موسوعة الإمام علي ّ بن أبي طالب (عليه السلام)
في الكتاب والسنّة والتاريخ
محمّد الريشهري
بمساعدة
محمد كاظم الطباطبائي - محمود الطباطبائي
المجلّد الثالث
بسم الله الرحمن الرحيم
القسم الرابع
الإمام عليّ بعد النبيّ إلى بيعة الناس
وفيه فصول:
الفصل الأوّل: قصّة السقيفة
الفصل الثاني: عهد عمر بن الخطاب
الفصل الثالث: مبادئ خلافة عثمان
الفصل الرابع: مبادئ الثورة على عثمان
الفصل الخامس: الثورة على عثمان
الفصل الأول
قصّة السقيفة
1 / 1
إنكار موت النبيّ
924 - سنن الدارمي عن عكرمة: توفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم الإثنين، فحُبس بقيّة يومه وليلته والغد حتى دفن ليلة الأربعاء، وقالوا: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يمُت، ولكن عُرج بروحه كما عُرج بروح موسى، فقام عمر فقال: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يمُت، ولكن عُرج بروحه كما عُرج بروح موسى، واللهِ لا يموت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى يقطع أيدي أقوام وألسنتهم، فلم يزَل عمر يتكلّم حتى أُزبد شدقاه ممّا يوعد ويقول.
فقام العبّاس فقال: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد مات، وإنّه لبشر، وإنّه يأسُنُ (1) كما يأسن البشر. أي قومِ فادفنوا صاحبكم؛ فإنّه أكرم على الله من أنْ يُميته إماتتين،
____________________
(1) أي يتغيّر (النهاية: 1 / 50).
أيُميت أحدَكم إماتة ويميته إماتتين وهو أكرم على الله من ذلك؟!
أي قوم فادفنوا صاحبكم؛ فإنْ يكُ كما تقولون فليس بعزيزٍ على الله أنْ يبحث عنه التراب. إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) واللهِ ما مات حتى ترك السبيل نهجاً واضحاً، فأحلّ الحلال وحرّم الحرام، ونكح وطلّق، وحارب وسالَم.
ما كان راعي غنم يتبع بها صاحبها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاة بمخبطه، ويمدُر (1) حوضها بيده بأنصبَ ولا أدأَب من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان فيكم أي قومِ، فادفنوا صاحبكم (2) .
925 - الطبقات الكبرى عن عائشة: لمّا توفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، استأذن عمر والمغيرة بن شعبة، فدخلا عليه فكشفا الثوب عن وجهه فقال عمر: واغشيا! ما أشدّ غشي رسول الله (صلّى الله عليه وآله). ثمّ قاما، فلمّا انتهيا إلى الباب قال المغيرة: يا عمر، مات والله رسول الله (صلّى الله عليه وآله)! فقال عمر: كذِبت! ما مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولكنّك رجل تحوشك فتنة، ولنْ يموت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى يُفني المنافقين.
ثمّ جاء أبو بكر وعمر يخطب الناس فقال له أبو بكر: اسكت! فسكت، فصعد أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قرأ: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ) (3) ، ثمّ قرأ: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) (4) ، حتى فرغ من الآية، ثمّ قال: مَن كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات، ومَن كان
____________________
(1) مدَرَهُ: أي طيّنه وأصلحه بالمَدَر؛ وهو الطين المتماسك؛ لئلاّ يخرج منه الماء (النهاية: 4 / 309).
(2) سنن الدارمي: 1 / 42 / 83، الطبقات الكبرى: 2 / 266، أنساب الأشراف: 2 / 243 عن ابن عبّاس وكلاهما نحوه، كنز العمّال: 7 / 244 / 18773.
(3) الزمر: 30.
(4) آل عمران: 144.
يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت!
قال: فقال عمر: هذا في كتاب الله؟ قال: نعم! فقال: أيّها الناس! هذا أبو بكر وذو شيبة المسلمين فبايِعوه! فبايعه الناس (1) .
926 - تاريخ اليعقوبي - في ذكر وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) -: خرج عمر فقال: والله ما مات رسول الله ولا يموت، وإنّما تغيّب كما غاب موسى بن عمران أربعين ليلة ثمّ يعود، والله ليقطعنّ أيدي قوم وأرجلهم.
وقال أبو بكر: بل قد نعاه الله إلينا فقال: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ) . فقال عمر: والله لكأنّي ما قرأتها قطّ! ثمّ قال:
لعَمْري لقد أيقنتُ أنّك ميتٌ |
ولكنّما أبدى الذي قلتُه الجزَعْ (2) |
927 - صحيح البخاري عن عائشة: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مات وأبو بكر بالسُّنْح (3) - يعني بالعالية - فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله)! قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلاّ ذاك، وليبعثنّه الله، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم.
فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقبّله، قال: بأبي أنت واُمّي، طبتَ حيّاً وميّتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً. ثمّ خرج فقال: أيّها الحالف على رِسْلِكَ، فلمّا تكلّم أبو بكر جلَس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه،
____________________
(1) الطبقات الكبرى: 2 / 267، مسند ابن حنبل: 10 / 44 / 25899، البداية والنهاية: 5 / 241 كلاهما نحوه، كنز العمّال: 7 / 232 / 18755.
(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 114؛ السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 305 عن أبي هريرة، شرح نهج البلاغة: 1 / 178 وج 2 / 43 كلّها نحوه وليس فيها (بيت الشعر).
(3) السُّنْح: موضع قرب المدينة المنوّرة - على ساكنها أفضلُ الصلاة والسلام - كان به مسكن أبي بكر (تاج العروس: 4 / 96).
وقال:
ألا مَن كان يعبد محمّداً (صلّى الله عليه وآله) فإنّ محمّداً قد مات، ومَن كان يعبد الله فإنّ الله حيٌّ لا يموت.
وقال: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ) . وقال: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) . فنشجَ الناس يبكون (1) .
928 - دلائل النبوّة عن عروة - في ذكر وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) -: قام عمر بن الخطّاب يخطب الناس ويوعِد مَن قال: (قد مات) بالقتل والقطع ويقول: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في غَشيته لو قد قام قطع وقتل، وعمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن اُمّ مكتوم قائم في مؤخّر المسجد يقرأ: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) إلى قوله: ( وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) ، والناس في المسجد قد ملؤه ويبكون ويموجون لا يسمعون، فخَرج عبّاس بن عبد المطّلب على الناس فقال: يا أيّها الناس، هل عند أحد منكم مِن عهد من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في وفاته فليحدّثنا؟ قالوا: لا. قال: هل عندك يا عمر مِن عِلم؟ قال: لا. قال العبّاس:
أشهد أيّها الناس أنّ أحداً لا يشهد على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لعهدٍ عهده إليه في وفاته، والله الذي لا إله إلاّ هو، لقد ذاق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الموت.
وأقبل أبو بكر من السُّنْح على دابّته حتى نزل بباب المسجد، ثمّ أقبل مكروباً حزيناً، فاستأذن في بيت ابنته عائشة، فأذنت له، فدخل ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد توفّي على الفراش والنسوة حوله، فخمّرن وجوههنّ واستترن من أبي بكر إلاّ ما كان
____________________
(1) صحيح البخاري: 3 / 1341 / 3467، سنن ابن ماجة: 1 / 520 / 1627، مسند ابن حنبل: 10 / 45 / 25899، الطبقات الكبرى: 2 / 268، تاريخ الطبري: 3 / 200 كلاهما عن أبي هريرة، الكامل في التاريخ: 2 / 9، شرح نهج البلاغة: 2 / 40، البداية والنهاية: 5 / 242 كلّها نحوه.
من عائشة، فكشف عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فحنا عليه يقبّله ويبكي ويقول: ليس ما يقول ابن الخطّاب شيء، توفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والذي نفسي بيده، رحمةُ الله عليك يا رسول الله! ما أطيبك حيّاً وما أطيبك ميّتاً! ثمّ غشّاه بالثوب، ثمّ خرج سريعاً إلى المسجد يتوطّأ رقاب الناس، حتى أتى المنبر، وجلس عمر حين رأى أبا بكر مُقبلاً إليه، فقام أبو بكر إلى جانب المنبر ثمّ نادى الناس فجلسوا وأنصتوا، فتشهّد أبو بكر بما علمه من التشهّد وقال:
إنّ الله تبارك وتعالى نعى نبيّكم إلى نفسه وهو حيّ بين أظهركم، ونعاكم إلى أنفسكم؛ فهو الموت حتى لا يبقى أحد إلاّ الله عزّ وجلّ، قال الله تبارك وتعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) إلى قوله ( وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) فقال عمر: هذه الآية في القرآن؟! والله ما علمت أنّ هذه الآية اُنزلت قبل اليوم!! (1)
929 - صحيح البخاري عن أنس بن مالك: أنّه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر، وذلك الغدُ من يومِ توفّي النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فتشهّد وأبو بكر صامت لا يتكلّم، قال: كنت أرجو أنْ يعيش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى يدبُرنا - يريد بذلك أنْ يكون آخرهم - فإنْ يكُ محمّد (صلّى الله عليه وآله) قد مات فإنّ الله تعالى قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به بما هدى الله محمّداً (صلّى الله عليه وآله)، وإنّ أبا بكر صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثاني اثنين؛ فإنّه أولى المسلمين بأُموركم، فقوموا فبايعوه، وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامّة على المنبر (2) .
____________________
(1) دلائل النبوّة للبيهقي: 7 / 217، البداية والنهاية: 5 / 242 و243، كنز العمّال: 7 / 245 / 18775.
(2) صحيح البخاري: 6 / 2639 / 6793، صحيح ابن حبّان: 15 / 297 / 6875؛ الطرائف: 453 نحوه.
930 - صحيح ابن حبّان عن أنس بن مالك: أنّه سمع عمر بن الخطّاب من الغد حين بُويع أبو بكر في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، واستوى أبو بكر على منبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قام عمر فتشهّد قبل أبي بكر ثمّ قال:
أمّا بعد، فإنّي قلتُ لكم أمس مقالةً لم تكن كما قلت، وإنّي والله ما وجدتها في كتابٍ أنزله الله، ولا في عهدٍ عهِدهُ إليّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولكنّي كنت أرجو أنْ يعيش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى يَدبُرنا - يقول: حتى يكون آخرنا - فاختار الله جلّ وعلا لرسوله (صلّى الله عليه وآله)، الذي عنده على الذي عندكم، وهذا كتاب الله هدى اللهُ به رسوله (صلّى الله عليه وآله)، فخذوا به تهتدوا بما هدى الله به رسوله (صلّى الله عليه وآله) (1) .
____________________
(1) صحيح ابن حبّان: 14 / 589 / 6620، الطبقات الكبرى: 2 / 271، المصنّف لعبد الرزّاق: 5 / 437 / 9756 نحوه.
نظرة تحليلية في سبب إنكار موت النبيّ
ودّع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الحياة إلى الرفيق الأعلى.
واهتزّت المدينة، وعلاها هياج وضجيج، وانتشر خبر وفاته بسرعة، فأقضّ المضاجع، وملأ القلوب غمّاً وهمّاً وحزناً. والجميع كانوا يبكون وينحبون، ويُعوِلون على فقد نبيّهم وسيّدهم وكان الشخص الوحيد الذي كذّب خبر الوفاة بشدّة كما أسلفنا، وهدّد على نشره، وحاول أنْ يحول دون ذلك هو عُمر بن الخطّاب. وتكلّم معه العبّاس عمّ النبيّ فلم يقتنع.
وحين نظر المغيرة بن شعبة إلى وجه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أقسم أنّه ميّت، لكنّ عمر قذفه بالكذِب واتّهمه بإثارة الفتنة.
وكان أبو بكر في (السُّنْح) خارج المدينة، فأخبروه بوفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فجاء إلى المدينة ورأى عمر يتحدّث إلى الناس ويهدّدهم بألاّ يصدّقوا ذلك ولا ينشروه.
وعندما رأى عمر أبا بكر جلس (1) . وذهب أبو بكر إلى الجنازة، وكشف عن
____________________
(1) كنز العمّال: 7 / 246 / 18775.
الوجه الشريف، وخطب خطبةً قصيرةً ضمّنها قوله تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) (1) فهدأ عمر وسكن، وصدّق بالوفاة وقال بعد سماعه الآية: (أيقنتُ بوفاته؛ وكأنّي لم أسمع هذه الآية) (2) !
أترى أنّ عمر كان لا يعلم حقّاً أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد مات؟!
ذهب البعض إلى ذلك وقال: كان لا يعلم حقّاً. بعبارة أُخرى: كان يعتقد أنّه لا يموت، بل هو خالد (3) . ويتبيّن من هذا أنّ القائلين به غير واعين لِلُّعَب السياسيّة وتهيئة الأجواء!
وذهب البعض الآخر إلى أنّه كان يعلم جيّداً أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فارق الحياة، ولنْ يكون بعدها بين ظهرانيّ المسلمين، لكنّ التفكير بالمصلحة، والتخطيط للمستقبل جعلاه يتّخذ هذا الموقف ليمهّد الأرضيّة من أجل التحرّك لإزالة منافسيه السياسيّين من الساحة. وتبنّى ابنُ أبي الحديد هذا الرأي، وذهب إلى أنّه فعل ذلك منعاً لفتنة قد يثيرها الأنصار أو غيرهم حول الإمامة. كتب ابن أبي الحديد قائلاً:
(و نحن نقول: إنّ عمر أجلّ قدراً من أنْ يعتقد ما ظهر عنه في هذه الواقعة، ولكنّه لمّا علم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد مات، خاف من وقوع فتنة في الإمامة وتقلّب أقوام عليها، إمّا مِن الأنصار أو غيرهم... فاقتضت المصلحة عنده تسكين الناس بأنْ أظهر ما أظهره من كون رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يمُت... إلى أنْ جاء أبو بكر - وكان
____________________
(1) آل عمران: 144.
(2)
(3) و (2) شرح نهج البلاغة: 12 / 195.
غائباً بالسُّنْح، وهو منزل بعيد عن المدينة - فلمّا اجتمع بأبي بكر قويَ به جأشه، واشتدّ به أزره، وعظُم طاعة الناس له وميلهم إليه، فسكت حينئذٍ عن تلك الدعوى التي كان ادّعاها)(1) .
نظراً إلى القرائن التاريخيّة، ومواقف هذين الرجُلين، وسكوت عمر المطلق بعد وصول أبي بكر وكان قد أثار ما أثار من الضجيج واللغط، كلّ أولئك لا يَدَع مجالاً للشّك في أنّ موقف عمر كان تحرّكاً سياسيّاً للتمهيد من أجل الشيء الذي امتنع بسببه من الذهاب مع جيش أُسامة، مخالفاً لنصٍّ نبويٍّ صريح، وأمرٍ رساليٍّ أكيد. وكان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نفسه يتحدّث عن نهاية حياته، وأبلغ الجميع بذلك.
وكان عمر قبل هذا الوقت وحين منع من كتابة الوصيّة يردّد شعار (حسبنا كتاب الله)، أي: إنّ كلمة (حسبنا..) تتحقّق بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ويمكن القول مبدئيّاً إنّ نصّ القرآن الكريم على وفاته وعدم خلوده (صلّى الله عليه وآله) يدلّ على أنّ نفي وفاته لم يكن عقيدةً راسخةً يتبنّاها المؤمنون قطّ، وأوضح من ذلك كلّه كلام عمر نفسه عندما نصب أبا بكر في الخلافة وأجلسه على عرشها، فقد صرّح بخطأ مقاله ووهنه قائلاً: (أمّا بعد، فإنّي قلتُ لكم أمس مقالةً لم تكن كما قلت. وإنّي والله ما وجدتها في كتابٍ أنزله الله، ولا في عهدٍ عهده إليّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولكنّي كنتُ أرجو أنْ يعيش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - فقال كلمة يريد - حتى يكون آخرنا، فاختار الله لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم، فخذوا به تهتدوا لما هدى له رسول الله) (2) .
إنّ هذا كلّه يدلّ على أنّه كان يمهّد الأرضيّة للقبض على السلطة، ويهيّئ
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 2 / 42.
(2) الطبقات الكبرى: 2 / 271.
الأمور لخلافة أبي بكر حتى يتسنّى له أنْ يحكم بعده. وما أبلغ كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حين قال له:
(أحلب حَلْباً لك شَطْره (1) ) .
1 / 2
ما جرى في السقيفة
931 - تاريخ الطبري عن عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي عمرة الأنصاري: إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لما قُبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة (2) ، فقالوا: نولّي هذا الأمر بعد محمّد (صلّى الله عليه وآله) سعد بن عبادة، وأخرَجوا سعداً إليهم وهو مريض.
فلمّا اجتمعوا قال لابنه أو بعض بني عمّه: إنّي لا أقدر لشكواي أنْ اُسمِع القوم كلّهم كلامي، ولكن تَلَقَّ منّي قولي فأسمِعهموه. فكان يتكلّم ويحفظ الرجل قوله، فيرفع صوته فيُسمِع أصحابه، فقال - بعد أنْ حمد الله وأثنى عليه -:
يا معشر الأنصار! لكم سابقة في الدِّين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب؛ إنّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمان وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن به من قومه إلاّ رجالٌ قليل، وكان ما كانوا يقدرون على أنْ يمنعوا رسول الله ولا أنْ يُعِزّوا دينه، ولا أنْ يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عُمُّوا به، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصّكم بالنعمة، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه،
____________________
(1) راجع: الهجوم على بيت فاطمة بنت رسول الله.
(2) سقِيفة بني ساعدة: بالمدينة، وهي ظلّة كانوا يجلسون تحتها، فيها بويع أبو بكر (معجم البلدان: 3 / 228).
والجهاد لأعدائه، فكنتم أشدّ الناس على عدوّه منكم، وأثقله على عدوّه من غيركم، حتى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً، وأعطى البعيدُ المقادةَ صاغراً داخراً، حتى أثخن الله عزّ وجلّ لرسوله بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفّاه الله وهو عنكم راض وبكم قرير عين، استبِدّوا بهذا الأمر؛ فإنّه لكم دون الناس.
فأجابوه بأجمعهم: أنْ قد وُفِّقت في الرأي، وأصبت في القول، ولنْ نعدو ما رأيت، ونولِّيك هذا الأمر؛ فإنّك فينا مَقْنَعٌ ولصالح المؤمنين رضى.
ثمّ إنّهم ترادّوا الكلام بينهم، فقالوا: فإنْ أبَت مهاجرة قريش، فقالوا: نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأوّلون، ونحن عشيرته وأولياؤه، فعلامَ تنازعوننا هذا الأمر بعده؟ فقالت طائفة منهم: فإنّا نقول إذاً: منّا أمير ومنكم أمير، ولنْ نرضى بدون هذا الأمر أبداً. فقال سعد بن عبادة حين سمعها: هذا أوّل الوهن!
وأتى عمرَ الخبرُ، فأقبل إلى منزل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فأرسل إلى أبي بكر، وأبو بكر في الدار وعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) دائب في جهاز رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأرسل إلى أبي بكر أنْ اخرج إليّ، فأرسل إليه: إنّي مشتغل، فأرسل إليه أنّه قد حدَث أمر لابدّ لك من حضوره، فخرج إليه فقال: أ ما علمت أنّ الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة يريدون أنْ يولّوا هذا الأمر سعد بن عبادة، وأحسنهم مقالة مَن يقول: منّا أمير ومن قريش أمير؟
فمَضَيا مسرعَين نحوهم، فلقيا أبا عبيدة بن الجرّاح، فتماشوا إليهم ثلاثتهم، فلَقيهم عاصم بن عدِيّ وعويم بن ساعدة، فقالا لهم: ارجعوا؛ فإنّه لا يكون ما تريدون، فقالوا: لا نفعل. فجاؤوا وهم مجتمعون.
فقال عمر بن الخطاب: أتيناهم - وقد كنت زوّرت كلاماً أردت أنْ أقوم به فيهم - فلمّا أنْ دفعتُ إليهم ذهبتُ لأبتدئ المنطق، فقال لي أبو بكر: رُوَيداً حتى أتكلّم، ثمّ انطق بعد بما أحببت. فنطق، فقال عمر: فما شيء كنت أردت أنْ أقوله إلاّ وقد أتى به أو زاد عليه.
فقال عبد الله بن عبد الرحمان: فبدأ أبو بكر فحمِد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ الله بعث محمّداً رسولا إلى خلقه، وشهيداً على اُمّته؛ ليعبدوا الله ويوحّدوه، وهم يعبدون من دونه آلهةً شتّى، ويزعمون أنّها لهم عنده شافعة، ولهم نافعة، وإنّما هي من حجرٍ منحوت، وخشبٍ منجور، ثمّ قرأ: ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ) (1) وقالوا: ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ) (2) فعظم على العرب أنْ يتركوا دين آبائهم، فخصّ الله المهاجرين الأوّلين من قومه بتصديقه والإيمان به والمؤاساة له، والصبر معه على شدّة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إيّاهم، وكلّ الناس لهم مخالف زارٍ عليهم، فلم يستوحشوا لقلّة عددهم وشنف (3) الناس لهم، وإجماع قومهم عليهم، فهم أوّل مَن عبَد الله في الأرض، وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلاّ ظالم.
وأنتم يا معشر الأنصار! مَن لا يُنكَر فضلهم في الدين، ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلّة أزواجه وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأوّلين عندنا أحد بمنزلتكم، فنحن
____________________
(1) يونس: 18.
(2) الزمر: 3.
(3) يقال: شَنِفَ له شَنَفاً؛ إذا أبغضه (النهاية: 2 / 505).
الأُمَراء وأنتم الوزراء، لا تفتاتون بمشورة ولا نقضي دونكم الأُمور.
فقام الحُباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الأنصار! أملكوا عليكم أمركم؛ فإنّ الناس في فيئكم وفي ظلّكم، ولنْ يجترئ مجترئ على خلافكم، ولنْ يصدر الناس إلاّ عن رأيكم، أنتم أهل العزّ والثروة، وأُولو العدد والمنعة والتجربة [ و] (1) ذوو البأس والنجدة، وإنّما ينظر الناس إلى ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم، فإنْ أبى هؤلاء إلاّ ما سمِعتم، فمنّا أمير ومنهم أمير.
فقال عمر: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن! والله لا ترضى العرب أنْ يؤمّروكم ونبيّها من غيركم، ولكنّ العرب لا تمتنع أنْ تولّي أمرها مَن كانت النبوّة فيهم ووَليّ اُمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى مِن العرب الحجّة الظاهرة والسلطان المبين. مَن ذا ينازعنا سلطان محمّد وإمارته - ونحن أولياؤه وعشيرته - إلاّ مُدلٍ بباطل، أو متجانفٍ لإثم، ومتورِّط في هلَكَة....
فقال أبو بكر: هذا عمر وهذا أبو عبيدة، فأيّهما شئتم فبايعوا. فقالا: لا والله لا نتولّى هذا الأمر عليك؛ فإنّك أفضل المهاجرين، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله على الصلاة، والصلاة أفضل دين المسلمين، فمَن ذا ينبغي له أنْ يتقدّمك أو يتولّى هذا الأمر عليك، اُبسُط يدَك نبايعك.
فلمّا ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحُباب بن المنذر: يا بشير بن سعد! عَقّتك عَقاقِ، ما أحوجك إلى ما صنعت، أ نَفِسْتَ على ابن عمّك الإمارة؟! فقال: لا والله، ولكنّي كرهتُ أنْ أُنازِع قوماً حقّاً جعله الله لهم.
____________________
(1) هذه الزيادة من الكامل في التاريخ.
ولمّا رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وما تدعو إليه قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة قال بعضهم لبعض - وفيهم اُسيد بن حُضير وكان أحد النقباء (1) -: والله لئن وليَتْها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر. فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم (2) .
932 - صحيح البخاري عن عائشة: اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منّا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطّاب وأبو عبيدة بن الجرّاح، فذهب عمر يتكلّم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلاّ أنّي قد هيّأت كلاماً قد أعجبني، خشيت أنْ لا يبلغه أبو بكر.
ثمّ تكلّم أبو بكر فتكلّم أبلغَ الناس، فقال في كلامه: نحن الأُمراء وأنتم الوزراء، فقال حُباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منّا أمير، ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنّا الأُمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب داراً، وأعربهم أحساباً، فبايِعوا عمر أو أبا عبيدة بن الجرّاح، فقال عمر: بل نبايعك أنت؛ فأنت
____________________
(1) النقباء: جمع نقيب؛ وهو كالعريف على القوم المقدّم عليهم، الذي يتعرّف أخبارهم، وينقّب عن أحوالهم؛ أي يفتِّش. وكان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد جعل ليلةَ العقبة كلَّ واحد من الجماعة الذين بايعوه بها نقيباً على قومه وجماعته، ليأخذوا (عليهم الإسلام)، ويعرّفونهم شرائطه. وكانوا أثنى عشر نقيباً كلّهم من الأنصار (النهاية: 5 / 101).
(2) تاريخ الطبري: 3 / 218، الكامل في التاريخ: 2 / 12 و13 عن أبي عمرة الأنصاري، الإمامة والسياسة: 1 / 21 نحوه.
سيّدنا وخيرنا وأحبّنا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعداً، فقال عمر: قتله الله! (1)
933 - تاريخ الطبري عن الضحّاك بن خليفة: لمّا قام الحُباب بن المنذر انتضى سيفه؛ وقال أنا جُذَيلها المحكّك (2) ، وعُذيقها المرجّب (3) ، أنا أبو شبل في عِرّيسة (4) الأسد، يعزى إليّ الأُسْد. فحامله عمر فضرب يده، فندر (5) السيف فأخذه، ثمّ وثب على سعد ووثبوا على سعد، وتتابع القوم على البيعة، وبايع سعد، وكانت فلتةً كفَلَتات الجاهليّة، قام أبو بكر دونها (6) .
934 - صحيح البخاري عن ابن عبّاس عن عمر - من خطبته في أواخر عمره -: بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلاناً فلا يغترنّ امرؤ أنْ يقول: إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت. ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرّها، وليس فيكم مَن تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر.
مَن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يتابَع هو ولا الذي تابعه تَغِرَّة (7) أنْ يقتلا وإنّه قد كان من خبرنا حين توفّى الله نبيّه (صلّى الله عليه وآله) أنّ الأنصار خالفونا،
____________________
(1) صحيح البخاري: 3 / 1341 / 3467، الطبقات الكبرى: 2 / 269.
(2) جُذَيلها: تصغير جِذل، وهو العود الذي ينُصَب للإبل الجربى لتحتكّ به، وهو تصغير تعظيم؛ أي أنا ممّن يستشفى برأيه كما تستشفي الإبل الجربى بالاحتكاك بهذا العود (النهاية: 1 / 251).
(3) عُذيقها: تصغير العَذق: النخلة، والرُّجْبَة: هو أنْ تُعمَد النخلة الكريمة ببناء مِن حجارة أو خشب إذا خيف عليها لطولها وكثرة حَملها أنْ تقع (النهاية: 3 / 199 وج 2 / 197).
(4) العِرِّيسة: الشجر الملتفّ، وهو مأوى الأسد في خيسه (لسان العرب: 6 / 136).
(5) أي سقط ووقع (النهاية: 5 / 35).
(6) تاريخ الطبري: 3 / 223.
(7) التَّغِرّة: مصدر غرّرته: إذا ألقيته في الغَرَر (النهاية: 3 / 356).
واَجتمعوا بأسْرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنّا عليّ والزبير ومَن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلمّا دنَونا منهم لقيَنا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا: لا عليكم أنْ لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينّهم.
فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مُزَمَّل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة. فقلت: ما له؟ قالوا: يُوعَك، فلمّا جلسنا قليلاً تشهّد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ قال:
أمّا بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشرَ المهاجرين رهَط، وقد دَفَّت دافّة (1) من قومكم، فإذا هم يريدون أنْ يختزلونا من أصلنا، وأنْ يحضنونا من الأمر.
فلمّا سكت أردت أنْ أتكلّم، وكنت قد زوّرت مقالة أعجبتني أردت أنْ اُقدّمها بين يدي أبي بكر، وكنت أُداري منه بعض الحدّ، فلمّا أردت أنْ أتكلّم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أنْ أُغضبه، فتكلّم أبو بكر، فكان هو أحلم منّي وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلاّ قال في بديهته مثلها أو أفضل، حتى سكت فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولنْ يُعرف هذا الأمر إلاّ لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيّهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجرّاح وهو
____________________
(1) الدافّة: القوم يسيرون جماعة (النهاية: 2 / 124).
جالس بيننا، فلم أكره ممّا قال غيرها، كان والله أن اُقدّم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أنْ أتأمّر على قومٍ فيهم أبو بكر، اللهمّ إلاّ أنْ تُسوّل لي نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن، فقال قائل من الأنصار: أنا جُذيلها المحكّك، وعُذيقها المرجّب، منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.
فكثر اللغط وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدَك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثمّ بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة! فقلت: قتل الله سعد بن عبادة. قال عمر: وإنّا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا إنْ فارقنا القوم ولم تكن بيعة أنْ يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فإمّا بايعناهم على ما لا نرضى، وإمّا نخالفهم فيكون فساد. فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يتابَع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّةَ أنْ يُقتلا (1) .
935 - تاريخ اليعقوبي - في ذكر السقيفة -: قام عبد الرحمان بن عوف فتكلّم، فقال: يا معشر الأنصار!، إنّكم وإنْ كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعليّ.
وقام المنذر بن أرقم، فقال: ما ندفع فضل مَن ذكرت، وإنّ فيهم لرجلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد، يعني عليّ بن أبي طالب (2) .
____________________
(1) صحيح البخاري: 6 / 2505 / 6442، مسند ابن حنبل: 1 / 123 / 391، صحيح ابن حبّان: 2/148/413 وص 155/414، المصنّف لعبد الرزّاق: 5/441/9758، تاريخ الطبري: 3 / 205، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 308، تاريخ دمشق: 30 / 281 وص 284 وليس فيه صدره إلى (أنْ يقتلا)، الكامل في التاريخ: 2 / 11، شرح نهج البلاغة: 2 / 23، أنساب الأشراف: 2 / 265 نحوه، السيرة النبويّة لابن كثير: 4 / 487.
(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 123؛ الأخبار الموفّقيّات: 578 / 378 نحوه.
936 - الردّة عن زيد بن الأرقم: يابن عوف! لولا أنّ عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) وغيره مِن بني هاشم اشتغلوا بدفن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وبحزنهم عليه، فجلسوا في منازلهم، ما طمع فيها مَن طمع (1) .
937 - تاريخ الطبري عن أبي بكر بن محمّد الخزاعي: إنّ أسلَم (2) أقبَلَت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك، فبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلاّ أن رأيت أسلم، فأيقنت بالنصر (3) .
1 / 3
كلام أبي بكر بعد البيعة
938 - تاريخ الطبري عن أنَس بن مالك: لمّا بويع أبو بكر في السقيفة؛ وكان الغد، جلَس أبو بكر على المنبر... فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثمّ قال:
أمّا بعد أيّها الناس؛ فإنّي قد وُلّيت عليكم ولستُ بخيركم؛ فإنْ أحسنت فأعينوني؛ وإنْ أسأت فقوّموني... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله؛ فإذا عصَيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله! (4)
____________________
(1) الردّة: 45.
(2) أسلم: بطن مِن خزاعة؛ وكلام عمر يدلّ على قلّة المبايعين لأبي بكر في السقيفة؛ لأنّ أسلم ليسوا بأكثر العرب فرساناً ولا بأشجعهم وأعزّهم. وهذا الكلام معارَض بخبر آخر يدلّ على أنّ أسلم أبت أنْ تبايع إلاّ بعد بيعة بريدة بن الخصيب الأسلمي وهو لم يُبايع إلاّ بعد بيعة الإمام عليّ (عليه السلام) (راجع الشافي: 3 / 243، وهامش بحار الأنوار: 28 / 335).
(3) تاريخ الطبري: 3 / 222.
(4) تاريخ الطبري: 3 / 210، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 311، البداية والنهاية: 5 / 248 وج 6 / 301، المصنّف لعبد الرزّاق: 11 / 336 / 20702 عن معمّر عن بعض أهل المدينة نحوه وراجع أنساب الأشراف: 2 / 273 و274.
939 - تاريخ اليعقوبي: صعد أبو بكر المنبر عند ولايته الأمر، فجلَس دون مجلس رسول الله بمِرْقاة، ثمّ حمِد الله وأثنى عليه وقال: إنّي وُلّيت عليكم ولست بخيركم، فإنْ استقمت فاتّبعوني، وإنْ زغت فقوّموني! لا أقول إنّي أفضلكم فضلاً، ولكنّي أفضلكم حملاً، وأثنى على الأنصار خيراً وقال: أنا وإيّاكم معشَر الأنصار كما قال القائل:
جزى الله عنّا جَعْفَراً حين اُزْلقَتْ |
بنا نَعْلُنا في الوَاطئينَ فَزَلّتِ |
|
أبَوا أنْ يملّونا ولو أنّ اُمّنا |
تُلاقي الذي يلقون منّا لَمَلّتِ |
فاعتزلت الأنصار عن أبي بكر، فغضبت قريش (1) .
940 - الأخبار الموفّقيّات: فلمّا كان من الغد، قام أبو بكر فخطب الناس، وقال: أيّها الناس، إنّي وُلّيت أمركم ولست بخيركم؛ فإذا أحسنت فأعينوني، وإنْ أسأت فقوّموني.
إنّ لي شيطاناً يعتريني، فإياكم وإيّي إذا غضبت!! (2)
1 / 4
دور عمر في بيعة أبي بكر
941 - شرح نهج البلاغة: عمر هو الذي شدّ بيعة أبي بكر، ووَقَمَ (3) المخالفين فيها؛ فكسر سيف الزبير لمّا جرّده، ودفع في صدر المقداد، ووطئ في السقيفة سعد بن عبادة، وقال: اقتلوا سعداً، قتل الله سعداً! وحطّم أنف الحُباب بن المنذر
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 127.
(2) الأخبار الموفّقيّات: 579 / 379.
(3) وقَم الرجل: أذلّه وقهره، وقيل: ردّه أقبح الرد (لسان العرب: 12 / 642).
الذي قال يوم السقيفة: أنا جُذيلها المحكّك، وعُذيقها المرجّب. وتوعّد مَن لجأ إلى دار فاطمة (عليها السلام) من الهاشميّين، وأخرجهم منها. ولولاه لم يثبت لأبي بكر أمر، ولا قامت له قائمة (1) .
1 / 5
مَن تخلّف عن بيعة أبي بكر
942 - تاريخ اليعقوبي: تخلّف عن بيعة أبي بكر قومٌ من المهاجرين والأنصار، ومالوا مع عليّ بن أبي طالب، منهم: العبّاس بن عبد المطّلب، والفضل بن العبّاس، والزبير بن العوّام بن العاص، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذرّ الغفاري، وعمّار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأُبيّ بن كعب.
فأرسل أبو بكر إلى عُمر بن الخطّاب، وأبي عبيدة بن الجرّاح، والمغيرة بن شعبة، فقال: ما الرأي؟ قالوا: الرأي أنْ تلقى العبّاس بن عبد المطّلب، فتجعل له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقِبِه من بعده، فتقطعون به ناحية عليّ بن أبي طالب حجّة لكم على عليّ إذا مال معكم.
فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح والمغيرة حتى دخلوا على العبّاس ليلاً، فحمد أبو بكر اللهَ وأثنى عليه، ثمّ قال:
إنّ الله بعث محمّداً نبيّاً، وللمؤمنين وليّاً، فمنّ عليهم بكونه بين أظهرهم، حتى اختار له ما عنده، فخلّى على الناس أُموراً ليختاروا لأنفسهم (2) في
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 1 / 174.
(2) هذا القول هو على خلاف ما ثبت من الأدلّة العقليّة والنقليّة التي ذكرت في مدخل القسم الثالث.
مصلحتهم مشفقين، فاختاروني عليهم والياً، ولأمورهم راعياً، فوُلّيت ذلك، وما أخاف بعون الله وتسديده وهناً ولا حيرة ولا جبناً، وما توفيقي إلاّ بالله، عليه توكّلت وإليه أُنيب.
وما انفكّ يبلغني عن طاعنٍ يقول الخلاف على عامّة المسلمين، يتّخذكم لجأً، فتكون حصنه المنيع وخطبه البديع، فإمّا دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، وإمّا صرفتموهم عمّا مالوا إليه، ولقد جئناك ونحن نريد أنّ لك في هذا الأمر نصيباً يكون لك، ويكون لمن بعدك من عقبِك إذ كنت عمّ رسول الله، وإنْ كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك... (1) عنكم، وعلى رِسلِكم بني هاشم، فإنّ رسول الله منّا ومنكم.
فقال عمر بن الخطّاب: إي والله، وأُخرى؛ أنّا لم نأتكم لحاجة إليكم، ولكن كرهاً أنْ يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم.
فحمد العبّاس الله وأثنى عليه وقال: إنّ الله بعث محمّداً - كما وصفتَ - نبيّاً، وللمؤمنين وليّاً، فمنّ على أُمّته به، حتى قبضه الله إليه، واختار له ما عنده، فخلّى على المسلمين أُمورهم ليختاروا لأنفسهم (2) مصيبين الحقّ، لا مائلين بزيغ الهوى، فإنْ كنت برسول الله فحقّاً أخذت، وإنْ كنت بالمؤمنين فنحن منهم، فما تقدّمنا في أمرك فرضاً، ولا حللنا وسطاً، ولا برحنا سخطاً، وإنْ كان هذا الأمر إنّما وجب لك بالمؤمنين، فما وجَب إذ كنّا كارهين.
____________________
(1) بياض في الأصل، وفي نسخة: (فعدلوا الأمر).
(2) راجع: الهامش الثاني من الصفحة السابقة.
ما أبعد قولك من أنّهم طعنوا عليك من قولك إنّهم اختاروك ومالوا إليك، وما أبعد تسميتك بخليفة رسول الله من قولك خلّى على الناس أُمورهم ليختاروا فاختاروك، فأمّا ما قلت إنّك تجعله لي، فإنْ كان حقّاً للمؤمنين فليس لك أنْ تحكم فيه، وإنْ كان لنا فلِم نرضَ ببعضه دون بعض، وعلى رِسلِك؛ فإنّ رسول الله من شجرةٍ نحن أغصانها وأنتم جيرانها. فخرجوا من عنده (1) .
943 - تاريخ اليعقوبي: كان فيمن تخلّف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب، وقال: أ رضيتم يا بني عبد مناف أنْ يلي هذا الأمر عليكم غيركم؟ وقال لعليّ بن أبي طالب: اُمدد يدك أُبايعك، وعليّ معه قصيّ، وقال:
بني هاشم لا تُطمعوا الناس فيكمُ |
ولا سيّما تيم بن مرّة أو عدِيّ |
|
فما الأمر إلاّ فيكمُ وإليكمُ |
وليس لها إلاّ أبو حسنٍ عليّ |
|
أبا حسن فاشدُد بها كفّ حازم |
فإنّك بالأمر الذي يرتجى مَلِيّ |
|
وإنّ امرأً يرمي قصيَّ وراءه |
عزيز الحِمى، والناس مِن غالب قَصِيّ |
وكان خالد بن سعيد غائباً، فقدم فأتى عليّاً فقال: هلمّ أُبايعك، فو الله ما في الناس أحدٌ أولى بمقام محمّد منك (2) .
944 - أنساب الأشراف عن صالح بن كيسان: قدم خالد بن سعيد بن العاص من ناحية اليمن بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فأتى عليّاً وعثمان فقال: أنتما الشعار دون الدثار؛ أ رضيتم يا بني عبد مناف، أنْ يلي أمركم عليكم غيركم؟... وعن عوانة
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 124؛ الإمامة والسياسة: 1 / 32 نحوه وفيه من (الري أنْ تلقى العبّاس...) وراجع شرح نهج البلاغة: 2 / 21.
(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 126، الإرشاد: 1 / 190، الجمل: 117، إعلام الورى: 1 / 271؛ الأخبار الموفّقيّات: 577 / 376، العقد الفريد: 3 / 271 كلّها نحوه.
وابن جعدبة: لم يُبايع خالد بن سعيد أبا بكر إلاّ بعد ستّة أشهر (1) .
945 - شرح نهج البلاغة - في ذكر قصّة السقيفة -: لمّا رأت الأوس أنّ رئيساً من رؤساء الخزرج قد بايع، قام اُسيد بن حُضَير - وهو رئيس الأوس - فبايع حسَداً لسعد أيضاً، ومنافسةً له أنْ يلي الأمر، فبايَعت الأوس كلّها لمّا بايع اُسيد، وحُمِل سعد بن عبادة وهو مريض، فاُدخل إلى منزله، فامتنع من البيعه في ذلك اليوم وفيما بعده، وأراد عمر أنْ يُكرهه عليها، فاُشير عليه ألاّ يفعل، وأنّه لا يبايع حتى يُقتل، وأنّه لا يُقتل حتى يُقتل أهله، ولا يُقتل أهله حتى يُقتل الخزرج، وإنْ حوربت الخزرج كانت الأوس معها، وفسد الأمر. فتركوه، فكان لا يصلّي بصلاتهم ولا يجمع بجماعتهم ولا يقضي بقضائهم، ولو وجد أعواناً لضاربهم.
فلم يزَل كذلك حتى مات أبو بكر، ثمّ لَقِيَ عمر في خلافته وهو على فرس وعمر على بعير، فقال له عمر: هيهات يا سعد! فقال سعد: هيهات يا عمر! فقال: أنت صاحب مَن أنت صاحبه؟ قال: نعم، أنا ذاك. ثمّ قال لعمر: والله ما جاورني أحد هو أبغض إلىّ جواراً منك! قال عمر: فإنّه مَن كَرِه جوار رجلٍ انتقل عنه، فقال سعد: إنّي لأرجو أنْ أُخلِّيها لك عاجلا إلى جوار مَن هو أحبّ إليّ جواراً منك ومِن أصحابك.
فلم يلبث سعد بعد ذلك إلاّ قليلا حتى خرج إلى الشام، فمات بحَوران (2) ولم يُبايع لأحد؛ لا لأبي بكر، ولا لعمر، ولا لغيرهما (3) .
946 - شرح نهج البلاغة - في ذكر قصّة السقيفة -: ووطئ الناس فراش سعد،
____________________
(1) أنساب الأشراف: 2 / 270.
(2) حَوْران: كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة، ذات قرى كثيرة ومزارع (معجم البلدان: 2/317).
(3) شرح نهج البلاغة: 6 / 10.
فقيل: قتلتم سعداً، فقال عمر: قتل الله سعداً! فوثب رجل من الأنصار فقال: أنا جُذَيْلها المحكّك وعذَيقها المرجَّب. فأخذ ووطئ في بطنه ودسّوا في فيه التراب (1) .
1 / 6
اغتيال سعد بن عبادة
947 - أنساب الأشراف عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان وعن أبي مخنف عن الكلبي وغيرهما: أنّ سعد بن عبادة لم يُبايع أبا بكر، وخرج إلى الشام. فبعث عمرُ رجلاً وقال: ادعُه إلى البيعة واختلْ له، وإنْ أبى فاستعن بالله عليه. فقدم الرجلُ الشام، فوجد سعداً في حائط (2) بحَوارين، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أُبايع قرشيّاً أبداً. قال: فإنّي أُقاتلك. قال: وإنْ قاتلتني. قال: أ فخارج أنت ممّا دخلت فيه الاُمّة؟ قال: أمّا من البيعة فإنّي خارج، فرماه بسهم فقتله. ورُوي أنّ سعداً رُمي في حمّام. وقيل: كان جالساً يبول، فرمته الجنّ فقتلته. وقال قائلهم:
قتلنا (3) سيّد الخز |
رجِ سعد بن عباده |
|
رميناه بسهميـ |
ـنِ فلم تُخْطِ فؤاده (4) |
948 - أنساب الأشراف - في أحوال سعد بن عبادة -: كان نقيباً، سيّداً، جواداً. ومات بحَوران فجأة لسنة مضت من خلافة عمر. ويقال: إنّه امتنع من البيعة لأبي
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 6 / 40.
(2) الحائط هاهنا البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجِدَار (النهاية: 1 / 462).
(3) كذا في المصدر، وفي الطبقات الكبرى: 3 / 617 والمصنّف لعبد الرزّاق: 3 / 597 / 6780: (قد قتلنا)، وفي الشطر الثاني: (و رميناه)، ونحوه في الصراط المستقيم: 3 / 109.
(4) أنساب الأشراف: 2 / 272 وراجع سير أعلام النبلاء: 1 / 276 وبحار الأنوار: 28 / 367.
بكر، فوجّه إليه رجلا ليأخذ عليه البيعة وهو بحَوران من أرض الشام. فأباها، فرماه فقتله. وفيه يروى هذا الشعر الذي ينتحله الجنّ:
قتلنا سيّد الخز |
رجِ سعد بن عباده |
|
رميناه بسهميـ |
ـنِ فلم نُخْطِ فؤاده (1) |
949 - مروج الذهب: خرج سعد بن عبادة ولم يبايع، فصار إلى الشام، فقُتِل هناك في سنة خمس عشرة، وليس كتابنا هذا موضعاً لخبر مقتله (2) .
950 - العقد الفريد عن أبي المنذر هشام بن محمّد الكلبي: بثّ عمر رجلاً إلى الشام، فقال: ادْعُه إلى البيعة واحمل له بكلّ ما قدرت عليه، فإنْ أبى فاستعن الله عليه. فقدم الرجل الشام، فلقيه بحَوران في حائط، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أُبايع قرشيّاً أبداً. قال: فإنّي أُقاتلك. قال: وإنْ قاتلتني! قال: أ فخارج أنت ممّا دخَلَت فيه الاُمّة؟ قال: أمّا مِن البيعة فأنا خارج. فرماه بسهم، فقتله.
ميمون بن مِهران عن أبيه قال: رُمي سعد بن عبادة في حمّام بالشام، فقُتل (3) .
951 - الاحتجاج عن محمّد بن عبد الله الشيباني: كان سبب موته أنْ رُمي بسهم في الليل فقتله، وزعموا أنّ الجنّ رموه، وقيل أيضاً: إنّ محمّد بن سلمة الأنصاري تولّى ذلك بجعل جُعل له عليه، وروي أنّه تولّى ذلك المغيرة بن شعبة، وقيل خالد بن الوليد (4) .
____________________
(1) أنساب الأشراف: 1 / 291 وراجع المصنّف لعبد الرزّاق: 11 / 434 / 20931 والمعجم الكبير: 6 / 16 / 5360 والطبقات الكبرى: 7 / 391.
(2) مروج الذهب: 2 / 307.
(3) العقد الفريد: 3 / 273؛ نهج السعادة: 5 / 272.
(4) الاحتجاج: 1 / 180 / 36.
952 - شرح نهج البلاغة - في ذكر سعد بن عبادة -: لم يُبايع أبا بكر حين بُويع، وخرج إلى حَوْران، فمات بها. قيل: قتلته الجنّ؛ لأنّه بال قائماً في الصحراء ليلاً، وروَوْا بيتين من شعر؛ قيل: إنّهما سُمعا ليلة قتله، ولم يُرَ قائلهما:
نحنُ قتلنا سيّد الخز |
رجِ سعد بن عباده |
|
ورميناهُ بسهميـ |
ـنِ فلم نخطئ فؤاده |
ويقول قوم: إنّ أمير الشام يومئذ كَمَن له مَنْ رماه ليلاً، وهو خارج إلى الصحراء بسهمين، فقتله لخروجه عن طاعة الإمام، وقد قال بعض المتأخّرين في ذلك:
يقولون سعد شكّت الجنّ قلبهُ |
ألا ربّما صحّحتَ دينك بالغدرِ |
|
وما ذنب سعد أنّه بال قائماً |
ولكنّ سعداً لم يبايع أبا بكرِ |
|
وقد صبرت من لذّة العيش أنفسٌ |
وما صبرت عن لذّة النهي والأمرِ (1) |
953 - شرح نهج البلاغة: قال شيطان الطاق [يعني مؤمن الطاق محمّد بن عليّ ابن النعمان الأحول ] لسائل سأله: ما منع عليّاً أن يُخاصم أبا بكر في الخلافة؟ فقال: يابن أخي، خاف أنْ تقتله الجنّ!!
[قال ابن أبي الحديد] والجواب، أمّا أنا فلا أعتقد أنّ الجن قتلت سعداً، ولا أنّ هذا شعرُ الجنّ، ولا أرتاب أنّ البشر قتلوه، وأنّ هذا الشعر شعر البشَر، ولكن لم يثبت عندي أنّ أبا بكر أمَر خالداً، ولا أستبعد أنْ يكون فعله من تلقاء نفسه ليُرضي بذلك أبا بكر - وحاشاه - فيكون الإثم على خالد، وأبو بكر بريءٌ من
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 10 / 111؛ الصراط المستقيم: 3 / 109 نحوه، الدرجات الرفيعة: 334.
إثمه؛ وما ذلك من أفعال خالد ببعيد (1) .
تعليق
عمَدَت بعض النصوص التاريخيّة إلى إظهار أنّ موت سعد بن عبادة كان موتاً طبيعيّاً، بل إنّها ذكَرَت أنّ سعداً كان ممّن عارضوا أبا بكر في البداية ثمّ بايعوه لاحقاً. ولكن يتّضح من التأمّل في واقعة السقيفة واستجلاء النصوص المختلفة الواردة في هذا المجال، بشكل لا يقبل الشكّ، بأنّه لم يُبايع، واغتيل على يدِ خصومه السياسيّين.
إنّ المكانة السياسيّة والاجتماعيّة التي كان يتبوّؤها سعد بن عبادة ومعارضته الجادّة لخلافة الحاكم آنذاك دعَت إلى إزاحته عن الساحة السياسيّة بهدوء، وبدون إثارة أىّ توتّر في الأجواء، ثمّ أُلقيت تهمة قتله على عاتق الجنّ كيلا تنجِم عنه مشكلة سياسيّة واجتماعيّة.
ويمكن للباحث من ظلال هذا التحليل البسيط معرفة المتّهم الأصلي في اغتيال سعد بن عبادة، وحتى إذا لم يتوفّر نصّ تاريخي دالّ على صحّة هذا التحليل إلاّ أنّ هناك مؤشّرات تؤيّد صحّة هذا التحليل، بل ويُفهم من كلام مؤمن الطاق بأنّ مقتله على يد خصومه السياسيّين كان أمراً بديهيّاً في ذلك العصر.
1 / 7
مَن أنكر على بيعة أبي بكر
954 - أنساب الأشراف عن أبي عمرو الجوني: قال سلمان الفارسي حين بويع
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 17 / 223.
الذي قال يوم السقيفة: أنا جُذيلها المحكّك، وعُذيقها المرجّب. وتوعّد مَن لجأ إلى دار فاطمة (عليها السلام) من الهاشميّين، وأخرجهم منها. ولولاه لم يثبت لأبي بكر أمر، ولا قامت له قائمة (1) .
1 / 5
مَن تخلّف عن بيعة أبي بكر
942 - تاريخ اليعقوبي: تخلّف عن بيعة أبي بكر قومٌ من المهاجرين والأنصار، ومالوا مع عليّ بن أبي طالب، منهم: العبّاس بن عبد المطّلب، والفضل بن العبّاس، والزبير بن العوّام بن العاص، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذرّ الغفاري، وعمّار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأُبيّ بن كعب.
فأرسل أبو بكر إلى عُمر بن الخطّاب، وأبي عبيدة بن الجرّاح، والمغيرة بن شعبة، فقال: ما الرأي؟ قالوا: الرأي أنْ تلقى العبّاس بن عبد المطّلب، فتجعل له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقِبِه من بعده، فتقطعون به ناحية عليّ بن أبي طالب حجّة لكم على عليّ إذا مال معكم.
فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح والمغيرة حتى دخلوا على العبّاس ليلاً، فحمد أبو بكر اللهَ وأثنى عليه، ثمّ قال:
إنّ الله بعث محمّداً نبيّاً، وللمؤمنين وليّاً، فمنّ عليهم بكونه بين أظهرهم، حتى اختار له ما عنده، فخلّى على الناس أُموراً ليختاروا لأنفسهم (2) في
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 1 / 174.
(2) هذا القول هو على خلاف ما ثبت من الأدلّة العقليّة والنقليّة التي ذكرت في مدخل القسم الثالث.
مصلحتهم مشفقين، فاختاروني عليهم والياً، ولأمورهم راعياً، فوُلّيت ذلك، وما أخاف بعون الله وتسديده وهناً ولا حيرة ولا جبناً، وما توفيقي إلاّ بالله، عليه توكّلت وإليه أُنيب.
وما انفكّ يبلغني عن طاعنٍ يقول الخلاف على عامّة المسلمين، يتّخذكم لجأً، فتكون حصنه المنيع وخطبه البديع، فإمّا دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، وإمّا صرفتموهم عمّا مالوا إليه، ولقد جئناك ونحن نريد أنّ لك في هذا الأمر نصيباً يكون لك، ويكون لمن بعدك من عقبِك إذ كنت عمّ رسول الله، وإنْ كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك... (1) عنكم، وعلى رِسلِكم بني هاشم، فإنّ رسول الله منّا ومنكم.
فقال عمر بن الخطّاب: إي والله، وأُخرى؛ أنّا لم نأتكم لحاجة إليكم، ولكن كرهاً أنْ يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم.
فحمد العبّاس الله وأثنى عليه وقال: إنّ الله بعث محمّداً - كما وصفتَ - نبيّاً، وللمؤمنين وليّاً، فمنّ على أُمّته به، حتى قبضه الله إليه، واختار له ما عنده، فخلّى على المسلمين أُمورهم ليختاروا لأنفسهم (2) مصيبين الحقّ، لا مائلين بزيغ الهوى، فإنْ كنت برسول الله فحقّاً أخذت، وإنْ كنت بالمؤمنين فنحن منهم، فما تقدّمنا في أمرك فرضاً، ولا حللنا وسطاً، ولا برحنا سخطاً، وإنْ كان هذا الأمر إنّما وجب لك بالمؤمنين، فما وجَب إذ كنّا كارهين.
____________________
(1) بياض في الأصل، وفي نسخة: (فعدلوا الأمر).
(2) راجع: الهامش الثاني من الصفحة السابقة.
ما أبعد قولك من أنّهم طعنوا عليك من قولك إنّهم اختاروك ومالوا إليك، وما أبعد تسميتك بخليفة رسول الله من قولك خلّى على الناس أُمورهم ليختاروا فاختاروك، فأمّا ما قلت إنّك تجعله لي، فإنْ كان حقّاً للمؤمنين فليس لك أنْ تحكم فيه، وإنْ كان لنا فلِم نرضَ ببعضه دون بعض، وعلى رِسلِك؛ فإنّ رسول الله من شجرةٍ نحن أغصانها وأنتم جيرانها. فخرجوا من عنده (1) .
943 - تاريخ اليعقوبي: كان فيمن تخلّف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب، وقال: أ رضيتم يا بني عبد مناف أنْ يلي هذا الأمر عليكم غيركم؟ وقال لعليّ بن أبي طالب: اُمدد يدك أُبايعك، وعليّ معه قصيّ، وقال:
بني هاشم لا تُطمعوا الناس فيكمُ |
ولا سيّما تيم بن مرّة أو عدِيّ |
|
فما الأمر إلاّ فيكمُ وإليكمُ |
وليس لها إلاّ أبو حسنٍ عليّ |
|
أبا حسن فاشدُد بها كفّ حازم |
فإنّك بالأمر الذي يرتجى مَلِيّ |
|
وإنّ امرأً يرمي قصيَّ وراءه |
عزيز الحِمى، والناس مِن غالب قَصِيّ |
وكان خالد بن سعيد غائباً، فقدم فأتى عليّاً فقال: هلمّ أُبايعك، فو الله ما في الناس أحدٌ أولى بمقام محمّد منك (2) .
944 - أنساب الأشراف عن صالح بن كيسان: قدم خالد بن سعيد بن العاص من ناحية اليمن بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فأتى عليّاً وعثمان فقال: أنتما الشعار دون الدثار؛ أ رضيتم يا بني عبد مناف، أنْ يلي أمركم عليكم غيركم؟... وعن عوانة
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 124؛ الإمامة والسياسة: 1 / 32 نحوه وفيه من (الري أنْ تلقى العبّاس...) وراجع شرح نهج البلاغة: 2 / 21.
(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 126، الإرشاد: 1 / 190، الجمل: 117، إعلام الورى: 1 / 271؛ الأخبار الموفّقيّات: 577 / 376، العقد الفريد: 3 / 271 كلّها نحوه.
وابن جعدبة: لم يُبايع خالد بن سعيد أبا بكر إلاّ بعد ستّة أشهر (1) .
945 - شرح نهج البلاغة - في ذكر قصّة السقيفة -: لمّا رأت الأوس أنّ رئيساً من رؤساء الخزرج قد بايع، قام اُسيد بن حُضَير - وهو رئيس الأوس - فبايع حسَداً لسعد أيضاً، ومنافسةً له أنْ يلي الأمر، فبايَعت الأوس كلّها لمّا بايع اُسيد، وحُمِل سعد بن عبادة وهو مريض، فاُدخل إلى منزله، فامتنع من البيعه في ذلك اليوم وفيما بعده، وأراد عمر أنْ يُكرهه عليها، فاُشير عليه ألاّ يفعل، وأنّه لا يبايع حتى يُقتل، وأنّه لا يُقتل حتى يُقتل أهله، ولا يُقتل أهله حتى يُقتل الخزرج، وإنْ حوربت الخزرج كانت الأوس معها، وفسد الأمر. فتركوه، فكان لا يصلّي بصلاتهم ولا يجمع بجماعتهم ولا يقضي بقضائهم، ولو وجد أعواناً لضاربهم.
فلم يزَل كذلك حتى مات أبو بكر، ثمّ لَقِيَ عمر في خلافته وهو على فرس وعمر على بعير، فقال له عمر: هيهات يا سعد! فقال سعد: هيهات يا عمر! فقال: أنت صاحب مَن أنت صاحبه؟ قال: نعم، أنا ذاك. ثمّ قال لعمر: والله ما جاورني أحد هو أبغض إلىّ جواراً منك! قال عمر: فإنّه مَن كَرِه جوار رجلٍ انتقل عنه، فقال سعد: إنّي لأرجو أنْ أُخلِّيها لك عاجلا إلى جوار مَن هو أحبّ إليّ جواراً منك ومِن أصحابك.
فلم يلبث سعد بعد ذلك إلاّ قليلا حتى خرج إلى الشام، فمات بحَوران (2) ولم يُبايع لأحد؛ لا لأبي بكر، ولا لعمر، ولا لغيرهما (3) .
946 - شرح نهج البلاغة - في ذكر قصّة السقيفة -: ووطئ الناس فراش سعد،
____________________
(1) أنساب الأشراف: 2 / 270.
(2) حَوْران: كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة، ذات قرى كثيرة ومزارع (معجم البلدان: 2/317).
(3) شرح نهج البلاغة: 6 / 10.
فقيل: قتلتم سعداً، فقال عمر: قتل الله سعداً! فوثب رجل من الأنصار فقال: أنا جُذَيْلها المحكّك وعذَيقها المرجَّب. فأخذ ووطئ في بطنه ودسّوا في فيه التراب (1) .
1 / 6
اغتيال سعد بن عبادة
947 - أنساب الأشراف عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان وعن أبي مخنف عن الكلبي وغيرهما: أنّ سعد بن عبادة لم يُبايع أبا بكر، وخرج إلى الشام. فبعث عمرُ رجلاً وقال: ادعُه إلى البيعة واختلْ له، وإنْ أبى فاستعن بالله عليه. فقدم الرجلُ الشام، فوجد سعداً في حائط (2) بحَوارين، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أُبايع قرشيّاً أبداً. قال: فإنّي أُقاتلك. قال: وإنْ قاتلتني. قال: أ فخارج أنت ممّا دخلت فيه الاُمّة؟ قال: أمّا من البيعة فإنّي خارج، فرماه بسهم فقتله. ورُوي أنّ سعداً رُمي في حمّام. وقيل: كان جالساً يبول، فرمته الجنّ فقتلته. وقال قائلهم:
قتلنا (3) سيّد الخز |
رجِ سعد بن عباده |
|
رميناه بسهميـ |
ـنِ فلم تُخْطِ فؤاده (4) |
948 - أنساب الأشراف - في أحوال سعد بن عبادة -: كان نقيباً، سيّداً، جواداً. ومات بحَوران فجأة لسنة مضت من خلافة عمر. ويقال: إنّه امتنع من البيعة لأبي
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 6 / 40.
(2) الحائط هاهنا البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجِدَار (النهاية: 1 / 462).
(3) كذا في المصدر، وفي الطبقات الكبرى: 3 / 617 والمصنّف لعبد الرزّاق: 3 / 597 / 6780: (قد قتلنا)، وفي الشطر الثاني: (و رميناه)، ونحوه في الصراط المستقيم: 3 / 109.
(4) أنساب الأشراف: 2 / 272 وراجع سير أعلام النبلاء: 1 / 276 وبحار الأنوار: 28 / 367.
بكر، فوجّه إليه رجلا ليأخذ عليه البيعة وهو بحَوران من أرض الشام. فأباها، فرماه فقتله. وفيه يروى هذا الشعر الذي ينتحله الجنّ:
قتلنا سيّد الخز |
رجِ سعد بن عباده |
|
رميناه بسهميـ |
ـنِ فلم نُخْطِ فؤاده (1) |
949 - مروج الذهب: خرج سعد بن عبادة ولم يبايع، فصار إلى الشام، فقُتِل هناك في سنة خمس عشرة، وليس كتابنا هذا موضعاً لخبر مقتله (2) .
950 - العقد الفريد عن أبي المنذر هشام بن محمّد الكلبي: بثّ عمر رجلاً إلى الشام، فقال: ادْعُه إلى البيعة واحمل له بكلّ ما قدرت عليه، فإنْ أبى فاستعن الله عليه. فقدم الرجل الشام، فلقيه بحَوران في حائط، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أُبايع قرشيّاً أبداً. قال: فإنّي أُقاتلك. قال: وإنْ قاتلتني! قال: أ فخارج أنت ممّا دخَلَت فيه الاُمّة؟ قال: أمّا مِن البيعة فأنا خارج. فرماه بسهم، فقتله.
ميمون بن مِهران عن أبيه قال: رُمي سعد بن عبادة في حمّام بالشام، فقُتل (3) .
951 - الاحتجاج عن محمّد بن عبد الله الشيباني: كان سبب موته أنْ رُمي بسهم في الليل فقتله، وزعموا أنّ الجنّ رموه، وقيل أيضاً: إنّ محمّد بن سلمة الأنصاري تولّى ذلك بجعل جُعل له عليه، وروي أنّه تولّى ذلك المغيرة بن شعبة، وقيل خالد بن الوليد (4) .
____________________
(1) أنساب الأشراف: 1 / 291 وراجع المصنّف لعبد الرزّاق: 11 / 434 / 20931 والمعجم الكبير: 6 / 16 / 5360 والطبقات الكبرى: 7 / 391.
(2) مروج الذهب: 2 / 307.
(3) العقد الفريد: 3 / 273؛ نهج السعادة: 5 / 272.
(4) الاحتجاج: 1 / 180 / 36.
952 - شرح نهج البلاغة - في ذكر سعد بن عبادة -: لم يُبايع أبا بكر حين بُويع، وخرج إلى حَوْران، فمات بها. قيل: قتلته الجنّ؛ لأنّه بال قائماً في الصحراء ليلاً، وروَوْا بيتين من شعر؛ قيل: إنّهما سُمعا ليلة قتله، ولم يُرَ قائلهما:
نحنُ قتلنا سيّد الخز |
رجِ سعد بن عباده |
|
ورميناهُ بسهميـ |
ـنِ فلم نخطئ فؤاده |
ويقول قوم: إنّ أمير الشام يومئذ كَمَن له مَنْ رماه ليلاً، وهو خارج إلى الصحراء بسهمين، فقتله لخروجه عن طاعة الإمام، وقد قال بعض المتأخّرين في ذلك:
يقولون سعد شكّت الجنّ قلبهُ |
ألا ربّما صحّحتَ دينك بالغدرِ |
|
وما ذنب سعد أنّه بال قائماً |
ولكنّ سعداً لم يبايع أبا بكرِ |
|
وقد صبرت من لذّة العيش أنفسٌ |
وما صبرت عن لذّة النهي والأمرِ (1) |
953 - شرح نهج البلاغة: قال شيطان الطاق [يعني مؤمن الطاق محمّد بن عليّ ابن النعمان الأحول ] لسائل سأله: ما منع عليّاً أن يُخاصم أبا بكر في الخلافة؟ فقال: يابن أخي، خاف أنْ تقتله الجنّ!!
[قال ابن أبي الحديد] والجواب، أمّا أنا فلا أعتقد أنّ الجن قتلت سعداً، ولا أنّ هذا شعرُ الجنّ، ولا أرتاب أنّ البشر قتلوه، وأنّ هذا الشعر شعر البشَر، ولكن لم يثبت عندي أنّ أبا بكر أمَر خالداً، ولا أستبعد أنْ يكون فعله من تلقاء نفسه ليُرضي بذلك أبا بكر - وحاشاه - فيكون الإثم على خالد، وأبو بكر بريءٌ من
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 10 / 111؛ الصراط المستقيم: 3 / 109 نحوه، الدرجات الرفيعة: 334.
إثمه؛ وما ذلك من أفعال خالد ببعيد (1) .
تعليق
عمَدَت بعض النصوص التاريخيّة إلى إظهار أنّ موت سعد بن عبادة كان موتاً طبيعيّاً، بل إنّها ذكَرَت أنّ سعداً كان ممّن عارضوا أبا بكر في البداية ثمّ بايعوه لاحقاً. ولكن يتّضح من التأمّل في واقعة السقيفة واستجلاء النصوص المختلفة الواردة في هذا المجال، بشكل لا يقبل الشكّ، بأنّه لم يُبايع، واغتيل على يدِ خصومه السياسيّين.
إنّ المكانة السياسيّة والاجتماعيّة التي كان يتبوّؤها سعد بن عبادة ومعارضته الجادّة لخلافة الحاكم آنذاك دعَت إلى إزاحته عن الساحة السياسيّة بهدوء، وبدون إثارة أىّ توتّر في الأجواء، ثمّ أُلقيت تهمة قتله على عاتق الجنّ كيلا تنجِم عنه مشكلة سياسيّة واجتماعيّة.
ويمكن للباحث من ظلال هذا التحليل البسيط معرفة المتّهم الأصلي في اغتيال سعد بن عبادة، وحتى إذا لم يتوفّر نصّ تاريخي دالّ على صحّة هذا التحليل إلاّ أنّ هناك مؤشّرات تؤيّد صحّة هذا التحليل، بل ويُفهم من كلام مؤمن الطاق بأنّ مقتله على يد خصومه السياسيّين كان أمراً بديهيّاً في ذلك العصر.
1 / 7
مَن أنكر على بيعة أبي بكر
954 - أنساب الأشراف عن أبي عمرو الجوني: قال سلمان الفارسي حين بويع
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 17 / 223.
أبو بكر: كرداذ وناكرداذ؛ أي عملتم وما عملتم، لو بايعوا عليّاً لأكلوا من فوقهم ومِن تحت أرجلهم (1) .
955 - شرح نهج البلاغة: إنّ سلمان والزبير والأنصار كان هواهم أنْ يبايعوا عليّاً (عليه السلام) بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا بويع أبو بكر قال سلمان: أصبتم الخبرة وأخطأتم المعدَن... وقال يومئذ: أصبتم ذا السنّ منكم، وأخطأتم أهل بيت نبيّكم، لو جعلتموها فيهم ما اختلف عليكم اثنان، ولأكلتموها رغداً (2) .
956 - الاحتجاج عن أبان بن تغلب: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام): جُعلت فداك، هل كان أحد في أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه في مجلس رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟
فقال: (نعم، كان الذي أنكر على أبي بكر اثنا عشَر رجُلاً، مِن المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص وكان من بني أُميّة، وسلمان الفارسي، وأبو ذرّ الغفاري، والمقداد بن الأسود الكندي، وعمّار بن ياسر، وبُريدة الأسلمي.
ومِن الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان، وسهل وعثمان ابنا حنيف، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأُبيّ بن كعب، وأبو أيّوب الأنصاري (3) .
____________________
(1) أنساب الأشراف: 2 / 274؛ الإيضاح: 457 عن ابن عمر، الاحتجاج: 1 / 192 / 37 عن أبان بن تغلب عن الإمام الصادق (عليه السلام) كلاهما نحوه. راجع: القسم التاسع / عليّ عن لسان أصحاب النبيّ / سلمان.
(2) شرح نهج البلاغة: 2 / 49 وج 6 / 43 وراجع الاحتجاج: 1 / 217 / 38.
(3) الاحتجاج: 1 / 186 / 37، الخصال: 461 / 4 عن زيد بن وهب. قال سعيد أيّوب في معالم الفتن: 1 / 322: هل بايعت فاطمة الزهراء أبا بكر؟ والإجابة التي نجدها في البخاري وغيره من حديث عائشة عندما أبى أبو بكر أنْ يعطي فاطمة ما سألت، إنّ فاطمة غضبت وهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت. وعند البخاري: إنّ عليّاً دفنها ولم يخبر أبو بكر بموتها (راجع صحيح البخاري: 4 / 1549 / 3998).
1 / 8
كلام الإمام لمّا وصل إليه خبر السقيفة
957 - الإرشاد: لمّا تمّ، لأبي بكر ما تمّ، وبايعه مَن بايع، جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يسوّي قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بمسحاة في يده فقال له: إنّ القوم قد بايعوا أبا بكر، ووقعت الخذلة في الأنصار لاختلافهم، وبدرَ الطلقاء بالعقد للرجل خوفاً من إدراككم الأمر. فوضع طرف المسحاة في الأرض ويده عليها ثمّ قال: ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ * الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّـئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) (1) (2) .
958 - نهج البلاغة: قالوا: لمّا انتهت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال (عليه السلام): (ما قالت الأنصار؟) قالوا: قالت: منّا أمير ومنكم أمير.
قال (عليه السلام): (فهلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وصّى بأنْ يُحسن إلى مُحسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم؟) قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟ فقال (عليه السلام): (لو كانت الإمامة فيهم لم تكن الوصيّة بهم).
ثمّ قال (عليه السلام): (فماذا قالت قريش؟) قالوا: احتجّت بأنّها شجرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)،
____________________
(1) العنكبوت: 1 - 4.
(2) الإرشاد: 1 / 189، بحار الأنوار: 22 / 519 / 27.
فقال (عليه السلام): (احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة) (1) .
959 - نثر الدرّ: واُخبر [عليّ] (عليه السلام) بقول الأنصار يوم السقيفة لقريش: منّا أمير ومنكم أمير، فقال: (أ ذكّرتموهم قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): استوصوا بالأنصار خيراً؛ اقبلوا مِن مُحسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم؟) قالوا: وما في ذلك؟ قال: (كيف تكون الإمامة لهم مع الوصيّة بهم؟ لو كانت الإمامة لهم لكانت الوصيّة إليهم).
فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب فقال: ذهبتْ والله عنّا، ولو ذكرناها ما احتجنا إلى غيرها (2) .
960 - خصائص الأئمّة (عليهم السلام): قال [عليّ] (عليه السلام) في شأن الخلافة: (وا عجباً! أ تكون الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالصحابة والقرابة؟!) ويروى: والقرابة والنصّ (3) .
تحقيق حول كلام الإمام
____________________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 67، خصائص الأئمّة (عليهم السلام): 86 وفي صدره (لمّا رفع أمير المؤمنين (عليه السلام) يده من غسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أتته أنباء...).
(2) نثر الدرّ: 1 / 279.
(3) خصائص الأئمّة (عليهم السلام): 111، نهج البلاغة (تصحيح فيض الإسلام): الحكمة 181، نهج الإيمان: 384، الصراط المستقيم: 1 / 67، غرر الحكم: 10123 وليس فيها (و يروى...). وقال الشريف الرضي: وروي له (عليه السلام) شعرٌ في هذا المعنى:
فإنْ كنتَ بالشورى ملكتَ اُمورَهم |
فكيف بهذا والمشيرون غُيَّب؟ |
|
وإنْ كنت بالقربى حججت خصيمهم |
فغيرك أولى بالنبيّ وأقربُ |
(نهج البلاغة: ذيل الحكمة 190، خصائص الأئمّة (عليهم السلام): 111).
