موسوعة الإمام علي عليه السلام في الكتاب والسنة والتاريخ- الجزء 1
التجميع أمير المؤمنين عليه السلام
الکاتب محمد الريشهري
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

موسوعة

الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)

في الكتاب والسُنّة والتاريخ

محمد الريشهري

بمساعدة

محمد كاظم الطباطبائي - محمود الطباطبائي

المجلّد الأوّل



بسم الله الرحمن الرحيم



الإهداء

يا بقيّة الله.. يا سليل رسول الله.. ويا حبيب فاطمة الزهراء وعليّ المرتضى.

سيّدي.. يا مَن ذِكرَك يجعل القلب يفيض بحبّ الجمال، ويشدو صوب المكرَمات، ويتطلّع إلى العدل والخير.

إيهٍ (يا شمس المغرب) ، ويا مَن التفكير بغاياتك الشاهقة النبيلة، مطالعَ نورٍ تتفجّر براكينَ حماسة وإيمان.

إيهٍ (يا مَن يملأ الأرض عدلاً)، ويا مَن ظهورك تتويجٌ لغايات النبيّين، وحضورك تأسيسٌ لـ (يوم الخلاص) الموعود.

يا آخِرَ أملٍ أنتَ، ويا أغلى هِبات السماء، يا مَن اسمك يملأ النفوس أمَلاً، وَذِكرك ينثر على العاشقين عِطراً روحيّاً فوّاحاً، يجذبهم صَوب الشمس.

بعد سنوات طويلة من الجُهد المثابر الخاضع الدؤوب، وحيث تمّت صفحات هذا الكتاب، وهي تتضوّع في كلّ جزءٍ جزء باسم علي بن أبي طالب رمْز العدالة الشاهق، ومثال الحقّ والإيمان النابض، ها أنا أرفع


  بضاعتي المُزجاة، وأتطلّع إليك - يا أيّها العزيز - بكفٍّ ممدودة مِلؤها الرجاء.

أهتفُ وأقول، بخشوعٍ آسر ودمعٍ هَطول:

سيّدي.. أيّها اللواء المنشور

والعلَم المركوز

يا مَظهر الرحمة الفيّاضة، والحنان الكبير

يا مَلاذ أهل الضُرّ والبلوى، وصريخ المكروبين

يا سَطْعة نورٍ متفجّر في وهْدةِ الدَيجور

ويا شمساً طالعة في أُفقِ الوجود.

تقبّل - سيّدي - هذه الهديّة المتواضعة، وحفّها منك بنظرة رعايةٍ كريمة، واجعلنا من المشمولين بضراعاتك، وحقّق لنا أمل الوصال، وأذِقنا طعْم اللقاء.


المدخل



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أنْ هدانا الله، وصلّى الله على سيّد المرسلين، وخاتم الأنبياء محمّد، وأهل بيته الطيّبين الطاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرجْس وطهّرهم تطهيراً.

قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله): (علي آيةُ الحقّ، وراية الهدي).

ماذا أقول في عليّ (عليه السلام) والحديث عنه صعبٌ شاقّ؟! ثمّ هو أصعب إذا ما رامَت الكلمات أنْ تتسلّق صَوب ذُراه الشاهقة، وتطمع أنْ تكون خليقة بتلك الشخصيّة المتألّقة.

النظر إلى شخصيّة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) محنةٌ للفِكر، وتملّي أبعاد هذا الرجُل الشاهق يتطلّب طاقة لا تحتمِلَها إلاّ الجبال الرواسي، أمّا الحديث عن بعض عظمته الباهرة، وما تحظى به هذه الشخصيّة المتوهِّجة في التاريخ الإنساني من جلالٍ وجمال، فهو خليقٌ بكلامٍ آخَر، ويحتاج


إلى لغةٍ أُخرى؛ لُغة تتناهى في امتدادها حتى تبلغ (الوجود) سعةً، عساها - عندئذٍ - أنْ تُدرك شيئاً ضئيلاً من كلّ هذه الفضيلة التي تُحيط تلك الشخصيّة (العملاقة)، وما يحظى به من سمُوّ ومناقب لا نظير لها، ثمّ عساها أنْ تؤلّف كلاماً يرتقي إلى مدى هذا الإنسان الإلهي، ويكون جديراً به.

أمّا أُولئك الذين سلّحتهم بصيرتهم بفكرٍ نافذ عن الإمام، وأدركوا - إلى حدٍّ ما - أبعاده الوجوديّة، فما لبِثوا أنْ اضطرموا بمحنة العجْز وقد لاذوا بالصمت، ثمّ ما برحوا يجهرون أنّ هذا الصمت لم يكن إباءً عن إظهار فضائل الإمام بقدَر ما كان ينمّ عمّا اعتوَرهم من عجْز، وهو إلى ذلك يُنبئ عن حَيرةٍ استحوَذَت عليهم وهم لا يدرون كيف يصبّون كلّ هذه الفضائل العَليّة في حدود الكلمات، وكيف يعبّرون عن معانيها البليغة من خلال الألفاظ!.

أجَل، لم يكن قلّة أُولئك الذين أُشربوا في أعماق نفوسهم هذا المعنى الرفيع للمتنبّي، وهو يصدع:

وتركتُ مدْحي للوصيّ تعمُّداً

إذ كان نوراً مستطيلاً شاملا

وإذا استطال الشيء قام بنفسهِ

وصفاتُ ضوء الشمس تذهبُ باطلا

مَنْ يريد أنْ يتحدّث عن جلال عليّ وفضائله يستبدّ به العجز، وتطوّقه الحَيرة؛ فلا يدري ما يقول!.

هي محنةٌ كبيرة لا تستثني أحداً، أنْ ينطق الإنسان بكلامٍ يرتفع إلى مستوى هذه (الظاهرة الوجوديّة المذهلة)، وهو عجْزٌ كبير مدهش يعتري


الجميع مهما كانت القابليّة وبلَغ الاستعداد.

ولا ريب أنّ أبا إسحاق النظّام كان قد لبَث يفكِّر طويلاً، وطوى نفسه على تأمّل عميق مترامي الأطراف في أبعاد هذه الشخصيّة ومكوّناتها، قبل أنْ يقول: (عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) محنة على المتكلِّم؛ إن وفّاه حقّه غَلا، وإنْ بخَسَه حقّه أساء!).

عليٌّ (عليه السلام) في سُوح القتال اللاحِبة هو الأكثر جهاداً، والأمضى عَزماً، والأشدّ توثّباً. وهو في مضمار الحياة الوجهُ المفعم بالأُلفة؛ حيث لا يرتقي إليه إنسان بالخلُق الرفيع. وفي جوف الليل الأوّاب المتبتِّل، أعبَد المتبتِّلين، وأكثر القلوب ولَهَاً بربّه، وبإزاء خلْق الله هو أرفَق إنسان على هذه البسيطة بالإنسان، يفيض بالعطوفة واللِين. وهو الأصلب في ميدان إحقاق الحقّ في غير مداجاة، المنافح عنه في غير هروب.

أمّا في البلاغة والتوفّر علي بدائع الخطابة وضُروب الحِكمة وفنون الكلام، فليس له نظير، وهو فارس هذا الميدان، والأمكَن فيه من كلّ أحد. ولله دَرّ الشاعر العلَوي، وهو يقول في ذلك:

كم له شمسُ حِكمة تتمنّى

غرّةُ الشمس أنْ تكون سماها

تُري، هل يمكن لإنسان أنْ يُشرِف على منعرجات التاريخ، ولا تشدّه تلك القمّة الشاهقة في مضمار الكرامة والحريّة والإنسانيّة، وهي تسمو على كلّ ما سِواها!.

وهل يسوغ لإنسان أنْ يمدّ بَصَره إلى صحراء الحياة، ثمّ لا يرفرف


قلْبُه صوب هذا المظهر المتألِّق بالحبّ والعبادة، المملوء بالجهاد والمروءة، أو لا يُبصر هذا المثال المترَع بالصدق والإيثار، وبالإيمان والجلال!.

ثمّ هل يمكن لكاتب أنْ يخطّ صفحات بقلَمه، ولا يهوي فؤاده أنْ يُعطّر بضاعته بعبيرٍ يتضوّع بذِكر عليّ، ويخلط كلماته بشَذىً يفوح بنسائم حياته التي يغمرها التوثّب، ويحيط بها الإقدام من كلّ حَدَب، ويجلّلها الجهاد والإيثار من كلّ صَوب؟!.

في ظنّي أنّ جميع أُولئك الذين فكّروا وتأمّلوا، ثمّ استذاقوا طعْم هذه الظاهرة الوجوديّة المذهلة، إنّما يخامرهم اعتقاد يفيد: وأنّى للقطرة الوحيدة التائهة أنْ تُثني على البحر! وأنّى للذرّة العالقة أنْ تنشد المديح بالشمس!.

وأمّا كاتب هذه السطور:

فلم يكن يدُر بخلَدِه قطّ أنْ يخطّ يوماً كلاماً جديراً في وصف تلك الشمس الساطعة، كما لم يخطر بِبالِه أبداً أنْ يكون له حظّ في حمْل قبضة من قبَس كتلة الحقّ المتوهِّجة تلك، أو أنْ يكون له نصيب في بثّ شيء من أَريج بحر فضائلها الزخّار، وأنْ يُسهِم في نشر أثارة من مناقبها المتضوّعة بعبيرٍ فوّاح.

هكذا دالت الحال ومرّت الأيّام بانتظار موعد في ضمير الغيب مرتقب!.

فقد قُدِّر لي وأنا أشتغل بتدوين (ميزان الحكمة) أنْ أُلْقي نظرةً من بعيد


على هذا البحر الزخّار، بحُكم ضرورة أمْلَتها هيكليّة الكتاب، وساقت منهجيّاً إلى مدخل بعنوان: (الإمامة).

أجل، لم يسمح (المدخل) بأكثر من نظرةٍ من بعيد إلى البحر اللُجّي، أطلّت على شخصيّة الإمام الأخّاذة عِبر الكلام الإلهي والنبَوي، قد سمحت بتثبيت ومْضات من سيرة ذلك العظيم على أساس ما تحكيه روايات المعصومين (عليهم السلام).

مرّة أُخرى شاء التقدير الإلهي أنْ تتّسع موسوعة (ميزان الحِكمة) (التي تجدَّد طبْعها - بفضْل الله - مرّات، وراحت تتخطّى الحدود وتصل إلى أقصى النقاط، وهي تستجيب بقدَرها لتطلّعات الباحثين عن المعرفة الدينيّة) وتمتدّ فصولها وتزداد.

بعد تأمّل طويل انطلقَت بكاتب هذه السطور همّتُه، وتبدّل العزْم إلى قرار بالعمل يقضي بإضافة هذا الجزء.

كانت الرحلة بعيدة المدى، وبدا الطريق طويلاً وأنا حديث العهد به، لولا أنْ تداركتني رعاية خاصّة من الإمام، ولا غَروَ وهو كهف السائرين على الحقّ ومَلاذهم، ثمّ اكتنفَتْني هِمَمٌ كبيرة برَزت من فُضلاءَ كرام.

وبين هذا وذاك أينَع ذلك الجهد وأثمَر بعد سنوات حصيلةً تحمِلُ عنوان: (موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب في الكتاب والسُنّة والتاريخ) هي ذي التي بين أيديكم.

ثمّ شاءت المقادير مرّة أُخرى أنْ يقترن طبع الموسوعة في السنة التي


توشّحت باسم مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث راحت هذه المناسبة تستقطب إليها أُلوف الجهود والهِمَم (1) .

وها أنا ذا أتوجّه إلى الله سُبحانه شاكراً أنعُمَه من أعماق وجودي وقد حالَفني توفيقه في المُضيّ قُدُماً لإنجاز هذا المشروع المهمّ؛ حيث هوّن العقَبات، وذلّل الصِعاب، ويسَّر العسير.

إنّ (موسوعة الإمام) لهي إلى هذا العاشق الولِه بذِكر عليّ (عليه السلام) أعذب شيء في حياته وأحلاه، وأدعى حصيلة تبعث على الفخر في سِنيّ عُمره، حيث بلغت نهايتها بفضل الله سبحانه، ومعونة خالصة أسداها عدد من الفضلاء.

أجل، إنّ (موسوعة الإمام علي بن أبي طالب) تجسِّد من الأُمنيات في حياتي ما هو أرفعها وأسماها، وتستجيب من تطلّعاتي إلى ما هو أبعدها مدىً.

وما كان ذلك يتحقّق لولا فضل الله وتوفيقه، فله حمْدي، وعليه ثنائي أُزجيه خاشعاً بكلّ وجودي.

وما كان ليتمّ لولا رعاية خاصّة كنفَني بها المولى أمير المؤمنين، فله شكري، وعليه سلامي، فلولا ما فاء به من رعاية وتسديد، ولولا مدَده

____________________

(1) أطلق قائد الثورة الإسلاميّة آية الله السيّد الخامنئي - حفظه الله تعالى - على العام الإيراني الحالي (1379 هـ. ش) (عام الإمام علي (عليه السلام)) و (عام الولاية)؛ وذلك لحلول عيد الغدير فيه مرّتين؛ فبداية العام الحالي في 13 ذي الحجّة 1421 هـ. ق، ونهايته في 24 ذي الحجّة 1422 هـ. ق، فيكون يوم الغدير (18 ذي الحجّة) قد حلّ في الشهرين الأوّل والأخير من هذا العام.


الذي أسداه في تذليل العقبات الكؤود وتيسيرها؛ لَما رسَت (الموسوعة) على هذا الشكل.

وحسبُ هذه الكلمات أنّها رسالة اعتذار تومئ إلى تقصير صاحبها، ثمّ حسْبها ما تُبديه من ثَناء عاطر مقرون بالخشوع والجلال لكلّ هذه الرعاية الحافلة من أجل بلوغ المقصد.

إنّ (موسوعة الإمام) هي إطلالة على حياة أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما هي نافذة تُشرف على السيرة العلَويّة، وتتطلّع إلى تاريخ حياة أكمل إنسان، وأعظم المؤمنين وأبرز شخصيّة في تاريخ الإسلام بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وتهدف (موسوعة الإمام) أنْ تترسّم السبيل إلى أعظم تعاليم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأبلغها عِظة وتذكيراً. كما توفّرت على بيان أجزاء من حياة أمير المؤمنين (عليه السلام) وسيرته البيضاء الوضّاءة.

وتسعى (موسوعة الإمام) من خلال استجلاء المعالم الملكوتيّة لإمام الإنسانيّة، وتتطلّع عِبر تدوين الخصائص العلميّة والأخلاقيّة والعمليّة لحياته التي تفيض بالتوثّب والإيمان، وتصبو عِبر تبيين ما بذَله (صوت العدالة الإنسانيّة) من جهود مذهلة؛ لبَسْط العدل وإرساء حاكميّة الحقّ، إلى الجواب عمليّاً على السؤال التالي: لماذا جَعَل الكتابُ الإلهي عليّ بن أبي طالب شاهداً إلى جوار الله على الرسالة؟.

لقد انطلقت (الموسوعة) من خلال الاستناد إلى عرضٍ جديد، وهيكليّة مبتكرة، ومنهج مستحدَث فاعل، لتقسيم السيرة العلويّة إلى ستّةَ


عشَر قِسماً، تضعها بين يدي الباحثين والمتطلِّعين إلى المعارف العلويّة، وتُقدّمها إلى الولِهين بحبّ عليّ (عليه السلام)، وإلى طلاّب الحقّ والحقيقة.

وفيما يلي نقدِّم استعراضاً عامّاً لمحتويات هذه الأقسام:

القسم الأوّل: أُسرة الإمام عليّ

توفّر هذا القسم على بيان منحدر الإمام عليّ (عليه السلام) وأُسرته، كما تناول المحيط الذي ترعرع به وحياته الخاصّة، ودار الحديث فيه أيضاً عن شخصيّة والدَيه، وعن أسماء الإمام وكُناه وألقابه وشمائله وأوصافه وزواجه وزوجاته وأولاده.

لقد اتّضح من هذا القسم أنّ الإمام نشأ في أُسرة كريمة، وترعرع في محيط طاهر زكي؛ فأسلافه الكرام من الآباء والأجداد موحِّدون بأجمعهم، طاهرون لم تخالطهم أدناس الجاهليّة، مضَوا وكلُّهُم ثبات في سبيل الله.

كما كشف هذا القسم عن أُصول كريمة تكتنف هذا الموحِّد العظيم في تاريخ الإسلام، فلم يلوِّث الشِرك أحداً من أسلافه قطّ، ولم يكن لمواضعات البيئة وتلوّثاتها الفكريّة والعقيديّة نصيب في حياتهم. فهذا هو الإمام، وقد انبثق من حضن والدٍ مؤمن جَلِدٍ قويّ الشكيمة منافح عن الحقّ، ووالدة كريمةِ المَحتَد صافية الفطرة مؤمنة بالمعاد.

ثمّ مضت حياته مع زوجةٍ هي أتقى وأطهر امرأة في نساء عصره، وهي سيّدة نساء العالَمين، وقد كان زواجاً بدأ بأمر الله سُبحانه وحفّته هالة من


القداسة والخشوع، فانشقّ عن ذرّيّةٍ كريمة كان لها اليد الطولى في صُنع التاريخ، وهي إلى ذلك المصداق الأسمى لـ (الكوثر).

أمّا كُناه وألقابه فقد اختارها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غالباً، وهي جميعاً تومئ إلى فضائله الرفيعة التي تتألّق عظمة، وإلى موضعه المنيف الشاهق في الإسلام والتاريخ.

حياة لم تهبط عن مستوى العظمة لحظة، ولم تتعثّر بصاحبها قطّ.

القِسم الثاني: الإمام عليّ مع النبيّ

يوم قَرع صوت السماء فؤاد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهبط إليه أمْر الرسالة، ثمّ أعلن دعوته التاريخيّة، كانت الجزيرة العربيّة تغطّ في ظلام دامس، ويحيطها الجهل من كلّ حدَبٍ وصَوب.

لقد واجه القوم بِعثة نبيّ الحرّيّة والكرامة بالرفْض والتكذيب، ثمّ اشتدّت عليه سفاهات القوم وتكالب الطُغاة.

وها هو ذا عليّ اختار موقفه إلى جوار النبيّ منذ الأيّام الأُولى لهذه النهضة الربّانيّة. وقد صَحِب أمير المؤمنين (عليه السلام) رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولم ينفصل عنه لحظة، بل راح ينافح ويتفانى في الدفاع عنه دون تعب أو كلَل.

وما توفّر عليه هذا القِسم هو بيان الموقع الرفيع الذي تبوّأه الإمام في إرساء النهضة الإسلاميّة، والدَور البنّاء الذي اضطلع به في دوام هذه الحركة الربّانيّة على عصر رسول الله (صلّى الله عليه وآله).


يكشف هذا القسم أنّ عليّاً (عليه السلام) كان إلى جوار النبيّ لم يفارقه منذ البِعثة حتى الوفاة، باذلاً نفسه وأقصى ما يستطيع في سبيل تحقيق حاكميّة الإسلام في المجتمع، فهو مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله ) في المشاهد جميعاً وعند المنعطفات الخطرة، وهو السبّاق الذي يثِب مبادراً في المواطن الصعبة كلّها وعند العقبات الكؤود التي تعتري حركة الإسلام.

يُسفر هذا القِسم عن أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يوفِّر من جهده الدؤوب لحظة، ولم يدّخر من تفانيه المخلص شيئاً، إلاّ وقد بذَله دفاعاً عن هذا الدين، وذَوداً عن نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله )، وصَوناً لهذه الدعوة الربّانيّة الفتيّة؛ من أجْل أنْ يمتدّ الإسلام وتبلغ هذه الحركة الإلهيّة مَداها.

القِسم الثالث: جهود النبيّ لقيادة الإمام عليّ

الإسلام خاتم الأديان، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) خاتم النبيّين، والقرآن الحلقة الأخيرة في الكتُب السماويّة.

والنبيّ (صلّى الله عليه وآله) مبلِّغ لدينٍ اكتسى لون الأبديّة، ولنْ يقوى الزمان على طيّ سِجلِّ حياته، فماذا فعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لتأمين مستقبل هذا الدين، وضمان مستقبل أُمّته؟ وما هو التدبير الإلهي في هذا المضمار؟.

أوضحَ هذا القسم الرؤية المستقبليّة التي انطوى عليها الدين الإلهي، وموقع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في المخطّط الربّاني الذي حملَته السماء في هذا المجال.

بكلامٍ آخر، ما عنيَ به هذا الفصل هو الولاية العلَويّة، وإمامة عليّ بن


أبي طالب (عليه السلام)، التي جاءت في إطار جهود رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في رسم مستقبل الأُمّة.

وفي هذا الاتّجاه استفاض هذا القسم في حَشْد مجموعة الأدلّة العقليّة والنقليّة؛ لإثبات أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يدَع الأُمّة بعده هُملاً دون راع، ولم يعلّق مستقبلها على فراغ من دون برنامج محدّد للقيادة من بعده، بل حدّد مسار المستقبل بدقّة وجلاء من خلال جهدٍ مثابر بذَله طوال ثلاث وعشرين سنة، وعِبر تهيئة الأجواء المناسبة لتعاليم مكثّفة أدْلى بها على نحوِ الإشارة مَرّة، وعلى نحوٍ صريح أغلب المرّات.

كما بيَّن هذا القسم صراحة أنّ (الغدير) لم يكن إلاّ نقطة الذرْوَة على خطّ هذا الجهد المتواصل الطويل، ثمّ عاد يؤكِّد بوضوح أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يتوانَ بعد ذلك عن هذا الأمر الخطير، بل دأَب على العناية به والتركيز عليه حتى آخِر لحظات عُمره المبارك.

ومع أنّ الحلقات الأخيرة في التدبير النبويّ؛ كمَيلِه (صلّى الله عليه وآله) إلى تدوين ما كان قد ركّز على ذِكره مرّات خلال السنوات الطويلة الماضية في إطار وصيّةٍ مكتوبة، لم يأتِ بالنتيجة المطلوبة إثْر الفضاء المخرّب الذي أُثير من حوله.

وكذلك انتهت إلى المآل نفسه حلَقةٌ أُخرى على هذا الخطّ تمثّلت بإنفاذ بَعْث أُسامة. إلاّ أنّ ما يُلحَظ أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يُهمِل هاتين الواقعتين، بل راح يُدلي بكلمات وإشارات ومواضع تُزيل السِتار عن سِرّ هذه الحقيقة ورمْزها.

وهذا أيضاً ممّا اضطلع به هذا القِسم مشيراً إلى نتائج مهمّة استندت إلى


وثائق ثابتة عند الفريقين.

القِسم الرابع: الإمام عليّ بعد النبيّ

أسَفاً أنْ لا يكون قد تحقّق ما ارتجاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وما اختطّه لمستقبل الأمّة، وقد ارتدى سرابيل الخلافة آخَر هو غير مَن اختُصّ به الأمر الإلهي.

أمّا وقد أسفَر المشهد عن هذا، فها هو ذا عليّ يواجه واقعاً كاذباً مريراً مدمِّراً قَلَبَ الحقيقة، وها هو مباشرة أمام لوازم الدين الجديد ومصالحه، وبإزاء أُناس حديثي عهد بالإسلام، فماذا ينبغي له أنْ يفعل؟ وما هو تكليفه الإلهي؟ ما الذي يقتضيه واقع ذلك العصر بما يكتنفه مِن أوضاع خاصّة على المستوَيَين الداخلي والخارجي؟.

لقد نهض هذا القسم بالجواب على هذه الأسئلة وغيرها، ممّا حفَّ السيرة العلَويّة في الفترة التي امتدّت بين وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى تسنّم الإمام لأزِمَّة الحُكم. كما سَلّط أضواءً كاشفة على عوامل إهمال تعاليم النبيّ حيال مستقبل الأمّة، وأسباب الإغضاء عن توجيهاته (صلّى الله عليه وآله) حول قيادة عليّ (عليه السلام).

وفي إطار متابعة الحوادث التي عصفَت بالحياة الإسلاميّة بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حتى خلافة عثمان وقيام الناس ضدّه، تكفّل هذا القِسم أيضاً ببيان الأجواء التي أحاطت بالمواقف الحكيمة لإمام الحكماء، وتفصيل ملابَسات ذلك.


القِسم الخامس: سياسة الإمام عليّ

خمسة وعشرون عاماً مضت على خلافة الخلفاء، وقد اتّسعت الانحرافات، وتفشّى الاعوجاج الذي كان قد بدأ بعد رحيل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، حتى بلغَت الأوضاع في مَداها حدّاً أملى على الإمام عليّ (عليه السلام) أنْ يصِف ما جرى بأنّه (بليّة) (1) ، كتلك التي كانت قبل الإسلام، وذلك في خطاب حماسي خطير ألقاه بِدء الخلافة.

في هذه البُرهة العصيبة ثار الناس ضدَّ الخليفة وضدّ سلوكه ونهْجه في الحُكم، حتى إذا ما قُتِل انثالوا على الإمام بشكلٍ مذهل، وهم يطالبونه باستلام الحُكم.

لقد كان الإمام يُدرِك تماماً أنّ ما ذهب لنْ يعود؛ إذ قلّما عاد شيءٌ أدبَر. وعلى ضوء تقديره للأوضاع التي تناهَت في صعوبتها امتنع في بادئ الأمر عن الاستجابة لهم، بيدَ أنّه لم يجد محيصاً عن إجابتهم بعد أنْ تعاظم إصرار المسلمين، وكَثُر التفافهم حَوله.

كان أوّل ما طالَعهم به في أوّل خطبةٍ له: حديثُه عن التغييرات الواسعة التي يزمَع القيام بها في المجتمع، كما أوضح في الحديث ذاته أُصول منهجه ومرتكزاته.

هذا القِسم يبدأ رِحلته مع الإمام، فيسجِّل في البدْء الأجواء التي لابَسَت وصوله إلى السلطة وتسنّمه للحُكم، ثمّ يُتابع تفصيليّاً انطلاق

____________________

(1) نهج البلاغة: الخطبة 17، الكافي: 8 / 67 / 23


حركته الإصلاحيّة، متوفّراً على رصْد أُصول نهْج الإمام ومرتكزات سياسته في التغييرات الواسعة التي قادها، والحركة الإصلاحيّة التي تزعّمها، وما أثارت من أصداء في المجتمع، وما خلّفته من تبِعات عليه.

من بين البحوث الأساسيّة الأُخرى في هذا القِسم رصْد أبرز الأُصول التي اعتمدها الإمام في الإصلاح، على مختلف الصُعُد الثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والقضائيّة والأمنيّة. كما سعى هذا القِسم من الكتاب إلى متابعة رؤى الإمام (عليه السلام) في مجال السياسة، وعوامل استقرار الدوَل، وعوامل انحطاطها وزوالها، وطبيعة تعاون الدوَل بعضها مع بعض وغير ذلك ممّا له صِلة بهذه الدائرة.

القِسم السادس: حروب الإمام عليّ

يوم أنْ مَسَك الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) زِمام الحُكم بيده، وراح يطبّق ما كان قد تحدّث عنه ووعَد الناس به، برز أمامه تدريجيّاً ما كان قد توقّعه؛ فالوضْع لم يحتمل بسْط العدل، ولم يُطِق حركة الإصلاح والمساواة وإلغاء الامتيازات الوهميّة، فأخذت الفِتَن تطلّ برأسها، وبدأت أزَمَات الحُكم.

ما يبعث على الدهشة أنّ أوّل من استجاش الفتنة وأرباها هُم أُولئك النفَر الذين كان لهم الدَور الأكبر في إسقاط الحُكم السابق، وإرساء قواعد الحكم الجديد!.

ميزة هذا القِسم من الموسوعة أنّه تناول بالبحث والتحليل مناشئ هذه الفِتن وجذورها، وتابع مساراتها وما ترتّب عليها من تَبِعات. كما رصد


بالتفصيل فِتن (الناكثين) و(القاسطين) و(المارقين)، التي تُعَدّ في حقيقتها انعكاساً لحركة الإمام الإصلاحيّة، ورَدّ فِعل على مواضعه المبدئيّة الصُلبة بإزاء الحقوق الإلهيّة، ودفاعه عن قِيَم الناس وحقوقها.

من النقاط المبدِعة اللامعة في هذا القسم تسليط الضوء على بعض الزوايا الفكريّة والنفسيّة والمواقف السياسيّة لمثيري الفتنة، ومتابعة تجلّيات ذلك بعُمق ودقّة في حركة خوارج النهروان.

إنّ هذا البحث - في الصيغة التي اكتسبتْها هذه الدراسة من خلال معرفة الوثائق التاريخيّة، وتحرّي التوجيهات الروائيّة التي احتوَت هذه الخصائص - لهو حديثٌ مبتكر وتحليلٌ بِكرٌ بديع.

على أنّ هذا القسم برمّته هو أكثر أقسام الكتاب عِظَة، وأعظمها درساً.

القسم السابع: أيّام التّخاذل

اتّسمت السنوات الأُولى لحكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنّها سنوات مواجهة وصِدام مع مثيري الفتنة. هكذا مضت بتمامها، وقد تعب الناس من دوام هذه الفتن وأصابتهم الملالة من المواجهة والاضطراب وعدم الاستقرار. على صعيدٍ آخَر دأب أرباب الفتنة - خاصّة مركزها الأساس في الشام - على إيجاد الأزَمَات على الدوام، وإثارة الفتن باستمرار، وزرْع العقَبات أمام الحكومة المركزيّة.

ويجيء القسم السابع هذا حديثاً عن ذلك العهد. فهذه كلمات الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) تفيض من ألَم الوحدة وحُرقتها، وتبثّ شكواها من


مصائب الزمان ودواهيه.

في تلك البُرهة الحالكة من الزمان سقَطت مِصر، فغاب عن الإمام مالك الأشتر، أطهَر الرجال، وأكفأ القادة، وأشجع الخِلاّن، وأَوفاهم بعد أنْ ارتوى بشَهَد الشهادة. فانكمش قلْب الإمام، وأُصيبت روحه الطَهور، والألَم يعتصره من كلّ جانب.

هذا القسم رحلة تسجِّل وحدة الإمام، وهو منظومة رثاء تعزف لظُلامةِ عليّ، كما هو انعكاس لأصوات غربته المتوجِّعة التي راحت تندّ عن نفسه الطهور.

وهذا القسم يُسفر عن مشهدٍ آخَر ليس له شِبهٌ بالمشهد الأوّل الذي رافق بداية عهد الإمام، فالناس لم تَعُد على استعدادها الأوّل لحضور الجبَهات، كما لم تَعُد تستجيب لنداءات الإمام وهُتافاته للجهاد والنفير. والذي يتفحّص ما كان يبثّه الإمام مِراراً من شكوى، يرى فيه خصائص لأهل ذلك العصر وقد آثروا حبَّ الحياة، وراحت أنفسهم ترْنوا إلى الدنيا، وتصْبوا إليها.

في أوضاع كالحة كهذه، استَعَرت بالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عواطفه النبيلة، وثارت بين جوانحه أحاسيسُهُ الطَهور، فملأت نفسه ألَماً وغضاضةً وهو ينظر إلى جُندِ معاوية تُغير على المدُن المَرّة تِلْو الأُخرى، تُزهِق أرواح الأبرياء، وتُمارِس النهب والسَلب، وتبثّ بين الآمنين الرعب والدمار.


راحت أخبار الظلم المرير تصل الإمام، وتنهال عليه وقائع غارات معاوية وتهوّر جُنده واستهتارهم وضحكاتهم المجنونة، فاهتاجته هذه الحال، والتاعَت نفسه وفاضت لها غُصصاً وهو يتأوّه من الأعماق، ولكن لا من مجيب!.

وهكذا مضى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يتمنّى الموت مرّات ومرّات!.

بَيد أنّه لم يهُن ولم تضعف عزيمته لهذه الرزيئة، ولم يذعن إلى الواقع المرير، بل مضى قَويّاً شامخاً مقداماً لم يتخلَّ عن المقاومة حتى آخر لحظة من عُمره.

أجل، هذا أمير المؤمنين يثِبُ كالمنار المضيء آخِر أيّام حياته وهو يهيب بالناس العودة إلى صِفّين مجدّداً، وقد استنفر بكلماته المفعمة بالحماس جيشاً عظيماً إلى هذه المهمّة. فما أنْ انتهى من خطبته - وكانت الأخيرة - إلاّ وعقد للحسين بن عليّ (عليه السلام) ولقيس بن سعد وأبي أيّوب الأنصاري لكلّ واحد في عشرة آلاف مقاتل.

لكن وا أسَفاً! فقد أودَت واقعة استشهاد الإمام (عليه السلام) واغتياله من قِبل شقيٍّ (متنسّك)، بقواعد هذا البرنامج، فانهار ما دبّره الإمام لاستئصال فتنة الشام واجتثاثها من الجذور؛ إذ ما لبثَتْ أنْ تداعَت الجيوش بعد مقتل الإمام وتفرّقت.

لقد توفّر هذا القِسم على تفصيل هذه اللمحات التي جاءت هنا مختصرة، وغاص بالبحث والتحليل مع جذور هذه الوقائع وأجوائها


ومساراتها، وما كان قد اكتنفها من أسباب وعوامل.

القِسم الثامن: استشهاد الإمام عليّ

كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو الذي أخبر باستشهاد الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام). أمّا الإمام نفسه فقد كان وجوده ينمّ عن صبغة وتكوين خاصّ يشدّه إلى السماء أكثر ممّا يجرّه إلى الأرض ويربطه بها. كان دائماً يتطلّع صَوب الملَكوت، تهفو روحه إلى هناك بانتظار اللحظة التي يعرج بها إلى السماء.

كم كانت عظيمة هذه الرحلة صَوب الملكوت وهي تحمل عليّاً مضرَّجاً بدم الجراح، ومضمَّخاً بالنقيع الأحمر.

ما كان أعظم شَوقه للمنِيّة! فها هو ذا عليّ والسيف الغادر المسموم يرقُد على مِفْرقِه ويشقّ رأسه، يتطلّع إلى الملأ الأعلى، ويهتف في وصف رحلته ويقول: (كطالبٍ وجَد، وغاربٍ ورَد).

القسم الثامن هذا اختصّ بمتابعة ما كان ذَكره رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن استشهاد عليٍّ (عليه السلام)، وما كان يحكيه عليّ عن شهادته. كما تابع بقيّة مكوّنات المشهد؛ إذ وقف في البدء مع واقعة الاغتيال يصفها عن قُرب، ثمّ انتقل مع الإمام المسجّى مع جراحه راصداً جميع ما نطق به من تعاليم ووصايا وحِكَم مُذ هوى على رأسه سيف الغدر حتى لحظة استشهاده، ثمّ انتقل إلى الجانب الآخر متقصّياً ردّ فِعل ألَدّ أعداء عليّ (عليه السلام)، وما نطَق به عندما بلَغه خبر شهادة الإمام.


كما لم يهمل واقعة تجهيز أمير المؤمنين (عليه السلام) ودفْنه وإخفاء قَبْره.

واختُتم هذا القسم بذِكر زيارة مرقد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبركات ذلك وما يتّصل بروضته الشريفة.

القِسم التاسع: الآراء حول شخصيّة الإمام

تؤلّف تجلّيات شخصيّة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على لسان الرجال وفي كلمات الرموز الكبيرة، بل وحتى على لسان أعدائه، أحد أهمّ فصول معرفة أبعاد شخصيّته.

ربّما لا نبالغ إذا قلنا: إنّ ما حفَّ شخصيّة عليّ بن أبي طالب، وما قيل فيه وعنه من كلام وأحكام وتجليل وتكريم وخُطَب وقصائد ومدائح، وما أحاط به من ذهول وحَيرة وهُتاف وصمت، فاق الجميع بحيث لا يمكن مقارنته بأيِّ شخصيّةٍ أُخرى في تاريخ الإسلام.

في هذا القسم يطلّ القارئ على شخصيّة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من خلال ما نطق به القرآن، وما جاء على لسان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والإمام عليّ نفسه، وسيّدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وصحابة النبيّ، وأهل البيت (عليهم السلام)، وزوجات النبيّ، كما يتطلّع إلى أُفُقها العريض عِبر ما خطّه عدد كبير من الرموز العلميّة والثقافيّة والسياسيّة البارزة، وما جادت به قرائح الشعراء والأُدباء والخطباء، حتى أعداؤه.

ويمضي القارئ في هذا القِسم مع رجال قالوا في عليّ (عليه السلام) كلمات مسفرة كضوء الفجْر، انطلقت من قلوب مفعمة بالشوق والحبّ.


وقد ترك بعضهم شهادة صريحة للتاريخ في أنّ فضائل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ومناقبه تعظم على الإحصاء، ولا تقوى الصحُف المكتوبة بأجمعها على استيفائها.

وقالوا: إنّ الصمت أقوى من كلّ حديث عن عليّ (عليه السلام)، وأمضى من كلّ الكلمات.

فهذه كلماتهم تخطّ لعليّ أنّه الأعلم، وهو الأعرف من الجميع بكتاب الله، وعليّ الأشجع في سوح الوغى، وهو أكثر الناس إخلاصاً وتبتّلاً وطاعة.

عليٌّ الهيّن الليّن أكرم الناس خلُقاً، وقلْبه الشاخص إلى ربّه أبداً.

عليّ في مضمار البلاغة بحرٌ لا يُنزَف، وهو سيّد البُلَغاء، وأفصَح الخُطباء.

عليّ المجاهد الذي تَثِبُ به بصيرته، وهو الصلب الذي لا تلين له عريكة، ولا تُوهِنه الصِعاب، مِلؤه إقدام ومَضاء.

وعليّ أعرف الأمّة بالحقّ، وأنفذ الرجال بصيرة.

هذه بعض كلماتهم في عليّ. ولعليّ بعد ذلك كلّ فضيلةٍ وكمالٍ، فله وحده ما كان للصالحين جميعاً.

كان عليٌّ وِتراً التقَت فيه جميع خصال الجمال، وتألّقت في ذُراه الفضائل بأكملها، وحطّت عنده المكارم. وهو في الفتوّة وِتْرٌ لا ندّ له ولا نظير.


هذه الحقيقة نلحظها تتوهّج بين ثنايا هذا القِسم عِبر شهادة وأقوال عشرات المفكّرين، تتوزّعهم مختلف الاتّجاهات والرؤى، بل نرى بعضها متضادّاً أحياناً!.

ولا ريبَ أنّ قراءة كلّ هذه الشهادات والأقوال، والاطّلاع على هذه القطوف الدانية من كلمات المدح والإطراء، لهو أمرٌ خليق أنْ يشدّ إليه القارئ ويجذبه إلى دائرة نفوذه.

القسم العاشر: خصائص الإمام عليّ

  عليّ بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو اللوحة الفريدة الوحيدة التي تتجلّى بها خصائص الإنسان الكامل. وهذه الحقيقة الناصعة الكريمة كانت قد أفصَحت عن نفسها خلال القِسم السابق عِبر ما جاء عن المعصومين (عليهم السلام)، وما نطق به الصحابة والعلماء والفلاسفة والمتكلّمون والباحثون.

ما ينهض به القسم العاشر هو إبانة خصائص الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وتسليط أضواء مكثّفة على ما تحظى به شخصيّته الفذّة من أبعاد ومكوّنات؛ انطلاقاً من هذا طاف القِسم مع الإمام في خصائصه العقيديّة والأخلاقيّة والعلميّة والسياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة، التي تتلاقى فيما بينها لتؤلّف صَرْح هذا الرجُل التاريخي الشامخ والمنار المضيء الذي لا نظير له.

يا لروعته وتفرّده! فلم يكفر بالله طرْفة عَين، وهو في ثبات إيمانه، ورسوخ يقينه أمضى من الجبال الرواسي، لا يرقى إلى قمّته أحدٌ قطّ.


يعمُر الخُلُق الكريم جنَبات وجوده، وتفوح حياته بالإخلاص والإيثار، وتمتلئ أرجاؤها بالمكرمات.

في محراب العبادة هو الأوّاه المتبتّل أعبَد العابدين، وقلبه المجذوب إلى ربّه أبداً، وهو في الصلاة أخشع المصلّين.

ومَن يُمعن في ميدان السياسة يجده الأصلب، شاهقاً يفوق الجميع، ذكيّاً لا تضارعه الرجال، أدرى الناس بملابسات الزمان.

للمظلومين نصيراً لا يكِلّ عن الانتصاف لهم ولا يملّ، وهو على الظالمين كنارٍ اشتدّت في يومٍ عاصف.

عِلمه الأكمل، وبصيرته الأنفذ، ورؤيته إلى الله وإلى عالَم الوجود والخليقة شفيفة رائقة، سليمة نقيّة، لا تضارعها نظرة ولا يضاهيها نقاء.

أجل، حسْبُ عليّ أنّه كان عليّاً وحسْب، خالصاً لله من دون شَوب، شاهداً على الرسالة، مجسّداً لِقَيمِها الرفيعة ومُثُلها العليا.

وهذا القسم يقدّم هذا جميعاً إلى طلابّ الحقّ والنفوس الظمأى للحقيقة، ويحمله إلى العقول المتلهّفة لمعرفة عليّ، عِبر مرآة متألّقة بنور الآيات الكريمة، ومن خلال النصوص والوقائع التاريخيّة.

القسم الحادي عشر: علوم الإمام عليّ

عليّ (عليه السلام) أعظم تلميذ بزَغ في مدرسة محمّد (صلّى الله عليه وآله). أبصَر فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الجدارة والاستعداد ما يفوق به كلّ إنسان، ومن القدرة على التعلّم ما


لا مدى له، ففاض على روحه علماً غزيراً لا ينضَب، وأراه الحقائق الكبرى الناصعة، وبتعبير النصوص الروائيّة والتاريخيّة لقّنه (ألف باب)، و(ألف حرف)، و(ألف كلمة)، و(ألف حديث) (1)في مضمار معرفة الحقائق وتحرّي العلوم.

عليّ (عليه السلام) باب حكمة النبيّ، ومدخل علم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهو خزانة علمه، ووارث علوم جميع النبيّين.

عليّ المؤتمَن على حكمة النبيّ الحافظ لعِلمه، ومن ثَمَّ هو أعلم الأُمّة.

أمير المؤمنين (عليه السلام) أُذُنٌ واعية؛ لذا فهو لا ينسى ما يقرع فؤاده من العلم، وبذلك راحت الحكمة تتفجّر من بين جوانحه، وتفيض نفسه الطهور بحقائق المعرفة.

لكن أسَفاً وما أعظمها لوعة أنْ تكون مقادير الحياة قد غيَّبت أُولئك الرجال، الذين يهيب بهم استعدادهم الوجودي لتلقّي المعرفة العلَويّة الناصعة. ولو كانوا هناك؛ لفاض عليهم الإمام بقبضةٍ من شعاع عِلمه الباهر، ولأشرَق الوجود بقبَسٍ من نور معرفته.

كان عليّ (عليه السلام) يحظى من (عِلم الكتاب) بعِلمه الكامل كلّه. في حين لم يكن لآصف بن برخيا من (علم الكتاب) إلاّ بعضه، فأَهّله أنْ يأتي إلى

____________________

(1) جاءت هذه الألفاظ في نصوص مختلفة، ويمكن أنْ يكون المقصود فيها واحداً.


سليمان (عليه السلام) بعرش بلقيس في طرفة عين أو أقلّ (1) .

لم يعرف علم عليّ (عليه السلام) مدىً، ولم يوقفه حَدّ، بل امتدّ سعةً حتى تخطّى كلّ العلوم. فهو في الذروة القصوى في علوم القرآن، وفي معارف الشريعة، وعلوم الدين، وعلم البلايا والمنايا، وهو السَنام الأعلى في كلّ معرفة.

هل تجد لعليٍّ نظيراً في معرفة الله، وهو ذا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: (ما عرف الله إلاّ أنا وأنت)؟.

أجل؛ هو ذا كما يقول النبيّ الأقدس، فهذا كلامه في التوحيد ومراتبه، وفي إثبات الصانع وطُرُق الاستدلال عليه، وفي معرفة الله وصفاته يقف في الذروة العليا، وله في نظر الفلاسفة والمتكلِّمين مرتبة سامقة لا تُضاهى.

إنّ ما نطق به الإمام عليّ (عليه السلام) حول الوجود، وما ذكره عن المخلوقات، وما توفّر على إظهاره من نقاط بديعة حيال الخليقة، لهُوَ ينمّ عن إحاطة علميّة بضُروب المعرفة البشريّة.

فكلمات الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عن بدء الخليقة، وخلْق الملائكة والسماوات والأرَضين والحيوان، وما فاض به عن المجتمع والنفس وحركة التاريخ، وما أدلى به من إشارات عن الرياضيّات والفيزياء وعلم

____________________

(1) قوله سُبحانه: ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ) (النمل: 40).


الأرض (الجيولوجيا) وغير ذلك ممّا يُعَدّ في حقيقته تنبّؤات علميّة، ويدخل في المعجزات العلميّة للإمام، لهُوَ قَمِين بالإعجاب، وخليق أنْ يملأ النفس خضوعاً ودهشة.

لم يعرف التاريخ على امتداده رجُلاً، عالماً كان أمْ فيلسوفاً أمْ مفكِّراً، ينهض بعلوّ قامته، ويقول بثبات: (سلوني ما تشاؤون). ثمّ لم يعجزه الجواب أبداً، ولم يلبث حتى لحظة واحدة كي يتأمّل بما يجيب.

وهذا القِسم ليس أكثر من إيماءة إلى علوم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو إشارة على استحياء إلى بحْره الزخّار، ونظرة عابرة تومِض من بعيد إلى أُفُق المعرفة العلَويّة.

القسم الثاني عشر: قضايا الإمام عليّ

القضاء صعب، وأصعب منه القضاء الراسخ الذي يستند إلى الصواب والحقّ.

يستند القضاء من جهة إلى علمٍ راسخ، ويتطلّب من جهة أُخرى روحاً كبيرة وشخصيّة ثابتة لا تخشى التهديد ولا تميل إلى التطميع، ولا تطوح بها العلائق والأهواء عن جادّة الحقّ والصواب.

وأقضية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) هي منارات مضيئة في الحياة، وأكاليل رفيعة في رحاب الحياة السياسيّة، وأحرى بها أنْ تكون من أعاجيب التاريخ القضائي.

لقد تناول هذا القسم أقضية الإمام في أربعة فصول، توفّر كلّ واحد منها


على بُعد. فقد مرَّ في البدء على الموقع القضائي الذي يحظى به الإمام، وأنّه (أقضى الأُمّة) بمقتضى صريح كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

ثمّ انعطف إلى بيان أمثلة لأقضية عليّ (عليه السلام) على عهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، متابعاً لها وهي تتوالى في عهد خلافته الراشدة؛ لتكشف بأجمعها عن عِلمٍ واسع عميق، وصلابة ماضية في السلوك، وثبات راسخ، وإيثار الحقّ على ما سِواه، والدفاع عن الحقيقة في خِضَمّ الحياة.

القسم الثالث عشر: آيات الإمام عليّ

الإنسان خليفة الله في الأرض. والأبعاد المعنويّة هي أسمى مظهر باهر يتألّق في شخصيّة الإنسان، وإذا ما ارتقى الإنسان على هذا الخطّ وصار قريباً إلى الله عِبر السلوك المعنوي، فسيكون كلّ ما يصدر عنه مُذهلاً عجيباً، وتصير حياته وتعاطيه مع الوجود (تجلّيات) للقدرة الإلهيّة.

حين تُبصر عليّاً (عليه السلام) في هذا المجال تجده (ممسوساً في ذات الله) على حدّ ما نصّ عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في وصفه، وهو أدرى الناس به، وعليّ ثمرة لتربية الرسول. ومن ثَمَّ كان حرِيّاً بحياته أنْ تكون - ولا تزال - مشرقة بأكثر تجلّيات هذا (الخليفة الربّاني) نوراً ووضاءة.

لقد توفّرت فصول هذا القسم على الإيماء إلى أمثلة للقدرة المعنويّة الباهرة، والولاية التكوينيّة التي يحظى بها الإمام، ومرّت على بعض تجلّيات هذا (الخليفة الربّاني)، وما يشعّ به وجوده من مظاهر القدرة والعظَمة الإلهيّة.


كان من بين المحطّات التي لبثَتْ عندها فصول هذا القسم: أمثلة لإجابة الدعوات، وإخبار الإمام بالمغيّبات، وبعض ما له من كرامات مثل (ردّ الشمس) التي تعدّ منقبة تختصّ به وحده، وفضيلة تبعث على الدهشة، وتدعو إلى العجَب.

هذا القسم في حقيقة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) رحلة تطوف معه؛ لتُبرز بُعده المعنوي في التعامل مع أُفق الوجود، وتؤشّر إلى موقعه المُنيف في معارج الصعود، وما يحظى به هذا الإنسان الربّاني من مكانة عظيمة على مهاد الأرض، كما تكشف عن دَوره كـ (خليفة إلهي).

القسم الرابع عشر: حبّ الإمام عليّ

الجمال حبيب إلى الإنسان، والإنسان يهفو إلى الجمال، ولن تجد إنساناً يصدّ عن الجمال أو تنكفِئ نفسه عن المكرَمات والفضائل السامقة، أو يُشيح عن المُثل العليا.

هو ذا عليٌّ (عليه السلام) مصدر جميع ضروب الجمال، يتفجّر وجوده بالكمال، وتحتشد فيه جميع الفضائل والمكارم والقِيَم، فأيُّ إنسانٍ يُبصر كلّ هذا التألّق ولا يشدو قلبه إلى عليٍّ حبّاً وإيماناً؟ وأيُّ إنسانٍ له عين بصيرة ويعمى عن ضوء الشمس؟.

دَعْ عنك أُولئك النفر الذين ادلهمّت نفوسهم بظلمةٍ حالكة، فعميت أبصارهم عن رؤية هذا الجمال الباهر الممتد، ولم يُبصروا مظاهره الخلاّبة.


وإلاّ لو خُلّيَ الإنسان وإنسانيّته لأُلفي باحثاً عن الجمال أبداً متطلّعاً إليه على الدوام.

كذلك هو عليّ أحبُّ الخلْق إلى الله خالق الجمال وواهب العظمة. كما هو الأحبّ عند الملائكة وعند رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وهل يكون هذا إلاّ لجوهر الذات العلَويّة، وللمكانة المكينة التي يحظى بها هذا الإنسان الملكوتي الذي تتقرّب الملائكة - أيضاً - إلى الله بمحبّته؟.

إنّ لحبّ عليّ في ثقافتنا الدينيّة شأناً عظيماً يُبهِر العقول، ويبعث على التأمّل.

وما نهض به هذا القِسم أنّه وثَّقَ لهذه الحقيقة نصوصَها. وقد جاءت النصوص تُفصح دون مواربة ولَبْس أنّ حبّ عليّ حبٌّ لله ولرسوله، وتسجِّل بنصاعة وضّاءة أنّ حبّ عليّ (نعمة) و(فريضة) و(عبادة)، وهو (العروة الوثقى) و(أفضل العمل) و(عنوان صحيفة المؤمن).

فحبُّه إذاً من دين الله بالصميم.

ومع أنّ هذا القِسم لا يدّعي أنّه قد استقصى كلّ النصوص الروائيّة التي لها مَساس بعليّ (عليه السلام) في هذا المجال، إلاّ أنّ ما توفّر على ذِكره أسفَر بوضوح: أنّ حبّ عليّ هو السبيل إلى بلوغ حقائق المعرفة الدينيّة، وهو الذي يشيع السكينة في أرجاء الحياة، وبحبّ عليّ يكتمل الإيمان والعمل، وبه تُرفع أعمالنا مقبولة إلى الله سبحانه، وبحبّ عليّ يستجاب الدعاء وتُغفر الذنوب.


وبحبّ عليّ (عليه السلام) تنتشر نسائم السرور على الإنسان عند الموت، وحبّ عليّ لُقيا يُبصِر بها المحتضر وجه المولى عند الممات، وحبّ عليّ جواز لعبور الصراط وللثبات عليه، وهو الجُنّة التي تقي نار جهنّم.

ومِسك الختام: أنّ حبّ عليّ هو الحياة الطيّبة في جنّة الخُلد.

إنّ كلّ ذلك لا يكون إلاّ بحبّ عليّ، وفي ظلال حبّ عليّ (عليه السلام).

لم تتردّد النصوص الروائيّة لحظة وهي تسجّل بثبات راسخ أنّ حبّ عليّ (عليه السلام) هو دليل طهارة المولد، وعلامة على الإيمان والتقوى، وهو عنوان شهرة الإنسان ومعروفيّته في السماوات وعند المَلأ الأعلى، وهو رمْز السعادة.

وبعدُ، فإنّ كلّ هذا الحشد مِن التأكيد على الحبّ العلَوي، ووصْله برباطٍ وثيق مع الحبّ الإلهي، وبحبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ لهُوَ دليل شاخص على أنّ الحبّ المحمّدي الصحيح لنْ يكون ممكناً من دون الحبّ العلَوي. وما ادّعاء حبّه (صلّى الله عليه وآله) من دون حبّ عليّ (عليه السلام) إلاّ عبَث جزاف ودعوة باطلة.

على أنّ هذا القِسم يعود ليكشف في جوانب أخرى على أنّ حبّ عليّ (عليه السلام) ما كان شعاراً يُرفع وحديثاً يُفترى، بل هو أُسوة يقتدي فيها المحبّ بحياة عليّ، يلتمس هدْيَه في خُطاه، يعيش كما يعيش، ويفكّر كما يفكّر، ويمارس معايير عليّ في الحبّ والولاء، وفي البُغض والبراءة، ويَحثو خُطاه صَوب قِيَمه دائماً وأبداً، وإلاّ كيف يجتمع حبّ عليّ مع حياة سفيانيّة ونهجٍ أُمَويّ؟.


آخِر ما يشدّ إليه الانتباه في مادّة هذا القِسم هو التحذير من الغلُوّ؛ فمع كلّ هذا التركيز المكثّف العريض على حبّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإلى جوار هذه الإشادة بالآثار العظيمة التي يُغدقُها هذا الحبّ على الحياة الماديّة والمعنويّة، جاءت التعاليم النبويّة والعلَويّة والدينيّة تشدّد النكير، وتُعلِن التحذير الكبير من الغلُوِّ بهذا الحبّ. فها هيَ ذي النصوص الحديثيّة تنهى عن الإفراط وتذمّه، وتعدّه انحرافاً يُهيّئ الأجواء إلى انحرافات أكبر.

القِسم الخامس عشر: بُغْض الإمام عليّ

على قدَر ما تكون شخصيّة عليّ الطالعة المهيبة بالغة الروعة والجمال لذوي النفوس الزكيّة، موحِية أخّاذة لذوي الأفكار الرفيعة، محبوبة خلاّبة لذوي الفِطَر النقيّة والطِباع الكريمة، فهي تثير الغيظ في النفوس المدلهمّة المظلمة، وتستجيش عداوة الوصوليّين النفعيّين، وبغضاء ذوي الأغراض الدنيئة الهابطة، والنوازع المنحطّة.

إنّ التاريخ يجهر أنّ أعداء عليّ بن أبي طالب كانوا من حيث التكوين الروحي سُقَماء غير أسْوياء نفسيّاً، ومن حيث التكوين الفكري كانوا منحرفين بعيدين عن الصواب. أمّا من حيث مكوّنات الشخصيّة فقد كانوا أُناساً تستحوذ عليهم الأنانيّة والإثْرة، يُنبئ باطنهم عن الفساد والأغراض الهابطة.

هذا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يستشرف مستقبل الإسلام عِبر مرآة الزمان، يعلم بالفِتن ويعرف مثيريها وأصحابها. وهو ذا يؤكّد في كلّ موقعٍ موقع من


أشواط حياته المملوءة عزماً وتوثّباً والتزاماً على حبّ عليّ بن أبي طالب، ويحذّر الناس من بُغضه، وينهاهم عن عداوته وشنآنه.

يسجّل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بصراحة لا يشوبها لَبْسٌ، أنّ بُغض عليّ بن أبي طالب كُفر، وأنّ مَن آذى عليّاً فقد آذاه.

ليس هذا وحده، بل مضى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يرسم ثغور الجبهة الاجتماعيّة ويحدّد اصطفافاتها العامّة، بما يُظهر أنّ مَن هو مع عليّ وعلى حبّ عليّ، فهو مع النبيّ نفسه، ومَن يناهض عليّاً ويُعاديه فموقعه في الجبهة التي تعادي النبي وتُناهض رسالته.

لقد أفصحت النصوص المعتبرة عند الفريقين ممّا تقصّاها هذا القِسم، على أنّ أعداء عليّ بن أبي طالب بعيدون عن رحمة الله سُبحانه، وأنّ خسرانهم وسوء منقلبهم أمرٌ قطعيّ لا ريب فيه. فمَن يمُت على بُغض عليّ (عليه السلام) يمُت ميتةً جاهليّة، وبُغْض عليّ علامة تُجهر بنفاق صاحبها وفِسقه وشقائه.

وإذا كان بُغْض عليّ (عليه السلام) يستتبع ميتة جاهليّة؛ فإنّ إنساناً كهذا لنْ ينتفع شيئاً من تظاهره بالإسلام، وهو يُحشَر في القيامة أعمى، ليس من مصير يؤول إليه سوى نارُ جهنّم.

يضع هذا القسم بين يدَي القارئ نصوصاً حديثيّة وروائيّة كثيرة، فيها دلالة على ما سلفت الإشارة إليه. وهو - علاوة على ذلك - يعرّف بعدد من ألدّ أعداء الإمام وأعنف المُبغضين له، كما يمرّ على جماعة من


المنحرفين عنه، وعلى القبائل التي كانت تكنُّ له البغضاء، ولا غرابة فقد قيل: (تُعرف الأشياء بأضدادها).

هذا عليٌّ، ولا يلحَق به لاحِق، واسمه الآن يصدح عِبر أُفُق المكان والزمان، ويعلو شاهقاً على ذُرى التاريخ، وهذه تعاليمه وكلماته مسفرة كضوء الفجْر متألّقة على مدار الزمان.

أمّا والأمر كذلك؛ فقد كان حريّاً بهذا القِسم أنْ يلبَث عند تلك الجهود المحمومة كاللهب، وعند تلك الصدور الموبوءة بالحقد، وقد نفثت أحقادها علّها تُطفئ الشعلة المتوقّدة، أو عساها تنال مِن وهَجها شيئاً؛ حتى تستيقن النفوس بوَعد الله الذي وعَده، وكي لا يستريب أحدٌ بقوله سبحانه: ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (1) . وهكذا كان.

القسم السادس عشر: أصحاب الإمام عليّ وعمّاله

مع هذا القسم يُختَتم الكتاب ويبلُغ نهايته. بعد أنْ لبَث القارئ مع خمسة عشَر قسماً من الموسوعة، وصار على معرفة واسعة ممتدّة بمختلف أبعاد حياة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) المملوءة بالتعاليم الواعية البنّاءة، التي تُنير الحياة وتفتح المغاليق، بعد هذا كلّه آنَ له أنْ يرحل في هذا القسم مع جولة تطوف به على عِدّة من أصحاب عليّ (عليه السلام) وعمّاله، يتعرّف عليهم وينظر إليهم عن كثَب.

____________________

(1) الصفّ: 8.


في هذا القِسم يخرج القارئ بحصيلة معرفيّة معطاءة عن أُولئك الرادة الذين تربّوا في كنَف عليّ، وتخرّجوا من مدرسته، وفى الوقت ذاته تتكشّف له معالم الحُكم العلَوي وما كان يعانيه من قلّة الطاقات الرياديّة الملتزمة الرشيدة، وما يكابده الحكم من نقص في القوى الفاعلة المطيعة المسؤولة. وهذا الواقع يُسهم إلى حدٍّ في الإفصاح عن السِرّ الكامن وراء بعض النواقص التي بدَت في الحُكم العلَوي، ويُعين القارئ على إدراك ذلك، كما تمنحه معطيات هذا القسم موقعاً أفضل للتوفّر على تحليل واقعي لحكومة الإمام.

من الجليّ أنّ أصحاب الإمام لم يكونوا على مستوىً واحد، كما لم يكن عمّاله كذلك. لقد كانت ضرورات الحكم ومتطلّبات الإدارة العامّة تُملي على الإمام أنْ يلجأ أحياناً إلى استعمال أُناس ثابتين في العقيدة بيدَ أنّهم غير منضبطين في العمل. لكن الإمام لم يكن يغفل لحظة عن تنبيه هؤلاء وتحذيرهم المرّة تِلْو الأُخرى، كما لم يُطق مطلقاً انحرافاتهم وما يصدر عنهم، واضطراب سلوكهم مع الناس.

إنّ عليّاً الذي أمضى عُمراً مديداً يضرب بسيفه دفاعاً عن الحقّ، وعليّاً الذي اختار الصمت سنَوات طويلة من أجل الحقّ ( وفي العين قذى، وفي الحلْق شجا)، عليٌّ هذا لا يُطيق المداهنة - وحاشاه - في تنفيذ الحقّ، ولا يعرف المجاملة في إحقاقه، ولا يتحمّل المساومة أبداً.

تتضاعف أهميّة هذا القسم من الموسوعة، وهو حريّ بالقراءة أكثر، ونحن نبصر - فيه - مواقف الإمام من الأصحاب والعمّال مملوءة دروساً


وعِبراً.

ومع القسم السادس عشر يشرف الكتاب على نهايته؛ ليكون القارئ قد خرج من الموسوعة بسَيلٍ متدفّق من المعرفة، وبفيض من التحاليل والرؤى والأفكار والأخبار، تستحوذ عليها جميعاً شخصيّة الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

خصائص الموسوعة

انتهى للتوّ استعراض وجيز قدّمناه لأقسام (الموسوعة) الستّة عشر دون خوض لِما احتوَته فصولها من تفاصيل، وما ضمّته من مداخل صغيرة كانت أمْ كبيرة، وقد آنَ الأوان للحديث عمّا تحظى به من خصائص.

بَيد أنّا نعتقد أنّ السبيل إلى معرفة خصائص الموسوعة - وربّما ما تحمله من مزايا ونقاط بارزة - يُملي علينا أنْ نُلقي نظرة إلى ما كُتب عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى الآن؛ كي تتّضح من جهة ضرورات التعاطي مع هذه المجموعة، وتستبين من جهة أُخرى نقاط قوّتها، وما قد تكون حقّقته من مكاسب ومعطيات على هذا الصعيد.

غزارة المدوّنات وكثرتها عن الإمام

يحظى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بشخصيّة هي في المدى الأقصى من الجاذبيّة، ومن ثَمّ فتَملّي سيرة هذا العظيم، والتطلّع إلى حياته العبِقة الفوّاحة هو ممّا لا يختصّ باتّجاه دون آخر. فها هم الجميع من كافّة


الاتّجاهات والأفكار يكتبون عن الإمام، وها هي ذي شخصيّته المتوهّجة تجذب كلّ المسالك والميول، وتستقطب لدائرتها كافّة القرائح والأقلام.

هكذا تمثّلت واحدة من خصائص عليّ بن أبي طالب بغزارة ما كُتب عنه، وكثافة التآليف التي أطلّت على حياته وسيرته، وتناولت بالبحث إمامته وخلافته، واندفعت تُعنى بحِكَمه وتعاليمه، وبآثاره ومآثره.

فتاريخ الإسلام بدون اسم عليّ بن أبي طالب ومن دون مآثره وبطولاته التي بلغت أعلى ذروة، هو تاريخ أجوف مشوّه، وكتلة هامدة بلا حراك ولا روح، وهو بعد ذلك لا يمتّ إلى حقيقة التاريخ الإسلامي بصِلة.

فها هي ذي قمَم تاريخ صدْر الإسلام تتضوّع باسم عليّ، وتفوح بذِكراه، وها هو ذا ظلُّه يمتدّ ويطول فلا يغيب عن واقعة قطّ.

وما خطّته الأقلام عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يفوق الحصر عَدّاً، فهذا رصْدٌ واحد قدّم خمسة آلاف عنوان كتاب بعضها في عدّة مجلّدات، دون أنْ يستوفي الجميع.

تصنيف الكتابات

ما جادت به القرائح والأقلام عن عليّ بن أبي طالب يقع في جهات متعدّدة، ويمتدّ محتواه على مواضيع مختلفة. مع ذلك يمكن تصنيف الحصيلة في رؤوس العناوين التالية:

أ - تاريخ حياة الإمام.


ب - خلافة الإمام.

ج - خصائص الإمام وفضائله.

د - مواضيع لها صلة بالإمام أو تدور حوله مثل الغدير، وآية التطهير، والولاية، وما إلى ذلك.

هـ - تفسير الآيات النازلة بشأن الإمام.

و - أقضية الإمام.

ز - أدعية الإمام.

ح - الأحاديث والنصوص النبويّة عن الإمام.

ط - كلام الإمام، ولهذا صِيَغ مختلفة كالأحاديث ذات الصيغة البلاغيّة، والأخرى رُتّبت على أساس الحروف الهجائيّة.

ى - الشروح: وتشمل شرح خطبة واحدة، أو كتاب واحد أو رسالة واحدة، وإلى غير ذلك من الصيَغ.

ك - ما جادت به القرائح والأقلام نَظْماً ونثراً عن فضائل الإمام ومناقبه ومراثيه.

ل - كرامات الإمام ومعاجزه في حياته وبعد استشهاده.

يفصح هذا التصنيف بموضوعاته المختلفة أنّ الأقلام قد تبارت متحدّثة عن الإمام عليّ (عليه السلام) من زوايا مختلفة، كلّ واحد يعزف على حياته وآثار عظمته من بُعده الخاص.


أمّا وقد اتّضح ذلك على وجه الإجمال، تعالوا ننعطف إلى خصائص هذه (الموسوعة) وما قد تحظى به من مزايا، نُجملها من خلال العناوين التالية:

1 - الشمول ومبدأ الانتخاب

في الوقت الذي حرصت (الموسوعة) على تجنّب التكرار (1) ، والإحالة إلى النصوص المتشابهة، فقد سعَت إلى الجمع بين الشمول والاختصار معاً، متحاشية الزوائد والفضول، من خلال التأكيد على مبدأ الانتخاب.

لقد انطلقت (الموسوعة) تجمع النصوص والأحاديث والنقول من مصادر الفريقين، مع التركيز على ما له مساس بالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

هكذا تطمئنّ نفس الباحث الذي يراجع هذه المجموعة إلى أنّه قد اطّلع على حصيلة ما جادت به الأقلام حيال الإمام عليّ (عليه السلام)، كما ينفتح أمامه الطريق ممهّداً لاختيار الموضوع أو المواضيع التي يصبو إلى دراستها، عِبر الكثافة المعلوماتيّة التي يوفّرها له حشد كبير من المصادر والهوامش والإيضاحات التي جاء ذكرها في الهوامش.

2 - الاستناد الواسع إلي مصادر الفريقَين

حقّقت (الموسوعة) لأوّل مرّة أوسع عمليّة استعراض لمصادر الفريقين

____________________

(1) باستثناء النصوص التي يقع بينها اختلاف أساسي، أو أنْ يكون النصّ المكرّر حاوياً لنقطة مهمّة، أو متضمّناً فكرة جديرة بالذكر.


التاريخيّة والحديثيّة، حيث استنطقت ما حوَته صفحاتها من ذِكر لمختلف جوانب شخصيّة الإمام عليّ (عليه السلام).

بِلُغة الأرقام، لم تبلغ هذه (الموسوعة) نهايتها، ولم تكتسب هذه الصيغة إلاّ بعد مراجعة ما ينوف على الأربعمِئة وخمسين كتاباً أربَت مجلّداتها على الألفَين، منها مئتا كتاب من مصادر الشيعة، ومئتان وخمسون كتاباً من مصادر أهل السنّة.

ثمّ لكي ترتاد بالباحثين صوب آفاق معرفيّة ممتدّة، وحتى تفتح لهم السبيل واسعاً للدراسة والتحليل، فقد أحالت في هوامشها إلى ما يناهز الثلاثين ألف موضع من مصادر الفريقين، ويكفي هذا وحده للكشف عن المدى الأقصى الذي بلَغَه البحث.

3 - وثاقة المصادر

في تدوين هذه الموسوعة عمَدْنا في البدء إلى جمع المعطيات على جذاذات (بطاقات) مستقلّة من المصادر مباشرة، مع الاستعانة بأنظمة الحاسوب الآلي وأقراص الخزن باللُغَتين الفارسيّة والعربيّة على قدر ما تسمح به الإمكانات، ثمّ جمعنا النصوص المتشابهة حيال الموضوع الواحد، وسعَينا بعدئذ إلى انتخاب أكثر هذه النصوص وثاقة، وفرْز ما هو أقدمها وأكثرها شمولاً.

لقد حرصنا على أنْ تأتي النصوص المنتخبة من أوثق الكتب الحديثيّة والتاريخيّة وأهمّها. لكن ينبغي أنْ نسجّل أنّ وثاقة النصوص والنقول في


البحث التاريخي تختلف اختلافاً بيّناً عمّا هي عليه في النصوص والنقول الفقهيّة، فمِن الواضح أنّ ذلك التمحيص الذي ينصبّ على سند الرواية الفقهيّة، لا يجرى بنفسه على البحوث التاريخيّة.

فما يستدعيه البحث التاريخي أكثر، هو طبيعة النصّ (الوثيقة) ومدى ثباته وسلامته، وهذه غاية يبلغها الباحث باستخدام قرائن متعدّدة.

في رؤيتنا أنّ النصّ أو النقل الموثّق - فقهيّاً كان أم تاريخيّاً - هو الذي يكون موثوقاً يبعث على الاطمئنان، حتى لو لم يحظَ بسند ثابت وصحيح. نسجّل ذلك رغم انتباهنا لأهميّة السند الصحيح والموثّق في إيجاد الاطمئنان.

وينبغي أنْ نُضيف أيضاً إلى أنّ الوثوق السنَدي في النصوص التي تستند إلي المصادر الحديثيّة والتاريخيّة للفريقين (الشيعة والسنّة)، لا يمكن أنْ يكون مِلاكاً كاملاً وتامّاً؛ إذ من الواضح أنّ لكلّ فريق رؤيته الخاصّة في تعيين (الثقة) و(غير الثقة)، كما له مساره الخاصّ ونهْجه الذي يميّزه في الأصول الرجاليّة.

الكلمة الأخيرة على هذا الصعيد تتّجه إلى طبيعة المِلاك الذي انتخبناه، ففي عمليّة جمع النصوص وفرزها عمدنا بالإضافة إلى ما بذلناه من جهد في توثيق المصدر والاهتمام بالسند، إلى مسألة نقد النصّ؛ كي يكون هو الملاك الأهمّ في عملنا. وفي هذا الاتّجاه سعينا إلى بلوغ ضرب من الاطمئنان، من خلال تأييد مضمون النصّ بالقرائن النقليّة والعقليّة، كي يتحوّل ذلك إلى أساس نطمئنّ إليه في ثبات النصّ.


