آداب الاسرة في الإسلام
التجميع الأسرة والطفل
الکاتب مركز الرسالة
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

آداب الأُسرة في الإسلام

مركز الرسالة



بسم الله الرحمن الرحيم



بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المركز

الحمد لله الواحد الأحد، الذي تطمئن القلوب بذِكره، والصلاة والسلام على أبي القاسم محمد أشرف أنبياء الله ورسله، وعلى آله المنتجبينَ أُولي الألباب والنُهى، وعِدل الكتاب المطهّرين بمحكمه وكفى.

تبرز أهمية الحديث عن الأُسرة اليوم، في خِضم الصراع الحضاري والثقافي، الدائر بين الإسلام كدين ونظام للحياة والمجتمع، وبين الأنظمة المادية، سواء في الشرق أو الغرب، التي جعلت تفكيك الأُسرة، أو تهميش الروابط الأُسريّة، جزءً لا يتجزّأ من صياغاتها النظرية وبرامجها العملية، مع ما تمتلكه هذه الأنظمة المادية اليوم من عناصر قوة، تمكّنها من الاختراق الثقافي للمجتمعات الإسلامية، التي افتقدت منذ زمن عنصر المبادرة، بل افتقدت إلى حدٍ كبير القدرة على التحصّن الثقافي ضد أي غزو أو اختراق من هذا النوع.

وإذا كان الإسلام يتمتع بقدراته الذاتية الفائقة، بما يتوفّر عليه من نظم شاملة ومتماسكة، فإنّ المسلمين بحاجة دائماً إلى مزيد من الوعي، الذي يرتفع بمعارفهم الإسلامية إلى مستوى الثقافة العملية المعاشة في الواقع؛ من أجل تقليل الفجوة بين واقعهم العملي، وبين ما يستندون إليه من رصيد عقيدي وفكري، أثبتت وتثبت تجارب الأُمم أنّه الرصيد الأكمل والأعظم، شمولاً وعمقاً وتماسكاً، من أي رصيد آخر تستند إليه أُمّة من أُمم الأرض.

فها نحن نشهد في عصرنا الحديث، صرخات الكثير من المفكرين، وعلماء الاجتماع الغربيين، وهي تتوجّع من نظام تفكيك الأُسرة، ومخلّفاته السيّئة على الفرد والمجتمع، مشفوعةً بإحصاءات علمية تؤكّد دعواهم المستمرة إلى


المحافظة على نظام الأُسرة وصيانة كيانها، بل قد ذاق المجتمع الغربي نفسه مرارة واقعه الأُسري المفكّك، فظهرت جمعيات خاصة لمقاومة اتجاه النساء إلى العمل خارج المنزل، وأخرى تدعو إلى العودة إلى الأديان السماوية وتعاليمها في شأن الأُسرة.. فيما خصّصت إحدى الحكومات الاسكندنافية أخيراً، مكافئات مالية مغرية للآباء أيام الإجازات؛ ترغيباً لهم في أن يقضوا أوقاتاً أطول مع أبنائهم.

ولكن مهما بلغت هذه الصرخات من قوة وقدرة على التأثير، فإنّها ستبقى معالجات سطحية إذا ما قورنت بالنظام الأُسري في الإسلام، الذي تتوزّع أركانه على المجتمع والأُسرة والفرد؛ ليضمن تحقيق الاستعداد التام لتكوين الأُسرة السليمة، منذ مقدماتها الأُولى، متابعاً مراحل نشأتها وتكوينها ونموها، في ما هو أُسري بحت، وفي ما يتجاوز إطار الأُسرة إلى المجتمع. الأمر الذي يتطلب تحقيق المستوى الأفضل من الوعي، برسالة هذا النظام، والمعرفة بتفاصيله، التي تنتظم في نسق متكامل، لا يستغني فيه بعضها عن بعض.

من أجل ذلك كلّه تتبنّى سلسلة (المعارف الإسلامية)، التي يصدرها مركز الرسالة هذا الكتاب الذي يذهب بالقارئ، إلى أَوّليات ما عني به الإسلام من آداب الأُسرة، وما وضعه من فقه خاص بها، آملين تحقيق النفع المطلوب والفائدة المرجوة.

والله من وراء القصد

مركز الرسالة


المقدِّمة

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الرسل والأنبياء، محمد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبهم المنتجبين.

وبعد: الأُسرة هي اللبنة الأُولى لتكوين المجتمع، وهي نقطة الانطلاق في إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني، ونقطة البدء المؤثرة في جميع مرافق المجتمع، ومراحل سيره الايجابية والسلبية؛ ولهذا أبدى الإسلام عنايةً خاصة بالأُسرة، فوضع لها آداباً وفقهاً متكاملاً شاملاً لجميع جوانبها النفسية والسلوكية.

وآداب الأُسرة، أو قل فقه الأُسرة لم ينشأ من فراغ، ولا يبحث في فراغ، وإنّما هو فقه واقعي، يراعي الطبيعة البشرية بما فيها الفوارق الجسدية والنفسية بين الجنسين، ويراعي الحاجات الفطرية، فلا يبدّلها ولا يعطّلها ولا يحمّلها ما لا تطيق، وهو يتمثّل بالدقة في تناول كل خالجة نفسية، وكل موقف، وكل حركة سلوكية، ويجعل العلاقات في داخل الأُسرة علاقات سكنٍ للروح وطمأنينةٍ للقلب وراحةٍ للجسد، علاقات ستر وإحصان، ويهذّب النفس للحيلولة دون استسلامها للأهواء والشهوات المتقلّبة، ويحرّرها من نزعات المطامع والرغبات الزائلة.

إنّها الآداب المستمدة من النصوص القرآنية، والحديث الشريف، والتي


تواكب جميع المراحل التي تمرُّ بها الأُسرة قبل تشكيلها وبعده، فتضع لكلِّ مرحلة قواعدها الكلية والجزئية الشاملة لجوانب النفس، وجوانب الحوادث والمواقف، فتحدّد العلاقات بين الجنسين قبل الزواج وبعده، وقبل توسّع الأُسرة بالإنجاب وبعده، وتحدّد العلاقات داخل الأُسرة، على ضوء المرسوم من الحقوق والواجبات القائمة، على التكافل والتراحم، والتناصح والسماحة والمودة والإحسان، وترسم للأُسرة طريقها في التعامل الاجتماعي؛ من أجل التكاتف والتآزر في بناء وإصلاح كيانها، والكيان الاجتماعي الكبير.

وبالتالي فهي ترفد الأُسرة بمنهج حياة واقعي، يتتبع أهميتها، وخصوصياتها، وآمالها، وآلامها، وعلاقاتها، واضعةً الحلول اللازمة؛ وقايةً وعلاجاً للخلافات المتأصّلة أو الطارئة.

وفي بحثنا هذا نتابع آداب الأُسرة في جميع مراحلها، على فصول: نتناول في الفصل الأَوّل: مقدمات تشكيل الأُسرة، واختيار شريك الحياة المناسب، وفي الفصل الثاني: الأحكام العملية لبناء الأُسرة، ابتداءً بالعقد، وانتهاءً بالولادة والحضانة، وفي الفصل الثالث: الحقوق الأُسريّة، وفي الفصل الرابع: الخلافات الزوجية، وأسلوب معالجتها إيجاباً وسلباً، وفي الفصل الخامس: علاقات الأُسرة بالمجتمع ابتداءً بالأرحام، ومروراً بالجيران، وانتهاءً بالمجتمع الكبير، وأخيراً نتناول في الفصل السادس: أحكام عامّة للعلاقة بين الجنسين، وأحكام العلاقة بين المحارم وغيرهم، وسنقوم بمتابعة النصوص القرآنية، والروايات الواردة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعن أهل بيته (عليهم السلام)، وآراء الفقهاء المتقدّمين بالدرجة الأُولى، وآراء بعض الفقهاء المتأخرين، وقد اخترنا الآراء التي لا خلاف فيها، من خلال


متابعة آراء أكبر عدد من الفقهاء المشهورين، متقدّمين كانوا أم متأخرين، واخترنا في الهامش المصدر الأوضح في الدلالة، والصياغة، العلمية، والأدبية، وهو ليس ترجيحاً لرأي على آخر، وإنّما ترجيح لمصدر على آخر، وملاك الترجيح، هو سهولة الأسلوب، وملاءمته لجميع المستويات الثقافية، متجنبّين استخدام العبارات الغامضة.

ومنه تعالى نستمد العون والتسديد



الفصل الأَوّل

مقدمات تشكيل الأُسرة

معنى الأُسرة:

الأُسرة لغةً:

أُسرة الرجل: عشيرته ورهطه الأدنون؛ لأنّه يتقوّى بهم (1) .

والأُسرة: عشيرة الرجل وأهل بيته (2) .

والأُسرة: أهل الرجل وعشيرته، والجماعة يربطها أمر مشترك (3) .

والأُسرة: أهل بيت الإنسان وعشيرته، وأصل الأُسرة الدرع الحصينة، وأُطلقت على أهل بيت الرجل؛ لأنّه يتقوّى بهم (4) .

____________________

(1) لسان العرب / ابن منظور 4: 20، مادة أسر، نشر أدب الحوزة، قم 1405 هـ.

(2) لسان العرب 4: 20.

(3) المعجم الوجيز، لمجمع اللغة العربية: 16، دار الثقافة، قم 1411 هـ.

(4) دائرة معارف القرن العشرين / محمد فريد وجدي 1: 277، دار المعرفة، بيروت.


الأُسرة اصطلاحاً:

هي رابطة الزواج التي تصحبها ذُرّية (1) .

وهي: رابطة اجتماعية تتكوّن من زوج وزوجة وأطفالهما، وتشمل الجدود والأحفاد وبعض الأقارب، على أن يكونوا في معيشة واحدة (2) .

استحباب النكاح وأهميته:

النكاح هو الوسيلة الوحيدة لتشكيل الأُسرة، وهو الارتباط المشروع بين الرجل والمرأة، وهو طريق التناسل والحفاظ على الجنس البشري من الانقراض، وهو باب التواصل وسبب الأُلفة والمحبة، والمعونة على العفّة والفضيلة، فبه يتحصّن الجنسان من جميع ألوان الاضطراب النفسي، والانحراف الجنسي؛ ومن هنا كان استحبابه استحباباً مؤكدّاً، قال تعالى: ( وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (3) .

ووردت روايات عديدة، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأهل بيته (عليهم السلام)، تؤكّد هذا الاستحباب، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (تزوّجوا فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: مَن أحبَّ أن يتّبع سُنتي فإنَّ من سنتي التزويج) (4) .

وللزواج تأثيرات إيجابية على الرجل والمرأة، وعلى المجتمع، فهو الوسيلة للإنجاب وتكثير النسل، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (تناكحوا تكثّروا، فإنّي

____________________

(1) علم الاجتماع / محمد عاطف: 92.

(2) الأُسرة والمجتمع / علي عبد الواحد وافي: 15.

(3) سورة النور: 24 / 32.

(4) الكافي 5: 329.


أُباهي بكم الأُمم، حتى بالسقط) (1) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما يمنع المؤمن أن يتخذ أهلاً، لعلَّ الله أن يرزقه نَسمةً، تُثقل الأرض بلا إله إلاّ الله) (2) .

وهو ضمان لإحراز نصف الدين؛ لأنّه الحصن الواقي، من جميع ألوان الانحراف والاضطراب، العقلي، والنفسي، والعاطفي، فهو يقي الإنسان من الرذيلة والخطيئة، ويخلق أجواء الاستقرار في العقل والقلب والإرادة؛ لينطلق الإنسان متعالياً عن قيود الأهواء والشهوات، التي تكبّله وتشغله عن أداء دوره في الحياة، وفي ارتقائه الروحي وإسهامه في تحقيق الهدف الذي خُلق من أجله، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (مَن تزوّج أحرز نصف دينه، فليتقِ اللهَ في النصف الباقي) (3) .

وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): (ركعتان يصليهما المتزوج، أفضل من سبعين ركعةً يصليهما الأعزب) (4) .

وعليه فإنّ استحباب النكاح موضع اتفاق بين المسلمين (5) .

ولأهمية النكاح جعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، في المرتبة الثانية من مراتب الفوائد المعنوية، حيث قال: (ما استفاد امرؤ مسلم فائدةً بعد الإسلام، أفضل من زوجة مسلمة، تُسرّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا

____________________

(1) كتاب السرائر 2: 518.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 382.

(3) مَن لا يحضره الفقيه 3: 383.

(4) تهذيب الأحكام 7: 239 / 1 كتاب النكاح باب 22.

(5) كتاب السرائر 2: 518. وجامع المقاصد 12: 8.


غاب عنها في نفسها وماله) (1) .

وهو باب من أبواب الرزق، بأسبابه الطبيعية المقرونة بالرعاية الإلهية، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (اتخذوا الأهل، فإنّه أرزق لكم) (2) .

كراهية العزوبة:

حكم الإسلام بكراهية العزوبة؛ لأنّها تؤدي إلى خلق الاضطراب العقلي، والنفسي، والسلوكي، الناجم عن كبت الرغبات، وقمع المشاعر، وتعطيل الحاجات الأساسية في الإنسان، سيّما الحاجة إلى الإشباع العاطفي والجنسي، والعزوبة تعطيل لسُنة من سُنن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي قال: (من سُنتي التزويج، فمَن رغب عن سُنتي فليس مني) (3) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ أراذل موتاكم العزّاب) (4) ، وفي رواية: (شِرار موتاكم العزّاب) (5) .

وقد أثبت الواقع أنّ العزّاب أكثر عرضةً للانحراف من المتزوجين، فالمتزوج إضافةً إلى إشباع حاجاته الأساسية، فإنّ ارتباطه بزوجة وأُسرة، يقيّده بقيود تمنعه عن كثير من الممارسات السلبية؛ حفاظاً على سمعة أُسرته وسلامتها، ممّا يجعله أكثر صلاحاً وأداءً لمسؤوليته الفردية والاجتماعية.

____________________

(1) تهذيب الأحكام 7: 240 / 4 كتاب النكاح باب 22.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 383.

(3) مستدرك الوسائل 14: 152.

(4) مَن لا يحضره الفقيه 3: 384.

(5) جامع المقاصد 12: 9. والمقنعة: 497.


وتزداد الكراهية حينما يعزب الإنسان عن الزواج مخافة الفقر، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (مَن ترك التزويج مخافة الفقر، فقد أساء الظنّ بالله عزَّ وجلَّ) (1) .

ومن الحلول الوقتية التي سنّها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ للتخفيف من وطأة العزوبية، أن أمر الشباب أمراً إرشادياً بالالتجاء إلى الصوم، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباه فليتزوّج، ومَن لم يستطع فَليُدمِنِ الصوم، فإنّ الصوم له وِجاء) (2) .

هذا الحديث يجعل الزواج في مقابل الصوم، كأحد الوسائل الرادعة لجميع أسباب الانحراف، وتأثيراتها السلبية، فبالصوم يستطيع الشاب أن يهذّب غرائزه، ويخفّف من تأثيراتها السلبية، النفسية والعاطفية والسلوكية، دون قمع أو كبت، إضافةً إلى إدامة العلاقة مع الله تعالى، التي تمنعه من كثير من ألوان الانحراف والانزلاق النفسي والسلوكي، وبالزواج أيضاً يستطيع أن يحقّق عين الآثار المتمثّلة، بتهذيب السلوك، ومقاومة أسباب الانحراف.

استحباب السعي في النكاح:

حثّ الإسلام على السعي في النكاح، والمساهمة في الترويج له، وإقراره في الواقع بالجمع بين رجل وامرأة؛ لتكوين أُسرة مسلمة، فمَن يسعى فيه يعوّضه الله تعالى عن سعيه في الآخرة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (... ومَن عمل في تزويج بين مؤمنَينِ، حتى يجمع بينهما، زوّجه الله عزَّ وجلَّ

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 385.

(2) المقنعة: 497.


ألف امرأةً من الحور العِين..) (1) .

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (أربعة ينظر الله إليهم يوم القيامة: مَن أقال نادماً، أو أغاث لهفان، أو أعتق نَسمة، أو زوّج عَزَباً) (2) .

وقال الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام): (ثلاثة يستظلون بظل عرش الله يوم القيامة، يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه: رجل زوّج أخاه المسلم، أو أخدمه، أو كتم له سرّاً) (3) .

وجعله الإمام علي (عليه السلام) من أفضل الشفاعات فقال: (أفضل الشفاعات أن تشفع بين اثنين في نكاح، حتى يجمع الله بينهما) (4) .

والروايات المتقدمة تحثّ الناس إلى السعي، في الجمع بين الرجل والمرأة؛ لتكوين أُسرة مسلمة، فيستحب جميع ما يؤدي إلى ذلك، من السعي في الخطبة، أو بذل المال لتوفير مستلزمات الزواج، أو التشجيع عليه أو غير ذلك.

استحباب الدعاء للنكاح:

الدعاء بنفسه من العبادات المستحبة؛ لذا حثّ الإسلام عليه في سائر شؤون الإنسان، ومن بينها النكاح؛ لتكون جميع أعمال الإنسان متجهة إلى الله تعالى في سيرها، طلباً لمرضاته.

____________________

(1) وسائل الشيعة 20: 46.

(2) وسائل الشيعة 20: 46.

(3) وسائل الشيعة 20: 45.

(4) الكافي 5: 331.


وقد أكّدت الروايات على استحباب الدعاء لمَن أراد النكاح، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (فإذا همّ بذلك فليصلِّ ركعتين ويحمد الله، ويقول: اللهمّ إنّي أُريد أن أتزوج، اللهمّ فقدّر لي من النساء أعفهنَّ فرجاً، وأَحفظهنَّ لي في نفسها وفي مالي، وأَوسعهنَّ رزقاً، وأَعظمهنَّ بركةً، وقدّر لي منها ولداً طيباً، تجعله خلفاً صالحاً في حياتي وبعد موتي) (1) .

والله تعالى يجيب الإنسان، إذا دعاه بقلب مخلص ونيّة صالحة، كما تضافرت على ذلك الآيات والروايات، وهو نِعمَ العون في اختيار صالح الأعمال لعبده المؤمن المخلص، وخصوصاً في مثل هذه القضية المهمة، التي تكون مقدمةً لسعادته في الدنيا والآخرة.

اختيار الزوجة:

العلاقة الزوجية ليست علاقةً طارئة، أو صداقة مرحليّة، وإنّما هي علاقة دائمة وشركة متواصلة؛ للقيام بأعباء الحياة المادية والروحية، وهي أساس تكوين الأُسرة، التي ترفد المجتمع بجيل المستقبل، وهي مفترق الطرق؛ لتحقيق السعادة، أو التعاسة للزوج وللزوجة، وللأبناء وللمجتمع؛ لذا فينبغي على الرجل أن يختار مَن يضمن له سعادته في الدنيا والآخرة.

عن إبراهيم الكرخي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّ صاحبتي هلكت رحمها الله، وكانت لي موافقةً، وقد هممت أن أتزوج، فقال لي: (انظر أين تضع نفسك، ومَن تُشركه في مالك، وتُطلعه على دينك وسرّك، فإن كنت فاعلاً فبكراً، تُنسب إلى الخير وحسن الخلق، واعلم:

____________________

(1) تهذيب الأحكام 7: 407.


أَلا إنّ النساءَ خُلقنَ شتّى

فمنهنَّ الغنيمة والغَرامُ

ومنهنَّ الهلال إذا تجلّى

لصاحبهِ ومنهنَّ الظَلامُ

فمَن يظفر بصالحهنَّ يسعد

ومَن يعثر فليس له انتقامُ) (1)

وراعى الإسلام في تعاليمه لاختيار الزوجة، الجانب الوراثي، والجانب الاجتماعي الذي عاشته، ومدى انعكاسه على سلوكها وسيرتها.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (اختاروا لنطفكم، فإنّ الخال أحد الضجيعَينِ) (2) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (تخيّروا لنطفكم، فإنّ العِرق دسّاس) (3) .

وروي أنّه جاء إليه رجل يستأمره في النكاح، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (نعم، انكح، وعليك بذوات الدِّين، تربت يداك) (4) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من سعادة المرء الزوجة الصالحة) (5) .

فيستحب اختيار المرأة المتديّنة، ذات الأصل الكريم، والجو الأُسري السليم (6) .

وبالإضافة إلى هذه الأُسس، فقد دعا الإسلام إلى اختيار المرأة التي

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 386، وتهذيب الأحكام 7: 401.

(2) تهذيب الأحكام 7: 402.

(3) المحجّة البيضاء، الفيض الكاشاني 3: 93، ط3، دار التعارف، 1401 هـ.

(4) تهذيب الأحكام 7: 401.

(5) الكافي 5: 327.

(6) انظر: الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 290. والسرائر 2: 559. وجامع المقاصد 12: 11.


تتحلّى بصفات ذاتية من كونها، ودوداً ولوداً، طيبةَ الرائحة، وطيبةَ الكلام، موافقةً، عاملةً بالمعروف إنفاذاً وإمساكاً (1) .

وفضّل تقديم الولود على سائر الصفات الجمالية، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (تزوجوا بِكراً ولوداً، ولا تزوجوا حسناء جميلةً عاقراً، فإنّي أُباهي بكم الأُمم يوم القيامة) (2) .

ولم يُلغِ ملاحظة بعض صفات الجمال؛ لإشباع حاجة الرجل في حبه للجمال، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا أراد أحدكم أن يتزوج، فليسأل عن شَعرها كما يسأل عن وجهها، فإنّ الشَعر أحد الجمالينِ) (3) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (تزوجوا الأبكار؛ فإنّهنّ أطيب شيء أفواهاً) (4) .

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أفضل نساء أمّتي أصبحهنَّ وجهاً، وأقلهنَّ مهراً) (5) .

ويستحب أن تكون النية في الاختيار منصبّةُ على ذات الدِّين، فيكون اختيارها لدينها مقدّماً على اختيارها لمالها أو جمالها؛ لأنَّ الدِّين هو العون الحقيقي للإنسان، في حياته المادية، والروحية، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (إذا تزوج الرجل المرأة لمالها أو جمالها، لم يرزق ذلك، فإن

____________________

(1) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 290. ونحوه في: جواهر الكلام 29: 36 وما بعدها.

(2) الكافي 5: 333.

(3) مَن لا يحضره الفقيه 3: 388.

(4) الكافي 5: 334.

(5) تهذيب الأحكام 7: 404.


تزوجها لدينها، رزقه الله عزَّ وجلَّ جمالها ومالها) (1) .

ويكره اختيار المرأة الحسناء المترعرعة في محيط أُسري سيّئ، والسيئة الخلق، والعقيم، وغير السديدة الرأي، وغير العفيفة، وغير العاقلة، والمجنونة (2) ؛ لأنّها تجعل الرجل في عناء مستمر تسلبه الهناء والراحة، وتخلق الأجواء الممهّدة لانحراف الأطفال، عن طريق انتقال الصفات السيئة إليهم، ولقصورها عن التربية الصالحة.

عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: (قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطيباً، فقال: أيُّها الناس إيّاكم وخضراء الدِّمَن. قيل: يا رسول الله، وما خضراء الدِّمَن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء) (3) .

وحذّر الإسلام من تزوّج المرأة المشهورة بالزنا، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لا تتزوجوا المرأة المستعلِنة بالزنا) (4) ؛ وذلك لأنّها تخلق في أبنائها الاستعداد لهذا العمل الطالح، إضافةً إلى فقدان الثقة في العلاقات بينها وبين زوجها المتديّن، إضافةً إلى انعكاسات أنظار المجتمع السلبية اتجاه مثل هذه الأُسرة.

وكما نصح بتجنّب الزواج من الحمقاء؛ لإمكانية انتقال هذه الصفة إلى الأطفال، ولعدم قدرتها على التربية، وعلى الانسجام مع الزوج، وبناء الأُسرة الهادئة والسعيدة، قال الإمام علي (عليه السلام): (إيّاكم وتزويج الحمقاء؛

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 393.

(2) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 290.

(3) تهذيب الأحكام 7: 403. وجواهر الكلام 29: 37.

(4) مكارم الأخلاق، الطبرسي: 305، منشورات الشريف الرضي، قم 1410 هـ.


فإنّ صحبتها بلاء، وولدها ضياع) (1) .

وكذا الحال في الزواج من المجنونة، فحينما سُئل الإمام الباقر (عليه السلام) عن ذلك أجاب: (لا، ولكن إن كانت عنده أَمَة مجنونة فلا بأس أن يطأها، ولا يطلب ولدها) (2) .

اختيار الزوج:

الزوج هو شريك عمر الزوجة، وهو المسؤول عنها، وعن تنشئة الأطفال، وإعدادهم نفسياً وروحياً، وهو المسؤول عن توفير ما تحتاجه الأُسرة، من حاجات مادية ومعنوية؛ لذا يستحبّ اختياره طبقاً للموازين الإسلامية، من أجل سلامة الزوجة والأُسرة من الناحية الخُلقية والنفسية؛ لانعكاس صفاته وأخلاقه على جميع أفراد الأُسرة من خلال المعايشة، فله الدور الكبير في سعادة الأُسرة أو شقائها.