تحقيق حول كلام الإمام
نُقل كلام الإمام عليّ (عليه السلام) حول السقيفة بثلاث صور:
1 - أتكون الخلافة بالصحابة والقرابة؟ (1)
2 - أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة؟ (2)
3 - أتكون الخلافة بالصحابة [و القرابة] ولا تكون بالقرابة والنصّ؟ (3)
ولا شكّ في أنّ أحد هذه الأقوال الثلاثة صادر عن الأمام، ولا يمكن القول بأنّ هذه الأقوال الثلاثة صادرة عنه بأجمعها. بيد أنّ الجملة الأولى يمكن اعتبارها جزءاً من الجملة الثالثة، أمّا الجملتان الأُولى والثالثة فمتعارضتان قطعاً. وعلى هذا إمّا يجب اختيار الجملة الثانية، وإمّا واحدة من الجملتين
____________________
(1) نهج البلاغة: (تصحيح صبحي الصالح وتصحيح محمّد عبده) الحكمة 190.
(2) نهج البلاغة: (تصحيح فيض الإسلام) الحكمة 181، نهج البلاغة: (تحقيق وطبع مؤسّسة نهج البلاغة) الحكمة 181، نهج الإيمان: 384، الصراط المستقيم: 1 / 67، غرر الحكم: 10123، مصادر نهج البلاغة وأسانيده: 4 / 152 / 190؛ شرح نهج البلاغة: 18 / 416 / 185.
(3) استنتاج من قول السيّد الرضيّ في خصائص الأئمّة (عليهم السلام): 111 وفيه: (و يروى: والقرابة والنص).
الاُخرَيتين.
يذهب البعض إلى القول بأنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) ذكر الجملة الثانية. وهذا يعني أنّه انتهج سبيل الجدال بالتي هي أحسن؛ بمعنى أنّ الإمام (عليه السلام) يؤمن بالنصّ على الإمامة، ويؤكّد عليه. إلاّ أنّ لحن الكلام يوحي بأنّه يريد القول بأنّ الحقائق قد انقلبت ولم يعدُ أحد يقبل هذه الحقيقة. ولذا لجأ إلى أُسلوب الجدال بالتي هي أحسن مع أصحاب السقيفة، قائلاً: إذا كانت الصحبة شرطاً في الخلافة، فلماذا لا تُضاف إليها القرابة مع رسول الله؟ بمعنى أنّ صحبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا اجتمع معها عنصر القرابة منه، يكون مَن تجتمعان فيه أولى بالخلافة من غيره (1) .
وهذا الاستدلال لا يصمد أمام النقد لأسباب متعدّدة، هي:
1 - عندما احتجّ الأنصار يوم السقيفة بصحبتهم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) لنيل الخلافة، احتجّ عليهم المهاجرون - وعلى رأسهم أبو بكر وعمر - بأنّ صحبة رسول الله (عليه السلام) وحدها لا تكفي، ولا بدّ من شرط القرابة أيضاً.
فقال عمر:... والله لا ترضى العرب أنْ يؤمّروكم ونبيّها من غيركم، ولكن العَرب لا تمتنع أنْ تولّي أمرها من كانت النبوّة فيهم، ووليَ أُمورهم منهم، ولنا بذلك على مَن أبى من العرب الحجّة الظاهرة والسلطان المبين. مَن ذا منازعنا سلطانه وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلاّ مدلٍ بباطل أو متجانفٍ لإثم.
واستند أبو بكر أيضاً في ذلك المقام إلى قرابته من رسول الله لإثبات أهليّته للخلافة فقال:
فهم أوّل من عبَد الله في هذه الأرض وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه
____________________
(1) مصادر نهج البلاغة وأسانيده: 4 / 152، تصنيف نهج البلاغة: 413.
وعشيرته، وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلاّ ظالم (1) .
2 - بعد أحداث السقيفة سأل الإمام عليّ (عليه السلام) مَن حضروها عن ماهيّة استدلال الجانبين، ودعاهم إلى النظر في قول مَن احتجّ بأنّ قريش شجرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) قائلاً:
(فماذا قالت قريش؟)
قالوا: احتجّت بأنّها شجرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فقال (عليه السلام): (احتجّوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة!) (2)
3 - الشعر الذي نقله الشريف الرضي في نهج البلاغة وفي خصائص الأئمّة، ويشتمل على مضمون كلام الإمام عليّ (عليه السلام) يدلّ على أنّ المهاجرين استدلّوا بالقرابة، وإنّ الإمام قد استدلّ في مقابلهم بالأقربيّة:
وإنْ كنتَ بالقُربى حججت خصيمهم |
فغيرك أولى بالنبيّ وأقربُ |
4 - قال علي (عليه السلام) عند تسليطه الأضواء على واقعة السقيفة:
(قالت قريش: منّا أمير. وقالت الأنصار: منّا أمير. فقالت قريش: منّا محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فنحن أحقّ بذلك الأمر. فعرفَت ذلك الأنصار، فسلّمت لهم الولاية والسلطان. فإذا استحقّوها بمحمدّ (صلّى الله عليه وآله) دون الأنصار، فإنّ أولى الناس بمحمّد (صلّى الله عليه وآله) أحقّ بها منهم) (3) .
وفي هذا الصدد أيضاً جاء في الكتاب 28 من نهج البلاغة: لمّا احتجّ
____________________
(1) تاريخ الطبري: 3 / 220، الكامل في التاريخ: 2 / 13، الإمامة والسياسة: 1 / 24.
(2) نهج البلاغة: الخطبة 67، خصائص الأئمّة (عليهم السلام): 86.
(3) وقعة صفّين: 91؛ شرح نهج البلاغة: 15 / 78.
المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله (عليه السلام) فلجوا (1) عليهم، فإنْ يكن الفلج به فالحقّ لنادونكم.
وخلاصة القول في ضوء المبنى الصحيّح للإمامة؛ وهو أنّ الإمامة منصب إلهي يتحقّق بالنصّ ولا يستقي مشروعيّته من الشعب، وعدم صحّة حمل القول الأول على الجدال بالتي هي أحسن، فيكون القول الثالث: (أ تكون الخلافة بالصحابة والقرابة ولا تكون بالقرابة والنصّ؟) هو الصحيح. علماً بأنّ القول الأوّل يمكن قبوله على صيغة الاستفهام الإنكاري، فيكون على النحو التالي:
(أتكون الخلافة بالصحابة والقرابة؟ ! ) (2)
1 / 9
الهجوم على بيت فاطمة بنت رسول الله
961 - أنساب الأشراف عن ابن عبّاس: بعث أبو بكر عمر بن الخطّاب إلى عليّ حين قعد عن بيعته وقال: ائتني به بأعنف العنف، فلمّا أتاه جرى بينهما كلام فقال عليّ: (احلب حلباً لك شطره، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلاّ ليؤمّرك غداً) (3) .
962 - أنساب الأشراف عن سليمان التيمي وعن ابن عون: أنّ أبا بكر أرسل إلى
____________________
(1) فَلَجَ أصحابه: إذا غلبهم (النهاية: 3 / 486).
(2) فيما يتعلّق بنقض وإبرام هذه النصوص راجع نهج السعادة: 4/195 وشرح الأخبار: 1/250 وحياة الإمام الرضا (عليه السلام): 56.
(3) أنساب الأشراف: 2 / 269، الإمامة والسياسة: 1 / 29 نحوه وفيه (و اشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً) بدل (و الله ما...)؛ الشافي: 3 / 240 عن ابن عبّاس، الاحتجاج: 1 / 183 / 36 نحوه وفيه (اشدد له اليوم ليردّ عليك غداً) بدل (و الله ما...).
عليّ يريد البيعة، فلم يبايع. فجاء عمر، ومعه قَبَس، فتلقّته فاطمةُ على الباب، فقالت فاطمة: (يابن الخطاب!! أتراك محرّقاً علىَّ بابي؟!) قال: نعم!!، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك (1) .
963 - تاريخ الطبري عن زياد بن كليب: أتى عمر بن الخطّاب منزل عليّ وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة. فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه (2) .
964 - تاريخ اليعقوبي: بلغ أبا بكر وعمر أنّ جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع عليّ بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله، فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار... ودخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت: (والله لتخرجنّ أو لأكشفنّ شعري ولأعجّنّ إلى الله). فخرجوا وخرج من كان في الدار، وأقام القوم أيّاماً، ثمّ جعل الواحد بعد الواحد يبايع، ولم يُبايع عليّ إلاّ بعد ستّة أشهر (3) .
965 - الإمامة والسياسة: إنّ أبا بكر تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّ كرّم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار عليّ، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده، لتخرجنّ أو لاُحرقنّها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة. فقال: وإنْ!!
فخرجوا فبايعوا إلاّ عليّاً؛ فإنّه زعم أنّه قال: حلفت أنْ لا أخرج ولا أضع
____________________
(1) أنساب الأشراف: 2 / 268؛ بحار الأنوار: 28 / 389.
(2) تاريخ الطبري: 3 / 202، شرح نهج البلاغة: 2 / 56 عن سلمة بن عبد الرحمان وج 6 / 48 عن أبي زيد عمر بن شبّه عن رجاله وكلاهما نحوه.
(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 126.
ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن، فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها فقالت: (لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جنازةً بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، ولم تردّوا لنا حقّاً).
فأتى عمر أبا بكر فقال له: أ لا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة؟ فقال أبو بكر لقنفذ - وهو مولى له -: اذهب فادعُ لي عليّاً، فذهب إلى عليّ فقال له: (ما حاجتك؟) فقال: يدعوك خليفة رسول الله، فقال عليّ: (لَسريعُ ما كذبتم على رسول الله). فرجع فأبلغ الرسالة، فبكى أبو بكر طويلاً.
فقال عمر الثانية: لا تُمهِل هذا المتخلّف عنك بالبيعة، فقال أبو بكر لقُنفذ: عُد إليه فقل له: خليفة رسول الله يدعوك لتبايع، فجاءه قنفذ، فأدّى ما أُمر به، فرفع عليٌّ صوته فقال: (سُبحان الله! لقد ادّعى ما ليس له). فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة، فبكى أبو بكر طويلاً.
ثمّ قام عمر فمشى معه جماعة، حتى أتَوا باب فاطمة، فدقّوا الباب، فلمّا سمِعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: (يا أبتِ يا رسول الله! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب وابن أبي قحافة؟!!)
فلمّا سمِع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدِع، وأكبادهم تنفطر، وبقيَ عمر ومعه قوم، فأخرجوا عليّاً، فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، فقال: (إنْ أنا لم أفعل فمَهْ؟) قالوا: إذاً والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك، فقال: (إذاً تقتلون عبد الله وأخا رسوله)، قال عمر: أمّا عبد الله فنعم، وأمّا أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلّم، فقال له عمر: أَ لا تأمر فيه بأمرك؟ فقال: لا اُكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه.
فلحق عليّ بقبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يصيح ويبكي، وينادي: (يابن اُمّ! إنّ القوم
استضعفوني وكادوا يقتلونني) (1)(2) .
966 - تاريخ اليعقوبي عن أبي بكر - قُبيل موته -: ما آسى إلاّ على ثلاث خصال صنعتها ليتني لم أكن صنعتها، وثلاث لم أصنعها ليتني كنت صنعتها، وثلاث ليتني كنت سألت رسول الله عنها.
فأمّا الثلاث التي صنعتها فليت أنّي لم أكن تقلّدت هذا الأمر، وقدّمت عمر بين يديّ؛ فكنت وزيراً خيراً منّي أميراً، وليتني لم اُفتّش بيت فاطمة بنت رسول الله واُدخله الرجال ولو كان أُغلق على حرب، وليتني لم اُحرّق الفجاءة السلمي؛ إمّا أنْ أكون قتلته سَريحاً (3) أو أطلقته نجيحاً (4) .
1 / 10
امتناع الإمام من البيعة
967 - الردّة: أرسل أبو بكر إلى عليّ فدعاه، فأقبل والناس حضور، فسلّم وجلس، ثمّ أقبل على الناس، فقال: لِمَ دعوتني؟ فقال له عمر: دعوناك للبيعة التي قد اجتمع عليها المسلمون، فقال عليّ: يا هؤلاء، إنّما أخذتم هذا الأمر من الأنصار بالحجّة عليهم والقرابة لأبي بكر؛ لأنّكم زعمتم أنّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) منكم،
____________________
(1) إشارة إلى الآية 150 من سورة الأعراف.
(2) الإمامة والسياسة: 1 / 30 وراجع الاحتجاج: 1 / 207 / 38.
(3) أمر سَريح: ي معجّل (لسان العرب: 2 / 479).
(4) تاريخ اليعقوبي: 2 / 137، الخصال: 171 / 228؛ تاريخ الطبري: 3 / 430، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 117، الأموال: 144 / 353 وفيه (وددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا - لخلّة ذكرها) بدل (لم أُفتّش بيت فاطمة... الحرب)، العقد الفريد: 3 / 279، تاريخ دمشق: 30 / 418 وص 419، شرح نهج البلاغة: 2 / 46، الإمامة والسياسة: 1 / 36 كلّها نحوه.
فأعطَوكم المَقادة، وسلّموا إليكم الأمر، وأنا أحتجّ عليكم بالذي احتججتم به على الأنصار، نحن أولى بمحمّد (صلّى الله عليه وآله) حيّاً وميّتاً؛ لأنّا أهل بيته، وأقرب الخلق إليه، فإنْ كنتم تخافون الله فأنصفونا، واعرفوا لنا في هذا الأمر ما عرفته لكم الأنصار).
فقال له عمر: إنّك أيّها الرجل لستَ بمتروكٍ أو تُبايع كما بايع غيرك. فقال عليّ (رضي الله عنه): (إذاً لا أقبل منك ولا أُبايع مَن أنا أحقّ بالبيعة منه). فقال له أبو عبيدة بن الجرّاح: والله يا أبا الحسن، إنّك لحقيق لهذا الأمر لفضلك وسابقتك وقرابتك، غير أنّ الناس قد بايعوا ورضوا بهذا الشيخ، فارضَ بما رضى به المسلمون.
فقال له عليّ كرّم الله وجهه: (يا أبا عبيدة، أنت أمين هذه الأُمّة!! فاتّقِ الله في نفسك؛ فإنّ هذا اليوم له ما بعده من الأيّام، وليس ينبغي لكم أنْ تُخرجوا سلطان محمّد (صلّى الله عليه وآله) من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم؛ ففي بيوتنا نزل القرآن، ونحن معدِن العلم والفقه والدين والسنّة والفرائض، ونحن أعلم بأمور الخلق منكم؛ فلا تتّبعوا الهوى فيكونَ نصيبكم الأخسّ).
فتكلّم بشير بن سعد الأنصاري فقال: يا أبا الحسن، أما والله لو أنّ هذا الكلام سمِعه الناس منك قبل البيعة لَما اختلف عليك رجُلان، ولَبايعك الناس كلّهم، غير أنّك جلست في منزلك ولم تشهد هذا الأمر، فظنّ الناس أنّ لا حاجة لك فيه، والآن فقد سبَقَتْ البيعة لهذا الشيخ، وأنت على رأس أمرك.
فقال له عليّ: (ويحك يا بشير! أفكان يجب أنْ أترك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في بيته فلم أُجبه إلى حفرته، وأخرج أُنازع الناس بالخلافة؟!) (1)
____________________
(1) الردّة: 46 وراجع الاحتجاج: 1 / 182 / 36 والمسترشد: 374 / 123 وشرح نهج البلاغة: 6 / 6 - 12 والإمامة والسياسة: 1 / 28.
968 - شرح نهج البلاغة عن سعيد بن كثير بن عُفير الأنصاري - في ذكر يوم السقيفة -: كثر الناس على أبي بكر، فبايعه معظم المسلمين في ذلك اليوم، واجتمعت بنو هاشم إلى بيت عليّ بن أبي طالب ومعهم الزبير؛ وكان يعدّ نفسه رجلا من بني هاشم، كان عليّ يقول: (ما زال الزبير منّا أهل البيت حتى نشأ بنوه فصرفوه عنّا).
واجتمعت بنو أُميّة إلى عثمان بن عفّان، واجتمعت بنو زهرة إلى سعد وعبد الرحمان، فأقبل عُمر إليهم وأبو عبيدة فقال: ما لي أراكم ملتاثين (1) ؟ قوموا فبايعوا أبا بكر؛ فقد بايع له الناس، وبايعه الأنصار. فقام عثمان ومَن معه، وقام سعد وعبد الرحمان ومن معهما فبايعوا أبا بكر.
وذهب عمر ومعه عصابة إلي بيت فاطمة، منهم أُسيد بن حُضير، وسلمة بن أسلم، فقال لهم: انطلقوا فبايعوا، فأبَوا عليه، وخرج إليهم الزبير بسيفه، فقال عمر: عليكم الكلب، فوثب عليه سلمة بن أسلم، فأخذ السيف من يده، فضرب به الجدار، ثمّ انطلقوا به وبعليّ ومعهما بنو هاشم، وعليّ يقول: (أنا عبد الله وأخو رسول الله (صلّى الله عليه وآله)). حتى انتهوا به إلى أبي بكر، فقيل له: بايِع، فقال:
(أنا أحقّ بهذا الأمر منكم، لا أُبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر مِن الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة مِن رسول الله، فأعطوكم المَقادة وسلّموا إليكم الإمارة، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، فأنصفونا إنْ كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم، وإلاّ فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون).
____________________
(1) اللوثة: الاسترخاء والبطء (لسان العرب: 2 / 185).
فقال عمر: إنّك لست متروكاً حتى تُبايع، فقال له عليّ: (احلب يا عمر حلباً لك شطره، اُشدد له اليوم أمره ليردّ عليك غداً، ألا والله لا أقبل قولك ولا أُبايعه). فقال له أبو بكر: فإنْ لم تبايعني لم أُكرهك.
فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن! إنّك حديث السنّ وهؤلاء مشيَخة قريش قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأُمور، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك، وأشدّ احتمالا له واضطلاعاً به، فسلّمْ له هذا الأمر وارضَ به؛ فإنّك إنْ تعِش ويطُل عمرك فأنت لهذا الأمر خليق، وبه حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك.
فقال عليّ: (يا معشر المهاجرين، اللهَ اللهَ لا تُخرجوا سلطان محمّد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه، فو الله يا معشر المهاجرين، لنحن أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم، أما كان منّا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالِم بالسنّة، المضطلع بأمر الرعيّة؟ والله إنّه لفينا؛ فلا تتّبعوا الهوى؛ فتزدادوا من الحقّ بُعداً).
فقال بشير بن سعد: لو كان هذا الكلام سمِعَته منك الأنصار يا عليّ قبل بيعتهم لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان، ولكنّهم قد بايعوا!.
وانصرف عليّ إلى منزله ولم يُبايع، ولزِم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع (1) .
1 / 11
اعتراض الإمام على قرار السقيفة
969 - الإمام عليّ (عليه السلام) - في خطبة تشتمل على الشكوى من أمر الخلافة -: (أما
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 6 / 11؛ بحار الأنوار: 28 / 347 / 60.
والله لقد تقمّصها فلان وإنّه ليعلم أنّ محلِّي منها محلّ القطب مِن الرحا، ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليّ الطير، فسدلْت دونها ثوباً، وطويت عنها كَشْحاً (1) ، وطفقت أرتئي بين أنْ أصول بيدٍ جَذّاء (2) ، أو أصبر على طَخْيَةٍ (3) عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدَح فيها مؤمنٌ حتى يلقى ربّه! فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذىً، وفي الحلق شجاً (4) ، أرى تراثي نهباً) (5) .
970 - عنه (عليه السلام): (وقد قال قائل: إنّك على هذا الأمر يابن أبي طالب لحريص! فقلت: بل أنتم والله لأحرص وأبعَد، وأنا أخَصّ وأقرَب، وإنّما طلبت حقّاً لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه. فلمّا قرّعته بالحجّة في الملأِ الحاضرين هبّ كأنّه بُهِت لا يدري ما يجيبني به!
اللهمّ إنّي أستعديك على قريش ومَن أعانهم! فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي. ثمّ قالوا: ألا إنّ في الحقّ أنْ
____________________
(1) الكَشْح: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخَلْف، كناية عن امتناعه وإعراضه عنها (مجمع البحرين: 3 / 1572).
(2) جَذّاء: أي مقطوعة، وهي كناية عن عدم الناصر له (مجمع البحرين: 1 / 279).
(3) الطَّخْيَة: الظلمة والعتمة (مجمع البحرين: 2 / 1097).
(4) القذى: ما يقع في العين فيؤذيها كالغبار ونحوه. والشجا: ما ينشب في الحلق من عظم ونحوه فيُغصُّ به، وهما كنايتان عن النقمة ومرارة الصبر والتألّم من الغبن (مجمع البحرين: 2 / 932).
(5) نهج البلاغة: الخطبة 3، معاني الأخبار: 361 / 1، علل الشرائع: 150 / 12، الإرشاد: 1 / 287، الأمالي للطوسي: 372 / 803 كلّها عن ابن عبّاس، الجمل: 171 وليس فيه من (فسدلت) إلى (أحجى).
تأخذه، وفى الحقّ أن تتركه )(1) .
971 - عنه (عليه السلام) - يصف حاله قبل البيعة له -: (فنظرتُ فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت على الشجا، وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمرّ مِن طعم العلقم) (2) .
972 - عنه (عليه السلام) - في التظلّم والتشكّي من قريش -: (اللهمّ إنّي أستعديك على قريش ومَن أعانهم؛ فإنّهم قد قطعوا رحمي، وأكفؤوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقّاً كنت أولى به من غيري، وقالوا: (ألا إنّ في الحقّ أنْ تأخذه، وفي الحقّ أنْ تمنعه، فاصبر مغموماً، أو مُت متأسّفاً). فنظرتُ فإذا ليس لي رافد، ولا ذابّ، ولا مساعد، إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن المنيّة، فأغضيت على القذى، وجرعت ريقي على الشجا، وصبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم، وآلم للقلب من وخز الشفار) (3) .
973 - الإمام زين العابدين (عليه السلام): (بينما أمير المؤمنين صلوات الله عليه في أصعب موقف بصفّين، إذ قام إليه رجلٌ من بني دودان، فقال: ما بالُ قومكم دفعوكم عن هذا الأمر وأنتم الأعلون نسباً، وأشدّ نوطاً(4) بالرسول، وفهماً بالكتاب والسنّة؟!
____________________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 172 وراجع كشف المحجّة: 247.
(2) نهج البلاغة: الخطبة 26، المناقب لابن شهر آشوب: 1 / 271.
(3) نهج البلاغة: الخطبة 217، الغارات: 1 / 308، كشف المحجّة: 248، الصراط المستقيم: 3 / 43؛ الإمامة والسياسة: 1 / 176 كلّها نحوه.
(4) ناطه: علّقه (المصباح المنير: 630). أي أشدّ تعلّقاً بالرسول (صلّى الله عليه وآله).
فقال: سألت - يا أخا بني دودان - ولك حقّ المسألة، وذِمام الصهر، وإنّك لقَلِق الوَضِين (1) ، ترسل عن ذي مسَد (2) ، إنّها إمرة شحّت عليها نفوس قوم، وسخَت عنها نفوسُ آخرين، ونِعْم الحَكَم الله.
فدَعْ عنكَ نَهباً صِيحَ في حُجراتِه (3) .
974 - الإمام عليّ (عليه السلام) - لبعض أصحابه وقد سأله: كيف دفَعَكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به؟ -: (يا أخا بني أسَد، إنّك لقلق الوضين، ترسل في غير سدَد، ولك بعد ذِمامة الصِّهر، وحقّ المسألة، وقد استعلمت فاعلم:
أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام - ونحن الأعلَون نسَباً والأشدّون برسول الله (صلّى الله عليه وآله) نَوطاً - فإنّها كانت أثَرَةً، شَحّت عليها نفوسُ قوم، وسَخَت عنها نفوسُ آخرين، والحَكَمُ اللهُ، والمعود إليه القيامة).
ودَعْ عنكَ نهباً صِيحَ في حجَراتِه |
ولكن حَديثاً ما حَديث الرواحلِ (4) (5) |
راجع: القسم السادس / وقعة صفّين / حرب الدعاية
____________________
(1) الوَضِين: بِطانٌ منسوج بعضه على بعض؛ يُشدّ به الرّحل على البعير كالحزام للسرج. أراد أنّه سريع الحركة، يصفه بالخفّة وقلة الثبات كالحزام إذا كان رخوا (النهاية: 5 / 199).
(2) كذا في المصدر، وفي نهج البلاغة: الخطبة 162(تُرسل في غير سَدَد) وهو المناسب للسياق.
(3) الأمالي للصدوق: 716 / 986 عن أبي الأحوص المصري عن جماعة من أهل العلم عن الإمام الصادق عن أبيه (عليهما السلام)، علل الشرائع: 146 / 2 عن أبي الأحوص عمّن حدّثه عن آبائه عن الإمام الحسن (عليه السلام)، الإرشاد: 1 / 294، الفصول المختارة: 77، نثر الدرّ: 1 / 287، المسترشد: 371 / 122 والأربعة الأخيرة من دون إسناد إليه (عليه السلام) وكلّها نحوه.
(4) البيت لامرئ القيس بن حجر الكندي، وروى أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يستشهد إلاّ بصدره فقط وأتمّه الرواة (شرح نهج البلاغة: 9 / 243).
(5) نهج البلاغة: الخطبة 162.
1 / 12
استنصار الإمام المهاجرين والأنصار
975 - الإمامة والسياسة: خرَج عليّ كرّم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على دابّة ليلاً في مجالس الأنصار؛ تسألهم النصرةَ، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله، قد مضَت بيعتُنا لهذا الرجل، ولو أنّ زوجكِ وابن عمّك سبَق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به!
فيقول عليّ كرّم الله وجهه: (أفَكُنتُ أدَعُ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله) في بيته لم أدفنه، وأخرج أُنازع الناسَ سلطانَه؟!)
فقالت فاطمة: (ما صنَع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم) (1) .
976 - كتاب سليم بن قيس: قال سلمان: فلمّا أنْ كان الليل حمَل عليٌّ (عليه السلام) فاطمةَ (عليها السلام) على حمار، وأخذ بيدَي ابنَيه الحسن والحسين (عليهما السلام)، فلَم يدَع أحداً من أهل بدر من المهاجرين ولا من الأنصار إلاّ أتاه في منزله، فذكّرهم حقّه، ودعاهم إلى نُصرته، فما استجاب له منهم إلاّ أربعة وأربعون رجُلاً. فأمرهم أنْ يُصبحوا بكرةً مُحلّقين رؤوسهم معهم سلاحهم ليُبايعوا على الموت، فأصبحوا، فلم يوافِ منهم أحد إلاّ أربعة.
فقلت لسلمان: مَن الأربعة؟ فقال: أنا، وأبو ذرّ، والمقداد، والزبير بن العوّام.
ثمّ أتاهم عليّ (عليه السلام) من الليلة المقبلة، فناشدهم، فقالوا: نُصبحك بكرةً، فما
____________________
(1) الإمامة والسياسة: 1 / 29، شرح نهج البلاغة: 6 / 13 عن الجوهري عن عبد الله بن عبد الرحمان عن الإمام الباقر (عليه السلام) نحوه.
منهم أحد أتاه غيرنا.
ثمّ أتاهم الليلةَ الثالثةُ فما أتاه غيرنا.
فلمّا رأى غدرَهم وقلّة وفائهم له لزِم بيته، وأقبل على القرآن يؤلّفه ويجمعه، فلَم يخرج من بيته حتى جمعه (1) .
977 - شرح نهج البلاغة: من كتاب معاوية المشهور إلى عليّ (عليه السلام):
وأعهدك أمس تحمل قَعيدةَ بيتك ليلاً على حمار، ويداك في يدَي ابنَيك الحسن والحسين يوم بُويع أبو بكر الصدّيق، فلم تدَع أحداً من أهل بدر والسوابق إلاّ دعوتَهم إلى نفسِك، ومشيتَ إليهم بامرأتك، وأدلَيتَ إليهم بابنيك، واستنصرتَهم على صاحب رسول الله! فلم يُجِبك منهم إلاّ أربعة أو خمسة، ولعمري لو كنتَ مُحقّاً لأجابوك! ولكنّك ادّعيتَ باطلاً، وقلت ما لا تعرف، ورُمت ما لا يُدرَك. ومهما نسيتُ فلا أنسى قولك لأبي سُفيان لمّا حرّككَ وهيّجَك: (لو وجدتُ أربعين ذوي عزم منهم لناهضتُ القوم). فما يوم المسلمين منك بواحد، ولا بغيك على الخلفاء بطريف ولا مستبدع (2) .
978 - تاريخ اليعقوبي: اجتمع جماعة إلى عليّ بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له، فقال لهم: (اغدوا على هذا مُحلّقين الرؤوس). فلم يغدُ عليه إلاّ ثلاثة نفر (3) .
979 - الكافي عن أبي الهيثم بن التيّهان: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) خطَب الناس
____________________
(1) كتاب سُليم بن قَيس: 2 / 580 / 4، الاحتجاج: 1 / 206 / 38.
(2) شرح نهج البلاغة: 2 / 47، وللاطّلاع على جواب الإمام (عليه السلام) راجع: القسم السادس / وقعة صفّين / حرب الدعاية.
(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 126.
بالمدينة فقال: (أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، لو اقتبستم العلم مِن معدنه، وشربتم الماء بعذوبته، وادّخرتم الخير مِن موضعه، وأخذتم الطريق من واضحه، وسلَكْتم من الحقّ نهجه، لنَهجت بكم السُبل، وبدت لكم الأعلام، وأضاء لكم الإسلام، فأكلتم رغداً (1) ، وما عالَ فيكم عائل، ولا ظُلم منكم مسلم ولا معاهد....
رُويداً، عمّا قليل تَحصدون جميع ما زرعتم، وتجدون وخيمَ (2) ما اجترمتم وما اجتلبتم.
والذي فلَق الحبّة وبرأ النسمة، لقد علمتم أنّي صاحبكم والذي به أُمرتم، وأنّي عالِمكم والذي بعلمه نجاتُكم، ووصيّ نبيّكم، وخيرة ربّكم، ولسان نوركم، والعالِم بما يُصلحكم، فعن قليل رويداً ينزل بكم ما وُعدتم، وما نزل بالأُمم قبلكم، وسيسألكم الله عزّ وجلّ عن أئمّتكم، معهم تُحشرون، وإلى الله عزّ وجلّ غداً تصيرون.
أما والله لو كان لي عدّة أصحاب طالوت، أو عدّة أهل بدر وهم أعداؤكم، لضربتُكم بالسيف حتى تؤولوا إلى الحقّ، وتنيبوا للصدق، فكان أرتَق للفتق (3) ، وآخَذ بالرفق، اللهمّ فاحكم بيننا بالحقّ وأنت خير الحاكمين).
قال: ثمّ خرج من المسجد فمرّ بصِيرَة (4) فيها نحو من ثلاثين شاة، فقال:
____________________
(1) رغداً: أي كثيراً واسعاً بلا عناء (مجمع البحرين: 2 / 714).
(2) هذا الأمر وخيم العاقبة، أي ثقيل رديء (النهاية: 5 / 164).
(3) فتقتُ الشيء فتقاً: شققتهُ، والفتق (أيضاً): شقّ عصا الجماعة ووقوع الحرب بينهم والرتق ضدّ الفتق (الصحاح: 4 / 1539، 1480).
(4) الصِّيرَة: حظيرة من خشب وحجارة تبنى للغنم والبقر، والجمع: صِيرٌ وصِيَرٌ (لسان العرب: 4 / 478).
(والله لو أنّ لي رجالاً ينصحون لله عزّ وجلّ ولرسوله بعدد هذه الشياه لأزَلتُ ابن آكلة الذبّان عن مُلكه).
فلمّا أمسى بايعه ثلاثمِئة وستّون رجلاً على الموت، فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): (اغدوا بنا إلى أحجار الزيت (1) مُحلّقين). وحلَق أمير المؤمنين (عليه السلام)، فما وافى من القوم مُحلّقاً إلاّ أبو ذرّ والمقداد وحُذَيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر، وجاء سلمان في آخر القوم. فرفَع يده إلى السماء فقال:
(اللهمّ إنّ القوم استضعفوني كما استضعفت بنو إسرائيل هارونَ، اللهمّ فإنّك تعلم ما نُخفي وما نُعلن، وما يخفى عليك شيء في الأرض ولا في السماء، توفّني مسلماً وألحقني بالصالحين) (2) .
1 / 13
وعى الإمام في مواجهة الفتنة
980 - الإرشاد: قد كان أبو سفيان جاء إلى باب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وعليّ والعبّاس متوفّران على النظر في أمره، فنادى:
بني هاشم لا تُطمعوا الناسَ فيكمُ |
ولا سِيَما تَيم بنَ مُرّة أو عَدِي |
|
فمَا الأمرُ إلاّ فيكمُ وإليكمُ |
وليس لها إلاّ أبو حَسَنٍ عَلي |
|
أبا حَسن فَاشْدُد بها كَفّ حازِم |
فإنّك بالأمرِ الذي يُرتَجي مَلي |
ثمّ نادى بأعلى صوته: يا بني هاشم! يا بني عبد مناف! أرضيتم أنْ يلي عليكم أبو فصيل... أما والله لئنْ شئتم لأملأنّها خيلاً ورجلاً!
____________________
(1) أحجار الزيت: موضع بالمدينة (معجم البلدان: 1 / 109).
(2) الكافي: 8 / 32 / 5 عن أبي الهيثم بن التيّهان.
فناداه أمير المؤمنين (عليه السلام): (ارجع يا أبا سفيان، فو الله ما تريد اللهَ بما تقول، وما زلتَ تكيدُ الإسلام وأهلَه، ونحن مشاغيل برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وعلى كلّ امرئٍ ما اكتسب، وهو وليّ ما احتقب) (1) .
981 - أنساب الأشراف عن الحسين عن أبيه: إنّ أبا سفيان جاء إلى عليّ (عليه السلام)، فقال: ياعليّ، بايعتم رجُلاً مِن أذلّ قبيلة مِن قريش! أما والله لئنْ شئتَ لأضرمنّها عليه من أقطارها، ولأملأنّها عليه خيلاً ورجالاً!!
فقال له عليّ: (إنّك طالما ما غشَشتَ اللهَ ورسولَه والإسلام) ، فلم ينقصه ذلك شيئاً (2) .
982 - تاريخ الطبري عن عوانة: لمّا اجتمع الناس على بيعة أبي بكر، أقبل أبو سفيان وهو يقول: والله إنّي لأرى عجاجةً لا يُطفئها إلاّ دم! يا آل عبد مناف، فيمَ أبو بكر من أُموركم؟! أين المُستضعَفان؟! أين الأذلاّن؛ عليّ والعبّاس؟! وقال: أبا حسن، ابسط يدك حتى أُبايعك. فأبى عليّ عليه، فجعل يتمثّل بشعر المتلمّس:
ولَنْ يُقيمَ علَى خَسْفٍ يُرادُ به |
إلاّ الأذلاّنِ عَيْر الحيّ والوَتد |
|
هذا علَى الخَسفِ مَعكوسٌ بِرُمّتهِ |
وذا يُشَجُّ فلا يَبكى له أحدُ |
فزجره عليّ، وقال: (إنّك والله ما أردت بهذا إلاّ الفتنة، وإنّك والله طالما بغيت الإسلام شرّاً، لا حاجة لنا في نصيحتك) (3) .
____________________
(1) الإرشاد: 1 / 190، إعلام الورى: 1 / 271.
(2) أنساب الأشراف: 2 / 271، تاريخ الطبري: 3 / 209 عن ابن الحرّ نحوه.
(3) تاريخ الطبري: 3 / 209، الكامل في التاريخ: 2 / 11.
983 - تاريخ اليعقوبي - بعد بيعة أبى بكر في السقيفة -: جاء البراء بن عازب فضرب الباب على بني هاشم، وقال: يا معشر بني هاشم، بُويع أبو بكر! فقال بعضهم: ما كان المسلمون يُحدثون حدَثاً نغيب عنه ونحن أولى بمحمّد!! فقال العبّاس: فعلوها وربّ الكعبة.
وكان المهاجرون والأنصار لا يشكّون في عليّ، فلمّا خرجوا من الدار قام الفضل بن العبّاس - وكان لسان قريش - فقال: يا معشر قريش، إنّه ما حقّت لكم الخلافة بالتمويه، ونحن أهلُها دونَكم، وصاحبنا أولى بها منكم!!
وقام عتبة بن أبي لهب فقال:
ما كُنتُ أحسبُ أنّ الأمرَ مُنصرِفٌ |
عن هاشم ثمّ مِنها عن أبي الحَسنِ |
|
عن أوّلِ الناسِ إيماناً وسابِقةً |
وأعلمُ الناسِ بالقرآنِ والسُّننِ |
|
وآخِرُ الناسِ عَهداً بالنبيِّ ومَن |
جِبريلُ عَونٌ لَه في الغُسلِ والكَفَنِ |
|
مَن فيه ما فِيهمُ لا يَمتَرونَ بهِ |
وليسَ في القَومِ ما فيهِ من الحَسَنِ |
فبعثَ إليه عليّ، فنهاه (1) .
984 - نزهة الناظر: لمّا قُبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، اجتمع أمير المؤمنين (عليه السلام) وعمّه العبّاس ومواليهما في دور الأنصار؛ لإجالة الرأي، فبدَرهما أبو سفيان والزبير، وعرضا نفوسهما عليهما، وبذلا من نفوسهما المساعدة والمعاضدة لهما.
فقال العبّاس: قد سمعنا مقالتَكما، فلا لقلّة نستعينُ بكما، ولا لظِنَّة (2) نترك رأيكما، لكن لالتماس الحقّ، فأمهلا؛ نراجع الفكر، فإنْ يكن لنا مِن الإثم مخرج
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 124.
(2) الظِّنّة: التهمة (لسان العرب: 13 / 273).
يَصِرّ بنا وبهم الأمر صَريرَ الجُندَب (1) ، ونمدّ أكفّاً إلى المجد لا نقبضها أو نبلغ المدى، وإنْ تكن الأُخرى فلا لقلّة في العدد، ولا لوهنٍ في الأيدي، والله لولا أنّ الإسلام قيّد الفتك لتدكدكت جنادلُ صخر، يُسمع اصطكاكُها من محلّ الأبيل (2) .
قال: فحلّ أمير المؤمنين (عليه السلام) حِبْوَته (3) ، وجثا على ركبتيه - وكذا كان يفعل إذا تكلّم - فقال (عليه السلام): (الحلم زين، والتقوى دين، والحجّة محمّد (صلّى الله عليه وآله)، والطريق الصراط.
أيّها الناس، رحمكم الله، شقّوا متلاطمات أمواج الفتن بحيازيم (4) سفُن النجاة، وعرّجوا عن سبيل المنافرة، وحطّوا تيجان المفاخرة، أفلح مَن نهض بجناح، أو استسلم فأراح. ماء آجن (5) ، ولقمة يغصّ بها آكلها، ومجتني الثمرة في غير وقتها كالزارع في غير أرضه، والله لو أقول لتداخلت أضلاعٌ كتداخل أسنان دوّارة الراحي، وإنْ أسكت يقولوا: جزع ابن أبي طالب من الموت. هيهات! بعد اللتيّا والتي، والله لَعليٌّ آنسُ بالموت من الطفل بثدي أُمّه، لكنّي اندمجتُ على مكنونِ علمٍ لو بُحت به لاضطربتم اضطرابَ الأرشية (6) في الطَّويّ (7) البعيدة).
____________________
(1) الجُندَب: ضرب من الجراد، وقيل: هو الذي يَصِرّ في الحر (النهاية: 1 / 306).
(2) الأبيل بوزن الأمير: الراهب. وسمّي به لتأبله عن النساء وترك غِشيانهنّ والفعل منه أبَلَ يأبُلُ أبالة إذا تنسّك وترهّب (لسان العرب: 11 / 7) ولعلّ المراد به أنّه يُسمَع من المكان القاصي كمحلّ عبادة الراهب.
(3) الحِبْوَة والحُبْوَة: الثوب الذي يحتبى به، يقال: حل حِبوَته وحُبوَته (لسان العرب: 14 / 161).
(4) الحيازيم: جمع الحيزوم، وهو الصدر وقيل وسطه (النهاية: 1 / 467).
(5) الآجن: الماء المتغيّر الطعم واللون (النهاية: 1 / 26).
(6) الرشاء: الحبل الذي يتوصّل به إلى الماء، وجمعه أرشية (مجمع البحرين: 2 / 703).
(7) الطَّوِيّ: البئر المطويّة بالحجارة (لسان العرب: 15 / 19).
ثمّ نهض (عليه السلام) فقال أبو سفيان: لشيء ما فارقنا ابن أبي طالب! (1)
985 - العقد الفريد عن مالك بن دينار: تُوفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبو سفيان غائب في مسعاة أخرجه فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا انصرف لقي رجلاً في بعض طريقه مقبلاً من المدينة، فقال له: مات محمّد؟ قال: نعم. قال: فمَن قام مقامه؟ قال: أبو بكر. قال أبو سفيان: فما فعل المستضعفان؛ عليّ والعبّاس؟! قال: جالسَين. قال: أما والله، لئن بقيتُ لهما لأرفعنّ من أعقابهما. ثمّ قال: إنّي أرى غيرةً لا يطفئها إلاّ دم.
فلمّا قَدِم المدينة جعل يطوف في أزقّتها ويقول:
بَني هاشمَ لا تَطمعِ الناسُ فيكمُ |
ولا سِيَما تَيمُ بنُ مُرّةَ أو عَدِي |
|
فمَا الأمرُ إلاّ فيكمُ وإليكمُ |
ولَيسَ لها إلاّ أبو حَسنٍ عَليّ |
فقال عمر لأبي بكر: إنّ هذا قد قَدِم، وهو فاعلٌ شرّاً، وقد كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يستألفه على الإسلام، فدع له ما بيده من الصدقة. ففعل، فرضي أبو سفيان، وبايعه (2) .
986 - الإمام عليّ (عليه السلام) - من كتاب له إلى معاوية -: (كان أبوك أتاني حين ولّى الناسُ أبا بكر، فقال: أنت أحقّ الناس بهذا الأمر منهم كلّهم بعد محمّد، وأنا يدُك على مَن شِئت، فابسط يدكَ أُبايعك؛ فأنت أعزّ العرب دعوة. فكرهتُ ذلك؛ كراهةً للفرقة، وشقّ عصا الأُمّة؛ لقرب عهدهم بالكُفر والارتداد، فإنْ كُنتَ تعرف
____________________
(1) نزهة الناظر: 55 / 39، نهج البلاغة: الخطبة 5 وفي صدرها (و من خطبة له (عليه السلام) لمّا قبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخاطبه العبّاس وأبو سفيان بن حرب في أنْ يبايعا له بالخلافة)؛ مطالب السؤول: 58 وفيهما من (أيّها الناس) إلى (البعيدة)، تذكرة الخواصّ: 128 عن ابن عبّاس وكلّها نحوه، شرح نهج البلاغة: 1 / 213 وفيه من (أيّها الناس...).
(2) العقد الفريد: 3 / 271.
من حقّي ما كان أبوك يعرفه أصبتَ رُشدَك، وإنْ لم تفعل استعنتُ بالله عليك، ونِعمَ المُستعان، وعليه توكّلت، وإليه أُنيب) (1) .
1 / 14
بيعة الإمام بعد وفاة فاطمة
987 - مروج الذهب: لمّا بُويع أبو بكر في يوم السقيفة، وجدّدت البيعة له يوم الثلاثاء على العامّة، خرَج عليّ فقال: (أفسدتَ علينا أُمورنا، ولم تستشِر ولم ترعَ لنا حقّاً). فقال أبو بكر: بلى، ولكنّي خشيتُ الفتنة....
ولم يُبايعه أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة رضي الله عنها (2) .
988 - الكامل في التاريخ عن الزهري: بقيَ عليّ وبنو هاشم والزبير ستّة أشهر لم يبايعوا أبا بكر، حتى ماتت فاطمة رضي الله عنها، فبايعوه (3) .
989 - صحيح البخاري عن عائشة: إنّ فاطمة (عليها السلام) بنت النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ ممّا أفاء الله عليه بالمدينة، وفدَك، وما بقي من خُمس خيبر... فأبى أبو بكر أنْ يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجَرته؛ فلم تكلّمه حتى توفّيت، وعاشت بعد
____________________
(1) المناقب للخوارزمي: 254، العقد الفريد: 3 / 332؛ وقعة صفّين: 91 كلاهما نحوه وراجع أنساب الأشراف: 2 / 271.
(2) مروج الذهب: 2 / 307 وراجع الإمامة والسياسة: 1 / 30 - 31 ومشاهير علماء الأمصار: 22.
(3) الكامل في التاريخ: 2 / 14 وفى ص 10 (و الصحيح أنّ أمير المؤمنين ما بايع إلاّ بعد ستّة أشهر) وليس فيه من (ستّة أشهر...)، السنن الكبرى: 6 / 489 / 12732، المصنّف لعبد الرزّاق: 5 / 472 / 9774، تاريخ الطبري: 3 / 208 وليس في الأربعة الأخيرة (الزبير)، أنساب الأشراف: 2 / 268 عن عائشة وليس فيه (بنو هاشم والزبير) وكلّها نحوه.
النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ستّة أشهر.
فلمّا توفّيت دفنها زوجها علىّ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّي عليها. وكان لعلىّ من الناس وجه حياة فاطمة، فلمّا توفّيت استنكر علىّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبى بكر ومبايعته، ولم يكن يُبايع تلك الأشهر (1) .
990 - الإمامة والسياسة: لم يُبايع عليّ كرّم الله وجهه حتى ماتت فاطمة رضيَ الله عنهما، ولم تمكث بعد أبيها إلاّ خمساً وسبعين ليلة (2) .
991 - مروج الذهب: قد تُنوزِع في بيعة عليّ بن أبي طالب إيّاه [أبا بكر]؛ فمنهم مَن قال: بايعه بعد موت فاطمة بعشرة أيّام، وذلك بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بنيّف وسبعين يوماً، وقيل بثلاثة أشهر، وقيل: ستّة، وقيل غير ذلك (3) .
992 - شرح نهج البلاغة - في ذكر حديث السقيفة -: أمّا الذي يقوله جمهور المحدّثين وأعيانهم فإنّه (عليه السلام) امتنع من البيعة ستّة أشهر (4) .
993 - شرح نهج البلاغة: ينبغي للعاقل أنْ يفكّر في تأخّر عليّ (عليه السلام) عن بيعة أبي بكر ستّة أشهر إلى أنْ ماتت فاطمة، فإنْ كان مصيباً فأبو بكر على الخطأ في انتصابه في الخلافة، وإنْ كان أبو بكر مصيباً فعليّ على الخطأ في تأخّره عن البيعة وحضور المسجد (5).
____________________
(1) صحيح البخاري: 4 / 1549 / 3998، صحيح مسلم: 3 / 1380 / 52.
(2) الإمامة والسياسة: 1 / 31، الردّة: 47 نحوه وزاد في آخره: (و قيل: بعد ستّة أشهر).
(3) مروج الذهب: 2 / 309.
(4) شرح نهج البلاغة: 2 / 22.
(5) شرح نهج البلاغة: 20 / 24.
1 / 15
دوافع بيعة الإمام بعد امتناعه
أ: مخافة الفرقة
994 - الشافي عن موسى بن عبد الله بن الحسن: إنّ عليّاً (عليه السلام) قال لهم [للمتخلّفين عن بيعة أبي بكر]: (بايعوا؛ فإنّ هؤلاء خيّروني أنْ يأخذوا ما ليس لهم، أو أُقاتلهم واُفرّق أمر المسلمين) (1) .
995 - الشافي عن سفيان بن فروة عن أبيه: جاء بريدة حتى ركز رايته في وسط أسلَم، ثمّ قال: لا أُبايع حتى يُبايع عليّ! فقال عليّ (عليه السلام): (يا بريدة، ادخل فيما دخل فيه الناس، فإنّ اجتماعهم أحبّ إليّ من اختلافهم اليوم) (2) .
996 - شرح نهج البلاغة عن عبد الله بن جنادة: قدِمت من الحجاز أُريد العراق، في أوّل إمارة عليّ (عليه السلام)، فمررت بمكّة، فاعتمرت، ثمّ قدِمت المدينة، فدخلت مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، إذ نودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، وخرَج عليّ (عليه السلام) متقلّداً سيفه، فشخصت الأبصار نحوه، فحمِد الله وصلّى على رسوله (صلّى الله عليه وآله)، ثمّ قال:
(أمّا بعد، فإنّه لمّا قبَض الله نبيّه (صلّى الله عليه وآله) قلنا: نحن أهله، وورثته، وعترته، وأولياؤه، دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقّنا طامع! إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبيّنا، فصارت الإمرة لغيرنا، وصرنا سَوقة، يطمع فينا الضعيف، ويتعزّز علينا الذليل؛ فبكت الأعين منّا لذلك، وخشُنت الصدور،
____________________
(1) الشافي: 3 / 243، الصراط المستقيم: 3 / 111 وفي صدره (وروى إبراهيم بطريقين إنّ عليّاً قال لبريدة ولجماعة اُخَر أبوا البيعة)، بحار الأنوار: 28 / 392.
(2) الشافي: 3 / 243، الدرجات الرفيعة: 403، بحار الأنوار: 28 / 392.
وجزعت النفوس.
وايم الله، لولا مخافة الفُرقة بين المسلمين، وأنْ يعود الكُفر، ويَبور الدين، لكنّا على غير ما كنّا لهم عليه، فوليَ الأمر ولاةٌ لم يألَوا الناس خيراً) (1) .
997 - الإمام عليّ (عليه السلام) - من خطبته بذي قار (2) -: (قد جرَت أُمور صبرنا فيها وفي أعيُنِنا القذى؛ تسليماً لأمر الله تعالى فيما امتحننا به؛ رجاء الثواب على ذلك، وكان الصبر عليها أمثَل مِن أنْ يَتفرّق المسلمون، وتُسفك دماؤهم.
نحن أهل بيتِ النبوّة، وأحقّ الخلق بسلطان الرسالة، ومعدن الكرامة التي ابتدأ الله بها هذه الأُمّة. وهذا طلحة والزبير - ليسا من أهل النبوّة، ولا من ذرّيّة الرسول - حين رأيا أنّ الله قد ردّ علينا حقّنا بعد أعصر، فلم يصبرا حولاً واحداً، ولا شهراً كاملاً، حتى وثبا على دأب الماضين قبلهما؛ ليذهبا بحقّي، ويُفرّقا جماعة المسلمين عنّي) (3) .
998 - عنه (عليه السلام) - من خطبته قبل حرب الجمل -: (إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حين قُبِض كنّا نحن أهل بيته، وعصبته، ووَرَثته، وأولياءه، وأحقّ خلق الله به، لا نُنازع في ذلك... فانتزعوا سلطان نبيّنا منّا، وولّوه غيرنا، وايم الله فلولا مخافة الفُرقة بين المسلمين أنْ يعودوا إلى الكفر لكنّا غيّرنا ذلك ما استطعنا!) (4)
. راجع: وعي الإمام في مواجهة الفتنة
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 1 / 307؛ الإرشاد: 1 / 245، الجمل: 437 وفيهما من (أمّا بعد...).
(2) ذُوقار: موضع بين الكوفة وواسط، وهو إلي الكوفة أقرب، فيه كان يوم ذي قار المشهور بين الفرس والعرب (تقويم البلدان: 292).
(3) الإرشاد: 1 / 249.
(4) الجمل: 437 عن اُمّ راشد مولاة اُمّ هانئ، الأمالي للمفيد: 155 / 6 عن الحسن بن سلمة.
ب: مخافة ارتداد الناس
999 - الشافي عن موسى بن عبد الله بن الحسن: أبَت أسلمُ أنْ تُبايعَ، وقالوا: ما كنّا نبايع حتى يُبايع بريدة؛ لقول النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لبريدة: (عليّ وليّكم من بعدي). فقال عليّ (عليه السلام): (يا هؤلاء، إنّ هؤلاء خيّروني أنْ يظلموني حقّي وأُبايعهم، أو ارتدّت الناس حتى بلغت الردّة أُحداً! فاخترتُ أنْ اُظلم حقّي وإنْ فعلوا ما فعلوا) (1) .
1000 - الطرائف عن أبي الطفيل عامر بن واثلة: كنت على الباب يوم الشورى، فارتفعت الأصوات بينهم، فسمعت عليّاً (عليه السلام) يقول: (بايع الناس أبا بكر وأنا والله أولى بالأمر منه، وأحقّ به منه! فسمِعتُ وأطعتُ مخافةَ أنْ يرجع القوم كفّاراً، ويضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف. ثمّ بايع الناس أبا بكر لعمر، وأنا أولى بالأمر منه! فسمعتُ وأطعتُ مخافةَ أنْ يرجع الناس كفّاراً. ثمّ أنتم تريدون أنْ تبايعوا عثمانَ!!) (2)
1001 - الإمام عليّ (عليه السلام) - في كتابه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لمّا ولاّه إمارتها (3) -: (أمّا بعد، فإنّ الله سُبحانه بعث محمّداً (صلّى الله عليه وآله) نذيراً للعالمين، ومهيمناً على المرسلين، فلمّا مضى (عليه السلام) تنازع المسلمون الأمرَ من بعده، فوَ الله ما كان يُلقى في رَوعي ولا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده (صلّى الله عليه وآله) عن أهل بيته، ولا أنّهم مُنحّوه عنّي من بعده! فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلانٍ يُبايعونه، فأمسكتُ يدي حتى رأيتُ راجعة الناس قد رجَعَت عن الإسلام؛ يدعون إلى مَحقِ دين محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فخشيتُ إنْ لم أنصر الإسلام وأهلَه أنْ أرى فيه ثَلماً أو
____________________
(1) الشافي: 3 / 243، بحار الأنوار: 28 / 392.
(2) الطرائف: 411؛ المناقب للخوارزمي: 313 / 314، فرائد السمطين: 1 / 320 / 251.
(3) وفي الغارات: (رسالة عليّ (عليه السلام) إلى أصحابه بعد مقتل محمّد بن أبي بكر)، وهذا هو الصحيح ظاهراً.
هَدْماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم مِن فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّامٍ قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشّع السحاب، فنهضتُ في تلك الأحداث، حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدينُ وتَنَهْنَه (1) (2) .
1002 - شرح نهج البلاغة: روى عنه [عليّ] (عليه السلام) أنّ فاطمة (عليها السلام) حرّضته يوماً على النهوض والوثوب، فسمِع صوت المؤذّن: أشهد أنّ محمّداً رسول الله، فقال لها: (أيَسرّكِ زوال هذا النداء مِن الأرض؟) قالت: لا. قال: (فإنّه ما أقول لك) (3) .
1003 - الإمام الباقر (عليه السلام): (إنّ الناس لمّا صنعوا ما صنعوا إذ بايعوا أبا بكر، لم يمنع أمير المؤمنين (عليه السلام) من أنْ يدعو إلى نفسه إلاّ نظراً للناس، وتخوّفاً عليهم أنْ يرتدّوا عن الإسلام؛ فيعبدوا الأوثان، ولا يشهدوا أنْ لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله (صلّى الله عليه وآله)... وبايع مكرهاً؛ حيث لم يجد أعواناً) (4) .
ج: عدم الناصر
1004 - الإمام الحسن (عليه السلام) - في خطبته حين أجمع على صلح معاوية -: (قد كفّ أبي يدَه، وناشدَهم، واستغاثَ أصحابَه، فلم يُغَث، ولم يُنصر، ولو وَجد عليهم
____________________
(1) تَنَهْنَهَ: سكَن، وأصلُه الكفّ؛ تقول: نَهنَهتُ السبع فتنَهنَهَ؛ أي كفّ عن حركته وإقدامه، فكأنّ الدين كان متحرّكاً مضطرباً فسكَن وكفّ عن ذلك الاضطراب (شرح نهج البلاغة: 17 / 152).
(2) نهج البلاغة: الكتاب 62، الغارات: 1 / 302 - 306؛ شرح نهج البلاغة: 6 / 94 كلاهما عن جندب نحوه.
(3) شرح نهج البلاغة: 11 / 113 وج 20 / 326 / 735 نحوه.
(4) الكافي: 8 / 295 / 454 عن زرارة، علل الشرائع: 149 / 8، الأمالي للطوسي: 230 / 406 كلاهما عن زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) نحوه.
[أي المتقدّمين عليه في الخلافة] أعواناً ما أجابهم) (1) .
1005 - الأمالي للمفيد عن أبي عليّ الهمداني: إنّ عبد الرحمان بن أبي ليلى قام إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبيّ طالب (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي سائلك لآخذ عنك، وقد انتظرنا أنْ تقول مِن أمرك شيئاً فلم تُقله، أ لا تحدّثنا عن أمرك هذا؛ أ كان بعهدٍ مِن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أو شيء رأيته؛ فإنّا قد أكثرنا فيك الأقاويل، وأوثقه عندنا ما قبلناه عنك وسمِعناه مِن فيك إنّا كنّا نقول: لو رجعَت إليكم بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم ينازعكم فيها أحد، والله ما أدري إذا سُئلت ما أقول!! أزعم أنّ القوم كانوا أولى بما كانوا فيه منك! فإنْ قلت ذلك، فعلامَ نصبك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد حجّة الوداع فقال: (أيّها الناس، من كنت مولاه فعليّ مولاه)؟! وإنْ تكُ أولى منهم بما كانوا فيه فعلامَ نتولاّهم؟!
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (يا عبد الرحمان، إنّ الله تعالى قبَض نبيّه (صلّى الله عليه وآله) وأنا يوم قبضه أولى بالناس منّي بقميصي هذا، وقد كان من نبيِّ الله إليّ عهدٌ لو خزمتموني (2) بأنفي لأقررتُ؛ سمعاً لله وطاعة، وإنّ أوّل ما انتقصناه بعده إبطال حقّنا في الخُمس. فلمّا رقّ أمرنا طمِعت رعيان البُهم مِن قريش فينا.
وقد كان لي على الناس حقٌّ، لو ردّوه إليّ عفواً قبلتُه، وقمت به، وكان إلى أجلٍ معلوم، وكنت كرجلٍ لَه على الناس حقٌّ إلى أجل؛ فإنْ عجّلوا له مالَه أخذَه وحمِدَهم عليه، وإنْ أخّروه أخذَه غيرَ محمودين، وكنت كرجلٍ يأخذ السهولة
____________________
(1) الأمالي للطوسي: 566 / 1174 عن عبد الرحمان بن كثير عن الإمام الصادق عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام).
(2) يقال: خَزَمتُ البعير بالخِزامَة؛ وهي حَلْقة من شَعر تُجعل في وَترَة أنفه يُشدّ فيها الزمام (الصحاح: 5 / 1911).
وهو عند الناس محزون.
وإنّما يُعرف الهدى بقلّة مَن يأخذه من الناس، فإذا سكتّ فاعفوني؛ فإنّه لو جاء أمرٌ تحتاجون فيه إلى الجواب أجبتُكم، فكفّوا عنّي ما كفَفْتُ عنكم).
فقال عبد الرحمان: يا أمير المؤمنين، فأنت لعمرك كما قال الأوّل:
لَعمركَ لقدْ أيقظتُ مَن كانَ نائماً |
وأسمَعتُ مَن كانَت له اُذُنانِ (1) |
1006 - الكافي عن سدير: كنّا عند أبي جعفر (عليه السلام)، فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيّهم (صلّى الله عليه وآله)، واستذلالهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال رجلٌ من القوم: أصلحك الله، فأين كان عزّ بني هاشم وما كانوا فيه من العدد؟!
فقال أبو جعفر (عليه السلام): (ومَن كان بقي من بني هاشم إنّما كان جعفر وحمزة، فمضيا، وبقي معه رجُلان ضعيفان ذليلان، حديثا عهدٍ بالإسلام؛ عبّاس وعقيل، وكانا مِن الطلقاء، أما والله لو أنّ حمزة وجعفراً كانا بحضرتهما ما وصلا إلى ما وصلا إليه، ولو كانا شاهديهما لأتلفا نفسَيهما) (2) .
. راجع: استنصار الإمام المهاجرين والأنصار
د: الإكراه
1007 - المناقب لابن شهر آشوب: روي أنّه لمّا طالبوه بالبيعة قال له الأوّل: بايع. قال: (فإن لم أفعل؟) قال: والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك.
فالتفت عليّ إلى القبر، فقال: (يابن اُمّ، إنّ القوم استضعفوني وكادوا
____________________
(1) الأمالي للمفيد: 223 / 2، الأمالي للطوسي: 8 / 9، شرح الأخبار: 2 / 260 / 563 نحوه.
(2) الكافي: 8 / 189 / 216.
يقتلونني) (1) (2) .
1008 - الإمام الصادق (عليه السلام): (والله ما بايع عليّ (عليه السلام) حتى رأى الدخان قد دخل عليه بيته) (3) .
. راجع: الهجوم على بيت فاطمة بنت رسول الله
1 / 16
الذرائع في قرار السقيفة
1 / 16 - 1
كراهة اجتماع النبوّة والخلافة في بيت
1009 - تاريخ الطبري عن ابن عبّاس: قال [عُمر بن الخطّاب]: يابن عبّاس، أتدري ما منع قومكم منهم [بني هاشم] بعد محمّد؟ فكرهت أنْ اُجيبه، فقلت: إنْ لم أكُن أدري فأمير المؤمنين يُدريني.
فقال عمر: كرهوا أنْ يجمعوا لكم النبوّة والخلافة، فتبجّحوا على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها، فأصابت ووفّقت.
فقلت: يا أمير المؤمنين، إنْ تأذن لي في الكلام وتُمِط عنّي الغضَب، تكلّمتُ. فقال: تكلّم يابن عبّاس.
____________________
(1) إشارة إلى الآية: 150 من سورة الأعراف.
(2) المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 115، كتاب سليم بن قيس: 2 / 593 / 4 عن سلمان، المسترشد: 378 / 125 عن أبي حمزة الثمالي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام)؛ الإمامة والسياسة: 1 / 30 كلّها نحوه وراجع الاحتجاج: 1 / 213 و215.
(3) الشافي: 3 / 241 عن حمران بن أعيَن، بحار الأنوار: 28 / 390.
فقلت: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: (اختارت قريش لأنفسها، فأصابت ووفّقت)، فلو أنّ قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّ وجلّ لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأمّا قولك: إنّهم كرهوا أنْ تكون لنا النبوّة والخلافة، فإنّ الله عزّ وجلّ وصَف قوماً بالكراهيّة فقال: ( ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) (1) .
فقال عمر: هيهاتَ والله يابن عبّاس، قد كانت تبلغني عنك أشياء كنتُ أكره أنْ أفرّك عنها (2) ، فتُزيل منزلتك منّي.
فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين؛ فإنْ كانت حقّاً فما ينبغي أنْ تُزيل منزلتي منك، وإنْ كانت باطلاً فمثلي أماطَ الباطل عن نفسه!
فقال عمر: بلغني أنّك تقول: إنّما صرفوها عنّا حسَداً وظُلماً!
فقلت: أمّا قولك - يا أمير المؤمنين -: ظُلماً، فقد تبيّن للجاهل والحليم. وأمّا قولك: حسَداً، فإنّ إبليس حسَد آدم، فنحن ولده المحسودون.
فقال عمر: هيهات، أبَت والله قلوبكم يا بني هاشم إلاّ حسَداً ما يحول، وضغناً وغشّاً ما يزول.
فقلت: مهلاً يا أمير المؤمنين، لا تصِف قلوبَ قومٍ أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً بالحسَد والغشّ؛ فإنّ قلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من قلوب بني هاشم.
فقال عمر: إليك عنّي يابن عبّاس.
____________________
(1) محمّد: 9.
(2) كذا، وفي الكامل في التاريخ: (اُقرّك عليها).
فقلت: أفعَل، فلمّا ذهبت لأقوم استحيا منّي، فقال: يابن عبّاس، مكانك، فوَ الله إنّي لراعٍ لحقّك، مُحبٌّ لِما سَرّك.
فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ لي عليك حقّاً وعلى كلّ مسلم، فمَن حفظه فحظّه أصاب، ومَن أضاعه فحظّه أخطأ. ثمّ قام فمضى (1) .
1010 - شرح نهج البلاغة: قال [عمر بن الخطّاب] لابن عبّاس: يا عبد الله، أنتم أهل رسول الله، وآله، وبنو عمّه، فما تقول منع قومكم منكم؟ قال: لا أدري علّتها، والله ما أضمرنا لهم إلاّ خيراً.
قال: اللهمّ غفراً، إنّ قومكم كرهوا أنْ يجتمع لكم النبوّة والخلافة، فتذهبوا في السماء شَمَخاً (2) وبَذَخاً (3) ، ولعلّكم تقولون: إنّ أبا بكر أوّل مَن أخّركم، أما إنّه لم يقصد ذلك، ولكن حضَر أمرٌ لم يكن بحضرته أحزم ممّا فعل، ولولا رأي أبي بكر فيَّ لجعل لكم من الأمر نصيباً، ولو فعل ما هنّأكم مع قومكم؛ إنّهم ينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره (4) .
1 / 16 - 2
حداثة السنّ
1011 - شرح نهج البلاغة: روى أبو بكر الأنباري في أماليه أنّ عليّاً (عليه السلام) جلس إلى عمر في المسجد وعنده ناس، فلمّا قام عرّض واحد بذِكره، ونسبه إلى التَّيه والعُجب.
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 223، الكامل في التاريخ: 2 / 218.
(2) شمخَ الجبلُ: علا وارتفع وطال (تاج العروس: 4 / 283).
(3) البَذَخ: الكبر، والبَذَخ: تطاول الرجل بكلامه وافتخاره (لسان العرب: 3 / 7).
(4) شرح نهج البلاغة: 12 / 9؛ نثر الدرّ: 2 / 28 نحوه.
فقال عمر: حقٌّ لِمثله أنْ يتيه! والله، لولا سيفه لما قام عمود الإسلام، وهو بعدُ أقضى الأُمّة، وذو سابقتها، وذو شرفها.
فقال له ذلك القائل: فما منعكم يا أمير المؤمنين عنه؟!
قال: كرهناه على حداثة السنّ، وحبّه بني عبد المطّلب (1) .
1012 - الإمامة والسياسة: قال أبو عبيدة بن الجرّاح - بعد بيعة أبي بكر - لعليّ كرّم الله وجهه: يابن عمّ، إنّك حديث السنّ، وهؤلاء مشيَخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأُمور، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك، وأشدّ احتمالاً واضطلاعاً به، فسلِّم لأبي بكر هذا الأمر؛ فإنّك إنْ تعِش ويطُل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق، وبه حقيق، في فضلك، ودينك، وعلمك، وفهمك، وسابقتك، ونسبك، وصهرك (2) .
1013 - تاريخ دمشق عن ابن عبّاس: بينا أنا مع عمر بن الخطّاب في بعض طرق المدينة - يده في يدي - إذ قال لي: يابن عبّاس، ما أحسَب صاحبك إلاّ مظلوماً!!
فقلت: فرُدّ إليه ظلامتَه يا أمير المؤمنين!!
فانتزع يده من يدي، ونفر منّي يُهمهم، ثمّ وقف حتى لحقته، فقال لي: يابن عبّاس، ما أحسَب القوم إلاّ استصغروا صاحبك!!
قلت: والله، ما استصغره رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين أرسله وأمره أنْ يأخذ براءة من أبي بكر فيقرأها على الناس!! فسكت (3) .
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 12 / 82؛ نهج الحقّ: 251.
(2) الإمامة والسياسة: 1 / 29، شرح نهج البلاغة: 6 / 12 عن سعيد بن كثير الأنصاري.
(3) تاريخ دمشق: 42 / 349، شرح نهج البلاغة: 12 / 46 وج 6 / 45، أخبار الدولة العبّاسيّة: 128 نحوه.
1014 - محاضرات الأُدباء عن ابن عبّاس: كنت أسير مع عمر بن الخطّاب في ليلة، - وعمر على بغل، وأنا على فرَس - فقرأ آية فيها ذكر عليّ بن أبي طالب، فقال: أما والله يا بني عبد المطّلب! لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر منّي ومن أبي بكر.
فقلت في نفسي: لا أقالني الله إنْ أقلته، فقلت: أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين، وأنت وصاحبك وثبتما وافترعتما (1) الأمر منّا دون الناس!!
فقال: إليكم يا بني عبد المطّلب! أما إنّكم أصحاب عمر بن الخطّاب.
فتأخّرتُ، وتقدّم هنيهة، فقال: سِر، لا سرت، وقال: أعد عليَّ كلامك! فقلت: إنّما ذكرتَ شيئاً فرددتُ عليك جوابه، ولو سكتّ سكتنا.
فقال: إنّا والله ما فعلنا الذي فعلنا عن عداوة، ولكن استصغرناه، وخشينا أنْ لا تجتمع عليه العرب وقريش؛ لما قد وترها.
قال: فأردتُ أنْ أقول: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يبعثه فينطح كبشها فلم يستصغره، أ فتَستصغره أنت وصاحبك؟! فقال: لا جرم، فكيف ترى، والله ما نقطع أمراً دونه، ولا نعمل شيئاً حتى نستأذنه (2) .
1015 - أخبار الدولة العبّاسيّة: قال عمر لعبد الله بن عبّاس: أ تدرى ما منع الناس من ابن عمّك أنْ يولّوه هذا الأمر؟ قال: ما أدرى! قال عمر: لحداثة سنّه.
قال: فقد كان يوم بدر أحدثهم سنّاً! يقدّمونه في المأزرة، ويؤخّرونه في
____________________
(1) فَرَع بينهم يفرِع فَرْعا: حجَزَ وكفَّ (تاج العروس: 11 / 338). وافترعوا الحديث: ابتدؤوه (تاج العروس: 11 / 342). وفي كتاب اليقين (انتزعتما) بدل (افترعتما).
(2) محاضرات الأُدباء: 4 / 464؛ اليقين: 523.
الإمامة!! حدثنا أبو عمر، وأحمد بن عبد الله يرفعه، قال: مرّ عمر بعليّ (عليه السلام) وهو يحدّث الناس عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال: إلى أين يا أمير المؤمنين؟ فقال: أُريد الحديقة - يعني بستاناً له -.
فقال: (أاُونِسُك بابن عبّاس؟) فقال عمر: إذن أُوحشك منه! فقال عليّ (عليه السلام): (إنّي أوثرك به على نفسي، قم يابن عبّاس فحدّثه). فقام إليه وسايره.
فقال عمر: ما أكمَل صاحبكم هذا لولا! فقال عبد الله: لولا ماذا؟ فقال عمر: لولا حداثة سنّه، وكلفه بأهل بيته، وبغض قريش له.
فقال عبد الله بن عبّاس: أ تأذن لي في الجواب؟ فقال عمر: هاتِ. فقال: أمّا حداثة سنّه، فما استحدَث مَن جعله الله لنبيّه أخاً، وللمسلمين وليّاً. وأمّا كلفه بأهل بيته فما ولي فآثر أهل بيته على رضاء الله. وأما بغض قريش له فعلى مَن تنقم؛ أعلى الله حين بعث فيهم نبيّاً، أم على نبيّه حين أدّى فيهم الرسالة، أم على عليّ حين قاتلهم في سبيل الله؟! فقال عمر: يابن عبّاس! أنت تغرف من بحر، وتنحت من صخر (1) .
1 / 17
مجالات نجاح قرار السقيفة
أ: بغض قريش
1016 - نثر الدرّ عن ابن عبّاس: وقع بين عليّ وعثمان كلام، فقال عثمان: ما أصنع بكم إنْ كانت قريش لا تحبّكم! وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين، كأنّ
____________________
(1) أخبار الدولة العبّاسيّة: 129.
وجوههم شنوف (1) الذهب، تشرب آنُفُهم (2) قبل شِفاههم! (3)
1017 - شرح نهج البلاغة - في بيان علّة شدّة بُغض الوليد عليّاً (عليه السلام) -: إنّ عليّاً (عليه السلام) قتل أباه عقبة بن أبي معيط صبراً يوم بدر، وسمّي الفاسق بعد ذلك في القرآن لنزاع وقَع بينه وبينه (4) .
1018 - فرائد السمطين عن نبيط بن شريط: خرجت مع عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ومعنا عبد الله بن عبّاس، فلمّا صرنا إلى بعض حيطان الأنصار وجَدنا عمر جالساً ينكت في الأرض. فقال له عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): (يا أمير المؤمنين، ما الذي أجلسك وحدك ها هنا؟)
قال: لأمرٍ همّني.
قال عليّ (عليه السلام): (أَفتريد أحدنا؟)
قال عمر: إنْ كان عبد الله.
فتخلّف معه عبد الله بن عبّاس، ومضيت مع عليّ (عليه السلام)، وأبطأ علينا ابن عبّاس، ثمّ لحِق بنا.
فقال له عليّ (عليه السلام): (ما وراؤك؟)
قال: يا أبا الحسن! اُعجوبة من عجائب أمير المؤمنين أُخبرك بها واكتم علَيّ!!
قال: (فهلمّ). قال: لمّا أنْ ولّيت قال عمر - وهو ينظر إلى أثرك -: آه، آه، آه.
