موسوعة

الإمام علي بن أبي طالب

في الكتاب والسُنَّة والتاريخ

محمد الريشهري

بمساعدة

محمد كاظم الطباطبائي - محمود الطباطبائي

المجلد الثاني




بسم الله الرحمن الرحيم


القسم الثالث

جهود النبي لقيادة الإمام علي (عليه السلام)

وفيه فصول:

المدخل: موقف النبي من مستقبل الرسالة

الفصل الأوّل: أحاديث الوصاية

الفصل الثاني: أحاديث الوراثة

الفصل الثالث: أحاديث الخلافة

الفصل الرابع: أحاديث المنزلة

الفصل الخامس: أحاديث الإمارة

الفصل السادس: أحاديث الإمامة

الفصل السابع: أحاديث الولاية

الفصل الثامن: أحاديث الهداية

الفصل التاسع: أحاديث العصمة

الفصل العاشر: حديث الغدير

الفصل الحادي عشر: غاية جهد النبي في تعيين الولي


المدخل

موقف النبي من مستقبل الرسالة

الدين الإسلامي خاتم الأديان، ورسول الله (صلَّى الله عليه وآله) خاتم النبيّين، والقرآن هو الحلقة الأخيرة في كُتب السماء؛ وبهذا فالإسلام شامل لكلّ زمان ومكان.

لقد نهض النبي (صلَّى الله عليه وآله) بحمل راية دين اكتسى لون الأبديّة، لا يتخطّاه الزمان، ولن يقوي على طيِّ سجلّ حياته وتَجاوُزه. هذا من ناحية.

ومن ناحية أُخرى يُعلمنا قانون الوجود وناموس الخليقة أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إنسان كبقيّة الناس، له حياة ظاهريّة محدودة، وهذا القرآن يُعلن صراحة أنّ الموت يُدركه كما يُدرك الآخرين: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ) (1) .

وهو (صلَّى الله عليه وآله) يضطلع برسالة إبلاغ تعاليم الدين وهدي السماء، كما يتبوّأ أيضاً مسؤوليّة قيادة المجتمع وزعامته؛ ومن ثَمّ فهو يجمع بين المرجعيّة الفكريّة للأمّة وبين القيادة السياسيّة.

____________________

(1) الزمر: 30.


وعلى هذا؛ سنكون أمام سؤال جادّ وخطير لا يمكن تخطّيه بسهولة، بالأخصّ بعد أن تحوّل إلى هاجس يُثير اهتمام أعلام المسلمين ومفكّريهم علي مرّ التاريخ، والسؤال هو: ما دامت الحياة ستنتهي بهذا القائد الربّانيّ الفذّ بعد سنوات الدعوة والجهاد إلى الموت، وما دام النبي سيرحل صوب الرفيق الأعلى ملبّياً نداء ربّه، فما الذي دبّره لمستقبل هذا الدين الباقي على مدي الزمان؟ وماذا فعل لتأمين مستقبل دعوته وضمان ديمومة رسالته؟ هل حدّد خياراً خاصّاً للمستقبل؟ أم أنّه لم يفكّر بذلك قط، وترك الأمر برمّته إلى الأمّة؟

كثرت كتابات المسلمين علماء ومحدّثين ومتكلّمين عن هذا الموضوع، وانتهوا إلى نظريّات متعدّدة (1) ، وما يُلحظ أنّ هذا الاتّجاه التنظيري سعى إلى تثبيت وقائع التاريخ الإسلامي وتحويلها إلى معيار أشادوا على أساسه أُصولاً ومرتكزات.

لكن أين تكمن الحقيقة؟! يقضي التدبّر العميق في الموضوع، ودراسة حياة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بشمول، إلى أنّ الموقف النبوي من مستقبل الرسالة لا يخرج عن أحد احتمالات ثلاث، هي:

1 - إنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) أغضى عن مستقبل الدعوة، وأهمل الأمر تماماً، من دون أن

____________________

(1) أفرز الجهد التنظيري لمتكلّمي المسلمين ومفكّريهم - وما يزال - عدداً من النظريّات حيال موضوع الإمامة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، مثل (الإجماع) و(البيعة) و(الاختيار وانتخاب الأمّة) و(الغلبة والشوكة) و(تعيين أهل الحلِّ والعقد) و(نظرية النصّ) ممّا سنأتي على استعراضه ودراسته ونقده في مدخل (الإمامة الخاصّة) من موسوعة (ميزان الحكمة).

لمزيد الاطّلاع على النظريّات المذكورة راجع: الأحكام السلطانيّة للماوردي: 15، والأحكام السلطانيّة للفرّاء: 440، ونظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي: 121، والنظام السياسي في الإسلام، رأى الشيعة، رأى السنّة، حكم الشرع: 23، والإمامة وأهل البيت: 1/50.


ينطق بشيء للأمَّة.

2 - إنّه (صلَّى الله عليه وآله) عهد بمستقبل الرسالة إلى الأمّة، وأمر جيل الصحابة أن ينهض بمهمّة تدبير أمر الدعوة من بعده.

3 - إنّه (صلَّى الله عليه وآله) ارتكز إلى مبدأ النصّ الصريح في تدبير المستقبل، والتخطيط لشؤون الرسالة، ومن ثَمّ أعلن صراحة عن الشخص الذي يتبوّأ مسؤوليّة هداية الأمّة من بعده، ويضطلع بدور قيادة المجتمع الإسلامي.

لندرس الآن هذه الفرضيّات الثلاث ونتناولها من خلال البحث والتحليل:


الفرضية الأُولى

السكوت إزاء المستقبل

تواجه هذه الفرضيّة فيضاً من الأسئلة، منها: ما الذي دعا النبي (صلَّى الله عليه وآله) إلى عدم التفكير بمشروع محدّد لمستقبل الدعوة؟ وما الذي أملى عليه السكوت عن مستقبل الأمّة؟ ثمّ ما هي طبيعة الفكر الذي يمكن أن ينبثق منه موقف مثل هذا، ويُفرِز لدى القائد مثل هذه السلبيّة؟

يمكن تأسيس هذه السلبيّة وتفسيرها كموقف نبوي مفترض، على ضوء فرضيّتين مسبقتين يستوطنان ذهن القائد ويستحوذان عليه. والآن لنستعرض المسبقتين الذهنيّتين المفترضتين، كى نتبيّن قدر منطقيّتهما، ومدي انسجامهما مع المعايير العقلانيّة:

1 - الإحساس بالأمن وانتفاء الخطر:

بمعني أنّ القائد لا يشعر بوجود أىّ خطر يدهم الأمّة، وانتفاء أىّ تيّار يكون بمقدوره أن يُزلزل إيمان الناس ويؤثّر علي قناعاتها، ومن ثَمّ فإنّ هذه الأمّة التي توشك أن ترث الرسالة الإسلاميّة، ستنجح في إيجاد مشروع لإدارة المجتمع،

11 - المجلد الثاني/القسم الثالث: جهود النبي لقيادة الإمام علىّ/المدخل: موقف النبي من مستقبل الرسالة/الفرضيّة الأُولى: السكوت إزاء المستقبل


وضمان ديمومة الرسالة.

والسؤال: هل يصحّ مثل هذا التصوّر؟

إنّ الوقائع الحقيقيّة لمجتمع الصدر الأوّل، تُسفر بوضوح عن عدم صواب هذا التصوّر، وأنّ هناك أخطاراً جذريّة جادّة كانت تتهدّد المجتمع الإسلامي آنئذٍ، وتوشك أن تعصف بكيانه، وهى:

أ: الفراغ القيادي:

لم يكن قد مرّ وقت طويل على تأسيس الأبعاد الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة للمجتمع الذي أسّسه النبي (صلَّى الله عليه وآله)، ومن ثَمّ كان النبي القائد يُمسك بنفسه أزمّة الثقافة والسياسة والقضاء في هذا المجتمع.

على صعيد آخر، حالت الحروب المتوالية وأجواء المواجهة الدائمة، دون أن يتمكّن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من تعميم ثقافة الرسالة، ونفوذ معاييرها في واقع ذلك المجتمع، وعلى مستوى جميع الأبعاد، فما أكثر مَن حمل عنوان الصحبة وهو لم يتوفّر بعدُ على تصوّر عميق ودقيق لمبادئ الدين، ولم ينطوِ على معرفة وافية بشخصيّة النبي وأبعاد الرسالة.

إنّ مجتمعاً كهذا حريٌ به أن يواجه الزلزال، ويُصبح على شفا أزمة عاصفة في اللحظة التي يختفي بها القائد، وتُحيطه أجواء محمومة يكتنفها الاضطراب من كلّ جانب، مجتمع كهذا حريٌ به أن يفقد قدرته على اتّخاذ القرار الصائب، ولا يلبث أن يقع في الشباك المترصّدة، ومن ثَمّ يصير طعمة سائغة لألاعيب الساسة وأحابيلهم.

فيا ترى، هل يمكن مع هذا الواقع المتردّي - الذي سجّل له التاريخ أمثلة


عمليّة كثيرة - أن نتصوّر الرسول القائد (صلَّى الله عليه وآله) يختار السلبيّة، ويترك مثل هذا المجتمع للمجهول، ويدع تحديد مصيره إليه، دون أن يحمل همّ المستقبل؟!

ب - عدم نضج المجتمع:

ركّزنا في نهاية النقطة السابقة على أنّ ورثة هذه الرسالة التغييريّة الشاملة لا يتمتّعون بقاعدة فكريّة وسياسيّة صلبة، تسمح لهم أن يفكّروا بالمستقبل، ويتدبّروا أمره بشكل هادئ رصين، فبقايا الجاهليّة لا تزال تملك أقداماً راسخة، ولا تزال العصبيّات القبليّة تستأثر بنفوذ كبير في وجودهم.

كما أشرنا إلى أنّهم لا يمتلكون الإدراك الكافي لمعرفة موقع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) والمكانة العليّة السامقة التي يحظى بها النبي، فهم تارة ينظرون إليه بشراً عاديّاً يتكلّم في الرضى والغضب (1) ، وأُخرى يحثّونه على التزام العدالة! وثالثة تثقل عليهم قراراته وما يأتي به - عن السماء - من أحكام حتى يستريبوا في أصل الرسالة! (2) .

فبعد هذا كلّه، هل من المنطقي أن يكلْ النبي القائد أزمّة الأمور ومستقبل الرسالة بيد مجتمع كهذا؟ ثمّ يمضي قرير العين إلى ربّه!

ج: المنافقون والتيّارات الهدّامة من الداخل:

اصطفّ كثيرون لمواجهة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ومناهضة رسالته، وهو في ذروة قوّته، وفي أثناء ممارسته لحاكميّته.

ومع أنّ هؤلاء كانوا يتظاهرون بالإيمان، إلاّ أنّهم

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 1/187/359، المصنّف لابن أبي شيبة: 6/229/4.

(2) راجع: القسم السادس/وقعة النهروان/دراسة حول المارقين وجذور انحرافهم، ولمزيد الاطّلاع على طبيعة تعامل الصحابة مع النبي (صلَّى الله عليه وآله) راجع: كتاب (النصّ والاجتهاد).


  في باطنهم كانوا يعارضون دين الحقّ، ويسعون لإطفاء أنواره بكلّ ما أوتوا من جهد وقوّة.

إنّ هذه المواجهة يمكن أن تعدّ أوسع مدي وأشدَّ وطأة من دائرة عمل المنافقين؛ فهي تتخطّاها إلى تخوم أوسع كما تشهد على ذلك وقائع التاريخ، وكما سنُشير إليه في حينه، ومن ثمَّ هل يمكن أن يكون رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد أغضى عن ذلك؟ (1) وهل يجوز أن نتصوّر أنّ هذا القائد العظيم أهمل هذا - وغيره - وترك الأمّة هملاً من دون تدبير؟!

ينبغي أن يُضاف إلى هؤلاء تلك العناصر التي كانت حديثة عهد بالإسلام، حيث لم تدخل هذا الدين إلاّ بعد فتح مكّة، فهؤلاء لم تترسّخ حقائق الدين في نفوسهم بعدُ، ولم تتمكّن من وجودهم كما ينبغي؛ ومن ثمّ فهم عرضة للتغيير مع أوّل طارئ، ويمكن أن تقذفهم الأوضاع إلى طريق آخر، كما أثبتت ذلك التيّارات التي عصفت بالحياة الإسلاميّة بعد النبي.

د: اليهود والقوي الأُخرى والأخطار الخارجيّة:

الإسلام دعوة انقلابيّة تتضمّن الهدم والبناء، فقد قوّضت حركة هذا الدين الأحابيل والخطط الشيطانيّة، شيّدت على أنقاضها بناءً جديداً.

لقد جاء النبي (صلَّى الله عليه وآله) برسالة تطمح أن تقود العالم، وتكون لها الكلمة الأخيرة في الحياة الإنسانيّة، ولمّا أدرك الأعداء هذا المعنى، دخلوا في مواجهة حامية مع الدين الجديد، سخّروا لها جميع قدراتهم، ولم يكفّوا عن مقارعته حتى الرمق الأخير، ولمّا تبيّن لهم أنّ لغة الصراع المباشر لم تعُد تُغني شيئاً، لجؤوا إلى

____________________

(1) راجع: كتاب (المواجهة مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله))، بالأخصّ الباب الثالث، حيث استعرض فيه أبعاد هذه المواجهة، وأشار إلى مصاديقها على أساس المصادر التاريخيّة القديمة.


المكيدة، وراحوا ينسجون المؤامرة تلو الأخرى مكراً بهذا الدين، وهذا واقع معروف لا يستريب به مَن له أدنى معرفة بالتاريخ الإسلامي.

أفيجوز بعد هذه المواجهات الحادّة والصراع المرير - مع اليهود والقبائل المشركة وبقيّة القوي المعادية (1) - أن يجنح بنا الخيال، فنتصوّر بأنّ هؤلاء ركنوا إلى الهدوء، وجنحوا إلى السلم، ولم يعُد لهم شأن بالإسلام ودعوته؟! وهل يصحّ لسياسيٍ فطن، ولقائد كيّس وبصير أن يُغضي عن كلّ هذا الواقع العدائي المتشابك من حول دعوته، ثمّ يمضي من دون أن يدبّر لحركته الفتيّة برنامجاً يصونها ويؤمّن لها المستقبل؟ ثمّ هل يكون رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قائداً خاض جميع هذه المواجهات، ثمّ يتصوّر أنّ أمّته امتلكت من الصلابة ما يُحصّنها من جميع هذه المكائد والأخطار، بحيث لم يعُد يخشى عليها من أحابيل هؤلاء، وإنّ مكر هؤلاء وقوّتهم قد تلاشت ولم تعُد تؤلّف خطراً ذا بال؟!

2 - السلبيّة إزاء المستقبل:

العنصر الثاني الذي يمكن أن يوجّه الفرضيّة الأُولى ويقدّم لها تفسيراً منطقياً، هي أن نفترض أنّ النبي القائد يدرك الأخطار التي تحفّ دعوته، ويتطلّع إلى أهميّة المستقبل بنحو جيّد، لكنّه مع ذلك لا يحاول تحصين الدعوة ضدّ تلك الأخطار؛ لأنّه يرى أنّ رسالته تنتهي بحياته، وهو يتحمّل مسؤوليّتها ما دام حيّاً، فإذا لم يعُد بين الناس، ولم يكن ثَمَّ خطر يتهدّد حياته، وإنّ ما يمكن أن تتعرّض له الدعوة من بعده لا يتعارض مع مصالحه الشخصيّة - وحاشاه - فلماذا يُبادر لحمايتها وتأمين مستقبلها؟ بل لِيدعها والأُمّة التي ترتبط بها بانتظار المصير

____________________

(1) راجع: كتاب (المواجهة مع رسول الله)، الباب الأوّل، الفصل الرابع والخامس.


المجهول!

أيليق هذا التصوّر بقائد واقعي، وسياسي فطن ورسالي مثابر؟! فكيف يصدَّق هذا على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ونفسُه الطهور لا تعرف الراحة في سبيل إعلاء كلمة الله، حتى تسلّيه السماء، ويأتيه النداء الربّانيّ يدعوه إلى الهدوء: ( طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) ؟ (1) .

وكيف يصدق ذلك على نبي الله، وهذه السماء تجسّم معاناته وما يبذله في سبيل هداية الناس: ( ... عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) ! (2) .

أوَ يجوز أن يُخامرنا مثل هذا التصوّر الذي يفترض السلبيّة واللا مبالاة، وقد بلغ من تفاني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وتضحيته من أجل الرسالة أنّه لم يترك تدبير أمرها إلى آخر لحظة من حياته، حيث كان ينادي بتجهيز جيش أُسامة ويحثّ عليه وهو على فراش الموت وقد ثقل عليه المرض؟!

أوَ لا تكفينا رزيّة (يوم الخميس) وقد طلب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في آخر لحظات حياته أن يأتوه بدواة وقلم كي يكتب للأمّة كتاباً لن تضلّ بعده أبداً؟! لنكفّ عن هذا التصوّر الواهي، ونعدّ ما يُزعم من سكوته عن مستقبل الأمّة جرأة على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ودعوى واهية لا تليق بمقام هذا العظيم، وحريٌّ بنا أن ننزّه ساحته عنها وعن أمثالها!

على ضوء ذلك كلّه، ليس من الممكن افتراض الموقف السلبي بحال من الأحوال.

وهكذا تسقط الفرضيّة الأُولى.

____________________

(1) طه: 1 و2.

(2) التوبة: 128.


الفرضية الثانية

إيكال المستقبل إلى الإمامة

وهي أن نؤمن بأنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) لم يعيّن للأمّة قائد المستقبل، بل عهد قيادة الرسالة والقيمومة عليها إلى الأمّة؛ لكي يحدّد الجيل الطليعي من المهاجرين والأنصار طبيعة هذا المستقبل على أساس نظام الشورى.

والسؤال: هل يمكن الإقرار بهذا التصوّر؟ وإلى أيِّ مدى يتطابق مع الحقيقة؟

هناك عدد من النقاط التي تحفّ هذه الفرضية الغريبة، يمكن الإشارة لها كما يلي:

أ: لو كان النبي (صلَّى الله عليه وآله) قد اتّخذ من مستقبل الأمّة والرسالة مثل هذا الموقف، لكان حريّاً به أن يقوم بعمليّة توعية للأمّة بطبيعة نظام الشورى وحدوده ومكوّناته وضوابطه، والسبيل إلى تطبيقه وكلّ ما يمتّ إلى الموضوع بصلة، بالأخصّ وإنّ ما يزيد في أهمّية هذه العمليّة، أنّ المجتمع لم يكن قد عرف - حتى ذلك الوقت - نظام الشورى، ولم تكن قد تمّت تجربته في بنية الحكم وهيكليّته، فهل من المنطقي أن نزعم أنّ النبي القائد (صلَّى الله عليه وآله) أحال الأمّة في خيارها المستقبلي، وطبيعة


القيادة التي تنتظرها، إلى أُسلوب غائم غير واضح، وغير محدّد المعالم والتفاصيل؟!

على أنّ الذي يدحض هذا التصوّر ويستبعده تماماً، هو موقف التيّار الذي طالب بالخلافة، ثمّ تبوّأ مقعدها؛ فكلّ الأرقام والشواهد في حياة هؤلاء تدلّ بصورة لا تقبل الشكّ أنّ أيَّ واحد من هؤلاء لم يستند إلى الشورى كميراث نبوي، ولم يستدلّ على صحّة موقفة بأنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) هو الذي اختار نظام الشورى للأمّة من بعده، وليس في حياتهم ما يُنبئ عن إيمانهم بالشورى وممارستهم لهما عمليّاً، فأبو بكر اتَّجه إلى (النصب) في تعيين البديل الذي يخلفه، أمّا عمر بن الخطّاب فلم يلجأ إلى خيار الشورى السداسيّة إلاّ بعد أن دفعته الضرورة لذلك؛ حيث لم يرَ البديل المناسب، وفى ذلك يقول وهو على فراش الموت: (لو أدركني أحد رجلين لجعلت هذا الأمر إليه ولوثقت به، سالم مولى أبي حذيفة، وأبي عبيدة بن الجرّاح (1) ، ولو كان سالم حيّاً ما جعلتها شورى) (2) .

بهذا يتّضح أنّ هذه النظريّة لا تمتّ إلى واقع النبي (صلَّى الله عليه وآله) بصلة، بل هي ممّا أُنتج بعد ذلك بزمن، وتمّ صياغتها بمرور الوقت لتبرير ما وقع في صدر التاريخ الإسلامي وتصويبه، ومن ثمَّ فهي أقرب إلى تنظير ما بعد الوقوع (3) .

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 3/343.

(2) أُسد الغابة: 2/383/1892.

(3) هنا تكمن ورطة الباحثين الإسلاميّين الذين كتبوا في نظام الحكم، فبعد أن نفى هؤلاء النصّ بعد النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وجنحوا إلى نظام الشورى الذي يعتقدون به، وعجزوا عن الاستناد إلى نصوص نبويّة تؤيّد اختيارهم النظري، راحوا يستشهدون بأمور لا تمتّ إلى هذه الرؤية بصلة قط.

راجع علي سبيل المثال: كتاب (النظريّات السياسيّة الإسلاميّة)، و(فقه الشورى والاستشارة)، و(الشورى وأثرها في الديمقراطيّة).


ب: لو أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) قد فكّر بطرح الشورى كخيار للمستقبل، ولو أنّه أراد إسناد المرجعيّة الفكريّة للرسالة والقيادة السياسيّة للأمّة إلى جيل الصحابة، لتحتّم أن يعبّئ هذا الجيل تعبئة فكريّة ورساليّة مكثّفة لكي يعدّه للمهمّة التي تنتظره، بالأخصّ إذا لاحظنا أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) كان قد بشّر بسقوط تيجان كسرى وقيصر، وانهيار الإمبراطوريّتين (الفارسيّة والروميّة)، وأنّ رسالته ستمتدّ في الزمان والمكان من دون أن تعرف الحواجز والحدود.

فهل كان الصحابة على مستوى من الدراية والعلم يؤهّلهم للنهوض بهذه المسؤوليّة الكبيرة؟

ما هي الحقيقة؟ وهل يمكن أن نتصوّر الصحابة على مستوى النهوض بهذه المسؤوليّة؟ هذا سؤال خطير لاحَ لكثيرين، ولا يمكن تجاوزه ببساطة؛ لأنّ الإغضاء عنه ينمّ عن ضرب من السذاجة واللا مبالاة في الأصول العقيديّة.

لقد كان الباحث مروان خليفات وواحداً من الذين لاحَ لهم هذا السؤال، فدفعه إلى البحث والتأمّل، ثمّ أثمرت جولته التي دفعته إلى النصوص الحديثيّة والتاريخيّة، وأسفرت عن نتيجة مهمّة جدّاً جديرة بالقراءة؛ حيث خصّص لها الفصل الثالث من الباب الثاني من كتابه.

وهذه خلاصة مكثّفة لما انتهي إليه:

* الصحابة يُقلّون السؤال ولا يروون إلاّ قليلاً ممّا سمعوه:

* وقد بذلوا جهدهم في منع تدوين الحديث، والحؤول دون انتشاره، بالإضافة إلى أنّهم لم يتلقّوا من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلاّ حقائق قليلة، لانشغالاتهم الكثيرة؛ حيث صرحوا بأنفسهم أنّه كان يلهيهم الصفق بالأسواق وغيره من الأشغال، ويحول بينهم وبين حقائق السنّة (1) .

____________________

(1) صحيح البخاري: 6/2676/6920.


* من النتائج التي خرج بها البحث أنّ الصحابة كانوا كثيراً ما يُخطئون في النقل؛ فهم تارة ينقلون شطراً من الحديث، وتارة يأخذون الحديث عن مخبر وينسبونه إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وثالثة ينسَون ما سمعوه، وقد صرّحوا بذلك، ورابعة يُخطئون في الجواب، ثمّ يرجعون إلى الحقّ بتذكير الآخرين وهكذا.

كما انتهى حال الصحابة إلى أنّ مِن بينهم منافقين، كما هو عليه صريح القرآن، ومنهم مَن ارتدّ على عقبيه، ومنهم مَن يُساق إلى النار، كما جاء في صريح الصحيحين، عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).

أوَ بعد هذا يقال: إنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) قد أسند المرجعيّة الفكريّة والقيادة السياسيّة إلى هذا الجيل، وجعله القيّم على رسالته، والمؤتمن على الكتاب؟! (1) .

على ضوء هذا كلّه؛ لا ينبغي أن نتردّد لحظة في أنّ أطروحة إيكال أمر المستقبل إلى الأمّة أو نُخبها، وقصّة إسناد المرجعيّة الفكريّة والسياسيّة إلى الصحابة، لهي أطروحة نشأت بمرور الزمن؛ لتصويب الوقائع المُرّة التي عصفت بالحياة الإسلاميّة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وليس لها منشأ قط أو أساس يدلّ عليها في نصوص رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وحياته.

وبهذا تسقط الفرضيّة الثانية.

____________________

(1) راجع: وركبت السفينة: 189 - 236.


الفرضية الثالثة

تحديد المستقبل والنص على الخلافة

هي أن نؤمن بأنَّ رسول الله اتّخذ موقفاً إيجابيّاً من مستقبل الرسالة، وعاش قضيّة هذا المستقبل بمسؤوليّة كبيرة، بحيث اختار مَن يخلفه في القيمومة على الرسالة وخلافة الأمّة. وما واقعة الغدير وما جرى فيها، ونصوص تلك الخطبة العصماء التي ألقاها بها النبي على جموع المسلمين، إلاّ تصريحاً وتأكيداً لما كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد أعلنه قبل ذلك مرّات، من ولاية علىّ بن أبي طالب (عليه السلام) وإمامة هذا المجاهد العظيم (1) .

لقد اختاره النبي منذ أيّام حياته الأُولى، فنشأ في كنف رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وتربَّى في حجره وتحت رعايته دون أن يدنّس الشركُ لحظةً من حياته الطاهرة.

على أنّه ليس أدلّ على هذه النشأة النظيفة من كلام عليٍّ (عليه السلام) نفسه، وهو يقول:

(وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخَصِيصة.

____________________

(1) اقتبسنا أنوار هذا التحليل العقلي من الكتاب القيّم (نشأة التشيّع والشيعة): 23 - 56 للمفكّر الفقيه آية الله العظمي الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر، مع إيضاحات كثيرة منّا، وعزو النقولات إلى مصادرها.


وضعني في حجره وأنا ولد، يضمُّني إلى صدره، ويَكنِفُني في فراشه، ويُمِسُّني جسده، ويُشِمُّني عَرْفَه. وكان يمضغ الشيء ثمّ يُلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل، ولقد قرن الله به (صلَّى الله عليه وآله) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلُك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره.

ولقد كنت اتَّبعه اتّباع الفصيل أثر أُمِّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَماً، ويأمرني بالاقتداء به.

ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحِراءَ، فأراه ولا يراه غيري، ولم يَجْمَع بيتٌ واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما؛ أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة.

ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صلَّى الله عليه وآله)، فقلت: يا رسول الله، ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيِس من عبادته، إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبيٍّ، ولكنّك لوزير، وإنّك لعلى خير) (1) .

إنّ الأحاديث النبويّة التي تصرّح بإمامة علي بن أبي طالب وولايته، هي من الشمول والكثرة بحيث لا تدع مجالاً للاسترابة والشكّ. فنبي الله لم يصدع بـ (حقّ الخلافة) للإمام ولـ (خلافة الحقّ) هذه مرّة واحدة أو مرّتين، بل فعل ذلك عشرات المرّات بالإشارة وبالصراحة، وحدّد مشروعاً واضحاً لمستقبل الأمّة وغَدِ الرسالة، على مرأى من المسلمين جميعاً.

لقد امتدّت عمليّة إعلان هذا الحقّ العلوي والإجهار به ونشره إلى أبعد مدى، لتستوعب من حياة النبي جميع سنيِّ عمره في تبليغ الرسالة، حتى بلغت في واقعة الغدير ذروتها القصوى، واستقرّت على قمّتها الشاهقة.

____________________

(1) راجع: القسم التاسع/عليٌّ عن لسان عليٍّ/المكانة عند رسول الله/القرابة القريبة.


إنّ مَن يتأمّل هذه المواضع بأجمعها (ممّا سيأتي توثيقه في هذا الفصل كاملاً) لا يستريب لحظة في أنّ إمامة الأمّة وقيادة المستقبل، لهي في طليعة شواغل النبي الأقدس (صلَّى الله عليه وآله)، وهي بنظره المهمّة الأُولى التي لا تتقدّمها مهمّة.

لهذا ما وجد فرصة مواتية إلاّ وأعلن فيها هذه الحقيقة، وما وجد موضعاً مناسباً إلاّ وأفاد منه في إبلاغ هذا الأمر الإلهي.

لقد استندنا في هذا الفصل على وثائق ومدوّنات ونصوص كثيرة تعود إلى كتب الفريقين في الحديث والتاريخ والتفسير.

ثمّ سنبدأ البحث التحليلي في هذا المدخل منذ بدايات الرسالة، وأوائل أيّام رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، حتى نبلغ به يوم الغدير كما سلفت الإشارة إلى ذلك.

وعند الغدير سنعيد عرض مكوّنات المشهد مجدّداً، ونمارس العرض والتحليل على ضوء معطيات الرواية والدراية معاً.

هذه لمحة موجزة عن خطّة العمل، ودونكم التفاصيل في بيان أهمّ مساعي النبي لقيادة الإمام علىّ (عليه السلام):


أهمُّ جهود النبي

(1)

حديث يوم الإنذار

نزل أمر السماء إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، يأمره أن يدعو عشيرته إلى الإسلام ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) (1) ، فدعا النبي عشيرته، ولمّا اجتمعوا عند رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، راح يعدّهم لتلقِّي ما دعاهم إليه، وبعد مقدّمات أبلغهم دعوته، ثمّ انعطف يقول: (فأيّكم يوآزرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيِّي وخليفتي فيكم)، وفى بعض النصوص التاريخيّة: (خليفتي من بعدي).

لم يلبِّ للنبي (صلَّى الله عليه وآله) دعوته من الحاضرين غير علي بن أبي طالب، الذي وثب من بين الجمع مجيباً النبي، فما كان من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بعد أن سمع جواب عليٍّ، إلاّ أن قال - على مسمع من الملأ -: (إنّ هذا أخي ووصيِّي وخليفتي فيكم؛ فاسمعوا له وأطيعوا).

وهكذا أعلن النبي ولاية عليّ بن أبي طالب وإمامته، والدعوة لم تزل في أوّل يوم من أيّام مرحلتها العلنيّة.

  لقد فَهِم الحاضرون في ذلك اليوم مغزى هذه الرسالة بوضوح، وأدركوا تماماً من كلام النبي (صلَّى الله عليه وآله) إمامة عليٍّ ولزوم طاعته، لذلك انبرى بعضهم مخاطباً أبا طالب: (قد أمرك أن تسمع لابنك وتُطيع!) (2)، بيد

____________________

(1) الشعراء: 214.

(2) راجع: القسم الثاني/المؤازرة على الدعوة.

ولمزيد الاطّلاع على تفاصيل واقعة يوم الإنذار أو يوم الدار في المصادر التاريخيّة، راجع: تاريخ الطبري: 2/319 والصحيح من سيرة النبي: 3/61 حيث رصد عدداً كبيراً من مصادر هذه الواقعة.


أنّهم عتَوا واستكبروا وأخذتهم العزّة بالإثم، فأنِفوا أن يستجيبوا للحقّ، وأن يُذعنوا إليه.

لقد دأبنا في صفحات هذه (الموسوعة) على ذكر الحديث بطرق مختلفة ونقولٍ متعدّدة، بحيث لا تُبقي مجالاً للشكّ. ونعطف على ذلك شهادة أبي جعفر الإسكافي المعتزلي الذي عدَّ الحديث صحيحاً (1) ، كما ذهب إلى الشيء ذاته علماء آخرون، منهم شهاب الدين الخفاجي في (شرح الشفا للقاضي عياض) (2) ، والمتَّقي الهندي، الذي ذكر تصحيح ابن جرير الطبري للحديث (3) ، وإضافة إلى ذلك ثَمّ آخرون أكّدوا على صحّة حديث الإنذار يوم الدار (4) .

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: 13/244؛ الغدير: 2/279.

(2) نسيم الرياض في شرح الشفاء: 3/35.

(3) كنز العمّال: 13/128/36408.

(4) راجع: كتاب (حديث الإنذار يوم الدار) ورسالة الثقلين/العدد 22 ص 111.


(2)

أحاديث الوصاية

تهدف الوصاية إلى الحفاظ على الدين وديمومة النهج والطريق، وهي بهذا اللحاظ سيرة مضى عليها جميع رسل السماء.

وفي إطار إشارته إلى هذه الحقيقة في مواضع متعدّدة ومناسبات مختلفة، سجّل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) موقعه في الوصاية، فكان ممّا قال: (إنّ لكلّ نبيٍّ وصيّاً ووارثاً، وإنّ عليّاً وصيِّي ووارثي) (1) .

لقد بلغت أحاديث رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حيال علي (عليه السلام) في هذا المعنى حدّاً من الكثرة بحيث أمسى لفظ (الوصيِّ) نعتاً للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وصفة يُعرف بها دون لبس أو غموض.

وعندما كان يُطلق مصطلح (الوصي) في الأحاديث والكلام والأشعار كانت الغالبيّة من مسلمي صدر الإسلام تفهم منه دلالته على الإمام علي (عليه السلام) من دون تردّد؛ ومن ثَمّ دلالته بالضرورة على الخلافة والإمامة (2) .

ثمّ جاء الدور لبني أميّة، الذي يبدو أنّهم بذلوا جهوداً كبيرة علَّهم يطمسون هذا العنوان الوضيء ويُزيلونه عن الإمام، ويُباعدون بينه وبينه، فكم بذلوا في سبيل هذا الغرض المنحطّ! وكم وضعوا من الأحاديث (3) ، لكن أنَّى للحقّ أن يُقهر بحراب أهل الباطل!

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/392/9005. راجع: أحاديث الوصاية.

(2) راجع: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: 16/19 ومعالم المدرستين: 1/289 فما بعد، وهو بحث جدير بالقراءة.

(3) لمزيد الاطّلاع على هذا الاتّجاه ونشاطاته وأفعاله راجع: معالم المدرستين: 1/483.


(3)

أحاديث الوراثة

ألِفَ الذهن الإنساني على الدوام عناوين (الإرث) و(الميراث) و(الوراثة)، بحيث استوعبت هذه الحقيقة الأمور الماديّة والمعنويّة، والناس تُظهر دهشتها - في العادة - لإنسان يسكت عن كيفيّة التصرّف بتركته من بعده، وما يتركه الناس يتمثّل تارة بالأمور المادّية وأُخرى بالأمور والمواريث المعنويّة.

لقد جرت سنّة الإرث، وتواضع الطبع الإنساني في هذا المجال على وجود الوارث والمؤتمن، من دون أن يُنكر ذلك أحد، بل التقى الناس على امتداح هذه السنّة، مهما كانت انتماءاتهم الحضاريّة والثقافيّة والفكريّة.

فتعالوا الآن لننظر ماذا فعل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بميراثه العظيم، وهو خاتم النبيّين، وحامل آخر رسالات السماء، ومبلّغ دين أبدي يترامى امتداداً فوق حدود المكان والزمان، إلامَ عَهِد بأمر هذا الدين من بعده؟ هل أوصى الله سبحانه رسوله الكريم أن يعهد بالأمر إلى شخص محدّد؟

إنّ أخبار (الوراثة) ونصوصها هي جواب جليّ على هذا السؤال المهمّ؛ فقد راح رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يُخبر تارة بأنّ اختيار الوارث هي سنّة جرى عليها جميع النبيّين قبله؛ ومن ثَمّ يتحتّم عليه بوصفه خاتم المرسلين والحلقة الأخيرة في نبوّات السماء، أن يختار وارثه، كما تحدّث أُخرى وبصراحة على أنّ وراثته تكمن بالإمامة والعلم.

وهذا الموقع هو ما أكّد عليه الصحابة أيضاً منذ ذلك العصر؛ حيث صاروا


يُظهرون كلام رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وتصريحه بهذه الحقيقة، في مناسبات ومواضع ومناسبات مختلفة، كما كانوا أحياناً يُشيرون في كلامهم إلى عليّ بن أبى طالب بموقع الوراثة ومقام الوارث، من ذلك: سأل عبد الرحمن بن خالد قثم بن العبّاس: من أين ورث عليّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ قال: إنّه كان أوّلنا به لحوقاً، وأشدّنا به لزوقاً.

لقد ضمّ فصل (أحاديث الوراثة) النصوص الروائيّة والتاريخيّة، التي تُفصح عن هذه الحقيقة من كتب الفريقين، وهي تُشير إلى الكلمات النبويّة التي ذكر فيها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) صراحة أنَّ عليّاً وارثه، وارث علمه وخزانته ومكنون معرفته؛ ومن ثَمّ فهو بالضرورة إمام الأمّة ورمز مرجعيّتها الفكريّة والسياسيّة (1) .

____________________

(1) راجع: أحاديث الوراثة.


(4)

أحاديث الخلافة

(الخلافة) هي أيضاً تعبير قرآني ومصطلح ديني، يُشير بوضوح إلى الاستخلاف في الأبعاد المختلفة، إلاّ إذا استثني بُعدٌ.

وهذا ما يفسّر لنا الجهود الحثيثة التي بذلها الذين أمسكوا بأزمّة أُمور المسلمين بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وما بذلوه من مساع جبّارة كي يلبسوا هذا الرداء، موه على قاماتهم.

كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد صرّح بخلافة عليّ بن أبى طالب منذ الأيّام الأُولى لإعلان دعوته وإجهاره برسالة السماء، هذا التصريح الذي يمكن تلمّسه في أحاديث كثيرة قالها النبي في مواضع متعدّدة، ومواقع مختلفة، وهي تُشير إلى حدود هذه الخلافة.

وهذا الجهد النبوي يكشف عن مدى عناية رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بمستقبل الأمّة، واهتمامه الكبير بمصير الرسالة من بعده.


(5)

أحاديث المنزلة

من بين أعظم الصفات التي نَحَل بها النبي (صلَّى الله عليه وآله) عليّ بن أبى طالب (عليه السلام)، ومن أكثر العناوين النبويّة ألَقاً - ممّا أطلقه النبي على الإمام أمير المؤمنين - هو عنوان (المنزلة)، حيث ساوى النبي عليّاً بنفسه، ووصفه أنّه مثله في القيادة، هذه المجموعة من الأحاديث النبويّة تشتهر بين العلماء والمحدّثين بأحاديث المنزلة، وذلك انسجاماً مع صريح ما يقضي به الكلام النبوي في هذا المضمار.

لقد عبّر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عن هذا الموقع الرفيع الذي يحظى به الإمام أمير المؤمنين بصيغ متعدّدة، مثل قوله: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبي بعدي)، كما صدع بهذه الحقيقة وأعلنها على المسلمين مرّات ومرّات؛ ليكون بذلك قد أوضح للجميع - وللتاريخ أيضاً - مساواة عليّ ومماثلته له في القيادة، وكان من بين المواضع التي أعلن فيها النبي هذا الكلام المعجز حول عليّ، غزوة تبوك.

ففي ظلّ أوضاع صعبة ومُضنية جهّز النبي جيشاً كبيراً، ثمّ خرج من المدينة قاصداً أن يقاتل به الروم.

لقد كانت تبوك هي أقصى نقطة قصدها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حروبه، وأبعدها عن المدينة جغرافيّاً، وفي المدينة حيث كان يعيش النبي، استطاع النفاق أن يتبلور آنئذ في إطار حركة منظّمة، راحت تترصّد الوضع بصدور موبوءة بالحقد والضغينة، وتخطّط بخفاء كي تنقضّ على المجتمع الإسلامي الفتي بضربة قاصمة.

لقد غادر النبي المدينة في سفر طويل، وهو يتوجّس خيفة من فتن المنافقين وكيد الحاقدين، فماذا يفعل؟ وكيف يؤمّن وضع المدينة ويطمئنَّ عليها؟ اختار (صلَّى الله عليه وآله) أن يُبقي عليّاً في المدينة، يخلِّفه في أهله، ويصون له دار هجرته ومَن


بقي من قومه. هكذا مضي الأمر.

وعندما رأى المنافقون والذين في قلوبهم مرض، أنّ خطّتهم تلاشت بوجود عليّ كما تتلاشي خيوط العنكبوت، وأحلامهم ضاعت ببقاء الإمام أمير المؤمنين في المدينة، راحوا يُرجفون بأنّ النبي ما ترك عليّاً في المدينة إلاّ لموجدة عليه، وأنّه لو كان له به غرض لما خلَّفه على النساء والصبيان!

راحت شائعات حركة النفاق تزحم أجواء المدينة، وصارت أراجيفهم تُحاصر عليّ بن أبى طالب - ليث الوغى وفارس ساحات الجهاد - وتنهال عليه من كلّ حدب وصوب، فماذا هو فاعل أمير المؤمنين؟

سرعان ما لحق برسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وقصّ عليه أراجيف المنافقين، فما كان من النبي الأقدس إلاّ أن تحدّث إلى عليّ بما يكشف عن حظوة كبيرة عند النبي، ومكانة لا تُدانيها مكانة أحد من العالمين، فقال له بفيض حنان: (ارجع يا أخي إلى مكانك؛ فإنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك؛ فأنت خليفتي في أهلي ودار هجرتي وقوتي، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدى؟!).

بصراحة لا يشوبها لبس، سجّل النبي (صلَّى الله عليه وآله) لعلي بن أبى طالب (عليه السلام) جميع ما له من مناصب ومواقع ومسؤوليّات ما خلا النبوّة، وأوضح دون أدنى شائبة أنّ الإمام أمير المؤمنين هو الذي يجسّد عمليّاً ديمومة الخطّ النبوي، وينهض بمسؤوليّات النبي عند غيابه، في زعامة الأمّة وقيادتها، وممارسة المرجعيّة الفكريّة والعلميّة للرسالة الإسلاميّة.

تسجّل بعض النصوص التاريخيّة أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) خاطب عليّاً بهذه الجملة صراحة: (إنّه لابدّ من إمام وأمير؛ فأنا الإمام، وأنت الأمير) (1) .

____________________

(1) راجع: أحاديث المنزلة.


(6)

أحاديث الإمارة

حثّ القرآن جميع المؤمنين ودعاهم بصراحة تامّة إلى إطاعة (أُولي الأمر) (1) ؛ حيث جعل إطاعة هؤلاء واتّباعهم رديفاً لإطاعة الله وإطاعة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).

والسؤال: مَن هم مصداق (أُولي الأمر)؟ أفيجوز أن نعدّ الطغاة والجبّارين المحترفين - الذين يتسنّمون السلطة متّخذين جماجم الأبرياء سلّماً يرقون به إلى مسند العرش - مصداقاً لأُولي الأمر؟ أبداً لا يجوز هذا!

فلا ريب أنّ مصداق (أُولي الأمر) ينطبق على أُولئك الذين يعيشون حياتهم على نهج نبوي وضّاء، ويبذلون وجودهم لله، وفي سبيل الله، ويُفنون أعمارهم من أجل إعلاء كلمة الحقّ، وبسط العدالة في ربوع الحياة، وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب يتبوّأ من هذا العنوان ذروته العليا، ويقف على أقصى نقطة من قمّته الشاهقة، كما تُفصح عن ذلك الكثير من الأحاديث النبويّة؛ تلك النصوص الوضّاءة الموحية، التي تبعث على الدهشة والجلال.

دعونا نتخطَّى ذلك إلى ما هو أبعد منه مدى وأعمق أثراً، فهذا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) اختصّ عليّ بن أبى طالب وحده بلقب (أمير المؤمنين)؛ فلا يحقّ هذا اللقب لأحد غيره قط، كما نصّ على ذلك صراحة النهي النبوي.

ولدينا فيض من النصوص التي تتحدّث عن هذا المعني، وهي من الكثرة بحيث صنّف من بعضها السيّد الأجلّ، قدوة السالكين، وأُسوة العابدين وجمال

____________________

(1) إشارة إلى الآية 59 من سورة النساء.


العارفين رضي الدين عليّ بن طاووس الحلِّي كتاباً أطلق عليه عنوان: (اليقين باختصاص مولانا علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين)، والملاحظ أنّ هذه الأحاديث النبويّة تذكر الإمام عليّ بلقب (أمير المؤمنين) مرّة، ولقب (أمير البررة) ثانية، و(أمير كلّ مؤمن بعد وفاتي) ثالثة (1) .

وهذا الإمام الحسن (عليه السلام) يشرط على معاوية في معاهدة الصلح، أن لا يتسمّى بـ (أمير المؤمنين) ولا يُطلق على نفسه هذا اللقب (2) .

____________________

(1) راجع: أحاديث الإمارة، وكتاب (اليقين باختصاص مولانا علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين).

(2) علل الشرائع: 212/2.


(7)

أحاديث الإمامة

(الإمام) في المعني اللغوي هو المتقدّم، والمقتدى به، وقائد القوم، ورئيس القبيلة (1) ، وهو في الثقافة القرآنيّة والدينيّة - دون شكّ - قائد الأمّة في مختلف الأبعاد، وزعيم الأمّة في إدارة أُمور المجتمع.

هذه الحقيقة يمكن تلمّسها في الرسالتين المتبادلتين بين الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعاوية.

لقد تحدّث الإمام في إطار رسالة مطوّلة عن موقعه وموقع أهل البيت (عليهم السلام)، وذكّر بوصايته عن النبي، وخلافته لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فما كان من معاوية إلاّ أن قال في الجواب نصّاً: (ألا وإنّما كان محمّد رسول الله من الرسل إلى الناس كافّة، فبلّغ رسالات ربّه، لا يملك شيئاً غيره!) ، وهذا النصّ يحصر وظيفة النبي بالتبليغ فقط، فهو مبلّغ رسالة لا أكثر، وليس بإمام، ولا زعيم، ولا قائد، ولا رجل سياسة، ولا أيّ شيء آخر.

فردّ الإمام عليّ (عليه السلام) على كلام معاوية، الذي أنكر فيه بقية شؤون النبي، وفي الطليعة شأنه كإمام؛ ردَّ عليه بصراحة مسفرة، وهو يكتب: (والذي أنكرت من إمامة محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، زعمت أنّه كان رسولاً ولم يكن إماماً، فإنّ إنكارك على جميع النبيّين الأئمّة، ولكنّا نشهد أنّه كان رسولاً نبيّاً إماماً) (2) .

يُسفر هذا الحوار المتبادل في الرسالتين عن موقع الإمامة في الفكر

____________________

(1) العين: 8/428.

(2) الغارات: 1/203.


الإسلامي، وهو إلى ذلك يكشف عن الأسباب الكامنة من وراء عداء بني أميّة لهذا العنوان.

على ضوء هذا التوضيح، يمكن أن نُدرك الآن عمق الأخبار والأحاديث الكثيرة التي أكّد فيها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) على إمامة عليّ بن أبى طالب (عليه السلام)، من بينها قوله: (يا عليّ، أنت وصيِّي وخليفتي وإمام أمّتى بعدي)، أو قوله: (أنت إمام كلّ مؤمن ومؤمنة، ووليُّ كلّ مؤمن ومؤمنة بعدي) (1) وغير ذلك من النصوص التي جاءت تأكيداً وإلفاتاً لديمومة الإمامة في وجود عليّ بن أبى طالب.

____________________

(1) راجع: أحاديث الإمامة.


(8)

أحاديث الولاية

من العناوين البارزة التي جاءت بها الروايات، وأكّدتها أيضاً آيات، تفسّرها أحاديث حيال عليّ بن أبى طالب (عليه السلام)، هو عنوان (الولي).

لا جدال في أنّ استعمال مادة (و ل ي) بمعنى القيّم، والقائد، والزعيم، والأولى بالتصرّف، والأحقّ بالقيمومة والأمر؛ هو أمر شائع الاستعمال في الأدب العربي، كما سنُشير إلى ذلك أثناء دراسة حديث الغدير وتحليله.

إنّ النصوص التي تضمّنت إطلاق رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عنوان (الولي) و(الولاية) على عليّ بن أبى طالب، لهي كثيرة في الحديث والأخبار النبويّة، فلطالما أشار النبي إلى عليّ بهذا الوصف الجليل في مواضع كثيرة، وما أكثر المواقع التي عرض بها هذا العنوان المثير للانتباه.

فخطاب النبي بهذه الصيغة: (يا عليّ، أنت ولي الناس بعدي؛ فمَن أطاعك فقد أطاعني، ومَن عصاك فقد عصاني) (1) تردّد كثيراً، بحيث امتلأت منه مصادر أهل السنّة ومدوّناتهم الحديثيّة، وقد أوردنا شطراً مهمّاً منها في ظلّ عنوان (أحاديث الولاية) (2) .

إنّ هذه الأحاديث - بالأخصّ حين تأتي بقيد (من بعدي) - لا تدع مجالاً للشكّ في أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد حدّد من خلال ذلك طبيعة المسار السياسي الذي يخلفه، وأومأ بوضوح إلى القيادة السياسيّة التي تتسنّم الأمور من بعده.

____________________

(1) الأمالي للمفيد: 113/5.

(2) راجع: أحاديث الولاية.


تجلّي الولاية في القرآن:

لم يقتصر وصف (الولي) و(الولاية) لعلي في الحديث النبوي وحده، بل امتدّ إلى آي القرآن الكريم، كما دلّلت على ذلك روايات كثيرة، ومن بين هذه الآيات قوله سبحانه: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (1) ؛ إذ ليس ثَمَّ شكّ في شأن نزول هذه الآية وانطباقها على الإمام علي (عليه السلام) في إطار الواقعة المعروفة؛ حيث دخل سائلٌ المسجد، فأومأ إليه الإمام بإصبعه، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره وانصرف.

لقد وثّق هذه الواقعة عدد كبير من المحدّثين والمفسّرين، وذكروا صراحة أنّ الآية نزلت بشأن علي (عليه السلام) (2) .

لكن يبدو أنّ بعض المفسّرين لم يرُق لهم أن يُسفر الحقّ ويرمي بضيائه على الأُفق، فلاذوا بشُبَه راحوا يُثيرونها، وجنحوا إلى تسويفات واهية علّهم يقلبوا الحقيقة، ويكفئوا الحقّ على وجهه؛ فقالوا - مثلاً -: إنّ (الَّذِينَ) جمع، فكيف ينطبق على علي (عليه السلام) وهو واحد؟!

لقد نسوا - وربّما تناسوا - أنّ هذا مألوف، واستعماله شائع في الأدب العربي، كما كثُر في القرآن؛ إذ يجيء الخطاب للجماعة مع أنّ المراد واحد بهدف التكريم أو أيّ باعث آخر، كمثل قوله سبحانه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ ) (3) ؛ فلا جدال أنَّ الآية نزلت في حاطب بن أبى بلتعة

____________________

(1) المائدة: 55.

(2) راجع: أحاديث الولاية/ولاية علي ولاية الله والرسول.

(3) الممتحنة: 1.


بعدما بعث كتاباً إلى قريش، كما ذكر ذلك المفسّرون (1) .

كذلك قوله سبحانه: ( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ... ) (2) ، حيث قصدت الآية عبد الله بن أُبيّ، كما أجمع المفسّرون على ذلك في شأن النزول (3) .

على هذا؛ يتّضح أنّ إيرادات هذا البعض من المفسّرين لم تأتِ بباعث البحث الناشئ عن الشكّ في فضيلة عظيمة كهذه.

على أنّ أمثال هذه المواقف كثير وليس بعزيز.

ثمّ إنّ الآية تحصر (الولاية) من دون لبس بـ (الله)، و(الرسول) و(علي).

ومن الجليِّ أنّه لو كان معنى الولاية في الآية هو (النصرة) أو (المحبّة) فلا معنى للتخصيص، ولن يكون هناك ما يسوّغ الحصر (4) .

لقد قصدنا في هذا المدخل أنَّ نتابع تلك الجهود الحثيثة التي بذلها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لتعيين الإمامة من بعده، وتحديد الهادي الذي يأخذ بيد الأمّة في المستقبل، كما جاءت الإشارة إلى هذه الآيات - كمثال - لتسلّط الضوء على دور الوحي في هذه المهمّة التي بلغ فيها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) الذروة لأجل تثبيت الولاية، من خلال ما نهض به عمليّاً من تفسير هذه الآيات وتبيينها.

____________________

(1) تفسير الطبري: 14/الجزء 28/58؛ تفسير التبيان: 9/575.

(2) المائدة: 52.

(3) تفسير الطبري: 4/الجزء 6/278، الوسيط في تفسير القرآن المجيد: 2/197، زاد المسير: 2/289.

(4) راجع: أحاديث الولاية/ولاية علي ولاية الله والرسول.

ولمزيد الاطّلاع على تفسير الآية راجع: الميزان في تفسير القرآن: 6/8 والكشّاف: 1/347.


(9)

أحاديث الهدية

إمامة الأمّة هي هداية الناس إلى المنزل المقصود، وتوجيهها صوب المقصد الأعلى، وسوقها تلقاء الكمال الإنساني الميسور.

وعلى هذا؛ أفيمكن لمَن لم يتوفّر على الهداية الكاملة، ولم يعِش الدين إدراكاً عميقاً في وجوده أن يأخذ بيد المجتمع صوب تلك الهداية؟ أو يكون لمَن لا يهتدي إلاّ أن يُهدى أن يتبوّأ هذا الموقع؟ لقد أوضح النبي أنّ هادي الأمّة، والإمام الذي يأخذ بيد المؤمنين إلى بَرّ الأمان في المستقبل هو علي بن أبى طالب، فأمير المؤمنين (عليه السلام) هو الذي يسوق الأمّة صوب الحقيقة، ويأخذ بيدها إلى الينابيع الصافية النقيّة، وهو الذي يتبوّأ في الأمّة موقع الهداية بعد النبي.

هذا ما أفصح عنه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حين عدّ عليّاً (هادي) الأمّة، والمصداق الرفيع لهذا الموقع، وهو يفسّر قوله سبحانه: ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (1) بقوله (صلَّى الله عليه وآله): (المنذر أنا، وآلهادي علي بن أبي طالب) (2) .

____________________

(1) الرعد: 7.

(2) راجع: أحاديث الهداية.


(10)

أحاديث العصمة

إنّ (العصمة) بمعنى الوقاية من الذنب والخطأ والجهل، والاحتراز من الاعوجاجات التي تشوب السلوك، هي من الخصائص الحتميّة لرسل السماء، ويبدو أنَّ ليس هناك نِحلة أو فرقة من المسلمين تشكّ في ضرورة عصمة الأنبياء، فالأنبياء (عليهم السلام) معصومون بنصّ القرآن، وهذه حقيقة أجمع عليها المتكلّمون والعلماء؛ إذ ليس هناك مَن يناقش في أصل العصمة وضرورتها، إنّما يمكن أن يكون لبعضهم كلام في حدّها وحدودها.

أمّا عقيدة الشيعة التي تستند إلى (النصّ) على الإمامة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وتركّز على أنّ الإمامة قائمة على أساس النصوص الثابتة، فهي تؤمن بأنّ جميع خصائص رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - ما خلا النبوّة - تتجسّد في الإمام، وتواصِل حضورها في خليفته من بعده، وهي تعدّ ذلك أمراً قطعيّاً على أساس نصوص كثيرة ودلائل عقليّة وافرة نُقّحت في مظانّها.

لقد ركّز علماء الشيعة ومتكلّموهم على هذا الأصل إزاء بقيّة الفرق الإسلاميّة، وعدّوا هذا الموقع ضرورياً لخليفة النبي، وذلك في مقابل التيّارات الأُخرى في الساحة الإسلاميّة من تلك التي لم تتبنّ ضرورة النصّ، على أنّ طبيعة هذه المواقف، وتحليل خلفيّاتها التاريخيّة وبناها الفكريّة، هو أمر خارج عن نطاق هذا البحث.

لكن يحسن بنا الآن أن نتوقّف مع ملاحظة سريعة، قبل أن نواصل متابعة


الجهود النبويّة لتشييد قواعد الإمامة العلويّة، وتثبيت إمامة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وطبيعة النهج الذي اعتمده رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لعرض هذه الحقيقة؛ فقد استند متكلّمو الشيعة ومفسّروهم منذ القدم إلى (آية التطهير) من بين ما استندوا إليه في إثبات عصمة (الأئمّة) وطهارة (أهل البيت)، وهو استدلال متين، كشف عن قوّته وإحكامه في الدراسات المختصّة بذلك.

بيد أنّ ما يعنينا أمره في هذا المجال، وله صلة وثيقة - بل ضروريّة ببحثنا - هو معرفة طبيعة عرض هذه المسألة، والكيفيّة التي استند إليها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في بيانها، وهنا بالذات تكمن الملاحظة التي أحببنا المكوث عندها قليلاً.

لقد مضت على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - بعد أن تلا آية التطهير على المسلمين - أيّام وأشهر طويلة، وهو يقف إلى جوار بيت علي، وينادي إذا حضر وقت الصلاة: (الصلاة، يا أهل البيت) (1) .

على هذا؛ ليس هناك شكّ في أنّ (أصحاب الكساء) هم مصداق (أهل البيت)، وأنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو سيّد أهل البيت وذروة السنام فيه، إنّما الذي يحظى بأهمّية أكبر - بنظرنا - هو ما كان يفعله الرسول في ثنايا تركيزه على الإعداد لقيادة المستقبل، وكجزء من برنامجه لإعلان الإمامة التي تخلُفه، إلى جوار تأكيده على التصريح بطهارة أهل البيت وعصمتهم، وحتى بعد إعلان هذه الفضيلة راح يكرّر على الدوام قوله (صلَّى الله عليه وآله): (أنا حرب لمَن حاربكم، وسلم لمَن سالمكم) (2) ، فماذا يعني هذا التكرار؟ وما هو مغزاه؟

يبدو أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) كشف للأمّة - من خلال تفسيره النافذ البصير لقوله سبحانه -: ( ... وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي

____________________

(1) أهل البيت في آية التطهير: 40 - 45.

(2) لمزيد الاطّلاع على صيغ الحديث وطرقه راجع: أهل البيت في الكتاب والسنّة: 165.


القُرْآنِ... ) (1) - عن وجود أسرة ستنقضّ على المجتمع الإسلامي، وتسومه الأذى والعذاب والظلم، وبتشبيهه حركة هذه الأسرة بنزو القردة كشف عن هويّتها القرديّة، وحذّر الأمّة من أن تترك أمور دينها تقع في يوم من الأيّام بيد رجال هذه العشيرة، أو أن تكون قيم هذا الدين ومُثله العليا لعبة بأيديهم، يعبثون بها كيفما شاؤوا (2) .

على الجانب الآخر من المشهد، حرص رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - من خلال التركيز على طرح (أهل البيت) كأُناس مطهّرين وثلَّة معصومة نقيّة من المثالب والعيوب - أن يسجّل للأمّة خطّ الإمامة المعصومة، والقيادة النزيهة للمستقبل (3) .

وكان لآية التطهير الدور العظيم في بيان فضائل (آل الله) والكشف عن مناقبهم ومنزلتهم الرفيعة، وعلى هذا الضوء يتبيّن أنّ السرّ من وراء كلّ هذه الجهود النبويّة، في الكشف عن مقصود الآية وتحديد مرادها، وكذلك ما بذله الأئمّة (عليهم السلام) على هذا الصعيد، وأيضاً ما قام به الأُمويُّون في المقابل ومفسِّروا البلاط من سعي هائل لصرف الآية عن (آل الله) أو إشراك الآخرين معهم في هذه الفضيلة على

____________________

(1) الإسراء: 60.

(2) لمزيد الاطّلاع على تفسير الآية وتحذير النبي (صلَّى الله عليه وآله) راجع: شرح نهج البلاغة: 9/218، حيث نقل ابن أبي الحديد ذلك عن المفسّرين، وقد ذكر في ج 15/175: أنّه لا خلاف بين أحد في أنّه تعالى وتبارك أراد بها بني أميّة. وتاريخ الطبري: 10/58 والنزاع والتخاصم: 79 وتفسير القرطبي: 10/286 وفتح القدير: 3/239 والدرّ المنثور: 5/310 وتفسير نور الثقلين: 3/179 وغير ذلك.

(3) راجع: معالم الفتن: 1/43 - 121.

وقد استطاع الباحث سعيد أيّوب - بذكاء يستحقّ الثناء - أن يجمع الآيتين في أُفق واحد، استشرف منه تحذير الأمّة الإسلاميّة من المستقبل، وتوجيهها للتمييز بين خطّين: خطّ العصمة والطهارة، وخطّ الرجس والفساد، وحثّها على التزام جانب الحذر في اختيار مَن يتبوّأ نظام المجتمع، كي تأمن العواقب الوخيمة.


أقلّ تقدير، إنّما يكمن في مفهومها الرفيع، وما تنطوي عليه من دلالة قاطعة على طهارة الإمام أمير المؤمنين وعصمته، ومن ثَمّ عصمة أهل البيت بالضرورة.

ولم تكن هذه الآية وحدها في الميدان، فبالإضافة إلى آية التطهير والجهود النبويّة الحثيثة التي بذلها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في إبلاغها وتطبيقها على أهل البيت (عليهم السلام)، توالت إلى جوارها روايات كثيرة نعت فيها النبي علي بن أبي طالب بالصدق والطهارة، والنقاء والتزام الحقّ، واستقامة السلوك وطُهر الفطرة، ثمّ توّج ذلك كلّه بالإعلان أنّ عليّاً هو عِدل القرآن، ومعيار الحقّ، والميزان الذي يفرِّق بين الحقّ والباطل، وبين الضلالة والصواب، وهو فصل الخطاب، وفي ذلك دلالة قاطعة على أنّ مَن ينبغي أن يكون الأُسوة والإمام، والقائد والمنار، والزعيم والمولى هو علي بن أبي طالب لا غير.

ثمّ انظروا وتأمّلوا في قوله (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ)، (عليّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ)، (عليّ على الحقّ؛ مَن اتّبعه اتّبع الحقّ، ومَن تركه ترك الحقّ)، (عليّ مع الحقّ والقرآن، والحقّ والقرآن مع عليّ).

ماذا يعني هذا؟ يعني أنّ عليّاً ثابت لا يزيغ، صلبٌ لا تتعثّر به خطاه، يقف في علي ذُرى الاستقامة والصلاح، لا يعرف غير الحقّ والصواب.

إنّ عليّاً ليحمل على جبهته الوضيئة عنواناً رفيعاً اسمه (العصمة)، ومن ثمّ ستكون الأمّة في أمان من نفسها، وسلامة من دينها وهي تهتدي بهدى علي، وتقتدي به أسوة ومناراً.

لقد توفّر هذا الفصل على بيان هذه الإشارات تفصيلاً من خلال النصوص الكثيرة التي رصدها (1) .

____________________

(1) راجع: أحاديث العصمة.


(11)

أحاديث العلم

يتبوّأ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) المرجعيّة الفكريّة للأمّة، بالإضافة إلى الزعامة السياسيّة، كما سلفت الإشارة لذلك، فالأُمّة تواجه في معترك حياتها عشرات المعضلات الفكريّة على الصعيدين: الفردي، والاجتماعي؛ فمَن الذي يتولَّى تذليل هذه العقبات؟ ومَن الذي يُميط اللثام عمّا يواجهه المجتمع من مشكلات معرفيّة، ويفسّر للناس آيات القرآن، ويعلّم الأمّة أحكام دينها وكلّ ما يمتّ بصلة إلى المرجعيّة العلميّة والفكريّة؟ ومَن الذي أراد له رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أن يتبوّأ هذا الموقع في المستقبل، بحيث تلوذ به الأمّة، وتلجأ إليه بعد رحيل النبي؟

لقد ضمّت المصادر القديمة نصوصاً نبويّة مكثّفة، تدلّ بأجمعها على أنّ النبي اختار علي بن أبي طالب للمرجعيّة العلميّة والفكريّة من بعده، منها الحديث النبوي الكريم: (أنا مدينة العلم، وعليّ بابها)، فعلاوة على شوق علي (عليه السلام) إلى العلم، وتطلّعاته الذاتيّة إلى المعرفة، وتوقه الشديد للتعلّم، واستعداده الخاصّ على هذا الصعيد، كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لا يُخفي حرصه على إعداد علي إعداداً علميّاً خاصّاً، وزقّهِ العلم زقّاً، وإشباع روحه بالمعرفة، والفيض عليه من الحقائق الربّانيّة العُليا.

لقد جاء الكلام النبوي الكريم: (أنا مدينة العلم وعلي بابها؛ فمَن أراد المدينة فليأتِ الباب)، ليدلّ دلالة قاطعة لا يشوبها أدنى لبس، على أنّ العلم الصحيح


عند علي وحسب لا عند سواه (1) .

لقد طلب النبي علي بن أبى طالب في اللحظات الأخيرة من حياته، وراح يسرّ له بينابيع المعرفة، فقال علي بعد ذلك - واصفاً الحصيلة التي طلع بها من إسرار النبي له -: (حدَّثني ألف باب، يَفتح كلُّ باب ألفَ باب)، وهذه هي الحقيقة، يدلّ عليها قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (أنا دار الحكمة، وعلي بابها).

ثمّ هل انشقّت الحياة الإنسانيّة عن إنسان غير علي يقول: (سلوني قبل أن تفقدوني)؟ وهل عرفت صفحات التاريخ مَن ينطق بهذا سوى أمير المؤمنين؟ لقد أجمع الصحابة على أعلميّة علي بن أبي طالب، وتركوا للتاريخ شهادة قاطعة تقول: أفضلنا علي. ولِمَ لا يكون كذلك والإمام أمير المؤمنين نفسه يقول: (والله، ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيمَ نزلت، وأين نزلت، وعلى مَن نزلت؛ إنّ ربّي وهب لي قلباً عَقولاً، ولساناً ناطقاً).

وما أسمى كلمات الإمام الحسن (عليه السلام)! وما أجلّ كلامه وهو يقول بعد شهادة أمير المؤمنين: (لقد فارقكم رجل بالأمس، لم يسبقه الأوّلون بعلم ولا يُدركه الآخرون)!

إنّ هذا وغيره - وهو كثير قد جاء في مواضع متعدِّدة - لَيشهد أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قصد من وراء التركيز على هذه النقطة - التي أقرّ بها الصحابة تبعاً للنبي - أن يعلن عمليّاً عن المرجع الفكري للأمّة مستقبلاً، ويحدّد للأمّة بوضوح الينبوع الثرّ، الذي ينبغي أن تُستمدّ منه علوم الدين (2) .

____________________

(1) لمزيد الاطّلاع على توثيق صيغ الحديث وضبط طرقه وأسانيده، وما يتّصل به من نقاط مهمّة راجع: نفحات الأزهار: ج 10 و11 و12.

(2) راجع: القسم الحادي عشر.


(12)

أحاديث اثنا عشر خليفة

من بين الأحاديث المهمّة الجديرة بالتأمّل بشأن مستقبل الأمّة، هي تلك التي تتحدّث عن عدد خلفاء الرسول (صلَّى الله عليه وآله).

إنّ هذه الأحاديث الوفيرة التي جاءت في نقول متعدّدة، وطرق مختلفة وصحيحة (1) ؛ لتُشير إلى أنّ خلفاء النبي اثنا عشر خليفة.

تُطالعنا إحدى صيغ الحديث بالنصّ التالي: (لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش) (2) .

وقد جاء في نصّ آخر بالصيغة التالية: عن جابر بن سمرة قال: كنت مع أبي عند النبي (صلَّى الله عليه وآله) فسمعته يقول: (بعدي اثنا عشر خليفة)، ثمّ أخفى صوته، فقلت لأبي: ما الذي أخفى صوته؟

قال: قال: (كلّهم من بني هاشم) (3) .

وفي نصّ آخر: (يكون من بعدي اثنا عشر أميراً) (4) .

ما الذي قصده رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من هذه الأحاديث؟ هل تحدّث عن واقع سوف

____________________

(1) راجع على سبيل المثال: صحيح مسلم: 3/1451، باب 33 (الناس تبع لقريش والخلافة في قريش)، المعجم الكبير: 2/195 - 199 وص 232؛ الخصال: 466 - 480، إحقاق الحقّ: 13/1 - 48، أهل البيت في الكتاب والسنَّة: 73.

(2) صحيح مسلم: 3/1453/1822.

(3) ينابيع المودّة: 3/290/4.

(4) سنن الترمذي: 4/501/2223.


يحصل؟ أم رام الحديث عن حقيقة ينبغي أن تكون؟ هل رام أن يستشرف المستقبل ليشير إلى الذين سيخلفونه في الواقع التاريخي، ويتسنّمون هذا الموقع من بعده؟ أم أنّه استند إلى حقيقة تنصّ صراحة أنّ خلفاءه اثنا عشر خليفة، وأنّ هؤلاء هم الذين ينبغي أن يكونوا خلفاء، ليس من ورائهم أحد حتى آخر الدهر؟

لا يبدو أنّ هناك شكّ في أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) كان بصدد إعلان الخليفة، وتحديد من يتبوّأ مكانه ويمارس الحاكميّة على الأمّة كما يمارسها هو، ويواصل نهج النبي في الخلافة.

بيد أنّ البعض سعى إلى اصطناع مصاديق لهذا الكلام الإلهي، الذي نطق به الرسول (صلَّى الله عليه وآله) تتطابق ورغباته (1) ، فذهب إلى أنّ المراد من الاثني عشر هم الخلفاء الأربعة، ومعاوية وولده يزيد وهكذا! (2)

وعلى طبق هذا التفسير؛ يكون النبي (صلَّى الله عليه وآله) قد نصَّب هؤلاء خلفاء له، وأهاب بالأمّة اتّباعهم وإطاعتهم والتسليم إليهم! أيْ طاعة يزيد وعبد الملك بن مروان وأضرابهم، ( ... كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً ) ! (3) .

كيف يمكن تصوّر رسول الكرامة والإنسانيّة، ومبعوث الحريّة والقيم العُليا، وهو يختار لخلافته الظلمة والفسّاق، ويحثّ الأمّة على طاعة المجرمين والفاسدين؟! (4) .

____________________

(1) راجع: الإمامة وأهل البيت: 2/54، حيث توفّر على ذكر هذه المصاديق.

(2) راجع: شرح العقيدة الطحاويّة: 2/736 والإمامة وأهل البيت: 2/56.

(3) الكهف: 5.

(4) راجع: الإمامة وأهل البيت: 2/56 - 76. والكتاب من تأليف الباحث المصري وأستاذ جامعة الإسكندريّة الدكتور محمّد بيومي مهران، من كبار كتّاب أهل السنّة، حيث استعرض ما اقترفه معاوية ويزيد وعبد الملك من فظائع، من خلال الوثائق والنصوص التاريخيّة، ثمّ عاد يطرح على القرّاء السؤال التالي: مع هذا كلّه، هل يقال: إنّ هؤلاء خلفاء النبي؟!


لا جدال أنّ من يُذعن لأصل الرواية - ولا مفرّ من ذلك - يتحتّم عليه التسليم لتفسير الشيعة، الذي يذهب إلى أنّ هؤلاء الخلفاء هم عليّ وآل عليّ (عليهم السلام)، كما ذكرت ذلك بعض الروايات عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وأتت على أسمائهم صراحة، حيث يمكن أن يُلحظ ما يلي:

1 - إنّهم اثنا عشر معروفون ينطبقون - في عددهم وأسمائهم - مع الحديث.

2 - إنّ الأئمّة من قريش؛ وهم من قريش.

3 - رأينا بعض الروايات تحمل في ذيلها عبارة: (كلّهم من بني هاشم).

والأمر كذلك في عليّ وآل عليّ (عليهم السلام)؛ فهم جميعاً من بني هاشم، يؤيّد ذلك الكلام العُلوي المنيف، الذي يقول فيه أمير المؤمنين (عليه السلام): (إنّ الأئمّة من قريش غُرِسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم) (1) .

4 - إنّهم من أهل بيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وهذا يتطابق مع ما سبق، وقد ذكرناه في الصفحات السابقة، كما يتوافق مع نصوص كثيرة ستأتي الإشارة إليها لاحقاً.

5 - كما أنّه يتطابق بدقّة مع ما جاء عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير هذه الجملة - كما سلفت الإشارة لذلك - حيث ذُكرت أسماء هؤلاء الخلفاء الكرام بشكل كامل وتامّ.

6 - على أساس روايات كثيرة تحدّث رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عن دوام إمامة المهدي (عليه السلام) واستمرارها إلى ما قبل القيامة، والمهدي المنتظر هو الحلقة الأخيرة في سلسلة الأئمّة الاثني عشر في المعتقد الشيعي.

من هذه الروايات:

____________________

(1) نهج البلاغة: الخطبة 144.


(المهدي منّا أهل البيت، يُصلحه الله في ليلة) (1) .

(المهدي من عترتي من ولد فاطمة) (2) .

(لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم، لبعث الله عزّ وجلّ رجلاً منّا، يملؤها عدلاً كما مُلئت جَوراً) (3) .

(لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي بواطئ اسمه اسمي) (4) .

(الأئمّة بعدي اثنا عشر، تسعة من صلب الحسين، والتاسع مهديّهم) (5) .

واستكمالاً للحديث في هذا المضمار، نعرض فيما يلي عدداً من النقاط الأُخرى:

1 - يُعدّ حديث (اثنا عشر خليفة)، أو (اثنا عشر أميراً)، المروي عن جابر بن سمرة، من الأحاديث المشهورة التي أُخرجت بطرق متعدّدة، كما أسلفنا الإشارة إلى ذلك، والذي عليه عقيدة أغلب الذين وثّقوا الحديث، ورووه أنّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله) أدلى به في (حجّة البلاغ)، بيد أنّ عمليّة دراسة طرق الحديث وتحليل صيغه الروائيّة تدلّ بوضوح، أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أدلى بهذا الحديث في مكانين، هما:

أ: مسجد النبي:

وفاقاً لرواية مسلم وأحمد بن حنبل، جاء نصّ جابر بالصيغة التالية: (سمعت

____________________

(1) سنن ابن ماجة: 2/1367/4085، مسند ابن حنبل: 1/183/645، المصنّف لابن أبي شيبة: 8/678/190.

(2) سنن أبي داود: 4/107/4284، والطريف الذي يُلفت النظر في هذا الكتاب، أنّه أورد الرواية مورد البحث - اثنا عشر خليفة - في باب (كتاب المهدي).

(3) مسند ابن حنبل: 1/213/773، سنن أبي داود: 4/107/4283 نحوه.

(4) مسند ابن حنبل: 2/10/3571، مسند البزّار: 5/225/1832 نحوه.

(5) كفاية الأثر: 23.


رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم الجمعة عشيّة رجم الأسلمي، يقول: (لا يزال الدين) (1) إلى آخر النصّ.

المعلوم أنّ ماغر بن مالك الأسلمي المذكور في النصّ قد تمّ رجمه بالمدينة جزماً (2) .

علاوة على ذلك، ثمّة نصوص أُخرى، تتحدّث صراحة أنّ الراوي سمع الحديث في مسجد النبي (صلَّى الله عليه وآله)، كما في قوله: (جئت مع أبي إلى المسجد والنبي يخطب) إلى آخر الحديث (3) ، حيث يدلّ لفظ (المسجد) في الرواية على المسجد النبوي ظاهراً.

ب: حجّة البلاغ:

هذه المجموعة من الأخبار مرويّة عن جابر بن سمرة بن جندب أيضاً، وقد ذكر فيها أنّه سمع مقالة النبي هذه في ذلك الموسم العظيم (4) (حجّة البلاغ أو حجّة الوداع)، وفي الموقف بعرفات (5) .

2 - إنّ استثمار رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) للموسم، وتوظيفه لاجتماع الأمّة العظيم في عرفات؛ لكي يُعلن هذه الحقيقة ويصدع بها، لهو أمر خليق بالاعتبار، وينطوي على الدروس والعِبَر؛ فقد حرص النبي (صلَّى الله عليه وآله) على أن يستفيد من هذا الحشد الكبير في الإعلان عن (حديث الثقلين)، وذلك في واحدة من المرّات المتكرّرة التي كان النبي قد أعلن فيها هذا الحديث المصيري على الأمّة.

____________________

(1) صحيح مسلم: 3/1453/10، مسند ابن حنبل: 7/410/20869، مسند أبي يعلي: 6/473/7429؛ الخصال: 473/30.

(2) راجع: صحيح البخاري: 5/2020/4969 و4970 وصحيح مسلم: 3/1319 - 1323.

(3) المعجم الكبير: 2/197/1799.

(4) راجع: مسند ابن حنبل: 7/405/20840 و20843 وص 408/20857 وص 430/20992 والمعجم الكبير: 2/197/1800.

(5) راجع: مسند ابن حنبل: 7/418/20922 وص 424/20959 و20960 وص 429/20991.


بشكل عامّ، عندما نطلّ على هذه المراسم نجدها شهدت عرض (الثقلين) بوصفهما معاً السبيل إلى هداية الأمّة، وفي المشهد ذاته تمّ تحديد مصاديق العترة والإعلان عنها بوضوح، وفي الذروة الأخيرة من هذا الموسم سجّل المشهد نزول آية (إكمال الدين) وإعلان الولاية، هذا الإعلان الذي ترافق مع إنذار للنبي (صلَّى الله عليه وآله)، يفيد أنّ عدم إبلاغه ما أُنزل إليه من ربّه يتساوق مع ضياع الرسالة وعدم إبلاغها بالمرّة.

بعبارة أُخرى: كأنّ المشهد يُخبرنا بوقائعه وما حصل فيه، أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) كان في الموسم هذا بشأن أن يُلقي على الأمّة نظرة مستأنفة في جميع محتويات الرسالة، ويستعيد أُمور هذا الدين، وقد راح في الأيّام الأخيرة من سفره يركّز على الحجّ والولاية أكثر.

لننظر إلى الإمام الباقر (عليه السلام) وهو يقول: (حجّ رسول الله...) (1) .

3 - تنطوي بعض صيغ الحديث ونقوله على نقطة تستثير السؤال وتستحقُّ التأمّل؛ فقد انطوت بعض نقول الحديث على جملة: (كلّهم من قريش) ، وهي تدلّ على أنّ جابراً لم يسمع هذه الجملة، فسأل عنها أباه، فذكر له أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) قال في تتمّة الحديث: (كلّهم من قريش) أو (كلّهم من بني هاشم).

هذه الصيغ على ثلاثة أضرب، هي:

أ: إنّ جابراً قال فقط: (ثمّ قال كلمة لم أفهمها) (2) .

أو: (ثمّ تكلّم بكلمة خفيت عليّ) (3) ، من دون إيضاح علّة خفاء الصوت،

____________________

(1) راجع: واقعة الغدير.

(2) مسند ابن حنبل: 7/427/20976.

(3) مسند ابن حنبل: 7/427/20977.


وسبب عدم السماع.

ب: وفي بعضها عزى جابر عدم سماعه تتمّة الحديث إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله) قائلاً: (ثمّ خفّض صوته، فلم أدرِ ما يقول) (1) .

أو: ثمّ همس رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بكلمة لم أسمعها، فقلت لأبي: ما الكلمة التي همس بها النبي (صلَّى الله عليه وآله)؟) (2) .

أو: ثمّ أخفى صوته، فقلت لأبي: قد سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (يكون بعدي اثنا عشر أميراً)، فما الذي أخفى صوته؟ قال: (كلّهم من قريش) (3) .

ج: ذكر في بعضها أنّ سبب عدم سماع كلام النبي كان لغط الناس واهتياجهم؛ حيث ضاع كلام رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ولم يعد يُسمع وسط ضجيج الحاضرين وصراخهم.

والذي يبعث على الدهشة والأسى، أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) في الوقت الذي كان يتحدّث فيه إلى الناس، نجد الذين يستمعون إليه يرفعون أصواتهم خلافاً لصريح الأمر الإلهي: ( ... لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ... ) (4) ، وقد علت أصواتهم وزاد اهتياجهم، حتى لم يعد يتميّز كلام النبي وما يقوله في هذا الضجيج، بحيث لم يكن بمقدور الراوي - جابر - أن يتابع بقيّة الكلام، فلاذ بالآخرين، فذكروا له أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) قال: (كلّهم من قريش).

لقد جاءت صيغ متعدّدة تدلّ على هذا المعنى، منها:

____________________

(1) المعجم الكبير: 2/197/1799.

(2) المعجم الكبير: 2/196/1794.

(3) المعجم الكبير: 2/253/2062.

(4) الحجرات: 2.


(ثمّ لغط القوم وتكلّموا، فلم أفهم قوله بعد (كلّهم)) (1) .

(فقال كلمة صمّنيها الناس) (2) .

(ثمّ تكلّم بكلمة أصمّنيها (3) الناس، فقلت لأبي - أو لابني -: ما الكلمة التي أصمّنيها الناس؟ قال: كلّهم من قريش) (4) .

كما جاء أيضاً: (فصرخ الناس، فلم أسمع ما قال) (5) .

وبتأمّل ما أوردناه يهتدي الباحث إلى نقاط، لا يخلو ذكرها من فائدة:

1 - تحظى قضيّة الخلافة ومستقبل الأمّة ومصيرها بعد النبي (صلَّى الله عليه وآله) بحسّاسيّة فائقة؛ بحيث كان النبي عندما يصل إلى النقطة الجوهريّة ويبلغ لبّ المسألة يخفض صوته، حتى لكأنّه يهمس، وفي موقع آخر كان الناس يبادرون إلى اللغط وإثارة الضوضاء حال سماعهم الكلام النبوي، يُظهرون بذلك إباءهم له.

2 - تذكر بعض الروايات في تصوير الحالة (خفض الصوت)، وبعضها الآخر ذكرت (اللغط والضجيج)، حيث يرتبط كلّ وصف من هذه الأوصاف بمورد من موارد النقل، فجابر يذكر أنّه لم يسمع الكلام النبوي في المسجد؛ لأنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) خفض صوته. أمّا في الحديث الذي جاء في مسند أحمد بن حنبل، فقد ذكر جابر أنّه لم يسمع الكلام للغط القوم وهياجهم.

والظاهر أنّ خفض النبي صوته كان في المسجد النبوي في المدينة، ولغط الناس وهياجهم كان في حجّة الوداع، كما أشارت لذلك الروايات المتقدّمة.

____________________

(1) مسند ابن حنبل: 7/430/20991، المعجم الكبير: 2/196/1795.

(2) صحيح مسلم: 3/1453/9، مسند ابن حنبل: 7/428/20980 وفيه (أصمّنيها).

(3) أصمّنيها الناس: أي شغلوني عن سماعها، فكأنّهم جعلوني أصمَّ (لسان العرب: 12/343).

(4) مسند ابن حنبل: 7/435/21020؛ الخصال: 472/23.

(5) الخصال: 473/29.


3 - إنّه لأمر حريٌّ بالانتباه ما جاء في أحد النقول، من أنَّ النبيّ قال عندما أخفى صوته: (كلّهم من بني هاشم).

والحقّ، لا يستبعد أن تكون تتمّة الكلام - على وجه الحقيقة - هي جملة: (كلّهم من بني هاشم)، التي أثارت الهياج، وعلا كلام كثيرين عند سماعها، فلم يذعنوا لها، وأبوا قبولها، والنقطة التي تزيد من قوّة هذا الاستنتاج، هي مشهد السقيفة وما جرى في ذلك اليوم من حوادث، ففي صراع يوم السقيفة لم يستند أيّ من أطراف اللعبة على مثل هذا الكلام، ولم يذكر أحد أنّه سمع النبيّ، يقول: (كلّهم من قريش) ، برغم أنّ هذا الكلام كان يمكن أن يكون مؤثّراً في حسم الموقف.

لهذا كلّه؛ يمكن القول: إنّ تتمّة الحديث النبوي كانت: (كلّهم من بني هاشم) لا غير، ثمّ بمرور الوقت، وعندما حانت لحظة تدوين الحديث قدّروا أنّ من (المصلحة) استبدال (كلّهم من بني هاشم) بتعبير (كلّهم من قريش) !

مهما يكن الأمر، ينطوي هذا الحديث بنقوله الكثيرة وطرقه المتعدّدة التي أيّدها محدّثو أهل السنّة أيضاً، ينطوي على رسالة واحدة لا غير، هي الإعلان عن ولاية عليّ بن أبي طالب وأولاده، والتصريح بخلافة عليّ (عليه السلام) بعد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بلا فصل؛ ومن ثمّ فهو دليل آخر على السياسة النبويّة الراسخة في تحديد مستقبل الحكم وقيادة الأمّة من بعده.


(13)

حديث السفينة

والنبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يعيش بين الأمّة كان يُمسك بجميع الأُمور، ويُشرف على الشؤون كافّة، ولم يكن المجتمع الإسلامي على عهد النبيّ قد اتّسع بعدُ، بيد أنّ هذا المجتمع الفتيّ كان يواجه مصاعب كثيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي، ويعاني عدداً من الانحرافات، فتيّار النفاق - مثلاً - كانت بذوره الأُولى قد نشأت في تضاعيف ذلك المجتمع، وهكذا لاحت أيضاً إرهاصات ارتداد البعض انطلاقاً من المجتمع ذاته.

لقد كان الرسول القائد ينظر ليومٍ تغيب فيه هذه الشعلة المتوهّجة، ويفقد المجتمع وجود النبيّ، فيما ينبغي للأمَّة أن تشقّ طريقها من بعده، وتواصل الدرب.

إنّ كلّ ما توفّرنا على ذكره يُشير إلى التخطيط لمستقبل الأمّة وتدبير غدها الآتي؛ هذا الغد الذي سينشقّ عن أجواء تتفجّر جوانبها بالفتنة، وتضطرم بالعواصف العاتية وأمواج الضلال.

على ضوء هذه الخلفيّة؛ انطلقت كلمات رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) تُدلّ الأمّة على الملاذ الآمِن، الذي تعتصم به من الفتن والضلال فيما اشتهر بـ (حديث السفينة)، الذي جاء في أحد نصوصه: (ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مَثل سفينة نوح؛ مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها هلك).

ما أروعه من تشبيه دالّ وموقظ، يبعث على التيقّظ والحذر!

فرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يتطلّع صوب المستقبل من وراء حُجب الغيب، فيبصره مليئاً بالفتن والضلالات التي يشبّهها بالأمواج المتلاطمة العاتية، أمواج مهولة تُغرق


مَن يعرض لها، وتدفعه نحو قاع سحيق، وما أكثر من يتسلّق الأوهام حذر هذه الأمواج، بيد أنّها سُرعان ما تفترسه وتأتي عليه في ملاذه الواهن، فيُدركه الغرق ويصير هباءً ضائعاً.

فإذاً، ينبغي أن تكون الأمّة على حذر، وأن تُدرك أنّ طريق النجاة الوحيد يكمن في ركوب (السفينة)، واللوذ بأهل البيت (عليهم السلام)، والاعتصام بحُجْزتهم، والتمسّك بتعاليمهم وسنّتهم.

ليس هناك شكّ في دلالة الحديث على وجوب إطاعة أهل البيت (عليهم السلام)، وإلاّ هل لعاقل تأخذه أمواج عاتية، فيُشرف حتماً على الغرق والضياع، ثمّ يتردّد في النجاة، ولا يركب سفينة الإنقاذ؟!

من جهة أُخرى، إنّ التطلّع صوب هذه السفينة يستتبع الهداية بالضرورة والنجاة من أمواج الفتن والضلالات، فالسفينة منجية؛ وإذاً فهؤلاء الكرام معصومون منزّهون عن الزلل والخطأ (1) .

____________________

(1) لمزيد الاطّلاع على متن حديث السفينة وسنده وطرقه وما يتّصل به من بحوث راجع: نفحات الأزهار: الجزء الرابع، وأهل البيت في الكتاب والسنّة: 95.


(14)

حديث الثقلين

من بين الخطوات التي تدبّرها الرسول القائد لمستقبل الأمّة، للحؤول دون تفشِّي الضلالة، وشيوع الجهل في وسطها، وانحدارها إلى هوّة الحيرة والضياع، هي جهوده التي بذلها لتعيين المرجعيّة الفكريّة، وتحديد مسار ثابت للحركة الفكريّة، وبيان كيفيّة تفسير القرآن والرسالة والمصدر الذي يستمدّ منه ذلك.

هذه الحقيقة ربّما عبّرت عن نفسها بأنصع وجه في (حديث الثقلين).

لقد تضوّعت مواطن كثيرة بشذى الحديث؛ حيث صدع به النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) مراراً بمحتوى واحد وصيغ بيانيّة متعدّدة، وفي مواضع مختلفة: في عرفة، ومسجد الخيف، وفي غدير خمّ، كما أتى على ذكره في آخر كلام له وهو على مشارف الرحيل وقد ثقل عليه المرض، في الحجرة الشريفة، وغير ذلك.

وبالإضافة إلى أهل البيت (عليهم السلام) فقد روى الحديث عدد كبير من الصحابة، كما ذهب إلى صحّته كثير من التابعين والعلماء (1) .

إنّ للحديث صيغاً متعدّدة، جاء في إحداها: (إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما) (2) .

____________________

(1) راجع: نفحات الأزهار: 2/90، وأهل البيت في الكتاب والسنّة: 135.

(2) سنن الترمذي: 5/663/3788.


كلام عظيم، ومنقبة شاهقة، وفضيلة سامية لا نظير لها، وهداية تبعث على السعادة، وتوجيه يعصم من الضلالة والردى.

النقطة الأهمّ التي يحويها هذا الكلام النبوي العظيم، والحقيقة العظمى التي يجهر بها دون لبس، هي مرجعيّة أهل البيت (عليهم السلام)، والحثّ على وجوب اتّباعهم والائتمام بهم في الأقوال والأفعال، وقد صرّح بهذه الحقيقة الرفيعة عدد كبير من العلماء، منهم سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني؛ أحد كبار متكلِّمي أهل السنّة، حين قال: (إنّه (صلَّى الله عليه وآله) قرنهم بكتاب الله في كون التمسّك بهما منقذاً من الضلالة، ولا معنى للتمسّك بالكتاب إلاّ الأخذ بما فيه من العلم وآلهداية، فكذا في العترة) (1) .

على صعيد آخر، تتمثّل أهمّ مهامّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) ومسؤوليّاته بالهداية وإزالة الضلالة. هذا من جهة.

ومن جهة أُخرى؛ فإنّ ما يأتي في طليعة واجبات الأمّة وأكثرها بداهة، هو ضرورة تمسّكها بكلّ ما يبعث على الهداية، ويعصم من الضلال، وهذا ما فعله رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) تماماً، وهو يضع المسلمين أمام هذا الواجب، في قوله: (ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا)، وعندئذ هل يسع إنسان أن يتردّد في وجوب اتّباع (العترة) الهادية، والتسليم إليها وهي العاصمة عن الضلال؟!

ممّا يدلّ عليه الحديث أيضاً، أنّ التمسّك بهذين الثقلين الكريمين يكفي لبلاغ المقصد الأسنى وتحصيل الهداية، وأن ليس وراءهما إلاّ الضلال ( ... فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ

____________________

(1) شرح المقاصد: 5/303. ولمزيد الاطّلاع على آراء عدد من علماء أهل السنّة راجع: نفحات الأزهار: 2/248.


إِلاَّ الضَّلاَلُ... ) (1) .

من جهة أُخرى يسجّل حديث الثقلين (عصمة) العترة من دون لبس وغموض؛ فمن زاوية عدّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) التمسّك بها واجباً ضروريّاً من دون أيّ قيد أو شرط، فهل من المنطقي أو المعقول أن نتصوّر النبيّ يدفع الأمّة إلى التمسَّك بمرجعيّة أشخاص، ويحثّها على التمسّك بتعاليمها دون قيد أو شرط، وأشخاص هذه المرجعيّة يعيشون الضلال؟ ثمّ إنّ هذه العترة هي عدل قرآن ( لاَّ يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ) (2) ، فهكذا العترة أيضاً.

وأخيراً دلّ الحديث على أنّ التمسّك بالعترة هو سدّ يحول دون الضلالة، فإذا ما كان الضلال سائغاً بحقّ هذه المرجعيّة فهل يمكنها أن تكون عاصمة عن الضلال؟!

فالعترة - إذاً - معصومة جزماً بدلالات الحديث.

____________________

(1) يونس: 32.