وعليه فقد أكّدت الشريعة المقدّسة، على أن يكون الزوج مرضياً في خُلقه ودينه، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا جاءكم مَن ترضَون خُلقه ودينه فزوّجوه)، وأردف (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك بالنهي عن ردّ صاحب الخُلق والدِّين فقال: (إنّكم إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) (3) .

وأضاف الإمام محمد الجواد (عليه السلام) صفة الأمانة إلى التديّن فقال: (مَن خطب إليكم فرضيتم دينه وأمانته فزوّجوه، إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض

____________________

(1) الكافي 5: 354.

(2) وسائل الشيعة 20: 85.

(3) تهذيب الأحكام 7: 394.


وفساد كبير) (1) .

الكفاءة في الزوج:

كانت العرب لا تقدِّم شيئاً على عنصر الكفاءة في الرجل، والرجل الكفؤ عندهم، هو مَن كان ذا نسبٍ مناظر لنسب المرأة التي تقدَّم لخطوبتها، ولا يُقدّم عندهم على النسب شيء، ومازال هذا الفهم سائداً لدى الكثير من المجتمعات، لا سيّما القبلية منها، أو التي احتفظت بعاداتها القبلية وإن تمدّنت في الظاهر.

لكنّ الإسلام قدّم رؤيته للكفاءة في معناها الصحيح، وإطارها السليم، المنسجم مع ميزان السماء: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) مع الأخذ بنظر الاعتبار حقّ المرأة في العيش، فعرّف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الرجل الكفؤ بقوله: (الكفوء أن يكون عفيفاً وعنده يسار) (2) .

وقيل: إنّ الكفاءة المعتبرة في النكاح أمران: الإيمان واليسار بقدر ما يقوم بأمرها والإنفاق عليها، ولا يراعى ما وراء ذلك من الأنساب والصنائع، فلا بأس أن يتزوج أرباب الصنائع الدنيّة بأهل المروّات والبيوتات (3) .

ويحرم رفض الرجل المتقدّم للزواج المتصف بالدِّين، والعفة، والورع، والأمانة، واليسار، إذا كان حقير النسب (4) .

____________________

(1) تهذيب الأحكام 7: 396.

(2) الكافي 5: 347.

(3) السرائر 2: 557. وجامع المقاصد 12: 135 - 136.

(4) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 290 - 291. وجامع المقاصد 12: 138.


ولقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: (إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، زوّج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وإنّما زوّجه؛ لتتّضع المناكح، وليتأسوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليعلموا أنّ أكرمهم عند الله أتقاهم) (1) .

والملاحظ أنّ المرأة تتأثر بدين زوجها والتزامه، بقدر تأثّرها بأخلاقه وأدبه، أكثر من تأثّره هو بدينها وأدبها، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (تزوّجوا في الشكّاك ولا تزوّجوهم؛ لأنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها، ويقهرها على دينه) (2) .

ويكره للأب أن يزوّج ابنته من شارب الخمر، والمتظاهر بالفسق، والسيّئ السيرة (3) .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (مَن شرب الخمر بعدما حرّمها الله على لساني، فليس بأهلٍ أن يُزوّج إذا خطب) (4) ؛ لأنّ شرب الخمر والإدمان عليه، يؤدّي إلى خلق الاضطراب الأُسري، والتفكّك الاجتماعي في جميع ألوانه، إضافةً إلى ذلك، فإنّه عقاب لشارب الخمر ليكون رادعاً له.

وكما حذّر الإسلام من تزوّج المرأة المشهورة بالزنا، فقد حذّر أيضاً من تزويج الرجل المعلِن بالزنا، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لا تتزوج المرأة

____________________

(1) الكافي 5: 344.

(2) الكافي 5: 348.

(3) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 291. وجامع المقاصد 12: 140.

(4) الكافي 5: 348.


المعلِنة بالزنا، ولا يُزوّج المعلِن بالزنا، إلاّ بعد أن يعرف منهما التوبة) (1) .

الأحكام المتعلّقة بالخطبة:

الخطبة تعني مبادرة الرجل لطلب الزواج من امرأةٍ، تبقى أجنبيةً عليه ما دام لم يعقد عليها عقد الزواج.

وهي بداية للتعارف عن قرب، يطّلع من خلالها كل من الرجل والمرأة على خصوصيات الآخر، وخصوصاً ما يتعلّق بالجانب الجسدي والجمالي؛ لذا جوّز الإسلام النظر في حدود مشروعة، وقيود منسجمة مع قيمه وأُسسه، في العلاقة بين الرجل والمرأة.

فيجوز للرجل أن ينظر إلى وجه المرأة، ويرى يديها بارزةً من الثوب، وينظر إليها ماشيةً في ثيابها (2) ، ويجوز لها كذلك، ولا يحلّ لهما ذلك من دون إرادة التزويج (3) .

عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: (لا بأس بأن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوجها) (4) .

وقال أيضاً: (لا بأس بأن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، ينظر إلى خَلفها وإلى وجهها) (5) .

____________________

(1) تهذيب الأحكام 7: 327.

(2) المقنعة: 520: وجامع المقاصد 12: 26 - 27.

(3) الكافي في الفقه: 296. وجواهر الكلام 29: 65.

(4) الكافي 5: 365.

(5) المصدر السابق.


وله أيضاً جواز تكرار النظر، وأن ينظر إليها قائمةً وماشيةً، وأن ينظر إلى شعرها ومحاسنها وجسدها من فوق الثياب (1) .

وقيّد الإمام الصادق (عليه السلام) ذلك بعدم التلذّذ، فحينما سُئل عن النظر إلى شعرها ومحاسنها قال (عليه السلام): (لا بأس بذلك إذا لم يكن متلذذاً) (2) .

وخلاصة الأحكام المتعلّقة بالخطبة، هي جواز النظر بشرط إرادة التزويج، فمَن لم ينوِ التزويج يكون نظره محرّماً، ويشترط عدم التلذّذ؛ لأنّه حرام بأيّ حال من الأحوال.

استحباب الخطاب أثناء الخطبة:

يستحبّ ذكر الله تعالى أثناء الخطبة؛ ليحصل الارتباط به تعالى في جميع الأحوال، ويكون ذلك انطلاقاً للالتزام بمفاهيم الإسلام وقيمه، وتقريرها في واقع الحياة الزوجية، ليكون الوِئام والحب والأُلفة والأُنس، هو الحاكم على العلاقات بعد الزواج، والخطبة المسنونة المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هي كالتالي:

(الحمدُ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدي الله فلا مضلَّ له، ومَن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إنّ الله كان عليكم رقيباً، اتقوا الله حق تُقاته، ولا تموتُنّ إلاّ وأنتم مسلمون، اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يُصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم، ومَن يطع الله ورسوله فقد

____________________

(1) شرائع الإسلام 4: 188. وجواهر الكلام 29: 66 - 67.

(2) الكافي 5: 365.


فاز فوزاً عظيماً) (1) .

أحكام خطبة المرأة ذات العِدّة:

المرأة المطلّقة طلاقاً رجعياً تعتبر ذات زوج، فللزوج حق الرجوع إليها في أثناء العِدّة دون عقد جديد، وقد حكم الإسلام بحرمة التقدّم لخطبتها، تعريضاً كانت أم تصريحاً؛ لأنّها ذات زوج (2) .

والتعريض هو: أن يخاطب الرجل المرأة بكلام يحتمل فيه إرادة النكاح وغيره، مثل أن يقول لها: رُبّ راغب فيك، رُبّ حريص عليك، لا تبقين بلا زوج (3) .

والتصريح هو: أن يخاطب الرجل المرأة خطاباً صريحاً، لا يحتمل فيه غير إرادة النكاح، بأن يقول لها: إذا انقضت عدّتك تزوجتك (4) .

والإسلام حينما حرّم ذلك أراد أن يهذّب النفوس أَوّلاً، وأن يصلح العلاقة الزوجية ثانياً، فالمرأة في العِدّة الرجعية تبقى في عصمة الزوجية، واحتمال رجوع الزوج إليها احتمالاً وارداً، فإذا خُطبت من قِبل الغير بالتعريض أو التصريح، فإنّ ذلك يؤدّي إلى تشجيعها على عدم الرجوع إلى حياتها الزوجية، ولو علم زوجها أنّ أحداً تعرّض لها، أو صرّح بالزواج منها أثناء العدّة، فإنّ ذلك يمنعه من الرجوع إليها.

أمّا المعتدّة عن الطلاق البائن فهي أجنبية عن زوجها، لا ترجع إليه إلاّ

____________________

(1) المبسوط 4: 195.

(2) المبسوط 4: 217. وجامع المقاصد 12: 48. وجواهر الكلام 30: 119.

(3) المبسوط 4: 218.

(4) المبسوط 4: 218.


بعد أن تنكح زوجاً آخر، فيجوز لزوجها الأَوّل أن يتزوجها بعقد جديد بعد طلاقها من الزوج الثاني، ففي هذه الحالة يكون التعريض لها جائز، فقد روي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لفاطمة بنت قيس - المطلّقة ثلاثاً - (إذا حللتِ فأذنيني) (1) .

أمّا التصريح لها بالخطبة فحرام، وكذا الحال في المعتدّة عدّة الوفاة، فيجوز التعريض بخطبتها، ويحرم التصريح (2) .

قال تعالى: ( وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ.. ) (3) .

المهر والصَداق:

المهر هو مِنحة من الرجل إلى المرأة التي يريد الزواج منها، قال تعالى: ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ) (4) ، والنِحلة هي (العطية من غير مثامنة) (5) .

وجوّز الفقهاء أن يكون المهر تعليم سورة أو آية من القرآن، أو شيء من الحِكم والآداب (6) ، عملاً بما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّه زوّج

____________________

(1) المبسوط 4: 218.

(2) المبسوط 4: 218. وجواهر الكلام 30: 120.

(3) سورة البقرة: 2 / 234 - 235.

(4) سورة النساء: 4 / 4.

(5) الميزان في تفسير القرآن 4: 169.

(6) المقنعة: 508. وجامع المقاصد 13: 333.


لرجل لا يملك شيئاً، فقال له: (قد زوّجتك على ما تُحسن من القرآن، فعلّمها إيّاه) (1) .

وهذه المِنحة هي حقّ للمرأة يبقى في ذمّة الرجل، عن عبد الحميد الطائي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أتزوج المرأة، وأدخل بها، ولا أعطيها شيئاً؟ قال: (نعم، يكون دَيناً عليك) (2) .

وسُئل (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأةً، ولم يفرض لها صَداقها، ثمّ دخل بها، فقال: (لها صَداق نسائها) (3) .

وعنه (عليه السلام) أنّه قال: (مَن أمهر مهراً ثمّ لا ينوي قضاءه، كان بمنزلة السارق) (4) .

وحرّم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نكاح الشِّغار، وهو كما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أن يقول الرجل للرجل: زوّجني ابنتك حتى أُزوّجك ابنتي، على أن لا مهر بيننا) (5) ؛ وذلك لأنّ في هذا النوع من الزواج امتهان للمرأة، وتجاوز على حقّها المشروع في المهر.

ومقدار المهر متروك لِما يتراضى عليه الناس، وعن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) أنّه قال: (الصَداق ما تراضيا عليه قلّ أو كثُر) (6) . فليس له حدّ

____________________

(1) تهذيب الأحكام 7: 354 - 355.

(2) الاستبصار 3: 220.

(3) تهذيب الأحكام 7: 362.

(4) الكافي 5: 383.

(5) تهذيب الأحكام 7: 355. وجامع المقاصد 12: 487.

(6) تهذيب الأحكام 7: 353.


وإنّه يجوز (بالقليل والكثير) (1) .

ويصحّ المهر في كلِّ ما يجوز كونه ذا قيمة، قلَّ أو كثر، من عين تباع - كالدار وواسطة النقل والكتاب - وعمل يعمله لها (2) ، وقد تقدّم: أنّه يصح جعل تعليم القرآن، أو الحِكَم، أو الآداب، مهراً للمرأة.

والمستحب في المهر التخفيف (3) ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أفضل نساء أُمّتي أصبحهنَّ وجهاً، وأقلهنَّ مهراً) (4) .

حكم ما يأخذه الأب:

المهر حق للزوجة مختص بها، ولا يصح للأب أن يطلب شيئاً له من مهرها بنحو الإلزام، وفي ذلك عدّة أحكام (5) :

1 - يصح للزوج أن يهب شيئاً مستقلاً للأب من غير دخله في المهر.

2 - ويصح للزوجة أن تهب شيئاً لأبيها برضاها.

3 - يحرم على الأب أن يأخذ من مهر ابنته شيئاً من دون رضاها.

4 - يحرم على الأب التصرّف ببعض الأمتعة التي يسوقها الزوج إلى البنت بدون إذنها.

____________________

(1) الانتصار: 290. وجواهر الكلام 31: 3.

(2) الجامع للشرائع: 439. وجواهر الكلام 31: 4.

(3) المبسوط 4: 273. وجامع المقاصد 13: 368. وجواهر الكلام 31: 47.

(4) تهذيب الأحكام 7: 404. وجامع المقاصد 12: 12.

(5) مهذّب الأحكام / السبزواري 25: 156، مؤسسة المنار، قم، 1417 هـ. ونحوه في: جواهر الكلام 31: 29 وما بعدها.


5 - يصح بذل مبلغ من المال للأب أو للأخ؛ من أجل إقناع المرأة بالقبول على الزواج.


الفصل الثاني

الأحكام العملية لبناء الأُسرة

تبدأ العلاقة الزوجية شرعاً من حين العقد، وهو التعبير العلني عن الالتزام الجدي بمضمون محدّد اتجاه الطرف الآخر الذي يتعاقد معه.

صيغة العقد:

أجمع العلماء على توقّف العقد على الإيجاب والقبول اللفظيين.

والإيجاب أن تقول الزوجة: (زوَّجتُكَ وأنكَحتُكَ نفسي على المهر المعلوم).

والقبول أن يقول الزوج: (قَبِلتُ التزويج، أو قَبِلتُ النكاح).

ولا يكفي مجرد التراضي القلبي، ولا الكتابة، ولا الإشارة المفهِمة لمَن يستطيع النطق.

والعقد الصحيح يجب أن يكون باللغة العربية لمَن يتمكّن منها، ويصح


بغير العربية لغير المتمكن منها (1) .

وفي عصرنا الراهن تعارف الناس على إجراء العقد من قِبل المأذون، فتيسّر الأمر لجميع أبناء المجتمع.

الإشهاد في العقد:

الإشهاد في العقد سُنّة سنّتها الشريعة الإسلامية، والتزم المسلمون بها، وتوارثوها جيلاً بعد جيل، وهي ليست شرطاً في صحة العقد (2) . سُئل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): في الرجل يتزوج بغير بيّنة، قال: (لا بأس) (3) . واستحباب الإشهاد والإعلان إنّما سُنَّ من أجل إثبات الأنساب، والميراث، وإيجاب النفقة، ودرء الحدود، وإزالة الشبهات (4) .

سُئل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): عن الرجل يتزوج المرأة بغير شهود، فقال (عليه السلام): (لا بأس بتزويج البتَّة فيما بينه وبين الله، إنّما جُعل الشهود في تزويج البتَّة من أجل الولد، لولا ذلك لم يكن به بأس) (5) .

وقال أيضاً: (إنّما جُعلت البيّنات للنسب والمواريث)، وفي رواية أُخرى (والحدود) (6) .

____________________

(1) جامع المقاصد 12: 67. والصراط القويم: 199. ومنهاج الصالحين / السيد السيستاني، المعاملات، القسم الثاني: 16 - 30.

(2) الانتصار: 281. وجامع المقاصد 12: 84.

(3) الكافي 5: 387.

(4) المقنعة: 498. وجواهر الكلام 29: 40.

(5) الكافي 5: 387 / 1.

(6) الكافي 5: 387.


شروط العقد الذاتية والإضافية:

1 - يشترط في صحة العقد رضا الزوجين واقعاً، فلو تظاهرت الزوجة بالكراهة مع العلم برضاها القلبي صحّ العقد، ولو تظاهرت بالرضا مع العلم بكراهتها واقعاً بطل العقد.

ولو أُكره الزوجان على العقد، ثمّ رضيا بعد ذلك، وأجازا العقد صحّ، وكذلك الحال في إكراه أحدهما، والأفضل إعادة العقد بعد الإجازة (1) .

2 - لا يشترط أن يكون المجري لصيغة العقد ذَكراً، فيجوز للمرأة أن تكون مجريةً للعقد (2) ، ولكنّ ذلك مخالف للعرف، فلم نسمع أنّ امرأةً قامت بذلك في مختلف المراحل الزمنية لمسيرة المسلمين.

3 - يجب الوفاء بالشروط الخارجة عن أصل العقد، فإذا اشترط أحد الزوجين على الآخر شروطاً خارجة عن أصل العقد، وجب الوفاء بها، إن كانت شروطاً موافقة للشريعة، ولا يبطل العقد بعدم الوفاء (3) .

سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن ذلك فقال: (يفي لها بذلك) (4) .

وإن شرطت أو شرطا شرطاً يخالف الشريعة فلا يصح الشرط، فلو شرطا عدم التوارث، وعدم النفقة، فالشرط باطل (5) ؛ لأنّه يخالف سنن التشريع.

____________________

(1) منهاج الصالحين، المعاملات: 20.

(2) مهذّب الأحكام 24: 226.

(3) الجامع للشرائع: 443.

(4) الكافي 5: 402 / 2.

(5) الجامع للشرائع: 442. وجواهر الكلام 31: 95 وما بعدها.


أولياء العقد:

لا يجوز للصغيرة العقد على نفسها إلاّ بإذن الأب والجد (1) ، ولا يجوز للبالغة البِكر غير الرشيدة أن تجري العقد إلاّ بإذنهما، فإن عقدت بغير إذنهما خالفت السُنّة، وكان العقد موقوفاً على إمضائهما (2) .

قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (لا تُزوج ذوات الآباء من الأبكار إلاّ بإذن آبائهنّ) (3) .

فللأب والجد ولاية على الصغيرة والبالغة غير الرشيدة، فهما أعرف منها بمصلحتها في اختيار الزوج والاقتران به؛ للتجربة التي عايشاها، ومعرفتهما بأحوال الناس، ومدى أهليتهم للقيام بمسؤولية الأُسرة من الناحية المادية والمعنوية، وللحيلولة دون انسياق الفتاة وراء المخادعين والمنحرفين من الرجال.

وقد تُرجّح ولاية الجد على ولاية الأب، وإن سبق الأب إلى العقد لم يكن للجدّ اعتراض عليه (4) .

وإذا سبق أحدهما إلى العقد لم يكن للآخر فسخه (5) .

وتسقط الولاية في حالة منعهما البنت البالغة الرشيدة من الزواج بالأكفاء، فلها الحقّ أن تجري العقد بغير إذن منهما، ولم يكن لهما

____________________

(1) السرائر 2: 560. ونحوه في جواهر الكلام 29: 174. والصراط القويم: 201.

(2) الكافي في الفقه: 292. ونحوه في جواهر الكلام 29: 182 - 183.

(3) تهذيب الأحكام 7: 379.

(4) الانتصار: 287. ونحوه في: جواهر الكلام 29: 174، 209.

(5) جامع المقاصد 12: 103. والكافي في الفقه: 292.


الفسخ (1) .

ولا ولاية لأحد على غير الباكر، ولكن يستحبّ لها أن تعقد بإذنهما (2) ، واستشارة الأب أو الجد، وطلب إذنهما من القضايا المحبّبة لدى الشريعة ولدى العرف؛ لأنّ الزواج هو تعميق للعلاقات الاجتماعية بين الزوج والزوجة وأرحامهما، فليس من الحصافة أن تتزوج المرأة دون إذن من أبيها أو جدها أو كليهما، وكذا الحال في الرجل.

سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن زواج غير الباكر، فقال: (هي أملك بنفسها، تولّي أمرها مَن شاءت إذا كان كفواً، بعد أن تكون قد نكحت زوجاً قبل ذلك) (3) .

ويجوز للباكر العقد على نفسها في حالة غيبة وليّها عنها (4) .

والغيبة هنا هي الغيبة الطويلة، التي ينقطع بها الاتصال بين البنت وأبيها أو جدّها، بحيث لا تستطيع الاستئذان، ومثال ذلك، سفر الولي إلى خارج البلاد، أو فقده، فليس من العقل أن تنتظر الفتاة وليّها المجهول الحال فترةً زمنية تضر بحالها، وهي بحاجة إلى الزواج.

المحلّل والمحرّم في النكاح:

وضع الإسلام قيوداً في تحليل وتحريم النكاح، منسجمةً مع الفطرة الإنسانية، وطبيعة الأواصر الأُسريّة، فحرّم النكاح من أصناف النساء

____________________

(1) جامع المقاصد 12: 127. وجواهر الكلام 29: 184.

(2) الكافي في الفقه: 293، والوسيلة إلى نيل الفضيلة: 300. ونحوه في جواهر الكلام 29: 186.

(3) مَن لا يحضره الفقيه 3: 397.

(4) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 299.


والرجال، قال تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ... ) (1) .

أَوّلاً: المحرّم بالنسب:

يحرم الزواج من الأصناف التالية من النساء من جهة الأنساب (2) :

1 - الأُمّ وإن علت كأُمّ الأُمّ.

2 - البنت وإن نزلت كبنت البنت.

3 - الأخت وبناتها وإن نزلنَ.

4 - العمّة والخالة وإن علتا كعمّة العمّة وخالة الخالة.

5 - بنات الأخ وإن نزلنَ.

لا تُحرم زوجة العمّ وزوجة الخال على ابن الأخ وابن الأخت في حال طلاقهما أو موتهما.

ولا يجوز للرجل أن يتزوج بنت أخت الزوجة، أو بنت أخيها، جمعاً بينهما وبين الخالة أو العمة إلاّ بإذنهما، قال الإمام الباقر (عليه السلام): (لا تتزوج

____________________

(1) سورة النساء: 4 / 23.

(2) جامع المقاصد 12: 188.


على الخالة والعمّة ابنة الأخ وابنة الأخت بغير إذنهما) (3) .

ويجوز للرجل أن يتزوج العمّة والخالة دون إذن ابنة أخيها وابنة أختها (2) .

ثانياً: المحرّم بالرضاع:

يحرم من الرضاع جميع ما يحرم من النسب (3) ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (4) .

حيث تصبح المرضِعة أُمّاً للرضيع، وزوجها - صاحب اللبن - أباً له، وإخوتهما أخوالاً وأعماماً له، وأخواتهما خالات وعمات له، وأولادهما إخوة له، بعد توفر شروط التحريم من الرضاعة وهي (5) :

1 - أن تكون مدة الرضاعة يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعةً مباشرة من الثدي، غير مفصولة برضاع آخر من مرضعة ثانية.

2 - أن يكون اللبن الذي يرتضعه الطفل منتسباً بتمامه إلى رجل واحد.

3 - عدم تجاوز الرضيع السنتين من العمر حال الرضاعة.

ولا يعتبر أخ وأُخت المرتضع أبناءً للمرتضِعة، فيجوز لهما الزواج من

____________________

(1) الاستبصار 3: 177. وجامع المقاصد 12: 340.

(2) الانتصار: 278. وجامع المقاصد 12: 340.

(3) جامع المقاصد 12: 196. والمقنعة: 499.

(4) المقنعة: 499.

(5) جامع المقاصد 12: 213 - 223. وجواهر الكلام 29: 264 وما بعدها. ومنهاج الصالحين، المعاملات / القسم الثاني: 41 - 42. والصراط القويم: 203.


أبنائها وبناتها.

ثالثاً: المحرّم بالمصاهرة:

ذكرت الآية المتقدّمة حرمة الزواج من: زوجة الأب، وزوجة الابن، ومَن عقد على امرأة ودخل بها فلا تحلّ له ابنتها بنكاح أبداً (1) .

أمّا إذا لم يدخل بالأُمّ فيجوز له نكاح ابنتها، وهو نصّ القرآن الكريم في الآية المتقدّمة، وقال الإمام علي (عليه السلام): (إذا تزوج الرجل المرأة حرمت عليه ابنتها إذا دخل بالأُمّ، فإذا لم يدخل بالأُمّ فلا بأس أن يتزوج بالابنة) (2) .

وإذا عقد على البنت حرمت عليه أُمّها، سواء دخل بها أم لم يدخل، قال الإمام علي (عليه السلام): (وإذا تزوج الابنة فدخل بها أو لم يدخل بها، حرمت عليه الأُمّ) (3) .

ومَن عقد على امرأة حرمت على ابنه ولم تحل له أبداً، وكذلك تحرم معقودة الابن على الأب حرمةً دائمة، ولا يشترط في جميع ذلك الدخول، فمجرد العقد يؤدي إلى الحرمة (4) .