فقلت: ممّ تأوّه يا أمير المؤمنين؟!
____________________
(1) الشَنْف: الذي يُلبس في أعلى الأُذن، والذي في أسفلها القُرط، وقيل: الشَّنْفُ والقرط سَواء (لسان العرب: 9 / 183).
(2) الآنُف - كالآناف والأُنوف -: جميع الأنف (اُنظر لسان العرب: 9 / 12).
(3) نثر الدرّ: 2 / 68؛ شرح نهج البلاغة: 9 / 22.
(4) شرح نهج البلاغة: 2 / 8.
قال: مَِن أجل صاحبك يابن عبّاس، وقد أُعطيَ ما لم يُعطَه أحدٌ من آل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ولولا ثلاث هنّ فيه ما كان لهذا الأمر من أحدٍ سِواه!!
قلت: ما هنّ يا أمير المؤمنين؟
قال: كثرة دعابته، وبُغض قريشٍ له، وصغرُ سنّه!!
قال: فما رددتَ عليه؟
قال: داخلني ما يدخل ابن العمّ لابن عمّه، فقلت: يا أمير المؤمنين! أمّا كثرة دعابته: فقد كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يُداعب فلا يقول إلاّ حقّاً، وأين أنت حيث كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول - ونحن حوله صبيان وكهول وشيوخ وشبّان ويقول - للصبيّ: (سناقاً، سناقاً)، ولكلّ ما يعلمه الله يشتمل على قلبه!
وأمّا بُغض قريش له، فوَ الله ما يُبالي ببغضهم له بعد أنْ جاهدهم في الله حين أظهَر الله دينه، فقصَم أقرانها، وكسَر آلهتها، وأثكل نساءها؛ لامَهُ مَن لامه.
وأمّا صغر سنّه، فقد علِمتُ أنّ الله تعالى حيث أنزل عليه: ( بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) (1) فوجّه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) صاحبه ليبلّغ عنه، فأمره الله أنْ لا يبلّغ عنه إلاّ رجلٌ مِن أهله، فوجّهه به، فهل استصغر الله سنّه!!
فقال عمر لابن عبّاس: أمسك علَيَّ، واكتم، فإنْ سمِعتها من غيرك لم أنَم بين لابَتيها (2) .
ب: الحسَد
1019 - الأخبار الموفّقيّات عن ابن عبّاس - في جواب عثمان -: أمّا صرف قومنا عنّا الأمر فعَن حسَدٍ قد والله عرفته، وبغيٍ قد والله علِمته، فالله بيننا وبين قومنا!
____________________
(1) التوبة: 1.
(2) فرائد السمطين: 1 / 334 / 258.
وأمّا قولك: إنّك لا تدري أدَفعوه عنّا أم دفعونا عنه! فلعمري إنّك لتعرف أنّه لو صار إلينا هذا الأمر ما زدنا به فضلاً إلى فضلنا، ولا قدْراً إلى قدرنا، وإنّا لأهل الفضل، وأهل القدر، وما فضَلَ فاضلٌ إلاّ بفضلنا، ولا سبَق سابقٌ إلاّ بسبقنا، ولولا هدينا ما اهتدى أحد، ولا أبصروا من عمىً، ولا قصَدوا من جور (1) .
1020 - الأمالي للمفيد عن أبي الهيثم بن التيّهان - قبل حرب الجمل -: يا أمير المؤمنين، إنّ حسَد قريش إيّاك على وجهين: أمّا خيارهم فحسَدوك منافسةً في الفضل، وارتفاعاً في الدرجة. وأمّا أشرارهم فحسَدوك حسَداً، أحبَط الله به أعمالهم، وأثقل به أوزارهم. وما رضوا أنْ يساووك حتى أرادوا أنْ يتقدّموك، فبعُدت عليهم الغاية، وأسقطهم المضمار، وكنت أحقّ قريش بقريش، نصرتَ نبيّهم حيّاً، وقضيتَ عنه الحقوق ميّتاً، والله ما بغيهم إلاّ على أنفسهم، ونحن أنصارك وأعوانك، فمُرْنا بأمرك (2) .
. راجع: مبادئ خلافة عثمان / رأي عمر فيمَن رشّحهم للخلافة
. القسم الخامس عشر / قبائل تبغضه/ قريش
1 / 18
بيعة أبي بكر من وجهة نظر عمر
1021 - تاريخ اليعقوبي عن عمر بن الخطّاب: كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرّها، فمَن عاد لمثلها فاقتلوه (3) .
____________________
(1) الأخبار الموفّقيّات: 606، شرح نهج البلاغة: 9 / 9.
(2) الأمالي للمفيد: 155 / 6.
(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 158، المسترشد: 213 وفيه (ثمّ أمر بقتل من عاد لمثل فعله) بدل (فمن عاد لمثلها فاقتلوه)؛ الملل والنحل: 1 / 32 وراجع شرح نهج البلاغة: 2 / 30.
1022 - صحيح البخاري عن ابن عبّاس: كنت أُقرِئ رجالاً من المهاجرين، منهم عبد الرحمان بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطّاب في آخِر حجّة حجّها إذ رجَع إليّ عبد الرحمان فقال: لو رأيتَ رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان، يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً فوَ الله ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة فتمّت! فغضب عمر، ثمّ قال: إنّي إنْ شاء الله لقائم العشيّة في الناس؛ فمحذِّرهم هؤلاء الذي يريدون أنْ يغصبوهم أُمورهم.
قال عبد الرحمان: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل؛ فإنّ الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنّهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أنْ تقوم فتقول مقالة يطيِّرها، عنك كل مطيِّر، وأنْ لا يعوها، وأنْ لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة؛ فإنّها دار الهجرة والسنّة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكِّناً؛ فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها.
فقال عمر: أما والله - إنْ شاء الله - لأقومنّ بذلك أول مقام أقومه بالمدينة.
قال ابن عبّاس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجّة، فلمّا كان يوم الجمعة عجّلتُ الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجدَ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالساً إلى ركن المنبر، فجلستُ حوله (1) تمسّ ركبتي ركبته، فلم أنشب (2) أنْ خرج عمر بن الخطّاب، فلمّا رأيته مُقبلا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولنّ العشيّة مقالة لم يقُلها منذ استُخلف! فأنكر عليَّ، وقال: ما عسيتَ أنْ يقول
____________________
(1) كذا، وفي مسند ابن حنبل: (حَذاءه).
(2) لم ينشَبْ أنْ فعل كذا: أي لم يلبَث وحقيقته: لم يتعلّق بشيء غيره، ولا اشتغل بسواه (النهاية: 5/52).
ما لم يَقُل قبله!!
فجلس عمر على المنبر، فلمّا سكَت المؤذِّنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّي قائلٌ لكم مقالة قد قُدِّر لي أنْ أقولها، لا أدرى لعلّها بين يدي أجلي، فمَن عقلها ووعاها فليُحدِّث بها حيث انتهت به راحلتُه، ومَن خشيَ أنْ لا يعقلها فلا اُحلّ لأحدٍ أنْ يكذِب عليّ:
إنّ الله بعَث محمّداً (صلّى الله عليه وآله) بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها؛ رجم (1) رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ورجمنا بعده، فأخشى إنْ طال بالناس زمان أنْ يقول قائل: (و الله ما نجد آية الرجم في كتاب الله)، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله. والرجم في كتاب الله حقّ على مَن زنى إذا أُحصِن؛ من الرجال والنساء إذا قامت البيّنة، أو كان الحبل، أو الاعتراف.
ثمّ إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله (أنْ لا ترغبوا عن آبائكم) (2) ؛ فإنّه كفرٌ بكم أنْ ترغبوا عن آبائكم، أو إنّ كُفراً بكم أنْ ترغبوا عن آبائكم، ألا ثمّ إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (لا تُطروني كما أُطري عيسى بن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله).
ثمّ إنّه بلغني أنّ قائلا منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعتُ فلاناً، فلا يغترّنّ امرؤ أنْ يقول: إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت! ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكنّ الله وقى شرّها، وليس فيكم مَن تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر. مَن بايع
____________________
(1 و2) من الواضح عدم وجود نصّ قرآني بهذا التعبير.
رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا يُبايع هو ولا الذي تابعه تَغِرّة أنْ يُقتلا (1) .
قال ابن أبي الحديد بعد نقل خطبة عمر عن الطبري: هذا حديث متّفق عليه من أهل السيرة، وقد وردت الروايات فيه بزيادات؛ روى المدائني قال: لمّا أخذ أبو بكر بيد عمر وأبي عبيدة وقال للناس: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، قال أبو عبيدة لعمر: امدُد يدك نبايعك. فقال عمر: ما لك في الإسلام فَهَّةٌ (2) غيرها! أ تقول هذا وأبو بكر حاضر!! ثمّ قال للناس: أيّكم يطيب نفساً أنْ يتقدّم قدمين قدّمهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للصلاة!! رضيَك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا!! ثمّ مدّ يده إلى أبي بكر فبايعه.
وهذه الرواية هي التي ذكرها قاضي القضاة في كتاب المغني.
وقال الواقدي في روايته في حكاية كلام عمر: والله لأنْ اُقدّم فاُنحر كما يُنحر البعير، أحبُّ إليّ مِن أنْ أتقدّم على أبي بكر.
وقال شيخنا أبو القاسم البلخي: قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ: إنّ الرجل الذي قال: (لو قد مات عمر لبايعت فلاناً) عمّار بن ياسر، قال: لو قد مات عمر لبايعتُ عليّاً (عليه السلام)، فهذا القولُ هو الذي هاج عمرَ أنْ خطَب بما خطَب به.
____________________
(1) صحيح البخاري: 6 / 2503 / 6442، مسند ابن حنبل: 1 / 121 / 391، صحيح ابن حبّان: 2 / 146 / 413 وص 155 / 414، المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 615 / 5، المصنّف لعبد الرزّاق: 5 / 439 / 9758، السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 307، أنساب الأشراف: 2 / 265 وفيه (إنّ عمر بن الخطّاب خطَب خطبة، قال فيها...)، تاريخ الطبري: 3 / 203 - 205، الكامل في التاريخ: 2 / 11، تاريخ دمشق: 30 / 280 - 284، شرح نهج البلاغة: 2 / 22، السيرة النبويّة لابن كثير: 4 / 486 كلّها نحوه.
(2) الفَهَّة: السَّقْطَة والجهلة (النهاية: 3 / 482).
وقال غيره من أهل الحديث: إنّما كان المعزوم على بيعته لو مات عمر طلحة ابن عبيد الله.
فأمّا حديث الفَلتة، فقد كان سبَق من عمر أنْ قال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها؛ فمَن عاد إلى مثلها فاقتلوه.
وهذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عبّاس وعبد الرحمان بن عوف فيه حديث الفلتة؛ ولكنّه منسوق على ما قاله أوّلاً، أ لا تراه يقول: فلا يغرّنّ امرأً أنْ يقول: (إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، فلقد كانت كذلك)، فهذا يُشعر بأنّه قد كان قال من قبل: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة... (1) .
. راجع: كتاب (شرح نهج البلاغة): 2 / 26 - 37، في نقل كلام السيّد المرتضى ونقده
1 / 19
مكان الإمام في الحكومة
1023 - تاريخ اليعقوبي: أراد أبو بكر أنْ يغزو الروم، فشاور جماعة من أصحاب رسول الله، فقدّموا وأخّروا، فاستشار علىّ بن أبى طالب، فأشار أن يفعل، فقال: إنْ فعلتَ ظفرت. فقال: بشّرت بخير.
فقام أبو بكر في الناس خطيباً، وأمرَهم أن يتجهّزوا إلى الروم، فسكت الناس. فقام عمر فقال: ( لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً ) (2) لانتدبتموه! فقام عمرو بن سعيد فقال: لنا تضرب أمثال المنافقين يابن الخطّاب، فما يمنعك أنت ما عِبتَ
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 2 / 25.
(2) التوبة: 42.
علينا فيه؟! (1)
1024 - الفتوح - بعد ذكر قضيّة ارتداد الأشعَث وعزَم أبي بكر على توجيه الإمام عليّ (عليه السلام) لقتاله -: قال عمر: أخاف أنْ يأبى لقتال القوم، فلا يقاتلهم، فإنْ أبى ذلك فلَم تجِد أحداً يسير إليهم إلاّ على المكروه منه. ولكن ذر عليّاً يكون عندك بالمدينة؛ فإنّك لا تستغني عنه وعن مشورته (2) .
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 132 وراجع الفتوح: 1 / 80.
(2) الفتوح: 1 / 57، الردّة: 197.
الفصل الثاني
عهد عمر بن الخطّاب
2 / 1
مكانة عمر عند أبي بكر
1025 - تاريخ الإسلام عن أبي بكر: والله، ما على ظهر الأرض رجلٌ أحبّ إليّ مِن عمر (1) .
1026 - غريب الحديث: قال أبو عبيد في حديث أبي بكر: والله، إنّ عمر لأحبّ الناس إليّ (2) .
1027 - تاريخ دمشق عن نافع: إنّ أبا بكر أقطَعَ الأقرع بن حابس والزِّبْرِقان قطيعةً وكتَب لهما كتاباً. فقال لهما عثمان: أشهِدا عمر؛ فإنّه حرزكما وهو الخليفة
____________________
(1) تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 265، تاريخ دمشق: 44 / 247، الرياض النضرة: 2 / 399.
(2) غريب الحديث للهروي: 2 / 10، النهاية في غريب الحديث: 4 / 277، كنز العمّال: 12 / 545 / 35736.
بعده. قال: فأتَيا عمر، فقال لهما: مَن كتب لكما هذا الكتاب؟ قالا: أبو بكر. قال: لا والله ولا كرامة! والله، ليفلقنّ وجوه المسلمين بالسيوف والحجارة ثمّ تكون لكما هذا! قال: فتفل فيه فمحاه. فأتَيا أبا بكر فقالا: ما ندري أنت الخليفة أم عمر! قال: ثمّ أخبَراه، فقال: فإنّا لا نُجيز إلاّ ما أجازه عمر (1) .
1028 - الإمام عليّ (عليه السلام) - يصف استعمال عمر بن الخطّاب -: (ولولا خاصّة ما كان بينه [أبي بكر] وبين عمر، لظننتُ أنّه لا يدفعها عنّي) (2) .
2 / 2
استعمال عمر بن الخطّاب
1029 - تاريخ اليعقوبي: اعتلّ أبو بكر في جمادي الآخرة سنة (13). فلمّا اشتدّت به العلّة عهد إلى عمر بن الخطّاب، فأمر عثمانَ أنْ يكتب عهده، وكتب:
( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) . هذا ما عهَد أبو بكر خليفة رسول الله إلى المؤمنين والمسلمين: سلامٌ عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله؛ أمّا بعدُ فإنّي قد استعملت عليكم عُمر بن الخطّاب، فاسمعوا وأطيعوا، وإنّي ما ألَوْتكم (3) نُصحاً. والسلام (4) .
____________________
(1) تاريخ دمشق: 9 / 196 وص 194 نحوه وفيه (فقال: أنت الأمير أم عمر؟ فقال: عمر، غير أنّ الطاعة لي فسكت) بدل (ما ندري أنت الخليفة...) وص 196 نحوه وفيه (فقال أبو بكر: قد كنت قلت لك إنّك أقوى على هذا الأمر منّي ولكنّك غلبتني)، كنز العمّال: 12 / 583 / 35813.
(2) الغارات: 1 / 307 عن جندب، المسترشد: 413 عن شريح بن هاني وزاد فيه (و أمر قد عقداه بينهما) بعد (بين عمر)؛ شرح نهج البلاغة: 6 / 95 عن جندب.
(3) يقال: إنّي لا آلُوكَ نُصْحاً، أي لا أفْتُرُ ولا اُقَصِّر (لسان العرب: 14 / 40).
(4) تاريخ اليعقوبي: 2 / 136.
1030 - تاريخ الطبري عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث: دعا أبو بكر عثمانَ خالياً (1)، فقال: اكتب:
( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) . هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين؛ أمّا بعدُ.
قال: ثمّ أُغميَ عليه، فذهب عنه، فكتب عثمان: أمّا بعدُ؛ فإنّي قد استخلفت عليكم عمر بن الخطّاب، ولم آلُكم خيراً منه.
ثمّ أفاق أبو بكر فقال: اقرأْ عليّ، فقرأ عليه، فكبّر أبو بكر وقال: أراك خِفتَ أنْ يختلف الناس إنْ افتُلِتَتْ (2) نفسي في غَشْيتي! قال: نعم. قال: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله! وأقرّها أبو بكر من هذا الموضع (3) .
1031 - تاريخ المدينة عن أسلم: كتب عثمان عهد الخليفة بعد أبي بكر، وأمره ألاّ يسمّي أحداً، وترك اسم الرجل، فاُغمى علي أبى بكر إغماءة، فأخذ عثمان العهد فكتب فيه اسم عمر. قال: فأفاق أبو بكر فقال: أرِني العهد، فإذا فيه اسم عمر. قال: من كتب هذا؟ فقال عثمان: أنا. فقال: رحمك الله وجزاك خيراً! فو الله لو كتبتَ نفسَك لكنتَ لذلك أهلاً (4) .
____________________
(1) الخِلْو: المُنْفَرِد (النهاية: 2 / 74).
(2) افْتُلِتَ فلانٌ: أي ماتَ فجْأَةً (لسان العرب: 2 / 68).
(3) تاريخ الطبري: 3 / 429، الكامل في التاريخ: 2 / 79، نهاية الأرب: 19 / 152، الطبقات الكبرى: 3 / 200، تاريخ دمشق: 30 / 411، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 117 والثلاثة الأخيرة نحوه وراجع تاريخ المدينة: 2 / 668.
(4) تاريخ المدينة: 2 / 667، تاريخ دمشق: 44 / 252 عن عبد الله بن عمر، الأوائل لأبي هلال: 102 عن المدائني وكلاهما نحوه.
1032 - تاريخ الطبري عن قيس: رأيتُ عمر بن الخطّاب وهو يجلس والناس معه، وبيده جَريدة، وهو يقول: أيّها الناس! اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ إنّه يقول: إنّي لم آلُكم نُصحاً. قال: ومعه مولىً لأبي بكر يُقال له شديد، معه الصحيفة التي فيها استخلاف عمر (1).
1033 - الإمامة والسياسة - في ذكر كتابة استخلاف عمر -: خرج عمر بالكتاب وأعلمهم، فقالوا: سمعاً وطاعة، فقال له رجل: ما في الكتاب يا أبا حفص؟ قال: لا أدري، ولكنّي أوّل من سمِع وأطاع. قال: لكنّي والله أدري ما فيه؛ أمّرتَه عام أوّل، وأمّرك العام! (2)
1034 - شرح نهج البلاغة: إنّ أبا بكر لمّا نزَل به الموت دعا عبد الرحمان بن عوف، فقال: أخبِرني عن عمر. فقال: إنّه أفضل مَن رأيك فيه، إلاّ أنّ فيه غلظة. فقال أبو بكر: ذاك لأنّه يراني رقيقاً، ولو قد أفضي الأمرُ إليه لترك كثيراً ممّا هو عليه، وقد رمقتُه؛ إذا أنا غضبت على رجل أراني الرضا عنه، وإذا لِنْت له أراني الشدّة عليه.
ثمّ دعا عثمان بن عفّان فقال: أخبرني عن عمر، فقال: سريرته خيرٌ من علانيته، وليس فينا مثله. فقال لهما: لا تذكرا ممّا قلت لكما شيئاً، ولو تركتُ عمر لما عَدَوتك يا عثمان، والخيرة لك ألاّ تَلي من أُمورهم شيئاً، ولوددت أنّي كنت من أُمورِكم خِلْواً، وكنت فيمن مضى من سلَفكم.
____________________
(1) تاريخ الطبري: 3 / 429، مسند ابن حنبل: 1 / 88 / 259 نحوه. وفي معالم الفِتَن: 1 / 326 (يا ليت الفاروق قال ذلك يوم أنْ أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنْ يأتوه بصحيفة ليكتب لهم كتاباً لا يضلّوا بعده أبداً).
(2) الإمامة والسياسة: 1 / 38.
ودخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر فقال: إنّه بلغني أنّك يا خليفة رسول الله، استخلفتَ على الناس عمر، وقد رأيتَ ما يلقى الناس منه وأنت معه، فكيف به إذا خلا بهم! وأنت غداً لاقٍ ربّك؛ فيسألك عن رعيّتك.
فقال أبو بكر: أجلسوني، ثمّ قال: أ بالله تخوّفني؟! إذا لقيت ربّي فسألني قلت: استخلفت عليهم خير أهلك.
فقال طلحة: أعُمر خيرُ الناس يا خليفة رسول الله؟! فاشتدّ غضبه وقال: إي والله، هو خيرهم وأنت شرّهم! أما والله لو ولّيتُك لجعلتَ أنفك في قَفاك، ولرفعتَ نفسك فوق قدرها، حتى يكون الله هو الذي يضعها! أتيتني وقد دَلَكت عينك؛ تريد أنْ تفتنني عن ديني، وتزيلني عن رأيي! قُم، لا أقام الله رجليك! أما والله لئنْ عشتُ فُواقَ ناقة (1) وبلغني أنّك غَمَصتَه (2) فيها أو ذكرتَه بسوء لاُلحقنّك بمحْمضات قُنّة (3) ، حيث كنتم تُسقون ولا تَرْوَون، وتَرْعَون ولا تشبعون، وأنتم بذلك بَجِحُون (4) راضون فقام طلحة فخرج (5) .
____________________
(1) أي قَدْرَ فُواق ناقة، وهو ما بين الحَلْبَتَين من الراحَة (النهاية: 3 / 479).
(2) غَمَصَه: حَقَّرَه واستَصْغَره ولم يَرَهُ شيئاً (لسان العرب: 7 / 61).
(3) قال ابن منظور: المَحْمَض: الموضع الذي ترعى فيه الإبل الحَمْض. والحَمْض من النبات: كلّ نَبت مالِح أو حامض يقوم على سُوق ولا أصل له (لسان العرب: 7 / 139 و138). وقال ياقوت: قُنَّةُ: منزل قريب من حومانة الدرّاج في طريق المدينة من البصرة. وقُنَّةُ: جبل في ديار بني أسد متّصل بالقنان (معجم البلدان: 4 / 409). ولعلّه قَصَد موضعاً بعينه.
(4) البَجَح: الفَرَح (تاج العروس: 4 / 5).
(5) شرح نهج البلاغة: 1 / 164، الطبقات الكبرى: 3 / 199، تاريخ المدينة: 2 / 667، تاريخ الطبري: 3 / 428 وص 433 إلى (خير اهلك) كُلّها نحوه.
2 / 3
موقف الإمام من خلافته
1035 - الإمام عليّ (عليه السلام) - في ذكر السقيفة وما بعدها -: (فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجَى (1) ، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلْقِ شجاً، أرى تُراثي (2) نَهباً، حتى مضى الأوّل لسبيله، فأدلى بها إلى فلانٍ بعده.
شَتّانَ ما يَومِي على كُورها |
ويومُ حَيّانَ أخي جابِرِ (3) |
فيا عجباً!! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقَدها لآخر بعد وفاته - لَشدّ ما تَشطَّرا ضرعيها! - فصيّرها في حوزةٍ خَشناء يغلظ كَلْمُها (4) ، ويخشن مسُّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصَّعبة إنْ أشنَق لها خَرَم، وإنْ أسْلس لها تقحّم (5) فمُني الناس - لعمر الله - بخَبط وشِماس (6) ، وتلوُّن واعتراض) (7) .
____________________
(1) أي أجدَر وأولى وأحقَّ (النهاية: 1 / 348).
(2) التراث: ما يُخَلِّفه الرجل لورثته (النهاية: 1 / 186).
(3) هذا البيت هو للأعشى، وقد تمثّل به (عليه السلام).
(4) الكَلْم: الجَرْح (النهاية: 4 / 199).
(5) قال الشريف الرضي - في ذيل الخطبة-: قوله (عليه السلام): (كراكب الصعبة إنْ أشنق لها خرم، وإنْ أسلَس لها تقحّم) يريد: أنّه إذا شدّد عليها في جذْب الزمام وهي تُنازعه رأسَها خرم أنفها، وإنْ أرخى لها شيئاً مع صعوبتها تقحّمت به فلم يملكها، يقال: أشنَقَ الناقةَ: إذا جذَب رأسَها بالزمام فرفعه، وشنَقَها أيضاً. ذكر ذلك ابن السكّيت في (إصلاح المنطق)، وإنّما قال: (أشنق لها) ولم يقل: (أشنقها)؛ لأنّه جعله في مقابلة قوله: (أسلَس لها)، فكأنّه (عليه السلام) قال: إنّْ رفَع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها بالزمام.
(6) شَمَسَت الدابَّةُ والفَرس: شَرَدتْ وجَمَحَتْ ومَنَعتْ ظَهْرَها (لسان العرب: 6 / 113).
(7) نهج البلاغة: الخطبة 3، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 204، معاني الأخبار: 361 / 1، علل الشرائع: 150 / 12، الإرشاد: 1 / 287، الاحتجاج: 1 / 452 / 105 والأربعة الأخيره عن ابن عبّاس، الأمالي للطوسي: 373 / 803 عن زرارة عن الإمام الباقر (عليه السلام) عن ابن عبّاس وعن الإمام الباقر عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام)، نثر الدرّ: 1 / 275؛ تذكرة الخواصّ: 124 والسبعة الأخيرة نحوه.
2 / 4
استشارة عمر الإمامَ في المعضلات
1036 - تاريخ الإسلام عن عمر: أعوذ بالله من معضلةٍ ليس لها أبو حسن! (1)
1037 - المستدرك على الصحيحين عن عمر: أعوذ بالله أنْ أعيش في قوم لستَ فيهم يا أبا حسن (2) .
1038 - فضائل الصحابة عن سعيد بن المسيّب: كان عمر يتعوّذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن (3) .
1039 - الكافي عن عمر: لولا علىّ لهَلَك عمر! (4)
____________________
(1) تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 638، تاريخ دمشق: 42 / 406، البداية والنهاية: 7 / 360.
(2) المستدرك على الصحيحين: 1 / 628 / 1682، شعب الإيمان: 3 / 451 / 4040، تاريخ دمشق: 42 / 405، الرياض النضرة: 3 / 166؛ شرح الأخبار: 2 / 317 / 652.
(3) فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 647 / 1100، الطبقات الكبرى: 2 / 339، تاريخ دمشق: 42/406، الإصابة: 4/467/5704، أُسد الغابة: 4/96/3789، الاستيعاب: 3 / 206 / 1875، الصواعق المحرقة: 127، تاريخ الخلفاء: 203.
(4) الكافي: 7 / 424 / 6، تهذيب الأحكام: 6 / 306 / 849 وج 10 / 50 / 186، من لا يحضره الفقيه: 4 / 36 / 5025، خصائص الأئمّة (عليهم السلام): 85، الإيضاح: 191 و192، تفسير العيّاشي: 1 / 75 / 155، الفضائل لابن شاذان: 95، شرح الأخبار: 2 / 319 / 655، المسترشد: 583 / 253، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 31؛ الاستيعاب: 3 / 206 / 1875 وفيه (فكان عمر يقول...)، ذخائر العقبى: 149.
بيان: كان الإمام عليّ (عليه السلام) يقّدم آراءه الاستشاريّة في الميادين العلميّة أو في المشاكل السياسيّة بعدما يحرز أنّها تعود بالفائدة على المجتمع الإسلامي، ولا يبدي رأيه إذا عاد بالنفع الشخصي على الخليفة ولم يعد على المجتمع بشيء.
يقول ابن عبّاس: خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته، فانفرد يوماً يسير على بعيره فاتّبعته، فقال لي: يابن عبّاس، أشكو إليك ابن عمّك! سألته أن يخرج معي فلم يفعل (1) .
. راجع: القسم التاسع / عليّ عن لسان أصحاب النبيّ / عمر بن الخطّاب
2 / 5
استنجاد عمر برأي الإمام
أ: مبدأ التأريخ
1040 - المستدرك على الصحيحين عن سعيد بن المسيّب: جمع عمر الناس فسألهم: من أيّ يوم يُكتب التأريخ؟ فقال عليّ بن أبي طالب: (من يوم هاجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وترك أرض الشرك). ففعله عمر (2) .
1041 - تاريخ اليعقوبي: أرّخ عمر الكتب، وأراد أنْ يكتب التأريخ منذ مولد رسول الله، ثمّ قال: من المبعث. فأشار عليه عليّ بن أبي طالب أنْ يكتبه من الهجرة، فكتبه من الهجرة (3) .
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 12 / 78.
(2) المستدرك على الصحيحين: 3 / 15 / 4287، التاريخ الكبير: 1 / 9، تاريخ الطبري: 4 / 39، تاريخ المدينة: 2 / 758؛ الإقبال: 3 / 22، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 144 كلّها نحوه وراجع التنبيه والإشراف: 252.
(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 145؛ البداية والنهاية: 7 / 74 نحوه.
ب: الخروج بنفسه إلى غزو الروم
1042 - الإمام عليّ (عليه السلام) - من كلام له وقد شاوره عمر بن الخطّاب في الخروج إلى غزو الروم -: (وقد تَوكَّل اللهُ لأهل هذا الدين بإعزاز الحَوزة، وستر العورة، والذي نصَرهم وهم قليل لا ينتصرون، ومنَعهم وهم قليل لا يمتنعون، حيّ لا يموت.
إنّك متى تَسِر إلى هذا العدوّ بنفسك فتَلْقَهم فتُنْكَب؛ لا تكن للمسلمين كانِفة (1) دون أقصى بلادهم. ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلاً مِحْرَباً، واحفِز معه أهل البلاء والنصيحة؛ فإنْ أظهر الله فذاك ما تحبّ، وإنْ تكن الأُخرى كنتَ رِدْءاً (2) للناس ومَثابةً للمسلمين) (3) .
ج: الخروج بنفسه إلى غزو الفرس
1043 - الإمام عليّ (عليه السلام) - في كلام له وقد استشاره عمر في الشخوص لقتال الفرس بنفسه -: (إنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلّة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعدّه وأمدّه، حتى بلَغ ما بلَغ، وطلع حيث طلَع، ونحن على موعودٍ من الله، والله منجزٌ وعده، وناصرٌ جنده.
ومكان القيّم بالأمر مكان النِّظام (4) من الخرز؛ يجمعه ويضمّه، فإنْ انقطع النظام تفرّق الخرز وذهب، ثمّ لم يجتمع بحذافيره أبداً. والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام، عزيزون بالاجتماع. فكن قطباً، واستَدِر الرَّحى
____________________
(1) أي ساترة. والهاء للمبالغة (النهاية: 4 / 205).
(2) الرِّدْء: العَوْن والناصِر (النهاية: 2 / 213).
(3) نهج البلاغة: الخطبة 134، شرح المائة كلمة: 231.
(4) النظام: ما نَظَمْتَ فيه الشيء من خيط وغيره (لسان العرب: 12 / 578).
بالعرب، واصْلِهم دونك نار الحرب؛ فإنّك إنْ شَخَصت من هذه الأرض انتَقَضتْ عليك العرب مِن أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدَع وراءك مِن العورات أهمّ إليك ممّا بين يديك.
إنّ الأعاجم إنْ ينظروا إليك غداً يقولوا: هذا أصل العرب، فإذا اقتطعتموه استرحتم؛ فيكون ذلك أشدّ لكَلَبهم (1) عليك وطمعهم فيك. فأمّا ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين، فإنّ الله سُبحانه هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره! وأمّا ما ذكرت مِن عددهم، فإنّا لم نكن نُقاتل فيما مضى بالكثرة، وإنّما كنّا نقاتل بالنصر والمعونة!) (2)
1044 - الإمام عليّ (عليه السلام) - لعمر لمّا استشار الناس في أنْ يسير فيمن معه لقتال الفرس -: (إنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه لكثرة ولا قلّة؛ هو دينه الذي أظهرَ، وجنده الذي أعزَّ وأيّده بالملائكة، حتى بلغ ما بلغ، فنحن على موعودٍ من الله، والله منجزٌ وعده، وناصرٌ جنده.
ومكانك منهم مكان النظام من الخرز؛ يجمعه ويُمسكه، فإنْ انحلّ تفرّق ما فيه وذهَب، ثمّ لم يجتمع بحذافيره أبداً. والعرب اليوم وإنْ كانوا قليلاً فهي كثير عزيزٌ بالإسلام؛ فأقِم، واكتب إلى أهل الكوفة - فهم أعلام العرب ورؤساؤهم - ومَن لم يَحفِل (3) بمَن هو أجمَعُ وأحَدُّ وأجَدُّ من هؤلاء: فليأتهم الثلثان وليُقِم الثلث، واكتب إلى أهل البصرة أنْ يمدّوهم ببعضٍ من عندهم) (4) .
____________________
(1) كَلِبَ على الشيء: إذا اشتدّ حِرْصُه على طلب شيء (تاج العروس: 2 / 381).
(2) نهج البلاغة: الخطبة 146، بحار الأنوار: 40 / 193 / 79.
(3) الحَفْل: المُبالاة. يقال: ما أحْفِلُ بفلان؛ أي ما أُبالي به (لسان العرب: 11 / 159).
(4) تاريخ الطبري: 4 / 123 عن أبي طعمة، البداية والنهاية: 7 / 107.
1045 - الإرشاد عن أبي بكر الهذلي: سمِعت رجالاً من علمائنا يقولون: تكاتَبَت الأعاجم من أهل همذان وأهل الريّ وأهل أصفهان وقُومس (1) ونهاوند (2) ، وأرسَل بعضهم إلى بعض أنّ ملِك العرب الذي جاء بدينهم وأخرَج كتابهم قد هلَك - يعنون النبيّ (صلّى الله عليه وآله) - وأنّه ملَكَهم من بعده رجلٌ مُلكاً يسيراً ثمّ هلَك - يعنون أبا بكر - وقام بعده آخر قد طال عمره حتى تناولكم في بلادكم وأغزاكم جنودَه - يعنون عمر بن الخطّاب - وإنّه غير منتهٍ عنكم حتى تُخرِجوا مَن في بلادكم من جنوده، وتَخرجوا إليه فتغزوه في بلاده. فتعاقدوا على هذا وتعاهدوا عليه.
فلمّا انتهى الخبَر إلى مَن بالكوفة من المسلمين أنهوه إلى عُمر بن الخطّاب، فلمّا انتهى إليه الخبر فزع عمر لذلك فزَعاً شديداً، ثمّ أتى مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: معاشر المهاجرين والأنصار! إنّ الشيطان قد جمَع لكم جموعاً، وأقبل بها ليطفئ نور الله، ألا إنّ أهل همذان وأهل أصفهان والريّ وقومس ونهاوند مختلفةٌ ألسنتها وألوانها وأديانها، قد تعاهدوا وتعاقدوا أنْ يُخرجوا من بلادهم إخوانكم من المسلمين، ويخرجوا إليكم فيغزوكم في بلادكم، فأشيروا عليّ وأوجِزوا ولا تُطنبوا في القول، فإنّ هذا يوم له ما بعده من الأيّام.
فتكلّموا، فقام طلحة بن عبيد الله - وكان من خطباء قريش - فحمد الله وأثنى
____________________
(1) قُومِس: تعريب كومس، واسمها هذا اليوم (سمنان)، وتقع وسط إيران في الجنوب الشرقي من طهران، وهي مركز محافظة سمنان.
(2) نُهَاوَنْد: تقع في جنوبي همذان وشرق كرمانشاه على بعد 130 كيلو متراً، وجنوب غربي ملاير على بعد 64 كيلو متراً، طولها: 48 درجة و22 دقيقة، وعرضها: 34 درجة و12 دقيقة. وهي مدينة على جبل، وفيها أنهار وبساتين. قيل: إنّ نوحاً (عليه السلام) بناها. وكانت وقعة عظيمة للمسلمين زمن عمر بن الخطّاب (راجع تقويم البلدان: 416).
عليه، ثمّ قال:
يا أمير المؤمنين، قد حَنكتْك الأُمور، وجَرَّستْك (1) الدهور، وعَجمتْك (2) البلايا، وأحكمتك التجارب، وأنت مبارك الأمر، ميمون النَّقِيبة (3) ، قد وليتَ فخَبَرت، واختبرت وخُبِرت، فلم تنكشف من عواقب قضاء الله إلاّ عن خيار، فاحضر هذا الأمر برأيك ولا تغِب عنه! ثمّ جلَس.
فقال عمر: تكلّموا. فقام عثمان بن عفّان، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:
أمّا بعدُ يا أمير المؤمنين، فإنّي أري أنْ تُشخِص أهل الشام من شامهم، وأهل اليمن مِن يمنهم، وتسير أنت في أهل هذين الحرَمين وأهل المصرين الكوفة والبصرة، فتلقى جمع المشركين بجمع المؤمنين، فإنّك يا أمير المؤمنين لا تستبقي من نفسك بعد العرب باقيةً، ولا تُمتَّع من الدنيا بعزيز، ولا تلوذ منها بحريز، فاحضره برأيك ولا تغِب عنه! ثمّ جلَس.
فقال عمر: تكلّموا. فقال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام):
(الحمد لله - حتى تمّ التحميد والثناء على الله، والصلاة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)) - ثمّ قال: (أمّا بعدُ، فإنّك إنْ أشخصت أهل الشام مِن شامهم سارت الروم إلى ذراريهم، وإنْ أشخَصت أهل اليمن مِن يمنهم سارت الحبَشة إلى ذراريهم، وإنْ أشخصت مَن بهذين الحرَمين انتقضت العرب عليك مِن أطرافها وأكنافها، حتى يكون ما تدع وراء ظهرك مِن عيالات العرَب أهمّ إليك ممّا بين يديك.
____________________
(1) أي حَنَكَتْك وأحْكَمتْك، وجَعلتْك خبيراً بالأمور مُجرّباً (النهاية: 1 / 261).
(2) أي خَبَرتْك؛ من العَجْم: العَضِّ. يقال: عَجَمْتُ العُودَ؛ إذا عَضَضْتَه لتنظُر أ صُلْبٌ هو أم رِخْوٌ (النهاية: 3 / 188).
(3) أي مُنَجَّحُ الفِعال، مُظَفَّر المَطالِب. والنَّقيبة: النَّفْس. وقيل: الطَّبيعة والخَليقة (النهاية: 5 / 102).
وأمّا ذكرك كثرة العجَم ورهبَتك من جموعهم، فإنّا لم نكن نقاتل على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالكثرة، وإنّما كنّا نُقاتل بالنصر! وأمّا ما بلَغك من اجتماعهم على المسير إلى المسلمين، فإنّ الله لمسيّرهم أكره منك لذلك، وهو أولى بتغيير ما يكره! وإنّ الأعاجم إذا نظروا إليك قالوا: هذا رجلُ العرب، فإنْ قطعتموه فقد قطعتم العرب، فكان أشدَّ لكَلَبهم، وكنت قد ألَّبْتهم (1) على نفسك، وأمدّهم من لم يكن يمدّهم.
ولكنّي أرى أنْ تقرّ هؤلاء في أمصارهم، وتكتب إلى أهل البصرة فليتفرّقوا على ثلاث فرَق: فلتَقُم فرقة منهم على ذراريهم حرَساً لهم، ولتَقُم فرقة في أهل عهدهم لئلاّ ينتقضوا، ولتَسِرْ فرقة منهم إلى إخوانهم مدداً لهم!).
فقال عمر: أجل، هذا الرأي! وقد كنت أُحبُّ أنْ أُتابع عليه. وجعل يكرّر قول أمير المؤمنين (عليه السلام) وينْسقه (2) ؛ إعجاباً به واختياراً له (3) .
1046 - الفتوح: لمّا سمِع عمر مقالة عليّ - كرّم الله وجهه - ومشورته [في حرب الفرس] أقبل على الناس وقال: وَيْحكم! عجزتم كلّكم عن آخركم أنْ تقولوا كما قال أبو الحسن! (4)
د: تقسيم سواد الكوفة
1047 - تاريخ اليعقوبي: شاوَر عمر أصحاب رسول الله في سواد الكوفة، فقال له
____________________
(1) التأليب: التحريض (لسان العرب: 1 / 216).
(2) النَّسَق: ما جاء من الكلام على نظامٍ واحد. وأنْسَقَ الرجلُ: إذا تكلَّم سَجْعاً (تاج العروس: 13 / 457).
(3) الإرشاد: 1 / 207 وراجع الكامل في التاريخ: 2 / 180 وتاريخ الطبري: 4 / 122 - 125 والفتوح: 2 / 289 - 295 والأخبار الطوال: 134.
(4) الفتوح: 2 / 295.
بعضهم: تقسمها بيننا، فشاور عليّاً، فقال: (إنْ قسمتها اليوم لم يكن لمن يجيء بعدنا شيء، ولكن تقرّها في أيديهم يعملونها، فتكون لنا ولِمَن بعدنا). فقال: وفّقك الله، هذا الرأي! (1)
هـ: حَلْي الكعبة
1048 - نهج البلاغة: روي أنّه ذكر عند عمر بن الخطّاب في أيّامه حَلْي الكعبة وكثرته، فقال قوم: لو أخذتَه فجهّزت به جيوش المسلمين كان أعظم للأجر، وما تصنَع الكعبة بالحلي! فهمَّ عمر بذلك، وسأل عنه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال (عليه السلام):
(إنّ هذا القرآن اُنزل على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والأموال أربعة: أموال المسلمين فقسَّمها بين الورثة في الفرائض، والفيء فقسّمه على مستحقّيه، والخُمس فوضَعه الله حيث وضَعه، والصدَقات فجعلها الله حيث جعلها. وكان حَلي الكعبة فيها يومئذ، فتركه الله على حاله؛ ولم يتركه نسياناً، ولم يَخفَ عليه مكاناً، فأقِرّه حيث أقرّه الله ورسوله).
فقال له عمر: لولاك لافتضحنا! وترك الحلي بحاله (2) .
و: ما يجوز له صرفه من بيت المال
1049 - تاريخ الطبري عن ابن عمر: جمَع الناسَ عمر بالمدينة حين انتهى إليه فتح القادسيّة ودمشق، فقال: إنّي كنت امرأً تاجراً، يغني الله عيالي بتجارتي، وقد شغلتموني بأمركم، فماذا ترون أنّه يحلّ لي من هذا المال؟ فأكثر القومُ وعليّ (عليه السلام)
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 151 وراجع فتوح البلدان: 371 والأموال: 64 / 151 وص 65 / 153.
(2) نهج البلاغة: الحكمة 270، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 368؛ ربيع الأبرار: 4 / 26.
ساكت، فقال: ما تقول يا عليّ؟ فقال: (ما أصلَحك وأصلَح عيالَك بالمعروف؛ ليس لك مِن هذا المال غيره). فقال القوم: القول قول ابن أبي طالب (1) .
. اجع: القسم التاسع / عليّ عن لسان أصحاب النبيّ / عمر بن الخطّاب
. القسم الثاني عشر / نماذج من قضاياه بعد النبيّ
____________________
(1) تاريخ الطبري: 3 / 616، الكامل في التاريخ: 2 / 135، شرح نهج البلاغة: 12 / 220.
الفصل الثالث
مبادئ خلافة عثمان
3 / 1
وصيّة عمر بخصوص الخلافة
1050 - الطبقات الكبرى عن المِسْور بن مخرمة: كان عمر بن الخطّاب وهو صحيح يُسأل أنْ يستخلِف فيأبى، فصعِد يوماً المنبر فتكلّم بكلمات وقال: إنْ متُّ فأمركم إلى هؤلاء الستّة الذين فارقوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو عنهم راض: عليّ بن أبي طالب، ونظيره الزبير بن العوّام، وعبد الرحمان بن عوف، ونظيره عثمان بن عفّان، وطلحة بن عبيد الله، ونظيره سعد بن مالك. ألا وإنّي أُوصيكم بتقوى الله في الحكم، والعدل في القَسْم (1) .
1051 - الكامل في التاريخ عن عمر بن الخطّاب - قبل الوفاة -: قد كنتُ أجمعت بعد مقالتي لكم أنْ أنظر فأُولّي رجلاً أمرَكم؛ هو أحْراكم أنْ يحملكم على الحقّ -
____________________
(1) الطبقات الكبرى: 3 / 61، كنز العمّال: 5 / 732 / 14249.
وأشار إلى عليّ - فرهقتني غَشية، فرأيتُ رجلاً دخل جنّة، فجعل يقطف كلّ غضّة ويانعة، فيضمّه إليه ويصيِّره تحته، فعلمتُ أنّ الله غالبٌ على أمره ومتوفٍّ عُمر، فما أردتُ أنْ أتحمّلها حيّاً وميّتاً.
عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنّهم من أهل الجنّة. وهم: عليّ، وعثمان، وعبد الرحمان، وسعد، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد الله؛ فليختاروا منهم رجُلاً، فإذا ولّوا والياً فأحسِنوا مؤازرته وأعينوه....
وما أظنّ يلي إلاّ أحدُ هذين الرجلين: عليّ أو عثمان. فإنْ وليَ عثمان فرجلٌ فيه لِين، وإنْ وليَ عليّ ففيه دُعابة، وأحرى به أنْ يحملهم على طريق الحقّ....
وقال لصهيب: صلِّ بالناس ثلاثة أيّام، وأدخِل هؤلاء الرهط بيتاً، وقم على رؤوسهم؛ فإنْ اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإنْ اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رأسيهما، وإنْ رضى ثلاثة رجلاً وثلاثة رجلاً فحكَّموا عبد الله بن عمر، فإنْ لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمان بن عوف، واقتلوا الباقين إنْ رغبوا عمّا اجتمع فيه الناس (1) .
1052 - تاريخ اليعقوبي: صيّر [عمر ]الأمر شُورى بين ستّة نفَر من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله): عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفّان، وعبد الرحمان بن عوف، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبد الله (2) ، وسعد بن أبي وقّاص. وقال: أخرجتُ سعيد بن زيد لقرابته منّي.
____________________
(1) الكامل في التاريخ: 2 / 220، تاريخ الطبري: 4 / 228، تاريخ المدينة: 3 / 924 وفيه من ي (و ما أظنّ يلي...)، العقد الفريد: 3 / 284 كلّها نحوه.
(2) كذا في المصدر، والصحيح (عبيد الله).
فقيل له في ابنه عبد الله بن عمر، قال: حسْب آل الخطّاب ما تحمّلوا منها! إنّ عبد الله لم يحسن يُطلِّق امرأته!
وأمر صُهَيْباً أنْ يصلّي بالناس حتى يتراضَوا من الستّة بواحد، واستعمل أبا طلحة زيد بن سهل الأنصاري، وقال: إنْ رضي أربعة وخالَف اثنان، فاضرب عنق الاثنين، وإنْ رضى ثلاثة وخالف ثلاثة، فاضرب أعناق الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن، وإن جازت الثلاثة الأيام ولم يتراضوا بأحد، فاضرب أعناقهم جميعاً (1) .
1053 - صحيح البخاري عن عمرو بن ميمون: قالوا [لعمر بعد إصابته]: أوصِ يا أمير المؤمنين استَخلِفْ. قال: ما أجد أحداً أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفَر - أو الرهط - الذين توفّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو عنهم راض، فسمّى عليّاً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمان، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء - كهيئة التعزية له - فإنْ أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك، وإلاّ فليستعِن به أيّكم ما أُمِّر، فإنّي لم أعزله عن عجزٍ ولا خيانة (2) .
3 / 2
رأى عمر فيمن رشّحهم للخلافة
1054 - تاريخ اليعقوبي: روي عن ابن عبّاس قال: طرقني عمر بن الخطّاب بعد هدأةٍ من الليل، فقال: اخرج بنا نحرس نواحي المدينة. فخرج، وعلى عنقه
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 160 وراجع شرح نهج البلاغة: 1 / 187.
(2) صحيح البخاري: 3 / 1355 / 3497، السنن الكبرى: 8 / 259 / 16579، الطبقات الكبرى: 3 / 338، كنز العمّال: 5 / 730 / 14245.
دِرَّته (1) حافياً حتى أتى بَقِيعَ الغَرْقَد (2) ، فاستلقى على ظهره، وجعل يضرب أخمصَ (3) قدميه بيده، وتأوَّهَ صَعَداً (4) .
فقلت له: يا أمير المؤمنين، ما أخرجك إلى هذا الأمر؟!
قال: أمر الله يابن عبّاس!
قال: [قلت:] (5) إنْ شئتَ أخبرتُك بما في نفسك.
قال: غُصْ غَوّاصُ (6) ، إنْ كنت لتقول فتُحسن!
قال: [قلت:]ذكرت هذا الأمر بعينه وإلى مَن تصيّره.
قال: صدَقت!
قال: فقلت له: أين أنت عن عبد الرحمان بن عوف؟
فقال: ذاك رجلٌ مُمسك، وهذا الأمر لا يصلح إلاّ لمُعطٍ في غيرِ سرَفٍ، ومانع في غير إقتار.
قال: فقلت: سعد بن أبي وقّاص؟
قال: مؤمنٌ ضعيف.
____________________
(1) الدِّرَّة: دِرَّة السلطان التي يُضرب بها، عربيّة معروفة (تاج العروس: 6 / 397).
(2) بَقِيع الغَرْقد: موضع بظاهر المدينة فيه قبور أهلها، كان به شجَر الغَرْقَد، فذهب وبقي اسمُه (النهاية: 1 / 146 وج 3 / 362).
(3) الأخْمَص من القَدَم: الموضع الذي لا يَلْصَق بالأرض منها عند الوطْء (النهاية: 2 / 80).
(4) تَأَوَّه: تَوَجَّعَ (المصباح المنير: 31). وصَعَدٌ: أي شديدٌ (لسان العرب: 3 / 252).
(5) ما بين المعقوفين في هذا المورد والذي يليه إضافة يقتضيها السياق.
(6) أي يا غَوّاصُ، وهو مجاز (انظر: تاج العروس: 9 / 319).
قال: فقلت: طلحة بن عبد الله (1) ؟
قال: ذاك رجلٌ يناول للشرف والمديح، يعطي ماله حتى يصل إلى مالِ غيره، وفيه بَأْوٌ (2) وكِبْرٌ.
قال: فقلت: فالزبير بن العوّام؛ فهو فارس الإسلام؟
قال: ذاك يومٌ إنسان ويومٌ شيطان، وعفّة نفس، إنْ كان ليكادح على المِكْيَلة من بُكرةٍ إلى الظهر حتى يفوته الصلاة!
قال: فقلت: عثمان بن عفّان؟
قال: إنْ وليَ حمَل ابن أبي مُعَيط وبني اُميّة على رقاب الناس، وأعطاهم مال الله، ولئن وليَ ليفعلنّ والله، ولئن فعل لتسيرنّ العرب إليه حتى تقتله في بيته! ثمّ سكَت.
قال: فقال: امضها، يابن عبّاس، أ ترى صاحبكم لها موضعاً؟
قال: فقلت: وأين يتبعّد من ذلك مع فضله وسابقته وقرابته وعلمه!
قال: هو والله كما ذكَرت، ولو وليهم تحمَّلَهم على منهج الطريق؛ فأخذ المحجّة الواضحة! إلاّ أنّ فيه خِصالا: الدعابة في المجلس، واستبداد الرأي، والتَّبْكِيت (3) للناس مع حداثة السنّ.
قال: قلت: يا أمير المؤمنين، هلاّ استحدثتم سنّه يوم الخندق إذ خرج عمرو
____________________
(1) كذا في المصدر، والصحيح (عبيد الله).
(2) البَأْو: الكِبْر والتعظيم (النهاية: 1 / 91).
(3) التَّبْكِيت: التَّقْرِيع والتَّوبيخ (النهاية: 1 / 148).
بن عبد ودّ، وقد كُعِم (1) عنه الأبطال وتأخّرت عنه الأشياخ! ويوم بدر إذ كان يَقُطّ (2) الأقرانَ قطّاً، ولا سبقتموه بالإسلام إذ كان جعلته السعب (3) وقريش يستوفيكم!
فقال: إليك يابن عبّاس! أ تريد أنْ تفعل بي كما فعل أبوك وعليّ بأبي بكر يوم دخَلا عليه؟!
قال: فكرهت أنْ أُغضبه فسَكَتُّ.
فقال: والله، يابن عبّاس، إنّ عليّاً ابن عمّك لأحقّ الناس بها! ولكنّ قريشاً لا تحتمله. ولئن وَلِيَهم ليأخذنّهم بمرّ الحقّ لا يجدون عنده رخصة؛ ولئن فعل لينكُثُنّ بيعته ثمّ ليتحاربُنّ! (4)
1055 - شرح نهج البلاغة عن ابن عبّاس: كنت عند عمر، فتنفّس نفَساً ظننت أنّ أضلاعه قد انفرجت، فقلت: ما أخرج هذا النفَس منك يا أمير المؤمنين إلاّ همٌّ شديد!
قال: إي والله يابن عبّاس! إنّي فكّرت فلم أدرِ فيمَن أجعل هذا الأمر بعدي. ثمّ قال: لعلّك ترى صاحبَك لها أهلاً!
قلت: وما يمنعه من ذلك مع جهاده وسابقته وقرابته وعلمه!
____________________
(1) كَعَمَهُ الخوفُ فلا يَرجع: أي أمسَكَ فاهُ وسَدَّه عن الكلام، وهو مجاز. وفي الأساس: كَعَمَهُ الخَوفُ فلا يَنْبسُ بكلمة (تاج العروس: 17 / 623).
(2) قَطَّهُ: قَطَعَهُ عَرْضاً نصفَين (النهاية: 4 / 81).
(3) كذا في المصدر، ويحتمل وجود سقط أو تصحيف.
(4) تاريخ اليعقوبي: 2 / 158 وراجع تاريخ المدينة: 3 / 882 والفتوح: 2 / 325 والاستيعاب: 3 / 215.
قال: صدقت! ولكنّه امرؤ فيه دعابة.
قلت: فأين أنت عن طلحة؟
قال: ذو البأْو، وبإصبعه المقطوعة!
قلت: فعبد الرحمان؟
قال: رجلٌ ضعيف؛ لو صار الأمر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته!
قلت: فالزبير؟
قال: شَكِسٌ لَقِس (1) يلاطم في النَّقِيع في صاع من بُرّ!
قلت: فسعد بن أبي وقّاص؟
قال: صاحب سلاح ومِقْنَب (2) .
قلت: فعثمان؟ قال: أوِّه! - ثلاثاً - والله، لئن ولِيَها ليَحملنّ بني أبي مُعَيط على رقاب الناس، ثمّ لتنهض العرب إليه!....
ثمّ أقبل علَيَّ بعد أنْ سكَت هنيهةً، وقال: أجرؤهم والله، إنْ وليها، أنْ يحملهم على كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم (صلّى الله عليه وآله) لَصاحبك! أما إنْ وليَ أمرهم حملهم على المحجّة البيضاء والصراط المستقيم! (3)
1056 - المصنّف عن عبد الرحمان القاري: إنّ عمر بن الخطّاب ورجلاً من
____________________
(1) الشَّكِس: السَّيِّءُ الخُلق. وقيل: هو السيّءُ الخُلق في المبايعة وغيرها. واللَّقِس: الشَّرِهُ النفْس الحريصُ على كلّ شيء، والسيِّء الخُلق.(لسان العرب: 6 / 112 و208).
(2) المِقْنَب: جماعة الخيل والفُرسان. يريد أنّه صاحب حرب وجيوش، وليس بصاحب هذا الأمر (النهاية: 4 / 111).
(3) شرح نهج البلاغة: 12 / 51 وج 6 / 326.
الأنصار كانا جالسين... ثمّ قال عمر للأنصاري: من ترى الناس يقولون يكون الخليفة بعدي؟
فعدّد رجالاً من المهاجرين، ولم يُسمِّ عليّاً.
فقال عمر: فما لهم من أبي الحسَن! فو الله إنّه لأحْراهم، إنْ كان عليهم، أنْ يقيمهم على طريقةٍ من الحقّ! (1)
1057 - الإمامة والسياسة عن عمر بن الخطّاب - في قضيّة الشورى -: والله، ما يمنعني أنْ أستخلفك يا سعد، إلاّ شدّتك وغلظتك، مع أنّك رجلُ حرب!
وما يمنعني منك يا عبد الرحمان، إلاّ أنّك فرعون هذه الاُمّة!
وما يمنعني منك يا زبير، إلاّ أنّك مؤمن الرضي، كافر الغضب!
وما يمنعني من طلحة إلاّ نَخْوته (2) وكِبْره، ولو وليها وضَع خاتمه في إصبع امرأته!
وما يمنعني منك يا عثمان إلاّ عصبيّتك وحبّك قومَك وأهلَك!
وما يمنعني منك يا عليّ إلاّ حرصك عليها! وإنّك أحرى القوم، إنْ وُلِّيتها، أنْ تقيم على الحقّ المبين، والصراط المستقيم (3) .
1058 - الطبقات الكبرى عن عمرو بن ميمون: شهدتُ عمر يوم طُعِن... ثمّ قال: ادعوا لي عليّاً، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمان بن عوف،
____________________
(1) المصنّف لعبد الرزّاق: 5 / 446 / 9761، الأدب المفرد: 176 / 582 وراجع أنساب الأشراف: 3 / 14 والعقد الفريد: 3 / 284 وتاريخ الطبري: 4 / 228 والكامل في التاريخ: 2 / 220.
(2) النَّخْوة: الكِبْر والعُجْب، والأنَفَة والحَمِيَّة (النهاية: 5 / 34).
(3) الإمامة والسياسة: 1 / 43 وراجع الإيضاح: 500.
وسعداً؛ فلم يكلّم أحداً منهم غير عليّ وعثمان.
فقال: يا عليّ، لعلّ هؤلاء القوم يعرفون لك قرابتك من النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وصهرك، وما آتاك الله من الفقه والعلم، فإنْ وليتَ هذا الأمر فاتّقِ الله فيه!
ثمّ دعا عثمان فقال: يا عثمان، لعلّ هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسنّك وشرفك، فإنْ وليتَ هذا الأمر فاتّقِ الله، ولا تَحملنّ بني أبي مُعَيط على رقاب الناس!
ثمّ قال: ادعوا لي صُهيباً، فدُعي، فقال: صلِّ بالناس ثلاثاً، وليَخْلُ هؤلاء القوم في بيت، فإذا اجتمعوا على رجل، فمَن خالفهم فاضربوا رأسه.
فلمّا خرجوا من عند عمر، قال عمر: لو ولَّوها الأجْلَح (1) سلَك بهم الطريق! فقال له ابن عمر: فما يمنعك يا أمير المؤمنين؟ قال: أكره أن أتحمّلها حيّاً وميّتاً (2) .
3 / 3
ما جرى في الشورى
1059 - صحيح البخاري عن عمرو بن ميمون: لما فُرغ من دفنه [أي عمر] اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمان: اجعلوا أمركم إلي ثلاثة منكم.
فقال الزبير: قد جعلتُ أمري إلى عليّ، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمان بن عوف.
____________________
(1) هو الذي انحَسَر الشَّعَر عن جانبَي رأسه (النهاية: 1 / 284).
(2) الطبقات الكبرى: 3 / 340، تاريخ دمشق: 42 / 427، أنساب الأشراف: 6 / 120 وراجع الإمامة والسياسة: 1 / 43 والكامل في التاريخ: 2 / 442.
فقال عبد الرحمان: أيّكما تبرّأ من هذا الأمر فنجعله إليه واللهُ عليه والإسلام، لينظرنّ أفضلهم في نفسه؟ فاُسكِت الشيخان.
فقال عبد الرحمان: أ فتجعلونه إليّ واللهُ عليَّ ألاّ آلوَ عن أفضلِكم؟ قالا: نعم.
فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والقِدَم في الإسلام ما قد علِمتَ، فالله عليك لئن أمّرتُك لتعدِلَنّ، ولئن أمّرتُ عثمان لتسمعنّ ولتُطيعنّ.
ثمّ خلا بالآخر فقال له مثل ذلك. فلمّا أخذ الميثاق قال: ارفعْ يدك يا عثمان، فبايَعَه، فبايع له عليّ، وولج أهل الدار فبايعوه (1) .
1060 - تاريخ الطبري: خرج عبد الرحمان بن عوف وعليه عمامته التي عمّمه بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، متقلّداً سيفه، حتى ركب المنبر، فوقف وقوفاً طويلا، ثمّ دعا بما لم يسمعه الناس، ثمّ تكلّم فقال: أيّها الناس! إنّي قد سألتكم سرّاً وجهراً عن إمامكم فلم أجدكم تَعدِلون بأحد هذَين الرجلين: إمّا عليّ وإمّا عثمان، فقم إليّ يا عليّ!
فقام إليه عليّ فوقف تحت المنبر، فأخذ عبد الرحمان بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفِعل أبي بكر وعمر؟
قال: (اللهمّ لا، ولكن على جَهدي من ذلك وطاقتي). فأرسَل يدَه.
ثمّ نادى فقال: قم إليّ يا عثمان! فأخذ بيده - وهو في موقف عليّ الذي كان فيه - فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفِعل أبي بكر وعمر؟
قال: اللهمّ نعم.
____________________
(1) صحيح البخاري: 3 / 1356 / 3497، تاريخ الخلفاء: 158.
فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان، ثمّ قال: اللهمّ اسمع واشهد! اللهمّ إنّي قد جعلت ما في رقَبتي من ذاك في رقَبة عثمان.
وازدحم الناس يُبايعون عثمان حتى غَشُوه عند المنبر، فقعد عبد الرحمان مَقعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من المنبر، وأقعد عثمان على الدرجة الثانية، فجعل الناس يبايعونه، وتلكّأ عليٌّ، فقال عبد الرحمان: ( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) (1).
فرجع عليٌّ يشقّ الناس حتى بايع وهو يقول: (خدعةٌ وأيّما خدعة!!) (2)
1061 - الكامل في التاريخ: لمّا دُفن عمر، جمع المقداد أهل الشورى... فقال عبد الرحمان: أيّكم يُخرِج منها نفسَه ويتقلّدها على أنْ يُولِّيها أفضلَكم؟ فلم يُجِبه أحد.
فقال: فأنا أنخلع منها، فقال عثمان: أنا أوّل مَن رضي، فقال القوم: قد رضينا، وعليٌّ ساكت.
فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟
قال: (أعطني موثقاً لتؤثرنّ الحقّ، ولا تتّبع الهوى، ولا تخصّ ذا رحم، ولا تألو الاُمّة نُصحاً).
فقال: أعطوني مواثيقكم على أنْ تكونوا معي على مَن بدَّل وغيَّر، وأنْ ترضوا مَن اخترتُ لكم؛ وعليَّ ميثاق الله ألاّ أخصّ ذا رحم لرحمه، ولا آلو المسلمين. فأخذ منهم ميثاقاً، وأعطاهم مثله....
____________________
(1) الفتح: 10.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 238، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 305، البداية والنهاية: 7 / 146.
ودارَ عبد الرحمان لياليه يلقى أصحابَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومَن وافى المدينة من أُمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم، حتى إذا كان الليلة التي صبيحتها تستكمل الأجل أتى منزل المِسْوَر بن مَخْرَمة فأيقظه، وقال له: لم أذق في هذه الليلة كبيرَ غُمْض (1) ! انطلِق فادْعُ الزبير وسعداً. فدعاهما، فبدأ بالزبير فقال له: خَلِّ بني عبد مناف وهذا الأمر. قال: نصيبي لعليّ. وقال لسعد: اجعلْ نصيبك لي. فقال: إن اخترتَ نفسك فنعَم، وإنْ اخترتَ عثمان فعليٌّ أحبّ إليّ....
فلمّا صلّوا الصبح جمع الرهط، وبعث إلى مَن حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار، وإلى أمراء الأجناد، فاجتمعوا حتى التجّ (2) المسجد بأهله، فقال: أيّها الناس! إنّ الناس قد أجمعوا أنْ يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم، فأشيروا عليَّ.
فقال عمّار: إنْ أردت ألاّ يختلف المسلمون فبايع عليّاً. فقال المقداد بن الأسود: صدَق عمّار! إنْ بايعتَ عليّاً قلنا: سمعنا وأطعنا.
قال ابن أبي سَرْح: إنْ أردتَ ألاّ تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدَق! (3) إنْ بايعتَ عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا.
فشتم (4) عمّارٌ ابنَ أبي سَرْح وقال: متى كنتَ تنصح المسلمين؟!
فتكلّم بنو هاشم وبنو أُميّة، فقال عمّار: أيّها الناس! إنّ الله أكرمنا بنبيّه وأعزّنا بدينه، فأنّى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم؟! فقال رجل من بني
____________________
(1) ما ذُقْتُ غُمْضاً: أي ما ذُقْتُ نَوماً (لسان العرب: 7 / 199).
(2) التجّ الظلام: اختلط (المحيط في اللغة: 6 / 408).
(3) في المصدر (صدقت)، وما أثبتناه من تاريخ الطبري؛ وهو المناسب للسياق.
(4) في المصدر: (فتبسَّم)، وما أثبتناه من تاريخ الطبري.
مخزوم: لقد عدوتَ طورَك يابن سميّة! وما أنت وتأمير قريش لأنفسها!!
فقال سعد بن أبي وقّاص: يا عبد الرحمان، افرغ قبل أنْ يفتَتِن الناس.
فقال عبد الرحمان: إنّي قد نظرتُ وشاورتُ، فلا تجعلُنّ - أيّها الرهط - على أنفسكم سبيلا. ودعا عليّاً وقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملنّ بكتاب الله وسنّة رسوله وسيرة الخليفتين من بَعده.
قال: (أرجو أنْ أفعل؛ فأعمل بمبلغ علمي وطاقتي).
ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعليّ، فقال: نعم نعمل.
فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويدُه في يد عثمان فقال: اللهمّ اسمع واشهد! اللهمّ إنّي قد جعلتُ ما في رقَبتي من ذلك في رقَبة عثمان. فبايَعَه.
فقال عليٌّ: (ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا! ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ) (1) ، والله ما ولّيتَ عثمان إلاّ ليردّ الأمر إليك!! والله كلّ يوم في شأن).
فقال عبد الرحمان: يا عليّ، لا تجعل على نفسِكَ حجّةً وسبيلا. فخرَج عليّ وهو يقول: (سيبلغ الكتاب أجله!)
فقال المقداد: يا عبد الرحمان، أما والله لقد تركتَه وإنّه من الذين يقضون بالحقّ وبه يعدِلون!
فقال: يا مقداد، والله لقد اجتهدتُ للمسلمين.
قال: إن كنتَ أردتَ الله فأثابك الله ثواب المحسنين.
____________________
(1) يوسف: 18.
فقال المقداد: ما رأيتُ مثل ما أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم! إنّي لأعجب من قريش أنّهم تركوا رجلاً ما أقول ولا أعلم أنّ رجلاً أقضى بالعدل ولا أعلَم منه!! أما والله لو أجِد أعواناً عليه!
فقال عبد الرحمان: يا مقداد، اتّقِ الله! فإنّي خائفٌ عليك الفتنة.
فقال رجلٌ للمقداد: رحِمَك الله! مَن أهل هذا البيت؟ ومَن هذا الرجل؟
قال: أهل البيت بنو عبد المطّلب، والرجل عليّ بن أبي طالب.
فقال عليّ: (إنّ الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر بينها فتقول: إنْ ولّيَ عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبداً، وما كانت في غيرهم تداولتموها بينكم) (1).
1062 - تاريخ اليعقوبي: كان عبد الرحمان بن عوف الزهري - لمّا توفّي عمر واجتمعوا للشورى - سألَهم أنْ يُخرِج نفسَه منها على أنْ يختار منهم رجلاً، ففعلوا ذلك، فأقام ثلاثة أيّام، وخلا بعليّ بن أبي طالب، فقال: لنا الله عليك، إنْ وُلِّيت هذا الأمر، أنْ تسير فينا بكتاب الله وسنّة نبيّه وسيرة أبي بكر وعمر.
فقال: (أسير فيكم بكتاب الله وسنّة نبيّه ما استطعت).
فخلا بعثمان فقال له: لنا الله عليك، إنْ وُلِّيت هذا الأمر، أنْ تسير فينا بكتاب الله وسنّة نبيّه وسيرة أبي بكر وعمر.
فقال: لكم أنْ أسير فيكم بكتاب الله وسنّة نبيّه وسيرة أبي بكر وعمر.
ثمّ خلا بعليّ فقال له مثل مقالته الأُولى، فأجابه مثل الجواب الأوّل؛ ثمّ خلا
____________________
(1) الكامل في التاريخ: 2 / 221 - 224، تاريخ الطبَري: 4 / 230 - 233، تاريخ المدينة: 3 / 926 - 931، العقد الفريد: 3 / 286 - 288 كلّها نحوه.
بعثمان فقال له مثل المقالة الأولى، فأجابه مثل ما كان أجابه، ثمّ خلا بعليّ فقال له مثل المقالة الأولى ، فقال:
(إنّ كتاب الله وسنّة نبيّه لا يحتاج معهما إلى إجِّيرَى (1) أحد! أنت مجتهد أنْ تَزوِي هذا الأمر عنّي!!)
فخلا بعثمان فأعاد عليه القول، فأجابه بذلك الجواب، وصفَق على يدِه (2) .
1063 - الأمالي للطوسي عن محمّد بن عمرو بن حزم: إنّ القوم حين اجتمعوا للشورى فقالوا فيها، وناجى عبد الرحمان رجل ٌ(3) منهم على حِدة، ثمّ قال لعليّ (عليه السلام): عليك عهد الله وميثاقه، لئن وُلّيت لتعملنّ بكتاب الله وسُنّة نبيّه وسيرة أبي بكر وعمر.
فقال عليّ (عليه السلام): (علَيَّ عهدُ الله وميثاقه، لئنْ وُلّيت أمرَكم لأعمَلَنّ بكتاب الله وسُنّة رسوله).
فقال عبد الرحمان لعثمان كقوله لعليّ (عليه السلام) فأجابه: أنْ نعم.
فردّ عليهما القول ثلاثاً، كلّ ذلك يقول عليّ (عليه السلام) كقوله، ويجيبه عثمان: أنْ نعم، فبايَع عثمانَ عبدُ الرحمان عند ذلك (4) .
1064 - مسند ابن حنبل عن أبي وائل: قلت لعبد الرحمان بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم عليّاً رضيَ الله عنه؟ قال: ما ذنبي؟ قد بدأت بعليّ فقلتُ: أُبايعك على كتاب
____________________
(1) الإجِّيرَى: العادَة (تاج العروس: 6 / 13) والمراد هنا: الطريقة.
(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 162 وراجع الأمالي للطوسي: 557 / 1171 وشرح نهج البلاغة: 9 / 53.
(3) كذا في المصدر، والظاهر أنّ الصحيح: (كلّ رجل منهم).
(4) الأمالي للطوسي: 709 / 1512.
الله وسنّة رسوله، وسيرة أبي بكر وعمر. فقال: فيما استطعتُ. ثمَّ عرضتها على عثمان فقبلها (1) .
1065 - الأمالي للطوسي عن أبى ذرّ: إنّ عليّاً (عليه السلام) وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمان بن عوف وسعد بن أبي وقّاص، أمرهم عمر بن الخطّاب أنْ يدخلوا بيتاً ويغلقوا عليهم بابه ويتشاوروا في أمرهم، وأجّلهم ثلاثة أيّام، فإنْ توافق خمسة على قولٍ واحد وأبى رجلٌ منهم، قُتِلَ ذلك الرجل، وإنْ توافق أربعة وأبى اثنان، قُتِلَ الاثنان، فلمّا توافقوا جميعاً على رأيٍ واحد، قال لهم عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام): (إنّي أُحبُّ أنْ تسمعوا منّي ما أقول، فإنْ يكن حقّاً فاقبلوه، وإنْ يكن باطلا فأنكروه). قالوا: قل....
فما زال يُناشدهم، ويُذكّرهم ما أكرمه الله تعالى، وأنعم عليه به، حتى قام قائم الظهيرة ودنَت الصلاة، ثمّ أقبل عليهم فقال: (أمّا إذا أقررتم على أنفسكم، وبانَ
____________________
(1) مسند ابن حنبل: 1 / 162 / 557، المنتظم: 4 / 337، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 304، تاريخ الخلفاء: 182. وفي الإمامة والسياسة 1 / 45: أنّ عبد الرحمان بن عوف أخذ بيد عثمان، فقال له: عليك عهد الله وميثاقه، لئن بايعتك لتقيمنَّ لنا كتاب الله وسنّة رسوله وسنّة صاحبَيك، وشرَط عمر؛ أنْ لا تجعل أحداً من بني أُميّة على رقاب الناس. فقال عثمان: نعم. ثمّ أخذ بيد عليّ (عاليه السلام)، فقال له: أُبايعك على شرط عمر؛ أنْ لا تجعل أحداً من بني هاشم على رقاب الناس. فقال عليٌّ (عاليه السلام) عند ذلك: (ما لك ولهذا إذا قطعتها في عنقي؟ فإنّ علَيَّ الاجتهاد لأُمّة محمّد حيث علِمتُ القوّة والأمانة استعنت بها، كان في بني هاشم أو غيرهم). قال عبد الرحمان: لا والله، حتى تعطيني هذا الشرط. قال عليّ: (والله لا أعطيكه أبداً).
