الأذان
بين الأصالة والتّحريف
ملاحظتان مهمتان:
الملاحظة الأولى: كل ما سيجده القارئ في نشرتنا هذه، لا سيَّما بعض الفوارق مع المطبوع، كان بالتنسيق المباشر مع المؤلف السيد الشهرستاني (حفظه الله).
الملاحظة الثانية: ترقيم الهوامش في الطبعة التي عملنا على ضوئها كان بحسب كل صفحةٍ صفحة، ولم يكن متسلسلاً كما هو في نشرتنا هذه (باستثناء الهامش في الصفحة 349)، وهو الشيء الذي أملته علينا ضرورات العمل. والأمر سهل على أية حال؛ فبوسع القارئ الكريم أن يتعامل مع كل رقم هامش متسلسل في نشرتنا على أنه رقم مستقل في كل صفحة على انفراد وذلك طبقاً لمحله داخل الصفحة، عندها يكون الترقيم موافقاً تماماً لترقيم الطبعة التي اعتمدناها.
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي
الأذان
بين الأصالة والتّحريف
حيّ على خير العمل
الشّرعيّة والشِّعاريّة
تأليف:
السّيّد عليّ الشّهرستاني
تمتاز هذه الطبعة بتنقيح وإضافات قيّمة من المؤلّف
الإهداء
إلى من آمن باللَّه والناس مشركون.
إلى من تحمّل كلّ شيء من أجل الرسول والرسالة.
إلى من صبر على أذى قريش وهو يقول: أحد، أحد.
إلى من رفع نداء التوحيد وحطّم بتكبيره شوكة قريش.
إلى من لم يؤذّن لأحد بعد رسول اللَّه إلّا للزهراء والحسنين.
إلى من أُبعد أو ابتعد عن مجريات الأحداث بعد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله).
إلى من وقف أمام التحريف داعياً إلى الأصالة.
إلى مؤذّن رسول اللَّه ومحبّ عترته وآل بيته.
إلى الصحابيّ الجليل بلال الحبشيّ (رضوان اللَّه تعالى عليه).. أهدي دراستي هذه.
المؤلِّف
مقدّمة المؤلف:
مرّ الفقه الإسلامي بمراحل وأدوار متعددة، وكُتب بأساليب ورؤى مختلفة، وطبق مناهج خاصة لفقهاء الإسلام. فالبعض أجمل فيه، والآخر فصّل. وثالث عُني بذكر الأدلّة، ورابع بتكثير الفروع، وخامس بمسائل الخلاف، وسادس بفقه الوفاق، واهتمّ غيرهم بجوانب أُخرى منه. وقد دُوّنت تلك المصنّفات تارة أصلاً ومتناً، وأخرى تعليقاً وشرحاً، وثالثة نظماً وشعراً، وغير ذلك.
وقد اختططتُ منهجاً بين تلك المناهج، مسلِّطاً الضوء على العلل والأسباب التي أدّت إلى اختلاف المسلمين في الأحكام الشرعيّة، موضّحاً فيه ملابسات التشريع، غير مُتناسٍ لمنهج الأقدمين في دراسة الفروع، آخذاً بنظر الاعتبار ما يلائم عقليّة المسلم المعاصر من التعرّف على جذور الخلاف وأسبابه.
فالفقيه لو جمع إلى أدلّته القرآنيّة والحديثيّة شيئاً من تاريخ التشريع وملابسات الأحكام الشرعية لاتّضح للسامع والقارئ حقائق كثيرة في هذا السياق. وكذا المؤرّخ عليه أن يدرس الأحداث دراسة تحليلية استنباطية كما يفعل الفقيه بالأحاديث، وأن لا يكتفي بنقل البلاذري والطبري والواقدي وابن سعد وغيرهم من أعلام المؤرِّخين.
وقد أوضحنا بعض معالم منهجنا في مقدمة كتابنا "وضوء النبيّ"، وأكّدنا على ضرورة دراسة المتن والسند معاً، مع بيان الجذور السياسية والاجتماعية والتاريخية والجغرافية للأحداث، وأن لا يكتفي المؤرّخ أو الفقيه بواحد منها دون الآخر؛ لأن اتّخاذ أحد الأسلوبين، القديم أو الجديد، ربما لا يقنع المطالع وخصوصاً في القضايا الخلافية، فالبحوث الإسنادية مثلاً هي بحوث تخصّصية بحتة لا يستسيغها الأكاديمي (= الجامعي)، وقد تثقل على مسامع غير المتخصّصين. وكذلك الحال بالنسبة إلى البحوث التاريخية التشريعية، فرّبما لا يرى الطالب الحوزوي والأزهري كثير فائدة في طرحها، ومن هنا سَعَينا أن نجمع في دراساتنا بين الأسلوبين، كي نخاطب أكبر عدد ممكن من القرّاء الأعزاء، مبسّطين العبارة والفكرة بقدر المستطاع. وأشرنا إلى بعض أهدافنا صراحةً بالقول:
لقد انتهجنا هذا الأسلوب في دراستنا واتّبعناه لا لشيء إلّا لتطوير و إشاعة مثل هذه الدراسات في معاهدنا العلمية وجامعاتنا الإسلامية، على أمل تعاون المعنيّين معنا في ترسيخ هذه الفكرة وتطويرها، وأن لا يدرسوا الفقه دراسة إسنادية متْنية فقط، دون معرفة ملابسات الحكم التاريخية والسياسية. ونرى في طرح مثل هذه الدراسات رُقيّاً للمستوى الفقهي والأُصولي لدى المذاهب الإسلامية،
وتقريباً لوجهات النظر بين المسلمين، وترسيخاً لروح الانفتاح فيهم، ومحاولة للقضاء على مختلف النزعات العاطفية و إبعادها عن مجالات البحث العلمي، وعدم السماح لتحكّم الخلفيات الطائفية والرواسب الذهنية في هذه البحوث العلمية النظرية.
ولو اتّبعنا مثل هذا الأُسلوب في جميع أبواب الفقه لوصلنا إلى حقيقة الفقه الإسلامي من أيسر طرقه وأسلمها، ولوقفنا على تاريخ التشريع وملابساته، ولاتّضحت لنا خلفيات صدور بعض الأحكام، وعرفنا حكم اللَّه الواحد الذي ينشده الجميع.
وممّا يجب التأكيد عليه أنّ مشروعنا سيطبَّق إن شاء اللَّه تعالى في إطارين:
1 - الإطار التأسيسي .
2 - الإطار التطبيقي .
ولنا دراسات عن السنّة النبوية، والقراءات القرآنية، والنسخ وأساسيّات نقاط الافتراق بين المذاهب الإسلامية كالعصمة، والقياس، والاستحسان وسواها. وقد قدّمنا سابقاً بعض النماذج التطبيقية للفكرة، فكان "وضوء النبيّ" هو الأوّل، ثمّ أردفناه بـ "الأذان" ، آملين أن نُلحق به الصلاة والحجّ والزكاة وغيرها بإذن اللَّه تعالى.
ولا نقصد من عملنا هذا إعطاء وجهة نظر فقهيه خاصّة بنا، بل كانت تلك الدراسات بياناً لكليّاتٍ عقائدية تاريخية فقهية ينبغي أن يعرفها و يتعرّف عليها كلّ مسلم غير جامدٍ على منهجٍ خاصّ ونسق معروف عند طبقة خاصّة
من الفقهاء والمؤرّخين والكتّاب.
وقد عنيتُ في عملي هذا برفع الغامض وحلّ المبهم من المسائل، وأردت أن أنتقل بالقارئ الكريم إلى واحات العلم، وميادين المعرفة، من غصن إلى غصن، ومن فنن إلى فنن على شجرة المعرفة لنقنطف من الثمار أحلاها... من الفقه، إلى التفسير، إلى التاريخ، إلى الرجال، إلى الحديث، إلى اللغة، و إلى كلّ شيء يمتّ للبحث بصلة.
فالغاية من دراساتنا إذاً هي بيان كليّات وأمّهات المسائل لا جزئيّاتها وسننها ومستحباتها، فلا تعني بحوثنا بمثل فضل الأذان والمؤذّن، أو جواز أذان المرأة والصبيّ وعدمهما، أو جواز إعطاء الأجرة على الأذان أم لا، وغيرها من عشرات المسائل المطروحة.
وكذلك ما يتّصل بالوضوء، فلم تكن الدراسة متجهة إلى البحث عن الأسباب والموجبات والنواقض والمستحبات، بل متجهة إلى بيان حدود الأعضاء المغسولة والممسوحة، وكيفيّة وضوء رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله).
وهكذا الحال بالنسبة إلى دراساتنا اللاحقة - إن وفّق اللَّه لإتمامها - فهي بحوث عن الكليّات والأمّهات لا عن التشعبّات والتفريعات وما يتعلّق بالآداب والسنن.
هذا، وقد جعلت دراستي عن الأذان عما هو الأصيل منه والمحرَّف، فجاءت في ثلاثة أبواب:
الباب الأول: (حيّ على خير العمل) الشرعية والشعارية.
الباب الثاني: (الصلاة خير من النوم) شِرعة أم بِدعة؟
الباب الثالث: (أشهد أن عليّاً وليّ اللَّه) بين الشرعية والابتداع.
وقدمت لهذه الأبواب ببعض البحوث التمهيدية، كالأذان لغة واصطلاحاً،
وكَبيان ما قاله أهل السنّة والجماعة بمذاهبهم الأربعة، والشيعة - بفرقها الثلاث - في بدء الأذان، ثمّ كانت لنا وقفه مع أحاديث الرؤيا، ثمّ تحقيق في ما وراء نظرية الرؤيا.
منبهاً القارئ الكريم على أن هذه الدراسة هي مواضيع مترابط بعضها ببعض ترابطاً وثيقاً، فلا يمكن فهم مكانة الشهادة الثالثة في الأذان إلّا بعد قراءة (حيّ على خير العمل).
ونظير هذا ما يتعلق بالحَيعَلة الثالثة (حيّ على خير العمل)، فإن معناها لا يتّضح كاملاً إلّا بعد قراءة الشهادة الثالثة (أشهد أن عليّاً وليّ اللَّه).
أ مّا (الصلاة خير من النوم) فهي الجدار الحائل بين البابَين، والموضح لأسرار محاربة شرعية وشعارية الشهادة والحيعلة الثالثتين.
وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ للَّه ربِّ العالمين
بحوث تمهيدية
* الأذان لغة واصطلاحاً.
* تاريخ الأذان.
* بدء الأذان عند أهل السنّة والجماعة.
* أهل البيت وبدء الأذان.
* وقفة مع أحاديث الرؤيا.
* تحقيق فيما وراء نظرية الرؤيا.
* الأذان إعلام للصلاة أم بيان لأصول العقيدة؟
* الأذان وآثاره في الحياة الاجتماعية.
الأذان نغمة الوحي في سماء الدنيا، يُرتّلها المؤذِّن آناء الليل وأطراف النهار، داعياً عباد اللَّه إلى عبادته جلّ شأنه، ناطقاً بالحقيقة الخالدة، معلناً حقائق الدين الحنيف بكلّ صراحة ووضوح، مُذَكِّراً بحلول وقت مناجاة الربّ الكريم، والدخول في حضرة الجليل. كلمات تهزّ المشاعر والعواطف وتشدّ الأرواح إلى مالكها الذي إليه الرُّجعى و إليه المصير. أسماء مباركة تردّدها شفاه المؤمنين، فتزيد المؤمن إيماناً، والكافر عناداً وخسراناً. إنّه دعوة الرحمن أولياءه إلى الطاعة والرحمة والمغفرة، وهو نداء ملائكة السماء، وأُنشودة المؤمنين إلى قيام يوم الدين.
وما أن يتمّ المؤذن نداءه للظهر والعصر، حتّى يحلّ الغروب وظلام الليل، و إذا بتراتيل الإسلام:
أشهدُ أن لا إله إلاّ اللَّه، أشهدُ أن لا إله إلاّ اللَّه.
أشهدُ أن محمّداً رسول اللَّه، أشهدُ أن محمّداً رسول اللَّه... تعلو من المآذن.
فالأذان حينذاك إعلام لإقامة الصلاة في غسق الليل، وما أن يتمّ المؤمن صلاته ومناجاته مع ربّه حتّى ينصرف إلى الرقاد، و إذا بالصبح يطلع عليه بفجره الصادق هاتفاً المؤذن فيه باسم الربّ الجليل، وباسم الرسول الأمين تارة أُخرى:
أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه.
أشهد أنّ محمداً رسول اللَّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللَّه.
ليقيم ما أمر به اللَّه في كتابه ( أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ) (1) .
***
والأذان من السنن المؤكّدة التي حثّ عليها الشارع المقدّس، وهي دعوة الخالق لعباده إلى الدخول في أجواء رحابه المباركة اللامتناهية، فُرادى أو مجتمعين، متراصّين متحابّين، مؤمنين، في زمان معيّن ومكان واحد، وباتّجاه محور وقبلة واحدة، يرهبون باجتماعهم أعداء اللَّه وجند إبليس.
إنّه إذاً من أعظم الشعائر الإسلاميّة؛ لكونه دعوة الحيّ القيّوم لتنبيه الغافلين و إيقاظ النائمين وتذكير الناسين، بل هو من مصاديق قوله جلّ شأنه: ( وَمَنْ أَحْسَنُ
____________________
(1) الإسراء: 78.
قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (2) .
ولعلّ من الغرابة بمكان أن نرى وقوع الاختلاف في أمر بديهيّ و إعلاميّ كالأذان الذي ينادي به مؤذّنو المسلمين في كلّ يوم وليلة عدّة مرات - على اختلاف ألسنة الناس - بلسان عربي مبين، ومن على المآذن وبصوت عال يسمعه الجميع.
فنتساءل عن سبب الاختلاف والتنازع في فصول هذه الشَّعيرة الإسلاميّة؟ ولماذا يكون اختلاف في مثل هذه المسألة بين المذاهب الإسلاميّة؟ بل لماذا تذهب الشافعيّة إلى تربيع التكبير بخلاف المالكيّة القائلة بتثنيته؟ وهل هناك أُمور خفيّة وراء اختلافهم في إفراد أو تثنية الإقامة؟! وهل حقاً أنّ هناك تثويباً (3) أوَّلاً وتثويباً ثانياً؟ وهل يجب أن يؤتى بالتثويب في أثناء فصول الأذان، أم بعدها قبل الإقامة؟ بل ما هو المعني بالتثويب؟ هل هو: (الصلاة خير من النوم) أو (قد قامت الصلاة) أو: (حيّ على خير العمل) أو هو شيء آخر؟
ثُمَّ لماذا اختلفت رواية عبد اللَّه بن ز يد بن عبد ربّه بن ثعلبة الأنصاري في
____________________
(2) فصّلت: 23. وانظر في ذلك الحاوي الكبير للماوردي 2: 40.
(3) التثويب من ثاب يثوب، ومعناه: العَود إلى الإعلام بعد الإعلام، كقول المؤذّن: (حيّ على الصلاة)، فإنّه يعود ويرجع إلى دعوته تارة أخرى فيقول: (قد قامت الصلاة) و(الصلاة خير من النوم) و(الصلاة الصلاة يرحمك اللَّه) وأيّ شيء آخر.
وقالوا عن (الصلاة خير من النوم): إنّه التثويب الأوّل، وما يقوله المؤذّن بعد الأذان - مثل: (السّلام عليك أيّها الأمير، حيّ على الصلاة) وأمثاله -: إنّه التثويب الثاني.
الأذان (4) عن رواية أبي محذورة القرشي؟
ولماذا تجيز المذاهب الأربعة الأذان قبل الوقت لصلاة الفجر خاصّة، مع تأكيدهم المبرم على عدم جواز ذلك في سائر الأوقات المعيّنة؟
وكيف يمكن تصحيح خبر تأذين ابن أُمّ مكتوم الأعمى للفجر، وتضعيفهم لروايات صحيحة أخرى تطابق العقل والشرع في أنّه كان يؤذّن بالليل وفي شهر رمضان خاصة؟
بل كيف يقولون بتأذين ابن أُم مكتوم مع قولهم بكراهة تأذين الأعمى؟
أضف إلى ذلك كله أنّه ما الداعي إلى اختلاف أذان أهل مكّة عن أذان أهل المدينة، واختلاف الأذانين عن أذاني أهل الكوفة وأهل البصرة؟
ولماذا يختلفون فيما هو - واللفظ لابن حزم - (منقول نقل الكافّة بمكّة وبالمدينة وبالكوفة، لأنّه لم يمرّ بأهل الإسلام يوم إلّا وهم يؤذّنون فيه في كلّ مسجد من مساجدهم خمس مرّات فأكثر، فمثل هذا لا يجوز أن يُنسى ولا أن يُحرّف) (5) .
فلماذا نُسي أو حُرّف هذا الأذان واختُلف فيه بين مصر وآخر؟
ولو صحّ ما قاله ابن حزم - من صحّة جميع منقولات الأذان على اختلافها - عند جمعه بين الوجوه في الأذان؛ فكيف يمكننا أن نوفّق بين وحدة الشريعة وبين تعدّدية الأذان؟ فهل كان رسول اللَّه قد صحّح الجميع؟ أم وقع في الأذان تغيير يشهد به إحداث عثمان بن عفان للأذان الثالث يوم الجمعة (6) ؟
____________________
(4) كما سيأتي في صفحة 30.
(5) المحلَّى لابن حزم 3: 153.
(6) انظر: تحفة الأحوذي 3: 41 / أبواب الجمعة - باب ما جاء في أذان الجمعة؛ عون المعبود
=
قال ابن حزم جامعاً بين كلّ تلك الوجوه:
(... كلّ هذه الوجوه قد كان يُؤذّن بها على عهد رسول اللَّه بلا شكّ، وكان الأذان بمكّة على عهد رسول اللَّه يسمعه عليه السلام إذا حجّ، ثمّ يسمعه أبو بكر وعمر، ثم عثمان بعده عليه السلام... فمن الباطل الممتنع المحال الذي لا يحلّ أن يظنّ بهم أنّ أهل مكّة بدّلوا الأذان وسمعه أحد هؤلاء الخلفاء (رضي اللَّه عنهم)، أو بلغه والخلافة بيده فلم يغيّر.... وكذلك فُتحت الكوفة ونزل بها طوائف من الصحابة (رضي اللَّه عنهم)، وتداولها عمّال عمر بن الخطاب، وعمّال عثمان (رضي اللَّه عنهما)، كأبي موسى الأشعري، وابن مسعود، وعمّار، والمغيرة، وسعد بن أبي وقّاص. ولم يَزَل الصحابة الخارجون عن الكوفة يؤذّنون في كلّ يوم سفرهم خمس مرات، إلى أن بَنَوها وسكنوها، فمن الباطل المحال أن يُحال الأذان بحضرة من ذكرنا و يخفى ذلك على عمر وعثمان أو يعلمه أحدهما فيقرّه ولا ينكره.
ثم سكن الكوفة عليّ بن أبي طالب إلى أن مات، وأنفذ العمّال من قِبله إلى مكّة والمدينة، ثمّ الحسن ابنهُ (رضي اللَّه عنه) إلى أن سلّم الأمر لمعاوية، فمن المحال أن يُغيَّر الأذان ولا ينكر تغييره عليّ ولا الحسن، ولو جاز ذلك
____________________
=
3: 302.
على عليّ لجاز مثله على أبي بكر وعمر وعثمان، وحاشا لهم من هذا فما يَظنُّ هذا بهم ولا بأحد منهم مسلمٌ أصلاً.
فإن قالوا: ليس أذان مكّة ولا أذان الكوفة نقل كافّة.
قيل لهم: فإن قالوا لكم: بل أذان أهل المدينة ليس هو نقل كافة، فما الفرق؟ فإنِ ادّعوا في هذا محالاً ادُّعي عليهم مثله.
فإن قالوا: إن أذان أهل مكّة وأهل الكوفة يرجع إلى قوم محصور عددهم.
قيل لهم: وأذان أهل المدينة يرجع إلى ثلاثة رجال لا أكثر، مالك وابن الماجشون وابن أبي ذئب فقط، و إنّما أخذه أصحاب هؤلاء عن هؤلاء فقط.
فإن قالوا: لم يختلف في..) (7) .
