الإمامة الإلهية- الجزء 4
التجميع الإمامة
الکاتب آية الله الشيخ محمد سند (حفظه الله)
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

الإمامة الإلهيَّة



الإمامة الإلهية

بحوث سماحة الأستاذ آية الله الشيخ محمد السَّند

الجزء الرابع

تأليف

الشيخ قيصر التميمي



تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ أحد أبواب عبادة اللَّه تعالى - نظير الصلاة والصوم والدعاء والذكر ونحوها من أنواع وأجناس وأصناف العبادات - هو التوسُّل إليه تعالى بأصفيائه وبالذين أخلصهم بقرباه.

فإن التوسّل إليه بهم، نحو زلفى وقربى إليه تعالى، فإن المتوسِّل يعطف بزمام قلبه إلى وجه اللَّه تعالى، وإن كان ( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ


وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ) (1) .

فإن القبلة ليست إلاّ وسيلة للتوجّه بها إليه تعالى ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ) (2) .

( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ) (3) .

فالقبلة ليست هي المعبود وإنما هي وجهة يتوجّه بها إليه تعالى، ومن ذلك صار آدم صفيُّ اللَّه قبلةً للملائكة ومسجودهم للَّه تعالى في قوله تعالى: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ ) (4) ، ومن ذلك صارت بيوت موسى كليم اللَّه تعالى قبلة لبني إسرائيل في صلاتهم للَّه تعالى ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاة وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (5) ، ومن ذلك قوله تعالى: ( إِذْ قَالَ يُوسُفُ ِلأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) (6) ، ( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ

____________________

(1) البقرة: 142 - 148.

(2) البقرة: 177.

(3) البقرة: 189.

(4) البقرة: 34.

(5) يونس: 87.

(6) يوسف: 4.


ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ) (1) .

( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْم ٍيُؤْمِنُونَ ) (2) .

وقد روى النسائي والترمذي في حديث الأعرابي أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله علّمه قول: (يا محمّد، إني توجّهت بك إلى اللَّه) (3) .

وروى الترمذي وابن ماجة حديث عثمان بن حُنيف: أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: ادع اللَّه أن يعافيني، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : (إن شئت صبرت؛ فهو خير لك، وإن شئت دعوت)، قال: فادعه. فأمره أن يتوضأ ويدعو بهذا الدعاء: (اللهمّ إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجَّهت بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهمّ شفّعه فيّ). ورواه النسائي وصححه البيهقي، وزاد: فقام وقد أبصر (4) .

ومن ذلك يتبيَّن أن التوجّه بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والاستشفاع به والاستعانة به إليه تعالى وتقديمه بين يدي الحاجة إليه تعالى وتوسيطه، هي عناوين موازية للتوسُّل به صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى اللَّه تعالى، وقد قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ

____________________

(1) يوسف: 99 - 100.

(2) يوسف: 111.

(3) سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب 118، سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب 189، حديث 1385.

(4) سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب 119، حديث 3578، وسنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة، باب 189، حديث 1385.


الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (1) ، وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) (2) .

فأمَر بابتغاء الوسيلة إليه تعالى، وقد عيّن تلك الوسيلة وهي التوجّه في الاستغفار والتوبة والأوبة بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأن استغفار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وتشفُّعه دخيل في توبة اللَّه تعالى عليهم ورحمته لهم.

وقال تعالى: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّيِهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (3) فجعل دعاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لهم دخيل في حصول السكينة والإيمان والطهارة لهم، وقوله تعالى: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ) (4) ، وهذا نظير ما قاله تعالى في قصّة إخوة يوسف عليه‌السلام : ( قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (5) ، وقوله تعالى: ( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (6) ، وقوله تعالى في شأن قوم موسى عليه‌السلام : ( فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ) (7) ، وقوله تعالى في شأن قوم فرعون مع النبيّ موسى عليه‌السلام : ( وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ

____________________

(1) المائدة: 35.

(2) النساء: 64.

(3) التوبة: 103.

(4) محمد: 19.

(5) يوسف: 92 - 91.

(6) يوسف: 98 - 97.

(7) البقرة: 61


عِنْدَكَ ) (1) ، وقوله تعالى في شأن النبيّ عيسى عليه‌السلام : ( اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجيِهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) (2) ، وقوله تعالى في شأن النبيّ موسى عليه‌السلام : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ) (3) .

والوجيه في اللغة هو ذو الحظوة والقرب ممَّا يتوجّه به إلى اللَّه تعالى ويتوسّل به إليه.

وقال اللَّه تعالى: ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) (4) ، المفسَّر بمقام الوسيلة والشفاعة كما في الدعاء المأثور: (اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، وارزقني شفاعته يوم القيامة).

ومن ذلك ينجلي أن الإيمان بمقام الشفاعة له صلى‌الله‌عليه‌وآله يلازم الإيمان بالتوسُّل؛ لأن التوسّل به صلى‌الله‌عليه‌وآله ينطوي على تشفّعه بقضاء الحاجة لديه تعالى، فالاعتقاد بالشفاعة دليل رجحان التوسّل ( لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ) (5) ، ( لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) (6) ، فإذْنه تعالى في الشفاعة متطابق مع أمره تعالى ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (7) ، أي بالتوسّل إليه تعالى بالوسائل الشافعة

____________________

(1) الأعراف: 134.

(2) آل عمران: 45.

(3) الأحزاب: 69.

(4) الضحى: 5.

(5) الأنبياء: 28.

(6) مريم: 87.

(7) المائدة: 35.


لديه، فالتوسّل والاستشفاع به صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى اللَّه هو دعاؤه تعالى، والوسائل التي أذن تعالى أن يدعى بها هي أبواب لدعوته جلَّ وعلا؛ لا دعوة من دونه.

وروى الحاكم في مستدركه أن آدم لمَّا اقترف الخطيئة قال: (يا ربي، أسألك بحق محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا غفرت لي، فقال: يا آدم كيف عرفت؟ قال: لأنك لمَّا خلقتني نظرت إلى العرش، فوجدت مكتوباً فيه: لا إله إلّا اللَّه محمّد رسول اللَّه، فرأيت اسمه مقروناً مع اسمك، فعرفته أحبّ الخلق إليك) (1) .

وروى البخاري، عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا أقحط الناس استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا نتوسَّل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسَّل إليك بعمّ نبيك، ونستشفع إليك بشيبته، فسُقوا. (2)

وروى أحمد بن حنبل أن عائشة قال لها مسروق: سألتك بصاحب هذا القبر ما الذي سمعت من رسول اللَّه؟ - يعني في حق الخوارج - قالت: سمعته يقول: (إنهم شرّ الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة، وأقربهم عند اللَّه وسيلة). (3)

وروى في كنز العمال عن عليّ عليه‌السلام أن يهودياً جاء إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقام بين يديه وجعل يحدّ النظر إليه، فقال: (يا يهودي ما حاجتك؟ ) فقال: أنت أفضل أم موسى؟ فقال له: (إنه يُكره للعبد أن يزكِّي نفسه، ولكن قال اللَّه تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ )(4)، إن آدم لمَّا أصابته خطيئته التي تاب منها كانت توبته: (اللهمّ إني

____________________

(1) مستدرك الحاكم، ج2، ص615.

(2) صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، باب3، كتاب فضائل النبي، باب11.

(3) مسند أحمد بن حنبل ج1، ص140، ورواه في سنن الدارمي، كتاب الجهاد، باب39، وفي سنن ابن ماجة، المقدِّمة، باب14، حديث 170.

(4) الضحى: 11.


أسألك بمحمد وآل محمد لمّا غفرت لي، فغفر له) (1) ؛ ويشير صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى قوله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (2) .

وقد أطلق القرآن الكلمة على المقرَّبين عنده تعالى كما في قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) (3) ، وقال تعالى: ( أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ) (4) .

وكيف لا يكون آل محمد عليه‌السلام وسائل الدعاء إلى اللَّه تعالى وقد حباهم اللَّه تعالى بالزلفى، واجتباهم وحظاهم بأنعمه الخاصة، وجعلهم السبيل إليه تعالى؟! فقال: ( قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (5) ، وقال: ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) (6) ، وقال: ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ) (7) .

فمودّتهم سبيل إليه، وهم الوسيله للتوجّه إليه تعالى، وقد أبان قربهم إليه من بين الأمة ومزيد عنايته بهم؛ حيث قال: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً ) (8) .

ثُم لا يخفى أن التوسّل والاستشفاع بالمقرَّبين إلى الباري تعالى هو من

____________________

(1) كنز العمال، ج11، ص455.

(2) البقرة: 37.

(3) آل عمران: 45.

(4) آل عمران: 39.

(5) الشورى: 23.

(6) سبأ: 47.

(7) الفرقان: 57.

(8) الأحزاب: 33


آداب الدعاء والتوجّه إلى الحضرة الإلهية؛ فإننا كما نتوجّه بجسمنا في الصلاة إلى المسجد الحرام والكعبة بقصد التوجّه الحقيقي بقلوبنا إلى اللَّه تعالى، فليست الكعبة إلّا وسيلة للتوجه إليه تعالى، ومن شرائط عبادته تعالى، فهذا يفصح عن دور الوسيلة والوسائل في التوجّه والدعاء، مع أن الشأن ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) ، لكن ذلك لا ينفي خصيصة المسجد الحرام والكعبة المشرّفة؛ ألا ترى أن الباري تعالى جعل آدم عليه‌السلام قبلة لسجود الملائكة مع كون السجود هو للَّه تعالى، ولم يُقبل من إبليس اللعين السجود للَّه تعالى من دون أن يتّخذ آدم قبلة يتّجه بها إليه تعالى، وكرّر تعالى هذه الواقعة في سبع سور قرآنية؛ كل ذلك لأجل أن يبيِّن تعالى أن من آداب عبادته تعالى ودعائه التوجّه إليه بأوليائه المقرَّبين، وأن هذا الأدب اللازم هو نمط من التعظيم للَّه تعالى كما هو الشأن في الكعبة المشرّفة والبيت الحرام؛ فقد جعل تعالى لهما حرمة وتقديس، وجعل حرمتهما وتعظيمهما من حرمته وتعظيمه، وقال تعالى: ( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (1) .

ولا يخفى على الفطن اللبيب أن مقتضى قوله تعالى: ( قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

____________________

(1) الحج: 32.


وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ) (1) .

وقوله تعالى: ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنََما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (2) .

إن فعله تعالى وخلقته وجهُه وآيتُه تعالى، فإن مخلوقية ما في الشرق وما في الغرب؛ أي ما في الكون أجمع، آيات تتَّجه بالمتدبّر فيها إلى اللَّه تعالى، فهي وجهه تعالى، والقبلة ما يقابل عند الاتجاه، وتولية الوجه جهة القبلة المقابلة بما هي رمز لوجهه تعالى، فكأنَّا نستقبل بتولية وجوهنا تجاه القبلة وجهه تعالى؛ إذ الاستقبال والمقابلة إنما تحصل بتوجّه المستقبِل (بالكسر) بوجهه تجاه وجه المستقبَل (بالفتح)، فآياته الكبرى سبحانه وجهه تعالى، وكذلك كلماته التامَّات هي آياته، وهي وجهة له تعالى يتَّجه بها إليه، كما مرّ أن النبيّ عيسى عليه‌السلام كلمته وآيته ( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجيِهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) (3) ، كما وصف بذلك النبيّ موسى عليه‌السلام : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا

____________________

(1) البقرة: 148 - 142.

(2) البقرة: 115.

(3) آل عمران: 45.


وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ) (1) . فوجهه تعالى ليس ما يذهب إليه المجسِّمة الزائغة عن التوحيد من إثبات الجسم والأعضاء(تعالى اللَّه عن ما يقوله الظالمون علواً كبيراً)، بل هو آيات خلقته التامة الدالة على عظمته وكماله.

وإن التوجّه إلى أشرف مخلوقاته هو تولية لشطر الوجه نحو وجهه الكريم. وفي رواية الصدوق في أماليه في قصّة الشاب النبّاش للقبور، حيث كان يبكي على شبابه بكاء الثكلى على ولدها واقفاً على باب رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأُدخل فسلّم، فردّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثُم قال: (ما يبكيك يا شاب؟) قال: كيف لا أبكي وقد ركبت ذنوباً إن أخذني اللَّه عزَّ وجلَّ ببعضها أدخلني نار جهنم، ولا أراني إلّا سيأخذني بها ولا يغفر لي أبداً، فأخذ رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يسائله عن نوع معصيته، هل هي الشرك أو قتل النفس أو غيرها، إلى أن أقرّ الشاب بجنايته، فتنفّر نبي الرحمة من فظاعة جرمه، فذهب الشاب إلى جبال المدينة وتعبّد فيها، ولبس المسوخ، وغلّ يديه جميعاً إلى عنقه، ونادى: يا ربّ، هذا عبدك بهلول بين يديك مغلول، يا رب، أنت الذي تعرفني، وزلّ مني ما تعلم يا سيدي، يا رب، إني أصبحت من النادمين، وأتيت نبيّك تائباً فطردني وزادني خوفاً، فأسألك باسمك وجلالك وعظمة سلطانك أن لا تخيِّب رجائي سيدي، ولا تبطل دعائي، ولا تقنطني من رحمتك، فلم يزل يقول ذلك أربعين يوماً وليلة، وتبكي له السباع والوحوش، فأنزل اللَّه تبارك وتعالى على نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله آية في توبته: ( الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ) (2)

____________________

(1) الأحزاب: 69.

(2) آل عمران: 135.


ويقول عزّ وجلّ: (أتاك عبدي - يا محمد - تائباً فطردته، فأين يذهب؟ وإلى مَن يقصد؟ ومَن يسأل أن يغفر له ذنباً غيري؟) ثُم قال عزّ وجلّ: ( وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (1) .

فجعل الباري الإتيان إلى نبيه وقصده إتيان إلى بابه تعالى وقصد إليه، ومِن ثَم قال تعالى في آية أخرى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) (2)

اللهمّ إنّا نسألك ونتوجّه إليك بنبيك نبي الرحمة، وإمام الهدى، وآله المطهّرين الذين أذهبت عنهم الرجس، وافترضت علينا مودَّتهم في كتابك، صلواتك عليه وآله، يا رسول اللَّه، يا رسول اللَّه، إنّا توجّهنا واستشفعنا بكم إلى اللَّه، فاشفعوا لنا عند اللَّه، فإنكم وسيلتنا إلى اللَّه، وبحبّكم نرجو النجاة، فكونوا عند اللَّه رجانا.

عشّ آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله / 1426 هـ

محمَّد سنَّد                 

____________________

(1) آل عمران: 136 - 135.

(2) النساء: 64.



المقدِّمة

الحمد للَّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الطيِّبين الطَّاهرين.

إن هذا الكتاب يعدّ محاولة جادّة لدراسة عقيدة التوسّل ونظرية التوسيط، التي كانت ولا زالت مثار جدل ديني وبشري دائر بين ثنائية القبول والجحود.

والذي يطالع المسيرة التاريخية لهذه المسألة جيّداً يجد أن الفكر البشري - الذي خاض صراعاً مريراً بين قوى الشرّ المتمثِّلة بالطغاة والجبابرة المستكبرين وبين قوى الخير التي قاد مسيرتها الأنبياء والأوصياء المصلحين - آمن واعتقد بكافَّة أطيافه ومكوناته بضرورة التوسّل، وهكذا اتخذت البشرية لنفسها وسائط تربطها بربّها العلي العظيم، الذي لا يمكن الارتباط به ارتباطاً جسمانياً حسّياً ولا مواجهته مواجهة نفسية أو عقلية لعلوّه وعظمته تبارك وتعالى، ولكن - وللأسف - نرى أن القرآن الكريم بعد أن أرّخ تلك الملحمة صرّح بأن البشرية حادت عن طريق الصواب عندما حكّمت إرادتها على الإرادة الإلهية والسلطان الإلهي، فأخطأت الأفراد والمصاديق الحقيقية لمتعلّق تلك العقيدة الفطرية، حيث آمنت - تحكيماً لسلطانها - بوسائل ووسائط موهومة اقترحتها من لدن ذاتها، محكّمة في ذلك هواها على سلطان الربّ وإرادته.


قال تعالى: ( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ) النجم: 23.

وفي الوقت ذاته نجد أن الآيات القرآنية - كما سيتَّضح في فصول الكتاب - أكّدت ودعت وألزمت الخلق باتخاذ الوسائط الإلهية والآيات البيِّنات والعلامات الشارعات والحجج الباسقات التي نصبها اللَّه عزَّ وجلَّ لمخلوقاته وأمرهم بالتمسّك والتوسّل والتوجُّه بها واللُّوذ واللجوء إليها والارتماء في أحضانها وحضرتها المشرَّفة؛ من أجل التوصّل إلى بصيص عظمة اللَّه تعالى ونيل القرب منه وقبول وتحقّق العقيدة الصحيحة وارتفاعها بالعمل وتفتّح أبواب السماء لها بالآيات والحجج.

ولكن مع ذلك كلّه يُلاحظ أن كلاماً من هنا وهناك قد يطلقه بعض مَن لم يدرك حقيقة الأمر؛ تقنيعاً لجحوده وتشويهاً لعقيدة التوسّل، حيث نجد أن أفراداً عندما جحدوا تلك العقيدة حاولوا أن يلصقوا تهمة الشرك وعبادة غير اللَّه تعالى بالمسلمين الذين آمنوا بعقيدة التوسّل وتعاطوا الوسائط وتوجّهوا إلى اللَّه تعالى بآياته وحججه الكبرى في عقيدتهم ودعائهم وعباداتهم.

ثمّ تفاقم الأمر حتى بلغ الحال ببعضهم أن حكم بكفر طوائف من المسلمين واستحلّ دماءهم لتوسّلهم وتوجّههم واستجارتهم بأنبياء اللَّه ورسله وخلفائه في الأرض.

واستمرت مسيرة الانحراف المقنّعة بشعارات التكفير حتى اتخذت لنفسها أثواباً جديدة تتناسب ومتطلَّبات العصر؛ حيث وصفوا عقيدة التوسّل بالتسوّل والاستجداء، وقالوا: إن التوسّل بالأنبياء والرسل والأوصياء صنمية


وغلوّ في الأشخاص، وقد تناسوا أن هذه مقالة إبليس عندما أبى واستكبر بنفسه عن السجود إلى خليفة اللَّه وجعْله واسطة في نيل رضا الربّ عزّ وجل، وأصبح بذلك مذموماً مدحوراً مطروداً عن ساحة الرحمة الإلهية.

خطّة البحث:

لا يخفى على القارئ الكريم أن هذا الكتاب هو مجموع الأبحاث التي ألقاها على جمع من طلبة العلْم سماحة الأستاذ المحقّق آية اللَّه الشيخ محمّد السند، حيث قام بتسليط الضوء على عقيدة التوسّل وبيان مساحتها ودائرتها ومنزلتها ودورها في منظومة العقيدة الإسلامية على ضوء البيانات القرآنية المعتضدة بالعقل والسنّة النبويّة ومنهاج أهل البيت عليهم‌السلام .

وقد وفّقني اللَّه تعالى لتقرير هذه الأبحاث القيّمة فجاءت على أربعة فصول وخاتمة.

أمَّا الفصل الأول، فقد تركّز البحث فيه على بيان حقيقة التوسّل في اللغة والاصطلاح، ثم إعطاء التصورات الصحيحة حول عقيدة التوسّل ودور الوسائط والوسائل والتوجّه إليها والتوسّل بها في العقيدة التوحيدية، وبعد ذلك تمّ التعرّض للأدلّة العقلية والتحليلية والتاريخية التي تنصّ على ضرورة التوسّل بحسب الدائرة الكونية والأدبيات الدينية وتأريخ الأديان وأعراف العقلاء وشرعيَّاتهم.

وأمَّا الفصل الثاني، فقد تمحور البحث فيه على الأدلّة والآيات القرآنية التي نصّت على التشريع الإلهي لعقيدة التوسّل، حيث ميّزت الآيات القرآنية الوسائط والوسائل المستنكرة عن غيرها، وأن الشرك بالتوجّه إلى الوسيلة


المقترحة والمخترعة من سلطان العبد ذاته، وأن التوحيد التامّ بالتوسّل والتوجّه إلى آيات اللَّه وحججه التي أمر العباد باتخاذها وسيلة، والإعراض عن هذه الوسائط والاستكبار والصدّ عنها غلق لأبواب السماء وحبط للأعمال وطرد وإبعاد عن رحمة اللَّه تعالى.

وأمَّا الفصل الثالث، فقد تمّ التعرّض فيه إلى ضرورة وشرطية ولا بدّية التوسّل في صحة العقيدة وسائر العبادات، وكذا شرط في نيل المقامات الإلهية والمنح الربّانية، واستدلَّينا على ذلك بالآيات الصريحة التي تنصّ على أن التوسّل والتوجّه بالحجج الإلهية ليس أمراً راجحاً؛ بيد العبد فعله أو تركه، بل هو أمر حتمي وضروري لابدّ منه، ومن دونه تكون أبواب السماء مقفلة بوجه العقيدة والعبادة ونيل المقامات ودرجات القرب.

وفي الفصل الرابع: تم التعرّض لأهم الشبهات التي ذُكرت حول التوسّل مع الإجابة عنها.

وأمَّا في الخاتمة، فقد ذكرنا بعض الروايات التي وردت في مجامع أهل سنة الجماعة، التي تنصّ على مشروعية التوسّل وضرورته، وكذا ذكرنا بعض كلمات أعلام السنّة حول التوسّل.

وختماً أتوجّه إلى اللَّه عزّ وجلّ بنبيه الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الطاهرين أن يحفظ شيخنا الأستاذ، وأن يتقبّل منه ومنّا هذه البضاعة إنه نعم المولى ونعم النصير.

الشيخ قيصر التميمي

25/ ذي القعدة/ 1426


الفصل الأوّل

1 - تمهيد

2 - التوسّل في اللغة والاصطلاح

3 - التوسّل عبادة توحيدية

4 - الأدلّة العقلية والتاريخية

5 - الأدلّة التحليلية



تمهيد:

إنّ مبدأ التوسّل والدعاء وطلب الشفاعة والاستغاثة بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته الطاهرين عليهم‌السلام من المبادئ الأصيلة والأساسية في الدين التي دلّ على مشروعيتها وضرورتها صريح العقل والقرآن الكريم وروايات المعصومين عليهم‌السلام .

ولقد آمن بهذه العقيدة في الإسلام عموم المسلمين بكافّة فرقهم وطوائفهم؛ حيث إن سيرتهم جارية على اللجوء إلى ساحة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ، ولكن حاول البعض - تبعاً لمنهج الجحود والجاحدين بذريعة وغطاء وقناع التكفير والمكفّرين - أن يُلصق تهمة الشرك والكفر بهذه العقيدة الإسلامية، حيث تحايل لجحوده بأن ادّعى أن التوسّل من أصناف الشرك في العبادة، وزعم أن الآيات والروايات دالّة على ذلك.

ونحن قبل الشروع في ذكر ما استعرضوه من أدلّة وشبهات والإجابة عنها، لابدّ من بيان ما هو الحقّ في المسألة، وذلك عن طريق إعطاء التصوّرات


الصحيحة والبراهين القاطعة الدالّة على مشروعية، بل ضرورة، التوسّل بأصفياء اللَّه تعالى، لأجل نيل القرب منه عزّ وجلّ وقبول الطاعات والعبادات وفتح أبواب السماء لاستجابة الدعاء وقضاء الحاجات، وأن المنكرين والجاحدين للتوسّل بأولياء اللَّه يجعلون التوسّل بهم من التوجّه إلى غير اللَّه تعالى ليفرّقوا بين اللَّه ورسله؛ قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ) (1) .

وذلك كلّه استناداً إلى الأدلّة العقلية والتحليلية والتاريخية والقرآنية والروائية الناصّة على ذلك.

____________________

(1) سورة النساء 4: 150.


التوسّل في اللغة والاصطلاح

1 - التوسّل لغة:

قال الفراهيدي في كتابه اللغوي (العين):

وسل: وسّلت إلى ربّي وسيلة؛ أي عملت عملاً أتقرّب به إليه، وتوسّلت إلى فلان بكتاب أو قرابة؛ أي تقرّبت إليه (1) .

وقال الجوهري في الصحاح:

الوسيلة: ما يتقرّب به إلى الغير، والجمع الوسيل والوسائل، والتوسيل والتوسّل واحد، يقال: وسّل فلان إلى ربّه وسيلة وتوسّل إليه بوسيلة؛ أي تقرّب إليه بعمل (2) .

ومثله ما في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (3) .

وقال ابن منظور في لسان العرب:

الوسيلة: المنزلة عند الملِك، والوسيلة: الدرجة، والوسيلة القربة، ووسّل فلان إلى اللَّه وسيلة إذا عمل عملاً تقرّب به إليه، والواسل الراغب إلى اللَّه.

____________________

(1) الفراهيدي، كتاب العين، ص289.

(2) الجوهري، الصحاح، ج5، ص1841.

(3) النهاية في غريب الحديث، ج5، ص185.


وتوسّل إليه بوسيلة إذا تقرّب إليه بعمل.

والوسيلة الوصلة والقربى، وجمعها الوسائل (1) .

والذي يتحصّل من كلمات اللغويين أن التوسّل والوسيلة هي: ما يجعله العبد من الواسطة بينه وبين ربّه لأجل التوصّل بها إلى تحصيل المقصود، وهو القرب منه عزَّ وجل، أو مطلق ما يوسّطه الشخص للتقرّب به إلى الغير من عمل أو كتاب أو قرابة أو غيرها.

2 - التوسّل اصطلاحاً:

التوسّل في الاصطلاح قريب جدّاً من المعنى اللغوي، بل هو عينه؛ والاختلاف هو في تحديد المصاديق التي نصبها اللَّه تعالى للتوسّل والتقرّب بها إليه عزّ وجل.

وسيأتي مزيد إيضاح لبيان حقيقة التوسّل اصطلاحاً عند استعراض الأدلّة القرآنية حول التوسّل في الفصل اللّاحق.

____________________

(1) ابن منظور، لسان العرب، ج11، ص225 - 224.


التوسّل عبادة توحيدية

دور الوسائط الإلهيّة وضرورة التوسّل بها:

إنّ الحقيقة التي نريد أن ندّعيها تحت هذا العنوان هي أن نفي الوسائل والوسائط الإلهيّة والإعراض عنها في حال توجّه العبد إلى اللَّه هو الشرك بعينه، وأنَّ توسّل العبد بالآيات الإلهيّة وتوجّهه وتشفّعه بالوسائط التي نصبها اللَّه عزّ وجلّ من أجل قضاء حوائجه أو قبول توبته وأوبته وعبادته ونيله للحظوة والقرب من اللَّه تعالى، هو التوحيد الحقيقي والتام المرضي عند اللَّه عزّ وجلّ.

توضيح المدّعى:

من أجل إعطاء تصوّرات صحيحة حول ما ادّعيناه آنفاً نقول: إن الوسائل والوسائط إذا كانت مجعولة ومنصوبة من قبل اللَّه عزّ وجل، فإن التوسّل والتوجّه بها واللجوء إليها والاستغاثة والاستجارة بها إلى اللَّه تعالى هو التوحيد التام، وفي الوقت ذاته يكون الإعراض عنها والاستكبار عليها والتوجّه إلى اللَّه تعالى بالمباشرة شركاً واستكباراً على اللَّه عزّ وجل ومبارزة له في سلطانه.

وأمَّا إذا لم تكن تلك الوسائط مجعولة ولا منصوبة من قبل اللَّه تعالى، فإن


التوسّل بها والتزلّف إلى اللَّه عن طريقها يكون شركاً وصنمية ووثنية وعبادة لغير اللَّه تعالى، سواء كان صنماً قرشياً في الجاهلية أو وثناً عصرياً.

بيان الأدلّة:

ولهذه الدعوى التي ذكرناها أدلّتها المتنوِّعة، ونحاول أن نشير في هذا الفصل إلى الأدلّة العقلية والتاريخية والتحليلية. وأمَّا الأدلّة القرآنية، فسيأتي ذكرها في الفصل اللّاحق.


الأدلّة العقلية والتاريخية

1 - الدليل العقلي:

هنالك بيانات متعدّدة للدليل العقلي الدالّ على مشروعيّة وضرورة التوسّل، نستعرض فيما يلي بعض تلك البيانات العقلية:

البيان الأول: التوسّل بالوسائط الإلهيّة تحكيم لسلطان اللَّه على سلطان العبد

إنّ نصب الوسائط والأبواب من قبل المخلوقين والعبيد باقتراحهم واختراعهم يُعدّ تصرّفاً في سلطان اللَّه عزّ وجل، ونوع من تحكيم إرادة العبد وهواه على إرادة ربّه، ويكون هذا الفعل من العبد شركاً ونديّة ووثنية جاهليّة.

فالعبد هو الذي ينادد ربّه في جعله الوسائط واختراعها، سواء من ناحية العمل كاتّخاذ الأحجار والأصنام وجعلها واسطة بين العبيد وبين ربّهم، أم كان من ناحية الفكر والمعتقد وذلك كاتّخاذ العقل الذاتي البشري ربّاً وزعم عدم محدوديته وأنّه يتّسع في الحكم والبتّ في الحقائق بلغ ما بلغ، فإن هكذا توسيط من قبل البشر وباقتراحهم يُعدّ مغالاة وشركاً في سلطان اللَّه؛ لأنّها تكون مناددة


للَّه تعالى وصنميّة للعقل بدعوى (إن الحكم إلّا للعقل).

فمَن يجعل لنفسه وسيطاً لم ينصبه اللَّه عزّ وجل ولم يأذن به، فهذه هي الصنمية، والتزلّف والتقرّب بتلك الوسائط غير المأذون بها هو الشرك الناقض للإيمان؛ لأنّه منازعة للَّه تعالى في سلطانه، سواء كانت أصنام العرب أم غيرها من الجهالات والجاهليات الحديثة.

وأمَّا التوسّل والتوجّه بالوسائط التي جعلها اللَّه عزّ وجلّ ونصبها لخلقه، فهو التوحيد التامّ، والإعراض عن تلك الحجج والأبواب الإلهيّة التي نصبها اللَّه عزّ وجلّ وترك التوجّه إليها، هو الشرك الناقض للإيمان أيضاً؛ لأنّه استكبار على إرادة اللَّه تعالى وسلطانه.

فالتوحيد التامّ إنما يكون بالانصياع والخضوع أمام الأبواب والوسائط التي جعلها اللَّه عزّ وجلّ، وذلك بالتوسّل بها وتوسيطها بين العبد وربّه. والسرّ في شرك المشركين والإنكار الإلهي لعقيدتهم الصنمية ليس لأصل شعورهم بالحاجة إلى الوسائل والوسائط والشفعاء، بل كان شركهم في اقتراحهم الوسائط والتدخّل في سلطان اللَّه تعالى وتحكيم إرادتهم وسلطانهم، من دون الانصياع والطوعانية لإرادة اللَّه عزّ وجل، فمصبّ إنكار الباري تعالى عليهم ليس هو إنكار نظرية ضرورة الوسائط، بل في كون الوسائط مقترحة من قبلهم.

والقرآن الكريم أيضاً - كما سيأتي - لا يستنكر على المشركين نظرية ومقالة الأبواب والوسائط، بل على العكس؛ إذ القرآن يقرّها

ويثبتها، وإنما تخطئته للمشركين بالصنميّة في اقتراحهم الوسائط والوسائل من قبل أنفسهم، ويحتّم


على المشركين أن تكون الوسائط بسلطان الربّ وإرادته.

والقرآن الكريم - كما سيأتي أيضاً - يقرّر نظرية الوسائط بأنها أمر فطري وضروري لابدّ منه. وبعبارة أخرى: لا يكفي في نفي الشرك وتحقّق التوحيد التام من العبد نفيه الوسائط المخترعة والمقترحة من قبل البشر، بل عليه أن يتوسّل بالوسائل والحجج التي نصبها اللَّه عزّ وجل؛ وذلك لأن مَن يقف عند إنكار الوسائط المقترحة فقط كمَن قال: (لا إله) وسكت من دون أن يذكر المستثنى، حيث إنه يوجب الكفر لا التوحيد، خصوصاً وأن كلمة (لا إله إلّا اللَّه) ليست كلمة للتوحيد في الذات والصفات والأفعال فحسب، وإنما هي توحيد أيضاً في مقام العبادة والخضوع والتوجّه والدعاء، فلا عبادة ولا خضوع ولا توجّه إلّا للَّه تعالى، ومعنى ذلك نفي الوسائط والشفعاء الذين لم يأذن بهم الباري تعالى، فلا إله ولا وله ولا تشفّع ولا تقرّب إلّا بما أثبته اللَّه تعالى، ولا يكفي نفي ونبذ الوسائط المقترحة، بل لابدّ من إثبات الوسائط التي جعلها ونصبها اللَّه عزّ وجل.

والنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والمعصومون عليهم‌السلام وسائط وأبواب منصوبة من قبل اللَّه تعالى.

والحاصل: إن الشريعة الإسلامية جاءت لنبذ الصنمية، القديمة منها والحديثة، والمغالاة في الأشخاص الذين لم ينصبهم اللَّه تعالى والتوجّه إليهم.

وأمَّا من نصبهم اللَّه عزّ وجلّ وجعلهم وسائط وأبواب، فلابدّ من التوجّه إليهم والتوسّل بهم والانشداد إليهم؛ لأن التوجّه والانشداد إلى الآيات


والعلامات انشداد وتوجّه إلى مَن له الآيات، وكلّما تنمّر الشخص في الانشداد إليهم وأخلص في الولاء لهم، كلما ازداد توحيده وازداد ولاؤه وانشداده إلى اللَّه تعالى، والعكس بالعكس؛ نظراً لشدّة قربهم إلى الباري، فالاقتراب منهم اقتراب منه والابتعاد عنهم ابتعاد عنه تعالى؛ فإن الآية والعلامة كلّما كانت كبيرة وعظيمة في حكاية ذي الآية فهي نظير المرآة الشديدة زيادة في المعرفة لهوية الحقيقة التي تحكيها المرآة؛ لأنّ طبيعة المرآة والآية عبورية واستطراقية توصّل إلى الحقيقة، والإيصال صفة ذاتية لها لا تنفكّ عنها، وهذه خاصِّية الآيات والوسائل المنصوبة من قبله تعالى.

البيان الثاني: الاختلاف في المراتب الوجودية

وهو بيان عقلي فطري استند إليه آدم عليه‌السلام في توسّله إلى اللَّه عزّ وجلّ بالنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله لكونه أحبّ الخلق إلى اللَّه تعالى، وكذلك استند إليه إبراهيم عليه‌السلام في استغفاره لعمّه آزر، وهو الحفاوة والحظوة والزلفى عند اللَّه تعالى.

بيان ذلك: هناك ضرورة عقليّة ذكرها الفلاسفة؛ وهي أن اللَّه تعالى وإن كان هو الخالق لكلّ شي‏ء ولا خالق سواه، ولكن إيجاد المخلوقات من قبله تعالى ليس على رتبة واحدة، بل هي ذات مراتب متعدّدة مشكّكة، وهذه ضرورة لابدّ منها، وليس ذلك لعجز في قدرة الباري (تعالى عن ذلك علواً كبيراً)؛ إذ هو على كلّ شي‏ء قدير، وإنما النقص والعجز في طرف القابل والمخلوق؛ وذلك لأنّ شيئيّة الأشياء لا تتقرّر ولا يمكن أن تفرض متحقّقة إلّا بعد إمكانها، فمع عدم إمكانها لا شيئيّة لها، والموجودات والمخلوقات النازلة في الرتبة الوجودية،


كالموجودات المادّية مثلاً أو البرزخية، لابدّ لها من سلسلة إعدادات ومخلوقات سابقة، تكون مجاري فيض اللَّه عزّ وجل، والمخلوق السابق في الرتبة الوجودية يكون سبباً لتقرّر إمكان المخلوق اللّاحق، وليس ذلك إلّا لعجز القابل والمخلوق النازل في الرتبة عن التلقّي من اللَّه تعالى بالمباشرة، فلابدّ له من واسطة ومجرىً في الفيض الإلهي لأصل ذاته وكمال صفاته؛ ولذا الإنسان ببدنه المادّي مثلاً لا يتقرّر له إمكان إلّا بعد خلق المعدّات له وتسخير الأرض والسماء والماء والهواء والمخلوقات الحيّة وغيرها، ففي الخلقة المادية توجد إعدادات كثيرة أعدّها اللَّه تعالى وسخّرها للإنسان لكي يعيش حياة ممكنة في هذا الكون، قال تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ ) (1) .

ومن هنا ورد من طرق الفريقين أن أوّل ما خلق اللَّه تعالى العقل، أو أوّل ما خلق اللَّه تعالى نور النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله (2) ، ولا تنافي بينهما.

وورد أيضاً أن اللَّه تعالى أبى أن يُجري الأمور إلّا بأسبابها (3) ، فسنّة الخلقة في هذا العالم الإمكاني عن طريق الأسباب والمسبّبات، بجعل المخلوق السابق سبباً لأن يخلق اللَّه تعالى المخلوق اللّاحق بنحو التقدّم والتأخّر الرُّتَبي.

ولا شك أن التقدّم في الرتبة الوجودية بين المخلوقات معناه أن للمخلوق الأسبق رتبة أشرف وأكرم وأقرب إلى اللَّه تعالى من المخلوق اللّاحق، وهو مجرى سيب الباري عزّ وجلّ إليه، وسبب لتفتّح أبواب السماء لتلقّي الفيض.

____________________

(1) الأنبياء: 30.

(2) العجلوني، كشف الخفاء، ج1، ص265، والقندوزي الحنفي، ينابيع المودة، ج1، ص56، وبحار الأنوار، ج54، ص170.

(3) بصائر الدرجات، ص26، والكافي، ج1، ص183.


إذن أصل فكرة الوساطة والسببية والوسيلة سنّة إلهية تكوينية سنّها اللَّه عزّ وجلّ في خلقة الممكنات، وحينئذٍ نقول: إنه ممَّا اتفقت عليه طوائف المسلمين وفرقها أن السنّة التشريعية لا تخالف السنّة التكوينية، فالشريعة تتناسب وتتلاءم مع الخلقة والفطرة التكوينية كما قال تعالى: ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) (1) .

وهذا بيان عقلي واضح دالّ على ضرورة التوجّه والتوسّل بالمقرّبين وبالمخلوقات الكريمة على اللَّه تعالى، وهذه هي الحفاوة التي استند إليها آدم وإبراهيم عليهما‌السلام في استغفارهما إلى اللَّه تعالى.

وبعبارة أخرى: إن من المعاني والحقائق الذاتية للقرب والمقرَّب أن الاقتراب إلى المقرَّب (بالفتح) يُقرِّب؛ لأنّه مقتضى قربه، كما أن الابتعاد عنه ابتعاد عمّن هو قريب إليه بمقتضى قربه أيضاً، وهذه القاعدة غير مختصّة بالقرب والبعد المكاني، بل هي مطّردة في كلّ أنماط القرب والبعد على الصعيد المعنوي من كمالات الوجود من العلم والقدرة والحياة والنور. وعلى ضوء ذلك يكون بيان الشرع لكون شي‏ء مقرّب هو بنفسه حضَّاً وتشريعاً للتوسّل به والتقرّب إلى اللَّه بالتوجّه إليه، وهذه الدلالة بديهية فطرية يدركها عامّة البشر بفطرتهم، فإن إعطاء المالك وذو القدرة والعظمة والعزّة لشي‏ء القرب واتخاذه مقرّباً يلازم إعطاءه مقام الشفاعة، فيلازم الإذن بالاستشفاع والتوسّل به، كما أن إنكار الإذن بالتوسّل والاستشفاع به إنكاراً لكونه مقرّباً، وبالتالي يستلزم الإنكار تكذيب المالك والاعتراض عليه في اتخاذه ذلك الشي‏ء مقرّباً، وكذلك الحال

____________________

(1) سورة الروم 30: 30.


فيما إذا أخبر مَن له السلطان والقدرة بأن شخصاً وجيهاً عنده؛ أي ذو حظوة وزلفى لديه وحبيباً له، فإنه إذنٌ وإعطاء لمقام الشفاعة له، ويلازم الإذن بالاستشفاع والتوسّل به، فجحود التوسّل به جحود لوجاهته وزلفاه.

البيان الثالث: وجوب الاحترام والتعظيم

وهو أيضاً شرح وبيان للحفاوة والأقربية ومعتمد على أصول فطرية جِبِلِّية؛وذلك لأن الأسلوب الجاري والمتّبَع في شرعيّات البشر وأعرافهم وآدابهم العقلائية والاجتماعية عند بعضهم البعض، هو أن طريقة الوفود على شخص يجب أن تكون بالاستئذان من الباب والحُجّاب والشفعاء والوسائل التي تؤدّي إليه، وأن يكون ذلك بمنتهى الأدب والاحترام.

وبعبارة اُخرى: إن الشخص عندما يتوسّل بشخص آخر للدخول على عظيم يُعدّ نوعاً من أنواع الاحترام والتعظيم والتأدّب، وزيادة في إبداء الحرمة والاحترام، فأنت مثلاً عندما تتّخذ المقدّمات والإجراءات اللّازمة وتأتي عن طريق الحُجب والأبواب صيانة لحرمة مَنْ تفد عليه، فإن في ذلك مزيد الأدب والاحترام وإن لم يكن ذلك الطرف محجوباً في نفسه، ولو لم تُراع تلك الإجراءات، فكأنك تكون قد هتكت حريمه. وقد ذمّ اللَّه عزّ وجلّ الذين ينادون النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله من وراء الحجرات، وأمر بإتيان البيوت من أبوابها، وأن لا يدخلوا بيوتاً غير بيوتهم حتى يستأذنوا فيُؤذَن لهم؛ قال تعالى: ( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاْتُوا


الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (1) .

وقال أيضاً عزّ وجلّ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (2) .

وقال تبارك وتعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) (3) .

وجاء في الحديث عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (أنا مدينة العلم وأنت - يا عليّ - بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها) (4) .

ونجد أن هذا الأدب الإلهي قد قرّره الشارع المقدّس في الوفود على بيت اللَّه الحرام، فجعل الإحرام مقدّمة للتهيّؤ وباباً للتعظيم.

لا يقال: إن الجاري في هذه الأعراف أمور متواضع عليها ولا ربط لها بالحقائق.

فإنه يقال: إن من المقرّر في محلّه أن الاعتبارات العقلائية ليست أموراً جزافية، بل لها مناشئ حقيقية ورابطة تكوينية، وقد أمضى اللَّه تعالى تلك الاعتبارات.

ثم إن اللَّه عزّ وجلّ نصب أبواباً ووجهاء مقرّبين يتوجّه بهم إليه من باب التأدّب مع اللَّه تعالى؛ ولذا عندما يريد الشخص المسلم أن يطلب حاجته من اللَّه تعالى في الدعاء وفي غيره، لابدّ من تقديم الثناء على اللَّه عزّ وجلّ وشكره وحمده،

____________________

(1) البقرة: 189.

(2) النور: 27.

(3)الحجرات: 4.

(4) الحاكم الحسكاني، شواهد التنزيل، ج1، ص106، وكنز العمال، ج13، ص148.


ثم يطلب حاجته بعد ذلك كما هو مذكور في كتب الفريقين (1) .

وكما جاء ذلك في سورة الحمد التي يقرؤها الفرد المسلم في اليوم والليلة عشر مرات على الأقلّ؛ حي قُدّم فيها المدح والثناء والشكر والحمد لله تعالى، ثم بعد ذلك يطلب المصلّي والقارئ للحمد حاجته من الهداية وعدم الغواية والضلال.

إذن التوسّل بمَن يكون وجيهاً عند اللَّه من التأدّب والتعظيم للَّه عزّ وجل، والوفود على اللَّه مباشرة من قبل الأفراد العاديين - الذين لا يحرز كون وجوههم مقبولة عند اللَّه تعالى، بل قد يكون مطروداً من ساحة العظمة بسبب ما يقترفه من الذنوب - يعدّ من الكبرياء والجفاء والجفوة مع اللَّه تبارك وتعالى والعتوِّ عليه، وهذا على خلاف الفطرة التوحيدية، بل إن اللَّه عزّ وجلّ ذمّ الذين يصدّون عن الوسائط ويطلبون الارتباط المباشر بالسماء، بما بيّناه في هذا الوجه؛ قال تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ) (2) .

فنحن المذنبون المقصِّرون القاصرون عن نيل المقامات الرفيعة يجب أن لا نطلب الحاجة إلى اللَّه تعالى إلّا بعد تقديم المقدّمات والتوسّل بالمقربين والوجهاء المرضيين عند اللَّه عزّ وجلّ، وهذا هو معنى قوله تعالى: ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) .

والحاصل: إن التوسّل من مبادئ الأصول الفطرية والأخلاقية، وهو مقتضى

____________________

(1) وسائل الشيعة، ج7، ص81، وابن فهد الحلّي، عدّة الداعي، ص148، وابن حجر، فتح الباري، ج3، ص4.

(2) الفرقان: 21.


التواضع والخضوع في التوجّه والوفود على اللَّه تعالى، وفيه زيادة ورفعة في التوحيد؛ لأنّ التواضع حالة توحيدية خالصة، ورفض التوسّل استكبار ورعونة لا تناسب الأدب التوحيدي، ويستنكره العقل ويشجبه العقلاء في تعاملهم.

ولابدّ من التنبيه على أن الآيات القرآنية - كما تقدّم ويأتي في الفصل اللّاحق - لا تثبت أن الوفود على اللَّه تعالى من دون التوسّل بالآيات الإلهية مخلّاً بالأدب مع الحضرة الربّانية فحسب، بل هي تصرّح بامتناع الوفود عليه عزَّ وجلِّ من دون آياته وحججه، وامتناع التوصّل إلى ذاته المقدّسة؛ لقصور في القوابل والاستعدادات.

2 - الدليل التاريخي(السيرة):

لا ريب أن هناك ضرورة إسلامية وقرآنية تؤكّد على أن فصل الشهادة الثانية، وهي شهادة أن محمّداً رسول اللَّه، عن الشهادة الأولى، وهي شهادة لا إله إلّا اللَّه، وإنكارها يُعدّ شركاً وخروجاً عن دائرة التوحيد التام الذي جاءت به الشريعة الإسلامية الخاتمة.

وعندما نرجع إلى القرآن الكريم نجده يحكم بالشرك والوثنية على الطقوس والمناسك العبادية التي يأتي بها أهل الكتاب، وإن كانوا يدّعون أنهم على دين موسى أو عيسى عليهما‌السلام . وفي الوقت ذاته اعتبر القرآن الكريم عبادة قريش وحجّهم ومناسكهم وصلاتهم تجاه الكعبة من الشرك والجاهلية وعبادة الأوثان.

فالطقوس العبادية القرشية التي يزعمون أنها على ملّة إبراهيم عليه‌السلام كالصلاة


إلى الكعبة وحجّ بيت اللَّه الحرام والإتيان بمناسكه كالطواف والسعي والوقوف بعرفات والمزدلفة وسَوق الهدي، كلّها حكم عليها القرآن الكريم بالوثنية والشرك والعبادة لغير اللَّه تعالى، وليس ذلك إلّا لعدم الرجوع إلى رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وقطع الصلة به والابتعاد عنه والتخلّي عن ولايته وعدم الخضوع والطاعة له، وعزل الشهادة الثانية وفصلها وبترها عن الشهادة الأولى. فإنّ ذلك كلّه يجعل العبادات والمناسك بأجمعها شركاً ووثنية وجاهليّة؛ كالطواف حول الكعبة مثلاً يعتبر شركاً وطاعة وعبادة لغير اللَّه عزّ وجلّ فيما إذا افتقد الشهادة الثانية والتولّي لنبيّ الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله . والفرق بين حجّ المشركين وحجّ المسلمين، هو أن المشركين يأتون بالمناسك من دون الخضوع والتسليم والتولّي لخليفة اللَّه تعالى. وأمَّا المسلمون، فهم يأتون بمناسك الحجّ مع خضوعهم لولاية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وإقرارهم بالشهادة الثانية؛ ولذا كان حجّهم طاعة وعبادة خالصة للَّه عزّ وجلّ.

وقريش إنما خرجت من مغبّة الشرك والوثنية ودخلت الإسلام بإقرارها بالشهادة الثانية وتولّيها للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والأخذ عنه والخضوع لطاعته وأوامره.

فليس التوحيد بالاتجاه مباشرة إلى اللَّه تعالى والانقطاع عن الوسائط، ولا الشرك بجعل الواسطة بين العبد وربّه، بل الوثنية والشرك في منطق القرآن الكريم رفض التسليم لولاية خاتم الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وذلك لأن الوثن والوثنية طاعة غير اللَّه عزّ وجل، والعبد إذا أنكر الواسطة التي نصبها اللَّه تعالى بينه وبين عبيده لا يبقى له مجال وطريق لاستعلام أوامر اللَّه ونواهيه وإراداته وشريعته الحقّة، التي يريد من عبده السير على خطاها.


وحينئذٍ لا يكون لذلك العبد المنكر للوسائط إلّا إرادته وهواه وميول نفسه وسلطان ذاته، وهذه هي الوثنية؛ إذ يكون وثنه هواه كما قال تعالى: ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ) (1) .

فالهوى وسلطان النفس وثن من الأوثان وإله من الآلهة وإن لم يكن من الأحجار؛ إذ لا يشترط في الوثن والصنم أن يكون من الحجارة، فإن المسلمين يتوجّهون في عبادتهم إلى أحجار الكعبة ومع ذلك هم موحِّدون ومطيعون للَّه تعالى؛ لكون ذلك عن أمره وإرادته وسلطانه.

والحاصل: إن أي عبادة من العبادات إذا انقطعت عن الخضوع لولاية سيّد الرسل وفقدت تواصلها مع الشهادة الثانية، تدخل حيِّز الشرك والوثنية الجاهليّة كما جاء ذلك في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) (2) ؛ حيث حكم اللَّه تعالى في هذه الآية المباركة بشرك ونجاسة ما يأتي به غير المسلمين من العبادات والمناسك في المسجد الحرام.

ثمّ إن مَن يجحد ولاية أهل البيت عليهم‌السلام بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يكون حاله كحال مَن جحد ولاية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ إذ مِن بعده صلى‌الله‌عليه‌وآله كيف يستعلم العبد إرادة ربّه وأوامره؟!

ومِن ثَمَّ يقول الإمام الباقر عليه‌السلام في حجّ مَن لا يؤمن بمودّة وولاية أهل البيت عليهم‌السلام : (فعال كفعال الجاهلية)؛ حيث ورد عنه عليه‌السلام أنه نظر إلى الناس يطوفون

____________________

(1) القصص: 50.

(2) التوبة: 28.


حول الكعبة، فقال: (هكذا كانوا يطوفون في الجاهليّة، إنما أُمروا أن يطوفوا بها ثم ينفروا إلينا، فيعلمونا ولايتهم ومودّتهم ويعرضوا علينا نصرتهم)، ثم قرأ هذه الآية ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِم ) (1) .

وهذا برهان تاريخي وأدياني يؤكّد ضرورة الواسطة في صحّة العبادة وقبولها.

والواسطة هي الطاعة لوليّ اللَّه تعالى، بكلّ ما للطاعة من معنى وتداعيات ومعطيات ومقتضيات تقتضيها تلك الطاعة وعلى جميع مستوياتها، فكما أن بدء التوحيد متوقّف على الشهادتين كذلك بقاؤه في كلّ الأبواب الاعتقادية والعبادية متوقّف على بقاء الشهادتين إلى آخر المطاف.

____________________

(1) السيد هاشم البحراني، تفسير البرهان، ج4، ص337.



الأدلّة التحليلية

نرمي في استعراض هذه الأدلّة تحليل بعض المفاهيم الدينية والاعتقادية، ويكون ذلك بدوره دالّاً على مشروعية التوسّل وضرورته.

1 - مفهوم العبادة:

(مفهوم العبادة ينفي الوسائط المقترحة)

يمكننا عن طريق تحديد المفهوم الاصطلاحي للعبادة وبيان العبادة الخالصة للَّه تعالى والعبادة غير الخالصة استكشاف مشروعية نظرية الوسائط، وأن المستنكَر منها هي الوسائط المقترحة فحسب؛ وذلك بالبيان التالي:

ذُكر للعبادة في اللغة معانٍ متعدّدة، أهمّها: أنها بمعنى الطاعة والخضوع.

والقرآن الكريم أيضاً استعمل مفهوم العبادة في عدّة معان، منها ما يلي:

1 - مملوكية المنفعة.

كقوله تعالى: ( عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْ‏ءٍ ) (1) .

____________________

(1) النحل: 75.


وقوله تعالى: ( وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ) (1) .

2 - سيادة الطاعة؛ وإن لم تكن أصالة للمطاع.

كقوله تعالى: ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (2) .

3 - الطاعة والخضوع والانقياد للمعبود على وجه التعظيم والتقديس، وأنه الغني بالذات ومصدر جميع الخيرات والنعم والكمالات مبدءاً وأصالة.

كقوله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ ) (3) .

وقوله تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (4) .

وكقوله تعالى لموسى عليه‌السلام : ( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاة لِذِكْرِي ) (5) .

وقوله تعالى: ( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (6) .

إلى غير ذلك من الآيات القرآنية المباركة، الدالّة على إرادة الانقياد إلى المعبود على وجه التعظيم، وأنه الغني بالذات من مفهوم ومعنى العبادة.

____________________

(1)البقرة: 221

(2). يس: 60.

(3) الرعد: 36.

(4)الذاريات: 56.

(5) طه: 14.

(6)هود: 123.


وهذا هو المعنى الاصطلاحي لمفهوم العبادة.

وإذا كان هذا هو المعنى الاصطلاحي للعبادة، فكيف كان توجّه المشركين إلى الوسائط شركاً مع أنهم لا يتوجّهون إليها بما هي مصدر الخيرات أصالة، بل بما هي شفيعة ووسيطة؟ وكيف تتحقّق العبادة لغير اللَّه تعالى؟ وكيف تتحقّق العبادة للَّه عزّ وجل؟

والجواب هو ما تقدم؛ من أن الإنكار ليس إنكاراً للوسيلة بما هي وسيلة، بل بما هي مقترحة ومخترعة من قبل العبيد. وأمَّا إذا كانت الواسطة بجعل من اللَّه تعالى وإرادته وتحكيماً لسلطانه، فلا محالة يكون التوسّل والخضوع لتلك الوسيلة طاعة للباري تعالى؛ لأنه يكون انقياداً له تعالى على وجه الرغبة والخضوع وأنه مصدر الخيرات مبدءاً وأصالة. فأي فعل يكون منطلقه من أمر اللَّه عزّ وجلّ لا يكون شركاً وإن كان ذلك الفعل بالتوجّه والتوسّل بالوسائط، ومن ثمّ يكون سجود الملائكة لآدم - كما سيأتي - عبادة للَّه لا لآدم؛ لأنه خضوع للَّه تعالى وامتثالاً لأمره بما أنه مصدر الخيرات.

إذن المدار في تحقّق العبادة وعدمه ليس على ارتباط الطقوس العبادية بغير اللَّه وعدم الارتباط بغيره، بل المدار في العبادة الخالصة وقوام التوحيد في العبادة على وجود الأمر الإلهي والإرادة الإلهية، وقوام الشرك في العبادة ليس على تعلّق الفعل العبادي بغير اللَّه، بل الشرك في العبادة يتقوّم بعدم وجود الأمر والإرادة الإلهية، وإنما باقتراح من العبد نفسه.

ومن ثمّ لا يكون التوجّه بالكعبة إلى اللَّه عزّ وجلّ في الصلاة شركاً، بل هو شعار التوحيد.


فنحن في صلاتنا نتوجّه إلى الكعبة الشريفة - مع أنها حجر - ومع ذلك تكون عبادة للَّه تعالى، وفي صلاة الطواف نتوجّه إلى مقام إبراهيم عليه‌السلام ، وكذا في الطواف نتوجّه إلى الكعبة ونتبرّك بالحجر الأسود ونتمسّح به مع أن ذلك كلّه لم يجعل من الكعبة صنماً ولا من الحجر الأسود وثناً يُعبد من دون اللَّه؛ كلّ ذلك لوجود الأمر الإلهي بالصلاة والطواف حول الكعبة والتمسّح بالحجر الأسود، فيكون الامتثال تحكيماً لسلطان اللَّه تعالى على إرادة العبيد، وذلك بخلاف أصنام الوثنيين، وهذا ممّا اتفق عليه علماء الأصول؛ حيث قرّروا أن العبادة لا تتحقّق إلّا بقصد امتثال الأمر وكون العبد ماثلاً طيّعاً أمام مولاه.

فإن وُجد الأمر تحقّق التوحيد في العبادة ولو مع الواسطة، وإن فقد الأمر كان الإتيان بالفعل شركاً ولو مع نفي الواسطة.

2 - القول بالتجسيم من أسباب جحود التوسّل:

إنّ إنكار التوسّل ورفض الوسائط ناتج إمَّا من القول بالتجسيم أو القول بالنبوءة والتنبُّؤ.

وأمَّا مَن لا يدّعي النبوءة لنفسه وينكر الجسمية في الباري عزّ وجلّ، فلا محالة له من قبول الوسائط والوسائل في كلّ العوالم والنشئآت.

وقبل البرهنة على هذا المدعى لابدّ من بيان بعض الأمور:

الأول: ليس المقصود من دعوانا (إن إنكار التوسّل ناتج من التجسيم أو دعوى النبوءة) هو أن يكون القائل بذلك قد قال بأحدهما عنواناً

وقولاً؛ بل قد يكون في


واقعه متبنّياً لحقيقة التنبُّؤ أو التجسيم من دون أن يُسمّيه تنبؤاً أو تجسيماً؛ وذلك لأنهما لا يدوران مدار العنوان والشعار، فالحقائق أو الأمور العدمية الباطلة تدور مدار واقعها، سواء واقعها العدمي في الأمور الباطلة أو واقعها الوجودي في الأمور الوجودية، فمَن ينفي الوسائط فهو لا محالة إما يبني على التجسيم أو يدّعي التنبُّؤ كما سيتّضح، وهذا نظير ما ذكره الفقهاء في بحوث المعاملات؛ من أن الشخص ربّما يقصد ماهية معاملية معيّنة ويسمّيها باسم تلك الماهية المقصودة، ولكنها في واقعها قرض ربويّ أو بالعكس.

الثاني: أن هناك دعاءاً يؤكّد مضمون ما نريد الخوض فيه، وهو من الأدعية المأثورة لتعجيل الفرج، وهو: (اللّهمّ عرّفني نفسك، فإنك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف رسولك، اللّهمّ عرّفني رسولك، فإنك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك، اللّهمّ عرّفني حجّتك، فإنك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني) (1) .

ومفاد هذا الدعاء هو أن منظومة المعارف إنما تصحّ وتكون صائبة مع صوابية وحقّانية معرفة الإنسان بربّه، وأن الخلل الناشئ في معرفة الأنبياء والرسل منبعه الخلل في معرفة اللَّه تعالى الصحيحة والتامة، كما أن الخلل في معرفة الحجج والأوصياء والأئمّة منشأه الخلل في معرفة الرسول، وبالتالي يكون ناشئاً من الخلل والنقصان في المعرفة المتعلّقة باللَّه تعالى، كما تشير إلى هذه الحقيقة مجموعة من الآيات القرآنية، منها:

قوله تعالى: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ

____________________

(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص342.


شَيْ‏ءٍ ) (1) ، فإنكار الرسل وعدم الإيمان بهم ناشئ من جهلهم بقدر الباري وقدرته وعظيم حكمته وتدبيره، ومِن خلل المعرفة في أفعال اللَّه عزَّ وجل.

ومن ثَمّ هذا يؤكّد أن الذي ينفي الوسائط والوسائل والرسل والحجج، منشأ نفيه نقصان معرفته باللَّه تعالى؛ إمَّا بالقول بالتجسيم أو القول بالتنبؤ.

والغريب من أصحاب هذه المقالة قولهم بأن التجسيم باطل في النشأة الدنيوية فقط. وأمَّا في الآخرة، فنلاقيه - والعياذ باللَّه - بصورة شابّ أمرد؛ ويستدلّون على ذلك بقوله تعالى: ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) (2) ، وبقوله تعالى: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (3) ، وبقوله تعالى: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (4) ، فيصوّرون الفوقية على العرش فوقية مكانية، لا فوقية قدرة وهيمنة.

فهم يفترضون أن اللَّه عزّ وجل في الآخرة جسم، وهذا نتاج ضعفهم وقصورهم في المسائل العقلية والاعتقادية؛ إذ لم يلتفتوا إلى أن قولهم هذا يلزم منه كون اللَّه تعالى مادّياً، وكلّ أمر مادّي قابل للانقسام، فله أجزاء متولّدة من جسمه، وهو منافٍ لِمَا نصّت عليه سورة التوحيد التي نفت التولّد والانقسام والتجسيم والمادّية.

ثُم إن الجسم محدود، وهو تعالى خالق الجسم ومهيمن عليه لا يحدّه حدّ.

وأهل البيت عليهم‌السلام يثبتون الرؤية القلبية للَّه عزّ وجلّ، وهو ما أكَّدته الآيات

____________________

(1) الأنعام: 91.

(2) القلم: 42.

(3) القيامة 75: 23 - 22.

(4) طه: 5.


القرآنية كقوله تعالى: ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) (1) ، وهم عليهم‌السلام ينفون الرؤية البصرية التي يشترط فيها المحاذاة والمقابلة

الجسمانية، واللَّه عزّ وجلّ منزّه عن الجسم والجسمية في جميع النشآت.

لقاء اللَّه يوم الحساب بآياته وحججه:

وحيث إن حشر الخلائق بأجسامهم، فإن ملاقاة العباد لربّهم تكون بالوسائط والوسائل والآيات، وإلّا للزم أن تكون المقابلة والملاقاة

جسمية؛ أي أن الباري - والعياذ باللَّه - يلاقي أجسام الخلائق بجسمه، وهو باطل بالضرورة.

فإياب الخلائق وحسابهم لابدّ أن يكون عبر الوسائل والوسائط والآيات، وإلّا فإن اللَّه عزّ وجلّ معنا أينما كنّا. وذلك ديدن قرآني في الإسناد، كإسناد الإماتة إلى اللَّه عزّ وجلّ وإلى ملك الموت وإلى الرسل التي يديرها ملك الموت، فإياب الخلق وحسابهم على اللَّه عزّ وجل، ولكن عبر آياته ووسائطه، قال تعالى: ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ) (2) ، وقال تعالى: ( وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (3) .

فإذا ثبت أن اللَّه عزّ وجلّ ليس بجسم، ونحن أجسام في شطر من ذواتنا وشطر من إدراكاتنا التي تتحقق عبر الارتباط بالأجسام، سواء في الدنيا أو البرزخ أو الآخرة، فلا يمكن الارتباط مباشرة بربّ العزّة والجلال، وحيث إن الارتباط باللَّه عزّ وجلّ في الدنيا أو البرزخ أو في الآخرة ليس منقطعاً تماماً؛ لأن

____________________

(1) النجم: 11.

(2) الأنفال: 17.

(3) التوبة: 74.


معناه التعطيل في قدرة الباري تعالى، وحيث ثبت بطلان التعطيل، وأنه لا تعطيل لمعرفة ذاته تعالى ولا لصفاته ولا لأفعاله ولا لعبادته ولا للقائه عزّ وجل، فلابدّ من القول إما بالوسائط أو النبوءة.

والمجسّمة قالوا بالتجسيم لأنهم أنكروا الوسائط وخافوا من الوقوع في التعطيل أو دعوى النبوءة، فلا محيص لهم عن القول بالتجسيم.

هذا كلّه على المستوى التحليلي لِمَا ادّعيناه أولاً.

وأمَّا الدليل القرآني على ذلك، فهو قوله تعالى: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (1) .