رابعاً: المحرّم بسبب تجاوز القيود الشرعية:

الزواج في الإسلام رابطة مقدّسة بين الرجل والمرأة، وهو مقدمة

____________________

(1) جامع المقاصد 12: 282. والمقنعة: 502.

(2) تهذيب الأحكام 7: 273.

(3) المصدر السابق.

(4) المقنعة: 502. وجواهر الكلام 29: 350 وما بعدها.


لتعميق أواصر الإخاء والتآزر والتعاون بين الأُسر؛ لذا حرّم الإسلام العلاقات الزوجية التي تؤدي إلى التنافر والتباغض، مراعياً الفطرة الإنسانية وما ينسجم معها من علاقات.

فلو عقد الرجل على امرأة ذات زوج، حرمت عليه أبداً، إذا كان عالماً أنّها ذات زوج، سواء دخل بها أم لم يدخل، فلا يجوز له العقد عليها ثانية بعد طلاقها من زوجها أو بعد موته.

ولا فرق في ذلك بأن كانت في عصمة زوجها، أو في عدّةٍ لها من طلاق أو موت.

أمّا إذا كان جاهلاً بأنّها ذات زوج ولم يدخل بها، فإنّها تحلّ له بعد طلاقها من زوجها أو بعد موته، أمّا إذا دخل بها فتحرم حرمةً أبدية (1) .

ومَن زنى بامرأة ذات زوج، أو ذات عدّة حرمت عليه أبداً، فلا يجوز له الزواج منها بعد الطلاق أو بعد إتمام العدّة (2) .

مراسيم الزواج:

من المتعارف عليه عند المسلمين، هو إقامة مراسيم الزواج في اليوم الأَوّل، من أيام البدء الفعلي للعلاقات الزوجية بالدخول إلى بيت الزوجية، حيث يجتمع أهل الزوجين والأقارب والجيران والأصدقاء سويّةً، وبذلك تتهيّأ الفرصة للتعارف، وتمتين العلاقات الأُسريّة والاجتماعية، ومن السُنّة

____________________

(1) جامع المقاصد 12: 306. وتهذيب الأحكام 7: 306 - 307، والانتصار: 264. وجواهر الكلام 29: 430.

(2) جامع المقاصد 12: 314. وجواهر الكلام 29: 430. والانتصار: 262، 264.


إقامة الوليمة في يوم الزفاف، وجمع الإخوان على الطعام، وإظهار المسرّة، والشكر لله تعالى، والحمد على نِعَمه (1) .

فحينما تزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ميمونة بنت الحارث، أَولَم عليها وأطعم الناس (2) ، ويستحب أن يكون الزفاف ليلاً، عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: (إنّ من السُنّة التزويج بالليل؛ لأنّ الله عزَّ وجلَّ جعل الليل سكناً، والنساء إنّما هنّ سكن) (3) .

وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (زفّوا عرائسكم ليلاً، وأَطعموا ضحىً) (4) .

ويستحبُّ للزوج أن يتجمّل، ويتنظّف، ويمسّ الطيب (5) .

ويستحبُّ تقديم شيء من المهر للزوجة، قبل الدخول (6) ؛ فالعطاء يدخل السرور على المرأة في بداية حياتها الزوجية.

ويستحبّ أن يكون الزوجان على طهارة، وأن يصليا ركعتين، ثمّ يحمدا الله تعالى، ويصليا على محمد وآله الطيبين الطاهرين (7) .

____________________

(1) المقنعة: 515.

(2) تهذيب الأحكام 7: 409.

(3) تهذيب الأحكام 7: 418. وجامع المقاصد 12: 15 - 19.

(4) تهذيب الأحكام 7: 418.

(5) المقنعة: 515.

(6) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 298.

(7) تهذيب الأحكام 7: 410.


وحثّ الإسلام على الابتداء بالدعاء؛ ليكون أَوّل اتصال بين الزوج والزوجة اتصالاً معنوياً روحياً، وليس مجرد اتصال بهيمي جسدي، فيستحب الدعاء بإدامة الحب والود: (اللهمّ ارزقني إلفَها وودّها ورضاها بي، وأرضني بها، واجمع بيننا بأحسن اجتماع، وأيسر ائتلاف، فإنّك تحبُّ الحلال وتكره الحرام) (1) .

ويستحب الأخذ بناصيتها، ويستقبل بها القبلة، ويخلع خفّها، ويغسل رجلها إذا جلست، ويصب الماء في جوانب الدار (2) .

والالتزام بذلك يخلق جواً من الاطمئنان، والاستقرار، والهدوء، في أَوّل خُطوات اللقاء، ويدفع ما في نفس الزوجة من دواعي القلق والاضطراب، خصوصاً وإنّ الزوجة تعيش في أَوّل يوم من حياتها الزوجية، حالةً من الخوف والاضطراب النفسي، فإذا شاهدت مثل هذه الأعمال من صلاة ودعاء، فإنّها ستعيش في جوّ روحي يبدّد مخاوفها ويزيل اضطرابها، ويستحب للرجل حين الجماع أن يدعو: (اللهمّ ارزقني وَلداً، واجعله تقياً زكياً، ليس في خَلقه زيادة ولا نقصان، واجعل عاقبته إلى خير) (3) .

وهذا إيحاء للمرأة وللرجل بأنّ العلاقة الجنسية ليست مجرد إشباع للغريزة، وإنّما هي مقدمة للإنجاب والتوالد، حيث يبتدئ الجماع (ببسم الله الرحمن الرحيم) (4) ، فتكون ليلة الزفاف ليلةً مباركة بذكر الله تعالى.

____________________

(1) تهذيب الأحكام 7: 410، ومكارم الأخلاق: 208. وجواهر الكلام 29: 43.

(2) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 313. وجواهر الكلام 29: 46.

(3) تهذيب الأحكام 7: 411، ومكارم الأخلاق: 209.

(4) مكارم الأخلاق: 209.


كراهية المباشرة في أوقات معيّنة:

يكره للزوج أن يباشر ويجامع زوجته في الأوقات التالية (1) .

1 - ليلة الهلال باستثناء هلال شهر رمضان.

2 - ليلة النصف من الشهر، وليالي المُحاق.

3 - يوم الكسوف وليلة الخسوف.

4 - وقت الزلازل والرياح السود والصفر.

5 - ما بين طلوع الفجر والشمس.

6 - ما بين غروب الشمس ومغيب الشفق، وما بعد الظهر.

7 - ليلة الأضحى، وليلة النصف من شعبان.

8 - بين الأذان والإقامة.

كراهية المباشرة في أحوال معيّنة:

يكره للزوج مجامعة زوجته عرياناً، وقائماً، ومستقبل القبلة ومستدبرها، وفي وجه الشمس إلاّ أن يرخي ستراً.

ويكره له أن يجامع زوجته قبل الاغتسال من احتلام له.

ويكره له أن يتكلم أثناء الجماع باستثناء الكلام بذكر الله تعالى (2) .

ويكره للرجل أن يجامع زوجته متخيّلاً امرأةً أخرى، قال رسول

____________________

(1) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 313. وجامع المقاصد 12: 22. وجواهر الكلام 29: 61.

(2) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 314. وجواهر الكلام 29: 60.


الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تجامع امرأتك بشهوة امرأة غيرك، فإنّي أخشى إن قضي بينكما وَلد أن يكون مخنّثاً، مؤنثاً، مخبلاً) (1) .

مستحبات المباشرة:

يستحبّ للرجل غضّ البصر (ولا ينظرنَّ أحد في فرج امرأته، وليغضّ بصره عند الجماع، فإنّ النظر إلى الفرج يورث العمى في الولد) (2) ، ويستحب له أن يذكر الله تعالى، وأن يسأله أن يرزقه ذَكراً سوياً، كما يستحب الغسل أو الوضوء بعد الجماع قبل أن يجامع مرةً أُخرى (3) .

وتستحب المداعبة والملاعبة (4) ؛ لأنّ ذلك يعمّق الود والحب، وينقل الجماع من صورته البهيمية إلى صورة إنسانية، تتناسب مع طبائع الإنسان وعواطفه وإحساساته.

المحرّم في المباشرة:

يحرم على الرجل الدخول بزوجته الصغيرة التي لم تبلغ تسع سنين، قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): (لا يدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين) (5) .

فإن دخل بها وأفضاها حرم عليه جماعها أبداً، ووجب عليه دفع

____________________

(1) مكارم الأخلاق: 209. وجواهر الكلام 29: 61.

(2) مكارم الأخلاق: 209.

(3) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 314.

(4) مكارم الأخلاق: 212.

(5) تهذيب الأحكام 7: 391.


الأرش، والإنفاق عليها مدة حياتها (1) .

ويحرم جماعها وهي حائض (2) .

أحكام الجنابة:

يحرم على المجنب قراءة سور العزائم، وهي السور التي فيها آيات السجدة الواجبة.

ويحرم دخول المساجد، ووضع شيء فيها.

ويحرم مس كتابة المصحف، ومس كل كتابة من أسماء الله تعالى. ويكره قراءة ما زاد على السبع آيات من القرآن، ويكره للمجنب الأكل والشرب إلاّ بعد الوضوء، أو بعد غسل اليدين والتمضمض وغسل الوجه (3) .

وتتحقّق الجنابة بالجماع بقذف أو دون قذف، وبالقذف بغير جماع.

أحكام الحيض:

يحرم على الحائض قراءة سور العزائم، ومس كتابة القرآن وأسماء الله تعالى، ودخول المساجد ووضع شيء فيها.

ويبطل صوم الحائض، ويجب عليها قضاء الصوم الذي فاتها في زمن حيضها، ولا يجب عليها قضاء الصلاة، إلاّ إذا حاضت بعد دخول الوقت،

____________________

(1) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 313. وجامع المقاصد 12: 330 - 332.

(2) جامع المقاصد 1: 319.

(3) جامع المقاصد 1: 265 - 269. والوسيلة إلى نيل الفضيلة: 55.


فيجب عليها قضاء تلك الصلاة فقط، إن لم تكن قد أدّتها في وقتها، ولا يصح للزوج طلاق الحائض (1) .

الحمل:

أقل الحمل ستة أشهر، وأكثره تسعة أشهر، والريب ثلاثة أشهر، فتصير الغاية في أكثر الحمل سَنة كاملة (2) ، والسَنة الكاملة انفردت بها الإمامية (3) .

والفائدة في تحديد أكثر الحمل، أنّ الرجل إذا طلق زوجته فأتت بولد بعد الطلاق لأكثر من ذلك الحدّ لم يُلحق به، وتحديد الحمل يعتمد على النصوص، والتوقيف، والإجماع، وطرق علمية، ولا يثبت عن طريق الظن (4) .

ويحرم على الزوج نفي الحمل منه، وإن كان يعزل عن زوجته؛ لاحتمال سبق المني من غير انتباه، أو احتمال بقاء شيء من المني في المجرى وحصول اللقاح به عند العود إلى الإيلاج (5) .

ولا يجوز للمرأة إسقاط الجنين وإن كان من حرام، إلاّ إذا خافت الضرر على نفسها مع استمرار وجوده، فإنّه يجوز لها إسقاطه، في وقت لم تلجه

____________________

(1) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 58 - 59. وجامع المقاصد 1: 317 - 319.

(2) الكافي في الفقه: 314.

(3) الانتصار: 345.

(4) الانتصار: 346.

(5) منهاج الصالحين، المعاملات، القسم الثاني: 112 - 113.


الروح، أمّا بعد ولوج الروح فيه فلا يجوز لها إسقاطه مهما كان السبب (1) .

ويستحب إطعام المرأة الحامل بعض المواد الغذائية؛ لتأثيرها على صحتها وصحة جنينها؛ لأنّ الأمراض الجسدية والتشوهات في الخِلقة ناجمة في أكثر الأحيان عن سوء التغذية، وهنالك أغذية مخصوصة لها تأثير على الصفات النفسية والروحية للجنين، ومن الأغذية التي يستحبّ إطعامها للحامل.

1 - السفرجل: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (كلوا السفرجل، فإنّه يجلو البصر، وينبت المودة في القلب، وأطعموه حبالاكم، فإنّه يحسّن أولادكم) (2) .

2 - اللبان: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أَطعموا نساءكم الحوامل اللبان، فإنّه يزيد في عقل الصبي) (3) .

3 - التمر: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أطعموا المرأة في شهرها الذي تلد فيه التمر، فإنّ ولدها يكون حليماً تقياً) (4) .

ووضع أهل البيت (عليهم السلام) جدولاً متكاملاً، في أنواع الأغذية المفيدة، في صحة جسم الحامل وصحّة حملها، فيستحبُّ توفيرها للحامل، كما ورد في كتاب الأطعمة والأشربة من الكافي ومكارم الأخلاق، كالرّمان، والتين، والعنب، والزبيب، والبقول، والسلق، واللحم، والهريسة،

____________________

(1) منهاج الصالحين، المعاملات، القسم الثاني: 115 - 116.

(2) مكارم الأخلاق: 172.

(3) مكارم الأخلاق: 194.

(4) مكارم الأخلاق: 169.


والخضروات.

ويحرم على الحامل تناول الأطعمة والأشربة المضرّة بصحتها وصحة الحمل.

ويجب على الزوج النفقة ابتداءً، ويكون الوجوب أشدّ وآكد في فترة الحمل، ولا يسقط وجوب النفقة وإن كانت الحامل مطلّقةً، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (إذا طلّق الرجل المرأة وهي حبلى، أنفق عليها حتى تضع حملها، فإذا وضعته أعطاها أجرها...) (1) .

وينبغي حسن المعاملة مع المرأة في جميع الأحوال، وهو أَولى في فترة الحمل، فهي بحاجة إلى مراعاة حالتها النفسية؛ لانعكاسها على الجنين، كما يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام): (... فإنّ لها حق الرحمة، والمؤانسة، وموضع السكون إليها قضاء اللذة) (2) .

فالأفضل من قِبل الزوج تجسيداً لحق الرحمة والمؤانسة الرفق بها، وإسماعها الكلمات الجميلة، وتكريمها، والتعامل معها كإنسانة أكرمها الإسلام، وإشاعة جو السرور والبشاشة، والمودّة واللطف في المنزل، وإدخال الفرحة على قلبها، والصبر على أخطائها ومساوئها، التي لا تؤثر على نهجها الإسلامي، وتجنّب كلّ ما يؤدي إلى الإضرار بصحتها النفسية، كالتعبيس في وجهها، أو ضربها، أو هجرها، أو التقصير في حقوقها (3) .

____________________

(1) الكافي 6: 103.

(2) تحف العقول / الحراني: 188، المطبعة الحيدرية، النجف، 1380 هـ، ط5.

(3) راجع إرشاد القلوب: 175، ومكارم الأخلاق: 245، والكافي 5: 511، والمحجّة البيضاء 3: 19.


الولادة:

هي المرحلة التالية لمرحلة الحمل مباشرة، ويجب على المرأة في أَوّل المخاض أن تخلو مع النساء، ولا يجوز لأحدٍ من الرجال الدخول عليها أثناء المخاض مع الاختيار (1) .

ويجوز عند الضرورة أن يقوم الرجل بإجراء عملية الولادة لها إن عجزت النساء عن ذلك (2) .

ويستحب على القابلة أن تأخذ الوليد وتمسح عنه الدم، وتحنّكه بماء الفرات، أو بماء عَذِب إن لم تجد ماء الفرات، ويستحبّ لها أن تحنّكه بالعسل المخلوط مع الماء، أو التحنيك بتربة الإمام الحسين (عليه السلام) (3) .

ويستحب على الوالدين أن يسمعا الوليد اسم الله تعالى بالأذان في أُذنه اليمنى، والإقامة في أُذنه اليسرى (4) .

عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مَن وُلِدَ له مولود فليؤذّن في أُذنه اليمنى بأذان الصلاة، وليُقم في اليسرى؛ فإنّها عصمة من الشيطان الرجيم) (5) .

ويستحب تسمية الوليد بأحسن الأسماء، وليس ثَمّة اسم أحسن من

____________________

(1) المقنعة: 521. وجواهر الكلام 31: 250.

(2) المبسوط 4: 160 - 161. وجواهر الكلام 31: 250.

(3) المقنعة: 521. وجواهر الكلام 31: 252.

(4) المقنعة: 521. وجواهر الكلام 31: 251.

(5) الكافي 6: 24.


اسم محمد، فهو اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وكان الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، يحثّون المسلمين على تسمية أبنائهم وبناتهم بالأسماء التالية: (عبد الرحمن - وباقي أسماء العبودية لله ولصفاته - محمد، أحمد، علي، حسن، حسين، جعفر، طالب، فاطمة) (1) .

ويكره التسمية ببعض الأسماء، كالحَكَم، وحكيم، وخالد، ومالك، وحارث (2) .

واستحباب الاسم الحَسَن مقدمة؛ لتحصين الوليد من السخرية والاستهزاء في كبره؛ لأنّ الأسماء غير الحسنة تُستهجن من قِبل المجتمع، إضافةً إلى ذلك فإنّ الأسماء الحسنة كأسماء الأنبياء، والأئمة، والأولياء، تجعل الطفل مرتبطاً بهم في سلوكه ومواقفه، وهو في نفس الوقت نوع من التبرّك بأفضل أسماء الشخصيات، التي لها دور كبير في إرشاد الإنسانية وتقويمها.

ويستحب في اليوم السابع من الولادة أن تُثقب أُذن الوليد، ويُحلق شعر رأسه، ثمّ يجفّف ويتصدق بزنته ذهباً أو فضةً، ويختن في هذا اليوم، ويُعقّ عنه بشاة سمينة، يُعطى للقابلة منها الرجل بالورك، ويفرّق باقي اللحم على الفقراء والمساكين، ويُعقّ عن الذَكر بذَكر من الغنم، وعن الأُنثى بأُنثى منها (3) .

____________________

(1) راجع الكافي 6: 19.

(2) راجع الكافي 6: 21.

(3) المقنعة: 521 - 522. وجواهر الكلام 31: 253 وما بعدها.


عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (يُسمّى في اليوم السابع، ويُعقّ عنه، ويُحلق رأسه، ويتصدّق بوزن شعره فضةً، ويُبعث إلى القابلة بالرجل مع الورك، ويطعم منه ويتصدّق) (1) .

وفي رواية عنه (عليه السلام): (... واحلق رأسه يوم السابع، وتصدّق بوزن شعره ذهباً أو فضةً) (2) .

ولهذه المستحبات دور كبير في تعميق الأواصر الاجتماعية، بالتصدّق على الفقراء، وإطعام المحتاجين والمساكين، ولها آثار نفسية حسنة للطفل حينما يترعرع، ويفهم اعتناء الوالدين به في ولادته، إضافةً إلى الذكرى الحسنة عند مَن وصلته تلك الصدقة وتلك العقيقة، حيث يكون عندهم محل احترام وتقدير.

ومن الأذكار المأثورة عند ذبح العقيقة ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): (وجّهت وجهي للّذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً، وما أنا من المشركين، إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، اللهمّ منك ولك، اللهمّ هذا عن فلان بن فلان) (3) .

وفي السيرة عقّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحسن (عليه السلام) بيده وقال: (بسم الله عقيقة عن الحسن، اللهمّ عَظمها بعَظمه، ولحمها بلحمه، ودمها بدمه، وشعرها بشعره، اللهمّ اجعلها وقاءً لمحمّد وآله) (4) .

____________________

(1) الكافي 6: 29.

(2) الكافي 6: 28.

(3) الكافي 6: 31.

(4) الكافي 6: 32 - 33.


وفي استحباب ثقب الأُذن والختان قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (إنّ ثقب أُذن الغلام من السُنّة، وختانه لسبعة أيام من السُنّة) (1) .

وللختان في اليوم السابع آثار صحيّة على الوليد، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (اختنوا أولادكم لسبعة أيام، فإنّه أطهر وأسرع لنبات اللّحم، وإنّ الأرض لتكره بول الأغلف) (2) .

والختان في هذا اليوم يؤدي إلى سرعة الشفاء مع قلة الألم.

أحكام النفاس:

أقل مدّة للطهر من دم النفاس عشرة أيام (3) .

وحكم النُفَساء حكم الحائض في جميع المحرّمات والمكروهات (4) .

فيحرم عليها: قراءة سور العزائم، ومسّ كتابة القرآن وأسماء الله تعالى، ودخول المساجد، ووضع شيء فيها.

ويجب عليها منع زوجها من وطئها في الفرج.

ويبطل صومها، ويجب عليها قضاء الصوم دون الصلاة، ولا يصحّ للزوج طلاقها.

____________________

(1) الكافي 6: 35.

(2) الكافي 6: 34.

(3) الكافي في الفقه: 315. والمسائل الاتفاقية: 115 - 116.

(4) جامع المقاصد 1: 349. والمسائل الاتفاقية: 118. والوسيلة إلى نيل الفضيلة: 61.


حكم تبنّي الوليد:

إذا ولدت امرأة على فراش الرجل لأكثر من ستة أشهر فصاعداً لزمه قبوله، ويحرم عليه نفيه منه، وإن ولدت لأقلّ من ذلك وليداً حيّاً سوياً ينبغي نفيه منه، فإن أقرّ به قُبل منه، ولم يسعه بعد ذلك الانتفاء منه (1) .

الرضاع:

حليب الأُمّ هو الغذاء الأمثل للطفل، فهو (أوفق بمزاجه وأنسب بطبعه) (2) ، وأفضل مَن يمنحه الحنان، فيكون الطفل أقل توتراً، وأهنأ بالاً، وأسعد حالاً، فيستحب إرضاع الطفل من حليب أُمّه، قال الإمام علي (عليه السلام): (ما من لبن يرضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أُمّه) (3) .

وهذا ما يؤكّده العلم الحديث، وهو يكشف مناسبة حليب الأُمّ لحاجة الرضيع من حيث مكوّناته، ومن حيث درجة حرارته أيضاً، فإنّ مكوّناته وحرارته تتغيّر مع نمو الطفل، وبحسب ما يتطلبه النمو السليم.

وعلى الرغم من استحباب إرضاع الطفل من حليب أُمّه، إلاّ أنّه لا يتوجب عليها إرضاعه (4) ، سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الرضاع فقال: (لا تُجبر الحرّة على رضاع الولد، وتجبر أُمّ الولد) (5) .

____________________

(1) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 317. وجواهر الكلام 31: 224. ومنهاج الصالحين - المعاملات: 112 - 113.

(2) الحدائق الناضرة 25: 71.

(3) الكافي 6: 40.

(4) الحدائق الناضرة 25: 71. وجواهر الكلام 31: 272. والصراط القويم: 214.

(5) الكافي 6: 41.


وعدم الوجوب مشروط بوجود الأب وقدرته على دفع الأُجرة، أو عدم تبرّع الأُمّ، أو وجود مال للولد، ووجود مرضعة أُخرى، وفي حالة عدم توفر هذه الشروط، يجب على الأُمّ إرضاعه، كما يجب عليها الإنفاق عليه إذا كان الأب معسراً أو مفقوداً (1) .

وفي الظروف الاستثنائية التي تقف حائلاً دون إرضاع الأُمّ لطفلها بسبب قلّة الحليب، أو مرض الأُمّ، أو موتها، أو رفضها للرضاعة مجاناً، يستحبّ اختيار المرضِعة المناسبة والملائمة ضمن مواصفات معيّنة، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (انظروا مَن ترضع أولادكم، فإنّ الولد يشبُّ عليه) (2) .

ويستحب اختيار المرأة المرضعة التي تتوفر فيها أربع خصال: العاقلة، المسلمة، العفيفة، الوضيئة (3) .

قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): (استرضع لولدك بلبن الحِسان، وإيّاك والقِباح فإنّ اللبن قد يعدي) (4) .

وقال (عليه السلام): (عليكم بالوضاء من الظؤرة، فإنّ اللبن يعدي) (5) .

ويكره استرضاع الحمقاء، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تسترضعوا الحمقاء، فإن الولد يشبُّ عليه) (6) .

____________________

(1) الحدائق الناضرة 25: 72. وجواهر الكلام 31: 272.

(2) الكافي 6: 44. وجواهر الكلام 29: 307.

(3) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 316. وجامع المقاصد 12: 208. وجواهر الكلام 29: 306.

(4) الكافي 6: 44. وجواهر الكلام 29: 306.

(5) الكافي 6: 44.

(6) مكارم الأخلاق: 237. وجواهر الكلام 29: 306.


وكذا البغيّة والمجنونة، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (توقّوا على أولادكم من لبن البغيّة والمجنونة، فإنّ اللبن يعدي) (1) .

ويجوز استرضاع الكتابيات على كراهية، وفي حال عدم وجود مرضِعة مسلمة، وترتفع الكراهة في حال منعهنَّ من شرب الخمر، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (إذا أرضعنَ لكم، فامنعوهنَّ من شرب الخمر) (2) .

وكراهية استرضاع تلك الأصناف ناجمة من تأثير اللبن على الطفل، ففي حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (... فإنّ اللبن يعدي، وإنّ الغلام ينزع إلى اللبن) (3) .