على هذا لم نلجأ إلى الأحاديث المنكرة، حتى لو كان لها أسانيد صحيحة. وإذا ما اضطرّتنا مواضع خاصّة لذِكر نصّ غير معتبر؛ فإنّنا نعطف ذلك بإيضاح ملابسات الموضوع.

4 - التحليل والتصنيف

يلتقي الباحثون على صفحات هذه الموسوعة، والمتشوّفون إلى سيرة عليّ (عليه السلام) ومعارفه مع سبعة آلاف نصّ تاريخي وحديثي تدور كلّها حول الإمام.

لقد سعى هذا المشروع إلى أنْ يقدّم عِبر الأقسام والفصول مجموعة من التحليلات والنظريّات التي تتناسب مع المادّة، وأنْ يخرج من خلال تقويم النصوص بإلماعات مهمّة في مضمار التاريخ والحديث.

إنّ القارئ سيواجه على هذا الصعيد نقولاً مكثّفة تصحب فقه الحديث، نأمل أنْ تأتي نافعة مفيدة.

5 - رعاية متطلّبات العصْر وفاعليّة المحتوى

ليست (موسوعة الإمام عليّ) كتاباً تاريخيّاً محضاً يُعنى بالنصوص والوثائق التاريخيّة، التي ترتبط بحياة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما لم نكن نهدف أنْ نقدّم ترجمة صِرفة نزيد بها رقماً جديداً على التراجم الكثيرة الموجودة، بل أمعنّا النظر إلى الواقع المُعاش، وركّزنا على المتطلّبات المعاصرة ونحن ننتخب العناوين ونملأ النصوص التي جاءت تحتها.


وحرصنا على أنْ تأتي هذه (الموسوعة) مجموعة متكاملة موحية، تهَب الدروس، وتبثّ العِبَر من حولها، وتلامس حاجات العالم الإسلامي، وتؤثّر في عقول الباحثين، وتُعين الشباب، وتمنح أُولئك الذين يرغبون أنْ تكون لهم في سيرة عليّ (عليه السلام) أُسوة في واقع الحياة، تمنحهم المثال المنشود.

كما أردنا لـ (الموسوعة) من خلال سيرة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنْ تفتح أمام البصر الإنساني مغالق الطريق، وأن تُعين في تذليل العُقَد الفكريّة والعقيديّة والسياسيّة.

على أنّ أكثر أقسام هذا المشروع نفعاً وتأثيراً هي تلك التي أضاءت النهج العلَوي، وأسفرت عن مرتكزاته في مختلف مجالات إدارة الاجتماع السياسي، وتسيير الحُكم والتعامل مع المجتمع. فهذه الأقسام هي في صميم حاجة قادة البلدان الإسلاميّة، بالأخصّ العاملين في نطاق نظام الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.

فهذه الأقسام جسّدت على منصّة الواقع الحياةَ السياسيّة والاجتماعيّة للإمام، وأومأت ببَنان لا تخطِّئه عين إلى الواقع الحقيقي لكفاءة ذلك السياسي الواقعي، الذي ليس له مأرب من تنفيذ السياسة غير الحقّ.

فـ (الموسوعة) إذاً ليست صفحات في بطون الكتُب، بل هي من الحاضر في الجوهر، ومن الواقع اليومي في الصميم. من هذه الزاوية هي


خليقة بالقراءة والتفكير والتأمّل، وجديرة بالعمل.

6 - الإبداع في التدوين والتنظيم

لقد صُمّمت مطالب (الموسوعة) وموضوعاتها في إطار هيكليّة هندسيّة خاصّة، بحيث يكون بمقدور الباحث أنْ يكون في صميم السياق العام للكتاب بمجرّد إلقاء نظرة عابرة، وبشيء من التأمّل يعثر على ما يريد.

فقد اختيرت العناوين بحيث تُسفِر عن محتوى الأقسام والفصول، وتستوعب جميع النصوص الموجودة. بَيد أنّ الأهمّ من ذلك أنّها حرصت على أنْ تجيء تلك العناوين حول السيرة العلَويّة البنّاءة، وهي تعبّر عن مثالٍ يُحتذى، وتعكس أسوة يمكن الاقتداء بها.

بهذا جاءت العناوين واقعيّة وليست انتزاعيّة محضة، كما لم تأتِ مغلقة مبهمة.

7 - إيضاحات الهوامش ومزايا أخرى

لكي يستغني الباحث الذي يراود هذه (الموسوعة) عن العودة إلى المصادر الأخرى في المسائل الفرعيّة، وحتّى يشقّ طريقه إلى مبتغاه بيُسر؛ جاءت إيضاحات الهوامش تضمّ ترجمة للأشخاص، وتعريفاً بالأماكن وبياناً للنقاط الغامضة التي تكتنف النصوص، مع شرح موجز للمفردات الصعبة. وقد تمّ تعزيز ذلك كلّه بخرائط مؤدّية تعكس الأمكنة والمواقع التاريخيّة بدقّة، عكَف على تصميمها متخصّصون.


8 - أدب التكريم

عند نقل النصوص، إذا ما كانت تلك النصوص مسندة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) يُذكَر الاسم مع النقل، وعند ذِكر النبي يُشفع بصيغة (صلّى الله عليه وآله)، في حين يشفع ذِكر كلّ واحد من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بصيغة (عليهم السلام) تكريماً لهذه الأسماء المقدّسة والذوات المعصومة، حتى لو لم تحوِ النصوص في مصادرها الأصليّة هذا التكريم.

أمّا إذا كانت النصوص عن غير النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، فعندئذٍ نكتفي بذِكر المصدر فقط في بدْء النصّ.

9 - أخلاقيّة الكتابة

حرصت (الموسوعة) على أنْ تلتزم في كتاباتها الأدب العلمي بدقّة، وتراعي أُصول البحث في مداها الأقصى.

إنّ من يتأمّل تاريخ الإسلام بعُمق، ويرمي ببصره تلقاء مصنّفات مختلف علماء النِحَل في دائرة الثقافة الإسلاميّة، يلمس كم احتوى ميراث أولئك - قدماء ومحدّثين - من ظُلمٍ للتشيّع، وأيَّ حَيفٍ أصاب قمّته العلياء الشاهقة!.

كما يدرك الصدود الذي أحاط إمام المجاهدين، وما نزل بصَحْبه الأبرار الذين أخلصوا له الولاء، سَواء عن طريق كتمان الحقائق، أمْ من خلال قلب وقائع التاريخ.

هذه أُمور جليّة لم تخفَ على أحد، يعرفها جميع باحثي التاريخ


الإسلامي، كما نعرفها نحن أيضاً، وقد تبدّت أمامنا بأبعاد مهولة عند كتابة (الموسوعة).

بَيد أنّ ذلك كلّه لم يجرّنا إلى موقف مماثل عند تدوين (الموسوعة) لا بدءاً، وتأسيساً، ولا بصيغة الردّ بالمِثل. فها هي ذي التحليلات والإيضاحات ووجْهات النظر والمداخل نقيّة لم يشبْها لَوث، وها هو ذا القلم عفّ ولم يهبط قطّ إلى الشتيمة ولُغة التجريح والكلام النابي وكَيْل التُهَم والمطاعن.

وفي الحقيقة جعلنا المشروع يفي بجميع أجزائه في ظلال (الأدب العلَوي)، هذا الأدب الذي يأخذ مثاله الرفيع ممّا علّمه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) صاحبَيه حِجْر بن عَدِي وعمرو بن الحمق. فهذان الحواريّان يتوقّدان عزماً، ويفيضان رسوخاً، وهما مملوءان حماساً وغيرة، فأنّى لهما أنْ يصبرا على أباطيل العدوّ وزُخرفه، وما صار يستجيشه من ضوضاء هائجة؟.

لقد راحا يُدَمدِمان بألسنتهما ضدَّ العدوّ، فما كان من أمير المؤمنين (عليه السلام) إلاّ أنْ علّمهما أدَب المواجهة، فقال لهما بعد أنْ ذكّرهما بأنّهم على الحقّ وأنْ عدوّهم على الباطل:

(كرهتُ لكم أنْ تكونوا لعّانين، تشتمون وتتبرّؤون، ولكن لو وصَفتم مساوئ أعمالِهم فقلتم: مِن سيرتهم كذا وكذا، ومِن عملهم كذا وكذا، كان


أصوَب في القول، وأبلغ في العُذر) (1) .

واضح إذن أنّ ذِكر شخص وفِعاله وتحليل سلوكه، أو تسليط أضواء كاشفة على ما يلفّ فِعال بعض مَن تنكَّب عن الحقّ والصواب، وما صدر عنه من سلوك شائن - لا يمكن أنْ يُعدّ إساءة نابية، بل هو من الوعي التاريخي والدفاع عن الحقّ بالصميم. ومن ثَمّ إذا ما احتوت (الموسوعة) شيئاً من هذا، فهو تعبير عن واقع لا أنّه ينمّ عن إساءة جارحة.

ومع ذاك سعَينا أنْ ننظر إلى المسائل برؤية الأُسلوب التحليلي والبحث العلمي، وليس من خلال العناد والتعصّب الأعمى المقيت. ومِن ثَمّ لم يتمّ التوهين بمقدّسات أيّ نِحلة، ولم نطعن بشخصٍ قطّ.

على هذا نأمل أنْ تجيء (الموسوعة) خطوة على طريق التقريب بين المذاهب، وأنْ يكون شخوص (الأدَب العلَوي)، وتبلوره فيها سبباً لانتفاع الجميع، ويهيّئ الأجواء لوحدة كلمة المؤمنين.

شُكر وتقدير

حيث شارف هذا المدخل على نهايته، ولمّا يُمسِك القلم بعدُ نبتهل - مرّة أُخرى - إلى الله سبحانه ضارعِين بقلوب مفعمة، بالشكر والثناء على ما أنعم به من تيسير كريم وفضلٍ جسيم، وما امتنّ به من توفيق عظيم

____________________

(1) وقعة صفّين: 103.


لهذه الخدمة العَلَويّة الجليلة.

كما نوجّه شكرنا وثناءنا إلى كلّ جهدٍ كريم شارك في هذا المشروع في إطار مختلف المجاميع، وكان له سهم في التأليف والتحقيق والتخريج، وفي الطباعة والتصحيح والتدقيق، ونخصّ بالذِكر الباحثَين الكريمَين الجليلين السيّد محمّد كاظم الطباطبائى والسيّد محمود الطباطبائى نژاد ، اللذَين بذَلا جهوداً مخلصة مشكورة في تدوين هذه المجموعة، وكانا معنا رفيقَي درب في هذه الرحلة الممتدّة من عام 1413 هـ. كما نشكر الأستاذ الفاضل الشيخ محمّد علي مهدوي راد الذي أعاننا على تهيئة البيانات والتحليلات.

وأتقدّم بشكري الخالص وثنائي الجزيل أيضاً إلى مسؤول قسم تدوين الموسوعة في مركز دراسات دار الحديث المحقّق العزيز الشيخ عبد الهادي المسعودي، الذي بذل جهداً محموداً في تنظيم الصيغة الأخيرة وإعداد العمل وإنجازه في الموعد المقرّر.

إلهي..

اجعلنا في حزب عليّ (عليه السلام) الذي هو حزب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، واكتبنا في المفلحين الفائزين.

واجعلنا في صفّ جنودك المحبّين لك الوالهين بك، وفي عِداد حُماة دينك، المنافحين عن نقاء الفكر الإسلامي، وصُن ألسنتنا وأقلامنا من الزلَل، وأقِلْها من العثرات والباطل، واجعل ما نكتب ونقول خدمةً لغايات


الحُكم العلَويّ، وأرضاً صلبة توطئ إلى الحكومة العالميّة لوليّ الله الأعظم الإمام المهدي (عليه السلام).

وآخِر دعوانا أنْ الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين.

محمد محمّدي الرَّيشَهري

ربيع الثاني 1421 هـ



القسم الأوّل

أُسرة الإمام عليّ

وفيه فصول:

الفصل الأوّل: الولادة

الفصل الثاني: النشأة

الفصل الثالث: الزواج

الفصل الرابع: الأولاد



الفصل الأوّل

الولادة

1 / 1

النَسَب

إنّ أُرومة الناس دليلٌ على شخصيّتهم وفكرهم وثقافتهم. فأُولوا النزاهة والصلاح والعقل والحكمة ينحدرون - في الغالب - من أُسَر كريمة طيّبة مهذّبة، وذووا السوء والقبح والشرّ غالباً هم ممّن نشأ في أحضان غير سليمة، وانحدر من أُصول لئيمة. ويتجلّى القسم الأوّل في الأنبياء - الذين هم عِلْية وجوه التاريخ، وقِمم الشرف والكرامة والعزّة - ومَنْ تفرّع من دوحاتهم، ورسخت جذوره في بيوتاتهم الرفيعة.

وكانت لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) جذور ضاربة في سلالة طاهرة كريمة، هي سلالة إبراهيم (عليه السلام)، فهو كرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في ذلك، وإبراهيم (عليه السلام) هو بطل التوحيد، الراغب إلى الله، المُغرم بحبّه، وهو الواضع سنّة الحجّ، رمز العبودية ومقارعة الشِرك. وهكذا فالحديث عن جُدود النبي (صلّى الله عليه وآله) حديث عن جدود


عليّ (عليه السلام)، والكلام عن سلالته (صلّى الله عليه وآله) هو بعينه الكلام عن سلالة أخيه ووصيّه (عليه السلام)، قال (صلّى الله عليه وآله) في أسلافه:

(إنّ الله اصطفى من وِلد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من وِلد إسماعيل بني كِنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) (1) .

وهكذا فبنو هاشم هم صفوةٌ اختيرت من بين صفوة الأُسَر، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعليّ (عليه السلام) هما صفوة هذه الصفوة، قال الإمام (عليه السلام) واصفاً سلالة النبيّ (صلّى الله عليه وآله):

(أُسرَتُه خير الأُسَر، وشجَرته خير الشجَر؛ نَبَتت في حرَم، وبَسَقت في كَرَم، لها فروعٌ طِوال، وثمَرٌ لا يُنال) (2) .

وهذا الثناء - بحقّ - هو ثناء على سلالته (عليه السلام) أيضاً، حيث قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله):

(أنا وعليّ من شجرة واحدة) (3) .

وقال: (لحمُه لحمي، ودمُه دمي) (4) .

وعلى هذا يكون بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبيت عليّ هو بيت النبوّة، وأُرومتهما أُرومة النور والكرامة، وهما المصطَفَيان من نَسل إبراهيم وبني هاشم، مع خصائص ومزايا سامقة: كالطهارة، والفصاحة، والسماحة، والشجاعة، والذكاء، والحياء، والعفّة، والحِلم، والصبر وأمثالها (5) . ناهيك عن منزلتهما المرموقة

____________________

(1) سنن الترمذي: 5 / 583 / 3605، كفاية الطالب: 410.

(2) نهج البلاغة: الخطبة 94 والخطبة 161 نحوه وراجع الخطبة 96.

(3) و (4) راجع: القسم التاسع / عليّ عن لسان النبي / الخِلْقة / أنا وعليّ من نور واحد.

(5) راجع: كتاب (أهل البيت في الكتاب والسنّة) / جوامع خصائصهم.


العلَيّة بين قبائل العرب بأجمعها.

1 - المناقب لابن المغازلي عن مُصعب بن عبد الله: هو عليّ بن أبي طالب بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مَناف بن قُصَيّ بن كِلاب بن مُرّة بن كَعْب بن لُؤَيّ ابن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كِنانة بن خُزَيْمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نَزار بن معدّ بن عَدنان. واسم أبي طالب عبد مَناف (1) .

2 - شرح نهج البلاغة: هو أبو الحسن عليّ بن أبي طالب - واسمه عبد مَناف - ابن عبد المطّلب - واسمه شَيْبة - ابن هاشم - واسمه عمرو - ابن عبد مناف بن قصيّ (2) .

3 - الإمام عليّ (عليه السلام) - من كلام له على منبر البصرة -: (اسم أبي: عبد مَناف، فغَلَبت الكنية على الاسم، وإنّ اسم عبد المطّلب: عامر، فغلَب اللقب على الاسم، واسم هاشم: عمرو، فغلَب اللقب على الاسم، واسم عبد مَناف: المغيرة، فغلب اللقب على الاسم، وإنّ اسم قصيّ: زيد، فسمّته العرب مَجمَعاً؛ لجمْعه إيّاها من البلد الأقصى إلى مكّة، فغلَب اللقب على الاسم) (3) .

4 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (خُلقت أنا وعليّ مِن نورٍ واحد... فلَم يزل ينقلنا الله عزّ وجلّ مِن أصلابٍ طاهرة، إلى أرحامٍ طاهرة حتى انتهى بنا إلى عبد المطّلب) (4) .

راجع: القسم التاسع / علىّ عن لسان النبيّ / الخِلْقة.

____________________

(1) المناقب لابن المغازلي: 5 / 1.

(2) شرح نهج البلاغة: 1 / 11.

(3) معاني الأخبار: 121 / 1، الأمالي للصدوق: 700 / 954 كلاهما عن الحسن البصري، بحار الأنوار: 35 / 51 / 5.

(4) معاني الأخبار: 56 / 4 عن أبي ذرّ.


1 / 2

الأب

عبد مناف بن عبد المطّلب، المشهور بأبي طالب، أحد العشرة من أولاد عبد المطّلب (1) . وكان عبد المطّلب الوجه المتألِّق في قريش، وله منزلته السامقة في أوساطها. ثمّ جاء بعده ولده أبو طالب فورِث تلك المكانة الاجتماعيّة العليّة (2) .

وكانت أُسرة أبي طالب أوّل الأُسَر التي اجتمع فيها زوجان هاشميّان (3) .

تولّى أبو طالب رعاية النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الذي فقدَ أبوَيه في طفولته، ثمّ فقدَ جدّه (4) . ولمّا بُعث أمين قريش (صلّى الله عليه وآله) لم يدّخر أبو طالب وسعاً في دعمه ومؤازرته على ما هو بسبيله في مسيرته الجهادية الشاقّة.

وآمن به أرسخ الإيمان (5) ، وأصحر بذلك في شِعره (6) . وكانت منزلته

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 11، شرح الأخبار: 3 / 219.

(2) راجع تاريخ اليعقوبي: 2 / 13.

(3) الكافي: 1 / 452، المستدرك على الصحيحين: 3 / 116 / 4573، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 555 / 933، المعجم الكبير: 1 / 92 / 151، سيَر أعلام النبلاء: 2 / 118 / 17، أُسد الغابة: 7 / 213 / 7176، الاستيعاب: 4 / 446 / 3486، تاريخ دمشق: 42 / 14، المناقب لابن المغازلي: 6 / 2، المناقب للخوارزمي: 46 / 9.

(4) الطبقات الكبرى: 1 / 119، تاريخ الطبري: 2 / 277، مروج الذهب: 2 / 281، أنساب الأشراف: 1 / 105.

(5) الكافي: 1 / 448 / 28 - 33، الأمالي للصدوق: 712 / 979.

(6) الكافي: 1 / 448 / 29، الأمالي للصدوق: 712 / 980، تاريخ اليعقوبي: 2 / 31، شرح الأخبار: 3 / 222، السيرة النبويّة لابن هشام: 1 / 377، شرح نهج البلاغة: 14 / 77.


الاجتماعيّة السامية بين قريش وأهل مكّة، ودعْمه السخيّ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، حائلَين أصليّين دون وصول الأذى إليه (صلّى الله عليه وآله) من قريش (1) .

رافقَه في حصار الشِّعب، وتحمّل مصائب المقاطعة الاقتصاديّة على كِبَر سنّه، ولم يتنازل عن معاضدته ومواساته (2) .

وكان له حقٌّ عظيم على الإسلام والمسلمين في غُربة الدين يومئذ. وبعد خروجه من الشِّعْب فارق الحياة حميداً. ففقدَ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بوفاته ووفاة خديجة (عليهما السلام) عَضُدَين وفيّين مضحّيَين. واشتدّ أذى قريش وتعذيبها للمؤمنين عقِب ذلك (3) .

5 - كمال الدين عن الأصبغ بن نباتة: سمِعت أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: (والله ما عبَد أبي ولا جدّي عبد المطّلب، ولا هاشم، ولا عبد مَناف صنماً قطّ!) قيل له: فما كانوا يعبدون؟ قال: (كانوا يصلّون إلى البيت على دين إبراهيم (عليه السلام)، متمسّكين به) (4) .

6 - الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ أبا طالب أظهَر الكُفر وأسرّ الإيمان، فلمّا حضَرته الوفاة أوحى الله عزّ وجلّ إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أُخرج منها؛ فليس لك بها ناصر. فهاجر إلى المدينة) (5) .

____________________

(1) السيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 57.

(2) الطبقات الكبرى: 1 / 209، تاريخ الطبري: 2 / 336، الكامل في التاريخ: 1 / 504، السيرة النبويّة لابن هشام: 1 / 376.

(3) الطبقات الكبرى: 1 / 211، تاريخ الطبري: 2 / 343، الكامل في التاريخ: 1 / 507، السيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 57، الكافي: 1 / 449 / 31 وج 8 / 340 / 536، كمال الدين: 174 / 31.

(4) كمال الدين: 174 / 32، بحار الأنوار: 35 / 81 / 22.

(5) كمال الدين: 174 / 31 عن محمّد بن مروان، بحار الأنوار: 35 / 81 / 21.


7 - عنه (عليه السلام): (كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يُعجبه أنْ يُروى شعر أبي طالب وأنْ يُدوَّن، وقال: تعلَّموه وعلِّموه أولادكم؛ فإنّه كان على دين الله، وفيه عِلمٌ كثير) (1) .

8 - إيمان أبي طالب عن عليّ بن محمّد الصوفي العلَوي العمري: أنشدني أبو عبد الله بن منعية (2) الهاشمي - معلّمي بالبصرة - لأبي طالب:

لقد أكرم الله النبي محمّداً

فأكرمُ خَلْق الله في الناس أحمدُ

وشقّ له من اسمه لِيُجلَّه

فذو العرش محمودٌ وهذا محمّدُ (3)

9 - إيمان أبي طالب عن ضوء بن صلصال: كنت أنصر النبي (صلّى الله عليه وآله) مع أبي طالب قبل إسلامي، فإنّي يوماً لجالس بالقُرب من منزل أبي طالب في شدّة القيظ، إذ خرج أبو طالب إليّ شبيهاً بالملهوف، فقال لي: يا أبا الغضنفر، هل رأيت هذَين الغلامَين؟ - يعني النبيّ وعليّاً صلوات الله عليهما - فقلت: ما رأيتهما مُذ جلست، فقال: قم بنا في الطلب لهما؛ فلست آمَنُ قريشاً أنْ تكون اغتالتْهما.

قال: فمضينا حتى خرجنا من أبيات مكّة، ثمّ صِرنا إلى جبل من جبالها فاستَرْقيناه إلى قُلّته، فإذا النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وعليّ (عليه السلام) عن يمينه وهما قائمان بإزاء عين الشمس، يركعان ويسجدان. قال: فقال أبو طالب لجعفر ابنه: صِل جناح ابن عمّك ، فقام إلى جنب علىّ، فأحسّ بهما النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فتقدّمهما، وأقبلوا على أمرهم حتى فرغوا ممّا كانوا فيه، ثمّ أقبلوا نحونا، فرأيت السرور يتردّد في وجه

____________________

(1) إيمان أبي طالب لفخّار بن معد: 130 عن علي بن أحمد بن مسعدة عن عمّه، بحار الأنوار: 35 / 115 / 54.

(2) كذا في المصدر، وفى بحار الأنوار: (بن صفيّه).

(3) إيمان أبي طالب لفخّار بن معد: 284، بحار الأنوار: 35 / 128 / 73 وراجع الإصابة: 7 / 197 / 10175.


أبي طالب، ثمّ انبعث يقول:

إنّ عليّاً وجعفراً ثقتي

عند مُلِمّ الزمان والنُّوَبِ

لا تَخْذلا وانصرا ابن عمّكما

أخي لأُمّي من بينهم وأبي

والله لا أخذل النبيّ ولا

يخذله من بَنيَّ ذو حَسَبِ (1)

10 - الفصول المختارة - في ذكر ما جرى في شِعْب أبي طالب -: لمّا نامت العيون، جاء أبو طالب ومعه أمير المؤمنين (عليه السلام) فأقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأضجَع أمير المؤمنين (عليه السلام) مكانه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (يا أبتاه، إنّي مقتول)، فقال أبو طالب:

اصبِرنْ يا بُنيّ فالصبر أحجى

كلّ حيٍّ مصيره لشعوبِ

قد بذلْناك والبلاء شديدٌ

لفِداءِ النجيبِ وابن النجيبِ

لفِداء الأغرّ ذي الحسَب الثا

قِب والباع والفناء الرحيبِ

إنْ تُصِبْك المنونُ فالنبْلُ يُبرى

فمصيبٌ منها وغير مصيبِ

كلّ حيٍّ وإنْ تَمَلّى بعيشٍ

آخذٌ مِن سهامِها بنصيبِ

قال: فقال أمير المؤمنين (عليه السلام):

أتأمرني بالصبر في نصر أحمد

ووالله ما قلت الذي قلت جازعا

ولكنّنى أحببت إظهارَ نصرتي

وتعلمَ أنّي لم أزل لك طائعا

وسعيي لوجهِ الله في نَصر أحمد

نبيّ الهدى المحمود طفلاً ويافعا (2)

____________________

(1) إيمان أبي طالب لفخّار بن معد: 248، كنز الفوائد: 1 / 270 نحوه، بحار الأنوار: 35 / 120 / 63، شرح نهج البلاغة: 13 / 269 نحوه.

(2) الفصول المختارة: 58، المناقب لابن شهر آشوب: 1 / 64، روضة الواعظين: 64 وفيه إلى (بنصيب)، بحار الأنوار: 35 / 93 / 31، شرح نهج البلاغة: 14 / 64.


11 - الكافي، عن إسحاق بن جعفر عن الإمام الصادق (عليه السلام): قيل له: إنّهم يزعمون أنّ أبا طالب كان كافراً؟ فقال: (كذَبوا، كيف يكون كافراً وهو يقول:

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً

نبيّاً كموسى خُطّ في أوّل الكُتبِ

وفي حديثٍ آخر: كيف يكون أبو طالب كافراً وهو يقول:

لقد علِموا أنّ ابننا لا مكذَّبٌ

لدينا ولا يُعبا بقِيل الأباطلِ

وأبيضٌ يُستسقى الغمامُ بوجههِ

ثمال اليتامى عصمةٌ للأراملِ (1)

12 - إيمان أبي طالب عن الحسن بن جمهور العمي يرفعه: قيل لتأبّط شرّاً الشاعر - واسمه ثابت بن جابر -: من سيّد العرب؟ فقال: أُخبركم: (سيّد العرب أبو طالب بن عبد المطّلب). وقيل للأحنَف بن قيس التميمي (2) : من أين اقتبست هذه الحِكَم، وتعلّمت هذا الحِلم؟ قال: من حكيمِ عصره وحليمِ دهره؛ قيس بن عاصم المنقري (3) . ولقد قيل لقيس: حِلمَ مَن رأيتَ فتحلّمت؟ وعِلمَ مَن رويتَ

____________________

(1) الكافي: 1 / 448 / 29، بحار الأنوار: 35 / 136 / 81.

(2) راجع: القسم السادس عشر / الأحنف بن قيس.

(3) هو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعس، وفَد على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في وفد بني تميم وأسلم سنة تسع، ولمّا رآه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال: هذا سيّد أهل الوَبر. وكان عاقلاً حليماً مشهوراً بالحِلم، قيل للأحنف بن قيس: ممّن تعلّمت الحِلم؟ فقال: من قيس بن عاصم، رأيته يوماً قاعداً بفناء داره، محتبياً بحمائل سيفه يحدّث قومه، إذ أُتيَ برجلٍ مكتوف وآخَر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتَل ابنك، قال: فو الله ما حلّ حَبوَته ولا قطَع كلامه، فلمّا أتمّه التفت إلى ابن أخيه فقال: يابن أخي! بئسما فعلت؛ أثِمت بربّك، وقطعت رحِمَك، وقتلت ابن عمّك... ثمّ قال لابنٍ له آخر: قُم يا بني إلى ابن عمّك فحلّ كتافه، ووارِ أخاك، وسُق إلى أُمّك مِئة من الإبل ديّة ابنها فإنّها غريبة.

قال الحسن البصري: لمّا حضرَت قيس بن عاصم الوفاة دعا بَنيه فقال: يا بنيّ احفظوا عنّي، فلا أحد أنصح لكم منّي، إذا أنا متّ فسودوا كباركم ولا تسودوا صغاركم فتسفّه الناس كباركم وتهونوا عليهم...، وإيّاكم ومسألة الناس فإنّها آخِر كسْب المرء، ولا تقيموا عليّ نائحة؛ فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نهى عن النائحة (أُسد الغابة: 4 / 411 / 4370).


فتعلّمت؟ فقال: مِن الحليم الذي لم تحلّ قطّ حبْوته، والحكيم الذي لم تنفد قطّ حكمته، أكْثَم بن صَيْفيّ التميمي (1) . ولقد قيل لأكثم: ممّن تعلّمت الحِكم والرئاسة والحِلم والسياسة؟ فقال: من حليف الحِلم والأدب، سيّد العجم والعرب، أبي طالب بن عبد المطّلب (2) .

راجع: كتاب (بحار الأنوار): 35 / 68، نسَبه وأحوال والدَيه

كتاب (إيمان أبي طالب) لفخار بن معدّ

كتاب (الغدير): 7 / 445 - 550

1 / 3

الأُمّ

فاطمة بنت أسد، وكانت امرأة لبيبة، صلبة العقيدة، فتيّة القلب، بَرّة، مبجَّلة. احتضنت النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في طفولته (3) ، فكان يحبّها حبّاً شديداً، حتى قال فيها: (كانت أُمّي بعد أمّي التي ولدَتني) (4) .

____________________

(1) هو أكثم بن صيفي بن عبد العزّى، ولمّا بلَغه ظهور رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرسل إليه رجُلين يسألانه عن نسَبَه وما جاء به، فأخبرهما وقرأ عليهما: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ... ) الآية: (النحل: 90). فعادا إلى أكثم فأخبراه وقرأ عليه الآية، فلمّا سمع أكثم ذلك قال: يا قوم، أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوساً ولا تكونوا أذناباً، وكونوا فيه أوّلاً ولا تكونوا فيه آخِراً. فلم يلبث أنْ حضرته الوفاة فأوصى أهله: أُوصيكم بتقوى الله وصِلة الرحِم؛ فإنّه لا يبلى عليها أصل، ولا يهتصر عليها فرع (أُسد الغابة: 1 / 272 / 218).

(2) إيمان أبي طالب لفخّار بن معد: 332، بحار الأنوار: 35 / 133 / 78.

(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 14، تاج المواليد: 88، شرح الأخبار: 3 / 214، كشف الغمّة: 1 / 59.

(4) كنز العمّال: 13 / 636 / 37607.


وكان يُثني على حنانها وشفقتها عليه قائلاً: (لم يكن بعد أبي طالب أبَرّ بي منها) (1) .

وكانت أوّل امرأة بايعَت النبيّ (صلّى الله عليه وآله) (2) . وهاجرَتْ إلى المدينة مع عليّ وفاطمة (عليهما السلام) مشياً على الأقدام. ولمّا توفّيت هذه المرأة العظيمة كفّنها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقميصه (3) ، وشارك في تشييعها، وصلّى عليها، ثمّ وضعها في قبرها بعدما اضطجع فيه (4) .

وكان عليّ (عليه السلام) رابع وَلد لهذَين الوجهين المتألِّقين في التاريخ الإسلامي، إذ زيّن حياتهما بهاءً وسناءً بعد طالب وعقيل وجعفر (5) .

13 - فضائل الصحابة عن مصعب الزبيري: إنّ أُمّ عليّ بن أبيّ طالب فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ. وهي أوّل هاشميّة ولَدَت هاشميّاً. وهاجَرت إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وماتت، وشهدها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) (6) .

____________________

(1) الاستيعاب: 4 / 446 / 3486، سيَر أعلام النبلاء: 2 / 118 / 17، أُسد الغابة: 7 / 213 / 7176، شرح نهج البلاغة: 1 / 14.

(2) شرح الأخبار: 3 / 215 / 1141، المناقب للخوارزمي: 277 / 264، شرح نهج البلاغة: 1 / 14.

(3) الكافي: 1 / 453 / 2، خصائص الأئمّة (عليهم السلام): 64.

(4) المستدرك على الصحيحين: 3 / 117 / 4574، تاريخ المدينة: 1 / 123 و124، أُسد الغابة: 7 / 213 / 7176، الاستيعاب: 4 / 446 / 3486، علل الشرائع: 469 / 31 و32، الأمالي للصدوق: 391 / 505، شرح الأخبار: 3 / 215 / 1142 و1143.

(5) أُسد الغابة: 7 / 212 / 7176، تذكرة الخواصّ: 10، البداية والنهاية: 7 / 223، شرح الأخبار: 3 / 214، عمدة الطالب: 58.

(6) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 555 / 933، المناقب لابن المغازلي: 6 / 2 وفيه (أسلمت وهاجرت إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، بدل (وهاجرت...).


14 - المناقب لابن شهر آشوب: خطب أبو طالب في نكاح فاطمة بنت أسد: الحمد لله ربّ العالمين ربّ العرش العظيم، والمقام الكريم، والمشعَر والحطيم، الذي اصطفانا أعلاماً وسَدَنة، وعرفاء وخُلصاء، وحجّته بَهاليل (1) ، أطهار من الخَنا (2) والريب، والأذى والعيب، وأقام لنا المشاعر، وفضّلنا على العشائر، نُخَب آل إبراهيم وصفوته، وزرع إسماعيل، في كلام له.

ثمّ قال: وقد تزوّجتُ بنت أسد، وسقتُ المَهر، ونفّذتُ الأمر، فاسألوه واشهدوا. فقال أسد: زوّجناك ورضينا بك (3) .

15 - الكافي عن عبد الله بن مسكان عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب لتبشّره بمولد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فقال أبو طالب: اصبري سبتاً أُبشّرُكِ بمِثله إلاّ النبوّة. وقال: السبت ثلاثون سنة، وكان بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) ثلاثون سنة) (4) .

16 - الإمام عليّ (عليه السلام): (لمّا ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم، كفّنها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قميصه، وصلّى عليها، وكبّر عليها سبعين تكبيرة، ونزل في قبرها؛ فجعل يومي في نواحي القبر كأنّه يوسّعه ويسوّي عليها، وخرج من قبرها وعيناه تذْرُفان، وحَثا (5) في قبرها).

فلمّا ذهب قال له عُمَر بن الخطّاب: يا رسول الله، رأيتك فعلتَ على هذه

____________________

(1) بهاليل: جمع بُهْلول: العزيز الجامع لكلّ خير (لسان العرب: 11 / 73).

(2) الخَنا: الفُحش في القول (النهاية: 2 / 86).

(3) المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 171.

(4) الكافي: 1 / 452 / 1، معاني الأخبار: 403 / 68.

(5) حَثا الترابَ عليه: هاله ورماه (تاج العروس: 19 / 305).


المرأة شيئاً لم تفعله على أحدٍ! فقال: (يا عُمَر، إنّ هذه المرأة كانت أُمّي [بعد أُمّي] (1) التي ولدَتني، إنّ أبا طالب كان يصنع الصنيع، وتكون له المأدَبة، وكان يجمعَنا على طعامه، فكانت هذه المرأة تفضل منه كلّه نصيباً، فأعود فيه، وإنّ جبريل (عليه السلام) أخبرني عن ربّي عزّ وجلّ أنّها من أهل الجنّة، وأخبرني جبريل (عليه السلام) أنّ الله تعالى أمر سبعين ألفاً من الملائكة يصلّون عليها) (2) .

17 - الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ فاطمة بنت أسد أُمّ أمير المؤمنين كانت أوّل امرأة هاجرت إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من مكّة إلى المدينة على قدمَيها. وكانت من أبرّ الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فسمعتْ رسول الله وهو يقول: إنّ الناس يحشرون يوم القيامة عُراة كما وُلدوا، فقالت: وا سوأتاه! فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله): فإنّي أسأل الله أنْ يبعثك كاسية. وسمعتْه يذكر ضغطة القبر، فقالت: وا ضعفاه! فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله): فإنّي أسأل الله أنْ يكفيك ذلك).

وقالت لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوماً: إنّي أُريد أنْ أعتق جاريتي هذه ، فقال لها: (إنْ فعلتِ أعتقَ الله بكلّ عضوٍ منها عضواً منك من النار).

فلمّا مرِضَت أوصتْ إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأمرت أنْ يعتِق خادمها، واعتقل لسانها، فجعلت تومي إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إيماءً، فقبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وصيّتها.

فبينما هو ذات يوم قاعد إذ أتاه أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يبكي، فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (ما يبكيك؟ فقال: ماتت أُمّي فاطمة)، فقال رسول الله: (وأُمّي

____________________

(1) ما بين المعقوفَين أثبتناه من كنز العمّال.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3 / 117 / 4574 عن الزبير بن سعيد القرشي عن الإمام زين العابدين عن أبيه (عليهما السلام)، كنز العمّال: 13 / 635 / 37607.


والله)! وقام مسرعاً حتى دخل، فنظر إليها وبكى. ثمّ أمر النساء أنْ يغسِّلنها، وقال (صلّى الله عليه وآله): (إذا فرغتنّ فلا تُحْدِثنَ شيئاً حتى تُعْلمنّني)، فلمّا فرغْنَ أعلمْنَه بذلك، فأعطاهنّ أحد قميصَيه الذي يلي جسده وأمَرهنّ أن يكفّنّها فيه، وقال للمسلمين: (إذا رأيتموني قد فعلت شيئاً لم أفعله قبل ذلك فسلوني: لِمَ فعلته؟) فلمّا فرغن من غُسلها وكفَنها، دخل (صلّى الله عليه وآله) فحمَل جنازتها على عاتقه، فلم يزل تحت جنازتها حتى أوردها قبرها، ثمّ وضعها ودخل القبر فاضطجع فيه، ثمّ قام فأخذها على يديه حتى وضعها في القبر، ثمّ انكبّ عليها طويلاً يناجيها... (1) .

1 / 4

المولد

وُلد الإمام عليّ (عليه السلام) في يوم الجمعة (2) الثالث عشر من شهر رجب (3) بعد ثلاثين

____________________

(1) الكافي: 1 / 453 / 2 عن محمّد بن جمهور عن بعض أصحابنا، وراجع بصائر الدرجات: 287 / 9، وبحار الأنوار: 35 / 81 / 23.

(2) تهذيب الأحكام: 6 / 19، الإرشاد: 1 / 5، المقنعة: 461، كشف اليقين: 31، تاج المواليد: 88، المستجاد: 294، العمدة: 24، المصباح للكفعمي: 678، روضة الواعظين: 87، المناقب لابن شهر آشوب: 2/175 وج 3/307، إعلام الورى: 1 / 306، عمدة الطالب: 58، الفصول المهمّة: 29.

(3) تهذيب الأحكام: 6 / 19، الإرشاد: 1 / 5، المقنعة: 461، خصائص الأئمّة (عليهم السلام): 39، مصباح المتهجّد: 805، كشف اليقين: 31، العمدة: 24، المصباح للكفعمي: 678، الإقبال: 3 / 231 / 51، تاج المواليد: 88، المستجاد: 294، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 307، إعلام الورى: 1 / 306، عمدة الطالب: 58، روضة الواعظين: 87، كفاية الطالب: 407، الفصول المهمّة: 29.

وفى يوم ولادته أقوال أُخَر، منها: السابع من شعبان، راجع مصباح المتهجّد: 852، والدروس: 2 / 7. ومنها: النصف من شهر رمضان، راجع إثبات الوصيّة: 146، وكنز الفوائد: 1 / 255.


سنة من عام الفيل (1) في الكعبة المكرّمة (2) .

قال العلاّمة الأميني في مولد الإمام (عليه السلام) وفي فضيلته التي لا بديل لها: (وهذه حقيقة ناصعة أصفق على إثباتها الفريقان، وتضافرت بها الأحاديث، وطفحت بها الكتُب، فلا نعبأ بجلبة رُماة القول على عواهنه بعد نصّ جمْعٍ من أعلام الفريقين على تواتر حديث هذه الأثارة) (3) .

18 - المستدرك على الصحيحين: قد تواترت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد

____________________

(1) الكافي: 1 / 452، تهذيب الأحكام: 6 / 19، الإرشاد: 1 / 5، المقنعة: 461، خصائص الأئمّة (عليهم السلام): 39، كشف اليقين: 31، العمدة: 24، تاج المواليد: 88، المستجاد: 294، روضة الواعظين: 87 وص 92، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 307، عمدة الطالب: 58، إعلام الورى: 1 / 306، كشف الغمّة: 1 / 59، الفصول المهمّة: 29، كفاية الطالب: 407.

وفى سنة ولادته أقوال أُخَر، منها: 12 سنة قبل البعثة (يعنى 28 سنة بعد عام الفيل)، راجع مصباح المتهجّد: 805، والمصباح للكفعمي: 678، والإقبال: 3 / 231 / 51، وتاريخ الأئمّة (عليهم السلام): 5، وتاريخ مواليد الأئمّة (عليهم السلام): 168 والفصول المهمّة: 29.

ومنها: بُعِث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وعليّ ابن سبع سنين، راجع تاريخ بغداد: 1 / 134 وفيه أيضاً: ابن ثمان سنين.

ومنها: 29 سنة بعد عام الفيل، راجع المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 307.

(2) تهذيب الأحكام: 6 / 19، المقنعة: 461، الإرشاد: 1 / 5، خصائص الأئمّة (عليهم السلام): 39، مصباح المتهجّد: 805، الأمالي للطوسي: 707 / 1511، العمدة: 24، كشف اليقين: 31، كنز الفوائد: 1 / 255، الإقبال: 3 / 231 / 51، المصباح للكفعمي: 678، روضة الواعظين: 87، إرشاد القلوب: 211، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 175 وج 3 / 307، عمدة الطالب: 58، كشف الغمّة: 1 / 59، إعلام الورى: 1 / 306، مروج الذهب: 2 / 358، المناقب لابن المغازلي: 7 / 3، تذكرة الخواصّ: 10، الفصول المهمّة: 29، كفاية الطالب: 407، مطالب السؤول: 11.

(3) الغدير: 6 / 22.


ولَدَت أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب (عليه السلام) في جوف الكعبة (1) .

19 - روضة الواعظين عن جابر بن عبد الله الأنصاري: سألت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن ميلاد أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب (عليه السلام)، فقال: (آه، آه! لقد سألتني عن خيرِ مولودٍ وُلِد بعدي على سُنّة المسيح (عليه السلام)؛ إنّ الله تبارك وتعالى خلَقَني وعليّاً من نور واحد... ثمّ نقلنا من صُلبه [ آدم (عليه السلام) ] في الأصلاب الطاهرات إلى الأرحام الطيّبة، فلم نزَل كذلك حتى أطلعني الله تبارك وتعالى من ظهرٍ طاهر، وهو عبد الله بن عبد المطّلب، فاستودعني خير رحِم وهي آمنة، ثمّ أطلع الله تبارك وتعالى عليّاً من ظهرٍ طاهر وهو أبو طالب، واستودعه خير رحِم وهي فاطمة بنت أسد) (2) .

20 - الإرشاد: وُلد بمكّة في البيت الحرام، يوم الجمعة الثالث عشر من رجب سنة ثلاثين من عام الفيل. ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله تعالى سواه؛ إكراماً من الله تعالى له بذلك، وإجلالاً لمحلّه في التعظيم (3) .

21 - عِلل الشرائع عن سعيد بن جبير: قال يزيد بن قَعْنَب: كنت جالساً مع

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 3 / 550 / 6044، وراجع مروج الذهب: 2 / 358، والمناقب لابن المغازلي: 7/3، وتذكرة الخواصّ: 10، ومطالب السؤول: 11، وكنز الفوائد: 1/255، وإثبات الوصيّة: 142، والإقبال: 3 / 231 / 51، وروضة الواعظين: 92 و93، والمناقب لابن شهر آشوب: 2 / 174 و175.

(2) روضة الواعظين: 88، الفضائل لابن شاذان: 48 نحوه، اليقين: 191 / 43 وفيه إلى (سنة المسيح)، بحار الأنوار: 35 / 10 / 12 وص 99 / 33، كفاية الطالب: 406 نحوه.

(3) الإرشاد: 1 / 5، المستجاد: 294، عمدة الطالب: 58، العمدة: 24، تاج المواليد: 88 وليس فيه ذيله، إرشاد القلوب: 211، خصائص الأئمّة (عليهم السلام): 39، كشف اليقين: 31، نهج الحقّ: 232، كشف الغمّة: 1 / 59، إعلام الورى: 1 / 306 والخمسة الأخيرة نحوه، كفاية الطالب: 407 وفيه (ليلة) بدل (يوم)، الفصول المهمّة: 29، نور الأبصار: 85 كلاهما نحوه، وراجع الخرائج والجرائح: 2 / 888، وفرائد السمطين: 1 / 425 / 354.


العبّاس بن عبد المطّلب وفريق من عبد العُزّى بإزاء البيت الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أُمّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكانت حاملة به تسعة أشهر وقد أخذَها الطلَق، فقالت: ربّ، إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسُلٍ وكُتب، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل (عليه السلام) وإنّه بنى البيت العتيق، فبحقّ الذي بنى هذا البيت، وبحقّ المولود الذي في بطني، لمّا يسّرت عليّ ولادتي.

قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت وقد انفتح عن ظَهْره، ودخلت فاطمة وغابت عن أبصارنا، والتزق الحائط، فرُمنا أنْ ينفتح لنا قُفْل الباب فلم ينفتح، فعلِمنا أنّ ذلك أمرٌ من أمر الله تعالى.

ثمّ خرجت بعد الرابع وبيدها أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ قالت: إنّي فُضّلت على مَن تقدّمني من النساء؛ لأنّ آسية بنت مزاحم عبَدت الله سرّاً في موضعٍ لا يحبّ أنْ يُعبَد الله فيه إلاّ اضطراراً، وأنّ مريم بنت عمران هزّت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلَت منها رُطَباً جنيّاً، وإنّي دخلت بيت الله الحرام وأكلت من ثمار الجنّة وأرزاقها (1) .

22 - الإمام الباقر عن الإمام زين العابدين (عليهما السلام): (كنت جالساً مع أبي ونحن زائرون قبر جدّنا (عليه السلام) وهناك نسوان كثيرة، إذ أقبلت امرأة منهنّ، فقلتُ لها: مَن أنتِ يرحمك الله؟ قالت: أنا زيدة بنت قَريبة بن العَجْلان من بني ساعدة، فقلت لها: فهل عندك شيء تحدّثينا؟ فقالت: إي والله، حدّثتني أُمّي أُمّ عُمارة بنت عُبادة بن نَضْلة بن مالك بن العَجلان الساعدي أنّها كانت ذات يوم في نساء من

____________________

(1) عِلل الشرائع: 135 / 3، معاني الأخبار: 62 / 10، الأمالي للصدوق: 194 / 206، الأمالي للطوسي: 706 / 1511 عن إبراهيم بن عليّ بإسناده عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) نحوه، بشارة المصطفى: 8، روضة الواعظين: 87.


العرب، إذ أقبل أبو طالب كئيباً حزيناً، فقلت له: ما شأنك يا أبا طالب؟ قال: إنّ فاطمة بنت أسد في شدّة المخاض ثمّ وضع يديه على وجهه.

فبينا هو كذلك، إذ أقبل محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فقال له: ما شأنك يا عمّ؟ فقال: إنّ فاطمة بنت أسد تشتكي المخاض، فأخذ بيده وجاء وهي معه، فجاء بها إلى الكعبة فأجلسها في الكعبة، ثمّ قال: اجلسي على اسم الله، قال: فطلَقت طَلْقة فولدت غلاماً مسروراً نظيفاً مُنظّفاً لم أرَ كحُسن وجهه، فسمّاه أبو طالب عليّاً، وحمَله النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حتى أدّاه إلى منزلها).

قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): (فو الله ما سمعتُ بشيءٍ قطّ إلاّ وهذا أحسن منه!) (1)

23 - شرح نهج البلاغة: روي أنّ السنة التي وُلد فيها عليّ (عليه السلام) هي السنة التي بُدئ فيها برسالة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فاُسمع الهتاف من الأحجار والأشجار، وكُشِف عن بصره، فشاهد أنواراً وأشخاصاً، ولم يخاطَب فيها بشيء.

وهذه السنة هي السنة التي ابتدأ فيها بالتبتّل والانقطاع والعزلة في جبل حراء، فلم يزل به حتى كُوشِف بالرسالة، وأُنزل عليه الوحي.

وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يتيمّن بتلك السنة وبولادة عليّ (عليه السلام) فيها، ويسمّيها سنة الخير وسنة البركة.

وقال لأهله ليلة ولادته - وفيها شاهدَ ما شاهد من الكرامات والقدرة الإلهيّة، ولم يكن من قبلها شاهد من ذلك شيئاً -:

(لقد وُلد لنا الليلة مولود يفتح الله علينا به أبواباً كثيرة من النعمة والرحمة)

وكان كما قال صلوات الله عليه؛ فإنّه (عليه السلام) كان ناصره، والمحامي عنه، وكاشف

____________________

(1) المناقب لابن المغازلي: 7 / 3 عن محمّد بن سعيد الدارمي عن الإمام الكاظم عن أبيه (عليهما السلام).


الغمّاء عن وجهه، وبسيفه ثبت دين الإسلام، ورسَت دعائمه، وتمهّدت قواعده (1) .

24 - ديوان السيّد الحميرى - من قصيدة له في ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام) -:

ولدته في حرَم الإلهِ وأمنهِ

والبيتِ حيثُ فناؤه والمسجدُ

بيضاءُ طاهرةُ الثيابِ كريمةٌ

طابَت وطابَ وليدُها والمولدُ

في ليلةٍ غابت نحوسُ نجومها

وبدَت مع القمَر المنير الأسعَدُ

ما لُفَّ في خِرَقِ القوابلِ مثلُه

إلاّ ابنُ آمنةَ النبيُّ محمّدُ (2)

راجع: كتاب (الغدير) : 6 / 22 - 38.

1 / 5

الأسماء

لمّا وُلد الإمام (عليه السلام)، اختارت له أُمّه فاطمة بنت أسد اسم (حيدرة) (3) تيمّناً باسم أبيها (أسد)، ثمّ اتّفقت هي وأبوه - وبإلهام ربّاني - على تسميته (عليّاً) (4) .

وكانت له أسماء أُخرى أيضاً ستأتي في سياق النصوص التاريخيّة والروائيّة لهذا الفصل.

25 - علل الشرائع عن فاطمة بنت أسد: إنّي دخلت بيت الله الحرام، وأكلت من

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: 4 / 114.

(2) ديوان السيّد الحميري: 155 / 42، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 175.

(3) مقاتل الطالبيّين: 39، معاني الأخبار: 59 / 9، الفضائل لابن شاذان: 147، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 288 وج 3 / 276، بحار الأنوار: 35 / 67.

(4) حصل هذا التغيير في أوائل أيّام ولادته (عليه السلام) كما دلّ على ذلك النصوص التاريخيّة. وبهذا يكون ما نُقل عن عطاء - من أنّه (عليه السلام) لمّا عَلا كَتِفَي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكسّر الأصنام سُمّي عليّاً، من العلوّ والرفعة - فاقداً للوثائق التاريخيّة، واستحساناً ليس إلاّ.


ثمار الجنّة وأرزاقها، فلمّا أردتُ أنْ أخرج هتف بي هاتف: (يا فاطمة! سمّيه عليّاً، فهو عليّ، والله العليّ الأعلى يقول: إنّي شققت اسمه من اسمي، وأدّبته بأدبي، ووقفته على غامض عِلمي، وهو الذي يكسّر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذّن فوق ظهْر بيتي، ويقدّسني ويمجّدني، فطوبي لِمَن أحبّه وأطاعه، وويلٌ لمَن عصاه وأبغَضه) (1) .

26 - ينابيع المودّة عن العبّاس بن عبد المطّلب: لمّا ولدت فاطمة بنت أسد عليّاً سمّته باسم أبيها (2) أسد، ولم يرضَ أبو طالب بهذا، فقال: هلمّ حتى نعلو أبا قبيس ليلاً، وندعو خالق الخضراء، فلعلّه أنْ يُنبئنا في اسمه.

فلمّا أمسَيا، خرجا وصعدا أبا قُبيس ودعَيا الله تعالى، فأنشأ أبو طالب شعراً:

يا ربَّ الغَسق الدجِيِّ

والفلَق المبتلج المـُضيِّ

بيِّن لناعن أمرك المقضيِّ

بما نسمّي ذلك الصبيِّ

فإذا خشخشة من السماء، فرفع أبو طالب طرْفَه، فإذا لوحٌ مثل زُبُرجد أخضر فيه أربعة أسطر، فأخذه بكِلتا يديه وضمّه إلى صدره ضمّاً شديداً، فإذا مكتوب:

خُصِصتما بالولَد الزكيِّ

والطاهر المنتجب الرضيِّ

واسمه من قاهر العليِّ (3)

عليٌّ اشتُقّ من العليِّ

فسُرّ أبو طالب سروراً عظيماً، وخرّ ساجداً لله تبارك وتعالي، وعقّ بعشرة من الإبل.

____________________

(1) علل الشرائع: 136 / 3، معاني الأخبار: 62 / 10، الأمالي للصدوق: 195 / 206، بشارة المصطفى: 8، روضة الواعظين: 88، وراجع الأمالي للطوسي: 707 / 1511.

(2) في المصدر: (أبيه) ، وهو تصحيف.

(3) كذا في المصدر، ولعلّ الصحيح: (قاهرٍ عليِّ) ، و في بعض المصادر: (شامخٍ عليِّ)


وكان اللوح معلّقاً في بيت [الله] (1) الحرام يفتخر به بنو هاشم على قريش، حتى غاب زمان قتال الحجّاج ابنَ الزبير (2) .

27 - الإمام زين العابدين (عليه السلام): (كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذات يوم جالساً وعنده عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، فقال: والذي بعثني بالحقّ بشيراً، ما على وجه الأرض خلقٌ أحبّ إلى الله عزّ وجلّ ولا أكرم عليه منّا. إنّ الله تبارك وتعالى شقّ لي اسماً من أسمائه؛ فهو محمود وأنا محمّد، وشقّ لك يا عليّ اسماً من أسمائه؛ فهو العليّ الأعلى وأنت عليّ...) (3).

28 - الإمام عليّ (عليه السلام): (أنا اسمي في الإنجيل إليا، و في التوراة بريء، و في الزبور أريّ، وعند الهند كبكر، وعند الروم بطريسا، وعند الفرس جبتر، وعند الترك بثير، وعند الزنج حيتر، وعند الكهنة بويء، وعند الحبَشة بثريك، وعند أُمّي حيدرة، وعند ظِئري ميمون، وعند العرب عليّ، وعند الأرمَن فريق، وعند أبي ظهير) (4) .

29 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إذا كان يوم القيامة، ينادون عليّ بن أبي طالب بسبعة أسماء: يا صدّيق، يا دالّ، يا عابد، يا هادي، يا مهديّ، يا فتى، يا عليّ، اُدخل أنت وشيعتك الجنّة بغير حساب) (5) .

____________________

(1) ما بين المعقوفَين إضافة منّا يقتضيها السياق.

(2) ينابيع المودّة: 2 / 305 / 873، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 174 نحوه، بحار الأنوار: 35 / 19 / 102، وراجع كفاية الطالب: 406.

(3) معاني الأخبار: 55 / 3 عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن الإمام الصادق عن أبيه (عليهما السلام)، وراجع ص 56 / 5.

(4) معاني الأخبار: 59 / 9 عن جابر الجعفي عن الإمام الباقر (عليه السلام).

(5) إرشاد القلوب: 257، مِئة منقبة: 138 / 83، المناقب للخوارزمي: 319 / 323 كلاهما عن أنَس، وراجع مشارق أنوار اليقين: 68.


30 - شرح نهج البلاغة: كان اسمه الأوّل الذي سمّته به أُمّه: حَيْدَرة، باسم أبيها أسد بن هاشم - والحيدرة: الأسد - فغيّر أبوه اسمه، وسمّاه عليّاً.

وقيل: إنّ حيدرة اسمٌ كانت قريش تسمّيه به.

والقول الأوّل أصحّ؛ يدلّ عليه خبرُه يوم برَز إليه مَرْحَب، وارتجز عليه فقال:

أنا الذي سمّتني أُمّي مَرْحَبا

فأجابه (عليه السلام) رجزاً:

(أنا الذي سمّتني أُمّي حَيْدَرَة) (1)

1 / 6

الكنى

كانت لأمير المؤمنين (عليه السلام) كُنىً عديدة، أشهرها: أبو الحسن (2) ، وثمّة كُنى

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: 1 / 12. إنّ شِعر الإمام عليّ (عليه السلام) الذي ارتجزه في معركة خيبر لدى لقائه مرحب اليهوديّ والذي أوّله: (أنا الذي سمّتني أُمّي حيدرة) جاء في قِسم كبير من المصادر التاريخيّة والحديثيّة، منها:

صحيح مسلم: 3 / 1441 / 132، مسند ابن حنبل: 5 / 558 / 16538، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 607 / 1036 وص 644 / 1094، المستدرك على الصحيحين: 3 / 41 / 4343، الطبقات الكبرى: 2 / 112، مقاتل الطالبيّين: 40، الرياض النضرة: 3 / 149، الإرشاد: 1 / 127، وقعة صفّين: 390، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 129، روضة الواعظين: 146، الديوان المنسوب إلى الإمام عليّ (عليه السلام): 286 / 212.

راجع: القسم الثاني / الدَور المصيري في فتح خيبر.

(2) الطبقات الكبرى: 3 / 19، المعجم الكبير: 1 / 92، تاريخ بغداد: 1 / 133، المعارف لابن قتيبة: 203، تاريخ دمشق: 42/7 وص 10 - 14، مروج الذهب: 2 / 359، الاستيعاب: 3 / 197 / 1875، أُسد الغابة: 4 / 88 / 3789، الإصابة: 4 / 464 / 5704، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 621، صفة الصفوة: 1/130، البداية والنهاية: 7/223، تهذيب الأحكام: 6/19، الإرشاد: 1 / 5، تاج المواليد: 87، تاريخ مواليد الأئمّة (عليهم السلام): 169، المستجاد: 294، روضة الواعظين: 87، عمدة الطالب: 59.


أُخرى ذُكِرت له (عليه السلام)، منها: أبو الحسين، وأبو السبطين (1) ، وأبو الريحانتين (2) ، وأبو تراب، وإنْ كان التعريف الاصطلاحي للكُنية لا ينطبق على بعضها.

ويتراءى من الروايات أنّ كُنية (أبو تراب) كانت أحبّ الكُنى إليه (عليه السلام)، وأنّه كان يُسَرّ إذا نوديَ بها؛ لأمور منها: أنّه كان يجد فيها نوعاً من التواضع والتذلّل لله سبحانه. ومنها: أنّها كانت تُذَكّره بملاطفة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) معه في غزوة ذات العُشَيرة، حيث كان متوسّداً التراب بصُحبة عمّار بن ياسر وقد أصابه شيء منه؛ ولذا كان له (عليه السلام) انشداد وتعلّق خاصّ بتلك الكنية.

31 - الإمام عليّ (عليه السلام): (كان الحسن في حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يدعوني أبا الحسين، وكان الحسين يدعوني أبا الحسن، ويدعوان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أباهما. فلمّا توفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دعَواني بأبيهما) (3) .

32 - عنه (عليه السلام): (ما سمّاني الحسن والحسين يا أبة حتى توفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، كانا يقولان لرسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا أبة، وكان الحسن يقول لي: يا أبا الحسين، وكان الحسين يقول لي: يا أبا الحسن) (4) .

33 - الطبقات الكبرى - في ذِكر غزوة ذي العُشَيرة -: بذي العُشَيرة كَنّى

____________________

(1) الفصول المهمّة: 129، تاج المواليد: 88، إعلام الورى: 1 / 307.

(2) راجع: القسم التاسع / علىّ عن لسان النبيّ / الأُسرة / أبو ريحانتَيّ.

(3) مقاتل الطالبيّين: 39، شرح نهج البلاغة: 1 / 11، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 113 نحوه وكلاهما من دون إسناد إلى المعصوم.

(4) المناقب للخوارزمي: 40 / 8 عن عُمَر بن عليّ.


رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب أبا تراب؛ وذلك أنّه رآه نائماً متمرّغاً في البَوْغاء (1) فقال:

(اجلس، أبا تراب، فجلَس) (2) .

34 - مسند ابن حنبل عن عمّار بن ياسر: كنت أنا وعليّ رفيقَين في غزوة ذات العُشَيرة، فلمّا نزلها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأقام بها، رأينا ناساً من بني مُدلج يعملون في عينٍ لهم في نخل، فقال لي عليّ: (يا أبا اليقظان، هل لك أنْ نأتي هؤلاء فننظر كيف يعملون؟)، فجئناهم فنظرنا إلى عملهم ساعة، ثمّ غشِيَنا النوم، فانطلقت أنا وعليّ فاضطجعنا في صَوْر (3) من النخل في دَقْعاء (4) من التراب فنمْنا، فو الله ما أهبَّنا (5) إلاّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يحرّكنا برِجْله وقد تترّبنا من تلك الدقْعاء، فيومئذ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعليّ: (يا أبا تراب) ؛ لِما يرى عليه من التراب.

قال: (ألا أُحدّثكما بأشقى الناس رَجُلين؟) قلنا: بلى يا رسول الله ، قال: (أُحيمر ثمود الذي عقَر الناقة، والذي يضربك يا عليّ على هذه - يعني قرْنه - حتى تبلّ منه هذه - يعني لِحْيته -) (6) .

____________________

(1) البَوْغاء: التراب الناعم (النهاية: 1 / 162).

(2) الطبقات الكبرى: 2 / 10.

(3) الصَّوْر: النخل الصِّغار. وقيل: هو المجتمع (لسان العرب: 4 / 475).

(4) الدَّقْعاء: عامّة التراب، وقيل: التراب الدقيق علي وجه الأرض (لسان العرب: 8 / 89).

(5) أهَبَّهُ: نَبَّهَهُ (لسان العرب: 1 / 778).

(6) مسند ابن حنبل: 6 / 365 / 18349، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 687 / 1172، المستدرك على الصحيحين: 3 / 151 / 4679، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 280 / 152، السيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 249، تاريخ الطبري: 2 / 408، تاريخ دمشق: 42 / 549 / 9062، المناقب لابن المغازلي: 9 / 5، البداية والنهاية: 3 / 247، سلسلة الأحاديث الصحيحة: 4 / 324 / 1743، وراجع المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 111.


35 - المعجم الأوسط عن أبي الطفيل: جاء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وعليّ (عليه السلام) نائم في التراب، فقال: (إنّ أحقّ أسمائك أبو تراب، أنت أبو تراب!) (1).

36 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - أنّه كان يقول -: (إنّا كنّا نمدح عليّاً إذا قلنا له أبا تراب) (2) .

37 - صحيح مسلم عن أبي حازم عن سهل بن سعد: استُعمل على المدينة رجُل من آل مروان، قال: فدعا سهلَ بن سعد، فأمره أنْ يشتم عليّاً، قال: فأبى سهل، فقال له: أمّا إذ أبيتَ فقل: لعن الله أبا التراب، فقال سهل: ما كان لعليّ اسم أحبّ إليه من أبي التراب! وإنْ كان لَيفرح إذا دُعيَ بها (3) .

38 - صحيح البخاري عن أبي حازم: إنّ رجلاً جاء إلى سهل بن سعد فقال: هذا فلانٌ - لأمير المدينة - يدعو عليّاً عند المنبر. قال: فيقول ماذا؟ قال: يقول له: أبو تراب. فضحك؛ قال: والله ما سمّاه إلاّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)! وما كان - والله - له اسم أحبّ إليه منه!.

فاستطعمتُ الحديثَ سهلاً، وقلت: يا أبا عبّاس، كيف ذلك؟.

قال: دخل عليّ على فاطمة ثمّ خرج، فاضطجع في المسجد، فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (أين ابن عمّك؟) قالت: في المسجد، فخرج إليه، فوجد رداءه قد سقط عن ظهره، وخلُص الترابُ إلى ظهْره، فجعل يمسح التراب عن ظهْره فيقول: (اجلس يا

____________________

(1) المعجم الأوسط: 1 / 237 / 775، تاريخ دمشق: 42 / 18 / 8359.

(2) المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 112، بحار الأنوار: 35 / 61 / 12، مقاتل الطالبيّين: 40 عن سهل ابن سعد من دون إسناد إليه (صلّى الله عليه وآله).

(3) صحيح مسلم: 4 / 1874 / 38، السنن الكبرى: 2 / 625 / 4340، تاريخ دمشق: 42 / 17، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 622.


أبا تراب - مرّتين - (1) .

39 - علل الشرائع عن ابن عُمَر: بينا أنا مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في نخيل المدينة وهو يطلب عليّاً (عليه السلام)، إذا انتهى إلى حائط، فاطّلع فيه، فنظر إلى عليّ (عليه السلام) وهو يعمل في الأرض وقد اغبارَّ، فقال: (ما ألوم الناس إنْ يُكنّوك أبا تراب!) (2)

40 - تذكرة الخواصّ: أمّا كُنيته: فأبو الحسن والحسين، وأبو القاسم، وأبو تراب، وأبو محمّد (3) .

1 / 7

الألقاب

إنّ شخصيّة عليّ (عليه السلام) بحرٌ لا يُدرك غَوره، فهو ذو شخصيّة فذّة، ذات أبعاد عظيمة فريدة في التاريخ لا نظير لها. وكان للإمام (عليه السلام) ألقاب (4) وأوصاف كثيرة، يشير كلٌّ منها إلى بُعد من تلك الأبعاد العلميّة والعمليّة والثقافيّة والاجتماعيّة والمعنويّة والسياسيّة الرفيعة لشخصيّته (عليه السلام). ويعود جُلّها إلى عصْر النبي (صلّى الله عليه وآله)؛ إذ

____________________

(1) صحيح البخاري: 3 / 1358 / 3500، المعجم الكبير: 6 / 167 / 5879، تاريخ الطبري: 2 / 409، وراجع صحيح البخاري: 5 / 2291 / 5851 وص 2316 / 5924، والأدب المفرد: 253 / 852، والمعجم الكبير: 6 / 149 / 5808، والبداية والنهاية: 3 / 247.

وقد جاء في بعض المصادر - في أصل هذه الكُنية - أنّ خلافاً ظهر بين الإمام والزهراء (عليهما السلام)، فترك الإمام البيت ممتعضاً، ونام في المسجد مغتاظاً!

هكذا نُقل، ولكنّ عصمة هذين العظيمين، وقول الإمام فيها بعد استشهادها (عليها السلام): (ما أغضبَتني قطّ)؛ يدلّ دلالة قاطعة على أنّ هذا القسم من النصّ موضوع منحول، أقحَمه فيه أعداؤهما ومناوئوهما.

(2) علل الشرائع: 157 / 4، المعجم الكبير: 12 / 321 / 13549.

(3) تذكرة الخواصّ: 5.

(4) اللقب: ما أشعر بمدح كـ (الصادق)، أو ذمّ كـ (الجاحظ).


كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يناديه بها.

ومن هذه الألقاب: (أعلم الأمّة)، (أقضى الأمّة)، (أوّل مَن أسلم)، (أوّل مَن صلّى)، (خير البشر)، (أمير المؤمنين)، (إمام المتّقين)، (سيّد المسلمين)، (يعسوب المؤمنين)، (عمود الدين)، (سيّد الشهداء)، (سيّد العرب)، (راية الهدى)، (باب الهدى)، (المرتضى)، (الوليّ)، (الوصيّ) (1) .

وما برح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يذكر الإمام (عليه السلام) بهذه الألقاب. وكان في الحقيقة يمهّد بها لقيادته وزعامته، والتعريف بمنزلته العظيمة وموقعه المتميّز في القيادة، مع تبيين أبعاد شخصيّته (عليه السلام)؛ وذلك مِن منطلق اهتمامه بمستقبل الأمّة الإسلاميّة ومهمّة الإمام العظمى في المستقبل المنظور.

وإذا لاحظنا ألقاب الإمام (عليه السلام) نجد أنّ أشهرها لقَبان هما:

1 - أمير المؤمنين

وهو خاصّ به (عليه السلام)، لا يشاركه به أحد، كما ليس لامرئٍ أنْ يُخَاطَب به البتّةَ. وتدلّ النصوص الروائيّة المتنوّعة - التي سيأتي قسمٌ منها لاحقاً - على أنّنا لا يحقّ لنا أنْ نُطلقه حتى على الأئمّة (عليهم السلام) (2) .

2 - الوصيّ

وكان مشهوراً به في عصر النبوّة نفسه، وعرَفه به القاصي والداني والصديق والعدوّ، وسنذكر النصوص التاريخيّة والروائيّة الدالّة على هذه الحقيقة. ونكتفي الآن بالإشارة إلى أحدها: وهي أنّه خرج في معركة الجَمَل شابٌّ من (بني ضَبَّة) من أصحاب الجَمل، وارتجز يقول:

____________________

(1) اُنظر الأبواب المرتبطة بهذه العناوين.

(2) راجع: القسم الثالث / أحاديث الإمارة / اختصاص هذا الاسم بعليّ.


نحن بني ضَبّة أعداءُ عليّ

ذاك الذي يُعرف قِدْماً بالوصيّ (1)

41 - تاريخ دمشق عن أنس بن مالك: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (اسكب إليّ ماءً - أو وضوءاً) - فتوضّأ، ثمّ قام فصلّى ركعتين، ثمّ قال: (يا أنَس، أوّل مَن يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين، وقائد الغُرّ المحجّلين (2) ، سيّد المؤمنين، عليّ) (3) .

42 - الكافي عن عليّ بن أبي حمزة: سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر، فقال: جُعلت فداك! كم عُرِج برسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ فقال: (مرّتين، فأوقفه جبرئيل موقفاً، فقال له: مكانك يا محمّد! فلقد وقفت موقفاً ما وقَفَه ملَكٌ قطّ ولا نبيّ....

فقال الله تبارك وتعالى: يا محمّد! قال: لبّيك ربّي.

قال: مَن لأمّتك من بَعدِك؟ قال: الله أعلم!

قال: عليّ بن أبي طالب، أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وقائد الغرّ المحجّلين) (4) .

