيُوبَهَا، وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَأَسْقَامِهَا وَحَلاَلِهَا وَحَرَامِهَا وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالْعُصَاةِ مِنْ جَنَّةٍ وَنَارٍ وَكَرَامَةٍ وَهَوَانٍ، أَحْمَدُهُ إلى نَفْسِهِ كَمَا اسْتَحْمَدَ إلى خَلْقِهِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً، وَلِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلاً، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً). (1)

يُبيّن الإمام (عليه السلام) قدرة الله تعالى وسُلطانه وعظمته وعزّته، ويدّلل على أنّ الذي خَلق الخَلق وأسكنه الأرض سواء كان الجِن والإنس هو الله تعالى، وأعطاء العقل والتفكير ثُمّ لم يترك خلقه بدون واعظ أو هادٍ ومُدلٍّ على الطريق الذي يؤدّي بصاحبه إلى الراحة والاطمئنان في الدنيا والآخرة، فلذلك أرسل الرُسل إلى مخلوقاته، ليُبيّنوا معايب هذه الدُنيا التي نزلوا فيها إلى أجل مُحدّد، فرفعوا الغطاء عن وجهها الحقيقي بما نقلوه عن الباري عزّ وجل، ووضّحوا ذلك بالسيرة الصالحة لهم، ونبّهوا إلى قدرة الإنسان على اكتشاف الحقائق والسير على خطّ الاستقامة، واتّخاذ ذلك منهجاً بالبُعد عن مغريات الدنيا، ويُحذّرون الخلق ثُمّ يضربون الأمثال والقصص التي مرّت بها الأمم، أي: التعريف بالسنن التاريخيّة التي تحدثنا عنها، وبعد أن يأتي الرسول ليكشف الغطاء ويحذر، ويضرب الأمثال ليفتح عين الخلق على عيوب الدنيا وزخرفها، وتبدل أحوالها بين صحّة وعافية ونعيم وأمراض وحلال وحرام أ فإنّها غير مستقرة في طبيعتها كما وضّح لنا القرآن ذلك، وغير دائمة في صداقتها وعلاقتها، فهي تقذف بالإنسان من حالٍ إلى حال في لحظة من لحظاتها، دون أن تستثني أحداً من سُكّانها، وتُسقط الجبابرة من عروشهم إلى الموت أو قعر السجون، إنّها متقلبة كما يصفها الإمام (عليه السلام)، ثُمّ يذكّر بالأجر والثواب الإلهي الذي أعدّه الله تبارك وتعالى لمَن

____________________

(1) نهج البلاغة ص 265 خطبة 183.


أحسن العمل في الدنيا وشخصت عينه للآخرة، واستفاد من الفيوضات الإلهيّة التي أودعها في الأرض ليبني ويُعمّر، فحصل عند ذاك على الجنّة وذلك هو الفلاح، والعقاب كلّ العقاب للعصاة المَردة الذين سعوا بكلّ قوّة وراء دُنياهم، وحاولوا استعباد كلّ إنسان، بل ظلمه وسلبه، بل استخدموا أُسلوب الخراب بدل البناء، والانحطاط بدل الرفعة والسُمو، وجعلتهم كالكلب يلهث وراء صاحبه أملاً بالحصول على شيء من فتات موائده إن بقي منه شيء، ثُمّ تركتهم في غرامهم يهيمون يديرون الرؤوس يمينا وشمالاً بحثاً عنها، فلا يرون إلاّ عجوزاً شمطاء ذهبت كلّ زينتها التي غطّت بها وجهها الكالح كما وصفها نبي الله عيسى بن مريم (عليه السلام)، فهي ليست حورية عذراء، كما أغرتهم بذلك فخسروا كلّ شيء في الدنيا وأُدخلوا النار في الآخرة بعد أن باعوا كلّ بضاعتهم وضاعت عليهم أثمانها، والمُطيع لله المتّعظ بعبرته السائر على نهج نبيه فقد حصل على العِزّة والكرامة، وعكسه العاصي الذي هانت عليه نفسه وضعفت حيلته أصبح في هوان تام.

ثُمّ يحدّد الإمام العمر للإنسان وللحياة بصورة عامّة (ولكلّ قدرٍ أجلاً، ولك أجلٍ كتاباً).

. (1)

فكلام الإمام (عليه السلام) الذي يُعبّر عمّا أعطاه كتاب الله من عِبَر وأمثال صادقة يؤكّد على أن المصدر الحقيقي لأفكار الإمام (عليه السلام) هو الإسلام العظيم، فقد طرح كتاب الله الحقائق الناصعة عن حياة الأمم والشعوب السالفة، فأعطانا هَدْيه باتخاذنا من وقائع في الماضي درساً وعِبرة ولحياة المجتمعات صيانة من

____________________

(1) سورة الأعراف: الآية 34.


الانحرافات والخرافات التي تضلّ وتصمّ وتعمي وتغطي - أي تغطي الحق - فإلى أيّ شيء في هذا الواقع الفاسد يلتجئ الإنسان للخلاص من الغيّ والظُلم والانهيار، وبناء المستقبل على دعائم ثابتة، متجنباً الأخطاء والسلبيّات إذا لم يأخذ بما مرّ على الأقوام التي سبقت من عِظه واعتبار؛ إنّها سُنّة الله في الأوّلين.

إذن؛ القانون الذي سار عليه الإمام (عليه السلام) وطرحه للمستقبل هو الأخذ بسُنن الله في خلقه كعبرة ماضية تحتاج إلى تمعّن وبصيرة للحصول على النتائج المفروزة من جرّاء انحراف الأمم وطغيانهم بما ابتعدت فيه عمّا قدّره الله وأعطاه لخلقه، بحيث أساءت التعامل مع الحقائق الموجودة في الكون، وتخلخلت العلاقات الاجتماعية الصحيحة، وفَضّلت الانحراف على السلوك السليم الذي أراده الله، فكانت النهاية القاتلة؛ لأنّ الإنسان إذا لم يعتبر بما مضى وما جرى، ولا يأخذ بالصالح ولا يترك الطالح، فمعنى ذلك تفضيل الانحراف على الاستقامة، والدمار على الإعمار لطمع وجشع دنيوي قصير أمده قليل فائدته، إذا ما عرفنا أنّ هناك ثواباً وعقاباً عند الله للعاصين من خلقه، وهذه المعاني وهذه الدراسات هي التي نُريد من خلالها دراسة مستقبلنا، ووضع منهج صحيح للعمل به في مجتمعنا، يكون أُنموذجاً رائعاً ليعمم على المجتمعات الإنسانيّة من خلال طرحه كمُنقذ للإنسانية من الضلال والانحطاط والقلق المستمر التي تعيشه تلك الشعوب، وخوفها من مستقبلها المُظلم، والفراغ العقائدي الواسع لديهم لإخراجهم من الواقع المرّ الذي يمرّون به.

فالمنحى إذن، هو الاتّجاه نحو الدعوة إلى الله، والسير على النهج القويم الذي رسمه الباري عزّ وجل لعباده، بما حوته الشريعة من الحلال والحرام والأخلاق الفاضلة والتقوى التي هي الماسك الحقيقي للمجتمعات من الزيع والانحراف والفساد العام عن خط الاستقامة، وإلاّ نبقى جميعاً نعيش دوّامة النظريّات والتطبيقات والدراسات، ومرّة أُخرى يقول الإمام (عليه السلام):


(أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ، فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إلى الْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ (عليه السلام)، الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَالإِنْسِ مَعَ النُّبُوَّةِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ، فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ، وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً، وَالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً، وَوَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً!

أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَأَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ؟ أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ؟ أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ وَأَطْفَئُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ وَأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ؟ أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ وَهَزَمُوا بِالأُلُوفِ وَعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ وَمَدَّنُوا الْمَدَائِنَ؟). (1)

إنّها أروع مثال واعظ، وعبرة جارية، وصوّر حيّة لواقع مضى، وأمرٍ قادم، ودول تفنى، وآخرى تقوم. إنّها أعظم ناقوس يدقّ في أعماق العقل ليُنبّه إلى ما قد سلف وما قد يأتي وما تدور به السنين والأيام من عوالم ورجال وأفكار، فكلّها سنن تاريخيّة مضت، فلا يأمن الإنسان من غده، ولا يطغى بما ملك وأقام، ولا يأنس بمال وسلطان وعساكر مؤلّفة، فإنّ لها أجلاً مُحدّداً، وهذا هو قانون الله، وهذه كلماته ولا مبدل لكلمات الله ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصّالِحُونَ ) . (2)

إذن؛ كلّ انحراف زائل، وكل تخطّي على الحق ساقط، فالتحوّل يكون باتخاذ السُنن عِبرة وواعظاً؛ حتى لا ينحرف مَن هو جبّار عنيد، ولا يسير خلفه شَعب ذليل مسكين، فينحرف الجميع ويسقطوا في الفتنة كلّهم، وهذا ليس ببعيد عن

____________________

(1) نهج البلاغة ص262 تحقيق د. صبحي الصالح.

(2) سورة الأنبياء: الآية 105.


عصرنا الحالي، إذ أنّ التاريخ يعيد نفسه، والعالم سائر بلا وعي وإدراك إلى الغاية التي يطلبها، فلا بدّ من هدف لحياة الإنسان وتآلف المجتمعات، وإذا ما بقيت الإنسانيّة بدون هدف سامٍ تنظر إليه الأبصار في لحظة من حياتها؛ لا تستقيم الأمور ولا تهدأ الأوضاع، فمِن ضياع إلى دمار، ومن دمار إلى خراب أكثر، وهكذا يبقى الجميع في دوّامة الرُعب والخوف والحذر، ليس من الله، بل من خَلق الله الذين انحرفوا وحرّفوا وسار الجميع في خطّ الانحراف التام، وقد أعطى الإمام علي (عليه السلام) صورة بلاغيّة ناطقة، وذات معانٍ حيّة تتعلّق بتلك السُنن من خلال قوله (عليه السلام):

(بَعَثَ اللَّهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ وَجَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ؛ لِئَلاَّ تَجِبَ الْحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إلى سَبِيلِ الْحَقِّ، أَلاَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةً، لا أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ وَمَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ، وَلَكِنْ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً وَالْعِقَابُ بَوَاءً). (1)

ومُلخّص الكلام أنّ الإمام (عليه السلام) في بياناته المعبّرة خير تعبير عن كلّ الوقائع أعطى للعقل المُتبصّر حقائق لا يمكن إغضاء البصر عنها، وهي التي نستطيع أن نُعبّر عنها بأنّها أساس وقوائم بناء النظريّة الاجتماعية الإسلاميّة العالميّة، وهي محور الكلام الذي ذكره إمامنا (عليه السلام)، وأرقى ما يُمكن اتخاذه كنهج ناضج وكتخطيط مستقبلي مرسوم تسير عليه البشرية بسعادة تامّة واستقرار وثبات لا مثيل له، فيمكن لنا أن نستخرج هذه الدعائم الأساسيّة بما يلي:

1 - الاعتبار بالسُنن التاريخيّة والتي بَيّنها القرآن الكريم.

2 - المحور الأساس هو العقيدة الإسلاميّة كنهج وسلوك صائن من الخلل

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح - ص200.


والزلل.

3 - تحريك العقل وإثارة كوامنه من خلال هذه العقيدة.

4 - معرفة السُنن الكونيّة التي ذكرها القرآن لكشف حقائق الكون، والاستزادة بالمعرفة بها للاستفادة مما وضعه الله لنا في مسيرتنا الحياتية.

5 - من خلال العقيدة الإسلاميّة تنبع القيم الأخلاقية السامية للاسلام، التي تُحصّن الفرد وترفع الحالة المعنوية للمجتمع بالاطمئنان التام والاستقرار.

6 - كل هذه النقاط والثوابت من أجل الهدف الأعلى وهو رضاء الله، وكما قال الباري عزّ وجل: ( تَبَارَكَ الّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى‏ كُلّ شَي‏ءٍ قَدِيرٌ * الّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) . (1)

هذه الثوابت هي الرموز الأساسية لبناء النظريّة الاجتماعية الإسلاميّة العالمية، والتي بدونها لا يمكن الاتّكاء على أي شيء آخر في تصحيح مسيرة المجتمعات.

فقد أكّد الإمام (عليه السلام) على مسألة الاعتبار والعِظة بحال الشعوب السالفة والأُمم الماضية، وأولاها أهتمامة، وهذه المقاطع من خطبة للإمام علي (عليه السلام) تُعطي الشواهد الكاملة لهذا الطرح الواسع:

(فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الأُمَمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَصَوْلاَتِهِ وَوَقَائِعِهِ وَمَثُلاَتِهِ (2) ، وَاتَّعِظُوا بِمَثَاوِي (3) خُدُودِهِمْ (4) وَمَصَارِعِ

____________________

(1) سورة الملك: الآيات 1 و2.

(2) المثلات: العقوبات.

(3) مثاوي: جمع مثوى بمعنى المنزل.

(4) ومنازل الحدود: مواضعها من الأرض بعد الموت.


جُنُوبِهِمْ (1) ). (2)

وفي جانب آخر من خطابه (عليه السلام):

(فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وُلدِ إِسْمَاعِيلَ وَبَنِي إِسْحَاقَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ (عليهم السلام)، فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ (3) الأَحْوَالِ، وَأَقْرَبَ اشْتِبَاهَ (4) الأَمْثَالِ!) (5) .

ثُمّ يطرح الإمام (عليه السلام) جانباً آخر من جريان السُنن على خلقه، وحال أمرِ الشعوب والأُمم التي كفرت بأنعُم الله، وطغت، وتجبّرت، فألبسها الله ثوب الخزي، ونزع عنها لباس الكرامة والعِزّة، وسلبهم النِعَم التي حاطتهم بخيرها، فأصبحوا بعد ذلك قاعاً صفصفا وعبرةً لغيرهم.

(أَلَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً (6) فِي أَقْطَارِ الأَرَضِينَ وَمُلُوكاً عَلَى رِقَابِ الْعَالَمِينَ، فَانْظُرُوا إلى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ، حِينَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ، وَتَشَتَّتَتِ الأُلْفَةُ، وَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ وَالأَفْئِدَةُ، وَتَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ، وَتَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ، وَقَدْ خَلَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ، وَسَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ (7) ، وَبَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ (8) فِيكُمْ عِبَراً لِلْمُعْتَبِرِينَ) (9) .

ثُمّ يُحذّر الإمام (عليه السلام) من سوء الأعمال وقبائح الأفعال التي تُقلّب الأحوال:

____________________

(1) ومصارع الجنوب: مطارحها على التراب.

(2) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح، ص290.

(3) الاعتدال: هنا التناسب.

(4) الاشتباه: هنا التشابه.

(5) نهج البلاغة - تحقيق د. صحبي الصالح ص297.

(6) أربابا: سادات.

(7) غضارة النعمة: سعتها.

(8) وقصص أخبارها: حكايتها وروايتها.

(9) نهج البلاغة - تحقيق د. صحبي الصالح - ص297.


(واحذَروا ما نَزَلَ بالأُمَمِ قَبلكُمْ مِنْ المَثلاتِ بِسوءِ الأفعال، وذَميمِ الأعمال، فَتَذَكّروا في الخَيرِ والشّرّ أحوالهم، واحذروا أن تكونوا أمثالهم). (1)

فالعِبَر، كالآيات التي تُخبر عمّا أصاب الأُمم الماضية من النكال ونزل بهم من العذاب لمّا حادوا عن الحق وركبوا طُرق الظلم والعدوان.

____________________

(1) المصدر نفسه ص296.


الفَصلُ الثّالِث

السَيرُ على نهجِ عَليّ (عليه السلام)



الإمام علي (عليه السلام) والفِكر الاجتماعي الإسلامي

لقد كُتبت الكثير مِن الكُتب التي بحثت في الشؤون التاريخيّة والاجتماعية، إلاّ أنّ بعضها وللأسف الشديد لم يتوخَّ الدِقّة أو يعتمد على الطرح العلمي السليم، الذي يجب أن لا يبحث صاحبه في جانب ويترك حقائق أُخرى من نفس الموضوع، ومع ذلك فإنّ ما كُتب حول الفكر الاجتماعي الإسلامي لا يفي بالغرض المطلوب أو يسدّ الحاجة الواسعة لوضع نظرية اجتماعية إسلاميّة نحن بأمسّ الحاجة اليها، وما ظهر من كُتب، فإنّها بارقة أملٍ على الطريق الطويل.

أمّا فكر الإمام (عليه السلام) الاجتماعي، لا يزال حبيس النظرة الضيقة، والتبعيد المُتعمّد والمُجحف واغماط الحقّ الواضح، والظلم هنا عمّ جانبين مُهمّين:

1 - الإسلام كدين وفكر حَيٍّ.

2 - علي (عليه السلام) كعبقريّة فكريّة في كافّة المجالات.

فما بال الذين يرغبون بذكره لم يُوفّوه حقّه؟ وغيرهم يترك فكره وعلمه جانباً ويتمسك بالأفكار الوافدة والغربية التي تفصلنا عنها مسافات فكريّة واجتماعية كبيرة، وهذا ما لا يقبله منطق ولا عَقل، ثُمّ أنْ يبرز كتّاب من المسلمين مُتحمسين باهتمام بالغ على أنّهم مفكّرون اجتماعيّون لكنّهم يتركون فكر علي (عليه السلام) على الرفوف في طيّات الكُتب، فهذا هروب من الحقيقة هي والواقع والأمانة العلمية إلى السلبية الجامدة والانغلاق الفكري والتقوقع على الفكر


المذهبي، ولا عدالة وحقّ في ذلك، فالإسلام دين الجميع، وهو شامل لكلّ البشريّة، والاهتمام ببثّ وتحليل فكر رجاله الصالحين هو الدين، ووظيفة شرعية تُحتّم على الجميع إظهار الحقائق كما هي بدون أيّ تحريف أو تشويه.

ثُمّ إنّه ليس من حقّ أحد أن يدّعي الحياديّة يكون بجانب فئة مُعينة ويُهمِل الأُخرى، ثُمّ بيان أيّ مُفكّر وطرحه والاهتمام به يجب أن يكون ذلك تابع إلى الصفات والخصائص التي تجلّت فيه من علم ومعرفة ونُبوغ وشجاعة، فعلي (عليه السلام) برز عن غيره، ووضع فكره وعلمه وشجاعته في خدمة الإسلام. والنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (أنا مدينة العِلم وعَليّ بابها)، فهو غَرْسُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وثمرته اليانعة، وقرآنه الناطق في خلق الله.

إذن؛ لا بُدّ من توضيح الحقائق ووضع فكر الإمام (عليه السلام) أمام الباحثين والمُنظّرين فيما يتعلّق ببحثنا حول علم الاجتماع عند علي (عليه السلام) أو مصادر التفكير الاجتماعي عنده، وإعطائه مُتكاملاً من أبرز جوانبه لكي ينهل منه العُلماء أفكارهم، ويضعوا المناهج السليمة لمُجتمعاتهم حتى يكون البناء المُستقبلي لتلك المجتمعات صحيحاً غير عليل، وواقعياً لا أفكاراً وتصورات ذهنيّة بحتة ومتيناً حتى لا ينهار.

إنّ الإمام أعطى بكلامه وخُطبه المعاني المدروسة والطُرق الحيّة التي تنير المستقبل للأُمم والأجيال الإنسانيّة، حتى كأن ما طرحه كان نتائج لدراسات واحصاءات واستقراءات اجتماعية مُتكاملة، وأعطى بذلك طريقة اتّباع المنهج العلمي الصحيح في البناء الاجتماعي، ووضع بذلك أُسس هذا العلم، ويجب أن لا نغفل أنّ هذا (العلم لا يزال في مبدأ نشأته، وإن ظهرت عِدّة مؤلّفات قيّمة لبعض الأساطين في الغرب والشرق، وكانت لجهودهم المحمودة ثمرات طيّبة رفعت من شأن هذا العلم الجليل، ونبهت أذهان النوابغ إلى مكانته بين العلوم السياسيّة والاقتصادية والقضائيّة والأخلاقيّة وغيرها، وإنّ أقدَمَ مَن ألّفَ بهذا


العلم في اللغة العربية هو ابن خلدون في مُقدّمته، وقد اعتبره بعضهم أوّل أُستاذ كَتب وبحث في موضوعاته في الشرق، كما أنّ الفيلسوف الفرنسي (كونت) أوّل من صاغ عنوان علم الاجتماع في الغرب عام 1839م وحدود موضوعه بدراسة الفرد من حيث تركيبه الفسيولوجي والعضوي وانفعالاته النفسيّة ومَلَكاته الذهنيّة باعتبار أنّه الوحدة التي يتألّف منها المجتمع، غير أنّ هذا الفصل من العهد العلوي - طبقات الهيئة الاجتماعية - يثبت لأبناء المشرقين أن غارس نواة هذا العلم وواضع سُننه المُطّردة هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وذلك بعد البعثة المحمديّة المشرّفة). (1)

الإسلام والاتّجاه الحقيقي للعلوم

عندما نتحدّث عن الفكر الاجتماعي عند علي (عليه السلام) لا يعني أنّنا اتخذنا منهجاً غربياً بأن ربطنا علم الاجتماع بالمنهج الإسلامي، بل نستطيع القول أنّ المناهج الاجتماعية ودراسة الظواهر الاجتماعية واستخلاص النتائج التخطيطيّة للحياة البشريّة نابعة من الإسلام كدين وكمنهاج بما أعطاه كتاب الله من قوانين تحكم هذا الكون الرَحب، وبمعرفتها يسهل التعامل العلمي مع المُحيط العام، وكذلك ما بَيّنت لنا السُنن التاريخيّة في الآيات القرآنيّة التي (... أكّدت وحثّت على الاستقراء والنَظر والتَدبّر في الحوادث التاريخية من أجل تكوين نظرة استقرائيّة، من أجل الخروج بنواميس وسُنن كونيّة للساحة التاريخية). (2)

( أَفَلَمْ يِسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن

____________________

(1) الراعي والرعيّة - المصدر السابق - ص 82.

(2) الصدر - محمد باقر - المدرسة القرآنية ص 70.


قَبْلِهِمْ دَمّرَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) . (1)

ثُمّ إنّ العلوم والقوانين التي ظهرت إبّان عصر الانحطاط والتدهور الحضاري الذي ساد أوربّا في العصور الوسطى وما بعدها، وخلال عصر النهضة، وبداية التحوّلات والتطور الصناعي، وما رافق ذلك من تخلّف وتعنّت كنسي، ورفض لأي انبعاث علمي وتجديدي في الساحة البشريّة والكونيّة أدّت إلى تطوير الفكرة التجديدية الرافضة لتلك المواقف.

إنّ الدين يجب أن يقوم بالهداية والإشراف على هذه التحوّلات الفكريّة والصناعيّة، ويرشدها نحو الصالح الذي يرضاه الله، فالباري عزّ وجل لا يرضى أن يُرتكب ذلك الخطأ الفاحش بشأن المُجتمعات البشريّة والتطور العلمي، لأنّ الحقيقة هي أن العلماء الذين برزوا آنذاك استفادوا من اكتشافهم العِلل التي تتحكّم بقوانين الطبيعة، وهذا ما وضعه الله لنا، ولا يُنافي القدرة الإلهيّة وعظمة الخالق، حيث وضع الكون وما حواه وفق قوانين وسنن كونيّة خاصّة، وتوازن علمي في غاية الدِقّة، لا يُمكن أن يحدث أيّ خَلل في الحركة العامّة لهذه المجموعات الكونيّة كافة ( وَالشّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لّهَا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتّى‏ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لاَ الشّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللّيْلُ سَابِقُ النّهَارِ وَكُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) (2) .

والباري عزّ وجل دعا الإنسان إلى مُمارسة التفكّر العلمي لاكتشاف القوانين المُتلازمة في هذا الجانب، والاستفادة ممّا سَخّره الله (سبحانه وتعالى) لنا لخدمة الإنسانيّة، هذا هو نظر الإسلام بإيجاز، والإسلام لا ينظر إلى التقدّم العلمي نظرة رافضة، إلاّ ما يَضرّ بحياة البشريّة ويُدمّر مسيرتها ويسحق مبادئها

____________________

(1) سورة محمد: الآية 10.

(2) سورة يس: الآية 38 - 40.


الخُلُقيّة، بحيث يُسخّر الخَلق لخدمة الأغراض المُدمّرة، عند ذلك يرفض الدين هذا التوجّه، وإلاّ لامحظورات ولاممنوعات على التفكير العلمي السليم في الإسلام الذي يدعم بالتشجيع والدفع المعنوي العلماء ليبرزوا في مجالاتهم حتى يُحقّقوا الانجازات للبشريّة جمعاء.

(فالإسلام يرى أنّ لكّل موضوع يتعلّق بالحياة الإنسانيّة صفة ذاتيّة ووصفاً ذاتياً...، فكل موضوع في الحياة الإنسانيّة: إمّا أن يكون خيراً ونافعا بذاته ويُحقّق وجوده مصلحة، وإمّا أن يكون شرّاً وضرراً بذاته، يجرّ وجوده مفسدة...، وهدف الشريعة هو (جلب المصالح ودرء المفاسد) (1) .

إذن؛ الدين الإسلامي يتّجه بالإنسان نحو الاكتشافات العلمية التي فيها مصلحة عامّة للبشرية، في حين أنّ الكنيسة لم تستوعب هذا التحرّك العلمي الواسع كما هو في الإسلام، بل اعتبرت كلّ حَدَث علمي جديد هو ضدّ الله والدين، ووضعت نفسها وسط العقيدة المحرّفة واضفاء القدسية، وسعيهم - أي رجال الكنيسة - إلى أن تكون السلطة الروحيّة والزمنيّة في أيديهم، وذلك ما يعبّر عنه بـ (الثيوقراطيّة)، حيث يقودون المجتمع بدون نظام معلوم أو قانون إلهيّ حقيقي يسيرون عليه، وليس لهم هدفٌ سوى استدامة الحالة الجاهلة لدى المجتمع، ثُمّ جعل أمر المُلوك والأمراء وسياستهم في قبضة الكنيسة لتُسيّرهم وِفق طموحاتهم وتطلّعاتهم الدنيويّة، بحيث أصبح من الصعب عليها بعد ذلك تقبُّل كلّ فكر جديد أو تطوّر علمي يكون الخلاص فيه من تلك التعاليم الزائفة، وما يبغونه بقاء التعاليم الموضوعة والتي لا تخدم إلاّ أهدافهم ومصالحهم الذاتية، فلم تقر ولم تعترف بأيّ شيء من تلك التحولات؛ فأدّى ذلك إلى انحرافات فكريّة

____________________

(1) مؤسسة البلاغ - الفكر الإسلامي - ج2، ص37.


كبيرة، وظهور نظريات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها مناهضة - إن لم تكن مُحاربة - لأصل الدين والاعتقادات الإلهيّة، بل أكثر من ذلك، اعتبرت الدين عقبة كأداء أمام التطور الحضاري والتقدّم العلمي، وأقنعت الكثير من الجموع الغاضبة من الكنيسة وتصرّفاتها بذلك. فترشّحت لنا نظريّات بعضها أشبه بالخيال، والبعض يبحث عن معانٍٍ ومسمّيات جديدة لها، وهذا غير موجود أصلاً في الدين الإسلامي الحنيف بوجود كتابه العظيم القرآن الكريم: ( إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1) .

وحينما نتحدّث عن العلوم بتسمياتها الجديدة لا نريد من ذلك أن نطوّع الفكر الإسلامي للانتهال من تلك العلوم، إنّما نوضّح الحقائق الخافية والدامغة والتي أُخفيَت عن العالم وحُمّلت من البغض والتشويه ما لا يسعه عقل أنسان أبداً، فحينما نتكلّم عن المعالم العامّة للفكر نعني بذلك بحثنا عن مصادر العلوم ومنابعها الأصليّة لنوضح ذلك للآخرين.

إذن؛ فسعينا للتعريف بأنّ مباني أغلب هذه العلوم هي من منبع أصيل، وهو الإسلام وسيرة نبيّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكذلك ما تركه لنا إمامنا عليّ (عليه السلام) من أثر علميّ خالد في نهج البلاغة، ومن قراءتنا لهذا الكتاب القيّم وجدت أنّ عُلماء الغرب قد أخذوا الكثير بشأن علم الاجتماع والسياسة وغيرها من هذا الفكر الجبّار، وصاغوها بصيغهم الخاصّة وأعطوها تلك التسميات، وصاحب العِلم هو ابن أبي طالب (عليه السلام)، فهو رائد الفكر الاجتماعي، وواضع أُسسه التطبيقيّة والعمليّة، ولا خلاف في ذلك من خلال ما بحثته في هذه الدارسة التي سأطرحها فيما بعد، فالغرض أنّنا لا نقرن الفكر الإسلامي في الاجتماع بالنظريّات الحديثة، والهدف هو

____________________

(1) سورة الحجر: الآية 9.


الحصول على منهج جديد في هذا المجال، فمعالم النظريّة الاجتماعية الإسلامية موجوة بالأصل، وعلم الاجتماع بتعريفه الحالي والكامل نابع من فكر علي (عليه السلام)، والإسلام غنيّ بكل المناهج والطُرق والأساليب المُتّخذة والمعمول بها في الحياة العامّة، إنّما العلّة تَكمن في الفهم الصحيح والسير على النهج الأصيل والابتعاد عن الطرق الملتوية والأساليب التي لا تُجدي نفعاً، والبحث عن برنامج عمل واضح لطرح نظرية اجتماعيّة مُستوحاة من الشريعة الغرّاء وفق مفاهيم جديدة ومُعاصرة تحفظ المبادئ وتبتعد عن الانحراف، فمتن العلوم الاجتماعية موجود في عُمق الفكر الإسلامي، وما نحتاجه هو الإبراز والتوضيح بالصورة المناسبة التي تبتعد عن المصطلحات العقيمة والألفاظ الرنّانة والتمثّل بالمُفكّرين المعاصرين والقدماء من الغربيّين، ووضع منهج خاصّ في العمل بالعلوم الاجتماعية، سيكون من أوضح المناهج وأكثرها مُلاءمةً لحياة المجتمعات وأكثر موضوعيّة، ولا يهمّنا ما كُتب وما قيل عن مناهجهم العلميّة في هذا (الشأن، إلاّ ما صلح منها للإنسانية)، تلك التي نقضت نفسها بنفسها في كثير من المواقف، بل بعضها غير صالح للأخذ به وفشلت في المجالات التطبيقية، في حين ما سنعرضه من منهج علي (عليه السلام) في إدارة البلاد وقيادة المجتمع ونَظم مسيرة حركة الأفراد وعلاقاتهم فيما بينهم، كلّ مراحل الدراسات التطبيقية قد تمّت في فكر علي (عليه السلام)، والتي أعطتنا النتائج الكاملة بدون نقص للعمل وفقها مع بيان العلل والأسباب عند كلّ نقطة من ذلك المنج وتوضيحها، بحيث لا يمكن أن توضع نظريّة اجتماعيّة إسلامية معاصرة دون التبحّر في فكر سيّد الموحّدين، ففكره المنهال الواسع للعقول الذي يُعطي الحياة السعيدة للمجتمع.



الباب الثّاني

السلطة والمجتمع



الفصل الأوّل

الحقوق وأثرها في التماسك الاجتماعي



إنّ الدولة أو السلطة الزمنيّة - كما يُعبَّر عنها - لها دور كبير في بناء المجتمع، وتحديد طبيعة مسيرته بالصورة التي تؤمن بها، سواءً كانت ذات أيدلوجيا مُحدّدة كانت تعتمد أو تتخذ منهجاً هامشيّاً غير واضح الأهداف والمعالم، أو أنّها مُجرّد سيطرة راعي على رعيّته، وقد وضع كثير من الفلاسفة نظريّاتهم في هذا الأمر، وذاك هوبز مثلاً يرى (أنّ الدولة تكوين صناعيّ بمقتضى تعاقد إرادي) بمعنى أنّ المجتمع لم ينشأ تلقائيّاً، وإنّما إرادة الناس هي السبب في وجود المُجتمع، ومسؤوليّة الملك والحكومة إنّما هي توفير الفرصة لإشباع غرائز الأنانيّة لدى الأفراد في المجتمع، وبالتالي فإنّ على هؤلاء الأفراد الالتزام بالقوانين التي تصدرها الحكومة. (1)

هذه واحدة من النظريّات في السلطة والمُجتمع التي حدّدت مسؤوليّة السلطة في إطار إشباع غريزة الأنانيّة لدى الأفراد (2) ، ثُمّ إنّ من واجب الأفراد الالتزام بالقوانين الصادرة من السلطة.

أمّا (جون لوك)، فيرى (... أنّ حالة الطبيعة لم تكن أبداً حالة حرب وصراع وأنانية، بل كانت حالة يعيش فيها الإنسان حُرّاً، ويتصرّف على أساس عقلي، وكان من شأنه أن يُخفّف من آثار الحريّة المُطلقة، وليس معنى ذلك أنّ

____________________

(1) التفكير الاجتماعي - نشأته وتطوّره ص 236.

(2) وضّحنا في فصول أُخرى هذه المناهج بصورة أكثر تفصيلا.


حالة الطبيعة تخلو من المتاعب والأنانيّة والصراع، بسبب فساد بعض الأفراد، ولخلوّها من أسباب الاستقرار الثلاثة التي حدّدها (لوك) على النحو التالي:

الف - قانون مُستقرّ واضح.

ب - قاضٍ عادل يحكم بين الأفراد.

جـ - قوّة تنفيذ تستطيع تنفيذ القانون.

ومن هنا فإنّ (لوك) يعترف بحالة الفطرة كحقيقة تاريخيّة، ولكنّه ينظر إليها من منظور اجتماعي...، وقال: إنّ الأفراد فيها مُتساوون في الحقوق والواجبات بالطبيعة، باعتبارهم أفراداً في مجتمع طبيعي أسبق من المجتمع المدني أو السياسي، عاشوا في رحابه مُنذ نعومة أظفارهم، وكان رأي لوك أنّ الحياة التي تزداد تشابكاً يوما بعد يوم لم تكن لتسير هكذا، وإنّما كان من الضروري الاتفاق على شخصٍ ما لكي يتولّى تنفيذ القانون الطبيعي دون تحيُّزٍ لزيدٍ أو لعمرو، ومِن هنا اتّجه التفكير إلى إيجاد سلطة عُليا وظيفتها إقامة العدل بين الناس، وتنظيم حريّتهم التي يتمتّعون بها مُنذ عهد الفطرة، وبذلك اصطلحوا على إبرام عقد بينهم وبين شخصٍ ما). (1)

إنّ لوك أقرب في رأية ونقاطه التي حدّدها إلى الموضوعيّة من غيره، ولكن هذه النظريات التي أتعب الفلاسفة أنفسهم في استخراجها لم تكن متكاملة المضمون واضحة الأهداف مناسبة للتطبيق العملي، إنّما هي أفكار مبتورة، وتصوّرات جاء بعضها غير موضوعي أساساً، فهي في أحيان كثيرة أشبه ما تكون بالأماني الفارغة.

وبقيت المجتمعات في حالة من الغثيان من عُقم تلك الافكار وابتعادها عن واقع الأمر.

____________________

(1) المصدر السابق ص236.


أثر الحاكم في النظام الاجتماعي

من العوامل المؤثّرة في طبيعة تشكيل النظام الاجتماعي وتوالد أو تراكم الظواهر الاجتماعية هو ماهيّة الحُكم والحاكم في المجتمع، إذا ما علمنا أن السلطة لها - أيّ سلطة - تتبنّى مبادئ ومناهج مُعينة في السياسة والثقافة والتربية، فإمّا أن تكون هذه المبادئ وضعيّة من صُنع الإنسان نفسه أو إلهيّة.

ففي الأنظمة الوضعيّة يَحلّ حُكم الإنسان محلّ حُكم الله تعالى، وتضحى أطروحة الإنسان في التربية والثقافة بديلة عن التشريع الإلهي المعصوم.

(والأمر في الإسلام على العكس من هذه الفكرة تماماً، ففي (نهج البلاغة) مثلا، مع أنّه كتاب معرفة الله وتوحيده، ومع أنّه يتكلّم في كلّ مكان عن الله وعن حقوقه على العباد، لم يسكت هذا الكتاب المقدّس عن حقوق الناس الحقّة والواقعيّة، وعن مكانتهم المُحترمة المُمتازة أمام حُكّامهم، وعن أنّ الحاكم في الواقع ليس إلاّ حارساً مؤتمناً على حقوق الناس، بل أكّد على ذلك كثيراً.

إنّ الإمام الحاكم - في نهج البلاغة - حارس أمين على حقوق الناس ومسؤول أمامهم، وإن كان لا بدّ من أن يكون أحدهما للآخر، فالحاكم هو الذي جعل فى هذا الكتاب المقدّس للناس لا أن يكون الناس للحاكم). (1)

(وفي الدُرّ المنصور، بأسانيده عن علي (عليه السلام) أنّه قال: (حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدّي الأمانة، فإذا فعل ذلك، فحقٌّ على الناس أن يسمعوا له وأن يطيعوا وان يُجيبوا إذا دُعوا)، فالمُلاحظ هو أنّ القرآن الكريم يرى الحاكم

____________________

(1) مُطهري - الشيخ مُرتضى - في رحاب نهج البلاغة ص 103 - ترجمة هادي اليوسفي، دار التعارف 1400 - 1980.


حارساً أميناً على المُجتمع، وإنّ الحكومة العادلة إنّما هي أمانة على عاتق الحاكم يجب أن يؤدّيها إلى الأُمّة، وأنّ أمير المؤمنين والأئمة المعصومين من وُلده (عليهم السلام) إنّما أخذوا عن القرآن ما قالوه بهذا الصدد). (1)

هذه بعض الصور أو الحقائق الإيجابيّة، ونقيضها الجانب السلبي في الطرف الآخر، فالمجتمعات إذا ما وضعت في طريقها السليم المستقيم مع إيمان الحاكم بأنّه خادم الشريعة وراعي جوانب التطبيق وإدارة الأمر ضمن ما حصل عليه من صلاحيات حدّدها القرآن والسُنّة النبويّة الطاهرة، فإنّه سيكون حتماً أثر ذلك إيجابيّاً بصورة كبيرة للنظام الاجتماعي.

لكنّ الصورة تتماسك أمامنا، وتنتظم أطرافها ليأخذها بعضها بتلابيب البعض، إذا ما أمعنّا النظر في التصوّر الذي يُقدّمه الإمام علي (عليه السلام) للسلطة والمجتمع، حيث إنّ الإمام (عليه السلام) أعطى صورة واقعيّة حيّة للعلاقة بين السلطة والمجتمع أولاً، ثُمّ بين الأفراد أنفسهم الذين يُكوّنون المُجتمع أولاً، ثُمّ وضّح حقوق الناس على السلطة، وحقوق الأفراد على المجتمع داخل النسيج الاجتماعي، وحقوق السلطة على المجتمع، في أفضل ما وضع وأجمل ما طرح، وبه تتحقّق سعادة المجتمع وتقدّمه ورقيّه.

فقد دخل الإمام (عليه السلام) في أدقّ التفاصيل في العلاقات العامّة، ثُمّ أعطى السُبل الصحيحة والمُناسبة لتفادي حالات السقوط والانهيار. وقد أشار إلى القوى التي تُبعّد عن الفساد والخلل الذي ربما يحدث في أيّ وقت، ثُمّ ربط الهياكل المُكوّنة لهذه العلائق وطبيعتها، وحدّد الطُرق الواجب اتّخاذها كمنهج عملي وعلمي لتسيير دورة الحياة اليوميّة، فلم يترك شيئاً ويأخذ آخر، إنّما توجّه (عليه السلام)

____________________

(1) نفس المصدر السابق ص105.


إلى كلّ جوانب الحياة فأعطى، وما أرقى ما أعطى.

ففي إحدى خُطبه الرائعة يطرح الإمام علي (عليه السلام) جانباً من علم الاجتماع بفروعه المُتعدّدة، وبالأخص السياسي والأخلاقي، بالإضافة إلى المعاني الأُخرى التي تهدي المجتمعات إلى التعاون وفرز كلّ السلبيّات التي تتناقض مع الأهداف العُليا التي أرادها الله تعالى للإنسانيّة، فقد قال (عليه السلام): (أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلايَةِ أَمْرِكُمْ.

وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ، فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ (1) وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ، لا يَجْرِي لأَحَدٍ إِلاَّ جَرَى عَلَيْهِ، وَلا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ، وَلَوْ كَانَ لأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلا يَجْرِيَ عَلَيْهِ، لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ؛ لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ؛ تَفَضُّلاً مِنْهُ وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ) (2) . وحديثه (عليه السلام) مُنصبٌّ في وصف وتحليل وإثبات الحقوق المفروضة على الإنسان اتجاه خالقه من خلال إبراز الحقّ وإطاعة أمره والسير على عدله، وبيان الأحديّة والكمال الخالص لله، والقدرة المطلقة التي يجب أن يفهمها الإنسان بالهدى والفكر الناصح.

إنّ الإمام (عليه السلام) أكّد أنّ المسؤوليّة الأعظم هي على ولي الأمر الذي هو مسؤول أمام الله تعالى عن أُمةٍ يلي أمرها بتطبيق الحقّ، والعدالة والسير بهم على

____________________

(1) (أي: يتّسع القول في وصفه باللسان حتى إذا وجب على الواصف شيء منه تضايق في أدائه ولم ينتصف من نفسه كما ينتصف لها).

(2) الخطيب - السيّد عبد الزهراء الحسيني - مصادر نهج البلاغة وأسانيده - ج3 ص113 - الطبعة الرابعة - بيروت.


طريق الهداية، والابتعاد عن الغيّ والجبروت والطغيان، وهي أمانة في عُنقه، كما قال (عليه السلام) في رسالة له إلى رفاعة بن شدّاد البجلي، قاضيه على الأهواز: (واعلم يارفاعة أنّ هذه الإمارة أمانةٌ، فمَن جعلها خيانةً فعليه لعنة الله إلى يوم القيامة، ومَن استعمل خائناً فإنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بريءٌ منه في الدنيا والآخرة) (1) .

كما جعل الله له الحقّ في أن يُطيعه عباده في أوامره ونواهيه ليثبت لهم مضاعفة الثواب والعطاء الجزيل، وهذا يعتبر تفضّل من الباري عزّ وجل على عباده، وتوسعةً منه كما يُعتبّر في الوقت نفسه تمنناً ورحمة منه جلّت قدرته، وعطاء مضاف ومضاعفاً من الخالق لعباده.

(ثُمّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْضٍ).

إنّ الإمام علي (عليه السلام) جعل كلّ الأُمور التي يعيش بها الخلق من سلوك وتعامل وتبادل وتناصح، بل العلاقات العامّة والصيغ المُتبادلة في العمل وفق ما أراده الله تعالى؛ لأنّ الباري عزّ وجل أوجب هذه لتلك بموجب قانون إلهي، وهو التساوي في وجوه الحقّ المفروض على الناس، بحيث جعل فيها التناسق والنظام والتلازم وبدونها لا يصلح شيء في المسيرة الإنسانيّة، وكذلك هذا الوجوب لا يكون بعضه إلاّ ببعض، ثُمّ بيّن (عليه السلام) ذلك بصورة اوضح (وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي، فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لأُلْفَتِهِمْ وَعِزّاً لِدِينِهِمْ.

____________________

(1) المحمودي - الشيخ محمد باقر - نهج السعادة ومستدرك نهج البلاغة المجلد 4 و5 - ص130.


فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِصَلاَحِ الْوُلاةِ، وَلاَ تَصْلُحُ الْوُلاةُ إِلاَّ بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ.

فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ إلى الْوَالِي حَقَّهُ وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ وَجَرَتْ عَلَى أَذْلالِهَا السُّنَنُ (1) ؛ فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الأَعْدَاءِ). (2)

إنّ الحقوق التي فرضها الله تعالى على الجانبين كما ذكرها الإمام (عليه السلام) فيها الجوانب المُهمّة والدعائم الأساسيّة لثبات كيان المجتمع وحفظ مظاهره الإيجابيّة وصورة نظامه، هذا إذا شعر الوالى بأنّ الله قد فرض له حقوقاً على رعيّته، وكذلك حقوقاً للرعيّة على الوالي، وبحفظهما وعدم الإخلال بتوازنهما تكون (نظاماً لأُلفتهم)، وبهذه الأُلفة وهذا التعاون والمحبّة والصدق في نيّاتهم وضمان تسديد الحقوق إلى مُستحقّيها والالتزام اتجاه بعضهم البعض الآخر هي الضمان الحي للمسيرة الصالحة.

إذن؛ هذه الحقوق التي فرضها الله تعالى على الجانبين هي حقّ الوالي على الرعيّة وحق الرعيّة على الوالي. والمقصود بالحق الأوّل هو حقّ الدولة وقائدها، أي: السلطة القائمة على المجتمع.

فالإمام (عليه السلام) في نصّه يطرح هذا الموضوع شرطاً في نموّ الدولة ودوامها، ويضع هُنا واحداً من مفاتح تفسير التاريخ، في واحد من شروط نموّ الحضارات ودوامها.

____________________

(1) ورد في معنى (أذلالها) - بفتح الهمزة - أي: على مجاريها وطُرقها.

(2) مصادر نهج البلاغة - مصدر سابق - ص114.


ويُمكن طرح الجوانب الإيجابية للعلاقة المُتبادلة بين الراعي والرعيّة كما يلي:

1 - إنّ هذه العلاقة الودّية والتي استوجبت على الطرفين حقوقاً مُتبادلة أصبحت نظاماً للأُلفة والمحبّة والوفاء.

2 - بهذا الود والحُب والتعايش العائلي داخل البلد والتوافق والانسجام ومُراعاة الضوابط التي حدّدها الباري عزّ وجل في العلاقة الحقوقيّة المتبادلة سيعزّ الدين ويرتفع شأنه.

3 - صلاح الوالي، فبصلاحه وأهليته كإنسان مؤمن وصادق وأمين غير خوّان ولا مُنافق يُدلّس على الناس أعماله أو يُخفي أمره وأسراره، فإنّه تصلح به الرعيّة، وإذا كان فاسداً مُفسداً عند ذاك تفسد الرعيّة؛ لأنّه لا صلاح للرعية اإلاّ بصلاح القدوة القائد.

كذلك إذا انحرف المُجتمع وانفردت به الشهوات والرغبات الأنانية والمطامح الشخصيّة - أي حُبّ الذات بكلّ معنى لها - تاركاً أمر الله وحقوقه، مبتعداً عن تعاليم دينه، مقدّماً مصلحته على الصالح العام، مُقرّاً بالصفات الذميمة والشريرة والرذيلة، بعيداً عن الاستقامة التي حدّدها القرآن؛ فإنّه سيفسد أمْر الولاة ولا يستقيم، وبالتالي تنهار العلاقة الإيجابيّة التي وضعت أُسسها سابقاً، ويُدمّر النسيج الاجتماعي المتراص مع الحاكم.

إذن؛ لا بدّ أن يؤدّي الناس حقّ الوالي ويؤدّي الوالي حقّ الناس؛ حتى يسود الحقّ بالعدالة والسمو في المجتمع بالالتزام المتبادل بالحقوق الواجب أداؤها على كلّ طرف إزاء الطرف الآخر.

وسيترتّب على ذلك:

1 - ارتفاع شأن الحقّ بينهم.

2 - التطبيق الكامل لمنهج الحق وطريق الدين الحنيف.


3 - وضوح معالم العدل الذي يسود المجتمع.

4 - جريان السُنن الإلهيّة كما أرادها الله سبحانه وتعالى.

5 - رفاهيّة المجتمع وسعادته في الزمان الذي طُبّقت فيه أوامر الله تعالى.

6 - الرغبة والتمنّي لطول بقاء الدولة والدفاع عنها في الوقت العصيب.

7 - يأس العدو وردّه على نحره وطمر كلّ مطامعه.

هذه سبع نقاط إيجابيّة مُهمّة يحصل عليها المُجتمع والدولة معاً من خلال الوفاء بالواجب الإلهي المفروض على الطرفين، وإنّه ليس (عقداً اجتماعياً) كما وصفه (جان جاك روسو) أو غيره، إنّما سُنن صالحة معتمدة تامّة التطبيق ومضمونة النتائج لصلاح المجتمع والسلطة معاً.

والإمام (عليه السلام) لا يسكت عند هذا الحد، إنّما يتحول إلى الجانب السلبي من العلاقة بعد أن تحدّث عن الجانب الإيجابي المُثمر، وسنأتي إلى طرحها تباعاً إن شاء الله.

بقي لنا أن نتساءل: ما هي هذه الحقوق التي توفّر الأمن للعلاقة الإيجابيّة وتُعطي الطاقة الفاعلة للسير على طريق الحق والاستقامة، وإقامة العدل في المجتمع؟ لإنّه كما قلنا إنّ هدفنا هو اتباع منهجيّة أو إعطاء ملامح عامّة لنظرية اجتماعية إسلامية تسير عليها المجتمعات الإنسانية باتخاذها منهجاً سليماً للعمل به، فنعود ونسأل الإمام علي (عليه السلام) أن يُعطينا صورة لهذه الحقق وماهيّتها، فجاءنا الجواب بهذا الكلام البليغ:

(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ:

فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ: فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلا تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا.

وَأَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ، وَالنَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ وَالْمَغِيبِ،


وَالإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ) (1) .

أربع نقاط رئيسيّة حدّدها الإمام (عليه السلام) في كلامه كحقوق للرعية على الوالي الشرعي، وأربعة أُخرى كحقوق للوالي على الرعيّة، وهذه الجُمل المُعبّرة تُعتبر بحق العناصر الأساسيّة في حفظ المجتمع وصيانته ونموّ الدولة واستمرارها، وقد عبّرت عن عمق المعاني والمفاهيم الإنسانية والأخلاقيّة ولنأتِ على هذه النقاط بشيء من التفصيل.

أولاً: حقوق الرعيّة على الوالي

أ - النّصيحة للأُمّة:

إنّ أيّ حاكم إذا كان صادقاً مُحباً لأُمّته فإنّه لا يفعل أمرا إلاّ ما يصلحها ويساعد على تقدّمها، فالنصيحة: هي أداء الأمانة التي أُلزِم بها الوالي أو الحاكم على أحسن ما تصدق به نفسه، وهي في نفس الوقت الوفاء للأُمّة بحيث يحميها من الشرور بقوّة إرادته وحِكمته وتدبير أمره، ولا يوقع بها في المواقف التي تحطّ من كرامتها وحريّتها وشرفها وعزّتها وسعادتها من أجل رغبة ذاتية أو سوء تدبير، وأن يُخلص لها ويصدقها.

ويقتبس الماوردي من أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا البُعد، فيُحرّم على المَلك استعمال المكايد مع الرعيّة، ويُقصّر جوازها على العلاقة مع العدو، ويعتبر ذلك من أُصول العدل في السياسة. (ومطلب الماوردي مأخوذ من سياسة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في عدم حجب الأسرار عن الرعيّة) (2) .

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح - ص79.

(2) العلوي - هادي - فصول من تاريخ الإسلام السياسي ص - 1995 قبرص شركة F-k-n المحدودة للنشر.


وعلى نقيضه كان خصومه الأُمويّون (الذين جربّوا مبدأ سبق لأرسطو أن قرّره في سياساته، يسمح بتضليل الجمهور للحصول على دعمه للملك) (1) .

لكن هادي العلوي وهو ينقل هذه المُقارنة يميل إلى ترجيح السياسة الأُمويّة في تضليل الجمهور التي قادتهم إلى السلطة!

وقد وقع بذلك في قلب التناقض حين فاته أنّ مِثل هذا النصر الذي حقّقه الأُمويون بتضليل الجمهور إنّما هو نصر لهم وليس للأُمّة، فلقد وقعت الأُمّة في شراكهم فيما تربّعوا هُم على عرش المُلك.

وكم من حادثة وحادثة تُثبت ذلك في تاريخنا المُعاصر، (وكم كانت شؤون العالم وأحوال البشر ستكون أفضل لو أنّنا التزمنا بشيء أكثر قليلاً من الأمانة والنزاهة والاستقامة والعقلائيّة، أو لو حاولنا بالفكر المنهجي الواعي المُنظّم الثاقب أن نتقدّم بخطوات قليلة معدودة على الوقائع والأحداث والتطوّرات، وأن نُدرك مسبقاً الأخطار والأضرار التي ستنجم عن السكوت على الشرّ والجور والغدر، والتورط في الظلم والخداع والتضليل...، ولو نظرنا إلى العالم الآن بعقول واعية وعيون مفتحة، فسندرك تماماً أنّه محكوم بشريعة الغاب إلى حدّ كبير، وربما سيبقى كذلك إلى وقت طويل قادم في المستقبل المنظور أو المجهول.

تلك هي الحقيقة الموضوعيّة الصارمة القاسية المريرة، ولا مناص للإنسان العاقل الحكيم من معرفتها ومواجهتها، ولكن هذه الحقيقة لا تعني بالضرورة القاهرة أن نكون نحن معشر البشر من الوحوش والهمج والبرابرة، ولا تعني أيضاً من جهة ثانية أن نكون بالحتميّة المُطلقة من السُذّج والبُسطاء والمُغفّلين، ولكنّها تعني أن البقيّة الباقية والثمالة الأخيرة والبارقة الوحيدة من

____________________

(1) المصدر نفسه.


الأمل في تأمين مصير العالم ومستقبل الحضارة هي المزيد من تمسّك الإنسان بإنسانيّته، على الرغم من (الغابة) وشرائعها وقوانينها وأخطارها وأهوالها وفواجعها). (1)

ب - المحافظة على بيت المال:

وهذا جانب آخر مُهمّ يُعبّر عن الأمانة والإخلاص، وهو المحافظة على ما يدخل بيت مال المسلمين من خَراج وغيره لأنّه مِلك المسلمين، حتى يبذله في مواقع صرفه المُحدّدة بالشريعة أو المساحات التي تركت الشريعة للإمام حقّ التصرّف فيها، ثُمّ على الإمام الحق أن يقوم بالرعاية الاقتصادية للأُمّة، ومواجهة الخلل والتدهور الاقتصادي، ووضع الخطط الاقتصاديّة المُناسبة بما يُعين الأُمّة على أعمالها وينشر الرخاء بين صفوفها، وكم عانى الإمام علي (عليه السلام) من بعض الأطراف في عصره بسبب مسألة تقسيم الأموال على الصحابة من أهل بدر والأنصار، حيث قسمّها كما أراد الله وعمل بها رسوله، ولم تأخذه في الله لومة لائم، أو لم يمنعه شيء من إحقاق الحق، (وكان علي بن أبي طالب (عليه السلام) إذا دخل بيت المال ونظر ما فيه من الذهب والفضة قال: (ابيضّي واصفرّي وغُرّي غيري، إنيّ من الله بكل خير). (2)

ج - التعليم:

التعليم ضدّ الجهل، وإذا أردت أن تعرف مدى إخلاص الدولة إلى أبنائها فانظر إلى اهتمامها بالتعليم، وإنّ أعظم ما يقوم به حاكم أو قائد في أيّ بلد هو

____________________

(1) هارت - ليدل - التاريخ فكراً استراتيجيّاً ص141، ترجمة حازم طالب مشتاق، الطبعة الأُولى بغداد 1985.

(2) باقر - عبد الغني - التظلّم من الحكّام - مجلّة كلّية الآداب - العدد السادس ص122 نيسان 1963 - بغداد.


النهوض لمحاربة الجهل والتخلّف والأُميّة، ونشر المعرفة والعلم بين صفوف المجتمع؛ حتى يستطيع ذلك المجتمع أن يعي الحقائق ويُساهم في التطور العلمي والمعرفي الذي هو أساس التقدّم والازدهار، ولهذا اهتمّ إمامنا علي (عليه السلام) في هذا الأصل المُهم في الحياة، وقال: (وتعليمكم كيلا تجهلوا) ناهيك عن اهتمام رسول الإنسانيّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالتعليم، وحادثة إطلاق سراح أسرى بدر مُقابل تعليم أبناء المسلمين من أروع أمثلة العناية بالتعليم التي شهدتها البشريّة في تاريخها.

د - التأديب:

هو تربية المجتمع على المبادئ الروحيّة والقيم الأخلاقية، وأيّ شيء أجمل من أن يقوم الوالي الشرعي ببناء الذات الإنسانيّة للمجتمع بناءً سليماً يحفظ المسيرة الاجتماعية ويصونها من الانحراف؟ وذلك ببثّ الآداب العامّة الإسلاميّة التي سوف تُعطي مجتمعاً نموذجيّاً أخلاقياً في تعامله وأُلفته وتعاونه.

هذه النقاط الأربعة لو عُدنا ووضّحناها أكثر فأكثر، وطابقناها مع فروع علم الاجتماع الرئيسيّة لوجدناها تتطابق في أهدافها مع تلك الفروع بصورة جليّة وواضحة، حيث نلاحظ:

1 - النصيحة للأُمّة: تندرج ضمن علم الاجتماع السياسي.

2 - المحافظة على بيت المال: تندرج ضمن علم الاجتماع الاقتصادي.

3 - التعليم: يندرج ضمن علم الاجتماعي التعليمي.

4 - التأديب: يندرج ضمن علم الاجتماع الأخلاقي.

فالإمام (عليه السلام) أوضح ضرورة مُراعاة الترابط في الحقوق بين الحاكم والرعيّة بصورة كاملة، والمحافظة على أساس العلاقات الاجتماعية وحالة التجاوب والتعاون بين الجميع.


ونظرة عامّة إلى وظائف علم الاجتماع التي حدّدها العلماء والكتّاب والمُهتمين بهذا الأمر تُوضّح لنا قيمة أفكار الإمام علي (عليه السلام) الحيّة التي طرحناها آنفاً، وهي تُعالج الواقع الاجتماعي من خلال القانون الاجتماعي العام الذي وضعه للعلاقات الاجتماعية بصورة عامّة وتامّة.

وفيما يلي أهمّ وظائف علم الاجتماع كما تُقرّرها أهم الدراسات المُعاصرة:

1 - يحاول عِلم الاجتماع الحديث وضع مورفولوجية (1) خاصّة بالعلاقات الاجتماعية تأخذ على عاتقها تصنيف وتقسيم العلاقات الاجتماعية إلى أنواع أو أشكال مُختلفة، خصوصاً تلك العلاقات التي تأخذ مكانها في مؤسّسات ومنظّمات المجتمع المُختلفة.

2 - يُحاول علم الاجتماع الحديث دراسة العلاقة بين أجزاء وأقسام وعوامل الحياة الاجتماعية، كالعوامل الاقتصادية والسياسيّة والأخلاقيّة والدينيّة، مع دراسة العلاقة بين العناصر الأخلاقيّة، أو العناصر الاقتصادية مع الفكرية.

3 - يُحاول علم الاجتماع الحديث تشخيص الظروف والقوى التي تُسبّب التغيير الاجتماعي والسكون الاجتماعي، وعندما تعتمد العلاقات الاجتماعية على طبيعة الأفراد وهُم في حالة اتّصال الواحد بالآخر أو بالاتصال مع مجتمعهم الكبير، يُحاول علم الاجتماع الوصول إلى قوانين موضوعيّة إيجابيّة قادرة على تفسير الوجود الاجتماعي والكيان الاجتماعي. (2)

____________________

(1) الموروفولوجية: معناها الظواهر التي تتعلّق بِبُنية المجتمع.

(2) بعض نظريّات علم الاجتماع في القرن العشرين - مجلّة كليّة الآداب - العدد 17 - ص35.


ثانياً: حق الوالي على الرعيّة

أ - الوفاء بالبيعة:

أن تبقى الأُمّة على بيعتها للخليفة أو الحاكم، تُخلص له، وتدافع عنه، وتحافظ عليه، وتفي بما قطعته على نفسها من عهود الوفاء معه.

ب - النصيحة في المشهد والمغيب:

إنّ الخليفة ما دام صادقاً مع أُمّته مؤدياً أمانته، فمن حقّه أيضاً أن يصدق معه أبناء الأُمّة، بحيث لا يدور النفاق في أنفسهم في الحضور والغياب، في الشدة والرخاء.

ج - إجابة الدعوة:

حينما يدعوهم الخليفة إلى أمرٍ ما يتخذونه، أو يطلبهم لا تخاذ طريق معين أو ترك عمل مُخالف لإرادة الله ومصلحة عموم الناس، أو تقويم في طبع ما مضرّ بالخلق، يجب أن تكون إجابة الأُمّة سريعة وبدون تباطؤ أو تلكّؤ.

د - تنفيذ الأوامر الصادرة:

إنّ الأُمّة إذا شعرت بمحبّة وليّها وسيرته العادلة، بحيث أدّى حقّ المجتمع، فما عليها حينذاك إلاّ إطاعة الأوامر الصادرة منه والعمل على تنفيذها.

لو تابعنا النقاط الأربعة الأُولى مقابلةً بالنقاط الأربعة الثانية على طاولة البحث الاجتماعي لأفرزنا النتائج الإيجابيّة المُهمّة من هذه العلاقات الاجتماعية العموديّة، ولأُعطت تلك ظواهر اجتماعية نوعيّة ذات أثر بالغ ومُهم في تقدّم مسيرة الإنسان، وبجمع كلّ هذه النقاط نحصل على صورة لأُنموذج اجتماعي صالح وسعيد يعيش أفراد كيانه في رخاء كامل وأمن واستقرار، وهذه في الحقيقة


ليست أفكاراً مثاليّة بعيدة المنال، إنّما هي حقائق موجودة في المجتمعات الإسلامية بالذات، لكنّها مبتورة الأطراف مشلولة اللسان مُبعثرة هنا وهناك، وليس هناك من يجمعها ويُؤلّف بينها، إمّا لوجود ذات إنسانيّة جشعة حاقدة أو لمُصادمتها مع مصالح الحُكّام أو عدم الثقة والاطمئنان من قِبَل الأُمّة بحاكمها، فتبقى تلك المعالم الواقعيّة والصادقة والأساسيّة لبناء المجتمعات رهينة تلك العُقد والمطامع، بل وتبقى في منأى عن التطبيق والمُمارسة بحيث تغيب حالة الوعي والوفاء والإخلاص ويحلّ محلّها الجهل والخيانة، وبالتالي الضرر العام للمجتمع.

إذن؛ فصلاح الأُمّة بصلاح قائدها وسائسها وفسادها بفساده، وإنّ أيّة أُمّة أو مجتمع كبير في أيّ بُقعة إذا كان راعيها مُنحرف المنهج والنفس، لا يهمه أمر أُمّته، يعل بالمنكر والهوى، مبتعداً عن الحق وأهله؛ فإنّ الأُمّة ستتبعه في منهجه وعلى نفس الطريق الذي يؤدّي إلى الانحطاط، وقد قيل (إنّ الناس على دين ملوكهم). وكذلك فإنّ أمر الولاة لا يستقيم ولا يستقرّ إلاّ باستقامة المُجتمع، والعمل على إقامة ومُساعدة الوالي - وقد سبق الكلام عن ذلك - فإنْ حصل التوافق الروحي والمبدئي بين الوالي والرعية، فإنّ الأحوال تسير على أحسن ما يُرام، بحيث تسقط مطامع الأعداء وتحرّكاتهم المُريبة، وهذا ما يُعبّر عنه بالمفهوم الحالي (بمتانة الوضع الداخلي) بحيث يتحدّى القائد أعداء بلده، ويقف بشعبه اتّجاههم مطمئن البال ومستقر الحال، وهذا يُضيف دعماً معنوياً وماديّاً عظيماً إلى القيادة وجيشها، بحيث يقلّ التفكير بوجود رتل خامس في البلاد، الذي ينشأ عادة من الأوضاع السيّئة والسلوك المُنحرف لبعض الأفراد، حيث يسعون إلى تحريك الوضع وإثارة الشَغَب بين الناس نظراً لسوء الأحوال، وعدم استقامة الأمور، وعدم جريان العدل في مجاريه الصحيحة، ثُمّ إرسال المعلومات عن الوضع القائم إلى الأعداء ونشر الأخبار الكاذبة والإشاعات المُفرّقة والمُثبّطة


للعزائم والهِمَم، وهذا كلّه يأتي من عدم أداء الحقوق بين الوالي والرعيّة، وقد بيّن الإمام (عليه السلام) ذلك بصورة أكثر جلاءً ووضوحاً: (وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثُرَ الإِدْغَالُ فِي الدِّينِ، وَتُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الأَحْكَامُ، وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ، وَلا لِعَظِيمِ بَاطِلٍ فُعِلَ، فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الأَبْرَارُ وَتَعِزُّ الأَشْرَارُ، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَاد ِ. فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ وَإِنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَا اللَّهِ حِرْصُهُ وَطَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ). (1)

بعد أن وضّح الإمام النتائج المُستحصلة من الصورة الإيجابيّة المُثمرة، وبعد أن بيّن الحقوق بين الطرفين في كلام مُفصّل وفي مواضع مُختلفة يستمرّ (عليه السلام) في عرض النتائج المُستحصلة من الصورة السلبيّة في العلاقة التي إن وقعت اختلّ التوازن بين الطرفين، وهذا يحصل حينما تشعر الرعيّة بغبن وظلم الطرف الآخر، حيث تسعى هي الأُخرى إلى غلبة واليها أو التخلّص منه والعبث بالمُقدّرات العامّة وترك العمل بالحقوق، وتصبح العمليّة هُنا ساحة حرب وتسارعاً نحو الأهداف الشيطانيّة بين الوالي ورعيته، عند ذاك تظهر النتائج التالية للصورة أعلاه:

1 - انتشار معالم الجور والظُلم.

2 - كثرة الأُمور التي تُفسد حقيقة وواقع الدين.

3 - ترك المَحجّة البيضاء والطريق الوسطى، أو الانحراف يميناً وشمالاً في

____________________

(1) مصادر النهج، مصدر سابق، ص 114.


طُرق أُخرى.

4 - غلبة الأهواء والرغبات الذاتيّة للنفس الإنسانيّة.

5 - تعطيل أحكام الله والعمل بما لا يُرضي الباري عزّ وجل.

6 - كثرة تَعلّل النفوس بالباطل.

7 - موت الشعور بالمسؤوليّة أزاء المُنكرات، وتعطيل الأحكام إلى الحدّ الذي قد يتجاوز عدم الاستنكار والنفرة فيها إلى الرضا والإقرار.

لقد جعل الإمام (عليه السلام) عمليّة التوازن في العلاقات بين الراعي والرعيّة الأساس المُهمّ الذي يتّكىء عليه الكيان الاجتماعي المُنسجم، الذي تُضمن فيه الحقوق والواجبات بصورة عادلة بين الجانبين، والمقوّمات الحقيقيّة لذلك هو الإيمان والصدق والأمانة.

وهناك صورة أُخرى يُعطيها الإمام علي (عليه السلام) للإمام الحاكم، مسؤولياته وأثره في الحالة الاجتماعية، هذه الصورة حين نضعها إلى جنب ما قدّمناه نقف على نسقٍ متجانس ومنهجيّة رائعة في التنظيم الاجتماعي.

ففي الخُطبة الأولى أعطى الإمام علي (عليه السلام) معالم الحقوق المفروضة على الراعي والرعيّة اتجاه بعضهم البعض، ثُمّ أعطى النتائج التي سوف تترتّب حتماً على توفّر هذه الحقوق أو على إهدارها، كاشفاً عن عُمق الرؤية في السُنن التاريخية وفلسفته السياسيّة المدنيّة..، ثُمّ جاءت الخُطبة الأُخرى بتفسير مُفصّل لطبيعة وأصناف الحقوق المفروضة على كلّ من طرفي المُعادلة الاجتماعية، وقد عكست عن حالة تامّة بوظائف علم الاجتماع.

والآن نورد كلامه في دور الإمام العادل والإمام الجائر في المجتمع، وهو قسّم من كلمته التاريخية مع عثمان بن عفّان حين شكاه الناس والتمسوا من علي (عليه السلام) مُخاطبته واستعتابه، فكان ممّا قال: (... فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وَهَدَى، فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً،


وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً، وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ، لَهَا أَعْلامٌ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ، لَهَا أَعْلامٌ، وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ، فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً وَأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً. وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ: يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالإِمَامِ الْجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلا عَاذِرٌ، فَيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى، ثُمّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا). (1)

ثُمّ يعطي الإمام (عليه السلام) العلاج التام لتلك الأمراض والأخطاء التي تترك أثارها على المجتمع بصورة عامّة، وكيان الدولة كذلك، فيقول (عليه السلام):

(فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ وَإِنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَا اللَّهِ حِرْصُهُ وَطَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ..، وَلَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ.

وَلَيْسَ امْرُؤٌ وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ، وَلا امْرُؤٌ وَإِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ وَاقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ).

فالتناصح والتعاون هُما مطلبان أساسيّان لحياة الناس والسلطة القائمة، والإنسان مهما قام وقعد وبذل جهده وحرص على عمل الخير واجتهد فيه من أجل رضاء الله، فهو لم يبلغ ولا يستطيع أن يُدرك (حقيقة ما الله أهله من الطاعة له).

إذن؛ الواجب من الحقوق الإلهيّة هوالنصيحة بآخر جهد مع التعاون من أجل إقامة العدل والحق بين الناس، لا يتعالى عن ذلك ذو مقام لمقامه، ولا يعتذر صغير لصِغره.

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح، ص 235.



الفصلُ الثّاني

الحَرب والِسلم

والمُجتمعات الإنسانيّة



لقد كَتب الكثير من عُلماء التاريخ والفلسفة والاجتماع والجغرافيّة عن أثر الحُروب في الكيانات الاجتماعية ووجودها، وقام البعض من الفلاسفة بطرح نظريّاتهم الفكريّة حول الوجود الاجتماعي ككل، والإنسان بصورة خاصّة وارتباطات ذلك بالحرب والسلم.

وهل للمجتمعات البشريّة دورات حضاريّة تتكرّر دائماً بنمط مُعيّن واحد، أم حتميّة تاريخية، اقتصادية، أو نفسيّة، أو مثاليّة، أو تحدّي واستجابة، أم ديالكتيك حسب قانون التناقض، أم أنّ أصل ذلك كما جاء في نظريّة (الصراع من أجل البقاء) أو البقاء للأصلح الدارونيّة، أو (التعاقد الاجتماعي) لهوبزولوك وروسو، أم غير ذلك؟

إنّ كلّ تلك نظريّات من بنات أفكار البشر، وإنّ لهذا الكون سُنناً إلهيّة موضوعة من قبل الباري عزّ وجل، وإنّ أول البشر هو آدم (عليه السلام)، وإنّ أوّل حربٍ شرعت بين المخلوقات هي الحرب النفسيّة العقائديّة التي قادها إبليس: ( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمّ لآتِيَنّهُم مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) . (1)

ثُمّ كان صراع قابيل وهابيل وقتل أحدهما الآخر، ولكن ليست بالصورة

____________________

(1) سورة الأعراف: الآية 16 و17.


التي طرحها توينبي، كما ذكرها الوردي في كتابه، حيث قال: (يميل بعض الباحثين بأنّ قصّة آدم التي ورد ذكرها في الكُتب المُقدّسة ليست سوى قصّة رمزيّة...، وخلاصة القول أنّ آدم وزوجته حوّاء كانا يعيشان في جنّة عدن مُنعّمين، ثُمّ عصيا ربّهما بتحريض من الشيطان.. فطردهما الله من الجنّة، حيث صارا يكسبان قوتهما عن طريق الكَدح وعَرَق الجبين، ورزقهما الله بعد ذلك وَلَدَين هُما: هابيل وقابيل، فاتخذ هابيل بين مهنة الرعي بينما اتخذ قابيل مهنة الزراعة، وجرى بين الأخوين نزاع فقتل قابيل أخاه هابيل، ومن الباحثين الذين عنوا بهذه القصّة: المؤرّخ الذي أشرنا إليه (توينبي)، فكان من رأيه أنّ جنّة عدن التي عاش فيها آدم وزوجته قبل سقوطهما، تُمثّل الحالة المطمئنة التي كان البشر يعيشون فيها قبل انحسار العصر الجليدي، أمّا النزاع بين هابيل وقابيل، فيُمثّل الصراع الذي حدث بعدئذٍ بين البداوة والحضارة). (1)

وبعضهم طرح أفكاره بصورة خياليّة غير واقعيّة، أو تفسيرات ماديّة وما شابه ذلك.

وأقول: لقد تكوّنت المُجتمعات وازدادت الحاجات وبُنيت المُدن والدول وبُعث الله الأنبياء مُبشّرين ومُنذرين، فبدأ هنا الصراع بين قوى الحق وقوى الضلال، بين الأنبياء وأتباعهم المُخلصين، والطواغيت وجلاوزتهم المغرورين، وهذا القرآن الكريم يستعرض التاريخ البشري بصورة كاملة وصادقة، وقد أعطى بل وضع بين يدي الإنسان القوانين الكونيّة، وبقي على الإنسان أن يستخرج ما ينفعه، ويكتشف العِلل والأسباب لكل حادث وحَدَث ليحصل على الصورة الواضحة التي تُساهم في استقراره وطمأنينته، إلاّ أنّ الإنسان كان ظلوماً جهولاً،

____________________

(1) دراسة في طبيعة المُجتمع العراقي ص25.


