كَلِمَةُ الزَّهراء (ع)
خُطْبة الزَّهراء في أحدث قصيدة شِعْريّة
السيّد عبّاس المدرسّي
كَلِمَةُ الزَّهراء (ع)
خُطْبة الزَّهراء في أحدث قصيدة شِعْريّة
السيّد عبّاس المدرسّي
مؤسّسة عاشوراء
Ashura Foundation
بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء
أنا للزّهراء أُهدي قلمي |
هي وحي وشعوري ودمي |
|
أنا لا أعرف إلاّ حبّها |
وإلى دِفءِ ولاَهَا أَحتَمِي |
|
هي من روح النبيّ المصطفى |
وإليها أنا روحي تنتمي |
|
وهي الجوهرةُ الفردُ التي |
خصّها الله بكلِّ القِيَمِ |
|
إن تسدْ مريمُ في أُمّتها |
فلقد سادت جميعَ الأُممِ |
|
نسبي منها ومنها حَسَبي |
وكفاني العِزّ أنّي فاطمي |
الفصل الأوّل
بين يَدَي الخطاب العظيم
بقدّها النحيل، وصوتها المضمّخ بالألم، وبعقلها النيِّر الكبير، وقلبها الشجاع البصير.. وقفت فاطمة الزهراء تلقي خطابها العظيم في مسجد أبيها رسول الله (ص) بالمدينة؛ لتجلو درب الرسول الذي رشّ النور على درب الإنسان، وضوّى برسالته أبعاد الزمان والمكان، ولكي ترفع عن كاهل الإسلام ظلم الظالمين وعدوان المغتصبين، ولتهزّ الأرض من تحت أقدام المستبدّين الحاكمين وحتى قيام الساعة.
إنّ خطاب الزهراء فاطمة (ع) في مسجد أبيها محمد (ص) احتجاجاً على غصب ( فدك ) لم يكن مجرّد صرخة في وجه الظلم، بل كان بالدرجة الأُولى (تعرية) لمنهج خاطئ، و (إنذاراً) لمستقبل خطير
تترقّبة الجزيرة العربية، جزاء زحزحة الوصي عن زعامة الأُمّة بعد الرسول الأعظم.
لقد جاء الخطاب في المسجد النبوي، وبجوار قبر المصطفى محمد (ص) ليسجل اعتراض المسجد النبوي، الذي كان دائماً محور الهدى الديني - على ( سقيفة بني ساعدة ) الذي جرى تحت سقفه أوّل مؤامرة على خط المسجد، وخط باني المساجد رسول الله محمد (ص).
لم تكن فاطمة من النوع الذي يقيم لحطام الدنيا وزناً - وهي التي أهدت حتّى ثياب عرسها لسائلة مسكينة ليلة الزفاف - وهي التي شهد القرآن لها ولآلها في سورة ( هل أتى ) بالإيثار في سبيل الله ولو كان بهم خصاصة، وهي التي شهدت لها آية التطهير: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) بالصدق والعفّة، ولكنّ اغتصاب ( فدك ) كان حجّة على الذين غصبوا الخلافة، وسنداً واضحاً يدين فعل (المغتصِبين).
لقد أثبتت الزهراء (ع) للتاريخ كلّه: أنّ خلافةً تقوم في أوّل خطوة لها بالاعتداء على (أملاك رسول الله) ليست امتداداً للنبي، بقدر ما هي انقلاب عليه، كما هو شأن كلّ (الانقلابات) الّتي تتمّ في الدنيا، حيث يصادر الرئيس الجديد ممتلكات الرئيس السابق الذي انقلب عليه، بحجةٍ أو بأُخرى، حتّى لا يستطيع أعوانه وأقربائه من الدفاع عن أنفسهم، والعودة إلى مراكز الحكم والسلطة.
إنّ أيّ شخص يتجرّد من العصبيّة المذهبيّة ويفهم أوّليّات السياسة؛ يدرك مغزى مصادرة ( فدك )
وإخراج عمّال فاطمة منها وبالقوّة، أو كما يعبّر صاحب الصواعق المحرقة: (انتزاع فدك من فاطمة). كما يدرك مغزى إصرار فاطمة الزهراء (ع) على المطالبة بحقّها حتّى الموت... فلم تكن فدك هي المطلوبة بل ( الخلافة الإسلامية ) - ولم يكن إصرار الخليفة على موقفه، إلاّ لكي يقطع المدد عن المطالبين بالخلافة.
من هنا قامت فاطمة (ع) تطالب حقّها المغتصب باعتباره (نِحْلة) من رسول الله إليها، فطالبها الخليفة بالشهود.. وشهد على ذلك ( عليّ ) و ( أُمّ أيمن ) و ( الحسنان ) فُردّت شهادة أُم أيمن بحجّة أنّها امرأة - علماً بأنّ الرسول قد شهد لها بأنّها من أهل الجنّة، - ورُدّت شهادة عليّ - بحجّة أنّه يجر النار إلى قرصه!! ورُدّت شهادة سيّدا شباب أهل الجنّة: الحسن والحسين بحجّة أنّهما صغيران!! علماً - بأنّ صاحب اليد على الملك، لا يُطالب بالشهود في أيّ مذهب من مذاهب الإسلام، ولا في أيّ قانون من قوانين الأرض أو السماء، فلا يحقّ لأيٍّ كان أن ينتزع يد أحدٍ على ملك، ثمّ يطالبه بإثبات ملكيّته له.
ولمّا رفضت شهود فاطمة بالنِّحْله.. قالت إذن: فهي (ملكي) بالإرث، فرتَّبوا على الفور حديثاً على لسان النبي الأكرم يقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث ذهباً ولا ديناراً..) ناسين أنّه مخالف لصريح القرآن الكريم في آيات كثيرة ومتفرّقة (مذكورة في خطاب الزهراء).
ولم يكن أمام فاطمة الزهراء (ع) إلاّ لتلقي حجّتها في المسجد وعلى رؤوس الأشهاد.. فجاء خطابها قاصفاً قامعاً دامغاً لا يدع مجالاً للريب عند أحد..
ولم يجد (الخصم) المهزوم بمنطق الزهراء المؤزّر بآيات الذكر الحكيم، إلاّ أن يناور باسم الجماهير، ويعتذر عمّا فعل بأنّه استجابةً لطلب الناس! ولا أدري متى كان طلب (الاغتصاب) مبرّراً (للاغتصاب) أيّاً كان الطالب، وأيّاً كان المغتصِب، فكيف والغصب لأملاك النبي الأعظم التي انتقلت إلى فاطمة نِحْلةً أو إرثاً.. (وذلك بنصّ الكتاب العزيز الذي يعطي الأنفال - وهي كلّ أرض لم يحرّرها الجيش الإسلامي للنبي الأكرم (ص)، وفدك أرض صالح عليها أهلها رسول الله، وسُلّمت صلحاً لا حرباً -).
وفي الأخير.. وبعد أخذ ورد صرّح الخليفة أمام الجماهير بعدم شرعيّة انتزاع فدك من الزهراء.. ولم يجد بدّاً من الاعتراف، ولكنّه حاول الالتفاف على حجّتها برمي الكرة في مرمى الجماهير الحاضرة في المسجد.. فصار حقّ الزهراء المسلّم رهناً برضى قوم يعرفون تماماً وجه الحقّ، ومقصد الخليفة من هذه المناورة، ولكنّ سيف الإرهاب الذي شُهر في السقيفة ما كان يدع لأحد مجالاً للاعتراض..
ولم يكن يخفى على أحد حقّ فاطمة في فدك.. وما بعد ( فدك) غير أنّ البطش كان أقوى.. وما فعل بالصحابي الجليل (مالك بن
نويرة) أخمد أصوات الجميع!
غير أنّ ( فدك ) لم تذهب إلى (خزينة الدولة) إلاّ لفترة قصيرة.. ثمّ سلّمها عمر لأبناء فاطمة، ثمّ انتزعها عثمان ليعطيها لصهره مروان بن الحكم، ثمّ عادت لعليّ في خلافته - وكانت له معها موقف حكيم! وجاء معاوية فانتزعها من أصحابها، ولم يردّها إلى خزينة الدولة، بل قسّمها بين أقرباءه ثلاثة أقسام: فثلث لمروان، وثلث لعمر بن عثمان، وثلث لولده يزيد (قاتل الحسين بن علي (ع)) وهكذا بقيت في كفّ الأمويين حتّى خلقت لمروان وحده.. ثمّ ورثها عمر بن عبد العزيز فردّها على أولاد فاطمة، ثمّ اضطرّ تحت ضغط أعوانه إلى توزيع غلّتها عليهم فقط، واستبقاء الأصل في يده، ثمّ انتزعها يزيد بن عيد الملك لنفسه، وبقيت في يد المروانيّين حتى زالت دولتهم، وعلى زمن العباسيين.. ردّها أبو العبّاس السفّاح إلى أبناء فاطمة (عبد الله بن الحسن بن الحسن) ثمّ انتزعها أبو جعفر المنصور، ثمّ ردّها ولده المهدي بن المنصور إلى أبناء فاطمة، ثمّ انتزعها ولده موسى بن المهدي..
وبقيت في يد العبّاسيين حتّى عام 210 فردّها المأمون على أبناء فاطمة، وكتب بذلك كتاباً ضمنّه أدلّة امتلاك فاطمة لفدك (1) .. ثمّ انتزعها
____________________
1 - كتب المأمون العبّاسي الرسالة التالية إلى واليه على المدينة قثم بن جعفر: (أمّا بعد، فإنّ =
المتوكّل ووهبها لابن عمر البازيار، وكان فيها إحدى عشرة نخلة غرسها النبي (ص) بيده الكريمة، فوجّه البازيار رجلاً يقال له (بشران) فصرّم تلك النخيل، ثمّ عاد ففلج!! ولا يذكر التاريخ شيئاً عن فدك بعدما صارت في يد البازيار المعادي للنبي وآله (عليهم السلام).
وهكذا كلّما كان الحكم يميل (للإنصاف) لأهل البيت كان يعيد فدكاً إلى أبناء فاطمة، وكلّما جنح للظلم اغتصبها من جديد، ولكّن حقّ
____________________
=
أمير المؤمنين بمكانه من دين الله وخلافة رسوله (صلّى الله عليه وسلّم) والقرابة به أولى مَن استنّ سنّته، وسلّم لمَن منحه منحة، وتصدّق عليه بصدقة منحته وصدقته، وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته، وإليه في العمل بما يقرّه إليه رغبته، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) أعطى فاطمة بنت رسول الله وتصدّق بها عليها، وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً لا اختلاف فيه بين آل رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، ولم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدق عليه، فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها، ويسلّمها إليهم تقرّباً إلى الله تعالى، بإقامة حقّه وعدله، والى رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بتنفيذ أمره وصدقته فأمر بإثبات ذلك في دواوينه والكتّاب إلى عمّاله، فلئن كان ينادي في كلّ موسم بعد أن قبض نبيّه (صلّى الله عليه وسلم) أن يذكر كلّ من كانت له صدقة أو هبة أو عدّة ذلك، فيقبل قوله وتنفّذ عدّته، إنّ فاطمة (رضي الله عنها) لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لها، وقد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين بأمره، بردّ فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها، وما فيها من الرقيق والغلاّت وغير ذلك، وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن على بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لتولية أمير المؤمنين إيّاها القيام بها لأهلها. فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين، وما ألهمه الله من طاعته، ووفّقه له من التقرّب إليه، وإلى رسوله (صلّى الله عليه وسلّم)، وأعلمه من قبلك وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها، ووفور غلاّتها إن شاء الله، والسلام. (راجع ص 28 كتاب فدك).