43 - الإمام عليّ (عليه السلام): (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا عليّ، إنّ الله عزّ وجلّ قد غفر لك ولأهلك ولشيعتك ولمحبّي شيعتك، فأبشر! فإنّك الأنزع البطين: المنزوع من الشِرك، البطين من العِلم) (5) .

____________________

(1) راجع: القسم الثالث / أحاديث الوصاية / وصاية الإمام في أدب صدر الإسلام.

(2) في الحديث: (أُمّتي الغرّ المحجّلون) أي بيض مواضع الوضوء من الأيدي والوجه والأقدام (لسان العرب: 11 / 144).

(3) تاريخ دمشق: 42 / 303 / 8837.

(4) الكافي: 1 / 442 / 13.

(5) المناقب لابن المغازلي: 401 / 455، المناقب للخوارزمي: 294 / 284 كلاهما عن أحمد بن عامر عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام)، الأمالي للطوسي: 293 / 570 عن عيسي بن أحمد عن الإمام الهادي عن آبائه عن الإمام الصادق (عليهم السلام).


44 - معاني الأخبار عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر (عليه السلام): قلت له: جُعلت فداك! لِمَ سُمّي أمير المؤمنين (عليه السلام) أميرَ المؤمنين؟ قال: (لأنّه يَمِيرهم (1) العِلم؛ أ ما سمعت كتاب الله عزّ وجلّ: ( وَنَمِيرُ أَهْلَنَا ) (2) ؟!) (3)

45 - الفصول المهمّة: أمّا لقَبه: فالمرتضى، وحيدر، وأمير المؤمنين، والأنزع البطين (4) .

46 - تاج العروس: والوصيّ كغنيّ: لقَب عليّ (رضي الله عنه) (5) (6).

1 / 8

الشمائل

لم تحمل إلينا النصوص التاريخيّة والحديثيّة شيئاً عن ملامح الإمام (عليه السلام) إبّان ولادته وفي صغره، ومن هنا فإنّ ما يأتي في هذا المجال يرتبط بملامحه وهندامه أيّام خلافته (عليه السلام)؛ وفي ضوء ذلك يتسنّى لنا أنْ نصفه (عليه السلام) فنقول:

كان (عليه السلام) رَبْعة من الرجال، إلى القِصَر أقرب وإلى السمْن، من أحسن الناس وجهاً، وكأنّ وجهه القمر ليلة البدْر حُسناً، كثير التبسُّم، آدَم اللون يميل إلى السُمرة، أدْعَج (7) العينين عظيمهما، في عينيه لِين، أصلع، كأنّ عنُقه إبريق فضّة،

____________________

(1) المِيرَة: هي الطعام ونحوه، يقال: مارَهم يَميرُهم: إذا أعطاهم المِيرَة (النهاية: 4 / 379).

(2) يوسف: 65.

(3) معاني الأخبار: 63 / 13.

(4) الفصول المهمّة: 129.

(5) هذا الكلام يدلّ على أنّ استعمال لفظ (الوصيّ) في عليّ (عليه السلام) كان كثيراً ومعروفاً.

(6) تاج العروس: 20 / 297، لسان العرب: 15 / 394 وفيه (قيل لعليّ (عليه السلام): وصيّ).

(7) الدَّعَج والدُّعْجة: السواد في العين وغيرها (النهاية: 2 / 119).


كَثّ اللحية، لا يغيّر شيبَه، عريض ما بين المنكبين، شَثْن الكفّين (1) ، شديد الساعد واليد، عريض الصدر، ذا بطن، ضخم الكَرادِيس (2) ، ضخم عضلة الذراع والساق دقيقَ مُستدَقّها، إذا مشى تكفّأ (3) ، وإذا مشى إلى الحرب هروَل.

47 - الطبقات الكبرى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام)، قلت: ما كانت صفة عليّ (عليه السلام)؟

قال: (رجل آدمُ شديد الأُدمة، ثقيل العينين عظيمهما، ذو بطن، أصلع، إلى القِصَر أقرب) (4) .

48 - الغارات عن قدامة بن عتّاب: كان عليّ (عليه السلام) ضخم البطن، ضخم مُشاشة (5) المنكب، ضخم عضلة الذراع دقيقَ مستدقّها، ضخم عضلة الساق دقيقَ مستدقّها (6).

49 - المناقب لابن شهر آشوب عن المغيرة: كان عليّ (عليه السلام) على هيئة الأسد؛

____________________

(1) شَثْن الكفّين: أي أنّهما يميلان إلى الغِلَظ والقِصَر (النهاية: 2 / 444).

(2) الكَرادِيس: رؤوس العظام وقيل: هي ملتقى كلّ عظمين ضخمين، كالركبتين والمرفقين والمنكبين، أي أنّه ضخم الأعضاء (النهاية: 4 / 162).

(3) تَكَفَّأَ جسدُه: تمايَلَ إلى قدّام (النهاية: 4 / 183).

(4) الطبقات الكبرى: 3 / 27، تاريخ بغداد: 1 / 134 و135، أنساب الأشراف: 2 / 366، تاريخ الطبري: 5 / 153، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 624 نحوه، تاريخ دمشق: 42 / 24 و25 عن الخوارزمي، المناقب لابن المغازلي: 12 / 13 عن قتادة، المعارف لابن قتيبة: 210 عن الواقدي والثلاثة الأخيرة نحوه من دون إسناد إلى المعصوم، شرح الأخبار: 2 / 427 / 771، وراجع أُسد الغابة: 4 / 115 / 379 والبداية والنهاية: 7 / 223.

(5) المُشاشة: ما أشرَفَ من عظْم المنكِب (لسان العرب: 6 / 347).

(6) الغارات: 1 / 93، الطبقات الكبرى: 3 / 26، مقتل أمير المؤمنين: 67 / 56، أنساب الأشراف: 2 / 365، تاريخ دمشق: 42 / 23، أُسد الغابة: 4 / 115 / 3789.


غليظاً منه ما استغلظ، دقيقاً منه ما استدقّ (1) .

50 - الكامل في التاريخ: كان عليّ (عليه السلام) فوق الرَبعة، وكان ضخم عضلة الذراع دقيقَ مستدقّها، ضخم عضلة الساق دقيقَ مستدقّها، وكان من أحسن الناس وجهاً، ولا يغيّر شيبَه، كثير التبسّم (2) .

51 - مقاتل الطالبيّين: كان (عليه السلام) أسمر، مربوعاً، وهو إلى القِصر أقرب، عظيم البطن، دقيق الأصابع، غليظ الذراعين، حَمْش الساقين (3) ، في عينيه لِين، عظيم اللحية، أصلع، ناتئ الجبهة (4) .

52 - فضائل الصحابة عن أبي إسحاق: قال أبي: يا بنيّ، تريد أنْ أُريك أمير المؤمنين - يعني عليّاً؟ قلت: نعم، فرفعني على يديه فإذا أنا برجلٍ أبيض الرأس واللحية، أصلَع، عظيم البطن، عريض ما بين المنكِبَين (5) .

53 - مقاتل الطالبيّين عن داود بن عبد الجبّار عن أبي إسحاق: أدخلَني أبي المسجد يوم الجمعة، فرفَعني فرأيت عليّاً يخطب على المنبر: شيخاً، أصلع، ناتئ الجبهة، عريض ما بين المنكبين، له لحية قد ملأت صدره، في عينه اطْرِغْشاش - قال داود: يعني لِيناً في العين - فقلت لأبي: مَن هذا يا أبة؟

____________________

(1) المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 307، شرح الأخبار: 2 / 428 / 774.

(2) الكامل في التاريخ: 2 / 440.

(3) حَمْش الساقين: دقيقهما (لسان العرب: 6 / 288).

(4) مقاتل الطالبيّين: 42 وقال بعد ذلك: وصفته هذه وردت بها الروايات متفرّقة فجمعتُها.

(5) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 555 / 934، الطبقات الكبرى: 3 / 25، شُعَب الإيمان: 5 / 216 / 6415، المعجم الكبير: 1 / 93 / 153، الاستيعاب: 3 / 210 / 1875، أنساب الأشراف: 2 / 361، تاريخ دمشق: 42 / 21 وفي بعضها إلى (اللحية) وص 20، مقتل أمير المؤمنين: 68 / 57 كلاهما عن الشعبي، الغارات: 1 / 99 كلّها نحوه.


فقال: هذا عليّ بن أبي طالب ابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأخو رسول الله، ووصيّ رسول الله، وأمير المؤمنين (1) .

54 - الطبقات الكبرى عن رزام بن سعد الضبّي: سمعت أبي ينعَت عليّاً، قال: كان رجلاً فوق الربعة، ضخم المنكبين، طويل اللحية وإنْ شئت قلت - إذا نظرت إليه -: هو آدَم، وإنْ تبيّنته من قريب قلت: أنْ يكون أسمر أدنى من أنْ يكون آدم (2) .

55 - وقعة صفّين: كان عليّ رجلاً دَحداحاً (3) ، أدعَج العينين، كأنّ وجهه القمر ليلة البدر حُسناً، ضخم البطن، عريض المَسرُبة (4) ، شثن الكفّين، ضخم الكسور، كأنّ عنُقه إبريق فضّة، أصلع ليس في رأسه شعر إلاّ خِفاف من خلْفه، لمنكِبَيه مُشاش كمُشاش السبُع الضاري، إذا مشى تكفّأ به ومارَ (5) به جسده، له سنام كسنام الثور، لا تبِين عضُدَه من ساعِدِه، قد أدمجت إدماجاً، لم يمسك بذراع رجل قطّ إلاّ أمسك بنَفَسِه فلم يستطع أنْ يتنفّس. وهو إلى السُمرة، أذلَف (6) الأنف، إذا مشى إلى الحرب هروَل، وقد أيّده الله بالعزّ والنصر (7) .

____________________

(1) مقاتل الطالبيّين: 42.

(2) الطبقات الكبرى: 3 / 26، أنساب الأشراف: 2 / 366، تاريخ دمشق: 42 / 23، أُسد الغابة: 4 / 115 / 3789.

(3) الدَحْداح: القصير السمين (النهاية: 2 / 103).

(4) المَسرُبة: الشعرات التي تنبت في وسط الصدر إلى أسفل السُّرّة (المحيط في اللغة: 8 / 312).

(5) مارَ الشيءُ: تحرّك وجاء وذهب كما تتكفّأ النخلة العَيْدانةُ (لسان العرب: 5 / 186).

(6) الذَّلَف: قِصرُ الأنف وانبطاحُه (النهاية: 2 / 165).

(7) وقعة صفّين: 233، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 307 عن جابر وابن الحنفيّة، كشف الغمّة: 1 / 77، الاستيعاب: 3 / 218 / 1875، ذخائر العقبى: 109 كلّها نحوه، وراجع الرياض النضرة: 3 / 107 و108.


56 - المناقب للخوارزمي عن محمّد بن حبيب البغدادي صاحب المحبّر - في بيان صفاته (عليه السلام) -: آدم اللون، حسن الوجه، ضخم الكراديس (1) .

57 - تاريخ دمشق عن مُدرك: رأيت عليّاً له وَفْرة (2) ، وكان من أحسن الناس وجهاً (3) .

58 - نثر الدُرّ: انصرف [عليّ (عليه السلام) ] من صِفّين وكأنّه رأسه ولِحيته قطنة، فقيل له: يا أمير المؤمنين، لو غيّرت، فقال: إنّ الخضاب زينة، ونحن قوم محزونون (4)(5) .

59 - المناقب لابن شهر آشوب عن ابن إسحاق وابن شهاب: أنّه كتَب حُلية أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ثبيت الخادم على عمره (6) ، فأخذها عمرو بن العاص، فزمّ بأنفه (7) فقطّعها، وكتب: إنّ أبا تراب كان شديد الأدمة، عظيم البطن، حمش الساقين، ونحو ذلك؛ فلذلك وقع الخلاف في حليته (8) .

____________________

(1) المناقب للخوارزمي: 45، كشف الغمّة: 1 / 75.

(2) الوَفْرة: شَعر الرأس إذا وَصَل إلى شحمة الأذن (لسان العرب: 5 / 289).

(3) تاريخ دمشق: 42 / 25، أُسد الغابة: 4 / 116 / 3789، مقتل أمير المؤمنين: 71 / 61 وفيهما (يخطب) بدل (له وفرة).

(4) أقول: يمكن أنْ يقال: إنّ حزنه من التحكيم وما جرى قبله، وقال الشريف الرضي: يريد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (نهج البلاغة: ذيل الحكمة 473).

(5) نثر الدُرّ: 1 / 307، وراجع نهج البلاغة: الحكمة 473، والرياض النضرة: 3 / 108.

(6) كذا في المصدر.

(7) زَمَّ بأنفه: إذا شَمَخَ وتكبّر (النهاية: 2 / 314).

(8) المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 306.


الفصل الثاني

  النشأة

رافق عليٌّ (عليه السلام) رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منذ السنين الأُولى من عُمره، فقد عسرت الحياة على أبي طالب بُرهة، وضاقت به الأمور، فاقترح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على إخوة أبي طالب أنْ يأخذوا منه بعض أولاده إلى بيوتهم؛ لتخفيف عبء العيش عن كاهله.

وشاءت إرادة الله تعالى أنْ يكون عليّ (عليه السلام) في بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فتولّى تربيته منذ نعومة أظفاره.

وكان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يحبّ هذا الطفل الصغير، يضمّه إلى صدره، ويُمِسّه عَرْفَه، ويُلقمه الطعام، ويرعى حياته لحظة لحظة، وينفحه بالأنوار الإلهيّة المشعّة.

وهكذا تربّى الإمام (عليه السلام) في حِجر النبوّة، وارتوى من منهل فضائلها الرائق، وأمضى أيّامه ملازماً لها ملازمة الظِلّ لصاحبه.

وحين سطعت القبسات الأُولى للوحي صدّق بالرسالة المحمّديّة موقناً؛ إذ


كانت روحه قد تواشجت هي وروح صاحبها. من هنا كان أوّل من صدّقه (صلّى الله عليه وآله).

ونجد في الخطبة البليغة الرفيعة (القاصعة) أجمل تصوير لهذه الملازمة، ولدَور رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في تربيته وإعداده (عليه السلام)، وحبِّه إيّاه، واستنارةِ الإمام (عليه السلام) بهذه الملازمة. وهو ما تقرؤونه في سياق النصوص التي يشتمل عليها هذه الفصل.

60 - كشف اليقين عن يزيد بن قعنب:ولَدَت [فاطمة بنت أسد] عليّاً ولرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثلاثون سنة، فأحبّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حبّاً شديداً، وقال لها: (اجعلي مهْدَه بقُرب فراشي).

وكان (صلّى الله عليه وآله) يلي أكثر تربيته، وكان يطهّر عليّاً في وقت غَسله، ويُوجِره (1) اللبن عند شُربه، ويحرّك مهْده عند نومه، ويناغيه في يقظته، ويجعله على صدره (2) .

61 - شرح نهج البلاغة عن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين (عليهما السلام): سمعت زيداً - أبي - يقول: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يمضغ اللحمة والتمرة حتى تلين، ويجعلهما في فَم عليّ (عليه السلام) وهو صغير في حِجْره (3) .

62 - أنساب الأشراف: قالوا: كان أبو طالب قد أقلّ وأقتَر، فأخذ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً؛ ليخفّف عنه مؤنته، فنشأ عنده (4) .

63 - مجالس ثعلب عن ابن سلاّم: لمّا أمعَرَ (5) أبو طالب قالت بنو هاشم: دعنا فليأخذ كلُّ رجُلٍ منّا رجُلاً مِن وُلدك، قال: اصنعوا ما أحببتم إذا خلّيتم لي عقيلاً.

____________________

(1) وَجَرْته الدواءَ: جعلته في فِيه (لسان العرب: 5 / 279).

(2) كشف اليقين: 32 / 12.

(3) شرح نهج البلاغة: 13 / 200، بحار الأنوار: 38 / 323.

(4) أنساب الأشراف: 2 / 346.

(5) أمْعَرَ: افتقر (النهاية: 4 / 342).


فأخذ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عليّاً، فكان أوّل من أسلَم ممّن تلتفّ عليه خِبْطاته (1) (2) .

64 - مقاتل الطالبيّين عن زيد بن عليّ: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أخذ عليّاً من أبيه وهو صغير في سَنَة (3) أصابت قريشاً وقحْط نالَهم، وأخذ حمزة جعفراً، وأخذ العبّاس طالباً؛ ليكفّوا أباهم مؤنتهم، ويخفّفوا عنه ثِقْلهم، وأخذ هو عقيلاً لمَيلِه إليه. فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (اخترت مَن اختار الله لي عليكم؛ عليّاً) (4) .

65 - المستدرك على الصحيحين عن مجاهد بن جبر أبي الحجّاج: كان من نِعَم الله على عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ما صنع الله له وأراده به من الخير؛ أنّ قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب في عيال كثير، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعمّه العبّاس - وكان من أيسر بني هاشم: (يا أبا الفضل، إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه نخفّف عنه من عياله، آخُذ من بَنيه رجلاً، وتأخذ أنت رجلاً، فنكفلهما عنه)، فقال العبّاس: نعم.

فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا: إنّا نريد أنْ نخفّف عنك من عيالك حتى تنكشف عن الناس ما هُم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما.

فأخذ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً فضمّه إليه، وأخذ العبّاس جعفراً فضمّه إليه. فلم يزل عليّ مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى بعثه الله نبيّاً، فاتّبعه وصدّقه، وأخذ العبّاس جعفراً،

____________________

(1) الخِبطَة: القطعة من البيوت والناس (لسان العرب: 7 / 284).

(2) مجالس ثعلب: 1 / 29.

(3) السَنَة: الجَدْب، يقال: أخذتْهم السَنة: إذا أجدَبوا وأُقحطوا (النهاية: 2 / 413).

(4) مقاتل الطالبيّين: 41، شرح نهج البلاغة: 1 / 15 نحوه.


ولم يزَلْ جعفر مع العبّاس حتى أسلم واستغنى عنه (1) .

66 - الإمام عليّ (عليه السلام) - في خطبته المسمّاة بالقاصعة -: (أنا وضَعتُ في الصِغر بكَلاكِل (2) العرب، وكسرت نَواجِم (3) قرون ربيعة ومُضَر، وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة؛ وضعني في حِجره وأنا ولَد، يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويُمِسّني جسدَه، ويُشِمّني عَرْفَه (4) ، وكان يمضغ الشيء ثمّ يُلقِمنِيه، وما وجَد لي كِذبةً في قول، ولا خَطْلة (5) في فعل.

ولقد قرَن الله به (صلّى الله عليه وآله) من لدُن أنْ كان فطيماً أعظم ملَك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالَم، ليلَه ونهاره. ولقد كنت اتّبِعه اتّباع الفَصِيل (6) أثر أُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علَماً، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحِراء، فأراه ولا يراه غيري. ولم يجمع بيتٌ واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة) (7) .

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 3 / 666 / 6463، السيرة النبويّة لابن هشام: 1 / 262، تاريخ الطبري: 2 / 313، الكامل في التاريخ: 1 / 484، تاريخ الإسلام للذهبي: 1 / 136، دلائل النبوّة للبيهقي: 2 / 162، المناقب للخوارزمي: 51 / 14، البداية والنهاية: 3 / 25 والأربعة الأخيرة نحوه، علل الشرائع: 169 / 1، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 179، إعلام الورى: 1 / 105 كلاهما نحوه، روضة الواعظين: 98.

(2) الكَلْكَل: الصدر من كلّ شيء (لسان العرب: 11 / 596).

(3) نَجَم النبتُ: إذا طَلَع، وكلّ ما طَلَع وظَهَر فقد نجم (النهاية: 5 / 24).

(4) العَرْف: الريح... وأكثر استعماله في الطَّيِّبة (تاج العروس: 12 / 375).

(5) خَطِلَ في منطقه ورأيه خَطَلاً: أخطأ (المصباح المنير: 174).

(6) الفَصيل: ولَد الناقة إذا فُصِل عن أمّه (لسان العرب: 11 / 522).

(7) نهج البلاغة: الخطبة 192.


67 - السيرة النبويّة عن ابن إسحاق: كان ممّا أنعم الله به على عليّ بن أبي طالب أنّه كان في حِجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل الإسلام (1) .

68 - شرح نهج البلاغة عن الفضل بن عبّاس: سألت أبي عن وُلد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذكور، أيّهم كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) له أشدَّ حبّاً؟ فقال: عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فقلت له: سألتك عن بَنيه! فقال: إنّه كان أحبّ إليه من بَنيه جميعاً وأرأف، ما رأيناه زايَله يوماً من الدهر منذ كان طفلاً، إلاّ أنْ يكون في سفر لخديجة، وما رأينا أباً أبرّ بابنٍ منه لعليّ، ولا ابناً أطوع لأبٍ من عليّ له....

وروى جُبير بن مُطعِم قال: قال أبي مُطعِم بن عدِىّ لنا ونحن صبيان بمكّة: ألا ترون حُبّ هذا الغلام - يعني عليّاً - لمحمّد واتّباعه له دون أبيه؟! واللات والعُزّى! لوددتُ أنّ ابني بفتيان بني نوفل جميعاً! (2).

راجع: القسم التاسع / عليّ عن لسان النبيّ / المكانة السياسيّة والاجتماعيّة / خيرة الله.

____________________

(1) السيرة النبويّة لابن هشام: 1 / 262، تاريخ الطبري: 2 / 312، تاريخ الإسلام للذهبي: 1 / 136، أُسد الغابة: 4 / 89 / 3789 وفيه (رُبّي في حِجْر)، دلائل النبوّة للبيهقي: 2 / 161، المناقب للخوارزمي: 51 / 13، البداية والنهاية: 3 / 24، روضة الواعظين: 98.

(2) شرح نهج البلاغة: 13 / 201، بحار الأنوار: 38 / 324.



الفصل الثالث

  الزواج

3 / 1

تزويجه فاطمة بنت رسول الله

هاجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى المدينة بعد ثلاث عشرة سنة مليئة بالعناء والمشقّة والمصائب المريرة من أجل تبليغ الرسالة، وأرسى دعائم الحكومة الإسلاميّة هناك.

وكان عليّ (عليه السلام) معه (صلّى الله عليه وآله) منذ الأيّام الأولى للرسالة. وكان في السنة الأُولى من الهجرة ابن أربع وعشرين سنة، فلابدّ له من الزواج وبدء الحياة المشتركة.

وكانت الزهراء (عليها السلام) قد بلغَت يومئذ التاسعة من عمرها (1). وهي بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولها منزلتها الرفيعة الزاخرة بالفضائل الإنسانيّة، والخصائص الملكوتيّة السامية. وقد أثنى عليها أبوها مراراً، وسمّاها بضْعته.

____________________

(1) الكافي : 8 / 340 / 536، مختصر بصائر الدرجات: 130، ولمزيد الاطّلاع على ولادتها في السنة الخامسة بعد البعثة راجع: الكافي: 1/457 و10/458، وإعلام الورى: 1/290، وكشف الغمّة: 2/75.


وكان موقع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في زعامة الأمّة من جهة، وشخصيّة الزهراء (عليها السلام) من جهة أخرى، عامِلَين مشجّعين لكثير من الصحابة - بخاصّة من كان يفكّر منهم بمستقبله عِبر هذه الأواصر - على التقدّم لخطوبة الزهراء (عليها السلام). بَيد أنّ أباها كان يرفض رفْضاً قاطعاً، ويصرّح أحياناً بأنّه ينتظر فيها قضاء الله (1) .

واقترح على الإمام عليّ (عليه السلام) عددٌ من الصحابة الموالين له أنْ يتقدّم لخطوبتها (عليها السلام). وكان قلب الإمام طافحاً بالإيمان، وصدره مفعماً بحبّ الله، لكنّه خالي الوفاض من الدراهم والدنانير.

فتوجّه تلقاء البيت النبويّ، ومنعَته الهيبة النبويّة من الكلام، وكان ينظر مرّةً إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نظرة مليئة بالحياء، وأخرى إلى الأرض. فأنطَقه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من خلال بعض التمهيدات، ولمّا تكلّم قال له: (أمعك شيء؟) والجواب واضح!.

أمّا فاطمة، فهل لها كُفء غير عليّ؟!.

وتحقّق الأمر الإلهي، كما أشار إليه النبيّ الأعظم (2) ، وبدأ هذان العظيمان حياتهما المشتركة في السنة الأُولى من الهجرة (3) بمَهرٍ قليل (4) ، ومراسم

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 8 / 19، أنساب الأشراف: 2 / 30.

(2) المعجم الكبير: 10/156/10305، تاريخ دمشق: 42/125/8494، ذخائر العقبى: 70، الكافي : 1/460/8 وج 5/568/54، من لا يحضره الفقيه: 3/393/4382، عيون أخبار الرضا: 1/225/3، مكارم الأخلاق: 1 / 445 / 1528، الأمالي للطوسي: 40 / 44 و45، تاريخ اليعقوبي: 2/41.

(3) الطبقات الكبرى: 8 / 22، تاريخ اليعقوبي: 2 / 41، و في تاريخ زواجه أقوال أُخَر، راجع الكافي : 8 / 340 / 536، والأمالي للطوسي: 43 / 47، وكشف الغمّة: 1 / 364.

يبدو أنّ زواج الإمام عليّ (عليه السلام) من السيّدة فاطمة (عليها السلام) تخلّله فاصل زمني بين العقد والزفاف؛ فالعقد وقع بُعيد الوصول إلى المدينة المنوّرة، وأمّا الزفاف فقد جاء في أعقاب معركة بدر. وبهذا يمكن حلّ التعارض الحاصل بين الروايات الواردة في هذا المضمار.

(4) مسند ابن حنبل: 1 / 174 / 603، السنن الكبرى: 7 / 383 / 14350 - 14352، مسند أبي يعلى: 1 / 246 / 466، الطبقات الكبرى: 8 / 20 و21، تهذيب الكمال: 35 / 249 / 7899، تاريخ دمشق: 42 / 127 / 8498، الكافي : 5 / 379 / 5، من لا يحضره الفقيه: 3 / 401 / 4402، مسند زيد: 303، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 351، روضة الواعظين: 162.


بسيطة (1) ، وجهاز أكثر بساطة (2) . وهكذا وُلد أعظم بيت في التاريخ، وبدأت أبهى حياة مشتركة.

وتكوّن في جوار بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بيت صغير هو أكبر من التاريخ كلّه، وكان مغبط أهل السماوات والأرض حقّاً!.

وكان منهل الفضائل والمكارم، والعشق، والإيمان، والإيثار، والجهاد، وبساطة العيش، بل كان يناطح السماء علوّاً ورِفعة.

أمّا سيّده - راهب الليل المتهجِّد في جوفه - فقد كان ليث الوغى، لا تكاد تبرأ جراحه بعدُ حتى يخوض حرباً أُخرى. وكان (عليه السلام) أشجع المقاتلين، وأعظمهم منازلة للأقران.

وأمّا صاحبته فقد كانت السيّدة الرزينة الصبور، حملَت عِبء الحياة، ورضيَت بأقلّ الإمكانات. وكانت تضمّد جراح بعْلها وأبيها (3) ، حتى عبّر عنها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تعبيراً لطيفاً، فقال: (فاطمة أُمّ أبيها) (4) .

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 8 / 23، الأمالي للطوسي: 42 / 45.

(2) سنن النسائي: 6 / 135، مسند ابن حنبل: 1 / 183 / 643، المستدرك على الصحيحين: 2 / 202 / 2755، الطبقات الكبرى: 8 / 23، ذخائر العقبى: 75 و76، الأمالي للطوسي: 40 / 45.

(3) الإرشاد: 1 / 89، إعلام الورى: 1 / 378، المغازي: 1 / 249.

(4) وربّما كُنّيت (أُمّ أبيها) لهذا الاعتبار، راجع تهذيب الكمال: 35 / 247 / 7899، ومقاتل الطالبيّين: 57، والاستيعاب: 4 / 452 / 3491، والمناقب لابن شهر آشوب: 3 / 357.


وكانت الثمرة الأُولى لهذا الزواج الإلهي هو الإمام الحسن (عليه السلام)، الذي وُلد في السنة الثالثة من الهجرة (1) ، والثانية هو الإمام الحسين (عليه السلام) الذي ولد في السنة الرابعة منها (2) ، ثمّ وُلدت بعدهما زينب وأُمّ كلثوم، وآخِرهم هو المُحسن الذي أُجهض شهيداً (3) .

69 - سُنن النسائي عن بريدة: خطب أبو بكر وعمَر فاطمة، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنّها صغيرة. فخطبها عليّ، فزوّجها منه (4) .

70 - الطبقات الكبرى عن علباء بن أحمر اليشكري: إنّ أبا بكر خطب فاطمة إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فقال: (يا أبا بكر، انتظر بها القضاء). فذكر ذلك أبو بكر لعُمَر، فقال له عمَر: ردّك يا أبا بكر.

ثمّ إنّ أبا بكر قال لعُمَر: اخطب فاطمة إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فخطبها، فقال له مثل ما قال لأبى بكر: انتظر بها القضاء (5) .

____________________

(1) تاريخ الطبري: 2 / 537، سيَر أعلام النبلاء: 3 / 246 / 47، تاريخ الإسلام للذهبي: 4 / 33، تاريخ دمشق: 13 / 167 و168 و173، تهذيب التهذيب: 1 / 560 / 1490 وفيه (في السنة الرابعة).

(2) مروج الذهب: 2 / 295، تاريخ دمشق: 14 / 115 وص 121، الاستيعاب: 1 / 442 / 574، الإرشاد: 2 / 27.

(3) معاني الأخبار: 206، الاحتجاج: 1 / 212 / 38، الاختصاص: 185، إثبات الوصيّة: 155، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 358.

(4) سنن النسائي: 6 / 62، المستدرك على الصحيحين: 2 / 181 / 2705، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 614 / 1051، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 228 / 123.

(5) الطبقات الكبرى: 8 / 19، أنساب الأشراف: 2 / 30 نحوه.


71 - الطبقات الكبرى عن عطاء: خطَب عليّ فاطمة، فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إنّ عليّاً يذكرك!) فسكتت، فزوّجها (1) .

72 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إنّ الله أمَرني أنْ أُزوّج فاطمة من عليّ) (2) .

73 - عنه (صلّى الله عليه وآله): (إنّما أنا بشَر مثلُكم أتزوّج فيكم وأُزوّجكم، إلاّ فاطمة فإنّ تزويجها نزل من السماء) (3) .

74 - عنه (صلّى الله عليه وآله) - لفاطمة (عليها السلام) -: (والله، ما ألَوْت (4) أنْ أُزوّجك خير أهلي) (5) .

75 - عنه (صلّى الله عليه وآله): ( يا فاطمة، أما إنّي ما ألَيْت أنْ أنكحتُكِ خير أهلي) (6) .

76 - عنه (صلّى الله عليه وآله) - لفاطمة (عليها السلام) -: (فما ألَوتكِ في نفسي وقد أصبت لكِ خير أهلي) (7) .

77 - الإمام الصادق (عليه السلام): (لولا أنّ الله تبارك وتعالى خلَق أمير المؤمنين (عليه السلام)

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 8 / 20، ذخائر العقبى: 69، كشف الغمّة: 1 / 365.

(2) المعجم الكبير: 10 / 156 / 10305 عن عبد الله بن مسعود، ذخائر العقبى: 70 عن أنس، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 350 عن الإمام الرضا (عليه السلام) عنه (صلّى الله عليه وآله) وعن عبد الله بن مسعود وعن أنَس بن مالك.

(3) الكافي: 5 / 568 / 54 عن أبان بن تغلب عن الإمام الباقر (عليه السلام)، من لا يحضره الفقيه: 3 / 393 / 4382، مكارم الأخلاق: 1 / 445 / 1528.

(4) ألا الرجلُ وألَّى: إذا قصَّر وترك الجُهد (لسان العرب: 14 / 41).

(5) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 233 / 125 عن ابن عبّاس، الطبقات الكبرى: 8 / 24 عن أُمّ أيمن، وراجع كنز العمّال: 11 / 605 / 32926، والكافي: 5 / 378 / 6.

(6) الطبقات الكبرى: 8 / 24 عن عكرمة، كنز العمّال: 11 / 606 / 32930.

(7) المعجم الكبير: 22 / 412 / 1022، كنز العمّال: 11 / 606 / 32928، كفاية الطالب: 306، كشف الغمّة: 1 / 371 وفيهما (ولقد أصبت بكِ القدر وزوّجتك خير أهلي) بدل (أصبت لك خير أهلي)، شرح الأخبار: 2 / 358 / 713 نحوه وكلّها عن ابن عبّاس.


لفاطمة؛ ما كان لها كفوٌ على ظهْر الأرض من آدم ومَن دونه) (1) .

78 - الإمام عليّ (عليه السلام): (قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا عليّ، لقد عاتبَتني رجالٌ من قريش في أمر فاطمة (عليها السلام) وقالوا: خطبناها إليك فمنعتَنا، وتزوّجَت عليّاً، فقلت لهم: والله ما أنا منعتكم وزوّجته، بل الله تعالى منعَكم وزوّجه، فهبط علَيَّ جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمّد، إنّ الله جلّ جلاله يقول: لو لم أخلُقْ عليّاً لَما كان لفاطمة ابنتك كفؤ على وجه الأرض، آدم فمَن دونه) (2) .

79 - عنه (عليه السلام): (لمّا أدركت فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مدرَك النساء، خطبَها أكابر قريش من أهل الفضل والسابقة في الإسلام والشرف والمال، وكان كلّما ذكَرها رجلٌ من قريش لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) أعرض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عنه بوجهه، حتى كان الرجل منهم يظنّ في نفسه أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ساخط عليه، أو قد نزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيه وحي من السماء) (3) .

80 - السُنن الكبرى عن مجاهد عن الإمام عليّ (عليه السلام): (لقد خُطبَت فاطمة بنت النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فقالت لي مولاة: هل علِمتَ أنّ فاطمة تُخطَب؟ قلت: لا - أو نعم - قالت: فاخطبْها إليه، قال: قلت: وهل عندي شيء أخطبها عليه! قال: فو الله ما زالت ترجّيني حتى دخلتُ عليه - وكنّا نجلّه ونعظّمه - فلمّا جلستُ بين يديه

____________________

(1) الكافي: 1 / 461 / 10 عن يونس بن ظبيان، تهذيب الأحكام: 7 / 470 / 1882 عن المفضّل، من لا يحضره الفقيه: 3 / 393 / 4383 وفيه (خلَق فاطمة لعليّ) بدل (خلَق أمير المؤمنين (عليه السلام) لفاطمة)، الأمالي للطوسي: 43 / 46 وفيه (على الأرض) بدل (على ظهر الأرض...)، بشارة المصطفى: 267 وفيه (من الأرض) بدل (على ظهر الأرض...) وكلاهما عن يونس بن ظبيان.

(2) عيون أخبار الرضا: 1 / 225 / 3 عن الحسين بن خالد عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام).

(3) المناقب للخوارزمي: 343 / 364، كشف الغمّة: 1 / 353.


أُلجمتُ حتى ما استطعت الكلام، قال: هل لك من حاجة؟ فسكتُّ، فقالها ثلاث مرّات، قال: لعلّك جئت تخطب فاطمة! قلت: نعم يا رسول الله، قال: هل عندك من شيء تستحلّها به؟ قال: قلت: لا والله يا رسول الله، قال: فما فعلتَ بالدرع التي كنتُ سلّحتُكها؟ قال عليّ: والله إنّها لدرعٌ حُطَمِيّة (1) ما ثمنها إلاّ أربعمِئة درهم! قال: اذهب فقد زوّجتكها، وابعث بها إليها فاستحلّها به) (2) .

81 - الأمالي للطوسي عن الضحّاك بن مزاحم: سمعت عليّ بن أبى طالب (عليه السلام) يقول: (أتاني أبو بكر وعمَر فقالا: لو أتيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فذكرت له فاطمة. قال: فأتيته، فلمّا رآني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ضحك، ثمّ قال: ما جاء بك يا أبا الحسن؟ وما حاجتك؟ قال: فذكرت له قرابتي وقِدَمي في الإسلام ونُصرتي له وجهادي، فقال: يا عليّ، صدقت فأنت أفضل ممّا تذكر.

فقلت: يا رسول الله، فاطمة تزوّجنيها؟ فقال: يا عليّ، إنّه قد ذكَرها قبلك رجالٌ فذكرتُ ذلك لها، فرأيت الكراهة في وجهها، ولكن على رِسلِك حتى أخرج إليك. فدخل عليها فقامت إليه، فأخذت رداءه ونزعت نعلَيه، وأتته بالوضوء، فوضّأته بيدها وغسلت رِجْليه، ثمّ قعدت، فقال لها: يا فاطمة، فقالت: لبّيك! حاجتك يا رسول الله؟ قال: إنّ عليّ بن أبي طالب مَن قد عرفت قرابته وفضْله وإسلامه، وإنّي قد سألت ربّي أنْ يزوّجك خير خلْقه وأحبّهم إليه،

____________________

(1) دِرعٌ حُطَميّة: هي منسوبة إلي بطن من عبد القيس يقال لهم: حُطَمة بن محارب، كانوا يعملون الدروع (النهاية: 1 / 402).

(2) السنن الكبرى: 7 / 383 / 14351، المناقب للخوارزمي: 335 / 356، الأخبار الموفّقيّات: 375 / 230 نحوه، البداية والنهاية: 3 / 346، كشف الغمّة: 1 / 364، وراجع مسند ابن حنبل: 1 / 174 / 603، والطبقات الكبرى: 8 / 20.


وقد ذكَر من أمرك شيئاً، فما تَرَين؟ فسكَتَت ولم تولِّ وجهها، ولم يرَ فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كراهة، فقام وهو يقول: الله أكبر! سكوتها إقرارها.

فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمّد، زوِّجها عليّ بن أبي طالب؛ فإنّ الله قد رضيَها له ورضيَه لها) (1) .

82 - الكافي عن سعيد بن المسيّب: قلت لعليّ بن الحسين (عليهما السلام): فمتى زوّج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاطمة من عليّ (عليهما السلام)؟ فقال: (بالمدينة بعد الهجرة بسنة، وكان لها يومئذٍ تسع سنين) (2) .

83 - تاريخ اليعقوبي - في ذِكر زواج فاطمة (عليها السلام) -: زوّجها رسول الله من عليّ بعد قدومه بشهرَين، وقد كان جماعة من المهاجرين خطبوها إلى رسول الله، فلمّا زوّجها عليّاً قالوا في ذلك، فقال رسول الله: (ما أنا زوّجته ولكنّ الله زوّجه) (3) .

84 - الأمالي للطوسي: روي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل بفاطمة (عليها السلام) بعد وفاة أُختها رقيّة زوجة عثمان بستّة عشر يوماً، وذلك بعد رجوعه من بدْر، وذلك لأيّام خلَت من شوّال.

وروي أنّه دخل بها يوم الثلاثاء لستٍّ خلَون من ذي الحجّة. والله تعالى أعلم (4) .

85 - المعجم الأوسط عن جابر بن عبد الله: حضرنا عُرس عليّ بن أبي طالب

____________________

(1) الأمالي للطوسي: 39 / 44، بشارة المصطفى: 261.

(2) الكافي: 8 / 340 / 536، مختصر بصائر الدرجات: 130، وراجع كشف الغمّة: 1 / 364.

(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 41.

(4) الأمالي للطوسي: 43 / 47، بشارة المصطفى: 267.


وفاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فما رأينا عُرساً كان أحسن منه حَيساً (1) ، وهيّأ لنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) زيتاً وتمراً فأكلنا. وكان فراشهما ليلة عرسهما إهاب (2) كبش (3) .

86 - الطبقات الكبرى عن أسماء بنت عُميس - لأُمّ جعفر -: جُهِّزت جدّتك فاطمة إلى جدّك عليّ، وما كان حشْو فراشهما ووسائدهما إلاّ الليف. ولقد أَولم عليّ على فاطمة، فما كانت وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته، رهن دِرْعه عند يهودي بشطْر (4) شعير (5) .

87 - سنن ابن ماجة عن عائشة وأُمّ سلمة: أمرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ نجهّز فاطمة حتى ندخلها على عليّ. فعمدنا إلى البيت ففرشناه تراباً ليِّناً من أعراض (6) البطحاء، ثمّ حشونا مِرفقتين ليفاً فنفشناه بأيدينا، ثمّ أطعمنا تمراً وزبيباً، وسقينا ماءً عذباً، وعمَدنا إلى عودٍ فعرضناه في جانب البيت ليُلقى عليه الثوب ويعلَّق عليه السقاء. فما رأينا عرساً أحسن من عُرس فاطمة (7) (8) .

____________________

(1) الحَيس: التمر البَرْني والأقِط يُدَقّان ويُعجنان بالسَمْن عجناً شديداً حتى يَنْدُر النوى منه نواةً نواة، ثمّ يُسوَّى كالثريد (لسان العرب: 6 / 61).

(2) الإهاب: الجِلد (النهاية: 1 / 83).

(3) المعجم الأوسط: 6 / 290 / 6441، مجمع الزوائد: 9 / 336 / 15215 نحوه، وراجع ذخائر العقبى: 74.

(4) الشَطْرُ: النصفُ، ومنه (أنّه رَهَن درعه بشطر من شعير) قيل: أراد نِصف مَكُّوك، وقيل: أراد نصفَ وَسَق (النهاية: 2 / 473).

(5) الطبقات الكبرى: 8 / 23، ذخائر العقبى: 74 وفيه من (و لقد أَولم..).

(6) الأعراض: جمع عُرْض، وهو الناحية (النهاية: 3 / 210).

(7) سنن ابن ماجة: 1 / 616 / 1911.

(8) بمراجعة تراجم رواة هذه الأحاديث، أعني: أسماء بنت عميس، وأُمّ سلمة، وسلمان الفارسي، نجد أنّ أسماء كانت في السنة الأولى والثانية للهجرة في الحبشة، وأنّ أُمّ سلمة لم تكن زوجاً للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) تلك الفترة، وأنّ سلمان لم يأتِ للمدينة بعدُ، فمن هنا لابدّ من التأمّل والتشكيك في حضورهم زواج الزهراء (عليها السلام).


88 - الإمام عليّ (عليه السلام): (لمّا أردت أنْ أجمع فاطمة أعطاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مِصْراً(1) مِن ذهب، فقال: ابتع بهذا طعاماً لوليمتك).

قال: (فخرجت إلى محافل الأنصار، فجئت إلى محمّد بن مسلمة في جَرِين(2) له قد فُرِّغ من طعامه، فقلت له: بِعني بهذا المِصر طعاماً، فأعطاني، حتى إذا جعلتُ طعامي قال: من أنت؟ قلت: عليّ بن أبي طالب. فقال: ابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ فقلت: نعم. قال: وما تصنع بهذا الطعام؟ قلت: أعرُس. فقال: وبمَن؟ فقلت: بابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

قال: فهذا الطعام وهذا المِصر الذهب فخُذه فهُما لك. فأخذته ورجعت، فجمعت أهلي إليّ).

وكان بيت فاطمة لحارثة بن النعمان، فسألَت فاطمة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنْ يحوّله، فقال لها: لقد استحييت من حارثة ممّا يتحوّل لنا عن بيوته. فلمّا سمِع بذلك حارثة انتقل منه، وأسكنه فاطمة (3) .

89 - المصنّف عن ابن عبّاس: دعا [النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ] بلالاً فقال: (يا بلال، إنّي قد زوّجت ابنتي ابنَ عمّي، وأنا أُحبّ أنْ يكون من سنّة أُمّتي إطعام الطعام عند النكاح، فائتِ الغنم، فخُذ شاة وأربعة أمداد أو خمسة، فاجعل لي قصعة لعلّي

____________________

(1) المِصْر: الوعاء (لسان العرب: 5 / 177).

(2) الجَرِين: موضع تجفيف التمر، وهو له كالبَيدَر للحِنطة (النهاية: 1 / 263).

(3) الأخبار الموفّقيّات: 375 / 231 عن عبد الله بن أبى بكر.


أجمع عليها المهاجرين والأنصار، فإذا فرغت منها فآذنّي بها).

فانطلق، ففعل ما أمره، ثمّ أتاه بقصعة، فوضعها بين يديه، فطعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في رأسها، ثمّ قال: (أدخِل عليَّ الناس زُفّةً زُفّة (1) ، ولا تغادرنّ زفّة إلى غيرها) - يعني إذا فرغت زفّة لم تعد ثانية - فجعل الناس يرِدون؛ كلّما فرغت زفّة وردت أُخرى حتى فرغ الناس.

ثمّ عمد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى ما فَضُل منها، فتفَلَ فيها وبارك، وقال: (يا بلال، احملها إلى أُمّهاتك وقل لهنّ: كُلْن وأطعِمْن مَن غَشِيكنّ) (2) .

90 - مَن لا يحضره الفقيه عن جابر بن عبد الله الأنصاري - في ذِكر زواج فاطمة (عليها السلام) -: لمّا كانت ليلة الزفاف أُتيَ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ببغْلته الشهباء وثُني عليها قطيفة، وقال لفاطمة (عليها السلام): اركبي، وأمر سلمان أنْ يقودها، والنبيّ (صلّى الله عليه وآله) يسوقها.

فبينا هو في بعض الطريق إذ سمِع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وَجْبَة (3) ، فإذا هو بجبرئيل (عليه السلام) في سبعين ألفاً وميكائيل في سبعين ألفاً، فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (ما أهبطكم إلى الأرض؟!) قالوا: جئنا نزفّ فاطمة (عليها السلام) إلى زوجها. وكبّر جبرئيل (عليه السلام)، وكبّر ميكائيل (عليه السلام)، وكبّرت الملائكة، وكبّر محمّد (صلّى الله عليه وآله). فوُضع التكبير على العرائس من تلك الليلة (4) .

____________________

(1) زُفّةً زُفّة: أي طائفة بعد طائفة، وزمرة بعد زمرة (النهاية: 2 / 305).

(2) المصنّف لعبد الرزّاق: 5 / 487 / 9782، المعجم الكبير: 22 / 411 / 1022 وج 24 / 362133، المناقب للخوارزمي: 338 / 359.

(3) الوَجْبَة: صوت السقوط (النهاية: 5 / 154).

(4) من لا يحضره الفقيه: 3 / 401 / 4402، الأمالي للطوسي: 258 / 464، مكارم الأخلاق: 1 / 452 / 1547، كشف الغمّة: 1 / 369 نحوه، تاريخ دمشق: 42 / 127 / 8498، وراجع روضة الواعظين: 163.


91 - الإمام عليّ (عليه السلام) - في ذِكر زواجه من فاطمة (عليها السلام) -: (... ثمّ صاح بي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا عليّ، فقلت: لبّيك يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله)! قال: اُدخل بيتك والطف بزوجتك وارفق بها؛ فإنّ فاطمة بضعة منّي، يؤلمني ما يؤلمها ويسرّني ما يسرّها، أستودعكما الله وأستخلفه عليكما) (1) .

راجع: القسم التاسع / عليٌّ عن لسان النبيّ / المكانة السياسيّة والاجتماعيّة / وخيرة الله.

. الأسرة / أعزّ عليّ من فاطمة /

3 / 2

زوجاته بعد فاطمة بنت رسول الله

عاش الإمام (عليه السلام) تسع سنين مع فاطمة (عليها السلام)، ولم يتزوّج في حياتها غيرها. وبعد وفاتها (عليها السلام) تزوّج عدداً من النساء، وفيما يأتي أسماؤهنّ (2) :

1 - أُمامة بنت أبي العاص.

2 - أسماء بنت عُمَيس.

3 - فاطمة أُمّ البنين.

4 - أُمّ سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي.

5 - خولة بنت جعفر بن قيس.

____________________

(1) المناقب للخوارزمي: 353 / 364، كشف الغمّة: 1 / 363.

(2) لمزيد الاطّلاع على أسماء أزواج الإمام (عليه السلام) راجع: الطبقات الكبرى: 3 / 19، أنساب الأشراف: 2 / 411 - 417، مروج الذهب: 2 / 73، المعارف لابن قتيبة: 210 و211، تاريخ الطبري: 5 / 153 - 155، الكامل في التاريخ: 2 / 440 و441، صفة الصفوة: 1 / 130 و131، البداية والنهاية: 3327، الإرشاد: 1 / 354، تاريخ اليعقوبي: 2 / 213، العمدة: 30، تاج المواليد: 94 و 95، تاريخ مواليد الأئمّة (عليهم السلام): 170 و171.


6 - الصَهْباء بنت ربيعة.

7 - ليلى بنت مسعود.

8 - محيّاة بنت امرئ القيس (1) .

وكان له غيرهنّ سبع عشرة سُرِّيّة (2) بعضهنّ أُمّهات ولَد.

وكانت أزواجه عند استشهاده: أُمامة، وأُمّ البنين، وأسماء بنت عُميس، وليلى بنت مسعود (3) .

92 - الإمام الباقر (عليه السلام): (كان لعليّ سبع عشرة سرّيّة) (4) .

93 - المناقب لابن شهر آشوب: توفّيَ عن أربعة: أُمامة - وأُمّها زينب بنت

____________________

(1) عبد الجبّار بن منظور عن عوف بن خارجة قال: إنّي والله لَعِند عُمَر في خلافته إذ أقبل رجُل أمعَر يتخطّى رقاب الناس، حتى قام بين يدَي عُمَر، فحيّاه بتحيّة الخلافة، فقال: مَن أنت؟ قال: امرؤ نصراني، وأنا امرؤ القيس بن عدِيّ الكلبي، فلم يعرفه عُمَر. فقال له رجل: هذا صاحب بكر بن وائل الذي أغار عليهم في الجاهليّة، قال: فما تريد؟ قال: أُريد الإسلام، فعرَضه عليه فقَبِله، ثمّ دعا له برُمح فعقَد له على من أسلم من قضاعة، فأدبر الشيخ واللواء يهتزّ على رأسه. قال عوف: ما رأيت رجُلاً لم يصلِّ صلاةً أُمِّر على جماعة من المسلمين قبْله. قال: ونهض عليّ وابناه حتى أدركه، فقال له: (أنا عليّ بن أبي طالب ابن عمّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وهذان ابناي من ابنته، وقد رغِبْنا في صهرك فأنكِحنا). قال: قد أنكحتك يا علىّ المحيّاة ابنة امرئ القيس، وأنكحتك يا حسن سلمى بنت امرئ القيس، وأنكحتك يا حسين الرباب بنت امرئ القيس (الإصابة: 1 / 355 / 487).

(2) السُرِّيَّة: الأمَة التي بَوَّأتَها بيتاً (تاج العروس: 6 / 514).

(3) تاريخ مواليد الأئمّة (عليهم السلام): 172، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 305.

(4) تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 652 عن الإمام الصادق (عليه السلام)، البداية والنهاية: 7 / 333 من دون إسناد إلى المعصوم، دعائم الإسلام: 2 / 192 / 696 عن الإمام الصادق (عليه السلام) وفيهما (ترك عليّ أربع نسوة وتسع عشرة سرّيّة).


النبيّ - وأسماء بنت عُميس، وليلى التميميّة، وأُمّ البنين الكلابيّة (1) .

ونتحدّث فيما يأتي بإيجاز عن ثلاث من أشهرهنّ:

أ: أُمامة بنت أبي العاص:

هي بنت زينب بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وكانت زينب قد تزوّجت أبا العاص قبل الإسلام. وأبو العاص هو ابن أُخت خديجة (عليها السلام).

أنجبت زينب ولَدَين هما: عليّ الذي مات صغيراً، وأُمامة التي كان يحبّها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ويلاطفها. وتزوّجها الإمام (عليه السلام) بوصيّة الزهراء (عليها السلام) إذ أوصته أنْ يتزوّجها، وقالت: إنّها تكون لولَديَّ مثْلي (2) .

ونقلت بعض الروايات أنّ الإمام (عليه السلام) أولَدها محمّداً الذي كان يسمّى محمّد بن عليّ الأوسط (3) .

94 - أُسد الغابة: تزوّجها عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بعد موت فاطمة (عليها السلام)، وكانت فاطمة وصّت عليّاً أنْ يتزوّجها. فلمّا توفّيت فاطمة تزوّجها، زوّجها منه الزبير ابن العوّام؛ لأنّ أباها قد أوصاه بها.

فلمّا جُرح عليّ خاف أنْ يتزوّجها معاوية، فأمر المغيرة بن نوفل بن الحارث ابن عبد المطّلب أنْ يتزوّجها بعده. فلمّا توفّي عليّ وقضت العدّة تزوّجها المغيرة، فولدت له يحيى، وبه كان يكنّى، فهلكَت عند المغيرة (4) .

____________________

(1) المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 305.

(2) روضة الواعظين: 168، كتاب سليم بن قيس: 2 / 870 / 48، وراجع علل الشرائع: 188 / 2.

(3) الطبقات الكبرى: 3 / 20، تاريخ الطبري: 5 / 154.

(4) أُسد الغابة: 7 / 20 / 6724، الإصابة: 8 / 25 / 10828، الاستيعاب: 4 / 351 / 3270 كلاهما نحوه.


ب: أسماء بنت عُميس الخثعميّة:

وهي من النساء العظيمات في التاريخ الإسلامي، وكانت من أُولَيات النساء اللائي آمَنَّ بالنبي (صلّى الله عليه وآله).

تزوّجت أسماءُ جعفرَ بن أبي طالب، وهاجرت معه إلى الحبشة، وأنجبت منه ثلاثة أولاد، هم: عبد الله، وعَون، ومحمّد (1).

ولمّا استُشهِد جعفر تزوّجها أبو بكر، فأولَدها محمّداً البطل الثابت على ولاء عليّ (عليه السلام) (2) .

وكانت رفيقة الزهراء (عليها السلام) وصاحبتها (3) . وهي التي اقترحت عليها أنْ يوضع جثمانها الطاهر في التابوت، وأعانت الإمام (عليه السلام) على غُسلها (عليها السلام) (4) .

وبعد وفاة أبي بكر تزوّجها الإمام (عليه السلام) (5) ، فأولدها يحيى (6) . وظلّت مع الإمام (عليه السلام)

____________________

(1) المعجم الكبير: 24 / 131 / 358، الطبقات الكبرى: 8 / 280، تهذيب الكمال: 35/127/7784، مروج الذهب: 3 / 73، سيَر أعلام النبلاء: 2 / 283 / 51، أُسد الغابة: 7 / 13 / 6713، الاستيعاب: 4 / 348 / 3264، الإصابة: 8 / 15 / 10809.

(2) الطبقات الكبرى: 8 / 282، تهذيب الكمال: 35 / 127 / 7784، تاريخ الطبري: 3 / 426، مروج الذهب: 3/73، أُسد الغابة: 7/13/6713، الاستيعاب: 4/348/3264، الإصابة: 8/15/10809.

(3) الأمالي للمفيد: 281 / 7، الأمالي للطوسي: 109 / 166.

(4) أنساب الأشراف: 2 / 34،المستدرك على الصحيحين: 3 / 179 / 4769، دلائل الإمامة: 136، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 364.

(5) الطبقات الكبرى: 8 / 285، تهذيب الكمال: 35 / 127 / 7784، تاريخ الطبري: 5 / 154، الكامل في التاريخ: 2 / 440، حلية الأولياء: 2 / 75 / 158، سير أعلام النبلاء: 2 / 283 / 51، أُسد الغابة: 7 / 13 / 6713، الاستيعاب: 4 / 348 / 3264، الإصابة: 8 / 15 / 10809.

(6) تهذيب الكمال: 35 / 127 / 7784، المعارف لابن قتيبة: 210، مروج الذهب: 3 / 73، أُسد الغابة: 7 / 13 / 6713، الاستيعاب: 4 / 348 / 3264، الطبقات الكبرى: 8 / 285، تاريخ الطبري: 5 / 154، سير أعلام النبلاء: 2 / 286 / 51، الإصابة: 8 / 15 / 10809، المحبّر: 108 وفى الخمسة الأخيرة (يحيى وعون)، الكامل في التاريخ: 2 / 440 وفيه (محمّد الأصغر ويحيى)، الإرشاد: 1 / 354، تاريخ اليعقوبي: 2 / 213 وفيه (عثمان ويحيى).


حتى استشهاده (1) .

وهي من رُواة الحديث، وممّن روَت حديث ردّ الشمس (2) .

95 - تهذيب الكمال - في ترجمة أسماء بنت عميس -: كانت أوّلاً تحت جعفر ابن أبي طالب، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، ثمّ قُتل عنها يوم مؤتة، فتزوّجها أبو بكر الصدّيق، فمات عنها، ثمّ تزوّجها عليّ بن أبي طالب.

وولدَت لجعفر: عبد الله بن جعفر، وعون بن جعفر، ومحمّد بن جعفر. وولدت لأبي بكر: محمّد بن أبي بكر في حجّة الوداع. وولدَت لعليّ يحيى بن عليّ. فهم إخوة لأُمّ (3) .

96 - صحيح البخاري عن أبي موسى: دخلت أسماء بنت عُميس - وهي ممّن قدِم معنا - على حفْصة زوج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عُمَر على حفصة وأسماء عندها، فقال عُمَر حين رأى أسماء: مَن هذه؟ قالت: أسماء بنت عُميس. قال عُمَر: الحبشيّة هذه؟ البحريّة هذه؟ قالت أسماء: نعم. قال: سبقناكم بالهجرة؛ فنحن أحقّ برسول الله (صلّى الله عليه وآله) منكم!

____________________

(1) تاريخ مواليد الأئمّة (عليهم السلام): 172، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 305.

(2) راجع: القسم الثالث عشر / ردّ الشمس له / ردّ الشمس في عهد النبيّ.

(3) تهذيب الكمال: 35 / 127 / 7784، أُسد الغابة: 7 / 13 / 6713، الاستيعاب: 4 / 348 / 3264 كلاهما نحوه.


فغضبت وقالت: كلاّ والله! كنتم مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يطعم جائعكم ويعِظ جاهلكم، وكنّا في دار - أو في أرض - البُعَداء البُغَضاء بالحبَشة؛ وذلك في الله وفي رسوله (صلّى الله عليه وآله)، وأيم الله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلتَ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ونحن كنّا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه!.

فلمّا جاء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قالت: يا نبيّ الله، إنّ عُمَر قال كذا وكذا.

قال: (فما قلتِ له؟)

قالت: قلت له كذا وكذا.

قال: (ليس بأحقّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم - أهل السفينة - هجرتان) (1) .

ج: أُمّ البنين بنت حِزام:

وكانت من الشخصيّات المتألّقة في التاريخ الإسلامي. وتنتسب إلى أُسرة لا نظير لها في الشجاعة والشهامة والقتال. ولمّا عزم الإمام (عليه السلام) على الزواج بعد رحيل الزهراء (عليها السلام) دعا عقيلاً، وطلب منه أنْ يختار له امرأة من قبيلة معروفة بالشجاعة؛ لِتَلِد له فرساناً صناديد. ولمّا كان عقيل عالماً بارعاً في الأنساب فقد اختار أُمّ البنين، وذكر أنّ آباءها من أشجع العرب وأثبتهم وأشدّهم قتالاً (2) .

____________________

(1) صحيح البخاري: 4 / 1546 / 3990، صحيح مسلم: 4 / 1946 / 2503، وراجع الطبقات الكبرى: 8 / 281، وسيَر أعلام النبلاء: 2 / 283 / 51.

(2) عمدة الطالب: 357.


وكانت أُمّ البنين شاعرة مُفوّهة، جليلة. أرسلت أولادها الأربعة إلى كربلاء في ركْب الإمام الحسين (عليه السلام).

وكانت تمضي وقتها في البقيع؛ تنشد الشِعر في رثاء أولادها باكية عليهم (1) ، والناس يجتمعون ويتألّمون ويبكون، ويطّلعون على قبائح بني أُميّة وممارساتهم الدنيئة. وهكذا استطاعت أنْ تبلّغهم نداء أولادها وهدَفهم.

____________________

(1) مقاتل الطالبيّين: 90.


الفصل الرابع

الأولاد

لم تتّفق كلمة المؤرّخين على عدد موحّد فيما يخصّ عدد أولاده (عليه السلام)، فقد ذكر الشيخ المفيد أنّ عددهم سبعة وعشرون ولداً ذَكَراً وأُنثى (1) ، فيما ذكر ابن سعد أنّهم يبلغون أربعةً وثلاثين ولداً (2) ، وذكر المزّي أنّ عددهم تسعة وثلاثون ولداً (3) .

ويمكن عزْو الاختلاف الموجود في الكتب التاريخيّة حول عدد أولاد الإمام، إلى تداخل الأسماء مع الكُنى وتكرار البعض منها. وقد تبيّن لنا بعد الفحص والتمحيص أنّ عددهم كان يبلغ أربعةً وثلاثين ولداً، وهم كلّ من:

1 - الإمام الحسن (عليه السلام).

2 - الإمام الحسين (عليه السلام).

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 354.

(2) الطبقات الكبرى: 3 / 20.

(3) تهذيب الكمال: 20 / 479 / 4089.


3 - زينب.

4 - أُمّ كلثوم.

5 - المحسّن (1)(2) .

أُمّهم فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله). ومُحسّن ولدَها الآخِر الذي سُقط وقُتل في هجوم الغوغاء على بيت الوحي (3) .

6 - العبّاس.

7 - عبد الله.

8 - عثمان.

9 - جعفر.

أُمّهم أُمّ البنين بنت حِزام. وكلّهم قُتلوا مع الحسين (عليه السلام) بكربلاء.

10 - محمّد ابن الحنفيّة: أُمّه خولة بنت جعفر بن قيس.

11 - أبو بكر: أُمّه ليلى، ولعلّها ابنة مسعود الدارميّة. قُتل مع الحسين (عليه السلام) بكربلاء (4) .

____________________

(1) ضبط هذا الاسم في أكثر المصادر بالتشديد، وصرّح ابن حجر في الإصابة: (المحسّن - بتشديد السين المهملة)، ولكن جاء في تهذيب الكمال وأنساب الأشراف وتاريخ الطبري بدون التشديد.

(2) تهذيب الكمال: 20 / 479، أنساب الأشراف: 2 / 411، تاريخ الطبري: 5 / 153، الكامل في التاريخ: 2 / 440، أُسد الغابة: 5 / 70 / 4695، الإصابة: 6 / 191 / 8308، الإرشاد: 1 / 355، تاريخ اليعقوبي: 2 / 213.

(3) تلخيص الشافي: 3 / 156، معاني الأخبار: 206، دلائل الإمامة: 134 / 43، الاختصاص: 185، الاحتجاج: 1 / 212 / 38، إثبات الوصيّة: 155، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 358، البدء والتاريخ: 5 / 20، وراجع كتاب (مأساة الزهراء): 2 / 111 - 147.

(4) الطبقات الكبرى: 3 / 19، تاريخ الطبري: 5 / 154 وص 468، الكامل في التاريخ: 2 / 58440، مقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 28 وفيه اسمه عبد الله، مقاتل الطالبيّين: 91، الإرشاد: 1 / 354، تاج المواليد: 95، العمدة: 30 وفى الثلاثة الأخيرة اسمه محمّد الأصغر.


12 - عبيد الله: أُمّه ليلى. قُتل مع الحسين (عليه السلام) بكربلاء (1) .

13 - محمّد الأصغر: أُمّه أُمّ ولد. قُتل مع الحسين (عليه السلام) بكربلاء (2) .

14 - يحيى: أُمّه أسماء بنت عميس. مات في حياة الإمام (عليه السلام) (3) .

15 - عون: أُمّه أسماء بنت عميس (4) .

16 - محمّد الأوسط: أُمّه أُمامة (5) .

17 - عُمَر: أُمّه الصهباء التغلبيّة؛ أُمّ حبيب (6) .

18 - رقيّة: أُمّها الصهباء التغلبيّة؛ أُمّ حبيب. وهي زوجة مسلم بن عقيل (7) ، وله

____________________

(1) تاريخ الطبري: 5 / 154، الكامل في التاريخ: 2 / 440، الإرشاد: 1 / 354، تاج المواليد: 95، العمدة: 30.

اعتبرته بعض المصادر من أفراد جيش مصعب بن الزبير، وقد قتُل في حرْبه ضدّ المختار (الطبقات الكبرى: 5 / 118 وج 3/19، أنساب الأشراف: 2 / 412، تاريخ الطبري: 5 / 154، الكامل في التاريخ: 2 / 440).

(2) الطبقات الكبرى: 3 / 20، أنساب الأشراف: 2 / 413 وفيه (أُمّه ورقاء أُمّ ولد)، مقاتل الطالبيّين: 90.

(3) إعلام الورى: 1 / 396، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 305، تهذيب الكمال: 20 / 479، نسب قريش: 44.

(4) الطبقات الكبرى: 3 / 20، أنساب الأشراف: 2 / 413، تاريخ الطبري: 5 / 154.

(5) الطبقات الكبرى: 3 / 20، أنساب الأشراف: 2 / 414، تاريخ الطبري: 5 / 154.

(6) على الرغم من دعوة الإمام الحسين (عليه السلام) إيّاه، إلاّ أنّه لم يشهد واقعة كربلاء، وعاش دهراً طويلاً، وبايع عبد الله بن الزبير والحجّاج.(سرّ السلسلة العلويّة: 96 و97، عمدة الطالب: 362).

(7) أنساب الأشراف: 2 / 413، المعارف لابن قتيبة: 204، نسب قريش: 45، المحبّر: 56، إعلام الورى: 1 / 397.


منها ثلاثة أولاد (1) ، استُشهد منهم عبد الله في كربلاء (2) .

19 - أُمّ الحسن: أُمّها أُمّ سعيد (3) . كانت زوجة جَعدة بن هُبيرة - ابن أُخت الإمام (عليه السلام) - ثمّ تزوّجها جعفر بن عقيل. واستُشهد جعفر في واقعة الطفّ (4) . وكانت أُمّ الحسن في سبايا كربلاء (5) .

20 - أُمّ هانئ: تزوّجها عبد الله الأكبر بن عقيل (6) الذي قُتل مع الحسين (عليه السلام) بكربلاء (7) مع ابنه محمّد (8) .

21 - فاطمة: تزوّجها محمّد بن أبي سعيد بن عقيل (9) الذي قُتل مع الحسين (عليه السلام) بكربلاء (10) .

____________________

(1) نسب قريش: 45، إعلام الورى: 1 / 397.

(2) تاريخ الطبري: 5 / 469، الكامل في التاريخ: 2 / 582، مقاتل الطالبيّين: 98، الفتوح: 5 / 110، مقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 26، الإرشاد: 2 / 107، المناقب لابن شهر آشوب: 4 / 105، إعلام الورى: 1 / 397، شرح الأخبار: 3 / 195.

(3) الطبقات الكبرى: 3 / 20، تاريخ الطبري: 5 / 154، مروج الذهب: 3 / 73، المعارف لابن قتيبة: 211، أنساب الأشراف: 2 / 414، نسب قريش: 45 وفيهما (أُمّ الحسين) بدل (أُمّ الحسن)، الإرشاد: 1 / 354.

(4) أنساب الأشراف: 2 / 414، وراجع المعارف لابن قتيبة: 211، ونسب قريش: 45، والمحبّر: 56.

(5) شرح الأخبار: 3 / 198.

(6) نسب قريش: 45، المحبّر: 56، إعلام الورى: 1 / 397.

(7) تاريخ الطبري: 5 / 469، الكامل في التاريخ: 2 / 582، مقاتل الطالبيّين: 97، المناقب لابن شهر آشوب: 4 / 106.

(8) نسب قريش: 45، إعلام الورى: 1 / 397.

(9) الطبقات الكبرى: 8 / 465، نسب قريش: 46، المحبّر: 56، المجدي: 18 وفيه (أبو سعيد بن عقيل)، إعلام الورى: 1 / 397، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 305 وفيه (محمّد بن عقيل).

(10) تاريخ الطبري: 5 / 469، الكامل في التاريخ: 2 / 582، المحبّر: 491، مقاتل الطالبيّين: 98.


22 - زينب الصغرى (1) : تزوّجها محمّد بن عقيل (2) .

23 - ميمونة: تزوّجها عبد الله بن عقيل (3) .

24 - نفيسة: تزوّجها عبد الله بن عقيل (4) .

25 - خديجة: تزوّجها عبد الرحمان بن عقيل (5) .

26 - أُمامة: تزوّجها الصلت بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب (6) . ماتت في حياة الإمام (عليه السلام) (7) .

27 - رملة الكبرى: أُمّها أُمّ سعيد (8) . تزوّجها عبد الله بن أبى سفيان بن الحارث

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 3 / 20، تاريخ الطبري: 5 / 155، المعارف لابن قتيبة: 211، الإرشاد: 1 / 354.

(2) أنساب الأشراف: 2 / 414، المعارف لابن قتيبة: 204، نسب قريش: 45، المجدي: 18.

(3) أنساب الأشراف: 2 / 414، المعارف لابن قتيبة: 205، نسب قريش: 45، المحبّر: 56، المجدي: 18 وفيه (عبد الله الأكبر بن عقيل)، إعلام الورى: 1 / 397، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 305 وفيه (عقيل بن عبد الله بن عقيل).

(4) نسب قريش: 45، أنساب الأشراف: 2 / 415 وفيه (إنّ زوجها تمام بن العبّاس)، المجدي: 18 وفيه (عبد الله بن عقيل الأصغر)، إعلام الورى: 1 / 397.

(5) أنساب الأشراف: 2 / 415، المعارف لابن قتيبة: 205، نسب قريش: 45، المحبّر: 57.

(6) نسب قريش: 46، المحبّر: 57، المجدي: 18 وفيه (الصليب) بدل (الصلت)، إعلام الورى: 1 / 398.

(7) المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 305.

(8) الطبقات الكبرى: 3 / 20، أنساب الأشراف: 2 / 414، تاريخ الطبري: 5 / 154، الكامل في التاريخ: 2 / 441، المعارف لابن قتيبة: 211، مروج الذهب: 3 / 73، الإرشاد: 1 / 354 وليس في الثلاثة (الكبرى).


ابن عبد المطّلب (1) .

28 - جُمانة (2) : ماتت في حياة الإمام (عليه السلام) (3) .

29 - أُمّ سلمة (4) .

30 - رقيّة الصغرى (5) .

31 - أُمّ كلثوم الصغرى (6) .

32 - رملة الصغرى (7) .

33 - أُمّ الكرام (8) .

____________________

(1) نسب قريش: 45، المحبّر: 56، المجدي: 18، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 305.

(2) الطبقات الكبرى: 3 / 20، أنساب الأشراف: 2 / 415، تاريخ الطبري: 5 / 155، الكامل في التاريخ: 2 / 441، الإرشاد: 1 / 355 وزاد فيه (المكنّاة أُمّ جعفر)، المناقب للكوفي: 2 / 50 / 537 - 540.

(3) المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 305.