(2) فصّلت: 42.


(15)

حديث الغدير

ذكرنا أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أكّد منذ الأيّام الأُولى التي صدع فيها بالرسالة، على الإمامة ومستقبل الأمّة من بعده، وشهدت له المواطن جميعاً، وهو يُعلن (الحقّ)، ويحدّد أمام الجميع الإمامة من بعده بأعلى خصائصها، وبمزاياها المتفوّقة، ولم يتوانَ عن ذلك لحظة، ولم يُضِع فرصة إلاّ وأفاد منها في إعلان هذا (الحقّ) والإجهار به.

وفي الحجّة الأخيرة التي اشتهرت بـ (حجّة الوداع)، بلغت الجهود النبويّة ذروتها، وقد جاءه أمر السماء بإبلاغ الولاية، لتكتسب هذه الحجّة عنوانها الدالّ، وهى تسمَّى (حجّة البلاغ) (1) .

لنشاهد المشهد عن كثب، ونتأمّل كيف تكوّنت وقائعه الأُولى، فهذا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد قصد التوجّه للحجّ في السنة العاشرة من الهجرة، وقد نادى منادي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يُعلم الناس بذلك، فاجتمع من المسلمين جمع غفير قاصداً مكّة ليلتحق بالنبي (صلَّى الله عليه وآله)، ويتعلّم منه مناسك حجّه.

حجّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بالمسلمين، ثمّ قفل عائداً صوب المدينة، عندما حلَّ اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، كانت قوافل الحجيج تأخذ طريقها إلى مضاربها ومواضع سكَّناها، فمنها ما كان يتقدّم على النبيّ، ومنها ما كان يتأخّر عنه، بيد أنّها لم تفترق بعدُ، إذ ما يزال يجمعها طريق واحد.

حلّت قافلة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بموضع يقال له: (غدير خمّ) في وادي الجحفة، وهو مفترق تتشعّب فيه طرق أهل المدينة

____________________

(1) راجع: كتاب (الغدير): 1/9.


والمصريّين والعراقيّين.

الشمس في كبد السماء تُرسل بأشعّتها اللاهبة، وتدفع بحممها صوب الأرض، وإذا بالوحي يغشى النبيّ ويأتيه أمر السماء، فيأمر أن يجتمع الناس في المكان المذكور.

ينادي منادي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بردّ مَن تقدّم من القوم، وبحبس مَن تأخّر؛ ليجتمع المسلمون على سواء في موقف واحد، ولا أحد يدري ما الخبر.

منتصف النهار في يوم صائف شديد القيظ، حتى إنّ الرجل ليضع رداءه تحت قدميه من شدّة الحرّ، فيما يلوذ آخرون بظلال المراكب والمتاع.

راحت الجموع المحتشِّدة تتحلّق أنظارها بنبيّها الكريم، وهو يرتقي موضعاً صنعوه له من الرحال وأقتاب الإبل.

بدأ النبيّ خطبته، فراحت الكلمات تخرج من فؤاده وفمه صادعة رائعة، حمد الله وأثنى عليه، ثمّ ذكر للجمع المحتشِّد أنّ ساعة الرحيل قد أزِفت، وقد أوشك أن يُدعى فيُجيب، على هذا مضت سنّة البشر قبله من نبيّين وغير نبيّين.

أمَّا وقد أوشك على الرحيل، فقد طلب من الحاضرين أن يشهدوا له بأداء الرسالة، فهبّت الأصوات تُجيب النبيّ على نسق واحد: (نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجهدت؛ فجزاك الله خيراً) .

ما لهذا جمَعَهم في هذه الظهيرة القائضة، بل هو يعدّهم لنبأٍ مُرتقب، ويُهيّئ النفوس لبلاغ خطير هذا أوانُه، تحدّث إليهم مرّات عن صدقه في (البلاغ)، كما تكلّم عن (الثقلين) وأوصى بهما، ثمّ انعطف يحدّثهم عن موقعه الشاهق العليّ في الأمّة، وطلب منهم أن يشهدوا بأولويّته على أنفسهم، حتى إذا ما شهدوا له بصوت واحد، أخذ بعضد عليّ بن أبي طالب ورفعه، فزاد من جلال المشهد


وهيبته، ثمّ راح ينادي بصوت عالي الصدح قويَّ الرنين: (فمَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه).

قال هذه الجملة، ثمّ كرّرها ثلاثاً، وطفق يدعو لمَن يوالي عليّاً، ولمَن ينصر عليّاً، ولمَن يكون إلى جوار عليّ.

تبلّج المشهد عن نداء نبوي أعلن فيه رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله) ولاية عليّ وخلافته، على مرأى من عشرات الأُلوف، وقد اجتمعوا للحجّ من جميع أقاليم القبلة، وصدع بـ (حقّ الخلافة) و(خلافة الحقّ).

فهل ثَمّ أحد تردّد في مدلول السلوك النبوي، وأنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) نصَّب بهذه الكلمات عليّ بن أبي طالب وليّاً وإماماً؟

أبداً، لم يسجّل المشهد التاريخي يومئذ مَن استراب بهذه الحقيقة أو شكّ فيها، حتى أولئك النفر الذين أخطأوا حظّهم، وعتت بهم أنفسهم، فأنفوا عن الانقياد، حتى هؤلاء لم يستريبوا في محتوى الرسالة النبويّة، ولم يشكّوا بدلالتها، إنّما انكفأت بهم البصيرة، فراحوا يتساءلون عن منشأ هذه المبادرة النبويّة، وفيما إذا كانت من عند نفس النبيّ أم وحياً نازلاً من السماء.

انجلى المشهد عن عليّ بن أبي طالب وهو متوّج بالولاية والإمارة، فانثال عليه كثيرون يهنّئونه من دون أن تلوح في أُفق ذلك العصر أدنى شائبة تؤثّر في نصاعة هذه الحقيقة أو تشكّك فيها، فهذا هو عمر بن الخطّاب نهض من بين الصفوف المهنّئة، وقد خاطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: (هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت اليوم وليَّ كلّ مؤمن) (1) .

____________________

(1) راجع: حديث الغدير/التهنئة القياديّة.


بيد أنّ الأمر لم يمضِ إلى مداه وغايته على هذه الشاكلة؛ إذ سرعان ما حصل الانقلاب بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وتغيّر الواقع، وراح البعض يقلب الأُمور وهو يسعى أن يُلبس رداء الخلافة غير أهله. لكن هيهات! حيث لم يشقّ الشكّ طريقه إلى هذه الفضائل أبداً، ولم ينفذ الظلام إلى هذا النور المتبلّج، فراح القوم يبحثون عن ذرائع أُخرى، فما الذي فعلوه؟ لقد سَعوا بعد مدّة أن يشكّكوا من جهة في دلالة هذا الحديث الشريف على (الإمامة والولاية)، ويثيروا الشبهات من جهة ثانية حول سنده.

لقد توفّرنا على إيراد نصوص كثيرة في المتن، ونودّ الآن أن نسلّط الضوء على بعض الحقائق الكامنة في الحديث، من خلال دراسة وتحليل محتواه وسنده ودلالته، وذلك في إطار النصوص التي مرّت ومعلومات أُخرى.

سنمضي مع هذه الجولة التحليليّة من خلال العناوين التالية:

1 - سند الحديث:

حديث الغدير من أبرز الأحاديث النبويّة وأكثرها شهرة، صرّح بصحّته - بل بتواتره - عدد كبير من المحدّثين والعلماء (1) .

على سبيل المثال: نقل ابن كثير عن الذهبي: (وصدر الحديث (مَن كنت مولاه فعلي مولاه) متواتر، أتيقّن أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قاله) (2) .

وقال الذهبي في رسالته: حديث (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) ممّا تواتر، وأفاد القطع بأنّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله) قاله، رواه الجمُّ الغفير والعدد الكثير من طرق

____________________

(1) راجع: نفحات الأزهار: 6/377.

(2) البداية والنهاية: 5/214.


صحيحة، وحسنة، وضعيفة، ومُطَّرحة، وأنا أسوقها:... (1) .

وقد أحصى العلاّمة الأميني مئة وعشرة من أعاظم الصحابة رووا الحديث، ثمّ ذكر في نهاية الجولة أنّ مَن فاته منهم أكثر من ذلك بكثير (2) .

أمّا المحقّق الراحل السيّد عبد العزيز الطباطبائي (رحمه الله)، فقد ذكر في هامش على كلام صاحب الغدير، أنّ هناك عدداً آخر من الصحابة رووا الحديث، قد استوفاهم في كتابه (على ضفاف الغدير) (3) .

ثمَّ في موسوعة (الغدير) فهرس كبير تقصَّى رواة حديث الغدير من التابعين.

أمّا العالم الغيور، السيّد حامد حسين الهندي، الذي أمضى عمره دفاعاً عن الولاية وحريم التشيّع بمثابرة عجيبة ومن دون تعب أو كلل، فقد خصّص جزءاً كبيراً من موسوعته الخالدة (عبقات الأنوار) لحديث الغدير، حيث كشف فيه عن أسانيد الحديث تفصيلاً، وضبط طرقه ورواته (4) ، ثمّ استوفى الكلام في نقد من ذهب إلى عدم تواتر الحديث، كاشفاً خطل هذه الدعوى وعدم صوابها بأدلّة دامغة وافية (5) .

على ضوء هذه المعطيات يبدو أنّ الكلام عن سند الحديث وصحّته هو من فضول الكلام، وممّا لا جدوى من ورائه.

لذلك كلّه سنكتفي بشهادات عدد من

____________________

(1) رسالة طرق حديث (مَن كنت مولاه فعلي مولاه) للذهبي: 11.

(2) الغدير: 1/60.

(3) هذا الكتاب مخطوط ولم يُطبع حتى الآن، راجع: هامش الغدير (طبعة مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة): 1/144.

(4) راجع: نفحات الأزهار: ج 6 - 9.

(5) نفحات الأزهار: 6/377 - 415.


المحدّثين، قبل أن نترك هذه النقطة إلى بُعد آخر من أبعاد البحث:

ذكر الحاكم النيسابوري الحديث في موضع من (المستدرك على الصحيحين)، ثمّ كتب بعد ذلك: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه) (1) .

كما قال في موضع آخر بعد نقل الحديث: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه) (2) .

أمّا الترمذي، فقد ذكر بعد أن نقل الحديث في (السنن): (هذا حديث حسن صحيح) (3) .

وعند ترجمة الذهبي لابن جرير الطبري، كتب: (لمّا بلغه - ابن جرير - أنّ ابن أبي داود تكلّم في حديث غدير خمّ، عمل كتاب الفضائل، وتكلّم على تصحيح الحديث. قلت: رأيت مجلّداً من طرق الحديث لابن جرير، فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق) (4) .

وكتب ابن حجر: (وأمّا حديث: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)، فقد أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جدّاً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح حسان) (5) .

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 3/118/4576.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3/613/6272.

(3) سنن الترمذي: 5/633/3713.

(4) تذكرة الحفّاظ: 2/713/728.

ولمزيد الاطّلاع حول كتاب الطبري وأهمّيته راجع: كتاب (الغدير في التراث الإسلامي): 35.

(5) فتح الباري: 7/74.


أمّا كتاب ابن عقدة الموسوم بـ (حديث الولاية)، فقد كان متداولاً بين العلماء حتى القرن الهجري العاشر تقريباً، وعنه كتب السيّد ابن طاووس يقول: (وقد روى فيه نصّ النبي صلوات الله عليه على مولانا عليّ (عليه السلام) بالولاية من مائة وخمس طرق) (1) (2) .

ممّن أتى على نقل الحديث أيضاً ابن عساكر؛ حيث ذكره في مواضع عدّة من مصنّفه العظيم، ويكفيك أنّه ذكر له عشرات الطرق في موضع واحد فقط (3) .

وعلى النهج ذاته مضى عدد كبير من المحدّثين والمفسّرين والعلماء.

أفبعد هذا كلّه يجوز الشكّ في صدور الحديث أو في طرقه؟!

إنّ مَن يفعل هذا إنّما ينزلق إليه عن استكبار وعتوّ ورغبة في مناهضة الحقّ الصراح، لا لشيء آخر.

2 - دلالة الحديث:

يظهر ممّا ذكرناه في بداية البحث - وما سنعمل تفصيله أكثر عبر نصوص جمّة - أنّ أحداً لم يكن يشكّ أو يناقش في أنّ مدلول جملة: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)، إنّما كان يُشير إلى الرئاسة وتولِّي الأمر، وإلى الإمامة والزعامة، على هذا مضت سُنّة السلف ومَن عاصر الحديث، دون أن يفهم أحد ما سوى ذلك.

ولا جدال أنّ للفظ (المولى) في اللغة معنى أوسع من ذلك (4) ، لكن ليس ثَمَّ شيء من

____________________

(1) الإقبال: 2/240.

(2) راجع: كتاب (الغدير في التراث الإسلامي): 45، حيث توفّر المؤلّف على بيان أهمّية كتاب ابن عقدة وتأثيره في الكتب التالية له بدقّة كافية.

(3) راجع: تاريخ دمشق: 42/204 - 238.

(4) راجع: الغدير: 1/362، حيث استعرض عدداً من هذه المعاني.


تلك المعاني يمكن أن يكون هو المراد، إنّما المقصود بمدلول الحديث هو الذي ذكرناه، وفهمه الجيل الأوّل.

(المولى) في الأدب العربي:

إنّ تفحّص النصوص الأدبيّة القديمة، ودراسة متون اللغة والتفسير، ليدلّ دون ريب أنّ إحدى المعاني الواضحة لـ (المولى) هي الرئاسة والأولى بالتصرّف في أُمور (المولَّى عليه)، وهى بمعنى الزعامة والولاية.

وفيما يلي نستعرض بعض النصوص والشواهد اللغويّة والتفسيريّة الدالّة على ذلك:

كتب أبو عبيدة معمر بن المثنَّى البصري في تفسير الآية (15) من سورة الحديد، عند قوله: ( ... هِيَ مَوْلاكُمْ... ) : (أي: أولى بكم) (1) .

ثمّ شيّد تفسيره وصوّبه على أساس بيت من الشعر الجاهلي استشهد به، وهو:

فغدت كلا الفرجَين تحسبُ أنّهُ

مولى المخافةِ خلفَها وأمامَها

لقد قصد شرّاح (المعلّقات السبع) على أخذ المولى في بيت لبيد المذكور بمعنى (الأوْلى)، وعلى هذا مضوا في شرح الشعر (2) .

كتب المفسّر والنسّابة المعروف محمّد بن السائب الكلبي، في تفسير الآية (51) من سورة التوبة: ( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) ما نصّه: (أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة) (3) .

____________________

(1) مجاز القرآن: 2/254.

(2) شرح المعلّقات السبع للزوزني: 210، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليّات للأنباري: 565 وراجع الغدير: 1/345.

(3) البحر المحيط: 5/53.


وكتب الأديب والمفسّر الكوفي المشهور أبو زكريّا يحيى بن زياد بن عبد الله المعروف بالفرّاء، في تفسير الآية (15) من سورة الحديد، ما نصّه: ( ( ... هِيَ مَوْلاكُمْ... ) : أي أولى بكم) (1) .

وإلى هذا ذهب أيضاً أبو الحسن الأخفش، وأبو إسحاق الزجّاج، ومحمّد بن القاسم الأنباري وآخرون (2) .

ذكرنا أيضاً أنّ مجيء مولى بمعنى المتولّي والقيّم على الأُمور، هو كذلك من بين أجلى استعمالات هذا اللفظ، وقد صرّح به كثير، منهم:

أبو العبّاس محمّد بن يزيد المعروف بالمبرّد، في تفسير الآية (11) من سورة محمّد: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا... ) ، حيث كتب: (والولي والمولى معناهما سواء، وهو الحقيق بخلقه المتولِّي لأُمورهم) (3) .

كما جاء عن الفرّاء، قوله: (الوليُّ والمولى في كلام العرب واحد) (4) .

كتب المفسّر والأديب والباحث القرآني المعروف في القرن الهجري الرابع الراغب الإصفهاني، ما نصّه: (والولاية تولّى الأمر، والوليّ والمولى يُستعملان في ذلك، كلّ واحد منهما يقال في معنى الفاعل أي المُوالي، وفي معنى المفعول أي المولى) (5) .

كتب المفسّر والأديب المعروف في القرن الهجري الخامس أبو الحسن عليّ

____________________

(1) معنى القرآن: 3/124، تفسير الفخر الرازي: 29/228.

(2) راجع: نفحات الأزهار: 8/86 - 140 والغدير: 1/345.

(3) الشافي: 2/271.

(4) معنى القرآن: 2/161؛ الشافي: 2/271.

(5) مفردات ألفاظ القرآن: 885.


بن أحمد الواحدي النيسابوري، في تفسير الآية (62) من سورة الأنعام: ( ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ... ) ما نصّه: (الذي يتولّى أمورهم) (1) .

في الواقع، صرّح بهذه الحقيقة علماء كثيرون نذكر من بينهم أيضاً المفسّر المعتزلي الكبير جار الله الزمخشري، الذي كتب في تفسير الآية (286) من سورة البقرة: ( ... أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا... ) ما نصّه: (سيّدنا ونحن عبيدك، أو ناصرنا أو متولِّي أمورنا) (2) .

أمّا ابن الأثير، فقد كتب في مصنّفه القيّم (النهاية) الذي تناول فيه غريب الحديث النبوي وألفاظه الصعبة، ما نصّه في معنى (المولى): (قد تكرّر ذكر المولى في الحديث، وهو اسم يقع على جماعة كثيرة... وكلّ مَن وَليَ أمراً أو قام به فهو مولاه ووليّه... ومنه الحديث (أيّما امرأة نُكحت بغير إذن مولاها، فنكاحها باطل)، وفي رواية (وليّها) أي متولِّي أمرها (3) .

على هذا الضوء؛ يتّضح أنّ (الأولويّة في الأُمور)، و(تولّي الأُمور) و(السيادة والرئاسة والزعامة) هي حقائق ثابتة ومعروفة في معنى المولى، كما أنّ تساوي معنى (المولى) مع (الولي) هي أيضاً حقيقة أكّد عليها العلماء والمفسّرون، كما مرّت الإشارة لذلك (4) .

____________________

(1) الوسيط في تفسير القرآن المجيد: 2/281.

(2) الكشّاف: 1/173.

(3) راجع: النهاية: 5/228. والطريف أنّ ابن الأثير عدّ حديث الغدير منطبقاً على هذا المعنى، وقد استشهد في ذلك بكلام عمر: (أصبحت مولى كلّ مؤمن) ، حيث قال: (أي وليّ كلّ مؤمن) .

(4) راجع: نفحات الأزهار: 6/16 والغدير: 1/345.

لقد وثّق هذان العالمان الجليلان المنافحان عن حياض الحقّ، هذه الحقيقة التي ذكرناها من خلال عشرات المصادر اللغويّة والأدبيّة والتفسيريّة.


وبذلك نحن نعتقد - كما يتّفق معنا في ذلك أيضاً المنصفون وأتباع الحقّ من جميع الفرق والمذاهب (1) - أنَّ ما قصده رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في ذلك المشهد العظيم الخالد، من خلال هذه الجملة المصيريّة الخطيرة، هو الإعلان عن (ولاية) عليّ بن أبي طالب و(إمامته) و(زعامته) وليس أيّ شيء آخر.

لقد أُعدّ المشهد وتمّت تهيئة ذلك الحشد العظيم لغرض واحد فقط، هو إعلان الولاية العلويّة للمرّة الأخيرة على مرأى الجميع، هو إعلان أخير لكن احتشدت فيه كلّ عناصر التأثير والجاذبية؛ لكي يستعصي على النسيان ويستوطن وعي الجميع وذاكرتهم، حتى إذا ما أوشكت ساعة الرحيل ومضى النبي إلى ربّه؛ لا يقول قائل: لم أدرِ ما الخبر! أو لم أكن أعلم بالأمر ولم أسمع به!

لهذا كلّه؛ حرص النبي (صلَّى الله عليه وآله) على أن يأخذ من القوم العهد والميثاق، وأقرّهم مرّات على ما أبلغهم به، حتى إذا أقرّوا له، عاد يخاطب الجمع: (ألا فليبلِّغ الشاهد الغائب).

أمّا الآن، فقد آن لنا أن ندرس ملازمات قلب هذا المعنى، فلو قلنا: إنّ مدلول هذا الحديث النبوي لم يكن يعني الولاية وقيادة الأمّة في المستقبل. فما هي اللوازم التي تترتّب على هذا النمط من التفسير؟ هل ترى العقل يُذعن للمشهد بمثل هذا التفسير؟ ثمّ ننعطف إلى تحليل الواقعة ودراسة مكوّناتها، وتأمّل الكيفيّة التي انبثق على أساسها المشهد؛ لنخرج من حصيلة ذلك كلّه، إلى أنّ الحقيقة تكمن فيما ذكرناه أثناء التحليل الاصطلاحي واللغوي لذلك الجزء من الحديث

____________________

(1) من الحريّ أن نُشيد بالباحث المصري الجادّ محمّد بيُّومي مهران، أُستاذ جامعة الإسكندريّة، الذي سلّم بهذه الحقيقة دون أدنى تردّد، وسجّل صراحة أنّ المهني بـ (المولى) جزماً هو الأولى بالتصرّف. راجع: الإمامة وأهل البيت: 2/120.


النبوي وحسب، وليس ثَمَّ شيء أو أشياء وراء ذلك، والله من وراء القصد.

قرائن دلالة حديث الغدير على الخلافة:

أ: القرائن العقليّة

1 - الحصيلة التي تجمّعت بين أيدينا حتى الآن لا تدع - باعتقادنا - مجالاً للشكّ في أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد عيّن في ذلك المشهد المهيب قائد المستقبل، وحدّد للأمَّة الإسلاميّة الإمام المرتقب.

وما يمكن أن نضيفه الآن، أنّ مَن يعتقد أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لم يكن قد صدع بالولاية في ذلك الجمع العظيم، ولم يكن قد أعلن الخلافة عِبْر ذلك الخطاب الذي تفجّر حماساً وتركيزاً على هذه النقطة، ومَن ثَمّ؛ فإنّ مَن يذهب إلى أنّ النبي قد اختار موقف الصمت إزاء مستقبل الأمّة وغد الرسالة، لا يسعه أن يُدرك مِن الذي ذكرناه دلالته على المستقبل، وسيكون عاجزاً عن أن يفهم منه تعييناً للإمامة التي تتبوّأ القيادة بعد النبي.

تماشياً مع قناعة هذا النظر؛ ينبغي أنّ نفترض أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لم يكن قد فكّر في مستقبل الرسالة، ولم يرسم لغد الأمّة بعده مشروعاً محدّداً واضح المعالم والأركان، ولم يحدّد موقع الإمامة بعد غيابه، بل ترك الأمّة كقطيع دون راعٍ، وكهباء ضائع في خلاء؛ ومن ثمَّ فهو لم يجهر بالحقيقة الناصعة على هذا الصعيد ولم يعلنها بلاغاً صادعاً تتناقله العصور والأجيال!

هذا مع أنّنا رأينا في مطلع البحث أنّ الفرضيّات الأُخرى حيال مستقبل الأمّة، غير نظريّة النصّ على القيادة، تتّسم بأجمعها بالسقم والاضطراب وعدم الصواب.

والسؤال مجدّداً: أيقبل العقل - أيُّ عقل كان - هذه السلبيّة واللا مبالاة على


هذا (الطبيب الدوّار) (1) ؟ وهل يصدق هذا على نبيّ لبث شامخاً ناهضاً متفانياً لم يتلعثم عزمه قط، ولم يكفّ عن التفكير في مستقبل الأمّة والرسالة لحظة واحدة؟ حاشا رسول الله أن يفعل ذلك! وجلّت عن ذلك حكمته وصوابه، وحزمه وثباته.

2 - كيفيّة انبثاق المشهد وانطلاق البلاغ: حجّ المسلمون مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وهمّوا بمغادرة مكّة عائدين إلى ديارهم ومواضع سُكناهم بعد أن انتهت المراسم، أفواج تتلوها أفواج، وقوافل يتبع بعضها أثر بعض، تترك البيت العتيق قاصدة العودة بأهلها من حيث أتوا، كذلك مضت قافلة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ترسل خطاها الثابتة صوب المدينة.

اقتربت القافلة النبويّة من (وادي خمّ) وهو وادٍ موصوف بكثرة الوخامة وشدّة الحرِّ (2) ، فجاء وحي السماء من فوره، يأمر النبيّ أن يقف حيث هو، وراح منادي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يأمر مَن تقدّم أن يعود، ويحبس مَن تأخَّر؛ ليجتمع الناس سواءً في مكان واحد، حيث لم تتشعّب بهم الطريق بعد.

أرض جرداء غير مسكونة، مفتوحة على صحراء ممتدّة، الشمس فوق الرؤوس حارّة لاهبة، وقد أمر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أن يصنعوا له موضعاً يرتقيه من أقتاب الإبل، حتى إذا خطب بالحاضرين يراه الجميع ويسمعونه.

احتشد المكان بعشرات الأُلوف (3) ، أدّى النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) صلاة الظهر، ثمّ راح يستعدّ

____________________

(1) إشارة إلى كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، يصف فيه النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، بقوله: (طبيب دوّار بطبّه...). راجع: نهج البلاغة: الخطبة 108.

(2) وفيات الأعيان: 5/231.

(3) حول عدد الحاضرين في واقعة غدير خُمّ وردت أقوال مختلفة، منها: 1300، 10000 شخص (المناقب لابن شهر آشوب: 3/26)، 10000، 12000 شخص (تفسير العيّاشي: 1/333/153 وص 329/143)، 17000 شخص (جامع الأخبار: 47/52)، 40000، 70000، 90000، 114000، 124000 شخص (السيرة الحلبيّة: 3/257)، 70000 شخص (الاحتجاج: 1/134/32)، 120000 شخص (تذكرة الخواصّ: 30). وراجع الغدير: 1/9 وبحار الأنوار: 37/139 وص 158 و165.


لإلقاء خطابه بعد أن أمرهم بالتجمّع، ازداد تجمهر الحشود واقترابها إلى حيث يقف النبيّ مستعدّاً لأمر مهمٍّ. الشمس تستقرّ في كبد السماء فتُرسل بأشعّتها الحارقة، فتتحوّل الصحراء في تلك الظهيرة إلى كتلة ملتهبة. الحاضرون يضعون الأردية والملابس فوق الرؤوس وتحت الأقدام؛ علّها تَقيهم شيئاً من الرمضاء الحارقة وأشعّة الشمس المتوهّجة، وبعضهم يفيء إلى المتاع والرحال يلوذ بظِلاله.

مشهد يقتحم الذاكرة ويستعصي على النسيان، رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يصعد الموضع الذي صنعوه مِن الرحال وأقتاب الإبل، وبصوته النديّ الشجيّ مضى يملأ بكلماته الأفئدة والأسماع، ويُلقي خطبته على عشرات الأُلوف من المسلمين الذين أنهوا الحجّ لتوّهم.

بدأ الخطبة، حمد الله وأثنى عليه، ثمّ راح يُشهدهم مرّات ومرّات على جهده الحثيث في إبلاغ الرسالة، وما بذله لهم من النصيحة في دين الله، وبجهاده العظيم في سبيل الدعوة، فشهدوا له وشهدوا، وردّدوا ذلك بصوت واحد، كان هذا كلّه كالتمهيد، حتى إذا ما تطلّعت النفوس والعقول مستفهمة ما وراء هذا الكلام النبوي من مغزى، أزِفت اللحظة الموعودة، فما كان من النبيّ إلاّ أن أخذ بعضد عليّ ورفعه حتى بانَ بياض آباطهما، وصدع يقول: (مَن كنت


مولاه فعليّ مولاه).

والآن هلمّوا نُبصر المشهد، ونتأمّل فيه عن كثب، ما الذي كان يبتغيه النبيّ بكلّ هذا التمهيد، وفى فضاء مثل هذا تحتشد فيه الأُلوف المؤلّفة؟ وما الذي كان يُريده من إعلان هذا الكلام وسط جوّ حارّ، ملتهب يتجمهر فيه هذا الجمع العظيم؟ هل كان ما يقصده من قوله: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) هو الإعلان عن حبّ عليّ (عليه السلام) وحسب؟ ألم يتحدّث النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) إلى الناس في أكثر من موضع من حجّته الأخيرة - حجّة الوداع العظيمة - عن أهل بيته، ويركّز على مودّتهم من بين ما تحدّث به إلى المسلمين؟! أفَتَراه الآن جمع الأُلوف في هذه الرمضاء التي تشتعل النار في ترابها، طالباً منها الإصغاء إلى كلامه، وإلى أن يُبلّغ الشاهد الغائب؛ لمحض أن يوصيها بحبّ عليّ؟!

أيحتاج حبّ عليّ إلى وصيّة وهو سيّد المؤمنين وأميرهم، والشخصيّة الخارقة في مدرسة محمّد (صلَّى الله عليه وآله) حيث لا تُضاهي مكانتها شخصيّة في هذا الدين؟! ثمّ أليس المؤمنون مأمورون في كتاب الله بحبّ بعضهم بعضاً، ومن ثَمَّ هم مأمورون بحبّ عليّ بالضرورة؟! فهل يحتاج كلام كهذا إلى كلّ هذا التمهيد والإعداد؟!

سبق أن عرضنا أحاديث (حبّ عليّ) ، وقد ركّزنا هناك أيضاً إلى أنّها تنطوي على مدلول أعظم، وغاية أسمى تتخطَّى حدود الحبّ الصوري العادي.

ولطالما تساءلنا عن هذا العناء الذي تجشّمه الناس في تلك الظهيرة الحارقة؛ فهل كانت هذه المشقّة والأذى البليغ من أجل أن يسمع الناس كلاماً يوصيهم بحبّ عليّ؟! تكشف هذه المؤشّرات - بأجمعها - أنّ ما كان يبتغيه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بجملته تلك يتخطَّى هذه التصوّرات العاديّة، ويتجاوزها إلى مدلول أهمّ وأخطر، هذا المدلول هو الذي أملى على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أن يعدّ - بأمر الله - هذا المشهد العظيم بوقائعه


الأخّاذة، ومعانيه التي لا تُنسى، كي يصدع مرّة أُخرى بذلك البلاغ الخطير، بأُسلوب أوضح، حتى يعود المسلمون إلى ديارهم ومواطن سكناهم وفي أفئدتهم صدى الكلمات التي سمعوها في خطاب الرسول، وفي ضمائرهم والعقول يستقرّ ذلك البلاغ الخطير.

هل لعقل أن يفهم من المشهد غير هذا؟! وهل ثَمّ عقل يسيغ تلك التوجيهات والدعاوى الواهية التي ساقوها من حول الواقعة! ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) (1) .

ب: القرائن في الواقعة نفسها:

1 - نزول الآيتين:

لا جدال في أنّ الآيتين (3) و(67) من سورة المائدة نزلتا بشأن واقعة الغدير، فقد نزل الأمر إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بالبلاغ (الآية: 67)، فأعدّ له ذلك المشهد المهيب الذي تجمّعت فيه آلاف الأُلوف، حتى إذا ما انتهى النبيّ من البلاغ، ومن قوله: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) نزلت الآية الأُخرى وهي تتحدّث عن إكمال الدين وتمام النعمة.

هذه حقيقة وثّقت لها كثرة كبيرة من الروايات والأخبار، بحيث لم يعد فيها أدنى شكّ.

والسؤال: لقد نزلت الآية (67) وهي تحتّم على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) إبلاغ أمر إذا ما تخلّف عنه فكأنّه لم يبلّغ الرسالة بالمرّة، كما تُشير إلى أنّ ما ينبغي إبلاغه لهو من الخطورة بحيث يبعث الخيفة والتوجّس، ويُثير خصومة المعاندين وعداوتهم، فهل يتّسق هذا كلّه والزعم أنّ الآية نزلت بشأن شيء من الشرائع

____________________

(1) ق: 37.


وبعض الحلال والحرام؟! لقد كان واضحاً أنّ إبلاغ الشرائع وأحكام الحلال والحرام لا يستحقّ من النبيّ الخشية والتوجّس، كما لا يستتبع من الآخرين المعارضة والعناد.

إنّه لأمر غريب ما ذهب إليه عدد من المفسّرين! فعندما عجز هؤلاء عن رؤية الحقيقة - أو لم تكن لهم رغبة برؤيتها - تراهم جنحوا لمزاعم واهية وأقوال لا نصيب لها من الصواب.

إنّ أهمّية الآيتين وتحديد زمن نزولهما، يدفعنا إلى تخصيص بحث مستقلّ لكلّ واحدة منهما (1) .

2 - محتوى الخطبة:

إنّ الطريقة التي بدأ بها النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) خطبته، وكيفيّة إدامتها، والطريقة التي اختار بها عرض الموضوع، والنسق الحماسي المؤثّر الذي شاب كلمات الرسول، وذلك الإيقاع المتحرّق الأخّاذ في كلماته، كلّ ذلك لا يدع مجالاً للشكّ في أنّ الموضوع أهمّ وأخطر بكثير ممّا تصوّره البعض.

لنبقَ مع إحدى الصيغ التاريخيّة التي توفّرت على بيان النصّ، ثمّ نتأمّل ما فيه من إيحاءات.

عن حذيفة بن أسيد، قال: (لمّا قفل رسول الله من حجّة الوداع نهى أصحابه عن شجرات بالبطحاء متقاربات أن ينزلوا حولهنّ، ثمّ بعث إليهم فصلَّى تحتهنّ، ثمّ قام فقال: (أيّها الناس، قد نبَّأني اللطيف الخبير، أنّه لم يعمّر نبيّ إلاّ مثل نصف عمر الذي قبله، وإنِّي لأظنّ أن يوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنِّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا

____________________

(1) راجع: بحث حول آية التبليغ، وبحث حول آية إكمال الدين.


أنتم قائلون؟).

قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجهدت، فجزاك الله خيراً!

قال: (ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ، وأنّ ناره حقّ، وأنّ الموت حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور؟).

قالوا: بلى نشهد بذلك.

قال: (اللهمّ، اشهد)، ثمّ قال: (يا أيّها الناس، إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم؛ مَن كنت مولاه فهذا مولاه، اللهمّ والِ من وآله وعادِ من عاداه).

ثمّ قال: (أيّها الناس، إنِّي فرطكم وإنّكم واردون عليَّ الحوض، حوض أعرض ممّا بين بصري وصنعاء، فيه آنية عدد النجوم قِدحان من فضّة، وإنِّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلِّفوني فيهما: الثقل الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرف بأيديكم، فاستمسكوا به لا تضلّوا ولا تبدّلوا، وعترتي أهل بيتي؛ فإنّه قد نبَّأني اللطيف الخبير، أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) (1) .

إنّ نسق بيان الخطبة ليدلّ على أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) راح بادئ الأمر يهيّئ القلوب ويعدّها، ويدفع بالأفكار إلى التأمّل، ويحثّ الآذان على الانتباه والإصغاء، حتى تنفتح بصائر القلوب، فيملأ الأفئدة إيماناً، وتستوطن كلماته النديّة الشجيّة الأعماق؛ ذلك كلّه لكي لا ينقلب أحد من الناس في الغد وما بعد الغد إلى إنكار ما سمع من خطاب الرسول، إلاّ أن يكون ذلك عن ضلالة وعمى، وعن عناد أمام الحقّ الصراح.

تحدّث النبيّ صراحة بأنّ ساعة الرحيل قد أوشكت، وما أقرب أن يُودّع

____________________

(1) البداية والنهاية: 7/349.


الأمّة إلى الرفيق الأعلى؛ كي يحفّز بذلك الأذهان ويستحثّها للتفكير بأمر الخلافة، ويدفعها للتأمّل في الصيغة التي تستمرّ فيها القيادة من بعده.

لقد جاءت كلمات النبيّ: (إنِّي مسؤول، وأنتم مسؤولون)؛ لتُلقي شحنة مركّزة وقويّة على المسؤوليّة العامّة الملقاة على عاتق الجميع، وكأنّه (صلَّى الله عليه وآله) يقول: أنا مسؤول أن أصدع بالحقّ وأهتف بالحقيقة كما هي، وأنتم مسؤولون أن تُصغوا وتتأمّلوا ثمّ تعملون.

ثمّ انعطف يتساءل: لقد مكثت فيكم سنوات مديدة، أُبلّغ رسالات ربّي فماذا أنتم قائلون؟ أجاب الحشد بصوت واحد عالي الرنين، رفيع الصدى: نشهد أنّك قد بلّغت وجاهدت، فجزاك الله خيراً.

واستمرّ النبيّ يسترسل بتساؤلاته إلى الجمع المحتشد أمامه، عن أُصول ما جاء به إليهم، فشهدوا بالتوحيد والرسالة، وأنّه الأولى عليهم من أنفسهم في جميع شؤون الحياة، فأشهد الله عليهم قائلاً: (اللهمّ اشهد).

هي ذي اللحظة الموعودة أزِفت، إنّ هذا كلّه كان كالتمهيد، ترقّب عارم يحفّ بالمشهد، الأبصار تطمح تلقاء المُحيّا النبوي، الآذان مشدودة إليه، وتساؤلات تسكن الأعماق: ما الذي يريد أن يقوله النبيّ من وراء ذلك؟

تدفّقت الكلمات من فم النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت مولاه فهذا مولاه).

وطفق النبيّ بعدها يدعو لمَن وآله، وأنّ مَن يعتو عن هذا الأمر ويعلو عليه، ولا يسلّم لصاحب الولاية بولايته، فهو في الحقيقة يُعلن المعركة ضدّ الرسول، ويشهرها حرباً على النبيّ نفسه.

أبعد هذا يسفّ بعاقل رأيه، ويتداعى به حزمه، فيزعم أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فعل


ذلك كلّه كي يوصي بحبّ عليّ؟!

رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يعلم أنّ في قومه مَن لا يُطيق هذه الحقيقة، وأنّ فيهم مَن سيُحرِّض على (المولى) ويحشّد الصفوف لمواجهته، جامحاً عن الحقّ، فشدّد وحذّر، ثمّ ما لبث أن تحوّل إلى جانب آخر، ليُعيد تأكيد الأمر من بُعدٍ جديد.

ذكر القيامة، وعاد يُنبّه إلى لحظة الفراق، مشيراً: إنَّني أُوشك أن أُدعى فأُجيب، لكنِّي أتوجّس المستقبل، فماذا أنتم فاعلون؟ موعدنا هناك، على الحوض، ستجدوني أقف بانتظاركم، أترقّبكم كيف ترِدون.

صلَّى الله عليك يا ضياء العالم، ويا سراج الوجود المنير، لقد صدعت بكلمات الله، وبلّغت رسالة السماء بما هي أهله، وأدّيت حقّ (الحقّ) أداء شرُفت به الحياة، وأضاءت به مقادير الإنسان.

صلَّى الله عليك، وقد صدعت بولاية عليّ بصدر مشحون بالغصص والآلام، لعلمك بالمدى الذي ستبلغه مكائد القوم وإحَنهم، وهي توشك أن تنطلق قويّة ضارية، تُحيك المؤامرات والمتاعب من كلّ حدب وصوب. بيد أنّك حفظت للحقّ حرمته، وأدّيت الأمانة.

فسلام عليك - نُزجيه خاشعين - عمّا أعطيت وهديت، وعلى الذين نهجو نهجك الوضّاء، وسلكوا سبيلك، وبذلوا مهجتهم فيك.

3 - تتويج عليّ يوم الغدير:

هو ذا نبيّ الله يضع عمامته على رأس عليّ ليزداد المشهد أُبّهةً وجلالاً، فهو - بحقٍّ - نور على نور.

رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يهبط من المكان الذي وُضِع له لحظة أن صدع بأخطر بلاغات


السماء، تتهادى إلى نفسه المقدّسة عذوبة شفيفة، تسكن روحه طمأنينة باذخة، ورضىً أحسّ به بعد أن انتهى من إبلاغ الأمّة أمر ربّه، الناس يتجمهرون حول النبيّ حلقاً حلقاً، لا ريب أنّ القلوب تموج بمشاعر مختلفة لما حصل.

ما الخبر؟! عليّ أصبح خليفة النبيّ! لم يكن قلّة أُولئك الذين تجاهلوا كلّ جهود النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وما بذله في سبيل هذا الأمر منذ أوّل أيّام البعثة حتى هذه اللحظة، وما كان إصرارهم على العناد قليلاً؛ لذلك شعر النبيّ أنّ مهمّته لم تكتمل بعد؛ فلابدّ من المزيد إمكاناً في ترسيخ الأمر، وإبلاغاً في الحجّة.

نادى على عليّ (عليه السلام)، وتوّج رأسه بعمامته (السحاب)، لقد ألِفت أعراف ذلك العصر تتويج مَن يتسنّم زمام الحكم، وعلى هذا جرى الملوك والأُمراء، والآن هو ذا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وقد نصَّب عليّاً للحكم، يضع على رأسه العمامة؛ لأنّ (العمائم تيجان العرب) (1) .

كما حدّثوا عن ثقافة ذلك العصر، أنّ العرب عندما كانوا يَنتخِبون شخصاً للإمارة ويُسوّدونه عليهم، كانوا يضعون على رأسه (عمامة)، في سلوك كان يدلّ على تثبيت الحاكميّة والولاية (2) .

لقد تحدّث عليّ بن أبى طالب (عليه السلام) عن هذه المكرمة النبويّة العظيمة، بقوله: (عمَّمني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خُمّ بعمامة).

كما وثّق المحدّثون والمؤرّخون مراسم هذا التتويج المهيب، الذي ينبئ عن العظمة والجلال، فكان ممّا كتبوه: (أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) دعا عليّ بن أبى طالب يوم غدير

____________________

(1) مسند الشهاب: 1/75/47، النهاية في غريب الحديث: 1/199.

(2) تاج العروس: 17/506.


خمّ، فعمّمه وأرخى عذبة العمامة من خلفه).

وكتبوا أيضاً (1) : (إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عمّم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) عمامته السحابة) (2) .

لقد دلّل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بتتويج عليّ (عليه السلام) بعمامته (السحاب) على هذه الهيئة الخاصّة، وفي ذلك المشهد وبعد البلاغ، على أنّه لم يكن يقصد من وراء خطبته وكلماته السامية، غير نصب عليّ للولاية، ولم يكن له غرض يصبو إليه من جميع ذلك، إلاّ أن يُعلن إمامة أمير المؤمنين وزعامته للأمَّة (3) .

4 - التسليم بالإمارة:

نزل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) من المنبر الذي صنعوه له من أحداج الإبل، ثمّ أمر المؤمنين أن يُسلّموا على عليّ (عليه السلام) بإمرة المؤمنين.

يقول بُريدة الأسلمي: (أمرنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أن نُسلّم على عليّ (عليه السلام) بإمرة المؤمنين) (4) .

5 - التهنئة بالولاية والإمارة:

لقد أسفرت تصريحات ذلك اليوم عن وجه الحقيقة، حتى لم يفهم الحاضرون من الواقعة ومن البلاغ غير نصب عليّ (عليه السلام) للولاية؛ لذلك اندفعوا صوب الإمام أمير المؤمنين يهنّئونه بالولاية.

والطريف أنّ الذين تقمّصوا الأمر بعد ذلك كانوا في طليعة المبادرين لتهنئة الإمام، ومن بينهم الخليفة الثاني الذي بادر الإمام

____________________

(1) فرائد السمطين: 1/76/42.

(2) نظم درر السمطين: 112.

(3) ذكرت بعض المصادر أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وضع العمامة على رأس عليّ في البداية، ثمّ قال: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)، ويمكن أن يكون ذلك قد حصل تكراراً، وليس للمرّة الأُولى.

راجع: التتويج يوم الغدير.

(4) راجع: التحيّة القياديّة.


بقوله: (هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت اليوم وليّ كلّ مؤمن) .

لقد توفّرت مصادر حديثيّة وتاريخيّة كثيرة على توثيق تهنئة عمر وضبطها بألفاظ عديدة، كما توفّرت أيضاً على ضبط تهاني الآخرين (1) .

6 - شعر الشعراء:

يحظى فهم الأُدباء والشعراء لمفردات اللغة وألفاظها بعناية خاصّة في جميع الثقافات، فإذا ما تعدَّدت احتمالات المعنى ترى العلماء يُهرَعون إلى فهم الأُدباء والشعراء ليستندوا إليه في الترجيح.

وفي يوم الغدير، حيث كان النبيّ قد نزل المنبر للتوِّ، نهض حسّان بن ثابت من فوره، واستأذن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أن يقول في الواقعة أبياتاً من الشعر، فأذِن له النبيّ، فراح ينشد قصيدته العصماء، ومطلعها:

يُناديهُم يوم الغدير نبيّهم

بخمٍّ وأسمِع بالرسول مناديا

إلى أن قال:

فقال له قم يا عليّ فإنَّني

رضيتك من بعدى إماماً وهاديا

فلمّا فرغ قال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): (لا تزال - يا حسّان - مؤيَّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك).

يتّضح من غديريّة حسّان، أنّه فهم من الواقعة ومن قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، النصَّ على إمامة عليّ بن أبي طالب، وقد أيّده النبيّ ولم يُنكر عليه (2) .

وعلى هذا مضى

____________________

(1) راجع: التهنئة القياديّة.

(2) تأتي غديريّة حسّان في طليعة شعره، وهي من أطول قصائده وأشهرها.

راجع: الغدير: 2/34. بيد أنّ الذي يُثير الأسف أنّ الدكتور محمّد طاهر درويش وضع كتاباً ضخماً في حسّان تحدّث عن شعره ومختلف أبعاد حياته، لكنّه لم يذكر هذا الشعر قطُّ. راجع: كتاب (حسّان بن ثابت).


شعراء كثيرون بعد حسّان بن ثابت؛ حيث استلهموا في شعرهم وقصائدهم إمامة عليّ وولايته من هذه الواقعة وما صدر فيها.

من جهته، استند العلاّمة الشيخ عبد الحسين الأميني في موسوعته الضخمة (الغدير) على مثل هذا الشعر من بين ما استند إليه، قاصداً تحليل محتواه ودراسة مراميه الدالّة على الولاية والإمامة (1) .

7 - إنكار الولاية ونزول العذاب:

صدور موبوءة بالحسد، موغرة بالحقد والضغينة؛ لا لشيء إلاّ لأنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أعلن اسم عليّ ونصَّبه للولاية وإمامة الأُمّة من بعده.

راح هؤلاء يُرجِفون، ويبثّون السفاهات، لكن ندّ مِن بينهم رجل كان أكثرهم وقاحة، وأجرأهم على الحقّ، نظر بعين الشكّ إلى ما قام به النبيّ من نصب عليّ للإمامة، فأسرع إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) تسبقه أحقاده، فسأله بجلف وفجاجة، عن الذي جاء به، وفيما إذا كان منه أم من الله، فردّ عليه نبيّ الله ثلاث مرّات مشفوعة بقَسَم: أنّ ما جاء به هو من عند الله، وهو أمر السماء لابدّ له فيه. لكنّ الرجل مضى بنفس متبلّدة داجية، وروح منهوكة مهزومة تُحيط بها ظلمة حالكة من كلّ صوب، وهو يسأل الله بتبرّم وسخط أن يُسقِط عليه حجارة من السماء أو يأتيه بعذاب أليم إن كان ما يقوله حقّاً.

لم يكد يبتعد عن النبيّ خطوات، حتى نزل به العذاب؛ إذ رماه الله بحجر قتله من فوره، بعد أن وقع على هامته، وأنزل الله سبحانه: ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ

____________________

(1) راجع: أبيات حسّان بن ثابت، والقسم التاسع/عليّ عن لسان الشعراء.


وَاقِعٍ ) (1) .

المهمّ في هذه الواقعة ما فهمه سائل العذاب، فهذا الرجل فهِم من قول النبيّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) دلالته على الإمامة والرئاسة والقيادة؛ بدليل قوله في سياق ردّه على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): (ثمّ لم ترضَ حتى نصَّبت هذا الغلام، فقلت: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)!)؛ إذ من الجليّ أنّ حبّ عليّ وإظهار مودّته لو كانا هما المقصودين في كلام النبيّ، لما استدعى الأمر كلّ هذا الحِنق والغضب من الرجل، ولما استتبع عصيانه وطغيانه (2) .

8 - اعتراف الصحابة:

لم يكن ثمّةَ من الصحابة في ذلك العصر مَن فهِم من الكلام النبوي غير دلالته على مفهوم الإمامة والقيادة. حتى مرضى القلوب أظهروا الذي أظهروه لضعف اعتقادهم، وإلاّ لم يشكّ منهم أحد قطُّ في مدلول الكلام النبوي ومعناه.

منذ ذلك المشهد وبعده - حيث استمرّ الأمر بعد ذلك سنوات أيضاً - كان هناك على الدوام من يُطلق على الإمام عليّ عنوان المولى، ويُخاطبه ويسلّم عليه به.

وعندما كان الإمام عليّ (عليه السلام) يستوضح هؤلاء ويسألهم عن هذا الاستعمال، كانوا يُجيبوه: (سمعنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خُمّ يقول: (مَن كنت مولاه، فإنّ هذا مولاه)) (3) .

وقد أكّد عمر بن الخطّاب نفسه على هذه النقطة مرّات، كما فعل ذلك عدد

____________________

(1) المعارج: 1.

(2) لقد اكتنفت الواقعة روايات ونصوص كثيرة، راجع: سؤال عذاب واقع.

(3) مسند ابن حنبل: 9/143/23622.


آخر من الصحابة أيضاً.

والسؤال: هل أراد هؤلاء بمناداتهم عليّاً بالمولى، استناداً إلى الواقعة وإلى مدلول حديث الغدير، هل أرادوا بذلك (الحبيب) و(النصير)؟ إنّ الجنوح إلى مثل هذا الفهم لا تبرّره إلاّ اللا أُباليَّة كما ينمُّ عن عدم الانصياع إلى أبسط الحقائق اللغويّة والبيانيّة وأوضحها.

9 - مناشدة الإمام:

عندما رأى الإمام عليّ (عليه السلام) أنّ الجهاز السياسي الحاكم راح ينتهز الفرصة في تجاهل الواقعة وكتمانها، بادر إلى أُسلوب فاعل لمواجهة ذلك.

لم يلجأ الإمام إلى مواجهة الوضع الجديد على أساس صدامي مباشر، ولم يَر من المناسب أن يلتحم في معركة حامية تُثير الفتنة والاضطراب؛ لأسباب كان يقدّرها، ومرّت إليها الإشارة في موضعها، بيد أنّه لم يكفّ يده قطُّ عن إظهار الحقّ، والإجهار بالحقيقة وبما كان قد حصل يوم الغدير مستفيداً من أيّة فرصة تؤاتيه لإعلان ذلك، فإذا ما واجه أحدهم الإمام بسؤال كان يُجيبه بصراحة، وإذا ما كان بين الناس ورأى الأجواء مؤاتية بادر هو للحديث عن واقعة الغدير طالباً ممّن كان حضر الواقعة من الحاضرين أن يشهدوا بما أبصروا ورأوا.

كما كان يحصل أحياناً أن يُقسم الإمام على أشخاص لاذوا بالصمت خوفاً أو طمعاً، ويحثّهم على إظهار الحقّ والصدع به، حتى لا تضيع الحقيقة وتندثر في مطاوي النسيان.

إنّ الوقائع من هذا القبيل كثيرة، وقد اشتهرت في تصانيف المحدّثين والمؤرّخين بـ (المناشدة)، وقد حصلت بوفرة سواء في عهد عزلة الإمام أو في عصر خلافته، لكي لا يضيع الحقّ على الجيل الجديد، ولا تلتبس عليه الحقيقة، ويصير ضحيّة التجهيل والتضليل.


من ذلك ما ذكروه، من أنّ الإمام حضر في مجتمع الناس بالرحبة في الكوفة واستنشدهم بحديث الغدير، حيث قالوا: نشد عليّ (عليه السلام) الناس في الرحبة من سمع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خُمّ ما قال، إلاّ قام. فقام بضعة عشر رجلاً من الصحابة (1) .

لقد دأب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على تأكيد هذه الحقيقة دائماً وفي كلّ مكان، حيث راح يحثّ مَن حضر الواقعة على الإدلاء بشهادته، كي لا يضيع حقّ (الحقّ) ولا يلفّه النسيان.

على هذا؛ كانت شهادة هؤلاء القوم مهمّة بالنسبة إلى الإمام، وعندما اختار بعضهم - ممّن لم يُرتقب منه ذلك أبداً - الكتمان والامتناع عن إبداء الشهادة، دعا عليهم الإمام بألم وتوجّع (2) .

أفيكون كلّ هذا الحثّ والإصرار، والحرص والتحرّق على إضاءة المشهد وإبقاء الواقعة حيّة لا تُنسى، لمحض أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال في جملة: (أحبّوا عليّاً وانصروه)؟! ثمّ هل لنا أن نتصوّر أنّ الجهاز الحاكم فرض السكوت على تلك الجموع الكثيرة التي حضرت الواقعة، بحيث كان الإمام عندما ينشدهم لم تنهض منهم إلاّ قلّة ضئيلة فيما تلوذ الأكثريّة بالصمت خوفاً أو طمعاً، إنّما كان من أجل أن يحولوا بين القلوب والنفوس وبين جملة أوصى بها النبيّ بحبّ عليّ؟!

كلام المعصومين في تفسير الحديث:

ذكرنا مراراً أنّ الذين حضروا مشهد الغدير فهموا من قول النبيّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) دلالته على الولاية والإمامة والرئاسة.

على هذا الأساس؛

____________________

(1) راجع: مناشدات عليّ.

(2) راجع: الدعاء على الكاتمين.


انطلقوا لتحيّة الإمام بالإمارة وتهنئته بالولاية، على المسار ذاته تحرّك الأُدباء والشعراء، فضمّنوا شعرهم وقصائدهم هذه الحقيقة التي فهموها وتركوها وثيقة للتاريخ، كما يشذّ عن ذلك الفهم حتى أُولئك الضُّلاّل الذي تعثّرت بهم بصيرتهم فاختاروا الضلالة على الهدى.

ما نودّ التأكيد عليه في خاتمة هذه القرائن، أنّ الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) أعلنوا هذه الحقيقة في تفسير الحديث مرّات ومرّات.

أجل، لم يصدر عن أُولئك الكرام، وهُم هُم في البلاغة والعلم، وهم (أهل البيت)، و(أدرى بما في البيت)، لم يصدر عنهم في مواضع متعدّدة قطُّ سوى هذا التفسير.

ونختم بنصّ من هذه النصوص الوضيئة التي تتضوّع مسكاً - وختامه مسك - حيث سأل أبو إسحاق الإمام عليّ بن الحسين، بقوله: ما معنى قول النبيّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)؟

قال: (أخبرهم أنّه الإمام بعده).

إنّ أمثال هذه النصوص التفسيريّة كثير في ميراث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، ولا جدال أنّ تفسيرهم مقدّم على كلّ تفسير (1) .

بعد الغدير:

قفل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عائداً إلى المدينة، بعد أن انتهى من الحجّ وأبلغ ولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

لم يعترض على البلاغ النبوي علناً وبشكل صريح إلاّ شخص

____________________

(1) لمزيد الاطّلاع على تفسير كلمة (المولى)، راجع: مجلّة تراثنا/العدد 21، البحث المهمّ المعنْون: الغدير وحديث العترة الطاهرة.


واحد، أمّا البقيّة فقد انطوت على الصمت ولم تجهر بخبيئة نفسها.

تفرّق الناس في البوادي والصحاري قاصدين ديارهم، ودخل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) المدينة مع أصحابه.

مُحاولة لتثبيت محتوى (الغدير):

راح رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يُمضي أيّامه الأخيرة في المدينة، وموجات السرور تطفح بالبشر على وجهه الأقدس، وهو يشعر بالرضى وقد انتهى من أداء آخر المسؤوليّات، وبلّغ آخر كلمات السماء وأخطرها.

بيد أنّه كان يعرف - بعلمه الذي يستمدّه من وراء الملكوت - ما يجري في داخل المجتمع، وله دراية بجميع المؤامرات والمكائد والعداوات، التي توشك أن تنطلق في المستقبل القريب قويّة ضارية؛ لذلك - كلّه - راح يستفيد من الفرصة المتبقّية لكي يُحكم ما كان قد بلّغه ويرسّخه أكثر فأكثر.

لقد سجّل الجهد النبوي على هذا الصعيد مبادرتين عظيمتين على الأقلّ، نُشير إليهما في الفصل الآتي.


(16)

الجهود الأخيرة

1 - كتابة الوصيّة:

رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ممدّد على فراش المرض وقد ثقل عليه المرض، الحمَّى تلهب جسده المطهّر، وكلّ شيء يومئ إلى أنّ ساعة الرحيل قد أزِفت، وأنّ النبيّ يوشك أن يُفارق هذه الدنيا بعد سنوات من الجهد الحثيث المثابر.

ما يشغل النبيّ في هذه اللحظات الحرجة ويقضّ عليه مضجعه هو مستقبل الأُمّة، والغد الذي ستؤول إليه رسالته الفتيّة، وهذه الشجرة الطيّبة التي لا تزال بحاجة إلى الرعاية والحماية، وإلى عناية من نوع خاصّ.

في هذه اللحظات الثقيلة بوطأة الفراق الذي أوشك، وإذا بصوت يصدع من الحجرة النبويّة، ورسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً) (1) .

انفجر المشهد عن لغط تحوّل بالتدريج إلى صياح وخصام في محضر النبيّ الأقدس، ثمّ ندَّت عن أحد الحاضرين كلمة قارصة موجعة، بعيدة كلّ البُعد عن مقام النبيّ وشأنه العظيم.

لقد بلغ من احتدام الموقف أنّ النساء صحن من وراء الستر إشفاقاً على النبيّ، وهنّ يحثّنّ الرجال أن يُقرّبوا إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ما طلبه،

____________________

(1) صحيح البخاري: 3/1111/2888.


فما كان من صاحب ذلك الصوت إلاّ أن عاد يطعن بهنّ (1) .

عندها أحجم النبيّ عن الحاضرين، ونادى بهم: (قوموا عنّي)! (2) .

لم تُكتب هذه الوصية النبويّة، لكنَّ محتواها كان واضحاً لكثيرين - ولا يزال - وهم يعرفون تماماً لماذا أحجم النبيّ عن إملائها.

لا ريب أنّ محتوى الوصيّة هو تأكيد آخر على ما تمّ إبلاغه في الغدير، من الولاية وتحديد مستقبل الأُمّة ومصيرها، تشهد على ذلك النقاط التالية:

1 - إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) تحدّث عن (التمسّك) بالثقلين مرّات ومرّات، وعدَّ ذلك عصمة للأُمّة من مهاوي الردى والضلال.

وفى حديثه عن هذه الوصيّة صرّح بالخصلة ذاتها، وهو يقول: (كتاباً لن تضلّوا).

2 - ينبغي أن ندرس ونتأمّل طبيعة الشيء الذي إذا كتبه الرسول يُثير كلّ هذا الصخب والتوجّس وردود الأفعال، حتى ليستمرئ بعض الحاضرين توجيه تلك المقالة المهينة إلى رسول الله، هل كان ثمَّ شيء خليق بإثارة هذا الجوّ العنيف المنفعل غير قضيّة (القيادة)، حتى بلغ من ضوضاء القوم أن أمر النبيّ بإخراجهم وإبعادهم عنه، بكلمات ملؤها الألم!

3 - كان ابن عبّاس يتحدّث عن تلك الرزيّة (رزيّة الخميس) على الدوام، ويُعيد ذكراها بتوجّع وألم، حتى كانت دموعه تسيل على خدّيه في بعض

____________________

(1) راجع: الطبقات الكبرى: 2/243.

(2) صحيح البخاري: 3/1111/2888 وج 1/54/114، راجع: غاية جهد النبيّ في تعيين الولي/طلب الصحيفة والدواة.


المرّات، وقد قال: إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أوصى بثلاث بعد الذي قالوا، قال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أُجيزهم...).

ثمّ ذكر ابن أبي نجيح الذي روى الخبر عن سعيد بن جبير، ما نصّه: وسكت سعيد عن الثالثة، فلا أدرى أسكت عنها عمداً؟! وقال مرّة: أو نسيها؟ وقال سفيان مرّة: وإمّا أن يكون تركها أو نسيها! (1) .

أنسي سعيد؟! أم اعتصم بالصمت وهو يبصر سيف الحجّاج بن يوسف يبرق فوق الرؤوس؟! وهل اختارت ذاكرة التاريخ إلاّ أن تدفع الأمر إلى مطاوي العدم والنسيان لتفتك بـ (الحقيقة) وتأدها لمصلحة الجهاز الحاكم، وتذبحها على دكّة (المصلحة)!

يكتب العلاّمة السيد عبد الحسين شرف الدين: (ليست الثالثة إلاّ الأمر الذي أراد النبيّ أن يكتبه حفظاً لهم من الضلال، لكنَّ السياسة اضطرّت المحدّثين إلى نسيانه، كما نبّه إليه مفتي الحنفيّة في (صور) الحاج داود الددا (2) .

هكذا يتّضح أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عندما منع من الكتابة، عاد ليؤكّد الأمر شفويّاً في إطار وصايا أُخرى، ولكن!

4 - اعتراف عمر بن الخطّاب: لقد صرّح عمر بهذه الحقيقة، وعدّ ما قام به - من منع النبيّ والحؤول بينه وبين أن يكتب - تداركاً لمصلحة الأُمّة! يقول: (و لقد أراد [ (صلَّى الله عليه وآله) ] في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعتُ من ذلك إشفاقاً وحيطة على

____________________

(1) مسند ابن حنبل: 1/477/1935.

(2) المراجعات: 455.


الإسلام. لا وربِّ هذه البنيّة، لا تجتمع عليه قريش أبداً، ولو وليها لانتقضت عليه العرب مِن أقطارها، فعلم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنِّي علمت ما في نفسه فأمسك!) (1) .

2 - إنفاذ جيش أُسامة:

اختار رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - وهو في أيّامه الأخيرة وقد استولى عليه المرض - اختار أُسامة بن زيد؛ ذلك الفتى البالغ عمره 17 سنة، لقيادة جيش كبير يضمّ في صفوفه أعيان الصحابة.

يقول ابن سعد في هذا السياق:

(فلمّا كان يوم الأربعاء بُدئ برسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فحُمّ وصُدّع، فلمّا أصبح يوم الخميس عقد لأُسامة لواءً بيده... فلم يبقَ أحدٌ من وجوه المهاجرين الأوّلين والأنصار إلاّ انتُدب في تلك الغزوة، فيهم: أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد، وقتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش) (2) .

النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يأمر بإنفاذ هذا الجيش ويقول مؤكّداً: (جهِّزوا جيش أُسامة، لعن الله من تخلّف عنه) (3) ، ويأمر جيش المسلمين بترك المدينة فوراً مع عدم وجود خطر عسكري فعليٍّ يُهدّد المدينة!

لا ريب أنّ النبيّ كان يقصد من وراء ذلك أن ينقِّي أجواء المدينة من المتربّصين الذين يتحيّنون الفرصة بعد رحيل النبيّ للانقضاض على الخلافة،

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: 12/21؛ كشف اليقين: 463/562، كشف الغمّة: 2/46.

(2) الطبقات الكبرى: 2/190.

(3) الملل والنحل: 1/23.


ومن جهة أُخرى، يريد (صلَّى الله عليه وآله) تمهيد الطريق لوصول الحقّ إلى صاحبه الشرعي، وهو ما ورد صريحاً في كلام الإمام على (عليه السلام) (1) .

____________________

(1) راجع: غاية جهد النبيّ في تعيين الولي/إنفاذ جيش أُسامة.


الفصل الأول

أحاديث الوصاية

1/1

لكلّ نبيٍّ وصيّ

320 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ لكلّ نبيّ وصيّاً ووارثاً، وإنّ عليّاً وصيِّي ووارثي) (1) .

321 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ الله عزّ وجلّ اختار من كلّ أمّة نبيّاً، واختار لكلّ نبيّ وصيّاً، فأنا نبيّ هذه الأُمّة، وعليّ وصيِّي في عترتي وأهل بيتي وأمَّتي من بعدي) (2) .

322 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ أوّل وصيّ كان على وجه الأرض هبة الله بن آدم، وما من نبيّ

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/392/9005 و9006، الفردوس: 3/336/5009، ذخائر العقبى: 131، المناقب للخوارزمي: 85/74، كفاية الطالب: 260 كلّها عن بريدة، المناقب لابن المغازلي: 201/238؛ الطرائف: 23/19 كلاهما عن عبد الله بن بريدة، المناقب لابن شهر آشوب: 2/188 عن بريدة، كشف الغمّة: 1/114 عن أبي بريدة.

(2) المناقب للخوارزمي: 147/171، فرائد السمطين: 1/272/211؛ الطرائف: 25/22 كلّها عن أُمِّ سلمة.


مضى إلاّ وله وصيّ، وكان جميع الأنبياء مائة ألف نبيّ وعشرين ألف نبيّ، منهم خمسة أُولو العزم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمّد (عليهم السلام)، وإنّ عليّ بن أبي طالب كان هبة الله لمحمّد، وورث علم الأوصياء، وعلم مَن كان قبله، أما إنّ محمّداً ورث علم مَن كان قبله من الأنبياء والمرسلين) (1) .

323 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ لله تعالى مائة ألف نبيّ وأربعة وعشرين (2) ألف نبيّ، أنا سيّدهم وأفضلهم وأكرمهم على الله عزّ وجلّ، ولكلّ نبيّ وصيٌّ أوصى إليه بأمر الله تعالى ذكره، وإنّ وصيِّي عليّ بن أبي طالب لَسيّدهم وأفضلهم وأكرمهم على الله عزّ وجلّ) (3) .

324 - إثبات الوصيّة - في خبر دعوة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بنى هاشم -: روى أنّه دعاهم ثانية فأطعمهم وسقاهم جميعاً لبناً من عسٍّ (4) واحد، حتى تصدّروا، ثمّ قال لهم: (يا بني عبد المطّلب، أطيعوني تكونوا ملوك الأرض وحكّامها، إنّ الله عزّ وجلّ لم يبعث نبيّاً قطّ إلاّ جعل له وصيّاً وأخاً ووزيراً، فأيُّكم يكون أخي ووصيِّي ومؤازري وقاضي دَيني؟).

____________________

(1) الكافي: 1/224/2 عن عبد الرحمن بن كثير، بصائر الدرجات: 121/1 عن عبد الرحمن بن بكير الهجري كلاهما عن الإمام الباقر (عليه السلام) وفيه (أربعة وعشرين) بدل (عشرين) وص 294/10، الاختصاص: 279 كلاهما عن عبد الله بن بكير الهجري عن الإمام الباقر (عليه السلام) وفيهما من (إنّ عليّ بن أبي طالب...) وراجع تفسير فرات: 183/235.

(2) في المصدر: (وعشرون) ، وهو تصحيف.

(3) مَن لا يحضره الفقيه: 4/180/5407، الخصال: 641/19 عن زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) وح 18، الأمالي للصدوق: 307/352 كلاهما عن دارم بن قبيصة عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) والثلاثة الأخيرة عن الإمام علي (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، المناقب لابن شهر آشوب: 3/47 كلّها نحوه.

(4) العُسّ - بالضمّ والتشديد -: القدح الكبير (مجمع البحرين: 2/1215).


فأبوا قبول ذلك، وقالوا: ومَن يُطيق ما تُطيقه أنت؟!

فقام إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو أصغرهم سنّاً، فقال له: (أنا يا رسول الله).

فقال له: (أنت - لعمري - تقبل ما قلت وتُجيب دعوتي).

ولذلك كان وصيَّه وأخاه ووارثَه دونهم (1) .

325 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا علي، أنت خليفتي على أمَّتي في حياتي وبعد موتي، وأنت منِّي كشيث من آدم، وكسام من نوح، وكإسماعيل من إبراهيم، وكيوشع من موسى، وكشمعون من عيسى، يا علي، أنت وصيِّي ووارثي) (2) .

326 - الإمام الصادق (عليه السلام): (كان وصيُّ آدم (عليه السلام) شيث بن آدم هبة الله، وكان وصيُّ نوح سام، وكان وصيُّ إبراهيم إسماعيل، وكان وصيُّ موسى يوشع بن نون، وكان وصيُّ داود سليمان، وكان وصيُّ عيسى شمعون، وكان وصيُّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو خير الأوصياء) (3) .

ولمزيد الاطّلاع على أسماء الأوصياء من لدُن آدم (عليه السلام) حتى خاتم الأنبياء (صلَّى الله عليه وآله)

راجع:

الكافي: 8/113/92، مَن لا يحضره الفقيه: 4/174/5402،

الأمالي للصدوق: 486/661، كمال الدين: 211/1، الإمامة والتبصرة: 153/1،

الأمالي للطوسي: 442/991، قصص الأنبياء: 371/448، مشارق أنوار اليقين: 58،

بشارة المصطفى: 82، كفاية الأثر: 147، المناقب لابن شهر آشوب: 1/251،

المسترشد: 574/245 وكتاب (إثبات الوصيّة).

____________________

(1) إثبات الوصيّة: 127 وراجع دعائم الإسلام: 1/15 وروضة الواعظين: 63 وكنز الفوائد: 2/177 وتاريخ دمشق: 42/49.

(2) بشارة المصطفى: 58، الأمالي للصدوق: 450/609 كلاهما عن عبد الله بن عبّاس، بحار الأنوار: 38/103/26.

(3) الفضائل لابن شاذان: 84 عن مقاتل بن سليمان وراجع المسترشد: 283/94.


1/2

وصيُّ آدم

327 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ آدم (عليه السلام) سأل الله عزّ وجلّ أن يجعل له وصيّاً صالحاً، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: إنِّي أكرمت الأنبياء بالنبوّة، ثمّ اخترت من خلقي خلقاً، وجعلت خيارهم الأوصياء.

فأوحى الله تعالي ذكره إليه: يا آدم، أوص إلى شيث. فأوصى آدم (عليه السلام) إلى شيث وهو هبة الله بن آدم) (1) .

328 - الإمام الباقر (عليه السلام): (لمّا دنا أجل آدم أوحى الله إليه: أن يا آدم، إنِّي متوفّيك ورافع روحك إليَّ يوم كذا وكذا، فأوصِ إلى خير ولدك وهو هبتي الذي وهبته لك، فأوصِ إليه، وسلّم إليه ما علّمناك من الأسماء والاسم الأعظم، فاجعل ذلك في تابوت، فإنِّي أحبّ أن لا يخلو أرضي من عالم يعلم علمي ويقضي بحُكمي، أجعله حجَّتي على خَلقي).

قال: (فجمع آدم إليه جميع ولده من الرجال والنساء، فقال لهم: يا ولدي، إنّ الله أوحى إليّ أنّه رافع إليه روحي، وأمرني أن أُوصي إلى خير ولدي وأنّه هبة الله؛ فإنّ الله اختاره لي ولكم من بعدي، اسمعوا له وأطيعوا أمره، فإنّه وصيِّي وخليفتي عليكم.

فقالوا جميعاً: نسمع له ونُطيع أمره ولا نُخالفه.

قال: فأمر بالتابوت فعُمل، ثمّ جعل فيه علمه والأسماء والوصيّة، ثمّ دفعه إلى

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه: 4/175/5402، كمال الدين: 212/1، الأمالي للطوسي: 442/991، الأمالي للصدوق: 487/661، بشارة المصطفى: 82، الإمامة والتبصرة: 153/1، قصص الأنبياء: 371/448 كلّها عن مقاتل بن سليمان عن الإمام الصادق (عليه السلام).


هبة الله، وتقدّم إليه في ذلك، وقال له:... إذا حضرت وفاتك وأحسست بذلك من نفسك فالتمس خير ولدك وألزمَهم لك صُحبة وأفضلهم عندك قبل ذلك، فأوصِ إليه بمثل ما أوصيت به إليك، ولا تدعنَّ الأرض بغير عالم منّا أهل البيت.

يا بنيَّ، إنّ الله تبارك وتعالي أهبطني إلى الأرض وجعلني خليفته فيها، حجّة له على خلقه، فقد أوصيت إليك بأمر الله، وجعلتك حجّة لله على خلقه في أرضه بعدي، فلا تخرج من الدنيا حتى تدع لله حجّة ووصيّاً، وتسلّم إليه التابوت وما فيه كما سلّمته إليك، وأعلمه أنّه سيكون من ذرِّيتي رجل اسمه نوح، يكون في نبوّته الطوفان والغرق، فمَن ركب في فُلكه نجا ومَن تخلّف عن فُلكه غرق.

وأوصِ وصيّك أن يحفظ بالتابوت وبما فيه، فإذا حضرت وفاته أن يوصي إلى خير ولده وألزَمَهم له وأفضلهم عنده، وسلّم إليه التابوت وما فيه، وليضع كلّ وصيٍّ وصيّته في التابوت، وليوصِ بذلك بعضهم إلى بعض، فمَن أدرك نبوّة نوح فليركب معه، وليحمل التابوت وجميع ما فيه في فلكه ولا يتخلّف عنه أحد) (1) .

329 - عنه (عليه السلام): (كان آدم (عليه السلام) وصّى هبةَ الله أن يتعاهد هذه الوصيّة عند رأس كلّ سنة فيكون يوم عيدهم، فيتعاهدون نوحاً وزمانه الذي يخرج فيه، وكذلك جاء في وصيّة كلّ نبيّ، حتى بعث الله محمّداً (صلَّى الله عليه وآله)، وإنّما عرفوا نوحاً بالعلم الذي عندهم، وهو قول الله عزّ وجلّ: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ... ) (2)) (3) .

330 - الإمام الصادق (عليه السلام): (أوحى الله إلى آدم أن ادفع الوصيّة، واسم الله الأعظم،

____________________

(1) تفسير العيّاشي: 1/306/77 عن حبيب السجستاني، بحار الأنوار: 23/60/2.

(2) الأعراف: 59، هود: 25، العنكبوت: 14، المؤمنون: 23.

(3) الكافي: 8/115/92، كمال الدين: 215/2، تفسير العيّاشي: 1/311/78 وليس فيه (وإنّما...)، وكلّها عن أبي حمزة الثمالي.


وما أظهرتك عليه من علم النبوّة، وما علّمتك من الأسماء إلى شيث بن آدم) (1) .

331 - الكامل في التاريخ: لمّا حضرت آدم الوفاة عهد إلى شيث، وعلّمه ساعات الليل والنهار، وعبادة الخلوة في كلّ ساعة منها، وأعلمه بالطوفان، وصارت الرياسة بعد آدم إليه (2) .

332 - تاريخ الطبري: ذُكِرَ أنّ آدم (عليه السلام) مرِض قبل موته أحد عشر يوماً، وأوصى إلى ابنه شيث (عليه السلام) وكتب وصيّته، ثمّ دفع كتاب وصيّته إلى شيث، وأمره أن يُخفيه من قابيل وولده؛ لأنّ قابيل قد كان قتل هابيل حسداً منه حين خصّه آدم بالعلم، فاستخفى شيث وولْده بما عندهم من العلم، ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به (3) .

1/3

وصيّ نوح

333 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (لقد خرج نوح من الدنيا وعاهد قومه على الوفاء لوصيّه سام) (4) .

334 - الإمام الباقر (عليه السلام): (لمّا حضرت نوح الوفاة أوصى إلى ابنه سام، وسلّم التابوت وجميع ما فيه والوصيّة) (5) .

____________________

(1) تفسير العيّاشي: 1/312/83 عن سليمان بن خالد وراجع الكافي: 8/114/92.

(2) الكامل في التاريخ: 1/58، تاريخ الطبري: 1/152، البداية والنهاية: 1/98 كلاهما نحوه.

(3) تاريخ الطبري: 1/158، الكامل في التاريخ: 1/60.

(4) معاني الأخبار: 372/1 عن ابن عبّاس، بحار الأنوار: 38/129/81.

(5) تفسير العيّاشي: 1/309/77 عن حبيب السجستاني.


335 - الإمام الصادق (عليه السلام): (عاش نوح (عليه السلام) بعد الطوفان خمسمائة سنة، ثمّ أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا نوح، إنّه قد انقضت نبوّتك، واستكملت أيّامك، فانظر إلى الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوّة التي معك، فادفعها إلى ابنك سام، فإنِّي لا أترك الأرض إلاّ وفيها عالم تُعرف به طاعتي، ويُعرف به هداي، ويكون نجاة فيما بين مقبض النبيّ ومبعث النبيّ الآخر، ولم أكن أترك الناس بغير حجّة لي، وداعٍ لي، وهاد إلى سبيلي، وعارف بأمري، فإنِّي قد قضيت أن أجعل لكلّ قوم هادياً أهدي به السعداء، ويكون حجّة لي على الأشقياء).

قال: (فدفع نوح (عليه السلام) الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوّة إلى سام، وأمّا حام ويافث فلم يكن عندهما علم ينتفعان به).

قال: (وبشَّرهم نوح (عليه السلام) بهود (عليه السلام)، وأمرهم باتّباعه، وأمرهم أن يفتحوا الوصيّة في كلّ عام، وينظروا فيها ويكون عيداً لهم) (1) .

1/4

وصيّ موسى

336 - الإمام الباقر (عليه السلام): (كان وصيّ موسى يوشع بن نون (عليه السلام)، وهو فتاه الذي ذكره الله عزّ وجلّ في كتابه (2)) (3) .

____________________

(1) الكافي: 8/285/430، كمال الدين: 134/3 نحوه وكلاهما عن عبد الحميد بن أبي الديلم، وراجع ص 215/2 والكافي: 8/115/92.

(2) كما في سورة الكهف، الآية 60: ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ... ) ، والآية 62: ( فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا... ) .

(3) الكافي: 8/117/92، كمال الدين: 217/2، تفسير العيّاشي: 2/330/42 كلّها عن أبي حمزة الثمالي.


337 - الإمام الصادق (عليه السلام): (أوصى موسى (عليه السلام) إلى يوشع بن نون، وأوصى يوشع بن نون إلى ولد هارون ولم يوصِ إلى ولده ولا إلى ولد موسى، إنّ الله تعالى له الخيرة، يختار مَن يشاء ممّن يشاء) (1) .

338 - عنه (عليه السلام) - في خبر وفاة موسى (عليه السلام) -: (دعا يوشعَ بن نون فأوصى إليه وأمره بكتمان أمره، وبأن يوصي بعده إلى مَن يقوم بالأمر) (2) .

339 - تاريخ اليعقوبي: إنّ موسى (عليه السلام) قال لهم [لبنى إسرائيل]: (قد بلّغتكم وصايا الله وعرّفتكم أمره فاتّبعوا ذلك، واعملوا به، فقد أتت لي مائة وعشرون سنة وقد حانت وفاتي، وهذا يوشع بن نون القيّم فيكم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا أمره؛ فإنّه يقضى بينكم بالحقّ، وملعون مَن خالفه وعصاه) (3) .

340 - تاريخ اليعقوبي: وكان موسى لمّا حضرته وفاته أمره الله عزّ وجلّ أن يُدخل يوشع بن نون - وكان يوشع بن نون من شعب يوسف بن يعقوب - إلى قبّة الزمان، فيقدّس عليه، ويضع يده على جسده لتتحوّل فيه بركته، ويوصيه أن يقوم بعده في بني إسرائيل، ففعل موسى ذلك، فلمّا مات موسى قام يوشع بعده في بني إسرائيل... (4) .

____________________

(1) الكافي: 1/293/3، بصائر الدرجات: 469/4 كلاهما عن عبد الحميد بن أبي الديلم.

(2) كمال الدين: 153/17 عن محمّد بن عمارة، الأمالي للصدوق: 303/343 عن عمارة، قصص الأنبياء: 175/204 عن هشام بن سالم.

(3) تاريخ اليعقوبي: 1/45.

(4) تاريخ اليعقوبي: 1/46. وجاء في الكتاب المقدّس ص 333: (كلّم موسى الربَّ قائلاً: ليوكِّل الربّ إله أرواح كلّ بشر رجلاً على الجماعة، يخرج أمامهم ويدخل أمامهم ويُخرجهم ويُدخلهم؛ لئلاّ تبقى جماعة الربّ كغنم لا راعي لها. فقال الربّ لموسى: خُذ لك يشوع بن نون؛ فإنّه رجل فيه روح، وَضَع يدك عليه، وأوقفه أمام العازار الكاهن والجماعة كلّها، وأوصه بحضرتهم، واجعل عليه من مهابتك؛ لكي تسمع له جماعة بني إسرائيل كلّها، يقف أمام العازار الكاهن، فيطلب له قضاء الأُوريم أمام الربّ، فبأمره يخرجون وبأمره يدخلون، هو وجميع بني إسرائيل معه وكلّ الجماعة. وفعل موسى كما أمره الربّ، فأخذ يشوع وأوقفه أمام العازار الكاهن وكلّ الجماعة، ووضع عليه يديه وأوصاه كما قال الربّ على لسان موسى). وفي قاموس الكتاب المقدّس ص 1068: (يشوع: اسم عبري معناه (يهوه خلاص) اسمه في الأصل هوشع، يهوشوع، ثمّ دعاه موسى يشوع، وهو خليفة موسى، وابن نون من سبط افرايم، ولد في مصر. وكان أوّلاً خادماً لموسى. =


1/5

وصيّ عيسى

341 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (أوصى عيسى بن مريم إلى شمعون بن حمون الصفا) (1) .

342 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (لقد رفع عيسى بن مريم إلى السماء، وقد عاهد قومه على الوفاء

____________________

= ذكر أوّلاً عند معركة رفيديم؛ لأنّ موسى كان وقتئذ قد عيّنه لقيادة بني إسرائيل، وكان عمره آنئذ (44) سنة، وبعد ذلك تعيّن جاسوساً لسبطه، وقد قدّم هو وكالب رفيقه تقريراً صحيحاً عن البلاد التي تحسّسوها. ثمّ أقامه موسى أمام العازار الكاهن وكلّ الشعب وعيّنه خليفة له. ودعا المشترع العظيم يشوع قُبيل وفاته وسلّمه العمل الذي كان عليه أن يقوم به وفقاً لإرادة الله. وبعد موت موسى مباشرةً أخذ يشوع في الاستعداد السريع لعبور الأُردن. ومنح الشعب ثلاثة أيّام لإعداد الزاد).

(1) مَن لا يحضره الفقيه: 4/176/5402، كمال الدين: 213/1، الإمامة والتبصرة: 155/1، الأمالي للطوسي: 443/991 وفيه (خمون) بدل (حمون)، بشارة المصطفى: 83 وفيه (حمور) وكلّها عن مقاتل بن سليمان عن الإمام الصادق (عليه السلام)، كفاية الأثر: 149 عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الإمام علي (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله).


لوصيّه شمعون بن حمون الصفا) (1) .

343 - الإمام علي (عليه السلام): (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة: سبعون منها في النار، وواحدة ناجية في الجنّة، وهي التي اتّبعت يوشع بن نون وصيّ موسى (عليه السلام).

وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة: إحدى وسبعون فرقة في النار، وواحدة في الجنّة، وهي التي اتّبعت شمعون وصيّ عيسى (عليه السلام)) (2) .

344 - إثبات الوصيّة: واشتدّ طلب اليهود له [ عيسى (عليه السلام) ] حتى هرب منهم، ثمّ جمع أصحابه وأوصى إلى شمعون وأمرهم بطاعته، وسلّم إليه الاسم الأعظم والتابوت (3) .

1/6

وصيّ خاتم الأنبياء

1/6 - 1

الوصيّ

345 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (وصيّي علي بن أبي طالب) (4) .

____________________

(1) معاني الأخبار: 372/1 عن ابن عبّاس.

(2) الأمالي للطوسي: 523/1159، بشارة المصطفى: 216 كلاهما عن المجاشعي، عن محمّد بن جعفر بن محمد عن أبيه الإمام الصادق (عليه السلام)، وعن المجاشعي عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام)، الاحتجاج: 1/625/145، كتاب سليم بن قيس: 2/803/32 عن سليم بن قيس.

(3) إثبات الوصيّة: 89.

(4) مَن لا يحضره الفقيه: 3/75/3365 عن عائشة، الغيبة للطوسي: 150/111، عن الحسن بن علي عن أبيه عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وفيه (يا علي، أنت وصيّي)، الخصال: 356/36، الأمالي للصدوق: 259/279 كلاهما عن الحسن بن عبد الله عن أبيه عن جدّه الإمام الحسن (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، معاني الأخبار: 369/1، الصراط المستقيم: 2/144 كلاهما عن ابن عبّاس، الاحتجاج: 1/302/52 عن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن الإمام علي (عليه السلام) عن أُبيِّ بن كعب، سعد السعود: 101 عن ابن هماد عن أبيه عن جدّه، شرح الأخبار: 1/126/59 عن أبي رافع، روضة الواعظين: 125 عن أبي سعيد الخدري.


346 - المعجم الكبير عن سلمان: قلت: يا رسول الله، لكلّ نبيّ وصيّ، فمن وصيّك؟ فسكت عنِّي، فلمّا كان بعد رآني فقال: (يا سلمان)، فأسرعت إليه قلت: لبّيك.

قال: (تعلم مَن وصيّ موسى؟!).

قلت: نعم، يوشع بن نون.

قال: (لِمَ؟!)،

قلت: لأنّه كان أعلمهم.

قال: (فإنّ وصيّي وموضع سرّي، وخير مَن أترك بعدي، ويُنجز عِدتي، ويقضي دَيني علي بن أبي طالب) (1) .

347 - فضائل الصحابة عن أنس بن مالك: قلنا لسلمان: سَلْ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): مَن وصيّه؟ فقال له سلمان: يا رسول الله، مَن وصيّك؟

قال: (يا سلمان، مَن كان وصيّ موسى؟!).

قال: يوشع بن نون.

____________________

(1) المعجم الكبير: 6/221/6063؛ كشف الغمّة: 1/157، إرشاد القلوب: 236، المسترشد: 580/251، شرح الأخبار: 1/125/58 والثلاثة الأخيرة نحوه وراجع المناقب للكوفي: 1/385 - 389/302 - 311 والمناقب لابن شهر آشوب: 3/47.


قال: (فإنّ وصيّي ووارثي، يقضي دَيني، ويُنجز موعودي علي بن أبي طالب) (1) .

348 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا علي... أنت الوصيّ، وأنت الوليّ، وأنت الوزير) (2) .

349 - كفاية الأثر عن حذيفة بن اليمان: قلت: يا رسول الله، على مَن تَخلفنا؟

قال: (على مَن خلَّف موسى بن عمران قومه؟!).

قلت: على وصيّه يوشع بن نون.

قال: (فإنّ وصيّي وخليفتي من بعدي علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور مَن نصره، مخذول مَن خذله) (3) .

350 - الإمام علي (عليه السلام): (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، لقد علمتم أنِّي صاحبكم والذي به أُمرتم، وأنِّي عالمكم والذي بعلمه نجاتكم، ووصيّ نبيّكم، وخيرة ربّكم، ولسان نوركم، والعالم بما يصلحكم) (4) .

351 - عنه (عليه السلام): (أيّها الناس، إنِّي قد بثثتُ لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها

____________________

(1) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/615/1052.

(2) الخصال: 429/7 وح 6، كلاهما عن زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) وح 8 عن جابر بن يزيد عن الإمام الباقر عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، كتاب سليم بن قيس: 2/830/40 عن سليم بن قيس عن الإمام علي (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وفي الثلاثة الأخيرة (الخليفة في الأهل والمال) بدل (الوليّ) ، الأمالي للصدوق: 136/135، الأمالي للطوسي: 137/222، بشارة المصطفى: 77 وص 128، المناقب للكوفي: 1/388/309 وفيه (الخليفة) بدل (الوليّ) ، والخمسة الأخيرة عن زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله).

(3) كفاية الأثر: 137.

(4) الكافي: 8/32/5 عن أبي الهيثم بن التيهان.


أُممهم، وأدّيتُ إليكم ما أدّت الأوصياء إلى مَن بعدهم) (1) .

352 - عنه (عليه السلام): (فيا عجباً! وما لي لا أعجب من خطأِ هذه الفِرق على اختلاف حُججها في دينها! لا يَقْتَصّون أثر نبيّ، ولا يقتدون بعمل وصيٍّ) (2) .

353 - عنه (عليه السلام): (معاشر الناس، أنا أخو رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ووصيّه ووارث علمه، خصَّني وحباني بوصيّته، واختارني من بينهم) (3) .

354 - عنه (عليه السلام): (إنّ الله تبارك وتعالى خصَّ نبيّه (صلَّى الله عليه وآله) بالنبوّة، وخصَّني النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بالوصيّة) (4) .

355 - عنه (عليه السلام): (أنا صنوه، ووصيّه ووليّه، وصاحب نجواه وسرّه) (5) .

356 - عنه (عليه السلام): (أنا وصيّ خير الأنبياء، أنا وصيّ سيّد الأنبياء، أنا وصيّ خاتم النبيّين) (6) .

357 - الإمام الحسن (عليه السلام): (لمّا حضرت أبي الوفاة أقبل يوصي، فقال: هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أخو محمّد رسول الله وابن عمّه ووصيّه

____________________

(1) نهج البلاغة: الخطبة 182.

(2) الكافي: 8/64/22 عن مسعدة بن صدقة، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، نهج البلاغة: الخطبة 88، وراجع الإرشاد: 1/292.

(3) المناقب للخوارزمي: 222/240.

(4) الخصال: 578/1 عن مكحول.

(5) الأمالي للمفيد: 6/3، الأمالي للطوسي: 626/1292، بشارة المصطفى: 4، تأويل الآيات الظاهرة: 2/649/11 كلّها عن الأصبغ بن نباتة.

(6) الفضائل لابن شاذان: 89، الخرائج والجرائح: 2/553/13 عن الإمام الباقر عنه (عليهما السلام) وفيه (أنا وصيّ سيّد الأنبياء)


وصاحبه...) (1) .

358 - عنه (عليه السلام) - من خطبته بعد استشهاد الإمام على (عليه السلام) -: (أيّها الناس، مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا الحسن بن على، وأنا ابن النبيّ، وأنا ابن الوصيّ) (2) .

359 - الإمام الحسين (عليه السلام) - من خطبته في يوم عاشوراء -: (ألستُ ابن بنت نبيّكم (صلَّى الله عليه وآله)، وابن وصيّه وابن عمّه، وأوّل المؤمنين بالله، والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه؟!) (3)

360 - مروج الذهب عن محمّد بن أبي بكر - في كتابه إلى معاوية -: فكيف - يا لك الويل - تعدل نفسك بعليّ، وهو وارث رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ووصيّه وأبو ولده، أوّل الناس له اتّباعاً، وأقربهم به عهداً، يُخبره بسرّه ويُطلعه على أمره؟ (4) .

361 - الأمالي للصدوق عن كديرة بن صالح الهجري عن أبي ذرّ جندب بن جنادة: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول لعليّ كلمات ثلاث، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ لي من الدنيا وما فيها، سمعته يقول: (اللهمّ، أعنه واستعن به، اللهمّ، انصره وانتصر به؛ فإنّه عبدك وأخو رسولك).

____________________

(1) الأمالي للمفيد: 220/1 عن الفجيع العقيلي.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3/189/4802 عن عمر بن عليّ، عن أبيه الإمام زين العابدين (عليه السلام)، ذخائر العقبى: 239، عن زيد بن الحسن وليس فيه (أنا ابن النبيّ).

(3) تاريخ الطبري: 5/424 عن الضحّاك المشرقي، الكامل في التاريخ: 2/561 نحوه، الإرشاد: 2/97، إعلام الورى: 1/458.

(4) مروج الذهب: 3/21، شرح نهج البلاغة: 3/189؛ الاختصاص: 125، وقعة صفّين: 119 وفيها (آخرهم) بدل (أقربهم)، الاحتجاج: 1/435/97 نحوه.


ثمّ قال أبو ذرّ رحمة الله عليه: أشهد لعليّ بالولاء والإخاء والوصيّة.

قال كديرة بن صالح: وكان يشهد له بمثل ذلك: سلمان الفارسي، والمقداد، وعمّار، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو الهيثم بن التيهان، وخُزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبو أيّوب صاحب منزل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وهاشم بن عتبة المرقال، كلّهم من أفاضل أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) (1) .