إلى غيرها من عشرات الأسئلة التي طرحها ابن حزم وسعى لرفعها، لكن المشكلة بقيت كما هي، فما الذي تكتنفه هذه المسألة من الملابسات إذاً؟ وهل يُعدّ هذا الاختلاف حقاً من الاختلاف المسموح به في الشريعة، أم أنّه شيء آخر؟ بل لِم اشتدّ أُوار النزاع بين المسلمين في أمور بديهية، كالوضوء والأذان - مثلاً - وهما من الأمور العبادية التي يؤدّيها كلّ مسلم عدّة مرّات في اليوم والليلة؟
قال ابن حزم: (أربعة أشياء تَنازَع الناسُ فيها: الوضوء، والأذان، والإقامة،
____________________
(7) المحلّى لابن حزم 3: 154 - 155.
والطواف بالبيت) (8) .
وهل يمكن جعل معيار الاختلاف في الأذان بمثابة الاختلاف في تعيين المُدِّ والصاع والوسق الذي يُختلف فيه بين منطقة وأُخرى، أو يُغيَّر - أي يُحدَثُ فيه - من قبل الأمير والخليفة لحاجةٍ له فيه؟
كلا (ليس هذا من المدّ والصاع والوسق في شيء، لأنّ كل مدّ أو قفيز أُحدث بالمدينة وبالكوفة قد عُرف، كما عُرف بالمدينة مُدّ هشام الذي أُحدِث، والمدّ الذي ذكره مالك في مُوطّئه: أن الصاع هو مدّ وثلث بالمدّ الآخر، وكمُدّ أهل الكوفة الحجّاجي، وكصاع عمر بن الخطّاب. ولا حرج في إحداث الأمير أو غيره مدّاً أو صاعاً لبعض حاجته، وبقي مُدُّ النبيّ وصاعه ووسقه منقولاً إليه نقل الكافّة إليه) (9) !
فكيف يختلفون في الأذان إذاً، فيذهب بعضهم إلى أنّه شُرّع في السماء، و يقول الآخر إنّه شُرّع بعد رؤيا رآها صحابيٌّ أو عدد من الصحابة؟ وهل يصحّ تشريع العبادة بمنام يراه أحد الناس، أم أنّ تشريعها يجب أن يكون بوحي من اللَّه؟ وكيف يسوغ تشريع الأذان استناداً إلى رؤيا رآها عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه في منامه، أو ركوناً إلى اقتراح الصحابة (10) ، و يرجح هذا الفهم وهذه الرؤية على أن
____________________
(8) المحلّى لابن حزم 3: 161 ضمن بحثه عن جواز التقديم والتأخير في الأذان والإقامة وعدمه.
(9) المحلّى لابن حزم 3: 156 - 157.
(10) سنن أبي داود 1: 134 كتاب الصلاة باب بدء الأذان ح 498، مصنف عبد الرزاق 1: 456/ 1775 كتاب الصلاة باب بدء الأذان.
يكون تشريع الأذان من الحكيم العليم؟
ألا تحمل هذه الرؤية نَيْلاً من قدسية الأمور العبادية الإلهيّة، وتقلل من منزلتها المعنويّة؟!
ثمّ مَن هو الذي رأى في المنام، هل هو: عبد اللَّه بن زيد (11) ؟، أو: عمر ابن الخطّاب (12) ؟، أو: أبو بكر (13) ؟، أو: أُبَي بن كعب (14) ؟، أو: سبعة من الصحابة (15) ، أو: أربعة عشر منهم (16) ،؟ أو أكثر من هذا العدد أو أقلّ؟
وكيف يراه هؤلاء ولا يراه النبيّ المرسل الصادق الرؤيا بلا شكّ وريب؟
وماذا نقول عن: (الصلاة خير من النوم) و: (حيّ على خير العمل)؟ وهل ثمّةَ ترابط بين رفع (حيّ على خير العمل) ووضع (الصلاة خير من النوم)؟ أم أنّ الأمر جاء بشكل عفوي دون تدبير؟!
و إذا كان الأمر عفويّاً، فلماذا نرى أنّ من يقول بشرعيّة (حيّ على خير العمل) لا يقول بشرعيّة (الصلاة خير من النوم)، ومن يقول بشرعيّة (الصلاة خير من النوم) يرفع (حيّ على خير العمل) من الأذان؟
وهل أنّهما شرعيان؟ أم أنّ أحدهما شرعيّ والآخر بِدْعيّ؟ فأيّهما الشرعي
____________________
(11) هو المشهور عند أهل السنّة والجماعة، وفيه روايات كثيرة.
(12) سنن أبي داود 1: 134 كتاب الصلاة باب بدء الأذان ح 498. السنن الكبرى للبيهقي 1: 390.
(13) مجمع الزوائد 1: 329 كتاب الصلاة باب بدء الأذان، جامع المسانيد 1: 299، تفسير القرطبي 6: 225 المائدة الآية 58. شرح الزرقاني على الموطأ 1: 136عن الأوسط للطبراني.
(14) علل الشرائع ح1: 312 وعنه في بحار الأنوار 81: 354.
(15) المبسوط للسرخسي 1: 128 كتاب الصلاة باب بدء الأذان.
(16) السيرة الحلبية 2: 300 باب بدء الأذان ومشروعيته. وفتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين للمليباري المطبوع في هامش حاشية إغاثة الطالبين 1: 330، وشرح الزرقاني على موطأ مالك 1: 136.
وأيّهما البدعي إذاً؟
وما هو حكم الشهادة الثالثة التي تقول بها الشيعة الإمامية (أشهدُ أنّ عليّاً وليُّ اللَّه)، فهل هي من الشرع أم أنّها بدعة؟
وما هو عدد التكبيرات في أوّل الأذان، أهي أربع تكبيرات أو تكبيرتان؟
ثمّ ما هي خاتمة الأذان، هل هي (اللَّه أكبر) أو (لا إله إلَّا اللَّه)؟
وهل أن الأذان بيان لأصول العقيدة وكلّيّات الإسلام من: التوحيد، والنبوة و...، أم أنّه مجرّد إعلام لوقت الصلاة خاصّة؟
ولماذا الاختلاف في أمر بديهيّ و إعلاميّ كهذا؟
تُرى، هل نشأ هذا الخلاف في عصر الصحابة الذين يقال عن قرْنِهم إنّه خير القرون، أو حدث في عهد التابعين وتابعي التابعين ومَن تَلاهُم؟ وهل ثمة ملابسات لهذه الأمور في الصدر الأوّل؟ أم أنّها جاءت في العصور اللاحقة؟!
لقد نقل الصنعاني كلام بعض المتأخّرين - وهو يسعى لرفع الخلاف في أَلفاظ الأذان - بقوله:
(هذه المسألة من غرائب الواقعات يقلّ نظيرها في الشريعة، بل وفي العبادات؛ وذلك أنّ هذه الألفاظ في الأذان والإقامة قليلة محصورة معيّنة يُصاح بها في كلّ يوم وليلة خمس مرّات في أعلى مكان، وقد أُمر كلّ سامع أن يقول كما يقول المؤذّن، وهم خير القرون، في غرّة الإسلام، شديدو المحافظة على الفضائل، ومع هذا كلّه لم يذكر خوض الصحابة ولا التابعين واختلافهم فيها، ثمّ جاء الخلاف الشديد من المتأخّرين، ثمّ كلّ من المتفرّقين أدلى بشيء صالح في
الجملة و إن تَفاوَت) (17) .
ترى ما مدى مصداقية هذا الكلام وقربه من الواقع؟ وهل من الصحيح أنّ الصحابة لم يختلفوا في الأذان كما ادّعى هذا القائل من المتأخرين؟! بل هل يصحّ ما قاله ابن حزم عن الصحابة، كما مرّ بنا قبل قليل (18) ؟
للإجابة عن أهمّ الملابسات والتساؤلات، لابُدّ من البحث وتنقيح المطالب ووضع النقاط على الحروف، فنقول مستعينين باللَّه:
من المفيد قبل البدء في تفاصيل هذه الدراسة أن نتعرّف على المعنى اللغويّ والمفهوم الاصطلاحي للأذان، وبيان تاريخ تشريعه وما قيل في الملابسات الدائرة حوله.
الأذان في اللغة، هو: مطلق الإعلام.
وفي الشرع: الإعلام والنداء للفريضة الواجبة - الصلاة - بفصول معهودة في أوقات مخصوصة، قال تعالى: ( وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ) (19) .
وقال جلّ جلاله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (20) .
____________________
(17) سبل السلام 1: 122.
(18) مر في صفحة 18 - 20.
(19) المائدة: 58.
(20) الجمعة: 9.
وقال عزَّ مِن قائل: ( رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا ) (21) .
وقد وردت لفظة الأذان بمعناها اللغوي في الذكر الحكيم، كما في قوله تعالى: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً... ) (22) ، وقوله: ( وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ... ) (23) وغيرها من الاستعمالات الكثيرة الدالَّة على معنى الإعلام والنداء.
منبّهين القارئ الكريم على أن الأذان وإن كان إعلاماً للفريضة الواجبة، إلّا أنّه يحمل في طيّاته جوانب أُخرى وفوائد كثيرة للمرء المسلم، سنذكر بعضاً منها، ممّا يؤكد لنا أنَّ الأذان ليس إعلاماً محضاً للصلاة، بل هو فصول لها أكثر من واقع في الحياة الإسلاميّة، تَجمَع تحت ألفاظها معانيَ الإسلام وأصولَه وعقيدته.
هناك أقوال متعدِّدة ومتفاوتة في تاريخ تشريع الأذان من حيث الزمان والمكان:
أحدها: تشريعه في الإسراء والمعراج، حيث أذَّن جبرئيل وأقام، ثمّ صلَّى رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) بالأنبياء (24) .
____________________
(21) آل عمران: 193.
(22) الحجّ: 27.
(23) التوبة: 3.
(24) مجمع الزوائد 1: 328، الأوسط للطبراني 10: 114ح 9243، نصب الراية 1: 260، السيرة الحلبية 2: 93.
ثانيها: تشريعه بمكّة قبل الهجرة (25) .
ثالثها: تشريعه في المدينة المنورة في السنة الأُولى للهجرة (26) ، وذلك بعد بناء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مسجده المبارك، وهذا القول هو المشهور عند أهل السنة والجماعة.