(4) الطبقات الكبرى: 3 / 20، تاريخ الطبري: 5 / 155، الكامل في التاريخ: 2 / 441، أنساب الأشراف: 2 / 415، المعارف لابن قتيبة: 211، صفة الصفوة: 1 / 131، الإرشاد: 1 / 355، المناقب للكوفي: 2/50 / 537 - 540.

(5) الإرشاد: 1 / 354، إعلام الورى: 1 / 396.

(6) الطبقات الكبرى: 3 / 20، أنساب الأشراف: 2 / 414 وفيه (تزوّجها كثير بن العبّاس قبل أُختها أو بعده)، تاريخ الطبري: 5 / 155، صفة الصفوة: 1 / 131، المناقب للكوفي: 2 / 50.

(7) الطبقات الكبرى: 3 / 20، أنساب الأشراف: 2 / 414، تاريخ الطبري: 5 / 155، صفة الصفوة: 1/131، المناقب للكوفي: 2 / 50 / 537 - 540.

(8) الطبقات الكبرى: 3 / 20، أنساب الأشراف: 2 / 415، تاريخ الطبري: 5 / 155، المعارف لابن قتيبة: 211، المناقب للكوفي: 2 / 50 / 537 - 540.


34 - أُمّ جعفر (1) .

97 - تهذيب الكمال: كان له من الولد الذكور واحد وعشرون: الحسن، والحسين، ومحمّد الأكبر وهو ابن الحنفيّة، وعمر الأطرف وهو الأكبر، والعبّاس الأكبر أبو الفضل قُتل بالطفّ، ويقال له: السَّقّاء أبو قِربة. أعقبوا.

والذين لم يُعقبوا: محسن دَرَجَ (2) سِقطاً، ومحمّد الأصغر قُتل بالطفّ، والعبّاس الأصغر يقال: إنّه قُتل بالطفّ، وعُمَر الأصغر درَج، وعثمان الأكبر قُتل بالطفّ، وعثمان الأصغر درَج، وجعفر الأكبر قُتل بالطفّ، وجعفر الأصغر درَج، وعبد الله الأكبر يُكنى أبا محمّد قُتل بالطفّ، وعبد الله الأصغر درَج، وعبيد الله يُكنى أبا عليّ يقال: إنّه قُتل بكربلاء، وعبد الرحمان درَج، وحمزة درَج، وأبو بكر عَتِيق يقال: إنّه قُتل بالطفّ، وعون درَج، ويحيى يُكنّى أبا الحسن توفّي صغيراً في حياة أبيه.

وكان له من الولد الإناث ثماني عشرة: زينب الكبرى، وزينب الصغرى، وأُمّ كلثوم الكبرى، وأُمّ كلثوم الصغرى، ورقيّة الكبرى، ورقيّة الصغرى، وفاطمة الكبرى، وفاطمة الصغرى، وفاختة، وأمة الله، وجمانة تكنّى أُمّ جعفر، ورملة، وأُمّ سلمة، وأُمّ الحسن، وأُمّ الكرام وهي نفيسة، وميمونة، وخديجة، وأُمامة. على خلاف في بعض ذلك (3) .

ونظراً إلى أنّ مؤسّسة دار الحديث قد أزمَعت إصدار كتابين مستقلّين

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 3 / 20، أنساب الأشراف: 2 / 415، تاريخ الطبري: 5 / 155، المناقب للكوفي: 2 / 50 / 537 - 540.

(2) دَرَجَ: أي مات (النهاية: 2 / 111).

(3) تهذيب الكمال: 20 / 479 / 4089.


يتناولان ترجمة وافية لكلّ من الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام)؛ فلذا نكتفي هنا بترجمة سائر البارزين من أولاد الإمام (عليه السلام) - غيرهما - على نحو الإيجاز.

4 / 1

زينب

حاملة رسالة دماء الشهداء، وحاكية الملحمة الحسينيّة، وفاضحة الأشقياء المدلّسين الناشرين للظلم، ومَظهَر الوقار، ورمز الحياء، ومثال العِزّ والرِفعة، وأُسوة الثبات والصلاة والصبر.

وبلغت منزلتها الرفيعة ومكانتها السامية في البيت النبوي مبلغاً يعجز القلم عن بيانه، ويحسر عن تبيان مكارمها ومناقبها وفضائلها (عليها السلام).

وقد رسم الفقيه المؤرّخ المُصلح الكبير العلاّمة السيّد محسن الأمين العاملي معالم شخصيّتها بقوله:

كانت زينب (عليها السلام) من فُضليات النساء، وفضلها أشهر من أنْ يُذكر، وأبيَن من أنْ يُسطَر. وتُعلَم جلالة شأنها وعلوّ مكانها، وقوّة حجّتها، ورجاحة عقلها، وثبات جنانها، وفصاحة لسانها، وبلاغة مقالها حتى كأنّها تُفرغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ من خُطَبها بالكوفة والشام، واحتجاجها على يزيد وابن زياد بما فحمهما، حتى لجآ إلى سوء القول والشتم وإظهار الشماتة والسباب الذي هو سلاح العاجز عن إقامة الحجّة. وليس عجيباً من زينب الكبرى أنْ تكون كذلك وهي فرعٌ من فروع الشجرة الطيّبة....

وكانت متزوّجة بابن عمّها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ووُلِد له منها: عليّ الزينبي، وعون، ومحمّد، وعبّاس، وأُمّ كلثوم. وعون ومحمّد قُتِلا مع خالهما الحسين (عليه السلام) بطفّ كربلاء.


سُمّيت أُمّ المصائب، وحقّ لها أنْ تسمّى بذلك! فقد شاهدت مصيبة وفاة جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ومصيبة وفاة أُمّها الزهراء (عليها السلام) ومحنتها، ومصيبة قتل أبيها أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) ومحنته... وحُملت أسيرة من كربلاء (1) .

كانت (عليها السلام) مع أخيها الحسين (عليه السلام) منذ بدء الثورة، وكانت رفيقة دربه وأمينة سرّه. فليلة عاشوراء وحوارها مع أخيها، ويوم عاشوراء وحفاوتها بالشهداء، وليلة الحادي عشر ورثاؤها المؤلم لأخيها، وجلوسها عند جثمانه المدمّى، وخطابها لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، كلّ أُولئك من الصفحات الذهبيّة الخالدة في حياتها المليئة بالجلالة والرفعة، المصطبغة بالصبر والجلَد.

تولّت شؤون السبايا بعد عاشوراء بجلالٍ وثبات، وعندما رأت الكوفيّين يبكون على أبناء الرسول (صلّى الله عليه وآله) خاطبتهم قائلة:

( يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر والخذل! ألا فلا رقَأتْ العَبْرة ولا هدأت الزفرة! إنّما مَثَلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً!... أ تدرون - ويلكم! - أيّ كَبِدٍ لمحمّدٍ (صلّى الله عليه وآله) فَرَيتم (2) ؟ ! وأيّ عهدٍ نكثتم؟! وأيّ كريمة له أبرزتم؟! وأيّ حرمةٍ له هتكتم؟! وأيّ دمٍ له سفكتم؟!) (3)

كان لها لسانُ عليّ حقّاً! وحين نطقت بكلماتها الحماسيّة، فإنّ أُولئك الذين طالما سمعوا خُطَب الإمام، هاهم يرونه بأُمّ أعينهم يخطب فيهم!.

____________________

(1) أعيان الشيعة: 7 / 137.

(2) الفَرْي: القطع (النهاية: 3 / 442).

(3) الاحتجاج: 2 / 110 / 170، الأمالي للمفيد: 321 / 8، الملهوف: 192، المناقب لابن شهر آشوب: 4 / 115.


وقال قائل: والله لم أرَ خَفِرةً (1) قطّ أنطق منها، كأنّها تنطق وتُفرغ عن لسان عليّ (عليه السلام).

وكان ابن زياد قد أثمله التكبّر، ومَرَد على الضراوة والتوحّش، فنال من آلِ الله، فانبرَت إليه الحوراء وألقمته حجَراً بكلماتها الخالدة التي أخزَته. وممّا قالت:

(لَعمري لقد قتلتَ كَهلي، وأبَرتَ أهلي، وقطعتَ فَرعي، واجتثَثتَ أصلي، فإنْ يشفِك هذا فقد اشتفَيتَ) (2) .

وعندما نظرت إلى يزيد متربّعاً على عرش السلطة ومعه الأكابر ومندوبون عن بعض البلدان - وكان يتباهى بتسلّطه، ويتحدّث بسفاهة مُهَوِّلاً على الآخرين، ناسباً قتل الأبرار إلى الله - قامت إليه عقيلة بني هاشم، فصكّت مسامعه بخُطبتها البليغة العصماء. وممّا قالته فيها:

(أمِن العدل - يابن الطُلَقاء - تَخديرك حرائرَك وإماءِك، وسوقُك بنات رسول الله سبايا! قد هَتكتَ ستورهنّ، وأَبدَيتَ وجوههنّ، يحدو بهنّ الأعداء من بلدٍ إلى بلد؟!) (3).

وبتلك الكلمات القصيرة الدامغة ذكّرته بماضي أهله حين قُبض عليهم أذلاّء في مكّة، ثمّ أُطلقوا بعد أنْ أسلموا خائفين من بارقة الحقّ، فدلّت على عدم

____________________

(1) الخَفِر: الكثير الحياء (النهاية: 2 / 53).

(2) تاريخ الطبري: 5 / 457، الكامل في التاريخ: 2 / 575 وفيه (أبرزت) بدل (أبرت)، الإرشاد: 2 / 116 وفيه (أبدت) بدل (أبرت)، إعلام الورى: 1 / 472.

(3) الاحتجاج: 2 / 125 / 173، الملهوف: 215، مقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 64، بلاغات النساء: 35 نحوه.


جدارته للحُكم من جهة، وعلى جَوره ونشْره للظلم من جهة أُخرى. واستَشهدت أخيراً بآيات قرآنيّة؛ لِتُعلن بصراحة أنّ موقعه ليس كرامة إلهيّة - كما زعم أو حاول أنْ يلقّن الناس به - بل هو انغماس ملوّث بالكُفر في أعماق الجحود، وزيادة في الكفر، وأمّا الشهادة فهي كرامة لآل الله....

كانت خُطَب زينب الكبرى في ذروة الفصاحة والبلاغة والتأثير، كما كانت حكيمة في تشخيص الموقف المناسب.

ولمّا أُرجعت إلى المدينة لم تتوقّف لحظة عن الاضطلاع برسالة الشهداء، وتنوير الرأي العام، وتوعية الناس وإطْلاعهم على ظلم بني أُميّة؛ فاضطرّ حاكم المدينة إلى نفيها بعد أنْ استشار يزيد في ذلك.

فاضت روحها الطاهرة وهي في الثانية والستّين من عمرها. أمّا قبرها فمَثار جدال ونقاش.

98 - أُسد الغابة - في ترجمة زينب (عليها السلام) -: أدركت النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وولِدت في حياته، ولم تلِد فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد وفاته شيئاً. وكانت زينب امرأة عاقلة لبيبة جزلة (1) ، زوّجها أبوها عليّ (عليه السلام) من عبد الله ابن أخيه جعفر، فولدت له عليّاً، وعوناً الأكبر، وعبّاساً، ومحمّداً، وأُمّ كلثوم. وكانت مع أخيها الحسين (عليه السلام) لمّا قُتل، وحُملت إلى دمشق، وحضرت عند يزيد بن معاوية، وكلامها ليزيد - حين طلب الشامي أُختها فاطمة بنت عليّ من يزيد - مشهور مذكور في التواريخ، وهو يدلّ على عقل وقوّة جنان (2) .

____________________

(1) جَزْلة: أي تامّة الخَلْق، وذات كلام جَزْل: أي قويّ شديد (النهاية: 1 / 270).

(2) أُسد الغابة: 7 / 134 / 6969، الإصابة: 8 / 166 / 11267 نحوه.


4 / 2

أُمّ كلثوم

البنت الثانية لعليّ وفاطمة (عليهما السلام). وُلدت في السنة السادسة من الهجرة (1) . وتربّت في حِجر أُمّها الزهراء (عليها السلام) في دار فسيحة فساحةَ الإيمان والعشق.

ونقرأ في التاريخ آراء متباينة حول زواجها، فهناك مَن يشير إلى زواجها من عُمَر بن الخطّاب. ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أنّ الخليفة الثاني كان راغباً في الزواج من إحدى بنات الزهراء (عليها السلام) تمسّكاً بالحديث القائل: (كلّ حَسَبٍ ونَسَب منقطع يوم القيامة إلاّ حسَبي ونسَبى)؛ ولذلك خطبها من أبيها أمير المؤمنين (عليه السلام).

ورفض الإمام (عليه السلام) هذا الأمر في البداية، وقال: (إنّ بناته يتزوّجن بني أعمامهنّ). بَيْد أنّه وافق بعد ذلك بإصرار عُمَر (2) أو تهديده (3) ، أو أنّه وكَّل زواجها إلى عمّه العبّاس حين تدخّل في الموضوع (4) .

وهناك مَن يُنكر هذا الزواج؛ استناداً إلى تضارب المعلومات التاريخيّة الواردة فيه واضطرابها بشدّة، ومع كثرة التناقضات الموجودة حوله لا سيّما عند مقايسته بزواجها اللاحِق، فإنّ هذا الزواج نفسه تحيط به هالة من الغموض؛ ولذا أنكره

____________________

(1) سيَر أعلام النبلاء: 3 / 500 / 114.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3 / 153 / 4684، الطبقات الكبرى: 8 / 463، أنساب الأشراف: 2 / 411.

(3) الكافي: 5 / 346 / 1 و2، الخرائج والجرائح: 2 / 825 / 39.

(4) الكافي: 5 / 346 / 2، إعلام الورى: 1 / 397، الاستغاثة: 126.


علماء كِبار مثل الشيخ المفيد (1) . هذا من جهة، ومن جهة أُخرى: أيّدته بعض الروايات الشيعيّة والسنّيّة (2) ، كما أيّده الشريف المرتضى (3) وآخرون غيره أيضاً. وثمّة آراء أُخرى تحوم حول هذا الزواج أيضاً، ليس هنا موضع ذكرها (4) .

تزوّجت أُمّ كلثوم بعد قتل عُمَر من عون بن جعفر، ثمّ محمّد بن جعفر، وبعده تزوّجها عبد الله بن جعفر (5) .

وقد أشارت مصادر الفريقين إلى حضور أُمّ كلثوم في الميادين الاجتماعيّة والسياسيّة. ومن مفردات هذا الحضور: مواجهتها حفْصة عند ضَرْبها بالدفّ وهي تنال من أمير المؤمنين (عليه السلام) (6)، ومنها: كفالتها عبد الله بن عُمَر حين امتنع عن بيعة أبيها (عليه السلام)، وفَرّ إلى مكّة (7) .

وشهدت أُمّ كلثوم كربلاء مع أخيها الحسين (عليه السلام). وكانت منشدّةً لملحمة الطفّ إلى جَنب أُختها زينب الكبرى (عليها السلام) (8) .

وسُبيَت هذه المرأة المخدّرة مع مَنْ سُبي؛ لِتوقظ أصحاب الضمائر الميّتة،

____________________

(1) المسائل السرويّة: 86.

(2) الكافي: 6 / 115 / 1 و2، تهذيب الأحكام: 8 / 161 / 557 و558، سنن النسائي: 4 / 71.

(3) تنزيه الأنبياء: 141.

(4) لمزيد الاطّلاع على عقد أُمّ كلثوم وإثباته ونفيه راجع: كتاب (إفحام الأعداء والخصوم في نفي عقد أُمّ كلثوم).

(5) الطبقات الكبرى: 8 / 463، سيَر أعلام النبلاء: 3 / 501 و502.

(6) الجمل: 276، شرح نهج البلاغة: 14 / 13، الفتوح: 2 / 464.

(7) تاريخ الطبري: 4 / 446، الكامل في التاريخ: 2 / 312.

(8) الملهوف: 140 وص 198، شرح الأخبار: 3 / 198، بحار الأنوار: 45 / 115، النهاية: 3 / 422.


وتقرع أسماعهم بنداء أخيها الشهيد.

وليس لدينا معلومات دقيقة حول تاريخ وفاتها. وذهب البعض إلى أنّها توفّيت في حياة الإمام الحسن (عليه السلام) (1) ، وهو لا ينسجم مع الرأي القائل بحضورها في كربلاء. وقيل: كان لها من عُمَر ولَدان هما رقيّة وزيد (2) الذي مات مع أُمّه في وقتٍ واحد (3) .

4 / 3

محمّد ابن الحنفيّة

وُلِد محمّد ابن الحنفيّة أيّام حكومة أبى بكر (4) ، وكانت أُمّه في عِداد مَن أسَرَهم المسلمون في الفتوحات، فصارت من نصيب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) (5) .

وكان محمّد من العلماء المحدّثين أُولي الشأْن في آل عليّ (عليه السلام). وكان شجاعاً رابط الجأْش. حمَل اللواء يوم الجَمَل وهو ابن تسع عشرة سنة (6) ، كما حَمَله في

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 8 / 464، أُسد الغابة: 7 / 378 / 7586، الاستيعاب: 4 / 510 / 3638.

(2) الطبقات الكبرى: 8 / 463، أنساب الأشراف: 2 / 412، أُسد الغابة: 7 / 378 / 7586، الاستيعاب: 4 / 510 / 3638.

(3) سنن النسائي: 4 / 71، الطبقات الكبرى: 8 / 464، أنساب الأشراف: 2 / 412، سير أعلام النبلاء: 3 / 502 / 114، أُسد الغابة: 7 / 378 / 7586، الاستيعاب: 4 / 510 / 3638، أخبار الزينبات: 124.

(4) تاريخ دمشق: 54 / 323، سيَر أعلام النبلاء: 4 / 111 / 36 وفيه (وُلد في العام الذي مات فيه أبو بكر).

(5) الطبقات الكبرى: 5 / 91، سيَر أعلام النبلاء: 4 / 110 / 36، شرح نهج البلاغة: 1 / 244.

(6) الجمل: 356 وص 359، الطبقات الكبرى: 5 / 93، تاريخ الطبري: 4 / 514، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 485، تاريخ خليفة بن خيّاط: 138، شرح نهج البلاغة: 1 / 243 وص 245.


صِفّين (1) ، ولم يشهد كربلاء (2).

لم يبايع ابن الحنفيّة عبد الله بن الزبير بعد تسلّطه، فعزم ابن الزبير على حَرْقه هو وعبد الله بن عبّاس، لكنّ جيش المختار أنقذهما من مخالِبه (3) .

وكانت للمختار صِلة وثيقة به، وقد نسّق معه في الثأْر من قتَلَة الحسين (عليه السلام) (4) . وجاء في بعض النصوص التاريخيّة والحديثيّة أنّه ادّعى الإمامة في البداية، ثمّ أقرّ بإمامة السجّاد (عليه السلام) بعد مناظرة جرَت بينهما (5) .

توفّي ابن الحنفيّة في المدينة سنة (81 هـ) (6) .

99 - تاريخ دمشق عن الزهري: قال رجل لمحمّد ابن الحنفيّة: ما بال أبيك كان يرمي بك في مرامٍ لا يرمي فيها الحسن والحسين؟ قال: (لأنّهما كانا خدّيه وكنت يده، فكان يتوقّى بيده عن خدّيه) (7) .

100 - نثر الدُرّ: قال المنافقون له [لمحمّد ابن الحنفيّة]: لِمَ يغرّر بك أمير المؤمنين في الحرب ولا يغرّر بالحسن والحسين؟! قال: (لأنّهما عيناه وأنا

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 5 / 93، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 544.

(2) الطبقات الكبرى: 5 / 100، أنساب الأشراف: 5 / 317، سيَر أعلام النبلاء: 4 / 118 / 36.

(3) الطبقات الكبرى: 5 / 101، سيَر أعلام النبلاء: 4 / 118 / 36، تاريخ دمشق: 54 / 338 - 343.

(4) الطبقات الكبرى: 5 / 99، تاريخ الطبري: 5 / 561 وص 580، سيَر أعلام النبلاء: 4 / 121 / 36، تاريخ دمشق: 54 / 342.

(5) الكافي: 1 / 348 / 5.

(6) المستدرك على الصحيحين: 3 / 156 / 4696، الطبقات الكبرى: 5 / 116، سيَر أعلام النبلاء: 4 / 128 / 36، تاريخ دمشق: 54 / 359.

(7) تاريخ دمشق: 54 / 333، سيَر أعلام النبلاء: 4 / 117 / 36.


يمينه؛ فهو يدفع بيمينه عن عينَيه) (1) .

101 - ربيع الأبرار: استطال عليّ (عليه السلام) درعاً فقال: لينقُص منها كذا حلَقة. فقبض محمّد ابن الحنفيّة بإحدى يدَيه على ذيلها، وبالأُخرى على فضلها، ثمّ جذَبَها، فقطعها من الموضع الذي حدّه له أبوه (2) .

102 - شرح نهج البلاغة: لمّا تقاعس محمّد يوم الجَمل عن الحمْلة، وحمَل عليّ (عليه السلام) بالراية فضعضع أركان عسكر الجَمل، دفع إليه الراية وقال: (امحُ الأُولى بالأُخرى، وهذه الأنصار معك). وضمّ إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين في جمْعٍ من الأنصار، كثير منهم من أهل بدْر، فحمَل حمْلات كثيرة أزال بها القوم عن مواقفهم، وأبلى بلاءً حسناً.

فقال خزيمة لعليّ (عليه السلام): أما إنّه لو كان غير محمّد اليوم لافتضح؛ ولئن كنتَ خِفتَ عليه الحَيْن (3) وهو بينك وبين حمزة وجعفر لَما خِفناه عليه، وإنْ كنتَ أردت أنْ تعلّمه الطِعان فطالما عُلِّمته الرجال!.

وقالت الأنصار: يا أمير المؤمنين، لولا ما جعل الله تعالى للحسن والحسين (عليهما السلام)؛ لَما قدّمنا على محمّد أحداً من العرب!.

فقال عليّ (عليه السلام): (أين النجم من الشمس والقمر! أما إنّه قد أغنى وأبْلى، وله فضلُه، ولا يُنقِص فضلَ صاحبَيه عليه، وحسب صاحبكم ما انتهت به نعمة الله تعالى إليه).

____________________

(1) نثر الدُرّ: 1 / 406، شرح نهج البلاغة: 1 / 244.

(2) ربيع الأبرار: 3 / 325، الكامل للمبرّد: 3 / 1193.

(3) الحَيْن - بالفتح: الهلاك (لسان العرب: 13 / 136).


فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنّا - والله - لا نجعله كالحسن والحسين (عليهما السلام) ولا نظلمهما له، ولا نظلمه - لفضلهما عليه - حقّه.

فقال عليّ (عليه السلام): (أين يقع ابني من ابنَي بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله))! (1).

4 / 4

العبّاس

مظهر العِشق والإيثار، ومثال الرجولة والصفاء والوقار، ورمز الشجاعة والشهامة والكرامة. وكانت له بين أبطال كربلاء وشهداء التاريخ منزلة رفيعة، ومكانة سامقة، حتى قال سيّد الساجدين زين العابدين (عليه السلام) في حقّه: (إنّ للعبّاس عند الله تبارك وتعالى لمنزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة) (2) .

وُلد في سنة (26 هـ) (3) من أُمٍّ عظيمة تنتسب إلى قبيلة بني كلاب التي أنجبَت أشجع الصناديد الأفذاذ في زمانها، وتربّى في حِجرها، ونشأ مع إخوته الذين لا مثيل لهم، كالحسنَين (عليهما السلام).

كانت كُنيته: أبا الفضل (4) ، وأبا قِربة (5) . ولقَبه: السقّاء (6) ، وقمر بني هاشم.

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: 1 / 245.

(2) الخصال: 68 / 101، الأمالي للصدوق: 548 / 731.

(3) أعيان الشيعة: 7 / 429، إبصار العين: 56.

(4) مقاتل الطالبيّين: 89، عمدة الطالب: 356.

(5) تهذيب الكمال: 20 / 479، أنساب الأشراف: 2 / 413، مقاتل الطالبيّين: 89، نسب قريش: 43، إعلام الورى: 1 / 359.

(6) تهذيب الكمال: 20 / 479، مقاتل الطالبيّين: 89، شرح الأخبار: 3 / 182 / 1125، المجدي: 15، إعلام الورى: 1 / 395، المناقب لابن شهر آشوب: 4 / 108، عمدة الطالب: 356.


وأمّا صفته: فقد كان ممشوق (1) القامة، عريض الصدر، عَبْل الذراعين (2) ، جميل المحَيّا، حتى سُمّي: قمر بني هاشم (3) .

وكان مع أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) منذ بداية الثورة. وهو صاحب لوائه في كربلاء (4) . وتولّى سقاية الجيش والأطفال في ساعة العُسرة التي كان فيها الإمام وأصحابه محاصَرين (5) .

وعندما طلب الإمام (عليه السلام) من أصحابه وأهل بيته أنْ يذهبوا ويتركوه وحده في ليلة العاشر مِن المحرّم، كان أبو الفضل أوّل من هبّ ليُخبِرَه بملازمته إيّاه وتفانيه من أجْله، عِبر كلمات طافحة بالعشق والإيمان والإيثار (6) .

أتاه وإخوَتَه الثلاثة شمرُ بن ذي الجوشن ومعه كتاب الأمان، فامتعضوا منه وكرهوا لقاءه، وقالوا في ردّ ما عرَضه عليهم:

لعَنك الله ولعَن أمانك!... أتؤمِنُنا وابن رسول الله لا أمان له؟! (7).

أثنى عليه المعصومون (عليهم السلام) ووصفوه بالإيثار، والبصيرة النافذة، والثبات على الإيمان، والجهاد العظيم، والبلاء الحسَن، والمنزلة التي يُغبَط عليها يوم

____________________

(1) المَشْق: الطول مع الرِّقّة وقلّة اللحم (تاج العروس: 13 / 445).

(2) عَبْل الذراعين: أي ضخمهما (لسان العرب: 11 / 420).

(3) مقاتل الطالبيّين: 90، المناقب لابن شهر آشوب: 4 / 108.

(4) الأخبار الطوال: 256، مقاتل الطالبيّين: 90، الإرشاد: 2 / 95، المجدي: 15، شرح الأخبار: 3 / 182 / 1125، المناقب لابن شهر آشوب: 4 / 108، عمدة الطالب: 356.

(5) تاريخ الطبري: 5 / 412، الكامل في التاريخ: 2 / 556، الفتوح: 5 / 92، مقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 29، شرح الأخبار: 3 / 182 وص 191.

(6) تاريخ الطبري: 5 / 419، الإرشاد: 2 / 91، إعلام الورى: 1 / 455.

(7) تاريخ الطبري: 5 / 416، الكامل في التاريخ: 2 / 558، الفتوح: 5 / 94، البداية والنهاية: 8 / 176، الإرشاد: 2 / 89.


القيامة (1) .

استُشهد هذا البطل المهيب والعَضُد الصامد لأبي عبد الله (عليه السلام)، عندما عزَم على إيصال الماء إلى الأفواه اليابسة الظامئة للنساء والأطفال حين ظلّ الإمام (عليه السلام) وحيداً فريداً. فعزّ مصرعه على الحسين (عليه السلام)، وجلَس عند جثمانه المضرّج بالدماء، ورثاه بحُرقة وألَم: (الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي) (2) .

103 - الإمام زين العابدين (عليه السلام): (رحِم الله العبّاس - يعني ابن عليّ - فلقد آثَر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قُطِعت يداه، فأبدله الله بهما جناحَين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعل لجعفر بن أبي طالب. وإنّ للعبّاس عند الله تبارك وتعالى لمنزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة) (3) .

104 - عنه (عليه السلام) - في ذِكر ليلة عاشوراء -: لمّا كان الليل، قال [الحسين (عليه السلام) ]: (هذا الليل قد غَشِيَكم، فاتّخِذوه جَمَلاً (4) ، ثمّ ليأخذ كلُّ رجُل منكم بيد رجُلٍ من أهل بيتي، تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرّج الله؛ فإنّ القوم إنّما يطلبوني، ولو قد أصابوني لهَوْا عن طلب غيري).

فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله ابن جعفر: لِمَ نفعل؟! لِنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبداً! بدأهم بهذا القول العبّاس بن عليّ (عليه السلام) (5) .

____________________

(1) سرّ السلسلة العلويّة: 89، عمدة الطالب: 356.

(2) مقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 30، المجدي: 15، إعلام الورى: 1 / 395، شرح الأخبار: 3 / 194، عمدة الطالب: 356، بحار الأنوار: 45 / 42.

(3) الخصال: 68 / 101، الأمالي للصدوق: 548 / 731 كلاهما عن ثابت بن أبي صفيّة.

(4) يقال للرجل إذا سَرى ليلتَه جَمعاء، أو أحياها بصلاة أو غيرها من العبادات: اتّخَذ الليلَ جَمَلاً، كأنّه رَكِبه ولم يَنَم فيه (النهاية: 1 / 298).

(5) تاريخ الطبري: 5 / 419 وراجع الإرشاد: 2 / 91 وإعلام الورى: 1 / 455.


105 - الإمام الصادق (عليه السلام): (كان عمّنا العبّاس نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبد الله (عليه السلام)، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً) (1) .

106 - تاريخ الطبري عن عبد الله بن شريك العامري - في ذكر أحداث واقعة كربلاء -: قال عبد الله بن أبي المحلّ - لابن زياد -:... أصلح الله الأمير! إنّ بَني أُختنا مع الحسين، فإنْ رأيت أنْ تكتب لهم أماناً فعلت، قال: نعم ونعمة عين. فأمر كاتبه، فكتب لهم أماناً. فبعث به عبد الله بن أبي المحلّ مع مولىً له يُقال له: كُزمان، فلمّا قدِمَ عليهم دعاهم، فقال: هذا أمان بعث به خالُكُم. فقال له الفِتْية: أقرِئ خالنا السلام، وقل له: أنْ لا حاجة لنا في أمانِكم، أمان الله خيرٌ من أمان ابن سميّة!...

وجاء شمرٌ حتى وقف على أصحاب الحسين، فقال: أين بنو أُختنا؟ فخرج إليه العبّاس وجعفر وعثمان بنو عليّ (عليه السلام)، فقالوا له: ما لَكَ وما تريد؟ قال: أنتم يا بني أُختي آمِنون. قال له الفتية: لعنَك الله ولعن أمانك! لئن كنتَ خالَنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له؟! (2).

4 / 5

إخوة العبّاس

وهُم عبد الله وعثمان وجعفر أبناء أُمّ البنين، وكانوا أصغر من العبّاس (عليه السلام).

____________________

(1) سرّ السلسلة العلَويّة: 89، عمدة الطالب: 356 كلاهما عن المفضّل بن عمَر.

(2) تاريخ الطبري : 5 / 415 و416، الكامل في التاريخ: 2 / 558، الفتوح: 5 / 94 كلاهما نحوه. وفيه (قال له العبّاس بن عليّ (عليه السلام): تبّاً لك يا شمر، ولعنك الله، ولعن ما جئت به من أمانك هذا يا عدوّ الله! أتأمرنا أن ندخل في طاعة العناد ونترك نصرة أخينا الحسين (عليه السلام)؟! فرجع الشمر إلى معسكره مغتاظاً).


واستُشهدوا مع الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء (1) . ولم يخذلوا إمامهم، ولم يتركوه وحده حين آمَنَهم العدوّ (2) . وكان لعبد الله مِن العُمر خمس وعشرون سنة (3) . وكان يرتجز عند شهادته ويقول:

أنا ابنُ ذي النجدة والإفضالِ

ذاك علىُّ الخيرِ ذو الفعالِ

سيفُ رسول الله ذو النكالِ

في كلّ يوم ظاهرُ الأهوالِ (4)

وكان عثمان ابن إحدى وعشرين سنة. سمّاه الإمام (عليه السلام) به؛ إحياءً وتخليداً لاسم عثمان بن مظعون (5) .

107 - الأخبار الطوال: قال العبّاس بن عليّ (عليه السلام) لإخوته - عبد الله وجعفر وعثمان بَني عليّ عليه وعليهم السلام، وأُمّهم جميعاً أُمّ البنين العامريّة من آل الوحيد -: (تَقدَّموا، بنفسي أنتم! فحاموا عن سيّدكم حتى تموتوا دونه) (6) .

108 - مقاتل الطالبيّين عن الضحّاك المشرقي: قال العبّاس لأخيه من أبيه وأُمّه عبد الله بن عليّ: تَقدَّم بين يديّ حتى أراك وأحتسِبك (7) .

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 3 / 20، تاريخ الطبري : 5 / 153 وص 468، الكامل في التاريخ: 2 / 581440، الأخبار الطوال: 257، الفتوح: 5 / 113، مقاتل الطالبيّين: 87 - 89، شرح الأخبار: 3 / 194، المجدي: 15، إعلام الورى: 1 / 395.

(2) تاريخ الطبري : 5 / 416، الكامل في التاريخ: 2 / 558، الفتوح: 5 / 94، البداية والنهاية: 8 / 176.

(3) شرح الأخبار: 3 / 194، المجدي: 15، إعلام الورى: 1 / 395، مقاتل الطالبيّين: 88.

(4) المناقب لابن شهر آشوب: 4 / 107، الفتوح: 5 / 113، مقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 29.

(5) مقاتل الطالبيّين: 89.

(6) الأخبار الطوال: 257، مثير الأحزان: 68 نحوه.

(7) مقاتل الطالبيّين: 88، بحار الأنوار: 45 / 38.



تحقيق في نسبة (سُكَينة) إلى الإمام عليّ

اشتهر مَزار في سوريا باسم سُكينة بنت عليّ (عليه السلام). ولكنّ التتبّع والاستقصاء في المصادر التاريخيّة لكِلا الفريقين حول أولاد الإمام (عليه السلام)، دلّ على عدم وجود بنت بهذا الاسم له (عليه السلام).

بَيد أنّا حينما نتصفّح المصادر الحديثيّة يتراءى لنا وجود امرأة باسم سُكَينة بنت عليّ (عليه السلام)، وذلك في ثلاثة مواضع على وجه التحديد:

1 - ورد في رواية في دفْن سيّدتنا الزهراء (عليها السلام) عن الإمام عليّ (عليه السلام)، قال: (ناديت يا أُمّ كلثوم، يا زينب، يا سكينة، يا فضّة، يا حسن، يا حسين، هلمّوا تزوّدوا من أُمّكم) (1) !.

حيث ذهب البعض إلى أنّ ذِكر اسم سكينة إلى جانب زينب وأُمّ كلثوم، قرينة على صحّة انتساب المزار الموجود في سورية إلى سكينة بنت الإمام عليّ (عليه السلام). لكن يَرُدّ هذا الاستدلال أُمور:

____________________

(1) بحار الأنوار: 43 / 179 / 15.


أ - نصُّ المرحوم المجلسي على أنّه لم يأخذه من مصدر معوّل عليها (1) .

ب - ذِكر اسمِ فضّة مع سكينة وأولاد الإمام (عليه السلام)؛ فإنّه يدلّ على حضور أشخاص آخَرين غير أولاد الإمام (عليه السلام) وقتئذٍ أيضاً.

ج - لم تدعم المصادر التاريخيّة وجود بنت للزهراء (عليها السلام) باسم سكينة.

2 - جاء في سند روايةٍ حول مدْح سيّدتنا الزهراء (عليها السلام) ما لفظُه: عن الحسين بن إبراهيم القمّي عن عليّ بن محمّد العسكري عن صعصعة بن ناجية عن زيد بن موسى عن أبيه عن جدّه جعفر بن محمّد عن أبيه عن عمّه زيد بن عليّ عن أبيه عن سكينة وزينب ابنتَي عليٍّ عن عليّ (عليه السلام)... (2) .

والضعف الشديد في أوّل السند يقوّي احتمال الخطأ في الرواية بشكلٍ كبير. مضافاً إلى أنّه لم يُعهَد نقل رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) عن زيد عن الإمام السجّاد (عليه السلام).

3 - ورد في رواية أُخرى عن الإمام الحسين (عليه السلام): (أُدخِلَ على أُختي سكينة بنت عليّ (عليه السلام) خادمٌ، فغطّت رأسها منه..) (3)

وسند هذه الرواية أيضاً ضعيف جدّاً، فبعض رجاله موصوف بأنّه مجهول مختلط.

____________________

(1) بحار الأنوار: 43 / 174 / 15.

(2) دلائل الإمامة: 146 / 52، بحار الأنوار: 81 / 112 / 37.

(3) الأمالي للطوسي: 366 / 780، بحار الأنوار: 104 / 45 / 7.


القسم الثاني

الإمام عليّ مع النبيّ

وفيه فصول:

الفصل الأوّل: المؤازرة على الدعوة

الفصل الثاني: الصعود على منكِبَي النبيّ لكَسْر الأصنام

الفصل الثالث: الإيثار الرائع ليلة المبيت

الفصل الرابع: غاية الفُتوّة في غزوتين

الفصل الخامس: إرغام العدوّ على التسليم في غزوتين

الفصل السادس: الضربة المصيرية في غزوة الخندق

الفصل السابع: الشجاعة والأدب في الحديبيّة

الفصل الثامن: الدَور المصيري في فتْح خيبر

الفصل التاسع: النشاطات في فتْح مكّة

الفصل العاشر: المقاومة الرائعة في غزوة حُنين

الفصل الحادي عشر: الاستخلاف عن النبيّ في غزوة تبوك

الفصل الثاني عشر: عِدّة بِعثات هامّة

الفصل الثالث عشر: من أدعية النبيّ للإمام

الفصل الرابع عشر: العروج من صدر الحبيب



الفصل الأوّل

  المؤازرة على الدعوة

بدأت الدعوة سرّية، وامتدّت شيئاً فشيئاً فهوَت إليها أفئدة ثُلّة من الناس؛ إقبالاً منها على تلك الرسالة الحقّة. وكان عليّ (عليه السلام) أوّل من آمَن بها من الرجال، وشهد بنبوّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) (1)، ثمّ تبِعَه آخَرون....

وبعد ثلاث سنين نزلت الآية الكريمة: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (2) ؛ إيذاناً ببدء الدعوة العلنيّة ابتداء بعشيرة النبيّ الأقربين.

فأمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) بإعداد الطعام وإقامة مأدَبة خاصّة؛ ليجتمع آل عبد المطّلب، فيبلّغهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) برسالته، وفي اليوم الأوّل تعذّر عليه ذلك؛ بسبب ضجيج أبي لهب ولَغَطِه، ثمّ أعاده عليهم في غدِ ذلك اليوم، وبعد فراغهم من الطعام بدأ كلامه بحمد الله تعالى، وقال:

____________________

(1) راجع: القسم العاشر / الخصائص العقائديّة / أوّل مَن أسلم.

(2) الشعراء: 214


(إنّ الرائد لا يكذب أهله و...)

وانتهى كلامه، ولم ينهض مُعلناً عن متابعته ومرافقته (صلّى الله عليه وآله) والإيمان برسالته الإلهيّة إلاّ عليّ (عليه السلام)؛ حيث قام وصدَح بذلك، فأجلَسه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وتكرّر هذا الموقف للمرّة الثانية والثالثة، فقال (صلّى الله عليه وآله):

(اجلس؛ فأنت أخي ووزيري ووصيّي وخليفتي من بعدي)،

وخاطب الحاضرين بقوله:

(إنّ هذا أخي، ووصيّي، وخليفتي عليكم؛ فاسمعوا له وأطيعوه).

إلاّ أنّ ذوي الضمائر السود، والقلوب العليلة، والأبصار العُمي، والأسماع الصمّ لم يذعنوا لصوت الحقّ، ولجّوا وكابَروا وعتَوا عن الكلام النبويّ، بل إنّهم اتّخذوا أبا طالب سخريّاً. لكنّ الحقّ عَلا، وطار كلامه (صلّى الله عليه وآله) في الآفاق طلقاً من ذلك النطاق الضيّق، ورسخت هذه الحقيقة فضيلةً عُظمى إلى جانب فضائله (عليه السلام)، وتبلور سنَد متين؛ لإثبات ولايته إلى جانب عشرات الأسانيد الوثائقيّة، وأعلن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عمليّاً وحدة النبوّة والولاية في الاتّجاه والمسير وتلازمها، ودلّ الجميع في اليوم الأوّل من الجهْر بدعوته استمرار القيادة وامتدادها بعده، وأودع ذلك ذمّة التاريخ، والمهمّ هو تبيان موقع الكلام النبويّ.

وقال (صلّى الله عليه وآله) كلمته: (فاسمعوا له وأطيعوه) في وقت كانت قريش قد تصامّت عن سماع كلامه ولم تُعِرْه آذاناً صاغية، فمن البيِّن أنّ هذا الكلام كان للمستقبل وأجياله القادمة ممّن يقرّ بنبوّته (صلّى الله عليه وآله)، ويعتقد بحُجّية كلامه.

109 - الإمام عليّ (عليه السلام) :(لمّا نزلت هذه الآية علي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) دعاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال لي: يا عليّ، إنّ الله أمَرني أنْ أُنذِر عشيرتي


الأقربين، فضُقتُ بذلك ذرعاً، وعرفت أنّي متى أُباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمتُّ عليه حتى جاءني جبرئيل فقال: يا محمّد، إنّك إنْ لا تفعلْ ما تؤمَر به يعذّبك ربّك. فاصنع لنا صاعاً مِن طعام، واجعل عليه رِجْل شاة، واملأ لنا عُسّاً (1) من لبَن، ثمّ اجمع لي بني عبد المطّلب حتى أُكلّمهم وأبلّغهم ما أُمِرت به.

ففعلتَ ما أمَرني به، ثمّ دعوتهم له، وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب وحمزة والعبّاس وأبو لهب، فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلمّا وضعته تناول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حِذْيةً (2) مِن اللحم، فشقّها بأسنانه، ثمّ ألقاها في نواحي الصَّحْفة (3) .

ثمّ قال: خُذوا بسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة وما أرى إلاّ موضع أيديهم، وأيم الله الذي نفْسُ عليٍّ بيده، وإنْ كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمتُ لجميعهم.

ثمّ قال: اسقِ القوم، فجئتهم بذلك العُسّ، فشربوا منه حتى رووا منه جميعاً، وأيم الله إنْ كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلمّا أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يكلّمهم بَدَره أبو لهب إلى الكلام، فقال: لَهَدّ (4) ما سحرَكُم صاحبكم! فتفرّق القوم ولم يكلّمهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال: الغدُ يا عليّ، إنّ هذا الرجل سبقَني إلى ما قد سمعت مِن القول، فتفرّق القوم قبل أنْ أُكلّمهم، فعُدْ لنا من الطعام بمِثل ما صنعت، ثمّ اجمعهم إليّ.

____________________

(1) العُسّ: القدح الكبير (النهاية: 3 / 236).

(2) الحِذْية: أي قطعة. قيل: هي - بالكسر - ما قُطع من اللحم طولاً (النهاية: 1 / 357).

(3) الصَّحْفَة: إناء كالقَصْعة المبسوطة ونحوها (النهاية: 3 / 13).

(4) لَهَدّ: كلمة يُتعجّب بها (النهاية: 5 / 250).


قال: ففعلتُ، ثمّ جمعتهم ثمّ دعاني بالطعام فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمْس، فأكلوا حتى ما لهم بشيءٍ حاجة.

ثمّ قال: اسقِهم، فجئتهم بذلك العُسّ، فشربوا حتى رووا منه جميعاً، ثمّ تكلّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال: يا بني عبد المطّلب! إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به؛ إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أنْ أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أنْ يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحْجَم القوم عنها جميعاً، وقلت:... أنا يا نبيّ الله، أكون وزيرك عليه، فأخذ برقَبتي، ثمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أنْ تسمع لابنك وتطيع) (1) .

110 - عنه (عليه السلام): (لمّا نزلت: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) . .. دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بني عبد المطّلب وهُم إذ ذاك أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً، فقال: أيّكم يكون أخي ووصيّي ووارثي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي؟ فعرَض عليهم ذلك رجلاً رجلاً، كلّهم يأبى ذلك، حتى أتى علَيَّ، فقلت: أنا يا رسول الله، فقال: يا بني عبد المطّلب! هذا أخي ووارثي ووصيّي ووزيري

____________________

(1) تاريخ الطبري: 2/319-321، تاريخ دمشق: 42/48/8381، تفسير الطبري: 11/الجزء19/121، شرح نهج البلاغة: 13 / 210، شواهد التنزيل: 1 / 486 / 514 كلّها عن عبد الله بن عبّاس وص 543 / 580 عن البراء من دون إسناد إلى المعصوم نحوه، الكامل في التاريخ: 1 / 487، كنز العمّال: 13 / 131 / 36419 وص 114 / 36371، الأمالي للطوسي: 582 / 1206 عن عبد الله بن عبّاس وفيه (ووزيري) بعد (وصيّي)، تفسير فرات: 301 / 306 وص 299 / 404 عن جعفر بن محمّد بن أحمد بن يوسف، مجمع البيان: 7 / 322 عن البراء بن عازب وكلاهما نحوه، بحار الأنوار: 38 / 223 / 24، وراجع السيرة الحلبيّة: 1 / 285، وتفسير القمّيّ: 2 / 124، والإرشاد: 1 / 48.


وخليفتي فيكم بعدي) (1) .

111 - شرح نهج البلاغة عن أبي جعفر الإسكافي: قد روي في الخبر الصحيح أنّه (صلّى الله عليه وآله) كلّفه (عليه السلام) في مبدأ الدعوة قبل ظهور كلمة الإسلام وانتشارها بمكّة أنْ يصنع له طعاماً، وأنْ يدعو له بني عبد المطّلب، فصنع له الطعام، ودعاهم له، فخرجوا ذلك اليوم، ولم يُنذرهم (صلّى الله عليه وآله)؛ لكلمة قالها عمّه أبو لهب، فكلّفه في اليوم الثاني أنْ يصنع مثل ذلك الطعام، وأنْ يدعوهم ثانية، فصنعه، ودعاهم فأكلوا.

ثمّ كلّمهم (صلّى الله عليه وآله) فدعاهم إلى الدين، ودعاه معهم؛ لأنّه من بني عبد المطّلب، ثمّ ضمن لمَن يؤازره منهم وينصره على قوله أنْ يجعله أخاه في الدين، ووصيّه بعد موته، وخليفته من بعده، فأمسكوا كلّهم وأجابه هو وحده، وقال: (أنا أنصرك على ما جئت به، وأوازرك وأُبايعك)، فقال لهم - لمّا رأى منهم الخذلان، ومنه النصر، وشاهد منهم المعصية ومنه الطاعة، وعايَن منهم الإباء ومنه الإجابة: (هذا أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي)، فقاموا يسخرون ويضحكون، ويقولون لأبي طالب: أطِع ابنك؛ فقد أمّره عليك (2) .

112 - الإرشاد: إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) جمع خاصّة أهله وعشيرته في ابتداء الدعوة إلى الإسلام، فعرَض عليهم الإيمان، واستنصرهم على أهل الكُفر والعدوان، وضمِن لهم على ذلك الحظوة في الدنيا، والشرف وثواب الجنان، فلم يُجِبه أحد منهم إلاّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فنحَلَه بذلك تحقيق الأخوّة والوزارة والوصيّة والوراثة والخلافة، وأوجب له به الجنّة.

____________________

(1) علل الشرائع: 170 / 2 عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، وراجع كنز العمّال: 13 / 114 / 36371.

(2) شرح نهج البلاغة: 13 / 244.


وذلك في حديث الدار، الذى أجمع على صحّته نُقّاد الآثار، حين جمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بني عبد المطّلب في دار أبي طالب، وهم أربعون رجلاً، يومئذ يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً فيما ذكره الرواة، وأمر أنْ يُصنع لهم فخذ شاة مع مُدّ من البُرّ، ويُعَدّ لهم صاعٌ من اللبن، وقد كان الرجل منهم معروفاً بأكل الجذْعة (1) في مقام واحد، ويشرب الفَرَق (2) من الشراب في ذلك المقام، وأراد (عليه السلام) بإعداد قليل الطعام والشراب لجماعتهم إظهار الآية لهم في شبْعهم وريّهم ممّا كان لا يُشبِع الواحد منهم ولا يرويه.

ثمّ أمر بتقديمه لهم، فأكلت الجماعة كلّها من ذلك اليسير حتى تملّئوا منه، فلم يَبِن ما أكلوه منه وشربوه فيه؛ فبهرَهم بذلك، وبيّن لهم آية نبوّته، وعلامة صِدْقه ببرهان الله تعالى فيه.

ثمّ قال لهم بعد أنْ شبعوا من الطعام ورُووا من الشراب: (يا بني عبد المطّلب! إنّ الله بعثَني إلى الخلْق كافّة، وبعثني إليكم خاصّة، فقال عزّ وجلّ: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) ، وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الأُمم، وتدخلون بهما الجنّة، وتنجون بهما من النار: شهادة أنْ لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله، فمن يجِبْني إلى هذا الأمر ويؤازرني عليه وعلى القيام به، يكن أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي. فلم يُجِب أحد منهم).

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (فقمتُ بين يديه من بينهم... فقلت: أنا - يا رسول الله - أُؤازرك على هذا الأمر، فقال: اجلس، ثمّ أعاد القول على القوم ثانية فأُصمتوا،

____________________

(1) الجَذَع: من أسنان الدوابّ؛ وهو ما كان شابّاً فتيّاً (النهاية: 1 / 250).

(2) الفَرَق: مكيال يسع ستة عشر رِطلاً؛ وهي اثنا عشر مُدّاً (النهاية: 3 / 437).


وقمتُ فقلت مثل مقالَتي الأُولى، فقال: اجلس. ثمّ أعاد على القوم مقالته ثالثةً فلم ينطق أحد منهم بحرف، فقلت: أنا أُؤازرك - يا رسول الله - على هذا الأمر، فقال: اجلس؛ فأنت أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي).

فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب: يا أبا طالب! لِيَهْنِك اليوم إنْ دخلْتَ في دين ابن أخيك؛ فقد جعل ابنك أميراً عليك (1) .

نكتة:

جاء في بعض النصوص التاريخيّة والحديثيّة: أنّ نزاعاً وقع بين الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) والعبّاس بن عبد المطّلب بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على إرثه، فزعَم العبّاس أنّ أموال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) له؛ فتحاكما إلى أبي بكر، فخاطب أبو بكر العبّاس مشيراً إلى يوم الدار، وقال:

(أُنشدك الله، هل تعلم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جمع بني عبد المطّلب وأولادهم وأنت فيهم، وجمعكم دون قريش فقال: يا بني عبد المطّلب! إنّه لم يبعث الله نبيّاً إلاّ جعل له من أهله أخاً ووزيراً ووصيّاً وخليفةً في أهله، فمَن يقوم منكم يبايعنى على أنْ يكون أخي ووزيري ووصيّي وخليفتي في أهلي؟... فقام عليّ من بينكم فبايعه على ما شرط له ودعاه إليه. أتعلم هذا له من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ قال: نعم) (2) .

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 48، كشف اليقين: 47 / 25، إعلام الورى: 1 / 322، السيرة الحلبيّة: 1 / 286.

(2) تاريخ دمشق: 42 / 50 / 8382، شواهد التنزيل: 1 / 545، نهج الإيمان: 240، شرح الأخبار: 1 / 122 / 50، الاحتجاج: 1 / 230 / 43، الدرجات الرفيعة: 91، بشارة المصطفى: 220.


حيث يُستشفّ من هذا الخبر أنّ أبا بكر كان يعرف قضيّة (إنذار العشيرة)، ويعلم ويعترف بها ويراها حجّةً. وأصل هذه الحادثة وطرح الدعوى بالشكل المذكور يثير التساؤل، فالنقطة التي لم يُلْتَفَتْ إليها هي: لماذا رجع الإمام (عليه السلام) وعمّه العبّاس إلى الخليفة؟ وهل هذا الخلاف صحيح من أساسه؟ فقد كان للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) عند وفاته بنت، وزوجات أيضاً، فلا نصيب للعمّ وابن العمّ حتى يدّعيا الإرث... ومن الواضح أنّ أمواله (صلّى الله عليه وآله) تؤول إلى بنته الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وبعد استشهادها تنتقل إلى أولادها، فأصل ادّعاء العبّاس بن عبد المطّلب لا يصحّ، فلِمَ ادّعى ذلك إذن، وتحاكم إلى الخليفة؟!.

نُقل عن أبي رافع أنّ العبّاس قال لأبي بكر بعد كلامه المذكور:

(فما أقعدك مجلسك هذا؟ تقدّمته وتأمّرت عليه! فقال أبو بكر: أغدراً يا بني عبد المطّلب!) (1) .

نفهم من هذا النصّ أنّ العبّاس قد افتعل بذكاء هذا الموضوع؛ ليُذكِّر أبا بكر بمَن هو أهل للخلافة، وينبزه بابتزازها. ومثل هذه التصرّفات كانت تنتشر وتشتهر بسرعة؛ لمكانة العبّاس ومنزلته. وهكذا أيضاً كان حوار عبد الله بن عبّاس وعُمَر بن الخطّاب، فقد ذَكَّر ابنُ عبّاس عُمَر بأهليّة الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) للخلافة، فغضب عمَر، وقال:

(إليك يا بن عبّاس! أتريد أنْ تفعل بي كما فعل أبوك وعليّ مع أبي بكر يوم دخَلا عليه؟) (2) .

____________________

(1) المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 49، المسترشد: 577 / 249.

(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 149.


تحريف التاريخ في قضيّة المؤازرة

إنّ ما أوردناه هو عين ما نقله المؤرّخون، والمحدّثون، والمفسّرون بطُرُق مختلفة وأسانيد متنوّعة، وسيأتي في الصفحات القادمة (1)، وهو ما ذكره الطبري أيضاً في تاريخه مفصّلاً، بَيد أنّه في تفسيره بعد أنْ نقل الرواية بنفس السند الوارد في تاريخه، غيّر فيها فقال: (على أنْ يكون أخي وكذا وكذا (بدل) على أنْ يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم)، وأباح لنفسه تحريف الكلام النبوي وهو يواصل كلامه، فقال: (إنّ هذا أخي وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوه (مكان) إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؛ فاسمعوا له وأطيعوه)! (2).

____________________

(1) ذكَر العلاّمة الأمين رضوان الله عليه الصوَر المختلفة لنقل الحادثة في موسوعته الثمينة النفيسة (الغدير)، وناقش أسنادها وما دلّ عليها. والأخبار في ذلك ثابتة راسخة لا تقبل الترديد، انظر الغدير: 2 / 278 - 289، ويعود ذلك حتماً إلى أنّ أعداء الحقّ تطاوَلوا على تحريفها، أو أنّهم أكرهوا المؤرّخين على ذلك.

(2) تفسير الطبري: 11 / الجزء 19 / 122.


ومن الطبيعي أنْ يكون نقل الطبري مثاراً للتساؤل ومدعاة للتأسّف! والتأمّل فيه يدلّ على أنّه كان مُكرَهاً متحكَّماً فيه، وإلاّ فماذا يعني قوله: (إنّ هذا أخي وكذا وكذا، فاسمعوا له...)؟! عِلماً أنّ قوله: (فاسمعوا له وأطيعوه) ينطوي على مكنون سِرّ يُشعِر بحذف لروح الكلام ولُبابه!.

وقد حذا ابن كثير حذْو الطبري أيضاً، فنقل ذلك في تفسيره، وتاريخه، وسيرته النبويّة بالنحو الذي أورده الطبري في تفسيره، أي بشكلِه المقطّع، وهذا ما يُثير الدهشة والعجب؛ إذ إنّ (تاريخ الطبري) أهمّ مصدر ومرجع اعتمد عليه ابن كثير في (البداية والنهاية) (1) .

وذكر الكاتب المصري محمّد حسين هيكل تلك الحادثة في الطبعة الأُولى من كتابه (حياة محمّد)، مع حذف لمواضع منها، لكنّه حذَف الخبر كلّه في الطبعة الثانية وما تلاها من طبعات! (2).

وحاول ابن تيميّة أيضاً أنْ يطعن في السنَد، وأحياناً في المتن، وامترى في أصل الحادثة، وقد رُدَّ عليه بأجوبة مفصّلة (3).

____________________

(1) البداية والنهاية: 3 / 40، تفسير ابن كثير: 6 / 180، السيرة النبويّة لابن كثير: 1 / 459.

(2) حياة محمّد الطبعة الأُولى: 104 وقارنه مع الطبعة الثانية: 142.

(3) تناول العلاّمة المظفّر، والأستاذ السيّد جعفر مرتضى العاملي هذا الموضوع مفصّلاً. انظر دلائل الصدق: 2 / 234 فما بعدها، والصحيح من سيرة النبيّ: 3 / 65.


الفصل الثاني

  الصعود على منكِبَيّ النبيّ لكَسْر الأصنام

كانت الكعبة رمز التوحيد على طول التاريخ. وعندما بُعث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لهداية الأمّة، كان الجاهليّون قد ملئوا بيت التوحيد هذا بأصنام وأوثان شتّى من وحيِ جهْلهِم وزَيغهم الفكري، فلوّثوه بالشِرك عِبر هذا العمل السفيه؛ ولذا اهتمّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بإزالة كلّ هذا القُبح والشذوذ، وأخذ عليّاً (عليه السلام) معه لتطهير مركز التوحيد من مظاهر الشِرك.

فصعد (عليه السلام) على منكِبَي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وألقى صنم قريش الكبير - وقيل: هو صنم خزاعة - من على سطح الكعبة إلى الأرض. وهذه الفضيلة العظيمة المتمثّلة بتحطيم الأصنام صعوداً على منكبَي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، تفرّد بها عليّ (عليه السلام) دون غيره على امتداد التاريخ.

وهي فضيلة لا نظير لها، وموهبة لا يشاركه فيها أحد.

113 - الإمام عليّ (عليه السلام):(لمّا كان الليلة التي أمرني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ أبيت على فراشه وخرج من مكّة مهاجراً، انطلق بي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى الأصنام فقال:


اجلس، فجلست إلى جنب الكعبة، ثمّ صعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على منكبَي ثمّ قال: انهض، فنهضت به فلمّا رأى ضعفي تحته قال: اجلس، فجلست فأنزلته عنّي وجلس لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثمّ قال لي: يا عليّ، اصعد على منكِبَي فصعدت على منكبَيه، ثمّ نهض بي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخُيّل إليّ أنّي لو شئت نِلتُ السماء، وصعدت إلى الكعبة وتنحّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فألقَيتُ صنمهم الأكبر، وكان من نحاس موتداً بأوتاد من حديد إلى الأرض، فقال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): عالجْه فعالجت فما زلت أُعالجه ويقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إيهٍ إيه، فلم أزَل أُعالجه حتى استمكنتُ منه فقال: دقّه، فدققته فكسّرته ونزلت) (1) .

114 - المستدرك على الصحيحين عن أبي مريم عن الإمام عليّ (عليه السلام): (انطلَق بي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى أتى بي الكعبة، فقال لي: اجلس، فجلست إلى جنب الكعبة فصعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بمنكِبَي، ثمّ قال لي: انهض، فنهضت، فلمّا رأى ضعفي تحته قال لي: اجلس، فنزلت وجلست، ثمّ قال لي: يا عليّ اصعد على منكبَي، فصعدت على منكبَيه ثمّ نهض بي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا نهض بي خُيّل إليّ لو شئت نِلت أُفق السماء، فصعدت فوق الكعبة وتنحّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال لي: ألقِ صنمهم الأكبر - صنم قريش - وكان من نحاس موتداً بأوتادٍ من حديد إلى الأرض، فقال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): عالِجْه ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول لي: إيهٍ إيه ( جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ) (2) فلم أزل أُعالجه حتى استمكنت منه، فقال: اقذفه، فقذفته فتكسّر، وتردّيت من فوق الكعبة، فانطلقت أنا

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 3 / 6 / 4265، تاريخ بغداد: 13 / 302 / 7282 كلاهما عن أبي مريم وفيه من (انطلَق بي...).

(2) الإسراء: 81.


والنبيّ (صلّى الله عليه وآله) نسعى وخشينا أنْ يرانا أحد من قريش وغيرهم. قال عليّ: فما صعد به حتى الساعة) (1) .

115 - الإمام عليّ (عليه السلام) - لأبي بكر: (أُنشدك بالله، أنت الذي حمَلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على كتفَيه في طرح صنم الكعبة وكسْره حتى لو شاء أنْ ينال أُفُق السماء لنالها أمْ أنا؟) قال: بل أنت (2) .

تحقيقٌ و تمحيص

إنّ الأخبار المنقولة حول هذه الحادثة بالغة الكثرة، فقد نقلها أئمّة الحديث، والتاريخ، والحُفّاظ - على حدّ تعبير العلاّمة الجليل الشيخ الأميني (3) - بدون أنْ يطعنوا في أسانيدها ويشكّوا في نقلها. وما يتطلّب قليلاً من البحث، ويحتاج إلى التحقيق والتمحيص والتوضيح هو زمن الحادثة، فإنّ تبويب الأخبار الكثيرة المنقولة في هذا المجال يدلّ على أنّها تنقسم إلى أربعة أقسام:

1 - بعض الأخبار - وهي كثيرة جدّاً - لم تصرّح بزمن وقوع الحادثة، وجاء في آخرها أنّ الإمام قال: (... فقذفت به [أحد الأصنام] فتكسّر كما تتكسّر

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 2 / 398 / 3387، مسند ابن حنبل: 1 / 183 / 644، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 225 / 122، تهذيب الآثار (مسند عليّ بن أبي طالب): 237 / 32 و ح 33، مسند أبي يعلي: 1 / 180 / 287 وزاد في آخرهما (فلم يرفع عليها بعد)، المناقب للخوارزمي: 123 / 139، المناقب لابن المغازلي: 429 / 5، المناقب للكوفي: 2 / 606 / 1105.

(2) الخصال: 552 / 30 عن أبي سعيد الورّاق، الاحتجاج: 1 / 311 / 53 كلاهما عن الإمام الصادق عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام).

(3) الغدير: 7 / 10.


القوارير، ثمّ نزلتُ، فانطلقت أنا ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) نستبق حتى توارَينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس) (1).

2 - أخبار أخرى تُشير إلى أنّها كانت في ليلة خروج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من مكّة (2) .

3 - أخبار أخرى تنصّ على أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خرج مع الإمام (عليه السلام) من بيت خديجة، ثمّ عادا إلى البيت بعد كسْر الأصنام (3) .

4 - خبر آخر نصّ على أنّها تزامنت مع فتح مكّة (4) .

وتدلّ الطوائف الثلاثة الأُولى من هذه الأخبار على أنّ الحادثة كانت قبل الهجرة، وفي ذروة الإرهاب الذي مارسه المشركون ضدّ المسلمين، والظنّ القويّ يدعم هذا الرأي، مع أنّه لا يستبعد وقوعها مرّتين، أي قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بهذه الحركة العظيمة المضادّة للشِرك ومعه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، في ذلك الجوّ الإرهابي الخانق المظلم قبل الهجرة. ومن الجليّ أنّ المشركين الذين كانت مكّة والمسجد الحرام والكعبة تحت تصرّفهم، قد أعادوا الأصنام إلى مكانها، ودنّسوا بها الكعبة، ثمّ وبعد فتح مكّة تكرّرت تلك الحركة التطهيرية العظيمة للمرّة الأخيرة.

____________________

(1) مسند ابن حنبل: 1 / 183 / 644، المستدرك على الصحيحين: 2 / 398 / 3387، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 225 / 122، تهذيب الآثار (مسند عليّ بن أبي طالب): 237 / 32 و33، مسند أبى يعلي: 1 / 180 / 287، المناقب لابن المغازلي: 429 / 5، المناقب للخوارزمي: 123/139، المناقب للكوفي: 2 / 606 / 1105، وراجع تاريخ بغداد: 13 / 302 / 7282، ومجمع الزوائد: 6 / 21 / 9836، والخصال: 552 / 30، والاحتجاج: 1 / 311 / 53.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3 / 6 / 4265.

(3) الفضائل لابن شاذان: 83، بحار الأنوار: 38 / 84 / 4.

(4) المناقب لابن المغازلي: 202 / 2400، العمدة: 364 / 710.


واحتمل بعض المحدّثين والعلماء هذا التعدّد: فالعلاّمة المجلسي الذي تحدّث في موضع من كتابه (بحار الأنوار) عن فتح مكّة، أشار في موضع آخر إلى أخبار أخرى، وقال:

(أمّا كون كسر الأصنام في فتح مكّة فلا يظهر من هذا الخبر، ولا من أكثر الأخبار الواردة فيه، بل صريح بعض الأخبار وظاهر بعضها كون ذلك قبل الهجرة، فيمكن الجمع بينهما بالقول بتعدّد وقوع ذلك) (1) .

ونقل أحمد بن محمّد بن عليّ بن أحمد العاصمي (م 378) أحد أُدباء القرن الرابع وعُلمائه بخراسان أيضاً هذا الاحتمال (2) .

____________________

(1) بحار الأنوار: 59 / 138.

(2) زين الفتى: 1 / 159.



الفصل الثالث

  الإيثار الرائع ليلة المبيت

قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (1) .

انتشر دين الله في شبه الجزيرة العربيّة شيئاً فشيئاً، وعَلا الأذان المحمّدي، وانعكس صداه في أرجاء منها، وكانت (يثرب) من المدن التي سمعت نداء الحقّ، وقد التقى عدد من أهلها برسول الله (صلّى الله عليه وآله) في موسم الحجّ، وعاهدوه سِرّاً (2) .

ومن جهة أخرى زاد المشركون ظلمهم وجَورهم، وبلغوا ما بلغوا في تعذيبهم واضطهادهم وإرهابهم للناس، واشتدّ أذاهم للمسلمين، فأمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بالهجرة إلى يثرب.

____________________

(1) البقرة: 207.

(2) السيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 301، الطبقات الكبرى: 1 / 221، دلائل النبوّة للبيهقي: 2 / 430 - 433.


من هنا، هاجر المسلمون إلى يثرب تخلّصاً من جَور المشركين واضطهادهم، وقد بذل المشركون قُصارى جهدهم للحؤول دون الهجرة، بَيد أنّ رجالاً كثيراً تركوا ما عندهم في مكّة وغادروها على عجَل، ففزع المشركون لذلك؛ لأنّهم كانوا يعتقدون أنّه إذا اجتمع خلْق غفير من أهل يثرب، وحصل المسلمون على دعمٍ من بعضهم، وخرج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من مكّة والتحق بهم، فسيشكّلون قوّة عظيمة تهدّد أمْنهم وخاصة قوافلهم التجاريّة؛ ولذا عزموا على تدبير مكيدة لإنهاء أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي كان لا يزال بمكّة.

فاجتمعوا وتشاوروا، فتصافقوا على قتْله (صلّى الله عليه وآله)؛ إذ لم يكن إخراجه أو حبْسه مُجدياً. واطّلع (صلّى الله عليه وآله) على مؤامرتهم المشؤومة عن طريق الوحي، فكُلِّف بالخروج من مكّة (1) ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (2) .

وقد قام المشركون بتطويق داره (صلّى الله عليه وآله)، بعد تداولهم في خطّة قتله وكيفيّة التنفيذ، فإذا قَصَد الخروج فستتلقّاه سيوفهم وينتهي أمره إلى الأبد.

فاقترح (صلّى الله عليه وآله) على عليّ (عليه السلام) أنْ يبيت في فراشه تلك الليلة، فسأله: (أوَ تسلم يا رسول الله؟) قال: (نعم).

فرحّب الإمام (عليه السلام) بهذا الاقتراح موطّناً نفسه للقتل عند مواجهة المشركين صباحاً (3) ، وسجد سجدة الشُكر على هذه الموهبة العظيمة (4) .

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 1 / 227، الأمالي للطوسي : 465 / 1031.

(2) الأنفال: 30.

(3) الأمالي للطوسي : 447 / 998 و ح 999، تاريخ اليعقوبي: 2 / 39، وراجع المناقب للكوفي: 1 / 124 / 69، والمستدرك على الصحيحين: 3 / 5 / 4264.

(4) الأمالي للطوسي : 465 / 1031، المناقب لابن شهر آشوب: 1 / 183.


والتحف بالبُرد اليماني الأخضر الذي كان يلتحف به النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عند نومه، ونام مطمئنّاً في فراشه (صلّى الله عليه وآله) (1) .

لقد عبّر الإمام (عليه السلام) بهذا الموقف عن غاية شجاعته، وجسّدها وصدع بها عمليّاً؛ إذ عرّض بدنه الأعزل للسيوف المسلولة، وهذا اللون من الشجاعة امتاز به دون غيره.

وقد دفع هذا الإيثار الرائع الملائكة الكروبيّين إلى الاستحسان والإعجاب به.

وباهى الله سبحانه ملائكته بهذا المشهد العجيب لنكران الذات (2) ، فأنزل الآية الكريمة: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ... ) ؛ لتخليد هذه المنقبة، وتكريم هذا الإيثار وهذه الفضيلة الرفيعة في أروقة التاريخ.

وبعد تلك الليلة كان (عليه السلام) يذهب إلى غار (ثور)؛ ليُوصِل ما يحتاج إليه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ورفيقه (3) . فأوصاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بردّ الأمانات، واللحاق به في المدينة (4) .

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42 / 67 و68، المستدرك على الصحيحين: 3 / 5 / 4263، الطبقات الكبرى: 2281؛ الأمالي للطوسي : 445 / 995.

(2) مجمع البيان: 2 / 535، تأويل الآيات الظاهرة: 1 / 89 / 76، الفضائل لابن شاذان: 81، تاريخ اليعقوبي: 2 / 39، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 65، العمدة: 240 / 367، تنبيه الخواطر: 1 / 173، إرشاد القلوب: 224.

(3) تاريخ دمشق: 42 / 68، المناقب للكوفي: 1 / 364 / 292.

(4) السنن الكبرى: 6 / 472 / 12697، الطبقات الكبرى: 3 / 22، تاريخ دمشق: 42 / 68، أُسد الغابة: 4 / 92 / 3789، أنساب الأشراف: 1 / 309، تاريخ الطبري: 2 / 382، السيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 129، الأمالي للطوسي : 467 / 1031.


وبعد مدّة ترك (عليه السلام) مكّة قاصداً يثرب ومعه الفواطم، أُمُّه فاطمة بنت أسد، والسيّدة فاطمة الزهراء، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطّلب. فعلمت قريش بذلك، وعزمت على منعه فبعثت ببعض فرسانها خَلْفه، بَيد أنّهم اصطدموا بموقفه الشجاع الجريء ورجعوا خائبين (1) . وكان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ينتظره في (قِبا)، حتى إذا لحق به، توجّهوا نحو يثرب (2) .