فاطمة في فدك صار أظهر من الشمس في رابعة النهار، وأصبح حديث (نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث) مثل (قميص عثمان) في التاريخ، يستمرّ من وراءه طلاّب الحكم ليُقصوا عن الخلافة أهلها الحقيقيين، وكفى بـ ( فدك ) شهادة على صدق وطهارة وحقّ منهج، وقف على رأسه أهل البيت: عليّ وفاطمة والحسن والحسين.. الحماة الحقيقيّون للرسالة.
ومن المفارقات الطريفة: أنّ الذين استلبوا الخلافة في سقيفة بني ساعدة من (أهل البيت) كانوا يشعرون بالضعف؛ لأنّه كان ينقصهم قوّة الحقّ في خلافتهم، فراحوا يرمّمون ذلك النقص بقوّة المال المغتصب، والسيف المشتهر.. أمّا عليّ أمير المؤمنين (ع) والذي كان أزهد النّاس في الدنيا، وأحرصهم على الرسالة فما كان ليشعر بشيء من الضعف في خلافته، حتّى يغطّيه بالمال، فلا نقص (الإجماع الجماهيري) وقد تدافعت نحوه كالسيل وكأنّها تعتذر عن تقصيرها القديم.. ولا نقص (النصّ الجلي).
وقد صرّح الرسول الأكرم في غدير خمّ، وغير غدير خمّ، بخلافته له من بعده، ولا نقص ( القرابة ) إلى الرسول وهو بن عمّه وزوج سيّدة نساء أهل الجنّة ( فاطمة) ، ولا (الجهاد) والأسبقيّة إلى الإسلام، وقد كان الأوّل في كلّ تلك المناقب؛ لذلك فإنّه ما أن امتلك السلطة حتّى رفض أن يستفيد من ( فدك ) شخصيّاً، وكان ينفق جميع عائداتها على الفقراء؛ ليدلّل على أنّ مطالبة أهل البيت (بفدك) لم يكن لأجل الدنيا، وأنّ الذين اغتصبوها منهم ما فعلو ذلك.. للآخرة!
وممّا يكشف عن (مرمى) خطاب الزهراء في مسجد الرسول خطابها الآخر في فراش الموت، عندما جاء لزيارتها نساء المهاجرين والأنصار حيث لم تتطرّق إلى ( فدك ) من قريب أو بعيد، بل كانت ( الخلافة ) هي المحور.. أوّلاً وأخيراً..
(ويلهم أنّى زحزحوها عن مراسي الرسالة، ومهبط الوحي الأمين، والطبين بأمر الدنيا والدّين، وما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا منه - والله - نكير سيفه، وشدّة وقعته، وتنمّره في ذات الله).
ولقد أشار الإمام الكاظم موسى بن جعفر (ع) (حفيد فاطمة) إلى (قضيّة فدك) إذ حدّد تلك الجنينة المغروسة في خصر الصحراء، عندما طلب منه الخليفة هارون العبّاسي تحديد فدك ليردّها عليه فقال:
(الحدّ الأوّل: عدن، والحدّ الثاني: سمرقند، والحدّ الثالث: إفريقية، والرابع: سيف البحر ممّا يلي الجزر وأرمينية).
والسؤال: هل استطاعت الزهراء بخطابها أن تسترجع فدك؟
الجواب: لم تسترجع الزهراء فدكاً، ولكنّها استرجعت صوت الحقّ الذي كاد يضيع في تهريج السقيفة.
لقد سجّلت الزهراء على خصومها ( غصب الأرض ) ولم يستطع الحديث المكذوب على النبي أن يثبت الشرعيّة لاغتصاب ( فدك )، ورواية (نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث..) فِرية مفضوحة بلا ريب - فهي أوّلاً مخالفة لنصوص القرآن الكريم - في الآيات العامّة للإرث، وفي الآيات الخاصّة بخصوص إرث الأنبياء - كما تشير إليه الزهراء في خطابها.
وثانياً: لأنّ الخصم تراجع في نهاية المطاف عن التمسّك بهذا الحديث ليتشبّث بموقف (الحاضرين في المسجد)، والذين كان أغلبهم من حزبه، أو ممّن جرى تسليمهم بالقوّة أو بالتطميع.
وثالثاً: إنّ الخليفة قد ناقض نفسه. هذا الحديث عندما استأذن عائشة حصّتها من الإرث في بيت النبي، وأوصى بأن يُدفن عند رسول الله (ص) (علماً بأنّ الزوجة لا ترث من الأرض بل من البناء فقط).
كيف ترث عائشة زوجة الرسول، ولا ترث فاطمة بنت الرسول؟
وأيضاً إذا صحّ هذا الحديث، فلماذا لم يصادر الخليفة بيوت النبي من أزواجه؟ ولكنّ المشكلة أنّ الدلائل على صدق الزهراء لم تكن
تعوز الخليفة الجديد.. بل الدوافع والغايات، وإلاّ كانت تكفي شهادة النّبي (ص) عندما قال لعلي: (عليٌّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ، يدور معه حيثما دار).
وقول الله تعالى عن أهل البيت: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) .
كل ذلك كان كافياً للرضوخ للحقّ، والحكم لصالح فاطمة الزهراء، ولكن كلّ تلك الشهادات قد رُدّت، ومعها آيات الذكر الحكيم في الميراث.. وبقي الحديث - الفِرية صامداً بوجه كلّ الشهود والآيات... لماذا؟ لأنّ الخليفة لم يكن حكماً، بل كان طرفاً.
ولذلك فإنّ الزهراء - وبعد اليأس من الخليفة وحاشيته - نادت: (فنعم الحكم الله، والزعيم محمّد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون).
إنّ التناقض في مواقف الخليفة من إرث الرسول ربّما كان هو سبب شعوره بالنّدم العميق، ممّا صنعه تجاه ( فدك فاطمة ) خصوصاً في اللحظات الأخيرة من حياته، ولكن بعد أن كان كلّ شيءٍ قد انتهى..
لقد ماتت فاطمة في ريعانة العمر مقهورة متألِّمة، وهي ساخطة على الخليفة أشدّ السخط.. وعلى صاحبه أيضاً.. حتّى أنّها رفضت أن تتكلّم معهما بعد خطاب المسجد! وكانت تدعو عليهما في كلّ صلاة، وأوصت بأن لا يشهد أحدٌ منهما جنازتها.. وشدّدت في الوصيّة، حتّى أنّها أوصت أن تُدفن في مكان مجهول.. حتّى لا تتيح لأحد منهما الصلاة على قبرها.. ولكي تسجّل اعتراضها على ( سقيفة بني ساعدة ) وجميع إفرازتها والى الأبد..
إنّ تحليل خطبة الزهراء بحاجة إلى كتاب ضخم؛ لأنّه ليس مجرّد خطاب سياسي محض.. بل هو خطاب ديني، تاريخي، قانوني، سياسي، اجتماعي، ثوري.. ذات أبعاد متعدّدة..
ولكنّ ذلك لا يمنع من أن نتقرّب إلى الخطّ العام للخطبة، ونتعرّف على غايتها الكبرى..
تبدأ الخطبة بحمد الله والثناء عليه.. وتعرّج على التذكير بنعمه، ثمّ عن توحيد الله وعظمته، وفلسفة الخِلْقة، وبعث الرُّسُل، وعلّة الثواب والعقاب، ثمّ تنتقل إلى أبيها العظيم محمّد (ص)؛ ذلك الرسول الذي شرّفه الله وفضّله على جميع المخلوقات قبل ان يخلق الخلق أجمعين، ثمّ تعطي صورة سريعة عن الوضع الجاهلي، والظروف التي بُعث فيها رسول الله، ثمّ عن مقامه العظيم عند الله.. مع إشارة ذات معنى إلى خلاصة من أتعاب الدنيا ومشاكلها وأوضارها.. ثمّ تتحدّث عن ( القرآن العظيم) ودور المسلمين (الحاضرين في المسجد) في المحافظة على دساتيره وقوانينه وأحكامه.
وفي نكتةٍ جميلة تنتقل إلى أهم ما جاء في القرآن الكريم من أحكام
وشرائع.. مع بيان مقتضب وعميق لفلسفة الأحكام.. كالصلاة والصيام، والحج والجهاد والقصاص.... الخ، مع توصية الحاضرين بالالتزام بالتقوى، وخشية الله، والخضوع لأحكامه.
بعد ذلك تنتقل إلى صلب الموضوع - مع تذكير ذات معنى بشخصيّتها، وتأكيد على وعيها لما تقول، وفهمها العميق لدورها، وخطابها، وكلامها، وتأثير هذا الخطاب على مرّ التأريخ - مناديةً:
(اعلموا أنّي فاطمة.. وأبي محمّد، أقول عوداً وبدءاً، لا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً..).
وتنحدر في التعريف بدور أبيها الرسول الأعظم في إنقاذهم من الضلالة والعمى، والجهود الجبّارة التي بذلها في هذا السبيل.. حتّى خضع الجميع للسلام، بعد ضياع طويل في ظلمات الجاهلية الجهلاء.. مع وصف دقيق لحالهم اقتصاديّاً ومعيشيّاً وأمنيّاً حتّى جاء الرسول.. وأنقذهم من الضلال العريض بعد حروب مدمّرة، ومؤامرات طاحنة.. كان البطل الأوّل في إخمادها، وإبطال فتيلها، والسيطرة عليها هو الإمام الهمام ( علي بن أبي طالب (ع)) مع وصف دقيق لشخصيّة زوجها العظيم:
(مكدود في ذات الله، مجتهد في أمر الله، قريب من رسول الله، سيّد في أولياء الله).
وبعد التذكير بدور عليّ وأهل البيت في إقامة الإسلام.. تبيّن دور (الحزب المعارض) حزب السقيفة مراقبة الأحداث، وضع المؤامرات، والفرار حين القتال مع التربّص بأهل البيت لإقصاهم عن السلطة.
لقد فضحت الزهراء (حزب السقيفة) بصراحة مع تحيّل مسؤوليّة الانحراف عن خطّ النبّي على عاتق المسلمين الساكتين، وتحذّرهم من دور (الشيطان) الذي دعم النوازع الشرّيرة، الّتي دبّرت ذلك الانحراف في غفلة من العقل والفكر والضمير..
وتتساءل فاطمة الزهراء متعجّبةً من ما حصل من تغيير سريع بعد وفاة النبّي الأكرم، كيف حصل كلّ ذلك والرسول لا يزال مسجّىً لم يُقبر، والجرح عميق لم يندمل، ثمّ تفنّد (الأعذار) التي تشبّث بها أنصار السقيفة.. خوف الفتنة!
(ابتداراً، زعمتم خوف الفتنة، ( أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) ).
لقد مزّقت الزهراء الأعذار الواهية، والأقنعة الكاذبة، فاضحة كوامن النفوس المريضة، وأنّ (السقيفة) لم تكن مجرّد فكرة طارئة، فرصة غياب
القائد الأعظم، كما استغلّ السامريّ فرصة غياب موسى عن قومه.