فقوله تعالى: ( لِبَشَرٍ ) للإشارة إلى الجسم والخصوصيات الجسمانية.

وقوله تعالى: ( إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) بمثابة البرهان والاستدلال على مضمون الآية المباركة.

وقوله تعالى: ( مَا كَانَ ) لنفي الشأنية والإمكان، لا لبيان عدم الوقوع فقط، وإلّا لكان حقّ التعبير أن يقال: إن اللَّه لا يكلّم أحداً إلّا بالطرق الثلاثة المذكورة في الآية.

ومعنى الآية الكريمة أنه لا توجد أي مجابهة جسمانية بين اللَّه عزّ وجلّ وبين البشر، المحكومين بأحكام المادّة والجسمية، فتكليمه عزّ وجلّ للبشر إمَّا وحياً؛ أي عن طريق جانب الروح في البشر، أو من وراء حجاب؛ أي عن طريق خلق الصوت وإيجاده في الأمور المادّية، كما في تكليم اللَّه عزّ وجلّ

____________________

(1) الشورى: 51.


لموسى عليه‌السلام ، أو يرسل رسولاً؛ أي إرسال الملائكة أو الأنبياء والحجج، بل وكذا التكلّم مع الملائكة، فإنه يكون عن طريق الوحي كما في قوله تعالى: ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) (1) .

إذن لا وجه للمواجهة الجسمانية مطلقاً؛ سواء في الدنيا أو البرزخ أو في الآخرة.

ثم قال تعالى: ( إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) أي متعال أن يكون جسماً محاطاً ومحدوداً، فإن العلو يستلزم نفي الجسمية، وهو عزّ وجلّ حكيم، أي غير معطّل، فمن حكمته أن يرسل رسلاً ويقيم أئمة ويوسّط وسائط، فلا تجسيم ولا تعطيل.

وهذه الآية ليست دلالتها مقصورة على دار الدنيا فقط، بل هي بلحاظ كلّ النشآت الوجودية والتكونيية، فهو تعالى عليّ متعال على الجسمية ومقابلة الأجسام، وحكيم غير معطّل بينه وبين خلقه عن طريق الوسائط والرسل، فهو عزّ وجلّ يُعرِّف برسله وأدلّته وحُججه.

وبعضهم حيث أنكر التجسيم وفرّ من مغبّة التعطيل ورفض الوسائط - بدعوى أنها صنمية منافية لروح التحرّر - وقع في القول بالتنبؤ، ولجأ إلى الإيمان بقدسية العقل وسعة مدياته وحدوده، وأنه يصيب كلّ صغيرة وكبيرة كما هي مقالة بعض المتعلمنين من الإسلاميين.

وحيث إن التنبؤ والإيحاء إلى الجميع باطل بنصّ القرآن الكريم، وثبت أن التشبيه والتجسيم وكذا التعطيل باطل، فلابدّ من الإيمان بالوسائط والوسائل، ويكون إنكار وليّ اللَّه وحجته تجسيماً أو تعطيلاً أو استكباراً وإكباراً للنفس وصنميّة للعقل، وهي النبوءة المرفوضة في الكتاب والسنّة.

____________________

(1) الأنفال: 12.


إذن الوسيلة والواسطة أمر برهاني وضروري في كلّ النشئآت، ولذا ورد في الروايات أن الذي بُعث في عالم الذرّ بين اللَّه تعالى وبين باقي الأنبياء هو النبيّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله . وهذا هو ما قلناه من أن الشهادة الأولى كما أنها مطلوبة في جميع النشئآت، كذلك الشهادة الثانية وأن محمّداً رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله باقية في كلّ النشئآت أبديّة وأزلية، فوصف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالرسالة ليس خاصاً بالدنيا فقط، وإنما النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله رسول في إنزال القرآن، وآياته غير مختصّة بالدنيا، بل تحكي كلّ النشئآت وعالم الربوبية والصفات وعالم الذات، بما لم يُنبّئ به نبيّ من الأنبياء، وهذا معنى واسطته صلى‌الله‌عليه‌وآله في كلّ العوالم والنشئآت.

والحاصل: إن لم يكن في البين تشبيه ولا تعطيل، فلابدّ من النبوءة أو قبول الوسائط والحجج، وحيث إن التنبؤ للكلّ باطل؛ فلابدّ من الإيمان والإقرار بالوسائط بين اللَّه تعالى وبين مخلوقاته في كلّ العوالم، فاللَّه عزّ وجلّ لا يُتوجّه إليه باتجاه جسماني، بل يُتوجّه إليه بالمعاني والآيات والحجج.

ومن ذلك كلّه يعلم عظم مكانة الآية والحجّة الإلهية، وأن إنكارها في الحقيقة بمنزلة إنكار الباري عزّ وجل كما ورد ذلك في قوله تعالى: ( فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) (1) ، فإنكار خلافة خليفة اللَّه في الأرض ليس ينصبّ على الوسيلة بما هي هي، بل يرجع إلى الكفر باللَّه تعالى ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْ‏ءٍ ) (2) ؛ وذلك لأن

____________________

(1) الأنعام: 33.

(2) الأنعام: 91.


الذات المقدّسة إذا لم يكن بينها وبين المخلوقات أي ارتباط، فإن معناه التعطيل، وهو بمنزلة الإنكار للَّه عزّ وجل؛ لأنه إنكار لقدرة تعالى وتدبيره. فعظمة الوسائط والحجج والآيات بعظمة ذي الآية التي أضيفت إليه، ويكون الاستخفاف بها استخفافاً باللَّه عزّ وجل، فلابدّ من تعظيمها وإجلالها.

ووظيفة الخليفة هي الواسطة والوساطة في تدبير شؤون العباد، وهذا النظر والاعتقاد الحقّ ممَّا امتاز به مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، وهو أن العوالم بجميع نشئآتها لا تخلو عن حجّة وخليفة وواسطة.

والنقطة الأخرى التي ينبغي الإشارة إليها في المقام، هي أن التوسّل والشفاعة والتوسّط والوسيلة تحمل في داخلها عدم المحورية الذاتية للشفيع والوسيط، أي ليس للوسيط والشفيع والوسيلة؛ أي استقلالية عن اللَّه عزّ وجل، وذلك لأن الواسطة معناه أن النظرة إليها آلية وحرفية، ليس لها من ذاتها إلّا الفقر والحاجة إلى سلطان اللَّه وإرادته؛ ولذا نجد أن الوسائط التي اتخذت من دون اللَّه عزّ وجلّ أخفقت في وساطتها ووجاهتها وكانت شركاً باللَّه عزّ وجل، لأنها استقلّت عن سلطانه وإرادته وإذنه.

والغريب في هذا المجال هو أن أصحاب هذه المقالة والجاحدين للتوسل آمنوا بأن الشفاعة والتشفّع بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في الآخرة ليس شركاً، وكذا التشفّع بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حال حياته. وأمَّا التشفّع به صلى‌الله‌عليه‌وآله حال موته، فزعموا أنه من الشرك الأكبر.

ويرد عليهم السؤال التالي: إن دائرة الشرك من أين نتجت؟ هل مِن حدّ معنى الشفاعة والواسطة، أو من حدّها التعبّدي، أو من خلال المعنى العقلي؟


فإذا كان المعنى عقلياً، فالغيرية إذاً أوجبت الشرك، فإنها توجبه في كلّ نشأة، سواء نشأة الدنيا أو الآخرة، وإذا لم توجب الغيرية الشرك لجهة الوساطة، فما هو الفرق بين أنواع التشفّع في الدنيا والآخرة، أو حال الموت وحال الحياة؟!

لا سيما وأن الشرك الأكبر (1) معنىً عقلي يدركه العقل، ونفيه وإثباته في متناول الأحكام العقلية، وهي لا تقبل التخصيص والاستثناء، لا سيما وأنها من الأحكام التي تقرُب من البداهة.

وبعبارة أخرى: إن الوسيلة والوساطة تعني تقوّم الواسطة والوسيلة باللَّه، وكونها مظهر فعله وظهوره، وهذا عين التوحيد في الأفعال والصفات، فكيف يُجحد تحت قناع أنه الشرك الأكبر، وتسمية ذلك الجحود بأنه توحيد؟! فإن ذلك من التلبيس لأحد العنوانين مكان الآخر، خصوصاً وأنه قد مرّ أن إنكار الوسيلة والتوسّل يؤول إلى إنكار الشهادة الثانية؛ لأنه يؤول إلى إنكار ركنية ودخالة رسالة ومقام خاتم الأنبياء في التوحيد.

____________________

(1) المقصود من الشرك الأكبر أو الشرك الصريح هو الذي يوجب ردّة عن الدين. أمَّا الشرك الأصغر أو الشرك الخفي غير الصريح، فهو الذي لا يوجب ردّة، وهو قلّما ينجو منه أحد إلّا المخلَصين. والشرك الصريح إنما يوجب الردّة؛ لأنه منافٍ لمقررات الدين الإسلامي وثوابته وأولياته والإذعان والإقرار بما هو مناف صراحة لأوليات الدين الإسلامي، وهذا نوع إنشاء فسخ وخروج عن عهود ومواثيق الشهادتين؛ وذلك لأن التشهُّد بالشهادتين لحصول الإسلام أو بالشهادة الثالثة لحصول الإيمان - كما هو عند الإمامية - يلزم منه الالتزام بعدّة عهود ومواثيق، فلو أنشأ الشهادات الثلاث والتزم بما هو منافٍ لها صريحاً، فإنه يخرج عن العهد والميثاق الذي التزم به. وأمَّا عدم إيجاب الشرك الأصغر ردّة في الدين؛ فلأن المتكلم والمدّعي لأمر لا يعي تناقض ذلك الأمر مع الشهادتين، ولا يكون ظاهراً عرفاً في الفسخ للعهود والمواثيق.


الفصل الثاني:

الأدلّة القرآنية


1 - حقيقة التوسّل في أربع طوائف قرآنية

2 - قصة آدم مع إبليس

3 - الآيات البيّنات في المسجد الحرام

4 - التوجه إلى القبلة طاعة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله

5 - المودة لذرية إبراهيم عليه‌السلام من شرائط الحجّ وغاياته

6 - الولاية من شرائط المغفرة

7 - الوفود على ولي اللَّه من شرائط الحجّ

8 - الأنبياء مصدر البركة

9 - البقعة المباركة

10 - وجوب تعظيم الأنوار الإلهية

11 - بناء المساجد على قبور الأولياء

12 - حبط الأعمال وقبولها

13 - آيات القسَم بشخص النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله

14 - الآيات الآمرة بالتوسل بالنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله

15 - آيات التوسّل بمخلوقات كريمة أُضيفت إلى الأنبياء والأولياء عليهم‌السلام

خاتمة في:

أ - الروايات الواردة في مشروعية التوسّل.

ب - آراء أعلام السنّة في التوسّل.


الأدلة القرآنية

1 - (حقيقية التوسّل في أربع طوائف قرآنية):

إنّ الآيات القرآنية المباركة الدالّة على أنّ الإنكار على المشركين مُنصبّ على الوسائط المقترحة دون الوسائط الإلهيّة على طوائف متعدّدة:

الطائفة الأولى: وهي ما كانت بلسان استنكار الأسماء المقترحة من قبل العبيد ومن سلطانهم وهوى أنفسهم.

1 - قوله تعالى: ( أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) (1) .

وهذا الكلام يسجّله اللَّه عزّ وجلّ في قرآنه الكريم على لسان نبيّه هود عليه‌السلام ، حيث يحاجج عاداً قومه وينكر عليهم الوسائط المقترحة من عند أنفسهم والتي لم ينزل اللَّه عزّ وجلّ بها سلطاناً.

وقد تقرّر في علم أصول الفقه أن النهي أو النفي إذا ورد على طبيعة مقيّدة بقيد، فإنما يقع ذلك النفي أو النهي على القيد، لا على ذات

المقيَّد، كقولك: لا رجل طويل في الدار، فإنّ النفي في هذا المثال متوجّه إلى القيد وهو الطول،

____________________

(1) الأعراف:71.


وليس المراد نفي أصل وجود الرجل في الدار، وبالنتيجة يكون المنفي الصنف والقيد، وهو الرجل الطويل، لا ذات الطبيعة المقيّدة، وهو عموم الرجل.

كذلك في المقام، فالآية في قوله تعالى: ( مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) تنفي صنفاً خاصّاً من الوسائط والوسائل، وهي الوسائط التي لم ينزّل بها اللَّه تعالى سلطاناً، والأسماء المقترحة والمجعولة من قبل أنفسهم وآبائهم.

فمصبّ الإنكار والتقريع والتخطئة هو كون تلك الأسماء والوسائط مقترحة من غير إذنٍ وسلطان إلهي. ولم تنفِ الآية المباركة أصل وجود الوسائط والوسائل، وإلّا فلو كان أصل الوساطة والتوسيط أمراً مستنكراً، فلا معنى لذكر القيد، بل يكون ذكره لغواً ومخلّاً بالغرض والمراد، مع أن الآية ركّزت على ذكر القيد، وأكّدت على أنّ الأسماء المستنكرة هي التي ( مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) ، لا مطلق طبيعة الأسماء والوسائط. فليس الإشكال في أصل الاسم والوساطة، بل الإشكال في كونها مقترحة منهم ومسندة إليهم، من دون أن يُسمّها اللَّه عزّ وجلّ أو يجعلها واسطة بينه وبين خلقه.

وفي الآية المباركة إشارة لطيفة؛ حيث لم يطلق فيها الاسم على ذات الباري عزّ وجلّ، بل أطلق على ذات الواسطة بينه تعالى وبين عبيده، أي واسطة في النداء ووسيلة في التوجّه، فالاسم الذي يُدعى به هو الوسيلة أو الواسطة التي يُتوسّل بها إليه.

2 - قوله تعالى: ( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ


سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ) (1) .

وتقريب الاستدلال بهذه الآية الكريمة بنفس ما تقدّم في الآية السابقة؛ حيث إنها تجعل مركز التخطئة والاستنكار هو التصرّف الاقتراحي من العبيد في سلطان اللَّه تعالى، وليست التخطئة لأصل مقالة الحاجة والضرورة إلى الوسائط.

الطائفة الثانية: وهي ما كانت بلسان حصول الشرك بغير اللَّه عزّ وجلّ بسبب الوسائط التي لم تكن بسلطان اللَّه وحكمه وإرادته.

1 - قوله تعالى: ( سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ) (2) .

2 - قوله تعالى: ( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ) (3) .

3 - قوله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِْثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (4) .

فسبب الشرك الذي وقعوا فيه هو تحكيم سلطانهم ورغبتهم وهواهم وإرادتهم على إرادة اللَّه تعالى وسلطانه، لا أن أصل الوساطة هو المرفوض في منطق القرآن الكريم.

الطائفة الثالثة: وهي ما كانت بلسان العبادة من دون اللَّه تعالى، وأن التوسّل

____________________

(1) النجم: 23.

(2) آل عمران: 151.

(3) الأنعام: 81.

(4) الأعراف: 33.


بالوسائط والشفعاء بغير سلطان وإذن من اللَّه عزّ وجلّ يوجب عبادة مَنْ هو دونه، وهي الوسائط المقترحة.

1 - قوله تعالى: ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ) (1) .

2 - قوله تعالى: ( مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) (2) .

لا يقال: إذا كانت العبادة المرفوضة هي عبادة المعبود الذي لم ينزّل اللَّه به سلطاناً، فهل هذا يعني أن العبادة لغير اللَّه تعالى تكون جائزة فيما إذا نزّل به اللَّه عزّ وجلّ سلطاناً؟!

لأننا نقول: العبادة لغير اللَّه تعالى ممنوعة مطلقاً، والباري تبارك وتعالى لا يأمر بعبادة غيره، ومضمون هذه الطائفة من الآيات عين المضمون الذي تقدّم في الطوائف السابقة من الآيات؛ وهو أن العبادة من دون اللَّه تعالى تتحقّق فيما إذا كانت الوسيلة بإرادة العبيد واقتراحهم. وأما إذا لم تكن كذلك، فلا تكون عبادة من دون اللَّه، بل هي عبادة للَّه عزّ وجل كما جاء ذلك في سجود الملائكة لآدم؛ فهو سجود وطاعة للَّه تعالى وامتثالٌ لأمره، لا أن السجود لآدم بنحو الاستقلال لكي يكون عبادة وخضوعاً له من دون اللَّه عزّ وجل.

فهذه الطائفة من الآيات تبيّن أن العبادة من دون اللَّه تعالى إنما تتحقّق فيما إذا كان التوجّه إلى الوسائط المقترحة من قبل العبيد، من دون أن ينزّل بها اللَّه

____________________

(1) الحج: 71.

(2) يوسف: 40.


سلطاناً. وأمَّا إذا كانت الوسائط منصوبة من قبل اللَّه عزّ وجلّ وبسلطان منه، وكان التوجّه إليها بإرادته وأمره، فحينئذٍ يكون التوجّه إلى الوسائط انقياداً وامتثالاً للأمر الإلهي وعبادة للَّه تبارك وتعالى؛ لأنّه تحكيم لسلطانه وانصياع لأوامره.

فالذي يأتمر بأوامر اللَّه تعالى بالانقياد مطلقاً بالوسائط أو بغيرها هو الموحّد التامّ في مقام العبودية والطاعة، وفي غير ذلك يكون قد تجرّأ واستكبر على الباري تعالى وكفر بربوبيّته كما فعل إبليس عندما استكبر وكان من الكافرين.

الطائفة الرابعة: ومضمونها هو أن أخذ التشريع من غيره تعالى يُعدّ شركاً في التشريع إذا كان من دون إذن اللَّه عزّ وجل.

1 - قوله تعالى: ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) (1) .

2 - قوله تعالى: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالاً قُلْ ءآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ) (2) .

نتيجة الطوائف الأربع:

إنّ الإنكار على الوثنية والمشركين ليس في فكرة الوسائط، بل باقتراحهم من الوسائط ما لم ينزّل اللَّه بها سلطاناً، فشركهم بمنازعة سلطانهم لسلطان اللَّه تعالى.

إذن، فمشركو الجاهلية مع أنهم توسّلوا وتشفّعوا بالأصنام والأوثان بُغية الزلفى والتقرّب إلى اللَّه تعالى، وهم يعلمون أن الأصنام ليست غنية بالذات

____________________

(1) الشورى: 21.

(2) يونس: 59.


وإنما هي وسائط وشفعاء إلى اللَّه عزّ وجل، مع ذلك كلّه اعتبرهم اللَّه تعالى من المشركين؛ وليس ذلك إلّا لكون محطّ الإنكار عليهم ليس في نظرية وعقيدة الحاجة إلى الوسائط، بل لكون الوسائط والشفعاء التي تشفّعوا بها لم يأذن بها اللَّه تعالى، ولم تكن بإرادته وسلطانه، وإنما هي من تحكيم سلطانهم على سلطان اللَّه تعالى.

وهذه الطوائف من الآيات مفسّرة لكلّ آيات الإنكار على المشركين والوثنيين - عبدة الأصنام - وغيرهم، وأين هذا من المعنى الذي يتوخّاه المنكرين لأصل التوسيط والوساطة؟! إذ جهة الزيغ والانحراف ليس في أصل فكرة الوسائط والوسائل والاحتياج إليها، بل من جهة كونها بإرادة العبيد وتحكيمها على إرادة الربّ وسلطانه.

2 - قصة آدم مع إبليس:

إنّ هذه الملحمة تعدّ من أوضح الأدلّة على ضرورة التوجّه إلى الوسائط والحجج الإلهيّة لطلب الزلفى والقرب من اللَّه عزّ وجل.

وهذه الواقعة تضفي بلونها على جميع أصول الدين؛ إذ هي جاءت لتعيين مصير ومعالم مسار البشرية في مبدأ وفاتحة الخليقة، وذلك واضح لمن تتبّع الآيات التي استعرضت هذه الواقعة.

ونحن هنا نتعرّض إلى ما له صلة بالمقام:

وفيما يلي نذكر بعض السور والآيات التي استعرضت القصة:

1 - قوله تعالى: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا ِلآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى


وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (1) .

2 - قوله تعالى: ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ) (2) .

3 - قوله تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا ِلآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) (3) .

4 - قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ ِلأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ) (4) .

5 - قوله تعالى: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا ِلآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ

____________________

(1) البقرة: 34.

(2) البقرة: 71 - 78.

(3) الأعراف: 11 - 13.

(4) الحجر: 28 - 35.


الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) (1) .

هذه بعض الآيات التي تعرّضت للواقعة التي هي محلّ البحث.

وقد احتوت هذه القصّة على دلالات متعدّدة تنصّ على أسس المعارف الاعتقادية، وأحد تلك الجوانب المهمّة في القصّة هي أمر اللَّه تعالى الملائكة بالسجود لآدم، وذلك ضمن عدّة تعابير تبيّن شدّة الأمر بالانقياد والخضوع لآدم عليه‌السلام كقوله تعالى: ( فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) (1) ؛ حيث احتشدت فيها الدوالّ التأكيدية كـ: (هم) و (أجمع) و (كلّ) و (الملائكة) وغيرها، وكقوله تعالى: ( فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) ؛ فهو أمر بالوقوع للسجود مباشرة بلا فصل. ولا يخفى ما في التعبير بالوقوع من شدّة الخضوع والطواعية وانقياد الملائكة لآدم عليه‌السلام .

وعلى ضوء مقالة أصحاب الشبهات المتقدّمة الجاحدين للتوسّل يكون امتناع إبليس من السجود عين التوحيد، فحيث إن إبليس أبى جعل الواسطة، يكون أكبر موحّد؛ لكونه متقيّداً ومتشدّداً في العقيدة التوحيديّة وأول رائد لدعوة التوحيد ونفي العقيدة الشركيّة التي تورّط بها الملائكة بحسب زعم الجاحدين للتوسّل، ويكون إبليس على هذا صاحب تحرّر وانفتاح وشفّافية في العبادة لرفضه الواسطة، ويكون انقياد الملائكة وخضوعهم للواسطة هو الشرك الأكبر، ويكونون بذلك مغالين في آدم؛ قد خلقوا منه صنماً - والعياذ باللَّه - لتقديسه وتعظيمه، بينما

____________________

(1) الكهف: 50.

(2) الحجر: 30.


القرآن الكريم يقرّر الحقيقة على خلاف ذلك؛ حيث يعتبر الملائكة موحدين مطيعين، أصبحوا بسجودهم في غاية القرب للَّه تعالى؛ لامتثالهم وطواعيَّتهم للأوامر الإلهيّة، وفي الوقت ذاته حكم على إبليس بالكفر؛ حيث عبّر عنه بأنّه كافر مستكبر مدحور ملعون مطرود عن ساحة الرحمة الإلهيّة.

ولا يستقيم معنى كفر إبليس وتوحيد الملائكة في القرآن الكريم إلّا على الضابطة التي ذكرناها؛ وهي: أنّ المدار في الطاعة والعبادة وتوحيد اللَّه تعالى على وجود الأمر الإلهي، فمع مخالفة الأمر الإلهي يتحقّق الكفر والشرك وإن كان مضمون المخالفة هو رفض الوسائط، وذلك ما صنعه إبليس فأصبح مذموماً مدحوراً. وأمَّا الملائكة الذين انقادوا وخضعوا للأمر الإلهي، فهم الموحّدون المطيعون، ولو كان ذلك عن طريق الواسطة والسجود لآدم عليه‌السلام ؛ سواء فُسّر السجود بمعنى جعل آدم قبلة لهم أم بمعنى الاحترام والتعظيم والانقياد لآدم والخضوع له.

إذن، أصبح إبليس في غاية البعد من اللَّه عزّ وجل واستحقّ الطرد من رحمة اللَّه تعالى؛ لاستكباره على طاعة الأمر الإلهي ولأنّه أراد أن يُحكّم إرادته وسلطانه على إرادة الباري تعالى وسلطانه، كما جاء ذلك في الحديث القدسي، قال إبليس: (ربّ اعفني من السجود لآدم وأنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل، فقال جلَّ جلاله: لا حاجة لي في عبادتك، إنما عبادتي من حيث أريد لا من حيث تريد) (1) ؛ وليس ذلك إلّا لكون عبادته التي يزعمها - مع رفضه السجود لوليّ اللَّه وواسطته - تكبّراً وتجبّراً على اللَّه عزّ وجل وتحكيماً لسلطانه

____________________

(1) تفسير القمي، ج1، ص42.


على سلطان اللَّه تعالى، وهذا ينافي مضمون حقيقة العبادة التي هي الخضوع والطواعية للأوامر الإلهية؛ إذ ليس مدار العبادة على وجود الواسطة وعدمها كما سبق.

فإبليس في حقيقة الأمر كان عابداً لهواه، والعابد أصبح هو المعبود لنفسه؛ إذ لم تكن عبادته خاضعة للأوامر الإلهية. ثم إن مقام السجود والخضوع والانقياد لآدم عليه‌السلام لم يكن من مختصّاته، بل إن ذلك مقام الخلافة الإلهيّة، فكلّ مَن يتحلّى بهذا المقام ويتسنّم منصب الخلافة يكون مسجوداً للملائكة والجنّ وغيرهم ممّا خلق اللَّه عزّ وجل.

إذن، فالخطاب والأمر بالسجود شامل لكلّ خلفاء اللَّه تعالى، خصوصاً وأن بعض الخلفاء الإلهيّين أعلى وأشرف منزلة من آدم عليه‌السلام في مقام الخلافة.

وعلى ذلك صحّ أن يقال: إن الآيات والأمر الإلهي بالسجود شامل وعام؛ أي اسجدوا لمحمّد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وهارون وداود وأوصياء الأنبياء عليهم‌السلام ، الذين هم خلفاء اللَّه في الأرض بنحو أشدّ وأكثر خضوعاً ممّا كان لآدم عليه‌السلام . ومعنى ذلك أن اللَّه عزّ وجلّ يُطوِّع جميع مخلوقاته ويأمرهم بالخضوع إلى خليفته ويأمرهم بالسجود له، أي يفترض عليهم ولايته وطاعته، بمعنى أن يتوجّهوا في عباداتهم إلى اللَّه تعالى بالخليفة الذي جعله واسطة بينه وبينهم؛ وهذا هو معنى جعل وليّ اللَّه قبلة يتوجّه به إلى اللَّه تعالى.

وقد ورد التعميم في حكم السجود والخضوع لمطلق الخليفة في قوله تعالى: ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ


مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) (1) ، فالبشر الذي خلقه اللَّه تعالى من طين وشرّفه بروح منه، وهو روح القدس، لابدّ من السجود والخضوع والانقياد له في التلقّي عن اللَّه تعالى.

ملحمة إباء إبليس وسجود الملائكة

لا زالت راهنة مستمرّة في هذا العصر

وإذا عرفت هذا وتمعّنت فيه يتّضح لك أن الملائكة وسائر الموجودات المخلوقة لا زالت ساجدة خاضعة منقادة لوليّ اللَّه وخليفته في أرضه، ولا زال إبليس وأعوانه وأتباعه وأشياعه من الجنّ والإنس يستكبرون على خليفة اللَّه، وينكرون وساطته ويرفضون الخضوع له والتوجّه إليه والتوسّل به إلى اللَّه تبارك وتعالى.

وهذا الذي ذكرناه كما ينطبق على النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله كذلك يصدق على الأوصياء الأصفياء والأئمّة والخلفاء من بعده من أهل بيته عليهم‌السلام . وهذا أيضاً نداء قرآني للمسلمين وكافّة البشر بالانقياد لمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ؛ بمعنى الخضوع لهم والتوجّه بهم إلى اللَّه عزّ وجلّ في مقام العبادة، وهذا هو النمط الثاني لفرض ولايتهم وطاعتهم عليهم‌السلام ، مضافاً إلى النمط الأول وهو معرفتهم والإيمان بهم.

والحاصل: أن ما اقترحه إبليس على اللَّه عزّ وجلّ من السجود المباشر من دون توسيط وليّ اللَّه تعالى، وهو آدم عليه‌السلام ، عين الشرك والكفر؛ لأنّه تكبّراً وتجبّراً

____________________

(1) ص: 72 - 71.


وتمرّداً على اللَّه عزّ وجل، وهو ينافي العبادة والعبودية التي مدارها على الطواعية والانصياع.

والملائكة في سجودهم لآدم موحّدون في العبادة؛ لكونهم خاضعين منقادين لأمر اللَّه عزّ وجلّ، وهو معنى العبادة والاستسلام لإرادة الباري عزّ وجل. وكان سجودهم وخضوعهم وانقيادهم لآدم عبادة للَّه تعالى وطاعة له؛ لكونها ناشئة عن أمره عزّ وجل؛ ولذا ورد في الحديث عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، قال في سجود الملائكة: (لم يكن سجودهم عبادة له، وإنما كان سجودهم طاعة لأمر اللَّه عزّ وجل) (1) .

وهذا هو الفارق الأساس الذي يفصل بين التوجّه لأحجار الكعبة الشريفة وبين التوجّه للأصنام، مع أن كلّ منهما حجر؛ فهذا شرك وذاك توحيد، ومداره وجود الأمر الإلهي وعدمه.

ثمّ إنّ السجود لآدم والسجود تجاه الكعبة والتبرّك بالحجر الأسود وغير ذلك ليس عبادة لها، بل هي عبادة لصاحب الأمر، وهو اللَّه عزّ وجل، فهو الذي أمر بذلك، والعباد منقادون مطيعون لأمره تبارك وتعالى.

الإمامة ركن التوحيد:

ومن المعالم المهمّة أيضاً، والتي استعرضتها الآيات القرآنية في قصّة آدم هي الولاية والخلافة، فالتوحيد في العبادة لا يكون إلّا بالانصياع والتذلّل لخليفة

____________________

(1) بحار الأنوار، ج16، ص342.


اللَّه تعالى المنصوب من قبله عزّ وجل، فإبليس الذي استكبر على الخلافة والإمامة في الأرض كافر بنصّ القرآن الكريم، والملائكة الذين خضعوا وسجدوا لخليفة اللَّه تعالى موحّدون في العبادة.

فالإمامة معلم من معالم توحيد اللَّه تعالى في الطاعة، والمطيع والخاضع لوليّ اللَّه ووسيلته، هو الموحّد الحقيقي، وبذلك يكون الكون بأجمعه مأموراً بالطاعة والانقياد لمقام الخلافة والإمامة في الأرض، بما فيهم كبار الملائكة المقرّبين، حيث أخذ اللَّه عزّ وجلّ الولاية للإمام والخليفة على جميع الملائكة، فمن يأبى ذلك يندرج تحت قوله تعالى: ( أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) .

ولا شكّ أن الإيمان بهذه العقيدة من مختصّات المذهب الإمامي، الذي آمن بأن السبب المتّصل بين الأرض والسماء لم ينقطع بعد وفاة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأن الولاية الفعلية للَّه تعالى والحاكمية السياسية والقضائية والتنفيذية والتشريعية، لا زالت قائمة بعد النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فولاية اللَّه تعالى في تدبير النظام الاجتماعي - بشكل مطلق - غير معطّلة.

وبذلك كلّه نخلص إلى أنّ إنكار الواسطة المنصوبة من اللَّه عزّ وجلّ هو ما قام به إبليس، حيث يدّعي التوحيد في العبادة، لكن باطن دعواه الشرك، فلابدّ أن يُلتفت إلى أن العبادة في جوهرها وروحها ليست بهيئة السجود أو الركوع أو تحريك اللسان أو بالقصد إلى بيت اللَّه الحرام فيما إذا كان المكلّف يحمل في طيّات نفسه الإباء والاستكبار على ربّه، فإن هذا هو محطّ الكفر والصنمية والفرعنة.


ضابطة العبادة:

ومن هنا قد ينبثق إشكال - أشرنا إليه سابقاً وأجبنا عنه إجمالاً - نحاول أن نجيب عنه بشي‏ء من التفصيل.

وحاصل الإشكال؛ هو: أن البحث انتهى بنا إلى أن المدار في العبادة على قصد الأمر وعدمه، فلو كان كذلك فهل يعقل أن الباري يأمر بعبادة غيره؟!

فإذا كان ذلك غير معقول، فلا يكون المدار على وجود الأمر وعدمه، بل المدار على تخصيص العبادة باللَّه تعالى وعدم تخصيصها به.

وبعبارة أخرى: لو كان المدار على وجود الأمر وعدم الأمر، لكان من المعقول أن اللَّه تعالى يأمر بعبادة غيره، والحال أن القرآن الكريم في آيات عديدة ينهى عن الكفر والشرك وعبادة غير اللَّه تعالى. وحينئذٍ يكون المدار على ذات الفعل وذات الخضوع، فإن كان لغير اللَّه فلا يعقل أن يؤمر به من قبل اللَّه عزّ وجل، وإن كان للَّه عزّ وجلّ فهو العبادة التوحيدية، فالخضوع والفعل العبادي لا يقبل التوسيط، بل لابدَّ من توجيهه وتخصيصه وإضافته إلى اللَّه عزّ وجل، ولا يعقل أن يتوجّه إلى غير اللَّه عزّ وجلّ في الفعل.

فالضابطة ليس على وجود الأمر فقط، بل على إسناد الفعل أيضاً، فإذا تمحّض الفعل في الإضافة إلى اللَّه عزّ وجلّ يكون توحيداً في العبادة، وإذا امتزج الفعل في الإضافة إلى غير اللَّه تعالى يكون شركاً، فالمدار على إثبات الواسطة ونفيها.

والجواب: هو أن المدار على وجود الأمر لا غيره، والذي يُحقّق كون العبادة


والخضوع مضافتين إلى اللَّه عزّ وجلّ دون غيره هو نفس وجود الأمر وامتثاله.

وذلك كما ذكرنا في الفارق بين التوجّه إلى الكعبة - وهي أحجار - وبين التوجّه إلى الأصنام من قبل الوثنية؛ وهو وجود الأمر وعدمه.

وبعبارة أخرى: مع وجود الأمر الإلهي لا يكون الخضوع والعبادة للواسطة، بل لأمر اللَّه محضاً، ومع عدم وجود الأمر لا يكون الخضوع للَّه وإن نفيت الواسطة، بل يكون خضوعاً لهوى النفس واستكبارها.

فإن العبادة بتسالم علماء الإسلام ليس تحقّقها بالهيئة فقط، وإنما جوهر العبادة وروحها بالخضوع والطواعية والسلم والاستسلام.

ومن الواضح أن الهيئات والأفعال البدنية، من السجود والركوع وألفاظ الدعاء، من درجات العبادة النازلة في القوى الإنسانية. وأمَّا درجات ذات الإنسان العالية كقوة عقله وقلبه، فإن عبادته بالتسليم والانقياد والإذعان، وهي المعرفة الإيمانية، ومن ثَمَّ ورد أن (الأعمال بالنيّات) أي أن قيمة العبادة بلحاظ النيّة، والنيّة هي التوجّه القلبي المتولّد من الإيمان.

وعليه فما اشتهر من تقسيم التوحيد إلى توحيد الذات والصفات والأفعال وتوحيد العبادة لا يخلو من مسامحة؛ لأن التوحيد في مقام المعرفة هو توحيد عبادة أيضاً، حيث إن إذعان القلب والعقل والروح وتسليمها بتوحيد الذات والصفات والأفعال خضوع للباري تعالى، وإخبات وتسليم، فهي عبادة للَّه من العقل والقلب والروح، ولا يمكن أن يكون للبدن والنفس عبادة للَّه ولا يكون للعقل والقلب والروح عبادة للَّه بالإيمان والإذعان والتسليم والإخبات وعدم الجموح والتمرّد على اللَّه تعالى، إذ أن جوهر العبادة هو التسليم والانقياد


والطاعة والطواعية وكون العبد طيِّعاً مطاوعاً.

فإذا أمر الباري تعالى بهيئة معينة في العبادة فطاعة ذلك الأمر هو العبادة التوحيدية وإن كان لهيئة العبادة المأمور بها علاقة وإضافة إلى وسيلة وواسطة معيّنة، فقوله تعالى: ( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) (1) إنما هو جعل إلهي للواسطة والوسيلة، وهي الكعبة، وهذا لا يعني أن اللَّه تعالى يأمر بعبادة الكعبة والسجود والخضوع لها، بل إنما السجود والخضوع له تبارك وتعالى، وباب التوجّه إليه عزّ وجلّ هي الكعبة، فهي وجه اللَّه عزّ وجل؛ حيث أطلق الباري على الكعبة والمسجد الحرام بأنه وجه اللَّه، لأنه تعالى قال: ( وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) ، والوجوه إنما يقابلها وجه يكون واسطة بين العبد والمعبود. ثم بعد ذلك يُعقّب اللَّه عزّ وجل بـ: أنني عندما أقول توجّهوا إلى الكعبة واجعلوها قبلة ووجهاً لا يعني انحصار الوجه الإلهي بالكعبة، بل ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنََما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (2) ، وإنما الوجه الأساس الذي جعل في التوجّه إلى اللَّه عزّ وجلّ في الصلاة هو الكعبة الشريفة.

فإذا كانت الكعبة تستحقّ أن تكون وجهاً للَّه تعالى، فكيف لا يكون سيّد الرسل صلى‌الله‌عليه‌وآله وجهاً من وجوه اللَّه عزّ وجل، بل أعظم الوجوه للَّه تعالى؟!

مع أن الكعبة المشرّفة عبارة عن أحجار.

____________________

(1) البقرة: 144.

(2) البقرة: 115.


نعم المجسّمة يقولون إن وجه اللَّه تعالى هو العضو الجسماني منه، وهو قول باطل بالضرورة؛ إذ لا وجه ولا يد ولا رجل للَّه عزّ وجل؛ بمعنى أنه عين ذاته. نعم، يده من مخلوقاته بمعنى القدرة والتصرّف، ووجهه بمعنى التوجّه إليه تعالى بآياته، التي هي علامات ودلالات مخلوقة للَّه تعالى لابدّ من الاستدلال بها على ذي الآية.

وحينئذٍ فالمدار على وجود الأمر، وهو الذي يخصّص الخضوع بكونه للَّه تعالى لا لغيره وإن أضيف إلى الواسطة؛ إذ ليست هي إضافة خضوع وعبادة، بل إضافة وسيلة وتوجّه بحسب ما هو الأمر الإلهي، والأمر هو مقام الآمرية والمولوية للَّه عزّ وجلّ، وإعمال سلطنة على العبد، وانقهار العبد واستسلامه لإرادة مولاه يُعدّ عبادة لمولاه لا لغيره، فمع وجود الأمر لا يعقل أن تكون العبادة لغير اللَّه، لأن العبادة التي هي الطاعة لغير اللَّه لا يتحقّق معناها مع وجود الأمر من اللَّه تعالى، ومع عدم وجود الأمر لا يكون الإتيان بالفعل طاعة وعبادة للَّه وإن حذفت الوسائط، بل يكون شركاً وطاعة لهوى النفس وتكبّراً واستكبار على آيات اللَّه تعالى وحججه.

والحاصل: إن المدار في العبادة ليس على هيئة الأفعال والطقوس فحسب، كما تسالم على ذلك علماء المسلمين من فقهاء ومحدِّثين ومتكلّمين ومفسّرين، فإن اللّاعب الرياضي قد يتخذ هيئة خاصة كالسجود والركوع وغيرهما، ولكن قصده الرياضة من شدّ عضلات الظهر أو الركبتين أو غيرها، وكذا دفع الخمس أو الزكاة بقصد الرشوة أو السمعة والرياء، فإن ذلك كلّه ليس من العبادة، وإن كانت هيئته هيئة عبادية؛ وليس ذلك إلّا لكونه خارجاً عن إطار


الأوامر الإلهية.

ولذا كان امتثال الأمر الإلهي بالسجود أو الركوع إلى الكعبة والاعتكاف في المسجد والوقوف بعرفة والسعي بين الصفا والمروة والازدلاف إلى منى والطواف حول البيت الحرام ليس عبادة للكعبة أو المسجد أو عرفة أو غيرها، وإنما إضافة تلك الهيئات العبادية إليها إضافة امتثال وطاعة وتوسّل وتوجّه إلى اللَّه تعالى انقياداً لأمره، ولا يعني ذلك صنمية أو عبادة لتلك البقاع الطاهرة؛ إذ مع وجود الأمر الإلهي يكون الامتثال انقهاراً واستسلاماً من العبد لربّه، ولا يمكن أن تكون عبادته عبادة لغير اللَّه تعالى، بل قد تكون أفعال ونسك الحج والصلاة إلى الكعبة شركاً كما كان في عهد الجاهلية قبل الإسلام، وتكون توحيداً إذا كانت بولاية ولي اللَّه - وهو الرسول - كما في أفعال الحج بعد الإسلام، فالسجود والخضوع لمِن أمر اللَّه عزّ وجلّ بالخضوع له طاعة للَّه بالأصالة، وليس المسجود له إلّا واسطة في العبادة، وآية في المعرفة والانقياد.

3 - الآيات البينات في المسجد الحرام:

قال تعالى: ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (1) ، فالآية تتحدّث عن بناء البيت الحرام وأنه أوّل بيت وأشرف بيت وضع للناس لأجل عبادة اللَّه تعالى، فهو إمام المساجد وأوّلها، ومنه تتشعّب بقيّة بيوت اللَّه تعالى التي وضعت للعبادة، ففي

____________________

(1) آل عمران: 96 - 97.


الآية الكريمة مزج بين حقيقتين:

الأولى: أن البيت الحرام هو أوّل بيت وضع للعبادة وللحجّ.

الثانية: ما يحويه هذا البيت المبارك من آيات بيّنات؛ وهي مقام إبراهيم، ومَن دخله كان آمناً.

فعندما أراد اللَّه تعالى أن يبيّن حقيقة بيته المبارك وأنه وضع للعبادة والتوحيد والتطهير من الشرك والهداية للعالمين، ذكر سبب ذلك؛ وهو أنه فيه آيات بيّنات.

إذن الركن الركين في ماهية البيت الإلهي وفي كونه هداية للعالمين ومحلّاً للعبادة والتوحيد ونفي الشرك هو كونه فيه آيات بيّنات، فالذي يُعَظِّمْ شأنه ويجعل العبادة فيه عبادة توحيدية توفّره على تلك الآيات البيّنات. والعطف في الآية المباركة عطف بيان، فالآيات المقصودة في الآية المباركة هي مقام إبراهيم عليه‌السلام أوّلاً، ومَن دخله كان آمناً ثانيا ً، وهاتان الآيتان في البيت الحرام ذُكرا على سبيل التمثيل لا الحصر؛ ولذا جاء التعبير في الآية بلفظ الجمع وهو (آيات بيّنات).

فالبيت الذي وضع للناس من أجل العبادة والهدى ونفي الشرك ميزته التي جعلته كذلك هي أنه فيه آيات بيّنات، والحجّ الذي هو شرعاً القصد إلى بيت اللَّه الحرام للوفود على اللَّه تعالى جُعل مقروناً بالآيات، وهي مقامات الأنبياء وقبورهم ومناسكهم؛ ليكون دليلاً وشاهداً على أن التوجّه والسير إلى اللَّه عزّ وجلّ لا يتمّ إلّا بالتوجّه بأنبيائه وأصفيائه والتوسّل بهم إلى اللَّه تعالى.

فلا ينفكّ توحيد اللَّه وعبادته عن التمسّك بالآيات البيّنات، كما مرّ ذلك في


سورة الأعراف؛ وهو قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الُْمجْرِمِينَ ) (1) ، حيث ربطت بين التمسّك بالآيات وبين استجابة الدعاء والتقرّب وقبول الأعمال والنجاة من النار.

وفيما يلي نحاول استعراض بعض هذه الآيات البيّنات الموجودة في البيت الحرام؛ وهي:

1 - مقام إبراهيم عليه‌السلام .

2 - الأمن والأمان بالنسبة إلى داخليه من الحجّاج والمعتمرين وغيرهم.

3 - المستجار أو الملتزم.

4 - حجر إسماعيل وقبره وقبر اُمِّه وقبر سبعين نبيّ.

5 - الصفا والمروة.

6 - الحجر الأسود.

7 - مشاعر الحجّ ومناسكه، كالمزدلفة ومنى والجمرات وعرفة.

مقام إبراهيم:

هذه الآية الإلهية من أبرز معالم وآيات المسجد الحرام، وقد نصّت على ذلك الآية التي هي محلّ البحث، وقد ورد في سورة البقرة أيضاً قوله تعالى: ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى

____________________

(1) الأعراف: 40.


إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (1) ، والتعبير بـ(مقام) في كلا الآيتين للدلالة على التفخيم والتعظيم لذلك المكان، وهو حجر من الأحجار كما في قوله تعالى: ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ) (2) ، وقوله تعالى: ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) (3) ؛ وليس ذلك إلّا لكونه لامس بدن إبراهيم عليه‌السلام ، حيث كان يقف عليه عند بنائه للبيت الشريف.

فهذا الحجر عظّمه اللَّه تعالى وفخّمه وسمّاه مقاماً، وأمرنا أن نتّخذه مصلّى؛ أي نتّخذه قبلة بالاتجاه إليه وإلى الكعبة أثناء صلاة الطواف وغيرها في شعيرة الحجّ والعمرة، التي هي القصد والتوجّه إلى اللَّه عزّ وجل، فالحاج عندما يريد أن يقصد ويتوجّه إلى ربّه بعمرة أو حجّ في الطواف وفي بيت التوحيد ومعقله، لابدّ له من التوجّه بالحجج والوسائط والآيات إلى اللَّه تعالى، وهو مقام إبراهيم والكعبة المشرّفة، وليس ذلك كلّه إلّا لتبرّك الحجر بملامسة بدن إبراهيم عليه‌السلام ، فيتوجّه به إلى اللَّه في الصلاة، فلا يستطيع المسلم أن يتجنّب أو يستبعد آيات اللَّه وحججه في أبرز معالم التوحيد، وهو الحجّ.

وإذا كان الحجر بملامسته بدن إبراهيم عليه‌السلام هذا حاله، فكيف بك بنفس النبيّ إبراهيم؟ ألا يتوجّه به إلى اللَّه عزّ وجلّ بالأولوية، فيقال: يا وجيهاً عند اللَّه اشفع لنا عند اللَّه؟!

وقد جاء في دعاء الندبة ما يقرِّب من هذه المضامين.

والحاصل: إن هناك رمزاً آخر بالإضافة إلى رمزيَّة الكعبة؛ لابدّ من التوجّه

____________________

(1) البقرة: 125.

(2) سورة النازعات: 40.

(3) سورة الإسراء: 79.


إليه واستقباله في الصلاة، ومن لم يصلِّ صلاة الطواف إلى المقام والكعبة معاً، فصلاته باطلة، وبالتالي يكون نُسكه باطلاً وقصده إلى الباري تعالى لم يتحقّق؛ لعدم إتيان البيوت من أبوابها.

بيان آخر للآية الكريمة:

ثبت في علم الأصول أن الحكم معلول لموضوع نفسه، ولا يمكن أن يكون علّة له، ففرض الموضوع سابق ومتقدّم على فرض الحكم، والحكم في قوله تعالى: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) هو وجوب اتخاذ المقام مصلّى، والموضوع هو مقام إبراهيم عليه‌السلام ، ومتعلّق الحكم هو استقبال مقام إبراهيم عليه‌السلام في الصلاة؛ وحيث إن الموضوع سابق على الحكم سبق العلّة على معلولها، فلابدّ من فرض المفروغية عن جعل سابق لتحقّق الموضوع في نفسه، وهو كون مقام إبراهيم عليه‌السلام محلّ للقربات والتعبّد والبركة والقداسة، وحينئذٍ - وبعد الفرغ عن ذلك - يأتي المحمول؛ وهو وجوب اتخاذه مصلّى باستقباله في الصلاة إلى جهة الكعبة.

فالحكم دالّ على أن للموضوع أسبقية في القداسة وكونه معلماً من معالم الدين، وليس المقام المذكور إلّا صخرة لامست قدمي إبراهيم عليه‌السلام ، فتقدّست بذلك وأصبحت ذات حرمة يتولّد منها وجوب اتخاذه مصلّى؛ بأن يُجعل قبلة مع الكعبة، فيستقبل في صلاة الحجّ والطواف في بيت اللَّه الحرام، ويتقرّب بالاتجاه به إلى اللَّه تعالى.


فالمثابة إلى بيت اللَّه الحرام من دون اتخاذ مقام إبراهيم مصلّى يكون وثناً وشركاً كعمل المشركين ومناسكهم.

ومن ذلك يتّضح أن البيت الحرام إنما يجب أن يقصد بشرط؛ وهو أن تُقرن العبادة التوحيدية للحجّ بوليّ اللَّه إبراهيم عليه‌السلام والمقامات المقدّسة والمشاهد المشرّفة التي حلّ فيها أو لامست بدنه المبارك، فالمسلم يقصد في حجّه إلى اللَّه عزّ وجلّ الوصول إلى آثار الأنبياء ومقاماتهم؛ لكونها مواطن شعّرها اللَّه عزّ وجلّ وجعلها أسباباً ووسائط لنيل القربى والزلفى إليه تعالى.

وإذا كانت صخرة لامست قدمي إبراهيم عليه‌السلام لها تلك القداسة والعظمة والبركة، فكيف بك بمشاهد النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام الذين هم أفضل وأعظم من إبراهيم وجميع الأنبياء عليهم‌السلام ؛ حيث نصّ القرآن على كون علي عليه‌السلام بمنزلة نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذا مقام لم يحظَ به أحد من الأنبياء والمرسلين، وكذلك قرنهم اللَّه تعالى بنبيّه في مواطن عديدة كما سيأتي بيانه، اختصهم بذلك دون بقية الأنبياء والمرسلين، كما نعتهم بأنهم أوتوا علم الكتاب كلّه في قوله: ( لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) (1) ، وهم أهل آية التطهير، وكذا ما في قوله تعالى: ( قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (2) بينما لم يثبت اللَّه تعالى علم الكتاب كلّه لأحد من الأنبياء، ففي النبي عيسى عليه‌السلام قال تعالى على لسانه: ( وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) (3) ، وفي شأن النبي موسى عليه‌السلام :

____________________

(1) الواقعة: 79.

(2) الرعد: 43.

(3) الزخرف: 63.


( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً ) (1) فلم يكن من مقامهما عليهما‌السلام أن يبيّنا كلّ ما يختلف فيه بني إسرائيل، ولم يكتب في ألواح موسى عليه‌السلام كلّ شي‏ء، بل من كل شي‏ء؟! وعلى هذا كلّه ألا تكون مشاهدهم والأماكن التي حلّوا فيها محلّاً للبركة والقداسة وموجبة للزلفى إلى اللَّه (عزّ وجل)؟!

إذن؛ هذه الآية المباركة تفيد عموم التبرّك بمواضع الأنبياء والأولياء وأنه من صميم التوحيد ونبذه من صميم الوثنية والجاهلية؛ وليس ذلك إلّا لكونها من شعائر اللَّه، فيجب تعظيمها تعظيماً للَّه تعالى، فهذه الآية الكريمة دالّة بالنصّ على تشعير مواطن الأنبياء والمصطفين للقربى والعبادة.

ثُم إنه لا يخفى ما في التعبير بـ(المقام) في الآية المباركة من الدلالة على ما تقدّم؛ لأن التعبير بـ(مقام) له دلالة شرعية أديانية بكون ذلك المكان محلّاً يتبرّك به.

وهكذا إضافة المقام إلى إبراهيم مُشعر بالعليّة، فليس ذلك الحكم حكماً لكلّ حجر، بل الحجر المنتسب إلى إبراهيم عليه‌السلام ، بل قد حكى القرطبي في تفسيره - عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء -: أن مقام إبراهيم الحج كلّه. وعن عطاء: أنه عرفة ومزدلفة والجمار. وقاله الشعبي النخعي: الحرم كلّه مقام إبراهيم. وقاله مجاهد (2) . فعلى هذه الأقوال في تفسير مقام إبراهيم يتّضح جليّاً أن الحج والحرم كلّه قد مُلأ ببصمات وإضافات منتسبة

____________________

(1) سورة الأعراف: 145.

(2) تفسير القرطبي، ج 2، ص 113.


إلى النبي إبراهيم عليه‌السلام ، وأنه لأجل ذلك استأهلت تلك الأماكن أن تكون مواطن لعبادة اللَّه، وأن الحج جعل عبادة توحيدية عظيمة بوسيلة التوجّه بأنبياء اللَّه في الأعمال والنسك التي يؤتى بها، حيث أضيفت إليهم عليهم‌السلام ، وسيأتي مزيد من الإيضاح لذلك في بقية مقامات الحج.

ولأجل ذلك كلّه ورد الحثّ عن أهل البيت عليهم‌السلام لأصحابهم بالتواجد في الأماكن التي شهدها النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وتشرّفت بحلوله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيها.

من ذلك ما ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام ؛ حيث قال لعبد الأعلى: (إذا مررت بوادي محسّر، فاسعَ فيه، فإن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله سعى فيه) (1) .

وعن عقبة بن خالد قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه‌السلام إنا نأتي المساجد التي حول المدينة فبأيِّها أبدأ؟ فقال: (ابدأ بقبا، فصلِّ فيه واكثر؛ فإنه أوّل مسجد صلّى فيه رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه العرصة، ثم ائتِ مشربة أم إبراهيم فصلِّ فيها؛ فإنها مسكن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ومصلّاه) (2) .

كذلك عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام قال لمعاوية بن عمّار: (لا تدع إتيان المشاهد كلّها؛ مسجد قبا فإنه المسجد الذي أسّس على التقوى من أوّل يوم، ومشربة أمّ إبراهيم، ومسجد فضيخ، وقبور الشهداء، ومسجد الأحزاب؛ وهو مسجد الفتح) (3) .

والروايات في هذا المجال كثيرة جدّاً نكتفي منها بهذا المقدار.

هذه هي الآية الأولى من الآيات البيّنات في المسجد الحرام.

____________________

(1) الطوسي، تهذيب الأحكام، ج 5، ص 195.

(2) الكافي، ج3، ص560.

(3) الكافي، ج3، ص560.


حجر إسماعيل:

لقد ورد في الروايات أن حجر إسماعيل يضمّ قبره وقبر أمه هاجر وقبر سبعين نبيّاً أو تسعة وتسعين.

ففي الكافي عن معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه‌السلام عن الحجر: أمن البيت هو أو فيه شي‏ء من البيت؟ فقال: (لا، ولا قُلامة ظفر، ولكن إسماعيل دفن أمه فيه، فكره أن توطأ، فحجّر عليه حجراً، وفيه قبور أنبياء) (1) .

وقال السيوطي في الدرّ المنثور: (وتوفّي إسماعيل بعد أبيه، فدفن داخل الحجر ممَّا يلي الكعبة مع أمَّه هاجر) (2) .

وأخرج القرطبي في تفسيره، عن عبد اللَّه بن ضمرة السلولي: (ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبيّاً) (3) .

وفي الطبقات لابن سعد، عن أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: (لمَّا بلغ إسماعيل عشرين سنة، توفِّيت أمه هاجر وهي ابنة تسعين سنة، فدفنها إسماعيل في الحجر) (4) .

وأخرج أيضاً عن أبي جهم بن حذيفة بن غانم قال: (أوحى اللَّه على إبراهيم عليه‌السلام أن يبني البيت وهو يومئذٍ ابن مائة سنة وإسماعيل يومئذٍ ابن ثلاثين سنة، فبناه معه، وتوفّي إسماعيل بعد أبيه، فدفن داخل الحجر ممَّا يلي الكعبة مع

____________________

(1) الكليني، الكافي، ج 4، ص 210.

(2) الدر المنثور، ج3، ص103، وكذا الحسن البصري، فضائل مكَّة، ص20، والحموي، معجم البلدان، ج2، ص221.

(3) تفسير القرطبي، ج2، ص130.

(4) الطبقات الكبرى، ج1، ص52.


أمه هاجر) (1) .

وفي كتاب فضائل مكّة للحسن البصري، عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (إن حول الكعبة قبر ثلاثمائة نبيّ، وما بين الركن اليماني والركن الأسود قبر سبعين نبيّاً) (2) .

ثُم إن من طاف حول الكعبة بإخراج حجر إسماعيل، فطوافه باطل، وقد نصّ على ذلك الفقهاء من الفريقين. أمَّا فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، فهو واضح، وقد صرّحت بذلك روايات أهل البيت عليهم‌السلام . وأمَّا فقهاء أهل سنّة الجماعة، فقد صرّحوا بهذه الحقيقة أيضاً، ففي مواهب الجليل للرعيني، قال: (وقال ابن مسدي في منسكه: وأمَّا قولنا (ويطوف من وراء حجر إسماعيل)، فهو الإجماع. ثم اختلفوا؛ فقال أصحاب الرأي: يطوف من وراء الحجر استحباباً. وقال جمهور العلماء بالوجوب. إلى أن قال: ثم اتفقوا على أن من طاف ببناء البيت الظاهر ولم يُدخل الحجر في طوافه أنه يعيد الطواف ما دام بمكّة، ثم اختلفوا، فقال أبو حنيفة ومَن تبعه: يعيد استحباباً. وقال جمهور العلماء: يعيد وجوباً؛ لأنه كمَن لم يطف، فإن لم يذكر حتى انصرف إلى بلاده، فقال ابن عباس: هو كمَن لم يطف. وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود وغيرهم من أهل العلم، وقالوا: عليه أن يرجع من حيث كان، يطوف من وراء الحجر) (3) .

وقال الشافعي: (وإكمال الطواف بالبيت من وراء الحجر ووراء شاذروان

____________________

(1) الطبقات الكبرى، ج1، ص52.

(2) فضائل مكّة والسكن فيها، ص 30.

(3) الحطّاب الرعيني، مواهب الجليل، ج4، ص101.


الكعبة، فإن طاف بالبيت وجعل طريقه من بطن الحجر أعاد) (1) .

وعن ابن عباس: (من طاف بالبيت فليطف من وراء الحجر) (2) .

وليس ذلك إلّا لكون الحجر من تلك الآيات التي عرّف اللَّه (عزّ وجل) بيته المبارك بها، والطواف فيه نوع من المدارية والمحورية للكعبة الشريفة، فحينما يتمحور الحاج ويدور ويطوف حول الكعبة التي تشرّفت بحجج اللَّه وآياته، فإن ذلك معناه أن تلك الآيات هي الأبواب إلى اللَّه (عزّ وجلّ) وبها يُعبد ويقصد ويتوجّه إليه.

فإسماعيل، وهو نبيّ من الأنبياء على ملّة أبيه إبراهيم حنيفاً مسلماً، ويعلم أن الكعبة أوّل بيت وضع للناس كافّة ولجميع الأجيال مناراً للعبادة والطهارة والتوحيد، مع ذلك قام ببناء قبر لأمّه، وهي وليّة من الأولياء، مع سبعين نبياً من الأنبياء، وجعل الطواف كما هو طواف بالكعبة طواف بقبر أمه وكذا قبره وقبر سبعين أو أكثر من الأنبياء.

والقرآن يأتي بعد ذلك ويقرّ هذه الحقيقة ويجعلها من الأمور التربوية للمسلمين، فيقول: إن هذا البيت معرفته وشرفه أنه فيه آيات بيّنات، هي قبور الأنبياء والأولياء.

ففي تشريع الملّة الحنيفية أن قبور الأنبياء تقصد ويتوجّه إليها ويطاف بها، وهذا من التوحيد التام، لا سيما وأن اللَّه (عزّ وجل) أمر إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت من الشرك والمشركين، قال تعالى: ( وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ

____________________

(1) الشافعي، الأم، ج2، ص193.

(2) البخاري، ج4، ص238.


طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (1) ومن تشريعات الملّة الحنيفية، التي توجب الطهارة من الشرك والتشرف بمعالم التوحيد ويكون ذلك البيت أعظم وأطهر مسجد في الأرض يُعبد فيه اللَّه تعالى، هي الآيات البيّنات؛ قبر إسماعيل وهاجر وعدد كبير من الأنبياء، ويكون الطواف كما هو طواف بالكعبة طواف بالقبور والآيات، التي بها كان البيت طاهراً من الشرك ومباركاً وهدى للعالمين.

إذن، الطواف الذي هو صلاة لابدّ أن يتوجّه فيه إلى القبور، ولابدّ من الدخول إلى البيت من أبوابه وإلّا كان الطواف باطلاً، ولم يكن البيت هدى للعالمين، هذه هي الملّة الحنيفية.

المستجار أو الملتزم:

هذه هي الآية الثالثة من آيات المسجد الحرام، وهذه الآية الإلهية في نفس جدار الكعبة ممَّا يقرب من الركن اليماني ويقابل من جهته الأخرى باب الكعبة، الذي يقرب من الحجر الأسود، وفي نصوص الفريقين يستحب التزام الكعبة وأن يستجير الداعي باللَّه تعالى في ذلك المكان.

أمَّا الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم‌السلام ، فهي كثيرة جدّاً:

فعن معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد اللَّه عليه‌السلام : (إذا فرغت من طوافك وبلغت مؤخّر الكعبة، وهو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل، فابسط يديك وألصق بدنك وخدّك البيت، وقل: اللّهمّ البيت بيتك والعبد عبدك وهذا مكان

____________________

(1) البقرة، 125.


العائذ بك من النار، ثم أقرّ لربّك بما عملت، فإنه ليس من عبد مؤمن يقرّ لربّه بذنوبه في هذا المكان إلّا غفر اللَّه له إن شاء اللَّه) (1) .

كذلك عنه عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام قال: (لمَّا طاف آدم بالبيت وانتهى إلى الملتزم، قال له جبرئيل: يا آدم، أقرّ لربّك بذنوبك في هذا المكان. إلى أن قال: فأوحى اللَّه إليه: يا آدم، قد غفرت لك ذنبك، قال: يا ربّ ولولدي أو لذرِّيَّتي، فأوحى اللَّه (عزّ وجل) إليه: يا آدم، من جاء من ذرِّيتك إلى هذا المكان وأقرّ بذنوبه وتاب كما تبت ثم استغفر غفرت له) (2) .

وغيرها من الروايات في هذا المجال.

وقال الشربيني في مغني المحتاج: (الدعاء يستحبّ في خمسة عشر موضعاً بمكة: في الطواف، والملتزم، وتحت الميزاب، وفي البيت، وعند زمزم، وعلى الصفا والمروة، وفي السعي، وخلف المقام، وفي عرفات، ومزدلفة، ومنى، وعند الجمرات الثلاث) (3) .

وفي حواشي الشرواني، أخرج ذلك عن الحسن البصري (4) .

والمضمون ذاته جاء في مواهب الجليل للحطّاب الرعيني (5) .

وقال الشافعي: (وأُحبّ له إذا ودّع البيت أن يقف في الملتزم، وهو بين الركن والباب، فيقول: اللّهمّ إن البيت بيتك والعبد عبدك وابن عبدك وابن أمتك،

____________________

(1) الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج13، ص345.

(2) وسائل الشيعة، ج13، ص347.

(3) الشربيني، مغني المحتاج، ج1، ص511.

(4) حواشي الشرواني، ج4، ص143.

(5) مواهب الجليل، ج4، ص158.


حملتني على ما سخّرت لي من خلقك، حتى سيّرتني في بلادك وبلّغتني بنعمتك، حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عنّي فازدد عنّي رضاً، وإلّا فمِن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري) (1) ، وقال النووي بعد ذكره لهذا الدعاء: (واتفق الأصحاب على استحبابه) (2) .

وقال النووي أيضاً عندما ذكر الملتزم: (سمّي بذلك لأن الناس يلزمونه عند الدعاء) (3) .

وقال أيضاً: (قال القاضي أبو الطيّب في تعليقه: قال الشافعي في مختصر كتاب الحجّ: إذا طاف للوداع استحبّ أن يأتي الملتزم فيلصق بطنه وصدره بحائط البيت ويبسط يديه على الجدار، فيجعل اليمنى ممَّا يلي الباب واليسرى ممَّا يلي الحجر الأسود، ويدعو بما أحبَّ من أمر الدنيا والآخرة). إلى أن قال: (وعن ابن عباس أنه كان يلتزم ما بين الركن والباب، وكان يقول: ما بين الركن والباب يُدعى الملتزم، لا يلزم ما بينهما أحد يسأل اللَّه (عزّ وجل) شيئاً إلّا أعطاه إيّاه) (4) .