116 - الأمالي للطوسي عن أنَس: لمّا توجّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى الغار ومعه أبو بكر، أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) أنْ ينام على فراشه ويتوشّح ببُردته، فبات عليّ (عليه السلام) موطّناً نفسه على القتل، وجاءت رجال قريش من بطونها يُريدون قتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا أرادوا أنْ يضعوا عليه أسيافهم لا يشكّون أنّه محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فقالوا: أيقظوه ليجد ألم القتْل ويرى السيوف تأخذه، فلمّا أيقظوه ورأوه عليّاً (عليه السلام) تركوه وتفرّقوا في طلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأنزل الله عزّ وجلّ: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (3) .

117 - تاريخ اليعقوبي: أجمعت قريش على قتل رسول الله، وقالوا: ليس له اليوم أحد ينصره وقد مات أبو طالب، فأجمعوا جميعاً على أنْ يأتوا من كلّ قبيلة بغلام نَهْدٍ (4) ، فيجتمعوا عليه، فيضربوه بأسيافهم ضربةَ رجُلٍ واحد، فلا يكون لبني هاشم قوّة بمعاداة جميع قريش.

____________________

(1) الأمالي للطوسي : 470 / 1031.

(2) الطبقات الكبرى: 3 / 22، تاريخ دمشق: 42 / 69.

(3) الأمالي للطوسي : 447 / 998. راجع: القسم التاسع / عليٌّ عن لسان القرآن / الذي يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله.

(4) أي شابّ قويّ ضخم (النهاية: 5 / 135).


فلمّا بلغ رسول الله أنّهم أجمعوا على أنْ يأتوه في الليلة التي اتّعدوا فيها خرَج رسول الله لمّا اختلط الظلام ومعه أبو بكر، وإنّ الله عزّ وجلّ أوحى في تلك الليلة إلى جبريل وميكائيل أنّي قضيت على أحدكما بالموت فأيّكما يواسي صاحبه؟ فاختار الحياة كلاهما، فأوحى الله إليهما: هلاّ كنتما كعليّ بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمّد، وجعلت عُمر أحدهما أكثر من الآخر، فاختار عليٌّ الموت، وآثر محمّداً بالبقاء، وقام في مضجعه؟! اهبطا فاحفظاه من عدوّه.

فهبط جبريل وميكائيل، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رِجْليه يحرسانه من عدوّه ويصرفان عنه الحجارة، وجبريل يقول: بخٍ بخٍ لك يا بن أبي طالب، مَن مثلك يباهي الله بك ملائكة سبع سماوات؟!.

وخلّف عليّاً على فراشه لردّ الودائع التي كانت عنده، وصار إلى الغار فكَمَن فيه، وأتت قريش فراشه فوجدوا عليّاً، فقالوا: أين ابن عمّك؟ قال: قلتم له: اخرج عنّا، فخرج عنكم. فطلبوا الأثر فلم يقعوا عليه (1) .

118 - مجمع البيان - في ذِكر مبيت عليّ (عليه السلام) على فراش النبيّ (صلّى الله عليه وآله): روي أنّه لمّا نام على فراشه قام جبرائيل عند رأسه وميكائيل عند رِجْليه، وجبرائيل ينادي: بخٍ بخٍ مَن مثلك يا بن أبي طالب، يباهي الله بك الملائكة! (2)

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 39، وراجع العمدة: 240 / 367، وتنبيه الخواطر: 1 / 173، والفضائل لابن شاذان: 81، والمناقب لابن شهر آشوب: 2 / 65، وأُسد الغابة: 4 / 98 / 3789، وإحياء علوم الدين: 3793.

(2) مجمع البيان: 2 / 535، الأمالي للطوسي : 469 / 1031، العمدة: 239 / 367، الفضائل لابن شاذان: 81، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 65، تأويل الآيات الظاهرة: 1 / 89 / 76، تذكرة الخواصّ: 35، شواهد التنزيل: 1 / 123 / 133 كلّها نحوه.


119 - الأمالي للطوسي عن ابن عبّاس: اجتمع المشركون في دار الندوة؛ ليتشاوروا في أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأتى جبرئيل (عليه السلام) رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأخبره الخبر، وأمره أنْ لا ينام في مضجعه تلك الليلة، فلمّا أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المبيت أمر عليّاً (عليه السلام) أنْ يبيت في مضجعه تلك الليلة، فبات عليّ (عليه السلام) وتغشّى ببُردٍ أخضر حضرمي كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ينام فيه، وجعل السيف إلى جنبه فلمّا اجتمع أُولئك النفر من قريش يطوفون ويرصدونه ويريدون قتْله، فخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهُم جلوس على الباب، عددهم خمسة وعشرون رجُلاً، فأخذ حفْنة من البطحاء (1) ، ثمّ جعل يذرّها على رؤوسهم [و] (2) هو يقرأ: ( يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ) حتى بلغ ( فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ) (3) .

فقال لهم قائل: ما تنظرون قد والله خبتم وخسرتم، والله لقد مرّ بكم وما منكم رجُل إلاّ وقد جعل على رأسه تراباً. فقالوا: والله ما أبصرناه! قال: فأنزل الله عزّ وجلّ ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (4)(5) .

120 - مسند ابن حنبل عن ابن عبّاس - في قوله تعالى: ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ ) : تشاورت قريش ليلةً بمكّة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبيّ (صلّى الله عليه وآله) - وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع

____________________

(1) هو الحصى الصغار (لسان العرب: 2 / 413).

(2) ما بين المعقوفين زيادة منّا يقتضيها السياق.

(3) يس: 1 و2 و9.

(4) الأنفال: 30.

(5) الأمالي للطوسي : 445 / 995، بحار الأنوار: 19 / 54 / 11.


الله عزّ وجلّ نبيّه على ذلك، فبات عليّ على فراش النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تلك الليلة، وخرج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حتى لحِق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليّاً يحسبونه النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا أصبحوا ثابوا إليه، فلمّا رأوه عليّاً ردّ الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدرى! فاقتصّوا أثره، فلمّا بلغوا الجبل خلط عليهم فصعدوا في الجبل، فمرّوا بالغار، فرأوا على بابه نَسْج العنكبوت فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال (1) .

121 - الإمام عليّ (عليه السلام): (إنّ قريشاً لم تزَل تخيّل الآراء وتعمل الحيَل في قتل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حتى كان آخر ما اجتمعت في ذلك يوم الدار - دار الندوة - وإبليس الملعون حاضر في صورة أعوَر ثقيف، فلم تزَل تضرب أمرها ظَهراً لبطن، حتى اجتمعت آراؤها على أنْ ينتدب من كلّ فَخِذ من قريش رجُل، ثمّ يأخذ كلّ رجل منهم سيفه ثمّ يأتي النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وهو نائم على فراشه فيضربونه جميعاً بأسيافهم ضربةَ رجلٍ واحد فيقتلوه، وإذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم تسلّمها، فيمضي دمه هدراً.

فهبط جبرئيل (عليه السلام) على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فأنبأه بذلك وأخبره بالليلة التي يجتمعون فيها والساعة التي يأتون فراشه فيها، وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار، فأخبرني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالخبر، وأمرني أنْ أضطجع في مضجعه وأقِيَه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعاً له مسروراً لنفسي بأنْ أُقتل دونه، فمضى (عليه السلام) لوجهه، واضطجعت في مضجعه، وأقبَلَت رجالات قريش موقِنة في أنفسها أنْ

____________________

(1) مسند ابن حنبل: 1 / 744 / 3251، المصنّف لعبد الرزّاق: 5 / 389 / 9743، المعجم الكبير: 11 / 322 / 12155، الدُرّ المنثور: 4 / 50، مجمع البيان: 4 / 826.


تقتل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي، فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الله والناس) (1) .

122 - الطبقات الكبرى عن عائشة وابن عبّاس وعائشة بنت قدامة وعليّ (عليه السلام) وسراقة بن جعشم - دخل حديث بعضهم في حديث بعض -: أتى جبريل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأخبره الخبر [أي اجتماع قريش على قتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ] وأمَره أنْ لا ينام في مضجعه تلك الليلة... وأمَر عليّاً أنْ يبيت في مضجعه تلك الليلة، فبات فيه عليّ وتغشّى بُرداً أحمَر حضرَميّاً كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ينام فيه، واجتمع أُولئك النفَر من قريش يتطلّعون من صِيْر (2) الباب ويرصدونه يريدون ثيابه ويأتمرون أيّهم يحمل على المضطجِع صاحب الفراش، فخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهُم جلوس على الباب، فأخذ حفنة من البَطحْاء فجعل يذرّها على رؤوسهم ويتلو:

( يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ) (3) حتى بلغ: ( وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) (4) ومضى رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

فقال قائل لهم: ما تنتظرون؟ قالوا: محمّداً، قال: خبتم وخسرتم، قد والله مرّ بكم وذرّ على رؤوسكم التراب، قالوا: والله ما أبصرناه! وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، وهم: أبو جهل والحكَم بن أبي العاص وعقبة بن أبي مُعَيط والنضر ابن الحارث وأُميّة بن خلف وابن الغيطلة وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عديّ، وأبو لهب وأُبيّ بن خلَف ونبيه ومُنبه ابنا الحجّاج، فلمّا أصبحوا قام عليّ عن

____________________

(1) الخصال: 366 / 58 عن جابر الجعفي عن الإمام الباقر (عليه السلام).

(2) الصِيْر: شِقّ الباب (النهاية: 3 / 66).

(3) يس: 1 و2.

(4) يس: 10.


الفراش، فسألوه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: (لا عِلم لي به) (1) .

123 - المستدرك على الصحيحين عن ابن عبّاس: شرى عليّ نفسه ولبس ثوب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ثمّ نام مكانه. قال: وكان المشركون يرمون رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ألبسه بُردةً، وكانت قريش تريد أنْ تقتل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فجعلوا يرمون عليّاً ويرونه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وقد لبس بُردة، وجعل عليّ (رضيَ الله عنه) يتضَوّر (2) ، فإذا هو عليّ فقالوا: إنّك للئيم؛ إنّك لتتضوّر وكان صاحبك لا يتضوّر، ولقد استنكرناه منك (3) .

124 - مسند ابن حنبل عن ابن عبّاس: شرى عليّ نفسه؛ لبِس ثوب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ثمّ نام مكانه، قال: وكان المشركون يرمون رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فجاء أبو بكر وعليّ نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنّه نبيّ الله، فقال: يا نبيّ الله، قال: فقال له عليّ: (إنّ نبيّ الله (صلّى الله عليه وآله) قد انطلق نحو بئر ميمون فأدرِكه)، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار)، قال: وجعل عليّ يُرمى بالحجارة - كما كان يُرمى نبيّ الله - وهو يتضوّر، قد لفّ رأسه في الثوب لا يخرجه، حتى أصبح، ثمّ كشف عن رأسه، فقالوا: إنّك لَلئيم؛ كان صاحبك نرميه فلا يتضوّر وأنت تتضوّر، وقد استنكرنا ذلك (4) .

125 - تاريخ الطبري: أصبح الرهط الذين كانوا يرصدون رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فدخلوا الدار، وقام عليّ (عليه السلام) عن فراشه، فلمّا دنوا منه عرفوه، فقالوا له: أين صاحبك؟.

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 1 / 227 و228.

(2) التضَوُّر: الصياح والتلوّي عند الضرب أو الجوع (مجمع البحرين: 2 / 1088).

(3) المستدرك على الصحيحين: 3 / 5 / 4263، تاريخ دمشق: 42 / 68، تفسير الحبري: 242 / 9 وفيهما (لنائم) بدل (للئيم)، تفسير فرات: 66 / 33 كلّها نحوه.

(4) مسند ابن حنبل: 1 / 709 / 3062، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 684 / 1168، المستدرك على الصحيحين: 3 / 143 / 4652 وص 5 / 4263 نحوه، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 72 / 23، تفسير العيّاشي: 1 / 101 / 293.


قال: (لا أدرى، أوَ رقيباً كنتُ عليه؟! أمرتموه بالخروج فخرج). فانتهروه وضربوه وأخرجوه إلى المسجد، فحبسوه ساعة ثمّ تركوه (1) .

126 - الأمالي للطوسي عن هند بن هالة وأبي رافع وعمّار بن ياسر - في ذِكر اجتماع قريش على قتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعزمه على الهجرة إلى المدينة: دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) وقال له: (يا عليّ، إنّ الروح هبَط عليَّ بهذه الآية آنفاً، يخبرني أنّ قريشاً اجتمعوا على المكر بي وقتلي، وأنّه أوحى إليّ ربّي عزّ وجلّ أنْ أهجر دار قومي، وأنْ أنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي، وأنّه أمرني أنْ آمرك بالمبيت على ضجاعي - أو قال: مضجعي - ليخفى بمبيتك عليهم أثري، فما أنت قائل وما صانع؟).

فقال عليّ (عليه السلام): (أ وَتسلم بمبيتي هناك يا نبيّ الله؟) قال: نعم، فتبسّم عليّ (عليه السلام) ضاحكاً، وأهوى إلى الأرض ساجداً شكراً بما أنبأه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من سلامته، وكان عليّ صلوات الله عليه أوّل من سجَد لله شكراً، وأوّل من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته من هذه الأمّة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا رفع رأسه قال له: (امضِ لِما أُمرت فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي، ومُرني بما شئت أكن فيه كمسرّتك، وأقع منه بحيث مرادك، وإنْ توفيقي إلاّ بالله....)

فلمّا غلق الليل أبوابه وأسدل أستاره وانقطع الأثر، أقبل القوم على عليّ صلوات الله عليه يقذفونه بالحجارة والحَلَم (2) ، ولا يشكّون أنّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى إذا برق الفجر وأشفقوا أنْ يفضحهم الصبح، هجموا على عليّ صلوات الله عليه،

____________________

(1) تاريخ الطبري: 2 / 374، الكامل في التاريخ: 1 / 516 نحوه.

(2) جمع حَلَمة: نبات ينبت بنجد في الرمل، لها زهر، وورقها أُخيشن، عليه شوك (لسان العرب: 12 / 148 و149).


وكانت دُور مكّة يومئذٍ سوائب لا أبواب لها، فلمّا بصر بهم عليّ (عليه السلام) قد انتضَوا السيوف وأقبلوا عليه بها، وكان يقدمهم خالد بن الوليد بن المغيرة، وثَب له عليّ (عليه السلام) فختله وهَمَز يده (1) ، فجعل خالد يقمِص (2) قِماص البَكْر (3) ، ويرغو رغاء الجَمَل، ويذعر ويصيح، وهم في عرَج الدار من خلْفِه، وشدّ عليهم عليّ (عليه السلام) بسيفه - يعني سيف خالد - فأجفلوا (4) أمامه إجفال النَعَم إلى ظاهر الدار، فتبصّروه فإذا هو عليّ (عليه السلام)، فقالوا: إنّك لعليّ؟.

قال: (أنا عليّ)، قالوا: فإنّا لم نُردْك، فما فعل صاحبك؟ قال: (لا عِلم لي به) وقد كان عَلِم - يعني عليّاً (عليه السلام) - أنّ الله تعالى قد أنجى نبيّه (صلّى الله عليه وآله) بما كان أخبره من مُضيّه إلى الغار واختبائه فيه، فأذكت قريش عليه العيون، وركبت في طلبه الصعب والذلول، وأمهل عليّ صلوات الله عليه حتى إذا أعْتَم (5) من الليلة القابلة انطلق هو وهند بن أبي هالة حتى دخَلا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الغار، فأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هنداً أنْ يبتاع له ولصاحبه بعيرَين، فقال أبو بكر: قد كنت أعددت لي ولك يا نبيّ الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب.

فقال: (إنّي لا آخذهما ولا أحدهما إلاّ بالثمن). قال: فهي لك بذلك. فأمر (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) فأقبضه الثمن، ثمّ أوصاه بحِفْظ ذمّته وأداء أمانته.

وكانت قريش تدعو محمّداً (صلّى الله عليه وآله) في الجاهليّة الأمين، وكانت تستودعه وتستحفظه أموالها وأمتعتها، وكذلك من يقدِم مكّة من العرب في الموسم، وجاءته النبوّة والرسالة والأمر كذلك، فأمر عليّاً (عليه السلام) أنْ يقيم صارخاً يهتف

____________________

(1) خَتَلَهُ: أي داورَه وطلبه من حيث لا يشعر (النهاية: 2 / 10)، والهمْز: العصر (لسان العرب: 5 / 426).

(2) القِماص: هو أنْ لا يستقرّ في موضع، تراه يقمِص فيَثب من مكانه من غير صبر (لسان العرب: 7 / 82).

(3) البَكْر: الفَتيُّ من الإبل، بمنزلة الغلام من الناس (النهاية: 1 / 149).

(4) جَفَلَ: إذا أسرع وذهب في الأرض (مجمع البحرين: 1 / 300).

(5) أعْتَمَ الرجل: صار في العَتَمة، وهي ثلُث الليل الأوّل بعد غيبوبة الشَّفَق (لسان العرب: 12 / 381).


بالأبطح غدوةً وعشيّاً: (ألا مَن كان له قِبَل محمّد أمانة أو وديعة فليأت فلتؤدَّ إليه أمانته).

قال: وقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (إنّهم لنْ يصلوا من الآن إليك يا عليّ بأمر تكرهه حتى تقدم عليَّ، فأدِّ أمانتي على أعين الناس ظاهراً، ثمّ إنّي مستخلفك على فاطمة ابنتي ومستخلف ربّي عليكما ومستحفظه فيكما)، وأمَره أنْ يبتاع رواحل له وللفواطم، ومَن أزمع (1) للهجرة معه من بني هاشم....

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعليّ وهو يوصيه: (وإذا أبرمت ما أمرتك فكن على أُهبة الهجرة إلى الله ورسوله، وسِر إليّ لقدوم كتابي إليك، ولا تلبث بعده....).

ولمّا ورد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المدينة نزل في بني عمرو بن عوف بقُباء، فأراده أبو بكر على دخوله المدينة وألاصَهُ (2) في ذلك، فقال (صلّى الله عليه وآله): (ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن عمّي وابنتي)، يعني عليّاً وفاطمة (عليهما السلام)...

ثمّ كتب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كتاباً يأمره فيه بالمسير إليه وقلّة التلوّم (3) ، وكان الرسول إليه أبا واقد الليثي، فلمّا أتاه كتاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تهيّأ للخروج والهجرة، فآذن مَن كان معه من ضعفاء المؤمنين، فأمرهم أنْ يتسلّلوا ويتخفّفوا إذا ملأ الليل بطن كلّ وادٍ إلى ذي طوى، وخرج عليّ (عليه السلام) بفاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأُمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطّلب - وقد قيل هي ضُباعة - وتبعهم أيمَن ابن أُمّ أيمن مولى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأبو واقد رسول رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فجعل يسوق بالرواحل فأعنف بهم.

____________________

(1) أي أجمعَ الرأي وعزمَ عليه (مجمع البحرين: 2 / 781).

(2) أي أدارهُ وراودهُ (النهاية: 4 / 276).

(3) التَلَوُّم: الانتظار والتلبّث (لسان العرب: 12 / 557).


فقال عليّ صلوات الله عليه: (ارفِق بالنسوة يا أبا واقد؛ إنّهنّ من الضعائف). قال: إنّي أخاف أنْ يدركنا الطالب - أو قال: الطلَب - فقال عليّ (عليه السلام): (ارْبَعْ (1) عليك؛ فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لي: يا عليّ، إنّهم لن يصلوا من الآن إليك بما تكرهه)، ثمّ جعل - يعني عليّاً (عليه السلام) - يسوق بهنّ سوقاً رفيقاً وهو يرتجز ويقول:

ليس إلاّ الله فارفع ظنّكا

يكفيك ربّ الناس ما أهمّكا

وسار فلمّا شارف ضَجَنان (2) أدركه الطلب، وعددهم سبعة فوارس من قريش مستلئمين (3) ، وثامنهم مولى لحرب بن أُميّة يدعى جناحاً، فأقبل عليّ (عليه السلام) على أيمَن وأبي واقد، وقد تراءى القوم، فقال لهما: (أنيخا الإبِل واعقِلاها)، وتقدّم حتى أنزل النسوة، ودنا القوم فاستقبلهم (عليه السلام) منتضياً سيفه، فأقبلوا عليه فقالوا: أظننت أنّك يا غُدَرُ (4) ناجٍ بالنسوة؟! ارجع لا أبا لك.

قال: (فإنْ لم أفعل؟) قالوا: لترجعنّ راغماً، أو لنرجعنّ بأكثرك شعراً وأهوِن بك من هالك، ودنا الفوارس من النسوة والمطايا ليثوّروها، فحال عليّ (عليه السلام) بينهم وبينها، فأهوى له جناح بسيفه، فراغ (5) عليّ (عليه السلام) عن ضربته وتختّله عليّ (عليه السلام) فضربه على عاتقه، فأسرع السيف مضيّاً فيه حتى مسّ كاثبة (6) فرَسِه، فكان (عليه السلام) يشدّ على قدَمِه شدّ الفرَس، أو الفارس على فرسه، فشدّ عليهم بسيفه وهو يقول:

____________________

(1) أي ارفق بنفسك وكُفّ (الصحاح: 3 / 1212).

(2) جبل بناحية تهامة على بريد من مكّة، وهناك الغميم، في أسفله مسجد صلّى فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (معجم البلدان: 3 / 453).

(3) استلأم الرجل: إذا لبِس ما عنده من عُدّة، رمح وبيضة ومِغفَر وسيف ونَبل (لسان العرب: 12 / 532).

(4) غُدَر: معدول عن غادر للمبالغة (النهاية: 3 / 345).

(5) أي حادَ (لسان العرب: 8 / 431).

(6) هي من الفرَس مُجتمع كتفَيه قُدّام السرْج (النهاية: 4 / 152).


(خلّوا سبيل الجاهد المجاهدِ

آليت لا أعبد غير الواحدِ)

فتصدّع عنه القوم وقالوا له: اغنِ عنّا نفسك يا بن أبي طالب. قال: (فإنّي منطلق إلى ابن عمّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بيثرب، فمَن سرّه أنْ أُفري لحمه وأُريق دمه فَليَتعقّبني أو فَليَدنُ منّي).

ثمّ أقبل على صاحبيه أيمَن وأبي واقد فقال لهما: (أطلِقا مطاياكما).

ثمّ سار ظاهراً قاهراً حتى نزل ضَجْنان، فتلوّم بها قدر يومه وليلته، ولحِق به نفَر من المستضعفين من المؤمنين وفيهم أُمّ أيمَن مولاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فظلّ ليلته تلك هو والفواطم - أُمّه فاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وفاطمة بنت الزبير - طوراً يصلّون وطوراً يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، فلم يزالوا كذلك حتى طلع الفجر فصلّى (عليه السلام) بهم صلاة الفجر، ثمّ سار لوجهه يجوب منزلاً بعد منزل لا يفتر عن ذكر الله، والفواطم كذلك وغيرهم ممّن صحِبَه حتى قدِموا المدينة (1) .

127 - تاريخ دمشق عن أبي رافع: إنّ عليّاً كان يجهّز النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حين كان بالغار ويأتيه بالطعام، واستأجر له ثلاث رواحل، للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) ولأبي بكر ودليلهم ابن أُريقط، وخلّفه النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فخرج إليه أهله، فخرج، وأمره أنْ يؤدّى عنه أمانته ووصايا مَن كان يوصي إليه، وما كان يؤتمَن عليه مِن مال، فأدّى أمانته كلّها.

وأمَره أنْ يضطجع على فراشه ليلة خرج، وقال: (إنّ قريشاً لنْ يفقدوني ما رأوك)، فاضطجع عليّ على فراشه، فكانت قريش تنظر إلى فراش النبيّ (صلّى الله عليه وآله)

____________________

(1) الأمالي للطوسي: 465 - 469 / 1031، وراجع المناقب لابن شهر آشوب: 1 / 182 - 184، وكشف الغمّة: 2 / 30 - 32.


فيرَون عليه رجُلاً يظنّونه النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، حتى إذا أصبحوا رأوا عليه عليّاً، فقالوا: لو خرج محمّد خرج بعليٍّ معه، فحبسهم الله عزّ وجلّ بذلك عن طلب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حين رأوا عليّاً ولم يفقدوا النبيّ (صلّى الله عليه وآله).

وأمَر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عليّاً أنْ يلحقه بالمدينة، فخرَج عليّ في طلبه بعدما أخرج إليه أهله، يمشي من الليل ويكمُن من النهار حتى قدم المدينة، فلمّا بلغ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قدومه قال: (ادعوا لي عليّاً). قيل: يا رسول الله، لا يقدر أنْ يمشي ، فأتاه النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا رآه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) اعتنقه وبكى رحمةً لما بقدَمَيه من الورَم، وكانتا تقطران دماً، فتفل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في يديه ثمّ مسح بهما رِجْليه، ودعا له بالعافية، فلم يشتكهما عليّ حتى استُشهد (1) .

128 - الإمام عليّ (عليه السلام): (لمّا خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى المدينة في الهجرة أمَرني أنْ أُقيم بعده حتى أُؤدّي ودائع كانت عنده للناس؛ ولذا كان يسمّى الأمين، فأقمت ثلاثاً فكنت أظهَر، ما تغيّبت يوماً واحداً، ثمّ خرَجتُ فجعلت أتّبع طريق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى قدمت بني عمرو بن عوف ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) مقيمٌ، فنزلت على كلثوم بن الهدم وهنالك منزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)) (2) .

129 - الأمالي للطوسي عن مجاهد: فخرَت عائشة بأبيها ومكانه مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الغار، فقال عبد الله بن شدّاد بن الهاد: وأين أنتِ من عليّ بن

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42 / 68 / 8416، أُسد الغابة: 4 / 92 / 3789 نحوه وفيه من (وخلّفه النبيّ (صلّى الله عليه وآله))، المناقب للكوفي: 1 / 364 / 292، إعلام الورى: 1 / 374.

(2) الطبقات الكبرى: 3 / 22 عن عبيد الله بن أبي رافع، تاريخ دمشق: 42 / 69، وراجع السنن الكبرى: 6 / 472 / 12697، وأنساب الأشراف: 1 / 309، وتاريخ الطبري: 2 / 382، والسيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 129.


أبي طالب حيث نام في مكانه وهو يرى أنّه يُقتل؟! فسكتت ولم تُحِرْ جواباً (1) .

130 - الطبقات الكبرى عن محمّد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت: قدِم عليّ للنصف من شهر ربيع الأوّل ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقُباء لم يَرِمْ (2) بعدُ (3) .

131 - الأمالي للطوسي عن أُمّ هانئ بنت أبي طالب: لمّا أمَر الله تعالى نبيّه (صلّى الله عليه وآله) بالهجرة وأنام عليّاً (عليه السلام) في فراشه ووشّحه ببُردٍ له حضرمي، ثمّ خرج فإذا وجوه قريش على بابه، فأخذ حفْنة من تراب فذرّها على رؤوسهم، فلم يشعر به أحد منهم، ودخل علَيَّ بيتي، فلمّا أصبح أقبل علَيّ وقال: (أبشري يا أُمّ هانئ؛ فهذا جبرئيل (عليه السلام) يخبرني أنّ الله عزّ وجلّ قد أنجى عليّاً من عدوّه).

قالت: وخرَج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مع جناح الصبح إلى غار ثور، وكان فيه ثلاثاً، حتى سكن عنه الطلب، ثمّ أرسل إلى عليّ (عليه السلام) وأمَره بأمره وأداء أمانته (4) .

راجع: القسم العاشر / الخصائص الأخلاقيّة / كمال الإيثار.

____________________

(1) الأمالي للطوسي: 447 / 999، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 57.

(2) رامَ يَرِيْمُ إذا برح (لسان العرب: 12 / 259): أي والنبيّ (صلّى الله عليه وآله) بقُباء لم يغادرها بعدُ.

(3) الطبقات الكبرى: 3 / 22، أُسد الغابة: 3 / 39 / 2538 عن أبي زكريّا بن يزيد بن إياس وفيه (النصف من ربيع الأوّل).

(4) الأمالي للطوسي: 447 / 1000.


نقلٌ ونَقْد

ذكرنا مراراً عند نقلِنا للأحاديث المرتبطة بالفضائل العلويّة، أنّ إنكار فضائل الإمام (عليه السلام) والسعي لمحوها من صفَحَات التاريخ وأذهان الناس - لِبَواعِث مختلفة وأسباب متنوّعة - دأْبُ أعداء الحقّ على مَرّ التاريخ. وقد كان عمرو بن بحر الجاحظ (م 255 هـ) ممّن عزَف على وتَر هذه النغمة اللاموزونة - بشأن هذه الفضيلة العظيمة - وحاول أنْ يُنكِر فضيلة المبيت على فراش النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ويسعى إلى تقليل وهَجِها الباهر المتألّق بزعمه وظنّه الباطل، فقد قال في رسالته الصغيرة المسمّاة بالعثمانيّة:

لم يكن له في ذلك كبير طاعة؛ لأنّ الناقلين نقلوا أنّه (صلّى الله عليه وآله) قال له: (نَم؛ فلن يخلص إليك شيءٌ تكرهه) (1) .

ومنهم ابن تيميّة الذي لم يألُ جُهداً، ولم يدّخر وسْعاً في تقليل شأن فضائل الإمام (عليه السلام) وآلِ الله، فعطَف على ما سبق قوله:

وأيضاً فإنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد قال: (اتّشحْ ببُردي هذا الأخضر، فنَم فيه؛ فإنّه لنْ يخلص إليك منهم رجل بشيءٍ تكرهه) فوعده - وهو الصادق - أنّه لا يخلص إليه

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: 13 / 262.


مكروه، وكان طمأنينته بوعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) (1).

ولنا عليهما:

1 - إنّ الآية الكريمة: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي... ) كما ذكرنا مصادرها الكثيرة في تضاعيف كتابنا نزلت في عليّ (عليه السلام) (2) ؛ لتدلّ على عظَمة هذه الحادثة، وهذا ما لا يدَع مجالاً للشكّ والترديد. وهكذا أطلق الله تعالى على عمل الإمام (عليه السلام) تعبير (شراء النفس)، ودعا الملائكة لملاحظة هذا الإيثار الرائع، بَيْد أنّ الجاحظ، وابن تيميّة اجتهدا في مقابل النصّ، ولم يُعِدّا ذلك (شراء نفس)، وأنكرا كونه فضيلةً؛ بذريعةٍ واهية تتلخّص في أنّه (عليه السلام) كان يعلم أنّه لا يصل إليه مكروه.

2 - إنّ الكلام الذي تشبّث به هذان الشخصان وهو قوله: (إنّهم لنْ يصلوا إليك بشيءٍ تكرهه) لم يرد في معظم المصادر التاريخيّة المهمّة التي يُشار إليها بالبَنان، كما لم يَرِد في المصادر الشيعيّة. وسنذكر أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال له هذا القول بعد المبيت، وبعدما أوصاه بأداء الأمانات في الغار. وهكذا يستقيم كلام الإسكافي المعتزلي ويصمد شامخاً؛ إذ قال في نقد كلام الجاحظ:

(هذا هو الكذِب الصراح، والتحريف والإدخال في الرواية ما ليس منها...) (3) .

3 - ذكرنا سابقاً أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال هذا الكلام، وأمر عليّاً (عليه السلام) بأداء الأمانات في إحدى ليالي إقامته في الغار، بعد حادثة المبيت، ونقل الشيخ الطوسي

____________________

(1) منهاج السنّة: 7 / 116.

(2) راجع: القسم التاسع / عليّ عن لسان القرآن / الذي يشري نفسه ابتغاء مرضات الله.

(3) شرح نهج البلاغة: 13 / 263.


رضوان الله عليه هذا القسم من الحادثة بالشكل الآتي:

فأمر (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام)، فأقبضه الثمن، ثمّ أوصاه بحفظ ذمّته وأداء أمانته... وقال: (... إنّهم لنْ يصلوا من الآن إليك يا عليّ بأمرٍ تكرهه..) (1) .

4 - في ضوء بعض المعلومات التاريخيّة: لمّا هجم المشركون على الدار صباحاً، ورأوا عليّاً (عليه السلام) في الفراش، ويأسوا من مؤامرتهم المشؤومة، اصطدموا بالإمام (عليه السلام)، وقبل ذلك رموه بالحجارة غير مرّة. قال الإسكافي:

ولو كان هذا صحيحاً لم يصل إليه منهم مكروه، وقد وقَع الاتّفاق على أنّه ضُرب ورُمي بالحجارة قبل أنْ يعلموا مَن هو حتى تضوَّر، وأنّهم قالوا له: رأينا تضوّرك؛ فإنّا كنّا نرمي محمّداً ولا يتضوّر (2) .

وقال الطبري: فانتهروه وضربوه وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعةً ثمّ تركوه (3) .

فإذا كان عدم وصول المكروه إليه بوعد من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل مبيته في فراش النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؛ لكان ينبغي عدم وصول شيء من الضرر والأذى إليه أصلاً!.

وأشار الإمام (عليه السلام) في كلام له إلى هذا الاصطدام وقال: (و أمرني أنْ أضطجع في مضجعه وأقِيه بنفسي، فأسرعتُ إلى ذلك مطيعاً له مسروراً لنفسي بأنْ أُقتل دونه) (4).

____________________

(1) الأمالي للطوسي: 467 و468 / 1031.

(2) شرح نهج البلاغة: 13 / 263.

(3) تاريخ الطبري: 2 / 374، الكامل في التاريخ: 1 / 516، تاريخ الخميس: 1 / 325، بحار الأنوار: 19 / 39 / 6، الصحيح من سيرة النبيّ: 4 / 38.

(4) الخصال: 2 / 14، بحار الأنوار: 19 / 46 / 7.


وأوضح من ذلك كلّه شِعر لطيف للإمام (عليه السلام) نفسه في وصف هذه الفضيلة الرفيعة:

وقيتُ بنفسي خيرَ من وطئ الحصا

ومَن طافَ بالبيتِ العتيق وبالحِجْرِ

رسولَ إله خاف أنْ يمكروا بهِ

فنجّاهُ ذو الطَّول الإله من المـَكْرِ

وباتَ رسولُ اللهِ في الغارِ آمناً

موقّىً وفي حِفْظ الإله وفي ستْرِ

وبتُّ أُراعيهم ولم يتّهمونني

وقد وطّنتْ نفسي على القتل والأسْرِ (1)

نلحظ الإمام (عليه السلام) في هذه الأبيات يصرّح بمبيته في فراش النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، واستعداده للقتل، والأسر، وتفانيه في سبيل المحافظة على حياته (صلّى الله عليه وآله).

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 3 / 5 / 4264، تذكرة الخواصّ: 35، الغدير: 2 / 48.


الفصل الرابع

غاية الفُتوّة في غزوة بَدْر

4 / 1

غزوة بَدْر

تُعدّ غزوة بدر من أشدّ الغزوات التي خاضها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأعظمها من حيث الظروف الزمنيّة، وميزان القوى، ومستوى المعدّات الحربيّة التي كانت عند المسلمين. ذلك أنّ الهدف الأوّل من التحرّك - وهو التحرّش بقافلة قريش والسيطرة عليها - وما تلاه من حرب غير متكافئة؛ يدلاّن على أهميّة المعركة ودَورها المصيرىّ الحاسم.

من هنا كانت للبدريّين في التاريخ منزلة رفيعة خاصّة، وكان حضورهم في حوادث التاريخ الإسلامي - لا سيّما بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) - حيثما وُجِدوا يُشعر بشأنٍ خاصّ. ووقَعت هذه المعركة ببدر - منطقة قريبة من المدينة - في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة (1) .

____________________

(1) تاريخ الطبري: 2 / 418 وص 446، الكامل في التاريخ: 1 / 524، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 57، المغازي: 1 / 51، تاريخ إليعقوبي: 2 / 45.


وشهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه المعركة التي كانت أُولى معارك النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأُولى المشاهد البطوليّة للإمام (عليه السلام) الذي ظهَر فيها بمظهر حقيق بالمشاهدة، والثناء، والإعجاب، إذ:

1 - كان يحمل الراية المظفّرة للجيش الإسلامي (1) .

2 - أُنيطت به مهمّة التعرّف على قوّة العدوّ ومعه عدد من الصحابة، وذلك قبل حدوث المواجهة وفي مرحلة حسّاسة من الاستطلاع والاستكشاف والتقصّي الخفيّ، فحقّق نجاحاً باهراً (2) .

3 - وحين طلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الماء في منتصف ليلة القتال الحالكة المروّعة، قام (عليه السلام)، وسار نحو بدْر بخطىً ثابتة راسخة، ونزح الماء من بئرها العميقة المظلمة، فروّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (3) .

4 - إنّه وفي أوّل مواجهة فرديّة سقى الوليد بن عُتبة كأس المنون (4) ، وأعان رفيقه على قتل أبيه عتبة (5) . وذكر سلام الله عليه هذه الملحمة العظيمة في أحَد

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 3 / 120 / 4583، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 650 / 1106، الطبقات الكبرى: 3 / 23، تاريخ الطبري: 2 / 431، السيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 264، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 51، تاريخ دمشق: 42 / 72 وص 74، الكامل في التاريخ: 1 / 527.

(2) تاريخ الطبري: 2 / 436، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 52، السيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 268، الكامل في التاريخ: 1 / 527، المغازي: 1 / 51.

(3) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 613 / 1049، المغازي: 1 / 57، تفسير العيّاشي: 2 / 65 / 70.

(4) تاريخ الطبري: 2 / 445، المغازي: 1 / 69، الكامل في التاريخ: 1 / 531، السيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 277، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 57.

(5) تاريخ الطبري: 2 / 445، الكامل في التاريخ: 1 / 531، السيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 277، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 57.


كُتُبِه إلى معاوية، فقال:

(فأنا أبو حسن قاتل جدّك وأخيك وخالك شَدْخاً (1) يوم بدر، وذلك السيف معي، وبذلك القلب ألقى عدوّى) (2) .

5 - وصرع (عليه السلام) العاص بن سعيد فارس قريش المقتدر (3) ، ونوفل بن خويلد العدوّ الشرور الحاقد على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (4) .

6 - ولمّا صدَر الأمر بالهجوم الشامل، وتشابكت القوى المتحاربة، وحمِيَ وطيس القتال، هجَم (عليه السلام) على العدوّ كالليث الغاضب، وخَلْخَل استعداداته العسكريّة، وصنَع من قتلاه تلاًّ؛ فقد نقل المؤرّخون أنّ (35) من قتلى المشركين البالغ عددهم (70) قُتِلوا بسيفه (عليه السلام) (5) .

7 - وهو الذي كان في عنفوان شبابه يومئذ، ونال الوسام الخالد:

(لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ) بفضل تلك الشهامة، والشجاعة، والاستبسال الذي أبداه آنذاك (6) .

132 - المستدرك على الصحيحين عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دفع الراية

____________________

(1) الشدخ: كَسْرك الشيء الأجوف كالرأس ونحوه (لسان العرب: 3 / 28).

(2) نهج البلاغة: الكتاب 10 وراجع الكتاب 64.

(3) الإرشاد: 1 / 70، المغازي: 1 / 92 وص 148، السيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 366.

(4) الإرشاد: 1 / 70، المغازي: 1 / 92 وص 149.

(5) الإرشاد: 1 / 72.

(6) تاريخ دمشق: 42 / 71، المناقب لابن المغازلي: 199 / 235، المناقب للخوارزمي: 167 / 200، البداية والنهاية: 7 / 336.


إلى عليّ (رضي الله عنه) يوم بدر وهو ابن عشرين سنة (1) .

133 - الطبقات الكبرى عن قتادة: إنّ عليّ بن أبي طالب كان صاحب لواء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم بدر وفي كلّ مشهد (2) .

134 - تاريخ الطبري عن ابن عبّاس - في ذِكر يوم بدر: كان صاحب راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة (3) .

135 - المستدرك على الصحيحين عن عبد الله: كنّا يوم بدر كلّ ثلاثة على بعير، قال: وكان عليّ وأبو لبابة زَميلَي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال: وكان إذا كانت عُقْبَته (4) قلنا اركب حتى نمشي، فيقول: (ما أنتما بأقوى منّي وما أنا بأغنى عن الأجر منكم) (5) .

136 - السيرة النبويّة عن ابن إسحاق - في ذكر يوم بدر: كانت إبِل أصحاب

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 3 / 120 / 4583، السنن الكبرى: 6 / 340 / 12165، المعجم الكبير: 1 / 106 / 174، الاستيعاب: 3 / 201 / 1875، تاريخ دمشق: 42 / 71 و72، المناقب لابن المغازلي: 366 / 413، المناقب للخوارزمي: 167 / 199، البداية والنهاية: 7 / 224.

(2) الطبقات الكبرى: 3 / 23، تاريخ دمشق: 42 / 74 وص 72 عن الحكم، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 650 / 1106 عن ابن عبّاس والحكَم.

(3) تاريخ الطبري: 2 / 431، وراجع السيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 264، وتاريخ الإسلام للذهبي: 512، والكامل في التاريخ: 1 / 527.

(4) دارتْ عُقْبَة فلان، أي جاءت نَوبته ووقت ركوبه (النهاية: 3 / 268).

(5) المستدرك على الصحيحين: 3/23/4299 وج 2/100/2453، مسند ابن حنبل: 2 / 82 / 3901 وفيه (و كانت عقبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: فقالا: نحن نمشي عنك) بدل (وكان إذا كانت عُقْبَته قلنا: اركب حتى نمشي)، السنن الكبرى: 5 / 423 / 10357 وفيه (كنّا يوم بدر اثنين على بعير وثلاثة على بعير وكان زَميلَي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّ وأبو لبابة الأنصاري، وكانت إذا حانت عقبتهما قال: يا رسول الله، اركب...)، عيون الأخبار لابن قتيبة: 1 / 141 وفيه (فكان إذا دارت عقبتهما قالا).


رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يومئذ سبعين بعيراً، فاعتقبوها، فكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعليّ بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيراً (1) .

137 - فضائل الصحابة عن الحارث عن الإمام عليّ (عليه السلام): لمّا كانت ليلة بدر قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (مَن يستقي لنا من الماء؟) فأحجَم الناس، فقام عليّ فاحتضن قِربةً، ثمّ أتى بئراً بعيدة القعر مظلمة، فانحدر فيها فأوحى الله عزّ وجلّ إلى جبريل وميكائيل وإسرافيل تأهّبوا لنصر محمّد (صلّى الله عليه وآله) وحزبه، فهبطوا من السماء لهم لَغَط (2) يذعر من سمعه، فلمّا حاذوا البئر سلّموا عليه من عند آخرهم إكراماً وتجليلاً (3) .

138 - المناقب لابن شهر آشوب عن محمّد ابن الحنفيّة: بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً في غزوة بدر أنْ يأتيه بالماء حين سكت أصحابه عن إيراده، فلمّا أتى القَلِيب (4) وملأ القِربة الماء فأخرجها جاءت ريح فهرقته، ثمّ عاد إلى القَلِيب وملأ القِربة فأخرجها فجاءت ريح فأهرقته، وهكذا في الثالثة، فلمّا كانت الرابعة ملأها فأتى بها النبيّ فأخبر بخبره، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (أمّا الريح الأُولى فجبرئيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك، والريح الثانيّة ميكائيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك، والريح الثالثة إسرافيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك).

وفى رواية: وما أتوك إلاّ ليحفظوك...

____________________

(1) السيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 264، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 51، المغازي: 1 / 23، الكامل في التاريخ: 1 / 527 كلّها نحوه.

(2) اللَّغَط: الصوت والجَلَبة، وأصوات مبهمة لا تُفهم (مجمع البحرين: 3 / 1635).

(3) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 613 / 1049، تاريخ دمشق: 42 / 337 / 8909، المناقب للخوارزمي: 308 / 303، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 241.

(4) القليب: البئر التي لم تُطوَ (النهاية: 4 / 98).


وكان يقول: كان لعليّ (عليه السلام) في ليلة واحدة ثلاثة آلاف منقبة، وثلاث مناقب (1) .

139 - الإمام عليّ (عليه السلام): (كنتُ على قَلِيب يومَ بدر أميح - أو أمتح - منه، فجاءت ريح شديدة، ثمّ جاءت ريح شديدة، لم أرَ ريحاً أشدّ منها إلاّ التي كانت قبلها، ثمّ جاءت ريح شديدة، فكانت الأُولى ميكائيل في ألف من الملائكة عن يمين النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، والثانيّة إسرافيل في ألف من الملائكة عن يسار النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، والثالثة جبرئيل في ألف من الملائكة.

وكان أبو بكر عن يمينه وكنت عن يساره، فلمّا هزم الله الكفّار حَمَلني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على فرَسه، فلمّا استويت عليه حمل بي فصرت على عنقه، فدعوت الله فثبّتني عليه، فطعنت برمحي حتى بلغ الدم إبطي) (2) .

140 - الإمام زين العابدين (عليه السلام): (لمّا عطَش القوم يوم بدر انطلق عليٌّ بالقِربة يستقي وهو على القَلِيب إذ جاءت ريح شديدة ثمّ مضت، فلبث ما بدا له، ثمّ جاءت ريح أُخرى ثمّ مضت ثمّ جاءته أُخرى كاد أنْ تشغله وهو على القليب، ثمّ جلس حتى مضى، فلمّا رجع إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أخبره بذلك).

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (أمّا الريح الأولى فيها جبرئيل مع ألف من الملائكة، والثانية فيها ميكائيل مع ألف من الملائكة، والثالثة فيها إسرافيل مع ألف من الملائكة، وقد سلّموا عليك وهم مدَدٌ لنا، وهم الذين رآهم إبليس فنكص على

____________________

(1) المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 242، شرح الأخبار: 2 / 414 / 761 عن الليث، المناقب للكوفي: 2 / 539 / 1043 عن ليث بن أبي سليم عن بعض أصحابه، قرب الإسناد: 111 / 387 عن ابن عبّاس وكلّها نحوه.

(2) مسند أبي يعلي: 1 / 258 / 485، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 86، المستدرك على الصحيحين: 3 / 72 / 4431، المغازي: 1 / 57 كلّها عن محمّد بن جبير بن مطعم.


عقِبَيه يمشي القهقرى حتى يقول: ( إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ) (1) (2) .

141 - السيرة النبويّة عن ابن إسحاق - في ذكر أحداث معركة بدر: ثمّ خرج بعده (3) عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا فصل من الصفّ دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فِتية من الأنصار ثلاثة، وهم: عوف ومعوّذ ابنا الحارث - وأُمّهما عفراء - ورجُل آخر، يُقال: هو عبد الله بن رواحة، فقالوا: مَن أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثمّ نادى مناديهم: يا محمّد، أخرِج إلينا أكفّاءنا من قومنا.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا عليّ، فلمّا قاموا ودنوا منهم، قالوا: مَن أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ، قالوا: نعم، أكفّاء كرام، فبارز عبيدة - وكان أسَنّ القوم - عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز عليّ الوليد بن عتبة، فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة أنْ قتله، وأمّا عليّ فلم يمهل الوليد أنْ قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عتبة فذفّفا (4) عليه، واحتملا صاحبهما، فحازاه إلى أصحابه (5) .

____________________

(1) الأنفال: 48.

(2) تفسير العيّاشي: 2 / 65 / 70 عن أبي مقدام.

(3) أي بعد الأسود بن عبد الأسد المخزومي الذي قتله حمزة بن عبد المطّلب.

(4) تذفيف الجريح: الإجهاز عليه وتحرير قتله (النهاية: 2 / 162).

(5) السيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 277، تاريخ الطبري: 2 / 445، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 57، الكامل في التاريخ: 1 / 531، المغازي: 1 / 68 نحوه.


142 - المناقب لابن شهر آشوب: ولا خلاف أنّ أوّل مبارز في الإسلام: عليّ وحمزة وأبو عبيدة بن الحارث في يوم بدر، قال الشعبي: ثمّ حمل عليّ على الكتيبة مصمّماً وحده (1) .

143 - الإمام عليّ (عليه السلام): (لقد تعجّبت يوم بدر من جرأة القوم، وقد قتلت الوليد بن عتبة، وقتل حمزة عتبة وشركته في قتل شيبة، إذ أقبل إليّ حنظلة بن أبي سفيان، فلمّا دنا منّي ضربته ضربةً بالسيف فسالت عيناه، فلزم الأرض قتيلاً) (2) .

144 - الإرشاد: بارز أمير المؤمنين (عليه السلام) العاص بن سعيد بن العاص بعد أنْ أحجم عنه مَن سِواه فلم يلبّثه أنْ قتله، وبرز إليه حنظلة بن أبي سفيان فقتله، وبرز بعده طعيمة بن عدِيّ فقتله، وقتل بعده نوفل بن خويلد - وكان من شياطين قريش - ولم يزل (عليه السلام) يقتل واحداً منهم بعد واحد حتى أتى على شطر المقتولين منهم وكانوا سبعين قتيلاً. تولّى كافّةُ مَن حضر بدراً من المؤمنين مع ثلاثة آلاف من الملائكة المسوّمين قتْلَ الشطر منهم، وتولّى أمير المؤمنين قتل الشطر الآخر وحده (3) .

145 - الإرشاد عن صالح بن كيسان: مرّ عثمان بن عفّان بسعيد بن العاص فقال: انطلق بنا إلى أمير المؤمنين عُمَر بن الخطّاب نتحدّث عنده، فانطلقا، قال [سعيد بن العاص]: فأمّا عثمان فصار إلى مجلسه الذي يشتهيه، وأمّا أنا فملت إلى ناحية القوم، فنظر إليّ عُمَر وقال: ما لي أراك كأنّ في نفسك عليّ شيئاً؟ أتظنّ أنّي قتلت أباك؟ والله لوددت أنّي كنت قاتله، ولو قتلته لم أعتذر من قتْل كافر،

____________________

(1) المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 68، أنساب الأشراف: 2 / 363 وفيه ذيله.

(2) الإرشاد: 1 / 75، إعلام الورى: 1 / 170 وليس فيه (و قتل حمزة عتبة وشَرَكْته في قتل شيبة) كلاهما عن جابر عن الإمام الباقر (عليه السلام)، كشف الغمّة: 1 / 186.

(3) الإرشاد: 1 / 69، كشف الغمّة: 1 / 183 نحوه.


لكنّني مررت به يوم بدر فرأيته يبحث للقتال كما يبحث الثور بقَرْنه، وإذا شدقاه قد أزبدا (1) كالوزَغ، فلمّا رأيت ذلك هِبته ورُغت عنه، فقال: إلى أين يابن الخطّاب؟ وصمد له عليّ فتناوله، فو الله ما رُمت مكاني حتى قتله.

قال: وكان عليّ (عليه السلام) حاضراً في المجلس، فقال: (اللهمّ غفراً؟! ذهب الشِرك بما فيه، ومحا الإسلام ما تقدّم، فمالك تَهيّج الناسَ!) فكفّ عُمَر. قال سعيد: أما إنّه ما كان يسرّني أنْ يكون قاتل أبي غير ابن عمّه عليّ بن أبي طالب (2) .

146 - الإرشاد عن الزهري: لمّا عرف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حضور نوفل بن خويلد بدراً قال: (اللهمّ اكفني نوفلاً، فلمّا انكشفت قريش رآه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وقد تحيّر لا يدرى ما يصنع، فصمد له ثمّ ضربه بالسيف فنشب في حَجَفَته (3) فانتزعه منها، ثمّ ضرب به ساقه - وكانت درعه مُشَمَّرة (4) - فقطعها، ثمّ أجهز عليه فقتله.

فلمّا عاد إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) سمعه يقول: (مَن له عِلمٌ بنوفل؟)، فقال له: (أنا قتلته يا رسول الله)، فكبّر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وقال: (الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه) (5) .

147 - حلية الأولياء عن محمّد بن إدريس الشافعي: دخل رجل من بني كنانة على معاوية بن أبي سفيان، فقال له: هل شهدت بدراً؟ قال: نعم. قال: مثل مَن

____________________

(1) تزبّد الإنسان: إذا غضب وظهر على صِماغيه زبدتان (لسان العرب: 3 / 193).

(2) الإرشاد: 1 / 75، كشف الغمّة: 1 / 186، وراجع المغازي: 1 / 92، وشرح نهج البلاغة: 14 / 144.

(3) الحَجَفة: يقال للتُّرس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب (الصحاح: 4 / 1341).

(4) مِن شمَّر الإزار والثوب تشميراً: رَفَعَه (لسان العرب: 4 / 428).

(5) الإرشاد: 1 / 76، كشف الغمّة: 1 / 187، وراجع المغازي: 1 / 91 و92، ودلائل النبوّة للبيهقي: 943، وشرح نهج البلاغة: 14 / 143 و144.


كنت؟ قال: غلام قُمْدود (1) مثل عطباء الجُلْمود (2) ، قال: فحدّثني ما رأيت وحضرت. قال: ما كنّا إلاّ شهوداً كأغياب، وما رأينا ظفراً كان أوشك منه. قال: فصِف لي ما رأيت؟.

قال: رأيت في سرعان الناس عليّ بن أبي طالب، غلاماً شابّاً ليثاً عبقريّاً يفري الفري (3) ، لا يثبت له أحد إلاّ قتله، ولا يضرب شيئاً إلاّ هتكه، لم أرَ من الناس أحداً قطّ أنفق منه، يحمل حملةً، ويلتفت التفاتةً كأنّه ثعلبٌ روّاغ (4) ، وكأنّ له عينين في قَفاه، وكأنّ وُثُوبه وُثُوب وَحْش (5) .

148 - الفائق عن سعد بن أبي وقّاص: رأيته [عليّاً (عليه السلام) ] يوم بدر وهو يقول:

بازلُ عامين حديثٌ سِنِّي (6)

سَنَحْنَح (7) الليل كأنّي جِنّي

لمثل هذا ولدتني أُمّي

ما تنقم الحرب العوان منّي (8)

149 - المناقب لابن شهر آشوب - في عليّ (عليه السلام): إنّ الكفّار كانوا يسمّونه الموت

____________________

(1) رجلٌ قُمْدود: قوىٌّ شديد (تاج العروس: 5 / 207).

(2) الجُلْمود: الصخر (لسان العرب: 3 / 129).

(3) تقول العرب: تركته يفري الفري: إذا عمل العمل فأجاده (لسان العرب: 15 / 153 و154).

(4) مِن راغَ الثعلب، أي مالَ وحادَ عن الشيء (تاج العروس: 12 / 26). وفي المصدر: (زوّاغ)، والصحيح ما أثبتناه.

(5) حلية الأولياء: 9 / 145، وراجع المعجم الكبير: 3 / 150 / 2956.

(6) البازِل: الرجل الكامل في تجربته وعقله، أي أنا في استكمال القوّة كهذا البعير مع حداثة السنّ (تاج العروس: 14 / 51).

(7) رجل سنحنح: أي لا ينام الليل (تاج العروس: 4 / 97).

(8) الفائق: 1 / 95، المناقب للخوارزمي: 158 / 187، المناقب لابن المغازلي: 32 / 48، المناقب للكوفي: 2 / 569 / 1080 وزاد في ذيلهما (فما رجع حتى خضب سيفه دماً) وكلّها إلى (أُمّي).


الأحمر؛ سمّوه يوم بدر لعُظم بلائه ونِكايته (1) (2) .

150 - تفسير القمّي: كان القتلى ببدر سبعين، والأسرى سبعين، قتل منهم أمير المؤمنين (عليه السلام) سبعة وعشرين، ولم يؤسِر أحداً (3) .

151 - الإرشاد: قد أثبت رواة العامّة والخاصّة معاً أسماء الذين تولّى أمير المؤمنين (عليه السلام) قتلهم ببدر من المشركين، على اتّفاق فيما نقلوه من ذلك واصطلاح، فكان ممّن سمّوه:

الوليد بن عتبة - كما قدّمناه - وكان شجاعاً جريئاً فاتكاً وقّاحاً، تهابه الرجال.

والعاص بن سعيد، وكان هولاً عظيماً، تهابه الأبطال. وهو الذي حاد عنه عمر بن الخطّاب....

وطعيمة بن عديّ بن نوفل، وكان من رؤوس أهل الضلال.

ونوفل بن خويلد، وكان من أشدّ المشركين عداوة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكانت قريش تقدّمه وتعظّمه وتطيعه، وهو الذي قرَن أبا بكر بطلحة - قبل الهجرة بمكّة - وأوثقهما بحبل وعذّبهما يوماً إلى الليل حتى سُئل في أمرهما. ولمّا عرف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حضوره بدراً سأل الله عزّ وجلّ أنْ يكفيَه أمره، فقال: (اللهمّ اكفني نوفل بن خويلد)، فقتله أمير المؤمنين (عليه السلام).

وزمعة بن الأسود، والحارث بن زمعة، والنضر بن الحارث بن عبد الدار،

____________________

(1) يقال: نَكَيْتُ في العدوّ نِكاية: إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل (النهاية: 5 / 117).

(2) المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 68، بحار الأنوار: 41 / 63 / 1.

(3) تفسير القمّى: 1 / 269، بحار الأنوار: 19 / 259 / 3.


وعمير بن عثمان بن كعب بن تيم عمّ طلحة بن عبيد الله، وعثمان ومالك ابنا عبيد الله أخَوا طلحة بن عبيد الله، ومسعود بن أبي أُمَية بن المغيرة، وقيس بن الفاكه بن المغيرة، وحذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وحنظلة بن أبي سفيان، وعمرو بن مخزوم، وأبو المنذر بن أبي رفاعة، ومنبّه بن الحجّاج السهمي، والعاص بن منبّه، وعلقمة بن كلدة، وأبو العاص بن قيس بن عديّ، ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، ولوذان بن ربيعة، وعبد الله ابن المنذر بن أبى رفاعة، ومسعود بن أُميّة بن المغيرة، وحاجب بن السائب بن عويمر، وأوس بن المغيرة بن لوذان، وزيد بن مليص، وعاصم بن أبي عوف، وسعيد بن وهب حليف بني عامر، ومعاوية بن عامر بن عبد القيس، وعبد الله بن جميل بن زهير بن الحارث بن أسد، والسائب بن مالك، وأبو الحكم بن الأخنس، وهشام بن أبي أُميّة بن المغيرة.

فذلك خمسة وثلاثون رجلاً، سوى مَن اختلف فيه، أو شَرَك أمير المؤمنين (عليه السلام) فيه غيره، وهم أكثر من شطر المقتولين ببدر على ما قدّمناه (1) .

152 - المناقب للخوارزمي عن الإمام الباقر (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم بدر: (هذا رضوان، ملَك من ملائكة الله ينادي: لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ عليّ) (2) .

153 - الإمام الباقر (عليه السلام): (نادى منادٍ في السماء يوم بدر يقال له رضوان: لا سيف

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 70، وراجع المغازي: 1 / 147 - 152، والسيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 365، والفصول المهمّة: 52.

(2) المناقب للخوارزمي: 167 / 200 عن سليمان بن بلال عن الإمام الصادق (عليه السلام)، كفاية الطالب: 280 عن سليمان بن بلال عن الإمام الصادق عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام) عن جابر.


إلاّ ذو الفقار، ولا فتي إلاّ عليّ) (1) .

4 / 2

غزوة أُحُد

إنّ هزيمة المشركين في بدر، وقتل صناديدهم ورؤسائهم يومذاك أوقدا غضَب قريش وحفيظتها؛ فكانت كالأفعى المطعونة لا يقرّ لها قرار. من جهة أخرى كانت قريش قد رأت استبسال المسلمين في بدر وعشقهم للشهادة؛ فلابدّ لها - إذاً - من التخطيط للثأر.

لذا أقبلت على شتّى القبائل لتصطحب مقاتليها وشجعانها لحرب محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وتولّت مصاريف القتال، وإعداد عدّته وسائر ما يتطلبّه، وتوجّهت صوب المدينة بجيشٍ جرّار بلغ ثلاثة آلاف مقاتل، وفيه مئتا فرَس (2) ، وثلاثة آلاف بعير (3) .

وعرف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ذلك، فشاور أصحابه، ثمّ عزَم على القتال، وبعد صلاة الجمعة غادر المدينة ومعه قرابة ألف مقاتل صَوب (أُحد) التي كان العدوّ قد عسكر فيها (4) .

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42 / 71، البداية والنهاية: 7 / 336 كلاهما عن سعيد بن محمّد الحنظلي، المناقب لابن المغازلي: 199 / 235، كفاية الطالب: 277 كلاهما عن سعد بن طريف الحنظلي، الرياض النضرة: 3 / 155، روضة الواعظين: 143 عن الإمام الصادق (عليه السلام)، الاحتجاج: 1 / 324 / 55 نحوه.

(2) تاريخ الطبري: 2 / 504 - 507، المغازي: 1 / 203 و204، الكامل في التاريخ: 1 / 549، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 166.

(3) المغازي: 1 / 203 وص 204 و206، السيرة الحلبيّة: 2 / 218.

(4) تاريخ الطبري: 2 / 503.


بدأ القتال صبيحة السابع من شوّال سنة 3 هـ (1) ، وكاد النصر يكون حليف المسلمين في البداية لولا ترْك الرصَد مواضعهم من الجبَل طمعاً في الغنائم، فباغتهم العدوّ، وإذا هم بوضعهم العسكريّ المتخلخل، أمام عدوٍّ حاقد موتور متفانٍ في سبيل هدَفه - ممّا ذكر التاريخ تفاصيله - فتلقّوا ضَرَبات شديدة موجعة، وانكسروا (2) ، وآثر كثيرٌ منهم الفِرار على البقاء، وتركوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحده في الميدان، ولم يثبت معه إلاّ الإمام عليّ (عليه السلام) ونفرٌ قليل، فكان (عليه السلام) يُحيط برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويدفع عنه الهجَمات كالليث الهصور.

لقد كانت أُحد من أشدّ معارك النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وقعاً، وأكثرها دروساً وعِبَراً، وأبلغها تنبيهاً وتذكيراً، وكان الإمام (عليه السلام) فيها البطل الذي لا صِنوَ له في دَوره البارز المتفرّد؛ إذ:

1 - كان رافع لوائها الأصلي (3) ، وهو لواء المهاجرين (4) .

2 - وبسيفه هلَك صاحب لواء الشِرك المغرور طلحة بن أبي طلحة (5) .

3 - وبضرباته المتوالية قتل بعد طلحة ثمانية غيره حملوا اللواء بعده، فأفناهم

____________________

(1) المغازي: 1 / 199 وص 208، الكامل في التاريخ: 1 / 547، السيرة الحلبيّة: 2 / 216.

(2) تاريخ الطبري: 2 / 513، الكامل في التاريخ: 1 / 551، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 173، المغازي: 1 / 229، السيرة الحلبيّة: 2 / 226.

(3) تاريخ دمشق: 42 / 72، إعلام الورى: 1 / 374، بشارة المصطفى: 186.

(4) الإرشاد: 1 / 80، المغازي: 1 / 215، تاريخ الطبري: 2 / 516، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 77، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 170 وص 177، الكامل في التاريخ: 1 / 552.

(5) المغازي: 1 / 226، تاريخ الطبري: 2 / 509 وفيه (طلحة بن عثمان)، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 158، الإرشاد: 1 / 91.


الواحد تلو الآخر، ولم يُرفع للشِرك بعدهم لواء (1) .

4 - من المؤسف أنّ كثيراً من المسلمين لاذوا بالفرار بعد تضعضع الجيش، وهجوم العدوّ المباغت، وكان عليّ (عليه السلام) هو الذي يحمي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من مخاطر هجمات العدوّ في تلك اللحظات الصعبة الحاسمة (2) .

5 - نقل ابن اسحاق أنّ اثنين وعشرين من المشركين قُتلوا في هذه المعركة (3) ، منهم اثنا عشر قتلهم الإمام (عليه السلام) (4) .

6 - أثنى جبرئيل (عليه السلام) على شهامة الإمام (عليه السلام) وقتاله في هذه الحرب، ودوّى النداء الملكوتي: (لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ) في الآفاق (5) .

7 - أنافتْ جراح الإمام (عليه السلام) - رمز البطولة والشجاعة - على تسعين جرحاً (6) . وانكسرت يده المنقذة للمظلوم القامعة للظالم في هذه الحرب (7) .

8 - لمّا ترك جيش الكفر ميدان الحرب، بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من محلّ استخفائه عليّاً (عليه السلام) - مع ما به من جراحات مزّقت بدَنه، ومن ضعف بسبب كثرة النزف - ليستطلع خبر العدوّ ويتأكّد من تركه الميدان (8) .

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 88، بشارة المصطفى: 186، تاريخ الطبري: 2 / 514.

(2) تاريخ الطبري: 2 / 518، المغازي: 1 / 240، الإرشاد: 1 / 82.

(3) السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 135.

(4) الإرشاد: 1 / 91.

(5) تاريخ الطبري: 2 / 514، الكامل في التاريخ: 1 / 552، الكافي: 8 / 110 / 90، الإرشاد: 1 / 87.

(6) تفسير القمّي: 1 / 116، مجمع البيان: 2 / 826، الخرائج والجرائح: 1 / 148 / 235، السيرة الحلبيّة: 2 / 236.

(7) المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 299.

(8) تاريخ الطبري: 2 / 527، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 100، الكامل في التاريخ: 1 / 556.


154 - تاريخ الطبري عن السدّي - في ذِكر غزوة أُحد: إنّ طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمّد! إنّكم تزعمون أنّ الله يعجّلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجّلكم بسيوفنا إلى الجنّة؛ فهل منكم أحد يعجّله الله بسيفي إلى الجنّة، أو يعجّلني بسيفه إلى النار؟! فقام إليه عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) فقال: (والذي نفسي بيده لا أُفارقك حتى أُعجّلك بسيفي إلى النار، أو تعجّلني بسيفك إلى الجنّة)، فضربه عليّ فقطع رِجْله فسقط فانكشفت عورته، فقال: أنشدك الله والرحِم يابن عمّ! فتركه، فكبّر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال لعليّ: (ما منعك أنْ تُجهز عليه؟).

قال: (إنّ ابن عمّي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه) (1) .

155 - الإرشاد عن ابن إسحاق: كان صاحب لواء قريش يوم أُحد طلحة بن طلحة بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار قتله عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وقتل ابنه أبا سعيد بن طلحة، وقتل أخاه كلدة بن أبي طلحة، وقتل عبد الله بن حميد بن زهرة بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى، وقتل أبا الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي، وقتل الوليد بن أبي حذيفة بن المغيرة، وقتل أخاه أُميّة بن أبي حذيفة بن المغيرة، وقتل أرطاة بن شرحبيل، وقتل هشام بن أُميّة وعمرو بن عبد الله الجمحي وبشر بن مالك، وقتل صُواباً مولى بني عبد الدار؛ فكان الفتح له، ورجوع الناس من هزيمتهم إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بمقامه يذبّ عنه دونهم.

وتوجّه العتاب من الله تعالى إلى كافّتهم لهزيمتهم - يومئذ - سِواه ومَن ثبت معه من رجال الأنصار وكانوا ثمانية نفَر، وقيل: أربعة أو خمسة.

وفي قتله (عليه السلام) مَن قتلَ يوم أُحد وغَنائه في الحرب وحُسن بلائه يقول الحجّاج

____________________

(1) تاريخ الطبري: 2 / 509، وراجع المغازي: 1 / 226، والسيرة الحلبيّة: 2 / 223.


ابن علاط السلمي:

لله أيُّ مذَبِّب عن حزبهِ (1)

أعني ابن فاطمة المُعَمّ الـمُخْولا (2)

جادت يَداك له بعاجلِ طعنةٍ

تركت طليحة للجبين مجدّلا (3)

وشدَدت شَدّة باسلٍ فكشفتهم

بالسفحِ إذ يهْوون أسفَل أسفَلا

وعلّلتَ سيفك بالدماء ولم تكُن

لتردّه حرّان (4) حتى ينهلا (5)

156 - السيرة النبويّة عن مسلمة بن علقمة المازني: لمّا اشتدّ القتال يوم أُحد جلس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تحت راية الأنصار، وأرسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه: أن قَدِّم الراية.

فتقدّم عليّ فقال: (أنا أبو الفُصَم) - ويقال أبو القُصَم -، فناداه أبو سعد بن أبي طلحة - وهو صاحب لواء المشركين -: أنْ هل لك يا أبا القُصَم في البِراز من حاجة؟ قال: نعم.

فبرزا بين الصفّين فاختلفا ضربتين، فضربه عليّ فصرعه، ثمّ انصرف عنه ولم يُجهز عليه، فقال له أصحابه: أفلا أجهزتَ عليه؟ فقال: إنّه استقبلني بعورته، فعطفَتْني عنه الرحِم، وعرفت أنّ الله عزّ وجلّ قد قتله (6) .

157 - المناقب لابن شهر آشوب عن زيد بن عليّ عن آبائه (عليهم السلام): كُسِرت زند عليّ

____________________

(1) وفى نسخة (حرمة).

(2) المُعَمُّ المُخْوَل: الكثير الأعمام والأخوال والكريمهم (الصحاح: 5 / 1992).

(3) مجَدَّلاً: أى مرميّاً ملقىً علي الأرض قتيلاً (النهاية: 1 / 248).

(4) أي عطشان (لسان العرب: 4 / 178).

(5) الإرشاد: 1 / 91، كشف الغمّة: 1 / 196، وراجع السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 159.

(6) السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 77، البداية والنهاية: 4 / 20.


يوم أُحد وفي يداه لواء رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فسقط اللواء من يده فتحاماه المسلمون أنْ يأخذوه، فقال رسول الله: (فضَعوه في يده الشمال، فإنّه صاحب لوائي في الدنيا والآخرة).

وفى رواية غيره: فرفعه المقداد وأعطاه عليّاً، وقال (صلّى الله عليه وآله): (أنت صاحب رايتي في الدنيا والآخرة) (1) .

158 - المعجم الكبير عن أبي رافع: لمّا قتل عليّ (رضي الله عنه) يوم أُحُد أصحاب الألْوية قال جبريل (عليه السلام): (يا رسول الله! إنّ هذه لهي المواساة). فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (إنّه منّي وأنا منه. قال جبريل: وأنا منكما يا رسول الله) (2) .

159 - تاريخ الطبري عن أبي رافع: لمّا قتل عليّ بن أبي طالب أصحاب الألوية أبصر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جماعة من مشركي قريش، فقال لعليّ: (احمل عليهم)، فحمل عليهم، ففرّق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي.

قال: ثمّ أبصر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جماعة من مشركي قريش، فقال لعليّ: (احمل عليهم)، فحمل عليهم ففرّق جماعتهم، وقتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤيّ، فقال جبريل: (يا رسول الله! إنّ هذه لَلمواساة، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنّه منّي وأنا منه، فقال جبريل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتاً:

لا سيف إلاّ ذو الفقارِ ولا فتى إلاّ عليّ) (3)

____________________

(1) المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 299.