وإلاّ لسارت المُجتمعات على هُداها في طريقها المُستقيم، إنّ وراء الصراع الدامي أطماعاً بشريّة وأنانيّات ذاتيّة، وتعصّبات قوميّة، بل حتى في أحيان كثيرة التعصّب الديني للفكرة الاعتقادية التي سار عليها الآباء والأجداد رغم ظهور الأنبياء والرُسل: ( قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الْصّادِقِينَ ) . (1)

التَعصّب ونشوء الحرب

إنّ التعصّب يأخذه عِدّة مناحٍ: منها الديني، أو السياسي، أو العشائري، أو القومي، أو الشخصي، وهذه قضيّة اجتماعية نفسية مُتأصّلة في نفوس البشرية منذ أن خُلقت وتكوّنت، والتعصّبات بأنواعها هي السبب لنشوب الحروب والغزوات، و(اعلم أنّ الحروب وأنواع المُقاتلة لم تزل واقعةً في الخليقة مُنذ برأها الله، وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض، ويتعصّب لكل منها أهل عصبيّته، فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان، إحداهما تطلب الانتقام والأُخرى تُدافع كانت الحرب، وهو أمرٌ طبيعي في البشر لا تخلو عنه أُمّةٌ، وسبب هذا الانتقام في الأكثر إمّا غيرة ومُنافسةٌ، وإمّا عُدوانٌ، وإمّا غضب لله ولدينه، وإمّا غضب للمُلك وسعيٌ في تمهيده..، فالأول: أكثر ما يجري بين القبائل المُتجاورة والعشائر المتناظرة. والثاني وهو العدوان: أكثر ما يكون بين الأُمم الوحشيّة، الساكنين بالقفر، كالعرب والتُرك والتُركمان والأكراد وأشباههم؛ لأنّهم جعلوا أرزاقهم في رماحهم ودمائهم، فيما بأيدي غيرهم ومَن دافعهم عن متاعه آذنوه بالحرب، ولا بغية لهم فيما وراء ذلك من رتبة ولا ملك، وإنّما همّهم ونصب أعينهم غلب على ما

____________________

(1) سورة الأعراف: الآية 70.


في أيديهم. والثالث: هو المُسمّى في الشريعة بالجِهاد. والرابع: هو حروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها. فهذه أربعة أصناف من الحُروب، الصنفان الأولان منها حُروب بغيٍ وفتنة، والصنفان الأخيران حروب جهاد وعدل). (1)

هذا رأي ابن خلدون في عصره، أمّا في عصرنا، فكانت أهمّ أسباب الحروب: الأطماع، والتوسّع، والدوافع السياسيّة والقوميّة، واتّخذت شكلاً آخر في الفترات المُتأخّرة، فيما يُسمّى بحروب النيابة أو لوقف نفوذ فكري أو ديني وأسباب أُخرى مُتعدّدة.

الصراعات والتطوّر

هناك مَن يقول: إنّه لولا الحروب لما تطورت البشريّة ووصلت إلى هذه المرحلة من التقدّم التقني، إذ الحاجة هي أُم الاختراع، والحروب قد كشفت دائماً عن مواضع النقص في الحاجات الضروريّة لإدارة ماكنة الحرب وعجلة الاقتصاد، فيرى هؤلاء المفكرون أنّه لولا الحروب العالميّة العُظمى الأخيرة لما ترقّى فنّ الطيران بهذه السُرعة التي ترقّى بها، بل لاستغرق ارتقاؤه نصف قرن على الأقل.

وهناك أُمور كثيرة أحدثتها هذه الحرب، كتحسّن فنّ الجراحة، واختراع الكثير من المواد والأدوات ووسائل استغلال المادّة والطاقة، التي أصبحت بعد الحرب تُستخدم اقتصاديّاً وصناعيّاً، كالغوص في البحار، وبعض مكائن الحرب التي يُرجى أن تنفع في مجال الزراعة والصناعات على الأقل.

____________________

(1) مُقدّمة ابن خلدون، الفصل السابع والثلاثون ص270 مؤسسة الأعلمي - بيروت.


وهكذا تكون الحرب من العناصر الفعّالة في تقدّم الحضارة والمدنيّة أحيانا، وهي ضرورة اجتماعيّة أحياناً تتمخض عن تحقيق نِسَب أفضل من التوازن الأُمَمي، ويشاهد الإنسان أثرها حتى في توازن الكون، ولولا التصادم الموجود في عالم الحيوان والإنسان لتعطّلت سُنّة الكون، ولتعطّل العمران، وتأخّرت البشريّة: ( وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلكِنّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (1) ؛ لأنّ الناس والجماعات مُختلفو المصالح والأغراض والمآرب، فهُم يعملون متناهضين متعارضين، وعلى تعبير الرياضيّين الميكانيكيّين: يتحرّكون متقاطعين، وفي هذه الحالة يتصادمون، وتصادمهم ينتهي بتدمير بعض أنظمتهم فإذا لم يكن ثمّة وسيلة لكبح جماح القوّة الاجتماعية المُتفوّقة أو الزائدة حتى تتوازن مع غيرها كانت النتيجة دماراً للاجتماع.

إذن، يجب أن يكون في روح الاجتماع ما يُسيطر على تلك القوى الاجتماعية المُعتركة، ويدر بها في سبيل التوازن حتى تستقر في نظام، هو (العقل الاجتماعي)، فالارتقاء في التمدّن يسلتزم هذا التغيير في الأنظمة، وتنقيحها أو إبدالها بأنظمة أكثر موافقة للحالة التمدنيّة التي يتّجه إليها المُجتمع في نُموّه، إذن؛ اعتراك القوى مُفيد للاجتماع البشري ولازم له. (2)

إنّ هذا الأمر ليس أساساً يؤخذ به على أنّه لولا الحروب في الكُرة الأرضية لما تبدّلت الأنظمة أو صلح أمرها أو تطوّرت من النواحي الماديّة، إنّ ذلك يُخالف الاجتماع العام والتوافق الأُممي على العيش، إلاّ بالظرف الذي يستحدثه الطُغاة.

فرسول الإسلام (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أرسل في بداية دعوته رسائل السلام والوئام إلى قادة دول العالم الرئيسيّة آنذاك، الروم والفُرس والأقباط والأحباش، إن لم

____________________

(1) سورة البقرة: الآية 251.

(2) انظر: الراعي والرعية ص109.


ينزعوا من فكرة الشرك فإنّ عليهم آثامهم وآثام شعوبهم التي يُضلّونها عن طريق الهدى. حتى أذن الله له بقتال المشركين والكفّار لتثبيت ونشر مبادئ الإسلام وإحقاق الحقّ وإنقاذ الأُمم من الظُلم المخيّم على العالم آنذاك.

وحدّد الإسلام أنواع الجهاد، وفيها أحكام فقهية مُختلفة لسنا بصدد بحثها، إلاّ أنّه على العموم لم يكن الجهاد المعني في الإسلام هو الحروب والقتال والغزو والسيطرة كما هو الأمر لدى الامبراطوريّات والدول السابقة، إنّما هو رسالة الحريّة والسلام والخلاص من الظلم والعبوديّة، بإذن وأمر من الباري عزّ وجل لإطباق المبادئ الحقّة على العالم.

فالسيف كان مع القرآن، لا مع دوافع الاستبداد والتوسّع، والدين لا يُؤخذ على حين غرّة.

لقد فُتحت البلدان وعاش الكثير من أهلها أديانهم السابقة في رعاية المسلمين، وسُمّوا بأهل الذمة مقابل دفع الجزية التي تعفيهم من مهمّات الحرب ومن حقّ الزكاة الذي يُؤدّيه المسلمون.

إذن، معنى التدافع ليس بالضرورة أن يكون التصادم والحرب، إنّما المعنى في ذلك هو صراع الحقّ مع الباطل والدفاع عن الحق، وهناك آية شريفة تُدلل على هذا المعنى: ( وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللّهِ ) . (1)

وقد ذكر السيّد الطباطائي في الميزان أنّ الآية في مقام الإشارة إلى حقيقة يتّكىء عليها الاجتماع الإنساني الذي به عمارة الأرض، وباختلافه يختلّ العمران وتفسد الأرض، وهي غريزة الاستخدام الذي جُبل عليه الإنسان،

____________________

(1) سورة الحج: الآية 40.


وتأديتها إلى التصالح في المنافع، أعني التمدّن والاجتماع التعاوني، وهذا المعنى وإن كان بعض أعراقه وأُصوله التنازع في البقاء والانتخاب الطبيعي، لكنّه مع ذلك هو السبب القريب الذي تقوم عليه عِمارة الأرض ومصونيتها عن الفساد، فينبغي أن تُحمل الآية التي تُريد إعطاء السبب في عدم طروق الفساد على الأرض عليه، لا على ما ذُكر من القاعدتين - التنازع في البقاء والانتخاب الطبيعي - وبعبارة أُخرى واضحة: إنّ هاتين توجبان انحلال الكثرة وعودتها إلى الوحدة، فإنّ كُلاً من المُتنازعين يريد بالنزاع إفناء الآخر، وضمّ ما لَهُ من الوجود ومزاياه إلى نفسه، والطبيعة بالانتخاب تريد أن يكون الواحد الباقي منهما أقواهما وأمثلهما، فنتيجة جريان القاعدتين فساد الكثرة وبطلانها وتبدّلها إلى واحد أمثل، وهذا أمر يُنافي الاجتماع والتعاون والاشتراك في الحياة، الذي يطلبه الإنسان بفطرته، ويهتدي إليه بغريزته، وبه عمارة الأرض، بهذا النوع لا إفناء قوم منه قوماً، وأكل بعضهم بعضاً، والدفع الذي تعمر به الأرض وتُصان عن الفساد هو الدفع الذي يدعو إلى الاجتماع والاتّحاد المستقر على الكثرة والجماعة، دون الدفع الذي يدعو الى إبطال الاجتماع وإيجاد الوحدة المُفنية للكثرة، فالقتال سبب لعمارة الأرض وعدم فسادها، من حيث أنّه تحيى به حقوق اجتماعية حيويّة لقوم مستهلكين مستذلّين، لا من حيث يتشتّت به الجمع وتهلك به العين ويُمحى به الأثر. (1)

فليس الهدف إذن من وراء الحروب هو تقدّم فنّ الجراحة والاختراعات العلميّة والاستخدامات التقنية العالية، إنّما الهدف هو الوصول إلى تحقيق العدالة

____________________

(1) الطباطبائي - السيد محمد حسين - الميزان في تفسير القرآن - المجلّد الثاني - ص 305، مؤسّسة الأعلمي.


والسعادة للبشريّة بوجود هذا التدافع، لا كما يُفلسفه الماديّون.

فالبشريّة حين استقرّت وابتعدت عن الحروب بعض الشيء توجّهت عقول علمائها وأبنائها إلى كشف حقائق مجاهيل الكون، وتطوّرت العُلوم الطبّية والهندسيّة والقانونيّة والصناعيّة، واستخدمت الذرّة لألغراض الأنسانيّة، والاستخدامات الكومبيرتريّة والاتصالات عبر الأقمار الصناعية وغير ذلك. في حين أنّ المجتمعات التي لا تزال تعيش في دوّامة الحرب لم يُصبها التطوّر الجِدّي والسريع.

فالإنسان حينما خُلق لم يخُلق من أجل أن يتصارع ويتقاتل مع أخيه الإنسان. حتى أنّ الله سبحانه وتعالى قال: ( يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى‏ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ ) . (1)

فبينما نرى مجتمعاً يندفع قُدماً في بناء حضارة مُتجدّده، لا يزال هناك مجتمعاً لم يتقدّم بعد بفعل الدمار الذي تُخلّفه الحروب المُتعاقبة عليه.

نعم، قد تكون ظاهرة الحروب بين بني البشر مُحفّزاً نحو التكامل والاستعداد الشامل لمتطلبات الحياة، ودفع عدوان مُحتمل الوقوع، وهذا ما نقرأه في قوله تعالى: ( وَأَعِدّوا لَهُم مَااستَطَعْتُم مِن قُوّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ ) . (2)

وقد قال بعض أهل الفكر أنّه إذا أردّت أن تعيش بسلام فعليك أن تستعدّ للحرب، والكلام واضح هنا، أي: أن تكون قويّاً مُهاب الجانب؛ فلا يجترئ عليك عدوٌّ باغٍ.

____________________

(1) سورة الحجرات: الآية 13.

(2) سورة الأنفال: الآية 60.


فالحرب في الإسلام لم تكن يوماً سبيلاً إلى نموّ اقتصادي أو تطوّر تقني يُرتجى من ورائها، إنّما هي إحدى اثنتين: إمّا وقاية من عدوّ ودفاع عن الكيان، وأمّا سبيل إلى نشر الهدى والعدل.

فأمّا حرب الوقاية والدفاع، فالأمر فيها لا يحتاج إلى بيان، وأمّا حرب الهجوم، ففي منهاجها الذي يُعبّر عنه دائماً أول بياناتها، ما يكفي للإجابة على كل الأسئلة، كما أنّ فيه ما يطلّ بِنا من جديد على البُعد الاجتماعي المبرز في اهتمامات الفكر الإسلامي، وذلك المنهاج الذي وضعه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولقّنه أُمراء سراياه، فإذا ما بعث جيشاً فاتحاً قال لقائده: (وإذا لقيت عدوّك من المشركين فادعُهم إلى إحدى خصال ثلاث، فأيّتهن ما أجابوك إليها، فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثُمّ اُدعُهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأنّ عليهم ما على المهاجرين، فإن أبَوا أن يتخلّوا منها فأخبرهم أنّهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حُكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلاّ أن يُجاهدوا مع المسلمين، فإنْ هُم أبوا فاسألهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم، فإن أبوا، فاستعن بالله وقاتلهم). (1)

ولمّا غزا سلمان الفارسي المشركين من أهل فارس قال: كُفوّا حتى أدعوهم كما كُنت أسمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يدعوهم، فأتاهم، فقال: إنّا ندعوكم إلى الإسلام، فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم مثل ما علينا، وإن أبيتم فأعطونا الجزية، وإن أبيتم قاتلناكم، فدعاهم كذلك ثلاثاً فأبوا عليه، وقال للناس: انهدّوا لقتالهم. (2)

____________________

(1) الراعي والرعيّة ص114.

(2) نفس المصدر السابق ص114.


ومع عليّ (عليه السلام)

كان الإمام علي (عليه السلام) يهتمّ بموضوع (الإعذار).

والإعذار: هو إيضاح الأمر لدى الخصم؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بيّنة.

هذه العناية المؤكّدة في البُعد الاجتماعي نجدها عند علي (عليه السلام) في أكبر مصاديقها إشراقاً، وأكثر نماذجها إحكاماً، فرغم كونه القائد الحقّ، ورغم كونه المبدوء دائماً بالحرب، رغم ذلك فإنّه لا يواجه عُدواناً بالسيف حتّى يبدأ بالوعظ والنُصح والإرشاد، ويُحاجج من جَيّش الجيوش عليه وأقبل بالإثم والعدوان اليه.

وها هو (عليه السلام) قد أقبل إلى البصرة مع جيشه حتى نزلوا بالموضع المعروف بالزاوية، فصلّى أربع ركعات، وعفّر خدّيه على التراب، وقد خالط ذلك دموعه، ثُمّ رفع يديه يدعو: (اللّهمّ ربّ السماوات وما أظلّت، والأرض وما أقلّت، وربّ العرش العظيم، هذه البصرة وأسألك من خيرها، وأعوذ بك من شرّها، اللّهمّ أنزلنا فيها خير منزل وأنت خير المُنزلين، اللّهمّ إنّ هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي، وبغوا علَيّ، ونكثوا بيعتي، اللّهمّ احقن دماء المسلمين). وبعث إليهم من يُناشدهم الله في الدماء، وقال: (علامَ تُقاتلونني؟) فأبوا إلاّ الحرب! فبعث إليهم رجلاً من أصحابه، يُقال له مسلم، معه مصحف، يدعوهم إلى الله، فرموه بسهم فقتلوه، فحُمل إلى علي، وقالت أُمه:

يا ربّ إنّ مسلماً أتاهم

يتلو كتاب الله لا يخشاهم

فخضّبوا من دمه لحاهم

وأُمّه قائمة تراهم

وخاطب طلحة والزبير بنفسه، وبالغ في الوعظ والتذكير، فأصّر طلحة على الحرب فيما عاد الزبير إلى صوابه، وأدرك حقّ عليّ (عليه السلام)، فأقسم أن لا يُقابله،


لكن سرعان ما صرفه ابنه عبد الله ورجع به عن... يمينه!

وأمر عليّ (عليه السلام) أن يصافّوهم، ولا يبدؤوهم بقتال، ولا يرموهم بسهم ولا يضربوهم بسيف ولا يطعنوهم برمح، حتى جاء عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي من الميمنة بأخٍ له مقتول، وجاء قوم من المسيرة برجل قد رُمي بسهم فقُتل، فقال علي (عليه السلام): (اللّهمّ اشهد، وأعذروا إلى القوم).

ومع ذلك لم تكن هذه آخر مساعيه في حقن الدماء، فبعث إليهم عبد الله بن عباس، فأبلغ في الحجّة والبيان، لكنّهم أبو إلاّ الحرب، فتأمّل علي (عليه السلام) في عمّار بن ياسر سبيلاً إلى السلام ودرء الحرب، لعلّهم يذكرون قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في عمار: (تقتلك الفئة الباغية). (1)

فقام عمار بن ياسر بين الصفّين فنادى: (أيّها الناس، ما أنصفتم نبيّكم حين كففتم عقائلكم في الخدور وأبرزتم عقيلته للسيوف)! وعائشة على جمل في هودج من دفوف الخشب، قد ألبسوه المسوح وجلود البقر، وجعلوا دونه اللبود، وقد غشي على ذلك بالدروع، فدنا عمار من موضعها، فنادى: إلى ماذا تدعين؟ قالت: إلى الطلب بدم عثمان، فقال: قاتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحقّ، ثُمّ قال: أيّها الناس، إنّكم لتعلمون أيّنا الممالئ في قتل عثمان! ثُمّ أنشأ يقول وقد رشقوه بالنبل:

فمنك البكاء ومنك العويل

ومنك الرياح ومنك المطر

وأنت أمرت بقتل الإمام

وقاتله عندنا مَنْ أمر

وتواتر عليه الرمي واتّصل، فحرّك فرسه وزال عن موضعه، وأتى علياً

____________________

(1) طي - الدكتور محمد - الإمام علي ومشكلة نظام الحكم - ص148، الطبعة الثانية - 1417هـ - 1997م.


فقال: ماذا تنتظر يا أمير المؤمنين وليس لك عند القوم إلاّ الحرب؟! (1)

وتلك رسائله المُتعدّدة إلى معاوية بن أبي سفيان يدعوه إلى العودة عن غيّه في رسائل تترى، حتى إذا يئس منه دعاه إلى البراز وترك الناس حفظاً لدمائهم: (وَقَدْ دَعَوْتَ إلى الْحَرْبِ، فَدَعِ النَّاسَ جَانِباً وَاخْرُجْ إِلَيَّ، وَأَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ، لِتَعْلَمَ أَيُّنَا الْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ، وَالْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ فَأَنَا أَبُو حَسَنٍ قَاتِلُ جَدِّكَ وَأَخِيكَ وَخَالِكَ شَدْخاً يَوْمَ بَدْرٍ، وَذَلِكَ السَّيْفُ مَعِي، وَبِذَلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي، مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيناً، وَلا اسْتَحْدَثْتُ نَبِيّاً، وَإِنِّي لَعَلَى الْمِنْهَاجِ الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ، وَدَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ) (2) .

حتى وصل (عليه السلام) إلى حالة التعبئة العامّة للجيش ثُمّ التقابل مع العدو، أي: بين جيش الإمام (عليه السلام) وجيش معاوية بن ابي سفيان، قال عند ذاك الإمام (عليه السلام): (لا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى حُجَّةٍ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ فَلا تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلا تُصِيبُوا مُعْوِراً، وَلا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذًى وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ...). (3)

وإذا أصر الخصم على مواقعه الخاطئة عند ذلك كان الإمام (عليه السلام) يرى أنّ الحرب لا بدّ واقعة، والمواقف الخاطئة التي يراها الإمام مسوّغة للحرب تتلخّص باثنتين (4) :

الأوّل: أن يدّعي امرؤ ما ليس له.

____________________

(1) اُنظر: مروج الذهب - المجلّد الثاني - ص261.

(2) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح ص 370.

(3) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح - ص 373.

(4) شرح نهج البلاغة م2، ج9، ص 503.


والثاني: أن يمنع الذي عليه، في ظل الحكومة الشرعيّة بطبيعة الحال. (1)

إذن، الحرب ليست هدفا عند الإمام علي (عليه السلام)، إنّما الاجتماع والتعاون والتعايش السلمي هو الهدف...، والدفاع عن الدين ورايته هي ليست دعوة إلى الحرب وتأجيج نارها، إنّما هي إصلاح واقع الهيكل الاجتماعي وتطبيق الشريعة ورسم الصورة الصحيحة للمسيرة البشرية في حياتها ودحر الباغي على الدين وأهله، فإنّه لا يمكن الإغضاء عنه والابتعاد منه وتركه في غيّه يصول ويجول، وإنّه اذا ما تمادى في ذلك فإنّه سيسعى فساداً في الأرض ويُهلك الحرث والنسل، وهذا ما حدث فعلاً من خلال غارات جيش معاوية على القُرى والنواحي والمُدن في أطراف الدولة الإسلامية، حينما انخدع فريق بحيلة معاوية في رفع المصاحف، ونكصَ عن حربه، وما أفعال بسر بن أرطأة - أحد قادة معاوية - إلاّ شاهد واضح على ذلك، حيث قام هذا الذنب بالتقتيل وتشريد وسلب النساء وذبح الأطفال على صدور أُمهاتهم، كما فعل مع أطفال عبيد الله بن العباس والي الإمام علي (عليه السلام) على اليمن.

وإذا ما راجعنا عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر نجد هذا النص: (وَلا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ ولِلَّهِ فِيهِ رِضًا، فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ وَأَمْناً لِبِلادِكَ، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ، فَخُذْ بِالْحَزْمِ وَاتَّهِمْ فِي ذَلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ) (2) ، فالقبول بالدعوة إلى الصلح والسِلم هي نابعة من حبّ عليّ (عليه السلام) إلى الحق والعدالة، (وصاحب هذا التوجه في تاريخ العرب لا بدّ له أن يكون محبّاً للسلم كارهاً للقتال، إلاّ إذا كان القتال ضرورةً اجتماعية وإنسانية،

____________________

(1) الإمام علي ومشكلة نظام الحُكم ص 150.

(2) نصّ عهد الإمام (عليه السلام) للأشتر.


وحبّه للمسلم إنّما كان نتيجةً منطقية محتومة لمعنى المجتمع لديه، ولِما قاده إليه العقل والتجربة من إدراك هول الحروب ومقدار ما تسيء إلى الغالب والمغلوب من أبناء آدم وحوّاء، ولابن أبي طالب في هذا المجال موقفٌ جليلٌ آخذٌ من العقل والقلب والشرف جميعاً، ونحن لا نغالي إذا قلنا أنّ دعوة ابن أبي طالب للسلم كمبدأ عام، كانت منعطفاً إلى الخير في تاريخ العرب الذين كان حبّ القتال شريعةً لهم في الجاهلية أنكرها النبيّ وأنكرها العاقلون، وحبّ السِلم في القرآن من عمل الله، وحبّ القتال لغير سبب معقول من عمل الشيطان، وفي سورة البقرة: ( يَا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السّلْمِ كَافّةً وَلاَ تَتّبِعُوا خُطُوَاتِ الشّيَطانِ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِينٌ ) ... أما أروع ما في هذا المبدأ الذي كشف عنه ابن أبي طالب دون عنتٍ ودون إجهاد، فهو أنّ هذه الثورية الدافعة إلى التطور أبداً، إنّما هي ثورية خيّرة تنقل البشر أبداً من حال إلى حال أفضل.

وقد سبق لنا وقلنا أنّ علياً يوحّد ثوريّة الحياة وخير الوجود روحاً ومعنى، فأشدّ ما رأيناه يوحّد معنى التطوّر، أو ثوريّة الحياة، بمعنى الوجود توحيداً لا يجعل هذا شيئاً من تلك ولا تلك شيئاً من هذا، بل يجعل ثوريّة الحياة كلاً من خير الوجود وخير الوجود كلاً من ثورية الحياة، فالثوريّة في المبدأ العلوي أنّها في تطوّر لا يهدأ في سبيل الخير، وهذا التطور في ما يُستفاد من مذهب ابن أبي طالب، سنّة طبيعيّة لا يمكن لقوةٍ من القوى أن تعوقها أو تقف في سبيلها.

غير أنّ الإنسان قادر على أن يفهم هذه الحقيقة، فيُساعد الطبيعة في مُهمّتها الثوريّة الكبرى، فيفيد من الزمن وينجو من خطر المعارضة لناموس الحياة. أمّا إذا وقف في طريق هذا التطوّر أن يعوقه أو يحوّل مجراه، فإنّه خاسرٌ إذ ذاك مسحوقٌ بعجلة الحياة السائرة إلى أمام). (1)

____________________

(1) جرداق - جورج - الإمام علي صوت العدالة الإنسانيّة - المُجلد الخامس، ص 94 دار مكتبة الحياة.


الصُلح والسِلم

إنّ سفك الدماء واستدامته في وجود الدعوة إلى الصُلح الجاد وعدم البغي على دين الله تعالى - في حقيقة الأمر - غير مقبول عند الإمام (عليه السلام). ويضيف الإمام علي (عليه السلام): أنّ في الصلح رضا لله واستراحة للجند، ثُمّ راحةً من الهموم التي تشغل فكر القائد بأمر الحرب، وتأخذ منه ومن وقته مأخذاً كبيراً، وهي قبل ذلك كلّه أمنٌ للبلاد واستقرارٌ للمجتمع، استقرار يُهيئ له فُرص التكامل والنموّ، ثُمّ لا يترك الأمر بهذه الصورة ولم يجلب نظر الوالي إلى القضايا الأخرى التي ترتبط بالصلح والأمن، فهو يُحذر من غدر العدو واستعداده، وإعادة تنظيم قوّاته وتشكيلاته العسكرية والتسلّح من جديد ليُبادر بالضربة الأُولى التي ربما تُنهي الأمر وتأخذ بزمام المبادرة، ثُمّ قد يكون هذا العدو يستخدم صلحه غطاءً لعمل غادر كبير بعد إن يلتف عليك غفلة ويستغل حالة التراخي الموجود بفعل حالة السِلم، حيث قال (عليه السلام): (وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ، فَخُذْ بِالْحَزْمِ وَاتَّهِمْ فِي ذَلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ). (1)

العُقود والعُهود

إنّ مسألة عقد الاتّفاقيّات وإبراهما أو إعطاء العُهود للخصم في وقت الحرب عند علي (عليهالسلام) هي من المسائل المهمّة التي لا تراجع فيها، حيث يمضي (عليه السلام) في وصل حلقات منهاجه القويم في ظروف الحرب، فيقول: (وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ

____________________

(1) نص عهد الإمام علي (عليه السلام) للأشتر.


عَدُوِّكَ عُقْدَةً أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً، فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالأَمَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً، مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ وَتَشَتُّتِ آرَائِهِمْ مِنْ تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ، وَقَدْ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ، فَلا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ، وَلا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ، وَلا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ، فَإِنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ جَاهِلٌ شَقِيٌّ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إلى مَنَعَتِهِ وَيَسْتَفِيضُونَ إلى جِوَارِهِ، فَلا إِدْغَالَ وَلا مُدَالَسَةَ وَلا خِدَاعَ فِيهِ). (1)

إذن، احفظ العهد الذي أعطيته بالوفاء، وارعَ الذمّة بالأمانة، (ثُمّ إنّ الناس لم يجتمعوا على فريضة من فرائض الله أشدّ من اجتماعهم على تعظيم الوفاء بالعهود، مع تَفرّق أهوائهم وتشتّت آرائهم، حتى أنّ المشركين التزموا الوفاء فيما بينهم، فأولى أن يلتزمه المسلمون). (2)

وفي كتاب الله تعالى نقرأ آيات مُتعدّدة بهذا الشأن: ( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ) (3) ، ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤولاً ) (4) ، ( وَالّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) . (5)

ثُمّ إنّ هؤلاء قد عرفوا أنّ الغدر يعود عليهم وبالاً (وَلا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ)، أي: لا تخن عهدك وتنكث، (وَلا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ) من باب المخاتلة، أي المكر

____________________

(1) نص عهد الإمام (عليه السلام) للأشتر.

(2) نهج البلاغة - شرح الشيخ محمد عبده - ج3 ص106.

(3) سورة البقرة: الآية 177.

(4) سورة الإسراء: الآية 34.

(5) سورة المؤمنون: الآية 8.


والخداع.

ثُمّ (فَلا إِدْغَالَ وَلا مُدَالَسَةَ وَلا خِدَاعَ فِيهِ) معناه: لا إفساد ولا خيانة ولا خداع، فهي ثلاث من الصفات الذميمة التي تستنزل غضب الله تعالى، وتقود إلى تفكك عُرى الكيان الاجتماعي، لينحدر حتماً في مسار التدني الحضاري.

ثُمّ يتطرق الإمام (عليه السلام) إلى المواثيق السياسية والديبلوماسيّة بعُرفنا الحالي، وضمن حالة الحرب والسِلم والاتفاقات المتعلّقة بها، حيث يقول: (وَلاَ تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ قَوْلٍ بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَالتَّوْثِقَةِ، وَلا يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللَّهِ إلى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ، وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللَّهِ فِيهِ طِلْبَةٌ لا تَسْتَقْبِلُ فِيهَا دُنْيَاكَ وَلا آخِرَتَكَ). (1)

فإذا تعلّل المعاقد لك بعلّةٍ قد تطرأ على الكلام وطلب شيئاً لا يوافق ما أكّدته وأخذت عليه الميثاق، فلا تعوّل عليه، وكذلك لو رأيت ثقلاً في التزام العهد، فلا تركن إلى لحن القول لتتملّص منه، فخذ بأصرح الوجوه لك وعليك. (2)

هذه هي مفاهيم الإسلام العظيمة، فالأمانة والعهد والوفاء والصدق هي مفاهيم أكّدها الإسلام طريقاً إلى سعادة البشرية وتكاملها.

وإنّ المرء ليقف مذهولاً بحقٍّ أمام عظمة هذا الرجل المُلهَم وهو يُفصّل في ذلك الزمان البعيد أرقى نُظم الحرب والسلم وشروط المعاهدات الدوليّة.

إنّ الذي يُدرّس اليوم في أعلى المراحل الجامعية، والمعاهد الديبلوماسية

____________________

(1) نص عهد الإمام (عليه السلام) للاشتر.

(2) اُنظر: نهج البلاغة شرح محمد عبده ج3 ص107.


كقانون حقوقي وسياسي ثابت في العلاقات الدوليّة، وتعتمده الأُمم المتّحدة أو المنظمات الدوليّة الأُخرى في إبرام المعاهدات والاتفاقات الدوليّة لم يتخطّ هذه المواد التي فصلّها الإمام (عليه السلام).

خذ مثلاً على ذلك، المعاهدات والاتفاقيّات المعقودة بين دولتين أو أكثر بسبب نزاع حدودي، أو صراع على جرف قاري، أو حول كيفية استغلال منابع وثروات معدنيّة مُشتركة - تقع ضمن الحدود الفاصلة بين البلدين - أو تحديد طبيعة استغلال تلك الثروات النفطيّة أو الغازية بفعل تأثير عمليات السحب في هذا الجانب أو ذاك، أو بفعل تدخلات في الشؤون الداخليّة للبلد الآخر، والتي غالباً ما تؤدّي إلى حرب أو صراع دولي، لأجل الحصول على موطئ قدم أو تشكيل مناطق نفوذ دوليّة... هذه المعاهدات أخذ العالم المُعاصر يحتاط في تدوينها خشيةً من وقوع فرص التعلّل بما قد يعتري بعض ألفاظها من إبهام.

فغالباً ما تلجأ الدول إلى كتابة هذه المواثيق بلغات مُختلفة، فيكتب مثلا نصّ المعاهدة بلسان البلدين وبلغةٍ واضحة، ثُمّ يُضيفون لغة ثالثة عالمية يتفقون عليها تُعتبر كمرجع أساس في حالات تباين التفسيرات في مواد الاتّفاق، ويكتب ذلك في الملاحق القانونية للمُعاهدة، أي: يعتمدون على النص الذي اتّفقوا عليه كمرجع لتفسير النصوص واعتماد ذلك المرجع وتثبيته، ورغم ذلك فهناك تحايل والتفاف وتلاعب بمعاني الكلمات، واستخدام التورية بحيث تحتمل الكلمة عدّة معانٍ لغرض التهرّب من الالتزامات التي وافقت ووَقّعت عليها الدولة، وما أكثر ما يحدث هذا في عالمنا المعاصر، ولهذا تسعى الدول إلى استخدام أذكى وأقدر الخبراء والسياسيّين في تثبيت النصوص وتدقيقها؛ حتى لا تقع في المزالق القانونيّة والسياسيّة في عصر المكر والخداع وانعدام المبادئ في العلاقات العامّة.


وهذا ما أكّده الإمام علي (عليه السلام) قبل مئات السنين، وحذّر من الوقوع في مداخله (ولا تعقد عقدا تجوز فيه العِلل)، كذلك يطلب (عليه السلام) أن لا يستخدم لحن القول كملاذ للهروب من الالتزام والمواثيق، هذا هو منهج علي (عليه السلام). وما أكثر ما يتمنّى المرء لو أنّ المجتمعات البشريّة سارت على هداه ومنهجه لتتجنّب السقوط والدمار والخراب العام في الحضارة، وبالتالي خسارة الإنسان لِما بنى وما بذل من جهد في سبيل الرقي والمدنيّة، بفعل نقض عهد، أو تهوّر سلطان، أو اعتداء أثيم، أو غزو في ليلة ظلماء وما شابه ذلك.

ثُمّ يؤكّد الإمام (عليه السلام) على أنّ صبر الوالي على الضيق الذي لحقه من العهد، وتحمل ذلك على أمل الانفراج في العُقد والمشاكل التي أحاطت به هو خير وأفضل من غضب الله وعدم رضاه في حالة الغدر ونقض العهود والمواثيق.

إنّ هذا الكلام يحمل في طيّاته أعلى القيّم وأرقى المفاهيم الأخلاقية في التعامل الإنساني، يحمل قيمة الإنسان معه وإنسانيّته التي دمّرها المتوحّشون في عصرنا الحالي، يحمل معه روحاً عالمية الآفاق، بعيدةً كلّ البُعد عن الضيق والانغلاق الحضاري والفكري، وبعيدةً أيضاً عن القيم الزائفة، من غدرٍ وكذبٍ ونكثٍ واحتيال، والتي جرّت إلى ويلات الحروب والصراع الذي أكل من البشرية ما لا يُعدّ ولا يُحصى من ذلك المخلوق الذي كرّمه الله تعالى وهو الإنسان، ومن تلك الطبيعة التي خلقها الله تعالى للإنسان لكي يتمتّع بنِعمها ويستغلّ مواردها في سبيل راحته ويُعمّرها من أجل سعادته.

لكنّ هذا - كما تأكّد سلفاً - لا يمنع من التأهب والاستعداد لمواجهة الطوارئ المُحتملة، فالإسلام لم يمنع ذلك، بل أقرّه.

فالحرب ليست هدفاً بحدّ ذاتها، إنّما هي وسيلة للدفاع عن الدين والجهاد في سبيل إعلاء راية الحق. وهذا عليّ (عليه السلام) يُدير الحرب والسلام معاً، الحرب لأنّه


اضطر إليها بعد أن أتمّ الحجّة، فهي للدفاع عن دين الله وهيبته ومبادئه السامية التي حاول الطامعون والمنافقون والمُضلّلون اختراقها.

أُنموذج من معاهداته (عليه السلام)

بعد أن رضي (عليه السلام) مضطرّاً بعقد الهدنة مع معاوية، وخرج عليه أولئك الذين انخدعوا بخدعة معاوية أولاً تحت شعار: (لا حُكم إلاّ لله)، زاعمين أنّه (عليه السلام) قد حَكّم الرجال في كتاب الله، نهض إليهم يُعرّفهم منهجه في المُعاهدة بعد أن أبطل شُبهتهم ضارباً مثلاً آخر في هذا الميدان، فقال: (إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ الرِّجَالَ وَإِنَّمَا حَكَّمْنَا الْقُرْآنَ، هَذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، لا يَنْطِقُ بِلِسَانٍ، وَلا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ.

وَلَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إلى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلِّيَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) ، فَرَدُّهُ إلى اللَّهِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ، وَرَدُّهُ إلى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ، فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ وَأَوْلاهُمْ بِهَا.

وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَجَلاً فِي التَّحْكِيمِ؟ فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ وَيَتَثَبَّتَ الْعَالِمُ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ فِي هَذِهِ الْهُدْنَةِ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَلا تُؤْخَذَ بِأَكْظَامِهَا فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيُّنِ الْحَقِّ وَتَنْقَادَ لأَوَّلِ الْغَيِّ، إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ وَإِنْ نَقَصَهُ وَكَرَثَهُ مِنَ الْبَاطِلِ وَإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَزَادَهُ). (1)

____________________

(1) نهج البلاغة تحقيق د. صبحي الصالح ص182.


فالإمام يأمل أن يُصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأُمّة، فربما تبيّن الحق لبعض مَن جهل وانحرف، فهو يؤكّد على إنّه لم يكن الطرف المتولّي عن القرآن، ثُمّ استمع إليه وهو يُخطط لعقد الهدنة الذي اضطرّه إليه هؤلاء أنفسهم، فيقول:

(فَادْفَعُوا فِي صَدْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَخُذُوا مَهَلَ الأَيَّامِ وَحُوطُوا قَوَاصِيَ الإسلام، أَلاَ تَرَوْنَ إلى بِلادِكُمْ تُغْزَى وَإلى صَفَاتِكُمْ تُرْمَى ?!)

لاحظ الهمّ الأكبر للإمام (عليه السلام)، فأطراف البلاد الإسلاميّة أضحت تُغزى من قِبَل أعداء الإسلام المُتلبّسين به، وتُنتهب أموالها ويُقتل رجالها وتُسبى نساؤها. إنّها العناية الكُبرى بأمن المجتمع الإسلامي والدفاع عنه، هذا هو الهمّ الأكبر، وليس محاربة طائفة باغية بحدّ ذاتها هي الهم.

القتلُ وسَفكُ الدِماء

مسألة القتل أو سفك الدماء بدون حقّ هي من المسائل المُهمّة التي تناولها الإمام (عليه السلام)؛ لِما لها من آثار سلبيّة خاصّة على المجتمع والدولة، وتناول هذا الأمر باهتمام لِما قد يقع فيه الوُلاة من أخطاء تؤدّي إلى سفك الدماء بغير حق. وقد يحدث للوالي أثناء تأديبه لأحد أفراد المجتمع أن يقتله بدون قصد سابق، والشريعة حدّدت أبواب القتل للمُجرمين. أمّا أن يكون إسراف في القتل بما لا يرضاه الله والإمام فإنّه حرامٌ؛ لأنّه في غير محلّه، ولهذا أوصى الإمام (عليه السلام) بذلك: (إِيَّاكَ وَالدِّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَدْعَى لِنِقْمَةٍ وَلا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ وَلا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلا تُقَوِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ، بَلْ يُزِيلُهُ وَ يَنْقُلُهُ، وَلا عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ وَلا عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ


لأَنَّ فِيهِ قَوَدَ الْبَدَنِ.

وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَإٍ وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ سَيْفُكَ أَوْ يَدُكَ بِالْعُقُوبَةِ، فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً، فَلا تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إلى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ). (1)

إنّه ليس شيء أدعى إلى حلول النِقم، وزوال النعم، وانتقال الدّول، من سفك الدم الحرام، وإنّك إن ظننت أنّك تُقوّي سلطانك بذلك، فليس الأمر كما ظننت، بل تُضعفه، وتعدمه بشكلٍ كامل،

إذن، حياة الدول والحكومات لا تدوم بسفك الدماء، وخصوصاً دماء الأبرياء، بل إنّ ذلك ممّا يوهنها ويُفتّت وحدة كيانها..

هذا في الواقع المُعاش مع المجتمع، أمّا مع الله فذلك شيء آخر، فلا عُذر له أمام الباري عزّ وجل في القتل العمد.

إنّ السبب في طرح هذه الأمور بشواهدها وتنوّعها هو أنّ العمليّة الاجتماعيّة كلٌ مُترابط، إذ لا يمكن أن تدرس قضيّة مجتمع أو يُخطَط لبناء مستقبل إلاّ بدراسة كافة الجوانب المُتعلّقة بحياة المُجتمع؛ حتى يكون القانون واحداً متكاملاً غير منقوص في جوانب أُخرى. لذا فإنّ الإمام علي (عليه السلام) دخل في أدقّ تفاصيل الحياة وارتباطاتها؛ لكي يكون بناء المجتمع بناءً سليماً تامّاً ليس فيه عيب أو نقص.

____________________

(1) نص ّ عهد الإمام (عليه السلام) للأشتر.


الباب ُالثّالث

المُجْتمع

بصورة عامّة



الفصل ُالأوّل

بناء ُالذّاتِالإنسانيّة

وفق الم َعايير الإسلاميّة



لو قمت بقراءة أفكار الإمام علي (عليه السلام) من خلال دراسة نهج البلاغة لاقتنعت بأنّ العامل أو المحور الرئيس الذي تدور حوله اهتمامات الإمام (عليه السلام) هو بناء المجتمع ككلٍ، وبناء الذات الإنسانيّة، وهذا إنّما يكشف عن تمثّلٍ تامٍّ لحقيقة أنّ صلاح المجتمع هو شرط استقراره الأمني ونموّه المُطّرد، وأنّ صلاح المجتمع موقوف على صلاح أفراده.. إنّها الرؤية الصادقة والواضحة للمُعادلات الاجتماعيّة ولطبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع، العلاقة التي تحفظ الاثنين معاً وتقرّ لكلٍ بدوره الحقيقي الكامل، هذه العلاقة التي تفرّعت من حولها نظريات الاجتماع المُعاصر، فبين مُصدّقٍ ومُدافع متسلّح بالأدلّة الواقعيّة، وبين متحيّزٍ إلى هذا أو ذاك من طَرفي المُعادلة، فينفي وجود الفرد وأثره بالكليّة ليجعله ذرّةً حملها السيل الجارف المُتمثّل بالمُجتمع، أو يضع الفرد موضع المُتفرّد في التأثير بكلّ المُعادلات الاجتماعية ويُلغي أيّ دور للكيان الاجتماعي في توجيه الحياة في حاضرها ومستقبلها.

فهناك بعض علماء الاجتماع يدورون حول محور بناء الذات والأخلاق، ويُؤكّدون على القيم الأخلاقيّة في حفظ النَسق الاجتماعي، ولكن لم يضعوا لنا منهجاً واضحاً عن كيفيّة نشر هذه القيم بين المجتمع والمُحافظة عليها، وما هو الشيء الذي يُمسك الناس للأخذ بها والسير على هُداها إذا طغت (الأنا) على فكره وعمله، بحيث تسحق حقّ الجماعة الذين يُكوّنون المُجتمع.


وهذا نموذج لآراء واحدٍ من العُلماء البارزين كما طرحه الدكتور زيدان في كتابه، حيث قال: (وعرض كونت للنظريات الاقتصادية ونقدها جميعا كما عرض النواحى الأخلاقيّة، بل طالبَ بقيام (عِم الأخلاق) غايته كشف القوانين الأخلاقيّة لأهمّيتها من الناحية الاجتماعية، غير أنّ قيام عِلم الأخلاق يتطلّب أوّلاً:

قيام علم الاجتماع الوضعي لكي يغذّيه بمبادئه العامّة ومادّة بحثه ومنهاجه. والموضوعات الأساسيّة التي يُعالجها.

وكانت الأخلاق التي ينشدها هي: الأخلاق المُستمدَّة من الديانة المسيحيّة، ولاسيّما مبدأ (عش لغيرك) الذي يؤدّي إلى الشعور بالمُشاركات الوجدانيّة بين مُختلف الأفراد والطبقات، وقد تصدّى كونت في محاضراته عن الفلسفة الوضعيّة للأسلام والمسيحيّة، وأوضح أنّ كُلاًّ من الديانتين لم تصل بالعلم إلى الحقيقة الوضعيّة التي تقوم على أساس عِلمي، وطالب المسلمين والمسيحين ولا سيما أتباع المذهب الكاثولوكي - أن يأخذوا بديانته الجديدة (ديانة الأنسانيّة) ومبدؤها الحبّ وأساسها النظام، وغايتها التَقدّم، وهذه الديانة هي التي تجعل من الإنسانيّة جمعاء (الإله الذي يجب أن نُقدّسه).

ومن هذا نرى أنّ فكرة (الإنسانيّة لدى كونت) تَحلّ مَحلّ فكرة (الله)، غير أنّ فشله في استيعاب وإقناع الآخرين بتلك القضيّة الخاسرة أدّى به إلى الوقوع ضحيّة المَرض العقلي في أُخريات أيّامه، الأمر الذي دفعه إلى ترك الحُريّة للناس للإيمان بالأديان السماويّة أو بدينه المُقترح). (1)

ومن خلال قراءتنا لمذهب أوجيست كونت نُلاحظ مدى التخبّط العشوائي الذي عاش معه هذا الفيلسوف، فهو يتهرّب أساساً من الديانات السماويّة، ثُمّ يستمدّ منها المعونة بالأخذ ببعض قيمها الأخلاقية، ثُمّ يعتمد اعتماداً

____________________

(1) التفكير الاجتماعي - نشأته وتطو ّ ره - ص 325.


مباشراً على الوجدان كمحرّك عملي للتطبيق الأخلاقي فقط دون التوضيح والإشارة إلى مَن يُحرّك هذا الوجدان ويدفعه إلى تبنّي الحقيقة والواقع والإنصاف، وإذا كان الضمير ميتاً فمَن الذي يُحييه؟ ثُمّ يطرح دينه الجديد تحت اسم (ديانة الإنسانيّة) لتحلّ محلّ واجب الوجود وخالق الكون، ليسحق بذلك أطول تاريخ دينيٍّ اجتماعي أخلاقي وسياسي في الوجود، وهو تاريخ الأنبياء من أوّلهم آدم (عليه السلام) إلى خاتمهم نبيّ الهُدى سيّدنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ليعطينا نظريّته هذه التي حكم عليها التاريخ بالتقهقر والانزواء إلى حيث انزوى الكثير من تُراث الإنسانيّة البائس، الذي يتجاهل التركيب الإنساني والاجتماعي والكوني.

ولا يخفى ما للبُعد الأُخروي من أثر فعّال في إصلاح الفرد والمجتمع معاً، فكيف استثمر الإمام علي (عليه السلام) هذا البُعد في تحقيق أهدافه في الإصلاح؟ لنقف عند واحدة من بياناته على هذا الصعيد: (أَلا وَإِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ قَدْ وَقَعَ وَالْقَضَاءَ الْمَاضِيَ قَدْ تَوَرَّدَ، وَإِنِّي مُتَكَلِّمٌ بِعِدَةِ اللَّهِ وَحُجَّتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) ، وَقَدْ قُلْتُمْ رَبُّنَا اللَّهُ فَاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ وَعَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ، ثُمّ لا تَمْرُقُوا مِنْهَا وَلا تَبْتَدِعُوا فِيهَا وَلا تُخَالِفُوا عَنْهَا، فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعٌ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). (1)

وهكذا نكتشف أنّ العَمَد الأهم الذي يقوم على تلك القاعدة النظريّة المُتقدّمة هو البُعد الأُخروي، وأنّ البُعد الأُخروي إنّما يتحدّد في الاستقامة على نهج الكتاب والسنّة، شريعة مالك الدار الآخرة والقاضي فيها بسُلطانه...

لقد

____________________

(1) نهج البلاغة تحقيق د. صبحي الصالح ص253.


قُلتم (ربنا الله) فاعلموا أنّ لهذا القول تَبِعةً هي الاستقامة على شريعة الله، هدى كتابه وسُنّة رسوله الأمين خاتم الرُسل والنبيّين (عليهم السلام).

القُرآن أوّلاً

يأتي القرآن في المرتبة الأُولى في سبيل تحقيق هذه الوظيفة: (وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لا يَغُشُّ وَالْهَادِي الَّذِي لا يُضِلُّ وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لا يَكْذِبُ، وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلاَّ قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى.

وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ، وَلا لأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنًى، فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لأْوَائِكُمْ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالْغَيُّ وَالضَّلالُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ، وَلا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إلى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ، وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ، وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَلا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرْآنِ.

فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ، وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ، وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ (2) ). (3)

____________________

(1) اللأواء: الشِدّة. (محمّد عبده).

(2) (استغشوا أهواءكم): أي: ظنّوا فيها الغش وارجعوا إلى القرآن. (محمد عبده).

(3) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح - ص 252.


إذن، القرآن هو المنجي، فقد أعطانا القوانين والسُنن التي ننفذ من خلالها إلى ساحة الرحمة والسُمو والرفعة والتقدّم والازدهار (وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلاَّ قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى)، فمَن يتمسّك به وتزوّد من زاده فلا فقرَ يخشى ولا حاجة إلى هادٍ غيره، وفوق ذلك ينبغي أن يُعلَم أنّه ليس وراء القرآن غنىً.

إنّه لَبَلسَم لكلّ جُرح عميق، فـ (اسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لأْوَائِكُمْ)، وليس جراح الروح وحدها، بل جراحات الدنيا ومُعادلاتها.

الحالةُ الأخطر

ومع الذات الإنسانيّة بنحو أكثر تحديداً، حيث يستمرّ الإمام علي (عليه السلام) في كلامه:

(ثُمّ إِيَّاكُمْ وَتَهْزِيعَ الأَخْلاَقِ وَتَصْرِيفَهَا (1) ، وَاجْعَلُوا اللِّسَانَ وَاحِداً، وَلْيَخْزُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ فَإِنَّ هَذَا اللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ، وَاللَّهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ.

وَإِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ؛ لأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلاَمٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ وَإِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ، لا يَدْرِي مَاذَا لَهُ وَمَاذَا عَلَيْهِ، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله): لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ

____________________

(1) تهزيع الشيء: تكسيره، فالصادق إذا كَذِب فقد انكسر صِدقه، والكريم إذا لَؤم فقد انثلم لُؤمه، فهو نهي عن حطم الكمال بمعول النقص. وتصريف الأخلاق: التَلوّن بها. (اُنظر محمد عبده / شرح النهج: 93.


قَلْبُهُ، وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ. فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ سَلِيمُ اللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْيَفْعَلْ). (1)

إنّه الفيصل الأعظم بين الصدق والوضوح وبين النفاق، ذلك الداء الذي ليس في الأدواء أشدّ منّه خطراً على بناء الذات الإنسانيّة، وعلى بناء الكيان الاجتماعي. إنّه الداء الذي يستحقّ من مهندس الإصلاح الاجتماعي وقفةً أُخرى، بل وقفات: (أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ فَإِنَّهُمُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ وَالزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ، يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً، وَيَفْتَنُّونَ افْتِنَاناً، وَيَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ، وَيَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ، قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ وَصِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ، يَمْشُونَ الْخَفَاءَ وَيَدِبُّونَ الضَّرَاءَ، وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَقَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَفِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ، حَسَدَةُ الرَّخَاءِ وَمُؤَكِّدُو الْبَلاءِ وَمُقْنِطُو الرَّجَاءِ، لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيعٌ وَإلى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ وَلِكُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ، يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ وَيَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ، إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا وَإِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا وَإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا، قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلاً وَلِكُلِّ قَائِمٍ مَائِلاً وَلِكُلِّ حَيٍّ قَاتِلاً وَلِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً وَلِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً، يَتَوَصَّلُونَ إلى الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ وَيُنْفِقُوا بِهِ أَعْلاقَهُمْ، يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ وَيَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ، قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيقَ وَأَضْلَعُوا الْمَضِيقَ، فَهُمْ لُمَةُ الشَّيْطَانِ وَحُمَةُ النِّيرَانِ، أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ). (2)

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح - ص 253.

(2) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح - ص 307 خطبة 194.


ذلك هو الداء الاجتماي الوخيم بكل خِصاله، أُولئك هُم أهله بكلّ مزاياهم، فهل ترك هذا البُنيان لمتعلّلٍ حجّة، أم ترك شيئاً من شُعَب النفاق المؤديّة إلى تفسّخ الذات واندام المُجتمع لم يكشف عنها النِقاب ويرسم من حولها حُدودها الحمراء؟

الخَطَرُ الكَبيرُ الجادّ لزُمَرِ النِفاقِ

ففي رسالةٍ له إلى أهل مصر، أرسلها مع محمّد بن أبي بكر رحمه الله، يقول (عليه السلام): (إنّي لا أخافُ عليكم مؤمناً ولا مُشركاً، أمّا المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأمّا المُشرك فيحجزه الله عنكم بشركه، ولكنّي أخاف عليكم من المنافق، يقول ما تعرفون، ويعمل ما تُنكرون). (1)

إذن، الدواء اللازم لهذا المرض والتحصين التام من هؤلاء كيف ينجز؟ وكيف يتخلّص الإنسان من شرّهم ودورهم المُخرّب؟

إنّ القضايا كلّها مُترابطة الواحدة بالأُخرى في حياة المُجتمعات، بحيث لا تستطيع أن تبني أساساً متيناً في جانب وتترك الجانب الآخر يُبنى من التراب أو الرمل. إذ لا يُعقل أن يقوم جدار ولا بناء مُتكامل مُتراصّ مُهندَسٍ يصلح للسُكنى والعيش فيه على أساسٍ هشٍّ. فالإمام (عليه السلام) حينما أعطى هذه الحقائق عن تلك الفئة الضالّة والمُضلّة دلّل على عبقريّةٍ فذّهٍ ونادرةٍ، لأنّه لا يُمكن لأيّ عالم كان لو أعدّ مُختلف الدراسات التطبيقيّة على المجتمعات أن بحصل على مِثل هذه النتائج عن هذا المَرض الاجتماعي المُخرّب والمُدمّر، الذي لو سرى في مُجتمع ما لانهار ذلك المُجتمع بما تُفرزه هذه الفئة من الناس من مخاطر عظيمة على الحياة العامّة.

____________________

(1) نهج السعادة، نفس المصدر السابق، ص 121.


وإذا كان للمُنافق هذه الخطورة الكبيرة، فما بالك به إذا حدّث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ وكان حديثه عن صاحب الرسالة سهباً، مًنمّق لفظه، خبيثاً هدفه، يُضلّ بمعناه مَن سمعه، ولا يهدي إلاّ إلى طريق الشيطان والعدوان، يُبعّد الناس عن أهل الخير والرحمة وأهل الصدق والمعرفة؛ إرضاءً للحكّام الذين وظفوّهم لبثّ الفرقة بين أتباع المِلّة الواحدة، أو اتباعاً لهوى، أو رغبة في المال والسلطان وبغضاً لدين الرحمان، وحقداً وحسداً لأهل بيت النُبوّة (عليهم السلام)!

فكم من رجل ربما أسهب في الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو (رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلإِيمَانِ مُتَصَنِّعٌ بِالإِسْلامِ، لا يَتَأَثَّمُ وَلا يَتَحَرَّجُ، يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) مُتَعَمِّداً، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَاذِبٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا: صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ وَلَقِفَ عَنْهُ فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللَّهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ، ثُمّ بَقُوا بَعْدَهُ فَتَقَرَّبُوا إلى أَئِمَّةِ الضَّلالَةِ وَالدُّعَاةِ إلى النَّارِ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ؛ فَوَلَّوْهُمُ الأَعْمَالَ وَجَعَلُوهُمْ حُكَّاماً عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، فَأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَالدُّنْيَا، إِلاَّ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ). (1)

هؤلاء المنافقون أظهروا إيمانهم سِلعَة يرتزقون بها، تَصنّعوا بالإسلام كأنّهم أهل الدين المُخلصون له، الحافظون لمبادئه، لا خوف من الله يمنعهم، ولا حرج في أنفسهم، إنّهم ارتكبوا أفضع الآثام حين حرّفوا كلام النبي الأمين، وقد أحسن الظنّ بضلالتهم خَلقٌ كثيرٌ، ولو علموا بكذبهم ودَجَلهم ونفاقهم لانتقموا منهم ولم يأخذوا شيئاً عنهم أو يقبلوا حديثاً لهم، إلاّ أنّهم أوهموا الناس بنفاقهم هذا فقبل

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح - ص 325.


منهم مَن فاتته الحِكمة والبصيرة.

ذلك الخطر الماحق الذي يتسبّب به المنافقون هو الذي يُفسّر لنا السّر في قوله تعالى: ( إِنّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدّرْكِ الأَسْفَلِ ) (1) تجمعهم مع الكافرين لَعنة الآخرة.

( وَعَدَ اللّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفّارَ نَارَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) . (2)

وفي الدنيا أيضاً تجمعهم مع الكافرين أحكامٌ ( يَا أَيّهَا النّبِيّ جَاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) . (3)

ثُمّ بعد ذلك لهم على الكافرين مَزيّة في سوء حظٍ وبئس مُنقلَب: ( إِنّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النّارِ ) . (4)

قانونٌ اجتماعيٌّ خَطير

ممّا يُلفت النَظر في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) الجُملة الأخيرة منه (وإنّما الناس مع المُلوك والدُنيا، إلاّ مَن عَصم الله).

وكأنّ هذا هو مبدأ أساس أو جزء مُهمّ من الظواهر الاجتماعية على الكُرة الأرضيّة، يا ترى هل أنّ الناس دائماً مع المُلوك وحبّ الدنيا والتساقط على الدنانير؟ وما هى أسباب ذلك؟ هل الدولة أم السلطان أم الايدلوجيا ذات تأثير مباشر على هذا السلوك الخاطئ؟ وما هو العلاج إذن؟

____________________

(1) سورة النساء: الآية 145.

(2) سورة التوبة: الآية 68.

(3) سورة التحريم: الآية 9.

(4) سورة النساء: الآية 145.


إنّ تأثير الدولة الصالحة والدولة المُفسدة على المجتمع هي من حقائق الأمور الظاهرة، هذا فى الواقع العملي، إلاّ أنّ ذلك يحتاج إلى دراسة وتحقيق لمعرفة جذوره، كما أنّ له صِلة وثيقة في معرفة العوامل التي تؤدّي بالدولة إلى الصلاح أو إلى الفساد.

إنّ التاريخ يُحدّثنا عن حياة الأُمم التي مضت والحضارات التي قامت واندثرت، فيُبيّن لنا سيرة المُلوك والحكّام، وأثرها السلبي أو الإيجابي على حياة ومسيرة وتطوّر المُجتمعات.

فلننظُر إلى أُمّة على رأسها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قائداً وموجهاً ومُقنّناً وراسماً للمنهج الذي يستنير به الناس، ومُربّياً يسعى ليلاً ونهاراً باذلاً جهده لبناء مجتمع سليم قوي تسوده العدالة والسعادة والرفاهية. إنّها الصور الرائعة التى تجذبنا وتهزّنا من الأعماق، وتُجدّد فينا الحياة، وتبعث فينا الطمأنينة والاستقرار لبناء المستقبل الزاهر على ما سَنّه واختطّه رسول الإنسانيّة، فالكلّ على عِلم بالسيرة النبويّة الطاهرة، وبذلك المجتمع المدني الإسلامي الذي عاش في ظِلّه الفقير سعيداً ومُكرماً، وفيه من مراتب الإيثار والتضحية والمؤاخاة ما تَحلُم به النفوس، بل ذلك الصبر والتحمّل وهوان النفس اتّجاه الدين هو من علاماته أيضاً، والاندفاع اللامُتناهي نحو الشهادة والموت في سبيل الله من أجل الحقّ والمبدأ القويم، ومن شواهده ذاك المجاهد عمر بن الحمام - أخوبني سلمة - حينما سمعَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُحرّض الناس على القتال، حيث قال: (والذي نفس محمّد بيده، لا يُقاتلهم اليوم رجلٌ فيُقتَل صابراً مُحتسباً، مقبلاً غير مُدبر، إلاّ أدخله الله الجنّة)، فقال عُمر بن الحمام، وفي يده تمرات يأكلهن: بخٍ بخٍ، أما بيني وبين أن أدخل الجنّة إلاّ أن يقتلني هؤلاء! ثُمّ قذف التمرات من يده وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتّى قُتل (1) ، هذا المجتمع الذي بناه القائد العظيم والإمام الهادي

____________________

(1) ابن هشام - السيرة النبويّة - المجلد 1 - 2 - ص 627 - دار المعرفة، بيروت.


رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

لكن مع أمثال هذه الصورة وممّا لا يُمكن حصره على شاكلتها، وهذا التماسك الاجتماعي فإنّ ذلك لا يمنع من وجود منافق هُنا وهناك في قلبه مرض، في هذا الجانب أو ذاك وقد تأصّل في قلبه الجَشَع وحُبّ الدنيا، إلاّ أنّ الأعم الأغلب هُم حَمَلة الرسالة الّذين نشروا مبادءها في كلّ البقاع، وهم المَثَل الذي يُضرَب به في السُلوك الإنساني القويم والخُلُق الرفيع.

إنّ الشعوب إذا ما تهيأت لها الأسباب من قيادة رائدة تجعل من الذات الإنسانيّة التائهة حقيقة أخلاقيّة لها دورها الحقيقي في ترابط المُجتمع وحفظ جمعه وِفق المبادئ العادلة السليمة تكون في مستوى أخلاقي رائع تغمرها السعادة والاطمئنان.

إنّ مِثلَ هذه القيادة وهذه الأُمّة ستكون في المقدّمة بالنسبة للشعوب الأُخرى، وعلى العكس من ذلك تكون أُمّة يقودها فرعون طاغية يستخفّ بقومه ويقهرهم على طاعته، بل على تصديق ضلالاته والدفاع عنها.

إنّها أُمّة يصعب أن تُذعِن لبُرهان حقٍّ، أو تستفيق من طغيان ظُلم واستهتار، حتى وهي تبصر الآيات والدلائل البيّنة، فلا استوقفتها هزيمة السَحَرة وإذعانهم لمُعجزات موسى، ولا استفاقت لآيات العذاب والرُعب في الضفادع والقُمَّل والجراد والدم، وحتى انغلاق البحر لقوم موسى لم يُحرّك في ضمائرهم نزعة التَحرّر من ذلّ العبوديّة والخنوع!

الشورى وقَبول الرأي وموضع ذلك لدى الحاكم

حينما أصبح علي (عليه السلام) خليفةً للمسلمين احتجّ طلحة والزبير بعد البيعة على عليّ (عليه السلام) لعدم مشورتهما والاستعانة بهما واشراكهما في الحُكم، فأجابهما


أمير المؤمنين (عليه السلام):

(فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إلى كِتَابِ اللَّهِ وَمَا وَضَعَ لَنَا وَأَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، وَمَا اسْتَنَّ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله) فَاقْتَدَيْتُهُ، فَلَمْ أَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إلى رَأْيِكُمَا وَلا رَأْيِ غَيْرِكُمَا، وَلا وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِيرَكُمَا وَإِخْوَانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْكُمَا وَلا عَنْ غَيْرِكُمَا. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الأُسْوَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأْيِي وَلا وَلِيتُهُ هَوًى مِنِّي، بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَأَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُمَا فِيمَا قَدْ فَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ وَأَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمَا وَاللَّهِ عِنْدِي وَلا لِغَيْرِكُمَا فِي هَذَا عُتْبَى.

أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُمْ إلى الْحَقِّ وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ). (1)

إنّه المبدأ الذي سار عليه علي (عليه السلام) لم يتغيّر حتى حينما عَرض عليه عبد الرحمان بن عوف أمر الخلافة بعد مقتل الخليفة الثاني، لم يُساوم، ولم يتّبع منهجاً مُلتوياً لكي يستحوذ على الحُكم، فأجاب ابن عوف: فأمّا كتاب الله وسُنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فنعم، وأمّا سيرة غيره ممَن سَبقه فلا، وكذلك فالأمر واحد عندما أجاب طلحة والزبير بنفس ذلك الكلام.

حتى أنّ عبد الله بن عباس أشار عليه في شيء لم يوافق رأيه قال له (عليه السلام): (لك أن تُشير علَيّ وأرى، فإن عصيتك فأطعني). (2)

فالإمام (عليه السلام) لم يكن يرفض المشورة أو المُناقشة في الأُمور، بل كان يحثّ على ذلك، ولكن ليس بصيغة تحميل الرأي المُخالف للشريعة الإسلاميّة على الإمام الحق.

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. صحبي الصالح ص 322.


ثُمّ إنّ رجلاً كعليٍّ (عليه السلام) عاش مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صِغَره، ومع الرسالة صباه وشبابه، كاتب للوحي، أقضى المسلمين كلّهم، وأبلغَ رجالاتهم كلاماً، وأعلمهم بأسرار الرسالة، لم يكن يخفى عليه أمرٌ ما، أو تستعصي عليه مسألةٌ مُتعلّقة بمُجمَل الشريعة المُحمّدية حيث يقول: (ولا وقع حُكمٌ جهلتُه فأستشيركما وإخواني من المسلمين)، فالباب مفتوح وضمن إطاره المُحدّد، الذي رسمه عليه (عليه السلام) في قوله هذا: (رحم الله رجلاً رأى حقّاً فأعان عليه، أو رأى جوراً فردّه، وكان عوناً بالحقّ على صاحبه). (1)

____________________

(1) المصدر نفسه ص 322.



الفَصلُ الثّاني

الطريقُ الأمثَل



حقائق ثابتة

إنّ محور كلام الإمام (عليه السلام) يدور حول العمل مع المُجتمع من خلال تطبيق الحقّ والعدالة، وتسيير أُموره وِفق ما حدّدته الشريعة الإسلاميّة، فكان هَمّهُ ووصاياه يندرج في هذا الأمر.

ولهذا نجد أنّ أغلب كُتُب الإمام فيها تذكير أو توبيخ أو تقريع أو وصايا اجتماعية وغير ذلك، والدفاع هو حماية رعيّته، وأغلبها لها علاقة خاصّة بالمجتمع وتحوّلاته وأعماله ومُراعاته والرفق به ومساعدته في الظروف الصعبة التي تستوجب ذلك.

فالفكر الذي يحمله (عليه السلام) هو فكر إسلاميّ إنساني، والترابط وثيق بين الإسلام والإنسان والحق والعدالة، والمساواة هي من سُنن القرآن وشريعة محمّد (عليه السلام)، ومن أجل ذلك أرسل الله الأنبياء والرُسل مُبشّرين ومُنذرين، وعليٌّ (عليه السلام) صورةٌ صادقةٌ للوعي الرسالي والتطبيق العادل والشامل لكلّ مفاهيم القرآن على المجتمع، بل البشرية جمعاء. فرسالة عليٍّ (عليه السلام) هي رسالة الإسلام والقرآن إلى الإنسانيّة، ولهذا نجد الروح الإنسانيّة العالية في نفس عليٍّ (عليه السلام) تدور معه حيثما دار كدوران الحقّ معه.

إذن، فالسِمات البارزة والرئيسيّة في حياة أمير المؤمنين (عليه السلام) هي رفع شأن الدين ورضاء الله، ورضاء الله لا يتمّ إلاّ برضاء عيال الله، ونبذ كلّ ما هو ضدّ تَقدّم البشريّة وحُريّتها وسعادتها، ونُلاحظ من خلال


ذلك أنّ المفاهيم العامّة التي يحملها سيّد المُوحّدين، والتي طبّقها على نفسه وأهله قبل تطبيقها على غيره، هي التي جذبت النفوس وجعلته رمزاً خالداً على مَرّ الدُهور.

فالثورة الفرنسيّة التي ما زال العالم الغربي يتبجّح بأهدافها الإنسانية وعلى أنّها من بنات أفكارهم، وأنّ فلاسفتها أعطوا معنىً لحياة الإنسان من خلال شعار (حرية - عدل - مُساواة) نجد أنّ هذا الشعار هو جُزء من المبادئ الإسلاميّة التي أعلنها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - وهي بكلّ ما حوت من قِيَم إنسانيّة طرحها الإمام علي (عليه السلام) قبلهم بمئات السِنين.

فلنأخذ بأيدي هؤلاء، ونفتح أذهانهم على الصور الواقعيّة التطبيقيّة في تُراثنا الإسلامي المجيد، من عقيدة مُتكاملة تامّة وفِكر عظيم ثاقب، ونُريهم ماذا أعطى الإسلام من مفاهيم خالدة، وما هي سيرة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ وما هو فكر عليّ (عليه السلام)؟ وما تضمّنته رسائله وكتبه بشأن ذلك؟ إلاّ أنّ الذي يَحزّ في النفوس، ويخلق الآهات والحسرات في الصدور هو ضياع الإسلام بين أهله، وتعلّق الآخرين بمبادئه والاستفادة منها تحت عناوين مُختلفة.

العَملُ الصالح والآخرة

انتقل إمامنا (عليه السلام) في رسالته إلى فدك التي سُلبت وأُخذت من فاطمة بنت النبي (سلام الله عليهما) غصباً وظُلماً، تلك الأرض التي أعطاها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى ابنته فاطمة (ع) في حياته، وما أن تُوفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحلّ أبو بكر الصديق كخليفة للمسلمين بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، في حادثة السقيفة المشهورة، والمذكورة في جميع كُتب التاريخ ومصادره (راجع: الطبري وابن الأثير


والمسعودي وغيرهم في كُتبهم المعروفة) أخذها أبو بكر من فاطمة (عليها السلام)، وحدث ما حدث في تلك الأيّام، حينما طالبت سيّدة نساء العالمين (عليها السلام) بحقّها ورفضَ طلبها وزجرت في حينها حتى وفاتها (عليها السلام)، وبقوا أبناء عليّ وفاطمة يُطالبون بها حتى أعادها الخليفة الأُموي عُمر بن عبد العزيز إليهم، ثُمّ انتزعها يزيد بن عبد الملك من أولاد فاطمة، فصارت في أيدي بني مروان (1) .

فالإمام يتحدّث عن ذلك الأمر ويذكر أنّ أبا بكر قد سلبها ولم يُعيدها، (وسخت عنها نفوس آخرين) أي نفوس بني هاشم، ثُمّ ينتهى من ذلك ويقول: (ونِعمَ الحَكَم الله)، فماذا أصنع بفدك وغيرها إذا كانت النفس غداً في ذلك المكان المُظلم مُستقرّ لها، ثُمّ يصف بتلك الصور الرائعة الحالة التي يكون فيها الإنسان بعد موته في قبره الذي حتى لوزيد في سعته وقام حُفّاره بإضافةٍ فسحةٍ جديدة إلى حجمه السابق، فإنّ الحَجَر والمَدر سوف يضغط عليه، ويسدّ كلّ شيء بالتراب المُتراكم، ثُمّ يعود ويذكر كيف روّض نفسه وذلّلها بتقوى الله، حتى يكون أمناً في ذلك اليوم العظيم، يوم يُنفخ في الصور فتخرج الأموات من أجداثها لتُلاقي أعمالها، فمَن اتقى الله وعمل صالحا في دُنياه فقد اجتنب المزلق، ومَن أساء لنفسه وحبط عمله في دنياه فلا عبور له على الصراط المستقيم، والنار والعذاب مقرّه والمُستقر.

إذن، أليس من حقّنا أن نفتخر بواضع الحقائق التاريخيّة والاجتماعية ومُجسّد العقيدة الإسلاميّة بصورتها الواقعية، برجلٍ عاش فأعطى وطرح فأغنى وترك ففاز.

____________________

(1) راجع كتاب فدك في التاريخ - للسيد محمد باقر الصدر - تحقيق الدكتور عبد الجبّار شرارة - إصدارات مركز الغدير للدارسات الإسلاميّة.


المواساة المِثاليّة

هناك مَن يبغي الدنيا وزينتها، فيعيش سعيداً في مَلذّاتها وهو ينظر آلاف الجِياع والمَعوزين يتضورّون جوعاً، يُقاسون الآلام ويعيشون المآساة بكلّ معانيها، وكأنّ هذا لا يعنيه، وهناك أيضاً مَن رفض هذه الدينا وعاش مع الناس حياتهم، يواسيهم أحوالهم المُختلفة، وهذا أمير المؤمنين علي (عليه السلام) مِثال رائع للحالة الثانية، ورسالته لابن حنيف تُعطي أبعاد ذلك، حيث قال:

(وَلَوْ شِئْتُ لاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إلى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ وَلُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ وَنَسَائِجِ هَذَا الْقَزِّ، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ وَيَقُودَنِي جَشَعِي إلى تَخَيُّرِ الأَطْعِمَةِ وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَلا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ، أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حَرَّى، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:

وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ

وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إلى الْقِدِّ

أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَلا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ، فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلافِهَا وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا، أَوْ أُتْرَكَ سُدًى، أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلالَةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ) (1) .