ومن أجل تحسين حليب الطفل، يستحبُّ إطعام النساء في نفاسهنَّ التمر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ليكن أَوّل ما تأكل النُفَساء الرطب) (4) .

ويفضّل إطعام نوع خاص من التمر وهو البَرني، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (أطعموا البَرني نساءكم في نفاسهنَّ، تحلم أولادكم) (5) .

وللأُمّ حق الإرضاع لطفلها إن رضي الأب بغير أُجرة، ولها حق الامتناع من الرضاعة، إمّا إذا كانت مطلّقةً، فهي أَولى برضاعه سواء رضي الأب أم لم يرضَ، ولها أُجرة المِثل، فإن طلبت أُجرةً زائدة على ما يرضى به

____________________

(1) مكارم الأخلاق: 223. وجواهر الكلام 29: 306، 308.

(2) الكافي 6: 42. وجواهر الكلام 29: 307.

(3) الكافي 6: 43.

(4) الكافي 6: 22.

(5) الكافي 6: 22.


غيرها، كان للأب حقّ انتزاعه من يدها (1) .

ولا يجوز للأب أن يسلّم الطفل إلى مرضعة تذهب به إلى منزلها إلاّ برضا الأُمّ (2) .

ومدّة الرضاع هي سنتان، وأقلّه واحد وعشرون شهراً، ويجوز الزيادة على السنتين مقدار شهرين، والزيادة لا أُجرة فيها (3) .

ويستحسن في مرحلة الرضاع مناغاة الطفل؛ لأنّها تؤثر على سرعة النطق، ونموّه اللغوي والعاطفي في المستقبل، حيث يشعر من خلال المناغاة بوجود الأمن والطمأنينة والهدوء، ولنا في سُنّة أهل البيت (عليهم السلام) خير منار واقتداء، فكانت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، تناغي الحسن (عليه السلام) في هذه المرحلة وتقول:

أشبه أباك يا حسن

واخلع عن الحق الرّسنْ

واعبد إلهاً ذا مِننْ

ولا توالِ ذا الإحَنْ

وكانت تناغي الحسين (عليه السلام):

أنت شبيه بأبي

لست شبيهاً بعليّ (4)

الفِطام:

حدّدت الشريعة الإسلامية مدة الإرضاع التامة بأربع وعشرين شهراً

____________________

(1) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 315 - 316.

(2) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 315 - 316. ومنهاج الصالحين، المعاملات: 120.

(3) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 315 - 316. والصراط القويم: 214.

(4) بحار الأنوار 43: 286.


كما جاء في قوله تعالى: ( والوالِداتُ يُرضِعنَ أولادَهُنَّ حَولَينِ كامِلينَ لِمن أرادَ أن يُتمَّ الرَّضَاعةَ... ) (1) .

وأقلّ الرضاع - كما تقدّم - واحد وعشرون شهراً، وينبغي على الوالدين إن أرادا فِطام الصبي في هذه المدة، أن يتشاورا فيما بينهما، قال تعالى: ( ... فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا.. ) (2) .

ويجوز تأخير الرضاع إلى شهر أو شهرين بعد مدة التمام، وهي أربع وعشرون شهراً، ويحرم الرضاع بعد ذلك؛ لأنّ لبن المرأة يصير من الخبائث، ومن فضلات مالا يُؤكل لحمه، فيحرم على المكلّف شربه، وكل ما حرم على المكلّف شربه يحرم إعطاؤه لغير المكلّف (3) .

فيجب على الأُمّ أو الأب المستأجر لمرضعة، مراعاة وقت الرضاع، ووقت الفِطام، بلا إفراط ولا تفريط، فيحسن إرضاع الولد واحداً وعشرين شهراً، ولا ينبغي إرضاعه أقل من ذلك (4) ، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (الرضاع واحد وعشرون شهراً، فما نقص فهو جور على الصبي) (5) ؛ ذلك لأنّ الطفل بحاجة إلى اللبن في هذه المدّة، وبحاجة إلى الدفء العاطفي والحنان على حدٍّ سواء.

____________________

(1) سورة البقرة: 2 / 233.

2) سورة البقرة: 2 / 233.

(3) مهذّب الأحكام 25: 275.

(4) منهاج الصالحين، المعاملات: 120.

(5) الكافي 6: 40.


الحضانة:

الحضانة هي الولاية على الطفل لفائدة تربيته، وما يتعلّق بها من مصلحته (1) ، ومرحلة الحضانة هي أهمّ المراحل في نموّ الطفل البدني، واللغوي، والعقلي، والأخلاقي، وهي مرحلة تشكيل البناء النفسي الذي تقوم عليه أعمدة الصحة النفسية والخُلقية، وتتطلب هذه المرحلة من الوالدين إبداء عنايةٍ خاصةٍ في رعاية الطفل وحمايته، وتوفير ما يحتاجه من مقوّمات النموّ البدنية والروحية؛ ليكون عنصراً فعّالاً في المجتمع.

والأُمّ أحقُّ بحضانة الولد مدّة الرضاع، فلا يجوز للأب أن يأخذه في هذه المدّة منها، فإذا انقضت مدة الرضاع، فالأب أحق بالذكر، والأُمّ أحق بالأنثى حتى تبلغ سبع سنين من عمرها، ثمّ يكون الأب أحقّ بها، وإن فارق الأُمّ بفسخ أو طلاق قبل أن تبلغ سبع سنين، لم يسقط حقّ حضانتها ما لم تتزوج بالغير، فلو تزوجت سقط حقّها، وكانت الحضانة للأب (2) .

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (المرأة أحق بالولد ما لم تتزوج) (3) .

وعنه (عليه السلام) قال: (ما دام الولد في الرضاع فهو بين الأبوين بالسوية، فإذا فُطم فالأب أحقُّ به من الأُمّ، فإذا مات الأب فالأُمّ أحقُّ به من العُصبة...) (4) .

وفي حال فقدان الأبوين تكون الحضانة لأب الأب مقدّماً على غيره

____________________

(1) الحدائق الناضرة 25: 83.

(2) مهذّب الأحكام 25: 278.

(3) وسائل الشيعة 21: 471.

(4) الكافي 6: 45.


من الإخوة والأجداد (1) .

وإن فقد أب الأب تكون الحضانة لأقارب الطفل، على ترتيب مراتب الإرث الأقرب منهم يمنع الأبعد (2) .

ومن شروط حق الحضانة للأُمّ (3) :

1 - أن تكون مسلمةً.

2 - أن تكون عاقلةً.

3 - أن تكون سالمةً من الأمراض المعدية.

4 - أن تكون فارغةً من حقوق الزوج، فلو تزوّجت سقط حقها من الحضانة.

5 - أن تكون أمينةً.

6 - وأضاف بعض الفقهاء شرط عدم فسق الأُمّ (4) .

ولا يجوز للأمّ الحاضنة أن تسافر بالولد إلى بلد بغير رضا أبيه، ولا يجوز للأب أن يسافر به ما دام في حضانة أُمّه (5) .

____________________

(1) الحدائق الناضرة 25: 96.

(2) مهذّب الأحكام 25: 281.

(3) الحدائق الناضرة 25: 90 - 91، 93. والصراط القويم: 214.

(4) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 288.

(5) مهذب الأحكام 25: 283.


الفصل الثالث

الحقوق الأُسريّة

وضع المنهج الإسلامي حقوقاً وواجبات على جميع أفراد الأُسرة، وأمر بمراعاتها من أجل إشاعة الاستقرار والطمأنينة في أجواء الأُسرة، والتقيّد بها يسهم في تعميق الأواصر وتمتين العلاقات، وينفي كل أنواع المشاحنات والخلافات المحتملة، والتي تؤثّر سلباً على جوّ الاستقرار الذي يحيط بالأُسرة، وبالتالي تؤثّر على استقرار المجتمع المتكوّن من مجموعة من الأُسر.

أَوّلاً: حقوق الزوج:

من أهمّ حقوق الزوج حقّ القيمومة، قال الله تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) (1) .

فالأُسرة باعتبارها أصغر وحدة في البناء الاجتماعي بحاجة إلى قيّم ومسؤول عن أفرادها، له حقّ الإشراف، والتوجيه، ومتابعة الأعمال،

____________________

(1) النساء 4: 34.


والممارسات، وقد أوكل الله تعالى هذا الحق إلى الزوج، فالواجب على الزوجة مراعاة هذا الحق المنسجم، مع طبيعة الفوارق البدنية والعاطفية لكلٍّ من الزوجين، وأن تراعي هذه القيمومة في تعاملها مع الأطفال وتشعرهم بمقام والدهم.

ومن الحقوق المترتبة على حق القيمومة حق الطاعة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أن تطيعه ولا تعصيه، ولا تصدّق من بيتها شيئاً إلاّ بإذنه، ولا تصوم تطوعاً إلاّ بإذنه، ولا تمنعه نفسها، وإن كانت على ظهر قتب، ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه...) (1) .

حتى إنّه ورد كراهة إطالة الصلاة من قِبل المرأة؛ لكي تتهرّب من زوجها، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تُطوِّلنّ صلاتكنّ لتمنعنَّ أزواجكنّ) (2) .

ويجب عليها إحراز رضاه في أدائها للأعمال المستحبة، فلا يجوز لها الاعتكاف المستحب إلاّ بإذنه (3) ، ولا يجوز لها أن تحجّ استحباباً إلاّ بإذنه، وإذا نذرت الحج بغير إذنه لم ينعقد نذرها (4) .

ومن أجل تعميق العلاقات العاطفية، وإدامة الروابط الروحية، وإدخال السرور والمتعة في نفس الزوج، يستحب للمرأة الاهتمام بمقدمات ذلك، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (جاءت امرأة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا رسول الله، ما حقّ الزوج على المرأة؟ قال: أكثر من ذلك،

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 277.

(2) الكافي 5: 508.

(3) الكافي في الفقه: 187.

(4) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 191.


فقالت: فخبّرني عن شيء منه فقال: ليس لها أن تصوم إلاّ بإذنه - يعني تطوعاً - ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه، وعليها أن تطّيّب بأطيب طيبها، وتلبس أحسن ثيابها، وتزيّن بأحسن زينتها، وتعرض نفسها عليه غدوةً وعشية، وأكثر من ذلك حقوقه عليها) (1) .

ويستحب لها كما يقول الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): (.. إظهار العشق له بالخِلابة، والهيئة الحسنة لها في عينه) (2) .

وفي رواية جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّ لي زوجةً إذا دخلت تلقّتني، وإذا خرجت شيّعتني، وإذا رأتني مهموماً قالت: ما يهمّك، إن كنت تهتم لرزقك فقد تكفّل به غيرك، وإن كنت تهتمّ بأمر آخرتك فزادك الله همّاً، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (بشّرها بالجنة، وقل لها: إنّك عاملة من عمّال الله، ولك في كلِّ يوم أجر سبعين شهيداً).

وفي رواية: (إنّ لله عزَّ وجلَّ عمّالاً، وهذه من عمّاله، لها نصف أجر الشهيد) (3) .

ويحرم على الزوجة أن تعمل ما يسخط زوجها ويؤلمه، في ما يتعلق بالحقوق العائدة إليه، كإدخال بيته مَن يكرهه، أو سوء خُلقها معه، أو إسماعه الكلمات المثيرة وغير اللائقة.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أيّما امرأة آذت زوجها بلسانها، لم يُقبل منها

____________________

(1) الكافي 5: 508.

(2) تحف العقول: 239.

(3) مكارم الأخلاق: 200.


صرفاً، ولا عدلاً، ولا حسنةً من عملها حتى ترضيه) (1) .

وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (أيّما امرأة باتت وزوجها عليها ساخط في حقّ، لم تُقبل منها صلاة حتى يرضى عنها، وأيّما امرأة تطيّبت لغير زوجها، لم تُقبل منها صلاة حتى تغتسل من طيبها، كغُسلها من جنابتها) (2) .

ويحرم على الزوجة أن تهجر زوجها دون مبرّر شرعي (3) ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أيّما امرأة هجرت زوجها وهي ظالمة، حُشرت يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون، في الدَرك الأسفل من النار، إلاّ أن تتوب وترجع) (4) .

ومن أجل الحيلولة دون تمادي الزوجة غير المطيعة في ارتكاب الممارسات الخاطئة، التي تخلق أجواء التوتر في الأُسرة، جعل الإسلام للزوج حق استخدام العقوبات المؤدّبة لها، إذا لم ينفع معها الوعظ والإرشاد، وتندرج العقوبة من الأخف أَوّلاً ثمّ الأشد ثانياً، حسب حال المرأة، ومقدار نشوزها، وإعراضها، وعدم طاعتها، بعد بذل النصيحة والموعظة، قال الله تعالى: ( ... وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً... ) (5) .

____________________

(1) مكارم الأخلاق: 202.

(2) الكافي 5: 507.

(3) جواهر الكلام 31: 201. ومنهاج الصالحين، المعاملات: 103.

(4) مكارم الأخلاق: 202.

(5) سورة النساء: 4 / 34.


فتجوز له العقوبة إذا منعته من نفسها، وتسلّطت عليه بالقول أو الفعل، فيبدأ بوعظها وتخويفها من الله تعالى، فإن أثّر ذلك وإلاّ هجرها بالإعراض عنها في مدخله، ومخرجه، ومبيته، من غير إخلال بما يحفظ حياتها من غذاء ولباس، فإن أثّر ذلك وإلاّ ضربها ضرباً غير مبرّح، وإن خرجت من منزله بغير إذنه أو بإذنه وامتنعت عن الرجوع إليه فله ردّها، وإن أبت فله تأديبها بالإعراض عنها وقطع الإنفاق (1) .

وأكّدت الروايات على مراعاة حق الزوج، واتّباع الأساليب الشيّقة في إدامة أواصر الحبّ والوِئام، وخلق أجواء الانسجام والمعاشرة الحسنة داخل الأُسرة، فجعل الإمام الباقر (عليه السلام) حُسن التبعّل جهاداً للمرأة فقال (عليه السلام): (جهاد المرأة حُسن التبعّل) (2) .

ولأهمية مراعاة هذا الحق، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تؤدي المرأة حقّ الله عزَّ وجلَّ، حتى تؤدي حقّ زوجها) (3) .

وذكر (صلى الله عليه وآله وسلم) طاعة الزوج في سياق ذكره لسائر العبادات والطاعات، التي توجب دخول الجنة، حيث قال: (إذا صلّت المرأة خَمسها، وصامت شهرها، وأحصنت فرجها، وأطاعت بعلها، فلتدخل من أيّ أبواب الجنة شاءت) (4) .

ووضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأهل بيته (عليهم السلام) منهجاً في العلاقات بين

____________________

(1) الكافي في الفقه: 294.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 278.

(3) مكارم الأخلاق: 215.

(4) مكارم الأخلاق: 201.


الزوجين، يعصم الحياة الزوجية من التصدّع والاضطراب، فأكّد على الزوجة أن لا تكلّف زوجها مالا يطيق في أمر النفقة، وهو أمر يسبّب كثيراً من المتاعب في الحياة الزوجية، ويضرّ بصفوها وانسجامها.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أيّما امرأة أدخلت على زوجها في أمر النفقة وكلّفته ما لا يطيق، لا يقبل الله منها صرفاً، ولا عدلاً، إلاّ أن تتوب، وترجع، وتطلب منه طاقته) (1) .

وحثّ (صلى الله عليه وآله وسلم) المرأة على إصلاح شؤون البيت، واستقبال الزوج بأحسن استقبال فقال: (حقّ الرجل على المرأة إنارة السراج، وإصلاح الطعام، وأن تستقبله عند باب بيتها فترحّب به، وأن تقدّم إليه الطشت والمنديل...) (2) .

ويستحب للزوجة أن تكسب رضا الزوج وتنال مودته، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (خير نسائكم التي إن غضبت أو أُغضبت قالت لزوجها: يدي في يدك لا أكتحل بغمضٍ حتى ترضى عني) (3) .

وجعل الإمام محمد الباقر (عليه السلام) رضا الزوج على زوجته شفيعاً لها عند الله تعالى، فقال: (لا شفيع للمرأة أنجح عند ربّها من رضا زوجها، ولمّا ماتت فاطمة (عليها السلام)، قام عليها أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: اللهمّ إنّي راضٍ عن ابنت نبيك، اللهمّ إنّها قد أوحشت فآنسها) (4) .

____________________

(1) مكارم الأخلاق: 202.

(2) مكارم الأخلاق: 215.

(3) مكارم الأخلاق: 200.

(4) بحار الأنوار 103: 257.


ومن أجل التغلّب على المشاكل المعكّرة لصفو المودّة والوِئام، يستحب للزوجة أن تصبر على أذى الزوج، فلا تقابل الأذى بالأذى والإساءة بالإساءة؛ لأنّ ذلك من شأنه أن يغمر أجواء الأُسرة بالتوترات الدائمة، والمشاكل التي لا تنقضي، والصبر هو الأسلوب القادر على إيصال العلاقات إلى الانسجام التام، بعودة الزوج إلى سلوكه المنطقي الهادئ، فلا يبقى له مبرّر للإصرار على سلوكه غير المقبول، قال الإمام الباقر (عليه السلام): (وجهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها وغَيرته) (1) .

ومن آثار مراعاة الزوجة لحقوق الزوج في الوسط الأُسري، أن تصبح له مكانة محترمة في نفوس أبنائه، فيحفظون له مقامه، ويؤدّون له حق القيمومة فيطيعون أوامره، ويستجيبون لإرشاداته ونصائحه، فتسير العملية التربوية سيراً متكاملاً، ويعمّ الاستقرار والطمأنينة جوّ الأُسرة بأكمله، وتنتهي جميع ألوان وأنواع المشاحنات والتوترات المحتملة.

ثانياً: حقوق الزوجة:

وضع الإسلام حقوقاً للزوجة يجب على الزوج تنفيذها وأداءها، وهي ضرورية؛ لإشاعة الاستقرار والاطمئنان في أجواء الأُسرة، وإنهاء أسباب المنافرة والتدابر قبل وقوعها.

ومن حقوق الزوجة على زوجها: حق النفقة، حيث جعله الله تعالى من الحقوق التي يتوقف عليها حقّ القيمومة للرجل، كما جاء في قوله تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 277.


مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) (1) .

فيجب على الزوج الإنفاق على زوجته، وشدّد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على هذا الواجب، حتى جعل المقصّر في أدائه ملعوناً، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ملعون ملعون مَن يضيّع مَن يعول) (2) .

والنفقة الواجبة هي الإطعام، والكسوة للشتاء والصيف، وما تحتاج إليه من الزينة حسب يسار الزوج (3) .

والضابط في النفقة القيام بما تحتاج إليه المرأة من طعام، وأداء، وكسوة، وفراش، وغطاء، وإسكان، وإخدام، وآلات تحتاج إليها لشربها، وطبخها، وتنظيفها (4) .

ويقدّم الإطعام والإكساء على غيره من أنواع النفقة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (حقّ المرأة على زوجها أن يسدَّ جوعتها، وأن يستر عورتها، ولا يقبّح لها وجهاً، فإذا فعل ذلك أدّى والله حقّها) (5) .

والنفقة هي ملك شخصي للزوجة، فلو دفع لها الزوج نفقتها ليوم، أو أسبوع، أو شهر، وانقضت المدة، ولم تصرفها على نفسها بأن أنفقت من غيرها، أو أنفق عليها أحد بقيت ملكاً لها (6) .

____________________

(1) النساء 4: 34.

(2) عدّة الداعي / أحمد بن فهد الحلي: 72 - مكتبة الوجداني قم.

(3) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 285.

(4) مهذّب الأحكام 25: 298. والصراط القويم: 215.

(5) عدّة الداعي: 81.

(6) مهذّب الأحكام 25: 305.


ولو مضت أيام ولم ينفق الزوج عليها، اشتغلت ذمته بنفقة تلك المدة، سواء طالبته بها أو سكتت عنها (1) .

ولضرورة هذا الحق جعل الإسلام للحاكم الشرعي - وهو الفقيه العادل - صلاحية إجبار الزوج على النفقة، فإن امتنع كان له حق التفريق بينهما (2) ، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (إذا أنفق الرجل على امرأته ما يقيم ظهرها مع الكسوة، وإلاّ فرّق بينهما) (3) .

ولا تسقط النفقة حتى في حال الطلاق، فما دامت المطلّقة في عدّتها فعلى الزوج الإنفاق عليها، وتسقط نفقتها في حال الطلاق الثالث، قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): (إنَّ المطلّقة ثلاثاً ليس لها نفقة على زوجها، إنّما هي للتي لزوجها عليها رجعة) (4) ، إلاّ الحامل فإنّها تستحقُّ النفقة بعد الطلاق الثالث (5) .

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إذا طلّق الرجل المرأة وهي حبلى، أنفق عليها حتى تضع..) (6) .

وتسقط النفقة في حال عدم التمكين للزوج، ولا تسقط إن كان عدم التمكين لعذر شرعي أو عقلي، من حيض، أو إحرام، أو اعتكاف، واجب، أو

____________________

(1) مهذّب الأحكام 25: 304.

(2) مهذّب الأحكام 25: 305.

(3) وسائل الشيعة 21: 512.

(4) الكافي 6: 104.

(5) المقنعة: 531.

(6) الكافي 6: 103.


مرض (1) .

وتسقط النفقة إن خرجت بدون إذن زوجها، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أيّما امرأة خرجت من بيتها بغير إذن زوجها، فلا نفقة لها حتى ترجع) (2) .

وحثّ الإسلام على اتخاذ التدابير الموضوعية؛ للحيلولة دون وقوع التدابر والتقاطع، فدعا إلى توثيق روابط المودّة والمحبة، وأمر بالعشرة بالمعروف، قال الله تعالى: ( ... وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) (3) .

ومن مصاديق العشرة بالمعروف حُسن الصحبة، قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في وصيته لمحمد بن الحنفية: (إنَّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فدارِها على كلِّ حال، وأَحسن الصحبة لها، فيصفو عيشك) (4) .

ومن حقها أن يتعامل زوجها معها بحسن الخلق، وهو أحد العوامل التي تُعمّق المودة والرحمة والحب داخل الأُسرة، قال الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): (لا غنى بالزوج عن ثلاثة أشياء فيما بينه وبين زوجته، وهي: الموافقة؛ ليجتلب بها موافقتها ومحبتها وهواها، وحسن خلقه معها واستعماله، استمالة قلبها بالهيئة الحسنة في عينها، وتوسعته عليها..) (5) .

____________________

(1) مهذّب الأحكام 25: 292.

(2) الكافي 5: 514.

(3) سورة النساء: 4 / 19.

(4) مكارم الأخلاق: 218.

(5) تحف العقول: 239.


ومن حقها الإكرام، والرِفق بها، وإحاطتها بالرحمة والمؤانسة، قال الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): (وأمّا حقُّ رعيتك بمِلك النكاح، فأن تعلم أنّ الله جعلها سكناً، ومستراحاً، وأُنساً، وواقيةً، وكذلك كلّ واحد منكما يجب أن يحمد الله على صاحبه، ويعلم أنّ ذلك نعمة منه عليه، ووجب أن يُحسن صُحبة نعمة الله، ويكرمها ويرفق بها، وإن كان حقك عليها أغلظ، وطاعتك بها ألزم، فيما أحبّت وكرهت ما لم تكن معصيةً، فإنّ لها حقّ الرحمة والمؤانسة، وموضع السكون إليها قضاء اللذة التي لابدّ من قضائها..) (1) .

وقد ركّز أهل البيت (عليهم السلام) على جملة من التوصيات؛ من أجل إدامة علاقات الحب والمودّة داخل الأُسرة، وهي حق للزوجة على زوجها.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (خيّركم خيّركم لنسائه، وأنا خيّركم لنسائي) (2) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (مَن اتخذ زوجةً فليكرمها) (3) .

وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (رحم الله عبداً أحسن فيما بينه وبين زوجته) (4) .

وجاءت توصيات جبرئيل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، مؤكدّة لحق الزوجة قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أوصاني جبرئيل (عليه السلام) بالمرأة، حتى ظننت أنّه لا ينبغي طلاقها،

____________________

(1) تحف العقول: 188.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 281.

(3) مستدرك الوسائل / النوري 2: 550.

(4) مَن لا يحضره الفقيه 3: 281.


إلاّ من فاحشة مبيّنة) (1) .

ونهى (صلى الله عليه وآله وسلم) عن استخدام القسوة مع المرأة، وجعل من حق الزوجة عدم ضربها والصياح في وجهها، ففي جوابه على سؤال خولة بنت الأسود حول حق المرأة قال: (حقكِ عليه أن يُطعمك ممّا يأكل، ويكسوكِ ممّا يلبس، ولا يلطم ولا يصيح في وجهكِ) (2) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (خير الرجال من أُمّتي الذين لا يتطاولون على أهليهم، ويحنّون عليهم، ولا يظلمونهم) (3) .