362 - الفتوح عن مالك الأشتر: احمدوا الله، عباد الله واشكروه؛ إذ جعل فيكم ابن عمّ نبيّه محمّد (صلَّى الله عليه وآله) ووصيّه، وأحبّ الخلق إليه، أقدمهم هجرةً وأوّلهم إيماناً، سيف من سيوف الله صبّه على أعدائه (2) .

363 - بلاغات النساء عن أمّ الخير بنت الحريش البارقيّة - من كلامها في حرب صفّين -: هلمّوا - رحمكم الله - إلى الإمام العادل، والوصيّ الوفي، والصدّيق الأكبر (3) .

364 - تاريخ بغداد عن أبي سعيد عقيصا: أقبلت من الأنبار (4) مع عليّ نريد الكوفة، قال: وعليّ في الناس، فبينا نحن نسير على شاطئ الفرات إذ لجج (5) في

____________________

(1) الأمالي للصدوق: 107/80، بحار الأنوار: 22/318/3.

(2) الفتوح: 3/157.

(3) بلاغات النساء: 57، صبح الأعشى: 1/250.

(4) الأنبار: مدينة صغيرة كانت عامرة أيّام الساسانيّين، وآثارها غرب بغداد على بُعد ستِّين كيلو متراً مشهودة. وسبب تسميتها بالأنبار هو أنّها كانت مركزاً لخزن الحنطة والشعير والتبن للجيوش، وإلاّ فإنّ الإيرانيّين كانوا يسمّونها (فيروز شاپور). فتحت على يد خالد بن الوليد عام (12 هـ) وقد اتّخذها السفّاح - أوّل خلفاء بني العبّاس - مقرّاً له مدّة من الزمان.

(5) ألجّ القوم ولجّجوا: ركبوا (لسان العرب: 2/354).


الصحراء، فتبعه ناس من أصحابه، وأخذ ناس على شاطئ الماء.

قال: فكنت ممّن أخذ مع علي حتى توسّط الصحراء، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، إنّا نخاف العطش.

فقال: (إنّ الله سيسقيكم).

قال: وراهب قريب منّا.

قال: فجاء علي إلى مكان، فقال: (احفروا هاهنا)، قال: فحفرنا.

قال: وكنت فيمَن حفر، حتى نزلنا - يعني عرض لنا حجر -.

قال: فقال علي: (ارفعوا هذا الحجر)، قال: فأعانونا عليه حتى رفعناه، فإذا عين باردة طيِّبة، قال: فشربنا ثمّ سرنا ميلاً أو نحو ذلك. قال: فعطشنا؟ قال: فقال بعض القوم: لو رجعنا فشربنا. قال: فرجع ناس وكنت فيمَن رجع. قال: فالتمسناها فلم نقدر عليها. قال: فأتينا الراهب فقلنا: أين العين التي هاهنا؟ قال: أيّة عين؟ قال: التي شربنا منها واستقينا، والتمسناها فلم نقدر عليها. فقال الراهب: لا يستخرجها إلاّ نبيّ أو وصيّ (1) .

365 - مَن لا يحضره الفقيه، عن جابر بن عبد الله الأنصاري: صلَّى بنا عليّ (عليه السلام) ببراثا (2) بعد رجوعه من قتال الشُّراة (3) ونحن زهاء مائة ألف رجل، فنزل نصرانيّ من صومعته فقال: مَن عميد هذا الجيش؟ فقلنا: هذا. فأقبل إليه فسلّم عليه فقال: يا سيّدي، أنت نبيّ؟ فقال: (لا، النبيّ سيّدي قد مات)، قال: فأنت وصيّ

____________________

(1) تاريخ بغداد: 12/305/6750 وراجع الفتوح: 2/555.

(2) بَرَاثا: محلّة كانت في طرف بغداد في قِبلة الكرخ، وكانت قبل بناء بغداد قرية يزعمون أنّ عليّاً مرّ بها لمّا خرج لقتال الحروريّة بالنهروان، وصلّى في مسجدها (معجم البلدان: 1/362).

(3) هم الخوارج الذين خرجوا عن طاعة الإمام، وإنّما لزمهم هذا اللقب؛ لأنّهم زعموا أنّهم شروا دنياهم بالآخرة - أي باعوها - أو شروا أنفسهم بالجنّة (مجمع البحرين: 2/950).


نبيّ؟

قال: (نعم).

ثمّ قال له: (اجلس، كيف سألت عن هذا؟).

قال: أنا بنيت هذه الصومعة من أجل هذا الموضع وهو براثا، وقرأت في الكتب المنزلة أنّه لا يصلِّي في هذا الموضع بهذا الجمع إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ، وقد جئت أُسلم. فأسلم وخرج معنا إلى الكوفة، فقال له على (عليه السلام): فمن صلّي هاهنا؟ قال: صلّي عيسي بن مريم (عليه السلام) واُمّه، فقال له عليّ (عليه السلام): (أفأُخبرك مَن صلَّى هاهنا؟).

قال: نعم.

قال: (الخليل (عليه السلام)) (1) .

1/6 - 2

وصايته من الله

366 - الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لمّا نزل قُدَيْد (2) قال لعليّ (عليه السلام): يا عليّ، إنّي سألت ربّي أن يوالي بيني وبينك ففعل، وسألت ربّي أن يؤآخي بيني وبينك ففعل، وسألت ربّي أن يجعلك وصيّي ففعل.

فقال رجلان من قريش: والله، لصاع من تمر في شنٍّ (3) بالٍ أحبّ إلينا ممّا سأل محمّد ربَّه، فهلاّ سأل ربّه مَلكاً يعضده على عدوّه، أو كنزاً يستغني به عن فاقته، والله، ما دعاه إلى حقّ ولا باطل إلاّ أجابه إليه، فأنزل الله سبحانه وتعالى: ( فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ... ) - إلى آخر الآية - (4) (5) ).

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه: 1/232/698، تهذيب الأحكام: 3/264/747 وراجع المناقب لابن شهر آشوب: 2/264.

(2) قُدَيد: اسم موضع قرب مكّة (معجم البلدان: 4/313).

(3) الشَّنّ: الخَلَقُ من كلّ آنية صُنعت من جلد، وجمعها شِنان (لسان العرب: 13/241).

(4) هود: 12 وبقيّتها: ( ... أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) .

(5) الكافي: 8/378/572 عن عمّار بن سويد.


367 - المناقب لابن المغازلي، عن عبد الله بن مسعود: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (أنا دعوة أبي إبراهيم).

قلنا: يا رسول الله، وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟

قال: (أوحى الله عزّ وجلّ إلى إبراهيم: ( ... إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً... ) (1) ، فاستخفّ إبراهيم الفرح، قال: يا ربّ، ومن ذرِّيَّتي أئمّة مثلي؟ فأوحى الله إليه أن يا إبراهيم، إنّي لا أُعطيك عهداً لا أفي لك به.

قال: يا ربّ، ما العهد الذي لا تفي لي به؟

قال: لا أُعطيك لظالم من ذرّيّتك.

قال إبراهيم عندها: ( ... وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ... ) (2) .

قال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): (فانتهت الدعوة لي وإلى عليّ، لم يسجد (3) أحد منّا لصنم قطّ، فاتَّخذني الله نبيّاً، واتّخذ عليّاً وصيّاً) (4) .

368 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - لمّا أنزل الله تبارك وتعالى ( ... وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ... ) (5) -: (والله، لقد خرج آدم من الدنيا، وقد عاهد قومه على الوفاء لولَده

____________________

(1) البقرة: 124.

(2) إبراهيم: 35 و36.

(3) في المصدر: (نسجد) ، والصحيح ما أثبتناه كما في المصادر الأُخرى.

(4) المناقب لابن المغازلي: 276/322؛ الأمالي للطوسي: 379/811، كشف اليقين: 408/518، نهج الحقّ: 180 عن ابن عبّاس وفيه من (قال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): (فانتهت الدعوة...).

راجع: القسم العاشر: الخصائص العقائديّة/لم يكفر بالله طرفة عين.

(5) البقرة: 40.


شيث، فما وفي له، ولقد خرج نوح من الدنيا وعاهد قومه على الوفاء لوصيّه سام فما وفت أمّته، ولقد خرج إبراهيم من الدنيا وعاهد قومه على الوفاء لوصيّه إسماعيل فما وفت أمّته، ولقد خرج موسى من الدنيا وعاهد قومه على الوفاء لوصيّه يوشع بن نون فما وفت أمّته، ولقد رفع عيسي بن مريم إلى السماء وقد عاهد قومه على الوفاء لوصيّه شمعون بن حمون الصفا فما وفت أمّته، وإنّي مفارقكم عن قريب، وخارج من بين أظهركم، وقد عهدت إلى أمَّتي في عليّ بن أبي طالب، وإنّها الراكبة (1) سنن مَن قبلها من الأُمم في مخالفة وصيّي وعصيانه، ألا وإنّي مجدّد عليكم عهدي في عليّ، فمَن نكث فإنّما ينكث على نفسه ( ... وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) (2) .

أيّها الناس، إنّ عليّاً إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، وهو وصيّي، ووزيري، وأخي، وناصري، وزوج ابنتي، وأبو ولدي، وصاحب شفاعتي وحوضي ولوائي، مَن أنكره فقد أنكرني، ومَن أنكرني فقد أنكر الله عزّ وجلّ، ومَن أقرّ بإمامته فقد أقرّ بنبوَّتي، ومَن أقرّ بنبوَّتي فقد أقرّ بوحدانيّة الله عزّ وجلّ.

أيّها الناس، مَن عصى عليّاً فقد عصاني، ومَن عصاني فقد عصى الله عزّ وجلّ، ومَن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومَن أطاعني فقد أطاع الله.

أيّها الناس، مَن ردَّ على عليّ في قول أو فعل فقد ردّ عليَّ، ومَن ردَّ عليَّ فقد ردَّ على الله فوق عرشه.

أيّها الناس، مَن اختار منكم على عليٍّ إماماً فقد اختار عليَّ نبيّاً، ومَن اختار

____________________

(1) كذا في المصدر، وفي بحار الأنوار: (لَراكبة).

(2) الفتح: 10.


عليَّ نبيّاً فقد اختار على الله عزّ وجلّ ربّاً.

أيّها الناس، إنّ عليّاً سيّد الوصيّين، وقائد الغرِّ المحجّلين، ومولى المؤمنين، وليّه وليّي، ووليّي وليُّ الله، وعدوّه عدوّي، وعدوّي عدوّ الله.

أيّها الناس، أوفوا بعهد الله في عليٍّ يوفِ لكم في الجنّة يوم القيامة) (1) .

369 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - لفاطمة (عليها السلام) -: (أما علمتِ أنّ الله عزّ وجلّ اطّلع إلى أهل الأرض فاختار منهم أباك فبعثه نبيّاً، ثمّ اطّلع الثانية فاختار بعلك، فأوحى لي، فأنكحته واتّخذته وصيّاً) (2) ؟

370 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ الله عزّ وجلّ أنزل قطعة من نور فأسكنها في صُلب آدم، فساقها حتى قسمها جزأين: جزءاً في صُلب عبد الله، وجزءاً في صُلب أبي طالب، فأخرجني نبيّاً وأخرج عليّاً وصيّاً) (3) .

____________________

(1) معاني الأخبار: 372/1 عن ابن عبّاس، بحار الأنوار: 38/129/81.

(2) المعجم الكبير: 4/171/4046، المناقب للخوارزمي: 112/122 كلاهما عن أبي أيّوب الأنصاري وص 290/279، المناقب لابن المغازلي: 151/188 كلاهما عن ابن عبّاس، الفصول المهمّة: 292؛ الإرشاد: 1/36، شرح الأخبار: 1/122/51 والثلاثة الأخيرة عن أبي سعيد الخدري وص 118/43، الأمالي للطوسي: 155/256 كلاهما عن أبي أيّوب الأنصاري، الأمالي للصدوق: 524/709، الفضائل لابن شاذان: 102، المناقب للكوفي: 2/595/1100، والثلاثة الأخيرة عن ابن عبّاس، إعلام الورى: 1/317 كلّها نحوه.

(3) المناقب لابن المغازلي: 89/132 عن جابر بن عبد الله وص 88/130، الفردوس: 2/191/2952 وفيهما (وفي عليٍّ الخلافة) بدل (وأخرج عليّاً وصيّاً)، ينابيع المودّة: 1/47/8 وفيه (في عليٍّ الإمامة)، والثلاثة الأخيرة عن سلمان وج 2/307/875 عن عثمان308/881 عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وفيه (وفيك الوصيّة والإمامة)؛ مدينة المعاجز: 1/322/203 عن أنس وفيه (وفي عليّ الولاية والوصيّة) وكلّها نحوه.


371 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (لمّا عُرج بيَّ إلى السماء، وبلغت سدرة المنتهى (1) ناداني ربّي جلّ جلاله فقال: يا محمّد. فقلت: لبّيك سيّدي. قال: إنّي ما أرسلت نبيّاً، فانقضت أيّامه إلاّ أقام بالأمر بعده وصيّه؛ فاجعل عليّ بن أبي طالب الإمام والوصيّ من بعدك؛ فإنّي خلقتكما من نور واحد، وخلقتُ الأئمّة الراشدين من أنواركما، أتحبّ أن تراهم يا محمّد؟ قلت: نعم يا ربّ. قال: ارفع رأسك. فرفعت رأسي، فإذا أنا بأنوار الأئمّة بعدى، اثنا عشر نوراً! قلت: يا ربّ، أنوارُ مَن هي؟ قال: أنوار الأئمّة بعدك، أُمناء معصومون) (2) .

372 - الإمام عليّ (عليه السلام) - في احتجاجه مع الخوارج -: (أمّا قولكم: إنّي كنت وصيّاً فضيّعت الوصيّة؛ فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: ( ... وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (3) ، أَفَرأيتم هذا البيت، لو لم يحجج إليه أحد كان البيت يكفر؟! إنّ هذا البيت لو تركه مَن استطاع إليه سبيلاً كفر، وأنتم كفرتم بترككم إيّاي، لا أنا كفرت بتركي لكم) (4) .

373 - عنه (عليه السلام) - في احتجاجه مع الخوارج -: (أمّا قولكم: كنت وصيّاً فضيّعت الوصاية؛ فأنتم كفرتم وقدّمتم عليّ غيري، وأزلتم الأمر عنّي، ولم أكُ كفرت بكم، وليس على الأوصياء الدعاء إلى أنفسهم؛ فإنّما تدعو الأنبياء إلى أنفسهم، والوصيّ مدلول عليه مُستغنٍ عن الدعاء إلى نفسه، ذلك لمَن آمن بالله ورسوله،

____________________

(1) السدر شجرٌ معروف والتاء للوحدة، والمنتهى - كأنّه - اسم مكان، ولعلّ المراد به منتهى السماوات... وقد فُسّر في الروايات أيضاً بأنّها شجرةٌ فوق السماء السابعة (الميزان في تفسير القرآن: 19/31).

(2) كفاية الأثر: 110 عن واثلة بن الأسقع.

(3) آل عمران: 97.

(4) تاريخ اليعقوبي: 2/192، المناقب لابن المغازلي: 413/460 عن بشر الخثعمي نحوه.


وقد قال الله تعالى: ( ... وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً... ) ، فلو ترك الناس الحجّ لم يكن البيت ليكفر بتركهم (1) إيّاه، ولكن كانوا يكفرون بتركه؛ لأنّ الله تبارك وتعالى قد نصَّبه لهم عَلَماً، وكذلك نصَّبني عَلَماً، حيث قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت بمنزلة الكعبة؛ يؤتى إليها ولا تأتي) (2) .

1/6 - 3

خير الأوصياء

374 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - لفاطمة (عليها السلام) في مرض وفاته -: (أنا خاتم النبيّين، وأكرم النبيّين على الله، وأحبّ المخلوقين إلى الله عزّ وجلّ، وأنا أبوكِ، ووصيّي خير الأوصياء، وأحبّهم إلى الله، وهو بعلك) (3) .

375 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - لفاطمة (عليها السلام) -: (نبيّنا أفضل الأنبياء، وهو أبوك، ووصيّنا خير الأوصياء، وهو بعلك) (4) .

____________________

(1) في المصدر (بتركه)، والصحيح ما أثبتناه كما في الاحتجاج.

(2) المسترشد: 394/131، الاحتجاج: 1/445/102 وزاد فيه (أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى) قبل (أنت بمنزلة الكعبة).

راجع: القسم التاسع/على عن لسان النبيّ/المكانة السياسيّة والاجتماعيّة/مثله مثل الكعبة.

(3) المعجم الكبير: 3/57/2675، المعجم الأوسط: 6/327/6540، تاريخ دمشق: 42/130/8501، ذخائر العقبى: 235 كلّها عن عليّ الهلالي؛ كفاية الأثر: 63 عن جابر بن عبد الله الأنصاري.

(4) المناقب لابن المغازلي: 102/144، ينابيع المودّة: 1/241/14 كلاهما عن أبي أيّوب الأنصاري، الفصول المهمّة: 292؛ الغيبة للطوسي: 191/154، شرح الأخبار: 1/123/51، والثلاثة الأخيرة عن أبي سعيد الخدري، الخصال: 412/16، المسترشد: 613/279، المناقب للكوفي: 1/255/168 وفى الستّة الأخيرة (خير الأنبياء) بدل (أفضل الأنبياء) ، الأمالي للطوسي: 155/256 وفيه (أفضل الأوصياء) بدل (خير الأوصياء) ، والأربعة الأخيرة عن أبي أيّوب الأنصاري، الأمالي للصدوق: 188/197 عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وفيه (إنّ عليّاً... خير الوصيّين وزوج سيّدة نساء العالمين).


376 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، ما بعث الله نبيّاً أكرم عليه منّي، ولا وصيّاً أكرم عليه من وصيِّي عليّ) (1) .

377 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، إذا حشر الله عزّ وجلّ الأوّلين والآخرين نصب لي منبراً فوق منابر النبيّين، ونصب لك منبراً فوق منابر الوصيّين، فترتقي عليه) (2) .

378 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن أحبّ أن يمشي في رحمة الله، وأن يُصبح في رحمة الله عليه؛ فلا يدخلنّ قلبه شكّ بأنّ ذرِّيَّتي أفضل الذرّيّات، ووصيِّي أفضل الأوصياء) (3) .

379 - الإمام عليّ (عليه السلام): (أنا وصيّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وأنا خير الأوصياء) (4) .

380 - عنه (عليه السلام): (إنّ خير الخلق - يوم يجمعهم اللهُ - الرسلُ، وإنَّ أفضل الرسل محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، وإنّ أفضل كلّ أمّة بعد نبيّها وصيّ نبيّها حتى يُدركه نبيّ، ألا وإنّ أفضل الأوصياء وصيّ محمّد عليه وآله السلام) (5) .

____________________

(1) الأمالي للطوسي: 106/161، بشارة المصطفى: 42، كشف اليقين: 455/555، كشف الغمّة: 2/7 وفيهما (ما خلق) بدل (ما بعث) ، الثاقب في المناقب: 144/135، الفضائل لابن شاذان: 6 كلّها عن ابن عبّاس وص 142 عن ابن عبّاس وابن مسعود.

(2) الخصال: 572/1 عن مكحول عن الإمام عليّ (عليه السلام).

(3) ينابيع المودّة: 2/267/758 عن خالد بن معدان رفعه.

(4) المسترشد: 264/74.

(5) الكافي: 1/450/34، تفسير فرات: 112/113 وح 114، شرح الأخبار: 1/124/54 كلّها عن الأصبغ بن نباتة، والأخيران نحوه.


381 - الإمام الصادق (عليه السلام): (ما بعث الله نبيّاً خيراً من محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، ولا وصيّاً خيراً من وصيّه) (1) .

382 - عنه (عليه السلام): (يا أبان، كيف يُنكر الناس قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا قال: (لو شئت لرفعت رجلي هذه، فضربت بها صدر ابن أبي سفيان بالشام، فنكسته عن سريره). ولا ينكرون تناول آصف وصيّ سليمان عرش بلقيس، وإتيانه سليمان به قبل أن يرتدّ إليه طرفه؟! أليس نبيّنا (صلَّى الله عليه وآله) أفضل الأنبياء، ووصيّه (عليه السلام) أفضل الأوصياء؟! أفَلا جعلوه كوصيّ سليمان؟! حكم الله بيننا وبين مَن جحد حقّنا، وأنكر فضلنا!) (2) .

383 - الإمام الرضا (عليه السلام): (إنّ محمّداً عبده ورسوله، وأمينه وصفيّه، وصفوته من خلقه، وسيّد المرسلين، وخاتم النبيّين، وأفضل العالمين، لا نبيّ بعده، ولا تبديل لمِلّته، ولا تغيير لشريعته... وإنّ الدليل بعده والحجّة على المؤمنين، والقائم بأمر المسلمين، والناطق عن القرآن، والعالم بأحكامه أخوه وخليفته، ووصيّه ووليّه، والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، أمير المؤمنين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المُحجّلين، وأفضل الوصيّين، ووارث علم النبيّين والمرسلين) (3) .

1/6 - 4

سيّد الأوصياء

384 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (وصيِّي عليّ بن أبي طالب... هو أفضل أُمَّتي، وأعلمهم

____________________

(1) الاختصاص: 263 عن صفوان بن مهران الجمّال، بحار الأنوار: 11/60/67.

(2) الاختصاص: 212 عن أبان الأحمر، بحار الأنوار: 14/115/12.

(3) عيون أخبار الرضا: 2/122/1 عن الفضل بن شاذان، تحف العقول: 416.


بربِّي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، وأنّه لسيّد الأوصياء، كما أنِّي سيّد الأنبياء) (1) .

385 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (لولا أنِّي خاتم الأنبياء لكنتَ شريكاً في النبوّة؛ فإن لا تكن نبيّاً فإنّك وصيّ نبيّ ووارثه، بل أنت سيّد الأوصياء، وإمام الأتقياء) (2) .

386 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بُطنان العرش (3) : أين سيّد الأنبياء؟ فأقوم، ثمّ ينادي: أين سيّد الأوصياء؟ فتقوم، ويأتيني رضوان بمفاتيح الجنّة، ويأتيني مالك بمقاليد النار، فيقولان: إنّ الله جلّ جلاله أمرنا أن ندفعها إليك، ونأمرك أن تدفعها إلى عليّ بن أبي طالب، فتكون - يا عليّ - قسيم الجنّة والنار) (4) .

387 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت... سيّد الوصيّين، ووصيّ سيّد النبيّين) (5) .

388 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (أنا سيّد الأوّلين والآخرين، وعليّ بن أبي طالب سيّد

____________________

(1) التوحيد: 399 (هامش الحديث 13 نقلا عن نسخة أُخرى) عن حفص بن غياث، عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام).

(2) شرح نهج البلاغة: 13/210 عن الإمام الصادق (عليه السلام)، ينابيع المودّة: 1/239/12 عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام).

(3) أي من وسطه. وقيل: من أصله. وقيل: البُطنان جمع بَطْن؛ وهو الغامض من الأرض. يريد: من دواخل العَرش (النهاية: 1/137).

(4) الخصال: 580/1 عن مكحول عن الإمام عليّ (عليه السلام).

(5) الأمالي للصدوق: 375/475 عن ابن عبّاس وص 652/888، عن أبي الطفيل، عن الإمام الحسن (عليه السلام) وفيه (أنا سيّد النبيّين، وعليّ بن أبي طالب سيّد الوصيّين)، بشارة المصطفى: 35 وص 18 وص 161 وفيهما (عليّ سيّد الأوصياء، ووصيّ سيّد الأنبياء)، والثلاثة الأخيرة عن ابن عبّاس، كفاية الأثر: 101 عن زيد بن أرقم وفيه (أنت سيّد الأوصياء).


الوصيّين) (1) .

389 - الإمام عليّ (عليه السلام): (أنا إمام البريّة، ووصيّ خير الخليقة، وزوج سيّدة نساء الأمَّة، وأبو العترة الطاهرة، والأئمّة الهادية. أنا أخو رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ووصيّه، ووليّه ووزيره، وصاحبه وصفيُّه، وحبيبه وخليله. أنا أمير المؤمنين، وقائد الغرّ المُحجّلين، وسيّد الوصيّين) (2) .

390 - عنه (عليه السلام): (أنا سيّد الوصيّين، ووصيّ سيّد النبيّين) (3) .

391 - الخصال عن محمّد بن الحنفيّة: (منّا محمّد سيّد المرسلين، وعليّ سيّد الوصيّين) (4) .

1/6 - 5

خاتم أوصياء الأنبياء

392 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - لفاطمة (عليها السلام) في وصف عليّ (عليه السلام) -: (هو وصيّي، ووارث الأوصياء) (5) .

393 - الإمام عليّ (عليه السلام): (أنا يعسوب المؤمنين، وغاية السابقين، ولسان المتّقين،

____________________

(1) الأمالي للصدوق: 678/924 عن عائشة، معاني الأخبار: 373/1 عن ابن عبّاس وفيه (أيّها الناس، إنّ عليّاً سيّد الوصيّين).

(2) مَن لا يحضره الفقيه: 4/419/5918، الأمالي للصدوق: 702/961، بشارة المصطفى: 191 كلّها عن الأصبغ بن نباتة.

(3) الأمالي للصدوق: 92/67، بشارة المصطفى: 156 كلاهما عن الأصبغ بن نباتة.

(4) الخصال: 320/1 عن زرّ بن حبيش.

(5) الإرشاد: 1/37 عن أبي سعيد الخدري، إعلام الورى: 1/317.


وخاتم الوصيّين، ووارث النبيّين، وخليفة ربّ العالمين) (1) .

394 - عنه (عليه السلام): (أنا وصيّ الأوصياء) (2) .

395 - المعجم الأوسط عن أبي الطفيل: خطب الحسن بن عليّ بن أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر أمير المؤمنين عليّاً (رضي الله عنه) خاتم الأوصياء، ووصيّ خاتم الأنبياء، وأمين الصدّيقين والشهداء، ثمّ قال: (... ولقد قبضه الله في الليلة التي قبض فيها وصيّ موسى، وعرج بروحه في الليلة التي عرج فيها بروح عيسى بن مريم، وفى الليلة التي أنزل الله عزّ وجلّ فيها الفرقان) (3) .

396 - تاريخ اليعقوبي - في ذكر خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) -: ثمّ قام مالك بن الحارث الأشتر، فقال: أيّها الناس، هذا وصيّ الأوصياء، ووارث علم الأنبياء، العظيم البلاء، الحسن العناء (4) (5) .

____________________

(1) مختصر بصائر الدرجات: 198 عن مسعدة بن صدقة، عن الإمام الصادق (عليه السلام) وص 34 عن أبي حمزة الثمالي، عن الإمام الباقر عنه (عليهما السلام)، اليقين: 489/196 عن الأصبغ بن نباتة، كتاب سليم بن قيس: 2/712/17، عن سليم بن قيس وكلّها نحوه، بحار الأنوار: 26/153/41 نقلاً عن كتاب المحتضر للحسن بن سليمان.

(2) الأمالي للطوسي: 148/243، بشارة المصطفى: 87، كشف الغمّة: 2/11 كلّها عن ميثم التمّار، شرح الأخبار: 1/126/60 عن حسن الصنعاني وج 3/499/1430، عن أبي الجارود، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، تأويل الآيات الظاهرة: 2/447/1 عن أبي الجارود عن الإمام الصادق (عليه السلام) وكلاهما عنه (عليه السلام).

(3) المعجم الأوسط: 2/336/2155؛ بشارة المصطفى: 240 وراجع الكافي: 1/457/8. راجع: القسم الخامس عشر/بعد الاستشهاد/في رثاء الإمام.

(4) في الطبعة المعتمدة: (الغناء)، وما أثبتناه من طبعة النجف (2/155). والعناء هنا: المداراة أو حُسن السياسة (لسان العرب: 15/106).

(5) تاريخ اليعقوبي: 2/179. راجع: القسم التاسع/عليّ عن لسان أصحابه/مالك الأشتر.


1/6 - 6

أوّل أوصياء خاتم الأنبياء

397 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (أنا سيّد المرسلين، وعليّ بن أبي طالب سيّد الوصيّين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر؛ أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وآخرهم القائم) (1) .

398 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (الأئمّة بعدي اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وآخرهم القائم، فهم خلفائي وأوصيائي وأوليائي، وحُجج الله على أمَّتي بعدي) (2) .

399 - الإمام عليّ (عليه السلام): (لا يقاس بآل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) من هذه الأمَّة أحد، ولا يسوّى بهم مَن جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين. إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة، الآنَ إذ رجع الحقّ إلى أهله، ونُقل إلى مُنتَقَله) (3) .

1/6 - 7

وصاية الإمام في أدب صدر الإسلام

400 - تاريخ اليعقوبي عن حسّان بن ثابت - في وصف الإمام عليّ (عليه السلام) في أوائل

____________________

(1) فرائد السمطين: 2/313/564 عن ابن عبّاس، ينابيع المودّة: 3/291/7 عن جابر؛ كمال الدين: 280/29، عيون أخبار الرضا: 1/64/31 كلاهما عن ابن عبّاس وفى الثلاثة الأخيرة (النبيّين) بدل (المرسلين) وراجع الأمالي للطوسي: 592/1226.

(2) مَن لا يحضره الفقيه: 4/179/5406، كمال الدين: 259/4، إعلام الورى: 2/173 كلّها عن يحيى بن أبي القاسم، عن الإمام الصادق، عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام) وفي نفس الصفحة عن ابن عبّاس نحوه.

(3) نهج البلاغة: الخطبة 2، قال ابن أبي الحديد في ذيل هذه الخطبة: أمّا الوصيّة، فلا ريب عندنا أنّ عليّاً (عليه السلام) كان وصيّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وإن خالف في ذلك مَن هو منسوب عندنا إلى العناد (شرح نهج البلاغة: 1/139).


خلافة أبي بكر -:

حفظتَ رسول الله فينا وعهَدهُ إليك

ومَن أولى به منك مَن ومَنْ

ألست أخاه في الإخا ووصيّهُ

وأعلم فِهْر (1) بالكتاب وبالسنن (2)

401 - تاريخ الطبري عن الفضل بن عبّاس:

ألا إنّ خير الناس بعد محمّد

وصيّ النبيّ المصطفى عند ذي الذكرِ

وأوّل من صلّى وصنو نبيّهِ

وأوّل مَن أردى الغواة لدى بدر (3)

402 - شرح نهج البلاغة: وممّا رويناه من الشعر المقول في صدر الإسلام، المتضمّن كونه (عليه السلام) وصيّ رسول الله، قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب:

ومنّا على ذاك صاحب خيبر

وصاحب بدر يوم سالت كتائبه

وصيّ النبيّ المصطفى وابن عمّهِ

فمن ذا يُدانيه ومَن ذا يُقاربه

وقال عبد الرحمن بن جُعَيل:

لعمري لقد بايعتمُ ذا حفيظة

على الدين معروف العفاف موفّقا

عليّاً وصيّ المصطفى وابن عمّهِ

وأوّل مَن صلَّى أخا الدين والتقى

وقال أبو الهيثم بن التيهان - وكان بدريّاً -:

قل للزبير وقل لطلحة إنّنا

نحن الذين شعارنا الأنصارُ

____________________

(1) فِهْر: قبيلة؛ وهي أصل قريش (لسان العرب: 5/66).

(2) تاريخ اليعقوبي: 2/128؛ شرح نهج البلاغة: 6/35 وفيه (في الهدي) بدل (في الإخا) و(منهم) بدل (فهر).

(3) تاريخ الطبري: 4/426؛ الدرجات الرفيعة: 143.


نحن الذين رأت قريش فعلنا

يوم القَلِيب (1) أُولئك الكفّار

كنّا شعار نبيّنا ودثاره

يفديه منّا الروح والأبصار

إنّ الوصيّ إمامنا ووليّنا

برح الخفاء وباحت الأسرار

وقال عمر بن حارثة الأنصاري، وكان مع محمّد بن الحنفيّة يوم الجمل، وقد لامه أبوه (عليه السلام) لما أمره بالحملة فتقاعس (2) :

أبا حسن أنت فصل الأُمورْ

يبين بك الحلُّ والمحرمُ

جمعت الرجال على راية بها

ابنُك يوم الوغى مُقحَمُ

ولم ينكص المرء من خيفة

ولكن توالت له أسهمُ

فقال رويداً ولا تعجلوا

فإنِّي إذا رشقوا مُقدِمُ

فأعجلته والفتى مجمعٌ

بما يكره الوجِل المُحجم (3)

سميّ النبيّ وشبه الوصيّ

ورايته لونها العندم (4)

وقال رجل من الأزد يوم الجمل:

هذا عليّ وهو الوصيّ

آخاه يوم النجوة النبيُّ

وقال هذا بعدي الوليّ

وعاهُ واعٍ ونسى الشقيُّ

وخرج يوم الجمل غلام من بني ضبّة شابّ مُعلِم (5) من عسكر عائشة، وهو يقول:

____________________

(1) في الحديث: (أنّه (صلَّى الله عليه وآله) وقف على قَليب بدر) القَليب: البئر لم تُطوَ (لسان العرب: 1/689).

(2) قعس: تأخّر ورجع إلى خلف (لسان العرب: 6/177).

(3) أحجم عن الأمر: كَفّ أو نكص هيبة (لسان العرب: 12/116).

(4) العَندم: شجر أحمر، وقال بعضهم: دم الغزال (لسان العرب: 12/430).

(5) رجل مُعلِم: إذا عُلم مكانه في الحرب بعلامة أعلمَها (لسان العرب: 12/419).


نحن بني ضبّة أعداء عليّ

ذاك الذي يُعرف قدماً بالوصي

وفارس الخيل على عهد النبيّ

ما أنا عن فضل عليّ بالعمي

لكنَّني أنعى ابن عفّان التقيّ

إنّ الوليّ طالبٌ ثأر الوليّ

وقال سعيد بن قيس الهمداني يوم الجمل - وكان في عسكر عليّ (عليه السلام) -:

أيّة حرب أُضرمت نيرانها

وكُسرت يوم الوغى مُرّانُها (1)

قل للوصيِّ أقبلت قحطانها

فادعُ بها تكفيكها همدانُها

همُ بنوها وهمُ إخوانها

وقال زياد بن لبيد الأنصاري يوم الجمل - وكان من أصحاب عليّ (عليه السلام) -:

كيف ترى الأنصار في يوم الكَلَب

إنّا أُناس لا نُبالي مَن عَطِب

ولا نُبالي في الوصيّ مَن غَضب

وإنّما الأنصار جِدّ لا لعب

هذا عليّ وابن عبد المطّلب

ننصره اليوم على مَن قد كذَب

مَن يكسب البغي فبئسما اكتَسب

وقال حجر بن عديّ الكندي في ذلك اليوم أيضاً:

يا ربّنا سلّم لنا عليّا

سلّم لنا المبارك المضيّا

المؤمن الموحّد التقيّا

لا خطل الرأي ولا غويّا

بل هادياً موفّقاً مهديّا

واحفظه ربّي واحفظ النبيّا

فيه فقد كان له وليّا

ثمّ ارتضاه بعده وصيّا

وقال خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين - وكان بدريّاً - في يوم الجمل أيضاً:

____________________

(1) الـمُرّان: الرماح الصُّلبة اللَّدنة، واحدتها مُرّانة (لسان العرب: 13/403).


ليس بين الأنصار في جَحْمة (1) الحر

بِ وبين العداة إلاّ الطعانُ

وقراع الكُماة بالقُضُب البيـ

ضِ إذا ما تحطّم الـمُرّانُ

فادعها تستجب فليس من الخز

رج والأوس يا علي جبانُ

يا وصيّ النبيّ قد أجلتِ الحر

بُ الأعادي وسارت الأظعان (2)

واستقامت لك الأُمور سوى الشـ

ـام وفي الشام يظهر الإذعان

حسبهم ما رأوا وحسبك منّا

هكذا نحن حيث كنّا وكانوا

وقال خزيمة أيضاً في يوم الجمل:

أعائشَ خلّي عن عليّ وعيبِهِ

بما ليس فيه إنّما أنت والده

وصيّ رسول الله من دون أهلهِ

وأنتِ على ما كان من ذاك شاهده

وحسبكِ منه بعض ما تعلمينهُ

ويكفيك لو لم تعلمي غير واحده

إذا قيل ماذا عبت منه رميتهِ

بخذل ابن عفّان وما تلك آبِده (3)

وليس سماء الله قاطرة دماً

لذاك وما الأرض الفضاء بمائده (4)

وقال ابن بديل بن ورقاء الخزاعي يوم الجمل أيضاً:

يا قوم للخطّة العظمى التي حدثت

حرب الوصيّ وما للحرب من آسي

الفاصل الحكم بالتقوى إذا ضربت

تلك القبائل أخماساً لأسداس

وقال عمرو بن أُحيحة يوم الجمل، في خطبة الحسن بن علي (عليهما السلام) بعد خطبة

____________________

(1) جاحِم الحرب: وهو ضِيقُها وشدّتها (لسان العرب: 12/85).

(2) الظعينة: الهودج تكون فيه المرأة. وأصل الظعينة: الراحلة التي يُرحل ويُظعن عليها؛ أي يُسار (لسان العرب: 13/271).

(3) جاء بآبِدة: أي بأمر عظيم يُنفر منه ويُستوحش (النهاية: 1/13).

(4) ماد: تحرّك بشدّة ومنه قوله تعالي: ( ... أَن تَمِيدَ بِكُمْ... ) (النحل:15) أي تضطرب بكم، وتدور بكم، وتحرّككم حركةً شديدة (تاج العروس: 5/264).


عبد الله بن الزبير:

حسَنَ الخير يا شبيه أبيهِ

قمتَ فينا مقام خير خطيبِ

قمت بالخطبة التي صدع اللـ

ـهُ بها عن أبيك أهل العيوبِ

وكشفت القناع فاتّضح الأمـ

رُ وأصلحتَ فاسدات القلوبِ

لست كابن الزبير لجلجَ في القو

لِ وطاطا عنان فَسْل (1) مريب

وأبى الله أن يقوم بما قا

مَ به ابن الوصيّ وابن النجيب

إنّ شخصاً بين النبيّ لك الخيـ

ـرُ وبين الوصيّ غير مشوب

وقال زَحْر بن قيس الجعفي يوم الجمل أيضاً:

أضربكم حتى تقرّوا لعليّ

خير قريش كلّها بعد النبيّ

مَن زانه الله وسمّاه الوصيّ

إنّ الوليّ حافظٌ ظهر الوليّ

كما الغويّ تابع أمر الغويّ

ذكر هذه الأشعار والأراجيز بأجمعها أبو مِخنف لوط بن يحيى في كتاب وقعة الجمل.

وأبو مخنف من المحدّثين، وممّن يرى صحّة الإمامة بالاختيار، وليس من الشيعة، ولا معدوداً من رجالها.

وممّا رويناه من أشعار صفّين التي تتضمّن تسميته (عليه السلام) بالوصيّ، ما ذكره نصر بن مزاحم بن يسار المِنقري في كتاب صفّين، وهو من رجال الحديث.

قال نصر بن مزاحم: قال زَحْر بن قيس الجعفي:

فصلّى الإله على أحمد

رسول المليك تمام النَّعمْ

رسول المليك ومِن بعدهُ

خليفتنا القائم المدَّعَم

____________________

(1) الفَسْل: الرذل النذل الذي لا مروّة له (لسان العرب: 11/519).


عليّاً عنيت وصيّ النبيّ

نُجالد (1) عنه غواة الأُمم (2)

قال نصر: ومن الشعر المنسوب إلى الأشعث بن قيس:

أتانا الرسول رسول الإمامِ

فسُرّ بمقدَمِه المسلمونا

رسول الوصيّ وصيّ النبيّ

له السبق والفضل في المؤمنينا (3)

ومن الشعر المنسوب إلى الأشعث أيضاً:

أتانا الرسول رسول الوصيّ

عليّ المهذّب من هاشمِ

وزير النبيّ وذو صهرهِ

وخير البريّة والعالَم (4)

قال نصر بن مزاحم: من شعر أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفّين:

يا عجباً لقد سمعت منكرا

كِذْباً على الله يُشيب الشَّعَرا

ما كان يرضى أحمد لو أُخبرا

أن يقرنوا وصيّه والأبترا

شاني الرسول واللعين الأخزرا

(5) إنِّي إذا الموت دنا وحضرا

شمّرت ثوبي ودعوت قنبرا

قدِّم لوائي لا تؤخّر حَذَرا

لا يدفع الحذار ما قد قُدّرا

لو أنّ عندي يا بن حرب جعفرا

أو حمزة القرم (6) الهمام الأزهرا

رأت قريش نجم ليل ظهُرا (7)

____________________

(1) جالدناهم بالسيوف: ضاربناهم (لسان العرب: 3/125).

(2) الفصول المختارة: 270، وقعة صفّين: 18 نحوه وكلاهما عن جرير البجلي.

(3) وقعة صفّين: 23 وفيه (له الفضل والسبق...).

(4) وقعة صفّين: 24 وفيه (في العالم) بدل (والعالم) وزاد:

رسول الوصيّ وصيّ النبيّ

وخير البريّة من قائم

  (5) تخازر الرجل: إذا ضيّق جفنه ليُحدّد النظر، كقولك: تعامى وتجاهل (لسان العرب: 4/236).

(6) القرم من الرجال: السيّد المعظّم (لسان العرب: 12/473).

(7) وقعة صفّين: 43 نحوه.


وقال جرير بن عبد الله البجلي: كتبتُ بهذا الشعر إلى شرحبيل بن السمط الكندي، رئيس اليمانية من أصحاب معاوية:

نصحتك يا بن السمط لا تتبع الهوى

فما لك في الدنيامن الدين من بدلْ

ولا تك كالمـُجرىإلى شرّ غاية

فقدخرق السربال (1) واستَنوق الجمل (2)

مقال ابن هند في عليّ عضيهةٌ (3)

ولَلّهُ في صدرابن أبي طالب أجل

وما كان إلاّ لازماً قعر بيتهِ

إلى أن أتى عثمان في بيته الأجل

وصيّ رسول الله من دون أهلهِ

وفارسه الحامي به يُضرب المثل (4)

وقال النعمان بن عجلان الأنصاري:

كيف التفرّق والوصيّ إمامنا

لا كيف إلاّ حيرة وتخاذلا

لا تغبنُنّ عقولكم لا خير في

مَن لم يكن عند البلابل عاقلا

وذروا معاوية الغويّ وتابِعوا

دين الوصيّ لتحمدوه آجلا (5)

وقال عبد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي:

ألا أبلغ معاوية بن حرب

فما لك لا تهَشّ (6) إلى الضراب

فإن تسلم وتبق الدهر يوماً

نَزُرْكَ بجحفل (7) عدد التراب

____________________

(1) يقال للرجل المتمزّق الثياب: مُنخرق السربال (لسان العرب: 10/73).

(2) في المثل: استنوق الجمل: صار كالناقة في ذُلّها (لسان العرب: 10/362).

(3) العَضْه: القالة القبيحة؛ وهى الإفك والبهتان والنميمة (لسان العرب: 13/515).

(4) وقعة صفّين: 49 نحوه.

(5) وقعة صفّين: 365 وفيه (النضر بن عجلان الأنصاري).

(6) يقال: هشّ يهَشّ: إذا فرح به واستبشر، وارتاحَ له وخفّ (النهاية: 5/264).

(7) الجحفل: الجيش الكثير.


يقودهم الوصيّ إليك حتى

يردّك عن ضلال وارتياب (1)

وقال المغيرة بن الحارث بن عبد المطّلب:

يا عصبة الموت صبراً لا يهولكمُ

جيش ابن حرب فإنّ الحقّ قد ظهرا

وأيقِنوا أنّ مَن أضحى يُخالفكم

أضحى شقيّاً وأمسى نفسه خسرا

فيكم وصيّ رسول الله قائدكم

وصهره وكتاب الله قد نُشرا (2)

وقال عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب:

وصيّ رسول الله مَن دُون أهله

وفارسهُ إن قيل هل مِن مُنازِل (3)

فَدونَكهُ إن كنت تبغي مهاجراً

أشمّ كنَصْل السيف عَيْرَ حَلاحِلِ (4)

والأشعار التي تتضمّن هذه اللفظة [ الوصيّ ] كثيرة جدّاً، ولكنّا ذكرنا منها هاهنا بعض ما قيل في هذين الحزبين، فأمّا ما عداهما، فإنّه يجلّ عن الحصر، ويعظم عن الإحصاء والعدّ، ولولا خوف الملالة والإضجار لذكرنا من ذلك ما يملأ أوراقاً كثيرة (5) .

1/7

وجوب طاعة الأوصياء

403 - الإمام عليّ (عليه السلام): (قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) -: قد أخبرني الله تعالى أنّه قد استجاب

____________________

(1) وقعة صفّين: 382 نحوه.

(2) وقعة صفّين: 385 نحوه.

(3) وقعة صفّين: 416 وفيه (الفضل بن عبّاس).

(4) عَيْرُ القوم: سيّدهم. والحَلاحِل: جمع حُلاحِل؛ وهو السيّد في عشيرته، الشجاع الركين (لسان العرب: 4/621 وج 11/174).

(5) شرح نهج البلاغة: 1/143 - 150.


لي فيك ولشركائك الذين يكونون بعدك. قلت: يا رسول الله، ومَن شركائي؟

قال: الذين قرن الله طاعتهم بطاعته وبطاعتي. قلت: مَن هم يا رسول الله؟

قال: الذين قال الله تعالى فيهم: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) (1) .

قلت: يا نبيّ الله، مَن هم؟ قال: هم الأوصياء بعدي) (2) .

404 - تفسير العيّاشي عن جابر الجعفي: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الآية: ( ... أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) .

قال: (الأوصياء) (3) .

405 - الإمام الصادق (عليه السلام): (أُشرِكَ بين الأوصياء والرسل في الطاعة) (4) .

406 - الكافي عن الحسين بن أبي العلاء: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الأوصياء طاعتهم مفترضة؟ قال: (نعم، هم الذين قال الله عزّ وجلّ: ( ... أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) ، وهم الذين قال الله عزّ وجلّ: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ) (5) (6) .

راجع: أحاديث الخلافة.

القسم التاسع/عليّ عن لسان النبيّ/المكانة السياسيّة والاجتماعيّة/وصيّي.

القسم الأوّل/الولادة/الألقاب/الوصيّ.

____________________

(1) النساء: 59.

(2) الاعتقادات: 121، الغيبة للنعماني: 81/10، تفسير العيّاشي: 1/253/177 كلاهما نحوه، وكلّها عن سليم بن قيس.

(3) تفسير العيّاشي: 1/249/168 وص 253/176 عن عمرو بن سعيد عن أبي الحسن (عليه السلام).

(4) الكافي: 1/186/5 عن أبي الحسن العطّار.

(5) المائدة: 55.

(6) الكافي: 1/189/16 وص 187/7، الاختصاص: 277.



الفصل الثاني

  احاديث الوراثة

2/1

الوارث

407 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أنت وارثي) (1).

408 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (لكلّ نبيّ وصيّ ووارث، وإنّ وصيّي ووارثي عليّ بن أبي طالب) (2) .

____________________

(1) الأمالي للصدوق: 447/598 عن ابن عبّاس، الأمالي للمفيد: 174/4، الأمالي للطوسي: 194/329 وفيهما (أنت الوارث منَّي)، وكلاهما عن عمرو بن ميمون، عن الإمام الصادق، عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، المناقب لابن شهر آشوب: 2/188، عن جابر بن يزيد، عن الإمام الصادق (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/639/1085 عن زيد بن أبي أوفى وفيه (أنت أخي ووارثي).

(2) المناقب لابن المغازلي: 201/238 عن عبد الله بن بريدة، تاريخ دمشق: 42/392/9005 و9006، الفردوس: 3/336/5009، المناقب للخوارزمي: 85/74، الرياض النضرة: 3/138؛ المناقب لابن شهر آشوب: 3/66 كلّها عن بريدة.


409 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت وصيّي، وخليفتي، ووزيري، ووارثي، وأبو ولْدي...، أمرك أمري...، ونهيك نهيي) (1) .

410 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (هذا عليّ أخي، ووصيّي، ووزيري، ووارثي، وخليفتي) (2) .

411 - الأمالي للطوسي عن أنس: اتّكأ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) على عليّ (عليه السلام)، فقال: (يا عليّ، أما ترضى أن تكون أخي، وأكون أخاك، وتكون وليّي، ووصيّي، ووارثي؟!) (3) .

412 - إرشاد القلوب عن حذيفة: أمر [ (صلَّى الله عليه وآله) ] خادمة لأُمِّ سلمة، فقال: (اجمعي لي هؤلاء) - يعني نساءه -. فجمعتهنّ له في منزل أُمّ سلمة، فقال لهنّ: (اسمعن ما أقول لكُنَّ) - وأشار بيده إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) - فقال لهنّ: (هذا أخي، ووصيّي، ووارثي، والقائم فيكُنّ وفي الأُمّة من بعدي، فأطِعنَهُ فيما يأمرُكنّ به، ولا تَعصِينَه؛ فتَهلِكنَ لمعصيته) (4) .

____________________

(1) الأمالي للصدوق: 411/533، بشارة المصطفى: 55 كلاهما عن أبي سعيد عقيصا عن الإمام الحسين عن أبيه (عليهما السلام)؛ ينابيع المودّة: 1/167/5 عن عليّ بن الحسن عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، البداية والنهاية: 7/224 وفيه (أنت أخي ووارثي وخليفتي، وخير مَن آمر بعدي).

(2) الأمالي للصدوق: 564/763، بشارة المصطفى: 109 كلاهما عن سلمان الفارسي، الاحتجاج: 1/343/56، الغيبة للنعماني: 70/8، التحصين لابن طاووس: 633/25، كتاب سليم بن قيس: 2/645/11 وص 759/25؛ فرائد السمطين: 1/315/250 والستّة الأخيرة عن سليم بن قيس عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله).

(3) الأمالي للطوسي: 332/666، بشارة المصطفى: 243.

(4) إرشاد القلوب: 337.


413 - الإمام عليّ (عليه السلام) - في حياة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) -: (والله، إنّي لأخوه، ووليّه، وابن عمّه، ووارثه، ومَن أحقّ به منّي؟!) (1)

414 - عنه (عليه السلام): (أنا عبد الله، وأخو رسوله، لا يقولها أحد قبلي ولا بعدي إلاّ كذب، ورثتُ نبيّ الرحمة، ونكحتُ سيّدة نساء هذه الأُمّة، وأنا خاتم الوصيّين) (2) .

415 - عنه (عليه السلام): (إنّ الله تبارك وتعالى خصَّني بما خصّ به أولياءه وأهل طاعته، وجعلني وارث محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، فمَن ساءه ساءه، ومَن سرّه سرّه!) (3) .

416 - خصائص أمير المؤمنين عن أبي إسحاق: سأل عبد الرحمن بن خالد قثمَ بن العبّاس: من أين ورث عليّ رسولَ الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ قال: إنّه كان أوّلنا به لحوقاً، وأشدّنا به لزوقاً (4) .

____________________

(1) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/652/1110، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 130/65، المعجم الكبير: 1/107/176، فرائد السمطين: 1/225/175، الرياض النضرة: 3/206؛ الأمالي للطوسي: 502/1099، الاحتجاج: 1/466/110، العمدة: 444/927، شرح الأخبار: 1/123/52، تفسير فرات: 96/80 نحوه، المناقب للكوفي: 1/339/265 وص 358/287 كلّها عن ابن عبّاس.

(2) شرح نهج البلاغة: 2/287؛ الإرشاد: 1/353، الخرائج والجرائح: 1/209/51 كلّها عن حكيم بن جبير، المناقب لابن شهر آشوب: 2/342 عن أبي يحيى، كشف الغمّة: 1/284 وفي الأربعة الأخيرة (أنا سيّد الوصيّين وآخر أوصياء النبيّين)، المناقب للكوفي: 1/327/250 عن أبي البختري وص 392/314 وص 395/318 كلاهما عن الأصبغ بن نباتة، وكلّها نحوه وفي الثلاثة الأخيرة (خير) بدل (خاتم) .

(3) الخصال: 579/1 عن مكحول.

(4) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 206/108، المستدرك على الصحيحين: 3/136/4633، المعجم الكبير: 19/40/85 و86، تاريخ دمشق: 42/393، كنز العمّال: 13/143/36447 نقلاً عن ابن أبي شيبة؛ الطرائف: 284، شرح الأخبار: 2/182/524 وج 1/212/185، المناقب لابن شهر آشوب: 2/188 كلّها نحوه. وقال الحاكم في ذيل الحديث 4634: يقول إسماعيل بن إسحاق القاضي حول هذا الحديث: إنّما يرث الوارث بالنسب أو بالولاء، ولا خلاف بين أهل العلم أنّ ابن العمّ لا يرث مع العمّ، فقد ظهر بهذا الإجماع أنّ عليّاً ورث العلم من النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) دونهم.


2/2

وارث علم النبيّ

417 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (القرآن إمامٌ هادٍ، وله قائد يهدي به ويدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وهو عليّ بن أبي طالب، وهو وليّ الأمر بعدي، ووارث علمي وحكمتي، وسرّي وعلانيَّتي، وما ورثه النبيّون قبلي، وأنا وارث ومورّث، فلا تُكذِبنّكم أنفسُكم) (1) .

418 - كفاية الأثر عن عمّار: لمّا حضرَت رسولَ الله (صلَّى الله عليه وآله) الوفاةُ، دعا بعليٍّ (عليه السلام)، فسارّه طويلاً، ثمّ قال: (يا عليّ، أنت وصيّي، ووارثي، قد أعطاك الله علمي وفهمي) (2) .

419 - الإمام عليّ (عليه السلام): (والله، إنّي لأخوه [ (صلَّى الله عليه وآله) ] ووليّه، وابن عمّه، ووارث علمه، فمَن أحقّ به منّى!) (3) .

420 - عنه (عليه السلام): (سَلْوني عن أسرار الغيوب؛ فإنِّي وارث علوم الأنبياء

____________________

(1) خصائص الأئمّة (عليهم السلام): 75 عن أبي موسى الضرير البجلي، عن أبي الحسن (عليه السلام).

(2) كفاية الأثر: 124.

(3) المستدرك على الصحيحين: 3/136/4635 عن ابن عبّاس وراجع الفضائل لابن شاذان: 3 وإرشاد القلوب: 366.


والمرسلين) (1) .

421 - فضائل الصحابة، عن زيد بن أبي أوفى: دخلت على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) مسجدَه، فذكر قصّة مؤاخاة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بين أصحابه، فقال عليّ - يعني للنبيّ (صلَّى الله عليه وآله) -: (لقد ذهبت روحي وانقطعت ظهري حين رأيتُك فعلتَ بأصحابك ما فعلتَ غيري، فإن كان هذا من سخط عليّ فلك العُتبى والكرامة؟!).

فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (والذي بعثني بالحقّ، ما أخّرتُك إلاّ لنفسي؛ فأنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، وأنت أخي، ووارثي).

قال: (وما أرثُ منك يا رسول الله؟).

قال: (ما وُرِثَ الأنبياءُ قبلي).

قال: (وما وُرِثَ الأنبياءُ قبلَك؟).

قال: (كتاب الله، وسنّة نبيّهم، وأنت معي في قصر في الجنّة مع فاطمة ابنتي، وأنت أخي، ورفيقي).

  ثمّ تلا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): ( (... إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ) (2) ، المتحابّون في الله ينظر بعضهم إلي بعض) (3) .

422 - الإمام الباقر (عليه السلام): (ورث عليّ (عليه السلام) علمَ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وورثت فاطمةُ تركتَه) (4) .

423 - الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ عليّاً ورث علمَ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وفاطمةُ أحرزت

____________________

(1) ينابيع المودّة: 1/213/17.

(2) الحجر: 47.

(3) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/638/1085 وص 667/1137، تاريخ دمشق: 42/53/8387، المناقب للخوارزمي: 152/178، المعجم الكبير: 5/221/5146، تذكرة الخواصّ: 23 عن عبد الله بن أبي أوفى، وكلاهما نحوه، كنز العمّال: 9/167/17025554/25555؛ المناقب للكوفي: 1/316/236، عن عبد الله بن أبي أوفى نحوه، وراجع الرياض النضرة: 3/138.

(4) بصائر الدرجات: 294/6، المناقب لابن شهر آشوب: 3/66 كلاهما عن زرارة.


الميراث) (1) .

راجع: القسم الثاني/المؤزارة على الدعوة.

القسم الحادي عشر/التعلّم في مدرسة النبيّ، والمنزلة العلميّة.

____________________

(1) بصائر الدرجات: 294/7 عن حمّاد بن عيسى.


الفصل الثالث

  أحاديث الخلافة

3/1

ألا تستخلف؟

424 - المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود: استتبعني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ليلة الجنّ،، فانطلقت معه حتى بلغنا على مكّة، فخطّ عليَّ خطّة وقال: (لا تبرَح). ثمّ انصاع (1)في أجبال، فرأيت الرجال يتحدّرون عليه من رؤوس الجبال، حتى حالوا بيني وبينه، فاخترطتُ السيف وقلت: لأضربنّ حتى استنقذ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ثمّ ذكرتُ قوله: (لا تبرح حتى آتيك) - قال: - فلم أزَل كذلك حتى أمَّنا الفجر، فجاء النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وأنا قائم، فقال: (ما زلتَ على حالك؟!). قلتُ: لو لبثتَ شهراً ما برحتُ حتى تأتيني.

ثمّ أخبرتهُ بما أردتُ أن أصنع، فقال: (لو خرجتَ ما التقيتُ أنا ولا

____________________

(1) انصاع القوم: ذهبوا سِراعاً (لسان العرب: 8/214).


أنتَ إلى يوم القيامة!).

ثمّ شبّك أصابعه في أصابعي، فقال: (إنِّي وُعِدتُ أن يؤمن بي الجنّ والإنس؛ فأمّا الإنس فقد آمنت بي، وأمّا الجنّ فقد رأيتَ - قال: - وما أظنُّ أجلي إلاّ قد اقترب).

قلت: يا رسول الله، ألا تستخلف أبا بكر؟ فأعرض عنّي، فرأيتُ أنّه لم يوافقه. قلت: يا رسول الله، ألا تستخلف عمر؟ فأعرض عنّي، فرأيتُ أنّه لم يوافقه. قلت: يا رسول الله، ألا تستخلف عليّاً؟ قال: (ذاك - والذي لا إله غيره - لو بايعتُموه وأطعتُموه أدخلتُكم الجنّةَ أكتعين ) (1) (2) .

425 - المعجم الكبير، عن عبد الله بن مسعود: كنت مع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) ليلة وفد الجنّ، فتنفّس، فقلت: ما لك يا رسول الله؟! قال: (نُعيت لي نفسي يا بن مسعود). قلت: استخلف. قال: (من؟). قلت: أبو بكر - قال: - فسكت. ثمّ مضى ساعة، ثمّ تنفّس، فقلت: ما شأنك - بأبي أنت وأمِّي - يا رسول الله؟! قال: (نُعيت لي نفسي يا بن مسعود). قلت: فاستخلف. قال: (من؟). قلت: عمر، فسكت. ثمّ مضى ساعة، ثمّ تنفّس، فقلت: ما شأنك؟ قال: (نُعيت لي نفسي يا بن مسعود). قلت: فاستخلف. قال: (مَن؟). قلت: عليّ بن أبي طالب. قال: (أما - والذي نفسي بيده - لئن أطاعوه ليدخلنّ الجنّة أجمعين أكتعين) (3) .

____________________

(1) أكتعين: تأكيد أجمعين (النهاية: 4/149).

(2) المعجم الكبير: 10/67/9969.

(3) المعجم الكبير: 10/68/9970، المصنّف لعبد الرزّاق: 11/317/20646، تاريخ دمشق: 42/421، فرائد السمطين: 1/273/212، البداية والنهاية: 7/361؛ الأمالي للمفيد: 35/2، الأمالي للطوسي: 307/617، بشارة المصطفى: 203، مائة منقبة: 52/10، شرح الأخبار: 2/279/589 والخمسة الأخيرة نحوه، المناقب لابن شهر آشوب: 3/63 وراجع الفضائل لابن شاذان: 80.


426 - السنّة، عن عبد الله بن مسعود: إنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) قال ليلة الجنّ: (نُعيت لي - والله - نفسي). فقلت: يقوم بالناس أبو بكر الصدّيق. فسكت. فقلت: يقوم بالناس عمر. فسكت. فقلت: يقوم بالناس عليّ. فقال: (لا يفعلون، ولو فعلوا دخلوا الجنّة أجمعين) (1) .

3/2

استخلاف الإمام بأمر الله

427 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت وصيّي، أوصيتُ إليك بأمر ربّي، وأنت خليفتي، استخلفتك بأمر ربّي) (2) .

428 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا فاطمة... إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الأرض اطّلاعة، فاختارني من خلقه، فجعلني نبيّاً. ثمّ اطّلع إلى الأرض اطّلاعة ثانية، فاختار منها زوجك، وأوحى لي أن أُزوِّجك إيّاه، وأتّخذه وليّاً ووزيراً، وأن أجعله خليفتي في أمَّتي؛ فأبوك خير أنبياء الله ورسله، وبعلُك خير الأوصياء) (3) .

429 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (لما أُسري بي إلى السماء، ثمّ من السماء إلى السماء إلى سدرة

____________________

(1) السنّة لابن أبي عاصم: 549/1183، المناقب للخوارزمي: 114/124، فرائد السمطين: 1/267/209 كلاهما نحوه.

(2) مَن لا يحضره الفقيه: 4/179/5405 عن ابن عبّاس.

(3) كمال الدين: 263/10، كتاب سليم بن قيس: 2/565/1، إرشاد القلوب: 419 كلّها عن سلمان الفارسي، وراجع كفاية الأثر: 10.


المنتهى، وقفتُ بين يدي ربّي عزّ وجلّ، فقال لي: يا محمّد. قلت: لبّيك وسعديك. قال: قد بَلَوت خلقي، فأيّهم رأيتَ أطوع لك؟ قال: قلت: ربّي، عليّاً. قال: صدقتَ يا محمّد. فهل اتّخذتَ لنفسك خليفة يؤدّي عنك، يعلّم عبادي من كتابي ما لا يعلمون؟ قال: قلت: يا ربّ، اختَر لي، فإنّ خيرتك خيرتي. قال: اخترتُ لك عليّاً، فاتّخذه خليفةً ووصيّاً) (1) .

430 - الإمام عليّ (عليه السلام): (إنّ الله تبارك اسمه... شدّ بي أزرَ (2) رسوله، وأكرمني بنصره، وشرَّفني بعلمه، وحباني بأحكامه، واختصَّني بوصيّته، واصطفاني بخلافته في أمَّته، فقال (صلَّى الله عليه وآله) - وقد حشده المهاجرون والأنصار وانغصّت بهم المحافل -: أيّها الناس، إنّ عليّاً منّي كهارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي.

فعقل المؤمنون عن الله نطق الرسول؛ إذ عرفوني أنّي لست بأخيه لأبيه وأمَّه، كما كان هارون أخاً موسى لأبيه وأمَّه، ولا كنت نبيّاً فأقتضي (3) نبوّة، ولكن كان ذلك منه استخلافاً لي، كما استخلف موسى هارون (عليهما السلام) حيث يقول: ( ... اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (4) ) (5) .

431 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي الله عزّ وجلّ، يسبّح الله ذلك النور ويقدّسه قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلمّا خلق الله آدم ركّب ذلك النور في

____________________

(1) المناقب للخوارزمي: 303/299، فرائد السمطين: 1/268/210؛ الأمالي للطوسي: 343/705 كلّها عن غالب الجهني عن الإمام الباقر عن آبائه (عليهم السلام)، إرشاد القلوب: 237، المناقب للكوفي: 1/410/326 عن سلام الجعفي، عن محمّد بن عليّ نحوه.

(2) آزَره: أعانه، وقوله تعالى: ( اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ) (طه:31): أي قوِّ به ظهري (مجمع البحرين: 1/42).

(3) فأقتضي: على صيغة المتكلّم، أو الغائب؛ أي فاقتضى كلام النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) نبوّة (مرآة العقول: 25/60).

(4) الأعراف: 142.

(5) الكافي: 8/26/4 عن جابر بن يزيد عن الإمام الباقر (عليه السلام). راجع: أحاديث المنزلة.


صُلبه، فلم يزَل في شيء واحد حتى افترقنا في صُلب عبد المطّلب، ففيَّ النبوّة، وفي عليّ الخلافة) (1) .

432 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (خُلقت أنا وعليّ من نور واحد قبل أن يخلق الله آدم بأربعة آلاف عام، فلمّا خلق الله آدم ركّب ذلك النور في صُلبه، فلم يزَل في شيء واحد حتى افترقنا في صُلب عبد المطّلب، ففيَّ النبوّة، وفي عليّ الخلافة) (2) .

433 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ عليّ بن أبي طالب خليفة الله وخليفتي، وحجّة الله وحجَّتي) (3) .

434 - الإمام الجواد (عليه السلام): (إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عقد عليهم لعليّ بالخلافة في عشرة مواطن. ثمّ أنزل الله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ... ) (4) ، التي عُقدت عليكم لأمير المؤمنين (عليه السلام)) (5) .

3/3

خليفة النبيّ بعده

435 - تاريخ دمشق عن ابن عبّاس: ستكون فتنة، فمَن أدركها منكم فعليه

____________________

(1) المناقب لابن المغازلي: 88/130؛ العمدة: 89/107 كلاهما عن سلمان، بحار الأنوار: 38/147/114.

(2) الفردوس: 2/191/2952 عن سلمان.

(3) الأمالي للصدوق: 271/299، بشارة المصطفى: 31، كنز الفوائد: 2/13 كلّها عن محمّد بن الفرات عن الإمام الباقر عن آبائه (عليهم السلام)، مائة منقبة: 58/14.

(4) المائدة: 1.

(5) تفسير القمّي: 1/160، تأويل الآيات الظاهرة: 1/144/1 كلاهما عن ابن أبي عمير، بحار الأنوار: 36/92/20 عن ابن عمر.


بخصلتين: كتاب الله، وعليّ بن أبي طالب؛ فإنّي سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول - وهو آخذ بيد عليّ -: (هذا أوّل مَن آمن بي، وأوّل من يُصافحني، وهو فاروق هذه الأُمّة، يفرِّق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظلمة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو بابي الذي أُوتي منه، وهو خليفتي من بعدي) (1) .

436 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت الإمام والخليفة من بعدي) (2) .

437 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - في عليّ (عليه السلام) -: (هذا وصيّي، وخليفتي من بعدي) (3) .

438 - فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول لعليّ (عليه السلام): يا عليّ، أنت الإمام والخليفة بعدي، وأنت أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (4) .

439 - عنها (عليها السلام): (أُشهد الله تعالى لقد سمعتُه [ (صلَّى الله عليه وآله) ] يقول: عليّ خير مَن أخُلِّفه فيكم، وهو الإمام والخليفة بعدي) (5) .

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/42/8371 وص 43/8373؛ معاني الأخبار: 402/64، شرح الأخبار: 2/266/572.

(2) كفاية الأثر: 157 عن محمّد بن الحنفيّة، عن الإمام عليّ (عليه السلام) وص 100، عن زيد بن أرقم وص 132، عن عمران بن حصين وص 217، عن علقمة بن قيس، عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، بحار الأنوار: 26/349/23 نقلاً عن المحتضر للحسن بن سليمان.

(3) الفضائل لابن شاذان: 105 عن عمر، كفاية الأثر: 13 عن ابن عبّاس وفيه (إنّ وصيّي والخليفة من بعدي عليّ بن أبي طالب)، شرح الأخبار: 1/113/35 عن بصيرة بن مريم وفيه (أنت أخي...)، بحار الأنوار: 40/122/11 نقلاً عن كتاب الروضة.

(4) كفاية الأثر: 195 عن سهل بن سعد الأنصاري، الصراط المستقيم: 2/147 عن سهل بن سعيد الأنصاري.

(5) كفاية الأثر: 199 عن محمود بن لبيد وص 20 عن ابن عبّاس وص 117 عن أبي أيّوب خالد بن يزيد الأنصاري وص 173 عن يزيد السمان عن الإمام الحسين (عليه السلام) وفيها ذيله.


440 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (أيّها الناس، إنّ عليّاً إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم) (1) .

441 - الإمام عليّ (عليه السلام): (أنا ابن عمّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)... وأنا وصيّه، وخليفته من بعده) (2) .

442 - السنّة، عن ابن عبّاس: خرج الناس في غزوة تبوك، فقال عليّ: (أخرج معك؟). قال: (لا). قال: فبكى. قال: (أفلا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّك لست بنبيٍّ؟! وأنت خليفتي في كلّ مؤمن من بعدي) (3) .

443 - تاريخ دمشق، عن ابن عبّاس: خرج [ (صلَّى الله عليه وآله) ] بالناس في غزوة تبوك، فقال عليّ: (أخرج معك؟). فقال: (لا). قال: فبكى. فقال: (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّك لست بنبيٍّ؟!) (4) قال: (نعم). قال: (وإنّك خليفتي في كلّ مؤمن) (5) .

444 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أنت خليفتي على أمَّتي من بعدي) (6) .

____________________

(1) معاني الأخبار: 372/1 عن ابن عبّاس، كمال الدين: 261/8 عن عليّ بن الحسن السائح، عن الإمام العسكري، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام) وفيه (يا بن مسعود) بدل (أيّها الناس) .

(2) شرح الأخبار: 1/121/47 عن أبي رافع.

(3) السنّة لابن أبي عاصم: 589/1351.

(4) في الطبعة المعتمدة: (نبيّ) وهو تصحيف، والتصحيح من تاريخ دمشق (ترجمة الإمام على (عليه السلام)) تحقيق محمّد باقر المحمودي (1/185/249).

(5) تاريخ دمشق: 42/98/8441 وص 100/8448؛ شرح الأخبار: 2/300/618، كشف الغمّة: 1/178 كلّها نحوه.

(6) الغيبة للطوسي: 150/111، عن الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن الإمام الصادق، عن آبائه (عليهم السلام)، شرح الأخبار: 1/135/65 وج 2/300/618، عن عبد الله بن عبّاس وفيه (كلّ مؤمن) بدل (أُمَّتي) .


445 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا أيّها الناس، إنّ الله أمرني أن أُنصِّب لكم إماماً؛ يكون وصيّي فيكم، وخليفتي في أهل بيتي، وفي أُمّتي من بعدي...

يا أيّها الناس، إنِّي قد أعلمتكم مفزعكم بعدي، وإمامكم ووليّكم وهاديكم بعدي، وهو عليّ بن أبي طالب) (1) .

446 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (معاشر الناس، إنّ عليّاً خليفة الله، وخليفتي عليكم بعدي، وإنّه لأمير المؤمنين، وخير الوصيّين) (2) .

447 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - في حجّة الوداع -: (عليّ يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظالمين، عليّ أخي، ومولى المؤمنين من بعدي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّ الله تعالى ختم النبوّة بي؛ فلا نبيّ بعدي، وهو الخليفة في الأهل والمؤمنين بعدي) (3) .

448 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - يوم الغدير -: (معاشر الناس، هذا عليّ أخي، ووصيّي، وواعي علمي، وخليفتي على أُمّتي) (4) .

449 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أنت وصيّي، ووارثي، وخليفتي في الأهل والمال

____________________

(1) الغيبة للنعماني: 71/8، كمال الدين: 277/25، كتاب سليم بن قيس: 2/760/25 كلّها عن سليم بن قيس.

(2) عيون أخبار الرضا: 2/13/30 عن الحسين بن خالد عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام).

(3) الأمالي للطوسي: 521/1147 عن المجاشعي، عن الإمام الرضا، عن آبائه عن الإمام زين العابدين (عليهم السلام)، كشف الغمّة: 2/35 كلاهما، عن عمر وسلمة ابني أُمّ سلمة ربيبَي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).

(4) الاحتجاج: 1/147/32 عن علقمة، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، وراجع كمال الدين: 279/25 والغيبة للنعماني: 70/8 وص 83/12 وتفسير القمّي: 2/109 وج 1/293.


والمسلمين في كلّ غيبة) (1) .

450 - الإمام عليّ (عليه السلام): (والله، لقد خلّفني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في أُمّته، فأنا حجّة الله عليهم بعد نبيّه) (2) .

3/4

خليفة النبيّ في حياته وبعد موته

451 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت وصيّي، وخليفتي على أهلي وأمَّتي، في حياتي وبعد موتي) (3) .

452 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت خليفتي على أُمّتي في حياتي وبعد موتي، وأنت منّي كشيث من آدم، وكسام من نوح، وكإسماعيل من إبراهيم، وكيوشع من موسى، وكشَمعون من عيسى) (4) .

453 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت وصيّي، وأبو ولْدي، وزوج ابنتي، وخليفتي على أُمّتي في حياتي وبعد موتي؛ أمرك أمري، ونهيك نهيي. أُقسم بالذي بعثني بالنبوّة،

____________________

(1) الخصال: 430/9 عن بكر بن محمّد الأزدي، عن بعض أصحابنا، عن الإمام الصادق، عن الإمام عليّ (عليهما السلام).

(2) مائة منقبة: 82/32 عن المسيّب بن نجيه.

(3) الخصال: 652/53، الأمالي للصدوق: 754/1015، كلاهما عن سليمان بن مهران، عن الإمام الصادق، عن آبائه (عليهم السلام) وص 175/178، الفضائل لابن شاذان: 8، بشارة المصطفى: 198، والثلاثة الأخيرة عن ابن عبّاس وص 23، عن جابر بن عبد الله، كمال الدين: 260/6، عن الحسين بن خالد عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) والأخيران نحوه.

(4) الأمالي للصدوق: 450/609، بشارة المصطفى: 58 كلاهما عن عبد الله بن عبّاس.


وجعلني خير البريّة، إنّك لَحجّة الله على خلقه، وأمينه على سرّه، وخليفته على عباده) (1) .

454 - الأمالي للصدوق، عن ابن عبّاس: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (أنا أكثر النبيّين تبعاً يوم القيامة، ولي حوض عرضه ما بين بُصرى (2) وصنعاء (3) ، فيه من الأباريق عدد نجوم السماء، وخليفتي على الحوض يومئذ خليفتي في الدنيا).

فقيل: ومن ذاك يا رسول الله؟!

قال: (إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، ومولاهم بعدي، عليّ بن أبي طالب) (4) .

455 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - في وصف عليّ (عليه السلام) -: (هذا خير أهلي، وأقرب الخلق منّي، لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وروحه من روحي، وهو الوزير منّي في حياتي، والخليفة بعد وفاتي؛ كما كان هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي) (5) .

456 - الفتوح - في خبر دخول عائشة على أمِّ سلمة قبل حرب الجمل؛ تدعوها للمسير إلى البصرة -: ثمّ جعلت أمُّ سلمة تذكِّر عائشةَ فضائلَ عليّ (رضي الله عنه)، وعبد الله

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1/297/53، فضائل الأشهر الثلاثة: 79/61، الأمالي للصدوق: 155/149 كلّها عن الحسن بن عليّ بن فضّال عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام).

(2) بُصرى: مدينة تبعُد عن دمشق تسعين كيلو متراً من الجنوب الشرقي. وكان لها أهمّية عظمى أيّام الروم. فُتحت على يد خالد بن الوليد في السنة (13 هـ).

(3) صنعاء: عاصمة اليمن، وتقع جنوب الحجاز، وشمال مدينة عدن. وكانت من أهمّ مُدن اليمن والحجاز آنذاك.

(4) الأمالي للصدوق: 374/471، بشارة المصطفى: 34. راجع: القسم التاسع/عليّ (عليه السلام) عن لسان النبيّ/الكمالات المعنويّة/صاحب حوضي.

(5) التوحيد: 311/2، قصص الأنبياء: 284/348 كلاهما عن جعفر الأزهري، عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام)، الخرائج والجرائح: 2/492/5 نحوه وراجع الثاقب في المناقب: 67/48.


بن الزبير على الباب يسمع ذلك كلّه، فصاح بأُمِّ سلمة وقال: يا بنت أبي أُميّة، إنّنا قد عرفنا عداوتكِ لآل الزبير!

فقالت أمّ سلمة: والله، لتوردنّها، ثمّ لا تصدرنّها أنت ولا أبوك! أتطمع أن يرضى المهاجرون والأنصار بأبيك الزبير وصاحبه طلحة، وعليّ بن أبي طالب حيٌّ، وهو وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة!!

فقال عبد الله بن الزبير: ما سمعنا هذا من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ساعة قطّ!

فقالت أمّ سلمة: إن لم تكن أنت سمعتَه، فقد سمعَته خالتُك عائشة، وها هي فاسألها! فقد سمعَته (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (عليّ خليفتي عليكم في حياتي ومماتي؛ فمَن عصاه فقد عصاني)، أتشهدين - يا عائشة - بهذا، أم لا؟

فقالت عائشة: اللهمّ نعم.

قالت أمّ سلمة: فاتّقِ الله - يا عائشة - في نفسكِ، واحذري ما حذّرك الله ورسوله (صلَّى الله عليه وآله)، ولا تكوني صاحبة كلاب الحَوأب، ولا يغرّنّكِ الزبير وطلحة؛ فإنّهما لا يُغنيان عنكِ من الله شيئاً! (1) .

راجع: القسم الثاني/المؤازرة على الدعوة.

____________________

(1) الفتوح: 2/454، راجع: القسم السادس/وقعة جمل/تأهُّب الناكثين للقتال/استرجاع عائشة لمّا وصلت إلى ماء الحوأب.



الفصل الرابع

  أحاديث المنزلة

4/1

حديث المنزلة

457 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي) (1).

458 - صحيح مسلم، عن سعيد بن المسيّب، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لعليّ: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ

____________________

(1) سنن الترمذي: 5/641/3730 عن جابر بن عبد الله وح 3731، سنن ابن ماجة: 1/45/121، تاريخ دمشق: 42/164/8571 وص 165/8576 كلّها عن سعد بن أبي وقّاص، تاريخ بغداد: 10/43/5170، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 127/62 - 64، المصنّف لابن أبي شيبة: 7/496/13، والثلاثة الأخيرة عن أسماء بنت عميس وح 14 عن زيد بن أرقم، السنّة لابن أبي عاصم: 595/1382 عن أبي سعيد، كنز العمّال: 11/599/32881؛ كفاية الأثر: 135 عن سعد بن مالك، الجمل: 76.


بعدي).

قال سعيد: فأحببتُ أن أُشافه بها سعداً، فلقيتُ سعداً، فحدّثتُه بما حدَّثني عامر، فقال: أنا سمعتُه. فقلت: أأنتَ سمعتَه؟ فوضع إصبعيه على أُذنيه، فقال: نعم، وإلاّ فاستكّتا (1) .

459 - تاريخ دمشق، عن عامر بن سعد: إنّي لَمع أبي إذ تبعنا رجل، في نفسه على عليّ بعض الشيء، فقال: يا أبا إسحاق، ما حديث يذكر الناس عن عليّ؟ قال: وما هو؟ قال: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى)! قال: نعم، سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول لعليّ: (أنت منّي كهارون من موسى)، ما تنكر أن يقول لعليّ هذا، وأفضل من هذا!! (2)

460 - تاريخ بغداد، عن جابر: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟! ولو كان لكُنتَه!) (3)

461 - تاريخ بغداد، عن سويد بن غفلة، عن عمر بن الخطّاب: إنّه رأى رجلاً يسبُّ

____________________

(1) صحيح مسلم: 4/1870/30، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/633/1079، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 111/50 وفيهما (أما ترضى أن تكون منّي) بدل (أنت منّي) 114/51، مسند أبي يعلي: 1/348/735 وص 354/751 (فاصطكّتا) بدل (فاستكّتا)، تاريخ دمشق: 42/146 - 148، أُسد الغابة: 4/100/3789، المناقب لابن المغازلي: 28/40 وص 29/42 وص 33/50، المناقب للخوارزمي: 133/148؛ الأمالي للطوسي: 227/399 نحوه، المناقب للكوفي: 1/513/435 وفيه (أما ترضى أن تكون منّي) بدل (أنت منّي).

(2) تاريخ دمشق: 42/157/8559.

(3) تاريخ بغداد: 3/289/1376، تاريخ دمشق: 42/176/8605؛ كنز الفوائد: 2/181، الأمالي للشجري: 1/134، مائة منقبة: 112/57، الأمالي للطوسي: 548/1168، عن أبي ذرّ، عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) نحوه.


عليّاً، فقال: إنّي أظنّك منافقاً؛ سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (إنّما عليّ منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي) (1) .

462 - تاريخ بغداد، عن المهديّ العباسي: دخل عليّ سفيان الثوري، فقلتُ: حدِّثني بأفضل فضيلة عندك لعليّ. فقال: حدَّثَني سلمة بن كهيل، عن حُجَيّة بن عديّ، عن عليّ قال: (قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي) (2) .

463 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى؛ طاعتُك واجبة على مَن بعدي كطاعتي في حياتي، غير أنّه لا نبيّ بعدي) (3) .

464 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - مشيراً إلى عليّ (عليه السلام) -: (هذا خير أهلي، وأقرب الخلق منّي، لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وروحه من روحي، وهو الوزير منّي في حياتي، والخليفة بعد وفاتي، كما كان هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي) (4) .

465 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت منّي بمنزلة هبة الله من آدم، وبمنزلة سام من نوح، وبمنزلة إسحاق من إبراهيم، وبمنزلة هارون من موسى، وبمنزلة شمعون من

____________________

(1) تاريخ بغداد: 7/453/4023، تاريخ دمشق: 42/167/8580 وص 166/8578 و8579.

(2) تاريخ بغداد: 4/71/1691، تاريخ دمشق: 42/167/8582.

(3) الاحتجاج: 1/297/52، المناقب للكوفي: 1/224/142، كلاهما عن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن الإمام عليّ (عليهما السلام) عن أُبيّ بن كعب، اليقين: 448/170 عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن جدّه عن الإمام عليّ (عليهما السلام) عن أُبيّ بن كعب، وليس فيه (كطاعتي...) .

(4) التوحيد: 311/2، قصص الأنبياء: 284/348، كلاهما عن جعفر الأزهري، عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام)، الخرائج والجرائح: 2/492/5 نحوه، الثاقب في المناقب: 67/48 عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله).


عيسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي) (1) .

466 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (إنّك منّي بمنزلة هارون من موسى، ولك بهارون أُسوة حسنة؛ إذ استضعفه قومُه وكادوا يقتلونه، فاصبر لظلم قريش إيّاك، وتظاهرهم عليك؛ فإنّك بمنزلة هارون) (2) .

467 - الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام): (لقد قال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السلام) في عشرة مواضع: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى) (3) .

4/2

موارد تأكيد النبيّ على حديث المنزلة

4/2 - 1

يوم الإنذار

468 - كنز الفوائد عن أبي رافع: إنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) جمع بني عبد المطّلب في الشعب... فقال: (إنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن أُنذر عشيرتي الأقربين ورَهطي المخلصين، وإنّ الله تعالى لم يبعث نبيّاً إلاّ جعل له من أهله أخاً، ووارثاً، ووزيراً، ووصيّاً، وخليفةً في أهله، فأيّكم يُبايعني على أنّه أخي ووزيري ووارثي دون أهلي، ويكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟). فسكت القوم.

____________________

(1) الأمالي للصدوق: 100/77، عن مقاتل بن سليمان، عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام)، روضة الواعظين: 115.

(2) كمال الدين: 264/10 عن سلمان، كتاب سليم بن قيس: 2/569/2 عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله).

(3) ينابيع المودّة: 2/302/866.


فأعاد الكلام عليهم ثلاث مرّات، وقال: (والله، ليقومنّ قائمكم أو يكون في غيركم، ثمّ لتُذمُّنّ!).

قال: فقام على (عليه السلام) وهم ينظرون كلّهم إليه، فبايعه، وأجابه إلى ما دعاه (1) .

راجع: القسم الثاني/المؤازرة على الدعوة.

4/2 - 2

يوم المؤاخاة

469 - فضائل الصحابة، عن محدوج بن زيد: إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) آخى بين المسلمين، ثمّ قال: (يا عليّ، أنت أخي، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى، غير أنّه لا نبيّ بعدي) (2) .

470 - الإمام عليّ (عليه السلام): (آخى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بين أصحابه، فقلتُ: يا رسول الله، آخيتَ بين أصحابك وتركتني فرداً لا أخ لي؟! فقال: إنّما أخّرتُك لنفسي؛ أنت أخي في الدنيا والآخرة، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى. فقمتُ وأنا أبكي من الجَذَل (3) والسرور) (4) .

راجع: القسم العاشر/الخصائص السياسيّة والاجتماعيّة/الإخاء مع النبي.

____________________

(1) كنز الفوائد: 2/177، مجمع البيان: 7/323، تفسير فرات: 303/408، تأويل الآيات الظاهرة: 1/393/19 وفيها ( لتندمُنَّ) بدل (لتُذمُّنّ) ، وراجع المناقب لابن شهر آشوب: 3/251.

(2) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/663/1131، تاريخ دمشق: 42/53/8389، المناقب للخوارزمي: 140/159، المناقب لابن المغازلي: 42/65 عن أبي زيد الباهلي؛ الأمالي للصدوق: 402/520، المناقب لابن شهر آشوب: 2/186 نحوه وكلاهما عن مخدوج بن زيد الذهلي.

(3) جَذِل - بالكسر - بالشيء يَجذَل جَذَلاً فهو جَذِلٌ وجذلان: فَرِح (لسان العرب: 11/107).

(4) كنز الفوائد: 2/180 عن سليمان بن جعفر الهاشمي، عن الإمام الصادق، عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام)؛ المعجم الكبير: 11/63/11092 عن ابن عبّاس نحوه. راجع: أحاديث الوراثة/وارث علم النبيّ.


4/2 - 3

عند سدّ الأبواب

471 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ رجالاً يجدون في أنفسهم في أنّي أسكنت عليّاً في المسجد، والله ما أخرجتُهم، ولا أسكنته، إنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى موسى وأخيه: ( ... أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ... ) (1) ، وأمر موسى ألاّ يسكن مسجده، ولا ينكح فيه، ولا يدخله إلاّ هارون وذرّيّته، وإنّ عليّاً منّي بمنزلة هارون من موسى، وهو أخي دون أهلي، ولا يحلّ مسجدي لأحد ينكح فيه النساء إلاّ عليٌّ وذرّيّته، فمَن ساءه فهاهنا) - وأومأ بيده نحو الشام - (2) .

472 - تاريخ دمشق، عن جابر بن عبد الله الأنصاري: جاء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ونحن مضطجعون في المسجد، فضربَنا بعسيب (3) في يده، فقال: (أترقدون في المسجد؟! إنّه لا يُرقد فيه). فأجفلنا وأجفل عليّ.

فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (تعالَ يا عليّ؛ إنّه يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي، ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ النبوّة؟! والذي نفسي بيده، إنّك لذَوّاد عن حوضي يوم القيامة، تذود - كما يُذاد البعير الضالّ عن الماء - بعصاً

____________________

(1) يونس: 87.

(2) المناقب لابن المغازلى: 255/303؛ علل الشرائع: 202/3 كلاهما عن حذيفة بن أسيد الغفارى وح 2، تفسير العيّاشى: 2/127/39، المناقب لابن شهر آشوب: 2/194 والثلاثة الأخيرة عن أبي رافع، الاحتجاج: 2/310/258 عن أبي جعفر مؤمن الطاق والأربعة الأخيرة نحوه وليس فيها الآية الشريفة.

(3) العَسيب: جريدة من النخل، وهى السعفة ممّا لا ينبت عليه الخوص (النهاية: 3/234).


لك من عوسج (1) ، كأنِّي أنظر إلى مقامك من حوضي) (2) .

راجع: القسم العاشر/الخصائص السياسيّة والاجتماعيّة/الحقوق مثل النبيّ في مسجده.

4/2 - 4

فتح خيبر

473 - المناقب لابن المغازلي، عن جابر بن عبد الله: لمّا قدم عليّ بن أبي طالب بفتح خيبر، قال له النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، لولا أن تقول طائفة من أمَّتي فيك ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلتُ فيك مقالاً لا تمرّ بملأ من المسلمين إلاّ أخذوا التراب من تحتِ رجليك، وفضل طهورك؛ يستشفون بهما، ولكن حسبك أن تكون منّي... بمنزلة هارون من موسى، غير أنّه لا نبيّ بعدي) (3) .

4/2 - 5

عند تعيين الوليّ لابنة حمزة

474 - تاريخ دمشق، عن عبد الله بن جعفر: لمّا قدمت ابنة حمزة المدينةَ اختصم فيها عليّ وجعفر وزيد، فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (قولوا). فقال زيد: هي ابنة آخى، وأنا

____________________

(1) العوسج: شجر من شجر الشوك، وله ثمر أحمر مدوّر كأنّه خرز العقيق. وقال ابن سيدة: والعَوسج المحض يقصُر أُنبوبه، ويصغر ورقه، ويصلب عوده (لسان العرب: 2/324).

(2) تاريخ دمشق: 42/140/8525 وص 139/8524، المناقب للخوارزمي: 109/116.

(3) المناقب لابن المغازلي: 237/285، المناقب للخوارزمي: 158/188 وص 129/143، كفاية الطالب: 264، كلاهما عن زيد بن عليّ، عن آبائه، عن الإمام عليّ (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)؛ الأمالي للصدوق: 156/150، كنز الفوائد: 2/179، بشارة المصطفى: 155، إعلام الورى: 1/366، شرح الأخبار: 2/381/740، روضة الواعظين: 127، المسترشد: 633/298، المناقب للكوفي: 1/249/167 وص 459/360.


أحقّ بها. وقال عليّ: (ابنة عمّي، وأنا جئت بها). وقال جعفر: ابنة عمّي، وخالتها عندي.

قال: (خذها يا جعفر؛ أنت أحقّهم بها).

فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (أمّا أنت يا زيد فمولاي، وأنا مولاك، وأمّا أنت يا جعفر، فأشبهت خَلقي وخُلقي، وأمّا أنت يا عليّ، فأنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ النبّوة) (1) .

4/2 - 6

غزوة تبوك

475 - صحيح البخاري، عن سعد بن أبي وقّاص: إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) خرج إلى تبوك (2) واستخلف عليّاً، فقال: (أتُخلّفني في الصبيان والنساء؟!). قال: (ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه ليس نبيّ بعدي؟!) (3) .

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/170/8589، وراجع خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 139/71 وشرح الأخبار: 3/202/1130.

(2) تَبُوك: منطقة في وسط الطريق الرابط بين المدينة ودمشق، شمال غربيّ المدينة، وجنوب دمشق. حشّد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) فيها جيشاً في السنة التاسعة للهجرة لإخضاع عرب الشمال، ولكن لم تقُم حرب.

(3) صحيح البخاري: 4/1602/4154، صحيح مسلم: 4/1871/31، مسند ابن حنبل:1/386/1583 وص 390/1600، صحيح ابن حبّان: 15/371/6927، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/569/960 وص 610/1041، الطبقات الكبرى: 3/24 كلاهما عن سعد بن مالك، المستدرك على الصحيحين: 3/117/4575، السنن الكبرى: 9/68/17893، السنّة لابن أبي عاصم: 586/1334 وص 610/1454، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 121/11856/54 وص 124/59، المصنّف لابن أبي شيبة: 7/496/11، مسند أبي يعلي: 1/199/339، مسند الطيالسي: 29/209، تاريخ بغداد: 11/432/6323 وج 4/204/1890، دلائل النبوّة للبيهقي: 5/220، حلية الأولياء: 7/196، البداية والنهاية: 7/341 كلّها نحوه وراجع سنن الترمذي: 5/638/3724، وخصائص أمير المؤمنين للنسائي: 46/9 وص 119/55، ومسند ابن حنبل: 1/391/1608 وتاريخ دمشق:42/112/8470 وص 113/8472، وأُسد الغابة: 4/99/3789 والمناقب لابن المغازلي: 29/43 والمناقب للخوارزمي: 108/115، وتاريخ الإسلام للذهبي: 3/627 والبداية والنهاية: 7/340.