وأخرج البيهقي في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: (رأيت رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يُلزق وجهه وصدره بالملتزم) (5) ، وكذا أخرج الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (ما بين الركن والمقام

____________________

(1) الشافعي، الأم، ج2، ص243.

(2) النووي، المجموع، ج8، ص258.

(3) المصدر، ج8، ص13.

(4) المصدر، ج8، ص261.

(5) السنن الكبرى، ج5، ص164.


ملتزم ما يدعو به صاحب عاهة إلّا برأ) (1) .

فالمستجار والملتزم معلم من معالم الطواف والكعبة، وهو الموضع الذي انشقّ الجدار منه لفاطمة بنت أسد(رضوان اللَّه عليها)، عندما أخذها الطلق بسيّد الأوصياء عليه‌السلام ، حيث استجارت بالكعبة الشريفة من ذلك الموضع، فانشقّ لها الجدار ودخلت الكعبة وولدت أمير المؤمنين عليه‌السلام فيها، كما نصّت على هذه الملحمة التأريخية كتب الحديث والسير والتواريخ من الفريقين:

أخرج الصدوق في علل الشرائع بسنده عن سعيد بن جبير قال: (قال يزيد بن قعنب كنت جالساً مع العبَّاس بن عبد المطلب وفريق من عبد العزّى بإزاء البيت الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه‌السلام - وكانت حاملة به تسعة أشهر - وقد أخذها الطّلق، فقالت: ربّ إني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإني مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل عليه‌السلام وإنه بنى البيت العتيق، فبحقّ الذي بنى هذا البيت وبحقّ المولود الذي في بطني لَمَا يسّرت عليّ ولادتي. قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت وقد انفتح عن ظهره، ودخلت فاطمة وغابت عن أبصارنا والتزق الحائط، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا أن ذلك أمر من اللَّه تعالى، ثم خرجت بعد الرابع وبيدها أمير المؤمنين عليه‌السلام ... إلى آخر القصة) (2) .

وقال الحاكم النيسايوري في مستدركه: (تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(كرم اللَّه وجهه) في جوف الكعبة) (3) .

____________________

(1) الطبراني، المعجم الكبير، ج1، ص254.

(2) علل الشرائع، ج1، ص135، وكذا الأربلي، كشف الغمة، ج1، ص61.(3) المستدرك، ج3، ص484.


وقال ابن الصباغ المالكي: (ولد عليّ عليه‌السلام بمكة المشرّفة بداخل البيت الحرام). إلى أن قال:(ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه، وهي فضيلة خصّه اللَّه تعالى بها إجلالاً له وإعلاءً لمرتبته وإظهاراً لكرامته) (1) .

وهذه آية آخرى وشعيرة أخرى من شعائر البيت الحرام، حيث يتأسّى الطائف ويتوسل ويتبرّك بموضع له صلة بأمير المؤمنين وأمه فاطمة بنت أسد، من أجل قبول الدعاء وغفران الذنوب.

السعي بين الصفا والمروة:

قال اللَّه (عزّ وجل): ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) (2) ، والصفا والمروة محلّ هبوط آدم وحوّاء ولبركة هبوطهما جُعلا من شعائر اللَّه وآياته، وسمّيا بهذين الاسمين، لهبوط آدم وحوّاء عليهما؛ حيث ورد في الروايات أن آدم لمَّا نزل على الصفا، وهو صفيّ اللَّه تعالى، سُمّي الصفا، ولمَّا نزلت حوّاء على المروة سُمّيت مروة؛ لأنها مرأة فاشتقّ منها مروة.

وأمَّا في تشريع السعي بين الصفا والمروة، فورد أن هاجر سعت بين الصفا والمروة لاستطلاع وجود الماء سبع مرات، فشرّع كذلك.

وإليك بعض تلك الروايات:

عن أبي عبد اللَّه الصادق عليه‌السلام قال: (إن آدم عليه‌السلام لمَّا هبط إلى الأرض أُهبط على

____________________

(1) ابن الصبَّاغ المالكي، الفصول المهمة، ص171.

(2) البقرة: 158.


الصفا ولذلك سُمّي الصفا؛ لأن المصطفى هبط عليه، فقطع للجبل اسم من اسم آدم، يقول اللَّه (عزّ وجل): (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)(1)، وأُهبطت حوّاء على المروة؛ وإنما سُمّيت المروة لأن المرأة هبطت عليها، فقطع للجبل اسم من اسم المرأة، وهما جبلان عن يمين الكعبة وشمالها) (2) .

كذلك عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام قال: (إن إبراهيم عليه‌السلام لمَّا خلّف إسماعيل بمكّة عطش الصبي، وكان فيما بين الصفا والمروة شجر، فخرجت أمه حتى قامت على الصفا، فقالت: هل بالوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحد، فمضت حتى انتهت إلى المروة، فقالت: هل بالوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحد، ثم رجعت إلى الصفا، فقالت كذلك حتى صنعت ذلك سبعاً؛ فأجرى اللَّه ذلك سنّة) (3) .

وعن ابن عباس في حديثه عن هاجر أم إسماعيل قال: (ثم جاء بها إبراهيم عليه‌السلام وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت، وليس بمكّة يومئذٍ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقاً). إلى أن قال: (فجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجاع، وجعلت تنظر إليه يتلوّى ( أو قال: يتلبّط ) فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا

____________________

(1) آل عمران: 33.

(2) الكافي، ج4، ص191.

(3) الصدوق، علل الشرائع، ج 2، ص 432.


بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحداً، فلم ترَ أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات، قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : (فلذلك سعى الناس بينهما)) (1) .

إذاً بسبب الأنبياء والأصفياء والأولياء، كآدم وإسماعيل وحوّاء وهاجر جعل منسك السعي بين الصفا والمروة من مناسك الحجّ والتوحيد.

والباري تعالى عبّر عن هذه الآية بأنها من شعائر اللَّه، وهو ذات التعبير بكونها آيات بيّنات، أي محلّ هداية للعالمين وآية وعلامة وشعيرة بيّنة من معالم التوحيد.

فالمسجد الحرام والبيت الشريف بورك به وكانت له تلك المنزلة الرفيعة؛ لمَّا حلّ فيه من الوسائل والوسائط والآيات والشعائر الهادية إلى التوحيد، وهم الأنبياء والأصفياء ومقاماتهم، التي أصبحت أقرب الوسائل إلى اللَّه عزّ وجل.

بئر زمزم:

من الأمور التي سنّها اللَّه (عزّ وجل) بعد طواف الحجّ الشرب من ماء زمزم، الذي نبع ببركة هاجر وإسماعيل عليه‌السلام ، فأصبح من أعمال الحجّ الندبية. فهو من توابع البيت الحرام وآية من آياته؛ لِمَا له من الصلة بهاجر وإسماعيل.

أخرج البخاري عن ابن عباس في معرض حديثه عن هاجر أمّ إسماعيل:

(فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر

____________________

(1) النسائي، السنن الكبرى، ج5، ص59، وأحمد بن حنبل، فضائل الصحابة، ص82.


الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها عيناً معنياً، قال: فشربت وأرضعت ولدها) (1) .

وأمَّا من طرقنا، فقد أخرج القمي في تفسيره، أن هاجر لما سعت سبعة أشواط: (فلمّا كان في الشوط السابع وهي على المروة، نظرت إلى إسماعيل وقد ظهر الماء من تحت رجله، فعادت حتى جمعت حوله رملاً، فإنه كان سائلاً فزمّته بما جعلته حوله؛ فلذلك سُمّيت: زمزم) (2) .

أعمال الحجّ ومناسكه:

لا ريب أن من لاحظ روايات الفريقين يجدها متّفقة على أن أعمال الحجّ كلّها لها صلة وثيقة في تشريعها بأنبياء اللَّه ورسله، فسُمّيت عرفة بهذا الاسم لاعتراف النبيّ آدم وإبراهيم عليهما‌السلام بذنوبهما (3) ، وما يأتي به الحجّاج في يوم عرفة تأسّياً بما جاء به الأنبياء كآدم وإبراهيم عليهما‌السلام ، وكذا سمّيت المزدلفة بذلك؛ لأن آدم وإبراهيم أزدلفا من عرفات ليقتربا إلى البيت الحرام ويكون ذلك قُرباً حسّياً كناية عن القرب المعنوي، ومنى أيضاً سُمّيت بهذا الاسم إما لدعاء آدم وإبراهيم عليهما‌السلام وطلبهما لِمَا يأملان، أو لأجل طلبهما التطهّر من الأماني الباطلة،

____________________

(1) صحيح البخاري، ج4، ص114.

(2) تفسير القمي، ج1، ص62.

(3) المراد من نسبة الذنب إلى النبيّ المعصوم هو ما يراه في نفسه من التقصير في طاعة اللَّه(عزّ وجل) لعظم حقّه، فالإنسان العارف باللَّه تعالى يجد نفسه مقصِّراً وإن كان في أعلى درجات الطاعة والعبادة؛ وذلك من باب أن حسنات الأبرار سيِّئات المقرَّبين، فالمقرَّب مُطالب بأدب إلهي أعظم ممَّا يطالب به الأبرار.


كذلك الجمرات جعلت منسكاً لرمي آدم وإبراهيم عليهما‌السلام الشيطان في تلك المواضع.

إذن، الحجّ بكلّ أجزائه ومناسكه ومواطنه متعلّق ومتلوّن بأفعال الأنبياء والأولياء وأسمائهم، فهم أبواب بيت اللَّه وآياته البيّنات وشعائره الباسقات، فإذا أراد الحاج والموحّد أن يسلك السبيل إلى اللَّه(عزّ وجل) لابدّ أن يسلك ما سلكه أنبياء اللَّه ورسله ويحاذي في فعله سيرهم وسلوكهم، ويتوسَّل إلى اللَّه (عزّ وجل) في تلك المواضع التي سُمّيت بأسماء الأنبياء وأفعالهم؛ تذكيراً بهم وإحياءاً لأمرهم وتأكيداً على أن القصد والتوجّه إلى اللَّه(عزّ وجل) لا يُسلك إلّا بحجج اللَّه ورسله.

والحاصل: أن الحجّ بمجموعه آية بيّنة على أن العبد لا يمكنه أن يفد على اللَّه تعالى إلّا بالتوسُّل بذوات الأنبياء وأفعالهم وما يتَّصل بهم؛ لكونهم شعائر اللَّه وأبوابه التي لا سبيل للقصد إلى اللَّه(عزّ وجل) إلّا بها.

فائدة:

ممَّا ذكرنا سابقاً من ضرورة التمسّك بالآيات والحجج لحصول البركة والطهارة والهداية والوفود على اللَّه تعالى يظهر المعنى المراد من الروايات التي نصّت على أن زيارة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وزيارة المعصوم والإقرار بالولاية له بعد إتمام مناسك الحجّ هي الطهارة العظمى، وأن قضاء التفث له معنى تأويلي غير المعنى التنزيلي هو لقاء الإمام المفروض الطاعة والإقرار له بالولاية؛ وذلك لأنه باب اللَّه الذي منه يؤتى والآية البيّنة التي لا يقبل عمل إلّا بالتوسُّل بها.


أخرج الصدوق بسنده عن عبد اللَّه بن سنان عن ذريح المحاربي، قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه‌السلام : إن اللَّه أمرني في كتابه بأمر فأحبّ أن أعلمه، قال عليه‌السلام : (وما ذاك؟) قلت: قول اللَّه(عزّ وجل): ( ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ) (1) قال: ( ( لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ) لقاء الإمام ( وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ) تلك المناسك) (2) .

قال عبد اللَّه بن سنان: فأتيت أبا عبد اللَّه عليه‌السلام فقلت: جعلت فداك قول اللَّه (عزّ وجل): ( ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ) ؟ قال عليه‌السلام : (أخذ الشارب وقص الأظفار وما أشبه ذلك)، قال: قلت: جعلت فداك، فإن ذريحاً المحاربي حدّثني عنك أنك قلت له: ( ( لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ) لقاء الإمام ( وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ) تلك المناسك)؟ فقال: (صدق ذريح وصدقت، إن للقرآن ظاهراً وباطناً، ومَن يحتمل ما يحتمل ذريح؟) (3) .

فلابدّ من الورود على الإمام المعصوم المفروض الطاعة للطهارة من الشرك والهداية إلى التوحيد.

4 - التوجّه إلى القبلة طاعة للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله :

قال تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ) (4) .

فإن هذه الآية المباركة صريحة في أن استقبال الكعبة المكرَّمة أو بيت

____________________

(1) الحج: 29.

(2) الكليني، الكافي، ج4، ص549.

(3) معاني الأخبار، ص340، ح10.

(4) البقرة: 143.


المقدس لم يكن الغرض منه نفس بيت المقدس أو الكعبة بما هي، بل من أجل استعلام الطوعانية والانصياع إلى سيّد الرسل صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي بدورها تؤدّي إلى طاعة اللَّه تعالى.

إذن، لابدّ من توسيط ولاية النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وطاعته في قبول العبادة، والاستكبار عليه وعدم الانصياع إلى أوامره بالاعتراض على القبلة التي يأمر بالتوجهّ إليها في العبادة اعتبرته الآية المباركة كفراً وارتداداً وانقلاباً على الأعقاب، كما فعلت ذلك قريش عندما اعترضت على النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بجعله بيت المقدس قبلة يتوجّه إليها في العبادة، واتهمته بأنه هوّد فتيان قريش.

5 - المودّة لذريّة إبراهيم من شرائط الحجّ وغاياته:

قال تعالى: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الُْمحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاة فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (1) .

هذه الآية المباركة من آيات الحجّ، التي تتعرّض لبيان ركن هامّ من أركان مناسك الحجّ أو العمرة.

بيان ذلك:

إن هذه الآيات القرآنية المباركة نصّت على أن إبراهيم عليه‌السلام جاء بذريَّته

____________________

(1) إبراهيم: 35 - 36 - 37.


وأسكنها البيت الحرام - بكلّ ما أحاط بذلك الإسكان من ملابسات وعناء ومشقّة ووحشة وغربة وجوع وعطش، بلا أنيس أو كفيل لتلك الذريّة الطاهرة سوى اللَّه تعالى - امتثالاً لأمر اللَّه عزّ وجل؛ لغايتين إلهيتين شريفتين اقتضتهما الحكمة الإلهية من ذلك الإسكان: إحداهما غاية متوسّطة، والأخرى غاية قصوى ونهائية تترتَّب على إسكان الذريّة إلى جنب المسجد الحرام.

الغاية الأولى: قول إبراهيم عليه‌السلام : ( رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاة ) ، والمراد من ذلك عمارة المسجد الحرام وتشييد معالم الدين وأركان التوحيد؛ وذلك بإقامة الصلاة والطواف والسعي وبقيّة مناسك الحجّ وكافّة العبادات وجميع الشعائر الإلهية. والصلاة إنما ذكرت في الآية المباركة مثالاً لهذه الغاية.

وحاصل هذه الغاية هو جعل المركزية للكعبة المشرّفة في التوجّه إلى اللَّه تعالى لإقامة الدين ومناسك العبادة.

ولكن هذه الغاية غير كافية ولا مقبولة عند اللَّه عزّ وجلّ ما لم تتحقّق الغاية النهائية، التي أراد اللَّه تعالى تحقّقها من ذلك الإسكان.

الغاية الثانية: قول إبراهيم عليه‌السلام : ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) (1) ، فإن الفاء في قوله عليه‌السلام : ( فَاجْعَلْ ) للتفريع؛ وذلك لبيان أن لعمارة المسجد الحرام وإقامة الصلاة والحجّ وشعائر الدين غاية أخرى لابدّ من تحقّقها، وهي أن تهوى القلوب تلك الذريّة الطاهرة، التي أسكنها عند المسجد الحرام.

إذن، لابدّ أن يكون التوجّه إلى اللَّه تعالى في العبادات والشعائر الدينية بالكعبة المشرّفة، التي جعل إبراهيم عليه‌السلام لها المركزية والمحورية، بإسكان ذريّته فيها

____________________

(1) إبراهيم: 37.


لإقامة الصلاة، وكذا بالذريّة الطاهرة عن طريق هويّ القلب ومحبّتهم ومودّتهم والرجوع إليهم.

فالناس إذا توجّهوا إلى بيت اللَّه الحرام وجعلوه قبلة ومركزاً ومحوراً في مناسكهم العبادية، لابدّ أن يتوجّهوا أيضاً إلى الذريّة ويستعرضوا لهم المودّة والنصرة والطاعة والموالاة.

ومن ذلك يتضح أن هذه الآية المباركة من آيات المودّة في القربى، ولا يمكن فصل هذه الآية الكريمة عن الآيات التي ترسم ماهية الحجّ، فغاية الحجّ ومركزية مكّة لمعالم الدين محبّة تلك الذريّة وولايتهم، والمحبّة والولاية من شرائط الحجّ الغائية وكذا من شرائط استقبال الكعبة وقبول العبادات، فالولاية ركن من معالم الدين.

وإنَّ عزل الحج عن مبدأ الولاية والمودّة في القربى يكون وثناً من الأوثان وشركاً من فِعال الجاهلية.

والحاصل: إن الغاية من إسكان الذريّة المباركة في البيت المحرَّم جعل المحورية والمركزية إلى مكّة المكرمة والذريّة الطاهرة، فلا صلاة ولا حجّ من دون التوجّه إلى الكعبة، ولا قيمة للتوجّه إلى الكعبة ما لم يعقبه الازدلاف إلى الذريّة والمودّة في القربى.

من هم الذريّة الذين تهواهم أفئدة الحجاج والطائفين والركّع السجود؟

بعد أن تبين من الآية المذكورة أن مودّة وولاية الذريّة التي أسكنها إبراهيم عند المسجد الحرام ركن من أركان الدين وشرط في قبول العبادات، لابدّ من


التعرّف على تلك الذريّة لكي يحرز الشخص دينه وعبادته بالتوجّه إليها ومودّتها.

وفي هذا المجال نقول:

إن هذه الذريّة من نسل إسماعيل، وهي الأمة المسلمة، التي جعلها اللَّه عزّ وجلّ كلمة باقية في عقب إبراهيم وإسماعيل عليه‌السلام لا تشرك باللَّه عزّ وجلّ طرفة عين في كلّ زمان.

قال تعالى: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (1) ، ولا شك أن هذه دعوة مستجابة من إبراهيم وإسماعيل عليه‌السلام تكشف عن وجود بعض من ذريتهما، وهي الأمة المسلمة، بدرجة من الإسلام والتسليم التي نالها إبراهيم وإسماعيل، وهي ذرية باقية في عقبهما لا تشرك باللَّه تعالى أبداً، معصومة لها الولاية والإمامة على الناس؛ لأنها هي الذريّة الإبراهيمية التي طلب إبراهيم عليه‌السلام لها الإمامة، كما في قوله تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (2) . وهذه الأمة المسلمة هي التي يُبعث فيها خاتم النبيين، الذي هو دعوة إبراهيم وإسماعيل؛ حيث قالا: ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (3) .

____________________

(1) البقرة: 127 - 128.

(2) البقرة: 124.

(3) سورة البقرة: 129.


أخرج ابن المغازلي في كتابه المناقب، بإسناده إلى عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (أنا دعوة أبي إبراهيم)، قلت: يا رسول اللَّه وكيف صرت دعوة إبراهيم أبيك؟ قال: (أوحى اللَّه عزّ وجلّ إلى إبراهيم: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) ، فاستخفّ إبراهيم الفرح، فقال: يا ربّ، ومن ذريَّتي أئمة مثلي؟ فأوحى اللَّه عزّ وجلّ إليه: أن يا إبراهيم، إني لا أُعطيك عهداً لا أفي لك به، قال: يا ربّ، ما العهد الذي لا تفي لي به؟ قال: لا أعطيك عهداً لظالم من ذريتك، قال: يا ربّ، ومَن الظالم من ولدي الذي لا ينال عهدك؟ قال: من سجد لصنم من دوني لا أجعله إماماً أبداً، ولا يصلح أن يكون إماماً، قال إبراهيم: ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ) (1) . قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : فانتهت الدعوة إليّ وإلى أخي علي؛ لم يسجد أحدنا لصنم قط، فاتخذني اللَّه نبيّاً واتخذ عليّاً وصيّاً) (2) .

وأخرج العيَّاشي في تفسيره عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد اللَّه الصادق عليه‌السلام ، قال: قلت له: أخبرني عن أمة محمّد(عليه الصلاة والسلام) مَن هم؟

قال: (أمة محمّد بنو هاشم خاصّة)، قلت: فما الحجّة في أمّة محمّد أنهم أهل بيته الذين ذكرت دون غيرهم؟

قال: قول اللَّه: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (3) ، فلما أجاب اللَّه إبراهيم وإسماعيل وجعل من ذريّتهم أمة مسلمة وبعث فيها رسولاً منها، يعني من تلك

____________________

(1) إبراهيم: 35 - 36.

(2) المناقب، ص 276 ح 3 22.

(3) البقرة: 128 - 127.


الأمة، يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، ردف إبراهيم عليه‌السلام دعوته الأولى بدعوته الأخرى، فسأل لهم تطهيراً من الشرك ومن عبادة الأصنام ليصح أمره فيهم ولا يتبعوا غيرهم، فقال: ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (1) ، ففي هذه دلالة على أنه لا تكون الأئمة والأمة المسلمة التي بعث فيها محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا من ذريَّة إبراهيم؛ لقوله: ( اجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ) (2) .

ولذا قال الإمام الباقر عليه‌السلام في قوله تعالى: ( إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الُْمحَرَّمِ ) (نحن منهم، ونحن بقية تلك الذريّة) (3) .

ويشير إلى الذرية أيضاً قوله تعالى: ( هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) (4) ، فهذه الأمة التي هي بعض من ذرية إبراهيم وإسماعيل التي بعث فيها خاتم النبيين، وهم على صلة منه وقد سمّاهم النبي إبراهيم وإسماعيل قبل ولادتهم بالمسلمين.

والحاصل: إن الآيات والروايات تصرّح بأن ذريّة إبراهيم وإسماعيل عليهما‌السلام طائفة خاصّة طهّرها اللَّه عزّ وجلّ وأذهب عنها الرجس وجعل فيها الإمامة، وطلب إبراهيم عليه‌السلام لهذه الذريّة المودّة والمحبّة وهويّ الأفئدة إليها، وهذه الذريّة

____________________

(1) إبراهيم: 35 - 36.

(2) تفسير العياشي، ج1، ص79، ح101.

(3) المصدر، ج2، ص249، ح35.

(4) سورة الحج: 78.


هم الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ، فبهم يتقرّب ويتوسل إلى اللَّه عزّ وجلّ، وبمودّتهم وولايتهم تقبل الطاعات، ومحبّتهم ركن ركين في الدين لا يعرض عنه إلّا كافر أو مشرك، ومن هنا جعل النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله عدل الرسالة وأجرها المودّةَ في القربى كما في قوله تعالى: ( قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1) .

ومن ذلك كلّه يتضح أن من تمام الحجّ وسائر العبادات لقاء الإمام وإظهار المودّة والنصرة والتولّي له، وإلّا فلا حجّ ولا طواف ولا صلاة مقبولة عند اللَّه تعالى، فالتوحيد في العبادة هو الإقرار بولاية أهل البيت عليهم‌السلام .

ومن هنا أيضاً يتضح المراد من قول الإمام الباقر عليه‌السلام : (تمام الحجّ لقاء الإمام) (2) .

وكذا قول الإمام الصادق عليه‌السلام : (ابدؤوا بمكّة واختموا بنا) (3) .

وقول الإمام الباقر عليه‌السلام : (إنما أمروا أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها، ثم يأتونا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرتهم) (4) .

وكذا قال عندما رأى الناس يحجّون بمكّة: (فعال كفعال الجاهلية، أمَا واللَّه ما أمروا بهذا، وما أمروا إلّا أن يقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم فيمرّوا بنا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرتهم) (5) .

____________________

(1) الشورى: 23.

(2) الكليني، الكافي، ج4، ص549.

(3) المصدر، ص550.

(4) المصدر، ص549.

(5) المصدر، ج1، ص392.


6 - الولاية من شرائط المغفرة:

قال تعالى: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) (1) ، فلا تحصل المغفرة ولا التوبة ولا الإيمان ولا يقبل العمل الصالح إلّا بشرط الهداية، والمراد من الهداية في هذه الآية المباركة مقام الإمامة؛ لأنها تعني الإيصال إلى المطلوب، وهي مرحلة بعد مقام النبوّة الذي هو إراءة الطريق فقط. فإن مجرّد إراءة الطريق شأن النبيّ والرسول، قال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) (2) .

وأمَّا مقام الإمامة، فنجد أن القرآن الكريم كلّما تعرّض إليه تعرض معه لذكر الهداية بياناً وتفسيراً، قال تعالى: ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) (3) ، وقال أيضاً عزّ وجلّ: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (4) ، فوصف اللَّه عزّ وجلّ الإمامة بالهداية وصف بيان وتعريف وتفسير، هذا في إمامة الحقّ.

كذلك في إمامة الباطل والكفر، فإن فرعون الذي هو من أئمة الكفر قال تعالى في حقّه: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) (5) ، فإمامة الكفر أيضاً فيها هداية وإيصال، ولكن إلى الضلال وخلاف المقصود من الكمال الإنساني؛ ولذا

____________________

(1) طه: 82.

(2) إبراهيم: 4.

(3) الأنبياء: 72 - 73.

(4) السجدة: 24.

(5) القصص: 41.


قال تعالى: ( وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ) (1) ، فإمامة الحقّ هي الهداية والإيصال إلى المطلوب وولاية على الناس في أعمالهم بأمر ملكوتي من اللَّه عزّ وجلّ كما يستفاد من قوله تعالى: ( يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) ، وإمامة الباطل أيضاً هداية وإيصال، ولكن إلى الضلال وخلاف المقصود.

والحاصل: أن مقام الهداية الإلهية الحقّة - بقول مطلق - يساوق مقام الإمامة والخلافة الربّانية؛ وهذا يعني أن هناك مقاماً ثالثاً غير الشهادة الأولى والشهادة الثانية لابدّ أن يعتقد به المسلم لكي يكون مهتدياً مؤمناً، فقوله تعالى: ( آمَنَ ) إشارة إلى الشهادة الأولى والثانية، وقوله: ( وَعَمِلَ صَالِحًا ) إشارة إلى الإيمان والعمل بالشريعة الذي هو مقام النبوّة، وقوله: ( ثُمَّ اهْتَدَى ) إشارة إلى ذلك المقام الثالث والشهادة الثالثة؛ وهي الولاية والإمامة.

سورة الحمد وإمامة أهل البيت عليهم‌السلام :

وإذا لم يعتقد بها الشخص ولم يجعلها واسطة بينه وبين ربّه لا يتحقّق منه الإيمان ولا العمل الصالح، فولاية وإمامة أهل البيت عليهم‌السلام واسطة ووسيلة يتوسَّل بها العبد إلى اللَّه عزّ وجلّ لقبول عقيدته وعبادته، وهذا ما صرّحت به سورة الحمد، التي يقرؤها المسلم في اليوم والليلة عشر مرّات على أقل تقدير.

فإن سورة الحمد تعرّضت للشهادة الأولى والشهادة الثانية والشهادة الثالثة،

____________________

(1) طه: 79.


فقوله تعالى: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) (1) إشارة إلى الشهادة الأولى، وهي كلمة (لا إله إلّا اللَّه)، وقوله تعالى: ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) (2) إشارة إلى أصل المعاد، الذي هو من أصول الدين، وقوله تعالى: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) (3) إشارة إلى مقام التشريع والنبوّة؛ لأن العبادة لا تتحقّق إلّا بالسير على خطى النبوّة والرسالة، وقوله تعالى: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) (4) إشارة إلى مقام الإمامة في الأمة، فهناك مجموعة في الأمة الإسلامية ندعو اللَّه عزّ وجلّ في اليوم والليلة أن يهدينا صراطهم المستقيم، المنزّه عن الغضب في العمل وعن الضلال في العلم؛ أي صراط المعصومين علماً وعملاً، وهؤلاء الهداة الهادون إلى الصراط المستقيم وصفهم اللَّه تعالى بثلاثة نعوت:

الأول: أنهم منْعَم عليهم بنعمة خاصّة دون بقية الأمة وسائر البشر، نظير ما أنعم اللَّه على النبيِّين.

الثاني: أنهم لا يغضب اللَّه عليهم قطّ، وإلّا لَمَا كانت لهم صلاحية الهداية لجميع الأمة.

الثالث: أنهم لا يضلّون قط، وإلّا لم يكونوا هداة هادين لكل الأمة.

ولم يحدّثنا القرآن عن ثلّة عن هذه الأمة قد خصصوا بنعمة وحظوة وحبوة

____________________

(1) الحمد: 2 - 3.

(2) الحمد: 4.

(3) الحمد: 5.

(4) الحمد: 6 - 7.


إلهية خاصة دون بقية الأمة إلّا أهل البيت عليهم‌السلام كما في ولاية الفي‏ء في قوله تعالى: ( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) (1) ، وكما في ولاية الخمس في قوله تعالى: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) (2) ، وكذا التطهير في قوله تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً ) (3) ، والمودّة والولاية في قوله تعالى: ( قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (4) وقوله تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (5) ، وعلم الكتاب في قوله تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) (6) وغيرها من الآيات المخصِّصة

لهم عليهم‌السلام بمقامات دون سائر الأمة إلى يوم القيامة، فلا توجد مجموعة في الأمة الإسلامية معصومة عن الغضب والضلال سوى أهل البيت عليهم‌السلام ، الذين أنعم اللَّه عزّ وجلّ عليهم بالطهارة من الرجس والغواية في العلم والعمل كما قال تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً ) (7) .

ويتحصّل من ذلك: أن سورة الحمد اشتملت على أصول الدين من التوحيد والمعاد والنبوّة والإمامة، وقارئ الحمد يطلب من اللَّه تعالى الهداية إلى الصراط

____________________

(1) سورة الحشر: 7.

(2) سورة الأنفال: 41.

(3) سورة الأحزاب: 33.

(4) سورة الشورى: 23.

(5) سورة المائدة: 55.

(6) سورة الواقعة: 77 - 79.

(7) الأحزاب: 33.


المستقيم، وأن يجعل له هداة وأئمة يهتدي بهم، وهذا يعني أن ضمّ الشهادة الثالثة بالإمامة إلى الشهادة الثانية بالرسالة والنبوّة للنبيّ

الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله يوجب الخروج عن الشرك وقبول الإيمان والعبادة.

ومن ذلك كلّه يتضح المراد من قول الإمام الباقر عليه‌السلام لسدير وهو مستقبل البيت: (يا سدير، إنما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا فيعلمونا ولايتهم لنا، وهو قول اللَّه: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) (1) - ثم أومأ إلى صدره - إلى ولايتنا) (2) .

إذن تمام الحجّ وسائر العبادات بالهداية إلى ولاية أهل البيت عليهم‌السلام والتوسّل والتوجّه بهم إلى اللَّه عزّ وجل.

7 - الوفود على ولي اللَّه من شرائط الحجّ:

قال تعالى: ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود × وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) (3) .

فهذه الآية المباركة تنصّ على أن اللَّه عزّ وجلّ جعل مكان البيت مبوّءاً وسكناً لإبراهيم عليه‌السلام ، وأن إبراهيم عليه‌السلام هو المتكلّم الأوّل والناطق الرسمي عن اللَّه تعالى في الندبة إلى الحجّ، فهو يأمر الناس بحجّ بيت اللَّه الحرام كما نصّت على ذلك روايات الفريقين.

____________________

(1) طه: 82.

(2) أصول الكافي، ج 1، ص 393.

(3) الحج: 26 - 27.


ثم إن التعبير الآخر في الآية المباركة بعد الأذان في الناس بالحجّ ( يَأْتُوكَ رِجَالاً ) ، فالمجي‏ء ليس إلى البيت ولا إلى اللَّه عزّ وجلّ مباشرة، بل المجي‏ء أوّلاً إلى إبراهيم عليه‌السلام .

فالإتيان إلى الحجّ تلبية وإجابة للنداء الإلهي إنما يتمّ بالوفادة على وليّ اللَّه، ويكون الحجّ الذي هو القصد إلى اللَّه عزّ وجلّ بواسطة الإتيان إلى إبراهيم عليه‌السلام ، الذي هو وجيه عند اللَّه تعالى يتوجّه إليه ويُقصد لإقامة الصلاة والطواف وسائر مناسك الحجّ العبادية، فلابدّ من الوفود على إبراهيم عليه‌السلام ومحبّته وهويّ الأفئدة إليه.

وهذه الآية المباركة تتوافق في المضمون مع ما تقدّم من قوله تعالى: ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الُْمحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاة فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) (1) ، فإبراهيم عليه‌السلام وذرّيته أسكنهم اللَّه عزّ وجلّ البيت الحرام وبوّأهم فيه لإقامة الصلاة وتشييد الدين وتطهير البيت للطائفين والقائمين والرّكع السجود، والإيذان في الناس بالحجّ، ولكن لا قيمة للحجّ ولا مقبولية عند اللَّه عزّ وجلّ إلّا بالمجي‏ء إلى إبراهيم عليه‌السلام وذريّته من ولد إسماعيل عليه‌السلام ، وهويّ القلوب والأفئدة إليهم ومحبّتهم ومودّتهم وتولّيهم وإبراز الطاعة لهم وجعلهم واسطة في القصد إلى اللَّه تعالى.

فتبويء اللَّه عزّ وجلّ لإبراهيم البيت، وإسكان إبراهيم ذريَّته فيه من أجل الوفود عليهم ومودّتهم، هو الذي جعل من البيت الحرام مكاناً ومقصداً لإقامة العبادة فيه، والأحجار بما هي أحجار لولا ذلك تكون وثناً يعبد من دون اللَّه

____________________

(1) إبراهيم: 37.


عزّ وجلّ كما كان الحجّ في الجاهلية. ولذا ورد أن من المستحبّات عند الدخول إلى البيت الحرام إلقاء التحيّة والسلام على سيّد الأنبياء محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم السلام على النبيّ إبراهيم عليه‌السلام (1) .

فعن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام قال: (فإذا انتهيت إلى باب المسجد فقم وقل: السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، بسم اللَّه وباللَّه ومن اللَّه وما شاء اللَّه، والسلام على أنبياء اللَّه ورسله والسلام على رسول اللَّه، والسلام على إبراهيم والحمد للَّه رب العالمين) (2) .

فالمجي‏ء إلى النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم إلى إبراهيم عليه‌السلام مجي‏ء وإتيان وقصد إلى اللَّه عزّ وجل، وكذا أهل البيت عليهم‌السلام ؛ لأنهم الذريّة والأمة المسلمة الذين دعا إبراهيم والنبيّ الأكرم إلى مودّتهم ومحبّتهم.

إذن، الأنبياء والأوصياء هم أبواب اللَّه التي يتّجه إلى اللَّه تعالى بها، ولولا ذلك لا يكون الحجّ حجّاً إبراهيمياً، بل حجّ الجاهلية.

8 - الأنبياء مصدر البركة:

قال تعالى حكاية عن قول عيسى عليه‌السلام : ( وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاة وَالزَّكَوةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ) (3) .

وهذا يعني أن عيسى عليه‌السلام جعله اللَّه عزّ وجلّ مصدر البركة والتبرّك أين ما حل؛ ولذا كان ببركته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن اللَّه تعالى، فهو

____________________

(1) ابن حمزة، الوسيلة، ص172.

(2) الصدوق، المقنع، ص255.

(3) مريم: 31.


وجيه وواسطة في قضاء الحوائج في كلّ مكان حلّ فيه، فما بالك بخاتم الأنبياء عليه‌السلام وأهل بيته الأطهار ومَن يصلّي عيسى خلفه عند نزوله ويكون وزيراً له؟!

وكذا ورد في الآيات المباركة أن الماء مصدر البركة والخيرات كما في قوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ) (1) ، فإذا كان اللَّه تعالى ببركة الماء المنزل من السماء ينبت الجنان ويحيي الأرض بعد موتها، فكيف بك بأنبياء اللَّه ورسله وخلفائه الأوصياء؟!

9 - البقعة المباركة:

وهي الطائفة من الروايات التي تعرّضت لذكر البقعة المقدّسة والمباركة التي كلّم اللَّه عزّ وجلّ فيها موسى عليه‌السلام كقوله تعالى: ( وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَ نَارًا فَقَالَ ِلأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّى آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِىَ يَا مُوسَى * إِنِّى أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) (2) ، وقوله تعالى: ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) (3) ، وكذا قوله تعالى: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ) (4) .

____________________

(1) ق: 9.

(2) طه: 9 - 12.

(3) النازعات: 15 - 16.

(4) مريم: 51 - 52.


وقوله عزّ وجلّ: ( فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ ِلأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِي‏ءِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (1) .

وقد أقسم اللَّه عزّ وجلّ بهذه البقعة المباركة لعظمتها، بالإضافة إلى بقع ثلاث أخرى، وذلك في قوله تعالى: ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ) (2) ، وهذا قسم من اللَّه عزّ وجلّ ببلد التين، وهو المدينة، وبلد الزيتون وهو بيت المقدس، وطور سينين الكوفة، والبلد الأمين، وهو مكّة، كما ورد ذلك عن الإمام الكاظم عليه‌السلام ؛ حيث قال: (واختار من البلدان أربعة؛ فقال عزّ وجلّ: ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ) فالتين المدينة، والزيتون بيت المقدس، وطور سنين الكوفة، وهذا البلد الأمين مكّة) (3) .

هذا من طرقنا.

وكذلك من طرق السنّة، ولكن بتفسير التين بالبيت الحرام، وتفسير الطور بأنه الجبل الذي كلّم اللَّه عزّ وجلّ فيه موسى عليه‌السلام (4) ، ولا تنافي في ذلك إذ لعلّ ذلك هو الوادي المقدّس بين جبل طور والكوفة كما ذكر ذلك بعض المفسّرين.

____________________

(1) القصص:29 - 30.

(2) التين: 1 - 3.

(3) الصدوق، الخصال، ص225، والنيسابوري، روضة الواعظين، ص405.

(4) ابن الجوزي، زاد المسير، ج8، ص275.


وقد ورد في الحديث أن محلّ قبر أمير المؤمنين عليه‌السلام أوّل طور سيناء. عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام قال: (كان في وصيّة أمير المؤمنين عليه‌السلام : أن أخرجوني إلى الظهر [أي ظهر الكوفة]، فإذا تصوّبتْ أقدامكم واستقبلتكم ريح، فادفنوني؛ وهو أوّل طور سيناء. ففعلوا ذلك) (1) .

والحاصل: إن القرآن يؤكّد أن هناك بقعة مقدّسة مباركة، فيها هبطت الملائكة بالوحي على موسى عليه‌السلام ، ولابدّ أن تقدّس وتُعظّم ويُتقرّب فيها إلى اللَّه عزّ وجلّ ويكلّم اللَّه تعالى فيها الأنبياء.

قال القرطبي في تفسيره قوله تعالى ( إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) (2) :

(المقدّس: المطهّر، والقدس: الطهارة، والأرض المقدّسة أي المطهّرة) إلى أن قال: (وقد جعل اللَّه تعالى لبعض الأماكن زيادة فضل على بعض، كما قد جعل لبعض الأزمان زيادة فضل على بعض) (3) .

وهذا يعني أن هناك أماكن مقدّسة فيها ينزل الوحي وتفتح أبواب السماء، وفيها يزداد الأجر ويقبل الدعاء ويتوجّه إلى اللَّه عزّ وجل.

10 - وجوب تعظيم الأنوار الإلهيّة:

خلقة الأنوار الخمسة لأصحاب الكساء في سورة النور؛ قال تعالى: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا

____________________

(1) تهذيب الأحكام، ج 6، ص 34.

(2) طه: 12.

(3) تفسير القرطبي، ج11، ص175.


شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِي‏ءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاة وَإِيتَاءِ الزَّكَوةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) (1) .

إن هذه الآية المباركة تنصّ على وجود بيوت خاصّة أذن اللَّه أن ترفع وتعظّم ويذكر فيها اسمه، وفي تلك البيوت يسبّح للَّه عزّ وجلّ وتقبل العبادة ويسمع الذكر، وتحت قبّتها يرفع الدعاء وتفتّح أبواب السماء وتحصل القربة إلى اللَّه تعالى، فهي بيوت مباركة ومقدّسة جعلها اللَّه تبارك وتعالى وسيلة وواسطة ومحلّاً لقبول العبادة والذكر والتسبيح آناء الليل وأطراف النهار.

ومن الجدير بالذكر أن تلك البيوت بيوتاً خاصّة، وهي مهبط الوحي والقداسة والطهارة. والشاهد على ذلك أن الجار والمجرور في قوله تعالى: ( فِي بُيُوتٍ ) متعلّق بذلك النور الذي ضربه اللَّه عزّ وجلّ مثلاً للناس، فالنور في بيوت أذن اللَّه أن ترفع، وقد ذكرت الآية المباركة أن هذا النور نور السماوات والأرض، أي محيط بهما ومهيمن عليهما وأشرف منهما في الخلقة والرتبة الوجودية.

ثمّ إن ذلك النور مخلوق من مخلوقات اللَّه تعالى، أُضيف إليه عزّ وجلّ في الآية إضافة الفعل إلى فاعله، وهو عبارة عن أنوار خمسة شامخة، ضرب اللَّه تعالى لكلّ واحد منها مثلاً حسّياً لتقريب الفكرة وتنزيل الحقيقة إلى رقيقة

____________________

(1) النور: 35 -37.


يفهمها البشر، وليس هذا النور عين الذات الإلهية؛ لأنها أحدية المعنى لا تعدّد ولا تكثّر فيها، والنور المذكور في الآية المباركة متعدّد منشعب إلى خمسة أنوار، مستقل بعضها عن البعض الآخر.

والأنوار الخمسة التي ضُربت مثلاً هي:

أولاً: المشكاة.

ثانياً: المصباح.

ثالثاً: الزجاجة.

رابعاً: الكوكب الدُّرِّي

خامساً: الشجرة المباركة.

ثم تقول الآية الكريمة بعد ذلك: ( نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) .

وفي اللغة العربية يقول علماء البلاغة: كل تشبيه جملة مستقلة برأسها، وتفيد معنىً ومغزىً مستقلاً، فالآية بصدد التعرض إلى خلقة النور، وأن أحد مراحل الخلقة الإلهية هي المخلوقات النورية، وهي أنوار خمسة، تعظم في الخلقة الملائكةَ والروح والجنّ والإنس ومطلق الموجودات الأخرى، وهي أنوار مشتقّ بعضها من بعض، ومرتبط بعضها بالبعض الآخر كما هو ظاهر الآية المباركة.

وهذه الأنوار المباركة المحيطة بالسماوات والأرض، هي الأسماء والكلمات التي لم تعلم بها الملائكة، مع أن الملائكة ملأت أركان السماوات والأرض؛ لأنها هي التي تدبّرها وتدير شؤونها، وهو المشار إليه في تعليم آدم الأسماء وعرض اللَّه تعالى لها على الملائكة، فلم يعلموا بها، فأنبأهم آدم بها،


ووصفها اللَّه بأنها غيب السماوات والأرض (1) ، وكما ورد هذا المعنى في روايات الفريقين (2) .

ولو كانت تلك الأسماء من عالم السماء والأرض، لعلمت بها الملائكة، ومن ذلك يعلم أن الأسماء التي علّمها اللَّه عزّ وجلّ آدم وجهلتها الملائكة، كانت مخلوقات محيطة بعالم السماوات والأرض.

وهذا نوع من أنواع التشاهد بين الآيات القرآنية، فالأنوار الخمسة المذكورة في سورة النور هي الأسماء التي خفيت عن الملائكة وعلّمها اللَّه تعالى آدم، وهي كما سيأتي موجودات حيّة عاقلة شاعرة من عالم النور كما عبّر عنها في سورة البقرة بضمير (هم) واسم الإشارة (هؤلاء)، وهما لفظتان لا تستعملان في الذوات الجامدة، بل في الذوات الحيّة الشاعرة العاقلة.

ويتحصّل من ذلك وجود مخلوقات خمسة نورية محيطة بالسماوات والأرض، أفضل من الملائكة ولا تحيط الملائكة بها علماً، بل إن اللَّه تعالى شرّف آدم على جميع مخلوقاته، بما فيهم المقرّبين من كبار الملائكة، كجبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل بفضل تلك الأنوار، وبفضلها أيضاً استحقّ مقام الخلافة الإلهية، وسجد له الملائكة كلّهم أجمعون.

ومن ذلك يتضح أن هذه الأنوار الخمسة هي باطن (غيب) وملكوت السماوات والأرض؛ لأن نور كلّ شي‏ء بمنزلة الروح له، ومن دونه يكون ظلمانياً، والنور في المقام ليس هو النور الحسّي الذي يظهر الصفات العارضة

____________________

(1) سورة البقرة: 31 - 33.

(2) بصائر الدرجات، ص89، الطبراني، المعجم الأوسط، ج4، ص44.


على الشي‏ء، بل هو نور الخلقة الذي يوجد الشي‏ء ويكوّنه ويظهره من كتم العدم إلى الوجود، فنور السماوات والأرض أي ملكوتهما وباطنهما ومظهرهما من ظلمة العدم إلى نور الوجود، وهو اسم اللَّه الأعظم الذي هو غير المسمّى، يفوق في القدرة والعظمة كافّة المخلوقات في السماوات والأرض.

وسيأتي أن تلك الأنوار الخمسة المباركة - وهي الأسماء التي علّمها اللَّه تعالى آدم وتاب بفضلها عليه من خطيئته، وابتلى بها إبراهيم لنيل مقام الإمامة - هم خمسة أصحاب الكساء وأهل آية المباهلة: محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام ، فهم أهل البيت، وهم النور الإلهي الذي حلّ في بيوت أذن اللَّه أن ترفع، لتكون محلّاً للذكر والتسبيح والعبادة والتوجّه إلى اللَّه عزّ وجلّ وتشييد معالم الدين.

ولذا أخرج السيوطي في الدرّ المنثور عن ابن مردويه عن أنس ابن مالك وبريدة، قال: قرأ رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله هذه الآية ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) فقام إليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول اللَّه؟ قال: (بيوت الأنبياء)، فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول اللَّه، هذا البيت منها؟ وأشار إلى بيت عليّ وفاطمة عليهم‌السلام ، قال: (نعم، من أفاضلها) (1) .

وعن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه‌السلام عن قول اللَّه عزّ وجلّ: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: (هي بيوت النبي صلَّى الله عليه وآله) (2) .

كذلك عن جابر عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام ، في قوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ

____________________

(1) الدرّ المنثور، ج 5، ص50.

(2) الكافي، ج8، ص331، ح510.


تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) قال: (هي بيوت الأنبياء، وبيت علي منها) (1) .

وقد تقدّم رواية الحاكم في المستدرك أن من الكلمات التي تاب اللَّه بها على آدم (وهي الأسماء التي شُرّف آدم بها على الملائكة كخليفة، لأن الكلمات أعظم مقاماً من آدم إذ بها تاب اللَّه عليه)، أن من أعظم تلك الكلمات والأسماء هو خاتم النبيين صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد ورد في المستدرك أنه لولاه لَمَا خلق آدم ولا الجنة ولا النار (2) ويتشاهد هذان الحديثان النبويان على أن أوّل الأنوار الخمسة والأسماء التي تعلّمها آدم وتوسّل بها هو خاتم النبيين صلى‌الله‌عليه‌وآله .

هذا بالنسبة إلى الأنوار الخمسة المباركة.

الأئمة التسعة من ولد الحسين عليه‌السلام في آية النور:

وأمَّا قوله تعالى: ( نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) ، فهو إشارة إلى استمرار وديمومة قانون الإمامة والخلافة الإلهية بعد تلك الأنوار الخمسة إلى يوم القيامة، نور على نور يهدي اللَّه لنوره من يشاء، و(على)؛ أي على إثر وعقب، لغة في أحد المعاني المستعملة في لفظ (على) بالتضمين لمعنى الإثر؛ والشاهد على ذلك ما تقدّم من أن الهداية هي الإيصال إلى المطلوب، وقد جاء ذكر الهداية تفسيراً وبياناً لمقام الإمامة والولاية كما في قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) ، فالتعبير بالهداية في الآية المباركة يراد منه الإمامة، وهو مقتضى معنى النور أيضاً؛ إذ هو الهادي إلى صراط اللَّه تعالى.

____________________

(1) تفسير القمي: ج2 ص79.

(2) المستدرك، ج 2، ص 671 و 672


ولذا ورد عن الإمام محمّد بن علي بن الحسين عليه‌السلام في قوله تعالى ( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) قال: (يعني إماماً مؤيّداً بنور العلم والحكمة في إثر إمام من آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك من لدن آدم إلى يوم القيامة) (1) .

وعن الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللَّه الصادق عليه‌السلام ، قال: قلت ( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) ؟ قال: (الإمام في إثر الإمام) (2) .

وورد أيضاً عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه‌السلام في قوله تعالى ( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) قال: (يهدي لولايتنا من أحبّ) (3) .

بيان آخر للآية المباركة:

هناك بيان آخر للآية الكريمة التي نحن بصدد الاستدلال بها، أدقّ وأعمق وأدلّ على المطلوب من البيان الأول؛ وهو:

بعد أن تبيّن أن قوله تعالى: ( فِي بُيُوتٍ ) متعلّق بالنور، وأن النور في بيوت أذن اللَّه أن ترفع، نقول:

إن الآية الثالثة التي ذكرناها في المقام، وهو قوله تعالى: ( رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاة وَإِيتَاءِ الزَّكَوةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) ، هذه الجملة من المبتدأ والخبر كلّها بدل من قوله تعالى ذكره: ( فِي بُيُوتٍ ) ، أي أنها في محلّ جرّ بدل من البيوت؛ ويكون المعنى على ذلك: أن البيوت رجال لا تلهيهم تجارة، وليست هي

____________________

(1) توحيد الصدوق، ص158، ح4.

(2) المصدر، ص157، ح3.

(3) مناقب ابن المغازلي، ص263، ح361.


بيوت حجارة، ولا طين.

والشواهد على ذلك من نفس الآيات المباركة كثيرة نشير إلى بعضها:

أ - قوله تعالى: ( رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ ) ليس فاعلاً لقوله عزّ وجل: ( يُسَبِّحُ ) ؛ وذلك طبقاً لقراءة أهل البيت عليه‌السلام ، حيث إن قراءتهم لكلمة يسبَّح (بفتح الباء) مبني للمجهول، وبناءً على هذا لا تكون كلمة ( رِجَالٌ ) فاعلاً لـ (يسبَّح) وإنما تكون مبتدءاً والجملة التي بعدها خبر، والجملة بتمامها عطف بدل على بيوت، فالبيوت هي رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع، وإلى ذلك يشير قول الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه‌السلام إلى قتادة البصري(فقيه أهل البصرة) عندما سأله قائلاً:

(أصلحك اللَّه، واللَّه لقد جلست بين يدي الفقهاء، وقدّام ابن عبَّاس، فما اضطرب قلبي قدّام واحدٍ منهم ما اضطرب قدّامك؟

فقال أبو جعفر عليه‌السلام : (ويحك أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي ( بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاة وَإِيتَاءِ الزَّكَوةِ ) فأنت ثَمَّ، ونحن أولئك)، فقال له قتادة: صدقت واللَّه، جعلني اللَّه فداك، واللَّه ما هي بيوت حجارة ولا طين) (1) .

وكذلك ما ورد عن أبي عبد اللَّه الصادق عليه‌السلام ؛ حيث قال: (إنّه من أتى البيوت من أبوابها اهتدى ومن أخذ في غيرها سلك طريق الردى، وصل اللَّه طاعة وليّ أمره بطاعة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله وطاعة رسوله بطاعته، فمَن ترك طاعة ولاة الأمر لم يطع اللَّه ولا رسوله، وهو الإقرار بما نزل من عند اللَّه: ( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) والتمسوا البيوت التي أذن اللَّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فإنه أخبركم أنهم

____________________

(1) الكافي، ج6، ص256، ح1.


( رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاة وَإِيتَاءِ الزَّكَوةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) (1) .

ثم إن تلك القراءة بفتح الباء في (يسبَّح) قرأ بها أيضاً ابن عامر وأبو بكر وابن شاهي عن حفص (2) .

إذن، يتحصّل أن النور في بيوت هي رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع.

أهل البيت عليهم‌السلام معصومون بأعالي درجات العصمة:

ب - قوله عزّ وجل: ( لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاة وَإِيتَاءِ الزَّكَوةِ ) . فإن هذا المقطع من الآية المباركة يشير إلى أن هؤلاء الرجال معصومون بأعلى درجات العصمة، وهي عصمة السرّ التي هي فوق عصمة الجوارح؛ إذ لا يلهون برهة من حياتهم عن ذكر اللَّه، فهم في ذكر دائم، وهذا يعني أن أولئك الرجال ثلّة خاصة في الأمة الإسلامية يتميّزون عن بقيّة المسلمين وأصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، الذين انفضّ أكثرهم من حوله وتركوه قائماً عندما سمعوا بالتجارة كما نصّت على هذه الحادثة سورة الجمعة؛ وذلك في قوله تعالى: ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) (3) .

ففي الروايات لم يبقَ مع النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا اثني عشر أو ثمانية رجال،

____________________

(1) الكافي، ج1، ص182، ح6.

(2) الطوسي، لاحظ التبيان، ج7، ص439، وابن الجوزي، زاد المسير، ج5، ص364.

(3) الجمعة: 11.


وانفضّ الباقون إلى اللّهو والتجارة (1) .

وفي بعض الروايات لم يبقَ إلّا علي عليه‌السلام (2) .

ولا شك أنه لا يوجد ثلّة معصومة في هذه الأمة غير أهل آية التطهير، الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فنالوا بذلك أعلى درجات العصمة والطهارة.

وهذا يعني أن تلك الأنوار الخمسة المباركة في بيوت وأبدان طاهرة، وهم رجال معصومون من الغفلة عن ذكر اللَّه عزّ وجل، يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة.

وتلك البيوت والرجال أذن اللَّه أن يرفع ذكرهم، كما قال اللَّه تعالى لنبيّه: ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) ، ولا شك أن معنى ذلك هو وجوب التعظيم والطاعة لهم والانقياد لولايتهم والتوجّه بهم إلى اللَّه تعالى في العبادة، كما أمر اللَّه عزّ وجلّ الملائكة بالخضوع والسجود لآدم وجعل الخضوع واسطة للانقياد إلى الأوامر الإلهية.

إذن، لا يقبل اللَّه عزّ وجلّ من العباد الطاعة، إلّا برفع تلك البيوت وتعظيم أولئك الرجال، والإتيان بالطاعات امتثالاً لأمر اللَّه وأمر رسوله وأمر أُولي الأمر من هذه الأمة.

قال تعالى: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ

____________________

(1) لاحظ: الطبري، جامع البيان، ج28، ص132.

(2) شرف الدين، تأويل الآيات، ج2، ص693.


عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) .

وعن الأصبغ بن نباتة، قال: كنت جالساً عند أمير المؤمنين عليه‌السلام فجاء ابن الكوّا، فقال: ياأمير المؤمنين مَنْ البيوت في قول اللَّه عزّ وجل: ( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ) (2) ؟

قال علي عليه‌السلام : (نحن البيوت التي أمر اللَّه بها أن تؤتى من أبوابها، نحن باب اللَّه وبيوته التي يؤتى منه، فمن تابعنا وأقرّ بولايتنا فقد أتى البيوت من أبوابها ومن خالفنا وفضّل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها) (3) .

ج - قوله تعالى: ( يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) .

وقد بيّن القرآن الكريم في آيات أخرى الذين يخافون من ربّهم، كما في سورة الدهر، قال تعالى: ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيًما وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ) (4) .

فقد روى الفريقان أن هذه الآيات نزلت في أهل البيت عليهم‌السلام ، وقد تعرّضت كتب التفاسير لقصة هذه الآيات المباركة بنحو مفصَّل (5) .

____________________

(1) الأعراف: 157.

(2) البقرة: 189.

(3) تفسير فرات الكوفي، ص142.

(4) الإنسان: 7 - 11.

(5) لاحظ: تفسير القمي، ج2، ص398، وتفسير القرطبي، ج19، ص134.


وهذا يكشف عن حقيقة أولئك الرجال الذين اختصّهم الله عزّ وجلّ بنوره، وهم أهل بيت العصمة والطهارة، والبيوت التي أذن الله أن ترفع وتعظّم ويتوسَّل بها إلى الله عزّ وجلّ، ويذكر في حضرتها اسمه، ويسبّح له بالغدو والآصال.

لا يتبادر إلى الذهن أن من أهل البيت فاطمة عليها‌السلام فكيف تكون من الرجال المقصودين في الآية المباركة؟

فإن الجواب عن ذلك واضح؛ لأن كلمة الرجل والرجال في الآية المباركة بمعونة القرائن والشواهد التي احتفّت بها يراد منها الشخصية العظيمة، الثابتة الأقدام في المقامات الشامخة، فيراد من الرجال في الآية المباركة تلك الشخصيات التي تسنّمت بأرجل القدرة المقامات العالية والدرجات الرفيعة في مجال العصمة والتقوى، وقد جاء التعبير القرآني بالرجل عن الأعم من الذكر في آيات عديدة، كقوله تعالى لإبراهيم عليه‌السلام : ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) (1) ، فالمراد في هذه الآية الكريمة الإقدام بأرجل الإيمان إلى دعوة إبراهيم عليه‌السلام للحجّ أعم من كون القادم ذكراً أو أنثى، ونظير ذلك أيضاً قوله تعالى: ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (2) فوصفهم بالرجولية هنا للثبات والاستقامة والصدق.

ولا شك أن هذا كلّه مع القرينة لا مطلقاً، والقرائن الدالّة على إرادة الأعمّ من الذكر والأنثى في الآية التي هي محلّ بحثنا كثيرة جدّاً، منها ما ذكرناه سابقاً من

____________________

(1) الحج: 27.

(2) سورة الأحزاب: 23.


القرائن الدالّة على أن المقصود بالرجال في الآية هم أهل البيت عليهم‌السلام ومنهم فاطمة الزهراء عليها‌السلام .

خلقة أهل البيت عليهم‌السلام النوريَّة:

ونختم الحديث في هذه النقطة بذكر بعض الشواهد الدالّة على أن اللَّه تعالى خلق أهل البيت أنواراً مضافاً إلى ما تقدّم في آية النور:

الأول: قوله تعالى لرسوله الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (1) ، فهذه الآية المباركة صريحة في أن اللَّه عزّ وجلّ أوحى إلى نبيّه الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله نوراً وهو الروح من أمره، ولا شك أن الإيحاء الخفيّ إنما هو إلى ذات وحقيقة النبيّ الأكرم المباركة، فيتّحد ذلك النور بشخص النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ولذا قالت الآية المباركة أن من آثار ذلك النور ( نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ) ، ثم جعلت ذلك الأثر بعينه لخاتم الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ حيث قالت: ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) وهذا صريح في اتحاد الذات النبويّة الطاهرة مع ذلك النور في الحقيقة والأثر.

وإذا كانت ذات النبيّ الأكرم نوراً يهدي إلى صراط مستقيم، فكذلك أهل بيته عليهم‌السلام الذين هم نفس النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بنصّ آية المباهلة وآية التطهير، بل وبنص نفس هذه الآية المباركة في المقام، حيث ذكر فيها أن هذا الروح الأمري الذي أوحي إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يهدي به اللَّه ويوحيه إلى مَن يشاء ويجتبيه من عباده، فلم

____________________

(1) الشورى: 52.


يخصص ذلك بالأنبياء أو بكونهم أنبياء أو رسل. ونظير ذلك قوله تعالى: ( يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (1) فذكر لفظ العباد ولم يخصص بلفظ الأنبياء أو الرسل، ويدلّ على أن الذين يشائُهم اللَّه وتتعلّق مشيئته بهم ويجتبيهم لذلك غير منحصر بالأنبياء والرسل، بل يعمُّ مَن يصطفيهم للعصمة والطهارة والوصاية، وهكذا الأحاديث المتواترة في كون فاطمة عليها‌السلام بضعة منه صلى‌الله‌عليه‌وآله (2) ، وكون الحسن والحسين عليهما‌السلام من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو منهم (3) ، وكذا قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (عليّ مني وأنا منه) (4) .

الثاني: قول النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله : (كنت أنا وعلي بن أبي طالب نوراً بين يدي اللَّه قبل أن يخلق آدم بأربعة آلاف عام، فلمَّا خلق اللَّه آدم قسم ذلك النور جزئين، فجزء أنا وجزء عليّ بن أبي طالب) (5) .

الثالث: الروايات المتضافرة التي دلّت على أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كان نوراً يتنقل من الأصلاب الشامخة إلى الأرحام المطهّرة، وقد أضاء منه صلى‌الله‌عليه‌وآله نوراً عند ولادته ملأ الخافقين، كما نقلت ذلك آمنة بنت وهب(سلام اللَّه عليها) أم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حين ولادته، قالت: (إنّي رأيت حين ولدته أنه خرج مني نور أضاءت منه قصور بصرى من أرض الشام) (6) .

____________________

(1) سورة النحل 2: 16.

(2) لاحظ: ابن حنبل، فضائل الصحابة، ص 78.

(3) مسند أحمد، ج 4، ص 272.

(4) فضائل الصحابة، ص15.

(5) الصدوق، الخصال، ص 64، والزرندي الحنفي، نظم درر السمطين، ص 79، وابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج42، ص67، و الذهبي، ميزان الاعتدال، ج1، ص 507.

(6) الطبراني، المعجم الكبير، ج24، ص 215، وتفسير ابن كثير، ج 4، ص 384.


إلى غير ذلك من الشواهد الدالّة على الخلقة النورية للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام .

11 - بناء المساجد على قبور الأولياء معالم للدين:

كما في قوله تعالى في قصّة أصحاب الكهف: ( وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ) (1) .

ذكر المفسِّرون: أن أصحاب الكهف لمَّا بعثوا بأحدهم إلى المدينة بورقهم لجلب الطعام وعثر عليهم أهل المدينة وعلموا بأمرهم، جاءوا إلى الكهف، فلمَّا دخل الذي هو من أصحاب الكهف، دعا اللَّه تعالى مع أصحابه أن يميتهم لئلاّ يكونوا فتنة للناس، فأماتهم اللَّه تعالى، وخفي على أهل المدينة مدخل الكهف، فلم يهتدوا إليه، فقال المشركون: نبني عليهم بنياناً ونحوطهم بجدار نجعلهم وراءه، وقال المسلمون: بل نحن أحقّ بهم، هم منّا، نبني عليهم مسجداً نصلّي فيه ونعبد اللَّه فيه (2) .

وقال المفسّرون أيضاً: إن قوله تعالى: ( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ) دلّ على أن الغلبة كانت للمؤمنين بقرينة ذكر اتخاذ المسجد (3) .

ثم إن القرآن الكريم في استعراضه لهذه الواقعة أقرّ المؤمنين على رأيهم، ولم يفنّد اتخاذهم المسجد على قبور أصحاب الكهف من أجل التبرّك والعبادة،

____________________

(1) الكهف: 21.

(2) لاحظ: الشيخ الطوسي، التبيان، ج 7، ص 25، والطبري، جامع البيان، ج15، ص282.

(3) الطبرسي، مجمع البيان، ج 6، ص 328، والشوكاني، فتح القدير، ج 3، ص 277.