ومن أجل تحجيم نطاق المشاكل والاضطرابات الأُسريّة، يستحسن الصبر على إساءة الزوجة؛ لأنّ ردّ الإساءة بالإساءة أو بالعقوبة يوسّع دائرة الخلافات، والتشنّجات، ويزيد المشاكل تعقيداً، فيستحب الصبر على إساءة الزوجة قولاً كانت أم فعلاً، قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): (مَن احتمل من امرأته ولو كلمةً واحدة، أعتق الله رقبته من النار، وأوجب له الجنّة) (4) .

وحثّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الزوج، على الصبر على سوء أخلاق الزوجة، فقال: (مَن صبر على سوء خلق امرأته، أعطاه الله من الأجر ما أعطى أيوب على بلائه) (5) .

ولقد ورد في سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه كان يصبر على أذى زوجاته، وغضبهنّ

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 278.

(2) مكارم الأخلاق: 218.

(3) مكارم الأخلاق: 216 - 217.

(4) مكارم الأخلاق: 216.

(5) مكارم الأخلاق: 213.


عليه، وهجرهنّ إيّاه، فحري بنا أن نقتدي بسيرة سيّد البشر (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لكي نتجنّب كثيراً من حالات التصدّع والتفكك في حياتنا الزوجية، ونحافظ على سلامة العلاقات داخل محيط الأُسرة.

عن عمر بن الخطاب قال: غضبت على امرأتي يوماً، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر من ذلك! فو الله إنّ أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل (1) .

وقال عمر لحفصة ابنته: أتغضب إحداكنّ على النبي (صلى الله عليه وآله) اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم (2) .

وكانت سيرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، مثالاً لسيرة جدهم المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، في كل مفردات العقيدة والسلوك، وهكذا كانت في مسألة الصبر على أذى الزوجة؛ لأجل تقويم سلوكها وإصلاحها، فعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: (كانت لأبي (عليه السلام) امرأة، وكانت تؤذيه، وكان يغفر لها) (3) .

ومن حقوق الزوجة حق المضاجعة، فإذا حرمها الزوج من ذلك - كما هو الحال في الإيلاء، بأن يحلف أن لا يجامع زوجته - فللزوجة حق الخيار، إن شاءت صبرت عليه أبداً، وإن شاءت خاصمته إلى الحاكم الشرعي، حيث يمهله لمدّة أربعة أشهر؛ ليراجع نفسه، ويعود إلى مراعاة حقها، أو يطلّقها، فإن أبى كليهما حبسه الحاكم، وضيّق عليه في المطعم

____________________

(1) الدر المنثور 6: 243.

(2) المعجم الكبير 23: 209.

(3) مَن لا يحضره الفقيه 3: 279.


والمشرب؛ حتى يرجع إلى زوجته، أو يطلّقها (1) .

وإذا تزوجت من رجل على أنّه سليم، فظهر أنه عنّين انتظرت به سَنة، فإن استطاع مجامعتها فتبقى على زوجيتها، وإن لم يستطع كان لها الخيار، فإن اختارت المقام معه على أنّه عنّين لم يكن لها بعد ذلك خيار (2) .

ولا يجوز إجبار المرأة على الزواج من رجل غير راغبة فيه - كما تقدّم -.

وإن كان للرجل زوجتان، فيجب عليه العدل بينهما (3) .

ووضع الإسلام حدوداً في العلاقات الزوجية، فلا يجوز للزوج أن يقذف زوجته، فلو قذفها جُلد الحدّ (4) .

ثالثاً: حقوق الوالدَينِ:

للوالدينِ الدور الأساسي في بناء الأُسرة، والحفاظ على كيانها ابتداءً وإدامةً، وهما مسؤولان عن تنشئة الجيل، طبقاً لموازين المنهج الإسلامي؛ لذا حدّد الإسلام أُسس العلاقة بين الوالدينِ والأبناء، طبقاً للحقوق والواجبات المترتّبة على أفراد الأُسرة تجاه بعضهم البعض، فقد قرن الله تعالى في كتابه الكريم وجوب برّ الوالدين والإحسان إليهما بوجوب عبادته، وحرّم جميع ألوان الإساءة إليهما صغيرها وكبيرها، فقال تعالى: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ

____________________

(1) المقنعة: 523.

(2) المقنعة: 520.

(3) المقنعة: 516.

(4) المقنعة: 541.


الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ) (1) .

وأمر بالإحسان إليهما، والرحمة بهما، والاستسلام لهما، فقال تعالى: ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) (2) .

وقرن الله تعالى الشكر لهما بالشكر له، فقال: ( ... أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) (3) .

وأمر تعالى بصحبة الوالدينِ بالمعروف، فقال: ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا... ) (4) .

وتجب طاعة الأبناء للوالدينِ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (... ووالديك فأطعهما، وبرهما حيّين كانا أو ميتين، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، فإنّ ذلك من الإيمان) (5) .

وقرن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بر الوالدين بالصلاة والجهاد، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت: أي الأعمال أفضل؟ قال: (الصلاة لوقتها، وبرّ الوالدين، والجهاد في سبيل الله عزَّ وجلَّ) (6) .

ومن حقوق الوالد على وَلده، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يسمّيه

____________________

(1) سورة الإسراء: 17 / 23.

(2) سورة الإسراء: 17 / 24.

(3) سورة لقمان: 31 / 14.

(4) سورة لقمان: 31 / 15.

(5) الكافي 2: 158، كتاب الإيمان والكفر، باب البر بالوالدينِ.

(6) الكافي 2: 158 / 4.


باسمه، ولا يمشي بين يديه، ولا يجلس قبله، ولا يستسبّ له) (1) .

ومعنى (لا يستسبّ له) أي لا يفعل ما يصير سبباً لسبّ الناس له.

وقدّم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) برّ الوالدة على برّ الوالد؛ لأنّها أكثر منه في تحمّل العناء من أجل الأولاد، في الحمل، والولادة، والرضاع، عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، قال: (جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله، مَن أبرُّ؟ قال: أُمّك، قال: ثمّ مَن؟ قال: أُمّك، قال: ثمّ مَن؟ قال: أُمّك، قال ثمّ مَن؟ قال: أباك) (2) .

وكانت سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قائمةً على تكريم مَن يبرّ والديه، فقد أتته أُخته من الرضاعة، فلمّا نظر إليها سرَّ بها، وبسط ملحفته لها فأجلسها عليها، ثمّ أقبل يحدّثها ويضحك في وجهها، ثمّ قامت وذهبت وجاء أخوها، فلم يصنع به ما صنع بها، فقيل له: يا رسول الله، صنعت بأخته ما لم تصنع به وهو رجل؟! فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لأنّها كانت أبرَّ بوالديها منه) (3) .

وقدّم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طاعة الوالدين على الجهاد، ففي رواية جاءه رجل وقال: يا رسول الله، إنّ لي والدَينِ كبيرينِ، يزعمان أنّهما يأنسان بي ويكرهان خروجي؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (فقرّ مع والديك، فوالذي نفسي بيده لأُنسهما بك يوماً وليلة خير من جهاد سَنة) (4) .

وورد في الحديث أنّه يجب برّ الوالدين وإن كانا فاجرين، قال الإمام

____________________

(1) الكافي 2: 159 / 5.

(2) الكافي 2: 159 - 160 / 9.

(3) الكافي 2: 161 / 12.

(4) الكافي 2: 160 / 10.


محمد الباقر (عليه السلام): (ثلاث لم يجعل الله عزَّ وجلَّ لأحد فيهنَّ رخصة: أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وبرّ الوالدينِ برّين كانا أو فاجرين) (1) .

وفي الآية المتقدمة ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلاّ برحمة ورقّة، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما، ولا يدك فوق أيديهما، ولا تقدَّم قدّامهما) (2) .

وبرّ الوالدين لا يقتصر على حال حياتهما، بل يشملهما حال الحياة وحال الممات، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (ما يمنع الرجل منكم أن يبرَّ والديه حيّين وميّتين، يصلي عنهما، ويتصدّق عنهما، ويحجّ عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما، وله مثل ذلك، فيزيده الله عزَّ وجلَّ ببرّه وصلته خيراً كثيراً) (3) .

ويجب على الولد الأكبر أن يقضي عن والده ما فاته من صلاة وصوم (4) ، أمّا بقية الأولاد فلا يجب عليهما القضاء عن والدهم، بل يستحب للرواية المتقدمة.

وحرّم الإسلام عقوق الوالدين بجميع ألوانه ومراتبه، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (مَن أحزن والديه فقد عقّهما) (5) .

____________________

(1) الكافي 2: 162 / 15.

(2) الكافي 2: 158 / 1.

(3) الكافي 2: 159 / 7.

(4) منهاج الصالحين / السيد السيستاني، العبادات: 248، 338.

(5) بحار الأنوار 74: 72، كتاب العشرة، باب برّ الوالدين / 53.


وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: (أدنى العقوق أُفّ، ولو علم الله عزَّ وجلَّ شيئاً أهون منه لنهى عنه) (1) .

وقال (عليه السلام): (... ومن العقوق أن ينظر الرجل إلى والديه فيحدّ النظر إليهما) (2) .

وقال (عليه السلام): (مَن نظر إلى أبويه نظر ماقتٍ وهما ظالمان له، لم يقبل الله له صلاة) (3) .

وعقوق الوالدينِ من الكبائر التي تستلزم دخول النار، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (عقوق الوالدينِ من الكبائر؛ لأنّ الله عزَّ وجلَّ جعل العاقّ عصياً شقياً) (4) .

ولا يقتصر وجوب البرّ وحرمة العقوق، على الجوانب المعنوية والروحية، بل يتعداها إلى الجوانب المادية، فتجب النفقة عليهما إن كانا معسرين (5) .

وتجب رعاية الوالدين رعايةً صحية، عن إبراهيم بن شعيب قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّ أبي قد كبُر جداً وضعُف، فنحن نحمله إذا أراد الحاجة؟ فقال: (إن استطعت أن تلي ذلك منه فافعل، ولقّمه بيدك، فإنّه

____________________

(1) الكافي 2: 348 كتاب الإيمان والكفر، باب العقوق.

(2) الكافي 2: 349.

(3) الكافي 2: 349.

(4) بحار الأنوار 74: 74.

(5) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 286.


جُنّة لك غداً) (1) .

وخلاصة القول:

يجب طاعة الوالدينِ في جميع ما يأمران به، إلاّ المعصية أو ما يترتب عليه مفسدة فلا تجب طاعتهما.

ومع جميع الظروف يجب على الأبناء إحراز رضا الوالدينِ بأيّ أُسلوب شرعي إن أمكن؛ لأنّ رضاهما مقروناً برضا الله تعالى، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (رضا الله مع رضا الوالدينِ، وسخط الله مع سخط الوالدينِ) (2) .

وبرّ الوالدين بطاعتهما والإحسان إليهما، كفيل بإشاعة الودّ والحبّ والوِئام في أجواء الأُسرة، وبالتالي إلى تحكيم بنائها، وإنهاء جميع عوامل الاضطراب والتخلخل الطارئ عليها، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بالالتزام بالحقوق والواجبات المترتبة على أفرادها.

رابعاً: حقوق الأبناء:

للأبناء حقوق على الوالدين، وقد لخصّها الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) بالقول: (وأمّا حق وَلدك، فإنّك تعلم أنّه منك، ومضاف إليك، في عاجل الدنيا بخيره وشرّه، وأنّك مسؤول عمّا ولّيته به من حُسن الأدب، والدلالة على ربّه عزَّ وجلَّ، والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل مَن يعلم أنّه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه) (3) .

____________________

(1) الكافي 2: 162.

(2) بحار الأنوار 74: 80.

(3) بحار الأنوار 74: 6.


ومن حقّ الأبناء على الآباء الإحسان إليهم، وتعليمهم، وتأديبهم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (رحم الله عبداً أعان وَلده على برّه بالإحسان إليه، والتآلف له، وتعليمه، وتأديبه) (1) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (رحم الله مَن أعان وَلده على برّه... يقبل ميسوره ويتجاوز عن معسوره، ولا يرهقه ولا يخرق به) (2) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أكرموا أولادكم، وأحسنوا آدابهم) (3) .

وتترتب على الوالدينِ جملة من الحقوق، ينبغي مراعاتها من أجل؛ إعداد الأبناء إعداداً فكرياً، وعاطفياً، وسلوكياً، منسجماً مع المنهج الإلهي في الحياة، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بإشباع حاجات الأبناء الأساسية، كالحاجة إلى الإيمان بالغيب، والحاجة إلى الأمان، وتوكيد الذات والمكانة بالمحبة والتقدير، والحاجة إلى التربية الصالحة.

ويمكن تحديد أهم حقوق الأبناء بما يلي:

1 - ينبغي على كلِّ من الوالدين اختيار شريك الحياة على أساس الإيمان، والتديّن، والصلاح، والسلامة من العيوب العقلية كالجنون والحمق؛ لأنّ ذلك يؤثّر على تنشئة الجيل وسلامته.

وينبغي الاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية للأُمّ أثناء الحمل؛ لكي يخرج الأبناء إلى الدنيا وهم يتمتّعون بالصحة الجسدية والنفسية؛

____________________

(1) مستدرك الوسائل 2: 626.

(2) الكافي 6: 50.

(3) مستدرك الوسائل 2: 625.


لانعكاسها عليهم أثناء الحمل.

2 - يستحب تسمية الأبناء بأحسن الأسماء، ورعاية الأُمّ رعايةً صالحة، وتوفير حاجاتها اللازمة؛ للتفرّغ إلى رعاية الأبناء في مهدهم، ويجب على الوالد إشباع حاجات الوليد من الرضاعة، وذلك بالاعتماد على حليب الأُمّ، أو اختيار المرضعة الصالحة، وإشباع حاجاته المادية والمعنوية في فترة الحضانة.

3 - يجب على الوالدينِ تعليم الطفل معرفة الله تعالى، وتعميق الإيمان في قلبه وجوارحه، وتعليمه سائر أصول الدين؛ ليترعرع على الإيمان بالله، وبرسوله، وبالأئمة (عليهم السلام)، وبيوم القيامة، ليكون الإيمان عوناً له في تهذيب نفسه في الحاضر والمستقبل.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيكم، وحبّ أهل بيته، وقراءة القرآن) (1) .

ويجب تربية الأطفال على طاعة الوالدين.

4 - ويجب الإحسان إلى الأبناء في هذه المرحلة وتكريمهم؛ من أجل تعميق أواصر الحبّ بينهم وبين الوالدينِ، وذلك ضروري في كمالهم اللغوي، والعقلي، والعاطفي، والاجتماعي، فالطفل يقلّد مَن يحبّه، ويتقبّل التعليمات والنصائح والأوامر ممّن يحبّه.

والمنهج الإسلامي في التعامل مع الأبناء، يؤكّد على التوازن بين اللين والشدة في التربية، ويؤكّد على العدالة بين الأطفال في الحبّ والتقدير

____________________

(1) كنز العمال 16: 456 /45409.


وفي العطاء، وإشباع الحاجات؛ لكي يترعرعوا متحابين متآزرين، لا عداء بينهم، ولا شَحناء، ولا تقاطع، ولا تدابر.

ويجب على الوالدين وقاية الأبناء من الانحراف الجنسي، والانحراف السلوكي، وتنمية عواطفهم اتجاه الأعمال الصالحة، وتوجيهها توجيهاً سليماً، يقوم على أساس المنهج الإسلامي في التربية والسلوك.

ويجب الاهتمام بالطفل اليتيم، ورعايته رعايةً حسنة؛ لكي يكون رجلاً صالحاً في المستقبل.


الفصل الرابع

الخلافات الزوجية

الخلافات بين الزوجين تخلق في الأسرة أُجواءً متوترة ومتشنجة، تهدّد استقرارها وتماسكها، وقد تؤدي إلى انفصام العلاقة الزوجية، وتهديم أركان الأُسرة، وهي عامل قلق لجميع أفراد الأُسرة بما فيهم الأطفال، ولها تأثيراتها السلبية على المجتمع أيضاً؛ لأنّ الخلافات الدائمة تزرع القلق في النفوس، والاضطراب في التفكير والسلوك، فتكثر التعقيدات والاضطرابات النفسية في أوساط المنحدرين من أُسر مفكّكة؛ بسبب كثرة الخلافات والتشنّجات، فتنعدم فيهم الثقة بالنفس وبالمجتمع؛ لذا حثّ الإسلام على إنهاء الخلافات الزوجية، وإعادة التماسك الأُسري، قال تعالى: ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ... ) (1) .

وأمر القرآن الكريم الزوج بالمعاشرة بالمعروف فقال: ( ... وَعَاشِرُوهُنَّ

____________________

(1) النساء: 4 / 128.


بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) (1) .

وحذّر الإسلام من الطلاق، وإنهاء العلاقة الزوجية، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (ما من شيء ممّا أحلّه الله عزَّ وجلَّ أبغض إليه من الطلاق، وإنّ الله يبغض المِطلاق الذوّاق) (2) .

وقال (عليه السلام): (إنّ الله عزَّ وجلَّ يحبُّ البيت الذي فيه العرس، ويبغض البيت الذي فيه الطلاق، وما من شيءٍ أبغض إلى الله عزَّ وجلَّ من الطلاق) (3) .

وإذا لم تنفع جميع محاولات الإصلاح، وإعادة العلاقات إلى مجاريها، وإذا لم تتوقف المشاكل والتوترات إلاّ بالطلاق، فقد يكون الطلاق سعادةً لكلا الزوجين، ومع ذلك فقد منح الإسلام الفرصة للعودة إلى التماسك الأُسري، فأعطى للزوج حق العودة أثناء العدّة دون عقد جديد، وبعد العدّة بعقد جديد، وجعل له حق العودة بعد الطلاق الأَوّل والثاني، وفيما يلي نستعرض المواقف والمظاهر المتعلّقة بالخلافات الزوجية.

الشِّقاق والنشوز:

إذا حدث الشقاق، وضع الإسلام أُسساً وقواعد موضوعية لإنهائه في مهده، أو التخفيف من وطأته على كلا الزوجين، فإذا كانت الزوجة هي المسبّبة للشقاق والنشوز، بعدم طاعتها للزوج وعدم احترامه، فللزوج حق

____________________

(1) النساء: 4 / 19.

(2) الكافي 6: 54.

(3) الكافي 6: 54.


استخدام بعض الأساليب كالوعظ أَوّلاً، والهجران ثانياً، والضرب الرقيق أخيراً (1) .

قال تعالى: ( ... وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيرًا ) (2) .

ثمّ تأتي المرحلة الثانية، وهي مرحلة السعي في المصالحة، ببعث حَكم من أهل الزوج، وحَكم من أهل الزوجة، كما جاء في قوله تعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ) (3) .

وينبغي على الحَكمين مراجعة الزوج والزوجة قبل بدء التشاور، فإن جعلا إليهما الإصلاح والطلاق، أنفذوا ما رأياه صلاحاً من غير مراجعة، وإن رأيا التفريق بينهما بطلاق أو خُلع، لا يحق لهما إمضاء ذلك إلاّ بعد مراجعة الزوجين (4) .

قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (ليس للحَكَمين أن يفرّقا حتى يستأمرا الرجل والمرأة، ويشترطا عليهما إن شئنا جمعنا، وإن شئنا فرّقنا، فإن جمعا فجائز، وإن فرّقا فجائز) (5) .

____________________

(1) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 333. وجواهر الكلام 31: 202 وما بعدها.

(2) سورة النساء: 4 / 34.

(3) سورة النساء: 4 / 35.

(4) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 333. وجواهر الكلام 31: 210، 215.

(5) تهذيب الأحكام 8: 103.


ويجوز للحاكم الشرعي أن يبعث الحَكَمين من غير أهلهما (1) .

ومهما اتفق الحكمان فلا يجوز الفصل بين الزوجين في حال غياب أحدهما (2) .

وإن كان أحد الزوجين مغلوباً على عقله بطل حكم الشقاق (3) .

وفي جميع مراحل عمل الحَكَمين يستحبُّ لهما الإصلاح إن أمكن ذلك؛ لعموم أدلة بغض الطلاق وكراهيته من قِبل الله تعالى.

ومن الأفضل اختيار الحَكَمين على أساس العلم، والتقوى، والكفاءة في مواجهة الأمور، والقدرة على استيعاب المواقف المتشنّجة، والصبر عليها، وأن يقولا الحقّ ولو على أنفسهما.

وينبغي على الحَكَمين أن يمنحا الفرص المتاحة؛ لإعادة مسار العلاقات الزوجية إلى حالتها قبل الشقاق والنشوز، وإن طالت مدة الإصلاح والمفاوضات المتقابلة.

الإيلاء:

الإيلاء: هو حلف الزوج على أن لا يطأ زوجته (4) .

والإيلاء مظهر من مظاهر الانحراف عن الفطرة، وهو مقدمة من مقدمات التنافر والتدابر بين الزوجين.

____________________

(1) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 333.

(2) المصدر السابق نفسه.

(3) المصدر السابق نفسه.

(4) المبسوط 5: 114.


وليس أمام الزوجة إزاء هذه الحالة إلاّ أحد خيارين؛ إمّا الصبر على ذلك؛ حفاظاً على كيان الأُسرة من التفكّك، وإمّا اللجوء إلى الحاكم الشرعي، فإن رفعت خصومتها إليه أنظر الحاكم زوجها أربعة أشهر؛ لمراجعة نفسه في ذلك، فإن أبى الرجوع والطلاق جميعاً، حبسه الحاكم وضيّق عليه في المطعم والمشرب، حتى يفيء إلى أمر الله تعالى بالرجوع إلى معاشرة زوجته أو طلاقها (1) .

قال تعالى: ( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (2) .

وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته، ولا يمسّها، ولا يجمع رأسه ورأسها، فهو في سِعة ما لم تمضِ الأربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر وقف، فإمّا أن يفيء فيمسّها، وإمّا أن يعزم على الطلاق فيخلّي عنها، حتى إذا حاضت وتطهّرت من حيضها طلّقها تطليقةً قبل أن يجامعها بشهادة عدلينِ، ثمّ هو أحقّ برجعتها ما لم تمضِ الثلاثة الأقراء) (3) .

اللِّعان:

إذا قذف الرجل زوجته الحرّة بالفجور، وادّعى أنّه رأى معها رجلاً يطأها، فإن لم يأتِ بشهود أربعة، لاعَنَ الزوجة (4) .

____________________

(1) المقنعة: 523.

(2) سورة البقرة: 2 / 226 - 227.

(3) تهذيب الأحكام 8: 3.

(4) المقنعة: 541.


والذي يوجب اللِّعان أن يقول: رأيتكِ تزنين، ويضيف الفاحشة منها إلى مشاهدته، أو ينفي ولداً أو حملاً (1) .

أمّا إذا قال لها: يا زانية، ولم يدّعِ المشاهدة، فلا لِعان بينهما، وإنّما يكون الزوج قاذفاً (2) .

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لا يكون لِعان حتى يزعم أنّه قد عاينَ) (3) .

وصيغة الملاعنة كما ورد في القرآن الكريم: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) (4) .

فيقول له الحاكم قُل: (أشهدُ بالله إنّي لمَن الصادقين، فيمَن ذكرته عن هذه المرأة من الفجور).

ويكرّر ذلك أربع مرّات، فإن رجع عن قوله، جلده حدّ المفتري ثمانين جلدةً، وردّ امرأته عليه.

وإن أصرّ على ما ادّعاه، قال له قل: (إنّ لعنة الله عليَّ ان كنت من الكاذبين).

____________________

(1) الانتصار: 330.

(2) المصدر السابق.

(3) تهذيب الأحكام 8: 186.

(4) سورة النور: 24 / 6 - 9.


ويقول الحاكم لزوجته قولي: (أشهدُ بالله إنّه لمَن الكاذبين فيما رماني به) وتكرّر القول أربع مرات.

وتقول في الخامسة: (إنّ غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين).

فإذا قالت الزوجة ذلك، فرَّق الحاكم بينهما، ولم تحلّ له أبداً، وقضت منه العدّة منذ تمام لِعانها له (1) .

أمّا إذا كانت الزوجة خرساء، فرّق بينهما، وأقيم عليه الحدّ، ولا تحلّ له أبداً، ولا لِعان بينهما (2) .

الطلاق:

الطلاق: من حيث الأحكام الشرعية على أربعة أنواع (3) .

الأَوّل: الطلاق الواجب، وهو الطلاق الناتج عن الإيلاء - كما تقدّم -.

الثاني: الطلاق المستحبّ، وهو طلاق الزوج زوجته حال الشقاق والحال بينهما غير عامرة، ولا يقوم كلّ واحد منهما بحق صاحبه.

الثالث: الطلاق المحظور، وهو طلاق الزوج زوجته في أحد موضعين:

1 - طلاق الحائض المدخول بها، ولم يغب عنها زوجها.

2 - طلاق الخارجة من المحيض بعد مواقعة زوجها لها في ذلك الطهر، قبل أن يستبين حملها.