وبعد أن أدانت الزهراء انقلاب السقيفة.. انعطفت نحو قضيّة ( فدك )، كمستمسكٍ على خطأ الأسباب التي أدّت إلى خطيئة النتائج:
(أفحكم الجاهليّة يبغون؟ ومَن أحسن من الله حكماً لقوم يؤمنون! أفلا تعلمون؟ بلى تجلّى لكم كالشمس الضاحية!).
فدك.. اغتُصبت من الزهراء عنوةً وجهاراً.. وهي إن لم تكن نِحْلة من النّبيّ لها، فهو إرث لا ريب فيه! فإذا كان في وسع الخليفة أن يرفض شهود النِّحْلة، فهل بوسعه أن يرفض آيات الإرث؟!
(أيّها المسلمون أأُغلب على إرثيه؟).
ثمّ تخاطب الخليفة: (يا بن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟)، ثمّ تذكّرهم بآيات الذكر الحكيم الصريحة في إرث الآباء للأبناء بشكلٍ عام، وإرث الأنبياء أولادهم بشكل خاص.. وعندما لا تجد من الخليفة استجابةً لكلامها؛ تهدّده بعذاب الله ومحكمة القيامة (فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزّعيم محمّد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون).
ولكن الخطبة لا تنتهي عند هذا الحد، إنّ للزّهراء رسالة الثورة على خطّ الانحراف، رسالة تحميل المسؤوليّة، للخاصرين والتذكير بدورهم
في تصحيح المسيرة: (ليحي من حيّ عن بيّنة، ويهلك مَن هلك عن بيّنة).
(يا معشر السقيفة، وأعضاد الملّة، وحضنة الإسلام، ما هذه الغَميزة في حقّي والسِّنَة عن ظُلامتي، أما كان رسول الله أبي يقول: المرء يُحفظ في ولْده؟ سرعان ما أخلفتم وعجلان ذا إهالة (مثل على سرعة التحوّل) ولكم طاقة بما أُحاول، وقوّة على ما أطلب...).
وتزداد وتيرة الكلمات حدّةً في التصريح بضرورة النّهضة، والوقوف إلى جانب الحقّ.. تثير الضمائر وتتنهّض الهمم، وتذكّرهم بالقرآن مرّةً، وبالنّبيّ وتراثه العظيم، وما يهدّد خطّه من انحراف نحو الجاهليّة مرّةً أُخرى:
(إيهاً بني قيلة أأُهضم تراث أبي؟ وأنتم بمرأى منّي ومسمع، ومنتدى ومجمع، تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعدّة، والإدارة والقوّة، وعندكم السلاح، والجنّة توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تعينون؟ وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح..).
وتستمرّ الزهراء في خطبتها القاصعة مندّدةً ومحذِّرة، متحدّيةً جبروت الحكم الذي تحميه سيوف أبناء السقيفة.. إلى أن تبلغ ذروة التحريض حيث تكشف عن أنّ وراء (الانقلاب في السقيفة) حزب المنافقين، الذين همّوا بإخراج الرسول وأنّ الهدف ليس شخص عليّ، بل هو خطّ الرسول الذي يمثّله علي بن أبي طالب؛ فتقول:
( أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) .
وعندما وجدت الزهراء أن لا أمل في النهضة من نفوسٍ طوّعتها الأطماع، واستراحت إلى دِعَة العيش، والوعود الخلاّبة بالغنائم القادمة؛ راحت تكشف ذلك لهم بصراحة:
(ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم مَن هو أحقّ بالبسط والقبض، وخلدتم إلى الدّعة، ونجوتم من الضيق بالسّعة، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم ما تسوّغتم).
لقد ألان النفوسَ المتحمّسة بريقُ المال، وخفض العيش، وحبّ الراحة.. وفاطمة الزهراء تعلم ذلك كلّه، ولكنّها (بثّة الصدر وتقدّمة الحجّة) فهل ستنتهي الأُمور بمثل هذه السهولة، أينعم الأنصار بالدّعة والراحة إذا أغلقوا عيونهم، وأصمّوا آذانهم عن ظلامة الزهراء ودعوتها الحقّة؟ أم إنّ الفتن من ورائهم ستأتي سوداء مظلمة تدع فيئهم زهيداً، وجمعهم حصيداً:
(فدونكموها، فاحتقبوها (احلبوا ناقة الخلافة) دبرة الظهر، نقبة الخفّ، باقية العار، موسومة بغصب الله، وشنار الأبد، موصولة بنار الله الموقدة التي تطّلع على الأفئدة، فبعين الله ما تفعلون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون، وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد! فاعملوا إنّا عاملون، وانتظروا إنّا منتظرون).
وفي جلسة أُخرى لنساء المهاجرين والأنصار، كانت أكثر توضيحاً لما ينتظر أبناء الصمت والسكون من ويلات.. على مرمى أبصارهم تقف الفتنة العمياء الطاحنة.. حين قالت لهم: (أما لعمري لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتج، ثمّ احتلبوا ملأ القعب دماً عبيطاً، وذعافاً مبيداً، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غبّ ما أسّسه الأوّلون، ثمّ طيّبوا عن دنياكم أنفساً، واطمأنّوا للفتنة جأشاً، وأبشروا بسيف صارم وسطوة معتدٍ غاشم، وهرج شامل، واستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيداً، وجمعكم حصيداً، فيا حسرة لكم، وأنّى بكم؟ وقد عميت عليكم، انلزمكموها وأنتم لها كارهون؟!).
وصدّق التاريخ مقالة الزهراء: فكم من دمٍ ساخنٍ جرى على أرض المدينة، وعلى طول تاريخ الإسلام، وأمّا الأنصار فلم يروا العِزّ إلاّ على عهد الرسول.. ثمّ نام حظّهم، وأُبعدوا عن جميع مراكز الحكم والى الأبد.. وذلك جزاء الخانعين.
جواب الخليفة لخطاب الزهراء جاء باهتاً وضعيفاً.. ومتهاوياً و... فبعد أن حاول التخفيف من حدّتها وصرامتها، وقوّة الحجّة لديها عبر الإشارة بمقام الزهراء، ومقام أبيها العظيم محمّد (ص)، وزوجها الكبير عليّ (ع) حاول أن يفلسف (عدوان الحكم) على ( فدك ) بأنّ (الشرع) الذي جاء به الرسول هو الذي دعا إلى ذلك؛ وذلك أنّه سمع من
النبيّ (ص) حديثاً يقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا ديناراً ولا أرضا ولا عقاراً...).
عجباً.. كيف يمكن أن يخالف الرسول نصّ القرآن؟
وما هي الحكمة في أن يكون أبناء المهاجرين والأنصار في غنىً وعِزّ، وأبناء الرسول الأعظم وحدهم يعيشون في الفقر والذلّ؟ لماذا لا يصادر أموال الأغنياء من المسلمين، ويصادر فقط أموال النبيّ (ص)؟
ثمّ كيف سمع الخليفة هذا الحديث الخطير من الرسول، ولكنّ الزهراء فاطمة بنته لم تعلم بذلك، وعليّ بن أبي طالب - أعلم الصحابة جميعاً - لم يسمع بهذا الحديث؟!
ولكنّ الزهراء فاطمة انبرت بسرعة لتكذّب الحديث بقوّة: (سبحان الله! ما كان رسول الله عن كتاب الله صادفاً (معرضاً) ولا لأحكامه مخالفاً، بل كان يتبع أثره، ويقفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر، اعتلالاً عليه بالزور، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته! هذا كتاب الله حكماً عدلاً، وناطقاً فصلاً يقول: ( يرثني ويرث من آل يعقوب ) ، ( وورث سليمان داود ) فبيّن (عزّ وجلّ) فيما وزّع عليه من الأقساط، وشرّع من الفرائض والميراث، وأباح من حظّ الذكران والإناث، ما أزاح علّة المبطلين، وأزال التظنّي والشبهات في الغابرين، كلاّ: ( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) ).
وأخيراً اضطرّ الخليفة أن يعترف بصدق فاطمة قائلاً: (صدق الله، وصدق رسوله، وصدقت ابنته).
ولكنّه حاول الالتفاف على اعترافه
بقوله: (هؤلاء المسلمون بيني وبينك قلّدوني ما تقلّدت، وباتّفاقٍ منهم أخذت ما أخذت).
وبهذه المناورة حاول الخليفة - أن يجعل الزهراء في مواجهة الجماهير الموعودة بخيرات فدك، أو على الأصح في مواجهة الحزب الذي كان يمنّي نفسه بخيرات النظام الجديد.. ولكنّ الزهراء كانت قد ألقت تحت كرسي الخليفة قنبلةً شديدة الانفجار، قنبلة الحقّ الذي لا يزيده مرور الأيام الاّ قوّةً وهديراً.
فإذا كانت السقيفة قد غيّرت مجرى سفينة الإسلام، فإنّ خطبة الزهراء قد بعثت بوجهها عاصفة قويّة، ستمنعها من الوصول إلى غايتها البعيدة.
إذا كانت السقيفة ستلد يزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، فإنّ خطبة الزهراء ولدت ثورات لا تنتهي بوجه الانحراف، ولِصرخة الحق دويّ أقوى من صوت الرعد القاصف، وإن انطلق من حنجرة مظلوم ضعيف، فكيف إذا كان ينطلق من فم سيّدة نساء العالمين، وبنت أعظم نبيّ وأكرم مخلوق على وجه الأرض؟
ليس قليلاً أن يُهضم ( أهل البيت) بهذه الصورة.. فمع امتداد الزمن سينكشف للناس مدى طهرهم ونزاهتهم، وحرصهم على الإسلام.. ومقامهم العلمي والديني من مركز الرسالة محمّد (ص).
ومع بروز دورهم، وانبلاج عظمتهم، ينكشف الستر عن حرص أعدائهم على الدنيا وحطامها وصغر نفوسهم، وقلّة مداركهم، وضحالة مفاهيمهم ووعيهم بحركة التاريخ وسنن الله في الأرض..!
وكلّما انفرج الزمان.. انفرج الخطّان أحدهما باتجاه الصدق والصراحة وتمثيل الرسالة والمبادئ والمُثُل، والآخر باتجاه الحكم والسلطة والدسائس والمؤامرات، والغرق في الملذّات والشهوات الدنيويّة!
إنّ الزهراء فاطمة كانت تعرف منذ البدء أنّها لن تسترجع ( فدك) ؛ لأنّ الذي يغتصب الخلافة ليس كثيراً عليه أن يختلس قطعة أرض، وأنّ الذين خُلقوا من أجل الرسالة، وضحّوا بكلّ ما لديهم في سبيلها، ليس كثيراً عليهم أن يصبروا على حرمانهم من قطعة أرض.
ولكنّ فدك.. كانت الخلافة، والخلافة كانت الرسالة، والرسالة كانت هاجس عليّ وفاطمة.. عاشوا من أجلها، واستشهدوا من أجل بقاءها.
وكانت المطالبة بفدك - مطالبة بالخلافة، والمطالبة بالخلافة مطالبة بالالتزام بالحقّ والعدل، ونهج الرسول وسنّته الطاهرة.