وهذا واضح في بيانه على أنّه قادر على أن يتمتّع بكلّ ما وهبته الأرض من طعام ولباس وبِناء وغير ذلك، لكنّه يؤكّد وبشدّة (هيهات) أن يغلبه هواه

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح - ص 417.


ويقوده حرصه إلى اختيار الطعام وتصنيفه لنفسه، وهذا لا يكون لإمام الأُمّة مثل علي (عليه السلام).

ويضيف على أنّه قد يكون في الحِجاز أو اليمامة مَن لا يأكل الطعام ولا يوجد لديه رغيف الخُبر وأنّه لم يشبع ولا يعرف الشبع من وطأة الفاقة والعوز والفقر، إذن، كيف ينام خليفة المسلمين مُمتلئ البطن وفي أطراف عاصمته ومملكته بُطون مطويّة لا تنام من شدّة الجوع والعطش؟! فكيف يكون هذا؟! ويؤكّد أنّه: كيف يُقنع نفسه بأن يُقال له أمير المؤمنين ولا يُشارك الناس في حياتهم ومشاكلهم، ولا يكون لهم أُسوةٌ في خشونة العيش؟ ثُمّ يردّد إنّه لم يُخلق لكي ينشغل باختيار لذائذ الطعام كالبهيمة (همّها علفها)، أو التي تبحث في القُمامة، بحيث تهتمّ بملء كرشها الذي يشغلها عن عملها.

إنّه يحمل معنى الإنسانيّة في ذاته، وطبّقها عَمليّاً في حياته، إذا قلتَ أُسوةً حسنةً فقط، فقد تعود وتُعطي صفةً أعظم من ذلك، فلو قارنت عيشه (عليه السلام) مع حياة الحاكمين من بني أُميّة وبني العبّاس ممَّن يُطلقون على أنفسهم لقب أمير المؤمنين أو خليفة المسلمين لاتّضح الفارق بشكلٍ جليٍّ وواضح، فأيّ مؤمنين هؤلاء أُمراؤهم؟! وأيّ مسلمين هؤلاء خُلفاؤهم؟! لقد سحقوا وقتلوا الإيمان وأهله، وداسوا على كرامة أهل الإسلام، وبقت للإيمان والإسلام صور يزينون بها دولتهم ويتزهدون بها وقت حاجاتهم. عُد إلى كُتب التاريخ واقرأ ما شئت من فضائح وانتهاك للحرمات، بل وفساد وجوع وعطش وقحط وبلاء وفقر في أيّام هؤلاء السلاطين الذين استحوذوا على ما ليس لهم. أين هؤلاء وأين ما أعطاه من نفسه هذا الرجل الخالد - عليّ (عليه السلام) - الذي كان باستطاعته أن يَعيش كغيره وأكثر كسلطانٍ حاكمٍ، وليس كإمامٍ للأُمّة بكامل المعنى؟! أين أُولئك الذين عاثوا في الأرض فساداً وقهروا الأُمّة بشتّى الوسائل ليعيشوا هُم عيشة الترف المُنقطع


النظير في القصور الزاهية والحدائق والغناء وأكواز الخُمور والآلاف من الجواري الحِسان والغُلمان والعبيد، وحولهم أكواخ الفُقراء التي لا تقي أهلها حرّ صيفٍ ولا قرّ شتاءٍ، يتحسّرون على لُقمة العيش ليسدّوا بها أفواه صغارهم، وبعد ذلك وصلوا ببلاد الإسلام العظيمة التي صنعها محمّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليٌّ (عليه السلام) والأوائل من المخلصين والمضحّين، إلى الدمار والخراب الشامل، وتشرذم البلاد وتفتّتها، وانتهت دولهم ولو بعد حين؛ لأنّهم ساروا بالناس بالظُلم والعدوان، فقد انتهت دولهم بعد أن انغمسوا في الملذّات، وتركوا الأُمّة تتلضّى تحت سياط الجلاّد، وامتداد السيف على رقابها وقطع الرؤوس، ونهب الأموال بشتّى الحُجَج والادعاءات التي ما أنزل الله بها من سلطان، بالإضافة إلى حُكم الجواري والغُلمان والغانايت، حيث (كانت أموال الدولة تُنفق على قصور الخُلفاء والأمراء وملاهيهم، وعلى عُمّال الدولة الموالين، وكان هؤلاء في دورهم يُنفقونها أكياساً على المُقرّبين والأتباع والجواري والخصيان. والخُلفاء والأمراء والعُمّال هُم طبقة المجتمع العبّاسي الأول من حيث اليسر، تليهم فيه طبقة التجّار، أمّا عامّة الشعب، فلهم البؤس والدمار والموت المُهين). (1)

وهذه صورة تاريخيّة لوجه من وجوه الخلافة والإمارة، إنّه الأمين بن هارون الرشيد حينما آلت اليه السَلطنة، وأصبح يُلّقب (بأمير المؤمنين) زوراً وبهتاناً، لاحظ ما وصلت أليه الحالة في عهده، فقد (استلزمت العادة في بيوت السادة الكبراء عند الدول الشرقيّة وفي الدولة الرومانيّة أن تُهيّأ هذه البيوتات بالخصيان، وقد حَرّم الإسلام ذلك، وشدّد القرآن وشدّدت السُنّة في تحريم خصاء الإنسان أو البهائم، ووكّل لواليّ الحبشة أن يمنع ذلك، ويُؤدّب عليه،

____________________

(1) الإمام علي صوت العدالة الإنسانيّة - م 5، ص106.


وهنا أيضاً - كما في نواحٍ أُخرى - دخل على الإسلام عام 200 هـ - 815م، بسبب تقلّص ظلّ الروح العربيّة، عادات شرقية قديمة، رغم ما جاء به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في شأنها من الإنكار والمنع الصريح، وذلك الخليفة الأمين - وهو ابن هارون الرشيد - لمّا ملك، بلغ من كَلَفه بالخصيان أنّه (طلبهم وابتاعهم، وغالى بهم، وصيّرهم لخلوته، في ليله ونهاره وقوامه وقوام طعامه وشرابه وأمره ونهيه، وفرض لهم فرضاً سمّاهم الجراديّة، وفرضاً من الحبشان سمّاهم الغرابية، ورفض النساء الحرائر والإماء حتى رمى بهنّ - نقلا عن الطبري - وقد قال أبو نواس ساخراً:

احمدوا الله جميعا

يا جميع المـُسلمينا

ثُمّ قولوا لا تملّوا

ربنا ابقِ الأمينا

صيّرَ الخصيان حتّى

صَيّر التعنين دينا

فاقتدى الناس جميعاً

بأمير المؤمنينا) (1)

إنّ الأمين وأمثاله لا يُمثّلون الدين ولا حقيقة الإنسان المُسلم، إنّما يمثّل الدين أهله الأوائل (سلمان وعمّار وأبو ذر وخزيمة وهاشم المرقان وسعد بن قيس وعدي بن حاتم وبلال وحِجر بن عدي والأشتر... وغيرهم)، ولا ننسى أيضاً ما حَدَث مِن تَقدّم وعمران في أيّام الدولة الإسلاميّة في الأندلس (اسبانيا والبرتغال الحالية)، وكيف توغّل المسلمون الأوائل في عُمق أوربا المسيحيّة التي كانت تعيش في أحلك ظروفها في تلك القرون المُظلمة التخلّف والجهالة، فما إن انتشرت المفاهيم الإسلاميّة حتى سعى رجالهم إلى ترجمتها ودراستها ابتداءً من

____________________

(1) متز - آدم - الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري - ترجمة محمّد عبد الهادي أبو ريده - المُجلّد الأول - ص127 - 1377 هـ - 1957م.


التاريخ الحافل وسير الأئمّة الأوائل والرجال الذين ساروا مع النبي وجاهدوا ذلك الجهاد المرير، ثُمّ درسوا تاريخ الدولة الأُمويّة والعبّاسيّة، فتوصّلوا إلى حقائق مُهمّة عرفوا من خلالها كيفية تدمير الدولة الإسلاميّة في الأندلس، ومن خلال ما وضعته من نقاط:

1 - فصل الحاكم عن المجتمع وإبعاده عنهم.

2 - بسط سيطرة الطبقة الارستقراطيّة من المجتمع على مُقدّرات الأُمور.

3 - انحلال الرقابة الذاتيّة أو الحكوميّة لأُمور البلاد.

4 - الدعم والتشجيع لانغماس أهل السلطنة والحكومة - وعلى رأسهم ما يُسمّى بخليفة المسلمين والقدوة العُليا للآخرين - في الملذات الشخصيّة والفساد الأخلاقي والتفنن في بناء القصور وغير ذلك، وإهمال الطبقة الاجتماعيّة.

5 - إهمال الإصغاء إلى أهل الفكر والعلم وأصحاب الرأي السديد الذين تحترق قلوبهم ألماً على ما يجري.

6 - أرسلوا وبشكل مُلفت للنظر النساء الجميلات الأوربيات وبأعداد كبيرة وبثّوهنّ في قصور ملوك الطوائف، بحيث أصبح هؤلاء الأمراء نياماً لا يعرفون ليلهم من نهارهم، بين أقداح الخمور والجواري والغلمان.

7 - تشجيع حالة النفاق والتحاسد والتباغض بين الملوك، وتشجيع أحدهم في الاستحواذ على أخيه؛ فأصبح الأخ يقتل أخاه جشعاً وطمعاً وأنانيّة.

8 - بعث الإرساليات الغربية على هيئة رجال كنيسة إلى داخل قصور الأمراء، يتلبّسون بالدين للخداع والكيد والتجسّس.

9 - الأصل المهم في كلّ هذه الحقائق هو الابتعاد عن أصل الشريعة المحمديّة الحقّة الواضحة، والابتعاد عن تلك التعاليم السمحة، ثُمّ تحطيم كلّ القيم الأخلاقيّة التي كانت تُميّز المسلم عن غيره وتحفظ كيان المجتمع من التخلخل.


إذن، المشكلة ليست في الفكر إسلامي كما يدّعي البعض بأنّ الإسلام غير صالح للعمل بمنهجه وعقيدته في عصرنا الحالي لتخلفه وعدم قدرته على مسايرة التقدّم الحضاري الكبير، المشكلة تكمُن فيمَن أساء للدين بأعماله الشنيعة، والذي أعطى انطباعاً سلبيّاً عنه، والمستشرق والقارئ الغربي، بل حتى المسلم في بعض الأحيان، يرى صورة الإسلام في أعمال هؤلاء وسلوكيّاتهم وقد قدمنا نموذجاً صغيراً من تلك السيرة التي مرّت على الأُمّة. فالتقدّم والإزهار الذي يؤمن به الدين هو التقدّم الروحي الأخلاقي الإيماني وبناء الإنسان أولاً، بالإضافة إلى العمران والمدنيّة، لأن ما فائدة التطور المادي إذا كانت المجتمعات تُعاني من المشكلات الأخلاقيّة والنفسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وهذا ما نلاحظه اليوم في العالم الغربي دون استثناء.

فلا بُدّ إذن من فكر مَرِن يستوعب كلّ التطوّرات الحاصلة ضمن هذه العقيدة التي تجعل من الإنسان إنساناً بحقيقة معناه، وتخلق منه فرداً صالحاً يسعى إلى رفاهية المُجتمع ويستخدم التقدّم العلمي الهائل في خدمة البشريّة لا لدمارها، وهذا لا يكون إلاّ باتّخاذ العقيدة الإسلاميّة قاعدةً وأساساً مع إيمانٍ كاملٍ بها، وخَلْق نظريّةٍ اجتماعيةٍ تعتمد على منهج عليٍّ (عليه السلام) وتطبيقاته وأُطروحاته النابعة من المبادئ العظيمة للدين الإسلامي. فالاهتمام بإبراز سيرة النبي الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومنهج علي (عليه السلام) في الحياة والحكم واجبة؛ لأنّها من الضروريّات الأساسية وهي خير مَن يدحض وينكر على من يتقوّلون على الإسلام وأهله.

إنّ أيّ مُجتمع إذا ما داخله ترف الأُمراء وطبقة (الأشراف) على حساب مصالح عامّة للناس وعمران البلاد، فإنّ مصيره الانهيار لا محالة، وكذلك انحطاط وضع الطبقات الدنيا من المجتمع ماديّاً واقتصادياً، (ولكنّ الأمر لا يقتصر على تلك الأحوال الاقتصادية، بل يجرّ معه الأحوال الأخلاقية، فهناك ارتباط بين


هذه وتلك؛ لأنّ حال الحضارة في العمران، حينما تصل إلى هذا الحدّ، لا بُدّ من أن يتبعها فساد الأخلاق وانتشار الشرور، ويكون ذلك في بادئ الأمر، في الطريق المُتّبع في تحصيل المعاش. أمّا ابن خلدون فيقول: أمّا فساد أهلها في ذاتهم، واحداً واحداً على الخصوص، فمن الكدّ والتعب في حاجات العوائد. التلون بألوان الشرّ في تحصيلها، وما يعود على النفس من الضرر بعد تحصيلها، بحصول لون آخر من ألوانها فذلك يكثر منهم الفُسق والشرّ والسفسفة والتَحيّل على تحصيل المعاش من وجهه ومن غير وجهه، وتنصرف النفس إلى الفكر في ذلك والغوص فيه واستجماع الحيلة له. فتجدهم أجرياء على الكذب والمغامرة والغش، والخلابه والسرقة، والفجور في الأيمان، والربا في البياعات، ثُمّ تجدهم أبصر بطريق الفسق ومذاهبه، والمجاهرة بدواعيه...، ويموج بحر المدينة بالسفلة من أهل الأخلاق الذميمة، ويُجاريهم في ذلك كثيرٌ من ناشئة الدولة وولدانهم، ومن أُهمل عن التأديب وغلب عليه خلق الجواري وإن كانوا أهل أنساب وبيوتات. وذلك أنّ الناس بشر متماثلون، إنّما تفاضلوا وتميّزوا بالخُلق واكتساب الفضائل واجتناب الرذائل، فمَن استحكمت فيه الرذائل بأيّ وجه كان وفسد خُلق الخير فيه لم ينفعه زكاء نَسَبه، ولا طيب منبته، ولهذا نجد كثيراً من أعقاب البيوتات وذوي الأحساب والأصالة وأهل الدولة منطرحين في الغِمار، مُنتحلين للحِرَف الدنيّة في معاشهم، بما فسد من أخلاقهم وتلونوا به من صِبغة الشرور والسفسفه، وهكذا تنتهي الحضارة إلى فساد الأخلاق، كما انتهت إلى فساد وجود المُجتمع، ووقوع الناس في هوّة الفقر، بل إنّ فساد الأخلاق ليس إلاّ نتيجة لفساد وجوه المعاش وانتشار الفقر) (1) ، لقد فات الكاتب مسألةٌ مهمّة،

____________________

(1) شيخ الأرض - تيسير - علم الاجتماع عند ابن خلدون - ص154 - الجامعة الإسلاميّة، العدد الثالث، السنة الثانية.


وهي عامل الدين والحاكم والمجتمع، واتّجه إلى تفسير الانحطاط الأخلاقي وانتشار الفساد بالعوامل الاقتصادية.

وأتيتُ بذلك شاهداً على إنّنا لحدّ الآن لم نُفسّر التاريخ تفسيراً سليماً، إنّما هناك إرهاصات، وهذه الإرهاصات يشوب الكثير منها تبنّي أفكار أو نظريّات خاصّة واعتمادها، وعدم درس الحقائق التاريخيّة دراسة علميّة دقيقة. وما ذلك إلاّ الضعف في منهجية بحوثنا. وقد ساير بعضُ الكُتّاب الايديولوجيّات التي يؤمنون بها لتفسير التاريخ طبقاً لتلك المُعتقدات وغاب التفسير الديني للعوامل التي أثّرت على حركة المُجتمع وتطوّره ثُمّ انحداره وموته، فالكاتب هُنا أكّد على التفسير الاقتصادي للانحلال الخُلقي وانتشار الفساد، وكان كلّ اعتماده على رُأى ابن خلدون في ذلك، من زيادة الضرائب والمكوس والغارة على أموال العامّة وجمع الأموال بشتّى الوسائل لبناء القصور والحدائق وبذخ الأموال على شراء الجواري وغيرها، التي أثّرت على الأسعار والتجارة والصناعة والزراعة فارتفعت أيضاً أسعارها، وتحمل الضغط كلّه الطبقة الفقيرة، واستشرت حالة الانتفاخ الحرام للطبقة المتسلطة من المجتمع على حساب الطبقة العامّة.

وهذا مضمون ما طرحه ابن خلدون واعتمده الكاتب.

إنّ للعوامل الاقتصادية أثراً لا يُنكر، لكن لو التفتنا إلى جانب مُهم ومؤثّر هو مدى إيمان الناس واحترامهم لمبادئهم وعقيدتهم وتمسّكهم بها مع وجود حاكم مُسلم بمعنى الكلمة يعي ويفهم حقائق الدين، ويُطبّقها على شَعبه كما يُطبّقها على نفسه يسود واقعة الحقّ والعدالة والإنصاف، ويُعين الضعفاء، ويُهين الأقوياء الظلمة، ويُراقب نفسه فيما أمره الله تعالى، من حفظ أموال الرعيّة، وصيانة ممتلكاتهم، والدفاع عن حياتهم وأرواحهم من العدوان والطُغيان. وفي طرح الإمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر خير معلم وبيان، حينئذ لا يُمكننا أن نسمع


عن فساد أخلاقي واجتماعي، وما عاشه المسلمون الأوائل مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو خير مثال لذلك، فإذن هناك ترابط تامّ بين كلّ هذه العوامل التي أدّت إلى الدمار والانهيار، ويجب أن نعي هذا الأمر، ونؤكّد عليه من خلال أُطروحاتنا وبحوثنا.

النظام الاجتماعي الأخلاقي والحضارة

إنّ وجود نظامٍ أخلاقيٍّ اجتماعيٍّ يستلهم أُصوله ومبادئه من العقيدة الإسلاميّة ويقوم بالإسهام في نظم الحياة الإنسانية كلها لا بّد منه، (والحق أنّ صياغة الفرد والجماعة والدولة صياغةً أخلاقيةً على النحو الذي شرّعه الإسلام في نظامه الأخلاقي، بحيث تسودها الأخلاق الإسلاميّة في كافة التصرفات والقرارات والتطبيقات وسائر الأحوال يهمّ إلى درجة كبيرة في إيجاد خضوع للقانون مضموناً وجوهراً لا شكلاً ومَظهَراً، وهو أمرٌ يحتاجُ إلى نظامٍ أخلاقيٍ عمليٍ يوصل إلى هذا الهدف، يمتلك من الخصائص والضمانات والوسائل العمليّة ما يُمكن له من أن يتحوّل إلى واقعٍ ماثلٍ حيٍّ، وأن ينقل من النظريّة إلى التطبيق، وهذه الخصائص والضمانات والوسائل قد انفرد بها نظام الأخلاق الإسلامي.

أما (الأخلاق الإنسانيّة)، في مختلف الفلسفات الداعية إلى الأخلاق والتي تمثّل دعوة عامّة إلى الأخلاق الحسنة مع الاختلاف في مضمونها ومفرداتها، فإنّه ليست سوى دعوة غير ملزمة وهمسات توجيهيّة وتذكير بالأخلاق في لائحة مواعظ وإرشادات، مع ترك الإنسان حُراً في مدى الاقتناع والاستجابة، وإذا كانت كذلك فماذا تُجدي؟ وماذا بها من غِنى؟ وأنّى لها أن تصمد أمام هوى النفس وبريق الذهب وفرصة المتاع ولذائذ الدُنيا؟). (1)

____________________

(1) البياتي - الدكتور منير حميد - النظام السياسي الإسلامُي مقارناً بالدولة القانونيّة ص 137 الطبعة الثانية.


ونستطيع أن نقول: إنّ أيّ تطوّرٍ حضاريٍ يجب أن يُرافقه تطوّرٌ أخلاقيٌ في المُجتمع، وهذا يستلزم وجود عقيدةٍ صائنةٍ حيّة تُحدد معالم وأسس ذلك المنحى، ولم نرَ غير الإسلام جامعاً لهذين الشطرين معاً، فمع وجود العقيدة الصحيحة السليمة وتلازم الأخلاق مع التطور الحضاري، فإنّ المُجتمع حتماً سينجو من المخاطر الأكيدة والمحيطة به مع هذا التطور الحاصل في العلوم والتقنية العالية في الاستخدامات الصناعيّة والتي طوت المسافات في الكُره الأرضية وانغمست في الراحة التامّة، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع الانحلال الخُلقي والتدهور الحضاري بعد انطماس القِيَم الأخلاقيّة وذوبانها في المفاهيم الديمقراطية والحريّة الشخصيّة والحضارة الزائفة، والعالم الآن يعيش ذلك، فالغرب المُتقدّم في طريقه إلى الظلام الدامس والموت الأحمر والقضاء على البشريّة تدريجيّاً، حيث انتشار الفساد بكافّة أنواعه، من زنى ولواطٍ وفجورٍ متنوع، وخمورٍ ومُخدّراتٍ مستشريةٍ بين الشباب والأطفال، وأمراضٍ متنوعةٍ لا علاج لها أصلاً كـ (الايدز) وغيره من الأدواء التي ستقضي على آثار ذلك التقدّم العلمي وتلك المدنيّة، إذن تبقى القضيّة الأخلاقية بكافّة صورها هي الأساس في المحافظة على قِيَم المُجتمع وتماسكه والمحافظة على ظواهره الاجتماعية.

فدراسة العلم الاجتماعي الأخلاقي لدى عليٍّ (عليه السلام) والاستفادة منه والعمل به لا يكون إلاّ من خلال الحاكم الذي يتحرّق قَلبَه على رعيّته، ويتمسك بحبل الله الممدود، ويتّخذ من وصايا عليٍّ أنموذجاً تطبيقياً في قيادته وحياته مع الناس، ويكون هو أُمثولة القائد الشجاع والمؤمن الذي يسعى لخير أهله وبَلده، ويُبعدهم عن تلك الشُرور المُحرقة في الدنيا وفي الآخرة، وإلاّ لأصبح المجتمع ذا نسقٍ واحدٍ في الحياة، وعندئذ تنتفي الحاجة للتنظيم والتدبير، فالمجتمعات خليطٌ من مُختلف أفكار وعقول شتى ومستوياتٍ علميةٍ مُتباينة، وفقرٍ وغنى بينهما هوة شاسعة،


وإيمان عالٍ وجحود وابتعاد عن دين الله، فما بين هذا وذاك يتّضح لنا الاختلاف البائن وصور السلوك المُختلف، وما ينتج عن ذلك من مشاكل واختلافات تحتاج إلى طُرق معالجةٍ علميّةٍ ودقيقةٍ؛ لأنّ قيادة المُجتمعات ليست في طرح النظريّات على الورق، ولا هي قوالب جاهزةٍ مصنوعةٍ في المعامل نأخذها ونضعها على رؤوس الناس ليسيروا بها وِفقَ ما صُنعت إليه.

حُريّة الإنسان في المُجتمع

هُناك مَن يقول أنّ الإنسان يولد حُرّاً، والمجتمع هو الذي يُقيّد حُريّته وحركته، فالطفل حينما يُولد تأخذه القابلة فوراً وتُقمّطه بقماطه وتشدّ يديه ورجليه وتمنع حركته، فإذن أوّل شيءٍ يستقبله هو القيد بِيَدِ عُضو من المجتمع الكبير وهي القابلة، فتُقيّد حريّته، في حين أنّ هناك كلمة للإمام (عليه السلام) هي أبلغ من كلّ كلامٍ، وأكثر واقعيّةٍ من غيرها، ولها مدلولاتها التحرّرية، وفيها معانٍ سامية هدفها خَلق الإرادة الفكريّة والعمليّة لدى الإنسان، فقد قال (عليه السلام):

(لا تكنْ عبدَ غيرك وقد خلقك الله حُرّاً)، فالعبوديّة خالصةٌ لله تعالى لا لغيره، والإنسان حُرٌّ في إرادته وفي تفكيره وفي حياته العامّة، وهذه الحريّات يجب أن يُرافقها مُراعاة الجوانب والضوابط التي حدّدتها الشريعة؛ حتى لا تُنتهك حُقوق الآخرين المشروعة في العيش بسلام وأمان، وتُصان الحياة العامّة والنُظم التي تُسيّر الحياة الاجتماعيّة من كلّ انحراف أو تجاوز، مع احترام القوانين التي تُنظّم المسيرة الاجتماعيّة، ومع ضمان سلامة الحُريّات العامّة ضمن إطار الشريعة الإسلاميّة، فإنّ الإنسان سيتحرّر ذهنه من الضغوطات القاتلة لحركة الإبداع والتطور، وبالتالي فإنّ هذا الإنسان سوف لا يشعر بالذلّ والاستعباد والحقارة


ويكون عنصراً نافعاً، حتى في جانب الإيمان العقائدي يرفض الدين الاعتقاد الوراثي المُقولَب والجاهز، إنّما يرى في ذلك آثاراً سلبيةً مُستقبلاً، ويؤكّد على أنّ الإنسان يجب عليه التفكير والتدبّر قبل الإيمان والاعتقاد؛ حتى يضمن التماسك والرصانة أمام كلّ التيّارات المختلفة؛ فعليٌّ هو سعادة للبشريّة في أفكاره وسلوكه؛ لأنّها قابلة للتطبيق مع العقيدة الإسلاميّة في وقت واحد، لأنّ الأولى فرع من الثانية، فإنّهما قانون شامل للمجتمعات تسعد به وتعيش بسلام معه.

ولو عُدت لكُتب الإمام (عليه السلام) وكلامه لوجدته كيف يهتم بأُمّته، بل برعيته وهم عموم المجتمع، سواء كانوا مسلمين أو ذميّين، فالعدالة عنده للجميع مادام هو في ظلّ الإسلام.

الحزمُ واللِينُ

إنّ طبيعة الناس الذين يُكوّنون المجتمع لا تتوافق في سلوكيّة مُعيّنة؛ نتيجة للتباين في الأفكار والفَهم والاعتقادات في القوانين والنُظم، والإمام (عليه السلام) يرسم خط سيرٍ القائد في علاقته مع شَعبه مادام المجتمع بهذا الشكل من الاختلاف، فلابدّ إذن من مسيرة خاصّة وهو خلط الشدّة بضغث من اللِّين، (والضغث في الأصل: قبضةٌ حشيشٍ مختلط يابسها بشيءٍ من الرَطِب، ومنه (أضغاثُ الأحلام) للرؤيا المُختلطة التي لا يصح تأويلها، فاستعار اللفظة هاهنا، والمراد: امزج الشدّة بشيء من اللين فاجعلهما كالضغث) (1) .

ثُمّ إذا بدا أنّ الأمر لا ينفع معه إلاّ اتخاذ الحزم والشدة بناءً على مُقتضيات المصلحة الإسلاميّة والعامة وضمن الحدود الشرعية، فاستخدام ذلك

____________________

(1) ابن أبي الحديد - شرح نهج البلاغة - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - م 17 - ص 4 - دار إحياء الكتب العربيّة - الحلبي وشُركاه.


ضروريٌّ.

وهذه مسألة أساسيّة في إدارة الحياة الاجتماعية والسياسية للبلد، وهي أيضاً حالةٌ نفسيّةٌ توجد في أعماق الكثير من الناس، فهي تستخفّ بالحاكم الذي يكون سياج مملكته هدفاً واهناً للأعداء والطامعين، والمجتمع إذا استشعر ضعف الدولة وعدم قُدرتها في السيطرة على مقاليد الأمور لضعف الوالي فسوف يختلّ التوازن الاجتماعي والسياسي، وينهار معه النظام الاجتماعي والأمني، ويصبح الأمر في غاية الخُطورة.

والبلد يكون حينئذ غابةً لوحوشٍ ضاريةٍ ومتنوعةٍ يأكل بعضها البعض الآخر. إنّها مسألةٌ عظيمةٌ وحيويّةٌ، فالوالي المسلم عليه أن يُحافظ ويصون ويعدل ويُراعي الجميع، باسطاً لهم نفسه، مادّاً يده، مُعطياً الحقوق والحريّات بما شرّعته العقيدة الإسلاميّة، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):

(كُلّكم راعٍ وكُلّكم مسؤولٌ فالإمام راعٍ وهو مسؤول، والرجّل راعٍ على أهله وهو مسؤولٌ، والمرأة راعيةٌ على بيت زوجها وهي مسؤولةٌ، والعبد راعٍ على مال سيده وهو مسؤولٌ، ألا فكلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول). (1)

فالمسؤوليّة جسيمةٌ وخطيرةٌ، وتتطلّب نفساً تخاف الله وترعى حُرماته، وقلباً رءوفاً، وفكراً ناضجاً يستعمله في المُلمّات، مدبّراً قديراً أميناً شجاعاً.

هذه كلّها متطلّبات واقعيّة تُعطي معاني أساسيّة لطبيعة علاقة الراعي مع الرعيّة والحاكم مع المحكوم.

____________________

(1) صحيح البخاري - ضبط وتعليق الدكتور مصطفى ديب البغا - المجلد الخامس - ص 1988 - الحديث رقم 4892 - مطبعة الهندي.


الرعايّةُ للجُمَيع

طَرفٌ آخر من المُعادلة الاجتماعيّة تشمله الرعايّة الإنسانيّة الإسلاميّة، ويدخل في الموازنة العامّة وِفقَ إطارٍ خاصٍّ تُنظّمه صورة الرسالة التالية، التي توضّح تتبّع الإمام (عليه السلام) للأحداث، ودفاعه عن طوائف المُجتمع المُختلفة، حيث قال (عليه السلام):

(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وَقَسْوَةً وَاحْتِقَاراً وَجَفْوَةً، وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ وَلا أَنْ يُقْصَوْا وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ، فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ وَدَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّأْفَةِ، وَامْزُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالإِدْنَاءِ وَالإِبْعَادِ وَالإِقْصَاءِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ). (1)

لقد أعطى الإمام (عليه السلام) طريقة العمل مع صنف آخر من المُتجمع بعد أن وصل إليه خبر تعرّض بعض أكابر القوم من الدهاقين الذين يأمرون ولا يأتمرون للضغط والشدّة والقسوة، وكذلك الاحتقار والجفوة لهم، فالإمام يقول: يجب أن يكون هُناك توازنٌ في التعامل والعلاقة مع هؤلاء الناس، لا أن تُدينهم فهم ليسوا أهلاً لذلك؛ لأنّهم من أهل الشرك وأنت والي المسلمين، ولا تُقصيهم - أي تُبعدهم وتجفوهم - لأنّهم من المُعاهدين، فأشعرهم بالمعاملة اللينة مشوبة بطرف من الشدّة؛ حتى لا يشعر بضعفك في حيالهم وعند ذلك يستهينون بأمرك، وأشعرهم بأنّك شديد في وقت الشدّة، أي: يكون عملك متداخلاً بين قوّةٍ ورأفةٍ أو تقريبٍ وإبعادٍ مع هؤلاء، للأسباب النفسية التي يجب أن يُراعيها العالِم أو والي المسلمين،

____________________

(1) نهج البلاغة - ص 376 - تحقيق د. صحبي الصالح.


هذا في جانب العلاقة مع المشركين والمُعاهدين.

هناك جانب آخر يُظهره الإمام ويُوضّحه لعُمّاله، وكما جاء في هذا الكلام له (عليه السلام) (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ، وَأَقْمَعُ بِهِ نَخْوَةَ الأَثِيمِ، وَأَسُدُّ بِهِ لَهَاةَ الثَّغْرِ الْمَخُوفِ.

فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَى مَا أَهَمَّكَ، وَاخْلِطِ الشِّدَّةَ بِضِغْثٍ مِنَ اللِّينِ، وأرفِقْ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَرْفَقَ، وَاعْتَزِمْ بِالشِّدَّةِ حِينَ لا تُغْنِي عَنْكَ إِلاَّ الشِّدَّةُ.

وَاخْفِضْ لِلرَّعِيَّةِ جَنَاحَكَ، وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ وَالإِشَارَةِ وَالتَّحِيَّةِ؛ حَتَّى لا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ وَلا يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ، وَالسَّلامُ). (1)

فبعد أن أثنى (عليه السلام) على عامله من أنّه من الرجال الذين يعتمدهم في مُهمّاته في إدارة البلاد، ومن الذين يستعين به على إقامة العدل وإظهار دين الله، استمر الإمام (عليه السلام) في بيان مزاياه على أنّه من الولاة الذين يقمع - أي يدحَر - به الأعداء ويكسر به شوكة المُتكبّرين، أصحاب الذنوب والخطايا، ثُمّ قال: (وَأَسُدُّ بِهِ لَهَاةَ الثَّغْرِ الْمَخُوفِ) (الثغر: مظنّة طروق الأعداء في حدود المملكة، واللهاة: قطعة لحم مدلاة في سقف الفم على باب الحلق، قرنها بالثغر تشبيها له بفم الإنسان). (2)

ففي كلامه (عليه السلام) تشبيهٌ رائعٌ من أنّه الخندق المُتقدّم الذي يُدافع من خلاله عن ثغور المسلمين أمام أطماع الأعداء الغاصبين، ثُمّ يطلب منه الاستعانة بالله أولاً وقبل كل شيء أمام الهموم والمشاكل التي تواجهه، والنظر إلى الأمور بدقةٍ وحذرٍ مُتناهي، فالمجتمع وأي مجتمع كان لا يمكن أن يتّصف بسلوك واحد ومسيرة واحدة أبداً، اللّهمّ ربما إلاّ في حالة واحدة عابرة، لها وقت مُحدّد وتزول

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - المجلد 17 ص 3.

(2) نهج البلاغة - محمد عبده - ص 76.


بزوال المُؤثّر هي حالة (العقل الجَمعي) التي تمرّ بها المجتمعات في وقت ومكان واحد ومُحدّد. فالإمام (عليه السلام) يُشدّد على الموازنة الدقيقة في التعامل مع الناس (... قيل لبعضهم: مَن أرجح الملوك عقلاً، وأكملهم أدباً وفضلاً؟ قال: مَن صحب أيّامه بالعدل، وتحرّز جهده من الجور، ولقي الناس بالمُجاملة، وعاملهم بالمُسالمة، ولم يُفارق السياسة، مع لين في الحُكم، وصلابة في الحق، فلا يأمَنُ الجريءُ بطشه ولا يخاف البريء سطوته). (1)

ثِقلُ المُوازنَة

قد ذكرنا آنفاً أنّ المجتمع في طبقاته وسُلوكه مُتنوع، وكل طبقة يجب أن يكون لها تعامُل خاصّ بها، علاوة على أن يكون هَمُّ الوالي الأوّل هو النَظر إلى شؤون العامّة من الناس، ومراقبة سَيرِ حياتهم واحتياجاتهم من جميع المجتمع والاهتمام بما دونهم، ولا العكس كذلك فلكلّ موقعٍ خاص، ولا أقصد بوجوه المُجتمع الطبقة الخاصّة التي ذكرها الإمام في عهده للأشتر، إنّما تلك لها مبحثٌ خاصٌّ بها، وهي بعيدةٌ عن هذا المعنى المطروح وهناك فاصلةٌ بينهما. والرعية عموماً تؤلّف الأغلبيّة الساحقة من المجتمع وهُم العامّة، وهذه الطبقة هي الثقل الأساس في المُجتمع والطبقة المضحيّة إذا ما تعرّضت البلاد للعدوان، فهي في المُقدّمة، وقد وضّح إمامنا ذلك أيضا في عهده للأشتر، وأغلب ما تكون هذه الفئة من الناس أصحاب نفوس طيّبة طاهرة مع وجود الرعاع فيهم، فلا مُنافاة في

____________________

(1) ابن الأزرق - بدائع السلك في طبائع الملك - ج1 - ص231 - تحقيق الدكتور علي سامي النشار.


ذلك، وهي راضية بما قسم الله لها من رزقٍ ومن منزلةٍ، غير آبهة بما يتصارع عليه الآخرون طلباً لجاهٍ أو سلطةٍ أو جمع مال، يُريدون أن يسدّوا رَمَق أطفالهم بمعيشتهم اليوميّة. فليس من العقل إلحاق الضَرر بهذا الإنسان المُستضعف، لأنّ ذلك معناه انهيار الدولة؛ لأنّ هؤلاء الناس ليسوا جُثثاً هامدةً لا قول ولا فعل لهم طيلة حياتهم، إنّما كلمتهم أقوى من أيّ شيء، وإذا أُطلقت فهي البركان المُتفجّر، وهذا لا يحدث إلاّ في حالات مُعيّنة، منها انتشار الظُلم واستدامته، ومحاربتهم في معايشهم، وإهمال حقوقهم المشروعة وقضمها حين ذاك يُحدث ما لم يكن في الحُسبان وما لا يُحمد عُقباه؛ لأنّهم الطبقة الأوسع انتشاراً والأكثر عدداً والقوة العاملة التي تُدير حركة المجتمع بجُهدها وبذلها، فالشدّة المطلوبة هنا ليس مع هؤلاء المساكين الضعفاء وإن بَدَرَ منهم شيءٌ فذلك لا يعني أن يكون مُسوّغاً للوالي لكي يُمارس حالة الظُلم والإجحاف، بل سوء العمل والخطأ، والتأديب يتناسب مع الإساءة التي ارتكبها وهي حالة عادية في المجتمعات، إنّما الشدّة مع الذي يدّعي القوّة ويُحاول بكلّ إمكاناته كسب المنافع الباطلة وأكل السُحت الحرام ولو على حِساب حقّ المُجتمع، بل أحياناً إجحافه وظلمه، وأحياناً تطمع نفسه وتُمنّيه للسيطرة على مُقدّرات البلاد والحُكم، وهذه الطبقة - على ما اعتقد - هي التي يقصدها الإمام (عليه السلام) لغرض الحذر منها ومتابعتها واستخدام القوّة معها؛ حيث تكون في أغلب الأوقات قريبةً من الوالي بل في بلاطه، وقد سمّاها الإمام بتسميات مُتعدّدة، منها الطبقة الخاصّة والأُخرى (بالعُظماء)، وجعل قِبالَها مُصطلح للعامّة (بالضعفاء). والعظماء هؤلاء يُحاولون بناء كياناتهم على حِساب مَن هُم أضعف قُدرة وأقلّ مقدِرة وأبعد رغبةً، الذين اكتفوا بما أعطاهم الله من مكانة.


عِلمُ النَفس الاجتِماعي

والعلاقاتُ العامّة مَعَ المُجتَمَع

إنّ قائد البلد وحاكمه لا بدّ وأن يستخدم مُختلف الأساليب في علاقته بطبقات الشعب، ولا بّد أن يكون مُلمّاً بعض الشيء بعلم النفس الاجتماعي الذي يُعطي للموازنة الاجتماعية حالة الضخّ المعنوي لاستقرار وضع المجتمع، وفي ذلك قال (عليه السلام): (وَاخْفِضْ لِلرَّعِيَّةِ جَنَاحَكَ، وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ وَالإِشَارَةِ وَالتَّحِيَّةِ؛ حَتَّى لا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ وَلا يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ وَالسَّلامُ) (1) .

إنّ إنزال النفس للرعية والالتفات الكريم لهم تضع حالة الاستقرار في موضعها، وتعطي زخماً قويّاً للعلاقة الصميمة بين الراعي والرعيّة.

إنّ الشعور بأحاسيس المجتمع له دورٌ في تبادل المحبّة والوفاء بين الوالي والرعية، فلا يأتي لمقابلة رعيته بوجه مُقطب عبوس يقطر بُغضاً وحِقداً وكراهيّة، أي لا يُقابل المجتمع إلاّ وهو مبسوط الوجه، أي الانبساط والراحة حتى يعطي الدلالة على الرضا والمحبّة؛ لأنّه ليس رئيساً للشرطة أو المحتسب في البلاد ليكون بتلك الصورة حتّى يخافه المُجرم والمُسيء، إنّما هو أبٌ للرعيّة وقائدٌ لمسيرتهم.

ثُمّ يطلب الإمام (عليه السلام) أن يعطيهم من نفسه حتى يتحدثوا معه ويستأنسوا به، والسماح لهم بتقديم طلباتهم وطرح مظالمهم، فالمساواة بينهم مبدأٌ أساسيٌّ عند الإمام (عليه السلام)، وهذه المساواة لا تكون في جانبٍ واحدٍ محدودٍ، بل حتى في أقلِّ الأشياء في اللحظة والنَظرة، وهذا الوصف كمال الدِقّة في التعبير، حيث يتبين من خلاله حجم العلوم

____________________

(1) نصّ العهد للأشتر.


النفسية والاجتماعية التي يحملها الإمام (عليه السلام)، والتي صورّها في كلامٍ بليغٍ لا يُدركه إلاّ مَن أمعن في التصوير البلاغي، وهذه تحتاج إلى بحوثٍ خاصّةٍ في العلوم النفسيّة والاجتماعية، حيث لو نظرنا إلى القرب الدقيق في الحالة الوضعيّة الدقيقة لِلحْظَة والنظْرة، أو في الحركة التي تتمّ بين الأجفان وإدارة العين، والعين إذا نظرت بحركات مُعيّنة، أو الجفن إذا تحرّك، نجد أنّها تحمل في طيّاتها معانٍ كثيرةٍ، فالمَحبّة والغضب، وعدم الرضا فيها والقبول الحَسن وما يتبع ذلك، والشاعر يقول:

اقسم اللحظ بيننا إنّ في اللحـ

ـظ لعنوان ما تجنّ الصدور

أنّما البرّ روضةٌ فإذا ما

كان بشرٌ فروضةٌ وغدير

وكذلك في الإشارة والتحيّة، وهي قضية نتعرّض لها يوميّاً في مجتمعاتنا، حيث نقول: إنّ فلاناً نظر إليّ نظر شازِرة فما هو قصده في ذلك؟! وربما تحدث مشكلةٌ تؤدّي إلى قضيّة اجتماعية تُنسحب إلى أطراف أُخرى من جرّاء تلك النَظرة التي ربما تكون مقصودة أو غير مقصودة. أو أنّ فلاناً من الناس كانت تحيّته عابرةً، فالسبب في ذلك حتماً أنّه قد سمعَ شيئاً اتجاهه. وقد تكون هذه الصورة غير موجودةٍ أصلاً، وليس فيها أيّ هدفٍ أو معنى، أو أنّ نظرته تدلّ على ارتياحه وإشارته تدلّ على حُبّه لي.

فإذن، المجتمعات في حياتها اليوميّة قد اهتمّت في هذه العناوين والأعراف وتعوّدت عليها وتوارثتها، وأخذت النفوس تقرأ المعاني في العُيون، وتعرف الأهداف في الإشارة والتحيّة، فالناس أخذت تلتفت إلى هذه الأُمور وتهتمّ بها، فإذا ما كان صاحب تلك التعبيرات في العين والوجه واليدين (الوالي أو الحاكم) فهنا الأمر يكون أشدّ وأكثر أهميةً وخطورةً، ولكن إذا ما ساوى في هذه الصور بين الناس؛ فلا يبقى هناك تأويلٌ مُعيّنٌ أو إشعارٌ بحالة رضى أو رفض لبعض الناس دون الآخرين.

لله دَرّك يا أمير المؤمنين في عُمق هذه العُلوم يا سيدي، فقد أعطيتنا دروساً لنا ولِما بعدنا في كافّة نواحي الحياة، ثُمّ (حتى لا


يطمع العُظماء في حيفك ولا ييئس الضعفاء من عَدلك)، كل ذلك من أجل رعاية ضعفاء الناس من المجتمع، لأنّ كبراء القوم - أي عظماءهم - يترصّدون حركة وُكلام الوالي، وهدفهم الانقضاض على الفريسة، أو الجيفة - إن صحّ التعبير - لأنّ مَن يطمع بظلم ضعفاء الناس وسرقة حقوقهم المشروعة عند الوالي لمصالحه الذاتية، ومتابعة ما يقوم به الوالي لهؤلاء من حركات وأفعال لإجهاض كلّ عمل خيرٍ وصالح للناس هو في حقيقة الأمر سقوطٌ على المطامع الدنيويّة التي هي في واقع أمرها جيفة نتنة، وهؤلاء العُظماء يُحاولون الاستفادة من كلّ بابٍ مفتوحٍ حتّى يستطيعون اقتحام قلبِ ونفس الوالي لتحقيق مآربهم على حساب غيرهم، وهذه حقيقة واقعة، فهم إذن أظلم مَن عليها؛ لظلمهم ضعفاء المجتمع واستغلال الحضوة والجاه عند الوالي، وقد قال إمامنا (عليه السلام) في جانب من وصيّته لابنه الحسن (عليه السلام): (وظُلم الضعيف أفحش الظُلم)، فالأعمال التي قد تبدو عاديةً بسيطةً، وهي إشارةٌ ونظرةٌ وتحيّةٌ ولحظةٌ، إلاّ أنّها تترك آثاراً عظيمة لدى الآخرين، فالمُتتبّع يتربّص تلك الحركات ويُدركها فوراً، فإذا كانت حيفاً للناس أو ظلماً فقد فتح فاه ومَدّ يديه وانبسطت أساريره طمعاً بالوالي لسلب وظلم الضعيف. وكذلك أنّ الإمام (عليه السلام) يُخبر الوالي أنّ الضعفاء إذا شعروا بظُلمك سوف يُصيبهم اليأس من عدالتك، ومسألة اليأس من العدل تجرّ إلى أُمورٍ كثيرةٍ سنتداولها في بحثنا هذا.



الفَصلُ الثّالث

تقسيماتُ المُجتمَع



لقد أعطى الإمام علي (عليه السلام) عِدّة تقسيمات للمجتمع، تنفرد عن غيرها بتنوّعها وأسلوب التعامل معها أو مُعالجتها، حيث كان لكلٍّ منها خِصّيصةٌ تنفرد فيها عن غيرها، مع وجود الاسم العام والشامل وهو (الرعيّة).

وهذه التصانيف حَسب خصائص معيّنةٍ، إمّا نفسية أو معرفيّةٍ أو إنسانيةٍ وغيرها).

كلّ ذلك كشف الإمام (عليه السلام) من خلاله عن مدى التعمّق في المعارف والعلوم الاجتماعيّة في أُطروحته الاجتماعيّة، والتي لا تسمح للعلماء والمُتخصّصين بالتردّد في الأخذ من هذا المنهل العظيم، وتلك العلوم للاستفادة منها في اختصاصهم.

أمّا صور هذه التصانيف، فهي كما يلي:

- التقسيم الطَبَقي.

- التقسيم النَفسي (السايكولوجي).

- التقسيم العلمي (المعرفي).

- التقسيم الإنساني.

- التقسيم الإيماني.

- التقسيم الإداري (الجند والكُتّاب أو القضاء وموظّفي الدولة الآخرون).

- التقسيم المِهني (تجّار وصنّاع وزرّاع ومِهن أُخرى).

وهؤلاء يُشكّلون النسيج الاجتماعي المُتكامل.


التقسيم الطَبَقي

وينضوي تحت هذا العنوان:

ألف - الطبقة الخاصّة والعامّة.

ب - الطبقة السُفلى.

أ - الخاصّة والعامّة:

إنّ معرفة تشكيلات المُجتمع بهذه الصور يُعطينا النور لكشف ودراسة الظواهر الاجتماعيّة بصورة واضحة، وتُحقق لنا النتائج المرجّوة، ونبدأ (بالخاصّة والعامّة)، حيث قال (عليه السلام):

(وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الأمور إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَئُونَةً فِي الرَّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاءِ، وَأَكْرَهَ لِلإِنْصَافِ، وَأَسْأَلَ بِالإِلْحَافِ، وَأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الإِعْطَاءِ، وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ، وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ، وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ وَجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَالْعُدَّةُ لِلأَعْدَاءِ الْعَامَّةُ مِنَ الأُمَّةِ، فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ) (1) ، أوصاه (عليه السلام) - أي الأشتر - باتّخاذ طريق الوسط في الحقّ وأكثرها في العدل، (ثُمّ عرّفه أنّ قانون الإمارة الاجتهاد في رضا العامّة، فإنّه لا مُبالاة بسخط خاصّة الأمير مع رضا العامّة، فأمّا إذا سخطت العامّة، لم ينفعه رضا الخاصّة، وذلك مثل أن يكون في البلد عشرة أو عشرون من أغنيائه، وذوى الثروة من

____________________

(1) نص عهد الإمام عليه (عليه السلام) للأشتر.


أهله، يُلازمون الوالي ويخدمونه ويُسامرونه، وقد صار كالصديق لهم، فإنّ هؤلاء ومَن ضارعهم من حواشي الوالي وأرباب الشفاعات والقربات عنده لا يُغنون عنه شيئاً عند تنكّر العامّة له، وكذاك لا يضرّ سَخط هؤلاء إذا رضيت العامّة، وذلك لأنّ هؤلاء عنهم غنى، ولهم بدل، والعامّة لا غنى عنهم ولا بدل منهم؛ لأنّهم إذا شَغِبوا عليه كانوا كالبحر إذا هاج واضطرب، فلا يُقاومه أحد وليس الخاصة كذلك، ثُمّ قال (عليه السلام) ونعم ما قال: ليس شيءٌ أقلّ نفعاً، ولا أكثر ضَرراً على الوالي من خواصّه أيّام الولاية؛ لأنّهم يُثقلون عليه الحاجات، والمسائل والشفاعات، فإذا عُزل هجروه ورفضوه حتى لو لقوه في الطريق لم يُسلّموا عليه). (1)

إذن، رعاية المصالح الاجتماعية للرعية بصورةٍ عامّةٍ هي فوق كلّ مصلحةٍ أُخرى وكل هدفٍ أخر، فالمجتمع بشريحته الكبرى وقاعدته الواسعة يتكون من عامّة الناس، أمّا السلطة وما تلفّ مُغرياتها من أشخاص، فهم فئةٌ قليلةُ العدد، وهي الطبقة المتسلّطة بموقعيتها لدى الحاكم، وهذه أيضاً تمتلك قوى ماديّة ومعنويّة لا تملكها العامّة من الناس، من مالٍ وجاهٍ واستقرارٍ نسبيٍّ وصورِ الراحة والتَرَف وأمور أخرى كثير. فالإمام (عليه السلام) يصل إلى هذه النقطة الحسّاسة، ويجعل لنا ميزاناً من كلماته وعبرةً نصون به المجتمع من التفكّك والانحلال الذي يؤدّي إلى الصراع الاجتماعي المُدمّر، وما يتبع ذلك من المشاكل الكبيرة التي تهدم كلّ شيء، وغاية الإمام (عليه السالم) من هذا الطرح وهذه الصور هو جرّ انتباه ولاته إلى مسألةٍ مهمّة، وهي التَمَحور حول الناس المغلوب على أمرهم، المهدور حقهم، المسلوبة إرادتهم، الذين سيواجهون الظُلم إن تغافل الوالي أو انحرف عن خطّه. فلو غضب هذا

____________________

(1) ابن أبي الحديد - شرح النهج - 17 و18 - ص36.


المجتمع العظيم من العامّة ضدّ الظُلم، أو انتفض ضدّ استغلال طبقة مُعينة مُستغلّة معناه (غضب الله) كما عبر عن ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام): (وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَكَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ، وَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَدْعَى إلى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ) (1)

فالطبقة الشعبيّة كما نُعبّر عنها هي عماد المُجتمع، والإمام (عليه السلام) يدعو إلى الالتفات الشامل إلى هذا العموم من الناس، حتى وإن أدّى ذلك إلى غضب الخاصّة التي غالباً ما تكون في موقع المُتنفّذ والانتهازيّة المستفيدة من حضوة الحاكم، بل قد تكون - وهو الأصح في التعبير - الطبقة المُتملّقة التي تُزيّن للوالي سوء عمله، وتُشجّعه حتى وإن كان عمله ذا أثرٍ سلبيٍّ على مكانته وعلاقته بالمجتمع، وتحاول دائماً أن تطري وتُثني عليه وتجعل من أعماله وكلامه كأنّه لا مثيل له، بحيث لا تحمله رجلاه على الوقوف من شدّة الفرح، خصوصاً إذا كان ضعيف الشخصيّة والمكانة، وبعيداً عن روح الإيمان والتقوى، وهو لا يشعر بأنّ هؤلاء يُمرّرون عليه مصالحهم ويخدعونه ويلفّونه بحبالهم الشيطانيّة، مع العلم أنّ هذه الفئة كما يُعبّر عنها الإمام (عليه السلام) لا تقف وقت الشدّة والحيرة، والتي يكون فيها بأمسّ الحاجة إلى مَن يقف معه، وتحاول هذه الفئة دائماً الاستفادة من الأسيجة القصيرة أو العوارض الواهنة فتنفذ أكثر فأكثر إلى لبّ الوالي وبأساليب مُتنوعة، منها التذلل والتظاهر بالطاعة العمياء والنميمة والكذب والدجل بشتى أنواعه، حتى إذا ما ركّزت مواضعها وحكّمتها في قصر الوالي أو البلاط اندفعت بحالة شرهةٍ دون

____________________

(1) نص عهد الإمام علي (عليه السلام) للأشتر.


الالتفات إلى أيّ شيءٍ أو الحذر من أيّ جهةٍ إلى جمع الأرباح وحصدها. وهؤلاء غالباً ما يكونون طبقة مُنحرفة تمام الانحراف، لا يهمّها رضاء الله أو الناس، أو بل حتّى لم تُشعر نفسها في يوم من الأيام أن تقوم بمُداراة المُجتمع ومُراعاته بعض الشيء، بل العكس تهدر حقوقه وتستحقر وجوده وتعتبره طبقةً دُنيا في هذا العالم، وطبقةً وضيعةً واجبها خدمة الطبقة الخاصة العُليا بالاستماتة والدفاع عنها. وكأن القتل قد كُتب على هؤلاء الضعفاء فقط، وهذه الحالة كانت عند اليونانيّين القُدماء سابقاً، حيث يضعون العامّة من الناس المواضع الدنيئة، بل جعلوهم في منزلة الخَدَم عند الطبقة الارستقراطيّة، ولا يُسمح لهم بتجاوز الحدود التي رسموها لهم، بل لا مجال لهم حتى في التعليم أو الرأي أو الزواج من تلك الطبقات أو حقّ الانتخاب.

وكذلك كانت في أوربا في العصور الوسيطة حيث سيطرة الإقطاع والنُبلاء والأشراف على مُقدّرات الأُمور في البُلدان تلك، بل والأكثر من ذلك، التجاوز على كلّ شيءٍ حتّى إنسانيّة الإنسان وشَرَفه ووجوده كمخلوقٍ في هذه الأرض. ولا زالت موجودة في عصرنا الحالي في بعض المجتمعات المتخلفة، مثل طبقة المنبوذين في الهند، وأضيف إلى ذلك أنّ هذه النظرة لا زالت موجودةً في بعض النفوس من أبناء مُجتمعاتنا، إلى هُنا يضع الإمام (عليه السلام) الوالي أمام الواقع الصحيح، ويدفعه إلى التزام المُعادلة الاجتماعية الأيجابيّة، ويُطالبه بانتهاج الطريق المُناسب الذي ينفع ولا يضرّ، ويحفظ الكيان الاجتماعي من التخلخل وعدم الانسجام، والاهتمام بالطبقة العامّة حتى وإن كان ذلك مُضرّاً بمصالح الطبقة الخاصّة ويُثير سخطهم، الذي هو في حقيقة الأمر هواء في شبك كما يقولون، لا يؤثّر على كيان الأُمّة؛ لأنّه يذوب وينتهي في بحر الجموع الكبيرة من عامّة الناس. وتتحقّق بذلك عدالة السماء التي أرادها الله وأعطى حدودها في شريعته، وفي أخلاق نبيه الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتطبيق علي (عليه السلام) لذلك الأمر


بصورةٍ تامّة، الذي أدخل البهجة والامتنان على قُلوب الجماهير المُستضعفة التي تنظر إلى الله دائماً في شكواها، وإلى راعيها للحكم بما أنزل الباري عزّ وجل، والتخلّص من مُحاولة سيطرة الخاصّة على مقاليد الأُمور أو الصُعود وجني الأرباح على أكتاف المُجتمع المجاهد والمُضحّي لدينه ووطنه، بالإضافة إلى ذلك أنّ الطبقة الخاصّة من الناس لها صِفات عامّة ذكرها الإمام (عليه السلام) في نفس النصّ السابق من عَهده لمالك، وهي كما يأتي:

1 - هؤلاء الخاصّة في حقيقتهم مؤونة ثقيلة على الوالي في وقت الرخاء وذلك لثقل ما يطلبون لاستحواذهم على كل الأمور من خلال الحاكم.

2 - إنّ هذه الفئة من الناس هم جماعةٌ لا تحمل صفات الشجاعة والبطولة والدفاع عن البلاد والوالي، وهي أسرع الناس إلى الفرار وعدم المساعدة.

3 - كرهها للعدالة والإنصاف؛ لأنّ ذلك يتناقض مع أهدافها الذاتية.

4 - أكثر الناس إلحاحاً وشدّةً في السؤال في الطلب.

5 - أقلّ الناس شُكراً عندما يحصلون على ما يُريدون وكأن الإعطاء واجبٌ مفروضٌ لهم شرعاً.

ب - الطبقة السُفلى:

هذه الفئة من المُجتمع هي الطبقة المسحوقة تقريباً، والتي تحتاج إلى الرعاية والعناية من قِبَل الوالي وأعوانه، حيث أوصى بهم رجلُ الفقراء والمحرومين، الأوّل بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (ثُمّ اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لا حِيلَةَ لَهُمْ)، فالإسلام هو دين الحقّ والرسالة السماويّة جاءت فاتحةً ومبشرّةً بعهدٍ جديدٍ هو عهد المستضعفين ضدّ قوى الطاغوت والاستكبار. ولو لاحظنا الرعيل الأوّل الذي وقف إلى جانب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سنراهم الطبقة الفقيرة من المجتمع، بينهم الموالي والعبيد ومَن لا حيلة لهم ولا قوّة ولا ناصر، ولا مُعين في ذلك


المجتمع المُتجبّر الظالم؛ لأنّها وجدت في مبادئ الإسلام السامية كلّ رحمةٍ وعدلٍ واحترامٍ وإنسانيةٍ، فدافعت عن الدين الحنيف بقوّةٍ، ووقف الدين بمبادئه السمحاء إلى جانبهم، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يرى الفقراء من الناس ويواسيهم بشخصه الكريم ويتفقّد أحوالهم، وكذلك عليٌّ (عليه السلام) حينما كان يبحث عن الأرامل والأيتام والفقراء والمُحتاجين والمساكين ممَن أعوزهم الدهر وأقعدهم ضعف الحال، فصبّ إمامنا أمير المؤمنين (عليه السلام) جُلّ اهتمامه وخاتمة كلامه بوصاياه الخاصّة بهؤلاء، فوصفهم على حقيقتهم ودافع عنهم بتعاليم الدين ووقف إلى جانبهم، فأعطانا درساً حاضراً ومستقبلاً بأنّ هذه الطبقة يجب أن يكون الالتفات إلى أُمورها من أهمّ القضايا المطروحة في صلاح المجتمع، حيث قال (عليه السلام): (ثُمّ اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لا حِيلَةَ لَهُمْ مِنَ الْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى (1) وَالزَّمْنَى (2) ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرّاً (3) ، وَاحْفَظِ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ) (4) ، فقد جعل الإمام (عليه السلام) من وصيّته هذه بتلك الطبقة قانوناً عامّاً تستلهم منه التشريعات الاجتماعية مبادئها وسلوكيتها في رعاية طبقات المجتمع السُفلى.

لأنّه بمراعاة هذا التفاوت الاجتماعي الطبقي والمُساواة في الحقوق والواجبات تتم العدالة ويستتب الأمن للجميع، وتضمن إدامة الحياة لمن هدّ قوّته الفقر وأصغرت حجمه الفاقة فيعطيهم الإسلام الشيء الذي يعينهم ويدفع عنهم الغوائل والجحود وصدود المجتمع عنهم.

____________________

(1) البؤس: أشدّ الناس فقراً وقتراً.

(2) الزّمنى: أصحاب العاهات المزمنة.

(3) معتراً: أي السائل والمتعرض للعطاء بلا سؤال.

(4) نصّ عهد الإمام علي (عليه السلام) لقائده الأشتر.


الضمانُ الاجتماعي

جعل الدين الضمان الاجتماعي للطبقة المسحوقة من المجتمع حفظاً لماء وجوهها واستمرار أقواتها وبلا مَنٍّ أو أذى.

وقد سعى العالَم المُتحضّر إلى سَنّ قوانين الضمان الاجتماعي وأخذ يتبجّح بها، في حين أنّ الإسلام قد وضع أُسس ذلك قبل أربعة عشر قرناً تقريباً، عند تأسيس أوّل دولة إسلاميّة على أرضٍ طيّبةٍ الطاهرةٍ، (فالأساس الأوّل للضمان الاجتماعي هو التكافل العام، والتكافل العام هو المبدأ الذي يفرض فيه الإسلام على المسلمين كفايةً كفالة بعضهم لبعضٍ، ويجعل من هذه الكفالة فريضةً على المسلم في حدود ظروفه وإمكاناته، يجب عليه أن يؤدّيها على أيّ حالٍ كما يؤدّي سائر فرائضه، والضمان الاجتماعي الذي تُمارسه الدولة على أساس مبدأ التكافل العام بين المُسلمين، يعبّر في الحقيقة عن دور الدولة في إلزام رعاياها بامتثال ما يُكفلّون به شرعاً، ورعايتها لتطبيق المسلمين أحكام الإسلام على أنفسهم، فهي بوصفها الأمينةِ على تطبيق أحكام الإسلام، والقادرةِ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مسؤولةٌ عن أمانتها، ومُخوّلةٌ بحقّ إكراه كلّ فردٍ على أداء واجباته الشرعيّة، وامتثال التكاليف التي كلّفه الله بها، فكما لها حقّ إكراه المسلمين على الخروج إلى الجهاد لدى وجوبه عليهم، كذلك لها حقّ إكراههم على القيام بواجباتهم في كفالة العاجزين، إذا امتنعوا عن القيام بها، وبموجب هذا الحق يُتاح لها أن تضمن العاجزين وكالةً عن المسلمين، وتفرض عليهم في حدود صلاحيّاتها مدّ هذا الضمان بالقدر الكافي من المال، الذي يجعلهم قد أدّوا الفريضة وامتثلوا أمر الله تعالى) (1) ، (ولكنّ الدول لا تستمدّ مُبرّرات الضمان الاجتماعي

____________________

(1) الصدر - محمد باقر - اقتصادنا - الجزء الثاني - ص 698.


الذي تُمارسه من مبدأ التكافل العام فحسب، بل قد يُمكن إبراز أساسٍ آخر للضمان الاجتماعي كما عرفنا سابقاً، وهو حقّ الجماعة في مصادر الثروة.

على أساس هذا الحق تكون الدولة مسؤولةً بصورةٍ مباشرةٍ عن ضمان معيشة المعوزين والعاجزين، بقطع النظر عن الكفالة الواجبة على أفراد المسلمين أنفسهم...، أمّا عن المسؤوليّة المباشرة للضمان، فإنّ حدود هذه المسؤوليّة تختلف عن حدود الضمان الذي تمارسه الدولة على أساس مبدأ التكافل العام، فإنّ هذه المسؤوليّة لا تفرض على الدولة ضمان الفرد في حدود حاجاته الحياتيّة فحسب، بل تفرض عليها أن تضمن الدولة هُنا ضمان إعالته. وإعالة الفرد: هي القيام بمعيشته وإمداده بكفايته. والكفاية من المفاهيم المَرنة التي يتّسع مضمونها كلّما ازدادت الحياة العامّة في المجتمع الإسلامي يُسراً ورخاءً. وعلى هذا الأساس يجب على الدولة أن تُشبع الحاجات الأساسيّة للفرد من غذاءٍ ومسكنٍ ولباسٍ، وأن يكون إشباعها لهذه الحاجات من الناحية النوعيّة والكميّة في مستوى الكفاية بالنسبة إلى ظروف المجتمع الإسلامي، التي تدخل في مفهوم المجتمع الإسلامي عن الكفاية تبعاً لمدى ارتفاع مستوى المعيشة فيه). (1)

وهذا ما ذكره الإمام علي (عليه السلام) في نصّ العهد (وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكِ وَقِسْماً مِنْ غَلاَّتِ صَوَافِي الإسلام فِي كُلِّ بَلَدٍ، فَإِنَّ لِلأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلأَدْنَى، وَكُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ).

فتخصيص جزءٍ من بيت المال وجزءٍ آخر من صوافي الإسلام يُخفّف العبء الشديد الذي قد يتعرّض له هؤلاء، وقد ذكر القرآن الكريم ( وَاعْلَمُوا أَنّمَا

____________________

(1) نفس المصدر السابق - ص 701.


غَنِمْتُم مِن شَيْ‏ءٍ فَأَنّ للّهِ‏ِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى‏ وَالْيَتَامَى‏ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ ) . (1)

إذن، لهم ذلك من بيت المال ومن صوافي المسلمين (الأراضي الغنائم) من كل بلد، (وهي الأرضون التي لم يُوجَف عليها بخيلٍ ولا ركابٍ، وكانت صافيةً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلمّا قُبض صارت لفقراء المسلمين، ولِما يراه الإمام من مصالح الإسلام). (2)

ومن هذا المال يُعطي للبعيد كما يُعطي للقريب في ذلك البلد، فلا فرق بين هذا وذاك، فالكلّ تكفلّهم الإسلام ورعى شؤونهم في بيت المال الذي هو لجميع المسلمين بدون استثناء.

وهناك مجالاتٌ أُخرى لإعانة الفقراء من الناس والمساكين دعا إليها القرآن الحكيم، وحثّ على دفعها للمعوزين والمحتاجين في أروع عمليّة تكافل اجتماعي، يدخل فيها الأجر والثواب كما يدخل فيها عامل الإيمان، والاعتقاد العام بأنّ المسلم أخو المُسلم، فلا ينام وجاره جائع يتضوّر من الجوع، وقد قال علي (عليه السلام) في ذلك: (أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حَرَّى). (3)

إذن العامل الأخلاقي والديني يمنع ذلك، ويدفع الإنسان إلى العمل الصالح وهو إعطاء الصدقات إلى مُستحقّيها، والقرآن الكريم أكّد على ذلك في آياتٍ كثيرةٍ منها: ( مَثَلُ الّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنْبُلَةٍ مِاْئَةُ حَبّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلاَ أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) . (4)

____________________

(1) سورة الأنفال - الآية 41.

(2) شرح نهج البلاغة - مجلد 17 ص 86.

(3) من رسالته (عليه السلام) لابن حنيف - نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح ص 416.

(4) سورة البقرة: الآية 261 - 262.


كذلك حثّ الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) المسلمين لمُساعدة الفقراء والمعوزين ودفع الصدقات إليهم، وأنّها تدفع البلاء المُبرم.

إنّ مِن واجبات المجتمع الإسلامي الخاصّة تدارك الانهيار المادّي لدى طبقات المجتمع، وإعانة من لا قُدرة له على تلبية احتياجاته ودفع أموال مؤونته وكسوته، وقد جعل الله له حقّاً في تلك الأموال ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) (1) ، ولن تجد في الدساتير العالميّة والتشريعات القانونية من قمّة في تشريعات الضمان الاجتماعي مثل هذه الصورة، فهي عَمليّة بناء المجتمع من داخل المُجتمع بالإضافة إلى ما تُقدّمه الدولة من معونات مُستمرّة ورعايةٍ خاصّة بهذا الشأن.

ثُمّ ينتقل الإمام (عليه السلام) إلى بقيّة فقراء الأمّة ويُعدّدهم واحداً بعد الآخر، ويبدأ ويقول: (وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وَذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ، مِمَّنْ لا حِيلَةَ لَهُ وَلا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ، وَذَلِكَ عَلَى الْوُلاةِ ثَقِيلٌ وَالْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ، وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَهُمْ). (2)

إنّ ابتكار المؤسّسات وسَنّ القوانين التي ترعى مصالح الأيتام في المجتمع أو دور العَجَزَة والمُسنّين تُعتَبر من الانجازات المُهمّة التي تفتخر بها الحكومات في الوقت الحاضر كقوانين للضمان الاجتماعي، إلاّ أنّنا نقول: صحيح أنّ هُناك تخلّفاً ونقصاً في كثير من الجوانب الحياتيّة والاجتماعيّة للمسلمين في العالم، إلاّ أنّ ذلك لا يُعبّر عن حقيقة الدين وتشريعاته، إنّما التطبيقات الناقصة والبُعد عن المصدر الأصلي هي السبب في التخلّف الموجود، وأنا أتحدّث عن تطبيقٍ كاملٍ للشريعة الإسلاميّة في دولة تستوعب كل المفاهيم الإسلامية

____________________

(1) سورة المعارج: الآية 24 و25.

(2) نصّ عهد الإمام (عليه السلام) للأشتر.


وتعمل بها، ويمكن اعتبار فكر عليٍّ (عليه السلام) الرمز الأول للمُقارنة مع بقيّة الأُطروحات في إشاراته الاجتماعيّة والنفسيّة والشرعيّة، وبيان النقاط الأساسيّة عند أمير المؤمنين (عليه السلام) التي أعطت للإنسانيّة الصور الرائعة للحياة الاجتماعية.

ثُمّ أمر الإمام علي (عليه السلام) بتعهّد الأيتام، والتعهّد هُنا كلمةٌ واضحةُ المعنى لا تحتاج إلى تفسيرٍ وبيانٍ، فمَن يأخذ شيئاً على عهدته يتكفله من كافّة النواحي، ويُقيم له الأمر، ويبذل عليه حتى ينشأ وينمو، فالدولة إذن هي القائمةٌ بكلّ أُموره ومتعهدهٌ بكلّ قضاياه وبصورة كاملة، وكذلك يؤكّد على المسؤوليّة اتجاه الأيتام وعدم تضييع حقوقهم وإهمالهم وتركهم، حيث قال (عليه السلام) (اللَّهَ اللَّهَ فِي الأيتام، فَلا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ، وَلا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ) (1) ، فهو يوصي (عليه السلام) بعدم قطع اطعامهم يوماً ما أو ضياعهم وَسَط المجتمع الكبير. ثُمّ (ذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ مِمَّنْ لا حِيلَةَ لَهُ وَلا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ) أيضاً كبار السنّ والعاجزين عن العمل، من الذين ليس لديهم شيء سوى الاستراحة من تلك السنين التي حفرت أخاديد على وجهوهم من الجُهد والتعب الذي بذلوه، وطول العمر الذي قضّوه والذي أضعفهم وقلّل طاقتهم فلا حول ولا قوة لهم... شملهم التعهّد الأوّل؛ لأنّه عائد على ما قبله من تعهّد الأيتام (وَذَلِكَ عَلَى الْوُلاةِ ثَقِيلٌ وَالْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ) إلاّ أنّه قد يكون خفيفاً على الأقوام بفضل الله للذين شخصت أعينهم إلى العاقبة النهائيّة وهي مُلاقاة الله يوم الحساب، فصبّروا أنفسهم - أي أجهدوا أنفسهم - على تحصيل الصبر وتحمله؛ لأنّهم على إيمان وتصديق ما وعدهم الله به من يوم يحتاج فيه الإنسان إلى ذرّة عمل الخير لتثقل ميزانه.

( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ ) (2) .

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح - ص 421.

(2) سورة الزلزلة: الآية 7.


( فَأَمّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ) (1) .

بعد كلّ هذا لا نُريد أن نتعرّض للقوانين العالميّة وما تضمّنته من شرائع في هذا الأمر؛ لأنّ أغلب الناس عايشت مُختلف القوانين والشرائع فلم تجد أصلح وأنمى وأكثر تطوّراً من الشريعة المحمديّة العظيمة، حيث صُور التعاطف والرحمة والأخوّة وبمستويات أخلاقيّة رفيعة، كلها مُجتمعةٌ في النفوس المؤمنة الطيبة.