____________________

(1) المقنعة: 541.

(2) الانتصار: 331.

(3) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 319.


الرابع: الطلاق المكروه، وهو طلاق الزوج زوجته والحال عامرة بينهما، ويقوم كلّ منهما بحقّ صاحبه.

شروط الطلاق:

لا يقع الطلاق إلاّ باللفظ، وهو قول الزوج: أنتِ طالق، ولا يقع بقوله: فارقتكِ وسرّحتكِ، أو بقوله: اعتدّي، وحبلكِ على غاربكِ (1) .

ولا يقع الطلاق في الحيض (2) ، وإنّما يقع في طُهر لم يجامعها فيه.

ولا يقع الطلاق إلاّ بشهادة مُسلمَين عدلينِ (3) .

ومَن كان غائباً عن زوجته، فليس يحتاج في طلاقها إلى ما يحتاج إليه الحاضر من الاستبراء، لكنّه لابدّ له من الإشهاد، فإذا أشهد رجلين من المسلمينَ على طلاقه لها، وقع بها الطلاق سواء كانت طاهراً أو حائضاً، ومَن أراد أن يطلّق زوجته غير المدخول بها، طلّقها في أيّ وقت شاء بمحضرٍ من رجلين مسلمَينِ عدلين، ولم ينتظر بها طهراً (4) .

ولا يقع الطلاق إن كان مشروطاً (5) كأن يقول: أنتِ طالق إن دخلتِ الدار.

____________________

(1) الانتصار: 300.

(2) الانتصار: 306.

(3) المقنعة: 525.

(4) المقنعة: 526 - 527.

(5) الكافي في الفقه: 305.


شروط المطلِّق (1) :

يشترط في صحة الطلاق بعدما تقدّم، عدّة أمور، أهمّها:

1 - كون المطلِّق ممّن يصح تصرّفه، وهو العاقل البالغ، فلا يصحّ طلاق المجنون والسكران والصبي.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (ليس طلاق السكران بشيء) (2) .

2 - أن لا يكون الزوج مكرهاً على الطلاق، فلابدّ من اختياره هو.

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (لو أنَّ رجلاً مسلماً مرّ بقوم ليسوا بسلطان فقهروه، حتى يتخوّف على نفسه أن يعتق، أو يطلّق ففعل، فلم يكن عليه شيء) (3) .

3 - أن يكون قاصداً للطلاق.

قال الإمام الباقر (عليه السلام): (لا طلاق إلاّ لمَن أراد الطلاق) (4) .

4 - أن يكون تلفّظه بصريح القول دون الكناية.

عن زرارة قال: قلتُ لأبي جعفر (عليه السلام): رجل كتب بطلاق امرأته ثمّ بدا له فمحاه، قال: (ليس ذلك بطلاق حتى يتكلّم به) (5) .

وتجوز الوكالة في الطلاق، فقد سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل جعل

____________________

(1) الكافي في الفقه: 305 - 306. وجواهر الكلام 32: 8 وما بعدها. والصراط القويم: 221.

(2) الكافي 6: 126.

(3) الكافي 6: 127.

(4) تهذيب الأحكام 8: 51.

(5) الكافي 6: 64.


أمر امرأته إلى رجل، فقال: اشهدوا أنّي جعلت أمر فلانة إلى فلان، أيجوز ذلك للرجل؟

فقال: (نعم) (1) .

طلاق السُنّة:

طلاق السُنّة هو الطلاق المستوفي للشروط المتقدمة، من كون المطلِّق عاقلاً، مميّزاً، مالكاً أمره، غير مكره ولا غضبان، ولا فاقد العقل، وأن يكون الطلاق واقعاً في طهر لم يواقع زوجته فيه، وأن يكون التلفّظ بصريح القول، وأن يكون الطلاق مطلقاً غير مشروط، وأن يتمّ بحضور شاهدين عدلينِ في مجلس واحد (2) .

سُئل الإمام الرضا (عليه السلام) عن طلاق السُنّة، فقال: (يطلّقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشهادة عدلينِ، كما قال الله عزَّ وجلَّ في كتابه، فإن خالف ذلك رُدّ إلى كتاب الله) (3) .

طلاق البِدعة:

وهو الطلاق غير المستوفي للشروط، كطلاق الحائض، أو طلاق الطاهرة من الحيض بعد مواقعتها في طهرها، وكالطلاق المعلّق بشرط، وإيقاع الطلاق ثلاثاً بلفظة واحدة (4) .

____________________

(1) الكافي 6: 129.

(2) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 320 - 321. وجواهر الكلام 32: 117.

(3) تهذيب الأحكام 8: 49.

(4) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 322. وجواهر الكلام 32: 116. والصراط القويم: 223.


عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن رجل طلق امرأته وهي حائض، فقال: (الطلاق لغير السُنّة باطل) (1) .

وقال الإمام الرضا (عليه السلام): (طلّق عبد الله بن عمر امرأته ثلاثاً، فجعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واحدةً، وردّها إلى الكتاب والسُنّة) (2) .

ومن طلاق البِدعة، الطلاق بغير شهود، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (مَن طلَّق بغير شهود فليس بشيء) (3) .

الخُلع:

إذا كرهت الزوجة زوجها وآثرت فراقه، وظهر ذلك جلياً في عصيانها لأمره ومخالفتها لقوله، وعدم الاستجابة للمضاجعة، فيجوز له حينئذٍ أن يلتمس على طلاقها ما شاء من المال والمتاع والعقار، أو التنازل عن مهرها، فإن أجابته إلى ذلك، قال لها: قد خلعتك على كذا وكذا درهماً أو ديناراً، فإذا قال لها ذلك بمحضر شاهدينِ مسلمينِ عدلينِ، وهي طاهر من الحيض طهراً لم يواقعها فيه، فقد بانت منه، وليس له عليها رجعة، ولها أن تعقد على نفسها لمَن شاءت بعد خروجها من عدّتها، فإن اختارت الرجوع إليه واختار هو ذلك، جاز لها الرجوع إلى النكاح بعقد جديد ومهر جديد (4) .

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لا يحلّ خُلعها حتى تقول لزوجها: والله لا أبرّ

____________________

(1) تهذيب الأحكام 8: 47.

(2) تهذيب الأحكام 8: 55.

(3) تهذيب الأحكام 8: 48.

(4) المقنعة: 528 - 529. والصراط القويم: 228.


لك قسماً، ولا أُطيع لك أمراً، ولا اغتسل لك من جنابة، ولأوطئنّ فراشَك مَن تكرهه، ولأُوذننّ عليك بغير إذنك، وقد كان الناس يرخّصون فيما دون هذا، فإذا قالت المرأة ذلك لزوجها حلّ له ما أخذ منها، وكانت عنده على تطليقتين باقيتين، وكان الخُلع تطليقةً) (1) .

المباراة:

إذا كره الزوج زوجته وكرهت الزوجة زوجها، وظهر ذلك منهما بأفعالهما، وعلم كلّ واحدٍ منهما ذلك من صاحبه، فتختار الزوجة حينئذٍ الفراق، فتقول لزوجها: أنا كارهة لك، فأنت أيضاً كذلك، فخلِّ سبيلي، فيقول لها: لك عليَّ دين فاتركيه حتى أُخلّي سبيلك، أو يقول لها: قد أخذتِ مني كذا وكذا فردّيه عليّ أو بعضه، لأُخلّي سبيلك، فتجيبه إلى ذلك فيطلّقها.

ولا يجوز له إذا كان كارهاً لها أن يأخذ منها على الطلاق أكثر ممّا أعطاها.

ولا رجعة لها إلاّ بعقدٍ جديدٍ ومهرٍ جديد، ويشترط في هذا الطلاق حضور شاهدينِ عدلينِ وبقية الشروط (2) ، وليس لها نفقة في عدّتها (3) .

الفسخ:

للزوج حق فسخ العقد إن كانت الزوجة مصابة بالبرص، والجذام،

____________________

(1) تهذيب الأحكام 8: 95.

(2) المقنعة: 529 - 530.

(3) المقنعة: 531.


والعرج، والعمى، والرَّتق، أو كونها مفضاةً.

وللزوجة حق فسخ العقد إن كان الزوج مصاباً بالعُنّة والجبّ - أي مقطوع الذَكر - وبالسلّ، والخصاء على وجه لا يمكنه من الجماع.

والعيب المذكور يؤثّر في الفسخ إن كان تدليساً لا يعلمه الزوج أو الزوجة قبل العقد، أمّا إذا كان يعلمه، أو علمه بعد العقد ورضي به، فلا يحقّ الفسخ بعد ذلك (1) .

ومَن تزوج امرأةً على أنّها بكر فوجدها ثيّباً، لم يكن له ردّها، ولم يجز له قذفها بفجور؛ لأنّ العُذرة قد تزول بأسباب أُخرى (2) .

وإذا جُنّ الزوج، وكان يعقل مع جنونه أوقات الصلاة، لم يكن للمرأة خيار مع ذلك، وإن كان لا يعقل أوقات الصلاة، كانت بالخيار (3) في البقاء معه أو الفسخ.

المفقود عنها زوجها:

إذا غاب الزوج عن زوجته غيبةً لم تعرف فيها خبره، وكان له وليّ ينفق عليها، أو كان في يدها مال له تنفق منه على نفسها، كانت في حباله إلى أن تعرف له موتاً، أو طلاقاً، أو ردّة عن الإسلام.

وإن لم يكن له وليّ ينفق عليها، ولا مال في يدها تنفق منه، واختارت الحكم في ذلك، رفعت أمرها إلى الحاكم الشرعي، ليبحث عن خبره في

____________________

(1) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 311. وجواهر الكلام 30: 318، 320.

(2) المقنعة: 519.

(3) المقنعة: 520. وجواهر الكلام 30: 321.


الأمصار، وانتظرت أربع سنين، فإن عرفت له خبراً من حياة، ألزمه الحاكم النفقة عليها أو الفراق، وإن لم تعلم له خبراً، اعتدّت عدّة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، وتزوّجت إن شاءت.

وإن جاء زوجها وهي في العدّة، أو قد قضتها ولم تتزوج، كان أحقّ بها من غير عقد.

وإن جاء وقد خرجت من العدّة وتزوجت، لم يكن له عليها سبيل (1) .

أحكام الرجعة:

للزوج حقّ الرجوع بعد الطلاق، إن كانت زوجته في عدّتها، ويصحّ الرجوع بشرطين:

الأَوّل: أن تكون المطلّقة مدخولاً بها.

الثاني: أن لا يكون الطلاق بائناً.

والطلاق البائن: هو كل طلاق لا يكون للزوج المراجعة فيه، إلاّ بعقدٍ جديدٍ ومهرٍ مستأنف، أو بعد أن تنكح زوجاً غيره (2) .

والبائن سبعة أقسام:

1 - طلاق مَن لم يدخل بها.

2 - طلاق مَن لم تبلغ المحيض ولا مثلها.

3 - طلاق الآيسة من المحيض.

____________________

(1) المقنعة: 537.

(2) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 329. والصراط القويم: 223.


4 - طلاق المختلعة.

5 - الطلاق بعد المباراة.

6 - الطلاق الثالث.

وفي مقابل الطلاق البائن هناك الطلاق الرجعي، وهو كل طلاق يكون للزوج حق المراجعة بغير تجديد للعقد.

وهنالك نوعان من المراجعة:

1 - المراجعة القولية: كقوله: راجعتها، ارتجعت، رددت، أمسكت، تزوجت، نكحت.

2 - المراجعة الفعلية: كالوطء، القُبلة، اللمس بشهوة، إنكار الطلاق (1) .

عن محمد بن مسلم، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجعة بغير جماع، تكون رجعةً؟ قال: (نعم) (2) .

عدّة المطلّقة:

تعتدّ الزوجة المطلّقة مدة ثلاثة أطهار إن كانت ممّن تحيض، وإن لم تكن تحيض لمرض أو عارض اعتدّت بثلاثة أشهر.

وإذا تجاوزت خمسين سنة وارتفع عنها الحيض، فلا عدّة عليها، ولا عدّة على القرشية إن تجاوزت الستين.

____________________

(1) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 330.

(2) تهذيب الأحكام 8: 45.


وإن كانت حاملاً، فعدّتها أن تضع حملها، ولو وضعته بعد الطلاق بساعة واحدة أو أقلّ (1) .

وإن مضت ثلاثة أشهر، ولم تضع الحمل بانت من مطلّقها، ولكن لا يجوز لها الزواج إلاّ بعد وضع الحمل (2) .

ولا عدّة على غير المدخول بها (3) .

وإذا طلّق الغائب زوجته، ثمّ ورد الخبر عليها بذلك، فعدّتها تكون من يوم طلاقها، فإذا ورد الخبر عليها بعد أن حاضت ثلاث حيضات، فقد خرجت من عدّتها، ولا عدّة عليها بعد ذلك (4) .

وقد بيّن تعالى مدة العدّة في الأوضاع المختلفة في سورة الطلاق.

أحكام العدة:

يجب على المعتدّة في الطلاق الرجعي ملازمة منزل زوجها، ولا تخرج منه إلاّ بإذنه، ولا يجوز له إخراجها من منزله إلاّ أن تؤذيه، أو تأتي في منزله ما يوجب الحدّ، فيخرجها لإقامة الحدّ ويردّها إليه.

ولا يجوز لها المبيت إلاّ في منزله.

ويجوز لها استخدام الزينة في أثناء العدّة (5) .

____________________

(1) المقنعة: 532. والصراط القويم: 226.

(2) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 325.

(3) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 324.

(4) المقنعة: 535.

(5) الكافي في الفقه: 312.


قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ... ) (1) .

ويجب على الزوج المطلِّق أن ينفق عليها ما دامت في عدّتها منه (2) .

ومَن طلّق زوجته المدخول بها، لم يجز له العقد على أُختها حتى تنتهي العدّة (3) .

ومَن كان عنده أربع زوجات فطلّق واحدة منهنَّ، لا يجوز له العقد على امرأة أُخرى حتى تخرج المطلّقة من عدّتها (4) .

والأحكام الواردة في العدّة لو طبقت كما أرادتها الشريعة الإسلامية، فإنّها تخلق فرصاً جديدة للمصالحة والعودة إلى الحياة الزوجية، فمجرد وجود المطلّقة في منزل مطلِّقها، وسكنها معه ثلاثة أشهر عامل مساعد في إمكان العودة، وإعادة النظر في استئناف حياة جديدة، وتجاوز مشاكل وتعقيدات الماضي، وإذا كان للمطلّقة بنين وبنات فستكون إعادة العلاقة الزوجية أيسر وأسهل.

عدّة الوفاة:

يجب على مَن مات زوجها العدّة، وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، قال تعالى: ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ

____________________

(1) سورة الطلاق: 65 / 1.

(2) المقنعة: 533.

(3) المقنعة: 536 - 537.

(4) المقنعة: 536.


وَعَشراً... ) (1) .

ويجب على المرأة إضافةً إلى العدّة أن تحتدّ.

والحِداد: هو امتناعها من الزينة بالكحل والامتشاط والخِضاب، ولبس المصبوغ والمنقوش، وما جرى مجرى ذلك من ضروب الزينة (2) ، وتمتنع من الطيب كلّه (3) .

ويجوز لها المبيت حيث شاءت (4) في منزلها أو في منزل آخر.

ويبدأ الحِداد والعدّة من يوم بلغها خبر موت زوجها، وإن كان متوفى منذ مدة طويلة، قال الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): (المتوفى عنها زوجها تعتدّ حين يبلغها؛ لأنّها تريد أن تحتدّ له) (5) .

وما دامت المرأة ملتزمةً بالحِداد، فلها الحق في زيارة الناس وأداء الحج، روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في المتوفى عنها زوجها، أتحجّ وتشهد الحقوق؟ قال: (نعم) (6) .

ويجوز للرجل التعريض لها بالخطبة أثناء عدّتها وحدادها، ولا يجوز له التصريح بالخطبة (7) كما تقدّم.

____________________

(1) سورة البقرة: 2 / 234.

(2) الانتصار: 345. والصراط القويم: 226.

(3) المقنعة: 535.

(4) الكافي في الفقه: 313.

(5) تهذيب الأحكام 8: 163.

(6) الكافي 6: 116.

(7) المبسوط 4: 217.


قال تعالى: ( وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) (1) .

____________________

(1) سورة البقرة: 2 / 235.



الفصل الخامس

الأُسرة والمجتمع

الأسرة هي اللبنة الأُولى لتكوين المجتمع، وهي الخلية التي تقوم بتنشئة العنصر الإنساني، وتشكيل دعائم البناء الاجتماعي، وهي نقطة البدء المؤثرة في جميع مرافق المجتمع، وفي جميع مراحل حياته إيجاباً وسلباً، ولهذا أبدى الإسلام عنايةً خاصة بالأُسرة، فوضع القواعد الأساسية في تنظيمها وضبط شؤونها، من حيث علاقات أفرادها في داخلها، وعلاقاتهم مع المجتمع الكبير الذي يعيشون فيه.

وقد عني الفصل السابق بموضوع العلاقات بين أفراد الأُسرة الواحدة، فيما يختص هذا الفصل ببحث علاقات الأُسرة بالمجتمع الذي تبحث فيه.

وقد تطرّقنا إلى هذه المواضيع؛ لابتلاء غالب الأُسر بأحكامٍ من هذا القبيل، ولأنّ الأُسرة وحدة اجتماعية لا تنفصل عن المجتمع بشكل أو بآخر.


وعلى هذا الصعيد تتصدر في المنهاج الإسلامي ثلاثة عناوين بارزة، وهي: صلة الأرحام، وحقوق الجيران، وحقوق المجتمع.

أَوّلاً: صلة الأرحام

من السُنن الإلهية المودعة في فطرة الإنسان، هي الارتباط الروحي والعاطفي بأرحامه وأقاربه، وهي سُنّة ثابتة يكاد يتساوى فيها أبناء البشر، فالحب المودع في القلب هو العُلقة الروحية المهيمنة على علاقات الإنسان بأقاربه، وهو قد يتفاوت تبعاً للقرب والبعد النسبي إلاّ أنّه لا يتخلّف بالكلية.

ولقد راعى الإسلام هذه الرابطة، ودعا إلى تعميقها في الواقع، وتحويلها إلى مَعلَم منظور، وظاهرة واقعية تترجم فيه الرابطة الروحية إلى حركة سلوكية وعمل ميداني.

فانظر كيف قرنَ تعالى بين التقوى وصلة الأرحام، فقال: ( ... وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) (1) .

وذكر صلة القربى في سياق أوامره بالعدل والإحسان، فقال: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (2) .

وبالإضافة إلى الصلة الروحية دعا إلى الصلة المادية، وجعلها مصداقاً للبرّ، فقال تعالى: ( ... وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ... وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى

____________________

(1) سورة النساء: 4 / 1.

(2) سورة النحل: 16 / 90.


وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (1) .

وجعل قطيعة الرحم سبباً للعنة الإلهية فقال: ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (2) .

صلة الأرحام في الأحاديث الشريفة:

لقد دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأهل البيت (عليهم السلام)، إلى صلة الأرحام في جميع الأحوال، وأن تُقابل القطيعة بالصلة؛ حفاظاً على الأواصر والعلاقات، وترسيخاً لمبادئ الحب والتعاون والوِئام.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الرحِم معلّقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل مَن الذي إذا انقطعت رحِمه وصلها) (3) .

وقال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: أوصاني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أصل رحمي وإن أدبَرَت (4) .

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (صلوا أرحامكم وإن قطعوكم) (5) .

____________________

(1) سورة البقرة: 2 / 177.

(2) سورة محمد: 47 / 22 - 23.

(3) جامع الأخبار / السبزواري: 287 - مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) - قم - 1414 هـ ط1.

(4) الخصال / الصدوق 2: 345 / 12 - جماعة المدرّسين - قم - 1403 هـ.

(5) بحار الأنوار 74: 92.


وممّا جاء في فضل صلة الأرحام في الحديث الشريف، أنّها خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة، وأنّها أعجل الخير ثواباً، وأنها أحبّ الخُطى التي تقرّب العبد إلى الله زلفى، وتزيد في إيمانه.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أَلا أدلّكم على خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ مَن عفا عمَّن ظلمه، ووصل مَن قطعه، وأعطى مَن حرمه) (1) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أعجل الخير ثواباً صلة الرحِم، وأسرع الشر عقاباً البغي) (2) .

وقال الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): (ما من خطوة أحبّ إلى الله عزَّ وجلَّ من خطوتين: خطوة يسدّ بها المؤمن صفّاً في سبيل الله، وخطوة إلى ذي رحِم قاطع) (3) .

وقال الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): (صلة الأرحام وحُسن الخُلق زيادة في الإيمان) (4) .

ولقد رتّب الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) حقوق الأرحام تبعاً لدرجات القُرب النسبي، فيجب صلة الأقرب فالأقرب، فقال: (وحقوق رحِمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحِم في القرابة، فأوجبها عليك حقّ أُمّك، ثمّ حقّ أبيك، ثمّ حقّ وَلدك، ثمّ حقّ أخيك، ثمّ الأقرب فالأقرب، والأَوّل

____________________

(1) جامع الأخبار: 287.

(2) جامع الأخبار: 290.

(3) الخصال 1: 50 / 60.

(4) جامع الأخبار: 290.


فالأَوّل) (1) .

وتتجلّى مظاهر الصلة بالاحترام والتقدير، والزيارات المستمرة، وتفقّد أوضاعهم الروحية والمادية، وتوفير مستلزمات العيش الكريم لهم، وكفّ الأذى عنهم.

ولقد دعا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، إلى تفقّد أحوال الأرحام المادية وإشباعها، فقال: (أَلا لا يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَنِ الْقَرَابَةِ، يَرَى بِهَا الْخَصَاصَةَ أَنْ يَسُدَّهَا بِالَّذِي لا يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ، وَلا يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ، وَمَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ، فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ، وَمَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ الْمَوَدَّةَ) (2) .

وأدنى الصلة هي الصلة بالسلام، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (صلوا أرحامكم ولو بالسلام) (3) .

وأدنى الصلة المادية هي الإسقاء، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (صلْ رحِمك ولو بشربة ماء...) (4) .

ومن مصاديق صلة الأرحام كفّ الأذى عنهم، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (عظّموا كباركم، وصلوا أرحامكم، وليس تصلونهم بشيء أفضل من كفّ الأذى عنهم) (5) .

____________________

(1) تحف العقول: 183.

(2) نهج البلاغة: 65، الخطبة: 23، تحقيق صبحي الصالح.

(3) تحف العقول: 40.

(4) بحار الأنوار 74: 88.

(5) الكافي 2: 165.


قطيعة الأرحام في الأحاديث الشريفة:

الإسلام دين التآزر والتعاون والوئام؛ لذا حرّم جميع الممارسات التي تؤدي إلى التقاطع والتدابر؛ لأنّها تؤدي إلى تفكيك أواصر المجتمع، وخلخلة صفوفه، فحرّم قطيعة الرحم، وجعلها موجبةً لدخول النار، والحرمان من الجنّة.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، ومدمن سحر، وقاطع رحِم) (1) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (اثنان لا ينظر الله إليهما يوم القيامة: قاطع رحِم، وجار السوء) (2) .

وقطيعة الرحِم موجبة للحرمان من البركات الإلهية، كنزول الملائكة وقبول الأعمال.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الملائكة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحِم) (3) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ أعمال بني آدم تعرض كلّ عشية خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحِم) (4) .

وقطيعة الرحِم من الذنوب التي تعجّل الفناء، قال الإمام الصادق (عليه السلام):

____________________

(1) الخصال 1: 179 / 243.

(2) كنز العمال 3: 367 / 6975.

(3) كنز العمال 3: 367 / 6974.

(4) كنز العمال 3: 370 / 6991.


(الذنوب التي تعجّل الفناء قطيعة الرحِم) (1) .

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتخوّف على المسلمين من قطيعتهم لأرحامهم، وكان يقول: (إنّي أخاف عليكم استخفافاً بالدِّين، ومنع الحكم، وقطيعة الرحِم، وأن تتّخذوا القرآن مزامير، تقدّمون أحدكم وليس بأفضلكم في الدِّين) (2) .

ومقابلة القطيعة بالقطيعة ظاهرة سلبية في العلاقات، وهي موجبة لعدم رضا الله تعالى عن الجميع، ففي رواية أنّ رجلاً أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله، أهل بيتي أبوا إلاّ توثّباً عليَّ، وقطيعةً لي، وشتيمةً، فأرفضهم؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذن يرفضكم الله جميعاً) قال: كيف أصنع؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (تصل مَن قطعك، وتعطي مَن حرمك، وتعفو عمَّن ظلمك، فإنّك إذا فعلت ذلك، كان لك من الله عليهم ظهير) (3) .

الآثار الروحية والمادية لصلة الأرحام وقطيعتها:

لصلة الأرحام آثار ايجابية في الحياة الإنسانية بجميع مقوماتها، الروحية، والخُلقية، والمادية، قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): (صلة الأرحام تزكّي الأعمال، وتنمّي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسّر الحساب، وتنسئ في الأجل) (4) .

وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (صلة الأرحام تُحسّن الخُلق، وتسمّح

____________________

(1) بحار الأنوار 74: 94.

(2) عيون أخبار الرضا / الشيخ الصدوق 2: 42.

(3) الكافي 2: 150.

(4) الكافي 2: 150.


الكف، وتطيّب النفس، وتزيد في الرزق، وتنسئ في الأجل) (1) .

وصلة الرحم تزيد في العمر، وقد دلّت الروايات على ذلك، وأثبتت التجارب الاجتماعية ذلك من خلال دراسة الواقع، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنّه قال: (ما نعلم شيئاً يزيد في العمر إلاّ صلة الرحم، حتى أنّ الرجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولاً للرحم، فيزيد الله في عمره ثلاثين سَنةً فيجعلها ثلاثاً وثلاثين سَنةً، ويكون أجله ثلاثاً وثلاثين سَنةً، فيكون قاطعاً للرحم فينقصه الله ثلاثين سَنةً، ويجعل أجله إلى ثلاث سنين) (2) .

والواصل لأرحامه يكون محل احترام وتقدير من قِبلهم، ومن قبل المجتمع، وهو أقدر من غيره على التعايش مع سائر الناس؛ لقدرته على إقامة العلاقات الحسنة، ويمكنه أن يؤدي دوره الاجتماعي على أحسن وجه، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأداء مسؤوليته في البناء المدني والحضاري باعتباره عنصر مرغوب فيه، وبعكسه القاطع لرحمه، فإنّه يفقد تأثيره في المجتمع؛ لعدم الوثوق بنواياه وممارساته العملية.

ثانياً: حقوق الجيران

لرابطة الجوار دور كبير في حركة المجتمع التكاملية، فهي تأتي في المرتبة الثانية من بعد رابطة الأرحام؛ إذ للجوار تأثير متبادل على سير الأُسرة، فهو المحيط الاجتماعي المصغّر الذي تعيش فيه الأُسرة،

____________________

(1) الكافي 2: 151.

(2) الكافي 2: 152 - 153.


وتنعكس عليها مظاهره وممارساته التربوية والسلوكية، ولهذا نجد أنّ المنهج الإسلامي أبدى فيه عنايةً خاصة، فقد قرن القرآن الكريم عبادة الله تعالى، والإحسان إلى الوالدين، والأرحام، بالإحسان إلى الجار كما في قوله تعالى: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ.... ) (1) .

فقد رسم القرآن الكريم منهجاً موضوعياً في العلاقات الاجتماعية، يجمعه الإحسان إلى أفراد المجتمع وخصوصاً المرتبطين برابطة الجوار.

وحق الجوار لا يُنظر فيه إلى الانتماء العقائدي والمذهبي، بل هو شامل لمطلق الإنسان مسلماً كان أم غير مسلم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الجيران ثلاثة: فمنهم مَن له ثلاثة حقوق: حق الجِوار، وحق الإسلام، وحق القرابة، ومنهم مَن له حقّان: حق الإسلام، وحق الجِوار، ومنهم مَن له حق واحد: الكافر له حق الجِوار) (2) .

الوصايا الشريفة:

أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته بمراعاة حق الجِوار، والسعي إلى تحقيقه في الواقع، وركّز على ذلك باعتباره من وصايا الله تعالى له، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (مازال جبرئيل (عليه السلام) يوصيني بالجار حتى ظننت أنّه سيورّثه) (3) .

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (والله الله في جيرانكم، فإنّهم وصية نبيكم،

____________________

(1) سورة النساء: 4 / 36.

(2) جامع السعادات / النراقي 2: 267.

(3) بحار الأنوار 74: 94.


مازال يوصي بهم حتى ظنّنا أنّه سيورّثهم) (1) .

وقد كتب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كتاباً، بين المهاجرين والأنصار، ومَن لحق بهم من أهل المدينة: (إنّ الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وحرمة الجار على الجار كحرمة أُمّه) (2) .

وقد جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إكرام الجار من علامات الإيمان فقال: (مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) (3) .

واستعاذ (صلى الله عليه وآله وسلم) من جار السوء، الذي أطبقت الأنانية على مشاعره ومواقفه فقال: (أعوذ بالله من جار السوء في دار إقامة، تراك عيناه ويرعاك قلبه، إن رآك بخير ساءه، وإن رآك بشر سرّه) (4) .

حُسن الجِوار:

إنّ حُسن الجِوار من الأوامر الإلهية، كما قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (عليكم بحُسن الجِوار، فإنّ الله عزَّ وجلَّ أمر بذلك) (5) .

وحُسن الجِوار ليس كفّ الأذى فحسب، وإنّما هو الصبر على الأذى من أجل إدامة العلاقات، وعدم حدوث القطيعة، قال الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): (ليس حُسن الجِوار كفّ الأذى، ولكن حُسن الجِوار الصبر

____________________

(1) نهج البلاغة: 422، كتاب: 47.

(2) الكافي 2: 666.

(3) المحجّة البيضاء 3: 422.

(4) الكافي 2: 669.

(5) بحار الأنوار 74: 150.


على الأذى) (1) .

ودعا (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى تفقّد أحوال الجيران، وتفقّد حاجاتهم، فقال: (ما آمن بي مَن بات شبعان وجاره جائع) (2) .

وحثّ الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) على حُسن الجِوار؛ لِما فيه من تأثيرات إيجابية واقعية تعود بالنفع على المحسن لجاره، فقال: (حُسن الجِوار يعمّر الديار، ويزيد في الأعمار) (3) .

وقد أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً (عليه السلام) وسلمان وأبا ذر والمقداد، أن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بأنّه (لا إيمان لمَن لم يأمن جاره بوائقه) ، فنادوا بها ثلاثاً، ثمّ أومأ بيده إلى كلّ أربعين داراً من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله (4) .

والاعتداء على الجار موجب للحرمان من الجنة، كما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: (مَن كان مؤذياً لجاره من غير حقّ، حرمه الله ريح الجنة، ومأواه النار، أَلا وإنّ الله عزَّ وجلَّ يسأل الرجل عن حق جاره، ومَن ضيّع حق جاره فليس منّا) (5) .

ومَن يطّلع على بيت جاره، ويطلب عوراته يُحشر مع المنافقين يوم القيامة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ومّن اطّلع في بيت جاره فنظر إلى عورة

____________________

(1) تحف العقول: 306.

(2) جامع السعادات 2: 268.

(3) الكافي 2: 667.

(4) الكافي 2: 666.

(5) بحار الأنوار 76: 362.


رجل، أو شَعر امرأة، أو شيء من جسدها، كان حقاً على الله أن يدخله النار مع المنافقين، الذين كانوا يتبعون عورات الناس في الدنيا، ولا يخرج من الدنيا حتى يفضحه الله، ويبدي عورته للناس في الآخرة) (1) .

ويحرم الاعتداء على ممتلكات الجار، ومَن اعتدى فالنار مصيره، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ومَن خان جاره شبراً من الأرض، طوّقه الله يوم القيامة إلى سبع أرضين ناراً، حتى يدخله نار جهنّم) (2) .

وأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتكافل الاجتماعي، والنظر إلى حوائج الجار، والعمل على إشباعها، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ومَن منع الماعون من جاره إذا احتاج إليه، منعه الله فضله يوم القيامة، ووكله إلى نفسه، ومَن وكله الله إلى نفسه هلك، ولا يقبل الله عزَّ وجلَّ له عذراً) (3) .

حق الجار في رسالة الحقوق:

وضع الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) في رسالة الحقوق منهجاً شاملاً للتعامل مع الجيران، متكاملاً في أُسسه وقواعده، مؤكّداً فيه على تعميق أواصر الأخوة، مجسداً فيه السير طبقاً لمكارم الأخلاق التي بُعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أجل إتمامها، فقال (عليه السلام): (وأمّا حق الجار فحفظه غائباً، وكرامته شاهداً، ونصرته ومعونته في الحالين معاً، لا تتبع له عورة، ولا تبحث له عن سوءة لتعرفها، فإن عرفتها منه عن غير إرادة منك ولا تكلّف، كنت لِما علمت حصناً حصيناً وستراً ستيراً، لو بحثت الأسنة عنه ضميراً لم تتصل إليه لانطوائه عليه.

____________________

(1) بحار الأنوار 76: 361.

(2) بحار الأنوار 76: 361.

(3) بحار الأنوار 76: 363.


لا تستمع عليه من حيث لا يعلم، لا تُسلِمه عند شديدة ولا تحسده عند نعمة.

تقبل عثرته، وتغفر زلته، ولا تدّخر حلمك عنه إذا جهل عليك، ولا تخرج أن تكون سلماً له ترد عنه لسان الشتيمة، وتبطل فيه كيد حامل النميمة، وتعاشره معاشرةً كريمة، ولا قوة إلاّ بالله) (1) .

ثالثاً: حقوق المجتمع

الإسلام ليس منهج اعتقاد وإيمان وشعور في القلب فحسب، بل هو منهج حياة إنسانية واقعية، يتحول فيها الاعتقاد والإيمان إلى ممارسة سلوكية في جميع جوانب الحياة؛ لتقوم العلاقات على التراحم والتكافل والتناصح، فتكون الأمانة والسماحة والمودة والإحسان والعدل والنخوة، هي القاعدة الأساسية التي تنبثق منها العلاقات الاجتماعية.

وقد جعل الإسلام كل مسلم مسؤولاً في بيئته الاجتماعية، يمارس دوره الاجتماعي البنّاء من موقعه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) (2) .

ودعا (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الاهتمام بأمور المسلمين، ومشاركتهم في آمالهم وآلامهم، فقال: (مَن أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم) (3) .

____________________

(1) تحف العقول: 191.

(2) جامع الأخبار: 327.

(3) الكافي 2: 163.


ودعا الإمام الصادق (عليه السلام) إلى الالتصاق والاندكاك بجماعة المسلمين فقال: (مَن فارق جماعة المسلمين قيد شبر، فقد خلع رِبقة الإسلام من عنقه) (1) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (مَثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر) (2) .

وأمر الإمام الصادق (عليه السلام) بالتواصل، والتراحم، والتعاطف بين المسلمين، وذلك هو أساس العلاقات بينهم، فقال: (تواصلوا وتباروا وتراحموا وتعاطفوا) (3) .

ودعا الإمام علي (عليه السلام) إلى استخدام الأساليب المؤدّية إلى الأُلفة والمحبة، ونبذ الأساليب المؤدّية إلى التقاطع والتباغض، فقال: (لا تَغضبوا ولا تُغضبوا افشوا السلام وأطيبوا الكلام) (4) .

والأُسرة بجميع أفرادها مسؤولة عن تعميق، أواصر الود، والمحبة، والوِئام، مع المجتمع الذي تعيش فيه، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بالمداومة على حُسن الخُلق، والمعاشرة الحسنة، وممارسة أعمال الخير والصلاح، وتجنّب جميع ألوان الإساءة والاعتداء في القول والفعل.

ولذا وضع الإسلام منهاجاً متكاملاً في العلاقات، قائماً على أساس مراعاة حقوق أفراد المجتمع، فرداً فرداً وجماعة جماعة، وتتمثّل هذه

____________________

(1) الكافي 1: 405.

(2) المحجّة البيضاء 3: 357.

(3) الكافي 5: 175.

(4) تحف العقول: 140.


الحقوق العامّة في:

(حقّ الاعتقاد، وحقّ التفكير وإبداء الرأي، وحق الحياة، وحق الكرامة، وحق الأمن، وحق المساواة، وحق التملك) وتنطلق بقية الحقوق من هذه القواعد الكلية، لتكون مصداقاً لها في الواقع العملي.

والالتزام بالأوامر الإلهية كفيل بإحقاق حقوق المجتمع، ومن الأوامر الإلهية الجامعة لجميع الحقوق قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (1) .

فالتقيّد بهذا الأمر الإلهي يعصم الإنسان من التقصير في حقوق المجتمع، ويدفعه للعمل الجاد الدؤوب لتحقيق حقوق الآخرين، وأداء مسؤوليته على أحسن وجه أراده الله تعالى منه.

حقوق المجتمع في القرآن الكريم:

القرآن الكريم دستور البشرية الخالد، يمتاز بالشمول والإحاطة الكاملة بجميع شؤون الحياة، وقد وضع أُسساً عامة في علاقة الفرد بالمجتمع، ووضع لكلِّ طرف حقوقه وواجباته؛ للنهوض من أجل إتمام مكارم الأخلاق، وإشاعة الود والحب والوئام في ربوع المجتمع الإنساني، وفيما يلي نستعرض جملةً من حقوق المجتمع على الفرد والأُسرة، الخلية الاجتماعية الأُولى، وأهم تلك الحقوق هو التعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان قال تعالى: ( وَتَعَاونوا على البرِّ

____________________

(1) سورة النحل: 16 / 90.


والتَقوى ولا تَعاونُوا على الإثمِ والعُدوانِ ) (1) .

وأمر القرآن الكريم بالإحسان إلى أفراد المجتمع: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.... ) (2) .

وأقرّ القرآن حق النصرة: ( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ... ) (3) .

وأمر بالاعتصام بحبل الله وعدم التفرّق: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ) (4) .

وأمر بالسعي للإصلاح بين المؤمنين: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (5) .

وأمر بالعفو والمسامحة: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) (6) .

وأمر بالوفاء بالعقود: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (7) .

____________________

(1) سورة المائدة: 5 / 2.

(2) سورة النساء: 4 / 36.

(3) سورة الأنفال: 8 / 72.

(4) سورة آل عمران: 3 / 103.

(5) سورة الحجرات: 49 / 10.

(6) سورة الأعراف: 7 / 199.

(7) سورة المائدة: 5 / 1.


وأمر بأداء الأمانة: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) (1) .

وأمر بأداء حق الفقراء والمساكين وابن السبيل، وعدم تبديد الثروة بالتبذير والإسراف: ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) (2) .

وقال أيضاً: ( وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) (3) .

ومن أجل إشاعة مكارم الأخلاق، والسير على النهج القويم، أمر القرآن بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر: ( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) (4) .

ومن حقوق المجتمع على الفرد، أن يقوم بواجب الإصلاح والتغيير؛ للحفاظ على سلامة المجتمع من الانحراف العقائدي، والاجتماعي، والأخلاقي، وأن يقابل الإساءة والمصائب التي تواجهه بصبر وثبات، فمن وصية لقمان لابنه: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) (5) .

ونهى القرآن الكريم عن الاعتداء على الآخرين، بالظلم والقتل، وغصب الأموال والممتلكات، والاعتداء على الأعراض: ( ولا تَعتدُوا إنَّ

____________________

(1) سورة النساء: 4 / 58.

(2) سورة الإسراء: 17 / 26.

(3) سورة الذاريات: 51 / 19.

(4) سورة العصر: 103 / 3.

(5) سورة لقمان: 31 / 17.


اللهَ لا يُحبُّ المُعتَدينَ ) (1) .

وحرّم الدخول إلى بيوت الآخرين دون إذن منهم: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ) (2) .

ونهى عن بخس الناس حقوقهم: ( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) (3) .

وحرّم التعامل الجاف مع الآخرين: ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا... ) (4) .

وحرّم جميع الممارسات التي تؤدي إلى قطع الأواصر الاجتماعية، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ... ) (5) .

وحرّم الظن الآثم، والتجسس على الناس، واغتيابهم: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ) (6) .

وحرّم إشاعة الفاحشة في المجتمع الإسلامي: ( إنَّ الذينَ يُحبُّونَ أنْ

____________________

(1) سورة البقرة: 2 / 190.

(2) سورة النور: 24 / 27.

(3) سورة هود: 11 / 85.

(4) سورة لقمان: 31 / 18.

(5) سورة الحجرات: 49 / 11.

(6) سورة الحجرات: 49 / 12.


تَشِيعَ الفَاحِشَةُ في الذينَ آمنُوا لَهُم عذابٌ أليمٌ... ) (1) .

وحرّم ارتكاب الفواحش الظاهرية والباطنية: ( وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) (2) .

وهكذا يوفّر القرآن في هذه اللائحة الطويلة والعريضة، ما يضمن توفير الحصانة للمجتمع البشري، وهو يضع النظام الدقيق والشامل، من أحكام وقيم أخلاقية؛ ليكون الأمان، والتآلف، والتعايش، والتكافل، معالم أصيلة في الحياة الاجتماعية.

ثمّ تأتي السُنّة الشريفة متمّمة لهذا المنهاج ومفصّلة له:

حقوق المجتمع في الأحاديث الشريفة:

أكدّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأهل بيته (عليهم السلام)، على التآزر والتعاون والتواصل والتحابب؛ ليكون الود والوئام والسلام، هو الحاكم في العلاقات الاجتماعية، بين الفرد والمجتمع، وبين الأفراد أنفسهم، فلا يطغى حق الفرد على حق المجتمع، ولا حق المجتمع على حق الفرد، ونهوا عن تبادل النظرة السلبية كحد أدنى في الحقوق المترتبة على الفرد اتجاه المجتمع، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يحل لمسلم أن ينظر إلى أخيه بنظرة تؤذيه) (3) .

وعدم جواز النظرة السلبية، يعني عدم جواز سائر مظاهر الأذى ومصاديقه، في القول، وفي الممارسة العملية، فلا تجوز الغيبة، ولا البهتان،

____________________

(1) سورة النور: 24 / 19.

(2) سورة الأنعام: 6 / 151.

(3) المحجّة البيضاء 3: 359.


ولا الاعتداء على أموال الآخرين، وأعراضهم، وأرواحهم، بل يجب صيانة حرماتهم بجميع مظاهرها.

وحثّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على مداراة الآخرين والرِفق بهم، والالتزام بهذه التوصيات من شأنه أن يؤدي إلى مراعاة جميع الحقوق الاجتماعية؛ لانبثاقها منها وتفرّعها عليها، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (مداراة الناس نصف الإيمان، والرِّفق بهم نصف العيش) (1) .

ومن أحب الأعمال إلى الله تعالى، والواقعة في أُفق مراعاة الحقوق الاجتماعية، هي إدخال السرور على المؤمنين، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ أحبّ الأعمال إلى الله عزَّ وجلَّ إدخال السرور على المؤمنين) (2) .

وإدخال السرور يتحقّق بإسماعهم الكلمة الطيبة، والقول الجميل، واحترامهم، والتعاون في حلِّ مشاكلهم، ومشاركتهم في آمالهم وآلامهم، وأفراحهم وأحزانهم، والدفاع عن أموالهم وأعراضهم وأنفسهم، ورفع الأذى عنهم، ونصرتهم للقيام بمواجهة أعباء الحياة.

وحدّد الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) سبعةً من الحقوق، تكون مصداقاً لإدخال السرور على المؤمنين من أفراد المجتمع الكبير، عن معلّى بن خنيس، عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: ما حقّ المسلم على المسلم؟ قال له: (سبع حقوق واجبات ما منهنَّ حقّ إلاّ وهو عليه واجب، إن ضيّع منها شيئاً خرج من ولاية الله وطاعته، ولم يكن لله فيه من نصيب...

____________________

(1) الكافي 2: 117.

(2) الكافي 2: 189.


أيسر حقّ منها: أن تحبّ له ما تحبّ لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك.

ومنها: أن تجتنب سخطه، وتتّبع مرضاته، وتطيع أمره.

ومنها: أن لا تشبع ويجوع، ولا تروى ويظمأ، ولا تلبس ويعرى.

ومنها: أن تبرّ قسمه، وتجيب دعوته، وتعود مريضه، وتشهد جنازته، وإذا علمت أنَّ له حاجةً تبادره إلى قضائها، ولا تلجئه أن يسألكها، ولكن تبادره مبادرةً، فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته، وولايته بولايتك) (1) .

وفي رواية أُخرى ذَكر (عليه السلام) جملةً من الحقوق فقال: (إنَّ من حقّ المؤمن على المؤمن: المودّة له في صدره، والمواساة له في ماله، والخَلف له في أهله، والنُصرة له على مَن ظلمه، وإن كان نافلةً في المسلمين وكان غائباً أخذ له بنصيبه، وإذا مات الزيارة في قبره، وأن لا يظلمه، وأن لا يغشّه، وأن لا يخونه، وأن لا يخذله، وأن لا يكذب عليه، وأن لا يقول له أفّ..) (2) .

ومن الحقوق أن يناصح المؤمن غيره من المؤمنين، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (يجب للمؤمن على المؤمن أن يناصحه) (3) .

ومن الحقوق: صدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وحُسن الخُلق، والقُرب من الناس، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أقربكم مني غداً في

____________________

(1) الكافي 2: 169.

(2) الكافي 2: 171.

(3) الكافي 2: 208.


الموقف أصدقكم للحديث، وآداكم للأمانة، وأوفاكم بالعهد، وأحسنكم خلقاً، وأقربكم من الناس) (1) .

ومن الحقوق تحكيم الأواصر المشتركة في العلاقات، والتعامل من خلال الأُفق الواسع الذي يجمع الجميع في أُطر ونقاط مشتركة، ونبذ جميع الأواصر الضيّقة، فحرّم الإسلام التعصّب للعشيرة أو القومية، ودعا إلى إزالة جميع المظاهر التي تؤدّي إلى التعصّب المقيت، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ليس منّا مَن دعا إلى عصبية، وليس منّا مَن قاتل على عصبية، وليس منّا مَن مات على عصبية) (2) .

ومن أهم الحقوق إصلاح ذات البين؛ لأنّه يؤدي إلى علاج كثير من الممارسات السلبية، التي تفكّك أواصر الإخاء، وتستأصل الوِئام في أجوائه، لذا قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام) (3) .

حقوق المجتمع في رسالة الحقوق:

وضع الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) في رسالة الحقوق منهجاً متكاملاً، في خصوص الحقوق الاجتماعية المترتبة على الفرد، باعتباره جزءً من الأُسرة ومن المجتمع، وممّا ورد في قوله (عليه السلام): (وأمّا حق أهل ملّتك عامة: فإضمار السلامة، ونشر جناح الرحمة، والرِّفق بمسيئهم، وتألّفهم، واستصلاحهم، وشكر محسنهم إلى نفسه واليك، فإنّ إحسانه إلى نفسه

____________________

(1) تحف العقول: 32.

(2) كنز العمال 3: 510 / 7657.

(3) ثواب الأعمال: 178.


إحسانه إليك، إذا كفّ عنك أذاه وكفاك مؤونته، وحبس عنك نفسه، فعمّهم جميعاً بدعوتك، وانصرهم جميعاً بنصرتك.

وأنزلهم جميعاً منك منازلهم؛ كبيرهم بمنزلة الوالد، وصغيرهم بمنزلة الولد، وأوسطهم بمنزلة الأخ، فمَن أتاك تعاهدته بلطف ورحمة، وصل أخاك بما يجب للأخ على أخيه.

وأمّا حق أهل الذمّة، فالحكم فيهم أن تقبل منهم ما قِبل الله، وتفي بما جعل الله لهم من ذمته وعهده، وتكلهم إليه فيما طلبوا من أنفسهم وأُجبروا عليه، وتحكم فيهم بما حكم الله به على نفسك، فيما جرى بينك وبينهم من معاملة، وليكن بينك وبين ظلمهم، من رعاية ذمة الله، والوفاء بعهده، وعهد رسوله، حائل، فإنّه بلغنا أنّه قال: مَن ظلم معاهداً كنت خصمه) (1) .

الآثار الايجابية لمراعاة حقوق المجتمع:

فيما يلي نستعرض بعض الروايات التي وردت في ثواب مَن راعى حقوق أفراد المجتمع.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (مَن ردّ عن عِرض أخيه المسلم وجبت له الجنة البتة) (2) .

وقال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): (مَن كفّ عن أعراض الناس كفّ الله عنه عذاب يوم القيامة، ومَن كفّ غضبه عن الناس أقاله الله نفسه يوم

____________________

(1) تحف العقول: 195 - 196.

(2) ثواب الأعمال / الصدوق: 175، مكتبة الصدوق، طهران 1391 هـ.


القيامة) (1) .

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (أربع مَن كنّ فيه بنى الله له بيتاً في الجنّة: مَن آوى اليتيم، ورحم الضعيف، وأشفق على والديه، ورفق بمملوكه) (2) .

وقال الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): (مَن أطعمَ مؤمناً من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومَن سقى مؤمناً من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم، ومَن كسا مؤمناً كساه الله من الثياب الخضر) (3) .

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (البرّ والصدقة ينفيان الفقر، ويزيدان في العمر، ويدفعان عن صاحبهما سبعين ميتة سوء) (4) .

ولمراعاة الحقوق الاجتماعية مزيد من الآثار الايجابية، التي تنعكس على الفرد والأسرة والمجتمع في دار الدنيا والآخرة، وردت في كتب الحديث، سيّما في كتاب (ثواب الأعمال) للشيخ الصدوق، لا مجال لذكرها جميعاً في هذا المختصر.