أيّها القارئ العزيز بين يديك مقطوعة تصوغ خطبة الفخر والصدق والعدالة، في كلمات شِعْريّة؛ ليكون للشعر شرف الخلود بخلود الخطبة العظيمة لبنت الرسول، وقد قصدت بنظمها وجه الله ورضا أُمّي فاطمة.
نظمت أبيات الشعر هذه وأنا في ديار الغربة، أعيش آلاماً أمضّت قلبي وقلب شعبي الذي ابتلى بالطواغيت الفجرة، والدجّالين المهرة، وأبناء الدنيا المغرّرين؛ فلم أجد لي سلوة إلاّ أن أغسل قلبي بطهور الحزن المقدّس، وأن ألجأ إلى ( بيت الأحزان ) بيت ( فاطمة الزهراء بنت محمد ) لقد ذرفت الدموع فيها سخيّة ساخنة.. وغسلت قلبي بأحزان فاطمة ودموعها.. لأنّ دموع المظلومين متّصلة بدموعها، وأحزانهم موصولة بأحزانها.. الّتي لا تنتهي إلاّ مع ظهور ولدها المنتظر الحجّة بن الحسن المهدي (عج) الذي يضع حدّاً لآلام المظلومين والمستضعفين، آنذاك لم يكن عندي إلاّ كتاب: ( فاطمة الزهراء من المهد إلى اللّحد ) فالتهمته كلّه، ثمّ توقّفت عند الخطبة المعجزة.
وهنا لابدّ أن أُسجّل أنّ شرف السبق إلى نظم ( خُطْبة فاطمة ) ليس لي.. فلقد تقدّمني شعراء كبار، وآخرهم شاعرنا المرحوم الشيخ الفرطوسي، وغيرهم من العرب والعجم.. ولكن أحببت أن أشاركهم الأجر والثواب، لعلّ الزهراء تشفع لي عند الله بالجنّة.
وقبل أن أختم المقدّمة، أودّ أن أُسجّل بعضاً من أبيات شريف مكّة، التي أيقضت ضميري على ألم الزهراء وأنا طفل صغير.. ثمّ أوحت إليّ بوزن القصيدة، وكذلك قصيدة الأزري التي كان لها نفس الأثر في قلبي.
ما لعيني قد غابَ عنها كراها |
وعراها من عبرةٍ ما عراها |
|
الدار نعمت فيها زماناً |
ثمّ فارقتها فلا أغشاها |
|
أمْ لحيٍّ بانوا بأقمار تمٍّ |
يتجلّى الدجى بضوء سناها |
|
أمْ لخوْدٍ غريرة الطرف تهواه |
بصدقِ الودادِ أو أهواها |
أم لصافي المُدام من مزّة الطعمِ |
عقار مشمولة أُسقاها |
|
حاش لله لستُ أُطمع نفسي |
آخرَ العمرِ في اتّباع هواها |
|
بل بُكائي لذكر مَن خصّها اللّه |
تعالى بلُطفِه واجتباها |
|
ختمَ اللهُ رسْلَه بأبيها |
واصطفاه لوحيه واصطفاها |
|
وحباها بالسيّدين الزكيّين |
الإمامين منه حين حباها |
|
ولفكري في الصاحبين اللّذَين استحسنا |
ظلمَها وما راعياها |
|
منعا بعلها من العهد والعقد |
وكان المنيب والأوّاها |
واستبدّا بإمْرةٍ دبّراها |
قبل دفنِ النبيِّ وانتهزاها |
|
وأتت فاطمٌ تطالب بالإرث |
من المصطفى فما ورّثاها |
|
ليت شعري لِم خولفت سُننُ القرآنِ |
فيها واللهُ قد أبداها |
|
رضي الناس إذ تلوها بما لم |
يرضَ فيها النبيُّ حين تلاها |
|
نُسخت آيةُ المواريثِ منه |
أمْ هما بعد فرضها بدّلاها |
|
أمْ ترى آيةُ المودّةِ لم تأتِ |
بودّ الزهراء في قُرباها |
|
ثمّ قالا أبوكِ جاء بهذا |
حجّة من عنادهم نصباها |
|
قال للأنبياء حكم بأن لا |
يورِّثوا في القديم وانتهزاها |
|
أفبنت النبي لم تدر إن كان |
نبيُّ الهدى بذلك فاها |
|
بضعة من محمّدٍ خالفت ما |
قال حاشا مولاتنا حاشاها |
سمعته يقول ذاك وجاءت |
تطلب الإرثَ ضلّةً وسفاها |
|
هي كانت لله أتقى وكانت |
أفضل الخَلْقِ عفّةً ونزاها |
|
أو تقول النبيُّ قد خالف القرآن |
ويح الأخبار ممّن رواها |
|
سلْ بإبطال قولهم سورةَ النملِ |
وسلْ مريمَ الّتي قبل طاها |
|
فهما ينبئان عن إرث يحيى |
وسليمان مَن أراد انتباها |
|
فدعت واشتكت إلى اللهِ من ذاك |
وفاضت بدمعها مقلتاها |
|
ثمّ قالت فنِحْلةٌ ليَ من |
والدي المصطفى فلم ينحلاها |
|
فأقامت بها شهوداً فقالوا |
بعلها شاهدٌ لها وابناها |
|
لم يجيزوا شهادة ابنَي رسولِ اللّه |
هادي الأنام إذ ناصباها |
|
لم يكن صادقاً عليٌّ ولا |
فاطمةٌ عندهم ولا ولداها |
كان أتقى لله منهم عتيقٌ |
قبّح القائلُ المحال وشاها |
|
جرّعاها من بعد والدها الغيظَ |
مراراً فبئس ما جرّعاها |
|
أهل بيتٍ لم يعرفوا سنن الجور |
التباساً عليهمُ واشتباها |
|
ليتَ شِعْري ما كان ضرّهما الحفظ |
لعهد النبي لو حفظاها |
|
كان إكرامُ خاتمِ الرُّسلِ الهادي |
البشير النذير لو أكرماها |
|
إنّ فعل الجميل لم يأتياه |
وحسان الأخلاق ما اعتمداها |
|
ولو ابتيع ذاك بالثمن الغالي |
لَمَا ضاع في اتّباع هواها |
|
ولكان الجميل أن يُقْطِعاها |
فدكاً لا الجميل أن يَقْطَعاها |
|
أترى المسلمين كانوا يلومونهما |
في العطاء لو أعطياها |
|
كان تحت الخضراء بنت نبيٍّ |
صادقٍ ناطقٍ أمينٍ سواها؟! |
تاه في رفرف النّدى خضراها |
فتثنّى بخصرها عِطفاها |
|
وترامت غنّاء رائعة الحسنِ |
وطيفٌ من الحيا يغشاها |
|
فكأنّ الحسناء أتعبها المشيُ |
بصحراء تكتوي حصباها |
|
في فلاةٍ طغى بها الشمس حتّى |
لا ترى قطرةً تبلُّ الشِّفاها |
|
تترائى تحت النخيل مروجٌ |
يتبارى مع النّسيم هواها |
|
عينُ ماءٍ مبرّدٍ سقت الأرض |
وصابت بالبرد ريحُ صباها |
|
قد تدلّت ثمارُها وتناجت |
سعفاتُ النّخيلِ في أجواها |
|
فدكٌ فتنةُ الزّمان وسحرُ |
الأرضِ والجنّة الّتي تهواها |
بنت مَن! أُمّ مَن! حليلة مَن! |
ويلٌ لِمَن سنّ ظلمَها وأذاها |
|
ذاك ينبيك عن حقودٍ صدورٍ |
فاعتبرها بالفكر حين تراها |
|
قل لنا أيّها المجادل في القول |
عن الغاصبين إذ غصباها |
|
أهما ما تعمّداها كما قلت |
بظلمٍ كلاّ ولا اهتضماها |
|
فلماذا إذ جُهّزت للقاء الله |
عند الممات لم يحضراها |
|
شيّعت نعشَها ملائكةُ الرحمانِ |
رفقاً بها وما شيّعاها |
|
كان زهداً في أجرها أم عناداً |
لأبيها النبيِّ لم يتبعاها |
|
أمْ لأنّ البتولَ أوصت بأن لا |
يشهدا دفنَها فما شهداها |
|
أمْ أبوها أسرّ ذاك إليها |
فأطاعت بنتُ النبيِّ أباها |
|
كيف ماشئت قلْ كفاكَ فهذي |
فِرْيةٌ قد بلغتَ أقصى مداها |
أغضباها وأغضبا عند ذاك الله |
ربّ السماء إذ أغضباها |
|
وكذا أخبر النبيُّ بأنّ الله |
يرضى سبحانَه لرضاها |
|
لا نبيّ الهدى أُطيع ولا |
فاطمة أُكرمت ولا حسناها |
|
وحقوق الوصي ضُيّع منها |
ما تسامى في فضله وتناها |
|
تلك كانت حزازة ليس تبرا |
حين ردّا عنها وقد خطباها |
|
وغداً يلتقون واللهُ يجزي |
كلَّ نفسٍ بغيِّها وهُداها |
|
فعلى ذلك الأساس بنت صاحبة |
الهودج المشوم بناها |
|
وبذاك اقتدت أميّةُ لمّا |
أظهرت حقدها على مولاها |
|
لَعَنَتْهُ بالشام سبعينَ عاماً |
لَعَنَ اللهُ كهلَها وفتاها |
|
ذكروا مصرع المشايخ في بدرٍ |
وقد ضمّخ الوصيُّ لِحاها |
وبأُحْدٍ من بعد بدرٍ وقد أتعس |
فيها معاطساً وجباها |
|
فاستجادت له السيوف بصفّينَ |
وجرّت يومَ الطفوف قناها |
|
لو تمكّنت بالطفوف مدى الدهر |
لقبّلت تربها وثراها |
|
أدركت ثارها أُميّةُ بالنّار |
غداً في معادها تصلاها |
|
أشكرُ الله أنّني أتولّى |
عترةَ المصطفى وأشنى عداها |
|
ناطقاً بالصواب لا أرهب |
الأعداءَ في حبّهم ولا أخشاها |
|
نحْ بها أيّها الجزوعي واعلم |
أنّ إنشادك الّذي أنشاها |
|
لك معنىً في النّوْحِ ليس يضاهى |
وهي تاجٌ للشِّعْر في معناها |
|
قلتُها للثوابِ واللهُ يعطي |
الأجر فيها مَن قالها ورواها |
|
مظهراً فضلَهم بعزمة نفسٍ |
بلغت في ودادهم منتهاها |
فاستمعها من شاعرٍ علويٍّ |
حسنيٍّ في فضلها لا يُضاهى |
|
سادة الخلْق قومه غير شكّ |
ثمّ بطحاء مكّةٍ مأواها |
الأزري (ره): وشيء من قصيدته الهائيّه:
تركوا عهد أحمدٍ في أخيه |
وأذا قوا البتول ما أشجاها |
|
وهي العروةُ الّتي ليس ينجو |
غير مستعصمٍ بحبل ولاها |
|
لم يرَ الله للرسالة أجراً |
غير حفظ الزهراء في قُرباها |
|
يوم جاءت يا للمصاب إليهم |
ومن الوجد ما أطل بكاها |
|
فدعتْ واشتكتْ إلى الله شكوى |
والرواسي تهتزّ من شكواها |
|
فاطمأنّت لها القلوب وكادت |
أن تزول الأحقاد ممّن حواها |
تَعِظُ القومَ في أتمِّ خطابٍ |
حكت المصطفى به وحكاها |
|
أيّها القوم راقبوا الله فينا |
نحن من روضة الجليل جَناها |
|
نحن مَن بارى السماوات سرّاً |
لو كرهنا وجودها ما براها |
|
بل بآثارنا ولطف رضانا |
سطّح الأرض والسماء بناها |
|