لكم من سببي الذي ذكرت، فعليكم بتقوى الله وحده، وأنهاكُم عن سخَط الله، فلا تعرضوا ولا تضيّعوا أمري، وردّوا الحقّ إلى أهله، واتّبعوا سنّة نبيّكم (صلّى الله عليه وآله) وسنّتي من بعده، فإنّكم إنْ خالفتموني خالفتم نبيّكم (صلّى الله عليه وآله)، فقد سمِع ذلك منه جميعكم، وسلّموها إلى مَن هو لها أهلٌ وهي له أهل، أما والله ما أنا بالراغب في دُنياكم، ولا قلتُ ما قلتُ لكم افتخاراً ولا تزكيةً لنفسي، ولكن حدّثتُ بنعمة ربِّي، وأخذتُ عليكم بالحُجّة). ثمَّ نهَض إلى الصلاة.
فتآمر القوم فيما بينهم وتشاوروا، فقالوا: قد فضّل الله عليّ بن أبي طالب بما ذكَر لكم، ولكنّه رجلٌ لا يفضّل أحداً على أحد، ويجعلكم ومواليكم سَواء، وإنْ ولّيتموه إيّاها ساوى بين أسودِكم وأبيضكم، ولو وضَع السيف على أعناقِكم، لكن ولّوها عثمان، فهو أقدمُكم مَيلا، وأليَنُكم عريكة ً(1) ، وأجدرُ أنْ يتبع مسرّتكم، والله غفورٌ رحيم (2) .
1066 - تاريخ دمشق عن المنهال بن عمرو وعباد بن عبد الله الأسدي وعمرو بن واثلة: قال عليّ بن أبي طالب يوم الشورى: (والله لأحتجّنّ عليهم بما لا يستطيع قرشيّهم ولا عربيّهم ولا عجميّهم ردّه، ولا يقول خلافه).
ثمّ قال لعثمان بن عفّان ولعبد الرحمان بن عوف والزبير ولطلحة وسعد، وهم أصحاب الشورى وكلّهم من قريش، وقد كان قدم طلحة:
(أنشدكم بالله الذي لا إله إلاّ هو، أ فيكم أحدٌ وحّد اللهَ قبلي؟)
____________________
(1) العَرِيكة: الطبيعة، يقال: فلان ليّن العريكة؛ إذا كان مُطاوِعاً مُنقاداً قليل الخلاف والنفور (النهاية: 3 / 222).
(2) الأمالي للطوسي: 545 و553 / 1168، إرشاد القلوب: 259 و263.
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (أنشدُكم بالله، هل فيكم أحد صلّى لله قبلي وصلّى القبلتين؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (أنشدكم بالله، أ فيكم أحدٌ أخو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غيري؛ إذ آخى بين المؤمنين، فآخى بيني وبين نفسه، وجعلني منه بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّي لست بنبيّ؟)
قالوا: لا.
قال: (أنشدكم بالله، أ فيكم مُطهَّرٌ غيري إذ سدّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبوابكم وفتَح بابي، وكنت معه في مساكنه ومسجده، فقام إليه عمّه فقال: يا رسول الله غلقت أبوابنا وفتحت باب عليّ؟ قال: نعم، الله أمر بفتح بابه وسدّ أبوابكم؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (نشدتكم بالله، أ فيكم أحدٌ أحبّ إلى الله وإلى رسوله منّي؛ إذ دفع الراية إليّ يوم خيبَر، فقال: لأعطينّ الراية إلى مَن يحبّ اللهَ ورسولَه ويحبّه اللهُ ورسولُه، ويوم الطائر إذ يقول: اللهمّ ائتني بأحبّ خلقِك إليك يأكل معي، فجئت، فقال: اللهمّ وإلى رسولك، اللهمّ وإلى رسولك، غيري؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (نشدتكم بالله، أ فيكم أحدٌ قدّم بين يدي نجواه صدقة غيري حتى رفَع الله ذلك الحُكم؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (نشدتكم بالله، أ فيكم مَن قتل مشركي قريش والعرَب في الله وفي رسوله
غيري؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (نشدتكم بالله أ فيكم أحدٌ دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) له في العلم، وأنْ يكون أُذنه الواعية مثل ما دعا لي؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (نشدتكم بالله، هل فيكم أحدٌ أقرب إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الرحم، ومَن جعله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نفسه، وأبناه أبناءه، ونساءه نساءه غيري؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (نشدتكم بالله، أ فيكم أحدٌ كان يأخذ الخُمس مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قبل أنْ يؤمن أحدٌ من قرابته غيري وغير فاطمة؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (نشدتكم بالله، أ فيكم اليوم أحدٌ له زوجةٌ مثل زوجتي فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سيّدة نساء عالمها؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (نشدتكم بالله، هل فيكم أحدٌ له ابنان مثل ابنيّ الحسَن والحُسين سيّدَيّ شباب أهل الجنّة ما خلا النبيّين غيري؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (نشدتُكم بالله، أ فيكم أحدٌ له أخٌ كأخي جعفر الطيّار في الجنّة، المُزيّن بالجناحين مع الملائكة، غيري؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (نشدتكم بالله، أ فيكم أحدٌ له عمٌّ مثل عمّي أسدُ الله وأسدُ رسوله سيّد الشهداء حمزة غيري؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (نشدتكم بالله، أ فيكم أحدٌ ولي غمض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مع الملائكة غيري؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (نشدتكم بالله، أ فيكم أحدٌ ولي غسل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مع الملائكة يقلّبونه لي كيف أشاء غيري؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (نشدتكم بالله، أ فيكم أحدٌ كان آخر عهده برسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى وضعه في حفرته غيري؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (نشدتكم بالله، أ فيكم أحدٌ قضى عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعده ديونه ومواعيده غيري؟)
قالوا: اللهمّ لا.
قال: (وقد قال الله عزّ وجلّ: ( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )) (1) (2) .
1067 - شرح نهج البلاغة - في ذكر أحداث البيعة يوم الدار -: صفَق [عبد الرحمان ]على يد عثمان وقال: والله، ما فعلتَها إلاّ لأنّك رجوتَ منه ما رجا
____________________
(1) الأنبياء: 111.
(2) تاريخ دمشق: 42 / 431 وص 433 - 435؛ الأمالي للطوسي: 333 / 667، بشارة المصطفى: 243 كلاهما نحوه.
صاحبُكما من صاحبه، دقّ الله بينكما عِطْرَ مَنْشِم (1) .
قيل: ففسَد بعد ذلك بين عثمان وعبد الرحمان، فلم يكلّم أحدُهما صاحبَه حتّى مات عبد الرحمان (2) .
1068 - الإمام عليّ (عليه السلام): (يابن عوف! كيف رأيت صنيعك مع عثمان؟ رُبّ واثقٍ خجِل، ومَن لم يتوخّ بعمله وجه الله عاد مادحه من الناس له ذامّاً) (3) .
1069 - شرح نهج البلاغة: لمّا بنى عثمان قصره طَمار بالزوراء (4) ، وصنع طعاماً كثيراً، ودعا الناس إليه، كان فيهم عبد الرحمان، فلمّا نظر للبناء والطعام قال: يابن عفّان، لقد صدّقنا عليك ما كنّا نكذّب فيك، وإنّي أستعيذ بالله من بيعتك. فغضِب عثمان، وقال: أخرجه عنّي يا غلام، فأخرَجوه، وأمَر الناس ألاّ يُجالسوه، فلم يكن يأتيه أحد إلاّ ابنُ عبّاس، كان يأتيه فيتعلّم منه القرآن والفرائض. ومرض عبد الرحمان فعاده عثمان وكلّمه فلم يكلّمه حتى مات (5) .
1070 - تاريخ اليعقوبي: إنّ عثمان اعتلّ علّةً اشتدّت به، فدعا حمران بن أبان، وكتَب عهداً لمَن بعده، وترك موضع الاسم، ثمّ كتب بيده: عبد الرحمان بن عوف، وربَطه وبعث به إلى اُمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فقرأه حمران في الطريق، فأتى
____________________
(1) قال الأصمعي: مَنشِم - بكسر الشين -: اسم امرأة كانت بمكّة عطّارة، وكانت خزاعة وجُرهم إذا أرادوا القتال تطيّبوا مِن طيبها، وكانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم. فكان يقال: (أشأم من عطر منشم)، فصار مثلا (الصحاح: 5 / 2041).
(2) شرح نهج البلاغة: 1 / 188؛ الإرشاد: 1 / 286 عن حنش الكناني، الجمل: 122 كلاهما نحوه.
(3) شرح نهج البلاغة: 20 / 316 / 627.
(4) الزوراء: دار عثمان بن عفّان بالمدينة (معجم البلدان: 3/156).
(5) شرح نهج البلاغة: 1 / 196، الأوائل لأبي هلال: 129 عن أبي يعقوب السروي.
عبدَ الرحمان فأخبره.
فقال عبد الرحمان، وغضَب غضَباً شديداً: أستعمله علانيةً، ويستعملني سرّاً.
ونمى الخبر وانتشر بذلك في المدينة، وغضِب بنو أُميّة، فدعا عثمان بحمران مولاه، فضربه مِئة سوط، وسيّره إلى البصرة، فكان سبب العداوة بينه وبين عبد الرحمان بن عوف (1) .
3 / 4
معلوميّة نتيجة الشورى قبل المشورة
1071 - تاريخ الطبري: قال عليّ لقومٍ كانوا معه من بني هاشم: (إنْ أُطيع فيكم قومُكم لم تؤمّروا أبداً). وتلقّاه العبّاس فقال: عُدِلَتْ عنّا! فقال: وما علمك؟ قال: قُرن بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، فإنْ رضي رجُلان رجلاً، ورجُلان رجلاً، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمان بن عوف، فسعدٌ لا يخالف ابن عمّه عبد الرحمان، وعبد الرحمان صهر عثمان؛ لا يختلفون، فيولّيها عبدُ الرحمان عثمانَ أو يولّيها عثمانُ عبدَ الرحمان، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني (2) .
1072 - الإرشاد عن أبي صادق: لمّا جعلها عمر شورى في ستّة، وقال: إنْ بايع اثنان لواحد، واثنان لواحد، فكونوا مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمان، واقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمان؛ خرََج أمير المؤمنين (عليه السلام) من الدار وهو
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 169.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 229، الكامل في التاريخ: 2 / 221، تاريخ المدينة: 3 / 925، العقد الفريد: 3 / 285 نحوه.
مُعتمِدٌ على يد عبد الله بن العبّاس فقال له: يابن عبّاس! إنّ القوم قد عادَوْكم بعد نبيّكم كمعاداتهم لنبيّكم (صلّى الله عليه وآله) في حياته، أمَ واللهِ، لا ينيبُ بهم إلى الحقّ إلاّ السيف.
فقال له ابن عبّاس: وكيف ذاك؟
قال: أما سمِعتَ قول عمر: إنْ بايَع اثنان لواحد، واثنان لواحد، فكونوا مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمان، واقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمان؟
قال ابن عبّاس: بلى.
قال: أ فلا تعلم أنّ عبد الرحمان ابنُ عمّ سعد، وأنّ عثمان صهرُ عبد الرحمان؟
قال: بلى.
قال: فإنّ عمر قد علِم أنّ سعداً وعبد الرحمان وعثمان لا يختلفون في الرأي، وأنّه مَن بويع منهم كان الاثنان معه، فأمر بقتل من خالَفهم، ولم يُبالِ أنْ يَقتُل طلحةَ إذا قتلني وقتل الزبير. أمَ واللهِ، لئن عاش عمر لاُعرِّفنّه سوء رأيه فينا قديماً وحديثاً، ولئن مات لَيَجمَعنّي وإيّاه يومٌ يكون فيه فصلُ الخطاب (1) .
1073 - شرح نهج البلاغة عن القطب الراوندي: إنّ عمر لمّا قال: كونوا مع الثلاثة التي عبد الرحمان فيها، قال ابن عبّاس لعليّ (عليه السلام): ذهَب الأمر منّا، الرجُل يُريد أنْ يكون الأمر في عثمان.
فقال عليّ (عليه السلام): (وأنا أعلم ذلك، ولكنّي أدخل معهم في الشورى ؛ لأنّ عمر قد أهّلَني الآن للخلافة، وكان قبل ذلك يقول: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: إنّ النبوّة والإمامة لا يجتمعان في بيت، فأنا أدخل في ذلك لأُظهِر للناس مناقضة فعله
____________________
(1) الإرشاد: 1 / 285 و286.
لروايته) (1) .
1074 - تاريخ الطبري: قال العبّاس لعليّ: لا تدخل معهم، قال: أكره الخلاف، قال: إذاً ترى ما تكره (2) .
3 / 5
موقف الإمام مِن قرار الشورى
1075 - الإمام عليّ (عليه السلام) - من كلامٍ له لمّا عزَموا على بيعة عثمان -: (لقد علِمتم أنّي أحقُّ الناس بها من غيري، وواللهِ لأسلِمَنّ ما سلِمت أُمورُ المسلمين، ولم يكن فيها جَور إلاّ عليَّ خاصّة؛ التماساً لأجر ذلك وفضله، وزُهداً فيما تنافستموه من زُخرُفه وزِبرِجه) (3) .
1076 - عنه (عليه السلام) - في عمر وجعله الخلافة في ستّة أشخاص -: (حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعَم أنّي أحدُهم، فيا لله ولِلشورى! متى اعترض الريب فيَّ مع الأوّل منهم، حتى صرتُ أُقرَن إلى هذه النظائر!!) (4)
1077 - تاريخ الطبَري عن المِسوَر بن مخرمة عن الإمام عليّ (عليه السلام) - في خطبته في قضيّة الشورى -: (الحمد لله الذي بعث محمّداً منّا نبيّاً، وبعثه إلينا رسولا، فنحن
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 1 / 189.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 228، الكامل في التاريخ: 2 / 220، شرح نهج البلاغة: 1 / 191 وزاد فيه (و ارفع نفسك عنهم) بعد (لا تدخل معهم).
(3) نهج البلاغة: الخطبة 74.
(4) نهج البلاغة: الخطبة 3، الإرشاد: 1/288، معاني الأخبار: 361/1، علل الشرائع: 151/12، الجمَل: 126 وفيه (احتلج) بدل (اعترض)، الاحتجاج: 1 / 454 / 105 كلّها عن ابن عبّاس، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 205، نثر الدرّ: 1 / 275؛ تذكرة الخواصّ: 124 كلاهما نحوه.
بيت النبوّة، ومعدِن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاةٌ لمَن طلَب، لنا حقّ إنْ نُعطَه نأخذُه، وإنْ نُمنَعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السُّرى (1) ؛ لو عهد إلينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عهداً لأنفذنا عهدَه، ولو قال لنا قولاً لجادلنا عليه حتى نموت.
لنْ يُسرع أحدٌ قبلي إلى دعوةِ حقٍّ وصلَة رحِمٍ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، اسمَعوا كلامي، وعُوا منطقي، عسى أنْ ترَوا هذا الأمر من بعد هذا المجمع تُنتضَى فيه السيوف، وتُخان فيه العُهود؛ حتى تكونوا جماعةً، ويكون بعضُكم أئمّةً لأهل الضلالة، وشيعةً لأهل الجهالة)، ثمّ أنشأ يقول:
فإنْ تكُ جاسمٌ هَلَكَتْ فإنِّي |
بما فعلَتْ بنو عبدِ بنِ ضخْمِ |
|
مُطيعٌ في الهواجِرِ كلّ عَيّ |
بصيرٌ بالنّوَى من كلّ نَجْمِ (2) |
1078 - الإمام عليّ (عليه السلام): (لنا حقٌّ، فإنْ أُعطيناه، وإلاّ ركِبنا أعجاز الإبل، وإنْ طال السُّرَى (3) .
____________________
(1) قال الشريف الرضي: وهذا من لطيف الكلام وفصيحه، ومعناه: أنّا إنْ لم نُعطَ حقّنا كُنّا أذلاّء. وذلك أنّ الرديف يركب عجُزَ البعير كالعبد والأسير ومَن يجري مجراهما (نهج البلاغة: ذيل الحكمة 22). وقال ابن الأثير في النهاية: منه حديث عليّ: (لنا حقٌّ إنْ نُعطَهُ نأخذه، وإنْ نُمنَعه نركب أعجاز الإبل وإنْ طال السُّرَى)، الرُّكوب على أعجاز الإبل شاقٌّ: أي إنْ مُنعنا حقّنا ركبنا مركب المشقّة صابرين عليها وإنْ طال الأمَد. وقيل: ضَرَب أعجاز الإبل مثلاً لتأخُّره عن حَقِّه الذي كان يراه له وتقدُّم غيره عليه، وأنّه يَصبِر على ذلك وإنْ طال أمَدُه: أي إنْ قُدِّمنا للإمامة تَقدّمنا، وإنْ أُخِّرنا صَبرنا على الأُثرة وإنْ طالت الأيّام (النهاية: 3 / 185).
(2) تاريخ الطبري: 4 / 236، الكامل في التاريخ: 2 / 225 كلاهما عن المسوَر بن مخرمة.
(3) نهج البلاغة: الحكمة 22، المناقب لابن شهر آشوب: 1 / 274؛ تاريخ الطبري: 4 / 236، الكامل في التاريخ: 2 / 225 كلّها نحوه.
1079 - الإرشاد عن جُندب بن عبد الله: دخلتُ على عليِّ بن أبي طالب بالمدينة بعد بيعة الناس لعثمان فوجدته مُطرِقاً كئيباً، فقلتُ له: ما أصاب قومك؟!
قال: (صبرٌ جميلٌ).
فقلتُ له: سُبحانَ الله! واللهِ إنّك لصبورٌ.
قال: (فأصنعُ ماذا؟!)
فقلت: تقومُ في الناس، وتدعوهم إلى نفسك، وتخبرهم أنّك أولى بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) بالفضل والسابقة، وتسألُهم النصرَ على هؤلاء المتمالئين عليك (1) ، فإنْ أجابك عشرةٌ من مِئة شَدَدْتَ بالعشرة على المِئة، فإنْ دانوا لك كان ذلك على ما أحببْتَ، وإنْ أبوا قاتلتَهُم، فإنْ ظهرتَ عليهم فهو سلطان الله الذي آتاهُ نبيّهُ (عليه السلام) وكنتَ أولى به منهم، وإنْ قُتلتَ في طلبه قُتلتَ شهيداً، وكنت أولى بالعذر عند الله، وأحقَّ بميراث رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
فقال: (أتراهُ - يا جُندبُ - يُبايعُني عشرةٌ من مئة؟!)
قلت: أرجو ذلك.
قال: (لكنّني لا أرجو ولا مِن كلِّ مِئةٍ اثنين، وسأُخبرك مِن أين ذلك، إنّما ينظر الناس إلى قريش، وإنّ قريشاً تقول: إنّ آل محمّد يرونَ لهم فضلاً على سائر الناس، وإنّهم أولياء الأمر دون قريش، وإنّهم إنْ وَلُوْهُ لم يخرجْ منهم هذا السلطان إلى أحدٍ أبداً، ومتى كان في غيرهم تداولتموه بينكم، ولا - واللهِ - لا تدفع قريشٌ إلينا هذا السلطان طائعين أبداً).
فقلت له: أ فَلا أرجع فاُخبر الناس بمقالتك هذه، وأدعوهم إليك؟
____________________
(1) المتمالئين عليك: أي الذين تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا (النهاية: 4 / 353).
فقال لي: (يا جُندبُ، ليس هذا زمان ذاك).
فرجعتُ بعد ذلك إلى العراق، فكنتُ كلّما ذكرتُ للناس شيئاً من فضائل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ومناقبه وحقوقه زَبرُوني ونَهَرُوني، حتى رُفِعَ ذلك من قولي إلى الوليد بن عقبة لياليَ وَلِيَنَا، فبعث إليّ فحبسني حتى كُلّمَ فيّ فخلَّى سبيلي (1) .
3 / 6
شِقشِقة هدرت!
1080 - الإمام عليّ (عليه السلام) - من خطبةٍ له (عليه السلام) -: (أما والله لقد تقمّصها فلان (2) ، وإنّه ليعلَم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحا، ينحدِر عنّي السيل، ولا يرقى إليّ الطير؛ فسدلْتُ دونها ثوباً، وطويتُ عنها كشحاً، وطَفِقْتُ أرتَئي بين أنْ أصولَ بيدٍ جذّاء (3) ، أو أصبر على طخيةٍ (4) عمياء، يهرَم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدَح فيها مؤمنٌ حتى يلقى ربّه!
فرأيتُ أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرتُ وفي العين قذى (5) ، وفي الحلق شجاً (6) ، أرى تُراثي نَهباً، حتى مضى الأوّل لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده.
ثمّ تمثّل بقول الأعشى:
____________________
(1) الإرشاد: 1 / 241، الأمالي للطوسي: 234 / 415؛ شرح نهج البلاغة: 9 / 57 نحوه.
(2) قمصتُه قميصاً: إذا ألبَستُه، وأراد بالقميص الخلافة، وهو من أحسَن الاستعارات (النهاية: 4 / 108).
(3) جَذَّاء: مقطُوعة، كنّى به عن قُصور أصحابه وتقاعُدِهم عن الغَزوِ، فإنّ الجندَ للأمير كاليد (النهاية: 1 / 250).
(4) الطَّخْيَة: الظلمةُ والغَيمُ (النهاية: 3/116).
(5) القَذى: ما يقع في العين والماء والشراب من تُراب أو تِبْن أو وسخ أو غير ذلك (النهاية: 4 / 30).
(6) ما يَنْشَبُ في الحَلْق من عظم ونحوه فَيُغَصُّ به (مجمع البحرين: 2 / 932).
شتّان ما يومي على كُورِها (1) |
ويومُ حيَّان أخي جابِرِ |
فيا عجباً!! بينا هو يستقيلُها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته - لشدّ ما تشطَّرا ضَرْعَيْهَا! - فصيّرها في حوزةٍ خشناء يغلُظُ كلمها، ويخشنُ مسُّها، ويكثُر العِثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة إنْ أشنق لها خرَم، وإنْ أسلَس لها تقحّم، فمُني الناس - لعمرُ الله - بخبطٍ وشماس، وتلوّنٍ واعتراض؛ فصبرت على طول المدّة، وشدّة المحنة؛ حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعةٍ زعَم أنّي أحدُهم، فيا لله وللشورى! متى اعترض الريب فيَّ مع الأوّل منهم، حتى صرت اُقرن إلى هذه النظائر! لكنّي أسفَفت إذ أسفُّوا، وطرت إذ طاروا؛ فصغا رجلٌ منهم لضِغنه، ومال الآخر لصهره، مع هنٍ وهنٍ، إلى أنْ قام ثالث القوم نافجاً حضنَيْه، بين نَثِيلهِ ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، إلى أنْ انتكث عليه فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته!
فما راعني إلاّ والناس كعرف الضبع إليّ، ينثالون علَيَّ من كلّ جانبٍ، حتى لقد وطِئ الحسَنَان، وشُقّ عطفي، مجتمعين حولي كربيضة الغنَم، فلمّا نهضتُ بالأمر نكَثَت طائفة، ومرَقَت أُخرى، وقسط آخرون: كأنّهم لم يسمَعوا الله سبحانه يقول: ( تِلْكَ الدَّارُ الاَْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرض وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (2) بلى! والله لقد سمعوها ووَعَوْهَا، ولكنّهم حليَت الدنيا في أعينِهم وراقهم زِبرِجُها!
أما والذي فلَق الحبّة، وبرَأ النسَمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألاّ يُقارّوا على كظّة ظالم، ولا سغبِ
____________________
(1) الكُور بالضمّ: الرَّحل، وقيل: الرَّحل بأداته (لسان العرب: 5 / 154).
(2) القصص: 83.
مظلوم، لأَلقيتُ حبلها على غاربها، ولسقيْتُ آخرها بكأسِ أوّلها، ولألفيتم دُنياكم هذه أزهد عندي من عفطةِ عَنْز!)
قالوا: وقام إليه رجلٌ من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته، فناوله كتاباً - قيل: إنّ فيه مسائل كان يريد الإجابة عنها - فأقبل ينظر فيه، فلمّا فرغ من قراءته، قال له ابن عبّاس: يا أمير المؤمنين، لو اطّردَتْ خطبتُك من حيث أفضيت!
فقال: (هيهات يابن عبّاس! تلك شِقشِقةٌ هدَرَت ثُمَّ قرّت!)
قال ابن عبّاس: فو الله، ما أسفتُ على كلامٍ قطّ كأسَفي على هذا الكلام ألاّ يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) بلَغ منه حيث أراد (1) .
. راجع: القسم السابع / احتلال مصر / خطبة الإمام بعد قتل محمّد بن أبي بكر
. ورسالة الإمام المفتوحة إلى اُمّة الإسلام
____________________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 3، الإرشاد: 1 / 287، معاني الأخبار: 361 / 1، علل الشرائع: 150 / 12، الأمالي للطوسي: 372 / 803، الاحتجاج: 1 / 452 / 105، المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 204، نثر الدرّ: 1 / 274؛ تذكرة الخواصّ: 124 كلّها نحوه.
نظرة تحليليّة لوقائع الشورى
تبلوَرَت وقائع الخلافة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على نحو مُدهِش ومُلفِت للنظر، وانتهت بحادثة السقيفة واستخلاف أبي بكر، وادُّعي أنّ خلافته كانت موضع إجماع. ثمّ إنّه نصّب عمر خليفةً من بعده، وهكذا فقد سنَّ سُنّة (الاستخلاف).
وفي الأيّام الأخيرة من حياة عمر، أخذ يفكّر - وهو على فراش الموت - بمستقبل الأُمّة الإسلاميّة، وتدلّ النصوص التاريخيّة بكلّ جلاء على أنّه كان يفكّر أيضاً بنوع من الاستخلاف أيضاً، وأنّه ذكر أسماء جماعة وقال لو أنّهم كانوا أحياءً لعهِدَ إليهم أمر الخلافة؛ منهم: معاذ بن جبل (1) ، وأبو عبيدة الجرّاح (2) ، وسالم مولى أبي حذيفة... (3) .
وعلى كلّ حال؛ فإنّ عمر كان يفكّر بالشورى؛ ولكن الشورى التي تضمن له تحقيق أهدافه بشكلٍ أو آخر، على أنْ لا يُتجاهل فيها أمر عليّ (عليه السلام)، على اعتبار
____________________
(1) الطبقات الكبرى: 3 / 590، تاريخ المدينة: 3 / 881، الإمامة والسياسة: 1 / 42.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 227، الطبقات الكبرى: 3 / 412، تاريخ المدينة: 3 / 881، الفتوح: 2 / 325.
(3) تاريخ الطبري: 4/227، الطبقات الكبرى: 3 / 343، تاريخ المدينة: 3 / 881، الفتوح: 2 / 86.
أنّ عليّاً لا يمكن تجاهِلُه في مثل هذا الأمر، وهذه الحقيقة لم تكن خافية عن نظَر عمر، ولهذا السبب؛ فإنّه حينما استدعى أحد الأنصار للتشاور معه في أمر الخلافة، فعدّد الأنصاري جماعة من المهاجرين ولم يُسَمِّ عليّاً، فقال عمر: فما لهم من أبي الحسن! فو الله إنّه لأحراهم إنْ كان عليهم، أنْ يُقيمهم على طريقةٍ من الحقّ (1) .
وهكذا عيّن عمر جماعة للشورى قوامهم ستّة أشخاص، وقد انتقد كلَّ واحدٍ منهم بصفةٍ سيّئةٍ فيه، إلاّ عليّاً؛ فقد نسبه إلى المزاح! ولكنّه أكّد أيضاً أنّه أحراهم أنْ يُقيمهم على سنّة نبيّهم (2) .
وسمّى عمر أعضاء الشورى الذين يجب أنْ يختاروا الخليفة من بينهم، وهم: عليّ (عليه السلام)، وعثمان بن عفّان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الرحمان بن عوف.
لم يكن عمر يحمل مشاعر طيّبة تجاه بني هاشم، ولا تجاه عليّ (عليه السلام). وكان أكثر حنكةً وذكاءً من أنْ يسمّي للشورى أشخاصاً يختارون عليّاً ولو على سبيل الاحتمال (3) .
وقد رسَم عمر طريقة عمَل الشورى وموازناته، فهم يجب أنْ يجتمعوا في دارٍ تحت مراقبة خمسين رجُلاً من الأنصار حتى يختاروا رجلاً من بينهم؛ فإنْ اتّفق خمسةٌ على رجلٍ وأبى واحد يُضرب عنقه، وإنْ اتّفق أربعة وأبى اثنان يُضرب عُنقاهما، فإنْ رضيَ ثلاثة منهم رجلاً، وثلاثة رجلاً، يجب عندئذ تحكيم
____________________
(1) المصنَّف لعبد الرزّاق: 5 / 446 / 9761، الأدب المفرد: 176 / 582.
(2) المصنَّف لعبد الرزّاق: 5 / 447 / 9762، تاريخ المدينة المنوّرة: 2 / 880؛ نثر الدرّ: 2 / 49.
(3) كلام عمر مع ابن عبّاس في هذا الصدد له مغزاه. انظر تاريخ الطبري: 4 / 223.
عبد الله بن عمر؛ فإنْ لم يرضَوا بحكمِه، يجب قبول خيار الجهة التي فيها عبد الرحمان بن عوف (1) .
كانت المعادلة التي أرادها الخليفة واضحة تماماً. وكانت نتيجتها معروفة منذ البداية لكلّ لبيب. ولهذا السبب فقد حثّ ابن عبّاس عليّاً على عدم الدخول في الشورى، لكنّ عليّاً قال: (لا، بل أدخُل معهم في الشورى؛ لأنّ عمر قد أهّلني الآن للخلافة، وكان قبل ذلك يقول: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: إنّ النبوّة والإمامة لا يجتمعان في بيت!! فأنا أدخل في ذلك لأُظهِر للناس مناقضة فعلِه لروايته) (2) .
ولكنّه أكّد بصريح القول أنّ عمر قد عدَل - بهذا التركيب - الخلافة عن بني هاشم، قائلا: (قد قُرن بي عثمان، ويجب اتّباع الأكثريّة؛ فسعد لا يُخالف ابنَ عمّه عبد الرحمان، وعبد الرحمان صهر عثمان، وهما لا يختلفان؛ فلو كان الآخران معي لم ينفعاني) (3) .
تنحّى طلحة جانباً لصالح عثمان (على أساس الرواية التي تقول إنّ طلحة قد حضَر الشورى)، وتنحّى الزبير جانباً لصالح عليّ (عليه السلام)، وتنازل سعد عن حقّه لصالح عبد الرحمان. وأعلن عبد الرحمان أنّه أخرج نفسه من الخلافة، واقترح على الآخرَين (عليّ (عليه السلام) وعثمان) أنْ يفوّض أحدهما حقّه للآخر، فسَكَتا. وذكر الطبَري أنّ عبد الرحمان بقي ليالي متوالية يُشاور رؤسَاء الجيش والأشراف، وكان لا يخلو بواحد منهم حتى يأمره بعثمان (4) . حتى إذا انتهت الأيّام الثلاثة
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 229، الإمامة والسياسة: 1 / 43.
(2) شرح نهج البلاغة: 1 / 189.
(3) الإرشاد: 1 / 285؛ تاريخ الطبري: 4 / 229، شرح نهج البلاغة: 1 / 191.
(4) تاريخ الطبري: 4 / 231، تاريخ المدينة: 3 / 928، يقول عبد العزيز الدوري: (و تخبرنا المصادر أيضاً أنّ عبد الرحمان استشار أشراف الناس وأمراء الأجناد، وحاول معرفة رأي عامّة الناس... فوجدهم يشيرون عليه بعثمان، وهذا يوحي بدعايةٍ واسعة نظّمها بنو أُميّة لمرشّحهم، وقد كان بنو أُميّة يسعون لاستعادة نفوذهم بالتدريج منذ فتح مكّة، ونجحوا في ذلك نجاحاً كبيراً خلال فترة الخليفتين الأوّلين). مقدّمة في تاريخ صدر الإسلام: 50.
اجتمع الناس صباحاً في المسجِد، فخرج إليهم عبد الرحمان وقال: إنّي نظرت في الناس فلَم أرهم يعدلون بعثمان أحداً (1) . بينما صاح عمّار والمقداد مؤكّدَين على انتخاب عليّ (عليه السلام). وارتفعت الأصوات في المسجِد، وصاح عمّار: لماذا تُبعدون هذا الأمر عن أهل بيت الرسول؟! (2)
ثمّ إنّ عبد الرحمان بن عوف قال لعليّ (عليه السلام): هل تعاهِد الله على العمل بكتاب الله وسنّة نبيّه وسيرة أبي بكر وعمر؟ فقال: (لا، ولكن أسير على كتاب الله وسنّة رسول الله قدر وسعي).
ولمّا عرَض هذا السؤال على عثمان، قال: أعمل بالقرآن وسنّة رسول الله وسيرة الشيخين. ثمّ كرّر عبد الرحمان سؤاله لعليّ (عليه السلام)، فأجابه (عليه السلام) كما أجابه من قبل، وأضاف لا حاجة مع كتاب الله وسيرة نبيّه إلى سيرة أحَد، ولكنّك تريد أنْ تزوي هذا الأمر عنّي (3) .
وهكذا اختار عبد الرحمان بن عوف عثمان للخلافة، وأجلَسه على مسند السلطة.
وذُبِح الحقّ مرّة أُخرى على مذبح الزيف والفتنة، ووجَد الذين سلّوا سيف
____________________
(1) المصنّف لعبد الرزّاق: 5 / 477 / 9775.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 2333، شرح نهج البلاغة: 12 / 194 وانظر أيضاً الأمالي للمفيد: 114 / 7، تاريخ المدينة: 3 / 929.
(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 162؛ شرح نهج البلاغة: 1 / 188 وج 12 / 262، البدء والتاريخ: 5 / 192.
العداوة ضدّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سنوات طويلة، أنّ الفرصة قد سنَحَت الآن في ظلّ الدعم الذي يوفّره لهم خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لكي يستأنفوا مواقفهم العدائيّة ضدّه.
ولمّا رأى عليّ (عليه السلام) الأمر على هذه الشاكلة قال لعبد الرحمان:
(حبوته حبوَ الدهر، ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا، ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ) ) (1) .
ثمّ قال له:
(والله ما ولّيتَ عثمان إلاّ ليردّ الأمر إليك) (2) .
وصاح المقداد:
(ما رأيت مثل ما أُوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم! إنّي لأعجَب من قريش أنّهم تركوا رجلاً ما أقول أنّ أحداً أعلَم ولا أقضى منه بالعدل. أما والله لو أجد عليه أعواناً) (3) .
ثمّ إنّ عماراً قال من شدّة حرصه على الإسلام:
يا ناعيَ الإسلام قُم فانعَهُ |
قد مات عرفٌ وأتى منكرُ (4) |
أوَلم يكن الأمر كذلك؟ أ وَلم يُنعَ الإسلام من خلال تسلّط بني أُميّة؟!
أوَلم تنبعث الجاهليّة من جديد؟ فقد خرَج عثمان في الليلة التي بويع له في
____________________
(1) يوسف: 18.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 233، تاريخ المدينة: 3 / 930.
(3) تاريخ الطبري: 4 / 233، تاريخ المدينة: 2 / 931.
(4) البدء والتاريخ: 5 / 192، شرح نهج البلاغة: 12 / 266.
يومها إلى صلاة العشاء وبين يدَيه شمعة، فلَقيَه المقداد، فقال: ما هذه البدعة؟! (1)
ولغرَض تعميم وإكمال البحث نورد الملاحظات التالية:
1 - ذكرنا أنّ عليّاً (عليه السلام) قال لعبد الرحمان بن عوف:
(و الله ما ولّيت عثمان إلاّ ليردّ الأمر إليك).
ولم يُصرّح (عليه السلام) بمثل هذا الكلام إلاّ انطلاقاً من معرفته بأحوال المتلاعبين بالسياسة ودعاة الفِتَن، لو كانت يومذاك ثمّةَ آذان واعية. وجاء الشاهد على صدق كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما نقَلُه المؤرّخون؛ من أنّ عثمان بعدما اشتدّ عليه المرَض دعا كاتباً، وأمره أنْ يكتِب عهده بالخلافة من بعده لعبد الرحمان: فكتب بما أمره (2) .
2 - لماذا لم يوافق الإمام (عليه السلام) على شرط عبد الرحمان؟
لأنّه كانت قد مرّت حينذاك سنوات على وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ووقَعَت فيها تغيّرات كثيرة، وصدرت أحكام كثيرة مناقِضة لحُكم الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وبُدّلت سنّته (صلّى الله عليه وآله) في موارد كثيرة (3) .
فكيف كان يتسنّى للإمام (عليه السلام) قبول هذا الشرط؟ ولو أنّه قبله وتسلّم زمام الأمور - على فرض المحال - كيف كان يتسنّى له التوفيق بين تلك المتناقضات؟ وما كان عساه يفعل مع تلك التغييرات؟
هل كان الناس على استعداد لقبول إعادة الحقائق إلى مسارها الأوّل؟ فقد
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 163.
(2) تاريخ المدينة: 3 / 1029، تاريخ دمشق: 15/178؛ تاريخ اليعقوبي: 2 / 169.
(3) راجع كتاب (النصّ والاجتهاد) للعلاّمة السيّد شرف الدين.
أثبت عهد خلافة الإمام عليّ (عليه السلام) عدَم استعداد الناس لقبول عودة الحقائق إلى مسارها الأوّل، مع أنّ الكثير من المسائل قد تجلّت بكلّ وضوح يومذاك، ومع أنّ الناس قد أقبلوا بأنفسِهم عليه، غير أنّه كان يواجه صعوبة في كثير من القرارات، والمثال الواضح على ذلك (صلاة التراويح).
ولو عرضنا هذا السؤال من زاوية أُخرى وقلنا: لماذا لم يقبَل الإمام شرط عبد الرحمان؟ نلاحظ هنا أنّه (عليه السلام) كان أمام معادَلَتين:
الأُولى: قبول الشرط وإقامة حكومة العدل الإسلامي.
الثانية: عدَم قبول الشرط؛ لأنّه لم يكُن حقّاً، مع التضحية بهذا المنصب الخطير.
والوجه الآخر للسؤال هو: هل كان عبد الرحمان يعقد له البيعة لو أنّه قبل ذلك الشرط؟
يمكن القول بجزم - من خلال الأخبار التي نقلناها عن الشورى، وما كان فيها من تدبير، وكذلك من خلال كلام الإمام (عليه السلام) مع عبد الرحمان - بأنّ الجواب هو السلب طبعاً. وقد أدرك عليّ (عليه السلام) بعمق نظره الخاصّ بأنّ كلّ هذه التمهيدات التي اتُّخذت جاءت لتبرير قرار متّخذ مسبقاً. ولو أنّ الإمام وافق على الشرط؛ فإنَّ عثمان كان يوافق عليه أيضاً، وفي مثل هذه الحالة كان عبد الرحمان سيلجأ إلى ذريعة أخرى، كأنْ يقول مثلا - كما مرّ علينا - بأنَّ رؤساء الجيش، وزعَمَاء القبائل يميلون إلى عثمان، وتكون النتيجة هي انتخاب عثمان أيضاً، وستكون نتيجة القبول بهذا الشرط هي إضفاء الشرعيّة من قِبَل عليّ (عليه السلام) على قرارات الشيخين، وحاشا أنْ ينخدع عليّ - الذي يخترق بصره الحُجُب السطحيّة ويرى الحقائق - بمثل هذه المشاهد.
3 - كانت معادلة الشورى واضحة مسبقاً ولهذا السبب أمَر عمر بضرب عنُق كلّ مَن يُعارض، وبعد البيعة لعُثمان من قِبَل ابن عوف وسائر أعضاء الشورى، ظلّ عليٌّ واقفاً ولم يُبايِع، فقال له ابن عوف: بايِع وإلاّ ضُربَتُ عُنُقَك! فخرج من الدار وتبِعَه أصحاب الشورى وقالوا: بايِع وإلاّ جاهدناك! (1) وهذا ما جعل الشريف المرتضى يقول بألَم:
(فأيّ رضاً هاهنا؟!... وكيف يكون مختاراً من تهدَّد بالقتل وبالجهاد) (2) .
4 - التطميع بالخلافة
الملاحظة الأخيرة في هذا المضمار هي أنّ عمر أجَّج بعملِه هذا نار الطمَع بالخلافة في قلوب أعضاء الشورى. وقد أشار الشيخ المفيد إلى هذا المعنى بقوله: إنّ سعد بن أبي وقّاص ما كان يري نفسه شيئاً أمام عليّ (عليه السلام)، إلاّ أنّ وجوده في الشورى بعث في نفسه شعوراً بالأهليّة للخلافة. ونقل ابن أبي الحديد أيضاً هذا التحليل عن أُستاذه. وكان طلحة أيضاً يستدلّ بوجوده في الشورى على مجابهته لعليّ (3) . وأشار معاوية أيضاً إلى هذا المعنى في إحدى محاوراته (4) .
وعلى كلّ حال؛ فإنّ عمر قد دأَبَ مرّة أُخرى من خلال الشورى التي أوجدَها على طمس (حقّ الخلافة) وسحق حرمتها. وسلّط بني أُميّة على رقاب الأُمّة
____________________
(1) أنساب الأشراف: 6/128، شرح نهج البلاغة: 9 / 55 وج 12 / 265، الإمامة والسياسة: 1/176؛ الصراط المستقيم: 3/117.
(2) شرح نهج البلاغة: 12 / 265.
(3) الإمامة والسياسة: 1 / 95. راجع: القسم السادس / وقعة الجمَل / جهود الإمام لمنع القتال / مناقشات الإمام وطلحة.
(4) العقد الفريد: 3/289، تاريخ دمشق: 19/197.
فاقترفوا كلّ تلك المفاسِد. وعمِل من خلال غرسه لروح التطلّع إلى الخلافة في نفوس أشخاص مثل طلحة والزبير، على تمهيد الأجواء لنشوب الصراعات اللاحقة.
ونحن نؤكّد من خلال استقراء تلك الحادثة وكيفيّة تبلور وقائعها بأنَّ الحقّ هو ما جاء في تحليل مُجرياتها إجمالاً، ليس إلاّ... والله من وراء القصد.
الفصل الرابع
مبادئ الثورة على عثمان
4 / 1
الترَف
1081 - مروج الذهب: بنى [عثمان] داره في المدينة، وشيّدها بالحجَر والكِلْس، وجعل أبوابها من الساج والعَرعَر، واقتنى أموالا وجِناناً وعيوناً بالمدينة.
وذكر عبد الله بن عتبة: أنّ عثمان يوم قُتِل كان له - عند خازنه - من المال خمسون ومِئة ألف دينار، وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القُرى وحُنين وغيرهما مِئة ألف دينار، وخلّف خيلاً كثيراً وإبلاً (1) .
1082 - الطبقات الكبرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: كان لعثمان بن عفّان عند خازنه يوم قُتل ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمِئة ألف درهم، وخمسون
____________________
(1) مروج الذهب: 2 / 341.
ومِئة ألف دينار، فانتُهِبت، وذهبَت. وترك ألف بعير بالرَّبَذة (1) ، وترَك صدَقات - كان تصدَّق بها ببراديس وخيبر (2) ووادي القرى (3) - قيمةَ مِئتي ألف دينار (4) .
1083 - تاريخ الطبري عن عبد الله بن عامر: كنت أفطر مع عثمان في شهر رمضان، فكان يأتينا بطعام هو أليَن من طعام عمر؛ قد رأيت على مائدة عثمان الدرمَك الجيّد، وصغار الضأن كلّ ليلة، وما رأيت عمر قطّ أكل من الدقيق منخولا، ولا أكل من الغنَم إلاّ مَسانّها، فقلت لعثمان في ذلك، فقال: يرحم الله عمر! ومن يُطيق ما كان عمر يطيق! (5)
1084 - أنساب الأشراف عن سليم أبى عامر: رأيت على عثمان بُرداً ثمنه مِئة دينار (6) .
1085 - الطبقات الكبرى عن محمّد بن ربيعة بن الحارث: كان أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوسّعون على نسائهم في اللباس الذي يُصان ويتجمّل به. ثمّ يقول: رأيت على عثمان مطرف خزٍّ ثمن مِئتي درهَم، فقال: هذا لنائلة كسوتُها إيّاه، فأنا ألبسه أسرّها به (7) .
____________________
(1) الرَّبَذة: من قرى المدينة؛ على ثلاثة أيّام، قريبة من ذات عِرْق على طريق الحجاز (معجم البلدان: 3 / 24).
(2) خَيْبَر: ناحية على ثمانية برد [ حوالي 200 كم] من المدينة لمَن يُريد الشام (معجم البلدان: 2/409).
(3) وَادي القُرى: وهو وادٍ بين المدينة والشام، من أعمال المدينة، كثير القرى (معجم البلدان: 5/345).
(4) الطبقات الكبرى: 3 / 76، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 461 نحوه وليس فيه من (كان تصدّق) إلى (القرى)، البداية والنهاية: 7 / 192 وفيه (بئر أريس) بدل (ببراديس).
(5) تاريخ الطبري: 4 / 401.
(6) أنساب الأشراف: 6 / 102، الطبقات الكبرى: 3 / 58 وفيه (بُرداً يمانيّاً ثمنه مِئة درهم).
(7) الطبقات الكبرى: 3 / 58، أنساب الأشراف: 6 / 102 وفيه (مِئة دينار) بدل (مِئتي درهم).
1086 - الصواعق المحرقة: جاءه [عثمان] أبو موسى بحليةٍ ذهَب وفضّة، فقسمها بين نسائه وبناته، وأنفق أكثر بيت المال في ضِياعه (1) ودُوره (2) .
1087 - الأخبار الموفّقيّات عن الزهري: لمّا أُتي عمر بجوهر كسرى، وضِع في المسجد، فطلعت عليه الشمس فصار كالجمر، فقال لخازن بيت المال: ويحك! أرِحني من هذا، واقسِمه بين المسلمين؛ فإنّ نفسي تحدّثني أنّه سيكون في هذا بلاءٌ وفتنةٌ بين الناس.
فقال: يا أمير المؤمنين، إنْ قسمته بين المسلمين لم يسَعهم، وليس أحدٌ يشتريه؛ لأنّ ثمنه عظيم، ولكن ندَعه إلى قابل، فعسى الله أنْ يفتح على المسلمين فيشتريه منهم مَن يشتريه. قال: ارفعه، فأدخله بيت المال. وقُتِل عمر وهو بحاله، فأخذه عثمان - لمّا وُلّي الخلافة - فحلّى به بناته.
فقال الزهري: كلٌّ قد أحسن؛ عمر حين حرم نفسه وأقاربه، وعثمان حين وصل أقاربه!! (3)
1088 - تاريخ اليعقوبي: كان عثمان جواداً وَصُولاً بالأموال، وقدّم أقاربه وذوي أرحامه، فسوّى بين الناس في الأعطية. وكان الغالب عليه مروان بن الحكم بن أبي العاص، وأبو سفيان بن حرب (4) .
1089 - دول الإسلام - في الثورة على عثمان -: أخذوا ينقمون على خليفتهم عثمان؛ لكونه يعطي المال لأقاربه، ويولّيهم الولايات الجليلة، فتكلّموا فيه،
____________________
(1) الضَّيعة: الأرض المُغلّة، والجمع ضِيَع وضِياع (لسان العرب: 8 / 230).
(2) الصواعق المحرقة: 113، السيرة الحلبيّة: 2 / 78 وفيه (بكيلة) بدل (بحلية).
(3) الأخبار الموفّقيّات: 612 / 396، شرح نهج البلاغة: 9 / 16.
(4) تاريخ اليعقوبي: 2 / 173.
وكان قد صارَ له أموالٌ عظيمة، وله ألف مملوك (1) .
4 / 2
جعل المال دولةً بين الأغنياء
4 / 2 - 1
استئثار عمّه الحكَم بن أبي العاص
1090 - العقد الفريد: ممّا نقم الناس على عثمان أنّه آوى طريد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الحكَم ابن أبي العاص، ولم يؤوِه أبو بكر ولا عمر، وأعطاه مِئة ألف (2) .
1091 - أنساب الأشراف عن ابن عبّاس: كان ممّا أنكروا على عثمان أنّه ولّى الحكم ابن أبي العاص صدَقات قُضاعة (3) ، فبلغت ثلاثمِئة ألف درهم، فوهَبَها له حين أتاه بها (4) .
. راجع: تولية أعداء الإسلام من أقربائه على البلاد
4 / 2 - 2
استئثار ابن عمّه مروان بن الحكم
1092 - تاريخ اليعقوبي: أغزى عثمان الناس إفريقيّة (5) سنة سبع وعشرين...
____________________
(1) دول الإسلام: 16.
(2) العقد الفريد: 3 / 291، المعارف لابن قتيبة: 194 نحوه، شرح نهج البلاغة: 1 / 198.
(3) قُضاعَة: حيّ باليمن (تاج العروس: 11 / 377).
(4) أنساب الأشراف: 6 / 137، شرح نهج البلاغة: 3 / 35؛ الشافي: 4 / 273 كلاهما نحوه من دون إسنادٍ إلى الراوي.
(5) إفريقيّة: بلادٌ واسعة ومملكةٌ كبيرة قبالة جزيرة صقلية، وينتهي آخرها إلى قبالة جزيرة الأندلُس. وحدود هذه البقعة من العالم هي: من الشمال البحر الأبيض المتوسّط، ومن الشمال الشرقي البحر الأحمر، ومن الشرق المحيط الهندي، ومن الغرب المحيط الأطلسي (راجع معجم البلدان: 1/228).
وكثرت الغنائم، وبلغت ألفَي ألف دينار وخمسمِئة ألف دينار وعشرين ألف دينار.
وروى بعضهم: أنّ عثمان زوّج ابنته من مروان بن الحكَم، وأمر له بخُمس هذا المال (1) .
1093 - أنساب الأشراف عن عبد الله بن الزبير: أغزانا عثمان سنة سبعٍ وعشرين إفريقيّة، فأصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح غنائم جليلة، فأعطى عثمانُ مروانَ بن الحكم خُمس الغنائم (2) .
1094 - تاريخ أبي الفداء: أقطع [عثمانُ] مروانَ بن الحكم فدَكَ (3) ، وهي صدَقةُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) التي طلَبَتْها فاطمة ميراثاً! فروى أبو بكر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): نحن معاشر الأنبياء لا نُورِّث؛ ما تركناه صدقة. ولم تزَل فدَك في يد مروان وبنيه إلى أنْ تولّى عمر بن عبد العزيز، فانتزعها من أهله وردّها صدقة (4) .
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 165 وراجع الجمل: 183.
(2) أنساب الأشراف: 6 / 136، تاريخ الطبري: 4 / 256 نحوه، شرح نهج البلاغة: 3 / 37 وفيه (تلك الغنائم)بدل (خُمس الغنائم)، البداية والنهاية: 7 / 152 وفيه (و صالحه بطريقها على ألفَي ألف دينار وعشرين ألف دينار فأطلقها كلّها عثمان في يومٍ واحد لآل الحكَم ويقال: لآل مروان) بدل (غنائم جليلة...)؛ الشافي: 4 / 275.
(3) فَدَك: قريةٌ في الحجاز، بينها وبين المدينة ثلاثة أيّام كانت لليهود، وبعد فتح خيبر ألقى الله سُبحانه وتعالى في قلوب أهلها الرعب، فصالحوا النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على النصف، فقبِل منهم، فكانت له (صلّى الله عليه وآله) خاصّة؛ لأنّها لم يُوجَف عليها بخيلٍ ولا ركاب، وقد وهَبَها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لبضعتهِ فاطمة (عليها السلام) ثمّ استرجعها منها أبو بكر (معجم البلدان: 4 / 238).
(4) تاريخ أبي الفداء: 1 / 169 وراجع شرح نهج البلاغة: 1 / 198 والمعارف لابن قتيبة: 195.
1095 - شرح نهج البلاغة: أمر [عثمان]... لمروان بن الحكَم بمِئة ألف من بيتِ المال، وقد كان زوّجه ابنته أُمّ أبَان، فجاء زيدُ بن أرقَم - صاحب بيت المال بالمفاتيح، فوضعها بين يدي عثمان وبكى، فقال عثمان: أ تبكي أنْ وصلتُ رحمي!! قال: لا... والله لو أعطيت مروان مِئة درهم لكان كثيراً!! فقال: ألقِ المفاتيح يابن أرقَم؛ فإنّا سنجِد غيرك (1) .
1096 - أنساب الأشراف عن أُمّ بكر بنت المِسوَر: لمّا بنى مروان داره بالمدينة دعا الناس إلى طعامه، وكان المسوَر فيمن دعا، فقال مروان وهو يحدّثهم: والله، ما أنفقت في داري هذه من مال المسلمين درهماً فما فوقه!
فقال المسوَر: لو أكلتَ طعامك وسكتَّ لكان خيراً لك! لقد غزوتَ معنا إفريقيّة وأنّك لأقلّنا مالاً ورقيقاً وأعواناً، وأخفّنا ثقلاً، فأعطاك ابن عفّان خُمس إفريقيّة، وعملتَ على الصدقات فأخذتَ أموال المسلمين!! (2)
4 / 2 - 3
استئثار ابن عمّه الحارث بن الحكَم
1097 - المعارف لابن قتيبة: تصدّق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بمهزور - موضع سوق المدينة - على المسلمين، فأقطعها عثمانُ الحارثَ بن الحكَم؛ أخا مروان بن الحكَم، وأقطَع مروانَ فَدَك وهي صدقة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (3) .
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 1 / 199.
(2) أنساب الأشراف: 6 / 136، شرح نهج البلاغة: 3 / 37، الأوائل لأبي هلال: 127 عن جعفر بن عبد الرحمان ابن المسوَر نحوه؛ الشافي: 4 / 275.
(3) المعارف لابن قتيبة: 195، العقد الفريد: 3 / 291، شرح نهج البلاغة: 1 / 198 كلاهما نحوه.
1098 - أنساب الأشراف عن أُمّ بكر عن أبيها: قدمت إبلُ الصدقة على عثمان، فوهبها للحارث بن الحكَم بن أبي العاص (1) .
1099 - شرح نهج البلاغة: أنكَح [عثمانُ] الحارثَ بن الحكم ابنتَه عائشة، فأعطاه مِئة ألف من بيت المال أيضاً، بعد صَرْفه زيدَ بن أرقَم عن خزنه (2) .
4 / 2 - 4
استئثار صهره عبد الله بن خالد
1100 - تاريخ المدينة عن محمّد بن سلام عن أبيه: قال عبد الله بن خالد لعبد الله بن عمر: كلِّم أميرَ المؤمنين عثمان؛ فإنّ لي عيالاً وعلَيَّ دَيناً. فقال: كلِّمه، فإنّك تجده برّاً وصُولاً. فكلَّمَه، فزوّجه بنته، وأعطاه مِئة ألف (3) .
1101 - تاريخ اليعقوبي: زوّج عثمان بنتَه من عبد الله بن خالد بن أُسيد، وأمَر له بستّمِئة ألف درهم، وكتَب إلى عبد الله بن عامر أنْ يدفعها إليه من بيتِ مال البصرة (4) .
1102 - المعارف لابن قتيبة: وطلب إليه [إلى عثمان] عبدُ الله بن خالد بن أُسيد صلة، فأعطاه أربعمِئة ألف درهم (5) .
____________________
(1) أنساب الأشراف: 6 / 137، شرح نهج البلاغة: 3 / 35، تاريخ الطبري: 4 / 365 وفيه (أُمّ بكر بنت المسْوَر ابن مخرَمة)، الكامل في التاريخ: 2 / 286 وفيهما (فوهبها لبعض بني الحكم)؛ الشافي: 4 / 273 كلاهما من دون إسناد إلى الراوي.
(2) شرح نهج البلاغة: 1 / 199.
(3) تاريخ المدينة: 3 / 1022.
(4) تاريخ اليعقوبي: 2 / 168 وراجع الأوائل لأبي هلال: 130.
(5) المعارف لابن قتيبة: 195، شرح نهج البلاغة: 1 / 198، تاريخ الطبري: 4 / 345، الكامل في التاريخ: 2 / 279 وفيهما (خمسين ألفاً)، العقد الفريد: 3 / 291 وفيه (عبيد الله...)، الفتوح: 2 / 370، تاريخ البصرة: 3 / 91 وفيهما (ثلاثمِئة ألف درهم)؛ الشافي: 4 / 273 وفيه (ثلاثمِئة ألف).
1103 - أنساب الأشراف عن أبي مخنف: كان على بيت مال عثمان عبدُ الله بن الأرقَم...، فاستسلَف عثمان من بيت المال مِئة ألف درهم، وكتب عليه بها عبد الله بن الأرقَم ذِكر حقٍّ للمسلمين، وأشهَد عليه عليّاً، وطلحَة، والزبير، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر، فلمّا حلَّ الأجل ردّه عثمان.
ثمّ قدم عليه عبدُ الله بن خالد بن أُسيد بن أبي العيص - من مكّة - وناسٌ معه غُزاةً، فأمر لعبد الله بثلاثمِئة ألف درهم، ولكلّ رجلٍ من القوم بمِئة ألف درهم، وصَكَّ بذلك إلى ابن أرقم، فاستكثره، وردَّ الصكَّ له.
ويقال: إنّه سأل عثمان أنْ يكتب عليه به ذكر حقّ، فأبي ذلك، فامتنَع ابن الأرقم من أنْ يدفع المال إلى القوم. فقال له عثمان: إنّما أنت خازن لنا، فما حمَلَك على ما فعلت؟!!
فقال ابن الأرقم: كنت أراني خازناً للمسلمين، وإنّما خازنك غلامك!! والله لا ألي لك بيتَ المال أبداً. وجاء بالمفاتيح فعلّقها على المنبر، ويقال: بل ألقاها إلى عثمان. فدفعها عثمان إلى ناتل مولاه، ثمّ ولّى زيدَ بن ثابت الأنصاري بيتَ المال، وأعطاه المفاتيح (1) .
4 / 2 - 5
ما أعطى سعيد بن العاص
1104 - أنساب الأشراف عن أبي مخنف والواقدي: أنكر الناس على عثمان
____________________
(1) أنساب الأشراف: 6 / 173 وراجع شرح نهج البلاغة: 3 / 35 والشافي: 4 / 274.
إعطاءه سعيدَ بن العاص (1) مِئةَ ألف درهم، فكلّمه عليّ والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمان بن عوف في ذلك فقال: إنَّ له قرابةً ورَحِماً!
قالوا: أ فما كان لأبى بكر وعمر قرابة وذَوُو رحم؟!
فقال: إنّ أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أحتسبُ في إعطاء قرابتي (2) .
____________________
(1) سعيد بن العاص بن سعيد بن أُحيحة بن العاص بن أُميّة. كان من أقارب عثمان (الطبقات الكبرى: 5 / 30 - 32)، ونشأ في بيته وفي ظلّ تربيته (البداية والنهاية: 8 / 83). قُتل أبوه بسيف عليٍّ (عليه السلام) في معركة بدر (الطبقات الكبرى: 5 / 31، أُسد الغابة: 2 / 481 / 2083، الإصابة: 3 / 90 / 3278، البداية والنهاية: 8 / 83)، فكفله عثمان، وكان له من العمر تسع سنين عند وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(تهذيب الكمال: 10 / 502 / 2299، الإصابة: 3 / 90 / 3278، البداية والنهاية: 8 / 83). قال له عمر أيّام حكومته: لِمَ تُعرض عنّي؟ كأنّك ترى أنّي قتلتُ أباك. لا، بل قتله عليّ! أعطاه عمر مالاً، فطمع في الاستزادة، فقال له: سيأتي بعدي مَن يصل رحمك. ويقضي حاجتك (الطبقات الكبرى:5 / 31). حصل على أموال طائلة في أيّام عثمان (أنساب الأشراف:6 / 137). ووَلي الكوفة (الطبقات الكبرى:5 / 32، تاريخ دمشق: 21 / 114، اُسد الغابة:2 / 482 / 2083، الاستيعاب:2 / 183 / 992). لكنّه لم يجد إليها سبيلاً بعد اصطدامه بمالك الأشتر وأصحابه. (الطبقات الكبرى: 5 / 32، تاريخ دمشق: 21 / 115، البداية والنهاية: 8 / 84). اعتزل الأوضاع في خلافة أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) (اُسد الغابة: 2 / 482 / 2083، الاستيعاب: 2 / 184 / 992). ولم يُمالئ معاوية يومئذ، بَيْد أنّه مالأه عند تسلّطه. وكان عامله على المدينة مدّةً. (الطبقات الكبرى: 5 / 35، تاريخ دمشق: 21 / 117 / 2496، البداية والنهاية: 8 / 85، اُسد الغابة: 2 / 482 / 2083، الاستيعاب: 2 / 184 / 992). مات سعيد سنة 59 (اُسد الغابة: 2 / 482 / 2083، الاستيعاب: 2 / 185 / 992، تاريخ خليفة بن خيّاط: 171، البداية والنهاية: 8 / 87 في سنة 58 وقيل: في التي قبلها وقيل بعدها).
(2) أنساب الأشراف: 6 / 137، شرح نهج البلاغة: 3 / 35؛ الشافي: 4 / 273.
4 / 2 - 6
ما أعطى أبا سفيان بن حرب
1105 - شرح نهج البلاغة: أعطى [عثمانُ] أبا سفيان بن حرب مِئتي ألف من بيت المال، في اليوم الذي أمَر فيه لمروان بن الحكَم بمِئة ألف من بيت المال (1) .
4 / 2 - 7
ما أعطى عبد الله بن أبي سرح
1106 - الكامل في التاريخ: إنّه [عثمان] أعطى عبد الله خُمسَ الغزوة الأُولى، وأعطى مروانَ خُمسَ الغزوة الثانية؛ التي افتُتحت فيها جميع إفريقيّة (2) .
1107 - شرح نهج البلاغة: أعطى [عثمانُ] عبدَ الله بن أبي سرح جميعَ ما أفاء الله عليه من فتح إفريقيّة بالمغرب؛ وهي من طرابلس (3) الغرب إلى طَنجة (4) ، من غير أنْ يَشرَكه فيه أحد من المسلمين (5) .
راجع: تولية أعداء الإسلام من أقربائه على البلاد.
____________________
(1) شرح نهج البلاغة: 1 / 199.
(2) الكامل في التاريخ: 2 / 237.
(3) طَرابُلس الغرب: مدينة تقَع شمال إفريقيّة، وهي من آخر المدن التي في شرقي القَيروان، وتقَع على البحر بين تونس ومصر، وتعرف بكرسيّ إفريقيّة، وهي مبنيّة بالصخر (راجع تقويم البلدان: 147).
(4) طَنْجَة: مدينة تقع شمال إفريقيّة، على ساحل بحر المغرب مقابل الجزيرة الخضراء، وهي من البرّ الأعظم وبلاد البَربَر (معجم البلدان: 4/43).
(5) شرح نهج البلاغة: 1 / 199 وراجع تنقيح المقال: 2 / 184 / 6876.
4 / 2 - 8
ما أعطى زيد بن ثابت
11 08 - الشافي عن الواقدي: إنّ زيد بن ثابت اجتمع عليه عصابة من الأنصار وهو يدعوهم إلى نصر عثمان، فوقف عليه جبلة بن عمرو بن حية المازني، فقال له جَبَلة: ما يمنعك يا زيد أنْ تذبّ عنه! أعطاك عشرة آلاف دينار، وأعطاك حدائق من نخل لم ترِث من أبيك مثل حديقة منها!! (1)
1109 - أنساب الأشراف: لمّا أعطى عثمانُ... زيدَ بن ثابت الأنصاري مِئة ألف درهم، جعل أبو ذرّ يقول: بشّر الكانزين بعذابٍ أليم، ويتلو قول الله عزّ وجلّ: ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) الآية (2) (3) .
1110 - أنساب الأشراف عن أبي مخنف: إنّ زيد بن ثابت الأنصاري قال: يا معشر الأنصار، إنّكم نصرتم الله ونبيّه، فانصروا خليفته. فأجابه قومٌ منهم؛ فقال سهل بن حنيف: يا زيد، أشبعك عثمانُ من عضدان المدينة؛ والعضيدة: نخلة قصيرة، يُنال حملها (4) .
1111 - مروج الذهب عن سعيد بن المسيّب: إنّ زيد بن ثابت حين مات خلّف من الذهَب والفضّة ما كان يُكسَر بالفؤوس، غير ما خلّف من الأموال والضِّياع
____________________
(1) الشافي: 4 / 241؛ شرح نهج البلاغة: 3 / 8.
(2) التوبة: 34.
(3) أنساب الأشراف: 6 / 166 وراجع الجمل: 183.
(4) أنساب الأشراف: 6 / 197.
بقيمة مِئة ألف دينار (1) .
4 / 2 - 9
ما أعطى ابن شريكه في الجاهليّة
1112 - تاريخ الطبري عن سحيم بن حفص: كان ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب شريك عثمان في الجاهليّة، فقال العبّاس بن ربيعة لعثمان: اكتب لي إلى ابن عامر يُسلفني مِئة ألف. فكتَب، فأعطاه مِئة ألف؛ وصلَه بها، وأقطعه دارَه؛ دار العبّاس بن ربيعة اليوم (2) .
4 / 2 - 10
ما أعطى طلحة بن عُبيد الله
1113 - أنساب الأشراف عن موسى بن طلحة: أعطى عثمانُ طلحةَ - في خلافته مِئتي ألف دينار (3) .
1114 - تاريخ المدينة عن موسي بن طلحة: أوّل من أقطَع بالعراق عثمانُ بن عفّان قطائعَ ممّا كان من صوافي آل كسرى، وممّا جلا عنه أهله، فقطع (4) لطلحة ابن عبيد الله النشاستج (5) (6) .
____________________
(1) مروج الذهب: 2 / 342.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 404، أنساب الأشراف: 6 / 151، المعارف لابن قتيبة: 128 نحوه.
(3) أنساب الأشراف: 6 / 108؛ الغدير: 8 / 283.
(4) كذا، والظاهر أنّ الصحيح: (فأقطَع).
(5) نَشاسْتَج: ضيعة أو نهر بالكوفة، وكانت عظيمة كثيرة الدخل (معجم البلدان: 5 / 285).
(6) تاريخ المدينة: 3 / 1020، معجم البلدان: 5 / 286.
1115 - تاريخ الطبري: قال خنيس بن فلان: ما أجوَد طلحة بن عبيد الله! فقال سعيد ابن العاص: إنّ من له مثل النشاستج لحقيقٌ أنْ يكون جواداً، والله لو أنّ لي مثله لأعاشكم الله عيشاً رغداً (1) .
1116 - شرح نهج البلاغة عن عثمان: ويلي على ابن الحضرميّة؛ يعني طلحة، أعطيته كذا وكذا بُهاراً (2) ذهَباً، وهو يَروم (3) دمي؛ يحرّض على نفسي، اللهمّ لا تُمتِّعه به، ولقِّه عواقب بغيه (4) .
4 / 2 - 11
ما أعطى الزبير
1117 - الطبقات الكبرى عن أبي حصين: إنّ عثمان أجاز الزبيرَ بن العوّام بستّمِئة ألف، فنزل على أخواله؛ بني كاهل، فقال: أيّ المال أجوَد؟ قالوا: مال أصبهان. قال: أعطوني من مال أصبهان (5) .
1118 - الطبقات الكبرى عن عروة: كان للزبير بمصر خِطَط (6) ، وبالإسكندريّة
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 318، معجم البلدان: 5 / 285، الفتنة ووقعة الجمل: 35.
(2) البُهار: الحِمل، وقيل: هو ثلاثمِئة رطل (لسان العرب: 4 / 84).
(3) رامَ الشيء يَرومُه رَوماً ومراماً: طلبه (لسان العرب: 12 / 258).
(4) شرح نهج البلاغة: 9 / 35.
(5) الطبقات الكبرى: 3 / 107، تاريخ أصبهان: 1 / 66، مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا: 269 / 420، تاريخ المدينة: 3 / 1021.
(6) الخطِّة: الأرض والدار يختطّها الرجل في أرضٍ غير مملوكة ليتحجّرها ويبني فيها، وذلك إذا أذِن السلطان لجماعة من المسلمين أنْ يختطّوا الدور في موضعٍ بعينه ويتّخذوا فيه مساكنَ لهم. وجمع الخِطّة: خِطَط (لسان العرب: 7 / 288).
خِطَط، وبالكوفة خِطَط، وبالبصرة دور، وكانت له غَلاّت تقدِم عليه من أعراض المدينة (1) .
. راجع: القسم السادس / وقعة الجمل / هويّة رؤساء الناكثين / الزبير
4 / 2 - 12
ثروة عبد الرحمان بن عوف
1119 - تاريخ المدينة عن عثمان - لعبد الرحمان بن عوف -: يا أبا محمّد، فهل ولّيتني هذا الأمر يوم ولّيته وأنتَ تقدِر على أنْ تصرف ذلك إلى نفسك، أو تُولّيه مَن بدا لك، وفي القوم من هو أمسّ بك يومئذٍ رَحِماً منّي إلاّ رجاء الصلة والإحسان فيما بيني وبينك!! (2)
1120 - مروج الذهب - في ذكر ثروة عبد الرحمان بن عوف الزهري -: ابتنى داره، ووسّعها، وكان على مربطه مِئة فرَس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف شاة من الغنَم، وبلَغ بعد وفاته رُبع ثمَن ماله أربعةً وثمانين ألفاً (3) .
1121 - تاريخ المدينة عن عبد الله بن الصامت - في خبر دخول أبي ذرّ على عثمان -: دخل عليه وهو يقسم مال عبد الرحمان بن عوف بين ورثته، وعنده كعب، فأقبل عثمان. فقال: يا أبا إسحاق، ما تقول في رجلٍ جمَع هذا المال فكان يتصدّق منه، ويحمل في السبيل، ويَصلُ الرحم؟ فقال: إنّي لأرجو له خيراً.
فغضب أبو ذرّ، ورفع عليه العصى، وقال: ما يدريك يابن اليهوديّة!؟! لَيَودّنَّ
____________________
(1) الطبقات الكبرى: 3 / 110.
(2) تاريخ المدينة: 3 / 1028.
(3) مروج الذهب: 2 / 342.
صاحبُ هذا المال يوم القيامة أن لو كان عقاربٌ تَلسع السويداء من قلبه (1).
1122 - الطبقات الكبرى عن عثمان بن الشريد: ترك عبد الرحمان بن عوف ألف بعير، وثلاثة آلاف شاة بالبقيع، ومِئة فرَس ترعى بالبقيع. وكان يزرع بالجُرْف (2) على عشرين ناضحاً، وكان يدخل قوت أهله من ذلك سنة (3) .
1123 - الطبقات الكبرى عن محمّد: إنّ عبد الرحمان بن عوف تُوفّي، وكان فيما ترك ذهبٌ؛ قُطِّع بالفؤوس حتى مَجِلَت (4) أيدي الرجال منه. وترك أربع نسوة، فأُخرجت امرأة من ثُمنها بثمانين ألفاً (5) .
1124 - تاريخ اليعقوبي: كان عبد الرحمان قد أطلق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبيّة لمّا اشتدّت علّته، فورّثها عثمان. فصولحت عن ربع الثمن على مِئة ألف دينار، وقيل: ثمانين ألف دينار (6) .
4 / 2 - 13
الخليفة وخازن بيت المال
1125 - تاريخ اليعقوبي عن عبد الرحمان بن يسار: رأيت عامل صدقات
____________________
(1) تاريخ المدينة: 3 / 1036، سيَر أعلام النبلاء: 2 / 67 / 10، حِلية الأولياء: 1 / 160.
(2) الجُرْف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام (معجم البلدان: 2 / 128).
(3) الطبقات الكبرى: 3 / 136.
(4) مَجِلَت يدُه ومَجَلَت: فمرنَت صلُبت وثخُن جلدُها وتعجّر، وظهر فيها ما يشبه البَثَر؛ من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة (لسان العرب: 11 / 616).
(5) الطبقات الكبرى: 3 / 136، أُسد الغابة: 3 / 480 / 3370، البداية والنهاية: 7 / 164 كلاهما نحوه، الرياض النضرة: 4 / 315.
(6) تاريخ اليعقوبي: 2 / 169.
المسلمين على سوق المدينة إذا أمسى آتاها عثمان، فقال له: ادفعها إلى الحكم ابن أبي العاص.