رابعها: تشريعه في السنة الثانية للهجرة (27) .
خامسها: أن جبرئيل أوَّل مَن أذَّن به في السماء (28) ، لكنَّ تشريعه في الأرض جاء بعد دخول رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) المدينة.
____________________
(25) قال ابن عبد ين في حاشية ردّ المحتار 1: 413: في حاشية الشبراملسي على شرح المنهاج للرملي عن شرح البخاري لابن حجر إنّه وردت أحاديث تدلّ على أنّ الأذان شرّع بمكة قبل الهجرة: منها للطبراني أنّه لما أُسري بالنبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أوحي إليه الأذان فنزل به فعلّمه بلالاً، وللدارقطني في الإفراد من حديث أنس أنّ جبرئيل أمر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بالأذان حين فُرضت الصلاة... إلخ. وانظر: فتح الباري 2: 94 كذلك وشرح الزرقاني 1: 136.
(26) صحيح ابن خزيمة 1: 190، السيرة الحلبية 2: 93. حواشي الشرواني وابن قاسم العبدي على تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهثيمي 1: 459. وشرح الزرقاني على موطأ مالك 1: 135.
(27) انظر: فتح الباري 2: 62 للعسقلاني، وفي فتح الباري لابن رجب 3: 407 وبعد أن أتى برواية معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال: ففي هذه الرواية أن الأذان كان بعد صرف القبلة إلى الكعبة وكان صرف القبلة إلى الكعبة في السنة الثانية. وقد روى فاستبدل به على أن الأذان إنما شرع بعد غزوة بدر بعد صرف القبلة يسير.
(28) وسائل الشيعة 5: 439 ح 7028 عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 238.
هناك نقولات وأقوال مختلفة في بدء الأذان وكيفيّته، مذكورة في الصحاح والسنن، المشهور منها - الذي قد استقرّ عليه رأيهم - أنَّه قد شُرِّع في المدينة المنوّرة في السنة الأُولى من الهجرة المباركة، على أثر منام رآه بعض الصحابة، و إليك أهمّ تلك الأقوال:
الأوّل: تشريعه باقتراح من الصحابة، وخصوصاً عمر بن الخطّاب.
- أخرج البخاريّ ومسلم، والترمذي، والنسائي، وغيرهم - والنصّ للأوّل - عن عبد اللَّه بن عمر، أنّه قال: كان المسلمون حين قَدِموا المدينة يجتمعون، فيتحيّنون الصلاة، ليس يُنادى لها، فتكلّموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتَّخِذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بُوقاً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أوَلا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول اللَّه: يا بلال! قم فنادِ بالصلاة (29) .
____________________
(29) صحيح البخاري 1: 306 كتاب الأذان باب بدء الأذان ح 570، صحيح مسلم 1: 1/285، سنن الترمذي 1: 362 - 363 أبواب الصلاة باب ما جاء في بدء الأذان ح 190، سنن النسائي 2: 2 - 3 كتاب الأذان باب بدء الأذان، مسند أحمد 2: 148، مسند عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب.
- قال ابن خزيمة في صحيحه في باب (ذكر الدليل على أنّ بدء الأذان إنّما كان بعد هجرة النبيّ إلى المدينة، وأنّ صلاته بمكّة إنّما كانت من غير نداء لها ولا إقامة): (قال أبو بكر، في خبر عبد اللَّه بن زيد: كان رسول اللَّه حين قَدِمَ المدينة إنّما يجتمع الناس إليه للصلاة بحين مواقيتها بغير دعوة) (30) .
وهذا الرأي يشير إلى أن الأذان شُرّع بالمدينة و إن كانت الصلاة قد شُرّعت بمكّة:
قال ابن المنذر: هو [صلّى الله عليه وآله] كان يصلّي بغير أذان منذ فُرضت الصلاة بمكّة إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور (31) .
لكن السيوطي في الدرّ المنثور - ضمن تفسير قوله تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ) - روى عن عائشة أنّها قالت: ما أرى هذه الآية نزلت إلّا في المؤذّنين (32) . وهذه الآية مكّيّة (33) .
ثمّ علّق الحلبي في سيرته على هذا بقوله: والأذان إنّما شُرّع في المدينة فهي ممّا تأخّر حكمه عن نزوله (34) .
وقد سئل الحافظ السيوطي: هل ورد أن بلالاً أو غيره أذّن بمكّة قبل الهجرة؟ فأجاب بقوله: ورد ذلك بأسانيد ضعيفة لا يُعتمد عليها، والمشهور الذي صحّحه أكثر العلماء ودلّت عليه الأحاديث الصحيحة أن الأذان شُرّع بعد الهجرة وأنّه لم
____________________
(30) صحيح ابن خزيمة 1: 190 كتاب الصلاة باب الأذان والإقامة ح 365.
(31) السيرة الحلبية 2: 296.
(32) الدرّ المنثور 5: 364، المصنّف لابن أبي شيبة 1: 204، باب في فضل الأذان وثوابه ح 2347.
(33) انظر: تفسير القرطبي 15: 360، وتفسير الثعالبي 5: 139.
(34) السيرة الحلبية 2: 297.
يؤذِّن قبلها لا بلال ولا غيرُه (35) .
هذا، وإن النووي بعد أن أتى بخبر ابن عمر الدالّ على مشاورة الرسول للصحابة، تساءل عن هذه المشاورة هل هي واجبة على رسول اللَّه أم لا؟! فقال: (... واختلف أصحابنا، هل كانت المشاورة واجبة على رسول اللَّه أم كانت سُنّة من حقّه كما في حقّنا؟ والصحيح عندهم وجوبها، وهو المختار. قال اللَّه تعالى: ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) (36) ، والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء ومحقّقو أهل الأُصول أنَّ الأمر للوجوب. وفيه أنّه ينبغي للمتشاورين أن يقول كلٌّ منهم ما عنده، ثمّ صاحبُ الأمر يفعل ما ظهرت له مصلحة، واللَّه أعلم (37) .
الثاني: جاء تشريع الأذان بعد منامات رآها بعض الصحابة:
- أخرج أبو داود بإسناده عن أبي عمير بن أنس، عن عُمومةٍ له مِن الأنصار، قال: (اهتمّ النبيّ للصلاة كيف يجمع الناس لها؛ فقيل: انصِبْ رايةً عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذَنَ بعضُهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، فذُكِر له القَنْع - يعني الشبّور، وقال زياد: شبّور اليهود - فلم يعجبه ذلك، وقال: هو مِن أمرِ اليهود.
قال: فذُكِر له الناقوس، فقال: هو مِن أمرِ النصارى.
____________________
(35) السيرة الحلبية 2: 296.
(36) آل عمران: 159.
(37) شرح النوويّ على مسلم 3 - 4: 318 كتاب الصلاة باب بدء الأذان.
فانصرف عبد اللَّه بن زيد وهو مهتمٌّ لهمِّ رسول اللَّه، فأُرِيَ الأذانَ في منامه، فغدا على رسول اللَّه فأخبره، فقال: يا رسول اللَّه! إنّي لَبينَ نائمٍ و يقظان إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان.
قال: وكان عمر بن الخطّاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً. قال: ثمّ أخبر النبيّ، فقال له: ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد اللَّه بن ز يد فاستحييت.
فقال رسول اللَّه: يا بلال! قم فانظر ما يأمرك به عبد اللَّه بن زيد فافعله، قال: فأذَّنَ بلال.
قال أبو بشر [ وهو من رواة الخبر ]: فأخبرني أبو عمير أنّ الأنصار تزعم أنَّ عبد اللَّه بن زيد لولا أنّه كان يومئذٍ مريضاً لجعله رسول اللَّه مؤذِّناً (38) .
- وأخرج الترمذيّ، وأبو داود، عن عبد اللَّه بن زيد أنّه قال - والنصّ للثاني -: لمَّا أمر رسول اللَّه بالناقوس يُعمَل ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي - وأنا نائم - رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد اللَّه! أتبيع الناقوس؟
قال: وما تصنع به؟
قلتُ: ندعو به إلى الصلاة.
قال: أفلا أدلّك على ما هو خير من ذلك؟
فقلتُ: بلى.
فقال: تقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر
أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه.
أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه، أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه.
____________________
(38) سنن أبي داود 1: 134 كتاب الصلاة باب بدء الأذان.
حيّ على الصلاة، حي على الصلاة.
حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح.
اللَّه أكبر، اللَّه أكبر.
لا إله إلَّا اللَّه.
قال: ثمّ استأخر عنّي غير بَعيدٍ، ثمّ قال: وتقول إذا أقمت الصلاة:
اللَّه أكبر، اللَّه أكبر.
أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه.
أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه.
حيّ على الصلاة.
حيّ على الفلاح.
قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة.
اللَّه أكبر، اللَّه أكبر.
لا إله إلَّا اللَّه.
فلمّا أصبحتُ أتيت رسول اللَّه فأخبرته بما رأيت، فقال: إنَّها لَرُؤيا حقّ إن شاء اللَّه تعالى، فقُم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فَلْيُؤذِّن به، فإنّه أندى صوتاً منك، فقمتُ مع بلال فجعلتُ أُلقيه عليه و يُؤذِّن به.
قال: فسمع ذلك عمر بن الخطّاب وهو في بيته، فخرج يجرُّ رداءه، و يقول: والذي بعثك بالحقِّ يا رسول اللَّه! لقد رأيتُ مثل ما رأى، فقال رسول اللَّه: فللَّه الحمد (39) .
____________________
(39) الجامع الصحيح للترمذي 1: 358 أبواب الصلاة، باب: (ما جاء في بدء الأذان)، سنن أبي داود 1: 135 كتاب الصلاة، باب (كيف الأذان) وفيه قال أبو داود: هكذا رواية الزهري عن =
وأخرج أبو داود عن ابن أبي ليلى، قال: أُحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، قال: وحدّثنا أصحابنا أنّ رسول اللَّه قال: لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين - أو قال: المؤمنين - واحدة حتّى لقد هَمَمتُ أن أبثّ رجالاً في الدُّور ينادون الناس بحين الصلاة، وحتّى هَمَمت أن آمر رجالاً يقومون على الآطام ينادون المسلمين بحين الصلاة حتّى نَقَسُوا أو كادوا [ أن ] ينقسوا.