خصوصاً وأن القرآن الكريم إنما عرض لنا قصّة أصحاب الكهف، لأجل تعميق مبدأ الإيمان والتوحيد، والقرآن يذكر القصّة في ضمن بيان مآثر ومعالم أهل الكهف المشيَّدة والخالدة، وأنه بُني على قبورهم مسجداً لإظهار معجزتهم، وليبقى ذكرهم خالداً في أذهان البشر و موعظة للمؤمنين، فلو كان بناء المسجد على قبورهم والتبرّك بهم والتعبّد عندهم شركاً ووثناً من الأوثان، لكان ذلك على خلاف المطلوب، ومنافياً للحكمة التي أرادها اللَّه عزّ وجلّ من سرد القصّة.

إذن، قبور الأولياء وبناء المساجد عليها والتبرّك بها وجعلها واسطة في التوجّه إلى اللَّه عزّ وجلّ في العبادة من المبادئ القرآنية الصريحة والشعائر الإلهية التي يوجب تخليد ذكرها تخليد الدين ومعالم التوحيد التي شيّدوها بسيرتهم المباركة ونهجهم التوحيدي، وهذا عين الأمر الإلهي باتخاذ مقام إبراهيم مصلّى، فإن تشعير مقام إبراهيم وتخليد ذكره بذلك، يكون سبباً لخلود التوحيد وباعثاً للناس على التمسّك بهديه.

ومن ذلك أيضاً قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة ) (1) ، فإن ذلك تشعيراً لقبره صلى‌الله‌عليه‌وآله وجعله محلّاً للعبادة ونيل القربان والمقامات عند اللَّه تعالى.

وذلك كلّه يعني أن مقامات الأنبياء والأولياء والحجج من الحريّ بها أن تعمّر وتشعّر محلّاً للعبادة والتقرّب إلى اللَّه تعالى.

____________________

(1) والحميري، قرب الإسناد، ص 13، الصدوق، مَن لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 568، ومسند أحمد، ج 3، ص 64، وصحيح البخاري، ج 2، ص 57.


ولا شك أن الآيات والوسائط علامات على عظمة الصفات الإلهية، ففعل الذات العظيمة عظيم أيضاً، فلابدّ أن يعظّم، وتعظيمه تعظيماً للَّه عزّ وجل، والذي يحقّر آيات اللَّه ويهينها بكلّ نوع من أنواع الإهانات يكون قد هتك الحرمة والحريم الإلهي؛ ولذا قال اللَّه عزّ وجل: ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (1) .

والحاصل: أن ترك تعظيم وليّ اللَّه والإعراض عن التوسّل والتوجّه به إلى اللَّه تعالى إخفاق في عقيدة التوحيد.

12 - حبط الأعمال وقبولها:

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) (2) .

هذه الآية المباركة صريحة أيضاً في أن الخضوع للنبيّ الأكرم والإقبال عليه والتوجّه إليه وتوقيره وتعظيمه وحفظ الأدب في حضرته سبب وواسطة في قبول الأعمال، وموجب لتحقّق التقوى والمغفرة والقرب من اللَّه تعالى ونيل الأجر العظيم؛ وذلك لأن الخضوع للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله تعظيم له بما هو آية كبرى من آيات اللَّه عزّ وجلّ وشعيرة من شعائره ومعْلماً من أعلام دينه، وقد سبق قوله تعالى:

____________________

(1) الحج: 32.

(2) الحجرات: 3 - 2.


( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) .

وأمَّا الذين لا يخضعون للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا يحافظون على التزام الآداب في ساحة الحضرة النبويّة، برفعهم الأصوات فوق صوته والتعامل معه كأحدهم، فقد توعّدهم اللَّه تعالى بحبط أعمالهم؛ لأن ذلك يوجب الإعراض عن الآيات الإلهية والوسائط الربانية التي نصبها لعباده والاستكبار عليها، فلا يكون لأعمالهم حينئذٍ وزن عند اللَّه تعالى، بما في ذلك العقيدة التي هي عمل من الأعمال الجوانحية.

13 - آيات القسم الإلهي بشخص النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله :

لقد وردت آيات عديدة يُقسم فيها اللَّه تعالى بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله نذكر بعضاً منها:

1 - قوله تعالى: ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (1) ، والقسم بعمر النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله من قبل اللَّه تعالى يدلّل على تعظيمه وتشريفه، خصوصاً وأن المفسّرين ذكروا أن الباري تعالى لم يقسم بعمر أحد في القرآن الكريم سوى القسم بعمر خاتم الأنبياء وسيّد المرسلين‏ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

2 - قوله تعالى: ( لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) (2) .

قال بعض المفسّرين: إن (لا) في قوله تعالى: ( لَا أُقْسِمُ ) أصلية نافية؛ والمعنى هو أن اللَّه تعالى لا يقسم بمكّة والنبيّ حلّ وحالّ فيها وذلك تعظيماً له صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنه مع وجوده في مكّة هو الأحرى أن يقسم به دون غيره، ذكر

____________________

(1) الحجر: 22.

(2) البلد: 1 - 3.


ذلك أبو البقاء العكبري في إملائه، حيث قال:

(وقيل: لا أقسم به وأنت حلّ فيه، بل أقسم بك) (1) .

وفي فتح القدير للشوكاني قال: (وقيل: المعنى لا أقسم بهذا البلد وأنت حالّ به ومقيم فيه وهو محلّك، فعلى القول بأن (لا) نافية غير زائدة يكون المعنى لا أقسم به وأنت حالّ به، فأنت أحقّ بالإقسام بك) (2) .

والبعض الآخر من المفسّرين قال: إن (لا) أصلية أيضاً، ولكن المعنى هو: لا أقسم بهذا البلد وأنت لا حرمة لك في هذا البلد، يستحلّون دمك وقتالك، وفي ذلك دلالة واضحة على عظمة الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وذلك لأن القسم لأجل عظمة المقسوم به والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله له عظمة فوق ذلك، فهو صلى‌الله‌عليه‌وآله موضع قسم أيضاً؛ إذ لو كان ما هو دونه من موارد القسم ولا يقسم به لعظمة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكيف بك بذات النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي هو أعظم من الكعبة؟ وعلى هذا يكون في هذه الآية مديح له صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنه أكرم الخلق على اللَّه تعالى.

ذكر هذا المعنى عدد وافر من المفسّرين:

منهم: علي بن إبراهيم القمّي، حيث قال في تفسيره:

( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) كانت قريش لا يستحلّون أن يظلموا أحداً في هذا البلد، ويستحلّون ظلمك فيه (3) .

ومنهم: الطبرسي في مجمع البيان، قال: (وقيل: معناه لا أقسم بهذا البلد وأنت حلّ فيه، منتهك الحرمة، مستباح العرض، لا تُحترم، فلم يبن للبلد حرمة،

____________________

(1) أبو البقاء العكبري، إملاء ما منّ به الرحمن، ج 2، ص 287.

(2) الشوكاني، فتح القدير، ج 5، ص 443.

(3) تفسير القمي، ج 2، ص 422.


حيث هتكت حرمتك، عن أبي مسلم، وهو المروي عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام قال: (كانت قريش تعظّم البلد، وتستحلّ محمّد(صلَّى الله عليه وآله فيه)، فقال: ( لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) ، يريد أنهم استحلّوك فيه، فكذّبوك وشتموك... فاستحلّوا من رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ما لم يستحلّوه من غيره، فعاب اللَّه ذلك عليهم) (1) .

ومنهم: ابن الجوزي في زاد المسير، حيث ذكر لقوله تعالى: ( لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) ثلاثة معانٍ، قال: (والثالث: أنت حلّ عند المشركين بهذا البلد يستحلّون إخراجك وقتلك ويحرّمون قتل الصيد، حكاه الثعلبي) (2) .

وبعض ثالث قال: إن (لا) زائدة، ولكن مع ذلك هي دالّة على أفضلية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله على الكعبة، وأن شرفها لحلول النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله فيها، والقسم بها لأجل ذلك، فإذا كان القسم بها لأجل حلول النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله فيها يكون القسم بذات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أولى وأدلّ.

وقد ذكر هذا المعنى أيضاً كثير من المفسّرين:

منهم: الشيخ الطوسي، حيث قال بعد تصريحه بأن (لا) زائدة: (وقيل: معناه أنت حلّ بهذا البلد أي أنت فيه مقيم وهو محلّل، والمعنى بذلك التنبيه على شرف البلد بشرف من حلّ فيه من الرسول الداعي إلى تعظيم اللَّه وإخلاص عبادته المبشِّر بالثواب والمنذر بالعقاب) (3) .

ومنهم: الشوكاني في فتح القدير، قال: (وعلى القول بأنها زائدة، يكون المعنى: أقسم بهذا البلد الذي أنت مقيم به تشريفاً وتعظيماً لقدرك؛ لأنه قد صار

____________________

(1) مجمع البيان، ج 10، ص 361.

(2) زاد المسير، ج 8، ص 251.

(3) التبيان، ج10، ص 350.


بإقامتك فيه عظيماً شريفاً وزاد على ما كان فيه من الشرف والعظم) (1) .

كذلك ذكر بعض المفسّرين أن قوله تعالى: ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) المقصود منه إبراهيم والولد هو النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله . قال ابن الجوزي: )والثاني: أن الوالد إبراهيم وما ولد محمّد، قاله الحسن أبو عمران الجوني) (2) .

وهذا قسم آخر بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما نصّ على ذلك القاضي عياض (3) .

ثمّ إن هذه الآية المباركة دالّة على أن إنكار ولاية الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وكونه واسطة ووسيلة بينهم وبين اللَّه تعالى مع تعظيم الكعبة من عمل المشركين، وأن تعظيم البيت الحرام بضمّ تعظيم النبيّ الأكرم وببركة وجوده فيه.

3 - قوله تعالى: ( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) (4) .

4 - قوله تعالى: ( ق وَالْقُرْآنِ الَْمجِيدِ ) (5) .

5 - قوله تعالى: ( يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ) (6) .

6 - قوله تعالى: ( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ) (7) .

7 - قوله تعالى: ( طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ) (8) .

وقد ورد عن الإمام السجّاد عليه‌السلام في الصحيفة السجّادية بأن كلّ قسَم في

____________________

(1) فتح القدير، ج 5، ص 443.

(2) ابن الجوزي، زاد المسير، ج8، ص251.

(3) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ج 1، ص 34.

(4) ص: 1.

(5) ق: 1.

(6) يس: 1و2.

(7) الحجر: 1.

(8) النمل: 1.


القرآن الكريم بالقرآن والكتاب يسبقه اسم فهو من أسماء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال عليه‌السلام في دعائه: (وقلت جلّ قولك له حين اختصصته بما سمّيته من الأسماء ( طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) ، وقلت عزّ قولك: ( يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ) ، وقلت تقدّست أسماؤك: ( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) ، وقلت عظمت آلاؤك: ( ق وَالْقُرْآنِ الَْمجِيدِ ) ، فخصصته أن جعلته قسمك حين أسميته وقرنت القرآن به، فما في كتابك من شاهد قسم والقرآن مردف به إلّا وهو اسمه، وذلك شرف شرّفته به، وفضل بعثته إليه، تعجز الألسن والأفهام عن وصف مرادك به) (1) .

وعن الإمام الصادق عليه‌السلام قال: (يس اسم رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله (2) .

ذكر بعض المفسّرين أن صاد وقاف وغيرهما من أسماء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقال ابن الجوزي: (والثالث: أن معناها [يس] يامحمّد، قاله ابن الحنفيّة والضحّاك) (3) .

كانت هذه هي بعض الموارد التي أقسم اللَّه عزّ وجلّ بنبيّه الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله تعظيماً له، وتبياناً لعلوّ مقامه ومكانته عند اللَّه عزّ وجلّ، وأنه أكرم مخلوقاته.

والقسم بالشي‏ء نحو توسيط له؛ وذلك لأن القسم نوع من الذمّة والتوثيق، وهو نحو من أنحاء الشفاعة، لأن أحد أشكال القسم هو قسم المناشدة كما في المقام، وفي المناشدة يُذكر القسم لأجل التشفّع وجعل الشفيع والوسيط، فإذا صحّ القسم بذات النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، صحّ القسَم على اللَّه تعالى به في قضاء الحوائج في الدنيا والآخرة.

إذاً القسم كما يستخدم للاستيثاق من الخبر، يستخدم أيضاً

____________________

(1) الصحيفة السجادية، ص 310 - 311.

(2) تفسير القمي، ج 2، ص 211.

(3) زاد المسير، ج 6، ص 261.


في الاستيثاق من التشفّع والتوسّل كما لو كان القسم على إنشاء، كقولك: (واللَّه لتفعلنّ كذ)، وإذا صحّ التشفّع به صلى‌الله‌عليه‌وآله بالقسم، صحّ التوسّل به والتشفّع مطلقاً، وهذا نوع من الاستدلال بالدلالة الالتزامية البيّنة.

14 - الآيات الآمرة بالتوسُّل بالنبيّ الأكرم‏ صلى‌الله‌عليه‌وآله

وسائر الأنبياء والأوصياء:

الآيات القرآنية الواردة في هذا المجال عديدة نشير إلى بعضها:

1 - قوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) (1) .

فإن هذه الآية المباركة ناصّة وصريحة في أن التوجّه إلى اللَّه عزّ وجلّ والإقبال عليه بالاستغفار والتوبة والأوبة لابدّ أن يكون عن طريق التوجّه والمجي‏ء إلى الباب الذي نصبه اللَّه تعالى لذلك، وهو النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث قال تعالى: ( جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ) أي يأتونك ويتوجّهون إلى اللَّه بك، فالمجي‏ء إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مجي‏ء إلى اللَّه تعالى.

إذن، استغفارهم لأنفسهم عند اللَّه تعالى لا يغنيهم عن التوجّه بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومعنى ذلك أن للمجي‏ء عند النبيّ ثم الاستغفار موضوعية في حصول المغفرة.

ولا شك أن الاستغفار وطلب المغفرة عبادة من العبادات ونوع خاص من أنواع الدعاء وحالة من الارتباط بين العبد وربّه، وللكون عند النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والمجي‏ء عنده دخالة في قبول تلك العبادة وتوثيق الدعاء والارتباط بين العبد

____________________

(1) النساء: 64.


وربّه والإقبال على اللَّه تعالى.

وهذا هو معنى أن للَّه عزّ وجلّ مواضع ومواطن مشرَّفة يُقبل الدعاء بالكون فيها والمثول تحت قبّتها، كما في الكون في عرفة وتحت الميزاب وعند الملتزم والمستجار وغيرها، وكما ورد من أن الصلاة في البيت الحرام تعدل كذا ألف ركعة، وهذا يعني أن للكون في البيت الحرام دخالة في توثيق الارتباط بين العبد وبين اللَّه تبارك وتعالى.

والحاصل: إن اللَّه عزّ وجلّ يخاطب المذنبين الظالمين لأنفسهم أن تكون عبادتهم في طلب المغفرة بالقصد إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والمجي‏ء عنده؛ لأن ذلك من مواطن استجابة الدعاء وتفتّح أبواب السماء وقبول التوبة وتحقّق المغفرة، وهذا نوع من أنواع التوسّل والتشفّع به صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى اللَّه عزّ وجلّ، فمجيئهم عند النبيّ والاستغفار في حضرته نوع من أنواع التوسّل، واستغفار النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد توسلهم به نوع من أنواع الشفاعة؛ ولذا قال عزّ وجلّ: ( وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ) ، وبعد التوسّل والشفاعة قال تعالى: ( لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) .

2 - قوله تعالى: ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) (1) .

وهذا أمر من اللَّه عزّ وجلّ لنبيّه الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بأن يتشفّع للمؤمنين ويكون وسيلة وواسطة لهم في المغفرة.

3 - قوله تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) (2) .

____________________

(1) آل عمران: 159.

(2) المنافقون: 5.


إن في هذه الآية المباركة أمر إلهي لعصاة هذه الأمة، بأن يأتوا إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ويتوسلون به ليستغفر لهم اللَّه عزّ وجلّ.

والباري تعالى يقول: إن الإباء عن المجي‏ء عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله صدود واستكبار على اللَّه تعالى، وهو نفس الجرم الذي وقع به إبليس عندما أبى عن السجود لوليّ اللَّه وخليفته آدم، حيث قال تعالى: ( أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) ، كذلك الفسق وصَفَ به اللَّه عزّ وجلّ المنافقين كما وصف به إبليس، وليس ذلك إلّا لأنهم لوّوا رؤوسهم وأبوا زيارة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وتوسيطه والتوجّه به إلى اللَّه تعالى في الاستغفار، وذلك سواء قبل وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أو بعدها؛ لأن الرسول الأكرم حيّ بالآيات وبروايات الفريقين، تُعرض عليه الأعمال ويسمع السلام ويردّه وهو شهيد على جميع الأمم.

4 - قوله تعالى: ( وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (1) .

وفي هذه الآية المباركة والآيات التي سبقتها تأكيد على أن هذه الأمة لا ترحم إلّا بنبيّها صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو شفيع هذه الأمة ووسيلتها، وإن اللَّه عزّ وجلّ أمره بذلك وأمر الأمة بالرجوع إليه لنيل الرحمة والمغفرة.

5 - قوله تعالى حكاية لكلام إبراهيم عليه‌السلام مع عمّه آزر: ( قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) (2) .

وهذه الآية المباركة صريحة فيما نحن بصدد إثباته؛ إذ إن النبيّ إبراهيم عليه‌السلام يعلّل شفاعته ووساطته في الاستغفار بأن اللَّه كان به حفيّاً، فالحفاوة والحظوة

____________________

(1) النور: 62.

(2) مريم: 47.


والحبوة والوجيه والوجاهة التي يوليها اللَّه عزّ وجلّ لإبراهيم عليه‌السلام وسيلة وباباً ووجهاً يتوجّه به إلى اللَّه عزّ وجلّ، كما تقدم ذلك في الآيات التي صرّحت بأن موسى وعيسى عليهما‌السلام وجيهان عند اللَّه تعالى ومن المقرّبين، فكلّ مقرّب ووجيه وحبيب لدى اللَّه ومن له كرامة وعزّة عنده عزّ وجلّ يتوجّه ويتوسّل به إلى اللَّه ويجعل شفيعاً في قول القائل: (إنّا توسّلنا وتوجّهنا واستشفعنا بك إلى اللَّه يا وجيهاً عند اللَّه اشفع لنا عند اللَّه).

والتعليل المذكور في هذه الآية الكريمة عامّ، وقد أقرّ اللَّه تعالى إبراهيم عليه، فيكون هذا التعليل دليلاً عامّاً على أن كلّ من كان له حفاوة وقرباً عند اللَّه عزّ وجلّ يتوسل به ويتشفّع به عند اللَّه تعالى.

وهذه هي الملّة الإبراهيمية الحنيفية التي نحن عليها، ( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) (1) .

6 - قوله تعالى حكاية لقول موسى عليه‌السلام : ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (2) .

فالنبيّ موسى عليه‌السلام في هذه الآية المباركة يستغفر لنفسه ويتوسّط في طلب الاستغفار لأخيه هارون عليه‌السلام ، وهذا معناه أن الوسيلة والشفاعة قد تكون أيضاً من الوليّ الذي هو أقرب وأكثر حظوة عند اللَّه تعالى للوليّ الذي هو دونه في القرب، كما ورد ذلك في شفاعة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله لبقيّة الأنبياء، بل ولخصوص الأئمة الاثني عشر من أهل بيته عليهم‌السلام في الكينونة معه في مقامه.

____________________

(1) سورة البقرة: 130.

(2) الأعراف: 151.


وإذا كان النبيّ موسى عليه‌السلام واسطة ووسيلة رحمة وغفران بين هارون النبي وبين اللَّه تعالى، وهو نبيّ من الأنبياء، فكيف ظنّك بسائر البشر؟!

7 - قوله تعالى حكاية عن قول يعقوب عليه‌السلام وولده: ( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (1) .

وهذا توسّل من أبناء يعقوب بأبيهم عليه‌السلام ، ونفس فعلهم هذا هو توبة وندامة وأوبة وإنابة إلى اللَّه عزّ وجلّ، ففي التوبة التي هي من العبادة للَّه تعالى توجّهوا إلى أبيهم؛ لحفاوته عند اللَّه تعالى، والنبيّ يعقوب عليه‌السلام أقرّهم على فعلهم هذا، وقال لهم: ( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ) ، فقوله هذا شفاعة منه عليه‌السلام لأبنائه عند اللَّه تعالى، وقولهم وتوجّههم إليه توسّل منهم بأبيهم وتوسيط له بينهم وبين اللَّه عزّ وجلّ؛ وذلك بحسب ما تقدّم ويأتي أيضاً من الرابطة الوثيقة بين التوسّل والشفاعة، وجاء في ذيل سورة يوسف قوله تعالى: ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ ) (2) أي أن ما ذكر في الآيات عبرة لمن يقرأ القرآن ليتخذها سنّة ينتهجها.

8 - قوله تعالى: ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) (3) .

وهذه الآية المباركة تبيّن وساطة حملة العرش في غفران الذنوب، وقد روى الفريقان أن حملة العرش يوم القيامة ثمانية، أربعة من الأولين وأربعة من

____________________

(1) يوسف: 97 - 98.

(2) سورة يوسف: 111.

(3) غافر: 7.


الآخرين. أمَّا الأولون فهم الأنبياء أولو العزم؛ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم‌السلام . وأمَّا الآخرون فهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وثلاثة من هذه الأمة؛ وهم الإمام عليّ عليه‌السلام والحسن والحسين عليهما‌السلام . أخرج الكليني في الكافي عن يحيى بن سليمان المازني عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه‌السلام قال: (إذا كان يوم القيامة كان على عرش الرحمن أربعة من الأولين وأربعة من الآخرين؛ فأمَّا الأربعة الذين هم من الأولين، فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم‌السلام . وأمَّا الأربعة من الآخرين، فمحمّد وعليّ والحسن والحسين (صلوات اللَّه عليهم) (1) .

وسواء كان حملة العرش من الملائكة أم من الأنبياء والأوصياء، فإنهم شفعاء ووسيلة يستغفرون للذين آمنوا.

9 - قوله تعالى على لسان بني إسرائيل: ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرُ ) (2) .

فإن سؤال بني إسرائيل في هذه الآية المباركة لم يكن بالخطاب في الدعاء مباشرة للَّه تعالى، وإنما سألوا اللَّه تعالى وتوجّهوا إليه بنبيّه، وموسى عليه‌السلام أجابهم على ما سألوا بقوله: ( فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ) ولم ينكر عليهم توسيطه في قضاء الحاجة وطلب ونيل المقصود، وكذلك اللَّه عزّ وجلّ لم ينكر عليهم ذلك في القرآن الكريم، وإنما أنكر عليهم استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.

10 - قوله تعالى على لسان نبيّه سليمان عليه‌السلام : ( قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي

____________________

(1) الكافي، ج4، ص585.

(2) البقرة: 61.


بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَأَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) (1) ، حيث توسّل النبيّ سليمان عليه‌السلام للإتيان بعرش بلقيس بمَن عنده علم من الكتاب، وهو وصيّه آصف بن برخيا.

والحاصل: إن هذا الوجه القرآني الذي ذكرناه بطوائفه المتعدّدة من الآيات، حصيلته أن هناك أمراً إلهياً للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بأن يكون وسيلة وشفيعاً لهذه الأمة، وأمر الناس بأن يأتوه ويقصدوه ويزوروه طلباً للشفاعة وقضاءً للحوائج، وأن مجرّد الندامة والتوبة لا تكفي، بل لابدّ من التوجّه إلى الواسطة، كما فعل أولاد يعقوب، الذين كان في قصصهم عبرة لهذه الأمة، وهذه كلّها أوامر تعظّم مبدأ التوسّل وتحثّ عليه وتهدّد مَن يستكبر عليه، وأن مصيره يكون كمصير إبليس.

15 - آيات التوسّل بمخلوقات كريمة أضيفت إلى الأنبياء والأولياء:

هناك آيات عديدة تنصّ على مشروعية التوسّل بغير الأنبياء والرسل من المخلوقات الكريمة على اللَّه تعالى، والتي أُضيفت إلى الأنبياء والأولياء، فهي توجب تحقيق المقصود وإنجاح بعض الحوائج، نشير إلى بعضها:

1 - ما هو مذكور في قصة يوسف عليه‌السلام ، حيث أمر إخوته أن يُلقوا قميصه على وجه أبيه ليرتدّ بصيراً ببركة ذلك القميص، وذلك في قوله تعالى: ( إِذْهَبُوا

____________________

(1) النمل: 38 - 40.


بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ * وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (1) ، فالمشافى في هذه الآيات المباركة نبيّ كبير من الأنبياء، وهو يعقوب عليه‌السلام ، والشفاء حصل بتوسّط قميص لامس بدن يوسف عليه‌السلام ، وهذا نوع من التوسّل والتوسيط في إفاضة الشفاء من اللَّه عزّ وجلّ، فإن الشفاء حقيقة من اللَّه تعالى والفيض كلّه منه تعالى؛ لأنه الخالق الحقيقي لكلّ الممكنات بما فيها الشفاء والاستشفاء، كما في قول إبراهيم عليه‌السلام : ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) (2) إلّا أن ذلك لا يمانع جعل الوسائط وأن يتوسَّل الشخص بوسيلة منصوبة من اللَّه عزّ وجلّ ومجعولة لإفاضة الشفاء منه تعالى، كالأشياء المضافة إلى الأنبياء والأوصياء عليهم‌السلام ، والسرّ في ذلك أن اللَّه عزّ وجلّ جعل عالم الخلقة محكوماً بقانون الأسباب والمسببات، لتكون مواطن ومجاري فيضه إلى المراتب النازلة من الوجود.

إذن، إذا كان نبيّ من الأنبياء يتوسل بجاه نبيّ آخر من الأنبياء، وهو ابنه يوسف عليه‌السلام ، وذلك ببركة قميصه بجعله واسطة فيض في الشفاء، فكيف بنا نحن؟

ثم إنه ليس في المورد، وهو القميص، خصوصية، بل ذلك شامل لكلّ ما له نسبة وإضافة إلى نبيّ من الأنبياء أو وصيّ من الأوصياء بما يوجب حصول

____________________

(1) يوسف:93 - 96.

(2) الشعراء: 80.


البركة فيه؛ وذلك لأن الفعل يحمل في طيّاته الطبيعة العامة والسنّة الإلهية الشاملة؛ ولذا قال اللَّه عزّ وجلّ في نفس سورة يوسف: ( لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ) (1) ، وقال تعالى أيضاً في السورة ذاتها: ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ) (2) .

إذن، آية الاستشفاء ومشروعيته عامّة والمورد لا يخصّص الوارد.

هل الآية دليل على مشروعية الاستشفاء فقط؟

لابدّ من التنبيه هنا على أن الاستشفاع والتوسّل والاستغاثة والتبرّك والاستشفاء كلّها من باب واحد، وتندرج تحت طبيعة واحدة وإن تعدّدت عناوينها، فهي أصناف لطبيعة واحدة عامّة، وهي توسيط الواسطة لنجح المسؤول ونيل المطلوب.

فالتبرك مثلاً هو طلب البركة، أي طلب الحاجة بواسطة ما جعله اللَّه عزّ وجلّ من الحظوة والبركة في ذوات الأنبياء والأولياء المقدّسة أو ما يتعلّق بهم وينتسب إليهم.

وكذا الاستغاثة طلب قضاء الحاجة بواسطة المستغاث به في حالة خاصة، وهكذا بقيّة العناوين الأخرى كما ستأتي الإشارة إلى بعضها عند ذكر الفرق بين التوسّل والاستشفاع والشفاعة في الفصل الرابع.

وبناء على هذا يكون الاستشفاء بقميص يوسف عليه‌السلام المذكور في الآية

____________________

(1) يوسف: 7.

(2) يوسف: 111.


المباركة توسيط وتبرّك وتوسّل بالقميص إلى اللَّه عزّ وجلّ.

وتكون هذه الآية الكريمة دالّة على مشروعية مطلق التوسيط بكلّ أصنافه، وليست الآية خاصة بالاستشفاء فقط، وهذا من الاستدلال على مشروعية النوع أو الجنس بمشروعية الصنف أو النوع.

هذا تمام الكلام في هذه الآية.

2 - قصة البقرة، الواردة في قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) (1) ، فإن هذه القصة تتحدّث عن إحياء شخص من بني إسرائيل، قتل ظلماً واختلفوا في قاتله فأمرهم اللَّه تعالى للكشف عن قاتله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها، لتعود إليه الحياة ويتكلّم بذكر قاتله، قال عزّ وجلّ: ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَاتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (2) ، فهنا الباري تعالى مع كون الإحياء من فعله وليس هو بالأمر الهين، بل هو من الأمور العظيمة والكمالات الأولية لا الثانوية، مع ذلك جعل الوسيلة إليه الضرب بلحم بقرة مذكّاة، فكيف بك بالأنبياء والأوصياء، ألا تُستدرُّ بهم رحمة اللَّه عزّ وجلّ؟!

وتجدر الإشارة إلى أن البقرة لم تكن بقرة عادية، بل كانت محلّ العناية الإلهية، وقد ذُكرت لها أوصافاً خاصّة في الآيات المباركة وإن كان الاستقرار عليها بعناد من بني إسرائيل.

____________________

(1) البقرة: 67.

(2) البقرة: 72 - 73.


والفرق بين ما هو مذكور في هذه الآيات المباركة وبين تقديس البقر وعبادتها، هو وجود الأمر الإلهي وعدمه، وقد جعل اللَّه عزّ وجلّ البقرة سبباً من الأسباب الإلهية وموضعاً من مواضع قدره وإبرام قضائه في القصة المذكورة.

ويشهد على ما ذكرنا قوله تعالى في ذيل الآية الكريمة: ( وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) .

ومعنى ذلك أن اللَّه عزّ وجلّ جعل البقرة آية وواسطة لإحياء الموتى بإذنه ومشيئته.

3 - قصة التابوت، التي وردت في قوله تعالى: ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ َلآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (1) .

فالتابوت الذي فيه سكينة وبقيّة ممَّا ترك آل موسى وآل هارون جُعل آية معجزة لمُلك طالوت وإمامته، فتلك التركة بسبب علقتها بآل موسى وآل هارون واكتسابها البركة لإضافتها إليهم تصل إلى درجة الإعجاز والآية البيّنة لإثبات مطالب حقّة، وهي إمامة طالوت، وتوجب بروز ظواهر خارقة للعادة للتابوت تكوّن منه معجزة كما ورد في روايات الفريقين.

فهذه الواسطة تجاوزت حدّ الكرامة والبركة لتصل إلى درجة الحجّية

____________________

(1) البقرة: 247 - 248.


والإعجاز؛ ولذا قال اللَّه عزّ وجلّ في ذيل الآية الكريمة: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ َلآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) وذلك لبيان أن التابوت آية وعلامة وواسطة يتوسّط ويتوسل بها لإثبات مُلك طالوت وإمامته.

4 - قصة السامري صاحب العجل، التي وردت في قوله تعالى في بني إسرائيل عندما ذهب موسى عليه‌السلام إلى ربّه: ( قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ) (1) ، إلى أن قال اللَّه عزّ وجلّ حكاية عن لسان موسى عليه‌السلام : ( قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) (2) ، والرسول في الآية الكريمة كما في بعض الروايات هو جبرئيل عليه‌السلام عندما هبط وتمثّل على حصان ليستنقذ موسى عليه‌السلام وبني إسرائيل من فرعون وجنوده ويرشدهم إلى الطريق، من أجل العبور من مصر إلى الطرف الآخر، فكان على حصان نوريّ تمثّلي، وكان السامري من خواصّ النبيّ موسى عليه‌السلام ، فلاحظ أن حافر حصان جبرئيل عليه‌السلام عندما كان يخطو الحصان ينبت الزرع دفعة واحدة من تحته، فقبض قبضة من أثر حصان الرسول فنبذها في العجل، فإذا هو له خوار.

وقد وردت هذه القصة في روايات الفريقين:

ففي تفسير القمي عن أبي جعفر عليه‌السلام قال: (وكان السامري على مقدّمة موسى يوم أغرق اللَّه فرعون وأصحابه، فنظر إلى جبرئيل وكان على حيوان في صور

____________________

(1) طه: 87 - 88.

(2) طه: 95 - 96.


رمكة (1) ، فكانت كلّما وضعت حافرها على موضع من الأرض تحرك ذلك الموضع، فنظر إليه السامري، وكان من خيار أصحاب موسى، فأخذ التراب من تحت حافر رمكة جبرئيل وكان يتحرك، فصرّه في صرّة، وكان عنده يفتخر به على بني إسرائيل، فلمَّا جاءهم إبليس واتخذوا العجل، قال للسامري: هات التراب الذي معك، فجاء به السامري، فألقاه إبليس في جوف العجل، فلمَّا وقع التراب في جوفه تحرك وخار) (2) .

وفي جامع البيان للطبري قال: (وقوله: ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) يقول: قبضت قبضة من أثر حافر فرس جبرئيل)، ثم أخرج عن ابن عباس قوله: (لمَّا قذفت بنو إسرائيل ما كان معهم من زينة آل فرعون في النار وتكسّرت، ورأى السامري أثر فرس جبرئيل عليه‌السلام فأخذ تراباً من أثر حافره، ثم أقبل إلى النار فقذفه فيها، وقال: كن عجلاً جسداً له خوار، فكان للبلاء والفتنة) وفي‏ حديث آخر عنه أيضاً: (فألقى القبضة على حُليّهم فصار عجلاً جسداً له خوار).

وأخرج أيضاً عن مجاهد في قول اللَّه تعالى: ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) قال: (من تحت حافر فرس جبرئيل، نبذه السامري على حلية بني إسرائيل فانسبك عجلاً جسداً له خوار) (3) .

فإذا كان أثر التراب الذي لامس حافر فرس جبرئيل عليه‌السلام له ذلك التأثير مع أن السامري استخدمه في طريق الضلالة والغواية، فما بالك بمَن هو أشرف من جبرئيل عليه‌السلام ؟! ألا تكون المواضع التي وقف فيها الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وقبره

____________________

(1) الرمكة: الأنثى من الخيل.

(2) تفسير القُمِّي، ج2، ص62.

(3) جامع البيان، ج16، ص254 - 255.


والمواطن التي لامست بدنه الشريف ذات بركة وتأثير خارق لِمَا هو المعتاد، لا سيما إذا كان في طريق الهداية والانصياع للأوامر الإلهية؟!

5 - عصا موسى عليه‌السلام ؛ حيث كانت وسيلة وواسطة للعديد من المعاجز الإلهية كانقلابها أفعى، وضرب البحر بها فكان كلّ فرق كالطود العظيم، وضرب الحجر بها فانفجرت اثنتا عشرة عيناً؛ كلّ ذلك لكونها مضافة إلى موسى عليه‌السلام ، فهي مباركة ببركة موسى عليه‌السلام وواسطة للكثير من المعاجز، فكيف بك بنفس موسى ومَن هو أفضل من موسى، ألا يكون واسطة ووسيلة لقضاء الحوائج التي هي لا تصل في العظمة والخطورة إلى حدّ المعجزة؟!

6 - البيت الحرام؛ حيث جعله اللَّه عزّ وجلّ مباركاً تُطلب فيه البركة ويدعى فيه لقضاء الحوائج، وهو نوع توسيط لأجل طلب البركة، وذلك ما جاء في قوله تعالى: ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ) (1) .

____________________

(1) آل عمران: 96.


الفصل الثالث:

شرطية التوسّل وضرورته في مقامات ثلاثة:

* قبول التوبة.

* قبول العبادات.

* نيل المقامات الإلهيّة.


الدليل الأول: معطيات الشهادة الثانية.

الدليل الثاني: التوسّل ضرورة عقلية.

الدليل الثالث: عموم وجوب طاعة اللَّه ورسوله وأولي الأمر.

الدليل الرابع: اقتران اسم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام بأعظم العبادات.

الدليل الخامس: ابتغاء الوسيلة ضرورة قرآنية.

الدليل السادس: شرطية الاستجارة بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في طلب المغفرة.

الدليل السابع: التوسّل بالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ميثاق مأخوذ على الأنبياء.

الدليل الثامن: ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِم ) .

الدليل التاسع: الاستكبار والصدّ عن آيات اللَّه تعالى موجب لحبط الأعمال.

الدليل العاشر: خضوع الملائكة لوليّ اللَّه وخليفته.


شرطية التوسّل

وضرورته في مقامات ثلاثة

نريد أن نبيّن تحت هذا العنوان دور التوسّل وشرطيته في مقامات ثلاثة، وهي كالتالي:

المقام الأول: إن من شرائط التوبة وقبولها التوسّل بالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام .

المقام الثاني: إن من شرائط قبول وصحة الإيمان (العقيدة) والعبادات مطلقاً التوسّل والتوجّه بالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام .

المقام الثالث: إن أي توجّه إلى الحضرة الربوبية في صدد نيل مقام من المقامات الإلهية أو حظوة عند اللَّه تعالى لابدّ فيه من التوجّه بالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام والتوسّل بهم.

فإن فقهاء الإمامية وغيرهم أيضاً ذكروا أن ولاية أهل البيت عليهم‌السلام شرط في تلك المقامات الثلاثة، بمعنى معرفتهم والإيمان بإمامتهم.

وليس هذا ما نريد إثباته هنا؛ إذ هو مع وضوحه خارج عن محلّ البحث.

إذن؛ ما نريد بيانه هنا هو شرطية التوسّل بالنبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام في تلك المقامات الثلاثة.


ولأجل اشتراك ما ادّعيناه في المقامات الثلاثة في طبيعة الأدلّة، نستعرضها ببيان واحد؛ وذلك يكون صالحاً لإثبات المدّعيات الثلاثة في المقامات المذكورة.

وإليك فيما يلي استعراض الأدلّة:

الدليل الأول: معطيات الشهادة الثانية

إن المعرفة والعقيدة والإيمان - الذي هو من العبادات، بل أعظم الفرائض الإلهية؛ لأنه إذعان وإخبات وتسليم وخضوع وانقياد للَّه تعالى، وهذه المعرفة الإيمانية للعقل والقلب هي عبادتهما وطوعانيتهما للَّه - نوع توجّه ولقاء للَّه تعالى ووفود على الحضرة الربوبية وزلفى وقرب بتوسّط الإيمان القلبي، وهذه العبادة القلبية العظيمة ممتنعة بلا واسطة، وذلك لعظمة اللَّه عزّ وجل، فلا اكتناه ولا إحاطة ولا مماسّة ولا ملامسة ولا مواجهة جسمية أو عقلية أو نفسية؛ إذ لا يُجابه الجسم إلّا ما يماثله في الجسمية، ولا يُجابه النفس أو العقل إلّا ما يماثلهما، واللَّه تعالى منزّه عن كونه جسماً أو نفساً أو عقلاً؛ لكونها من الممكنات المحدودة بحدود الماهية والفقر والحاجة.

إذن لابدّ من الوسيلة والواسطة في الإيمان، الذي هو أعظم العبادات وأعظم أنواع التوجّه إلى اللَّه تعالى؛ والواسطة هي الإيمان بالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والإقرار بالشهادة الثانية في مقام الإدلاء بالشهادة التوحيدية المقبولة عند اللَّه تعالى، والموجبة للخروج من حظيرة الشرك إلى التوحيد الإسلامي الخالص؛ لأنه أعظم آية للحقّ سبحانه.

وإذا كان للوسيلة هذا الدور الخطير في المعرفة وأن التوجّه إليها في المعرفة


توجّهاً إلى اللَّه تعالى، والمعرفة أعظم شأناً من سائر العبادات، فكيف لا يكون التوجّه في عبادة البدن والنفس إلى اللَّه تعالى بالوسيلة؟! وكيف لا يسوغ التوجّه في الخطاب الكلامي بألفاظ الدعاء إلى الوسيلة، ويكون دعاؤها دعاء بها إلى اللَّه تعالى؟!

ففي حاقِّ وعمق عبادة الإيمان والتوجّه القلبي لابدّ من التوجّه بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله للوفود على اللَّه عزّ وجل، فلا يتحقّق التوحيد ولا يكون المرء مؤمناً، إلّا إذا توجّه بقلبه إلى اللَّه تعالى بالشهادة الأولى والشهادة الثانية، ومَن ينفي أي اسم أو واسطة مع اللَّه تعالى عند التوجّه إليه فهو واقع في مغبّة الشرك والوثنية من حيث يشعر أو لا يشعر، نظير وثنية قريش؛ حيث كانوا لا يدينون اللَّه تعالى بطاعة وولاية نبيّه الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وإذا كان الإيمان والمعرفة كذلك، فكيف بباقي العبادات التي هي أقلّ شأناً وخطورة؟!

والحاصل: أن المعرفة والإيمان والتوحيد الذي يتضمّن الدين بأجمعه لا يحصل إلّا بالتوسل بآيات اللَّه الكبرى، ومزاوجة الشهادة الثانية بالشهادة الأولى، وهذا يعني أن أي شأن من الشؤون الدينية كالتوبة أو العبادة أو نيل مقام من المقامات الإلهية لا يمكن أن يتحقّق إلّا بالمحافظة على الشهادة الثانية، والإقرار بها وبمعطياتها وتداعياتها ومقتضياتها في كافّة أصول وفروع المعارف التوحيدية، ولا شك أن الإيمان بالشهادة الثانية توجّه قلبي بالنبي الأكرم للَّه عزّ وجل؛ إذ الإيمان كما أسلفنا طلب للقرب والزلفى ولقاء اللَّه تعالى، وهذا القرب إنما يتحقّق بتوسيط الشهادة الثانية، وهي شهادة أن محمّداً رسول


اللَّه ووليّه وخليفته في أرضه.

فالإسلام يدعو إلى التوجّه بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في الإيمان والاعتقاد، وهو أفضل عبادة، فضلاً عن بقيّة العبادات الأخرى، والإباء عن التوجّه في العبادة بخاتم الأنبياء إنكار للشهادة الثانية ودعوة إلى الشرك باسم التوحيد، وهذا ما أخفق فيه السلفيُّون؛ حين جحدوا التوسّل بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلا تراهم يقرنون لون الشهادة الثانية ومؤداها ومعطياتها بلون الشهادة الأولى في رسم بناء التوحيد في أدبيات كتبهم، فيقتصرون على تفسير الشهادة الأولى في التوحيد، من دون أن يهتدوا إلى كيفية ركنية مؤدّى الشهادة الثانية في أركان التوحيد، وكيفية ضرورة الربط والارتباط بين مؤدّى كل من الشهادتين في رسم أصل التوحيد، ومنه يظهر أن التوسّل والتوجّه بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ضرورة وليس مجرد خيار مشروعية.

الدليل الثاني: التوسّل ضرورة عقلية

على الرغم من أن هناك من أعلام السُّنَّة من أكّد على رجحان التوسّل ومشروعيّته، كالقاضي عياض في كتابه: (الشفا بتعريف حقوق المصطفى)، والسُبكي في: (شفاء السقام والسيف الصقيل)، والسمهودي في: (وفاء الوفا)، وتقي الدين الحصني الشافعي في كتابه: (دفع الشبه عن الرسول والرسالة) وغيرهم.

إلّا أن ما نرمي إليه في هذه الأبحاث أبعد من ذلك؛ إذ إن الرجحان والمشروعية لا يثبتان سوى التخيير وكون التوسّل أمراً مرغوباً فيه، يجوز للمكلف تعاطيه وله تركه أيضاً، وما نريد التأكيد عليه هنا هو أن مبدأ التوسّل أمر ضروري يحكم العقل بلا بُدِّيَّته وعدم إمكان المحيص عنه؛ وذلك لأن نفي


الواسطة والوسيلة بين العبد وبين ربّه في مقام التوجّه إليه تعالى لا يخرج عن أحد فروض ثلاثة كلّها باطلة:

الأول: فرض المجابهة والمواجهة المباشرة للَّه تعالى حين التوجّه إليه في الدعاء والعبادة، وبطلان هذا الفرض واضح؛ إذ يلزم منه التشبيه للذات الإلهية، وقد ثبت بطلانه في الأبحاث العقائدية؛ لتنافيه مع الصفات الكمالية اللّامتناهية لواجب الوجود.

بيان الملازمة:

إن مجابهة ومواجهة البشر العاديين المباشرة للذات الإلهية المقدّسة إمَّا أن تكون حسّية جسمانية أو نفسانية روحية أو عقلية، وهذه الأقسام الثلاثة من المجابهة المباشرة هي التشبيه الباطل بعينه؛ وذلك لأن ارتباط المواجهة الجسمية إنما يفرض مع ما هو جسم، لقانون التضايف بين المتجابهين، وهكذا توجّه المواجهة الروحية والقلبية لِمَا هو روح والمواجهة العقلية لِمَا هو عقل أيضاً. فكلّ هذه الأقسام المفروضة للمواجهة المباشرة للَّه تعالى لم تخرج عن دائرة التشبيه للذات المقدّسة بكونها جسماً أو روحاً أو عقلاً، وهو الشرك بعينه؛ لكونه موجباً لسلب واجب الوجود عن واجبيَّته وكماله المطلق اللّامتناهي، ووصفه بصفات المخلوق المحدود بحدود الإمكان والماهية والفقدان والاحتياج والافتقار.

وحاصل هذا الفرض هو: مواجهة البشر العاديين المباشرة للَّه تعالى، وهو فرض التشبيه الباطل بكلّ مراتبه.


الثاني: القول بالتعطيل وعدم السبيل إلى اللَّه تعالى ومعرفته والتوجّه إليه، وهو باطل؛ لأن معرفة اللَّه تعالى واجبة والتي هي نوع لقاء للَّه عزّ وجل وتوجّه إليه وزلفى.

الثالث: دعوى أن الناس بأجمعهم لهم ارتباط مباشر مع اللَّه تعالى فوق الجسم والروح والقلب والعقل بما لا يستلزم التشبيه، وهذا باطل بالوجدان، وقد رفض القرآن الكريم أيضاً الإيحاء والوحي إلى جميع البشر واستنكر ذلك على المشركين، كما في قوله تعالى: ( بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِيٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ) (1) . وقد ردّ اللَّه عزّ وجل في آيات أخرى على هذه المقالة الباطلة؛ حيث قال: ( وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ) (2) .

ومع بطلان هذه الفروض الثلاثة تكون النتيجة ضرورة الإيمان بالوسائل والوسائط والآيات، والرجال المؤهّلين للارتباط باللَّه تعالى، وهم الأنبياء والأولياء والمصطفين، الذين اصطفاهم اللَّه عزّ وجل وجعلهم وسائط بينه وبين خلقه في كلّ ما يحتاج الخلق إليه وفي كلّ توجّه وطلب ودعاء وزلفى إلى اللَّه تعالى، سواء كان على مستوى التوبة أو سائر العبادات أو نيل مقام من المقامات الإلهية، وليس ضرورة التوسيط إلّا لعظمة اللَّه عزّ وجل وعلوه عن التجسيم

____________________

(1) المدّثر: 52.

(2) الأنعام: 124.


والتشبيه والتعطيل.

ثم إن آيات اللَّه الكبرى وأسمائه العظمى - التي جعلها واسطة في التوجّه إليه - هي أيضاً لا تتوجّه إلى اللَّه عزّ وجل بالمباشرة، ولا تجابهه إلّا بذواتها، فتوجّه الوسائط أيضاً إلى اللَّه تعالى إنما يكون بذواتها التي هي آية لمعرفة اللَّه عزّ وجل، ولا توجد أي مجابهة بالمباشرة لأيّ مخلوق من المخلوقات.

التوسّل في كل النشآت، ولأصناف المخلوقات:

والحاصل: أن اللَّه تعالى لعظمته وعظيم صفاته لا يجابه ولا يواجه إلّا بالوسائل والآيات، ولا يستثنى من ذلك القانون وتلك السنّة الإلهية التكوينية أي مخلوق من المخلوقات في كلّ شأن من شؤونه المعرفية والعبادية في هذه النشأة وفي جميع النشآت؛ ولذا قالت الصدّيقة فاطمة الزهراء عليها‌السلام في مستهل خطبتها المعروفة في هذا المجال: (فاحمدوا اللَّه الذي بعظمته ونوره ابتغى مَن في السماوات ومَن في الأرض إليه الوسيلة، فنحن وسيلته في خلقه، ونحن آل رسوله، ونحن حجّة غيبه وورثة أنبيائه) (1) .

وكذا قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : (وبعظمته ونوره ابتغى مَن في السماوات والأرض مِن جميع خلائقه إليه الوسيلة) (2) .

إذن قانون ومبدأ التوسّل ضرورة يدركها العقل ويُقرّ بها - لعظمة اللَّه تعالى - وليس أمراً تخييرياً ولا مشروعاً فحسب.

____________________

(1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج16، ص211، وأبو بكر الجوهري البغدادي، السقيفة وفدك، ص101.

(2) الكافي، ج1، ص129.


الدليل الثالث: عموم طاعة اللَّه ورسوله وأولي الأمر

إن ضرورة المسلمين قائمة على أن جميع العبادات فيها ما هو فرائض قرآنية إلهية ومنها ما هو سنن نبويّة، كما في الصلاة والصيام والحجّ والزكاة والجهاد وغيرها؛ إذ هي فرائض إلهية في أصل وجوبها في الدين. وأمَّا تفاصيلها وأجزائها وشرائطها وأقسامها، فهي سنن نبويّة وصلتنا عن طريق أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لكلّ المسلمين بتلك التفاصيل والتشريعات الخاصة. ومن أمثلة ذلك ما ورد في روايات الفريقين من أن الصلوات كان فرضها من اللَّه تعالى ركعتين لكلّ صلاة وما زاد عليها في كلّ صلاة كان من سنّة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأمره وفرضه (1) ، وهكذا بقيّة التفصيلات والتشريعات القانونية النبويّة ضمن الفرائض الإلهية، وكتب الحديث مليئة بالأوامر النبويّة في مجمل الأبواب الفقهية وغيرها.

إذن، فيكون الإتيان بالصلاة والزكاة والحجّ وغيرها طاعة لأمر اللَّه وأمر رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا تُستعلم طاعة اللَّه عزّ وجل من دون طاعة الرسول الأكرم في أوامره ونواهيه، فهو صلى‌الله‌عليه‌وآله باب طاعته تعالى؛ لأنه هو الدالّ والمبيّن والناطق الرسمي عن أوامر اللَّه عزّ وجل ونواهيه.

وهذا ما كنّا نُعبّر عنه بتداعيات ومقتضيات الشهادة الثانية؛ إذ هي تستدعي الإتيان والالتزام بجملة الدين طاعة للَّه ورسوله.

وهذا ما تكاثرت ودلّت عليه جملة من الآيات القرآنية، كما في قوله تعالى:

____________________

(1) وسائل الشيعة، أبواب القراءة في الصلاة، ب1، ح4، ومسند أحمد، ج6، ص241، ومسند عائشة، والهيثمي، مجمع الزوائد، ج2، ص154.


( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ) (1) .

وقوله تعالى: ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (2) .

ثم إن اللَّه عزّ وجل حذّر المسلمين من المخالفة لأوامر الرسول الأكرم، وبيّن في آيات عديدة العواقب الوخيمة التي تترتب على مخالفة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في أوامره، كما في قوله تعالى: ( لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (3) ، وكذا قوله تعالى: ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ) (4) ، وقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ) (5) ، وقوله عزّ وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) (6) ، إلى غير ذلك من الآيات القرآنية التي جاءت في ضمن السلك العام والسنّة الإلهية الشاملة لطاعة الرُّسُل كافّة، كما في قوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (7) ، ومن الجدير بالالتفات أن تتمة هذه الآية المباركة هو قوله

____________________

(1) آل عمران: 32.

(2) آل عمران: 132.

(3) النور: 63.

(4) المائدة: 92.

(5) الأنفال: 20.

(6) محمد: 33.

(7) النساء: 64.


عزّ وجل: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) (1) والتي سيأتي الاستدلال بها على شرطية التوسّل في المقامات الثلاثة المتقدّمة.

والحاصل: أن أوامر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله اقترنت بأوامر اللَّه وفرائضه في مجمل أحكام الدين الإسلامي، وقد أكّدت الآيات القرآنية على وجوب اقتران طاعة اللَّه تعالى بطاعة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذه طاعة عامّة كطاعة اللَّه عزّ وجل في كلّ أبواب الدين برمّته، بلا استثناء لأي جانب من جوانب الشريعة الإسلامية والدين الإسلامي؛ ومعنى ذلك أن نيّة القربة إلى اللَّه تعالى وطاعته في جميع العبادات إنما تتحقّق بتوجّه العبد إلى ربّه بطاعة نبيّه، ففي كلّ عبادة إنما يتوجّه العبد إلى اللَّه تعالى للتقرّب إليه بطاعته وطاعة رسوله.

فذلكة صناعية لأخذ التوسّل في نية القربة:

ولا شك أن حقيقة العبادات بالنيّة القربيّة، والنيّة القربيّة إنما تحصل بالسبب المؤدّي إلى القربة، والقربى غاية مسبّبة سببها الطاعة لأوامر للَّه تعالى، وطاعة اللَّه عزّ وجل لا تتحقّق إلّا إذا كانت مقترنة بطاعة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ إذ إنَّ النيّة التي هي روح العبادة إنما تحصل بوسيلة وواسطة طاعة النبي، ومَن لم ينوِ القربة بهذا النحو في العبادة تكون عبادته شركاً باللَّه تعالى؛ لعدم التوجّه إلى اللَّه عزّ وجل بأبوابه التي أمر بتوسيطها وطاعتها وامتثال العبادات انقياداً لأوامرها.

ومَن يريد أن يفصل في صلاته وحجّه وصومه طاعة اللَّه عن طاعة الرسول

____________________

(1) النساء: 64.


يكون على الوثنية الجاهلية التي يشنؤها اللَّه عزّ وجل وعبّر عنها في قرآنه الكريم بالشرك والنجس، وطاعة كلّ مَن لم يأمر اللَّه بطاعته وثن من الأوثان، بل حتى صلاته تصبح وثناً إذا كانت صادرة عن طاعة غير مَن أمر اللَّه بطاعته، وإن كان ذلك المطاع هو الهوى وتحكيم سلطان الذات على سلطان اللَّه عزّ وجل، كما في الوثنية القرشية التي ذمّها القرآن الكريم.

ومن ذلك يتّضح أن أي عبادة من العبادات أو قربة من القربات أو نيل مقام من المقامات القُربية أو الفوز بحظوة عند اللَّه تعالى لا يمكن أن تتحقّق من دون توسيط طاعة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله في تلك العبادة أو ذلك المقام.

ففي مقام التقرّب والنيّة والقصد جُعلت القبلة المعنوية طاعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والتدين بولايته والخضوع له، الذي هو خضوع للَّه عزّ وجل، كخضوع الملائكة لآدم؛ لأنه باب اللَّه تعالى.

هذا كلّه في مقتضيات الشهادة الثانية وضرورة اقترانها بالشهادة الأولى.

كذلك أكّدت الآيات القرآنية على ضرورة الشهادة الثالثة واقترانها بالشهادة الثانية تبعاً للشهادة الأولى.

والشهادة الثالثة عبارة عن طاعة أولي الأمر، الذين أمر اللَّه بطاعتهم في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأوِيلاً ) (1) ؛ حيث قرن طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد بيّن اللَّه تبارك وتعالى في قرآنه الكريم المراد من أولي الأمر الذين تجب

____________________

(1) النساء: 59.


طاعتهم، بعد أن بيّن تعالى المقصود من الأمر الذي هم أولياؤه، وأنه أمر ملكوتي من عالم كن فيكون، كما في قوله تعالى: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (1) ، وقوله تعالى: ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) (2) ، وكذا قوله عزّ وجل: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) (3) ، وقوله تعالى: ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (4) ، ثم أفصحت الآيات القرآنية عن كون الأمر عبارة عن تدبير السماوات والأرض، قال تعالى: ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) (5) .

إذن؛ أولو الأمر هم الذين يتنزّل عليهم الأمر في ليلة القدر وفيها يفرق كلّ أمر حكيم، قال تعالى: ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) (6) ، وقال عزّ وجلّ في وصف ليلة القدر: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (7) ، ثم بيّن اللَّه عزّ وجلَّ أن شريعة النبي الأكرم من ذلك الأمر الحكيم الذي يفرق في ليلة القدر؛ حيث قال عزّ وجلَّ مخاطباً نبيّه الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ

____________________

(1) يس: 82.

(2) القمر: 50.

(3) الشورى: 52.

(4) الأعراف: 54.

(5) السجدة: 5.

(6) القدر: 3 - 5.

(7) الدخان: 3 - 6.


مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (1) .

وقد صرّحت آيات أخرى بأن الأمر الملكوتي يتنزّل على عباد اللَّه من دون أن تخصّص من لهم الأمر بالأنبياء والرسل، قال عزّ وجل: ( يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ) (2) .

وحاصل ما ذكرناه من الآيات: أن الأمر من عالم الملكوت والغيب، وأنه مرتبط بتدبير السماوات والأرض وغير مختصّ بالشؤون الدنيوية المادّية، وأن الشرائع وهداية الناس وإنذارهم مرتبطة به، وأنه شامل لأولياء اللَّه الأصفياء المجتبين وليس خاصّاً بمقام النبوّة والرسالة، وذلك لارتباطه المباشر بمقام الهداية والإيصال إلى المطلوب، وهو مقام الخلافة والإمامة كما تقدم؛ ولذا قال تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (3) ، والصبر واليقين للأئمة من أولي الأمر في هذه الآية المباركة إشارة إلى العصمة في مقام العلم والعمل.

ولا يوجد أولو أمر في هذه الأمة بعد رسول اللَّه تجب طاعتهم غير أهل بيته صلى‌الله‌عليه‌وآله ، الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. ولا يمكن اقتصار الأمر الإلهي على السياسة والأمور الاجتماعية، بل هو أمر ملكوتي من عالم الغيب لهداية الأمة وتدبير السماوات والأرض يتنزّل في ليلة القدر على أولياء اللَّه وأصفيائه، وهؤلاء هم أوصياء رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمة من بعده الدالّون على أوامره والذين أوكل لهم البيان الشرعي والقانوني للأوامر

____________________

(1) الجاثية: 18.

(2) النحل: 2.

(3) السجدة: 24.


الإلهية والنبويّة، فكما أن الدالّ على أوامر اللَّه ونواهيه هو النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بأمره ونهيه، كذلك الدالّ على أوامر الرسول الأكرم ونواهيه أولو الأمر من بعده بأمرهم ونهيهم، فالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر ونهى في ضمن إطار الفرائض الإلهية، وأولو الأمر أيضاً يأمرون وينهون في ضمن دائرة السنن النبويّة المباركة، بما يشبه الحالة التراتبية في التنزّل القانوني الوضعي في الأدوار والصلاحيات، فهم الدالّون على طاعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كما كان هو دالّا على طاعة ربّه.

وبعبارة أخرى: إن أصول تشريع اللَّه تعالى وفرائضه يتبعها تشريعات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله تفصيلاً وبياناً، ويتبعها تشريع أولي الأمر على نحو التنزّل القانوني، الذي هو الفتق بعد الرتق، والتفصيل بعد الإجمال، والبسط بعد القبض للتشريعات، وهذه لغة قانونية جعلها اللَّه تعالى جسراً لإيصال أحكامه على ما جرى عليه البشر، كالتشريع للفقه الدستوري ثم النيابي ثم الوزاري، على نحو التبعية بلا منافاة، وهذا برهان قانوني على التشريعات التي لابدّ من طاعتها، فالرتق يُفسَّر ويفتق فتقاً قانونياً تابعاً له.

ويتجلى ذلك المعنى أكثر إذا علمنا أن معظم بيان تشريع الشرائط والموانع وتفاصيل الأجزاء هي من تشريعات أئمة أهل البيت عليهم‌السلام ، فلا تستعلم تلك الأمور مع تركهم والإعراض عنهم وعدم الطاعة لأوامرهم.

إذن؛ الطاعة في الدين بطاعة اللَّه، وطاعة اللَّه بطاعة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأولي الأمر، فالوليّ بعد اللَّه تعالى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله وبعد الرسول أولي الأمر، الذين لهم حقّ استنباط الدين وبيانه وتفصيله، قال تعالى: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ


أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (1) .

والذي يتّضح ممَّا ذكرناه أن طاعة أولي الأمر على حدّ طاعة رسول اللَّه مقترنة بها وشاملة للدين كلّه، كما أن ولاية اللَّه تعالى وطاعته كذلك غير مختصّة ببعض الشؤون السياسية أو الاجتماعية.

فالإتيان بجميع العبادات والطقوس الدينية طاعة لأمر اللَّه وأمر رسوله وأولي الأمر من بعده وهم أهل بيته عليهم‌السلام ، فالعبد ينقاد ويفد على اللَّه تعالى ويتقرّب ويتوجّه إليه بطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر، وهذا يعني أن الشهادة الثانية والثالثة مأخوذتان واسطتين في حاقّ عبادة اللَّه تعالى بما فيها عبادة المعرفة، التي هي أعظم العبادات.

ومن ثمّ كان الدين عبارة عن ولاية اللَّه وولاية الرسول وولاية أولي الأمر والطاعة لهم، قال اللَّه تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (2) .

والولاية والطاعة أصالة للَّه وبالتبع للنبيّ وأولي الأمر بإذن وأمر من اللَّه تعالى، كما أخضع اللَّه عزَّ وجلَّ ملائكته ومن خلق من الجنّ وغيرهم لوليّ اللَّه وخليفته آدم بما هو النموذج والمصداق لخليفة اللَّه في الأرض، فكلّ مَن يتسنَّم مقام الخلافة الإلهية لابدّ من الانقياد والخضوع والطاعة له.

____________________

(1) النساء: 83.

(2) المائدة: 55 - 56.


وحيث إن التوجّه والقربة والزلفى لا تحصل إلّا بالطاعة للَّه وللرسول، كذلك لا تحصل إلّا بطاعة أولي الأمر مقترنة مع طاعة اللَّه ورسوله، فلا يمكن قصد القربة في العبادة ولا يحصل القرب إلى اللَّه تعالى في العبادات إلّا بالخضوع والطاعة لوليّ الأمر والإتيان بالعبادة امتثالاً لأمره، تبعاً لأمر اللَّه والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ حيث يستعلم أمرهما بأمره.

واتّضح من ذلك البيان أيضاً أن جميع العبادات فرائض من اللَّه تعالى وسنّة من نبيّه ومنهاج وهدي من أهل بيته عليهم‌السلام وعلى جميع المستويات الاعتقادية والعبادية.

كذلك تبيّن أن مَن يعبد اللَّه من دون التوجّه بحجّة اللَّه ووليّه بطاعته وامتثال أمره، عمله هباء؛ إذ لا تتحقّق منه القربة لعدم الطاعة في مقاماتها الثلاثة وعدم ضمّ الشهادات الثلاث إلى بعضها البعض، فلا يُصار إلى التوجّه إلى اللَّه تعالى إلّا عن طريق آياته وبيّناته، وهم الوسيلة إليه في المقامات الثلاثة التي ذكرناها في صدر البحث، بل في الدين كلّه.

ولو كان إقحام اسم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وذكره والتوجّه القلبي إليه وإلى أولي الأمر موجباً للشرك، لَمَا قرن اللَّه تعالى طاعته بطاعتهم، فليس إنكار التوسّل والواسطة إلّا دعوة إلى التفريق بين اللَّه ورسوله وأولي الأمر، وفصل الشهادات الثلاث وبتر بعضها عن البعض الآخر، وهذه هي عبادة الشرك التي آمن بها إبليس؛ الذي أراد أن يفرّق بين طاعة اللَّه وطاعة خليفته، بخلاف الملائكة أهل عبادة التوحيد الذين خضعوا للَّه ولوليّه آدم عليه‌السلام .