وبأضوائنا الّتي ليس تخبو |
حوت الشهب ما حوت من سناها |
|
واعلموا أنّنا مشاعرُ دين |
الله فيكم فأكرموا مثواها |
|
ولنا من خزائنِ الغيبِ فيضٌ |
ترِد المهتدون منه هُداها |
|
إن تروموا الجنان فهي من |
الله إلينا هديّة أهداها |
|
هي دارٌ لنا ونحن ذووها |
لا يرى غير حزبنا مرآها |
|
وكذاك الجحيم سجن عدانا |
حسبهم يومَ حشرهم سُكناها |
أيّها الناسُ أيُّ بنت نبيٍّ |
عن مواريثها أبوهازواها |
|
كيف يزوي عنّي تراثيَ زاوٍ |
بأحاديث من لدنه ادّعاها |
|
هذه الكُتْبُ فاسألوها تروْها |
بالمواريث ناطقاً فحواها |
|
وبمعنى (يوصيكمُ اللهُ) أمرٌ |
شاملٌ للعباد في قُرباها |
|
كيف لم يوصنا بذلك مولانا |
وتيمٌ من دوننا أوصاها |
|
هل رآنا لا نستحقّ اهتداءً |
واستحقّت هي الهدى فهداها |
|
أمْ تراه أضلّنا في البراي |
بعد علمٍ لكي نصيب خطاها |
|
مالكم قد منعتمونا حقوقاً |
أوجب اللهُ في الكتاب أداها |
|
قد سلبتم من الخلافة خَوْداً |
كان منّا قناعه اورداها |
|
وسبيتم من الهدى ذاتَ خدرٍ |
عزَّ يوماً على النبيِّ سباها |
هذه البُردة الّتي غضبَ اللّه |
على كلّ مَن سوانا ارتداها |
|
فخذوها مقرونةً بشنارٍ |
غير محمودةٍ لكم عُقباها |
|
ولأيِّ الأُمور تُدفنُ سرّاً |
بضعةُ المصطفى ويُعفى ثراها |
|
فمضت وهي أعظم الناسِ وجداً |
في فمِ الدهرِ غصّةٌ من جَواها |
|
وثوت لا يرى لها الناس مثوىً |
أيُّ قدسٍ يضمّه مثواها؟ |
* * *
وفي الأخير.. لا يسعني إلاّ أن أترك القارئ الكريم مع ( القصيدة الشِّعْريّة )، وقد قدّمتُ لها بعض أبيات تعطي صورة عن ( فدك) ، ثمّ نقلت صورة عن (الظروف) التي ألقت فيها الزهراء خطبتها في مسجد الرسول الأعظم (ص)، ثم يأتي نص ( الخُطبة ) مع صياغتها الشِّعْريّة، وفي النهاية قصيدة عن ( ميلاد الزَّهراء (ع))، ثمّ عن ( شهادة الزَّهراء (ع))، وأرجو من الله القبول وهو المستعان.
قم - عبّاس المدرّسي
الفصل الثاني
وجاءت فاطمة..
فدك..
سلمت جنبها من الغزو والزّحف |
فلم توجف الخيولُ ثراها |
|
وكذاك الأنفال ليس لغير |
اللهِ والمصطفّى الأمينِ جناها |
|
وله حكمها فيعطي قليلاً |
أو كثيراً لمَن يشا ما يشاها |
|
ولَكَم أقطع النّبيُّ وأعطى |
النّاسَ من (نفلها) الّتي أعطاها |
|
واصطفى من جميع تلك المغاني |
(فَدَكاً) كان عنده مجناها |
|
(آت حقّ القربي) أتته بآيٍ |
لم تكن غيرُ فاطمٍ مرماها |
|
فحباها لبنته وهو أدرى |
أنّ مرضى الإله في مرضاها |
|
وتوفّى عن فاطمٍ ليس إلاّ |
لم يكن عند أحمدٍ إلاّها |
|
وغدتْ في يد البتولِ تدرُّ |
الخيرَ من كفّها إلى فُقَراها |
|
وتوالت بعد النَّبيِّ قضايا |
فتنٍ عمّت الجميع عماها |
تلك مرويّة عن ابن الزّكيِّ السّبطِ |
صحّ الإسنادُ عمّن رواها |
|
ذاك لمّا استوى الخليفةُ في الحكمِ |
وصدّ الزّهراءَ عن مرعاها |
روى عبد الله بن الحسن (ع) بإسناده عن آبائه: أنّه لمّا أجمع أبو بكر على منع فاطمة فَدَكاً وبلغها ذلك؛ لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيها مشية رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، حتى دخلت على أبي بكر، وهو في حشدٍ من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة فجلست، ثمّ أنّت أنّةً أجهش القوم بالبكاء فارتجّ المجلس، ثمّ إذا أمهلت هنيئة، حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم؛ افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسوله فعاد القوم في بكائهم، فلمّا أمسكوا عادت في كلامها فقالت (عليها السلام):
لَبِسَتْ ثوبَها ولاثت خماراً |
وبجلبابها استوتْ أنحاها |
|
تطأُ الأرضَ في ذيولِ ثيابٍ |
سترتْ جسمها وغطّتْ علاها |
|
فاطمٌ مثل أحمدٍ ممشاها |
أو كأنّ الرّسول يخطو خطاها |
|
خطوات لو أنّه كان حيّاً |
وجرى ما جرى لكانَ خطاها |
|
فتمشّت في لمّةٍ من حفيدٍ |
من بنيها ولمّةٍ من نساها |
|
رحبةُ المسجدِ المقدّس غصّتْ |
بوفودٍ تزاحمتْ بفِناها |
|
وجموع المهاجرين توالتْ |
وأتتها الأنصارُ من أنحاها |
|
وأبو بكر والخلافة والحكم |
وأسياف طوّقت أفناها |
|
فأُنيطت ملاءةٌ وتوارت |
بضعةُ المصطفّى الأمين وراها |
|
سكتت لحظةً وأنّت أنيناً |
أجهشَ القومُ من أليم أساها |
جدّدت في نشيجها ذكرياتٍ |
كان لازال ماثلاً ذكراها |
|
تلكمُ الذّكريات عزّت فهزّت |
من نفوسِ الحضورِ مُرَّ شجاها |
|
ثمّ إذ أمهلتْ قليلاً وقرّتْ |
واستراحَ الأسى بصدرِ عزاها |
|
هدأوا فانبرت لتلقي عليهم |
خُطْبةً ليس غيرها يؤتاها |
|
حمدتْ ربّها وأثنتْ عليهِ |
ثمّ صلّت على المُكَرَّمِ طه |
|
وعلى اسمِ النّبيّ عادت بروقُ |
الوجدِ تستمطرُ العيونَ نداها |
|
ثمّ إذ أمسكوا جرتْ في خطابٍ |
وكأنّ النّبيَّ يملي يداها |
|
طاف في مجمعِ الزّمانِ وردّتْ |
ثائراتُ القرونِ رجعَ صداها |
|
وعلى ذلكَ الهديرِ استقامت |
خطّةُ الدّين باتّجاه هُداها |
|
وستبقى الزّهراءُ في كلِّ عصرٍ |
يقتفي الثّائرونَ نهجَ رؤاها |
الفصل الثالث
الخُطْبة - المعجزة
الحمدُ لله على ما أنعم، وله الشّكر على ما ألهم، والثناء بما قدّم: من عموم نعمٍ ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام مننٍ والاها، جمّ عن الإحصاء عددها.
____________________
للإله العظيم حمدي تناهى |
وله الشّكرُ دونَ أن يتناهى |
|
فلنعمائه التي لا تُجازى |
ولإلهامه النفوس هداها |
|
وثنائي بطيّباتِ نعيمٍ |
لم نطالبْهُ بذلَها فابتداها |
|
وبآلاء جوده سابغاتٍ |
سائغاتٍ إلى الورى أسداها |
|
وبما جاد من تمام عطايا |
جمّ أعدادهنّ عن إحصاها |
|
طال في مرقد الزّمان نواها |
وتناءى عن الجزاء مداها |
ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتّصالها، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها، وثنى بالندب إلى أشباهها، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريكَ له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها،
____________________
وتناهى عن النّهى دركُ نعمى |
أبدَ الدّهرِ تستمرّ عطاها |
|
ودعاها لتستزيدَ نداها |
باتّصالٍ بشكرِ مَن أولاها |
|
وبإجزالها لهم طلب الحمد |
والثنا بندبها الأشباها |
|
أُشهد الله إنّه ليس إلاّ اللّه |
ربّاً وخالقاً وإلها |
|
وحده الله لا شريكَ لديهِ |
كوّن الكونَ والبرايا بَرَاها |
|
كِلْمةُ الحقِّ والهدى والتعالي |
ولبابُ الإخلاص في مَغزاها |
وإطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أماناً للفرقة، والجهاد عِزّاً للإسلام، والصبر معونةً على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامّة، وبِرّ الوالدين وقايةً من السُّخْط،
____________________
وأقرّت لنا الإطاعةَ حتّى |
يستقيمَ العبادُ في مسراها |
|
وأماناً لكم إمامةُ أهلِ |
البيتِ من فرقةٍ تشبّ لظاها |
|
ولتعتزّ رايةُ اللهِ في الأرض |
قضى بالجهاد ضدَّ عداها |
|
ولتستوجبوا المثوبةَ أجراً |
جعلَ الصّبر سُلّماً لاجتناها |
|
وصلاح العموم في الأمر بالمعروف |
والنّهي عن مسيرٍ غواها |
|
واتّقاءً من غضبة الربِّ أوصى البِرَّ |
بالوالدين مَن يخشاها |
وصلة الأرحام منماةً للعدد، والقصاص حقناً للدماء، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة،
____________________
وصلاتُ الأرحامِ منساةُ عمرٍ |
ونموٍ لجمع مَن يرعاها |
|
ولكم قال في القصاص حياةٌ |
حفظ اللهُ في دماهُ دماها |
|
عرضة العفو من إله البرايا |
من عهود النّذور قد وفّاها |
|
ولحفظِ الحقوقِ أن تبخسوها |
للموازين قد قضى إيفاها |
|
ولتنزيهكم نهى عن شراب الخمر |
حفظاً للعقل من بلواها |
|
وحجاباً لكم عن اللّعن لما |
حرّم القذْفَ للنساء تياها |
وترك السرقة إيجاباً للعفّة، وحرّم الشرك خلاصاً له بالربوبيّة.
فاتّقوا الله حقّ تقاته، ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنّه إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ.