حُقوقُ الأُمّة والعدالةُ في التقسيم

إنّ الحقوق التي فرضها الله تعالى لفقراء الأمّة والمحتاجين منهم لم تكن هديّةً من الوالي يُقسّمها كيفما يشاء بحيث تتدخل فيها عوامل أُخرى تحرف التطبيق الحقيقي ولا تسير على المنهج الصادق، بل تنحرف باتّجاه سوء الاستفادة والاستئثار والغارة على أموال المسلمين وتوزيعه على الأقارب والعشيرة والأصحاب. وقد حدث أن قام أحد وُلاة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بتقسيم فيء المسلمين بين أهله وأصحابه، فغضب لذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، وشدّد على واليه الذي فعل هذا الأمر وهذه الخيانة، وهو مصقلة بن هبيرة الشيباني، وهو عامله على أردشير خُرَّه، حيث أرسل إليه كتاباً يوبّخه فيه: (بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ إِلَهَكَ وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ أَنَّكَ تَقْسِمُ فَيْ‏ءَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَخُيُولُهُمْ وَأُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ فِيمَنِ اعْتَامَكَ (2) مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ، فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقّاً لَتَجِدَنَّ لَكَ عَلَيَّ هَوَاناً وَلَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَاناً، فَلا تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّكَ وَلا تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقِ

____________________

(1) سورة القارعة: الآية 6 و7.

(2) أي: اختارك من بين الناس.


دِينِكَ فَتَكُونَ مِنَ الأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، ألا وَإِنَّ حَقَّ مَنْ قبِلَكَ وَقَبِلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هَذَا الْفَيْ‏ءِ سَوَاءٌ يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ وَيَصْدُرُونَ عَنْهُ) (1) .

إنّ مصقلة هذا قد عَمل خلاف شريعة الله تعالى، ومَن يكن كذلك فقد باء بغضب الله وسخطه، ثُمّ عصى إمامه وخان أمانته التي استؤمِن عليها بتقسيمه مال المسلمين الذي اجتمع بفعل جهاد المسلمين الأوائل وتضحياتهم على أقوامه الذي اختاروه، ولم يكن تقسيماً عادلاً بين المسلمين الذين سالت دمائهم على تلك الأراضي المفتوحة.

عند ذلك رفض رجلُ العدالة والحق عليٌّ (عليه السلام) هذا التلاعب في مُقدّرات وحقوق الأمّة، وأراد التثبّت في حقائق الأمور، لئن كان حقّاً ما وصل إليه وضع العقوبة القاسية لذلك.

ثُمّ يُلفت نَظَرَ مصقله إلى عدم إصلاح أمر الدنيا بإهلاك الدين، ثُمّ يصبح بعد ذلك من ( الّذِينَ ضَلّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) (2) (فَتَكُونَ مِنَ الأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً)، والمعنى أنّه نهى مصقلة عن أن يُقسّم فيء المسلمين على أعراب قومه الذين اتخذوه سيّدا ورئيساً، ويَحرم المسلمين الذين حازوه بأنفسهم وسلاحهم.

وهذا هو الأمر الذي كان يُنكره على عثمان، وهو إيثار أهله وأقاربه بمال الفيء (3) . إنّ الدافع لهذا الإنكار على مثل هذه الأعمال لأنّ بيت مال المسلمين لم يكن ملكاً خاصاً للوالي حتى يتصرّف به بهذا الشكل، ثُمّ إنّه لا عصبيّة في تقسيم

____________________

(1) نهج البلاغة - شرح الشيخ محمد عبده - ج3 - ص68.

(2) سورة الكهف: الآية 104.

(3) شرح نهج البلاغة - م16 - ص176.


أموال الله. والبلد المسلم لا تَحكمه الانتماءات العشائريّة والقوميّة الإقليميّة والقَبَلية والعائليّة والأهواء الشخصيّة، بل تحكمه عدالة الدين واستقامة زعيم المسلمين، فالعدالة إدامة الحياة، ومعناها السعادة الدائمة للمجتمع ولعُموم المسلمين في ظلّ الأحكام الإلهيّة، والعدالة تبدأ بتطبيق الأحكام بصورة تامّة ومُراعاة ومُساعدة ضُعفاء وفقراء الناس الذين يستشعرون الرحمة من خلال ذلك، فمن حقّنا أن نكتب ونعرض ونفتخر بتشريعاتنا الإسلاميّة التي تُقدّم وتُطوّر المجتمع ويزدهر فيها الإعمار والبناء.

تواضعُ الحاكمِ واحترامُ الأُمّة

(وَلا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ فَإِنَّكَ لا تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِكَ التَّافِهَ لإِحْكَامِكَ الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ، فَلا تُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ، وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ).

إذن، يجب أن يؤدّي الوالي حقوق المسلمين إليهم وهي أمانة في عُنقه، وهذه تتخذ عدّة جوانب، من ضمنها:

حقّهم في المال العام، والبحث عن الطُرق والسُبل الصحيحة لحلّ مشاكلهم الماديّة والمعنويّة، ومتابعة قضاياهم العامّة، ولا يشغله شيءٌ عن مُتابعة أحوالهم، وإنّه ليس له أيّ عُذر بتضييع القليل الحقير من الأمور، حتى وإن أحكم وأتقن الكثير المُهم، فالأمر يحتاج إلى تأمّل ومُراجعه للذات؛ حتى لا ينحرف الوالي عن منهج الحق، ثُمّ مراجعة أُمور المُجتمع ومحاسبة مَن يأخذ حقّهم، ثُمّ يأمر عليٌّ (عليه السلام) الوالي بأن لا يتكبّر عليهم أو يُصعّر خدّه للناس كما قال الباري عزّ وجَل: ( وَلاَ تُصَعّرْ خَدّكَ لِلنّاسِ وَلاَ تَمْشِ في الأَرْضِ مَرَحاً إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (1) ، فيأخذه العجب والكبر بالابتعاد عن الأمّة، ثُمّ

____________________

(1) سورة لقمان: الآية 18.


متابعة مَن لا يستطيع أن يصل إليك منهم لأسباب أو أُخرى، ومنها احتقار المجتمع وازدراؤه للفرد الضعيف من المجتمع، وقد عبّر عن ذلك الإمام (عليه السلام) بـ (تقتحمه العيون وتُحقّره الرجال).

وهناك بعض الطغاة من الناس - والعياذ بالله - لا يُعجبه أن ينظرَ إلى فقراء المجتمع، بل بعضُهم يهرب من المجالس التي يحضرها البؤساء من الناس ويترفّع عنه تكبّراً وطغياناً (فَإِنَّ هَؤُلاءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إلى الإِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ وَكُلٌّ فَأَعْذِرْ إلى اللَّهِ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إليه).

فِكرُ عليّ (عليه السلام) والآخرون

إذا كان علم الاجتماع يسعى إلى تنظيم حياة المجتمعات بمختلف امتداداتها وصورها، فالأصلح أن يكون ذلك من خلال مفاهيم صحيحةٍ وحقيقيّةٍ نابعةٍ من عقيدةٍ سماويّة، وفكر ناضج مُنبثق من أصل العقيدة المذكورة، وهذا كلّه لم يجمع إلاّ في العقيدة الإسلامية وفكر علي (عليه السلام) والمفاهيم الإسلاميّة العامّة، والتي تُعتبر الأساس الصلب والمُحكم في بناء الهياكل الاجتماعية في المجموعات البشريّة.

ففي كلامٍ واحدٍ ورسالةٍ واحدةٍ من عِدّة كُتبٍ وخُطبٍ أطلقها الإمام (عليه السلام) جعلت ألدّ أعدائه وخصومه وهو معاوية بن أبي سفيان والذي خَبَر عليٌّ (عليه السلام) وعرفه يقف حائراً أمام عهد الإمام عليٍّ (عليه السلام) لمالك الأشتر، متعجّباً العظمة والحِكمة والبناء السليم للإنسان والمجتمع، بحيث جعلت بعض أصحاب معاوية ينقلبون عليه حينما سمعوه وتناقلوا إعجابه، وفي ذلك يقول الشرقاوي: (ولمّا قرأ معاوية هذا الكتاب وسمعه خاصته وتناقلوه ونقلوه إلى غيرهم اهتز يقين عددٍ منهم


بدعوى معاوية فمالوا إلى عليٍّ...!

وكان قد استثار بعض الناس على معاوية بعد ما سمعوا عما جرى لمحمّد بن أبي بكر، فقد استبشع هؤلاء قتله على النحو الوحشي....

[ ويستمر الشرقاوي ويقول: ] فلمّا سمعوا أنّ أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها تدعو على معاوية وعمرو في كلّ صلاة، نفروا من معاوية، ونفّرهم من معاوية ما وجدوه من بَذَخ هو السفه بعينه، وما شاهدوه في دمشق من صور التَرف المستبد وإلى جواره غير بعيد صور من الفقر المُدقع تُثير الأسى والإشفاق والإحساس بالمهانة والعار، وشعر بعضهم أنّهم قد تحوّلوا في دنيا معاوية إلى أثرياء حقّاً... ولكنّهم فقدوا سموَّ الروح، ولم يعودوا إلاّ كائنات تأكل وتشرب كالسوائم، وتتمرّغ في الملذّات كالبهائم) (1) .

موقفنا من نهج عليٍّ (عليه السلام)

حينما نتحدّث عن الإمام عليٍّ (عليه السلام) رجلِ المواقف المصيريّة مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يجب علينا أن ندرس منهجه الصالح للإنسانيّة، وسيرته الإلهيّة في المجتمع، وحياته التي كلّها عِبَر ودروس والذي عرفنا الإسلام الحقيقي من خلال عمله الخالص لوجه الله.

إنّ التمسّك بعليٍّ يعني التمسّك بالعدالة الحَقّة، وتحرر العقل من الأوهام والأكاذيب والدَجل المُظل، إذن أين نحن الآن كمسلمين في كلّ بقاع العالم من فكر عليٍّ (عليه السلام)؟ أين موقعيّتنا في ذلك لنراجع أنفسنا ونبحث في منهجنا ونعود إلى ذاتنا لنقارن بين واقعنا المُعاش والحقيقة الناصعة لمنهج علي (عليه السلام)؟

____________________

(1) الشرقاوي - عبد الرحمان - عليٌّ إمامُ المتّقين - ص 284.


وكيف أنّه يسعى إلى حفظ كرامة الإنسان حتى وإن كان ضعيفاً مُحتقراً أو يتيماً بائساً أو كبيراً أو مريضاً. فقد سعى (عليه السلام) وأجهد نفسه وأمَرَ ولاته بالنظر إلى كلّ الظروف الصعبة والطارئة التي تواجه المُجتمع.

التقسيم النفسي (السايكولوجي)

في هذا الجانب يصنف الإمام عليٌّ (عليه السلام) الناس حسب الرغبات النفسانيّة والأهواء والميول الذاتيّة، ونادراً ما نجد عالماً من العلماء قد قسّم المجتمع وصنّفه في أشكال مُتعدّدة ومتنوعة، ومن ذلك: التقسيم النفسي كما عبرنا عنه من خلال قراءتنا لهذا الجانب من كلامه (عليه السلام): (وَالنَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ: مِنْهُمْ مَنْ لا يَمْنَعُهُ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إلاّ مَهَانَةُ نَفْسِهِ (1) وَكَلالَةُ حَدِّهِ (2) وَنَضِيضُ (3) وَفْرِهِ، وَمِنْهُمْ الْمُصْلِتُ لِسَيْفِهِ وَالْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ وَالْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ وَأَوْبَقَ دِينَهُ لِحُطَامٍ يَنْتَهِزُهُ أَوْ مِقْنَبٍ يَقُودُهُ أَوْ مِنْبَرٍ يَفْرَعُهُ وَلَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً وَمِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ عِوَضاً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ وَلا يَطْلُبُ الآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ وَقَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ وَشَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ وَزَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلأَمَانَةِ وَاتَّخَذَ سِتْرَ اللَّهِ ذَرِيعَةً إلى الْمَعْصِيَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ

____________________

(1) مهانة نفسه: وهو الاستهانة في ذاته وعدم وجود القدرة الدافعة لضعف نفسي شعوري من حالة الاستصغار إلى حالة الهبوط المقلق.

(2) كلالة حدة: يذكر صبحي الصالح في هذا المعنى (ضعف سلاحه عن القطع في أعدائه، يقال: كَلّ السيف كلالة إذا لم يقطع، والمُراد: إعوازه من السلاح).

(3) نضيض وفره: معناه ضعف القدرة الماليّة، حيث جاء في معنى الوفر: المال، الإمام (عليه السلام) أعطى أربعة أصناف في النصّ الآنف الذكر وبقي صنفٌ خامسٌ ورد في نصٍّ آخر سنُبيّنه إن شاء الله.


ضُئُولَةُ نَفْسِهِ وَانْقِطَاعُ سَبَبِهِ، فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ، فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَلا مَغْدًى) (1) .

فالأول: الذي لا يمنعه من عمل الفساد إلاّ لوجود ثلاثة نواقص لديه وهي:

ألف - عدم وجود القوّة الذاتيّة التي تدفعه إلى ارتكاب الجرائم نتيجةً لوجود النقص الشعوري في نفسه واستصغارها في المواقف كافّة.

ب - ضعف سلاحه عن الفتك بالآخرين.

ج - الضعف الاقتصادي وعدم وجود المال الوفير الذي يُساعده على ارتكاب تلك الأعمال القبيحة.

أمّا الثاني: فهو الشاهر لسيفه.

(وَمِنْهُمْ الْمُصْلِتُ لِسَيْفِهِ وَالْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ وَالْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ، قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ وَأَوْبَقَ دِينَهُ لِحُطَامٍ يَنْتَهِزُهُ أَوْ مِقْنَبٍ يَقُودُهُ أَوْ مِنْبَرٍ يَفْرَعُهُ، وَلَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً وَمِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ عِوَضاً).

هذا الصِنف من الناس يختلف تماماً عن الذي سبق ذكره؛ لأنّه قد شهر سيفه وأعلن الحرب وقاد الناس وجمع خيّالتهم ورَجّالتهم، وقد جهّز نفسه ذاتيّاً ومادّياً للقتال والعبث بمُقدّرات المجتمع ظلماً وعدواناً؛ تصوراً منه أنّه سوف يُمكّنه ذلك من الحصول على الغنائم، ولكن من حُطام الدنيا التي لا فائدة منها وكما يذكر الإمام (عليه السلام): (مِقْنَبٍ يَقُودُهُ أَوْ مِنْبَرٍ يَفْرَعُهُ)، والمقنب: هي طائفة من الخيول ما بين الثلاثين والأربعين، والثاني الرغبة في نفسه لاعتلاء منبرٍ ما، أي: للصعود والمباهاة

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح - ص 74.


والبروز بغير حقّ.

والثالث: هذا الذي يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، وهذا الصنف (قَدْ طَامَنَ [ خفَضَ ] مِنْ شَخْصِهِ، وَقَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ، وَشَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ، وَزَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلأَمَانَةِ، وَاتَّخَذَ سِتْرَ اللَّهِ ذَرِيعَةً إلى الْمَعْصِيَةِ). غايته تحيق مآربه ورغباته حتى وإن كان على حِساب إيمانه ودينه وتقواه، فإن اصطدمت المصالح الذاتيّة في نفسه مع القانون الإلهي والشريعة المقدّسة وما خطّه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ضرب تلك الأُسس المعنويّة الربانيّة في قِبال المطامح الشخصيّة الخبيثة للنفس الضعيفة التي أغراها بريق الدُنيا الزائف، وهذا الصنف طالما نجده في المجتمع وهو الذي يُدمّر المسيرة الواقعية للمجتمع، ويهدم البناء الإنساني المتماسك في لحظة إشباع رغبةٍ ما في نفسه، لأنّه سُرعان ما يبيع كلّ القيم الأخلاقية والضوابط الشرعية التي وضعها الباري عزّ وجل بثمنٍ بخسٍ قليل الفائدة، عظيم التَبِعَه، أثمانه في الآخرة غالية.

وأمّا الرابع: المُتزيّن بلباس أهل الزهد.

(وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُئُولَةُ نَفْسِهِ وَانْقِطَاعُ سَبَبِهِ، فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ، فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ، وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَلا مَغْدًى).

هذا الصنف من الناس له صفاتٌ عرّفها لنا الإمام (عليه السلام) بالصورةِ التالية: حيث إنّ هذا النوع درس ذاته وعرف مدى توثّبه وقدرته فيما وصلت حالته النفسيّة إلى نقطة مُعيّنة أقنعها بالوقوف عندها، غير متجاوز تلك النقطة لحقارة نفسه وتقطّع الأسباب عنده، فوصل إلى ما هو عليه من حالٍ ونتيجةٍ، بحيث اقتصر على ذلك ولم يستطع التطوّر أو الاندفاع أو الوصول إلى رتبةٍ أعلى أو مكان متقدّم، فأعطى نفسه صورةَ القانع بما أعطاه الله، وكأنّه قد زَهد في هذه الدنيا غير


كادح لذاته فيها، وقد سدّ منافذ رغبات النفس بهذه القناعة (الإجباريّة)، وهو ليس من ذلك فيما إذا راح في العشي أو ذهب في الصباح.

إنّ هذه الأصناف الأربعة هي في واقعها وحقيقتها الطرف السلبي في المُعادلة الاجتماعيّة، بل هي التي تُعيق عملية البناء الاجتماعي؛ لأنّه ليس هناك صفةٌ ذميمةٌ مؤثرةٌ على خُلق وسلوك الجماعة مثل هذه التي ذكرها إمام المتّقين، وهي أخطر ممّا يُمكن أن نقول عنها إنّها الحالة الشاذة والمُخرّبة في الكيان الاجتماعي.

لقد وصفهم الإمام علي (عليه السلام) ذلك الوصف الدقيق في بيان واضح يُدلّل على معرفة شاملة وعميقة فيما نُسميه في عصرنا هذا بعلم النفس الاجتماعي، والذي من خلاله يمكن معرفة الكثير من الآثار العامّة على السلوك الاجتماعي، سواء تعلّق ذلك بالفرد أو الجماعة أو بالعلاقات العامّة أو ربما يخلق ظاهرةً اجتماعيةً تُلقي بظلالها على طبيعة مسيرة المجتمع، والنتيجة المتوخّاة من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) هو بيان الأثر المُدمّر للسلوك المُنحرف وأثر ذلك على المجتمع سلبياً.

وهناك صنفٌ خامسٌ يختلف جذرياً عنهم ويبتعد فكريّاً وعمليّاً، ألا وهو:

الرجال الذين في قلوبهم ذكر الله، أي: أهل الإيمان والتقوى والمعرفة والطاعة، حيث يقول فيهم الإمام (عليه السلام):

(وَبَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ، فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادٍّ وَخَائِفٍ مَقْمُوعٍ وَسَاكِتٍ مَكْعُومٍ وَدَاعٍ مُخْلِصٍ وَثَكْلانَ مُوجَعٍ، قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ وَشَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةُ، فَهُمْ فِي بَحْرٍ أُجَاجٍ، أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ وَقُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ، قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا وَقُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا وَقُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا). (1)

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح ص75.


هذا الصنف من الناس نستطيع أن نُسمّيه بالصنف الطاهر، إلاّ أنّ رجاله ينقسمون على خمسةِ أشكال متفاوتة في طبيعة وجودها في المجتمع، إلاّ أنّهم يشتركون في صفاتٍ إيمانيّةٍ أخلاقيّةٍ واجتماعيّةٍ واحدة. حالةٌ واحدةٌ يشتركون بها أيضاً، هو الضغط السياسي والاجتماعي والحرب غير المُعلَنة بين أتباع الباطل وأهل الظلم والجور وبينهم، وهذه الحالة لمثل هؤلاء الناس وُجدت مع وجود الشرّ والطُغيان على مَرّ التاريخ إلى عصرنا الحالي، حيث لمسناها وعشنا حقيقتها في الكثير من الأماكن والدول، وهُم على خمسة أشكال:

أوّلهم: (شريدٍ نادٍّ) الهارب المُنفرد من هذه المجتمعات وطرق معائشها وسلوكيّتها لِما فيها من شوائب ذكرناها سابقاً.

ثانياً: (خائف مقموعٍ)، أي: الخائفٌ المقهورٌ بالظلم.

ثالثاً: (وساكت مكعومٍ)، وهذا ساكت لا يتكلّم قد سدّ فاه لئلاّ يحدث ما لا يُحمد عُقباه.

رابعاً: (وداعٍ مُخلصٍ) الداعي إلى الله بإخلاص.

خامساً: (وثكلان موجعٍ)، وهذا الآخر الحزين المتألم للوضع السائد.

هؤلاء جميعاً من أهل الإيمان والحق، وصاروا يتّقون الظُلم بحيث يعيشون بين الناس ولا نباهة لهم لإسقاط ذكرهم، وشملهم الذلّ في المُجتمع وأنّهم يغوصون في بحرٍ أُجاجٍ يعيشونه، وإذا كانوا يعيشون في الوضع الصعب والضنك الشديد بحياة نَكدة تملؤها الآلام والقهر فهم حتماً سيعيشون بقلوبٍ جريحة، وكما سار الأنبياء (عليهم السلام) في إرشاد أقوامهم حتى اتعبوهم، فهم على الخُطى ساروا مع مجتمعاتهم. وعظوا حتى ملّوا وسئموا الناس وتركهم الناس والمجتمع، حيث لا أثر لمواعظهم على النفوس التي مرضت وحال بينها وبين الحقّ الطمع الدُنيوي


وحُبّ الذات، وماذا نتوقع من حال هؤلاء بين المجتمع الظالم إلاّ أن يكونوا مقهورين غُرباء في مجتمعهم، حتى وصلوا إلى مرحلة الذّل بالإضافة إلى حالة القتل بالحكم عليهم بالموت؛ حتى أصبحت أعدادهم قليلةً في المجتمع.

ليتمعّن القارئ العزيز ويُطبّق ما يفهمه من هذا على حياته الاجتماعية والسياسية، ويستخلص ماذا أراد أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيانه الواضح في عصره وما بعده، وفي حياتنا الحاضرة أيضاً؟ وكيف سيطر الشيطان على النفوس ودفعها نحو الشرّ والرذيلة والانحطاط الخُلقي؟ وبالتالي خراب الوضع النفسي عند المجتمع الذي يدمّر كلّ مدنيّةٍ وكلّ حضارةٍ.

التَقسّم العِلمي أو المعرفي

لقد بيّنا بعض التقسيمات التي صنّف بها الإمام عليّ (عليه السلام) المجتمع حسب بعض المفاهيم أو الصفات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهذا جانب آخر من تلك التقسيمات هو التقسيم حَسب المعرفة العلميّة، وهذا أيضاً له جوانبه المؤثّرة على حياة المُجتمع ومسيرته، حيث يقول في جانبٍ من كلامه لكميل بن زياد النخعيّ (1) :

(... النَّاسُ ثَلاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ (2) ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ (3)

____________________

(1) نقل صاحب كتاب (مصادر النهج) أنّ (كميل بن زياد النخعي التابعيّ المعروف، أدرك من الحياة النبويّة ثماني عشرة سنة، وروى عن عمر وعليٍّ وابن مسعود وغيرهم، وروى عنه عبد الرحمان بن عابس وأبو إسحاق السبيعي والأعمش وغيرهم، شَهِد صفّين مع عليٍّ (عليه السلام)، وكان شريفاً مُطاعاً ثقةً، وثّقه ابن مُعين وجماعةٌ، وكان من رؤساء الشيعة، قتله الحجّاج سَنة (82)).

(2) العالم الربّاني: هو المُتألّه العارف بالله.

(3) الرعاع: الأحداث الطغام الذين لا منزلة لهم بين الناس.


رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ (1) ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إلى رُكْنٍ وَثِيقٍ). (2)

المجتمع من الناحية العلميّة عند الإمام (عليه السلام) على هذه الأنواع الثلاثة، إلاّ أنّ أخطر هذه الأنواع على المجتمع الصنف الثالث (جهلة الأُمّة)، الذين تُسيّرهم الأهواء، وتدور بهم الدواليب، ويجرّهم القال والقيل، ويجمعهم العقل الجمعي بين الناس، وقد وصفهم الإمام (عليه السلام) بالهَمَج، وهُم الحمقى من الناس، ثُمّ إنّهم يتّبعون كلّ صيحةٍ بدون عِلمٍ ولا معرفةٍ، سواء كانت هدفها إعادة حقٍّ مغصوبٍ، أو حركة باتّجاه الباطل، فهم مع الرياح أينما تميل يميلون معها، والسبب في كل ذلك أنّهم لا عِلم ولا معرفة لهم حتى يتبصّروا الأمور ويعرفوا حقائقها، فالعلم - كما وصفه الإمام (عليه السلام) - نورٌ يُستضاء به في الظلمات، ثُمّ ليس لديهم أو في فكرهم أيّ استقرار أو هدوءٍ في أعمالهم وحركاتهم، وهم الأدوات الذين يُحرّكهم الناس كيفما شاءوا، لا استقرار لهم في رأيٍ ولا مشورة لهم أبداً. تجلبهم الصيحة سواء كانت من هُنا أو هناك كما يُحرّك مشاعرهم المال.

التقسيم الإنساني

ينتقل الإمام عليٌّ (عليه السلام) إلى صورةٍ أُخرى في نقلةٍ حضاريةٍ أخلاقيّةٍ في منتهى الإنسانيّة والشعور الفيّاض بالأحاسيس والمشاعر البشريّة، ويُصنّف المجتمع بشكلٍ أنسانيٍّ آخر، حيث يُقسّم الناس إلى صنفين يُشكّلان عُموم الأمّة، فالناس عند عليٍّ (عليه السلام) صنفان: (إمّا أخٌ لك في الدّين، وإمّا نظيرٌ لك في

____________________

(1) الناعق: مجاز عن الداعي إلى باطلٍ أو حقٍّ.

(2) نهج البلاغة، شرح محمد عبده ج4 ص36.


الخَلق). (1)

وهذه نظرةٌ إنسانيّةٌ عظيمةٌ، بل حضاريّة راقية لا يمكن أن يدرك مدى قيمتها إلاّ مَن يمتلك عقلاً راجحاً وثقافةً واسعةً. تكلّم بها أمير المؤمنين (عليه السلام) وأعطاها مبدأً عاماً للبشرية، وقانوناً إنسانياً حضارياً، إن طُبّق بما جاء فيه سعدت البشريّة وحَلّ الأمن والسلام. وما يطرحه أدعياء الحريّات وحقوق الإنسان من مبادئ عامّة بهذا الشأن لا تعدو كونها محض نِفاق وكذب، والإشارات كثيرةٌ في هذا الجانب ولا مجال لذكرها، وهذا ما نراه في عصرنا الحاضر وما سبقنا، حيث التبجّح والتمسّك الزائف بنصوص برّاقةٍ ولامعةٍ تحوي الخُلق السليم على الورق والقتل والسبي والتشريد للشعوب المستضعفة على الأرض. فالإنسان عند عليٍّ (عليه السلام) أخو الإنسان، سواء كان في الدين وارتباطاته الوشيجة أو في الخلقة، فالله خلقهم كلهم من آدم وحواء ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) . (2)

أيّة نظرةٍ عظيمةٍ هذه، بعيدةٌ كلّ البُعد عن العنصرية والتعسّف والاستخفاف والاستهانة بالناس، أيّة صورةٍ ناصعةٍ هذه يُعطيها عليٌّ (عليه السلام) للحكّام وللمجتمعات البشريّة، وللتعايش السلمي في الدولة الواحدة وبناء كيانها على أُسسٍ إنسانيّةٍ قَلّ مثيلها. أين نحن الآن في عصرنا هذا من أفكار عليٍّ (عليه السلام) وما نشاهده من تمييزٍ عنصريٍّ وحقدٍ دينيٍّ وصراعٍ طائفيٍ، وجرائم بشعةٍ تُرتكب بحقّ البشرية باسم الإنسانيّة والدفاع عن حقوقها؟! ولننظر إلى واضع أُسس

____________________

(1) نص عهد الإمام علي (عليه السلام) للأشتر.

(2) سورة الحجرات: الآية 13.


الحريّة والعدالة والإنصاف عليٍّ (عليه السلام) تلميذ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الذي قدّم تلك الأفكار المليئة بالروح الإنسانيّة، ونُطبّق ما قدّم لنا وللمجتمعات الإنسانيّة.

إنّ حالة التعايش الإنساني الأخلاقي في المجتمعات تبعث الأمل في النفوس، ويعمّ النموّ والانبعاث والتطوّر، وتبدع العقول فيها بعد أن أصبحت الحياة الاجتماعية واحة أمان ومحبة وإيثار في ظل المبادئ السامية التي أعلنها علي (عليه السلام) (إمّا أخٌ لك في الدّين)، فإذا كان كذلك فلهُ حقوقٌ تستوجب أداءها في الإسلام، وقد شرح الدين ذلك ووضع أفضل الصِيغ للتعامل الأخوي والإنساني. فإذا كان أخٌ في الدين يجب أن يتبادل الحقوق مع الآخرين؛ لأن تلك المبادئ قوانين عامّةٌ وتامّةٌ لا تحتاج إلى تمحيصٍ، إنّما تحتاج إلى تطبيقٍ من خلال التربية الدينية والأخلاقية، وترويض النفس حتى تطوّع للعمل بتلك القيم العظيمة.

و(ما يجري بين الناس بعضهم لبعض: من أداء الحقوق وتأدية الأمانات والنصفة في المعاملات والمعاوضات وتعظيم الأكابر والرؤساء وإغاثة المظلومين والضعفاء. فهذا الِقسم من العدالة يقتضي أن يرضى بحقّه، ولا يظلم أحداً، ويقيم كل واحدٍ من أبناء نوعه على حقّه بقدر الإمكان، لئلاّ يجور بعضهم بعضاً ويُؤدّي حقوق إخوانه المؤمنين بحسب استطاعته. وقد ورد الحديث النبوي: (إنّ للمؤمن على أخيه ثلاثين حقاً لا براءة له منها إلاّ بأداءٍ أو العفو: يغفر زلّته، ويرحم غُربته، ويستر عورته، ويقبل عثرته، ويقبل معذرته، ويردّ غيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خلّته، ويرعى ذمّته، ويعود مرضته، ويشهد ميتته، ويُجيب دعوته، ويَقبل هديّته، ويُكافئ صِلته، ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويحفظ حليلته ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويطيب كلامه، ويبرّ إنعامه، ويصدق أقسامه، ويُواليه ولا يُعاديه، وينصره ظالماً أو مظلوماً، فأمّا نصرته ظالماً فيردّه


عن ظُلمه، وأمّا نُصرته مظلوماً فيُعينه على أخذ حقّه، ولا يَسأمه، ولا يخذله، ويحبّ له من الخير ما يحبّ لنفسه، ويكره له من الشرّ ما يكره لنفسه). (1)

(وإمّا نظيرٌ لك في الخَلق)، وهذه أيضاً لها مضامينها وضوابطها، فالدين الإسلامي مترجَمٌ بفكر عليٍّ (عليه السلام)، الذي طرح العدالة بمعانيها الحقّة، مطبقاً على نفسه أولاً ومُراعياً كلّ الظروف التي تمرّ على المجتمعات من خيرٍ أو شرٍّ، يُريد أن يبني مُجتمعاً إنسانيّاً بمعنى الكلمة، فالإنسان عنده الهدف في البناء، والبناء لا يكون إلاّ بأساسٍ مُحكمٍ والأساس المُحكم هو العدالة المُطلقة، فعليٌّ كان لا يلتفت إلى جانبٍ إنسانيٍّ ويترك الآخر، إنّه ينظر نظرةً شاملةً للأُمّة، ويكون ذلك عِبر الحكم بالحقّ كافة، فلا ينسى مثلا (أهل الذمّة وغيرهم) من اليهود والنصارى ومن الطوائف الأخرى، فهو مثلاً يقول إلى عمّال بلاده:

(أمّا بَعد، فإنّي قَد سَيَّرْتُ جُنُودَاً هيَ مارَّةٌ بِكُمْ إنْ شاءَ الله، وَقَد أوصَيتُهُم بما يَجِبُ لله عليهِم مِن كَفِّ الأذى وصَرْفِ الشَذى، وأنا أبرَأُ إليكُمْ وإلى ذِمَّتِكُم مِن مَعرّة الجيش).

يُخر الإمام (عليه السلام) عُمّاله وجُباة الخراجِ بأنّه قد وجّه جيشاً إلى جهة معينة وهو يمرُّ بهم، وأنّه قد أوصاهم بكفّ الأذى وإبعاد شرّهم عن الناس، ثُمّ يقول: (وإلى ذِمّتكم)، أي: اليهود والنصارى الذين بينكم، قال (عليه السلام): (مَن آذى ذّميّاً فكأنّما آذاني)، وقال: (إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا)، ويسمّى هؤلاء ذمّة، أي أهل ذمّة، بحذف المُضاف. والمعرة: المضرّة، قال: الجيش ممنوع من أذى مَن يمرُّ به من المسلمين وأهل الذمّة، إلاّ مِن سدّ جوعة المُضطر منهم خاصّة؛ لأنّ المُضطر تُباح له المِيتة فضلاً عن غيرها. (2)

____________________

(1) النراقي - محمد مهدي - جامع السعادات ج1 ص81.

(2) شرح نهج البلاغة - المُجلّد 17، ص147.


أهلُ الذِمّة والإسلام

(إنّ حُقوق الأقليّاتٍ في الإسلام محكومةٌ بموقف الإسلام الأساس من كرامة الإنسان، ومن الإشارات القرآنيّة والنبويّة المُستمرّة التي تُنبّه إلى أنّ الناس خَلقُ الله وعياله، وأنّهم من نفقس آدم (عليه السلام)، وأنّهم نُظراء لنا في الخَلق على حَدِّ تعبير الإمام عليٍّ (عليه السلام)، إذ نحسب أنّ علائق الناس درجاتٌ في التصوّر الإسلامي، فهناك العلاقة الإنسانيّة التي يُمكن أن تتمّ بانفصالٍ تامٍّ عن مُختلف فوارق اللون والعِرق والدين. الإنسان لمجرّد كونه أنساناً فيه قبسٌ من روح الله). (1)

وهذا الصِنف من الناس - أي (أهل الذمة) - كانوا يعيشون بأمنٍ وسلامٍ في ظلّ المبادئ الإسلاميّة السمحاء، وتُؤخَذ منهم الجزية وفقاً لِما فرضه كتاب الله وحدّدته الشريعة، ولذلك فإنّ المُسلمين كانوا مسؤولين عن أمنهم والدفاع عنهم.

الدفاعُ عنِ المُعاهدين

إنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) يعتبر الدفاع عن المُعاهدين من الضرورات الأساسيّة التي لا يجد فيها فرقاً بينهم وبين غيرهم من المسلمين، ففي وقائع الغزوات المُتكررة لجيش مُعاوية بن أبي سفيان على قُرى ومُدن الدولة الإسلاميّة في

____________________

(1) هويدي - الدكتور فهمي - مجموعة مقالات حقوق الإنسان في الإسلام - المؤتمر السادس للفكر الإسلامي، ص 382.


الأنبار، حيث قتلوا ونهبوا وسلبوا وأحرقوا كلّ شيءٍ للناس، فتأثّر عليٌّ (عليه السلام) تأثراً شديداً وحثّ أصحابه على الجهاد والقيام لمقارعة العدو بعد أن وجد فيهم التكاسل والتباطؤ والخذلان، وقد قال في ذلك: (وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ، فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلُبَهَا وَقَلائِدَهَا وَرُعُثَهَا، مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالاسْتِرْجَاعِ وَالاسْتِرْحَامِ، ثُمّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ، مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ، وَلا أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً). (1)

في هذا الخطاب ظهر حزن الإمام (عليه السلام) لِما جرى على المرأة المُسلمة والأُخرى المعاهدة - أي من أهل الذمة - الذي سلب جيش معاوية منها حِجلها و(قلبها) - السوار المصمت - وقلائدها و(رعثها) - وهو ضرب من الخزر - وهُنّ لا يستطعن فعل شيءٍ سوى ترديد كلمة (إنا لله وإنّا إليه راجعون) مع مُناشدة هؤلاء القساة الرحمة، ثُمّ بعد ذلك عادوا من حيث أتوا بدون أيّ شيءٍ، تامّين العَدد ولم يُجرح منهم أحدٌ. و(الكَلْم) الجُرح. ثُمّ أسَفَهُ كان واحداً لتلك المُسلمة والمعاهدة، فهي تحت حمايته كما هي المسلمة.

لقد عبّر عليٌّ (عليه السلام) عن عُمق حُزنه على أعمال هؤلاء الغَدَرَة في قوله: (فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً).

فأهل الذمّة عند عليٍّ (عليه السلام) مصونون محفوظون في مالهم وأعراضهم وكراماتهم. وهذه النظرة الإنسانيّة التي لا نجد لها نظيراً في العصور السابقة، حيث إنّ بلاد الأندلس عاش فيها المسلمون مئات السنين وبينهم أهل الذمّة على عقائدهم لم يمسهم أحد، وحينما دارت الدوائر على المسلمين أنزلوا السيف على

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح ص 69.


رقاب المسلمين أو يُحرَقوا إن لم يَرتدّوا، وشُرّد الباقون منهم، بحيث لا تشعر أنّ هذه البلاد مَلكها المسلمون مئات السنين، فلم يبقَ فيها إلاّ نزرٌ يسيرٌ أخفى دينه وإيمانه. والآثار الإسلامية الباقية تُدلل على الامتداد والعُمق الإسلامي المُتأصل في هذه الأرض حتى عصرنا الحالي، حيث التبعيض في المعاملة اتّجاه المسلمين وتقتيلهم وتشريدهم والعبث بكلّ مُقدّراتهم. وعلماء الاجتماع الإنساني والمفكرون لم ينسبوا ببنة شَفَةٍ حول ذلك، فليعملوا بما كان من معاملة أبناء الطوائف والأديان الأخرى كما كان يفعل عليٌّ (عليه السلام)، ويُطبّق بحقّهم عامل العدالة والإنصاف.

ثُمّ إنّهم لا يدخلون في الجيش الإسلامي كجُنود، إنّما كانت تُحسن معاملتهم، وكانوا مع المسلمين على سواء أمام القانون في القضايا الحقوقيّة.

التقسيم الإيماني

هناك تقسيمٌ آخر عبّرنا عنه بـ (الإيماني)، وهو ضمن نطاق المُجتمع بصورةٍ عامّةٍ.

فقد قال الإمام (عليه السلام) في قِسمٍ من خُطبةٍ له:

(شُغِلَ مَنِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ أَمَامَهُ سَاعٍ سَرِيعٌ نَجَا وَطَالِبٌ بَطِي‏ءٌ رَجَا وَمُقَصِّرٌ فِي النَّارِ هَوَى). (1)

هؤلاء ثلاثة أصنافٍ بهيئات إيمانيّة مُختلفة تنطبق في واقع الأمر على حقائق إيمان الأفراد وأعمالهم للآخرة، وهذه الصفات أيضاً تترتب عليها أُُمورٌ كثيرةٌ في حياة المجتمع وعلاقاته وطبيعة التعامل فيما بينهم.

فالإمام (عليه السلام) تَضمّن معنى كلامه التأكيد على أنّ (مَن كانت أمامه الجنّة

____________________


والنار على ما وصف الله سبحانه، فحريٌّ به أن تنفذ أوقاته جميعهاً في الإعداد للجنّة والابتعاد عمّا عساه يؤدّي إلى النار). (1)

ثُمّ قسّم الناس (إلى ثلاثة أقسام:

(الأول) الساعي إلى ما عند الله السريع في سعيه، وهو الواقف عند حُدود الشريعة، لا يشغله فرضها عن نفلها ولا شاقها عن سهلها.

و(الثاني) الطالب البطيء، له قلبٌ تعمرُه الخشية، وله صِلةٌ إلى الطاعة، لكن ربما قعد به عن السابقين ميلٌ إلى الراحة، فيكتفي من العمل بفرضه، وربما انتظر به غير وقته، وينال من الرخص حظّه، وربما كانت له هفوات، ولشهوته نزوات، على أنّه رجّاعٌ إلى ربّه، كثيرُ النَدَم على ذنبه، فذلك الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيّئاً، فهو يرجو أن يغفر له.

والقِسم (الثالث) المُقصّر: وهو الذي حفظ الرسم ولبس الاسم وقال بلسانه أنّه مؤمن، وربما شارك الناس فيما يأتون من أعمالٍ ظاهرةٍ كصومٍ وصلاةٍ وما شابههما، وظنّ أنّ ذلك كلّ ما يطلب منه، ثُمّ لا تورده شهوته منهلاً إلاّ عبّ منه، ولا يميل به هواه إلى أمر إلاّ انتهى إليه، فذلك عبد الهوى وجدير به أن يكون في النار هوى). (2)

التقسيم الإداري

الجُند

وهو في تعبيرنا العسكري الحالي: القوات المُسلّحة، أي الجيش الذي يُحافظ على الكيان السياسي والاجتماعي، ويُدافع عن الثغور من الأعداء، ويقوم بالعمليّات الجهاديّة من فتح للبلدان أو حفظ الأمن العام، وهذا الصنف من

____________________

(1) نفس المصدر السابق.

(2) نفس المصدر السابق.


المجتمع ذكرهم الإمام عليٌّ (عليه السلام) في مواضع مُختلفةٍ؛ نظراً لأهميّة موقعيته في الدولة والمجتمع بصورةٍ عامّةٍ، ثُمّ حدّد معالمهم وصِفاتهم وأهميّتهم بالنسبة لقوام الكيان السياسي، وصيانة أمن البلاد والمُحافظة على الأنفس والأرواح، وهم هيبة الدولة والسلطان، واهتم بنوعية قيادتهم، ثُمّ عالج مسألة أُسلوب تعبئة هذه القوات، أي أعطى صورة التعبئة العسكرية التي يستخدمها هذا الجيش، كما نقول في عُرفنا المُعاصر هناك تعبئة إنكليزيّة أو أمريكيّة وأُخرى ألمانيّة أو روسية، وكلٌّ يختلف بعضها عن البعض الآخر، ولهم نظريّات مُعينة في كلّ واحدة من هذه الأنواع، فالإمام عليٌّ (عليه السلام) أيضاً له تعبئة خاصّة يطلب تطبيقها على جنده في أيام الحرب، وهذا جانب من تعبئته للجيش، حيث يقول (عليه السلام):

(فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ وَأَخِّرُوا الْحَاسِرَ وَعَضُّوا عَلَى الأَضْرَاسِ؛ فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ، وَالْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ؛ فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلأَسِنَّةِ، وَغُضُّوا الأَبْصَارَ؛ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأْشِ وَأَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ، وَأَمِيتُوا الأَصْوَاتَ؛ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ، وَرَايَتَكُمْ فَلا تُمِيلُوهَا وَلا تُخِلُّوهَا وَلا تَجْعَلُوهَا إِلاَّ بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ). (1)

وفي كلام آخر له (عليه السلام):

(وَأَكْمِلُوا اللاّمَةَ (2) ، وَقَلْقِلُوا السُّيُوفَ (3) فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلِّهَا، وَالْحَظُوا الْخَزْرَ (4) ، وَاطْعُنُوا الشَّزْرَ (5) ، وَنَافِحُوا بِالظُّبَى (6) ، وَصِلُوا السُّيُوفَ

____________________

(1) نهج البلاغة، تحقيق د. صبحي الصالح ص 182.

(2) اللاّمة: الدرع - وقد يُراد به من اللامة آلات الحرب والدفاع وإكمالها على استيفاءها الصالح.

(3) قلقلوا السيوف: حركوها في أغمادها والإغماد: جمع غمد: وهو بيت السيف (الصالح).

(4) الخزر: محركه، وسكنها مراعاةً للسجعة الثانية: النظر من احد الشقين وهو علامة الغضب. (الصالح).

(5) الشزر: الطعن في الجوانب يميناً وشمالاً.

(6) ونافخوا بالضُبا: نافحوا، كافحوا وضاربوا، وهي طرف السيف وحَدّه.


بِالْخُطَا (1) ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ اللَّهِ وَمَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، فَعَاوِدُوا الْكَرَّ، وَاسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرِّ، فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الأَعْقَابِ...). (2)

الدرع الحصين

يُطلق على الجيش عادةً بالدرع الحصين؛ لأنّ الأُمّة تتستّّر بالجيش في المواقع الخطيرة التي يتعرّض فيها الوطن إلى الغزو أو الاعتداء أو السلب والنهب، فقال فيهم عليٌّ (عليه السلام): (فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللَّهِ حُصُونُ الرَّعِيَّةِ وَزَيْنُ الْوُلاةِ وَعِزُّ الدِّينِ وَسُبُلُ الأَمْنِ، وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِهِمْ، ثُمّ لا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ). (3)

يُعطي أمير المؤمنين (عليه السلام) أهميّةً لوجود الجُند، فهم الدرع الواقي من الأعداء، وبه تتحصّن الأُمّة خوفاً من الفتك أو سلب الممتلكات أو إزهاق الأرواح والاعتداء على الأعراض وإيجاد الخلل والإرباك في حياة المجتمع، وهكذا يستمر بالكلام فيقول: (وَزَيْنُ الْوُلاةِ) أي إنّ الجيش للوالي أو الحاكم زينٌ وما يزدان به بحيث يشعر الوالي بالمهابة والافتخار وعلوّ الهامة، فالرؤساء الآن يستعرضون قوّاتهم دائماً في الساحات العامّة وأمام الجماهير، ويبرّزون ذلك إعلاميّاً ليفتخروا وتزداد قوتهم وصلابتهم من خلال الدفع المعنوي الذي يحصلون عليه.

ثُمّ (وَعِزُّ الدِّينِ)، فقد قامت الدولة الإسلاميّة في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقويت شوكتها بذلك النفر المجاهد من أهل بدر، ولولا تلك القوّة البسيطة العدد القوية بالإيمان لَما استقام الأمر، ثُمّ تطوّرت الحالة إلى تجييش الجيوش لمُقاومة

____________________

(1) صلوا السيوف بالخطأ: صلوا من الوصل، أي: اجعلوا سيوفكم مُتصلةً بخُطأ أعدائكم، جمع خطوة.

(2) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح ص 584.

(3) نص عهد الإمام (عليه السلام) للأشتر.


الكفّار والمشركين وفتح البلدان، حتى في وقت مرضه والذي أعقبته وفاته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنفذ جيش أُسامة لكي يُرسله إلى بلاد الشام، وطلب من أكابر الصحابة - بما فيهم الخليفة الأوّل والثاني - أن يلتحقوا بهذا الجيش الذي عسكر بالقُرب من المدينة ولعن من تَخلّف عنه.

ومع ذلك تخلّفوا عن ذلك الجيش، فالغرض من ذلك هو أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد اهتمّ بأمر الجيش وأمر الصحابة بالالتحاق به؛ لأنّه عزّ الدين، وبه يكون الذود عن حمى المسلمين، والدفاع عن مبادئ الدين فاهتمّ بأمره ذلك الاهتمام العظيم، حتى أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أعطى أجمل الصور المثاليّة للمجتمعات الإنسانيّة عامّة بتقديمه على أصحابه وأتباعه ليصون ويحافظ على دين الله كما يذكر ذلك أمير المؤمنين، حيث يقول (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ وَأَحْجَمَ النَّاسُ قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصْحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَالأَسِنَّةِ، فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقُتِلَ جَعْفَرٌ يَوْمَ مُؤْتَةَ، وَأَرَادَ مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ وَلَكِنَّ آجَالَهُمْ عُجِّلَتْ وَمَنِيَّتَهُ أُجِّلَتْ). (1)

وغالباً فإنّ أيّ حاكمٍ أو سلطانٍ أو راعي رعية يريد الحصول على مجتمع متكاملٍ ومتكافئ تحت إمرته ويقوده نحو الصلاح لا بدّ وأن يكون هو ذلك القائد أُمثولةً لمَن هو دونه في التضحية والفداء والسخاء والكرم والعِفّة والأمانة، فالمجتمعات الإنسانيّة تفتخر بمَن هو قُدوةٌ، وتعتزّ به لِما أدركته فيه من خصالٍ حميدةٍ، وإقدامٍ شجاع، وتضحيةٍ جسميةٍ وخُلقٍ رفيعٍ.

(وَسُبُلُ الأَمْنِ) الخاصّية الثالثة: هي القوّة الصائنة التي يكون فيها حِفظ

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح ص 369.


الأمن والنظام في البَلد، وتكون حياة الناس ومصائرهم محفوظة من الأخطار والأهوال والاستغلال، والمجتمع لا يقوم إلاّ بهؤلاء المدافعين عن كيان الأُمّة (وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِهِمْ).

الجيشُ والخَراجُ

يؤكّد الإمام على الميزانيّة العامّة للجيش، وتخصيص المبالغ الكافية لكي يكون هذا الجيش الذي يحمل تلك المزايا المُهمّة للبلد والمجتمع جاهزاً وكاملاً ومسلّحاً تسليحاً قويّاً، وبدون المال لا يكون هناك جيشٌ قويٌّ ولا سلطة رصينة تحفظ المجتمع وتصونه وتُجاهد عدوّه وتُصلح به ما فسد من أمْرِ الأُمّة، (ثُمّ لا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ، وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ).

المُثُلُ العُليا والقيادةُ العَسكَرِيَّة

إنّ المجتمعات الرصينة تحمل صفات قادتها دائماً، فالقائد الشجاع يكون أُمثولةً صادقةً لشعبه، والعسكري الباسل الذي يحمل الصفات الأخلاقيّة العالية، والطاعة الكاملة، والإيمان العالي تكون صورته وأعماله الحافز الأوّل والرئيسي لإقدام الجندي وبروز شجاعته وتضحيته في سوح الوغى، ولذا وضع مُعلّم الإنسانيّة الثاني بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الإمام عليٌّ (عليه السلام) تلك الخِصال الطيّبة في هذه الصور الرائعة (فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلإِمَامِكَ وَأَنْقَاهُمْ جَيْباً (1) وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً، مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ وَيَسْتَرِيحُ إلى

____________________

(1) ألقاهم جيباً: جيب القميص، طوقه، ويُقال نقيّ الجيب: أي طاهر الصدر والقلب. (عبده).


الْعُذْرِ وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَيَنْبُو عَلَى الأَقْوِيَاءِ، وَمِمَّنْ لاَ يُثِيرُهُ الْعُنْفُ وَلاَ يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ، ثُمّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَ الأَحْسَابِ وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ، ثُمّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ وَالسَّمَاحَةِ، فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ، ثُمّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلا يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْ‏ءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ، وَلا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إلى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ، وَلا تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ) (1) .

قال ابن أبي الحديد: (هذا الفصل مُختصّ بالوصاة فيما يَتعلّق بأُمراء الجيش، أمره أن يولّي أمر الجيش من جنوده مَن كان أنصحهم لله في ظنّه، وأطهرهم جيباً، أي عفيفاً أمينا، ويُكنّى عن العِفّة والأمانة بطهارة الجيب لأنّ الذي يسرق يجعل المسروق في جيبه، فإنْ قُلت: وأيُّ تعلق لهذا بولاة الجيش؟ إنّما ينبغي أن تكون هذه الوصيّة في وُلاة الخراج! قلتُ: لا بُدّ منها في أُمراء الجيش لأجل الغنائم). (2)

من خلال كلام الإمام (عليه السلام) نخرج بحصيلةٍ من المعاني الأساسيّة والتي لها تأثيرٌ مباشرٌ على سلامة المُجتمع، وما خصَّ به الإمام (عليه السلام) من كلامه وهو الجيش، حيث يجب تولية قيادات الجيش إلى مَن يحمل الإيمان الثابت بالله، والاعتقاد الراسخ برسوله، والطاعة التامّة للإمام، ولا يكون عكس ذلك، بالإضافة إلى تمتّعه بأخلاقٍ عاليةٍ وعفّةٍ وطهارةٍ وأمانةٍ واستقامةٍ عامّة تؤهّله لهذا المنصب الحساس؛ لأنّ ما يتحمّله هذا المنصب من مهمّاتٍ وتنظيمٍ وإدارةٍ وإحساسٍ

____________________

(1) نص العهد للأشتر.

(2) شرح نهج البلاغة - م 17 - ص52.


وشعورٍ بالمسؤولية تفرض أن يكون قائد الجيش حاملاً للخصال الحميدة، من الشجاعة المتناهية والصلابة اتجاه الأعداء واللين والرأفة مع جنده في الأوقات التي تحتاج إلى ذلك.

ثُمّ (مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ وَيَسْتَرِيحُ إلى الْعُذْرِ) أي يقبل أدنى عُذرٍ ويستريح إليه، وتسكن عنده الجُند، ويرأف على الضعفاء، أي يرفق بهم ويرحمهم، والرأفة: الرحمة، (وَيَنْبُو عَلَى الأَقْوِيَاءِ): يتجافى عنهم ويبعُد، أي لا يُمكّنهم من الظُلم والتعدّي على الضعفاء (وَمِمَّنْ لاَ يُثِيرُهُ الْعُنْفُ): لا يهيج غضبه عُنفٌ وقسوةٌ، ولا يقصد به الضعف أي ليس عاجزاً. (1)

(ثُمّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَ الأَحْسَابِ وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ).

في هذا المقطع أعلاه يتوخّى الإمام من ولاته تنصيب قادةِ جُنده على أُسسٍ أخلاقيّةٍ وعلميّة حتى يبعد كلّ شُبهة تُضعضع نظام الجيش وتخلخله، فهو يختار الصفات المُناسبة بدقّةٍ مُتناهيةٍ، نلاحظ من خلال ذلك مدى التفكير بالمستقبل، فهو يُبنى على أُسسٍ مدروسةٍ تامةٍ ذات أهدافٍ بعيدةِ المدى تُنبئ عن عقليّة جبّارة فائقة، فبعد أن يُعطي المعالم الشخصية الأخلاقية للقائد يستمرّ في كلامه، فيطلب أن يكون قادة الجُند من المعروفين بأنسابهم الطيّبة وأحسابهم المعروفة (وكان يقال: عليكم بذوي الأحساب، فإنْ هُم لم يتكرّموا استحيوا) (2) .

ثُمّ (وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ)؛ لأنّ الشَرَف

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - م17 - ص53.

(2) المصدر السابق - م17 - ص53.


والكرامة والفضيلة هي من الأُسس التي يقوم عليها كيان الجيش، بدءاً من القائد الأوّل إلى الأدنى، ونلاحظ ذلك الآن في الإعلام الحربي وغيره لدى الكثير من الدول التي تؤكّد على هذه الخِصال، وتلصق بجيوشها الخصال الرفيعة من الشرف والكرامة، وتؤكّد دائماً على أنّ الجيش هو الشرف الأعلى في المجتمع لِما فيه من رفع المعنويّات، و(الجنديّة تعمل على بثّ روح الثقة الاجتماعية بين الأفراد وحبّ الطاعة للنظام العام، والكراهة للتفرقة والانقسام، والحثّ على الأُخوّة والوئام والتعاون والتكاتف في سبيل مصلحة المجموع وتقديس الواجب، وهذا الخُلق الروحي هو جوهر ما ترمي إليه تعاليم الجنديّة ونظامها) (1) إذا كانت هذه الصفات تعطيها الجنديّة أو تُربّي روح المقاتلين عليها، فما حال جيش العقيدة الإسلاميّة وجُند عليٍّ (عليه السلام)؟ فمِن المؤكّد أن يكون على رأس هذا الجند مَن هُم بتلك الصفات التي ذكرها الإمام عليٌّ (عليه السلام)، وتلك الخِصال الحميدة الطيبة، ثُمّ عدد الإمام بعضها وهي الأساس:

- مِن أهل النجدة.

- شجاع.

- سَخي.

- من أهل السماحة.

- أمين.

كلّ هذه كما قال الإمام (عليه السلام) (جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ) أي: إنّ هؤلاء القادة يحملون كلّ صفات الكرم، وبالأحرى مجموعةٌ من المكارم والمعاني الأخلاقية وأقسام المعروف بكلّ أنواعه.

____________________

(1) الراعي والرعية - ص95.


عِلمُ النفسِ الاجتماعي في تعامُلِ عليٍّ (عليه السلام) مع جُنده

لقد وضّح الإمام عليٌّ (عليه السلام) أهميّة الجند وأثرهم الفعّال في حياة الكيان العامّ السياسي والاجتماعي، ثُمّ أعطى بعد ذلك وجهة نَظره في اختيار القيادات العسكريّة وصفاتهم وأفعالهم السابقة، وعاد ليُعالج مسألةً حسّاسةً وحيويّةً في مسيرة بِناء الجيش والمحافظة على تنظيمه وتكامله والدفع المعنوي له، حيث أخذ يُعالج المسائل المُتعلّقة بالجُند معالجةً نفسيّةً اجتماعيّةً، ثُمّ يُعطي رأيه السديد في هذا الأمر حتى لا يبقى جانبٌ من الجوانب المتعلّقة بحياة وعمل هذه الشريحة الكبيرة من المجتمع دون اهتمامٍ أو بيانٍ لها، فالقائد الشجاع والمُميّز بصفاته الأخلاقيّة الذي يهتمّ بأمر جُنده ويُعينهم في وقت الشِدّة والحاجة هو الذي يجب أن يَحضى بالمنزلة الرفيعة والاهتمام الكافي به (وَلْيَكُنْ آثَرُ رُءُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِمَا يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ) (1) .

فالإمام (عليه السلام) وفي التفاتةٍ رائعةٍ إلى الجانب الاجتماعي والنفسي للجند يُقدّم لنا صوراً للتعامل الإسلامي العظيم، فيؤكّد على أن يكون أفضل قادة الجُند لديك مَن واسى جُنده بما حمله من المال وصرفه عليهم وعلى أهليهم الذين خلّفوهم في مساكنهم من أولادٍ ونساءٍ، والذين لا يوجد أحدٌ لديهم يعيلهم أو يمدّهم بالمال والغذاء، إلاّ ذلك المجاهد في سبيل الله الملتحق بالجيش، وهذه مسألةٌ في غاية الأهميّة، حيث لها آثارٌ اجتماعيّةٌ ونفسيةٌ عظيمةٌ وضحها الإمام (عليه السلام) بجلاء، حيث قال: (حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ)، فالجندي إذا ما ضمِن المعيشة أو الاستقرار المادّي والأمني لأهله من بعده، وعدم وقوعهم في حالة

____________________

(1) نص العهد للأشتر.


العوز والفاقة، فإنّه لا يلتفت إلى وراءه، وتكون جهته هي جبهته، وهمّه هو قتال عدوّه، وهو معتقد حتّى وإن استشهد فإنّه مُطمئنُّ البال، وينام قرير العين في مرقده النهائي، فلا يمكن أن يكون الجندي في ساحة المعركة فكره مشغولٌ بأمورِ عائلته، وقد يترافق مع تلك الأموال سوء معاملة القائد العسكري لجنده، حيث يترك ذلك الآثار السلبية الذي ينتج عنه الفرار وانكسار الجيش وهزيمته أمام العدو.

لقد أعطى الإمام (عليه السلام) الجوانب الايجابيّة للمُعاملة الحسنة والآثار السلبية للمواقف السيئة، وأكّد أنّ عطف القائد ورعايته للجند يبعث الراحة والطمأنينة لديهم، وبالتالي يعود ذلك عليه خيراً حيث يُقدّم الجند أنفسهم وأرواحهم على أكفّهم، حيث يقول (عليه السلام): (فإنّ عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك)، وبالتالي فإنّ الجُند سوف يُبادلون القائد نفس الحبّ والحنان والمودّة.

العلاقةُ الإنسانيّة ومودّة الأُمّة

هناك ترابطٌ قويٌّ بين اهتمام الوالي بالعدل والإحسان وبين ظهور مودّة الرعيّة للوالي ونصحهم في ذلك، وقد قال عليٌّ (عليه السلام):

(وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلادِ وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ، وإِنَّهُ لا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلاَّ بِسَلامَةِ صُدُورِهِمْ، وَلا تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلاَّ بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلاةِ الأُمُورِ وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ) (1) .

وينفكّ عن هذا الارتباط الجندي الذي لا يُمكنه التضحية في ساحة الوغى أو النصح لولاته إذا كان لا يرغب بهم ولا يميل إلى وُدّهم، حيث يستثقل وجودهم

____________________

(1) نص العهد للأشتر.


مع دولهم ويتمنّى زوالها لِما عاناه منهم.

أمّا إذا كان الأمر عكس ذلك، فإنّهم (لا يستبطوا انقطاع مدّتهم، بل يعدّون زمنهم قصيراً يطلبون طوله). (1)

حيث ربط الإمام عليٌّ (عليه السلام) بين ما سبقَ وما لَحق من تبادل النُصح والمحبّة بين الجُند والوالي، وبين ما يتبع ذلك من واجباتٍ وحقوقٍ، فالقائد الذي له صفاتٌ جيدةٌ له أثرٌ كبيرٌ على المعنويات والمجتمع بصورةٍ عامّةٍ.

حُسنُ الثناءِ ورَفعُ مَعنويّات الجُند

إنّ رفع المعنويات لا ينحصر بصورة المعاملة والرابطة التي ذكرت آنفاً بعد، بل ذَكر الإمام علي (عليه السلام) جوانب أُخرى نفسية اجتماعية، لها أثرٌ فاعلٌ في وضع الجند وقادتهم (وَوَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلاءِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى، وَلا تَضُمَّنَّ بَلاءَ امْرِئٍ إلى غَيْرِهِ، وَلا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلائِهِ، وَلا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إلى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً، وَلا ضَعَةُ امْرِئٍ إلى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً). (2)

فعَدَّ المفاخر والمآثر لمَن هُم أبلوا بلاءً حسناً، وحسن الثناء عليهم وإبراز بطولاتهم، بتعداد ذلك يهزّ الشجاع منهم ويزيده بسالةً وبطولة وإقداماً وجُرأةً، (وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) أي المتأخّر القاعد من الناس.

إنّ إبراز الشخص البطل أمام المُجتمع بصورة الإنسان الذي لا يرهب

____________________

(1) نهج البلاغة - الشيخ محمد عبده - ج3 - ص 93.

(2) نص العهد للأشتر.


الموت وتخافه الأعداء وله سيفٌ صارمٌ سيكون له التأثير الإيجابي الفعّال على اندفاع الآخرين، وستجعله مرفوع الهامة له الموقع المُحترم في قلوب الناس جميعاً، وعائلته وأهل بيته يفتخرون به، ويعدّون مناقبه وبطولاته كرجلٍ قويٍ وشَهمٍ وشجاعٍ، إنّ هذا الأمر قريبٌ جدّاً من حياتنا الاجتماعية، حيث عايشنا هذه الحالات في مجتمعاتنا، وفي العالم أجمع، فالشخص الجبان المتخلّف عن الجيش الفار من ساحة القتال يُعيّره الناس وينتقصون من شخصيّته بحيث يصبح مُهان الجانب، وهذه تقريباً كانت ولا زالت عُرفاً اجتماعيّاًَ له حساسيّته وفاعليّته في النفوس، وأكثر ما تكون آثارها السلبية في المجتمعات البدويّة بصورة عامّة (ثُمّ أمره أن يذكر في المجالس والمحافل بلاء ذوي البلاء منهم، فإنّ ذلك مما يرهف عَزم الشجاع ويُحرّك الجبان، قوله: (ولا تضُمّنّ بلاء امرئٍ إلى غيره) أي اذكر كلّ مَن أبلى منهم مُفرداً غير مضموم ذكر بلائه إلى غيره، كي لا يكون مغموراً في جنب ذكر غيره، ثُمّ قال له: لا تعظّم بلاء ذوي الشرف لأجل شرفهم، ولا تُحقّر بلاء ذَوي الضّعة لضعة أنسابهم، بل اذكر الأُمور على حقائقها). (1)

القَضاء

السُلطة القضائيّة ودورها الاجتماعي

وردت معاني وتعاريف مُتعددةٌ للسلطة القضائية، إلاّ أنّنا نُجمل الأمر في واحدٍ من هذه التعاريف، ثُمّ بيان مُهمّات هذه القوّة النافذة سلطتها على المجتمع بحكم التشريع بما ثبت في الدين من أحكام وقوانين الغرض منها إصلاح حركة المجتمع اليوميّة، وتقويم معاملاته، ودفع الظلم والحيف عن بعضه الآخر.

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - م17 - ص54.


(السلطة لغةً: معناها القهر، وقيل التمكّن من القهر. ويُقال سلّطه الله عليه: أي جعل له عليه قوّةً وقهراً. وفي التنزيل العزيز: ( وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ... ) (1) ، وقال الصاغاني: (والتركيب يدلّ على القوّة والقَهر والغَلبة)، وقد عرّف البعض السلطة القضائيّة بأنّها: (القوّة والتمكّن من تنفيذ أحكام الله تعالى بين العباد على جهة الالتزام). (2)

وليس غريباً على القارئ اللبيب ما للسلطة القضائيّة من أهميّةٍ واضحةٍ ومؤثّرةٍ في حفظ توازن المجتمع وصيانته من الانحراف المتنوّع والغصب العمدي للحقوق والظُلم على اختلاف نوعه وحجمه، والذي يمارسه الأقوياء بحق الضعفاء أو العابثين بحقّ المُسالمين،، بل القضاء هو ميزان العدالة في وسط الناس، وقد تنوّعت المعايير بهذا الشأن وأصبحت قضيّة العدالة الاجتماعية محور طرح النظريّات السياسيّة والاجتماعية، سواء كانت في عالمنا المُعاصر هذا أو القرون الغابرة، فالأنبياء (عليهم السلام) بُعثوا من أجل إيجاد العدالة وتثبيتها في الأرض للمحافظة على حياة ومكاسب الناس؛ حتى يستشعر الناس بطعم السلامة والأمن في كافة نواحي الحياة، وقد جاء نبينا محمّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) برسالته السمحاء، خاتمة الرسالات السماويّة التي أحيت القُلوب بعد موتها وعمّرت الأرض بعد خرابها وطيّبت النفوس بعد مَرضها وجمعت الشتات بعد التفرّق وزرعت الأمن بعد الطغيان والعبث بالمقدرات، حيث وضع كلّ شيءٍ في مكانه الطبيعي، وبنى المجتمع بناءً أخلاقيّاً، وإن كانت هناك بعض القُلوب المريضة التي لم يدخل الإيمان بعدُ فيها، وهذا شيءٌ طبيعيٌّ في مجتمع الجزيرة العربيّة، الذي كان يعيش في وضع البداوة ولم

____________________

(1) النساء: 90.

(2) النظام السياسي الإسلامي مُقارناً بالدولة القانونيّة ص137.


يألف الأحكام الشرعيّة والقوانين الإلهية، إلاّ ما توارث من أعراف وتقاليد جاهليّةٍ، ما عدا بعض المُفردات الطاهرة هنا وهناك، وخصوصاً عند الموحّدين، أو بعض السُنن القبليّة يحملها الأفراد وفي طيّاتها الصِفات الأخلاقيّة الطيّبة، وهذا القليل يَضيع طيبه في البحر الأُجاج من الأفكار الناقصة والمتخلفة بطبيعة الحال، وهذا ما جعل البدوي حُرّاً طليقاً لا يعرف معنىً للقيود الاجتماعية، فهو يُريد أن يُطلق العنان لفرسه لكي يغزو أخاه وينهب ماله ودوابه ويستحلّ نساءه، فلا حُكم لديه إلاّ السيف والغارة والثأر، وكم أخذت هذا الطباع الجاهليّة من تلك الأُمّة وأثّرت على مدنيّتها وارتباطها بالعالم المحتضّر نسبةً إلى وضعها العام.

إنّ الجاهليّة حكمت بين الناس بأنّ القوي يأكل الضعيف، فأخذ يستند بعضهم إلى بعضٍ ويتعاهدون في السرّاء والضرّاء؛ لأنّهم أمام عدوٍّ مُشترك لا يعرف الرحمة وهو الجهل والظُلم، حيث لا أمن في أيّ مكان، والدفاع عن النفس حقٌّ شخصيٌّ وعُرفيٌّ بعض الأحيان وليس للدولة أو القضاء، وأنّه لا دولة هناك والقضاء ما تحكم به القبيلة وهو الحلّ والفصل، باستثناء بعض التحرّكات بتشكيل الأحلاف لمقاومة ومقارعة الظُلم، ومنها على سبيل المثال: (حِلْف الفضول)، و(حِلْف المطيبين) وغيرها.

وما حدثَ في التاريخ من وقائع لا مجال لسردها في هذا المكان، إلاّ أنّنا نقول في هذا الخِضَم: جاءت نبوّة محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالنعمة والخير لهذه الأُمّة، وأحدثت طفرةً نوعيةً في حياة ذلك المجتمع الجاهل، وحوّلته إلى طاقةٍ فعّالة، وصنع منهم الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما يعجز الوصف عنه، وبنى تلك الدولة العظيمة بتلك التشريعات التي أصبحت مثلاً أعلى يُقتدى بهم، وسار بهم بأخلاقه، ومبادئه، وحكمه، وفصله بين الناس التي استشعرت الرحمة والاستقرار الاجتماعي، وشرّع لذلك المجتمع القوانين، وقسّم السُلطات، ونظّم أمْر البلاد، ومن جُملة ذلك القضاء، حيث


اهتم به ودلّ على أحكامه، وما إرسال أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى اليمن للقضاء بين الناس إلاّ دليلاً على اهتمامه بهذا الأمر الحيوي، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أقضاكم عليٌّ).

فالقضاء منصبٌ حسّاسٌ ومؤثّرٌ به يُنشر العَدل والسلام ويُمحى الظلم والظُلام من المجتمع، ولهذا اهتمّ عليّ (عليه السلام) بأمر القضاء؛ لأنّه العمود الذي يتّكئ عليه كيان المجتمع ويحفظه من الجرائم المتنوّعة والتجاوزات اللامشروعة، وفيه دحْضُ الباطل وإحقاق الحقّ، ثُمّ سعى إلى جعل رجال القضاء ممَّن تتوافر فيهم كلّ الجوانب الايجابية، ففي مُخاطبته لمالك الأشتر النخعي رحمه الله:

(ثُمّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لا تَضِيقُ بِهِ الأُمُورُ وَلا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ وَلا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ وَلا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْ‏ءِ إلى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ وَلا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ وَلا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ، وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الأُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ مِمَّنْ لا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ وَلا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وَأُولَئِكَ قَلِيلٌ، ثُمّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ، وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إلى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ، فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً). (1)

من خلال طرح هذا النصّ المُتقدّم يظهر العُمق الفكري القانوني والاجتماعي والفقهي للإمام (عليه السلام)، وأنا الآن لستُ بصدد البحث في صلاحيّات القاضي والنواحي الفقهيّة المُتعلّقة به، أو آراء المذاهب الفقهيّة في القاضي وما إلى ذلك، فإنّه ليس من هدفي ذلك، وغير متعلّقٍ ببحثي الذي أُريد منه تِبيان الدور المُهم

____________________

(1) نص العهد للأشتر - الصالح ص 435.


للقضاء في تثبيت العدالة الاجتماعية، وسوف أحصر حديثي بكلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، واستخلص منه الحقائق الوافية والتي تُفيدنا كباحثين في المجالات الاجتماعيّة.

(أمّا كلمته (عليه السلام) (وَلا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ وَلا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ)، فهي لَعمر الحقّ ممّا تجعل أفكار أرباب القانون إزاء هذا اللفظ الموجز والتعبير البليغ الحسن الذي هو أوّل شرطٍ يجب مراعاته من جانب واضع القانون، أمّا ما اشتملت عليه هذه الكلمة من دقّةِ المعاني وفخامة اللفظ ورقته، فندع تقديره لأهل الأدب الراقي ولأصحاب الذوق السليم من طُلاّبه، ومن جملة أسرار هذه الكلمة التشريعية أنّه اشترط - سلام الله عليه - أن لا يكون الحاكم مماحكاً لجوجاً في مُرافعة الدعاوى ومناقشة الخصوم، أي يتحاشى استعمال الضغط والشدّة والخُشونة حينما يطلب من أحد المُتداعين تقديم مُدافعاته اللازمة أو يُجبره على عرض اعتراضاته ومستنداته أثناء المرافعة، من دون أن يُمهله المهل المطلوب قانوناً حتى يضطرّه على ترك تعقيب دعواه أو إهمال حقوقه). (1)

الصفات الواجب توفّرها في القاضي

المُنتخب عند الإمام عليٍّ (عليه السلام):

1 - أفضل الناس من الرعيّة يعرفه الوالي وقد خبره بذلك.

2 - لا تعسر به الأُمور.

3 - لا تجعله المُخاصمة لجوجاً مُصرّاً على رأيه، وإذا شعر بخطأ حُكمه رجع وعاد دون أن تأخذه العِزّة بالإثم، بحيث لا يتثاقل حياءً من الرجوع إلى الحقّ إذا عرفه.

____________________

(1) الراعي والرعية ص 46، 1403هـ.


4 - ولا تشفق نفسه، وتخاف من فوت المنافع والمرافق. (1)

5 - أن يكون قادراً على إصدار الحكم النهائي بعد التأمّل والمُراجعة والتدقيق، أي لا يأخذ أول فَهمٍ عن المخاصمة فيُصدر حُكمه.