ثم إن مورد هذه الآية وهي آية ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ


مِنْكُمْ ) (1) التي حكمت بوجوب الطاعة، هو الدين كلّه، فكما أن طاعة اللَّه عزّ وجل في الدين كلّه، كذلك ما اقترن بها من طاعة الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأولي الأمر من أهل بيته عليهم‌السلام .

وما ورد من قوله تعالى: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) لبيان أن محلّ بدن الخليفة هو الأرض، ولكن خلافته ليست خاصّة بالأرض، ومن ثمّ أُطوع له جميع الملائكة في جميع النشآت؛ والشاهد على ذلك أيضاً تقديم الجار والمجرور (في الأرض) على الخليفة، فالدين الذي هو معرفة اللَّه تعالى عامّ لا يستثنى منه أحد في جميع النشآت، ومن ثمّ تكون جميع المخلوفات مكلّفة بالطاعة لأولي الأمر؛ ولذا أمر اللَّه تعالى الملائكة بالسجود بما فيهم إبليس، وهو من الجنّ، فخلافة وطاعة أولي الأمر وولايتهم لا تحدّ بالجنّ والإنس ولا بأمر سياسي أو اجتماعي، والكلّ يبتغي إلى اللَّه الوسيلة ويخضع لولي اللَّه في توجّهه إلى خالقه، والتوجّه إلى اللَّه من دون التوجّه إليه بطاعة نبيّه ووليّه نجس وشرك ووثنيّة قرشية.

ونيّة القربة إذا لم تكن على هذا المنوال في العبادة لا تقبل؛ لعدم تفتّح الأبواب بالآيات.

وبذلك كلّه يتمّ ما ذكرناه من شرطية التوسّل والتوجّه في المقامات الثلاثة المتقدّمة، استناداً إلى وجوب الطاعة في مراتبها الثلاث.

____________________

(1) النساء: 59.


الدليل الرابع: اقتران اسم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته بأعظم العبادات

لقد رفع اللَّه عزّ وجل ذكر النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وقرنه باسمه في مجمل العبادات التي تقع في مصافّ أسس الدين وأركان الإيمان؛ من حيث محوريَّتها في المنظومة الدينية، ونشير فيما يلي إلى بعض تلك الشواهد في هذا المجال:

الشاهد الأول: الإتيان باسم النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله في تشهّد الصلاة، حيث إن الصلاة على النبي وأهل بيته راجحة بإجماع المسلمين (1) ، وهي شرط واجب في الصلاة عند بعض المذاهب الإسلامية، كمذهب أهل البيت عليهم‌السلام (2) وبعض فقهاء المذاهب الأخرى (3) ؛ تمسّكاً بما روته عائشة من الوجوب، حيث روت عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال: (لا يقبل اللَّه صلاة إلّا بطهور والصلاة عليّ) (4) . وقد بيّن النبي الأكرم الصلاة عليه عندما سُئل عن كيفيّتها، فقال: (قولوا: اللّهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد) (5) ، كذلك يستحبّ الصلاة على النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله بعد القنوت في الصلاة، جزم بذلك النووي تبعاً للغزالي في المُهذّب ونسبه إلى الجمهور (6) . ولا شك أن ذكر الصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام نوع دعاء لهم وتحيّة وسلام، ونوع توجّه لهم بالمحيى والدعاء.

____________________

(1) لاحظ: النووي، المجموع، ج3، ص460 وما بعد.

(2) الشيخ الطوسي، النهاية، ص89.

(3) الرافعي، فتح العزيز، ج3، ص504، والنووي، المجموع، ج3، ص467 وغيرهم.

(4) سنن الدارقطني، ج1، ص348.

(5) صحيح البخاري، ج4، ص118، والوسائل، أبواب الدعاء، ب 36.

(6) المجموع، ج3، ص499.


وهذا يعني أن المصلّي في صلاته - التي هي الركن الركين في العبادات، والموجبة للعروج والقربان من اللَّه تعالى، إن قبلت قبل ما سواها وإن رُدّت رُدّ ما سواها - على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام يتوجّه بالدعاء وإلقاء التحيّة والسلام لكي تقبل صلاته وتوجب مزيداً من القرب إلى اللَّه تعالى، فالصلاة التي هي من دعائم الدين مقرونة بالوسائط والأبواب الإلهية، لكي تكون صحيحة مقبولة عند اللَّه تعالى، أو موجبة لمزيد القرب منه، وإذا كانت الصلاة كذلك، فكيف بباقي العبادات الأخرى؟!

ولو كان إقحام اسم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام في الصلاة والتوجّه إليهم بالقلب موجباً للشرك، لَمَا كان الأمر فيها على هذه الحال، فالفرق بين صلاة المشركين وصلاة الموحّدين في أن صلاة المشركين تفتقد لذكر النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله فيها، بخلاف صلاة المسلمين؛ حيث يقرن فيها اسم النبيِّ الأكرم إلى جانب ذكر اللَّه تعالى.

وقد قُرن وجوب أو استحباب بعض العبادات الأخرى، غير الصلاة، باستحباب الصلاة على النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كاستحباب الصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا فرغ الحاج من التلبية في الحجّ (1) ، واستحباب الصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عند ذبح الهدي أو الأضحية (2) ، وقد جعلت الصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أحد أركان الخطبة في صلاة الجمعة (3) .

____________________

(1) الأم، الشافعي، ج2، ص171.

(2) المجموع، النووي، ج8، ص412.

(3) روضة الطالبين، النووي، ج1، ص530.


كذلك من أركان صلاة الميّت الصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله عليهم‌السلام (1) ، ويستحبّ أيضاً الصلاة على النبي وآله قبل الأذان والإقامة وبعدهما، كما نصّ على ذلك عبد العزيز الهندي - نقلاً عن النووي في شرح الوسيط - في كتابه الفقهي فتح المعين (2) ، إلى غير ذلك من الموارد التي لا تحصى في الفقه، والتي قرنت فيها جملة وافرة من العبادات باسم النبي المبارك صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته الطاهرين، وليس ذلك إلّا توجّه وتوسّل بهم عليهم‌السلام لقبول العبادة وحصول القرب من اللَّه تعالى، ولفتح أبواب السماء لصعود العمل. وهذا ما ورد النصّ عليه في روايات عديدة ومتضافرة من طرقنا وطرق السُّنَّة، حيث نصّت على أن الدعاء محجوب عن السماء ما لم يصلَّ على النبي وآله:

منها: ما ورد عن الإمام علي عليه‌السلام قال: (الدعاء محجوب عن السماء حتى يُتبع بالصلاة على محمّد وآله) (3) .

ومنها: ما ورد عن أبي ذرّ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (لا يزال الدعاء محجوباً حتَّى يصلَّى عليَّ وعلى أهل بيتي) (4) .

ومنها: ما جاء عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام قال: (قال رسول

____________________

(1) نفس المصدر، ص640.

(2) فتح المعين، ج1، ص280.

(3) لسان‏ الميزان، ابن حجر، ج4، ص53، وابن ‏إسحاق الحاكم، شعار أصحاب ‏الحديث، ص64.

(4) الخزاز القمي، كفاية الأثر، ص38.


اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : صلاتكم عليّ إجابة لدعائكم وزكاة لأعمالكم) (1) .

ومنها: ما ورد أيضاً عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، حيث قال: (إن رجلاً أتى رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يارسول اللَّه، إني جعلت ثلث صلاتي لك، فقال له خيراً. فقال له: يارسول اللَّه، إني جعلت نصف صلاتي لك، فقال له: ذاك أفضل. فقال: إني جعلت كلّ صلاتي لك، فقال: إذن يكفيك اللَّه عزَّ وجل ما أهمّك من أمر دنياك وآخرتك، فقال له رجل: أصلحك اللَّه، كيف يجعل صلاته له؟ فقال أبو عبداللَّه عليه‌السلام : لا يسأل اللَّه عزّ وجل إلّا بدأ بالصلاة على محمّد وآله) (2) .

ومنها: ما رواه فضالة بن عبيد، حيث قال: (سمع رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله رجلاً يدعو في صلاته لم يمجّد اللَّه تعالى ولم يصلِّ على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (عجّل هذا)، ثم دعاه فقال له أو لغيره: (إذا صلّى أحدكم فليبدأ بتحميد ربّه عزّ وجل والثناء عليه، ثم يصلّي على النبي، ثم يدعو بعد بما شاء) (3) .

وعن ابن مسعود قال: (إذا أراد أحدكم أن يسأل فليبدأ بالمدحة والثناء على اللَّه بما هو أهله، ثم ليصلِّ على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم ليسأل؛ فإنه أجدر أن ينجح) (4) . قال الهيثمي في زوائده: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (5) .

ومنها: ما عن جابر بن عبداللَّه قال: قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (لا تجعلوني كقدح الراكب، فإن الراكب إذا أراد أن ينطلق، علّق معالقه، وملأ قدح ماء. فإن كانت له

____________________

(1) الأمالي، الطوسي، ص215.

(2) الكافي، ج2، ص493.

(3) سنن أبي داود، ج1، ص333، ح1481.

(4) الطبراني، المعجم الكبير، ج9، ص156.

(5) مجمع الزوائد، ج10، ص155.


حاجة في أن يتوضّأ توضّأ، وأن يشرب شرب، وإلاّ أهراق، فاجعلوني في وسط الدعاء وفي أوّله وفي آخره) (1) .

ومنها: ما أخرجه القاضي عياض عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (كلّ دعاء محجوب دون السماء، فإذا جاءت الصلاة عليّ صعد الدعاء) (2) .

ومن الروايات التي من طرقنا أيضاً ما في موثقة السكوني عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام قال: (مَن دعا ولم يذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله رفرف الدعاء على رأسه، فإذا ذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله رفع الدعاء) (3) .

وعن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال: (إذا كانت لك إلى اللَّه حاجة، فابدأ بمسألة الصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم سل حاجتك، فإن اللَّه أكرم من أن يُسأل حاجتين فيقضي إحداهما ويمنع الأخرى) (4) .

كذلك عن أبي عبداللَّه عليه‌السلام قال: (إذا دعا أحدكم فليبدأ بالصلاة على النبي، فإن الصلاة على النبي مقبولة، ولم يكن اللَّه ليقبل بعض الدعاء ويردّ بعض) (5) .

وعن الإمام الحسن بن علي العسكري عن آبائه عليهم‌السلام عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (إن اللَّه سبحانه يقول: عبادي، مَن كانت له إليكم حاجة، فسألكم بمَن تحبّون أجبتم

____________________

(1) الصنعاني، المصنف، ج2، ص216.

(2) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ج2، ص66.

وقال ابن عطاء: للدعاء أركان وأجنحة وأسباب... وأسبابه الصلاة على محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله .

(3) وسائل الشيعة، ج7، ص94 - 93، ح8829.

(4) المصدر، ص97، ح8840.

(5) المصدر، ص96، ح8836.


دعاءه، ألا فاعلموا أن أحبّ عبادي إليّ وأكرمهم لديّ محمّد وعليّ حبيبيَّ وولييَّ، فمَن كانت له حاجة إليّ فليتوسل إليّ بهما، فإني لا أردّ سؤال سائل يسألني بهما وبالطيبين من عترتهما، فمَن سألني بهم فإني لا أردّ دعاءه؛ وكيف أردّ دعاء مَن سألني بحبيبي وصفوتي وولييّ وحجّتي وروحي ونوري وآيتي وبابي ورحمتي ووجهي ونعمتي؟ ألا وإني خلقتهم من نور عظَمتي، وجعلتهم أهل كرامتي وولايتي، فمَن سألني بهم عارفاً بحقّهم ومقامهم أوجبت له منّي الإجابة، وكان ذلك حقّاً عليّ) (1) .

وهذه الروايات بمجموعها والأحكام التي سبقت للصلاة على النبي وآله في الصلاة وغيرها من العبادة كاشفة عن اقتران اسم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته الطاهرين بأعظم العبادات، بل معظمها، وهذا يعني أن اللَّه عزَّ وجل جعل تلك الأسماء المباركة واسطة لفيضه وشرطاً حقيقياً للتوسل إليه في التوبة وسائر العبادات القربية والمقامات الإلهية، وأن أبواب السماء مغلقة إلّا عن سبيلهم عليهم‌السلام وطريقهم، الذي نصبه اللَّه تعالى مناراً لعباده ومحجّة واضحة لخلقه.

هذا كلّه في الشاهد الأوّل؛ وهو اقتران الصلاة على النبي وأهل بيته بالصلاة وغيرها من العبادات.

الشاهد الثاني ، وهو كذلك اقتران اسم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله المبارك بالصلاة، وذلك بالإتيان به في جزء التسليم من الصلاة، وهو قول المصلّي: السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة اللَّه وبركاته. فإن التسليم الذي هو جزء من أجزاء الصلاة ولا تتمّ الصلاة إلّا بإتمامه والفراغ منه، جُعل شطر منه التسليم على النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله .

____________________

(1) وسائل الشيعة، ص102، ح8850.


فقبل إتمام الصلاة وفي حاقّها يستحبّ للمصلّي أن يسلّم على نبيّ الإسلام باتفاق فرق المسلمين.

ولا شك أن هذا التسليم بالكيفية المذكورة نوع زيارة للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وخطاب ونداء عن قرب بـ (أيُّها) وتوسّل واستغاثة وتوجّه إليه وبه إلى اللَّه عزّ وجل؛ وذلك لأن اللَّه تعالى عندما شرّع التسليم والتحيّة للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله في الصلاة، التي شُرّعت لذكره عزّ وجل والتقرّب منه والعروج إليه، فإن ذلك يعني أن ذكر النبي ذكر للَّه تعالى، ونداءه نداء للباري عزّ وجل؛ وليس ذلك إلّا لكون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الآية العظمى والوسيلة المحمودة بين اللَّه وبين خلقه في الصلاة، التي هي من عظيم العبادات والقربات عند اللَّه تعالى.

إذن؛ طبيعة الزيارة والنداء والندبة والاستغاثة والتوجّه بالنبي لنيل مقامات القرب في الصلاة، التي هي قربان كلّ تقي، موجودة في نفس الصلاة التي هي أكبر العبادات التوحيدية ويمارسها الفرد المسلم في يومه عدّة مرّات.

والحاصل: إذا كانت الصلاة التي هي من دعائم الدين مقرونة بذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لنيل مقامات القرب عند اللَّه تعالى، فكيف هو الحال بباقي العبادات والقربات الأخرى في الدين؟!

وعلى هذا كيف يقال: إن ذكر غير اللَّه تعالى في التوجّه إليه عزّ وجل شرك؟!

وهل هذا إلّا طمس لمعالم الشهادة الثانية؟

الشاهد الثالث: اقتران اسم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله باسم اللَّه عزّ وجل في الأذان، الذي هو عبادة من العبادات، ويُعدّ بوابة للصلاة التي إن قبلت قبل ما سواها وإن ردّت ردّ ما سواها، كذلك في الإقامة؛ حيث إن الفرد المسلم كما يشهد أن لا إله إلّا اللَّه


كذلك يشهد أن محمّداً رسول اللَّه، وليس ذلك إلّا لكون اسم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله باب اللَّه الأعظم، وأن الصلاة التي هي الركن الركين في العبادات ومعراج المؤمن إلى ربّه مفتاحُها وباب الولوج إليها اسم النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله مقروناً باسم اللَّه تعالى.

ولو كان اسم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وذكره والتوجّه القلبي إليه أثناء العبادة موجباً للشرك، لََمَا أمكن تشريع الأمر على هذا الحال، ولَمَا أمر اللَّه عزّ وجل بالتوجّه إليه بنبيّه.

الشاهد الرابع: الهجرة التي هي من العبادات العظيمة عند اللَّه تعالى، وأكّدت عليها الآيات القرآنية في مواطن عديدة، لا يمكن أن تحصل إلّا بالهجرة إلى اللَّه ورسوله، فلكي تصحَّ عبادة الهجرة لابدّ أن يتوجّه فيها إلى اللَّه وإلى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال اللَّه عزّ وجل: ( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) (1) .

والذي يتحصَّل من هذه الشواهد وغيرها أن اسم النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وكذا أهل بيته عليهم‌السلام اقترن باسم اللَّه تعالى في أعظم العبادات كالصلاة والحجّ وغيرهما، هذا فضلاً عمّا دونها من العبادات، وهو اقتران واجب في بعض موارده كما تقدّم في الصلاة، ومعنى ذلك شرطية التوسّل والواسطة في العبادات كما ادّعيناه في بداية البحث.

وقد أحصى بعضهم في هذا المجال جملة من المواطن العبادية التي تقرن باسم النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والصلاة عليه وعلى آله.

منها: في التشهّد الأول والثاني في الصلاة، وآخر قنوت الصلاة، وفي صلاة

____________________

(1) النساء: 100.


الجنائز، وخطبة العيدين والجمعة والاستسقاء، وبعد إجابة المؤذن، وعند الإقامة، وعند الدعاء، وعند دخول المسجد وعند الخروج منه، وعلى الصفا والمروة، وعند الفراغ من التلبية، وعند استلام الحجر، وعند الوقوف على قبره الشريف، وعقيب ختم القرآن الكريم، وعند الهمّ والشدائد وطلب المغفرة، وعند تبليغ العلم، وعقب الذنب إذا أراد أن يكفّر عنه، وبعد الفراغ من الوضوء، وفي كلّ موطن يُجتمع فيه لذكر اللَّه، وعند طلب قضاء الحاجة، وعقيب الصلوات في سائر أجزاء الصلاة غير التشهّد، إلى غير ذلك من المواطن.

وقد ذُكر أيضاً للصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فوائد كثيرة جدّاً، منها:

1 - أنها سبب لغفران الذنوب.

2 - أنها تُصاعد الدعاء إلى عند رب العالمين.

3 - أنها سبب لشفاعته صلى‌الله‌عليه‌وآله .

4 - أنها سبب كفاية العبد ما أهمّه.

5 - أنها سبب لقرب العبد منه يوم القيامة.

6 - أنها سبب لقضاء الحوائج.

7 - أنها سبب لتبشير العبد قبل موته بالجنّة.

8 - أنها سبب للنجاة من أهوال يوم القيامة.

9 - أنها سبب لتذكّر العبد ما نسيه.

10 - أنها سبب لطيب المجلس.

11 - أنها سبب لنفي الفقر.

12 - أنها سبب لنفي البخل.


13 - أنها ترمي صاحبها على طريق الجنّة وتخطي بتاركها عن طريقها.

14 - أنها تُنجي من نتن المجلس.

15 - أنها سبب لوفور نور العبد على الصراط.

16 - أنه يخرج بها العبد من الجفاء.

17 - أنها سبب لإبقاء اللَّه سبحانه الثناء الحسن للمصلّي عليه بين أهل السماء والأرض.

18 - أنها سبب للبركة في ذات المصلّي وعمله وعمره وأسباب مصالحه.

19 - أنها سبب لنيل رحمة اللَّه له.

20 - أنها سبب لدوام محبته للرسول وزيادتها وتضاعفها.

21 - أنها سبب لمحبّته صلى‌الله‌عليه‌وآله للعبد.

22 - أنها سبب لهداية العبد وحياة قلبه.

23 - أنها سبب لعرض اسم المصلّي وذكره عنده.

إلى غير ذلك من الفوائد والثمرات.

الدليل الخامس: ابتغاء الوسيلة ضرورة قرآنية

إن حقيقة هذا الدليل الخامس عبارة عن مزيد إيضاح وتعميق ونظرة أدقّ لِمَا تقدَّم من قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (1) .

وفي المقدّمة لابدّ من التنبيه على أن التدبر في الآية الكريمة يفيد أن الابتغاء

____________________

(1) المائدة: 35.


المأمور به جعل متعلّقاً لكلّ من الوسيلة وذي الوسيلة وهو اللَّه عزّ وجل.

فجعل الابتغاء والقصد والتوجّه إلى كلّ من الوسيلة والذات الإلهية المقدّسة، فكلّ منهما أُمرنا بقصده والتوجّه إليه، إلّا أن القصد والتوجّه إلى الوسيلة ابتداءً هو الذي يؤدّي وينتهي بنا إلى قصد اللَّه تعالى، فالغاية القصوى هو اللَّه عزّ وجل، إلّا أن الذي يُقصد ابتداءً هو الوسيلة بداعي القصد إلى منتهى الغاية والأمل، وهو اللَّه تبارك وتعالى.

بل لعلّ التدبّر الأعمق والنظر الأدقّ في الآية المباركة يكشف عن أن لفظ (وابتغو) أُسند إلى الوسيلة فقط، وأن لفظ (إليه) مرتبط بالوسيلة، لا بـ (ابتغو)، أي أن الوسيلة هي إليه، فالابتغاء متوجّه إلى الوسيلة فقط، وصفة الوسيلة أنها إليه.

وبعبارة أخرى:

إن فعل (وابتغو) عمل في لفظ (الوسيلة) كمفعول به، وأمَّا لفظ (إليه)، فليس متعلّقاً بـ (ابتغو)، وإنما الذي يعمل في الجار والمجرور هو لفظ (الوسيلة)؛ إذ فيها معنى المصدر والحدث، وأنَّ التوسّل والوسيلة هو إلى اللَّه تعالى، فالابتغاء من جهة التركيب الإعرابي يعمل في الوسيلة فقط ويتعلّق بها، والوسيلة تتعلّق بلفظ إليه وتعمل فيه؛ وعليه فيكون الابتغاء والتوجّه والقصد بحسب ظاهر الدلالة متعلّقاً بالوسيلة، فهي التي يتوجّه إليها النداء والرجاء والخطاب، وحيث إن صفتها الذاتية أنها تؤدّي إلى اللَّه تعالى فيكون التوجّه إليها توجّهاً إلى اللَّه عزّ وجل ونداؤها نداءً بها إليه تعالى، وقصدها قصد بها إليه جل ثناؤه، كما في التوجّه إلى الكعبة واستقبالها، فإنه توجّه بها إلى اللَّه تعالى.


ومن ذلك يظهر أن مقتضى مفاد الآية هو أن الإلتجاء وتوجيه الخطاب إنما يكون إلى الوسيلة، كقول الداعي والمتوسل: يامحمّد يانبيّ الرحمة، إني أتوجّه بك إلى اللَّه ربي وربك لقضاء حاجتي. فيوجّه الخطاب والنداء إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ويكون ذلك منه ابتغاءً للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كوسيلة إلى اللَّه عزّ وجل، وإلّا فإن جعل الخطاب للَّه تعالى فقط من دون التوجّه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في الخطاب كوسيلة، لا يكون ابتغاءً وطلباً وتوجهاً إلى الوسيلة، بل ابتغاء مباشري للَّه تعالى من دون ابتغاء الوسيلة.

وعلى كلا البيانين لدلالة الآية الشريفة تكون الآية نصّ في الدلالة على الأمر بالتوجّه والنداء ودعاء الوسيلة وأنه دعاء للَّه تعالى.

ثم إن صيغة الأمر في الآية الكريمة يفيد ضرورة التوسّل بالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ حيث إن هذه الآية المباركة ليست في مقام بيان مشروعية التوسّل فحسب، بل الآية المباركة ترمي إلى بيان حتمية ولا بدِّية التوسّل، وأنه أمر تعيينيّ عينيّ، وذلك لأن المقصود من ابتغوا الوسيلة أي اقصدوها وتوجّهوا إليها في مقام توجّهكم إلى اللَّه عزّ وجل، ومعنى (ابتغوا) أيضاً في الآية المباركة أن هناك بُعداً بين العبد والباري تعالى وأن هناك مسافة لابدّ أن تطوى بابتغاء الوسيلة والحضور عندها، ولو كان هناك قُرباً تلقائياً من طرف العبد إلى ربّه فلا حاجة إلى الوسيلة حينئذٍ للاقتراب من اللَّه تعالى؛ لكونه تحصيلاً للحاصل ولا يكون معنى للوسيلة وابتغائها ولو بنحو التخيير أيضاً.


قرب اللَّه وقرب العبد:

فالأمر بابتغاء الوسيلة وقصدها معناه أن هناك بُعداً بين العبد وبين اللَّه تعالى، وهو بُعد من جهة العبد فقط لا من طرف الباري عزّ وجل؛ لأن اللَّه تعالى قريب أقرب إلى العباد من حبل الوريد، كما قال تعالى ذكره: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (1) ، لكن العبد من طرفه يحتاج إلى الوسيلة لبُعده؛ لأن قرب اللَّه تعالى إلى العبد ليس قرباً جسمانياً جغرافياً، لكي يكون هناك تلازم تضايفي بين العبد وربه في القرب والبُعد، وكذا ليس من نوع القرب العقلي أو الروحيّ ليحصل التجانس أو التماثل في القرب؛ وذلك لِمَا تقدّم من كون اللَّه تعالى منزّه عن التضايف والتقابل الجسماني أو العقلي أو الروحي، لأنه تشبيه باطل مناف لعظمة ذات الباري تعالى.

إذن؛ القرب الإلهي تجاه العبد قرب القدرة والسلطنة والهيمنة والإحاطة، فالمقتدر والمهيمن والمحيط كلّما كانت قدرته وهيمنته وإحاطته أشدّ كلّما كان أقرب من المحاط به، وعلى العكس يكون الطرف المقابل الضعيف؛ فهو يزداد ضعفاً كلّما كان طرفه المقابل أشدّ قوة واقتداراً، كذلك كلّما ازداد المهيمن إحاطة ازداد الطرف الآخر مُحاطيّة وبُعداً عن أن يحيط بالمحيط، فالقويّ قريب محيط والضعيف بعيد محاط، ويبعد كلّما ازداد القويّ قوّة وهيمنة؛ لأن الضعيف حينئذٍ بعيد من حيث افتقاده للصفات والكمالات اللّامتناهية شدّة وعدّة، التي للقويّ المحيط.

والحاصل: إن هناك نمطاً من التعاكس في القرب والبُعد، فطرف يكون قريباً

____________________

(1) ق: 16.


والآخر بعيداً، كلّما ازداد الباري قرباً وإحاطة من حيث الصفات كلّما ازداد المخلوق بعداً من طرفه بالنسبة إلى اللَّه تعالى، وذلك من حيث التعاكس في الصفات.

ومن ثمّ لابدّ من ابتغاء الوسيلة التي هي أشدّ كمالاً وأقرب إلى الباري تعالى، لكي يطوي المخلوق شيئاً من ذلك البُعد وينال درجة من درجات القرب برقيّه في مدارج الكمال عن طريق الواسطة والوسيلة.

والوسيلة هي الأقرب إلى اللَّه تعالى من حيث الكمالات؛ إذ كلّما تكامل المخلوق في الصفات ازداد قربه من الحضرة الربوبية، وكلّما عظم المخلوق صفة وكمالاً كلّما كان أقرب من الخالق لازدياد علمه ومعرفته بصفاته تعالى، والعلم درجة من درجات القرب والوصول، إذ طالما تجلت في المخلوق صفات الخالق أكثر عرف ذلك المخلوق بتلك الكمالات والصفات، صفات الخالق عزّ وجل، ولذا يكون أكمل المخلوقات أعرفهم بربّه وأقربهم منه وأكثر دلالة عليه وأشدّهم آية وعلامة ترشد إليه وتقرّب منه؛ لأن ما يتجلى فيه من بديع الكمالات آيات لكمال الباري عزّ وجل، على العكس من ذلك ما لو قلّت في المخلوق الكمالات، فإنه تقلّ فيه الآيات الدالّة على عظمة اللَّه تعالى وتقلُّ بالطبع معرفته.

ومن هنا كان المخلوق الذي يتّسم بالضعف والفقر والحاجة والبعد عن اللَّه تعالى بحاجة إلى الوسيلة، التي هي أقرب صفة وكمالاً من اللَّه عزّ وجل، كي تكون سبباً يقرّبه إلى ربّه.

فالوسيلة والوسائط هي أعاظم المخلوقات، وهي آيات اللَّه وأسمائه


وعلاماته الدالّة عليه، والتي يستدلّ الخلق بعظمتها على عظمة الباري، فتزداد المعرفة ويحصل القرب بنيل الكمالات.

ولا شك أن الخطاب الوارد في الآية المباركة - الكاشف عن ضرورة الوسيلة بالبيان المتقدم - عامّ وشامل للتوبة ومطلق العبادات وللمعرفة والإيمان أو التوجّه إلى الحضرة الإلهية لنيل مقام أو حظوة عند اللَّه تعالى.

الوسيلة معنى الشفاعة:

فللعلاقة بين العبد وربّه ولقطع مسافة البُعد لابدّ من الوسيلة، سواء في المعرفة والإيمان أو في قبول التوبة أو العبادات أو نيل المقامات، وقد أُطلق عن مثل هذا المقام في لسان الشارع بالشفاعة؛ لأن الشفع في الأصل بمعنى الزوج والاقتران، وهو في المقام اقتران الذات الربوبية بالآيات والأسماء الإلهية.

ثم إنه سبق أن الآيات العظمى والكلمات التامّات هم النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ، وقد وصف اللَّه تعالى رسوله الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله بالعظمة، وذلك في قوله تعالى: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (1) ، فهم عليهم‌السلام الأسماء الحسنى التي أمر اللَّه أن يُدعى بها وتاب بها على آدم وامتحن بها إبراهيم عليه‌السلام لنيل مقام الخلافة والإمامة، وهذا البيان الذي ذكرناه؛ من ضرورة الواسطة والوسيلة لعظمة اللَّه تعالى، هدى إليه أمير المؤمنين عليه‌السلام عند بيانه لقوله تعالى: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ

____________________

(1) القلم: 4.


مَحْذُورًا ) (1) .

حيث بيّن أمير المؤمنين عليه‌السلام ضرورة الوسيلة، وأن اشتباه وخطأ المشركين إنما هو في اتخاذهم وسيلة اقتراحية غير مأذون بها، حيث طبّقوا الوسيلة الأعظم كمالاً على غير المصداق والفرد الحقيقي لها، فذمّهم اللَّه عزّ وجلّ على ذلك.

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام في هذا المجال: ( فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى مَن في السماوات والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة، بالأعمال المختلفة والأديان المشتبهة، فكلّ محمول يحمله اللَّه بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشور ) (2) .

فإن الأعمال المختلفة والأديان المشتبهة ناتج اتخاذ الخلق الوسيلة إلى اللَّه تعالى، بسبب عظمته ونوره وتعاليه عزّ وجل.

ومن ذلك كلّه يتّضح أن من ينكر التوسّل أسوء حالاً من قريش التي آمنت بالوسيلة وأخطأت المصداق؛ حيث جعلوا وسائط باقتراحهم من غير سلطان أتاهم، لشعورهم بالفطرة التي خلقهم اللَّه عليها بعظمته تعالى عن أن ينال أو يدرك بلا واسطة.

____________________

(1) الإسراء: 57.

(2) الكافي، ج1، ص130.


ترامي الوسائل وتعاقبه:

ثم إن الآيات الكبرى تتفاوت فيما بينها، فأهل البيت عليهم‌السلام شفيعهم ووسيطهم إلى اللَّه تعالى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله في نيل المقامات، وبالنسبة للنبيّ ذاته فهو بذاته آية وعلامة عظمى على صفات اللَّه تعالى، فتكون نفسه من حيث هي مخلوقة وفعل للَّه تعالى وسيلة لنفسه، نظير ما ورد في الروايات (خلق اللَّه المشيّة بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشيّة) (1) .

فالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مرآة الكمالات والصفات الإلهية له ولغيره في جميع جهات الارتباط باللَّه تعالى كقبول التوبة أو بقيّة العبادات أو مطلق نيل مقامات القرب من اللَّه عزّ وجل، فهو صلى‌الله‌عليه‌وآله أمينه على وحيه وعزائم أمره.

الدليل السادس: شرطية الاستجارة بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في طلب المغفرة

هنا أيضاً نريد التعرّض لبيان أدقّ وأعمق ودالّ على المطلوب في المقام لقوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) (2) .

لقد نصّت هذه الآية المباركة على ثلاثة شروط لقبول التوبة والاستغفار من هذه الأمة، وهي:

1 - المجي‏ء إلى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله .

2 - إبراز الاستغفار من اللَّه عزّ وجل.

____________________

(1) توحيد الصدوق، ص148.

(2) النساء: 64.


3 - إمضاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لذلك الاستغفار، واستغفاره للتائبين.

فهذه الآية من ضمن مجموع الآيات التي تعرّضت لذكر شرائط التوبة، وأوّل شرط لقبول توبة المذنب والظالم لنفسه ليس إظهار الندامة من العبد أمام اللَّه تعالى مباشرة، بل الشرط الأوّل هو المجي‏ء إلى الحضرة النبويّة والالتجاء إليه، واللّواذ والاستعاذة والاستجارة به صلى‌الله‌عليه‌وآله . فأولاً لابدّ أن يأتي العبد إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ويلوذ به، ثم بعد ذلك يُظهر الندامة والاستغفار؛ إذ الترتيب للشروط في الآية المباركة ترتيب رتبي ترتيبي، حيث أخذت المراتب بعين الاعتبار، لا أنه ذكري فقط؛ بقرينة العطف بالفاء.

والمجي‏ء إلى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله هو عين التوجّه إليه والتوسّل به في قبول التوبة.

وهذه الآية كشفت النقاب عن شرطية التوسّل بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في أكبر خطر مصيريّ يُحدق بالإنسان وهو الذنب والمعصية، التي قد تؤدّي بالعبد إلى الهلاك والسقوط في الهاوية، في مثل هذا الأمر الخطير جعل اللَّه تعالى الملاذ والملجأ هو النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلابدّ من الكينونة في الحضرة النبوية ثم إظهار عبادة الاستغفار، لأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله باب اللَّه تعالى الذي منه يؤتى، فيكون اللّواذ باللَّه عزَّ وجلَّ باللّواذ بنبيّه الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ولذا بعد الاستجارة بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال تعالى: ( لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) .

إذن؛ الاستعاذة والاستجارة واللجوء إلى اللَّه بنبيّه أُخذ شرطاً في أخطر موقف للعبد مع ربّه، وهو التوبة وغفران الذنوب.

ومن الواضح أيضاً أن الظلم المذكور في الآية المباركة ليس مختصّاً بالذنوب


الفردية التي بين العبد وربّه، وإنما هو شامل للظلم الاجتماعي السياسي أو النظام الاقتصادي المعاشي أو التعدّي على المنظومة الحقوقية والأخلاقيّة، ومعنى ذلك أن استعلام ومعرفة تلك الأمور الفردية والاجتماعية لا يمكن أن يتحقّق إلّا عن طريق الالتجاء واللّواذ بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكلّ حيف أو زيغ يحصل من الفرد أو المجتمع في تلك الأمور لابدّ من الرجوع فيها إلى الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي مقابل تعدّد أنواع الظلم يتعدّد أنواع اللجوء والتولّي والتوجّه للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثم إن ذكر التوبة والاستغفار في الآية المباركة لا لخصوصية فيها، وإنما ذكرت بما هي عبادة من العبادات؛ لكونها أوبة ورجوع إلى اللَّه تعالى واقتراب منه وقصد وتوجّه إليه، فليست الآية في ذكرها لشرطية التوسّل بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله خاصّة بالتوبة، بل هي شاملة في ذلك لكلّ العبادات. خصوصاً وأن التوبة هي الأوبة، من آب يؤوب، والأوبة الرجوع إلى اللَّه تعالى، أي الاقتراب والزلفى منه عزّ وجل. ولا شك أن العبادات بمجموعها طلب الأوبة والقرب والزلفى إلى اللَّه تعالى، فهي نوع من أنواع التوبة؛ وبناءً على ذلك لا تكون التوبة عملاً منحازاً ومنفصلاً عن سائر العبادات كالصلاة والحجّ وغيرهما، بل هي عمل عام وشامل للعبادات كافَّة.

كذلك التوبة نوع من أنواع الدعاء؛ لأنها طلب المغفرة من اللَّه تعالى ودعاء بالغفران، فمضمون هذه الآية المباركة مشترك مع ما تقدم من الروايات الدالّة على أن الدعاء وطلب العبد القرب من اللَّه تعالى لا يرتفع إلى السماء ولا تُفتّح له الأبواب ما لم يقترن بذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بالصلاة على محمّد وآل محمّد، وإذا كان كذلك، فإن الدعاء وطلب القرب من اللَّه عزّ وجلَّ شامل للمقامات الثلاثة التي


ذُكرت في صدر البحث، وهي: قبول التوبة والعبادة ونيل مقامات القرب، وهو لا يقبل إلّا باللّواذ بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والتوجّه إليه والاستعاذة والاستجارة والتوسّل به، بالمجي‏ء في حضرته المباركة.

وهذه الآية الكريمة الدالّة على شرطية التوجّه والتوسّل وضرورته في جميع المقامات ليست خاصّة بحياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ إذ ليس المراد من المجي‏ء الحضور الفيزيائي لبدن المذنب عند النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله فقط، بل المجي‏ء الفيزيائي والبدني المكاني أحد المصاديق المقصودة في الآية المباركة، والتعبير بالمجي‏ء كنائي، يراد به مطلق الاستغاثة والتوسّل والتوجّه القلبي إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والشواهد على ذلك عديدة، منها:

1 - إن هذه الآية المباركة جاءت لبيان ماهية التوبة وشرائطها العامة، التي يشترك فيها كافّة المسلمين وفي جميع الأزمنة، فلا يمكن أن تكون مختصّة بالفترة التي عاشها النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله أو بمَن زامن وعايش تلك الفترة، فالمراد من المجي مطلق الارتباط بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بالتوجّه إليه والكينونة في حضرته المباركة، ثم الإتيان بعبادة الاستغفار، وهذا المضمون متطابق مع مفاد قوله تعالى: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) ، إذ معنى ذلك أن حضرة الأنبياء ومحضرهم مشاعر شعّرها اللَّه تعالى ليُتقرّب بها إليه.

ويتّضح هذا الشاهد أكثر إذا علمنا أن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بُعث رحمة للعالمين، وهذه من الرحمات العامة للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله على هذه الأمة، وغير مختصّة بمَن حضر الحضور الفيزيائي البدني عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

2 - إن نفس التعبير بقوله تعالى: ( جَاءُوكَ ) يتضمّن معنى اللّواذ واللجوء


والاستغاثة والتوسّل والتوجّه القلبي، وليس فيه دلالة على الاختصاص بالحضور الجسماني.

3 - استغفار آدم عليه‌السلام وتوبته أيضاً كانت - كما مرَّ - بالمجي‏ء للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن كان مجيئه إليه في أفق القلب والقصد؛ فقد ورد في روايات الفريقين أن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (لمَّا اقترف آدم الخطيئة، قال: ياربّ أسألك بحقّ محمّد لَمَا غفرت لي، فقال: ياآدم وكيف عرفت محمّداً ولم أخلقه؟ قال: ياربّ لأنَّك لمَّا خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوب، لا إله إلّا اللَّه محمّد رسول اللَّه، فعلمت أنك لم تُضف إلى اسمك إلّا أحبّ الخلق إليك، فقال: صدقت ياآدم، إنه لأحبّ الخلق إليّ، ادعني بحقّه فقد غفرت لك، ولولا محمّد ما خلقتك) (1) وغيرها من الروايات الدالّة على أن مجي‏ء آدم إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ولواذه به كان بالتوجّه القلبي به إلى اللَّه تعالى.

وفي هذه الرواية الأخيرة التي نقلناها إشارة أخرى إلى اقتران اسم النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله باسم اللَّه عزّ وجلَّ في أعظم عبادة وأشرف كلمة في الإسلام، وهي كلمة التوحيد.

4 - إن المسلمين في سيرتهم منذ الصدر الأول فهموا من هذه الرواية الشمول والعموم وعدم الاختصاص بالفترة الزمنية التي عاشها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذا دليل على عموم المعنى المستعمل في ارتكاز أبناء اللغة، ولذا كانوا يتوجّهون إلى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله في طلب المغفرة ويأمرون الآخرين بذلك حتى بعد وفاة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والشواهد الروائية والتاريخية على ذلك كثيرة جدّاً:

____________________

(1) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج2، ص615.


منها: ما أخرجه النووي عن العتبي قال: (كنت جالساً عند قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فجاء أعرابي، فقال: السلام عليك يارسول اللَّه، سمعت اللَّه تعالى يقول: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) (1) وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربّي، ثم أنشأ يقول:

يا خير مَن دفنت بالقاع أعظمه

فطاب مِن طيبهنَّ القاع والأكمُ

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه

فيه العفاف وفيه الجود والكرم

قال: ثم انصرف، فحملتني عيناي فرأيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في النوم، فقال لي: ياعتبي، ألحق الأعرابي فبشّره بأن اللَّه تعالى قد غفر له) (2) .

ومنها: ما أخرجه السيوطي عن أبي حرب الهلاليّ قال: (حجّ أعرابي، فلمَّا جاء إلى باب مسجد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أناخ راحلته فعقلها، ثم دخل المسجد حتى دخل القبر ووقف بحذاء وجه رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: بأبي أنت وأمي يارسول اللَّه، جئتك مثقلاً بالذنوب والخطايا مستشفعاً بك على ربّك، لأنه قال في محكم كتابه: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) (3) وقد جئتك بأبي أنت وأمي مثقلاً بالذنوب والخطايا استشفع بك على اللَّه ربّك أن يغفر لي ذنوبي وأن يشفع فيّ( (4) .

ومنها: ما روي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام أنه قال: (قدم علينا أعرابي بعد ما دفنّا رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(1) النساء: 64.

(2) النووي، الأذكار النووية، ص206، وكذلك في تفسير ابن كثير، ج1، ص532.

(3) النساء: 64.

(4) الدرّ المنثور، ج1، ص238.


وحثا من ترابه على رأسه، وقال: يا رسول اللَّه قلت فسمعنا قولك ووعيت عن اللَّه فوعينا عنك، وكان فيما أنزل اللَّه عليك: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) (1) وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي، فنودي من القبر أنه غفر لك ) (2) ، إلى غير ذلك من الشواهد.

5 - إن القرآن الكريم قد دلّ على حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عند ربّه، كما قال تعالى: ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (3) ، بل وكذا قوله تعالى: ( يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ ) (4) وغيرها من عشرات الآيات الدالّة على أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يرى ويشهد على جميع أعمال العباد إلى يوم القيامة، فهو حيّ عند ربّه. كيف لا وقد دلّ القرآن على حياة الشهداء في قوله تعالى: ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (5) ، وقد اتّفقت روايات الفريقين المتواترة أيضاً الدالّة على حياة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، منها ما ورد عن الإمام الحسن عليه‌السلام قال: (إن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: حيثما كنتم فصلّوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني) (6) .

____________________

(1) النساء: 64.

(2) كنز العمال، ج2، ص386، والصالحي الشامي، سبل الهدى والرشاد، ج12، ص390.

(3) التوبة: 105.

(4) النحل: 89.

(5) آل عمران: 169.

(6) الطبراني، المعجم الأوسط، ج1، ص117.


وعن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون) قال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزاز ورجال أبي يعلى ثقات (1) .

وقد نقل السقّاف في كتابه الإغاثة جملة من الروايات وكلمات علماء السُّنَّة التي ادّعي فيها الإجماع والتواتر والعلم القطعي بحياة النبي الأكرم فراجع (2) .

وإذا ثبت ذلك ثبت عموم الآية المباركة بالرجوع إلى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والاستغاثة به.

6 - آيات وروايات عرض الأعمال على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما في قوله تعالى: ( قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (3) وهذه الآية متطابقة ومتشاهدة مع آية ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ... ) . وأمَّا الروايات في هذا المجال، فهي كثيرة جدّاً:

منها: ما عن أبي عبد اللَّه الصادق عليه‌السلام قال: (تعرض الأعمال على رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله كلّ صباح أبرارها وفجّارها فاحذروه) (4) .

ومنها: ما عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام قال: (إن الأعمال تعرض على نبيكم كلّ عشية خميس، فليستحي أحدكم أن يعرض على نبيه العمل القبيح) (5) .

منها: ما ورد عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (حياتي خير لكم

____________________

(1) مجمع الزوائد، ج8، ص211.

(2) الإغاثة، ص 7 - 5.

(3) التوبة: 105.

(4) تفسير البرهان، ج 3، ص 488.

(5) تفسير البرهان، ج 3، ص 490.


تحدّثون وتحدّث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض عليّ أعمالكم، فما رأيتُ من خير حمدت اللَّه عليه، وما رأيت من شرّ استغفرت لكم). قال الهيثمي: رواه البزاز ورجاله رجال الصحيح (1) .

وهذه الرواية وغيرها منسجمة المضمون مع الشرط الثالث في الآية التي هي محلّ البحث؛ حيث جاء فيها: (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ)، فالتائب والمستغفر يتوجّه إلى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ويعرض استغفاره عنده لكي يستغفر له الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ويشفع له عند اللَّه تعالى في قبول توبته، فعبادات الأمة لابدّ أن يشفع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عند ربّه في قبولها، وهو المضمون والغرض والحكمة من عرض الأعمال وأنَّ قبولها مشروط بإمضاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وشفاعته. فكما أن آيات وروايات عرض الأعمال ذكرت أن سبب العرض هو أن يستغفر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لأمته، كذلك في الآية المباركة إنما يعرض العبد استغفاره في الحضرة النبويّة لكي يستغفر له، وإذا كانت آيات وروايات العرض عامة لحال الحياة وبعد الممات، فكذلك الآية المباركة.

وهذا الذي ذكرناه أخيراً هو الشرط الثالث في الآية المباركة وهو استغفار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله للمذنب الظالم لنفسه.

7 - إن كل الأحكام في الآيات الكثيرة التي أخذ فيها الحكم مرتبطاً بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لا تختص بحياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كما في قوله تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (2) وقوله تعالى: ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا

____________________

(1) مجمع الزوائد، ج9، ص24.

(2) الممتحنة: 6.


الرَّسُولَ ) (1) وقوله تعالى: ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (2) وقوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (3) وغيرها من الآيات، فإنه لو توهم اختصاصها بحياته صلى‌الله‌عليه‌وآله الدنيوية لعُطّل العمل بهذه الآيات وتقوّضت أركان الدين.

والذي يتحصّل من الآية: أن المجي‏ء إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والتوجّه إليه شرط في قبول التوبة، بل كافّة العبادات ومطلق المقامات القُربيَّة عند اللَّه تعالى.

كما يستفاد من الآية المباركة أيضاً أن التوسّل والتوجّه أمر تعييني ضروري لابدّ منه، وليس هو أمراً تخييرياً بيد العبد فعله أو تركه.

واتضح أن التوجّه للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في تلك المقامات ليس خاصّاً بالتوجّه الفيزيائي البدني، بل شامل للتوجّه القلبي أيضاً.

ثم إن المجي‏ء إلى النبيِّ والتوسّل به بمعنى الارتباط به والانتماء إليه بكلّ أنحاء الانتماء، كانتماء المواطنة والانتماء الأُسري والوظيفي والتنظيمي، وغيرها من أنحاء الانتماء إلى الرسالة الخاتمة والحاكمية الإلهية المتمثّلة بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام .

كذلك لابدّ أن يُعلم أن الآية الخاصّة في المقام غير مختصّة بالرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل هي سُنَّة إلهيّة جارية في النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ، فالآية عامة؛ ولذا نصّت على هذا العموم آية عرض الأعمال؛ حيث شملت الذين آمنوا وهم أولوا الأمر من أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما نصّ على ذلك قوله تعالى: ( هُوَ اجْتَبَاكُمْ

____________________

(1) النساء: 59.

(2) الحشر: 7.

(3) الأنبياء: 107.


وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) (1) إذ هم الأمة المسلمة من ذرِّيَّة إبراهيم وإسماعيل المجتباة الذين بعث فيهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وجعلهم اللَّه شهداء على الناس وأعمالهم وعقائدهم، ويدلّ على العموم أيضاً الآيات المتقدّمة التي نصّت على وجوب المجي‏ء إلى إبراهيم في الحجّ ووجوب الصلاة عند مصلّاه وهويّ القلوب إلى ذرّيته، وسيأتي من الآيات ما يدلّ على العموم أيضاً.

إذن؛ التوجّه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام في التوبة والعبادة ونيل المقامات شرط ومشارطة إلهية لابدّ من توفّرها لنيل ما يبتغيه العبد.

الدليل السابع: التوسّل بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ميثاق الأنبياء

قال تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النبيينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) (2) ، فالميثاق المذكور في هذه الآية المباركة معناه أن هناك تعاقداً بين اللَّه تعالى والأنبياء عليهم‌السلام ، والطرفان اللذان وقع عليهم الميثاق والتعاقد هما النبوّة والمقامات الغيبة التي أعطاها اللَّه تعالى للأنبياء في مقابل أمر مهمّ وخطير لابدّ أن يؤمنوا به، وهو قوله تعالى: ( ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) فالمقامات الإلهية والمنح

____________________

(1) الحج: 78.

(2) آل عمران: 81.


الربّانية إنما تعطى للأنبياء بشرط الإيمان بخاتمهم ونصرته، ولا شك أن الذي يكون ناصراً إنما هو تابع للمنصور والمنصور قائد له، فالأنبياء كلّهم مأمومون والرسول الأكرم إمامهم، والأنبياء سبقوا الناس بالاصطفاء الإلهي الخاصّ وحُبوا بالنبوّة والرسالة والمقامات الغيبيّة بتوسّط إيمانهم بولاية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وتعهّدهم بنصرته ومؤازرته، وهم أسبق الناس شيعة وإسلاماً لخاتم الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله .

الأنبياء على دين النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله

ومن ثمّ فإن هذه الآية المباركة تدلّل على أن دين الأنبياء بعد الإيمان باللَّه عزّ وجلَّ هو الإيمان بخاتم الأنبياء ومشايعته ومؤازرته، فالأنبياء كانوا على دين النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو الإسلام.

بيان ذلك:

إن قوله تعالى في الآية المباركة: ( مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ ) معناه أن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ليس تابعاً للأنبياء، بل تابع للوحي الإلهي جملة، الذي هو فعل اللَّه تعالى؛ ولذا لم يأمر اللَّه عزّ وجلَّ نبيّه الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بالاقتداء بالأنبياء وإنما بالهدى الذي هم عليه، قال اللَّه تعالى: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (1) .

فالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ليس على هدى نبيّ من الأنبياء وليس هو تابعاً لأحد من الرسل، بل هو على هدى اللَّه عزّ وجلَّ، وهو أوّل المسلمين، والفاتح الأول للهدى الإلهي والدين الإسلامي الواحد هو خاتم الأنبياء، ولم يُعبَّر عن نبيٍّ من الأنبياء في القرآن الكريم بأنه أوّل المسليمن على الإطلاق سوى النبي

____________________

(1) الأنعام: 90.


محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك في قوله تعالى: ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ) (1) وقوله تعالى: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (2) وقوله تعالى: ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ ِلأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ) (3) . وأمَّا سائر الأنبياء، فقد عُبّر عنهم في القرآن الكريم بأنهم من المسلمين، بما فيهم أنبياء أولي العزم، فقد حكى اللَّه عزّ وجلَّ على لسان نوح قوله:

( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (4) ولم يُعبَّر عنه بأنه أوّل المسلمين. ولا شك أن الدين عند اللَّه عزّ وجلَّ واحد، قال تعالى: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِْسْلَامُ ) (5) ، ولا يتقبّل من مخلوق من المخلوقات غير الإسلام، قال تعالى: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِْسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ) (6) ، فالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله أوّل المسلمين وأوّل مَن نطق بميثاق التوحيد والتسليم للَّه عزّ وجل، فكان هو أفضل الأنبياء وهو الإمام المتبوع وهم المأمومون التابعون له في الدين الإسلامي، فضلاً عن غيرهم من المخلوقين؛ ولذا ورد في الحديث عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام : (أن بعض قريش قال لرسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله :

____________________

(1) الأنعام: 14.

(2) الأنعام: 162 - 163.

(3) الزمر:11 - 12.

(4) يونس: 72.

(5) آل عمران: 19.

(6) آل عمران: 85.


بأي شي‏ء سبقت الأنبياء وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم؟ قال: إني كنت أوّل مَن آمن بربّي وأوّل مَن أجاب حين أخذ اللَّه ميثاق النبيين ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) فكنت أنا أوّل نبيّ قال بلى، فسبقتهم بالإقرار باللَّه) (1) .

وفي الحديث أيضاً عن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله في حديثه لأصحابه قال: (فأخذ لي العهد والميثاق على جميع النبيين، وهو قوله الذي أكرمني به جلَّ مَن قائل: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النبيينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ‏لَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) (2) وقد علَّمتهم أن الميثاق أُخذ لي على جميع النبيِّين، وأنا الرسول الذي ختم اللَّه بي الرسل، وهو قوله تعالى: ( رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النبيينَ ) (3) فكنت - واللَّه - قبلهم وبُعثتُ بعدهم وأعطيتُ ما أعطوا وزادني ربّي من فضله ما لم يعطه لأحد من خلقه غيري، فمِن ذلك إنه أخذ لي الميثاق على سائر النبيِّين ولم يأخذ ميثاقي لأحد، ومن ذلك ما نَبَّأ نبيّاً ولا أرسل رسولاً إلّا أمره بالإقرار بي وأن يبشّر أمته بمبعثي ورسالتي) (4) .

إذن؛ فالدين دين محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو فاتح ذلك الصرح العظيم، وإن كانت الفطرة والملّة ملّة إبراهيم عليه‌السلام ، وهي غير الدين. وكذلك للأنبياء شرائع ومناهج مختلفة وهي غير الدين أيضاً، وإنما هي تفصيلات وتنزّلات كلّيات ذلك الدين الحنيف، وهو الإسلام؛ ولذا جاء في دعاء التوجّه في الصلاة:

____________________

(1) الكافي، ج 1، ص 441.

(2) آل عمران: 81.

(3) الأحزاب: 40.

(4) الحسين بن حمدان الخصيبي، الهداية الكبرى، ص380.


(وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً على ملّة إبراهيم ودين محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وهدي علي أمير المؤمنين عليه‌السلام وما أنا من المشركين) (1) .

إذن الإسلام دين النبي، والأنبياء على دينه ومن شيعته؛ ولذا فُسّر قوله تعالى: ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ) (2) بالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأن إبراهيم من شيعته وعلى دينه الحنيف؛ حيث ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنه قال: (قوله عزّ وجل: ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ) أي إن إبراهيم عليه‌السلام من شيعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله) (3) وقد اختار هذا القول الكلبي وابن السائب والفرّاء (4) .

فالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ليس تابعاً للأنبياء، بل على العكس، فهو على الهدى الذي هو هدى اللَّه تعالى، ومصدّق لِمَا مع الأنبياء؛ أي شاهد على ما هم عليه من دينه الحنيف وبإمضائه يُصدّق ما هم عليه. أمَّا الأنبياء، فهم يؤمنون بخاتم الأنبياء ( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ) لا أنهم يؤمنون بما معه، فإيمانهم بذات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهو صلى‌الله‌عليه‌وآله شاهد مطّلع مصدّق على ما عندهم. وأمَّا هم، فيؤمنون به، وهذا يعني أنه لا يوجد في مقامات الأنبياء ودرجاتهم عند اللَّه تعالى ما هو غيب عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله . وأمَّا الذي يؤمن بذات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله - وهم سائر الأنبياء عليهم‌السلام - فهو يؤمن بأمر غيبيّ، فمقام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بالنسبة إلى باقي الأنبياء

غيب الغيوب. وأمَّا مقامات سائر الأنبياء، فالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله مطّلع عليها ويعلمها ويشهد لهم على صدقها، والأنبياء في أصل نيلهم لمقام النبوّة إنما استأهلوه بعد أن آمنوا بخاتم الأنبياء قبل سائر

____________________

(1) الطبرسي، الاحتجاج، ج2، ص307.

(2) الصافات: 83.

(3) هاشم البحراني، البرهان في تفسير القرآن، ج6، ص419.

(4) تفسير القرطبي، ج15، ص91.


الأرواح في عالم الأرواح وشرطوا على أنفسهم نصرته، ولذا فإن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله شفيع الكلّ، والأنبياء لم ينالوا ما نالوا إلّا بالديانة لخاتم الأنبياء، فهو الشفيع لقبول الأعمال، وهو باب رحمة اللَّه العامّة ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (1) .

ومن ذلك كلّه يتّضح أن هذه الآية المباركة نصّ في المقام الثالث، وأن التوجّه إلى اللَّه لنيل أي مقام أو قربى أو زلفى لا يتمّ إلّا بالتوسل

بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والتشفّع به، وبالتشفّع به يعطى للعبد أعظم الأرزاق، وهو النبوّة والكتاب والحكمة، فكيف بك بسائر الأرزاق الأخرى، التي لا تقاس بمقامات الأنبياء؟!

ثم إن الآية الكريمة رسمت خطورة الأمر في ضمن تأكيدات مغلّظة، حيث جاء فيها قوله تعالى: ( أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ) ، وبعد أن تم الإقرار والمعاهدة والمعاقدة المشدّدة أشهدهم اللَّه تعالى على ذلك، حيث قال: ( فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) (2) ، وهذا يعني أن للتوسُّل والتوجّه دوراً مهمّاً ومحورية رئيسية في رسم معالم الدين.

وإنكار التوسّل في المسائل الدنيوية غير الخطيرة ليس إلّا تعظيماً لصغائر الأمور وتصغيراً لِمَا عظّمه اللَّه عزّ وجل، فإن الإيمان بكون الأنبياء لم يستحقّوا ما استحقّوه إلّا بتوسُّلهم بالإيمان بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنكار التوسّل في بعض الأمور الدنيويّة والحاجات المعاشية ليس له معنى إلّا الاستهانة بتلك المقامات الشامخة وتعظيم وتهويل ما ليس حقّه ذلك.

____________________

(1) الأنبياء: 107.

(2) آل عمران: 81.


أهل البيت عليهم‌السلام شركاء النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في الميثاق

ثمّ إن أهل البيت عليهم‌السلام يشتركون مع النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله في دائرة الميثاق والدين الحنيف الذي أُخذ على الأنبياء الإيمان به ونصرته والدعوة إليه، وإن كان أهل البيت عليهم‌السلام تابعين للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهم يتوجّهون به إلى اللَّه تعالى، وبشفاعته يكونون معه صلى‌الله‌عليه‌وآله في مقامه، وهو مقام الشفاعة الكبرى والوسيلة العظمى.

ويدلّ على اشتراك أهل البيت عليهم‌السلام مع النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله في دائرة الميثاق الذي أخذ على الأنبياء وجوه عديدة، وإليك بعضها:

1 - إن نصرة الأنبياء للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لم تتحقّق إلى يومنا الحاضر، وهي إنما تتحقّق بالنصرة لأهل بيته عند ظهور المهدي من آل محمّد، وعند رجعة الأئمة عليهم‌السلام ، كما نصّت على ذلك الروايات المتضافرة؛ حيث جاء فيها أن عيسى عليه‌السلام وإدريس وغيرهما من الأنبياء سوف يقاتلون بين يدي الإمام المهدي عليه‌السلام عند قيامه بدولة الحقّ والعدل، هذا من طرق الفريقين. وأمَّا من

طرقنا، فقد دلّت الروايات المتضافرة أيضاً على أن جميع الأنبياء والمرسلين سوف يقاتلون مع الأئمة عليهم‌السلام عند رجوعهم وكرّتهم في دولتهم العالمية المباركة، بل إن بعض الأنبياء - كإلياس والخضر عليهما‌السلام على القول بنبوّة الخضر عليه‌السلام - هم الآن وزراء في حكومة الإمام المهدي عليه‌السلام الخفيّة، وهي حكومة خليفة اللَّه في أرضه، التي لا يمكن أن تفتقدها البشرية في لحظة من اللحظات؛ وإلاّ لساخت الأرض بأهلها.

ونشير فيما يلي إلى بعض تلك الروايات التي وردت في هذا المجال:


منها: طوائف الروايات التي دلّت على أن المسيح عيسى بن مريم عليه‌السلام ينزل لنصرة المهدي عليه‌السلام . وإليك فيما يلي هذه الرواية - ننقلها بطولها لارتباطها بالبحث الذي نحن فيه - قال أبو عبداللَّه الصادق عليه‌السلام :

(أتى يهودي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقام بين يديه يحدّ النظر إليه، فقال: يايهودي ما حاجتك؟ قال: أنت أفضل أم موسى بن عمران النبي الذي كلّمه اللَّه، وأنزل عليه التوراة والعصا وفلق له البحر وأظلّه بالغمام؟ فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إنه يكره للعبد أن يزكّي نفسه، ولكنّي أقول: إن آدم عليه‌السلام لمَّا أصاب الخطيئة، كانت توبته أن قال: اللّهم إني أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لَمَا غفرت لي، فغفرها اللَّه

له، وإن نوحاً عليه‌السلام لمَّا ركب في السفينة وخاف الغرق قال: اللّهم إني أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لَمَا نجّيتني من الغرق، فنجّاه اللَّه منه، وإن إبراهيم عليه‌السلام لمَّا ألقي في النار قال: اللّهم إني أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لَمَا نجّيتني منها، فجعلها اللَّه عليه برداً وسلاماً، وإن موسى عليه‌السلام لمَّا ألقى عصاه أوجس في نفسه خيفة، قال: اللّهم إني أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لَمَا آمنتني منها، فقال اللَّه جل جلاله: ( لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ) (1) . يايهودي: إن موسى لو أدركني ثم لم يؤمن بي وبنبوّتي، ما نفعه إيمانه شيئاً ولا نفعته نبوّته. يايهودي: ومن ذرِّيَّتي المهدي؛ إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته، فقدّمه وصلّى خلفه) (2) .

____________________

(1) طه: 68.

(2) الصدوق، الأمالي، ص288، النيسابوري، روضة الواعظين، ص272.


وفي حديث آخر: (فيلتفت المهدي فينظر عيسى عليه‌السلام فيقول لعيسى: ياابن البتول، صلِّ بالناس، فيقول: لك أقيمت الصلاة، فيتقدّم المهدي فيصلّي بالناس ويصلّي عيسى خلفه ويبايعه) (1) .

ولا شك أن المبايعة لأجل نصرته عليه‌السلام لإقامة دولة الحقّ، بقرينة تتمّة الرواية؛ حيث ورد فيها أن المسيح عيسى بن مريم عليه‌السلام - بعد المبايعة - يكون من وزراء المهدي عليه‌السلام ويخرج لقتال الدجَّال.

ومنها: الروايات التي دلّت على أن نصرة الأنبياء للرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله إنما تحصل بالنصرة لوصيّه أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام والقتال بين يديه عند الكرّة والرجعة في دولة الحقّ. وذلك نظير ما أخرجه سعد بن عبداللَّه القمي عن فيض بن أبي شيبة، قال: سمعت أبا عبداللَّه عليه‌السلام يقول وتلا هذه الآية: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النبيينَ ) : (لتؤمننّ برسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ولتنصرنّ علياً أمير المؤمنين عليه‌السلام . قال: نعم - واللَّه - مِن لدن آدم وهلمّ جراً، فلم يبعث اللَّه نبيّاً ولا رسولاً إلّا ردَّ جميعهم إلى الدنيا حتّى يقاتلوا بين يدي عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ) (2) .

ومن الواضح أن نصرة أمير المؤمنين عليه‌السلام نصرة لرسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وللدين الذي جاء به.

وحاصل هذه النقطة هو: اشتراك أهل البيت عليهم‌السلام مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في الميثاق الذي أخذ على الأنبياء؛ إذ إن إيفاءهم بالعهد إنما يكون بنصرتهم لأهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

____________________

(1) الشافعي، عقد الدرر، ص275.

(2) الحسن بن سليمان الحلّي، مختصر بصائر الدرجات، ص25.