ثمّ قالت:
____________________
وعفافاً عن الخيانة في المال |
بتركِ السّرقات قد وصّاها |
|
ولكي تخلصوا العبادةَ حقّاً |
حرّم الشّرك والرّياء نزاها |
|
فاتّقوا اللهَ ربّكم حقّ تقوى |
واحذروا النّار جمرها ولظاها |
|
لا تموتوا إلاّ على شِرْعَةِ الإسلام |
واستعصموا جميعاً عراها |
|
وأطيعوا بفعل ما أمرَ اللهُ |
وبالتّرك للمناهي الإلها |
|
ثمّ قالت وجلجلت: أيّها النّاس |
ورجّ المكانَ رجعُ صداها |
أيّها الناس، اعلموا أنّي فاطمة، وأبي محمّد، أقول عوداً وبدءاً ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ
____________________
أيّها النّاس واعلموا أنّي |
الزّهراء بنتُ الهادي المبشّرِ طه |
|
وأُعيد المقال عَوْداً وبدءاً |
خير ذكرى لمَن وعى ذكراها |
|
حاش قولي من غلطةٍ وتعالى |
الفعل منّي بأن يشطّ تياها |
|
قد تجنّبتُ غلطةً واشتباها |
وتوثّقتُ حكمةً وانتباها |
|
جاءكم للهدى رسولٌ ومن |
أنفسكم جاءَ مرشداً أهداها |
|
ما عناها على النبيِّ عزيزٌ |
وحريص بكلّ خيرٍ أتاها |
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) .
فإن تعزوه وتعرفوه؛ تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمّي دون رجالكم، ولنعم المُعزى إليه - صلّى الله عليه وآله وسلم -.
____________________
أيّ بَرٍّ بالمؤمنين رحيمٍ |
أيّ حصنٍ لعزّها وحماها |
|
فإذا ماعرفتموه جليّاً |
ونسبتم خير الورى أزكاها |
|
دون نسوانكم أبي تجدوه |
وكفتني مزيّة أولادها |
|
وهو من دونكم أخٌ لابن عمّي |
وكفته فضيلة يولاها |
|
ولنعم الّذي إليه انتسبنا |
حينما الرّب للنفوس براها |
|
فعليه وآله اللهُ صلّى |
وعليه السّلام لا يتناهى |
فبلّغ بالرسالة، صادعاً بالنذارة، مائلاً عن مدرجة المشركين ضارباً ثبجهم، آخذاً بأكظامهم، داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، يكسِّر الأصنام، وينكت الهام.
____________________
فلقد بلّغ الرّسالةَ للهِ |
وأعلى إنذارَ مَن عاداها |
|
وعلى المشركين مال فأقصى |
عن طريق العباد شرّ أذاها |
|
ضارباً كاهلَ التجبّرِ منهم |
سدّ أكظامهم على مجراها |
|
وعلى حكمةٍ وأحسن وعظٍ |
كان يدعوا إلى سبيل هُداها |
|
كلّما قامَ هيكلٌ صنميٌّ |
هدّه من يد النبيّ عصاها |
|
ينكتُ الهامَ من رؤسٍ ضلالٍ |
قد غواها عن ربِّها طغواها |
حتى انهزم الجمعُ وولّوا الدُّبر. حتى تفرّى الليل عن صبحه وأسفر الحقُّ عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين، وطاح وشيظ النفاق وانحلّت عُقَدُ الكفرِ والشِّقاق، وفهّم بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص، وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار مذقة الشارب
____________________
ذاك حتّى الجموع ولّت جميعاً |
هزم الله جيشها وقواها |
|
وتولّت أدبارها واستغاث |
الجيش أولى صفوفه أُخراها |
|
وانجلى اللّيل عن منارٍ صباحاً |
وروى الحقّ اسفرت مرآها |
|
والشياطين حين قام زعيم |
الدين بالنطق خرّست أفواها |
|
ووشيظ النفاقِ طاح وحُلّت |
عُقَدُ الكفرِ والشّقاق عراها |
|
بشفا حفرةٍ من النّار كنتم |
مذقةَ الشّربِ مجّها مَن دناها |
ونهزة الطّامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطَرَق وتقتاتون القدّ والورق، أذلّّة خاسئين، تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم.
فأنقذكم الله بمحمّدٍ - صلّى الله عليه وآله وسلّم -
____________________
نهزة الطّامعين جاعوا وللعَجْلان |
في الدّرب قبسةً أوراها |
|
ومداساً كنتم لركب السّرايا |
أيّ هونٍ على الّذي ساراها |
|
إذ تقتّون ورقةً أو قديداً |
وتشفّون خبط الطريق مياها |
|
ومن الذّل خاسئون همود |
ومن النّاس خائفون أذاها |
|
خوف مَن حولكم إذا ما أرادوا |
خطفكم ليس رادعٌ ينهاها |
|
وقضى اللهُ بالنبيِّ خلاصَ العُرْبِ |
من بوسها وشرّ بلاها |
بعد اللُّتيا والتي، بعد أن مُني بهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب، كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، أو نجمَ قرنٌ للشيطان، أو فغرت فاغرة من المشركين،
____________________
فنجوتم إذ ذاك بعد اللُّتيا |
والّتي من عذابها وشقاها |
|
بعد أن ردّ للفناء علوجاً |
تتحدّى الكماة لا تخشاها |
|
بهما صدّتِ السّبيلَ عليه |
وذئاباً ليعربٍ أرداها |
|
ومنَ اهل الكتابِ كلَّ عتيٍّ |
ماردٍ ردَّ ضرّها وضراها |
|
كلّما أوقدوا إلى الحرب ناراً |
أطفأ اللهُ عزّ شأناً لظاها |
|
أو نبا للرّجيم قرنٌ وإمّا |
فتح المشركون للشّر فاها |
قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدوداً في ذات الله، مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله، سيّداً في أولياء الله،
____________________
في خضمِّ الأهوالِ وسطَ لهاها |
لا يولّي أو أن بأخمص رجليه |
|
لأصماخ كبرياها يطاها |
سيفه يخمد الحروب ولولا |
|
سيفه ذو الفقار دام بقاها |
تلكَ ذاتٌ مكدودةُ النّفسِ في |
|
الله وفي أمره ارتهانُ قِواها |
وعليٌّ للمصطفى لمعةُ الضّوءِ |
|
للضوءِ أو لمَن أدناها |
سيّد المؤمنينَ في أولياءِ |
اللهِ كالبدرِ نيِّراً في سماها
إن عزوناه وجدناه أباك دون النّساء، وأخا إلفك دون الأخلاّء؛ آثره على كل حميم، وساعده في كلّ أمرٍ جسيم، لا يحبّكم إلاّ كلّ سعيدٍ، ولا يبغضكم إلاّ كلّ شقي. فأنتم عترة رسول الله الطيّبون، والخيرة المنتجبون،
____________________
إن عزونا محمّداً لوجدناهُ |
أباكِ من دون كلّ نساها |
|
دوننا اختارَ إلفَكِ وتآخى |
حين أحباب دينه آخاها |
|
وعلى كلِّ صاحبٍ وحميم |
آثرَ المصطفى عليّاً وباهى |
|
ساعد المصطفى على كلّ أمرٍ |
من أُمورٍ عصت على أقواها |
|
كلُّ مَن يرتضي المودّةَ فيكم |
لَسعيدٌ ومَن شقى يأباها |
|
أنتم الخيرة الّتي انتجبَ اللهُ |
والطيّبونَ: عترةُ طه |
على الخير أدلّتنا، وإلى الجنّة مسالكنا. وأنتِ يا خيرة النساء، وابنة خير الأنبياء، صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودةٍ عن حقّك، ولا مصدودة عن صدقك، والله ما عدوت رأي رسول الله! ولا عملت إلاّ بإذنه، وإنّ الرائد لا يكذب أهله، وإنّي أُشهد الله وكفى به شهيداً أنّي سمعت رسول الله - صلّى الله عليه وآله وسلّم - يقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث ذهباً ولا فضّةً، ولا داراً ولا عقاراً
____________________
وعلى الخير دربنا، وجنان الخلد، |
أنتم سبيل مَن يهواها |
|
أنتِ يا خيرةَ النّسا بنتَ خيرِ النّاسِ |
من بدئها إلى منتهاها |
|
قولك الصّدقُ دونَ ريبٍ وأنتِ في |
وفور النّهى على أرقاها |
|
غير مردودةٍ عن الحقّ شيئاً |
أو بمصدودةٍ صديق ادّعاها |
|
بيد أنّي سمعتُ يوماً أباك |
قال لي قبل أن يموت شفاها |
|
معشرُ الرُّسْلِ لا تورِّث داراً |
أو نُضاراً أو فِضّةً أو شِياها |
وإنّما نورِّث الكتاب والحكمة، والعلم والنبوّة، وما كان لنا من طعمةٍ فلو إلي الأمر بعدنا، أن يحكم فيه بحكمه).
وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح يقاتل بها المسلمون، ويجاهدون الكفّار، ويجالدون المردة الفجّار
____________________
إنّما العلمُ والنبوّةُ والحكمةُ |
والذّكرُ إرثها وثراها |
|
إنّهم لا يورّثون سواهم |
مثلما تورِّث الورى أبناها |
|
كلّ ما كان طعمةً فلوالي الأمرِ |
مِن بعدنا كما يهواها |
|
فله دونَ غيرهِ الحكمُ فيها |
كيفما شاءَ يستطيعُ قضاها |
|
وجعلنا الّذي طلبت كراعاً |
وسلاحاً وجنّةً لِوغاها! |
|
لجهاد الكفّار في ساحة الحربِ |
ودَحْرِ الفجّار في لُقياها |
وذلك بإجماعٍ من المسلمين!!
لم أنفرد به وحدي، ولم استبدّ بما كان الرأي فيه عندي، وهذه حالي ومالي، هي لك، وبين يديك، لا تزوي عنكِ ولا تدّخر دونك.
أنتِ سيّدة أُمّة أبيك، والشجرة الطيّبة لبنيك،
____________________
هاهم المسلمون بينَ يديكِ |
قرّروا كلّهم على استيفاها |
|
أنا لم أنفرد بذاك لوحدي |
مستبدّاً بما ارتأيتُ إزاها |
|
ثمّ هذا حالي ومالي لديكِ |
هذه ثروتي إليكِ عطاها |
|
ليس تزوى الأموالُ عنك وإنّي |
دونك لست داخراً مغناها |
|
أنتِ بنتُ النبيِّ سيّدةُ النسوانِ |
من أُمّةٍ أبوك بناها |
|
أنت للرّوضة المطهّرة |
الأطيابِ: أبناك أصلها وبناها |
لا يدفع مالك من فضلك، ولا يوضع في فرعك وأصلك، حكمك نافذ فيما ملكت يداي.
فهل ترين أن أُخالف في ذلك أباكِ - صلّى الله عليه وآله وسلّم -؟!
____________________
ولكِ الفضلُ ليس يدفع عنكِ |
من مزايا جلالكِ أدناها |
|
ولك ذروة المعالي فروعاً |
وأُصولا سَمَت بكِ أقصاها |
|
حكمك الآن نافذٌ فمريني |
أتريدينَ أن أُخالف طه؟! |
|
قد أتتهم بحجّةٍ من كتاب اللهِ |
كالشّمسِ في أتمّ ضياها |
|
وأتوها بفِريةٍ لفّقوها |
ليضلّوا بذلكم بُسَطاها |
|
فتصدّت ومزّقت حجبَ الزّور |
وألقت عن الوجوه غطاها |
فقالت (عليها السلام): سبحان الله! ما كان رسول الله - صلّى الله عليه وآله وسلّم - عن كتاب الله صادفاً، ولا لأحكامه مخالفاً، بل كان يتّبع أثره ويقفو سورَه، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور؟ وهذا بعد وفاته شبيه بما بُغي له من الغوائل في حياته.