____________________

(1) ثواب الأعمال: 161.

(2) ثواب الأعمال: 161.

(3) ثواب الأعمال: 164.

(4) ثواب الأعمال: 169.


الفصل السادس

أحكام العلاقة بين الجنسينِ

سنكرّس البحث في هذا الفصل عن أحكام العلاقات بين الرجل والمرأة، والتي ينبغي أن تكون منسجمةً مع أُسس وقواعد المنهج الإسلامي، الذي رسم لها هدفاً بيّناً، وحدّد لها طريقاً معلوماً، فلم يتركها للنزوة العارضة والرغبة الغامضة، والفلتة التي لا تستند إلى موازين ثابتة، بل أراد لها أن تكون على مستوى الأمانة العظيمة التي أناطها الله تعالى ببني الإنسان، فقد جعلها علاقة سكن للنفس، وطمأنينة للروح، وراحة للجسد، ثمّ ستراً، وإحصاناً، وصيانةً، ثمّ مزرعةً للنسل، وامتداداً للحب والودّ.

فقد تعامل مع الجنسينِ على أساس الفطرة، مراعياً الحاجات المادية والروحية، بلا إفراط ولا تفريط، فحرّم جميع مظاهر وألوان العلاقات المخالفة للنزاهة والعفّة، والمؤدية إلى الانحراف والانزلاق والشذوذ؛ لكي يأخذ الجنسان نصيبهما في إصلاح النفس والأُسرة والمجتمع.

وقد جعلنا هذا الفصل ضمن آداب الأُسرة؛ لأنّ الغالب في عصرنا


الحاضر ابتلاء الأُسر بمثل هذه الأحكام.

أحكام النظر:

النظر إلى الجنس الآخر من قِبل أحد الجنسين تترتب عليه آثار عملية عديدة، ومواقف سلوكية متباينة، قد تؤدي إلى إثارة الشهوة والوقوع في الفتنة.

قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوةَ، وكفى بها لصاحبها فتنة) (1) .

والنظر يؤدّي في أغلب الأحيان إلى الوقوع في شباك إبليس، فتعقب صاحبها الندامة والحسرة، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، وكم من نظرة أورثت حسرةً طويلة) (2) .

والنظر قد يكون مقصوداً وبشهوة فيكون إحدى مقدمات الزنا، قال الإمامان محمد الباقر وجعفر الصادق (عليهما السلام): (ما من أحد إلاّ وهو يصيب حظّاً من الزنا، فزنا العينين النظر، وزنا الفم القُبلة، وزنا اليدين اللّمس، صدّق الفرج ذلك أم كذّب) (3) .

ولأجل الحفاظ على المجتمع من الانحراف، والابتذال، والسقوط، دعا الإسلام المؤمنين والمؤمنات إلى غض البصر، وتجنّب النظر إلى الجنس الآخر، قال تعالى: ( قُلْ لِلمؤمِنينَ يَغُضُّوا من أبصَارِهِم ويَحفظُوا فُرُوجَهم

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه / الصدوق 4: 18 / 4970، جماعة المدرّسين، ط2، قم 1404 هـ.

(2) الكافي / الكليني 5: 559، دار الكتب الإسلامية، طهران 1403 هـ.

(3) الكافي 5: 559.


ذلكَ أزكَى لَهُم إنَّ اللهَ خَبيرٌ بما يَصنَعُونَ * وَقُل لِلمؤمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أَبصارِهِنَّ ويَحفظنَّ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبدِينَ زِينتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنها وليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ على جيُوبهِنَّ... ) (1) .

وفي هذه الآية أمر الله تعالى الجنسينِ بغض البصر، وأمر المرأة بالحجاب بتغطية رأسها ورقبتها، وحفظ مواضع الزينة إلاّ ما ظهر منها كالوجه والكفينِ (2) .

أمّا إظهار الزينة بنفسها فحرام، ولكن المقصود هو مواضع الزينة عند أغلب المفسّرين.

عن مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفراً (عليه السلام)، وسُئل عمّا تظهر المرأة من زينتها، قال: (الوجه والكفيّن) (3) .

والنظر الجائز هو النظرة الأُولى، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تُتبع النظرة النظرة، فليس لك إلاّ أَوّل نظرة) (4) .

والجمع بين الأدلة في جواز النظر وحرمته، يقيّد بجواز النظرة الأُولى غير المقصودة وغير المتعمدة.

ومعاودة النظر حرام (ولا ينظر الرجل إلى المرأة الأجنبية إلاّ مرةً من غير معاودة...) (5) .

____________________

(1) سورة النور: 24 / 30 - 31.

(2) مجمع البيان / الطبرسي 4: 138، مطبعة العرفان، صيدا 1355 هـ. وجواهر الكلام 29: 75.

(3) الكافي 5: 522.

(4) وسائل الشيعة 20: 193.

(5) اللمعة الدمشقية / محمد مكي العاملي: 183، دار الناصر، ط1، طهران 1406 هـ. وجامع المقاصد 12: 32.


وإنّه لا خلاف في (تحريم نظر المرأة إلى الأجنبي أعمى كان أو مبصراً) (1) .

والنظرة الأُولى مهما كانت أسبابها ودوافعها مقيّدة بعدم التلذّذ والريبة، كأن تقع مصادفةً، أو لضرورة، أو غير ذلك، فالنظرة بتلذّذ وريبة حرام (2) .

المستثنى في جواز النظر إلى غير الوجه والكفين:

هنالك مستثنيات لحرمة النظر يجوز فيها النظر لأشخاص معيّنين مطلقاً، ولحالات ومواقف معيّنة، وجميع هذا الجواز مقيّد بعدم التلذّذ والريبة إلاّ في (الزوجين) (3) .

أَوّلاً: استثناء بعض الأشخاص:

جوّزت الآية المتقدمة لبعض الأشخاص النظر إلى الجنس الآخر كما جاء في قوله تعالى: ( ... وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ) (4) .

تقدم أنّ المراد هو موضع الزينة وليست الزينة نفسها، وموضع الزينة هو الوجه والكفان، فيجوز لأشخاص معيّنين النظر إلى أكثر من الوجه

____________________

(1) الحدائق الناضرة / يوسف البحراني 23: 65. وجامع المقاصد 12: 41 - 42.

(2) المقنعة: 521. والحدائق الناضرة 23: 61.

(3) الحدائق الناضرة 23: 61.

(4) سورة النور: 24 / 31.


والكفيّن، كالشعر وباقي أجزاء الجسد عدا العورة، وهم:

1 - الزوج والأب وأبو الزوج.

2 - الابن وابن الزوج من زوجة ثانية.

3 - الأخ وأبناء الأخ وأبناء الأخت.

ويجوز للرجل النظر إلى زوجته وأُمّه، وأمّ زوجته وبنته، وبنت زوجته من زوج ثانٍ، وأُخته وبنات أخيه وبنات أخته، أي يجوز النظر إلى مطلق المحارم (1) ، وبمعنى آخر لا يتوجب على المذكورات لبس القناع، وتغطية الرأس، وعدم وجوب الحجاب مخصوص بما ذكرته الآية الشريفة.

أمّا ما تعارف عليه عند البعض، وهو عدم الحجاب من أخ الزوج، أو زوج الخالة، أو زوج العمة، أو ابن العم، وابن الخال، ومَن بدرجتهما، أو عدم تحجّب أخت الزوجة، أو زوجة ابن الأخ، أو زوجة ابن الأخت، فهذا لا جواز له؛ لأنّ هذه الأصناف ليست من المحارم، وعدم وجوب الحجاب مخصوص بالمحارم فقط.

ويحرم على المرأة المسلمة أن تتجرّد أمام اليهودية، أو النصرانية، أو المجوسية، إلاّ إذا كانت أَمَةً، أي مملوكةً (2) .

ويجوز تعمّد النظر دون ريبة من قِبل (أولي الإربة)، وهو كما قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (الأحمق الذي لا يأتي النساء) (3) ، وليس له حاجة

____________________

(1) الحدائق الناضرة 23: 61. وجامع المقاصد 12: 33.

(2) مجمع البيان 4: 183.

(3) مجمع البيان 4: 138.


جنسية في النساء.

ويجوز النظر للأطفال الذين لم يعرفوا عورات النساء، ولم يقووا عليها؛ لعدم شهوتهم، وكذلك جواز التبرّج أمامهم، قال الإمام الرضا (عليه السلام): (لا تغطّي المرأة رأسها من الغلام حتى يبلغ) (1) .

ويجوز إدامة النظر إلى البنت الصغيرة، والعجوز المسنّة (2) دون تلذّذ وريبة.

ثانياً: استثناء بعض النساء من غير المحارم:

إنّ علة تحريم النظر الدائم والمتواصل، هو منع مقدمات وأسباب الانحراف، والأمر بعدم النظر موجّه للرجل والمرأة على حدٍّ سواء، ولكنّ الإسلام استثنى بعض النساء، وجوّز النظر إليهنّ دون تلذّذ؛ مراعاةً للأمر الواقع.

فجوّز النظر إلى وجوه وأيدي وشعور نساء أهل الكتاب وأهل الذمة (3) .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا حرمة لنساء أهل الذمة أن ينظر إلى شعورهنّ وأيديهنّ) (4) .

ويجوز النظر إلى كلِّ متبرّجة غير متقيّدة بالحجاب الإسلامي، ويجوز النظر غير المتعمّد إلى المجنونة.

____________________

(1) الكافي 5: 533. وجامع المقاصد 12: 33.

(2) الحدائق الناضرة 23: 64.

(3) المقنعة: 521. وجامع المقاصد 12: 31.

(4) الكافي 5: 524.


قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (لا بأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة، والأعراب، وأهل السواد، والعُلُوج لأنّهم إذا نُهوا لا ينتهون).

وقال (عليه السلام): (والمجنونة والمغلوبة على عقلها، ولا بأس بالنظر إلى شعرها وجسدها ما لم يتعمد ذلك) (1) .

والنظر الجائز مختصّ بنظر الرجال إلى الأصناف المذكورة من النساء، وأن لا يكون نظر شهوة وتلذّذ، ولا يجوز تعميم الحكم للنساء المسلمات بأن ينظرنَ إلى رجال أهل الكتاب.

ثالثاً: استثناء بعض الحالات:

المحرّم في الشريعة يصبح جائزاً عند الضرورة، فالنظر المتبادل بين الرجل والمرأة - سواء كان متوالياً أو متقطعاً - يكون جائزاً في حال الضرورة (2) .

والضرورة قد تكون حاجةً مخفّفةً، وقد تكون ضرورةً شديدة، وجواز النظر عند الحاجة يكون مختصاً بالنظر إلى الوجه واليدين، والحاجة مثل الشهادة للمرأة أو عليها، فلابدّ من رؤية وجهها ليعرفها (3) .

وجواز النظر للحاكم والقاضي من أجل؛ التعرّف عليها للمثول أمامه، أو الحكم عليها (4) .

____________________

(1) الكافي 5: 524.

(2) اللمعة الدمشقية: 183. وجواهر الكلام 29: 89.

(3) المبسوط 4: 161. والحدائق الناضرة 23: 63.

(4) المبسوط 4: 161.


وجواز النظر لمَن أُريد التعامل معها، في بيع، وشراء، وإجارة، وغير ذلك من أنواع المعاملات (1) .

والضرورة تبيح جميع المحظورات حتى النظر إلى جسد المرأة، وأفضل مصداق للضرورة، هو حالات العلاج التي قد تكون على أيدي الرجال في حال الاضطرار، أو عدم وجود المِثل - أي المرأة - التي تقوم بنفس دور الطبيب من الرجال، ويشمل ذلك جميع حالات العلاج وما يتوقف عليه من (فصد، وحجامة، ومعرفة نبض العروق، ونحو ذلك) (2) .

وعند الضرورة يجوز النظر إلى أي موضع لا يمكن العلاج إلاّ بعد الوقوف عليه (3) .

روى أبو حمزة الثمالي، عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام)، قال: سألته عن المرأة المسلمة يصيبها البلاء في جسدها، إمّا كسر، أو جِراح، في مكان لا يصلح النظر إليه، ويكون الرجال أرفق بعلاجه من النساء، أيصلح له أن ينظر إليها؟ قال: (إذا اضطرت إليه فيعالجها إن شاءت) (4) .

وهذا يعني جواز إجراء العمليات الجراحية من قِبل الرجال للنساء، ومنها عملية الولادة حيث يطّلع الطبيب فيها على عورة المرأة، وهذا الجواز مشروط بالضرورة، والضرورة تأتي بعد عجز النساء عن علاج المرأة في الولادة، أو عدم توفّر القابلة من النساء.

____________________

(1) المبسوط 4: 161. والحدائق الناضرة 23: 63. وجامع المقاصد 12: 34.

(2) الحدائق الناضرة 23: 63.

(3) راجع المبسوط 4: 161.

(4) الكافي 5: 534.


والقاعدة الكلية في النظر أنّه (يجوز نظر الرجل إلى مِثله ما خلا العورة، والمرأة إلى مِثلها كذلك، والرجل إلى محارمه ما عدا العورة، كل ذلك مقيّد بعدم التلذّذ والريبة إلاّ في الزوجين) (1) .

وشرط عدم التلذّذ والريبة نافذ الحرمة في جميع الحالات، حتى في النظر إلى المحارم كالأخت والخالة، والعمة وزوجة الأب، وبعكسها في النساء أيضاً، كنظر الأخت والخالة، والعمة وزوجة الأب، إلى مقابلها من الرجال.

ويُكره النظر إلى أدبار النساء من خلف الثياب، وإذا كان هذا النظر مصحوباً بالتلذّذ والريبة فهو حرام.

سُئل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن هذا النظر فقال: (أَما يخشى الذين ينظرون في أدبار النساء أن يبتلوا بذلك في نسائهم) (2) .

____________________

(1) الحدائق الناضرة 23: 61.

(2) الكافي 5: 520.


أحكام متفرّقة في العلاقات العملية

1 - حكم سماع صوت المرأة الأجنبية:

سماع صوت المرأة الأجنبية جائز من قِبل الرجال، وقد دلّت السيرة على جوازه، فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - كما هو متواتر - كان يسمع صوت النساء، وكنّ يسألنه عن شؤون الدين، وقد اشتهر عن الزهراء (عليها السلام) خطبتها في المسجد النبوي الشريف، ومعارضتها لأبي بكر وعمر في خصوص الخلافة، وفدك (1) .

والمحرّم من السماع هو السماع الموجب للّذة والفتنة (2) .

ولذا حرّم الإسلام على المرأة ترقيق القول، وتليين الكلام بالصورة التي تثير الرجال، أو يكون الكلام بنفسه مؤدياً للإثارة؛ لاحتوائه على معانٍ مثيرة، فلابدّ أن يكون الكلام مستقيماً بريئاً من الريبة موافقاً للدين (3) .

قال تعالى: ( ... فلا تَخْضَعْنَ بالقولِ فَيَطمَعَ الَّذي في قَلبهِ مَرضٌ وقُلنَ قَولاً مَّعرُوفاً ) (4) .

____________________

(1) تاريخ الطبري، أحداث سَنة 11 هـ. والإمامة والسياسة. وتاريخ اليعقوبي. والكامل في التاريخ، أحداث سنة 11 هـ.

(2) الحدائق الناضرة 23: 66 - 67. وجامع المقاصد 12: 43.

(3) مجمع البيان 4: 356.

(4) سورة الأحزاب: 33 / 32.


2 - حكم مصافحة المرأة الأجنبية:

يحرم مصافحة المرأة الأجنبية مباشرةً، ويجوز من وراء الثياب بأن يكون عازلاً بين اليدين، بشرط أن لا يغمز كفّها، فإنّ غمز الكفّ من المحرّمات، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (لا يحلّ للرجل أن يصافح المرأة، إلاّ امرأة يحرم عليه أن يتزوّجها: أخت أو بنت، أو عمة أو خالة، أو ابنة أُخت أو نحوها، فأمّا المرأة التي يحلُّ له أن يتزوجها، فلا يصافحها إلاّ من وراء الثوب ولا يغمز كفّها) (1) .

فالمصافحة حرام بين الرجل والمرأة، ويمكن للإنسان الذي يعيش في أوساط الاختلاط، أو في مجتمعات غير إسلامية أن يصافح من وراء الثياب؛ دفعاً للحرج الذي يواجهه.

3 - حكم الخلوة بالمرأة الأجنبية:

حرّم الإسلام الاختلاء بالمرأة الأجنبية التي يحلُّ له أن يتزوجها، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يخلونّ رجل بامرأة، فإنّ ثالثهما الشيطان) (2) .

وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (فيما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من البيعة على النساء... ولا يقعدنّ مع الرجال في الخلاء) (3) .

والاختلاء يعني الانفراد في مكان خالٍ من الناس، في موضع واحد لا يصله أحد، مع عدم الأمن من الفساد؛ لأنّ الاختلاء يؤدّي إلى إثارة

____________________

(1) الكافي 5: 525. وجامع المقاصد 12: 44.

(2) مستدرك الوسائل 14: 266.

(3) الكافي 5: 519.


الشهوة، وتيسير مقدمات الانحراف، وقد اعتاد البعض على ترك الأخ مع الزوجة، أو ابن الأخ مع زوجة العم، أو ما شابه ذلك، وهو من الأمور التي حرّمتها الشريعة إلاّ في حالات الضرورة القصوى.

4 - حكم مشي المرأة في الطريق:

من الأفضل للمرأة أن لا تمشي وسط الطريق، وإنّما في جانبه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ليس للنساءِ من سَرَوات الطريق شيء، ولكنّها تمشي في جانب الحائطِ والطريقِ) (1) .

5 - حكم الدخول على النساء:

أوجب الإسلام الاستئذان في حالة دخول الرجل على المرأة، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدخل الرجال على النساء إلاّ بإذنهنّ).

وفي رواية (أن يدخل داخل على النساء إلاّ بإذن أوليائهنّ) (2) .

فالاستئذان واجب، وهو حق شخصي للمرأة من جهة، وهو يحول عن الوقوع في ما هو حرام على الرجال من جهة أُخرى، فطلب الإذن يتيح للمرأة الفرصة لارتداء حجابها، وبذلك يتجنّب الرجل النظرة المحرّمة.

ويجوز للعبيد المملوكين لمرأة معيّنة أو الأطفال الدخول على المرأة المالكة في أي وقت؛ لأنّ الاستئذان المتكرّر يولّد الحرج في مسألة

____________________

(1) الكافي 5: 518.

(2) الكافي 5: 528.


الخدمة (1) ، واستثنى الإسلام ثلاث أوقات، فلا يباح لهم الدخول إلاّ بعد الاستئذان، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ.... ) (2) .

أمّا إذا بلغ الطفل الحُلُم فيجب عليه الاستئذان عند الدخول، على أيّة امرأة وإن كانت محرّمةً عليه قال تعالى: ( وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا... ) (3) .

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (ومَن بلغ الحُلُم فلا يلج على أُمّه، ولا على أُخته، ولا على خالته، ولا على سوى ذلك، إلاّ بإذن...) (4) .

وقال (عليه السلام): (يستأذن الرجل إذا دخل على أبيه، ولا يستأذن الأب على الابن، ويستأذن الرجل على ابنته وأُخته إذا كانتا متزوجتين) (5) .

فالاستئذان حقّ يجب العمل به؛ لكي لا يفاجأ الداخل المرأة وهي في حالة لم تكن متهيّئةً لاستقباله.

6 - حكم تشبّه الرجال بالنساء وبالعكس:

خلق الله تعالى الإنسان ذكراً وأنثى، ووضع لكل جنس خصوصياته،

____________________

(1) مجمع البيان 4: 154.

(2) سورة النور: 24 / 58.

(3) سورة النور: 24 / 59.

(4) الكافي 5: 529.

(5) الكافي 5: 528.


التي تميّزه عن غيره من الحركة والسكون، ومن الاندفاع نحو ممارسة معيّنة والانكماش عنها؛ ولذا فمن الواجب على الجنسين أن يحافظ كل منهما على خصوصياته المميّزة له، في كلامه وجلوسه ومشيته، ولباسه وعاداته وتقاليده؛ لذا حرّم الإسلام تشبّه أحد الجنسين بالجنس الآخر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لعن الله المتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبّهات من النساء بالرجال) (1) .

وتشديداً على الحرمة قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أخرجوهم من بيوتكم فإنّهم أقذر شيء) (2) .

وأعراف المجتمع وتقاليده هي التي تشخّص وتحدّد طبيعة التشبّه، وهو قد يختلف من مجتمع لآخر ومن زمن لآخر.

7 - حكم العلاقة مع الصبيان قبل البلوغ:

وضع الإسلام بعض الأُسس والقواعد السلوكية؛ لوقاية الإنسان من الانحراف، وتهذيب ممارساته عن طريق التمرّن، والتدريب، ومجاهدة النفس؛ لتكون له حصانة من الانزلاق، ولهذا وضع الإسلام أحكام الاستحباب والكراهة لهذا الغرض، فمن المستحسن للإنسان المسلم أن يداوم على المستحبات، ويتجنّب المكروهات وإن كانت جائزةً، ومن هذه المكروهات التي نهى عنها الإسلام، هي تقبيل الصبي من قِبل المرأة، وتقبيل الصبيّة من قِبل الرجل من غير محارمه، فهو مكروه إن كان بدون شهوة، ومحرّم إن كان بشهوة.

____________________

(1) علل الشرائع / الصدوق: 602، دار إحياء التراث العربي، ط2، بيروت 1385 هـ.

(2) علل الشرائع / الصدوق: 602، دار إحياء التراث العربي، ط2، بيروت 1385 هـ.


عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): إنّ بعض بني هاشم دعاه مع جماعة من أهله، فأتى بصبيّة له، فأدناها أهل المجلس جميعاً إليهم، فلمّا دنت منه سأل عن سنّها، فقيل: (خمس سنين، فنحّاها عنه) (1) .

وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (إذا بلغت الجارية ستّ سنين، فلا ينبغي لك أن تقبّلها) (2) .

وقال (عليه السلام): (إذا بلغت الجارية ستّ سنين فلا يقبّلها الغلام، والغلام لا يقبّل المرأة إذا جاز سبع سنين) (3) .

فمن المستحسن عدم تعويد الصبيان على هذه الممارسات؛ لكي لا يشبّوا عليها؛ لأنّهم سوف لا يجدون حرجاً منها عند بلوغهم، وقد أثبت الواقع صحة ذلك، فكثير من الانحرافات عند البلوغ تكون مستشريةً بين النساء أو الرجال، الذين واجهوا مثل هذه الممارسات في مرحلة الصبا.

وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين

____________________

(1) الكافي 5: 533.

(2) تهذيب الأحكام 7: 481. والكافي 5: 533.

(3) وسائل الشيعة 20: 230 / 25502.


الفهرس

مقدمة المركز 5

المقدِّمة 7

الفصل الأَوّل: مقدمات تشكيل الأُسرة 11

معنى الأُسرة: 11

استحباب النكاح وأهميته: 12

كراهية العزوبة: 14

استحباب السعي في النكاح: 15

استحباب الدعاء للنكاح: 16

اختيار الزوجة: 17

اختيار الزوج: 21

الكفاءة في الزوج: 22

الأحكام المتعلّقة بالخطبة: 24

استحباب الخطاب أثناء الخطبة: 25

أحكام خطبة المرأة ذات العِدّة: 26

المهر والصَداق: 27

حكم ما يأخذه الأب: 29

الفصل الثاني: الأحكام العملية لبناء الأُسرة 31

صيغة العقد: 31

الإشهاد في العقد: 32

شروط العقد الذاتية والإضافية: 33

أولياء العقد: 34

المحلّل والمحرّم في النكاح: 35

مراسيم الزواج: 39


كراهية المباشرة في أوقات معيّنة: 42

كراهية المباشرة في أحوال معيّنة: 42

مستحبات المباشرة: 43

المحرّم في المباشرة: 43

أحكام الجنابة: 44

أحكام الحيض: 44

الحمل: 45

الولادة: 48

أحكام النفاس: 51

حكم تبنّي الوليد: 52

الرضاع: 52

الفِطام: 55

الحضانة: 57

الفصل الثالث: الحقوق الأُسريّة 59

أَوّلاً: حقوق الزوج: 59

ثانياً: حقوق الزوجة: 65

ثالثاً: حقوق الوالدَينِ: 72

رابعاً: حقوق الأبناء: 77

الفصل الرابع: الخلافات الزوجية 81

الشِّقاق والنشوز: 82

الإيلاء: 84

اللِّعان: 85

الطلاق: 87

الفصل الخامس: الأُسرة والمجتمع.101

أَوّلاً: صلة الأرحام 102

ثانياً: حقوق الجيران.108


ثالثاً: حقوق المجتمع.113

الحقوق العامّة في: 115

الفصل السادس: أحكام العلاقة بين الجنسينِ.125

أحكام النظر: 126

أحكام متفرّقة في العلاقات العملية 134