6 - الوقف على الشبهات، فقد تعترض الحكامّ الشبهات في القضايا الجزائيّة أكثر منها في القضايا الحقوقيّة، ولهذا وضع عُلماء الجزاء - في القرن الأخير - قاعدةً ذات أهميّةٍ كُبرى، حتى أصبحت مثلاً سائراً وهي: (إنّ براءة ألف مُجرم خيرٌ من تجريم بريءٍ واحدٍ)، وقد أرادوا بهذه القاعدة تنبيه الحكّام وإيقاظهم على أن يحذروا الشبهات التي تدفعهم إلى أنزال الحدّ والعقاب بحقّ الأبرياء من جرّاء ما يحصل في التحقيق من تضليل أو ما يُسبّبه شهود الإثبات أو الدفاع من تلفيق وتصنيع، إلى ما هناك من شُبهاتٍ مُريبةٍ وأضاليل مُضلّلةٍ ورحمةٍ بأمثال هؤلاء الأبرياء، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ادرؤوا الحُدود بالشُبهات)، وقد سار عُلماء الجزاء كافّة والمشرّعون لقوانين العقوبات على هذا الأساس، فوضعوا قاعدةً عامّةً متّبعة، وهي:

(إذا حصل شكٌّ في مفهوم مواد القانون الجنائي فيجب تفسيرها وتأويلها لصالح المُتهم). (2)

7 - لا يضجر أو يتململ أثناء الخصومة.

8 - بعد اتضاح الأُمور يجب أن يكون صارماً في إصدار الحُكم.

9 - لا يُؤثِّر عليه أيّ إطراءٍ أو مَدحٍ وثناءٍ غايته التزلّف والتقرّب إليه، وبعد ذلك يجعله بعيداً عن الحق.

10 - يقف على حُكمه العادل ولا يؤثّر عليه تحريضٌ أو إغراء.

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - م17 - ص60.

(2) الراعي والرعية - ص52.


مسؤوليّةُ الولاةِ اتّجاهَ القُضاة

على الوالي واجباتٌ مهمّةٌ يجب أن يؤدّيها اتّجاه القضاة هي: (أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ)، وهذه مسألةٌ مهمّةٌ جداً، أي يجب عليه مراقبة قضاته، ومتابعة أحكامهم التي أصدروها، (وقد رأى الإمام (عليه السلام) أنّ مصلحة القضاء ورعاية العدل في المملكة تقضي على وليّ الأمر أن يُكثر من مُراقبة أعمال وتصرّفات القُضاة أو الحُكّام من حين لآخر، وإن كانوا مُتّصفين بالأوصاف السابقة وإنّهم أفضل الرعية عِلماً وأخلاقاً؛ لأنّ مُحاسبة النفس وضبطها والشعور بالمسؤوليّة قد يكون ضئيل الأثر في نفوس بعض المسؤولين، فأراد الإمام (عليه السلام) أن يكون هذا الحقّ قويّاً وعميقاً في نفوس الموظّفين عامّة والقُضاة خاصّة، فعهد إلى عامله أن يُكثر تعاهد قضائه، أي تَطلُّعه على أحكامه وأقضيته. وضمير (قضائه) يعود لأفضل الرعيّة، وهو القاضي الموصوف بالأوصاف المُتقدّمة، وقد أخذت حكومات العالم كافّة في هذا العصر بهذه النظريّة الحكيمة). (1)

وقد أُسست لذلك في الوقت المعاصر أنظمةٌ للتفتيش العدلي لمُتابعة أحكام القضاة.

القاضي والمنزلةُ الرفيعةُ

لقد أهتمّ الإمام عليٌّ (عليه السلام) بمكانة القاضي ومنزلته، حيث قال (عليه السلام) مرّة لشُريح: (يا شُريح، قد جلست مجلساً لا يجلسه إلاّ نبيٌ أو وصيُّ نبي أو شقيٌّ). (2)

وعلى أساس ذلك حذّر الإمام (عليه السلام) من سقوط القاضي في المفاسد المُدمّرة

____________________

(1) نفس المصدر السابق ص 54.

(2) الكليني - فروع الكافي - تحقيق العلاّمة الشيخ محمّد جواد الفقيه - فهرسة وتصحيح الدكتور يوسف البقاعي - م7 - ص403 - كتاب القضاء والأحكام - دار الأضواء للطباعة والنشر - بيروت - الطبعة الأولى 1413 - 1992.


والتي منها مثلا إرشاء القاضي وشراء ذمّته وغير ذلك من الأحوال المشابهة، وقد عني أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا الأمر بأن وضع عطاءً خاصّاً مُتميزاً للقُضاة، بالإضافة إلى المكانة المميّزة له في مجلس الوالي؛ حتى لا يقع تحت المؤثّرات الضارة، ولذا قال (عليه السلام): (وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إلى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ).

إنّ إشارات عليّ وإرشاداته واضحةٌ بشأن القاضي، حيث أمر ولاته: (... أن يفرض له عطاءً واسعاً يملأ عينه ويتعفّف به عن المرافق والرشوات، وأن يكون قريب المكان منه كثير الاختصاص به؛ ليمنع قُربه من سعاية الرجال به وتقبيحهم ذكره عنده...، ثُمّ قال: (إنّ هذا الدين قد كان أسير) هذه إشارةٌ إلى قُضاة عثمان وحُكّامه، وأنّهم لم يكونوا يقضون بالحقّ عنده، بل بالهوى لطلب الدنيا، وأمّا أصحابنا، فيقولون: رحم الله عثمان! فإنّه كان ضعيفاً واستولى عليه أهله، قطعوا الأمور دونه، فإثمهم عليهم وعثمان بريءٌ منهم). (1)

إنّ المواصفات العامّة والحقوق الخاصّة للقاضي قد بيّنها أمير المؤمنين (عليه السلام) بياناً واضحاً، ولو قارنّا هذه النقاط التي ذكرناها مع ما هو موجود في شأن القضاة وأمورهم حالياً، والتي يتبجّح بها مُشرّعو القوانين في الغرب والشرق بتطوّرها وتقدّمها على غيرها لعرفنا أنّ كلّ هذه التشريعات والمواصفات والمزايا قد وضعها عليٌّ (عليه السلام).

إنّ القاضي هو سلطة مُنفردة مستقلّة عن كافّة التأثيرات الأخرى، وإلاّ فشل القضاء وتضعضعت العدالة الاجتماعية وانهارت الأُسس التي اعتمد عليها،

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - م17 - ص60.


وللإشارة إلى ما عاصرناه لم نجد مكانةً صحيحةً ومتوازنةً للقضاء إلاّ في الدين الإسلامي، حيث إنّ الذين يدعون باستقلاليّة القضاء فإنّه لا وجود لذلك إلاّ ما نَدَر، وإنّ أهل التشريعات القانونية ربما نسوا أو تناسوا أنّ مُفكّر العدالة الإنسانيّة وواضع ثوابتها وأُسسها عليٌّ (عليه السلام) قد وضع الأُسس الصحيحة للقضاء وقوانينه بدقّةٍ متناهية، وأعطى الصفات العامّة للقُضاة، والتي حصلت على الريادة في تنظيم وحماية القضاء، حيث تمّ صياغته في فكره الجبّار، وإنّه مُهيّأ للتعامل والعمل به في أيّ مجتمع وفي أيّ ظرف كان؛ لأنّ الأحكام الإلهيّة تتعامل أولاً مع ذات الإنسان وجوهره وحقيقته، وليس مع المادّة المُتغيّرة المحيطة به، فالقوانين شرّعت لتقويم السلوك الإنساني وإيقاف الانحراف لدى الأفراد والمجتمع، إذ ليس العقوبة بذاتها هي الهدف، إنّما الهدف هو منع وقوع الجناية.

دِرعُ عليٍّ والنصراني

إنّ القضاء العادل يأخذ قوّته من إمكانيّة تطبيق الأحكام القانونية على الجميع بصورةٍ عادلةٍ حتى وإن كان أحد المُتخاصمين أميراً للمؤمنين والأخر من أفراد الأُمّة، وبالذات من أهل الذِمّة، وهذه اللوحة النادرة هي واقعةٌ تاريخيةٌ حقيقيةٌ تركت الأثر الخالد للاقتداء بها، وأعطت الصورة الناصعة لمعنى العدالة الإنسانيّة، فقد جسّدها عليٌّ (عليه السلام) حين وقف يتقاضى مع نصرانيٍّ عند شُريح كما (نقل الثعلبي - عن ابن الأثير: إنّ علياً وجد درعاً عند نصرانيٍّ، فاقبل إلى شريح قاضيه وجلس إلى جانبه يُخاصم النصراني مخاصمة رجل من رعاياه، وقال: إنّها درعي ولم أبع ولم أهب، قال شريح للنصراني ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟


قال النصراني: ما الدرع إلاّ درعي، وما أمير المؤمنين بكاذب؟

فالتفت شريح إلى عليٍّ يسأله: يا أمير المؤمنين، هل من بيّنةٍ؟ فضحك عليٌّ وقال: (أصاب شريح، مالي من بيّنه). فقضى بالدرع للنصراني، فأخذها ومشى...، وأمير المؤمنين ينظر إليه.. إلاّ أنّ النصراني لم يخطُ خُطوات حتّى عاد يقول: أمّا أنا فأشهد أنّ هذه أحكام أنبياء... أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه!! الدرع - والله - درعك يا أمير المؤمنين). (1)

هذه القضية لا تحتاج إلى توضيح، فصورتها تُدلّل على المعاني السامية في العدل والحقّ والإنصاف، بهذا المستوى الرفيع يتطلّع المجتمع نحو الأفق الحضاري والآداب العالية واتخاذ المنهج الصادق والعادل في العلاقات العامّة بين الجميع، إلى ذلك يتلاحم هذا السلوك مع القانون الإلهي في عمليّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حينئذٍ يتعاضد المجتمع في أروع عمليّة بناءٍ أخلاقيٍّ ضمن الحدود الشرعيّة التي جاءت بها الرسالة المحمديّة (إلاّ أنّ الشريعة الإسلاميّة لم تأتِ بنظام قضائي مجرّد يحتوي على آداب قضائيةٍ ونظامٍ خاصٍّ بالعقوبات فحسب، بل جاءت بنظامٍ مُتكاملٍ للحياة الاجتماعية، فحاولت تربية الأفراد على النظام الأخلاقي، فحماية الممتلكات واجتناب العنف قضيّةٌ ذاتيةٌ وحاجةٌ يُشبعها الإيمان الفطري بمبدأ الرسالة الإلهيّة، وما فكرة أن للأفراد موعداً لمحاسبة أعمالهم إلاّ ترسيخٌ لذلك الإيمان الفطري عند الإنسان، فالنظام الأخلاقي الديني يعقل الفرد ويجعله متماسكاً مع نفسه، فلا يتعدّى على حُرمات الآخرين، من قتلٍ أو سرقةٍ أو غشٍّ، وكلّ ذلك يتمّ لا بسبب العقوبات الشرعيّة الشديدة اتّجاه

____________________

(1) جعفر - الدكتور نوري - عليٌّ ومناوئوه ص190 - دار النجاح - القاهرة - الطبعة الرابعة، 1976م - 1396هـ.


المنحرفين فقط، بل بسبب الوازع الأخلاقي الذاتي الذي زرعه الإسلام في نفوس الأفراد، ولكن الأخلاقيّة الاجتماعية وحدها قد لا تكفي لردع الانحراف وإشباع الحاجات الأساسية في الحماية واجتناب العُنف، وهُنا يلعب القضاء ونظام العقوبات دوره الرئيسي في حفظ النظام الاجتماعي من عبث المنحرفين، فالتهديد بالعقوبة الجسدية أو المعنوية مع أنّه يؤدّي إلى التعايش السلمي بين الأفراد، إلاّ أنّ تنفيذ تلك العقوبات هو الذي يجعل الأخلاقيّة الاجتماعية قضيةً إلزاميةً لا مَفرّ منها، وفي ضوء ذلك نفهم مغزى تشريع نظام الأحكام والعقوبات من قِبَل الرسالة الدينيّة، فهي أحكامٌ وعقوباتٌ تتناسب مع حجم الانحرافات المرتكبة من قِبَل الأفراد). (1)

الأحكامُ القضائيّةِ والوَضعُ الاجتماعي

أن الدين الحنيف بمبادئه السمحاء ورؤيته الشاملة لتفاصيل حياة الناس لم يضع القانون القضائي سيفاً مسلطاً على رقاب الامة بحيث الأفراد بدون رؤية خاصة إلى ما خلّفه المجتمع من إفرازات سلبية فالسارق في المجتمع هو عنصر منحرف وغير مرغوب فيه وهناك عقوبة خاصة له إلاّ أنّ الحكم الإسلامي يلاحظ مدى حاجة هذا الفرد إلى الطعام ومدى تبني المجتمع لسداد حاجاته وإشباعه فقد لا يطبق عليه الحكم الشرعي مباشرة لان مستويات الفقر المتدنية هي السائدة في المجتمعات، فالأول إشباع هذه البطون المطوية وبعد

____________________

(1) مباني النظرية الاجتماعية في الإسلام، ص419.


ذلك نستطيع إقامة الحدّ عليه وهذه هي نظرة واقعية تحقق البناء الخلقي السليم للمجتمع، كذلك فإنّ الشرع الإسلامي قد بيّن عقوبة الزاني للمحصن والمحصنة وغيرهما وذكر الكتاب المجيد أحكام ذلك إلاّ أن المسألة ليست بهذه السهولة فالأمر يحتاج إلى أربعة شهود إن أصبحوا ثلاثةً يُعاقبون هؤلاء الثلاثة، ويُجلدون وتصبح العملية قذفاًَ، بالإضافة إلى ذلك فالإثبات يحتاج إلى مُشاهدتهٍ عينيةٍ وتأكُّد من أنّ العملية قد تمّت في مجالاتها المُحدّدة، أو إقرار الزُناة أنفسهم عِدّة مرّات، وفي ذلك أحكامٌ فقهيةٌ خاصّةٌ بها، فالهدف هو منع إشاعة الفساد والفاحشة بين الناس وما سُتر عن الناس لا يمكن كشفه، فالستر هذا له أسبابٌ اجتماعيةٌ وخُلقيّةٌ، والكشف هنا له سلبيّاته الافتضاحيّة، وانتشار خبر الرذيلة بين الناس يُحطّم القِيَم المعنويّة والروابط الاجتماعيّة في الحياة العامّة، ويخلُق نوعاً من التفكّك في الكيان الأُسري والاجتماعي.

وصايا أساسيّة

لم يخلُ كتاب من وصايا أو حِكَم ودروس نافعةٍ، وهو دائماً يُذكّر ولاته بصلاح الأمور، ويُعلّمهم الأحكام بصورةٍ واضحةٍ حتّى لا يخفى عليهم شيءٌ، وهذا ظاهرٌ في رسالته القضائيّة إلى رفاعة بن شداد البجلي، قاضيه على الأهواز: (اقضِ بالظاهر، وفوّض إلى العالم الباطن، دع عنك أظنّ وأحسب وأرى، ليس في الدّين إشكال، لا تُمارِ سفيهاً ولا فقيهاً، أمّا الفقيه فيحرمك خيره، وأمّا السّفيه فيُحزنك شرّه، لا تجادل أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن: بالكتاب والسّنّة، لا تعوّد نفسك الضّحك فإنّه يذهب بالبهاء، ويجرّي الخصوم على الاعتداء، إيّاك وقبول التُّحف من الخصوم...). (1)

____________________

(1) نهج السعادة، المُجلّد 4 و5 ص35.


إنّ النصّ أعلاه يُدلّل على أنّ الإمام كان يهتمّ بأخلاق القاضي أيضاً وليس طريقة عمله فقط، ومعاملة أتباع الأديان الأخرى من أصحاب الكُتب السماويّة مُعاملةً حسنةً أثناء مُجادلتهم، ثُمّ عاد للتوجيه الأخلاقي وتبع ذلك تحذيره الشديد من الارتشاء تحت ظلّ الهدايا، وحيث يتّخذ الناس أساليب مُتعدّدة في دفع الرشوة تُغطّي اسمها وتحمل في داخلها معناها للتأثير على حُكم القاضي وصرفه إلى جانب أحد الخصوم، أو يقول (عليه السلام) في جانب من الكتاب: (أقم الحُدود في القريب يجنبّها البعيد، ولا تطلّ الدّماء ولا تُعطّل الحدود).

كذلك يُعطي الإمام (عليه السلام) الصورة المثاليّة للقاضي المسلم من خلال الوصايا التي كان يوصي بها دائماً قُضاته (... ثُمّ واسِ بينَ المسلمينَ بوجهٍك ومنطقك ومجلسك؛ حتى لا يطمعَ قريبك في حيفك ولا ييأس عدوّك من عدلك، وردّ اليمين على المُدّعي مع بيّنة، فإنّ ذلك أجلى للعمى وأثبت في القضاء) (1) ، وكذلك يوجّه شريح القاضي ويأمره بقوله (عليه السلام): (لا تسارَّ أحداً في مجلسك، وإن غضبت فقم فلا تقضين فأنت غضبان). (2)

وأيضاً قوله (عليه السلام): (العلم ثلاثةٌ: آيةٌ محكمةٌ، وسُنّةٌ مُتّبعةٌ، وفريضةٌ عادلةٌ، وملاكهنّ أمرنا، ولا تقضِ وأنت غضبان ولا من النوم سَكران).

إذن، القضاء الذي يُريده أمير المؤمنين (عليه السلام) هو القضاء الإسلامي الذي فصّل كلّ أموره بحيث لا تُغبن حقوق الناس وتضيع، وأكّد أنّ العلاج للداء أولاً وهي الأمراض الاجتماعية، ثُمّ الأخذ بحقّ الله من مُرتكب الحرام نفسه، أي قطع المكان المُلوّث في النفس الإنسانيّة بالاقتصاص من الإنسان.

ثُمّ إنّ هناك ناحيةٌ مُهمّةٌ، وهو أنّ الإسلام لا يسمح بإحداث الدمار والخراب في أهل وبلد المُجرم الذي

____________________

(1) فروع الكافي - م7 - ص409 - باب أدب الحكم.

(2) المصدر السابق - ص 41.


اقتُصّ منه، فهذا غير واردٍ، ومعنى ذلك تدمير المجتمع لا إصلاحه، وهذا ما يحدث الآن في بعض الدول الدكتاتورية التي تُمارس أبشع الجرائم بحق الأفراد المُعارضين السياسيّين وأهليهم وأقاربهم ومَن دار حولهم من الأصدقاء إن هذا العقاب الجماعي شمل الناس الأبرياء، أمّا أهل السوابق والأجرام الذين يرتكبون الحرام ويُنشرون في الأرض الفساد ويعملون بما حرّم الله عليهم، فقد يكونوا في مأمنٍ من القصاص وأحكام القانون.

أمّا الذي لم يصدق عليه حُكم الموت لتعلّق الأمر بمعارضةٍ سياسيةٍ أو دينيةٍ أو رفضٍ لكبت الحريات وأشباه ذلك، فإنّ هؤلاء يُسحقون ويُعدمون ويسري ذلك على عوائلهم وأموالهم وممتلكاتهم، ومن خلال ذلك تحطّمت المُجتمعات وتبعثر أفرادها وتفكّك الكيان العائلي، بحيث اختل النظام وسارت الأمور نحو التخلّف والانحدار والهاوية، وبالتالي التشرذم وانعدام الترابط الاجتماعي بين الأفراد.

ونعود إلى الشريعة العظيمة وما قاله عليٌّ (عليه السلام) في ذلك: (وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) رَجَمَ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ ثُمّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ، وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ، وَقَطَعَ السَّارِقَ وَجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الْمُحْصَنِ ثُمّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْ‏ءِ وَنَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ، فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) بِذُنُوبِهِمْ، وَأَقَامَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الإسلام وَلَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ). (1)

في هذا الكلام البليغ للمتشرّع الأول بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نقاطٌ قانونيةٌ وعِظاتٌ اجتماعيّةٌ وأخلاقيّةٌ واسعةٌ لا يمكن استيعاب مضامينها المؤثّرة إيجابيّاً في حياة الناس ببساطةٍ، إنّ وراء ذلك معرفةٌ إلهيّةٌ بما تؤول إليه الأُمور.

____________________

(1) نهج البلاغة ص184 تحقيق د. صبحي الصالح.


الجهازُ الإداري للدَولةِ

هناك طائفةٌ جديدةٌ من تشكيلات الدولة والكيان الاجتماعي صنّفها عليٌّ (عليه السلام)، وهُم رؤساء الهياكل الرئيسيّة لإدارة البلد، وأطلق عليهم اسم العُمّال، وهم بمثابة المحافظين ورؤساء الدوائر العامّة في البلد والمشرفين على الأعمال الإدارية، والقريبين من الحاكم في إدارة البلاد بكافة تنوعاتهم حسب العُرف والتسميات التي سادت في عصرنا الحالي، فهم طبقةٌ واسعةٌ من المجتمع، لهم نفوذٌ سياسيٌّ وإداريٌّ واجتماعيٌّ، وقد قال فيهم عليٌّ (عليه السلام):

(ثُمّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً، وَلا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وَأَثَرَةً فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ، وَتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالْقِدَمِ فِي الإسلام الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلاقاً وَأَصَحُّ أَعْرَاضاً وَأَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَاقاً وَأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الأُمُورِ نَظَراً). (1)

بدأ الإمام (عليه السلام) قوله في هذا الجانب بتوجيهٍ إداريٍّ أو ما نُعبّر بقرارٍ إداريٍّ حول شروط تعيين رؤساء الوحدات الإدارية، وذلك بملاحظة وتشخيص مَن له الأهليّة في تسنّم هذه المناصب أو القائمين عليها، فأعطاه صور الاختيار الصحيح وخولّه العمل وِفق ذلك، وبما أنّ بحثنا هو بحثٌ اجتماعيٌّ بالدرجة الأولى، فنحن لا نسعى إلاّ في توضيح ومقارنة الأطروحات الواردة في هذا الشأن وعلاقة ذلك في المجتمع ومسيرته.

____________________

(1) نص العهد للأشتر.


طبيعة اختيار العمّال

إنّ أمر تعيين الموظّفين يتطلّب خصالاً وصفاتٍ تتناسب وطبيعة الأعمال والوظائف، فالإمام (عليه السلام) يضع هنا الضوابط الرئيسيّة لاختيار العمّال منها:

1 - أن يكون من أهل التجربة والمقدرة الذين امتحنوا في الأعمال الأخرى.

2 - العناصر التي تتولّى أمر الأُمّة إداريّاً وسياسيّاً يجب أن يكونوا من أهل الحياء، من الأصول العائليّة المعروفة بأخلاقها وسمعتها الطيبة لأن ذلك أنفع وأجدى.

3 - أن يكونوا من أهل السبق والقدّم في الإسلام.

ثُمّ هناك نقاطٌ أساسيّةٌ أخرى تتعلّق وترتبط بالنقاط أعلاه منها:

فحينما يعدل الوالي عن المُستحق إلى غير المستحق فإنّه جورٌ على المستحقّ الذي أُزيح عن مكانه، واستلم غيره ممَن هو دون المسؤوليّة في الأمانة على الأمّة، وكذلك فإنّها تُعتبر خيانةً لمَن ائتمنه وخوّله الصلاحيّة لاختيار الإنسان المؤمن الطاهر القادر على إدارة الشؤون العامّة للمجتمع، وجعل محلّه مَن لا أهليّة له لتلك الأعمال المُهمّة، إنّها خيانةٌ عظمى للمبادئ التي يؤمن الوالي وخيانةٌ عظمى لولي الأمر الذي وضع الأمر بين يديه، فلا يجوز تسليط على حياة الناس مَن لا تُخشى غائلته ولا يُحسن أداء عمله ولا يؤتمن على مالٍ ولا نفسٍ، والشواهد التاريخيّة كثيرةٌ على ما جرّت التولية غير الصحيحة من دواهي وآفات غزت المجتمع ونخرت في عظمه، فأصبح خاوياً لا يستطيع الوقوف على قدميه إذا لم يهلك أو تهلك حرمته، ثُمّ ما تبع تولية المُحاباة والقُربى من تحريفٍ للحقائق وبناء مجتمعات ضالّةٍ جاهلةٍ جرّت الويلات والمصائب على أُمّه الإسلام العظيمة، كما عمل معاوية في بلاد الشام وكذلك عمرو بن العاص وآل


مروان وابن أبي معيط وأشباههم.

وعلى أساس ذلك فإنّ الإمام (عليه السلام) يُعبّر عن ذلك بـ (جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ).

إنّ من الوسائل المُهمّة لجلب السعادة للفرد والمجتمع ودفع الشقاء عنهما بحيث يسود الاستقرار والراحة والطمأنينة في البلاد هو القانون العادل واعتدال الموظّف الإداري المستقيم الذي يتولّى في الناس، ونقصد بالاعتدال: هو نزعة حبّ العدالة والأمانة والصدق والإخلاص والنزاهة والعفّة التي يجب أن تكون شعار الموظّف الإداري ودثاره قبل غيره. (1)

وعلى ضوء كلّ الشواهد والحوادث التاريخيّة يقول الإمام (عليه السلام):

(توخَ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقِدَم في الإسلام المُتقدّمة).

هذه هي معاني الأخلاق ذاتها وهي المصادر الحقيقية للأفراد الذين يقدمون خدمة ومنفعة، ونلاحظ في عالمنا المعاصر أنّ الدول أو الحكومات تضع شروطاً في تعيين الموظّف المُستخدَم، منها: الخبرة واللياقة والدرجة العلميّة وحُسن السلوك والسيرة وغيرها أملاً في الخدمة الحقيقيّة للمجتمع.

أمّا لماذا يضع أمير المؤمنين (عليه السلام) ذلك الشرط المتقدّم أثناء الاختيار؟ يُجيب (عليه السلام) على ذلك، لأنّهم:

1 - أكرم أخلاقاً.

2 - أصحّ أعراضاً.

3 - أقلّ في المطامع اشراقاً.

____________________

(1) الراعي والرعية ص 74.


4 - أبلغ في عواقب الأُمور نَظراً.

في هذه الخصال الأربعة تُحقّق العدالة للمجتمع والراحة والطمأنينة، وهذه الصفات لم تأتِ بصورةٍ اعتباطيةٍ للأفراد، ولم تكن معاني مُلصقةً على الوجوه حتى يتطبّعون عليها ويسيرون على هداها، إنّما لها أصولٌ وجذورٌ عميقةٌ أنتجت تلك المزايا الأخلاقية، فمن لا أصل له لا فرع له، إذن نلاحظ ارتباط المعاني كما ذكرنا، فالصفات الخُلقيّة الأربعة الأخيرة مُرتبطةٌ كامل الارتباط بنوعية الناس الذين يجب أن تكون أزِمّة الأُمور بيدهم.

فالأخلاق الحميدة تأتي من الأصول الكريمة ومن الذين غرس الإسلام في قلوبهم الرحمة والمحبّة والتآخي والتعاطف والمؤاثرة والتضحية، والتي تُعطي لجماعة الناس الصفاء والمحبّة والترابط، فتكون الصفات الخُلقية عامل استقرارٍ وسعادةٍ للمجتمع، ومَن يسعد ويستقر به المقام وتطيب نفسه لا تهمّه المطامع الدنيويّة ولا تزل به قدمه نحو الانحراف، فالاستقرار النفسي والاطمئنان والثقة لدى الأفراد هي عواملٌ دَفَعَ في ثباتِ التعامل الإيجابي الأخلاقي لدى المجتمعات، فالاختيار الأصلح يجب أن يكون من خلال الصفات التي طرحت، والتي تبعد كلّ التوجسات والخيفة والحذر من حدوث الخلل في الجهاز الإداري، وكذلك تمنع التكالب على الفوز بمطمعٍ دنيويٍ حتى وإن كان صغيراً، وأجمل ما ذكر الإمام (عليه السلام) - وكلّ كلامه جميلٌ - هو كرم الأخلاق الذي يُعطي شيئاً لينتج أفضل شيءٍ، وهذا يأتّى أيضاً من النسب الطاهر وصحّة الأعراض من حيث وجودها في البيوتات الصالحة والشجرة الطيبة تُؤتي أُكُلها كلّ حين، فالأساس المتين يُعطي بناءً قويّاً، والتربية السليمة الصحيحة تُعطي أخلاقاً فاضلةً لدى الأفراد في الكبر، والأمراض الاجتماعيّة إن كافحتها في الِصَغر تُعطيك مجتمعاً صحيحاً قويّاً في المستقبل. إذن يدخل هُنا عنصرٌ مهمٌ وهو البناء التربوي


للأفراد، لأنّ الأمراض الروحيّة هي أشدّ وأدهى من غيرها على المجتمع، فيجب الالتفات إلى علاجها بالتربية الأخلاقيّة والبناء الإسلامي الحقيقي في الصغر داخل نطاق الأسرة والمجتمع بصورة أعم، وإنّ ذلك سوف يُعطينا أفراداً صالحين في المجتمع يزيدونه صلاحاً وتآلفاً وتعاوناً ومحبةً، ويُجنّب المجتمعات الانحرافات والجرائم.

الأمانةُ وأداء حَقّها

الصفات المحمودة لم تمنع عليّاً (عليه السلام) أن يُلفت ولاته إلى بعض الإجراءات الإداريّة التي تُحدد العمّال عند تحرّكهم السلبي أو الاتجاه المُنحرف واتخاذ الإجراءات الشرعية بحقّ المنحرف منهم، فالغاية الأساسيّة ليست رضاء العُمّال لدى عليٍّ (عليه السلام) إنّما رضاء الباري عزّ وجل، الذي سوف يُحاسب المُسيئين بحقِّ خلق الله، لأنّ الناس هُم عيال الله، إنّ الباري عزّ وجل يُراقب عمل عباده. ثُمّ إنّ المجتمع عامة أمانةٌ لدى الحاكم أو الوالي أو خليفة المسلمين (ثُمّ أَدَاءَ الأَمَانَةِ، فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ الْمَبْنِيَّةِ وَالأَرَضِينَ الْمَدْحُوَّةِ وَالْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ الْمَنْصُوبَةِ، فَلا أَطْوَلَ وَلا أَعْرَضَ وَلا أَعْلَى وَلا أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَوِ امْتَنَعَ شَيْ‏ءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ قُوَّةٍ أَوْ عِزٍّ لامْتَنَعْنَ، وَلَكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَعَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ وَهُوَ الإنسان إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً). (1)

المشروع وغير المشروع

إنّ مسألة قيادة الولايات وتعيين العُمّال عند عليٍّ (عليه السلام) كانت لا تتبع إلى المُزايدة والمُناقصة وترطيب الأجواء وتهدئة الخواطر واستمالة العواطف،


وتسكين الأوضاع حتى تستقرّ الأُمور حينئذٍ ينقضّ على فريسته، أليس أصحاب النظرة الاستبداديّة وأتباع الميكافيليّة يحملون على عليٍّ (عليه السلام) بأنّه ليس سياسيّاً مُحنّكاً، وإلاّ لخدع ومارس مبدأ الغاية تُبرّر الوسيلة بحق معاوية وغيره حتى تستقر أمور البلاد!!.

كلا، لم يفكّر بذلك مطلقاً ولا يكون كذلك؛ لأنّه ليس ميكافيليّ المذهب، ولا ارستقراطي الطبقة بحيث ينظر إلى مُجتمعه كعبيدٍ، ولا يتعامل بقلبين ولسانين، وليس له في الدنيا طمعٌ أو استئثارٌ، ألم يكن هو القائل: (إنّ هذا النعل هو خيرٌ عندي من ولايتكم هذه إن لم أُقم حقّاً وأزهق باطلاً) ؟ إنّه علي بن أبي طالب، ابن الإسلام وحاميه وعبقريّته الفذّة، إنّه جاء من أجل العدالة في المجتمع فكيف يرمي حبلها على غاربها؟! إنّها الأمانة الإلهيّة في عُنقه فكيف يُعرَض عليه شراء ذِمَم رؤوس القوم وقادتهم واقتطاع الرواتب الكبيرة لهم، أو تقسيم البلاد بينهم طُعمةً وعدم محاسبتهم؟!! فأبى ذلك ورفضه أشدّ الرفض؛ لأنّه أساس الجور كما صرّح والخيانة الأعظم لله ورسوله، ورضوان الله تعالى معناه نشر الحقِّ والعدالة بين الرعيّة ومُساواتهم، وعدم هدر الأموال العامّة بإعطائها هبةً للخاصّة من الناس، (فمثلاً: ذاك الشخص الذي جاء إليه بعقلية هذه المُساومات واقترح عليه أن يُبقي معاوية بن أبي سفيان والياً على الشام بُرهةً من الزمن، وهو في هذه الحالة سوف يخضع ويُبايع، وبعد هذا يكون بإمكانك استبداله أو تغييره بأيّ شخصٍ آخر بعد أن تكون قد استقطبت كلّ أطراف الدولة، وقد تمّت لك البيعة والطاعة في كلّ إرجاء العالَم الإسلامي بإبقاء هذا الوالي أو ذلك الوالي، هذا الحاكم أو ذلك الحاكم، بإبقاء هذه الثروات المحرّمة في جيب هذا السارق أو في جيب ذلك السارق بُرهةً من الزمن ثُمّ بعد هذا يُمكنك أن تُصفّي كلّ هؤلاء الولاة الفجرة، وتُرجع كل هذه


الثروات المُحرّمة لبيت المال.

فالإمام عليٌّ (عليه السلام) في جواب هذا الشخص رفض هذا المنطق، واستمرّ في خطّه السياسي يرفض كلّ مساومةٍ ومعاملةٍ من هذا القبيل، ومن هُنا قال معاصروه وقال غير معاصريه أن يحقّق توفيقاً من الناحية السياسية أكثر، لو أنّه قَبِلَ إنصاف الحلول، ولو أنّه مارس هذا النوع من المساومات ولو بشكلٍ مؤقّتٍ). (1)

إنّ مبدأ عليٍّ (عليه السلام) هو رعاية حُرمات الله، فكيف له أن يأمر بإبقاء شخصٍ انتهب كلّ شيءٍ أو سلب كلّ إرادةٍ من أهلها وقمع كلّ كلمة حقٍّ، وعاث في الأرض فساداً؟ وما هو المُسوّغ الشرعي لأن يؤمّره على أرواح وممتلكات الناس؟ وحفظ الرسالة المحمديّة وصيانتها من الانحراف يكون بتطبيق مبادئها السامية على الخواص والعوام، فلا فرق لديه بين هذا وذاك إلاّ بالحق، فالجماهير التي بايعته ووالته وسارت خلفه أحقّ بالحماية والعدالة من غيرها، فهو يُريد أن يكون هناك مجتمعٌ سامٍ ذو مستوى أخلاقيٍّ وحضاريٍّ عظيم.

إذن، لا بدّ وأن يعرف أنّ هناك فاصلةً في المبادئ التي يحكمها حبّ الذات والسعي وراء السلطة لغرض تحقيق المطامع والمطامح والهيمنة، وبين المبادئ التي تنبع من القرآن والسُنّة النبويّة الطاهرة التي محورها إقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فشتّان بين الاثنين، فلا يجتمع أصحابها إلاّ يوم تشرئب فيه الأعناق إلى الله لتأخذ الحساب بما عملته في الدنيا من خيرٍ أو شرٍّ، فلا مساومة على الحقّ وإقامته، وهذا قوله حين ردّ قطائع عثُمّان بن عفّان، وهي الأراضي الزراعية التي

____________________

(1) الصدر - محمد باقر - أهل البيت تنوع ادوار ووحدة هدف - ص 6 - دار التعارف للمطبوعات - بيروت.


كانت تُصرف على الفقراء من الناس سابقاً، وقد أقطعها لمعاوية ومروان.

(وَاللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ النِّسَاءُ وَمُلِكَ بِهِ الإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ، فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ). (1)

فهو لم يتّخذ غير العدل منهجاً والمساواة بين الناس سلوكاً، ولم تنهره عن ذلك طول الحرب وجعجعة السلاح والرجال ولا أصوات حوافر الخيول وتآلب بعض الرفقاء عليه، بل مضى في طريقه القويم ليبني الإنسان والمجتمع معاً.

صِلةُ الحاجةِ بالمفاسدِ الاجتماعيَّة

إنّ الالتفات إلى الجانب المعيشي لعمّال الولايات من الضرورات التي لا بدّ منها لإشباع حاجات العمّال المعاشيّة والماديّة حتى لا تُغريهم الدنيا أو تبعث في نفوسهم السير والاندفاع باتّجاه الشهوات لسدّ الرغبات الجامحة، وفي الحقيقة لا يكون ذلك إلاّ على حساب الضعفاء من المجتمع، فهي امتصاص لدمائهم وهدرٌ لحقوقهم، وقد قال (عليه السلام): (ثُمّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الأَرْزَاقَ فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاحِ أَنْفُسِهِمْ وَغِنًى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ). (2)

وحتى يبتعد العمّال عن الرشوة والمفاسد الأخرى التي هي أساس الانحلال الإداري وخراب المجتمع (... أمره بإسباغ الأرزاق عليهم، فإنّ الجائع لا أمانة له، ولأنّ الحُجّة تكون لازمةً لهم إن خانوا؛ لأنّهم قد كفوا مؤنة أنفسهم وأهليهم بما فرض لهم من الأرزاق). (3)

(ثُمّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ،

____________________

(1) نهج البلاغة، تحقيق د. صبحي الصالح ص 57.

(2) شرح نهج البلاغة - م17 - ص70.

(3) نص العهد للأشتر.


فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الأمانة وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ، وَتَحَفَّظْ مِنَ الأَعْوَانِ فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إلى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وَأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ ثُمّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ وَوَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ وَقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ). (1)

يوصي (عليه السلام) بتفقّد أعمالهم ومراقبتها بدقّة ببعث العيون - أي المراقبين - والمفتشين الذين يتحرّون الأعمال بِحَذَقٍ وصرامةٍ، ويبحثون عن الخبايا المختزنة والأعمال المخفيّة، والتي سببها الطمع المادي الدنيوي الذي يسلب إرادة الإنسان ويشلّ لُبّ تفكيره ويُبعده كامل البعد عن القُرب إلى الله، ويجعل من نفسه ظالماً لها ولغيره، وإنّ ضياع وهدر أموال الناس يأتي نتيجة الغفلة وقصر النظر لدى الوالي أو عدم مُراقبة مَن هُم دونه، وعدم وجود مَن يقوم بعمليّة المُراقبة والتفتيش ونقل التقارير السريّة والأخبار العامّة عن حركة العمّال وأعمالهم ومدى رضاء الرعية عنهم، ولا يقوم بهذا الأمر عادةً إلاّ الموظّفون الصادقون الذي عبّر عنهم الإمام (عليه السلام) (مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ)، إذ لا يمكن الإصلاح بالتزييف وحرفِ الحقائق خدمةً للإغراض الشخصيّة، فما الفائدة إذن من المُراقبة والتفتيش إذا كان الأفراد الذين يستخدمهم الوالي أُناساً من أهل الباطل والكذب يزيدون المرض أمراضاً، فالمفتّشون والعيون المبثوثة إذا كانوا غير صادقين ولا يخافون الله أصلاً فهذا الخراب بعينه، والمرض الجديد في حقيقة الأمر أخطر من انحراف عامل الوالي نفسه، وهذا دماره ضِعفان، فإذن لا يكون لهذا المنصب الحسّاس إلاّ إذا كان من أصحاب المروءات وأهل المعرفة والصراحة

____________________

(1) نص العهد للأشتر.


والصدق، وله اطلاعٌ كاملٌ في طبيعة حياة الناس في تنقّلاتهم وعلاقتهم وبيعهم وشرائهم وطُرق معاملاتهم حتى يؤدّي ما كُلّف به، ونلاحظ الدقّة والارتباط المُتناهي كما قُلت في هذه الإشارات الإداريّة الصحيحة التي وضعها إمامنا (عليه السلام) في عهده، ولم يوصِ فقط، بل قام في كثيرٍ من الأحيان بمحاسبة عُمّاله ووَبّخ بعضهم وعزل البعض الآخر، وقد أرسل (... رجلاً يُدعى (سعد) إلى زياد بن أبيه يأمره بأن يحمل إلى بيت المال ما عنده منه. وكان قد بلغه أنّ زياداً يتقلّب في النعيم، يستأثر به على الضعيف والفقير والأرملة واليتيم، وأنّه يتظاهر بالفضيلة وهو عنها بعيدٌ، فلمّا كان الرسول عند زياد ألحّ عليه، فتجبّر زياد وتكبّر ونهره، فكتب إليه عليٌّ (عليه السلام):

(إن سعداً ذكر لي أنّك شتمته ظُالماً وجبْهتَهُ تجبّراً وتكبراً، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الكِبْر والعظمة لله)، فمَن تكبّر سخط الله عليه، وأخبرني أنّك مُستكثرٌ من الألوان في الطعام، وأنّك تدهن كلّ يوم، فماذا عليك لو صُمت لله أيّاماً وتصدّقت ببعض ما عندك مُحتسباً، وأكلت طعامك في مرّةٍ مراراً وأطعمته فقيراً. أتطمع، وأنت متقلّب في النعيم، تستأثر فيه على الجارِ المسكين والضعيف الفقير والأرملة واليتيم، أن يجب لك أجر وتعمل عمل الخاطئين، وإن كنتَ تفعل ذلك فنفسك ظلمت وعملك أحبطت...). (1)

إذن، تتبُّع هؤلاء العمّال بالمراقبين السِرّيين وتصحيح مسار الخاطئين أو الإشارة إليهم وإحساس هؤلاء العمّال بتلك المُراقبة السريّة هو باعثٌ لهم ودافعٌ للاستقامة وأداء الأمانة على أحسن حال، بحيث يشعر أنّ هناك مسؤولاً بعد الله في هذا العالم الدنيوي هو ولي الأمر الذي يُراقبه ولا يسمح له بارتكاب المحارم

____________________

(1) الإمام علي صوت العدالة الإنسانيّة، المجلد 1 ص 189.


بشتى أنواعها، وبذلك ينتقل توجّهه إلى الرفق برعيّته ومُحاباتهم وحسن المعاملة لهم، وعدم الإخلال بالنظام العام واستغلاله أو سوء الاستفادة من المنصب المُعطى إليه، ونُلاحظ هنا أنّ الهدف الواضح والمُحصلة النهائيّة التي أراد الإمام (عليه السلام) أن يوضّحها من هذا المقطع الذي أشار إليه سابقاً (ثُمّ انظر أمور عُمّالك، فاستعملهم اختباراً) وحتّى نهاية جُملة (فإنّ تعاهدك في السرّ لأمورهم حدوةٌ لهم على استعمال الأمانة) والنقاط ذُكرت سابقاً والترابط الموجود فيما بينها وهي صفات العمّال المُستخدمين للأعمال الإداريّة، وأسباب اختيار تلك العناصر التي أعطى الإمام (عليه السلام) صفاتها كلّها تصبّ في هدفٍ أخيرٍ مرجوٍّ وهو موضوع بحثنا، ألا وهو المجتمع الذي في أيدي تلك السلطة الموجودة، أي تحت رحمتها إلى عبارة (حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الأمانة وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ)، فهذان الهدفان هُما أساس صلاح المُجتمع والمحافظة على كيانه ومسيرته الصحيحة، فالأمانة هي الهدف الأوّل وقد أشرنا إليها سابقاً، والهدف الثاني الرعية، فالعامل المُشار إليه يحنو على رعيته ويرأف ويرفق بهم ويرحمهم ويرعاهم ويعاقب مُسيئهم ويُكافئ مُخلصهم.

إذن، المراقبة الجادّة والحقيقيّة هي الباعث لهم والدافع المستمر لأداء الأمانة والرفق بالرعية التي هي المطلب الأوّل والأخير، والذي يحفظ العامل ورعيّته من الزَلل المُحتمل، وبالمحافظة هذه تضمن عدم فقدان عنصرٍ إداريٍّ مُهمٍّ، لأنّه ليس من السهولة خَلق كادرٍ إداريٍّ مُجرَّب بسرعةٍ، سواء كان في ذلك الزمان أو هذا الوقت.

إنّ المحافظة على أعوان الوالي المُخلصين وإبعادهم عن الانحراف في السلوك هدفٌ سامٍ ومُهمٌ، حيث يقول الإمام (عليه السلام): (وَتَحَفَّظْ مِنَ الأَعْوَانِ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إلى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وَأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمّ


نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ وَوَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ وَقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ).

إنّ الشيء المهمّ فيه والذي يسترعي النَظر ويبهر العقل هو أنّنا نجد أثر هذه التعليمات العالية والسديدة رغم مرور أربعة عشر قرناً عليها ملموساً وواضحاً في غاية الوضوح في قوانين الدول وقوانين الخدمة المدنيّة...، وزبدة للعقول: إنّ ذات الأهداف القانونيّة التي تضمّنتها التشريعات الحديثة، والتي استهدفت في مشروعها إصلاح نفسيّة الموظّف وتهذيب سُلوكه ليؤدي واجب (الأمانة) الملقى على عاتقه، فقد لاحظ الإمام (عليه السلام) ذلك في عهده لإصلاح المملكة الإسلامية، وتطهير المجتمع من آثام الخائنين والأشرار أعداء الأُمّة والبلاد. (1)

فعلى رجال العمل والمعرفة والقانون أن يستخلصوا قوانينهم وأطروحاتهم ونظرياتهم العلمية والاجتماعية والإدارية من فكر علي (عليه السلام)، فهي نقية تامة حائزة لجميع الشرائط، ولا داعي للدوران والبحث حول الأفكار الأخرى أو التفاخر بالفكر الغربي والعقلية الأوربية والادعاء بأنها أنتجت للعالم النظريات السياسية والاجتماعية والنفسية والإدارية، فالمسألة ليست مسألة ومصيبة الغربيين إنما إذنابهم من أبناء شعوبنا الإسلامية ممن آمن بذلك.

كُتّاب الدولة

قال عليٌّ (عليه السلام): (ثُمّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ، فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَايِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الأَخْلاقِ، مِمَّنْ لا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلافٍ لَكَ بِحَضْرَةِ مَلإٍ وَلا تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمِّالِكَ عَلَيْكَ وَإِصْدَارِ

____________________

(1) الراعي والرعية ص149.


جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ فِيمَا يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ وَلا يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ وَلا يَعْجِزُ عَنْ إِطْلاقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ وَلا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الأُمور، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ). (1)

تعرّضتُ للكتابة عن هذه الفئة من الكيان السياسي والاجتماعي العام لاعتقادي بأنّه الجهاز الرئيسي الذي يُدير الوالي به حُكمه وسلطته، ومن خلاله يُمكن أن يطلّع على كثيرٍ من الخفايا والأسرار الخاصّة بالوالي وأمور الدولة والمجتمع، وكذلك النظر في أعمال الناس ومشاغلهم وحركة المجتمع بصورةٍ عامّةٍ.

دور الكُتّاب في إدارة الدولة

لقد جاء عند الحُكماء وبعض أهل الأدب والتاريخ أن كتّاب الدولة لهم أدوارٌ مؤثرةٌ تترك بصماتها على مسيرة المجتمع واستقرار البلاد، ومن المعلوم (... أنّ الكاتب الذي يُشير إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الذي يُسمّى الآن في الاصطلاح العُرفي وزيراً، لأنّه صاحب تدبير حضرة الأمير، والنائب عنه في أموره العامّة، وإليه تصل ما يكتبه العُمّال، والمهيمن عليهم، وهو في الحقيقة كاتب الكُتّاب، ولهذا يسمّونه: الكاتب المطلق، وكان يقال للكاتب على الملك ثلاث: رفع الحجاب عنه، واتهام الوشاة عليه، وإفشاء السرّ إليه.

وكان يُقال: صاحب السلطان نصفه، وكاتبه كلّه، وينبغي لصاحب الشرطة أن يُطيل الجلوس ويُديم العبوس، ويستخف بالشفاعات. وكان يُقال: إذا كان الملك ضعيفاً، والوزير شرهاً، والقاضي جائراً، فرّقوا المُلك شعاعاً. وكان يُقال: لا تخف صولة الأمير مع رضا الكاتب، ولا تثقنّ برضا الأمير مع سخط الكاتب. وأخذ هذا المعنى أبو الفضل بن العميد، فقال:

____________________

(1) نص العهد للأشتر.


وزعمت أنّك لست تُفكر بعد ما

علقت يداك بذمّة الأُمراء

هيهات قد كذّبتك فكرتك التي

قد أوهمت غنىً عن الوزراء

لم تغنِ عن أحدٍ سماءٌ لم تجد

أرضاً ولا أرضٌ بغير سماء

وكان يُقال: إذا لم يشرف الملك على أموره صار أغش الناس إليه وزيره. وكان يُقال: ليس الحرب الغشوم بأسرع في اجتياح الملك من تضييع مراتب الكُتّاب حتى يُصيبها أهل النذالة، ويزهد فيها أولوا الفضل). (1)

ولا زالت بعض دول المغرب العربي تُسمّي رئيس الوزراء بالكاتب الأوّل، ويُضيف الشرقاوي أنّ الكُتّاب (... في عصر الإمام هُم أفراد الجهاز الإداري للدولة، وكان أمير المؤمنين يُريد أن يُنشئ جهازاً إدارياً جديداً في مصر، بدل الجهاز الذي أنشأه عُمر حين دوّن له الدواوين عقيل بن أبي طالب، إذ كان الخليفة عُمر قد اضطرّ إلى قبول النُظم الإدارية القائمة في البلاد المفتوحة، وهي نُظمٌ أنشأها الرومان والفُرس والمصريّون القُدماء، وكانت لغات البلاد المفتوحة - لا اللغة العربية - هي اللغات الرسميّة في الدواوين! وقد تحرّى الإمام ألاّ تجتمع سلطات إدارية واسعة في يد واحدة، بل وزّع السلطات بين المسؤولين كلٌّ وما يتقنه). (2)

على كلّ حالٍ، فإنّ الكُتّاب كما هو واضحٌ هُم أركان الجهاز الإداري العُلوي الذين منهم تتوزّع بقيّة السلطات، ويُعتبرون رأس العنقود بالنسبة للإدارة، وقد يُطلق عليهم لقب الوزير أو رئيس الديوان، سواء المظالم أو الرسائل أو بيت المال وغيرها، فهم الأيدي المتحرّكة للحاكم في إدارة البلد، وَلاتَهمّ التسمية بقدرِ ما

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، المجلّد 17 - ص79.

(2) عليٌّ إمامُ المتّقين، المجلّد 1 - 2 - ص284.


لديه من سلطات ونفوذ.

فالوزير أو الكاتب أو الحاجب أو رئيس الديوان يُمثّلون أعمدة السلطة والحاشية الأولى، وهي الموقعية الأخطر في حياة المُجتمع والوالي، فقد تأخذه هذه الحاشية إلى طريق الخراب والبُعد عن المجتمع الذي يُمثّل أساس الملك وحركته، وإذا كانت هذه الفئة نزيهةً وأمينةً على مُقدرّات الملك، ولها ارتباطاتٌ مُمتدّةٌ مع طبقات الناس المُختلفة، تسدي النصح في رأيها، طيّبةٌ في كلامها، مخلصةٌ في أعمالها، تخاف الله في السرِّ والعَلَن، عندئذٍ تدفع البلد وراعيه إلى جادة الأمن والسلام والاستقرار، لذا فإنّ الإمام يُحذر من اتّخاذ الكُتّاب الذين لا يحفظون الأسرار ويتجرؤون على الوالي فيُنزّلوا منزلته أمام الناس، ولا فِكر صائب لديهم ولا نباهة ولا حذاقة في معرفة الأمور، عديمي الاطلاع، قليلي الخُبرة والتجربة في عقد الصفقات والمعاملات، ثُمّ يطلب (عليه السلام) أن يكون الاختيار على الكُتّاب غير تابعٍ لرغبةٍ خاصّةٍ لدى الوالي، أي: تابعٌ للمواصفات العالية التي طرحها الإمام (عليه السلام)؛ لأنّ إدارة البلد ومُمتلكاته وصيانته من الأخطار بيد هذه الطبقة.

دقة الاختيار

في مسألة اختيار الكُتّاب تتداخل عدّة أمورٍ مهمّةٍ نظراً لحساسية الموقع وأثره، لذا فإنّ الإمام يُحذّر من الجوانب السلبيّة في الاختيار، فيقول (عليه السلام): (ثُمّ لا يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالأمانة شَيْ‏ءٌ).

ذكر السيّد الخطيب في مصادر النهج أنّ الإمام (عليه السلام) (نهاه أن يكون مُستند اختياره للكُتّاب بالتفرّس والاستنامة: أي الثقة والسكون، بل ينبغي أن يكون


ذلك بتجربة وخبرة، فإنّ كثيراً من الرجال يتقرّبون إلى الأُمراء بالتصنّع بحسن الخدمة، والتظاهر بغير ما هُم عليه. الفراسات: جمع فراسة - بكسر الفاء - وهي قوّة النَظر في الأمر). (1)

وهذه مسألةٌ نشعر بها في حياتنا المعاصرة، وذلك لكثرة المتملّقين والمتزلّفين للسلطان لغرض التقرّب والحصول على المآثر والمكانة عنده، وجلب نظره من أجل استلام جانب من إدارة البلد، وهؤلاء أشبه ما يكونون بالعناصر الانتفاعيّة، ذات الأهداف المُحدّدة التي تسعى إليها حتى ولو كان ذلك على حساب المصلحة العامّة، وهُم أقرب إلى النفاق من أيّ شيءٍ آخر، فمواضعهم خطرةٌ ومؤثّرةٌ على كيان الأُمة، وهُم لا يُمثّلون الدين ولا أهله.

ولهذا حينما اتسعت البقاع الإسلاميّة وامتدّت أطرافها فيما بعد، وحدث ما حدث من ظُلم الولاة واتباعهم للرعية، وكثرت الشكاوى وازدادت الانتفاضات والثورات لعدم وجود العدل أُسّس هناك ديوانٌ اسمه ديوان المظالم لمُتابعة مظالم الناس المُقدّمة، ولكن إذا كان حاكم المسلمين هو الظالم الأوّل في البلاد فما حال أذنابه إذن من ولاته وعمّاله؟ وما الفائدة من التظلّم لدى الديوان إذا كان الأمر هكذا؟ فالحجاج بن يوسف الثقفي من أظلم خَلق الله في زمانه على رعيّته، وهذا التاريخ يُحدّثنا عمّا ارتكبه هذا الطاغية من مآسي وأهوال ودمار، ويَعلم مَن نصبّه وهو عبد الملك بن مروان الأُموي، واقرأ ما كتب المؤرّخون عنه وعن خليفته وقِسْ على ذلك غيره ممَن تعاقب على حُكم المسلمين من بعده، فالمسألة إذن خطيرةٌ جداً على حياة الناس ومُستقبلهم، ودعائم البيت إذا لم تكن رصينةً وقويةً في البناء فسرعان ما ينهار كلّ البناء ولو بعد حين، وكذلك أعمدة

____________________

(1) مصادر نهج البلاغة وأسانيده ص399.


السلطة، فهم أركان الحُكم الذين يسيّرون أمر البلاد ويُديرون شؤون الأُمّة، وهم آذان الوالي وعينه وأياديه التي تمتدّ إلى العموم، وفكره الذي ينتفع من فيضه الناس إنّ صَلح أمرهم.

المقياسُ الحَقيقي

إنّ الأثر الحسن الخالد في أذهان الأُمة لا يأتي إلاّ من خلال التعامل الصادق والصريح معهم، ولذا يقول الإمام علي (عليه السلام): (وَلَكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ فَاعْمِدْ لأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً وَأَعْرَفِهِمْ بِالأَمَانَةِ وَجْهاً، فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلَّهِ وَلِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ) (1) أي انتبه أيّها الولي، فاعمد إلى اختيار أهل التجربة والمعرفة بما تولّوا قبل ذلك من أعمال وكانت جهودهم مشكورةً وأعمالهم حسنةً وسيرتهم جيدةً، ومع كلّ هذا فالإمام يقول: (فَاعْمِدْ لأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً)، إذن جميع الصفات المطلوبة في إدارة الأعمال مهمّةٌ، والأهمَّ منها اختيار مَن هو أحسنهم وأفضلهم وأقربهم إلى قلوب العامّة من الناس، فمَن ترك أثراً طيّباً وذِكراً محموداً، وحَمل قلباً ينبض بحلّ مشاكل المجتمع، وعمل بالعدل والحق، حسن تعامله الإنساني في الرعية فادفع إليه الأمر فهو أهلٌ لذلك.

تقسيمُ الأعمال والتنسيق الإداري

قال (عليه السلام): (وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ لا يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا وَلا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ).

هذه نقطةٌ فيها روحٌ إداريّةٌ ذات علاقةٍ بتطوّر العمل الإداري الاجتماعي،


حيث يدعو الإمام (عليه السلام) إلى تقسيم العمل حسب القدرة والطاقة لمَن يقوم بهذه الأعمال، ويطلب أن يجعل لكلّ إدارةٍ معيّنةٍ مختصّةٍ في جانب من جوانب الدولة رجلاً يُشرف عليها يكون فيها رأساً ليس فوقه أحد يقهره ويتأثر به أثناء عمله غير الوالي نفسه، أي: أشبه ما يكون بالوزارات الحاليّة، ولا يكون وزيراً مسؤولاً عن وزيرٍ آخر عدا رئيس الدولة أو الوزارة، فيستطيع أن يتحرّك بحريةٍ ويُقدّم كلّ طاقته ويُبدع بها، ويشعر بالمسؤولية اتجاهها.

ثُمّ إنّ من العقل السياسي والإداري أن لا يكون هناك عدّة مسؤوليات في يدٍ واحدةٍ، إذ لا يمكن ضبطها أو الإشراف عليها بدقّة مع تشتّت الفِكر الذي لا يستطيع أن يُفكّر ويُطوّر أو يُبدع ويُحسن طُرق عمله، (ثُمّ أمره أن يقسّم فنون الكتابة وضروبها بينهم، نحو أن يكون أحدهم للرسائل إلى الأطراف والأعداء، والآخر لأجوبة عمّال السواد، والآخر بحضرة الأمير في خاصّته وداره وحاشيته وثقاته، ثُمّ ذكر أنّه مأخوذ مع الله تعالى بما يتغابى عنه ويتغافل من عُيوب كتّابه، فإنّ الدين لا يُبيح الإغضاء والغفلة عن الأعوان والخوّل، ويوجب التطلّع عليهم). (1)

التَقسيمُ المِهَنيّ

التُجّار وذَوي الصناعات الحِرفيَّة

نأتي إلى طبقةٍ عريضةٍ أُخرى تشكّل ثقل المجتمع الاقتصادي المادّي والتجاري، هذه الطبقة هي المُهيمنة على تبادل السِلع وصناعاتها، وإيجاد الأسواق البديلة، وتغيير أماكن البيع تبعاً للعرض والطلب، وقد أعطى الإمام (عليه السلام) صفات أعمالهم وأشكالها، ثُمّ كيفية التعامل مع هؤلاء ومُتابعة أعمالهم بصورةٍ لا

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، المجلّد 17 - ص79.


تؤثّر على حركتهم التجاريّة والصناعية، وقد قال فيهم الإمام (عليه السلام): (ثُمّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً الْمُقِيمِ مِنْهُمْ وَالْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَالْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ وَجُلاَّبُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَالْمَطَارِحِ فِي بَرِّكَ وَبَحْرِكَ وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَحَيْثُ لا يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا وَلا يَجْتَرِئونَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لا تُخَافُ بَائِقَتُهُ وَصُلْحٌ لا تُخْشَى غَائِلَتُهُ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِي حَوَاشِي بِلادِكَ، وَاعْلَمْ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشاً وَشُحّاً قَبِيحاً وَاحْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ وَتَحَكُّماً فِي الْبِيَاعَاتِ).

فقد استوصى مالك وأمَرَه أن يوصي عمّاله كذلك، وقد قسّم هذه الفئة من الناس إلى تاجرٍ مقيمٍ مُستقرٍ، وتاجرٍ آخر مُضطرب، أي يدور في البلدان بماله وتجارته وبين الأسواق الأخرى تبعاً لحجم البيع والشراء، والشريحة الأُخرى هُم أرباب الصناعات والذي جاء قوله فيهم: (َالْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ) أي المُتكّسب ببدنه، الذي يبذل الجُهد العضلي.

وأعمال هذه الطبقة مهمّةٌ في حركة السوق وتبادل البضائع وجَلب السِلع من الأماكن البعيدة ونقلها وبالعكس، والتجارة بصورةٍ عامّةٍ: هي تنمية المال واستزادته عن طريق شراء السِلع بثَمنٍ رخيصٍ وبيعها بثمنٍ غالٍ أو حكرها وخزنها أملاً في فقدانها من السوق فيزداد الطَلَب عليها فيبيعها بأثمان غاليةٍ، وهذا ما حذّر منه الإمام (عليه السلام)؛ لأنّ فيه مَضرّةٌ للناس والدولة، فالعمل التجاري حُرٌّ في الإسلام، ليس عليه قيودٌ مانعةٌ ولا قوانين مجحفةٌ ولا ضرائب باهضةٌ، إلاّ بما فرضه الله تعالى أو ما يُعطيه من نفسه لضعفاء المجتمع كعملية تكافل اجتماعي، وهي إنفاق الأغنياء على حاجة الفقراء حتى يستديم المجتمع في حركته وعمرانه، وقد ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) الكثير من الأحاديث التي تؤكّد على أهميّة


التجارة، منها: ما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قوله: (إنّ التجارة تزيد العقل) (1) ، وقد سأل مرّةً عن رجل فقال: (ما حَبَسه عن الحج؟) فقيل: تركَ، وقلّ شيئه، قال - وكان متكئاً فاستوى جالساً، ثُمّ قال لهم -: (لا تَدَعوا التجارة فتهونوا، اتّجِروا بارك الله لكم). (2)

وقد ذكر ابن خلدون أنّ (التاجر البصير بالتجارة لا ينقل من السِلع إلاّ ما تعمّ الحاجة إليه من الغني والفقير والسلطان والسّوقة؛ إذ في ذلك نَفَاقُ سلعته، وأمّا إذا اختصّ نقله بما يحتاج إليه البعض فقط، فقد يتعذّر نَفَاق سلعته حينئذٍ بإعواز الشراء من ذلك البعض لعارضٍ من العوارض، فتكسد سوقه وتفسد أرباحه، وكذلك إذا نقلَ السلعة المُحتاج إليها فإنّما ينقل الوسط من صنفها، فإنّ العالي من كلّ صِنف من السِلع إنّما يختصّ به أهل الثروة وحاشية الدولة، وهم الأقلّ، وإنّما يكون الناس أُسوةً في الحاجة إلى الوسط من كلّ صِنف، فليتحرّ ذلك جهده، ففيه نَفاق سلعةٍ أو كسادها، وكذلك نقل السِلع من البلد البعيد المسافة أو في شدّة الخَطر في الطُرقات يكون أكثر فائدةً للتُجّار وأعظم أرباحاً). (3)

ثُمّ في أغلب المجتمعات يكون التجّار أُناساً مُسالمين لا يهمّهم سوى سلامة أمرهم، أمّا ما نَسمعه عن وجود رأسماليّين كِبار جدّاً يُموّلون الدول في ميزانيتها، فهؤلاء يتدخّلون عادةً في انتخاب رئيس الجمهوريّة أو رئيس الوزراء، ويَبذلون من أجل ذلك المال الكثير طمعاً بالحصول على الاستثمارات الضخمة في حالة وصول مُرشّحهم إلى السلطة، وهذه الحقيقة يجب أن لا تَمرّ على أفكارنا مرَّ الكرام؛ لأنّ العالم الرأسمالي والكارتلات الدولية والمستثمرين الكِبار والعابثين في

____________________

(1) فروع الكافي - م5 ص150 - باب فضل التجارة والمواظبة عليها.

(2) المصدر السابق - ص150.

(3) مُقدّمة ابن خلدون - ص396.


السلطات في الدولة الغربية والدول السائرة في ركابها هُم حفنة الصهاينة الذين يُسيطرون على تجارة العالم تقريباً، وبيدهم رؤوس الأموال والإنتاج النوعي للسِلع المُهمّة، وهُم الذين يُسيرون حكّام تلك البلدان، تكاد تسري هذه الحالة الخاصّة على بقية البلدان الأخرى؛ نتيجة للتطورات السياسيّة والاتصالات السريعة والعلاقات المفتوحة والأعلام المنقول بسرعةٍ إلى كلّ أنحاء العالم، كلّ ذلك وحالة التمثّل بكبار التجّار والرأسماليين وطعماً في الاستيلاء الخَفي على السلطة كما يفعل الصهاينة في العالم، إلاّ أنّ حقيقة التجار الذين يذكرهم الإمام (عليه السلام) هُم مِن الذين لا يُخاف من دواهيهم على الحاكم أو الوالي، فالعلاقة معهم غير محذورةِ المخاطر، إنّها علاقةٌ سلميةٌ.

ثُمّ أمره بتفقّد أحوالهم، وفي كلّ مكان؛ لأنّهم جزءٌ من الرعية أولاً، وأنّهم من الذين يُديرون حَركة المجتمع ثانياً، وبحركته تزداد الأموال والأرباح، وبازدياد الأموال والأرباح يزداد العمران، وبازدياد العمران تُعطي إضافاتٌ ماليّةٌ إلى خزينة البلاد، أي بيت مال المسلمين الذي سيعود على الناس حتماً بالخير والرفاهية إن أحسن الوالي استغلال ذلك في بناء مصالح رعيته ونشر الأمن في بلاده، وبهذا يتطور البلد وينمو ويصبح قوةً مُهابةً في الداخل والخارج، وهؤلاء التجّار وأرباب الصناعات (ليسوا كعُمّال الخراج وأُمراء الأجناد، فجانبهم ينبغي أن يُراعى، وحالهم يجب أن يُحاط ويُحمى، إذ لا يتخوّف منهم بائقة، لا في مالٍ يخونون فيه، ولا في دولةٍ يُفسدونها). (1)

الاحتكارُ والأضرارُ العامّة

تطرّق الإمام (عليه السلام) للاحتكار وأضراره ونتائجه بقوله: (قد يكونُ في كثيرٍ

____________________

(1) شرح نهج البلاغة م17 - ص84.


منهم نوعٌ من الشُحِّ والبُخلِ فيدعوهم ذلك إلى الاحتكار في الأموال، والحيف في الباعات) (1) ، والاحتكار: هو أن يقوم بعضُ التجّار إلى احتكار السِلع وخزنها وإخفائها عن الناس إلى أيّامٍ محسوبةٍ تنقص فيها الأشياء وتقلّ ويزداد الطلب على البضائع، فيضطر المُحتاج إليها لدفع أثمانٍ عاليةٍ من أجل الحصول عليها، والاحتكار هو عملٌ غير أخلاقيٍ في المجتمعات، لا بل إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد نهى عنه؛ لأنّه يضرّ بالمجتمع ويخلق نوعاً من البلبلة في صفوف الناس ويؤدّي ذلك حتماً إلى فساد العامّة في تعاملهم، (وممّا اشتهر عند ذوي البصر والتجربة في الأمصار أنّ احتكار الزرع لتحيّن أوقات الغلاء مشؤومٌ، وأنّه يعود على فائدته بالتّلف والخسران، وسببه والله أعلم أنّ الناس لحاجاتهم إلى الأموال مضطرّون إلى ما يبذلون فيها من المال اضطراراً، فتبقى النفوس مُتعلقةً به، وفي تعلّق النفوس بمالها سرٌّ كبيرٌ في وباله على مَن يأخذه مجّاناً لعلّهُ الذي اعتبره الشارع في أخذ أموال الناس بالباطل، وهذا وإن لم يكن مجّاناً فالنفوس متعلّقة به لإعطائه ضرورةً من غير سعةٍ في العُذر فهو كالمكره، وما عدا الأقوات والمأكولات...). (2)

إنّ رعاية الطبقات الضعيفة من المجتمع وعدم الإضرار بها هي من أُسس ومبادئ الإسلام وعناوينه البارزة، حيث قال الإمام علي (عليه السلام) (وَذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلَى الْوُلاةِ، فَامْنَعْ مِنَ الاحْتِكَارِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) مَنَعَ مِنْهُ، وَْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً بِمَوَازِينِ عَدْلٍ وَأَسْعَارٍ لا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ، فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكِّلْ بِهِ

____________________

(1) شرح النهج - م17 - ص84.

(2) مقدمة ابن خلدون، ص397.


وَعَاقِبْهُ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ). (1)

الأمر واضحٌ والكلمات لا تحتاج إلى كثير من التفسير، فالإمام يطلب منع الاحتكار والوقوف بوجه المُحتكرين، لأنّ رسول الله قد منع ذلك ونهى عنه.

ثُمّ هناك إشارةٌ أودّ أن أطرحها أمام القارئ، هي أنّ الإسلام حينما يمنع لا يعني أنّ مذهبه اشتراكيٌّ، وهدفه القضاء على أصحاب البيع والإنتاج، وجعل السوق المحليّة حِكراً على الدولة، فالدولة هي مركز الإنتاج والاستيراد والتصدير، ومركز توزيع على الوسطاء الذين ليس لهم أمرٌ سوى البيع بالسعر المُقرّر وتحديدهم في مكانهم، فلا نموّ ولا تقدّم ولا استثمار، فهذه الحالة تجعل من المجتمع مجتمعاً خاملاً اقتصادياً، قليل النموّ، بعيداً عن التنافس الحرّ الذي يُعطي للسلعة جودةً خاصةً من خلال هذا التنافس، كما أنّ له تأثيراً مناسباً على الأسعار؛ لأنّ كلا المطلبين - الجودة والأسعار - لهما أثرٌ مباشرٌ على السوق وحركة المجتمع، وحركة المجتمع وتطوّره يأتي من خلال رعاية حركة الإبداع وتطويرها، أو حُريّة السوق في التعامل والإنتاج وتشجيعهم، وجعل التجارة حرّة مع وجود جهاز سيطرةٍ على الأسواق؛ تحرزاً من التلاعب بالأسعار وسوء الاستفادة والجشع الذي يتميّز به البعض، فلا يُترك السوق بدون مراقبةٍ عامّةٍ ومركزيةٍ، مع اتخاذ الإجراءات القانونيّة المُحددة بحقّ المُخالفين والمحتكرين والطامعين والمتجاوزين على حقوق الناس، دون التدخل في حركة السوق بصورةٍ مباشرةٍ، وعلى ضوء ذلك (فإنّ حُريّة الفرد في التجارة والصناعة تكون مشروعةً ومحميّةً ومُحترمةً شرعاً ما دامت تُحقّق مصلحته المشروعة ولا تضرّ بالآخرين، ولكن هذه المشروعيّة تقف عند النقطة التي يبدأ منها الضَرر في مصلحة الجماعة، وذلك تحقيقاً لقواعد ثابتةٍ

____________________

(1) نص العهد للأشتر.


وأصيلةٍ في النظام الإسلامي، كقاعدة: (درء المفاسد مُقدّم على جلبِ المنافع)، أو قاعدة (يُتحمّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام)، أو ما يجيز للدولة - على ما نرى - أن تتدخّل لتنظيم التجارة والصناعة والزراعة بما يُحقّق مصلحة الفرد وحريته التجارية من جهةٍ ويدرأ المفسدة أو الضرر عن الجماعة من جهةٍ ثانيةٍ، وبذلك يُحقّق مصلحتها أيضاً، فصفوة القول: إنّ حريّة التجارة والصناعة في النظام الإسلامي ينتظمها أصلٌ وقيدان، فالأصل: حريّة التجارة والصناعة، والقيدان هما: (الحلّ الشرعي، وعدم الإضرار بالجماعة). (1)

ثُمّ يطلب الإمام (عليه السلام) أن يكون البيع سمحاً تابعاً لموازين عادلةٍ لا تضرّ، وأسعاراً مناسبة غير مجحفةٍ بالطرفين البائع والشاري، ثُمّ إنّ مَن لم يلتزم بذلك الأمر واستمر في احتكاره أو سعى إلى الاحتكار وخالطه من بعد نهيه عن عمله هذا وأمرته بالاستقامة، فعاقبه، فمن الملاحظة أنّ المبادئ العامّة للدين الحنيف هي الإرشاد ابتداءً وتقديم النُصح، وإفهام المُخلّ بشرائط عمله وتوجيهه إلى الطريق الصحيح، هذه أُسس ومبادئ الإنسانية المتقدّمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقبول العذر إن اعتذر، وإلاّ فالعقوبة حَسب حَجم الجريمة المُرتكبة، بالإضافة إلى ما وضّحته لنا الرسالات العمليّة للعلماء والمراجع العظام والكُتب الفقهية حول مراحل ومراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث تجد هذه المراحل والمراتب يضعها علماء النفس والاجتماع في نظرياتٍ خاصةٍ بذلك بمضمونٍ واحدٍ ولُغاتٍ مُختلفة، وتُطرح للعالم للأخذ بها من أجل تقدّم المجتمع وتطوّره، ومَن يستوضح أكثر فليُراجع الكُتب الفقهيّة المُعتمدة لدى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) يجد ما يطمح إليه ويرجوه من علومٍ اجتماعيةٍ ومعارف نفسيّة.