وكان عثمان إذا أجاز أحداً من أهل بيته بجائزة جعَلَها فرضاً من بيت المال. فجعل يدافعه ويقول له: يكون، فنعطيك إنْ شاء الله. فألَحّ عليه. فقال: إنّما أنت خازِنٌ لنا! فإذا أعطيناك فخُذ، وإذا سكتنا عنك فاسكت!!
فقال: كذِبت والله! ما أنا لكَ بخازِن، ولا لأهل بيتك، إنّما أنا خازن المسلمين. وجاء بالمفتاح يوم الجمعة - وعثمان يخطب - فقال: أيّها الناس! زعَم عثمان أنّي خازنٌ له ولأهل بيته! وإنّما كنت خازناً للمسلمين، وهذه مفاتيح بيت مالكم - ورمى بها -. فأخذها عثمان، ودفعها إلى زيد بن ثابت (1) .
1126 - أنساب الأشراف عن أبي مخنف: لمّا قدِم الوليد الكوفة ألفى ابن مسعود على بيت المال، فاستقرضه مالاً - وقد كانت الولاة تفعل ذلك ثمّ تردّ ما تأخذ -، فأقرَضه عبد الله ما سأله.
ثمّ إنّه اقتضاه إيّاه، فكتب الوليد في ذلك إلى عثمان.
فكتب عثمان إلى عبد الله بن مسعود: إنّما أنت خازنٌ لنا، فلا تعرّض للوليد فيما أخذ من المال.
فطرح ابن مسعود المفاتيح وقال: كنت أظنّ أنّي خازن للمسلمين! فأمّا إذ كنت خازناً لكم فلا حاجة لي في ذلك. وأقام بالكوفة بعد إلقائه مفاتيح بيت المال (2) .
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 168، الأمالي للمفيد: 70 / 5 عن أبق يحيى مولى معاذ بن عفراء الأنصاري؛ أنساب الأشراف: 6 / 173 عن أبي مخنف، الأوائل لأبي هلال: 130 عن قتادة وكلّها نحوه.
(2) أنساب الأشراف: 6 / 140.
1127 - العقد الفريد عن عبد الله بن سنان: خرَج علينا ابن مسعود ونحن في المسجِد وكان على بيت مال الكوفة، وأمير الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط فقال: يا أهل الكوفة، فُقِدَت من بيتِ مالكم الليلة مِئةُ ألف، لم يأتِني بها كتاب من أمير المؤمنين، ولم يكتب لي بها براءة!!
قال: فكتب الوليد بن عقبة إلى عثمان في ذلك، فنزعه عن بيت المال (1) .
4 / 2 - 14
الإصرار على استئثار الأقرباء
1128 - مسند ابن حنبل عن سالم بن أبي الجعد: دعا عثمان ناساً من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فيهم عمّار بن ياسر، فقال: إنّي سائلُكم، وإنّي أُحبّ أنْ تصدقوني: نشدتكم الله! أ تعلمون أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان يؤثر قريشاً على سائر الناس، ويؤثر بني هاشم علي سائر قريش؟! فسكَت القوم.
فقال عثمان: لو أنّ بيدي مفاتيح الجنّة لأعطيتها بني أُميّة، حتى يدخلوا من عند آخرهم!! (2)
1129 - أنساب الأشراف عن أبي مخنف - في إسناده -: كان في بيت المال بالمدينة سَفَط (3)، فيه حَلْى وجوهر، فأخذ منه عثمان ما حلّي به بعض أهله. فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك، وكلّموه فيه بكلام شديد، حتى أغضبوه.
____________________
(1) العقد الفريد: 3 / 308.
(2) مسند ابن حنبل: 1 / 136 / 439، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 432، تاريخ المدينة: 3 / 1098، تاريخ دمشق: 39 / 252، البداية والنهاية: 7 / 178.
(3) السَّفَط: الذي يُعبَّئ فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء (تاج العروس: 10 / 281).
فخطب فقال:
لنأخذنّ حاجتنا من هذا الفيء، وإنْ رَغِمت أُنوف أقوام.
فقال له عليّ: (إذاً تُمْنع من ذلك، ويُحال بينكَ وبينه).
وقال عمّار بن ياسر: أُشهد الله أنّ أنفي أوّل راغم من ذلك (1).
1130 - تاريخ الطبري عن عثمان: إنّ عمر كان يمنع أهله وأقرباءه ابتغاء وجه الله، وإنّي أُعطي أهلي وأقربائي ابتغاء وجه الله (2) .
1131 - أنساب الأشراف عن الزهري: لمّا ولّي عثمان عاش اثنتي عشرة سنة أميراً؛ فمكَث ستّ سنين لا ينقم الناس عليه شيئاً، وإنّه لأحبُّ إلى قريش مِن عُمر؛ لشدّة عمر، ولين عثمان لهم، ورفقه بهم.
ثمّ توانَى في أمرهم، واستعمل أقاربه وأهل بيته في الستّ الأواخر، وأهمَلَهم. وكتب لمروان بن الحكم بخُمس إفريقيّة، وأعطى أقاربه المال، وتأوّل في ذلك الصلة التي أمَر الله بها، واتّخذ الأموال، واستسلَف من بيت المال مالاً. وقال: إنّ أبا بكر وعمر تركا من هذا المال ما كان لهما، وإنّي آخذه فأصِل به ذوي رحمي. فأنكر الناس ذلك عليه (3) .
4 / 3
ردّ طرداء رسول الله
1132 - مروج الذهب: قدِم على عثمان عمّه الحكَمُ بن أبي العاص وابنُه مروان
____________________
(1) أنساب الأشراف: 6 / 161، شرح نهج البلاغة: 3 / 49؛ الشافي: 4 / 289، الدرجات الرفيعة: 262.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 226.
(3) أنساب الأشراف: 6 / 133، الطبقات الكبرى: 3 / 64، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 431.
وغيرهما من بني أُميّة، والحكَم هو طريد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ الذي غرَّبه عن المدينة، ونفاه عن جواره (1) .
1133 - تاريخ اليعقوبي: كتب عثمان إلى الحكَم بن أبي العاص أنْ يقدم عليه، وكان طريد رسول الله - وقد كان عثمان لمّا ولّيَ أبو بكر اجتمع هو وقومٌ من بني أُميّة إلى أبي بكر، فسألوه في الحكَم، فلم يأذن له، فلمّا ولّي عمر فعلوا ذلك، فلم يأذن له فأنكَر الناس إذنه له.
وقال بعضُهم: رأيتُ الحكَم بن أبي العاص يوم قدم المدينة عليه فزرٌ خلِق (2) ، وهو يسوق تَيساً، حتى دخل دار عثمان، والناس ينظرون إلى سوء حاله وحال مَن معه، ثمّ خرَج وعليه جبّة خزّ وطيلسان (3) .
1134 - العقد الفريد: لمّا ردّ عثمانُ الحكمَ بن أبي العاص؛ طريد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وطريد أبي بكر وعمر إلى المدينة، تكلّم الناس في ذلك.
فقال عثمان: ما ينقِم الناس منّي! إنّي وصلتُ رحِماً، وقرّبتُ قرابة (4) .
1135 - أنساب الأشراف عن هشام الكلبي عن أبيه: إنّ الحكّم بن أبي العاص بن أُميّة - عمّ عثمان بن عفّان بن أبي العاص بن أُميّة - كان جاراً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الجاهليّة، وكان أشدَّ جيرانه أذىً له في الإسلام، وكان قدومه المدينة بعد فتح مكّة، وكان مغموصاً (5) عليه في دينه. فكان يمرّ خلف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيغمز به،
____________________
(1) مروج الذهب: 2 / 343 وراجع تاريخ أبي الفداء: 1 / 169.
(2) الفَزْر: الفسخ فيي الثوب، والفِزَر: الشقوق. وخَلَق الشيءُ وخَلُق: بلِيَ (لسان العرب: 5 / 1053 / 88).
(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 164.
(4) العقد الفريد: 3 / 308.
(5) رجل مَغموصٌ عليه في حَسَبه أو في دينه: أي مطعون عليه (لسان العرب: 7 / 61).
ويحكيه، ويخلج بأنفه وفمه، وإذا صلّى قام خلفه فأشار بأصابعه. فبقيَ على تخليجه، وأصابته خبلة.
واطّلع على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذات يوم وهو في بعض حُجَر نسائه، فعرفه، وخرَج إليه بعنزة، وقال: من عذيري من هذا الوزغة اللعين. ثمّ قال: لا يُساكنني ولا ولده. فغرَّبهم جميعاً إلى الطائف.
فلمّا قبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، كلّم عثمانُ أبا بكر فيهم، وسأله ردّهم، فأبى ذلك، وقال: ما كنت لآوي طُرداء رسول الله (صلّى الله عليه وآله). ثمّ لمّا استُخلف عمر كلّمه فيهم، فقال مثل قول أبي بكر.
فلمّا استُخلف عثمان أدخلهم المدينة، وقال: قد كنت كلّمت رسول الله فيهم وسألتُه ردَّهم، فوعدني أنْ يأذن لهم، فقُبض قبل ذلك. فأنكر المسلمون عليه إدخاله إيّاهم المدينة (1) .
4 / 4
تولية أعداء الإسلام من أقربائه على البلاد
1136 - الآثار عن أبي حنيفة: بلغني أنّ عمر بن الخطّاب قال: لو ولّيتها عثمان لحمل آل أبي معيط على رقاب الناس، والله لو فعلتُ لفعل! ولو فعل لأوشكوا أنْ يسيروا إليه حتى يجزّوا رأسه!! (2)
1137 - تاريخ المدينة عن المدائني: قال معاوية [لعثمان]: يا أمير المؤمنين، إنّك
____________________
(1) أنساب الأشراف: 6 / 135 وراجع الأوائل لأبي هلال: 127.
(2) الآثار: 217 / 960 وراجع أنساب الأشراف: 6 / 121 وتاريخ المدينة: 3 / 881 والصراط المستقيم: 3 / 23.
قد بلَغْتَ من صِلتنا ما يبلغه كريمُ قومٍ من صلة قوم (1) ؛ حملتَنا على رقاب الناس، وجعلتَنا أوتاد الأرض، فخُذ كلَّ رجلٍ منّا بعمله وما يليه يكْفِك. قال: فأخذ بقول معاوية، وردّ عمّاله إلى أمصارهم (2) .
1138 - إرشاد القلوب عن حذيفة بن اليمان: لمّا استُخلص عثمان بن عفّان آوى إليه عمّه الحكمَ بن العاص، وولده مروان، والحارث بن الحكَم، ووجّه عمّاله في الأمصار.
وكان فيمن عمَّلَه (3) عمرُ بن سفيان بن المغيرة بن أبي العاص بن أُميّة إلى مُشكان (4) ، والحارث بن الحكَم إلى المدائن (5) ، فأقام بها مدّة يتعسّف أهلها، ويسيء معاملتهم.
فوفد منهم إلى عثمان وفدٌ يشكوه، وأعلموه بسوء ما يُعاملهم به، وأغلظوا عليه في القول، فولّى حذيفة بن اليمان عليهم، وذلك في آخر أيّامه (6) .
1139 - مروج الذهب: كان عمّالُه [عثمان ]جماعة، منهم: الوليد بن عقبة بن أبي معيط على الكوفة، وهو ممّن أخبَر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه من أهل النار، وعبد الله بن
____________________
(1) كذا والظاهر أنّ الصحيح (قومه).
(2) تاريخ المدينة: 3 / 1096.
(3) عمَّلْته: ولّيته، وجعلته عاملاً (لسان العرب: 11 / 475).
(4) مُشكان: قرية باصطخر، ومُشكان: قرية بفيروز آباد فارس، وأيضاً: قرية من عمل همذان بالقرب من قريةٍ يقال لها: روادور، ومشكان أيضاً: مدينة بقهستان (تاج العروس: 13 / 644).
(5) المَدَائِن: أصل تسميتها هي: المدائن السبعة، وكانت مقرّ ملوك الفرس. وهي تقع على نهر دجلة من شرقيّها تحت بغداد على مرحلة منها. وفيها إيوان كسرى. فُتحت هذه المدينة في (14 هـ. ق) على يد المسلمين (راجع تقويم البلدان: 302).
(6) إرشاد القلوب: 321، بحار الأنوار: 28 / 86 / 3.
أبي سرح على مصر، ومعاوية بن أبي سفيان على الشام، وعبد الله بن عامر على البصرة. وصرف عن الكوفة الوليد بن عقبة، وولاّها سعيد بن العاص (1) .
1140 - أنساب الأشراف: أمّا عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنّه أسلَم، وكان يكتب بين يدَي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ فيُملي عليه: (الكافرين) فيجعلها (الظالمين)، ويُملي عليه: (عزيز حكيم) فيجعلها (عليم حكيم)، وأشباه هذا.
فقال: أنا أقول كما يقول محمّد، وآتي بمثل ما يأتي به محمّد، فأنزل الله فيه: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) (2) .
وهرَب إلى مكّة مرتدّاً، فأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقتله. وكان أخا عثمان بن عفّان من الرضاع؛ فطلب فيه أشدّ طلَب حتى كفّ عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وقال: (أَما كان فيكم مَن يقوم إلى هذا الكلب قبل أنْ أُؤمّنه فيقتله!!)
فقال عمر - ويقال أبو اليسر -: لو أومأت إلينا، قتلناه.فقال: (إنّي ما أقتل بإشارة؛ لأنّ الأنبياء لا يكون لهم خائنة الأعين). وكان يأتي النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فيسلّم عليه.
وولاّه عثمان مصر (3) .
____________________
(1) مروج الذهب: 2 / 343 وص 346، الفتوح: 2 / 370، الكامل في التاريخ: 2 / 299 كلّها نحوه.
(2) الأنعام: 93.
(3) أنساب الأشراف: 1 / 454، سنن أبي داود: 3 / 59 / 2683، المستدرك على الصحيحين: 3 / 47 / 4360 وح 4361 وص 48 / 4362 قال الحاكم: (إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمَر قبل دخوله مكّة بقتل عبد الله بن سعد وعبد الله بن خطل، فمَن نظر في مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفّان وجنايات عبد الله بن سعَد عليه بمصر إلى أنْ كان أمره ما كان، علم أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان أعرف به)، المغازي: 2 / 855، تاريخ دمشق: 29 / 34 - 36، الاستيعاب: 3 / 50 / 1571، المعارف لابن قتيبة: 300 كلّها نحوه.
1141 - أنساب الأشراف: كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وجّه الوليد على صدَقَات بني المُصطَلِق، فجاء فقال: إنّهم منعوا الصدَقة، فنزل فيه: ( إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ ) (1) (2) .
1142 - البداية والنهاية: الوليد بن عقبة... قد ولاّه عمر صدَقَات بني تغلب، وولاّه عثمان نيابة الكوفة بعد سعد بن أبي وقّاص سنة خمس وعشرين (3) .
1143 - الإمام عليّ (عليه السلام): ما يُريد عثمان أنْ ينصحه أحدٌ!! اتّخذ بِطانةً (4) أهلَ غِشٍّ، ليس منهم أحد إلاّ قد تسبّب بطائفة من الأرض؛ يأكل خراجها، ويستذلّ أهلها (5) .
1144 - تاريخ الطبري - من كتاب أُنشئ للمعتضد في شأن بني أُميّة -: وأشدّهم في ذلك عداوة... أبو سفيان بن حرب، وأشياعه من بني أُميّة الملعونين في كتاب الله، ثمّ الملعونين على لسان رسول الله في عدّة مواطن، وعدّة مواضع؛ لماضي علم الله فيهم، وفي أمرهم، ونفاقهم... فمِمّا لعنهم الله به على لسان
____________________
(1) الحجرات: 6.
(2) أنساب الأشراف: 6 / 145، المعجم الكبير: 23 / 401 / 960 عن اُمّ سلمة، الاستيعاب: 4 / 114 / 2750 وزاد في صدره (و لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أنّ قوله عزّ وجلّ: ( إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ... ) نزلت في الوليد بن عقبة) وراجع مسند ابن حنبل: 6 / 396 / 18486 والمعجم الكبير: 3 / 274 / 3395.
(3) البداية والنهاية: 8 / 214، تهذيب الكمال: 31 / 54 / 6723 وليس فيه (سنة خمس وعشرين) وراجع الاستيعاب: 4 / 115 / 2750.
(4) بِطانَة الرجل: خاصّته (لسان العرب: 13 / 55).
(5) تاريخ الطبري: 4 / 406.
نبيه (صلّى الله عليه وآله)، وأنزل به كتاباً قوله: ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً ) (1) ، ولا اختلاف بين أحد أنّه أراد بها بني أُميّة....
ومنه ما يرويه الرواة من قوله [ أبي سفيان ]: (يا بني عبد مناف، تلقّفوها تلقّف الكرة، فما هناك جنّة ولا نار) وهذا كفرٌ صُراح، يلحقه به اللعنة من الله، كما لحقت (2) .
1145 - شرح نهج البلاغة: قال أبو سفيان في أيّام عثمان - وقد مرّ بقبرِ حمزة وضربه برجله وقال -: يا أبا عمارة، إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا اليوم، يتلعّبون به! (3)
1146 - الأغاني عن الحسن: دخل أبو سفيان على عثمان بعد أنْ كُفّ بصره، فقال: هل علينا من عين (4) ؟ فقال له عثمان: لا.
فقال: يا عثمان، إنّ الأمر أمرَ عالميّة، والملك ملك جاهليّة، فاجعل أوتاد الأرض بني أُميّة (5) .
1147 - مروج الذهب: قد كان عمّار - حين بويع عثمان - بلغه قول أبي سفيان
____________________
(1) الإسراء: 60.
(2) تاريخ الطبري: 10 / 57، الأغاني: 6 / 371، الاستيعاب: 4 / 241 / 3035 وفيهما ذيله، شرح نهج البلاغة: 15 / 175 / 27 نحوه. راجع: القسم السادس / وقعة صفّين / هويّة رؤساء القاسطين / معاوية / بلاغ تعميمي للمعتضد العبّاسي.
(3) شرح نهج البلاغة: 16 / 136.
(4) العين: الذي يُبعث ليتجسّس الخبر (لسان العرب: 13 / 301).
(5) الأغاني: 6 / 370، تاريخ دمشق: 23 / 471 عن أنَس وفيه (اللهمّ اجعل الأمر أمر جاهليّة، والمُلك ملك غاصبيّة، واجعل أوتاد الأرض لبني أُميّة) بدل (إنّ الأمر...).
صخْر بن حرْب في دار عثمان عقيب الوقت الذي بُويع فيه عثمان، ودخل داره ومعه بنو أُميّة، فقال أبو سفيان: أفيكم أحدٌ من غيركم - وقد كان عَمِيَ -؟ قالوا: لا.
قال: يا بني أُميّة، تلقّفوها تلقّف الكرة، فوَ الذي يحلف به أبو سفيان ما زلتُ أرجوها لكم، ولتصيرنَّ إلى صبيانكم وراثةً.
فانتهره عثمان، وساءه ما قال. ونمى (1) هذا القول إلى المهاجرين والأنصار، وغير ذلك الكلام.
فقام عمّار في المسجد فقال: يا معشر قريش، أما إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم؛ هاهنا مرّة، وهاهنا مرّة، فما أنا بآمَن من أنْ ينزعه الله منكم فيضعه في غيركم، كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله! (2)
1148 - أنساب الأشراف: كان عثمان ولّى الحارث [بن الحكَم] السوقَ، فكان يشتري الجَلَب (3) بحَكَمه (4) ، ويبيعه بسَوْمه (5) ، ويجبي مقاعد المتسوّقين، ويصنع صنيعاً منكراً.
فكُلّم في إخراج السوق من يده، فلم يفعل (6) .
____________________
(1) نَمَى الحديث، يَنمي: ارتفع (لسان العرب: 15 / 341).
(2) مروج الذهب: 2 / 351.
(3) الجَلَب: ما جُلب من خيلِ وإبلٍ ومتاع. (لسان العرب: 1 / 268).
(4) حَكَم: جمع حَكَمة: وهي اللجام (لسان العرب: 12 / 144).
(5) السَّوْم: أنْ تُجشّم إنساناً مشقّة أو سوءاً أو ظلماً (لسان العرب: 12 / 314).
(6) أنساب الأشراف: 6 / 160.
1149 - الاستيعاب: إنّه [شبل بن خالد] دخل على عثمان حين لم يكن عنده غير أَموي، فقال: ما لكم معشر قريش، أَما فيكم صغير تريدون أنْ ينبُل، أو فقير تريدون غِناه، أو خامل تريدون التنويه باسمه!! عَلامَ أقطعتم هذا الأشعري العراق، يأكلها خَضْماً؟!
فقال عثمان: ومَن لها؟ فأشاروا بعبد الله بن عامر، وهو ابن ستّ عشرة سنة، فولاّه حينئذ ٍ(1) .
. راجع: القسم السادس / وقعة الجمل / هويّة رؤساء الناكثين / عبد الله بن عامر
4 / 5
الصدّ عن إقامة الحدّ على الوليد
1150 - مروج الذهب: إنَّ الوليد بن عقبة كان يشرب مع ندمائه ومغنّيه من أوّل الليل إلى الصباح، فلمّا آذنه المؤذّنون بالصلاة خرَج مُتفضِّلا في غلائله (2) ، فتقدّم إلى المحراب في صلاة الصبح، فصلّى بهم أربعاً، وقال: أَتريدون أنْ أزيدكم؟ وقيل: إنّه قال في سجوده - وقد أطال -: اشربْ واسقِني.
فقال له بعضُ من كان خلفه في الصف الأوّل: ما تزيد! لا زادك الله من الخير، والله لا أعجَب إلاّ ممّن بعثك إلينا والياً، وعلينا أميراً. وكان هذا القائل عتاب بن غيلان الثقفي...
وأشاعوا بالكوفة فعله، وظهَر فِسقهَ ومداومته على شرب الخمر، فهجَم عليه
____________________
(1) الاستيعاب: 2 / 250 / 1160.
(2) رجل متفضّل: أي في ثوبٍ واحد. والغلائل: الدروع، وقيل: بطائن تُلبَس تحت الدروع (لسان العرب: 11 / 502 وص 526).
جماعة من المسجد، منهم: أبو زينب بن عوف الأزدي، وجندب بن زهير الأزدي، وغيرهما، فوجدوه سكران مضطجعاً على سريره، لا يعقل، فأيقظوه من رقدتِه، فلم يستيقظ. ثمّ تقيّأ عليهم ما شرب من الخمر، فانتزعوا خاتمه من يده، وخرجوا من فورهم إلى المدينة؛ فأتَوا عثمانَ بن عفّان، فشهدوا عنده على الوليد أنّه شرِب الخمر.
فقال عثمان: وما يدريكما أنّه شرِب خمراً؟!
فقالا: هي الخمر التي كنّا نشربها في الجاهليّة؛ وأخرجا خاتمه، فدفعاه إليه، فزجَرَهما، ودفَع في صدورهما، وقال: تنحَّيا عنّي.
فخَرَجا من عنده وأتَيَا عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وأخبراه بالقصّة. فأتى عثمان وهو يقول: (دفَعتَ الشهود، وأبطَلتَ الحدود!!)
فقال له عثمان: فما ترى؟
قال: (أرى أنْ تبعث إلى صاحبك فتُحضره، فإنْ أقاما الشهادة عليه في وجههِ ولم يدرأ عن نفسه بحجّةٍ أقمتُ عليه الحدّ!)
فلمّا حضَر الوليد، دعاهما عثمان: فأقاما الشهادة عليه، ولم يدلِ بحجّة، فألقى عثمان السوط إلى عليٍّ...
فلمّا نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحدّ عليه؛ توقّياً لغضَب عثمان؛ لقرابته منه، أخذ عليٌّ السوط ودنا منه. فلمّا أقبل نحوه سبَّه الوليد، وقال: يا صاحب مَكس (1) .
____________________
(1) المَكس: الضريبة التي يأخذها الماكِس؛ وهو العشّار (النهاية: 4/349). والظاهر أنّ مراده هو حَدّيّة الإمام وعدم مداهنته.
فقال عقيل بن أبي طالب - وكان ممّن حضر -: إنّك لتتكلّم يابن أبي معيط كأنّك لا تدري مَن أنت! وأنت علجٌ من أهل صَفّورِيَّة (1) - وهي قرية بين عكاء واللجون، من أعمال الأردن من بلاد طبريّة، وكان ذُكِر أنّ أباه كان يهوديّاً منها -.
فأقبل الوليد يَروغُ من عليّ، فاجتذبه عليٌّ فضرَب به الأرض، وعلاه بالسوط.
فقال عثمان: ليس لك أنْ تفعل به هذا!
قال: (بل وشرّاً من هذا، إذا فسَق ومنَع حقّ الله تعالى أنْ يؤخذ منه!!) (2)
1151 - أنساب الأشراف عن مسروق - في الوليد بن عقبة -: إنّه حين صلّى لم يَرِمْ (3) حتى قاء. فخرَج في أمره إلى عثمان أربعةُ نفَر: أبو زينب، وجندب بن زهير، وأبو حبيبة الغفاري، والصعب بن جثامة؛ فأخبروا عثمان خبره.
فقال عبد الرحمان بن عوف: ما له، أجُنّ؟! قالوا: لا، ولكنّه سكَر. قال: فأوعدهم عثمان، وتهدّدهم؛ وقال لجندب: أنت رأيت أخي يشرب الخمر؟! قال: معاذ الله، ولكنّي أشهد أنّي رأيته سكران يقلسها (4) من جوفه، وأنّي أخذت خاتمه من يده وهو سكران لا يعقل.
قال أبو إسحاق: فأتى الشهود عائشة، فأخبروها بما جرى بينهم وبين
____________________
(1) صَفُّورِيَة: بلدة من نواحي الأردن بالشام وهي قرب طَبَرية (معجم البلدان: 3/414).
(2) مروج الذهب: 2 / 344 وراجع الأغاني: 5 / 139.
(3) الرَّيْم: البَراح؛ يقال: ما يَريمُ يفعل ذلك؛ أي ما يبرح (لسان العرب: 12 / 259).
(4) القَلَس: ما خرَج من الجوف؛ مِلء الفم، أو دونه، وليس بقيء، فإنْ عاد فهو القيء (النهاية: 4 / 100).
عثمان، وأنّ عثمان زَبَرَهم. فنادت عائشة: إنّ عثمان أبطَل الحدود، وتوعّد الشهود.
قال الواقدي: وقد يُقال: إنّ عثمان ضرَب بعض الشهود أسواطاً، فأتوا عليّاً فشكوا ذلك إليه.
فأتى عثمانَ فقال: (عطّلتَ الحدود، وضرَبت قوماً شهدوا على أخيك؛ فقلبتَ الحُكم، وقد قال عمر: لا تُحمل بني أُميّة وآل أبي مُعيط خاصّة على رقاب الناس) .
قال: فما ترى؟!
قال: (أرى أنْ تعزله، ولا تولّيه شيئاً من أُمور المسلمين، وأنْ تسأل عن الشهود؛ فإنْ لم يكونوا أهل ظِنّة ولا عداوة أقمتُ على صاحبك الحدّ) .
قال: ويقال إنّ عائشة أغلظت لعثمان، وأغلظ لها، وقال: وما أنتِ وهذا!؟ إنّما أُمِرتِ أنْ تَقَرّي في بيتكِ!! فقال قومٌ مثل قوله، وقال آخرون: ومَن أولى بذلك منها!! فاضطربوا بالنعال، وكان ذلك أوّل قِتال بين المسلمين بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) (1) .
1152 - أنساب الأشراف - في الوليد بن عقبة -: لمّا شُهد عليه في وجهه، وأراد عثمان أنْ يَحُدَّه، ألبسه جبَّة حبر، وأدخله بيتاً، فجعل إذا بعث إليه رجلاً من قريش ليضربه، قال له الوليد: أنشدك الله أنْ تقطع رحمِي، وتُغضب أمير المؤمنين عليك، فيَكفّ.
____________________
(1) أنساب الأشراف: 6 / 144، شرح نهج البلاغة: 3 / 19.
فلمّا رأى ذلك عليّ بن أبي طالب، أخَذ السوط ودخل عليه... وجَلَده (1) .
تحريف التاريخ في قضيّة شرب الوليد
من المواطن الملحوظة في تحريف التاريخ مسألة شرب الوليد الخمر، وإقامة الحدّ عليه.
فقد حاول الطبري في تاريخه - عن طريق سلسلة سنَدِه المشهورة: (السرّي، عن شعيب، عن سيف بن عمر) - وابن الأثير في الكامل، تنزيه الوليد، خلافاً لما ذَكَرته جميع النصوص التاريخيّة، ولِما رواه المؤرّخون مِن شربه الخمر؛ فقد نزّهاه، واتّهما الشهود بالتآمر عليه، بدخولهم عليه وهو نائم، ونزعهم خاتمه، وشهادتهم عليه عند عثمان.
ودانهُ عثمان بإقامة الحدّ عليه مع علمه ببراءته، وفوّض إلى الله تعالى جزاء شهود الزور!!!
وذكرا أنّ الذي تولّى إقامة الحدّ هو سعيد بن العاص (2) .
قارن هذا القول مع قول أبي عمر في الاستيعاب، في ذكر أحوال الوليد بن عقبة:
وخبر صلاته بهم وهو سكران، وقوله: أزيدُكم - بعد أنْ صلّى الصبح أربعاً - مشهورٌ، من رواية الثقَات، مِن نقل أهل الحديث وأهل الأخبار... وقد روى
____________________
(1) أنساب الأشراف: 6 / 145، شرح نهج البلاغة: 3 / 20؛ الشافي: 4 / 254.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 271 - 278، الكامل في التاريخ: 2 / 245 و246.
فيما ذكر الطبري أنّه تعصّب عليه قومٌ من أهل الكوفة؛ بغياً وحسَداً، وشهدوا عليه زوراً أنّه تقيّأ الخمر، وذكر القصّة، وفيها: إنّ عثمان قال له: يا أخي اصبر؛ فإنّ الله يأجُرك، ويبوء القوم بإثمك. وهذا الخبَر مِن نقل أهل الأخبار لا يصحّ عند أهل الحديث ولا له عند أهل العلم أصل (1) .
4 / 6
العفو عن قاتل الهرمزان وابنة أبى لؤلؤة
1153 - السُنن الكُبرى عن عبد الله بن عبيد بن عمير: لمّا طُعِن عمر، وثَب عبيد الله ابن عمر على الهرمزان فقتله، فقيل لعُمَر: إنّ عبيد الله بن عمر قتل الهرمزان! قال: ولِمَ قتله؟ قال: إنّه قتل أبي. قيل: وكيف ذاك؟ قال رأيته قبل ذلك مستخلياً (2) بأبي لؤلؤة، وهو أمره بقتل أبي.
قال عمر: ما أدري ما هذا! انظروا إذا أنا متّ فاسألوا عبيد الله البيّنة عن الهرمزان هو قتلني؛ فإنْ أقام البيّنة فدمه بدمي، وإنْ لم يُقِم البيّنة فأقيدوا (3) عُبيد الله من الهرمزان.
فلمّا ولّيَ عثمان، قيل له: أَلا تُمضي وصيّة عمر في عُبيد الله؟ قال: ومَن وليّ الهرمزان؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين! فقال: فقد عفَوت من (4) عبيد الله بن عمر (5) .
1154 - تاريخ اليعقوبي: وثَب ابنه عُبيد الله [بن عمر] فقتل أبا لؤلؤة وابنته
____________________
(1) الاستيعاب: 4 / 116 / 2750.
(2) في المصدر: (مستخلي) وهو تصحيف.
(3) القَوَد: قتل النفس بالنفس، وأقَدْتُ القاتل بالقتيل؛ أي قتلته به (لسان العرب: 3 / 372).
(4) كذا في المصدر والظاهر أنّها تصحيف: (عن).
(5) السنن الكبرى: 8 / 108 / 16083.
وامرأته، واغترّ الهرمزان فقتله. وكان عُبيد الله يحدّث أنّه تبِعه، فلمّا أحسّ الهرمزان بالسيف قال: أشهد أنْ لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله.
وروى بعضهم أنّ عمر أوصى أنْ يُقاد عُبيد الله بالهُرمزان، وأنّ عثمان أراد ذلك، وقد كان - قبل أنْ يلي الأمر - أشدّ مَن خلَق الله على عُبيد الله، حتى جرّ بشعره، وقال: يا عدوّ الله، قتلتَ رجلاً مسلماً، وصبيّةً طفلة، وامرأة لا ذَنب لها! قتلني الله إنْ لم أقتلك!! فلمّا وُلّيَ ردّه إلى عمرو بن العاص.
وروى بعضهم عن عبد الله بن عمر أنّه قال: يغفر الله لحفصَة! فإنّها شجّعت عُبيد الله على قتلهم (1) .
1155 - أنساب الأشراف عن غياث بن إبراهيم - في ذكر خُطبة عثمان في أوّل خلافته -: إنّ عثمان صعِد المنبر فقال: أيّها الناس! إنّا لم نكن خُطباء، وإنْ نَعِشْ تأتِكم الخطبة على وجهها إنْ شاء الله، وقد كان من قضاء الله أنّ عُبيد الله بن عمر أصاب الهُرمزان، وكان الهرمزان من المسلمين، ولا وارثَ له إلاّ المسلمون عامّةً، وأنا إمامكم، وقد عفوتُ، أَفتعفون؟ قالوا: نعم.
فقال عليّ: (أقِد الفاسقَ؛ فإنّه أتى عظيماً؛ قتل مسلماً بلا ذنب).
وقال لعُبيد الله: (يا فاسق! لئن ظفرتُ بك يوماً لأقتلنّك بالهرمزان) (2) .
1156 - الطبقات الكبرى عن المطّلب بن عبد الله بن حنطب: قال عليٌّ لعُبيد الله بن عمر: (ما ذنبُ بنتَ أبى لؤلؤة حين قتلتها؟!)
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 160.
(2) أنساب الأشراف: 6 / 130 وراجع تاريخ الطبري: 4 / 239 والكامل في التاريخ: 2 / 226 وشرح نهج البلاغة: 9 / 54.
قال: فكان رأي عليٍّ - حين استشاره عثمان - ورأي الأكابر من أصحاب رسول الله على قتله، لكنّ عمرو بن العاص كلَّم عثمان حتى تركه.
فكان عليٌّ يقول: (لو قدرتُ على عبيد الله بن عمر ولي سلطانٌ لاقتصصتُ منه) (1) .
1157 - تاريخ اليعقوبي: أكثرَ الناسُ في دم الهُرمزان، وإمساك عثمان عُبيدَ الله ابن عمر.
فصعد عثمان المنبر، فخطَب الناس، ثمّ قال: ألا إنّي وليّ دم الهرمزان، وقد وهَبته لله ولعمر، وتركته لدم عمر.
فقام المقداد بن عمرو فقال: إنّ الهرمزان مولىً لله ولرسوله، وليس لك أنْ تهَب ما كان لله ولرسوله!
قال: فننظر، وتنظرون. ثمّ أخرَج عثمان، عُبيدَ الله بن عمر من المدينة إلى الكوفة، وأنزله داراً (2) .
1158 - تاريخ الطبري: جلَس عثمان في جانب المسجد، ودعا بعُبيد الله بن عمر وكان محبوساً في دار سعَد بن أبي وقّاص، وهو الذي نزَع السيف مِن يدِه بعد قتله جُفينة والهُرمزان وبنت أبي لؤلؤة؛ وكان يقول: والله لأقتلنّ رجالاً ممّن شرك في دم أبي - يعرّض بالمهاجرين والأنصار - فقام إليه سعَد، فنَزَع السيف من يدِه، وجذَب شعره حتى أضجعه إلى الأرض، وحبَسه في داره، حتى أخرجه عثمان إليه. فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار: أشيروا علَيّ في هذا
____________________
(1) الطبقات الكبرى: 5 / 16.
(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 163.
الذي فتق في الإسلام ما فتَق!
فقال عليّ: (أرى أنْ تقتله). فقال بعضُ المهاجرين: قُتِل عمَر أمسِ، ويُقتَل ابنه اليوم! فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إنّ الله قد أعفاك أنْ يكون هذا الحدَث كان ولك على المسلمين سلطان؛ إنّما كان هذا الحدَث ولا سلطان لك! قال عثمان: أنا وليّهم، وقد جعلتها ديّة، واحتملتها في مالي.
قال: وكان رجلٌ من الأنصار يُقال له: زياد بن لبيد البيّاضي إذا رأى عُبيد الله ابن عمَر، قال:
ألا يا عُبيدَ الله مالَكَ مَهربٌ |
ولا مَلْجَأٌ مِنْ إبن أرْوَى ولا خَفَرْ |
|
أصبْتَ دماً واللهِ في غيرِ حِلّهِ |
حَراماً وقتلُ الهُرْمُزانِ له خَطَرْ |
|
على غيرِ شيءٍ غيرَ أنْ قال قائلٌ |
أ تَتّهِمُونَ الهُرمزانَ على عُمَرْ |
|
فقال سَفيهٌ والحوادُثُ جَمَّةٌ |
نعم أتَّهِمْهُ قد أشارَ وقد أمَرْ |
|
وكان سلاحُ العبدِ في جوفِ بيتِهِ |
يُقَلّبها والأمرُ بالأمر يُعتَبرْ |
قال: فشكا عُبيد الله بن عمر إلى عثمان زيادَ بن لَبيد وشعرِه، فدعا عثمانُ زيادَ ابن لَبيد، فنهاه. قال: فأنشأ زياد يقول في عثمان:
أبا عمرو عبيدُ الله رَهْنٌ |
فلا تَشْكُكْ بقَتْلِ الهُرمزَان |
|
فإنّك إنْ غَفرْتَ الجرْمَ عنهُ |
وأسبابُ الخَطا فَرَسا رِهانِ |
|
أتَعْفُو إذ عَفَوتَ بغيرِ حَقٍّ |
فمالكَ بالذي تَحْكي يَدانِ! |
فدعا عثمانُ زيادَ بن لبيد، فنهاه، وشَذّبَه (1)(2) .
____________________
(1) شَذّبَه عن الشيء: طرده (لسان العرب: 1 / 486).
(2) تاريخ الطبري: 4 / 239.
4 / 7
معاقبة من أنكر عليه أحداثه
4 / 7 - 1
نفي أبي ذر
1159 - شرح نهج البلاغة: إنّ أبا ذرّ لمّا دخَل على عثمان، قال له: لا أنعَم الله بكَ عيناً يا جُنَيْدِب! فقال أبو ذرّ: أنا جُنيدِب، وسمّاني رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) عبدَ الله، فاخترتُ اسمَ رسولَ الله الذي سمّاني به على اسمي.
فقال عثمان: أنت الذي تزعَم أنّا نقول: إنّ يد الله مغلولة؛ وإنّ الله فقير ونحن أغنياء!
فقال أبو ذرّ: لو كنتم لا تزعمون لأنفقتم مالَ الله على عباده! ولكنّي أشهد لَسمِعتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: (إذا بلَغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً جعَلوا مالَ الله دُوَلاً، وعبادَ الله خَوَلاً، ودينَ الله دَخَلاً) (1) .
فقال عثمان لمَن حضره: أ سَمِعتموها من نبيّ الله؟! فقالوا: ما سمِعناه. فقال عثمان: ويلك يا أبا ذرّ! أ تكذب على رسول الله!
فقال أبو ذرّ لِمَن حضر: أما تظنّون أنّي صدَقت! قالوا: لا والله ما ندري.
فقال عثمان: ادعُوا لي عليّاً. فدُعيَ، فلمّا جاء قال عثمان لأبي ذرّ: اقصُص عليه حديثك في بني أبي العاص! فحدّثه، فقال عثمان لعليٍّ: هل سمِعتَ هذا من
____________________
(1) انظر في خصوص هذا الحديث: مسند ابن حنبل: 4 / 160 / 11758، المستدرك على الصحيحين: 4 / 527 / 8478 - 8480، مسند أبي يعلى: 2 / 52 / 1147، المعجم الصغير: 2 / 135، المعجم الأوسط: 8 / 6 / 7785؛ روضة الواعظين: 311.
رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟
فقال عليٌّ (عليه السلام): (لا، وقد صدَق أبو ذرّ).
قال عثمان: بمَ عرَفتَ صِدْقه؟
قال: (لأنّي سمِعتُ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء من ذي لَهجة أصدَق من أبي ذرّ) (1) .
فقال جميع مَن حضَر من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله): لقد صدَق أبو ذرّ.
فقال أبو ذرّ: أُحدّثكم أنّي سمِعت هذا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثمّ تتّهمونني!! ما كنتُ أظنّ أنّي أعيش حتى أسمَع هذا من أصحاب محمّد (2) .
1160 - تاريخ اليعقوبي: بلَغ عثمان أنّ أبا ذرّ يقَع فيه، ويذكر ما غُيّر وبُدّل من سُنَن رسول الله، وسُنَن أبي بكر وعمر، فسيّره إلى الشام إلى معاوية.
وكان يجلس في المسجد، فيقول كما كان يقول، ويجتمع إليه الناس، حتى كثُر مَن يجتمع إليه، ويسمَع منه. وكان يقف على باب دمشق - إذا صلّى صلاة الصبح فيقول: جاءت القطار تحمل النار، لعَن الله الآمرين بالمعروف والتاركين له، ولعن الله الناهين عن المنكر والآتين له.
____________________
(1) انظر في خصوص هذا الحديث: مسند ابن حنبل: 8 / 169 / 21783، سنن الترمذي: 5 / 669 / 3801 وح 3802، سنن ابن ماجة: 1 / 55 / 156، المستدرك على الصحيحين: 3 / 385 / 5461 وح 5462؛ معاني الأخبار: 179 / 1، علل الشرائع: 177 / 1 وح 2، الاحتجاج: 1 / 616 / 139.
(2) شرح نهج البلاغة: 3 / 55، الرياض النضرة: 3 / 83 نحوه؛ الشافي: 4 / 295 وراجع تفسير القمّي: 1 / 52.
وكتب معاوية إلي عثمان: إنّك قد أفسدتَ الشام علي نفسك بأبي ذرّ. فكتب إليه: أنْ احمله على قَتَب (1) بغير وطاء. فقدِم به إلي المدينة، وقد ذهب لحم فخذيه....
فلم يُقِم بالمدينة إلاّ أيّاماً، حتى أرسل إليه عثمان: والله لتخرجنّ عنها!
قال: أ تُخرجني من حرَم رسول الله؟! قال: نعم، وأنفك راغم.
قال: فإلى مكّة؟ قال: لا.
قال: فإلى البصرة؟ قال: لا.
قال: فإلى الكوفة؟ قال: لا ولكن إلى الرَّبَذة التي خرجتَ منها، حتى تموت بها. يا مروان، أخرِجه، ولا تدَع أحداً يُكلّمه حتى يخرج (2) .
1161 - مروج الذهب - في ذكر ما طُعِن به على عثمان -: ومِن ذلك ما فعل بأبي ذرّ؛ وهو أنّه حضَر مجلسَه ذات يوم، فقال عثمان: أ رأيتم من زكّى ماله، هل فيه حقّ لغيره؟ فقال كعب: لا، يا أمير المؤمنين.
فدفع أبو ذرّ في صدر كعب، وقال له: كذِبتَ يابن اليهودي، ثمّ تلا: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ... ) (3) الآية.
فقال عثمان: أ تَرَون بأساً أنْ نأخذ مالاً من بيتِ مال المسلمين فنُنفقه فيما ينوبنا من أُمورنا، ونعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك.
فرفَع أبو ذرّ العصا، فدفَع بها في صدر كعب، وقال: يابن اليهودي، ما أجرأك
____________________
(1) القَتَب: رَحْلٌ صغير علي قدر السَّنام (الصحاح: 1 / 198).
(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 171.
(3) البقرة: 177.
على القول في ديننا!
فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي! غيِّبْ وجهَك عنّي؛ فقد آذيتنا. فخرَج أبو ذرّ إلى الشام.
فكتَب معاوية إلى عثمان: إنّ أبا ذرّ تجتمع إليه الجموع، ولا آمَن أنْ يُفسِدَهم عليك، فإنْ كان لك في القوم حاجة فأحمله إليك.
فكتب إليه عثمان بحمله. فحمله على بعير، عليه قَتَب يابس، معه خمسة من الصقالبة (1) يطيرون (2) به، حتى أتَوا به المدينة، وقد تسلّخت بواطن أفخاذه، وكاد أنْ يتلَف، فقيل له: إنّك تموت من ذلك. فقال: هيهات، لنْ أموت حتى أُنفى. وذكر جوامع ما ينزِل به بعدُ، ومَن يتولّى دفنه.
فأحسَن إليه في داره أيّاماً، ثمّ دخَل إليه فجلَس على ركبتيه، وتكلّم بأشياء، وذكَر الخبَر في ولد أبي العاص: (إذا بلغوا ثلاثين رجلاً اتّخذوا عباد الله خوَلا)... وكان في ذلك اليوم قد أتى عثمان بتركة عبد الرحمان بن عوف الزهري من المال، فنثرت البِدَر حتى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم، فقال عثمان: إنّي لأرجو لعبد الرحمان خيراً؛ لأنّه كان يتصدّق، ويقرى الضيف، وترك ما ترون.
فقال كعب الأحبار: صدَقت يا أمير المؤمنين، فشال أبو ذرّ العصا، فضرَب بها رأس كعب، ولم يشغله ما كان فيه من الألَم، وقال: يابن اليهودي تقول لرجلٍ
____________________
(1) الصِّقلاب الشديد من الرؤوس. والصَّقالِبَة: جيلٌ حُمْر الألوان، صُهْب الشعور، تُتاخِم بلادهم بلادَ الخزَر وبعض بلاد الروم بين بُلْغَر وقُسطنطينيّة، وقيل للرجل الأحمر صِقلاب تشبيهاً بهم (تاج العروس: 2 / 147).
(2) في الطبعة المعتمدة (بطيرون) والتصحيح من طبعة قم / منشورات دار الهجرة.
ماتَ وترَك هذا المال: إنّ الله أعطاه خيرُ الدنيا وخيرُ الآخرة، وتقطع على الله بذلك! وأنا سمِعت النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يقول: (ما يسرّني أنْ أموت وأدع ما يَزِن قيراطاً!!)
فقال له عثمان: وارِ عنّي وجهَك. فقال: أسير إلى مكّة؟ قال: لا والله. قال: فتمنعني من بيتِ ربّي أعبده فيه حتى أموت؟ قال: إي والله.
قال: فإلى الشام؟ قال: لا والله.
قال: البصرة؟ قال: لا والله، فاختَر غير هذهِ البُلدان.
قال: لا والله، ما أختار غير ما ذكرت لك، ولو تركتني في دار هجرتي ما أردتُ شيئاً من البلدان، فسيّرني حيث شئت من البلاد.
قال: فإنّي مسيّرك إلى الرَّبَذة. قال: الله أكبر! صدَق رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ قد أخبرني بكلّ ما أنا لاق.
قال عثمان: وما قال لك؟! قال: أخبرني بأنّي أُمنَع عن مكّة والمدينة، وأموت بالرَّبَذة، ويتولّى مواراتي نفر ممّن يَرِدون من العراق نحو الحجَاز.
وبعث أبو ذرّ إلى جمَل له، فحمَل عليه امرأته، وقيل: ابنته. وأمر عثمان أنْ يتجافاه الناس حتى يسير إلى الرَّبَذة.
فلمّا طلع عن المدينة - ومروان يُسيّرُ[ه] عنها - طلع عليه عليّ بن أبي طالب (رضيَ الله عنه)، ومعه ابناه الحسَن والحُسين، وعقيل أخوه، وعبد الله بن جعفر، وعمّار بن ياسر.
فاعترض مروان، فقال: يا عليّ، إنّ أمير المؤمنين قد نهى الناس أنْ يصحبوا أبا ذرّ في مسيره ويشيّعوه، فإنْ كنت لم تدرِ بذلك فقد أعلمتُك!
فحمل عليه عليّ بن أبي طالب بالسوط، وضرب بين أُذنَي راحلته، وقال:
(تَنَحَّ، نحّاك الله إلى النار). ومضى مع أبي ذرّ فشيّعه، ثمّ ودّعه وانصرف.
فلمّا أراد عليٌّ الانصراف بكى أبو ذرّ، وقال: رحمَكم الله أهل البيت، إذا رأيتك يا أبا الحسن وولدك ذكرتُ بكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
فشكا مروانُ إلى عثمان ما فعَل به عليّ بن أبي طالب، فقال عثمان: يا معشر المسلمين! من يعذرني من عليّ؟ ردَّ رسولي عمّا وجّهته له، وفعل كذا، والله لنعطينّه حقّه!
فلمّا رجَع عليٌّ استقبله الناس، فقالوا له: إنّ أمير المؤمنين عليك غضبان؛ لتشييعك أبا ذرّ. فقال عليّ: (غَضبُ الخيلِ عليَّ اللُّجُم).
فلمّا كان بالعشيّ جاء إلى عثمان، فقال له: ما حمَلك على ما صنعتَ بمروان! ولِمَ اجترأتَ عليّ، ورددتَ رسولي وأمري؟!
قال: (أمّا مروان؛ فإنّه استقبلني يردّني، فرددتُه عن ردّي. وأمّا أمرك فلم أردّه).
قال عثمان: ألَم يبلغك أنّي قد نهيتُ الناس عن أبي ذرّ وعن تشييعه؟
فقال عليّ: (أوَكلّ ما أمرتَنا به من شيء نرى طاعة الله والحقّ في خلافه اتّبعنا فيه أمرك!! بالله لا نفعل).
قال عثمان: أقِد مروان.
قال: (ومِمّ أقيده؟)
قال: ضربت بين أُذنَي راحلته، وشتمتَه، فهو شاتمك وضارب بين أُذني راحلتك.
قال عليّ: (أمّا راحلتي فهي تلك، فإنْ أراد أنْ يضربها كما ضربتُ راحلتَه
فليفعل، وأمّا أنا فوَ الله لئِن شتمني لأشتمنَّك أنتَ مثلَها بما لا أكذِب فيه، ولا أقول إلاّ حقّاً).
قال عثمان: ولِم لا يشتمَك إذا شتمته؟!، فوَ الله ما أنتَ عندي بأفضل منه!
فغضب عليّ بن أبي طالب، وقال: (ألي تقول هذا القول؟! وبمروان تعدلُني!! فأنا والله أفضل منك! وأبي أفضل من أبيك! وأُمّي أفضل من أُمّك! وهذه نبلي قد نثلتها (1) ، وهلُمّ فانثلْ بنبلك) (2) .
فغضِب عُثمان، واحمرّ وجهه، فقام ودخَل داره. وانصرف عليّ، فاجتمع إليه أهل بيته، ورجال من المهاجرين والأنصار.
فلمّا كان من الغد واجتمع الناس إلى عثمان شكا إليهم عليّاً، وقال: إنّه يعيبني ويظاهر من يعيبني - يريد بذلك أبا ذرّ وعمّار بن ياسر وغيرهما -. فدخَل الناس بينهما، حتى اصطلحا، وقال له عليّ: (والله، ما أردتُ بتشييع أبي ذرّ إلاّ الله تعالى) (3) .
____________________
(1) نَثَل كِنانته نثلاً: استخرج ما فيها من النبل (لسان العرب: 11 / 645).
(2) كذا، والظاهر أنّ الصحيح: (نبلَك).
(3) مروج الذهب: 2 / 348.
تحريف التاريخ في قضيّة نفي أبي ذرّ
إنّ تحريف الحقائق في النصوص التأريخيّة القديمة أمرٌ يدعو إلى تشويه الواقع وإضلال الناس من جهة، وإلى الأسف العميق من جهة أُخرى. حيث إنّ الناظر في طيّات التاريخ ينظر بعينِ الأسى إلى ما نال النصوص القديمة من التحريف؛ وهو في الحقيقة له أسباب كثيرة، يطول الكلام ببيانها.
ومِن أوضح مصاديقه هو تحريف المعلومات المتعلّقة بقضيّة نفي أبي ذرّ. فنرى الطبري وابن الأثير قد تناولا ممهِّدات النفي وطبيعته وكيفيّته وملابسات إخراج أبي ذرّ من الشام على نحو الإشارة. بَيْد أنّهما أحجما عن كشف الحقائق وتصوير الواقع الصادق.
أمّا الطبري فقد ذكر في تأريخه: وفي هذه السنة - أعني سنة ثلاثين - كان ما ذُكر من أمر أبي ذرّ ومعاوية، وإشخاص معاوية إيّاه من الشام إلى المدينة، وقد ذُكر في سبب إشخاصه إيّاه منها إليها أُمور كثيرة، كرِهتُ ذكر أكثرها. فأمّا العاذرون معاوية في ذلك، فإنّهم ذكروا في ذلك قصّة.. (1) .
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 283.
وأمّا ابن الأثير فقال: وفي هذه السنة [30 هـ ] كان ما ذكر في أمر أبي ذرّ، وإشخاص معاوية إيّاه من الشام إلى المدينة، وقد ذُكر في سبب ذلك أُمور كثيرة - من سبّ معاوية إيّاه، وتهديده بالقتل، وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء، ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع، لا يصحّ النقل به، ولو صحّ لكان ينبغي أنْ يعتذر عن عثمان؛ فإنَّ للإمام أنْ يؤدّب رعيّته، وغير ذلك من الأعذار، لا أنْ يجعل ذلك سبباً للطعن عليه!! - كرِهتُ ذكرها.
وأمّا العاذرون فإنّهم قالوا:.... (1)
وهكذا يسدلاّن الستار على الحقائق. ومن جانب آخر، ينقلان معلومات كاذبة عن أبي ذرّ، فيُحاولان المَسَّ بقُدسيّة (أصدق مَن أقلّته الغبراء). ومن العجب أنّهما يُوردان ذلك كلّه عن سيف بن عمر بطل الوضع والاختلاق، ومثال الافتراء، والنموذج الماثل لإشاعة الكذِب.
إنّ أحداً لم يُثْنِ على سيف؛ فقد ضعّفه ابن معين وقال: (فُليس خيرٌ منه). وذهَب أبو حاتم إلي أنّه (متروك الحديث). ونصّ النسائي والدارقطني على ضعفه. وقال أبو داود: (ليس بشيء). وقال ابن حبّان: (يروي الموضوعات عن الأثبات). اتُّهم بالزندقة، وقالوا: إنّه كان يضَع الحديث، وذهَب الحاكم أيضاً إلى أنّه متّهم بالزندقة (2) .
وأمّا أخبار سيف بن عمر فجميعها تبيّض صحيفة عثمان وتدافع عنه، فيقول مثلاً في نفي أبي ذرّ من قبل عثمان:
قال [أبو ذرّ لعثمان]: فتأذَنُ لي في الخروج؟ فإنّ المدينة ليست لي بدار.
____________________
(1) الكامل في التاريخ: 2 / 251.
(2) تهذيب التهذيب: 2 / 467 / 3184، ميزان الاعتدال: 2 / 255 / 3637.
فقال: أوَتستبدل بها إلاّ شرّاً منها؟! قال: أمرني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ أخرِج منها إذا بلَغ البناء سَلْعاً (1) . قال: فانفُذ لما أمَرَك به.
قال: فخرج حتى نزل الرَّبَذة فخطّ بها مسجداً، وأقطعه عثمان صِرْمَة (2) من الإبل، وأعطاه مملوكَين، وأرسل إليه: أنْ تعاهَدِ المدينة حتى لا ترتدّ أعرابيّاً، ففعل.
وقال أيضاً: خرَج أبو ذرّ إلى الربَذَة من قِبَل نفسه، لمّا رأى عثمان لا ينزع (3) له (4) .
ونحن نعلم أنّ بعض الأباطيل حول (عبد الله بن سبَأ) من مختلقاته أيضاً؛ إذ منح لهذه الشخصيّة قابليّة عجيبة حتى جعلها عَلَماً لجميع ضروب الاحتجاج والاعتراض على عثمان ومعاوية (5) .
.راجع: الثورة على عثمان / عبد الله بن سبَأ وجه مشبوه
4 / 7 - 2
ضرْب عمّار بن ياسر
1162 - أنساب الأشراف عن أبي مخنف - في إسناده -: كان في بيت المال بالمدينة سَفَط فيه حلي وجوهر، فأخذ منه عثمان ما حلّى به بعض أهله، فأظهر
____________________
(1) سَلْع: موضع بقرب المدينة (معجم البلدان: 3 / 236).
(2) الصِّرمَة: القطعة من الإبل، قيل: هي ما بين العشرين إلى الثلاثين، وقيل: ما بين الثلاثين إلى الخمسين والأربعين (لسان العرب:12 / 337).
(3) أي ينجذب ويميل (النهاية: 5/41).
(4) تاريخ الطبري: 4 / 284.
(5) راجع: الثورة على عثمان / تحليل لأسباب الثورة على عثمان.
الناسُ الطعن عليه في ذلك وكلَّموه فيه بكلامٍ شديد حتى أغضبوه، فخطَب فقال: لنأخذنّ حاجتنا من هذا الفيء وإنْ رَغِمَت أُنوف أقوام.
فقال له عليّ: (إذاً تُمنع من ذلك ويُحال بينك وبينه).
وقال عمّار بن ياسر: أُشهد الله أنّ أنفي أوّل راغِمٍ من ذلك.
فقال عثمان: أعَلَيَّ يابن المَتْكاء (1) ! تجترئ؟ خُذوه، فأُخذ ودخل عثمان فدعا به فضربه حتى غُشي عليه، ثمّ أُخرج فحُمل حتى أُتيَ به منزل أُمّ سَلَمة زوج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلَم، يصلّ الظهر والعصر والمغرب، فلمّا أفاق توضّأ وصلّى وقال: الحمد لله، ليس هذا أوّل يوم أُوذينا فيه في الله....
وبلَغ عائشة ما صنَع بعمّار، فغضِبت وأخرجت شَعراً من شَعرِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وثوباً مِن ثيابه، ونعلاً من نعاله، ثمّ قالت: ما أسرَع ما تركتم سنّة نبيّكم وهذا شعره وثوبه ونعله ولم يَبْلَ بعدُ، فغضب عثمان غضباً شديداً حتى ما درى ما يقول (2) .
1163 - تاريخ المدينة عن المغيرة: اجتمع ناسٌ فكتبوا عيوب عثمان وفيهم: ابن مسعود، فاجتمعوا بباب عثمان ليدخلوا عليه فيكلّموه، فلمّا بلغوا الباب نكلوا إلاّ عمّار بن ياسر؛ فإنّه دخَل عليه فوعظه، فأمر به فضُرب حتى فُتِق؛ فكان لا يستمسِك بوله.
فقيل لعمّار: ما هذا؟ قال: إنّي مُلَقّى من قريش؛ لقيتُ منهم في الإسلام كذا،
____________________
(1) امرأة مَتْكاء: بَظْراء. وقيل: المُتكاء من النساء: التي لم تُخفَض؛ ولذلك قيل في السبّ: يا بن المَتكاء (لسان العرب: 10 / 485).
(2) أنساب الأشراف: 6 / 161، شرح نهج البلاغة: 3 / 49؛ الشافي: 4 / 289.
وفعلوا بي كذا، ثمّ دخلت على هذا - يعني عثمان - فأمرته ونهَيته، فصنَع ما ترَون؛ فلا يستمسِك بولي (1) .
1164 - أنساب الأشراف: يُقال: إنّ المقداد بن عمرو، وعمّار بن ياسر، وطلحة والزبير، في عدّة من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كتبوا كتاباً عدّدوا فيه أحداث عثمان، وخوّفوه ربّه، وأعلموه أنّهم مواثبوه إنْ لم يُقلِع.
فأخذ عمّار الكتاب وأتاه به، فقرأ صدراً منه، فقال له عثمان: أ عَلَيَّ تقدمُ من بينهم؟
فقال عمّار: لأنّي أنصحَهُم لك. فقال: كذِبت يابن سميّة.
فقال: أنا والله ابن سميّة وابن ياسر. فأمر غلماناً له فمدّوا بيديه ورجليه، ثمّ ضربه عثمان برجليه وهي في الخُفّين على مذاكيره، فأصابه الفَتْق، وكان ضعيفاً كبيراً فغُشي عليه (2) .
1165 - الاستيعاب: كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمّار غلمانُ عثمان ما نالوا من الضرب، حتى انفتق له فَتْق في بطنه، ورغموا وكسروا ضلعاً من أضلاعه، فاجتمعت بنو مخزوم وقالوا: والله لئِن مات لا قَتَلْنا به أحداً غير عثمان (3) .
1166 - الإمامة والسياسة: اجتمع ناسٌ من أصحاب النبيّ عليه الصلاة والسلام فكتبوا كتاباً ذكروا فيه ما خالَف فيه عثمان من سنّة رسول الله وسنّة صاحبَيه، وما
____________________
(1) تاريخ المدينة: 3 / 1099.
(2) أنساب الأشراف: 6 / 162، شرح نهج البلاغة: 3 / 50، الفتوح: 2 / 372، الرياض النضرة: 3 / 85 كلاهما نحوه؛ الشافي: 4 / 290.
(3) الاستيعاب: 3 / 227 / 1883، شرح نهج البلاغة: 10 / 102 وج 20 / 36.
كان مِن هِبته خُمس إفريقيّة لمروان وفيه حقّ الله ورسوله، ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين.
وما كان من تطاوله في البنيان، حتى عدّوا سبع دور بناها بالمدينة: داراً لنائلة، وداراً لعائشة وغيرهما من أهله وبناته. وبنيان مروان القصور بذي خشب، وعمارة الأموال بها من الخُمس الواجب لله ولرسوله.
وما كان من إفشائه العمَل والولايات في أهله وبني عمّه من بني أُميّة - أحداث وغلمة - لا صُحبةَ لهم من الرسول (صلّى الله عليه وآله) ولا تجربة لهم بالأُمور.
وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلّى بهم الصبح وهو أمير عليها سكران أربَع ركَعات، ثمّ قال لهم: إنْ شئتم أزيدُكم صلاة زدتكم، وتعطيله إقامة الحدّ عليه، وتأخيره ذلك عنه.
وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شيء ولا يستشيرهم، واستغنى برأيه عن رأيهم.
وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة، وما كان من إدراره القطائع والأرزاق والأعطيات على أقوامٍ بالمدينة ليست لهم صُحبةٌ من النبيّ عليه الصلاة والسلام، ثمّ لا يغزون ولا يذبّون.
وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط، وأنّه أوّل من ضرَب بالسياط ظهور الناس، وإنّما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرة والخيزران. ثمّ تعاهد القوم ليدفعنّ الكتاب في يد عثمان، وكان ممّن حضر الكتاب: عمّار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وكانوا عشرة؛ فلمّا خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يد عمّار، جعلوا يتسلّلون عن عمّار حتى بقي وحده، فمضى حتى جاء دار عثمان، فاستأذن عليه، فأذن له في يوم شاتٍ، فدخل عليه وعنده
مروان بن الحكم وأهله من بني أُميّة، فدفع إليه الكتاب فقرأه، فقال له: أنتَ كتَبت هذا الكتاب؟ قال: نعم. قال: ومن كان معك؟ قال: كان معي نفرٌ تفرّقوا فَرَقاً (1) منك.
قال: من هم؟ قال: لا أُخبرك بهم.
قال: فَلِمَ اجترأت عليّ من بينهم؟ فقال مروان: يا أمير المؤمنين! إنّ هذا العبد الأسود - يعني عمّاراً - قد جرّأ عليك الناس، وإنّك إنْ قتلته نكّلت به مَن وراءه.
قال عثمان: اضربوه، فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه، فغشيَ عليه، فجرّوه حتى طرحوه على باب الدار، فأمَرت به أُمّ سَلَمة زوج النبيّ عليه الصلاة والسلام، فأُدخل منزلها.
وغضب فيه بنو المغيرة وكان حليفَهم، فلمّا خرَج عثمان لصلاة الظهر، عرَض له هشام بن الوليد بن المغيرة، فقال: أما والله لئن ماتَ عمّار من ضربه هذا لأقتلَنّ به رجلاً عظيماً من بني أُميّة، فقال عثمان: لست هناك (2) .
1167 - الفتوح - في خبر وفاة أبي ذرّ -: بلَغ ذلك عثمان، فقال: رحِم الله أبا ذرّ! فقال عمّار بن ياسر: فرحِم الله أبا ذرّ من كلّ قلوبنا! فغضِب عثمان ثمّ قال: يا كذا وكذا أ تظنّ أنّي ندِمتُ على تسييره إلى رَبَذة؟
قال عمّار: لا والله، ما أرى ذلك!
قال عثمان: ادفعوا في قفاه، وأنتَ فالحقْ بالمكان الذي كان فيه أبو ذرّ، ولا تبرحه أبداً ما بقيت وأنا حيّ.
____________________
(1) الفَرَق: الخوف والفزع (النهاية: 3 / 438).
(2) الإمامة والسياسة: 1 / 50.
فقال عمّار: والله إنّ جوار السباع لأحبّ إليَّ من جوارِك؛ ثمّ قام عمّار فخرَج من عنده.
قال: وعزَم عثمان على نفي عمّار، وأقبَلَت بنو مخزوم إلى عليّ بن أبي طالب (رضيَ الله عنه) فقالوا: إنّه يا أبا الحسن، قد علِمت بأنّا أخوال أبيك أبي طالب، وهذا عثمان بن عفّان قد أمَر بتسيير عمّار بن ياسر، وقد أحببنا أنْ نلقاه فنكلّمه في ذلك ونسأله أنْ يكفّ عنه ولا يؤذينا فيه، فقد وثَب عليه مرّة ففعل به ما فعل، وهذه ثانية، ونخاف أنْ يخرج معه إلى أمرٍ يندَم ونندم نحن عليه.
فقال: (أفعلُ ذلك فلا تعجلوا، فو الله لو لم تأتوني في هذا لكان ذلك من الحقّ الذي لا يسعني تركَه ولا عذر لي فيه).
قال: ثمّ أقبل عليٌّ (رضيَ الله عنه) حتى دخَل على عثمان فسلّم وجلَس فقال: (اتّقِ الله أيُّها الرجل، وكفّ عن عمّار وغير عمّار من الصحابة؛ فإنّك قد سيّرت رجلاً من صلحاء المسلمين وخيار المهاجرين الأوّلين، حتى هلَك في تسييرك إيّاه غريباً، ثمّ إنّك الآن تُريد أنْ تنفي نظيره من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)!)
فقال عثمان: لأنت أحقّ بالمسير منه، فو الله ما أفسَد علَيَّ عمّاراً وغيره سِواك!
فقال عليّ (رضيَ الله عنه): (والله يا عثمان! ما أنت بقادرٍ على ذلك ولا إليه بواصل، فروّمْ(1) ذلك إنْ شئت. وأمّا قولك: إنّي أُفسِدهم عليك، فو الله ما يُفسِدُهم عليك إلاّ نفسُك؛ لأنّهم يرون ما ينكرون؛ فلا يسعهم إلاّ تغيير ما يرَون....)
ثمّ أقبل عليّ (رضيَ الله عنه) على عمّار بن ياسر فقال له: (اجلِس في بيتك ولا تبرَح منه، فإنّ الله تبارك وتعالى مانُعك من عثمان وغير عثمان، وهؤلاء المسلمون معك).
____________________
(1) من روّمتُ فلاناً: إذا جعلته يطلب الشيء (لسان العرب: 12/258).
فقالت بنو مخزوم: والله يا أبا الحسن! لئن نصرتنا وكنت معنا لا وصل إلينا عثمان بشيء نكرهه أبداً.
وبلَغ ذلك عثمان فكفّ عن عمّار وندِم على ما كان منه (1) .
4 / 7 - 3
ضرب عبد الله بن مسعود وتسييره
1168 - تاريخ المدينة عن إسماعيل بن أبي خالد: إنّ الوليد بن عقبة كتب إلى عثمان يبغضه على ابن مسعود، وأنّ عثمان سيّره من الكوفة إلى المدينة، وحرمه عطاءه ثلاث سنين (2) .
1169 - تاريخ المدينة عن إسماعيل بن أبي خالد: لمّا بلَغ عثمان أنّ عبد الله مريض حمل إليه عطاءه خمسة عشر ألفاً، وكان عطاء البدريّين خمسة آلاف، فدخَل عليه عثمان فقال: كيف تجدُك؟ قال: مردود إلى مولاي الحقّ. قال: يرحمك الله، كأنّها ظِنّة، هذا عطاؤك خمسة عشَر ألفاً فاقبضه. قال: منَعتَنيه إذ كان ينفعني! فأنا آخذه منك يوم القيامة. فانصرف ولم يقبل عطاءه (3) .
1170 - أنساب الأشراف عن أبي مخنف وعوانة: أنّ عبد الله بن مسعود حين ألقى مفاتيح بيت المال إلى الوليد بن عقبة قال: مَن غيّر غيّر اللهُ ما به، ومَن بدَّل أسخَط الله عليه، وما أرى صاحبَكم إلاّ وقد غيَّر وبدَّل، أ يُعزل مثل سعد بن أبي وقّاص ويولّى الوليد؟ وكان يتكلّم بكلامٍ لا يدَعه وهو: إنّ أصدَق القول كتاب الله، وأحسَن الهدى هدى محمّد (ؤصلّى الله عليه وآله)، وشرّ الأُمور مُحدَثاتُها، وكلّ مُحدَثٍ
____________________
(1) الفتوح: 2 / 378 وراجع أنساب الأشراف: 6 / 169 وتاريخ اليعقوبي: 2 / 173.
(2) تاريخ المدينة: 3 / 1049.
(3) تاريخ المدينة: 3 / 1051.
بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار.
فكتَب الوليد إلى عثمان بذلك وقال: إنّه يعيبك ويطعن عليك، فكتَب إليه عثمان يأمره بإشخاصه، وشيّعه أهلُ الكوفة، فأوصاهم بتقوى الله ولزوم القرآن، فقالوا له: جُزِيْتَ خيراً؛ فلقد علّمت جاهلَنا، وثبّتّ عالِمَنا، وأقرأتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، فنِعم أخو الإسلام أنت ونِعم الخليل، ثمّ ودّعوه وانصرفوا.
وقدم ابن مسعود المدينة وعثمان يخطب على منبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا رآه قال: ألا إنّه قدِمَت عليكم دويبةُ سوء، مَن تَمْشِ على طعامه يقئ ويسْلَحْ (1).
فقال ابن مسعود: لستُ كذلك، ولكنّي صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم بدر، ويوم بيعة الرضوان.
ونادت عائشة: أي عثمان! أ تقول هذا لصاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟
ثمّ أمر عثمان به فأُخرج من المسجد إخراجاً عنيفاً، وضَرَب به عبدُ الله بن زمعة بن الأسود بن المطّلب بن أسَد بن عبد العُزّى بن قُصَي الأرض، ويُقال: بل احتمله يحموم غلام عثمان ورِجلاه تختلفان على عنقه، حتى ضرب به الأرض، فدقّ ضِلْعه.
فقال عليّ: (يا عثمان! أ تفعل هذا بصاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقول الوليد بن عقبة؟)
فقال: ما بقول الوليد فعلتُ هذا، ولكن وجّهت زُبيد بن الصلت الكندي إلى الكوفة، فقال له ابن مسعود: إنّ دم عثمان حلال.
فقال عليّ: (أحَلْتَ من زبيد على غير ثقة...) وقام عليّ بأمر ابن مسعود حتى
____________________
(1) السُّلاح: النَّجْو [أي الغائط]، وقد سَلَحَ الرجُل يَسْلَح سَلْحاً (تاج العروس: 4 / 92).
أتى به منزله، فأقام ابن مسعود بالمدينة لا يأذن له عثمان في الخروج منها إلى ناحية من النواحي، وأراد حين برئ الغزوَ، فمنعه من ذلك،
وقال له مروان: إنّ ابن مسعود أفسَد عليك العراق، أ فتريد أنْ يُفسِد عليك الشام؟
فلم يبرَح المدينة حتى تُوفّي قبل مقتل عثمان بسنتين، وكان مقيماً بالمدينة ثلاث سنين. وقال قوم: إنّه كان نازلاً على سعد بن أبي وقّاص.
ولمّا مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه أتاه عثمان عائداً فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي.
قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربّي.
قال: أ لا أدعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب أمرضني.
قال: أ فلا آمر لك بعطائك؟ قال: منعتنيه وأنا محتاجٌ إليه، وتعطينيه وأنا مستغنٍ عنه؟
قال: يكون لولْدك، قال: رزْقَهم على الله.
قال: استغفر لي يا أبا عبد الرحمان. قال: أسأل الله أنْ يأخذ لي منك بحقّي.
وأوصى أنْ لا يُصلّي عليه عثمان، فدُفن بالبقيع وعثمان لا يعلَم، فلمّا علِم غضِب وقال: سبقتموني به؟! فقال له عمّار بن ياسر: إنّه أوصى أنْ لا تصلّي عليه؛ وقال الزبير:
لأعرفنّك بعد الموت تندُبُني |
وفي حياتيَ ما زوَّدتني زادي (1) |
____________________
(1) أنساب الأشراف: 6 / 146 وراجع شرح نهج البلاغة: 3 / 42 والشافي: 4 / 279.