(2) المعجم الكبير: 1 / 318 / 941، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 657 / 1119، الاحتجاج: 2/340/271 عن أبي محمّد رفعه إلى الإمام الكاظم (عليه السلام) وليس فيه (لمّا قتل علي (رضي الله عنه) يوم أُحد أصحاب الألوية)، العمدة: 200 / 303، المناقب للكوفي: 1 / 480 / 387 عن جابر عن الإمام الباقر (عليه السلام).

(3) تاريخ الطبري: 2 / 514، الكامل في التاريخ: 1 / 551 و552، بشارة المصطفى: 186 نحوه، المناقب للكوفي: 1 / 491 / 398 وص 495 / 403.


160 - الإرشاد عن عبد الله بن مسعود - في ذكر غزوة أُحد: كان لواء المشركين مع طلحة بن أبي طلحة وكان يُدعى كبش الكتيبة، قال: ودفع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لواء المهاجرين إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وجاء حتى قام تحت لواء الأنصار، قال: فجاء أبو سفيان إلى أصحاب اللواء فقال: يا أصحاب الألْوية! إنّكم قد تعلمون أنّما يؤتى القوم من قِبَل ألْوِيَتهم، وإنّما أُتيتم يوم بدر من قبل ألْويتكم؛ فإنْ كنتم ترون أنّكم قد ضعفتم عنها فادفعوها إلينا نُكفِكُموها.

قال: فغضب طلحة بن أبي طلحة وقال: أَلنا تقول هذا؟! والله لأُوردنّكم بها اليوم حياض الموت قال: وكان طلحة يسمّى كبش الكتيبة، قال: فتقدّم وتقدّم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال عليّ: (مَن أنت؟) قال: أنا طلحة بن أبي طلحة، أنا كبش الكتيبة، قال: فمَن أنت؟.

قال: (أنا عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب)، ثمّ تقاربا فاختلفت بينهما ضربتان، فضربه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ضربةً على مقدّم رأسه، فبدرت عيناه وصاح صيحةً لم يُسمَع مثلها قطّ، وسقَط اللواء من يده، فأخذه أخٌ له يقال [له] (1) : مصعب، فرماه عاصم بن ثابت فقتله، ثمّ أخذ اللواء أخٌ له يقال له: عثمان، فرماه عاصم - أيضاً - فقتله، فأخذه عبد لهم يقال له: صُواب - وكان من أشدّ الناس - فضرب عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يده فقطعها، فأخذ اللواء بيده اليسرى، فضربه على يده فقطعها، فأخذ اللواء على صدره وجمع يديه وهما مقطوعتان عليه، فضربه عليّ (عليه السلام) على أُمّ رأسه فسقط صريعاً.

وانهزم القوم وأكبّ المسلمون على الغنائم. ولمّا رأى أصحاب الشِّعْب (2)

____________________

(1) الزيادة منّا لتتميم العبارة.

(2) الشِّعْب: ما انفرج بين جبلين (لسان العرب: 1 / 499).


الناس يغنمون قالوا: يذهب هؤلاء بالغنائم ونبقى نحن، فقالوا لعبد الله بن عمرو ابن حزم - الذى كان رئيساً عليهم: نريد أنْ نغنم كما غَنِم الناس، فقال: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمَرَني أنْ لا أبرَح من موضعي هذا، فقالوا له: إنّه أمَرَك بهذا وهو لا يدري أنّ الأمر يبلغ إلى ما ترى! ومالوا إلى الغنائم وتركوه، ولم يبرح هو من موضعه، فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله، وجاء من ظَهْر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يريده، فنظر إلى النبيّ في حَفٍّ من أصحابه فقال لمَن معه: دونكم هذا الذي تطلبون فشأنكم به، فحملوا عليه حملةَ رجُلٍ واحد ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح ورمياً بالنبل ورضخاً بالحجارة، وجعل أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يقاتلون عنه حتى قُتِل منهم سبعون رجُلاً.

وثبت أمير المؤمنين (عليه السلام) وأبو دجانة الأنصاري وسهل بن حنيف للقوم يدفعون عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وكثُر عليهم المشركون، ففتح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عينيه ونظر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)... فقال: (يا عليّ! ما فعل الناس؟) فقال: (نقضوا العهد وولّوا الدُبُر)، فقال له: (فاكفني هؤلاء الذين قد قصدوا قصدي)، فحمل عليهم أمير المؤمنين (عليه السلام) فكشفهم، ثمّ عاد إليه - وقد حملوا عليه من ناحيةٍ أخرى - فكَرَّ عليهم فكشَفهم، وأبو دجانة وسهل بن حنيف قائمان على رأسه بيد كلّ واحد منهما سيفه ليذبّ عنه (1) .

161 - الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام): كان أصحاب اللواء يوم أُحد تسعة، قتلهم عليّ عن آخِرهم، وانهزم القوم، وطارت مخزوم منذ فضحَها عليّ بن أبي طالب يومئذ.

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 80، كشف الغمّة: 1 / 192، وراجع تفسير القمّي: 1 / 112.


قال: وبارز عليٌّ الحكَمَ بن الأخنس فضربه فقطع رجْله من نصف الفخذ فهلك منها (1) .

162 - المغازي: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال يوم أُحد: (مَن له عِلم بذكوان بن عبد قيس؟) قال عليّ (عليه السلام): (أنا رأيت - يا رسول الله - فارساً يركض في أثَرِه حتى لحِقَه وهو يقول: لا نجوتُ إنْ نجوتَ! فحمل عليه بفرَسه وذكوان راجل، فضربه وهو يقول: خُذها وأنا ابن علاج! فأهويت إليه وهو فارس، فضربت رجْله بالسيف حتى قطعتها عن نصف الفخذ، ثمّ طرحته من فرسه، فذففت عليه وإذا هو أبو الحكم بن الأخنس بن شريق ابن علاج بن عمرو بن وهب الثقفي) (2) .

163 - الإمام الصادق (عليه السلام): (لمّا انهزم الناس يوم أُحد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) انصرف إليهم بوجهه وهو يقول: أنا محمّد، أنا رسول الله، لم أُقتل ولم أمُت...

وكان الناس يحملون على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الميمنة فيكشفهم عليّ (عليه السلام)، فإذا كشفهم أقبلَت الميسرة إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فلم يزَل كذلك حتى تقطّع سيفه بثلاث قطع، فجاء إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فطرحه بين يديه وقال: هذا سيفي قد تقطّع، فيومئذ أعطاه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ذا الفقار، ولمّا رأى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) اختلاج (3) ساقيه من كثرة القتال رفَع رأسه إلى السماء وهو يبكي وقال:

يا ربّ وعدتني أنْ تُظهر دينك وإنْ شئت لم يعْيِك، فأقبَل عليّ (عليه السلام) إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، أسمع دويّاً شديداً، وأسمع (أقدِم حَيْزُومُ) (4) وما أهمّ أضرب أحداً إلاّ سقط ميّتاً قبل أنْ أضربه؟ فقال: هذا جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 88 عن أبى عبيدة.

(2) المغازي: 1 / 283، شرح نهج البلاغة: 14 / 275.

(3) الاختلاج: الحركة والاضطراب (النهاية: 2 / 60).

(4) اسم فرَس جبرئيل (عليه السلام) (النهاية: 1 / 467). وحيزوم: منادى؛ أي أقدم يا حيزوم.


الملائكة، ثمّ جاء جبرئيل (عليه السلام) فوقف إلى جنب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا محمّد! إنّ هذه لهي المواساة، فقال: إنّ عليّاً منّي وأنا منه، فقال جبرئيل: وأنا منكما. ثمّ انهزم الناس) (1) .

164 - الإمام الكاظم (عليه السلام): (إنّ جبرئيل قال يوم أُحد: يا محمّد! إنّ هذه لهي المؤاساة من عليّ. قال: لأنّه منّي وأنا منه، فقال جبرئيل: وأنا منكما يا رسول الله (عليه السلام). ثمّ قال: لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ عليّ، فكان كما مدَح الله تعالى به خليله (عليه السلام) إذ يقول: ( فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ) ) (2) (3) .

165 - الكافي عن نعمان الرازي عن الإمام الصادق (عليه السلام): (انهزم الناس يوم أُحد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فغضب غضباً شديداً، قال: وكان إذا غضب انحدر عن جبينيه مثل اللؤلؤ من العرَق، قال: فنظر فإذا عليّ (عليه السلام) إلى جنبه، فقال له: ألحِق ببني أبيك مع مَن انهزم عن رسول الله، فقال: يا رسول الله، لي بك أُسوة، قال: فاكفِني هؤلاء، فحمل فضرب أوّل من لقِي منهم، فقال جبرئيل (عليه السلام): إنّ هذه لهي المؤاساة يا محمّد، فقال: إنّه منّي وأنا منه، فقال جبرئيل (عليه السلام): وأنا منكما يا محمّد).

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (فنظر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى جبرئيل (عليه السلام) على كرسيّ من ذهب بين السماء والأرض وهو يقول: لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ عليّ) (4) .

166 - السيرة النبويّة عن ابن أبي نجيح: نادي مناد يوم أُحد:

____________________

(1) الكافى: 8 / 318 / 502 عن الحسين أبي العلاء الخفّاف، وراجع تفسير القمّي: 1 / 116.

(2) الأنبياء: 60.

(3) عيون أخبار الرضا: 1 / 85 / 9، الاحتجاج: 2 / 340 / 271.

(4) الكافي: 8 / 110 / 90، وراجع علل الشرائع: 7 / 3، وتفسير فرات: 95 / 78.


لا سيف إلاّ ذو الفقا

رِ ولا فتى إلاّ عليّ (1)

167 - المناقب للخوارزمي عن أبي ذرّ عن الإمام عليّ (عليه السلام) - للمهاجرين والأنصار بعد حصول البيعة لعثمان -: (ناشدتكم الله تعالى، هل تعلمون - معاشر المهاجرين والأنصار - أنّ جبرئيل (عليه السلام) أتى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا محمّد، لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ عليّ؟ هل تعلمون كان هذا؟)، قالوا: اللهمّ نعم (2) .

168 - تاريخ الطبري: قاتَل مصعب بن عمير دون رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومعه لواؤه حتى قُتل، وكان الذي أصابه ابن قميئة الليثي، وهو يظنّ أنّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمّداً، فلمّا قُتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اللواء عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) (3) .

169 - الإرشاد: لمّا انهزم الناس عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في يوم أُحد، وثبت أمير المؤمنين (عليه السلام) قال (4) له: (ما لَكَ لا تذهب مع القوم)، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام):

____________________

(1) السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 106، المناقب لابن المغازلي: 197 / 234 عن أبي رافع، شرح نهج البلاغة: 1 / 29 وج 7 / 219 وزاد في ذيله (إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: هذا صوت جبرئيل)، الإرشاد: 871 عن سعد بن طريف عن الإمام الباقر عن آبائه (عليهم السلام) وعن أبي رافع وعن عكرمة عن الإمام عليّ (عليه السلام)، معاني الأخبار: 119 / 1، الأمالي للصدوق: 268 / 292 كلاهما عن أبان بن عثمان عن الإمام الصادق عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام)، تفسير القمّي: 1 / 116 عن أبي واثلة، الأمالي للطوسي: 143 / 232 عن محمّد بن إسحاق عن مشيخته، شرح الأخبار: 1 / 282 وج 2 / 381 / 739 عن سفيان الثوري بإسناده عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

(2) المناقب للخوارزمي: 301 / 296، الطرائف: 414 كلاهما عن أبي ذرّ، نهج السعادة: 1 / 122، وراجع الاحتجاج: 1 / 324 / 55.

(3) تاريخ الطبري: 2 / 516، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 177، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 77 كلاهما عن ابن إسحاق، الكامل في التاريخ: 1 / 552.

(4) في المصدر: (فقال)، والصحيح ما أثبتناه كما في بحار الأنوار.


(أذهب وأدَعَك يا رسول الله؟! والله لا برحت حتى أُقتَل أو ينجز الله لكَ ما وعدَك من النصر)، فقال له النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (أبشر يا عليّ؛ فإنّ الله منجزٌ وعده، ولنْ ينالوا منّا مثلها أبداً).

ثمّ نظر إلى كتيبة قد أقبلت إليه، فقال له: (لو حمَلت على هذه يا عليّ)، فحمل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقتل منها هشام بن أُميّة المخزومي وانهزم القوم. ثمّ أقبلت كتيبة أخرى، فقال له النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (احمل على هذه)، فحمل عليها فقتل منها عمرو بن عبد الله الجمحي، وانهزمت أيضاً. ثمّ أقبلت كتيبة أخرى، فقال له النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (احمل على هذه)، فحمل عليها فقتل منها بِشر بن مالك العامري وانهزمت الكتيبة، فلم يعد بعدها أحَد منهم.

وتراجع المنهزمون من المسلمين إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وانصرف المشركون إلى مكّة وانصرف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى المدينة، فاستقبلته فاطمة (عليها السلام) ومعها إناء فيه ماء، فغسَل به وجهه، ولحِقه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد خضّب الدم يده إلى كَتِفه ومعه ذو الفقار، فناوله فاطمة (عليها السلام) وقال لها: خُذي هذا السيف فقد صدقني اليوم. وأنشأ يقول:

أفاطم هاكِ السيف غير ذميمِ

فلست بِرِعْديد ولا بمُليمِ (1)

لعَمري لقد أعذرتُ في نصرِ أحمدٍ

وطاعة ربٍّ بالعباد عليمِ

أميطي دماء القوم عنه فإنّهُ

سقى آل عبد الدار كأسَ حميمِ

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): خُذيه يا فاطمة، فقد أدّى بعلُك ما عليه وقد قتل الله بسيفه

____________________

(1) رجلٌ رِعْديد: جبان يُرعَد عند القتال جُبناً. والمَلِيم: مَن استحقّ اللَّوْم (لسان العرب: 3 / 179 وج 12 / 557).


صناديد قريش (1) .

170 - الإمام عليّ (عليه السلام) - حينما رجع من غزوة أُحد وأعطى فاطمة (عليها السلام) سيفه:

أفاطمُ هاكِ السيفَ غيرَ ذميمِ

فلستُ برعديدٍ ولا بمُليمِ

لَعمري لقد قاتلتُ في حُبّ أحمدٍ

وطاعة ربٍّ بالعباد رحيمِ

وسيفي بكفّي كالشهاب أهزّهُ

أجُذّ به مِن عاتقٍ وصميمِ

فما زلت حتى فَضَّ ربّي جموعهم

وحتى شَفَينا نفس كلّ حليمِ (2)

171 - المغازي عن الإمام عليّ (عليه السلام): لمّا كان يوم أُحد وجال الناس تلك الجولة، أقبَل أُميّة بن أبي حذيفة بن المغيرة، وهو دارع مقنّع في الحديد، ما يُرى منه إلاّ عيناه، وهو يقول: يومٌ بيومِ بدر، فيعترض له رجل من المسلمين فيقتله أُميّة.

قال عليّ (عليه السلام): (وأصمِد له فأضربه بالسيف على هامته وعليه بيضة وتحت البيضة مِغفَر، فنبا سيفي، وكنت رجُلاً قصيراً، ويضربني بسيفه فأتّقي بالدَّرَقة، فلخج (3) سيفه فأضربه - وكانت دِرعه مشمّرة - فأقطع رِجْليه، ووقع فجعل يعالج سيفه حتى خلّصه من الدَّرَقة (4) ، وجعل يناوشني وهو بارك على رُكبتيه، حتى نظرت إلى فتقٍ تحت إبطه فأخشّ بالسيف فيه، فمال ومات وانصرفت عنه) (5) .

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 89، وراجع إعلام الورى: 1 / 378، وشرح الأخبار: 1 / 286 / 280، ودعائم الإسلام: 1/374، والمناقب للكوفي: 1/466/369 وص 477/382 وص 485/392، وبحار الأنوار: 20/87.

(2) تاريخ الطبري: 2 / 533، بشارة المصطفى: 187 عن أبي رافع نحوه.

(3) أي نشِب فيه (النهاية: 4 / 236).

(4) الدَّرَقة: تُرْس من جلود ليس فيه خشب ولا عَقَب (لسان العرب: 10 / 95).

(5) المغازي: 1 / 279، الإرشاد: 1 / 88 عن أبي عبيدة عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) نحوه.


172 - الإرشاد عن سعيد بن المسيّب: لو رأيت مقام عليّ يوم أُحد لوجدته قائماً على ميمنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يذبّ عنه بالسيف وقد ولّى غيره الأدبار (1) .

173 - الإمام الباقر (عليه السلام): (أصاب عليّاً (عليه السلام) يوم أُحد ستّون جِراحة) (2) .

174 - تفسير القمّي عن أبي واثلة شقيق بن سلمة - في عليّ (عليه السلام): أصابه في وجهه ورأسه وصدره وبطنه ويديه ورِجْليه تسعون جِراحة (3) .

175 - أُسد الغابة عن سعيد بن المسيّب: لقد أصابت عليّاً يوم أُحد ستّ عشرة ضربة، كلّ ضربة تلزمه الأرض، فما كان يرفعه إلاّ جبريل (عليه السلام) (4) .

176 - السيرة النبويّة عن ابن إسحاق: لمّا انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إنّ موعدكم بَدْر للعام القابل، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لرجُل من أصحابه: قل: نعم، هو بيننا وبينكم موعد.

ثمّ بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب فقال: (اُخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون، فإنْ كانوا قد جنّبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنّهم يريدون مكّة، وإنْ ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنّهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم فيها، ثمّ لأُناجزنّهم!)

قال عليّ: (فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنّبوا الخيل وامتطوا

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 88.

(2) مجمع البيان: 2 / 852 عن أبان بن عثمان، بحار الأنوار: 41 / 3 / 4.

(3) تفسير القمّي: 1 / 116، بحار الأنوار: 20 / 54 / 3.

(4) أُسد الغابة: 4 / 93 / 3789، شرح الأخبار: 2 / 415 / 762 عن سعد بن المسيّب، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 240 كلاهما نحوه.


الإبِل ووجّهوا إلى مكّة) (1) .

177 - الإمام عليّ (عليه السلام): (لمّا أنزل الله سبحانه قوله: ( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) (2) علمتُ أنّ الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين أظهُرنا، فقلت: يا رسول الله، ما هذه الفتنة التي أخبرك الله تعالى بها؟ فقال:

يا عليّ، إنّ أُمّتي سيُفتَنون من بعدي. فقلت: يا رسول الله، أوَليس قد قلتَ لي يوم أُحد حيث استُشهِدَ مَن استشهد من المسلمين، وحِيزَتْ عنّي الشهادة، فشقّ ذلك عليَّ، فقلت لي: أبشِر؛ فإنّ الشهادة مِن ورائك.

فقال لي: إنّ ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذن؟ فقلتُ: يا رسول الله، ليس هذا من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البُشرى والشُكر) (3) .

____________________

(1) السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 100، تاريخ الطبري: 2 / 527، الكامل في التاريخ: 1 / 556 نحوه.

(2) العنكبوت: 1 و2.

(3) نهج البلاغة: الخطبة 156.



الفصل الخامس

  إرغام العدوّ على التسليم في غزوتَين

5 / 1

غزوة بني النضِير

كان بنو النضير قد عقدوا حِلفاً مع المسلمين، ثمّ همّوا بقتْل النبيّ (صلّى الله عليه وآله). وكان (صلّى الله عليه وآله) قد عرف تحرّكاتهم السرّيّة بعد أُحد، فقصد حِصْنهم؛ لتقصّي الحقيقة، وكان مطلبه الظاهري دفْع دِية رجُلَين من قبيلة بني عامر.

تظاهر بنو النضير باستقباله (صلّى الله عليه وآله) في مشارف الحِصن، ولمّا نام (صلّى الله عليه وآله) مع أصحابه في ظِلّ الحصن، خطّطوا لقتله، لكنّه علِم بمكيدتهم حين مهّدوا لتنفيذها فيمّم المدينة على غفلة منهم (1)بعد أنْ نقضوا حِلفهم ونكثوا عهدهم، فأمر بإجلائهم عن بيوتهم، وترحيلهم عن ديارهم، فكابروا ولجّوا، فحاصرهم في ربيع الأوّل

____________________

(1) تاريخ الطبري: 2 / 551، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 199، الكامل في التاريخ: 1 / 564.


سنة (4) من الهجرة (1) . وفى ضوء بعض المعلومات التاريخيّة نزحوا عن ديارهم أذلّةً صاغرين بعد أنْ قتَل عشرة منهم (2) .

178 - الإرشاد: لمّا توجّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى بني النضِير، عَمِل على حصارهم، فضرب قبّته في أقصى بني حُطَمة من البطحاء، فلّما أقبل الليل رماه رجلٌ من بني النضير بسهم فأصاب القُبّة، فأمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنْ تحوّل قبّته إلى السفْح، وأحاط به المهاجرون والأنصار.

فلمّا اختلط الظلام فقدوا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال الناس: يا رسول الله، لا نرى عليّاً؟ فقال (صلّى الله عليه وآله): (أراه في بعض ما يُصلح شأنكم). فلم يلبث أنْ جاء برأس اليهودي الذي رمى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) - وكان يقال له: عزورا - فطرحه بين يدي النبيّ (صلّى الله عليه وآله). فقال له النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (كيف صنعت؟) فقال: (إنّي رأيت هذا الخبيث جريئاً شجاعاً، فكَمَنت له وقلت: ما أجرأه أنْ يخرج إذا اختلط الظلام يطلب منّا غُرّة (3) ، فأقبل مُصلِتاً سيفه في تسعة نفر من أصحابه اليهود، فشددت عليه فقتلته وأفلت أصحابه ولم يبرحوا قريباً، فابعثْ معي نفراً؛ فإنّي أرجو أنْ أظفر بهم!).

فبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) معه عشرةً، فيهم: أبو دجانة سِماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، فأدركوهم قبل أن يَلِجوا الحِصن، فقتلوهم وجاؤوا برؤوسهم إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فأمر أنْ تُطرح في بعض آبار بني حُطَمة.

وكان ذلك سبب فتح حصون بني النضير (4) .

____________________

(1) تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 245، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 200.

(2) الإرشاد: 1 / 92 و93، المغازي: 1 / 371.

(3) الغُرّة: الغفلة (النهاية: 3 / 355).

(4) الإرشاد: 1 / 92، المغازي: 1 / 371 نحوه.


5 / 2

غزوة بني قُرَيظة

أخفقَت المؤامرة الكبرى التي تآزر عليها المشركون واليهود في غزوة الخندق، ونكث بنو قريظة حِلفهم الذي كان قد عقدوه مع المسلمين على عدم التعرّض لهم، ومالَؤوا المشركين ضدّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) (1) ، فعزم (صلّى الله عليه وآله) في غد ذلك اليوم الذي فَرّ فيه المشركون على اقتحام حِصن بني قريظة، وهو آخر وَكْر فساد لليهود قُرب المدينة (2) . وبعد أنْ صلّى (صلّى الله عليه وآله) صلاة الظُهر، أصدر أمره بالتعبئة العسكريّة، وأخبر المسلمين بإقامة صلاة العصر في حيّ (بني قريظة) (3) .

وتجلّت شخصيّة الإمام (عليه السلام) في هذا التحرّك أيضاً، وكان دَوره فيه لافتاً للنظر لأمور:

1 - كانت راية الإسلام الخفّاقة بيده المقتدرة (4) .

2 - كان آمراً على مقدّمة الجيش (5) .

3 - كان بنو قريظة قد تسامعوا به، ولمّا رأوه، قالوا: جاء قاتل عمرو بن

____________________

(1) تاريخ الطبري: 2 / 571، المغازي: 2 / 455، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 287، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 231، الكامل في التاريخ: 1 / 569، تاريخ اليعقوبي: 2 / 52.

(2) تاريخ الطبري: 2 / 581 وص 583، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 244، المغازي: 2 / 497، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 307 وص 309، الكامل في التاريخ: 1 / 573.

(3) تاريخ الطبري: 2 / 581، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 245، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 308.

(4) الطبقات الكبرى: 2 / 74، تاريخ الطبري: 2 / 582، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 311، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 245، الكامل في التاريخ: 1 / 573، تاريخ اليعقوبي: 2 / 52.

(5) تاريخ الطبري: 2 / 582، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 245، المغازي: 2 / 499، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 311، الكامل في التاريخ: 1 / 573، الإرشاد: 1 / 109.


عبد ودّ. يقول ابن هشام: نزل بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ؛ لأنّ عليّ بن أبي طالب قال: (و الله لأذوقنّ ما ذاق حمزة أو لأفتحنّ حِصنهم) (1) .

4 - رضي اليهود بحُكم سعد بن معاذ فيهم؛ إذ كانوا يظنّون أنّه سيحكم لهم بسبب الأواصر القديمة التي كانت تربطهم به، لكنّه حكَم بقتْل رجالهم، ومصادرة أموالهم، وسبْيِ ذراريهم (2) .

179 - الإرشاد: لمّا انهزم الأحزاب وولّوا عن المسلمين الدبُر، عَمِل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على قصد بني قُرَيظة، وأنفذ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إليهم في ثلاثين من الخَزرج، فقال له: اُنظر بني قُرَيظة هل تركوا حصونهم!.

فلمّا شارف سوْرَهم سمِع منهم الهجْر (3) ، فرجع إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فأخبره، فقال: (دَعْهم، فإنّ الله سيُمكّن منهم، إنّ الذي أمكنك من عمرو بن عبد ودّ لا يخذلك، فقفْ حتى يجتمع الناس إليك، وأبشرْ بنصر الله؛ فإنّ الله قد نصرني بالرعب بين يديّ مسيرة شهر).

قال عليّ (عليه السلام): (فاجتمع الناس إليّ، وسرت حتى دنَوتُ من سوْرِهم، فأشرفوا علَيَّ، فحين رأوني صاح صائح منهم: قد جاءكم قاتل عمرو، وقال آخَر: قد أقبل إليكم قاتل عمرو، وجعل بعضهم يصيح ببعض ويقولون ذلك، وألقى الله في قلوبهم الرعب، وسمعت راجزاً يرجز:

قَتَل عليٌّ عَمْراً

صادَ علىٌّ صَقْراً

قَصَمَ عليٌّ ظَهْراً

أبرَم علىٌّ أمْراً

هَتَك عليٌّ سِتْراً

____________________

(1) السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 251، الإرشاد: 1 / 109.

(2) الإرشاد: 1 / 111.

(3) هو الخَنا والقبيحُ من القول (النهاية: 5 / 245).


فقلت: الحمد لله الذي أظهر الإسلام وقمع الشِرك. وكان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال لي حين توجّهت إلى بني قُرَيظة: سِرْ على بركة الله؛ فإنّ الله قد وعدك أرضهم وديارهم. فسِرت مستيقناً لنصر الله عزّ وجلّ حتى رَكزت الراية في أصل الحِصن) (1) .

180 - السيرة النبويّة - في ذِكر نزول بني قُرَيظة على حُكم سعد بن معاذ -: إنّ عليّ بن أبي طالب صاح وهم محاصروا بني قريظة: (يا كتيبة الإيمان). وتقدّم هو والزبير بن العوّام وقال: (والله لأذوقنّ ما ذاق حمزة، أو لأفتحنّ حصنهم)، فقالوا: يا محمّد، ننزل على حُكم سعد بن معاذ (2) .

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 109، كشف اليقين: 158 / 170، بحار الأنوار: 2 / 262 / 19.

(2) السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 251، البداية والنهاية: 4 / 122. وممّا تجدر الإشارة إليه هنا هو أنّهم إنّما رضوا بحُكم سعد بن معاذ رجاء العفو عنهم؛ وذلك لوجود مودّة قديمة بينه وبينهم مِن قَبل الإسلام، ولكنّ سعداً حكَم بقتل الرجال وسبْيِ النساء وغنيمة الأموال.



الفصل السادس

  الضربة المصيريّة في غزوة الخندق

عندما نزح بنو النضير عن أطراف المدينة، توجّه قِسم منهم إلى خيبر، وقِسم إلى الشام، وطفق رؤساؤهم يحرّضون المشركين ويشجّعونهم على التحالف مع اليهود، وتهيئة جيش من جميع القبائل لمهاجمة المدينة بمؤازرة اليهود (1).

وهكذا كان؛ فقد تهيّأ جيش ضخم قوامه عشرة آلاف، ضمّ كافّة المعارضين للحكومة الإسلاميّة الجديدة التي أسّسها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في المدينة وبدأ زحفه نحو المدينة (2) ؛ ومن هنا عُرفت هذه الغزوة بغزوة الأحزاب.

وقد شاور النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أصحابه حول كيفيّة مواجهة العدوّ، فاقترح سلمان حفْر خندَقٍ في مدخل المدينة؛ لتعويق العدوّ. وتحقّق ما أراد، وأمَر (صلّى الله عليه وآله) أصحابه بحفْر

____________________

(1) تاريخ الطبري: 2 / 565، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 225، الكامل في التاريخ: 1 / 568، المغازي: 2 / 441، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 283.

(2) تاريخ الطبري: 2 / 570، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 230، المغازي: 2 / 444، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 284 وص 287.


  الخندق، واشترك هو معهم في الحفْر(1) ، فتعوّق جيش العدوّ، الذي كان يهمّ بمهاجمة المدينة بكلّ غرور وخُيَلاء، خلف الخندق، وظلّ على هذه الحال شهراً تقريباً (2) ، حتى وقع في مأزِق بسبب صعوبة الإمداد.

وفى ذات يوم عبَر عمرو بن عبد ودّ الخندق ومعه عدد من فرسان العدوّ وشجعانه المشهورين (3) ، وصاروا أمام المسلمين، وطلبوا أنْ يبرز إليهم أقرانهم، فلم يُجِبهم أَحد، وكرّروا نداءهم غير مرّة، وكان لعمرو صِيته المخيف، ففزع منه الجميع، وحُبست الأنفاس في الصدور، ولم تلقَ نداءاته المغرورة جواباً، فأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يقوم إليه أحد ويقتلع شرّه، فلم يقُم إلاّ أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) (4) . ولمّا تقابلا قال (صلّى الله عليه وآله) عبارته الخالدة:

(برَز الإيمانُ كلُّه إلى الشِركِ كلِّه) (5) .

وبعد قتال شديد عاجلَه الإمام بهجمة سريعة، فقضى عليه، وبلغَت صيحة

____________________

(1) تاريخ الطبري: 2 / 566، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 226، الكامل في التاريخ: 1 / 568، المغازي: 2 / 445 وص 454.

(2) تاريخ الطبري: 2 / 572، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 233، الكامل في التاريخ: 1 / 569، الإرشاد: 1 / 96.

(3) تاريخ الطبري: 2 / 574، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 235، الكامل في التاريخ: 1 / 570، المغازي: 2 / 470، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 290، تاريخ اليعقوبي: 2 / 50.

(4) السُنن الكبرى: 9 / 223 / 18350، المغازي: 2 / 470، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 235 و236، الإرشاد: 1 / 100.

(5) شرح نهج البلاغة: 19 / 61، كنز الفوائد: 1 / 297، الطرائف: 35، إرشاد القلوب: 244، عوالي اللآلي: 4 / 88 / 113 وفيه (الكُفر) بدل (الشِرك).


(الله أكبر) عنان السماء، فلاذَ أصحابه بالفرار (1) . وتبدّد جيش الأحزاب على ما كان عليه من شوكة وأُبّهة خياليّة.

ويمكننا أنْ نفهْرِس دَور الإمام العظيم في هذه الحرب على النحو الآتي:

1 - لمّا عبَر عمرو بن عبد ودّ وأصحابه من موضع ضيّق من الخندق، استقرّ الإمام (عليه السلام) هناك مع جماعة، فلم يتيسّر للمشركين العبور بعدئذ (2) .

2 - كان قتل عمرو بن عبد ودّ مهمّاً وحاسماً ومصيريّاً إلى درجة أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال:

(لَمبارزةُ عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودّ يوم الخندق أفضل من أعمال أُمّتي إلى يوم القيامة) (3) .

وفى رواية:

(لَضربةُ عليّ لعمرو يوم الخندق تعدل عبادة الثقلَين) (4) .

وحينما تجدّل صنديد العرب صريعاً بصَق في وجه الإمام آيِساً بائساً، فوقف صلوات الله عليه، وتمهّل ولم يبادر إلى حزّ رأسه؛ لئلاّ يكون في عمَله ذرّةٌ من غضب.

____________________

(1) تاريخ الطبري: 2 / 574، الكامل في التاريخ: 1 / 570، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 236، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 290.

(2) تاريخ الطبري: 2 / 574، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 235، الكامل في التاريخ: 1 / 570، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 290، الإرشاد: 1 / 98.

(3) المستدرك على الصحيحين: 3 / 34 / 4327، تاريخ بغداد: 13 / 19 / 6978، شواهد التنزيل: 2/14/636، المناقب للخوارزمي: 107/112، الفردوس: 3/455/5406، إرشاد القلوب: 245.

(4) عوالي اللآلي: 4 / 86 / 102، وراجع الطرائف: 519، والمستدرك على الصحيحين: 3/34/4328.


3 - وبعد أنْ جدّله وصرعه، وولّى أصحابه مُدبرين تبِعهم (1) ، وقتل منهم نوفل بن عبد الله (2) .

4 - لمّا ضرب الإمام (عليه السلام) رِجْل عمرو وقضى عليه، ألقى تراب الذلّ والخوف والرعب على وجوه المشركين، وأقعدهم حيارى مهزومين منهارين (3) .

5 - قتل الإمام (عليه السلام) عمْرواً، بَيد أنّه تَرفَّع عن سلْب دِرعه الثمين إذ (كان يضرب بسيفه من أجل الحقّ) لا غيره... ولم يخفَ كلّ هذا الترفُّع والجلال والشَمَم عن الأنظار، حتى إنّ أُخت عمرو نفسها أثنَت عليه (4) .

181 - تاريخ اليعقوبي: كانت وقعة الخندق... في السنة السادسة بعد مقدم رسول الله بالمدينة بخمسة وخمسين شهراً، وكانت قريش تبعث إلى اليهود وسائر القبائل فحرّضوهم على قتال رسول الله، فاجتمع خلقٌ من قريش إلى موضعٍ يقال له: سَلْع (5) ، وأشار عليه سلمان الفارسي أنْ يحفر خندَقاً، فحفَر الخندق، وجعل لكلّ قبيلة حدّاً يحفرون إليه، وحفَر رسول الله معهم حتى فرغ من حفْر الخندق، وجعل له أبواباً، وجعل على الأبواب حرساً، من كلّ قبيلة رجُلاً، وجعل عليهم الزبير بن العوّام، وأمره إنْ رأى قتالاً أنْ يقاتل. وكانت عدّة المسلمين سبعمِئة رجُل.

ووافى المشركون فأنكروا أمْر الخندق، وقالوا: ما كانت العرب تعرف هذا!.

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 102.

(2) تاريخ الطبري: 2 / 574، الإرشاد: 1 / 105، تاريخ اليعقوبي: 2 / 50.

(3) كنز الفوائد: 1 / 298.

(4) الإرشاد: 1 / 107، المستدرك على الصحيحين: 3 / 36 / 4330.

(5) موضع بقرب المدينة (معجم البلدان: 3 / 236).


وأقاموا خمسة أيّام، فلمّا كان اليوم الخامس خرج عمرو بن عبد ودّ وأربعة نفر من المشركين: نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومى، وعكرمة بن أبى جهل، وضرار بن الحطّاب الفهري، وهبيرة بن أبى وهب المخزومي. فخرج عليّ بن أبي طالب إلى عمرو بن عبد ودّ فبارزه وقتله، وانهزم الباقون، وكَبا (1) بنوفل بن عبد الله بن المغيرة فرسُه، فلحقه عليّ فقتله (2) .

182 - السُنن الكبرى عن ابن إسحاق: خرج - يعني يوم الخندق - عمرو بن عبد ودّ فنادى: مَن يبارز؟ فقام عليّ (رضي الله عنه) وهو مقنّع في الحديد فقال: (أنا لها يا نبيّ الله )، فقال: (إنّه عمرو، اجلسْ).

ونادى عمرو: ألا رجُل! وهو يؤنّبهم ويقول: أين جَنّتكم التي تزعمون أنّه مَن قُتِل منكم دخلَها؟ أفَلا يبرز إليّ رجُل؟! فقام عليّ (رضي الله عنه) فقال: (أنا يا رسول الله)، فقال: (اجلسْ).

ثمّ نادى الثالثة وذكَر شِعراً، فقام عليّ فقال: (يا رسول الله، أنا)، فقال: (إنّه عمرو!) قال: (وإنْ كان عمرو!)، فأَذِن له رسول الله (صلّى الله عليه وآله). فمشى إليه حتى أتاه وذَكر شِعراً.

فقال له عمرو: مَن أنت؟

قال: (أنا عليّ).

قال: ابن عبد مناف؟

فقال: (أنا عليّ بن أبي طالب).

____________________

(1) الكَبْوة: السقوط للوجه، كَبا لوجهه: سقط. وكَبا - أيضاً -: عَثَر (لسان العرب: 15 / 213).

(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 50.


فقال: غيرك يا بن أخي من أعمامك من هو أسنّ منك؛ فإنّي أكره أنْ أُهريق دمك.

فقال عليّ (رضي الله عنه): (لكنّي والله ما أكره أنْ أُهريق دمك!).

فغضب فنزل وسلّ سيفه كأنّه شعلة نار، ثمّ أقبل نحو عليّ (رضي الله عنه) مغضباً، واستقبله عليّ (رضي الله عنه) بدَرقته، فضربه عمرو في الدرقة فقدَّها وأثبَت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجّه، وضربه عليّ (رضي الله عنه) على حبل العاتق فسقط وثار العَجاج، وسمِع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) التكبير، فعرف أنّ عليّاً (رضي الله عنه) قد قتله (1) .

183 - الإرشاد عن الزهري: جاء عمرو بن عبد ودّ وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة ابن أبي وهب ونوفل بن عبد الله بن المغيرة وضرار بن الخطّاب - في يوم الأحزاب - إلى الخندق، فجعلوا يطوفون به؛ يطلبون مضيقاً منه فيعبرون، حتى انتهوا إلى مكان أَكرهوا خيولهم فيه فعبَرت، وجعلوا يجولون بخيْلهم فيما بين الخندق وسَلْع، والمسلمون وقوف لا يُقدِم واحد منهم عليهم. وجعل عمرو بن عبد ودّ يدعو إلى البِراز ويُعرِّض بالمسلمين ويقول:

ولقد بُححت من الندا ء بجمعِهمْ هل من مبارزْ

في كلّ ذلك يقوم عليّ بن أبي طالب من بينهم ليبارزه، فيأمره رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالجلوس؛ انتظاراً منه ليتحرّك غيره، والمسلمون كأنّ على رؤسهم الطير؛ لمكان عمرو بن عبد ودّ، والخوف منه، وممّن معه ووراءه.

فلمّا طال نداء عمرو بالبراز وتتابع قيام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (اُدنُ منّي يا عليّ)، فدنا منه، فنزع عمامته من رأسه وعمّمه بها، وأعطاه سيفه،

____________________

(1) السُنن الكبرى: 9 / 223 / 18350.


وقال له: (امضِ لشأنِك)، ثمّ قال: (اللهمّ أعِنه). فسعى نحو عمرو ومعه جابر بن عبد الله الأنصاري؛ لينظر ما يكون منه ومن عمرو، فلمّا انتهى أمير المؤمنين (عليه السلام) إليه قال له: (يا عمرو، إنّك كنت في الجاهليّة تقول: لا يدعوني أحدٌ إلى ثلاث إلاّ قبلتُها أو واحدة منها!) قال: أجل. قال: (فإنّي أدعوك إلى شهادة أنْ لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، وأن تُسلِم لربّ العالمين).

قال: يا بن أخ أخِّر هذه عنّي. فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): (أما إنّها خيرٌ لك لو أخذتها)، ثمّ قال: (فهاهنا أخرى). قال: ما هي؟ قال: ترجع من حيث جئت. قال: لا تُحدّث نساء قريش بهذا أبداً. قال: (فهاهنا أُخرى). قال: ما هي؟ قال: (تنزل فتقاتلني).

فضحك عمرو وقال: إنّ هذه الخصلة، ما كنت أظنّ أنّ أحداً من العرب يرومَني عليها! وإنّي لأكره أنْ أقتل الرجُل الكريم مثلَك، وقد كان أبوك لي نديماً. قال عليّ (عليه السلام): (لكنّي أحبّ أنْ أقتلك، فانزل إنْ شئت!) فأسف عمرو ونزل، وضرب وجه فرَسِه حتى رجع.

فقال جابر (رحمة الله): وثارت بينهما قترة؛ فما رأيتهما، وسمعت التكبير تحتها، فعلمت أنّ عليّاً (عليه السلام) قد قتله، وانكشف أصحابه حتى طفرَت خيولهم الخندق، وتبادر المسلمون حين سمِعوا التكبير ينظرون ما صنَع القوم، فوجدوا نوفل بن عبد الله في جوف الخندق لم ينهض به فرَسُه، فجعلوا يرمونه بالحجارة، فقال لهم: قتلةٌ أجمَل من هذه! ينزل بعضكم أقاتله!! فنزل إليه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فضربه حتى قتله. ولحِق هبيرة فأعجزه، فضرب قربوس (1) سرْجه، وسقطت دِرع كانت عليه، وفَرّ عكرمة، وهرب ضرار بن الخطّاب.

____________________

(1) القَرَبوس: حِنو السرْج (لسان العرب: 6 / 172).


فقال جابر: فما شبّهت قتْل عليّ عمراً إلاّ بما قصّ الله تعالى من قصّة داود وجالوت، حيث يقول: ( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ) (1)(2) .

184 - المستدرك على الصحيحين عن ابن إسحاق: ثمّ أقبل عليّ (رضي الله عنه) [أي بعد قتْله عمرواً] نحو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووجْهه يتهلّل، فقال عُمَر بن الخطّاب: هلاّ أسلبتَه دِرعه؛ فليس للعرب درعاً خيراً منها! فقال: ضربته فاتّقاني بسَوءته، واستحييت ابن عمّي أنْ أستلبه (3) .

185 - المناقب لابن شهر آشوب: لمّا أدرك [عليّ (عليه السلام) ] عمرو بن عبد ودّ لم يضربه، فوقعوا في عليّ (عليه السلام)، فردّ عنه حذيفة، فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (مَه يا حذيفة؛ فإنّ عليّاً سيذكر سبب وقْفته ، ثمّ إنّه ضربه)، فلمّا جاء سأله النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن ذلك، فقال: (قد كان شتَم أُمّي، وتفَل في وجهي، فخشيت أنْ أضربه لحظّ نفسي، فتركته حتى سكَن ما بي، ثمّ قتلته في الله) (4) .

186 - الإرشاد عن أبي الحسن المدائني: لمّا قتَل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) عمرو بن عبد ودّ نُعي إلى أُخته، فقالت: من ذا الذي اجترأ عليه؟! فقالوا: ابن أبي طالب. فقالت: لم يعدُ يومَه [ إلاّ ] (5) على يدِ كُفءٍ كريم، لا رقأت دمعتي إنْ هرقتُها عليه؛ قتَل الأبطال، وبارَز الأقران، وكانت منيّته على يدِ كُفء كريمِ

____________________

(1) البقرة: 251.

(2) الإرشاد: 1 / 100، إعلام الورى: 1 / 380، كشف الغمّة: 1 / 204 نحوه، وراجع المستدرك على الصحيحين: 3 / 35 / 4329، والمغازي: 2 / 470.

(3) المستدرك على الصحيحين: 3 / 35 / 4329.

(4) المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 115، الدرجات الرفيعة: 287، كيمياي سعادت: 1 / 571.

(5) أثبتنا ما بين المعقوفين من إرشاد القلوب.


قومه، ما سمعت أفخر من هذا يا بَني عامر! ثمّ أنشأت تقول:

لو كان قاتل عمرو غير قاتلهِ

لكنتُ أبكي عليه آخرَ الأبدِ

لكنّ قاتل عمرٍ ولا يُعابُ بهِ

مَن كان يُدعى قديماً بيضةَ البلدِ (1)

187 - الإمام عليّ (عليه السلام): (إنّي قتلتُ عمرو بن عبد ودّ، وكان يُعدّ بألف رجُل) (2) .

188 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - عند مبارزة الإمام عليّ (عليه السلام) عمرواً: (برَز الإيمان كلُّه إلى الشِرك كلِّهِ) (3) .

189 - عنه (صلّى الله عليه وآله): (لَمبارزةُ عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودّ يوم الخندق أفضل من أعمال أُمّتي إلى يوم القيامة) (4) .

190 - عنه (صلّى الله عليه وآله): (لَضربةُ عليٍّ لعمرو يوم الخندق تعدلُ عبادة الثقلَين) (5) .

191 - المستدرك على الصحيحين: قد ذكرت في مقتل عمرو بن عبد ودّ من الأحاديث المسندة وَمْعاً (6) - عن عروة بن الزبير وموسى بن عقبة ومحمّد بن إسحاق بن يسار ما بلغني - ليتقرّر عند المنصف من أهل العِلم أنّ عمرو بن

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 107، إرشاد القلوب: 245، وراجع المستدرك على الصحيحين: 3 / 36 / 4329.

(2) الخصال: 579 / 1 عن مكحول.

(3) كنز الفوائد: 1 / 297، الطرائف: 35، إرشاد القلوب: 244، تأويل الآيات الظاهرة: 2 / 451 / 11 عن حذيفة، عوالي اللآلي: 4 / 88 / 113 وفيه (الكفر) بدل (الشِرك)، شرح نهج البلاغة: 19 / 61.

(4) المستدرك على الصحيحين: 3 / 34 / 4327، تاريخ بغداد: 13 / 19 / 6978، شواهد التنزيل: 2 / 14 / 636، المناقب للخوارزمي: 107 / 112 كلّها عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه، الفردوس: 3 / 455 / 5406 عن معاوية بن حيدة، ينابيع المودّة: 1 / 412 / 5 عن حذيفة بن اليمان، إرشاد القلوب: 245.

(5) عوالي اللآلي: 4 / 86 / 102.

(6) الوَمعة: الدفعة من الماء (تاج العروس: 11 / 534).


عبد ودّ لم يقتله ولم يشترك (1) في قتلِه غير أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وإنّما حمَلَني على هذا الاستقصاء فيه قول مَن قال من الخوارج: (إنّ محمّد بن مسلمة - أيضاً - ضربه ضربة وأخذ بعض السلْب)، ووالله ما بلغنا هذا عن أحد من الصحابة والتابعين، وكيف يجوز هذا وعليّ (رضي الله عنه) يقول: (ما بلغنا أنّي ترفّعت عن سلب ابن عمّي فتركته!)؟! وهذا جوابه لأمير المؤمنين عمر بن الخطّاب بحضرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (2) .

192 - شرح نهج البلاغة عن أبى بكر بن عيّاش: لقد ضرب عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) ضربةً ما كان في الإسلام أيمنَ منها؛ ضربَته عَمرواً يوم الخندق (3) .

____________________

(1) في الطبعة المعتمدة: (نشترك)، والتصحيح من طبعة أخرى.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3 / 36 / 4331، وراجع تاريخ الطبري: 2 / 574، والسيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 235، وتاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 290.

(3) شرح نهج البلاغة: 19 / 61، الإرشاد: 1 / 105 وفيه (أعزّ) بدل (أيمن).


الفصل السابع

  الشجاعة والأدب في الحديبيّة

عزم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على التوجّه إلى مكّة في السنّة السادسة من الهجرة قاصداً العُمرة، فسار حتى الحديبيّة، فعلِمت قريش بمسيره، فخرجت من مكّة. وأُخبر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّ قريش عازمة على صدّه ومنعْه من دخول مكّة.

وبعثت قريش ممثّلاً عنها للتفاوض مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، كما بعث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ممثلاً عنه أيضاً، فقرّروا أنْ يرجع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تلك السنة ولا يدخل مكّة (1). وعقدوا على ذلك صُلحاً بينهم، فكتب الإمام عليّ (عليه السلام) نصّ الصُلح بيده (2) .

193 - الإرشاد عن فايد مولى عبد الله بن سالم: لمّا خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في عمرة الحديبيّة نزل الجحفة فلم يجد بها ماءً، فبعث سعد بن مالك بالروايا، حتى إذا كان

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 2/95، تاريخ الطبري: 2/620، تاريخ الإسلام للذهبي: 2/363، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 321، الكامل في التاريخ: 1 / 582، المغازي: 2 / 571، تاريخ اليعقوبي: 2 / 54.

(2) الطبقات الكبرى: 2 / 97، تاريخ الطبري: 2 / 634، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 331، الكامل في التاريخ: 1 / 585، المغازي: 2 / 610، تاريخ اليعقوبي: 2 / 54.


غير بعيد رجَع سعد بالروايا فقال: يا رسول الله، ما أستطيع أنْ أمضي! لقد وقَفَت قدماي رُعباً من القوم!! فقال له النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (اجلس).

ثمّ بعث رجُلاً آخر، فخرج بالروايا حتى إذا كان بالمكان الذي انتهى إليه الأوّل رجع، فقال له النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (لِمَ رجعت؟!) فقال: والذي بعثك بالحقّ ما استطعت أنْ أمضي رُعباً!!.

فدعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهما، فأرسله بالروايا، وخرج السُقاة وهم لا يشكّون في رجوعه؛ لِما رأَوا من رجوع مَن تقدّمه، فخرج عليّ (عليه السلام) بالروايا، حتى ورَد الحِرار (1) فاستقى، ثمّ أقبل بها إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ولها زجَل (2) ، فكبّر النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ودعا له بخير (3) .

194 - صحيح البخاري عن البراء بن عازب: لمّا صالح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أهل الحديبيّة، كتب عليّ بينهم كتاباً، فكتب: محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال المشركون: لا تكتب (محمّد رسول الله)؛ لو كنت رسولاً لم نقاتلْك!! فقال لعليّ: (امحُه). فقال عليّ: (ما أنا بالذي أمحاه)، فمحاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بيده (4) .

195 - الإمام عليّ (عليه السلام): (إنّي كنت كاتب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم الحديبيّة، فكتبت: هذا

____________________

(1) حِرار: جمع حَرّة - وهي كثيرة في بلاد العرب؛ كحرّة أوطاس وحرّة تبوك - وهي أرض ذات حجارة سود نخرة كأنّها أُحرقت بالنار (تقويم البلدان: 2 / 234 و245).

(2) الزَّجَل: الصوت (المحيط في اللغة: 7 / 23).

(3) الإرشاد: 1 / 121، وراجع الإصابة: 5 / 269 / 6972.

(4) صحيح البخاري: 2 / 960 / 2551، صحيح مسلم: 3 / 1409 / 90، مسند ابن حنبل: 6/420/18591، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 334 / 191، السنن الكبرى: 5/111/9189 نحوه، وراجع صحيح البخاري: 3 / 1163 / 3013، وسنن الدارمي: 2 / 687 / 2412، وخصائص أمير المؤمنين للنسائي: 336 / 192.


ما صالح عليه محمّد رسول الله وسُهَيل بن عمرو. فقال سهيل: لو علِمنا أنّه رسول الله ما قاتلناه! امحُها. قلت: هو والله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإنْ رغم أنفك، لا والله لا أمحوها! فقال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أرِنيه، فأريته، فمحاها) (1) .

راجع: القسم العاشر / الخصائص العقائديّة / امتحن الله قلبه للإيمان.

القسم السادس / وقعة صِفّين / تعيين الحكَم / وثيقة التحكيم.

____________________

(1) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 333 / 190 عن علقمة بن قيس.



الفصل الثامن

  الدَور المصيري في فتْح خيبر

تحظى وقعة خيبر بشأنٍ خاصّ بين وقائع النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؛ ففيها هزَم (صلّى الله عليه وآله) يهود خيبر، وقوّض مركز التآمر على دينه وحكومته الجديدة. فكانت حصون اليهود في منطقةٍ خصبة شمال غربيّ المدينة تبعد عنها حوالي (200) كيلومتر، تُدعى خيبر (1).

وكان اليهود القاطنون في هذه الحصون يُضمرون حقْداً للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) والمؤمنين والدولة الإسلاميّة منذ الأيّام الأُولى لاتّساع الرسالة، ولم يدّخروا وسْعاً للكيد بهم، بل إنّ حرب الأحزاب شُنَّت على الإسلام بدعْمهم العسكري والمالي؛ وبهذا يتّضح أنّهم كانوا أعداءً لُدّاً ومتآمرين يتحرّقون حنَقاً على الرسالة ونبيّها الكريم (صلّى الله عليه وآله) (2) .

____________________

(1) معجم البلدان: 2 / 409، الطبقات الكبرى: 2 / 106.

(2) تاريخ الطبري: 2 / 565، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 284، المغازي: 2 / 441.


وحين اطمأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من قريش بعد صُلح الحديبيّة، توجّه نحو خيبر؛ لفتح حصونها، والقضاء على وكْر التآمر (1) .

ووجود عشرة آلاف مقاتل، وحصون حصينة منيعة لا تُقهر، وقدرات ومعدّات كثيرة داخلها، وأضغان راسخة في قلوب اليهود المتواجدين داخل الحِصن شدّت من عزائمهم لمحاربة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؛ شكّل دلالة على الأهمّيّة الخاصّة لوقعة خيبر.

وكان للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فيها مظهر عجيب، وله في فتْحها العظيم دَور لا يُضاهى ولا يُبارى يتمثّل فيما يلي:

1 - كانت راية الإسلام في هذه المعركة بيد الإمام عليّ (عليه السلام) المقتدرة كما في غيرها من الحروب والغزوات (2) .

2 - لمّا فُتِحت كلّ الحصون، واستعصى حصن (الوطيح) و(السلالم) - إذ كانا من أحكَم الحصون، وزحَف المسلمون نحوهما مرّتين: الأُولى بقيادة أبي بكر، والأخرى بقيادة عُمَر، لكنّهما أخفَقا في فتحهما - انتدب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام)، وكان مريضاً لا يقدر على القتال فدعا النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فشُفي، وفتَح الله على يديه، وتمكّن الجيش الإسلامي العظيم من فتْح ذَينك الحِصنَين اللذَين كان فتْحهما لا يصدّق ولا يخطر ببال أحد (3).

____________________

(1) المغازي: 2 / 637.

(2) الطبقات الكبرى: 2 / 106، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 342، المغازي: 2 / 649 وص 655، الإرشاد: 1 / 126.

(3) المستدرك على الصحيحين: 3 / 39 - 41، المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 497 / 17، خصائص أمير المؤمنين للنسائي (عليه السلام): 56 / 14، تاريخ الطبري: 3 / 11 - 13، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 410 - 412، الكامل في التاريخ: 1 / 596، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 349، تاريخ دمشق: 42 / 93، دلائل النبوّة للبيهقي: 4 / 210.


3 - جندَل الإمامُ (عليه السلام) الحارثَ - المقاتل اليهوديّ المغرور، الذي كانت الأبدان ترتجف من صيحاته عند القتال - بضربة قاصمة، كما قدّ مَرحَب - الذي لم يجرؤ أحد على مواجهته - نِصفين (1) .

4 - لمّا أخفَق المسلمون في فتح الحِصنين المذكورَين وأوشك الرعب أنْ يسيطر على القلوب، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عبارته العظيمة الرائعة المشهورة: (لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يُحبّ اللهَ ورسولَه ويحبّه اللهُ ورسولُه) (2) ، والأخرى: (كرّاراً غير فرّار) (3) ، يريد بذلك عليّاً صلوات الله عليه، فأحيى الأمل في النفوس بالنصر.

5 - قلَع الإمام (عليه السلام) باب قلعة قموص وحده، وكان لا يحرّكه إلاّ أربعون رجُلاً! (4)

____________________

(1) مسند ابن حنبل: 9 / 28 / 23093، السنن الكبرى: 9 / 222 / 18346، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 604 / 1034، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 59 / 15، تاريخ الطبري: 3 / 13، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 411، الكامل في التاريخ: 1 / 596 و597، المغازي: 2 / 654، الطبقات الكبرى: 2 / 112.

(2) السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 349، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 60 / 16، المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 497 / 17، تاريخ بغداد: 8 / 5 / 4036، الطبقات الكبرى: 2 / 111، تاريخ الطبري: 3 / 12، تاريخ دمشق: 42 / 85 / 8428، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 408 وص 410، الخصال: 311 / 87، علل الشرائع: 162 / 1، الأمالي للطوسي: 171 / 287.

(3) الكافي: 8 / 351 / 548، الإرشاد: 1 / 64، تُحف العقول: 459، الأمالي للمفيد: 56 / 1، تاريخ اليعقوبي: 2 / 56، الخرائج والجرائح: 1 / 159 / 249، المناقب للخوارزمي: 170 / 203، كنز العمّال: 13 / 123 / 36393.

(4) المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 507 / 76، دلائل النبوّة للبيهقي: 4 / 212، تاريخ بغداد: 11 / 324 / 6142، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 412، المناقب للخوارزمي: 172 / 207، الأمالي للصدوق: 604 / 839.


196 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - في يوم فتح خيبر: (لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرّاراً غير فرّار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه) (1) .

197 - الإمام عليّ (عليه السلام) - في فتح خيبر: (إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعث أبا بكر، فسار بالناس، فانهزم حتى رجع إليه. وبعث عُمًر، فانهزم بالناس حتى انتهى إليه. فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لأُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله له، ليس بفرّار. فأرسل إليّ فدعاني، فأتيته وأنا أرمَد لا أُبصر شيئاً، فتفَل في عيني وقال: اللهمّ اكفِه الحرّ والبرد). قال: (فما آذاني بعدُ حرٌّ ولا بَرْد) (2) .

198 - مجمع الزوائد عن ابن عبّاس: بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى خيبر - أحسبه قال:

____________________

(1) الكافي: 8 / 351 / 548 عن عدّة من أبناء المهاجرين والأنصار، الإرشاد: 1 / 64، الإفصاح: 34 وص 132، الأمالي للطوسي: 380 / 817 عن أبي هريرة، الاحتجاج: 2 / 25 / 150 عن الإمام الحسن (عليه السلام) عنه (صلّى الله عليه وآله)، شرح الأخبار: 1 / 148 / 86 عن بريدة وفيه (يفتح خيبر عنوة) بدل (لا يرجع...)، عوالي اللآلي: 4 / 88 / 111، إعلام الورى: 1 / 207 عن الواقدي، الفضائل لابن شاذان: 128، المناقب للخوارزمي: 170 / 203 كلاهما عن عُمَر.

(2) المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 497 / 17، مسند البزّار: 2 / 136 / 496، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 54 / 13 كلّها عن أبي ليلى، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 349، البداية والنهاية: 7 / 337 وج 4 / 186، تاريخ دمشق: 42 / 89 والأربعة الأخيرة عن سلمة بن عمرو بن الأكوع، المناقب لابن المغازلي: 181 / 217 عن أبي هريرة والخمسة الأخيرة من دون إسناد إليه (عليه السلام)، الخصال: 555 / 31 عن عامر بن واثلة، الأمالي للطوسي: 546 / 168 عن أبي ذرّ، شرح الأخبار: 1 / 302 / 283 والثمانية الأخيرة نحوه، إعلام الورى: 1 / 364 عن أبي ليلى، وراجع مسند ابن حنبل: 9 / 19 / 23054.


أبا بكر - فرجع منهزماً ومَن معه، فلمّا كان من الغد بعث عُمَر، فرجع منهزماً يُجَبِّن أصحابه ويُجبِّنه أصحابُه. فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح الله عليه).

فثار الناس، فقال: (أين عليّ؟) فإذا هو يشتكي عينيه، فتفل في عينيه، ثمّ دفع إليه الراية، فهزّها، ففتح الله عليه (1) .

199 - مسند ابن حنبل عن أبي سعيد الخدريّ: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أخذ الراية فهزّها، ثمّ قال: (مَن يأخذها بحقّها؟) فجاء فلان فقال: أنا، قال: أمِط. ثمّ جاء رجل فقال: أمِط، ثمّ قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (والذي كرّم وجه محمّد، لأُعطينّها رجلاً لا يفرّ، هاك يا عليّ). فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر وفدَك، وجاء بعَجوتهما (2) وقَديدهما (3) (4) .

200 - الطبقات الكبرى: سريّة عليّ بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفَدَك (5)

____________________

(1) مجمع الزوائد: 9 / 165 / 14717، وراجع الإفصاح: 86، والمناقب للكوفي: 2 / 498 / 1001، والخرائج والجرائح: 1 / 159 / 249.

(2) العَجْوة: ضرْب من أجود التمر بالمدينة (لسان العرب: 15 / 31).

(3) القديد: اللحم المملوح المجفّف في الشمس (النهاية:4 / 22 ).

(4) مسند ابن حنبل: 4 / 34 / 11122، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 583 / 987 وليس فيه (وفدك)، مسند أبي يعلى: 2 / 117 / 1341، تاريخ دمشق: 42 / 104 / 8461، البداية والنهاية: 7 / 339، شرح الأخبار: 1 / 321 / 286، المناقب للكوفي: 2 / 495 / 995 وفيهما (فجاء الزبير) بدل (فجاء فلان) وكلاهما نحوه.

(5) قرية من قُرى اليهود بينها وبين المدينة يومان، وكانت لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّه فتحها هو وأمير المؤمنين (عليه السلام) فزال عنها حكم الفيء ولزِمها اسم الأنفال، فلمّا نزل: ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَي حَقَّهُ ) أي اعطِ فاطمة (عليها السلام) فدَكاً، أعطاها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إيّاها، وكانت في يد فاطمة (عليها السلام) إلى أنْ توفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأُخذت من فاطمة بالقهْر والغلَبة (مجمع البحرين:3 / 1370).


في شعبان سنة ستّ من مُهاجَر رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

قالوا: بلغ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّ لهم جَمعاً يريدون أنْ يُمِدّوا يهود خيبر، فبعث إليهم عليّ بن أبي طالب في مِئة رجُل، فسار الليل وكَمَن النهار حتى انتهى إلى الهَمَج، وهو ماء بين خيبر وفدَك، وبين فدك والمدينة ستّ ليال، فوجدوا به رجلاً، فسألوه عن القوم فقال: أُخبركم على أنّكم تؤمنوني، فآمَنوه فدلّهم، فأغاروا عليهم، فأخذوا خمسمِئة بعير وألفَي شاة، وهربت بنو سعد بالظُعُن (1) ، ورأسُهم وَبَر بن عُليم.

فعزل عليّ صفيّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، لَقوحاً (2) تدعى الحفذة، ثمّ عزَل الخُمس، وقسّم سائر الغنائم على أصحابه، وقدِم المدينة ولم يلقَ كيداً (3) .

201 - المغازي عن يعقوب بن عتبة: بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) في مِئة رجل إلى حيّ سعد بفدَك، وبلغ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله) أنّ لهم جَمعاً يريدون أنْ يُمدّوا يهودَ خيبر، فسار الليل وكمَنَ النهار حتى انتهى إلى الهَمَج، فأصاب عيناً فقال: (ما أنت؟ هل لك عِلم بما وراءك من جَمع بني سعد؟) قال: لا عِلم لي به.

فشدّوا عليه فأقرّ أنّه عينٌ لهم بعثوه إلى خيبر يعرُض على يهود خيبر نصْرهم على أنْ يجعلوا لهم من تمْرِهم، كما جعلوا لغيرهم ويقدمون عليهم، فقالوا له: فأين القوم؟ قال: تركتهم وقد تجمّع منهم مِئتا رجُل، ورأسُهم وَبَر بن عُليم. قالوا: فسِر بنا حتى تدلّنا. قال: على أنْ تؤمِّنوني. قالوا: إنْ دللتنا عليهم وعلى

____________________

(1) الظُعُن: النساء، وأصل الظَّعِينة: الراحلة التي يُرحل ويُسار عليها (النهاية: 3 / 157).

(2) ناقة لَقُوح: إذا كانت غزيرة اللبن (النهاية: 4 / 262).

(3) الطبقات الكبرى: 2 / 89، وراجع تاريخ الطبري: 2 / 642، والكامل في التاريخ: 1 / 589، وتاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 355، وتاريخ اليعقوبي: 2 / 73.


سَرْحهم (1) أمَّنّاك، وإلاّ فلا أمان لك. قال: فذاك.

فخرج بهم دليلاً لهم حتى ساءَ ظنُّهم به، وأوفى بهم على فَدافِد وآكام (2) ، ثمّ أفضى بهم إلى سهولةٍ فإذا نَعَمٌ كثيرٌ وشاءٌ، فقال: هذا نَعَمهم وشاؤهم. فأَغاروا عليه فضمّوا النَعَمَ والشاءَ. قال: أرسلوني. قالوا: لا، حتى نأمَن الطلَب.

ونَذَر بهم الراعي رِعاءَ (3) الغنم والشاء، فهربوا إلى جَمعهم فحذَّروهم، فتفرّقوا وهربوا، فقال الدليل: عَلامَ تحبسني؟ قد تفرّقت الأعراب وأنذَرهم الرِعاء. قال عليّ (عليه السلام): لم نبلغ معسكرهم. فانتهى بهم إليه فلم يَرَ أحداً، فأرسلوه وساقوا النَعَم والشاء: النَّعَم خمسمِئة بعير، وألفا شاة (4) .

202 - المستدرك على الصحيحين عن جابر بن عبد الله: لمّا كان يوم خيبر بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رجلاً فجَبُن، فجاء محمّد بن مسلمة فقال: يا رسول الله، لم أرَ كاليوم قطّ!...

ثمّ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (لأبعثنّ غداً رجلاً يُحبّ الله ورسوله، ويحبّانِه لا يولّي الدُّبُر، يفتح الله على يديه)، فتشرّف لها الناس وعليّ (رضي الله عنه) يومئذٍ أرمَد، فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (سِر). فقال: (يا رسول الله، ما أُبْصر موضعاً). فتفل في عينيه، وعقد له، ودفع إليه الراية (5) .

____________________

(1) السرح: الماشية (النهاية: 2 / 358).

(2) فَدافِد: جمع فَدْفَد، الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع. وآكام جمع أكَم، وهي جمع إكام، وهي جمع أكَمة، وهي الرابية (النهاية: 3 / 420 وج 1 / 59).

(3) الرِّعاءُ: جمع راعى الغنم (النهاية: 2 / 235).

(4) المغازي: 2 / 562.

(5) المستدرك على الصحيحين: 3 / 40 / 4342، المعجم الصغير: 2 / 10.


203 - السيرة النبويّة لابن هشام: عن سفيان بن فروة الأسلمي عن سلَمة بن عمرو بن الأكوَع: بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبا بكر الصدّيق برايته - وكانت بيضاء، فيما قال ابن هشام - إلى بعض حصون خَيْبر، فقاتل، فرجع ولم يكُ فَتْحٌ، وقد جهد، ثمّ بعث الغدَ عُمَر بن الخطّاب، فقاتل، ثمّ رجع ولم يكُ فتْح، وقد جهد؛ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يُحبّ الله ورسوله، يفتَح الله على يدَيه، ليس بفَرّار).

قال: يقول سلَمة: فدعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً رضوان الله عليه، وهو أرمَد، فتفل في عينِه، ثمّ قال: (خُذ هذه الراية، فامضِ بها حتى يفتَح الله عليك).

قال: يقول سلمة: فخرج والله بها يأنِح (1) ، يُهروِل هَرولة، وإنّا لخلْفه نتبع أثره، حتى ركَز رايته في رَضْم (2) من حجارة تحت الحِصْن، فاطّلع إليه يهوديّ من رأس الحِصْن، فقال: مَن أنت؟ قال: (أنا عليّ بن أبي طالب). قال: يقول اليهودي: عَلَوتُم، وما أُنزل على موسى، أو كما قال. قال: فما رجع حتى فتح الله على يَدَيه (3) .

204 - الكامل في التاريخ عن بريدة الأسلمي: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ربّما أخذَته الشقيقة (4) فيلبث اليوم اليومين لا يخرج، فلمّا نزل خيبر أخذَته فلم يخرج إلى

____________________

(1) مِن الأُنوح؛ وهو صوت يسمع من الجوف معه نَفَس وبُهْر ونهيج يعتري السَّمين من الرجال (النهاية: 1 / 74).

(2) الرَضْم: هي دون الهضاب، وقيل: صخور بعضُها على بعض (النهاية: 2 / 231).

(3) السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 349، تاريخ دمشق: 42 / 90 / 8434، دلائل النبوّة للبيهقي: 2094، شرح الأخبار: 1 / 302 / 283، وراجع خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 56 / 14.

(4) الشَّقيقةُ: نوع من صداع يعرض في مقدّم الرأس وإلى أحد جانبيه (النهاية: 2 / 492).


الناس، فأخذ أبو بكر الراية من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثمّ نهض فقاتل قتالاً شديداً، ثمّ رجع فأخذها عُمَر فقاتل قتالاً شديداً هو أشدّ من القتال الأوّل، ثمّ رجع فأخبر بذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

فقال: (أما والله لأُعطينّها غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، يأخذها عَنْوَة) (1) . وليس ثَمَّ عليّ؛ كان قد تخلّف بالمدينة لرمَدِ لَحِقه، فلمّا قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مقالته هذه تطاولت لها قريش، فأصبح فجاء عليّ على بعيرٍ له حتى أناخ قريباً من خباء رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهو أرمَد قد عصب عينيه.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (ما لك؟) قال: (رمدتُ بعدك)، فقال له: (ادنُ منّي). فدنا منه، فتفل في عينيه، فما شكا وجَعاً حتى مضى لسبيله. ثمّ أعطاه الراية، فنهض بها وعليه حلّة حمراء، فأتى خيبر، فأشرف عليه رجل من اليهود فقال: مَن أنت؟ قال: (أنا عليّ بن أبي طالب)، فقال اليهوديّ: غُلِبتم يا معشر يهود!!.

وخرَج مَرحَب صاحب الحِصن وعليه مِغْفَر (2) يمانيّ قد نقّبه مثل البيضة على رأسه وهو يقول:

قد علِمَت خيبر أنّي مرحبُ

شاكي السلاح بطَل مجرَّبُ

فقال عليّ:

أنا الذي سمّتني أُمّي حيدرة

أكيلكم بالسيف كَيل السَّنْدَرة (3)

ليثٌ بغابات شديد قسوَرة

____________________

(1) العَنْوَة: القهر، وأُخِذت البلاد عنوةً بالقَهْر والإذلال (لسان العرب: 15 / 101).

(2) زَرَد [أي حَلِق] ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة (لسان العرب: 5 / 26).

(3) السَّنْدرة: ضرب من الكَيل غرّاف جرّاف واسع، يقول: أُقاتلكم بالعَجَلة، وأُبادركم قبل الفِرار (تاج العروس: 6/ 547).


فاختلفا ضربتين، فبدَره عليّ فضربه فقدّ الحَجَفة (1) والمِغْفَر ورأسه حتى وقع في الأرض. وأخذ المدينة (2) .