قال: فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه! إنّي لمّا رجعتُ - لِما رأيتُ من اهتمامك - رأيتُ رجلاً كأنَّ عليه ثوبَين أخضرَين، فقام على المسجد فأذَّن ثمّ قعد قعدة، ثمّ قام فقال مثلها إلَّا أنّه يقول: قد قامت الصلاة، ولولا أن يقول الناس - قال ابن المثنّى: أن تقولوا - لقلتُ إنّي كنتُ يقظاناً غير نائم.
فقال رسول اللَّه: لقد أراك اللَّه عزّ وجلّ خيراً - كما في رواية ابن المثنّى، ولم تأتِ هذه العبارة في رواية عمرو - فَمُرْ بلالاً فليؤذِّن.
قال: فقال عمر: أما إنّي فقد رأيتُ مثل الذي رأى، ولكنّي لمّا سُبِقتُ استَحيَيت (40) .
- وأخرج مالك في الموطّأ: حدّثني يحيى، عن مالك، عن يحيى بن سعيد أنّه قال: كان رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) قد أراد أن يتّخذ خشبتَين يضرب بهما ليجتمع الناس للصلاة، فأُرِيَ عبد اللَّه بن ز يد الأنصاريّ ثمّ من بني الحارث بن الخزرج خشبتَينِ في النوم، فقال: إنَّ هاتين لَنحو ما يريد رسول اللَّه، فقيل: أفلا تُؤَذِّنون للصلاة؟ فأتى
____________________
=
سعيد بن المسيب عن عبد اللَّه بن زيد، وقال فيه ابن إسحاق عن الزهري: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، وقال معمر ويونس عن الزهري فيه: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر لم يثنيّا، وانظر:: صحيح ابن خزيمة 1: 193.
(40) سنن أبي داود 1: 139 كتاب الصلاة باب بدء الأذان ح 506.
رسول اللَّه، حين استيقظ، فذكر له ذلك، فأمر رسولُ اللَّه بالأذان (41) .
- وفي مصنّف عبد الرزّاق بإسناده عن إبراهيم بن محمّد، عن أبي جابر البياضيّ، عن سعيد، عن عبد اللَّه بن ز يد - أخي بني الحارث بن الخزرج - أنّه: بينما هو نائم إذ رأى رجلاً معه خشبتان، قال: فقلتُ له في المنام: إنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) يريد أن يشتري هذين العُودَينِ يجعلهما ناقوساً يضرب به للصلاة.
قال: فالتفتَ إلَيَّ صاحبُ العودينِ برأسه فقال: أنا أدلّكم على ما هو خير من هذا (فبلَّغه رسول اللَّه (صلَّى اللَّه عليه [وآله] وسلَّم)، فأمره بالتأذين) (42) .
فاستيقظ عبد اللَّه بن ز يد؛ قال: ورأى عمر مثل رؤيا عبد اللَّه بن ز يد، فسبقه عبد اللَّه بن ز يد إلى النبيّ، فأخبره بذلك، فقال له النبيّ: قم فأذِّن، فقال: يا رسول اللَّه! إنّي فضيع الصوت، فقال له: فعلِّمْ بلالاً ما رأيتَ، فعلَّمه فكان بلال يُؤَذِّن (43) .
- وأخرج عبد الرزّاق أيضاً في مصنّفه عن ابن جريج: (قال عطاء: سمعتُ عبيد بن عمير يقول: ائتمر النبيّ وأصحابه كيف يجعلون شيئاً إذا أرادوا جمع الصلاة اجتمعوا لها، فائتمروا بالناقوس، قال: فبينا عمر بن الخطّاب يريد أن يشتري خشبتينِ للناقوس إذ رأى في المنام: أن لا تجعلوا الناقوس بل أذِّنوا بالصلاة، قال: فذهب عمر إلى النبيّ ليخبره بالذي رأى، وقد جاء النبيّ الوحي بذلك، فما راع عمر إلّا بلال يؤذِّن، فقال النبيّ: قد سبقك بذلك الوحي، حين أخبره بذلك عمر) (44) .
____________________
(41) الموطأ 1: 67 كتاب الصلاة، باب (ما جاء في النداء للصلاة).
(42) ما بين القوسين ساقط من كنز العمّال.
(43) مصنّف عبد الرزاق 1: 460 / 1787 كتاب الصلاة باب بدء الأذان كذلك كنز العمال 8: 329 كتاب الصلاة الباب الخامس ح 23140.
(44) مصنّف عبد الرزّاق 1: 456/ 1775 كتاب الصلاة باب بدء الأذان. هذه الرواية وإن كانت
=
- وفي جامع المسانيد لأبي حنيفة و مجمع الزوائد - والنصّ للأوّل -: (عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، أنَّ رجلاً من الأنصار مرَّ برسول اللَّه فرآه حزيناً، وكان الرجل ذا طعام يُجتمَع إليه، فانطلق حزيناً لِما رأى من حزن رسول اللَّه، وترك طعامه وما كان يجتمع إليه، ودخل مسجده يصلِّي، فبينما هو كذلك إذ نعس فأتاه آتٍ في النوم، فقال: هل علمت ما حَزَّن رسولَ اللَّه؟
فقال: لا.
قال: فهو لهذا الناقوس، فأتِهِ فمُرْه أن يأمر بلالاً أن يؤذِّن، فعلَّمه الأذان: اللَّهُ أكبر اللَّهُ أكبر مرّتين، أشهد أن لا إله إلّا اللَّه مرّتين، أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه مرّتين، حيّ على الصلاة مرّتين، حيّ على الفلاح مرّتين، اللَّهُ أكبر، اللَّهُ أكبر، لا إله إلّا اللَّه..
ثمّ عَلّمه الإقامة مثل ذلك، وقال في آخره: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، اللَّهُ أكبر، اللَّهُ أكبر، لا إله إلّا اللَّهُ، كأذان الناس و إقامتهم.
فأقبل الأنصاريّ فقعد على باب رسول اللَّه، فمرّ أبو بكر فقال: استأذن لي، فدخل أبو بكر وقد رأى مثل ذلك، فأخبر به النبيَّ، ثمَّ استأذن للأنصاريّ فدخل وأخبر بالذي رأى، فقال النبيُّ: قد أخبرنا أبو بكر بمثل ذلك، فأمر بلالاً يؤذِّن بذلك (45) .
فهذه النصوص و إن كانت مختلفة العبارات لكنّها تشير إلى رؤية متقاربة؛ فالنصّ الأوّل يشير إلى أن تشريع الأذان جاء على أثر رؤيا رآها عبد اللَّه بن زيد حينما رأى رسول اللَّه مهموماً مغموماً. و يظهر أنّ رؤياه كانت ليلاً لقوله: (... فأُرِيَ
____________________
=
ترتبط بالأذان عن طريق الوحي لكنا أتينا بها هنا لارتباطها بروايات المنامات.
(45) جامع المسانيد 1: 299، مجمع الزوائد 1: 329 كتاب الصلاة باب كيف الأذان.
الأذان في منامه، فغدا على رسول اللَّه فأخبره) وكذا النصّ الثاني، ففيه (فلمّا أصبحتُ أتيت رسول اللَّه فأخبرته بما رأيت).
لكن النصّ الذي رواه أبو حنيفة في جامع المسانيد فيه: أنّ الرجل لمّا رأى حزن رسول اللَّه دخل المسجد يصلّي (فبينما هو كذلك إذ نعس فأتاه آتٍ في النوم.... فأقبل الأنصاري فقعد على باب رسول اللَّه فمرّ أبو بكر فقال: استأذن لي....) وهو يختلف عن الأوّل.
ويضاف إليه أن الرجل الأنصاري في نصّ جامع المسانيد كان (ذا طعام يُجتَمع إليه، فانطلق حزيناً لِما رأى من حزن رسول اللَّه، وترك طعامه وما كان يجتمع إليه) وهذا لم يشتهر عن عبد اللَّه بن ز يد بن عبد ربّه بن ثعلبة الذي أُري النداء. مع أن نص جامع المسانيد يدّعي أنّ أبا بكر سبق الأنصاري بالرؤيا وإخباره النبي (صلّى الله عليه وآله) بذلك، وهو يخالف باقي النصوص التي تسجّل قدمَ السبق للأنصاري.
نعم، اشتهر عن سعد بن عبادة وغيره من الأنصار الذين استضافوا رسول اللَّه عند دخوله (صلّى الله عليه وآله) المدينة، وكانوا من الأغنياء المعروفين بالجود والكرم مع أنّ نص جامع المسانيد يّدعي أنّ أبا بكر سبق الأنصاري بالرؤيا وإخباره النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بذلك، وهو يخالف باقي النصوص التي تسجّل قدمَ السبق للأنصاري.
أما النصّ الثاني - أي ما أخرجه الترمذي وأبو داود - فيشير إلى أن رسول اللَّه أمر بالناقوس يُعمل ليضرب للناس، فرأى عبد اللَّه في المنام الأذان، فأمر (صلّى الله عليه وآله) بلالاً أن يأخذ بما قاله عبد اللَّه؛ وهذا لا يتّفق مع عدم ارتضائه (صلّى الله عليه وآله) للناقوس!!
وفي النصّ الثالث نراه (صلّى الله عليه وآله) يقول: (لقد هَمَمتُ أن أبثّ رجالاً في الدُّور ينادون الناس بحين الصلاة حتّى هَمَمت أن آمر رجالاً يقومون على الآطام ينادون بحين
الصلاة، حتّى نقسوا أو كادوا [ أن ] ينقسوا، فجاء رجل من الأنصار...)، وهذا لا يتّفق مع ما قيل عن الرجل الأنصاري في كتب الحديث.
وفي موطّأ مالك: (كان رسول اللَّه قد أراد أن يتّخذ خشبتين يضرب بهما ليجتمع الناس للصلاة، فأُري عبد اللَّه خشبتين في المنام...).
وهذا أيضاً لا يتّفق مع ما رواه عبد الرزّاق عن ابن جريج، إذ فيه: أنّ عمر أراد (أن يشتري خشبتين للناقوس إذ رأى في المنام: أن لا تجعلوا الناقوس بل أذّنوا للصلاة).