2 - مرّ بنا أن الدين عند اللَّه الإسلام - وهو واحد لا تعدّد فيه - وأن جميع المخلوقات بما فيهم سائر الأنبياء عجزوا عن تحمّل الدين والسبق في فتح سبله وبلوغ مقاماته الرفيعة، سوى الذات النبويّة المباركة التي لها الأهلية والاستعداد لتلقّي ذلك عن اللَّه عزّ وجل، فكان للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الأسبقية في الإسلام والتسليم للَّه تعالى؛ ولذا كان الدين دين محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله . إذن؛ دين الإسلام الواحد عبارة عن تلك المقامات السامية والنور الأعظم الذي لم يتحمّله مخلوق عن اللَّه تعالى سوى خاتم الرسل صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأسكن اللَّه عزَّ وجلَّ ذلك النور في بيوت أذن اللَّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وكان بدن النبي الأكرم مسكناً لذلك النور؛ لأنه أوّل مَن قال بلى عندما قال اللَّه تعالى للبشر: ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) .

ومن هنا يتّضح أن الميثاق والعهد الذي أخذه اللَّه على أنبيائه هو الإيمان بذات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والإيمان بمقامه صلى‌الله‌عليه‌وآله هو الدين الذي بُعث به جميع الأنبياء، وهو بدرجاته العالية غيب اللَّه وسره المكنون الذي أمر الأنبياء بالإيمان به والتسليم له. وكان نيل مقامات النبوّة على قدر درجة التسليم لذلك الدين، وقد مدح اللَّه تعالى أنبياءه لكونهم مسلمين، قال عزّ وجلَّ: ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (1) ، وقد أمر اللَّه تعالى أنبياءه باتخاذ الإسلام ديناً، كما في قوله لإبراهيم: ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (2) .

إذن؛ الدين الواحد هو الميثاق الذي أخذ على جميع الأنبياء التسليم له

____________________

(1) آل عمران: 67.

(2) البقرة: 131.


والإيمان به ونصرته، وهو دين النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله المتمثِّل برسالته ووساطته بين اللَّه وخلقه، فهو دين اللَّه الناطق.

وإذا كان الأمر كذلك، فكلّ ما هو داخل في دائرة الدين يكون من الميثاق الذي‏ أُخذ على الأنبياء الإيمان به ونصرته والتسليم له، ومن الدين ولاية أهل البيت عليهم‌السلام بنصّ القرآن الكريم؛ وذلك في قوله تعالى: ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلَامَ دِينًا ) (1) حيث نصّت روايات الفريقين على أن هذا المقطع من الآية المباركة نزل عند تنصيب اللَّه عزّ وجلَّ أمير المؤمنين عليه‌السلام لمقام الخلافة والإمامة بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وذلك في واقعة الغدير (2) .

إذن؛ الولاية والخلافة بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله من الدين الذي بعث به جميع الأنبياء، وقد أُكمل بتنصيب أمير المؤمنين عليه‌السلام بعد حجّة الوداع. مضافاً إلى أن جملة الآيات والأدلّة القائمة على إمامة أهل البيت عليهم‌السلام دالّة على أن إمامتهم وولايتهم من أصول الدين تتلو أصل النبوّة، سيما وأن الأنبياء مخاطبون بآيات الولاية والقربى والمودّة عند رجوعهم للنصرة، فهم مأمورون بطاعة أولي الأمر والمودّة للقربى والتوجّه بهم إلى اللَّه تعالى.

والحاصل: إنه لم يبعث نبيّ من الأنبياء إلّا بعد أن آمن وسلّم بالدين الذي هو ولاية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته، فالولاية دين اللَّه الذي بتسليمه استحقّ الأنبياء مقام النبوّة كلّ بحسب ما بلغه من درجة التسليم، فإن للولاية والتسليم درجات

____________________

(1) المائدة: 3.

(2) لاحظ كتاب الغدير للأميني وشرح إحقاق الحق؛ حيث تتبَّعا الروايات في هذا المجال.


وبحسب درجة التسليم لكلّ نبيّ يعطى ذلك النبي مقام الحظوة عند اللَّه تعالى ويستحقّ مقام النبوّة، وإذا ازدادت درجة التسليم، كان ذلك النبي من أولي العزم. فتفضيل الأنبياء الوارد في قوله تعالى: ( وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيينَ عَلَى بَعْضٍ ) (1) ، كذلك تفضيل الرسل كما في قوله تعالى: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) (2) ، كلّ ذلك التفضيل بحسب درجة التسليم والتولّي

لدين اللَّه عزّ وجل؛ وذلك بالولاية للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته، فالتسليم للنبيّ وأهل بيته والإيمان بولايتهم نوع توجّه قلبي إلى اللَّه عزّ وجلَّ بهم، وهو شرط لنيل المقامات العظيمة عند اللَّه تعالى كالنبوّة والرسالة، فضلاً عن غيرها من العبادات وقبول التوبة واستدرار الأرزاق الإلهيّة.

3 - لقد بيّن اللَّه عزّ وجلَّ حقيقة الميثاق الذي أخذه على الأنبياء وكيفية إقرارهم وإيمانهم به وثباتهم عليه كما في قصة آدم عليه‌السلام ؛ حيث جاء فيها أن الأمانة والميثاق الذي أقرّ به آدم وتحمّله لنيل منصب الخلافة الإلهية عبارة عن الأسماء الحيّة العاقلة الشاعرة، التي علّمها اللَّه عزَّ وجلَّ آدم، وليست هي من السماوات والأرض، بل هي ملكوتها وباطنها ومحيطة بها ومهيمنة عليها، والأسماء هم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ، كما تقدّم في الأبحاث السابقة كما نصّت عليه روايات الفريقين، وعليه فيكون الميثاق الذي تحمّله آدم وآمن به ونال بواسطته مقام الخلافة هو الولاية للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل البيت عليهم‌السلام .

____________________

(1) الإسراء: 55.

(2) البقرة: 253.


كذلك الحال في الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم عليه‌السلام ، فلمَّا أتمّهن نال مقام الإمامة، فهذه الكلمات هي ميثاق إبراهيم عليه‌السلام لمَّا أتمّها وآمن بها وأسلم بواسطتها للَّه ربّ العالمين، استحقّ مقام الإمامة الإلهية، وسبق أيضاً أن تلك الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم وكان إتمامها سبباً لنيل المقامات العالية هم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله الطاهرين عليهم‌السلام .

إذن؛ الميثاق عبارة عن امتحان وابتلاء لنيل المقامات الرفيعة كالنبوّة والإمامة، والميثاق هو ولاية أهل البيت الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً.

نعم، النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله أعلى مقاماً من أهل بيته عليهم‌السلام ، وهم يتوجّهون بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى اللَّه عزّ وجلَّ وبشفاعته ينالون درجة مقامه عند اللَّه.

4 - إن ولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام وأهل البيت عليهم‌السلام ذكرت تلو ولاية النبي الأكرم في جملة من آيات الطاعة والولاية التي تقدَّم ذكرها، ممَّا يدلّل على أن ولاية المعصومين عليهم‌السلام من الدين الذي بعث به الأنبياء؛ إذ الدين دائرته موحّدة بين الأنبياء، والذي هو عبارة عن أصول العقائد وأصول الواجبات والمحرّمات، التي هي أركان الفروع كأصل وجوب الصلاة والحجّ والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه كلّها من دائرة الدين لا الشريعة المختلفة من نبيّ إلى آخر، وولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام من الدين الذي بعث به جميع الأنبياء والرسل.

كذلك من الآيات التي قرنت الرسول الأكرم بأهل بيته عليهم‌السلام آيات الفي‏ء والخمس، كما في قوله تعالى: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) (1) فإن الآية المباركة

____________________

(1) الأنفال: 41.


تبيّن أن أولياء الخمس الذين لهم الولاية على اقتصاد الدولة الإسلامية هم اللَّه تعالى ورسوله وذوي القربى؛ بقرينة الاشتراك بـ (اللام) الدالّة على ملكية التصرف في أموال الدولة الإسلامية. وأمَّا اليتامى والمساكين وابن السبيل، فهم موارد مصرف الخمس؛ ولذا تغيّر التعبير فيهم بحذف اللام.

كذلك بنفس البيان ما ورد في قوله تعالى: ( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ) (1) . فلإقامة العدالة المالية والاقتصادية على الأرض لابدّ أن تدار الأموال العامة التي ترجع إلى بلاد الإسلام بولاية اللَّه ورسوله وذوي القربى، وهم قربى الرسول الأكرم الذين جعلت مودّتهم أجراً وعدلاً لَمَا جاء به النبي الأكرم من

الدين الحنيف، وذلك في قوله تعالى: ( قُلْ لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (2) .

وهذا يكشف عن أهميّة تولّي ذوي القربى وأن ولايتهم مفتاح لسائر أبواب الدين، ومن دون التوسّل بها يخطأ الشخص ويضلّ طريق التوحيد، فيقع في مثل الجبر أو التفويض أو غير ذلك، فلابدّ من الولوج إلى الدين عن الطريق والباب الذي نصبه اللَّه عزّ وجلَّ لخلقه، ولا يمكن الوقوف على حقيقة الدين إلّا بالإمامة.

فمودّة ذوي القربى أمر عظيم إذا سَلِم سَلِمت بقيّة أصول الدين، ولا يوجد قربى للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بهذا الشأن الخطير سوى المعصومين من أهل بيته،

____________________

(1) الحشر: 7.

(2) الشورى: 23.


فولايتهم عاصمة عن الضلال وهي ركن ركين في الدين الذي بعث به الأنبياء كافّة.

ولا شك أن الدين عام - كما ستأتي الإشارة إلى ذلك - لا يستثنى منه أحد في جميع النشآت بنحو الأبد وعدم الانقطاع، ومن ثمّ يكون وجوب الطاعة والولاية مكلَّف به جميع المخلوقات بنحو من التأبيد والخلود، فخلافة وولاية أولي الأمر ووجوب طاعتهم لا تختصّ بالجنّ أو الإنس ولا بالأمور السياسية الدنيوية وليس لأمدها حدّ ولا انقطاع.

وهناك أيضاً آيات أخرى ستأتي لاحقاً قرنت بين النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته، ممَّا يكشف عن أن مقامات الأنبياء ونيل الحظوة الإلهية لا يتم إلّا بالتوسل والتوجّه بهم إلى اللَّه تعالى، وأن تولّيهم واسطة للفيض الإلهي، ولولاهم لَمَا بُعث الأنبياء والمرسلون، فهم الوسيلة إلى اللَّه تعالى في عظائم الأمور، فكيف بالقضايا الأخرى التي هي أقلّ شأناً ممَّا يرتبط بالأمور الحياتية والمعيشية للناس؟!

وهذا كلّه يصلح بياناً بذاته لتبعية الأنبياء جميعاً لخاتم الأنبياء وأهل بيته عليهم‌السلام مع سبقهم الزمني عليهم.

بيان آخر لتوسل الأنبياء بالرسول الأكرم وأهل بيته في نيل المقامات

النبي وأهل بيته قدوة للأنبياء:

ممَّا يشير إلى كون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام قدوة لجميع الأنبياء والمرسلين حتّى أولي العزم منهم، وبالتالي اتّباعهم للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام وسيلة


لبلوغهم المقامات العالية من النبوّة والرسالة والخلّة والإمامة وغيرها، مع أن النبي وأهل بيته متأخرين عنهم من حيث الزمان في النشأة الأرضية؛ هو ما دلّت عليه جملة من الآيات والروايات من أن اللَّه تعالى أنبأ آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والرسل بالأحوال والحوادث التي تجري على خاتم الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ، من المحن والمصائب والابتلاءات والامتحانات والشدائد، وكيفية ثباتهم عليهم‌السلام فيها وصبرهم ورضاهم وتسليمهم بقضاء اللَّه وقدره وتنمّرهم في ذات اللَّه، وأطلعهم على الكمالات والمقامات الرفيعة التي يكونون عليها، مع عظيم ابتلائهم بتلك الشدائد.

وهذا ما يوجب تربية روحية عالية لهم ليتحلّوا بالكمالات عند مواجهتهم للشدائد والفتن والمحن وبالتالي نيل المقامات التي حظوا بها عند اللَّه تعالى.

وكان فيما أوحى اللَّه عزّ وجلَّ لهم عن أحوال النبي وأهل بيته بأنماط متعدّدة من الوحي - أي من الوحي الصوري نظير الرؤيا أو الوحي بالإلهام والمعنى وغيرها من أنماط الوحي - فكانت سيرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام تمثالاً منصوباً وشعاراً مرفوعاً لهم يحتذون ويقتدون به، ماثل أمام أعينهم طيلة مسيرة أيَّام نبوّتهم ورسالتهم. وهذا أحد معاني اقتداء الأنبياء والمرسلين بالنبي وأهل بيته.

أمَّا الآيات التي تشير إلى هذا المعنى، فهي عديدة نشير إلى جانب منها:

1 - ما تقدّم من قوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النبيينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) (1) فإنها دالّة

____________________

(1) آل عمران: 81.


على أن اللَّه عزّ وجلَّ أخبرهم عن خاتم الأنبياء ومقاماته وأن الدين دينه وهو فاتح حصونه، ثم بعد ذلك أمرهم بالتسليم له والإيمان به ونصرته.

2 - قوله تعالى على لسان عيسى عليه‌السلام : ( وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) (1) .

3 - قوله تعالى في يهود المدينة، قُبيل ولادة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (2) ، فقد نقل المفسّرون في ذيل هذه الآية المباركة أن اليهود من أهل المدينة وخيبر كانوا إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب من الأوس والخزرج يستنصرون بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عليهم ويستفتحون به لِمَا يجدون من ذكره وصفاته وشمائله ومحلّ ولادته في التوراة، وكانوا يدعون ويتوسَّلون بحقّه للنصرة عليهم، حيث يقولون: (اللّهم إنّا نستنصرك بحقّ النبيِّ الأميِّ إلّا نصرتنا عليهم).

وعن ابن عباس قال: (كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلّما التقوا هزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء: اللّهم إنا نسألك بحقّ محمّد النبي الأميّ الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلّا نصرتنا عليهم. قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان، فلمَّا بُعث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كفروا به، فأنزل اللَّه تعالى: ( وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ ) أي بك يامحمّد إلى قوله تعالى: ( فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ ) (3) .

4 - قوله تعالى في اليهود والنصارى الذين آمنوا بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ

____________________

(1) الصف: 6.

(2) البقرة: 89.

(3) تفسير الطبري، ج1، ص324، وتفسير القرطبي، ج2، ص27.


الرَّسُولَ النبي الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) .

5 - قوله تعالى في معرفة أهل الكتاب بصفات وشمائل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (2) .

إن هذه الأربع آيات الأخيرة صريحة في إخبار الأنبياء عليهم‌السلام أممهم بأحوال خاتم الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله وسيرته، وهذا يكشف عن أن اللَّه تعالى أطلع أنبياءه على سيرة النبي الأعظم وما يجري عليه من المحن والشدائد.

6 - قوله تعالى على لسان إبراهيم في دعائه لذريّته:

( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) (3) فهي دالّة على أن إبراهيم كان مطّلعاً على سيرة ذرِّيَّته الطاهرة، ودعا اللَّه عزّ وجلَّ بمودّة الناس لهم وهويّ القلوب إليهم.

هذا بالنسبة إلى الآيات المباركة، وهي دالّة على أن الأنبياء عليهم‌السلام كانوا على اطّلاع بالنبي الأكرم وأهل بيته الطاهرين وما يجري عليهم من البلايا.

أمَّا الروايات في هذا المجال، فهي كثيرة جدّاً، نشير إلى شطر منها على سبيل الاختصار:

____________________

(1) الأعراف: 157.

(2) البقرة: 146.

(3) إبراهيم: 37.


1 - ما أخرجه القندوزي الحنفي في الينابيع، عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (ياعباد اللَّه، إن آدم عليه‌السلام لمَّا رأى النور ساطعاً من صلبه، إذ كان اللَّه تعالى نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره، رأى النور ولم يتبيّن الأشباح، فقال: ياربِّ ما هذه الأنوار؟

قال: أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع العرش إلى ظهرك؛ ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك، إذ كنت وعاءً لتلك الأشباح.

فقال آدم عليه‌السلام : ياربِّ لو بيّنتها لي.

فقال اللَّه عزّ وجل: انظر - ياآدم - إلى ذروة العرش. فنظر آدم عليه‌السلام ووقع نور أشباحنا من ظهر آدم عليه‌السلام إلى ذروة العرش، فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التي في ظهره كما ينطبع وجه الإنسان في المرآة الصافية، فرأى أشباحنا.

فقال: ما هذه الأشباح ياربِّ؟

قال اللَّه تعالى: يا آدم، هذه الأشباح أشباح أفضل خلائقي وبريّاتي؛ هذا محمّد - وأنا المحمود في أفعالي - شققت له اسماً من اسمي، وهذا علي ‏ـ وأنا العليّ العظيم - شققت له اسماً من اسمي، وهذه فاطمة - وأنا فاطر السماوات والأرض، فاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل

القضاء، وفاطم أوليائي ممَّا يبيرهم ويشينهم - شققت لها اسماً من اسمي، وهذا الحسن وهذا الحسين - وأنا المحسن المجمل ومنّي الإحسان، شققت اسميهما من اسمي.

وهؤلاء خيار خلقي وكرائم بريّتي، بهم آخذ وبهم أعطي، وبهم أعاقب وبهم أثيب، فتوسَّل بهم إليّ يا آدم، وإذا دهتك داهية فاجعلهم إليّ شفعائك، فإني آليتُ


على نفسي قسماً حقّاً لا أُخيّب لهم آملاً ولا أردّ لهم سائل) (1) .

فهذه الرواية صريحة في أن اللَّه تعالى أطلع خليفته ونبيّه آدم على حقائق أهل البيت عليهم‌السلام ؛ ليكونوا له قدوة يقتدي بهم وشفعاء يتوسَّل بهم إلى اللَّه تعالى.

2 - روي: أن آدم عليه‌السلام لمَّا هبط إلى الأرض، لم يرَ حوَّاء، فصار يطوف الأرض في طلبها، فمرَّ بكربلاء فاغتمَّ وضاق صدره من غير سبب، وعثر في الموضع الذي قُتل فيه الحسين عليه‌السلام حتى سال الدمّ من رجله، فرفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي هل حدث منّي ذنب آخر فعاقبتني به؟ فإني طفت جميع الأرض وما أصابني سوء مثل ما أصابني في هذه الأرض.

فأوحى اللَّه تعالى إليه: يا آدم ما حدث منك ذنب، ولكن يقتل في هذه الأرض ولدك الحسين ظلماً، فسال دمك موافقة لدمه (2) .

3 - ما أخرجه المجلسي في البحار عن صاحب الدرّ الثمين في تفسير قوله تعالى: ( فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ ) (3) : (أنه رأى ساق العرش وأسماء النبي والأئمة عليهم‌السلام ، فلقّنه جبرئيل، قل: ياحميد بحقّ محمّد، ياعالي بحقّ عليّ، يافاطر بحقّ فاطمة، يامحسن بحقّ الحسن والحسين ومنك الإحسان.

فلمَّا ذكر الحسين سالت دموعه وانخشع قلبه، وقال: ياأخي جبرئيل، في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي؟ قال: جبرئيل: ولدك هذا يصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب، فقال: ياأخي وما هي؟ قال: يقتل عطشاناً غريباً وحيداً

____________________

(1) القندوزي الحنفي، ينابيع المودّة لذوي القربى، ج1، ص289.

(2) بحار الأنوار، ج44، ص242.

(3) البقرة: 37.


فريداً ليس له ناصر ولا معين) (1) .

4 - ما أخرجه الصدوق عن عليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام ، قال: (لمَّا أمر اللَّه تبارك وتعالى إبراهيم عليه‌السلام أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه، تمنّى إبراهيم عليه‌السلام أن يكون يذبح ابنه إسماعيل عليه‌السلام بيده، وأنه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه؛ ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعزّ ولده بيده، فيستحقّ بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، فأوحى اللَّه عزّ وجلَّ إليه: ياإبراهيم، مَن أحبّ خلقي إليك؟ فقال: ياربّ ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ من حبيبك محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله . فأوحى اللَّه عزّ وجل إليه: ياإبراهيم، أفهو أحبّ إليك أو نفسك؟ قال: بل هو أحبّ إليّ من نفسي. قال: فولده أحبّ إليك أو ولدك؟ قال: بل ولده. قال: فذبح ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟ قال: ياربّ، بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي. قال: ياإبراهيم، فإن طائفة تزعم أنها من أمة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ستقتل الحسين عليه‌السلام إبنه من بعده ظلماً وعدواناً كما يذبح الكبش، فيستوجبون بذلك سخطي، فجزع إبراهيم عليه‌السلام لذلك وتوجّع قلبه وأقبل يبكي، فأوحى اللَّه عزّ وجلَّ إليه: ياإبراهيم ن قد فديت جزعك على إبنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين عليه‌السلام وقتله، وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب) (2) .

5 - ما أخرجه ابن قولويه في كامل الزيارات عن أبي عبداللَّه عليه‌السلام قال: (إن إسماعيل الذي قال اللَّه تعالى في كتابه: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ

____________________

(1) بحار الأنوار، ج44، ص245.

(2) الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ، ج2، ص188، ب17، ح1.


صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا ) (1) لم يكن إسماعيل بن إبراهيم عليه‌السلام ، بل كان نبيّاً من الأنبياء بعثه اللَّه إلى قومه، فأخذوه فسلخوا فروة رأسه ووجهه، فأتاه ملك عن اللَّه تبارك وتعالى فقال: إن اللَّه بعثني إليك فمرني بما شئت، فقال: لي أسوة بما يصنع

بالحسين عليه‌السلام ) (2) .

وفي حديث آخر عنه عليه‌السلام قال: (ذاك إسماعيل بن حزقيل النبي عليه‌السلام ، بعثه اللَّه إلى قومه فكذّبوه، فقتلوه وسلخوا وجهه، فغضب اللَّه له عليهم فوجّه إليه أسطاطائيل ملك العذاب، فقال له: ياإسماعيل، أنا أسطاطائيل ملك العذاب، وجّهني إليك ربّ العزّة لأعذّب قومك بأنواع العذاب إن شئت، فقال له إسماعيل: لا حاجة لي في ذلك، فأوحى اللَّه إليه فما حاجتك ياإسماعيل؟ فقال: ياربّ، إنك أخذت الميثاق لنفسك بالربوبية ولمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله بالنبوّة ولأوصيائه بالولاية، وأخبرت خير خلقك بما تفعل أمته بالحسين بن عليّ عليه‌السلام من بعد نبيّها، وأنك وعدت الحسين عليه‌السلام أن تكرَّهُ إلى الدنيا حتى ينتقم بنفسه ممَّن فعل ذلك به، فحاجتي إليك ياربّي أن تكرّني إلى الدنيا حتّى أنتقم ممَّن فعل ذلك بي، كما تكرّ الحسين عليه‌السلام ، فوعد اللَّه إسماعيل بن حزقيل ذلك، فهو يكرّ مع الحسين عليه‌السلام ) (3) .

6 - عن سعد بن عبداللَّه القمي في سؤاله للإمام المهدي عليه‌السلام في محضر الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام ؛ حيث قال: فاخبرني ياابن رسول اللَّه عن تأويل ( كهيعص )؟ قال عليه‌السلام : (هذه الحروف من أنباء الغيب، أطْلَع اللَّه عليها عبده زكريّا، ثم قصّها على محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وذلك إن زكريا سأل ربّه أن يعلّمه أسماء

____________________

(1) مريم: 54.

(2) جعفر بن محمد بن قولويه، كامل الزيارات، ص137.

(3) المصدر، ص138 - 139.


الخمسة، فأهبط عليه جبرئيل فعلّمه إياها، فكان زكريا إذا ذكر محمّداً وعلياً وفاطمة والحسن والحسين، سرى عنه همّه، وانجلى كربه، وإذا ذكر الحسين خنقته العبرة، ووقعت عليه البهرة (1) ، فقال ذات يوم: ياإلهي، ما بالي إذا ذكرت أربعاً منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي؟ فأنبأه اللَّه تعالى عن قصّته ( إلى أن قال: ) فلمَّا سمع ذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيَّام ومنع فيها الناس من الدخول عليه، وأقبل على البكاء والنحيب، وكانت ندبته: إلهي، أتفجع خير خلقك بولده؟ إلهي، أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه؟ إلهي، أتُلبس عليَّاً وفاطمة ثياب هذه المصيبة؟ إلهي، أتحلّ كربة هذه الفجيعة بساحتهما؟

ثم كان يقول: أللّهم ارزقني ولداً تقرّ به عيني على الكبر، واجعله وارثاً وصيّاً، واجعل محلّه منّي محلّ الحسين، فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبّه ثم افجعني به كما تفجع محمّداً حبيبك بولده، فرزقه اللَّه يحيى وفجعه به) (2) .

والروايات في هذا المجال كثيرة جدّاً، وهي دالّة على ما أردنا التنبيه عليه من تبعية الأنبياء لمحمّد وأهل بيته عليهم‌السلام ، وكونهم قدوة لهم وواسطة في بلوغ ما وصلوا إليه من المقامات، وذلك عن طريق استعراض سيرتهم والحوادث التي جرت عليهم عليهم‌السلام .

____________________

(1) البهر: تتابع النفس وانقطاعه كما يحصل بعد الإعياء والعدو الشديد.

(2) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص459.


آيات أخرى في اقتران أهل البيت عليهم‌السلام بالنبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في الصفات

1 - قوله تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً ) (1) ، حيث قرنت هذه الآية المباركة بالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله أهل بيته عليهم‌السلام وجعلتهم شركاء له تابعون في الطهارة، وهي تعني درجة العصمة التي للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهو صلى‌الله‌عليه‌وآله سيّد الأنبياء ويفوق الكلّ في درجة العصمة والطهارة، إلّا أن سنخ عصمته صلى‌الله‌عليه‌وآله متقاربة ومتقارنة مع سنخ العصمة التي لأهل البيت عليهم‌السلام ، ففي الوقت الذي قرن اللَّه تعالى بنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أهل بيته في العصمة والطهارة، لم يقرن أحداً من الأنبياء في نمط التطهير والعصمة الذي له صلى‌الله‌عليه‌وآله .

2 - قوله تعالى: ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (2) ، فلم يُنزَّل أحد كنفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا عليّ عليه‌السلام ، وقرن اللَّه تعالى بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أهل بيته عليهم‌السلام في الحُجِّيَّة، فالخمسة عليهم‌السلام معاً حجج على جميع الأديان السماوية والبشرية عموماً إلى يوم القيامة، فهم عليهم‌السلام شركاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في الرسالة؛ لأن المباهلة نوع محالفة، وفي الحلف لابدّ أن يحلف الأصيل ولا وكالة في الحلف، وهذا يعني أنهم عليهم‌السلام شركاء في الرسالة أصالة، ولكنَّهم تابعون في ذلك للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو سيّدهم وبشفاعته نالوا الأصالة في الحُجِّيَّة.

والحاصل: إن أهل البيت عليهم‌السلام مقرونون بسيّد الأنبياء في المقامات تبعاً له صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذا يعني أن الإيمان بأهل البيت والتولّي لهم من الدين الذي أخذ على

____________________

(1) الأحزاب: 33.

(2) آل عمران: 61.


الأنبياء الإيمان به ونصرته لأجل نيل المقامات العالية عند اللَّه تعالى.

هذا تمام الكلام في الدليل السابع على عموم شرطية التوسّل بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام لصحّة الإيمان وللتوبة وسائر العبادات ولنيل مقامات القرب.

الدليل الثامن: قوله تعالى: ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) (1) .

تقدّم أن هذه الآية المباركة دالّة على مبدأ التوسّل، ونشير هنا أيضاً إلى أنها دالّة على عموم شرطية التوسّل في التوجّه إلى الحضرة الإلهية، فلابدّ من التوسّل بالذريّة والتوجّه بهم وصلتهم والمجي‏ء إليهم، وسبق كذلك أن التوجّه نوع دعاء، وهو لا يرتفع ولا تفتّح له أبواب السماء إلّا بالتوسل بالنبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام وهويّ القلوب إليهم.

ولذا كانت مودّة أهل البيت عليهم‌السلام أجر الرسالة الخاتمة كما في قوله تعالى: ( قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (2) ، وقال تعالى: ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) (3) ، ممَّا يعني أن مودّة أهل البيت عليهم‌السلام يعود نفعها للأمة جمعاء، وقال عزّ وجل: ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ) (4) ، ومعنى ذلك أن مودّتهم عليهم‌السلام هي السبيل الوحيد والطريق والوسيلة المنحصرة إلى اللَّه تعالى، فهم السبيل إليه والمسلك إلى رضوانه.

____________________

(1) إبراهيم: 37.

(2) الشورى: 23.

(3) سبأ: 47.

(4) الفرقان: 57.


الدليل التاسع: الاستكبار والصدّ عن آيات اللَّه تعالى موجب لحبط الأعمال

نريد أن نتعرض هنا في الاستدلال على المقام بما تقدّم من قوله عزّ وجل: ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الُْمجْرِمِينَ ) (1) ونريد أن نضيف على ما تقدَّم من بيان هذه الآية الكريمة بما له دلالة على المطلوب في المقام، وذلك بالبيان التالي:

إن الآية المباركة تتعرّض لبعض الأحكام المترتّبة على التكذيب بآيات اللَّه تعالى، والمقصود من الآيات هي الحجج الإلهية؛ حيث أطلق

اللَّه عزّ وجل لفظ الآية على مريم وعيسى عليهما‌السلام : ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (2) ، وإذا كان عيسى عليه‌السلام لم ينل ما ناله إلّا بولايته وإقراره وإيمانه بسيّد الأنبياء فكيف بنفس النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهو أعظم آية للَّه تعالى؟ وإذا كان عيسى عليه‌السلام من وزراء الإمام المهدي عليه‌السلام وتابعاً له في دولته، فكيف لا يكون أهل البيت عليهم‌السلام من أعظم آيات اللَّه تعالى؟ خصوصاً وأن اللَّه تعالى قرَن بالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله أهل بيته عليهم‌السلام في الطهارة والعصمة والحُجِّيَّة والولاية وغيرها من المقامات التي تقدّم التعرّض لها آنفاً، فلا شك أن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام المصداق البارز للآية التي نحن بصدد بيانها، فهم عليهم‌السلام أوضح وأبرز وأعظم آيات اللَّه تعالى.

____________________

(1) الأعراف: 40.

(2) المؤمنون: 50.


والذين يكذّبون بآيات اللَّه تعالى ويصدّون ويستكبرون عنها - كما فعل إبليس مع آدم عليه‌السلام - لا تفتّح لهم أبواب السماء، فلكي تفتّح أبواب السماء لقبول الأعمال والعبادات والعقائد وجميع المقامات، وقد قال تعالى: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (1) والكلم الطيب هو العقيدة، فبيّنت الآية أن الإيمان والعقيدة لابدّ له أن يصعد في مسير قبوله عند اللَّه تعالى، والصعود إلى السماء لابدّ أن تفتّح له أبواب

السماء، وقد بيّنت الآية السابقة أن مفتاح أبواب السماء هو كلّ من التصديق بالآيات الإلهية والخضوع لها واللجوء إليها وعدم الصدّ عنها. ومن أجل الرُّقي والعروج إلى السماء لابدّ من التوجّه إلى آيات اللَّه تعالى واللجوء إليها والتصديق بها وعدم الصدّ عنها، فالآية صريحة في أن التوبة والعبادة وأيّ قربى أو زلفى إلى اللَّه عزّ وجلَّ تفتقر إلى تفتُّح أبواب السماء وأنها لا تفتّح أبداً مع الاستكبار على الآيات الإلهية، فليس الإيمان بآيات اللَّه فحسب كافٍ في قبول العبادات ورقي المقامات، بل لابدّ من المودّة والصلة والإقبال والتوجّه إلى الآيات والتوسّل بها إلى اللَّه، وعدم الصدّ والاعراض والاستكبار عنها؛ لأن الآية جعلت شرطين لفتح أبواب السماء ولدخول الجنّة:

الأول: عدم التكذيب؛ أى التصديق والإيمان والمعرفة بآيات اللَّه الحجج.

والثاني: عدم الاستكبار عنها، وهذا الأمر يتضمّن شيئين:

أحدهما: عدم الاستكبار؛ أي الخضوع والتواضع، وثانيهما: عدم الصدّ الذي قد ضُمِّن في فعل الاستكبار بقرنية عن، نظير ما ذكرته الآيات في مسبب كفر إبليس: ( أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ) . فالإباء هو الجحود مقابل التصديق، والاستكبار مقابل

____________________

(1) سورة فاطر: 10.


الخضوع والاتباع.

ونظير ذلك ما ورد في سورة المنافقين في قوله تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) (1) وهذه الآية الكريمة صريحة في أن الاستغفار وقبول التوبة متوقّف على المجي‏ء إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأن صفة المنافق الصدّ عن الآيات الإلهية والاستكبار عليها والابتعاد عنها وعدم اللجوء إليها واللواذ بها، وهذا نوع من التشاهد بين الآيات القرآنية. فالآية تدلّ على أن الأوبة إلى اللَّه تعالى والقرب إليه لابدّ فيه من التوجّه أوّلاً إلى الحضرة النبوّية والتوسّل والاستشفاع بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم شفاعته.

فالتوسّل خيار حصري لابدِّي شرطي منحصر بالمجي‏ء واللجوء إلى الحضرة النبويّة واللّواذ بها والاستغاثة به صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم ابداء التوبة والاستغفار وإمضاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله له باستغفاره وشفاعته لهم من أجل تحقّق التوبة ومقام المغفرة وقبول العبادة التي منها عبادة التوبة.

ونظير هذه الآيات أيضاً قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (2) .

ومن الشواهد أيضاً على أن المراد من الآيات هنا هم الأنبياء والخلفاء الأوصياء الحجج هو التعبير بـ ( كَذَّبُوا ) ؛ فإنه مقابل التصديق فيما يزعمون من مناصب وفيما لهم من دعوى. وأمَّا الآية الكونية، فليس فيها تكذيب أو تصديق، بل إنما تقع الغفلة والإعراض عنها؛ إذ لا يوجد فيها زعم أو دعوى معيّنة

____________________

(1) المنافقون: 5.

(2) الأعراف: 36.


كي يصدق في حقّها التصديق أو التكذيب، فالتصديق أو التكذيب إنما يكون للحجج الإلهية التي تدّعي مقاماً إلهياً وكذا فيما تبلّغه عن اللَّه تعالى، فالمراد بالآية والآيات في المقام الحجج الإلهية من الأنبياء والرسل والأصفياء والأوصياء، الذين أُسندت إليهم المقامات الإلهية.

والحاصل: أن هذه الآيات المباركة تبيّن أن مفتاح أبواب سماء الحضرة الربوبية الإقرار بالحجج والآيات والتوجّه إليها والتوسّل والتشبّث بها والانقطاع إليها لا عنها، وأبرز وأعظم تلك الآيات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ، فهم مفاتيح أبواب السماء في قبول وصعود التوبة والعبادة والمعرفة والإيمان والعقيدة ونيل المقامات، فلا ترتفع أي عبادة ولا ينال مقام ولا تتحقّق التوبة مع عدم التصديق بالآيات وصلتها ومودّتها والتوجّه إليها والتوسّل بها، والإعراض عنها يوجب حبط الأعمال وامتناع دخولهم الجنّة في الآخرة ( وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) ( أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ، فشرط النجاة يوم القيامة الارتباط بالآيات الإلهيّة والانتماء إليها و

التوسّل بها؛ لكونها قنوات غيبيّة توجب القرب إلى اللَّه تعالى.

فالتوسل شرط في تفتّح الأبواب لقبول وصحّة الإيمان والتوبة وقبول الأعمال وسائر المقامات.

الدليل العاشر: خضوع الملائكة لآدم عليه‌السلام

كلّ خليفة للَّه باب أعظم لملائكته

لقد سبق ذكر الآيات التي تعرّضت لقصة آدم عليه‌السلام وأمر الملائكة كلّهم


أجمعين بالسجود له، وقلنا إن الأمر بسجود الملائكة وخضوعهم وانقيادهم ليس خاصّاً بآدم عليه‌السلام ؛ لأنها معادلة دائمة في عالم الخلقة لكلّ مَن يتحلّى بمقام الخلافة الإلهية، فمَن يتحلّى بهذا المقام يطوِّع اللَّه عزّ وجلَّ له الملائكة ويدينون بأجمعهم للَّه تعالى بطاعته بما فيهم كبار الملائكة المقرّبين، وهم في كلّ ما يقومون به من أدوار عظيمة في عالم الإمكان والكون خاضعون لوليّ اللَّه، وهو خضوع حقيقي قائم على أساس العلوّ الرتبيّ التكويني لخليفة اللَّه تعالى، وحينئذٍ يكون الأمر بالسجود والخضوع للخليفة شامل للأنبياء، وخصوصاً أولي العزم منهم كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى والرسول الأكرم وأوصيائه عليهم‌السلام ، فالملائكة المقرّبين وغيرهم بابهم إلى اللَّه تعالى خليفة اللَّه الذي يُنبئهم بالأسماء والمقامات.

ثمّ إن الآيات والروايات ذكرت أن الملائكة عندما اعترضت على جعل خليفة اللَّه في الأرض - وهو مِن ترك الأولى الناشئ مِن ضيق الأفق وعدم سعة العلم - آبت وتابت إلى اللَّه عزّ وجلَّ بالسجود لآدم عليه‌السلام .

إذن؛ سنّة اللَّه للملائكة كدين هو الإقبال على وليّ اللَّه، وهو شرط أوبتهم وقبول عبادتهم وحظوتهم بالمقامات العالية. ففي عالم الغيب الذي هو خال عن نشأة التشريع الأرضي، وليس خالٍ عن الدين الإلهي كما قال تعالى: ( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (1) ، افتقرت الملائكة إلى أن يكون بينهم وبين اللَّه تعالى واسطة في الخضوع والإنباء والمعرفة والعبادة والتقرّب إلى اللَّه تعالى، فما بالك بالنشآت الأخرى؟!

____________________

(1) سورة آل عمران: 83.


وإذا كان آدم أبو البشر نبيّ الملائكة وقناة الإنباء والفيوضات العلمية وغيرها عليهم من اللَّه تعالى، وهو وليّهم وهم طائعون له لا يتمرّدون عليه ولا ينبغي لهم ذلك، فكيف بسيّد البشر؟! ألا تكون الملائكة منقادة وطائعة له؟!

ومن هنا تكون الملائكة مشمولة بقوله تعالى: ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (1) من غير اختصاص بالنشأة الأرضيّة؛ وهذا لوحدة الدين وشموله لجميع المخلوقات كما سيأتي لاحقاً بيانه.

فالخليفة نبيّ الملائكة وله مقام إنبائهم وتعليمهم؛ لأنه مزوّد بالعلم اللّدني الأسمائي، فهو نبيّ المعارف وإن لم يكن نبيّ شريعة للناس في الأرض.

والحاصل: إن المقامات التكوينيّة العالية للملائكة لا يمكن أن تنال إلّا بطاعة وليّ اللَّه والإقبال عليه والتوجّه إليه وبه إلى اللَّه تعالى

أخذ ميثاق ولاية أهل البيت عليهم‌السلام معرفة وتوسلاً في جميع النشآت على أصناف المخلوقات

الدين الذي هو عند اللَّه الإسلام لا يختصّ بنشأة من النشآت، بل الكلّ مكلّف بالطاعة للَّه والإسلام له في أصول معالم دينه، قال تعالى: ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) (2) ؛ ولذا كان الأمر بالسجود لآدم غير خاصّ بالملائكة، بل شامل لكل النشآت ومن هنا عمّ الأمر إبليس؛ لأن دين اللَّه عزّ وجلَّ - وهو التسليم - دين جميع المخلوقات.

____________________

(1) النساء: 59.

(2) آل عمران: 83.


فالملائكة أيضاً مأمورة بالتوحيد للَّه تعالى وطاعة وليّ اللَّه بالسجود له، وعلى هذا فكلّ ما يبيّن في النصوص القرآنية بأنه من أركان الدين فقد أخذ على جميع الملائكة الإيمان به، ومن تلك الأركان تولّي خليفة اللَّه والطاعة له.

وإذا عرفت ذلك يتّضح لك ما ورد في الروايات من أن ولاية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام أُخذت من جميع الملائكة وسائر الكائنات؛ وذلك لكونها من الدين غير الخاص بنشأة من النشآت.

إذن؛ فنبوّة خاتم الأنبياء وولاية سيّد الأوصياء لا تختصّ بالموجودات الأرضية، وهذا يعني أن الشهادة الثانية والثالثة لم تؤخذ على أهل هذه الدنيا فحسب؛ لأن الإنباء ونيل الفيوضات عموماً يحتاج إلى وجود خليفة اللَّه ولابدّ من التوجّه إليه لنيل المقامات وقبول الطاعات في جميع النشآت؛ لأنه واسطة اللَّه وسفيره بينه وبين خلقه في كلّ المقامات العلمية والتكوينية.

تأبيد رسالة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ووساطته في الوحي الإلهي لجميع النشآت

فمفاد الشهادة الثانية والثالثة إقرار بالواسطة الأبدية غير الخاصة بالنشأة الأرضية، وهذه هي تداعيات ومقتضيات الشهادة الثانية والثالثة، التي لا يتمّ التوحيد بدونها، ومن دونها لا يتحقّق قرب المخلوق إلى ربّه، ذلك المخلوق البعيد عن مقامات الربوبية وعظمة الصفات الإلهية.

جحود التوسّل سنّة إبليس في الاستكبار

ومَن يأبى ذلك يحصل له العتوّ والاستكبار في نفسه والتعظيم لها، مع أن


نفسه صغيرة فقيرة بعيدة عن ساحة عظمة الصفات الإلهية، فهي - أي النفس - محتاجة إلى الواسطة والسفارة التي يتوجّه بها إلى اللَّه تعالى، كما في قوله تعالى: ( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ) (1) .

ويتّضح أيضاً أن معطيات الشهادة الثانية والثالثة ومؤداهما مرتبطة بالمعارف الدينيّة الأبديّة الشاملة للملائكة والجنّ والإنس والبرزخ والجنّة والنار والآخرة، فضلاً عن النشأة الأرضية. كذلك الوساطة والشهادة الثانية والثالثة شاملة لعالم العقول والأرواح؛ ولذا نجد أن مجرى الفيض في تكامل عقول علماء هذه الأمة ومستوياتها العلميّة في الدين هو النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ، حيث تمّ بجهودهم المباركة تشييد المعارف الصحيحة ورفض الجبر والتفويض والتجسيم والتشبيه والتعطيل وغيرها من العقائد الفاسدة، فهم عليهم‌السلام وسائط الفيض وسفراء الأرواح والعقول.

وهذا بيان عقلي لمعطيات الشهادة الثانية والشهادة الثالثة يُضاف إلى البيانات السابقة المعتمدة على الآيات القرآنية المباركة.

والحاصل: إن شرطية التوسّل في المقامات الثلاث المذكورة تعمّ جميع الأنبياء والرسل وكلّ المخلوقات من الملائكة وغيرها.

____________________

(1) سورة ص: 78 - 75.


الفصل الرابع:

شبهات وردود


الشبهة الأولى: التوسُّل عبادة لغير اللَّه تعالى.

الشبهة الثانية: التوسُّل مناف لكلمة التوحيد.

الشبهة الثالثة: التوسُّل مناف للآيات القرآنية.

الشبهة الرابعة: الأعمال الصالحة هي الوسيلة.

الشبهة الخامسة: التوحيد الإبراهيمي يأبى التوسُّل بغير اللَّه.

الشبهة السادسة: التوسُّل يعني التفويض وعجز اللَّه تعالى.

الشبهة السابعة: إيجاد المخلوقات الإمكانية كلّه إبداعيّ بلا واسطة.


شبهات وردود

قبل الدخول في بيان الشبهات والأجوبة التفصيلية عنها لابدّ من التنبيه على نقطة جديرة بالالتفات، وهي إننا لا نخطّئ قول أصحاب الشبهة في تأثير التوسُّل ومدخليته المباشرة في العقيدة التوحيدية؛ وذلك لأن فروع الدين الاعتقادية، بل كلّ فروع الدين ترجع في لبّها وجذرها إلى أصول الدين، فإن معنى كونها من فروع الدين أنها تنحدر وتنشعب وتتنزّل من الشجرة المباركة الطيّبة لأصول الدين.

إذن؛ فعبادة التوسّل توحيدية، بمعنى أن لها عمقاً توحيدياً وجذراً تنشعب منه يربطها بأصول الدين الكلّية. وهذا هو معنى أن التوحيد لا يتمّ بكلمة (لا إله إلّا اللَّه)، بل لابدّ من أدبيات ومعطيات الشهادة الثانية لكي يتمّ التوحيد.

والحاصل: إن المسألة ليست مرتبطة بصورة الفعل الذي يأتي به العبد، بل الأمر يعود إلى لبّ ذلك الفعل وجذره وهو التوحيد، ولكن بعد أن أثبتنا ضرورة التوسّل فضلاً عن مشروعيته، بل شرطيَّته في صحّة العقيدة والأعمال، يكون الأمر على عكس ما ذكروه من أن التوسّل بغير اللَّه تعالى يوجب الكفر والخروج


عن العقيدة التوحيدية، بل نقول: إن ترك التوسّل والتوجّه يوجب الجحود والاستكبار والكفر والخروج عن عقيدة التوحيد.

كذلك من الجدير بالالتفات أن ثبوت ضرورة التوسّل بآيات اللَّه وكلماته من الأنبياء والأولياء والأوصياء معناه ضرورة الارتباط بكائن حيّ بشري يربطنا مع الحيّ القيوم، فلابدّ من استشعار ضرورة وجود نموذج بشري نرتبط به وله القدرة على أن يكون حلقة الوصل

بين اللَّه عزّ وجلَّ وبين عبيده، وليس ذلك إلّا لعظمة اللَّه تعالى وتنزّهه عن التشبيه والتجسيم والتعطيل.

وفي غير هذه الصورة تكون جميع المناسك العبادية كمناسك الحجّ عبارة عن جمادات لا حيويَّة فيها، وهذا يعطي استشعاراً بأننا نعظّم أحجاراً جامدة لا حيوية فيها ولا تماسّ لها باللَّه الذي لا إله إلّا هو الحيّ القيوم.

بعد هذا البيان الموجز نقول:

إن المنكرين لمشروعية التوسّل استدلّوا على دعواهم ببعض الأدلّة، وهي بعد بيان ما هو الحقّ في المسألة وأن التوسّل ضرورة لابدّ منها تكون شبهات وتلبيسات لابدّ من الإجابة عنها، وهذه عمدتها:


شبهات المنكرين لجواز التوسُّل

الشبهة الأولى: التوسُّل عبادة لغير اللَّه تعالى

إن الدعاء عبارة عن النداء وطلب الحاجة، ولا شك أن الدعاء عبادة للمدعو؛ لأن الدعاء فيه نوع من التوجّه والقصد والنيّة، وهذه الأمور هي روح العبادة وقوامها، ولذا ورد في الحديث (أن الدعاء مخ العبادة وجوهره).

وبالتالي يكون دعاء غير اللَّه تعالى وندبته وطلب الحاجة منه عبادة له، وهو من أوضح أنواع الشرك في العبادة.

ويعبّر عنه بالشرك الصريح أو الشرك الأكبر، الذي يوجب الرّدة والارتداد عن الدين والمنافاة لأوليّات الدين الإسلامي، والخروج عن المواثيق والعهود التي التزم بها الشخص بالتزامه وتشهّده الشهادتين.

مع العلم أن جميع طقوس العبادة لا تبلغ درجة الدعاء الذي هو قوام حقيقة العبودية، وهو نوع افتقار إلى الباري تعالى.

والحاصل: إن الدعاء والنداء وطلب الحوائج من غير اللَّه تعالى من أغلظ أنواع العبادة والتأليه للشخص المدعو، وهو عبارة عن الشرك الصريح أو الأكبر.


الجواب عن الشبهة الأولى:

كان خلاصة الشبهة هو أن الدعاء والنداء وطلب الحاجة عبادة لا تجوز لغير اللَّه تعالى.

والجواب عن هذه الشبهة اتضح ضمناً سابقاً في بيان ما هو الحقّ في المسألة، وأن الدعاء بمعنى النداء، والطلب إنما يكون عبادة للمدعو إذا اعتقد الداعي أن المدعو مستقل بالقدرة غني بالذات. وأمَّا إذا اعتقد الداعي أن المدعو لا يستقل بالقدرة، بل يستمد القدرة من الباري تعالى وأن الحول والقدرة التي لديه هي من الباري تعالى وأن المدعو إنما حصل عليها لمكان حظوته وقربه عند الباري وأن الداعي إنما يدعوه نظراً لقربه ووجاهته من الباري وأن تكريم اللَّه له بالقرب والوجاهة حفاوة منه تعالى وإذن منه للاستشفاع والتوسّل والتوجّه به إليه عزّوجل، فإن دعاء ذلك الغير يعدّ حينئذٍ توجّهاً وقصداً إلى الحضرة الإلهية؛ لأن قصد القريب من الحضرة الإلهية قصد للحضرة، كما أن الصدّ والإعراض عن القريب ابتعاد عن الحضرة الإلهية، فدعاء ذلك الغير هو دعاء للَّه بآياته العظيمة ودعاء له بأسمائه الحسنى التي يظهر بها.

وينقض أيضاً على هذه الشبهة بطلب الحيّ الحاجة من الحيّ، مثل طلب العلاج من الطبيب، وطلب البناء من البنّاء، واصلاح الزراعة من المزارع، فإنه لا ريب في عدم توقّف أحد من المسلمين، بل ولا من البشر عموماً في ذلك. ولم يقل أحد أن ذلك يوجب كفراً أو زندقة أو شركاً، والحال إنه على مقتضى كلامهم لابدّ أن يكون ذلك كفراً وشركاً؛ لأن الحدّ الذي ذكروه لبيان معنى الشرك ينطبق على نداء الحيّ للحيّ وطلب الحيّ الحاجة من الحيّ واستغاثته به، كما


في قوله تعالى: ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ ) (1) وكذا في التوسّل والتشفّع وتوسيط الحيّ للحيّ، فإنه لم يدّع أحد أن ذلك من الشرك والكفر، مع أن حدّ الشرك الذي زعموه ينطبق عليه تماماً.

لا سيما وأن هذه المباحث من المباحث العقلية التكوينية وهي لا تقبل التخصيص، بخلاف المباحث الاعتبارية الجعلية التي قد لا تكون مطّردة في جميع المصاديق.

ثم إن أصحاب هذه المقالة حاولوا أن يجيبوا عن هذا النقض بجوابين:

الأول: إن سؤال الحيّ الحاضر بما يقدر عليه والاستعانة به في الأمور الحسّية التي يقدر عليها ليس ذلك من الشرك، بل من الأمور العادية الحياتية الجائزة بين المسلمين.

الثاني: إن الأمور العادية والأسباب الحسّية التي يقدر عليها المخلوق الحيّ الحاضر ليست من العبادة، بل تجوز بالنصّ والإجماع بأن يستعين الإنسان بالإنسان الحيّ القادر في الأمور العادية التي يقدر عليها كأن يستعين به أو يستغيث به في دفع شرِ ولده أو خادمه أو كلبه وما أشبه ذلك، وكأن يستعين الإنسان بالإنسان الحيّ الحاضر القادر أو الغائب بواسطة الأسباب الحسّية كالمكاتبة ونحوها في بناء بيته أو إصلاح سيارته أو ما أشبه ذلك، ومن ذلك الاستغاثة التي جرت لأحد بني إسرائيل عندما استغاث بموسى عليه‌السلام في قوله تعالى: ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) (2) ، وكذا استغاثة

____________________

(1) و(2) القصص: 15.


الإنسان بأصحابه في الجهاد أو الحرب أو نحو ذلك. وأمَّا الاستغاثة بالأموات والجنّ والملائكة والأشجار والأحجار، فذلك من الشرك الأكبر، وهو من جنس عمل المشركين الأوّلين مع آلهتهم كاللّات والعزّى وغيرهما.

دفع الجوابين:

جحود التوسُّل يستند إلى التفويض

أمَّا الجواب الأول: فالوهن فيه واضح؛ لأنه يقول الاستعانة بالإنسان الحيّ القادر على الأمور العادية الحسّية ليس من الشرك، وكونه حيّاً أو ميّتاً لا يؤثّر في تحقّق الغيرية مع اللَّه عزّ وجل، والشرك - بحسب زعمهم - قائم بالغيريّة مع اللَّه تعالى، والغيريّة لغة وعقلاً لا تختلف سواء جعل مصداق الغير والغيريّة الحيّ أو الميّت، فإن أحد الأجزاء المقوّمة لحصول الشرك كما ذكروا هو ضمّ غير اللَّه تعالى إليه، وهذا لا يختلف في تحقّقه سواء كان الغير حيّاً أو ميّتاً، فالتفريق بلا فارق.

وأمَّا ما ذكروه من التعلّق بالقادر، حيث قيّد الجواب بالقادر، فنقول فيه: إنْ كانت القدرة التي يعتقدها للحيّ نابعة من ذاته بلحاظ الاستقلال لا من إقدار اللَّه عزّ وجلَّ وتمكينه، فهو الشرك الأكبر، وقد كرَّ هذا المجيب على ما فرَّ منه.

وأمَّا إن كان يعتقد أن هذه القدرة من اللَّه تعالى ومضافة إلى المخلوق من قبل الخالق، فأي فرق بين الحيّ والميت؟! فكما قد يُقدِر تعالى الحيّ يُقدر روح الميّت على ما أقدر عليه الحيّ.

ثم إنه لا معنى للتفريق أيضاً بين الاستعانة بالأمور العادية وغيرها، فهل إن


قدرة اللَّه تعالى تنحسر في الأمور العادية والحسّية ويكون هناك ندّ فيها لقدرة الربّ عزّ وجلَّ، وهي قدرة الحيّ الحاضر؟! فإن هذا هو القول بالثنوية، ومعناه أنه في الأمور غير العادية لابدّ من التوحيد بقدرة الربّ فيها. وأمَّا في الأمور العادية، فنؤمن بالثنوية.

وحيث إن الثنوية باطلة وشرك صريح فلابدّ من التوحيد في جميع الأفعال الإلهية، وأنها كلّها تستند من دون جبر إلى الباري عزّ وجل، من دون أي درجة من درجات التفويض، وحينئذٍ يستوي الحال في الأمور العادية والأمور غير العادية

جحود التوسّل يستند إلى المذاهب الحسيّة المادية

ثم ما هو الفرق في التوسّل في شفاء مريض على يد طبيب نادرة زمانه وبين التوسّل بأحد أولياء اللَّه تعالى في الشفاء؟! فإن مورد الحاجة في هذا المثال عادي، فهل الكلام في مورد الحاجة وأنه لابدّ أن يكون من الأمور العادية أو في السبب المتوسَّل به؟ وما هو الفرق في السبب بين العادي وغير العادي إذا كان الأمر بيد اللَّه تعالى وهو على كلّ شي‏ء قدير؟!

مع أن الأدلّة الشرعية والدراسات الحديثة العلمية أثبتت أن طاقات البدن البرزخي لا تقاس بطاقات بدننا المادّي وقدرته، وأن البدن البرزخي يحتوي على طاقات هائلة تفوق قدرة أبداننا المادّية بكثير جدّاً، وعليه كيف نتصور أن الحيّ قادر على قضاء الحوائج بما لا قدرة للميت عليه بروحه وبدنه البرزخي؟!


أضف إلى ذلك كلّه أن تقييد الاستعانة والتوسّل بالأمور الحسّية ناشي من الإيمان بأصالة الحسّ والمادّة والتنكّر للعوالم المخلوقة الأخرى التي ما وراء الحسّ والمادّة، وأن كلّ ما غاب عن الحسّ ينكر، وهذا الكلام أشبه بالفلسفات‏ المادّية الحسّية، التي آمنت بأضعف العوالم وأدنى المراتب الوجودية وتنكّرت لبقيّة العوالم العلوية.

هذا بالنسبة إلى دفع الجواب الأول.

تفصيل الجاحدين للتوسّل في الوسائط

وأمَّا الجواب الثاني: فإن صاحب الشبهة بعد أن استشعر أن الجواب الأوّل غير موزون من الناحية العقلية تشبّث بالنصّ والإجماع وأن توسّل وتشفّع الحيّ بالحيّ في الأمور العادية الحسّية جائزة بالنصّ والإجماع. وأمَّا الاستغاثة والتوسّل بالأموات، فهو من جنس عمل الوثنية.

والتمسّك بالدليل النقلي في المقام، سواء في جانب الجواز أو النفي غير تام من وجوه:

الأول: إن بحث الشرك بحث عقلي لا سيما في الشرك الأكبر، فهو من أوليّات العقيدة التي للعقل فيها دور ومجال واسع، وإذا كان عقليَّاً، يرد عليه ما ورد في الدفع الأول؛ من أن حكم العقل وانطباق حدّ الشرك على الحيّ الحاضر والميّت سواء.

الثاني: الاستدلال على التحريم بأن الطلب من الأموات من جنس عمل الوثنيين، تمسّكاً بعموم دليل التحريم، مع أن موضوعه ومصبّه ما لم يأذن به اللَّه


عزّ وجل، إذ سبق أن محطّ ومصبّ إنكار العقيدة الوثنية في القرآن الكريم هو التوجّه إلى ما لم يأذن به اللَّه تعالى ولم ينزل به سلطاناً، وكونه تحكيماً لسلطان العبيد وإرادتهم على سلطان اللَّه وإرادته، ولم يكن المحذور في أصل الوساطة، وسبق أيضاً أن اللَّه عليّ حكيم، متعال عن الجسمية والتجسيم وحكيم غير معطّل، فلابدّ من الوسائط والحجج، والعبادة إنما تتحقّق بالطوعانية للَّه تعالى وإن كان التوجّه بالفعل إلى الحجر كالتوجّه إلى الكعبة الشريفة، والشرك إنما يتحقّق بالاستكبار على اللَّه تعالى حتّى مع نفي الواسطة كما في إبليس.

الثالث: إذا كان توسيط غير اللَّه تعالى شركاً، فكيف يعقل تجويزه بالنصّ؟! فإن اللَّه عزّ وجل لا يأمر بالشرك. وهذا يعني أن توسيط الغير بحدّ ذاته ليس شركاً، فإذا جازت الاستغاثة بالحيّ لقيام النص والإجماع؛ أي الإذن الشرعي، فلا فرق إذن في الاستغاثة بين الحيّ والميّت ما دام المجوّز لذلك هو الإذن، إذ يتّضح أن المدار في الشرك ليس على الغيرية مع اللَّه تعالى كما فرضه القائل، بل على الإذن وعدمه وعلى وجود الأمر وعدمه، وقد أذن اللَّه عزّ وجلَّ بذلك في كثير من الآيات القرآنية، كما تقدّم في قصة آدم وغيرها

الشبهة الثانية: التوسّل خلاف كلمة التوحيد

إن التوجّه والقصد والدعاء والنداء لغير اللَّه عزّ وجلَّ ينافي مقتضى كلمة التوحيد، وهي قول (لا إله إلّا اللَّه).

بيان ذلك:


اختلف المفسّرون في بيان قول (لا إله إلّا اللَّه). فهل المراد من تلك الكلمة المباركة التوحيد في الذات أو التوحيد في الصفات والأسماء أو التوحيد في الأفعال أو التوحيد في الخضوع والعبادة؟

وهذا الاختلاف ناشئ من الاختلاف في تفسير معنى الإلوهية (لا إله) وتفسير معنى لفظة: (اللَّه).

فهل اسم الجلالة علم للذات أو هو اسم مشتقّ من التأليه؟ فإن كان مشتقّاً من التأليه وباقٍ على المعنى الوصفيّ حينئذٍ يكون المعنيان متحدّين أو متقاربين. وأمَّا إذا كان لفظ الجلالة في الأصل علماً للذات، فيكون على خلاف المعنى الأول؛ وهو الإلوهية والتأليه في مقطع (لا إله).

وكيفما كان؛ فإن لفظ (إله) الذي جاء في كلمة التوحيد معناه في اللغة من أله يأله إذا تحيّر، ومعنى ولاه أن الخلق يولهون إليه في حوائجهم ويضرعون إليه فيما يصيبهم، ويفزعون إليه في كلّ ما ينوبهم، كما يوله كلّ طفل إلى أمه (1) .

إذاً؛ فالمعنى اللغوي يتضمّن طلب الشي‏ء والتوجّه نحوه.

وأمَّا الإله في الاصطلاح: فقد اختلفوا في بيان معناه؛ فبعض قال: هو بمعنى الاتجاه والقصد، وبعض آخر فسّره بالحبّ والعشق، وثالث قال: وله يأله من عبد يعبد، ورابع قال: وله يأله بمعنى اتخذه ربّاً وخالقاً، وغير ذلك من المعاني التي ذكرت لمعنى (إله)، ولكن اتفقوا على أن التأليه فعل المخلوق، فأله ووله إنما يحكي شأن

____________________

(1) لسان العرب، ج13، ص467.


المخلوق، وهو التوحيد في العبادة. وأمَّا توحيد الذات أو الصفات أو الأفعال، فإنما هو مرتبط بالواقعية ونفس الأمر، وأن هناك ذات واجبة قيّومة غنية الذات لها الأسماء الحسنى والكلمات التامّة وهذا كلّه غير مرتبط بفعل المخلوقات.

ولذلك يقال: إن كلمة (لا إله إلا اللَّه) تختلف عن التعبير بـ(يامَن لا هو إلّا هو)، فإن مفاد هذه العبارة غير مرتبط بفعل العبد، بل هو إخبار عن نفي أي ذات مستقلة واجبة الوجود إلّا ذات اللَّه عزَّ وجل.

ولكن عندما نقول: (لا إله إلا اللَّه)، فإن التأليه فيه مادّة مأخوذة من فعل العبد وليس هو وصفاً أو معنىً قائم بذات واجب الوجود.

ومن ثم يقال إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بعث بكلمة (لا إله إلّا اللَّه) ولم يبعث بـ(يا مَن لا هو إلّا هو)؛ إذ إن هذا توحيد الذات، والبشريّة قد أقرّته واعتقدت به، وهي الآن في خطىً متقدّمة من التوحيد الأفعالي والتوحيد في العبودية. والخلاف في زمن البعثة مع المشركين ليس في توحيد الذات، بل في توحيد العبودية وتوحيد الدعاء والطلب والتوسّل والتوجّه أو في توحيد الأفعال بإسنادها إلى اللَّه عزَّ وجل. فالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بُعث بالتوحيد في الإلوهية والعبادة والخضوع والخشية والوله والتوجّه، فلابدّ من ترك الدعاء والتوسّل والعبادة لغير اللَّه تعالى، وهو ما كان عليه مشركي العرب.

والحاصل: أن معنى الشرك الذي حاربه الإسلام بكلمة التوحيد هو جعل أنداد للَّه تعالى يستغاث ويُتوسل بهم، فالتوسل جاهلية جديدة استُبدلت بالجاهلية القديمة.


الجواب عن الشبهة الثانية:

كان حاصل هذه الشبهة هو أن مقتضى قول: (لا إله إلّا اللَّه) هو التوحيد في العبادة، فإذا دعي غير اللَّه عزَّ وجلَّ كان هذا نوعاً من العبادة والتأليه لغير اللَّه عزَّ وجل.