476 - تاريخ دمشق عن جابر: رأيت عليّاً يلوذ بناقة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في غزوة تبوك، ويقول: (تُخلِّفني؟!). قال: (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟!) (1)

477 - مسند ابن حنبل عن ابن عبّاس: خرج [ (صلَّى الله عليه وآله) ] بالناس في غزوة تبوك، قال: فقال له عليّ: (أخرج معك؟)، قال: فقال له نبي الله: (لا). فبكى عليّ، فقال له: (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّك لستَ بنبيّ؟! إنّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي) (2) .

478 - الطبقات الكبرى، عن البرَّاء بن عازب وزيد بن أرقم: لمّا كان عند غزوة جيش العسرة وهي تبوك، قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لعليّ بن أبي طالب: (إنّه لابدّ من أن

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/177/8608؛ الأمالي للطوسي: 342/702، عن عبيد الله بن عليّ عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام).

(2) مسند ابن حنبل: 1/709/3062، المستدرك على الصحيحين: 3/144/4652، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/684/1168، المعجم الكبير: 12/78/12593، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 73/23، تاريخ دمشق: 42/102/8454 وص 98/8441 نحوه وفى آخره (وإنّك خليفتي في كلّ مؤمن) بدل (إنّه لا ينبغي...)، المناقب للخوارزمي: 126/140، البداية والنهاية: 7/339، ذخائر العقبى: 157، تفسير فرات: 342/466 وص 421/558 وفيها إلى (بنبيّ) ، شرح الأخبار: 2/300/618 وراجع ص 210/541.


أُقيم أو تُقيم). فخلّفه. فلمّا فصل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) غازياً، قال ناس: ما خلّف عليّاً إلاّ لشيء كرهه منه!

فبلغ ذلك عليّاً، فاتّبع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حتى انتهى إليه، فقال له: (ما جاء بك يا عليّ؟!). قال: (لا يا رسول الله، إلاّ أنّي سمعت ناساً يزعمون أنّك إنّما خلّفتني لشيء كرهته منّي!) . فتضاحك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وقال: (يا عليّ، أما ترضى أن تكون منّي كهارون من موسى، غير أنّك لست بنبيّ؟!). قال: (بلى يا رسول الله). قال: (فإنّه كذلك) (1) .

479 - تاريخ دمشق، عن أبي الفيل: لمّا خرج رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في غزاة تبوك استخلف عليّ بن أبي طالب على المدينة، فماج المنافقون بالمدينة وفي عسكر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وقالوا: كَرِهَ قربَه، وساء فيه رأيه.

فاشتدّ ذلك على عليّ، فقال: (يا رسول الله، تُخلّفني مع النساء والصبيان؟! أنا عائذ بالله من سخط الله وسخط رسوله). فقال: (رضي الله عنك - يا أبا الحسن - برضاي عنك، فإنّ الله عنك راضٍ، إنّما منزلك (2) منّي بمنزلة هارون من موسى، غير أنّه لا نبيّ بعدي). فقال عليّ: (رضينا، رضينا) (3) .

480 - الإرشاد: لمّا بلغ أمير المؤمنين (عليه السلام) إرجاف المنافقين به، أراد تكذيبَهم، وإظهارَ فضيحتهم، فلحق بالنبيّ (صلَّى الله عليه وآله) فقال: (يا رسول الله، إنّ المنافقين يزعمون أنّك إنّما خلّفتني استثقالاً ومَقتاً!!).

فقال له رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (ارجع - يا أخي - إلى

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 3/24 وص 23 عن أبي سعيد، تاريخ دمشق: 42/186/8632، المعجم الكبير: 5/203/5094، أنساب الأشراف: 2/349 كلّها نحوه وراجع ص 348.

(2) المَنزِل: الدرجة (لسان العرب: 11/658).

(3) تاريخ دمشق: 42/181/8618.


مكانك؛ فإنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك، فأنت خليفتي في أهلي، ودار هجرتي، وقومي، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟!) (1) .

481 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) لمّا خرج إلى تبوك واستخلفه على المدينة وعلى أهله، وقد قال له: (يا رسول الله، إنّ بعض الناس يقولون: إنّك إنّما خلّفتني استثقالاً لي!) -: (يا عليّ، إنّه لابدّ من إمام وأمير، فأنا الإمام وأنت الأمير، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؛ حيث استخلفه على بني إسرائيل، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي يوحي إليه؟! والله، ما خلّفتك عن أمري، ولا عاقِبتُك (2) عن أمري، ولا أمّرتُك عن أمري، إن أنا إلاّ مأمور) (3) .

4/2 - 7

مع أُمّ سلمة

482 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - لأُمّ سلمة -: (هذا على بن أبي طالب، لحمه لحمي، ودمه دمي، هو منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي) (4) .

____________________

(1) الإرشاد: 1/156 وراجع كمال الدين: 278/25 وتفسير القمّي: 1/292 وكنز الفوائد: 2/181 والاحتجاج: 2/26/150 والمناقب لابن شهر آشوب: 3/16، والمسترشد: 335/6، وخصائص أمير المؤمنين للنسائي: 107/45، ومسند أبي يعلي: 1/347/734، ودلائل النبوّة للبيهقي: 5/220، والبداية والنهاية: 5/7، والمناقب لابن المغازلي: 33/49.

(2) وخلّفت فلاناً بعِقبي: أي أقمته بعدي (تاج العروس: 2/1243).

(3) شرح الأخبار: 2/195/530 عن سعد بن أبي وقّاص.

(4) المعجم الكبير: 12/15/12341، المناقب للخوارزمي: 142/163، كفاية الطالب: 168؛ علل الشرائع: 66/3، بشارة المصطفى: 167، اليقين: 173/30 وص 185/38 كلّها عن ابن عبّاس وص 415/154 عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) نحوه.


483 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا أمّ سلمة، إنّ عليّاً لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى، غير أنّه لا نبيّ بعدي) (1) .

484 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - لأُمّ سلمة -: (هذا عليّ سِيطَ لحمه بلحمي، ودمه بدمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي) (2) .

4/2 - 8

مع أنس بن مالك

485 - الإمام الباقر (عليه السلام) عن أنس بن مالك: بينما أنا عند النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) إذ قال: (يطلع الآن). قلت: فداك أبي وأُمّي، من ذا؟ قال: (سيّد المسلمين، وأمير المؤمنين، وخير الوصيّين، وأولى الناس بالنبيّين).

قال: فطلع عليّ (عليه السلام). ثمّ قال لعليّ (عليه السلام): (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟!) (3) .

4/2 - 9

عند جماعة من الأصحاب

486 - تاريخ دمشق عن عبد الله بن عبّاس: سمعت عمر بن الخطّاب وعنده جماعة فتذاكروا السابقين إلى الإسلام، فقال عمر: أمّا علي، فسمعتُ

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/42/8372؛ الأمالي للطوسي: 50/65 نحوه، وكلاهما عن ابن عبّاس.

(2) المحاسن والمساوئ: 44؛ شرح الأخبار: 2/201/531، المناقب للكوفي: 1/355/281 وفيه (نِيطَ) بدل (سِيطَ) ، وكلّها عن ابن عبّاس.

(3) اليقين: 141/10 عن جابر الجعفي، كشف الغمّة: 1/343.


رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول فيه ثلاث خصال، لوددت أنّ لي واحدة منهنّ فكان أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس! كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من الصحابة، إذ ضرب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بيده على منكب عليّ، فقال له: (يا عليّ، أنت أوّل المؤمنين إيماناً، وأوّل المسلمين إسلاماً، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى) (1) .

487 - الرياض النضرة، عن عمر بن الخطّاب: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول لعليّ ثلاث خصال لوددت أنّ لي واحدة منهنّ، بينا أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من أصحاب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، إذ ضرب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) منكب عليّ فقال: (يا عليّ، أنت أوّل المؤمنين إيماناً، وأوّل المسلمين إسلاماً، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى) (2) .

4/2 - 10

حجّة الوداع

488 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - في حجّة الوداع -: (عليّ يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظالمين، عليّ أخي، ومولى المؤمنين من بعدي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى؛ ألاَّ إنّ الله تعالى ختم النبوّة بي فلا نبيّ بعدي، وهو الخليفة في

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/167/8581، المناقب للخوارزمي: 54/19، كنز العمّال: 13/124/36395، وفيه من (سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)...).

(2) الرياض النضرة: 3/118، كنز العمال: 13/122/36392 نقلاً عن الحاكم في الكنى والشيرازي في الألقاب؛ كشف الغمّة: 1/86، كشف اليقين: 47/24 وزاد في ذيله (كذب يا عليّ مَن زعم أنّه يُحبُّني ويُبغضك)، بحار الأنوار: 38/246/41.


الأهل والمؤمنين بعدي) (1) .

____________________

(1) الأمالي للطوسي: 521/1147، عن المجاشعي، عن الإمام الرضا، عن آبائه، عن الإمام زين العابدين (عليهم السلام) عن عمر وسلمة ابني أمّ سلمة ربيبَي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، كشف الغمّة: 2/35 عن عمر وسلمة وراجع تفسير العيّاشي: 1/332/153 وبشارة المصطفى: 147، والبرهان في تفسير القرآن: 2/227/2909 وبحار الأنوار: 37/256/11.


بحث حول حديث المنزلة

إنّ حديث المنزلة الذي نقلناه بصور متنوّعة، يمثّل فضيلة من الفضائل العلويّة الرفيعة، ومنقبة من مناقبها الكريمة، واستبان ممّا ورد أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) نطق بهذه الفضيلة في مواطن كثيرة، فما جرى على لسانه المطهّر في غزوة تبوك وإن كان أشهرها، ولكنّه لا يقتصر عليها.

والأسانيد العديدة والمنقولات الجمّة لهذا الحديث لا تَدَع مجالا للشكّ في صدوره القطعي، وقد أدّى سعة نقله وكثرة أسانيده، إلى أن يصرّح علماء ومحدّثون سنّة كبار بتواتره وكثرة نقله من طرق ومصادر مختلفة، ويؤكّدون على كونه الحديث الأكثر ثبتاً بين الآثار المنقولة عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، مبيّنين بذلك اتّفاق رواة الحديث وحفظة الآثار على صحّته.

وكتب الحسكاني يقول عن أسانيده:

وهذا حديث المنزلة الذي كان شيخنا أبو حازم الحافظ يقول: خرّجته بخمسة آلاف إسناد!! (1) .

____________________

(1) شواهد التنزيل: 1/195.


وفيه قال محمّد بن عبد البرّ:

روى قولَه (صلَّى الله عليه وآله): (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى) جماعةٌ من الصحابة، وهو من أثبت الآثار وأصحّها.

رواه عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) سعد بن أبي وقّاص، وطرق حديث سعد فيه كثيرة جدّاً، قد ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره، ورواه ابن عبّاس، وأبو سعيد الخدري، وأمّ سلمة، وأسماء بنت عُميس، وجابر بن عبد الله، وجماعة يطول ذكرهم (1) .

وكتب محمّد بن يوسف الگنجى:

هذا حديث متّفق على صحّته، رواه الأئمّة الحفّاظ كأبي عبد الله البخاري في صحيحه، ومسلم بن الحجّاج في صحيحه، وأبي داود في سننه، وأبي عيسى الترمذي في جامعه، وأبي عبد الرحمن النسائي في سننه، وابن ماجة القزويني في سننه، واتّفق الجميع على صحّته حتى صار ذلك إجماعاً منهم.

قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث دخل في حدّ التواتر (2) .

وأورد السيوطي في كتابه الذي أفرده لنقل الأحاديث المتواترة وسمّاه بـ (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة) حديث المنزلة (3) ، مصرّحاً عمليّاً بتواتره.

إنّ ما ورد أعلاه يعكس بعضاً من الآراء الواردة بشأن أسانيده، ولا ريب أنّ التتبّع في المصادر الحديثيّة ينفي أيّة أوهام تشكّك في قطعيّة صدوره.

____________________

(1) الاستيعاب: 3/202/1875.

(2) كفاية الطالب: 283.

(3) الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة: 76/103.


ومن حيث المضمون نرى أنّه جعل لعليّ (عليه السلام) جميع المناصب التي كانت لهارون (عليه السلام) في عصر موسى (عليه السلام) إلاّ النبوّة، وذكر القرآن الكريم مناصب هارون بهذا النحو: ( وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (1) .

وثبتت هذه المناصب لعليّ (عليه السلام) في الأحاديث النبويّة بصراحة (2) .

وأورد القرآن الكريم قسماً آخر من مناصب هارون بالنحو الآتي:

( ... اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (3) .

إنّ واقع حياة عليّ (عليه السلام)، ودفاعه الفذّ عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وشهوده الذي لا مثيل له في حروبه جميعها، كلّ أولئك مَعْلَم على أنّ الله تعالى جعل لعليّ (عليه السلام) من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) منزلة هارون من موسى (عليهما السلام).

لقد مضى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في إبلاغ رسالته حسب المجريات الطبيعيّة للأُمور، وكان عليّ (عليه السلام) أفضل وأثبت نصير له في هذا السبيل، فمبيته في فراشه، واستبساله العجيب في معركة بدر التي كانت أوّل اختبار للمسلمين، وكانت مصيريّة رهيبة، وحمايته العظيمة له (صلَّى الله عليه وآله) في أُحد - وقد فرَّ كثير من المدّعين - ومبارزته لعمرو بن عبد ودّ في معركة الخندق بعد حصار المشركين المخيف، وتجلّي قوّته في خيبر، وقد ظلّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وأصحابه خلف أسوارها، وغير ذلك كلّه آية على أنّ دعمه لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) كان مصيريّاً.

____________________

(1) طه: 29 - 32.

(2) راجع: القسم التاسع/عليّ عن لسان النبيّ/المكانة السياسيّة والاجتماعيّة/وزيري.

(3) الأعراف: 142.


ونُضيف إلى ما ذكرناه، أنّ هذه الأحاديث تدلّ على أنّ عليّاً (عليه السلام) كان متميّزاً بين الصحابة، ولم يُقرَن به أحد منهم، كما كان هارون في بنى إسرائيل. انظر إلى الروايات الآتية:

ـ الإمام عليّ (عليه السلام): (إنّ الله تبارك اسمه... شدّ بي أزر رسوله، وأكرمني بنصره، وشرَّفني بعلمه، وحباني بأحكامه، واختصَّني بوصيّته، واصطفاني بخلافته في أُمّته، فقال (صلَّى الله عليه وآله) - وقد حشده المهاجرون والأنصار، وانغصّت بهم المحافل -: أيّها الناس، إنّ عليّاً منّي كهارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي.

فعقلَ المؤمنون عن الله نطق الرسول؛ إذ عرفوني أنّي لستُ بأخيه لأبيه وأُمّه، كما كان هارون أخا موسى لأبيه وأُمّه، ولا كنت نبيّاً فأقتضي نبوّة، ولكن كان ذلك منه استخلافاً لي، كما استخلف موسى هارون (عليهما السلام) حيث يقول: ( ... اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ )) (1) (2) .

ـ أبو خالد الكابلي: قيل لسيّد العابدين عليّ بن الحسين: إنّ الناس يقولون: إنّ خير الناس بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ (عليه السلام). قال: (فما يصنعون بخبر رواه سعيد بن المسيّب، عن سعد بن أبي وقّاص عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أنّه قال لعليّ (عليه السلام): (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي)؟! فمَن كان في زمن موسى مثل هارون؟!) (3)

ـ أبو هارون العبدي: سألت جابر بن عبد الله الأنصاري عن معنى قول

____________________

(1) الأعراف: 142.

(2) راجع: الفصل العاشر/احتجاجات عليّ.

(3) معاني الأخبار: 74/2.


النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السلام): (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي)، قال: استخلفَه بذلك - واللهِ - على أُمّته في حياته وبعد وفاته، وفرض عليهم طاعته؛ فمَن لم يشهد له بعد هذا القول بالخلافة فهو من الظالمين (1) .

ـ سلم بن وضّاح: كنّا عند محمّد بن عبد الله، فسأله معلّى بن سليمان عن قول النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى) أيّ شيء أراد به؟ قال: أراد به أن يُطاع من بعده كما يُطاع النبيّ في حياته (2) .

راجع:أحاديث الخلافة

القسم التاسع: عليّ عن لسان النبيّ/الأُسرة/بمنزلة رأسي من بدني،

ومنزلته عندي كمنزلتي عند الله.

عليّ عن لسان النبيّ /المكانة السياسيّة والاجتماعيّة/وزيري.

عليّ عن لسان أصحاب النبيّ/عمر، وسعد بن أبي وقّاص، وابن عبّاس.

كتاب (تاريخ دمشق): 42/142 - 186.

____________________

(1) معاني الأخبار: 74/1.

(2) المناقب للكوفي: 1/510/429.



الفصل الخامس

  أحاديث الإمارة

5/1

معنى أُولي الأمر

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) (1) .

489 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - في معنى أُولي الأمر -: (هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)) (2) .

490 - كمال الدين، عن جابر بن عبد الله الأنصاري: لمّا أنزل الله عزّ وجلّ على نبيّه محمّد (صلَّى الله عليه وآله): ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) ، قلت: يا رسول الله، عرفنا الله ورسوله، فمَن أُولو الأمر الذين قرن الله طاعتَهم بطاعتك؟ فقال (صلَّى الله عليه وآله): (هم خلفائي - يا جابر - وأئمّة المسلمين من بعدي،

____________________

(1) النساء: 59.

(2) تفسير فرات: 109/110 عن سلمان الفارسي، اليقين: 379/134 عن جابر بن عبد الله الأنصاري.


أوّلهم عليّ بن أبي طالب) (1) .

491 - الإمام عليّ (عليه السلام): (قلت: يا رسول الله، ومَن شركائي من بعدي؟ قال: الذين قرنهم الله عزّ وجلّ بنفسه وبي، فقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) الآية. فقلت: يا رسول الله، ومَن هم؟ قال: الأوصياء منّي إلى أن يردوا عليّ الحوض، كلّهم هادٍ مهتدٍ، لا يضرّهم مَن خذلهم، هم مع القرآن، والقرآن معهم، لا يُفارقهم ولا يُفارقونه) (2) .

492 - الكافي، عن سليم بن قيس: سمعت عليّاً صلوات الله عليه يقول: (... أدنى ما يكون به العبد ضالاّ ً أن لا يعرف حجّة الله تبارك وتعالى، وشاهده على عباده، الذي أمر الله عزّ وجلّ بطاعته، وفرض ولايته. قلت: يا أمير المؤمنين، صِفهم لي. فقال: (الذين قرنَهم الله عزّ وجلّ بنفسه ونبيّه، فقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) ).

قلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك أوضح لي. فقال: (الذين قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في آخر خطبته يوم قبضه الله عزّ وجلّ إليه: إنّي قد تركتُ فيكم أمرين، لن تضلّوا بعدي ما إن تمسّكتم بهما: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي؛ فإنّ اللطيف الخبير قد عهد لي أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، كهاتين - وجمع بين مسبّحتيه - ولا أقول كهاتين - وجمع بين المسبّحة والوسطى - فتسبق

____________________

(1) كمال الدين: 253/3، إعلام الورى: 2/181، المناقب لابن شهر آشوب: 1/282.

(2) كمال الدين: 285/37، تفسير العيّاشي: 1/253/177، الاعتقادات: 121 وفيه (قرن الله طاعتهم بطاعته وبطاعتي) بدل (قرنهم الله عزّ وجلّ بنفسه وبي)، الغيبة للنعماني: 81/10، كتاب سليم بن قيس: 2/626/10 كلّها عن سليم بن قيس، وزاد فيهما بعد الآية (فإن خفتم تنازعاً [ التنازع ] في شيء، فأرجعوه إلى الله وإلى رسوله وإلى أُولي الأمر منكم).


إحداهما الأُخرى، فتمسّكوا بهما لا تزلّوا ولا تضلّوا، ولا تقدّموهم فتضلّوا) (1) .

493 - الإمام زين العابدين (عليه السلام): (إنّ أُولي الأمر الذين جعلهم الله عزّ وجلّ أئمّة للناس وأوجب عليهم طاعتهم: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين ابنا عليّ بن أبي طالب، ثمّ انتهى الأمر إلينا) (2) .

494 - الإمام الباقر (عليه السلام) - في قوله تعالى: ( ... أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) -: (هي في عليّ وفي الأئمّة، جعلهم الله مواضع الأنبياء، غير أنّهم لا يُحلّون شيئاً، ولا يُحرّمونه) (3) .

495 - الكافي، عن أبي بصير: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: ( ... أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) ، فقال: (نزلت في عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين (عليهم السلام)) (4) .

496 - الإمام الصادق (عليه السلام): (نزلت ( ... أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) في عليّ والحسن والحسين فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في عليّ: مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه. وقال (صلَّى الله عليه وآله): أُوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي؛ فإنّي سألتُ الله عزّ وجلّ ألاّ يفرّق بينهما حتى يُوردهما عليّ الحوض، فأعطاني ذلك. وقال: لا تعلّموهم فهم أعلم منكم. وقال: إنّهم لن يُخرجوكم من باب هدى، ولن يُدخلوكم في باب

____________________

(1) الكافي: 2/415/1، معاني الأخبار: 394/45 نحوه إلى آخر الآية، كتاب سليم بن قيس: 2/616/8 كلّها عن سليم بن قيس.

(2) كمال الدين: 319/2، الاحتجاج: 2/152/188، إعلام الورى: 2/194، كلّها عن أبي خالد الكابلي.

(3) تفسير العيّاشي: 1/252/173 عن عبد الله بن عجلان.

(4) الكافي: 1/286/1.


ضلالة) (1) .

497 - تفسير العيَّاشي، عن عمرو بن سعيد: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوله: ( ... أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) ، قال: (عليّ بن أبي طالب والأوصياء من بعده) (2) .

498 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - في وصف عليّ (عليه السلام) -: (هو وليّ الأمر بعدي، ووارث علمي وحكمتي، وسرّي وعلانيتي، وما ورثه النبيّون قبلي، وأنا وارث ومورّث) (3) .

499 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - في وصف عليّ (عليه السلام) -: (هو أخي، ووصيّي، ووليّ أمركم من بعدي) (4) .

راجع: كتاب (أهل البيت (عليهم السلام) في الكتاب والسنّة)/خصائص أهل البيت (عليهم السلام)/أُولو الأمر.

كتاب (بحار الأنوار): 23/283 - 304.

كتاب (الميزان في تفسير القرآن): 4/385 - 414.

5/2

الأمير بعد النبيّ

500 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا معشر المهاجرين والأنصار، أوصيكم بوصيّة فاحفظوها، وإنِّي مؤدٍّ إليكم أمراً فاقبلوه: ألا إنّ عليّاً أميركم من بعدي، وخليفتي فيكم) (5) .

____________________

(1) الكافي: 1/287/1 عن أبي بصير.

(2) تفسير العيّاشي: 1/253/176.

(3) خصائص الأئمّة (عليهم السلام): 75، عن أبي موشى الضرير البجلي، عن أبي الحسن (عليه السلام).

(4) دعائم الإسلام: 1/383 عن بريدة، وراجع الأمالي للصدوق: 175/178.

(5) الخصال: 462/4، الاحتجاج: 1/190/37 كلاهما عن خالد بن سعيد بن العاص.


501 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - في وصف عليّ (عليه السلام) -: (هو إمام كلّ مسلم، وأمير كلّ مؤمن بعد وفاتي) (1) .

502 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (أنا سيّد الأوّلين والآخرين، وعليّ بن أبي طالب... إمام المسلمين، ومولى المؤمنين، وأميرهم بعدي) (2) .

503 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت الإمام بعدي والأمير، وأنت الصاحب بعدي والوزير، وما لك في أمَّتي من نظير) (3) .

504 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن أحبّ أن يتمسّك بديني ويركب سفينة النجاة بعدي فليقتدِ بعليّ بن أبي طالب، وليُعادِ عدوّه، وليُوالِ وليّه؛ فإنّه وصيِّي، وخليفتي على أمَّتي في حياتي وبعد وفاتي، وهو إمام كلّ مسلم، وأمير كلّ مؤمن بعدي، قوله قولي، وأمره أمري، ونهيه نهيي، وتابعه تابعي، وناصره ناصري، وخاذله خاذلي) (4) .

505 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ الله عزّ وجلّ بعثني إليكم رسولاً، وأمرني أن أستخلف عليكم عليّاً أميراً) (5) .

____________________

(1) إعلام الورى: 2/184، عن الأصبغ بن نباتة، عن الإمام عليّ (عليه السلام).

(2) الأمالي للصدوق: 678/924 عن عائشة.

(3) الأمالي للصدوق: 101/77، عن مقاتل بن سليمان، عن الإمام الصادق، عن آبائه (عليهم السلام)، روضة الواعظين: 115، المناقب لابن شهر آشوب: 3/57.

(4) كمال الدين: 260/6، التحصين لابن طاووس: 553، كلاهما عن الحسين بن خالد، عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام).

(5) الأمالي للصدوق: 492/669 عن ابن عبّاس.


506 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت نبيّه فعليّ أميره) (1) .

507 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت وليّه فعليّ أميره) (2) .

508 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت أميره فعليّ أميره) (3) .

509 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه) (4) .

510 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (أنت - يا عليّ - أمير من في السماء، وأمير من في الأرض،

____________________

(1) تهذيب الأحكام: 3/144/317، عن عليّ بن الحسين العبدي، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، الأمالي للصدوق: 492/669 عن ابن عبّاس وفيه (... فإنّ عليّاً أميره)، مصباح المتهجّد: 748/842 من دون إسناد إلى المعصوم، الإقبال: 2/284، عن عليّ بن الحسن العبدي، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، تفسير فرات: 517/675 عن حذيفة بن اليمان، المناقب للكوفي: 2/430/912 عن أنس، الاحتجاج: 1/297/52، اليقين: 448/170 كلاهما عن أبي بن كعب وفيهما (فهذا أميره).

(2) المناقب للكوفي: 1/415/328 وج 2/516/1020 كلاهما عن أنس.

(3) معاني الأخبار: 66/5 عن أبي سعيد، بحار الأنوار:/224/100.

(4) مسند ابن حنبل: 6/401/18506 عن البرّاء بن عازب وج 7/82/19321 عن أبي الطفيل وص 86/19344 وفيه (فإنّ عليّاً مولاه) وص87/19347 عن ميمون أبي عبد الله9/51/23204، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/597/1017 وفيه (فإنّ عليّاً)، المستدرك على الصحيحين: 3/118/4576، كلاهما نحوه، والثلاثة الأخيرة عن زيد بن أرقم وص 126/4601 عن سعد بن مالك وص 419/5594 عن إياس الضبِّي عن أبيه، صحيح ابن حبّان: 15/376/6931 عن أبي الطفيل وفيه (... فإنّ هذا مولاه...) بدل (فعليّ مولاه)، المصنّف لابن أبي شيبة: 7/499/28 عن زيد بن يثيع وح 29 عن أبي يزيد الأودي عن أبيه، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 150/79 عن زيد بن أرقم وص 177/96 عن سعد، تاريخ دمشق: 42/206/8682 عن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ الكافي: 1/294 وص 295/3 عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن الإمام الصادق (عليه السلام) وج 8/27/4 عن جابر بن يزيد، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، تهذيب الأحكام: 3/263/746 عن حسّان الجمّال، عن الإمام الصادق (عليه السلام).


وأمير مَن مضى، وأمير مَن بقي) (1) .

511 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إن تؤمّروا عليّاً - ولا أراكم فاعلين - تجدوه هادياً مهديّاً، يأخذ بكم الطريق المستقيم) (2) .

512 - الإمام عليّ (عليه السلام): (أنا وصيّ نبيّكم، وخليفته، وإمام المؤمنين، وأميرهم ومولاهم) (3) .

5/3

أمير البررة

513 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - يوم الحديبيّة وهو آخذ بيد عليّ (عليه السلام) -: (هذا أمير البرَرَة، وقاتل الفَجَرة، منصورٌ مَن نصره، مخذولٌ مَن خذله) - يمدّ بها صوته - (4) .

514 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - في يوم بنى النضير -: (عليّ إمام البرَرَة، وقاتل الفَجَرة، منصورٌ

____________________

(1) مائة منقبة: 76/26، تأويل الآيات الظاهرة: 1/185/31 عن أنس بن مالك، وكلاهما عن ابن عبّاس، الصراط المستقيم: 2/54 وفيه (أنت أمير من الله على مَن مضى ومَن بقي).

(2) مسند ابن حنبل: 1/232/859، فضائل الصحابة لابن حنبل: 1/231/284، المعجم الأوسط: 2/341/2166، مسند البزّار: 3/33/783، أُسد الغابة: 4/106/3789، البداية والنهاية: 7/361 كلّها عن زيد بن يثيع عن الإمام عليّ (عليه السلام)، تاريخ دمشق: 24/421/9014 عن يزيد بن يثيع عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وص 420، شواهد التنزيل: 1/82/99 كلاهما عن حذيفة وفى بعضها (يسلك) بدل (يأخذ) .

(3) مائة منقبة: 83/32، الاستنصار: 22 كلاهما عن المسيّب.

(4) تاريخ بغداد: 2/377/877 وج 4/219/1915، تاريخ دمشق: 42/383/8985 و8986، المناقب لابن المغازلي: 84/125، كفاية الطالب: 221؛ المسترشد: 622/289 كلّها عن جابر بن عبد الله.


مَن نصره، مخذولٌ مَن خذله) (1) .

515 - المستدرك على الصحيحين، عن جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - وهو آخذ بضبع (2) عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) - وهو يقول: (هذا أمير البرَرَة، قاتل الفَجَرة، منصورٌ مَن نصره، مخذولٌ مَن خذله) - ثمّ مدّ بها صوته - (3) .

516 - الأمالي للطوسي، عن حذيفة بن اليمان: انظروا الفئةَ التي فيها عليّ (عليه السلام) فأتوها ولو زحفاً على رُكَبكم؛ فإنّي سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (عليّ أمير البَررَة، وقاتل الفَجَرة، منصورٌ مَن نصره، مخذولٌ مَن خذله إلى يوم القيامة) (4) .

517 - الإمام الصادق (عليه السلام) - في ذكر مَن أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه في مجلس رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) -: (قام أبو أيّوب الأنصاري فقال: اتّقوا الله - عباد الله - في أهل بيت نبيّكم، واردُدوا إليهم حقّهم الذي جعله الله لهم؛ فقد سمعتم مثل ما سمع إخواننا في مقام بعد مقام لنبيّنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله) ومجلس بعد مجلس يقول: أهل بيتي أئمّتكم بعدي! ويومئ إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ويقول: إنّ هذا أمير البرَرَة، وقاتل الكَفَرة، مخذولٌ مَن خذله، منصورٌ مَن نصره!!) (5)

____________________

(1) المناقب للخوارزمي: 200/240؛ كشف الغمّة: 1/256 كلاهما عن عمرو بن العاص، وراجع علل الشرائع: 213/2.

(2) الضبع - بسكون الباء -: وسط العضد (النهاية: 3/73).

(3) المستدرك على الصحيحين: 3/140/4644، المناقب لابن المغازلي: 80/120 وفيه (قاتل الكفرة)؛ الأمالي للطوسي: 483/1055.

(4) الأمالي للطوسي: 483/1054؛ المناقب للخوارزمي: 177/215 وفيه من (سمعت رسول الله...) وراجع رجال الكشّي 1/289/129.

(5) الاحتجاج: 1/199/12 عن أبان بن تغلب، الدرجات الرفيعة: 315.


5/4

مبدأ تسمية عليّ بأمير المؤمنين

518 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (لو علم الناس متى سُمّي عليّ أميرَ المؤمنين، ما أنكروا فضله، سُمّي أمير المؤمنين وآدم بين الروح والجسد. قال الله عزّ وجلّ: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ... ) (1) ، قالت الملائكة: بلى. قال تبارك وتعالى: أنا ربّكم، ومحمّد نبيّكم، وعليّ أميركم) (2) .

519 - الكافي، عن عليّ بن أبي حمزة: سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر، فقال: جُعلت فداك! كم عُرج برسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ فقال: (مرّتين، فأوقفه جبرئيل مَوقفاً، فقال له: مكانك يا محمّد؛ فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قطّ ولا نبيّ...

فقال الله تبارك وتعالى: يا محمّد. قال: لبّيك ربّي، قال: مَن لأُمّتك من بعدك؟! قال: الله أعلم. قال: عليّ بن أبي طالب، أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وقائد الغرّ المحجّلين) (3) .

قال: ثمّ قال أبو عبد الله (عليه السلام) لأبى بصير: (يا أبا محمّد، والله، ما جاءت ولاية

____________________

(1) الأعراف: 172.

(2) الفردوس: 3/354/5066، ينابيع المودّة: 2/279/802 وفيه إلى (والجسد)، وكلاهما عن حذيفة بن اليمان وح 803 عن أبي هريرة، وفيه من قوله تعالى؛ نهج الحقّ: 191 وفيه روى الجمهور عنه (صلَّى الله عليه وآله) وراجع الفضائل لابن شاذان: 89.

(3) في الحديث: (أُمّتي الغرّ المحجّلون)؛ أي بيض مواضع الوضوء من الأيدي والوجه والأقدام (لسان العرب: 11/144).


عليّ (عليه السلام) من الأرض، ولكن جاءت من السماء مشافهة) (1) .

520 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (أُوحي إليّ في عليّ أنّه أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وقائد الغرّ المحجّلين) (2) .

521 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ جبرئيل أتاني من قِبَل ربّي بأمر قرّت به عيني، وفرح به صدري وقلبي، يقول: إنّ عليّاً أمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين) (3) .

522 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (... أنت - يا عليّ - أمير المؤمنين في السماء، وأمير المؤمنين في الأرض) (4) .

523 - الإمام الحسين، عن الإمام عليّ (عليهما السلام): (أنّه جاء إليه رجل فقال له: يا أبا الحسن، إنّك تُدعى أمير المؤمنين؛ فمن أمّرك عليهم؟ قال (عليه السلام): الله جلّ جلاله أمَّرني عليهم. فجاء الرجل إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، أيصدُق عليّ فيما يقول: إنّ الله أمّره على خلقه؟ فغضب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) ثمّ قال: إنّ عليّاً أمير المؤمنين بولاية من الله عزّ وجلّ، عقدها له فوق عرشه، وأشهد على ذلك ملائكته...) (5) .

524 - الكافي، عن جابر: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): لِمَ سُمّي أمير المؤمنين؟ قال: (الله سمّاه) (6) .

____________________

(1) الكافي: 1/442/13 وراجع الاختصاص: 54.

(2) موضح أوهام الجمع والتفريق: 1/191؛ اليقين: 184/37 كلاهما عن أسعد بن زرارة221/64 عن أبي نذرة نحوه وراجع تاريخ بغداد: 13/123/7106.

(3) الاعتقادات: 86.

(4) اليقين: 242/79 عن ابن عبّاس.

(5) بشارة المصطفى: 24 عن أبي حمزة عن الإمام زين العابدين (عليه السلام).

(6) الكافي: 1/412/4، مختصر بصائر الدرجات: 171.


525 - حلية الأولياء، عن القاسم بن جندب، عن أنس: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا أنس، اسكب لي وضوءاً). ثمّ قام فصلَّى ركعتين، ثمّ قال: (يا أنس، أوّل مَن يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وقائد الغرّ المحجّلين، وخاتم الوصيّين).

قال أنس: قلت: اللهمّ اجعله رجلاً من الأنصار. وكتمتُه، إذ جاء عليّ فقال: (مَن هذا يا أنس؟). فقلت: عليّ. فقام مستبشراً فاعتنقه، ثمّ جعل يمسح عرق وجهه بوجهه، ويمسح عرق عليّ بوجهه.

قال عليّ: (يا رسول الله، لقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعت بي من قبل؟!). قال: (وما يمنعني، وأنت تؤدّي عنّي، وتُسمعهم صوتي، وتُبيّن لهم ما اختلفوا فيه بعدي؟!) (1)

526 - تاريخ دمشق، عن أنس بن مالك: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (اسكب إليّ ماءً - أو وضوءاً -)، فتوضّأ، ثمّ قام فصلّى ركعتين، ثمّ قال: (يا أنس، أوّل مَن يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين، سيّد المؤمنين عليّ) (2) .

527 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا أمّ سلمة، اشهدي واسمعي، هذا عليّ أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين) (3) .

____________________

(1) حلية الأولياء: 1/63، تاريخ دمشق: 42/386/8994، المناقب للخوارزمي: 85/75، فرائد السمطين: 1/145/109، كفاية الطالب: 211، الفردوس: 5/364/8449؛ الإرشاد: 1/46، تفسير العيَّاشي: 2/262/39، المناقب للكوفي: 1/312/232 والأربعة الأخيرة نحوه430/335، المسترشد: 601/272 وراجع الاحتجاج: 1/326/55 واليقين: 137/7.

(2) تاريخ دمشق: 42/303/8837.

(3) المناقب للخوارزمي: 142/163، كفاية الطالب: 168؛ الإرشاد: 1/47، بشارة المصطفى: 167، اليقين: 173/30 وص 415/154 عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، شرح الأخبار: 1/124/53، المناقب لابن شهر آشوب: 3/54، المناقب للكوفي: 1/368/293 كلّها عن ابن عبّاس.


528 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا أمَّ سلمة، هذا عليّ؛ سيّد مبجّل، مؤمّل المسلمين، وأمير المؤمنين، وموضع سرّي وعلمي، وبابي الذي آوي إليه، وهو الوصيّ على أهل بيتي، وعلى الأخيار من أُمّتي، هو أخي في الدنيا والآخرة، وهو معي في السناء (1) الأعلى) (2) .

529 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، ومولاهم بعدي؛ عليّ بن أبي طالب) (3) .

530 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، وقائد الغرّ المحجّلين) (4) .

531 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - في وصف عليّ (عليه السلام) -: (هو أمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين، ويعسوب الدين، وخير الوصيّين) (5) .

532 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - في وصف عليّ (عليه السلام) -: (هو أخي ووزيري، وخير مَن أُخلِّف في

____________________

(1) السناء: الرفعة. وفى الخبر: (بشّر أُمّتي بالسناء)؛ أي بارتفاع القدر والمنزلة عند الله تعالى (مجمع البحرين: 2/896).

(2) المحاسن والمساوئ: 44 عن ابن عبّاس.

(3) الأمالي للصدوق: 374/471، بشارة المصطفى: 34، التحصين لابن طاووس: 563/20 نحوه وكلّها عن ابن عبّاس.

(4) الأمالي للصدوق: 450/609 عن عبد الله بن عبّاس، تفسير فرات: 266/360 عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وليس فيه (وإمام المسلمين).

(5) الأمالي للصدوق: 188/197، بشارة المصطفى: 24 كلاهما عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام).


أهلي، وسيّد المسلمين، وأمير المؤمنين من بعدي، وقائد الغرّ المحجّلين يوم القيامة) (1) .

533 - الأمالي للصدوق، عن أبي ذرّ الغفاري: كنّا ذات يوم عند رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في مسجد قُبا - ونحن نفر من أصحابه - إذ قال: (معاشر أصحابي، يدخل عليكم من هذا الباب رجل، هو أمير المؤمنين، وإمام المسلمين).

قال: فنظروا - وكنت فيمَن نظر - فإذا نحن بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قد طلع، فقام النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) فاستقبله وعانقه وقبّل ما بين عينيه، وجاء به حتى أجلسه إلى جانبه، ثمّ أقبل علينا بوجهه الكريم فقال: (هذا إمامكم من بعدي، طاعته طاعتي، ومعصيته معصيتي؛ وطاعتي طاعة الله، ومعصيتي معصية الله عزّ وجلّ) (2) .

5/5

اختصاص هذا الاسم بعليٍّ

534 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (لمّا أُسري بي إلى السماء، كنت من ربِّي كقاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليّ ربّي ما أوحى، ثمّ قال: يا محمّد، أقرئ عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين السلام؛ فما سمّيت بهذا أحداً قبله، ولا أُسمّي بهذا أحداً بعده) (3) .

535 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (لمّا أُسري بي إلى السماء، ثمّ من السماء إلى السماء إلى سدرة المنتهى، وقفت بين يدي ربّي عزّ وجلّ، فقال لي: يا محمّد... اخترت لك عليّاً

____________________

(1) شرح الأخبار: 1/206/170 عن ابن عبّاس.

(2) الأمالي للصدوق: 634/850 بحار الأنوار: 38/106/34.

(3) الأمالي للطوسي: 295/578، بشارة المصطفى: 186، عن عيسى بن أحمد بن عيسى المنصوري، عن الإمام الهادي، عن آبائه، عن الإمام عليّ (عليهم السلام)، عنه (صلَّى الله عليه وآله) وراجع الكافي: 1/441/8 والأمالي للصدوق: 701/956.


فاتّخذه خليفةً ووصيّاً، ونحلته (1) علمي وحلمي، وهو أمير المؤمنين حقّاً، لم يَنلها أحد قبله، وليست لأحد بعده) (2) .

536 - الإمام الصادق (عليه السلام) - وسُئل عن القائم (عليه السلام) يُسلَّم عليه بإمرة المؤمنين؟ فقال -: (لا، ذاك اسم سمّى الله به أمير المؤمنين (عليه السلام)، لم يُسمّ به أحد قبله ولا يتسمى به بعده) (3) .

537 - تفسير العيّاشي، عن محمّد بن إسماعيل الرازي، عن رجل سمّاه: دخل رجل على أبي عبد الله فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فقام على قدميه فقال: (مَه! هذا اسم لا يصلح إلاّ لأمير المؤمنين (عليه السلام)، الله سمّاه به ولم يسمَّ به أحدٌ غيره...).

قال: قلت: فماذا يُدعى به قائمكم؟ قال: (يُقال له: السلام عليك يا بقيّة الله، السلام عليك يا بن رسول الله) (4) .

538 - الإمام عليّ (عليه السلام): (إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أمر أن أُدعى بإمرة المؤمنين في حياته وبعد موته، ولم يُطلق ذلك لأحد غيري) (5) .

راجع: حديث الغدير/التحيّة القياديّة.

____________________

(1) من النُّحْل؛ وهو إعطاؤك الإنسان شيئاً بلا استعاضة (لسان العرب: 11/650).

(2) المناقب للخوارزمي: 303/299؛ الأمالي للطوسي: 343/705 كلاهما عن غالب الجهني عن الإمام الباقر عن آبائه (عليهم السلام) وفيه (لم يقلها) بدل (لم يَنلها) ، المناقب للكوفي: 1/410/326 عن سلام الجعفي عن محمّد بن عليّ وفيه من (اخترت...) و (لم أُسمّ) بدل (لم ينلها) .

(3) الكافي: 1/411/2، تفسير فرات: 193/249 كلاهما عن عمر بن زاهر.

(4) تفسير العيّاشي: 1/276/274، بحار الأنوار: 37/331/70.

(5) الخصال: 580/1 عن مكحول.


الفصل السادس

أحاديث الإمامة

6/1

إمامته من الله

539 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت أخي، وأنا أخوك، أنا المصطفى للنبوّة، وأنت المجتبى للإمامة، وأنا صاحب التنزيل، وأنت صاحب التأويل، وأنا وأنت أبَوَا هذه الأمَّة. يا عليّ، أنت وصيّي وخليفتي، ووزيري ووارثي) (1) .

540 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، مَن قتلك فقد قتلني، ومَن أبغضك فقد أبغضني، ومَن سبّك فقد سبَّني؛ لأنّك منّي كنفسي؛ روحك من روحي، وطينتك من طينتي، إنّ الله تبارك وتعالى خلقني وإيّاك، واصطفاني وإيّاك؛ فاختارني للنبوّة، واختارك

____________________

(1) الأمالي للصدوق: 411/533، بشارة المصطفى: 55؛ ينابيع المودّة: 1/370/6 نحوه وكلّها عن أبي سعيد عقيصا عن الإمام الحسين عن أبيه (عليهما السلام).


للإمامة؛ فمَن أنكر إمامتك فقد أنكر نبوّتي) (1) .

541 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الأرض اطّلاعة فاختارني منها، فجعلني نبيّاً، ثمّ اطّلع الثانية فاختار منها عليّاً، فجعله إماماً، ثمّ أمرني أن أتّخذه أخاً ووليّاً، ووصيّاً وخليفةً ووزيراً، فعليّ منّي وأنا من عليّ) (2) .

542 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - في عليّ (عليه السلام) -: (اعلموا - معاشر الناس - أنّ الله قد نصَّبه لكم وليّاً وإماماً مفترضاً طاعته على المهاجرين والأنصار وعلى التابعين لهم بإحسان، وعلى البادي والحاضر، وعلى الأعجمي والعربي، والحرّ والمملوك، والصغير والكبير، وعلى الأبيض والأسود، وعلى كلّ موحّد؛ ماضٍ حكمُه، جائز قوله، نافذ أمره، ملعون مَن خالفه، مرحوم مَن تبعه) (3) .

543 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (معاشر الناس، مَن أحسن من الله قِيلاً، وأصدق من الله حديثاً؟! معاشر الناس، إنّ ربّكم جلّ جلاله أمرني أن أُقيم لكم عليّاً عَلماً وإماماً، وخليفةً ووصيّاً، وأن أتّخذه أخاً ووزيراً) (4) .

544 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (نزل عليّ جبرئيل (عليه السلام) صبيحة يوم فرحاً مستبشراً، فقلت: حبيبي ما لي أراك فرحاً مستبشراً؟! فقال: يا محمّد، وكيف لا أكون كذلك، وقد قرّت عيني بما أكرم الله به أخاك ووصيّك وإمام أمّتك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). فقلت: وبمَ

____________________

(1) الأمالي للصدوق: 155/149، عيون أخبار الرضا: 1/297/53، فضائل الأشهر الثلاثة: 79/61 كلّها عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن الإمام الرضا، عن آبائه (عليهم السلام).

(2) كمال الدين: 257/2، إرشاد القلوب: 415، كفاية الأثر: 10 كلّها عن عبد الله بن عبّاس.

(3) الاحتجاج: 1/143/32، اليقين: 349/127 كلاهما عن علقمة بن محمّد الحضرمي، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، روضة الواعظين: 104 عن الإمام الباقر (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله).

(4) الأمالي للصدوق: 83/49، بشارة المصطفى: 153 كلاهما عن عبد الله بن عبّاس.


أكرم الله أخي وإمام أُمّتي؟ قال: باهى بعبادته البارحة ملائكته وحملة عرشه، وقال: ملائكتي، انظروا إلى حجّتي في أرضي على عبادي بعد نبيّي، فقد عفّر خدّه في التراب تواضعاً لعظمتي، أُشهدكم أنّه إمام خلقي ومولى بريّتي) (1) .

545 - الإمام الباقر (عليه السلام): (إنّ إبراهيم خليل الله (عليه السلام) دعا ربّه فقال: ( ... رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ ) (2) ، فنالت دعوته النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، فأكرمه الله بالنبوّة، ونالت دعوته عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فاختصّه الله بالإمامة والوصاية.

وقال الله تعالى: يا إبراهيم: ( ... إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ... ) إبراهيم: ( ... وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (3) ، قال: الظالم مَن أشرك بالله وذبح للأصنام، ولم يبقَ أحد من قريش والعرب من قبل أن يبعث النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) إلاّ وقد أشرك بالله، وعبد الأصنام وذبح لها، ما خلا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؛ فإنّه من قبل أن يجري عليه القلم أسلم، فلا يجوز أن يكون إمام أشرك بالله وذبح للأصنام؛ لأنّ الله تعالى قال: ( ... لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )) (4) .

546 - الإمام الصادق (عليه السلام) - لمحمّد بن حرب الهلالي: (قال عليّ (عليه السلام): (أنا من أحمد كالضوء من الضوء)، أما علمت أنّ محمّداً وعليّاً صلوات الله عليهما كانا نوراً بين يدي الله جلّ جلاله قبل خلق الخلق بألفي عام، وأنّ الملائكة لمّا رأت ذلك النور رأت له أصلاً قد انشعب فيه شعاع لامع، فقالت: إلهنا وسيّدنا، ما هذا

____________________

(1) المناقب للخوارزمي: 319/322؛ مائة منقبة: 131/77 كلاهما عن غياث بن إبراهيم عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام).

(2) إبراهيم: 35.

(3) البقرة: 124.

(4) تفسير فرات: 222/298 وص 221/297 وفيه إلى (والوصاية).


النور؟ فأوحى الله عزّ وجلّ إليهم: هذا نور من نوري؛ أصله نبوّة، وفرعه إمامة، أمّا النبوّة فلمحمّد عبدي ورسولي، وأمّا الإمامة فلعليّ حجّتي ووليّي، ولولاهما ما خلقت خلقي؟! أما علمت أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) رفع يدي عليّ (عليه السلام) بغدير خمّ حتى نظر الناس إلى بياض إبطيهما، فجعله مولى المسلمين وإمامهم؟!) (1) .

6/2

إمام أولياء الله

547 - حلية الأولياء، عن أنس بن مالك: بعثني النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) إلى أبي برزة الأسلمي فقال له - وأنا أسمع -: (يا أبا برزة، إنّ ربّ العالمين عهد إليّ عهداً في عليّ بن أبي طالب، فقال: إنّه راية الهدى، ومنار الإيمان، وإمام أوليائي، ونور جميع من أطاعني. يا أبا برزة، عليّ بن أبي طالب أميني غداً في القيامة، وصاحب رايتي في القيامة على مفاتيح خزائن رحمة ربّي) (2) .

548 - حلية الأولياء، عن أبي برزة: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ الله تعالى عهد إليّ عهداً في عليّ، فقلت: يا ربّ بيِّنه لي. فقال: اسمع. فقلت: سمعت. فقال:

إنّ عليّاً راية الهدى، وإمام أوليائي، ونور مَن أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين، مَن أحبّه أحبّني، ومَن أبغضه أبغضني، فبشِّره بذلك.

فجاء عليّ فبشّرته، فقال: يا رسول الله، أنا عبد الله وفي قبضته؛ فإن يعذّبني

____________________

(1) معاني الأخبار: 351/1، علل الشرائع: 174/1.

(2) حلية الأولياء: 1/66، تاريخ دمشق: 42/330/8892، تاريخ بغداد: 14/99/7441 وفيه (جنّة) بدل (رحمة) ، المناقب للخوارزمي: 311/311، الفردوس: 5/367/8458 عن ابن عبّاس، كفاية الطالب: 215.


فبذنبي، وإن يُتمّ لي الذي بشّرتني به فالله أولى بي. قال: قلت: اللهمّ، أجْلِ قلبه واجعل ربيعه الإيمان. فقال الله: قد فعلت به ذلك.

ثمّ إنّه رفع إليّ أنّه سيخصّه من البلاء بشيء لم يخصّ به أحداً من أصحابي، فقلت: يا ربّ، أخي وصاحبي. فقال: إنّ هذا شيء قد سبق؛ إنّه مُبتلى ومُبتلى به) (1) .

6/3

إمام المتّقين

549 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (مرحباً بسيّد المسلمين وإمام المتّقين) (2) .

550 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، إنّك سيّد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، ويعسوب المؤمنين) (3) .

____________________

(1) حلية الأولياء: 1/66، تاريخ دمشق: 42/291 وص 270 عن أبي جعفر وعمر بن عليّ إلى (بذلك) ، المناقب لابن المغازلي: 46/69، كفاية الطالب: 73؛ معاني الأخبار: 126/1 عن سلام الجعفي عن الإمام الباقر (عليه السلام) عن أبي بردة، الأمالي للصدوق: 565/765 عن سلام الجعفي عن الإمام الباقر (عليه السلام) عن أبي برزة وفيهما إلى (أحبّني) وص 376/475، بشارة المصطفى: 35 كلاهما عن ابن عبّاس، الأمالي للطوسي: 245/428 عن عمر بن عليّ عن الإمام الباقر عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وص 513/1124 عن بريدة بن حصيب الأسلمي، شرح الأخبار: 1/163/118 عن الإمام الباقر عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وص 216/195، المسترشد: 627/294 عن عبد الله بن أبي رافع، وفي السبعة الأخيرة إلى (بذلك) ، تفسير القمّي: 2/244 عن إسماعيل الجعفي عن الإمام الباقر (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، المناقب للكوفي: 1/411/326 عن سلام الجعفي، عن محمّد بن عليّ، والتسعة الأخيرة نحوه.

(2) تاريخ دمشق: 42/370، حلية الأولياء: 1/66 كلاهما عن الشعبي، عن الإمام عليّ (عليه السلام).

(3) المناقب لابن المغازلي: 65/93، المناقب للخوارزمي: 295/287؛ اليقين: 490/197 وفيهما (الدين) بدل (المؤمنين) ، وكلّها عن أحمد بن عامر الطائي، عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام)، صحيفة الإمام الرضا (عليه السلام): 95/29، الأمالي للطوسي: 345/710 عن داود بن سليمان الغازي عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله).


551 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت أمير المؤمنين، وإمام المتّقين. يا عليّ، أنت سيّد الوصيّين) (1) .

552 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (أُوحي إليّ في عليّ ثلاث: أنّه سيّد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين) (2) .

553 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (لمّا أُسري بي إلى السماء انتهىَ بي إلى قصر من لؤلؤ، فراشه من ذهب يتلألأ، فأوحى الله إليّ - أو أمرني - في عليّ بثلاث خصال: أنّه سيّد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين) (3) .

554 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ الله عزّ وجلّ أوحى إليّ في عليّ ثلاثة أشياء ليلة أُسري بي: أنّه سيّد المؤمنين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين) (4) .

____________________

(1) مائة منقبة: 51/9، كنز الفوائد: 2/12 كلاهما عن سليمان الأعمش عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام)، بحار الأنوار: 38/134/88.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3/148/4668، تاريخ دمشق: 42/303/8836، موضح أوهام الجمع والتفريق: 1/192 عن زرارة وكلّها عن أسعد بن زرارة، المناقب لابن المغازلي: 105/147 عن عبد الله بن أسعد بن زرارة [ عن أبيه ]، كنز العمّال: 11/620/33011، نقلاً عن ابن النجّار عن عبد الله بن أسعد بن زرارة؛ بشارة المصطفى: 148 عن عبد الله بن الحرث عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله).

(3) أُسد الغابة: 3/173/2813، تاريخ دمشق: 42/302/8834، كلاهما عن عبد الله بن أسعد بن زرارة وص 303/8835، المناقب لابن المغازلي: 104/146 كلاهما عن أسعد بن زرارة؛ بشارة المصطفى: 166 عن سعد بن زرارة الأنصاري وزاد فيه (وسيّد الوصيّين)، المناقب للكوفي: 1/211/131 عن جابر بن عبد الله وص 229/143 عن أسعد بن زرارة.

(4) المعجم الصغير: 2/88، تاريخ أصبهان: 2/200/1454 كلاهما عن عبد الله بن عليم الجهني، المناقب للخوارزمي: 328/340 عن عبد الله بن عليم الجهني؛ الخصال: 115/94، عن عبد الله بن أسعد بن زرارة، الأمالي للمفيد: 173/3، الأمالي للطوسي: 193/328 كلاهما عن الحسين بن زيد عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وكلّها نحوه، بشارة المصطفى: 56، الأمالى للصدوق: 434/573 كلاهما عن ابن عبّاس وص 563/79 وص 711/978 كلاهما عن منصور الصيقل عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) نحوه وراجع تفسير فرات: 206/272.


555 - تفسير القمّي - في قوله تعالى: ( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) (1) -: سئل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عن ذلك الوحي، فقال: (أُوحي إليّ أنّ عليّاً سيّد الوصيّين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، وأوّل خليفة يستخلفه خاتم النبيّين) (2) .

556 - الإمام الرضا (عليه السلام): (عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أمير المؤمنين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، وأفضل الوصيّين) (3) .

راجع: القسم التاسع/عليّ عن لسان النبيّ/المكانة السياسيّة والاجتماعيّة/سيّد المسلمين.

6/4

إمام كلّ مؤمن بعد النبيّ

557 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ إمام كلّ مؤمن بعدي) (4) .

____________________

(1) النجم: 10.

(2) تفسير القمَّي: 2/334، بشارة المصطفى: 166 عن سعد بن زرارة الأنصاري.

(3) عيون أخبار الرضا: 2/122/1 عن الفضل بن شاذان، تحف العقول: 416 وزاد في آخره (بعد النبيّين).

(4) عيون أخبار الرضا: 1/281/26 عن محمّد بن خالد البرقي، عن الإمام الجواد، عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام) عن الأجلح الكندي عن ابن بريدة عن أبيه، معاني الأخبار: 67/6 عن أبي سعيد، بحار الأنوار: 38/129/81.


558 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ بن أبي طالب... مولى كلّ مسلم، وإمام كلّ مؤمن، وقائد كلّ تقيّ) (1) .

559 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أنت إمام كلّ مؤمن ومؤمنة، ووليّ كلّ مؤمن ومؤمنة بعدي) (2) .

560 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - بعد انصرافه من حجّة الوداع -: (مَن أراد منكم النجاة بعدي والسلامة من الفتن المردية فليتمسّك بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؛ فإنّه الصدّيق الأكبر، والفاروق الأعظم، وهو إمام كلّ مسلم بعدي) (3) .

561 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (أيّها الناس، إنّ عليّاً إمامكم من بعدي... مَن أقرَّ بإمامته فقد أقرّ بنبوَّتي، ومَن أقرّ بنبوّتي فقد أقرّ بوحدانيّة الله عزّ وجلّ) (4) .

562 - الخصال، عن سهل بن حنيف: أشهد أنّي سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال على المنبر: (إمامكم من بعدي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو أنصح الناس لأُمّتي) (5) .

563 - الاحتجاج، عن سهل بن حنيف: يا معشر قريش، اشهدوا عليّ أنّي أشهد على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وقد رأيته في هذا المكان - يعنى الروضة - وقد أخذ بيد عليّ

____________________

(1) الأمالي للصدوق: 175/178، بشارة المصطفى: 198 كلاهما عن ابن عبّاس، بحار الأنوار: 28/37/1.

(2) المناقب للخوارزمي: 61/31؛ الأمالي للطوسي: 351/726 كلاهما عن أبي ليلى.

(3) مائة منقبة: 69/21، التحصين لابن طاووس: 603 كلاهما عن ابن عبّاس.

(4) معاني الأخبار: 372/1 عن ابن عبّاس، بحار الأنوار: 38/129/81.

(5) الخصال: 465/4، الاحتجاج: 1/303/52، المناقب للكوفي: 1/420/330 كلاهما عن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جدّه (عليهما السلام) عن أُبيّ بن كعب، اليقين: 452/170 عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن جدّه عن الإمام عليّ (عليهما السلام) عن أُبيّ بن كعب، وكلّها نحوه.


ابن أبي طالب (عليه السلام) وهو يقول: (أيّها الناس، هذا عليّ، إمامكم من بعدي، ووصيّي في حياتي وبعد وفاتي) (1) .

564 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ مع الحقّ والحقّ معه، وهو الإمام والخليفة بعدي) (2) .

565 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أنت وارث علمي، وأنت الإمام والخليفة بعدي) (3) .

566 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ بن أبي طالب أقدم أُمّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأصحّهم ديناً، وأفضلهم يقيناً، وأحلمهم حلماً، وأسمحهم كفّاً، وأشجعهم قلباً، وهو الإمام والخليفة بعدي) (4) .

راجع: أحاديث الخلافة/خليفة النبيّ بعده.

6/5

إمام المسلمين

567 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ الله تعالى لمّا عرج بي إلى السماء واختصّني بلطيف ندائه قال: يا محمّد... أنّي قد جعلت عليّاً إمام المسلمين) (5) .

____________________

(1) الاحتجاج: 1/198/10، الصراط المستقيم: 2/82، نهج الإيمان: 584، بحار الأنوار: 28/200/10.

(2) كفاية الأثر: 117 عن أبي أيّوب الأنصاري.

(3) كفاية الأثر: 132، عن عمران بن الحصين وص 157، عن محمّد بن الحنفيّة، عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وص 100 عن زيد بن أرقم وفيهما من (أنت الإمام...).

(4) الأمالي للصدوق: 57/13، مائة منقبة: 74/25، كنز الفوائد: 1/263 كلّها عن جابر بن عبد الله الأنصاري.

(5) مائة منقبة: 73/24، اليقين: 239/78، تأويل الآيات الظاهرة: 1/186/34 كلّها عن ابن عبّاس.


568 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ... إمام المسلمين، لا يقبل الله الإيمان إلاّ بولايته وطاعته) (1) .

569 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، وقائد الغرّ المحجّلين، ويعسوب المتّقين) (2) .

570 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين، وحجّة الله بعدي على الخلق أجمعين) (3) .

571 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت حجّة الله، وأنت باب الله... يا عليّ، أنت إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، وخير الوصيّين، وسيّد الصدّيقين) (4) .

572 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ عليّاً خليفة الله وحجّة الله، وإنّه لإمام المسلمين) (5) .

573 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (هو إمام المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين) (6) .

574 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ... إنّك لَسبيلُ الجنّة، وراية الهدى، وعلم الحقّ، وإمام مَن آمن بي، ووليّ مَن تولاّني) (7) .

____________________

(1) بشارة المصطفى: 18 وص 161 كلاهما عن ابن عبّاس.

(2) الأمالي للصدوق: 450/609، بشارة المصطفى: 58 كلاهما عن ابن عبّاس.

(3) الأمالي للصدوق: 375/475، بشارة المصطفى: 35 كلاهما عن ابن عبّاس، بحار الأنوار: 38/100/19.

(4) عيون أخبار الرضا: 2/6/13 عن ياسر الخادم، عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام).

(5) بشارة المصطفى: 24 عن أبي حمزة، عن الإمام زين العابدين عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام).

(6) شرح الأخبار: 2/205/533.

(7) شرح الأخبار: 2/264/567 عن أبي ذرّ.


575 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (معاشر الناس، إنّ عليّاً منّي وأنا من عليّ، خُلق من طينتي، وهو إمام الخلق بعدي) (1) .

576 - الإمام عليّ (عليه السلام): (خرج علينا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ذات يوم ويدي في يده - هكذا - وهو يقول: خير الخلق بعدي وسيّدهم أخي هذا، وهو إمام كلّ مسلم، ومولى كلّ مؤمن) (2) .

577 - عنه (عليه السلام): (أنا إمام المسلمين، وقائد المتّقين، ومولى المؤمنين) (3) .

6/6

إمام الأمّة

578 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت وصيّي وخليفتي، وإمام أُمّتي بعدي) (4) .

579 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت وصيّي وإمام أُمّتي؛ مَن أطاعك أطاعني، ومَن عصاك عصاني) (5) .

____________________

(1) الأمالي للصدوق: 188/197، بشارة المصطفى: 24 كلاهما عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام)، بحار الأنوار: 37/109/2.

(2) كمال الدين: 259/5، إعلام الورى: 2/184 كلاهما عن الأصبغ بن نباتة وفيه (أمير) بدل (مولى) .

(3) الأمالي للصدوق: 77/44، روضة الواعظين: 125 كلاهما عن الأصبغ بن نباتة، بحار الأنوار: 39/341/12.

(4) الأمالي للصدوق: 434/573، اليقين: 494/201 كلاهما عن ابن عبّاس، كمال الدين: 669/14 عن الأصبغ بن نباتة، عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) نحوه.

(5) الأمالي للصدوق: 62/24، بشارة المصطفى: 147 كلاهما عن عليّ بن زيد عن الإمام زين العابدين عن آبائه (عليهم السلام)، بحار الأنوار: 38/90/2.


580 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت إمام أُمّتي وخليفتي عليها بعدي، وأنت قائد المؤمنين إلى الجنّة) (1) .

581 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - في عليّ (عليه السلام) -: (إنّه إمام أُمّتي وأميرها، وهو وصيّي وخليفتي عليها، مَن اقتدى به بعدي اهتدى، ومَن اقتدى بغيره ضلّ وغوى) (2) .

582 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - في عليّ (عليه السلام) -: (هو الإمام على أمّتي) (3) .

583 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أنت الوارث منّي، وأنت الوصيّ من بعدي في عِداتي وأمري، وأنت الحافظ لي في أهلي عند غيبتي، وأنت الإمام لأمّتي، والقائم بالقسط في رعيّتي، وأنت وليّي، ووليّي وليّ الله، وعدوّك عدوّي، وعدوّي عدوّ الله) (4) .

584 - كمال الدين، عن عبد الرحمن بن سمرة: قلت: يا رسول الله، أرشدني إلى النجاة، فقال: (يا بن سمرة، إذا اختلفت الأهواء وتفرّقت الآراء، فعليك بعليِّ بن أبي طالب؛ فإنّه إمام أُمّتي، وخليفتي عليهم من بعدي) (5) .

585 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (ألا أُدلّكم على ما إن تساءلتم عليه لم تهلكوا؟! إنّ وليّكم الله،

____________________

(1) الأمالي للصدوق: 575/787 وص 342/408، بشارة المصطفى: 177 وص 32، كمال الدين: 288/7 وص 241/65، مائة منقبة: 65/18، إعلام الورى: 2/227؛ فرائد السمطين: 2/243/517 وفي الستّة الأخيرة إلى (بعدي) وكلّها عن ابن عبّاس.

(2) مائة منقبة: 85/34، كنز الفوائد: 2/56 كلاهما عن ابن عبّاس.

(3) ينابيع المودّة: 1/202/5 عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وراجع المناقب للخوارزمي: 319/322.

(4) الأمالي للمفيد: 174/4، التحصين لابن طاووس: 617/14، بشارة المصطفى: 104 كلّها عن عمرو بن ميمون، كشف الغمّة: 2/17، كلّها عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام).

(5) كمال الدين: 257/1، الأمالي للصدوق: 78/45، بحار الأنوار: 36/226/2.


وإنّ إمامكم عليّ بن أبي طالب، فناصحوه وصدّقوه؛ فإنّ جبريل أخبرني بذلك) (1) .

586 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (هذا عليّ؛ إمامكم ووليّكم) (2) .

587 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (هذا عليّ؛ أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي، إمامُكم؛ فأحبّوه لحبِّي، وأكرموه لكرامتي؛ فإنّ جبرئيل أمرني أن أقوله لكم) (3) .

588 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (أيّها الناس، قد بيّنت لكم مفزعكم بعدي، وإمامكم ودليلكم وهاديكم، وهو أخي عليّ بن أبي طالب، وهو فيكم بمنزلتي فيكم، فقلّدوه دينكم، وأطيعوه في جميع أموركم؛ فإنّ عنده جميع ما علّمني الله تبارك وتعالى وحكمته، فسلوه وتعلّموا منه ومن أوصيائه بعده، ولا تُعلّموهم ولا تتقدّموهم ولا تَخلّفوا عنهم؛ فإنّهم مع الحقّ والحقّ معهم، لا يُزايلونه ولا يُزايلهم) (4) .

589 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت إمامه فعليّ إمامه) (5) .

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: 3/98؛ الأمالي للصدوق: 564/764 وفيه (استدللتم) بدل (تساءلتم) ، المسترشد: 632/296 وفيه (تسلَّمتم) بدل (تساءلتم) ، وكلاهما نحوه، وكلّها عن زيد بن أرقم، بحار الأنوار: 38/104/28.

(2) الاحتجاج: 1/151/32 وص 143/32 كلاهما عن علقمة بن محمّد الحضرمي، روضة الواعظين: 104 وفيهما (إنّ الله قد نصَّبه لكم وليّاً وإماماً) 108، كلّها عن الإمام الباقر (عليه السلام).

(3) الأمالي للصدوق: 564/763، الأمالي للطوسي: 223/386، بشارة المصطفى: 109، كلّها عن سلمان الفارسي.

(4) كمال الدين: 277/25، الاحتجاج: 1/344/56، التحصين لابن طاووس: 634/25، كتاب سليم بن قيس:2/760/25 كلّها عن سليم بن قيس.

(5) معاني الأخبار: 66/5 عن أبي سعيد، عيون أخبار الرضا: 2/64/278 عن عبد الله التميمي، عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عن فاطمة (عليها السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله).


590 - المحاسن، عن بشير العطّار: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ... ) (1) ثمّ قال: (قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): وعليّ إمامكم) (2) .

591 - تفسير العيّاشي، عن بشير الدهّان، عن الإمام الصادق (عليه السلام): (أنتم - والله - على دِين الله)، ثمّ تلا: ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ... ) ثمّ قال: (عليّ إمامنا، ورسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إمامنا؛ كم من إمام يجيء يوم القيامة يلعن أصحابه ويلعنونه! ونحن ذرّيّة محمّد، وأُمُّنا فاطمة صلوات الله عليها) (3) .

592 - الإمام عليّ (عليه السلام): (أنا إمام البريّة، ووصيّ خير الخليقة) (4) .

____________________

(1) الإسراء: 71.

(2) المحاسن: 1/253/479، بحار الأنوار: 24/265/27.

(3) تفسير العيّاشي: 2/303/120؛ ينابيع المودّة: 3/372/2، عن بشير بن الدهّان، عنه (عليه السلام).

(4) مَن لا يحضره الفقيه: 4/420/5918، الأمالي للصدوق: 702/961، بشارة المصطفى: 191 كلّها عن الأصبغ بن نباتة، روضة الواعظين: 114 وفيه (أنا إمام البريّة بعد خير الخليفة محمّد نبيّ الرحمة عليه وآله الصلاة والسلام)، بحار الأنوار: 39/335/4.


الفصل السابع

  أحاديث الولاية

7/1

ولاية عليّ ولاية الله والرسول

(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (1) .

593 - الدرّ المنثور، عن أبي رافع: دخلت على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وهو نائم يوحى إليه... فمكثت ساعة، فاستيقظ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وهو يقول: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، الحمد لله الذي أتمّ لعليّ نِعَمه، وهنيئاً (2) لعليّ بفضل الله إيّاه) (3) .

____________________

(1) المائدة: 55.

(2) في المصدر: (هيّأ) وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه كما في بقيّة المصادر.

(3) الدرّ المنثور: 3/106، النور المشتعل: 63/5 وح 6 عن محمّد بن عبيد الله؛ سعد السعود: 96 وفيهما (بتفضيل الله) بدل (بفضل الله) ، الأمالي للطوسي: 59/86.


594 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أخي، ووصيّي، وخليفتي، والإمام من بعدي، الذي محلّه منّي محلّ هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، وهو وليّكم بعد الله ورسوله؛ وقد أنزل الله تبارك وتعالى عليّ بذلك آية من كتابه: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) . وعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أقام الصلاة، وآتى الزكاة وهو راكع؛ يريد الله عزّ وجلّ في كلّ حال) (1) .

595 - تاريخ دمشق، عن عمر بن عليّ بن أبي طالب عن أبيه (عليه السلام): (نزلت هذه الآية على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، فخرج رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فدخل المسجد والناس يصلّون؛ بين راكع وقائم يصلّي، فإذا سائل، فقال: يا سائل، هل أعطاك أحد شيئاً؟ فقال: لا، إلاّ هذاك الراكع - لعلىّ -، أعطاني خاتمه) (2) .

596 - الإمام عليّ (عليه السلام): (إنّي كنت أُصلّي في المسجد، فجاء سائل فسأل وأنا راكع، فناولته خاتمي من إصبعي، فأنزل الله تبارك وتعالى فيّ: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ )) (3) .

597 - تفسير الطبري، عن مجاهد - في قوله تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ... )

____________________

(1) الاحتجاج: 1/142/32، اليقين: 348/127 كلاهما عن علقمة بن محمّد الحضرمي، روضة الواعظين: 104 كلّها عن الإمام الباقر (عليه السلام).

(2) تاريخ دمشق: 42/357/8950 وج 45/303/9885، البداية والنهاية: 7/358، معرفة علوم الحديث: 102/25، شواهد التنزيل: 1/226/233، المناقب للخوارزمي: 266/248، النور المشتعل: 71/9، الدرّ المنثور: 3/105 نقلاً عن أبي الشيخ وابن مردويه؛ تفسير فرات: 128/145.

(3) الخصال: 580/1 عن مكحول.


الآية -: نزلت في عليّ بن أبي طالب؛ تصدّق وهو راكع (1) .

598 - أنساب الأشراف، عن ابن عبّاس: نزلت في عليّ: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ... ) (2) .

599 - المتَّفق والمفترق، عن ابن عبّاس: تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع، فقال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) للسائل: (مَن أعطاك هذا الخاتم؟)، قال: ذاك الراكع. فأنزل الله تعالى فيه: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ... ) الآية (3) .

600 - تفسير الفخر الرازي، عن عبد الله بن سَلام - في قوله تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ... ) -: لمّا نزلت هذه الآية، قلت:

يا رسول الله، أنا رأيت عليّاً تصدّق بخاتمه على محتاج وهو راكع؛ فنحن نتولاّه (4) .

601 - النور المشتعل، عن ابن عبّاس: إنّ من مسلمي أهل الكتاب - منهم عبد الله

____________________

(1) تفسير الطبري: 4/الجزء 6/289، تاريخ دمشق: 42/357، تفسير ابن كثير: 3/129 كلاهما عن سلمة وص 130 عن ابن عبّاس، تذكرة الخواصّ: 15 نحوه عن السدّي وعتبة بن أبي حكيم وغالب بن عبد الله، الدرّ المنثور: 3/105 عن مسلمة بن كهيل؛ الأمالي للشجري: 1/137 عن الحسن بن زيد عن آبائه عن الإمام عليّ (عليهم السلام).

(2) أنساب الأشراف: 2/381، تفسير الطبري: 4/الجزء 6/288 عن عتبة بن أبي حكيم، تفسير ابن كثير: 3/130، شواهد التنزيل: 1/209/216 - 218، الدرّ المنثور: 3/105؛ الأمالي للشجري: 1/137 - 138، عن زيد بن عليّ عن آبائه (عليهم السلام) ومحمّد وزيد ابني عليّ عن آبائهما (عليهم السلام) وأبي رافع والأصبغ وابن عبّاس...، تفسير فرات: 126/142 وفيه (نزلت في عليّ (عليه السلام) خاصّة).

(3) المتّفق والمفترق: 1/258/106، المناقب لابن المغازلي: 312/356، كنز العمّال: 13/108/36354؛ تفسير فرات: 128/144 نحوه وراجع سعد السعود: 97 وتأويل الآيات الظاهرة: 1/153/12.

(4) تفسير الفخر الرازي: 12/28، النور المشتعل: 77/11.


ابن سَلام وأسد وأسيد وثعلبة - لمّا أمرهم النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أن يقطعوا مودّة اليهود والنصارى فعلوا ذلك. فقال بنو قريضة والنضير: فما لنا نوادّ أهل دين محمّد وقد تبرّؤوا من ديننا ومودّتنا؟! فوالذي يُحلف به، لا يكلِّم رجل منّا رجلاً دخل في دين محمّد، ولا نُناكحهم، ولا نُبايعهم، ولا نُجالسهم، ولا ندخل عليهم، ولا نأذن لهم في بيوتنا، ففعلوا.

فبلغ ذلك عبد الله بن سَلام وأصحابه، فأتوا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عند الظهر، فدخلوا عليه، فقالوا: يا رسول الله، إنّ بيوتنا قاصية من المسجد، فلا نجد متحدّثاً دون هذا المسجد، وإنّ قومنا لمّا رأونا قد صدّقنا الله ورسوله وتركناهم ودينهم أظهروا لنا العداوة؛ فأقسموا أن لا يُناكحونا، ولا يُواكلونا، ولا يُشاربونا، ولا يُجالسونا، ولا يدخلوا علينا، ولا ندخل عليهم، ولا يُخالطونا بشيء، ولا يكلّمونا؛ فشقّ ذلك علينا، ولا نستطيع أن نُجالس أصحابك، لبُعد المنازل!

فبينما هم يشكون لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أمرَهم إذ نزلت هذه الآية: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، فقرأها عليهم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فقالوا: قد رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين وليّاً.

وأذّن بلال، فخرج رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) والناس في المسجد يُصلّون؛ من بين قائم في الصلاة، وراكع، وساجد، فإذا هو بمسكين يطوف ويسأل الناس، فدعاه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فقال: (هل أعطاك أحد شيئاً؟)، قال: نعم. قال: (ماذا أعطاك؟)، قال: خاتم فضّة. قال: (مَن أعطاكه؟!)، قال: ذاك الرجل القائم. فنظر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فإذا هو عليّ بن أبي طالب. فقال: (على أيّ حال أعطاكه؟)، قال: أعطانيه وهو راكع. فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ... ) إلى آخر الآية (1) .

____________________

(1) النور المشتعل: 66/7، شواهد التنزيل: 1/234/237، المناقب للخوارزمي: 264/246؛ بشارة المصطفى: 266، شرح الأخبار: 1/225/210 وج 2/348/699، الأمالي للشجري: 1/138 كلّها نحوه من (فبلغ ذلك عبد الله بن سلام...)، المناقب للكوفي: 1/169/100 وراجع تفسير القرطبي: 6/221 وتفسير الطبري: 4/الجزء 6/288.


602 - تذكرة الخواصّ، عن أبي ذرّ الغفاري: صلّيت يوماً - صلاة الظهر - في المسجد ورسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حاضر، فقام سائل فسأل، فلم يُعطِه أحد شيئاً، وكان عليّ (عليه السلام) قد ركع، فأومأ إلى السائل بخنصره، فأخذ الخاتم من خنصره والنبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يُعاين ذلك، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: (اللهمّ، إنّ أخي موسى سألك فقال: ( ... رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ) - الآية إلى قوله - ( وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (1) ، فأنزلت (2) عليه قرآناً ناطقاً: ( ... سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا... ) (3) .

اللهمّ، وأنا محمّد صفيّك ونبيّك، فاشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي؛ علياً، أشدد به أزري) - أو قال: ظهري -. قال أبو ذرّ: فوالله، ما استتمّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) الكلمة حتى نزل جبرئيل (عليه السلام) من عند الله تعالى، فقال: يا محمّد اقرأ: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ - إلى قوله - وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (4) .

603 - تذكرة الخواصّ - في قوله تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ... ) -: خرج رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وعليّ قائم يُصلّي - وفي المسجد سائل - معه خاتم. فقال له رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (هل أعطاك أحد شيئاً؟)، فقال: نعم، ذلك المصلّي هذا الخاتم، وهو راكع. فكبّر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ونزل جبرئيل (عليه السلام) يتلو هذه الآية.

____________________

(1) طه: 25 و26 و32.

(2) في المصدر: (فأنزل)، والصحيح ما أثبتناه كما في بقيّة المصادر.

(3) القصص: 35.

(4) تذكرة الخواصّ: 15، شواهد التنزيل: 1/230/235، فرائد السمطين: 1/192/151؛ مجمع البيان: 3/324.


فقال حسّان بن ثابت:

أبا حسن تفديك روحي ومُهجتي

وكلّ بطيء في الهدى ومُسارعِ

فأنت الذي أعطيتَ إذ كنت راكعاً

فدَتْكَ نفوسُ الخلقِ يا خيرَ راكعِ

بخاتمكَ الميمون يا خيرَ سيّد

ويا خيرَ شارٍ ثمّ يا خيرَ بايعِ

فأنزل فيك اللهُ خيرَ ولاية

وبيّنها في محكماتِ الشرائع

وقال أيضاً:

مَنْ ذا بخاتَمه تصدّقَ راكعاً

وأسرّها في نفسهِ إسرارا

مَن كانَ باتَ على فراشِ محمّد

ومحمّدٌ أسرى يَؤمُّ الغارا

مَن كان في القرآنِ سُمّيَ مؤمناً

في تِسعِ آيات تُلِينَ غزارا (1) (2)

604 - الإمام الباقر (عليه السلام): (إنّ رهطاً من اليهود أسلموا، منهم: عبد الله بن سلام، وأسد، وثعلبة، وابن يامين، وابن صوريا، فأتوا النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) فقالوا: يا نبيّ الله، إنّ موسى (عليه السلام) أوصى إلى يوشع بن نون، فمَن وصيّك يا رسول الله؟ ومَن وليّنا بعدك؟ فنزلت هذه الآية: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) .

ثمّ قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): قوموا. فقاموا، فأتوا المسجد، فإذا سائل خارج، فقال: يا سائل، أما أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم، هذا الخاتم. قال: مَن أعطاك؟ قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يُصلّي. قال: على أيّ حال أعطاك؟! قال: كان راكعاً. فكبّر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، وكبّر أهل المسجد، فقال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): عليّ بن أبي طالب وليّكم بعدي.

____________________

(1) الغزارة: الكثرة (لسان العرب: 5/22).

(2) تذكرة الخواصّ: 15، النور المشتعل: 69/8، شواهد التنزيل: 1/236/237 وص 237/238؛ الأمالي للشجري: 1/138 كلّها نحوه.


قالوا: رضينا بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمّد نبيّاً، وبعليّ بن أبي طالب وليّاً. فأنزل الله عزّ وجلّ: ( وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ )) (1) (2) .

605 - عنه (عليه السلام): (أمر الله عزّ وجلّ رسوله بولاية عليّ، وأنزل عليه: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) . وفرض ولاية أُولي الأمر، فلم يدروا ما هي، فأمر الله محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) أن يفسّر لهم الولاية، كما فسّر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحجّ.

فلمّا أتاه ذلك من الله، ضاق بذلك صدر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وتخوّف أن يرتدّوا عن دينهم، وأن يكذّبوه؛ فضاق صدره، وراجع ربّه عزّ وجلّ، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ... ) (3) ، فصدع بأمر الله تعالى ذكره، فقام بولاية عليّ (عليه السلام) يوم غدير خمّ؛ فنادى: الصلاة جامعة. وأمر الناس أن يبلّغ الشاهد الغائب، وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأُخرى، وكانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل الله عزّ وجلّ: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي... ) (4) . قال أبو جعفر (عليه السلام): (يقول الله عزّ وجلّ: لا أُنزل عليكم بعد هذه فريضةً، قد أكملتُ لكم الفرائض) (5) .

____________________

(1) المائدة: 56.

(2) الأمالي للصدوق: 186/193 عن أبي الجارود، روضة الواعظين: 115، المناقب لابن شهر آشوب: 3/3 وراجع تفسير القمّي: 1/170.

(3) المائدة: 67.

(4) المائدة: 3.

(5) الكافي: 1/289/4 عن زرارة والفضيل بن يسار، وبكير بن أعين ومحمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية وأبي الجارود، دعائم الإسلام: 1/15، تفسير العيّاشي: 1/293/22 عن زرارة، وفيه من (وكانت الفريضة...). وراجع: حديث الغدير.


606 - الإمام الصادق (عليه السلام) - في قوله تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ... ) -: (إنّما يعنى: أولى بكم؛ أي أحقّ بكم، وبأموركم، وأنفسكم، وأموالكم، اللهُ ورسولُه والذين آمنوا؛ يعني عليّاً وأولاده الأئمّة (عليهم السلام) إلى يوم القيامة) (1) .

607 - الكشّاف - في تفسير قوله تعالى: (وَهُمْ رَاكِعُونَ) -: الواو فيه للحال، أي يعملون ذلك في حال الركوع، وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله إذا صلّوا، وإذا زكّوا.

وقيل: هو حال من ( ... وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ... ) ، بمعنى: يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة.

وإنّها نزلت في عليّ كرّم الله وجهه، حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه كأنّه كان مَرِجاً (2) في خنصره، فلم يتكلّف لخلعه كثير عمل تفسد بمثله صلاته.

فإن قلت: كيف صحّ أن يكون لعليّ (رضي الله عنه) واللفظ لفظ جماعة؟!

قلت: جيء به على لفظ الجمع - وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً - ليرغّب الناس في مثل فعله، فينالوا مثل ثوابه، ولينبّه على أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان، وتفقّد الفقراء، حتى إن لزمهم أمرٌ لا يقبل التأخير وهم في الصلاة لم يؤخّروه إلى الفراغ منها (3) (4) .

____________________

(1) الكافي: 1/288/3 عن أحمد بن عيسى.

(2) المَرَج: القَلَق؛ مَرِجَ الخاتَمُ في إصبعي مَرَجاً: أي قَلِقَ (تاج العروس: 3/484).

(3) لمزيد الاطّلاع على تفسير الآية ودلالتها راجع: كتاب (الميزان في تفسير القرآن): 6/5 - 25.

(4) الكشّاف: 1/347.


608 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (مَن تولّى عليّاً فقد تولاّني، ومَن تولاّني فقد تولّى الله عزّ وجلّ) (1) .

609 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (أُوصي مَن آمن بي وصدّقني بالولاية لعليّ؛ فإنّه مَن تولاّه تولاّني، ومَن تولاّني تولّى الله) (2) .

610 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (أُوصي مَن آمن بي وصدّقني بولاية عليّ من بعدي؛ فإنّ ولاءه ولائي، وولائي ولاء الله) (3) .

611 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن آمن بي وصدَّقني فليتولَّ عليّ بن أبي طالب؛ فإنّ ولايته ولايتي، وولايتي ولاية الله) (4) .

612 - الأمالي للطوسي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري: خطبنا النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، فقال

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/241/8752؛ الأمالي للطوسي: 336/679 كلاهما عن أبي حيّان عن أبيه عن الإمام عليّ (عليه السلام)، الاحتجاج: 2/27/150 عن الشعبي وأبي مخنف ويزيد بن أبي حبيب المصري عن الإمام الحسن (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله).

(2) تاريخ دمشق: 42/240/8750 وح 8749 وص 239/8747، المناقب لابن المغازلي: 230/277 وص 231/278، الفردوس: 1/429/1751 وفيه (بموالاة) بدل (بالولاية) ، فرائد السمطين: 1/291/229، كفاية الطالب: 74، كنز العمّال: 11/610/32953؛ الأمالي للطوسي: 248/437، بشارة المصطفى: 120 وص 151 و157، الأمالي للشجري: 1/134، شرح الأخبار: 1/232/223 وص 221/206، كشف الغمّة: 2/52، المناقب للكوفي: 2/405/885 كلّها عن عمّار بن ياسر.

(3) المناقب للكوفي: 2/384/858 عن عيسى بن عبد الله عن أبيه عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) وص 391/867 عن عبد الله بن محمّد، عن أبيه عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وج 1/428/333 عن عمّار بن ياسر نحوه.

(4) تاريخ دمشق: 42/239/8746، كنز العمّال: 11/611/32958 نقلاً عن الطبراني، وكلاهما عن عمّار بن ياسر.


في خطبته: (مَن آمن بي وصدّقني فليتولَّ عليّاً من بعدي؛ فإنّ ولايته ولايتي، وولايتي ولاية الله! أمرٌ عهِدَه إليَّ ربّي، وأمرني أن أُبلِّغكموه، ألا هل بلّغت؟)، فقالوا: نشهد أنّك قد بلّغت.

قال (صلَّى الله عليه وآله): (أما إنّكم تقولون: نشهد أنّك قد بلّغت! وإنّ منكم لمَن يُنازعه حقَّه، ويحمل الناس على كتفه!!) (1)

613 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (مَن تولاّني تولّى عليّاً، ومَن لم يقُل بولاء عليّ فقد جحد ولايتي، ومَن كنت مولاه فعليّ مولاه؛ والى الله مَن وآله، وعادَى الله من عاداه) (2) .

614 - الخصال، عن عامر بن واثلة، عن الإمام عليّ (عليه السلام): (نشدتُكم بالله! هل فيكم أحد قال له رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) كما قال لي: إنّ الله أمرني بولاية عليّ، فولايته ولايتي، وولايتي ولاية ربّي، عهدٌ عهده إليَّ ربّي، وأمرني أن أُبلِّغكموه، فهل سمعتم؟). قالوا: نعم قد سمعناه (3) .

615 - الإمام عليّ (عليه السلام): (حربي حرب الله، وسلمي سلم الله، وطاعتي طاعة الله، وولايتي ولاية الله) (4) .

راجع: القسم التاسع/عليّ عن لسان القرآن/الوليّ المتصدّق في الركوع.

كتاب (شواهد التنزيل): 1/209 - 245.

____________________

(1) الأمالي للطوسي: 418/940، المناقب للكوفي: 2/392/868 عن أبي حمزة الثمالي عن الإمام الباقر (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) نحوه.

(2) شرح الأخبار: 2/205/533.

(3) الخصال: 560/31.

(4) مَن لا يحضره الفقيه: 4/420/5918، الأمالي للصدوق: 703/961، بشارة المصطفى: 191 كلّها عن الأصبغ بن نباتة.


7/2

عليّ مولى مَن كان النبيّ مولاه

616 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (من كنتُ مولاه فعليّ مولاه) (1) (2) .

____________________

(1) سنن الترمذي: 5/633/3713 عن حذيفة بن أسيد أو زيد بن أرقم، سنن ابن ماجة: 1/45/121، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 47/10 وص 155/83، والثلاثة الأخيرة عن سعد، مسند ابن حنبل: 9/43/23168 عن سعيد بن وهب وج 1/321/1310 عن أبي مريم، المعجم الكبير: 3/179/3049 عن حذيفة بن أسيد أو زيد بن أرقم وج 5/195/5071 عن زيد بن أرقم وج 19/291/646 عن مالك بن الحويرث، المعجم الصغير: 1/71، المعجم الأوسط: 1/112/346 كلاهما عن بريدة وج 8/213/8434 عن أبي سعيد، المصنّف لابن أبي شيبة: 7/496/15 عن سعد وح 10 عن أبي أيّوب الأنصاري، أنساب الأشراف: 2/355 عن ابن عبّاس، تاريخ أصبهان: 1/162/142 عن بريدة بن الحصيب وص 283/473 عن زيد بن أرقم2/94/1195، حلية الأولياء: 4/23، تاريخ دمشق: 42/188/8637 وح 8638 والأربعة الأخيرة عن بريدة وح 8641 عن ابن عبّاس وص 215/8701 عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم232/8738 عن أبي هريرة وص 234/8740 عن عمر بن الخطّاب وص 235/8741 عن مالك بن الحويرث وص 119/8488 عن سعد، تاريخ الإسلام للذهبي: 3/629 وقال: (هذا حديث صحيح) ، وص 632 كلاهما عن زيد بن أرقم، الإصابة: 3/484/4440 عن يعلى بن مرّة 4/467/5704 عن ابن عبّاس، البداية والنهاية: 7/341 عن سعد بن أبي وقّاص، ذخائر العقبى: 158 عن ابن عبّاس، كنز العمّال: 11/602/32904؛ الكافي: 1/287/1 عن أبي بصير، تهذيب الأحكام: 3/144/317 عن عليّ بن الحسين العبدي، وكلاهما عن الإمام الصادق (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، الخصال: 211/34 عن سعد وص 496/5، المناقب للكوفي: 2/416/899، كلاهما عن جابر بن عبد الله الأنصاري، تحف العقول: 459 عن الإمام الهادي (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، الاحتجاج: 1/297/52 عن أُبيّ بن كعب وراجع السنّة لابن أبي عاصم: 590/باب 202.

(2) عدّه السيوطي من الأخبار المتواترة، وأورده في كتابه الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة: 76/102 وقال: حديث (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)، أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم وأحمد عن عليّ، وأبي أيّوب الأنصاري والبزّار عن عمر، وذي مرّ، وأبي هريرة، وطلحة، وعمّار، وابن عبّاس، وبريدة. والطبراني عن ابن عمر، ومالك بن الحويرث، وحبشي بن جنادة، وجرير، وسعد بن أبي وقّاص، وأبي سعيد الخدري، وأنس وأبو نعيم عن جندع الأنصاري.

وأخرج ابن عساكر عن عمر بن عبد العزيز، قال: حدّثني عدّة: أنّهم سمعوا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه).

وأخرج ابن عقدة في كتاب (الموالاة) عن زرّ بن حبيش قال: قال عليّ: (مَن هاهنا من أصحاب محمّد؟). فقام اثنا عشر رجلاً منهم قيس بن ثابت، وحبيب بن بديل بن ورقاء، فشهدوا أنّهم سمعوا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه).

وأخرج أيضاً عن يعلى بن مرّة قال: لمّا قدم عليّ الكوفة نشد الناس: مَن سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)؟ فانتدب له بضعة عشر رجلاً، منهم يزيد أو زيد بن شراحيل الأنصاري، وراجع أيضاً رسالة (طرق حديث (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) للحافظ شمس الدين محمّد الذهبي).


617 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت مولاه فإنّ عليّاً مولاه) (1) .