ثُمّ يؤكّد

____________________

(1) النظام السياسي الإسلامي مُقارناً بالدولة القانونية ص137.


الإمام بأن لا تكون العقوبة قاسيةً، حيث يقول ابن أبي الحديد: (وأمره أن يؤدّب فاعل ذلك - المُحتكر الذي لم ينتهِ من عَمله - من غير إسراف، وذلك أنّه دون المعاصي التي توجب الحدود، فغاية أمره من التعزير الإهانة والمَنع). (1)

الصِناعة

يكاد يكون الترابط وثيقاً بين الصُنّاع والتُجار؛ لأنّ الاثنين يُسيّران حركة السوق، بالإضافة إلى الإنتاج الزراعي، فالتجّار بأموالهم والصُنّاع بأيديهم والفلاّحون بإنتاجهم يُكوّنون جميعاً حركة السوق التجارية.

وهناك بيعٌ وشراءٌ فيما بينهم، وما يؤول على التجّار يسري على أهل الصناعة، والصناعة كما هو معلوم في ذلك الزمان هي يدويّة الصنع بدائيّة التركيب، تطورت نتيجةً لتطوّر ورُقي الحضارة في المُدن، فاتسعت دائرة الطلبات على المواد المصنوعة والمنسوجة؛ فانتشرت دكاكين الصنّاع وأصبحت حاجة المجتمع في بداية الأمر ضروريةً لتلبية الطلبات، ثُمّ هرولة الناس وراء المواد الكماليّة نتيجةً لحالة التَرَف والراحة والدِعة والاستقرار في الأمصار، ووجود الأموال بكثرة في أيدي الطبقات المُترفة وأصحاب السلطة والبطانة التي اتّسع حَجمها فيما بعد.

فإذن، هُم صِنفٌ من المجتمع مُتحركٌ ومحرّكٌ، ويحتاج إلى موضوعٍ منفردٍ لعلاقته بدراستنا الاجتماعيّة، وخاصّة إذا ما علمنا أنّه يتعلّق بحياة المجتمع المدني بالدرجة الأولى، ومعرفة ماهيّة هؤلاء الصُنّاع وأصلهم يحتاج إلى تتبّع الحركة الصناعيّة وبناء المُدن في الحضارات السالفة، لأنّ الصناعة لم يكن تعلّمها سهلاً

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - م 17 - ص 85.


آنذاك إذا ما علمنا أنّها يدويّةٌ وتحتاج إلى خُبرةٍ وتجربةٍ عِدّة سنوات، وإن لم يكن تعلّمها من الصغر تتوارثها العوائل من الأب إلى أولاده وأحفاده، ثُمّ هناك بعض الصناعات يُحتقر الإنسان العامل بها، وليس له منزلةٌ بين المجتمع، بحيث استمرت هذه النظرة وانتقلت إلى مُجتمعاتنا، وأصبحت أعرافاً اجتماعيةً لم تنقرض، إلاّ قبل أربعة عقود تقريباً في بعض المناطق من الدول الإسلاميّة، إن لم يكن بعضها لا زال مُتداولاً في بعض المناطق المتخلفة والقَبَليّة.

وقد أدركنا بعض هذه المفاهيم الخاطئة لدى المجتمع، فالاحتقار الاجتماعي هو صفةٌ ذميمةٌ وبعيدةٌ كلّ البُعد عن أصل المبادئ الإسلاميّة والإنسانية والخُلقيّة، وهذه متأتيةٌ إمّا من عاداتٍ وأعرافٍ قديمةٍ أو روّج إليها مَن رفضوا المُساواة بين البشر، والحقيقة أنّه لا فَرق بين هذا وذاك إلاّ بالتقوى والعمل الصالح.

النظرة العامّة للصنّاع عند اليونانيّين القُدماء

في الحضارة اليونانيّة القديمة في أثينا كانوا يعتبرون أنواع المِهن (دنيئة) (وها هوذا زنوفون يتحدّث في زهوٍ وفي غير مُجاملةٍ بوصفه واحداً من طبقة الفُرسان، فيقول: إنّ الجماعات المُتمدّنة ترى أنّ ما يُسمّونه بالفنون الإليّة الحقيرة تزري بصاحبها... وهي مُحقّةٌ في نظرتها هذه، ذلك بأنّ العَمل فيها يهلك أجسام القائمين به، سواء فيهم العمّال ومَن يُشرفون عليهم، فهي تضطرّهم إلى أن يقضوا وقتهم جالسين في نورٍ ضئيلٍ أو جاثمين أيّاماً طوالاً أمام الأفران، وهذا الضعف الجسمي يصحبه على الدوام ضعفٌ نفساني، وفوق هذا وذاك فإنّ ما تتطلّبه هذه الفنون الآليّة الحقيرة من الوقت لا يترك للمشتغلين بها فراغاً يُنفقونه في مطالب الصداقة أو الدولة. وكان ينظر إلى التجارة هذه النظرة نفسها، فكان اليوناني الارستقراطي النزعة أو الفيلسوف لا يعدّها إلاّ وسيلة لجمع المال مع إلحاق


الأذى بمن يُجمع منهم، وهو في رأي هذا وذاك لا تبغي خَلق السِلع، بل كل ما تبغيه هو شراءها رخيصةً وبيعها غاليةً، ولهذا فما مِن مواطن خليقٍ بالاحترام يرضى أن يعمل فيها). (1)

العربُ في الجاهليّة والحرف الصناعيّة

إنّ مَن يقرأ التاريخ القديم يجد أنّ العرب قبل الإسلام احتقروا الصُنّاع أيضاً، ونظروا إليهم نظرة استخفافٍ واستهجانٍ، (والحرف، أي العمل باليد، من الأمور المُستهجنة عند الأعراب وعند أكثر العرب أيضاً، فلا يليق بالعربي الشريف الحُرّ أن يكون صانعاً؛ لأنّ الصنعة من حِرف العبيد والخَدم والأعاجم والمستضعفين من الناس). (2)

تطابق واختلاف

هناك حالتان تصور وضع المجتمع الطبقي، واحدة في أثينا القديمة والثانية عند العرب قبل الإسلام، والرابط بين الاثنين هو ازدراء الصُنّاع، لكن ما الذي جمع بين النظريتين في الدولة الأثينية القديمة والجاهلية الأولى؟ الحقيقة لا أعتقد أنّ هناك توافقاً سابقاً بهذا الشأن، وأنّ محور الربط بين النظرة الواحدة اتجاه الصنّاع الصراع الطبقي الموجود في كلّ مجتمع من هذه المجتمعات، ثُمّ الفراغ العقائدي السماوي الذي يُساوي بين الناس، بل إنّ الأديان دأبت على تشجيع العمل بين الأفراد، وإلاّ لو كان هناك مصدرٌ فكريٌّ واحدٌ لهذا التمييز الطبقي لظهر في جميع الجوانب الاجتماعية الأُخرى، إذ إنّ اليونانيين القدماء احتقروا الصنّاع والتجار

____________________

(1) ديوارنت - ول وايريل - قصة الحضارة ص 62 المجلّد الرابع، ترجمة محمد بدران 1408 - 1988، بيروت.

(2) علي - الدكتور جواد - المُفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج7 ص 26 الطبعة الثانية 1413 - 1993.


وأصحاب المصارف في آنٍ واحدٍ ولم يُسمح لهم بالانتخاب، في حين أنّ العرب قبل الإسلام كانت تزدري الصنّاع وأصحاب الحِرف في حين كانت تنظر إلى التجّار نظرة سُموٍّ وعُلوٍّ وتقدير، بل مارس أغلبهم العمل فيها.

إذن، المهنة الرئيسيّة كانت التجارة، ولهم أسواقٌ خاصّةٌ بذلك، (لقد كان الجاهليّون مثل غيرهم من الشعوب السامية نشطين في عالم التجارة. والتجارة تكاد تكون الحِرفة الوحيدة عند العرب التي لم ينظر العربي إليها وإلى المُشتغل بها نظرة استهجانٍ وانتقاصٍ، بل اعتُبرت عندهم من أشرف الحِرف قَدراً ومنزلةً، ونُظر إلى التاجر نظرة تقديرٍ وإجلالٍ، مع أنّها حِرفةٌ مثل سائر الحِرف، فيها من الحِيَل والخداع واللعب على الناس ما في أيّة حِرفةٍ أخرى، وفيها عمل وجهد على نحو ما نجد في الزراعة أو الصناعة، ولكنّها نظرةٌ واجتهادٌ إلى الحياة، وظروفٌ طبيعيةٌ جعلت العرب تجاراً في الغالب، فشرّفوا التجارة على غيرها من الحِرف وقدّموها في المنازل والدرجات، وقد بقيت على هذه المنزلة والدرجة في الإسلام كذلك، وأُشير إلى شرفها وسُموّ منزلتها في كُتب الحديث، ممّا يدلّ على ما كان للتجارة من منزلةٍ في نفوس الناس). (1)

على أنّ هذا لم يُعطنا العلّة من احتقار الصناعة واتخاذ التجارة، فالذي أعتقده أنّ مكّة المُكرّمة لَعبت دوراً بارزاً في تنمية التجارة والتشجيع عليها من خلال وجود المواسم الدينيّة الكُبرى، حيث تهرع القبائل العربية من كلّ حدبٍ وصوبٍ لأداء المراسيم الدينية في الأشهر المُعينة من السَنَة، وهذا يتطلّب بضائع جاهزةٍ للبيع والشراء حتى لا يتأخر البدوي في عودته إلى محلّه، فيأتون له بالبضائع من بلاد الروم وفارس حيث الصناعة المتطوّرة هناك، ثُمّ بعد ذلك لم

____________________

(1) المُفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام م7 ص227.


يألف العرب الحِرف الصناعية بمعناها الكامل، فمثلاً في مجتمعاتنا قبل عدّة عُقود من الزمن - وليس ببعيد ذلك - كان بعض الصُنّاع تُحتقر أعمالهم، مثل الحائك الذي لا ينظر إليه بمنزلة اجتماعية إن لم يكن يُزدرى في بعض الأحيان، وكذلك بعض الصناعات الأُخرى، وفي حقل الزراعة أيضاً الذي سنتكلّم عنه في فصلٍ قادمٍ إن شاء الله.

وقد بحثتُ عن أصل ذلك في الكُتب التاريخية وما ورد عن الحضارات السابقة؛ لنربط ذلك مع موضوعنا الذي أكّد عليه إمامنا (عليه السلام)، والمقارنة بين القِيَم الاجتماعية التي طرحها الإمام (عليه السلام) والأعراف والعادات والتقاليد الموروثة في المجتمعات ومن ضمنها المجتمع العربي.

لقد كان إنسان الجزيرة العربية في غنىً عن الأمور والأعمال التي تحتاج إلى فنٍّ وممارسةٍ وخبرةٍ، فهو حينما يذهب إلى الحواضر يجد ما يحتاج إليه جاهزاً، فكان لا يرغب بتعلّمها، حيث إنّ المِهن تُقيّد حركته وتنقّله في البوادي، بالإضافة إلى النظرة السلبيّة العامّة، فلم يسع إلى العمل فيها ولم يُكلّف نفسه في التحري عن كيفيّة تصنيع المواد الأوّلية، وبالتالي ضعفت حيلته فقهرته فابتعد عنها فتركها لغيره، ثُمّ إنّه قبل الإسلام حينما دعت الحاجة إلى المواد المُصنعة هاجر أهل المِهَن الصناعيّة إلى الجزيرة العربيّة من العراق وإيران وبلاد الروم الذين وجدوا في الفراغ الصناعي عند أهل الجزيرة وما جاورها خير مكسبٍ يرتزقون به؛ لعدم معرفة أهل المنطقة بفنّ الصناعة، وعدم قبولهم تطويع أنفسهم لتعلّم هذه الحِرف، الأمر الذي جعل هؤلاء الصنّاع يكسبون الأرباح والمغانم لانفرادهم بهذه المهنة، وعدم وجود مُنافس لهم، وللخبرة العريقة التي كانت لديهم، بالإضافة إلى أنّ أصحاب هذه المهن أخذوا يستخدمون العبيد والضُعفاء والهاربين من بلادهم، وهؤلاء غالباً ما يكونون مقطوعي الأثر عن أهلهم وبُلدانهم مقابل عرب


الجاهليّة الذين كانوا يعتزّون بقبيلتهم وأصلهم ونَسبهم الذي يمتدّ إلى عدّة أظُهرٍ من الأجداد، وأنسابهم هذه جعلتهم يستهزئون بل يسخرون ويحتقرون مَن لا أصل له ولا قبيلة تحميه، حيث كانت عندهم العصبيّة القبلية في أُوجها، وبما أنّ هؤلاء الصنّاع كانوا من الأجانب المقطوعين الأصل سرى عليهم الاستهجان والاحتقار، فأصبح أشبه ما يكون بالعُرف الاجتماعي السائد بين المجتمع، فلا يقوم بهذه الأعمال إلاّ مَن هو وضيعٌ وخسيس النسب، فالصناعات إذن خاصّةٌ بهؤلاء ولا تَليق بغيرهم، بحيث أصبح العرب في الجاهليّة ينظرون تلك النظرة إلى أصحاب هذه المهن، وربما يكون ما أوردناه هُنا هو الرأي الأصح.

الإسلام والحِرف

لقد جاء الإسلام بمفاهيم إنسانيّةٍ إلهيّةٍ جعلت من الأفكار المُتخلّفة الجاهليّة موضع السُخريّة والرفض، وأعطت المفاهيم الجديدة لصور الحياة الاجتماعيّة، والتي رفعت من شأن العامل والصانع وغيره بنظرته الإنسانية العالميّة وإلغائه العصبيّة القبليّة، وجعلت من ذلك الأعرابي الذي كان يُفضّل قبيلته على كلّ شيءٍ إنساناً يعتزّ بإسلامه، ويفخر بأنّه ينتسب إليه لا إلى غيره، وذكر أنّ عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: (إنّي لأرى الرجل فيعجبني، فأقول: هل له حرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط من عيني). (1)

في كلامه هذا (عليه السلام) قلبَ كلّ الموازين الطبقيّة، وأعطى دفعاً معنويّاً للصنّاع وأهل الحِرف، وكذلك فقد أعطى أئمّةُ أهل البيت (عليهم السلام) دفعاً معنوياً كبيراً للرجل الذي له عملٌ معينٌ، فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قوله إنّ (الكادّ على عياله

____________________

(1) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام - م7 - ص505.


كالمجاهد في سبيل الله) (1) ، ورغم كلّ ما ذكرناه، فهناك نقص في المعلومات الكاملة عن هذه المجتمعات والطبقات الموجودة فيها، وقد اطّلعنا على بعض الحقائق التاريخية التي تُدلّل على أنّ بعض المجتمعات لا تُزوّج الصنّاع النساء، ولا يتزوجون منهم لاحتقار حِرفهم، وتكاد هذه الحالة أن انقرضت في أغلب مُدُنِنا الإسلاميّة، في حين أنّ الإمام (عليه السلام) طلب رعايتهم والاهتمام بهم لعلاقتهم بحركة المجتمع وكيان الأمة، ثُمّ إنّهم صنفٌ متقدّم يُساعد على عمران البلاد، وكما هو معلوم أنّ كتبنا التاريخية، أي المصادر الرئيسية وأُمّهات الكتب ما عدا الدراسات المعاصرة لم تكتب سوى تاريخ النُخبة وترفِهم ولهوهم، وكم جاريةٍ لديهم، وكم قصر عندهم، وما يأكله السلطان، ثُمّ التحدّث عن عدل الخليفة الوهمي أو الصور المزيفة عن عدالة خلفاء بني أُميّة وبني العبّاس؛ لأنّ أغلب تلك الكُتب دوّنت في حياة هؤلاء السلاطين وتحت رعايتهم الماديّة ودعمهم المعنوي للمؤرّخين، وأهملوا كتابة التاريخ الاجتماعي للناس وحياتهم وصنوف وطبقات المجتمع وما يعملون وما يُنتجون والحالة الاقتصادية والمدنيّة السائدة آنذاك، سوى ما كتبه ابن خلدون في مُقدّمته وما تبعه في القرون الأخيرة من المؤرّخين والكُتّاب والمستشرقين أمثال ادم متز في كتابه (تاريخ الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع) الاجتماعية، فخلاصة الأمر أنّ الوضع الاجتماعي لم يتبدّل بسرعةٍ بعد قيام الإسلام، حيث انشغال المسلمين الأوائل بالفتوحات الإسلاميّة الكُبرى، وعدم توجههم إلى أمور قد استغنوا فيها عن التكلّف في البحث عنها أو تصنّيعها، حيث دخلوا البلدان العامرة بالصناعات وفنونها، وإنّ الكثير من أهل البلاد المفتوحة

____________________

(1) فروع الكافي - م5 - ص90 - باب من كدّ على عياله.


أصبحوا مسلمين، وقسمٌ آخر بقي على دينه، سواء كان من أهل الذمّة أو غيرهم من القوميات والشعوب المفتوحة، وهؤلاء - كما قلنا - قد تفنّنوا في الصناعة والعُمران، وهم متخصّصون في ذلك، وعلى رغم ما جاء في الدين من مبادئ ساميةٍ إلاّ أنّه بقي هناك مَن يأنف العمل في الصناعات بل يستحقرها، ولهذا اتّسع نطاق الصنّاع من القوميّات الأُخرى والمناطق المفتوحة في الحواضر الإسلاميّة، وأبدعوا بذلك وتفننوا في بناء القصور والفُسيفساء والأواني والنجارة والحِدادة والأصباغ والأنسجة، حيث الموال الغزيرة التي تَتدفّق كلّ يومٍ على مراكز الدولة سواء كانت في دمشق أو بغداد في الفترات المتأخرة عن الخلافة الراشديّة.

عليٌّ (عليه السلام) والعملُ بصورةٍ عامّة

يقول الإمام عليٌّ (عليه السلام): (فإنّهم سِلمٌ لا تخافُ بائقته، وصُلحٌ لا تخشى غائلته، وتفقّد أُمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك)، فأمير المؤمنين (عليه السلام) يُعطي إرشاداته التطبيقيّة على ضوء المعرفة الكاملة بحياة المجتمعات، فيقول: (سِلمٌ لا تخافُ بائقته، وصُلحٌ لا تخشى غائلته)؛ لأنّ هؤلاء كانوا يعيشون تحت رعاية الدين الإسلامي، والبعض كانوا حديثي العهد بالإسلام، وجُلّ اهتمامهم في عملهم، ولم يستمِلهم الخوص في الصراعات السياسية، وكانوا أشبه ما يكون بالطبقات التي ابتعدت كُلّياً عن الصراعات والنزاعات، وما نقرأه من تدخّل بعض العناصر في الصراعات سواء من الذين دخلوا الإسلام حديثاً أو الموالي أو المُعاهدين في فترات مُتأخّرة لم يكونوا من تلك الفئات التي ذكرها الإمام وهم التجّار والصنّاع، إنّما هؤلاء فئةٌ جديدةٌ استحدثتها الأوضاع السياسيّة في البلاد الإسلاميّة، ووصول عناصر بعضها تُربّى في أحضان السلطة وتقدّم، والبعض الآخر كانت له صولاتٌ عسكريّةٍ وقياديةٍ في الجيوش الإسلاميّة، ويمتلك


بعضهم خُبراتٍ إداريةٍ أو ثقافيةٍ أوصلته إلى قصر الخليفة، وأصبح بعضهم يُحيك المؤامرات أو يُشارك فيها لسببٍ أو آخر، فهؤلاء لم يكونوا من الذين خصّهم الإمام (عليه السلام) بالذِكر من الذين تطوّروا في مِهنهم وأصبح لهم وجودٌ خاصٌ واهتمامٌ لم يكن مألوفاً؛ للحاجة الماسة إليهم، فانحاز هؤلاء إلى أعمالهم خوفاً وتحرُّزاً من البَطش بهم وسلب أموالهم وهتك حُرماتهم، بل تحوّل قسمٌ من أبنائهم إلى دراسة العلوم العقليّة والنقليّة واللغويّة، وساهموا مساهمةً جادةً في تطوير هذه العلوم وأحسنوا العمل بها، فحازوا على الحضوة والجاه لدى السلطان أو الولاة.

إذن، بقيت الصناعات وتفرّعاتها بيدهم، وذكر الشيخ المطهّري حول ذلك أنّه (لم يكن للعرب على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فنون وصناعاتٌ، وإن كان فهو لم يكن، وإنّما اقتبسوا فنون ما بين النهرين ومصر وسورية وإيران، ونجد في صحف الصين، أنّ الخلفاء الأُمويّين كانوا يطلبون أساتذة الفنّ من جميع الولايات المفتوحة، ويستفيدون منهم في بناء المُدن والقصور والمساجد، فكانوا يطلبون الأساتذة البيزنطيّين في صناعة القاشاني والفُسيفساء المعرّق لتجميل مساجد دمشق، وكانوا يجعلون عليهم أساتذةً إيرانيّين، وكانوا يستخدمون لأبنية مكّة صُنّاعاً من مصر والقُدس ودمشق، وكان هذا مستمرّاً حتى عهد العباسيّين أيضاً). (1)

فالتجارة والصناعة إذن صنوان لا يفترقان في تقدّم العمران والمدنيّة وإدارة البلاد اقتصادياً، وهما بطبيعة الحال تُساهمان سويّةً في مجالات تقدّم البُلدان وتطوّرها.

____________________

(1) مطهري - الشيخ مرتضى - الإسلام وإيران، ج3 ص17، 1405 - 1985 ترجمة هادي الغروي.


الزِراعةُ والأرضُ والزُرّاع

لقد ذكرنا في باب الخراج وعمارة الأرض عن الزراعة والأراضي الزراعيّة الشيء اليسير، إلاّ أنّنا نقول في هذا الفصل: إنّ الإسلام قد أولى اهتمامه إلى هذه المِهنة، والأرض الزراعية، وقسّم الأراضي إلى عِدّة أنواع، ووضع لكلّ قِسمٍ حُكمه الشرعي، حيث الأراضي الواسعة التي دخلت الإسلام عُنوة وفتحاً أو صُلحاً وسِلماً، ومنها الصالحة والعامرة والموات، واعتُبِرت المورد المالي الرئيسي للدولة الإسلاميّة آنذاك.

إنّ عرب الجاهليّة كانوا لا يهتمّون بهذه المِهنة وانتاجها وتنوعه، بل تكاد تبدو غريبةً على البعض، إلاّ ما غُرس من نخيلٍ وأشجارٍ مثمرةٍ حول الواحات والينابيع التي كان بعضها ينمو تلقائيّاً، وإنّ ما وُجد من مزارع في الحواضر والمُدن سواء كانت في المدينة المُنوّرة أو الطائف أو غيرها من المناطق فإنّ أغلبها مِلك لليهود والنصارى المقيمين هناك، وإذا ما كانت بعض المزارع بيد العرب فإنّ أغلبهم يستخدم الموالي والعبيد والأحباش وغيرهم ممَن كانت لهم خبرةٌ في ذلك، أو للاستخدامات الأُخرى المتعلقة بالحرث ونقل الماء وغيره، إلاّ أنّ ذلك لا يعني أنّ عموم الجزيرة العربيّة وأطرافها لا تعرف الزراعة كلّها، إنّما كانت اليمن تُسمّى باليمن السعيد لكثرة زراعتها وتنوعها، والأطراف الساحلية الأُخرى من عمان، ثُمّ بلد السواد العراق، ثُمّ بلاد الشام في هوائها العَذب وزرعها المُتعدّد الألوان ناهيك عن بلاد النيل وزراعتها، إذن ما نتكلّم عنه هو منطقة الجزيرة العربيّة بالذات، الذي تحدّث عنها المؤرّخون وقالوا في أهلها حول الزراعة: (أمّا الأعراف، فكانوا يزدرون شأنها، وينقصون من قدر المُزارع (الخضّار)). (1)

____________________

(1) المُفصّل في تاريخ العَرب قبل الإسلام - م7 - ص26.


ونجد هذه النظرة الازدرائية إلى المُزارع عند أهل الحَضَر أيضاً، حتى أنّ بعض الصحابة كرهوا تعاطي العمل في الأرض. حتى بعد الفتح، تاركين ذلك إلى أهل الذِمّة، والتعليل لذلك كما يقول الدكتور جواد علي: (وكراهة الزرع، كراهة نشأت من عدم توفّر الماء والأرض لأكثر الناس). (1)

إلاّ أنّنا لا نتوافق مع الأستاذ الكبير الدكتور جواد علي في هذا الرأي، والسبب هو أنّ المسألة عند أهل الجزيرة هي نفسيّةٌ واجتماعيةٌ اتّجاه الزراعة، وأنّ القبائل كانت لا تهتمّ إلى هذا الأمر لعدم وجود الحاجة الماسة إليه، فما يحتاجه من الحنطة والشعير يكتاله الأعرابي أيّام المواسم من الحواضر التي تجلبه من المناطق الأُخرى، ثُمّ إنّ التمر موجودٌ بكثرةٍ، بالإضافة إلى اعتمادهم على أكل اللُحوم ومُنتجات الحيوان اللبنيّة، فالثريد هو غذائهم الرئيسي، والتمر والكروم هو فاكهتهم المُفضّلة، أمّا البقية فالأعشاب البريّة تسدّه، فالذي اعتقده أنّ تلك لم تجلب اهتمامه وتدفعه الحاجة إليها، ثُمّ إنّ العمل فيها كما في الصناعة يقوم به العبيد والموالي وأمثالهم، فهو لا يعتقد بشَرف تلك المِهنة وبوجود هؤلاء فيها، بعد ذلك إن القبليّ آنذاك كان همّه الغزو والقتال والغارة والغنيمة وأخذ الثأر، فلم يلتفت إلى هذه الناحية التي يعتبرها وضيعةً ويقوم بها غيره ممَن جُلبوا للعمل فيها من المناطق الأُخرى، ثُمّ عدم ثبات السَكن بالنسبة إليهم حيث إنّ لأغلبهم مواسم مُعينة ومناطق خاصة يتنقّلون فيها طلباً للماء والكلأ، وإنّما يكون الاستقرار في المُدن وقُرب الواحات الكبيرة والعيون الغزيرة، فكان ينظر إلى أهلها نظرة سخريّةٍ واستهزاءٍ؛ لأنّها تقف حائلاً بوجه الأصالة والشجاعة والبطولة التي لا تكون إلاّ من خلال الغزو المُستمر حسب اعتقاده، ثُمّ بعد ذلك إنّها كبقيّة المِهن

____________________

(1) المصدر السابق ص26.


تحتاج إلى خُبرةٍ وتمرّسٍ بمعرفة التُربة والبذور والمواسم الزراعيّة وتنشئة الزرع، ومراقبته، وتربيته التي لا يعرفها أغلبهم، فهو يعرف النخلة تُشتل وتُلقّح تلقائيّاً أحياناً، أو الأشجار التي تُغرس وتنشأ ذاتيّاً وهي تتحمل العطش الصحراوي، ومن خلال وجود هذه الحالات ولعدم معرفته بخصائص العمل الزراعي تجعله يزدري العمل به، وهذه حالةٌ نفسيّةٌ لدى الكثير من الناس حينما يحتاج إلى أمرٍ ما وهو لا يستطيع الوصول إليه أو الحصول عليه، فيُحاول أن يُقنع نفسه بأنّ هذا الشيء غير مفيد أو غير صالح، لا بل يبدأ يحتقره ويستهزئ بأمره، ليس كُرهاً له إنّما لأنّه لا يستطيع إدراكه، فيبقى ينظر إليه نظرةَ استخفافٍ ذاتيٍّ، ويحاول أن يُقنع نفسه بالعزوف والترفّع عنه وكراهيته إن أمكن، وأنّه لو أراد لاستطاع، ولكن في حقيقة الأمر لا يستطيع فعل شيءٍ، ويُقنع الآخرين بصواب رأيه إلى أن تتسع هذه الحالة النفسيّة البسيطة إلى حالةٍ اجتماعيةٍ وعُرف سائد، وقد أعطانا أمير المؤمنين (عليه السلام) صورةً لمثل هذا النوع من الناس (وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُؤُولَةُ نَفْسِهِ وَانْقِطَاعُ سَبَبِهِ فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ، فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أهل الزَّهَادَةِ وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَلا مَغْدًى). (1)

أبو جهل بعقليّته الجاهليّة

إنّ عمليّة الاحتقار لبعض المِهن عند بعض الناس اتخذت أشكالاً مُتعدّدة واتّسعت دائرتها، واعتبر البعض أنّ هذا الاستخفاف والسخرية بتلك المِهَن صفةٌ من صفات الأصالة والسُموّ (وقد استغلّ أهل الحواضر - وهُم قِلّةٌ - ما أنف منه أهل البادية - وهُم الأكثريّة - في الجزيرة العربية، فكان منهم الزُرّاع كأهل المدينة

____________________

(1) نهج البلاغة - ص75، تحقيق د. صبحي الصالح.


والتُجّار كأهل مكّة، غير أنّه بمعنى أشمل ظلّت كثيرٌ من المِهن والحرف مزدراةً يُعيَّر بها أصحابها، فالتميميّون - بني تميم - كانوا يُعيّرون الأزديين بأنّهم بحّارةٌ، لأنّ أبناء عمومتهم في عُمان كانوا يشتغلون بالملاحة، والقرشيّون كانوا يحتقرون أهل المدينة لأنّهم زُرّاع، وحين لقيَ أبو جهلٍ مصرعه في غزوة بدر، لم يُؤسف على مقتله بقدر ما أُسف على انتهاء حياته بيد المسلم الأكار (الفلاح)، إذ يقول وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: (فلو غير أكار قتلني)، أراد به احتقاره وانتقاصه، أي: كيف مثل الأكار يقتل مثل أبي جهل؟!

كذلك قال أبو جهل عندما ارتقى ابن المسعود - الصحابي الجليل - عنقه: (لقد ارتقيت مرتقىً صعباً يا رويعي الغنم)، وهو قولٌ يعكس احتقار أبي جهلٍ العربي القرشي للإجارة على رعي الغنم وما أشبه من الإجارات، مَثَلُه في ذلك كَمَثل ما يُسمّون بـ (أشراف العرب) أي: الذين يترفّعون عن كلّ حِرفةٍ، أَوَلَم يعلم أبو جهل - لعنه الله - وأشراف العرب بأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يرعى غنم أهل مكّة مُقابل بضع قراريط بجانب احتقارهم للعمل والمهن والحِرف؟! كانت العرب تبجّل الشعراء الذين يمدحون الناس مقابل الدراهم). (1)

زراعةُ الخضرواتِ والنَظرةُ الاجتماعيّة

إنّ الاحتقار والازدراء لا ينحصر في جانبٍ واحدٍ، بل تعدّى إلى زارع الخضروات أيضاً، ولا تعجّب من ذلك وأكثر من هذا، إنّ مَن يزرع الطماطم (البندورة) وبقيّة الخُضر كان يُنظر إليه نظرةَ استخفافٍ وسخريةٍ نتيجةً للجهل والتخلّف بين أغلب أهل الريف آنذاك، حيث كانوا يزرعون الحنطة والشعير والرُز وبقيّة الحبوب ولا يزرعون الطماطم، بل إنّ بعضهم لا يأكلها، حيث يعتمدون على

____________________

(1) النفيسي - الدكتور عبد الله - في السياسة الشرعية ص49، الكويت 1405 هـ - 1984م.


السمن الحيواني والرُز والثريد، ويستهزئون بابن المدينة الذي يأكل الطماطم بأنّه لا أهليّة له ولا شجاعة ولا يفهم من الأمور الاجتماعية شيئاً؛ بسب أكله هذه المادّة، وأنّ مَن يزرعها ليست له منزلةٌ اجتماعيةٌ بين العشائر، وهذا ما أدركناه في أيّامه الأخيرة في العراق، إلاّ أنّه انقرض وأصبح كأنّه شيءٌ لم يكن، إلاّ عند بعض العقول المُتخلّفة جداً والمتمسّكة بأعرافها القديمة، وإلاّ إنّ أغلب مناطق العراق الآن تزرع الطماطم والخضروات، فبعد ما زالت الأسباب التي تُسيطر على أفكار الناس انتهت هذه الحالة العُرفيّة المستهجنة فعلاً، وعَقلَ الناس الكثير من الأمور وأدركوا سخافة الآراء التي كانوا يتلبّسون بها، وتوجّهوا بصورةٍ طوعيّةٍ إلى الأخذ بالآراء الصحيحة، وشعروا بالنقص الشديد نظراً للحاجة الواسعة، ثُمّ أحسّوا باعتقاداتهم الخاطئة بعد زوال المؤثّر النفسي والاجتماعي وقبول المجتمع ككلٍّ هذا التحوّل في الأعراف الاجتماعيّة.

الرسولُ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والعمل الزراعي

إنّ المبادئ الإسلاميّة بشخص الرسول العظيم محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أعطت أهميّةً قصوى للزراعة والمزارعين، ودعا إلى الاهتمام بالأرض لأنّها مصدر الخير والبركة، وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خير دليلٍ على ذلك: (مَن كانت له أرضٌ فليزرعها، فإن لم يستطع أن يزرعها وعَجز عنها فليمنحها أخاه المسلم، ولا يُؤجّره إيّاها) (1) .

(وظهر من روى عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: الزراعة أفضل المكاسب؛ وذلك لِما فيها من عموم الانتفاع، حتى منهم من فضّلها على التجارة للتوسعة على الناس، ولِما للقوت الذي يأتي منها من صِله بحياة الناس، ومع ذلك بقي

____________________

(1) الصالح - الدكتور صبحي - النظم الإسلاميّة نشأتها تطوّرها ص 379 الطبعة السادسة.


العُرف الجاهلي مسيطراً على عقليّة السادة الكبار، من افتخارهم بحيازة الأرض، ومن ازدرائهم من الاشتغال بأنفسهم بها، فكانوا يستخدمون العبيد للعمل بالأرض، أمّا هم فقد خُلقوا ليكونوا سادةً، عملهم امتلاك الأرض، وقد ظَهر من هؤلاء جيلٌ امتلك أراضاً واسعةً في البلاد المفتوحة شغّل فيها أهل الذمّة، والنبط سكان الأرض المفتوحة، ومئات وآلاف من الرقيق والعبيد) (1) ، وقد كان الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) يؤكّدون على أهميّة الزراعة حتى رُوي عنهم (عليم السلام) قولهم: (الكيمياءُ الأكبر الزراعة) (2) ، بل أعطوا المقامات السامية للمُزارعين قولهم: (الكيمياءُ الأكبر الزراعة) (2) ، بل أعطوا المقامات السامية للمُزارعين، فقد ذكر يزيد بن هارون قال، سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (الزرّاعون كنوز الأنام، يزرعون طيّباً أخرجه الله عزّ وجلّ، وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاماً، وأقربهم منزلةً، يُدعَون المباركين) (3) .

عمارةُ الأرض الزِراعيّة

لقد وجّه الإمام (عليه السلام) أنظار ولاته وعُمّاله إلى مسألة إعمار الأرض والاهتمام بالفلاحين كفئةٍ اجتماعيّةٍ لها دورٌ مباشرٌ في حياة الدولة والمجتمع بما يُقدمونه من أموالٍ خراجيّةٍ وغيرها وتأمين الغذاء للبلاد، وكانوا هؤلاء من المسلمين ومن أهل الذمّة وغيرهم، واعتبر أنّ عمران البلاد وتقدّمها ومصدر قوّتها فيما تحصل عليه من خَراج هذه الأراضي، فلا بدّ إذن من بذل المال ومساعدة أهلها في الحالات الاستثنائيّة والحوادث غير المُتوقّعة التي ربما تحدث، وقد تحدّثنا عن بعضها في فصل الخراج (وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأرض أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلابِ الْخَرَاجِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لا يُدْرَكُ إلاّ بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ

____________________

(1) المُفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام - ج 7 ص27.

(2) فروع الكافي - م5 ص261 - باب فضل الزراعة.

(3) المصدر السابق - 262.


عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلادَ وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إلاّ قَلِيلاً، فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ أَوْ إِحَالَةَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ).

إذن، الاهتمام بالأرض ومُعالجة مشاكل المزارعين هي الحلّ الأنجع لإعمار الأرض والبلاد بما تُعطيه الأرض من خيراتٍ كثيرةٍ، وقد عالج الإمام (عليه السلام) كلّ المشاكل التي قد تَحدث، متعرضاً لها واحدةً بعد أُخرى؛ لِما في هذه الحِرفة وأهلها من آثارٍ اقتصاديةٍ كبيرةٍ على البلاد والمُجتمع، وفي رسالةٍ منه (عليه السلام) إلى قرظة بن كعب الأنصاري (ره): (أمّا بعد، فإنّ رجالاً من أهل الذّمّة من عَمِلَك ذكروا (أنّ) نهراً في أرضهم قد عفا وأُدفن، وفيه لهم عِمارةٌ على المسلمين، فانظر أنت وهُم، ثُمّ أعمر وأصلح النّهر، فلعمري لئن يعمروا أحبّ إلينا من أن يخرجوا وأن يعجزوا أو (لئن) يقصروا في واجبٍ من صلاح البلاد، والسلام). (1)

إنّ قضيّةً مهمّةً كقضية إحياء أرضٍ أو كَري نهرٍ قد دُفن ومُحي أثره بفعل طمى أو غرين تجمع فيه أو ارتفاعه عن مستوى النهر الأصل فلا يصعد إليه الماء، فلا بدّ إذن من تنظيمه وتنظيفه في آنٍ واحدٍ رغم أنّ هؤلاء من المُعاهدين، إلاّ أنّ إحياء أرضهم هو فيه عمارةٌ للبلاد، وخير ذلك يعود على المسلمين، فيحثّ واليه بالتعاون معهم في إعمار وإصلاح هذا النهر، وعدم تركه ما دام لديهم همّةٌ في ذلك ورغبةٌ شديدة في إعماره التي هي أحبّ إلينا من أنّ يتركوا عجزاً ولا مُبالاة في الأمر، وبالتالي يقصروا عن عمل إحياء الأرض التي هي أهمّ الواجبات لصلاح وعمران البلاد.

____________________

(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة - المُجلّد 4، 5 ص 29.



البابُ الرابِع

المواردُ الماليّةِ

والآثار العامّة



الفصلُ الأوّل

المالُ والإعمار



كان المال ولا يزال وسيبقى كذلك العصب الحياتيّ لكيان الدول، بل العمود الفقري للبناء والإعمار والتنمية الاقتصادية.

إنّ تقدّم البلدان وازدهارها منوطٌ بقدرتها الاقتصادية، وقوّة احتياطياتها من الذَهب والعملات الصعبة المودعة في البنوك العالميّة والوطنية، حيث تكتسب العُملة الوطنيّة من خلال ذلك قوّةً شرائيّةً إضافيةً كبيرةً بفعل ذلك الغطاء المالي الكبير، وأهميّة ذلك تعود على رفاهية المجتمع وسعادته من خلال الدعم المادّي الواسع لعمليات التنمية في البُنى التحتيّة للبلد في عصرنا الحالي، ثُمّ الصرف على المواضع الأُخرى، سواء كانت تربويّةً أو عسكريةً أو صناعيةً وغيرها،

أمّا في عهد الإمام عليٍّ (عليه السلام) والفترات التي سبقته، فتعتبر الزراعة من أهمّ الموارد التي تُشبع بيت مال المسلمين بالمال اللازم للعمران، ويأتي ذلك عن طريق الخراج بالدرجة الأُولى، وينعكس ذلك إيجابياً على التطوّر الحضاري والمدني.

ولهذا اهتمّ إمامنا (عليه السلام) بالخراج ثُمّ ربطه بالإعمار، وقد عبّر عن ذلك حينما خاطب الوالي بقوله: (وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلاحِهِ وَصَلاحِهِمْ صَلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلاَّ بِهِمْ؛ لأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ، وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأرض أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلابِ الْخَرَاجِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لا يُدْرَكُ إِلاَّ بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلادَ وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ


قَلِيلاً). (1)

في هذا المقطع الهامّ عناوين رئيسيّةٍ ومعانٍ حقيقيّةٍ لعلم الاجتماع والاقتصاد بأدق التعاريف وأفضل التفاصيل، وهذا المقطع من المحاور الرئيسيّة لحديثنا عن عِلم الاجتماع عند عليٍّ (عليه السلام)، فقد اهتمّ الإمام (عليه السلام) بالحالة الاقتصاديّة، وكأنه يُناقش علم الاجتماع الاقتصادي ويُعطي الأفكار المُناسبة للعمل الصحيح، وقبل الدخول في التفاصيل أضع القارئ الكريم أمام مُقارنةٍ علميّةٍ، وليحكم ما ذُكر من أنّ ابن خلدون هو واضع الأُسس في علم الاجتماع وقال فيه قبل غيره من خلال ما عبّر عنه المتأخرون في كتاباتهم وفي عدّة مواطن، حيث قال كاتب موضوع (عِلم الاجتماع عند ابن خلدون): (رأينا أنّ ابن خلدون يربط بين الاقتصاد والمجتمع حين ربط اختلاف أحوال الناس واختلاف نِحَلهم من المعاش، ولكنّه ذهب أبعد من ذلك حينما ربط بين العمران من جهة، والعمل والأسعار من جهة أُخرى، والحقيقة أنّ العمل أساس الرزق (الدَخَل) بما يأتي والعمل والأسعار وهو خاضع في ذلك لطبيعة العمران (الحياة الاجتماعية). (2)

بعد قراءتنا لهذا المقطع نعود إلى عهد الإمام عليٍّ (عليه السلام) لمالك الأشتر، نجدان ابن خلدون قد اهتمّ بجانب المعاش الارتزاقي اليومي والعمران والأرباح والأسعار، ولكنّه لم يربط بين القدرة الماليّة في البلد وبين العمران الذي يُعتبر الأساس في البناء والعمران، وله التأثير الإيجابي على حركة السوق والأسعار وزيادة الأرباح وطلب الناس على الحاجات. وإذا قلّت موارد الإدارة الماليّة للبلد وشحّت خزينتها سينتقل الأثر السَلبي بالضرورة إلى العامّة والسوق

____________________

(1) نص العهد للأشتر.

(2) عِلم الاجتماع عند ابن خلدون - ص158، الجامعة الإسلامية، العدد الثالث - مذكور سابقاً.


ويُصيب التجارة الرُكود، وعند ذاك تدور الدورة السلبيّة على البلاد كلّها، فتنحى الدولة منحى آخر في استجلاب الأموال عن طريق التفنُّن في الضرائب، وسلب الأموال من الناس بغير حقٍّ، وذلك هو الظُلم الذي يتبعه الخراب والتدهور الاقتصادي والمعيشي، والإمام (عليه السلام) يُؤكّد على الخراج وصلاح أهله، ثُمّ إنّ صلاحه وصلاح الناس يعود على مَن سواهم - أي الوالي والولاية وبقيّة الرعيّة - بالخير، ومن هذه الصورة الموجزة نتساءل، لماذا التجاهل في ذِكر أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ أو عدم لفت النَظر إلى نهج البلاغة وما حوى من الفكر الخلاّب والمُحيّر للألباب!!.

ما هو الخَراج

إنّ الخراج: (عبارةٌ عن الأُجرة التي تستلمها الدولة عن الأرض التي تدخل في حِساب المسلمين نتيجة جهادٍ إسلاميٍّ مشروعٍ، ولمّا كان الانتفاع بسبب تلك الأمور سَمّوها - أي المنفعة - خَراجاً.

ولذا سُمّي بلسان اللُغاة بما يحصل من غلّة الأرض، كما أطلقوا على الخراج اسم الجزية أيضاً، ولمّا كانت الأرض هي المصدر الرئيسي للدولة - في حينه - كان صلاحها وصلاح القائمين عليها صلاحاً لمَن سِواهم من الرعيّة). (1)

إلاّ أنّ الماوردي في الأحكام السلطانيّة قد أعطى تفصيلاً أوضح من ذلك، حيث قال: (وأمّا الخراج، فهو ما وضع على رقاب الأرض من حقوقٍ تُؤدّى عنها وَفِيهِ مِنْ نَصِّ الكتَابِ بَيِّنَةٌ خَالَفَتْ نَصَّ الجزية، فلذلك كان موقوفاً على اجتهاد

____________________

(1) فضل الله - السيد عبد المحسن - نظرية الحكم والإدارة - ص109 - دار التعارف - بيروت.


الأئمّة، قال الله تعالى: ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ) . (1)

وفي قوله: ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً ) وجهان:

أحدهما: أجراً، والثاني: نفعاً. وفي قوله: ( فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ) وجهان:

أحدهما: فرزق ربّك في الدنيا خيرٌ منه، وهذا قول الحَسن، قال أبو عمرو بن العلا: والفرق بين الخرج والخراج أنّ الخرج من الرِقاب والخراج من الأرض.

وفي لغة العرب اسم للكراء والغلّة، ومنه قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (الخراج بالضّمان)، وأرض الخراج تتميّز عن أرض العشر في المِلك والحُكم. والأرضون كلّها تنقسم أربعة أقسام:

أحدهما: من استأنف المسلمون إحياءه، فهو أرض العشر لا يجوز أن يوضع عليها خَراج، والكلام فيها يُذكر في إحياء الموات من كتابنا هذا. والقسم الثاني: ما أسلم عليه أربابه فهُم أحقّ به، فتكون على مذهب الشافعي (رحمه الله) أرض عشر، ولا يجوز أن يوضع عليها خراج.... والقسم الثالث: ما مُلِك من المشركين عُنوةً وقهراً، فيكون على مذهب الشافعي (رحمه الله) غنيمةً تُقسّم بين الغانمين، وتكون أرض عشر ولا يجوز أن يوضع عليها خراجٌ، وجعلها (مالك) وقفاً على المسلمين بخراجٍ يوضع عليها. والقسم الرابع: ما صولح عليه المشركون من أرضهم، فهي الأرض المُختصّة بوضع الخراج عليها، وهي على ضربين:

أحدهما: ما خلا عنه أهله حصلت للمسلمين بغير قتال فتصير وقفاً على مصالح المسلمين ويُضرب عليها الخراج.

والضرب الثاني: ما أقام فيه أهله وصولحوا على إقراره في أيديهم بخراجٍ يُضرب عليهم، فهذا على ضربين:

أحدهما: أن ينزلوا عن ملكها لنا عند صُلحنا، فتُعتبر هذه الأرض وقفاً

____________________

(1) سورة المؤمنون: الآية 72.


على المسلمين كالذي انجلى عنه أهله، ويكون الخَراج المضروب عليها أجرةً لا تسقط بإسلامهم ولا يجوز لهم بيع رقابها. والضرب الثاني: أن يستبقوها على أملاكهم ولا ينزلوا عن رقابها، ويُصالحوا عنها بخراجٍ يوضع عليها). (1)

أمّا السيد الشهيد الصدر (قدس سرّه)، فيذكر: (وفي خبر حمّاد أنّ الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: (وليس لمَن قاتل شيءٌ من الأرضين ولا ما غلبوا عليه، إلاّ ما احتوى عليه العسكر...، والأرض التي أُخذت عُنوةً بخيلٍ أو ركابٍ، فهي موقوفةٌ متروكة في يدي من يعمرها أو يُحييها ويقوم عليها، على ما يُصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الحقّ النصف والثُلث والثُلثين على قدر ما يكون لهم صالحاً ولا يضرّهم)، ويعني بذلك أنّ وليّ الأمر يدعُ الأراضي المفتوحة عُنوة إلى القادرين على استثمارها من أفراد المجتمع الإسلامي، ويتقاضى منهم أجرةً على الأرض لأنّها ملك مجموع الأمّة، فحينما ينتفع الزارعون باستثمارها يجب عليهم تقديم ثَمن انتفاعهم إلى الأمّة، وهذا الثمن أو الأجرة هو الذي أُطلق عليه في الخَبر اسم: الخراج، وجاء في الحديث: أنّ أبا برده سأل الإمام جعفر عن شراء الأرض من أرض الخراج، فقال: (ومَن يبيع ذلك وهي أرض المسلمين).

وأرض الخراج تعبيرٌ فقهيٌّ عن الأرض التي نتحدّث عنها؛ لأنّ الأرض التي تُفتح وهي عامرةٌ يُفرض عليها خراج، وتسمّى لأجل ذلك أرضاً خراجيّةً، وفي رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) عليه، وهو يشرح أقسام الأرض وأحكامها: (وما أُخذ بالسيف فذلك إلى الإمام، يقبله بالذي يرى).

وعلى أيّ حال، فإنّ أكثر النصوص التي قدّمناها تُقرّر: أنّ رقبة الأرض - أي نفس الأرض - مِلكٌ لمجموع الأُمّة، ويتولّى الإمام رعايتها بوصفه

____________________

(1) الماوردي - الأحكام السلطانية - ص231 - بغداد 1989 - 1409هـ.


ولي الأمر، ويتقاضى من المُنتفعين بها خَراجاً خاصّاً، يُقدّمه المزارعون أجرةً على انتفاعهم بالأرض. والأمّة هي التي تملك الخراج؛ لأنّها ما دامت تملك رقبة الأرض فمن الطبيعي أن تملك منافعها وخراجها أيضاً.

والنتيجة التي نخرج بها من كلّ ذلك هي: أنّ الأرض المفتوحة مملوكةٌ بالملكيّة العامّة للمسلمين إذا كانت عامرةً حال الفتح، وهي باعتبارها ملكاً عاماً للأمّة، ووقفاً على مصالحها العامّة، ولا تخضع لأحكام الإرث، ولا ينتقل ما يملكه الفرد المسلم منها - بوصفه فرداً من الأمّة - إلى ورثته، بل لكلّ مسلمٍ الحقّ فيها بوصفه مسلماً فحسب، وكما لا تورث الأرض الخراجيّة ولا تُباع أيضاً؛ لأنّ الوقف لا يجوز بيعة، فقد قال الشيخ الطوسي في المبسوط: أنّه (لا يصحّ التصرّف ببيعٍ فيها وشراءٍ، ولا هبةٍ، ولا مُعارضةٍ، ولا تمليكٍ، ولا إجارةٍ ولا إرثٍ).

وقال مالك: لا تُقسّم الأرض، وتكون وقفاً يُصرف خراجها في مصالح المسلمين، من أرزاق المُقاتلة وبناء القناطر والمساجد، وغير ذلك من سُبل الخير). (1)

لقد ارتأينا توضيح الآراء الفقهيّة حول الأرض الخراجيّة رغم تعدّدها وتنوّعها والآراء والروايات الواردة فيها للتعريف بالخراج ومصادره، إلاّ أنّ هناك تطابقاً واختلافاً في بعض الأحكام بشأنها، والواضح أنّ الخراج هو مركز الموارد الماليّة للبلاد التي تصرف على أمورهم وأحوالهم العامّة.

الأموالُ العامّة والاستغلال الخاطئ

إنّ لكلّ موردٍ من الموارد الماليّة تشرياً خاصاً بها للصرف لا يمكن

____________________

(1) اقتصادنا ج2 ص 444.


التلاعب به، فقد نصّ عليه القرآن الكريم وعمل به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) من بعده، فإذا اختلّ التوازن في التطبيق دخل مدخلاً مُحرّماً شرعاً يُؤثَم به صاحبه، إذ لا مجال للعَبَث بالمُقدّرات العامّة، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يُحاسب ولاته شخصيّاً حينما يصل إليه تلاعب أحدهم بمال المسلمين، وهو أشدّ شيءٍ عليه مثلما يتأثر لسوء معاملة رعيّته أو ظُلمهم في بعض الأحيان، فهو يقول لزياد بن أبيه، وهو خليفة عامله عبد الله بن عباس على البصرة.

(وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَماً صَادِقاً لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْ‏ءِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً لأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفْرِ ثَقِيلَ الظَّهْرِ ضَئِيلَ الأَمْرِ وَالسَّلامُ). (1)

فعليٌّ (عليه السلام) يُقسم بالله هُنا، إذا بلغه خيانته - أي: زياداً - من خلال التلاعب بمال المسلمين من غنيمةٍ أو خراجٍ وأخذه له، ويقول له: لئن كان هذا المال صغيراً أو كبيراً فهو واحدٌ لديه، فيُهدّده بالعقوبة الشديدة التي لا تفل أو تقلّ حتى تدعه قليل المال، لا يستطيع على مؤونة عياله ويصبح بعد ذلك حقيراً.

إذن، من خلال النصّ أعلاه نجد أنّ الإمام (عليه السلام) كم كان يؤكّد على مسألة الأمانة الشرعيّة، ووضع الموارد الماليّة التي تعود للمسلمين جميعاً في محلّها المنصوص عليه، ويلتفت أمير المؤمنين (عليه السلام) كذلك إلى ناحيةٍ أُخرى وهو أنّه لا يكون الاهتمام بأمر الخَراج والتأكيد عليه يدفع الجُباة والعُمّال للضغط على الناس، ويُرهق كاهلهم ويسلبهم تحت عباءة الضرائب الخراجيّة أموالهم، فإذا كان الأمر هكذا فسَدّ الغرض من الأصل، الهدف ليس تحميل الناس ما لا طاقة لهم إنّما المعنى هو صلاح الناس، وليس الانقضاض على معائشهم وخراب ديارهم، والأعمال التي نتحدّث عنها

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح ص 377.


ونُفصّلها هدفها هو استقرار المجتمع وتقدّمه لا تحطيم المصالح العامّة ودمارها، وإلاّ انتفت الأسباب من جَمع أموال الخراج، فإنّ عِمارة الأرض كانت الأصل المُهم للاستفادة من خيراتها للإنفاق على مصالح الأُمّة الإسلاميّة، والقرآن الكريم يُحذّر دائماً من الاستعمال والاستثمار الخاطئ لموارد الطبيعة، واستغلال طاقة الإنسان استغلالاً سيّئاً بما لم يأتِ به نصٌّ ولا جاء به رسولٌ، لأنّ ذلك معناه تدمير الحالة المعنويّة للإنسان الذي تربّى على هُدى القرآن والسُنّة المحمديّة، والفساد لا يأتي من الأسفل، بل من الأعلى إلى ما هو دون، وأوّل ما يدخل يكون على العقل الذي تُسيطر عليه قوى الضلالة بحيث لا يُميز الخبيث من الطيّب.

والعقل أمّا أن يكون عقل الإنسان أو العقل الذي يُدير المجتمع وهو القائد أو الوالي، فإذا شعر الإنسان البسيط بذلك الانحراف الصادر من الرمز الأوّل في المجتمع والمخالف لإرادة الباري عزّ وجل، فالابتعاد عن أصل الاعتقادات والإيمان بتلك المبادئ السامية للدين يولّد انحرافاً خطيراً وعامّاً ومُستمراً، وتُصبح العفونة عامّةً وسائدةً إن لم تُعالج قبل الوصول إلى حالة الاحتضار ثُمّ الموت، أي موت المجتمع والحضارة معاً، ولهذا يؤكّد الإمام (عليه السلام) على تفقّد أمر الخراج لصلاح أهله، ويتبع ذلك المردود الايجابي الصالح على الجميع، أي للصالح العام، فالإحساس بالإنصاف في التعامل هو دفعٌ معنويٌّ للالتزام الخُلقي بما فرضته الشريعة، والإخلال العام الذي يحدث من خلال عمليّة الجِباية، والتحايل السلطاني والتلاعب الدهقاني كلّ ذلك سوف يدفع الناس إلى التهرّب من المفروض الشرعي إلى العمل الشيطاني، وبالتالي فالتمرّس على هذه المفاهيم الخاطئة، والتي سببها الولاة في أحيانٍ كثرةٍ، يؤدّي إلى فساد الأمّة والإقلال ممّا تجمعه خزينة بيت المال إن لم يؤدِّ إلى عدم دفع ما يتوجّب دفعة وما يؤدّي ذلك


إلى اضطرابات ومشاكل وتحدٍ للسلطة القائمة والتي إمّا أن تتراجع وتسقط هيبتها، وإمّا أن تستمر في الجور والظُلم ومعناه الثورة والاضطرابات وضياع كلّ شيءٍ، وإمّا أن يُعزل الوالي ويأتي مَن هو أكثر سياسةً وعدلاً منه، ومعناه فقدانه مكانته، والنتيجة كلّها خسارةٌ بنسبٍ مُتفاوتةٍ، وهي في نفس الوقت خسارة للمجتمع بصورةٍ أعم، لأنّ الاعتماد الرئيسي في تقدّم الحياة العامّة ودوام مسيرتها على الخراج، أي ما يدور من مالٍ في كيان الدولة، وقد ذَكر ذلك الإمام (عليه السلام) في فصل الجُند وارتباط أعمالهم وجهادهم: (ثُمّ لا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ) (1) بما أنّ الدولة الإسلامية تسدّ أكثر حاجاتها من الخراج لسعة الأراضي الزراعيّة وخُصوبتها ووجود العاملين عليها، فقد اهتمّ الإمام (عليه السلام) بهذا الأمر وتابع ولاته شخصيّاً، ثُمّ يدفع الوالي إلى العدالة في الجباية بحيث يستشعر الناس بالرحمة والمراعاة، وقد بيّن الإمام (عليه السلام) صورةَ التعامل وكيفيّة المسير إلى جباية الخراج والمهام المُلقاة على عاتق جُباة الخَراج في مُراعاتهم الناس والإحسان إليهم في معاملتهم أثناء جمع الخراج، وقد قال (عليه السلام) في ذلك:

(مِنْ عَبدِ اللهِ عَلِيٍّ أميرِ المُؤمِنينَ إلى أصحابِ الخَراجِ، أمّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَحْذَرْ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ لَمْ يُقَدِّمْ لِنَفْسِهِ مَا يُحْرِزُهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا كُلِّفْتُمْ بِهِ يَسِيرٌ وَأَنَّ ثَوَابَهُ كَثِيرٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ عِقَابٌ يُخَافُ لَكَانَ فِي ثَوَابِ اجْتِنَابِهِ مَا لا عُذْرَ فِي تَرْكِ طَلَبِهِ، فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَاصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ فَإِنَّكُمْ خُزَّانُ الرَّعِيَّةِ وَوُكَلاءُ الأُمَّةِ وَسُفَرَاءُ الأَئِمَّةِ، وَلا تُحْشِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ

____________________

(1) نص العهد للاشتر.


وَلا تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ، وَلا تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الْخَرَاجِ كِسْوَةَ شِتَاءٍ وَلا صَيْفٍ وَلا دَابَّةً يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا وَلا عَبْداً، وَلا تَضْرِبُنَّ أَحَداً سَوْطاً لِمَكَانِ دِرْهَمٍ، وَلا تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مُصَلٍّ وَلا مُعَاهَدٍ إِلاَّ أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سِلاحاً يُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ، فَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الإِسْلامِ فَيَكُونَ شَوْكَةً عَلَيْهِ، وَلا تَدَّخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةً وَلا الْجُنْدَ حُسْنَ سِيرَةٍ وَلا الرَّعِيَّةَ مَعُونَةً وَلا دِينَ اللَّهِ قُوَّةً، وَأَبْلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنَا وَأَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا، وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ). (1)

إذا قيل إنّ عهد الإمام (عليه السلام) للأشتر يجب أن يُكتب بماء الذهب، فالأحرى أن يكون كلّ كلامه (عليه السلام) كذلك، ففي كلّ كتابٍ وخُطبةٍ وفصلٍ وكلامٍ حكمةٌ وعلمٌ ومعرفةٌ وهِدايةٌ، فكُلّه مُتناسقٌ مترابطٌ يَسند بعضه بعضاً، ويشرح كلامه بكلامه، ويُعبّر عن القرآن والسُنّة الطاهرة بالتفصيل والتعريف والتعليل، فما تنتقل من خُطبةٍ إلى أخرى أو كتابٍ إلى آخر إلاّ وتكتشف حقائق مجهولةٍ أخرى تُغنيك عن كثيرٍ من المعارف والعلوم.

وصايا إنسانيّة لعُمّال الخَراج

إنّ الكتاب الذي أرسله سيّد الموحّدين (عليه السلام) إلى عُمّاله على الخراج حوى مفاهيم إسلاميّةٍ أساسيةٍ من التقوى والإيمان والعمل الصالح والرحمة والإنسانيّة، ابتداءً من العلوم اللغويّة إلى العلوم الاقتصاديّة والنفسيّة والاجتماعيّة، ونُلاحظ

____________________

(1) نهج البلاغة ص425، تحقيق د. صبحي الصالح.


فيه أيضاً الاهتمام بالأمن الوقائي والعسكري وأمن الدولة بصورةٍ واضحةٍ، فبعد أن يُبيّن أهميّة مسير عُمّال الخراج، ويؤكّد عليه - العامل على الخراج - أن يفهم إلى أين هو سائرٌ؟ ومع مَن يتعامل؟ وكيف يتعامل؟ يُحذّر من العواقب والمخاطر التي يواجهها العامل، فالعامل هُنا هو في مهمّةٍ صعبةٍ يجب أن يُراعي فيها جوانب مُتعدّدةٍ، وأن يلتفت إلى كثيرٍ من القضايا التي وضّحها إليه الإمام (عليه السلام)، فيذكر ابن أبي الحديد في شرحه، يقول: (لو قدّرنا أنّ القبائح العقليّة كالظُلم والبغي لا عقاب على فعلها بل في تركها ثوابٌ فقط، لم يكن الإنسان معذوراً إذا فرّط في ذلك الترك؛ لأنّه يكون قد حَرَم نفسه نفعاً هو قادرٌ على إيصاله إليه). (1)

إذن، الطريق الذي يَسلكه صاحب الخراج فيه مخاطر معنويةٌ مرتبطة بين ذات الإنسان وربّه وما أمره وما نهاه، ففيه الموازنة الخاصّة في التعامل مع الرعية، وعدالة تطبيقيّة تحتاج إلى إيمانٍ الهيٍّ عالٍ، ومراقبة النفس وصيانتها من الانحراف، ثُمّ يقول الإمام (عليه السلام): (فأنصفوا الناس من أنفسكم) أي: أنّ الإنصاف يكون لهؤلاء الناس من العمّال، فإنّ مَن يتوق إلى بناء مجتمعٍ سليمٍ متكاملٍ يجب أن ينتبه إلى حالة الإنسانيّة والسلوك الأخلاقي للمجتمع، ثُمّ تكريم الإنسان لكونه مخلوقاً عُزِّز بالكرامة والحرمة وكذلك عدم انتهاكهما.

وقد قال الله تعالى في كتابه المجيد: ( وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) . (2)

وقد ذكر الطبري حول الإمام عليّ (عليه السلام) قائلاً: (حدّثني محمّد بن عمارة

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - المجلد 17 - ص20.

(2) سورة الإسراء: الآية 70.


الأسدي، قال حدّثني عثمان بن عبد الرحمان الأصبهاني، قال حدّثنا المسعودي، عن ناجية، عن أبيه، قال: كنّا قياماً على باب القصر، إذ خرج عليٌّ علينا، فلمّا رأيناه تنحينا عن وجهه هيبةً له، فلمّا جاز صرنا خلفه، فبينا هو كذلك إذ نادى رجلٌ يا غوثاه بالله، فإذا رجلان يقتتلان، فلكز صدر هذا وصدر هذا، ثُمّ قال لهما: (تنحيا)، فقال أحدهما: يا أمير المؤمنين، إنّ هذا اشترى منّي شاةً، وقد شرطتُ عليه ألاّ يعطيني مغموزاً ولا محذقاً، فأعطاني درهماً مغموزاً فرددته عليه فلطمني، فقال للآخر: (ما تقول؟) قال: صدق يا أمير المؤمنين، قال: (فأعطه شرطه)، ثُمّ قال للاّطم: (اجلس)، وقال للملطوم: (اقتص)، قال: أوَ أعفو يا أمير المؤمنين؟ قال: (ذاك إليك)، قال: فلمّا جاز الرجل قال عليٌّ: (يا معشر المسلمين، خذوه)، قال فأخذوه، فحُمل على ظهر رجلٍ كما يُحمل صبيان الكتاب، ثُمّ ضربه خمس عشرة درّة، ثُمّ قال: (هذا نكالٌ لِما انتهكت من حُرمته). (1)

إذن، احترام حقوق الإنسان وحرمته والمحافظة على ذلك هو أساس العدل الاجتماعي. وهذه كلّها عوامل أساسيّةٍ لبناء ذات الإنسان وتقدير أهميّة وجوده وصون كرامته.

وُكلاء الأُمّة وسُفراء الأئمّة

في كلام بليغ لأمير المؤمنين (عليه السلام) ينطبق بمفاهيمه على المعاني الأخلاقيّة والسياسيّة والاجتماعيّة بحقيقتها السامية التي تُعطي الأُمّة الروح المعنويّة العالية والاستقرار النفسي والطمأنينة الكاملة، فعَليٌّ (عليه السلام) قبل الشروع بتعريف الموقع

____________________

(1) الطبري، محمد بن جرير - تاريخ الأُمم والملوك - الجزء الخامس - ص 157 - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، لبنان.


الخطير لعمّال الخراج يأمر أولاً بالصبر على حوائج الناس (واصبر لحوائجهم، فإنّكم خُزّان الرعيّة، ووكلاء الأُمّة، وسُفراء الأئمّة)، فالصبر هُنا مطلوب لأنّهم خُزّان الرعيّة، أي المحافظون على أموالهم في بيت المال حتى توزّع في مواردها المُحدّدة، والذين لديهم هذه المُهمّة هُم من أهل الأمانة والصدق حتماً، كذلك هُم وكلاء الأُمّة وسفراء الأئمة - كما يُخاطبهم الإمام (عليه السلام) - لأنّهم يتوكّلون جمع المال نيابةً عن الأُمّة الذين هُم خزّانها، وسفراء أئمّتكم الذين أعطوكم التخويل الشرعي لجمع هذه الأموال، والسفير يجب أن يتحلّى بنفس صفات وليّ أمره الذي عَيّنه في هذا المنصب، وأن لا يُسيء استخدام تلك المُهمّة الشرعيّة.

ثُمّ (لا تحشموا أحداً) أي: لا تُغضبوا طالب حاجةٍ فتقطعوه عن طلبه، أي افسحوا المجال لتقديم طلبه واستعراض حاجته وحلّ مُشكلته إن استطعتم.

(ولا تبيعنّ الناس في الخراج كسوة شتاءٍ ولا صيفٍ، ولا دابةً يعتملون عليها، ولا عبداً، ولا تضربّنّ أحداً سوطاً لمكان درهم)، فالرحمة والرأفة ورعاية حقوق الناس هي العامل المُهمّ في التطوّر والتقدّم؛ لأنّ استقرار الذِهن وصفاءه وعدم وجود القَلَق المُستمر من نزول الظُلم يُعطينا عقليّةً إنسانيّةً مُبدعةً، وإذا حدث العكس فحينئذٍ تقع الطامّة الكُبرى على مستقبل تلك الأُمّة وكيانها العام، ولهذا فقد نهاهم الإمام (عليه السلام) من أنّ يُجبروا الناس على بيع مُمتلكاتهم الضروريّة التي يقومون بها على مصاعب الأعمال ويستجلبون الرزق ويحافظون على أنفسهم فيها كثياب أبدانهم التي لا يُمكن الاستغناء عنها الشتويّة والصيفية منها، ولا دوابّهم التي يستخدمونها في أعمالهم الخاصّة من حَرث الأرض أو دوس سنابل الحبوب بعد حصاده أو نقل الماء عليها وكذلك حمل أثقالهم، وكذلك العبد الذي يستخدمونه في قضاء أعمالهم ويقدّم لهم الخدمة ويقلّل عليهم التعب والإنهاك.

ثُمّ (ولا تضربنّ أحداً سوطاً


لمكان درهم) ثُمّ الرأفة والعفو عند مواضعها، فلا تعذيب ولا سوط جلاّد ولا قوّة قهريّة على الناس لاستحلابهم وأخذ أموالهم، بل لم يُعطِ الحقّ لعامل الخراج بضرب الإنسان لأجل درهم.

ثُمّ (لا تمس مال أحدٍ من الناس مُصّلٍ ولا معاهدٍ) كذلك ليس من حقّه أن يسلب مال أحدٍ من المسلمين والمعاهدين ظُلماً وعدواناً، فهو ليس جبّاراً عنيداً مُسلطاً على رقاب الناس وأموالهم، بل عليه أن يسير في عمله بما أوصاه وليه من احترام أعراض وأموال الناس.

العدالةُ والمخاطِرُ الأُخرى

الحدّ الفاصل بين المسموح واللا مسموح هو سلامة البلد الإسلامي من مخاطر التعدّي والغَدر، فأهل الذمّة كفئةٌ من المجتمع يجب أن تتمتّع بالعدالة الحقوقيّة والعيش بسلامٍ وأمن، والدفاع عنها في الوقت العصيب، إلاّ أن يُهدّدوا المجتمع الإسلامي في أمنه فعند ذاك أمرٌ آخر، فأمير المؤمنين (عليه السلام) أوصى بحُسن معاملة أهل الذمّة في جباية الخراج كما هو الحامل مع المسلم الذي سمّاه بـ (مُصّل)، حيث لم يفصلهم الإمام (عليه السلام)، وعاملهم بمنتهى العدالة الإنسانيّة (لا تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مُصَلٍّ وَلا مُعَاهَدٍ) على حدٍّ سواءٍ (إِلاَّ أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سِلاحاً يُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ، فَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الإِسْلامِ فَيَكُونَ شَوْكَةً عَلَيْهِ) يصلُ الإمام (عليه السلام) إلى هذا المطلب الحسّاس فيطرح بعضاً من المفاهيم العسكرية والنظر الاستراتيجي لدفع الأخطار عن الإسلام والأُمة من جرّاء انتهاز العدو الفرصة بتسليح نفسه للغيلة بالمسلمين، ومحاولة المُعاهد جمع المال والسلاح والخيل وهي عِدّة القتال والحرب آنذاك، أو تظنّوا منهم وثبةً على بلدٍ من بلدان المسلمين، فإنّه حينئذٍ لا يمكن غضّ الطَرَف


عن أعمالهم أو التغافل عنهم، فيجب ردعهم بالطُرق المشروعة التي حدّدها الإمام (عليه السلام)، وحذّر من مخاطر بقاء السلاح في أيدي أعداء الدين، بعد ذلك يوصيهم أن: ابذلوا النصيحة واسدوها لغيركم ولا تمنعوا أنفسكم شيئاً منها، وكذلك المُعاملة الحسنة مع الجُند ومساعدة الناس فيما استطعتُم، قال ابن أبي الحديد: قوله (وأبلوا في سبيل الله) أي: اصطنعوا من المعروف في سبيل الله ما استوجب عليكم، يُقال: هو يبلوه معروفاً، أي يصنعه إليه). (1)

وأحسن الله إلينا لنشكره وننصره بكامل قوانا، فنصرة دين الله وإعلاء رايته فوق كلّ الآمال والمُنى، وبعد ذلك ويُنهي كتابه هذا بأنّه (لا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم) هذا التفصيل العميق في المعنى الذي أوضحه أمير المؤمنين (عليه السلام) بما حواه الكتاب من مضامين دينيّةٍ واجتماعيّةٍ ونفسيةٍ يُدلّل لنا أهمية السير على هدى الأئمة الأطهار أئمّة الهدى من أهل البيت (عليهم السلام) ابتداءً من عليٍّ (عليه السلام) حتى صاحب الأمر المهدي (عج)، فإنّهم نِعَمُ الله إلينا، والهداة المهديّين، عروة الله الوثقى التي لا تنفصم، إنّهم أساس العدل الاجتماعي، والمعاني الخُلقيّة الرفيعة، والأنوار البهيّة في ظُلم الليل الداجي، بهم يُهتدى إلى دين الله.

عِمارةُ الأرضِ والخَراج

وصف بعض الكُتّاب عِلم الاجتماع بالعمران، والعمران يتبعه التطوّر الحضاري والمَدني، ويُرافق ذلك الكثير من الآثار الإيجابيّة والسلبيّة على حياة المجتمع ومعايشه وخُلقه، وقد نظر عليٌّ (عليه السلام) إلى أمرِ العِمارة والخراج فربط بين الاثنين كأساسٍ لبناء البلد واستمرارية الحياة المدنية المتطورة، فقد قال (عليه السلام) في

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - المجد 17 - ص21.


العهد: (وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأرض أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلابِ الْخَرَاجِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لا يُدْرَكُ إِلاَّ بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلادَ وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً). (1)

فهذه التفاتةٌ رائعةٌ فيها دقّةٌ مُتناهية في النظرة العامّة لمستقبل البلاد، فعمارة الأرض هي شاملةٌ هنا للأرض الزراعيّة وتطوير الحياة المدنيّة في البلاد، فالوالي المُشرف على قيادة أمر ولايته يجب أن يهتمّ وينظر إلى عمران البلد والمحافظة على أهله، فلا يكن الهمّ الأوّل للوالي هو جباية الضرائب وترك العمارة جانباً، فإذا ما أُهملت عِمارة الأرض، فإنّها لا تُنتج ولا تدرّ، وإذا ما تراجعت في إنتاجها وفيضها فإنّ ذلك سيقطع المال المطلوب للحياة العامّة للبلد، فمسيرة الحياة في البلد تعتمد كامل الاعتماد على القوّة الاقتصاديّة، فيجب أن يكون هناك توازنٌ بين ما يأخذه من الخراج وما يُنفقه على أعمال تطوير البلد وبنائه، أي ما يُعبر عنه في مصطلحاتنا الحاليّة (ميزانيّة عامّة) هذه الميزانيّة تضعها الدولة لموازنة وضعها المالي مع البناء والتطوير والخدمات العامّة ودعم الاقتصادي لتسيير الأعمال اليوميّة للمجتمع.