هذه بعض النصوص الدالّة على القول الثاني، وقد حاولنا أن نوحدها - رغم اختلافاتها - بقدر المستطاع تحت عنوان واحد.
الثالث: نزول الأذان تدريجياً، و إضافة عمر الشهادة بالنبوّة إليه.
جاء في صحيح ابن خزيمة: حدّثنا بُندار، حدّثنا أبو بكر - يعني الحنفيّ - حدّثنا عبد اللَّه بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر: أنَّ بلالاً كان يقول أوَّل ما أذَّن: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، حيّ على الصلاة؛ فقال له عمر: قل في إثرها: أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه؛ فقال رسول اللَّه: قل كما أمرك عمر (46) .
____________________
(46) صحيح ابن خزيمة 1: 189، كتاب الصلاة باب في بدء الأذان والإقامة ح 362. وانظر: السيرة الحلبية 2: 303، كنز العمّال 8: 334 كتاب الصلاة الباب الخامس ح 23150.
الرابع: الأذان وحيٌ من اللَّه تلقّاه الرسول من جبرئيل.
جاء في نصب الراية للزيلعي تحت باب (أحاديث في أنَّ الأذان كان وحياً لا مناماً): روى البزّار في مسنده: حدّثنا محمّد بن عثمان بن مخلّد الواسطيّ، حدّثنا أبي، حدّثنا زياد بن المنذر، عن محمّد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب، قال:
(لمّا أراد اللَّه أن يُعَلِّم رسوله الأذانَ أتاه جبرئيل بدابّة يقال لها البُراق، فذهب يركبها فاستصعبت، فقال لها ] جبرئيل ]: اسكُني، فواللَّه ما رَكِبَك عبدٌ أكرم على اللَّه من محمّد.
قال: فركبها حتّى انتهى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن تبارك وتعالى، فبينما هو كذلك إذ خرج مَلَكٌ مِن الحجاب، فقال رسول اللَّه: يا جبرئيل! مَن هذا؟
قال: والذي بعثك بالحقِّ، إنّي لَأقرب الخَلْق مكاناً، و إنَّ هذا المَلَك ما رأيته منذ خُلِقتُ قبل ساعتي هذه.
فقال المَلَك: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر.
قال: فقيل له مِن وراء الحجاب: صَدَقَ عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر.
ثمّ قال المَلَك: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه.
قال: فقيل له مِن وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا لا إله إلَّا أنا.
ثمّ قال المَلَك: أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه.
فقيل له مِن وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أرسلتُ محمّداً.
ثمّ قال المَلَك: حيَّ على الصلاة، حيّ على الفلاح [ وفي مجمع الزوائد زيادة: قد
قامت الصلاة، قد قامت الصلاة ]. ثمَّ قال الملك: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر.
فقيل له مِن وراء الحجاب: صَدَق عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر.
ثمّ قال: لا إله إلَّا اللَّه.
قال: فقيل مِن وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا لا إله إلَّا أنا.
قال: ثمّ أخذ المَلَك بيد محمّد فقدَّمه فأمَّ أهل السماء، فيهم آدم ونوح.. انتهى.
[ وفي مجمع الزوائد زيادة: قال أبو جعفر محمّد بن عليّ: فيومئذٍ أكمل اللَّه لمحمّد الشرف على أهل السماوات والأرض (47) ].
وروى الطبرانيّ في الأوسط عن ابن عمر: (أنَّ النبيّ لمّا أُسرِيَ به إلى السماء أُوحي إليه بالأذان، فنزل به فعلَّمه جبرئيلَ) (48) .
وروى ابن مردويه عن عائشة مرفوعاً: لمّا أسري بي أذّن جبرئيل فظنّت الملائكة أنّه [ أي جبرئيل ] يصلّي بهم، فقدّمني فصلّيت (49) .
الخامس:
إنّ عمر أوّل من سمع أذان جبرئيل ثمّ بلال: جاء في مختصر إتحاف السادة المهرة بزوائد العشرة للبوصيري: عن كثير ابن
____________________
(47) نصب الراية 1: 260، مجمع الزوائد 1: 328 كتاب الصلاة باب بدء الأذان. وانظر فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن رجب الحنبلي 3: 396 وقال السهنلي: وأخلق... لما يعضده ويشاكله من حديث الإسراء. انظر البداية والنهاية 3: 285.
(48) الأوسط للطبرانيّ 10: 114 ح 9247، 9243 مجمع الزوائد 1: 329 كتاب الصلاة باب بدء الأذان وفيه: (رواه الطبراني في الأوسط، وفيه طلحة بن زيد ونسب إلى الوضع).
(49) السيرة الحلبية 2: 296 وفيه: قال الذهبي: حديث منكر، بل موضوع.
مرة الحضرميّ، أنَّ رسول اللَّه قال: أوّل مَن أذَّن في السماء جبرئيل (عليه السلام)، قال: فسمعه عمر وبلال، فأقبل عمر فأخبر النبيَّ بما سمع، ثمّ أقبل بلال فأخبر النبيَّ بما سمع، فقال له رسول اللَّه: سبقك عمر يا بلال، أذِّن كما سمعت، قال: ثمَّ أمره رسول اللَّه أن يضع إصبعَيه في أُذنَيه استعانةً بهما على الصوت. رواه الحارث بن أُسامة مرسلاً بسند ضعيف لضعف سعيد ابن سنان (50) .
السادس:
إنّ الأذان نزل به جبرئيل على آدم لمّا استوحش. جاء في كشف الغُمَّة للشعراني:... وكان كعب الأحبار يقول: قال رسول اللَّه: لمَّا نزل آدم بأرض الهند استوحش فنزل جبرئيل فنادى بالأذان، فزالت عنه الوحشة.
فقال جبرئيل: اللَّه أكبر اللَّهُ أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه - مرّتين، أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه - مرّتين.
قال آدم: مَن محمّد؟
قال: آخِر ولدك مِن الأنبياء (51) .
قال عليّ بن برهان الدين الحلبي في سيرته: أقول: ومن أغرب ما وقع في بدء
____________________
(50) إتحاف السادة المهرة 1 - 2: 317 كتاب الأذان باب بدء الأذان وصفته ح 983، السيرة الحلبية 2: 302 وفيه: (وروي بسندٍ واهٍ أن أوّل من أذن بالصلاة جبرئيل في سماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال (رضي اللَّه عنهما) فسبق عمر بلالاً فأخبر النبي ثمّ...).
(51) كشف الغمّة 1: 96 كتاب الصلاة باب الأذان وفضله. وانظر: قريباً منه في حلية الأولياء 5: 107 ترجمة عمرو بن قيس الملائي عن أبي هريرة.
الأذان ما رواه أبو نعيم في الحلية بسند فيه مجاهيل أنّ جبرئيل نادى بالأذان لآدم حين أُهبط من الجنَّة (52) .
ثمّ قال الحلبي:
وبهذا يعلم ما في الخصائص الصغرى (خُصّ (صلّى الله عليه وآله) بذكر اسمه في الأذان في عهد آدم وفي الملكوت الأعلى) واللَّه أعلم (53) .
هذا ما قاله أهل السنّة والجماعة في بَدء الأذان، ولكنْ.. ما هي رؤية أهل البيت: في قضيّة بدء تشريع الأذان؟ هذا ما سنتعرّف عليه في الصفحات التالية.
____________________
(52) السيرة الحلبية 2: 297.
(53) السيرة الحلبية 2: 302.
اتّفقت نصوص أهل بيت النبوّة - المرويّ منها عن طريق الإماميّة الاثني عشريّة أو الإسماعيليّة أو الزيديّة - على أنّ بدء الأذان قد كان في الإسراء. وإليك بعض نصوصهم في هذا السياق:
الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) (ت 40 هـ):
جاء في صحيفة الرضا عليه السلام ، عن آبائه، قال: (قال عليّ بن أبي طالب: لمّا بُدِي رسول اللَّه بتعليم الأذان، أتى جبرئيل بالبُراق فاستعصت عليه، فقال لها جبرئيل: اسكُني برقة! فما ركبك أحد أكرم على اللَّه منه، فسكنت. قال رسول اللَّه: فركبتها حتّى انتهيت إلى الحجاب الذي يلي الرحمن عَزَّ [ربُّنا] وجَلَّ، فخرج مَلَكٌ مِن وراء الحجاب، فقال: اللَّهُ أكبر، اللَّهُ أكبر؛ فقال (صلّى الله عليه وآله): قلت: يا جبرئيل! مَن هذا المَلَك؟
قال [جبرئيل]: والذي أكرمك بالنبوّة ما رأيتُ هذا الملَك قبل ساعتي هذه.
فقال المَلَك: اللَّهُ أكبر، اللَّهُ أكبر؛ فنودي مِن وراء الحجاب: صَدَق عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر.
قال (صلّى الله عليه وآله): فقال المَلَك: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّهَ، أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه؛ فنُودِي مِن وراء الحجاب: صدق عبدي، [أنا اللَّه]، لا إله إلَّا أنا.
فقال (صلّى الله عليه وآله): فقال المَلَك: أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه، أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه؛
فنودي من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أرسلتُ محمّداً رسولاً.
قال (صلّى الله عليه وآله): فقال المَلَك: حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة؛ فنودي من وراء الحجاب: صدق عبدي، ودعا إلى عبادتي.
قال (صلّى الله عليه وآله): فقال المَلَك: حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، فنودي من وراء الحجاب: صدق عبدي، ودعا إلى عبادتي، فقال الملك: قد أفلحَ مَن واظب عليها.
قال (صلّى الله عليه وآله): فيومئذٍ أكمل اللَّه عزَّ وجلَّ لي الشرف على الأوّلين والآخر ين) (54) .
الإمام الحسن بن عليّ (عليه السلام) (ت 50 هـ):
عن سفيان بن الليل، قال: لمّا كان من أمر الحسن بن عليّ ومعاوية ما كان، قَدِمتُ عليه المدينةَ وهو جالس في أصحابه، فذكر الحديث بطوله، فقال: فتذاكرنا عنده الأذان، فقال بعضنا: إنّما كان بدء الأذان برؤيا عبد اللَّه بن ز يد.