618 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت مولاه فإنّ مولاه عليّ) (2) .

619 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ من وآله، وعادِ من عاداه) (3) .

____________________

(1) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/593/1007 عن طاووس، تاريخ دمشق: 42/211، المناقب للخوارزمي: 157/185، كلاهما عن سعيد بن وهب وعبد خير؛ بشارة المصطفى: 149 عن الأصبغ بن نباتة، والثلاثة الأخيرة عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله).

(2) مسند ابن حنبل: 1/709/3062، المستدرك على الصحيحين: 3/144/4652، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/685/1168، تاريخ دمشق: 42/102/8455، المناقب للخوارزمي: 127/140، كفاية الطالب: 243 كلّها عن ابن عبّاس.

(3) المعجم الكبير: 5/195/5069 عن زيد بن أرقم، المعجم الأوسط: 2/24/1111 عن أبي هريرة، أنساب الأشراف: 2/357 عن بريدة بن الحصيب، تاريخ دمشق: 42/235/8742 عن أنس وص 236 عن ابن عمر وص 212/8692، عن عليّ بن مهدي عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، تاريخ الإسلام للذهبي: 3/628 عن سعد، الكافي: 1/294/3 عن عبد الحميد بن أبي الديلم عن الإمام الصادق (عليه السلام)، الاحتجاج: 2/489/328 عن الإمام الهادي (عليه السلام)، وكلاهما عنه (صلَّى الله عليه وآله)، صحيفة الإمام الرضا (عليه السلام): 64/109، بشارة المصطفى: 104، كلاهما عن أحمد بن عامر عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وص 124، عن أبي إسحاق عمرو ذي مرّ وسعيد بن وهب ويزيد بن نقيع عن الثلاثة عشر الذين شهدوا غدير خمّ، الاختصاص: 79 عن عبد الله بن سنان، عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن زيد بن صوحان عن أمّ سلمة، شرح الأخبار: 1/100/23 عن جابر بن عبد الله وج 3/469/1365 عن أبي بصير عن الإمام الباقر (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، المناقب للكوفي: 2/365/841 عن أبي سعيد وص 391/867 عن عبد الله بن محمّد عن أبيه عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وص 409/891 وص 413/894 كلاهما عن جابر وص 416/897 عن زيد بن أرقم وص 427/909 عن أبي أيّوب الأنصاري، وراجع سلسلة الأحاديث الصحيحة: 4/330.


620 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (من كنت وليّه فعليّ وليّه) (1) .

____________________

(1) مسند ابن حنبل: 9/34/23119، صحيح ابن حبّان:15/375/6930، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/563/947، المصنّف لابن أبي شيبة: 7/494/2، تاريخ الإسلام للذهبي: 3/629 كلّها عن بريدة، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 74/23، أنساب الأشراف: 2/355 كلاهما عن ابن عبّاس، المعجم الكبير: 5/166/4968، تاريخ واسط: 154 كلاهما عن زيد بن أرقم، تاريخ دمشق: 42/187/8634 عن عبد الله بن العبّاس التميمي، عن الإمام الرضا عن آبائه عن الإمام زين العابدين (عليهم السلام) عن أمِّه فاطمة عنه (صلَّى الله عليه وآله) وص 188/8640 وص 192/8649 وح 8650، والثلاثة الأخيرة عن بريدة وص 99/8442 عن ابن عبّاس، المناقب لابن المغازلي: 24/35 عن بريدة، كنز العمّال: 11/602/32905 وج 13/104/36340 نقلاً عن ابن جرير عن أبي الطفيل 105/36344 نقلاً عن ابن جرير عن زيد بن أرقم؛ تهذيب الأحكام: 3/144/317 عن عليّ بن الحسين العبدي عن الإمام الصادق (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، كمال الدين: 238/55، المناقب للكوفي: 1/450/348 كلاهما عن زيد بن أرقم وص 452 عن بريدة وج 2/418/901 عن طاووس، معاني الأخبار: 66/5 عن أبي سعيد، عيون أخبار الرضا: 2/64/278 عن عبد الله التميمي عن الإمام الرضا عن آبائه عن الإمام الحسين (عليهم السلام) عن فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله عنه (صلَّى الله عليه وآله)، الإقبال: 2/284 عن عليّ بن الحسن العبدي عن الإمام الصادق (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، شرح الأخبار: 2/256/556 عن أبي إسحاق وص 300/618، المناقب لابن شهر آشوب: 2/191 كلاهما عن ابن عبّاس.


621 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت مولاه فعليّ وليّه) (1) .

622 - المعجم الكبير، عن زيد بن أرقم: خرج علينا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فقال: (ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟!). قالوا: بلى. قال: (فمَن كنت مولاه فعليّ مولاه) (2) .

623 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ بن أبي طالب مولى مَن كنت مولاه) (3) .

624 - مسند ابن حنبل، عن بريدة: غزوت مع عليّ اليمن، فرأيت منه جفوة، فلمّا قدمت على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ذكرتُ عليّاً فتنقّصته. فرأيت وجه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يتغيّر؛ فقال: (يا بريدة، ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟!). قلت: بلى يا رسول الله. قال: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) (4) .

625 - فضائل الصحابة، عن ابن طاووس، عن أبيه: لمّا بعث رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى اليمن عليّاً، خرج بريدة الأسلمي معه، فعتب على عليّ في بعض الشيء. فشكاه

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/194/8656، البداية والنهاية: 7/344 كلاهما عن بريدة وج 5/209 عن زيد بن أرقم وفيه (فهذا) بدل (فعليّ) .

(2) المعجم الكبير: 5/195/5068 وح 5070 نحوه، السنّة لابن أبي عاصم: 592/1369.

(3) تاريخ دمشق: 42/188/8639 وص 187/8636 كلاهما عن بريدة، كنز العمّال: 11/603/32916، الجامع الصغير: 2/177/5598 كلاهما نقلاً عن المحاملي في أماليه؛ بشارة المصطفى: 148 وفيه (عليّ وليّ مَن كنت وليّه)، والثلاثة الأخيرة عن ابن عبّاس.

(4) مسند ابن حنبل: 9/7/23006، المستدرك على الصحيحين: 3/119/4578، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/585/989، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 154/82 وح 81 نحوه، المصنّف لابن أبي شيبة: 7/506/69، تاريخ دمشق: 42/187/8635، البداية والنهاية: 5/7209/344، المناقب لابن المغازلي: 25/36، المناقب للخوارزمي: 134/150، كنز العمّال: 13/134/36422؛ المناقب للكوفي: 2/425/907 وص 442/454928/948.


بريدة إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت مولاه فإنّ عليّاً مولاه) (1) .

626 - خصائص أمير المؤمنين، عن بريدة: بعثنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في سريّة، واستعمل علينا عليّاً، فلمّا رجعنا سألَنا: (كيف رأيتم صُحبة صاحبكم؟)، فإمّا شكوتُه أنا وإمّا شكاه غيري؟ فرفعت رأسي - وكنت رجلاً مكباباً (2) - فإذا وجه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد احمرّ، فقال: (مَن كنت وليّه فعليّ وليّه) (3) .

627 - مسند ابن حنبل، عن بريدة: أنّه مرّ على مجلس وهم يتناولون (4) من عليّ، فوقف عليهم فقال: إنّه قد كان في نفسي على عليّ شيء، وكان خالد بن الوليد كذلك، فبعثني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في سريّة عليها عليّ، وأصبنا سبياً - قال: - فأخذ عليّ جارية من الخمس لنفسه. فقال خالد بن الوليد: دونك. قال: فلمّا قدمنا على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) جعلت أُحدِّثه بما كان، ثمّ قلت: إنّ عليّاً أخذ جارية من الخمس! - قال: وكنت رجلاً مكباباً - قال: فرفعت رأسي، فإذا وجه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد تغيّر، فقال: (مَن كنت وليّه فعليّ وليّه) (5) .

____________________

(1) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/592/1007، المصنّف لعبد الرزّاق: 11/225/20388؛ المناقب للكوفي: 2/443/930 عن عبد الله بن طاووس عن أبيه.

(2) رجل مكبّ ومكباب: كثير النظر إلى الأرض (لسان العرب: 1/696).

(3) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 153/80، مسند ابن حنبل: 9/12/23022 عن أبي بريدة عن أبيه، تاريخ دمشق: 42/192/8651 - 8654، المطالب العالية: 4/59/3956، كنز العمّال: 13/135/36425 نقلاً عن ابن جرير نحوه؛ المناقب للكوفي: 1/451/348 وج 2/385/859.

(4) كذا والظاهر أنّ الصحيح: (ينالون).

(5) مسند ابن حنبل: 9/27/23090، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/689/1177، تاريخ دمشق: 42/193/8655 وح 8656، المستدرك على الصحيحين: 2/141/2589 نحوه؛ المناقب للكوفي: 2/443/929.


628 - الإمام عليّ (عليه السلام): (قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟! قالوا: نعم. قال: فمَن كنت وليّه فهذا وليّه) (1) .

629 - خصائص أمير المؤمنين، عن سعد: أخذ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بيد عليّ، فخطب، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (ألم تعلموا أنّي أولى بكم من أنفسكم؟!). قالوا: نعم، صدقت يا رسول الله. ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها، فقال: (مَن كنت وليّه فهذا وليّه، وإنّ الله لَيوالي مَن وآله، ويُعادي مَن عاداه) (2) .

630 - السنّة، عن البَرّاء: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لعليّ: (هذا مولى من أنا مولاه. أو: وليّ من أنا مولاه) (3) .

631 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - في وصف عليّ (عليه السلام) -: (هو مولى مَن أنا مولاه، وأنا مولى كلّ مسلم ومسلمة) (4) .

632 - الإمام عليّ (عليه السلام): (أنا الذي قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فيَّ: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) (5) .

633 - الإمام الباقر (عليه السلام) - لأبي حمزة -: (إنّ عليّاً آية لمحمّد، وإنّ محمّداً يدعو

____________________

(1) السنّة لابن أبي عاصم: 592/1367 عن أبي الطفيل، مسند البزّار: 4/41/1203 عن سعد؛ المناقب للكوفي: 2/413/895 عن سلمان وفيهما (فعليّ) بدل (فهذا) .

(2) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 177/95.

(3) السنّة لابن أبي عاصم: 591/1363، تاريخ الإسلام للذهبي: 3/632.

(4) الأمالي للصدوق: 65/30 عن ثابت بن أبي صفيّة، كنز الفوائد: 2/13 عن أبي حمزة، مائة منقبة: 70/22 عن ثابت بن أبي حمزة، وكلّها عن الإمام زين العابدين عن أبيه عن الإمام عليّ (عليهم السلام)، بشارة المصطفى: 160 عن ثابت بن أبي صفيّة عن الإمام زين العابدين عن أبيه (عليهما السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله).

(5) الفضائل لابن شاذان: 73 عن ابن عبّاس.


إلى ولاية عليّ؛ أما بلغك قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه؟! فوالَى الله مَن وآله وعادَى (1) الله مَن عاداه) (2) .

634 - عنه (عليه السلام): (تقدّم إلى عمر بن الخطّاب رجلان يختصمان، وعليٌّ (عليه السلام) جالس إلى جانبه، فقال له: اقضِ بينهما يا أبا الحسن!. فقال أحد الخصمين: يا أمير المؤمنين، يقضي هذا بيننا وأنت قاعد!! قال: ويحك! أتدري مَن هذا؟! هذا مولاي ومولى كلّ مسلم، فمَن لم يكُن هذا مولاه فليس بمسلم!!) (3) .

635 - المناقب للخوارزمي، عن يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل: نازع عمرَ بن الخطّاب رجلٌ في مسألة، فقال له عمر: بيني وبينك هذا الجالس - وأومأ إلى عليّ (عليه السلام) -. فقال الرجل: أهذا الهنّ ! ! (4) . فنهض عمر عن مجلسه، فأخذ بأُذنيه حتى أشاله من الأرض، وقال: ويلك! أتدري مَن صغّرت؟! مولاي ومولى كلّ مسلم!! (5) .

636 - الرياض النضرة، عن عمر: عليّ مولى مَن كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) مولاه (6) .

637 - تاريخ دمشق، عن سالم بن أبي الجعد: قيل لعمر: إنّك تصنع بعليّ شيئاً

____________________

(1) في المصدر: (وعاد) وهو تصحيف.

(2) بصائر الدرجات: 77/5 عن أبي حمزة.

(3) شرح الأخبار: 1/110/31 عن إبراهيم بن خيار، كشف الغمّة: 1/299، المناقب للكوفي: 2/386/861 عن إبراهيم بن حبّان، بشارة المصطفى: 236؛ المناقب للخوارزمي: 161/191 كلاهما عن إبراهيم بن حيّان وكلّها نحوه.

(4) الهَنُ وآلهنُّ: بالتخفيف والتشديد -: كناية عن الشيء لا تذكره باسمه؛ تقول: أتاني هَنٌ وهَنَةٌ (النهاية: 5/278).

(5) المناقب للخوارزمي: 161/192، الرياض النضرة: 3/128 وفيه (الأبطن) بدل (الهنّ) .

(6) الرياض النضرة: 3/128.


لا تصنعه بأحد من أصحاب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)؟! قال: إنّه مولاي (1) .

638 - تاريخ دمشق، عن أبي فاختة: أقبل عليّ وعمر جالس في مجلسه، فلمّا رآه عمر تضعضع وتواضع، وتوسّع له في المجلس، فلمّا قام عليّ قال بعض القوم: يا أمير المؤمنين، إنّك تصنع بعليّ صنيعاً ما تصنعه بأحد من أصحاب محمّد؟! قال عمر: وما رأيتني أصنع به؟! قال: رأيتُك كلّما رأيتَه تضعضعتَ وتواضعتَ وأوسعتَ حتى يجلس!! قال: وما يمنعني؟! والله، إنّه لمولاي ومولى كلّ مؤمن!! (2) .

639 - وقعة صفّين، عن عمّار بن ياسر - لعمرو بن العاص في حرب صفّين -: أمرني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أن أُقاتل الناكثين، وقد فعلت! وأمرني أن أُقاتل القاسطين، فأنتم هم!! وأمّا المارقون فما أدري أُدركهم أم لا.

أيّها الأبتر، ألستَ تعلم أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال لعليّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه)؟! وأنا مولى الله ورسوله وعليّ بعده، وليس لك مولى.

قال له عمرو: لِمَ تشتُمني - يا أبا اليقظان - ولستُ أشتمك؟! قال عمّار: وبِمَ تشتُمني؟! أتستطيع أن تقول: إنّي عصيتُ الله ورسوله يوماً قطّ؟! قال له عمرو: إنّ فيك لمسبّات سوى ذلك. فقال عمّار: إنّ الكريم مَن أكرمه الله، كنتُ وضيعاً

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/235، المناقب للخوارزمي: 160/190، فيض القدير: 6/218، الرياض النضرة: 3/128؛ بشارة المصطفى: 223، المناقب لابن شهر آشوب: 3/36، كشف الغمّة: 1/298 وراجع الغدير: 1/382.

(2) تاريخ دمشق: 42/235؛ بشارة المصطفى: 236. راجع: القسم التاسع/عليّ عن لسان أصحاب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)/عمر بن الخطّاب.


فرفعني الله، ومملوكاً فأعتقني الله (1) .

640 - مسند ابن حنبل، عن رياح بن الحارث: جاء رهط إلى عليّ بالرحبة، فقالوا: السلام عليك يا مولانا. قال: (كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟!). قالوا: سمعنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خمّ يقول: (مَن كنت مولاه فإنّ هذا مولاه).

قال رياح: فلمّا مضوا، تبعتُهم، فسألت: مَن هؤلاء؟ قالوا: نفر من الأنصار، فيهم أبو أيّوب الأنصاري (2) .

641 - المعجم الكبير، عن رياح بن الحارث: كنّا قعوداً مع عليّ (رضي الله عنه)، فجاء ركب من الأنصار (3) عليهم العمائم، فقالوا: السلام عليك يا مولانا. فقال عليّ (رضي الله عنه): (أنا مولاكم وأنتم قوم عرب!!).

قالوا: نعم؛ سمعنا النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه، فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه). وهذا أبو أيّوب فينا، فحَسَر (4) أبو أيّوب العمامة عن وجهه، قال: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه) (5) .

____________________

(1) وقعة صفّين: 338؛ شرح نهج البلاغة: 8/21 وفيه (وعليّ مولاي بعدهما) بدل (وعليّ بعده، وليس لك مولى).

(2) مسند ابن حنبل: 9/143/23622 وص 144/23623 نحوه، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/572/967 عن رياح الحارث، تاريخ دمشق: 42/212 عن زياد بن الحارث، البداية والنهاية: 7/348 عن رياح بن الحرث، الرياض النضرة: 3/126 عن رياح بن الحارث، المناقب لابن المغازلي: 22/30 نحوه، تذكرة الخواصّ: 29 عن رياح بن الحرث.

(3) في المصدر: (الأنصاري) وهو تصحيف.

(4) حَسَرْتُ العمامة عن رأسي والثوب عن بَدَني: أي كشفتهما (لسان العرب: 4/189).

(5) المعجم الكبير: 4/173/4053؛ المناقب للكوفي: 2/378/851 عن رياح بن الحرث427/908 عن رياح بن الحارث وص 424/906 وراجع شرح نهج البلاغة: 3/208 وشرح الأخبار: 1/108/28.


642 - المصنّف عن رباح بن الحارث: بينا عليّ جالس (1) في الرحبة، إذ جاء رجل عليه أثر السفر، فقال: السلام عليك يا مولاي. فقال: (مَن هذا؟). فقالوا: هذا أبو أيّوب الأنصاري. فقال: إنّي سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) (2) .

643 - أُسد الغابة، عن زرّ بن حبيش: خرج عليّ من القصر، فاستقبله ركبان متقلّدو السيوف، فقالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا مولانا ورحمة الله وبركاته. فقال عليّ: (مَن هاهنا من أصحاب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)؟). فقام اثنا عشر، منهم: قيس بن ثابت بن شماس، وهاشم بن عتبة، وحبيب بن بديل بن ورقاء، فشهدوا أنّهم سمعوا النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) (3) .

7/3

عليّ وليّ كلّ مؤمن بعد النبيّ

644 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أنت وليّي في كلّ مؤمن بعدي) (4) .

____________________

(1) في المصدر: (جالساً) والتصحيح من بقيّة المصادر.

(2) المصنّف لابن أبي شيبة: 7/496/10، المعجم الكبير: 4/173/4052، تاريخ دمشق: 42/214/8698 وص 215/8699 نحوه وص 214/8697 عن حسن بن الحارث، البداية والنهاية: 7/349 عن رباح بن الحرث، الرياض النضرة: 3/126 نحوه؛ المناقب للكوفي: 2/455/949.

(3) أُسد الغابة: 1/672/1038.

(4) مسند ابن حنبل: 1/709/3062، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 73/23، تاريخ دمشق: 42/102، البداية والنهاية: 7/339 كلّها عن ابن عبّاس.


645 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي) (1) .

646 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ وليّ كلّ مؤمن بعدي) (2) .

647 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ منّي، وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي) (3) .

648 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ عليّاً وليّكم بعدي) (4) .

649 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - في وصف عليّ (عليه السلام) -: (هو وليّكم من بعدي) (5) .

____________________

(1) المعجم الكبير: 12/78/12593، مسند الطيالسي: 360/2752، الإصابة: 4/467/5704، تاريخ دمشق: 42/199/8666، البداية والنهاية: 7/346، ذخائر العقبى: 157، كفاية الطالب: 243؛ المسترشد: 624/292 كلّها عن ابن عبّاس.

(2) الأمالي للصدوق: 50/3، شرح الأخبار: 1/221/203 كلاهما عن ابن عبّاس وج 2/255/551 عن عمران بن الحصين، كمال الدين: 277/25، الغيبة للنعماني: 70/8318/12، والثلاثة الأخيرة عن سليم بن قيس عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله).

(3) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/649/1104، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 137/68، تاريخ دمشق: 42/197/8662، الصواعق المحرقة: 124، المناقب لابن المغازلي: 224/270 وص 230/276، الفردوس: 3/61/4171؛ المناقب للكوفي: 1/490/397، شرح الأخبار: 1/220/202 وص 93/8 كلّها عن عمران بن الحصين وح 9 عن ابن عبّاس، المناقب لابن شهر آشوب: 3/51 عن عمران بن الحصين وبريدة وابن عبّاس وجابر الأنصاري وعمر بن عليّ.

(4) الفردوس: 5/392/8528 عن بريدة، كنز العمّال: 11/612/32963؛ المناقب لابن شهر آشوب: 3/51 عن محمّد بن إسحاق والأجلح بن عبد الله وعبد الله بن بريدة والإمام الباقر (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله).

(5) دعائم الإسلام: 2/425/1478 عن الإمام عليّ (عليه السلام)، تأويل الآيات الظاهرة: 2/699/3 عن محمّد الحلبي عن الإمام الصادق (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، المناقب للكوفي: 1/425/331 وص479/385 وج 2/419/903، شرح الأخبار: 1/221/205؛ تاريخ الإسلام للذهبي: 3/628 والخمسة الأخيرة عن بريدة.


650 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - في عليّ (عليه السلام) -: (هذا وليّكم بعدي إذا كانت فتنة) (1) .

651 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ومؤمنة) (2) .

652 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ بن أبي طالب مولى كلّ مؤمن ومؤمنة، وهو وليّكم بعدي) (3) .

653 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (أيّها الناس، لا تسبّوا عليّاً ولا تحسدوه؛ فإنّه وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة بعدي) (4) .

654 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (سألت الله فيك خمساً، فأعطاني أربعاً، ومنعني واحدة؛ سألته فأعطاني فيك: أنّك أوّل من تنشقّ الأرض عنه يوم القيامة، وأنت معي، معك لواء الحمد وأنت تحمله، وأعطاني أنّك وليّ المؤمنين من بعدي) (5) .

655 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت وليّ الناس بعدي؛ فمَن أطاعك فقد أطاعني، ومَن عصاك فقد عصاني) (6) .

656 - مسند ابن حنبل، عن بريدة: بعث رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بَعثَين (7) إلى اليمن؛ على

____________________

(1) المحاسن والمساوئ: 41 عن جابر.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3/144/4652، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/684/1168، المناقب للخوارزمي: 127/140 كلّها عن ابن عبّاس وص 61/31 عن أبي ليلى؛ دعائم الإسلام: 1/19، الفضائل لابن شاذان: 113 عن أبي ذرّ، والثلاثة الأخيرة نحوه.

(3) تاريخ دمشق: 42/189/8642؛ بشارة المصطفى: 120 كلاهما عن بريدة، الأمالي للطوسي: 247/434 عن عبد الله بن يزيد عن أبيه.

(4) تفسير فرات: 319/431 عن ابن عمر.

(5) تاريخ بغداد: 4/339/2167 عن عمر بن عليّ عن أبيه (عليه السلام)، كنز العمّال: 11/625/33047.

(6) الأمالي للمفيد: 113/5 عن يعلى بن مرّة.

(7) البَعْث: بعث الجند إلى الغزو (لسان العرب: 2/116).


أحدهما عليّ بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال: إذا التقيتم فعليّ على الناس، وإن افترقتما فكلّ واحد منكما على جنده.

قال: فلقينا بني زيد من أهل اليمن، فاقتتلنا، فظهر المسلمون على المشركين؛ فقتلنا المقاتلة، وسبينا الذريّة. فاصطفى عليّ امرأة من السبي لنفسه.

قال بريدة: فكتب مع (1) خالد بن الوليد إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يُخبره بذلك، فلمّا أتيت النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) دفعت الكتاب، فقُرئ عليه، فرأيت الغضب في وجه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فقلت: يا رسول الله، هذا مكان العائذ، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أُطيعه، ففعلتُ ما أُرسلت به!! فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (لا تقع في عليّ؛ فإنّه منّي وأنا منه، وهو وليّكم بعدي، وإنّه منّي، وأنا منه، وهو وليّكم بعدي) (2) .

657 - سنن الترمذي، عن عمران بن حصين: بعث رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) جيشاً، واستعمل عليهم عليّ بن أبي طالب، فمضى في السريّة، فأصاب جارية، فأنكروا عليه.

وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فقالوا: إذا لقينا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أخبرناه بما صنع عليّ - وكان المسلمون إذا رجعوا من السفر بدؤوا برسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فسلّموا عليه، ثمّ انصرفوا إلى رحالهم - فلمّا قدمت السريّة سلّموا على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، فقام أحد الأربعة فقال: يا

____________________

(1) كذا في المصدر، وهو تصحيف، والصحيح: (يعني) كما في فضائل الصحابة، أو (معي) كما في تاريخ دمشق.

(2) مسند ابن حنبل: 9/23/23074، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/688/1175، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 167/90، تاريخ دمشق: 42/189/8643 وص 190/8644 عن عبد الله بن بريدة نحوه وح 8645؛ شرح الأخبار: 1/93/11 نحوه، المناقب للكوفي: 2/388/863 وص 390/866 نحوه وراجع الأمالي للطوسي: 249/433.


رسول الله، ألم ترَ إلى عليّ بن أبي طالب صنع كذا وكذا؟! فأعرض عنه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). ثمّ قام الثاني، فقال مثل مقالته، فأعرض عنه. ثمّ قام الثالث، فقال مثل مقالته، فأعرض عنه. ثمّ قام الرابع، فقال مثل ما قالوا. فأقبل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) والغضب يُعرف في وجهه، فقال: (ما تريدون من عليّ؟! ما تريدون من عليّ؟! ما تريدون من عليّ؟!! إنّ عليّاً منّي، وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي) (1) .

658 - تاريخ دمشق، عن وهب بن حمزة: سافرتُ مع عليّ بن أبي طالب من المدينة إلى مكّة، فرأيت منه جفوة، فقلت: لئن رجعتُ فلقيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لأنالنّ منه. قال: فرجعت، فلقيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فذكرتُ عليّاً فنِلتُ منه. فقال لي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (لا تقولنّ هذا لعليّ؛ فإنّ عليّاً وليّكم بعدي) (2) .

659 - شرح الأخبار، عن البرَّاء بن عازب: إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أقام عليّاً (عليه السلام) للناس، وقال: (هذا وليّكم من بعدي) (3) .

____________________

(1) سنن الترمذي: 5/632/3712، المستدرك على الصحيحين: 3/119/4579 وليس فيه (بعدي)، مسند ابن حنبل: 7/215/19948 نحوه، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/620/1060 وص 605/1035 نحوه، صحيح ابن حبّان: 15/373/6929، المصنّف لابن أبي شيبة: 7/504/58، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 164/89، مسند أبي يعلى: 1/203/350، مسند الطيالسي: 111/829 نحوه، حلية الأولياء: 6/294، تاريخ دمشق: 42/197/8663 وص 198/8664 نحوه وح 8665، أُسد الغابة: 4/101/3789، المناقب للخوارزمي: 153/180، كفاية الطالب: 114 وزاد في آخره (فلا تُخالفوه في حكمه)، كنز العمّال: 13/142/36444.

(2) تاريخ دمشق: 42/199/8667، الإصابة: 6/487/9178، البداية والنهاية: 7/346.

(3) شرح الأخبار: 2/255/555.


660 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - في وصف عليّ (عليه السلام) -: (هو وليّكم بعد الله ورسوله) (1) .

راجع: القسم الخامس عشر/التحذير من بُغْضه/سخط النبيّ عن مَن بَغَضه.

7/4

عليّ أولى بكلّ مؤمن بعد النبيّ

661 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه، وعليّ أولى به من بعدي) (2) .

662 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ أخي عليّ بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (3) .

663 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أنا أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، ثمّ أنت - يا عليّ - أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (4) .

664 - الاحتجاج، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمَن كنت أولى به من نفسه فأنت - يا أخي - أولى به من نفسه) - وعليّ بين يديه - (5) .

665 - الاحتجاج، عن عبد الله بن المسحر: إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال: (عليّ أولى المؤمنين بالمؤمنين بعدي) (6) .

____________________

(1) الاحتجاج: 1/142/32 عن علقمة بن محمّد الحضرمي عن الإمام الباقر (عليه السلام)، روضة الواعظين: 104.

(2) الكافي: 1/406/6 عن سفيان بن عيينة عن الإمام الصادق (عليه السلام).

(3) الكافي: 1/529/4، الغيبة للطوسي: 138/101، الخصال: 477/41، كمال الدين: 270/15، عيون أخبار الرضا: 1/47/8، الغيبة للنعماني: 96/27، إعلام الورى: 2/179، كشف الغمّة: 3/298، الصراط المستقيم: 2/120 كلّها عن عبد الله بن جعفر الطيّار.

(4) كفاية الأثر: 177 عن عطا عن الإمام الحسين (عليه السلام).

(5) الاحتجاج: 2/57/155، العدد القويّة: 46/61 وراجع كتاب سليم بن قيس: 2/844/42.

(6) شرح الأخبار: 2/255/554.


666 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (أيّها الناس، أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ليس لهم معي أمر، وعليّ من بعدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ليس لهم معه أمر) (1) .

667 - المعجم الكبير، عن وهب بن حمزة: صحبت عليّاً من المدينة إلى مكّة، فرأيت منه بعض ما أكره، فقلت: لئن رجعت إلى رسول الله لأشكونّك إليه. فلمّا قدمت لقيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فقلت: رأيت من عليّ كذا وكذا!! فقال: (لا تقُل هذا؛ فهو أولى الناس بكم بعدي) (2) .

7/5

ولايته فريضة

668 - الكافي، عن أبي بصير، عن الإمام الباقر (عليه السلام): كنت عنده جالساً، فقال له رجل: حدِّثني عن ولاية عليّ، أمن الله، أو من رسوله؟! فغضب، ثمّ قال: (ويحك! كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أخوف لله من أن يقول ما لم يأمره به الله!! بل افترضه كما افترض الله الصلاة والزكاة والصوم والحجّ) (3) .

669 - الإمام الصادق (عليه السلام): (ولايتي لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أحبّ لي من ولادتي منه؛ لأنّ ولايتي له فرض، وولادتي منه فضل) (4) .

670 - الإمام الباقر (عليه السلام) - في قوله تعالى: ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ) قال -: (عن

____________________

(1) كتاب سليم بن قيس: 2/837/42 عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، بحار الأنوار: 33/266/534.

(2) المعجم الكبير: 22/135/360، أُسد الغابة: 5/425/5484، كنز العمّال: 11/612/32961.

(3) الكافي: 1/290/5.

(4) الفضائل لابن شاذان: 106، الاعتقادات: 112 وفيه صدره، بحار الأنوار: 39/299/105.


ولاية عليّ) (1) .

7/6

ولايته خاتمة الفرائض

671 - الإمام الباقر (عليه السلام): (كانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأُخرى، وكانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل الله عزّ وجلّ: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي... ) (2) - قال أبو جعفر (عليه السلام): - يقول الله عزّ وجلّ: لا أُنزل عليكم بعد هذه فريضة؛ قد أكملت لكم الفرائض) (3) .

672 - عنه (عليه السلام): (آخر فريضة أنزلها الله الولاية: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) ؛ فلم يَنزل من الفرائض شيءٌ بعدها حتى قُبض الله رسوله (صلَّى الله عليه وآله)) (4) .

673 - الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام): (إنّما نزلت هذه الآية بعد نصب النبيّ عليّاً - صلوات الله عليهما - بغدير خمّ، بعد منصرفه من حجّة الوداع، وهي آخر فريضة أنزلها الله تعالى) (5) .

____________________

(1) شواهد التنزيل: 2/164/790 عن داود بن حسن بن حسن، وراجع الصراط المستقيم: 1/278.

(2) المائدة: 3.

(3) الكافي: 1/289/4 عن زرارة والفضيل بن يسار وبكير بن أعين ومحمّد بن مسلم وبريد بن معاوية، تفسير العيّاشي: 1/293/22 عن زرارة، دعائم الإسلام: 1/15.

(4) تفسير العيّاشي: 1/292/20 عن زرارة، تفسير القمّي: 1/162 عن محمّد بن مسلم نحوه.

(5) تأويل الآيات الظاهرة: 1/145/2، مجمع البيان: 3/246 وفيه (إنّه إنّما أنزل بعد أن نصب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) للأنام يوم غدير خُمّ منصرفه عن حجّة الوداع، قالا (عليهما السلام): (وهو آخر فريضة أنزلها الله تعالى، ثمّ لم يُنزل بعدها فريضة).


7/7

بركات ولايته

674 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (مَن سرّه أن يجمع الله له الخير كلّه فليوالِ عليّاً بعدي، وليوالِ أولياءه، وليعادِ أعداءه) (1) .

675 - عنه (صلَّى الله عليه وآله)، عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللوح، عن القلم: (يقول الله تبارك وتعالى: ولاية عليّ بن أبي طالب حِصني، فمَن دخل حِصني أمِنَ ناري) (2) .

676 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (قال لي جبرئيل: قال الله تعالى: ولاية عليّ بن أبي طالب حِصني، فمَن دخل حِصني أمِنَ من عذابي) (3) .

677 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن أحبّ أن يركب سفينة النجاة، ويستمسك بالعروة الوثقى، ويعتصم بحبل الله المتين، فليوالِ عليّاً بعدي، وليعادِ عدوّه، وليأتمّ بالأئمّة الهُداة من ولْده) (4) .

678 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن يريد أن يحيا حياتي، ويموت موتي، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي، فليتولَّ عليّ بن أبي طالب؛ فإنّه لن يُخرجكم من هدى، ولن

____________________

(1) الأمالي للصدوق: 560/749، بشارة المصطفى: 150 وص 176 كلّها عن ابن عبّاس.

(2) الأمالي للصدوق: 306/350، معاني الأخبار: 371/1، عيون أخبار الرضا: 2/136/1، المناقب لابن شهر آشوب: 3/101 وفيهما (أمِنَ من عذابي) بدل (أمِن ناري)، جامع الأخبار: 52/58 كلّها عن عليّ بن بلال، عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) وراجع الأمالي للطوسي: 353/729.

(3) شواهد التنزيل: 1/170/181 عن ابن عمر؛ إحقاق الحقّ: 7/123 عن الإمام عليّ (عليه السلام).

(4) عيون أخبار الرضا: 1/292/43، الأمالي للصدوق: 70/37 كلاهما عن الحسين بن خالد، بشارة المصطفى: 15 عن داود بن سليمان، وكلاهما عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، روضة الواعظين: 174 وراجع معاني الأخبار: 368/1 وإرشاد القلوب: 293.


يُدخلكم في ضلالة) (1) .

679 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت موتتي، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي - فإنّ ربّي عزّ وجلّ غرس قصباتها بيده -، فليتولَّ عليّ بن أبي طالب؛ فإنّه لن يُخرجكم من هديي، ولن يُدخلكم في ضلالة) (2) .

680 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن التي غرسها الله ربّي، فليتولِّ عليّاً بعدي) (3) .

681 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن سرّه أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويتمسّك بالقصبة الياقوتة التي خلقها الله بيده ثمّ قال لها: كوني. فكانت، فليتولَّ عليّ بن أبي طالب من بعدي) (4) .

682 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة، فليتولَّ عليّاً وذرّيّته من بعده) (5) .

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 3/139/4642؛ الأمالي للطوسي: 493/1079 وفيه (ردى) بدل (ضلالة) وكلاهما عن زيد بن أرقم، بصائر الدرجات: 51/11 عن الأصبغ بن نباتة عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) نحوه.

(2) المعجم الكبير: 5/194/5067، حلية الأولياء: 4/349، تاريخ دمشق: 42/242/8757، كنز العمّال: 11/611/32959؛ بشارة المصطفى: 188، المناقب للكوفي: 1/426/332، المناقب لابن شهر آشوب: 3/200 كلّها عن زيد بن أرقم، الخصال: 558/31 عن عامر بن واثلة عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) نحوه.

(3) تاريخ دمشق: 42/242/8755؛ الأمالي للطوسي: 578/1195 كلاهما عن أبي ذرّ، كامل الزيارات: 148/175 عن جابر عن الإمام الباقر (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) نحوه.

(4) حلية الأولياء: 1/86 وج 4/174، تاريخ دمشق: 42/242/8756 كلّها عن حذيفة بن اليمان.

(5) الإصابة: 2/485/2872، كنز العمّال: 11/611/32960 نقلاً عن مطير والباوردي وابن شاهين وابن مندة عن زياد بن مطرف، المناقب للخوارزمي: 75/55؛ الأمالي للشجري: 1/136 كلاهما عن محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، الإمامة والتبصرة: 173/26، بصائر الدرجات: 51/13 كلاهما عن زياد بن مطرف وكلّها نحوه.


683 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليوالِ عليّاً من بعدي، وليوالِ وليّه، وليقتدِ بالأئمّة من بعدي؛ فإنّهم عترتي، خُلقوا من طينتي، رُزقوا فهماً وعلماً، ويلٌ للمكذّبين بفضلهم من أُمّتي، للقاطعين فيهم صِلتي، لا أنالَهم الله شفاعتي) (1) .

684 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن أراد أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل جنّة عدن التي غرسها الله ربّي بيده، فليتولَّ عليّ بن أبي طالب، وليتولَّ وليّه، وليعادِ عدوّه، وليسلِّم للأوصياء من بعده؛ فإنّهم عِترتي؛ من لحمي ودمي، أعطاهم الله فهمي وعلمي، إلى الله أشكو أمر أُمّتي المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتي! وأيمَ الله، ليقتلُنّ ابني!! لا أنالَهم الله شفاعتي) (2) .

685 - الإمام الباقر (عليه السلام): (قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): مَن سرّه أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة التي وعَدَنيها ربّي، ويتمسّك بقضيب غرسَه ربّي بيده،

____________________

(1) حلية الأولياء: 1/86، تاريخ دمشق: 42/240/8751، فرائد السمطين: 1/53/18؛ الأمالي للصدوق: 88/60، بشارة المصطفى: 191 كلاهما نحوه، وكلّها عن ابن عبّاس وراجع الكافي: 1/208/3 والإمامة والتبصرة: 174/27.

(2) الكافي: 1/209/5 عن أبان بن تغلب عن الإمام الصادق (عليه السلام)، كامل الزيارات: 146/171 عن سعد الإسكاف عن الإمام الباقر (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، الإمامة والتبصرة: 170/22 عن عبد الرحيم القصير عن الإمام الباقر (عليه السلام) وص 171/23 عن عمر بن عليّ عن الإمام عليّ (عليه السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وص 172/24 عن أبان بن تغلب عن الإمام الصادق عن أبيه (عليهما السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، الأمالي للشجري: 1/136 عن ابن عبّاس، وكلّها نحوه، وراجع بصائر الدرجات: 48 - 52.


فليتولَّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأوصياءه من بعده؛ فإنّهم لا يُدخلونكم في باب ضلال، ولا يُخرجونكم من باب هدى، فلا تُعلّموهم؛ فإنّهم أعلم منكم.

وإنّي سألت ربّي أن لا يفرّق بينهم وبين الكتاب حتى يردا عليّ الحوض، هكذا - وضمّ بين إصبعيه -) (1) .

686 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (إذا كان يوم القيامة، ونُصب الصراط على ظهراني جهنّم، فلا يجوزها ولا يقطعها إلاّ مَن كان معه جَواز بولاية عليّ بن أبي طالب) (2) .

687 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (مَن أحبّ أن يُجاور الخليل في داره، ويأمَن حرّ ناره، فليتولَّ عليّ بن أبي طالب) (3) .

688 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (عليكم بعليّ بن أبي طالب؛ فإنّه مولاكم فأحِبّوه، وكبيركم فاتّبعوه، وعالمكم فأكرموه، وقائدكم إلى الجنّة فعزّزوه، وإذا دعاكم فأجيبوه، وإذا أمركم فأطيعوه.

أحبّوه بحبِّي، وأكرموه بكرامتي. ما قلتُ لكم في عليّ إلاّ ما أمرني به ربّي جلّت عظمته) (4) .

____________________

(1) الكافي: 1/209/6، الإمامة والتبصرة: 173/25 كلاهما عن جابر الجعفي.

(2) تاريخ أصبهان: 1/400/755 عن مالك بن أنس عن الإمام الصادق عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام)، المناقب لابن المغازلي: 242/289 عن أنس وفيه (كتاب ولاية) بدل (جواز بولاية)، فرائد السمطين: 1/289/228؛ بشارة المصطفى: 274 كلاهما نحوه وص 200، والثلاثة الأخيرة عن مالك بن أنس عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله)، تأويل الآيات الظاهرة: 2/494/5 عن أنس بن مالك نحوه.

(3) الأمالي للطوسي: 295/580، بشارة المصطفى: 187 كلاهما عن جابر بن عبد الله الأنصاري.

(4) المناقب للخوارزمي: 316/316، مقتل الحسين للخوارزمي: 1/41، فرائد السمطين: 1/78/45؛ كنز الفوائد: 2/57، مائة منقبة: 87/36 كلّها عن سلمان.


689 - الإمام الباقر (عليه السلام): (إنّ الرَّوْح (1) ، والراحة، والفَلْج (2) ، والعون، والنجاح، والبركة، والكرامة، والمغفرة، والمُعافاة، واليُسر، والبشرى، والرضوان، والقرب، والنصر، والتمكّن، والرجاء، والمحبّة من الله عزّ وجلّ، لمَن تولّى عليّاً، وائتمّ به، وبرئ من عدوّه، وسلَّم لفضله وللأوصياء من بعده) (3) .

7/8

مضارّ مُخالفته ومُفارقته

690 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (معاشر أصحابي، إنّ الله جلّ جلاله يأمركم بولاية عليّ بن أبي طالب، والاقتداء به؛ فهو وليّكم وإمامكم من بعدي؛ لا تُخالِفوه فتكفروا، ولا تُفارقوه فتَضِلّوا) (4) .

691 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إذا كان يوم القيامة، أُوقفُ أنا وعليّ على الصراط، فما يمرّ بنا أحد إلاّ سألناه عن ولاية عليّ؛ فمَن كانت معه، وإلاّ ألقيناه في النار؛ وذلك قوله: ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ) (5) ) (6) .

راجع: حديث الغدير.

القسم التاسع/عليّ عن لسان النبيّ/معه جواز الصراط.

القسم الرابع عشر/بركات حبّه/جواز الصراط.

____________________

(1) الرَّوح: الراحَة والسرور والفَرَح، وقد يكون بمعنى الرحمة (تاج العروس: 4/58).

(2) الفَلْج: الظَّفَر والفوز (لسان العرب: 2/347).

(3) الكافي: 1/210/7 عن الفضيل بن يسار.

(4) الأمالي للصدوق: 359/443 عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبيه عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام).

(5) الصافّات: 24.

(6) شواهد التنزيل: 2/162/789 عن ابن عبّاس وراجع عيون أخبار الرضا: 1/303/63 والاعتقادات: 70/26 والأمالي للطوسي: 290/564 وبشارة المصطفى: 220 والمناقب للكوفي: 1/429/334.


 

الفصل الثامن

أحاديث الهداية

8/1

عليّ الهادي

( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (1) .

692 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (أنا المنذر، وعلىٌّ الهادي إلى أمري) (2) .

693 - تفسير الطبري، عن ابن عبّاس: لمّا نزلت: ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) وضع (صلَّى الله عليه وآله) يده على صدره فقال: (أنا المنذر ولكلّ قوم هاد، وأومأ بيده إلى منكب عليّ فقال: أنت الهادي يا عليّ، بك يهتدي المهتدون بعدي) (3) .

____________________

(1) الرعد: 7.

(2) تفسير العيّاشي: 2/204/9 عن جابر، تفسير فرات: 206/271 وفيه (وأنت يا عليّ) بدل (وعليّ) ، المناقب لابن شهر آشوب: 3/84 عن عبد الله بن عطاء، وكلّها عن الإمام الباقر (عليه السلام).

(3) تفسير الطبري: 8/الجزء 13/108، تفسير الفخر الرازي: 19/15، الدرّ المنثور: 4/608، تاريخ دمشق: 42/359، كنز العمّال: 11/620/33012 نقلا عن الديلمي؛ مجمع البيان: 6/427، بشارة المصطفى: 246، نهج الحقّ: 395 وص 180، شرح الأخبار: 2/272/580 وص 350/701، المناقب لابن شهر آشوب: 3/84 والتسعة الأخيرة نحوه.


694 - الدرّ المنثور، عن ابن عبّاس - في قوله تعالى: ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) -: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (المنذر أنا، وآلهادي عليّ بن أبي طالب) (1) .

695 - الدرّ المنثور، عن أبي برزة الأسلمي: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ... ) ووضع يده على صدر نفسه، ثمّ وضعها على صدر عليّ ويقول: ( ... وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (2) .

696 - سعد السعود، عن أبي بردة الأسلمي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - في قوله تعالى: ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) قال -: فوضع يده على منكب عليّ (عليه السلام) فقال: (هذا الهادي من بعدي) (3) .

697 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - في وصيّته بعليّ (عليه السلام) -: (فإنّه الهادي المهديّ، الناصح لأمَّتي، المحيي لسنّتي، وهو إمامكم بعدي) (4) .

698 - الإمام الصادق (عليه السلام): (اللهمّ، فإنّا نشهد أنّه [عليّاً (عليه السلام) ] عبدك الهادي من بعد نبيّك النذير المنذر، وصراطك المستقيم، وأمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين،

____________________

(1) الدرّ المنثور: 4/608 نقلاً عن ابن مردويه والضياء في المختارة.

(2) الدرّ المنثور: 4/608 نقلاً عن ابن مردويه، شواهد التنزيل: 1/388/408 وفيه (ويُشير إلى عليّ (عليه السلام)) بدل (ثمّ وضعها على صدر عليّ) ؛ تفسير الحبري: 283/39 كلاهما نحوه.

(3) سعد السعود: 99.

(4) الاحتجاج: 1/303/52، المناقب للكوفي: 1/228/142 وص 420/330 كلّها عن عبد الله بن الحسن عن الإمام الحسن عن أبيه (عليهما السلام) وفيهما (المُخبر) بدل (المحيي)، اليقين: 452/170 عن يحيى بن عبد الله بن الحسن عن جدّه عن الإمام عليّ (عليهما السلام)، وكلّها عن أبيّ بن كعب.


وحجّتك البالغة) (1) .

699 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (لمّا أُسري بي إلى السماء لم يكن بيني وبين ربّي ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل، ولا سألت ربّي حاجة إلاّ أعطاني خيراً منها، فوقع في مسامعي: ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) ، فقلت: إلهي، أنا المنذر، فمَن الهادي؟ فقال الله: ذلك عليّ بن أبي طالب، غاية المهتدين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، ومَن يهدي من أمّتك برحمتي إلى الجنّة) (2) .

8/2

أنا الهادي

700 - الإمام عليّ (عليه السلام) - في قوله تعالى: ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (3) -: (رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) المنذر، وأنا الهادي) (4) .

701 - عنه (عليه السلام): (أنا فاروق الأمّة، وأنا الهادي) (5) .

702 - عنه (عليه السلام): (فينا نزلت هذه الآية: ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) ، فقال

____________________

(1) تهذيب الأحكام: 3/145/317 عن عليّ بن الحسين العبدي، الإقبال: 2/284 عن عليّ بن الحسن العبدي، وراجع شواهد التنزيل: 1/381 - 395.

(2) تفسير فرات: 206/272 عن ابن مسعود؛ شواهد التنزيل: 1/385/403 عن ابن عبّاس نحوه.

(3) الرعد: 7.

(4) المستدرك على الصحيحين: 3/140/4646، تاريخ دمشق: 42/359 وفيه (الهاد) وكلاهما عن عباد بن عبد الله الأسدي، وراجع مسند ابن حنبل: 1/267/1041، المعجم الأوسط: 2/94/1361 وج 5/153/4923، تاريخ بغداد: 12/372، تاريخ دمشق: 42/358/8951.

(5) مختصر بصائر الدرجات: 34 عن أبي حمزة الثمالي، بحار الأنوار: 53/49/20 نقلاً عن منتخب البصائر عن عاصم بن حميد، وكلاهما عن الإمام الباقر (عليه السلام).


رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): أنا المنذر، وأنت الهادي يا عليّ) (1) .

8/3

عليّ لا يزال على هدى

703 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا عمّار، إنّ عليّاً لا يزال على هدى) (2) .

704 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عمّار، تقتلك الفئة الباغية، وأنت إذ ذاك مع الحقّ والحقّ معك. يا عمّار بن ياسر، إن رأيت عليّاً قد سلك وادياً وسلك الناسُ وادياً غيره فاسْلُكْ مع عليّ؛ فإنّه لن يُدلِيك في ردى، ولن يُخرجك من هدى) (3) .

8/4

الهُداة بعد النبيّ

705 - الإمام الباقر (عليه السلام) - في قول الله تبارك وتعالى: ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) -: (رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) المنذر، وعليٌّ الهادي، أما والله، ما ذهبت منّا، وما زالت فينا إلى الساعة) (4) .

706 - عنه (عليه السلام) - في قول الله عزّ وجلّ: ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) -: (رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) المنذر، ولكلّ زمان منّا هادٍ، يهديهم إلى ما جاء به نبي الله (صلَّى الله عليه وآله)، ثمّ

____________________

(1) تفسير العيّاشي: 2/203/5 عن مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام) وراجع شواهد التنزيل: 1/390/412؛ بشارة المصطفى: 237.

(2) نهج الحقّ: 225/24 وفيه (وروى عن الجمهور)؛ فرائد السمطين: 1/178/141 عن أبي أيّوب الأنصاري وفيه (لا يردّك عن) بدل (لا يزال على) .

(3) تاريخ بغداد: 13/187/7165 عن أبى أيّوب الأنصاري، وراجع فضائل الخمسة: 2/398.

(4) الكافي: 1/192/4، الغيبة للنعماني: 111/40 كلاهما عن عبد الرحيم القصير، بصائر الدرجات: 30/7 عن عبد الرحمن بن القصير.


الهداة من بعده عليّ، ثمّ الأوصياء واحد بعد واحد) (1) .

707 - كمال الدين عن بريد بن معاوية العجلي: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما معنى ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) ؟ فقال: (المنذر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وعليٌّ الهادي، وفي كلّ وقت وزمان إمام منّا يهديهم إلى ما جاء به رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)) (2) .

708 - الإمام الباقر (عليه السلام) - في قول الله تبارك وتعالى: ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) -: (قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): أنا المنذر، وعليٌّ الهاد، وكلّ إمام هادٍ للقَرن الذي هو فيه) (3) .

709 - الكافي، عن أبى بصير: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) ؟ فقال: (رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) المنذر، وعليٌّ الهادي. يا أبا محمّد، هل من هادٍ اليوم؟ قلت: بلى جُعلت فداك، ما زال منكم هادٍ بعد هادٍ حتى دُفعت إليك، فقال: رحمك الله يا أبا محمّد، لو كانت إذا نزلت آية على رجل ثمّ مات ذلك الرجل، ماتت الآية، مات الكتاب! ولكنّه حيٌّ يجري فيمَن بقي، كما جرى فيمَن مضى) (4) .

710 - الإمام الصادق (عليه السلام) - في قوله تعالى: ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) -: (المنذر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وآلهادي أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبعده الأئمّة (عليهم السلام)) (5) .

____________________

(1) الكافي: 1/191/2، بصائر الدرجات: 29/1 كلاهما عن بريد العجلي، تفسير العيّاشي: 2/204/8 عن بريد بن معاوية، دعائم الإسلام: 1/22 نحوه.

(2) كمال الدين: 667/10.

(3) تفسير العيّاشي: 2/204/7 عن حنّان بن سدير.

(4) الكافي: 1/192/3، بصائر الدرجات: 31/9 وراجع تفسير العيّاشي: 2/203/6.

(5) تفسير القمّي: 1/359، تأويل الآيات الظاهرة: 1/229/3 كلاهما عن أبي بصير.


711 - الكافي، عن الفضيل: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: ( ... وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) فقال: (كلّ إمام هادٍ للقَرن الذي هو فيهم) (1) .

712 - كمال الدين عن محمّد بن مسلم: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: ( ... إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) ، فقال: (كلّ إمام هاد لكلّ قوم في زمانهم) (2) .

راجع: أحاديث الإمامة/إمام أولياء الله.

القسم التاسع/عليّ عن لسان القرآن/الهادي.

عليّ عن لسان النبيّ/المكانة السياسيّة الاجتماعية/ راية الهدى.

____________________

(1) الكافي: 1/191/1، بصائر الدرجات: 30/6.

(2) كمال الدين: 667/9، بحار الأنوار: 23/5/8؛ ينابيع المودّة: 1/297/9.


 

  الفصل التاسع

  أحاديث العصمة

9/1

عليّ مع القرآن

713 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ مع القرآن والقرآن معه، لا يفترقان حتى يرِدا عليّ الحوض) (1).

714 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لن يفترقا حتى يرِدا عليّ الحوض) (2) .

715 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (القرآن مع عليّ، وعليّ مع القرآن) (3) .

____________________

(1) المعجم الأوسط: 5/135/4880، المعجم الصغير: 1/255، الصواعق المحرقة: 124؛ الطرائف: 103/152، كشف الغمّة: 1/148 كلّها عن أُمّ سلمة.

(2) المناقب للخوارزمي: 177/214؛ كشف الغمّة: 1/148 كلاهما عن أُمّ سلمة.

(3) الفردوس: 3/230/4678، ينابيع المودّة: 2/245/687 كلاهما عن أُمّ سلمة؛ بحار الأنوار: 40/77.


716 - المستدرك على الصحيحين، عن أبى ثابت مولى أبي ذرّ: كنت مع عليّ (رضي الله عنه) يوم الجمل، فلمّا رأيت عائشة واقفة دخلني بعض ما يدخل الناس، فكشف الله عنّي ذلك عند صلاة الظهر، فقاتلت مع أمير المؤمنين، فلمّا فرغ ذهبت إلى المدينة فأتيت أُمّ سلمة، فقلت: إنّي - والله - ما جئت أسأل طعاماً ولا شراباً ولكنّي مولى لأبي ذرّ. فقالت: مرحباً.

فقصصت عليها قصّتي، فقالت: أين كنت حين طارت القلوب مطائرها؟ قلت: إلى حيث كشف الله ذلك عنّي عند زوال الشمس. قالت (1) : أحسنت، سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لن يتفرّقا حتى يرِدا عليّ الحوض) (2) .

717 - الصواعق المحرقة: إنّه (صلَّى الله عليه وآله) قال في مرض موته: (أيّها الناس، يوشك أن أُقبض قبضاً سريعاً فيُنطلق بي، وقد قدّمت إليكم القول معذرة إليكم، ألا إنّي مُخلّف فيكم كتاب ربّي عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي).

ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها فقال: (هذا عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتى يرِدا عليّ الحوض، فأسألهما ما خلّفت فيهما) (3) .

718 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ عليّاً مع القرآن والحقّ، حيثما دارَ دار) (4) .

____________________

(1) في المصدر: (قال)، وهو تصحيف.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3/134/4628؛ الجمل: 417، الأمالي للطوسي: 460/1028 وص 506/1108 كلّها نحوه.

(3) الصواعق المحرقة: 126؛ الأمالي للطوسي: 478/1045 عن أُمّ سلمة وزاد فيه (خليفتان بصيران) بعد (مع عليّ).

(4) كتاب سليم بن قيس: 2/881/52 عن سلمان وأبي ذرّ والمقداد.


719 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ مع الحقّ والقرآن، والحقّ والقرآن مع عليّ، ولن يتفرّقا حتى يرِدا عليّ الحوض) (1) .

720 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (لا يزال الدِّين مع عليّ وعليّ معه، حتى يرِدا عليَّ الحوض) (2) .

721 - الإمام عليّ (عليه السلام): (إنّ الله تبارك وتعالى طهّرنا وعصمنا، وجعلنا شهداء على خلقه، وحجّته في أرضه، وجعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا، لا نُفارقه ولا يُفارقنا) (3) .

722 - عنه (عليه السلام) - للخوارج لمّا خرج إلى معسكرهم -: (إنّ الكتابَ لمَعي، ما فارقتُه مُذْ صحبته) (4) .

9/2

عليّ مع الحقّ

723 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ) (5) .

724 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، يدور معه حيثما دار) (6) .

____________________

(1) ربيع الأبرار: 1/828، فرائد السمطين: 1/177/140 كلاهما عن أُمّ سلمة.

(2) المناقب للكوفي: 2/616/1114 عن أُمّ سلمة.

(3) الكافي: 1/191/5، كمال الدين: 240/63 وفيه (وحججاً) بدل (وحجّته) ، بصائر الدرجات: 83/6 كلّها عن سليم بن قيس الهلالي.

(4) نهج البلاغة: الخطبة 122.

(5) الإمامة والسياسة: 1/98 عن محمّد بن أبي بكر، شرح نهج البلاغة: 18/24 وفيه (أنت مع الحقّ والحقّ معك)؛ الفصول المختارة: 221 وفيه (هو مع الحقّ والحقّ معه)، المحاسن: 1/81/47 عن السرّي بن خالد عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلَّى الله عليه وآله) وفيه (أنت مع الحقّ والحقّ معك)، كفاية الأثر: 20 عن ابن عبّاس وص 117 عن أبي أيّوب، شرح الأخبار: 2/60/421 عن عائشة.

(6) الفصول المختارة: 135 وص 97 وص 211 وص 224 وص 339، إعلام الورى: 1/316، الفضائل لابن شاذان: 123 عن سلمان وأبي ذرّ والمقداد وفيه (كيفما) بدل (حيثما) ، الاحتجاج: 1/364/61 عن سلمان وفيه (إنّ عليّاً يدور مع الحقّ حيث دار).


725 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (رحم الله عليّاً، اللهمّ، أدِر الحقّ معه حيث دار) (1) .

726 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، اللهمّ، أدر الحقّ مع عليّ حيثما دار) (2) .

727 - مسند أبى يعلى، عن أبي سعيد: كنّا عند بيت النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) في نفر من المهاجرين والأنصار، فخرج علينا فقال: (ألا أُخبركم بخياركم؟! قالوا: بلى. قال: خياركم المُوفَّون المطيَّبون، إنّ الله يُحبّ الخفيّ التقيّ). قال: ومرّ عليّ بن أبي طالب فقال: (الحقّ مع ذا، الحقّ مع ذا) (3) .

728 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا بن عبّاس، سوف يأخذ الناس يميناً وشمالاً، فإذا كان كذلك فاتّبعْ عليّاً وحزبه؛ فإنّه مع الحقّ والحقّ معه، ولا يفترقان حتى يرِدا عليّ

____________________

(1) سنن الترمذي: 5/633/3714، المستدرك على الصحيحين: 3/135/4629، المعجم الأوسط:6/95/5906، تاريخ دمشق: 42/448/9022 وح 9023، المحاسن والمساوئ: 41، البداية والنهاية: 7/361، المناقب للخوارزمي: 104/107، فرائد السمطين: 1/176/138 كلّها عن أبي حيّان التيمي عن أبيه عن الإمام عليّ (عليه السلام)، شرح نهج البلاغة: 10/270، كنز العمّال: 11/643/33124؛ الطرائف: 102/149، كشف الغمّة: 1/147 عن أبى حيّان التيمي عن أبيه عن الإمام عليّ (عليه السلام). قال الفخر الرازي: مَن اقتدى في دينه بعليّ بن أبى طالب فقد اهتدى. والدليل عليه قوله (عليه السلام): (اللهمّ، أدر الحقّ مع عليّ حيث دار) (تفسير الفخر الرازي: 1/210).

(2) الجمل: 81.

(3) مسند أبي يعلى: 2/17/1047، تاريخ دمشق: 42/449/9024، المطالب العالية: 4/65/3974، المناقب لابن المغازلي: 244/291، كنز العمّال: 11/621/33018؛ المناقب لابن شهر آشوب: 3/61، كشف الغمّة: 1/143 عن عبد الرحمن بن أبي سعيد وكلاهما نحوه.


الحوض) (1) .

729 - تاريخ بغداد، عن أبي ثابت مولى أبي ذرّ: دخلتُ على أمّ سلمة فرأيتها تبكي وتذكر عليّاً، وقالت: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، ولن يفترقا حتى يرِدا عليّ الحوض يوم القيامة) (2) .

730 - تاريخ دمشق، عن عبيد الله بن عبد الله المديني: حجّ معاوية بن أبى سفيان فمرّ بالمدينة، فجلس في مجلس فيه سعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبّاس... وأقبل على سعد، فقال: يا أبا إسحاق، أنت الذي لم تعرف (3) حقّنا وجلس، فلم يكن معنا ولا علينا؟!

قال: فقال سعد: إنّي رأيت الدنيا قد أظلمت، فقلت لبعيري: إخ، فأنَختها حتى انكشفت.

قال: فقال معاوية: لقد قرأت ما بين اللوحين، ما قرأت في كتاب الله عزّ وجلّ: إخ!

قال: فقال سعد: أمّا إذا أبيت، فإنّي سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول لعليّ: (أنت مع الحقّ والحقّ معك حيثما دار).

قال: فقال معاوية: لتأتينّي على هذا ببيّنة!

____________________

(1) كفاية الأثر: 18 عن عبد الله بن عبّاس، الاستغاثة: 2/63 عن سعد بن أبي وقّاص نحوه، بحار الأنوار: 36/286/107.

(2) تاريخ بغداد: 14/321/7643، تاريخ دمشق: 42/449/9025؛ المناقب لابن شهر آشوب: 3/62 عن ثابت مولى أبي ذرّ، الخصال: 496/5، الأمالي للصدوق: 150/146، بشارة المصطفى: 20 والثلاثة الأخيرة عن جابر، كشف الغمّة: 1/143 عن أُمّ سلمة وفيه (لن يزولا) بدل (لن يفترقا) ، الجمل: 433 عن عائشة وفى الخمسة الأخيرة من (سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)...).

(3) كذا في المصدر، والصحيح - كما يقتضيه السياق -: (يعرف).


قال: فقال سعد: هذه أُمّ سلمة تشهد على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).

فقاموا جميعاً، فدخلوا على أُمّ سلمة، فقالوا: يا أُمّ المؤمنين، إنّ الأكاذيب قد كثرت على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وهذا سعد يذكر عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) ما لم نسمعه: أنّه قال - يعني لعليّ -: (أنت مع الحقّ والحقّ معك حيثما دار).

فقالت أُمّ سلمة: في بيتي هذا قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لعليّ.

قال: فقال معاوية لسعد: يا أبا إسحاق، ما كنت ألوم الآن إذ سمعت هذا من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وجلست عن عليّ، لو سمعت هذا من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لكنت خادماً لعليّ حتى أموت (1) .

731 - المناقب للخوارزمي، عن الأصبغ بن نباتة: لمّا أن أُصيب زيد بن صوحان يوم الجمل، أتاه عليّ وبه رمق، فوقف عليه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فهو لما به فقال: (رحمك الله يا زيد، فو الله، ما عرفناك إلاّ خفيف المؤنة، كثير المعونة).

قال: فرفع إليه رأسه فقال: وأنت يرحمك الله، فو الله، ما عرفتك إلاّ بالله عالماً، وبآياته عارفاً، والله، ما قاتلت معك من جهل، ولكنّي سمعت حذيفة بن اليمان يقول: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (عليّ أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصورٌ مَن نصره، مخذولٌ مَن خذله، ألا وإنّ الحقّ معه، ألا وإنّ الحقّ معه يتبعه، ألا فميلوا معه) (2) .

____________________

(1) تاريخ دمشق: 20/360؛ شرح الأخبار: 2/66/429، المناقب للكوفي: 1/421/330 عن المنهال بن عمرو، كشف الغمّة: 1/144 كلّها نحوه.

(2) المناقب للخوارزمي: 177/215؛ الطرائف: 103/151، كشف الغمّة: 1/147. راجع: أحاديث الإمارة/أمير البررة.


732 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله):(عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ حيث كان) (1) .

733 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (الحقّ مع عليّ أينما مال) (2) .

734 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (الحقّ مع عليّ، يزول معه حيث زال) (3) .

735 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (ألا إنّ الحقّ بعدي مع عليّ، يميل معه حيثما مال، ولا يفترقان جميعاً حتى يردا عليّ الحوض) (4) .

736 - إعلام الورى، عن ابن عبّاس: سألت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حين حضرته وفاته، فقلت: يا رسول الله، إذا كان ما نعوذ بالله منه فإلى مَن؟ فأشار إلى عليّ (عليه السلام) فقال: (إلى هذا؛ فإنّه مع الحقّ والحقّ معه، ثمّ يكون من بعده أحد عشر إماماً مفترضة طاعتهم كطاعته) (5) (6) .

737 - كشف الغمّة: إنّ عائشة لمّا عُقِر جملها ودخلت داراً بالبصرة، فقال لها أخوها محمّد: أنشدكِ بالله، أتذكرين يوم حدَّثتني عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أنّه قال: (الحقّ لن

____________________

(1) تطهير الجنان واللسان: 51 عن سعد، فرائد السمطين: 1/177/139 عن عبد الله بن عبّاس، وفيه (الحقّ مع عليّ بن أبي طالب حيث دار)؛ الاحتجاج: 1/187/37 عن أبان بن تغلب عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن عدّة من الصحابة وفيه (يميل مع الحقّ كيفما مال) بدل (حيث كان) .

(2) الكافي: 1/294/3 عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن الإمام الصادق (عليه السلام).

(3) كشف اليقين: 269/307، كشف الغمّة: 1/143 كلاهما عن عائشة، المناقب للكوفي: 1/369/293 عن عبد الله بن عبّاس.

(4) الأمالي للطوسي: 476/1038 عن عائشة وص 479/1046 عن أُمّ سلمة وفيه (الحقّ بعدي مع عليّ يدور معه حيث دار).

(5) في طبعة بيروت بتحقيق عليّ أكبر الغفّاري: (كطاعتي).

(6) إعلام الورى: 2/164، كشف الغمّة: 3/295، الصراط المستقيم: 2/121.


يزال مع عليّ وعليّ مع الحقّ، لن يختلفا ولن يفترقا)؟ فقالت: نعم (1) .

738 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ مع الحقّ والحقّ معه وعلى لسانه، والحقّ يدور حيثما دار عليّ) (2) .

739 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ... إنّ الحقّ على لسانك، وفي قلبك، ومعك، وبين يديك، ونُصب عينيك) (3) .

740 - تاريخ دمشق، عن أُمّ سلمة: والله، إنّ عليّاً على الحقّ قبل اليوم، وبعد اليوم، عهداً معهوداً، وقضاءً مقضيّاً (4) .

741 - المستدرك على الصحيحين، عن أُمّ سلمة - لمّا سار عليّ (عليه السلام) إلى البصرة ودخل عليها يودّعها -: سرْ في حفظ الله وفى كنفه، فو الله، إنّك لعلى الحقّ والحقّ معك (5) .

راجع: كتاب (بحار الأنوار): 38/26 - 40.

____________________

(1) كشف الغمّة: 1/147، الغدير: 3/178 نقلا عن ابن مردويه والديلمي.

(2) المناقب لابن شهر آشوب: 3/62 عن أبي ذرّ، بشارة المصطفى: 153 عن ابن عبّاس وفيه إلى (لسانه).

(3) المناقب لابن المغازلي: 238/285 عن جابر بن عبد الله، المناقب للخوارزمي: 159/188 وص 129/143، كفاية الطالب: 265 كلاهما عن زيد بن عليّ عن أبيه عن جدّه عن الإمام عليّ (عليهم السلام)؛ الأمالي للصدوق: 157/150، كنز الفوائد: 2/179، بشارة المصطفى: 155، إعلام الورى: 1/366، شرح الأخبار: 2/382/740، روضة الواعظين: 127، المسترشد: 634/298 نحوه، المناقب للكوفي: 1/251/167 والثمانية الأخيرة عن جابر بن عبد الله، كشف الغمّة: 1/146 عن الإمام عليّ (عليه السلام) وص 298 وفيها (بين عينيك) بدل (نُصب عينيك).

(4) تاريخ دمشق: 42/449؛ كشف الغمّة: 1/146 وليس فيه (بعد اليوم) وراجع المعجم الكبير: 23/330/758 وص 396/946.

(5) المستدرك على الصحيحين: 3/129/4611.


9/3

عليّ فاروق الأُمّة

742 - المعجم الكبير، عن أبي ذرّ وسلمان: أخذ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بيد عليّ (رضي الله عنه) فقال: (إنّ هذا أوّل مَن آمن بي، وهو أوّل مَن يصافحني يوم القيامة، وهذا الصدّيق الأكبر، وهذا فاروق هذه الأُمّة بين الحقّ والباطل، وهذا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظالم) (1) .

743 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (ستكون من بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب؛ فإنّه أوّل مَن يراني، وأوّل مَن يُصافحني يوم القيامة، وهو معي في السماء الأعلى، وهو الفاروق بين الحقّ والباطل) (2) .

744 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (ستكون بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب؛ فإنّه أوّل مَن يراني، وأوّل مَن يُصافحني يوم القيامة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو فاروق هذه الأُمّة؛ يَفرُق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين) (3) .

745 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - في عليّ (عليه السلام) -: (هذا أوّل مَن آمن بي، وأوّل مَن صدَّقني، وهو الصدّيق الأكبر، وهو الفاروق الأكبر الذي يَفرُق بين الحقّ والباطل) (4) .

____________________

(1) المعجم الكبير: 6/269/6184، تاريخ دمشق: 42/41/8368؛ الإرشاد: 1/31 عن أبي ذرّ، الأمالي للطوسي: 210/361، المناقب للكوفي: 1/267/179 وص 280/194. راجع: أحاديث الخلافة/خليفة النبيّ بعده.

(2) تاريخ دمشق: 42/450/9026 عن أبي ليلى الغفاري، المناقب للخوارزمي: 105/108 عن أبي ليلى وليس فيه من (فإنّه) إلى (الأعلى).

(3) أُسد الغابة: 6/265/6214، الاستيعاب: 4/307/3188، الإصابة: 7/294/10484؛ بشارة المصطفى: 152، المناقب لابن شهر آشوب: 3/91 نحوه وكلّها عن أبي ليلى الغفاري.

(4) اليقين: 508/211 عن ابن مسعود.


746 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (لكلّ اُمّة صدّيق وفاروق، وصدّيق هذه الأُمّة وفاروقها عليّ بن أبي طالب) (1) .

747 - الأمالي للصدوق، عن أبي سخيلة: أتيت أبا ذرّ فقلت: يا أبا ذرّ، إنّي قد رأيت اختلافاً، فبماذا تأمرني؟ قال: عليك بهاتين الخصلتين: كتاب الله، والشيخ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؛ فإنّي سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (هذا أوّل مَن آمن بي، وأوّل مَن يُصافحني يوم القيامة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو الفاروق الذي يَفرُق بين الحقّ والباطل) (2) .

748 - شرح نهج البلاغة، عن أبي رافع: أتيت أبا ذرّ بالرَّبَذَة (3) أُودّعه، فلمّا أردت الانصراف قال لي ولأُناس معي: ستكون فتنة فاتّقوا الله، وعليكم بالشيخ عليّ بن أبي طالب فاتّبعوه؛ فإنّي سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول له: (أنت أوّل مَن آمن بي، وأوّل مَن يُصافحني يوم القيامة، وأنت الصدّيق الأكبر، وأنت الفاروق الذي يَفرُق بين الحقّ والباطل، وأنت يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الكافرين، وأنت أخي ووزيري وخير مَن أترك بعدي، تقضي دَيني، وتُنجز موعدي) (4) .

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2/13/30، قصص الأنبياء: 174/201 كلاهما عن الحسين بن خالد عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام).

(2) الأمالي للصدوق: 274/304، روضة الواعظين: 130، الأمالي للطوسي: 250/444 نحوه وراجع تاريخ دمشق: 42/41 - 43.

(3) الرَّبَذَة: من قرى المدينة على ثلاثة أيّام، قريبة من ذات عِرق (معجم البلدان: 3/24).

(4) شرح نهج البلاغة: 13/228، تاريخ دمشق: 42/42/8370؛ الأمالي للشجري: 1/144، المناقب للكوفي: 1/284/200، بشارة المصطفى: 103 وفى الأربعة الأخيرة من (أنت أوّل) إلى (الكافرين) وص 84، رجال الكشّي: 1/113/51، تفسير العيّاشي: 1/4/4، الأمالي للطوسي: 148/242 والأربعة الأخيرة عن أبي سخيلة نحوه إلى (الكافرين) ، شرح الأخبار: 2/278/587 نحوه وراجع ص 257/559 وذخائر العقبى: 108.


749 - كمال الدين، عن عبد الرحمن بن سمرة: قلت: يا رسول الله، أرشدْني إلى النجاة. فقال: (يا بن سمرة، إذا اختلفت الأهواء، وتفرّقت الآراء، فعليك بعليِّ بن أبي طالب؛ فإنّه إمام أُمّتي، وخليفتي عليهم من بعدي، وهو الفاروق الذي يميَّز به بين الحقّ والباطل، مَن سأله أجابه، ومَن استرشده أرشده، ومَن طلب الحقّ عنده وجده، ومَن التمس الهدى لديه صادفه) (1) .

750 - الإمام عليّ (عليه السلام): (أنا الفاروق الأكبر، وأنا الإمام لمَن بعدي، والمؤدّي عمَّن كان قبلي) (2) .

751 - عنه (عليه السلام): (أنا فاروق الأُمّة، وأنا الهادي) (3) .

9/4

عليّ مُبيِّن ما اختلفت فيه الأُمّة

752 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أنت تُبيّن لأُمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي) (4) .

753 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت مُبيّنٌ لأُمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي) (5) .

____________________

(1) كمال الدين: 257/1، الأمالي للصدوق: 78/45، روضة الواعظين: 113.

(2) الكافي: 1/198/3، مختصر بصائر الدرجات: 41، بصائر الدرجات: 199/9 كلّها عن أبي الصامت الحلواني عن الإمام الباقر (عليه السلام)، بحار الأنوار: 26/153/42 نقلاً عن كتاب (القائم) للفضل بن شاذان عن الحسن بن عبد الله عن الإمام الصادق عنه (عليه السلام).

(3) مختصر بصائر الدرجات: 34 عن أبي حمزة الثمالي، بحار الأنوار: 53/49/20 نقلاً عن منتخب البصائر عن عاصم بن حميد، كلاهما عن الإمام الباقر (عليه السلام).

(4) المستدرك على الصحيحين: 3/132/4620، تاريخ دمشق: 42/387/8996 - 8998؛ المناقب للكوفي: 1/441/342 وج 2/568/1079، كلّها عن أنس بن مالك.

(5) الفردوس: 5/332/8347 عن أنس.


754 - عنه (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أنت تُغسِّلني، وتُواريني في لَحدي، وتُبيّن لهم بعدي) (1) .

755 - تاريخ دمشق، عن أنس: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا أنس، اسكب لي وضوءاً). ثمّ قام فصلّى ركعتين، ثمّ قال: (يا أنس، أوّل مَن يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وقائد الغرّ المحجّلين، وخاتم الوصيّين).

قال أنس: قلت: اللهمّ، اجعله رجلاً من الأنصار. وكتمته، إذ جاء عليّ، فقال: (مَن هذا يا أنس؟). فقلت: عليّ. فقام مُستبشراً، فاعتنقه، ثمّ جعل يمسح عن وجهه بوجهه، ويمسح عرق عليّ بوجهه، فقال: (يا رسول الله، لقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعت بي قبل!).

قال: (وما يمنعني؛ وأنت تؤدّي عنّي، وتُسمعهم صوتي، وتُبيّن لهم ما اختلفوا فيه بعدي؟!) (2)

756 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا عليّ، أنت الذي تُبيّن لأُمّتي ما يختلفون فيه بعدي، وتقوم فيهم مقامي، قولك قولي، وأمرك أمري، وطاعتك طاعتي؛ وطاعتي طاعة الله، ومعصيتك معصيتي؛ ومعصيتي معصية الله عزّ وجلّ) (3) .

757 - الإمام الحسن (عليه السلام): (أرسل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى الأنصار فأتوه، فقال لهم: يا

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/387/8995 عن أنس بن مالك.

(2) تاريخ دمشق: 42/386/8994، حلية الأولياء: 1/63 وفيه (بكرامتي) بدل (لكرامتي) ، الفردوس: 5/364/8449، كفاية الطالب: 211، المناقب للخوارزمي: 85/75، فرائد السمطين: 1/145/109؛ تفسير العيّاشي: 2/262/39 نحوه، اليقين: 167/26، المناقب لابن شهر آشوب: 3/48، كشف الغمّة: 1/114، المناقب للكوفي: 1/391/313 وص 312/232 وص 430/335 كلاهما نحوه، المسترشد: 601/272.

(3) مَن لا يحضره الفقيه: 4/179/5405 عن ابن عبّاس.


معشر الأنصار، ألا أُدلّكم على ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعده؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هذا عليّ فأحبّوه بحبّي، وكرّموه لكرامتي؛ فإنّ جبريل أمرني بالذي قلتُ لكم عن الله عزّ وجلّ) (1) .

758 - الإرشاد، عن أنس: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - لعليّ (عليه السلام) -: (أنت منّي وأنا منك، تؤدّي عنّي، وتَفي بذمّتي، وتُغسّلني، وتُواريني في لَحدي، وتُسمع الناس عنّي، وتُبيّن لهم من بعدي).

فقال عليّ (عليه السلام): (يا رسول الله، أوَ ما بلّغتَ؟).

قال: (بلى، ولكن تُبيّن لهم ما يختلفون فيه من بعدي) (2) .

759 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (عليّ باب علمي، ومُبيّنٌ لأُمّتي ما أُرسلت به من بعدي، حبُّه إيمان، وبُغضه نفاق، والنظر إليه رأفة، ومودّته عبادة) (3) .

760 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (إذا اختلفتم في شيء فكونوا مع عليّ بن أبي طالب) (4) .

9/5

النوادر

761 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا أيّها الناس، عليكم أنفسكم، لا يضرّكم مَن ضلّ إذا اهتديم، وعليٌّ نفسي وأخي، أطيعوا عليّاً؛ فإنّه مطهَّر معصوم، لا يضلّ

____________________

(1) المعجم الكبير: 3/88/2749 عن أبي ليلى، حلية الأولياء: 1/63 عن ابن أبي ليلى؛ الأمالي للصدوق: 564/763، الأمالي للطوسي: 223/386، بشارة المصطفى: 109، والثلاثة الأخيرة عن سلمان الفارسي نحوه.

(2) الإرشاد: 1/46، اليقين: 186/39 وص 390/140 نحوه.

(3) الفردوس: 3/65/4181، ينابيع المودّة: 2/301/860، كنز العمّال: 11/614/32981؛ كنز الفوائد: 2/67 نحوه وكلّها عن أبي ذرّ.

(4) المناقب لابن شهر آشوب: 2/30، بحار الأنوار: 40/147.


ولا يشقى) (1) .

762 - الإمام عليّ (عليه السلام): (إنّما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر. وإنّما أمر الله عزّ وجلّ بطاعة الرسول؛ لأنّه معصوم مطهَّر، لا يأمر بمعصيته. وإنّما أمر بطاعة أُولي الأمر؛ لأنّهم معصومون مطهَّرون، لا يأمرون بمعصيته) (2) .

763 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (أنا وعليّ والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون) (3) .

764 - عنه (صلَّى الله عليه وآله): (الأئمّة بعدي اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب... أُمناء معصومون) (4) .

تعليق:

إنّ ما ذكرناه في هذا البحث تحت عنوان (أحاديث العصمة) يمثّل قسماً من الأدلّة على عصمة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). ووردت في ثنايا كتابنا أدلّة أُخرى ضمن عناوين متنوّعة، كأحاديث الهداية وغيرها.

كما استعرضنا في كتاب (أهل البيت في الكتاب والسنّة) أدلّة أهمّ منها، من جملتها: آية التطهير، التي تدلّ بوضوح على طهارة ونزاهة أهل البيت (عليهم السلام)

____________________

(1) معاني الأخبار: 352/1، علل الشرائع: 175/1 كلاهما عن محمّد بن حرب الهلالي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، بحار الأنوار: 38/82/2 وراجع تأويل الآيات الظاهرة: 1/289/27.

(2) الخصال: 139/158، علل الشرائع: 123/1 كلاهما عن سليم بن قيس، كتاب سليم بن قيس: 884/54.

(3) كمال الدين: 280/28، عيون أخبار الرضا: 1/64/30، الصراط المستقيم: 2/121 كلّها عن ابن عبّاس وراجع كفاية الأثر: 171.

(4) كفاية الأثر: 17 و18 عن ابن عبّاس، وراجع ص 171.


ـ ومنهم الإمام عليّ (عليه السلام) - من كلّ رجس.

كما تحدّثنا عن حديث الثقلين الوارد عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) في غير موطن بألفاظ متنوّعة ومضمون واحد، ومنها أنّه قال:

(إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي. ولن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما) (1) .

فحديث الثقلين آية على عصمة أهل البيت (عليهم السلام) علميّاً وعمليّاً؛ إذ إنّه يجعل التمسّك بهم عصمة من الضلال، ولن يتحقّق هذا إلاّ بأن يكونوا مهديّين مَصُونين من الخطأ والضلال، ومُحال أن يهدي إلى الهدى مَن هو غير مصون من الخطأ في العلم والعمل.

وبعبارة أُخرى: إنّ مَن يجعله الله هادياً للأُمّة ومطهّراً من الرجس، ويتعاهده رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في ظلّ تربيته وتعليمه منذ البداية، وينقل إليه علومه، ويجعله وارثاً للعلوم الإلهيّة، ويُثني عليه بعناوين مختلفة منها: (إنْ أخذتم به لن تضلّوا)، و(عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ)، و(عليّ مع الحقّ والحقّ معه)، و(هذا الصدّيق الأكبر، وهذا فاروق الأُمّة، يفرُق بين الحقّ والباطل)، و(أنت تُبيّن لأُمّتي ما اختلفوا فيه بعدي)... لا يمكن قطعاً أن يكون مجتهداً ربّما يُصيب وربّما يُخطئ! بل إنَّ له روحاً مطهّرة وقلباً مستنيراً بالهداية الربّانيّة، ولن يخطو في طريق الضلال أبداً. إنّه شريك القرآن، وحليف الحقّ، وسيرته (فاروق)، وتفسيره للدين حجّة قاطعة.

____________________

(1) سنن الترمذي: 5/662/3788.



 

  الفصل العاشر

  حديث الغدير

10/1

واقعة الغدير

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (1) .

765 - الغدير: أجمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) الخروج إلى الحجّ في سنة عشر من مهاجره، وأذّن في الناس بذلك، فقدِم المدينة خلق كثير؛ يأتمّون به في حَجّته تلك التي يقال عليها: حجّة الوداع، وحجّة الإسلام، وحجّة البلاغ، وحجّة الكمال، وحجّة التمام، ولم يحجّ غيرها منذ هاجر إلى أن توفّاه الله.

فخرج (صلَّى الله عليه وآله) من المدينة مغتسلاً متدهّناً مترجّلاً (2) متجرّداً في ثوبين

____________________

(1) المائدة: 67.

(2) الترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه (لسان العرب: 11/270).


صُحاريّين (1) (إزار ورداء)، وذلك يوم السبت لخمس ليالٍ أو ستٍّ بقين من ذي القعدة، وأخرج معه نساءه كلّهنّ في الهوادج، وسار معه أهل بيته، وعامّة المهاجرين والأنصار، ومَن شاء الله من قبائل العرب وأفناء الناس.

وعند خروجه (صلَّى الله عليه وآله) أصاب الناس بالمدينة جُدَري - بضم الجيم وفتح الدال، وبفتحهما - أو حصبة (2) منعت كثيراً من الناس من الحجّ معه (صلَّى الله عليه وآله)، ومع ذلك كان معه جموع لا يعلمها إلاّ الله تعالى، وقد يقال: خرج معه تسعون ألفاً. ويقال: مائة ألف وأربعةَ عشرَ ألفاً. وقيل: مائة ألف وعشرون ألفاً. وقيل: مائة ألف وأربعةٌ وعشرون ألفاً. ويقال: أكثر من ذلك. وهذه عدّة مَن خرج معه.

وأمّا الذين حجّوا معه فأكثر من ذلك، كالمقيمين بمكّة، والذين أتوا من اليمن مع عليّ أمير المؤمنين وأبي موسى.

أصبح (صلَّى الله عليه وآله) يوم الأحد بمَلَل (3) ، ثمّ راح فتعشّى بشَرَف السيَالة (4) ، وصلّى هناك المغرب والعشاء، ثمّ صلّى الصبح بعِرْق الظُّبْية، ثمّ نزل الرَّوْحاء (5) ، ثمّ سار من

____________________

(1) صُحار: قرية باليمن نسب الثوب إليها. وقيل: هو من الصُّحرة، وهي حمرة خفيّة كالغُبرة، يقال: ثوب أصحر وصُحارى (النهاية: 3/12).

(2) الجُدَري والحصْبة: هما بَثر يظهر في الجلد (النهاية: 1/394).

(3) في المصدر: (بيَلمْلَم) وهو خطأ، ونُقل عن عائشة: أصبح رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم الأحد بمَلل على ليلة من المدينة، ثمّ راح فتغشّى بشَرَف السيّالة وصلّى الصبح بعرق الظبية (معجم البلدان: 3/336، تاج العروس: 11/632).

(4) شَرَف السَيّالة: موضع بين ملل والروحاء (معجم البلدان: 3/336).

(5) الروحاء: موضع بين مكّة والمدينة على ثلاثين أو أربعين ميلاً عن المدينة. وسمّيت الروحاء لانفتاحها ورواحها (راجع معجم البلدان: 3/76).


الرَّوْحاء فصلّى العصر بالمُنْصَرَف (1) ، وصلّى المغرب والعشاء بالمتعشّى، وتعشى به، وصلّى الصبح بالأثاية، وأصبح يوم الثلاثاء بالعَرْج (2) ، واحتجم بلَحْي جمل، وهو عقبة الجحفة، ونزل السُّقيا (3) يوم الأربعاء، وأصبح بالأبواء (4) ، وصلّى هناك، ثمّ راح من الأبواء ونزل يوم الجمعة الجُحفة (5) ، ومنها إلى قُدَيد (6) ، وسَبَتَ فيه، وكان يوم الأحد بعُسفان (7) ، ثمّ سار، فلمّا كان بالغَميم (8) اعترض المشاة فصفّوا صفوفاً فشكوا إليه المشي، فقال: استعينوا بالنسلان (مشي سريع دون العَدْو) ففعلوا، فوجدوا لذلك راحة.

وكان يوم الاثنين بمرّ الظهران (9) ، فلم يبرح حتى أمسى، وغربت له الشمس بسَرف (10) ، فلم يُصلِّ المغرب حتى دخل مكّة. ولمّا انتهى إلى الثنيّتين بات بينهما،

____________________

(1) المُنْصَرَف: موضع بين مكّة وبدر بينهما أربعة برد (معجم البلدان: 5/211).

(2) العَرْج: عقبة بين مكّة والمدينة على جادّة الطريق (تقويم البلدان: 79).

(3) في المصدر: (السقياء) والتصحيح من معجم البلدان. وهي قرية جامعة من عمل الفُرع بينهما ممّا يلي الجحفة تسعة عشر ميلاً (معجم البلدان: 3/228).

(4) الأَبْواء: قرية قرب المدينة في الشمال، عن الجحفة على ثمان فراسخ، وقيل: إنّ بها توفِّي عبد الله والد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) (راجع تقويم البلدان: 81).

(5) الجُحْفة: وهي ميقات المصريّين والشاميّين بالقرب من رابغ (تقويم البلدان: 80).

(6) راجع: أحاديث الوصاية/وصايته من الله.

(7) عُسْفان: هي منزلة للحجّاج علي مرحلة من خليص في الجنوب (تقويم البلدان: 82)

(8) وهو كُرَاع الغميم: وادٍ أمام عُسفان بثمانية أميال (معجم البلدان: 4/443).

(9) الظَّهْران: وادٍ قرب مكّة، وعنده قرية يقال لها: مرّ، تُضاف إلى هذا الوادي فيقال: مرّ الظهران (معجم البلدان: 4/63).

(10) سَرِف: موضع على ستّة أميال من مكّة، تزوّج به الرسول (صلَّى الله عليه وآله) ميمونة بنت الحارث، وهناك توفّيت (معجم البلدان: 3/212).


فدخل مكّة نهار الثلاثاء.

فلمّا قضى مناسكه، وانصرف راجعاً إلى المدينة - ومعه مَن كان من الجموع المذكورات - ووصل إلى غدير خمّ (1) من الجُحفة التي تتشعّب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين، وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجّة -، نزل إليه جبرئيل الأمين عن الله بقوله: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ... ) الآية، وأمره أن يُقيم عليّاً عَلماً للناس، ويبلّغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على كلّ أحد.

وكان أوائل القوم قريباً من الجُحفة، فأمر رسول الله أن يردَّ مَن تقدَّم منهم، ويحبس مَن تأخّر عنهم في ذلك المكان، ونهى عن سَمُرات (2) خمس متقاربات دوحات عِظام أن لا ينزل تحتهنّ أحد، حتى إذا أخذ القوم منازلهم فقُمَّ (3) ما تحتهنّ، حتى إذا نودي بالصلاة - صلاة الظهر - عمد إليهنّ، فصلّى بالناس تحتهنّ، - وكان يوماً هاجراً (4) يضع الرجل بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء - وظُلِّل لرسول الله بثوب على شجرة سَمُرة من الشمس، فلمّا انصرف (صلَّى الله عليه وآله) من صلاته قام خطيباً وسط القوم، على أقتاب الإبل، وأسمع الجميع، رافعاً عقيرته،

____________________

(1) غَدير خُمّ: خُمّ وادٍ بين مكّة والمدينة عند الجحفة به غدير، عنده خطب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) (معجم البلدان: 2/389).

(2) السَّمُرة: من شجر الطلح، والجمع سَمُرٌ وسَمُرات (لسان العرب: 4/379).

(3) قَمَّ الشيء قمّاً: كنَسَه (لسان العرب: 12/493).

(4) الهَجير وآلهجيرة وآلهجْر وآلهاجرة: نصف النهار عند زوال الشمس إلى العصر، وقيل في كلّ ذلك: إنّه شدّة الحرّ (لسان العرب: 5/254).


فقال: (الحمد لله، ونستعينه ونؤمن به، ونتوكّل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، الذي لا هادي لمَن ضلّ، ولا مُضلّ لمَن هدى، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله.

أمّا بعد: أيّها الناس، قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمّر نبيّ إلاّ مثل نصف عمر الذي قبله، وإنّي أُوشك أن اُدعى فأُجيب (1) ، وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟).

قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجهدت، فجزاك الله خيراً.

قال: (ألستُم تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ، وناره حقّ، وأنّ الموت حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث مَن في القبور؟!).

قالوا: بلى نشهد بذلك.

قال: (اللهمّ اشهد).

ثمّ قال: (أيّها الناس، ألا تسمعون؟).

قالوا: نعم.

قال: (فإنّي فَرَط (2) على الحوض، وأنتم واردون عليّ الحوض، وإنّ عرضه ما بين صنعاء (3) وبُصرى (4) ، فيه أقداح عدد النجوم من فضّة، فانظروا كيف تخلّفوني في الثَّقَلين؟!).

فنادى منادٍ: وما الثَّقَلان يا رسول الله؟

قال: (الثَّقَل الأكبر: كتاب الله، طرف بيد الله عزّ وجلّ، وطرف بأيديكم؛ فتمسّكوا به لا تضلّوا. والآخر الأصغر: عترتي. وإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض، فسألت ذلك لهما ربّي، فلا تَقدَّموهما؛ فتَهلكوا، ولا تُقصّروا عنهما؛ فتَهلكوا).

____________________

(1) في الطبعة المعتمدة (فأجبت) ، والصحيح ما أثبتناه كما في طبعة مركز الغدير.

(2) أنا فَرَطكم على الحوض: أي متقدِّمكم إليه (النهاية: 3/434).

(3) صنعاء: عاصمة اليمن، وتقع جنوب الحجاز، وشمال مدينة عدن. وكانت من أهمّ مُدن اليمن والحجاز آنذاك.