4 / 7 - 4
تسيير عبد الرحمان بن حنبل
1171 - تاريخ اليعقوبي: سيّر [عثمانُ] عبد الرحمان بن حنبل (1) صاحب رسول الله إلى القموس (2) من خيبر، وكان سبب تسييره إيّاه أنّه بلغه كرهه مساوئ ابنه وخاله، وأنّه هجاه (3) .
4 / 7 - 5
تسيير عامر بن قيس
1172 - المعارف: سيّر [عثمانُ] عامرَ بن عبد القيس (4) من البصرة إلى الشام (5) .
____________________
(1) هو من البدريّين، وكان من مبغضي عثمان. حبَسه عثمان، وبعد استخلاصه بتوصية الإمام عليّ (عليه السلام) سيّره إلى خيبَر. قال في رجزه في حرب صفّين:
إنْ تقتلوني فأنا ابن حنبلْ |
أنا الذي قد قلت: فيكم نعثلْ |
وقتل في تلك الحرب، وقد نصح الإمامَ عليّاً (عليه السلام) وهو في آخر رمَق فقال له: قاتِل عن المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك (راجع: قاموس الرجال: 6 / 105، تاريخ الطبري: 5 / 46، رجال الطوسي: 73 /686).
(2) كذا في المصدر. وفي معجم البلدان (4 / 398): القَمُوص: جبل بخيبَر، عليه حصن أبي الحُقيق اليهودي.
(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 173.
(4) عامر بن عبد قيس: من الزهّاد الثمانية (رجال الكشّي: 1 / 313 / 154؛ البيان والتبيين: 3 / 193)، مجمعاً على جلالته، ولد بالبصرة، وكان معرِضاً عن زخارف الدنيا، أنكر على عثمان أحداثه في الدين، فقام عثمان بإبعاده إلى الشام. ولمزيد الاطّلاع على تحريفات سيف بن عمر لهذه الوقعة راجع تاريخ الطبري: 4 / 327 و328 وتاريخ دمشق: 26 / 18 - 24.
(5) المعارف لابن قتيبة: 195، العقد الفريد: 3 / 291 وراجع البداية والنهاية: 7 / 166.
1173 - أنساب الأشراف عن أبي مخنف لوط بن يحيى وغيره: كان عامر بن عبد قيس التميمي يُنكر على عثمان أمره وسيرته، فكتب حمران بن أبان - مولى عثمان - إلى عثمان بخبره، فكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر بن كُريز في حمله فحمَله (1) .
1174 - تاريخ الطبري عن العلاء بن عبد الله بن زيد العنبري: اجتمع ناسٌ من المسلمين، فتذاكروا أعمال عثمان وما صنَع، فاجتمع رأيهم على أنْ يبعثوا إليه رجلاً يكلّمه، ويخبره بإحداثه.
فأرسلوا إليه عامر بن عبد الله التميمي ثمّ العنبري - وهو الذي يُدعى عامر بن عبد قيس - فأتاه، فدخَل عليه، فقال له: إنّ ناساً من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك، فوجدوك قد ركبت أُموراً عظاماً، فاتّقِ الله عزّ وجلّ، وتُب إليه، وانزع عنها.
قال له عثمان: انظر إلى هذا؛ فإنّ الناس يزعمون أنّه قارئ، ثمّ هو يجيء فيكلّمني في المحقّرات، فو الله ما يدري أين الله!
قال عامر: أنا لا أدري أين الله؟
قال: نعم، والله ما تدري أين الله.
قال عامر: بلى والله، إنّي لأدري أنّ الله بالمرصاد لك (2) .
4 / 7 - 6
ضرب كعب بن عبدة وتسييره
1175 - أنساب الأشراف: كتب جماعة من القرّاء [أي من قُرّاء الكوفة] إلى
____________________
(1) أنساب الأشراف: 6 / 172.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 333، الكامل في التاريخ: 2 / 274 نحوه.
عثمان، منهم: مَعْقِل بن قيس الرياحي، وعبد الله بن الطُّفيل العامري، ومالك بن حبيب التميمي، ويزيد بن قيس الأرحَبي، وحِجْر بن عديّ الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وسليمان بن صُرَد الخزاعي ويكنّى أبا مُطَرِّف، والمسيّب بن نجبة الفزاري، وزيد بن حِصْن الطائي، وكعب بن عَبْدة النَّهْدي، وزياد بن النضْر بن بشر بن مالك بن الديّان الحارثي، ومسلمة بن عبد القاري من القارة من بني الهون بن خزيمة بن مدركة: أنّ سعيداً كثر على قومٍ من أهل الورَع والفضل والعفاف، فحملك في أمرهم على ما لا يحلّ في دين، ولا يحسن في سمَاع، وإنّا نذكّرك الله في أُمّة محمّد؛ فقد خفنا أنْ يكون فساد أمرِهم على يدَيك؛ لأنّك قد حملت بني أبيك على رقابهم، واعلم أنّ لك ناصراً ظالماً وناقماً عليك مظلوماً، فمتى نصَرَك الظالِم ونقِم عليك الناقِم تبايَن الفريقان واختلفَت الكلمة، ونحن نُشهد عليك الله وكفى به شهيداً؛ فإنّك أميرُنا ما أطعت الله واستقمت، ولنْ تجد دون الله مُلْتَحداً (1) ولا عنه منتقذاً.
ولم يسمّ أحد منهم نفسه في الكتاب، وبعثوا به مع رجلٍ من عنزة يُكنّى أبا ربيعة، وكتب كعب بن عبدة كتاباً من نفسه تسمّى فيه ودفعه إلى أبي ربيعة...
ويقال: إنّ عثمان لمّا قرأ كتاب كعب، كتب إلى سعيد في إشخاصه إليه، فأشخصه إليه مع رجل أعرابيّ من أعراب بني أسَد، فلمّا رأى الأعرابيّ صلاته وعرَف نسكه وفضله قال:
ليت حظّي من مَسيري بكعبِ |
عفوهُ عنّي وغُفْرانُ ذنبي |
فلمّا قدِم به على عثمان قال عثمان: لأنْ تسمع بالمُعَيْدى خيرٌ من أنْ تراه (2) ،
____________________
(1) المُلْتَحَد: الملجأ (لسان العرب: 3 / 389).
(2) مثل يُضرب لمن خَبَرُه خير من مَرْآه. وأوّل من قاله المنذر ابن ماء السماء (مجمع الأمثال: 1 / 227).
وكان شابّاً حديث السنّ نحيفاً، ثمّ أقبل عليه فقال: أ أنت تعلّمني الحقّ وقد قرأتُ كتاب الله وأنتَ في صُلْب رجلٍ مشرك؟
فقال له كعب: إنّ إمارة المؤمنين إنّما كانت لك بما أوجبَتْه الشُورى حين عاهدتَ الله على نفسك لتسيرنّ بسيرة نبيّه لا تُقصّر عنها، وإنْ يشاورونا فيك ثانيةً نقلناها عنك.
يا عثمان! إنّ كتاب الله لمن بلغه وقرأه، وقد شركناك في قراءته، ومتى لم يعمل القارئ بما فيه كان حجّةً عليه.
فقال عثمان: والله، ما أظنّك تدري أين ربُّك؟
فقال: هو بالمرصاد.
فقال مروان: حلمُك أغرى مثل هذا بك وجرّأه عليك.
فأمر عثمان بكعب فجُرّد وضرب عشرين سوطاً وسيّره إلى (دَباوَنْد (1) )، ويقال: إلى (جبل الدُّخان).
فلمّا ورد على سعيد حمله مع بُكير بن حُمران الأحمري، فقال الدهقان الذي ورد عليه: لِمَ فُعِل بهذا الرجل ما أرى؟
قال بُكير: لأنّه شرير! فقال: إنّ قوماً هذا من شرارهم لَخيارٌ.
ثمّ إنّ طلحة والزبير وبّخا عثمان في أمر كعب وغيره، وقال طلحة: عند غِبّ الصَّدَرِ تُحْمَدُ عاقبة الوِرْد، فكتب في ردّ كعب وحمله إليه، فلمّا قدِم عليه نزع
____________________
(1) مدينة دَبَاوَنْد وهو المشهور الآن بـ دماوند. قرب طهران عاصمة إيران وهي تقطع على صفح جبل دماوند أعظم جبل في إيران.
ثوبه وقال: يا كعب اقتصّ، فعفا (1).
4 / 7 - 7
تسيير جماعة من صُلحَاء الأُمّة
1176 - تاريخ الطبري عن الشعبي: قدِم سعيد بن العاص الكوفة، فجعَل يختار وجوه الناس يدخلون عليه ويسمُرون عنده؛ وإنّه سمر عنده ليلةً وجوه أهل الكوفة، منهم: مالك بن كعب الأرحبيّ، والأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس النخعيّان، وفيهم: مالك الأشتر في رجال.
فقال سعيد: إنّما هذا السواد بستانٌ لقريش!
فقال الأشتر: أتزعم أنّ السواد الذي أفاءهُ الله علينا بأسيافنا بستان لكَ ولقومِك؟! والله ما يزيد أوفاكم فيه نصيباً إلاّ أنْ يكون كأحدِنا، وتكلّم معه القوم.
فقال عبد الرحمان الأسَدي - وكان على شَرَطة سعيد -: أ تردّون على الأمير مقالته؟ وأغلَظ لهم.
فقال الأشتر: مَن هاهنا؟ لا يفوتنّكم الرجل، فوثبوا عليه فوطؤوه وطْأً شديداً، حتى غُشي عليه، ثمّ جُرّ برجله فاُلقِيَ...
فكتب سعيد إلى عثمان يخبره بذلك ويقول: إنّ رهطاً من أهل الكوفة - سمّاهم له عشرة - يؤلّبون ويجتمعون على عيبك وعيبي والطعن في ديننا، وقد خشيت إنْ ثبت أمرهم أنْ يكثروا.
فكتب عثمان إلى سعيد: أنْ سيّرهم إلى معاوية - ومعاوية يومئذٍ على الشام
____________________
(1) أنساب الأشراف: 6 / 153 وراجع الفتوح: 2 / 390 - 394.
فسيّرهم - وهم تسعةُ نفَر - إلى معاوية، فيهم: مالكُ الأشتر، وثابت بن قيس بن منقع، وكُمَيل بن زياد النخعي، وصعصعة بن صوحان (1) .
1177 - أنساب الأشراف: لمّا خرَج المسيَّرون من قُرّاء أهل الكوفة فاجتمعوا بدمشق نزَلوا مع عمرو بن زُرارة، فبرّهم معاوية وأكرمهم، ثمّ إنّه جرى بينه وبين الأشتر قول حتى تغالظا، فحبَسه معاوية...
وبلَغ معاوية أنّ قوماً من أهل دمشق يُجالُسون الأشتر وأصحابه، فكتب إلى عثمان: إنّك بعثت إليّ قوماً أفسَدوا مصرهم وأنغلوه (2) ، ولا آمنُ أنْ يفسدوا طاعة من قِبَلي ويعلّموهم ما لا يُحسنونه حتى تعود سلامتهم غائلةً، واستقامتهم اعوجاجاً.
فكتب إلى معاوية يأمره أنْ يسيّرهم إلى حِمْص (3) ففَعَل، وكان واليها عبد الرحمان بن خالد بن الوليد بن المغيرة. ويقال: إنّ عثمان كتب في ردّهم إلى الكوفة، فضجّ منهم سعيد ثانية، فكتب في تسييرهم إلى حمص، فنزلوا الساحل (4) .
1178 - تاريخ الطبري عن الشعبي - في خبر مسيّرة الكوفة -: كتب [معاوية ] إلى عثمان: لستُ آمن إنْ أقاموا وسط أهل الشام أنْ يغرّوهم بسحرهم
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 322، الكامل في التاريخ: 2 / 267، الفتوح: 2 / 384 كلاهما نحوه.
(2) من النَّغل؛ الفساد، وقد نَغِل الأديم، إذا عَفِن وتهرّى في الدِّباغ، فينفسد ويهلِك (النهاية: 5 / 88).
(3) حِمْص: أحد قواعد الشام، وتقع إلى الشمال من مدينة دمشق تبعد عنها150 كيلو متراً، وهي ذات بساتين، وشربها من نهر العاصي. دخلت هذه المدينة تحت سيطرة المسلمين في سنة 15 للهجرة (راجع تقويم البلدان: 261).
(4) أنساب الأشراف: 6 / 155.
وفجورهم! فاردُدهم إلى مصرهم؛ فلتكن دارهم في مصرهم الذي نجم فيه نفاقهم، والسلام.
فكتب إليه عثمان يأمره أنْ يردّهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة، فردّهم إليه، فلم يكونوا إلاّ أطلق ألسنةً منهم حين رجعوا.
وكتب سعيد إلى عثمان يضجّ منهم؛ فكتَب عثمان إلى سعيد أنْ سيِّرْهم إلى عبد الرحمان بن خالد بن الوليد؛ وكان أميراً على حمص.
وكتب إلى الأشتر وأصحابه: أمّا بعد؛ فإنّي قد سيّرتكم إلى حمص، فإذا أتاكم كتابي هذا فاخرجوا إليها؛ فإنّكم لستم تأْلون (1) الإسلام وأهله شرّاً، والسلام.
فلمّا قرأ الأشتر الكتاب، قال: اللهمّ! أسوأنا نظراً للرعيّة، وأعملنا فيهم بالمعصية، فعجِّل له النقمة.
فكتب بذلك سعيد إلى عثمان، وسار الأشتر وأصحابه إلى حمص؛ فأنزلهم عبد الرحمان بن خالد الساحل، وأجرى عليهم رزقاً (2) .
____________________
(1) يقال: فُلانٌ لا يألوا خيراً؛ أي لا يدعه ولا يزال يفعله (لسان العرب: 14 / 40).
(2) تاريخ الطبري: 4 / 325 وراجع الكامل في التاريخ: 2 / 271.
الفصل الخامس
الثورة على عثمان
قام عثمان بن عفّان من بين أعضاء الشورى التي كان عمر بن الخطّاب قد شكّلها، فتربّع على أريكة الحكم. وأرسى دعائم حكومته منذ البداية على قواعد مخالفة للسيرة النبويّة (1). وكانت ممارساته، سواءً في تعامله مع الناس والصحابة، أم كانت في موقفه من أحكام الدين مَدْعاةً لاحتجاج الأُمّة عليه، فوُصِم بمعارضة السنّة النبويّة وانتهاك حُرمة الدين. وكان مُنقاداً لبِطانةِ سقيمةِ الفكر زائغةِ النهج قد حاقت به، فلَم تدعه يأخذ الخطَر المُحْدِق به مأخَذ الجدّ، ولا يكترِث بالاحتجاجات والانتقادات الموجّهة إليه.
تدلّ النصوص المذكورة في الصفَحات المتقدّمة على اتّساع نطاق الشذوذ في حكومة عثمان، كما تدلّ على زيغه عن الحقّ وإلغائه للمعايير السليمة. ويرى بعض المؤرّخين أنّ السنين الستّ الأُولى من حكومته كانت هادئة لم تطرأ فيها
____________________
(1) راجع: مبادئ الثورة على عثمان / العفو عن قاتل الهرمزان وابنة أبي لؤلؤة.
حادثة تُذكَر ولم يعترض عليها أحدٌ يومئذ، ثمّ حدثت تبدّلات متنوّعة (1) ، ولكن هذا الرأي لم يكن صحيحاً، إذ بدأ عثمان انحرافه منذ الأيّام الأُولى لتبلوِر حكومته، بإرجاعه الحكَم بن العاص ومروان، وتسليطهما على الأُمّة، وزاد في ذلك أيضاً بتأمير أقاربه على الأمصار، وإسرافه الفاضح من بيت المال. فأثار عمله هذا صحابة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) منذ البداية، بَيْد أنّ المعارضة العامّة والنهوض والتحرّك الجماعي ضدّه حدثت في السنين الستّ الأخيرة من حكومته (2) .
في سنة (33 هـ) أقدَم عثمان على نفي ثلّة من كبار أهل الكوفة وصالحيهم، وكان فيهم بعض الصحابة أيضاً (3) . وبعد مدّة ثار الكوفيّون في سنة (34 هـ) مطالبين بعزل سعيد بن العاص والي الكوفة، فلم يُصغِ عثمان إلى طلبِهم، فحالوا دون دخوله مدينتهم مقاوِمين. فاضطرّ عثمان بعدئذ إلى عزله راضخاً لمطالبهم - وكان سعيد مِن أقربائه - وعيّن مكانه أبا موسى الأشعري الذي كان يرتضيه أهل الكوفة. وفي تلك السنة تراسل الصحابة وخطّطوا للثورة على عثمان طاعنين بتصرّفاته الشاذّة. وممّا جاء في مراسلاتهم قولهم:
(إن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد).
وبلّغ أمير المؤمنين (عليه السلام) عثمان احتجاجات الصحابة، ووعظَه بأُسلوبٍ ليّنٍ لعلّه يثوب إلى رشده، ويغيّر منهجه في الحُكم، ويستقيم على الطريقة، لكنّه لم يستجِب وخطَب خطبةً شديدة اللهجة عنّف فيها المعترضين ولجأ فيها إلى التهديد.
____________________
(1) تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 431.
(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 163.
(3) راجع: مبادئ الثورة على عثمان / تسيير جماعة من صُلحاء الأُمّة.
وكتب طلحة وبعض الصحابة الآخرين كتاباً إلى أهل مصر (و غيرها من الأمصار الإسلاميّة) يَدْعونهم فيها إلى الثورة على عثمان. وفي أعقاب هذه الدعوة وسِواها، ونتيجةً لجميع ضروب الشذوذ، وعدَم اعتناء عثمان باحتجاجات الناس وانتقاداتهم تقاطر على المدينة جماعات مختلفة من مصر، والكوفة، والبصرة، وحاصروا عثمان يؤازرهم عدد من الصحابة، وطالبوه بكلّ حزم أنْ يعتزل الحُكُم. وكان لعائشة، وطلحة بن عبيد الله، وعمرو بن العاص دور مهمّ في إلهاب الثورة عليه. وقالت عائشة قولها المشهور فيه إبّان تلك الأحداث:
(اقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً) .
وتناقلت الألسن قولها هذا، واشتهر في الآفاق بعد ذلك التاريخ.
ويبدو أنّ عثمان قد أفاق بعدئذ من نومه الثقيل الذي كانت بطانته قد فرضته عليه من قبل، وشعر بالخطر. من هنا، طلب من الإمام (عليه السلام) أنْ يصرف الثوّار عن أهدافهم، وعاهده على تغيير سياسته، والعمَل كما يريدون، فتكلّم الإمام (عليه السلام) معهم وأقنعهم بفكّ الحصار عنه، ووعدهم عثمان بتلبية طلباتهم وألاّ يكرّر النهج الذي كان قد سلَكه من قبل وأنْ يعمل بكتاب الله تعالى، وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله)...
وخطَب عثمان خطبةً أعلَن فيها صراحةً توبته من فعلاته السابقة، وقال أمام الحشد الغفير من المسلمين: (أستغفر الله ممّا فعلتُ وأتوب إليه).
وقال نادماً، وهو غارق في حيرته:
(فو الله، لئن ردّني الحقّ عبداً لاَستنّ بسنّة العبد، ولأذلنّ ذلّ العبد، ولأكوننّ كالمرقوق...) .
وانتهى الحصار، وعاد المصريّون إلى بلادهم مع واليهم الجديد محمّد بن
أبي بكر، وعزَم سائر المسلمين على الرجوع إلى مدائنهم، وآبَ أهل المدينة إلى دورهم وحياتهم اليوميّة...
لكن المؤسف أنّ هذه التوبة لم تدُم طويلاً، فقد تدخّلت البطانة الأمويّة المريضةُ الفكرِ والعمل - لا سيّما مروان - وجعلته يعدِل عن قراره، وافتعلت ضجّةً ضيّقت عليه الأرض بما رحُبَت، فتراجع ونقَض جميع وعوده، والثوّار لمّا يصلوا إلى أمصارهم بعد. وكان هذا التغيّر في الموقف على درجة من القُبح حتى صاحت نائلة زوجته قائلةً:
(إنّهم والله قاتلوه ومؤثّموه، إنّه قال مقالةً لا ينبغي أنْ ينزع عنها).
وحين كان المصريّون في طريق عودتهم إلى مصر - بعد وعود عثمان - تفطّنوا في أحد المواضع إلى أنّ غلاماً لعثمان متوجّه إلى مصر أيضاً، فشكّوا فيه واستوقفوه، فاستبان أنّه رسوله إلى مصر، وفتّشوه فوجدوا عنده حكم عثمان إلى واليه على مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح يأمره فيه بقتل عدد من الثوّار.
وكان الكتاب بخطّ كاتب عثمان وعليه ختمه، وعندئذ عاد الثوّار إلى المدينة وحاصروا عثمان مرّة أُخرى... فلم يُجْدِ نفعاً حينئذ كلام وسيط، ولم تُقبل توبة...
واستغاث عثمان هذه المرّة بمعاوية يستنجده لإنقاذه بشكل من الأشكال. بَيْد أنّ معاوية الذي كان متعطّشاً للسلطة والتسلّط وجد الفرصة مؤاتية لركوب الموجة والقفز على أريكة الحُكم. من هنا لم يُسارع إلى إغاثة عثمان والذبّ عنه وإنقاذه حتى يُقتل، ومن ثمّ يتربّع على العرش بذريعة المطالبة بدمه.
ودام الحصار أربعين يوماً. وفيها طلب عثمان من الإمام (عليه السلام) مرّتين أنْ يخرج
من المدينة، فاستجاب (عليه السلام) لذلك. كما طلب منه في كلّ منهما أنْ يرجع، وفعل (عليه السلام) أيضاً. وأعان كبار الصحابة الثوّار في هذا الحصار. والقلّة الباقية منهم كانوا إمّا مؤيّدين لعثمان، أو لم يبدوا معارضة علنيّة له.
وهكذا قُتل عثمان في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة سنة (35 هـ) بفعل اقتحام الثوّار داره - بعد أنْ كان أحدُهم قد قُتِل بسيف مروان. وسنتحدّث في بداية الفصول القادمة عن العوامل التي مهّدت لثورة المسلمين على عثمان ومقتله.
5 / 1
التمرّد في الكوفة
1179 - أنساب الأشراف: كتب عثمان إلى أُمرائه في القدوم عليه للذي رأى من ضجيج الناس وشكيّتهم، فقدِم عليه معاوية من الشام، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح من المغرب، وعبد الله بن عامر بن كريز من البصرة، وسعيد بن العاص من الكوفة....
واغتنم أهل الكوفة غيبة معاوية عن الشام فكتبوا إلى إخوانهم الذين بحُمص مع هانئ بن خطّاب الأرحبي يدعونهم إلى القدوم، ويشجّعونهم عليه، ويعلمونهم أنّه لا طاعة لعثمان مع إقامته على ما يُنكَر منه.
فسار إليهم هانئ بن خطّاب مُغِذّاً (1) للسير راكباً للفلاة، فلمّا قرؤوا كتاب أصحابهم أقبل الأشتر والقوم المسيَّرون حتى قَدِموا الكوفة، فأعطاه القُرّاء والوجوه جميعاً مواثيقهم وعهودهم أنْ لا يدعوا سعيد بن العاص يدخل الكوفة
____________________
(1) أغذّ: إذا أسرع في السَّير (النهاية: 3 / 347).
والياً أبداً... وقام مالك بن الحارث الأشتر يوماً فقال: إنّ عثمان قد غيّر وبدّل، وحضّ الناس على منْع سعيد من دخول الكوفة.
فقال له قبيصة بن جابر بن وهَب الأسدي - من ولد عميرة بن جدار -: يا أشتر! دام شترك، وعفا أثرك، أطلت الغيبة، وجئت بالخيبة، أ تأمرنا بالفرقة والفتنة ونكث البيعة وخلْع الخليفة؟
فقال الأشتر: يا قبيصة بن جابر! وما أنت وهذا، فو الله ما أسلَم قومك إلاّ كُرهاً، ولا هاجروا إلاّ فقراً، ثمّ وثَب الناس على قبيصة فضربوه وجرحوه فوق حاجبه.
وجعل الأشتر يقول: لا حُرَّ بوادي عَوْف (1) ، من لا يذُد عن حوضه يُهَدَّم (2) . ثمّ صلّى بالناس الجمعة وقال لزياد بن النضر: صلِّ بالناس سائر صلواتهم، والزم القصر، وأمَر كُميل بن زياد فأخرج ثابت بن قيس بن الخطيم الأنصاري من القصر، وكان سعيد بن العاص خلّفه على الكوفة حين شخَص إلى عثمان.
وعسكر الأشتر بين الكوفة والحيرة وبعث عائذ بن حملة في خمسمِئة إلى أسفل كَسْكَر (3) مَسلَحة (4) بينه وبين البصرة، وبعث جمرة بن سنان الأسدي في خمسمِئة إلى عين التمر (5) ليكون مسلحة بينه وبين الشام، وبعث هانئ بن
____________________
(1) أي أنّه يَقهَر مَن حلّ بواديه، فكلّ مَن فيه كالعبد له لطاعتهم إيّاه (مجمع الأمثال: 3 / 194).
(2) إشارة إلى قول زهير بن أبي سلمى في معلّقته:
ومَن لا يذُد عن حوضه بسلاحه |
يهدّم ومَن لا يظلِم الناس يُظلَم |
(3) هي كورة واسعة قصبتها واسط التي بين الكوفة والبصرة (معجم البلدان: 4 / 461).
(4) المَسْلَحة: قوم في عدّة بموضع رصَد قد وكِّلوا به بإزاء ثغر، واحدهم مسلحيّ (لسان العرب: 2/487).
(5) هي بلدة قريبة من الأنبار غربيّ الكوفة (معجم البلدان: 4 / 176).
أبي حيّة بن علقمة الهمداني ثمّ الوادعي إلى حلوان (1) في ألف فارس ليحفظ الطريق بالجبل، فلقي الأكراد بناحية الدَّيْنَوَر (2) وقد أفسَدوا، فأوقَع بهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة.
وبعث الأشتر أيضاً يزيد بن حجيّة التيمي إلى المدائن وأرض جُوْخا (3) وولّى عروة بن زيد الخيل الطائيّ ما دون المدائن، وتقدّم إلى عمّاله أنْ لا يجبوا درهماً، وأنْ يسكّنوا الناس، وأنْ يضبطوا النواحي.
وبعث مالك بن كعب الأرحبي في خمسمِئة فارس ومعه عبد الله بن كباثة - أحد بني عائذ الله بن سعد العشيرة بن مالك بن أُدد بن زيد - إلى العُذيب ليلقى سعيد بن العاص ويردّه، فلقيَ مالك بن كعب الأرحَبي سعيداً فردّه وقال: لا والله، لا تشرب من ماء الفرات قطرة، فرجع إلى المدينة.
فقال له عثمان: ما وراءك؟
قال: الشرّ.
فقال عثمان: هذا كلّه عمل هؤلاء؛ يعني عليّاً والزبير وطلحة.
وأنهب الأشتر دار الوليد بن عقبة وكان فيها مال سعيد ومتاعه حتى قُلِعَت أبوابها. ودخل الأشتر الكوفة فقال لأبي موسى: تولَّ الصلاة بأهل الكوفة وليتولَّ حُذيفة السواد والخراج.
____________________
(1) حُلْوَان: من مدن العراق المهمّة بعد الكوفة والبصرة وواسط وبغداد وسامرّاء. وهي آخر مُدن العراق، ومنها يُصعد إلى الجبال، وبينها وبين بغداد خَمسُ مراحل. فتحت سنة 16 أو 19 للهجرة (راجع تقويم البلدان: 307).
(2) الدَّيْنَوَر: بلدة من بلاد الجبل عند قرميسين، وبينها وبين الموصل أربعون فرسخاً (تقويم البلدان: 415).
(3) هواسم نهر عليه كورة واسعة في سواد بغداد، وهو بين خانقين وخوزستان (معجم البلدان: 2 / 179).
وكتب عثمان إلى الأشتر وأصحابه مع عبد الرحمان بن أبي بكر، والمسوَر بن مخرمة يدعوهم إلى الطاعة، ويعلمهم أنّهم أوّل من سَنّ الفرقة، ويأمرهم بتقوى الله ومراجعة الحقّ والكتاب إليه بالذي يحبّون.
فكتب إليه الأشتر: من مالك بن الحارث إلى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنّة نبيّه، النابذ لحُكم القرآن وراء ظهره.
أمّا بعد، فقد قرأنا كتابك فانْهَ نفسَك وعمّالك عن الظلم والعدوان وتسيير الصالحين نسمحْ لك بطاعتنا، وزعمتَ أنّا قد ظلمنا أنفسنا وذلك ظنّك الذي أرداك، فأراك الجور عدلاً، والباطل حقّاً، وأمّا محبّتنا فأنْ تنزع وتتوب وتستغفر الله من تجنّيك على خيارنا، وتسييرك صلحاءَنا، وإخراجك إيّانا من ديارنا، وتوليتك الأحداث علينا، وأنْ تولّي مصرنا عبد الله بن قيس أبا موسى الأشعري وحذيفة فقد رضيناهما، واحبس عنّا وليدَك وسعيدك ومَن يدعوك إليه الهوى من أهل بيتك إنْ شاء الله، والسلام.
وخرَج بكتابهم يزيد بن قيس الأرحبي، ومسروق بن الأجدَع الهمداني، وعبد الله بن أبي سبرة الجعفي - واسم أبي سبرة يزيد - وعلقمة بن قيس أبو شبل النخعي، وخارجة بن الصلت البرجمي - من بني تميم - في آخرين.
فلمّا قرأ عثمان الكتاب قال: اللهمّ إنّي تائب، وكتب إلى أبي موسى وحذيفة: أنتما لأهل الكوفة رضىً، ولنا ثقة، فتولّيا أمرهم، وقوما به بالحقّ، غفر الله لنا ولكما.
فتولّى أبو موسى وحذيفة الأمر وسكّن أبو موسى الناس (1) .
____________________
(1) أنساب الأشراف: 6 / 156، ولمزيد الاطّلاع على مسيّري الكوفة وقصّتهم راجع الفتوح: 2 / 384 - 402.
1180 - مروج الذهب: لمّا اتّصلت أيّام سعيد [بن العاص] بالكوفة ظهرت منه أُمور منكَرة، فاستبدّ بالأموال، وقال في بعض الأيّام أو كتب به عثمان: إنّما هذا السواد قَطين (1) لقريش.
فقال له الأشتر - وهو مالك بن الحارث النخعي -: أ تجعل ما أفاء الله علينا بظلال سيوفِنا ومراكز رماحنا بستاناً لك ولقومِك؟
ثمّ خرَج إلى عثمان في سبعين راكباً من أهل الكوفة فذكروا سوء سيرة سعيد بن العاص، وسألوا عزلَه عنهم.
فمكَث الأشتر وأصحابه أيّاماً لا يخرج لهم من عثمان في سعيد شيء، وامتدّت أيّامهم بالمدينة، وقدِم على عثمان أُمراؤه من الأمصار، منهم: عبد الله ابن سعد بن أبي سرح من مصر، ومعاوية من الشام، وعبد الله بن عامر من البصرة، وسعيد بن العاص من الكوفة، فأقاموا بالمدينة أيّاماً لا يردّهم إلى أمصارهم، وكراهة أنْ يردّ سعيداً إلى الكوفة، وكره أنْ يعزله، حتى كتب إليه من بأمصارهم يشكون كثرة الخراج وتعطيل الثغور.
فجمعهم عثمان وقال: ما ترون؟
فقال معاوية: أمّا أنا فراض بي جندي.
وقال عبد الله بن عامر بن كريز: ليكفك امرؤ ما قبله أكفِك ما قبلي.
وقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح: ليس بكثير عزل عامل للعامّة وتولية غيره.
____________________
(1) القَطِين: تُبّاع المَلكِ ومماليكه، والخدم والحشَمَ (لسان العرب: 13 / 343).
وقال سعيد بن العاص: إنّك إنْ فعلْتَ هذا كان أهل الكوفة هم الذين يولّون ويعزلون، وقد صاروا حلَقاً في المسجد ليس لهم غير الأحاديث والخوض، فجهّزهم في البعوث حتى يكون همُّ أحدهم أنْ يموت على ظهر دابّته.
قال: فسمِع مقالته عمرو بن العاص فخرَج إلى المسجد، فإذا طلحة والزبير جالسان في ناحية منه، فقالا له: تعالَ إلينا، فصار إليهما، فقالا: ما وراءك؟ قال: الشرّ، ما ترك شيئاً من المنكر إلاّ أتى به وأمره به.
وجاء الأشتر فقالا له: إنّ عاملكم الذي قمتم فيه خطباء قد ردّ عليكم وأمر بتجهيزكم في البعوث وبكذا وبكذا.
فقال الأشتر: والله، لقد كنّا نشكو سوء سيرته وما قمنا فيه خطباء، فكيف وقد قمنا؟! وايمُ الله على ذلك، لولا أنّي أنفدت النفقة وأنضيت الظهر لسبقته إلى الكوفة حتى أمنعه دخولها.
فقالا له: فعندنا حاجتك التي تقوم بك في سفرك.
قال: فأسلفاني إذاً مِئة ألف درهم.
قال: فأسلفه كلّ واحد منهما خمسين ألف درهم، فقسمها بين أصحابه، وخرج إلى الكوفة فسبَق سعيداً، وصعد المنبر وسيفه في عنقه ما وضعه بعد.
ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنّ عاملكم الذي أنكرتم تعدّيه وسوء سيرته قد رُدّ عليكم، وأمر بتجهيزكم في البعوث، فبايِعوني على أنْ لا يدخلها، فبايعه عشرة آلاف من أهل الكوفة، وخرَج راكباً متخفّياً يريد المدينة أو مكّة، فلقي سعيداً بواقصة فأخبره بالخبَر، فانصرف إلى المدينة.
وكتب الأشتر إلى عثمان: إنّا والله ما منعنا عاملك الدخول لنفسِد عليك
عملك، ولكن لسوء سيرته فينا وشدّة عذابه، فابعث إلى عملك مَن أحببت.
فكتب إليهم: انظروا من كان عاملكم أيّام عمر بن الخطّاب فولّوه، فنظروا فإذا هو أبو موسى الأشعري، فولّوه (1) .
5 / 2
إشخاص عثمان عمّاله من جميع البلاد
1181 - الفتوح: أرسل عثمان إلى جميع عمّاله، فأشخصهم إليه من جميع البلاد، ثمّ أحضرهم وأقبل على أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: أيّها الناس! هؤلاء عمّالي الذين أعتمدهم؛ فإنْ أحببتم عزلتُهم وولّيت مَن تحبّون.
قال: فتكلّم عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) وقال: (يا عثمان! إنّ الحقّ ثقيلٌ مرّ، وإنّ الباطلَ خفيفٌ، وأنتَ رجلٌ إذا صُدِقت سخَطت وإذا كُذِبت رضيت، وقد بلَغ الناسَ عنك أُمورٌ تركُها خيرٌ لك من الإقامة عليها، فاتّقِ الله يا عثمان، وتُب إليه ممّا يكرهَهُ الناس منك).
قال: ثمّ تكلّم طلحة بن عبيد الله فقال: يا عثمان! إنّ الناس قد سفّهوك وكرهوك لهذه البدَع والأحداث التي أحدثتَها ولم يكونوا يَعهدونها، فإنْ تستقِم فهو خيرٌ لك، وإنْ أبيت لم يكن أحدٌ أضرَّ بذلك في الدنيا والآخرة منك.
قال: فغضب عثمان ثمّ قال: ما تدعوني ولا تدعون عتبي، ما أحدثتُ حدَثاً، ولكنّكم تُفسدون عليَّ الناس، هلُمَّ يابن الحضرميّة! ما هذه الأحداث التي أحدَثت؟
____________________
(1) مروج الذهب: 2 / 346.
فقال طلحة: إنّه قد كلّمك عليٌّ من قبلي، فهلاّ سألته عن هذه الأحوال التي أحدثت فيُخبرَك بها.
ثمّ قام طلحة فخرج من عند عثمان، وجعَل يدبّر رأيه بينه وبين نفسه أ يردّ عمّاله إلى أعمالهم أم يعزلهم ويولّي غيرهم؟ (1) .
5 / 3
الدعوة إلى الخروج
5 / 3 - 1
دعوة أصحاب النبيّ من الآفاق
1182 - تاريخ الطبري عن عبد الرحمان بن يسار: لمّا رأى الناس ما صنَع عثمان كتب مَن بالمدينة من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى مَن بالآفاق منهم - وكانوا قد تفرّقوا في الثغور -: إنّكم إنّما خرجتم أنْ تجاهدوا في سبيل الله عزّ وجلّ تطلبون دين محمّد (صلّى الله عليه وآله)؛ فإنّ دين محمّد قد أُفسِد من خلفكم وتُرك، فهلمّوا فأقيموا دين محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فأقبلوا من كلّ أُفق حتى قتلوه (2) .
5 / 3 - 2
كتاب طلحة إلى أهل مصر
1183 - الإمامة والسياسة - في ذكر كتاب طلحة إلى أهل مصر لاجتماعهم لقتل عثمان -:
____________________
(1) الفتوح: 2 / 395 وراجع أنساب الأشراف: 6 / 156.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 367، الكامل في التاريخ: 2 / 287، شرح نهج البلاغة: 2 / 149 كلاهما نحوه.
بسم الله الرحمن الرحيم،
من المهاجرين الأوّلين وبقيّة الشورى، إلى من بمصر من الصحابة والتابعين.
أمّا بعد: أنْ تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أنْ يُسَلبها أهلُها؛ فإنّ كتاب الله قد بُدِّل، وسنّة رسوله قد غُيّرت، وأحكام الخليفتين قد بُدِّلت.
فننشد الله مَن قرأ كتابنا من بقيّة أصحاب رسول الله، والتابعين بإحسان إلاّ أقبَل إلينا، وأخذَ الحقّ لنا، وأعطاناه.
فأقبِلوا إلينا إنْ كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وأقيموا الحقّ على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيّكم، وفارقكم عليه الخلفاء.
غُلبنا على حقّنا واستُولي على فيئنا، وحِيل بيننا وبين أمرِنا، وكانت الخلافة بعد نبيّنا خلافة نبوّة ورحمة، وهي اليوم مُلكٌ عضوض، مَن غلَب على شيءٍ أكَلَه (1) .
5 / 3 - 3
تحريض عائشة
1184 - تاريخ اليعقوبي: كان بين عثمان وعائشة منافرة؛ وذلك أنّه نقّصها ممّا كان يُعطيها عمر بن الخطّاب، وصيّرها أُسوةَ غيرِها من نساء رسول الله، فإنّ عثمان يوماً لَيخطب، إذ دلّت عائشة قميص رسول الله، ونادت: يا معشر المسلمين! هذا جلباب رسول الله لم يَبلَ، وقد أبلى عثمان سنّته! فقال عثمان: (ربّ اصرف عنّي كيدهنُّ إنّ كيدهُنَّ عظيم) (2) .
____________________
(1) الإمامة والسياسة: 1 / 53.
(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 175.
1185 - الفتوح: كانت عائشة تحرّض على قتْلِ عثمان جهدها وطاقتها، وتقول: أيّها الناس! هذا قميص رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يبلَ وبلِيت سنّته، اقتلوا نَعْثَلاً (1) ، قتل الله نعثلاً (2) .
1186 - الجمَل عن الحسن بن سعد: رفَعت عائشة ورقة من المصحف بين عودتين من وراء حجلتها، وعثمان قائم، ثمّ قالت: يا عثمان! أقِم ما في هذا الكتاب. فقال: لتنتهِنّ عمّا أنتِ عليه أو لأُدخِلنّ عليك جمر النار. فقالت له عائشة: أما والله، لئن فعلت ذلك بنساء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لَيَلعنك الله ورسوله، وهذا قميص رسول الله لم يتغيّر، وقد غيّرت سنّته يا نعثل (3) .
1187 - الجمَل عن حكيم بن عبد الله: دخلتُ يوماً بالمدينة المسجدَ، فإذا كفٌّ مرتفعة وصاحب الكفّ يقول: أيّها الناس! العهدُ قريب، هاتان نعلا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقميصه، كأنّي أرى ذلك القميص يلوح وإنّ فيكم فرعون هذه الأُمّة؛ فإذا هي عائشة، وعثمان يقول لها: اسكتي، ثمّ يقول للناس: إنّها امرأة، وعقلُها عقلُ النساء؛ فلا تصغوا إلى قولها (4) .
1188 - المصنّف عن أبي كعب الحارثي: أُقيمت الصلاة، فتقدّم عثمان فصلّى، فلمّا كبّر قامت امرأة من حُجْرتها، فقالت: أيّها الناس! اسمعوا. قال: ثمّ تكلّمَت،
____________________
(1) النَّعْثَل: الشيخ الأحمق. وكان أعداء عثمان يسمّونه نعثلاً. وفي حديث عائشة: اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً. تعني عثمان، وكان هذا منها لمّا غاضبته وذهبت إلى مكّة (لسان العرب: 11 / 669 و670).
(2) الفتوح: 2 / 421، شرح نهج البلاغة: 20 / 22 وراجع الأمالي للطوسي: 714 / 1517 والمسترشد: 222 / 64.
(3) الجمَل: 147.
(4) الجمَل: 147.
فذكرت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وما بعثه اللهُ به، ثمّ قالت: تركتم أمر الله، وخالفتم رسوله - أو نحو هذا - ثمّ صمتَت فتكلّمت أُخرى مثل ذلك، فإذا هي عائشة وحفصة.
قال: فلمّا سلّم عثمان أقبل على الناس، فقال: إنْ هاتان الفتّانتان فتنتا الناس في صلاتهم، وإلاّ تنتهيان أو لأسبّنّكما ما حلّ ليَ السباب، وإنّي لأَصلِكُما لَعالِمٌ.
قال: فقال له سعد بن أبي وقّاص: أ تقول هذا لحبائب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟! قال: وفيما أنت! وما هاهنا؟ ثمّ أقبل على سعد عامداً إليه. قال: وانسلّ سعد (1) .
1189 - شرح نهج البلاغة: أقوال عائشة فيه [أي في عثمان] معروفة ومعلومة، وإخراجها قميص رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهيَ تقول: هذا قميصه لم يبلَ وقد أبلى عثمان سنّته، إلى غير ذلك ممّا لا يُحصى كثرة (2) .
1190 - العقد الفريد: دخل المغيرة بن شعبة على عائشة، فقالت: يا أبا عبد الله! لو رأيتني يوم الجمَل وقد نفذتِ النصالُ هَوْدَجي حتى وصل بعضها إلى جلدي.
قال لها المغيرة: وددتُ والله أنّ بعضها كان قتلَك.
قالتْ: يرحمك الله، ولم تقول هذا؟
قال: لعلّها تكون كفّارة في سعيك على عثمان (3) .
. راجع: حجّ عائشة في حصر عثمان
____________________
(1) المصنّف لعبد الرزّاق: 11 / 355 / 20732، شرح نهج البلاغة: 9 / 5.
(2) شرح نهج البلاغة: 3 / 9.
(3) العقد الفريد: 3 / 300 وراجع الجمل: 381.
5 / 3 - 4
تحريض طلحة
1191 - تاريخ المدينة عن عوف: كان أشدّ الصحابة علي عثمان، طلحة بن عبيد الله (1) .
1192 - العقد الفريد عن ابن سيرين: لم يكن أحد من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أشدّ على عثمان من طلحة (2) .
1193 - شرح نهج البلاغة عن عبيد بن حارثة: سمِعت عثمان وهو يخطب، فأكبّ الناس حوله، فقال: اجلسوا يا أعداء الله! فصاح به طلحة: إنّهم ليسوا بأعداء الله، لكنّهم عباده، وقد قرؤوا كتابه (3) .
1194 - شرح نهج البلاغة عن محمّد بن سليمان: كان [طلحة] لا يشكّ أنّ الأمر له من بعده لوجوه، منها: سابقته. ومنها: أنّه ابن عمّ لأبي بكر، وكان لأبي بكر في نفوس أهل ذلك العصر منزلة عظيمة أعظم منها الآن. ومنها: أنّه كان سمِحاً جواداً، وقد كان نازَع عمر في حياة أبي بكر، وأحبّ أنْ يفوّض أبو بكر الأمر إليه من بعده، فما زال يفتل في الذروة والغارب (4) في أمر عثمان، وينكّر له القلوب، ويكدّر عليه النفوس، ويغري أهل المدينة والأعراب وأهل الأمصار به.
____________________
(1) تاريخ المدينة: 4 / 1169 وراجع الجمل: 306.
(2) العقد الفريد: 3 / 303، أنساب الأشراف: 6 / 201، شرح نهج البلاغة: 3 / 9 وزاد في صدره: (الظاهر المعروف أنّه...).
(3) شرح نهج البلاغة: 9 / 17.
(4) ما زال فلان يَفْتل من فلان في الذِروة والغارب: أي يدور من وراء خديعته؛ وهو مثل في المخادعة (لسان العرب: 11 / 514).
وساعده الزبير، وكان أيضاً يرجو الأمر لنفسه، ولم يكن رجاؤهما الأمر بدون رجاء عليّ، بل رجاؤهما كان أقوى؛ لأنّ عليّاً دحضه (1) الأوّلان وأسقطاه، وكسرا ناموسه بين الناس، فصار نسياً منسيّاً، ومات الأكثر ممّن يَعرِف خصائصه التي كانت في أيّام النبوّة وفضله.
ونشأ قومٌ لا يعرفونه ولا يرَونه إلاّ رجلاً من عُرض المسلمين، ولم يبقَ له ممّا يمتّ به إلاّ أنّه ابن عمّ الرسول، وزوج ابنته، وأبو سبطيه، ونُسيَ ما وراء ذلك كلّه، واتّفق له مِن بُغض قريش وانحرافها ما لَم يتّفق لأحد.
وكانت قريش بمقدار ذلك البغض تحبّ طلحة والزبير؛ لأنّ الأسباب الموجبة لبغضهم (2) لم تكن موجودةً فيهما، وكانا يتألّفان قريشاً في أواخر أيّام عثمان، ويَعدانِهم بالعطاء والإفضال، وهما عند أنفسهما وعند الناس خليفتان بالقوّة لا بالفعل؛ لأنّ عمر نصّ عليهما، وارتضاهما للخلافة (3) .
5 / 3 - 5
تأليب عمرو بن العاص
1195 - أُسد الغابة: لمّا استعمله [أي عبد الله بن سعد بن أبي سرح] عثمانُ على مصر وعزَل عنها عمراً جعل عمرو يطعن على عثمان، ويؤلّب عليه، ويسعى في إفساد أمره (4) .
____________________
(1) الدحض: الزلَق (النهاية: 2 / 104).
(2) كذا في المصدر، والظاهر أنّ الصحيح: (لبُغضه)؛ أي لبُغض عليّ (عليه السلام).
(3) شرح نهج البلاغة: 9 / 28.
(4) اُسد الغابة: 3 / 261 / 2976.
1196 - تاريخ الطبري عن أبي عون مولى المِسْور: كان عمرو بن العاص على مصر عاملاً لعثمان، فعزَله عن الخَراج واستعمله على الصلاة، واستعمل عبد الله بن سعد على الخراج، ثمّ جمعهما لعبد الله بن سعد، فلمّا قدِم عمرو بن العاص المدينة جعَل يطعَن على عثمان، فأرسل إليه يوماً عثمان خالياً به، فقال: يابن النابغة ما أسرَع ما قَمِلَ جُرُبّان (1) جُبَّتك! إنّما عهدك بالعمل عاماً أوّل، أ تطعَن عليّ وتأتيني بوجهٍ، وتذهب عنّي بآخر؟ والله لولا أُكلة ما فعلت ذلك. قال: فقال عمرو: إنّ كثيراً ممّا يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل، فاتّق الله يا أمير المؤمنين، في رعيّتك. فقال عثمان: والله لقد استعملتك على ظَلَعك (2) وكثرة القالة فيك....
فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقدٌ عليه، يأتي عليّاً مرّة فيؤلّبه على عثمان، ويأتي الزبير مرّة فيؤلّبه على عثمان، ويأتي طلحة مرّة فيؤلّبه على عثمان، ويعترض الحاجّ فيخبرهم بما أحدَث عثمان، فلمّا كان حصْرُ عثمان الأوّل خرَج من المدينة حتى انتهى إلى أرضٍ له بفلسطين يُقال لها: السبع، فنزَل في قصرٍ له يقال له العجلان... حتى مرّ به راكب آخر فناداه عمرو: ما فعل الرجل - يعني عثمان -؟ قال: قُتِل. قال: أنا أبو عبد الله إذا حككت قَرحة نكأْتُها (3) ، إنْ كنت لأُحرِّض عليه، حتى إنّي لأُحرِّض عليه الراعي في غنمِه في رأس الجبل (4) .
____________________
(1) القَمِلُ: القذر، والجُرُبّان: جيب القميص (النهاية: 4 / 110 وج 1 / 253).
(2) الظَّلَع: الميل عن الحقّ وضعف الإيمان (النهاية: 3 / 159).
(3) نكأْتُ القَرحةَ: إذا قشرتها (النهاية: 5 / 117).
(4) تاريخ الطبري: 4 / 356 وراجع الإصابة: 6 / 24 / 7812 والغدير: 9 / 138.
1197 - تاريخ المدينة عن غسّان بن عبد الحميد: كان عمرو بن العاص من أشدّ الناس طعناً على عثمان، وقال: والله لقد أبغضت عثمان وحرّضت عليه حتى الراعي في غنمه، والسقّاية تحت قربتها (1) .
1198 - الفتوح: دخَل عمرو بن العاص على عثمان مسلِّماً، فقال له عثمان: يابن العاص! وأنت أيضاً ممّن تولّيت على الناس فيما بلغني، وتسعى في الساعين علَيّ، حتى قد أضرَمتها وأسعَرتها، ثمّ تدخل مسلِّماً علَيّ؟! (2)
1199 - أنساب الأشراف: كان عمرو بن العاص قال لعثمان حين حضَر الحصار الأوّل: إنّك يا عثمان، ركبت بالناس النَّهابِير (3) فاتّقِ الله وتُب إليه.
فقال له: يابن النابغة! وإنّك لَمِمَّن تؤلّب علَيَّ الطَّغام (4) ؛ لأَنْ عزلتك عن مصر.
فخرج إلى فلسطين فأقام بها في ماله هناك، وجعل يحرّض الناس على عثمان حتى رُعاة الغنَم، فلمّا بلغه مقتله قال: أنا أبو عبد الله، إنّي إذا حككت قَرحةً نكأتُها (5) .
1200 - تاريخ الطبري: لمّا بلَغ عَمْراً قتلُ عثمان قال: أنا عبد الله قتلته وأنا بوادي السِّباع، من يلي هذا الأمر من بعده؟ إنْ يلِه طلحة فهو فتى العرب سَيْباً (6) ، وإنْ
____________________
(1) تاريخ المدينة: 3 / 1089.
(2) الفتوح: 2 / 417.
(3) النهابير: الأُمور الشديدة الصعبة (النهاية: 5 / 134).
(4) الطَّغام: مَن لا عقل له ولا معرفة. وقيل: هم أوغاد الناس (النهاية:3 / 128).
(5) أنساب الأشراف: 6 / 192 وج 3 / 70 عن عبد الوارث بن محرّر، الكامل في التاريخ: 2 / 284 كلاهما نحوه وراجع تاريخ الطبري: 4 / 357 وص 360 وتاريخ اليعقوبي: 2 / 175.
(6) السَّيْب: العطاء (لسان العرب: 1 / 477).
يلِه ابن أبي طالب فلا أراه إلاّ سيستنظف الحقّ، وهو أكره من يليه إليّ (1) .
5 / 3 - 6
وصيّة عبد الرحمان بن عوف
1201 - أنساب الأشراف عن عثمان بن الشريد: ذُكِر عثمان عند عبد الرحمان بن عوف في مرضِه الذي مات فيه فقال عبد الرحمان: عاجلوه قبل أنْ يتمادى في مُلكِه، فبلَغ ذلك عثمان، فبعَث إلى بئرٍ كان يُسقى منها نَعَمُ عبد الرحمان بن عوف فمنعه إيّاها (2) .
5 / 4
جُهود الإمام للحيلولة دون الفتنة
1202 - تاريخ الطبري عن عبد الله بن محمّد عن أبيه: لمّا كانت سنة أربع وثلاثين كتَب أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعضهم إلى بعض: أنْ أقدموا؛ فإنْ كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد. وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبَح ما نِيل من أحد، وأصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يرَون ويسمعون؛ ليس فيهم أحدٌ ينهى ولا يذبّ إلاّ نُفَيرٌ، منهم: زيد بن ثابت، وأبو أُسَيد الساعدي، وكعب بن مالك، وحسّان بن ثابت. فاجتمع الناس، وكلّموا عليّ بنَ أبي طالب، فدخَل على عثمان، فقال:
(الناس ورائي، وقد كلّموني فيك، والله ما أدري ما أقولُ لك، وما أعرِف شيئاً تَجهلُه، ولا أدلّك على أمرٍ لا تَعرفه؛ إنّك لتَعلَم ما نعلَم، ما سبقناك إلى شيء
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 560.
(2) أنساب الأشراف: 6 / 171، شرح نهج البلاغة: 3 / 28.
فنُخبرَك عنه، ولا خلَوْنا بشيءٍ فنُبلغَكَه، وما خُصِصنا بأمرٍ دونَك، وقد رأيتَ وسمِعتَ، وصحَبتَ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله)، ونلتَ صهره، وما ابن أبي قُحافة بأولى بعملِ الحقّ منك، ولا ابنُ الخطّاب بأولى بشيءٍ من الخير منك، وإنّك أقرَب إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رَحِماً، ولقد نلتَ من صهر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما لم ينالا، ولا سَبَقاك إلى شيء) .
(فاللهَ اللهَ في نفسك؛ فإنّك والله ما تُبِصَّر من عمى، ولا تُعلَّم من جهلٍ، وإنّ الطريق لواضح بيّن، وإنّ أعلام الدين لقائمة.
تعلَم يا عثمان، أنّ أفضل عباد الله عند الله إمامٌ عادل، هُدِيَ وهَدَى، فأقام سنّةً معلومة، وأماتَ بدعةً متروكة، فو الله إنّ كلاًّ لبَيِّن، وإنّ السُّنن لقائمة لها أعلام، وإنّ البدَع لقائمةٌ لها أعلام، وإنّ شرَّ الناس عند الله إمامٌ جائر، ضلّ وضُلّ به، فأمات سنّةً معلومة، وأحيى بدعةً متروكة، وإنّي سمِعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: (يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصيرٌ ولا عاذِر، فيُلقى في جهنّم، فيدور في جهنّم كما تدور الرحى، ثمّ يَرتطِم في غَمرةِ جهنّم.
وإنّي أُحذّرك الله، وأُحذّرك سطوته ونقَمَاته؛ فإنّ عذابه شديدٌ أليم، وأُحذّرك أنْ تكون إمام هذه الأُمّة المقتول؛ فإنّه يقال: يُقتل في هذه الأُمّة إمام، فيُفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، وتُلبَّس أُمورُها عليها، ويتركهم شِيَعاً، فلا يُبصرون الحقّ؛ لعلوّ الباطل، يموجون فيها مَوجاً، وَيمرُجون (1) فيها مَرجاً).
فقال عثمان: قد واللهِ علِمتُ، ليقولُنّ الذي قلتَ، أما واللهِ لو كنتَ مكاني ما عنّفتك، ولا أسلَمتك، ولا عِبتُ عليك، ولا جئتُ مُنكَراً أنْ وصلتُ رَحِماً،
____________________
(1) مَرِج الأمرُ: التبسَ واختلط (لسان العرب: 2 / 365).
وسدَدْت خَلّة، وآويت ضائعاً، وولّيْت شبيهاً بمن كان عُمر يولِّي.
أنشدُك الله يا عليّ، هل تعلم أنّ المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنّ عمر ولاّه. قال: نعم، قال: فلِمَ تلومني أنْ ولّيتُ ابن عامر في رحِمه وقرابته؟ قال عليّ: (سأُخبِرُك أنّ عمر بن الخطّاب كان كلّ من ولّى فإنّما يطأ على صماخه، إنْ بلغه عنه حرف جلبه، ثمّ بلَغ به أقصى الغاية، وأنتَ لا تفعل، ضعفت ورفقت على أقربائك). قال عثمان: هم أقرباؤك أيضاً. فقال عليّ: (لعمري إنّ رحِمَهم منّي لقريبة ولكنّ الفضل في غيرهم).
قال عثمان: هل تعلَم أنّ عمر ولّى معاوية خلافته كلّها؟ فقد ولّيته. فقال عليّ: (أنشدُك الله هل تعلَم أنّ معاوية كان أخوَف من عمر من يَرْفأ غلام عمر منه؟) قال: نعم. قال عليّ: (فإنّ معاوية يقتطع الأُمور دونك وأنتَ تعلمها، فيقول للناس: هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغيّر على معاوية).
ثمّ خرج عليّ من عنده وخرج عثمان على أثره فجلَس على المنبر، فقال:
أمّا بعد؛ فإنّ لكلّ شيءٍ آفة، ولكلّ أمرٍ عاهة، وإنّ آفة هذه الأُمة وعاهة هذه النعمة عيّابون طعّانون يُرونكم ما تحبّون ويُسِرّون ما تكرهون، يقولون لكم وتقولون، أمثالُ النعام يتّبعون أوّل ناعِق، أحبّ مواردها إليها البعيد، لا يشربون إلاّ نَغَصاً، ولا يَرِدون إلاّ عَكَراً، لا يقوم لهم رائد، وقد أعيَتهُم الأُمور وتعذّرت عليهم المكاسِب.
ألا فقد والله عبتم علَيّ بما أقررتم لابن الخطّاب بمثله، ولكنّه وطِئكم برجله، وضربَكم بيدِه، وقمعكم بلسانه، فدِنتم له على ما أحبَبتم أو كرهتم، ولنتُ لكم، وأوطأت لكم كتفي، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم علَيّ، أما والله لأنا
أعزّ نَفَراً، وأقرب ناصراً، وأكثر عدداً وأقمن (1) ، إنْ قلتُ: هلمّ، أُتيَ إليّ، ولقد أعدَدت لكم أقرانكم وأفضَلت عليكم فضولاً، وكشرت لكم عن نابي، وأخرجتم منّي خَلقاً لم أكن أُحسِنَه، ومنطقاً لم أنطِق به، فكفّوا عليكم ألسنتَكم وطعنكم وعيبكم على ولاتِكم؛ فإنّي قد كفَفت عنكم مَن لو كان هو الذي يكلّمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا.
ألا فما تفقدون من حقّكم؟ والله ما قصّرت في بلوغ ما كان يبلغ مَن كان قبلي، ومَن لم تكونوا تختلفون عليه، فَضَل فضلٌ من مال؛ فما لي لا أصنع في الفضل ما أُريد، فِلمَ كنت إماماً؟
فقام مروان بن الحكَم فقال: إنْ شئتم حكّمنا والله بيننا وبينكم السيف، نحن والله وأنتم كما قال الشاعر:
فَرَشْنا لكم أعراضَنا فنبَتْ بكم |
مَعارسُكُم تَبنُون في دِمَنِ الثَّرى |
فقال عثمان: اسكت لا سكتّ، دعني وأصحابي، ما منطقُك في هذا! أ لم أتقدّم إليك أ لاّ تنطق. فسكت مروان ونزل عثمان (2) .
1203 - نهج البلاغة: من كلامٍ له (عليه السلام) لمّا اجتمع الناس إليه وشكَوا ما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته لهم واستعتابه لهم، فدخل عليه فقال:
(إنّ الناس ورائي، وقد استسفروني بينك وبينهم، ووالله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلّك على أمرٍ لا تعرفه، إنّك لتعلم ما نعلم. ما سبقناك
____________________
(1) يقال: قَمَنٌ وقَمِنٌ وقمين: أي خليق وجدير (النهاية: 4 / 111).
(2) تاريخ الطبري: 4 / 336، الكامل في التاريخ: 2 / 275، أنساب الأشراف: 6 / 174 نحوه، البداية والنهاية: 7 / 168؛ الجمل: 187 - 190 عن ابن دأب.
إلى شيء فنخبرَك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلّغَكَهُ. وقد رأيتَ كما رأينا، وسمِعتَ كما سمِعنا، وصحبت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كما صحِبنا.
وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطّاب بأولى بعملِ الحقّ منك، وأنتَ أقرب إلى أبي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وَشِيْجةَ رحِمٍ منهما، وقد نلت من صِهْرِه ما لم ينالا.
(فاللهَ اللهَ في نفسك! فإنّك - والله - ما تُبَصّر من عمى، ولا تُعلّم من جهل، وإنّ الطُرق لواضحة، وإنّ أعلام الدين لقائمة. فاعلم أنّ أفضل عباد الله عند الله إمامٌ عادل، هُديَ وهدَى، فأقام سنّةً معلومة، وأمات بِدْعةً مجهولة. وإنّ السُنن لنيّرة، لها أعلام، وإنّ البدَع لظاهرة، لها أعلام. وإنّ شرّ الناس عند الله إمامٌ جائر ضَلّ وضُلّ به، فأمات سنّة مأخوذة، وأحيى بدعةً متروكة.
وإنّي سمِعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: (يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيُلقى في نارِ جهنّم، فيدور فيها كما تدور الرَّحى، ثمّ يَرْتَبِط في قعرها).
وإنّي أنشدك الله ألاّ تكون إمام هذه الأُمّة المقتول؛ فإنّه كان يقال: يُقتل في هذه الأُمّة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويَلبِسُ أُمورها عليها، ويبثّ الفتن فيها، فلا يبصرون الحقّ من الباطل، يموجون فيها موجاً، ويمرُجون فيها مَرْجاً. فلا تكوننّ لمروان سيّقة (1) يسوقك حيث شاء بعد جلال السنّ وتَقَضّي العمر؟).
فقال له عثمان: كلّمِ الناسَ في أنْ يؤجّلوني، حتى أخرج إليهم من مظالمهم.
____________________
(1) السَّيِّقَةُ: ما استاقهُ العدوُّ من الدوابّ (لسان العرب: 10 / 167).
فقال (عليه السلام): (ما كان بالمدينة فلا أجلَ فيه، وما غابَ فأجلُه وصول أمرِك إليه) (1) .
1204 - شرح نهج البلاغة عن ابن عبّاس: شهدتُ عتاب عثمان لعليّ (عليه السلام) يوماً، فقال له في بعض ما قاله:
نشدتك الله أنْ تفتح للفرقة باباً! فلَعهدي بك وأنتَ تطيع عتيقاً وابن الخطّاب طاعتَك لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولست بدون واحد منهما، وأنا أمسّ بك رَحِماً، وأقرب إليك صهراً، فإنْ كنت تزعم أنّ هذا الأمر جعلَه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لك، فقد رأيناك حين توفّى نازعت ثمّ أقررت، فإنْ كانا لم يركبا من الأمر جدَداً (2) فكيف أذعَنت لهما بالبيعة، وبخعت بالطاعة؟! وإنْ كانا أحسنا فيما وليا، ولم اُقصّر عنهما في ديني وحسَبي وقَرابتي، فكن لي كما كنتُ لهما.
فقال عليّ (عليه السلام): (أمّا الفُرقة، فمعاذ الله أنْ أفتح لها باباً، وأُسهّل إليها سبيلاً، ولكنّي أنهاك عمّا ينهاك الله ورسوله عنه، وأهديك إلى رُشدِك.
وأمّا عتيق وابن الخطّاب، فإنْ كانا أخذا ما جعله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لي، فأنت أعلَم بذلك والمسلمون، وما ليَ ولهذا الأمر وقد تركته منذ حين! فأمّا أنْ لا يكون حقّي، بل المسلمون فيه شرع، فقد أصاب السهم الثُّغْرة (3) ، وأمّا أنْ يكون حقّي دونهم فقد تركته لهم، طبت به نفساً، ونفَضتُ يدَي عنه استصلاحاً.
وأمّا التسوية بينك وبينهما، فلستَ كأحدِهما؛ إنّهما وليا هذا الأمر، فَظَلَفا (4)
____________________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 164؛ العقد الفريد: 3 / 309 نحوه.
(2) ركب فلان جُدّةً من الأمر: إذا رأى فيه رأياً (لسان العرب: 3 / 108).
(3) الثُّغْرة: هي نُقرة النحر فوق الصدر (النهاية: 1 / 213).
(4) ظَلَف: أي كفّ ومنع (النهاية: 3 / 159).
أنفسهما وأهلهما عنه، وعُمْتَ فيه وقومَك عومَ السابح في اللُّجّة (1) ، فارجع إلى الله أبا عمرو، وانظر هل بقيَ من عمرك إلاّ كَظِمْء الحمار (2) ؟! فحتّى متى وإلى متى؟!
أ لا تنهى سُفهاء بني أُميّة عن أَعراض المسلمين وأبشارهم وأموالهم؟! والله لو ظلَم عامل من عمّالك حيثُ تغرب الشمس لكان إثمه مشتركاً بينه وبينك).
فقال عثمان: لك العُتبى، وأفعل وأعزل من عمّالي كلّ من تكرهه ويكرهه المسلمون. ثمّ افترقا، فصدّه مروان بن الحكَم عن ذلك، وقال: يجترئ عليك الناس؛ فلا تعزِل أحداً منهم! (3) .
5 / 5
المشاجرة بين الزبير وعثمان
1205 - الفتوح: أقبَل طلحة والزبير حتى دخلا على عثمان ثمّ تقدّم إليه الزبير وقال: يا عثمان! أ لم يكن في وصيّة عمر بن الخطّاب: أنْ لا تحمل آل بني مُعَيط على رقاب الناس إنْ وُليت هذا الأمر؟
قال عثمان: بلى.
قال الزبير: فلِمَ استعملت الوليد بن عقبة على الكوفة؟
قال عثمان: استعملته كما استعمل عمر بن الخطّاب عمرو بن العاص والمغيرة
____________________
(1) لُجَّة البحر: معظمهُ (النهاية: 4 / 233).
(2) ظِمء الحمار: أي لم يبقَ من عمره إلاّ اليسير، يقال: إنّه ليس شيء من الدوابّ أقصر ظِمأً من الحمار (لسان العرب: 1 / 116).
(3) شرح نهج البلاغة: 9 / 15.
ابن شعبة، فلمّا عصى الله وفعَل ما فعَل عزلته واستعملت غيره على عمله.
قال: فلِم استعملت معاوية على الشام؟
فقال عثمان: لرأي عمر بن الخطّاب فيه.
قال: فلِم تشتم أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولست بخيرٍ منهم؟
قال عثمان: أمّا أنت فلستُ أشتمك، ومَن شتمته فما كان به عجزٍ عن شتمي.
فقال: ما لك ولعبد الله بن مسعود هجَرت قراءته وأمرت بِدَوس بطنِه، فهو في بيته لما به وقد أقرأه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟
فقال عثمان: إنّ الذي بلغَني من ابن مسعود أكثر ممّا بلغت منه، وذاك أنّه قال: وددت أنّي وعثمان برملٍ عالج (1) يحثّ علَيّ وأحثّ علَيه، حتى يموت الأعجز منّا.
قال: فما لك ولعمّار بن ياسر أمرت بدوس بطنه حتى أصابه الفتق؟
فقال: لأنّه أراد أنْ يغري الناس بقتلي.
قال: فما لك ولأبي ذرّ حبيب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ سيّرته حتى مات غريباً طريداً.
قال: لما قد علِمت أنّه قد أفسَد علَيَّ الناس، ورماني بكلِّ عيب.
قال: فما لك وللأشتر وأصحابه نفيتهم إلى الشام وفرّقت بينهم وبين أهاليهم وأولادهم؟
فقال: لأنّ الأشتر أغرى الناس بعاملي سعيد بن العاص، وأضرَم الكوفة علَيّ ناراً.
____________________
(1) عالِجٌ: هو ما تراكَم من الرَّمل، ودخلَ بعضه في بعض (النهاية: 3 / 287).
فقال الزبير: يا عثمان! إنّ هذه الأحداث التي عددتها عليك هي أقلّ أحداثك، ولو شئت أنْ أردّ عليك جميع ما تحتجّ به لفعلت، وأراك تقرأ صحيفتك من حيث تُريد، وأخاف عليك يوماً له ما بعده من الأيّام (1) .
5 / 6
أوّل مَن اجترأَ على عثمان
1206 - تاريخ الطبري عن عامر بن سعد: كان أوّل من اجترأ على عثمان بالمنطق السيّئ جبلة بن عمرو الساعدي، مرّ به عثمان وهو جالس في نديّ قومه، وفي يدِ جبلة بن عمرو جامعة، فلمّا مرّ عثمان سلّم، فردّ القوم.
فقال جبلة: لِم تردّون على رجلٍ فعل كذا وكذا!
قال: ثمّ أقبَل على عثمان، فقال: والله، لأطرحنّ هذه الجامعة في عنقك أو لتتركنّ بطانتك هذه.
قال عثمان: أيّ بطانة! فو الله إنّي لأتخيّر الناس.
فقال: مروان تخيّرته! ومعاوية تخيّرته! وعبد الله بن عامر بن كريز تخيّرته! وعبد الله بن سعد تخيّرته! منهم من نزل القرآن بدمه، وأباح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دمه (2) .
1207 - أنساب الأشراف عن الواقدي: كان [جبلة بن عمرو الساعدي] أوّل من اجترأ على عثمان وتجهّمه بالمنطق الغليظ، وأتاه يوماً بجامعة فقال: والله، لأطرحنّها في عنقك أو لتتركنّ بطانتك هذه، أطعمت الحارث بن الحكَم السوق، وفعلت وفعلت.
____________________
(1) الفتوح: 2 / 393.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 365، البداية والنهاية: 7 / 176، الكامل في التاريخ: 2 / 287، شرح نهج البلاغة: 2 / 149 كلاهما نحوه.
وكان عثمان ولّى الحارث السُّوقَ فكان يشتري الجلب بحكمه، ويبيعه بسومه، ويجبي مقاعد المتسوّقين، ويصنع صنيعاً مُنكراً، فكُلِّم في إخراج السُّوق من يدِه فلم يفعل.
وقيل لجبلة في أمر عثمان وسُئل الكفّ عنه فقال: والله، لا ألقى الله غداً فأقول: إنَّا أطعنا سادتنا فأضلُّونا السبيل (1) (2) .
1208 - تاريخ الطبري عن عثمان بن الشريد: مرّ عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره ومعه جامعة، فقال: يا نعثل! والله لأقتلنّك، ولأحملنّك على قلوص ٍ(3) جرباء، ولاُخرجنّك إلى حرّة النار. ثمّ جاءه مرّة أُخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه (4) .
5 / 7
الحصر الأوّل
1209 - تاريخ الطبري عن عكرمة عن ابن عبّاس - قال -: لمّا حُصر عثمان الحصر الآخِر، قال عكرمة: فقلت لابن عبّاس: أ وَكانا حَصْرَين؟ فقال ابن عبّاس: نعم، الحصر الأوّل، حُصِر اثنتي عشرة، وقدم المصريّون فلَقِيَهم عليٌّ بذي خشب (5) ، فردّهم عنه (6) .
____________________
(1) إشارة إلى الآية 67 من سورة الأحزاب.
(2) أنساب الأشراف: 6 / 160.
(3) القَلُوص: الفتيّة من الإبل (لسان العرب: 7 / 81).
(4) تاريخ الطبري: 4 / 365، أنساب الأشراف: 6 / 160.
(5) خُشُب: وادٍ على مسير ليلة من المدينة. وذو خَشَب: من مخاليف اليمن (معجم البلدان: 2/372).
(6) تاريخ الطبري: 4 / 405.
1210 - مروج الذهب: لمّا كان سنة خمس وثلاثين سار مالك بن الحارث النخعي من الكوفة في مِئتَي رجل، وحكيم بن جبلة العبدي في مِئة رجل من أهل البصرة، ومن أهل مصر ستّمِئة رجل عليهم عبد الرحمان بن عديس البلوي - وقد ذكر الواقدي وغيره من أصحاب السيَر: أنّه ممّن بايَع تحت الشجرة - إلى آخَرين ممّن كان بمصر، مثل: عمرو بن الحمق الخزاعي، وسعد بن حمران التجيبي، ومعهم محمّد بن أبي بكر الصدّيق، وقد كان تكلَّم بمصر، وحرّض الناس على عثمان لأمرٍ يطول ذكره كان السبب فيه مروان بن الحكَم.
فنزلوا في الموضع المعروف بذي الخشب فلمّا علِم عثمان بنزولهم بعث إلى عليّ بن أبي طالب فأحضره، وسأله أنْ يخرج إليهم ويضمن له عنه كلّ ما يريدون من العدل وحُسن السيرة.
فسار عليّ إليهم، فكان بينهم خطبٌ طويل، فأجابوه إلى ما أراد وانصرفوا (1) .