فقال له الحسن بن عليّ: (إنّ شأن الأذان أعظم من ذلك، أذّنَ جبرئيل في السماء مَثْنى مَثْنى وعلَّمه رسولَ اللَّه، وأقام مرّة مرّة فعلَّمه رسولَ اللَّه)، فأذَّن به الحسن حتّى ولّى (55) .
____________________
(54) صحيفة الرضا (صلَّى الله عليه وآله) 65 - 66 ح 115، وعنه في بحار الأنوار 81: 151. وانظر الإيضاح للقاضي نعمان ص 106 المطبوع في (ميراث حديث شيعه) دفتر دهم وكذا راب الصدع 1: 196. وقد مرّ عليك قبل قليل في صفحة 37 ما أخرجه البزّار (انظر: نصب الراية 1: 260).
(55) نصب الراية 1: 261، عن المستدرك للحاكم 3: 171 كتاب معرفة الصحابة، باختلاف يسير.
الإمام الحسين بن عليّ (عليه السلام) (ت 61 هـ):
جاء في الجعفريّات : أخبرنا محمّد، حدّثني موسى، قال: حدّثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن الحسين، عن الحسين بن عليّ: (أنَّه سئل عن الأذان وما يقول الناس [فيه]، قال: الوحيُ ينزل على نبيّكم، وتزعمون أنَّه أخذ الأذان عن عبد اللَّه بن زيد؟! بل سمعتُ أبي عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) يقول: أَهبَطَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ مَلَكاً حين عُرِج برسول اللَّه فأذَّن مَثْنى مَثْنى، وأقام مَثْنى مَثْنى، ثمّ قال له جبرئيل: يا محمَّد! هكذا أذان الصلاة) (56) .
وفي دعائم الإسلام - وهو من كتب الإسماعيليّة -: روينا عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسين بن عليّ: أنّه سئل عن قول الناس في الأذان، إنَّ السبب كان فيه رؤيا رآها عبد اللَّه بن زيد فأخبر بها النبيَّ (صلّى الله عليه وآله)، فأمر بالأذان! فقال الحسين (عليه السلام): (الوحيُ يتنزَّل على نبيّكم، وتزعمون أنَّه أخذ الأذان عن عبد اللَّه بن زيد؟! والأذان وجه دينكم!)، وغضب (عليه السلام) ثمّ قال: (بل سمعتُ أبي عليّ بن أبي طالب يقول: أهبَطَ اللَّهُ عزّ وجلّ مَلَكاً حين عرج برسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) (وذكر حديث الإسراء بطوله، اختصرناه نحن ها هنا) قال فيه: (وبعث ملكاً لم يُرَ في السماء قبل ذلك الوقت ولا بعده، فأذَّن مَثْنى وأقام مَثْنى)، وذكر كيفيّة الأذان (وقال جبرئيل للنبيّ (صلّى الله عليه وآله): يا محمّد! هكذا أذِّن للصلاة) (57) .
____________________
(56) الجعفريّات: 42، مستدرك الوسائل 4: 17. وفي الإيضاح للقاضي نعمان المطبوع في (ميراث دين شيعه) دفتر دهم ص: 105 في الكتب الجعفرية من رواية أبي علي محمد بن الأشعث الكوفي عن ابن الحسن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده أبي عبد اللَّه جعفر بن محمد عن جده علي بن الحسين...
(57) دعائم الإسلام 1: 142 للقاضي نعمان ذكر الأذان والإقامة.
محمّد بن علي بن أبي طالب (ابن الحنفيّة) (ت 93 - 73 هـ):
عن أبي العلاء، قال: قلت لمحمّد بن الحنفيّة: إنّا لَنتحدّث: أنّ بدء هذا الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه.
قال: ففزع لذلك محمّد بن الحنفيّة فزعاً شديداً، وقال: عَمَدتُم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنّه إنّما كان رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه تحتمل الصدق والكذب وقد تكون أضغاث أحلام؟!
قال: فقلتُ (له): هذا الحديث قد استفاض في الناس!
قال: (هذا واللَّه هو الباطل). ثمّ قال: وإنّما أخبرني أبي: (أنَّ جبرئيل (عليه السلام) أذَّن في بيت المقدس ليلة الإسراء وأقام، ثمّ أعاد جبرئيل الأذان لمّا عرج بالنبيّ إلى السماء...) (58) .
وفي معاني الأخبار : عن عليّ بن عبد اللَّه الورّاق، وعليّ بن محمّد بن الحسن القزويني، قالا: حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، قال: حدّثنا العبّاس بن سعيد الأزرق، قال: حدّثنا أبو نصر، عن عيسى بن مهران، عن يحيى بن الحسن بن الفرات، عن حمّاد بن يعلى، عن عليّ بن الحزور، عن الأصبغ بن نُباتة، عن محمّد بن الحنفيّة أنَّه ذُكِرَ عنده الأذان فقال:
(لمّا أُسري بالنبيِّ إلى السماء، وتناهز إلى السماء السادسة، نزل مَلَكٌ من السماء السابعة لم ينزل قبل ذلك اليوم قطّ، فقال: اللَّهُ أكبر، اللَّهُ أكبر؛ فقال اللَّه جَلَّ جلاله: أنا كذلك.
____________________
(58) السيرة الحلبيّة 2: 300 - 301، أمالي أحمد بن عيسى بن زيد 1: 90، وعنه في الاعتصام بحبل اللَّه 1: 277. والإيضاح للقاضي نعمان بن محمد بن حيون المتوفَّى 363 ص 106 والمطبوع في (ميراث حديث شيعه) دفتر دهم.
فقال: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، فقال اللَّه عزّ وجلّ: أنا كذلك، لا إله إلَّا أنا.
فقال: أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه، فقال اللَّه جلَّ جلاله: عبدي وأميني على خلقي، اصطفيته على عبادي برسالاتي.
ثمّ قال: حيّ على الصلاة، فقال اللَّه جلَّ جلاله: فرضتها على عبادي وجعلتها لي دِيناً.
ثمّ قال: حيّ على الفلاح، فقال اللَّه جلَّ جلاله: أفلح مَن مشى إليها وواظب عليها ابتغاء وجهي.
ثمّ قال: حيّ على خير العمل، فقال اللَّهُ جلَّ جلاله: هي أفضل الأعمال وأزكاها عندي.
ثمّ قال: قد قامت الصلاة، فتقدَّم النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) فأمَّ أهلَ السماء، فَمِن يومئذٍ تمَّ شرف النبيّ (صلّى الله عليه وآله)) (59) .
وقد جاء ما يماثل هذا في طرق الزيدية.
وأخرجه الحافظ العلوي في الأذان بحيّ على خير العمل ، فقال: حدّثنا أبو القاسم الحفص بن محمّد بن أبي عابد قراءةً، حدّثنا زيد بن محمّد بن جعفر العامري، حدّثنا جعفر بن محمّد بن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا نصر بن مزاحم المنقري، حدّثنا أيّوب بن سليمان الفزاري، عن عليّ بن جردل، عن محمّد بن بشر، قال: جاء رجل إلى محمّد بن الحنفية فقال له: بلغنا أن الأذان إنّما هو رؤيا رآها رجل من الأنصار فقصّها على رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، فأمر بلالاً فأذّن تلك الرؤيا!
فقال له محمّد بن الحنفية: إنّما يقول بهذا الجاهلُ من الناس، إن أمر الأذان أعظم من ذلك.. إنّه لمّا أسري برسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) فانتُهي به إلى السماء السادسة جمع اللَّهُ له ما
____________________
(59) معاني الأخبار، للصدوق: 42 ح 4، وعنه في بحار الأنوار 81: 141.
شاء من الرسل والملائكة، فنزل مَلَك لم ينزل قبل ذلك اليوم، عرفت الملائكة أنّه لم ينزل إلّا لأمر عظيم، فكان أوّل ما تكلّم به حين نزل، قال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، فقال اللَّه عزّ وجلّ: أنا كذلك، أنا الأكبر لا شيء أكبر مّني.
ثمّ قال: أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، فقال اللَّه: أنا كذلك لا إله إِلّا أنا.
ثمّ قال: أشهد أن محمّداً رسول اللَّه، فقال اللَّه: نعم، هو رسولي بعثته برسالتي وائتمنته على وحيي.
ثمّ قال: حيّ على الصلاة، فقال اللَّه: أنا افترضتها على عبادي وجعلتها لي رضا.
ثمّ قال: حيّ على الفلاح، فقال اللَّه: قد أفلح من مشى إليها وواظب عليها ابتغاء وجهي.
ثمّ قال: حيّ على خير العمل، فقال اللَّه: هي أزكى الأعمال عندي وأحبها إليَّ.
ثمّ قال: قد قامت الصلاة، فقام رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) ومن كان عنده من الرسل والملائكة. وكان المَلَك يؤذّن مَثْنى مَثْنى، وآخِر أذانه و إقامته: لا إله إلّا اللَّه. وهو الذي ذكر اللَّه في كتابه: ( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) .
قال محمّد بن الحنفية: فتَمّ له يومئذٍ شرفُه على الخلق. ثمّ نزل فأمر أن يؤذَّن بذلك الأذان (60) .
الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) (ت 94 هـ) وابنه زيد:
عن زيد بن عليّ، عن آبائه، عن عليّ: (أنَّ رسول اللَّه عُلِّمَ الأذان ليلة المسرى، وبه فُرِضَت عليه) (61) .
وقال الإمام الهادي باللَّه - من أئمّة الزيديّة - في كتابه الأحكام : (قال يحيى بن الحسين (رضي اللَّه عنه): والأذان فأصلُه أنَّ رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) عُلِّمَه ليلةَ المسرى، أرسل
____________________
(60) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي 19 - 18. وبتحقيق عزّان 58. الإيضاح للقاضي نعمان: 107.
(61) كنز العمّال 12: 350/ 35354، عن (ابن مردويه).
اللَّهُ إليه مَلَكاً فعلَّمه إيّاه.
فأمّا ما يقول به الجهّال مِن أنّه رؤيا رآها بعض الأنصار فأخبر بها النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) فأمَرَه أن يُعَلِّمه بلالاً، فهذا من القول محالٌ لا تقبله العقول؛ لأنَّ الأذان من أُصولِ الدين، وأُصولُ الدين لا يعلمها رسول اللَّه على لسان بشر من العالمين) (62) .