(4) بُصرى: مدينة تبعد عن دمشق تسعين كيلو متراً من الجنوب الشرقي. وكان لها أهمّية عظمى أيّام الروم. فتحت على يد خالد بن الوليد في السنة (13 هـ).


ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها - حتى رؤي بياض أباطهما وعرفه القوم أجمعون - فقال: (أيّها الناس، مَن أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟).

قالوا: الله ورسوله أعلم!

قال: (إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم؛ فمَن كنت مولاه فعليّ مولاه) - يقولها ثلاث مرّات، وفى لفظ أحمد إمام الحنابلة: أربع مرّات - ثمّ قال: (اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه، وأحبّ مَن أحبّه، وأبغض مَن أبغضه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله، وأدِر الحقّ معه حيث دار. ألا فليُبلِّغ الشاهد الغايب).

ثمّ لم يتفرّقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي... ) (1) الآية، فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الربّ برسالتي والولاية لعليّ من بعدي).

ثمّ طفِق القوم يهنّئون أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وممّن هنّأه في مقدّم الصحابة: الشيخان (أبو بكر وعمر)، كلٌّ يقول: بَخ بَخ لك - يا بن أبي طالب - أصبحتَ وأمسيتَ مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة..

وقال ابن عبّاس: وجبت - والله - في أعناق القوم.

فقال حسّان: ايذن لي - يا رسول الله - أن أقول في عليّ أبياتاً تسمعهنّ. فقال: (قل على بركة الله).

فقام حسّان، فقال: يا معشر مَشيخة قريش، أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية، ثمّ قال:

يُناديهمُ يومَ الغدير نبيُّهم

بِخُمٍّ فأسمِعْ بالرسولِ مُناديا

هذا مجمل القول في واقعة الغدير، وسيوافيك تفصيل ألفاظها، وقد أصفقت الأُمّة على هذا، وليست في العالم كلّه - وعلى مستوى البسيط - واقعة إسلاميّة

____________________

(1) المائدة: 3.


غديرية غيرها، ولو أُطلق يومه فلا ينصرف إلاّ إليه، وإن قيل محلّه، فهو هذا المحلّ المعروف على أمَم (1) من الجُحفة، ولم يعرف أحد من البحّاثة والمنقّبين سواه (2) .

766 - تاريخ دمشق، عن أبي سعيد الخدري: نزلت هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ... ) على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خُمّ في عليّ بن أبي طالب (3) .

767 - الإمام الحسين (عليه السلام): (لمّا انصرف رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع، نزل أرضاً يقال لها: ضوجان (4) ، فنزلت هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ... ) .

فلمّا نزلت عصمته من الناس نادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس إليه، وقال (عليه السلام): مَن أولى منكم بأنفسكم؟ فضجّوا بأجمعهم وقالوا: الله ورسوله. فأخذ بيد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وقال: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله،

____________________

(1) الأمَمُ: القرب (لسان العرب: 12/28).

(2) الغدير: 1/9.

(3) تاريخ دمشق: 42/237، أسباب نزول القرآن: 204/403 وليس فيه (على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله))، النور المشتعل: 86/16 وليس فيه (يوم غدير خمّ)، شواهد التنزيل: 1/250/244 وليس فيه (على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خمّ)، الدرّ المنثور: 3/117 نقلاً عن ابن مردويه عن ابن مسعود وفيه: (كنّا نقرأ على عهد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ... ) أنّ عليّاً مولي المؤمنين، ( ... وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ... ) )؛ المناقب لابن شهر آشوب: 3/21 عن ابن عبّاس وليس فيه (على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)).

(4) الظاهر تصحيف: (الضَّجَنان) أو (الضَّجْنان). قال الواقدي: بين ضجنان ومكّة خمسة وعشرون ميلاً. وعن البكري: بينه وبين قُدَيد ليلة (راجع معجم البلدان: 3/453 ومعجم ما استعجم: 3/856).


وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله؛ فإنّه منّي، وأنا منه، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي.

وكانت آخر فريضة فرضها الله تعالى على أُمّة محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، ثمّ أنزل الله تعالى على نبيّه: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) ) (1) .

768 - الإمام الباقر (عليه السلام) - في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ... ) -: (هي الولاية) (2) .

769 - عنه (عليه السلام): (حجّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من المدينة - وقد بلّغ جميعَ الشرائع قومَه، غير الحجّ والولاية - فأتاه جبرئيل (عليه السلام)، فقال له: يا محمّد، إنّ الله جلّ اسمه يُقرئُك السلام، ويقول لك: إنّي لم أقبض نبيّاً من أنبيائي ولا رسولاً من رسلي إلاّ بعد إكمال ديني، وتأكيد حجّتي، وقد بقي عليك من ذاك فريضتان ممّا تحتاج أن تبلّغهما قومك: فريضة الحجّ، وفريضة الولاية والخلافة من بعدك؛ فإنّي لم أُخلِ أرضي من حجّة، ولن أُخليها أبداً. فإنّ الله - جلّ ثناؤه - يأمرك أن تُبلّغ قومك الحجّ، وتحجّ، ويحجّ معك مَن استطاع إليه سبيلاً، من أهل الحضر والأطراف والأعراب، وتُعلّمهم من معالم حجّهم مثل ما علّمتهم من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم، وتُوقفهم من ذلك على مثال الذي أوقفتهم عليه من جميع ما بلّغتهم من الشرائع.

فنادى منادي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في الناس: ألا إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يريد الحجّ، وأن

____________________

(1) البرهان في تفسير القرآن: 2/226/2909 عن محمّد بن إسحاق عن الإمام الباقر عن أبيه (عليهما السلام) وراجع تفسير القمّي: 1/173.

(2) مختصر بصائر الدرجات: 64، بصائر الدرجات: 516/40 كلاهما عن الفضيل بن يسار.


يُعلّمكم من ذلك مثل الذي علّمكم من شرائع دينكم، ويوقفكم من ذلك على ما أوقفكم عليه من غيره.

فخرج (صلَّى الله عليه وآله)، وخرج معه الناس، وأصغوا إليه؛ لينظروا ما يصنع فيصنعوا مثله. فحجّ بهم، وبلغ مَن حجّ مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - من أهل المدينة وأهل الأطراف والأعراب - سبعين ألف إنسان، أو يزيدون، على نحو عدد أصحاب موسى السبعين ألفاً...

فلمّا وقف بالموقف أتاه جبرئيل (عليه السلام) عن الله عزّ وجلّ، فقال: يا محمّد، إنّ الله عزّ وجلّ يُقرئُك السلام ويقول لك: إنّه قد دنا أجلُك ومُدّتك، وأنا مُستقدمك على ما لابدّ منه ولا عنه محيص، فاعهد عهدك، وقدّم وصيّتك، واعمد إلى ما عندك، من العلم، وميراث علوم الأنبياء من قبلك، والسلاح، والتابوت، وجميع ما عندك من آيات الأنبياء، فسلِّمه إلى وصيّك وخليفتك من بعدك، حجّتي البالغة على خلقي؛ عليّ بن أبي طالب، فأقمه للناس علماً، وجدّد عهده وميثاقه وبيعته، وذكِّرهم ما أخذتَ عليهم من بيعتي وميثاقي الذي واثقتَهم به، وعهدي الذي عهدتَ إليهم، من ولاية وليّي ومولاهم ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة عليّ بن أبي طالب؛ فإنّي لم أقبض نبيّاً من الأنبياء إلاّ من بعد إكمال ديني وحجّتي، وإتمام نعمتي؛ بولاية أوليائي، ومعاداة أعدائي، وذلك كمال توحيدي وديني.

وإتمام نعمتي على خلقي باتّباع وليّي وطاعته؛ وذلك أنّي لا أترك أرضي بغير وليّ ولا قيّم؛ ليكون حجّةً لي على خلقي فـ ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) بولاية وليّي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة؛ عليّ عبدي، ووصيّ نبيّي، والخليفة من بعده، وحجّتي البالغة على خلقي، مقرونةٌ طاعته بطاعة محمّد نبيّي، ومقرونة طاعته مع طاعة محمّد بطاعتي، مَن


أطاعه فقد أطاعني، ومَن عصاه فقد عصاني، جعلته عَلَماً بيني وبين خلقي...

فلمّا بلغ غدير خمّ - قبل الجُحفة بثلاثة أميال - أتاه جبرئيل (عليه السلام) - على خمس ساعات مضت من النهار - بالزجر والانتهار، والعصمة من الناس! فقال: يا محمّد، إنّ الله عزّ وجلّ يُقرئُك السلام، ويقول لك: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ... ) في عليّ، ( ... وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ... ) ، وكان أوائلهم قريباً من الجُحفة، فأمره بأن يردّ مَن تقدّم منهم، ويحبس مَن تأخّر عنهم، في ذلك المكان؛ ليُقيم عليّاً للناس علماً، ويبلّغهم ما أنزل الله تعالى في عليّ (عليه السلام)، وأخبره بأنّ الله عزّ وجلّ قد عصمه من الناس) (1) .

770 - عنه (عليه السلام): (لمّا أنزل الله على نبيّه: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) ، - قال -: فأخذ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بيد عليّ فقال: يا أيّها الناس، إنّه لم يكن نبيّ من الأنبياء ممّن كان قبلي إلاّ وقد عُمّر ثمّ دعاه الله فأجابه، وأُوشك أن أدعى فأُجيب، وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون، فما أنتم قائلون؟

قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت، ونصحت، وأدّيت ما عليك؛ فجزاك الله أفضل ما جزى المرسلين.

فقال: اللهمّ اشهد.

ثمّ قال: يا معشر المسلمين، ليبلِّغ الشاهد الغايب: أُوصي مَن آمن بي وصدّقني بولاية عليّ، ألا إنّ ولاية عليّ ولايتي وولايتي، ولاية ربّي، ولا

____________________

(1) الاحتجاج: 1/133/32، اليقين: 343/127 كلاهما عن علقمة بن محمّد الحضرمي، روضة الواعظين: 100، بحار الأنوار: 37/201/86 وراجع الكافي: 1/293/3 وجامع الأخبار: 47/52.


يدري (1) عهداً عهده إليّ ربّي وأمرني أن اُبلّغكموه.

ثمّ قال: هل سمعتم - ثلاث مرّات يقولها -؟ فقال قائل: قد سمعنا يا رسول الله) (2) .

771 - شواهد التنزيل، عن زياد بن المنذر: كنت عند أبي جعفر محمّد بن عليّ وهو يحدّث الناس، إذ قام إليه رجل من أهل البصرة يقال له: عثمان الأعشى - كان يروي عن الحسن البصري - فقال له: يا بن رسول الله، جعلني الله فداك، إنّ الحسن يُخبرنا أنّ هذه الآية نزلت بسبب رجل، ولا يُخبرنا مَن الرجل: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ... ) !!

فقال: (لو أراد أن يُخبر به لأخبر به، ولكنّه يخاف. إنّ جبرئيل هبط على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) فقال له: إنّ الله يأمرك أن تُدلّ أُمّتك على صلاتهم. فدلّهم عليها.

ثمّ هبط فقال: إنّ الله يأمرك أن تُدلّ أُمّتك على زكاتهم. فدلّهم عليها.

ثمّ هبط فقال: إنّ الله يأمرك أن تُدلّ أُمّتك على صيامهم. فدلّهم.

ثمّ هبط فقال: إنّ الله يأمرك أن تُدلّ أُمّتك على حجّهم، ففعل.

ثمّ هبط فقال: إنّ الله يأمرك أن تُدلّ أُمّتك على وليّهم - على مثل ما دللتَهم عليه؛ من صلاتهم، وزكاتهم، وصيامهم، وحجّهم - ليُلزمهم الحجّة في جميع ذلك. فقال رسول الله: يا ربّ، إنّ قومي قريبو عهد بالجاهليّة، وفيهم تنافس وفخر، وما منهم رجل إلاّ وقد وتره وليّهم، وإنّي أخاف!! فأنزل الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ... ) ؛ يريد فما بلّغتها

____________________

(1) كذا في المصدر، والظاهر زيادة (ولا يدري) كما في بحار الأنوار.

(2) تفسير العيّاشي: 1/334/155 عن أبي الجارود، بحار الأنوار: 37/141/35.


تامّة، ( ... وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ... ) .

فلمّا ضمن الله له بالعصمة (1) وخوّفه، أخذ بيد عليّ بن أبي طالب، ثمّ قال: يا أيّها الناس، مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله، وأحبّ مَن أحبّه، وأبغض مَن أبغضه).

قال زياد: فقال عثمان: ما انصرفت إلى بلدي بشيء أحبّ إليّ من هذا الحديث (2) .

772 - الإمام الباقر (عليه السلام): (لمّا نزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حجّة الوداع بإعلان أمر عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ... ) إلى آخر الآية - قال: - فمكث النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) ثلاثاً حتى أتى الجُحفة، فلم يأخذ بيده؛ فرَقاً (3) من الناس.

فلمّا نزل الجُحفة يوم الغدير في مكان يقال له: مَهْيَعة، فنادى (4) : الصلاة جامعة، فاجتمع الناس. فقال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): مَن أولى بكم من أنفسكم؟ - قال: - فجهروا فقالوا: الله ورسوله. ثمّ قال لهم الثانية، فقالوا: الله ورسوله. ثمّ قال لهم الثالثة، فقالوا: الله ورسوله.

فأخذ بيد عليّ (عليه السلام)، فقال: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله؛ فإنّه منّي، وأنا منه، وهو

____________________

(1) كذا، وفي نسخة أُخرى: (ضمن الله له العصمة).

(2) شواهد التنزيل: 1/254/248؛ تفسير العيّاشي: 1/333/154 نحوه.

(3) الفَرَق: الخوف (لسان العرب: 10/304).

(4) كذا، والظاهر أنّها (نادى) .


منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي) (1) .

773 - مشكل الآثار، عن عمر بن عليّ، عن الإمام عليّ (عليه السلام): (إنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) حضر الشجرة بخمّ، فخرج آخذاً بيد عليّ، فقال: يا أيّها الناس، ألستم تشهدون أنّ الله ربّكم؟! قالوا: بلى. قال: ألستم تشهدون أنّ الله ورسوله أولى بكم من أنفسكم، وأنّ الله ورسوله مولاكم؟! قالوا: بلى. قال: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه. إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم لن تضلّوا بعدي؛ كتاب الله بأيديكم، وأهل بيتي) (2) .

774 - إثبات الوصيّة: لمّا صار [ (صلَّى الله عليه وآله) ] بوادي خُمّ نزل عليه الوحي في أمير المؤمنين (عليه السلام) آية العصمة من الناس، وقد كان الأمر قبل ذلك يأتيه فيتوقّف؛ انتظاراً لقول الله عزّ وجلّ: ( ... وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ... ) .

فلمّا نزلت قام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه كثيراً، ثمّ نصَّب أمير المؤمنين (عليه السلام) عَلماً وقيّماً مقامه بعده. وكان من حديث غدير خُمّ ما رواه الناس، ثمّ انصرف في آخر ذي الحجّة (3) .

775 - بشارة المصطفى، عن ابن عبّاس - في قوله عزّ وجلّ: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) -: نزلت في عليّ (عليه السلام)؛ أُمر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أن يُبلّغ فيه، فأخذ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بيد عليّ (عليه السلام)، فقال: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن

____________________

(1) تفسير العيّاشي: 1/332/153 عن سدير، بحار الأنوار: 37/139/32.

(2) مشكل الآثار: 2/307، السنّة لابن أبي عاصم: 591/1361 وفيه إلى (فعليّ مولاه)، تاريخ دمشق: 42/213/8693 نحوه، كنز العمّال: 13/140/36441.

(3) إثبات الوصيّة: 132.


وآله، وعادِ مَن عاداه) (1) .

776 - تفسير العيّاشي، عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله: أمر الله تعالى نبيّه محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) أن ينصِّب عليّاً (عليه السلام) عَلماً للناس؛ ليُخبرهم بولايته. فتخوّف رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أن يقولوا: حامى ابن عمّه، وأن يطغوا في ذلك عليه. فأوحى الله إليه: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ... ) ، فقام رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بولايته يوم غدير خمّ (2) .

777 - تفسير الفخر الرازي - في ذيل قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ... ) -: ذكر المفسّرون في سبب نزل الآية وجوهاً:... العاشر: نزلت الآية في فضل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ولمّا نزلت هذه الآية أخذ [ (صلَّى الله عليه وآله) ] بيده وقال: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه). فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يا بن أبي طالب؛ أصبحتَ مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة. وهو قول ابن عبّاس، والبرَّاء بن عازب، ومحمّد بن عليّ (3) .

____________________

(1) بشارة المصطفى: 243، الأمالي للشجري: 1/145، المناقب لابن شهر آشوب: 3/21؛ شواهد التنزيل: 1/251/245.

(2) تفسير العيّاشي: 1/331/152.

(3) تفسير الفخر الرازي: 12/52.


  بحث حول آية التبليغ

( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (1)

قصد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) الحجّ في العام العاشر من الهجرة، وقبل أن ينطلق تلقاء (الحرم الإلهي) أمر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أن يُخبروا الجميعَ بعزمه على الحجّ، فتطلّع المسلمون إلى البيت العتيق، واجتمعوا للحجّ من كلّ فجّ عميق، فاحتشد منهم جمع عظيم.

خطب النبيّ الأقدس (صلَّى الله عليه وآله) الناس مرّات في ذلك الموسم المهيب، ثمّ راح في خطبته الطويلة يوم (عرفة) يُهاجم آخر بقايا الثقافة الجاهليّة، ويُلقي بما تبقّى من معاييرها في قاع سحيق، وهو يدعو الناس إلى الثبات على الحقّ، وبناء حياتهم وفق المعايير الإلهيّة وقِيَم السماء.

كما أهاب بهم التمسّك بكتاب الله وسنّة العترة النبويّة المطهّرة.

____________________

(1) المائدة: 67.


في ذلك السفر عاد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يؤكّد ما سبق أنَّ أعلنه للأمَّة في ذلك العام بالكناية والتلميح تارة، وبصراحة ووضوح تارة أُخرى، من أنّ هذه السنة التي يُمضيها بينهم هي آخر سنيّ عمره الشريف.

لهب متأجّج راح يسكن النفوس، ولوعة متفجّعة راحت تتدافع في الصدور لهذا النبأ المرتقب، حملت المسلمين على موج من التطلّع والشوق لنبيّهم، والى أن يستفيدوا ويتعلّموا ويزدادوا من معلّمهم العظيم ما واتتهم الفرصة المتبقّية لذلك.

والنبيّ أيضاً هاجت به أشواقه، وفاضَ به حماسه الطهور لهذا الحضور المتألّق بين أفواج المسلمين في هذا الموكب المهيب، وبانتظار تبليغ كلمة هي آخر كلمات السماء وأهمّها على الإطلاق، وإيصال رسالة هي الأكمل والأخطر.

حماس عارم من الأمّة، وترقّب نبويّ يشوبه التوجّس لنبأ عظيم حانت لحظته أو كادت. هذا هو المشهد الذي انتهت إليه حجّة الوداع.

المسلمون يعودون بعد انتهاء الموسم، يسلك كلّ فريق السبيل الذي يؤدّي به إلى أهله وسكناه، لكن في وادي غدير خمّ، وقبل أن تفترق بهم الطريق، إذا صوت السماء يقرع فؤاد النبيّ، وإذا الوحي يأتيه من فوره، ملقياً عليه الأمر بحزم: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ... ) .

التأمّل في سياق الآية وما فيها من شدّة وتصميم على الإبلاغ، وما تنطوي عليه من تحذير جادّ، كلّ ذلك لا يدع مجالاً للشكّ بأنّ الرسالة هي من الخطورة بمكان، وإنّ عمليّة الإبلاغ تقترن بالتوجّس نظراً لمحتوى الرسالة وملابسات الموقف.


فيا تُرى، ما هو الأمر الذي يتحتّم على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أن يُبادر إلى إبلاغه؟ وما هي الرسالة التي يبعث إبلاغها في نفس النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) كلّ هذه الخشية والتوجّس، وهو الصلب الذي تحمّل ما تحمّل في سبيل تبليغ كلمات الله ورسالاته ولم يبالِ، وذو العزم الراسخ في سبيل إعلان الحقّ وتوسيع مداه، وهو الطود الشامخ الذي واجه الشرك وحده؟

أطبقت كلمة أعلام الشيعة محدّثين ومفسّرين ومؤرّخين ومتكلّمين - ودون أدنى شائبة تردّد - أنّ الآية مرتبطة بواقعة يوم (الغدير)، وأنّ محتوى الرسالة وفحواها هو (الولاية) و(الإمامة العلويّة).

ومن ثَمّ ذهبوا إلى أنّ الآية المباركة نزلت في الثامن عشر من ذي الحجّة عام 10 هـ؛ لتؤكّد - والمسلمون محتشدون من كلّ حدب وصوب - على (الولاية العلويّه) للمرّة الأخيرة، في ظلّ أجواء أخّاذة مؤثّرة تستعصي على النسيان.

أمّا علماء أهل السنّة، فقد تفرّقت بهم السُّبل، فلم تتّفق كلمتهم بشأن زمن نزول الآية، كما لم يتوحّدهم رأي بشأْن محتوى الأمر الذي يتحتّم على النبيّ إبلاغه.

لقد رصد فخر الدين الرازي أغلب هذه الآراء، وأنهاها إلى عشرة أقوال، يتّفق القول الأخير منها مع رؤية الشيعة. لكن من اليسير أن نلحظ عدم استقامة ما ذكره، وإن يبدو وجود مؤيّدات أحياناً في كلمات الصحابة أو التابعين ذكرها غير الفخر الرازي في كتبهم.

وقبل أن نُطلّ على بعض الرؤى التي اكتنفت الآية، من الجدير أن نتناول مفهومها بشيء من البحث والتحليل، عِبر النقاط الآتية:

1 - قوله سبحانه: ( ... بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ... ) .


تنصّ الجملة إلى أنّ المعنيّ بالخطاب هو رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وفيها دلالة على أنّ محتوى الرسالة يرتبط به أكثر، وقد أُمر بالإبلاغ، لكن ثَمّ حالة من التوجّس والخيفة تمنعه من الإجهار. ولقد ذكر هذه الحقيقة جميع رواة الشيعة، وأيّدتها بعض روايات العامّة (1) .

2 - قوله: ( ... وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ... ) .

تحتشد في هذا الجزء من الآية دِلالات تُفيد أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) كان عند نزول الآية قد انتهى من تبليغ الرسالة، ووفَّى بحقّ هذا الدين، وأنّ هذا النبيّ حمل إلى الناس كلمات الله وهدى السماء وتعاليمها، ثمَّ هو الآن في مواجهة (أمر) بلغ من عظيم شأنه وجلال خطره، أنّه إذا لم يُعلنه تصير (الرسالة) بأتمّها عرضة للضياع، حتى لكأنّه ما بلّغ من (الرسالة) شيئاً.

هذا بدوره يُثبت صحّة الروايات التي ذهبت إلى أنّ نزول الآية جاءَ في سياق سورة (المائدة)، ومن جملة آخر الآيات المدنيّة، لا أنّها مستثناة منها، وأنّها نزلت في مكّة!

3 - قوله: ( ... وَاللّهُ يَعْصِمُكَ... ) .

ما الذي يخشاه النبيّ؟ القتل؟! الأذى والتعذيب؟! أم اهتياج المشركين واليهود وتفجّر سخطهم؟!

هذه سيرة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) تُفصح بأنّ هذا العظيم لم يعرف الخوف إلى قلبه طريقاً قطُّ عندما يتعلّق الأمر به.

ثمّ اسمعوا وحي السماء؛ لتروا كيف تصف صلابة رُسُل الله، وشموخ حملة

____________________

(1) شواهد التنزيل: 1/254/248. وانظر أيضاً: القرآن والغدير.


الرسالات وثباتهم: ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيباً ) (1) ! أوَ بعد هذا، يجوز أن يُنعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بالخوف من البطش والأذى، أو الرهبة مِن القتل والتعذيب، وهو أفضل الرسل الكرام، وخاتم النبيّين، والحلقة الأخيرة في موكب حملة الحقّ ورسالات السماء؟!

هي إذاً خشيةٌ، بيد أنّها من (لون) آخر، فما كان يخشاه النبيّ هو أن لا يؤتي (البلاغ) ثماره المرجوّة، وما كان يبعث على توجّسه هو طبيعة الجوّ الذي يمنع من نفاذ كلمة الحقّ، ويردع عن أن يؤتي (البلاغ) آثاره المطلوبة. هذا ما كان يخشاه النبيّ ويبعث في نفسه التوجّس لا غير.

4 - قوله: ( ... مِنَ النَّاسِ... )

(الناس) هو لفظ مطلق بلا شكّ، والنصّ يتضمّن حفظ الله سبحانه وحراسته للنبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، حفظه من أحابيل أولئك الذين ستنطلق جهودهم وهي تهدف الحؤول دون وصول (البلاغ) إلى الناس، ومِن ثمَّ إفشال مهمّته.

فعلى هذا؛ يتّضح أنّ المراد من (الكفر) في قوله: ( ... الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) هو الكفر ببعض الآيات الربّانيّة، والمقصود من (عدم الهداية) في قوله سبحانه: ( ... إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي... ) ، هو عدم نجاح خديعة هؤلاء، وفشل ما أبرموه للنَّيل من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في إبلاغ (ما أُنزل).

وإلاّ، لو كان المراد من (عدم الهداية) عدم الهداية إلى الإيمان، لتعارض ذلك مع أصل التبليغ ومهمّة الإبلاغ، ولم يتّسق مع فلسفة الدعوة وآلهداية بالأساس، حتى لكأنّ الله سبحانه يقول: ادعو هؤلاء إلى حكم الله، بيد أنّني لن أهديهم!

____________________

(1) الأحزاب: 39.


وهكذا يتّضح - بلا أدنى شائبة - أنّ المراد في مدلول هذا الجزء من الآية أنّ جهود هؤلاء في إطفاء هذا النور ستُصاب بالخيبة، وستبوء جهودهم للطعن بالنبيّ بالضلالة والخسران، وتذهب مساعيهم لإفشال هذا (البلاغ) أدراجَ الرياح، ولن يحصدوا من رمي النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بتهمة الانحياز إلى بيته وقرابته القريبة إلاّ الذلّة والصغار.

فالمقصود - إذاً -: ستسقط كلّ أُمنيات هؤلاء للحؤول دون الإجهار بهذا البلاغ، وتصير كهشيم تذروه ريح عاتية.

تحوي هذه الآية من النقاط والعظات المضيئة أكثر بكثير ممّا سطّرته هذه الكلمات، لكن مع ذلك، فإنّ ما أوردناه في نقل الرؤى يهدف إلى تشييد معالم المشهد التاريخي للواقعة، وتجسيد أجواء النزول، أكثر ممّا يهدف إلى تبيين معنى الآية.

أمّا الآن، فنمرّ على بعض الأقوال في الآية من خلال المحورين التاليين:

1 - نزول الآية أوّل البعثة والخشية من إبلاغ الدين!

يبدو أنّ أوّل مَن ذهب إلى ذلك - وان لم يقطع به - هو محمّد بن إدريس الشافعي، فعلى أساس ما ذكره، أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بعد أن أتاه الوحي ونزلت عليه:

( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) ، كبر ذلك عليه، وخاف التكذيب وأن يُتناول من قبل المشركين، فنزل عليه ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ... ) ، وقد كان ذلك عصمة له من قِبَل الله سبحانه كي يمضي على تبليغ ما أُمر به بثبات ودون خوف (1) .

على أساس هذه الرؤية؛ روي عن الحسن البصري قوله: إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال:

____________________

(1) الاُمّ: 4/168، والنصّ طويل وقد أخذنا منه مورد الحاجة.


(لمّا بعثني الله تعالى برسالته ضِقتُ بها ذرعاً، وعرفت أنّ من الناس مَن يكذِّبني) (1) . فأمسك عن الدعوة حتى نزلت عليه الآية.

ذكرنا فيما سلف، أنّ سورة المائدة هي من بين آخر السور التي نزلت على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) إن لم تكن آخرها (2) ، فما الذي كان يريده الله سبحانه من قوله: ( ... بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ... ) ، ولم ينزل على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) شيء بعدُ؟ وما الذي كان يخشاه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ويمنعه عن الإبلاغ ولمّا يواجهِ المشركون بعدُ آيةً أو آيات من تلك التي تقضّ مضاجعهم، وتبعث فيهم النقمة وآلهتياج؟!

إنّ هذا الذي يزعمونه لا يليق بمُبلِّغ عاديّ، وهو ليس خليق بإنسان متوسّط الحال لا يزال في أوّل الطريق، أفيجوز على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وذلك القلب المجدول إلى السماء، الموصول بالله أبداً؟ وهل يتّسق مع خطاه الراسخة وتلك الإرادة الصلبة التي لا تعرف الوهن!

أمّا ما ذكروه من أنّ الباعث على نزول الآية هو ما كان من حراسة أبي طالب عمّ النبيّ لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؛ إذ بنزول الآية طلب النبيّ إليه أن يكفّ عن الحراسة بعد أن وعد الله سبحانه بعصمته وحمايته (3) ؛ فإنّ فيه بالإضافة إلى ما تمّت الإشارة إليه في نقد الرؤية الأُولى، أنّه يتعارض مع الواقع التاريخي الصادق؛ فهذا الواقع خير دليل على أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ظلّ يحظى بالحراسة سنوات خاصّةً في المدينة، وليس ثمَّة شاهد أقوى على ذلك من وجود (أُسطوانة الحرس).

2 - إخفاء بعض القرآن خوفاً من المشركين!

____________________

(1) أسباب النزول للواحدي: 204/402؛ الدرّ المنثور: 3/116 نحوه.

(2) تفسير ابن كثير: 3/3؛ التحرير والتنوير: 4/255.

(3) الدرّ المنثور: 3/118؛ المعجم الكبير: 11/205/11663.


ذكروا أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) كان أيّام إقامته بمكّة يُجاهر ببعض القرآن ويُخفي بعضه؛ إشفاقاً على نفسه من أذى المشركين أو اليهود، وخوفاً ممّا يمكن أن يوقعوه به!

وممّا يبعث على الأسف أن يلتزم بعض الناس أحياناً بأقوال واهية وبآراء لا تليق كهذه.

أفيجوز مثل هذا الظنّ على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟! ثمّ هذه حياته التي تتفجّر بالحيويّة والحركة، وهذه سيرته كلّها مضاء وحزم وصِدام مع مظاهر الشرك والجاهليّة، فهل تجتمع هي وهذا الظنّ الواهي؟! وهل تستحقّ حياة نبيّ الله هذه الكلمات؟!

إنّ ما تضمّه تفاسير أهل السنّة ومجاميعها الروائيّة - من أقوال ورؤى - حيال الآية، لا يتعدّى ذلك الرصد الذي قدّمه الفخر الرازي للأقوال في المسألة، وَحين نتفحّص بقيّة الأقوال التي أحصاها الرازي فهي أضعف وأكثر وهناً من الرأي الذي عرضناه قبل قليل.

أمّا آخر الأقوال، فقد ذكره الفخر الرازي على النحو الآتي: (نزلت الآية في فضل علىّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ولمّا نزلت هذه الآية أخذه بيده، وقال: (مَن كنت مولاه فعلىّ مولاه، اللهمّ والِ مَن ولاه، وعادِ مَن عاداه). فلقيه عمر فقال: هنيئاً يا بن أبي طالب! أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة، وهو قول ابن عبّاس والبرَّاء بن عازب ومحمّد بن عليّ) (1) .

ثم انعطف الفخر الرازي ليقول: (و اعلم أنّ هذه الروايات وإن كثرت إلاّ أنّ الأوْلى حمله على أنّه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى، وأمَره بإظهار التبليغ

____________________

(1) تفسير الفخر الرازي: 12/53.


من غير مبالاة منه بهم) (1) .

إنّ ما صرّح به الفخر الرازي، من أنّ الروايات في هذا القول - الأخير - كثيرة، لهوَ أمر ثابت وصحيح. بَيد أنّ الذي يبعث على الدهشة هو حال أُولئك المفسّرين والمحدّثين والمتكلّمين، الذين لا ينصاعون إلى كلّ هذا الحشد من الروايات، ولا يُذعنون إليه، بل يجنحون إلى معاذير وتفسيرات لا تلتئم والواقع التاريخي، ولا تنسجم مع شخصيّة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، أو تتواءم مع سيرته الوضيئة، وتتوافق مع خطاه الراسخة في إبلاغ الحقّ.

نزول الآية في واقعة الغدير لإبلاغ الولاية:

يتّضح ممّا سلف - واستناداً إلى الروايات والأخبار الكثيرة التي أوردنا نصوصها - أنّ آية الإبلاغ نزلت في غدير خمّ، للثامن عشر من ذي الحجّة عام 10 هـ؛ عطفاً على ما كان قد صرّح به النبيّ وذكره مرّات، وتأكيداً لما كان نزل على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من الوحي القرآني والبياني أكثر من مرّة.

على أنّ من الحريّ أن نؤكّد، أنّ قوله سبحانه: ( ... مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ... ) يشمل كلّ ما هبط على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) في هذا المجال، على امتداد سنيّ الرسالة، سواء أ كان وحياً قرآنيّاً أم وحياً بيانيّاً، وذلك في مختلف المواضع والمناسبات، وعلى صعيد كافّة التجمّعات ممّا قلّ منها أو كثُر.

والآن، هذا هو النبيّ أمام صفوف متراصّة من المسلمين تبلغ عشرات الألوف، قد قصدوا مكّة حجّاجاً من حواضر العالم الإسلامي وبواديه، وأمّوا البيت العتيق من كلّ فجٍّ عميق. وإذا صوت الوحي يأتي النبيّ من فوره، يأمره وهو في السنة

____________________

(1) تفسير الفخر الرازي: 12/53.


الأخيرة من عمره الشريف وفي حجّة الوداع، أن يصدع بالولاية العلويّة، ويُعلن على الجميع إمامة عليّ بن أبي طالب، بصراحة تامّة، ودقّة متناهية لا تحتمل أدنى شائبة من تأويل، ولا تُطيق أيّ عذر أو تسويغ مهما كان.

يتوجّس النبيّ من الأمر ويخشاه، بيد أنّ خشيته لا على نفسه وهو الذي حمل روحه على كفّه وبذلها في سبيل الحقّ منذ أيّام الدعوة الأُولى، فقهر الصعاب وجعل المستحيل ذلولاً.

يتوجّس، لكن لا من المشركين وقد كسر شوكتهم، وصاروا على يديه فلولاً يائسة منهوكة.

يخاف، لكن أيضاً لا من اليهود والنصارى، وقد لاذوا أمام عظمة المسلمين وجلال إهابهم، بصمت ذليل.

إنّما الذي يخشاه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ويتوجّس منه لهو (داخل أُمّته) وما يُريبه هو هذا (النفاق) الكامن الذي أخذ موقعه بين بعض المسلمين، وما يخشاه هو هذه الشكوك التي يبثّها النفر الذين تظاهروا بالإسلام، وهم في ريب من أصل الرسالة، وما يخاف منه هو هذه التُّهَم التي تهجم على الكلام النبوي، لترمي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بالفئويّة الأُسريَّة الضيّقة، ومحاباة قرابته القريبة، وتتّهمه بتحميل أهله على الناس!

ممّا تكشف عنه لغة الآية والروايات - التي مرّت نصوصها فيما مضى - أيضاً أنّ أمين الوحي جبرائيل (عليه السلام) كان قد حمل في الأيّام الأخيرة عن الله سبحانه، إلى أمين الرسالة (صلَّى الله عليه وآله) أهميّة هذا الإبلاغ، وأكّد على ضرورته مرّات، وأنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) تحدّث عن توجّسه وخيفته؛ وها هو الآن البلاغ الأخير يقرع فؤاده: ( يَا أَيُّهَا


الرَّسُولُ بَلِّغْ... ) (1) .

يذهب العلاّمة الجليل، الشيخ عبد الحسين الأميني - استناداً إلى ثلاثين مصدراً يذكرها من مصادر أهل السنّة - إلى أنّ هذه الآية الكريمة نزلت في يوم الغدير؛ تأكيداً لوجوب الإجهار بولاية الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، كما يذكر أنّ المراد من قوله: ( ... مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ... ) هو ليس كّل (ما أُنزل إليك) كما ظنّ بعضٌ ذلك أو سعى لإقناع الآخرين به، بل المقصود هو بعض (ما أُنزل إليك) ، وهذا البعض ليس سوى ولاية عليّ بن أبي طالب.

وإلاّ، هل يمكن إبلاغ جميع ما أُنزل في تلك البرهة؟! ثمّ أيّ مصداق آخر يُثير كلّ هذه الخيفة والتوجّس غير ولاية الإمام أمير المؤمنين؟! إنّ هذا هو الواقع الذي يكشف عنه المشهد التاريخي الحقيقي ولا غير.

فيا ليت العيون تُبصر المشهد على حقيقته! ويا ليت الآذان تُصغي إلى النداء كما ينبغي!

( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ... ) .

مُخاطبة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بعنوان الرسالة هو الخطاب الخليق بصفة التبليغ.

إيه يا نبيّ الله، هل تتوجّس؟! تُساورك الخشية، وتنتابك الخِيفة؟! لكن أيّ شيء هو شأنك غير البلاغ والدعوة؟ وهل لك مسؤوليّة أخرى غير أن تصدع

____________________

(1) نظراً لما كان يحظى به هذا البلاغ من أهمّية خطيرة، وما كان له من دور مصيري عظيم، فقد أُطلق على هذه الحجّة (حجّة البلاغ). ما أروعه من اسم يستوطن النفس ويحفّز الذاكرة، لكن وا أسفاه للمؤرّخين الذين مالوا إلى محو هذا الاسم المعبّر الأخّاذ عن الذاكرة! يكتب ابن إسحاق في هذا السياق: (فكانت حجّة البلاغ، وحجّة الوداع، وذلك أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لم يحجّ بعدها) (سيرة ابن هشام: 4/253).


بكلمات الله وتجهر بها؟! فادعُ - إذاً - واصدع وبلّغ، إنّما بدقّة متناهية، وبصيغة مؤثّرة وثابتة ( ... وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبلاَغُ... ) .

( ... مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ... ) .

تُرى ما الذي ( ... مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ... ) ؟ ولماذا لم يُصرّح به؟ إنّما كان ذلك كي يكشف عن الموقع الرفيع الذي يحظى به الأمر، وجاء بهذه الصيغة إجلالاً وتعظيماً لذلك الأمر؛ ولكي يُشير إلى أنّه ليس لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من الأمر شيء، ولا له فيه إرادة واختيار، بل مهمّته الإبلاغ وحسب.

من جهة أخرى، تنمّ هذه الصيغة عن صحّة فراسة النبيّ، لما كان يرتقبه من ردود فعل متوجّسة تصدر عن القوم، ممّا جعل الله سبحانه يدع الأمر في هالة من الغموض والإبهام، ما برحت تُلقي ظلالها على الموقف حتى تحين لحظة البلاغ، وينطق النبيّ بكلمة السماء.

( ... وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ... ) .

يُحار الإنسان لأولئك الذين جنحوا في تفسير الآية إلى كلام آخر، وحين راموا الصدود عن (الحقيقة) سلكوا طريقاً واهياً لا يأوي إلى قرار!

تُرى، كيف يفسّرون هذه الجزء من الآية؟ وما هو المعنى الذي يسوقونه إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما تُصرّح به بعض التعاليم الإلهيّة من النهي عن الكتمان؟

تُرى، ما الذي يؤدّي كتمانه وعدم إظهاره والتأكيد عليه، ممّا نزل على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، إلى بلوغ حالة يصير فيها بنيان الرسالة في مهبّ الريح وكأنّها لم تُبلّغ؟!

وأيّ أمر هذا الذي إذا غاب عن الأذهان، واستطاع أعداء الرسالة وأْده والقضاء عليه في واقع المجتمع؛ يتقوّض أساس هذا الدين، وكأنّه لم يكن!


إنّ هذه الكلمة العجيبة المدهشة لتومئ من جهة إلى ما يحظى به هذا البلاغ من شأْو عظيم، كما تؤشّر من جهة أُخرى إلى حقيقة تُفيد أنّه ليس ثمّة خيار أمام رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلاّ تبليغ هذه الرسالة، حيث أنذره ربُّه - إن هو لم يبلّغ - بتلاشي جميع الجهود، وضياع كلّ تلك الآلام والمشاقّ التي طوتها الأعوام الثلاث والعشرون من عمر الرسالة، واضمحلال ما أنفق فيها من جهد وجهاد.

( ... وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ... ) .

في عين الله حراستك، وأنت في حفظه وحماه. كأنّك - يا رسول الله - تتوجّس خيفة من الأمر، وتخشى ردود فعل تلك النفوس المظلمة، وتتهيّب هياجها وما تُثيره من شحناء. لكن اعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير.

سيزول مكرهم جميعاً، ويغدو كهشيم تذروه الرياح، ويتلاشى كيد الناس، جميع (النَّاسِ)!

إنّ الله سبحانه ليؤكّد في هذا الجزء مجدّداً على عظمة البلاغ، كما يُشير أُخرى إلى ذوي الريبة والنفوس المدلهمّة. لكن مَن هم هؤلاء؟

لم يُفصح النصّ عن شيء، بل مضى يوعِد بزوال جميع ضروب المكر، وسقوط كلّ أحابيل الشيطان، وتلاشي المكائد جميعاً، من أيّ إنسان كان!

إنّ كلّ كلمة في الآية لتُسفِر عن عظمة هذا البلاغ وسموّه، وهي تُومئ أيضاً إلى مخاوف وهواجس، وإلى نفوس أُناس موبوءة بالإحن والشحناء، مملوءة بالضغينة والغضب!

فيا ليت أولئك المفسّرين والباحثين القرآنيّين، الذين جنحوا إلى أقوال أُخَر يُبصرون بتأمّل: أيّ شيء من ( ... مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ... ) يُثير إبلاغه كلّ هذه الخشية


وآلهواجس؟! حتى إذا ما ظهر إلى الناس أثار الحنق والغضب، وجرّ أُناساً إلى مواجهات ومواقف!

ثمّ لهم أن يتأمّلوا في حقيقة التاريخ الإسلامي وواقعه الصادق، ليُبصروا ما الذي أثار الإحَن والفتن؟ وأيّ شيء أحدث كلّ هذا الهياج؟!

10/2

إكمال الدين

( ... الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) (1) .

778 - تاريخ دمشق، عن أبي سعيد الخدري: لمّا نصَّب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عليّاً بغدير خمّ فنادى له بالولاية، هبط جبريل (عليه السلام) عليه بهذه الآية: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) (2) .

779 - الدرّ المنثور، عن أبي هريرة: لمّا كان يوم غدير خُمّ - وهو يوم ثمانية (3) عشر من ذي الحجّة - قال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه). فأنزل الله: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... ) (4) .

780 - تاريخ بغداد، عن أبي هريرة: مَن صام يوم ثمانية (5) عشر من ذي الحجّة

____________________

(1) المائدة: 3.

(2) تاريخ دمشق: 42/237، الدرّ المنثور: 3/19.

(3) في المصدر: (ثماني) والصحيح ما أثبتناه.

(4) الدرّ المنثور: 3/19، نقلاً عن ابن مردويه والخطيب وابن عساكر، تذكرة الخواصّ: 30، وفيه من (مَن كنت مولاه...).

(5) في المصدر: (ثمان عشرة)، والصحيح ما أثبتناه كما في تاريخ دمشق.


كُتب له صيام ستّين شهراً، وهو يوم غدير خمّ؛ لمّا أخذ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بيد عليّ بن أبي طالب فقال: (ألست وليّ المؤمنين؟!).

قالوا: بلى يا رسول الله!

قال: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه).

فقال عمر بن الخطّاب: بخٍ بخٍ لك يا بن أبي طالب؛ أصبحتَ مولاي ومولى كلّ مسلم، فأنزل الله: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... ) (1) .

781 - الإمام عليّ (عليه السلام): (إنّ بولايتي أكمل الله لهذه الأُمّة دينهم، وأتمّ عليهم النَّعَم، ورضي إسلامهم؛ إذ يقول يوم الولاية لمحمّد (صلَّى الله عليه وآله): يا محمّد، أخبرهم أنّي أكملتُ لهم اليوم دينَهم، ورضيتُ لهم الإسلام ديناً، وأتممتُ عليهم نعمتي، كلّ ذلك مَنٌّ مِن الله عليَّ؛ فله الحمد) (2) .

782 - عنه (عليه السلام): (سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: بُني الإسلام على خمس خصال: على الشهادتين، والقرينتين - قيل له: أمّا الشهادتان فقد عرفناهما، فما القرينتان؟! قال: الصلاة والزكاة؛ فإنّه لا يُقبل إحداهما (3) إلاّ بالأُخرى - والصيام، وحجّ البيت مَن استطاع إليه سبيلاً، وختم ذلك بالولاية، فأنزل الله

____________________

(1) تاريخ بغداد: 8/290/4392، تاريخ دمشق: 42/233 وص 234/8739 وفيه (مولى) بدل (ولي)، البداية والنهاية: 7/350، المناقب لابن المغازلي: 19/24 وفيه (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟!) بدل (ألست وليّ المؤمنين؟!)، شواهد التنزيل: 1/200/210 نحوه إلى (يا بن أبي طالب)، فرائد السمطين: 1/77/44، المناقب للخوارزمي: 156/184 كلاهما نحوه وفيهما إلى (مولى كل مسلم)؛ الأمالي للصدوق: 50/2، روضة الواعظين: 384 وفيهما (أولى بالمؤمنين) بدل (وليّ المؤمنين) ، الأمالي للشجري: 1/42 وص 259.

(2) الخصال: 415/4 عن يزداد بن إبراهيم، عمّن حدّثه من أصحابنا، الأمالي للطوسي: 205/351 عن المفضّل بن عمر، بصائر الدرجات: 201/4 عن يزدان بن إبراهيم عمّن حدّثه من أصحابه وكلّها عن الإمام الصادق (عليه السلام).

(3) في المصدر: (أحدهما) وهو تصحيف.


عزّ وجلّ: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) ) (1) .

783 - عنه (عليه السلام): (إنّ الله تبارك اسمه امتحن بي عباده، وقتل بيدي أضداده، وأفنى بسيفي جحّاده، وجعلني زلفةً للمؤمنين، وحياض موت على الجبّارين، وسيفه على المجرمين، وشدّ بي أزر رسوله، وأكرمني بنصره، وشرّفني بعلمه، وحباني بأحكامه، واختصّني بوصيّته، واصطفاني بخلافته في أُمّته.

فقال (صلَّى الله عليه وآله) - وقد حشده المهاجرون والأنصار وانغصّت بهم المحافل -: أيّها الناس، إنّ عليّاً منّي كهارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي. فعقل المؤمنون عن الله نطق الرسول؛ إذ عرفوني أنّي لست بأخيه لأبيه وأمّه، كما كان هارون أخا موسى لأبيه وأمّه، ولا كنت نبيّاً فاقتضى نبوّة، ولكن كان ذلك منه استخلافاً لي كما استخلف موسى هارون (عليهما السلام) حيث يقول: ( ... اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (2) .

وقوله (صلَّى الله عليه وآله) حين تكلّمت طائفة فقالت: نحن موالي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). فخرج رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى حجّة الوداع ثمّ صار إلى غدير خمّ، فأمر فأصلح له شبه المنبر، ثمّ علاه وأخذ بعضدي حتى رُئي بياض إبطيه، رافعاً صوته قائلاً في محفله: مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه.

فكانت على ولايتي ولاية الله وعلى عداوتي عداوة الله.

وأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك اليوم: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ

____________________

(1) الأمالي للطوسي: 518/1134 عن المجاشعي عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) وعن محمّد بن جعفر عن أبيه الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام)، بحار الأنوار: 68/379/29.

(2) الأعراف: 142.


نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) (1) ، فكانت ولايتي كمال الدين ورضى الربّ جلّ ذكره، وأنزل الله تبارك وتعالى اختصاصاً لي وتكرّماً) (2) .

784 - الإمام الباقر (عليه السلام) - في قوله: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... ) -: (نزلت في عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) خاصّة، دون الناس) (3) .

785 - علل الشرائع، عن إسحاق بن إسماعيل النيسابوري: أنّ العالم - يعني الحسن بن عليّ (عليهما السلام) - كتب إليه: (إنّ الله تعالى - بمنّه ورحمته - لمّا فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليه، بل رحمةً منه إليكم، لا إله إلاّ هو؛ ليَميز الخبيث من الطيّب، وليبتلي ما في صدوركم، وليمحِّص ما في قلوبكم، ولتتسابقوا إلى رحمته، ولتتفاضل منازلكم في جنّته، ففرض (4) عليكم الحجّ والعمرة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والولاية. وجعل لكم باباً لتفتحوا به أبواب الفرائض، ومفتاحاً إلى سبيله.

ولولا محمّد (صلَّى الله عليه وآله) والأوصياء من ولده كنتم حيارى كالبهائم، لا تعرفون فرضاً من الفرائض، وهل تُدخَل قرية إلاّ من بابها؟!

فلمّا مَنَّ الله عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيّكم (صلَّى الله عليه وآله)، قال الله عزّ وجلّ: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) ، وفرض عليكم لأوليائه حقوقاً، فأمركم بأدائها إليهم) (5) .

____________________

(1) المائدة: 3.

(2) الكافي: 8/26/4 عن جابر بن يزيد عن الإمام الباقر (عليه السلام).

(3) تفسير فرات: 119/124 عن يقطين الجواليقي، عن الإمام الصادق (عليه السلام).

(4) في المصدر: (ففوّض) وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه كما في بقيّة المصادر.

(5) علل الشرائع: 249/6، تحف العقول: 485، الأمالي للطوسي: 655/1355، رجال الكشّي: 2/845/1088.


786 - تاريخ اليعقوبي: قد قيل: إنّ آخر ما نزل عليه [ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) ]: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) ، وهي الرواية الصحيحة الثابتة الصريحة.

وكان نزولها يوم النصّ على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه بغدير خُمّ (1) .

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي (طبعة النجف الأشرف - مطبعة الغري): 2/32، وفي الطبعة المعتمدة (2/43) ما لفظه (وكان نزولها يوم النفر على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، بعد ترحّم) وهو تحريف.


بحث حول يوم إكمال الدين

( ... الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) (1) .

تتحدّث الآية عن يوم يتّسم بأربع خصائص مهمّة:

1 - هو يوم يئس فيه الكفّار من إلحاق الأذى بأصل الإسلام، أو النيل من قواعد هذا الدين ووجوده.

2 - هو يوم كمُل فيه الدين الإسلامي.

3 - هو يوم أتمّ الله سبحانه فيه نعمته على الأُمّة الإسلاميّة.

4 - هو يوم رضي الله سبحانه فيه لهذا الدين أن يكون الدين النهائي الخاتم للإنسانيّة أجمع.

عندما تحتشد هذه الخصائص البارزة في هذا اليوم، ففي ذلك إشارة على أنّه

____________________

(1) المائدة: 3.


أعظم يوم وأكثرها تحديداً للمصير في تاريخ الرسالة النبويّة، بل في تاريخ الإسلام قاطبة. هنا بالذات يكمن مغزى كلمة ألقاها يهوديٌّ إلى عمر بن الخطّاب، وهو يُشيد بجلال هذا اليوم لو كان عند اليهود.

ففي الخبر، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطّاب، قوله: إنّ رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا - معشر اليهود - نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً!

قال: أيُّ آية؟

قال: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... ) (1) .

ينبغي الآن أن نُطلّ على تاريخ الإسلام لننظر أيّ يوم هذا اليوم المصيري، الذي يحمل تلك الخصائص الأربعة؟ وهو إلى ذلك جدير أن يحتفي به المجتمع الإسلامي وتتّخذه الأُمّة عيداً!

كثيرة هي الاحتمالات التي سيقت لتحديد ذلك اليوم، بيد أنّها في الغالب لا تستند إلى وثائق تاريخيّة أو إلى نصوص حديثيّة، وبذلك ننأى عن عرضها في هذا المجال (2) .

تبقى هناك فرضيّـتان، تستند كلّ واحدة منهما إلى مجموعة من النصوص التاريخيّة والحديثيّة التي تعود إلى الشيعة والسنّة.

والمطلوب دراسة هاتين المجموعتين من النصوص؛ لننظر فيما إذا كانت متعارضة فيما بينها، أم هناك وجه للجمع بينهما.

والفرضيّتان هما:

____________________

(1) صحيح البخاري: 1/25/45 وج 4/1600/4145 وص 1683/4330 وج 6/2653/6840.

(2) راجع: كتب التفسير في ظلال الآية الكريمة.


1 - يوم غدير خمّ:

في أحاديث الشيعة أخبار كثيرة تُحدّد موضوع الآية بنصب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) للإمام عليّ (عليه السلام) قائداً للأُمّة من بعده، من دون أن تُشير إلى ذكر يوم الغدير أو أيّ يوم آخر غيره، بيد أنّ هناك ما يُناهز العشرين حديثاً تتحدّث صراحة على أنّ الآية نزلت يوم الغدير (1) .

كما توجد أحاديث في كتب أهل السنّة تنتهي أساساً إلى أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، تُشير أيضاً إلى أنّ الآية نزلت في يوم الغدير، الموافق للثامن عشر من ذي الحجّة سنة عشر للهجرة (2) ، وهذه الأحاديث تتوافق مع القرآن، ولا مناص من التسليم بها، وإلاّ ليس ثمّة يوم يمكن العثور عليه في حياة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) ينطوي على ما ذكره القرآن من خصائص غير يوم الغدير.

فبتعيين القائد المستقبلي للأُمّة الإسلاميّة من قِبَل الله سبحانه في هذا اليوم، اندحر الكافرون، وانقطع دابرهم، وتبدّلت آمالهم يأساً، وقد كانوا من قبل يظنّون أنّ هذا الدين متقوّم بشخص النبيّ ووجوده الأقدس، فإذا ما غاب عن الساحة انتهى أمر الإسلام، وصار إلى زوال.

في هذا اليوم تكامل منهاج الإسلام، وتمّت أُطروحته لإدارة غد البشريّة، وتدبير أمر العالم كلّ العالم.

وبتبوّأ شخصيّة شاهقة متألّقة، كالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي هو عِدل النبيّ -

____________________

(1) راجع: الأمالي للصدوق: 188/197، كمال الدين: 276، إقبال الأعمال: 2/262؛ شرح الأخبار: 1/105، الغيبة للنعماني: 69/8، الاحتجاج: 1/342، إعلام الورى: 1/263، اليقين: 212، تفسير فرات: 118/123.

(2) راجع: كمال الدين: 276 والغدير: 1/230.


باستثناء النبوّة (1) - وتعيينه للخلافة، كملت نعمة الله سبحانه على الأُمّة الإسلاميّة.

وباستكمال منهاج الإسلام، وبلوغ برنامجه الذروة لتكامل المجتمع الإنساني مادّياً ومعنويّاً؛ رضي الله سبحانه الإسلام ديناً لتكامل الإنسان.

ثمّة قرائن وافرة، تدلّ على أنّ يوم إكمال الدين هو يوم الغدير؛ فها نحن نُبصر على المسرح التاريخي لوقائع يوم الغدير عام (10 هـ) يدَي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) تضع العمامة على رأس عليّ (عليه السلام) في مراسم مهيبة (2) ، ثمَّ هو ذا النبيّ يضع بنفسه برنامجاً خاصّاً لتهنئة الإمام القائد في ذلك اليوم (3) ، فينثال على الإمام الصحابة الكرام مسلِّمين ومهنِّئين (4) ، وهذا حسّان بن ثابت يطلع من بين الصفوف بقصيدة توثِّق الواقعة (5) ، وبعد ذلك كلّه يُصار لإعلان يوم الغدير عيداً من أعظم الأعياد الإسلاميّة (6) .

فهل تدع هذه القرائن شكّاً في أنّ يوم إكمال الدين هو يوم الغدير، بالأخصّ حين تنضمّ إليها وثائق وقرائن كثيرة أُخرى تاريخيّة وحديثيّة؟

2 - يوم عرفة:

بإزاء النصوص التي سلفت إليها الإشارة، هناك نصوص أُخرى تُصرّح أنّ آية

____________________

(1) راجع: أحاديث المنزلة.

(2) راجع: التتويج يوم الغدير.

(3) راجع: التهنئة القياديّة.

(4) راجع: التهنئة القياديّة.

(5) راجع: أبيات حسّان بن ثابت.

(6) راجع: عيد الغدير في الإسلام.


(إكمال الدين) نزلت في يوم عرفة بعرفات.

هذا القول هو الشائع بين أهل السنّة، وهو المعوّل عندهم، وقد روي عن عدد من الصحابة، بيد أنّ الأساس فيه هو كلام عمر آنف الذكر حين سأله الرجل اليهودي، وقد توافرت الكتب على نقله من بينها صحيح البخاري، كما مرّت الإشارة إليه.

كما ذُكر القول نفسه في بعض كتب الشيعة وأحاديثها، ونذكر فيما يلي حديثين منها مرويّين عن الإمامين محمّد الباقر وجعفر الصادق (عليهما السلام):

ـ الحديث الأوّل ذكره ثقة الإسلام الكليني في الكافي، وقد جاء فيه:

(عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (فرض الله عزّ وجلّ على العباد خمساً؛ أخذوا أربعاً، وتركوا واحداً).

قلت: أَتُسميهنَّ لي - جُعلت فداك -؟

فقال: (الصلاة، وكان الناس لا يدرون كيف يصلّون، فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمّد، أخبِرهم بمواقيت الصلاة.

ثمّ نزلت الزكاة، فقال: يا محمّد، أخبِرهم من زكاتهم ما أخبرتهم من صلاتهم.

ثمّ نزل الصوم، فكان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إذا كان يوم عاشوراء بعث إلى ما حوله من القُرى فصاموا ذلك اليوم، فنزل شهر رمضان بين شعبان وشوال.

ثمّ نزل الحجّ، فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال: أخبِرهم من حجّهم ما أخبرتهم من صلاتهم وزكاتهم وصومهم.

ثمّ نزلت الولاية؛ وإنّما أتاه ذلك في يوم الجمعة بعرفة، أنزل الله عزّ وجلّ: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي... ) ، وكان كمال الدين بولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال عند ذلك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): أُمّتي حديثو عهد بالجاهليّة، ومتى


أخبرتهم بهذا في ابن عمّي يقول قائل، ويقول قائل - فقلت في نفسي مِن غير أن ينطق به لساني - فأتتني عزيمة مِن الله عزّ وجلّّ بتلة (1) أوعدَني إن لم اُبلّغ أن يعذّبني، فنزلت: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ... ) (2) .

فأخذ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بيد عليّ (عليه السلام) فقال: أيّها الناس! إنّه لم يكن نبيّ من الأنبياء ممّن كان قبلي إلاّ وقد عمّره الله، ثم دعاه فأجابه، فأُوشِك أن أُدعى فأُجيب، وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟ فقالوا: إنّك قد بلّغتَ ونصحت، وأدّيت ما عليك، فجزاك الله أفضل جزاء المرسلين.

فقال: اللهم اشهد - ثلاث مرّات -.

ثم قال: يا معشر المسلمين، هذا وليّكم من بعدي، فليبلّغ الشاهد منكم الغائب) (3)

ـ أمّا الحديث الثاني، فقد رواه العياشي عن محمّد الخزاعي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال:

(لمّا نزل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عرفات يوم الجمعة، أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال له: يا محمّد، إنّ الله يُقرئك السلام، ويقول لك: قل لأُمّتك: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... ) بولاية عليّ بن أبي طالب ( ... وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) ، ولستُ أُنزل عليكم بعد هذا، قد أنزلت عليكم الصلاة والزكاة والصوم والحجّ، وهي الخامسة،

____________________

(1) من البَتْل: القطع (النهاية: 1/94)

(2) المائدة: 67.

(3) الكافي: 1/290/6، تفسير العيّاشي: 1/333/154، شرح الأخبار: 2/273/582، دعائم الإسلام: 1/14 كلاهما نحوه.


ولست أقبل هذه الأربعة إلاّ بها) (1) .

والسؤال الآن: هل تتعارض هاتان المجموعتان من النصوص بحيث لا يمكن علاجها؛ ممّا يتحتّم طرح إحداهما، أم أنّ الجمع بينهما ممكن؟

مقتضى التأمّل في هاتين المجموعتين من النصوص ودراستهما بدقّة لا تُفضي إلى عدم وجود تعارض أساسي بين الاثنين وحسب، بل العكس تُفيد أنّهما يؤيّد بعضهما بعضاً من حيث الأصل، وأنّ إحداهما مكمّلة للأُخرى.

وبيان ذلك - كما ذهب إليه العلاّمة الطباطبائي - هو: (أنّ التدبّر في الآيتين الكريمتين: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ... ) ، على ما سيجيء مِن بيان معناه، وقوله ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... ) ، والأحاديث الواردة مِن طرق الفريقين فيهما، وروايات الغدير المتواترة، وكذا دراسة أوضاع المجتمع الإسلامي الداخليّة في أواخر عهد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، والبحث العميق فيها، يُفيد القطع بأنّ أمر الولاية كان نازلاً قبل يوم الغدير بأيّام.

وكان النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يتّقي الناس في إظهاره، ويخاف أن لا يتلقّوه بالقبول أو يُسيؤوا القصد إليه؛ فيختلّ أمر الدعوة، فكان لا يزال يؤخّر تبليغه الناس من يوم إلى غد حتى نزل قوله: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ... ) فلم يُمهل في ذلك) (2) .

في الحقيقة، أنّ هناك تسعة أيّام فصلت بين صدور الحكم الإلهي بنصب الإمام عليّ (عليه السلام) قائداً للأُمّة بعد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وبين إبلاغ الحكم، فحكم ولاية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) صدر في يوم عرفة بعرفات، بيد أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أخّر إبلاغه إلى يوم

____________________

(1) تفسير العيّاشي: 1/293/21.

(2) الميزان في تفسير القرآن: 5/196.


غدير خمّ للبواعث التي أشرنا إليها آنفاً.

بهذا يتّضح؛ أنّ النصوص التي لها دلالة على نزول آية الإكمال في يوم عرفة، ناظرة إلى تاريخ صدور الولاية، أمّا النصوص التي لها دلالة على أنّ الآية قد نزلت في غدير خمّ، فهي ناظرة إلى تاريخ إبلاغ حكم الولاية.

ومِن ثَمّ؛ فإنّ تعبير النزول يصحّ على الطائفتين كليهما، بل هو أمر مألوف.

10/3

التّتويج يوم الغدير

787 - الإمام عليّ (عليه السلام): (عمَّمني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خمّ بعمامة سوداء، طرفها على منكبي) (1) .

788 - أُسد الغابة، عن عبد الأعلى بن عدي: إنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) دعا عليّ بن أبي طالب يوم غدير خُمّ، فعمّمه، وأرخى عَذَبة (2) العمامة من خلفه (3) .

789 - الأمان، عن عبد الله بن بسر: بعث رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خُمّ إلى عليّ، فعمّمه، وأسدل العمامة بين كتفيه، وقال: (هكذا أيّدني ربّي يوم حنين بالملائكة معمّمين، قد أسدلوا العمائم) (4) .

____________________

(1) الإصابة: 4/23/4584 عن أبي راشد الحبراني؛ شرح الأخبار: 1/321/288 وفيه (سدل) بدل (سوداء) .

(2) عَذَبُ العمامة: ما سُدل بين الكتفين منها (تاج العروس:2/211).

(3) أُسد الغابة: 3/170/2806، الرياض النضرة: 3/194، كنز العمّال: 15/483/41911 نقلاً عن الديلمي ؛ المناقب للكوفي: 2/389/864 وفيه (عذية) بدل (عَذَبة) .

(4) الأمان: 103.


790 - الإمام زين العابدين (عليه السلام): (إنّ رسول الله عمّم عليّ بن أبي طالب عمامته السحابة، وأرخاها من بين يديه ومن خلفه، ثمّ قال: أقبِل. فأقبل، ثمّ قال: أدبِر. فأدبر. فقال: هكذا جائتني الملائكة. ثمّ قال: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله) (1)

791 - الأمان، عن عبد الله بن بسر: عمّم رسول الله عليّاً يوم غدير خُمّ، عمامة سدلها بين كتفيه، وقال: هكذا أيّدني ربّي بالملائكة. ثمّ أخذ بيده، فقال: (أيّها الناس، مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، والى الله مَن وآله وعادَى الله مَن عاداه) (2) .

راجع: ذكريات الإمام.

كتاب (الغدير): 1/290 - 293.

10/4

التحيّة القياديّة

792 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - في خطبة الغدير -: (معاشر الناس، قولوا الذي قلت لكم، وسلِّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، وقولوا: ( ... سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (3) ، وقولوا: ( ... الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا

____________________

(1) نظم درر السمطين: 112، عن الإمام الصادق عن أبيه (عليهما السلام)، خلاصة عبقات الأنوار: 9/235 نقلاً عن شهاب الدين أحمد في توضيح الدلائل وص237، نقلاً عن الشيرازي في الأربعين، إحقاق الحقّ: 6/247.

(2) الأمان: 103.

(3) البقرة: 285.


اللَّهُ ) (1) (2) .

793 - الإمام الصادق (عليه السلام): (لمّا أقام رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم غدير خُمّ... قال: أيّها الناس، مَن أولى بكم من أنفسكم؟! قالوا: الله ورسوله. قال: اللهمّ فاشهد!

ثمّ قال: ألا مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، وسلِّموا عليه بإمرة المؤمنين) (3) .

794 - عنه (عليه السلام): (لمّا نزلت الولاية، وكان من قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بغدير خُمّ: سلِّموا على عليّ بإمرة المؤمنين. فقالوا: أمِنَ الله ورسوله؟ فقال لهم: نعم؛ حقّاً من الله ورسوله. فقال: إنّه أمير المؤمنين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، يُقعده الله يوم القيامة على الصراط، فيُدخِل أولياءه الجنّة، ويُدخِل أعداءه النار) (4) .

795 - الإمام الحسين (عليه السلام): (قال لي بُرَيدة: أمرنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أن أُسلّم (5) على أبيك بإمرة المؤمنين) (6) (7) .

____________________

(1) الأعراف: 43.

(2) الاحتجاج: 1/159/32 عن علقمة بن محمّد الحضرمي، روضة الواعظين: 112 كلاهما عن الإمام الباقر (عليه السلام) وراجع اليقين: 360/127.

(3) تفسير القمّي: 1/301 عن محمّد بن عليّ.

(4) تفسير القمّي: 1/389 وراجع الكافي: 1/292/1 وخصائص الأئمّة (عليهم السلام): 67 وتفسير العيّاشي: 2/268/64.

(5) كذا في المصدر، ولعلّه تصحيف: (نسلّم) .

(6) إنّ بعض الروايات وإن لم تُصرّح بأنّ التسليم على الإمام بإمرة المؤمنين كان في خصوص يوم الغدير، إلاّ أنّ الظاهر منها هو ذلك. ومن الطبيعي فإنّ هذه الروايات إذا كان لها إشارة إلى مواقف أُخرى فستكون دليلاً على أنّ التسليم على الإمام بإمرة المؤمنين قد وقع في عدّة مناسبات؛ ممّا يكون له بالغ الأثر في إثبات تنصيبه (عليه السلام) لقيادة الأمّة.

(7) عيون أخبار الرضا: 2/68/312، عن أبي محمّد الحسن بن عبد الله التميمي، عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام).


796 - الأمالي للطوسي، عن بريدة: أمرنا النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أن نسلّم على عليّ (عليه السلام) بإمرة أمير المؤمنين (1) .

797 - تاريخ دمشق، عن بريدة الأسلمي: أمرنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أن نسلّم على عليّ بأمير المؤمنين (2) ونحن سبعة، وأنا أصغر القوم يومئذ (3) .

798 - الإرشاد، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي: إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أمرني سابع سبعة، فيهم أبو بكر وعمر وطلحة والزبير، فقال: (سلِّموا على عليّ بإمرة المؤمنين). فسلّمنا عليه بذلك ورسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حيّ بين أظهرنا (4) .

799 - الفضائل، عن أبي ذرّ: أمرنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أن نسلّم على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وقال: (سلِّموا على أخي، ووارثي، وخليفتي في قومي، ووليّ كلّ مؤمن ومؤمنة من بعدي، سلِّموا عليه بإمرة المؤمنين؛ فإنّه وليّ كلّ مَن يسكن الأرض إلى يوم القيامة، ولو قدّمتموه لأخرجت لكم الأرض بركاتها؛ فإنّه أكرم مَن عليها من أهلها) (5) .

____________________

(1) الأمالي للطوسي: 331/661، اليقين: 132/3، الأمالي للشجري: 1/141 وفيهما (بأمير المؤمنين) بدل (بإمرة أمير المؤمنين) ، وراجع كشف اليقين: 272/312.

(2) كذا في المصدر، وفي هامشه: (كذا بالأصل، وفي المطبوعة: بإمرة المؤمنين).

(3) تاريخ دمشق: 42/303؛ اليقين: 206/54، المسترشد: 586/256 وفيه (تسعة) بدل (سبعة) وفيهما (بإمرة المؤمنين) بدل (بأمير المؤمنين) وراجع شرح الأخبار: 2/258/562 واليقين: 272/95.

(4) الإرشاد: 1/48 وراجع الأمالي للمفيد: 18/7 والأمالي للطوسي: 289/561 وبشارة المصطفى: 185 والمسترشد: 584/255 وإرشاد القلوب: 325.

(5) الفضائل لابن شاذان: 113، كتاب سليم بن قيس: 2/729/20 نحوه وراجع ص 692/14 ومختصر بصائر الدرجات: 109 وبصائر الدرجات: 279/14.


800 - الاحتجاج عن أُبيّ بن كعب - في احتجاجه على القوم بأحقّية عليّ (عليه السلام) بالإمامة بعد وفاة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) -: سيّد الوصيّين، ووصيّ خاتم المرسلين، وأفضل المتّقين، وأطوع الأُمّة لربّ العالمين؛ سلّمتم عليه بإمرة المؤمنين في حياة سيّد النبيّين وخاتم المرسلين (1) .

801 - الإرشاد - في ذكر ما جرى بعد خطبة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يوم الغدير -: ثمّ نزل (صلَّى الله عليه وآله) - وكان وقت الظهيرة - فصلّى ركعتين، ثمّ زالت الشمس، فأذّن مؤذّنه لصلاة الفرض، فصلّى بهم الظهر، وجلس (صلَّى الله عليه وآله) في خيمته، وأمر عليّاً أن يجلس في خيمة له بإزائه.

ثمّ أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً فيهنّئوه بالمقام، ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلّهم.

ثمّ أمر أزواجه وجميع نساء المؤمنين معه أن يدخُلنَ عليه ويسلِّمنَ عليه بإمرة المؤمنين، ففَعلنَ (2) .

10/5

التهنئة القياديّة

802 - مسند ابن حنبل، عن البرَّاء بن عازب: كنّا مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في سفر، فنزلنا بغدير خُمّ، فنودي فينا: الصلاة جامعةً، وكُسِح (3) لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) تحت شجرتين،

____________________

(1) الاحتجاج: 1/301/52، المناقب للكوفي: 1/418/330، اليقين: 451/170 كلّها عن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن الإمام عليّ (عليهما السلام) وكلاهما نحوه.

(2) الإرشاد: 1/176، إعلام الورى: 1/262 عن الإمام الصادق (عليه السلام) وراجع الاحتجاج: 1/311/53 والخرائج والجرائح: 2/592/1 والمناقب لابن شهر آشوب: 3/53.

(3) الكَسْح: الكَنْس (لسان العرب: 2/571).


فصلّى الظهر، وأخذ بيد عليّ (رضي الله عنه) فقال: (ألستُم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟!).

  قالوا: بلى.

قال: (ألستُم تعلمون أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟!).

قالوا: بلى.

قال: فأخذ بيد عليّ فقال: (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه).

قال: فلقِيَه عمر بعد ذلك، فقال له: هنيئاً يا بن أبي طالب! أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلّ مؤمن ومؤمنة (1).

803 - تاريخ دمشق، عن البرَّاء بن عازب: خرجنا مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، حتى نزلنا غدير خُمّ بعث منادياً ينادي. فلمّا اجتمعنا قال:

(ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟!).

قلنا: بلى يا رسول الله.

قال: (ألستُ أولى بكم من أُمّهاتكم؟!).

قلنا: بلى يا رسول الله.

قال: (ألستُ أولى بكم من آبائكم؟!).

قلنا: بلى يا رسول الله.

قال: (ألستُ أولى بكم؟ ألستُ ألستُ ألستُ؟!).

قلنا: بلى يا رسول الله.

قال: (فمَن كنتُ مولاه فإنّ عليّاً بعدي مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه).

____________________

(1) مسند ابن حنبل: 6/401/18506، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/596/1016 و610/1042، المصنّف لابن أبي شيبة: 7/503/55، البداية والنهاية: 5/209، الفصول المهمّة: 40، فرائد السمطين: 1/71/38، الرياض النضرة: 3/126؛ بشارة المصطفى: 184، العمدة: 100/133، المناقب لابن شهر آشوب: 3/35، المناقب للكوفي: 2/368/844 وص 370/845، الأمالي للشجري: 1/145.


فقال عمر بن الخطّاب: هنيئاً لك يا بن أبي طالب! أصبحتَ اليوم وليّ كلّ مؤمن (1) .

804 - المناقب للكوفي، عن البرّاء بن عازب: لمّا نزل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بغدير خُمّ أمرهم فكنسوا له بين نخلتين، ثمّ اجتمع الناس إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟!).

قالوا: بلى.

قال: فأخذ بعِضادة عليّ وأقامه إلى جنبه، ثمّ قال: (هذا وليّكم من بعدي، والى الله مَن وآله، وعادى مَن عاداه).

قال: فقام إليه عمر فقال: لِيَهْنِئْكَ (2) يا بن أبي طالب! أصبحتَ - أو قال: أمسيتَ - وليّ كلّ مسلم (3) .

805 - تاريخ دمشق، عن أبي هريرة: مَن صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجّة كتب الله له صيام ستّين شهراً، وهو يوم غدير خُمّ، لمّا أخذ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بيد عليّ بن أبي طالب فقال: (ألستُ مولى المؤمنين؟!).

قالوا: نعم يا رسول الله.

فأخذ بيد عليّ بن أبي طالب فقال: (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه).

فقال له عمر بن الخطّاب: بَخٍ (4) بخٍ يا بن أبي طالب! أصبحتَ مولاي ومولى

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/220/8715 وص 221/8717 و8718 كلاهما نحوه، البداية والنهاية: 7/350؛ الغدير: 1/19.

(2) هَنَأَهُ بالأمر والولاية، وهَنَّأَهُ؛ إذا قلت له: لِيَهْنِئْكَ (لسان العرب: 1/185).

(3) المناقب للكوفي: 1/442/343، شرح الأخبار: 1/221/204 وفيه من (أخذ بعضادة...).

(4) هي كلمة تُقال عند المدح والرِّضَى بالشيء، وتُكرَّر للمبالغة. ومعناها تعظيم الأمر وتَفْخِيمُه (النهاية: 1/101).


كلّ مسلم.

فأنزل الله تبارك وتعالى: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... ) (1) .

806 - الإمام الصادق (عليه السلام): (وكان ممّن أطنب في تهنئته بذلك المقام عمر بن الخطّاب، وقال فيما قال: بَخٍ بَخٍ لك يا عليّ! أصبحتَ مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة) (2) .

راجع: كتاب (الغدير): 1/270 - 283.

كتاب (فيض القدير): 6/218.

10/6

ذكريات أصحاب النبيّ من واقعة الغدير

10/6 - 1

أبو سعيد الخدري

807 - تاريخ دمشق، عن عبد الله بن شريك، عن سهم بن حصين الأسدي: قدمت إلى مكّة أنا وعبد الله بن علقمة - وكان عبد الله بن علقمة سبّابة لعليّ دهراً - قال: فقلت له: هل لك في هذا - يعني أبا سعيد الخدري - يحدِّث به عهداً؟ قال: نعم.

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/234/8739 وص 233، تاريخ بغداد: 8/290/4392، البداية والنهاية: 7/350 وفيها (وليّ) بدل (مولاي) ، المناقب لابن المغازلي: 19/24 وفيه (أولى بالمؤمنين من أنفسهم) بدل (مولى المؤمنين) ، شواهد التنزيل: 1/200/210 وفيه إلى (يا بن أبي طالب) ، فرائد السمطين: 1/77/44، المناقب للخوارزمي: 156/184 وفيهما إلى (ومولى كلّ مسلم) ، والثلاثة الأخيرة نحوه؛ الأمالي للصدوق: 50/2، روضة الواعظين: 384 وفيهما (أولى بالمؤمنين) بدل (مولى المؤمنين) ، الأمالي للشجري: 1/42.

(2) إعلام الورى: 1/262، الإرشاد: 1/177 من دون إسناد إليه (عليه السلام).


قال: فأتيناه، فقال: هل سمعت لعليّ رضوان الله عليه منقبة؟ قال: نعم، إذا حدّثتك فَسَلْ عنها المهاجرين والأنصار وقريشاً (1) :

إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قام يوم غدير خُمّ فأبلغ، ثمّ قال: (يا أيّها الناس، ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟). قالوا: بلى - قالها ثلاث مرّات - ثمّ قال: ادنُ يا عليّ. فرفع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يديه - حتى نظرت إلى بياض آباطهما - قال: (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه - ثلاث مرّات -).

قال: فقال عبد الله بن علقمة: أنت سمعت هذا من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ قال أبو سعيد: نعم. وأشار إلى أُذنيه وصدره؛ قال: سمعته أُذني ووعاه قلبي.

قال عبد الله بن شريك: فقدم علينا عبد الله بن علقمة وسهم بن حصين، فلمّا صلّينا الهَجِير (2) ، قام عبد الله بن علقمة فقال: إنّي أتوب إلى الله وأستغفره من سبّ عليّ - ثلاث مرّات - (3) .

10/6 - 2

أبو هريرة

808 - أنساب الأشراف، عن أبي هريرة: نظرت إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بغدير خُمّ وهو قائم يخطب، وعليّ إلى جنبه، فأخذ بيده فأقامه وقال: (مَن كنتُ مولاه فهذا

____________________

(1) في المصدر: (وقريش)، والصحيح ما أثبتناه كما في الأمالي.

(2) أرادَ صلاةَ الهَجِير؛ يعني الظُّهْر، فحذَف المضاف. وآلهجِير: اشتِداد الحَرّ نصفَ النهار (النهاية: 5/246).

(3) تاريخ دمشق: 42/228 و229؛ الأمالي للطوسي: 247/433 وراجع المناقب للكوفي: 2/449/937.


مولاه) (1) .

809 - المصنّف، عن أبي يزيد الأودي عن أبيه: دخل أبو هريرة المسجد فاجتمعنا إليه، فقام إليه شابّ فقال: أنشدك بالله! أسمعتَ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه)؟ فقال: نعم.

فقال الشابّ: أنا منك بريء! أشهد أنّك قد عاديتَ مَن وآله وواليتَ مَن عاداه!

قال: فحصَبَه الناس بالحصى (2) .

10/6 - 3

البرَّاء بن عازب

810 - سنن ابن ماجة، عن البرَّاء بن عازب: أقبلنا مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حجّته التي حجّ، فنزل في بعض الطريق، فأمر: الصلاة جامعةً، فأخذ بيد عليّ فقال: (ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟!). قالوا: بلى.

قال: (ألستُ أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟!). قالوا: بلى.

قال: (فهذا وليُّ مَن أنا مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، اللهمّ عادِ مَن عاداه) (3) .

____________________

(1) أنساب الأشراف: 2/356.

(2) المصنّف لابن أبي شيبة: 7/499/29، تاريخ دمشق: 42/232/8737 وص 231/8734 وليس فيهما (فقال الشاب...)؛ المناقب للكوفي: 2/394/870، الأمالي للشجري: 1/146 نحوه.

(3) سنن ابن ماجة: 1/43/116، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/610/1042 وفيه (بالمؤمنين من أنفسهم) بدل (بكلّ مؤمن من نفسه)، وزاد في آخره (فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة)، أنساب الأشراف: 2/356، تاريخ دمشق: 42/222 كلاهما نحوه، البداية والنهاية: 5/209.


811 - تاريخ دمشق، عن البرَّاء بن عازب وزيد بن أرقم: كنّا مع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خُمّ، ونحن نرفع غصن الشجرة عن رأسه، فقال: (... ألا وإنّ الله وليّي، وأنا وليّ كلّ مؤمن، فمَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه) (1) .

10/6 - 4

جابر بن عبد الله

812 - المصنّف، عن جابر بن عبد الله: كنّا بالجُحْفة بغدير خُمّ، إذا خرج علينا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فأخذ بيد عليّ فقال: (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه) (2) .

813 - سير أعلام النبلاء، عن عبد الله بن محمّد بن عقيل: كنت عند جابر في بيته، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن الحنفيّة، وأبو جعفر، فدخل رجل من أهل العراق، فقال: أنشدك بالله، إلاّ حدّثتني ما رأيت وما سمعت من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)! فقال: كنّا بالجُحفة بغدير خُمّ، وثَمّ ناس كثير من جُهينة ومُزينة وغفّار، فخرج علينا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من خِباء أو فُسطاط، فأشار بيده ثلاثاً، فأخذ بيد عليّ (رضي الله عنه) فقال: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) (3) .

814 - تاريخ دمشق، عن جابر بن عبد الله: خرج رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حتى نزل بخُمّ (4) ،

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/222/8719.

(2) المصنّف لابن أبي شيبة: 7/495/9، المناقب للكوفي: 2/406/886.

(3) سير أعلام النبلاء: 8/334/86 وذكر في آخره (هذا حديثٌ حسن عالٍ جدّاً، ومتنه فمتواتر)، البداية والنهاية: 5/213 نحوه، كنز العمّال: 13/137/36433 نقلا عن مسند البزّار.

(4) في المصدر: (خمّ)، والصحيح ما أثبتناه كما في المناقب.


فتنحّى الناس عنه، ونزل معه عليّ بن أبي طالب، فشقّ على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) تأخُّر الناس عنه، فأمر عليّاً فجمعهم، فلمّا اجتمعوا قام فيهم وهو متوسِّد على عليّ بن أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (أيّها الناس، إنّي قد كرهت تخلُّفكم وتنحّيكم عنّي، حتى خُيِّل إليّ أنّه ليس شجرة أبغض إليّ من شجرة تليني).

ثمّ قال: (لكنّ عليّ بن أبي طالب أنزله الله منّي بمنزلتي منه، رضي الله عنه كما أنا عنه راضٍ! فإنّه لا يختار على قربي ومحبّتي شيئاً).

ثمّ رفع يديه، ثمّ قال: (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه).

وابتدر الناس إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يبكون ويتضرّعون إليه، ويقولون: يا رسول الله، إنّما تنحّينا كراهية أن نثقل عليك، فنعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، فرضي عنهم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عند ذلك (1) .

10/6 - 5

جرير بن عبد الله

815 - المعجم الكبير، عن جرير: شهدنا الموسم في حجّة مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وهي حجّة الوداع، فبلغنا مكاناً يقال له غدير خُمّ، فنادى: الصلاة جامعةً، فاجتمعنا - المهاجرون والأنصار - فقام رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وسطنا فقال: (أيّها الناس، بِمَ تشهدون؟). قالوا: نشهد أن لا إله إلاّ الله. قال: (ثمّ مَهْ؟). قالوا: وأنّ

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/226/8726 وص 227، المناقب لابن المغازلي: 25/37 وراجع بحار الأنوار: 37/133.


محمّداً عبده ورسوله. قال: (فمَن وليّكم؟!). قالوا: الله ورسوله مولانا. قال: (مَن وليّكم؟). ثمّ ضرب بيده على عضد عليّ (رضي الله عنه) فأقامه، فنَزَع (1) عضدَه فأخذ بذراعيه، فقال: (مَن يكن الله ورسوله مولياه فإنّ هذا مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه. اللهمّ مَن أحبّه من الناس فكن له حبيباً، ومَن أبغضه فكن له مبغضاً؛ اللهمّ إنّي لا أجد أحداً أستودعه في الأرض بعد العبدَين الصالحين غيرَك، فاقضِ فيه بالحسنى) (2) .

10/6 - 6

حبشي بن جنادة

816 - تاريخ دمشق، عن حبشي بن جنادة: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول لعليّ يوم غدير خُمّ: (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه، وانصُر مَن نصره، وأعِن مَن أعانه) (3) .

10/6 - 7

حذيفة بن أسيد

817 - المعجم الكبير، عن حذيفة بن أسيد الغفاري: لمّا صدر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع، نهى أصحابَه عن شجرات بالبطحاء متقاربات أن ينزلوا تحتهنّ، ثمّ بعث إليهنّ فقُمَّ ما تحتهنّ من الشَّوْك، وعمد إليهنّ فصلّى تحتهنّ، ثمّ قام فقال:

____________________

(1) النَّزْع: الجَذْب (النهاية: 5/41).

(2) المعجم الكبير: 2/357/2505، تاريخ دمشق: 42/236/8743، كنز العمّال: 13/138/36437.

(3) تاريخ دمشق: 42/230/8730 وح 8731، البداية والنهاية: 5/213 عن حبش بن جنادة وليس فيهما (وانصر مَن نصره وأعن مَن أعانه)، المعجم الكبير: 4/17/3514؛ بحار الأنوار: 37/201/85.


(يا أيّها الناس، إنّي قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يُعمَّر نبيّ إلاّ نصف عمر الذي يليه من قبله. وإنّي لأظنّ أنّي يوشك أن أُدعى فأجيب، وإنّي مسؤول، وإنّكم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟).

قالوا: نشهد أنّك قد بلّغتَ وجهدتَ ونصحتَ، فجزاك الله خيراً!

فقال: (أليس تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ وناره حقّ، وأنّ الموت حقّ، وأنّ البعث بعد الموت حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث مَن في القبور؟).

قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: اللهمّ اشهد!

ثمّ قال: (أيّها الناس، إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمَن كنتُ مولاه فهذا مولاه - يعني عليّاً - اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه).

ثمّ قال: (يا أيّها الناس، إنّي فَرَطُكم، وإنّكم واردون عليّ الحوض؛ حوض أعرض ما بين بُصْرى وصنعاء، فيه عددَ النجوم قِدْحانٌ من فضّة، وإنّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثَّقَلَين (1) ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، الثَّقَل الأكبر كتاب الله عزّ وجلّ، سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فاستمسِكوا به لا تضلّوا ولا تُبدّلوا؛ وعترتي أهل بيتي، فإنّه نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن ينقضيا حتى يردا عليّ الحوض) (2) .

____________________

(1) سَمّاهُما ثَقَلَيْن؛ لأنّ الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل. ويقال لكلّ خطير نفيس: ثَقَل، فسَمّاهُما ثَقَلَيْن إعظاماً لِقَدْرهما، وتَفْخيماً لشَأنهما (النهاية: 1/216).

(2) المعجم الكبير: 3/180/3052 وص 67/2683، تاريخ دمشق: 42/219/8714، البداية والنهاية: 7/349، الفصول المهمّة: 40 وفيه إلى (عاداه)؛ تفسير العيّاشي: 1/4/3 عن المفضّل بن صالح عن بعض أصحابه وراجع أُسد الغابة: 3/136/2729.


818 - الخصال، عن حذيفة بن أسيد: لمّا رجع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع ونحن معه، أقبل حتى انتهى إلى الجُحْفة، فأمر أصحابه بالنزول، فنزل القوم منازلهم، ثمّ نودي بالصلاة، فصلّى بأصحابه ركعتين، ثمّ أقبل بوجهه إليهم فقال لهم:

(إنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّي ميّت وأنّكم ميّتون، وكأنّي قد دُعيت فأجبت، وإنّي مسؤول عمّا أُرسلت به إليكم، وعمّا خَلّفت فيكم من كتاب الله وحجّته، وإنّكم مسؤولون، فما أنتم قائلون لربّكم؟).

ثمّ قال لهم: (ألستُم تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله إليكم، وأنّ الجنّة حقّ، وأنّ النار حقّ، وأنّ البعث بعد الموت حقّ؟). فقالوا: نشهد بذلك.

قال: (اللهمّ اشهد على ما يقولون! ألا وإنّي أُشهدكم أنّي أشهد أنّ الله مولاي، وأنا مولى كلّ مسلم، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهل تقرّون لي بذلك وتشهدون لي به؟). فقالوا: نعم نشهد لك بذلك.

فقال: (ألا مَن كنتُ مولاه فإنّ عليّاً مولاه، وهو هذا).

ثمّ أخذ بيد عليّ (عليه السلام) فرفعها مع يده حتى بدت آباطهما، ثمّ قال: (اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه، وانصُر مَن نصره واخذُل مَن خذله، ألا وإنّي فَرَطكم وأنتم واردون عليّ الحوض، حوضي غداً، وهو حوض عرضه ما بين بُصرى وصنعاء، فيه أقداح من فضّة عددَ نجوم السماء، ألا وإنّي سائلكم غداً: ماذا صنعتم فيما أشهدتُ الله به عليكم في يومكم هذا إذا وردتم عليّ حوضي؟ وماذا صنعتم بالثقلين من بعدي؟ فانظروا كيف تكونون خلفتُموني فيهما حين تلقوني!).

قالوا: وما هذان الثقلان يا رسول الله؟


قال: (أمّا الثقل الأكبر فكتاب الله عزّ وجلّ، سبب ممدود من الله ومنّي في أيديكم، طرفه بيد الله، والطرف الآخر بأيديكم، فيه علم ما مضى وما بقي إلى أن تقوم الساعة؛ وأمّا الثقل الأصغر فهو حليف (1) القرآن، وهو عليّ بن أبي طالب وعترته. وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ) (2) .

10/6 - 8

زيد بن أرقم

819 - مسند ابن حنبل، عن ميمون أبي عبد الله: قال زيد بن أرقم - وأنا أسمع -: نزلنا مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بوادٍ يقال له: وادي خُمّ، فأمر بالصلاة فصلاّها بهَجِير، قال: فخطبنا، وظُلِّل لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بثوب على شجرة سَمُرة من الشمس، فقال:

(ألستُم تعلمون؟ أوَلستُم تشهدون أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟). قالوا: بلى.

قال: (فمَن كنتُ مولاه فإنّ عليّاً مولاه، اللهمّ عادِ مَن عاداه ووالِ مَن وآله) (3) .

820 - المستدرك على الصحيحين، عن زيد بن أرقم: خرجنا مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حتى انتهينا إلى غدير خُمّ، فأمر بروح (4) فكُسِح، في يوم ما أتى علينا يومٌ كان أشدّ حرّاً منه! فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (يا أيّها الناس، إنّه لم يُبعث نبيّ قطّ إلاّ ما عاش نصف ما عاش الذي كان قبله، وإنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي تارك

____________________

(1) كُلّ شيء لَزمَ شيئاً فلم يُفارِقه فهو حَلِيفُه (لسان العرب: 9/54).

(2) الخصال: 65/98.

(3) مسند ابن حنبل: 7/86/19344، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/597/1017، المعجم الكبير: 5/202/5092، البداية والنهاية: 5/212 وج 7/349.

(4) ولعلّها مصحَّفة عن (بِدَوْح). والدَّوْح: جمع دَوْحَة؛ وهي الشجرة العظيمة المتَّسعة من أيّ الشَّجَر كانت. والدَّوْحَة: المِظَلَّة العظيمة (لسان العرب: 2/436).


فيكم ما لن تضلّوا بعده؛ كتاب الله عزّ وجلّ).

ثمّ قام، فأخذ بيد عليّ (رضي الله عنه) فقال: (يا أيّها الناس! مَن أولى بكم من أنفسكم؟!). قالوا: الله ورسوله أعلم!

قال: (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه) (1) .

821 - خصائص أمير المؤمنين، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم: لمّا دَفَع (2) النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع ونزل غدير خُمّ، أمر بدَوحات فقُمِمْن، ثمّ قال: (كأنّي دُعيت فأجبت، وإنّي تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما! فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض).

ثمّ قال: (إنّ الله مولاي، وأنا وليّ كلّ مؤمن).

ثمّ إنّه أخذ بيد عليّ (رضي الله عنه) فقال: (مَن كنتُ وليّه فهذا وليّه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه).