5 / 8
فكّ الحصار بوساطة الإمام
1211 - تاريخ الطبري عن عبد الله بن محمّد عن أبيه: فلمّا رأى عثمان ما رأى [أنّ القوم يرَون قتله إنْ لم ينزِع ]جاءَ عليّاً فدخل عليه بيته، فقال: يا بن عمّ، إنّه ليس لي متّرك، وإنّ قرابتي قريبة، ولي حقٌّ عظيم عليك، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحيّ، وأنا أعلَم أنّ لك عند الناس قدَراً، وأنّهم يسمعون منك، فأنا أُحبّ أنْ تركَب إليهم فتردّهم عنّي؛ فإنّي لا أُحبّ أنْ يدخلوا علَيّ؛ فإنّ ذلك جرأة منهم علَيّ، وليسمع بذلك غيرهم.
____________________
(1) مروج الذهب: 2 / 352 وراجع تاريخ المدينة: 4 / 1155 - 1160.
فقال عليّ: (علامَ أردّهم؟) قال: على أنْ أصير إلى ما أشَرت به علَيّ ورأيته لي، ولست أخرُج من يدَيك.
فقال عليٌّ: (إنّي قد كنت كلّمتك مرّة بعد مرّة، فكلّ ذلك نخرج فتكلّم، ونقول وتقول، وذلك كلّه فعلُ مروان بن الحكَم وسعيد بن العاص، وابن عامر ومعاوية، أطعتهم وعصَيتني). قال عثمان: فإنّي أعصيهم وأطيعك.
قال: فأمر الناس فركبوا معه؛ المهاجرون والأنصار قال: وأرسَل عثمان إلى عمّار بن ياسر يكلّمه أنْ يركب مع عليّ فأبى، فأرسل عثمان إلى سعد ابن أبي وقّاص، فكلّمه أنْ يأتي عمّاراً فيكلّمه أنْ يركب مع عليّ، قال: فخرج سعد حتّى دخل على عمّار فقال:يا أبا اليقظان، أ لا تخرج فيمن يخرج وهذا عليّ يخرج فاخرج معه، واردد هؤلاء القوم عن إمامك؛ فانّي لأحسب أنّك لم تركَب مركباً هو خيرٌ لك منه.
قال: وأرسل عثمان إلى كثير بن الصلت الكندي - وكان من أعوان عثمان - فقال: انطلق في إثر سعد فاسمع ما يقول سعد لعمّار، وما يردّ عمّار على سعد، ثمّ ائتني سريعاً.
قال: فخرج كثير حتى يجد سعداً عند عمّار مخليّاً به، فأَلقم عينه جُحْر الباب، فقام إليه عمّار ولا يعرفه وفي يده قضيب، فأدخل القضيب الجُحْر الذي ألقمه كثير عينَه، فأخرج كثير عينه من الجُحْر وولّى مُدبراً متقنّعاً، فخرج عمّار فعرَف أثره ونادى: يا قليل ابن أُمّ قليل؛ أ عليّ تطلّع وتستمع حديثي! والله لو دريت أنّك هو لفقأت عينك بالقضيب؛ فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد أحلّ ذلك، ثمّ رجَع عمّار إلى سعد فكلّمه سعد وجعل يفتله بكلّ وجه، فكان آخر ذلك أنْ قال عمّار: والله لا أردّهم عنه أبداً.
فرجع سعد إلى عثمان فأخبره بقول عمّار، فاتّهم عثمان سعداً أنْ يكون لم يناصحه، فأقسَم له سعد بالله لقد حرّض، فقبل منه عثمان، قال: وركَب عليّ (عليه السلام) إلى أهل مصر فردّهم عنه، فانصرفوا راجعين (1) .
5 / 9
توبة عثمان في خطابٍ عامّ
1212 - تاريخ الطبري عن عليّ بن عمر عن أبيه: إنّ عليّاً جاءَ عثمان بعد انصراف المصريين فقال له: (تكلّم كلاماً يسمعه الناس منك ويشهدون عليه، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة؛ فإنّ البلاد قد تمخّضت عليك، فلا آمن ركباً آخرين يقدمون من الكوفة، فتقول: يا عليّ، اركب إليهم، ولا أقدر أنْ أركب إليهم ولا أسمَع عذراً، ويقدم ركبٌ آخرون من البصرة، فتقول: يا عليّ، اركب إليهم، فإنْ لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك، واستخففت بحقّك).
قال: فخرج عثمان فخطَب الخطبة التي نزَع فيها، وأعطى الناس من نفسه التوبة، فقام فحمِد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال:
أمّا بعد أيّها الناس! فو الله ما عابَ من عاب منكم شيئاً أجهلُه، وما جئتُ شيئاً إلاّ وأنا أعرفه، ولكنّي منّتني نفسي وكذّبتني وضلّ عنّي رُشدي، ولقد سمِعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: (مَن زلّ فليتُب، ومَن أخطأ فليتُب ولا يتماد في الهلَكة؛ إنّ من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق) فأنا أوّل من اتّعظ، أستغفر الله ممّا فعلت وأتوب إليه، فمثلي نزَع وتاب، فإذا نزلتُ فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم، فو الله لئن ردّني الحقّ عبداً لأستنّ بسنّة العبد، ولأذلّن ذلّ العبد، ولأكونّن
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 358، الكامل في التاريخ: 2 / 283 نحوه وراجع أنساب الأشراف: 6 / 176.
كالمرقوق، إنْ مُلِك صبَر وإنْ عُتِق شكَر، وما عن الله مذهَب إلاّ إليه، فلا يعجزنّ عنكم خياركم أنْ يدنوا إليّ، لئن أبَت يميني لتتابعني شمالي.
قال: فرقّ الناس له يومئذٍ وبكى من بكى منهم، وقام إليه سعيد بن زيد فقال: يا أمير المؤمنين، ليس بواصلٍ لك من ليس معك، اللهَ اللهَ في نفسِك، فأتمِمْ على ما قلت (1) .
1213 - تاريخ الطبري عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير: كتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة، ويحتجّون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبداً حتى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من حقّ الله.
فلمّا خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته، فقال لهم: قد صنَع القوم ما قد رأيتم، فما المخرج؟
فأشاروا عليه أنْ يرسل إلى عليّ بن أبي طالب فيطلب إليه أنْ يردّهم عنه، ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولَهم (2) حتى يأتيه أمداد.
فقال: إنّ القوم لنْ يقبلوا التعليل، وهم محمّليّ عهداً، وقد كان منّي في قدمتهم الأُولى ما كان، فمتى أُعطِهم ذلك يسألوني الوفاء به!
فقال مروان بن الحكَم: يا أمير المؤمنين! مقاربتهم حتى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القُرب، فاعطِهم ما سألوك، وطاوِلهم ما طاوَلوك؛ فإنّما هم بغوا علَيك؛ فلا عهد لهم.
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 360، البداية والنهاية: 7 / 172، الكامل في التاريخ: 2 / 284؛ الجمل: 191 كلاهما نحوه.
(2) طاولته في الأمر: أي ما طلتُه (لسان العرب: 11 / 412).
فأرسل إلى عليّ فدعاه، فلمّا جاءه قال: يا أبا حسن! إنّه قد كان من الناس ما قد رأيت، وكان منّي ما قد علِمت، ولست آمنهم على قتلي، فاردُدهم عنّي؛ فإنّ لهم الله عزّ وجلّ أنْ أعتبهم مِن كلِّ ما يكرهون، وأنْ أُعطيهم الحقّ من نفسي ومِن غيري، وإنْ كان في ذلك سفك دمي.
فقال له عليّ: (الناس إلى عدلك أحوَج منهم إلى قتلِك، وإنّي لأرى قوماً لا يرضون إلاّ بالرضا، وقد كنتَ أعطيتهم في قدمتهم الأُولى عهداً من الله لترجعنّ عن جميع ما نقموا، فرددتُهم عنك، ثمّ لم تفِ لهم بشيء من ذلك، فلا تغرّني هذه المرّة من شيء؛ فإنّي معطيهم عليك الحقّ).
قال: نعم، فأعطِهم، فو الله لأفينّ لهم.
فخرج عليّ إلى الناس، فقال: (أيّها الناس! إنّكم إنّما طلبتم الحقّ فقد أُعطيتموه، إنّ عثمان قد زعَم أنّه منصفكم من نفسه ومن غيره، وراجع عن جميع ما تكرهون، فاقبلوا منه ووكّدوا عليه).
قال الناس: قد قبلنا فاستوثِق منه لنا؛ فإنّا والله لا نرضى بقولٍ دون فعل.
فقال لهم عليّ: (ذلك لكم). ثمّ دخل عليه فأخبره الخبر.
فقال عثمان: اضرب بيني وبينهم أجَلاً يكون لي فيه مهلة؛ فإنّي لا أقدر على ردّ ما كرِهوا في يومٍ واحد.
قال له عليّ: (ما حضَر بالمدينة فلا أجلَ فيه، وما غاب فأجلُه وصول أمرك).
قال: نعم. ولكن أجّلني فيما بالمدينة ثلاثة أيّام.
قال عليّ: (نعم). فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك، وكتَب بينهم وبين عثمان
كتاباً أجّله فيه ثلاثاً، على أنْ يردّ كلّ مظلمة، ويعزِل كلّ عاملٍ كرهوه، ثمّ أخَذ عليه في الكتاب أعظم ما أُخِذ الله على أحدٍ من خلقه من عهدٍ وميثاق، وأشهد عليه ناساً من وجوه المهاجرين والأنصار، فكفّ المسلمون عنه ورجعوا إلى أنْ يفي لهم بما أعطاهم من نفسه، فجعَل يتأهّب للقتال، ويستعدّ بالسلاح - وقد كان اتّخذ جنداً عظيماً من رقيق الخُمس - فلمّا مضت الأيّام الثلاثة وهو على حاله لم يغيّر شيئاً ممّا كرهوه ولم يعزِل عاملاً، ثارَ به الناس (1) .
1214 - الإمامة والسياسة: خرَج عثمان فصعِد المنبر، فحمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال:
أمّا بعد أيّها الناس، إنّ نصيحتي كذّبتني، ونفسي منّتني، وقد سمِعت رسول الله يقول: (لا تتمادوا في الباطل؛ فإنّ الباطل يزداد من الله بُعداً، مَن أساءَ فليتُب، ومَن أخطأ فليتُب، وأنا أوّل من أتّعظ، والله لئن ردّني الحقّ عبداً لا نتسبنّ نسَب العبيد، ولأكوننّ كالمرقوق الذي إنْ مُلِك صبَر، وإنْ أُعتِق شكَر، ثمّ نزَل، فدخَل على زوجته نائلة بنت الفرافصة، ودخل معه مروان بن الحكَم، فقال: يا أمير المؤمنين، أتكلَّم أو أسكُت؟ فقالت له نائلة: بل اسكُت! فو الله لئن تكلَّمت لتغرّنّه ولتوبقنّه. فالتفت إليها عثمان مُغضِباً، فقال: اسكتي، تكلَّم يا مروان. فقال مروان: يا أمير المؤمنين! والله لو قلت الذي قلت وأنت في عزّ ومنعة لتابعتك، ولكنّك قلت الذي قلت وقد بلَغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين، فانقض التوبة ولا تقرّ بالخطيئة (2) .
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 369، الكامل في التاريخ: 2 / 288 نحوه.
(2) الإمامة والسياسة: 1 / 49.
5 / 10
نقض التوبة والمعاهدة
1215 - تاريخ الطبري عن عليّ بن عمر عن أبيه - في ذِكر عثمان بعد أنْ خطَب الخطبة التي أعلَن فيها توبته -: فلمّا نزَل عثمان وجَد في منزله مروان وسعيداً ونفَراً من بني أُميّة، ولم يكونوا شهدوا الخطبة، فلمّا جلَس قال مروان: يا أمير المؤمنين أتكلّم أم أصمت؟ فقالت نائلة بنت الفرافصة - امرأة عثمان الكلبيّة -: لا، بل اصمت؛ فإنّهم والله قاتلوه ومؤثّموه، إنّه قد قال مقالةً لا ينبغي له أنْ ينزع عنها....
فأعرض عنها مروان ثمّ قال: يا أمير المؤمنين أتكلّم أم أصمت؟ قال: بل تكلّم. فقال مروان: بأبي أنت وأمّي، والله لوددت أنّ مقالتك هذه كانت وأنت ممتنِعٌ منيع فكنت أوّل من رضيَ بها وأعان عليها، ولكنّكَ قلت ما قلت حين بلَغ الحزام الطُّبْيَين، وخَلَّف السيل الزبى (1) ، وحين أعطى الخطّة الذليلةَ الذليلُ، والله لإقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمَل من توبةٍ تخوّف عليها، وإنّك إنْ شئت تقرّبت بالتوبة ولم تُقرِرْ بالخطيئة، وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس، فقال عثمان: فاخرج إليهم فكلّمهم؛ فإنّي أستحيي أنْ أكلّمهم.
قال: فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضُهم بعضاً، فقال: ما شأنكم قد
____________________
(1) كذا في المصدر، وفي البداية والنهاية: (جاوزَ الحزامُ الطُّبْيَين وبلَغ السيلُ الزُّبى) وهو الموجود في كتب الأمثال. قال الميداني: بلَغ السَّيلُ الزُّبى: هي جمع زُبْية؛ وهي حفرة تُحفر للأسد إذا أرادوا صيده، وأصلها الرابية لا يعلوها الماء، فإذا بلَغها السيل كان جارفاً مجحفاً. وهو مثَل يضرب لما جاوز الحدّ. وجاوز الحزام الطُّبْيين: الطُّبى للحافر والسباع كالضرع لغيرها، وهو مثَل يُضرب عند بلوغ الشدَّة منتهاها (مجمع الأمثال: 1 / 158 / 436 وص 295 / 871).
اجتمعتم كأنّكم قد جئتم لنهب؟ شاهت الوجوه، كلّ إنسان آخذٌ بأُذِنِ صاحبه، ألا مَن أريد، جئتم تريدون أنْ تنزعوا ملكنا من أيدينا، أُخرجوا عنّا، أما والله لئن رمتمونا ليمرّنّ عليكم منّا أمرٌ لا يسرّكم، ولا تحمدوا غبّ رأيكم، ارجعوا إلى منازلكم؛ فإنّا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا.
قال: فرجِع الناس، وخرَج بعضُهم حتى أتى عليّاً فأخبره الخبر، فجاء عليّ (عليه السلام) مغضِباً حتى دخل على عثمان، فقال: أ ما رضيت من مروان ولا رضيَ منك إلاّ بتحرّفك عن دينك وعن عقلِك، مثل جمَل الظعينة يُقاد حيث يُسار به؟ والله ما مروان بذي رأيٍ في دينه ولا نفسه، وايم الله إنّي لأراه سيوردك ثمّ لا يصدرك، وما أنا بعائدٍ بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهَبتَ شرفَك، وغُلبت على أمَرك.
فلمّا خرج عليّ، دخَلت عليه نائلة بنت الفرافصة امرأته، فقالت: أتكلّم أو أسكُت؟ فقال: تكلّمي.
فقالت: قد سمِعت قول عليّ لك وإنّه ليس يعاودُك، وقد أطَعت مروان يقودك حيث شاء، قال: فما أصنع؟ قال: تتّقي الله وحده لا شريك له، وتتّبع سنّة صاحبَيك من قبلِك؛ فإنّك متى أطعت مروان قتلك، ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبّة، وإنّما تركَك الناس لمكان مروان، فأرسِل إلى عليّ فاستصلحه؛ فإنّ له قرابة منك وهو لا يُعصى.
قال: فأرسَل عثمان إلى عليّ فأبى أنْ يأتيه، وقال: (قد أعلمته أنّي لستُ بعائد) (1) .
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 361، الكامل في التاريخ: 2 / 284، البداية والنهاية: 7 / 172؛ الجمل: 192.
1216 - تاريخ الطبري - في ذِكر ما حدَث بعد رجوع المصريّين -: لمّا رجَع عليّ (عليه السلام) إلى عثمان أخبره أنّهم قد رجعوا، وكلّمه عليّ كلاماً في نفسه، قال له: (اعلمْ أنّي قائلٌ فيك أكثر ممّا قلت). قال: ثمّ خرَج إلى بيته.
قال: فمكَث عثمان ذلك اليوم حتى إذا كان الغد جاءه مروان، فقال له: تكلّم وأعلِم الناسَ أنّ أهل مصر قد رجَعوا، وأنّ ما بلَغهم عن إمامهم كان باطلاً؛ فإنّ خطبتك تسير في البلاد قبل أنْ يتحلّب الناس عليك من أمصارهم، فيأتيك من لا تستطيع دفعه. قال: فأبى عثمان أنْ يخرج، قال: فلم يزَل به مروان حتى خرَج، فجلَس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد: فإنّ هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغَهم عن إمامهم أمرٌ، فلمّا تيقّنوا أنّه باطل ما بلغَهم عنه رجعوا إلى بلادهم. قال: فناداه عمرو بن العاص من ناحية المسجِد: اتّقِ الله يا عثمان؛ فإنّك قد ركِبت نَهابيرَ وركبناها معَك، فتُب إلى الله نتُب. قال: فناداه عثمان، وإنّك هناك يابن النابغة! قملتْ والله جُبَّتُك منذ تركتك من العمل. قال: فنودي من ناحية أُخرى: تُب إلى الله، وأظهِر التوبة يكفَّ الناسُ عنك. قال: فرفَع عثمان يدَيه مدّاً، واستقبل القبلة فقال: اللهمّ إنّي أوّل تائبٍ تابَ إليك.
ورجع إلى منزله، وخرَج عمرو بن العاص حتى نزل منزله بفلسطين، فكان يقول: والله إنْ كنت لألقى الراعي فأُحرّضه عليه (1) .
1217 - تاريخ الطبري عن أبي عون: سمعت عبد الرحمان بن الأسود بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكَم، قال: قبّح الله مروان؛ خرَج عثمان إلى الناس فأعطاهم الرضا، وبكى على المنبر وبكى الناس حتى نظرتُ إلى لحية عثمان
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 360.
مُخضلّة من الدموع، وهو يقول: اللهمّ إنّي أتوبُ إليك، اللهمّ إنّي أتوبُ إليك، اللهمّ إنّي أتوبُ إليك! والله لئن ردّني الحقّ إلى أنْ أكون عبداً قِنّاً لأرضينَّ به، إذا دخلت منزلي فادخلوا علَيّ، فو الله لا أحتجِب منكم، ولأُعطينَّكُم الرضا، ولأزيدنّكم على الرضا، ولأنحّينّ مروان وذويه.
قال: فلمّا دخَل أمَر بالباب ففتح، ودخل بيته، ودخل عليه مروان، فلم يزَل يفتله في الذِّرْوَة والغارِب حتى فتله عن رأيه، وأزاله عمّا كان يُريد، فلقد مكَث عثمان ثلاثة أيّام ما خرَج استحياءً من الناس.
وخرج مروان إلى الناس، فقال: شاهت الوجوه! ألاّ من أُريد! ارجعوا إلى منازلكم؛ فإنْ يكن لأمير المؤمنين حاجة بأحدٍ منكم يرسل إليه، وإلاّ قرّ في بيته.
قال عبد الرحمان: فجئت إلى عليّ فأجده بين القبر والمنبر، وأجد عنده عمّار بن ياسر، ومحمّد بن أبي بكر، وهما يقولان: صنَع مروان بالناس وصنَع.
قال: فأقبل علَيَّ علِيٌّ، فقال: (أحَضَرتَ خطبةَ عثمان؟) قلت: نعم.
قال: (أفَحَضَرت مقالةَ مروان للناس؟) قلت: نعم.
قال عليٌّ: (عياذ الله، يا للمسلمين! إنّي إنْ قعدت في بيتي قال لي: تركتني وقرابتي وحقّي، وإنّي إنْ تكلّمت فجاء ما يُريد يلعب به مروان، فصار سيّقة له يسوقه حيث شاء بعد كبَر السنّ وصحبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)).
قال عبد الرحمان بن الأسود: فلم يزل حتى جاء رسول عثمان: ائتني.
فقال عليٌّ بصوتٍ مرتفعٍ عالٍ مغضِب: (قل له: ما أنا بداخل عليك ولا عائد).
قال: فانصرف الرسول.
قال: فلقيتُ عثمان بعد ذلك بليلتين خائباً، فسألتُ ناتلاً غلامه: من أين جاء أمير المؤمنين؟
فقال: كان عند عليّ.
فقال عبد الرحمان بن الأسود: فغدوت فجلستُ مع عليّ (عليه السلام)، فقال لي: (جاءني عثمان البارحة، فجعل يقول: إنّي غير عائد، وإنّي فاعل. قال: فقلت له: بعدما تكلّمت به على منبرِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأعطيت من نفسِك، ثمّ دخلتَ بيتك، وخرَج مروان إلى الناس فشتمهم على بابك ويؤذيهم!)
قال: فرجع وهو يقول: قطعتَ رحِمي وخذلتني، وجرّأت الناس عليَّ.
فقلت: (والله، إنّي لأذَبّ الناس عنك، ولكنّي كلّما جئتك بَهنَة أظنّها لك رضىً جاء بأُخرى، فسمِعتَ قول مروان علَيّ، واستدخلت مروان).
قال: ثمّ انصرف إلى بيته.
قال عبد الرحمان بن الأسود: فلم أزَل أرى عليّاً منكّباً عنه لا يفعل ما كان يفعل، إلاّ أنّي أعلَم أنّه قد كلّم طلحة حين حُصر في أنْ يدخل عليه الرَّوايا (1) ، وغضِب في ذلك غضَباً شديداً، حتى دخلت الرَّوايا على عثمان (2) .
5 / 11
خيانة بطانة السوء
1218 - تاريخ الطبري عن العلاء بن عبد الله بن زيد العنبري: أرسل عثمان إلى
____________________
(1) الرَّوايا من الإبل: الحوامل للماء، واحدتها راوية (النهاية: 2 / 279).
(2) تاريخ الطبري: 4 / 363 وراجع الكامل في التاريخ: 2 / 284 - 286 والأغاني: 19 / 481 والبداية والنهاية: 7 / 172 و173.
معاوية بن أبي سفيان، وإلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإلى سعيد بن العاص، وإلى عمرو بن العاص بن وائل السهمي، وإلى عبد الله بن عامر، فجمعهم ليشاورهم في أمره وما طُلب إليه وما بلَغه عنهم، فلمّا اجتمعوا عنده قال لهم:
إنّ لكلّ امرئٍ وزراء ونُصَحاء، وإنّكم وزرائي ونُصحائي وأهلُ ثقتي، وقد صنَع الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إليّ أنْ أعزل عمّالي وأنْ أرجِع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون، فاجتهِدوا رأيكم وأشيروا عليّ.
فقال له عبد الله بن عامر: رأيي لك يا أمير المؤمنين أنْ تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن تُجمّرهم (1) في المغازي حتى يذلّوا لك، فلا يكون همّة أحدِهم إلاّ نفسه وما هو فيه من دبرة دابته وقَمل فَرْوِه.
ثمّ أقبَل عثمان على سعيد بن العاص فقال له: ما رأيك؟ قال: يا أمير المؤمنين إنْ كنت ترى رأينا فاحسم عنك الداء، واقطع عنك الذي تخاف، واعمل برأيي تُصِب. قال: وما هو؟ قال: إنّ لكلّ قومٍ قادة متى تهلك يتفرّقوا ولا يجتمع لهم أمر، فقال عثمان: إنّ هذا الرأي لولا ما فيه.
ثمّ أقبل معاوية فقال: ما رأيك؟ قال: أرى لك يا أمير المؤمنين، أنْ تردّ عمّالك على الكفاية لما قِبَلهم، وأنا ضامنٌ لك قِبَلي.
ثمّ أقبل على عبد الله بن سعد فقال: ما رأيك؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين، أنّ الناس أهلُ طمَع فأعطِهم من هذا المال تعطفْ عليك قلوبهم.
ثمّ أقبل على عمرو بن العاص فقال له: ما رأيك؟ قال: أرى أنّك قد ركبت الناس بما يكرهون، فاعتزم أنْ تعتدل؛ فإنْ أبيت فاعتزم أنْ تعتزل؛ فإنْ أبيت
____________________
(1) تجمير الجيش: جمعهم في الثغور، وحبسهم عن العود إلى أهلهم (النهاية: 1 / 292).
فاعتزم عزماً وامض قُدُماً.
فقال عثمان: مالك قَمِل فَرْوُك؟! أَ هذا الجدّ منك؟ فأسكت عنه دهراً، حتى إذا تفرّق القوم قال عمرو: لا والله يا أمير المؤمنين، لأنت أعزّ عليّ من ذلك، ولكن قد علِمت أنْ سيبلغ الناس قولُ كلّ رجلٍ منّا، فأردتُ أنْ يبلغهم قولي فيثقوا بي، فأقود إليك خيراً أو أدفع عنك شرّاً... فردّ عثمان عمّاله على أعمالهم، وأمرهم بالتضييق على من قِبَلهم، وأمرهم بتجمير الناس في البعوث، وعزَم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه (1) .
. راجع: نقض التوبة والمعاهدة
5 / 12
آخر ما أدّى إلى قتل عثمان
1219 - الفتوح: أرسل عثمان إلى عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فدعاه فقال: يا أبا الحسن! أنت لهؤلاء القوم، فادعوهم إلى كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة نبيّه واكفني ممّا يكرهون.
فقال له عليّ: (إنْ أعطيتني عهد الله وميثاقه أنّك توفي لهم بكلّ ما أُُعطيهم فعلتُ ذلك).
فقال عثمان: نعم يا أبا الحسن، اضمَن لهم عنّي جميع ما يريدون.
قال: فأخذ عليّ عليه عهداً غليظاً وميثاقاً مؤكّداً، ثمّ خرج من عنده فأقبل نحو القوم، فلمّا دنا منهم قالوا: ما وراءك يا أبا الحسن، فإنّنا نُجلّك؟
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 333 وراجع مروج الذهب: 2 / 346.
فقال: (إنّكم تُعطَون ما تريدون، وتُعافَون من كلّ ما أسخطَكم، ويولّى عليكم مَن تُحبّون، ويُعزَل عنكم مَن تكرهون).
فقالوا: ومن يضمن لنا ذلك؟
قال عليّ: (أنا أضمَن لكم ذلك).
فقالوا: رضينا.
قال: فأقبل عليّ إلى عثمان ومعه وجوه القوم وأشرافهم، فلمّا دخلوا عاتبوه فأعتبهم من كلّ ما كرهوا.
فقالوا: اكتب لنا بذلك كتاباً، وأدخل لنا في هذا الضمان عليّاً بالوفاء لنا بما في كتابنا.
فقال عثمان: اكتبوا ما أحببتم وأدخلوا في هذا الضمان من أردتم.
قال: فكتبوا:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من عبد الله عثمان بن عفّان أمير المؤمنين لجميع من نقم عليه من أهل البصرة والكوفة وأهل مصر: أنّ لكم علَيَّ أنْ أعمل فيكم بكتاب الله عزّ وجلّ وسنّة نبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وأنّ المحروم يُعطى، والخائف يؤمّن، والمنفي يُرَدّ، وأنّ المال يردّ على أهل الحقوق، وأنْ يُعزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أهل مصر، ويولّى عليهم من يرضون.
قال: فقال أهل مصر: نُريد أن تولّي علينا محمّد بن أبي بكر.
فقال عثمان: لكم ذلك.
ثمّ أثبتوا في الكتاب:
وأنّ عليّ بن أبي طالب ضمينٌ للمؤمنين بالوفاء لهم بما في هذا الكتاب، شهِد على ذلك: الزبير بن العوّام، وطلحة بن عُبيد الله، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وسهل بن حنيف، وأبو أيّوب خالد بن زيد. وكُتب في ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين.
قال: فأخَذ أهل مصر كتابهم وانصرفوا، ومعهم محمّد بن أبي بكر أميراً عليهم، حتى إذا كانوا على مسيرة ثلاثة أيّام من المدينة وإذا هم بغلامٍ أسود على بعيرٍ له يخبط خبطاً عنيفاً.
فقالوا: يا هذا! اربع قليلاً ما شأنُك؟ كأنّك هاربٌ أو طالب، مَن أنت؟
فقال: أنا غلام أمير المؤمنين عثمان وجّهني إلى عامل مصر.
فقال له رجلٌ منهم: يا هذا! فإنّ عامل مصر معنا.
فقال: ليس هذا الذي أُريد.
فقال محمّد بن أبي بكر: أنزلوه عن البعير، فحطّوه، فقال له محمّد بن أبي بكر: أصدِقني غلامُ مَن أنت؟
قال: أنا غلام أمير المؤمنين.
قال: فإلى مَن أُرسلت؟
قال: إلى عبد الله بن سعد عامل مصر.
قال: وبماذا أُرسلت؟
قال: برسالة.
قال محمّد بن أبي بكر: أَ فَمعك كتاب؟
قال: لا.
فقال أهل مصر: لو فتّشناه أيّها الأمير؛ فإنّنا نخاف أنْ يكون صاحبُه قد كتب فينا بشيء، ففتّشوا رحله ومتاعه ونزعوا ثيابه حتى عَرّوه فلم يجدوا معه شيئاً، وكانت على راحلته إداوة (1) فيها ماء، فحرّكوها فإذا فيها شيءٌ يتقَلقَل، فحرّكوه ليخرج فلم يخرج.
فقال كنانة بن بشر التجيبي: والله! إنّ نفسي لتحدّثني أنّ في هذه الإداوة كتاباً.
فقال أصحابه: ويحك! ويكون كتاب في ماء؟
قال: إنّ الناس لهم حِيَل، فشقّوا الإداوة فإذا فيها قارورة مختومة بشمع، وفي جوف القارورة كتاب، فكسروا القارورة وأخرجوا الكتاب، فقرأه محمّد بن أبي بكر فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى عبد الله بن سعد، أمّا بعد، فإذا قدِم عليك عمرو بن يزيد بن ورقاء فاضرب عُنقه صبراً، وأمّا علقمة بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر التجيبي، وعروة بن سهم الليثي، فاقطع أيديهم وأرجلَهم من خلاف ودعهم يتشحّطون في دمائهم حتى يموتوا، فإذا ماتوا فاصلبهم على جذوع النخل، وأمّا محمّد بن أبي بكر فلا يُقبل منه كتابه وشدّ يدك به، واحتَل في قتله، وقرّ على عملِك حتى يأتيك أمري إنْ شاء الله تعالى.
فلمّا قرأ محمّد بن أبي بكر الكتاب رجَع إلى المدينة هو ومَن معه، ثمّ جمع أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وقرأ عليهم الكتاب وأخبرهم بقصّة الكتاب.
____________________
(1) الإداوة: إناء صغير من جلد يُتّخذ للماء (النهاية: 1 / 33).
فلم يبقَ بالمدينة أحدٌ إلاّ حنَق على عثمان، واشتدّ حنق بني هذيل خاصّة عليه لأجل صاحبهم عبد الله بن مسعود، وهاجَت بنو مخزوم لأجل صاحبهم عمّار بن ياسر، وكذلك غِفار لأجل صاحبهم أبي ذرّ.
ثمّ إنّ عليّاً أخذ الكتاب وأقبَل حتى دخَل على عثمان، فقال له: (ويحَك! لا أدري على ماذا أنزل! استعتبَك القوم فأعتبتهم بزعمِك وضمّنتني ثمّ أحقَرتني، وكتبت فيهم هذا الكتاب!)
فنظر عثمان في الكتاب ثمّ قال: ما أعرِف شيئاً مِن هذا!!
فقال عليّ: (الغلام غلامُك أم لا؟)
قال عثمان: بل هو والله غلامي، والبعير بعيري، وهذا الخاتم خاتمي، والخطّ خطّ كاتبي.
قال عليّ (رضي الله عنه): (فيخرُج غلامُك على بعيرِك بكتابٍ وأنتَ لا تعلَم به؟)
فقال عثمان: حيّرتك يا أبا الحسن! وقد يشبه الخطُّ الخطَّ وقد تختِم على الخاتم، ولا والله ما كتبتُ هذا الكتاب، ولا أمرتُ به، ولا وجّهت هذا الغلام إلى مصر.
فقال عليّ: (لا عليك، فمَن نتّهم؟) قال: أتّهمك وأتّهم كاتبي!
قال عليّ: (بل هو فعلُك وأمرُك). ثمّ خرج من عنده مغضباً (1) .
1220 - تاريخ المدينة عن هارون بن عنترة عن أبيه: لمّا كان من أمر عثمان ما
____________________
(1) الفتوح: 2 / 410؛ الأمالي للطوسي: 712 / 1517 عن عبد الرحمان بن أبي عمرة الأنصاري نحوه وراجع تاريخ المدينة: 4 / 1158 - 1160 والإمامة والسياسة: 1 / 55 والجمَل: 139 - 141.
كان، قدِم قومٌ من مصر معهم صحيفة صغيرة الطيّ، فأتوا عليّاً (رضي الله عنه) فقالوا: إنّ هذا الرجل قد غيّر وبدّل، ولم يسِر مسيرة صاحبَيه، وكتَب هذا الكتاب إلى عامله بمصر: أنْ خُذ مال فلان، واقتل فلاناً، وسيّر فلاناً.
فأخذ عليّ الصحيفة فأدخلها على عثمان، فقال: (أَتعرف هذا الكتاب؟)
فقال: إنّي لأعرِف الخاتم.
فقال: (اكسِرها) فكسَرها. فلمّا قرأها قال: لعن الله مَن كتَبه ومَن أملاه.
فقال له عليّ (رضيَ الله عنه): (أتتّهم أحداً من أهل بيتك؟) قال: نعم.
قال: (مَن تتّهم؟) قال: أنت أوّل من أتّهم!
قال: فغضب عليّ (رضي الله عنه) فقام وقال: (والله لا أُعينك ولا أُعين عليك حتى ألتقي أنا وأنتَ عند ربّ العالمين) (1) .
1221 - مروج الذهب - بعد ذكر حلّ اختلاف المصريّين مع عثمان وانصرافهم -: فلمّا صاروا إلى الموضع المعروف بحِسمى (2) ، إذا هُمّ بغلامٍ على بعير وهو مُقْبل مِن المدينة، فتأمّلوه فإذا هو ورش غلام عثمان، فقرّروه فأقرّ وأظهَر كتاباً إلى ابن أبي سرح صاحب مصر وفيه: إذا قدِم عليك الجيش فاقطع يدَ فلان، واقتل فلاناً، وافعل بفلانٍ كذا، وأحصى أكثر مَن في الجيش، وأمر فيهم بما أمَر.
وعلِم القوم أنّ الكتاب بخطّ مروان، فرجعوا إلى المدينة، واتّفق رأيُهم ورأي مَن قدِم من العراق، ونزلوا المسجد وتكلّموا، وذكروا ما نزَل بهم من عمّالهم،
____________________
(1) تاريخ المدينة: 4 / 1154 و1155 عن محمّد بن سعد وص 1168 عن نوفل بن مساحق، شرح نهج البلاغة: 3 / 22 كلّها نحوه.
(2) هو أرض ببادية الشام (معجم البلدان: 2 / 258).
ورجعوا إلى عثمان فحاصروه في داره (1) .
1222 - الطبقات الكبرى عن جابر بن عبد الله: إنّ المصريّين... رجعوا فلمّا كانوا بالبويب (2) رأوا جمَلاً عليه مَيسم الصدقة فأخذوه، فإذا غلام لعُثمان فأخذوا متاعه ففتّشوه، فوجدوا فيه قصبة من رصاص فيها كتاب في جوف الإداوة (3) في الماء إلى عبد الله بن سعد: أنْ افعل بفلانٍ كذا وبفلانٍ كذا من القوم الذين شرَعوا في عثمان.
فرجع القوم ثانية حتى نزَلوا بذي خشُب، فأرسل عثمان إلى محمّد بن مسلمة فقال: أُخرج فارددهم عنّي.
فقال: لا أفعل.
فقدموا فحصروا عثمان (4) .
1223 - سيَر أعلام النبلاء: كان [مروان بن الحكَم] كاتب ابن عمّه عثمان، وإليه الخاتم، فخانه، وأجلبوا بسببه على عثمان (5) .
5 / 13
الحصر الثاني
1224 - الشافي عن ابن أبي جعفر القاري مولى بني مخزوم: كان المصريّون الذين
____________________
(1) مروج الذهب: 2 / 353 وراجع تاريخ اليعقوبي: 2 / 175.
(2) البُوَيْب: هو مدخل أهل الحجاز إلى مصر (معجم البلدان: 1 / 512).
(3) في المصدر (الإدارة)، وما أثبتناه عن تاريخ الإسلام للذهبي وأنساب الأشراف وهو الصحيح.
(4) الطبقات الكبرى: 3 / 65، تاريخ دمشق: 39 / 323، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 441 و442، أنساب الأشراف: 6 / 182 و183 وص 177 والثلاثة الأخيرة نحوه.
(5) سيَر أعلام النبلاء: 3 / 477 / 102.
حصروا عثمان ستّمِئة، عليهم: عبد الرحمان بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي.
والذين قدموا من الكوفة مِئتين، عليهم: مالك بن الحارث الأشتر النخعي.
والذين قدموا من البصرة مِئة رجل، رئيسهم: حكيم بن جبلة العبدي.
وكان أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الذين خذَلوه لا يرَون أنّ الأمر يبلُغ بهم إلى القتل، ولعمري لو قام بعضُهم فحثا التراب في وجوه أُولئك لانصرفوا (1) .
1225 - تاريخ الطبري عن عبد الله بن الزبير عن أبيه: كتب أهل مصر بالسُّقْيا (2) - أو بذي خشب - إلى عثمان بكتاب، فجاء به رجلٌ منهم حتى دخَل به عليه، فلم يردّ عليه شيئاً، فأمَر به فأُخرِج من الدار.
وكان أهل مصر الذين ساروا إلى عثمان ستّمِئة رجلٍ على أربعة ألْوِيَة لها رؤوسٌ أربعة، مع كلّ رجلٍ منهم لواء.
وكان جماع أمرهم جميعاً إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي - وكان من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) - وإلى عبد الرحمان بن عديس التجيبي.
فكان فيما كتبوا إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم: أمّا بعد، فاعلَم أنّ الله لا يُغيّر ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفُسِهم، فاللهَ اللهَ! ثمّ اللهَ اللهَ! فإنّك على دنيا فاستتمّ إليها معها آخرة، ولا تُلبِس نصيبك من الآخرة، فلا تسوغ لك الدنيا.
____________________
(1) الشافي: 4 / 262؛ الطبقات الكبرى: 3 / 71، أنساب الأشراف: 6 / 219، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 447، تاريخ دمشق: 39 / 360، شرح نهج البلاغة: 3 / 27 كلّها عن أبي جعفر القاري.
(2) قرية جامعة من عمل الفُرْع، بينهما ممّا يلي الجُحفة تسعة عشر ميلاً (معجم البلدان: 3 / 228).
واعلم أنّا والله، لله نغضَب، وفي الله نرضى، وإنّا لنْ نضَع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبةٌ مُصرّحة، أو ضلالة مجلّحة مبلجة، فهذه مقالتنا لك، وقضيّتنا إليك، والله عذيرنا منك. والسلام (1) .
1226 - تاريخ اليعقوبي: حصَر ابنُ عديس البلوي عثمان في داره، فناشدهم اللهَ، ثمّ نشَد مفاتيح الخزائن، فأتوا بها إلى طلحة بن عبيد الله، وعثمان محصور في داره، وكان أكثر من يؤلّب عليه طلحة والزبير وعائشة (2) .
1227 - الإمامة والسياسة: أقبل الأشتر النخعي من الكوفة في ألف رجلٍ، وأقبل ابن أبي حذيفة من مصر في أربعمِئة رجل، فأقام أهل الكوفة وأهل مصر بباب عثمان ليلاً ونهاراً، وطلحة يحرّض الفريقين جميعاً على عثمان.
ثمّ إنّ طلحة قال لهم: إنّ عثمان لا يبالي ما حصَرتموه وهو يدخل إليه الطعام والشراب، فامنعوه الماء أنْ يدخل عليه (3) .
1228 - تاريخ الطبري عن عبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعة: دخلتُ على عثمان، فتحدّثت عنده ساعة، فقال: يابن عيّاش! تعالَ، فأخذ بيدي، فأسمَعني كلام مَن على باب عثمان، فسمِعنا كلاماً، منهم مَن يقول: ما تنتظرون به؟ ومنهم من يقول: انظروا عسى أنْ يراجع.
فبينا أنا وهو واقفان، إذ مرّ طلحة بن عبيد الله، فوقف فقال: أين ابن عديس؟
فقيل: ها هو ذا. فجاءه ابن عديس، فناجاه بشيء، ثمّ رجَع ابن عديس، فقال
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 369.
(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 175.
(3) الإمامة والسياسة: 1 / 56.
لأصحابه: لا تتركوا أحداً يدخل على هذا الرجل، ولا يخرج من عنده.
قال: فقال لي عثمان: هذا ما أمَر به طلحة بن عُبيد الله! ثمّ قال عثمان: اللهمّ اكفني طلحةَ بن عُبيد الله؛ فإنّه حمل علَيَّ هؤلاء، وألّبهم (1) ، والله إنّي لأرجو أنْ يكون منها صفراً (2) ، وأنْ يُسفك دمَه؛ إنّه انتهك منّي ما لا يحلّ له (3) .
1229 - الفتوح: كان طلحة بن عبيد الله قد استولى على حصار عثمان مع نفر من بني تيم، وبلَغ ذلك عثمان، فأرسل إلى عليّ بهذا البيت:
فإنْ كنتُ مأكولاً فكُن أنتَ آكلي |
وإلاّ فأدرِكني ولَمّا أُمزّقُ |
أ ترضى أنْ يقتل ابن عمّك وابن عمّتك، ويسلب نعمتك وأمرك؟! فقال عليّ (رضي الله عنه): (صدق والله عثمان! لا والله، لا نترك ابن الحضرميّة يأكلها).
ثمّ خرَج عليّ إلى الناس، فصلّى بهم الظهر والعصر، وتفرّق الناس عن طلحة، ومالوا إلى عليّ. فلمّا رأى طلحة ذلك، أقبل حتى دخل على عثمان، فاعتذر إليه ممّا كان منه. فقال له عثمان: يابن الحضرميّة! وليت على الناس، ودعوتَهم إلى قتلي، حتى إذا فاتك ما كنتَ ترجو، وعلاك عليّ (رضي الله عنه) على الأمر، جئتني معتذراً!! لا قبل الله ممّن قبل منك (4) .
1230 - تاريخ الطبري عن محمّد بن مسلمة - في ذِكر اجتماع المصريين عند عثمان -: تكلّم القوم، وقد قدّموا في كلامهم ابن عديس، فذكر ما صنَع ابن سعد
____________________
(1) ألّبَهم: جَمَعهم (لسان العرب: 1 / 215).
(2) الصِّفْر والصَّفْر والصُّفْر: الشيء الخالي (لسان العرب: 4 / 461).
(3) تاريخ الطبري: 4 / 378، الكامل في التاريخ: 2 / 291 وفيه (عبّاس) بدل (عيّاش).
(4) الفتوح: 2 / 423.
بمصر، وذكر تحاملاً منه على المسلمين وأهل الذمّة، وذكر استئثاراً منه في غنائم المسلمين، فإذا قيل له في ذلك، قال: هذا كتاب أميرُ المؤمنين إليّ. ثمّ ذكروا أشياءً ممّا أحدث بالمدينة، وما خالَف به صاحبيه.
قال: فرحلنا من مصر ونحنُ لا نريد إلاّ دمَك، أو تنزع، فردّنا عليٌّ ومحمّد بن مسلمة، وضمن لنا محمّد النزوع عن كلّ ما تكلّمنا فيه...
ثمّ رجعنا إلى بلادنا نستظهر بالله عزّ وجلّ عليك، ويكون حجّة لنا بعد حجّة، حتى إذا كنّا بالبويب أخذنا غلامك، فأخذنا كتابك وخاتمك إلى عبد الله بن سعد، تأمره فيه بجَلد ظهورنا، والمثل بنا في أشعارنا، وطول الحبس لنا!! وهذا كتابك.
قال: فحمد الله - عثمان - وأثنى عليه، ثمّ قال: والله، ما كتَبت، ولا أمَرت، ولا شَوّرت (1) ، ولا علمت.
فقلت وعليٌّ جميعاً: قد صدَق. فاستراح إليها عثمان.
فقال المصريّون: فمَن كتبه؟!
قال: لا أدرى.
قال: أفيُجترأ عليك؛ فيُبعث غلامُك، وجمَل من صدقات المسلمين، ويُنقش على خاتمك، ويُكتب إلى عاملِك بهذه الأُمور العظام، وأنتَ لا تعلَم!!
قال: نعم.
قالوا: فليس مثلك يلي؛ اخلع نفسك من هذا الأمر كما خلَعَك الله منه.
____________________
(1) أشار إليه وشَوَّر: أومَأ وفي الحديث: كان يشير في الصلاة؛ أي يومِئ باليد والرأس؛ أي يأمر وينهى بالإشارة (لسان العرب: 4 / 436 و437).
قال: لا أنزع قميصاً ألبسنيه الله عزّ وجلّ.
قال: وكثرت الأصوات واللغط، فما كنت أظنّ أنّهم يخرجون حتى يواثبوه. وقام عليٌّ فخرج. قال: فلمّا قام عليٌّ قمتُ، قال: وقال للمصريين: اخرجوا.فخَرَجوا.
قال: ورجعت إلى منزلي، ورجَع عليٌّ إلى منزله، فما برحوا محاصريه حتى قتلوه (1) .
1231 - تاريخ الطبري عن سفيان بن أبي العوجاء: قال عثمان [للمصريّين]:... أمّا قولكم: تخلَع نفسَك؛ فلا أنزع قميصاً قمّصنيه اللهُ عزّ وجلّ، وأكرمني به، وخصّني به على غيري، ولكنّي أتوبُ، وأنزَع، ولا أعود لشيء عابَه المسلمون، فإنّي والله الفقيرُ إلى الله، الخائف منه!
قالوا: إنّ هذا لو كان أوّل حَدَث أحدثتَه ثمّ تبتَ منه ولم تقُم عليه لكان علينا أنْ نقبل منك، وأنْ ننصرف عنك، ولكنّه قد كان منك من الإحداث قبل هذا ما قد علِمت، ولقد انصرفنا عنك في المرّة الأُولى وما نخشى أنْ تكتب فينا، ولا مَن اعتللت به بما وجدنا في كتابك مع غلامِك. وكيف نقبل توبتك وقد بلونا منك أنّك لا تُعطي مِن نفسك التوبة من ذنب إلاّ عُدت إليه!! فلسنا منصرفين حتى نعزلك، ونستبدل بك، فإنْ حال مَن معَك مِن قومِك وذوي رحِمك وأهل الانقطاع إليك دونَك بقتال قاتلناهم، حتى نخلص إليك فنقتلك، أو تلحق أرواحنا بالله (2) .
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 374، الكامل في التاريخ: 2 / 288 نحوه.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 376.
5 / 14
استنصار عثمان معاويةَ وخذلانه
1232 - تاريخ الطبري عن محمّد بن السائب الكلبي: لمّا رأى عثمان ما قد نزَل به. وما قد انبعث عليه من الناس، كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام:
بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإنّ أهل المدينة قد كفَروا، وأخلَفوا الطاعة، ونكَثوا البيعة، فابعث إليّ مَن قِبَلِك مِن مقاتلة أهل الشام على كلّ صعبٍ وذلول.
فلمّا جاء معاويةَ الكتابُ تربّص به، وكرِه إظهار مخالفة أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد علِم اجتماعهم (1) .
1233 - تاريخ الإسلام عن ابن الزبير وابن عبّاس: بعَث عثمانُ المسوّرَ بن مخرمة إلى معاوية؛ يعلمه أنّه محصور، ويأمره أنْ يجهّز إليه جيشاً سريعاً.
فلمّا قَدِم على معاوية، ركِب معاوية لوقتِه هو ومسلم بن عقبة وابن حديج، فساروا من دِمشق إلى عثمان عشراً.
فدخَل معاوية نصف الليل، وقبّل رأس عثمان، فقال: أين الجيش؟! قال: ما جئت إلاّ في ثلاثة رهط.
فقال (2) عثمان: لا وصَل الله رحِمك، ولا أعزّ نصرك، ولا جزاك خيراً، فوَ الله لا اُقتَل إلاّ فيك، ولا يُنقَم علَيَّ إلاّ من أجلك.
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 368 وراجع الكامل في التاريخ: 2 / 288.
(2) في المصدر: (فقط) بدَل (فقال)، وهو تصحيف؛ انظر: تاريخ دمشق: 39 / 377.
فقال: بأبي أنت وأُمّي، لو بعثتُ إليك جيشاً فسمِعوا به عاجَلوك، فقتلوك، ولكنّ معي نجائب، فاخرج معي، فما يشعر بي أحد، فوَ الله ما هي إلاّ ثلاث حتى نرى معالم الشام.
فقال: بئس ما أشرتَ به، وأبى أنْ يجيبه. فأسرَع معاوية راجعاً.
وورد المسوّر - يريد المدينة - بذي المروة (1) راجعاً، وقدِم على عثمان وهو ذامّ لمعاوية غير عاذرٍ له، فلمّا كان في حصره الآخر، بعَث المسوّر ثانياً إلى معاوية لينجده، فقال: إنّ عثمان أحسَن فأحسن الله به، ثمّ غيّر فغيّر الله به، فشددت عليه.
فقال: تركتم عثمان، حتى إذا كانت نفسه في حنجرته قلتم: اذهب؛ فادفع عنه الموت، وليس ذلك بيدي!! ثمّ أنزلني في مشربة على رأسه، فما دخل علَيَّ داخل حتى قُتِل عثمان (2) .
1234 - الفتوح - في ذكر استنصار عثمان عمّاله لما أيس من رعيّته -: خشيَ [عثمان] أنْ يعاجله القوم فيُقتل، فكتب إلي عبد الله بن عامر بن كريز - وهو الأمير بالبصرة - وإلى معاوية بن أبي سفيان - وهو أمير الشام بأجمعها - فكتب إليهم عثمان نسخة واحدة:
بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإنّ أهل البغي والسفَه والجهل والعدوان - من أهل الكوفة وأهل مصر وأهل المدينة - قد أحاطوا بداري، ولم يُرضِهم شيء دون قتلي، أو خلعي سربالاً سربلنيه ربّي! ألا وإنّي ملاقٍ ربّي،
____________________
(1) ذو المروة: قرية بوادي القُرى، وقيل: بين خشب ووادي القرى (معجم البلدان: 5 / 116).
(2) تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 450، تاريخ دمشق: 39 / 377 نحوه.
فأعنّي برجالٍ ذوي نجدةٍ ورأي، فلعلّ ربّي يدفَع بهم عنّي بغيَ هؤلاء الظالمين الباغين علَيَّ، والسلام.
قال: وأمّا معاوية فإنّه أتاه بالكتاب المسوّر بن مخرمة، فقرأه لمّا أتاه، ثمّ قال: يا معاوية، إنّ عثمان مقتول، فانظر فيما كتبت به إليه. فقال معاوية: يا مسوّر، إنّي مصرّح أنّ عثمان بدأ فعمل بما يحبّ الله ويرضاه، ثمّ غيّر فغيّر الله عليه، أ فيتهيّأ لي أنْ أردّ ما غيّر الله عزّ وجلّ؟! (1)
1235 - تاريخ اليعقوبي: كتَب [ عثمان ] إلى معاوية يسأل تعجيل القدوم عليه، فتوجّه إليه في اثني عشر ألفاً، ثمّ قال: كونوا بمكانكم في أوائل الشام حتى آتي أمير المؤمنين؛ لأعرف صحّة أمره.
فأتى عثمانَ، فسأله عن المدّة، فقال: قد قدمت لأعرف رأيك، وأعوَد إليهم فأجيؤك بهم.
قال: لا والله، ولكنّك أردتَ أن أُقتل فتقول: أنا وليّ الثأر؛ ارجع، فجئني بالناس! فرجِع، فلَم يعُد إليه حتى قُتل (2) .
1236 - تاريخ المدينة عن جعفر بن سليمان الضبعي: حدّثنا جويرية قال: أرسَل عثمان إلى معاوية يستمدّه، فبعث معاويةُ يزيدَ بن أسد - جدّ خالد القسري - وقال له: إذا أتيتَ ذا خُشُب (3) فأقِم بها، ولا تتجاوزها، ولا تقُل: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. قال: أنا الشاهد، وأنتَ الغائب.
____________________
(1) الفتوح: 2 / 416.
(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 175.
(3) خُشُب - بضمّ أوّله وثانيه -: وادٍ على مسيرة ليلة من المدينة (معجم البلدان: 2 / 372).
فأقام بذي خُشُب، حتى قُتِل عثمان، فقلت لجويرية: لِمَ صنَع هذا؟ قال: صنعه عمداً؛ ليُقتَل عثمان، فيدعو إلى نفسه (1) .
1237 - تاريخ المدينة عن غسّان بن عبد الحميد: قدم المسوّر بن مخرمة على معاوية، فدخَل عليه وعنده أهل الشام، فقال معاوية: يا أهل الشام هذا من قَتَلة عثمان، فقال المسوّر: إنّي والله ما قتلت عثمان، ولكن قتله سيرة أبي بكر وعمر، وكتب يستمدّك بالجند فحبستهم عنه حتى قُتل، وهم بالزَّرقاء (2) (3) .
1238 - الإمامة والسياسة - في كتاب أبي أيّوب إلى معاوية -: فما نحن وقتلة عثمان! إنّ الذي تربّص بعثمان وثبّط أهل الشام عن نصرته لأَنت، وإنّ الذين قتلوه غير الأنصار (4) .
1239 - سيَر أعلام النبلاء عن جويرية بن أسماء: إنّ عمرو بن العاص قال لابن عبّاس: يا بني هاشم، لقد تقلّدتم بقتل عثمان فرم (5) الإماء العَوارِك (6) ، أطعتم فُسّاق العراق في عيبه، وأجزرتموه مرّاق أهل مصر، وآويتم قَتَلتَه.
فقال ابن عبّاس: إنّما تكلّم لمعاوية، إنّما تكلّم عن رأيك، وإنّ أحقّ الناس ألاّ يتكلّم في أمر عثمان لأنتما! أمّا أنت يا معاوية، فزيّنت له ما كان يصنع، حتى إذا
____________________
(1) تاريخ المدينة: 4 / 1288، شرح نهج البلاغة: 16 / 154؛ بحار الأنوار: 33 / 98.
(2) الزَّرقاء: موضع بالشام بناحية معان (معجم البلدان: 3 / 137).
(3) تاريخ المدينة: 4 / 1289.
(4) الإمامة والسياسة: 1 / 130، شرح نهج البلاغة: 8 / 44؛ وقعة صفين: 368.
(5) الفَرْم والفِرام: ما تتضيّق به المرأة من دواء، ومَرَة فرماء ومستفرِمة: وهي التي تجعل الدواء في فرجها ليضيق (لسان العرب: 12 / 451).
(6) العرَكيَّة: المرأة الفاجرة (لسان العرب: 10 / 466).
حُصر طلب نصرك، فأبطأت عنه، وأحببت قتله، وتربّصت به. وأمّا أنت يا عمرو، فأضرمت عليه المدينة، وهربت إلى فلسطين تسأل عن أنبائه، فلمّا أتاك قتله، أضافتك عداوة علىّ أنْ لحقت بمعاوية، فبعت دينك بمصر.
فقال معاوية: حسبك، عرّضني لك عمرو، وعرّض نفسه (1) .
1240 - تاريخ الخلفاء عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الصحابي: إنّه دخَل على معاوية، فقال له معاوية: أ لستَ من قَتَلَةِ عثمان؟ قال: لا، ولكن ممّن حضره فلم ينصره. قال: وما منعَك من نصره؟ قال: لم تنصره المهاجرون والأنصار. فقال معاوية: أما لقد كان حقّه واجباً عليهم أنْ ينصروه! قال: فما منعك يا أمير المؤمنين من نصره ومعك أهل الشام؟! فقال معاوية: أما طَلبي بِدَمه نصرةٌ له؟!! فضحِك أبو الطفيل، ثمّ قال: أنت وعثمان كما قال الشاعر:
لا ألفِيَنَّكَ بعد الموتِ تَنْدُبُني |
وفي حياتيَ ما زَوَّدْتَني زاداً (2) |
1241 - أنساب الأشراف: قال عمرو [بن العاص لمعاوية]: إنّ أحقّ الناس أنْ لا يذكر عثمان لأنا وأنت؛ أمّا أنا فتركته عياناً وهربت إلى فلسطين، وأمّا أنت فخذلتَه ومعك أهلُ الشام، حتى استغاث بيزيد بن أسد البجَلي، فسار إليه (3) .
1242 - الفتوح عن معاوية: لقد ندمت عن قعودي عن عثمان، وقد استغاث بي فلَم أُجِبه (4) .
____________________
(1) سيَر أعلام النبلاء: 3 / 73 / 15، أنساب الأشراف: 5 / 103، تاريخ الإسلام للذهبي: 4 / 94.
(2) تاريخ الخلَفاء: 239، الاستيعاب: 4 / 260 / 3084، أُسد الغابة: 6 / 177 / 6035 كلاهما نحوه.
(3) أنساب الأشراف: 3 / 74، الإمامة والسياسة: 1 / 118؛ تاريخ اليعقوبي: 2 / 186.
(4) الفتوح: 2 / 446.
1243 - شرح نهج البلاغة - في كتاب ابن عبّاس إلى معاوية -: اُقسِم بالله لأنتَ المتربّص بقتله، والمحبّ لهلاكه، والحابِس الناسَ قِبَلك عنه، على بصيرةٍ من أمره؛ ولقد أتاك كتابُه وصَريخُه يستغيث بك ويستصرخ فما حَفَلْتَ (1) به، حتى بعثتَ إليه معذراً بأجرة (2) ، أنت تعلَم أنّهم لنْ يتركوه حتى يُقتَل، فقُتِل كما كنتَ أردت، ثمّ علِمتَ عند ذلك أنّ الناس لنْ يعدلوا بيننا وبينك، فطفقْت تنعى عثمان وتُلزمنا دمَه، وتقول: (قُتل مظلوماً)، فإنْ يكُ قُتِل مظلوماً فأنتَ أظلَم الظالمين.
ثمّ لم تزَل مصوِّباً ومصعِّداً (3) ، وجاثماً ورابضاً (4) ، تَستغوي الجهّال، وتنازعنا حقّنا بالسفهاء، حتى أدركتَ ما طلبت، ( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) (5) (6) .
1244 - الإمام عليّ (عليه السلام) - من كتابٍ له في جواب معاوية -: ثمّ ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان، فلك أنْ تُجاب عن هذه؛ لرحمك منه، فأيّنا كان أعدى له، وأهدى إلى مقاتله! أ مَن بذل له نصرتَه فاستقعده واستكفّه، أم من استنصره فتراخى عنه، وبثّ المنون إليه حتى أتى قدره عليه؟! كلاّ والله، لقد يعلم الله
____________________
(1) ما حَفَله، وما حَفَلَ به، وما احتَفَلَ به: أي ما بالَى، والحَفْل: المبالاة (لسان العرب: 11 / 159).
(2) في بحار الأنوار: "بأخرة". وقال الجوهري: جاء فلان بأخَرَة: أي أخيراً (الصحاح: 2/577).
(3) التصويب: خلاف التصعيد، وصَوَّب رأسه: خفضه (لسان العرب: 1 / 534). وفي الحديث (فصعَّد فيَّ النظر وصَوَّبه): أي نظر إلى أعلى وأسفلي يتأمّلني (النهاية: 3 / 30).
(4) جثم الإنسان والطائر يَجثِم جَثَماً وجُثوماً فهو جاثِم: لزمَ مكانَه فلم يبرح. وربضَ بالمكان يَربِض: إذا لصِق به وأقام ملازماً له (لسان العرب: 12 / 82 وج 7 / 151).
(5) الأنبياء: 111.
(6) شرح نهج البلاغة: 16 / 155؛ بحار الأنوار: 33 / 99.
المعَوّقين منكم والقائلين لإخوانهم هلُمّ إلينا ولا يأتون البأس إلاّ قليلاً (1) .
وما كنت لأعتذر من أنّي كنت أنقم عليه أحداثاً، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له، فربّ ملوم لا ذنب له، وقد يستفيد الظنّة المتنصّحُ. وما أردت إلاّ الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلاّ بالله، عليه توكّلت وإليه أُنيب (2) (3) .
1245 - عنه (عليه السلام) - في كتابه إلى معاوية -: فوَ الله ما قتل ابن عمّك غيرَك، وإنّي أرجو أن ألحقك به على مثل ذنبه، وأعظم من خطيئته (4) .
1246 - عنه (عليه السلام) - في كتابه إلى معاوية -: أمّا إكثارك الحجّاج على عثمان وقَتَلته؛ فإنّك إنّما نصرتَ عثمان حيث كان النصر لك، وخذلتَه حيث كان النصر له، والسلام (5) .
5 / 15
حجّ عائشة في حصر عثمان
1247 - تاريخ المدينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري: حدّثني عمّي - أو عمٌّ لي - قال: بينما أنا عند عائشة - وعثمان محصور، والناس مجهّزون للحجّ - إذ جاء مروان، فقال: يا أُمّ المؤمنين، إنّ أمير المؤمنين يقرأ عليكِ السلام ورحمة الله، ويقول: ردّي عنّي الناسَ؛ فإنّي فاعلٌ وفاعل، فلَم تُجِبه.
____________________
(1) إشارة إلى الآية 18 من سورة الأحزاب.
(2) إشارة إلى الآية 88 من سورة هود.
(3) نهج البلاغة: الكتاب 28، الاحتجاج: 1/424/90؛ نهاية الأرب: 7/236، صبح الأعشى: 1/230.
(4) العقد الفريد: 3 / 330، شرح نهج البلاغة: 15 / 84 نحوه؛ بحار الأنوار: 33 / 125 / 414.
(5) نهج البلاغة: الكتاب 37، الاحتجاج: 1 / 428 / 92.
فانصرف وهو يتمثّل ببيت الربيع بن زياد العبسي:
وحَرّقَ قَيسٌ عَلىَّ البِلا |
دَ حتى إذا اشتَعلَتْ أجذما |
فقالت: ردّوا علىّ هذا المتمثّل، فرددناه.
فقالت - وفي يدها غِرارة (1) لها تعالجها -: والله، لوددتُ أنّ صاحبَك الذي جئتَ من عنده في غرارتي هذه، فأوكيتُ عليها، فألقيتُها في البحر (2) .
1248 - تاريخ اليعقوبي: صار مروان إلى عائشة، فقال: يا أُمّ المؤمنين! لو قمتِ فأصلحتِ بين هذا الرجل وبين الناس!
قالت: قد فرغت من جهازي، وأنا أُريد الحجّ.
قال: فيدفع إليكِ بكلّ درهم أنفقتِه درهمين!
قالت: لعلّك ترى أنّي في شكّ من صاحبك!! أما والله لوددتُ أنّه مقطّع في غِرارة من غرائري، وأنّي أُطيق حمله، فأطرحه في البحر (3) .
1249 - الفتوح: عزمت عائشة على الحجّ، وكان بينها وبين عثمان قبل ذلك كلام؛ وذلك أنّه أخّر عنها بعض أرزاقها إلى وقت من الأوقات فغضبت، ثمّ قالت: يا عثمان! أكلتَ أمانتكَ، وضيّقتَ رعيّتكَ، وسلّطتَ عليهم الأشرار من أهل بيتك، لا سقاكَ الله الماء من فوقِك، وحرَمك البركة من تحتِك! أما والله لولا الصلوات الخمس لمشى إليك قومٌ ذو ثياب وبصائر، يذبحوك كما يُذبح الجمل.
____________________
(1) الغِرارة: الجُوالق، [و هو وعاءٌ من الأوعية معروف] واحدة الغرائِر (لسان العرب: 5 / 18).
(2) تاريخ المدينة: 4 / 1172 وراجع أنساب الأشراف: 6 / 192 والطبقات الكبرى: 5 / 36 وشرح نهج البلاغة: 3 / 7 والشافي: 4 / 241 وقرب الإسناد: 26 / 89.
(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 175 وراجع الإيضاح: 264.
فقال لها عثمان: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) (1) (2) .
1250 - الفتوح - في ذكر خروج عائشة إلى الحجّ لمّا حوصِر عثمان وأشرف على القتل ومقالها فيه -:... ثمّ إنّها خرجَت تريد مكّة، فلقيها ابن عبّاس، فقالت له: يابن عبّاس، إنّك قد أُوتيت عقلاً وبياناً، فإيّاك أنْ تردّ الناس عن قتل هذا الطاغي؛ عثمان؛ فإنّي أعلَم أنّه سيشأم (3) قومه كما شأم أبو سفيان قومه يوم بدر (4) .
1251 - تاريخ الطبري عن ابن عبّاس: قال لي عثمان: إنّي قد استعملت خالد بن العاص بن هشام على مكّة، وقد بلغ أهل مكّة ما صنع الناس، فأنا خائف أن يمنعوه الموقف، فيأبى، فيقاتلهم في حرم الله - جلّ وعزّ - وأمنه! وإنّ قوماً جاؤوا من كل فجٍّ عميق ليشهدوا منافع لهم، فرأيتُ أن اُولّيك أمر الموسم....
فخرج ابن عبّاس، فمرَّ بعائشة في الصُّلْصُل (5) ، فقالت: يابن عبّاس! أنشدك الله فإنّك قد أُعطيت لساناً إزعيلا ً(6) - أن تخذّل عن هذا الرجل، وأن تشكّك فيه
____________________
(1) التحريم: 10.
(2) الفتوح: 2 / 421.
(3) شأمَ فلان أصحابَه: إذا أصابهم شُؤمٌ من قِبَلِه (لسان العرب: 12 / 315).
(4) الفتوح: 2 / 422، أنساب الأشراف: 6 / 193؛ الجمل: 149 عن محمّد بن إسحاق والمدائني وأبي حذيفة وفيهما إلى (الطاغي عثمان).
(5) الصُلْصُل: موضع على سبعة أميال من المدينة. منزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم خرج من المدينة إلى مكّة عام الفتح (تاج العروس: 15 / 410).
(6) إزعيل: نشيط (لسان العرب: 11 / 303).
الناس؛ فقد بانت لهم بصائرهم وأنهجت، ورفعت لهم المنار، وتحلّبوا (1) من البلدان لأمر قد حُمّ. وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد اتّخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح، فإن يلِ يسرِ بسيرة ابن عمّه أبي بكر.
قال: قلت: يا أُمّه! لو حدَث بالرجل حدثٌ ما فزَع الناس إلاّ إلى صاحبنا!!
فقالت: إيهاً عنك! إنّي لست أُريدُ مكابَرتَك، ولا مجادلتك (2) .
1252 - تاريخ الطبري عن عبيد بن عمرو القرشي: خرجَت عائشةُ وعثمانٌ محصورٌ، فقدِم عليها مكّة رجلٌ يقال له: أخضَر، فقالت: ما صنَع الناس؟
فقال: قَتل عثمانُ المصريّين.
قالت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! أَ يَقتُل قوماً جاؤوا يطلبون الحقّ، وينكرون الظلم! والله لا نرضى بهذا.
ثمّ قدِم آخر، فقالت: ما صنَع الناس؟
قال: قتَل المصريّون عثمانَ.
قالت: العجَب لأخضر؛ زعَم أنّ المقتول هو القاتل! فكان يُضرب به المثل: (أكذبُ من أخضر) (3) .
1253 - تاريخ اليعقوبي: كانت عائشة بمكّة، - خرجَت قبل أنْ يُقتل عثمان - فلمّا قضت حجّها انصرفت راجعة، فلمّا صارت في بعض الطريق لقيها ابن أُمّ كلاب، فقالت له: ما فعَل عثمان؟ قال: قُتل. قالت: بُعداً وسُحقاً! قالت: فمَن
____________________
(1) حَلَبَ القَومُ: اجتمعوا وتألّبوا من كلّ وجه (تاج العروس: 1 / 438).
(2) تاريخ الطبري: 4 / 407، شرح نهج البلاغة: 10 / 6 نحوه.
(3) تاريخ الطبري: 4 / 449.
بايع الناس؟ قال: طلحة. قالت: إيهاً ذو الإصبع.
ثمّ لقيها آخر، فقالت: ما فعَل الناس؟ قال: بايعوا عليّاً.
قالت: والله، ما كنتُ أُبالي أنْ تقع هذه على هذه (1) .
1254 - تاريخ الطبري عن أسد بن عبد الله عمّن أدرك من أهل العِلم: إنّ عائشة لمّا انتهت إلى سَرِف (2) - راجعةً في طريقها إلى مكّة - لقِيَها عبد بن أُمّ كلاب - وهو عبد بن أبي سلمة؛ يُنسب إلى أُمّه - فقالت له: مَهْيَم (3)؟
قال: قتلوا عثمان، فمكثوا ثمانياً.
قالت: ثمّ صنعوا ماذا؟
قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع، فجازَت بهم الأُمور إلى خير مجاز، اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب.
فقالت: والله، ليتَ أنّ هذه انطبقت على هذه إنْ تمّ الأمر لصاحبك! ردّوني ردّوني. فانصرفت إلى مكّة وهي تقول: قُتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبنّ بدمه.
فقال لها ابن أُمّ كلاب: ولِمَ؟ فو الله إنّ أوّل من أمال حرفه لأنتِ! ولقد كنتِ تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفَر!
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 180؛ أنساب الأشراف: 3 / 18 عن أبي يوسف الأنصاري، شرح نهج البلاغة: 6 / 215 كلاهما نحوه.
(2) سَرِف: موضع على ستّة أميال من مكّة، وقيل: سبعة، وتسعة، واثني عشر، تزوّج به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ميمونة بنت الحارث (معجم البلدان: 3/212).
(3) مَهْيَم: كلمة يمانيّة معناها: ما أمرك، وما هذا الذي أرى بك، ونحو من هذا الكلام (لسان العرب: 12 / 565).
قالت: إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه، وقد قلتُ وقالوا، وقولي الأخير خيرٌ من قولي الأوّل.
فقال لها ابن أُمّ كلاب:
فمِنك البداءُ ومِنك الغير |
ومنك الرياح ومِنكِ المَطرْ |
|
وأنتِ أمرتِ بقَتلِ الإمام |
وقُلتِ لَنا إنّه قَد كفَرْ |
|
فهَبْنا أطعناكِ في قَتلهِ |
وقاتِلُه عندنا مَن أمرْ (1) |
5 / 16
دفاع الإمام عن عثمان
1255 - الإمام عليّ (عليه السلام) - في دفاعه عن عثمان -: (والله، لقد دفعتُ عنه حتى خشيتُ أنْ أكون آثماً) (2) .
1256 - الإمام زين العابدين (عليه السلام): (قال مروان: ما كان في القوم أدفَع عن صاحبنا من صاحبكم)- يعني عليّاً عن عثمان -.
فقلت: ما بالكم تسبّونه على المنابر؟!
قال: لا يستقيم الأمر إلاّ بذلك (3) .
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 458، الكامل في التاريخ: 2 / 312، الإمامة والسياسة: 1 / 71 وفيه (فقال عبيد: عذرٌ والله ضعيف يا أُمّ المؤمنين...) بعد (قولي الأوّل)، الفتوح: 2 / 437 وفيه (فقال لها عبيد بن أُمّ كلاب: هذا والله التخليط يا أُمّ المؤمنين...) بعد (و الله لأطلبنّ بدمه) وكلاهما نحوه وراجع تذكرة الخواص: 69.
(2) نهج البلاغة: الخطبة 240.
(3) تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 460، تاريخ دمشق: 42 / 438 كلاهما عن عمر بن عليّ بن الحسين، أنساب الأشراف: 2 / 407 عن عمر بن عليّ وفيه (أكفّ) بدل (أدفع)، شرح نهج البلاغة: 13 / 220 عن عمرو بن عليّ بن الحسين.
1257 - تاريخ الطبري عن حكيم بن جابر: قال عليّ لطلحة: (أنشدك الله إلاّ رددتَ الناس عن عثمان!) قال: لا والله حتى تعطي بنو أُميّة الحقّ من أنفُسها (1) .
1258 - تاريخ المدينة عن الكلبي: أرسل عثمان إلى عليّ (رضي الله عنه) يُقرئه السلام ويقول: إنّ فلاناً - يعني طلحة - قد قتَلني بالعطَش! والقتلُ بالسلاح أجملُ من القتل بالعطَش.
فخرج عليّ (رضي الله عنه) يتوكّأ على يد المسوّر بن مخرمة، حتى دخَل على ذلك الرجل وهو يترامى بالنبل، عليه قميص هروي. فلمّا رآه تنحّى عن صدر الفراش، ورحّب به.
فقال له عليّ (رضي الله عنه): (إنّ عثمان أرسَل إليّ أنّكم قد قتلتموه بالعطَش، وإنّ ذلك ليس يُحسَن، وأنا أُحبّ أنْ تُدخِل عليه الماء).