إنّ النظر إلى عمارة الأرض أبلغ من النظر إلى جباية الخراج؛ لأنّ العمارة والتطوير هي التي تزيد الإنتاج وتُضاعفه أضعافاً، وكذلك فدعم الفلاح أو العامل على الأرض وإسناده وتشجيعه سيدفعه حتماً إلى بذل أقصى الجهد لتحسين الأرض وطرق الإنتاج وزيادته. إذن، الحالة الفائضة للإنتاج الوفير ستعود بآثارها الحسنة على البلد والحكومة نفسها، فإذا ما زاد الإنتاج زاد خراجه وزكاته، وإذا ما زاد ذلك تطوّرت البلاد، واستقرّت العِباد، وتحسّنت التجارة، وقوى عَضُد الجيش، وانتشر الأمن، وبُني المصر، وتحسّنت

____________________

(1) نص العهد للأشتر.


الأحوال، وأبدعت العقول، وزادت الصناعات، وهكذا نحن في دورةٍ مترابطةٍ كاملةٍ، فالبناء والتقدّم يأتي من الأرض وتطويرها ومساعدة العامل عليها، وبغير ذلك يحدث العكس تماماً (والحضارة الإسلامية هي عمارة الأرض، وترقية الحياة على ظهرها: إنسانيّاً، وخُلقيّاً، وعلميّاً، وأدبيّاً، وفنيّاً، واجتماعيّاً، وفق منهج الله وشريعته، وبناءً على هذا المفهوم، فإنّ المجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي يُطبّق شريعة الله في كلّ جوانب الحياة، وهو وحده المجتمع المتحضّر، والمجتمع المُتحضّر هو الذي تكون القِيَمُ الإنسانيّة والأخلاق الإنسانيّة السائدةً فيه، وهذه القيم هي التي تُنمّي خصائص إنسانيّة الإنسان، وهي التي تُميّزه عن غيره من المخلوقات). (1)

إنّ طلب الخراج وجبايته ثُمّ دثر الأموال وإخفائها في الصناديق المُقفلة وعدم صرفها في مواضعها هو خراب البلاد بعينه، وهلاك العباد، إنّ ذلك يُعتبر مستوىً مُنحطّاً من التفكير وسذاجةً في الرأي وعدم مبالاةٍ بأمر الدين والمجتمع.

الكَوارثُ الطبيعيّةِ ومسؤوليّةُ الدولَةِ

إنّ البُلدان تتعرّض في بعض الأحيان إلى كوارث طبيعيّةٍ تؤثّر على الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتنشر الخراب، وخصوصاً الأرض الزراعيّة، فإلى هنا يحدّد الإمام (عليه السلام) (فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ أَوْ إِحَالَةَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ

____________________

(1) السايح، الدكتور احمد عبد الرحيم - الحوار الحضاري ضرورة إنسانيّة ص 21 مجلةّ الجامعة الإسلاميّة، العدد 6 السنة الثانية 1995.


بِهِ أَمْرُهُمْ). (1)

إنّ الأرض مُعرّضةٌ أكثر الأحيان إلى جفافٍ قد يحدث، أو إعصارٍ مُدمّرٍ، أو صقيعٍ قاتلٍ للزرع، أو أمطارٍ في غير موعدها أو زلازل أرضيّةٍ وما شابه ذلك، فالإمام (عليه السلام) يؤكّد هنا إن شَكَوا علّةً من هذه العِلل وأحسّوا بثقل الوطأة عليهم، أو عدم وجود مياهٍ لشربهم أو سقي مزروعاتهم، سواء كانت (بالّة) مقطوعة، أي عدم وجود المَطر والندى ما يُبلّ به الأرض والزرع، أو تَعفّن البذور بسبب الفيضان وعدم الاستفادة منها، أو أُتلفت الأرض بسبب عطشها، ففي مِثل هذه الحالات التي قد تحدث تكون مهامّ الدولة رعاية الناس أصحاب هذه المِهنة، ومساعدتهم في تخفيف العبء الثقيل الواقع عليهم حتّى يصلح أمرهم ويقوون على تجاوز المِحَن والكوارث التي حلّت بهم؛ لأنّ الفرد إذا أحسّ بالرعاية الأبويّة للدولة والاهتمام به كإنسانٍ عضو في المجتمع، وكمُزارع يحرث الأرض إلى جانب مُساعدته الماديّة والمعنويّة، فإنّ ذلك يُعطيه زخماً قويّاً للعمل الجادّ على إعادة الإعمار والبناء وتعويض ما خِسر بالجُهد الإضافي المبذول، وبزيادته الإنتاجيّة سوف يستخرج ما وقع عليه من خَراجٍ طواعيّةً وبإرادةٍ ذاتيّةٍ يدفعه إلى ذلك حُبّه للدولة والوالي لمساعدته إيّاه في وقت الشدّة، فلا خسارة أبداً فيما أنفقت الدولة من بيت المال على مُساعدة المُتضرّرين، وإن حصل نقصٌ فيه، فإنّ العائد والربح في المُستقبل هو أكثر، وسيُعوّض ما خسرته الدولة سابقاً.

الادّخارُ النافِع

(وَلا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَئُونَةَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ

____________________

(1) نص العهد للاشتر.


بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ وَتَزْيِينِ وِلايَتِكَ مَعَ اسْتِجْلابِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ وَتَبَجُّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ وَالثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ وَرِفْقِكَ بِهِمْ). (1)

أيّة صورةٍ رائعةٍ هذه؟! فلو أنّ الباحثين والدارسين جهدوا أنفسهم لاستنتاج دراسةٍ اجتماعيةٍ كاملةٍ لا يمكن أن يصلوا إلى قِسمٍ من عُمق فكر هذا الإمام (عليه السلام).

إنّ المعاني في هذه النصوص تُناغم العقل وتحرّك سواكنه وتدفع كوامِنه باتّجاه التفكير بالحلّ العِلمي الصحيح لجميع مشاكل المجتمع.

حيث قدّم الإمام (عليه السلام) الطريق الأنسب الذي ينتفع به الوالي مُستقبلاً، فمع حالة الإعمار يُقدّم المساعدات لأبناء شعبه، فإنّ هذا التقديم وإن كان من النَزر اليسير فإنّه سوف يَجلب حُسن الثناء والإطراء للوالي، وإنّه سوف يتبجّح بعمله هذا مُستقبلاً، وبصنعه العدل معهم سيفتخر ويسر لذلك أمام رعيته ذاخراً قوّتهم ووجودهم عند الحاجة.

إنّ استقرار وطمأنينة وقت الشدّة والعُسر من خلال مواقف الوالي السليم والمساعدات التي قدّمها لهم، ستجعله يحصل على قوةٍ احتياطيةٍ جاهزةٍ من أبناء الشعب وقت تعرّض البلاد إلى المخاطر؛ لإيمانهم بعدالة الحاكم وحكمه السوي.

إنّ ذلك يجلب الناس ويخلق فيهم محبّةً خاصةً لصاحب السلطة تساهم فيها وبقوّةٍ بالمحافظة على كيان الولاية، ويُخلصون لها أيما إخلاصٍ لإيمانهم بأنّ العدالة ما دامت سائدةً في البلاد فإنّهم بخيرٍ وارتياحٍ دائمٍ.

____________________

(1) نص العهد للاشتر.


الفَقرُ والحاجَةُ وتراجُعِ العِمران

هناك ارتباطٌ واضحٌ في الحالة الاجتماعيّة بين العوز والعِمران.

وهذا الترابط يتناسب على شكلين، فإذا كان هناك إهمالٌ وتباطؤٌ في دعم الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلد، والذي يؤدّي أحياناً كثيرة إلى الفقر والحاجة، فإنّ ذلك يتناسب عكسيّاً مع العمران بحيث يؤدّي هذا الأمر إلى خراب البلاد، وإذا ما حدث العكس فإنّ التناسب بين العمران والوضع الاجتماعي والاقتصادي يكون طرديّاً، وبذلك يَحلّ الإعمار بدل الدمار والخراب، وقد وضّح ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) (فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الأُمُورِ مَا إذا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ، فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الأرض مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلاةِ عَلَى الْجَمْعِ وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ). (1)

فقد ورد عن الشيخ محمّد عَبده في هذا النص من أنّ (العمران ما دام قائماً ونامياً، فكل ما حملت أهله سهل عليهم أن يحتملوا).

هذا إذا كان الوالي في الحالة الايجابيّة، أمّا إذا كان في الوسط السلبي من التفكير، فإنّه يسعى ويبذل الجُهد لجمع الأموال وخزنها لنفسه خوفاً من المُستقبل القائم الذي ملأ ذهنه نتيجةً لضعف الإيمان وسوء الظنّ والوضع المُتزعزع الذي يعيشه، فيضغط وبصورةٍ ظالمةٍ غير آبهٍ بما يؤول إليه الوضع العامّ، وما ينتج عن ذلك من فاقةٍ وعوزٍ لدى الناس، وترك العمران الذي يُعتبر أساس التنمية والتطوّر، وما أكثر العِبَر في التاريخ وما أقل الاعتبار، فكم من جامعٍ للمال لم

____________________

(1) نص العهد للأشتر.


يحصل من ماله هذا إلاّ على حفنة تُراب في فمه ليواجه ربّه بما اقترفه من ظُلمٍ برعيته، وكم من قائدٍ مُصلحٍ في المجتمع يذوب في أهل بلده، فيرعى مصالحهم ويُديم عمرانهم ويسير في أسواقهم ويتفقّد أحوالهم ويعيش معيشتهم، وهو مُخلّد على طول الدهر تُردّد اسمه الأجيال تعاقباً جيلاً بعد جيل، وهذا هو المَثل الصالح الذي يُحبّ الناس ويذود عنهم فأحبّه المجتمع عموماً، بما أعطاه لهم من نفسه فعوّضوه له أضعافاً كثيرةً.

النظرياتُ الاقتصاديّة الحديثةِ والعلاجُ الإسلامي

نتيجةً للتفاوت الاقتصادي والثقافي بين المجتمعات تبرز بين الفينة والأُخرى نظريّاتٌ اقتصاديّةٍ واجتماعية ترمي إلى بناء اقتصاديّات الدول والمُجتمعات، إلاّ أنّها لم تُعالج بصورةٍ جادّةٍ وحقيقيّةٍ مشاكل تَقدّم المجتمع ورفاهيّته، فقد تأتي نظريةٌ تُعطي الأهمية للجُهد المبذول على حساب المُنتِج وصاحب العمل، أو تدفع الثانية قوّتها باتّجاه حجم الإنتاج وحاجة السوق وحجم الضرائب المفروضة، بل تأتي ثالثةٌ لتؤكّد على أهميّة الضرائب العامّة للدولة، في حين يرفضها مُعارضوهم، وهناك تنوّعات في هذا الأمر لا أُريد الخوض فيها، فهناك نظريّاتٌ في هذا المجال للفيلسوف الاسكتلندي ادم سمث وديفيدريكاردو وكارل ماركس وغيرهم ومن تبعهم وسار على نَهجهم، إلاّ أنّنا نتمحور الآن حول نهج البلاغة وما طرحه الإمام (عليه السلام) من أفكار هي من صُلب الشريعة الإسلاميّة المباركة، وكيفية مُعالجة تكدس الثروة ومجالات صرفها ضمن الحدود المشروعة في الإسلام؛ لتحقيق المبدأ الأساس الذي اعتمده الدين الإسلامي الحنيف وهو تحقيق العدالة في المجتمع، (والركن الثالث في الاقتصاد الإسلامي هو


مبدأ العدالة الاجتماعية التي جسّدها الإسلام، فيما زوّد به نظام توزيع الثروة في المجتمع الإسلامي من عناصر وضمانات، تكفّل للتوزيع قدرته على تحقيق العدالة الإسلاميّة وانسجامه مع القيم التي يرتكز عليها، فإنّ الإسلام حين أدرج العدالة الاجتماعية ضِمن المبادئ الأساسيّة التي يتكوّن منها مذهبه الاقتصادي لم يتبنَّ العدالة الاجتماعية بمفهومها التجريدي العام، ولم ينادِ بها بشكلٍ مفتوحٍ لكلّ تفسير، ولا أوكله إلى المجتمعات الإنسانيّة التي تختلف في نظرتها للعدالة الاجتماعية باختلاف أفكارها الحضاريّة ومفاهيمها عن الحياة، وإنّما حدّد الإسلام هذا المفهوم وبلوره، في مخطّطٍ اجتماعي مُعيّن، واستطاع بعد ذلك أن يُجسّد هذا التصميم في واقعٍ اجتماعيٍّ حيٍّ تنبض جميع شرايينه وأوردته بالمفهوم الإسلامي للعدالة.

فلا يكفي أن نعرف من الإسلام مناداته بالعدالة الاجتماعية، وإنما يجب أن نعرف أيضاً تصوراته التفصيليّة للعدالة، ومدلولها الإسلامي الخاص.

والصورة الإسلاميّة للعدالة الاجتماعية تحتوي على مبدأين عامّين لكلٍّ منهما خطوطه وتفصيلاته:

أحدهما: مبدأ التكافل العام، والأخر: مبدأ التوازن الاجتماعي، وفي التكافل والتوازن بمفهومهما الإسلامي تَحقّق القيم الاجتماعيّة العادلة، ويوجد المَثل الإسلامي للعدالة الاجتماعية... وخطوات الإسلام التي خطاها في سبيل إيجاد المجتمع الإنساني الأفضل عبر تجربته التاريخيّة المُشعّة، كانت واضحةً وصريحةً في اهتمامه بهذا الرُكن الرئيسي من اقتصادنا) (1) .

فالتوزيع العادل في الإسلام هو الضمانة الواقعيّة لتحقيق العدالة الاجتماعية

____________________

(1) نفس المصدر السابق ص 303.


مع الاهتمام بالموارد الاقتصادية للبلد، وتقسيمها بصورةٍ عادلةٍ وتغطية كافّة الاحتياجات، مع الأخذ بالاعتبار نسبة الضرورات المُهمّة التي يتقدّم بعضها على البعض الآخر، والهدف الرئيس في تنظيم الموارد الاقتصاديّة هو بناء المجتمع بهياكِلِهِ العامّة.

عليٌّ القُدوةُ الحسنةُ في القيادةِ والجِهادِ والعَدلِ

إنّ عليّاً (عليه السلام) خير مثالٍ للقائد القدوة والخليفة الأسوة والمُمَثّل الشرعي لمبادئ السماء في الأرض بعد خاتم الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، (وأهميّة عليٍّ في التاريخ الإسلامي... وحضوره المستمر في وجدان الأُمة وذاكرة الأجيال المتعاقبة، لا تنبعان من قرابته للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما يحلو لبعض أن يتعامل مع هذه الشخصيّة المُتكاملة.. على أهميّة وحساسيّة هذا الاعتبار...، بل إنّ هذه الأهميّة تنبع في الدرجة الأولى من حضوره، وإلى جانب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لحظةً بلحظةٍ في مسيرة الإسلام الصعبة، وهو يتصدّى لتغيير مجتمعٍ وثنيٍّ قَبَليٍّ عصبيٍّ مُشرذم...، وما ترك من تراثٍ هائل يدلّ على سعة أُفقٍ، وإيغالٍ في ثقافات الأمم السابقة، وانخراطٍ عريقٍ في مُغامرة الإسلام الكبرى..، ولقد اجتمعت في شخصه بصورةٍ مستمرة صفات المجاهد، والداعية، والحكيم، والرجل الورع، والخليفة العادل الذي يهجس ويعمل لإقامة مملكة العدل والحق، استناداً إلى مبادئ الإسلام التي اعتبرها في كلّ مراحل نضاله وسلطته، المرجع والمصدر والهادي في رؤيته وممارسته، ولم يقبّل إطلاقاً أن يتساهل في تطبيقها حتى في دائرته الخاصّة) (1) .

____________________

(1) عبد الحميد - يوسف - تكامل الحكمة وشموليّتها في فِكر الإمام علي (عليه السلام) ص 133، الجامعة الإسلاميّة - العدد الثاني السنَة الثانية.


فهو لم يسمح لبؤَر الفساد والخراب بأن تتكاثر وتنمو على حساب الحلقات الطاهرة في المجتمع، أو على حساب مصلحة العامّة من الناس، وكان مثل هؤلاء يُلاحقهم عليٌّ (عليه السلام) ويُشدّد عليهم ويعاقبهم في بعض الأحيان، ففي كتابٍ لبعض عُمّاله في هذا الشأن:

(أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أمر إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ وَأَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ الأرض فَأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ وَأَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، فَارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ وَاعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ، وَالسَّلامُ). (1)

يذكر إلى عامله بأنّه قد وصلت إليه أخبارٌ عنه، فإن صحّت فقد أغضب الله سبحانه وتعالى لانحرافه عن الدين، ثُمّ عصى ولي الأمر الذي نصبه في هذا المكان لعدم تطبيقه التعاليم التي أعطاها إيّاه، ثُمّ خيانته الأمانة وعدم تطبيقه الشريعة، والتصرف بالأموال وِفقَ الهوى، وبالتالي خراب الضياع، ثُمّ يطلب منه رفع تصفية، ويُعلّمه أنّ حساب الله سبحانه وتعالى هو أشدّ من حساب الناس.

____________________

(1) نهج البلاغة ص 41 تحقق د. صبحي الصالح.


الفَصلُ الثّاني

بِطانةُ السوءِ والتكالُبِ

على استِحصالِ المنافِع



إنّ السلطة إذا استقرّت في بلدٍ ما وسارت الأُمور بدورةٍ طبيعية، وثبت أمر الحاكم، وازدادت الأموال، وكثرت الطلبات على الحاجات، وتفنّن الصُنّاع في صنعتهم، ومُلئت الأسواق بالبضائع، ودرّت الأرض خيرها، وانتشر العمران وتطورت الحياة لدى الناس حضاريّاً ومدنيّاً، واستقدم التجّار البضائع من البلدان بالإسفار والتنقّل، عند ذاك يصبح المجتمع في حالةٍ جديدةٍ من العيش والاستقرار؛ فتزيد متطلّباته، وتشخص العيون الزائغة عن الحق والأنفس المليئة بالشرّ والظُلم إلى الحّوم حول السلطان والدخول إلى قلبه بألف طريق وطريق، حتى تنتهي إلى كسب وِدّه والحصول على مقعدٍ بالقرب منه في مجلسه الخاص لتستحصل النتائج في نهاية المطاف بالإغارة على الأموال والاستئثار بالمنافع، وغاية هؤلاء كسب التَرَف والراحة لهم ولذويهم في الحياة، فما دام هؤلاء في خدمة السلطان فلهم الحقّ في التمتّع بكلّ الألوان على حساب المجتمع، وهذا ما نراه سائداً في أغلب البلدان ومختلف العصور، إلاّ أنّ سيّد الموحدّين عليّاً (عليه السلام) يُحذّر من هؤلاء الخاصّة والبطانة الذين سيلتفّون حول الوالي، ويخوضون في الأُمور خوضاً من أجل الربح غير المشروع، وقد تحدّثنا في الخاصّة والعامّة من الناس، إلاّ أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤكّد مَرّةً أُخرى على البطانة بصورةٍ خاصّةٍ (ثُمّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً وَبِطَانَةً فِيهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَتَطَاوُلٌ وَقِلَّةُ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ، فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولَئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ الأَحْوَالِ، وَلا


تُقْطِعَنَّ لأَحَدٍ مِنْ حَاشِيَتِكَ وَحَامَّتِكَ قَطِيعَةً، وَلا يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ فِي شِرْبٍ أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ يَحْمِلُونَ مَئُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ، وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ). (1)

والبطانة التي يقصدها الإمام (عليه السلام) هنا هي حاشية السوء والفتن، والتي لا تَشبع حتى تأكل راعيها وبلاده بأساليبها المُلتوية والخادعة والمحرّفة للحقائق وللكلم، والتي لا يُسعدها أبداً أن تصل حقيقةٌ واحدةٌ إلى الوالي أو يتّصل الوالي بالناس، فهي تشكّل سياجاً بشرّياً حوله، وتصمّ آذانه بالضوضاء المُفتعل، والكذب، والتصوير المعكوس، والتهويل أحياناً، والتسكين أحياناً أُخرى، وبما تقتضيه المصلحة الخاصّة لهم. وإذا كانت هناك خدمةٌ للناس يأمر بها الوالي يتباطؤوا في سيرهم، ثُمّ يعكفون بعد أن يبعد نَظَر الوالي عنهم، وإذا كانت مِنحةً لهم من الوالي يحثّون الخُطى ويُسرعون إليها، وربما يسقطون على الأرض وألسنتهم ممدودةٌ من اللهاث أمامهم وينهضون؛ لأنّ فيها تعبئة أكياس الذهب والفضة والدنانير لصالحهم، ليبنوا قصورهم وبساتينهم الغنّاء، وكأن القَدَر أوجب لهم ذلك، بأن يتملّكوا كلّ ما حوت البلاد لأجل راحتهم وسعادتهم ومَن يلوذ بهم. فالخاصّة والبطانة التي ذكرها إمامنا (عليه السلام) ووضح أنّ مصالحها سوف تصطدم بوجود العامّة وحركتهم وطُرق كسبهم وتطوّر أمورهم الحياتيّة، ثُمّ ينقلب الأمر إلى حركةٍ ثابتةٍ للاستئثار والتطاول على أملاك المجتمع ومنافعهم التي يسترزقون عليها، لأنّ البطانة يأخذها الشعور بالقوة والهيمنة لقربها من الوالي أو السلطان، فتحاول نتيجة مُعتقدها هذا جمع المنافع لأنّها أرفع درجةً وأعلى مرتبةً من الآخرين.

____________________

(1) نص عهد الإمام (عليه السلام) للأشتر.


بطانةُ السُوءِ في التاريخ

إنّ هؤلاء وجدناهم في التاريخ في العهد الراشدي خلال خلافة عثمان بن عفّان، حيث استئثار بني أُميّة بالأراضي الزراعيّة وتقسيم البلاد الإسلاميّة أقطاعاتٍ وولاياتٍ بينهم، ونهب بيت مال المسلمين بواسطة الأُعطيات الكبيرة التي فرزها الخليفة من بيت المال إلى تلك البطانة، ولهذا يقول الإمام (عليه السلام): (فَلا تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلالِ السِّنِّ وَتَقَضِّي الْعُمُرِ) (1) .

وكذلك قرأنا عن ذلك في العهود الأُمويّة والعباسيّة وعصرنا الحاضر، وهذه البطانة تتعاون فيما بينها على إخفاء الحقائق عن الوالي أو السلطان دفعاً منها للضرر الذي قد يحدث لها في حالة عِلم الوالي، وأحياناً بعلمه ورضاه إذا كان لا تقوى له ولا إيمان يمنعه من المحارم، فإنّه يُطلق العنان ودون إغماض عين، بل بتشجيعٍ ودعمٍ مباشرٍ منه على الاستحواذ على الممتلكات والضياع والسيطرة على الأسواق، فيكون هناك ظلمٌ فاحشٌ وعدم إنصافٍ في كلّ شيء، إنّ لذلك آثاره السلبيّة الكبيرة على المجتمع، فاغتصاب الحقوق والاستحواذ على المناصب الحسّاسة في الدولة بدون حقٍّ أو قدرةٍ تؤهّل إلى ذلك يولّد الأضرار الكُبرى للمجتمع والظُلم الفاحش لمَن له الأهليّة الكاملة في تلك المناصب والقادر على إدارة المواقع الحسّاسة في البلد.

وبعلمنا أنّ علماء الاجتماع والسياسة والنفس يدخلون في كافّة تفاصيل الحياة العامّة ليخرجوا بالدرس الأمثل والأحسن لنجاة الشعوب من الضَرر

____________________

(1) نهج البلاغة، تحقيق د. صبحي الصالح ص 235.


والدمار، والمحافظة على العمران من خلال إقامة المؤسّسات ومراكز الدراسات والبحوث الإستراتيجيّة، سواء كانت اجتماعيّةً أو سياسيةً أو نفسيةً أو عسكريةً، والهدف من ذلك هو الحصول على الطريق الأمثل والأكثر صيانةً ومحافظةً على البلاد والعباد ووضع الخُطط المستقبليّة لذلك. وهذا إمامنا عليٌّ (عليه السلام) قد أعطى كلّ شيءٍ، ووضع الأموال في نصابها الكامل، وقدّم النتائج العظيمة للسير على هداها، وما نحتاجه هو الدراسة والتحليل الصحيح لتلك الدروس الوافية والتي تُغني عن غيرها.

دفع الأضرار وقطع السباب

يطلب الإمام (عليه السلام) من الوالي مُحاربة تلك الفئة ودفع أضرارها عن الأمّة بقوله: (فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولَئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ الأَحْوَالِ) أي عمل هؤلاء، فيوصي (عليه السلام) بإبعاد شرّهم وأعمالهم الخبيثة عن الناس، والوقوف بوجههم ومنعهم من التعدّي على حقوق المجتمع ومُمتلكاته، فلا عصبيّة ولا استحواذ على منافع الناس بالقهر، فهم تحت رعاية خليفة المسلمين الشرعي وواليه، ولا يُمكن السماح بالتصرّف في أمور العامّة من الناس بالإرادات الشخصيّة، وأمور الناس هي أمانةٌ في عُنق الوالي ومطالَبٌ بإيصالها سالمةً في نهاية الأمر لأنّ الله أمره بذلك، وقد ذكر ابن أبي الحديد أنّه: نهاه (عليه السلام) عن أن يحمل أقاربه وحاشيته وخواصّه على رقاب الناس، أو يُمكّنهم من الاستئثار عليهم والتطاول والإذلال، ونهاه من أن يُقطع أحداً منهم قطيعة، أو يملّك ضِيَعَه بمَن يجاورها من السادة الدهاقين في شرب يتغلّبون على الماء منه، أو ضياع يضيفونها إلى ما ملّكهم إيّاه، وإعفاء لهم، فيكون مؤونة ذلك الواجب عليهم قد أُسقطت عنهم


وحمل ثقلها على غيرهم) (1) ، (فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) أي: أنّهم يأكلون ذلك هنيئاً وهم مُرتاحون؛ لأنّ ذلك يدخل ضمن الحصول على المنافع والمكاسب التي تزيد الثريّ منهم ثراءً والمالك الصغير أملاكاً أكبر، ويستلذّون بطعم تلك الغنيمة المُحمّلة بالآثام والحرام، هذا من ناحيتهم. أمّا من ناحية الوالي - ولا زال الإمام (عليه السلام) يوصي - فإنّ عيب ذلك يعود عليك كوالي للمسلمين وحارسٍ أمينٍ وسائسٍ حكيم، فينفر منك الناس، وتهبط ثقتهم بعدالتك، وتزداد الفاصلة بينك وبينهم، وتصبح على ألسنة العامّة من الناس لقمةً يلوكونها في فمهم، ثُمّ يؤدّي ذلك إلى قضمها وأكلها إذا ما طفح الكيل وتفاقمت الأمور ولم تُعالج وازدادت سوءاً. فلا خيرٌ يُنتظر ولا استقرارٌ يُرجى بعد ما زاد التطاول والاستحواذ بغير حقٍّ، فيكون مرجع ذلك الخزي والعار على الوالي بين الناس، ثُمّ العقاب الإلهي وحمل وزر غيره إضافة إلى وزره يوم الدين، فلا دُنيا فاز بها بحُسن سُمعةٍ عند الأمّة ولا رضاء الله حصل عليه وبالتالي محاسبته في اليوم الآخر، فإنّها خسارةٌ في الدنيا والآخرة.

أمّا لماذا يُؤكّد الإمام (عليه السلام) على هذا الأمر بهذه الصورة ويُحذّر وينهى عنه؟ نعود ونقول: إنّما يؤكّد ذلك لغرض تثبيت العدالة في الحُكم والارتفاع بإيمان الوالي وتقواه؛ لأنّ تلك الانحرافات سوف تؤدّي إلى خراب البُلدان ودمار أهلها، وبالتالي إنّ الأمر كلّه هو رعاية مصالح المجتمع وعدم التجاوز على حرماته، فالإسلام يُريد بناء المجتمعات الإنسانيّة على تلك الأُسس الحيّة التي تُعطي لمسيرة المجتمع تجديداً وشباباً وبالتالي العدل والحضارة والعمران للبُلدان، وإذا حدث العكس من ذلك فمعناه الهرم المُبكّر للدولة وتلاشيها من الوجود بفعل

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - م17 - ص97.


غزوٍ خارجيٍّ أو فسادٍ اجتماعيٍّ أو خللٍ في الحياة العامّة. ثُمّ لا حُكم بدون رعيّةٍ، ولا رعيّة بدون حاكمٍ، فالاثنان يكونان طَرَفي الموازنة في المعادلة الاجتماعيّة، وبتساوي النظرة العادلة بين الطرفين وتقاربهما باتجاه حفظ كيان المجتمع وعدم تبديد طاقاته يجب القيام بالقبض على الأيادي المُمتدّة للنهب والسرقة وقطعها حتى يستديم الأمر وينعم الجميع بالسعادة والرخاء، ثُمّ قال (عليه السلام): (وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَكُنْ فِي ذَلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَخَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ، وَابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذَلِكَ مَحْمُودَةٌ). (1)

(وألزام الحقّ لمَن لزمه وإن ثَقل على الوالي وعليهم، فهو محمود العاقبة بحفظ الدولة في الدنيا ونيل السعادة في الآخرة). (2)

وقد عَبّر عن ذلك أمير المؤمنين بوصف ذلك الإنسان المُتّقي الذي يُلزِم نفسه الحق والعدل: (فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ وَأَوْتَادِ أَرْضِهِ، قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ، يَصِفُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ، لا يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلاَّ أَمَّهَا وَلا مَظِنَّةً إِلاَّ قَصَدَهَا، قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ فَهُوَ قَائِدُهُ وَإِمَامُهُ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ وَيَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ). (3)

وكذلك في كتابه إلى الأسود بن قطبة صاحب جند حلوان، فإنّه يحذّر من أنّ الوالي إذا تبع مآرِبه الشخصيّة وأطاع نفسه الشهوانيّة وغريزته الشيطانيّة فإنّ ذلك سيمنعه من إقامة العدل (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْوَالِيَ إذا اخْتَلَفَ هَوَاهُ مَنَعَهُ ذَلِكَ

____________________

(1) نص العهد للأشتر.

(2) محمد عبده - ج3 - ص105.


كَثِيراً مِنَ الْعَدْلِ، فَلْيَكُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءً، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ الْعَدْلِ، فَاجْتَنِبْ مَا تُنْكِرُ أَمْثَالَهُ، وَابْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ رَاجِياً ثَوَابَهُ وَمُتَخَوِّفاً عِقَابَهُ). (1)

____________________

(1) المصدر السابق ص 449.



البابُ الخامِس

السُلطَةُ والعِلاقاتُ

العامّة مع الأُمّة



الفصلُ الأوّل

الوالي والرُوحُ الإنسانيّة



إنّ البلاد الإسلاميّة التي امتدّت أطرافها إلى بلاد فارس والروم وما بعدها كانت تضمّ في مملكتها قوميّاتٍ متعددةً وأجناس مختلفةً، وإدارة شؤون هؤلاء الخلق ليس بالأمر الهَيّن الذي يمكن أن نجعل صورته كما نرسمها في أوراقنا وكتبنا، بل من السذاجة العقليّة تصوّر بساطة قيادة هذه الأُمّة؛ إذ إنّ هناك الاختلافات السيوسولوجية (الاجتماعية) والنفسية والعادات والتقاليد والأعراف والمراسم وغيرها، وكلّ تلك جمعها الدين في بوتقةٍ واحدةٍ هو الإسلام. وأعطى الإسلام الحريّة الكافية لتلك الأُمم والشعوب بما لا يُخالف المبدأ الأصلي في الشريعة، وكذلك استوعبت هذه الشعوب الحركة الجديدة والمبادئ الإنسانيّة للإسلام، للروح الحيّة التي تحملها هذه الشريعة التي أهملت الكثير من العادات والتقاليد التي تتنافى والدين وحلّت محلّها روح الإسلام وعظمته، وخلقت منهم روحاً جهاديّةً ثائرةً فتحت البلدان الأُخرى، وبرز منهم العُلماء والمفكّرون ممّا لا يُعد ولا يحصى، بل حتى أنّ أهل الأديان الأخرى كانوا يعيشون بسلامٍ وأمانٍ، وهم (أهل الذِمّة)، فالإمام (عليه السلام) كان ينشر رحمة الإسلام على الأُمّة جمعاء، ويدعو إلى اللُطف والمحبّة في العلاقات والتعامل (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ). (1)

____________________

(1) نص العهد للأشتر.


العَطفُ على الرَعيّةِ والمُحَصّلة النِهائيّة

التعاطف: شعورٌ إنسانيٌّ يؤثّر في أعماق النفس وينتج الودّ والمَحبّة والإخلاص، ثُمّ إنّه عملٌ عقلائيٌّ وأخلاقيٌّ وأنسانيٌّ، وعليٌّ (عليه السلام) يقول:

(ورفقاً برعيتك) أي: ارفق بهم واعطف عليهم، وطالما كرّر الإمام (عليه السلام) كلمة الرعية وصبّ لذلك جُلّ اهتمامه؛ لأنّ الناس ليسوا أغناماً سائبةً تعلف في البوادي وتشرب الماء الآسن في الوديان، جمعها الوالي أو السلطان في كهفه يحَزُّ رقابها متى شاء، ويأكل من لحمها متى اشتهى، ويبيع جلدها وصوفها متى ما دكّه العَوز والفاقة، وإن ماتت لا يُهمّه أمرها وإن عاشت لا يسعد ببقائها، سيّان عنده أمرها مادام هو على قيد الحياة وينتفع بكل مكوّناتها، فالأمر ليس الأمر هكذا، إنّما الرعيّة بشرٌ مثله، لهم ما له عند الله وعليهم ما عليه، والسلطة في الإسلام ليست تكريماً وتشريفاً، إنّما هي تكليفٌ شرعيٌّ لقيادة الأُمّة وِفق ما أراده الله ورسوله والأئمّة من بعده، وهي ليست حِكراً له ولأولاده من بعده إنّما أمرها واضح، والبلاد ليست أملاكاً مقطوعةً له يتصرّف بها كيفما يشاء، خلافاً لما حدّدته الشريعة في أحكامها والصلاحيّات التي خوّلته بها. ورعاية المجتمع في الإسلام تعني تطبيق الشريعة أوّلاً، وإحقاق الحقّ وإقامة العدل وإنصاف المظلوم ونَظمِ الأمر حتى لا يختلّ التوازن الاجتماعي وتضيع الأمور ويفلت الزمام، ولهذا يُؤكّد الإمام (عليه السلام) على ذلك، ويقول: (فإنّ في ذلك رياضةً منك لنفسك، ورفقاً برعيّتك، وأعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحقّ).

الرياضة: تعني تمرين النفس على الشيء، وما تقدّمه من أعذار أو تُبديه فإنّك تدفعهم إلى العدل وطريق الحقّ الذي هو غايتك، ألم تكن الغاية أمر الناس وتعويدهم على


السلوك الواضح والسليم، فما تُقدّمُه لهم من عطفٍ ومحبّةٍ ورعايةٍ سوف تبلغ به مبلغك من الهداية لهؤلاء الناس والاستقامة في أُمورهم، وبالتالي البناء السليم للمجتمع، والعيش الهانئ في ظلّ رعايتك لهم وقدرتك على نفسك في تطبيق الحقّ والنَظَر في أُمورهم.

إنّ نشر المحبّة والأُلفة، والاستشعار بأنّ الوالي يسعى إلى أن يكون قُدوة الإخلاص والوفاء والتعاطف في مُجتمعه ويتخلّق على الأثر الطيّب والمُقابلة الحسنة عند الناس.

الرَعيّةُ ورَحمةُ الوالي

كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خير مَن مثّل الأخلاق بكلّ معانيها في تعامله وسيرته مع الناس، وقد قال القرآن في حقه: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ ) . (1)

ثُمّ في آية أُخرى: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (2) ، أو آية أُخرى: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) . (3)

يُؤكّد القرآن على الجانب الإنساني والعلاقة الإيمانيّة، ففي الجانب الإنساني يُؤكّد على الأخلاق والسيرة الصالحة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع الناس كافّة، إنّ القيم التي سار بها (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والروح الإنسانيّة الصادقة التي عاش معهم بها هي التي أراحت الأنفس وسكّنت القلوب وملكت الأرواح، وفي هذا الجانب يُؤكّد

____________________

(1) سورة آل عمران: الآية 159.

(2) سورة الحجر: الآية 88.

(3) سورة الشعراء: الآية 215.


القرآن على العلاقة الإيمانيّة وما تستوجبه من تعاملٍ يحتاج إلى خفض الجناح للمؤمنين، وهذا هو مُنتهى الرعاية والعطف والرحمة، وإنّ أصل الرسالة وإرسال الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو رحمة للبشريّة ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) . (1)

فالرحمة الإلهيّة المُهداة من الخالق إلى المخلوق لها تفاسير متعددةٍ ذكرها المفسّرون في كُتبهم، ولها صورٌ في عدّة جوانب يراها القارئ المُتمعّن والباحث البصير والمُفسّر الخبير، فالرحمة عامّةٌ وشاملةٌ، ومن هذه المفاهيم القرآنيّة يأخذ عليٌ (عليه السلام) قِيَمَه ومبادئه، ويستمدّها من هذا الفيض الإلهي العظيم وينشرها على رعيّته، ويعمل بها ليتّعظ وُلاته وأصحابه ومَن تبعه إلى يوم الدين، فهو يرأف برعيّته وقلبه كلّه رحمةً عليهم، ويدفع ولاته إلى إشعار الرعيّة بالرحمة من خلال الجَنبة الأخلاقيّة في التعامل معهم بالمحبّة واللطف والحنان والمودّة، وفي ذلك يقول (عليه السلام): (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ). (2)

ولذلك نجد الإمام (عليه السلام) يُحذّر من العدوان والشدّة على الناس الأبرياء ويُنبّه لذلك، بل ويُعاقب في أحيان أخرى مَن خالف أمره في هذا المجال، ويتضمن كلام وصيّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنّ الوالي ليس سيفاً مُسلطاً على رقاب الخَلق يتحيّن الفُرص ويستغلّ الأوقات المُناسبة ليأكل الناس ويقضمهم كما يقضم السَبُع فريسته.

الرَعيّةُ والتعامُلُ الحَكيم

لقد ابتدأ الإمام (عليه السلام) ببيان الروابط الموجودة بين الناس جميعاً، حتى يُهيّئ

____________________

(1) سورة الأنبياء: الآية 107.

(2) نص العهد للأشتر.


ذِهن الوالي بعد أن قدّم له بكلامٍ في أهميّة الرحمة بالأمّة، وإسداء المحبّة لهم واللُطف بالمعاملة معهم، ثُمّ يوجّه انتباهه إلى أنّ هؤلاء الناس الذين تربطك معهم رابطة دينٍ فأوصيتك بهم، وربما منهم تصدر بعض الأخطاء فاعطف عليهم لتلك الوصيّة ولوجود الرابطة. إنّها أروع الصور للمُعالجة الاجتماعيّة والمُراعاة النفسيّة في كيفيّة تهيأت الحالة النفسيّة للوالي لقبول الطرح التالي، وهو الصفح عن الخطأ والعفو عن الزلل في قِبال ذلك الطَلب وتلك الرابطة. ثُمّ يمدّ الإمام (عليه السلام) ذلك المحور كلّه ليربطه بالعليّ القدير حتى يتذكّر ذلك الوالي قُدرة الله عليه، أي ينتقل إلى مسألة رضاء الله الذي لا يتمّ إلاّ برضاء رعيّته ومُراعاته لهم، كما بيّن في هذا النص: (يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ والخطأ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَوَالِيّ الأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلاَّكَ، وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلاكَ بِهِمْ).

السِيرةُ الصالحةُ

إنّ القائد لا بدّ وأن تكون لَديه مؤهّلاتٌ خاصّةٌ، وَلِنَقُل: ثقافةٌ عامّةٌ واطلاعٌ خاصٌّ بالعلوم السياسيّة الاجتماعية والنفسية، مع دراسةٍ ومعرفةٍ لطبيعة وتاريخ الشعب الذي يحكمه؛ حتى يطّلع على طُرق وأساليب حياة ذلك المجتمع، وهذه الأمور في غاية الأهميّة؛ لأنّ أوضاع وطبيعة معيشة الناس في مكان ما وأُسلوب حياتهم له خصوصيةٌ ذاتيةٌ يتميّز بها عن غيره، ولا يُمكن قياس المُجتمعات على نمطٍ واحدٍ من أسلوب الحياة، فما دام الراعي هو الأقرب إلى ذلك المجتمع، وعلى خط الإصلاح، وبناء المجتمع الصالح، فهو يحتاج إلى التربية العامّة للمجتمع.


ويجب أن تكون طرقها ومناهجها مدروسةً دراسةً تامّةً، وذلك بوضع منهجاً عامّاً للتربية الاجتماعيّة باتّباع الطُرق المناسبة للإصلاح وبالتدريج، كما أوضحته الرسائل العمليّة الفقهيّة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر في كيفية البناء التربوي للإنسان، وتصحيح مسيرته وفق مراحل متعدّدةٍ، وبأُسلوبٍ علميٍّ دقيقٍ تُراعى فيه مُختلف الجوانب النفسيّة والاجتماعية ما دام الهدف هو الإصلاح والتقويم، وبعكسه لا تستقيم النفوس بل قد تحدث معصيةٌ أكبر وطغيانٌ أعظم وعنادٌ أشدّ باتجاه السلب، وعند ذاك ينتهي كلّ شيءٍ. وفي عصرنا الحالي تكون طبيعة عمل عالِم الاجتماع إذا طُلب منه وضع خطّةٍ مستقبليةٍ للتربية الاجتماعيّة لبلدٍ ما، الدراسة والاستنتاج والاستقراء، فيبدأ بدراسة علاقة الحاكم والمحكوم، ومعرفة أهميّة ذلك على صورة المسيرة التضامنيّة ومدى التعاون بينهما، ثُمّ حركة المُجتمع واتجاهاته وما إلى ذلك.

وقد أعطى الإمام عليٌّ (عليه السلام) الخطوط العامّة الدقيقة والنتائج الكاملة في بناء المجتمع بناءاً مُحكماً سليماً، ويمكن أن تُطرح هذه الحصيلة كأُنموذجٍ حضاريٍّ للعمل به في المجتمعات والشعوب المُختلفة، في حين أنّ هناك أُمَماً كثيرة لم تذق طعم الحياة الحقيقي، أو لم تشعر هذه الأُمم في يومٍ من الأيام بإنسانيتها وحقوقها، والمنهج الذي طرحه الإمام عليٌّ (عليه السلام) هو أفضل السُبل للحصول على النتائج الايجابيّة في مسيرة المُجتمعات، فالزَلل والخطأ سواءً كان عمداً أو بغير عمد يحدث من أي إنسان، والإنسان غير معصومٍ من الخطأ، فالغرض الذي يبتغيه الإمام (عليه السلام) هو البناء التربوي للمجتمع، وتشمل التربية الجميع ابتداءً من صاحب الأمر ونزولاً إلى المُعلّم المُربّي والأفراد بصورةٍ عامةٍ، والعامل على الشؤون العامّة والخاصة والأُسرة شمولية المجتمع، فقمّة الهَرَم في المجتمعات هو صاحب السلطة الذي يُمثّل أساس بناء سلوك المجتمع، وحافظ المسيرة من الانحرافات المتنوّعة وله أثرٌ


فاعلٌ في التغيير نحو الأحسن والأجدى. فعليٌّ (عليه السلام) يُعطي هُنا الطُرق الأنسب لحفظ كيان المجتمع من خلال الشروع بالوالي أولاً؛ لأنّه المثل الأول والمعلّم والقائد الذي يصون الأمّة ويحفظ كرامتها، ولهذا يُؤكّد في جانبٍ آخر من هذا النصّ على اختيار العمّال وِفقَ خواص مجتمعه، طرحها في النص وبدون (مُحاباةٍ وإثرةٍ) كما ورد عنه (عليه السلام).

آلةُ الرِئاسةِ سِعَةُ الصَدر

هذا العنوان هو كلام عليٍّ (عليه السلام)، ويرتبط ارتباطاً مباشراً مع هذا النص الذي يقول فيه: (فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ) يُريد منه أن يُعطي من حلمه وسعة صدره الشيء الذي ينفع، فالرئيس محتاجٌ إلى الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة، ومنها سعة الصدر لإدارة شؤون البلد، فبدونها لا تتمّ الإدارة، فإنّ الصفح عن خطايا الناس هو من الحلم، ويعطي القدرة على تحمّل الأشياء التي لا تتوافق أحياناً وهوى النفس. وهو لا يريد للحاكم أن يكون حَجراً أصمّاً لا يسمع ولا يعي ولا يتفاعل، ورجلاً انتُزعت الرحمة من قلبه وأصبح ديكتاتوراً، وينسى نفسه وحاله في نهاية أمره من أنّه سيواجه الجبّار المُتعال في ذلك اليوم المحسوم، وتُؤكّد الدراسات الاجتماعية والنفسية في الوقت الحاضر على أن يكون التقويم للمجتمع وِفق متبنّياتٍ عقائديّةٍ تحمل سِمات أخلاقيّةٍ واجتماعيةٍ كمبادئ الإسلام، والتي تكون أنفع دواءً لبناء المجتمع، ومن العقاب المباشر قبل التوجيه ومُراعاة الظروف، والتجاوز عن السلبيات مع إسداء النُصح والإرشاد في نفس الوقت، وكما أنّ الإصلاح يجب أن يترافق مع البناء التربوي والتلويح بحُكم القانون ان


حالة حدوث تمادي أو سوء استفادةٍ من لَدُن البعض لغرض استغلال المجتمع وهتك حُرمته وأمنه. ونلاحظ الآن علماء الاجتماع والنفس يُؤكّدون على أهميّة إصلاح الذات الإنسانيّة وتربيتها واستمرار العمل معها بمسايرتها، وعدم إطلاق العنان للشرِّ لكي يتّخذ مكاناً له في نفس الإنسان. وهذه التأكيدات جاءت بعد دراساتٍ تطبيقيةٍ واستقراءاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيةٍ أُخذت من بعض المجتمعات وِفقَ طريقة دراسة العَيّنات، وتوصّل فيها الجميع إلى نتائج جيدةٍ، ووضعوا لها نظريّاتهم الخاصّة للعمل بها.

طُغيانُ السُلطةِ وجَبَروتُ الوَالي

الحقيقة أنّ هذا الأمر له سلبيّاته وأضراره ومخاطره الجسيمة على الأُمّة والبلاد؛ لأنّ الوالي إذا طغى استهان بكلّ أمرٍ حيويٍّ، ولم يُهمّه ظُلامة أُمّةٍ بكاملها من أجل إشباع رغباته وكبريائه؛ لأنّ هذا الإنسان تتنازعه سلطاتٌ متنوّعةٌ، منها ذاتيّةٌ داخليّةٌ ومنها مؤثراتٌ خارجيّة، وإحداهما تؤثّر على الأُخرى بصورةٍ مُباشرة أو غير مُباشرة، وقد تطغى عناصر الشرِّ في نفسه فيتكبّر ويطغى (وأعظم ما يحمل الإنسان على الطغيان ما يصير عنده من مالٍ كثيرٍ أو ما يكون له من سلطانٍ نافذٍ، فالأوّل هو طغيانُ المال، أي الطغيان الذي سببه المال، والثاني هو طغيان السلطان، أي الطغيان الذي سببه السلطة التي تكون للإنسان، وكِلا النوعين من الطغيان مُدمّرٌ ومًهلكٌ وفقاً لسنّة الله تعالى التي لا تتبدل...، والمقصود بطغيان السلطة: تجاوز حدّه وقدره بسبب ما أُوتيَ من سلطة الأمر والنهي ونفاذهما على الغير ولو جبراً وقهراً عند الاقتضاء، وأكثر ما يكون هذا الطغيان عند الحاكم ووُلاة الأمر؛ لأنّ سلطتهم وطغيانهم تتعلّقان


بعموم الناس، وهم الذين يُبتلون بشرور طغيانهم. والنموذج لطغيان السلطة طغيان فرعون، والذي كان من مظاهر تجاوزه حدّه وقدره تَكبّره على الخالق حتّى ادّعى لنفسه الربوبيّة، وتكبّره على خلقِ الله حتى استعبدهم وظَلمهم وغمطهم حقوقهم. وقد كرّر الله تعالى قصّة فرعون في آياتٍ كثيرةٍ للاعتبار والاتّعاظ لحاجة الناس إلى الاعتبار بقصّة هذا الطاغية وما حلّ به عقاباً لطغيانه، وذلك لكثرة ما يَبتلي البشر بطغيان السلطة، ومن جُملة ما ورد في القرآن الكريم بخصوص فرعون وطغيانه قوله تعالى: ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى‏ * إِذْ نَادَاهُ رَبّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدّسِ طُوىً * اذْهَبْ إلى‏ فِرْعَوْنَ إِنّهُ طَغَى ) . (1)

قال الإمام الرازي في قوله تعالى ( إِنّهُ طَغَى ) : قال بعض المفسرين، معناه أنّه تكبّر على الله وكفر به، وقال آخرون: إنّه طغى على بني إسرائيل، والأَولى عندي الجمع بين الأمرين، فالمعنى: إنّه طغى على الخالق بأن كَفر به، وطغى على الخَلق بأن تكبّر عليهم واستعبدهم...

ومن طغيان السلطة على الناس: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ * وَثَمُودَ الّذِينَ جَابُوا الصّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الّذِينَ طغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبّ عَلَيْهِمْ رَبّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنّ رَبّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) . (2)

قال ابن كثير في قوله تعالى ( الّذِينَ طغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ) : أي تمرّدوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذى بالناس.

وقال الآلوسي في قوله تعالى ( وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ) : وُصِفَ بذلك لكثرة

____________________

(1) سورة النازعات: الآيات 15 - 17.

(2) سورة الفجر: الآيات 6 - 14.


جنوده، أو لأنّه كان يدقّ للمُعذَّب أربعة أوتادٍ ويشدّه بها مطروحاً على الأرض، فيُعذّبه بما يُريد من ضربٍ أو إحراقٍ أو غيره...

في الآيات التي ذكرناها من سورة الفجر جاء فيها بعد ذكر طُغيان فرعون ومَن قبله ( الّذِينَ طغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبّ عَلَيْهِمْ رَبّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنّ رَبّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) ، وقد جاء في تفسيرها: (أي أنزلَ عليهم رِجزاً من السماء وأحلّ بهم عقوبةً لا يردّها عن القوم المجرمين، وفي تفسير الآلوسي في قوله تعالى ( إِنّ رَبّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) تعليل ما أصاب أضرابهم المذكورين من العذاب.

والآية وعيدٌ للعصاة مُطلقاً، وقيل: للكفرة، وقيل: وعيدٌ للعصاة ووعيدٌ لغيرهم، وهو ظاهر قول الحسن، وفي تفسير القرطبي في قوله تعالى ( إِنّ رَبّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) : أي يرصد عمل كلّ إنسان حتى يُجازيه به). (1)

فيبدأ إذن طغيان الإنسان بتحدّي الله تعالى، لكن ( اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (2) حتى إذا ما طفح الكيل يأخذه الله بأمره أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ إلى حيث الهوّة السحيقة، حينئذٍ يُطلق صيحات الرحمة طالباً إياها من ربّه، وهناك يُخبَر بأنّ حُكم الله قد مضى بعد ما جاءه من الرُسل لتصحيح مسيرته والعودة عن غيّه فأبى واستكبر ونَسي أنّ الدهر لا يمتدّ به كثيراً. وكم من ظالمٍ ومتكبّرٍ قهر الناس بظلمه ويَحسب الخُلد الدائم ولا يعلم أنّه يوماً ما سيعود إلى بارئه، وأنّه كائنٌ ضعيفٌ اتجاه خالقه العظيم، وهنا يحدث الانهيار في ذلك المجتمع، ولا نذهب بعيداً في التفسير في أنّ الانهيار يعني موت الشعب والحاكم في ليلةٍ واحدةٍ، إنّما الانهيار الذي أقصده هو سقوط الحالة العامّة السائدة في المنهج

____________________

(1) زيدان - الدكتور عبد الكريم - السُنن الإلهيّة في الأُمم والجماعات والأفراد ص 190 الطبعة الأولى 1993م - 1413هـ.

(2) سورة البقرة: الآية 15.


التعاملي الأخلاقي بين المُجتمع وضياع الأُلفة والمعاني والقيَم الأخلاقيّة التي تحفظ المُجتمع من الانهيار العامّ في العلاقات، وبذلك تفقد الثقة والاطمئنان والاستقرار، وينتهي دور التقدّم والتطوّر والنموّ ويبقى في مكانه ليتراجع بعد ذلك إلى الخَلف وتحت أقدامه أرضٌ محروقةٌ، وآبارٌ جافّةٌ، وأنهارٌ يبست، وعمران قد خرّب، وصراع الموت بين المجتمع، وبالتالي النهاية المحتومة للجميع، إلى ذلك يُنبّه إمامنا (عليه السلام) ويُذكّر بإرادات الله جلّ شأنه ووجوده، وعدم الوقوع في الانحراف.



الفَصلُ الثّاني

الدَعوَةُ لِلِقاءِ الأُمّة

وَعِلم الاجتماع السياسي



للعلاقة الصميمة بين فئات المجتمع والراعي آثار ايجابية مهمة تنعكس علائمه المستقبلية في تطور المسيرة الاجتماعية وتقدمها، وقد شمل عهد الإمام (عليه السلام) للأشتر جانبا من مسألة لقاء الأُمّة ومعالجة السلبيات من خلال اطلاع الراعي عن قرب على حقائق أُمور المجتمع والتأكيد على هذا الأمر المهم.

وفي المقطع الآتي مفاهيم ودروس في عِلم الاجتماع السياسي (وَأَمَّا بَعْدُ، فَلا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ وَقِلَّةُ عِلْمٍ بِالأُمُورِ، وَالاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ، فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ وَيَعْظُمُ الصَّغِيرُ وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لا يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ، وَلَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ، وَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ، أَوْ مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيِسُوا مِنْ بَذْلِكَ؟! مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ مِمَّا لا مَئُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ، مِنْ شَكَاةِ مَظْلِمَةٍ أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ). (1)

____________________

(1) نص العهد للأشتر.


يقوم قادة الدول في الوقت الحاضر بمُناوراتٍ سياسيّةٍ واجتماعيةٍ وتحركاتٍ عامّةٍ لجلب الأنظار، والتوجه إلى الأُمّة بالزيارات الشعبيّة لغرض كسب ودِّ الجماهير والتحدّث إليهم والاطّلاع على أُمورهم التي تهمّ حياتهم عن قُربٍ، ومعرفة ما يدور في نفوسهم وما وقع عليهم من حيفٍ أو خللٍ في المسيرة العامّة، وأحياناً يُبشّرهم بالمستقبل الزاهر السعيد ويوعدهم خيراً، فإنّ ذلك يُدخل على قلوبهم السرور والفرحة والبهجة والأمل الكبير، ويرفع درجة الثقة بين القائد وشعبه، لا بل وتتوثّق العلاقات الاجتماعيّة بين الناس وتتماسك، وتُزيد من قوّة اتّحاد الشعب ومحبّته والتفافه حول تلك القيادة، وهذا أُسلوبٌ متّبعٌ الآن في الثورة الشعبيّة أو القيادات الجماهيريّة التي تقود بعض البلدان، والتي تؤدّي إلى تقدّم البلد وتطوّره نحو الأحسن، على العكس من القيادات المُحاطة بالأسلحة المدجّجة والقابعة في القصور الذهبيّة الفارهة والحاكمة من وراء السِتار الحديدي، بحيث لا يهمّها إنْ ظُلم الشعب أو هُتكت حُرماته، بل لا يعلم بما تدور عليه الأحوال إلاّ بعد أن يُحاصره الشعب داكّاً حصونه، مُحطماً عُروشه، حينئذٍ يسأل ما الأمر؟ فتأتيه الإخبار بأنّ الشعب قد ثار وانتفض.

الآثارُ السلبيّةُ للاحتجاب

إنّ الحوادث والوقائع التاريخيّة دلّلت على النتائج السلبيّة للقادة القابعين في أوكارهم المُحصنّة وبروجهم العاجيّة، يحكمون الناس بالواسطة ولا يعلمون عن مجتمعهم شيئاً، وأمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن في هذا العصر حتى يُشاهد ما يحدث من آثار الاحتجاب، الذي نهى ولاته عنه في تلك الأيام التي، ربما لم يكن الوالي بعيداً عن الأُمّة، بل إنّ القائد يُتابع الناس في الأسواق، ويخالطهم في مجالسهم، ويسأل عن


أحوالهم بلا واسطةٍ، وليس كما حدَث في العُهود التي تلت خلافته، حيث كان الحاكم لا يدخل عليه أحدٌ إلاّ بعد أن يَمرَّ بالحاجب الأول والثاني والثالث، كما كان في العصر الأُمويّ والعبّاسي.

إنّ الولاة لا زالوا تحت رعاية الخليفة الراشدي علي (عليه السلام)، وهو مع ذلك يوصي: (فلا تطوّلنّ احتجابك عن رعيتك). يقول ابن أبي الحديد: (نهاه عن الاحتجاب؛ فإنّه مظنّة انطواء الأمور عنه، وإذا رفع الحجاب دخل عليه كل احد فعرف الأخبار، ولم يخفَ عليه شيء من أحوال الأُمّة). (1)

والاحتجاب عن المجتمع له آثار سلبية وهدّامة، وإنّه من ضيق الفكر والإدراك والتي تؤدّي إلى:

1 - قلّة علم الوالي بأحوال الرعية وعدم معرفة مفاصل الحياة العامة في المجتمع، وعدم الاطلاع على ما ينفعهم ويضرّهم أو التعرّف على ما فيما إذا كانت هناك إساءة أو خطأ في السلوك التعاملي من قبل الكادر الإداري أو أوامر صادرة من الوالي هي في واقعها مضرّة بالمجتمع، فباحتجاب الوالي تضيع عنه حقائق الأمور وتأخذ مجرىً آخر سعته التدميرية أكبر وأثره أعمق في نفوس الناس من خلال التذمّر وعدم الرضى.

2 - (يصغر عندهم جليل القدر، كبير الشأن، ممّن لهم خدمات جليلة أو لهم أثر حميد في المصالح العامة، وهذا التصغير والاحتقار ينفّر هؤلاء عن صوالح الأعمال أو تقديم التضحيات في سبيل منفعة المجتمع بل العكس، يحسّسه بالكراهة لأُولي الأمر). (2)

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - م 17 - ص91.

(2) الراعي والرعية - ص 275.


3 - (الاحتجاب يعظم الصغير، وهذا ينتج نتائج سيّئة ويؤدّي بعظماء النفوس وأهل النبوغ إلى الركود والجمود، بدل الرقي والتقدّم والتطلّع إلى المستقبل). (1)

4 - يشاب الحق بالبّاطل، وهذه مضيعة عظيمة للعدالة الاجتماعية (هذا السبب وحده يكفي لهدم كيان المجتمع وانهياره؛ لأنّ (العدل أساس الملك) وإذا انتشر الباطل وغمط حقّ الناس اختل ميزان العدالة وفي ذلك بلاء لا يشبهه بلاء والعياذ بالله، وإذا كان ذلك فإنّ الناس يسيؤون ظنونهم بحكومتهم وتفسد نياتهم بإخلاصها ومقدرتها على توزيع العدل والحقّ بينهم وبذلك تموت الثقة الاجتماعية بينهم وبين السلطة العامة). (2)

هذه العوامل، أو نتائج الاحتجاب ومردوداته السلبية، هي في الحقيقة لم يضعها الإمام (عليه السلام) في كتابه اعتباطاً أو دون دراية كاملة بحياة الناس وطرق تفكيرهم وتحليلهم للأمور.

إنّ الاطلاع العام والمعرفة الدقيقة بأحوال المجتمع لا يأتي إلاّ من خلال الاتصال المباشر بالأمّة، وذلك يكون بقطع الاحتجاب والظهور للمجتمع من خلال اللقاء والمقابلة؛ لأنّ المجتمع يضمّ عادةً فئات تتنوّع في تفكيرها وتختلف في رأيها، وهذا التباين في الواقع العملي والفكري للأفراد يفرز سلوكيات مختلفة تجسّم في النهاية الواقع الحيّ لحركة المجتمع اليومية التي يجب أن يكون الوالي على علم تام بأحوالها وصورها، وما يواجهه المجتمع من سلبيات متداخلة؛ كي يصلح ما فسد من الأمور وتتّسع عنده دائرة النظرة الشمولية العامّة، وبالتالي

____________________

(1) نفس المصدر السابق ص275.

(2) نفس المصدر السابق ص276.


يجب أن يرفع عوائق التطوّر والعمران ويثيب المتفاني المثابر، ويحاسب من خلط الأوراق ليكسب ربحاً غير مشروع.

إنّ الذي ينظر، ويراقب ويتابع، وضع المجتمع عن كثب يسهل عليه حل عُقد الأمور بالحقّ والعدالة، ويمنع التشتّت والتفرّق الذي يولّده اختفاء النوايا الطاهرة وتراكم السلبيات والإجحاف الذي ولّده الاحتجاب، فينتج من جراء ذلك الصراع والتناحر الداخلي بفعل ابتعاد العامل عن حقيقة وواقع الأمور، ووجود المتضادات والتناقضات وتصادم المصالح الذاتية التي تظهر للعيان شاخصةً بذاتها لتلقي بظلالها المدمّرة على حياة الناس، وتؤدّي دور المخرب للدولة والمجتمع، ولا يبدد ذلك إلاّ الإطلالة البهية للقائد الشجاع المؤمن بالله سبحانه وتعالى الذي يدخل السرور على قلوب الناس الحائرة قبل أن (وَيَقْبُحُ اَلْحَسَنُ وَيَحْسُنُ اَلْقَبِيحُ وَيُشَابُ اَلْحَقُّ بِالْبَاطِلِ) (1) ، واحتجاب الوالي أو صاحب السلطة ينّمي هذه الأمور ويكثّرها من حيث لا يَعلم، والنفوس تحتاج أحيانا إلى دراية وعلم وفراسة حتى تقتحهما وتجد ما فيها من حقائق، فكيف إذا ما كان الوالي بعيداً حتى عن رؤية الناس والاطلاع على أحوالهم: (وَلَيْسَتْ عَلَى اَلْحَقِّ سِمَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ اَلصِّدْقِ مِنَ اَلْكَذِبِ)، أي: ليست هناك علامات دالّة للتمييز بين الصدق والكذب حتى يعرف الوالي صدق الأمور وحقيقتها من الكذب (وَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ، أَوْ مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيِسُوا مِنْ بَذْلِكَ). (2)

____________________

(1) نص العهد للأشتر.

(2) المصدر نفسه.


إذن (فلأيِّ سبب تحتجب عن الناس في أداء حقهم أو في عمل تمنحه إيهام؟! فإن قنط الناس من قضاء مطالبهم منك أسرعوا إلى البعد عنك فلا حاجة للاحتجاب). (1)

وقال ابن أبي الحديد في تفسير هذا المقطع: (مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ مِمَّا لا مَئُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ مِنْ شَكَاةِ مَظْلِمَةٍ أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ).

(لم تحتجب فإنّ أكثر الناس يحتجبون كيلا يطلب منهم الرّفد! وأنت فإن كنت جواداً سمحاً لم يمكن لك إلى الحجاب داع، وإن كانت ممسكاً فسيعلم الناس ذلك منك، فلا يسألك احدٌ شيئاً، ثمّ قال له: على أنّ أكثر ما يسأل منك ما لا مؤونة عليه في ما مؤونة عليه في ماله، كردّ ظُلامة أو إنصاف من خصم). (2)

إنّ إنصاف الناس ورد الظُلامة ترسم عدالتك في أذهان الرعية، وإنّ ذلك أجدى وانفع وأقوى أثراً وأكثر ثواباً وأجزل عطاءٍ عند الله.

مكاشفة الأُمّة

ثمّ يعود الإمام (عليه السلام) إلى أمر هامٍّ جداً، ومبدأ حساس يتداوله بعض الساسة المعاصرون الآن كمبدأ جوهري في مستقبل الدولة وتطوّرها ألا وهو (مكاشفة الجماهير)، وهذه المكاشفة متنوّعة في عصرنا الحاضر إما تكون أمام ممثّلي الشعب في البرلمان أو من خلال اللقاءات الصحفية والتلفزيونية والإذاعية، أو مباشرةً مع جماهير الأُمّة وذلك لتوضيح ما خفي عن الناس وردّ التهم الواردة

____________________

(1) الشيخ محمد عبده، شرح نهج البلاغة ج3 - ص10.

(2) شرح نهج البلاغة - م 17 - ص91.


على الحاكم إنّ وجدت (وَإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ وَاعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِيَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ، وَرِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ، وَإِعْذَاراً تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ). (1)

وإن ظنّت الرعية بك ظنّ سوءٍ من خلال ما وقع عليها من ظلم أو جور أو عمل باطل، وهذا جائز وموجود وسائد بين العامة، من أن المجتمعات التي فيها فاصلة القائد والشعب تزداد الظنون لدى الناس وتبلغ مبلغها وأثرها السلبي على حركة وسلوكية المجتمع في التعامل الصادق مع الدولة وكيانها. فبدون التعاون والتعامل الحقيقي لا يستقيم الأمر ولا تسلم الدولة من الانتكاسات غير المتوقعة.

إذن فإصحار الوالي، أي: خروجه إلى المجتمع وتوضيح الحقائق لهم وبيان الأعذار الشرعية للفعل المظنون به، يبدّد الغيوم السوداء المضلِّلة على الناس ويدفع بالظنون بعيداً عن أفكار المجتمع وتحليلاته. إنّ المجتمعات أغلبها من عامة الناس ولا تريد إلاّ العدل اليسير والحقّ ومراعاة الأمور العامة وقد لا تطمح فيما يكون ذلك، ومن صفاتهم أيضاً القناعة والاستجابة السريعة، وذلك أنّهم بلقائهم الوالي واستيعاب الأمور على حقيقتها يقتنعون بسرعة لاعتماد الثقة منهم بالوالي إذا فعل مثل هذا الطرح والتوضيح.

وفي محاورة لأبي حيان التوحيدي مع الوزير ابن سعدان، وزير صمصام الدولة البويهي، سنة 373 هـ. حيث قال الوزير لأبي حيان التوحيدي (ولو قالت الرّعيّة لسلطانها: لم لا نخوض في حديثك، ولا نبحث ممّن غيب أمرك، ولم لا نسأل عن دينك ونحلتك وعادتك وسيرتك؟! ولم لا نقف على حقيقة حالك في ليلك ونهارك ومصالحنا متعلقةٌ بك، وخيراتنا متوقّعةٌ من جهتك، ومسرّتنا ملحوظةٌ بتدبيرك، ومساءتنا مصروفة باهتمامك،

____________________

(1) نص العهد للأشتر.


وتظلّمنا مرفوعٌ بعزّك، ورفاهيتنا حاصلةٌ بحسن نظرك وجميل اعتقادك، وشائع رحمتك، وبليغ اجتهادك؟! ما كان جواب سلطانها وسائسها؟! أما كان عليه أنّ يعلم أنّ الرعية مصيبةٌ في دعواها الّتي بها استطالت، بلى والله، الحقّ معترف به وإن شغب الشاغب وأَعْنَت المُعنت). (1)

قطعة جميلة متعلّقة ببحثنا هذا ولها ارتباط بعلم الاجتماع السياسي، في أنّ الرعية تخاطب السلطان (لم لا نخوض في حديثك، ولا نبحث في غيب أمرك...). هذا الحديث وهذا الخوض وهذه الظنون كلّها متأتية من عدم ظهور السلطان إلى الناس والاطلاع على أمورهم ومعرفة ما يدور في خِلدهم. فما يتكلّمون به حول السلطان من حقهم لأنّهم، كما يقول، أودعوا حالهم ومالهم وكل حياتهم له، لأنّهم يتوقّعون كلّ خيرٍ وكلّ عملٍ صالح وكلّ اهتمام، ورفع كلّ مظلمة وكلّ رفاهية ورحمة ورأفة من جانبه.

فباستقامة الولاة والحكّام والتفاتهم الواقعي إلى شعبهم تحلّ كل العقد والمشاكل الاجتماعية، وتزول المؤثّرات الخارجية التي تغطّي على الحقّ وتمحق العدالة وتعطّل الحدود، وأحيانا يستسلم الوالي إلى صراعات النفس ومنازعات الفكر بين أن يُصحر أو لا، أي: يخاطب الناس بالحقيقة أو يبتعد عنهم رابطاً نفسه بحبال الكبرياء والجبروت والتعالي، ولا يدير عينه إلى مظلمة يرتكبها أحد أعوانه فينصف المظلوم ويردّ الاعتبار إلى من أُهينت كرامته. إنّ هذه ليس من صفات الوالي المؤمن بالله ورسوله، فقد كان محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين أصحابٍ يلوذ به الفقير فيحميه، ويستغيث به المظلوم فينجيه، يعيش عيشهم ويمشي في أسواقهم، حتى قال فيه المنافقون بقصد التشويش على أفكار الناس

____________________

(1) التوحيدي، أبو حيان، الإمتاع والمؤانسة، ج3، ص87 - منشورات الشريف الرضي.


وقلب الحقائق ( وَقَالُوا مَالِ هذَا الرّسُولِ يَأْكُلُ الطّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ... ) (1) .

بالإضافة إلى ذلك كان يحضر مراسمهم ويؤمّهم في صلاتهم، وكذلك عمل الإمام علي (عليه السلام) من بعده على سيرته ونهجه. فمن لم يكن هكذا فإنّه خارج نطاق الشريعة المحمّدية. ثمّ يدعو الإمام (عليه السلام) إلى تعويد النفس على الإصحار، ولا يسمح لحبّ الذات والتفرّد بالرأي بأن يسيطر.

____________________

(1) سورة الفرقان، الآية 7.



الفصل الثّالث

المظالم في وصايا عليّ (عليه السلام)



إنّ الخطأ بحقّ أفراد من المجتمع لا يأتي من العاديين من الناس فقط، إنّما هناك حيف وظلم وغبن قد يصدر من حاكم جائر أو سلطة غاشمة أو قوّة قضائية متنكّرة للحقّ، أو من قبل أصحاب النفوذ والجاه من الطبقات الأرستقراطية في المجتمع، أو أحياناً من جرّاء إهمال قضية اجتماعية مهمّة لها مردودات على اقتصاديات الناس وحياتهم العامة، حينئذٍ لا يستطيع هذا الشخص، أو الجماعة، الذين ارتكب بحقّهم الظلم أو التغاضي عن حقّهم وعدم الانتصاف لهم إلا أن ينظروا إلى الله تعالى ليتظلّموا عنده، وقد قال علي (عليه السلام): (احذر من دمعة المؤمن؛ فإنّها تقصف من دمّعها (أو) (أدمعها) وتطفئ بحور النّيران عن صاحبها). (1)

أو في جانب آخر من كتاب له إلى حذيفة بن اليمان:

(وآمرك بالرّفق في أمورك والدّين، والعدل في رعيتك؛ فإنّك مساءلٌ عن ذلك، وإنصاف المظلوم). (2)

وقال الماوردي في الأحكام السلطانية: (ونظر المظالم هو قود المتظالمين

____________________

(1) نهج السعادة، المصدر السابق، ص 35.

(2) نفس المصدر السابق، ص 20.


إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة، فكان من شروط الناظر فيها أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العِفة، قليل الطمع، كثير الورع؛ لأنّه يحتاج إلى سطوة الحماة، وثبت القضاة، فيحتاج الجمع بين صفات الفريقين، وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر في الجهتين [ كالخلفاء أو من فرض إليه الخلفاء نظراً في الأمور العامة... قد نظر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المظالم في الشِرب الذي تنازعه الزبير بن العوام (رضي الله عنه) ورجل من الأنصار فحضره بنفسه فقال للزبير: (اسق أنت يا زبير ثمّ الأنصاري، فقال الأنصاري إنّه لابن عمّتك يا رسول الله؟ فغضب من قوله، وقال: يا زبير أجره على بطنه حتى يبلغ الماء إلى الكعبين). وإنّما قال أجره على بطنه أدباً له لجرأته عليه. واختلف لم أمره بإجراء الماء إلى الكعبين، هل كان حقا بيّنه لهما حكما أو كان مباحاً فأمر به زجراً على الجوابين). (1)

(وكان لأمير المؤمنين (عليه السلام) بيتٌ سمّاه بيت القصص، يلقي الناس فيه رقاعهم) (2) .