قال أبو الطفيل: فقلت لزيد: أنت سمعته من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟

قال: نعم، وإنّه ما كان في الدَّوحات أحد إلاّ رآه بعينه وسمعه بأُذنه (3) .

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 3/613/6272، المعجم الكبير: 5/171/4986 وفيه (بدوح) بدل (بروح) ، كنز العمّال: 13/104/36342؛ المناقب للكوفي: 2/440/925، دعائم الإسلام: 1/19 عن الإمام عليّ (عليه السلام) نحوه.

(2) أي ابتدأ السَّيْر ودَفَع نفسه منها ونَحّاها، أو دَفَع ناقتَه وحَمَلها على السَّيْر (النهاية: 2/124).

(3) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 150/79، المستدرك على الصحيحين: 3/118/4576 وفيه إلى (عاداه)، المعجم الكبير: 5/166/4969، السنّة لابن أبي عاصم: 630/1555، أنساب الأشراف: 2/357، البداية والنهاية: 5/209، المناقب للخوارزمي: 154/182، سلسلة الأحاديث الصحيحة: 4/330/1750، كنز العمّال: 13/104/36340؛ كمال الدين: 234/45 وص 238/55، المناقب للكوفي: 2/435/919.


822 - المعجم الكبير، عن زيد بن أرقم: نزل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يوم الجُحْفة، ثمّ أقبل على الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (إنّي لا أجد لنبيّ إلاّ نصف عمر الذي قبله، وإنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب، فما أنتم قائلون؟). قالوا: نصحتَ. قال: (أليس تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ الجنّة حقّ والنار حقّ، وأنّ البعث بعد الموت حقّ؟). قالوا: نشهد.

قال: فرفع يديه فوضعهما على صدره، ثمّ قال: (وأنا أشهد معكم).

ثمّ قال: (ألا تسمعون؟). قالوا: نعم. قال: (فإنّي فَرَطكم على الحوض، وأنتم واردون عليّ الحوض، وإنّ عرضه أبعد ما بين صنعاء وبُصرى، فيه أقداحٌ عددَ النجوم من فضّة، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين!).

فنادى منادٍ: وما الثقلان يا رسول الله؟

قال: (كتاب الله، طرف بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأيديكم، فاستمسِكوا به لا تضلّوا؛ والآخر عترتي. وإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض، وسألت ذلك لهما ربّي. فلا تَقَدَّموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلِّموهم فإنّهم أعلم منكم).

ثمّ أخذ بيد عليّ (رضي الله عنه) فقال: (مَن كنتُ أولى به من نفسي فعليّ وليّه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه) (1) .

____________________

(1) المعجم الكبير: 5/167/4971 وج 3/66/2681 وفيه من (إنّي فرطكم) إلى (أعلم منكم) ، السيرة الحلبيّة: 3/274، الفصول المهمّة: 39؛ المناقب للكوفي:2/375/849 كلّها نحوه.


823 - فضائل الصحابة، عن أبي ليلى الكندي: سمعت زيد بن أرقم يقول، ونحن ننتظر جنازة، فسأله رجل من القوم فقال: أبا عامر! أسمعتَ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خُمّ لعليّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)؟ قال: نعم.

قال أبو ليلى: فقلت لزيد بن أرقم: قالها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ قال: نعم، قد قالها له أربع مرّات (1) .

10/6 - 9

سعد بن أبي وقّاص

824 - تاريخ دمشق، عن سعد بن أبي وقّاص: شهدت له [ عليّ (عليه السلام) ] أربعاً... الرابعة: يوم غدير خُمّ؛ قام رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فأبلغ، ثمّ قال: (يا أيّها الناس، ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟! - ثلاث مرّات -). قالوا: بلى. قال: (ادنُ يا عليّ). فرفع يده ورفع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يده حتى نظرت إلى بياض إبطيه، فقال: (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه) - حتى قالها ثلاث مرّات - (2) .

825 - خصائص أمير المؤمنين، عن سعد: كنّا مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بطريق مكّة وهو

____________________

(1) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/613/1048 وراجع ص 586/992 ومسند ابن حنبل: 7/78/19299 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي: 155/84 والمستدرك على الصحيحين: 3/118/4577 والمعجم الكبير: 5/194/5065 وص 195/5070 وص 212/5128 وتاريخ دمشق: 42/216/8702 وص 217/8706 والمصنّف لابن أبي شيبة: 7/499/29 والمناقب لابن المغازلي: 18/23 وص 24/34 والأمالي للشجري: 1/145 والمناقب للكوفي: 2/400/877.

(2) تاريخ دمشق: 42/117، كفاية الطالب: 286؛ بشارة المصطفى: 205، الخصال: 311/87 نحوه، وراجع المصنّف لابن أبي شيبة: 7/496/10.


متوجّه إليها، فلمّا بلغ غدير خُمّ وقّف الناس، ثمّ ردَّ مَن مضى، ولحقه مَن تخلّف عنه، فلمّا اجتمع الناس إليه قال: (أيّها الناس، هل بلّغتُ؟!). قالوا: نعم. قال: (اللهمّ اشهد!) - ثلاث مرّات يقولها -.

ثمّ قال: (أيّها الناس، مَن وليّكم؟!). قالوا: الله ورسوله - ثلاثاً -.

ثمّ أخذ بيد عليّ فأقامه، ثمّ قال: (مَن كان الله ورسوله وليّه فهذا وليّه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه) (1) .

10/6 - 10

عبد الله بن عمر

826 - شرح الأخبار، عن عبد الله بن عمر: شهدتُ مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم الغدير، فأمر بشجرات هنالك فكُسِح ما تحتهنّ، وسمعته يقول: (أيّها الناس، ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟!). فأجبناه - كلّنا -: بلى يا رسول الله.

فأخذ يده فوضعها على يد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ رفعها حتى رأينا بياض إبطيهما، ثمّ قال: (مَن كنتُ مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه، وانصُر مَن نصره واخذُل مَن خذله) (2) .

10/7

ذكريات الإمام

827 - الإمام عليّ (عليه السلام): (خرج رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى حجّة الوداع، ثمّ صار إلى غدير

____________________

(1) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 177/96، تاريخ دمشق: 42/223/8720، فرائد السمطين: 1/70/37؛ المناقب للكوفي: 1/444/344.

(2) شرح الأخبار: 1/101/24 وراجع تاريخ دمشق: 42/236.


خُمّ، فأمر فأُصلح له شبه المنبر، ثمّ علاه وأخذ بعضدي حتى رُئي بياض إبطيه، رافعاً صوته، قائلاً في محفله: مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه.

فكانت على ولايتي ولاية الله، وعلى عداوتي عداوة الله.

وأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك اليوم: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) (1) .

فكانت ولايتي كمال الدين، ورضى الربّ جلّ ذكره) (2) .

828 - عنه (عليه السلام): (عمَّمني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خُمّ بعمامة سدَلَها خلفي، ثمّ قال: إنّ الله أمدّني يوم بدر وحنين بملائكة يعتمّون هذه العِمّة) (3) .

راجع: إكمال الدين، والتتويج يوم الغدير، ومناشدات عليّ.

10/8

أبيات حسّان بن ثابت

829 - المناقب للخوارزمي، عن أبي سعيد الخدري: إنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، يومَ دعا الناس إلى غدير خُمّ، أمر بما كان تحت الشجرة من الشَّوك فقُمَّ، وذلك يوم الخميس، ثمّ

____________________

(1) المائدة: 3.

(2) الكافي: 8/27/4، عن جابر بن يزيد عن الإمام الباقر (عليه السلام).

(3) السنن الكبرى: 10/24/19736، مسند الطيالسي: 23/154، فرائد السمطين: 1/76/43 وص 75/41 وفيه ذيله، الفصول المهمّة: 41 وفيه (فسدل بمرقها على منكبي) بدل (سدلها خلفي) ، كنز العمّال: 15/482/41909؛ المناقب للكوفي: 2/42/529 كلّها عن أبي راشد، شرح الأخبار: 1/321/288.


دعا الناسَ إلى عليّ، فأخذ بضَبْعه (1) فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطه، ثمّ لم يتفرّقا حتى نزلت: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) (2) .

فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الربّ برسالاتي، والولاية لعليّ!).

ثمّ قال: (اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه، وانصُر مَن نصره، واخذُل مَن خذله).

فقال حسّان بن ثابت: ايذن لي - يا رسول الله - أن أقول أبياتاً.

قال: (قل، ببركة الله تعالى).

فقال حسّان بن ثابت: يا معشر مشيخة قريش، اسمعوا شهادة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ثمّ قال:

يُناديهمُ يومَ الغدير نبيُّهم

بخُمٍّ وأكرِمْ بالنبيِّ مُنادِيا

يقولُ فمَن مولاكمُ ووليُّكم

فقالوا ولم يُبدوا هناك التعادِيا

إلهُك مولانا وأنت وليُّنا

ولن تَجِدَنْ منّا لك اليومَ عاصِيا

فقال له قُم يا عليّ فإنّني

رضيتُك من بعدي إماماً وهادِيا (1)

____________________

(1) الضَّبْع: وسَطُ العَضُد (النهاية: 3/73).

(2) المائدة: 3.

(3) المناقب للخوارزمي: 135/152، مقتل الحسين للخوارزمي: 1/47، فرائد السمطين: 1/73/39 وص 74/40، النور المشتعل: 56/4؛ المناقب للكوفي: 1/362/291 وص 118/66، المسترشد: 468/159 و160 وفي الخمسة الأخيرة (يقول: فمَن مولاكم ووليّكم) بدل (بأنّي مولاكم نعم ونبيّكم )، الطرائف: 146/221 وفيه وفي مقتل الحسين للخوارزمي (ألست أنا مولاكم ووليّكم) بدل (بأنّي مولاكم نعم ونبيّكم) ، وراجع كتاب سليم بن قيس: 2/828/39.


830 - الأمالي للصدوق، عن أبي سعيد: لمّا كان يوم غدير خُمّ أمر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) منادياً، فنادى: الصلاة جامعةً. فأخذ بيد عليّ (عليه السلام) وقال: (اللهمّ مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه. اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه).

فقال حسّان بن ثابت: يا رسول الله، أقول في عليّ شعراً؟ فقال له رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (افعلْ).

فقال:

يُناديهمُ يومَ الغدير نبيُّهم

بخُمٍّ وأكرِمْ بالنبيِّ مُنادِيا

يقولُ فمَن مولاكمُ ووليُّكم

فقالوا ولم يُبدوا هناك التعادِيا

إلهُك مولانا وأنت وليُّنا

ولن تَجِدَنْ منّا لك اليومَ عاصِيا

فقال له قُم يا عليّ فإنّني

رضيتُك من بعدي إماماً وهادِيا (1)

831 - تذكرة الخواصّ: قد أكثرت الشعراء في يوم غدير خُمّ، فقال حسّان بن ثابت:

يُناديهمُ يومَ الغدير نبيُّهم

بخُمٍّ وأكرِمْ بالنبيِّ مُنادِيا

يقولُ فمَن مولاكمُ ووليُّكم

فقالوا ولم يُبدوا هناك التعامِيا

إلهُك مولانا وأنت وليُّنا

وما لك منّا في الولاية عاصِيا

فقال له قُم يا عليّ فإنّني

رضيتُك من بعدي إماماً وهادِيا

فمَن كنتُ مولاهُ فهذا وليُّهُ

فكونوا له أنصارَ صدق مَوالِيا

هناك دعا اللهمّ والِ وليَّهُ

وكُن لِلَّذي عادَى عليّاً مُعادِيا

ويروى أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) لما سمعه يُنشد هذه الأبيات قال له: (يا حسّان، لا تزال

____________________

(1) الأمالي للصدوق: 670/898، روضة الواعظين: 116.


مؤيَّداً بروح القدس ما نصرتَنا أو نافَحْتَ (1) عنّا بلسانك) (2) .

راجع: القسم التاسع/عليّ عن لسان الشعراء.

10/9

سؤال عذاب واقع

( وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (3) .

( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) (4) .

832 - الإمام عليّ (عليه السلام): (أنا الذي نزل على أعدائي: ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) ؛ بمعنى مَن أنكر ولايتي، وهو النعمان بن الحارث اليهودي، لعنه الله تعالى) (5) .

833 - الإمام الباقر، عن الإمام عليّ (عليهما السلام): (لمّا نصب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عليّاً يوم غدير خُمّ فقال: (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه)، طار ذلك في البلاد، فقدم على رسول الله النعمان بن الحارث الفِهري، فقال: أمرتَنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله، وأمرتنا بالجهاد والحجّ والصلاة والزكاة والصوم، فقبلناها منك، ثمّ لم

____________________

(1) نافَحَ: أي دافَعَ (النهاية: 5/89).

(2) تذكرة الخواصّ: 33؛ خصائص الأئمّة (عليهم السلام): 42، الفصول المختارة: 290، الإرشاد: 1/177، إعلام الورى: 1/262، المناقب لابن شهر آشوب: 3/27، وفي الثلاثة الأخيرة الأبيات فقط، جامع الأخبار: 49/53 عن الإمام الصادق (عليه السلام) نحوه، وراجع نفحات الأزهار: 8/291 - 309.

(3) الأنفال: 32.

(4) المعارج: 1 و2.

(5) الفضائل لابن شاذان: 73.


ترضَ حتى نصبتَ هذا الغلام فقلتَ: (مَن كنتُ مولاه فهذا مولاه)! فهذا شيء منك أو أمر من عند الله؟!

قال: أمر من عند الله.

قال: الله الذي لا إله إلاّ هو، إنّ هذا من الله؟

قال: الله الذي لا إله إلاّ هو، إنّ هذا من الله.

قال: فولّى النعمان وهو يقول: اللهمّ، إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطِر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم!

فرماه الله بحجر على رأسه فقتله. فأنزل الله تعالى: ( سَأَلَ سَائِلٌ... ) ) (1) .

834 - تأويل الآيات الظاهرة، عن حسين بن محمّد: سألت سفيان بن عيينة عن قول الله عزّ وجلّ: ( سَأَلَ سَائِلٌ... ) فيمن نزلت؟

فقال: يا بن أخي، لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، لقد سألتُ جعفر بن محمّد (عليهما السلام) عن مثل الذي سألتني، فقال: (أخبرني أبي، عن جدّي، عن أبيه، عن ابن عبّاس قال: لمّا كان يوم غدير خُمّ قام رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) خطيباً، فأوجز في خطبته، ثمّ دعا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فأخذ بضَبْعَيه، ثمّ رفع بيده حتى رُئي بياض إبطيه، وقال للناس: ألم اُبلّغكم الرسالة؟! ألم أنصح لكم؟! قالوا: اللهمّ نعم.

قال: فمَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه.

____________________

(1) شواهد التنزيل: 2/381/1030 عن سفيان بن عيينة عن الأمام الصادق (عليه السلام)، فرائد السمطين: 1/82/53 وفيه (الحرث بن النعمان الفهري)؛ مجمع البيان: 10/530 كلاهما عن سفيان بن عيينة عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) نحوه وراجع شواهد التنزيل: 2/382 - 385 وعيون المعجزات: 22.


قال: ففشتْ هذه في الناس، فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، فرحّل راحلته ثمّ استوى عليها - ورسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إذ ذاك في الأبْطَح (1) - فأناخ ناقته ثمّ عقلها، ثمّ أتى النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) فسلّم، ثمّ قال: يا عبد الله، إنّك دعوتَنا إلى أن نقول: لا إله إلاّ الله. فقلنا، ثمّ دعوتنا إلى أن نقول: إنّك رسول الله. فقلنا وفي القلب ما فيه! ثمّ قلت لنا: صلّوا. فصلّينا، ثمّ قلت لنا: صوموا. فصمنا، ثمّ قلت لنا: حجّوا. فحججنا، ثمّ قلت لنا: (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه)، فهذا عنك أو عن الله؟!

فقال له: بل عن الله - فقالها ثلاثاً -.

فنهض وإنّه لمُغضب، وإنّه يقول: اللهمّ إن كان ما يقول محمّد حقّاً، فأمطِر علينا حجارة من السماء تكون نقمة في أوّلنا وآية في آخرنا؛ وإن كان ما يقول كذباً فأنزِل به نقمتك!

ثمّ استوى على ناقته فأثارَها (2) ، فلمّا خرج من الأبطح رماه الله بحجر على رأسه، فخرج من دُبره، فسقط ميّتاً!

فأنزل الله تبارك وتعالى: ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ) ) (3) .

835 - السيرة الحلبيّة: قال بعضهم: ولمّا شاع قوله (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه)، في سائر الأمصار وطار في جميع الأقطار؛ بلغ الحارثَ بن النعمان

____________________

(1) الأَبْطَح: كلّ مسيل فيه دقاق الحصى فهو أبطح (معجم البلدان: 1/74).

(2) أثَرْتُ البعيرَ: إذا كان بارِكاً وبَعَثَه فانْبَعَث (لسان العرب: 4/110).

(3) تأويل الآيات الظاهرة: 2/722/1 عن محمّد بن العبّاس، تفسير فرات: 505/663، خصائص الوحي المبين: 54.


الفهري، فقدم المدينة، فأناخ راحلته عند باب المسجد، فدخل والنبيّ (صلَّى الله عليه وآله) جالس وحوله أصحابه، فجاء حتى جَثا (1) بين يديه، ثمّ قال: يا محمّد، إنّك أمرتَنا أن نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله. فقبلنا ذلك منك، وإنّك أمرتنا أن نُصلّي في اليوم والليلة خمس صلوات، ونصوم شهر رمضان، ونُزكّي أموالنا، ونحجّ البيت. فقبلنا ذلك منك، ثمّ لم ترضَ بهذا حتى رفعتَ بضَبْعَي ابن عمّك ففضّلتَه وقلت: (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه)! فهذا شيء من الله أو منك؟!

فاحمرّت عينا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وقال: (والله الذي لا إله إلاّ هو، إنّه من الله وليس منّي - قالها ثلاثاً -).

فقام الحارث، وهو يقول: اللهمّ، إن كان هذا هو الحقّ من عندك - وفي رواية: اللهمّ، إن كان ما يقول محمّد حقّاً - فأرسِل علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم!

فو الله، ما بلغ باب المسجد حتى رماه الله بحجر من السماء، فوقع على رأسه، فخرج من دبره فمات!

وأنزل الله تعالى: ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) الآية.

وكان ذلك اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة (2) .

836 - تفسير القرطبي - في تفسير قوله تعالى: ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) -: قيل: إنّ السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري؛ وذلك أنّه لمّا بلغه قول النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) في عليّ (رضي الله عنه): (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)، ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح، ثمّ قال: يا محمّد، أمرتَنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك

____________________

(1) أي جَلَس على رُكْبتَيْه للخُصومة ونحوها (لسان العرب 14/131).

(2) السيرة الحلبيّة: 3/274.


رسول الله، فقبلناه منك، وأن نُصلّي خمساً، فقبلناه منك، ونُزكّي أموالنا، فقبلناه منك، وأن نصوم شهر رمضان في كلّ عام، فقبلناه منك، وأن نحجّ، فقبلناه منك. ثمّ لم ترضَ بهذا حتى فضّلتَ ابن عمّك علينا! أفهذا شيء منك أم من الله؟!

فقال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): (والله الذي لا إله إلاّ، هو ما هو إلاّ من الله).

فولّى الحارث وهو يقول: اللهمّ، إن كان ما يقول محمّد حقّاً فأمطِر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم!

فو الله، ما وصل إلى ناقته حتى رماه الله بحجر، فوقع على دماغه، فخرج من دُبره فقتله!

فنزلت: ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) الآية (1) .

837 - المناقب لابن شهر آشوب: أبو عبيد، والثعلبي، والنقّاش، وسفيان بن عيينة، والرازي، والقزويني، والنيسابوري، والطبرسي، والطوسي، في تفاسيرهم: أنّه لمّا بلّغ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بغدير خُمٍّ ما بلّغ وشاع ذلك في البلاد؛ أتى الحارث بن النعمان الفهري - وفي رواية أبي عبيد: جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري - فقال: يا محمّد، أمرتَنا عن الله بشهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، وبالصلاة والصوم والحجّ والزكاة، فقبلنا منك، ثمّ لم ترضَ بذلك حتى رفعتَ بضَبْع ابن عمّك ففضّلتَه علينا وقلت: (مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه)! فهذا شيء منك أم من الله؟!

فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (والذي لا إله إلاّ هو، إنّ هذا من الله).

فولّى الحارث يريد راحلته وهو يقول: اللهمّ، إن كان ما يقول محمّد حقّاً فأمطِر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم!

____________________

(1) تفسير القرطبي: 18/278؛ الإقبال: 2/251 نحوه.


فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته، وخرج من دُبره وقتله!

وأنزل الله تعالى: ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) الآية.

وفي شرح الأخبار أنّه نزل: ( أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ) (1) (2) .

راجع: كتاب (الغدير): 1/239 - 266.

10/10

احتجاج فاطمة بنت رسول الله

838 - فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - لمّا مُنعتْ فدك وخاطبت الأنصار، فقالوا: يا بنت محمّد، لو سمعنا هذا الكلام منك قبل بيعتنا لأبي بكر ما عدلنا بعليّ أحداً!!

فقالت -: (وهل ترك أبي يوم غدير خمّ لأحد عذراً؟!) (3)

839 - عنها (عليها السلام): (أنسيتم قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خمّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)؟!) (4) (5) .

840 - عنها (عليها السلام): - خطاباً لقوم وقفوا خلف باب بيتها لأخذ البيعة من أمير المؤمنين (عليه السلام) -: (لا عهد لي بقوم أسوأ محضراً منكم! تركتم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم فيما بينكم، ولم تؤمِّرونا ولم تروا لنا حقّاً، كأنّكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خمّ! والله، لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم

____________________

(1) الشعراء: 204، الصافّات: 176.

(2) المناقب لابن شهر آشوب: 3/40 وراجع تفسير فرات: 503/661 وح 662 وشرح الأخبار: 1/229/219.

(3) الخصال: 173.

(4) يُعرف هذا الحديث بالحديث المسلسل بالفواطم، لوقوع ستٍّ من الفواطم في سلسلة سنده.

(5) جامع الأحاديث للقمّي: 273 عن أُمّ كلثوم بنت فاطمة (عليها السلام).


بذلك منها الرجاء، ولكنّكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيّكم، والله حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة) (1) .

راجع: كتاب (الغدير): 1/196/احتجاج الصدّيقة فاطمة بنت رسول الله.

10/11

احتجاج عليّ

841 - الاحتجاج: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) [ بعد وفاة الرسول (صلَّى الله عليه وآله) وانتخاب أبي بكر ]: (يا معاشر المهاجرين والأنصار، الله الله!! لا تنسوا عهد نبيّكم إليكم في أمري، ولا تُخرجوا سلطان محمّد (صلَّى الله عليه وآله) من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن حقّه ومقامه في الناس! فو الله - يا معاشر الجمع -، إنّ الله قضى وحكم ونبيّه أعلم وأنتم تعلمون أنّا أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم، أما كان القارئ منكم لكتاب الله، الفقيه في دين الله، المضطلع بأمر الرعيّة؟ والله، إنّه لفينا لا فيكم! فلا تتّبعوا الهوى فتزدادوا من الحقّ بُعداً، وتفسدوا قديمكم بشرٍّ من حديثكم).

فقال بشير بن سعد الأنصاري - الذي وطّأ الأرض لأبي بكر - وقالت جماعة من الأنصار: يا أبا الحسن، لو كان هذا الأمر سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف فيك اثنان.

فقال عليّ (عليه السلام): (يا هؤلاء! أكنت أدع رسول الله مسجّى لا أُواريه وأخرج أُنازع في سلطانه؟! والله، ما خفت أحداً يسمو له ويُنازعنا أهل البيت فيه، ويستحلّ ما استحللتموه، ولا علمت أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ترك يوم غدير خمّ لأحد حجّة، ولا

____________________

(1) الاحتجاج: 1/202/37، الأمالي للمفيد: 50/9 وفيه إلى (حقّاً)، بحار الأنوار: 28/204/3.


لقائل مقالاً) (1) .

842 - الإمام عليّ (عليه السلام) - من كلامه (عليه السلام) لمّا عزم على المسير إلى الشام لقتال معاوية -: (فالعجب من معاوية بن أبي سفيان! يُنازعني الخلافة، ويجحدني الإمامة، ويزعم أنّه أحقّ بها منّي، جرأة منه على الله وعلى رسوله، بغير حقّ له فيها ولا حجّة، لم يُبايعه عليها المهاجرون، ولا سلّم له الأنصار والمسلمون... ما بال معاوية وأصحابه طاعنين في بيعتي؟! ولِمَ لم يفوا بها لي وأنا في قرابتي وسابقتي وصهري أوْلى بالأمر ممّن تقدّمني؟! أما سمعتم قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم الغدير في ولايتي وموالاتي؟! فاتّقوا الله أيّها المسلمون) (2) .

843 - المناقب لابن شهر آشوب: روى علقمة أنّه خرج يوم صفّين رجل من عسكر الشام وعليه سلاح ومصحف فوقه، وهو يقول: ( عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ) (3) ، فأردت البراز، فقال (عليه السلام): (مكانك). وخرج بنفسه وقال: (أتعرف النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون؟!). قال: لا. قال: (والله، إنّي أنا النبأ العظيم الذي فيَّ اختلفتم، وعلى ولايتي تنازعتم، وعن ولايتي رجعتم بعد ما قبلتم، وببغيكم هلكتم بعد ما بسيفي نجوتم، ويوم غدير قد علمتم، ويوم القيامة تعلمون ما علمتم).

ثمّ علاه بسيفه، فرمى رأسه ويده، ثمّ قال:

أبى الله إلاّ أنّ صفّين دارنا

وداركم ما لاح في الأفق كوكب

وحتى تموتوا أو نموت وما لنا

وما لكم عن حومة الحرب مهرب (4)

____________________

(1) الاحتجاج: 1/183/36، بحار الأنوار: 28/186.

(2) الإرشاد: 1/261، الاحتجاج: 1/406/88، بحار الأنوار: 32/388/360.

(3) النبأ: 1.

(4) المناقب لابن شهر آشوب: 3/79، تأويل الآيات الظاهرة: 2/759/5، بحار الأنوار: 36/3/6.


844 - الإمام عليّ (عليه السلام) - من كتاب كتبه بعد منصرفه من النهروان وأمر أن يُقرأ على الناس -: (إنّ هذا لأمرٌ عجيب!! ولم يكونوا لولاية أحد منهم أكره منهم لولايتي، كانوا يسمعون وأنا أُحاجّ أبا بكر فأنا وأقول: يا معشر قريش، أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان منكم مَن يقرأ القرآن ويعرف السنّة، ويدين بدين الله الحقّ، وإنّما حجّتي أنّي وليُّ هذا الأمر من دون قريش، إنّ نبي الله (صلَّى الله عليه وآله) قال: الولاء لمَن أعتق. فجاء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بعتق الرقاب من النار وأعتقها من الرقّ، فكان للنبيّ (صلَّى الله عليه وآله) ولاء هذه الأُمّة. وكان لي بعده ما كان له، فما جاز لقريش من فضلها عليها بالنبيّ (صلَّى الله عليه وآله) جاز لبني هاشم على قريش، وجاز لي على بني هاشم؛ بقول النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خمّ: (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه). إلاّ أن تدّعي قريش فضلها على العرب بغير النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، فإن شاؤوا فليقولوا ذلك) (1) .

845 - الأمالي للمفيد، عن أبي عليّ الهمداني: إنّ عبد الرحمن بن أبي ليلى قام إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي سائلك لآخذ عنك، وقد انتظرنا أن تقول من أمرك شيئاً فلم تقله، ألا تُحدّثنا عن أمرك هذا؟ أكان بعهد من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أو شيء رأيته؟ فإنّا قد أكثرنا فيك الأقاويل، وأوثقه عندنا ما قبلناه عنك وسمعناه من فيك. إنّا كنّا نقول: لو رجعت إليكم بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لم يُنازعكم فيها أحد. والله، ما أدري إذا سُئلت ما أقول! أزعم أنّ القوم كانوا أولى بما كانوا فيه منك؛ فإن قلت ذلك، فعلامَ نصبك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بعد حجّة الوداع؟! فقال: (أيّها الناس، مَن كنت مولاه فعليّ مولاه). وإن تك أولى منهم بما كانوا فيه فعلامَ نتولاّهم؟!

____________________

(1) كشف المحجّة: 245، نقلاً عن محمّد بن يعقوب في كتاب الرسائل، عن الأصبغ بن نباتة وأبي الطفيل ورزين بن حبيش وجماعة، بحار الأنوار:30/13/1.


فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (يا عبد الرحمن، إنّ الله تعالى قبض نبيّه (صلَّى الله عليه وآله) وأنا يوم قبضه أولى بالناس منّي بقميصي هذا، وقد كان من نبيّ الله إليَّ عهد لو خزمتموني بأنفي لأقررت سمعاً لله وطاعة، وإنّ أوّل ما انتقصناه بعده إبطال حقّنا في الخمس، فلمّا رقّ أمرنا طمعت رعيان البُّهم من قريش فينا، وقد كان لي على الناس حقّ لو ردّوه إليَّ عفواً قبلته وقمت به وكان إلى أجل معلوم، وكنت كرجل له على الناس حقّ إلى أجل، فإن عجّلوا له ماله أخذه وحمدهم عليه، وإن أخّروه أخذه غير محمودين، وكنت كرجل يأخذ السهولة وهو عند الناس محزون.

وإنّما يُعرف الهدى بقلّة مَن يأخذه من الناس، فإذا سكتُّ فاعفوني؛ فإنّه لو جاء أمر تحتاجون فيه إلى الجواب أجبتكم، فكفّوا عنّي ما كففت عنكم).

فقال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، فأنت - لعمرك - كما قال الأوّل:

لعمرك لقد أيقظت مَن كان نائماً

وأسمعت مَن كانت له أُذنان (1)

10/12

مُناشدات عليّ

846 - مسند ابن حنبل، عن أبي الطفيل: جمع عليّ (رضي الله عنه) الناس في الرُّحْبة (2) ، ثمّ قال لهم: (أنشد الله، كلّ امرئ مسلم سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خمّ ما سمع لمّا قام). فقام ثلاثون من الناس - وقال أبو نعيم: فقام ناس كثير - فشهدوا حين

____________________

(1) الأمالي للمفيد: 223/1، الأمالي للطوسي: 8/9، كشف الغمّة: 2/3، شرح الأخبار: 2/261/563 عن سليمان بن أبي الورد، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى نحوه، بحار الأنوار: 29/582/16.

(2) الرُّحْبَة: قرية بحذاء القادسيّة على مرحلة من الكوفة، ورُحبة خنيس: محلّة بالكوفة، والرُّحبة: الفضاء بين أبنية البيوت أو المسجد (معجم البلدان: 3/33).


أخذه بيده فقال للناس: (أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟!).

قالوا: نعم يا رسول الله.

قال: (مَن كنت مولاه فهذا مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه).

قال: فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً، فلقيت زيد بن أرقم، فقلت له: إنّي سمعت عليّاً (رضي الله عنه) يقول كذا وكذا. قال: فما تُنكر؟! قد سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول ذلك له (1) .

847 - أُسد الغابة، عن أبي الطفيل: كنّا عند عليّ (رضي الله عنه) فقال: (أنشد الله تعالى، مَن شهد يوم غدير خمّ إلاّ قام). فقام سبعة عشر رجلاً؛ منهم أبو قدامة الأنصاري، فقالوا: نشهد أنّا أقبلنا مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع، حتى إذا كان الظهر خرج رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فأمر بشجرات فشُددن، وأُلقي عليهنّ ثوب، ثمّ نادى: (الصلاةَ). فخرجنا فصلّينا، ثمّ قام فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثمّ قال:

(يا أيّها الناس، أتعلمون أنّ الله عزّ وجلّ مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنّي أولى بكم من أنفسكم؟!). يقول ذلك مراراً.

قلنا: نعم. وهو آخذ بيدك يقول: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه). ثلاث مرّات (2) .

848 - مسند ابن حنبل، عن زيد بن أرقم: استَشهد عليّ الناس، فقال: (أنشد الله

____________________

(1) مسند ابن حنبل: 7/82/19321، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/682/1167، مسند البزّار: 2/133/492 وفيهما إلى (عاداه) ، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 173/93، تاريخ الإسلام للذهبي: 3/631 كلاهما نحوه، تاريخ دمشق: 42/205/8680، كفاية الطالب: 56، البداية والنهاية: 5/211 وج 7/347، سلسلة الأحاديث الصحيحة: 4/331/1750 وراجع تاريخ الخلفاء: 201.

(2) أُسد الغابة: 6/246/6177 وراجع الإصابة: 7/274/10416.


رجلاً سمع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يقول: اللهمّ مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه)؟. فقام ستّة عشر رجلاً فشهدوا (1) .

849 - مسند ابن حنبل، عن زاذان بن عمر: سمعت عليّاً في الرُّحبة وهو ينشد الناس: (مَن شهد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خمّ وهو يقول ما قال)؟). فقام ثلاثة عشر رجلاً، فشهدوا أنّهم سمعوا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وهو يقول: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) (2) .

850 - المعجم الأوسط، عن عميرة بن سعد: سمعت عليّاً ينشد الناس: (من سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)؟). فقام ثلاثة عشر، فشهدوا أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) (3) .

851 - مسند ابن حنبل، عن زياد بن أبي زياد: سمعت عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) ينشد الناس، فقال: (أنشد الله رجلاً مسلماً سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خمّ ما

____________________

(1) مسند ابن حنبل: 9/51/23204، تاريخ دمشق: 42/204/8678، المعجم الكبير: 5/192/5058 عن سعيد بن وهب وحبّة العرني وزيد بن أرقم وفيه (بضعة عشر) بدل (ستّة عشر) ، الرياض النضرة: 3/127، سلسلة الأحاديث الصحيحة: 4/333/1750، البداية والنهاية: 7/347 نحوه.

(2) مسند ابن حنبل: 1/182/641، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2/585/991، تاريخ دمشق: 42/212/8691 كلاهما عن زاذان أبي عمر، البداية والنهاية: 7/349 عن زاذان عن ابن عمر، السنّة لابن أبي عاصم: 593/1372، تذكرة الخواصّ: 28؛ بشارة المصطفى: 191، المناقب للكوفي: 2/408/890 والأربعة الأخيرة عن زاذان.

(3) المعجم الأوسط: 2/324/2110 وص 369/2254، تاريخ دمشق: 42/209/8686، تاريخ أصبهان: 1/142/92، البداية والنهاية: 7/348، المناقب لابن المغازلي: 26/38 وفيها (اثنا عشر رجلاً منهم أبو هريرة وأبو سعيد وأنس بن مالك) بدل (ثلاثة عشر) وكلّها نحوه، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 156/85 وفيه (بضعة عشر) بدل (ثلاثة عشر) .


قال؟). فقام: اثنا عشر بدريّاً فشهدوا (1) .

852 - السنّة، عن المهاجر بن عميرة أو عميرة بن المهاجر: سمعت عليّاً (رضي الله عنه) ناشد الناس على المنبر: (مَن سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)؟).

فقام اثنا عشر رجلاً، فقالوا: سمعنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقوله (2) .

853 - مسند ابن حنبل، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: شهدت عليّاً في الرحبة ينشد الناس: (أنشد الله مَن سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خمّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه). لمّا قام فشهد).

قال عبد الرحمن: فقام اثنا عشر بدريّاً كأنّي أنظر إلى أحدهم، فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خمّ: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي اُمّهاتهم؟!). فقلنا: بلى يا رسول الله. قال: (فمَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه) (3) .

854 - خصائص أمير المؤمنين، عن زيد بن يثيع: سمعت عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) يقول على منبر الكوفة: (إنّي أنشد الله رجلاً - ولا أنشد إلاّ أصحاب محمّد (صلَّى الله عليه وآله) - سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خمّ يقول: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ من وآله، وعادِ من عاداه).

____________________

(1) مسند ابن حنبل: 1/191/670، تاريخ دمشق: 42/212، البداية والنهاية: 7/349، الرياض النضرة: 3/128.

(2) السنّة لابن أبي عاصم: 593/1373.

(3) مسند ابن حنبل: 1/252/961، مسند أبي يعلى: 1/286/563، تاريخ دمشق: 42/206/8682 وص 207/8683، البداية والنهاية: 7/348، رسالة طرق حديث (مَن كنت مولاه) للذهبي: 17 نحوه، وراجع مسند البزّار: 2/235/632 وتاريخ بغداد: 14/236 وتاريخ أصبهان: 2/198/1449.


فقام ستّة من جانب المنبر، وستّة من الجانب الآخر، فشهدوا أنّهم سمعوا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول ذلك (1) .

855 - شرح الأخبار، عن أبي رملة: كنت جالساً عند عليّ (عليه السلام) في الرحبة؛ إذ أقبل إلينا أربعة على نجائب (2) ، فأناخوها عن بُعد، ثمّ تقدّموا حتى وقفوا على عليّ (عليه السلام)، فقالوا: السلام عليك يا مولانا. قال: (وعليكم السلام، من أين أقبلتم؟). قالوا: أقبلنا من أرض كذا وكذا.

قال: (ولِمَ دعوتموني مولاكم؟).

قالوا: سمعنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خُمّ يقول: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه).

فقال - عند ذلك -: (أُناشد الله رجلاً سمع من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول ما يقوله هؤلاء الرهط إلاّ قام فتكلّم). فقام اثنا عشر رجلاً، فشهدوا بذلك (3) .

856 - خصائص أمير المؤمنين، عن عمرو ذي مرّ: شهدت عليّاً بالرحبة ينشد أصحاب محمّد: (أيّكم سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خمّ ما قال؟). قال: فقام أُناس فشهدوا أنّهم سمعوا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فإنّ عليّاً مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه، وأحبّ مَن أحبّه، وأبغض مَن أبغضه، وانصر

____________________

(1) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 161/88، المصنّف لابن أبي شيبة: 7/499/28، السنّة لابن أبي عاصم: 593/1374، مسند ابن حنبل: 1/250/950، تاريخ دمشق: 42/210/8689، البداية والنهاية: 5/210؛ المناقب للكوفي: 2/402/880 والأربعة الأخيرة عن سعيد بن وهب وزيد بن يثيع وص 387/862 كلّها نحوه، وراجع البداية والنهاية: 7/348 والأمالي للطوسي: 255/459.

(2) جمع النَّجيب: الفاضل من كلّ حيوان، والنجيب من الإبل: هو القويّ منها، الخفيف السريع (النهاية: 5/17).

(3) شرح الأخبار: 1/109/29 وراجع كشف الغمّة: 1/318.


مَن نصره) (1) .

857 - أُسد الغابة، عن يعلى بن مرّة: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه).

فلمّا قدم عليّ الكوفة نشد الناس: (مَن سمع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)؟) . فانتشد له بضعة عشر رجلاً، فيهم: عامر بن ليلى الغفاري (2) .

858 - أُسد الغابة، عن الأصبغ بن نباتة: نشد عليّ الناس: (مَن سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خمّ ما قال إلاّ قام). فقام بضعة عشر؛ فيهم أبو أيّوب الأنصاري وأبو زينب، فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وأخذ بيدك يوم غدير خمّ فرفعها فقال: (ألستم تشهدون أنّي قد بلّغت ونصحت؟!). قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت.

قال: (ألا إنّ الله عزّ وجلّ وليّي وأنا وليّ المؤمنين، فمَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه، وأحبّ مَن أحبّه، وأعِنْ مَن أعانه، وأبغض مَن أبغضه) (3) .

____________________

(1) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 181/99، مسند البزّار: 3/35/786 عن عمرو ذي مرّ وسعيد ابن وهب وزيد بن يثيع نحوه، البداية والنهاية: 5/210 وراجع المعجم الأوسط: 2/324/2109 والمناقب لابن المغازلي: 20/27.

(2) أُسد الغابة: 3/137/2730 وج 5/281/5169 وفيه (فيهم: أبو أيّوب صاحب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وناجية بن عمرو الخزاعي) وج 2/362/1844، الإصابة: 2/504/2913 نحوه وفيهما (منهم: زيد أو يزيد بن شراحيل الأنصاري) وج 3/484/4440 وفيه (سبعة) بدل (بضعة).

(3) أُسد الغابة: 6/126/5933، الإصابة: 4/276/5170 وفيه (أبو أيّوب وأبو زينب وعبد الرحمن بن عبد ربّ) وج 7/136/9969 كلاهما نحوه وفيهما إلى (فهذا عليّ مولاه).


859 - أُسد الغابة، عن الأصبغ بن نباتة: نشد عليّ الناس في الرحبة: (مَن سمع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خمّ ما قال إلاّ قام، ولا يقوم إلاّ مَن سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول). فقام بضعة عشر رجلاً؛ فيهم أبو أيّوب الأنصاري، وأبو عمرة بن عمرو بن محصن، وأبو زينب، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت، وعبد الله بن ثابت الأنصاري، وحبشي بن جنادة السلولي، وعبيد بن عازب الأنصاري، والنعمان بن عجلان الأنصاري، وثابت بن وديعة الأنصاري، وأبو فضالة الأنصاري، وعبد الرحمن بن عبد ربّ الأنصاري.

فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (ألا إنّ الله عزّ وجلّ وليّي وأنا وليّ المؤمنين. ألا فمَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه، وأحبّ مَن أحبّه، وأبغض مَن أبغضه، وأعِنْ من أعانه) (1) .

860 - خصائص أمير المومنين، عن سعيد بن وهب: قال عليّ كرّم الله وجهه في الرحبة: (أنشد بالله مَن سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خمّ يقول: الله وليّي وأنا وليّ المؤمنين، ومَن كنت وليّه فهذا وليّه، اللهمّ والِ مَن وآله وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره).

قال سعيد: فقام إلى جنبي ستّة، وقال زيد بن يثيع: قام عندي ستّة، وقال عمرو ذو مرّ. وساق الحديث (2) .

861 - المستدرك على الصحيحين، عن إياس الضبّي عن أبيه: كنّا مع عليّ يوم

____________________

(1) أُسد الغابة: 3/465/3347.

(2) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 180/98 وراجع ص 159/86 وص 160/87 ومسند ابن حنبل:9/43/23168 وفضائل الصحابة لابن حنبل: 2/598/1021 وتاريخ دمشق: 42/211/8690 والرياض النضرة: 3/127 والمناقب للكوفي: 2/451/941.


الجمل، فبعث إلى طلحة بن عبيد الله أن ألقني، فأتاه طلحة فقال: (نشدتك الله، هل سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه؟). قال: نعم، قال: (فَلِمَ تُقاتلني؟!). قال: لم أذكر!! قال: فانصرف طلحة (1) (2) .

راجع: كتاب (الغدير): 1/159 - 187.

10/13

الدعاء على الكاتمين

862 - مسند ابن حنبل، عن سماك بن عبيد بن الوليد العبسي: دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى، فحدّثني أنّه شهد عليّاً في الرحبة قال: (أنشد الله رجلاً سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وشهده يوم غدير خمّ إلاّ قام، ولا يقوم إلاّ مَن قد رآه).

فقام اثنا عشر رجلاً، فقالوا: قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول: (اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله).

فقام إلاّ ثلاثة لم يقوموا، فدعا عليهم فأصابتهم دعوته (3) .

863 - تاريخ دمشق، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: خطب الناس أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في الرحبة، قال: (أنشد الله امرَأً - نِشدة الإسلام - سمع

____________________

(1) لكنَّ الأشهر أنّ طلحة لم ينصرف عن الحرب. راجع: القسم السادس/وقعة الجمل/القتال/قتل طلحة بيد مروان.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3/419/5594، مسند البزّار: 3/171/958، السنّة لابن أبي عاصم: 590/1358 كلاهما نحوه.

(3) مسند ابن حنبل: 1/253/964، تاريخ دمشق: 42/207/8684، البداية والنهاية: 5/211.


رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خمّ أخذ بيدي يقول: ألست أولى بكم - يا معشر المسلمين - من أنفسكم؟!). قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله). إلاّ قام).

فقام بضعة عشر رجلاً، فشهدوا، وكتم قوم؛ فما فنوا من الدنيا إلاّ عَموا وبرصوا (1) .

864 - حلية الأولياء، عن عميرة بن سعد: شهدت عليّاً على المنبر ناشداً أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وفيهم أبو سعيد، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وهم حول المنبر، وعليّ على المنبر، وحول المنبر اثنا عشر رجلاً هؤلاء منهم.

فقال عليّ: (نشدتكم بالله، هل سمعتم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)؟). فقاموا كلّهم فقالوا: اللهمّ نعم. وقعد رجل، فقال: (ما منعك أن تقوم؟!).

قال: يا أمير المؤمنين، كبرت ونسيت! فقال: (اللهمّ، إن كان كاذباً فاضربه ببلاء حسن).

قال: فما مات حتى رأينا بين عينيه نُكتة (2) بيضاء لا تواريها العمامة (3) .

865 - المعارف لابن قتيبة - في أنس بن مالك -: كان بوجهه برص، وذكر قوم أنّ عليّاً (رضي الله عنه) سأله عن قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه). فقال: كبرت سنِّي ونسيت!

فقال له عليّ (رضي الله عنه): (إن كنت كاذباً فضربك الله ببيضاء لا تواريها العمامة) (4) .

____________________

(1) تاريخ دمشق: 42/208، كنز العمّال: 13/131/36417، نقلاً عن الخطيب في الإفراد.

(2) النكتة: النقطة (تاج العروس: 3/151).

(3) حلية الأولياء: 5/26، محاضرات الأُدباء: 2/415 نحوه.

(4) المعارف لابن قتيبة: 580؛ الإرشاد: 1/351، شرح الأخبار: 1/232/221، الخرائج والجرائح: 1/207/49، والثلاثة الأخيرة عن طلحة بن عميرة، إرشاد القلوب: 228 نحوه.


866 - الأمالي للصدوق، عن أبي هدبة: رأيت أنس بن مالك معصوباً بعصابة، فسألته عنها، فقال: هذه دعوة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فقلت له: وكيف كان ذاك؟ فقال:... لمّا كان يوم الدار استشهدني عليّ (عليه السلام) فكتمته، فقلت: إنّي نسيته! فرفع عليّ (عليه السلام) يده إلى السماء، فقال: (اللهمّ، ارمِ أنساً بوَضَح (1) لا يستره من الناس). ثمّ كشف العصابة عن رأسه، فقال: هذه دعوة عليّ، هذه دعوة عليّ، هذه دعوة عليّ (2) .

867 - أُسد الغابة، عن أبي إسحاق: حدّثني مَن لا أُحصي - منهم عمرو ذي مرّ ويزيد بن يثيع وسعيد بن وهب وهانئ بن هانئ -: أنّ عليّاً نشد الناس في الرحبة: (مَن سمع قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه)؟). فقام نفر شهدوا أنّهم سمعوا ذلك من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وكتم قوم؛ فما خرجوا من الدنيا حتى عمُوا، وأصابتهم آفة، منهم: يزيد بن وديعة، وعبد الرحمن بن مُدْلِج (3) .

868 - رجال الكشّي، عن زِرّ بن حُبَيش: خرج عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من القصر، فاستقبله ركبان متقلّدون بالسيوف، عليهم العمائم، فقالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا مولانا.

فقال عليّ (عليه السلام): (مَن هاهنا من أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟). فقام خالد بن زيد؛ أبو أيّوب، وخُزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله

____________________

(1) الوَضَح: البياض من كلّ شيء (النهاية: 5/195).

(2) الأمالي للصدوق: 753/1012 وراجع روضة الواعظين: 145 والمناقب لابن شهر آشوب: 2/283.

(3) أُسد الغابة: 3/487/3388.


ابن بُدَيل بن ورقاء، فشهدوا جميعاً أنّهم سمعوا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خمّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه).

فقال عليّ (عليه السلام) لأنس بن مالك والبراء بن عازب: ما منعكما أن تقوما فتشهدا؟ فقد سمعتما كما سمع القوم. ثمّ قال: (اللهمّ إن كانا كتماها معاندةً فابتلِهما).

فعمي البراء بن عازب، وبرص قدما أنس بن مالك، فحلف أنس بن مالك أن لا يكتم منقبة لعليّ بن أبي طالب ولا فضلاً أبداً، وأمّا البراء بن عازب فكان يسأل عن منزله، فيُقال: هو في موضع كذا وكذا، فيقول: كيف يَرشُد مَن أصابته الدعوة؟! (1) .

869 - أنساب الأشراف، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: قال عليّ على المنبر: (نشدت الله رجلاً سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خمّ: اللهمّ والِ من وآله، وعادِ من عاداه، إلاّ قام فشهد) - وتحت المنبر أنس بن مالك، والبراء بن عازب، وجرير بن عبد الله - فأعادها، فلم يُجبه أحد، فقال: (اللهمّ، مَن كتم هذه الشهادة وهو يعرفها فلا تُخرجه من الدنيا حتى تجعل به آية يُعرف بها).

قال: فبرص أنس، وعمي البراء، ورجع جرير أعرابيّاً بعد هجرته، فأتى السَّراة (2) فمات في بيت أُمّه بالسَّراة (3) .

870 - المعجم الكبير، عن أبي سلمان المؤذّن، عن زيد بن أرقم: نشد عليّ الناس: (أنشد الله رجلاً سمع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يقول: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه). فقام اثنا عشر بدريّاً، فشهدوا بذلك.

____________________

(1) رجال الكشّي: 1/246/95، الدرجات الرفيعة: 453.

(2) السَّرَاة: جبل مُشرف على عرفة ينقاد إلى صنعاء (معجم البلدان: 3/204).

(3) أنساب الأشراف: 2/386.


قال زيد: وكنت أنا فيمن كَتَم، فذهب بصري (1) .

871 - الإرشاد، عن أبي سلمان المؤذّن، عن زيد بن أرقم: نشد عليّ الناس في المسجد فقال: (أنشد الله رجلاً سمع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يقول: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه). فقام اثنا عشر بدرياً؛ ستّة من الجانب الأيمن، وستّة من الجانب الأيسر، فشهدوا بذلك.

قال زيد بن أرقم: وكنت أنا فيمن سمع ذلك فكتمته، فذهب الله ببصري، وكان يتندّم على ما فاته من الشهادة ويستغفر (2) .

872 - شرح نهج البلاغة: وذكر جماعة من شيوخنا البغداديّين، أنّ عدّة من الصحابة والتابعين والمحدّثين كانوا منحرفين عن عليّ (عليه السلام)، قائلين فيه السوء، ومنهم مَن كتم مناقبه وأعان أعداءه ميلاً مع الدنيا، وإيثاراً للعاجلة، فمنهم أنس بن مالك.

ناشد عليّ (عليه السلام) الناس في رحبة القصر - أو قال: رحبة الجامع بالكوفة -: (أيّكم

____________________

(1) المعجم الكبير: 5/175/4996 وص 171/4985، عن أبي سليمان زيد بن وهب عن زيد بن أرقم، وفيه (ستّة عشر رجلاً) بدل (اثنا عشر بدريّاً)، المناقب لابن المغازلي: 23/33 وفيه (أبي سليمان) وليس فيه (فقام اثنا عشر بدريّاً فشهدوا بذلك)؛ الاحتجاج: 1/184/36، شرح الأخبار: 1/100/22 وفيه (ستّة عشر) بدل (اثنا عشر) وص 232/222 وفيه (جماعة) بدل (اثنا عشر) وكلّها نحوه.

(2) الإرشاد: 1/352، الخرائج والجرائح: 1/208/50، كشف الغمّة: 1/283 وراجع السيرة الحلبيّة: 3/274.

قال التستري في قاموس الرجال: فلا ريب في حسن خاتمته ورجوعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ونقله النصّ عليه كراراً في الغدير وغيره فيه (عليه السلام) خاصّة، وفيه وفي أهل بيته عامّة (قاموس الرجال: 4/529).


سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)؟).

فقام اثنا عشر رجلاً فشهدوا بها، وأنس بن مالك في القوم لم يْقُم، فقال له: (يا أنس، ما يمنعك أن تقوم فتشهد، ولقد حضرتها؟!). فقال: يا أمير المؤمنين، كبرت ونسيت! فقال: (اللهمّ، إن كان كاذباً فارمِه بها بيضاء لا تواريها العمامة).

قال طلحة بن عمير: فوالله، لقد رأيت الوَضَح به بعد ذلك أبيض بين عينيه.

وروى عثمان بن مُطرّف، أنّ رجلاً سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن عليّ بن أبي طالب، فقال: إنّي آليت أن لا أكتم حديثاً سُئلت عنه في عليّ بعد يوم الرحبة، ذاك رأس المتّقين يوم القيامة، سمعته - والله - من نبيّكم.

وروى أبو إسرائيل، عن الحكم، عن أبي سليمان المؤذّن: أنّ عليّاً (عليه السلام) نشد الناس: (مَن سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) . فشهد له قوم وأمسك زيد بن أرقم، فلم يشهد - وكان يعلمها - فدعا عليّ (عليه السلام) عليه بذهاب البصر، فعمي، فكان يحدّث الناس بالحديث بعدما كُفّ بصره (1) .

873 - الخصال، عن جابر بن يزيد الجعفيّ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري: خطبنا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (أيّها الناس، إنّ قدَّام منبركم هذا أربعة رَهْط من أصحاب محمّد (صلَّى الله عليه وآله)؛ منهم أنس بن مالك، والبراء بن عازب، والأشعث بن قيس الكندي، وخالد بن يزيد البجلي).

ثمّ أقبل على أنس فقال: (يا أنس، إن كنت سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه). ثمّ لم تشهد لي اليوم بالولاية، فلا أماتك الله حتى يبتليك ببرص لا تغطّيه العمامة.

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: 4/74؛ كشف الغمّة: 1/283 وفيه إلى (بين عينيه).


وأمّا أنت يا أشعث، فإن كنت سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه). ثمّ لم تشهد لي اليوم بالولاية، فلا أماتك الله حتى يذهب بكريمتيك (1) .

وأمّا أنت يا خالد بن يزيد، فإن كنت سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه). ثمّ لم تشهد لي اليوم بالولاية، فلا أماتك الله إلاّ ميتةً جاهليّة.

وأمّا أنت يا براء بن عازب، فإن كنت سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه). ثمّ لم تشهد لي اليوم بالولاية، فلا أماتك الله إلاّ حيث هاجرت منه).

قال جابر بن عبد الله الأنصاري: والله، لقد رأيت أنس بن مالك وقد ابتُلي ببرص يُغطّيه بالعمامة فما تستره، ولقد رأيت الأشعث بن قيس وقد ذهبت كريمتاه، وهو يقول: الحمد لله الذي جعل دعاء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليّ بالعمى في الدنيا، ولم يدعُ عليّ بالعذاب في الآخرة فأُعذّب.

وأمّا خالد بن يزيد، فإنّه مات فأراد أهله أن يدفنوه وحُفر له في منزله فدُفن، فسمعت بذلك كندة، فجاءت بالخيل والإبل فعقرتها على باب منزله، فمات ميتة جاهليّة.

وأمّا البراء بن عازب، فإنّه ولاّه معاوية اليمن فمات بها، ومنها كان هاجرَ (2) .

10/14

تفسير كلمة (المولى)

874 - الإمام الحسين (عليه السلام): (إنّ الله تبارك وتعالى أدّب نبيّه الآداب كلّها، فلمّا

____________________

(1) أي عينيك، وكلّ شيء يكرم عليك فهو كريمك وكريمتك (النهاية: 4/167).

(2) الخصال: 219/44، الأمالي للصدوق: 184/190، المناقب لابن شهر آشوب: 2/279 نحوه.


استحكم الأدب فوّض الأمر إليه، فقال: ( ... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا... ) (1) ، إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أدّب عليّاً بتلك الآداب التي أدّبه بها، فلمّا استحكم الآداب كلّها فوّض الأمر إليه، فقال: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) ) (2) .

875 - معاني الأخبار، عن أبي إسحاق: قلت لعليّ بن الحسين (عليهما السلام): ما معنى قول النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه؟). قال: (أخبرهم أنّه الإمام بعده) (3) .

876 - معاني الأخبار، عن أبان بن تغلب: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام) عن قول النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه). فقال: (يا أبا سعيد، تسأل عن مثل هذا؟! علّمهم أنّه يقوم فيهم مقامه) (4) .

877 - الإمام الصادق، عن أبيه (عليهما السلام): (إنّ رجلاً سأله فقال: يا بن رسول الله، بماذا فُضّل عليّ صلوات الله عليه على الناس؟ فقال: يقول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه)).

فقال الرجل: فهذا حديث معروف عند الناس يعرفه الخاصّ والعامّ، فهل غير ذلك؟

فقال له أبو جعفر (عليه السلام): (ويحك! وهل تدري ما يجمعه هذا القول وما يقتضيه؟! إنّ الله عزّ وجلّ جعل له به على الأُمّة ما جعله لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عليها من السمع والطاعة) (5) .

____________________

(1) الحشر: 7.

(2) المناقب للكوفي: 2/428/910 عن عبد الله بن الحسين.

(3) معاني الأخبار: 65/1، الأمالي للصدوق: 185/191.

(4) معاني الأخبار: 66/2.

(5) شرح الأخبار: 2/263/566.


878 - الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) رفع يدي عليّ (عليه السلام) بغدير خمّ، حتى نظر الناس إلى بياض إبطيهما، فجعله مولى المسلمين وإمامهم) (1) .

879 - عنه (عليه السلام): (إنّ الله أثنى على نبيّه محمّد (صلَّى الله عليه وآله) [ بقوله ]: ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (2) ، ثمّ فوّض إليه فقال: ( ... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا... ) . وإنّ نبي الله فوّض إلى عليّ (عليه السلام) فقال: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه). وائتمنه) (3) .

880 - بشارة المصطفى، عن إبراهيم بن رجاء الشيباني: قيل لجعفر بن محمّد (عليهما السلام): ما أراد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بقوله لعليّ يوم الغدير: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه)؟

قال: فاستوى جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قاعداً، ثمّ قال: (سئل - والله - عنها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فقال: (الله مولاي أولى بي من نفسي لا أمر لي معه، وأنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم معي، ومَن كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معي، فعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معه)) (4) .

881 - الإمام الكاظم (عليه السلام): (نحن ندَّعي أنّ ولاء جميع الخلائق لنا، نعني ولاء الدين... ونحن ندّعي ذلك لقول النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خمّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه). يعني بذلك ولاء الدين) (5) .

____________________

(1) معاني الأخبار: 351/1 عن محمّد بن حرب الهلالي، تأويل الآيات الظاهرة: 2/592/2.

(2) القلم: 4.

(3) شرح الأخبار: 3/485/1405 عن أبي إسحاق النحوي.

(4) بشارة المصطفى: 51، المناقب للكوفي: 2/377/850.

(5) فرج المهموم: 109، بحار الأنوار: 48/147/21، نقلاً عن كتاب نزهة الكرام وبستان العوام.


882 - الكافي، عن عبد العزيز بن مسلم: كنّا مع الرضا (عليه السلام) بمرْو، فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمِنا، فأداروا أمر الإمامة، وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيّدي (عليه السلام) فأعلمته خوض الناس فيه، فتبسّم (عليه السلام) ثمّ قال:

(يا عبد العزيز، جهل القوم وخُدعوا عن آرائهم؛ إنّ الله عزّ وجلّ لم يقبض نبيّه (صلَّى الله عليه وآله) حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كلّ شيء، بيّن فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً، فقال عزّ وجلّ: ( ... مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ... ) (1) ، وأنزل في حجّة الوداع، وهي آخر عمرِه (صلَّى الله عليه وآله): ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) (2) .

وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمضِ (صلَّى الله عليه وآله) حتى بيّن لأُمّته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم، وتركهم على قصد سبيل الحقّ، وأقام لهم عليّاً (عليه السلام) عَلَماً وإماماً، وما ترك لهم شيئاً يحتاج إليه الأُمّة إلاّ بيّنه، فمَن زعم أنّ الله عزّ وجلّ لم يكمّل دينه، فقد ردّ كتاب الله، ومَن ردّ كتاب الله فهو كافر به.

هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الأُمّة، فيجوز فيها اختيارهم؟! إنّ الإمامة أجلّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلا مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غَوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يُقيموا إماماً باختيارهم.

إنّ الإمامة خصّ الله عزّ وجلّ بها إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعد النبوّة، والخلّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها، وأشاد بها ذكره، فقال: ( ... إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً... ) ، فقال

____________________

(1) الأنعام: 38.

(2) المائدة: 3.


الخليل (عليه السلام) سروراً بها: ( ... وَمِن ذُرِّيَّتِي... ) ، قال الله تبارك وتعالى: ( ... لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (1) ، فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة) (2) .

883 - كشف الغمّة، عن الحسن بن ظريف: كتبت إلى أبي محمّد [ الإمام العسكري (عليه السلام) ] أسأله: ما معنى قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): (مَن كنت مولاه فهذا مولاه)؟ قال: (أراد بذلك أن يجعله عَلَماً يعرف به حزب الله عند الفِرقة) (3) .

10/15

عيد الغدير في الإسلام

884 - رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يوم غدير خُمّ أفضل أعياد أُمّتي وهو اليوم الذي أمرني الله تعالى ذكره فيه بنصب أخي عليّ بن أبي طالب عَلَماً لأُمّتي، يهتدون به من بعدي، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين، وأتمّ على أُمّتي فيه النعمة، ورضي لهم الإسلام ديناً) (4) .

____________________

(1) البقرة: 124.

(2) الكافي: 1/198/1، كمال الدين: 675/31، عيون أخبار الرضا: 1/216/1، معاني الأخبار: 96/2، الأمالي للصدوق: 773/1049، تحف العقول: 436، الاحتجاج: 2/439/310 وفيها (وخُدعوا عن أديانهم) بدل (وخُدعوا عن آرائهم)، الغيبة للنعماني: 216/6.

(3) كشف الغمّة: 3/213، معاني الأخبار: 66/3، المناقب للكوفي: 2/395/871 كلاهما عن عليّ بن هاشم عن أبيه وفي صدرهما (ذكر عند زيد بن عليّ بن الحسين (عليهما السلام) قول النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)...)، بحار الأنوار: 37/223/95.

(4) الأمالي للصدوق: 188/197، بشارة المصطفى: 23، الإقبال: 2/264، التحصين لابن طاووس: 550/12، كلّها عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام)، روضة الواعظين: 115.


885 - الإمام الحسين (عليه السلام): (اتّفق في بعض سِنِيّ أمير المؤمنين (عليه السلام) الجمعة والغدير،، فصعد المنبر على خمس ساعات من نهار ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه حمداً لم يُسمع بمثله، وأثنى عليه ثناء لم يتوجّه إليه غيره، فكان ما حُفِظ من ذلك...:

ثمّ إنّ الله تعالى جمع لكم - معشرَ المؤمنين - في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين، لا يقوم أحدهما إلاّ بصاحبه؛ ليكمل عندكم جميل صنيعته، ويقفكم على طريق رشده، ويقفو بكم آثار المستضيئين بنور هدايته، ويشملكم منهاج قصده، ويوفّر عليكم هنيء رفده، فجعل الجمعة مجمعاً ندب إليه لتطهير ما كان قبله، وغسل ما كان أوقعته مكاسب السوء من مثله إلى مثله، وذكرى للمؤمنين، وتبيان خشية المتّقين، ووهب من ثواب الأعمال فيه أضعاف ما وهب لأهل طاعته في الأيّام قبله وجعله لا يتمّ إلاّ بالائتمار لما أمر به، والانتهاء عمّا نهى عنه، والبخوع (1) بطاعته فيما حثّ عليه وندب إليه، فلا يقبل توحيده إلاّ بالاعتراف لنبيّه (صلَّى الله عليه وآله) بنبوّته، ولا يقبل ديناً إلاّ بولاية من أمر بولايته، ولا تنتظم أسباب طاعته إلاّ بالتمسّك بعصمه وعصم أهل ولايته، فأنزل على نبيّه (صلَّى الله عليه وآله) في يوم الدوح ما بيّن به عن إرادته في خلصائه وذوي اجتبائه...

إنّ هذا يوم عظيم الشأن، فيه وقع الفرج، ورُفعت الدَّرَج، ووضحت الحُجج، وهو يوم الإيضاح والإفصاح عن المقام الصراح، ويوم كمال الدين، ويوم العهد المعهود، ويوم الشاهد والمشهود...

عودوا - رحمكم الله - بعد انقضاء مجمعكم، بالتوسعة على عيالكم، والبرّ

____________________

(1) بخعتُ له: تذلّلت وأطعت وأقررت (لسان العرب: 8/5).


بإخوانكم، والشكر لله عزّ وجلّ على ما منحكم، واجمعوا يجمع الله شملكم، وتبارّوا يصلِ الله أُلفتكم، وتهادَوا نِعَمَ الله كما منّاكم بالثواب فيه على أضعاف الأعياد قبله وبعده إلاّ في مثله، والبرّ فيه يُثمر المال، ويزيد في العمر، والتعاطف فيه يقتضى رحمة الله وعطفه، وهيِّؤوا لإخوانكم وعيالكم عن فضله بالجهد من جودكم، وبما تناله القدرة من استطاعتكم، وأظهروا البِّشر فيما بينكم، والسرور في ملاقاتكم، والحمد لله على ما منحكم، وعودوا بالمزيد من الخير على أهل التأميل لكم، وساووا بكم ضعفاءكم في مأكلكم، وما تناله القدرة من استطاعتكم، وعلى حسب إمكانكم، فالدرهم فيه بمائة ألف درهم، والمزيد من الله عزّ وجلّ، وصوم هذا اليوم ممّا ندب الله تعالى إليه، وجعل الجزاء العظيم كَفالةً عنه حتى لو تعبّد له عبد من العبيد في الشَّبِيْبة من ابتداء الدنيا إلى تَقَضّيها صائماً نهارها قائماً ليلها، إذا أخلص المُخلص في صومه لقصرت إليه أيّام الدنيا عن كفاية، ومَن أسعف أخاه مُبتدئاً، وبرّه راغباً، فله كأجر مَن صام هذا اليوم وقام ليلته ) (1) .

886 - الكافي، عن الحسن بن راشد، عن الإمام الصادق (عليه السلام): قلت: جُعلت فداك! للمسلمين عيد غير العيدين؟ قال: (نعم يا حسن، أعظمهما وأشرفهما). قلت: وأيّ يوم هو؟ قال: (هو يوم نصب أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه فيه عَلماً للناس). قلت: جُعلت فداك! وما ينبغي لنا أن نصنع فيه؟ قال: (تصومه يا حسن، وتُكثر الصلاة على محمّد وآله، وتبرّأ إلى الله ممّن ظلمهم؛ فإنّ الأنبياء صلوات الله عليهم كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي كان يُقام فيه الوصيّ أن يُتّخذ عيداً).

____________________

(1) مصباح المتهجّد: 752 - 758/843، الإقبال: 2/254 - 259، مصباح الزائر: 154 - 159، كلّها عن الفيّاض بن محمّد بن عمر الطرسوسي، عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام).


قال: قلت: فما لمَن صامه؟ قال: (صيام ستّين شهراً) (1) .

887 - الكافي، عن سالم: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): هل للمسلمين عيد غير يوم الجمعة والأضحى والفطر؟

قال: (نعم، أعظمها حُرمة).

قلت: وأيّ عيد هو - جُعلت فداك -؟ قال: (اليوم الذي نصَّب فيه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه).

قلت: وأيّ يوم هو؟ قال: (وما تصنع باليوم؟ إنّ السنة تدور، ولكنّه يوم ثمانية عشر من ذي الحجّة).

فقلت: وما ينبغي لنا أن نفعل في ذلك اليوم؟

قال: (تذكرون الله عزّ ذكره فيه بالصيام والعبادة والذكر لمحمّد؛ وآل محمّد؛ فإنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يتّخذ ذلك اليوم عيداً، وكذلك كانت الأنبياء (عليهم السلام): تفعل؛ كانوا يوصون أوصياءهم بذلك فيتّخذونه عيداً) (2) .

888 - الخصال، عن المفضّل بن عمر: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كم للمسلمين من عيد؟

فقال: (أربعة أعياد).

قال: قلت: قد عرفت العيدين والجمعة.

فقال لي: (أعظمها وأشرفها يوم الثامن عشر من ذي الحجّة، وهو اليوم الذي أقام فيه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) ونصبه للناس علماً).

قال: قلت: ما يجب علينا في ذلك اليوم؟

قال: (يجب عليكم صيامه شكراً لله وحمداً له، مع أنّه أهل أن يُشكر كلّ ساعة، وكذلك أمرت الأنبياء أوصياءها أن يصوموا اليوم الذي يُقام فيه

____________________

(1) الكافي: 4/148/1، تهذيب الأحكام: 4/305/921، مصباح المتهجّد: 736، مَن لا يحضره الفقيه: 2/90/1816، ثواب الأعمال: 99/1، بشارة المصطفى: 238، والثلاثة الأخيرة نحوه، وراجع تفسير فرات: 118/123.

(2) الكافي: 4/149/3، الإقبال: 2/263 وراجع مصباح المتهجّد: 736.


الوصيّ يتّخذونه عيداً، ومَن صامه كان أفضل من عمل ستّين سنة) (1) .

889 - الإقبال، عن أبي الحسن الليثي، عن الإمام الصادق (عليه السلام): أنّه قال لمَن حضره من مواليه وشيعته: (أتعرفون يوماً شيّد الله به الإسلام، وأظهر به منار الدين، وجعله عيداً لنا ولموالينا وشيعتنا؟!).

فقالوا: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، أيوم الفطر هو - يا سيّدنا -؟ قال: (لا).

قالوا: أفيَوم الأضحى هو؟ قال: (لا، وهذان يومان جليلان شريفان، ويوم منار الدين أشرف منهما، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، وإنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لمّا انصرف من حجّة الوداع وصار بغدير خمّ، أمر الله عزّ وجلّ جبرئيل (عليه السلام) أن يهبط على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وقت قيام الظهر من ذلك اليوم، وأمره أن يقوم بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأن يَنصبه عَلماً للناس بعده، وأن يستخلفه في أُمّته.

فهبط إليه وقال له: حبيبي محمّد، إنّ الله يُقرئك السلام، ويقول لك: قُمْ في هذا اليوم بولاية عليّ (عليه السلام)؛ ليكون عَلماً لأُمّتك بعدك، يرجعون إليه، ويكون لهم كأنت، فقال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): حبيبي جبرئيل، إنّي أخاف تغيّر أصحابي لما قد وُتروه، وأن يُبدوا ما يُضمرون فيه.

فعرج، وما لبث أن هبط بأمر الله فقال له: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ... ) (2) .

فقام رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ذَعِراً مرعوباً خائفاً من شدّة الرمضاء وقدماه تُشوَيان، وأمر بأن يُنظَّف الموضع ويُقمَّ (3) ما تحت الدَّوْح (4) من الشوك وغيره، ففعل ذلك،

____________________

(1) الخصال: 264/145.

(2) المائدة: 67.

(3) قَمَّ الشيء: كَنَسَه (لسان العرب: 12/493).

(4) جمع دَوْحة؛ وهي الشجرة العظيمة المتّسعة (لسان العرب: 2/436).


ثمّ نادى بالصلاة جامعة، فاجتمع المسلمون، وفيمَن اجتمع أبو بكر وعمر وعثمان وسائر المهاجرين والأنصار.

ثمّ قام خطيباً وذكر بعده الولاية، فألزمها للناس جميعاً، فأعلمهم أمر الله بذلك فقال قوم ما قالوا، وتناجوا بما أسرّوا) (1) .

890 - الأمالي للشجري، عن صفوان بن يحيى: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: (الثامن عشر من ذي الحجّة عيد الله الأكبر، ما طلعت عليه شمس في يوم أفضل عند الله منه، وهو الذي أكمل الله فيه دينه لخلقه، وأتمّ عليهم نعمه، ورضي لهم الإسلام ديناً، وما بعث الله نبيّاً إلاّ أقام وصيّه في مثل هذا اليوم، ونصبه عَلَماً لأُمّته، فليذكرِ اللهَ شيعتُنا على ما مَنَّ عليهم بمعرفته هذا اليوم دون سائر الناس).

قال: فقلت: يا بن رسول الله، فما نصنع فيه؟

فقال: (تصومه؛ فإنّ صيامه يعدل ستّين شهراً، وتُحسن فيه إلى نفسك وعيالك وما ملكت يمينك بما قدرت عليه) (2) .

891 - مصباح المتهجِّد، عن أبي هارون عمّار بن حريز العبدي: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) في يوم الثامن عشر من ذي الحجّة، فوجدته صائماً، فقال لي: (هذا يوم عظيم، عظّم الله حُرمته على المؤمنين، وأكمل لهم فيه الدين، وتمّم عليهم النعمة، وجدّد لهم ما أخذ عليهم من العهد والميثاق). فقيل له: ما ثواب صوم هذا اليوم؟ قال: (إنّه يوم عيد وفرح وسرور، ويوم صوم شكراً لله تعالى، وإنّ صومه

____________________

(1) الإقبال: 2/279، بحار الأنوار: 98/300/1.

(2) الأمالي للشجري: 1/146.


يعدل ستّين شهراً من أشهر الحُرُم) (1) .

892 - الإمام الصادق (عليه السلام): (صيام يوم غدير خمّ يعدل صيام عمر الدنيا. لو عاش إنسان ثمّ صام ما عمَّرت الدنيا لكان له ثواب ذلك، وصيامه يعدل عند الله عزّ وجلّ في كلّ عام مائة حجّة ومائة عمرة مبرورات متقبّلات، وهو عيد الله الأكبر) (2) .

893 - الإمام الرضا (عليه السلام): (إذا كان يوم القيامة زُفّت أربعة أيّام إلى الله كما تُزفّ العروس إلى خدرها).

قيل: ما هذه الأيّام؟

قال: (يوم الأضحى، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، ويوم الغدير، وإنّ يوم الغدير بين الأضحى والفطر والجمعة كالقمر بين الكواكب، وهو اليوم الذي نجا فيه إبراهيمَ الخليل من النار، فصامه شكراً لله، وهو اليوم الذي أكمل الله به الدين في إقامة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) عليّاً أمير المؤمنين عَلَماً، وأبان فضيلته ووصايته، فصام ذلك اليوم، وإنّه اليوم الكمال، ويوم مرغمة الشيطان، ويوم تُقبل أعمال الشيعة ومُحبّي آل محمّد... وهو يوم تنفيس الكرب، ويوم تحطيط الوزر، ويوم الحباء والعطيّة، ويوم نشر العِلم، ويوم البشارة، والعيد الأكبر، ويوم يُستجاب فيه الدعاء، ويوم الموقف العظيم، ويوم لبس الثياب ونزع السواد، ويوم الشرط المشروط، ويوم نفي الهموم، ويوم الصفح عن مُذنبي شيعة أمير المؤمنين.

وهو يوم السبقة، ويوم إكثار الصلاة على محمّد وآل محمّد، ويوم الرضا،

____________________

(1) مصباح المتهجّد: 737، مصباح الزائر: 167، الإقبال: 2/276. راجع: التهنئة القياديّة (حديث أبي هريرة).

(2) تهذيب الأحكام: 3/143/317، الإقبال: 2/282، كلاهما عن عليّ بن الحسن أو الحسين العبدي، العدد القويّة: 166/4، جامع الأخبار: 205/503.


ويوم عيد أهل بيت محمّد، ويوم قبول الأعمال، ويوم طلب الزيادة، ويوم استراحة المؤمنين، ويوم المتاجرة، ويوم التودّد، ويوم الوصول إلى رحمة الله، ويوم التزكية، ويوم ترك الكبائر والذنوب، ويوم العبادة، ويوم تفطير الصائمين، فمَن فطّر فيه صائماً مؤمناً كان كمَن أطعم فِئاماً وفِئاماً - إلى أن عدّ عشراً. ثمّ قال: (أوَتدري ما الفئام؟) قال: لا. قال: (مائة ألف) - وهو يوم التهنئة، يُهنّي بعضكم بعضاً، فإذا لقي المؤمن أخاه يقول: الحمد لله الذي جعلنا من المتمسّكين بولاية أمير المؤمنين والأئمّة (عليهم السلام)) (1) .

894 - عنه (عليه السلام) - في بيان فضل يوم الغدير -: (لو عرف الناس فضل هذا اليوم بحقيقته لصافحتهم الملائكة في كلّ يوم عشر مرّات) (2) .

895 - مصباح الزائر، عن الفيّاض بن محمّد الطرسوسي: أنّه شهد أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) في يوم الغدير وبحضرته جماعة من خاصّته قد احتبسهم للإفطار، وقد قدّم إلى منازلهم الطعام والبرّ والصِلات والكسوة حتى الخواتيم والنعال، وقد غيّر من أحوآلهم وأحوال حاشيته، وجُدّدت له آلة غير الآلة التي جرى الرسم بابتذالها قبل يومه، وهو يذكر فضل اليوم وقديمه (3) .

راجع: القسم التاسع/عليّ عن لسان الشعراء/جمال الدين الخُلعي.

كتاب (نفحات الأزهار): ج 6، 7، 8، 9.

كتاب (الغدير): 1/12 - 14 وص 267 - 289.

____________________

(1) الإقبال: 2/260.

(2) تهذيب الأحكام: 6/24/52، الإقبال: 2/269، فرحة الغريّ: 107، كلّها عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، وراجع العنوان الآتي/ص 363/ح 896.

(3) مصباح الزائر 154، مصباح المتهجّد: 752 وراجع ص 736 - 758 والإقبال: 2/237 - 309 والغدير: 1/267 - 289


10/16

زيارة أمير المؤمنين في عيد الغدير

896 - تهذيب الأحكام، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر: كنّا عند الرضا (عليه السلام) والمجلس غاصّ بأهله، فتذاكروا يوم الغدير، فأنكره بعض الناس، فقال الرضا (عليه السلام): (حدّثني أبي عن أبيه (عليه السلام) قال:

(إنّ يوم الغدير في السماء أشهر منه في الأرض، إنّ لله في الفردوس الأعلى قصراً لِبنة من فضّة ولِبنة من ذهب، فيه مائة ألف قُبّة من ياقوتة حمراء، ومائة ألف خيمة من ياقوت أخضر، ترابه المِسك والعَنبر، فيه أربعة أنهار: نهر من خمر، ونهر من ماء، ونهر من لبن، ونهر من عسل، وحواليه أشجار جميع الفواكه، عليه طيور أبدانها من لؤلؤ وأجنحتها من ياقوت تُصوِّت بألوان الأصوات، إذا كان يوم الغدير ورد إلى ذلك القصر أهل السماوات يُسبِّحون الله ويُقدّسونه ويُهلّلونه، فتطايرُ تلك الطيور، فتقع في ذلك الماء وتتمرّغ على ذلك المسك والعنبر، فإذا اجتمعت الملائكة طارت، فتنفض ذلك عليهم، وإنّهم في ذلك اليوم ليتهادون نثار فاطمة (عليها السلام)، فإذا كان آخر ذلك اليوم نودوا: انصرفوا إلى مراتبكم؛ فقد أمنتم من الخطأ والزلل إلى قابل في مثل هذا اليوم؛ تكرمةً لمحمّد (صلَّى الله عليه وآله) وعليّ (عليه السلام)).

ثمّ قال: (يا بن أبي نصر، أينما كنت فاحضر يوم الغدير عند أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فإنّ الله يغفر لكلّ مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة ذنوب ستّين سنة، ويعتق من النار ضعف ما أعتق في شهر رمضان وليلة القدر وليلة الفطر، والدرهم فيه بألف درهم لإخوانك العارفين، فأفضِل على إخوانك في هذا اليوم وسِرَّ فيه كلّ مؤمن ومؤمنة).


ثمّ قال: (يا أهل الكوفة، لقد أُعطيتم خيراً كثيراً، وإنّكم لممَّن امتحن الله قلبه للإيمان، مستقلّون مقهورون مُمتحَنون يُصبّ عليكم البلاء صبّاً، ثمّ يكشفه كاشف الكرب العظيم. والله، لو عرف الناس فضل هذا اليوم بحقيقته لصافحتهم الملائكة في كلّ يوم عشر مرّات، ولولا أنّي أكره التطويل لذكرت من فضل هذا اليوم وما أعطى الله فيه مَن عرفه ما لا يُحصى بعدد) (1) .

897 - الإمام الصادق (عليه السلام): (إذا كنت في يوم الغدير في مشهد مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فادنُ من قبره بعد الصلاة والدعاء، وإن كنت في بُعدٍ منه، فأومِ إليه بعد الصلاة، وهذا الدعاء:

اللهمّ صلّ على وليّك، وأخي نبيّك، ووزيره، وحبيبه، وخليله، وموضع سِرّه، وخيرته من أُسرته، ووصيّه وصفوته وخالصته وأمينه ووليّه وأشرف عترته، الذين آمنوا به، وأبي ذرّيّته، وباب حكمته، والناطق بحجّته، والداعي إلى شريعته، والماضي على سنّته، وخليفته على أُمّته، سيّد المسلمين (2) وأمير المؤمنين، وقائد الغرّ المُحجّلين، أفضل ما صلّيت على أحد من خلقك وأصفيائك وأوصياء أنبيائك.

اللهمّ إنّي أشهد أنّه قد بلّغ عن نبيّك ما حُمّل، ورعى ما استُحفظ، وحفظ ما استُودِع، وحلّل حلالك، وحرّم حرامك، وأقام أحكامك، ودعا إلى سبيلك، ووالى أولياءك، وعادى أعداءك، وجاهد الناكثين عن سبيلك، والقاسطين

____________________

(1) تهذيب الأحكام: 6/24/52، الإقبال: 2/268، مصباح الزائر: 153 وفيه من (يا بن أبي نصر، أينما كنت...)، بحار الأنوار: 100/358/2.

(2) في المصدر: (المرسلين) ، وما أثبتناه من بحار الأنوار.


والمارقين عن أمرك، صابراً محتسباً، [ مقبلاً ] (1) غير مدبرٍ، لا تأخذه في الله لومة لائم، حتى بلغ في ذلك الرضاء [ و ] (2) وسلّم إليك القضاء، وعَبَدَك مُخلصاً، ونصح لك مجتهداً، حتى أتاه اليقين، فقبضته إليك شهيداً سعيداً، وليّاً تقيّاً، رضيّاً زكيّاً، هادياً مهديّاً، اللهمّ صلّ على محمّد وعليه، أفضل ما صلّيت على أحد من أنبيائك وأصفيائك، يا ربّ العالمين) (3) .

898 - الإمام الهادي (عليه السلام) - في زيارة زار بها في يوم الغدير في السنة التي أشخصه المعتصم -: (تقف عليه صلوات الله عليه وتقول:

السلام على محمّد رسول الله، خاتم النبيّين، وسيّد المرسلين، وصفوة ربّ العالمين، أمين الله على وحيه، وعزائم أمره، الخاتم لما سبق، والفاتح لما استُقبل، والمهيمن على ذلك كلّه، ورحمة الله وبركاته، وصلواته وتحيّاته، السلام على أنبياء الله ورسله وملائكته المُقرّبين وعباده الصالحين.

السلام عليك يا أمير المؤمنين، وسيّد الوصيّين، ووارث علم النبيّين، ووليَّ ربّ العالمين، ومولاي ومولى المؤمنين، ورحمة الله وبركاته.

السلام عليك يا أمير المؤمنين، يا أمين الله في أرضه، وسفيره في خلقه، وحجّته البالغة على عباده، السلام عليك يا دين الله القويم، وصراطه المستقيم، السلام عليك أيّها النبأ العظيم، الذي هُمْ فيه مختلفون، وعنه يُسألون.

السلام عليك يا أمير المؤمنين، آمنت بالله وهم مشركون، وصدّقت بالحقّ وهم مُكذّبون، وجاهدت وهم محجِمون، وعبدت الله مخلصاً له الدين، صابراً محتسباً حتى أتاك اليقين، ألا لعنة الله على الظالمين.

____________________

(1) ما بين المعقوفتين أثبتناه من بحار الأنوار.

(2) الزيادة من بحار الأنوار.

(3) الإقبال: 2/306 عن محمّد بن أحمد الصفواني، بحار الأنوار: 100/372/8.


السلام عليك يا سيّد المسلمين، ويعسوب المؤمنين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين ورحمة الله وبركاته، أشهد أنّك أخو الرسول ووصيُّه، ووارث علمه، وأمينه على شرعه، وخليفته في أُمّته، وأوّل مَن آمن بالله وصدّق بما أنزل على نبيّه، وأشهد أنّه قد بلّغ عن الله ما أنزله فيك، وصدع بأمره، وأوجب على أُمّته فرض ولايتك، وعقد عليهم البيعة لك، وجعلك أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما جعله الله كذلك.

ثمّ أشهد الله تعالى عليهم فقال: ألستُ قد بلّغت؟! فقالوا: اللهمّ بلى. فقال: اللهمّ اشهد، وكفى بك شهيداً وحاكماً بين العباد. فلعن الله جاحد ولايتك بعد الإقرار، وناكث عهدك بعد الميثاق، وأشهد أنّك أوفيت بعهد الله تعالى، وأنّ الله تعالى موف بعهده لك ( ... وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) (1) .

وأشهد أنّك أمير المؤمنين، الحقّ الذي نطق بولايتك التنزيل، وأخذ لك العهد على الأُمّة بذلك الرسول، وأشهد أنّك وعمّك وأخاك الذين تاجرتم الله بنفوسكم، فأنزل الله فيكم: ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوآلهم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (2) .

أشهدُ - يا أمير المؤمنين - أنّ الشاكّ فيك ما آمن بالرسول الأمين، وأنّ العادل بك

____________________

(1) الفتح: 10.

(2) التوبة: 111 و112.


غيرك عادل عن الدين القويم الذي ارتضاه لنا ربّ العالمين، فأكمله بولايتك يوم الغدير، وأشهد أنّك المعنيّ بقول العزيز الرحيم: ( وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ... ) (1) ، ضلّ - والله - وأضلّ مَن اتّبع سواك، وعَنَدَ عن الحقّ مَن عاداك.

اللهمّ سمعنا لأمرك، وأطعنا واتّبعنا صراطك المستقيم، فاهدنا - ربّنا - ولا تزغ قلوبنا بعد الهُدى عن طاعتك، واجعلنا من الشاكرين لأنعُمك، وأشهد أنّك لم تزل للهوى مخالفاً، وللتُّقى محالفاً، وعلى كظم الغيظ قادراً، وعن الناس عافياً، وإذا عُصي الله ساخطاً، وإذا أُطيع الله راضياً، وبما عهد إليك عاملاً، راعياً لما استحفظت، حافظاً ما استودعت، مبلّغاً ما حُمِّلت، منتظراً ما وُعدت، وأشهد أنّك ما اتّقيت ضارعاً (2) ، ولا أمسكت عن حقّك جازعاً، ولا أحجمت عن مجاهدة عاصيك ناكلاً، ولا أظهرت الرضا بخلاف ما يرضى الله مُداهناً، ولا وهنت لما أصابك في سبيل الله، ولا ضعفت ولا استكنت (3) عن طلب حقّك مراقباً (4) ، معاذ الله أن تكون كذلك، بل إذ ظُلِمت فاحتسبت ربّك، وفوّضت إليه أمرك، وذكَّرت فما ذكروا، ووعظت فما اتّعظوا، وخوّفتهم الله فما تخوّفوا (5) .

وأشهد أنّك - يا أمير المؤمنين - جاهدت في الله حقّ جهاده، حتى دعاك الله إلى جواره، وقبضك إليه باختياره، وألزم أعداءك الحجّة بقتلهم إيّاك؛ لتكون لك

____________________

(1) الأنعام: 153.

(2) ضارعاً: أي متذلّلاً متضعّفاً (بحار الأنوار: 100/368).

(3) إشارة إلى الآية 146 من سورة آل عمران.

(4) مراقباً: أي منتظراً لحصول منفعة دنيويّة (بحار الأنوار: 100/368).

(5) في المصدر: (يخافوا) والصحيح ما أثبتناه كما في بحار الأنوار.


الحجّة عليهم، مع ما لك من الحُجج البالغة على جميع خلقه.

السلام عليك يا أمير المؤمنين، عبدت الله مخلصاً، وجاهدت في الله صابراً، وجُدت بنفسك محتسباً، وعملت بكتابه، واتّبعت سُنّة نبيّه، وأقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر ما استطعت، مبتغياً مرضاة ما عند الله، راغباً فيما وعد الله، لا تُحفِل (1) بالنوائب، ولا تَهِنُ عند الشدائد، ولا تُحجم عن محارب، أفِك مَن نسب غير ذلك، وافترى باطلاً عليك، وأولى لمَن (2) عَنَد عنك.

لقد جاهدت في الله حقّ الجهاد، وصبرت على الأذى صبر احتساب، وأنت أوّل مَن آمن بالله وصلّى له وجاهد، وأبدى صفحته في دار الشرك، والأرض مشحونة ضلالة، والشيطان يُعبد جهرة.

وأنت القائل: لا تزيدني كثرة الناس حولي عزّة، ولا تفرّقهم عنّي وحشة، ولو أسلمني الناس جميعاً لم أكن متضرّعاً، اعتصمت بالله فعزّزت، وآثرت الآخرة على الأُولى فزهّدت، وأيّدك الله وهداك، وأخلصك واجتباك، فما تناقضت أفعالك، ولا اختلفت أقوالك، ولا تقلّبت أحوالك، ولا ادّعيت ولا افتريت على الله كذباً، ولا شرهت إلى الحطام، ولا دنَّسك الآثام، ولم تزل على بيّنة من ربّك ويقين من أمرك، تهدي إلى الحقّ وإلى صراط مستقيم.

أشهد شهادة حقّ، وأُقسم بالله قسم صدق أنّ محمّداً وآله صلوات الله عليهم سادات الخلق، وأنّك مولاي ومولى المؤمنين، وأنّك عبد الله ووليّه، وأخو

____________________

(1) ما أحفِل بفلان أي ما أُبالي به (لسان العرب: 11/159).

(2) أولى لك: كلمة تهديد وتخويف يُخاطب بها مَن أشرف على هلاك، فيُحَثّ بها على التحرُّز (مفردات ألفاظ القرآن:100).


الرسول ووصيّه ووارثه، وأنّه القائل لك: والذي بعثني بالحقّ، ما آمن بي مَن كفر بك، ولا أقرّ بالله مَن جحدك، وقد ضلّ مَن صدّ عنك، ولم يهتدِ إلى الله تعالى ولا إليّ مَن لا يُهدى بك، وهو قول ربّي عزّ وجلّ: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) (1) إلى ولايتك.

مولاي، فضلك لا يخفى، ونورك لا يُطفى، وإنّ مَن جحدك الظلوم الأشقى.

مولاي، أنت الحجّة على العباد، وآلهادي إلى الرشاد، والعدّة للمعاد.

مولاي، لقد رفع الله في الأُولى منزلتك، وأعلى في الآخرة درجتك، وبصّرك ما عمي على مَن خالفك، وحال بينك وبين مواهب الله لك، فلعن الله مُستحلّي الحرمة منك، وذائد الحقّ عنك، وأشهد أنّهم الأخسرون الذين ( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ) (2) ، وأشهد أنّك ما أقدمت ولا أحجمت ولا نطقت ولا أمسكت إلاّ بأمر من الله ورسوله.

قلت: والذي نفسي بيده، لقد نظر إليّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أضرب قدّامه بسيفي. فقال: يا عليّ، أنت عندي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لانبيّ بعدي، وأُعلمك أنّ موتك وحياتك معي وعلى سنّتي، فو الله، ما كَذِبتُ ولا كُذِّبت، ولا ضللتُ ولا ضلَّ بي، ولا نسيت ما عهد إليّ ربّي، وإنّي لعلى بيّنة من ربّي بيَّنها لنبيّه، وبيّنها النبيّ لي، وإنّي لعلى الطريق الواضح، ألفظه لفظاً.

صدقت - والله - وقلت الحقّ، فلعن الله مَن ساواك بمَن ناواك (3) ، والله جلّ ذِكره

____________________

(1) طه: 82.