____________________
وأجابتْ: سبحانَ ربّي! وحاشا |
المصطفى بالّذي افتريتم فاها |
|
لم يكن سيّد الورى يتخطّى |
شِرْعةَ الذّكرِ أو يروم سواها |
|
أو لأحكامه يخالف نهجاً |
وهو يدعو الورى لنهج خطاها |
|
بل لقد كان إثره يتقفّى |
سورَ الذكرِ تابعاً إيّاها |
|
أمع الغدرِ تجمعون عليه الزّورَ؟! |
واها لقولكم ثمّ واها |
|
إنّ ذا بعد موته لَشبيهٌ |
بالّتي في حياته لاقاها |
هذا كتاب الله حَكَماً عدلاً، وناطقاً فصلاً، يقول:
( يرثني ويرث من آل يعقوب ) ، ( وورثَ سليمانُ داودَ )
فبيّن (عَزّ وجلّ) فيما وزّع عليه من الأقساط،
____________________
كم من الغدرِ والغوائلِ كيدت |
ضدّه لكن الإله كفاها |
|
هذه المحكمات تنطق فصلاً |
وهي تقضي بالعدلِ في فحواها |
|
سورةُ الأنبياءِ إذ زكريّا |
سألَ الله فسألوا معناها |
|
في (يرثني.. وآل يعقوب) حكمٌ |
لاترى فيه شبهةً واشتباها |
|
وسليمانُ إذ تورّث داودَ |
كمثلِ الأبناءِ من آباها |
|
وأبان الجليل من كلِّ قسطٍ |
وسهامٍ قد وزِّعن مرماها |
وشرّع من الفرائض والميراث، وأباح من حظّ الذكران والإناث؛ ما أزاح علّة المبطلين، وأزال التظنّي والشبهات في الغابرين.
كلاّ، ( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) .
____________________
والمواريثُ والفرائضُ لما |
فرضَ اللهُ شرْعَها وعطاها |
|
فلذكرانها حظوظ وأُخرى |
للإناثى أباح حين قضاها |
|
ما أزاح التعلّلات وأقصى |
علّة المبطلينَ في إجراها |
|
ليس هذا.. كلاّ.. ولكنّ أمراً |
سوّلته نفوسُكم من غواها |
|
وعزائي الصّبرُ الجميل وربِّي |
مستعاني على عظيم جناها |
|
ثمّ لما رأى أخو تيم أنّ الحقّ |
أقوى من فِريةٍ سمّاها |
فقال أبو بكر:
صدق الله، وصدقّ رسوله، وصدقت ابنته، أنتِ معدن الحكمة، وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين، وعين الحجّة، لا أبعد صوابك، ولا أنكر خطابك.
____________________
فضحَ الحقُّ كذبَه وتعرّى الزّورُ |
كالثّلجِ تحتَ شمسِ نداها |
|
ولدى الصّبحِ طلعةٌ إن تبدّى |
ينمحي اللّيلُ في التماعِ سناها |
|
أيردّ القرآن أم مَن أتاهُ؟ |
أعلياً يردّه أم أباها |
|
ليس يُجدي الإنكار للشمس مهما |
لجَّ في حجْبِ نورها وضياها |
|
صدق اللهُ والرّسولُ وبنتُ |
المصطفى فاطمُ البتولة فاها |
|
معدنُ الحكمةِ الأصيلةِ ركنُ |
الدّينِ أنتِ، وللهُدى مرساها |
هؤلاء المسلمين بيني وبينك، قلّدوني ما تقلّدتُ، وباتفاقٍ منهم أخذت، غير مكابرٍ ولا مستبدٍ، ولا مستأثرٍ، وهم بذلك شهود.
فالتفتت فاطمة (عليها السلام) إلى الناس وقالت:
معاشر الناس!
____________________
لستُ مستنكراً عليكِ خطاباً |
أو صوابَ احتجاجةٍ آتاها |
|
هاهم المسلمون بيني وما بينكِ |
فاستوضحي الجموعَ رؤاها |
|
قلّدوني الّذي تقلّدتُ لولا |
القوم ما كنتُ لحظةً أولاها |
|
باتّفاقٍ منهم أخذتُ ربوعاً |
كان للمصطفى الأمينِ رعاها |
|
لا بمستكبرٍ ولا مستبدٍّ |
أو بمستأثرٍ غنيّ ثراها |
|
فأشارت بنت الرّسول إلى النّاس |
وقهرُ المستضعفين طواها |
المسرعة إلى قيل الباطل، المغضية على الفعل القبيح الخاسر، أفلا تتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها؟
كلاّ، بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم فاخذ بسمعكم وأبصاركم،
____________________
أيّها المسرعون نحوَ الأباطيل |
تحامى عن شقشقات رغاها |
|
أتغضّون عن قبيح فعالٍ |
هي من أخسر الّتي تغشاها |
|
أفلا يا عصاة تدّبّرون |
الذّكرَ أم ملّت النّفوسُ هداها |
|
أمْ بأقفالها استبدّت قلوبٌ |
فاستحبّت على الرّشاد عماها |
|
ليس بله القلوب رانَ عليها |
للّذي قد أسأتموه صداها |
|
ولهذا بسمعكم أخذ اللّهُ |
وأبصاركم فأعمى ضياها |
ولبئس ماتأوّلتم وساء ما به أشرتم، وشرّ ما منه اغتصبتم.
لتجدنّ - واللهِ - محمله ثقيلاً، وغبّه وبيلاً، إذا كشف لكم الغطاء وبان ما وراء الضرّاء، وبدا لكم من ربّكم ما لم تكونوا تحتسبون، وخسر هنالك المبطلون.
____________________
بئسَ نهج أوّلتموه ضلالاً |
وسفاها لما أشرتم سفاها |
|
شرّ ما اعتضتموا بآسن ماءٍ |
من غديرٍ ترقرقت أمواها |
|
ستلاقون والعظيم ثقيلاً |
محمّلاً لأ يطيقه ثقلاها |
|
أذلّكم كشّف الغطاء وبان الضرّ |
ممّا جنت يداكم وراها |
|
وبدت من إلهكم سطواتٌ |
لم تكونوا لتحسبوا أدناها |
|
وهنا كم ستعلمون هنا كم |
خسر المبطلون في عُقباها |
وعادت فاطمة إلى دار عليّ (عليه السلام)، ثمّ انكفأت (عليها السلام).
وأمير المؤمنين (عليه السلام) يتوقّع رجوعها إليه، ويتطلّع طلوعها عليه.
فلمّا استقرّت بها الدار قالت لأمير المؤمنين (عليه السلام):
يا بن أبي طالب!
____________________
ثمّ مالت إلى ضريحِ أبيها |
تودعُ المصطفى الأمينَ شكاها |
|
وتوارت كسيرةَ القلبِ عنهم |
فلقد خيّب الجميعُ رجاها |
|
ثمّ عادت لدارها ودموعُ الوجدِ |
خطّت على الخدود خطاها |
|
وأميرُ الإيمانِ في كلّ آنٍ |
كان يرجو طلوعها ولقاها |
|
وهنا كم لما استقرّ بها الدار |
تمادى الأسى بصدر شكاها |
|
فرمت نحوه بطرفٍ كسيرٍ |
وجرت في دموعها عيناها |
اشتملت شِمْلة الجنين، وقعدت حجرة الظنين
____________________
طمعت أن تثير فيه عليّ العزمِ |
والنّجدةِ المدوّي صداها |
|
وبطولات خيبرٍ وحُنينٍ |
ومروءاته الّتي أبداها |
|
فلعلّ الّذي مضى من مياه النّبعِ |
غفلاً يعود في مجراها |
|
خاطبته يا بنَ المحامي أبي طالبٍ |
زين الرّجال رمز إباها |
|
كيف يا فاتحَ الحصونِ اشتملتَ اليومَ |
من شملة الجنين رداها |
|
قاعداً حجرةَ الظّنينِ كأن لم |
تكُ للحرب سيفها وفتاها |
نقضت قادمة الأجدل فخانك ريش الأعزل.
هذا ابن أبي قحافة يبتزّني نِحْلة أبي وبُلْغة ابنيّ.
لقد أجهر في خصامي وألفيته الألدّ في كلامي، حتى حبَسَتني قيلةُ نصرَها
____________________
أوَ ما قد نقضت من أجدلِ |
الطيرِ قواديمَ يُتّقى بأساها |
|
كيف قد خانَ أعزلُ الريشِ شهماً |
كان في كلّ وقعةٍ (لا فتاها) |
|
أوَ يبتزّها نُحيْلة... طه |
بُلغَةَ ابنيّ يستحلّ جناها |
|
جاهراً في عداوتي دون تقوىً |
ماضياً في خصومتي أقصاها |
|
قد وجدت العنيد لازال خصماً |
من ألدِّ الخصامِ في دعواها |
|
ذاك حتّى الأنصار قد حبستني |
النّصرَ واستعفتِ الحماةُ حماها |
والمهاجرةُ وصلَها، وغضّت الجماعة دوني طرفها؛ فلا دافع، ولا مانع.
خرجتُ كاظمةً، وعدت راغمة، أضرعت خدّك يوم أضعت حدّك، افترسَتِ الذئاب وافترشتَ التراب.
____________________
وقرابى المهاجرين رباطُ |
الوصل قُدّت ومُزّقت قرباها |
|
والجماعات غضّتِ الطّرفَ عنّي |
وكأنّي مخاطبٌ ما سواها |
|
ليس من دافعٍ مهجّجة الظلمِ |
ولا مانعٍ أليم أذاها |
|
رحتُ مكظومةً بصبريَ خسرى |
ثمّ مرغومةً رجعت وراها |
|
حدّك الحقّ قد أضت فأضحى |
ضارعاً خدّك الّذي لا يُضاهى |
|
افترستَ الذّئابَ كيف افترشتَ اليومَ |
وجه التّرابِ من بوغاها |
ما كففتَ قائلاً، ولا أغنيتَ باطلاً، ولا خيار لي؛ ليتني متّ قبل هينتي ودون ذلّتي.
عذيري الله منك عادياً، ومنك حامياً.
ويلاي في كلّ شارق!
مات العمد ووهن العضد!
____________________
ما كففتَ المهرّجينَ مقالاً |
وعنِ الظّالمينَ شرَّ أذاها |
|
وأنا لا خيار لي.. فلو انّي |
كنتُ أستطيع أن أردّ بلاها |
|
ليتني قبل هينتي كان موتي |
والرّدى دون ذلّتي أُسقاها |
|
فكفاني محامياً وكفاني |
منكَ ربّي من العدى عدواها |
|
آه.. ويلايَ كلّما طلّ صبحٌ |
فوق دنياً من الأسى ويلاها |
|
قد توفّى العمادُ فانهدّ منّي |
عضدُ العِزِّ والرّجاءِ وراها |
شكواي إلى أبي!
عدواي إلى ربّي!