الوالي والنظر في المظالم والأثر الإيجابي

يحدث الظلم أحيانا نتيجة الطمع وحبّ الغلبة، بل البعد عن الله والعمل بما حرّم. إنّ الإنسان يحتاج إلى من يتظلّم عنده بعد الله تعالى، وهذا يحدث حتى في حياتنا اليومية، وهو تظلّم الطفل لدى والده لشعوره بعدالة والده وقوّته وسطوته التي تعيد ما أخذ منه إليه، بالإضافة إلى شعوره بالمحبة والعز والارتباط القلبي بينه

____________________

(1) الماوردي - الأحكام السلطانية - تحقيق الدكتور أحمد البغدادي ص 102، الكويت 1989م.

(2) شرح نهج البلاغة - المجلّد 17 - ص87.


وبين أبيه حينئذٍ يشكو إليه ما وقع عليه من حيف أو ظلم من أخوته بغيابه، ولولا شعور الطفل وإحساسه واطمئنانه النفسي بأنّ والده سوف يأخذ حقّه لما جرأ وعرض عليه المظلومية، وهذه قضية تتعلّق بالأثر النفسي في ذات الإنسان نعايشها يومياً في مجتمعنا، هذا في الحلقة الأولى المكوّنة للمجتمع، وهكذا يسري الأمر إلى المجتمع كلّه بكافّة طبقاته، فإذا ما أحسّ الإنسان بعدالة ولي أمره واهتمامه باستماع مظالم الناس والإجابة عليها فوراً، قولاً وفعلاً، فإنّ ذلك سوف يدفع الناس إلى الالتفاف حول الأب الأكبر للمجتمع والدفاع عنه في الملمّات والشدائد من الأيام.

وقد اهتمّ إمامنا في ذلك الاهتمام الواسع، فأخذ يفصّل جوانب هذا العمل ويسعى إلى تربية الولاة للأخذ به والعمل طبق دستوره وبصورة لائقة، ونافعة، وعادلة، فهو لم يأمر الوالي بالجلوس للناس والاستماع منهم فقط، بل حدّد لهم معالم النظر في المظالم، وصوره، وكيفيته، ومِلاكاته، ومراعاة حالات الشاكي (المتظلّم)، ومراعاة الجوانب النفسية لديه، وإعادة الحقّ إلى نصابه بالصورة الصحيحة. وعلي (عليه السلام) قال لبعض عمّاله، في كتاب بعثه إليهم من الذين يطأ عملهم الجيوش: (وأنا بين أظهر الجيش فارفعوا إليّ مظالمكم، وما عَراكم ممّا يغلبكم من أمركم، ولا تطيقون دفعه إلاّ بالله وبي، أغيّره بمعونة الله، إن شاء الله) (1) .

فإذن، قضية النظر في المظالم تعتبر من أهم الأمور في حياة المجتمع لأنّها تثبت العدالة وتجري الأحكام على ضوئها بين الناس بصورة كاملة، وأنّ سلامة المجتمع وصحّته تأتي من رفع المظلومية وإنصاف المظلوم والاقتصاص من الظالم، وهذا الأمر يحتاج إلى قوّة إيمانية وعدالة سلطانية تعطي الإنسان سلامة أمره واستقراره، وبذلك يتماسك المجتمع بتطبيق الأحكام الشرعية وامتزاج ذلك

____________________

(1) نفس المصدر السابق، ص147.


بالقيم الأخلاقية التي تحرق كل الصور المأساوية للظلم والظالمين والطامعين والمغتصبين، وهذا علي (عليه السلام) يوصي في أنفاسه الأخيرة، ولديه الحسن والحسين (عليه السلام)، بقوله: (أوصيكما بتقوى الله وحده، ولا تبغيا الدنيا وإن بَغَتكما، ولا تأسفا على شيء منها، قولا الحقّ، وارحما اليتيم، وأعينا الضعيف، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، ولا تأخذكما في الله لومة لائم). (1)

ففي سكرات الموت بعد ضربة اللعين ابن ملجم المُرادي، يوصي علي (عليه السلام) بتقوى الله وترك زينة الحياة الدنيا وما حوت، ثمّ قول الحقّ، فالحقّ عند علي (عليه السلام) معناه إرادة الله وكلمته، ففيها نجاة الأمة وخلاصها واستقامتها. ثمّ أكّد على حماية اليتيم والرأفة والرحمة به، ثمّ إعانة الضعيف الذي لا حيلة له، الذي يرى في علي (عليه السلام) طعامه ولباسه وكرامته وعزّه، بتلك الرأفة، وذلك الحبّ، أطعم الأيتام والضعفاء فعاشت هانئة مطمئنة سعيدة، فالخبز إذ عجن بالذلّة والمنّة لا طعم فيه ولا فائدة منه، فهو هنا لم يوص ولاته بل ولديه الإمامين سيدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين (عليها السلام)، وحبيبَي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويؤكّد عليهم وهو الذي قد خَبرهم وعرفهم كمعرفته بنفسه، فهما قلب عليٍّ، وروحه ونفسه والنور الذي ينظر فيه، وإنّهم كعلي في خصاله، ومع ذلك يوصيهم ليسمعهم ويبلغ غيرهم ممّن قرب أو بعد، ممّن حضر أو لم يحضر في وقته وفي المستقبل.

إنّه يعطي الدرس الاجتماعي للبشرية، ولتبقى هذه الكلمات خالدة تدقّ أسماع وعقول الناس في كلّ زمان ومكان، لكي يفهموا كيف يبنوا مجتماعاتهم ويقيموا العدل. ثمّ انتقل إلى الشيء الأعظم والأهم ألا وهو: (كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، ولا تأخذكما

____________________

(1) مروج الذهب - م2 - ص41.


في الله لومة لائم).

حتى في آخر اللحظات يدعو إلى إنصاف المظلومين، كونا معهم، كونا حرباً على الظالمين، فإنّ ذلك أساس العدل والحكم الذي أراده الله، ومهما يكن هذا الظالم كُونا عليه حرباً بلا هوادة حتى يستقيم (ولا تأخذكما في الله لومة لائم) ونستنتج من قوله (عليه السلام) هذا ثلاث قضايا مهمّة، كأنّهن الأعمدة الرئيسية للعدالة والمساواة العامة في المجتمع:

1 - الرحمة.

2 - إعانة الضعفاء، أي: فقراء الأمة ومن لا حيلة ولا قوّة له.

3 - العدالة ومخاصمة الظالم والوقوف إلى جنب المظلوم واخذ حقّه ممّن ظلمه.

لله درك يا أبا الحسن! من أبٍ رؤوفٍ وحاكمٍ عادلٍ ومربٍّ أخلاقي عظيم، واجتماعي فريد، جمعتَ كلَ الخصال وأعطيت كلّ روحك لهؤلاء الناس الأيتام والضعفاء المظلومين فأعطوك كلّ شيء.

شرائط النظر في المظالم

لم يجعل الإمام (عليه السلام) مسألة النظر في المظالم في المستوى الإرشادي فقط، إنّما جعلها الطرف المهم في سلامة الدين وصلاح الأمر، فوضع لهذا الأمر المهم مقوّمات أساسية لا يمكن أن يصلح الانتصاف للمظلوم بدونها، ولا يمكن أن تكون عدالة في هذا التقاضي بعدم الالتزام بهذه الشرائط الذي وضعها أمير المؤمنين في هذا النص: (وَاجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقْعِدُ


عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ؛ حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) يَقُولُ، فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ: (لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ). ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَالْعِيَّ، وَنَحِّ عَنْهُمُ الضِّيقَ وَالأَنَفَ؛ يَبْسُطِ اللَّهُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ وَيُوجِبْ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ، وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً وَامْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وَإِعْذَارٍ) (1) .

إنّ النظر في المظالم يتطلّب أولاً - وقبل كلّ شيء - أن يجلس الوالي شخصياً للنظر في مظالم الناس ويخصص وقتاً معيناً معلوماً لذلك، ثمّ العمل بالبنود المهمّة التي وضعها علي (عليه السلام) التي تدلل على صحّة عملية النظر في المظالم، وهذه لا يمكن العمل بقسم منها وترك القسم الآخر؛ لأنّها متلازمة في أمرها.

و(تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ) (2) .

إنّ الإنسان بطبيعة وضعه الاجتماعي والآثار النفسية المتبقية في ذهنه، من إرهاب السلطة أو عظمة الحاكم أو الأُبّهة العالية، تجعله متردداً خائفاً ينسيه الوضع الحالي قضيته، وربّما يفرّ ولا يعرض قضيّته وهو معتقداً أنّ سلامة نفسه هي أفضل من الحصول عل ظُلامته. ولهذا يضع أمير المؤمنين (عليه السلام) الموازين الدقيقة والصحيحة لمثل هذه الأعمال، فهو أولاً يطلب أن يجلس الوالي بنفسه وأن لا يوكل غيره لذلك؛ لكي يعالج المشاكل ويحلّ العقد ويباشر الأمور ويطلّع عليها

____________________

(1) نص العهد للأشتر.

(2) نص العهد للأشتر.


شخصياً. ثمّ ينصب ميزان العدل لإنصاف المظلوم والأخذ بالظالم وإعادة الحقّ إلى نصابه، ونشر راية الرحمة على رؤوس الأبناء، أي المجتمع؛ لأنّ الراعي يعتبر الأب للقوم، فإذا ما كان أبوهم لا يستمع لهم ولا يُدنيهم ولا يتظلّمون عنده بالحقّ فلا نفع من ذلك إذن، وعند ذاك تصبح الفاصلة بين الناس والوالي كبيرة.

فلا تبطر!. كما قال الإمام (عليه السلام) وكلامه مترابط من بدايته حتى آخره، وكلّه شواهد بعضه على بعض، وعلى معرفة تامّة بأوضاع المجتمع واعتباراته، ومستقرئ للأوضاع والأحداث والسلوك الذي ينتج عن كل نوع من سيرة الولاة، بحيث يعطي النتائج لكلٍّ منها مسبقاً ويضعها بين يدي عمّاله لكي تكون أشبه بالقانون الاجتماعي الحاصل من استقراءات ودراسات تطبيقية على المجتمع، إذ يضع النقاط على الحروف لكلّ مسألة سياسية واجتماعية ونتائجها، لهذا لا نجد بُعداً بين معنىً وآخر وبين رسالة وأخرى، فكلّها نابعة من أساس واحد ومصدر أصيل، بناؤه العدالة الاجتماعية التي هي أصل لبناء كل أمر.

فمرّة يأمر ولاته بتفقد أمور الرعية بإرسال ثقاته من الرجال الذين يخافون الله ولا يتكبّرون على الناس حتى يدوّنوا مشاهدتهم ويرسلوا التقارير الصحيحة والتامّة إلى الولاة دون إضافات أو نواقص متعمّدة من الذين لا يستطيعون المجيء إليه. وكذلك يأمرهم بالأمر التالي: فانشر العدل بنشر أصحابك الثقاة، ومرّة أخرى يكون هناك إنسان مظلوم نهب حقه وهدرت كرامته وطرد من موقع العدالة والحقّ والرحمة بواسطة إنسان ظالم، سواء كان عاملاً من عمّال الولاة، أو قاضياً من القضاة، أو صاحب شَرطة، أو أي إنسان آخر، ولا يجد من يتظلّم عنده في هذه الدنيا ليعيد حقه إلاّ الله والذي بيده ولاية الأمر، وهي بطبيعة الحال أمانة في عنقه من الله لرعاية أمر عباده.

وهذا الأمر قمّة في العدالة الإنسانية ورحمة كاملة للبشرية، فالمجتمعات


التي توجد فيها هذه المبادئ الصالحة تأخذ زخماً معنوياً كبيراً للإخلاص والتفاني والتضحية سواء كان لدينها أو وطنها.

ثمّ يطلب الإمام أن يجلس الوالي بنفسه ويقيم مجلساً عامّاً، ويريد من كلامه أيضاً أنّ لا يجلس جلوس الجبابرة والطغاة والمتكبرين التي لا يفيد فيها ولا يستفيد، بل يجب أن يكون وَقوراً متواضعاً؛ لأنّ الله ينظر إلى حكمه وعدله (فتواضع لله الذي خلقك)، ثمّ لا يتعرّض الحاشية والحرّاس لطالبي الحاجات بحيث يأخذ الخوف والرعب مأخذه منهم رهبةً من سطوة الأعوان الممحلقين أعينهم بشدّة، وفي وجوههم القسوة والشدّة التي تخيف الناس وتمنعهم من الكلام (حتى يكلمك متكلّمهم غير متتعتعٍ (1)) أي: لا يترددون في العرض عندك، ثمّ يقول: فإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) يَقُولُ، فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ: (لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ).

فأمير المؤمنين (عليه السلام) استشهد بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي يؤكّد وبوضوح عدم طُهر امةٌ لا يؤخذ فيها حق الضعيف من القوي وبدون تردد أو خوف، إذ لا يستديم الحكم إلاّ بالعدل وإنصاف المظلومين.

وإذا ما طغى الجور والظلم والفساد في بلاد ما فإنّ التغيير آتٍ بحتمية لا ريب فيها، لأنّ الناس لا يمكن أن تستكين للضيم والقهر مدّة طويلة.

وفي التاريخ شواهد وحقائق كثيرة تدلّل على ذلك.

ثمّ يجب أن يتوقع الوالي كلّ شيءٍ من هؤلاء البسطاء من الناس الضعّاف الحال الذي أعياهم الفقر، وأتعبهم الفقر، والدواهي التي أصابتهم من العمّال والأعوان من الذين تحت ظل ورعاية الوالي، ثمّ لا حبيب ولا نصير يقف على حالهم ويعالج أوضاعهم وينصفهم من أعدائهم.

____________________

(1) التعتعة: التردّد. من العجز، أي: غير خائفين من عرض الكلام.


هؤلاء المتعبون يجب أن تستوعبهم وتحتمل منهم كل جهل يصدر أو كلام ربّما يجرح، أو عنف في كلام غير محسوب أو عجز عن النطق أو ما شابه ذلك من المثيرات في للنفوس المؤجّجات للأحاسيس والمشاعر والتي تثير الغضب وعدم الرضى (وَنَحِّ عَنْهُمُ الضِّيقَ وَالأَنَفَ؛ يَبْسُطِ اللَّهُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ وَيُوجِبْ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ، وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً وَامْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وَإِعْذَارٍ).

هذه الصورة الجميلة والرائعة من المعاملة الإنسانية القيّمة التي يضع مضامينها علي (عليه السلام) ويعطيها جاهزة لولاته حفظاً لأمّته من الضياع والهتك والتسلّط غير المشروع والعبودية. فهو يريد للإنسان أن يعيش ضمن مبدأ الإسلام العظيم الذي يعطي للإنسان حريّته وكرامته، وكذلك يقول للوالي: بأن لا يضيق صدرك من طلباتهم وسوء خلق بعضهم الذي قد يصدر منهم، فتستكبر وتأنف من ملاقاتهم والتحدّث إليهم. إنّ الله يعوض عن ذلك للإنسان الذي يحمل الحبّ والحنان والعطف والرفق، بل كلّ معاني الكلمات التي تبعث في القلب والنفس الروحَ الإنسانية الطاهرة، وبهذه المعاملة سوف يبسط الله رحمته وغفرانه في جميع المواطن التي قد يبتلي فيها الإنسان، إنّ الوالي بهذا العمل أدّى فرائضه وأدّى حقّ عبادته، ومعنى ذلك أنّه أطاع الله من خلال التعاليم الإلهية التي أوجبها على عباده، فالأجر والثواب على تلك الأعمال عند الله، وما تعطيه للخلق يبدله الله خيراً فاعط بمنتهى الإحسان ورضى النفس وبدون منٍّ أو أذى أو استكثار، وإن أردت أن تمنع فامنع بلطفٍ واعتذارٍ؛ فإنّ ذلك أسمى وأرفع وأبلغ أثراً في النفوس وأكثر تقبّلاً وقناعة لدى لناس بحيث تدفعهم إلى مَحالّهم وهم راضين عنك، شاكرين عملك.


التحصين الاجتماعي

إنّ التحصين عند علي (عليه السلام) من المسائل المهمّة، وهذا يأتي من خلال بناء هيكلية المجتمع وتربيته على الأُسس القرآنية الأخلاقية التي تمنع الظلم والتجاوز وتعطي للحقّ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الساحة الاجتماعية كلّها لكي تسري مبادئها بين الناس، فالغاية - إذن - هو البناء الاجتماعي السليم والمتماسك والمتمحور حول المبادئ الحقيقة للإسلام التي أرادها الله وجاهد من أجل تثبيتها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وضحى من أجلها عليّ (عليه السلام). بالإضافة إلى كلّ ذلك التكافل الاجتماعي، كلّ هذه المفاهيم تؤدّي إلى الصورة المثالية التي هيَّأها عليٌّ (عليه السلام) للإنسانية كمنهج عامٍّ تسير عليه، وحينما أقول الصور المثالية لا أعني بذلك (جمهورية أفلاطون) أو (المدينة الفاضلة عند الفارابي)، أو غيرها، إنّما الإنسانية بحاجة إلى مبادئ عامة إنسانية عادلة تصون كرامتها وتحفظ شرفها وتبعد المخاطر عنها وهذا هو الدين وهدف علي (عليه السلام).

إذن فالإنسان هو رأس المال الأساسي عنده، فإذا ضاع أو تلف رأس المال خسرنا كل شيء وإذا ما استثمر في مجالاته الصحيحة زاد ونما وعمّت بركته على الجوانب الأخرى، وهذا يبدأ بتطبيق العدل أولا، لأنّه المربّي هو الأساس والمؤثّر على طبيعة أخلاق المجتمع، فإذا ما شعر المجتمع بأنّ الحاكم إنسان زاهد عابد في العلن وظالم سارق في السر فإنّ آثاره السلبية على المجتمع أعمق ممّا يتصوّر. بحيث يضيع الضعيف تحت أقدام القوي، وتُسلب إرادته وحقّه وحرّيته فيأكل القويُّ الضعيف وأصبحت الشريعة شريعة غابٍ وليست شريعة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحيث يتقادم المجتمع ويهرم قبل أوانه وينهار الكيان الاجتماعي


والسياسي قبل موعده، وتموت الحضارة والعمران في وقت واحد قبل بلوغ سلّم الأمن والاستقرار.

لكلّ يومٍ عملهُ

(ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لا بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا، مِنْهَا: إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا يَعْيَا عَنْهُ كُتَّابُكَ. وَمِنْهَا: إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ يَوْمَ وُرُودِهَا عَلَيْكَ بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ. وَأَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ).

(ثمّ بيّن (عليه السلام) أنّه لابدّ له من هذا المجلس لأمر آخر غير ما قدّمه (عليه السلام)، وذلك لأنّه لابدّ من أن يكون في حاجات الناس ما يضيق به صدور أعوانه، والنّوّاب عنه، فيتعيّن عليه أن يباشرها بنفسه، ولابدّ من أن يكون في كتب عمّاله الواردة عليه ما يعيا كتّابه عن جوابه، فيجيب عنه بعلمه ويدخل في ذلك أن يكون فيها ما لا يجوز في حكم السياسة ومصلحة الولاية أن يطلّع الكتّاب عليه، فيجيب أيضاً عن ذلك بعلمه. ثمّ قال: له لا تدخل عمل يوم لآخر فيتعبك ويكدّرك، فإنّ لكل يوم ما فيه من العمل). (1)

(وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ وَأَجْزَلَ تِلْكَ الأَقْسَامِ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِلَّهِ إِذَا صَلَحَتْ فِيهَا النِّيَّةُ وَ سَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ. وَلْيَكُنْ فِي خَاصَّةِ مَا تُخْلِصُ بِهِ لِلَّهِ دِينَكَ إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتِي هِيَ لَهُ خَاصَّةً، فَاعْطِ اللَّهَ مِنْ بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ، وَوَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ كَامِلاً غَيْرَ مَثْلُومٍ، وَلَا مَنْقُوصٍ بَالِغاً - مِنْ بَدَنِكَ - مَا بَلَغَ، وَإِذَا قُمْتَ فِي صَلاتِكَ لِلنَّاسِ فَلا تَكُونَنَّ مُنَفِّراً وَلا مُضَيِّعاً، فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - م 17 - ص 88.


الْعِلَّةُ وَلَهُ الْحَاجَةُ، وَقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حِينَ وَجَّهَنِي إِلَى الْيَمَنِ: كَيْفَ أُصَلِّي بِهِمْ؟ فَقَالَ: صَلِّ بِهِمْ كَصَلاةِ أَضْعَفِهِمْ وَكُنْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً).

(هذا ولمّا فرغ (عليه السلام) من وصيته بأمور رعيته، شرع في وصيته بأداء الفرائض التي افترضها الله عليه من عبادته، ولقد أبهر البلغاء في قوله (عليه السلام): (وإن كانت كلّها لله)، أي: النظر في أمور الرعية مع صحة النية وسلامة الناس من الظلم من جملة العبادات والفرائض أيضاً، ثمّ قال له: (كَامِلاً غَيْرَ مَثْلُومٍ) أي: لا يحملنك شغل السلطان أن تختصر الصلاة اختصاراً بل صلّها بفرائضها وسننها وشعائرها، في نهارك وليلك، وإن أتعبك ذلك ونال من بدنك وقوّتك.

ثمّ أمره إذا صلّى بالناس جماعة أن لا يطيل فينفّرهم عنها، وأن لا يخرج الصلاة وينقصها فيضيعها). (2)

____________________

(1) نص العهد للأشتر.

(2) الراعي والرعية - ص 274.


الفصل الرّابع

العدل والظلم



كان فكر علي (عليه السلام) كله إرساء للعدالة والحقّ في المجتمع الإسلامي، والعمل بهما كما عمل من قبل ابن عمّه النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

وقد أعطى ذلك المفهوم جُلّ اهتمامه لارتباطه المباشر أساسا بالشريعة الإسلامية والأمانة الإلهية؛ لتثبيت الهدف الأسمى وهو إنقاذ المجتمع من الظلم والاستغلال.

فالحروب التي واجهها لم تكن إلاّ حروباً على عدله الذي لا يحيف ولا يركن لمداهنة أولئك الذين يخشون أن يضعهم ميزان العدل مع الناس سواء..، وما الحقد الذي تَلَى ذلك على أهل بيته (عليه السلام) إلاّ لعدله، والمساواة التي كسر من خلالها شوكة الظالمين والباغين والطامعين.

فاهتمام الإمام (عليه السلام) جاء لحفظ مكانة الدين وفق النهج السماوي العادل، حيث كان هدفه السير بالعدل و(العدل الواسع الذي يسع الناس جميعاً لينتظموا في ميزان واحد، هو الأمل الذي كان يحدو علياً ويقطع عليه طريق زهده في الحكومة... العدل والمساواة اللذان أقسم على إجرائهما على الجميع سواء، ابتداءً بنفسه وبنيه، لم يكونا فقط مفتاح الخير والرحمة وعودة الحقوق المهدورة، بل كانا أيضاً مفتاح الاختيار الصعب، ومحكّ الإيمان وغربال الرجال:


(وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ! لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً، وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، وَلَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاكُمْ وَأَعْلاكُمْ أَسْفَلَكُمْ) (1) .

الأنبياء ومحاربة الظلم

لقد سار الأنبياء والرسل بالبشرية بالنصّ الصريح في محاربة الظلم والظالمين وقطع دابر المفسدين رغم المعاناة القاسية التي قوبلوا بها من الطغاة وأعوانهم.

ولم يكن الأنبياء والرسل وحدهم في هذه الساحة وهذه المنازلة على مرّ التاريخ، فقد سار على نهجهم أتباعهم وأنصارهم وأصبح الاتجاه والميل إلى مفهوم العدالة اتجاهاً إنسانيا عامّاً حتى اهتمّ به الفلاسفة والعلماء والمفكّرون وأصبح ذلك محور نظرياتهم المتعلّقة بالإنسان والاجتماع العام.

و(قد ذهب بعض الحكماء إلى اعتبار العدل فضيلة قاعدة لجميع الفضائل، وأنّه أساس الجمعية التآنسيّة - أي: المجتمع البشري، والعمران والتمدّن، فهو أصل عمدة الممالك المجتمعات - التي لا يتمّ حسن تدبيرها إلاّ به). (2)

إنّ مسألة حرية الإنسان وكرامته والعدالة الاجتماعية ومنع إقامة أيّ صرح للظلم والظالمين أصبح المنطوق الأوّل لتلك النظريات والأطروحات الاجتماعية.

____________________

(1) عبد الحميد - صائب - تاريخ الإسلام الثقافي ص 418 - الغدير - بيروت، الطبعة الأولى - 1417 - 1997.

(2) التفكير الاجتماعي - نشأته وتطوّره، ص 295.


عليٌّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ

لقد كان الحقّ الفيصل الأوّل في المواقف المهمّة خلال حكمه، فقد أعطى نفسه للحقّ ولم يجره الآخرون لأنفسهم طمعاً باستئثار لا يهمّهم آثاره الضارّة أو الحالة الظالمة التي تتبعه، ولذا نصب ميزان العدل بوجه أولئك الذين سعوا إلى جلب المنابع المادية لأنفسهم حتى وإن كان ذلك خروجاً على الشريعة ومبادئها، إنّ علي (عليه السلام) في إشارة دقيقة ومهمّة يحدّد من خلالها صورة وواقع الولاية في عهده حيث يقول (عليه السلام): (لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً، وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً؛ إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنْفُسِكُمْ. أَيُّهَا النَّاسُ! أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَايْمُ اللَّهِ لأُنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ، وَلأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِهاً). (1)

هذا وحده هو قانون للبشرية وعلماء الإنسانية والمدافعين عن حقوقها، ولإصحاب النظريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ كي يرفعوا به عمود خيمة الإنسانية الكبيرة التي يستظل بظلها كلّ مظلوم ومستضعف ومن تقتحمه العيون في المجتمع.

فتلك الخيمة قائمة ما دام هذا العمود قائماً، إنّه الأمل الذي تدور من حوله قلوب تلك الأرواح الهاربة من حَرور الجور والعبودية والظلم.

فما تعاني منه الإنسانية بصورة واسعة هو الظلم بمختلف ألوانه والانحراف عن الاستقامة والقيم الإلهية.


ولولا الظلم والجشع والطمع بأنواعه لم يكن هناك صراع واستئثار وبغي.

بقي علينا أن نعرف أن الأمر المهمّ الآن: كيف نعالج الواقع المرّ الذي أفرزته الظروف القاسية؟ ظروف الحيف والجور، حيث تنكفئ موازين العدالة والحقّ.

فنحن - أفراد البشر - إذا رأينا إنسانا لا يضمر سوءاً للآخرين، ولا يتجاوز على حقوقهم ينظر إلى الناس بعين نهاية الحياد، يناصر المظلوم ويعادي الظالم، إنّ شخصاً كهذا نعتبره حائزاً على نوع من الكمال نسمّيه (العدل) ونطلق على صاحبه اسم (العادل).

وعلى خلاف هذا الفرد الذي يتجاوز على حقوق الآخرين وإذا كان في مركز القوّة والقدرة فإنّه يرجح أفرادا على آخرين دون وجود مرجح، ويناصر الظالمين ويخاصم الضعفاء وفاقدي القدرة، أو على الأقل يكون محايداً في النزاعات والمناقشات الدائرة بين الظالمين والمظلومين، إنّ شخصاً كهذا نعتبره متّصفاً بنوع من (الظلم) ونسمّيه (الظالم). (1)

وقد قال الشاعر الإيراني مولوي في ذلك:

(ما هو العدل؟ هو وضع الشيء في موضعه.

ما هو الظلم؟ هو وضع الشيء في غير موضعه.

ما هو العدل؟ هو إعطاؤك الأشجار ماء.

ما هو الظلم؟ إنّه إعطاؤك الأشواك ماء). (2)

وهناك آيات قرآنية كثيرة وردت في شأن العدل والظلم، هذا نموذج من بعضها: ( وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) (3) .

____________________

(1) مطهري، مرتضى، العدل الإلهي، ترجمة محمّد عبد المنعم الخاقاني - بتصرّف -، ص 55.

(2) المصدر السابق، ص72.

(3) سورة الشورى: الآية 15.


( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (1) .

( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) (2) .

( وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ ) .

إذن، يجب اتّخاذ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وخطب الإمام علي (عليه السلام) مرتكزاً في وضع الحلول المناسبة، من خلال معرفة وأخذ العبر والدروس من أجل بناء المجتمعات بناءً إنسانياً إيمانياً.

النظرة العلوية إلى الظلم

إنّ منهج الإمام علي (عليه السلام) الاجتماعي المتعلّق بهذا الموضوع يجسّده كلامه وخطبه (عليه السلام) التي ترسم في الأذهان الصور المتكاملة والواقعية للعدل والظلم، وسأبدأ بكلام له (عليه السلام) يتبرّأ فيه من الظلم ويقول فيه:

(وَاللَّهِ لأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً أَوْ أُجَرَّ فِي الأَغْلَالِ مُصَفَّداً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ وَغَاصِباً لِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْحُطَامِ، وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا، وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا) (5) .

____________________

(1) سورة النحل: الآية 90.

(2) سورة الأنعام: الآية 82.

(3) الحسك: الشوك، والسَّعدَان: نبتة برية كحلمة الثدي يملأها الشوك.

(4) المسهّد: المسهّر.

(5) نهج البلاغة - شرح الشيخ محمّد عبده - ج2 - ص216.


إن الإمام (عليه السلام) يقسم بالله، وأيَّ شيء مهمّ وعظيم هذا لدى الإمام الذي يؤدّي به إلى القسم بالله وهو علي إمام المتقين وسيد الموحدين؟! إن بذلك ينتهي كلّ نقاش، وينتهي كلّ تحليل أو تبرير بفعل قسمه هذا، ويقول (عليه السلام): لأن بات يتقلّب على الشوك وتلك النبتة البريّة المدبّبة برؤوس الإبر الشوكية طيلة ليله مسهّراً، أو جرّ على ذلك وهو مقيد بالأغلال بحيث لا يستطيع الذود عن جسمه اتجاه تلك الآلام القاسية والجروح الدامية، فإنّ ذلك كلّه أحبّ إليه من أن يلاقى الله ورسوله يوم القيامة وهو ظالم لعباده.

فالإمام (عليه السلام) يريد بهذه الصورة التهويلية أن يبيّن مدى أثر الظلم ومسؤولية الإنسان الظالم عند الله ورسوله يوم الحساب، ثمّ يوضح لنا ولغيرنا أنّ الظلم لأجل حطام هذه الدنيا الفانية له نتائج قاسية، وسيترك أثاراً سلبية عظيمة، وزرها ثقيل، تبقى مع الإنسان إلى يوم الحشر العظيم...

(وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا، وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا) فالنفس نهايتا الفناء وهي تمضي إليه مسرعة، وغداً محلّها بين طبقات الثرى، ألا يكفيها هذا رادعاً عن مظالم الناس؟!

ثمّ إنّ الإمام (عليه السلام) ذكر في بعض مواعظه على أنّ الظلم أنواع وعدَّد تلك الأنواع، وانتهى بظلم العباد بعضهم لبعض، وحذر من شدّته يوم القيامة، حيث قال (عليه السلام): (أَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يُتْرَكُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً؛ الْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ، لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِاْلمُدَى، وَ لا ضَرْباً بِالسِّيَاطِ، وَلَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذَلِكَ مَعَهُ. فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللَّهِ فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ، وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى وَلا مِمَّنْ بَقِيَ) (1) .

____________________

(1) المصدر السابق، ص 255.


إنّ الإمام (عليه السلام) يوضح حجم عقوبة ظلم العباد عند الله وأكّد أنّ قصاصها يوم الحساب شديد وعسير على الإنسان، وهو ليس بصورة جرح سكاكين أو ضرب بالسياط حتى يقال: إنّ أمره هيّن. إنّ عقاب ذلك عند الله اشدّ ما يمكن أن يكون وخاصة إذا كان هذا المظلوم مؤمناً، فالإمام (عليه السلام) في قوله إلى البَجَلي قاضيه على الأهواز يبيّن ذلك: (دارِ المؤمن ما استطعت؛ فإنّ ظهره حُمى الله، ونفسه كريمةٌ على الله، وله يكون ثواب الله، وظالمه خصم الله، فلا تكن خصمه) (1) .

إذن، من الذي يخاصمه إذا ظلم أحداً من المؤمنين؟ إنّه الباري عزّ وجلّ، وفي أية صورة تكون حالته هناك وهو الضعيف القاصر أمام الجبّار المتعال.

ثمّ يؤكّد الإمام (عليه السلام) على عملية التفاضل بين نوعين من الحالة الاجتماعية فوجود أيدٍ متماسكة وقلوب متفقة مع حقّ صعب تطبيقه ومكروه عندكم، خيرٌ من تفرّق وشِقاق ونِفاق مع باطل محبّب ومرغوب في النفوس.

فإذا ما طَهُرت القلوب واتسع بعضها للبعض الآخر وتحمّلت تطبيق الحقّ والعدالة مع مخالفة ذلك لهوى النفس، هو أصلح وأجدى نفعاً لتماسك ووحدة المجتمع ككل.

والإمام (عليه السلام) يقول في ذلك: (أَيُّهَا النَّاسُ أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَايْمُ اللَّهِ لأُنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ وَلأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِهاً) (2) .

ولا زالت كلمته (عليه السلام) التي قالها في وصيته لولده الإمام الحسن (عليه السلام) تدقّ أسماع

____________________

(1) نهج السعادة، المصدر السابق، ص 30.

(2) نهج البلاغة، تحقيق د. صبحي الصالح - ص 192.


العالم لتعطي للإنسانية معنى العدل وإحقاق الحقوق: (وظلم الضعيف أفحش الظلم).

ولهذا كان علي (عليه السلام) لا يترك صغيرة ولا كبيرة تهمّ أمر المجتمع إلاّ وعالجها بحكمته ومواعظه وإرشادته في معاملاتهم وحياتهم العامة وإدارة أمور البلاد في كل أمر، فكان يتابع القضاء كما يتابع الأسواق وحركة البيع والشراء وهو يشدّد على قضائه ويقول لأحدهم: (انهَ عن الحِكرة، فمن ركب النّهى فأوجعه ثمّ عاقبه بإظهار ما احتكر. أقم الحدود في القريب يجنبّها البعيد، ولا تطلّ الدّماء (1) ولا تعطّل الحدود) (2) .

وكذلك حينما كتب يطلب فيه تأديب (علي) ابن هرمة وكان على سوق الأهواز فخان وظلم: (إذا قرأت كتابي فنحّ ابن هرمة عن السّوق، وأوقفه للناس واسجنه وناد عليه، واكتب إلى أهل عملك تعلمهم رأيي فيه، ولا تأخذك فيه غفلة ولا تفريط فتهلك عند الله، وأعزلك أخبث عزلةٍ - وأُعيذك بالله منه -. فإذا كان يوم الجمعة فأخرجه من السّجن، واضربه خمسة وثلاثون سوطاً وطف به إلى الأسواق فمن أتى عليه بشاهد فحلّفه مع شاهد، وادفع إليه من مكسبه ما شهد به عليه، ومر به إلى السجن مهاناً مقبوحاً منبوحاً - أي مشتوماً - ... واكتب إليَّ من اخترت بعد الخائن، واقطع عن الخائن رزقه) (3) .

أو كما جاء في كتابه (عليه السلام) إلى حذيفة بن اليمان: (... وأتقدّم إليك بالإحسان إلى المُحسن والشدّة على المعاند، وآمرك بالرّفق في أمورك

____________________

(1) طلَّ الدماء: أبطله وأهدره.

(2) نهج السعادة - المصدر السابق - ص30.

(3) المصدر السابق، ص34.


والدّين، والعدل في رعيّتك، فإنّك مساءل عن ذلك، وإنصاف المظلوم، والعفو عن الناس، وحسن السيرة ما استطعت، فإنّ الله يجزي المحسنين... وأقم فيهم بالقسط، ولا تتّبع الهوى، ولا تخف في الله لومة لائم؛ فإنّ الله مع الذين اتّقوا والّذين هم محسنون) (1).

فعليٌّ أمرهم باتباع هذا المنهج العادل الذي رسمه لهم في إدارة الشؤون الإدارية والاجتماعية المهمّة في البلاد، حيث أكدّ على مسألة العدل في الرعيّة وأعطاها الأهمية القصوى، وكان كلّ أمره أن لا يقع حيف أو إجحاف وأن يُنتصف للمظلوم وذلك من العدل حتى يستقيم أمر الأمّة: (وأقم فيهم بالقسط، ولا تتّبع الهوى، ولا تخف في الله لومة لائم).

وكما قلنا سابقاً أنّ لا شيء يمنع عن إقامة العدل سوى اتباع هوى النفس، وما أكثر ما أكدّ الإمام (عليه السلام) على ذلك وأشار إليه بالابتعاد عنها وإقامة العدل في الأمة بإحقاق الحقّ، وأن لا يخاف ولا يحاذر من أنّه يريد العمل به إذا كان عائداً إلى الله لإعلاء طريق الحقّ وهو طريق الله تعالى، وان الله مع المتّقين والمحسنين.

وقد روى اليعقوبي عن الزهري، قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز يوماً فبينما أنا عنده إذ أتاه كتاب من عامل له، يخبره أنّ مدينته احتاجت إلى مرمَّة (أي: إصلاح) فقلت له: أنّ بعض عمال (أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كتب إليه بمثل هذا، فكتب (عليه السلام) إليه:

(أما بعد فحصّنها بالعدل، ونقّ طرقها من الجور؛ فإنّه مرمّتها. والسلام) (2) .

____________________

(1) نهج السعادة - المصدر السابق - ص 20.

(2) المصدر السابق ص145.


إذن، الهدف الأعلى والسامي عند الإمام (عليه السلام) هو تثبيت أركان العدل في البلاد لأنّ فيه رضاء الله وصلاح المجتمع في ذلك (ومن هنا، وعلى هذا الأساس، اتّجه الإمام عليّ (عليه السلام) إلى المجتمع يُحي قوانينه ويعمل لها ويريدها صالحةً خيّرة، ثمّ يضع كلاً من النصح والسيف في موضعه، تدعيما لآرائه وتثبيتاً لموقعه من طبقات الناس في زمانه، وراح لا يُعنى بشيء عنايته بتوطيد أركان العدالة الاجتماعية: أَوَ ليس هو القائل لمهنّئيه بالولاية فيما بعد، وقد دخلوا عليه فإذا هو يرفأ نعله بيديه: (إنّ هذه النعل هو خير عندي من ولايتكم هذه، إن لم أقم حقاً وأزهق باطلاً).

أما العاملون للآخرة فإنّ الإمام يريد منهم أن يتوسّلوا لنعيمها بخدمة الجماعة قبل غيرها من الوسائل، لذلك جعل الإمام (عليه السلام) خير الآخرة - لمن يريد - منوطاً بالعمل في الناس عملاً مستقيماً، وفي طليعة هذا العمل: المساهمة في توفير الخبز والماء والكساء للمجموعة البشرية، وفي رفع الحاجة عن العامّة، ومحاربة الظالمين وإغاثة المظلومين، ثمّ إعلان حقوق الإنسان والدفاع عنها، (ويقول لكميل بن زياد في معنى الصلاة والصوم: يا كميل، ليس الشأن أن تصلي وتتصدّق، وإنّما الشأن أن تكون الصلاة بقلب نقي وعمل عند الله مرضي، وانظر فيمَ تصلّي، وعلام تصلّي، فإن لم تكن من وجهه وحلّه فلا قبول!).

وقد بلغ من اهتمامه بحياة الناس على الأرض، قبل الآخرة، وبخبرهم اليومي أنّه كان يغتدى فجر كلّ نهار ويطوف في أسواق الكوفة، وهو خليفة، ويقف على أهل كل سوق وينادي، قائلاً:

(يا معشر التجار! اتّقوا الله، واقتروا من المبتاعين، وتزيّنوا بالحلم، وتناهوا عن اليمين، وجانبوا الكذب، وتجافوا عن الظلم، وانصفوا المظلومين، وأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعيثوا


- أو: تعيشوا - في الأرض مفسدين) (1) .

حتى وإن أدّى أمر العدل وإعادة الحق إلى نصابه ومنع الظلم إلى الحرب والموت، فإنّ ذلك لم يمنعه من إقامة الحقّ ودحض الباطل، وإنصاف المظلوم وصدّ الظالم، فأساس بنيان المجتمع يعتمد على استقامة هذه الأمور، وغيرها يكون الدمار، ولذا الحرب والقتال مع أنصار الظلم ومهما كلّفت لا بدّ منها، لِما فرضه الله تعالى على الإمام العادل من إقامة الحدود وردّ الإثم والعدوان، فقد ورد في كتاب وقعة صفّين لنصر بن مزاحم ما يلي: (قال نصر: وفي حديث عمر بن سعد قال: وكتب عليٌّ إلى عمّاله، فكتب إلى مخنف بن سليم:

(السلام عليكم، فإنّي أحمد الله إليك الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد.. فإنّ جهاد من صَدَف عن الحقّ رغبةً عنه وهبّ في نعاس العمى والضلال اختياراً له، فريضةٌ على العارفين، إنّ الله يرضى عمّن أرضاه، ويسخط على من عصاه، وإنّا قد هممنا بالمسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد الله بغير ما أنزل الله، واستأثروا بالفيء، وعطلّوا الحدود، وأماتوا الحقّ، وأظهروا في الأرض الفساد، واتخذوا الفاسقين وَلِيجة من المؤمنين، فإذا ولىّ لله أعظم أحداثهم ابغضوه وأقصوه وحرموه، فإذا ظالمٌ ساعدهم على ظلمهم أحبّوه وأدنوه وبرّوه، فقد أصرّوا على الظلم، وأجمعوا على الخلاف. وقديماً ما صدّوا عن الحقّ، وتعاونوا على الإثم وكانوا ظالمين...) (2) .

إنّ كتاب الإمام (عليه السلام) قد حوى معانٍ وصوراً واقعية نلمسها في وقتنا الحالي

____________________

(1) علي صوت العدالة الإنسانية - المجلد الأوّل - ص136.

(2) ابن مزاحم - نصر - وقعة صفّين - ص106.


وفي داخل مجتمعاتنا المختلفة، وهي حقيقة وظاهرة اجتماعية تبنّتها نفوس خلقٍ كثير من المجتمع وخالطت هواها فامتزجت لتعطي واقعاً اجتماعياً مُراً سُحقت فيه كلّ القيم الأخلاقية وابتعدت فيه عن كلّ معاني العدالة الاجتماعية، فازداد المرض وتفاقم أمر المجتمع سوءاً من أثر المرض الذي أصبح عضالاً، وربّما يرأف الله تعالى بالحال ويشافي القلوب من تلك الأمراض النفسية حتى نسعد في حياتنا ونضمن الثواب في آخرتنا، ومسك ختامنا الآية الشريفة: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1). والسلام

عقيل المملق في كنف علي الخليفة

العدالة عند علي (عليه السلام) تطبّق على القاصي والداني، البعيد والقريب، وقد جسّد موقفه ذلك في كلامه الذي يقول فيه:

(وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاًَ وَ قَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ غُبْرَ الأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ، وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي، فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلَمِهَا، وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ! يَاعَقِيلُ، أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ؟! أَتَئِنُّ مِنَ الأَذَى وَلا أَئِنُّ مِنْ

____________________

(1) سورة الأنفال: الآية 53.


لَظَى). (1)

هذا عقيل أخو الإمام (عليه السلام) وقصّته معروفة، لكنّ المسألة المهمّة هي القوة الإيمانية أو اليقين التام لدى عليّ (عليه السلام) (والله لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً) فلا دنيا بحملها تقف أمامه، ولا بهرجها وزخرفها يخطف بصره.

رحم تجعله يعبث بمقدرات وأموال المسلمين؟!، فللرحم حقّ، ولكنّه إنّما يوصل بالحقّ، فللمسلمين أيضاً حقوقهم، وليس من العدل أن ترعى تلك على حساب هذه، فتسعد نفس بما تشقى بها أخرى!

إنّ في هذا المثل الرفيع أبلغ رسائل اللوم بسياسة الأمس التي أغدقت على أهل بيت الخليفة بذريعة صلة الرحم، دون الالتفات إلى هذا الذي يغدق على (الرحم) من أين هو؟ ولمن هو؟ ودون الالتفات إلى طبقات واسعة من أبناء الأمة تحرم من حقّها وهي به حقيقة لا لذنبٍ، إلاّ أنّها لم تكن من ذوي الرحم، وكأنّ حقّ الحياة مقرون بالرحم وحده.

العدالة والمجتمع

ما دمنا في موضوع العدل والظلم فقد دوّنت الكثير من كلام الإمام (عليه السلام) في هذا الشأن، ورأيت أن أطرح رسالته إلى عثمان بن حنيف، عامله على البصرة، وقد بلغ سمع الإمام (عليه السلام) أنّه دعي إلى وليمة لجماعة من القوم هناك، فمضى إليها، وقد تبدو مسألةً عاديةً للسامع، لكنّ المسألة العظيمة أنّ ابن حنيف على سدّة الحكم والولاية، عند علي بن أبي طالب (عليه السلام) فما أعظمها عند علي وما أشدها على سمعه الذي ائتمنه على رعيته.

____________________

(1) نهج البلاغة - شرح الشيخ محمّد عبده - ج2 - ص217.


إنّها دروس العدالة والأخلاق والحقّ وكلّ ما علا من المفاهيم الإنسانية والكلمات ذات العمق والمعنى الحضاري، ودرس وعبره لا مثيل له في التاريخ أبداً وهو القائل (عليه السلام) في ذلك (وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ وَ يَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الأَطْعِمَةِ وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَلا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ، أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَ أَكْبَادٌ حَرَّى، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:

وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ

وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ) (1) .

فما أعظمه من كلام، وما أعظمها من موعظة تتلألأ في ظلام حياتنا وتجذب إليها القلوب ولا تزيغ عنها الأبصار، ما أحكمها من لغة وأروعها من بلاغة، وأفضلها من صور حيّة للواقع الذي نعيش في ظلامه، إنّها قطعه صغيرة من ذلك العقد الكبير الذي يهزّ الألباب وتتعلّق به القلوب ويتناغم مع الأنفس.

فوصية أمير المؤمنين (عليه السلام) منهج عظيم في علم الاجتماع وعظه للجميع وغير محددة في زمان أو مكان لكنها كتبت باسم عثمان بن حنيف وقد ابتدأ كلامه (عليه السلام) بـ: (أَمَّا بَعْدُ، يَا ابْنَ حُنَيْفٍ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الأَلْوَانُ وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ، فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ.

أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِي‏ءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلا وَإِنَّ

____________________

(1) نهج البلاغة - شرح محمد عبده - ج3 - ص70.


إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ) (1) .

إنّه عتاب عليّ (عليه السلام) لواليه، على تلك الاستجابة السريعة دون التبصّر بحقائق الأمور، إنّها العدالة التي قاتل خصومه بأسسها وقوائمها، العدالة التي جعلت من عليّ (عليه السلام) نبراساً للأمم، ومن مبادئه قطب الرحى التي تدور حوله أفئدة طلاب الحقّ والعدال الإنساني. ثمّ يسأل الإمام (عليه السلام) ابن حنيف هل تحريّت عن أساس الموارد لهذه الموائد في مجتمعٍ الفقير فيهم مردود والغني مدعو يفترش البساط الفاخر؟!

ثمّ يحذّره من أكل الحرام من هذا الطعام الذي لا يعلم طرق كسبه، هل هو حلال أو حرام؟! هل سرق من حقّ الناس الذين لا حول لهم ولا قوّة أم من الطرق المشروعة للكسب الحلال؟!. ثمّ يذكره بولي أمره كيف يحيا حياته، وابن حنيف عارفٌ جيداً، ألم تكن حياة المجتمع وعليّ سواء إن لم يكن اقل منها؟! ألم يكن قد اكتفى بذلك الثوب البالى؟! ألم يكن قد قنع بأقراص خبز الشعير والماء والملح؟!

وقد ذكّر ابن حنيف بهذا الوضع وهذه الصورة التي يعيشها إمامه، أليس هذا هو عليّ وهذه هي سيرته وحياته إلى أن يقول: (أَلا إنّكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينونى بورعٍ واجتهاد، وعفةٍ وسداد. فوالله ما كنزت من دنياكم تِبراً، ولا ادّخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً. بلى كانت في أيدينا فدكٌ من كلّ ما أظلّته السّماء، فشّحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين. ونِعم الحكم الله، وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانّها في غدٍ جدثٌ تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها

____________________

(1) نهج البلاغة - شرح محمّد عبده - ج3، ص70.


وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر، وسدّ فرجها التراب المتراكم، إنّها هي نفسي أرُوْضها بالتقوى لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق) (1) .

إنّ الذي يروم بل يهدف إلى بناء مجتمع إنساني متكامل تسوده العدالة والمحبّة والتفاني لا بدّ له أن يستعرض هذه الكلمات العظيمة للإمام ويأخذ ما تستطيع قدرته على نفسه بتطبيقها، (ثمّ إنّ ورع الولاة وعفتهم يعين الخليفة على إصلاح شؤون الرعية) (2) . ويوصي طالباً معونة ولاته له في تسديد الأمور على أقل التقدير، ويذكّر بالموت والقبر وتلك الظلمة الموحشة في أروع تصوير حي لمواقع تلك المرحلة ما بعد الموت، بعد أن وضّح لهم وكما يعلمون أنّه لم يخزن ذهباً ولا فضة ولا مالاً من غنائمها و(ما كان يهيئ لنفسه طمراً آخر بدل الثوب الذي يبلى، بل كان ينتظر حتى يبلى ثمّ يعمل الطمر، والثوب هنا عبارة عن الطمرين فإنّ مجموع الرداء والإزار يعد ثوباً واحداً فيها يكسو البدن لا بأحدهما) (3) .

مفسدة الهدية

إذا كان التهادي بين الناس محبّذ، فهو لأولي الأمر رشوة لا غير...

فقد استعمل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رجلاً من الأزد، يقال له ابن اللُبيّة، على الصدقة، فلمّ قدم، قال: هذا لكم وهذا أُهدي لي. قال: (فهلاّ جلس في بيت أبيه أو بيت

____________________

(1) نفس المصدر السابق ص70.

(2) نفس المصدر السابق ص70.

(3) نفس المصدر السابق ص71.


أمّه، فينظر يهدى له أم لا؟! والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحدٌ منه شيئاً إلاّ جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إنْ كان بعيراً له رغا، أو بقرة لها خوار أو شاةً تيعر)، ثمّ رفع بيده رأينا عفرة إبطيه: (اللّهمّ هل بلّغت، اللّهمّ هل بلّغت؟! ثلاثاً). (1)

وفي مسيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) نلتمس مصاديق هذه الرسالة العظمى؛ لقد جاءه الأشعث بن قيس - وهو كبير قومه بملفوفة (وهي نوع من الحلوى) فتعجب الإمام (عليه السلام) من أمرها فقال له بمنتهى الصراحة والوعظ: (أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟!، أمختبط أنت، أم ذو جنّة أم تهجر؟!).

ذاك أخوه عقيل وهذا الآخر من رعاياه، الأول طلب مالاً ليعينه به على عياله وأسرته المُملقة، والثاني شخصية اجتماعية ورئيس قوم متمكّن مادياً وله صوت مسموع بين أهله جاء ليرشيه، ذكّر الأول بنار الله التي سجّرها للظلمة والمنحرفين، وردّ الآخر على أعقابه بأقسى الكلام وأعظم المواعظ ليبقى يتذكّرها طيلة حياته، حيث رجع خائباً وباعتقاد تامّ من أنّه لا يستطيع أن يأخذ من إيمان عليّ (عليه السلام) أقل شيء ليس بحلوى مصنوعة بل بدنيا عامرة أهلها.

وهنا لا بد من التذكير بأنّ الأشعث بن قيس هذا هو الذي قاد الفتنة بأولئك النفر الذي فتنوا بخديعة معاوية يوم صفين برفع المصاحف، وجاء بهم فأحاطوا بأمير المؤمنين (عليه السلام) متوعّداً إنّ لم تكف الحرب وترضى بتحكيم المصاحف لنسلمنّك إلى معاوية!!

تلك الهدية التي أعجبت صانعها غاية الإعجاب حتى التمس بها تقرباً إلى أميره قد صيّرتها طبيعتها - كرشوة - في عين علي (معجونة شنئتها كأنّما عجنت

____________________

(1) صحيح البخاري، تحقيق الدكتور مصطفى البغا - ج2 ص917 حديث 2457 - كتاب الهبة - باب 16.


بريق حية أو قيئها).

إذن قضية العدالة وارتباط مصير المجتمعات بها تعطي الدافع الكبير لتربية الأفراد من خلال نهج عليّ (عليه السلام) الواضح الجلّي الذي هو نهج الإسلام بعينه، والذي أعطى للإنسانية الصورة المثلى للعمل الصالح، بل كيف يربِّي الرجل أسرته وأهل بيته، وإذا كان قائداً أو إماما أو حاكماً كيف يربّي أمته ويوجّهها نحو الإصلاح؟! فقد روى أحد أصحاب الإمام علي (عليه السلام) انّه: (كان علي يمشي في الأسواق وحده وهو خليفة، يرشد الضّال، ويعين الضعيف، ويمرّ بالتجار فيفتح القرآن ويقرأ: ( ِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً ) ، ثمّ يقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر الناس) (1) .

كان علي (عليه السلام) هكذا في حياته ونهجه، فهو الصورة الناصعة لرجل الإسلام الأول، فقد كان القائد والخليفة الذي آثر الناس على نفسه ولم تزلزل أقدامه أكداس التبر ورونق السلطان، طبّق الحقّ والعدالة على نفسه أولاً ثمّ سار إلى مجتمعه واعظاً وناصحاً ومُدلاًّ على طريق الحقّ لكسب رضا الله الذي هو فوق كلّ شيء.

فلا خلاف - إذن - في أنّ التربية تبدأ بالنفس الأولى وهو القائد المعني لما تعكسه تلك الصورة من آثار إيجابية عظيمة على نفوس المجتمع أجمع، وبناء الأخلاق لدى الأفراد تنمّي قيم العدالة لديهم ليكون سريان ذلك جارٍ على الأسرة ثمّ المجتمع الأوسع وبالتالي تصبح الطهارة عامّة فلا نجس ولا خبث، فالمجتمع السليم تُصان مفاهيمه بفعل حجم وسعة القيم الأخلاقية المطبّقة على

____________________

(1) علي إمام المتّقين، ج2 ص238.


سلوك الناس ومفاهيمهم، وما يبرز من خلقٍ سيء أو ظلم فاحش سيرفضه المجتمع ويدحضه، بل سيقف بكلّ وعي وصلابة بوجه كلّ انحراف، وبالتالي لا مجال للدسّ والعبث وصانعي الخلل الاجتماعي، لأنّ الحقّ وسيرة الناس العادلة لا تسمح بذلك الانحراف.

(ولو قسّمنا العدالة إلى قسمين: العدالة الخلقية، والعدالة الاجتماعية. فلا ريب أنّ العدالة الخلقية أساس العدالة الاجتماعية، إذ لو لم يتصف الأفراد فكيف يمكن للمجتمع أن يتصف بها؟ أليس المجتمع مجموعة من الأفراد؟ وعليه فانتظار العدالة الاجتماعية مع عدم تنمية الإيمان والأخلاق والتقوى وخشية الله في الأفراد، وهمٌ من الأوهام، ومن هنا تنشأ مشاكل المجتمعات البشرية المتمثّلة في تسليط الجبّارين، والتمييز وانعدام العدالة، فلا بدّ - أولاً - من بناء الإنسان وتربية أفراد عدول، ثمّ تسليمهم زمام أمور المجتمع بأيديهم، وبذلك يمكن أن نأمل تحكيم العدل واستقرار العدالة الاجتماعية، وهو بالضبط ما عكسه كلام الإمام عليّ (عليه السلام)، فقد قال بشأن الظلم وانعدام العدالة الذي هو من أعظم الكوارث الاجتماعية: (بئس الزّاد إلى المعاد العدوان على العباد). (1)

فالإمام (عليه السلام) يحذّر كلّ التحذير هنا من تلك الميول الشيطانية لأنّ هدفه (عليه السلام) حفظ المجتمع في هذه الدنيا من الظلم والجور، وبعد فالإمام (عليه السلام) بحكم المسؤولية الإلهية وإمامة الأمة تحتم عليه مسؤوليته إمام الله إبراز وإظهار الطرق السليمة والمستقيمة للمسلمين؛ لئلا يسقطوا في حبائل الشيطان وبالتالي خسرانهم في الدنيا والآخرة.

____________________

(1) رهبر - محمّد تقي - دروس أساسية من نهج البلاغة - ص 186.



خاتمة الكلام

لقد حاولت في هذا البحث أن أُظهر فكر الإمام عليّ (عليه السلام) الاجتماعي من خلال كلّ ما جاء عنه (عليه السلام) وإبراز ذلك مع إسناده بالحقائق التاريخية، والصور الاجتماعية الواقعية التي نعايشها الآن، ثمّ الاعتماد على الركائز الأساسية في بياناته (عليه السلام) التي فصلّها في أماكن متعدّدة كحقائق بارزة ومهمّة، والتي تعتبر أسس البناء الفكري للمجتمع الإسلامي وهي الأخلاق الإسلامية والعدالة الاجتماعية، وهذا بطبيعة الحال لا يأتي أو لا يقوم إلاّ من خلال العقيدة التي تقوم ببناء الذات الإنسانية وتقويمها بالفكر الإسلامي الحقيقي، وأسندنا ذلك بالآيات القرآنية الشريفة بالإضافة الى السيرة النبوية الطاهرة، وربطنا كل ذلك بحديثنا عن فكر الإمام علي (عليه السلام) الاجتماعي.

فإذن لا مناص من أن نتّخذ هذا الفكر الناضج والواضح كأساس لبناء النظرية الاجتماعية الإسلامية، لأنّه جمع القرآن الكريم والسنة الشريفة، وتفكيره الحي، والتجربة المريرة التي مرّ بها في منهج واحد متكامل الجوانب.

إنّ الذي يريد أن يبني نظرية اجتماعية إسلامية متكاملة لا بدّ له من مراعاة هذا الجانب الحيوي.

والحقيقة التي لا تجافى أنّ مجتمعاتنا الإسلامية تعاني من الفراغ الواسع في المعرفة التامّة بالفكر الاجتماعي الذي يرتبط ارتباطاً مباشراً بعقيدتنا الإسلامية،


وحتى لم يكن لدينا لحد الآن صورة واحدة واضحة الجوانب عن أهمية علم الاجتماع ونظرياته وماهيته، والجوانب التي يهتمّ بها، بل لا زلنا بحاجة إلى تبنّي فلسفة تاريخية لتفسير التاريخ وفق المنظور الإسلامي بصورة ناضجة وكاملة لارتباط ذلك بالمسيرة الاجتماعية ارتباطً كاملاً، ومن خلال مناهج تاريخية للتربية وبناء الأفكار لدى الطليعة الشبابية وفي جميع المراحل الدراسية طبقاً للتفسير الإسلامي، وبناء الأمة على ذلك وهذا ليس بالشيء المستحيل أمام مفكّرينا العظام الذين اغنوا كل المجالات الحياتية لمجتمعاتنا بتلك الأفكار والاستقراءات والاستنتاجات التي نستطيع أن نقول بشأنها وبكل فخر أنّها الصالحة لبناء المجتمعات الإنسانية، ما عدا الجوانب التي أهملت ومع كلّ الأسف!

حيث لم تعط الاهتمام اللازم في الحوزات الدينية أو طلاّبها واعتمدوا على بعض المساهمات الناقصة في بعض الأحيان في حين أنّ التخطيط للإنسانية أو المجتمعات البشرية يأتي من خلال علم الاجتماع؛ حيث اهتمّت الدول المتقدمة المستقبلية التي يستهدي بها قوّام الكيانات السياسية في قيادة مجتمعاتهم وبنائها البناء السليم، وهذا ما لا نجده إلاّ في الإسلام العظيم الذي يقوم على القرآن الكريم الذي حفظه الله من كل تحريف أو تزوير، والتراث الفكري الخالد الذي هو قانون يصلح لكل زمان ومكان، وفسحه اجتهادية تعالج كلّ المشاكل المستجدّة التي يواجهها العالم المعاصر التي لم يأت بها نصّ القرآني أو سنّة نبوية، كلّ ذلك يحفّزنا إلى عرض المنهج الإسلامي لمعالجة مشاكل المجتمعات الإنسانية واتّخاذه السبيل الذي يحفظ الإنسانية وحقوقها دون أن تصل إليها أيادي الشرّ والبغي للعبث بها.


وأنا في الحقيقة اعتبر ما طرحته الآن هو خطوة أضيفها الى الخطوات التي سبقني فيها الآخرون، وأرجو الله تعالى أن تستمر هذه الخطوات حتى تصل الإنسانية، ومجتمعاتنا بالذات، إلى برّ الأمان وساحل النجاة بعد تلك الأمواج العاتية والمتلاطمة التي تعيشها المجتمعات بصورة عامة. وفكر الإمام علي (عليه السلام) الاجتماعي هو الحلقة الرئيسية في بناء النظرية الاجتماعية الإسلامية والتي نحن في أحوج ما نكون إليها الآن من أيِّ وقتٍ مضى.

والله من وراء القصد.. والسلام عليكم



المصادر

1 - القرآن الكريم.

2 - ابن الأزرق - بدائع السلك في طبائع الملك - الجزء الأوّل - تحقيق علي سامي النشار - بغداد.

3 - ابن هشام - السيرة النبوية - المجلد الأوّل والثاني - دار المعرفة - بيروت.

4 - إشفيتسر - ألبرت - فلسفة الحضارة - ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي - مطبعة مصر - القاهرة.

5 - الأعرجي - الدكتور زهير - مباني النظرية الاجتماعية في الإسلام - المطبعة العلمية قم - الطبعة الأوّلى 1417هـ.

6 - البري التلمساني - محمّد بن أبي بكر الأنصاري - القرن التاسع الهجري - تحقيق الدكتور التنوخي.

7 - البيّاتي - الدكتور منير حميد - النظام السياسي الإسلامي مقارناً بالدولة القومية القانونية - الطبعة الثانية.

8 - التوحيدي - أبو حيان - الإمتاع والمؤانسة - دار الشريف الرضي.

9 - جرداق - جورج - الإمام علي صوت العدالة الإنسانية المجلّد الأوّل والخامس - دار مكتبة الحياة - بيروت.

10 - جعفر - الدكتور نوري - علي ومناوؤه - دار النجاح - القاهرة - الطبعة


الرابعة 1976 - 1396 هـ.

11 - الخطيب - السيد عبد الزهراء الحسيني - مصادر نهج البلاغة وأسانيده - الطبعة الرابعة - بيروت.

12 - ديوارنت - ول وايريل - قصّة الحضارة - المجلّد الرابع - ترجمة محمّد بدران 1408هـ - 1988م - بيروت.

13 - رهبر - محمّد تقي - دروس أساسية من نهج البلاغة - منظمة الإعلام الإسلامي - إيران.

14 - زيدان - الدكتور عبد الكريم - السننن الإلهية في الإمام والجماعات والأفراد - الطبعة الرابعة 1413هـ - 1993م.

15 - الشرقاوي - عبد الرحمن - علي إمام المتقي - المجلّد الأوّل والثاني - بيروت 1985م.

16 - الشرقاوي - محمود - التفسير الديني للتاريخ - الجزء الأوّل - دار الشعب.

17 - الصالح - الدكتور صبحي - النُّظم الإسلامية - نشأتها وتطوّرها - الطبعة السادسة - بيروت.

18 - صحيح البخاري - تحقيق الدكتور مصطفى البغا - الجزء الثاني.

19 - صحيح البخاري - ضبط وتعليق الدكتور مصطفى ديب البغا - المجلّد الخامس - مطبعة الهندي.

20 - الصدر - محمّد باقر - اقتصادنا - الجزء الثاني - الطبعة الثانية 1408 - المجمع العلمي للشهيد الصدر.

21 - الصدر - محمّد باقر - المدرسة القرآنية.

22 - الصدر - محمّد باقر - آهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف - دار التعارف للمطبوعات - بيروت.


23 - الصدر - محمّد باقر - فدك في التاريخ - تحقيق الدكتور عبد الجبار شراره - مركز الغدير.

24 - الطباطبائي - السيد محمّد حسين - الميزان في تفسير القرآن - المجلّد الثاني - مؤسسة الأعلمي - بيروت.

25 - الطبري - محمّد بن جرير - تاريخ الرسل والملوك - الجزء الخامس - تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم - بيروت لبنان.

26 - طي - الدكتور محمّد - الإمام علي ومشكلة نظام الحكم - الطبعة الثانية - 1417هـ - 1997م - مركز الغدير للدراسات الإسلامية.

27 - عبد الباقي - الدكتور زيدان - التفكير الاجتماعي (نشأته وتطوّره) الطبعة الثالثة (1401هـ - 1981م).

28 - عبد الحميد - صائب - تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي. الغدير - بيروت - الطبعة الأوّلى 1417هـ - 1977م.

29 - العلوي - هادي - فصول من تاريخ الإسلام السياسي 1995م - قبرص - شركة F. K. H المحدودة للنشر.

30 - على - الدكتور جواد - المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام الجزء السابع - الطبعة الثانية 1413هـ - 1994م.

31 - غيث - الدكتور محمّد عاطف - دراسات في علم الاجتماع التطبيقي - دار النهضة العربية للطباعة والنشر - بيروت.

32 - فضل الله - السيد عبد المحسن - نظرية الحكم والإدارة - دار التعارف - بيروت.

33 - الفكيكي - توفيق - الراعي والرعية - الطبيعية الثانية 1403هـ مؤسسة نهج البلاغة - شركة افست - إيران.


34 - قطب - محمّد - مذاهب فكرية معاصرة - نظرية الحكم والإدارة - دار الكتاب الإسلامي - قم - بيروت.

35 - الكليني - فروع الكافي - تحقيق العلامة الشيخ محمّد جواد مغنية الطبعة الأوّلى 1413هـ - 1992م - دار الأضواء للطباعة والنشر - بيروت.

36 - الماوردي - الأحكام السلطانية - تحقيق الدكتور احمد البغدادي - الكويت 1989م.

37 - متز - آدم - الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري - ترجمة محمّد عبد الهادي أبو ريده - المجلّد الأوّل - 1377هـ - 1957م.

38 - المحمودي - الشيخ محمّد باقر - نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة المجلّد الرابع والخامس.

39 - المسعودي - مروج الذهب - دار الهجرة - قم.

40 - مطهري - الشيخ مرتضى - الإسلام وإيران - الجزء الثالث 1405هـ - 1985م - ترجمة هادي الغروي.

41 - مطهري - الشيخ مرتضى - العدل الإلهي - ترجمة محمّد عبد المنعم الخاقاني.

42 - مطهري - الشيخ مرتضى - في رحاب نهج البلاغة - ترجمة هادي يوسف الغروي - دار التعارف - 1400هـ - 1980.

43 - مقدمة ابن خلدون - مؤسسة الأعلمي - بيروت.

44 - المنقري - نصر بن مزاحم - واقعة صفين - تحقيق عبد السلام محمّد هارون - الطبعة الثانية - منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي - قم 1404هـ.

45 - النراقي - محمّد مهدي - جامع السعادات - الجزء الأوّل.

46 - النفيسي - الدكتور عبد الله - في السياسة الشرعية - الكويت 1405هـ.


1984م.

47 - نهج البلاغة - الدكتور صبحي الصالح - دار الهجرة - 1395هـ.

48 - نهج البلاغة - تصنيف لبيب بيضون - مكتب الإعلام الإسلامي - الطبعة الثالثة 1417هـ.

49 - نهج البلاغة - شرح ابن أبي الحديد - تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم - دار الإحياء الكتب العربية - الحلبي وشركاؤه - الطبعة الثانية 1967م - 1387هـ.

50 - نهج البلاغة - شرح الشيخ محمّد عبده - مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت.

51 - الوردي - الدكتور علي - دراسة في طبيعة المجتمع العراقي - منشورات الرضي - قم.

52 - ويد جيري - الپان ج - المذاهب الكبرى في التاريخ - من كونفوشيوس إلى تويبني - ترجمة ذوكان قرقوط - دار القلم - بيروت - الطبعة الثانية 1979م.

53 - هاريت - ليدل - التاريخ فكراً استراتيجياً - ترجمة حازم طالب مشتاق - الطبعة الأوّلى - بغداد - 1985م.

54 - هويدي - الدكتور فهمي - مجموعة مقالات في حقوق الإنسان في الإسلام - المؤتمر السادس للفكر الإسلامي - بيروت.

55 - اليزدي - محمّد تقي مصباح - المجتمع والتاريخ من وجهة نظر القرآن الكريم - ترجمة محمّد عبد المنعم الخاقاني - دار أمير الكبير للنشر 1514هـ.


المجلات والنشريّات

1 - الفكر الإسلامي - الجزء الثاني - مؤسسة البلاغ.

2 - الفكر الجديد - العدد العاشر - السنة الثالثة - 1995م - دراسة في ضوء علم الاجتماع الحضري - إبراهيم الموسوي.

3 - لماذا السقوط الحضاري - مؤسسة البلاغ.

4 - مجلة الجامعة الإسلامية - العدد الثالث - السنة الثانية - علم الاجتماع عند ابن خلدون - شيخ الأرض تيسير.

5 - مجلة الجامعة الإسلامية - العدد الثاني - السنة الثانية - تكامل الحكمة وشموليتها في فكر الإمام علي (عليه السلام) - يوسف عبد الحميد.

6 - مجلة الجامعة الإسلامية - العدد السادس - السنة الثانية 1995م - الحوار الحضاري ضرورة إنسانية - الدكتور احمد عبد الرحيم السايح.

7 - مجلة المنهاج - مركز الغدير - العدد الثالث - السنة الأوّلى 1417هـ ت 1996م.

8 - مجلة كلية الآداب - العدد السادس - نيسان 1963م - جامعة بغداد - التظلم من الحكام - عبد الغني باقر.

9 - مجلة كلية الآداب - جامعة بغداد - العدد 17 - سنة 1974م - بعض نظريات علم الاجتماع في القرن العشرين - إحسان الحسن.


الفهرس

المقدّمة 5

الباب الأوّل: مَدخل عام 11

الفصلُ الأوّل: عِلم الاجتماع 13

الفصل الثّاني: الترابط الوثيق 49

الفَصلُ الثّالِث: السَيرُ على نهجِ عَليّ (عليه السلام) 77

الباب الثّاني: السلطة والمجتمع 87

الفصل الأوّل: الحقوق وأثرها في التماسك الاجتماعي 89

الفصلُ الثّاني: الحَرب والِسلم والمُجتمعات الإنسانيّة 111

الباب ُ الثّالث: المُجْتمع بصورة عامّة 135

الفصل ُ الأوّل: بناء ُ الذ ّ ات ِ ال إ نساني ّ ة وفق الم َ عا ي ير ال إ سلامي ّ ة 137

الفَصلُ الثّاني: الطريقُ الأمثَل 153

الفَصلُ الثّالث: تقسيماتُ المُجتمَع 179

البابُ الرابِع: المواردُ الماليّةِ والآثار العامّة 277

الفصلُ الأوّل: المالُ والإعمار 279

الفَصلُ الثّاني: بِطانةُ السوءِ والتكالُبِ على استِحصالِ المنافِع 305

البابُ الخامِس: السُلطَةُ والعِلاقاتُ العامّة مع الأُمّة 315

الفصلُ الأوّل: الوالي والرُوحُ الإنسانيّة 317

الفَصلُ الثّاني: الدَعوَةُ لِلِقاءِ الأُمّة وَعِلم الاجتماع السياسي 331

الفصل الثّالث: المظالم في وصايا عليّ (عليه السلام) 343

الوالي والنظر في المظالم والأثر الإيجابي 346

شرائط النظر في المظالم 349

التحصين الاجتماعي 354

لكلّ يومٍ عملهُ 355

الفصل الرّابع: العدل والظلم 357


الأنبياء ومحاربة الظلم 360

عليٌّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ 361

النظرة العلوية إلى الظلم 363

عقيل المملق في كنف علي الخليفة 370

العدالة والمجتمع 371

مفسدة الهدية 374

خاتمة الكلام 379

المصادر 383