(2) مؤمنون: 104.

(3) ناواه: أي عاداه (لسان العرب: 15/349).


يقول: ( ... هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ... ) (1) ، ولعن الله مَن عدل بك مَن فرض الله عليه ولايتك، وأنت وليّ الله وأخو رسوله والذابّ عن دينه، والذي نطق القرآن بتفضيله، قال الله تعالى: ( ... وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) (2) ، وقال الله تعالى: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوآلهمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (3) .

أشهد أنّك المخصوص بمدحة الله، المخلص لطاعة الله، لم تبغ بالهُدى بدلاً، ولم تُشرك بعبادة ربّك أحداً، وأنّ الله تعالى استجاب لنبيّه (صلَّى الله عليه وآله) فيك دعوته.

ثمّ أمره بإظهار ما أولاك لأُمّته، إعلاءً لشأنك، وإعلاناً لبرهانك، ودحضاً للأباطيل، وقطعاً للمعاذير، فلمّا أشفق من فتنة الفاسقين، واتّقى فيك المنافقين، أوحى الله ربّ العالمين: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ... ) (4) ، فوضع على نفسه أوزار المسير، ونهض في رمضاء الهجير، فخطب فأسمع، ونادى فأبلغ، ثمّ سألهم أجمع فقال: هل بلّغت؟! فقالوا: اللهمّ بلى. فقال: اللهمّ اشهد. ثمّ قال: ألست أولى بالمؤمنين

____________________

(1) الزمر: 9.

(2) النساء: 95 و96.

(3) التوبة: 19 - 22.

(4) المائدة: 67.


من أنفسهم؟! فقالوا: بلى، فأخذ بيدك وقال:

(مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن وآله، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله)، فما آمن بما أنزل الله فيك على نبيّه إلاّ قليل، ولا زاد أكثرهم إلاّ تخسيراً، ولقد أنزل الله تعالى فيك من قبل وهم كارهون: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (1) ( رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أََََََََََََََََنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) (2) ( رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) (3) .

اللهمّ، إنّا نعلم أنّ هذا هو الحقّ من عندك، فالْعَنْ مَن عارضه واستكبر، وكذّب به وكفر وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (4) .

السلام عليك يا أمير المؤمنين، وسيّد الوصيّين، وأوّل العابدين، وأزهد الزاهدين، ورحمة الله وبركاته، وصلواته وتحيّاته. أنت مطعم الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً لوجه الله، لا تُريد جزاءً ولا شكوراً، وفيك أنزل الله تعالى: ( ... وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ

____________________

(1) المائدة: 54 - 56.

(2) آل عمران: 53.

(3) آل عمران: 8.

(4) الشعراء: 227.


فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) ، وأنت الكاظم للغيظ، والعافي عن الناس، والله يحبّ المحسنين (2) ، وأنت الصابر في البأْساء والضرّاء وحين البأس (3) ، وأنت القاسم بالسويّة، والعادل في الرعيّة، والعالم بحدود الله من جميع البريّة، والله تعالى أخبر عمّا أولاك من فضله بقوله: ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (4) .

وأنت المخصوص بعلم التنزيل، وحُكم التأويل، ونصر الرسول، ولك المواقف المشهودة (5) ، والمقامات المشهورة، والأيّام المذكورة، يوم بدر ويوم الأحزاب ( ... إِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً ) (6) ، وقال الله تعالى: ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ) (7) ، فقتلت عَمْرَوهم، وهزمت جمعهم ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ

____________________

(1) الحشر: 9.

(2) إشارة إلى الآية 134 من سورة آل عمران.

(3) إشارة إلى الآية 177 من سورة البقرة.

(4) السجدة: 18 و19.

(5) في المصدر: (المشهورة) والأنسب ما ذكرناه كما في بحار الأنوار.

(6) الأحزاب: 10 - 13.

(7) الأحزاب: 22.


الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ) (1) .

ويوم أُحد إذ تصعدون ولا تَلوون على أحد والرسول يدعوهم في أخراهم (2) ، وأنت تذود بهم المشركين عن النبيّ ذات اليمين وذات الشمال، حتى صرفهما عنكم الخائفين (3) ، ونصر بك الخاذلين.

ويوم حنين على ما نطق به التنزيل ( ... وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ... ) (4) ، والمؤمنون أنت ومَن يليك، وعمّك العبّاس يُنادي المنهزمين: يا أصحاب سورة البقرة، يا أهل بيعة الشجرة. حتى استجاب له قوم قد كفيتَهم المؤونة، وتكفَّلتَ دونهم المعونة، فعادوا آيسين من المثوبة، راجين وعد الله تعالى بالتوبة، وذلك قوله جلّ ذكره: ( ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ... ) (5) ، وأنت حائز درجة الصبر، فائز بعظيم الأجر.

ويوم خيبر إذ أظهر الله خور المنافقين، وقطع دابر الكافرين، والحمد لله ربّ العالمين ( وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً ) (6) .

مولاي، أنت الحجّة البالغة، والمحجّة الواضحة، والنعمة السابغة، والبرهان

____________________

(1) الأحزاب: 25.

(2) إشارة إلى الآية 153 من سورة آل عمران.

(3) كذا في المصدر، وفي المزار للشهيد الأوّل وبحار الأنوار (حتى ردّهم الله تعالى عنكما خائفين).

(4) التوبة: 25 و26.

(5) التوبة: 27.

(6) الأحزاب: 15.


المنير، فهنيئاً لك ما آتاك الله من فضل، وتبّاً لشانئك ذي الجهل. شهدت مع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) جميع حروبه ومغازيه، تحمل الراية أمامه، وتضرب بالسيف قدّامه، ثمّ لحزمك المشهور، وبصيرتك بما في الأمور، أمّرك في المواطن ولم يكُ عليك أمير، وكم من أمر صدّك عن إمضاء عزمك فيه التُّقى، واتَّبع غيرك في نيله الهوى، فظنّ الجاهلون أنّك عجزت عمّا إليه انتهى، ضلَّ - والله - الظانُّ لذلك وما اهتدى، ولقد أوضحت ما أشكل من ذلك لمَن توهّم وامترى، بقولك صلّى الله عليك: قد يرى الحُوَّلُ القُلَّبُ وجه الحيلة ودونها حاجز من تقوى الله، فيدعها رأي العين، وينتهز فرصتها مَن لا جريحة (1) له في الدين. صدقت وخسر المبطلون.

وإذ ماكرك الناكثان فقالا: نريد العمرة. فقلت لهما: لعمركما ما تريدان (2) العمرة لكن الغدرة، وأخذت البيعة عليهما، وجدّدت الميثاق فجدّا في النفاق، فلمّا نبّهتهما على فعلهما أغفلا وعادا وما انتفعا، وكان عاقبة أمرهما خسراً.

ثمّ تلاهما أهل الشام، فسرت إليهم بعد الإعذار وهم لا يدينون دين الحقّ ولا يتدبّرون القرآن، هَمَج رَعاع (3) ضالّون، وبالذي أُنزل على محمّد فيك كافرون، ولأهل الخلاف عليك ناصرون، وقد أمر الله تعالى باتّباعك وندب المؤمنين إلى نصرك، قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ) (4) .

____________________

(1) قال المجلسي: كذا فيما عندنا من النسخ، بتقديم الجيم على الحاء المهملة، ويمكن أن يكون تصغير الجرح؛ أي لا يرى أمراً من الأُمور جارحاً في دينه. والصواب ما في نهج البلاغة، بتقديم الحاء المهملة على الجيم... أي ليس بذي حرج، والحريجة التقوى (بحار الأنوار: 100/369 و370).

(2) في المصدر: (لعَمري لما تُريدان)، وما أثبتناه من المزار للشهيد الأوّل وبحار الأنوار.

(3) الهَمَج: رذالة الناس. وآلهمجُ ذبابٌ صغير يسقط على وجوه الغنم والحمير، فشبّه به رَعاع الناس؛ وهم غوغاؤهم وسقّاطهم وأخلاطهم (النهاية: 5/273 وج 2/235).

(4) التوبة: 119.


مولاي، بك ظهر الحقّ وقد نبذه الخلق، وأوضحت السنن بعد الدروس والطمس، ولك سابقة الجهاد على تصديق التنزيل، ولك فضيلة الجهاد على تحقيق التأويل، وعدوّك عدوّ الله جاحد لرسول الله، يدعو باطلاً ويحكم جائراً ويتأمَّر غاصباً، ويدعو حزبه إلى النار، وعمّار يُجاهد ويُنادي بين الصفّين: الرواح إلى الجنّة، ولمّا استسقى فسُقي اللبن كبّر وقال: قال لي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): آخر شرابك من الدنيا ضياح من لبن، وتقتلك الفئة الباغية، فاعترضه أبو العادية الفزاري فقتله، فعلى أبي العادية لعنة الله ولعنة ملائكته ورسله أجمعين، وعلى مَن سلّ سيفه عليك، وسللت عليه سيفك يا أمير المؤمنين من المشركين والمنافقين إلى يوم الدين، وعلى مَن رضي بما ساءك ولم يكرهه، وأغمض عينه ولم يُنكره، أو أعان عليك بيد أو لسان، أو قعد عن نصرك، أو خذل عن الجهاد معك، أو غمط فضلك، أو جحد حقّك، أو عدل بك مَن جعلك الله أولى به من نفسه، وصلوات الله عليك ورحمة الله وبركاته وسلامه وتحيّاته، وعلى الأئمّة من آلك الطاهرين، إنّه حميد مجيد... فأشبهتْ محنتك بهما محن الأنبياء (عليهم السلام) عند الوحدة وعدم الأنصار، وأشبهتَ في البيات على الفراش الذبيحَ (عليه السلام)؛ إذ أجبت كما أجاب، وأطعت كما أطاع إسماعيل صابراً محتسباً؛ إذ قال له: ( ... يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (1) ، وكذلك أنت لمّا أباتك النبيّ صلّى الله عليكما وأمرك أن تضطجع في مرقده واقياً له بنفسك، أسرعت إلى إجابته مطيعاً، ولنفسك على القتل موطّناً، فشكر الله تعالى طاعتك، وأبان عن جميل فعلك بقوله جلّ ذكره:

____________________

(1) الصافّات: 102.


( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ... ) (1) .

ثمّ محنتك يوم صفّين وقد رُفِعتْ المصاحف حيلة ومكراً، فأعرض الشكّ، وعُرف الحقّ، واتّبع الظنّ، أشبهتْ محنة هارون؛ إذ أمّره موسى على قومه فتفرّقوا عنه، وهارون يناديهم: ( ... يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ) (2) ، وكذلك أنت لمّا رُفِعتْ المصاحف قلت: يا قوم إنّما فتنتم بها وخُدعتم. فعصوك وخالفوا عليك واستدعوا نصب الحكمين، فأبيتَ عليهم وتبرّأْت إلى الله من فعلهم وفوّضته إليهم، فلمّا أسفر الحقّ، وسفه المنكر، واعترفوا بالزلل والجور عن القصد، واختلفوا من بعده، وألزموك على سفه التحكيم الذي أبَيته، وأحبّوه، وحظرته وأباحوا ذنبهم الذي اقترفوه، وأنت على نهج بصيرة وهدى، وهم على سنن ضلالة وعمى، فما زالوا على النفاق مُصرّين، وفي الغيّ متردّدين، حتى أذاقهم الله وبال أمرهم، فأمات بسيفك مَن عاندك فشقي وهوى، وأحيا بحجّتك مَن سعد فهدى، صلوات الله عليك غادية ورائحة وعاكفة وذاهبة، فما يُحيط المادح وصفك، ولا يحبط الطاعن فضلك، أنت أحسن الخلق عبادة، وأخلصهم زهادة، وأذبّهم عن الدين، أقمت حدود الله بجهدك، وفللت عساكر المارقين بسيفك، تخمد لهب الحروب ببنانك، وتهتك ستور الشبه ببيانك، وتكشف لبس الباطل عن صريح الحقّ، لا تأخذك في الله لومة لائم، وفي مدح الله تعالى لك غنى عن مدح المادحين وتقريظ الواصفين، قال الله تعالى: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا

____________________

(1) البقرة: 207.

(2) طه: 90 و91.


عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (1) ، ولمّا رأيت أن قتلت الناكثين والقاسطين والمارقين وصدّقك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وعده فأوفيت بعهده، قلت: أما آن أن تُخضَّب هذه من هذه؟ أم متى يُبعث أشقاها؟ واثقاً بأنّك على بيّنة من ربّك، وبصيرة من أمرك، قادماً على الله، مستبشراً ببيعك الذي بايعته به، وذلك هو الفوز العظيم (2) .

اللهمّ العن قتلة أنبيائك، وأوصياء أنبيائك، بجميع لعناتك، وأصلهم حرّ نارك...

اللهمّ العن قتلة أمير المؤمنين ومَن ظلمه (3) وأشياعهم وأنصارهم، اللهمّ العن ظالمي الحسين وقاتليه، والمتابعين عدوَّه وناصريه، والراضين بقتله وخاذليه، لعناً وبيلاً، اللهمّ العن أوّل ظالم ظلم آل محمّد ومانعيهم حقوقهم، اللهمّ خصّ أوّل ظالم وغاصب لآل محمّد باللعن، وكلّ مُستنٍّ بما سنَّ إلى يوم الدين.

اللهمّ صلّ على محمّد خاتم النبيّين وسيّد المرسلين وآله الطاهرين، واجعلنا بهم متمسّكين، وبموالاتهم من الفائزين الآمنين، الذين لا خوفٌ عليهم ولا[ هم ] (4) يحزنون، إنّك حميد مجيد) (5) .

____________________

(1) الأحزاب: 23.

(2) إشارة إلى الآية 111 من سورة التوبة.

(3) في المصدر (قتله)، والصحيح ما أثبتناه كما في المزار للشهيد الأوّل وبحار الأنوار.

(4) الزيادة من المزار للشهيد الأوّل وبحار الأنوار.

(5) المزار الكبير: 264/12 عن أبي القاسم بن روح وعثمان بن سعيد العمري عن الإمام العسكري (عليه السلام)، المزار للشهيد الأوّل: 66 من دون إسناد إليه (عليه السلام)، بحار الأنوار: 100/359/6، نقلاً عن المفيد.


10/17

مسجد الغدير

899 - الإمام الباقر (عليه السلام): (أمر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - عندما جاءته آية العصمة - منادياً يُنادي في الناس بالصلاة جامعةً، ويردّ مَن تقدّم منهم، ويحبس مَن تأخّر، وتنحَّى عن يمين الطريق إلى جنب مسجد الغدير، أمره بذلك جبرئيل عن الله عزّ وجلّ، وكان في الموضع سَلَمات) (1) (2) .

900 - الكافي، عن حسّان الجمّال: حملت أبا عبد الله (عليه السلام) من المدينة إلى مكّة، فلمّا انتهينا إلى مسجد الغدير نظر إلى ميسرة المسجد فقال: (ذلك موضع قدم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حيث قال: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) (3) .

901 - الإمام الصادق (عليه السلام): (يستحبّ الصلاة في مسجد الغدير؛ لأنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أقام فيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو موضع أظهر الله عزّ وجلّ فيه الحقّ) (4) .

902 - عبد الرحمن بن الحجّاج: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الصلاة في مسجد غدير خمّ بالنهار وأنا مسافر، فقال: (صلّ فيه؛ فإنّ فيه فضلاً، وقد كان أبي يأمر بذلك) (5) .

____________________

(1) جمعُ جمعِ سَلَمة، شجر من العِضاه (النهاية: 2/395).

(2) الاحتجاج: 1/138/32 عن علقمة بن محمّد الحضرمي، روضة الواعظين: 102.

(3) الكافي: 4/566/2، تهذيب الأحكام: 3/263/746.

(4) الكافي: 4/567/3، تهذيب الأحكام: 6/19/42، مَن لا يحضره الفقيه: 2/559/3142 كلّها عن أبان.

(5) الكافي: 4/566/1، تهذيب الأحكام: 6/18/41، مَن لا يحضره الفقيه: 2/559/3143.


بحث حول موضع الغدير (1)

إنّ موضع غدير خُمّ، من المواضع الإسلاميّة التي شهدت أكثر من موقف من مواقف النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، والتي يمكننا تلخيصها بالتالي:

1 - وقوعه في طريق الهجرة النبويّة.

2 - وقوعه في طريق عودة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع.

3 - وقوع بيعة الغدير فيه.

وكلّ واحد من هذه المواقف الثلاثة يشكّل بُعداً مهمّاً في مسيرة التاريخ الإسلامي، فالهجرة كانت البدء لانتشار الدعوة الإسلاميّة وانطلاقها خارج ربوع مكّة، ومن ثمّ إلى العالم كلّه.

وحجّة الوداع والعودة منها إلى المدينة المنوّرة كانت ختم الرسالة؛ حيث كمل

____________________

(1) هذه مقتطفات من مقالة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي بمناسبة مرور 14 قرناً على وقعة الغدير والمطبوع في العدد 25 من مجلة تراثنا.


الدين فتمّت النعمة.

وبيعة الغدير هي التمهيد لعهد الإمامة والإمام حيث ينتهي عهد الرسالة والرسول.

ومن هنا؛ اكتسب موضع (غدير خُمّ) أهمّيته الجغرافيّة في التراث الإسلامي، ومنزلته التكريميّة كمَعْلَمة خطيرة من معالم التاريخ الإسلامي.

واشتهر الموقع بحادثة الولاية للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أكثر من شهرته موقعاً أو منزلاً من معالم طريق الهجرة النبويّة، أو من طريق العودة من حجّة الوداع...

وسيكون الحديث عن هذا الموضع الشريف في حدود النقاط التالية:

ـ اسم الموقع.

ـ سبب التسمية.

ـ تحديد الموقع جغرافيّاً.

ـ وصف الموقع تاريخيّاً.

ـ وصف مشهد النصّ بالولاية.

ـ الأعمال المندوب إليها شرعاً في هذا الموقع.

ـ وصف الموقع الراهن.

ـ الطرق المؤدّية إليه.

ـ صور (1) .

____________________

(1) سنعرض بعض هذه الصور في آخر هذا الجزء.


اسم الموقع:

1 - اشتهر الموضع باسم (غدير خُمّ)؛ ففي حديث السيرة لابن كثير: (قال المطّلب بن زياد، عن عبد الله بن محمّد بن عقيل: سمع جابر بن عبد الله يقول: كنّا بالجُحفة بغدير خُمّ، فخرج علينا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من خباء أو فسطاط...) (1) .

وفي حديث زيد بن أرقم، قال: (خطب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بغدير خُمّ تحت شجرات) (2) .

وكذلك في حديثه الآخر، قال: (لمّا رجع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع ونزل غدير خُمّ، أمر بدوحات فقُمِمْن...) (3) .

وفي شعر نُصيب:

وقالت بالغدير غدير خُمّ

أُخيَّ إلى متى هذا الركوبُ

ألم تَرَ أنّني ما دمتَ فينا

أنامُ ولا أنامُ إذا تغيبُ (4)

وفي قول الكميت الأسدي:

ويوم الدوحِ دوح غدير خُمّ

أبان له الولاية لو أُطيعا (5)

وضُبط لفظ (خمّ) في لسان العرب بفتح الخاء، ونقل عن ابن دريد أنّه قال: (إنّما هو خُمّ، بضمّ الخاء) (6) .

____________________

(1) السيرة النبويّة لابن كثير: 4/424.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3/118/4576.

(3) الصواعق المحرقة: 43 وفيه (إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) خطب).

(4) معجم ما استُعجم 2/510.

(5) راجع القسم التاسع/علي عن لسان الشعراء/الكميت بن زيد الأسدي.

(6) لسان العرب: 12/191.


2 - كما أنّه يُسمّى بـ (وادي خُمّ)، أخذاً من واقع الموضع، قال الحازمي: (خُمّ: وادٍ بين مكّة والمدينة عند الجُحفة، به غدير، عنده خطب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة) (1) .

وقد ورد هذا الاسم في حديث السيرة لابن كثير ونصّه: (قال الإمام أحمد: حدّثنا عفّان، حدّثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي عبيد، عن ميمون أبي عبد الله، قال: قال زيد بن أرقم - وأنا أسمع -: نزلنا مع رسول الله منزلاً يُقال له: وادي خُمّ...) (2) .

وفي نصّ المراجعات: (وأخرج الإمام أحمد من حديث زيد بن أرقم: قال: نزلنا مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بوادٍ يُقال له: وادي خُمّ. فأمر بالصلاة، فصلاّها بهجير...) (3) .

3 - وقد يُطلق عليه (خُمّ) اختصاراً، كما في كتاب صفة جزيرة العرب، فقد قال مؤلّفه الهمداني - وهو يعدّد بلدان تهامة اليمن -: (ومكّة: أحوازها لقريش وخزاعة، ومنها: مرّ الظهران، والتنعيم، والجعرانة، وسَرِف، وفخّ، والعصم، وعسفان، وقديد - وهو لخزاعة - والجُحفة، وخُمّ، إلى ما يتّصل بذلك من بلد جهينة ومحالّ بني حرب) (4) .

وكما في شعر معن بن أوس المزني:

عفا وخلا مِمَّن عهدت به خُمُّ

وشاقك بالمسحاء من سَرِفٍ رسمُ

____________________

(1) معجم البلدان: 2/389، معجم معالم الحجاز: 3/157.

(2) السيرة النبويّة لابن كثير: 4/422.

(3) المراجعات: 309.

(4) صفة جزيرة العرب: 259 (كما في المصدر).


وفي قول المجالد بن ذي مرّان الهمداني، من قصيدة قالها لمعاوية بن أبي سفيان وقد رأى تمويهه وتمويه عمرو بن العاص على الناس في دم عثمان:

وَلَهُ حرمةُ الولاءِ على النا

سِ بِخُمّ وكان ذا القول جَهْرا (1)

4 - وأُطلق عليه في بعض الحديث اسم الجُحفة؛ من باب تسمية الجزء باسم الكلّ؛ لأنّ خُمّاً جزء من وادي الجحفة الكبير - كما سيأتي -.

وقد جاء هذا في حديث عائشة بنت سعد، الذي أخرجه النسائي في (الخصائص) (2) - كما في المراجعات (3) - ونصّه: (عن عائشة بنت سعد قالت: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم الجحفة...).

ورواه ابن كثير في السيرة عن ابن جرير بسنده بالنصّ التالي: (عن عائشة بنت سعد، سمعت أباها يقول: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول يوم الجحفة، وأخذ بيد عليّ...) (4) .

5 - ويُقال له: (الخرّار)، قال السكوني: (موضع الغدير غدير خُمّ يُقال له: الخرّار) (5) .

ويلتقي هذا مع تعريف البكري في معجم ما استُعجم للخرّار حيث قال: (قال الزبير: هو وادي الحجاز (6) يصبّ على الجُحفة) (7) .

____________________

(1) شعر همدان وأخبارها، حسن عيسى أبو ياسين: 372 (كما في المصدر).

(2) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 42/8.

(3) المراجعات: 311.

(4) السيرة النبويّة لابن كثير، 4/423.

(5) معجم ما استُعجم: 2/510.

(6) هكذا بالأصل، وصوابه: وادٍ بالحجاز.

(7) معجم ما استُعجم: 2/492.


6 - ويختصر ناسُنا اليوم الاسم فيُطلقون عليه: (الغدير).

7 - الغُرَبَة، بضمّ الغين المعجمة وفتح الراء المهملة والباء الموحّدة، هكذا ضبطه البلادي في معجم معالم الحجاز (1) ، وهو الاسم الراهن الذي يسمّيه به أبناء المنطقة في أيّامنا هذه، قال البلادي: (ويُعرف غدير خُمّ اليوم باسم (الغُرَبَة)، وهو غدير عليه نخل قليل لأُناس من البلاديّة من حرب، وهو في ديارهم يقع شرق الجحفة على (8) أكيال، وواديهما واحد، وهو وادي الخرّار).

ويقيّد لفظ (الغدير) بإضافته إلى (خُمّ) تمييزاً بينه وبين غدران أُخرى، قُيّدت - هي الأخرى - بالإضافة، أمثال:

ـ غدير الأشطاط: موضع قرب عسفان.

ـ غدير البركة: بركة زبيدة.

ـ غدير البنات: في أسفل وادي خماس.

ـ غدير سلمان: في وادي الأغراف.

ـ غدير العروس: في وادي الأغراف أيضاً (2) .

وقد يُطلق على غديرنا: (غدير الجحفة)، كما في حديث زيد بن أرقم: (أقبل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) في حجّة الوداع، حتى نزل بغدير الجحفة بين مكّة والمدينة...) (3) .

____________________

(1) معجم معالم الحجاز:3/159.

(2) راجع معجم معالم الحجاز: 6/223.

(3) الغدير: 1/36، كشف الغمّة: 1/48، التحصين لابن طاووس: 578/29.


سبب التسمية:

نستطيع أن نستخلص من مجموع التعريفات التي ذكرتها المعجمات العربيّة للغدير التعريف التالي:

الغدير: هو المنخفض الطبيعي من الأرض، يجتمع فيه ماء المطر أو ماء السيل، ولا يبقى إلى القيظ (1) .

ويجمع على: غُدُر - بضمّ أوّلَيْه - وغُدْر - بضمّ أوّله وسكون ثانيه - وأَغْدُرة، وغُدْران.

وعلّلوا تسمية المنخفض الذي يجتمع فيه الماء غديراً بـ:

1 - أنّه اسم مفعول لمُغادرة السيل له؛ أي أنّ السيل عندما يملأ المنخفض بالماء يُغادره؛ بمعنى يتركه بمائه.

2 - أنّه اسم فاعل من الغَدْر؛ لأنّه يخون ورّاده؛ فينضب عنهم، ويغدر بأهله؛ فينقطع عند شدّة الحاجة إليه.

وقوّاه الزبيدي في معجمه (تاج العروس) بقول الكميت:

ومن غدره نبز الأوّلو

نَ بأنْ لقّبوه الغديرَ الغديرا (2)

وشرح معنى البيت: بأنّ الشاعر أراد أنّ من غدره نبز الأوّلون الغديرَ بأن لقّبوه الغديرَ، فالغدير الأول مفعول نبز، والثاني مفعول لقّبوه.

وسبب تسمية الموقع بالغدير؛ لأنّه منخفض الوادي أمّا (خُمّ) فنقل ياقوت في

____________________

(1) راجع لسان العرب: 5/9، تاج العروس: 7/295.

(2) تاج العروس، 7/295.


موقع غدير خمّ

معجم البلدان، عن الزمخشري أنّه قال: (خُمّ: اسم رجل صبّاغ، أُضيف إليه الغدير الذي بين مكّة والمدينة بالجحفة) (1) .

ثمّ نقل عن صاحب (المشارق) أنّه قال: (إنّ خُمّاً اسم غيضة هناك، وبها غدير نُسب إليها).

والتعليل نفسه نجده عند البكري في معجم ما استعجم قال: (وغدير خُمّ على ثلاثة أميال من الجُحفة، يسرةً عن الطريق، وهذا الغدير تصبّ فيه عين، وحوله شجر كثير ملتفّ، وهو الغيضة التي تسمّى خُمّاً) (2) .

تحديد الموقع جغرافياً:

نصَّ غير واحد من اللغويّين والجغرافيّين والمؤرّخين على أنّ موقع غدير خُمّ بين مكّة والمدينة.

ففي لسان العرب - مادّة خمم: (و خُمّ: غدير معروف بين مكّة والمدينة) (3) .

وفي النهاية، لابن الأثير - مادّة: خمم: (غدير خُمّ: موضع بين مكّة والمدينة) (4) .

وفي معجم البلدان: (وقال الحازمي: خُمّ: وادٍ بين مكّة والمدينة) (5) .

وفي المصدر نفسه: (قال الزمخشري: خُمّ: اسم رجل صبّاغ، أُضيف إليه

____________________

(1) معجم البلدان: 2/389.

(2) معجم ما استُعجم: 2/368.

(3) لسان العرب: 12/191.

(4) النهاية: 2/81.

(5) معجم البلدان: 2/389.


الغدير الذي هو بين مكّة والمدينة).

ويبدو أنّه لا خلاف بينهم في أنّ موضع غدير خُمّ بين مكّة والمدينة، وإنّما وقع شيء قليل من الخلاف بينهم في تعيين مكانه بين مكّة والمدينة، فذهب الأكثر إلى أنّه في (الجُحفة)، ويعنون بقولهم: (في الجُحفة) أو (بالجحفة) وادي الجحفة - كما سيأتي -.

من هؤلاء:

ابن منظور في لسان العرب - مادّة: خمم، قال: (و خَمّ: غدير معروف بين مكّة والمدينة بالجُحفة، وهو غدير خَمّ) (1) .

والفيروزآبادي في القاموس المحيط - مادّة: خَمَّ، قال: (و غدير خُمّ: موضع على ثلاثة أميال بالجُحفة بين الحرمين) (2) .

والزمخشري في نصّه المتقدّم، الذي نقله عنه الحموي في معجم البلدان. القائل فيه: (خُمّ: اسم رجل صبّاغ، أُضيف إليه الغدير الذي بين مكّة والمدينة بالجُحفة).

وفي حديث السيرة لابن كثير - المتقدّم -: (قال المطّلب بن زياد، عن عبد الله بن محمّد بن عقيل، سمع جابر بن عبد الله يقول: كنّا بالجحفة بغدير خُمّ...).

وكما قلتُ، يريدون من (الجحفة) في هذا السياق: الوادي لا القرية التي هي الميقات؛ وذلك بقرينة ما يأتي من ذكرهم تحديد المسافة بين غدير خُمّ والجُحفة، الذي يعني أنّ غدير خُمّ غير الجُحفة (القرية)؛ ولأنّ وادي الجُحفة يبدأ

____________________

(1) لسان العرب: 12/191.

(2) القاموس المحيط: 4/109.


من الغدير وينتهي عند البحر الأحمر، فيكون الغدير جزءاً منه؛ وعليه لا معنى لتحديد المسافة بينه وبين الوادي الذي هو جزء منه.

وتفرّد الحميري في الروض المعطار، فحدّد موضعه بين الجحفة وعسفان، قال: (وبين الجُحفة وعسفان غدير خُمّ) (1) .

وهو - من غير ريب - وَهْمٌ منه، وبخاصّة أنّه حدّد الموضع بأنّه على ثلاثة أميال من الجُحفة يسرة الطريق، حيث لا يوجد عند هذه المسافة بين الجُحفة وعسفان موضع يُعرف بهذا الاسم.

والظاهر أنّه نقل العبارة التي تُحدِّد المسافة بثلاثة أميال من الجُحفة يسرة الطريق من (معجم ما استُعجم)، ولم يلتفت إلى أنّ البكري يريد بيسرة الطريق الميسرة للقادم من المدينة إلى مكّة، وليس العكس، فوقع في هذا التوهّم.

قال البكري في معجمه: (وغدير خُمّ على ثلاثة أميال من الجُحفة يسرة عن الطريق) (2) - وكما قلت - يريد بالميسرة جهة اليسار، بالنسبة إلى القادم من المدينة إلى مكّة، بقرينة ما ذكره في بيان مراحل الطريق بين الحرمين ومسافاتها عند حديثه عن العقيق؛ حيث بدأ بالمدينة، قال: (والطريق إلى مكّة من المدينة على العقيق: من المدينة إلى ذي الحليفة...) (3) .

ونخلص من هذا؛ إلى أنّ غدير خُمّ يقع في وادي الجُحفة على يسرة طريق الحاجّ من المدينة إلى مكّة، عند مبتدأ وادي الجُحفة حيث منتهى وادي الخرّار.

____________________

(1) الروض المعطار: 156.

(2) معجم ما استُعجم: 2/368.

(3) معجم ما استُعجم: 3/954.


ومن هنا كان أنْ أسماه بعضهم بالخرّار - كما تقدّم -.

ولعلّ علّة ما استظهره السمهودي في كتابه وفاء الوفا، من أنّ الخرّار بالجُحفة (1) ؛ هو ما أوضحته من أنّ غدير خُمّ مبتدأ وادي الجُحفة، وعنده منتهى وادي الخرّار.

ويؤيّد هذا الذي ذكرته قول الزبير - الذي نقلته آنفاً عن معجم ما استُعجم من أنّ الخرّار وادٍ بالحجاز يصبّ على الجُحفة.

وقد يشير إلى هذا قول الحموي في معجم البلدان: (الخرّار... وهو موضع بالحجاز، يُقال: هو قرب الجحفة) (2) .

وعبارة عرّام التالية تؤكّد لنا أنّ الغدير من الجُحفة، قال - كما نقله عنه الحموي في معجم البلدان -: (و دون الجُحفة على ميل غدير خُمّ، وواديه يصبّ في البحر) (3) ، حيث يعني بواديه وادي الجُحفة؛ لأنّه هو الذي يصبّ في البحر حيث ينتهي عنده.

أمّا المسافة بين موضع غدير خُمّ والجُحفة (القرية = الميقات) فَحُدّدت - فيما لديَّ من مراجع - بالتالي:

ـ حدّدها البكري في معجم ما استُعجم بثلاثة أميال، ونقل عن الزمخشري أنّ المسافة بينهما ميلان، ناسباً ذلك إلى (القيل) إشعاراً بضعفه (4) .

____________________

(1) وفاء الوفا: 4/1200.

(2) معجم البلدان: 2/350.

(3) معجم البلدان: 2/389.

(4) معجم ما استُعجم: 2/368.


وإلى القول: بأنّ المسافة بينهما ميلان، ذهب الحموي في معجمه قال: (وغدير خُمّ بين مكّة والمدينة، بينه وبين الجحفة ميلان) (1) .

وقدّر الفيروزآبادي المسافة بثلاثة أميال، قال في القاموس - مادّة: خَمَّ: (وغدير خُمّ: موضع على ثلاثة أميال بالجُحفة (2) بين الحرمين) (3) .

وقدّرها بميل كلٌّ من نصر وعرّام (4) ، ففي تاج العروس (5) - مادّة: خَمّ: (وقال نصر: دون الجُحفة على ميل بين الحرمين الشريفين).

وفي معجم البلدان: (وقال عرّام: ودون الجُحفة على ميل غديرُ خُمّ...) (6) .

وهذا التفاوت في المسافة من الميل إلى الاثنين إلى الثلاثة أمر طبيعي؛ لأنّه يأتي - عادة - من اختلاف الطريق التي تُسلك، وبخاصّة أنّ وادي الجُحفة يتّسع بعد الغدير، ويأخذ بالاتّساع أكثر حتى قرية الجُحفة، ومن بعدها أكثر حتى البحر، فربّما سلك أحدهم حافّة الجبال فتكون المسافة ميلاً، وقد يسلك أحدهم وسط الوادي فتكون المسافة ميلين، ويسلك الآخر حافة الوادي من جهة السهل فتكون المسافة ثلاثة أميال.

____________________

(1) معجم البلدان: 4/188.

(2) هكذا في المصدر والصواب: (دون الجُحفة).

(3) القاموس المحيط: 4/109.

(4) هما: نصر بن عبد الرحمن الإسكندري، المتوفَّى (561 هـ) له كتاب: (الأمكنة والمياه والجبال والآثار ونحوها). وعرّام بن الأصبغ السلمي، المتوفَّى نحو (275 هـ)، صاحب كتاب (أسماء جبال تهامة وسكّانها وما فيها من القرى وما ينبت عليها من الأشجار وما فيها من المياه). (الأعلام للزركلي: 8/24 وج4/223).

(5) تاج العروس: 16/226.

(6) معجم البلدان: 2/389.


وصف الموضع تاريخياً:

احتفظ لنا التاريخ بصورة تكاد تكون كاملة المعالم متكاملة الأبعاد لموضع غدير خُمّ، فذكر أنّه يضمّ المعالم التالية:

1 - العين:

ففي لسان العرب مادّة خمم: (قال ابن الأثير: هو موضع بين مكّة والمدينة تصبّ فيه عين هناك (1) ) (2) .

وفي معجم ما استُعجم والروض المعطار: (وهذا الغدير تصبّ فيه عين) (3) .

وفي معجم البلدان: (وخمّ: موضع تصّب فيه عين) (4) ، وتقع هذه العين في الشمال الغربي للموقع - كما سيتّضح لنا هذا من ذكر المعالم الأُخرى -.

2 - الغدير:

وهو الذي تصبّ فيه العين المذكورة، كما هو واضح من النصوص المنقولة المتقدِّمة.

3 - الشجر:

ففي حديث الطبراني: (إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) خطب بغدير خُمّ تحت شجرات) (5) .

وفي حديث الحاكم: (لَمّا رجع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع، ونزل غدير

____________________

(1) النهاية: 2/81.

(2) لسان العرب: 12/191.

(3) معجم ما استُعجم: 2/368، الروض المطار: 156.

(4) معجم البلدان: 2/389.

(5) الصواعق المحرقة: 43.


خُمّ، أمر بدوحات فقُمِمن) (1) .

وفي حديث الإمام أحمد: (وظُلّل لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بثوب على شجرة سَمُرَة من الشمس) (2) .

وفي حديثه الآخر: (وكُسح لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) تحت شجرتين فصلّى الظهر) (3) .

والشجر المُشار إليه هنا من نوع (السَّمُر)، واحده (سَمُرَة) بفتح السين المهملة وضمّ الميم وفتح الراء المهملة، وهو من شجر الطَلَح، وهو شجر عظيم، ولذا عبّر عنه بـ (الدوح) كما في الأحاديث والأشعار التي مرّ شيء منها، واحده (دوحة)، وهي الشجرة العظيمة المتشعّبة ذات الفروع الممتدّة.

وهو غير (الغيضة) الآتي ذكرها؛ لأنّه متفرّق في الوادي هنا وهناك.

4 - الغَيْضة:

وهي الموضع الذي يكثر فيه الشجر ويلتفّ، وتُجمع على غياض وأغياض.

وموقعها حول الغدير، كما ذكر البكري في معجم ما استُعجم، قال: (وهذا الغدير تصبّ فيه عين، وحوله شجر كثير ملتفّ، وهي الغيضة) (4) .

ومرّ بنا أنّ صاحب المشارق ذكر (أنّ خُمّاً اسم غيضة هناك، وبها غدير نُسب إليها).

5 - النبت البَرّي:

ونقل ياقوت الحموي في معجمه البلداني عن عرّام أنّه قال: (لا نبت فيه غير

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 3/118/4576.

(2) مسند ابن حنبل: 7/86/19344.

(3) مسند ابن حنبل: 6/401/18506.

(4) معجم ما استعجم: 2/368.


المرخ والثمام والأراك والعشر) (1) .

6 - المسجد:

وذكروا أنّ فيه مسجداً شُيِّد على المكان الذي وقف فيه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وصلّى وخطب ونصب عليّاً للمسلمين خليفة ووليّاً.

وعَيّنوا موقعه بين الغدير والعين، قال البكري في معجمه: (وبين الغدير والعين مسجد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)) (2) .

وفي معجم البلدان، أنّ صاحب المشارق قال: (وخُمّ: موضع تصبّ فيه عين، بين الغدير والعين وبينهما مسجد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)) (3) .

ويبدو أنّ هذا المسجد قد تداعى ولم يبقَ منه في زمن الشهيد الأول - المتوفّى سنة 786 هـ - إلاّ جدرانه، كما أشار إلى هذا الشيخ صاحب الجواهر في الجواهر - نقلاً عن كتاب (الدروس في فقه الإماميّة (4) ) للشهيد الأوّل - قال: (وفي الدروس: والمسجد باقٍ إلى الآن جدرانُه، والله العالم) (5) .

أمّا الآن فلم نجد له أثراً... كما سأُشير إلى هذا فيما يعقبه.

7 - ونقل ياقوت في معجم البلدان عن الحازمي أنّ (هذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة) (6) .

____________________

(1) معجم البلدان: 2/389.

(2) معجم ما استُعجم: 2/368.

(3) معجم البلدان: 2/389.

(4) الدروس: 156.

(5) جواهر الكلام: 20/75.

(6) معجم البلدان: 2/389.


يقال: وخم المكان وخامة: إذا كان غير ملائم للسكنى فيه.

8 - ومع وخامته ذكر عرّام - فيما نقله ياقوت عنه - أنّ به أُناساً من خزاعة وكنانة، ولكنّهم قليلون، قال: (وبه أُناس من خزاعة وكنانة غير كثير) (1) .

وصف مشهد النصّ بالولاية:

ويُنسَّق على ما تقدّم من وصف الموضع تاريخياً وصف حادثة الولاية، بخطواتها المتسلسلة والمترتّب بعضها على بعض؛ لتكتمل أمام القارئ الكريم الصورة للحادثة التي أعطت هذا الموضع الشريف أهمّيّته كمَعْلَم مهمّ من معالم السيرة النبويّة المقدّسة، وتتلخّص بالتالي:

1 - وصول الركب النبوي بعد منصرفه من حجّة الوداع إلى موضع غدير خُمّ، ضحى نهار الثامن عشر من شهر ذي الحجّة الحرام من السنة الحادية عشرة للهجرة.

فعن زيد بن أرقم: (لَمّا حجّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) حجّة الوداع، وعاد قاصداً المدينة قام بغدير خُمّ - وهو ماء بين مكّة والمدينة - وذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة الحرام) (2) .

2 - ولأنّ هذا الموضع كان مفترق الطرق المؤدّية إلى المدينة المنوّرة، والعراق، والشام، ومصر، تفرّق الناس عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلّم) متّجهين وجهة أوطانهم، فأمر (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليّاً (عليه السلام) أن يجمعهم بردّ المتقدّم وانتظار المتأخّر.

ففي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري: (إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) نزل بخُمّ فتنحّى

____________________

(1) معجم البلدان: 2/389.

(2) الفصول المهمّة: 39.


الناس عنه... فأمر عليّاً فجمعهم) (1) .

وفي حديث سعد: (كنّا مع رسول الله، فلمّا بلغ غدير خُمّ وقف للناس، ثم ردّ مَن تقدّم، ولحق مَن تخلّف )(2) .

3 - ونزل الرسول قريباً من خمس سَمُرات دوحات متقاربات، ونهى أن يُجلَس تحتهنّ.

يقول زيد بن أرقم: (نزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين مكّة والمدينة عند سَمُرات خمس دوحات عظام) (3) .

وفي حديث عامر بن ضمرة وحذيفة بن أُسيد، قالا: (لَمّا صدر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من حجّة الوداع، ولم يحجّ غيرها، أقبل حتى إذا كان بالجُحفة نهى عن شجرات بالبطحاء متقاربات لا ينزلوا تحتهنّ) (4) .

4 - ثم أمر (صلّى الله عليه وآله وسلم) أن يُقمَّ ما تحت تلكم السمرات من شوك، وأن تُشذَّب فروعهنّ المتدلّية، وأن ترشّ الأرض تحتهنّ.

ففي حديث زيد بن أرقم: (قام بالدوحات فقُمَّ ما تحتهنّ من شوك) (5) .

وفي حديثه الآخر: (أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالشجرات فقُمَّ ما تحتها، ورُشّ) (6) .

____________________

(1) المناقب لابن المغازلي: 25/37.

(2) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 177/96 وفيه (كنّا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)... فلمّا بلغ غدير خمّ وقف الناس، ثمّ ردّ مَن مضى ولحقه مَن تخلّف).

(3) المستدرك على الصحيحين: 3/118/4577 وفيه (شجرات) بدل (سمرات) .

(4) الغدير: 1/46، جواهر العقدين: 237.

(5) كشف الغمة: 1/48، الغدير: 1/36.

(6) المعجم الكبير: 5/212/5128.


وفي حديث عامر بن ضمرة وحذيفة بن أُسيد: (فقُمَّ ما تحتهنّ وشُذِّبْنَ عن رؤوس القوم) (1) .

5 - وبعد أن نزلت الجموع منازلها وأخذت أماكنها، أمر (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مناديه أن يُنادي: (الصلاةَ جامعةً).

يقول حبّة بن جوين العرني البجلي: (لَمّا كان يوم غدير خُمّ دعا النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الصلاة جامعة) نصف النهار...) (2) .

وفي حديث زيد المتقدّم: (فأمر بالدوحات فقُمَّ ما تحتهنّ من شوك ثمّ نادى: الصلاة جامعةً).

6 - وبعد أن تكاملت الصفوف للصلاة جماعة، قام (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إماماً بين شجرتين من تلكم السمرات الخمس.

يقول عامر وحذيفة في حديثهما المتقدّم: (حتى إذا نودي للصلاة غدا إليهنّ فصلّى تحتهنّ).

وفي رواية الإمام أحمد عن البراء بن عازب: قال: (كنّا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سفر، فنزلنا بغدير خُمّ، فنودي فينا: الصلاة جامعة. وكُسح لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تحت شجرتين، فصلّى الظهر) (3) .

7 - وظُلِّلَ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الشمس أثناء صلاته بثوب، عُلّق على إحدى الشجرتين.

ففي رواية الإمام أحمد حديث زيد بن أرقم: (وظُلِّل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بثوب

____________________

(1) الغدير: 1/46، جواهر العقدين: 237.

(2) أُسد الغابة: 1/669/1031.

(3) مسند ابن حنبل: 6/401/18506.


على شجرة سمرة من الشمس) (1) .

8 - وكان ذلك اليوم هاجراً شديد الحرّ.

يقول زيد بن أرقم: (فخرجنا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في يوم شديد الحرّ، وإنّ منّا مَن يضع بعض ردائه على رأسه، وبعضه على قدمه من شدّة الرمضاء) (2) .

9 - وبعد أن انصرف (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من صلاته، أمر أن يُصنع له منبر من أقتاب الإبل (3) .

10 - ثمّ صعد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المنبر متوسّداً يد عليّ (عليه السلام).

يقول جابر في حديثه المتقدّم: (فأمر عليّاً فجمعهم، فلمّا اجتمعوا قام فيهم وهو متوسّد يد عليّ بن أبي طالب).

11 - وخطب (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خطبته...

12 - (ثمّ طفق القوم يُهنّئون أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وممّن هنّأه في مقدَّم الصحابة: الشيخان أبو بكر وعمر، كلٌّ يقول: بخٍ بخٍ لك يا بن أبي طالب! أصبحتَ وأمسيتَ مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة) (4) .

13 - وقال ابن عبّاس: (وَجَبَتْ - والله - في أعناق القوم) (5) ، يعني بذلك البيعة بالولاية والإمرة والخلافة.

14 - ثمّ استأذن الرسولَ شاعرُه حسّانُ بن ثابت في أن يقول شعراً في

____________________

(1) مسند ابن حنبل: 7/86/19344.

(2) الغدير: 1/36 وراجع كشف الغمة: 1/48؛ المناقب لابن المغازلي: 16/23.

(3) جامع الأخبار: 48؛ الغدير: 1/10.

(4) راجع: التهنئة القياديّة.

(5) الطرائف: 121/184، بحار الأنوار: 37/180/67.


المناسبة... (1) .

الأعمال المندوب إليها شرعاً في هذا الموقع:

الأعمال المندوب إليها شرعاً في هذا الموضع، هي:

1 - استحباب الصلاة في مسجده المعروف - تاريخياً - بمسجد رسول الله، ومسجد النبيّ، ومسجد غدير خُمّ.

2 - الإكثار فيه من الدعاء والابتهال إلى الله تعالى.

قال الشيخ صاحب الجواهر في كتابه جواهر الكلام: (وكذلك يستحبّ للراجع على طريق المدينة الصلاة في مسجد غدير خُمّ، والإكثار فيه من الدعاء، وهو موضع النصّ من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أمير المؤمنين (عليه السلام)) (2) .

ومن الحديث الذي يدلّ على ذلك... (3) .

وقال الشيخ يوسف البحراني في الحدائق الناضرة (4) : يستحبّ لقاصدي المدينة المشرّفة المرور بمسجد الغدير ودخوله والصلاة فيه، والإكثار من الدعاء.

وهو الموضع الذي نصّ فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على إمامة أمير المؤمنين وخلافته بعده، ووقع التكليف بها، وإنْ كانت النصوص قد تكاثرت بها عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل ذلك اليوم، إلاّ أنّ التكليف الشرعي والإيجاب الحتمي إنّما وقع في ذلك اليوم، وكانت تلك النصوص المتقدّمة من قبيل التوطئة لتوطّن النفوس عليها، وقبولها بعد

____________________

(1) راجع: أبيات حسّان بن ثابت.

(2) جواهر الكلام: 20/75.

(3) راجع: مسجد الغدير.

(4) الحدائق الناضرة: 17/406.


التكليف بها.

فروى ثقة الإسلام في الكافي (1) والصدوق في الفقيه (2) عن أبان عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: (يستحبّ الصلاة في مسجد الغدير؛ لأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أقام فيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو موضع أظهر الله عزّ وجلّ فيه الحقّ).

وروى المشايخ الثلاثة (3) - نوّر الله تعالى مضاجعهم - في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجّاج: قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الصلاة في مسجد غدير خُمّ بالنهار وأنا مسافر، فقال: (صَلِّ فيه؛ فإنّ فيه فضلاً، وقد كان أبي يأمر بذلك).

وقد ذكر استحباب الصلاة في مسجد الغدير غير واحد من فقهائنا الإماميّة، مضافاً إلى مَن ذكرتهم، منهم:

ـ الشيخ الطوسي في النهاية، قال: (وإذا انتهى [ يعني الحاجّ ] إلى مسجد الغدير، فليدخله، وليصلِّ فيه ركعتين) (4) .

ـ القاضي ابن البرّاج في المهذّب، قال: (فمَن توجّه إلى زيارته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من مكّة بعد حجّه، فينبغي له إذا أتى مسجد الغدير... فليدخله، ويصلّي من ميسرته ما تيسّر له، ثمّ يمضي إلى المدينة) (5) .

ـ الشيخ ابن إدريس في السرائر، قال: (وإذا انتهى [ الحاجّ ] إلى مسجد الغدير

____________________

(1) الكافي: 4/567/3.

(2) مَن لا يحضره الفقيه: 2/559/3142.

(3) الكافي: 4/566/1، مَن لا يحضره الفقيه: 1/559/3143، تهذيب الأحكام: 6/18/41.

(4) النهاية: 286، الينابيع الفقهيّة - الحجّ: 220.

(5) المهذّب: 1/274، الينابيع الفقهيّة - الحج: 325.


دخله وصلّى فيه ركعتين) (1) .

ـ الشيخ ابن حمزة في الوسيلة، قال: (وصلّى [ يعني الحاجّ ] أيضاً في مسجد الغدير ركعتين إذا بلغه) (2) .

ـ الشيخ يحيى بن سعيد في الجامع، قال: (فإذا أتى [ الحاجّ ] مسجد الغدير دخله وصلّى ركعتين) (3) .

ـ السيّد الحكيم في منهاج الناسكين، قال: (وكذا يستحبّ الصلاة في مسجد غدير خُمّ، والإكثار من الابتهال والدعاء فيه. وهو الموضع الذي نصّ فيه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بالولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وعقد البيعة له، صلّى الله عليهما وعلى آلهما الطاهرين) (4) .

وصف الموقع الراهن:

وصَفَه المقدّم عاتق بن غيث البلادي - المؤرّخ الحجازي المعاصر - في كتابه معجم معالم الحجاز، قال: (ويُعرف غدير خُمّ اليوم باسم (الغُرَبَة)؛ وهو غدير عليه نخل قليل لأُناس من البلاديّة من حرب، وهو في ديارهم يقع شرق الجُحفة على (8) أكيال، وواديهما واحد، وهو وادي الخرّار (5) .

وكانت عين الجُحفة تنبع من قرب الغدير، ولا زالت فقرها ماثلة للعيان.

____________________

(1) السرائر: 1/651، الينابيع الفقهيّة - الحج: 592.

(2) الوسيلة: 220، الينابيع الفقهيّة - الحج: 452.

(3) الجامع للشرايع: 231، الينابيع الفقهيّة - الحج: 729.

(4) منهاج الناسكين: 121.

(5) تقدّم - استناداً على ما ذكره بعض المؤرّخين الجغرافيّين القدامى -: أنّ الغدير مبتدأ وادي الجُحفة، وعنده ينتهي وادي الخرّار.


وتركبُ الغديرَ من الغرب والشمال الغربي آثار بلدة كان لها سور حجريّ لا زال ظاهراً، وأنقاض الآثار تدلّ على أنّ بعضها كان قصوراً أو قلاعاً، وربّما كان هذا حيّاً من أحياء مدينة الجُحفة، فالآثار هنا تتشابه) (1) .

وقد استطلعتُ - ميدانياً - الموضع من خلال رحلتين:

ـ كانت أُولاهما: يوم الثلاثاء 7/5/1402 هـ = 2/3/1982 م.

ـ والثانية: يوم الأربعاء 18/6/1409 هـ = 25/1/1989 م...

الطرق المودّية إلى الموقع:

... أنّ هناك طريقين تؤدّيان إلى موقع غدير خُمّ؛ إحداهما من الجُحفة، والأُخرى من رابغ.

ـ طريق الجُحفة:

تبدأ من مفرق الجُحفة عند مطار رابغ سالكاً تسعة كيلوات مزفّتة إلى أوّل قرية الجُحفة القديمة، حيث شيّدت الحكومة السعوديّة - بعد أن هدمت المسجد السابق الذي رأيناه في الرحلة الأُولى - مسجداً كبيراً في موضعه، وحمّامات للاغتسال، ومرافق صحّية، ومواقف سيّارت.

ثمّ تنعطف الطريق شمالاً وسط حجارة ورمال كالسدود، بمقدار خمسة كيلوات إلى قصر علياء، حيث نهاية قرية الميقات.

ثمّ تنعطف الطريق إلى جهة اليمين، قاطعاً بمقدار كيلوين أكواماً من الحجارة وتلولاً من الرمال، وحرّة قصيرة المسافة.

ثمّ تهبط من الحرّة يمنة الطريق حيث وادي الغدير.

____________________

(1) معجم معالم الحجاز: 3/159.


2 - طريق رابغ:

وتبدأ من مفرق طريق مكّة - المدينة العامّ، الداخل إلى مدينة رابغ عند إشارة المرور، يمنة الطريق للقادم من مكّة، مارّةً ببيوتات من الصفيح، وأُخرى من الطين يسكنها بعض بدو المنطقة.

ثمّ يصعد على طريق قديمة مزفَّتة تنعطف به إلى اليسار - وهي الطريق العامّ القديمة التي تبدأ بقاياها من وراء مطار رابغ -.

وبعد مسافة عشر كيلوات، وعلى اليمين، يتفرّع منه الفرع المؤدّي إلى الغدير، ومسافته من رابغ إلى الغدير 26 كيلواً تقريباً.

وفي ضوء ما تقدّم:

يقع غدير خُمّ من ميقات الجُحفة مطلع الشمس بحوالي 8 كيلوات، وجنوب شرقي رابغ بما يقرب من 26 كم.


الفصل الحادي عشر

  غاية جهد النبيّ في تعيين الوليّ

11/1

طلب الصحيفة والدواة

903 - صحيح البخاري، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس: لمّا حُضِر رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب، قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده). فقال عمر: إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد غلب عليه الوجع!!! وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله!!

فاختلف أهل البيت فاختصموا؛ منهم مَن يقول: قرِّبوا يكتب لكم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كتاباً لن تضلّوا بعده. ومنهم مَن يقول ما قال عمر. فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (قوموا).

قال عبيد الله: فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرَّزِيّة (1)كلّ الرَّزِيّة ما حالَ بين

____________________

(1) الرَّزِيّة: المُصيبة (مجمع البحرين:2/695).


رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب؛ من اختلافهم ولَغطهم (1) .

904 - صحيح البخاري، عن ابن عبّاس: يوم الخميس، وما يوم الخميس!! اشتدّ برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وجعه، فقال: (ايتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً). فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبيٍّ تنازُع - فقالوا: ما شأنه؟! أهَجَرَ (2) ؟!! استفهِموه!!! فذهبوا يَرُدّون عليه. فقال: (دعوني؛ فالذي أنا فيه خيرٌ ممّا تدعونني إليه) (3) .

905 - صحيح مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: يوم الخميس، وما يوم الخميس!! ثمّ جعل تسيل دموعه، حتى رأيت على خدّيه كأنّها نِظام اللؤلؤ. قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (ايتوني بالكَتِف (4) والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده

____________________

(1) صحيح البخاري: 5/2146/5345 وج 4/1612/4169 وج 6/2680/6932 وفيه (قوموا عنّي) بدل (قوموا) وج 1/54/114، عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس نحوه، وفيه (قوموا عنّي، ولا ينبغي عندي التنازع)، صحيح مسلم: 3/1259/22، مسند ابن حنبل: 1/719/3111 وص 695/2992، الطبقات الكبرى: 2/244 وفيهما (قوموا عنّي) ، البداية والنهاية: 5/227؛ الأمالي للمفيد: 36/3 عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس.

(2) قال ابن الأثير: أهْجَرَ في مَنْطقه يُهْجِرُ إهْجاراً: إذا أفْحَشَ، وكذلك إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي، والاسم: الهُجْر، بالضم. وهَجَر يَهْجُر هَجْراً - بالفتح -: إذا خَلَط في كلامه، وإذا هَذَى. ومنه حديث مَرضِ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قالوا: (ما شأنُه أهَجَرَ؟) أي اختَلف كلامُه بسبب المرض، على سبيل الاستفهام. أي هل تغيّر كلامه واختلط لأجل ما به من المرض؟ وهذا أحسن ما يقال فيه. ولا يُجعل إخباراً فيكون إمّا من الفُحش أو الهَذَيان. والقائل كان عمر، ولا يُظَنّ به ذلك (النهاية: 5/245ـ246).

(3) صحيح البخاري: 4/1612/4168 وج 3/1155/2997، صحيح مسلم: 3/1257/20، مسند ابن حنبل: 1/477/1935، الطبقات الكبرى: 2/242، تاريخ الطبري: 3/192، الكامل في التاريخ: 2/7، البداية والنهاية: 5/227 وفيهما (يهجر) بدل (أهجر) ، الإيضاح: 359 نحوه.

(4) الكَتِف: عَظْم عريض يكون في أصل كَتِف الحيوان من الناس والدَّوّاب، كانوا يكتُبون فيه لِقِلّة القَرطِيس عِندهم (النهاية: 4/150).


أبداً). فقالوا: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يهجُر!!! (1) .

906 - مسند ابن حنبل، عن جابر: إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لا يضلّون بعده، فخالف عليها عمر بن الخطّاب حتى رفضها (2) .

907 - الإرشاد - في قضيّة وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) -:... ثمّ قال [ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ]: (ايتوني بدواة وكَتِف أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً). ثمّ أُغمي عليه، فقام بعض مَن حضر يلتمس دواةً وكَتِفاً، فقال له عمر: ارجع، فإنّه يهجُر!!! فرجع. وندم مَن حَضَره على ما كان منهم من التضجيع (3) في إحضار الدواة والكتف، فتلاوموا بينهم فقالوا: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! لقد أشفقْنا من خلاف رسول الله.

فلمّا أفاق (صلّى الله عليه وآله) قال بعضهم: ألا نأتيك بكتف - يا رسول الله - ودواة؟ فقال: (أبعد الذي قلتم؟! لا، ولكنّني أُوصيكم بأهل بيتي خيراً).

ثمّ أعرض بوجهه عن القوم فنهضوا، وبقي عنده العبّاس والفضل وعليّ بن أبي طالب وأهل بيته خاصّة.

فقال له العبّاس: يا رسول الله، إن يكن هذا الأمر فينا مستقرّاً بعدك فبشّرنا، وإن كنت تعلم أنّا نُغلَب عليه فأوصِ بنا، فقال: (أنتم المستضعفون من بعدي). وأصمت، فنهض القوم وهم يبكون قد أيسوا من النبيّ (صلّى الله عليه وآله) (4) .

908 - شرح نهج البلاغة، عن ابن عبّاس: خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى

____________________

(1) صحيح مسلم: 3/1259/21، مسند ابن حنبل: 1/760/3336، الطبقات الكبرى: 2/243، تاريخ الطبري: 3/193.

(2) مسند ابن حنبل: 5/115/13732، مسند أبي يعلى: 2/347/1864 وح 1866، الطبقات الكبرى: 2/243 كلّها نحوه.

(3) التَّضْجِيعُ في الأمر: التَّقصِير فيه (لسان العرب: 8/220).

(4) الإرشاد: 1/184، إعلام الورى: 1/265 نحوه.


خرجاته، فانفرد يوماً يسير على بعيره فاتّبعته، فقال لي: يا بن عبّاس، أشكو إليك ابنَ عمّك؛ سألته أن يخرج معي فلم يفعل، ولم أزل أراه واجداً، فيمَ تظنّ موجدته؟

قلت: يا أمير المؤمنين، إنّك لَتعلم.

قال: أظنّه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة.

قلت: هو ذاك؛ إنّه يزعم أنّ رسول الله أراد الأمر له.

فقال: يا بن عبّاس، وأراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الأمر له فكان، ماذا إذا لم يُرِد الله تعالى ذلك! إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أراد أمراً وأراد الله غيره، فنفذ مرادُ الله تعالى ولم ينفذ مرادُ رسوله، أوَ كلّما أراد رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) كان؟! إنّه أراد إسلام عمّه ولم يُرِده الله فلم يُسلم!

وقد روي معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ، وهو قوله: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أراد أن يذكره للأمر في مرضه، فصددتُه عنه خوفاً من الفتنة، وانتشار أمر الإسلام، فعلِم رسول الله ما في نفسي وأمسك، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم (1) .

909 - شرح نهج البلاغة، عن ابن عبّاس: دخلت على عمر في أوّل خلافته، وقد أُلقىَ له صاعٌ من تمر على خَصَفة (2) ، فدعاني إلى الأكل، فأكلت تمرة واحدة، وأقبل يأكل حتى أتى عليه، ثمّ شرب من جَرٍّ (3) كان عنده، واستلقى على مِرْفقة له، وطفق يحمد الله يكرّر ذلك، ثمّ قال: من أين جئت يا عبد الله؟

قلت: من المسجد.

قال: كيف خلّفت ابن عمّك؟ فظننته يعني عبد الله بن جعفر؛ قلت: خلّفته يلعب مع أترابه.

قال: لم أعْنِ ذلك، إنّما عنيت عظيمكم أهلَ البيت.

قلت: خلّفته يَمْتَح بالغَرْب (4) على نخيلات من فلان، وهو يقرأ القرآن.

قال: يا عبد الله،

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: 12/78.

(2) الخَصَفَة: هي الجُلَّة التي يُكْنَز فيها التمر (النهاية: 2/37).

(3) الجَرُّ: آنية من خَزَف، الواحدة جَرَّةٌ (لسان العرب: 4/131).

(4) الماتِح: المُسْتَقِي من البئر بالدَّلْو من أعلى البئر. والغَرْب: الدَّلْو العظيمة التي تُتَّخذ من جِلْد ثَوْر (النهاية: 4/291ج 3/349).


عليك دماء البُدْن إن كَتَمْتنيها! هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟

قلت: نعم.

قال: أيزعم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نصّ عليه؟

قلت: نعم، وأزيدك؛ سألت أبي عمّا يدّعيه فقال: صَدَق.

فقال عمر: لقد كان من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أمره ذَرْوٌ (1) من قول لا يُثبِت حجّة، ولا يقطع عذراً، ولقد كان يَرْبَع (2) في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعتُ من ذلك إشفاقاً وحيطةً على الإسلام. لا وربِّ هذه البَنِيّة، لا تجتمع عليه قريش أبداً! ولو وَلِيَها لانتقضتْ عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّي علمت ما في نفسه، فأمسك، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم (3) .

____________________

(1) الذَّرْوُ من الحديث: ما ارتَفَع إليك وتَرامَى من حَواشِيه وأطرافه (النهاية: 2/160).

(2) رَبَعَ: وَقَفَ وانتَظَرَ (النهاية: 2/187).

(3) شرح نهج البلاغة: 12/20؛ كشف اليقين: 462/562، كشف الغمّة: 2/46، بحار الأنوار: 38/156.



منع كتابة الوصيّة بين التبرير والنقد

تُعتبر واقعة عزم الرسول (صلّى الله عليه وآله) على كتابة الوصيّة، ومنع الخليفة الثاني إيّاه من كتابتها، واقعة غريبة ومثيرة.

فرسول الله (صلّى الله عليه وآله) - الذي ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) (1) - قد قرّر في آخر لحظات حياته بيان بعض الأمور للأُمّة الإسلاميّة.

وحتى لو كان الرسول شخصاً عاديّاً كان ينبغي تلبية طلبه ذاك، ناهيك عن أنّه أعلن بأنّ هدفه من كتابة تلك الوصيّة هو أن لا تضلّ بعده الأمّة أبداً، وهذا هدف يطمح إليه كلّ إنسان.

المثير للدهشة في هذا المجال، هو أنّ الخليفة الثاني عارض ذلك الطلب البسيط الذي ينطوي على نتيجة كبرى، وأسباب تلك المعارضة واضحة طبعاً، وصرّحت بها بعض المصادر التاريخيّة، وحتى لو لم يُشِر أيّ مصدر تاريخي إلى مراده، فإنّ أيّ باحث منصف يُدرك حقيقة الأمر من خلال وضع هذه الواقعة وواقعة السقيفة، ووصول عمر إلى منصب الخلافة، إلى جانب بعضها الآخر.

____________________

(1) النجم: 3 و4.


ويُستفاد من المصادر التاريخيّة، بأنّ هناك فئة كانت تُعاضد عمر وتؤازره في موقفه ذاك؛ وهذا ما يدلّ على وجود جماعة ضغط كان لها حضور حتى في المجالس الخاصّة للرسول (صلّى الله عليه وآله)؛ بحيث إنّ الجدل واللغط اشتدّ، وأصبحت كتابة الوصيّة غير ذات جدوى.

والأدهى من كلّ ذلك، هو أنّ البعض حاول إثبات صحّة عمل الخليفة، ولكن على حساب الانتقاص من الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فقالوا:

(إنّه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره؛ لأنّه خشي أن يكتب (صلّى الله عليه وآله) أُموراً ربّما عجزوا عنها واستحقّوا العقوبة عليها؛ لأنّها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها) (1) .

فالرسول (صلّى الله عليه وآله) يقول لهم: أُريد أن أكتب لكم شيئاً لا تضلّوا بعده أبداً. وهؤلاء يقولون: إنّ كتابة الرسول توجب العقاب، ومعارضة عمر له دليل على فقهه وفضله ودقيق نظره!! ونظراً لهذا التعارض الصريح بين رأي الرسول (صلّى الله عليه وآله) ورأي الخليفة الثاني، كيف يمكن حينئذ تفسير هذه الإشادة بعمر؟!

والأعجب من ذلك، هو التبرير الذي جاء به القاضي عيّاض لكلّ الواقعة؛ إذ إنّه حرّفها عن صورتها الأصليّة، وأوردها على نحو مقلوب، بقوله:

(أهَجَر رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ هكذا هو في صحيح مسلم وغيره: أهَجَر؟ على نحو الاستفهام، وهو أصحّ من رواية من روى: هجر أو يهجر؛ لأنّ هذا كلّه لا يصحّ منه (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّ معنى هجر: هذى. وإنّما جاء هذا من قائله استفهاماً للإنكار على مَن قال: لا تكتبوا؛ أي لا تتركوا أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتجعلوه كأمر مَن هجر في كلامه؛

____________________

(1) شرح صحيح مسلم للنووي: 11/99 هامش الحديث 1637.


لأنّه (صلّى الله عليه وآله) لا يهجر، وقول عمر: حسبنا كتاب الله. ردٌّ على مَن نازعه، لا على أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله)) (1) .

فهل ثمّة تحريف أوضح من هذا؟! ومن البديهي أنّ هذا النصّ لو لم يكن موجوداً في صحيحي البخاري ومسلم، لوصل إلينا بهذا الشكل المحرّف.

والبخاري، وإن كان قد نقل هذا النصّ على نحوين، إلاّ أنّه أورده في الموضع الذي صرّح فيه باسم القائل بلفظة (وجع)، وهي تتضمّن معنىً أقلّ إساءة.

وفي الموضع الذي حجب فيه اسم القائل أورد الكلمة القبيحة (أهجر؟)، والظاهر أنّها الكلمة الأصليّة.

ولعلّ مصدر هذا الاختلاف هو ابن عبّاس الذي بيّن - بذكاء خاصّ - حقيقة الأمر كاملة، ولكن على نحوين من النقل.

11/2

إنفاذ جيش أُسامة

910 - الطبقات الكبرى، عن عروة بن الزبير: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد بعث أُسامة وأمره أن يُوطِئ الخيلَ نحو البَلْقاء (2) حيث قُتل أبوه وجعفر، فجعل أُسامة وأصحابه يتجهّزون وقد عسكر بالجُرْف (3) ، فاشتكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو على ذلك، ثمّ وجد من نفسه راحةً فخرج عاصباً رأسه، فقال: (أيّها الناس، أنفذوا بَعْث أُسامة - ثلاث مرّات -).

ثمّ دخل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فاستُعِزَّ (4) به، فتوفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (5) .

____________________

(1) الشفاء بتعريف حقوق المصطفى: 2/194.

(2) البَلْقاء: كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القُرى، قصبتها عَمّان (معجم البلدان: 1/489).

(3) الجُرْف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام (معجم البلدان: 2/128).

(4) أي اشتَدَّ به المرض وأشرَفَ على الموت (النهاية:3/228).

(5) الطبقات الكبرى: 2/248 وراجع تاريخ اليعقوبي: 2/113 وإعلام الورى: 1/263.


911 - الطبقات الكبرى، عن ابن عمر: إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بعث سريّةً فيهم أبو بكر وعمر، واستعمل عليهم أُسامة بن زيد، فكان الناس طعنوا فيه - أي في صغره - فبلغ ذلك رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله)، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (إنّ الناس قد طعنوا في إمارة أُسامة، وقد كانوا طعنوا في إمارة أبيه من قبله، وإنّهما لخليقان لها، وإنّه لمن أحبّ الناس إليّ آلاً، فأُوصيكم بأُسامة خيراً!) (1)

912 - الطبقات الكبرى، عن حَنَش: سمعت أبي يقول: استعمل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أُسامة بن زيد وهو ابن ثماني عشرة سنة (2) .

913 - أنساب الأشراف: كان في جيش أُسامة: أبو بكر، وعمر، ووجوه من المهاجرين والأنصار (3) .

914 - المغازي - في ذكر جيش أُسامة -: ولم يبقَ أحد من المهاجرين الأوّلين إلاّ انتدب في تلك الغزوة؛ عمر بن الخطّاب، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد بن أبي وقّاص (4) .

915 - دلائل النبوّة للبيهقي: كان أُسامة بن زيد قد تجهّز للغزو، وخرج في نقله

____________________

(1) الطبقات الكبرى: 2/249 وج 4/66، صحيح البخاري: 3/1365/3524، السيرة النبوية لابن هشام: 4/299 عن عروة بن الزبير وغيره، تاريخ دمشق: 8/60/2092 وص 62/2097 عن عروة، شرح نهج البلاغة: 1/159؛ الاحتجاج: 1/173/36 عن أبي المفضّل محمّد بن عبد الله الشيباني عن رجاله وكلّها نحوه.

(2) الطبقات الكبرى: 4/66، صحيح البخاري: 4/1620/4198 عن سالم عن أبيه وليس فيه (وهو ابن ثماني عشرة سنة)، تاريخ دمشق: 8/64 وص 51 عن مصعب بن عبد الله الزبيري.

(3) أنساب الأشراف: 2/115 وراجع شرح نهج البلاغة: 6/52 والدرجات الرفيعة: 442.

(4) المغازي: 3/1118.


إلى الجُرْف، فأقام تلك الأيّام بشكوى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد أمّره على جيش عامّتهم المهاجرون، فيهم عمر بن الخطاب (1) .

916 - الطبقات الكبرى، عن عروة: في الجيش الذي استعمله [ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ] عليهم: أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجرّاح (2) .

917 - شرح نهج البلاغة: دخل أُسامة من معسكره يوم الإثنين؛ الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل، فوجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومُفيقاً، فأمره بالخروج وتعجيل النفوذ، وقال: (اغدُ على بركة الله)، وجعل يقول: (أنفِذوا بعث أُسامة) ويكرّر ذلك، فودّع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وخرج ومعه أبو بكر وعمر، فلمّا ركب جاءه رسول أُمّ أيمن فقال: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يموت، فأقبل ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة (3) .

918 - الطبقات الكبرى، عن هشام بن عروة: مرض رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فجعل يقول في مرضه: (أنفِذوا جيش أُسامة، أنفِذوا جيش أُسامة) (4) .

____________________

(1) دلائل النبوّة للبيهقي: 7/200، كنز العمّال: 10/571/30265 نقلاً عن ابن عساكر عن عروة نحوه.

(2) الطبقات الكبرى: 4/68، تاريخ دمشق: 8/63، شرح نهج البلاغة: 6/52 عن عبد الله بن عبد الرحمن؛ المناقب لابن شهر آشوب: 1/176 عن معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق (عليه السلام)، إعلام الورى: 1/263، والثلاثة الأخيرة نحوه.

(3) شرح نهج البلاغة: 1/160.

(4) الطبقات الكبرى: 4/67، تاريخ دمشق: 8/62/2098 وص 65/2101 عن عروة، شرح نهج البلاغة: 1/160 نحوه؛ الاحتجاج: 1/604 عن الإمام عليّ (عليه السلام) وفيه (وكان آخر ما عهد به في أمر أُمّته قوله: (أنفذوا جيش أُسامة). يُكرّر على أسماعهم إيجاباً للحجّة عليهم في إيثار المنافقين على الصادقين). المناقب لابن شهر آشوب: 1/176 عن معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق (عليه السلام).


919 - رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (جهِّزوا جيش أُسامة، لعن الله مَن تخلّف عنه!) (1) .

920 - الإرشاد:... فلمّا سَلَّم [ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من الصلاة ] انصرف إلى منزله، واستدعى أبا بكر وعمر وجماعةً ممّن حضر المسجد من المسلمين، ثمّ قال: (ألم آمُر أن تُنفِذوا جيش أُسامة؟!).

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: (فلِم تأخّرتم عن أمري؟!).

فقال أبو بكر: إنّني كنت خرجت ثمّ عدت لأُجدّد بك عهداً. وقال عمر: يا رسول الله، لم أخرج لأنّني لم أُحبّ أن أسأل عنك الركب.

فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (فأنفِذوا جيش أُسامة، فأنفِذوا جيش أُسامة - يكرّرها ثلاث مرّات -). ثمّ أُغمي عليه من التعب الذي لحقه والأسَف (2) ، فمكث هُنَيْهة مغمىً عليه، وبكى المسلمون، وارتفع النحيب من أزواجه وولده والنساء المسلمات ومَن حضر من المسلمين (3) .

921 - الإرشاد: عقد [ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ] لأُسامة بن زيد بن حارثة الإمرة، وندبه أن يخرج بجمهور الأمّة إلى حيث أُصيب أبوه من بلاد الروم، واجتمع رأيه (صلّى الله عليه وآله) على إخراج جماعة من متقدّمي المهاجرين والأنصار في معسكره؛ حتى لا يبقى في المدينة عند وفاته (صلّى الله عليه وآله) مَن يختلف في الرئاسة، ويطمع في التقدّم على الناس بالإمارة، ويستتبّ الأمر لمَن استخلفه من بعده، ولا يُنازعه في حقّه منازع، فعقد له الإمرة على مَن ذكرناه.

____________________

(1) الملل والنحل: 1/23، شرح نهج البلاغة:6/52 عن عبد الله بن عبد الرحمن وفيه (أنفذوا بعث أُسامة...)؛ الرواشح السماويّة: 140.

(2) الأَسَف: المبالغة في الحُزْن والغَضَب (لسان العرب: 9/5).

(3) الإرشاد: 1/183، إعلام الورى: 1/265 نحوه.


وجدَّ - عليه وآله السلام - في إخراجهم، فأمر أُسامة بالبروز عن المدينة بمعسكره إلى الجُرْف، وحثّ الناسَ على الخروج إليه والمسير معه، وحذّرهم من التَّلوُّم (1) والإبطاء عنه.

فبينا هو في ذلك، إذ عَرضت له الشَّكاةُ (2) التي توفِّي فيها (3) .

922 - السيرة النبويّة، عن عروة بن الزبير وغيره: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) استبطأ الناس في بَعْث أُسامة بن زيد وهو في وجعه، فخرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر - وقد كان الناس قالوا في إمرة أُسامة: أمَّرَ غلاماً حَدَثاً على جِلَّة المهاجرين والأنصار! - فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثمّ قال: (أيّها الناس، أنفِذوا بعث أُسامة، فلعمري، لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وإنّه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقاً لها!).

ثمّ نزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وانكَمَش (4) الناس في جهازهم، واستَعزَّ برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وجعُه، فخرج أُسامة وخرج جيشه معه حتى نزلوا الجُرْف - من المدينة على فرسخ - فضرب به عسكره، وتَتامَّ (5) إليه الناس، وثَقُل (6) رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأقام

____________________

(1) التَّلَوُّم: الانتظار والتَّلَبُّث (لسان العرب: 12/557).

(2) الشَّكاة: المَرَض (النهاية: 2/497).

(3) الإرشاد: 1/180.

(4) اِنْكَمَشَ في هذا الأمر: أي تَشَمَّرَ وجَدَّ (النهاية: 4/200).

(5) تَتامُّوا: أي جاؤوا كُلُّهم وتَمُّوا. وفي الحديث: (تَتامَّتْ إليه قُريش) أي أجابَتْهُ وجاءَتْهُ مُتَوافِرَة مُتَتابِعة (تاج العروس: 16/79).

(6) ثَقُلَ الرجُلُ: اشتَدَّ مرَضُه (لسان العرب: 11/88).


أُسامة والناس لينظروا ما الله قاضٍ في رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (1) .

923 - الإمام عليّ (عليه السلام): (أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بتوجيه الجيش الذي وجّهه مع أُسامة بن زيد عند الذي أحدث الله به من المرض الذي توفّاه فيه، فلم يَدَع النبيّ أحداً من أفناء (2) العرب، ولا من الأوس والخزرج وغيرهم من سائر الناس ممّن يخاف على نقضه ومُنازعته، ولا أحداً ممّن يراني بعين البغضاء ممّن قد وترتُه بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه، إلاّ وجّهه في ذلك الجيش، ولا من المهاجرين والأنصار والمسلمين وغيرهم والمؤلّفة قلوبهم والمنافقين؛ لتصفو قلوب مَن يبقى معي بحضرته، ولئلاّ يقول قائل شيئاً ممّا أكرهه، ولا يدفعني دافع من الولاية والقيام بأمر رعيّته من بعده.

ثمّ كان آخر ما تكلّم به في شيء من أمر أُمّته أن يمضي جيش أُسامة، ولا يتخلّف عنه أحد ممّن أُنهض معه، وتقدّم في ذلك أشدّ التقدّم، وأوعَزَ (3) فيه أبلغ الإيعاز، وأكّد فيه أكثر التأكيد.

فلم أشعر بعد أن قُبض النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلاّ برجال من بعث أُسامة بن زيد وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم، وأخلوا مواضعهم، وخالفوا أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيما أنهضهم له وأمرهم به وتقدّم إليهم؛ من ملازمة أميرهم، والسيرِ معه تحت لوائه، حتى ينفذ لوجهه الذي أنفذه إليه!

____________________

(1) السيرة النبويّة لابن هشام: 4/299 وراجع تاريخ الطبري: 3/184 وص 186 والكامل في التاريخ: 2/5.

(2) أي لم يُعْلَم مِمَّن هو (النهاية: 3/477).

(3) الوَعْز: التَّقْدِمة في الأمر والتَّقَدُّمُ فيه (لسان العرب: 5/429).


فخلّفوا أميرهم مُقيماً في عسكره، وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضاً إلى حلِّ عقدة عقدها الله عزّ وجلّ لي ولرسوله (صلّى الله عليه وآله) في أعناقهم فحلّوها، وعهد عاهدوا الله ورسوله فنكثوه! وعقدوا لأنفسهم عقداً ضجّت به أصواتهم، واختصّت به آراؤهم، من غير مناظرة لأحد منّا بني عبد المطّلب، أو مشاركة في رأي، أو استقالة (1) لما في أعناقهم من بيعتي! ) (2) .

____________________

(1) تَقايَلَ البَيِّعان: تَفاسَخا صَفْقَتَهما. وتكون الإقالَةُ في البَيْعة والعهد. والاستِقالَة: طلَب الإِقالَة (لسان العرب: 11/579 وص 580).

(2) الخصال: 371/58 عن جابر الجعفي عن الإمام الباقر (عليه السلام)، الاختصاص: 170 عن جابر عن أبي جعفر عن محمّد بن الحنفيّة، شرح الأخبار: 1/346/315 عن محمّد بن سلام بإسناده عنه (عليه السلام) نحوه.



بحث حول آخر قرارات النبيّ

اكتملت الفصول لهذا المبحث العظيم، الذي حمل بين طيّاته آخر جهود رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، تلك الجهود الحافلة بالآلام والمشاقّ.

ونعود هنا لإلقاء نظرة أُخرى - عطفاً على ما سبق ذكره - لنُفصح بإيجاز عن سرّ عدم تحقّق آخر جهوده (صلّى الله عليه وآله).

لقد بيّنتْ هذه الفصول بكلّ جلاء، بأنّ الولاية العلويّة قد واكبت الرسالة المحمّديّة في الإبلاغ والتصريح، وأنّ الرسول حينما كان يصدح بالرسالة، كان يُجاهر - أيضاً - بالحديث عن ديمومة الرسالة في قالب الولاية، ويسمّي علياً (وصيّاً) و (خليفة) و (وزيراً) و (صاحباً) و (رفيقاً) .

وإضافة إلى كلّ ذلك، فإنّه كان يتحدّث عن القيادة المستقبليّة في المناسبات المختلفة، بما يتناسب والظروف السياسيّة والثقافيّة التي كانت سائدة آنذاك، وكان يصف أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنّه الشخص الأكثر مقدرة على قيادة الأمّة وانتشالها من تلاطم أمواج الفتن والانحرافات.

وقد أوردنا هذه الحقائق بين طيّات هذه الموسوعة


استناداً إلى الكمّ الهائل من الروايات المنقولة من طريق الفريقين، وجرى التأكيد على أنّ ذروة ذلك الإبلاغ وقعت في (حجّة الوداع)، أو بتعبير آخر في (حجّة البلاغ) وفي غدير خمّ.

وهكذا، فإنّ تأكيد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على كتابة الولاية من بعده في آخر ساعات عمره المبارك، كان بلا شكّ يُمثّل آخر جهوده ومساعيه لوضع حلّ يضمن سلامة المجتمع، ويقي الأُمّة من الانحراف من بعده.

ومن هذا المنطلق؛ أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله) - وهو في فراش المرض، وبدنه الشريف يلتهب من شدّة الحُمّى - بتجهيز جيش بقيادة الشابّ أُسامة بن زيد، وأكّد على الخروج فيه، ولعن المُتخلّفين عنه. وكان كلّما فتح عينيه سأل عن مجريات أُمور ذلك الجيش.

لكنّ العجب - كلّ العجب - أنّ البعض امتنع عن الالتحاق بذلك الجيش؛ اجتهاداً منهم أمام النصّ الصريح من رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وفضلا عن ذلك، اتّهموا الرسول الذي لم يكن يقول إلاّ الحقّ، ولا يتكلّم إلاّ بالوحي (1) ، بأنّه يهجر؛ أي يهذي!! وهكذا بقيت كتابة الوصيّة بلا أثر، ولم تُفلح آخر جهود الرسول (صلّى الله عليه وآله) لإعداد الأرضيّة الكفيلة بتوطيد (حاكميّة الحقّ).

ليس هناك أدنى شكّ، في أنّ المراد من هذه الوصيّة هو التصريح بالقيادة، والتأكيد عليها، وجلب الأنظار إلى ما جاء من إبلاغ الحقّ على مدى عشرين سنة، ونودي به في كلّ حدب وصوب (2) .

ولكن يبقى ثمّة سؤال، وهو لماذا لم يُصرّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) على كتابة الوصيّة رغم

____________________

(1) ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) النجم: 3 و4.

(2) راجع: المراجعات: 354، وكلام مفتي الحنفيّة في صُوْر الحاج داود الددا، في الموضع نفسه.

وراجع أيضاً: معالم الفتن: 1/262 الذي أشار إلى تنبّه بعض محدّثي السنّة إلى هذه المسألة.


اللغط الذي أثاروه في حينها؟ ولماذا لم يُبادر إلى هذا الإجراء الأساسي مسبقاً وفي أيّام صحّته؟ ولماذا لم يُقدِم على كتابة الوصيّة رغم الاقتراح الذي قدّمه البعض بالإتيان بأدوات الكتاب، مع أنّه بقي على قيد الحياة أربعة أيّام بعد طرح هذه القضيّة؟ ولماذا لم يُقدِم على هذا الإجراء ليحول دون وقوع الأُمّة في الضلال، وهو الذي يصفه القرآن بالحرص على هداية الأُمّة؟ (1) .

لعلّ التأمّل في وضع المجتمع الإسلامي حينذاك، وطبيعة تركيب مجتمع المدينة، ومكانة الإمام عليّ (عليه السلام) يُساعد في العثور على جواب لهذا السؤال، لقد قام الرسول (صلّى الله عليه وآله) بالكثير من الغزوات والمعارك في سبيل القضاء على الشرك وإزالة العراقيل الحائلة دون إبلاغ الرسالة، وقد قُتل في تلك المعارك الكثير من قادة الشرك والاستكبار، وكان لسيف عليّ (عليه السلام) الدور الأكبر فيها، وهذه حقيقة لا يشكّ فيها مَن لديه أدنى اطّلاع على تاريخ الإسلام. وفي السنوات الأخيرة من عمر الرسول (صلّى الله عليه وآله) التحق الكثير من ذوي أُولئك القادة بمعسكر الإسلام، إلاّ أنّ الإسلام لم يدخل في قلوبهم، ولم يكونوا على استعداد للقبول بقيادة الإمام عليّ (عليه السلام)، هذا من جهة.

ومن جهة أُخرى؛ فإنّ الكثير من الصحابة البارزين ما كانوا يرون - لسبب أو آخر - المصلحة في وجود الإمام عليّ (عليه السلام) على رأس قيادة الأُمّة، فلم يَرُق لهم أمر كتابة الوصيّة؛ وذلك لأنّ كتابة الوصيّة كانت تُغلق عليهم باب كلّ الأعذار والتبريرات.

أمّا في الظروف العادية، فإنّ إقدام النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على مثل هذا الإجراء يهيّئ كان الأجواء لبثّ الفرقة والتناحر في داخل المعسكر الإسلامي.

____________________

(1) كما جاء في الآية 128 من سورة التوبة.


بينما في آخر لحظات عمر الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فإنّ الوصيّة كانت تلقى أجواءً أفضل للقبول، ومن الطبيعي أنّ القائد الذي شارف على الرحيل من هذه الدنيا، بعد سنوات من الجهد في سبيل توطيد ركائز الدين، لابدّ أنّ يضع خطّة للمستقبل يضمن فيها بقاء الدين ومصلحة الأُمّة، ولو أنّ الوجوه البارزة ما كانت لتُثير الاختلاف واللغط وتُعكِّر صفو الماء لكان الاحتمال قويّاً بأن لا يجد الذين أسلموا حديثاً فرصة للمناورة.

وعلى هذا المنوال، عزم الرسول (صلّى الله عليه وآله) على أصل الوصيّة وكتابتها من جهة، وسعى من جهة أُخرى من خلال أمره بتجهيز سريّة أُسامة؛ لإبعاد أصحاب الادّعاءات ومثيري الضجيج عن الساحة في سبيل توفير الأجواء لطرح المسألة نهائيّاً.

ولا شكّ أنّ سريّة أُسامة لو كانت سارت على وجهتها، وأُبعد مثيرو الشغب عن الساحة، لكانت الوصيّة قد كُتبت، والخلافة الحقّة قد استُتبّت، ولقُضي على كل ما يُعكّر صفو الأجواء، قبل عودتهم (1) .

ولكن لماذا لم يُصرّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على ما طلب، ولم يستثمر الفرصة المتبقّية لكتابة الوصيّة؟

يكفي النظر إلى ما قيل حول المسألة للعثور على الجواب، وسبب ذلك يعود - كما صرّح به مفكّر بارع (2) - إلى أنّهم جرّدوه من العصمة من الضلال بقولهم: (هجر)!! ولهذا قال لهم - فيما رواه ابن عبّاس - بعد أن هدأت الضجّة وقالوا له: ألا نأتيك بما طلبتَ؟ قال:

____________________

(1) انظر في هذا المجال قول عمر: (فكرهنا ذلك أشدّ الكراهة) مجمع الزوائد: 8/609/14257.

(2) سعيد أيّوب في معالم الفتن: 1/263.


(أبَعدَ الذي قلتم؟!... أوَ بَعد ماذا؟!).

يا للعجب!! ويا للأسف!! فهل هناك موضع للكتابة بعد أن اتّهموا الرسول (صلّى الله عليه وآله) بأنّه يهجر؟! فإذا كان قول الرسول يُتجاهل، ويوصف بالهذيان في حياته، وهو الذي نزّهه القرآن عن الخطأ بقوله: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) (1) ، فلابدّ وأن يكون سائر كلامه موضع تشكيك من بعد وفاته.

ويظهر من هذا الكلام والأجواء التي تمخّضت عنه، ما يلي:

1 - إنّ المعارضين لخلافة الإمام عليّ (عليه السلام) كانوا جادّين في موقفهم، ولم يتوّرعوا حتى عن النيل من الرسول (صلّى الله عليه وآله) في سبيل هذه الغاية.

2 - لم يكن للكتابة تأثير حينذاك؛ وذلك لأنّهم كانوا سيُشيعون هذا الكلام وهذا الري بين الناس، ويُبطلون بذلك أيّ أثر لكتابة الصحيفة.

3 - لعلّ أهمّ ما كان يتمخّض عن ذلك، هو أن لا يصل الإمام إلى الخلافة، بل وكانت تضيع كلّ تعاليم الرسول، ويقع التشكيك في حجّيّتها، وتضمحلّ أوامره ونواهيه في خِضمّ الأخذ والردّ.

والحقيقة هي أنّ اتّهام الرسول (صلّى الله عليه وآله) بالهذيان يُعتبر من أكثر الحوادث مثاراً للحزن والألم والمرارة في تاريخ الإسلام، ولعلّ أبلغ ما يُعبّر عن ذلك هو كلام ابن عبّاس الذي كان يبكي ويقول:

(إنّ الرزيّة كلَّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب!).

والأمر المثير، أنّه بعد سنتين من ذلك التاريخ، حينما كان أبو بكر في اللحظات الأخيرة من حياته يعيش في حالة إغماء ولا قدرة له على الكلام نصّب عمر بن

____________________

(1) النجم: 3 و4.


الخطّاب خليفة من بعده بكتابة تلقينيّة من عثمان، غير أنّ أحداً لم يتّهمه بالهذيان! (1) .

وهكذا، فقد وقعت تلك الإهانة، ولم تُكتب تلك الوصيّة، ووُضعت أُسس انحراف القيادة، وحلَّ بالأمَّة ما لم يكن ينبغي أنّ يحلَّ بها، وتبلور تاريخ المسلمين على نحو آخر حافل بكثير من الاضطرابات (2) .

____________________

(1) راجع: القسم الرابع/عهد عمر بن الخطّاب.

(2) راجع: النصّ والاجتهاد: 125 - 138، معالم الفتن: 1/259 - 265.


الفهرس

القسم الثالث ..5

جهود النبي لقيادة الإمام علي (عليه السلام) 5

المدخل: موقف النبي من مستقبل الرسالة 6

الفصل الأول: أحاديث الوصاية 92

الفصل الثاني: احاديث الوراثة 130

الفصل الثالث: أحاديث الخلافة 136

الفصل الرابع: أحاديث المنزلة 148

الفصل الخامس: أحاديث الإمارة 168

الفصل السادس: أحاديث الإمامة 182

الفصل السابع: أحاديث الولاية 196

الفصل الثامن: أحاديث الهداية 228

الفصل التاسع: أحاديث العصمة 234

الفصل العاشر: حديث الغدير 250

الفصل الحادي عشر: غاية جهد النبيّ في تعيين الوليّ .388