اللهمّ أنت أشدّ قوةً وحولاً، وأحدّ باساً وتنكيلا.
____________________
فشِكاتي إلى أبي ولربِّ العرشِ |
عدوى ظلامتي مرساها |
|
يا إلهي لأنتَ أعظمُ بأساً |
وأشدُّ النّكال في عُقباها |
|
هزّه في خطابها الوجدُ والمجدُ |
وعزُّ الإيمانِ في تقواها |
|
وهو لولا وصيّة من نبيّ اللّه |
أحرى بأن يجيبَ نداها |
|
ويعيد الأُمور ظهراً لبطنٍ |
وينيل المنافقين جزاها |
|
فهو في البأس لا يُدانيه بأسٌ |
وهو أقوى باللهِ من أعداها |
كيف لا وهو في الحروب جميعاً |
قطبُ مهراسها وجمرُ وغاها |
|
منعت سيّد الوغى أن يثيرَ |
الحربَ أنّ الأُمورَ في مبداها |
|
كان دينُ الإسلامِ عوداً طريّاً |
والجماهيرُ هشّةً في انتماها |
|
أشفقَ المرتضى على نبتةِ الإسلامِ |
من فتنةٍ تشبّ لظاها |
|
غارسُ الرّوضةِ البهيّةِ أولى |
أن يحامي بروحه أفياها |
|
وهو ثاني بُناتها والمروّي |
زرعَها الغضَّ وهو حامي حِماها |
فقال أمير المؤمنين عليه السلام:
لا ويل عليكِ، الويل لشانئك.
نهنهي عن وجدكِ يا ابنة الصفوة، وبقيّة النبوّة، فما ونيتُ عن ديني ولا أخطأت مقدوري.
فإن كنتِ تريدين البُلْغة فرزقك مضمون
____________________
قال مهلاً بنتَ النبوّةِ مهلاً |
إنّما الصّبرُ للتّقاة حلاها |
|
مالك الويل بل لشانئك الويلُ |
وأقسى العذابِ في أُخراها |
|
يا ابنةَ الصّفوة الصّفيّة عطّر |
النّور بقيا نبوّةٍ أبقاها |
|
نهنهي النّفسَ وجدَها واستقرّي |
حان للنّفس أن تريحي جَواها |
|
فعنِ الدّين ما ونيتُ وعمّا |
قدّر اللهُ ما خطوت اشتباها |
|
فاطمئنّي لبُلْغةِ العيشِ أنّ اللّه في |
سابق الزّمان قضاها |
وكفيلك مأمون، وما أعدّ لك خير ممّا قطع عنك، فاحتسبي الله.
فقالت: حسبي الله، وأمسكت.
____________________
وكفيل ابنة النّبيِّ أمينٌ |
وَهُوَ اللهُ حافظ إيّاها |
|
وجنانٌ قد مُهّدت لك خيرٌ |
من قرىً حرموك عن مغناها |
|
فلكِ اللهُ جلَّ فاحتسبيه |
هضمة الحقّ حاشَ أن ينساها |
|
فأجابت (اللهُ حسبي) وقرّت |
وعلى الدّهرِ رنّةٌ من صداها |
|
ومضت إذ مضت على القهر حسرى |
ثمّ ماتت مطويّةً بأساها |
كفاني أسىً لا توقظنّ جراحيا |
ودعْ وجدَ قلبي في مطاويه ثاويا |
|
أرى الحقَّ يهدي إن ملكت بصيرةً |
وليس لأعمى الفكرِ والقلبِ هاديا |
|
هو العقل يهدي مَن يرومُ هدايةً |
ومَن رامَ مهواة الضّلال المهاويا |
|
إذا أنتَ أنكرتَ الصّباحَ وضوءَه |
فحظّك قد أنكرتَ لا الصّبحُ ضاحيا |
|
فلا الشّمسُ يخبو نورها لمعاندٍ |
ولا اللّيل يهدي للطّريقة ساريا |
|
وما النّجم في جوّ السّماء يضيرها |
على الأرض أعمى ينكر النّجمَ ضاويا |
|
بصائر فافتح في الضّمير شعاعَها |
ترى الدّهرَ دوّاراً على الغدرِ طاويا |
على خاطري ذكرى وفي القلبِ لوعةٌ |
يصعِّد من جمر المصائب آهيا |
|
دعِ العينَ يسقي الجرح فالقلب لاهبٌ |
ضراماً ودع في النّائبات سؤاليا |
|
غداةَ بدار الوحي ألقت رحالها |
قوافلُ حزنٍ مثقلات مآسيا |
|
وسلْ قصّةَ الغدْرِ القديمِ سقيفةٍ |
فثمّةَ عادت دورةُ الشّرك ثانيا |
|
وسلْ عن أراكٍ هاطلاتٍ دموعها |
وعن فَدَكٍ سلْ قهرَها والخوافيا |
|
وعن بيتِ أحزانِ المدينةِ حزنِها |
ودمعٍ جرى فيها ولازال جارياً |
|
وقبر رسول الله مرّ أنينها |
وعن طول شكواها المرير اللّياليا |
|
وعرّج على بيت البتولةِ فاطمٍ |
فإنّ أنينَ الدّارِ يكفيك هاديا |
|
تأنُّ وقد هدَّ الفراقُ قرارَها |
وذوّبها جِلْداً على العظمِ ذاويا |
|
إلهيَ! قد هدَّ الأسى قلبَ فاطمٍ |
ولم يُبق إلاّ الوجدَ والحزنَ واريا |
فوا وحشة الأيّام بعدَ محمّدٍ |
ووا ذلّة الأيّام ممّا دهانيا |
|
رمتني مصيباتُ الزّمانِ لوَ انّها |
رَمَتْ وضحَ الأيّامِ صرنَ لياليا |
|
ألهيَ قد عفتُ الحياةَ وأهلَها |
فعجِّلْ وفاتي لا أُريدُ حياتيا |
|
وما طالَ من بعدِ الحبيبِ فراقُها |
وسرعانَ ما كان الفراقُ تلاقيا |
|
على الجمرِ أتلو ذكرياتِ بلائِها |
تمرُّ على قلبي فأنسى بلائيا |
|
غداةَ على دارِ البتولةِ جمّعا |
جموعاً من الغوغاء ضلّت مراميا |
|
على بابِ دارٍ كان للوحي والهدى |
مناراً وميعاداً وللدّين راعيا |
|
فجاءت وقد مضّ المصابُ فؤادَها |
تنادي به ما للعتيق وماليا |
|
ويا ويلكم! في الدّار أحفادُ أحمدٍ |
أبالنّار جئتم تحرقونَ صغاريا |
|
أبوا وأصرّوا في العنادِ وأضرموا |
على الباب أحطاب الضّغائن ضاريا |
فدارتْ إلى جنبِ الجدارِ ولم يكنْ |
سوى البابِ يحميها الهجومَ المُعاديا |
|
ولجّوا به دهساً وقد هدّه اللّظى |
وردّ على أضلاعِها البابُ داويا |
|
فويلي لبنتِ المصطفى حين حُوصرت |
تنادي أباها والوصيَّ المحاميا |
|
أكان على مرأى الإمامِ ومسمعٍ |
غداةَ أصابوا ضلعَها؟ لستُ داريا؟ |
|
سلِ البابَ والمسمارَ ثمّةَ ما جرى |
تفاصيلُ آلامِ البتولةِ وافيا |
|
هوت وهوى وردٌ تكسَّرَ غُصْنُه |
عزيزاً على بيتِ النّبوّةِ غاليا |
|
وداروا على ليثِ العرينِ بدارِهِ |
وبالحبلِ قادوا سيّدّ القومِ نائيا |
|
يصيح ألا وا جعفراهُ ولا أخٌ |
ويدعوا ألا وا حمزتاهُ محاميا |
|
وتسألني عن فاطمٍ ومصابِها |
تفاصيلُ مأساةٍ توالت مآسيا |
|
فسلْ ليلةً تخفي الجروحَ بمتنها |
ونعشاً على كفِّ الأحبّةِ عاليا |
وسلْ عن يتامى فاطمٍ عمرَ فاطمٍ |
وعن حسنٍ سلْ والحسينِ المراثيا |
|
وعن قاهرِ الأحزابِ فاتحِ خيبرٍ |
إذ انهدَّ وهو الشّامخُ الطّودُ باكيا |
|
يقول أيا ماضونَ بالنّعشِ مهلةً |
فما بعد هذا اليوم أرجوا تلاقيا |
|
دعوها يودّعها اليتامى فإنّها |
مضتْ لم تودِّعْ حينَ غابتْ صغاريا |
|
ويا نعشُ رفقاً بالعزيزةِ إنّها |
مجرّحةٌ لا تخدش الجرحَ ثانيا |
|
ألا آجرَ اللهُ الوصيَّ.. وكفّه |
تدسُّ إلى عمقِ التّرابِ الأمانيا |
|
رنا نحوَ قبرِ المصطفى ودموعه |
تشاطرُه أحزانَه والتّعازيا |
|
وديعتُك الزّهراءُ عادتْ كما ترى |
ولكنّها عادتْ وليستْ كما هيا |
|
مكسّرة الأضلاعِ مقهورة الهوى |
مقرّحّة الأجنان حمراً مآقيا |
|
فسلْ كعبةَ الأسرارِ حالي وحالَها |
وسلْ قبلةَ الأحزانِ حزنيَ وافيا |
فكم من غليلٍ لا يزالُ بصدرها |
مقيماً وما بثّتْ إليَّ الشّكاويا |
|
ستعرفُ عن مسودَّة المتنِ ما بها |
وتعلمُ عن محمرَّةِ العينِ ما بيا |
|
وديعة كنزِ العرشِ عادتْ لدارها |
وقرّت ولكن سلّبتني قراريا |
|
على زفراتِ الحُزْنِ نفسي حبيسةٌ |
فيا ليتها قد رافقتْ زفراتيا |
الفهرس
الإهداء 5
الفصل الأوّل: بين يَدَي الخطاب العظيم .7
بين يَدَي الخطاب العظيم .9
المناورة 12
فدك.. عبر التاريخ .13
المطالبة بفَدَك.. والمطالبة بالخلافة 16
(وهكذا هُزم الخصم) 17
تأمّلات في نصوص الخُطْبة المعجزة 19
الانقلاب على خطّ الرسول الأعظم! 21
الدعوة إلى النهضة 22
الإنذار من المستقبل الخطير .24
الحديث الفِرية، ومحاولات التغطية 25
قصّة (القصيدة الشِّعْريّة) 29
شريف مكّة: وقصيدته الهائيّة 30
الفصل الثاني: وجاءت فاطمة.. 43
فدك.. 45
الفصل الثالث: الخُطْبة - المعجزة 51
الثناء على الله .53
اعلموا أنّي فاطمة! 58
هكذا أنقذ اللهُ العربَ من الجاهلية 60
دور الإمام عليّ (ع) في بناء الإسلام 64
الحديث - الفِرية - .66
الدفاع الهزيل .67
الحديث فِرْية والرسول لا يُخالف القرآن .70
جواب أبي بكر والاعتراف بالخطأ 73
فاطمة الزهراء توجّه الخطاب إلى الحاضرين .74
استنهاض الإمام الممتَحَن! 78
الكلمة الأخيرة لفاطمة! 85
الشهادة.. 86