والجواب عن هذه الشبهة اتضح ممَّا ذكرناه في الدليل العام وكذلك ما ذكرنا من الجواب على الشبهة الأولى؛ وحاصله: أن التوسّل بالوسائط الإلهية التي أمر اللَّه عزَّ وجلَّ بالتوجّه إليها هي عبادة للَّه تعالى وطاعة وانصياعاً لأوامره وليس هو عبادة للوسائط، بل قلنا إن التوسّل طوعانية للأوامر الإلهية وهو عين التوحيد التام، فالتوسل مقتضى التوحيد في العبادة وجحوده وإباؤه هو الاستكبار والكفر المنافي لكلمة التوحيد، ونبذ التوسّل جاهلية إبليس الذي أبى واستكبر وكان من الكافرين، فالتوسّل بالوسيلة المنصوبة للَّه تعالى هو قصد للَّه والصدّ عن تلك الوسيلة صدّ عن التوجّه إليه تعالى؛ لأن المفروض أن تلك الوسيلة والآية والكلمة هي علامة يُهتدى بها إليه تعالى، وتفتّح بها أبواب سماء الحضرة الإلهية، والعلامة سمة ووسم وإسم إلهي يُدعى به، بل إن قول القائل التوسّل باللَّه معنى مقلوب غير صحيح، فإنّ الباري تعالى لا يجعل وسيلة إلى

غيره؛ إذ ليس وراء اللَّه منتهى ولا غاية كي يجعل هو تعالى واسطة إليها، بل هو غاية الغايات، وإلى شموخ عظمته توسّط الوسائط ويتوسّل بالوسائل، وقد تقدّم أن الاعتقاد بضرورة الواسطة والوسيلة إلى اللَّه تعالى هو حاقّ حقيقة تعظيم اللَّه وتنزيهه، ولم ينكر القرآن على المشركين هذه العقيدة، وهي ضرورة الحاجة إلى الوسيلة بين العبيد وخالقهم؛ ليقتربوا من خالقهم، لضرورة الحاجة إلى التقرّب والنجاة


من البعد من جهة العبيد، وإن كان الباري تعالى قريب من كل مخلوقاته على السواء، إلّا أن مخلوقاته ليست في القرب منه على استواء ولا في القرب من عظمته ونوره وعلمه وقدرته على سواسية، فضرورة الحاجة إلى الوسيلة والقيام بالتقرب ضرورة نابعة من العبودية والفقر إلى الغني المطلق، وهذا ما لم ينكره القرآن على المشركين، كيف وهي عين التوحيد والتعظيم، بل إنما أنكر عليهم اتخاذ الوسائل والوسائط من قبل أنفسهم ومن قرائحهم ومن فرض إرادتهم في تعيين الوسيلة على إرادة اللَّه، وهي من تكبّر المعبود على العابد، فالإنكار عليهم نشأ من كونهم توسّلوا بوسائل وأسماء ما أنزل اللَّه بها من سلطان، ومن ذلك يكون الجاحدون لضرورة التوسّل بالوسائط المنصوبة من قبله تعالى أشدّ جاهلية من المشركين؛ لأنهم لا يرجون للَّه وقاراً ولا تعظيماً، فيجعلون الباري تعالى منالاً تحت أيديهم؛ لأن إنكار الحاجة إلى الوسيلة والوسائل هو إنكار لعظمة اللَّه وكبريائه وعلوّ شأنه ورفعته وعزَّته وجبروته وكينونته بالأفق الأعلى، في حين قاهريته تعالى وهيمنته على تمام مخلوقاته، وأنه خبير بصير، إلاّ أن الحال من ناحية المخلوق تجاه الخالق هو بُعد المخلوق عن معرفة خالقه وبعده عن مقام الزلفى لباريه، وكذا بعده عن حظوة الكرامة عند خالقه، وبعده عن استحقاق الإجابة والمنّ والتفضّل الإلهي، بعد كون المخلوق في حُجب التقصير والقصور والجهل والجهالة، ممَّا يستحق بها الطرد لا القرب، والإبعاد لا الدنو، والعقوبة لا الثواب، والحرمان لا الإنعام، فكل هذه الحجب المانعة عن القرب يزيلها العبد بوجاهة الوسيلة عند الربّ العظيم، لا سيّما وأن اللجوء إلى الوسيلة التي هي آية للربّ المتعال هو لجوء إلى الجناب الإلهي،


وتعظيمها تعظيم للفعل الإلهي وزيادة خضوع للربّ بالخضوع إلى ما هو بمنزلة صفاته في مقام الفعل فضلاً عن مقام ذات عزَّه تعالى.

الشبهة الثالثة: التوسّل مخالف للآيات القرآنية

حاول أصحاب هذه الشبه الاستناد إلى بعض الآيات القرآنية، وادّعوا أنها تدلّ على أن التوسّل والقصد لا يكون إلّا للَّه عزَّ وجل، وأن التوسّل بغيره شرك وإلحاد، منها الآيات التالية:

1 - قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (1) .

فقوله تعالى: ( فَادْعُوهُ بِهَا ) معناه أنه في مقام الدعاء والتوجّه لا يُدعى إلّا بأسماء اللَّه عزَّ وجل. وأمَّا غير الأسماء الإلهية، فيشملها قوله تعالى: ( وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ) أي ينحرفون عنها إلى أسماء المخلوقات، كقول القائل: يا محمّد ويا عليّ ويا فاطمة، فإن هذا - بحسب زعمهم - انحراف وإلحاد في أسماء الباري تعالى.

2 - قوله تعالى: ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) (2) .

3 - قوله تعالى: ( وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ ) (3) .

4 - قوله تعالى: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ

____________________

(1) الأعراف: 18.

(2) الجن: 18.

(3) يونس: 106.


اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) (1) .

5 - قوله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ) (2) .

هذه الآيات المباركة لسانها واحد واستدلالهم بها قريب من الاستدلال بالآية الأولى، حيث إن هذه الآيات القرآنية تنهى عن أن يدعو الإنسان مع اللَّه أحداً، أي لا يعبد مع اللَّه مخلوقاً من المخلوقات، وإذا كان الدعاء روح العبادة وقوامها، فسوف يكون منهيّاً عنه بمقتضى صريح هذه الآيات الكريمة؛ لكونه من الشرك الصريح.

6 - قوله تعالى: ( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم ) (3) .

7 - قوله تعالى: ( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ) (4) .

وهذا اللسان من الآيات القرآنية يؤكّد على أن التوجّه إلى الغير بغية الاستنصار به شرك ومغالاة يوجب الخذلان الإلهي.

8 - قوله تعالى: ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ) (5) .

9 - قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ

____________________

(1) الحج: 62.

(2) الجن: 20.

(3) آل عمران: 126.

(4) آل عمران: 160.

(5) يونس: 18.


زُلْفَى ) (1) .

فهاتان الآيتان دلّتا على وجوب نبذ مقالة المشركين الذين جعلوا أصنامهم شركاء في الدعاء والتوسّل والتقرّب والتشفّع والوساطة بينهم وبين اللَّه عزَّ وجل، والإسلام جاء لكسر مثل هذه الأصنام وإبطال عقيدة الصنمية والوثنية والمغالاة والتشفّع والتوسّل بغير اللَّه تعالى، وهو ما ابتُلى به مشركو العرب؛ إذ لم يكن شركهم في ذات اللَّه تعالى أو صفاته، بل كان شركهم شركاً في العبادة والدعاء والاستغاثة والتوسّل.

فيُعلم من هذه الآيات أن التوحيد في العبادة والدعاء والاستغاثة والتوسّل أساس الدين، وهدف الرسالة الإسلامية الخاتمة؛ وذلك لأن صحة الأعمال والنسك العبادية مشروطة بصحّة العقيدة، فمَن يعمل ويعبد وكان في معتقده الدينيّ شي‏ء من الغلو والصنمية للأشخاص يحبط عمله كلّه؛ ويستدلّون لذلك بقوله تعالى: ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (3) ، فصحّة العقيدة بالتوحيد شرطاً في صحة وقبول الأعمال، ولابدّ حينئذٍ من نبذ كلّ ما يوجب الشرك وبطلان العقيدة، كالتشفّع والتوسّل بغير اللَّه تعالى.

الجواب عن الشبهة الثالثة:

الشبهة الثالثة عبارة عن تمسّكهم ببعض الآيات القرآنية التي زعموا أنها

____________________

(1) الزمر: 3.

(2) الزمر: 65.

(3) الأنعام: 88.


تنهى عن التوجّه والقصد إلى غير اللَّه عزَّ وجل، منها:

قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ) (1) ، فلا يجوز التوسّل والدعاء بغير الأسماء الحسنى التي جاءت في قوله تعالى: ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (2) .

إذن لابدّ من التوحيد في الدعاء الذي هو مخّ العبادة ولا يجوز القصد والتوجّه في الدعاء إلى غير اللَّه عزَّ وجلَّ وأسمائه الحسنى؛ لأنه شرك وإلحاد بالأسماء الإلهية.

الجواب الأول: حقيقة الأسماء الإلهية مستند للتوسّل

في البدء لابدّ من الإجابة عن التساؤل التالي:

ما هو المراد من الأسماء الإلهية الواردة في الآيات المباركة؟

الاسم في اللغة عبارة عن السّمة والعلامة.

قال ابن منظور: (واسم الشي‏ء علامته).

(قال أبو العبَّاس: الاسم وسمة توضع على الشي‏ء يُعرف به، قال ابن سيده: والاسم اللفظ الموضوع على الجوهر أو العرض لتفصل به بعضه عن بعض، كقولك مبتدئاً: اسم هذا كذا).

(قال أبو إسحاق: إنما جعل الاسم تنويهاً بالدلالة على المعنى) (3) .

____________________

(1) الأعراف: 180.

(2) الإسراء: 110.

(3) لسان العرب، ج14، ص 403 - 401.


إذن اسم الشي‏ء سمته وعلامته وصفته الدالّة عليه.

والأسماء والصفات تنقسم إلى ذاتية وفعلية، فللّه تعالى أسماء وصفات ذاتية هي عين ذاته غير زائدة عليها، وله عزَّ وجلَّ أسماء وصفات فعلية هي عين فعله. فالقدرة والعلم والحياة صفات ذاتية يُشتقّ منها القادر والعالم والحيّ، وهي أسماء ذاتية غير زائدة على الذات الإلهية المقدّسة، والخَلق والرِّزق والتدبير والربوبية والحُكم والعَدل وغيرها صفات فعلية يشتقّ منها أسماء فعلية، هي الخالق والرازق والمدبّر والربّ والحَكَم والعدَْل، ولا ريب أن الأسماء الفعلية غير الذات وليست عينها، بل مخلوقة لها مشتقّة من أفعاله عزَّ وجل.

ولا ريب أيضاً أن جملة وافرة من الأسماء الإلهية هي أسماء فعلية مشتقّة من أفعاله ومخلوقاته تعالى.

والمخلوق يكون اسماً للَّه عزَّ وجلَّ بملاحظة صدوره من خالقه وأنه فقير له متقوّم به ليس له من نفسه شي‏ء، دالّ بسبب افتقاره بما فيه من كمال على كمال خالقه وباريه، فهو سمة وعلامة على صانعه، وما فيه من عظمة وحكمة دالّة على عظمة وحكمة الخالق؛ إذ ليس له من ذاته إلّا الفقر والاحتياج.

الجواب الثاني: الكلمة والآية

إن الكلمة والآية مع الاسم متقاربة المعنى متّحدة المضمون، فهي وإن لم تكن ألفاظاً مترادفة، إلّا أن مضمونها والمراد منها في اللغة وفي القرآن الكريم واحد؛ وهو الدلالة على الشي‏ء والعلامّية والمرآتية له.


ففي لسان العرب:

(الآية العلامة) (وأيّا آية: وضع علامة).

وفيه أيضاً: (وقال ابن حمزة: الآية في القرآن كأنها العلامة التي يفضى منها إلى غيرها كأعلام الطريق المنصوبة للهداية) (1) .

كذلك قال في اللسان:

(كلمات اللَّه أي كلامه وهو صفته وصفاته) (2) .

أضف إلى ذلك أن الكلمة في حقيقتها دالّة على مراد المتكلم وكاشفة عنه.

إذن الأسماء والآيات والكلمات في شطر وافر منها عبارة عن مخلوقات دالّة بوجودها على وجود صانعها، ودالّة بعظمتها واتقانها وهادفيتها على عظمة وقدرة وحكمة الباري عزَّ وجل، ومن ثمّ يكون كلّ مخلوق اسماً من أسماء اللَّه تعالى وآية من آياته وكلمة من كلماته، ولكن الأسماء والآيات والكلمات على درجات في الصغر والكبر، فكلّما كان الاسم أعظم والآية أكبر لِمَا أعطيت من المقامات والكرامات الإلهية، كلّما كانت آييَّة ذلك المخلوق واسميَّته أعظم، لا سيما المخلوق الأول وهو نور النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام .

وقد ورد هذا الاستعمال في القرآن الكريم في موارد كثيرة جدّاً، منها:

1 - قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (3) .

2 - قوله تعالى: ( وَالتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا

____________________

(1) لسان العرب، ج4، ص 61 - 62.

(2) لسان العرب، ج12، ص522.

(3) المؤمنون: 50.


آيَةً لِلْعَالَمِينَ ) (1) .

3 - قوله تعالى: ( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجيِهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) (2) .

4 - قوله تعالى: ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ) (3) .

5 - قوله تعالى: ( هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الِْمحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) (4) .

فقد أطلق في هذه الآيات المباركة على مريم عليها‌السلام أنها آية، وعلى عيسى عليه‌السلام أنه كلمة اللَّه وآيته للعالمين.

6 - قوله تعالى: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلآءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (5) .

7 - قوله تعالى: ( فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (6) .

8 - قوله تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ

____________________

(1) الأنبياء: 91.

(2) آل عمران: 45.

(3) النساء: 171.

(4) آل عمران: 38 - 39.

(5) البقرة: 31.

(6) البقرة: 37.


إ ِمَامًا ) (1) .

9 - ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ) (2) .

فإن هذه المخلوقات العظيمة عند اللَّه عزَّ وجلَّ أسماء وآيات وكلمات وعلامات للَّه تعالى، وحينئذٍ تكون مشمولة لإطلاق قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ) (3) فهذه الآية المباركة وغيرها، التي ذكروها للتدليل على مدّعاهم لا تعني النهي عن التوجّه إلى اللَّه عزَّ وجلَّ بالوسائط، بل هي توجب وتعيّن التوجّه إلى اللَّه تعالى بأعاظم مخلوقاته وأسمائه الفعلية.

إذن؛ ليست الآية المباركة غير صالحة للاستدلال بها على مدّعاهم فحسب، بل هي تحكُّمهم وتديُّنهم بالإلحاد عن اسمائه، وتنصُّ على ضرورة توسيط الأسماء الإلهية والمخلوقات الوجيهة عند اللَّه تعالى، ولابدّ من عدم الإلحاد فيها والإعراض عنها في الدعاء.

لكن لابدّ من الالتفات إلى أن النظرة إلى الوسائط لابد أن لا تكون نظرة استقلالية وموضوعية وبما هي هي، بل لابدّ أن تكون نظرة آلية حرفية آيتيّة، أي بما هي يُنظر بها إلى اللَّه تعالى، فالتوجّه بها لا إليها بما هي هي.

وبناء على ذلك يكون التعاطي مع الأسماء والآيات والوسائط على ثلاثة مناهج:

الأول: منهج إبليس؛ وهو رفض وساطة الآيات والأسماء والمخلوقات

____________________

(1 ) البقرة: 124.

(2) الأنعام: 115.

(3) الأعراف: 180.


الوجيهة عند اللَّه عزَّ وجلَّ وإنكارها والإلحاد بها والصدّ عنها، وهذا شرّ المناهج، وهو الكفر والحجاب الأعظم؛ إذ مع الإلحاد في تلك المخلوقات العظيمة والأسماء الإلهية لا يمكن التوجّه والزلفى إلى اللَّه عزَّ وجل؛ لأنه ليس بجسم، وهو حقيقة الحقائق والمقوّم لها، فلا يجابه ولا يقابل، فلابدّ من التوجّه إلى المظاهر والمجالي والآيات.

الثاني: وهو منهج المغالين الذين ينظرون إلى الأسماء الإلهية بالنظرة الاستقلالية وبما هي هي ويتوجّهون إليها لا بها، وهذا أيضاً من الشرك والحجاب الذي يمنع عن معرفة اللَّه تعالى، ولكنّه أهون من سابقه؛ إذ أصحابه على سبيل نجاة فيما إذا شملهم اللَّه عزَّ وجلَّ بلطفه ورأوا ما وراء الآية من الحقائق، بخلاف مَن أعرض عن الآية بالمرّة.

الثالث: التوجّه بالآيات وتوسيطها في الدعاء، وهذا هو التوحيد التام الذي يوصل إلى معرفة اللَّه تبارك وتعالى.

فالنظرة في هذا المنهج إلى الأسماء الإلهية الفعلية من حيث هي مخلوقة للباري تعالى ومرتبطة به ومفتقرة إليه ودالّة عليه، وأكرم المخلوقات وأعظم الآيات هم النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ؛ إذ حباهم اللَّه عزَّ وجلَّ بالكرامات والمقامات التكوينية، التي تفضل جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين، فهم عليهم‌السلام الأسماء التي تعلّمها آدم وفُضَّل بها على الملائكة كلّهم أجمعون، وذلك بنصّ سورة البقرة في قوله تعالى: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلآءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )( 1 ) ، حيث

____________________

(1) البقرة: 31.


جاء التعبير فيها بـ ( عَرَضَهُمْ ) ولم يقل: عرضها، وكذا التعبير بـ ( هؤُلآءِ ) ولم يقل: هذه، كلّ ذلك يدلّ على أن تلك الأسماء موجودات نورية مخلوقة حيّة شاعرة عاقلة، أفضل من جميع الملائكة، ولم يعلم بها الملائكة ولا يحيطون بها وهي تحيط بهم وهي أوّل ما خلق اللَّه تعالى، فهم عباد ليس على اللَّه أكرم منهم، أُسند إليهم ما لم يسند إلى غيرهم، ومكّنهم اللَّه عزَّ وجلَّ ما لم يمكّن به غيرهم بإرادته وإذنه وسلطانه.

والحاصل: إن تلك الآيات التي ذكروها لنفي التوسّل تدلّ على ضرورة التوجّه والتشفّع والتوسّل بالآيات الكبرى والأسماء الفعلية الحسنى والعظمى - وهم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام - إلى اللَّه عزَّ وجل، والباء في قوله تعالى: ( فَادْعُوهُ بِهَا ) للتوسيط وجعل الآيات والأسماء واسطة؛ ولذا ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنه قال:

(ياهشام، اللَّه مشتق من إله، وإله يقتضي مألوهاً، والاسم غير المسمّى، فمَن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئاً، ومَن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد الاثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد. أفهمت يا هشام؟) قال: قلت: زدني، قال: (للَّه تسعة وتسعون اسماً، فلو كان الاسم هو المسمَّى، لكان كل اسم منها إلهاً، ولكن اللَّه معنى يُدلّ عليه بهذه الأسماء وكلّها غيره. ياهشام، الخبز اسم للمأكول والماء اسم للمشروب والثوب اسم للملبوس والنار اسم للمحرق، أفهمت ياهشام فهماً تدفع به وتناضل به أعداءنا المتَّخذين مع اللَّه عزَّ وجلَّ غيره؟) قلت: نعم، فقال: (نفعك اللَّه به وثبّتك يا هشام)


قال: فواللَّه ما قهرني أحد في التوحيد حتى قمت مقامي هذا) (1) .

فبيّن عليه‌السلام أن الاسم غير المسمَّى وهو الذات الإلهية ومغاير لها، ولو كان الاسم هو عين الذات الإلهية، لكان كل اسم إلهاً ولتكثَّرت الآلهة، ولكن اللَّه ذات أحدية واحدة يُدلّ عليه وله علامات هي هذه الأسماء المتكثرة المتعدّدة، فالأسماء آيات وعلامات وكلمات دالّة ووسيلة إلى الذات، فظهر أن قوله تعالى: ( لِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (2) برهان قرآني على ضرورة الوسيلة، وهي الكلمات والآيات الإلهية، بأن يدعى اللَّه بها، فلا يُدعى اللَّه بدونها، بل لابدّ من توسيطها في دعاء اللَّه، وذلك بالتوجّه بها إليه، فلابدّ من تعلّق التوجّه بها كي يتوجّه منها إلى اللَّه، ولابدّ من تعلّق الدعاء بها ليتحقّق دعاء اللَّه تعالى، وقد جعلت الآية الإعراض عن الأسماء والكلمات والآيات الإلهية إلحاداً ومجانبة وزيغاً عن الطريق إلى اللَّه. ومن ثمّ قد أُكّد في الآية أن الأسماء الإلهية بكثرتها الكاثرة هي برمّتها ملك للَّه تعالى مملوكة له، فالاستخفاف بها استخفاف بالعظمة الإلهية، وجحود وساطتها استكبار وتمرّد على الشأن الإلهي، ومنه يعرف اتحاد الاسم والوجه وأن الأسماء هي وجه اللَّه التي يتوجّه بها إليه، وأن مَن له وجاهة ووجيه عند اللَّه هو وجه للَّه يتوجّه به إليه تعالى، فيكون اسماً وآية وكلمة للَّه تعالى.

نعم، بين الأسماء والكلمات والآيات درجات وتفاضل في الدلالة عليه تعالى عظمة وكبراً؛ وذلك لأن الاسم إذا كان من أسماء الأفعال يكون مخلوقاً للَّه تعالى وآية من

____________________

(1) توحيد الصدوق، ص521، وأصول الكافي، ج1، ص89، باب معاني الاسماء واشتقاقها، ح2.

(2) سورة الأعراف: 180.


آياته، فالعبادة ليست له، بل لباريه تعالى، ومن ثم يتوجّه إليه كمرآة وآية يُنظر بها ولا ينظر إليها؛ ولذا تكون اسماً وعلامة. وأمَّا إذا نُظر إلى الاسم بما هو هو، فيكون حينئذٍ صنماً موجباً للشرك والكفر، وهو الغلو المنهيّ عنه، ولكن هذا لا يعني رفض الأسماء والوسائط، فإن ذلك يحجب عن المسمّى أيضاً، فلا يلحد بها ولا ينظر إليها بالاستقلال، بل ينظر بها؛ وذلك لِمَا بيّناه سابقاً من أنه لا تعطيل ولا تشبيه، فالإلحاد في الأسماء تعطيل للباري بعد عدم كونه جسماً يُقابل أو يجابه أو يشابه مخلوقاته، وهو نفي الجسميّة، فلا محيص عن التوجّه بالأسماء، لا سيّما الاسم الأعظم وهو أوّل ما خلق اللَّه عزَّ وجل، نور النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ، الذين بواسطتهم وصل آدم إلى ما وصل إليه من الخلافة، عندما علّمه اللَّه عزَّ وجلَّ تلك الأسماء الحيّة الشاعرة العاقلة المجرّدة النوريّة، التي هي أعظم آيات الباري تعالى وأفضل من جميع الملائكة.

الكلمات التامّات:

هناك آيات عديدة تدلّ - بمعونة الروايات الواردة فيها - على أن الكلمات التامّات والآيات الكبرى للَّه عزَّ وجلَّ هم النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ، منها:

1 - ما تقدّم من قوله تعالى: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلآءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (1) ، وقد سبق تقريب الاستدلال بهذه الآية المباركة، وقد ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنه قال: (إن اللَّه تبارك وتعالى كان ولا شي‏ء، فخلق خمسة من نور جلاله، وجعل لكلّ واحد منهم اسماً من أسمائه المنزلة، فهو الحميد وسمّى النبيّ محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو الأعلى وسمّى

____________________

(1) البقرة: 31.


أمير المؤمنين عليه‌السلام عليّاً، وله الأسماء الحسنى فاشتقّ منها حسناً وحسيناً، وهو فاطر فاشتقّ لفاطمة من أسمائه اسماً، فلمّا خلقهم، جعلهم في الميثاق، فإنهم عن يمين العرش، وخلق الملائكة من نور، فلمَّا نظروا إليهم، عظّموا أمرهم وشأنهم ولقّنوا التسبيح فذلك قوله: ( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) (1) فلمّا خلق اللَّه تعالى آدم(صلوات اللَّه وسلامه عليه) نظر إليهم عن يمين العرش، فقال: ياربّ مَنْ هؤلاء؟ قال: ياآدم، هؤلاء صفوتي وخاصّتي، خلقتهم من نور جلالي وشققت لهم اسماً من أسمائي، قال: ياربّ، فبحقّك عليهم علّمني أسماءهم، قال: ياآدم فهم عندك أمانة، سرّ من سرّي، لا يطّلع عليه غيرك إلّا بإذني، قال: نعم ياربّ، قال: ياآدم، أعطني على ذلك العهد، فأخذ عليه العهد، ثم علّمه أسماءهم، ثم عرضهم على الملائكة، ولم يكن علّمهم بأسمائهم، ( فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلآءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ) (2) علمت الملائكة أنه مستودع وأنه مفضّل بالعلم، وأُمروا بالسجود إذ كانت سجدتهم لآدم تفضيلاً له وعبادة للَّه؛ إذ كان ذلك بحقّ له، وأبى إبليس الفاسق عن أمر ربّه) (3) .

2 - قوله تعالى: ( فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) ، ويمكن تقريب دلالة الآية إجمالاً على كون الكلمات هي النبي وأهل بيته بما تقدّمت الإشارة من

____________________

(1) الصافات: 165 - 166.

(2) البقرة: 31 - 32 - 33.

(3) تفسير فرات الكوفي، ص56، وكمال الدين وتمام النعمة، ص14، والهداية الكبرى للخصيبي، ص428 (واللفظ للأوَّل).


إطلاق الكلمة في القرآن الكريم على النبي عيسى عليه‌السلام بما هو حجّة للَّه اصطفاه على العباد، فمنه يعرف أن الكلمة في استعمال القرآن تطلق على حجج اللَّه وأصفيائه، ويشير إلى ذلك أيضاً قوله تعالى: ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً ) (1) حيث تومئ الآية إلى كون كلمة اللَّه تعرف بالصدق والعدالة، وهو وصف لحجج اللَّه، وهذا الوصف أحرى بالصدق على سيد الأنبياء بعد صدقه على النبي عيسى عليه‌السلام .

وقد وردت بذلك الروايات من الفريقين كما سيأتي معتضداً ذلك بأن الأسماء التي تعلّمها آدم وشرّف بها على الملائكة قد مرّ أنها عرّفت بضمير الجمع للحي الشاعر العاقل وأُشير إليها باسم الإشارة للجمع الحي الشاعر العاقل، ممَّا يدلُّ على أنها موجودات وكائنات حيّة شاعرة عاقلة، نشأتها في غيب السماوات والأرض؛ لعدم علم ملائكة السماوات والأرض بها، كما أُشير إلى ذلك بقوله تعالى: ( أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (2) .

ولا ريب أن أشرف الكائنات بنصوصية الكثير من الآيات وروايات الفريقين هو سيد الأنبياء، كما قد تبيّن أن أوَّل وأسمى الكلمات التي بشرفها قُبلت توبة آدم هو سيد الأنبياء، وحينئذٍ تُبيّن الآيات أن تلك الأسماء والكلمات حيث عبّر عنها بلفظ الجمع يقتضي أن مع سيد الأنبياء حجج آخرين للَّه تعالى شُرّف بمعرفتهم آدم وتاب اللَّه بهم عليه.

ولا نجد القرآن الكريم يُنزّل منزلة نفس النبي أحداً من الأنبياء والرسل، بل نزَّل علي بن أبي طالب منزلة نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذه خصيصة اختصّ هو عليه‌السلام بها. كما لم يُشرك اللَّه تعالى في طهارة

____________________

(1) سورة الأنعام: 115.

(2) سورة البقرة: 33.


النبي وعصمته ونمط حُجِّيَّته وعلمه بالكتاب كلّه مع العديد من المقامات الأخرى أحداً من أنبيائه ورسله، لكنَّه أشرك أهل بيته؛ وهم علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام ، كما في آية التطهير والمباهلة ومسِّ الكتاب من المطهَّرين من هذه الأمة وغيرها من الآيات النازلة فيهم.

فتبيّن أن قرين سيد الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله في المراد من الكلمات والأسماء هم أهل بيته عليهم‌السلام .

وقد ورد في كتب الفريقين من السنّة والشيعة أن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه هم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ، فدعا اللَّه عزَّ وجلَّ بواسطة الكلمات فتاب عليه.

منها: ما أخرجه الحاكم في المستدرك عن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (لمَّا اقترف آدم الخطيئة، قال: يا ربّ، أسألك بحقّ محمّد لمّا غفرت لي، فقال: يا آدم، وكيف عرفت محمّداً ولم أخلقه؟، قال: يا ربّ؛ لأنك لمَّا خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلّا اللَّه محمّد رسول اللَّه، فعلمت أنك لم تُضف إلى اسمك إلّا أحبّ الخلق إليك، فقال: صدقت يا آدم إنه لأحبّ الخلق إليّ، ادعني بحقّه فقد غفرت لك، ولولا محمّد ما خلقتك) (1) ، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. ومنها: ما أخرجه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل عن ابن عبَّاس قال: سألت رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه، قال:

____________________

(1) المستدرك، ج2، ص615.


سأل بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبت علي فتاب عليه) (1) . ومنها: ما أخرجه السيوطي عن الإمام علي عليه‌السلام أنه ذكر أن اللَّه عزَّ وجلَّ علّم آدم الكلمات التي تاب بها عليه وهي: (اللّهم إني أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد، سبحانك لا إله إلّا أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي، فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. اللّهم إني أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد، سبحانك لا إله إلّا أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي، فتب عليّ إنك أنت التوَّاب الرحيم. فهؤلاء الكلمات التي تلقّى آدم) (2) .

3 - قوله تعالى: ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ ) (3) .

فالكلمة أُطلقت على عيسى عليه‌السلام ، وهذا الإطلاق غير خاص به عليه‌السلام ، بل هو شامل لكلّ الأنبياء لا سيما أولوا العزم منهم ولا سيما خاتم النبيِّين، فهو أفضل الأنبياء وسيّدهم وأعظمهم، فلا محالة يكون هو الكلمة الأتمّ، وكذا من هم نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وهم أهل بيته عليهم‌السلام .

4 - قوله تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) (4)

فلا شك أن إبراهيم عليه‌السلام كلمة وآية من آيات اللَّه تعالى؛ لأنه أفضل من عيسى عليه‌السلام ، ومع ذلك امتحنه اللَّه عزَّ وجلَّ بكلمات تفوقه في المقام والمنزلة، ولمَّا ثبت في الامتحان، فاز بمقام الإمامة بعد الخلّة والنبوّة والرسالة، فلا محالة

____________________

(1) شواهد التنزيل، ج1، ص101.

(2) الدر المنثور، ج1، ص60.

(3) النساء: 171.

(4) البقرة: 124.


تكون الكلمات هم سيد الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله وآخرين غير النبي إبراهيم والنبي عيسى وموسى وآدم عليهم‌السلام .

والكلمات - كما جاء في الروايات - هم خمسة أصحاب الكساء، فإبراهيم نال مقام الخلافة في الأرض والزلفى عند اللَّه عزَّ وجلَّ بالكلمات، كما أن آدم فُضّل على الملائكة وأصبح مسجوداً لهم لتعلّمه الأسماء الحسنى والآيات العظمى، وهم أهل آية التطهير عليهم‌السلام .

وكذلك آدم تسنّم مقام الخلافة الإلهية بتوسّط علم الأسماء الحيّة العاقلة النوريّة، التي تحيط بجميع المخلوقات، ولا يحيط بها مخلوق من المخلوقات إلّا بما شاء اللَّه عزَّ وجل.

عن المفضّل بن عمر عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام ، قال: سألته عن قول اللَّه عزَّ وجل: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) ما هذه الكلمات؟

قال: (هي الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب اللَّه عليه، وهو أنه قال: أسألك بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبت عليَّ، فتاب اللَّه عليه إنه هو التواب الرحيم) (1) .

5 - قوله تعالى: ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ) (2) .

وقد كان المعصومون الأربعة عشر كلّهم عليهم‌السلام يقرأون هذه الآية عند ولادتهم، فهم الكلمات التَّامَّات التي تمّت صدقاً وعدلاً لا مبدِّل لكلماته، وقد مرّت الإشارة إلى أن نعت الكلمة بالصدق والعدالة يشير إلى حجج اللَّه فيما

____________________

(1) كمال الدين وتمام النعمة، ص358.

(2) الأنعام: 115.


يؤدّونه عن اللَّه وما هي عليه سيرتهم من الصدق والعدل والعدالة، هذا كلّه بالنسبة إلى الجواب الأوّل وتفصيلاته.

الجواب الثالث: الآيات القرآنية

1 - وهو ما جاء في قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ) (1) . الاستكبار على الآيات الوارد في هذه الآية المباركة نظير ما فعله إبليس؛ حيث أبى واستكبر أن يسجد لآدم، فكذّب بآية من آيات اللَّه تعالى. وذلك عندما قال: ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) (2) وقد استند في تكذيبه هذا إلى القياس الباطل، وهو لا يعلم حقائق دين اللَّه تعالى، ولا يعلم أن جانباً آخر في آدم نوريّ يعلو على النار هو الذي أهّله لذلك المقام، وليس الطين إلّا وجوده النازل المادّي. ثم إن الآية المباركة ذكرت أثراً آخر من آثار التكذيب بالآيات الإلهية والاستكبار عليها، حيث قالت: ( لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ) ، ومن الواضح أن أبواب السماء إنما تفتّح حين الدعاء والعبادة والتوجّه إلى اللَّه عزَّ وجل، وحين إرادة الزلفى والقرب، وكذلك لتصاعد الإيمان والعقيدة، كما يشير إليه قوله تعالى: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ) (3) ، فهذه الآية المباركة تقول: إن الذين يكذّبون بآيات اللَّه تعالى وأسمائه وكلماته ويستكبرون عنها - كما فعل إبليس - لا

____________________

(1) الأعراف: 40.

(2) الأعراف: 12.

(3) سورة فاطر: 10.


تفتّح لهم أبواب السماء، فلا يمكنهم أن يدعوا اللَّه أو يتقرّبوا إليه، ولا يستجاب لهم دعاؤهم ولا عباداتهم كالصلاة والصوم والحجّ. والربط بين ترك الآية والإعراض عنها والاستكبار عليها وبين عدم القرب وعدم قبول الدعاء وعدم تفتّح الأبواب هو أن اللَّه عزَّ وجلَّ ليس بمادّي ولا بجسم، فلا يمكن أن يقابل أو يجابه، فلا زلفى إلّا بالآيات والإيمان بها والطاعة والخضوع لها والتوجّه بها إلى اللَّه عزَّ وجل: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) ، وقد مرّ في هذا الفصل وفي الفصل الثالث أن الآيات هم الحجج المصطفون، فلابدّ عند إرادة التوجّه إلى سماء الحضرة الإلهية بالدعاء والعبادة والازدلاف من التوجّه بهم والتوسّل بهم؛ لأن ذلك مفتاح فتح أبواب السماء، فهذه الآية تتشاهد وتتطابق مع الآية المتقدمة من قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (1) وأن الأسماء التي يُدعى بها في مقام الدعاء والفوز على اللَّه هي الآيات التي لابدّ من الإيمان بها والخضوع والإقبال عليها والتوجّه بها إلى الحضرة السماوية. وهذا المضمون هو ما ورد في الروايات المتواترة من أن ولاية أهل البيت عليهم‌السلام شرط في قبول الأعمال والعقائد، فإمامتهم عليهم‌السلام مقام من مقامات التوحيد في الطاعة، وهي شرط التوحيد وكلمة لا إله إلّا اللَّه، فمَن لا ولاية ولا طاعة له لا يقبل اللَّه عزَّ وجلَّ له عملاً، كما هو الحال في إبليس، حيث لم يقبل اللَّه عزَّ وجلَّ أعماله، ولم يقم له وزناً وطُرد من جوار اللَّه وقربه.

____________________

(1) سورة الأعراف: 180.


إذن؛ مَن لا يُذعِن بالواسطة والولاية لا يقبل له عمل، لأنه لا تفتّح له الأبواب، ولا يكون ناجياً يوم القيامة ( وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الُْمجْرِمِينَ ) .

2 - وهو قوله تعالى: ( وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ) (1) ، فهذه الآية جاءت في سياق واحد مع قوله تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا ِلآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) (2) ، فالسياق الواحد في هذه الآيات دالّ على أن ما فعله إبليس كان إنكاراً وظلماً لآية من آيات اللَّه تعالى، ودالّ أيضاً على أن ثقل الميزان والقرب وقبول الأعمال إنما يتمّ بالخضوع للآيات والإيمان بها.

وليست الأصنام إلّا الوسائل والوسائط المقترحة.

3 - قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (3) ، وتقريب الاستدلال بهذه الآية كالتقريب الذي تقدّم في الآيات التي سبقتها، ولا يخفى ما في التعبير بـ(عنه) دون التعبير بـ(عليه) من دلالة على الإعراض والإنكار لوساطة الآيات الإلهية، وأنه موجب لبطلان الأعمال والخلود في النار.

____________________

(1) الأعراف: 9.

(2) الأعراف: 11 - 13.

(3) الأعراف: 36.


الشبهة الرابعة: الأعمال الصالحة هي الوسيلة

التوسُّل والوسيلة حقيقة العقيدة بالنبوّة والرسالة

لقد قام أصحاب هذا الاتجاه المنكِر لمبدأ التوسّل بتوجيه قوله تعالى: ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (1) ، حيث فسّروا الوسيلة في هذه الآية بالطاعات والقربات والأعمال الصالحة التي يتقرّب بها العبد إلى ربّه.

وقد ورد في الأحاديث بأن العبد لا يتقرّب إلى اللَّه عزَّ وجلَّ إلّا بالطاعة والعمل الصالح، فطوعانية العبد لربّه هي وسيلته الوحيدة، وليس بين اللَّه وبين خلقه قرابة وقرب إلّا بالطاعة ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) ، فالجنّة يدخلها المطيع ولو كان عبداً حبشياً، والنار يدخلها العاصي ولو كان سيّداً قرشيّاً.

الجواب عن الشبهة الرابعة:

كان حصيلة الشبهة الرابعة هو تمسّكهم بقوله تعالى: ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) حيث فسّروا الوسيلة بالأعمال الصالحة من البرّ والتقوى والورع وسائر العبادات، وأن طوعانية العبد لربّه هي الوسيلة الوحيدة للنجاة والفوز بالجنة.

وفي المقدّمة نحن لا ننفي كون الأعمال الصالحة وسيلة من وسائل القرب إلى اللَّه عزَّ وجل، ولكن نريد أن نقول هي أحد مصاديق الوسيلة وليست الوسيلة منحصرة بها، وذلك بمقتضى نفس زعمهم من أن الوسيلة هي الأعمال الصالحة والطاعات، حيث إن أعظم الأعمال الصالحة والطاعات هو الإيمان باللَّه ورسوله؛ إذ لا يقاس بالإيمان بقيّة الأعمال من الصلاة والصيام والحج وغيرها،

____________________

(1) المائدة: 35.


بل إن بقية الأعمال لا تقبل ولا يثاب عليها الإنسان إلّا بالإيمان، فإذا كان الإيمان أعظمها، والإيمان هو الإيمان باللَّه ورسوله واليوم الآخر، بل إن الإيمان بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله هو الهادي إلى حقيقة التوحيد، فيكون الإيمان بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله من أعظم ما يتوسّل به إلى اللَّه عند الدعاء وعند العبادة وعند التوجّه إلى الحضرة الإلهية، فهذا يقتضي كون الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أعظم وسيلة؛ لأن الإيمان إنما حاز هذا الشرف العظيم ومكان الوساطة والوسيلية إلى اللَّه تعالى ببركة تعلّق الإيمان بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ إذ شرف المعرفة بالمعروف الذي تعلّقت به المعرفة، كما أن شرف العلم بالمعلوم الذي تعلّق به العلم، فذات المعلوم والمعروف أشرف من العلم والمعرفة المتعلّقة بهما، ومن شرف ذات المعلوم المعروف ترشّح شرف العلم والمعرفة، فهذا يقضي بالضرورة أن أعظم الوسائل هو النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ومن ثم نُعت في القرآن الكريم بأنه رحمة للعالمين، وهذا ما أشارت إليه الأدلّة المتضافرة من أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله صاحب الوسيلة الكبرى والشفاعة العظمى.

ولكي تكون الإجابة واضحة لابدّ من التأمل في مفاد الآية المباركة، وذلك ضمن النقاط التالية:

النقطة الأولى: ما هو المراد من الوسيلة؟

لقد جاء التعبير في الآية الكريمة هكذا ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) ولم يقل اللَّه عزَّ وجل: (وابتغوه بالوسيلة)، وليس ذلك إلّا للتنبيه على أن الذي يُبتغى ويُقصد لطلب الحوائج هو الوسيلة، التي تكون واسطة في الفيض بين العبد وربّه، ومعنى الآية المباركة وابتغوا الوسيلة إليه، فالابتغاء والقصد والتوجّه بالوسيلة


إلى اللَّه عزَّ وجل، ولا تتحقّق البُغية إلى اللَّه تعالى إلّا بالوسيلة؛ ولذا لابدّ من تحديد ما هو المراد من الوسيلة.

إن روايات الفريقين متّفقة على أن الوسيلة مقام من المقامات المشهودة والسامية للنبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي على طوائف متعدّدة:

منها: الطائفة التي فسّرت الوسيلة بالمقام المحمود ومقام الشفاعة المختصّ بالنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وذلك كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (سلوا لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنّة لا تنبغي إلّا لعبد من عباد اللَّه وأرجو أن أكون أنا هو، فمَن سأل لي الوسيلة حلّت عليه الشفاعة) (1) ، وقد فهم بعض الشرّاح من هذا الحديث أن المقصود من الوسيلة فيه هي الشفاعة ذاته (2) .

ولا شك أن الروايات نصّت على أن الشفاعة هي المقام المحمود، فالشفاعة التي هي المقام المحمود لا تحلّ على الشخص إلّا بسؤال ذلك الشخص مقام الوسيلة للرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومنها: الطائفة التي يظهر منها أن مقام الوسيلة والشفاعة والمقام المحمود مناصب متعدّدة للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (مَن قال حين يسمع النداء: اللّهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمّداً الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إلّا حلّت له شفاعتي يوم القيامة) (3) ، وظاهر هذه الرواية تغاير المقامات الثلاثة وهي الوسيلة والمقام المحمود والشفاعة.

ومنها: الروايات التي ذكرت أن مقام الوسيلة منبر من نور ينصب للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ،

____________________

(1) مسند أحمد، ج2،ص168.

(2) المبارك فوري، تحفة الأحوذي، ج10، ص57.

(3) سنن النسائي، ج2، ص27.


فعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث له مع أمير المؤمنين عليه‌السلام ، قال: (إذا جمع اللَّه الأوَّلين والآخرين يوم القيامة وُضع لي منبر بين الجنة والنار من نور، لذلك المنبر مائة مرقاة وهي الدرجة الوسيلة، ثم تحفّ بالمنبر النبيّون ثم الوصيّون ثم الصالحون ثم الشهداء، ثم يجاء إليّ، فيقال لي: يامحمّد، قم فاَرْقه. قال: فأرقي حتى أصير في أعلى مرقاة من المنبر) إلى أن قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (ثم يقال لك: إرقَ ياعليّ، فترقى يا أبا الحسن حتّى تصير أسفل منّي بمرقاة، فأناولك يميني وأقعدك على جنبي الأيمن، وأقول: هذا الموقف الذي وعدني ربّي أنه يعطني فيك) (1) .

وعن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام قال: (وفوق قبّة الرضوان منزل يقال له: الوسيلة، وليس في الجنّة منزل يشبهه، وهو منبر رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (2) .

ومنها: الروايات التي ذكرت أن مقام الوسيلة مقام حظوة وحبوة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويطول المقام بذكرها فلا حاجة إلى استعراضها، وبعض الروايات المتقدّمة فيها إشارة إلى ذلك.

ولا يوجد أي تنافي بين هذه الطوائف من الروايات؛ حيث إنها تثبت للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله مقاماً خاصّاً لا يدركه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل، وهذا المقام في جهة من جهاته يسمّى بالمقام المحمود وفي أخرى يسمّى بالوسيلة وفي ثالثة يسمّى بالشفاعة، وهذا أيضاً لا يتقاطع مع كون مقام الوسيلة منبر من نور؛ لأن التعبير بذلك للدّلالة على حظوة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وحمد مقامه عند اللَّه عزَّ وجلَّ في ذلك اليوم العصيب، الذي يكون فيه كلّ الأنبياء على جانب عظيم من الوجل

____________________

(1) محمّد بن سليمان الكوفي القاضي، مناقب أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ج1، ص200، والذهبي، ميزان الاعتدال، ج2، ص25.

(2) النعماني، كتاب الغيبة، ص101.


والشفقة والخشية، والكلّ يستغيث: وانفساه. والنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله في تلك الحال وجيه عند اللَّه عزَّ وجلَّ على منبر من نور، صاحب حظوة ومكانة دون باقي البشر. فالمنبر كناية عن الوجاهة والقرب والزلفى والواسطة والشفاعة وأنه يُتوسّط به إلى اللَّه عزَّ وجلَّ ويستغاث به للنجاة من النار، فهو صاحب الشفاعة الكبرى، وهو القائل: (ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي) (1) .

النقطة الثانية: الرابطة بين الشفاعة والتوسُّل

قلنا في النقطة السابقة أن المقام المحمود هو الشفاعة، كما نصّت على ذلك الروايات (2) ، وأشرنا أيضاً إلى أن الاستشفاع بشفاعة الشفيع والتوسّل بالوسيلة وجهان لمقام واحد، ونريد الوقوف قليلاً عند هذه الحقيقة، فإن تفرقة المتكلمين والفقهاء بين الشفاعة والتوسّل صحيحة من جهة وخاطئة من جهة أخرى؛ وذلك لأن التوسّل والشفاعة وجهان لحقيقة واحدة لا ينفصلان عن بعضهما البعض، فالتوسل هو فعل صاحب الحاجة عند الشفيع، والشفاعة هي فعل الشفيع بينه وبين المشفوع عنده، فإذا لاحظنا جهة العلاقة والرابطة بين طالب الشفاعة والشفيع يقال: توسّل واستشفاع، وإذا لاحظنا نفس العملية ولكن من جهة الرابطة بين الشفيع والمشفوع عنده، فيقال لذات تلك العملية: شفاعة، فالوسيلة تتلوها الشفاعة والشفاعة يتلوها قضاء الحوائج وغفران الذنوب.

وإذا كان المسلمون قد أجمعوا على ثبوت المقام المحمود والشفاعة

____________________

(1) ابن كثير، البداية والنهاية، ج10، ص254.

(2) لاحظ: مسند أحمد، ج2، ص478، المعجم الكبير للطبراني، ج2، ص48.


الكبرى للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهو يستلزم إجماعاً آخر؛ وهو: جواز التوسّل بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإن غفل شرذمة عن هذا اللازم.

فإذا جازت الشفاعة من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو فعل يقوم به بالإضافة إلى اللَّه عزَّ وجلَّ في حقّ أصحاب الحاجات، فبالتالي سوف يكون التوسّل راجحاً ومشروعاً لا محالة؛ لعدم تصوّر انفكاك مشروعية الشفاعة عن مشروعية التوسّل؛ لأن التوسّل متعلّقه طلب الشفاعة فإذا كانت الشفاعة مشروعه كيف يكون طلب المشروع غير مشروع؟!، بل حيث إن معتقد الشفاعة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله دين من أسس الإيمان، فلا محالة يكون التوسّل معتقد ديني من أسس الإيمان أيضاً، بل حيث كانت الضرورة قائمة على ثبوت مقام الشفاعة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلا محالة الضرورة قائمة أيضاً على أن التوسّل من أركان العبادات.

فالذهاب إلى الوسيط وطلب توسيطه في قضاء الحاجة توسّل وعمل الوسيط شفاعة، والشفع هو الضمّ، فيضمّ الوسيط جاهه إلى حاجة المتوسل فيقضيها المشفوع عنده، فالتوسّل من مقوّمات الدعاء والتوجّه للحضرة الإلهيّة.

إذن؛ دليل التوسّل القول بمشروعية وضرورة الشفاعة بقول مطلق.

وبناء على ذلك يكون عقد بابين مستقلّين للتوسل والشفاعة من المماشاة للغفلة التي وقع فيها أصحاب المقالة الجاحدة لعقيدة التوسّل، وإلّا فإن باب الشفاعة لا يمكن أن ينفك عن باب التوسّل؛ لأن التوسّل هو طلب التشفّع.

النقطة الثالثة: عموم تشريع الشفاعة

حاول أصحاب هذه المقالة تحديد نطاق الأدلة الدالة على تشريع شفاعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث قالوا تارة بأن الشفاعة في دار الدنيا لا تجوز إلاّ إذا كان


النبي الأكرم حيَّاً في هذه الدنيا. وأمَّا بعد وفاته، فلا مشروعية للشفاعة إلّا يوم القيامة دون الشفاعة في الدنيا أو البرزخ، وقالوا أخرى بأن متعلّق الشفاعة طلب الغفران من الذنوب، وليس طلب الحاجات الدنيويّة، كشفاء المريض وغيره.

أمَّا المزعمة الأولى؛ من أن الشفاعة في الآخرة فقط أو مع حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهي مبتنية على أن الشرك بالنصّ وعدم النصّ، مع أن الشرك من مدركات العقل وأحكامه، وهي غير قابلة للتخصيص، فإذا كان التشفّع شركاً، فلابدَّ أن يكون كذلك في جميع النشآت وسواء كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله موجوداً في دار الدنيا أم بعد وفاته. فالتفرقة لجوء منهم إلى النصّ وأن الشرك ليس له حدّ عقلي منضبط، وهو خلاف ما عليه علماء المسلمين، من أن الشرك إمَّا بحثه عقلي أو عقلي ونقلي وليس هو نقلياً محضاً، هذا أولاً .

وثانياً: مع فرض أن دليل مشروعية الشفاعة نقلي، فلا دليل على الاختصاص بيوم القيامة؛ لأن الآية مطلقة، فقوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ) شامل لِمَا بعد وفاة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو صلى‌الله‌عليه‌وآله حيّ عند ربّه يرزق. مضافاً إلى قوله تعالى: ( قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ) ، فالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ناظر للأعمال، والآية الكريمة مطلقة والمخاطب بها كلّ الأجيال، ولو بني على اختصاص الأحكام التي تعلّقت بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله على خصوص حياته في دار الدنيا ونفي شمولها لحياته عند ربّه لاستلزم ذلك تعطيل جملة الآيات والأحكام في الدين الحنيف، ولَمَا قامت للدين قائمة، نظير قوله تعالى: ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ


فَانْتَهُوا ) (1) وقوله تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (2) وقوله تعالى: ( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (3) وغيرها من الآيات والأحكام، فعلى زعمهم الواهي لابدّ أن تُخصّ هذه الآيات بخصوص حياته صلى‌الله‌عليه‌وآله في دار الدنيا دون حياته في عند ربّه.

وقد وردت روايات متضافرة تنصّ على أن الأعمال تُعرض على رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله كلّ يوم أو كلّ يوم خميس أو جمعة، وأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله يسمع السلام ويردّه، ويصلّي على مَن يصلّي عليه.

فما ذكر من الاختصاص بيوم القيامة باطل عقلاً ونقلاً.

وأمَّا المزعمة الثانية ؛ وهي أن متعلّق الشفاعة طلب الغفران لا الحاجات الدنيوية؛ فالجواب عنها:

أولاً: ما ذكرناه آنفاً من إطلاق الآية المباركة، فإن متعلّقها شامل للمسائل الدنيوية أيضاً ولا دليل على التخصيص بما ذكروه.

و ثانياً: إذا صحّت المقايسة التي زعموها، فإن الحاجات الدنيوية أهون على اللَّه تعالى من حاجات الآخرة، فكيف يعقل أن الشفاعة تنفذ فيما هو أكثر خطورة وهي الحياة الأبديّة، دون ما هو أقلّ خطورة وهي الحياة الدنيوية المنقطعة؟! وكيف يكون الثاني شركاً دون الأوّل؟!

ثم إن سيرة المسلمين وكذا الصدر الأول منهم تتنافي مع ما ذكره؛ حيث

____________________

(1) الحشر: 7.

(2) المائدة: 55.

(3) الأعراف: 157.


أثبتت كتب المسلمين - كما سيأتي - توسّل المسلمين بالنبي الأكرم بعد وفاته أيضاً، وسيرتهم إلى يومنا هذا جارية على التوسّل في طلب حاجاتهم الدنيوية، ولا يقتصرون في ذلك على طلب الحاجات الأخرويّة فقط.

وكذا ليس متعلّق الشفاعة غفران الذنوب والنجاة من النار فحسب، بل حتى في الرقيّ في المراتب والمقامات، فالشخص يحتاج إلى الشفاعة لعدم الأهلية في عمله للصعود إلى مقام أعلى، كما ورد ذلك في توسّل الأنبياء بسيّد الرسل صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل هو صلى‌الله‌عليه‌وآله يشفع أيضاً للأئمة المعصومين عليهم‌السلام لرفع مقامهم ودرجتهم إلى مقامه ودرجته صلى‌الله‌عليه‌وآله .

إذن متعلّق الشفاعة وسيع يشمل النجاة من النار وغفران الذنوب ورفع المقامات وقضاء الحاجات وغيرها، فالشفاعة بإذن اللَّه تعالى متعلّقها مطلق موارد فيض الباري عزَّ وجل.

و ثالثاً: ما ورد من وصف النبي موسى وعيسى عليهما‌السلام بأنهما وجيهان عند اللَّه عزَّ وجل، كما في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ) (1) ، وكذا قوله تعالى: ( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجيِهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) (2) ، وهذا البيان ليس خاصاً بموسى وعيسى عليهما‌السلام ، بل هو شامل على أقل تقدير لأنبياء أولي العزم، خصوصاً سيّد المرسلين وخاتمهم وأفضلهم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته الذين أُورثوا علم الكتاب

____________________

(1) الأحزاب: 69.

(2) آل عمران: 45.


كلّه، بل قد أشير إلى ذلك في تشريع القبلة، وأنها رغم كونها وجهاً للَّه تعالى يتّجه إليه المصلّي في اتجاه استقباله في الصلاة، إلّا أن الغاية منها هي الانقياد والخضوع لرسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله والولاية له، وهو يؤدّي للأوبة للَّه تعالى، حيث قال تعالى: ( وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) (1) وقال تعالى أيضاً: ( أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) (2) وقال تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ) (3) ، وللتعبير بالوجيه مدلولان إلتزاميان عقلي ونقلي:

أمَّا العقلي؛ فلأن اللَّه عزَّ وجلَّ منزّه عن الجسمية والمقابلة والمجابهة المادّية، فلابدّ من وجه يتوجّه به إليه، فالوجيه معناه هو وجه اللَّه الذي يتقرّب به إليه وآيته الدالّة عليه، التي لابدّ أن تُوسّط وتُشفّع في التوجّه.

وأمَّا النقلي؛ فهو ما ورد من أن زكاة الوجاهة الشفاعة في الخيرات.

إذن؛ الشفاعة والوساطة مدلول إلتزامي عقلي ونقلي لمفهوم الوجاهة، فالوجيه هو الشفيع والوسيلة والواسطة بين العبد وربّه.

ومقتضى إطلاق كون الأنبياء عليهم‌السلام وجهاء عند اللَّه عزَّ وجلَّ هو كونهم شفعاء في الخيرات وقضاء الحوائج الدنيوية والأخروية، ولا تختصّ وجاهتهم وشفاعتهم بغفران الذنوب فقط. ومعنى ذلك أيضاً أن الأنبياء وجهاء عند اللَّه وشفعاء في كلّ الأزمان والأدوار، من دون اختصاص بيوم القيامة أو قبل وفاة النبي؛ وذلك لإطلاق الآيات الدالّة

____________________

(1) البقرة: 144.

(2) البقرة: 115.

(3) البقرة: 143.


على الوجاهة التي تلزمها الشفاعة عقلاً ونقلاً.

والحاصل:

إن الوسيلة في الآية التي ذكروها هو مقام الشفاعة الكبرى للنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، واتّضح أن الوسيلة والشفاعة وجهان لمقام واحد، واتّضح أيضاً أن الشفاعة والتوسّل ركن من أركان الدين قائم في الدنيا والآخرة، سواء كان النبي حيّاً في دار الدنيا أم عند ربّه تعالى بعد وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهكذا الشفاعة منصوبة في ديانة الإسلام لطلب الحوائج الدنيوية وغيرها.

وممّا يبرهن على عموم شفاعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لكلّ النشآت والعوالم ولعموم الأمور ما مرَّ في قوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النبيينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ‏لَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) (1) ، حيث مرَّ في الفصل الثالث أن الآية تبيّن مشارطة اللَّه ومواثقته على النبيِّين في إعطائهم مقام النبوة والرسالة والمقامات الغيبية أنهم إنما يستأهلوها ويستحقّوها إذا آمنوا بخاتم النبيين والتزموا بنصرته واتباعه وأقرّوا على أنفسهم بذلك، فالآية تبيّن أن سيد الأنبياء صاحب الوسيلة لجميع المخلوقات، بل ولأشرف المخلوقات وهم الأنبياء والرسل، وأنهم إنما نالوا المقامات الكبرى الغيبية من النبوّة والرسالة والحكمة بالتوسّل بذيل ولاية سيد الأنبياء وأهل بيته المعصومين، مع أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يُخلق بدنه حينذاك، وإنما خُلق نوره وأنوار أهل بيته قبل خلق السماوات والأرض وخلق الأنبياء، كما أشارت إلى ذلك

____________________

(1) آل عمران: 81.


سورة النور والروايات من الفريقين، حسب ما تقدّم في الفصل الثالث.

فالآية ترصد أعظم ملحمة في الخِلْقة والخليقة لأعظم توسّل بأعظم متوسَّل به لأعظم حاجة، وكفى بذلك بشارة للمؤمنين بهذا الركن العظيم في الدين، ونذارة للجاحدين.

وأخيراً نقول:

إذا كانت الأعمال كما قالوا تُزلف وتُقرّب العبد إلى اللَّه عزَّ وجلَّ وهي فيها ما فيها من عدم الخلوص وخلطها بالصالح والطالح، فكيف ظنُّك بمقام سيّد الرسل صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

فالعمل موجود مخلوق وكذا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن لا قياس ولا نسبة بينهما في الوجاهة والقرب إذا توسّل بهما العبد.

الشبهة الخامسة: التوحيد الإبراهيميّ يأبى التوسّل بغير اللَّه

وذلك ما ورد في الحديث أن إبراهيم عليه‌السلام حين أُلقي في النار (عرض له جبرئيل وهو في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أمَّا إليك فلا، وأمَّا من اللَّه فبلى) (1) ، (قال جبرئيل: فسل ربّك، فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فقال اللَّه عزَّ وجل: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) (2) فالنبي إبراهيم عليه‌السلام في هذا الحديث يحصر التوجّه في الحاجات إلى اللَّه عزَّ وجلَّ ويرفض كلّ واسطة ولو كانت بمنزلة جبرئيل عليه‌السلام ، وهذا هو النفس التوحيدي الصحيح من مؤسّس

____________________

(1) تفسير ابن كثير، ج3، ص193.

(2) ابن الجوزي، زاد المسير، ج5، ص254.


التوحيد ومكسِّر الأصنام ومجاهد الوثنية إبراهيم عليه‌السلام ، إذ لم يوسّط حتى جبرئيل في طلب حاجته.

إذاً لابدّ من نفي الشرك في الواسطة وطلب الحاجة؛ إذ لا حجاب بين اللَّه وبين خلقه، ولم يتّخذ اللَّه تعالى أصناماً ولا أحجاراً ولا أشخاصاً ليُتوجّه بها إليه.

الجواب عن الشبهة الخامسة:

وهو ما يتعلّق بقصة إبراهيم عليه‌السلام عندما أُلقي في النار، وما جرى بينه وبين جبرئيل، حيث إن جبرئيل عليه‌السلام تدارك إبراهيم وهو في حال الهويّ في النار، وهي حالة عصيبة جدّاً، ولكن مع ذلك عندما عرض جبرئيل عليه‌السلام عليه قضاء حاجته وتخليصه من محنته، قال عليه‌السلام : (علمه بحالي يغني عن سؤالي)، فقالوا: إن نفس عدم سؤال إبراهيم عليه‌السلام من جبرئيل معناه أن السؤال والاستغاثة بغير اللَّه تعالى غير جائزة.

الردّ الأول: إن أي حادثة من الحوادث تتضمّن دائماً ملابسات تحفُّ بها لابدّ من معرفتها؛ لمدخليتها في استيضاح سياق تلك الحادثة، وفي المقام مسائلة جبرئيل عليه‌السلام للنبيّ إبراهيم عليه‌السلام من أجل امتحانه وابتلائه وتفقّد رسوخ إيمانه وطمأنينته ورباطة جأشه؛ ولذا قال له: (أمَّا إليك فلا) ليبيّن له أنه ليس في مقام طلب الحاجة والخوف والهلع وإنقاذ الموقف، وأنه مطمئن النفس ثابت الإيمان متوكّل على ربّه.

ويعزَّز هذه الدعوى قول إبراهيم عليه‌السلام لجبرئيل عليه‌السلام : (علمه بحالي يغني عن سؤالي) مع أن السؤال والدعاء مرغوب فيه ومحبّب عند اللَّه عزَّ وجل، وقد حثَّ


القرآن الكريم في آيات عديدة على السؤال والدعاء وطلب قضاء الحاجة من اللَّه تعالى، وقد توعّد اللَّه تعالى المستكبر على عبادته ودعائه باللسان والقول.

إذن؛ الدعاء من الأمور المرغوب فيها والمأمور بها، ومن الواضح المتّفق عليه أن الرواية في المقام لا تريد أن تقول أن الدعاء باللسان أمر مرجوح ومرغوب عنه، بل إن الدعاء وطلب الحاجة بالقول واللسان من الآداب الإلهية، وقد قال اللَّه تعالى لنبيّه الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) (1) وحاشا النبي إبراهيم عليه‌السلام أن يخرج عن أعظم الآداب الإلهية ولا يتقيّد بها؛ إذ الدعاء أعظم العبادات وروحها.

فهذا شاهد بيّن دامغ على أن كلام إبراهيم عليه‌السلام بحسب السياق في مقام آخر، وهو مقام الامتحان للثبات على الإيمان والطمأنينة به.

أراد إبراهيم عليه‌السلام باكتفائه بعلم اللَّه عزَّ وجلَّ بحاله أن يبيّن لجبرئيل عليه‌السلام أنه ليس على وَجَل واضطراب، ويظهر له الثبات والحزم الذي هو عليه في الحقيقة والواقع.

ودعاؤه عليه‌السلام في خصوص ذلك الظرف والمقام قد يكون كاشفاً عن الوجل والتزلزل وعدم الطمأنينة، فهو عليه‌السلام لكمال ثباته وتوكّله على اللَّه تعالى أظهر ما هو عليه من رباطة الجأش والحزم وقوّة الإيمان.

فصدر الجواب وذيله هما في هذا المقام الذي ذكرناه.

الردّ الثاني:

قد يقال هنا أن إبراهيم عليه‌السلام لم يستنجد بجبرائيل عليه‌السلام ولم يسأله لأنه أفضل منه؛ وذلك إن مقام أنبياء أولي العزم أفضل من مقام الملائكة الذين أسجدهم

____________________

(1) طه: 114.


وأطوعهم لآدم، وقد ورد في روايات الفريقين أن جبرئيل عليه‌السلام في مواطن عديدة لم يتقدّم على آدم لكونه مسجود الملائكة، ففي هذه الحالة يكون مقام السائل أرفع شأناً من مقام المسؤول، ونحن محلّ كلامنا فيما إذا كان السائل يتقرّب بواسطة المسؤول ويتوسَّل به إلى اللَّه عزَّ وجل، وإذا كان السائل أقرب مقاماً من المسؤول، فلا معنى للتوسّط والتشفّع والزلفى.