فقال: لا والله، ولا نعمة عين! لا نتركه يأكل ويشرب.
فقال عليّ (رضي الله عنه): (ما كنتُ أرى أنّي أُكلّم أحداً من قريش في شيء فلا يفعل!!)
فقال: والله، لا أفعَل! وما أنتَ من ذلك في شيء يا عليّ.
فقام عليّ (رضي الله عنه) غضبانَ، وقال: (لتعلمنّ بعد قليل أكون من ذلك في شيء أم لا!!)... [و في رواية ابن السائب:] ستعلَم يابن الحضرميّة أكون في ذلك من شيء أم لا!!
وخرج عليّ (رضي الله عنه) متوكّئاً على المسوّر، فلمّا انتهى إلى منزله التفت إلى المسوّر
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 405، شرح نهج البلاغة: 10 / 5؛ الأمالي للطوسي: 715 / 1517 عن عبد الرحمان بن أبي عمرة الأنصاري.
فقال: (أما والله ليصلَيَنَّ حَرَّها، وليكونَنَّ بردها وحرّها لغيره، ولتتركنّ يداه منها صفراً). وبعث... ابنه إلى عثمان براوية من ماء (1) .
. راجع: نقض التوبة والمعاهدة
5 / 17
خروج الإمام من المدينة
1259 - تاريخ المدينة عن الشعبي: لمّا قدِم أهل مصر المرّة الثانية، صعد عثمانُ المنبر، فحصبوه (2) ، وجاء عليّ (رضي الله عنه) فدخَل المسجد. فقال عثمان: يا عليّ! قد نصبتَ القِدْر على أثاف (3) ؟
قال: ما جئتُ إلاّ وأنا أُريد أنْ أُصلح أمر الناس، فأمّا إذا اتّهمتني فسأرجع إلى بيتي (4) .
1260 - الإمامة والسياسة: لمّا اشتدّ الطعن على عثمان، استأذنه عليٌّ في بعض بواديه ينتحي إليها، فأذن له.
واشتدّ الطعن على عثمان بعد خروج عليّ، ورجا الزبير وطلحة أنْ يُميلا إليهما قلوب الناس، ويَغلبا عليهم، واغتنما غَيبةَ عليّ.
فكتب عثمان إلى عليّ - إذ اشتدّ الطعن عليه -: أمّا بعد، فقد بلغ السيلُ
____________________
(1) تاريخ المدينة: 4 / 1202؛ الجمَل: 145 نحوه وراجع تاريخ الطبري: 4 / 385 و386 وشرح نهج البلاغة: 2 / 148 وص 153 و154.
(2) حَصَبه: رماه بالحَصباء، والحَصباء: هو الحَصَى الصغار (لسان العرب: 1 / 319).
(3) الاُثفِيَّة والإثفِيَّة: الحجَر الذي توضع عليه القِدر، وجمعها أثافيُّ وأثاف (لسان العرب: 9 / 3).
(4) تاريخ المدينة: 4 / 1167.
الزُّبى، وجاوز الحزام الطُبْيَين (1) ، وارتفع أمر الناس في شأني فوق قدره! وزعموا أنّهم لا يرضون دون دمي، وطمع فيّ مَن لا يدفع عن نفسه.
وإنّك لم يفخَر عليك كفاخرٍ |
ضعيف ولم يغلبك مثلُ مغلّبِ |
وقد كان يقال: أكلُ السبع خيرٌ من افتراسِ الثعلَب، فأقبل علَيّ أو لي
فإنْ كنتُ مأكولا فكُنْ خيرَ آكلٍ |
وإلاّ فأدرِكْني ولمّا أُمزّقُ (2) |
1261 - الإمام عليّ (عليه السلام) - لعبد الله بن العبّاس وقد جاءه برسالة من عثمان وهو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع، ليقلّ هتف الناس باسمه للخلافة، بعد أنْ كان سأله مثل ذلك من قبل -: (يابن عبّاس! ما يُريد عثمان إلاّ أنْ يجعلني جمَلاً ناضحاً بالغرب؛ أُقبل وأُدبِر؛ بعث إليّ أنْ اخرج، ثمّ بعَث إليّ أنْ أقدِم، ثمّ هو الآن يبعث إليّ أنْ اخرج! والله لقد دفَعتُ عنه حتى خشيتُ أنْ أكون آثماً) (3) .
5 / 18
مقتل عثمان
1262 - تاريخ الطبري عن حسين بن عيسى عن أبيه: لمّا مضَت أيّام التشريق، أطافوا بدار عثمان، وأبى إلاّ الإقامة على أمره. وأرسل إلى حَشَمه وخاصّته فجمعهم.
____________________
(1) الطُّبْي للحافر والسباع؛ كالضرع لغيرها. وهو مثل يضرب عند بلوغ الشدّة منتهاها (مجمع الأمثال: 1 / 295 / 871).
(2) الإمامة والسياسة: 1 / 52، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 448 عن محمّد بن الحسن، العقد الفريد: 3 / 310 عن عبد الله بن العبّاس وكلاهما نحوه.
(3) نهج البلاغة: الخطبة 240.
فقام رجل من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يقال له: نيار بن عياض - وكان شيخاً كبيراً فنادى: يا عثمان، فأشرف عليه من أعلى داره، فناشده الله، وذكّره الله لمّا اعتزلهم. فبينا هو يراجعه الكلام إذ رماه رجل من أصحاب عثمان فقتله بسهم، وزعموا أنّ الذي رماه كثير بن الصلت الكندي.
فقالوا لعثمان عند ذلك: ادفع إلينا قاتل نيار بن عياض؛ فلنقتله به.
فقال: لم أكُن لأقتل رجلاً نصرني، وأنتم تريدون قتلي.
فلمّا رأوا ذلك ثاروا إلى بابه فأحرقوه، وخرَج عليهم مروان بن الحكم من دار عثمان في عصابة، وخرَج سعيد بن العاص في عصابة، وخرج المغيرة بن الأخنس ابن شريق الثقفي - حليف بني زهرة - في عصابة، فاقتتلوا قتالاً شديداً.
وكان الذي حداهم على القتال أنّه بلغهم أنّ مدداً من أهل البصرة قد نزلوا صراراً - وهي من المدينة على ليلة، وأنّ أهل الشام قد توجّهوا مقبلين، فقاتلوهم قتالاً شديداً على باب الدار (1) .
1263 - تاريخ المدينة عن مولى سهل بن يسار عن أبيه - بعد كلام عثمان وإمساك الناس عن قتله -: رمى يزيد أو أبو حفصة - غلام مروان - رجلاً من أسلم بسهم فقتله. فاستأذنوا على عثمان، فأذِن لهم، فأدخلوا الأسلمي مقتولاً، فقالوا: زعمت أنّك لا تقاتل، وهذا صاحبنا مقتولاً، قتله رجل من أصحابك! فأقِدنا (2) .
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 382 وراجع الكامل في التاريخ: 2 / 291.
(2) القَوَد: القصاص وقتلُ القاتِل بدل القتيل، وقد أقَدْتُه به، أُقيده إقادةً، واستقدتُ الحاكمَ: سألتُه أنْ يُقيدني (النهاية: 4 / 119).
قال: ما لكم قَوَد قِبَلَه؛ رجل دفع عن نفسه أن تقتلوه، ولم آمره بقتال. وقال: زعمتم أنّه ليس عليكم طاعة، ولا أنا لكم بإمام فيما تقولون، وإنّما القود إلى الإمام!! (1)
1264 - تاريخ الطبري عن أبي حفصة اليماني: كنت معه [مروان] في الدار، فأنا والله أنشبتُ القتالَ بين الناس؛ رميتُ من فوق الدار رجلاً من أسلَم، فقتلتُه، وهو نيار الأسلمي، فنشَب القتال، ثمّ نزلتُ، فاقتتل الناس على الباب، وقاتلَ مروان حتى سقَط، فاحتملتُه، فأدخلتُه بيتَ عجوزٍ، وأغلقتُ عليه.
وألقى الناس النيران في أبواب دار عثمان، فاحترق بعضها.
فقال عثمان: ما احترق الباب إلاّ لما هو أعظم منه، لا يحرّكنّ رجلٌ منكم يدَه... ثمّ قال لمروان: اجلس فلا تخرج. فعصاه مروان، فقال: والله لا تُقتل، ولا يُخلص إليك، وأنا أسمع الصوت. ثمّ خرَج إلى الناس.
فقلت: ما لمولاي مُتَّرك! فخرجت معه أذبّ عنه، ونحن قليل، فأسمع مروان يتمثّل:
قد عَلِمتْ ذاتُ القُرونِ الميل |
والكفّ والأنامل الطفول |
ثمّ صاح: مَن يُبارز - وقد رفَع أسفل درعه، فجعله في منطقته؟
قال: فيثب (2) إليه ابن النباع، فضربه ضربةً على رقبته من خلفه، فأثبته حتى سقَط، فما ينبض منه عرق (3) .
____________________
(1) تاريخ المدينة: 4 / 1193.
(2) كذا، والظاهر أنّها تصحيف: (فوثب).
(3) تاريخ الطبري: 4 / 379.
1265 - مروج الذهب: كانت مدّة ما حوصر عثمان في داره تسعة (1) وأربعين يوماً، وقيل: أكثر من ذلك. وقتل في ليلة الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجّة.
وذكر: أنّ أحد الرجلين - كنانة بن بشر التجيبي - ضربه بعمود على جبهته، والآخر منهما - سعد بن حمران المرادي ضربه بالسيف على حبل عاتقه، فحلّه.
وقد قيل: إنّ عمرو بن الحمق طعنه بسهام تسعَ طعنات. وكان فيمن مال عليه عمير بن ضابئ البرجمي التميمي، وخضخض سيفه في بطنه (2) .
1266 - تاريخ الطبري عن عبد الرحمان بن أبزي: رأيت اليوم الذي دُخل فيه على عثمان، فدخلوا من دار عمرو بن حزم خَوخَةً (3) هناك، حتى دخلوا الدار، فناوشوهم شيئاً من مناوشة، ودخَلوا، فوَ الله ما نسينا أنْ خرج سَودان بن حمران، فأسمعه يقول: أين طلحة بن عُبيد الله؟ قد قتلنا ابن عفّان! (4)
5 / 19
موقف الإمام من قتل عثمان
1267 - الإمام عليّ (عليه السلام): (والله ما قتلتُ عثمان، ولا مالاَتُ (5) على قتله) (6) .
____________________
(1) في المصدر: (تسعاً)، وهو تصحيف.
(2) مروج الذهب: 2 / 355 وراجع تاريخ دمشق: 39 / 409 وتاريخ الطبري: 4 / 393 و394 وشرح نهج البلاغة: 2 / 157 و158.
(3) الخَوخَة: كُوّة في البيت تؤدّي إليه الضوء (لسان العرب: 3 / 14).
(4) تاريخ الطبري: 4 / 379.
(5) مالأتُه على الأمر مُمالاَة: ساعدتُه عليه، وشايعتُه (لسان العرب: 1 / 159).
(6) تاريخ المدينة: 4 / 1265 عن نميرة وعميرة بن سعد وص 1263، أنساب الأشراف: 6 / 221 كلاهما عن أبي خلدة نحوه، تاريخ دمشق: 39 / 453 عن عمر بن سعيد، شرح نهج البلاغة: 3 / 65؛ الشافي: 4 / 307، الجمل: 201 وراجع الطبقات الكبرى: 3 / 82.
1268 - عنه (عليه السلام) - مِن كلام له في قتل عثمان -: (لو أَمرتُ به لكنت قاتلاً! أو نهيت عنه لكنتُ ناصراً! غير أنّ مَن نصره لا يستطيع أنْ يقول: خذَلَه مَن أنا خيرٌ منه، ومَن خذلَه لا يستطيع أنْ يقول: نصره من هو خير منّي).
وأنا جامع لكم أمره، استأثَر، فأساء الأثَرَة، وجزعتُم فأسأتُم الجزع، ولله حكمٌ واقع في المستأثرِ والجازعِ (1) .
1269 - نثر الدرّ: دخل عليه [عليّ (عليه السلام) ] كعبُ بن مالك الأنصاري، فقال: يا أمير المؤمنين! بلغك عنّا أمرٌ لو كان غيرك لم يحتمِله، ولو كان غيرنا لم يقُم معك عليه! ما في الناس من هو أعلَم منك، وفي الناس من نحن أعلم منه!! وأوضع العلم ما وقَف عليه اللسان، وأرفعه ما ظهَر في الجوارح والأركان.
ونحن أعرَف بقدر عثمان مِن قاتليه، وأنتَ أعلَم بهم وبخاذليه، فإنْ قلتَ: إنّه قُتِل ظالماً، قلنا بقولك، وإنْ قلتَ: إنّه قُتل مظلوماً، قلتَ بقولنا، وإنْ وكلتنا إلى الشبهة أيأستنا بعدك من إصابة البيّنة.
فقال (عليه السلام): (عندي في عثمان أربع: استأثر فأساء الأثَرَة، وجزعتم فأسأتُم الجزَع، ولله عزّ وجلّ حكمٌ عادل في المستأثرِ والجازع) (2) .
1270 - نثر الدرّ: سُئل [عليّ (عليه السلام) ] عن عثمان، فقال: خذلَه أهلُ بدر، وقتله أهل مصر، غير أنّ من نصره لا يستطيع أنْ يقول: خذله من أنا خير منه.
____________________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 30.
(2) نثر الدرّ: 1 / 281 وراجع الأغاني: 16 / 248 وتاريخ المدينة: 4 / 1168.
و والله، ما أمرتُ به، ولا نهيتُ عنه، ولو أمرتُ به لكنتُ قاتلاً! ولو نهيتُ عنه لكنتُ ناصراً! استأثرَ عثمانُ فأساء الأثَرَة، وجزعتم فأفحشتُم الجزع (1) .
1271 - تاريخ الطبري عن عبد الرحمان بن عبيد - في حرب صفّين -: إنّ معاوية بعث إلى عليّ حبيب بن مسلمة الفهري وشرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد بن الأخنس فدخلوا عليه وأنا عنده... فقالا اشهدْ أنّ عثمان قُتل مظلوماً!
فقال لهما: لا أقول: إنّه قُتل مظلوماً، ولا إنّه قُتل ظالماً.
قالا: فمن لم يزعم أنّ عثمان قُتل مظلوماً فنحن منه برآء. ثمّ قاما فانصرفا.
فقال عليّ: ( إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتََىٰ وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنتَ بِهَادِى الْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ) (2) .
ثمّ أقبل علىٌّ على أصحابه فقال: لا يكن هؤلاء أولى بالجدّ في ضلالهم منكم بالجدّ في حقّكم وطاعة ربّكم!! (3)
1272 - المستدرك على الصحيحين عن حصين الحارثي: جاء عليّ بن أبي طالب إلى زيد بن أرقَم يعوده وعنده قوم، فقال عليّ: اسكنوا - أو اسكتوا - فو الله لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتُكم!!
فقال زيد: أنشدك الله، أنت قتلتَ عثمان؟
فأطرق عليّ ساعة، ثمّ قال: والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ما قتلتُه، ولا
____________________
(1) نثر الدرّ: 1 / 274، المسترشد: 418 / 141 عن شريح بن هاني نحوه.
(2) النمل: 80 و81.
(3) تاريخ الطبري: 5 / 7، الكامل في التاريخ: 2 / 369؛ وقعة صفين: 201.
أمرتُ بقتله (1) .
1273 - الإمام عليّ (عليه السلام) - مِن كتابٍ له إلى معاوية -: (لعمري، يا معاوية! لئن نظَرتَ بعقلِك دون هواك لتجدنّي أبرأ الناس مَن دم عثمان، ولتعلمنّ أنّي كنتُ في عزلةٍ عنه، إلاّ أنْ تتجنّي (2) ، فتَجَنَّ ما بدا لك، والسلام) (3).
1274 - الطبَقَات الكبرى عن عمرو بن الأصمّ: كنتُ فيمن أُرسلوا من جيش ذي خشُب، - قال: - فقالوا لنا: سلوا أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - واجعلوا آخر مَن تسألونَ عليّاً - أَ نقدم؟ قال: فسألناهم، فقالوا: أقدِموا، إلاّ عليّاً؛ قال: (لا آمُركم، فإنْ أبيتم فبيضٌ فليُفرّخ) (4) .
1275 - الإمام عليّ (عليه السلام) - لمّا جاءه سعد بن أبي وقّاص وسأله أنْ يتدخّل في قضيّة عثمان ويحقن دمه -: (والله، ما زلتُ أذبُّ عنه حتى إنّي لأستحي، ولكنّ مروان ومعاوية وعبد الله بن عامر وسعيد بن العاص هُم صنَعوا به ما ترى، فإذا نصحتُه وأمرتُه أنْ ينحّيهم، استغشّني، حتى جاء ما تري) (5) .
1276 - وقعة صفّين عن خفاف بن عبد الله - لمّا قال له معاوية: حدّثنا عن قتل عثمان -: حصَره المكشوح، وحكَم فيه حُكَيم، ووليَه محمّد وعمّار، وتجرّد في
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين: 3/114/4567، تاريخ دمشق: 39/454، تاريخ المدينة: 4/1262 كلاهما عن سرية بنت زيد بن أرقم.
(2) تَجنّى عليه وجانى: ادّعى عليه جناية (لسان العرب: 14 / 154).
(3) نهج البلاغة: الكتاب 6، وقعة صفّين: 29 عن عامر الشعبي؛ العقد الفريد: 3 / 329، الفتوح: 2 / 506، الإمامة والسياسة: 1 / 114 وفيها إلى (دم عثمان).
(4) الطبقات الكبرى: 3 / 65.
(5) تاريخ الطبري: 4 / 378.
أمره ثلاثة نفر: عدِيّ بن حاتم، والأشتر النخعي، وعمرو بن الحمق، وجدّ في أمره رجلان: طلحة، والزبير، وأبرأُ الناس منه عليّ (1) .
1277 - العقد الفريد عن محمّد بن سيرين: ما علِمتُ أنّ عليّاً اتُّهم في دم عثمان حتى بويع، فلمّا بويع اتّهمه الناس! (2)
. راجع: كتاب (الجمَل): 200 / موقف أمير المؤمنين من أحداث عثمان
____________________
(1) وقعة صفّين: 65؛ شرح نهج البلاغة: 3 / 111.
(2) العقد الفريد: 3 / 307، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 452، أنساب الأشراف: 6 / 223، تاريخ دمشق: 39 / 390 وفيها (لقد قتل عثمان وما أعلم أحداً يتّهم عليّاً في قتله).
تحليلٌ لأسبابِ الثورةِ على عثمانَ
تمخّضت الشورى التي عيّنها الخليفة الثاني عن اختيار عثمان خليفةً للمسلمين الذي امتاز عهد خلافته - وخاصّةً السنوات الأخيرة منه - بأهمّية استثنائيّة. فقبل ذلك عاشَ المجتمع الإسلامي حالة من الاستقرار في عهد خلافة الخليفة الثاني. وأكثر ما يُعزى هذا الاستقرار إلى غِلظته الممزوجة بالاستبداد. فتحوّل ذلك المجتمع الهادئ بين ليلة وضحاها إلى مجتمع يموج بالاضطراب ويعجّ بالاعتراضات ضدّ الخليفة. فكيف تبلوَرت هذه القضيّة؟ ومن أين نشأت تلك الاضطرابات والاحتجاجات الموجّهة ضدّ الخليفة؟ وممّا لا ريبَ فيه إنّ الناس الذين اجتمعوا في المدينة من مختلف الأمصار للتظلّم لدى الخليفة، لم يكونوا يمثّلون فئةً خاصّة ولا ولايةً أو مدينة بعينها،
بل كانوا من مختلف بقاع العالم الإسلامي. فيا ترى ما هيَ أسباب هذه الثورة؟ وكيف يُحاصَر خليفة المسلمين - الذي كانت له صلة قربى مع الرسول (صلّى الله عليه وآله) - ولا يهبّ أحد لنجدته؟!
لقد طال الحصار ولم يأتِ أحدٌ لمناصرته من خارج المدينة. وحتى استنجاده
بمعاوية - الذي اتّخذ من قضيّة المطالبة بدمِه ذريعةً لتحقيق مآربه - بقي بلا طائل.
فمعاوية الذي جنّد في حرب صفّين جيشاً قوامه مِئة ألف، لم يُرسل ولا حتى ألف رجل لنصرته. ولكن يا تُرى لماذا لم يفعل ذلك؟
ومن السذاجة أنْ ينسب المرء حادثة بمثل هذه السعة إلى مجهول أو إلى تيّار عابر. فالتأمّل في التساؤلات المذكورة والغور في أعماق النصوص والمصادر من أجل العثور على إجابات عنها ينتهي بالباحث في تاريخ الإسلام إلى الاهتداء إلى مسائل ونكات أعمق ممّا طرحه أصحاب الرؤى الساذجة وسعوا إلى إظهاره وكأنّه حقائق ثابتة.
ويمكن القول باختصار بأنّ ثورة المسلمين على عثمان تعود في جذورها إلى أعمال عثمان والمحيطين به. ويمكن التنقيب في هذه المسألة بشكلٍ أعمق.
فقد كان عثمان من أشراف مكّة، وكان أقرباؤه بنو أُميّة من ألدّ أعداء الإسلام. فقد كانوا من قادة رؤوس الكُفر الذين حاربوا الإسلام، ولم يدخلوا فيه حتى رأوا سَيفه مصلَتاً على رؤوسهم، فأُرغموا على الاستسلام أثناء فتح مكّة، وأُطلقوا على أساس الرأفة الإلهيّة؛ إذ عفا عنهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وصاروا يُعرفون من بعد ذلك باسم (الطُّلَقاء). وهكذا فإنّهم لم تكن لهم وجاهةٌ دينيّة، ولا مركزٌ اجتماعي.
وإذا ألقينا نظرةً أكثر عمقاً على سلوك عثمان نلاحظ ما يأتي:
1 - إدناؤه الطُّلَقاء
لمّا تسلّم عثمان الخلافة أدنى أقاربه - الطُّلَقاء - واتّخذ منهم بطانةً وأعواناً مع
أنّ بعضَهم كان طريد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كما هو الحال بالنسبة للحَكَم وابنَيه مروان والحارث؛ وأصبح مروان - طريد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - في عهد خليفة المسلمين عثمان، كاتباً خاصّاً للخليفة! وأصبحت رئاسة السوق بيد الحارث! وبذلك هيمَنوا على شؤون السياسة والاقتصاد دفعةً واحدة.
فمعاوية كان في الشام، وعبد الله بن عامر - شابٌ عمره 25 سنة من بني أُميّة - في البصرة، وعبد الله بن أبي سرح - مع ما كان من ارتداده - في مصر، وسعيد بن العاص في الكوفة، والأشعث بن قيس في أذربيجان وكان أكثرُهم من أقارب عثمان، وهؤلاء هم الذين كانوا يحكمون الأُمّة الإسلاميّة بدلاً من صحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله) والوجوه البارزة في المجتمع الإسلامي. وكانوا يضيّقون الخناق على الناس بدعمٍ من الخليفة. ولم يكن تظلّم الناس وصيحاتهم تعود عليهم بطائل.
وعندما كان كبار صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يحتجّون على تلك الأوضاع، كان عثمان يغلِظ عليهم ويعاملهم بأُسلوبٍ بعيد عن الإنصاف؛ فقد نفى أبا ذرّ إلى الربَذة، وبقيَ فيها إلى أنْ مات غريباً مظلوماً. وداسَ بقدمِه عمّارَ بن ياسر - مع ما له من ماضٍ وضّاء - حتى أُصيبَ بفتقٍ. ونفى عبد الله بن مسعود ومنَعَه عطاءه من بيتِ المال، وما إلى ذلك من الأحداث والمواقف التي يُمكن للقارئ الاطّلاع عليها بين دفّتي هذا الكتاب.
2 - البذخ في العطاء
اتّبع عثمان سياسةً اقتصاديّة تدعو إلى العجَب! فقد كان يتصرّف ببيتِ المال وكأنّه ملْكٌ مطلقٌ له، وقد وردَت أخبار كثيرة عن كثرة بذلهِ وجزيل عطائه لأقاربه حتى إنّ قُبحَ هذا السخاء لم يبقَ خافياً عن أنظار الباحثين السُّنّة؛ فقد
وهَبَ للحكَم وأبي سفيان ومروان وغيرهم الكثير من الأموال، ولم يستجِب لاحتجاجات المسلمين. والغريب أنّه كان يُسمّي كلّ هذا الهبات من بيت المال صلةً للرحم. وقد أدّى عثمان بأعماله هذه إلى إيجاد فوارق طبقيّة فاحشة في المجتمع الإسلامي. كما أدّت هذه الأعمال والهبات المنافية للأحكام الإسلاميّة إلى توسيع رقعة السخط والاحتجاج بين الناس، حتى تحوّلت إلى حركةٍ عامّة وثورة عارمة ضدّ عثمان.
3 - موقفه من مبادئ الدين
النقطة المهمّة والتي بقيت خافيةً عن أنظار الباحثين وهي جديرة بالاهتمام، هي التلاعب بالدين، وتحريف الأحكام الإلهيّة، وكانت هذه المسألة ظاهرةً بكلّ جلاء في كلمات وشعارات معارضي الخليفة. فسخاء الخليفة وكثرة هباته من بيت المال وتعيينه لأقاربه في المناصب والولايات بعيداً عن الموازين الشرعيّة وبدون أنْ تتوفّر فيهم الكفاءة المناسبة لشغل هذه المناصب من جهة، وسعي المؤرّخين من جهة أُخرى إلى حماية الشخصيّات التاريخيّة بدلاً من حماية التراث التاريخي كلّ ذلك أدّى إلى عدَم ظهور ممارسات الخليفة التي ربّما كان لها أكبر الأثر في انتفاض المسلمين ضدّه. نورد فيما يلي بعض الأمثلة عن هذا الموضوع:
روي عن زيد بن أرقَم أنّه قيل له: بأيّ شيءٍ أكْفرتم عثمان؟ قال: بثلاثة: جعَلَ المال دُولةً بين الأغنياء، وجعل المهاجرين من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بمنزلة مَن حارب الله ورسوله، وعمَل بغير كتاب الله (1) .
____________________
(1) الشافي: 4 / 291.
ومن المعارضين لسياسة عثمان: عمّار بن ياسر الذي عُرف بوقوفه مع الحقّ، وكان له دور مشهود في التحريض على عثمان، وخطب في صفّين خطبةً حثّ فيها الناس على مقاتلة معاوية، وقال فيما قال:
انهضوا معي عباد الله إلى قومٍ يطلبون - فيما يزعمون - بدمِ الظالم لنفسه، الحاكم على عبادَ الله بغير ما في كتاب الله، إنّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان، فقال هؤلاء الذين لا يُبالون إذا سلِمَت دنياهم ولو دُرِس هذا الدين: لِمَ قتلتموه؟ فقلنا: لإحداثه... (1) .
وجاءت بين كلمات الصحابة فيما يخصّ مقتل عثمان تعابير حول أعماله من قبيل: (بدّل دينكم)، و (أحدث أحداثاً)؛ فقد خُوطب بالقول: (إنّك أحدثت أحداثاً لم يكن الناس يعهدونها)، (أراد أنْ يُغيّر ديننا)، (أحدَث الأحداث وخالَف حكم الكتاب)، (النابذ لحُكم القرآن وراءَ ظهره)، (غيّرتَ كتابَ الله)، وما شابه ذلك من التعابير الكثيرة (2) .
ومن الواضح أنّ هذه التعابير تنمّ عن تحريف الدين وتغيير الأحكام، وتبديل السُنّة المحمّديّة، وهذا ما حصل في عهد حكومة عثمان؛ فقد ورد في بعض كتب الصحابة إلى الولايات: (دين محمّد قد اُفسِد).
وعلى كلّ حال لم يمرّ زمَنٌ طويل على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولا يستطيع المسلمون أنْ يَروا دين الله يتعرّض للتحريف والتلاعب، وتُسخّر أحكام الله لمآرب شخصيّة، ويسكتوا عن ذلك.
____________________
(1) وقعة صفّين: 319.
(2) راجع أنساب الأشراف: 6 / 133 - 138 وتاريخ الطبري: 4 / 376 وج 5 / 43 وشرح نهج البلاغة: 9 / 36 وج 8 / 22 ووقعة صفّين: 339.
4 - المستشارون الفاسدون
يؤدّي المستشارون دوراً حاسماً في إدارة الأُمور وبلورة الوقائع. والحقيقة هي أنّ المستشار يأخذ على عاتقه دوراً تكميليّاً، بل وأساسيّاً في إدارة دفّة الأُمور بالنسبة لمدير ذلك المجتمع.
وهكذا يتّضح أنّ اختيار المستشار يتّصف بحسّاسيّةٍ فائقة. هذا من جانب، ومن جانب آخر هناك مسألة مهمّة؛ وهي كيفيّة استفادة القائد منهم، وكيفيّة إشارتهم عليه، ودرجة فهمهم، ومدى إخلاصِهم للقائد.
ومن المؤسف أنّ عثمان كانت كلّ مواقفه في هذا المجال غير سويّة، وقد سبقت الإشارة إلى كيفيّة اختياره للأفراد، فالمقرّبين منه؛ أي بطانته، ما كانوا يحظون بمكانةٍ اجتماعيّة ولا بوجاهةٍ دينيّة.
أضف إلى كلّ ذلك أنّ الخليفة كان شخصاً عديم الإرادة وضعيفاً أمام آراء بطانته، كما أنّ مستشاريه لم يكونوا على فكرٍ صائب؛ ولا هم من أهل الدين والتقوى.
ومن البديهي - والحال هذه - أنّ جميع آرائهم التي كانوا يفرضونها على عثمان كانت تصبّ في صالح أهوائهم وفي اتّجاه الصدام مع الثائرين، وليس في صالح الأُمة والخلافة والخليفة.
فالبطانة التي كانت مقرّبة من عثمان لم تكن على علاقات طيّبة مع الأنصار، وليس لها مواقف حسنة مع المهاجرين. وهكذا فقد ساقت عثمان في اتّجاه انتهى بمقتله.
يقول شيخ سياستهم أبو سفيان الذي اشتهر صيت عدائه للإسلام في الآفاق:
(إنّ الأمر أمرُ عالميّة، والملكَ ملكُ جاهليّة، فاجعل أوتاد الأرض بني أُميّة).
حسناً، لقد فعَل عثمان ذلك. ولكن إلى أين وصَلوا به؟
لقد كانت جميع الأعمال التي تُفعل باسم عثمان، بيَد مروان، وهو ذلك الشابّ الذي لم يكن يعرف شيئاً مِن تعاليم الإسلام، وكان طريد رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وبعدما عاد من منفاه ووطأت قدمه أرض المدينة أفرَغ ما في قلبه من حقد متراكم خلال تلك السنين، في ظلّ السلطة التي منحها إيّاه خليفة المسلمين، فأخذ يوجّه الإهانات لجميع المهاجرين والأنصار، وكان لعمله ذاك تأثير واضح في إثارتهم ضدّ عثمان.
أصبح الخليفة أداة طيّعة بيد مروان بن الحكَم، سَواء عندما أعلَن توبته أمام الملأ، وأرغمه مروان على نقض توبته، أم عندما وافق على عزل والي مصر، لكنّه رضخ في أعقاب ذلك لإرادة مروان، وأصدَر أمره بقتل ونفي وتعذيب الثوّار الوافدين من هناك.
لقد كان مروان هو الذي يُملي على عثمان ما يُريد، وكان يسعى في جرّه إلى اتّخاذ مواقف متزمّتة، حتى إنّ زوجته نائلة بنت الفرافصة قالت له:
(فإنّهم والله قاتلوه ومؤثِّموه... وقد أطَعت مروان يقودك حيث شاء).
وكان سائر مستشاري عثمان من هذا القبيل؛ فعندما جمَعهم للتشاور معهم في أمر سخطِ الناس عليه، أشار عليه معاوية باستخدام القوّة ضدّهم لإسكاتهم، فيما أشار عليه عبد الله بن عامر قائلاً: (أنْ تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأنْ تجمّرهم في المغازي حتى يذلّوا لك، فلا يكون همّة أحدهم إلاّ نفسه).
أمّا سعيد بن العاص فقد أشار عليه قائلاً:
(إنّ لكلّ قومٍ قادة متى تهلك يتفرّقوا، ولا يجتمع لهم أمر).
وعرض عليه معاوية في هذا المجال أنْ يقتل عليّاً وطلحة والزبير.
فإذا وُجدت كلّ هذه القلوب الفاسدة والنفوس المريضة والتوجّهات الجائرة المثيرة للسخط، فما الداعي بعدئذ للتساؤل عن أسباب تبلوِر تلك الثورة؟
إنّ الشخص الوحيد الذي كان يُشير حينذاك على عثمان بإخلاص رغبةً في صيانة هويّة الأُمّة الإسلاميّة، ويحذّره من عواقب الأُمور، ويسعى - رغم كلّ ما نزَل به من ظلم - إلي أن لا تصل الأُمور إلى هذا الحدّ، هو الإمام عليّ (عليه السلام). ويا ليت عثمان كان يُصغي لنصائحه ويَفي بالعهود التي قطعها على نفسه للناس.
وللإمام عليّ (عليه السلام) كلام جميل عن موقفه إزاء تلك الأحداث، وعن موقف بطانة عثمان، جاء في بعض منه:
(والله ما زلتُ أذبّ عنه حتى إنّي لأستحي، ولكنّ مروان ومعاوية وعبد الله بن عامر وسعيد بن العاص هم صنَعوا به ما ترى. فإذا نصحته وأمرته أنْ ينحّيهم استغشّني حتى جاء ما ترى).
كانت هذه العوامل وعوامل أُخرى غيرها هي التي دفعت إلى الثورة على عثمان، ومهّدت للانتقاض ضدّ الحكومة المركزيّة.
ذكر المسعودي في مروج الذهب أسباب السخط على عثمان قائلاً:
(في سنة خمس وثلاثين كثُر الطعن على عثمان وظهَر عليه النكير لأشياء ذكروها من فعله، منها: ما كان بينه وبين عبد الله بن مسعود، وانحراف هذيل عن عثمان من أجله. ومن ذلك ما نال عمّار بن ياسر من الفتق والضرب، وانحراف بني مخزوم عن عثمان من أجله. ومن ذلك فعل الوليد بن عقبة في مسجد الكوفة... ومن ذلك ما فعَل بأبي ذرّ (1) .
____________________
(1) مروج الذهب: 2 / 350.
بينما ذكر اليعقوبي أسباب الثورة على النحو الآتي:
(نقم الناس على عثمان بعد ولايته بستّ سنين، وتكلّم فيه من تكلّم، وقالوا: آثر القرباء، وحمى الحِمى، وبنى الدار، واتّخذ الضياع والأموال بمال الله والمسلمين، ونفى أبا ذّر صاحب رسول الله وعبد الرحمان بن حنبل، وآوى الحكَم بن أبي العاص وعبد الله بن سعد بن أبي سرح طريدَي رسول الله، وأهدر دم الهرمزان؛ ولم يقتِل عبيد الله بن عمر به، وولّى الوليد بن عقبة الكوفة، فأحدث في الصلاة ما أحدث، فلم يمنعه ذلك من إعاذته إيّاه. وأجاز الرجم؛ وذلك أنّه كان رجم امرأة من جهينة دخَلَت على زوجها فولَدت لستّة أشهر، فأمر عثمان برجمِها. فلمّا أُخرِجت دخل إليه عليّ بن أبي طالب فقال: (إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) (1) وقال في رضاعه: ( حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ )) (2) ، فأرسَل عثمان في أثَر المرأة، فوُجدت قد رُجِمت وماتَت. واعترف الرجل بالولد (3) .
وأشار الطبري في تاريخه إلى بعض من تلك العوامل، متجاهلاً العوامل الأُخرى، قائلاً:
(قد ذكرنا كثيراً من الأسباب التي ذكر قاتلوه أنّهم جعلوها ذريعةً إلى قتله، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلَل دعَت إلى الإعراض عنها) (4) .
كان الكلام إلى الآن يدور حول أسباب الثورة على عثمان. بَيد أنّ النكتة
____________________
(1) الأحقاف: 15.
(2) البقرة: 233.
(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 173.
(4) تاريخ الطبري: 4 / 365، الكامل في التاريخ: 2 / 286 نحوه.
الأكثر أهمّية هي دراسة ماهيّة الأفراد والفصائل المشاركة في الثورة.
من الواضح أنّ الذين شاركوا في تلك الواقعة لم يكونوا كلّهم على هدفٍ واحد، وكان لبعضهم غايات أُخرى تختلف عن غايات الآخرين. ولكن يُمكن على العموم تلخيص العوامل المشتركة بينهم بما يلي:
أ. الناقمون والثائرون العارفون بالسُّنّة
شاركت في هذه الحركة شخصيّات بارزة من الصحابة والمؤمنين المخلصين. والحقيقة هي أنّ حشود هائلة من الجماهير الثوريّة كانت تتحرّك بزعامتهم، وهذه الشخصيّات ليست من النوع الذي يمكن التشكيك بإخلاصها، وصدقها، ورسوخ عقيدتها. ونشير فيما يلي إلى بعض هذه الشخصيّات كالآتي:
1 - عمّار بن ياسر:
كان عمّار من المسلمين الأوائل ومن المجاهدين الأشدّاء. وقد اعتبره رسول الله (صلّى الله عليه وآله) معياراً للحقّ بقوله: (إذا اختلف الناس كان ابن سُميّة مع الحقّ) (1) و (ما خُيّر عمّار بين أمرَين إلاّ اختار أرشدهما) (2) و (مُلئ عمّار إيماناً إلى مُشاشه (3) ) (4) ، (يزول مع الحقّ حيث يزول) (5) .
____________________
(1) المعجم الكبير: 10 / 96 / 10071، سيَر أعلام النبلاء: 1/416/84، البداية والنهاية: 6/214، كنز العمّال: 11/721/33525.
(2) المستدرك على الصحيحين: 3 / 438 / 5665 وح 5664 نحوه.
(3) المُشاش: أي رؤوس العظام، كالمرفقين والكتفين والركبتين (النهاية: 4 / 333).
(4) المستدرك على الصحيحين: 3 / 443 / 5680، تاريخ دمشق: 43 / 391 / 9262 وح 9263.
(5) تاريخ دمشق: 43 / 406 / 9291.
كان عمّار الحائز لهذه المكانة عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من جملة الناقمين الأساسيّين والأوائل على عثمان، وكان يسعى بجدّ على هذا السبيل. ذكَر ابن كثير في هذا المجال:
(كان عمّار يحرّض الناس على عثمان ولم يقلع ولم يرجع ولم ينزع) (1) .
وبسبب هذه الاعتراضات والانتقادات تعرّض عمّار للضرب من قبِل الخليفة وبطانته حتى أُغمي عليه وأُصيب بعاهة (2) .
2 - زيد بن صَوحان:
وكان من كبار الزهّاد، ومن الوجوه البارزة في تاريخ الإسلام، وقد اعتُبر من (الأبدال (3) ). وكان مِن خُلّص أصحاب عليّ (عليه السلام)، بل إنّ البعض يعتبره من صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ وذلك لوجود رواية عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) بشأنه؛ قال فيها:
(مَن سرّه أنْ ينظر إلى رجلٍ يسبقه بعض أعضائه إلى الجنّة؛ فلينظر إلى زيد بن صوحان) (4) . وقد عُدّ هذا الرجل في عداد أكابر الزهّاد والأبدال (5) . وكان عمر بن الخطّاب يُكرمه ويُثني عليه كثيراً. أمّا عثمان فقد نفاه إلى الشام، ثمّ استشهد لاحقاً في معركة الجمَل، وقد خاطبه أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقول: (قد كنت خفيف المؤونة، عظيم المعونة).
____________________
(1) البداية والنهاية: 7 / 171.
(2) راجع: مبادئ الثورة على عثمان / ضرب عمّار بن ياسر.
(3) الأبدال: هم الأولياء والعُبّاد، الواحد بِدْل، سُمّوا بذلك لأنّهم كلّما مات واحد منهم أُبدل بآخر (النهاية: 1 / 107).
(4) مسند أبي يعلي: 1 / 267 / 507.
(5) تاريخ بغداد: 8 / 439 / 4549.
3 - جبلة بن عمرو الأنصاري:
وهو من الفقهاء ومن أجلاّء الصحابة (1) . شهِد معركة أُحد (2) . كان يؤاخذ عثمان بشدّة على اتّخاذه مستشارين سيّئي الطِّباع وخبيثي النوايا بطانةَ سوء. وكان يخاطبه خطاباً مرّاً لاذعاً ويقول له: (يا نعثل! والله لأقتلنّك، ولأحملنّك على قلوصٍ جرباء، ولأُخرجنّك إلى حرّة النار) (3) .
4 - جهجاه الغِفاري:
من صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وممّن شهدوا بيعة الرضوان، روى عنه البخاري ومسلم (4) .
5 - عمرو بن الحمق:
من صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أسلم بعد الحديبيّة (5) .
6 - عبد الرحمان بن عُدَيس:
من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ومن المبايعين تحت الشجرة (6) .
وشارك في هذه الوقائع أيضاً رجالٌ صالحون من ذوي الشخصيّات البارزة كمالك الأشتر، ومحمّد بن أبي بكر، ومحمّد بن أبي حذيفة، وحكيم بن جبلّة
____________________
(1) أُسد الغابة: 1 / 511 / 686؛ رجال الطوسي: 59 / 501 ذكره ضمن مَن روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام).
(2) الإصابة: 1 / 566 / 1083.
(3) البداية والنهاية: 7 / 176.
(4) الإصابة: 1 / 621 / 1248.
(5) الاستيعاب: 3 / 257 / 1931.
(6) الإصابة: 4 / 281 / 5179.
و... وكان لهم فيها دور فاعل.
يتبيّن من خلال التأمّل في هذه الشخصيّات وفي كلماتهم وشعاراتهم أنّ هذه الحركة كانت ذات أبعاد واسعة. وانطلاقاً من الحضور الجادّ للصحابة في هذه الحادثة؛ حيث يمكن النظر إلى مشاركتهم هذه على أنّها بمثابة توجيه للجماهير المؤمنة؛ يمكن تسمية الثورة على عثمان باسم (ثورة الصحابة).
جاء في تاريخ الطبري:
(لمّا رأى الناس ما صنَع عثمان، كتب مَن بالمدينة من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى مَن بالآفاق منهم... أنّ دين محمّد قد أُفسِد) (1) .
ب. الاستغلاليون
ولم يغب عن تلك الحشود الغفيرة بعض محترفي السياسة، فركبوا أمواج الاعتراض أو ساعدوا على توسيع مداها طمعاً في نيل مكانة أفضل. ومن الطبيعي أنّ أمثال هؤلاء الأشخاص لم يكونوا يُدركون أوضاع الناس وما كانوا يأبَهون لها، ولكنّهم:
1 - كانوا يشعرون وكأنّهم نُحُّوا إلى الوراء في ظلّ الامتيازات والمناصب التي منحها عثمان لأقاربه.
2 - أخذوا يشعرون بعد اتّساع رقعة الثورة أنّ الفرصة قد أصبحت مؤاتية لنيل مآربهم الدنيويّة، والحقيقة هي أنّهم لم يُدركوا ما ستؤول إليه الأوضاع بعد مقتل عثمان.
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 367.
إذاً فمعارضتهم لعثمان لم تكن نابعة من حرصهم على المصلحة العامّة، ولا من باب الغيرة الدينيّة واستشعار الوظيفة الشرعيّة. ومعنى هذا أنّهم كانوا يتطلّعون إلى الجاه والرئاسة.
نشير على سبيل المثال إلى أنّ طلحة كان واحداً منهم، وقد كتب إلى أهل الكوفة بالقدوم إلى المدينة من أجلِ وضع حدٍّ لتصرّفات عثمان، ويبدو أنّه لم يكن يتوقّع بعد مقتل عثمان سوى تسلّم منصب الخلافة. وكان بعض أنصاره على مثل ظنّه. فبعد ما انتهى سودان بن حمران من قتل عثمان، خرَج من الدار ونادى:
(أينَ طلحة بن عبيد الله؟ لقد قتلنا ابن عفّان) (1) .
وفي معركة الجمَل رماه مروان بسهم من خلفه وقتله؛ لأنّه كان يعتبره هو قاتل عثمان.
وهكذا الحال بالنسبة لعائشة أيضاً؛ فقد كانت تأمل أنْ تكون الغلَبة لأقاربها؛ فكانت تقول: (اقتلوا نعثلاً؛ فقد كفر!)، ولكن بعدما انقلبت الأُمور، وآلت إلى مآلٍ آخر، غيّرت موقفها. وهذا ينمّ عن أنّها كانت ترمي إلى شيءٍ آخر غير الحقّ؛ فعندما أخذوا يسائلونها في وقعة الجمَل عن السبب الذي جعلها تحرّضهم قبل ذاك على قتل عثمان، ثمّ أصبحت تطلب بثأره، قالت: (قد قلتُ وقالوا، وقولي الأخير خيرٌ من قولي الأوّل) (2) .
ومن هؤلاء الانتهازيّين أيضاً عمرو بن العاص الذي فقد منصبه في عهد
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 379.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 459.
عثمان، وكان يعزّ عليه أنْ يرى بلاد مصر التي فتَحها هو قد أصبَحت الآن بيد عبد الله بن أبي سرح.
ومن هنا فهو كان يسعى لتعجيل الثورة ضدّ عثمان، وقد أشرنا إلى بعض مساعيه في هذا الاتّجاه، وكان يقول:
(أنا أبو عبد الله، إذا حككتُ قرحة نكأتها! إنْ كنت لأُحرّض عليه، حتى إنّي لأُحرّض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل) (1) .
وهكذا الحال بالنسبة إلى الزبير أيضاً؛ فهو كان مسايراً لطلحة، ويطمَع في انتهاز فرصة الثورة لتحقيق ما تصبو إليه نفسه، وكان يعتبر نفسه قائداً لهذه الجماعة.
ج. الأعوان الانتهازيّون
هناك أشخاص كانوا مسايرين لعثمان ويرون رأيه، ولكنّهم في هذه الحادثة لم ينصروه بل خذلوه، وصاروا عليه عوناً - ولو بشكلٍ غير مباشر - وهذا من عجائب عِبَر الدنيا.
وأبرَز نموذج لهذه الطائفة معاوية؛ فقد كان هو وزمرته تجسيداً حقيقيّاً لهذا التوجّه. والواقع أنّه كان له يد طولى في قتل عثمان. فقد كان بإمكانه أنْ يرسل من الشام سريّة لحماية الخليفة أو مواجهة المعارضين. بَيد أنّه لم يفعل! وحتى بعدما استنصره عثمان، جاء إلى المدينة بمفرده. وقد أدرَك عثمان الغاية من قدومه، فقال له:
____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 357.
(أردتَ أنْ أُُقتل فتقول: أنا وليّ الثأر) (1) .
عندما كتب عثمان كتاباً يستحثّه فيه على نصرته، أخذ يسوّف ويتعلّل إلى أنْ ذهبت الفرصة أدراج الرياح. لننظر إلى هذا النصّ التاريخي:
(فلمّا جاء معاوية الكتاب تربّص به وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول الله وقد علِم اجتماعهم).
وهكذا يمكن القول بأنّ معاوية كانت له يد في قتل عثمان بشكلٍ غير مباشر. وكان لتلك اليد تأثيرها كما أشار الإمام عليّ (عليه السلام) إلى هذا المعنى في إحدى كلماته.
وعلى كلّ حال فقد تضافرت التيّارات المنبثقة من أربعة نقاط مهمّة في الخلافة الإسلاميّة آنذاك، وصنعت ثورة شاملة ضدّ عثمان. ومِن الطبيعي أنّ حضور جموع غفيرة من المسلمين في المدينة، واعترافهم الصريح على أعمال عثمان، لم يدفعه هو وبطانته لإعادة النظر في الماضي، بل عمَدوا بدلاً من ذلك إلى تجاهل الأُمور، ومعاملة الثائرين بأساليبٍ غير مُرضية، ممّا أدّى إلى تأزيم الأوضاع ومهّد الظروف لقتل عثمان.
يتّضح ممّا مرّ ذكره أنّ ما نقله سيف بن عمر وحاول فيه تجاهل الأسباب والعوامل المذكورة أعلاه تجاهلاً تامّاً، ونسبة الأحداث التي وقعت ضدّ عثمان إلى شخص كعبد الله بن سبأ، بعيد عن الحقيقة وعن الواقع التاريخي.
وقد وصفت المصادر الرجاليّة سيف بن عمر بالكذِب، وطعَنت فيه. وهذا ما يُوجب عدَم التعويل على أخباره. وفضلاً عن كلّ ذلك فحتّى لو كان صادقاً، فإنّ
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 175.
ما نقله من الأخبار جاء على نحوٍ لا يُمكن التصديق به على الإطلاق، ومن الواضح أنّ دور عبد الله بن سبأ فيها موضوع ولا صحّة له. وسوف نبحث هذه المسألة في البيان الآتي.
عبد الله بن سبأ وجهٌ مشبوه
عبد الله بن سبأ وجهٌ مشبوه
تحدّثت مصادر التاريخ الإسلامي عن شخصٍ يُدعى عبد الله بن سبأ. بَيد أنّ الأخبار المتناقضة عن شخصيّته وتأثيره في الأحداث ومقدرته الفكريّة ومكانته الاجتماعيّة والسياسيّة ألقت هالة من الغموض على صورته الحقيقيّة. فقد ذهَب بعض الباحثين (1) إلى تضخيم دوره - بناءً على ما ورد بشأنه من أخبار - في وقائع صدر الإسلام بشكلٍ مذهل، بل وحتى إنّهم نسبوا إليه - من غير تروٍّ - رؤية خاصّة في الثقافة الإسلاميّة، وعزَوا إليه بعض الحوادث من قبيل الثورة على عثمان. هذا من جهة، ومن جهة أُخرى صرّح مفكّرون آخرون بعدَم وجود مثل هذه الشخصيّة أساساً، مُعلنين بأنّه ليس إلاّ أُسطورة (2) ، أو أنّهم شكّكوا
____________________
(1) مثل محمود محمّد شاكر في (الخلفاء الراشدون)، وفي مجلّة الرسالة: العدد 761 - 763، وسعيد الأفغاني في (عائشة والسياسة)، وعبد الرحمان بدوي في (مذاهب الإسلاميّين)، وإحسان إلهي ظهير في (الشيعة والسُنّة).
(2) مثل العلاّمة مرتضى العسكري في (عبد الله بن سبأ وأساطير أُخرى)، وعلي الوردي في (وعّاظ السلاطين)، وعبد الله الفيّاض في (تاريخ الإماميّة).
بوجوده على الأقل (1) .
ونحن في هذا المدخل لسنا بصدد تقصّي جميع الأخبار الواردة بشأن هذه الشخصيّة، ونكتفي بإلقاء نظرة سطحيّة عليه؛ وننفي تبعاً لذلك دوره في الثورة على عثمان، ونُعلن بأنّ الخبَر المتعلّق بتلك الواقعة لا يُمكن التعويل عليه من حيث السنَد والمضمون.
نقل الطبري عن السري عن شعيب عن سيف بن عمر قال:
(كان عبد الله بن سبأ يهوديّاً من أهل صنعاء، أُمّه سوداء، فأسلَم زمان عثمان، ثمّ تنقّل في بلدان المسلمين يُحاول ضلالتهم؛ فبدَأ بالحجاز، ثمّ البصرة، ثمّ الكوفة، ثمّ الشام... حتى أتى مصر) (2) .
يُستشفّ من هذا الخبَر أنّ ابن سبأ كان يهوديّاً وأسلَم بقصد نشر الضلال بين صفوف المسلمين. ثمّ أخَذ يطوف في البلاد والسواد بهدَف تحقيق غايته. ويبدو أنّ نقل الطبري هذا أقرب إلى القصّة المختلقة منه إلى الخبَر التاريخي. فكيف يمكن لرجل أسلَم حديثاً ودخَل دائرة الثقافة الإسلاميّة من دائرة أُخرى أنْ يتنقّل بين كلّ هذه البلاد بهذه السرعة في ظلّ ظروف السفَر الصعبة آنذاك؟ وماذا كان عساه أنْ يقول حتى ينشر الضلال في الآفاق؟!
ورَدت في المصادر التاريخيّة أخبار كثيرة عن عبد الله بن سبأ، ونُسِبت إليه أعمالٌ نشير إلى جملة منها:
1 - هو الذي طرح فكرة وصاية عليّ (عليه السلام)، ومسألة غصب الخلافة من قبل
____________________
(1) مثل طه حسين في كتاب (عليّ وبنوه)، وجواد علي في مجلّة الرسالة: العدد 774 - 778.
(2) تاريخ الطبري: 4 / 340.
عثمان.
2 - التأثير في مواقف كبار أصحاب الرسول (صلّى الله عليه وآله) كأبي ذرّ وعمّار، وشخصيّات بارزة أُخرى كمالك الأشتر ومحمّد بن أبي بكر، وما إلى ذلك.
3 - دعوة الناس للثورة على عثمان في الكوفة والبصرة ومصر.
4 - النهوض ضدّ عثمان وتزعّم الثورة التي انتهت بمقتله.
5 - تأجيج نار معركة الجمَل بعدما كادت الأُمور أنْ تُفضي إلى الصلح.
ولا بأس أنْ نمحّص هاهنا الرواية الآنف ذكرها من حيث السند والدلالة:
سندها:
يعتبر سند الرواية ضعيفاً من وجهة نظر المصادر الرجاليّة المهمّة. فقد قال ابن حجَر:
(سيف بن عمر التميمي البُرجُمي، ويقال: السعدي، ويقال: الضبعي، ويقال: الأسدي الكوفي، صاحب كتاب الردّة والفتوح. قال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال مرّة: فُلَيس خير منه. وقال أبو حاتم: متروكُ الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال النسائي والدارقطني: ضعيف. وقال ابن عديّ: بعض أحاديثه مشهورة وعامّتها منكرة؛ لم يُتابَع عليها. وقال ابن حبّان: يروي الموضوعات عن الأثبات، قال: وقالوا: إنّه كان يضع الحديث. قلتُ: بقيّة كلام ابن حبّان: اتُّهم بالزندقة. وقال البرقاني عن الدارقطني: متروك. وقال الحاكم: اتُّهم بالزندَقة، وهو في الرواية ساقط. قرأت بخطّ الذهبي: مات سيف زمَن الرشيد) (1) .
____________________
(1) تهذيب التهذيب: 2 / 466 و467 / 3184، تهذيب الكمال: 12 / 326 / 2676.
وقال العلاّمة الأميني في ذكر السري:
(ابن حجَر يراه: السري بن إسماعيل الهمداني الكوفي، الذي كذّبه يحيى بن سعيد، وضعّفه غيرُ واحدٍ من الحفّاظ. ونحن نراه: السري بن عاصم الهمداني، نزيل بغداد، المتوفّى 258 هـ، وقد أدرك ابن جرير الطبري شطراً من حياته يربو على ثلاثين سنة، كذّبه ابن خراش، ووهّاه ابن عدِيّ، وقال: يسرق الحديث. وزاد ابن حبّان: ويرفَع الموقوفات لا يحلّ الاحتجاج به. وقال النقّاش في حديث: وضَعَه السري.
فهو مشتركُ بين كذّابَين لا يهمّنا تعيين أحدهما... ولا يحسب القارئ أنّه السري ابن يحيى الثقة لقِدَم زمانه، وقد توفّي سنة 167 قبل ولادة الطبري - الراوي عنه المولود سنة 224 - بسبعٍ وخمسين سنة.
وفي الإسناد شعيب بن إبراهيم الكوفي المجهول، قال ابن عدِيّ: ليس بالمعروف. وقال الذهبي (1) : راويةُ كتُبِ سيف عنه، فيه جهالة) (2) .
مضمون الرواية
يمكن الطعن بصحّة هذه الرواية من خلال أدنى تأمّل في مضمونها وصياغتها. والنقاط التي تتبادر إلى الذهن لأوّل وهلة عند النظر إليها:
1 - كيف يُمكن التصديق بأنّ رجُلاً يمنيّاً أسلَم حديثاً أنْ يستجمع لنفسه كلّ هذه القوّة في مدّة لا تزيد عن العشر سنوات، ويدبّر هذه الثورة الكبرى ضدّ خليفة المسلمين؟!
____________________
(1) ميزان الاعتدال: 2 / 275 / 3704، لسان الميزان: 3 / 145 / 517.
(2) الغدير: 8 / 140.
2 - المذكور هو أنّ الفترة الممتدّة من اعتناق هذا الرجل للإسلام إلى أيّام الثورة على عثمان لا تربو على عشر سنوات قضاها - وفقاً لروايات الطبري - يجوب البلاد الإسلاميّة بمُدِنها وقُراها. فما هي المقدرة الكلاميّة التي كان يجيدها هذا الرجل، بحيث استطاع خلال هذه المدّة القصيرة - إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أنّه جاب كلّ هذه البلدان في مدّة عشر سنوات - إثارة أهالي بلاد كمصر والحجاز والبصرة والكوفة، مع ما يوجد بين هذه البلاد من اختلافات في الثقافات والاتّجاهات الفكريّة؟! وكيف تسنّى له الكلام ضدّ الخليفة بدون أنْ يقف بوجهه أحد؟! ولماذا لم تذكر المصادر التاريخيّة شيئاً عن مواقفه مع أهالي أيّ من تلك البلدان، ولا عن مواقف أهالي تلك البلدان معه؟!
3 - هل يمكن التصديق بأنّ بعض الصحابة الكبار من أمثال أبي ذرّ الذي وصفه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأنّه أصدَق الناس لهجة، وعمّار الذي وصفَه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأنّه مع الحقّ؛ يقَعون تحت تأثير كلامه؟ وكيف يمكن لمثل هؤلاء الرجال الذين لم يزعزعهم كلام الخليفة الأوّل ولا الخليفة الثاني ولا الخليفة الثالث عن مواقفهم، أنْ يزعزعهم كلام رجلٍ أسلَم حديثاً إضافةً إلى كونه مجهول النسَب؟!
كان أبو ذرّ يحتجّ على عثمان لأخذه برأي كعب الأحبار اليهودي، فكيف يأخذ هو برأي عبد الله بن سبأ ولا تعيب عليه الحكومة وغيرها ذلك؟!
ونضيف إلى ذلك بأنّ العلماء والمفكّرين من الإخوة السُنّة الذين يبجّلون صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، كيف يبيحون لأنفسهم أنْ يُظهروهم - عند تحليلهم لواقع الأحداث - بهذه الدرجة من السذاجة الفكريّة بحيث يشهرون سيوفهم على خليفتهم، ويثيرون تلك الفتنة الكبرى تحت تأثير كلام رجلٍ يهودي؟!
4 - ذكروا أنّه كان له في معركة الجمَل دور بارز، فلماذا لا يوجد عنه أيّ خبَر
بعد انتهاء المعركة؟! والشخص الذي يستطيع أنْ يفعل ما فعل بالخليفة، لماذا لا يفعل شيئاً في ذروة عزّه واقتداره؟! ولماذا لم يذكر التاريخ حتى اسمه؟!
5 - لماذا لم يتحقّق معاوية الذي كان يعتبر نفسه وليّاً لدم عثمان، ويرى حتى الصحابة الذين كانوا في المدينة ولم ينهضوا لنجدة عثمان مستحقّين للقتل (1) ، لماذا لم يتحقّق في المسبّب الأصلي لتلك الواقعة؟! ولماذا لم تذكر المصادر التاريخيّة ولا خبراً واحداً عن ملاحقة معاوية لعبد الله بن سبأ؟!
6 - وأخيراً؛ من هو عبد الله بن سبأ؟ وما هو نسبه؟ وأين كان قومه؟ ومَن أبوه وأُمّه، وأين كانا يعيشان؟ وما هي القبيلة التي ينتمي إليها؟
هذه التساؤلات لا يوجد جواب عنها. وكيف لم يدوّن العرب الذين كانوا يعيرون أهمّية فائقة لعِلم الأنساب شيئاً عن رجلٍ كان له مثل هذا الصيت الذائع؟!
ولماذا لم يشيروا إلى ذكر أحدٍ من قومه؟!
إنّ أمثال هذه التساؤلات تجعل شخصيّة هذا الرجل تبدو وكأنّها مغمورة في هالةٍ من الغموض، حتى اعتبر بين الباحثين المتأخّرين - كما سبقَت الإشارة - شخصيّة مشبوهة. فقد شكّك بعض المستشرقين مثل فرد لندر ، وبرنارد لويس ، وكيتاني ، وباحثون سُنّة من أمثال طه حسين من خلال نقد وتحليل الأخبار المتعلّقة بعبد الله بن سبأ بوجود مثل هذا الشخص، ونفوا جملةً وتفصيلاً دوره الأُسطوري في الوقائع المتعلّقة بمقتل عثمان.
صرّح طه حسين بأنّ عبد الله بن سبأ شخصيّة اختلقها خصوم الشيعة، واعتبر
____________________
(1) وقعة صفّين: 197.
التأكيد على أصله اليهودي تعريضاً بالمذهب الشيعي. والنقطة المهمّة التي يؤكّدها طه حسين هي أنّ البلاذري - وعلى الرغم من دقّة نقله للأحداث التي وقعت في عهد عثمان - لم يذكر شيئاً عن عبد الله بن سبأ ودوره في تلك الوقائع. وقد التفت العلاّمة الأميني إلى هذه المسألة وأشار إليها في كتابه (الغدير) (1) .
ومن أوسَع البحوث التي جرَت فيما يخصّ نقد وتمحيص الأخبار الواردة بشأن عبد الله بن سبأ، هي البحوث التي أجراها العلاّمة مرتضى العسكري. وعند تقصّيه لمصادر تلك الأخبار؛ توصّل إلى أنّ مصدرها هو تاريخ الطبري. ثمّ يثبت أنّ الدور الأُسطوري لعبد الله بن سبأ لم ينقله أحد من المؤرّخين سوى سيف بن عمر!!
يتّضح من خلال التمعّن في الأخبار التي نقلها سيف بن عمر بشأن الأحداث التي وقعَت بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، بأنّه كان قصّاصاً ماهراً، وأنّه كان يسعى بلا توان وبشكلٍ مقصود إلى تنزيه الحكّام الأمويّين أو (العدنانيّين حسب تعبير العلاّمة العسكري) من جميع القبائح والمفاسد. وقد عمد في هذا السياق إلى تزييف التاريخ كي لا يبقى ثمّة غبار يشوّه صورة عثمان ومعاوية وطلحة والزبير. وقد ذكر العلاّمة العسكري بأنّ هذا الشخص تحدّث عن مِئة وخمسين صحابيّاً مختلقاً ليس لهم وجود إلاّ في ذهنه، ولم يردّ ذكر أحد منهم في أيّ مصدر تاريخي آخر.
وصف علماء رجال السُنّة سيف بن عمر بكلمات من قبيل:
ليس بشيء، كذّاب، ضعيف، فَلس خير منه، متروكُ الحديث، عامّة أحاديثه
____________________
(1) راجع: كتاب (عليّ وبنوه): 90 - 92.
منكرة، يروي الموضوعات عن الأثبات، كان يضع الحديث، وما شابه ذلك. وكلّها تعكِس صورته الكاذبة القبيحة.
يعتقد السيّد العسكري بأنّ عبد الله بن سبأ ليس له وجود خارجي، وإنّما هو شخصيّة خياليّة اختلقها سيف بن عمر ودسّها في المصادر التاريخيّة.
وعلى كلّ الأحوال فإنّ ما يُمكن التوصّل إليه بشأن عبد الله بن سبأ يتلخّص في رأيين متناقضين تماماً، هما:
1 - إنّه شخصيّة بارعة وقادرة على اصطناع المواقف والوقائع وما شابه ذلك.
2 - إنّه شخصيّة وهميّة ومختلقة ابتدعها الخيال المريض لسيف بن عمر.
تمحيص هذين الرأيين:
الرأي الأوّل يتبنّاه السُنّة وهو أمر مشهور لدى مؤرّخيهم. ولا شكّ في أنّ هذا الرأي لا يتّسم بالرصانة؛ فالتساؤلات التي أُثيرت هاهنا حول هذا الرأي لا يوجد عنها جواب، وهي كافية لإبطاله. كما أنّ المؤاخذات التي عرضها العلاّمة العسكري وتأكيده على تفرّد سيف بن عمر بذكر شخصيّة عبد الله بن سبأ ودوره في الأحداث المتعلّقة بمقتل عثمان، تعتبر مؤاخذات دامغة وكفيلة بتفنيد هذا الرأي.
ومن هنا لا يبقى مجال للشكّ في بطلان الرأي الذي يذهب إلى القول بأنّه شخصيّة بارعة قادرة على اختلاق الأحداث والوقائع.
ذكرنا فيما سبق بأنّ أكثر من أكّد على وهميّة وجود هذه الشخصيّة هو العلاّمة العسكري. والرأي الذي أدلى به في هذا المجال يتطلّب مزيداً من التأمّل. فالدور القيادي لعبد الله بن سبأ وتأثيره الأُسطوري في الوقائع لا أساس له من
الصحّة. وهذا الكلام لا يعني طبعاً أنّ هذا الرجل لم يكن له أيّ وجود خارجي. ولو أنّ الأخبار التي نقلها سيف بن عمر تختصّ بهذا الرجل وحده، لكان من الجائز تأكيد صحّة هذا الرأي. ولكن النكتة الجديرة بالتأمّل هي أنّ الكثير من النصوص التاريخيّة والحديثيّة - الواردة عن غير طريق سيف بن عمر - تحدّثت عن وجود شخص باسم (عبد الله بن سبأ).
أظهرَت الكثير من النصوص عبد الله بن سبأ كشخصيّة مُغالية. فقد ذكرت بعض المصادر بأنّ الإمام عليّ (عليه السلام) أحرقه لغلوّه فيه وتأليهه إيّاه:
1 - توجد في كتاب رجال الكشّي خمس روايات عن عبد الله بن سبأ ومعتقداته، ثلاث منها ذات سند صحيح (1) .
2 - جاءت في كتاب من لا يحضره الفقيه وتهذيب الأحكام رواية، يسأل فيها عبد الله بن سبأ عن حكمة رفع اليدين أثناء الدعاء (2) .
3 - ورد في كتاب الاعتقادات للشيخ الصدوق أنّ زرارة سأل الإمام الصادق (عليه السلام): إنّ رجلاً من ولد عبد الله بن سبأ يقول بالتفويض (3).
4 - في رجال الطوسي أُشير إلى اسم عبد الله بن سبأ في عداد أصحاب الإمام عليّ (عليه السلام) وجاء فيه: عبد الله بن سبأ، الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلوّ (4) .
5 - وفي كتاب الغيبة للطوسي أُُشير إلى السبئيّة عند ذكر الاعتقاد بالإمام
____________________
(1) رجال الكشّي: 1 / 323 / 170 وح 171 وص 324 / 172 وح 173 و174.
(2) من لا يحضره الفقيه: 1 / 325 / 955، تهذيب الأحكام: 2 / 322 / 1315.
(3) الاعتقادات: 100 / 37.
(4) رجال الطوسي: 75 / 718.
المهدي (عليه السلام) والتيّارات التي تنكر هذا المعتقد فقال: أَ ليس قد خالَف جماعة... وفيهم مَن قال من السبائيّة: هو عليّ (عليه السلام) لم يمُت... (1) .
6 - جاء في كتاب المحبّر لمحمّد بن حبيب النسّابة (م 245 هـ) في باب أبناء الحبشيّات: عبد الله بن سبأ صاحب السبائيّة (2) .
7 - قال ابن قتيبة (م 276 هـ) في كتاب المعارف: السبئيّة من الرافضة، يُنسبون إلى عبد الله بن سبأ، وكان أوّل من كفَر من الرافضة وقال: عليّ ربّ العالمين؛ فأحرقه عليّ وأصحابه بالنار (3) .
8 - قُتل أعشى همدان عام 83 هـ على يد الحجّاج. وقد قال أعشى همدان عن المختار وكرسيّه الذي كان يقدّسه ويدّعي أنّ عليّاً جالسٌ عليه:
شهدتُ عليكم أنّكم سبائيّة وأنّي بكم يا شرَطة الشرك عارف (4)
وهناك أخبار أُخرى وردت في كتاب المقالات والفرَق لسعد بن عبد الأشعري (م 301 هـ)، وفي كتاب فرق الشيعة للنوبختي (م 310 هـ)، وفي كتاب مقالات الإسلاميّين لعليّ بن إسماعيل (م 330 هـ)، وفي كتاب التنبيه والرد لأبي الحسين الملطي (م 377 هـ) وفي كتاب الفرق بين الفِرَق لعبد القادر البغدادي (م 429 هـ) عن عبد الله بن سبأ أو فرقة السبئيّة (5) .
وبغضّ النظر عن طبيعة هذه الأخبار ودرجة اعتبارها فهي تنمّ من غير شكّ
____________________
(1) الغيبة للطوسي: 192 / 154.
(2) المحبّر: 308.
(3) المعارف لابن قتيبة: 622.
(4) البداية والنهاية: 8 / 279.
(5) عبد الله بن سبأ وأساطير أُخرى: 2 / 221 - 231.
عن أنّ الأخبار المتعلّقة بعبد الله بن سبأ والسبئيّة لم يتفرّد بنقلها سيف بن عمر وحده أو الطبري وحده.
وخلاصة القول هي:
1 - يُستفاد من المصادر الموجودة بأنّ شخصاً اسمه (عبد الله بن سبأ) كان موجوداً بين أصحاب الإمام عليّ (عليه السلام).
2 - هناك احتمال قوي بأنّه كان رجُلاً مغالياً.
3 - كان له أتباع استمرّوا على الاعتقاد برأيه من بعده.
4 - لا توجد أخبار مقبولة عن دوره ضدّ عثمان وتحريض الناس عليه سوى ما نقَله سيف بن عمر الكذّاب.
5 - سيف بن عمر رجلٌ مختلِق للأكاذيب والأساطير وغير موثوق، وقد وصَفته المصادر الرجاليّة صراحةً بالكذّاب.
6 - لم يُشِر أيّ من المؤرّخين إلى وجود طائفة باسم طائفة السبئيّة خلال أحداث عام 30 - 36 هـ.
7 - من المؤكّد أنّ الدور الأُسطوري الذي نسبه سيف بن عمر إلى عبد الله بن سبأ كذِبٌ محض.
8 - الدور القيادي لعبد الله بن سبأ في مقتل عثمان، وتأثّر الصحابة وعامّة المسلمين بآرائه كذِبٌ صريح. وحتى لو أنّ مؤرّخين معتبرين نقَلوا تلك الأخبار، لكان واقع المسلمين والصورة الناصعة للصحابة كفيلة بدحضها.
9 - سبقت الإشارة إلى أنّ سيف بن عمر - كما جاء في أقوال علماء الرجال - كذّاب ومطعون فيه. ونُضيف هنا أنّ سيف بن عمر حتى لو كان وجهاً مقبولاً، فإنّ
هذه المنقولات غير قابلة للتصديق من حيث المضمون. فإنّ طرح الأحداث على هذا النحو الساذج لا يمكن أنْ يُقنع مؤرّخاً، بل ولا حتى إنساناً عاديّاً.
النكتة الأُخرى هي أنّ هذه الأخبار قد صنَعت من عبد الله بن سبأ وجهاً بارزاً ومؤثّراً، إلاّ أنّها بالَغت في تصوير سلوك بعض الشخصيّات على نحو لا يمكن معه حتى للإنسان العادي أنْ يقوم بمثل ذلك السلوك، فما بالك بالشخصيّات البارزة ذات الوعي السياسي العالي؟!
10 - ومهما يكن الحال فإنّ وجود مثل هذين الرأيين المتناقضين في الإفراط والتفريط أمر غير مستساغ؛ أي لا دوره الخارق مقبول، ولا القول بأنّه شخصيّة وهميّة. فقد كان شخصاً عاديّاً مع احتمال أنْ تكون له آراء مغالية.
نشير إلى أنّ العلاّمة العسكري على بيّنةٍ من وجود هذه الأخبار. وقد طرَحَها على بساط البحث وناقشها، ولابدّ أنّه اقتنع بعدَم صحّتها. إلاّ أنّ المجال لا يتّسع هنا لمناقشة هذه المباحث. بَيد أنّنا نظنّ بأنّ هذه الأخبار تنمّ عن وجود هذا الشخص، ولكنّه كان شخصاً عاديّاً عاش في المجتمع الإسلامي كأيّ مواطنٍ آخر.
الفهرس
القسم الرابع: الإمام عليّ بعد النبيّ إلى بيعة الناس 5
الفصل الأول: قصّة السقيفة 7
الفصل الثاني: عهد عمر بن الخطّاب ..89
الفصل الثالث: مبادئ خلافة عثمان .105
الفصل الرابع: مبادئ الثورة على عثمان .145
الفصل الخامس: الثـورة علـى عثمـان .205