205 - صحيح البخاري عن سهل بن سعد: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال يوم خيبر: (لأُعطينّ هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله).

قال: فبات الناس يدوكون (3) ليلتهم أيّهم يُعطاها، فلمّا أصبح الناس غدواً على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كلّهم يرجو أنْ يُعطاها، فقال: (أين عليّ بن أبي طالب؟) فقيل: هو يا رسول الله، يشتكي عينيه، قال: (فأرسِلوا إليه)، فأُتيَ به، فبصق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأنْ لم يكن به وجَع، فأعطاه الراية، فقال عليّ: (يا رسول الله، أُقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟) فقال: (انفذ على رسلِك حتى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعُهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله فيه، فو الله لأنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أنْ يكون لك حُمْرُ النَعَم) (4) .

206 - صحيح مسلم عن أبي هريرة: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال يوم خيبر: (لأُعطينّ

____________________

(1) الحَجَفة: التُرْس (النهاية: 1 / 345). وهو صفحة من الفولاذ تُحمل للوقاية من السيف وغيره.

(2) الكامل في التاريخ: 1 / 596، تاريخ الطبري: 3 / 12، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 410، دلائل النبوّة للبيهقي: 4 / 211 كلّها نحوه وفيها (الأضراس) بدل (الأرض)، وراجع خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 58 / 15.

(3) أي يخوضون ويموجون فيمن يدفعها إليه. يقال: وقع الناس في دَوْكة: أي في خوض واختلاط (النهاية: 2/140).

(4) صحيح البخاري: 4 / 1542 / 3973، صحيح مسلم: 4 / 1872 / 2406، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 60 / 16، تاريخ دمشق: 42 / 85 / 8428، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 406، دلائل النبوّة للبيهقي: 4 / 205.


هذه الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، يفتح الله على يديه). قال عُمر بن الخطّاب: ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذ. قال: فتساورتُ لها (1) رجاء أنْ أُدعى لها. قال: فدعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب فأعطاه إيّاها، وقال: (امشِ ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك). قال: فسار عليّ شيئاً ثمّ وقف ولم يلتفت، فصرخ: (يا رسول الله! على ماذا أُقاتل الناس؟) قال: (قاتلهم حتى يشهدوا أنْ لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد مَنَعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله) (2) .

207 - صحيح البخاري عن سلمة: كان عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) تخلّف عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في خيبر، وكان رمداً، فقال: أنا أتخلّف عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؟! فلحِق به، فلمّا بتنا الليلة التي فتحت قال:

(لأُعطينّ الراية غداً - أو: ليأخذنّ الراية غداً - رجلٌ يحبّه الله ورسوله، يفتح الله عليه). فنحن نرجوها، فقيل: هذا عليّ، فأعطاه، ففُتح عليه (3) .

208 - صحيح مسلم عن سلمة: أرسلني [النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ] إلى عليّ وهو أرمَد فقال: (لأُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، أو يحبّه الله ورسوله) (4) . قال: فأتيت عليّاً

____________________

(1) تساورتُ لها: أي رفعتُ لها شخصي (النهاية: 2 / 420).

(2) صحيح مسلم: 4 / 1871 / 33، مسند ابن حنبل: 3 / 331 / 9000، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 64 / 19، الطبقات الكبرى: 2 / 110 وزاد فيه (و يحبّه الله ورسوله)، تاريخ الإسلام للذهبي: 4072، دلائل النبوّة للبيهقي: 4 / 206، تاريخ دمشق: 42 / 82 / 8423.

(3) صحيح البخاري:4 / 1542 / 3972 وج 3 / 1086 / 2812، صحيح مسلم: 4 / 1872 / 35، دلائل النبوّة للبيهقي 4 / 206.

(4) كذا في المصدر، والمناسب: (و يحبّه) كما ورد في السنن الكبرى، والطبقات والمناقب.


فجئت به أقوده وهو أرمَد. حتى أتيت به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فبسق (1) في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية. وخرج مَرحَب فقال:

قد علِمت خيبر أنّي مرحبُ

شاكي السلاح بطلٌ مُجرّبُ

إذا الحروبُ أقبلت تلهّبُ

فقال عليّ:

أنا الذي سمّتني أُمّي حيدرة

كليثِ غابات كريه المنظرة

أُوفيهم بالصاع كيلَ السَّنْدَرة

قال: فضرب رأس مرحَب فقتله. ثمّ كان الفتح على يديه (2) .

209 - الاستيعاب: روى سعد بن أبي وقّاص وسهل بن سعد وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمَر وعمران بن الحصين وسلمة بن الأكوَع، كلّهم بمعنى واحد، عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال يوم خيبر:

(لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يُحبّ الله ورسوله، ويُحبّهُ الله ورسوله، ليس بفرّار، يفتح الله على يديه)، ثمّ دعا بعليّ وهو أرمَد، فتفل في عينيه وأعطاه الراية، ففتح الله عليه. وهذه كلّها آثارٌ ثابتة (3) .

210 - الإرشاد عن عبد الملك بن هشام ومحمّد بن إسحاق وغيرهم من أصحاب

____________________

(1) لُغة في بَزَق، وبَصَق (النهاية: 1 / 128).

(2) صحيح مسلم: 3 / 1441 / 132، مسند ابن حنبل: 5 / 557 / 16538، السنن الكبرى: 9 / 222 / 18346، المصنّف لابن أبي شيبة: 8 / 520 / 2، الطبقات الكبرى: 2 / 111، المستدرك على الصحيحين: 3 / 41 / 4343 نحوه، المناقب للكوفى: 2 / 500 / 1002 وفيه (أكيلكم بالسيف) بدل (أُوفيهم بالصاع).

(3) الاستيعاب: 3 / 203 / 1875.


الآثار: حاصر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خيبر بضعاً وعشرين ليلة، وكانت الراية يومئذٍ لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فلحِقه رمَد أعجَزه عن الحرب، وكان المسلمون يناوشون اليهود من بين أيدي حصونهم وجنباتها. فلمّا كان ذات يوم فتحوا الباب وقد كانوا خندقوا على أنفسهم، وخرج مرحَب برِجْله يتعرّض للحرب.

فدعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبا بكر فقال له: خُذ الراية، فأخذها - في جمْع من المهاجرين - فاجتهد ولم يُغنِ شيئاً، فعاد يؤنّب القوم الذين اتّبعوه ويؤنّبونه!.

فلمّا كان من الغد تعرّض لها عُمَر، فسار بها غير بعيد، ثمّ رجَع يُجبِّن أصحابه ويجبّنونه!.

فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (ليست هذه الراية لِمَن حمَلها، جيؤوني بعليّ بن أبي طالب). فقيل له: إنّه أرمَد. قال: (أرونيه تُروني رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، يأخذها بحقّها ليس بفرّار).

فجاؤوا بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يقودونه إليه، فقال له النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (ما تشتكي يا عليّ؟) قال: (رمَدٌ ما أُبصر معه، وصُداع برأسي). فقال له: (اجلس وضَعْ رأسك على فخِذي). ففعل عليّ (عليه السلام) ذلك، فدعا له النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وتفل في يده فمسحها على عينيه ورأسه، فانفتحت عيناه وسكن ما كان يجده من الصداع. وقال في دعائه له: (اللهمّ قِهِ الحرّ والبرد).

وأعطاه الراية - وكانت راية بيضاء - وقال له: (خُذ الراية وامضِ بها، فجبرئيل معك، والنصر أمامك، والرعب مبثوثٌ في صدور القوم، واعلم - يا عليّ - أنّهم يجدون في كتابهم: إنّ الذي يُدمّر عليهم اسمه آلِيا، فإذا لقيتهم فقل: أنا عليّ، فإنّهم يُخذَلون إنْ شاء الله....)

وجاء في الحديث: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا قال: أنا عليّ بن أبي طالب، قال حَبْر من أحبار القوم: غُلبتم وما أُنزل على موسى. فدخل قلوبهم من الرعب ما لم


يمكنهم معه الاستيطان به (1) .

211 - المغازي: كان أوّل من خرج إليهم الحارث أخو مرحَب في عادِيَته (2) ، فانكشف المسلمون وثبَت عليّ (عليه السلام)، فاضطربا ضربات، فقتله عليّ (عليه السلام)، ورجع أصحاب الحارث إلى الحِصن، فدخلوه وأغلقوا عليهم، فرجع المسلمون إلى موضعهم (3) .

212 - المغازي: برَز عامر وكان رجُلاً طويلاً جسيماً، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين طلع عامر: (أترونه خمسة أذرع؟ وهو يدعو إلى البراز، يخطر بسيفه وعليه دِرعان، يقنّع في الحديد يصيح: مَن يبارز؟) فأحجم الناس عنه، فبرز إليه عليّ (عليه السلام) فضربه ضربات، كلّ ذلك لا يصنع شيئاً، حتى ضرب ساقيه فبرَك، ثمّ ذفّف عليه فأخذ سلاحه (4) .

213 - الإرشاد: لمّا قتَل أمير المؤمنين (عليه السلام) مرحباً رجَع من كان معه وأغلقوا باب الحِصن عليهم دونه، فصار أمير المؤمنين (عليه السلام) إليه فعالَجه حتى فتحه، وأكثر الناس من جانب الخندق لم يعبروا معه، فأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) باب الحِصن فجعله على الخندق جسراً لهم حتى عبَروا وظفروا بالحِصن ونالوا الغنائم. فلمّا انصرفوا من الحصون أخذه أمير المؤمنين بيُمناه فدَحا به أذرُعاً من الأرض، وكان الباب يُغلقه عشرون رجلاً منهم (5) .

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 125 وراجع تاريخ دمشق: 42 / 107.

(2) العادِية: الخيل تعدو وقد تكون العادية الرجال يعدون (النهاية: 3 / 194).

(3) المغازي: 2 / 654.

(4) المغازي: 2 / 657.

(5) الإرشاد: 1 / 127، كشف اليقين: 170 / 177، كشف الغمّة: 1 / 215.


214 - المصنّف عن جابر بن عبد الله: إنّ عليّاً حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون ففتحوها، وأنّه جُرّب فلم يحمله إلاّ أربعون رجلاً (1) .

215 - مسند ابن حنبل عن أبي رافع مولى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - في معركة خيبر: خرجنا مع عليّ حين بعثه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) برايته، فلمّا دنا من الحِصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجلٌ من اليهود فطرح تُرْسَه من يده، فتناول عليّ باباً كان عند الحِصن فترّس به نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثمّ ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفرٍ معي سبعة أنا ثامنهم نَجْهدُ على أنْ نقلب ذلك الباب فما نقْلِبه (2) !

216 - الأمالي للصدوق عن عبد الله بن عمرو بن العاص: إنّه لمّا دنا من القَمُوص (3) أقبل أعداء الله من اليهود يرمونه بالنبل والحجارة، فحمل عليهم عليّ (عليه السلام) حتى دنا من الباب، فثنى رِجْله ثمّ نزل مغضِباً إلى أصل عتبة الباب فاقتلعه، ثمّ رمى به خلْف ظهْرِه أربعين ذراعاً!.

____________________

(1) المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 507 / 76، تاريخ بغداد: 11 / 324 / 6142، دلائل النبوّة للبيهقي: 4 / 212، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 412، البداية والنهاية: 7 / 225 وج 4 / 190، المناقب للخوارزمي: 172 / 207، مجمع البيان: 9 / 183 وليس فيه (إلاّ) وكلّها عن ليث بن أبي سليم عن الإمام الباقر (عليه السلام) عنه، روضة الواعظين: 142، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 294، وراجع الإرشاد: 1 / 129 وص 333.

(2) مسند ابن حنبل: 9 / 228 / 23919، تاريخ الطبري: 3 / 13، السيرة النبويّة لابن هشام: 3 / 349، تاريخ دمشق: 42 / 110، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 411، الكامل في التاريخ: 1 / 597، دلائل النبوّة للبيهقي: 4 / 212، المغازى: 2 / 655 وليس فيه (ثمّ ألقاه من يده...)، البداية والنهاية: 1894، المناقب للخوارزمي: 172 / 206، مجمع البيان: 9 / 182 عن رافع، شرح الأخبار: 1 / 302 / 283.

(3) القَمُوص: وهو جبل بخيبر عليه حِصن أبي الحُقَيق اليهوديّ (معجم البلدان: 4 / 398).


قال ابن عمرو: وما عجبنا من فتْح اللهِ خيبَر على يدي عليّ (عليه السلام)، ولكنّا عجبنا مِن قَلعِه الباب ورميه خلْفه أربعين ذراعاً، ولقد تكلّف حمْله أربعون رجلاً فما أطاقوه! فأُخبر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بذلك فقال: والذي نفسي بيده لقد أعانه عليه أربعون ملَكاً (1) .

217 - الإرشاد عن أبي عبد الله الجدلي: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (لمّا عالَجت باب خيبر جعلته مِجَنّاً (2) لي وقاتلت القوم، فلمّا أخزاهم الله وضعت الباب على حِصنهم طريقاً، ثمّ رميت به في خندقهم)، فقال له رجل: لقد حمَلت منه ثِقلاً! فقال: ما كان إلاّ مثل جُنّتي التي في يدي في غير ذلك المقام (3) .

218 - الإمام عليّ (عليه السلام): (والله ما قلعتُ باب خيبر، ودكدكتُ حِصن اليهود بقوةٍ جسمانيّة، بل بقوّة إلهيّة) (4) .

219 - عنه (عليه السلام) - في رسالته إلي سهل بن حنيف -: (والله ما قلعتُ باب خيبر ورميت بها خلف ظَهري أربعين ذراعاً بقوّة جسديّة ولا حركة غذائيّة، لكنّي أُيّدت بقوّة ملَكوتيّة، ونفْسٍ بنور ربّها مُضيّة) (5) .

____________________

(1) الأمالي للصدوق: 604 / 839، روضة الواعظين: 142، الدعوات: 64 / 160 نحوه، كلاهما عن عبد الله بن عمَر.

(2) المِجَنّ: التُرس، والميم زائدة؛ لأنّه من الجُنّة: السُّترة (النهاية: 4 / 301).

(3) الإرشاد: 1 / 128، الثاقب في المناقب: 258 / 224.

(4) شرح نهج البلاغة: 20 / 316 / 626 وج 5 / 7، الطرائف: 519 وليس فيهما (دكدكت حِصن يهود).

(5) الأمالي للصدوق: 604 / 840 عن يونس بن ظبيان عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام)، بشارة المصطفى: 191، عيون المعجزات: 16 عن إبراهيم عن الإمام الصادق عن أبيه عن جدّه عنه (عليهم السلام) وفيه (غريزيّة بشريّة) بدل (غذائيّة)، روضة الواعظين: 142، الخرائج والجرائح: 2 / 542 / 2، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 239 وليس في الثلاثة الأخيرة من (و رميت) إلى (ذراعاً)، بحار الأنوار: 40 / 318 / 2.


220 - مشارق أنوار اليقين: في ذلك اليوم لمّا سأله عُمَر فقال: يا أبا الحسن، لقد اقتلعتَ منيعاً ولك ثلاثة أيّام خميصاً (1) ، فهل قلعتَها بقوّة بشريّة؟ فقال: (ما قلعتُها بقوّة بشريّة، ولكن قلعتها بقوّة إلهيّة، ونفْسٍ بلقاء ربّها مطمئنّة رضيّة) (2) .

221 - تفسير الفخر الرازي: إنّ كلّ مَن كان أكثر عِلماً بأحوال عالَم الغيب كان أقوى قلْباً وأقلّ ضعفاً؛ ولهذا قال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: (والله ما قلعت باب خيبر بقوّة جسدانيّة، ولكنّ بقوّة ربّانيّة)؛ ذلك لأنّ عليّاً كرّم الله وجهه في ذلك الوقت انقطع نظره عن عالم الأجساد، وأشرقت الملائكة بأنوار عالَم الكبرياء، فتقوى روحه، وتشبّه بجواهر الأرواح الملكيّة، وتلألأت فيه أضواء عالَم القدس والعظمة، فلا جرَم (3) حصل له من القدرة ما قدَر بها على ما لَم يقدر عليه غيره.

وكذلك العبد إذا واظب على الطاعات بلغ إلى المقام الذي يقول الله: كنت له سمعاً وبصراً. فإذا صار نور جلال الله سمعاً له، سمع القريب والبعيد. وإذا صار ذلك النور بصراً له، رأى القريب والبعيد. وإذا صار ذلك النور يداً له، قدر على التصرّف في الصعب والسهل والبعيد والقريب (4) .

222 - الإرشاد: لمّا فتح أمير المؤمنين (عليه السلام) الحِصن وقتل مَرحباً، وأغنم الله المسلمين أموالهم، استأذن حسّان بن ثابت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يقول شِعراً: فقال

____________________

(1) يقال: رجُل خميص: إذا كان ضامر البطن (النهاية: 2 / 80).

(2) مشارق أنوار اليقين: 110، بحار الأنوار: 21 / 40 / 37.

(3) لا جرم: أي لا بدّ، ولا محالة، وقيل: معناه: حقّاً (لسان العرب:12 / 93).

(4) تفسير الفخر الرازي: 21 / 92.


له: قُل. فأنشأ يقول:

وكان عليّ أرمَد العين يبتغي

دواء فلمّا لم يحسّ مداويا

شفاه رسول الله منه بتفلةٍ

فبورك مَرقيّاً وبورك راقيا

وقال سأُعطي الراية اليوم صارماً

كُميّاً (1) محبّاً للرسول مُواليا

يحبّ إلهي والإله يحبّهُ

به يفتح الله الحصون الأوابيا (2)

فأصفى بها دون البريّة كلّها

عليّاً وسمّاه الوزير المؤاخيا (3)

223 - تذكرة الخواصّ: ذكر أحمد في الفضائل أنّهم سمعوا تكبيراً من السماء في ذلك اليوم وقائلا يقول:

(لا سيف إلاّ ذو الفقا

رِ ولا فتى إلاّ عليّ)

فاستأذن حسّان بن ثابت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ ينشد شعراً فأذن له، فقال:

جبريل نادى مُعلناً

والنقع ليس بمنجلي

والمسلمون قد احدقوا

حول النبيّ المرسلِ

لا سيف إلاّ ذو الفقا

رِ ولا فتى إلاّ عليّ

فإنْ قيل: قد ضعّفوا لفظة لا سيف إلاّ ذو الفقار، قلنا: الذي ذكروه أنّ الواقعة كانت في يوم أُحد، ونحن نقول: إنّها كانت في يوم خيبر، وكذا ذكر أحمد بن حنبل في الفضائل ولا كلام في يوم أُحد؛ فإنّ ابن عبّاس قال: لمّا قتَل عليّ (عليه السلام)

____________________

(1) الكُمي: اللابسُ السلاح وقيل هو الشجاع المُقدِمُ الجري (لسان العرب:15 / 232).

(2) من الإباء، وهو أشدّ الامتناع (لسان العرب: 14 / 4).

(3) الإرشاد: 1 / 128، روضة الواعظين: 146 وفيه (و الرسول يحبّه) بدل (و الإله يحبّه)، المناقب للكوفي: 2 / 499 / 1001 وفيه (النبيّ) بدل (إلهي)، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 130 عن خزيمة بن ثابت، المناقب لابن المغازلي: 185 / 220 وفي كلّها الأبيات فقط.


طلحة بن أبي طلحة حامل لواء المشركين صاح صائح من السماء: لا سيف إلاّ ذو الفقار.

قالوا: في إسناد هذه الرواية عيسى بن مهران، تكلّم فيه، وقالوا: كان شيعيّاً.

أمّا يوم خيبر فلم يطعن فيه أحد من العلماء. وقيل: إنّ ذلك كان يوم بدر. والأوّل أصحّ (1) .

راجع: القسم التاسع / عليّ عن لسان النبيّ / الكمالات المعنويّة / الله ورسوله وجبرئيل عنه راضون

/ عليٌّ عن لسان النبيّ / لا يعرف حقّ معرفته / لولا مخافة الغلوّ.

/ علىٌّ عن لسان أصحاب النبيّ / سعد بن أبي وقّاص.

القسم الرابع عشر / محبوبيّته عند الله ورسوله وملائكته.

____________________

(1) تذكرة الخواصّ: 26، الصراط المستقيم: 1 / 258 نحوه.



الفصل التاسع

  النشاطات في فتْح مكّة

تمّ الاتّفاق في صُلح الحديبيّة على أنْ يكفّ كلّ من الطرفين عن شنّ الحرب، وألاّ يحرّضا حلفاءهما على ذلك، وألاّ يدعماهم في حرب من الحروب. لكنّ قريش نكثَت مقرّرات ذلك الصلح بتجهيز بني بكر - حلفائهم - على قبيلة خزاعة حليفة المسلمين، أو بالاشتراك ليلاً في قتال ضدّها (1).

وتناهى إلى أسماع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) استشهاد عدد من المسلمين مظلومين، واستنجاد عمرو بن سالم - رئيس قبيلة خزاعة - بأبيات مؤثّرة، فأنجده.

وهكذا عزم على فتح مكّة، ومحْو معالم الشِرك من مركز التوحيد؛ إذ لا مانع يحول دون ذلك حينئذ. فسيطر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على مكّة عِبر خطّة عسكريّة

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 2 / 134، تاريخ الطبرى: 3 / 44، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 521، الكامل في التاريخ: 1 / 609، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 36، أنساب الأشراف: 1 / 449.


عجيبة، وفتحها بلا إراقة دم، ومعه أكثر من عشرة آلاف مقاتل (1) .

وشهد الإمام عليّ (عليه السلام) هذا النصر، وكان حضوره فيه لافتاً للنظر من وجوه:

1 - كان حاطب بن أبي بلتَعة قد كتب إلى قريش كتاباً يخبرهم فيه بعزم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على فتح مكّة، وأرسله مع إحدى النساء. فاستدعى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام)، وبعثه مع اثنين للقبْض على تلك المرأة. ولمّا لقوها وطلبوا منها دفْع الكتاب إليهم أنكرت ذلك أشدّ إنكار، ففتّشوها عدّة مرّات فلم يجدوا عندها شيئاً، ودلّ تفتيشهم على صحّة ما تدّعيه. فقال لها الإمام (عليه السلام): (والله ما كَذَبَنا رسولُ الله صلوات الله عليه... والله لتُظهرنّ الكتاب أو لأردنّ رأسك إلى رسول الله!) فاستسلمت المرأة وأخرجته من ضفيرتها، ودفعته إليه (2) .

2 - كان سعد بن عبادة يحمل راية الإسلام، وينادى: اليوم يوم الملحمة....

فنادى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نداء الرحمة والرأفة، وقال: (اليوم يوم المرحمة..) (3) ، ثمّ دعا عليّاً (عليه السلام) وأمره أنْ يرفع الراية مكان سعد (4) .

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 2 / 135 وص 139، تاريخ الطبري: 3 / 50، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 42، الكامل في التاريخ: 1 / 612.

(2) صحيح البخاري: 4 / 1557 / 4025، صحيح مسلم: 4 / 1941 / 161، مسند ابن حنبل: 1 / 173 / 600، المستدرك على الصحيحين: 3 / 341 / 5309، الطبقات الكبرى: 2 / 134، تاريخ الطبري: 3 / 48، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 525، الكامل في التاريخ: 1 / 611، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 40، تاريخ اليعقوبي: 2 / 58.

(3) أُسد الغابة: 2 / 442 / 2012، كنز العمّال: 10 / 513 / 30173 نقلاً عن ابن عساكر.

(4) تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 532، تاريخ الطبري: 3 / 56، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 49، الكامل في التاريخ: 1 / 614، الإرشاد: 1 / 135، شرح الأخبار: 1 / 305، إعلام الورى: 1 / 385، المناقب لابن شهر آشوب: 1 / 207 و208.


3 - أعطى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الأمان للجميع بعد فتح مكّة إلاّ شرذمة من سود الضمائر المعاندين فقد أهدر دمهم، منهم الحويرث - الذي كان يؤذيه كثيراً يوم كان في مكّة - وامرأة مغنّية كانت تهجوه (صلّى الله عليه وآله)، فقتلهما الإمام (عليه السلام) (1) .

224 - تاريخ الطبري عن عروة بن الزبير وغيره: لمّا أجمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المسير إلى مكّة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الأمر في السَير إليهم، ثمّ أعطاه امرأة... وجعل لها جُعلاً على أنْ تبلّغه قريشاً، فجعلته في رأسها، ثمّ فتلت عليه قرونها، ثمّ خرجت به. وأتى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليّ بن أبي طالب والزبير ابن العوّام، فقال: أدرِكا امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش، يحذّرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم.

فخرجا حتى أدركاها بالحليفة - حليفة ابن أبي أحمد - فاستنزلاها، فالتمسا في رحْلِها، فلم يجدا شيئاً، فقال لها عليّ بن أبي طالب: (إنّي أحلِف ما كَذَب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولا كَذَبَنا، ولتخرِجِنّ إليّ هذا الكتاب أو لنكشفنّكِ). فلمّا رأت الجدّ منه قالت: أعرض عنّي. فأعرَض عنها، فحلّت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منه، فدفعته إليه، فجاء به إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (2) .

____________________

(1) أنساب الأشراف: 1 / 456 و457، الإرشاد: 1 / 136.

(2) تاريخ الطبري: 3 / 48، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 40 وفيه (خليقة) بدل (حليفة)، وراجع المستدرك على الصحيحين: 3 / 341 / 5309، والكامل في التاريخ: 1 / 611.


225 - صحيح البخاري عن عبيد الله بن أبي رافع: سمعت عليّاً (رضي الله عنه) يقول: بعثني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنا والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ (1) ، فإنّ بها ظعينة (2) معها كتاب، فخذوه منها. فانطلقنا تَعادَى بنا خَيلُنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب! فقلنا: لتُخرِجِنّ الكتاب أو لنُلقينّ الثياب. فأخرجته من عقاصها (3) . فأتينا به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (4) .

226 - تاريخ الطبري عن عبد الله بن أبي نجيح: إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حين فرّق جيشه من ذي طوى، أمر الزبير أنْ يدخل في بعض الناس من كدىً (5) ، وكان الزبير على المجنِّبة (6) اليسرى، فأمر سعد بن عبادة أنْ يدخل في بعض الناس من كداء (7) . فزعم بعض أهل العِلم أنّ سعداً قال حين وُجّه داخلاً: (اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحلّ الحُرُمة) فسمعها رجلٌ من المهاجرين، فقال: يا رسول الله، اسمع ما قال سعد بن عبادة! وما نأمن أنْ تكون له في قريش صولة!! فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعليّ

____________________

(1) روضة خاخ: موضع بين الحرَمين بقُرب حمراء الأسد من المدينة (معجم البلدان: 2 / 335).

(2) الظعينة: المرأة في الهودَج (لسان العرب: 13 / 271).

(3) العَقْص: ضربٌ من الضَّفر، وهو أنْ يلوى الشَعر على الرأس؛ ولهذا تقول النساء: لها عِقْصة، وجمعها عِقَص وعِقاص وعقائص، ويقال: هي التي تتّخِذ من شَعرها مثل الرمّانة (لسان العرب: 7 / 56).

(4) صحيح البخاري: 4 / 1557 / 4025، صحيح مسلم: 4 / 1941 / 161، مسند ابن حنبل: 1 / 173 / 600، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 525.

(5) كُدا - بالضمّ والقصر: الثنية السفلى ممّا يلي باب العمرة (لسان العرب: 15 / 218).

(6) المُجنِّبتان من الجيش: الميمنة والميسرة (لسان العرب: 1 / 276).

(7) كَداء - بالفتح والمَد: الثنية العليا بمكّة ممّا يلي المقابر، وهو المعلى (لسان العرب: 15 / 218).


ابن أبي طالب: (أدركه فخُذ الراية، فكُن أنت الذي تدخل بها) (1) .

227 - أنساب الأشراف: أمّا الحويرث بن نقيذ، فكان يُعظم القول في رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وينشد الهجاء فيه، ويُكثِر أذاه، وهو بمكّة. فلمّا كان يوم الفتح هرب من بيته، فلقِيَه عليّ بن أبي طالب فقتله (2) .

راجع: القسم العاشر / الخصائص العقائديّة / امتحن الله قلْبه للإيمان

____________________

(1) تاريخ الطبري: 3 / 56، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 48، الكامل في التاريخ: 1 / 614، وراجع المغازي: 2 / 821، والإرشاد: 1 / 134، وشرح الأخبار: 1 / 305، وإعلام الوري: 1 / 385، والمناقب لابن شهر آشوب: 1 / 207.

(2) أنساب الأشراف: 1 / 456، الكامل في التاريخ: 1 / 616، وراجع المغازي: 2 / 857.



الفصل العاشر

  المقاومة الرائعة في غزوة حُنَين

ألقى فتح مكّة الرعب في قلوب المشركين، والذُعر والفزع في نفوسهم؛ فتشاورت قبيلتا الطائف المهمّتان هوازن وثقيف مع بعض القبائل الأخرى، فعزمَتا على المسارعة إلى مواجهة جيش الإسلام قبل أنْ يُقبِل عليهم، وجمعَتا جيشاً ضخماً بقيادة شابّ باسل شجاع يدعى: مالك بن عوف النصري، وسار الجيش نحو المسلمين (1).

وبادر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى مواجهتهم على رأس جيش عظيم يتألّف من اثني عشر ألفاً، عشرة آلاف من يثرب، وألفين من المسلمين الجُدُد، وبلغت عظمة الجيش درجةً جعلت البعض يُصاب بغرورٍ زائف حتى قال: لا نُغلَب اليوم من قِلّة (2) .

____________________

(1) السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 80، الطبقات الكبرى: 2 / 149، تاريخ الطبرى: 3 / 70، الكامل في التاريخ: 1 / 624.

(2) الطبقات الكبرى: 2 / 150، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 83 وص 87، الكامل في التاريخ: 1 / 625، تاريخ الطبري: 3 / 73، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 574، تاريخ اليعقوبي: 2 / 62، الإرشاد: 1 / 140.


وأمَر مالك جيشه بالاختباء خلْف الأحجار والصخور وشِعاب الجبال، والنقاط المرتفعة في آخِر الوادي الذي كان ممرّاً إلى منطقة حُنَين. ولمّا وصل الجيش الإسلامي هناك رُشِق بالسهام والحجارة، فمُني بالهزيمة والانكسار، وحدث ما حدث، وفَرّ كثير من جيش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (1) ، حتى قال أبو سفيان مستهزئاً: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر (2) .

وفي ساعة العُسرة هذه لم يبقَ مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلاّ قليل؛ قرابة عشرة، فاستماتوا في الدفاع عنه، وفيهم أمير المؤمنين (عليه السلام) فكان لا يفتأ يحوم حوله مدافعاً، وهزَم مَن كان يريد قتل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأجبرهم على الفرار (3) .

وصاح النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بصوتٍ عالٍ في خِضَمّ تلك الشدائد والنوازل قائلا: (يا أنصار الله وأنصار رسوله، أنا عبد الله ورسوله!)، ثمّ ساق بغْلَته نحو العدوّ ومعه عدد من الصحابة، وأمَر عمّه العبّاس أنْ ينادي المسلمين بصوته الجهوريّ ويدعوهم إلى نُصرته. وهكذا انتظم أمْر الجيش مرّة أخرى (4) .

إنّ ثبات عليّ (عليه السلام) وقتاله بلا هوادة في هذه المعركة لافِتان للنظر أيضاً، فقد قتَل

____________________

(1) الطبقات الكبرى : 2 / 151، تاريخ الطبري: 3 / 74، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 85، الكامل في التاريخ: 1 / 625.

(2) تاريخ الطبري: 3 / 74، الكامل في التاريخ: 1 / 626، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 576.

(3) الطبقات الكبرى : 2 / 151، تاريخ الطبري: 3 / 74، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 85، الكامل في التاريخ: 1 / 625.

(4) تاريخ الطبري: 3 / 75، الطبقات الكبرى : 2 / 151، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 87، الإرشاد: 1 / 142.


أربعين من هوازن (1) ، وفيهم أبو جرول، وهو أحد شجعانهم، وكان هلاكه بدايةً لانهيار جيشهم (2) .

ولاحَقَ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الفارّين، وحاصر قَلْعتهم بالطائف. وفي هذا الحصار اشتبك الإمام (عليه السلام) مع نافع بن غيلان فقتَله، فولّى جمعٌ من المشركين مُدبرين، وأسلم آخرون (3) .

يضاف إلى هذا أنّ الإمام (عليه السلام) كُلِّف عند الحصار بكسْر الأصنام التي كانت حول الطائف، وقد أنجز هذه المهمّة بأحسن ما يكون (4) .

قال الشيخ المفيد رضوان الله عليه في حضور الإمام (عليه السلام) هذه الغزوة: (فانظر الآن إلى مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه الغزاة وتأمّلها وفكّر في معانيها تجده قد تولّى كلّ فضل كان فيها، واختصّ من ذلك بما لم يشرِكه فيه أحد من الأمّة) (5) .

ويتسنّى لنا الآن - بناءً على ما ذكرنا وما جاء في الوقائع التاريخيّة - أنْ نسجّل دَور الإمام (عليه السلام) في النقاط الآتية:

1 - حمْله راية المهاجرين.

2 - حضوره المهيب في احتدام القتال وهجوم العدوّ بلا هوادة، ودفْعه الخطر

____________________

(1) الكافي: 8 / 376 / 566، الإرشاد: 1 / 144 وص 150.

(2) الإرشاد: 1 / 143 وص 150، وراجع مسند أبي يعلى: 2 / 344 / 1858، وتاريخ الطبري: 3 / 76، والسيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 88.

(3) الإرشاد: 1 / 153.

(4) الإرشاد: 1 / 152، تاريخ اليعقوبي: 2 / 64.

(5) الإرشاد: 1 / 149.


عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في أحرَج اللحظات التي فَرّ فيها الكثيرون.

3 - قتلُه أبا جرول والذي استتبع انهيار جيش هوازن.

4 - قتْله أربعين من مقاتلي هوازن.

5 - قيادته لكتيبةٍ كانت قد تعبّأت من أجل إزالة الأصنام.

6 - مبارزة شهاب - من قبيلة خثعم - الذي لم يجرؤ أحد من المسلمين على مبارزته، فهبّ الإمام (عليه السلام) إليه وقضى عليه.

7 - قتْله نافعاً، الذي أدّى إلى إسلام الكثيرين.

228 - تاريخ اليعقوبي: بلغ رسول الله وهو بمكّة أنّ هوازن قد جمَعَت بحُنين جمعاً كثيراً، ورئيسهم مالك بن عوف النصري، ومعهم دريد بن الصمّة من بني جشم، شيخ كبير يتبرّكون برأيه، وساق مالك مع هوازن أموالهم وحُرَمِهم. فخرج إليهم رسول الله في جيشٍ عظيم عدّتهم اثنا عشر ألفاً، عشرة آلاف أصحابه الذين فتح بهم مكّة، وألفان من أهل مكّة ممّن أسلم طوعاً وكرهاً، وأخذ من صفوان بن أُميّة مِئة دِرع وقال: (عارية مضمونة). فأعجبت المسلمين كثرتُهم، وقال بعضهم: ما نؤتى من قِلّة. فكَرِه رسول الله ذلك من قولهم.

وكانت هوازن قد كمَنَت في الوادي، فخرجوا على المسلمين، وكان يوماً عظيم الخَطْب، وانهزم المسلمون عن رسول الله، حتى بقيَ في عشرة من بني هاشم، وقيل تسعة، وهم: عليّ بن أبي طالب، والعبّاس بن عبد المطّلب، وأبو سفيان بن الحارث، ونوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وعتبة ومعتّب ابنا أبي لهب، والفضل بن العبّاس، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطّلب، وقيل:


أيمن بن أُمّ أيمن. قال الله عزّ وجلّ: ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَْرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ) (1) (2) .

229 - تاريخ الإسلام عن الواقدي: سار رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من مكّة لستٍّ خلونَ من شوّال في اثني عشر ألفاً، فقال أبو بكر: لا نُغلَب اليوم من قِلّة. فانتهوا إلى حُنَين لعشرٍ خلونَ من شوّال. وأمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أصحابه بالتعبئة، ووضع الألْوية والرايات في أهلها، وركب بغْلته، ولبس دِرعين والمِغفر والبيضة. فاستقبلهم من هوازن شيءٌ لم يرَوا مثله من السواد والكثرة، وذلك في غبش الصبح. وخرجت الكتائب من مضيق الوادي وشُعَبِه، فحملوا حملةً واحدة، فانكشفت خيل بني سليم مُولّيةً، وتبعهم أهل مكّة، وتبعهم الناس (3) .

230 - السيرة النبويّة عن جابر بن عبد الله: لمّا استقبلْنا وادي حُنَين انحدرنا في وادٍ من أودية تهامة أجوف حَطُوط (4) ، إنّما ننحدر فيه انحداراً، - قال: - وفي عَماية الصبح (5) . وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمَنوا لنا في شِعابه وأحْنائه ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيّؤوا وأعدّوا. فو الله ما راعَنا ونحن منحطّون إلاّ الكتائب قد شدُّوا علينا شَدّة رجُلٍ واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحدٌ على أحدٍ، وانحاز رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذات اليمين، ثمّ قال: (أين!! أيّها الناس هلمُّوا

____________________

(1) التوبة: 25 و26.

(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 62، الإرشاد: 1 / 140 نحوه.

(3) تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 574، وراجع المغازي: 3 / 890.

(4) أجوف: واسع الجوف والحَطُوط: الأكَمَة الصعبة الانحدار (لسان العرب: 9 / 35 وج 7 / 274).

(5) عَماية الصبح: بقيّة ظلمة الليل (لسان العرب: 15 / 98).


إليّ! أنا رسول الله، أنا محمّد بن عبد الله). قال: فلا شيء، حمَلت الإبل بعضها على بعض، فانطلق الناس، إلاّ أنّه قد بقيَ مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته. وفيمَن ثبت معه... من أهل بيته عليّ بن أبي طالب (1) .

231 - مسند أبي يعلى عن جابر: كان أيّام هوازن رجلٌ جسيم، على جَمَل أحمر، في يده راية سوداء، إذا أدرك طعن بها، وإذا فاته شيءٌ من بين يديه دفعها من خلفه فأبعده. فعمد له عليّ بن أبي طالب ورجلٌ من الأنصار كلاهما يريده - قال: - فضربه عليّ على عرقوبَي الجَمَل، فوقع على عجْزِه، - قال: - وضرَب الأنصاري ساقه - قال: - فطرح قدمه بنصف ساقه، فوقع، واقتتل الناس (2) .

232 - الإرشاد: أقبل رجلٌ من هوازن على جَمَل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمحٍ طويل أمام القوم، إذا أدرك ظفراً من المسلمين أكبّ عليهم، وإذا فاته الناس رفعه لمَن وراءه من المشركين فاتّبعوه، وهو يرتجز ويقول:

أنا أبو جرول لا بَراحُ (3)

حتى نُبيحَ القومَ أو نُباحُ

فصمد له أمير المؤمنين (عليه السلام)، فضرب عَجْز بعيره فصرعه، ثمّ ضربه فقطره، ثمّ قال:

قد عَلم القومُ لدَى الصباحِ

أنّي في الهيجاء ذو نصاحِ

فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول لعنه الله (4) .

____________________

(1) السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 85، تاريخ الطبري: 3 / 74.

(2) مسند أبي يعلى: 2 / 344 / 1858، تاريخ الطبري: 3 / 76، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 88 كلاهما نحوه.

(3) البراح: الظهور والبيان (لسان العرب: 2 / 409).

(4) الإرشاد: 1 / 142، كشف الغمّة: 1 / 222.


233 - الإرشاد: لمّا قتَل أمير المؤمنين (عليه السلام) أبا جروَل وخُذِل القوم لقتله، وضع المسلمون سيوفهم فيهم، وأمير المؤمنين (عليه السلام) يقدمهم حتى قتل أربعين رجلاً من القوم، ثمّ كانت الهزيمة والأسْر حينئذ (1) .

234 - مسند أبي يعلى عن أنَس: كان عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) يومئذ [أي يوم حُنين ] أشدّ الناس قتالاً بين يديه [ (صلّى الله عليه وآله) ] (2) .

235 - الإمام الصادق (عليه السلام): (قتَل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بيده يوم حُنَين أربعين) (3) .

236 - الإرشاد - في ذِكر وقايع بعد غزوة حنين - ثمّ سار بنفسه إلى الطائف فحاصرهم أيّاماً... -: ثمّ خرج من حِصن الطائف نافع بن غيلان بن معتب في خيلٍ من ثقيف، فلَقيه أمير المؤمنين (عليه السلام) ببطن وَجٍّ (4) فقتله، وانهزم المشركون، ولحِق القوم الرعب، فنزل منهم جماعة إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فأسلموا. وكان حصار النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الطائفَ بضعة عشر يوماً (5) .

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 144، كشف الغمّة: 1 / 223، إعلام الورى: 1 / 387، كشف اليقين: 175 نحوه.

(2) مسند أبي يعلى: 3 / 443 / 3594، المعجم الأوسط: 3 / 148 / 2758 وفيه (مِن أشدّ) بدل (أشدّ).

(3) الكافي: 8 / 376 / 566 عن عجلان، كشف الغمّة: 2 / 83 من دون إسناد إلى معصوم.

(4) وَجٌّ: الطائف (معجم البلدان: 5 / 361).

(5) الإرشاد: 1 / 153، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 145، إعلام الورى: 1 / 233 وليس فيهما من (و لحِقَ القوم...).



الفصل الحادي عشر

  استخلاف النبيّ في غزوة تبوك

تبوك هي أقصى منطقة توجّه إليها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في حروبه. وبدأت تحرّكات المنافقين في المدينة في وقتٍ راح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يُعِدّ جيشه للانطلاق إلى تبوك. والحوادث التي وقعت تدلّ بوضوح على أنّ المنافقين في المدينة كانوا يتحيّنون الفرصة؛ لتوجيه ضربتهم للحكومة النبويّة الجديدة. وكانت هذه الغيبة الطويلة للنبيّ فرصة مناسبة لهم. من هنا، نلحظ أنّه (صلّى الله عليه وآله) استخلف في البداية محمّد بن مسلمة على المدينة، ثمّ جعل عليّاً (عليه السلام) عليها، وقال:

(أنا لا بدّ من أنْ أُقيم أو تُقيم) (1).

وقال:

(إنّ المدينة لا تصلُح إلاّ بي أو بك) (2) .

____________________

(1) المعجم الكبير: 5 / 203 / 5094، الطبقات الكبرى: 3 / 24.

(2) الإرشاد: 1 / 155، كمال الدين: 278 / 25، الاحتجاج: 1 / 346 / 56، كنز الفوائد: 2 / 181، المستدرك على الصحيحين: 2 / 368 / 3294.


وهكذا أخفقَت المؤامرة، فإنّ وجود عليّ (عليه السلام) ألقى الرعب في قلوب المنافقين والمتآمرين، وآيسهم من القيام بأيّ تحرّك في المدينة، فراحوا يعزفون على وتَرٍ آخر؛ فإنّ غزوة تبوك كانت الغزوة الوحيدة التي لم يشهدها أمير المؤمنين (عليه السلام) بقرار النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ولِما طرأ من أحداث في المدينة (1) ، فأرجَفوا أنّ عليّاً تخلّى عن الحرب وخذل النبيّ ولم يرافقْه مع رغبة النبيّ في حضوره معه. فما كان من الإمام (عليه السلام) إلاّ أنْ هرَع إليه (صلّى الله عليه وآله) قبل مغادرته، وأخبره بأراجيفهم، فنطق النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عندئذ كلمته الخالدة العظيمة في حقّه: (أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي) (2) .

وهكذا أُحبطت هذه المؤامرة في مهْدها، وسجّل التاريخ لعليٍّ (عليه السلام) أسطع المناقب أمام أنظار الناس.

237 - الطبقات الكبرى عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم: لمّا كان عند غزوة جيش العُسرة وهي تبوك، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعليّ بن أبي طالب: إنّه لابدّ من أنْ أُقيم أو تُقيم، فخلّفه، فلمّا فصل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غازياً قال ناس: ما خلّف عليّاً إلاّ لشيءٍ كرهه منه.

فبلغ ذلك عليّاً، فاتّبع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى انتهى إليه، فقال له: (ما جاء بك يا عليّ؟!) قال: (لا يا رسول الله، إلاّ أنّي سمِعت ناساً يزعمون أنّك إنّما خلّفتني لشيءٍ كرهته منّي!!) فتضاحك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال: (يا عليّ، أما ترضى أنْ تكون منّي كهارون من موسى غير أنّك لست بنبيّ؟!) قال: (بلى يا رسول الله)، قال: (فإنّه

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 3 / 23، أُسد الغابة: 4 / 92 / 3789.

(2) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 107 / 45، المصنّف لابن أبي شيبة: 8 / 562 / 4، تاريخ الطبري: 3 / 104، أنساب الأشراف: 2 / 348، الاستيعاب: 3 / 201 / 1875.


كذلك) (1) .

238 - تاريخ الطبري عن ابن إسحاق - في خروج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى غزوة تبوك: خلّف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة أخا بني غفّار، فأرجَف المنافقون بعليّ بن أبي طالب، وقالوا: ما خلّفه إلاّ استثقالاً له، وتخفّفاً منه.

فلمّا قال ذلك المنافقون أخذ عليّ سلاحه، ثمّ خرج حتى أتى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو بالجُرف، فقال: (يا نبيّ الله، زعم المنافقون أنّك إنّما خلّفتني أنّك استثقلتني وتخفّفت منّي!) فقال: (كذبوا، ولكنّي إنّما خلّفتك لما ورائي، فارجع فاخلُفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ، أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟!)، فرجع عليّ إلى المدينة، ومضى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على سفره (2) .

239 - الإرشاد - في غزوة تبوك: أوحى الله تبارك وتعالى اسمه إلى نبيّه (صلّى الله عليه وآله) أنْ يسير إليها بنفسه، ويستنفر الناس للخروج معه، وأعلمه أنّه لا يحتاج فيها إلى حرب، ولا يُمنى بقتال عدوّ، وأنّ الأمور تنقاد له بغير سيف، وتَعبَّدَه بامتحان أصحابه بالخروج معه واختبارهم؛ ليتميّزوا بذلك وتظهَر سرائرهم.

فاستنفرهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى بلاد الروم، وقد أينعت ثمارهم، وأشتدّ القيظ عليهم، فأبطأ أكثرهم عن طاعته؛ رغبةً في العاجل، وحرصاً على المعيشة وإصلاحها، وخوفاً من شدّة القيظ، وبُعد المسافة، ولقاء العدوّ. ثمّ نهض بعضهم على استثقال

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 3 / 24، أنساب الأشراف: 2 / 349، المعجم الكبير: 5 / 203 / 5094 نحوه، وراجع خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 106 / 45.

(2) تاريخ الطبري: 3 / 103، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 163، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 631، الكامل في التاريخ: 1 / 636.


للنهوض، وتخلّف آخرون.

ولمّا أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الخروج استخلف أمير المؤمنين (عليه السلام) في أهله ووُلده وأزواجه ومهاجره، وقال له: (يا عليّ، إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك)؛ وذلك أنّه (عليه السلام) علِم من خبث نيّات الأعراب، وكثير من أهل مكّة ومَن حولها ممّن غزاهم وسفَك دماءهم، فأشفق أنْ يطلبوا المدينة عند نأيِه عنها وحصوله ببلاد الروم أو نحوها، فمتى لم يكن فيها مَن يقوم مقامه، لم يؤمَن من مَعَرَّتهم (1) ، وإيقاع الفساد في دار هجرته، والتخطّي إلى ما يشين أهله ومخلّفيه.

وعلم (عليه السلام) أنّه لا يقوم مقامه في إرهاب العدوّ وحراسة دار الهجرة وحياطة مَن فيها إلاّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فاستخلفه استخلافاً ظاهراً، ونصّ عليه بالإمامة من بعده نصّاً جليّاً.

وذلك فيما تظاهرت به الرواية، أنّ أهل النفاق لمّا علِموا باستخلاف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) على المدينة حسدوه لذلك، وعظُم عليهم مقامه فيها بعد خروجه، وعلموا أنّها تنحرس به، ولا يكون للعدوّ فيها مطمع، فساءهم ذلك، وكانوا يؤثِرون خروجه معه؛ لِما يرجونه من وقوع الفساد والاختلاط عند نأي النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن المدينة، وخلوّها من مرهوبٍ مخوفٍ يحرسها. وغبطوه (عليه السلام) على الرفاهيّة والدِعة بمقامه في أهله، وتكلُّف مَن خرج منهم المشاقّ بالسفر والخطر.

فأرجَفوا به (عليه السلام) ، وقالوا: لم يستخلفْه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إكراماً له وإجلالاً ومودّة، وإنّما خلّفه استثقالاً له. فبهَتوه بهذا الإرجاف كَبَهْت قريش للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) بالجِنّة تارة،

____________________

(1) المَعَرَّة: الجناية، والأذى (لسان العرب: 4 / 556).


وبالشِعر أخرى، وبالسحر مرّة، وبالكهانة أخرى، وهم يعلمون ضدّ ذلك ونقيضه، كما علِم المنافقون ضدّ ما أرجفوا به على أمير المؤمنين (عليه السلام) وخلافه، وأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان أخصّ الناس بأمير المؤمنين (عليه السلام) ، وكان هو أحبّ الناس إليه، وأسعدهم عنده، وأفضلهم لديه.

فلمّا بلغ أمير المؤمنين (عليه السلام) إرجاف المنافقين به، أراد تكذيبهم وإظهار فضيحتهم، فلحِق بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فقال: (يا رسول الله، إنّ المنافقين يزعمون أنّك إنّما خلّفتني استثقالاً ومقتاً!)، فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (ارجع يا أخي إلى مكانك، فإنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك، فأنت خليفتي في أهلي ودار هجرتي وقومي، أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي!!) (1).

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 154.



الفصل الثاني عشر

  عِدّة بِعثات هامّة

12 / 1

البعْث لكسْر الأصنام

240 - الإرشاد- في ذِكر وقايع بعد غزوة حُنين - ثمّ سار - يعني النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بنفسه - إلى الطائف فحاصرهم أيّاماً، وأنفذ أمير المؤمنين (عليه السلام) في خَيل، وأمره أنْ يطأ ما وجَد، ويكسر كلّ صنم وجده. فخرج حتى لقِيَتْه خيل خثعم في جمعٍ كثير، فبرز له رجُل من القوم يقال له: شهاب، في غَبش الصبح، فقال: هل من مبارز؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : (مَن له؟) فلم يقُم أحد، فقام إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فوثب أبو العاص بن الربيع زوج بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: تُكفاه أيّها الأمير. فقال: لا، ولكن إنْ قُتلتُ فأنت على الناس، فبرز إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يقول:

إنّ على كلّ رئيسٍ حقّا

أنْ يروي الصَّعدَة (1) أو تُدقّا

____________________

(1) الصَعدَة: القناة (لسان العرب: 3 / 255).


ثمّ ضربه فقتَله. ومضى في تلك الخيل حتى كسَر الأصنام، وعاد إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو محاصر لأهل الطائف، فلمّا رآه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كبّر للفتْح، وأخذ بيده فخلا به، وناجاه طويلا ً(1) .

12 / 2

البعْث لتأدية خسارات بني جذيمة

وجّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد فتح مكّة خالد بن الوليد على رأس كتيبة لدعوة قبيلة جذيمة بن عامر. وكان خالد يُكِنّ حقْداً قديماً لهذه القبيلة، فقتل نفراً منهم ظلماً وعدواناً، ومنوا بخسائر. فتبرّأ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من هذه الجريمة الشنعاء، وأمر عليّاً (عليه السلام) أنْ يذهب إليهم، ويعوّضهم عمّا تكبّدوه من خسائر، ويَدِيهم بنحوٍ دقيق. فأدّى (عليه السلام) المهمّة مراعياً غاية الدقّة في تنفيذها، وحين رجع أثنى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على عمله، وأكّد، بكلمات ثمينة رفيعة، منزلته العليّة ودَوره الكبير في هداية الأمّة وتوجيه المسلمين في المستقبل (2) .

241 - الإمام الباقر (عليه السلام): بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خالد بن الوليد - حين افتتح مكّة - داعياً، ولم يبعثه مقاتلاً، ومعه قبائل من العرب: سليم بن حصور، ومدلج بن مرّة، فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة. فلمّا رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح، فإنّ الناس قد أسلموا... فلمّا وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك، فكُتّفوا، ثمّ عرضهم على السيف، فقتل مَن قتل

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 152، إعلام الورى: 1 / 234، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 144 نحوه.

(2) الأمالي للصدوق: 237 / 252، الخصال: 562، بحار الأنوار: 21 / 142 / 5، تاريخ الطبري: 3 / 67، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 71.


منهم.

فلمّا انتهى الخبر إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رفع يديه إلى السماء، ثمّ قال: اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد....

ثمّ دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب - رضوان الله عليه - فقال: (يا عليّ، اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهليّة تحت قدميك). فخرج عليّ حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فوَدَى (1) لهم الدماء وما أُصيب لهم من الأموال، حتى إنّه ليَدي لهم مِيلَغة (2) الكلب، حتى إذا لم يبقَ شيء من دمٍ ولا مال إلاّ وَدَاه بقيت معه بقيّة من المال.

فقال لهم عليّ - رضوان الله عليه - حين فرغ منهم: (هل بقيَ لكم بقيّة من دمٍ أو مال لم يُودَ لكم؟) قالوا: لا. قال: (فإنّي أُعطيكم هذه البقيّة من هذا المال؛ احتياطاً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ممّا لا يعلم ولا تعلمون)، ففعل، ثمّ رجع إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأخبره الخبر، فقال: (أصبتَ وأحسنت).

ثمّ قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاستقبل القِبلة قائماً شاهراً يدَيه حتى إنّه ليُرى ما تحت مَنْكِبيه، يقول: (اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد) ثلاث مرّات (3) .

____________________

(1) وَدَيتُ القتيل: أعطيت دِيَّته (لسان العرب: 15 / 383).

(2) هي الإناء الذي يَلغ فيه الكلب، يعني أعطاهم قيمة كلّ ما ذهب لهم حتى قيمة المِيلغة (لسان العرب: 8 / 460).

(3) السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 71، تاريخ الطبري: 3 / 66، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 568 كلّها عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حُنَيف، الكامل في التاريخ: 1 / 620 كلاهما نحوه، وراجع الطبقات الكبرى: 2 / 147، والمغازي: 3 / 875 - 882.


12 / 3

البعْث إلى فَلْس (1)

242 - الطبقات الكبرى: بعَث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب في خمسين ومِئة رجُل من الأنصار، على مِئة بعير وخمسين فرَساً، ومعه رايةٌ سوداء ولواءٌ أبيض إلى الفَلْس ليهدمه، فشنّوا الغارة على محلّة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفَلْس وخرّبوه، وملؤوا أيديهم من السبْيِ والنَعَم والشاة. وفي السبْيِ أُخت عدِيّ بن حاتم، وهرب عديّ إلى الشام (2) .

12 / 4

البعْث لإعلان البراءة من المشركين

إنّ آيات البراءة، وإعلان الاستياء من الشِرك والصنميّة، ولزوم تطهير أرض الوحي من معالم الشِرك، كلّ ذلك يُعدّ من أعظم الفصول في التاريخ الإسلامي. فقد نزلت سورة (براءة) في موسم الحجّ سنة (9 هـ)، وكُلِّف أبو بكر بقراءتها على الحجّاج، مع بيان يتألّف من أربع موادّ، وتوجّه أبو بكر إلى مكّة، لكن لم يمضِ على تحرّكه إلاّ وقتٌ قصير حتى هبط الوحي مبلّغاً النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنْ:

(لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجُل منك).

فدعا عليّاً (عليه السلام) وأخبره بالأمر، وأعطاه راحلته، وأمره أنْ يعجّل في ترْك المدينة، ويأخذ السورة من أبي بكر، ويقرأها على الناس في حَشْدهم الغفير يوم العاشر من ذي الحجّة. وهكذا كان. فأُضيفت بذلك منقبة أخرى إلى مناقبه

____________________

(1) فَلْس أو فُلُس: اسم صنم كان بنَجْد تعبده طيء (معجم البلدان: 4 / 273).

(2) الطبقات الكبرى: 2 / 164، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 624 نحوه، وراجع المغازي: 3 / 984.


العظيمة، وثبت للأجيال والأعصار المختلفة سلَفاً أنّه من النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأنّه نفْسه (1) .

243 - الإمام عليّ (عليه السلام): (لمّا نزلت عشْر آيات من براءة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، دعا النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكّة، ثمّ دعاني النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقال لي: أدرك أبا بكر فحيثما لحِقْته فخُذ الكتاب منه، فاذهب به إلى أهل مكّة فاقرأه عليهم. فلحِقْته بالجُحفة، فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، نزل فيَّ شيء؟! قال: لا، ولكنّ جبريل جاءني فقال: لنْ يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجُل منك) (2) .

244 - مسند ابن حنبل عن أنس بن مالك: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعث ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكّة - قال: - ثمّ دعاه فبعث بها عليّاً، قال: (لا يبلّغها إلاّ رجلٌ من أهلي) (3) .

245 - فضائل الصحابة عن أنس بن مالك: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعث ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكّة، فلمّا بلغ ذا الحُلَيفة بعث إليه فردّه، وقال: (لا يذهب بها إلاّ

____________________

(1) راجع الغدير: 6 / 338 - 350 فقد جمع المؤلّف الطُرُق المختلفة لهذا الحديث، وذهب إلى تواترها المعنوي.

(2) مسند ابن حنبل: 1 / 318 / 1296، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 703 / 1203، تاريخ دمشق: 42 / 348 / 8929 كلّها عن حنش، الطبقات الكبرى: 2 / 168، تاريخ الطبري: 3 / 122 وص 123، الكامل في التاريخ: 1 / 644، المغازي: 3 / 1077، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 190 والخمسة الأخيرة نحوه، وراجع الأمالي للمفيد: 56 / 2، وشرح الأخبار: 1 / 304 / 284، والمناقب للكوفي: 1 / 473 / 376.

(3) مسند ابن حنبل: 4 / 564 / 14021، المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 506 / 72 وفيه (أهل بيتي) بدل (أهلي)، تاريخ دمشق: 42 / 344 / 8917 و ح 8918.


رجُلٌ من أهل بيتي)؛ فبعث عليّاً (1) .

246 - خصائص أمير المؤمنين عن زيد بن يثيع عن الإمام عليّ (عليه السلام): إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعث ببراءة إلى أهل مكّة مع أبي بكر، ثمّ أتبعه بعليّ، فقال له: خُذ الكتاب فامضِ به إلى أهل مكّة. قال: (فلحِقْته وأخذت الكتاب منه، فانصرف أبو بكر وهو كئيب، فقال: يا رسول الله، أنَزَل فيَّ شيء؟! قال: لا، إلاّ أنّي أُمرت أنْ أُبلّغه أنا أو رجلٌ من أهل بيتي) (2) .

247 - مسند ابن حنبل عن زيد بن يثيع عن أبي بكر: إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بعثه ببراءة لأهل مكّة: لا يحجّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُريانٌ، ولا يدخل الجنّة إلاّ نفسٌ مسلمةٌ، مَن كان بينه وبين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مدّة فأجَلُه إلى مدّته، والله بريءٌ من المشركين ورسوله. قال: فسار بها ثلاثاً، ثمّ قال لعليّ (رضي الله عنه): (الحقْه فرُدّ عليَّ أبا بكر وبلّغها أنت). قال: ففعل، قال: فلمّا قدم على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أبو بكر بكى، قال: يا رسول الله، حدث فيَّ شيءٌ؟! قال: (ما حدَث فيك إلاّ خير، ولكن أُمرت أنْ لا يبلّغه إلاّ أنا أو رجلٌ منّي) (3) .

248 - المستدرك على الصحيحين عن جميع بن عمير الليثي: أتيت عبد الله بن عُمَر فسألته عن عليّ (رضي الله عنه) فانتهرَني، ثمّ قال: ألا أُحدّثك عن عليّ؟ هذا بيت

____________________

(1) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 562 / 946، مسند ابن حنبل: 4 / 423 / 13213 نحوه، وراجع السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 190.

(2) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 147 / 76، أنساب الأشراف: 2 / 384 عن يزيد بن يثيع، تفسير الطبري: 6 / الجزء 10 / 64، تفسير ابن كثير: 4 / 49 كلاهما عن زيد بن يشيع وكلّها نحوه من دون إسناد إليه (عليه السلام)، وراجع تاريخ اليعقوبي: 2 / 76.

(3) مسند ابن حنبل: 1 / 18 / 4، تاريخ دمشق: 42 / 347 / 8928.


رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المسجد، وهذا بيت عليّ (رضي الله عنه). إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعث أبا بكر وعُمَر ببراءة إلى أهل مكّة، فانطلقا، فإذا هما براكب، فقالا: مَن هذا؟ قال: (أنا عليّ، يا أبا بكر هاتِ الكتاب الذي معك). قال: وما لي!! قال: (والله ما علمت إلاّ خيراً)، فأخذ عليّ الكتاب فذهب به، ورجع أبو بكر وعُمَر إلى المدينة، فقالا: ما لنا يا رسول الله؟! قال: ( ما لكما إلاّ خير، ولكن قيل لي: إنّه لا يبلّغ عنك إلاّ أنت أو رجل منك) (1) .

249 - الإرشاد: جاء في قصّة البراءة وقد دفعها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى أبي بكر؛ لينبُذَ بها عهد المشركين، فلمّا سار غير بعيد نزل جبرئيل (عليه السلام) على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقال له: (إنّ الله يُقرئك السلام ويقول لك: لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجُل منك). فاستدعى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) وقال له: (اركب ناقتي العضباء والحَق أبا بكر، فخُذ براءة من يده وامضِ بها إلى مكّة، فانبذ عهد المشركين إليهم، وخيّر أبا بكر بين أنْ يسير مع ركابك أو يرجع إليّ).

فركب أمير المؤمنين (عليه السلام) ناقة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) العضباء، وسار حتى لحِقَ أبا بكر، فلمّا رآه فزع من لحوقه به، واستقبله وقال: فيمَ جئت يا أبا الحسن، أسائر معي أنت أمْ لغير ذلك؟! فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): (إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمرني أنْ ألحقك فأقبِض منك الآيات من براءة وأنبذ بها عهد المشركين إليهم، وأمرني أنْ أُخيّرك بين أنْ تسير معي أو ترجع إليه). فقال: بل أرجع إليه.

وعاد إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا دخل عليه قال: يا رسول الله، إنّك أهّلتَني لأمرٍ طالت الأعناق فيه إليّ، فلمّا توجّهت له ردَدتني عنه، ما لي، أنزل فيَّ قرآن؟! فقال

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 3 / 53 / 4374.


النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (لا، ولكنّ الأمين هبط إليّ عن الله جلّ جلاله بأنّه لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك، وعليٌّ منّي، ولا يؤدّي عنّي إلاّ عليّ) (1) .

250 - تاريخ دمشق عن ابن عبّاس: بينا أنا مع عُمَر بن الخطّاب في بعض طُرُق المدينة - يده في يدي - إذ قال لي: يا بن عبّاس، ما أحسَب صاحبك إلاّ مظلوماً! فقلت: فرُدّ إليه ظُلامته يا أمير المؤمنين!! قال: فانتزَعَ يده من يدي، ونفَر منّي يهَمْهم، ثمّ وقف حتى لحِقْته، فقال لي: يا بن عبّاس، ما أحسب القوم إلاّ استصغروا صاحبك. قلت: والله ما استصغره رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين أرسله وأمَرَه أنْ يأخذ براءة من أبي بكر فيقرأها على الناس!! فسَكَت (2) .

راجع: القسم التاسع / علىٌّ عن لسان أصحاب النبيّ / عُمَر بن الخطّاب

كتاب (تاريخ دمشق): 42 / 344 - 349

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 65، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 126 عن ابن عبّاس نحوه، وراجع الخصال: 1578، وتفسير القمّي: 1 / 282، وتفسير العيّاشي: 2 / 73 / 4، والمناقب للكوفي: 1 / 469 / 371.

(2) تاريخ دمشق: 42 / 349، شرح نهج البلاغة: 6 / 45 وفيه (ما استصغره الله) وج 12 / 46 وفيه (ما استصغره الله ورسوله)، كنز العمّال: 13 / 109 / 36357، الدرجات الرفيعة: 105 كلّها نحوه، وراجع فرائد السمطين: 1 / 334 / 258.


تحقيقٌ وتحليل

قال العلاّمة الطباطبائي: قد عرفت أنّ الذي وقع في الروايات على كثرتها في قصّة بعْث عليّ وعزْل أبي بكر - من كلمة الوحي الذي نزل به جبرئيل على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) - هو قوله: (لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك). وكذا ما ذكره النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حين أجاب أبا بكر - لمّا سأله عن سبب عزْله - إنّما هو مَتْن ما أوحى إليه الله سبحانه، أو قوله - وهو في معناه -: (لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّى). وكيفما كان فهو كلامٌ مطلق؛ يشمل تأدية براءة وكلّ حُكم إلهيّ احتاج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى أنْ يؤدّيه عنه مؤدٍّ غيره، ولا دليل - لا مِن متون الروايات ولا غيرها - يدلّ على اختصاص ذلك ببراءة.

وقد اتّضح أنّ المنْع عن طواف البيت عُرياناً، والمنْع عن حجّ المشركين بعد ذلك العام [الفتح]، وكذا تأجيل مَن له عهد إلى مدّة أو من غير مدّة، كلّ ذلك أحكام إلهيّة نزل بها القرآن، فما معنى إرجاع أمرها إلى أبي بكر، أو نداء أبي هريرة بها وحده، أو نداؤه ببراءة وسائر الأحكام المذكورة في الجمْع إذا بُحَّ عليّ (عليه السلام)، حتى يصْحَل صوته من كثرة النداء؟! ولو جاز لأبي هريرة أنْ يقوم بها والحال هذه فلِم لم يجُز لأبي بكر ذلك؟!.


نعم أبدَع بعض المفسّرين - كابن كثير وأترابه - هنا وجهاً وجّهوا به ما تتضمّنه هذه الروايات؛ انتصاراً لها، وهو أنّ قوله: (لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجُل منّي) مخصوص بتأدِيَة براءة فقط، من غير أنْ يشمل سائر الأحكام التي كان ينادي بها عليّ (عليه السلام)، وأنّ تعيينه (صلّى الله عليه وآله) عليّاً بتبليغ آيات براءة أهلَ الجمْع؛ إنّما هو لِما كان من عادة العرب أنْ لا ينقُض العهد إلاّ عاقِده أو رجلٌ من أهل بيته، ومراعاة هذه العادة الجارية هي التي دعَت النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنْ يأخذ براءة - وفيها نقْض ما للمشركين من عهد - من أبي بكر ويسلّمها إلى عليّ؛ ليستحفظ بذلك السُنّة العربيّة فيؤدّيها عنه بعض أهل بيته.

قالوا: وهذا معنى قوله (صلّى الله عليه وآله) لمّا سأله أبو بكر قائلاً: يا رسول الله، هل نزل فيَّ شيء؟! قال: (لا ولكن لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجلٌ منّي)، ومعناه أنّي إنّما عزلتُك ونصّبتُ عليّاً لذلك؛ لئلاّ أنقض هذه السُنّة العربيّة الجارية....

فليت شِعري من أين تسلّموا أنّ هذه الجملة التي نزل بها جبرئيل: (إنّه لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجُل منك)، مقيّدة بنقْض العهد لا يدلّ على أزيد من ذلك، ولا دليل عليه من نقلٍ أو عقل!! فالجملة ظاهرة أتمّ ظهور في أنّ ما كان على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يؤدّيه لا يجوز أنْ يؤدّيه إلاّ هو أو رجلٌ منه، سَواء (1) كان نقْض عهد من جانب الله - كما في مورد براءة - أمْ حُكماً آخر إلهيّاً على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يؤدّيه ويبلّغه.

وهذا غير ما كان من أقسام الرسالة منه (صلّى الله عليه وآله) ممّا ليس عليه أنْ يؤدّيه بنفسه الشريفة، كالكتُب التي أرسَل بها إلى الملوك والأُمم والأقوام في الدعوة إلى الإسلام، وكذا سائر الرسالات التي كان يبعث بها رجالاً من المؤمنين إلى الناس

____________________

(1) في المصدر (سواه) وهو تصحيف.


في أُمور ترجع إلى دينهم والإمارات والولايات ونحو ذلك.

ففرْقٌ جليٌّ بين هذه الأمور وبين براءة ونظائرها، فإنّ ما تتضمّنه آيات براءة وأمثال النهي عن الطواف عُرياناً، والنهي عن حجّ المشركين بعد العام، أحكامٌ إلهيّة ابتدائيّة لم تبلّغ بعدُ ولم تؤدَّ إلى مَن يجب أنْ تبْلَغه، وهم المشركون بمكّة والحُجّاج منهم، ولا رسالة من الله في ذلك إلاّ لرسوله.

وأمّا سائر الموارد التي كان يكتفي النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ببعْث الرسُل للتبليغ فقد كانت ممّا فرغ (صلّى الله عليه وآله) فيها من أصل التبليغ، والتأدِية بتبليغه من وُسعه تبليغُه ممّن حضر، كالدعوة إلى الإسلام وسائر شرائع الدين، وكان يقول: (ليُبلِّغ الشاهد منكم الغائب).

ثمّ إذا مسّت الحاجة إلى تبليغه بعضَ مَن لا وثوق عادة ببلوغ الحُكم إليه، أو لا أثر لمجرّد البلوغ إلاّ أنْ يعتني لشأنه بكتاب أو رسول (1) ، توسّل عند ذلك إلى رسالة أو كتاب، كما في دعوة الملوك.

وليتأمّل الباحث المنصف قوله: (لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجُل منك)، فقد قيل: (لا يؤدّي عنك إلاّ أنت) ولم يُقَل: (لا يؤدّي إلاّ أنت أو رجُل منك) حتى يفيد اشتراك الرسالة، ولم يُقَل: (لا يؤدّي منك إلاّ رجُل منك) حتى يشمل سائر الرسالات التي كان (صلّى الله عليه وآله) يقلّدها كلّ مَن كان من صالحي المؤمنين. فإنّما مفاد قوله: (لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجُل منك) : أنّ الأمور الرساليّة التي يجب عليك نفسك أنْ تقوم بها لا يقوم بها غيرك عوِضاً منك، إلاّ رجُل منك، أي لا يخلفك فيما عليك كالتأدية الابتدائيّة إلاّ رجُل منك.