الردّ الثالث : أنه ينقض عليهم بموارد:

منها: أن الجاحدين للتوسّل يقرّون بأن الضرورة قائمة في الدين - كما تقدّم - على ثبوت الشفاعة الكبرى لسيد الأنبياء يوم المعاد، وأنه يستشفع به صلى‌الله‌عليه‌وآله للنجاة الأبدية، فإذا كان الاستشفاع شركاً - حسب زعمهم - وخلاف منهج التوحيد الذي هو ملّة إبراهيم الحنيف، فكيف يسمح الباري بوقوعه يوم القيامة، ويُبشِّر به نبيّه، وأنه يعدّه الباري مقاماً محموداً؟!

و منها: ما تقدّم من استشفاع آدم بسيد الأنبياء، فهل يظن بنبي اللَّه وصفوته مجانبة طريق التوحيد؟!

الشبهة السادسة: التوسّل يعني التفويض وعجز اللَّه تعالى

قد يطرح هنا إشكال حول التوسّل بالوسائط، وهو دعوى أن الاعتقاد بالوسائط والتوسّل بها لاستدرار الفيض الإلهي قد يوجب اعتقاد العجز في قدرة اللَّه تعالى، وممَّا لاشك فيه أن الباري عزَّ وجلَّ واجب بالذات وغني عن العالمين، فلابدّ من رفض الوسائط في التوجّه إلى اللَّه عزَّ وجل.


وبعبارة أخرى: إن السؤال والتوسّل والتوجّه إلى غير اللَّه تعالى يستبطن التفويض والغلو وبالتالي يؤدّي إلى الشرك؛ لأن التوسّل يتضمّن إسناد بعض الصلاحيات الإلهية إلى الوسائل، وهو يعني إثبات العجز إلى قدرة الباري تعالى، وهو التفويض والغلو الباطل.

الجواب عن الشبهة السادسة:

في مقام ردِّ هذه الشبهة نجيب بعدَّة أجوبة:

الجواب الأول: قصور الجاحدين للتوسّل عن معرفة التوحيد في الأفعال

إن اللَّه عزَّ وجلَّ إذا أقدر مخلوقاً من المخلوقات على بعض الأمور، فهو لا يعني سلب القدرة عنه تعالى في تلك الأمور، ولا يعني أيضاً عزله عن صفاته التي منها الصفات التي أعزاها إلى كلماته ووسائطه، فلا تجافي ولا عزلة في البين؛ لأن التجافي والعزلة من أحكام المادّة.

إذن؛ الباري تعالى لا يتجافى ولا ينعزل عن القدرة التي أقدر بعض الموجودات عليها، بل هو أقدر من تلك الوسائط على ما أقدرها عليه.

ويقول الإمام زين العابدين عليه‌السلام في هذا المقام: (إن اللَّه تبارك وتعالى لا يطاع بإكراه ولا يعصى بغلبة، ويهمل العباد في الهلكة، ولكنَّه المالك لِمَا ملّكهم والقادر لِمَا عليه أقدرهم) (1) .

وقال أمير المؤمنين عليه‌السلام في وصفه للَّه عزَّ وجل: (لا تشبهه صورة ولا يحسّ بالحواس ولا يقاس بالقياس، قريب في بعده بعيد في قربه، فوق كلّ شي‏ء ولا

____________________

(1) علي بن بابويه، فقه الرضا عليه‌السلام ، ص408.


يقال: شي‏ء تحته، وتحت كلّ شي‏ء ولا يقال: شي‏ء فوقه، أمام كلّ شي‏ء ولا يقال له: أمام، داخل في الأشياء لا كشي‏ء في شي‏ء داخل، وخارج من الأشياء لا كشي‏ء من شي‏ء خارج، فسبحان من هو هكذا، ولا هكذا غيره، ولكلّ شي‏ء مبتدأ) (1) .

والحاصل: إن أقدار اللَّه عزَّ وجلَّ وكلَّ عطية إلهية يجود بها على مخلوقاته ليس تمليكها تمليكاً عزلياً وبنحو التجافي، وإنما هو تمليك قيّومي إحاطي، فهو عزَّ وجلَّ محيط بكلّ شي‏ء وقيّوم على كلّ شي‏ء، وهو المالك لِمَا ملّكهم والقادر لِمَا عليه أقدرهم، بل إن التمليك بعينه مخلوق من المخلوقات والمُعطى والعطية كلّها قائمة باللَّه تعالى حدوثاً وبقاءً، فكيف يستقل المخلوق في فعله وهو محتاج في ذاته ومفتقر إلى قيوميّة الباري تعالى؟!

وهذا يعني أن ذات المخلوق وفعله وتمكينه وتمليكه وإقداره على بعض الأمور كلّها بحول اللَّه وقوته، ولا يخرج عن حيطة قيوميّته، فلا مجال للتفويض العزلي في عالم الخلقة والإمكان، وليست الوسائط إلّا مجارٍ لفيض اللَّه عزَّ وجلَّ وقدرته؛ لأجل عجز بعض القوابل عن التلقّي عن اللَّه تعالى مباشرة.

الجواب الثاني: الجاحدين للتوسّل بنوا جحودهم على التفويض الأكبر

إن هذه الشبهة التي ذكروها تستبطن التفويض والغلو في المخلوق؛ لأنها مبتنية على دعوى أن المخلوق مستقلّ عن خالقه في الوجود بقاءً، وأن اللَّه تعالى عندما ملّك وأقدر بعض الموجودات المادّية على بعض

____________________

(1) البرقي، المحاسن، ج1، ص240، والصدوق، التوحيد، ص285.


الأفعال الحياتية اليوميّة، كقدرة الشخص على تحريك أعضائه مثلاً باختياره، انعزلت قدرته عن تلك الأفعال. فإنهم في شبهتهم المذكورة افترضوا أن إقدار اللَّه عزَّ وجلَّ وتمليكه بعض الأفعال لبعض المخلوقات وأنها استقلال للمملوك عن المالك، كاستدرار الفيض الإلهي عن طريق الوسائط تفويض وغلو في تلك المخلوقات، وحيث إنه ممَّا لا ريب فيه أن اللَّه تعالى - كما هو المشاهد حسّاً والمعلوم وجداناً - أقْدَرَ الموجوداتِ المادّيةَ على الكثير من الأفعال التي نراها يومياً، فإنه يقتضي اعتقادهم بمقالة المعتزلة التفويضية المغالية، وهي أن المخلوق محتاج إلى الخالق حدوثاً لا بقاءً، وأن اللَّه تعالى بعد أن خلق الموجودات انعزلت قدرته عنها في البقاء (والعياذ باللَّه).

ولا فرق بين فعل وفعل من الناحية العقلية، فإذا كان التوسّل وجعل الوسيلة والشفاعة لبعض المخلوقات يوجب التفويض العزلي، فكذلك إقدارهم على أفعالهم الحادثة اليومية لابدّ أن يكون أيضاً محكوماً بقانون التفويض العزلي، وأن اللَّه تعالى انعزل عن مخلوقاته بعد أن أوجدها وأقدرها وملّكها لأفعالها.

ولا شك أن هذا التفكير مبنيّ على الموازين الحسّية المادّية، ودعوى الفرق بين الأفعال الدنيوية الصغيرة والأفعال التدبيرية الخطيرة، كتدبير السماوات والأرض، وإيصال فيض اللَّه تعالى إلى الموجودات المادّية الدانية في الوجود، حيث آمنوا ببطلان التفويض بجعل وسائط في الفيض، وصحّحوا مقولة التفويض في صغائر الأمور والأفعال المادية الدنيويّة غير الخطيرة.

مع أن موازين بطلان التفويض موازين عقلية لا يفرق فيها بين الأفعال الصغيرة والخطيرة؛ لأن التفويض يوجب الشرك وهو باطل على جميع


الأحوال.

ونحن نقول: إن المخلوق لا يستقلّ بذاته وفعله عن الباري تعالى حدوثاً وبقاءً، ولا يفعل المخلوق فعلاً أيّاً كان حجمه وخطورته إلّا بإقدار اللَّه وتمكينه وبحوله وقوته بدءاً واستدامة.

ولو كان أصحاب هذه الشبهة يرفضون فكرة التفويض مطلقاً ويوحّدون في الخلقة حدوثاً وبقاءً، لَمَا حصلت لهم هذه الشبهة؛ لأن اللَّه تعالى لا تنحسر قدرته عن المخلوق في أصل خلقته وبعد خلقته، فهو دائماً يستمدّ وجوده وبقاءه من الفيض والمدد الإلهي، وهم أرادوا أن ينكروا التوسّل - وهو فعل من الأفعال - للزوم التفويض، فوقعوا فيما هو أعظم وهو التفويض في أصل وجود المخلوقات من حيث البقاء فضلاً عن أفعالها، مع أن اللَّه تعالى دائم الفيض على البريّة، والمخلوق في كلِّ آن من آنات وجوده محتاج إلى فيض باريه، لا يستقلّ عنه في وجوده ولا ينادده في فعله؛ إذ الباري قيّوم على وجود المخلوق وأفعاله بنحو الأمر بين الأمرين، فلا ننفي المخلوقات وأفعالها كما فعل ذلك بعض جهلة الصوفية، ولا نعزل قدرة اللَّه تعالى عن مخلوقاته كما فعل المفوّضة، بل نقول كما قال اللَّه عزَّ وجل: ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ) (1) .

الجواب الثالث:

إن الجاحدين للتوسّل حيث كانوا عبّاد المذهب الحسّي المادي من حيث يشعرون أو من حيث تشبّع نفسياتهم وذهنهم بذلك، حيث يبنون على أن كلّ فعل حسّي هو فعل للمخلوقات، وكلّ فعل وراء الحسّ فهو فعل لاهوتي إلهي، أو أن الأفعال الصغيرة الحجم هي فعل للمخلوقات. أمَّا

____________________

(1) الأنفال: 17.


الأفعال الكبيرة، فهي فعل إلهي، وعلى هذا الميزان يكون إماتة الموتى لا يصح إسنادها إلى الملك الموكَّل وهو عزرائيل عليه‌السلام ، لا سيما وأن الإماتة لا تقتصر على بني البشر فقط، بل تشمل جميع بني الجنّ وجميع النباتات، بل وجملة الملائكة، فهذه القدرة بهذا الحجم كيف تسند وتعزى إلى الملك عزرائيل؟ مع أن قدرة اللَّه تعالى أنفذ فيما أقدر عزرائيل عليه، وكذلك ميكائيل الموكَّل بتقسيم الأرزاق وتدبيرها لكلّ الكائنات الحيّة على وجه الأرض، وكذلك جبرئيل الموكّل بالبطش والنقمة الإلهيّة ونشر العلم على الكائنات المدركة، وإسرافيل الموكَّل بالإحياء وغير ذلك من عظائم الأفعال، فإنه على منطق هؤلاء الجاحدين تكون قدرة اللَّه معزولة عن تلك الأفعال كما توهّمه هؤلاء، وأنّ هذه الأفعال هي صلاحيات إلهيّة لا تقبل الإسناد لغير اللَّه.

فتبيّن أن الضابطة في كون الفعل إلهيّاً هو صدوره عن الفاعل بمعزل عن قدرة غيره، ومن ثمّ لا يصحّ توهّم استقلال المخلوق في الفعل ولو كان حقيراً صغيراً؛ إذ لو استقلّ، لكان فاعلاً فعلاً إلهيّاً.

الشبهة السابعة: إيجاد المخلوقات الإمكانية كله إبداعي بلا واسطة.

قالوا في المقام: لِمَ لا يكون فعل الله تعالى إبداعياً بكن فيكون بلا أي واسطة أو وسيلة؟ وهذا من مظاهر القدرة والهيمنة الإلهية، بخلاف القول بالأفعال غير الإبداعية فهي تستبطن القول بعجز الله تعالى واحتياجه إلى الأسباب في عملية الخلق والإيجاد


الجواب عن الشبهة السابعة:

ويُجاب عن هذه الشبهة بنفس الجواب السابق، ونضيف إليه بعض الأجوبة الأخرى:

الجواب الأول: لا ريب أننا نشاهد في عالم الخِلْقة الإمكانية أفعالاً لبعض المخلوقات، بل موجودات مخلوقة غير إبداعية، كما نصّ على ذلك القرآن الكريم في آيات عديدة - كما سيأتي - وأن اللَّه تعالى كان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، ثم خلق من الأرض النباتات والزرع، ثم خلق من الطين البدن الإنساني، وخلق الجنّ من نار السموم، وخلق من الماء كلّ شي‏ء حيّ، وغير ذلك من المخلوقات غير الإبداعية، التي توجد بعملية التوليد والتوالد بين الأسباب والمسبّبات، وبناءً على ما ذكروه من الشبهة، من أن كلّ فعل غير إبداعي، فهو مستبطن للعجز والحاجة إلى الوسيلة والأسباب ويكون إسناد تلك المخلوقات غير الإبداعية إلى اللَّه تعالى إسناداً للعجز والحاجة إلى اللَّه عزَّ وجل، وإن لم نُسند تلك المخلوقات إلى اللَّه تعالى نقع في معضلة الشرك في الخالقية، وهو شرك أعظم؛ لأن شطراً وافراً من المخلوقات كالموجودات المادّية في أصل وجودها فضلاً عن أفعالها يتمّ تخليقها عن طريق الأسباب والوسائط لا بنحو الإبداع، فإن أسندناها إلى الباري تعالى - على زعمهم - يلزم نسبة العجز إلى الخالق، وإن لم نسندها إليه عزَّ وجلَّ يلزم القول بالشرك في الخالقية وخروج تلك الموجودات عن حيطة قدرته تعالى.

فالصحيح: إن اللَّه تعالى خالق كلّ شي‏ء سواء كان بالإبداع أم التخليق، والسببيّة لا توجب الشرك ولا نسبة العجز إلى اللَّه تعالى؛ لأن المخلوق الذي


يكون واسطة ووسيلة في تخليق بعض المخلوقات لا يخرج عن حيطة القدرة الإلهية، فهو بتمام شراشر وجوده مفتقر إلى باريه في الحدوث والبقاء وفي فعله وأصل وجوده، وإذا صار الماء مثلاً واسطة في تخليق كلّ شي‏ء حيّ لا يعني عجز الباري، لأن الماء بتمام وجوده مفتاق إلى خالقه ولا يستغني في فعله عنه، ففعل الماء فعل اللَّه تعالى، والماء مجرى الفيض وسبب إعداديّ لخالقية اللَّه عزَّ وجل.

ثم إن البارئ والمصوّر من أسماء اللَّه تعالى، والبَرء عملية تحويل وإيجاد وإيجاب شي‏ء من شي‏ء آخر، ثم بعد البرء تأتي عملية تشكيل الصورة، وهذه كلّها دائرة الموجودات غير الإبداعية، وهي تحت هيمنة الأسماء الإلهية، كالبارئ والمصوّر ولا تخرج عن حيطة قدرته عزَّ وجل.

الجواب الثاني : إن الاحتياج إلى الأسباب والوسائط ليس لعجز في الباري تبارك وتعالى، بل لعجز وعدم قابلية في ذات الممكن؛ وذلك لأن بعض الموجودات الممكنة لا يمكن أن تفرض لها شيئية إلّا بعد وجود موجودات أخرى سابقة عليها، فالجسم مثلاً لا يمكن أن يخرج إلى الوجود إلّا من المادة؛ لعدم قابلية الجسم إلّا أن يكون متقوّماً بالمادّة، واللَّه عزَّ وجلَّ على كلّ شي‏ء قدير، ولا شيئية للجسم قبل المادّة لكي تتعلّق به القدرة؛ إذ اللّاشيئية عدم وبطلان وعجز وفقدان، ولا معنى لأن تتعلق القدرة الإلهية بالعجز والبطلان.

نعم إذا فُرض كونه شيئاً بواسطة السبب، تتعلّق به القدرة حينئذٍ؛ فالأشياء التي


هي ذوات أسباب ذواتها متقوّمة ذاتيَّاً قوامياً بنيوياً وهوية بتلك الأسباب، فنفي فرض الأسباب نفي لأصل ذواتها، فيرجع إلى التناقض، لا للعجز في قدرة الباري تعالى، كمَن يريد أن يفترض الجسم بلا أن يكون له أبعاد ممتدّة، فهؤلاء تخيّلوا أن الأسباب والوسائط منحازة عن أصل ذوات الأشياء المخلوقة في الدرجات المتوسّطة والنازلة من عوالم الخلقة، فيرجع جحودهم للوسائل إلى الجهل بحقائق المخلوقات، ولو كان وجود الأسباب والوسائط يعني العجز لكانت سنّة اللَّه تعالى في تدبير الخلقة بتوسّط الملائكة عجز في الساحة الإلهية (والعياذ باللَّه)، لا سيّما وأن القرآن الكريم يسند جملة أفعال الخلقة وعظائم الأفعال إلى الملائكة.

الجواب الثالث: وهو عبارة عن الشواهد والطوائف القرآنية الدالّة على وقوع التخليق من اللَّه تعالى عبر الوسائط من ملائكة ورسل وغير ذلك، وأن نظام الخلقة على نحوين: إبداعيّ وتخليقيّ، كما قال عزَّ وجل: ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) (1) .

وإليك بعض تلك الطوائف:

الطائفة الأولى: آيات الإماتة وتوفّي الأنفس، وقد أسند التوفّي فيها إلى اللَّه عزَّ وجلَّ وإلى الملائكة وإلى ملك الموت خاصّة:

الإسناد الأول: إسناد توفّي الأنفس إلى الملائكة.

1 - قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) (2) .

____________________

(1) الأعراف: 54.

(2) النساء: 97.


2 - قوله تعالى: ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) (1) .

3 - قوله تعالى: ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (2) .

4 - قوله تعالى: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ) (3) .

5 - قوله تعالى: ( حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ) (4) .

6 - قوله تعالى: ( لَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) (5) .

7 - قوله تعالى: ( فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) (6) .

8 - قوله تعالى: ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) (7) .

وغير ذلك من الآيات المباركة التي نلاحظ في مجموعها أن اللَّه سبحانه وتعالى قد نسب وأسند وفاة الأنفس إلى الملائكة من باب التوسيط، مع أن

____________________

(1) النحل: 28.

(2) النحل: 32.

(3) الأنعام: 61.

(4) الأعراف: 37.

(5) الأنفال: 50.

(6) محمد: 27.

(7) الأنعام: 93.


المُميت من أسماء اللَّه تعالى ولا منافاة في ذلك، ولا يلزم منه العجز؛ لأن الملك بكلّ وجوده وأفعاله قائم باللَّه تعالى ومفتقر إليه حدوثاً وبقاءً.

وفي الآيات الثلاث الأخيرة يسند اللَّه عزَّ وجلَّ العذاب إلى الملائكة وفي الوقت ذاته ينسب اللَّه عزَّ وجلَّ العذاب والتعذيب إلى نفسه ولا منافاة في ذلك لِمَا تقدم.

الإسناد الثاني: وهي الآيات التي يسند اللَّه عزَّ وجلَّ فيها التوفّي إليه مباشرة:

1 - قوله تعالى: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ) (1) .

2 - قوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ) (2) .

3 - قوله تعالى: ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ) (3) .

4 - قوله تعالى: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (4) .

وكما أسلفنا لا تنافي بين الإسناد الأول والثاني وكذلك الثالث الآتي، وكلّ منها إسناد حقيقي؛ لأن الملائكة لا حول لهم ولا قوة إلّا باللَّه تعالى.

ويدلّ على هذه الطولية في الإسناد السياق الواحد في آيتي سورة النحل المتقدّمتين؛ حيث أسند في أحدهما التوفّي إلى اللَّه تعالى وفي الأخرى إلى

____________________

(1) محمد: 27.

(2) الأنعام: 93.

(3) الزمر: 42.

(4) يونس: 104.


الملائكة.

الإسناد الثالث: إسناد التوفّي إلى ملك الموت:

قوله تعالى: ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) (1) .

فإسناد الإماتة إلى ملك الموت والرسل في وقت واحد يعني أن بقيّة الملائكة أعوان لملك الموت، تحت هيمنته وقدرته، كما جاء ذلك في روايات الفريقين.

والحاصل: أن برنامج الإماتة لكلّ ذي روح تحت تدبير وإدارة ملك الموت، وهو يدير ذلك البرنامج التكويني عن طريق رسله وأعوانه الذين هم تحت إمرته وسلطانه وقدرته، وهو في‏ الوقت ذاته تحت سلطان اللَّه عزَّ وجلَّ وقدرته، وافتقاره، واحتياجه إلى اللَّه عزَّ وجلَّ حدوثاً وبقاءً أشدّ من احتياج الملائكة من أعوانه إليه بما لا يقاس.

ومن هذا البيان يتّضح أن إسناد فعل إلى الملائكة لا يعني عدم إسناده إلى الباري تعالى، وهكذا إسناد فعل إلى الملائكة لا يعني عدم إسناده إلى ذات أخرى شريفة تهيمن على الملائكة، وتكون الملائكة رسلاً وأعواناً لها وتحت سلطانها، كملك الموت الذي يدبّر الملائكة بإقدار اللَّه تعالى وتدبيره، ووراء ملك الموت مخلوقات أخرى أشرف منه تدبّره وتدير شؤون عالم الإمكان بإذن اللَّه تعالى وهم خلفاء اللَّه تعالى.

الطائفة الثانية: وهي الآيات التي صرحت بإيكال بعض الأفعال والأمور التدبيريّة إلى بعض المخلوقات.

____________________

(1) السجدة: 11.


1 - قال تعالى: ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) (1) .

2 - وقال عزَّ وجل: ( فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ) (2) .

وهذا التوكيل المذكور في الآيتين الكريمتين ليس على نسق إيكال مخلوق إلى مخلوق آخر؛ لأنه في باب الوكالات الاعتبارية والقانونية هناك نوع من الاستقلال للوكيل عن الموكّل في الفعل، وفيه نوع من أنواع التفويض العزلي وإن لم يكن تفويضاً واستقلالاً وانعزالاً تاماً؛ لإمكان عزله في كلّ آن آن. وأمَّا في توكيل اللَّه تعالى بعض المخلوقات، فليس هو توكيلاً وتفويضاً عزلياً تنحسر فيه قدرة الباري عن الفعل الموكِّل فيه؛ لأنها وكالة افتقار وتقوّم فعل الوكيل بالموكّل، فاللَّه تعالى أقدر بعض مخلوقاته وأوكل لهم بعض الأمور بلا انعزال عمّا وكَّلهم فيه، بل هو تعالى فيما أقدرهم عليه أقدر بما لا يتناهى من القدرة، لأن وجودهم فضلاً عن فعلهم متقوّم بذات الباري تعالى حدوثاً وبقاءً، وهو الحيّ القيّوم الذي به قامت السماوات والأرض.

ثم إن التوكيل الذي ورد في سورة الأنعام توكيل لدنّي لجماعة من الإنس، وهذه من التعابير القرآنية الدالّة على وجود الارتباط اللّدني بين اللَّه تعالى ومجموعة من البشر، لم يكفروا باللَّه عزَّ وجلَّ طرفة عين.

الطائفة الثالثة: وهي الدالّة على توسيط بعض المخلوقات في الخلق:

1 - قوله تعالى: ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ

____________________

(1) السجدة: 11.

(2) الأنعام: 89.


مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ) (1) ، فإخراج الثمرات ليس إبداعيّ، بل توسيطيّ؛ فالباري تعالى يُخرج بواسطة الماء الثمرات، والخالق هو اللَّه تعالى وليس الماء إلّا وسيطاً في جريان الفيض الإلهي.

2 - قوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ ) (2) .

3 - قوله تعالى: ( وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ َلآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) (3) .

4 - قوله تعالى: ( وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ) (4) .

وقد قرّر الحكماء وجود حياة نباتية، كما أكّدت ذلك العلوم المادّية، وهذه الحياة والإحياء يحصل بواسطة الماء ولو إعداداً، فكيف يستعظم ذلك على مَن هو أشرف من الماء وأعظم عند اللَّه تعالى؟!

5 - قوله تعالى: ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ) (5) .

فالطهارة التي هي أمر معنوي ونوري يحصل من اللَّه تعالى بواسطة الماء؛ لأنها ليست من الأفعال الإبداعية بل التخليقية.

____________________

(1) البقرة: 22.

(2) الأنعام: 99.

(3) النحل: 65.

(4) البقرة: 164.

(5) الأنفال: 11.


6 - قوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (1) .

والعرش هو القدرة الإلهية، فقدرته تعالى على الماء، والماء واسطة في فيض القدرة، على الاختلاف في المراد من الماء في الآية الكريمة.

فالقوابل محدودة ونشأة الماء هي الواسطة في تقبّل الفيوضات الإلهية.

7 - قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) (2) .

8 - قوله تعالى: ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ) (3) .

9 - قوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ) (4) .

10 - قوله تعالى: ( يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (5) .

فالروح الذي هو خلق أعظم من الملائكة سبب وواسطة إلهية لنزول الملائكة وعروجها.

الطائفة الرابعة: إسناد الخلق والتخليق إلى بعض المخلوقات:

1 - قوله تعالى: ( أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ) (6) .

____________________

(1) هود: 7.

(2) الأنبياء: 30.

(3) النور: 45.

(4) الفرقان: 54.

(5) النحل: 2.

(6) يس: 71.


فأُسند الخلق إلى الأيدي الإلهية، وهي القدرة، إذ لا شك أن اللَّه تعالى لا يد جسمانية له، فيده قدرته وتصرّفه المخلوق له الخارج عن الذات المقدّسة، وهذه اليد المخلوقة تعمل وتخلق الأنعام بالمباشرة.

2 - قوله تعالى: ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ) (1) .

فالتسبيح في هذه الآية الكريمة أسند إلى الاسم، و(الذي) وصف للمضاف إلى الربّ وهو الاسم، فالاسم هو الذي خلق فسوّى وقدّر فهدى، والاسم غير المسمّى، قائم به ومخلوق من مخلوقاته، كما جاء ذلك في سورة الرحمن في قوله تعالى: ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِْكْرَامِ ) (2) ، فالجلال والإكرام وصف لوجه الربّ، لا لنفس الربّ، وهو مخلوق من المخلوقات وآية يتوجّه بها إلى اللَّه عزَّ وجل، والشاهد على المغايرة ما جاء في آخر سورة الرحمن، حيث جعل وصف الجلال والإكرام صفة للربّ لا للوجه، حيث قال تعالى: ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِْكْرَامِ ) (3) ، وليس المراد من الاسم والوجه في الآية المباركة جزء الذات الجسماني، كما توهّم ذلك المجسّمة والحشوية (تعالى اللَّه عن ذلك علواً كبيراً)، بل المراد منه الآية الكبرى الدالّة على عظمة اللَّه عزَّ وجلَّ والقائمة الوجود به. وقد أطلق على البيت الحرام والكعبة أنهما وجه اللَّه تعالى الذي يتوجّه به إليه، كما في قوله عزَّ وجل: ( وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) وقال تعالى أيضاً: ( أَيْنََما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) ممَّا يدلِّل على أن البيت الحرام أحد الوجوه والآيات الكبرى التي يتوجّه إلى اللَّه عزَّ وجلَّ بها، وكذلك

____________________

(1) الأعلى: 1 - 2.

(2) الرحمن: 27.

(3) الرحمن: 78.


الأنبياء، حيث أطلق على موسى وعيسى عليهما‌السلام أنهما وجيهين عند اللَّه تعالى، كما تقدّم أنهما كلمات اللَّه وأسمائه.

3 - قوله تعالى: ( وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ َلآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (1) .

4 - قوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ) (2) ، فهنا أسند تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى أي إحيائهم إلى القرآن الكريم.

الطائفة الخامسة: وهي التي عُبّر فيها بالمُلك، وأن اللَّه تعالى أملَكَ كثيراً من الأمور لمخلوقاته الشريفة من دون أن يكون هذا التمليك عزلي تفويضي، بل كلّما تلقى المخلوق من باريه فيضاً أكثر ومرتبة أعلى وأشرف في الوجود كلّما كان أكثر فقراً إلى اللَّه عزَّ وجلَّ من غيره، ومن ثم كان الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله أعبد الخلائق إلى اللَّه تعالى؛ لأنه أكثرهم فقراً إلى اللَّه عزَّ وجل، كما أثر ذلك عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله حيث كان يقول: (الفقر فخري). وإليك بعض تلك الآيات في المقام:

1 - قوله تعالى: ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ) (3) .

____________________

(1) آل عمران: 49.

(2) الرعد: 31.

(3) النساء: 54.


والملك العظيم الذي أعطي لآل إبراهيم هو الإمامة، ولم يُعبّر عن غير الإمامة بالملك العظيم.

2 - قوله تعالى: ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي ِلأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) (1) .

3 - قوله تعالى: ( وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ) (2) .

4 - ( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) (3) .

5 - ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ) (4) .

6 - ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعزَّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ) (5) .

والملك في هذه الآية ليس خاصّاً بالملك الأرضي، بل هو عامّ شامل لمطلق النشآت.

7 - ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ) (6) ، فوصف اللَّه عزَّ وجلَّ خازن النيران الملك الموكّل بالنار بمالك؛ لأنه ملّكه القدرة على تدبير النيران.

8 - ( وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) (7) ، والعرش هو مقام القدرة، واللَّه تعالى أقدر أربعة من الأوّلين وأربعة من الآخرين

____________________

(1) ص: 35.

(2) الإنسان: 5.

(3) ص: 20.

(4) البقرة: 247.

(5) آل عمران: 26.

(6) الزخرف: 77.

(7) الحاقة: 17.


على حمله بلا تفويض.

9 - قوله تعالى: ( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) (1) .

10 - قوله تعالى: ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) (2) .

11 - ( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَّكْفِيَكُمْ أَن يُّمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ) (3) .

12 - ( يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ) (4) .

الطائفة السادسة: ما ذكر فيها نسبة الإهلاك إلى نفسه تعالى وإلى بعض مخلوقاته.

1 - قوله تعالى: ( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (5) .

2 - ( فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ) (6) .

3 - ( وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) (7) .

____________________

(1) التحريم: 4.

(2) الأنفال: 9.

(3) آل عمران: 124.

(4) آل عمران: 125.

(5) الأحقاف: 27.

(6) الحاقة: 5.

(7) الحاقة: 6.


4 - ( وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ) (1) .

5 - ( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ) (2) .

الطائفة السابعة: إسناد تدبير بعض المخلوقات عن طريق الرياح:

1 - قوله تعالى: ( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ) (3) .

2 - ( اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ) (4) .

3 - ( وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) (5) .

4 - ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ) (6) .

5 - ( وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ) (7) .

والحاصل: إنّ نظام الخلقة في السُّنَّة الإلهيّة نظام الأسباب والمسبّبات، كما نصّ على ذلك متواتر آيات القرآن الكريم، وما ورد من روايات الفريقين: (أبى اللَّه أن يجري الأمور إلّا بأسبابه)؛ وذلك لأن الأمور ذواتها متقوِّمة بالأسباب في هويَّتها، فهم يجهلون نظام الخلقة والمخلوقات.

____________________

(1) العنكبوت: 31.

(2) العنكبوت: 40.

(3) الحجر: 22.

(4) الروم: 48.

(5) الفرقان: 48.

(6) الروم: 46.

(7) فاطر: 9.



خاتمة في:

أ - الروايات الواردة في مشروعيَّة التوسُّل والتشفُّع والتبرُّك:

الروايات في هذا المجال كثيرة جدّاً، نشير إلى بعض ما ورد منها في الكتب السُّنيَّة:

1 - ما أخرجه البخاري في صحيحه عن الجعيد بن عبد الرحمن قال: (سمعت السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالت: يارسول اللَّه إن ابن أختي وجِع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة وتوضّأ فشربت من وضوئه) (1) .

2 - كذلك روى البخاري في صحيحه عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: (رأيت رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله في قبّة حمراء من أدم، ورأيت بلالاً أخذ وضوء رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ورأيت الناس يتبدّرون ذاك الوضوء، فمَن أصاب منه شيئاً تمسّح به،

____________________

(1) صحيح البخاري، ج4، كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ص163.


ومَن لم يصب منه شيئاً أخذ من بلل يد صاحبه) (1) .

3 - وأخرج مسلم في صحيحه عن أنس قال: (لقد رأيت رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله والحلّاق يحلقه وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلّا في يد رجل) (2) .

قال النووي في شرحه لصحيح مسلم تعليقاً على مثل هذه الروايات: (وفي هذه الأحاديث بيان بروزه صلى‌الله‌عليه‌وآله للناس وقربه منهم... وإجابته مَن سأله حاجة أو تبريكاً بمسّ يده وإدخالها في الماء كما ذكروا، وفيه التبرّك بآثار الصالحين وبيان ما كانت الصحابة عليه من التبرّك بآثاره صلى‌الله‌عليه‌وآله وتبرّكهم بإدخال يده الكريمة في الآية وتبرّكهم بشعره الكريم وإكرامهم إياه أن يقع شي‏ء منه إلّا في يد رجل سبق إليه) (3) .

إذن هذه الشواهد وغيرها كاشفة عن أن سيرة المسلمين منذ الصدر الأول كانت قائمة على التبرّك بما يتصل بالنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، من دون ردع ونهي، وهذا دالّ على مشروعية ما كان يأتي به الصحابة، وقلنا إنَّ التبرّك يجتمع مع التوسّل والاستغاثة في ماهية واحدة وهي التوسيط، فالتبرّك طلب البركة ونوع توسّل واستشفاع بما يرتبط بالأولياء والأوصياء والحجج من أشياء.

4 - وفي الجامع الصغير للسيوطي: (غبار المدينة شفاء من الجذام) (4) ، وقال المناوي في فيض القدير بعد نقل مثل هذه الروايات: (قال السمهودي: قد

____________________

(1) صحيح البخاري، ج1، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الأحمر، ص92.

(2) صحيح مسلم، ج7، ص79.

(3) شرح مسلم، ج15، ص82.

(4) الجامع الصغير، ج2، ص197.


شاهدنا مَن استشفى به منه وكان قد أضرّ به فنفعه جدّاً) (1) .

5 - أخرج الحاكم في المستدرك عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يارسول اللَّه، علّمني دعاءً أدعو به يردّ اللَّه عليّ بصري، فقال له: (قل: اللّهم إني أسألك وأتوجّه إليك بنبيك نبيّ الرحمة، يامحمّد إني قد توجّهت بك إلى ربّي، اللّهم شفّعه فيّ وشفّعني في نفسي) فدعا بهذا الدعاء، فقام وقد أبصر (2) .

6 - روى البيهقي في خبر صحيح إنه في أيام عمر جاء رجل إلى قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يامحمّد، استسق لأمتك، فسقوا (3) .

7 - أخرج النسائي عن عبداللَّه بن عمرو، قال: سمعت رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، وصلّوا عليَّ، فإنه من صلّى عليّ صلاة صلّى اللَّه عليه عشراً، ثم سلوا اللَّه لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنّة لا تنبغي إلّا لعبد من عباد اللَّه، أرجو أن أكون أنا هو، فمَن سأل لي الوسيلة حلّت له الشفاعة) (4) .

8 - روى مسلم عن عائشة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (ما من ميّت تصلّي عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلّهم يشفعون له إلّا شفّعوا فيه) (5) .

9 - روى مسلم أيضاً عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على

____________________

(1) فيض القدير شرح الجامع الصغير، ج4، ص526.

(2) المستدرك، ج1، ص526.

(3) سنن البيهقي، ج3، ص326.

(4) سنن النسائي، ج2، ص26.

(5) صحيح مسلم، ج3، ص53.


جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون باللَّه شيئاً إلّا شفّعهم اللَّه فيه) (1) .

10 - ما أخرجه الطبراني وغيره عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (إذا خرج الرجل من بيته إلى الصلاة فقال: اللّهم إني أسألك بحقّ السائلين عليك وبحقّ ممشاي، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة، خرجتُ اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلّا أنت، وكَّلَ اللَّه عزَّ وجلَّ به سبعين ألف ملك يستغفرون له، وأقبل اللَّه تعالى عليه بوجهه حتى يقضي صلاته) (2) .

11 - كذلك ما أخرجه الطبراني عن ابن عباسَّ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (مَن سرّه أن يوعيه اللَّه عزَّ وجلَّ حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم، فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف، أو في صحفة قوارير بعسل وزعفران وماء مطر ويشربه على الريق، وليصم ثلاثة أيَّام، وليكن إفطاره عليه، فإنه يحفظها إن شاء اللَّه عزَّ وجلَّ، ويدعو به في أدبار صلواته المكتوبة:

اللّهمّ إني أسألك بأنك مسؤول لم يُسأل مثلك ولا يُسأل، أسألك بحقّ محمّد رسولك ونبيّك وإبراهيم خليلك وصفيّك وموسى كليمك ونجيّك وعيسى كلمتك وروحك، وأسألك بصحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داود وإنجيل عيسى وفرقان محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأسألك بكلّ وحي أوحيته وبكلّ حقّ قضيته وبكلّ سائل أعطيته، وأسألك بأسمائك التي دعاك بها أنبياؤك فاستُجيب لهم، وأسألك باسمك المخزون المكنون الطهر الطاهر المطهّر المبارك المقدّس الحيّ

____________________

(1) صحيح مسلم، ج3، ص53.

(2) الطبراني، كتاب الدعاء، ص145، ومسند أحمد، ج3، ص21.


القيّوم ذي الجلال والإكرام، وأسألك باسمك الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر الذي ملأ الأركان كلّها، وأسألك باسمك الذي وضعته على السماوات فقامت، وأسألك باسمك الذي وضعته على الأرضين فاستقرّت، وأسألك باسمك الذي وضعته على الجبال فرست، وأسألك باسمك الذي وضعته على الليل فأظلم، وأسألك باسمك الذي وضعته على النهار فاستنار، وأسألك باسمك الذي يحيى به العظام وهي رميم، وأسألك بكتابك المنزل بالحقّ ونورك التام، أن ترزقني حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم وتثبّتها في قلبي، وأن تستعمل بها بدني في ليلي ونهاري أبداً ما أبقيتني يا أرحم الراحمين) (1) .

12 - أخرج الهيثمي في مجمع الزوائد عن العبَّاس، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال: (قال داود: أسألك بحقّ آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب) (2) .

13 - روى جمال الدين الزرندي الحنفي، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال: (إذا هالك أمر فقل: اللّهم صلِّ على محمّد وآل محمّد، اللّهم إني أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد أن تكفيني شرّ ما أخاف وأحذر، فإنك تكفى ذلك الأمر) (3) .

14 - أخرج الحاكم الحسكاني عن ابن عبَّاس قال: قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (لمَّا نزلت الخطيئة بآدم وأُخرج من جوار ربّ العالمين، أتاه جبرئيل فقال: ياآدم اُدع ربّك، قال: ياحبيبي جبرئيل وبما أدعوه؟ قال: قل: ياربّ أسألك بحقّ الخمسة الذين تخرجهم من صلبي آخر الزمان إلّا تبت عليّ ورحمتني، فقال:

____________________

(1) الطبراني، كتاب الدعاء، ص398.

(2) مجمع الزوائد، ج8، ص202.

(3) نظم درر السمطين، ص49.


حبيبي جبرئيل سمّهم لي، قال: محمّد النبي وعليّ الوصي وفاطمة بنت النبيّ والحسن والحسين سبطيّ النبي، فدعا بهم آدم فتاب اللَّه عليه، وذلك قوله: ( فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) وما من عبد يدعو بها إلّا استجاب اللَّه له) (1) .

15 - وأخرج الحاكم النيسابوري في المستدرك عن ابن عباس قال: (أوحى اللَّه إلى عيسى عليه‌السلام : يا عيسى، آمن بمحمد وأمر مَن أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولولا محمد ما خلقت الجنة ولا النار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلّا اللَّه محمد رسول اللَّه فسكن) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (2)

وقد تقدّمت هذه الرواية عن السيوطي في الدرّ المنثور وغيره بألفاظ أخرى فراجع، وقد جاء فيها أن سبب جعل تلك الكلمات واسطة ووسيلة هو حفاوتهم وكونهم أحبَّ الخلق للَّه عزَّ وجل، كما تقدّم في قول إبراهيم عليه‌السلام ( إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) .

ب - آراء أعلام السُّنَّة في التوسّل:

1 - قول مالك للمنصور العبَّاسي الدوانيقي عندما سأله قائلاً: أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟: (ولِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه‌السلام إلى اللَّه تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به) (3) .

____________________

(1) شواهد التنزيل، ج1، ص102.

(2) المستدرك، ج 2، ص 615.

(3) القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ج2، ص41.


2 - قال أبو بكر تقي الدين الحصني الدمشقي الشافعي: (ومَن أنكر التوسّل به والتشفّع به بعد موته وأن حرمته زالت بموته فقد أعلم الناس ونادى على نفسه أنه أسوأ حالاً من اليهود، الذين يتوسَّلون به قبل بروزه إلى الوجود، وأن في قلبه نزغة هي أخبث النزغات) (1) .

3 - قال الحافظ تقيّ الدين السُبكي: (ولم يزل أهل العلم ينهون العوام عن البدع في كلّ شؤونهم ويرشدونهم إلى السُّنَّة في الزيارة وغيرها إذا صدرت منهم بدعة في شي‏ء، ولم يعدّوهم في يوم من الأيام مشركين بسبب الزيارة أو التوسّل، كيف وقد أنقذهم اللَّه من الشرك وأدخل في قلوبهم الإيمان، وأول مَن رماهم بالإشراك بتلك الوسيلة هو ابن تيميَّة وجرى خلفه من أراد استباحة أموال المسلمين ودمائهم لحاجة في النفس) (2) .

4 - ما نقله المناوي في فيض القدير عن السُبكي مرتضياً له، حيث قال: (قال السبكي: ويحسن التوسّل والاستعانة والتشفّع بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ربّه، ولم ينكر ذلك أحد من السلف ولا من الخلف، حتى جاء ابن تيميَّة فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم، وابتدع ما لم يقله عالم قبله، وصار بين أهل الإسلام مثله) (3) .

وهذه العبارة عن السبكي وسابقتها تكشف عن إجماع الطوائف السُّنيَّة على مشروعية التوسّل، ولم ينكر ذلك إلّا ابن تيميَّة ومَن جاء بعده.

5 - قال السمهودي في وفاء الوفا نقلاً عن كتاب العلل والسؤلات لعبداللَّه بن

____________________

(1) دفع الشبه عن الرسول والرسالة، ص137.

(2) السيف الصقيل، ص179.

(3) فيض القدير، ج2، ص169.


أحمد بن حنبل: (قال عبداللَّه: سألت أبي عن الرجل يمسّ منبر رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ويتبرَّك بمسّه ويقبّله ويفعل بالقبر مثل ذلك رجاء ثواب اللَّه تعالى؟ قال: لا بأس به) (1) .

6 - كذلك عن إسماعيل بن يعقوب التيمي، قال: (كان ابن المنكدر يجلس مع أصحابه وكان يصيبه الصمات، فكان يقوم كما هو ويضع خدّه على قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم يرجع، فعوتب في ذلك، فقال: إنه ليصيبني خطرة، فإذا وجدت ذلك استشفيت بقبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (2) .

نكتفي بهذا المقدار من الأقوال.

____________________

(1) وفاء الوفا، ج2، ص443، وكذلك الصالحي الشامي، في سبل الهدى والرشاد، ج12، ص398.

(2) وفاء الوفا، ج2، ص444.


خلاصة البحث

1 - إنّ التوسّل والتوجّه والتشفّع والتبرّك والتشفّي وطلب قضاء الحاجات كلّها عناوين لطبيعة واحدة، وهي ضرورة الواسطة بين العبد وربّه.

2 - إنّ التوسّل والتوجّه والتشفّع والتبرّك بأسماء وآيات وكلمات اللَّه وبأمر منه تعالى هو خالص التوحيد وليس شركاً ولا كفراً، بل عدم الانصياع لأمره تعالى بالتوجّه والتوسّل والتشفع بها لطلب القرب والزلفى إليه تعالى هو كفر واستكبار؛ لأنه خروج على أمره تعالى.

3 - الذوبان وتمام الانصياع للوسائط والوسائل لطلب الزلفى إلى اللَّه تعالى هو عبادة للَّه لا للوسائط أو الوسائل؛ لأنه ذوبان وانصياع في تفضيل أمر اللَّه تعالى، وهو معنى العبادة.

4 - إن التوسّل شرط شرعي في قبول التوبة وسائر العبادات ونيل المقامات.

5 - إن التوسّل ضرورة عقلية وتاريخية وأديانية وقرآنية وروائية.

6 - إن الوسائط المرفوضة في القرآن الكريم هي الوسائط المقترحة من قبل العبيد دون الوسائط المنصوبة من اللَّه عزَّ وجل.

7 - إن من الأسباب المهمّة في إنكار التوسّل القول بالتجسيم أو نبوءة العقل.


8 - أن الإعراض عن الآيات الإلهية وترك التوسّل بها موجب لحبط الأعمال والخسران في الدنيا والآخرة.

9 - لا فرق بين التوسّل والشفاعة إلّا بالِّلحاظ.

10 - إن التوسّل والاستغاثة والتبرّك والاستشفاء من وادٍ واحد، وهي مصاديق متعدّدة لماهية واحدة.

11 - إنّ التوسّل توحيد اللَّه الأعظم، وهو أبلغ أنواع التعظيم والخضوع للَّه تعالى.

12 - إنّ جعل شي‏ء وسيلة يتضمّن في طيّات معناه عدم التأليه وأنّه واسطة لغيره وغيره هو الغاية، والمشركون إنَّما أشركوا لأنهم اقترحوا الوسيلة إلى اللَّه تعالى من مل‏ء إرادتهم وتحكيمها على إرادة اللَّه، فجعلوا لأنفسهم صلاحيات الإلوهية.

13 - إن اللَّه تعالى غاية الغايات وليس وسيلة كي يتوسّل به مباشرة، فمَن يجعل اللَّه وسيلة لغاية غيره يكون مشركاً.

14 - إنّ التوسّل بالوسيلة هو حقيقة معتقد الشهادة الثانية والثالثة وحقيقة النبوّة والرسالة والولاية.

15 - إنّ التوسّل من أعظم أبواب العبادات والقربات إلى اللَّه تعالى.


ثبت المصادر

1 - القرآن الكريم.

2 - الصحيفة السجادية.

الإمام زين العابدين، مؤسسة الإمام المهدي، ط1، 1411هـ ق.

3 - فقه الرضا.

علي بن بابويه القمي، مؤسسة آل البيت، ط1، 1406هـ ق.

4 - المحاسن.

البرقي، دار الكتب الإسلامية.

5 - كمال الدين وتمام النعمة.

الصدوق، مؤسسة النشر الإسلامي، 1405هـ ق.

6 - التوحيد.

الشيخ الصدوق، جماعة المدرسين، 1387هـ ق.

7 - معاني الأخبار.

الصدوق، النشر الإسلامي، 1361هـ ق.

8 - تفسير القمي.

علي بن إبراهيم القمي، مؤسسة دار الكتاب، ط3، 1404هـ ق.

9 - تفسير فرات الكوفي.

وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ط1، 1410هـ ق.

10 - الهداية الكبرى.

الحسين بن حمدان الخصيبي، مؤسسة البلاغ بيروت، ط4، 1411هـ ق.


11 - كتاب الغيبة.

النعماني، مكتبة الصدوق - طهران.

12 - علل الشرائع.

الصدوق، المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف، 1386هـ ق.

13 - الكافي.

محمد بن يعقوب الكليني، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط3، 1388هـ ق.

14 - التبيان في تفسير القرآن.

الطوسي، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1409هـ ق.

15 - مجمع البيان في تفسير القرآن.

الطبرسي، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط1، 1415هـ ق.

16 - وسائل الشيعة.

الحر العاملي، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ط2، 1414هـ ق.

17 - تفسير العياشي.

محمد بن مسعود بن عيَّاش السلمي السمرقندي، المكتبة العلمية الإسلامية، طهران.

18 - الوسيلة إلى نيل الفضيلة.

ابن حمزة، مكتبة المرعشي النجفي، قم، ط1، 1408هـ ق.

19 - تأويل الآيات.

السيد شرف الدين الأسترآبادي، مدرسة الإمام المهدي، قم، ط1، 1407هـ ق.

20 - المقنع.

الصدوق، مؤسسة الإمام المهدي، قم، 1415هـ ق.


21 - الخصال.

الصدوق، جماعة المدرسين، قم، 1403هـ ق.

22 - روضة الواعظين.

الفتال النيسابوري، منشورات الرضي، قم.

23 - تهذيب الأحكام.

الشيخ الطوسي، دار الكتب الإسلامية، ط4، 1407هـ ق.

24 - النهاية.

الشيخ الطوسي، دار الأندلس، بيروت.

25 - كفاية الأثر.

الخزاز القمي الرازي، بيدار، قم، 1401هـ ق.

26 - الأمالي.

الشيخ الطوسي، دار الثقافة، قم، ط1، 1414هـ ق.

27 - الاحتجاج.

الطبرسي، دار النعمان، النجف الأشرف، 1386هـ ق.

28 - البرهان في تفسير القرآن.

السيد هاشم البحراني، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط1، 1419هـ ق.

29 - الأمالي.

الصدوق، مؤسسة البعثة، ط1417هـ ق.

30 - بصائر الدرجات.

محمد بن الحسن الصفار، مؤسسة الأعلمي، طهران، 1404هـ ق.

31 - عدَّة الدَّاعي.

ابن فهد الحلِّي، مكتبة الوجداني، قم.


32 - كامل الزيارات.

ابن قولويه، مؤسسة نشر الفقاهة، ط1، 1417هـ ق.

33 - مختصر بصائر الدرجات.

الحسن بن سليمان الحلِّي، المطبعة الحيدرية، النجف، ط1، 1370هـ ق.

34 - الغدير.

الأميني، دار الكتاب العربي، بيروت، 1379هـ ق.

35 - شرح إحقاق الحق.

السَّيِّد المرعشي، مكتبة المرعشي النجفي، قم.

36 - بحار الأنوار.

محمد باقر المجلسي، مؤسسة الوفاء، بيروت، ط2، 1403هـ ق.

37 - عيون أخبار الرضا.

الصدوق، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط1، 1404هـ ق.

38 - لسان العرب.

ابن منظور، دار إحياء التراث، بيروت، ط1، 1405هـ ق.

39 - مسند أحمد بن حنبل.

دار صادر، بيروت.

40 - صحيح البخاري.

دار الفكر، بيروت، 1401هـ ق

.

41 - صحيح مسلم.

دار الفكر، بيروت.

42 - مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام .

محمد بن سليمان الكوفي القاضي، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، ط1، 1412هـ ق.


43 - سنن النسائي.

دار الفكر، بيروت، ط1، 1348هـ ق.

44 - تفسير القرآن العظيم.

ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1412هـ ق.

45 - البداية والنهاية.

ابن كثير، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1408هـ ق.

46 - كتاب الدعاء.

الطبراني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1413هـ ق.

47 - المستدرك على الصحيحين.

الحاكم النيسابوري، دار المعرفة، بيروت، 1406هـ.

48 - جامع البيان.

ابن جرير الطبري، دار الفكر، بيروت، 1415هـ.

49 - الدر المنثور.

جلال الدين السيوطي، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1365.

50 - الجامع الصغير.

جلال الدين السيوطي، دار الفكر، بيروت، ط1، 1401هـ ق.

51 - فيض القدير.

المناوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1415هـ ق.

52 - شواهد التنزيل.

الحاكم الحسكاني، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، ط1، 1411هـ ق.

53 - السيف الصقيل.

الحافظ تقي الدين السبكي، مكتبة زهران.


54 - الشفا بتعريف حقوق المصطفى.

القاضي عياض، دار الفكر، بيروت، 1409هـ ق.

55 - وفاء الوفا.

السمهودي.

56 - نظم درر السمطين.

الزرندي الحنفي، ط1، 1377هـ ق.

57 - كشف الغمة.

الأربلي، دار الأضواء، بيروت، ط2، 1405هـ ق.

58 - دفع الشبه عن الرسول والرسالة.

تقي الدين الحصني الدمشقي الشافعي، دار إحياء الكتاب العربي، القاهرة، ط2، 1418هـ ق.

59 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.

الهيثمي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1408هـ ق.

60 - زاد المسير في علم التفسير.

ابن الحوزي، دار الفكر، بيروت، ط1، 1407هـ ق.

61 - تحفة الأحوذي في شرح الترمذي.

مبارك فوري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1410هـ ق.

62 - ميزان الاعتدال.

الذهبي، دار المعرفة، بيروت، ط2، 1382هـ ق.

63 - المعجم الكبير.

الطبراني، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط2.

64 - الطبقات الكبرى.

ابن سعد، دار صادر، بيروت.


65 - الجامع لأحكام القرآن.

القرطبي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، 1405هـ ق.

66 - فضائل مكة والسَّكن فيها.

الحسن بن يسار البصري، مكتبة الفلاح، الكويت، 1400هـ ق.

67 - معجم البلدان.

ياقوت الحموي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1399هـ ق.

68 - الأم.

الشافعي، دار الفكر، بيروت، ط2، 1403هـ ق.

69 - المجموع في شرح المهذب.

النووي، دار الفكر، بيروت.

70 - مغني المحتاج.

الخطيب الشربيني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1377هـ ق.

71 - مواهب الجليل.

الحطّاب الرعيني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1416هـ ق.

72 - حواشي الشرواني.

عبدالحميد الشرواني، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

73 - السنن الكبرى.

البيهقي، دار الفكر، بيروت.

74 - الفصول المهمة.

ابن الصباغ المالكي، دار الحديث، ط1، 1422هـ ق.

75 - فضائل الصحابة.

أحمد بن حنبل، دار الكتب العلمية، بيروت.


76 - إملاء ما من به الرحمن.

أبو البقاء العكبري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1399هـ ق.

77 - فتح القدير.

الشوكاني، عالم الكتب.

78 - سبل الهدى والرشاد.

الصالحي الشامي، دار الكتب العلمية، بيروت ط1، 1414هـ ق.

79 - كنز العمال.

المتقي الهندي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1409هـ ق.

80 - جلاء الأفهام.

ابن قيم الجوزية، تحقيق محيي الدين ديب مستو، دار الكلم الطيب، دار ابن كثير، ط3.

81 - مناقب أمير المؤمنين.

ابن المغازلي الشافعي.

82 - تاريخ مدينة دمشق.

ابن عساكر، دار الفكر، 1415هـ ق.

83 - شرح نهج البلاغة.

ابن أبي الحديد، دار إحياء الكتب العربية، ط1، 1378هـ ق.

84 - السقيفة وفدك.

أبو بكر الجوهري البغدادي، شركة الكتبي، بيروت، ط1، 1413هـ ق.

85 - فتح العزيز في شرح الوجيز.

عبد الكريم الرافعي، دار الفكر، بيروت.

86 - سنن الدارقطني.

علي بن عمر الدارقطني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1417هـ ق.


87 - روضة الطالبين.

محيي الدين النووي، دار الكتب العلمية، بيروت.

88 - فتح المعين.

المليباري الهندي، دار الفكر، ط1، 1418هـ ق.

89 - لسان الميزان.

ابن حجر العسقلاني، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط2، 1390هـ ق.

90 - شعار أصحاب الحديث.

محمد بن إسحاق الحاكم، دار الخلفاء، الكويت.

91 - سنن أبي داود.

السجستاني، دار الفكر، بيروت، ط1، 1410 هـ ق.

92 - كتاب المصنف.

أبو بكر عبدالرزاق الصنعاني، المجلس العلمي.

93 - الأذكار النووية.

يحيى بن شرف النووي، دار الفكر، 1414هـ ق.

94 - المعجم الأوسط.

الطبراني، دار الحرمين، 1415هـ ق.

95 - الإغاثة بأدلة الاستغاثة.

حسن السقَّاف، مكتبة الإمام النووي، عمان، ط1، 1410هـ ق.

96 - عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر.

عبد العزيز الشافعي المقدسي.

97 - ينابيع المودة.

القندوزي الحنفي، دار الأسوة، ط1، 1416هـ ق.


98 - كتاب العين.

الفراهيدي، مؤسسة دار الهجرة، ط2، 1409هـ ق.

99 - الصحاح.

الجوهري، دار العلم للملايين، ط4، 1407هـ ق.

100 - النهاية في غريب الحديث.

ابن الأثير، مؤسسة إسماعيليان، قم، ط4، 1406هـ ق.

101 - كشف الخفاء.

إسماعيل بن محمد العجلوني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1408هـ ق.

102 - فتح الباري.

ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة - بيروت، ط2.

103 - شرح صحيح مسلم.

النووي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1407هـ ق.


المحتويات

تقديم: 5

المقدِّمة 17

خطّة البحث: 19

الفصل الأوّل .21

تمهيد: 23

التوسّل في اللغة والاصطلاح .25

1 - التوسّل لغة: 25

2 - التوسّل اصطلاحاً: 26

التوسّل عبادة توحيدية 27

دور الوسائط الإلهيّة وضرورة التوسّل بها: 27

توضيح المدّعى: 27

بيان الأدلّة: 28

الأدلّة العقلية والتاريخية 29

1 - الدليل العقلي: 29

البيان الأول: التوسّل بالوسائط الإلهيّة تحكيم لسلطان اللَّه على سلطان العبد .29


البيان الثاني: الاختلاف في المراتب الوجودية 32

البيان الثالث: وجوب الاحترام والتعظيم .35

2 - الدليل التاريخي (السيرة): 38

الأدلّة التحليلية 43

1 - مفهوم العبادة: (مفهوم العبادة ينفي الوسائط المقترحة) 43

2 - القول بالتجسيم من أسباب جحود التوسّل: 46

لقاء اللَّه يوم الحساب بآياته وحججه: 49

الفصل الثاني: 55

الأدلة القرآنية 57

1 - (حقيقية التوسّل في أربع طوائف قرآنية): 57

نتيجة الطوائف الأربع: 61

2 - قصة آدم مع إبليس: 62

ملحمة إباء إبليس وسجود الملائكة لا زالت راهنة مستمرّة في هذا العصر 67

الإمامة ركن التوحيد: 68

ضابطة العبادة: 70

3 - الآيات البينات في المسجد الحرام: 74

مقام إبراهيم: 76

بيان آخر للآية الكريمة: 78

حجر إسماعيل: 82

المستجار أو الملتزم: 85

السعي بين الصفا والمروة: 89

بئر زمزم: 91


أعمال الحجّ ومناسكه: 92

فائدة: 93

4 - التوجّه إلى القبلة طاعة للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله : 94

5 - المودّة لذريّة إبراهيم من شرائط الحجّ وغاياته: 95

من هم الذريّة الذين تهواهم أفئدة الحجاج والطائفين والركّع السجود؟ 97

6 - الولاية من شرائط المغفرة: 102

سورة الحمد وإمامة أهل البيت عليهم‌السلام : 103

7 - الوفود على ولي اللَّه من شرائط الحجّ: 106

8 - الأنبياء مصدر البركة: 108

9 - البقعة المباركة: 109

10 - وجوب تعظيم الأنوار الإلهيّة: 111

الأئمة التسعة من ولد الحسين عليه‌السلام في آية النور: 116

بيان آخر للآية المباركة: 117

أهل البيت عليهم‌السلام معصومون بأعالي درجات العصمة: 119

خلقة أهل البيت عليهم‌السلام النوريَّة: 123

11 - بناء المساجد على قبور الأولياء معالم للدين: 125

12 - حبط الأعمال وقبولها: 127

13 - آيات القسم الإلهي بشخص النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله : 128

14 - الآيات الآمرة بالتوسُّل بالنبيّ الأكرم‏ صلى‌الله‌عليه‌وآله وسائر الأنبياء والأوصياء: 133

15 - آيات التوسّل بمخلوقات كريمة أضيفت إلى الأنبياء والأولياء: 139

هل الآية دليل على مشروعية الاستشفاء فقط؟ 141


الفصل الثالث: 147

شرطية التوسّل وضرورته في مقامات ثلاث ..149

وضرورته في مقامات ثلاثة 149

الدليل الأول: معطيات الشهادة الثانية 150

الدليل الثاني: التوسّل ضرورة عقلية 152

بيان الملازمة: 153

التوسّل في كل النشآت، ولأصناف المخلوقات: 155

الدليل الثالث: عموم طاعة اللَّه ورسوله وأولي الأمر 156

فذلكة صناعية لأخذ التوسّل في نية القربة: 158

الدليل الرابع: اقتران اسم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته بأعظم العبادات ..166

الدليل الخامس: ابتغاء الوسيلة ضرورة قرآنية 175

قرب اللَّه وقرب العبد: 178

الوسيلة معنى الشفاعة: 180

ترامي الوسائل وتعاقبه: 182

الدليل السادس: شرطية الاستجارة بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في طلب المغفرة 182

الدليل السابع: التوسّل بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ميثاق الأنبياء 192

الأنبياء على دين النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ....193

أهل البيت عليهم‌السلام شركاء النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في الميثاق .198

بيان آخر لتوسل الأنبياء بالرسول الأكرم وأهل بيته في نيل المقامات ..206

آيات أخرى في اقتران أهل البيت عليهم‌السلام بالنبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في الصفات ..215

الدليل الثامن: قوله تعالى: ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) . 216

الدليل التاسع: الاستكبار والصدّ عن آيات اللَّه تعالى موجب لحبط الأعمال .217

الدليل العاشر: خضوع الملائكة لآدم عليه‌السلام كلّ خليفة للَّه باب أعظم لملائكته 220


أخذ ميثاق ولاية أهل البيت عليهم‌السلام معرفة وتوسلاً على أصناف المخلوقات ..222

تأبيد رسالة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ووساطته في الوحي الإلهي لجميع النشآت ..223

جحود التوسّل سنّة إبليس في الاستكبار 223

الفصل الرابع: 225

شبهات وردود 227

شبهات المنكرين لجواز التوسُّل .229

الشبهة الأولى: التوسُّل عبادة لغير اللَّه تعالى .229

الجواب عن الشبهة الأولى: 230

دفع الجوابين: جحود التوسُّل يستند إلى التفويض ..232

جحود التوسّل يستند إلى المذاهب الحسيّة المادية 233

تفصيل الجاحدين للتوسّل في الوسائط .234

الشبهة الثانية: التوسّل خلاف كلمة التوحيد .235

الجواب عن الشبهة الثانية: 238

الشبهة الثالثة: التوسّل مخالف للآيات القرآنية 240

الجواب عن الشبهة الثالثة: 242

الجواب الأول: حقيقة الأسماء الإلهية مستند للتوسّل .243

الجواب الثاني: الكلمة والآية 244

الشبهة الرابعة: الأعمال الصالحة هي الوسيلة 260

الجواب عن الشبهة الرابعة 260

النقطة الأولى: ما هو المراد من الوسيلة؟ 261

النقطة الثانية: الرابطة بين الشفاعة والتوسُّل .264

النقطة الثالثة: عموم تشريع الشفاعة 265


الشبهة الخامسة: التوحيد الإبراهيميّ يأبى التوسّل بغير اللَّه 271

الجواب عن الشبهة الخامسة: 272

الردّ الثالث: أنه ينقض عليهم بموارد 274

الشبهة السادسة: التوسّل يعني التفويض وعجز اللَّه تعالى .274

الجواب عن الشبهة السادسة قصور الجاحدين للتوسّل عن معرفة التوحيد .275

الجاحدين للتوسّل بنوا جحودهم على التفويض الأكبر .276

الشبهة السابعة: إيجاد المخلوقات الإمكانية كلّه إبداعيّ بلا واسطة. 279

الجواب عن الشبهة السابعة: 280

سبب جحود التوسّل القصور في معرفة كنه ذوات المسبّبات والأسباب ..281

خاتمة في: 295

أ - الروايات الواردة في مشروعيَّة التوسُّل والتشفُّع والتبرُّك .295

ب - آراء أعلام السُّنَّة في التوسّل .300

خلاصة البحث ..303

ثبت المصادر 305

المحتويات ..315