ثمّ ليت شِعري ما الذي دعاهم إلى أنْ أهملوا كلمة الوحي التي هي قول الله

____________________

(1) في المصدر (أو توسّل) وهو تصحيف.


نزل به جبرئيل على النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك)، وذكروا مكانها أنّه (كانت السنّة الجارية عند العرب أنْ لا ينقض العهد إلاّ عاقده أو رجلٌ من أهل بيته)!! تلك السنّة العربيّة التي لا خبَر عنها - في أيّامهم ومغازيهم - ولا أثر، إلاّ ما ذكره ابن كثير ونسَبَه إلى العلماء عند البحث عن آيات براءة.

ثمّ لو كانت سنّة عربيّة جاهليّة على هذا النعْت، فما وزنها في الإسلام!! وما هي قيمتها عند النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وقد كان ينسَخ كلّ يوم سنّة جاهليّة، وينقض كلّ حين عادة قوميّة، ولم تكن من جملة الأخلاق الكريمة أو السُنن والعادات النافعة، بل سليقة قبائليّة تشبه سلائق الأشراف!! وقد قال (صلّى الله عليه وآله) يوم فتح مكّة عند الكعبة - على ما رواه أصحاب السيَر: (ألا كلّ مأثرة أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدميّ هاتين، إلاّ سدانة البيت، وسقاية الحاج).

ثمّ لو كانت سنّة عربيّة غير مذمومة، فهل كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذهَل عنها ونسِيَها حين أسلم الآيات إلى أبي بكر وأرسله، وخرج هو إلى مكّة حتى إذا كان في بعض الطريق ذَكر (صلّى الله عليه وآله) ما نسيَه، أو ذكّره بعض مَن عنده بما أهمله وذهل عنه من أمرٍ كان من الواجب مراعاته، وهو (صلّى الله عليه وآله) المثل الأعلى في مكارم الأخلاق واعتبار ما يجب أنْ يُعتبر من الحزْم وحُسن التدبير؟! وكيف جاز لهؤلاء المذكّرين أنْ يغفلوا عن ذلك وليس من الأمور التي يُغفَل عنها وتخفى عادة؟! فإنّما الذهول عنه كغفلة المقاتل عن سلاحه.

وهل كان ذلك بوحيٍ من الله إليه، أنّه يجب له أنْ لا يلغي هذه السنّة العربيّة الكريمة، وأنّ ذلك أحد الأحكام الشرعيّة في الباب، وأنّه يحرم على وليّ أمر المسلمين أنْ ينقض عهداً إلاّ بنفسه أو بيد أحدٍ من أهل بيته؟ وما معنى هذا الحكم؟ أو أنّه حكمٌ أخلاقي اضطرّ إلى اعتباره؛ لِما أنّ المشركين ما كانوا يقبلون


هذا النقض إلاّ بأنْ يسمعوه من النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نفسه، أو من أحد من أهل بيته؟! وقد كانت السيطرة يومئذ له (صلّى الله عليه وآله) عليهم، والزمام بيده دونه، والإبلاغ إبلاغ.

أو أنّ المؤمنين المخاطبين بقوله: (عَاهَدتُّم) (1) ، وقوله: ( وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ ) (2) ، وقوله: ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) (3) ما كانوا يعتبرون هذا النقض نقضاً دون أنْ يسمعوه منه (صلّى الله عليه وآله)، أو من واحد من أهل بيته، وإنْ علموا بالنقْض إذا سمعوا الآيات من أبي بكر؟....

ليس التوغّل في مسألة الإمارة ممّا يهمّنا في تفهّم معنى قوله: (لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجُل منك)، فإمارة الحاجّ سواء صحّت لأبي بكر أمْ لعليّ؛ دلّت على فضْل أو لم تدلّ، إنّما هي من شُعَب الولاية الإسلاميّة العامّة التي شأنها التصرّف في أمور المجتمع الإسلامي الحيويّة، وإجراء الأحكام والشرائع الدينيّة، ولا حكومة لها على المعارف الإلهيّة، ومواد الوحي النازلة من السماء في أمر الدين.

إنّما هي ولاية رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ينصب يوماً أبا بكر أو عليّاً لإمارة الحاجّ، ويؤمّر يوماً أُسامة على أبي بكر وعامّة الصحابة في جيشه، ويولّي يوماً ابن أُمّ مكتوم على المدينة وفيها مَن هو أفضل منه، ويولّي هذا مكّة بعد فتحها، وذاك اليمن، وذلك أمْر الصدقات. وقد استعمل (صلّى الله عليه وآله) أبا دجانة الساعدي أو سباع بن عرفطة الغفاري - على ما في سيرة ابن هشام - على المدينة عام حجّة الوداع، وفيها أبو بكر لم يخرج إلى الحجّ على ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي

____________________

(1) التوبة: 1.

(2) التوبة: 3.

(3) التوبة: 5.


وغيرهم، وإنّما تدلّ على إذعانه (صلّى الله عليه وآله) بصلاحيّة مَن نصّبه لأمرٍ لتصدّيه وإدارة رحاه.

وأمّا الوحي السماوي بما يشتمل عليه من المعارف والشرائع فليس للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) ولا لِمَن دونه صنعٌ فيه، ولا تأثير فيه ممّا له من الولاية العامّة على أُمور المجتمع الإسلامي بإطلاق أو تقييد أو إمضاء أو نسْخ أو غير ذلك، ولا تحكم عليه سنّة قوميّة أو عادة جارية حتى توجب تطبيقه على ما يوافقها، أو قيام العُصبة مقام الإنسان فيما يهمّه من أمر.

والخلْط بين البابين يوجب نزول المعارف الإلهيّة من أوج علوّها وكرامتها إلى حضيض الأفكار الاجتماعيّة، التي لا حكومة فيها إلاّ للرسوم والعادات والاصطلاحات، فيعود الإنسان يفسّر حقائق المعارف بما يسعه الأفكار العامّيّة، ويستعظم ما استعظمه المجتمع دون ما عظّمه الله، ويستصغر ما استصغره الناس، حتى يقول القائل في معنى كلمة الوحي: إنّه عادة عربيّة محترمة! (1).

12 / 5

البعْث إلى اليمن

لمّا فتح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مكّة، وانتصر على القبائل المستقرّة حولها في غزوة حُنين، أراد توسيع نطاق دعوته؛ فأرسل إلى اليمن معاذ بن جبل، وهناك استعصَت مسائل على معاذ فرجع، وبعث بعده خالد بن الوليد، فلم يحقّق نجاحاً، وأخفَق في مهمّته بعد ستّة أشهر من المكوث في اليمن. فانتدب عليّاً (عليه السلام)، فوجّهه إليها مع كتاب. ولمّا وصل قرأه على أهلها ببيانٍ بليغ وكلامٍ مؤثِّر، ودعاهم إلى التوحيد، فأسلمت قبيلة (همْدان). وأخبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بذلك؛ فسرَّ

____________________

(1) الميزان في تفسير القرآن: 9 / 168 - 174.


ودعا لهم (1) .

ونقلت أخبار أخرى أنّ الإمام (عليه السلام) اصطدم بقبيلة (مذحج) وهزَمهم، ثمّ دعاهم إلى الإسلام بعد هزيمتهم الأُولى، وجمع غنائم الحرب، وسار بها وبصدقات نجران فالتحق بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) في موسم الحجّ (2) .

ثمّ فوِّض إليه (عليه السلام) القضاء في اليمن، ودعا له النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بالثَبات في قضائه (3) . ونقلت كتُب التاريخ نماذج من قضائه في اليمن. والآن يمكن أنْ يُثار السؤال الآتي: هل حدثت كلّ هذه الوقائع لعليّ (عليه السلام) في سفرة واحدة أو في عدّة أسفار؟!.

ينصّ ابن سعد على سفرتَين له (عليه السلام) (4) . يُضاف إلى هذا أنّ الأخبار المرتبطة باشتباكه مع قبيلة (مذحج) تدلّ على استقلال تلك (السريّة). وفي النصوص المتعلّقة بذهاب الإمام (عليه السلام) إلى اليمن، وكيفيّة تنفيذ هذه المهمّة الكبرى مناقب وفضائل مسجَّلة له (عليه السلام) تجدها هنا.

251 - تاريخ الطبري عن أبي إسحاق عن البرّاء بن عازب: بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خالد بن الوليد إلى أهل اليمن؛ يدعوهم إلى الإسلام. فكنت فيمن سار معه، فأقام عليه ستّة أشهر لا يجيبونه إلى شيء، فبعث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب، وأمره أنْ يقفل خالداً ومَن معه، فإنْ أراد أحد ممّن كان مع خالد بن الوليد أنْ يعقّب معه ترَكَه.

____________________

(1) تاريخ الطبري: 3 / 131، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 690، الكامل في التاريخ: 1 / 651.

(2) الطبقات الكبرى: 2 / 169.

(3) مسند ابن حنبل: 1 / 190 / 666، المستدرك على الصحيحين: 3 / 146 / 4658، الطبقات الكبرى: 2 / 337، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 691.

(4) الطبقات الكبرى: 2 / 169.


قال البرّاء: فكنت فيمن عقّب معه، فلمّا انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر، فجمعوا له، فصلّى بنا عليٌّ الفجر، فلمّا فرغ صفّنا صفّاً واحداً، ثمّ تقدّم بين أيدينا فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قرأ عليهم كتاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأسلمَت هَمْدان كلّها في يومٍ واحد. وكتب بذلك إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا قرأ كتابه خَرَّ ساجداً، ثمّ جلس فقال: (السلام على هَمْدان، السلام على هَمْدان!)، ثمّ تتابع أهل اليمن على الإسلام (1) .

252 - الطبقات الكبرى: بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً إلى اليمن، وعقد له لواءً، وعمّمه بيده، وقال: امضِ ولا تلتفت، فإذا نزلتَ بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك. فخرج في ثلاثمِئة فارس، وكانت أوّل خيل دخلت إلى تلك البلاد، وهي بلاد مذحج. ففرّق أصحابه، فأتوا بنهبٍ وغنائم ونِساء وأطفال ونَعَم وشاءٍ وغير ذلك. وجعل عليٌّ على الغنائم بريدةَ بن الحصيب الأسلمي، فجمع إليه ما أصابوا.

ثمّ لقيَ جمْعهم فدعاهم إلى الإسلام، فأبَوا ورموا بالنبل والحجارة، فصفّ أصحابه ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السلمي، ثمّ حمل عليهم عليّ بأصحابه فقتل منهم عشرين رجلاً، فتفرّقوا وانهزموا، فكفّ عن طلَبهم. ثمّ دعاهم إلى الإسلام، فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفَر من رؤسائهم على الإسلام وقالوا: نحن على مَن وراءنا مِن قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حقّ الله.

وجمع عليّ الغنائم فجزّأها على خمسة أجزاء، فكتب في سهمٍ منها لله، وأقرع عليها، فخرج أوّل السهام سهم الخُمس. وقسّم عليٌّ على أصحابه بقيّة

____________________

(1) تاريخ الطبري: 3 / 131، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 690 نحوه.


المغنم، ثمّ قفل، فوافى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بمكّة قد قدمها للحجّ سنة عشر (1) .

253 - الإمام عليّ (عليه السلام): (بعثَني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى اليمن وقال لي: يا عليّ، لا تقاتلنّ أحداً حتى تدعوه، وأيمُ الله لإنْ يهدي الله على يدَيك رجُلاً خيرٌ لك ممّا طلعت عليه الشمس وغرُبت! ولك ولاؤه يا عليّ) (2) .

254 - عنه (عليه السلام): (بعثني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، إنّك تبعثني إلى قومٍ هم أسنّ منّي لأقْضي بينهم!! قال: اذهب فإنّ الله تعالى سيُثبّت لسانك، ويهدي قلبك) (3) .

255 - السيرة النبويّة عن أبي عمرو المدني: بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب إلى اليمن، وبعث خالد بن الوليد في جُندٍ آخر، وقال: (إنْ التقيتما فالأمير عليّ بن أبي طالب) (4) .

256 - الإرشاد: انصرف عَمرو [ بن معديكرب ] مرتدّاً، فأغار على قوم من بني الحارث بن كعب ومضى إلى قومه. فاستدعى رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فأمّره على المهاجرين، وأنفذه إلى بني زبيد، وأرسل خالد بن الوليد في طائفة من الأعراب وأمره أنْ يقصد الجعفي، فإذا التقيا فأمير الناس عليّ بن أبي طالب.

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 2 / 169، وراجع المغازي: 3 / 1079.

(2) الكافي: 5 / 28 / 4 عن السكوني عن الإمام الصادق (عليه السلام)، تهذيب الأحكام: 6 / 141 / 240 عن السكوني عن الإمام الصادق عن آبائه عنه (عليهم السلام).

(3) مسند ابن حنبل: 1 / 190 / 666، تاريخ دمشق: 42 / 389 / 9001، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 97 / 36 كلّها عن حارثة بن مضرب وص 93 / 33 عن أبي البختري، العمدة: 256 / 398 عن حارثة بن مضرب نحوه، وراجع فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 581 / 984، والمستدرك على الصحيحين: 3 / 146 / 4658، والطبقات الكبرى: 2 / 337، وتاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 691.

(4) السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 290، وراجع الإرشاد: 1 / 159.


فسار أمير المؤمنين واستعمل على مقدّمته خالد بن سعيد بن العاص، واستعمل خالدٌ على مقدّمته أبا موسى الأشعري.

فأمّا جُعفي فإنّها لمّا سمِعت بالجيش افترقت فرقتين، فذهبت فِرقة إلى اليمن، وانضمّت الفِرقة الأخرى إلى بني زبيد. فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكتب إلى خالد بن الوليد أنْ قِف حيث أدركك رسولي، فلم يقِفْ. فكتب إلى خالد بن سعيد: تعرّض له حتى تحْبِسه، فاعترض له خالد حتى حبَسه، وأدركه أمير المؤمنين (عليه السلام) فعنّفه على خلافه.

ثمّ سار حتى لقيَ بني زبيد بوادٍ يقال له: كُشَر (1) ، فلمّا رآه بنو زبيد قالوا لعمرو: كيف أنت - يا با ثور - إذا لقِيَك هذا الغلامُ القُرَشي فأخذ منك الإتاوة (2) ؟ قال: سيعلم إنْ لقِيَني.

قال: وخرج عمرو فقال: هل مِن مبارز؟ فنهض إليه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقام خالد بن سعيد فقال له: دعني يا أبا الحسن - بأبي أنت وأُمّي - أُبارزه! فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): (إنْ كنت ترى أنّ لي عليك طاعة فقِف مكانك)، فوقف، ثمّ برز إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فصاح به صيحة فانهزم عمرو، وقُتل أخوه وابن أخيه، وأُخذت امرأته ركانة بنت سلامة، وسُبيَ منهم نسوان، وانصرف أمير المؤمنين (عليه السلام)، وخلّف على بني زبيد خالد بن سعيد؛ ليقبض صدقاتهم، ويؤمِنَ مَن عاد إليه من هُرّابهم مسلماً (3) .

____________________

(1) كُشَر - بوزن زُفَر: من نواحي صنعاء اليمن (معجم البلدان: 4 / 462).

(2) الإتاوة: الخراج (النهاية: 1 / 22).

(3) الإرشاد: 1 / 159.


الفصل الثالث عشر

من أدعية النبيّ للإمام

13 / 1

اللهمّ اجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً أخي

257 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (اللهمّ أقول كما قال أخي موسى: اللهمّ اجعل لي وزيراً من أهلي، عليّ (1) أخي، اشدد به أزري، وأشرِكه في أمري، كي نسبّحك كثيراً، ونذكرك كثيراً، إنّك كنت بنا بصيراً) (2) .

258 - الإمام الباقر (عليه السلام): (لمّا نزلت: ( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ) (3) كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على جبل، ثمّ دعا ربّه وقال: اللهمّ اشدد

____________________

(1) كذا في المصدر، وفي نسخة في هامش المصدر (عليّاً).

(2) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 678 / 1158، تاريخ دمشق: 42 / 52 نحوه، شواهد التنزيل: 1 / 479 / 511، الرياض النضرة: 3 / 118، كنز الفوائد: 1 / 296 نحوه، شرح الأخبار: 1 / 191 / 151 كلّها عن أسماء بنت عُميس.

(3) طه: 29 - 31.


أزري بأخي عليّ، فأجابه إلى ذلك) (1) .

259 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إنّي أسألك يا سيّدي وإلهي أنْ تجعل لي من أهلي وزيراً، تشدّ به عضُدي، فاجعل لي عليّاً وزيراً وأخاً، واجعل الشجاعة في قلبه، وألبسه الهيبة على عدوّه) (2) .

راجع: القسم التاسع / علىٌّ عن لسان النبيّ / المكانة السياسيّة والاجتماعيّة / وزيري

13 / 2

اللهمّ املأ قلبه علماً وفهْماً وحكماً ونوراً

260 - الإمام عليّ (عليه السلام): (كنت أدخل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليلاً ونهاراً، وكنت إذا سألته أجابني، وإنْ سكتّ ابتدأني. وما نزَلَت عليه آية إلاّ قرأتها وعلِمت تفسيرها وتأويلها. ودعا الله لي أنْ لا أنسى شيئاً علّمني إيّاه، فما نسيته، من حرامٍ ولا حلال، وأمرٍ ونهي، وطاعةٍ ومعصية. ولقد وضَع يده على صدري وقال: اللهمّ املأ قلبه عِلماً وفهماً وحكماً ونوراً. ثمّ قال لي: أخبَرَني ربّي عزّ وجلّ أنّه قد استجاب لي فيك) (3) .

261 - عنه (عليه السلام): (كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله)... يضع يده على صدري، ثمّ يقول: اللهمّ املأ قلبه علماً وفهماً ونوراً وحلماً وحكماً وإيماناً، وعلِّمه ولا تُجهّله، واحفظه

____________________

(1) الدرّ المنثور: 5 / 566 نقلاً عن السلفي في الطيوريات.

(2) ينابيع المودّة: 1 / 197 / 28، الأمالي للصدوق: 73 / 42 نحوه، حلية الأبرار: 2 / 439 / 4 كلّها عن جابر بن عبد الله الأنصاري.

(3) تاريخ دمشق: 42 / 386 / 8993. راجع: القسم الحادي عشر / التعلّم في مدرسة النبيّ / ساعة خاصّة لتعليمه.


ولا تُنسِه) (1) .

262 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إنّ الله تعالى عهد إليّ عهداً في عليّ، فقلت: يا ربّ بيّنه لي. فقال: اسمع. فقلت: سمعت. فقال: إنّ عليّاً راية الهدى... قلت: اللهمّ اجْلِ قلْبه، واجعل ربيعه الإيمان. فقال الله: قد فعلت به ذلك) (2) .

13 / 3

اللهمّ اهدِ قلبه وثبّت لسانه

263 - الإمام عليّ (عليه السلام): (بعثني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى اليمن، فقلتُ: يا رسول الله، تبعثني وأنا شابّ أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء!! فضرب بيده في صدري، ثمّ قال: اللهمّ اهدِ قلبه، وثبّت لسانه. فما شكَكت بعدُ في قضاءٍ بين اثنين) (3) .

264 - تاريخ بغداد عن عُمَر بن عليّ عن أبيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): (دعاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليستعملني على اليمن، فقلت له: يا رسول الله، إنّي شابّ حدث السِنّ، ولا عِلم لي بالقضاء!! فضرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في صدري مرّتين - أو قال:

____________________

(1) الاعتقادات: 121 / 45 عن سليم بن قيس، وراجع كتاب سليم بن قيس: 2 / 625.

(2) حلية الأولياء: 1 / 66، شرح نهج البلاغة: 9 / 167، المناقب لابن المغازلي: 46 / 69 كلّها عن أبي برزة، وراجع المناقب للخوارزمي: 303 / 299، والأمالي للطوسي: 343 / 705، والتحصين لابن طاووس: 542، والمناقب للكوفي: 1 / 410 / 326.

(3) سنن ابن ماجة: 2 / 774 / 2310، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 580 / 984، الطبقات الكبرى: 2 / 337، المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 495 / 5، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 94 / 34 وفيهما (و سدّد) بدل (و ثبّت)، أنساب الأشراف: 2 / 352، أُسد الغابة: 4 / 95 / 3789 والأربعة الأخيرة نحوه، المناقب للخوارزمي: 83 / 71، إعلام الورى: 1 / 258 كلّها عن أبي البختري، الإرشاد: 1 / 194، مسند زيد: 294 كلاهما نحوه وزاد فيه (و لقّنه الصواب وثبّته بالقول الثابت)، بحار الأنوار: 40 / 244.


ثلاثاً - وهو يقول: اللهمّ اهدِ قلبه، وثبّت لسانه. فكأنّما كلّ علمٍ عندي، وحُشّيَ قلبي علماً وفقهاً، فما شكَكْت في قضاءٍ بين اثنين) (1) .

265 - المستدرك على الصحيحين عن ابن عبّاس: بعث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى اليمن عليّاً فقال: (علّمهم الشرائع، واقضِ بينهم). قال: (لا عِلم لي بالقضاء! فدفع في صدره فقال: اللهمّ اهدِه للقضاء) (2) .

266 - الإمام عليّ (عليه السلام): (دعا لي النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقال: اللهمّ اهدِ قلبه، واشرح صدره، وثبّت لسانه، وقِهِ الحرّ والبرد) (3) .

راجع: القسم الثاني عشر / نظرة عامّة / أقضى الأمة

13 / 4

اللهمّ أدِر الحقّ معه حيث دار

267 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (رحِمَ الله عليّاً، اللهمّ أدِر الحقّ معه حيثُ دار) (4) .

____________________

(1) تاريخ بغداد: 12 / 444 / 6916، تاريخ دمشق: 42 / 389 / 9002، كنز العمّال: 13 / 150 / 36467.

(2) المستدرك على الصحيحين: 4 / 99 / 7003، كنز العمّال: 13 / 523 / 13801، المناقب للكوفي: 2 / 13 / 502 عن عبد الرحمان بن أبي ليلى نحوه.

(3) عيون أخبار الرضا: 2 / 60 / 240 عن الحسن بن عبد الله بن محمّد بن العبّاس الرازي عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام).

(4) سنن الترمذي: 5 / 633 / 3714، المستدرك على الصحيحين: 3 / 135 / 4629، المعجم الأوسط: 6 / 95 / 5906، مسند أبي يعلى: 1 / 280 / 546، تاريخ دمشق: 42 / 448 / 9022 و ح 9023، المحاسن والمساوئ: 41، المناقب للخوارزمي: 104 / 107، كشف الغمّة: 1 / 147 كلّها عن أبي حيّان التيمي عن أبيه عن الإمام عليّ (عليه السلام)، الطرائف: 102 / 149، نهج الحقّ: 224 / 24، بحار الأنوار: 38 / 38 / 14.


268 - عنه (صلّى الله عليه وآله): (اللهمّ أدِر الحقّ مع عليّ حيثما دار) (1).

راجع: القسم التاسع / علىٌّ عن لسان الأعيان / الفخر الرازي

القسم الثالث / أحاديث العصمة / عليّ مع الحقّ

13 / 5

اللهمّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه

269 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهمّ والِ مَن والاه، وعادِ من عاداه) (2) .

270 - عنه (صلّى الله عليه وآله): (هذا وليُّ مَن أنا مولاه، اللهمّ والِ مَن والاه، اللهمّ عادِ من عاداه) (3) .

____________________

(1) الجمل: 81، العمدة: 285؛ تفسير الفخر الرازي: 1 / 210.

(2) مسند ابن حنبل: 6 / 401 / 18506 عن البراء بن عازب وج 7 / 82 / 19321 عن أبي الطفيل وص 86 / 19344 وص 87 / 19347 وج 9 / 51 / 23204، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 597 / 1017، المستدرك على الصحيحين: 3 / 118 / 4576 كلاهما نحوه وكلّها عن زيد بن أرقم وص 126 / 4601 عن سعد بن مالك وص 419 / 5594 عن إياس الضبّي عن أبيه، صحيح ابن حبّان: 15 / 376 / 6931 عن أبي الطفيل، المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 499 / 28 عن زيد بن يثيع و ح 29 عن أبي يزيد الأودي عن أبيه، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 150 / 79 عن زيد بن أرقم وص 177 / 96 عن سعد وكلاهما نحوه، تاريخ دمشق: 42 / 206 / 8682 عن عبد الرحمان بن أبي ليلى. الكافي: 1 / 294 وص 295 / 3 عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عنه (صلّى الله عليه وآله) وج 8 / 27 / 4، عن جابر بن يزيد، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، عنه (صلّى الله عليه وآله). تهذيب الأحكام: 3 / 263 / 746 عن حسّان الجمّال، عن الإمام الصادق (عليه السلام) عنه (صلّى الله عليه وآله).

(3) سنن ابن ماجة: 1 / 43 / 116، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 610 / 1042، المناقب لابن شهر آشوب: 3 / 35 وفيهما (مولى) بدل (لوليّ) وكلّها عن البراء بن عازب، وراجع المناقب للكوفي: 1 / 442 / 343.


271 - عنه (صلّى الله عليه وآله) - يوم غدير خمّ: (اللهمّ مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، وأعِن من أعانه) (1) .

272 - عنه (صلّى الله عليه وآله) - في حجّة الوداع: (مَن يكن الله ورسوله مولَياه فإنّ هذا مولاه، اللهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، اللهمّ مَن أحبّه من الناس فكُن له حبيباً، ومَن أبغضه فكُن له مبغضاً) (2) .

273 - تاريخ دمشق عن عمرو ذو مرّ وسعيد بن وهب وعن زيد بن يثيع: سمعنا عليّاً يقول في الرحْبة (3) : (أنشد الله مَن سمِع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خمّ ما قال إلاّ قام)، فقام ثلاثة عشر، فشهدوا أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (ألستُ أَولى بالمؤمنين من أنفسهم؟) قالوا: بلى يا رسول الله، فأخذ بيد عليّ فقال: (مَن كنت مولاه فهذا مولاه، اللهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وأحبّ مَن أحبّ، وأبغض مَن أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) (4) .

274 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (عادى الله مَن عادى عليّاً) (5) .

275 - عنه (صلّى الله عليه وآله): (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه،

____________________

(1) المعجم الكبير: 4 / 17 / 3514 عن حبشي بن جنادة وج 5 / 171 / 4985 وص 204 / 5097 كلاهما عن زيد بن أرقم وليس فيهما ذيله.

(2) المعجم الكبير: 2 / 357 / 2505 عن جرير، كنز العمّال: 11 / 609 / 32948.

(3) الرُّحبَة: قرية بحذاء القادسيّة على مرحلة من الكوفة، ورحبة خنيس: محلّة بالكوفة، والرُّحبة: الفضاء بين أبنية البيوت، أو المسجد (معجم البلدان: 3 / 33).

(4) تاريخ دمشق: 42 / 209 / 8687 وص 210 / 8688 نحوه، الأمالي للطوسي: 255 / 459 وفيه عن زيد بن نفيع.

(5) أُسد الغابة: 2 / 238 / 1589، الإصابة: 2 / 373 / 2560، كنز العمّال: 11 / 601 / 32899 كلّها عن رافع مولى عائشة، الفصول المختارة: 245 وفيه (عادى الله من عاداك).


وأعِن مَن أعانه، وانصر من نصره، واخذل مَن خذله، واخذل عدوّه وكن له ولولْده، واخلُفه فيهم بخير، وبارك لهم فيما تعطيهم، وأيّدهم بروح القدس، واحفظهم حيث توجّهوا مِن الأرض، واجعل الإمامة فيهم، واشكر مَن أطاعهم، واهلِك مَن عصاهم، إنّك قريب مجيب) (1) .

راجع: القسم الثالث / حديث الغدير / واقعة الغدير

13 / 6

اللهمّ انصر من نَصَره واخذل من خذَلَه

276 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، في عليّ (عليه السلام): (اللهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) (2) .

277 - عنه (صلّى الله عليه وآله): (اللهمّ انصر مَن نصر عليّاً، اللهمّ أكرم من أكرم عليّاً، اللهمّ اخذل من خذل عليّاً) (3) .

278 - عنه (صلّى الله عليه وآله): (اللهمّ انصر عليّاً، اللهمّ أكرم مَن أكرم عليّاً، اللهمّ اخذل مَن خذل

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 59 / 227 عن الحسن بن عبد الله بن محمّد بن العبّاس الرازي عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام).

(2) مسند ابن حنبل: 1 / 254 / 964، تاريخ دمشق: 42 / 207 / 8684 وص 208 كلّها عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 181 / 98 عن سعيد بن وهب وليس فيه (و اخذل مَن خذله)، الأمالي للمفيد: 58 / 2 عن الحارث بن ثعلبة، الخصال: 66 / 98 عن حذيفة، معاني الأخبار: 67 / 8 عن أنَس بن مالك، علل الشرايع: 144 / 9 عن سلمان، الفصول المختارة: 245، رجال الكشّي: 1 / 284 / 119 عن أُمّ سلمة.

(3) الإصابة: 4 / 535 / 5884، أُسد الغابة: 4 / 229 / 3961 وليس فيه ذيله وكلاهما عن عمرو بن شراحيل، كنز العمّال: 11 / 623 / 33033.


عليّاً) (1) .

279 - عنه (صلّى الله عليه وآله): (مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله، وأعِن من أعانه) (2) .

راجع: القسم الثالث / حديث الغدير / واقعة الغدير

13 / 7

اللهمّ انصره وانصُر به

280 - المعجم الكبير عن ابن عبّاس: لمّا عقد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اللواء لعليّ يوم خيبر دعا له هنيهة، فقال: (اللهمّ أعِنه وأعزّ به، وارحمه وارحم به، وانصره وانصر به، اللهمّ والِ مَن والاه، وعادِ من عاداه) (3) .

281 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، في عليّ (عليه السلام) يوم غدير خمّ: (اللهمّ أعِنه وأعن به، وارحمه وارحم به، وانصره وانصر به، اللهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه) (4) .

282 - تاريخ دمشق عن أبي ذرّ: سمعت من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول لعليّ بن أبي طالب كلمات لو تكون لي إحداهنّ أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها، سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو يقول: (اللهمّ أعِنه واستعن به، اللهمّ انصره وانتصر له؛ فإنّه عبدك، وأخو رسولك) (5) .

____________________

(1) المعجم الكبير: 17 / 39 / 82 عن عمرو بن شراحيل.

(2) الخصال: 479 / 46، كمال الدين: 2 / 337 / 9 كلاهما عن عبد الله بن أبي الهذيل.

(3) المعجم الكبير: 12 / 95 / 12653، كنز العمّال: 11 / 610 / 32954.

(4) فرائد السمطين: 1 / 67 / 33 عن عمرو ذي مرّ عن الإمام عليّ (عليه السلام)، الفردوس: 1 / 499 / 2037 عن ابن عبّاس.

(5) تاريخ دمشق: 42 / 54 / 8390، المناقب للخوارزمي: 152 / 179، فرائد السمطين: 1 / 68 / 35، الأمالي للصدوق: 107 / 80، المناقب للكوفي: 1 / 342 / 268 وليس فيه صدره، بحار الأنوار: 22 / 318 / 3.


283 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، في عليّ (عليه السلام): (اللهمّ ارحمه وترحّم عليه، وانصره وانتصر به، وأعِنه واستعن به؛ فإنّه عبدُك، وكتيبة رسولك) (1) .

13 / 8

اللهمّ أذهِب عنه الحرّ والبَرْد

284 - الإمام عليّ (عليه السلام) : (دعا لي النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنْ يقيني الله عزّ وجلّ الحرّ والبرد) (2) .

285 - سنن ابن ماجة عن عبد الرحمان بن أبي ليلى: كان أبو ليلى يسمر مع عليّ، فكان يلبس ثياب الصيف في الشتاء، وثياب الشتاء في الصيف. فقلنا: لو سألته! فقال: (إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعث إليّ وأنا أرمَد العين يوم خيبر، قلت: يا رسول الله، إنّي أرمَد العين! فتفل في عيني، ثمّ قال: اللهمّ أذهب عنه الحرّ والبرد). قال: (فما وجدتُ حرّاً ولا برداً بعد يومئذ).

وقال: (لأبعثنّ رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، ليس بفرّار). فتشرّف له الناس، فبعث إلى عليّ فأعطاها إيّاه (3) .

____________________

(1) الأمالي للطوسي: 362 / 752 عن عليّ بن عليّ بن رزين عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عن عمر بن الخطّاب.

(2) عيون أخبار الرضا: 2 / 63 / 261 عن الحسن بن عبد الله بن العبّاس الرازي عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام).

(3) سنن ابن ماجة: 1 / 43 / 117، مسند ابن حنبل: 1 / 214 / 778 وص 281 / 1117، المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 497 / 17 نحوه، الأمالي للمفيد: 318 / 3، الأمالي للطوسي: 89 / 137 كلاهما نحوه من (إنّ رسول الله) إلى (يومئذ)، وراجع المعجم الأوسط: 2 / 381 / 2286، وخصائص أمير المؤمنين للنسائي: 274 / 150، والخصال: 555 / 31، وعيون أخبار الرضا: 2 / 60 / 240، والاختصاص: 310.


286 - مسند البزّار عن أبى ليلى: قلت لعليّ - وكان يسمر معه - إنّ الناس قد أنكروا منك أنْ تخرج في الحرّ في الثوب الثقيل المحشوّ، وفي الشتاء في الملاءتين الخفيفتين! فقال عليّ: (أوَلم تكن معنا؟) قلت: بلى.

قال: (فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دعا أبا بكر فعقد له اللواء، ثمّ بعثه فسار بالناس فانهزم، حتى إذا بلغ ورجع دعى عُمَر فعقد له لواء، فسار ثمّ رجع منهزماً بالناس، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (لأُعطينَّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله له، ليس بفرّار)، فأرسل إليّ فدعاني، فأتيته وأنا أرمَد لا أبصر شيئاً، فتفل في عيني وقال: (اللهمّ اكفِه ألمَ الحرّ والبرد)، فما آذاني حرٌّ ولا برد بعدُ) (1) .

287 - الغارات عن أبي إسحاق السبيعي: كنت على عنُق أبي يوم الجمعة وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يخطب وهو يتروّح بكمّه، فقلت: يا أبَه، أمير المؤمنين يجد الحَرّ؟ فقال لي: لا يجد حرّاً ولا برداً، ولكنّه غسَل قميصه وهو رطب ولا له غيره، فهو يتروّح به (2) .

13 / 9

اللهمّ اشفِه

288 - الإمام عليّ (عليه السلام): (مرضتُ، فأتى علَيَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأنا أقول: اللهمّ إنْ كان أجَلي قد حضر فأرِحني، وإنْ كان متأخّراً فارفعني، وإنْ كان البلاء فصبّرني. فقال: ما قلتَ؟ فأعدتُ. فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): اللهمّ اشفِه اللهمّ عافِه. ثمّ قال: قم.

____________________

(1) مسند البزّار: 2 / 136 / 496، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 638 / 1084، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 54 / 13، المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 497 / 17، دلائل النبوّة للبيهقي: 4 / 213، تاريخ دمشق: 42 / 107 / 8465، المناقب للكوفي: 2 / 88 / 575 كلّها نحوه.

(2) الغارات: 1 / 98.


فقمتُ، فما عاد لي ذلك الوجع بعده) (1) .

289 - عنه (عليه السلام): (اشتكيت، فأتاني النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأنا أقول: اللهمّ إنْ كان أجَلي قد حضر فأرِحني، وإنْ كان متأخّراً فاشفِني أو عافِني، وإنْ كان بلاءً فصبّرني. فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): كيف قلت؟ فأعدت عليه، فمسَح بيده ثمّ قال: اللهمّ اشفِه أو عافِه. فما اشتكيت وجَعي ذاك بعدُ) (2) .

290 - سنن الترمذي عن شعبة عن عمرو بن مرّة عن عبد الله بن سلمة عن الإمام عليّ (عليه السلام) قال: (كنت شاكياً، فمرّ بي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأنا أقول: اللهمّ إنْ كان أجَلي قد حضر فأرِحني، وإنْ كان متأخّراً فارفعني، وإنْ كان بلاءً فصبّرني. فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): كيف قلت؟ قال: فأعاد عليه ما قال. قال: فضربه برِجْله، فقال: اللهمّ عافِه أو اشفِه - شعبةُ الشاكُّ - فما اشتكيت وجَعي بعد) (3) .

291 - الإمام عليّ (عليه السلام): (أخذَتني الحُمّى ليلةً، فأسهرَتني، فسَهر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لسَهري، فباتَ ليلَته بيني وبين مُصلاّه؛ يصلّي ما قُدّر له، ثمّ يأتيني يسألني وينظر إليّ، فلم يزَل ذلك دَأبُه حتى أصبح.

فلمّا صلّى بأصحابه الغَداةَ قال: اللهمّ اشفِ عليّاً وعافِه؛ فإنّه أسهرَني الليلة

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 2 / 677 / 4239، مسند ابن حنبل: 1 / 182 / 637 كلاهما عن عبد الله بن سلمة.

(2) مسند ابن حنبل: 1 / 271 / 1057، المناقب لابن المغازلي: 123 / 161 كلاهما عن عبد الله بن سلمة.

(3) سنن الترمذي: 5 / 560 / 3564، مسند ابن حنبل: 1 / 228 / 841 وص 182 / 637، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 697 / 1192، صحيح ابن حبّان: 15 / 388 / 6940، تاريخ دمشق: 42 / 312 / 8861، الخرائج والجرائح: 1 / 49 / 68 نحوه.


ممّا به) (1) .

292 - أُسد الغابة عن أبي رافع، في هجرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله): أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عليّاً أنْ يلحقه بالمدينة، فخرج عليّ في طلبه بعدما أخرج إليه أهله، يمشي الليل ويكمُن (2) النهار، حتى قدم المدينة. فلمّا بلغ النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) قدومه قال: (ادعوا لي عليّاً). قيل: يا رسول الله، لا يقدر أنْ يمشي. فأتاه النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا رآه اعتنقه وبكى؛ رحمةً لِما بقدَميه من الورَم، وكانتا تقطران دماً، فتفل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في يدَيه، ومسح بهما رِجْليه، ودعا له بالعافية، فلم يَشتكِهما حتى استُشهد (رضي الله عنه) (3) .

13 / 10

ربِّ لا تذرني فرداً!

293 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، يوم الأحزاب: (اللهمّ إنّك أخذت منّي عبيدة بن الحرث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطّلب يوم أُحُد، وهذا أخي عليّ بن أبي طالب: ( رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) )! (4)

294 - شرح نهج البلاغة: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - لمّا بارز عليٌّ عمْرواً - ما زال رافعاً

____________________

(1) الاحتجاج: 1 / 369 / 65، كتاب سليم بن قيس: 2 / 814 / 36 عن المقداد نحوه، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 220 من دون إسناد إلى المعصوم، بحار الأنوار: 38 / 314 / 18.

(2) كَمَنَ: تَوارَى واسْتَخْفَى (مجمع البحرين: 3 / 1596).

(3) أُسد الغابة: 4 / 92 / 3789، تاريخ دمشق: 42 / 68 / 8416، إعلام الورى: 1 / 375 نحوه.

(4) كنز الفوائد: 1 / 297 عن خالد بن يزيد عن الإمام الباقر عن آبائه (عليهم السلام)، تأويل الآيات الظاهرة: 1 / 329 / 13 عن عليّ بن داود عن رجل من ولد ربيعة بن عبد مناف، المناقب للخوارزمي: 144 / 166 عن حسين بن موسى عن أبيه عن آبائه عن الإمام عليّ (عليهم السلام) عنه (صلّى الله عليه وآله) نحوه، كنز العمّال: 10 / 456 / 30105 وج 11 / 623 / 33034 كلاهما نقلاً عن الديلمي عن الإمام عليّ (عليه السلام) وفيها (الحارث) بدل (الحرث)، وراجع السيرة الحلبيّة: 2 / 319.


يديه، مُقْمِحاً (1) رأسَه نحو السماء، داعياً ربّه قائلاً: (اللهمّ إنّك أخذت منّي عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أُحد، فاحفظ علَيَّ اليوم عليّاً: ( رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) ) (2) ! (3)

295 - سنن الترمذي عن أُمّ عطيّة: بعث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) جيشاً فيهم عليّ، قالت: فسمِعتُ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وهو رافع يديه يقول: اللهمّ لا تُمِتْني حتى تريني عليّاً! (4)

296 - مروج الذهب: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - بعد أنْ قُتِل جعفر بن أبي طالب الطيّار بمُؤْتة (5) من أرض الشام - لا يبعث بعليّ في وجهٍ من الوجوه إلاّ يقول: ( رَبِّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) ! (6).

13 / 11

اللهمّ بحقّ عليّ اغفر لعليّ!

297 - الإمام عليّ (عليه السلام)، في الحِكَم المنسوبة إليه: (لأقولنّ ما لم أقُلْه لأحد قبل هذا اليوم: سألته [النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) ] مرّة أنْ يدعو لي بالمغفرة، فقال: أفعلُ. ثمّ قام فصلّى،

____________________

(1) الإقْماح: رَفْعُ الرأس وغَضُّ البَصَر (النهاية: 4 / 106).

(2) الأنبياء: 89.

(3) شرح نهج البلاغة: 19 / 61، بحار الأنوار: 39 / 3.

(4) سنن الترمذي: 5 / 643 / 3737، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 609 / 1039 وص 655 / 1116، التاريخ الكبير: 8 / 20 / 149، تاريخ دمشق: 42 / 337 / 8907 و ح 8908، أُسد الغابة: 4 / 100 / 3789، المناقب للخوارزمي: 70 / 46، المناقب لابن المغازلي: 122 / 160 وفيه (وجه عليّ بن أبي طالب) بدل (عليّاً)، كنز الفوائد: 1 / 296، بشارة المصطفى: 270.

(5) مُؤْتَة: قرية من أرض البَلْقاء بطَرَف الشام الذي يَخرُج منه أهلُه إلى الحجاز، وهي قريبة من الكَرَك (المصباح المنير: 584).

(6) مروج الذهب: 2 / 434.


فلمّا رفع يده للدعاء استمعتُ عليه، فإذا هو قائل: اللهمّ بحقّ عليّ عندك اغفر لعليّ! فقلت: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: أواحدٌ أكرم منك عليه فأستشفع به إليه؟!) (1).

13 / 12

جوامع أدعية النبيّ

298 - الإمام عليّ (عليه السلام): (مرِضت مرّة مرَضاً فعادني رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فدخل علَيّ وأنا مضطجع، فأتى إلى جنبي، ثمّ سجّاني بثوبه، فلمّا رآني قد ضعفت قام إلى المسجد يصلّي، فلمّا قضى صلاته جاء فرفع الثوب عنّي، ثمّ قال: (قم يا عليّ فقد بَرِأتَ)، فقمتُ، فكأنّي ما اشتكيت قبل ذلك، فقال ما سألت ربّي شيئاً إلاّ أعطاني، وما سألت شيئاً لي إلاّ سألتُ لك مثله) (2) .

299 - عنه (عليه السلام): (وجعتُ وجعاً، فأتيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فأقامني في مكانه وقام يصلّي، وألقى عليّ طرف ثوبه، ثمّ قال: قد برِأت يا بن أبي طالب، لا بأس عليك، ما سألت الله شيئاً إلاّ سألت لك مثله، ولا سألت الله شيئاً إلاّ أعطانيه، غير أنّه قيل لي: إنّه لا نبيّ بعدك) (3) .

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: 20 / 316 / 625.

(2) تاريخ دمشق: 42 / 311 / 8859، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 262 / 146، المناقب للخوارزمي: 143 / 164، فرائد السمطين: 1 / 220 / 171 كلّها عن سليمان بن عبد الله بن الحارث عن جدّه نحوه.

(3) المعجم الأوسط: 8 / 47 / 7917، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 263 / 147 نحوه، تاريخ دمشق: 42 / 310 / 8858، المناقب لابن المغازلي: 135 / 178 نحوه وكلّها عن عبد الله بن الحارث، فرائد السمطين: 1 / 221 / 172 عن عبد الله بن الحرث، كنز العمّال: 13 / 170 / 36513، المناقب للكوفي: 1 / 517 / 445 عن عبد الله بن الحارث نحوه.


300 - عنه (عليه السلام): (دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المسجد وهو في مصلّىً له في بعض حُجَره، فقال: يا عليّ، بتّ ليلتي هذه حيث ترى أُصلّي وأسأل ربّي تعالى، فما سألت ربّي شيئاً إلاّ سألت لك مثله، وما سألت من شيء إلاّ أعطاني، إلاّ أنّه قيل لي: لا نبيّ بعدي) (1) .

301 - تاريخ دمشق عن عبد الله بن الحارث: قلت لعليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه): أخبرني بأفضل منزلتك من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال: (نعم، بينا أنا نائم عنده وهو يصلّي، فلمّا فرغ من صلاته قال: يا عليّ، ما سألتُ مِن الله عزّ وجلّ مِن الخير شيئاً إلاّ سألت لك مثله، وما استعذت الله من الشرّ إلاّ استعذت لك مثله) (2) .

302 - كتاب سُلَيم بن قيس عن المقداد: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) [لعليّ (عليه السلام) ]: (أبشِر يا أخي)! - قال ذلك وأصحابه حوله يسمعون - فقال عليّ (عليه السلام): (بشَّرك الله بخير يا رسول الله، وجعلني فداك!) قال: (إنّي لم أسأل الله شيئاً إلاّ أعطانيه، ولم أسأل لنفسي شيئاً إلاّ سألت لك مثله، إنّي دعوت الله أنْ يؤاخي بيني وبينك ففعَل، وسألته أنْ يجعلك وليّ كلّ مؤمنٍ بعدي ففعَل، وسألته إذا ألبسَني ثوب النبوّة والرسالة أنْ يلبسك ثوب الوصيّة والشجاعة ففعَل، وسألته أنْ يجعلك وصيّي ووارثي وخازن علمي ففَعل) (3) .

303 - الإمام عليّ (عليه السلام): (لمّا توفّي أبو طالب أتيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقلت: إنّ عمّك الشيخ قد مات. قال: اذهب فوارِهِ، ولا تُحدِثْ من أمره شيئاً حتى تأتيني. فوارَيته، ثمّ

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42 / 311 / 8860 عن أبان بن تغلب عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وراجع أنساب الأشراف: 2 / 357.

(2) تاريخ دمشق: 42 / 309 / 8857، ذخائر العقبى: 115، فرائد السمطين: 1 / 218 / 169.

(3) كتاب سليم بن قيس: 2 / 814 / 36.


أتيته، فقال: اذهب فاغتسل، ولا تُحدِث شيئاً حتى تأتيني. فاغتسلت ثمّ أتيته، فدعا لي بدَعوات ما يسُرُّني بهنّ حُمْرُ النَعَم (1) وسُودُها) (2) .

304 - الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا نزل قُدَيْد (3) قال لعليّ (عليه السلام): يا عليّ، إنّي سألت ربّي أنْ يوالي بيني وبينك ففعل، وسألت ربّي أنْ يؤاخي بيني وبينك ففعل، وسألت ربّي أنْ يجعلك وصيّي ففعل.

فقال رجلان من قريش: والله لَصاعٌ من تمْرٍ في شَنٍّ (4) بال أحبّ إلينا ممّا سأل محمّد ربّه! فهلاّ سأل ربّه مُلكاً يعضده على عدوّه، أو كنزاً يستغني به عن فاقته! والله ما دعاه إلى حقّ ولا باطل إلاّ أجابه إليه).

فأنزل الله سبحانه وتعالى: ( فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ) (5) (6) .

____________________

(1) حُمْر النَّعَم: الإبِل الحُمر، وهي أنفَس أموال النَعَم وأقواها وأجلدها، فجُعلت كناية عن خير الدنيا كلّه (مجمع البحرين: 1 / 453).

(2) مسند ابن حنبل: 1 / 274 / 1074 وص 220 / 807، السنن الكبرى: 1 / 455 / 1453 وليس فيه من (فواريته) إلى (تأتيني)، مسند أبي يعلى: 1 / 230 / 420 كلّها عن أبي عبد الرحمان السلمي، وراجع السنن الكبرى: 1 / 454 / 1452، والمصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 499 / 26، وخصائص أمير المؤمنين للنسائي: 264 / 148، والطبقات الكبرى: 1 / 124.

(3) قُدَيْد: اسم موضع قرب مكّة (معجم البلدان: 4 / 313).

(4) الشَنّ: الخَلَق من كلّ آنية صُنعت من جِلد (لسان العرب: 13 / 241).

(5) هود: 12.

(6) الكافي: 8 / 378 / 572 عن عمّار بن سويد، الأمالي للمفيد: 279 / 5 عن عُمَر بن يزيد، الأمالي للطوسي: 107 / 164، بشارة المصطفى: 237 كلاهما عن عمّار بن يزيد وكلّها نحوه، تفسير العيّاشي: 2 / 141 / 11 عن عمّار بن سويد وفيه (غدير) بدل (قدَيد).


305 - تاريخ دمشق عن ابن عبّاس: أخبرَتْني أسماء بنت عُميس أنّها رمَقت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلم يزل يدعو لهما خاصّة - يعني عليّاً وفاطمة - لا يُشرِكهما بدعائه أحداً (1) .

راجع: القسم التاسع / علىٌّ عن لسان النبيّ / المناقب المعدودة / سألت ربّي فيك خمس خصال

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42 / 312، المعجم الكبير: 22 / 412 / 1022 وج 24 / 135 / 362، حلية الأولياء: 2 / 75 / 158، المناقب للخوارزمي: 340 / 359.



الفصل الرابع عشر

  عروج النبيّ من صدْر الوصيّ

كانت الأيّام الأخيرة من عُمْر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أيّاماً عجيبةً، فقد كانت لعليّ (عليه السلام) أيّاماً حافلةً بالغموم، زاخرةً بالآلام، مليئة بالمتاعب والمِحَن، وكانت للسّاسة آنذاك أيّام عمَل، ومثابرة وتخطيط؛ للاستحواذ على الخلافة، وسعي لرسم السياسة القادمة، وتفكير بالغد وبما يليه...

أمَر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بتجهيز الجيش لحرب الروم، فتعبّأ الجيش وفيه وجوه بارزة، وعقَد (صلّى الله عليه وآله) اللواء بنفسه ودفَعه إلى أُسامة بن زيد. وكان صِغَر سِنّه قد شكّل ذريعةً بأيدي الساسة للاعتراض عليه؛ إخفاءً للبواعث الحقيقيّة التي كانت تدفعهم إلى التلكّؤ والتباطؤ في الحركة في وقتٍ كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على فراش المرض يُعاني من الحمّى. ولمّا علِم بتثاقلهم قام مِن فراشه، وتوجّه نحو المسجد بجِسمٍ محموم ورأسٍ معصوب، وأنبأ المسلمين بالتَبِعات الذميمة الشاذّة لفتورهم وتقاعسهم، ثمّ قال: (أنفِذوا جيش أُسامة) (1). بَيْد أنّ ساسة الدنيا حالوا دون الإنفاذ من

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 2 / 189 - 191، المغازي: 3 / 1117 - 1120، تاريخ اليعقوبي: 2 / 113، الإرشاد: 1 / 180 - 184


خلال توقّف دام أكثر من خمسة عشَر يوماً (1).

وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يطوي اللحظات الأخيرة من حياته. ووهب الإمام عليّاً (عليه السلام) دِرعه، ولواءه، وجعله وصيّه (2) ، ونقل إليه علوماً لا تُحصى عِبر نجوى طويلة (3) . وبينا كان يلفظ كلمته الأخيرة: (لا، مع الرفيق الأعلى) فاضت روحه المقدّسة الطاهرة وهو في حِجر الإمام (عليه السلام). وعرَجت تلك الروح الزكيّة المطهّرة نحو الرفيق الأعلى من صدر حبيبه ونجيّه ورفيق دربه وحاميه وحافظ سرّه والذابّ عنه بلا منازع: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) (4) .

إنّه الإمام (عليه السلام) - والغمّ متراكم جاثمٌ على صدره، والعيون عَبرى، والقلب حزين، مليء غصّةً لفقْد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - مَن يلي غُسله والملائكة أعوانه، والفضل بن عبّاس معه (5). .. ثمّ كفّنه، وكشف عن وجهه، وبينا كانت دموعه تنهمر على خدّيه، ناداه بصوت حزين وهو يغصّ في عَبْرته، والحزن يعصر قلْبه: (بأبي أنت وأُمّي، طبتَ حيّاً وميّتاً...).

وصلّى على جثمانه الطاهر، ثمّ صلّى عليه الصحابة جماعةً، جماعةً. ودفَنَه حيث فاضت روحه المقدّسة الشريفة (6) ، وعاونه على الدفْن جماعة منهم أوس

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 2 / 189 - 191، تاريخ اليعقوبي: 2 / 113 وفيه (و اعتلّ أربعة عشر يوماً).

(2) الإرشاد: 1 / 185.

(3) الإرشاد: 1 / 186.

(4) الطبقات الكبرى: 2 / 262.

(5) نهج البلاغة: الخطبة 197، الطبقات الكبرى: 2 / 263 وص 277، تاريخ الطبري: 3 / 211، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 312.

(6) الإرشاد: 1 / 187.


ابن خَوْلّى، والفضل بن عبّاس (1) .

306 - الإرشاد: كان أمير المؤمنين لا يفارقه [ (صلّى الله عليه وآله) ] إلاّ لضرورة، فقام في بعض شؤونه، فأفاق (صلّى الله عليه وآله) إفاقة فافتقد عليّاً (عليه السلام)، فقال - وأزواجه حوله: (ادعوا لي أخي وصاحبي). وعاوده الضعف فأصمَت. فقالت عائشة: ادعوا له أبا بكر، فدُعي، فدخل عليه فقعد عند رأسه، فلمّا فتح عينه نظر إليه وأعرَض عنه بوجهه، فقام أبو بكر وقال: لو كان له إليّ حاجة لأفضى بها إليّ.

فلمّا خرج أعاد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) القول ثانيةً وقال: (ادعوا لي أخي وصاحبي). فقالت حفْصة: ادعوا له عُمَر، فدُعي، فلمّا حضر رآه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فأعرض عنه، فانصرف.

ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله): (ادعوا لي أخي وصاحبي). فقالت أُمّ سلمة: ادعوا له عليّاً، فإنّه لا يريد غيره. فدُعيَ أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلمّا دنا منه أومأ إليه، فأكبّ عليه، فناجاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) طويلاً، ثمّ قام فجلس ناحيةً حتى أغفى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال له الناس: ما الذي أوعَز إليك يا أبا الحسن؟ فقال:

(علّمني ألف باب، فتح لي كلُّ باب ألفَ باب، ووصّاني بما أنا قائم به إنْ شاء الله).

ثمّ ثَقُل (صلّى الله عليه وآله) وحضره الموت وأمير المؤمنين (عليه السلام) حاضر عنده، فلمّا قَرُب خروج نفسه قال له: (ضع رأسي يا عليّ في حِجرك؛ فقد جاء أمر الله عزّ وجلّ، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك، ثمّ وجِّهني إلى القِبلة، وتولَّ أمري، وصلِّ علَيَّ أوّل الناس، ولا تفارقني حتى تواريني في رمْسي، واستعِن

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 2 / 291 وص 301، تاريخ الطبري: 3 / 213، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 314 و315، الإرشاد: 1 / 188.


بالله تعالى). فأخذ عليّ (عليه السلام) رأسه فوضعه في حِجره، فأُغمي عليه، فأكبّت فاطمة (عليها السلام) تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول:

وأبيضَ يُستسقى الغَمامُ بوجههِ

ثِمالُ (1) اليتامى عِصمةٌ للأراملِ

ففتح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عينيه، وقال بصوت ضئيل: (يا بُنيّة، هذا قول عمّك أبي طالب، لا تقوليه، ولكن قُولي: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) ) (2) . فبكت طويلاً، فأومأ إليها بالدنوّ منه، فدنَت، فأسَرّ إليها شيئاً تهلّل له وجهها.

ثمّ قضى (صلّى الله عليه وآله) ويدُ أمير المؤمنين (عليه السلام) اليمنى تحت حَنَكه (3) ، ففاضت نفسه (صلّى الله عليه وآله) فيها، فرفعَها إلى وجهه فمسحه بها، ثمّ وجّهه، وغمّضه، ومَدّ عليه إزاره، واشتغل بالنظر في أمره (4) .

307 - كنز العمّال عن حذيفة بن اليمان: دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مرضه الذي قُبض فيه، فرأيته يتسانَد إلى عليّ، فأردت أنْ أُنحّيه وأجلس مكانه، فقلت: يا أبا الحسن، ما أراك إلاّ تعبت في ليلتك هذه، فلو تنحّيتَ فَأعنتُك، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (دَعْه؛ فهو أحقّ بمكانه منك) (5) .

308 - الطبقات الكبرى عن عبد الله بن محمّد بن عُمَر بن عليّ بن أبي طالب عن

____________________

(1) الثِّمال: المَلْجأ والغِياث. وقيل: هو المُطْعِم في الشِّدّة (النهاية: 1 / 222).

(2) آل عمران: 144.

(3) الحَنَك: باطن أعلى الفم من داخل. وقيل: هو الأسفل في طرف مُقدَّم اللَّحْيَيْن من أسفلهما (لسان العرب: 10 / 416).

(4) الإرشاد: 1 / 185.

(5) كنز العمّال: 16 / 228 / 44266 نقلاً عن ابن عساكر، المناقب للكوفي: 2 / 608 / 1107 نحوه.


أبيه عن جدّه: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مرضه: ( ادعوا لي أخي). قال: فدُعيَ له عليّ.

فقال: (ادنُ منّي. فدنوت منه، فاستَنَد إليّ فلم يزَل مستنداً إليّ وإنّه ليكلّمني حتى إنّ بعض ريق النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ليصيبني، ثمّ نُزِل برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وثَقُل في حِجري، فصحتُ: يا عبّاس، أدرِكْني فإنّي هالك! فجاء العبّاس، فكان جَهدُهما جميعاً أنْ أُضجعاه) (1) .

309 - مسند ابن حنبل عن أُمّ موسى عن أُمّ سلمة: والذي أحلف به، إنْ كان عليّ لأقرب الناس عهداً برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قالت: عُدْنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غَداةً بعد غداة يقول: (جاء عليّ؟) مراراً. قالت: وأظنّه كان بعَثه في حاجة، قالت: فجاء بعدُ فظننت أنّ له إليه حاجة، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب، فكنت من أدناهم إلى الباب، فأكبّ عليه عليّ فجعل يُسارّه ويناجيه، ثمّ قُبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من يومه ذلك، فكان أقرب الناس به عهداً (2) .

310 - الإرشاد: أقبَل [ (صلّى الله عليه وآله) ] على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: (يا أخي، تقبلُ وصيَّتي وتُنجِز عِدَتي وتقضي عنّي دَيني وتقوم بأمر أهلي مِن بعدي؟) قال: (نعم يا رسول الله). فقال له: (ادنُ منّي). فدنا منه، فضمّه إليه، ثمّ نزع خاتمه من يده فقال له: (خُذ هذا فضعه في يدك). ودعا بسيفه ودرعه وجميع لاَْمَته (3) فدفع ذلك إليه،

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 2 / 263.

(2) مسند ابن حنبل: 10 / 190 / 26627، المستدرك على الصحيحين: 3 / 149 / 4671، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 686 / 1171 وفيهما (قالت فاطمة) بعد (مراراً)، المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 494 / 3، المعجم الكبير: 23 / 375 / 887 نحوه، مسند أبي يعلى: 6 / 271 / 6932، تاريخ دمشق: 42 / 394 / 9008، تاريخ أصبهان: 1 / 301 / 523، العمدة: 287 / 466، شرح الأخبار: 2 / 282 / 594 وفيهما (قالت فاطمة (عليها السلام)) بعد (مراراً).

(3) اللاَّمَة: السِلاح. ولاَمَةُ الحَرب: أداتُه (النهاية: 4 / 220).


والتمس عصابة كان يشدّها على بطنه إذا لبس سلاحه وخرج إلى الحرب، فجيء بها إليه، فدفعها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقال له: (امضِ على اسم الله إلى منزلك) (1) .

311 - الإمام عليّ (عليه السلام): (لقد قُبِض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإنّ رأسه لعلى صدري، ولقد سالت نفسه في كفّي فأمررتها على وجهي. ولقد وُلِّيتُ غُسلَه (صلّى الله عليه وآله) والملائكة أعواني، فضجّت الدار والأفنية؛ مَلأٌ يهبط، ومَلأٌ يعرج، وما فارقتْ سمعي هَيْنَمةٌ (2) منهم، يصلّون عليه حتى وارَيناه في ضريحه) (3) .

312 - الإمام زين العابدين (عليه السلام): (قُبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ورأسه في حِجر عليّ) (4) .

313 - الطبقات الكبرى عن الشعبي: توفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ورأسه في حِجر عليّ. وغسّله عليّ، والفضل محتضنه، وأُسامة يناول الفضلَ الماءَ (5) .

314 - الطبقات الكبرى عن أبي غَطَفان: سألت ابن عبّاس: أرأيتَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) توفّي ورأسه في حِجر أحد؟ قال: توفّي وهو لمستند إلى صدر عليّ. قلت: فإنّ عروة حدّثني عن عائشة أنّها قالت: توفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين سَحْرى (6) ونَحْري! فقال ابن عبّاس: أتَعقِلُ؟! والله، لتُوُفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإنّه لمستند إلى صدر عليّ،

____________________

(1) الإرشاد: 1 / 185، قصص الأنبياء: 359 / 433، إعلام الورى: 1 / 266 كلاهما نحوه.

(2) هي الكلام الخفيّ لا يُفهَم (النهاية: 5 / 290).

(3) نهج البلاغة: الخطبة 197، المناقب للكوفي: 2 / 556 / 1069 عن ابن عبّاس نحوه.

(4) الطبقات الكبرى: 2 / 263 عن محمّد بن عُمَر بن عليّ، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 224 عن أبي سلمة الهمداني وسلمان من دون إسناد إلى المعصوم وليس فيه (و رأسه)، وراجع المعجم الكبير: 12 / 110 / 12708، وفتح الباري: 8 / 139.

(5) الطبقات الكبرى: 2 / 263، فتح الباري: 8 / 139 عن ابن عبّاس نحوه.

(6) السَحْر: الرِّئَة. وقيل: السَحْر: ما لَصِقَ بالحُلْقوم من أعلى البَطْن (النهاية: 2 / 346).


وهو الذي غسّله وأخي الفضل بن عبّاس (1) .

315 - الطبقات الكبرى عن عبد الله بن الحارث: إنّ عليّاً لمّا قُبض النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قام فأرتَجَ (2) البابَ. قال: فجاء العبّاس معه بنو عبد المطّلب فقاموا على الباب، وجعل عليّ يقول: (بأبي أنت وأُمّي طِبت حيّاً وميّتاً)! قال: وسطعَت ريحٌ طيّبة لم يجدوا مثلها قطّ. قال: فقال العبّاس لعليّ: دَعْ خَنِيناً (3) كخنين المرأة وأقبِلوا على صاحبكم! فقال عليّ: (ادخلوا على الفضل). قال: وقالت الأنصار: نناشدكم الله في نصيبنا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)! فأدخَلوا رجلاً منهم يقال له أوْس بن خَوْليّ يحمل جَرّةً بإحدى يديه. قال: فغسّله عليّ يُدخل يده تحت القميص، والفضل يُمسك الثوب عليه، والأنصاري ينقل الماء، وعلى يد عليّ خرقة تَدخُل يدُه وعليه القميص (4) .

316 - الطبقات الكبرى عن عُمَر بن عليّ بن أبي طالب: لمّا وُضع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على السرير قال عليّ: (ألاّ يقوم عليه أحد لعلّه يؤمّ؟ هو إمامكم حيّاً وميّتاً!) فكان يدخل الناس رَسَلاً رَسَلاً (5) فيصلّون عليه صفّاً صفّاً، ليس لهم إمام، ويكبّرون وعليٌّ قائم بحيال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: (سلامٌ عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته! اللهمّ إنّا نشهد أنْ قد بلّغ ما أُنزل إليه، ونصح لأُمّته، وجاهد في سبيل الله، حتى

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 2 / 263، فتح الباري: 8 / 139 عن ابن عبّاس نحوه، كنز العمّال: 7 / 253 / 18791.

(2) أرْتَجَ البابَ: إذا أغلَقَهُ إغلاقاً وثيقاً (لسان العرب: 2 / 279).

(3) الخَنِين: ضَرْبٌ من البكاء دُون الانتحاب (النهاية: 2 / 85).

(4) الطبقات الكبرى: 2 / 280، وراجع السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 312، وتاريخ الطبري: 3 / 211، والكامل في التاريخ: 2 / 15.

(5) أي أفواجاً وفِرَقاً متقطِّعة، يتبع بعضهم بعضاً (النهاية: 2 / 222).


أعزّ الله دينه وتمّت كلمته! اللهمّ فاجعلنا ممّن يتّبع ما أنزل الله إليه، وثبِّتنا بعده، واجمع بيننا وبينه! فيقول الناس: آمين آمين! حتى صلّى عليه الرجال، ثمّ النساء، ثمّ الصبيان) (1) .

317 - تاريخ الطبري عن ابن إسحاق: كان الذي نزل قبرَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب والفضل بن العبّاس وقُثَم بن العبّاس وشُقران مولى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد قال أوس بن خَوليّ: أَنشُدُك الله يا عليّ وحَظّنا من رسول الله! فقال له: انزِل. فنزل مع القوم (2) .

318 - الطبقات الكبرى عن ابن جُريج عن أبي جعفر محمّد بن عليّ: غُسِّل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ثلاث غَسَلات: بماءٍ وسِدر، وغُسّل في قميص، وغُسّل مِن بئرٍ يقال لها الغَرْس لسعد بن خَيثمة بقُباء (3) ، وكان يشرب منها. ووَلِيَ عليّ غسلته، والعبّاس يصبّ الماء، والفضل محتضنه (4) .

319 - الإمام عليّ (عليه السلام) - من كلام له قاله وهو يلي غُسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتجهيزه -: (بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله! لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك، من النبوّة والإنباء وأخبار السماء. خَصَّصتَ حتى صرتَ مسلِّياً عمّن سواك، وعَمَّمتَ حتى صار الناس فيك سَواء؛ ولولا أنّك أمرتَ بالصبر ونهيتَ عن الجزَع، لأَنفدْنا

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 2 / 291، البداية والنهاية: 5 / 265، كنز العمّال: 7 / 228 / 18741.

(2) تاريخ الطبري: 3 / 213، السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 314، الكامل في التاريخ: 2 / 16، وراجع الطبقات الكبرى: 2 / 291.

(3) هي قرية على ميلَين من المدينة على يسار القاصد إلى مكّة (معجم البلدان: 4 / 302).

(4) الطبقات الكبرى: 2 / 280، البداية والنهاية: 5 / 261 نحوه.


عليك ماء الشُّؤون (1) ، ولكان الداء مُماطِلاً (2) ، والكَمَد مُحالِفاً (3) ، وقَلاّ (4) لك! ولكنّه ما لا يُملَك ردُّه، ولا يُستطاع دفعُه! بأبي أنت وأُمّي! اذكرنا عند ربّك، واجعلنا من بالِك!) (5)

راجع: القسم التاسع / علىٌّ عن لسان النبيّ / المنزلة عند النبيّ / قاضي دَيني

. عليّ عن لسان عليّ / المكانة عند رسول الله / كنت آخر الناس عهداً به

____________________

(1) الشُّؤون: عُروق الدُّموع من الرأس إلى العين (لسان العرب: 13 / 230).

(2) المَطْل: الطُّول (لسان العرب: 11 / 625).

(3) الكَمَد: الحُزْنُ الشَّديدُ لا يُستطاع إمضاؤُه. وحالَفَ فُلاناً بَثُّه وحُزْنُه: أي لازَمَهُ (تاج العروس: 5 / 226 وج 12 / 149).

(4) قَلاّ: فعل ماض متّصل بألف التثنية، أي مُماطَلة الداء ومُحالَفة الكَمَد قليلتان لك (صبحي الصالح).

(5) نهج البلاغة: الخطبة 235.


الفهرس

الإهداء 5

المدخل .7

القسم الأوّل: أُسرة الإمام عليّ .16

القِسم الثاني: الإمام عليّ مع النبيّ .17

القِسم الثالث: جهود النبيّ لقيادة الإمام عليّ .18

القِسم الرابع: الإمام عليّ بعد النبيّ .20

القِسم الخامس: سياسة الإمام عليّ .21

القِسم السادس: حروب الإمام عليّ .22

القسم السابع: أيّام التّخاذل .23

القِسم الثامن: استشهاد الإمام عليّ .26

القِسم التاسع: الآراء حول شخصيّة الإمام 27

القسم العاشر: خصائص الإمام عليّ .29

القسم الحادي عشر: علوم الإمام عليّ .30

القسم الثاني عشر: قضايا الإمام عليّ .33

القسم الثالث عشر: آيات الإمام عليّ .34

القسم الرابع عشر: حبّ الإمام عليّ .35

القِسم الخامس عشر: بُغْض الإمام عليّ .38

القسم السادس عشر: أصحاب الإمام عليّ وعمّاله 40

خصائص الموسوعة 42

غزارة المدوّنات وكثرتها عن الإمام 42

تصنيف الكتابات ..43

القسم الأوّل: أُسرة الإمام عليّ .57

الفصل الأوّل: الولادة 59

الفصل الثاني: النشأة 91


الفصل الثالث: الزواج .97

الفصل الرابع: الأولاد 115

تحقيق في نسبة (سُكَينة) إلى الإمام عليّ .137

القسم الثاني: الإمام عليّ مع النبيّ .139

الفصل الأوّل: المؤازرة على الدعوة 141

الفصل الثاني: الصعود على منكِبَيّ النبيّ لكَسْر الأصنام 151

الفصل الثالث: الإيثار الرائع ليلة المبيت ..157

الفصل الرابع: غاية الفُتوّة في غزوة بَدْر 177

الفصل الخامس: إرغام العدوّ على التسليم في غزوتَين .205

الفصل السادس: الضربة المصيريّة في غزوة الخندق .211

الفصل السابع: الشجاعة والأدب في الحديبيّة 221

الفصل الثامن: الدَور المصيري في فتْح خيبر .225

الفصل التاسع: النشاطات في فتْح مكّة 245

الفصل العاشر: المقاومة الرائعة في غزوة حُنَين .251

الفصل الحادي عشر: استخلاف النبيّ في غزوة تبوك .259

الفصل الثاني عشر: عِدّة بِعثات هامّة 265

تحقيقٌ وتحليل .273

الفصل الثالث عشر: من أدعية النبيّ للإمام 283

الفصل الرابع عشر: عروج النبيّ من صدْر الوصيّ .301