الإمام محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) (ت 114 هـ):
جاء في الكافي و التهذيب و الاستبصار - والنصّ للأخيرينِ - بإسناد الشيخ الطوسي عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن عليّ بن السنديّ، عن ابن أبي عُمير، عن ابن أُذينة، عن زُرارة والفُضيل بن يسار، عن أبي جعفر [الباقر] (عليه السلام)، قال:
(لمّا أُسري برسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) فبلغ البيت المعمور حضرت الصلاة، فأذَّن جبرئيل وأقام، فتقدَّم رسول اللَّه، وصفَّ الملائكة والنبيّون خلف رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)).
قال: فقلنا له: كيف أذّن؟
فقال: (اللَّهُ أكبر، اللَّهُ أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه، أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل، اللَّهُ أكبر، اللَّهُ أكبر، لا إله إلَّا اللَّه، لا إله إلَّا اللَّه. والإقامة مثلها إلَّا أنَّ فيها: (قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة) بيْنَ: (حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل)، وبين: (اللَّهُ أكبر اللَّهُ أكبر)، فأمر بها رسولُ اللَّه بلالاً، فلم يَزَل يؤذِّن بها حتّى قَبض اللَّهُ رسولَه (صلّى الله عليه وآله)) (63) .
____________________
(62) الأحكام، للإمام الهادي باللَّه الزيديّ 1: 84.
(63) الكافي 3: 302/ 1 وفيه صدر الحديث، التهذيب 2: 60/ 210، الاستبصار 1: 305/ باب
=
وفي الكافي : بإسناده عن أبي حمزة الثماليّ وأبي منصور، عن أبي الربيع، قال: (حَجَجنا مع أبي جعفر [الباقر] (عليه السلام) في السنة التي كان حجّ فيها هشام بن عبد الملك، وكان معه نافع مولى عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب، فنظر نافع إلى أبي جعفر (عليه السلام) في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال: يا أمير المؤمنين، مَن هذا الذي قد تَداكَّ عليه الناس؟!
فقال: هذا نبيُّ أهل الكوفة، هذا محمّد بن عليّ!
قال: أشهد لَآتينّه ولأسألنّه عن مسائل لا يجيبني فيها إلّا نبيّ أو ابن نبيّ أو وصيّ نبيّ.
قال: فاذهب إليه وسَله لعلكّ تُخجِلُه!
فجاء نافع حتّى اتّكأ على الناس ثمّ أشرف على أبي جعفر، فقال: يا محمّد بن عليّ! إني قرأت التوراة والإنجيل والزّبور والفرقان، وقد عرفتُ حلالها وحرامها، وقد جئت أسألُك عن مسائل...
[ومنها]: من الذي سأل محمّدٌ (64) وكان بينه وبين عيسى خمسمئة سنة؟
قال: فتلا أبو جعفر (عليه السلام) (هذه الآية: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا ) (65) ، فكان من الآيات التي أراها اللَّه تبارك وتعالى محمّداً حيث أسري به إلى بيت المقدس أن حشر اللَّه الأوّلين والآخر ين من النبيّين والمرسلين، ثمّ أمر جبرئيل فأذَّن شفعاً،
____________________
=
عدد فصول الأذان ح 3.
(64) في قوله تعالى: (وَسَئَل مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبِلْكَ مِن رُسُلِنَاَ) الزخرف: 45.
(65) الإسراء: 1.
وأقام شفعاً، وقال في أذانه: حيّ على خير العمل، ثمّ تقدّم محمّدٌ وصلَّى بالقوم) (66) .
وجاء في كتاب الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي: أخبرنا عبد اللَّه بن مخالد (67) ، أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد، حدّثنا محمّد بن عمرو بن عثمان، حدّثنا محمّد بن سنان، حدّثنا عمّار بن مروان، عن المنتخل (68) ، عن جابر قال: سألت أبا جعفر عن الأذان: كيف كان بدؤه؟ قال: (إن رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) لما أُسري به إلى السماء، نزل إليه جبريل، ومعه محملة من محامل الربّ عزّ وجلّ، فحمل عليها رسولَ اللَّه (صلّى الله عليه وآله) إلى السماء، فأذّن جبريل، فقال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، أشهد أن محمّداً رسول اللَّه، [أشهد أن محمّداً رسول اللَّه]، حيّ على الصلاة، [حيّ على الصلاة]، حيّ على الفلاح، [حيّ على الفلاح]، حيّ على خير العمل، [حيّ على خير العمل]) وذكر الحديث (69) .
وفي كتاب الاعتصام بحبل اللَّه :.. وروى محمّد بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: (من جهالة هذه الأمّة أن يزعموا أن رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) إنّما علم الأذان من رؤيا رآها رجل، وكذبوا واللَّه. لمَّا أراد اللَّه أن يعلّم نبيّه الأذان جاءه جبريل (عليه السلام) بالبُراق..)وذكر الحديث بطوله (70) .
ثمّ قال بعد ذلك:... وفي الشفا للأمير الحسن، روى الباقر محمّد بن عليّ السجّاد
____________________
(66) الكافي 8: 120/ 93 وعنه في بحار الأنوار 81: 136، وسائل الشيعة 5: 414، الاحتجاج 2: 60.
(67) في تحقيق عزّان: مجالد البجلي، وكذا في الاعتصام 1: 306.
(68) في تحقيق عزّان: المنخل. وفي الاعتصام 1: 306 (المنتحل).
(69) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 82، بتحقيق الفضيل، وانظر: ص 21 و28 من الكتاب نفسه وبتحقيق عزّان 60. والاعتصام بحبل اللَّه 1: 286. والزيادات من الاعتصام 1: 306.
(70) الاعتصام بحبل اللَّه 1: 277.
بن الحسين السبط الشهيد بن عليّ الوصيّ، والقاسم بن إبراهيم والهادي إلى الحقّ يحيى بن الحسين الحافظ، والناصر للحقّ الحسن بن عليّ: أن اللَّه عَلَّمه رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) ليلة أُسرِيَ به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ أمر اللَّه مَلَكاً من ملائكته فعلّمه الأذان (71) .
الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) (ت 148 هـ):
روى الكلينيّ بسنده عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عُمير، عن حمّاد، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللَّه [الصادق] (عليه السلام)، قال: (لمّا هبط جبرئيل بالأذان على رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) كان رأسه في حِجر عليّ (عليه السلام)، فأذَّن جبرئيل وأقام، فلمّا انتبه رسول اللَّه، قال: يا عليّ! سمعت؟
قال: نعم.
قال: حفظت؟
قال: نعم.
قال: ادعُ بلالاً فعلِّمْه. فدعا عليّ بلالاً فعلَّمَه) (72) .
وفي تفسير العيّاشيّ عن عبد الصمد بن بشير، قال: ذُكِر عند أبي عبد اللَّه بدء
____________________
(71) الاعتصام بحبل اللَّه 1: 278.
(72) الكافي 3: 302/ 2، التهذيب 2: 277/ 1099 مثله، ورواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 183/ 865 بإسناده عن منصور بن حازم، ولا يخفى عليك بأن هذا النص لا يخالف ما ثبت عند أهل البيت وبعض أهل السنة والجماعة من كون تشريع الأذان كان في الإسراء والمعراج، لأن التأذين في المعراج هو في مرحلة الثبوت، أما التأذين في الأرض فهو في مرحلة الإثبات، وسيتضح معنى كلامنا هذا أكثر في الباب الثالث من هذه الدراسة (اشهد أن عليّاً ولي اللَّه، بين الشرعية والابتداع) فانتظر.
الأذان، فقال: إنَّ رجلاً مِن الأنصار رأى في منامه الأذان، فقصَّه على رسول اللَّه فأمره الرسول أن يعلّمه بلالاً.
فقال أبو عبد اللَّه: (كذبوا؛ إنَّ رسول اللَّه كان نائماً في ظِلّ الكعبة، فأتاه جبرئيل ومعه طاس فيه ماء مِن الجنّة فأيقظه، وأمره أن يغتسل به، ثمّ وضع في محمل له ألف ألف لون مِن نور، ثمّ صعد به حتّى انتهى إلى أبواب السماء، فلمّا رأته الملائكة نَفَرت عن أبواب السماء، وقالت: إلهانِ! إلهٌ في الأرض، و إله في السماء؟!
فأمر اللَّهُ جبرئيلَ، فقال: اللَّهُ أكبر، اللَّهُ أكبر، فتراجعت الملائكة عن أبواب السماء، فقالت: إلهانِ! إله في الأرض و إله في السماء؟!
فقال جبرئيل: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه،، فتراجعت الملائكة وعَلِمتْ أنّه مخلوق.
ثمّ فتح الباب فدخل ومَرَّ حتّى انتهى إلى السماء الثالثة، فنَفَرت الملائكة عن أبواب السماء، فقال جبرئيل: أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه، أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه، فتراجعت الملائكة، وفتح الباب ومَرَّ النبيُّ حتّى انتهى إلى السماء الرابعة...
- إلى أن قال -:... فلمّا فرغ من مناجاة ربّه رُدّ إلى البيت المعمور وهو في السماء السابعة بحذاء الكعبة، قال: فجمع له النبيّين والمرسلين والملائكة، ثمّ أمر جبرئيل فأتمَّ الأذان وأقام الصلاة، وتقدّم رسول اللَّه فصلّى بهم، فلمّا فرغ التفت إليهم فقال اللَّه له: ( فَسْئَلِ الَّذيِنَ يَقْرَءُونَ الكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ
مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) (73) ، فسألهم يومئذٍ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، ثمّ نزل ومعه صحيفتان فدفعهما إلى أمير المؤمنين (عليه السلام))، فقال أبو عبد اللَّه (عليه السلام): (فهذا كان بدء الأذان) (74) .
وروى الصدوق بإسناده عن الصباح المزنيّ وسدير الصيرفي ومحمّد بن النعمان الأحول وعمر بن أُذينة أنّهم حضروا عند أبي عبد اللَّه (عليه السلام)، فقال: (يا عمر بن أُذينة! ما ترى هذه الناصبة في أذانهم وصلاتهم؟
قال: جُعِلتُ فداك؛ إنّهم يقولون: إنَّ أُبيّ بن كعب الأنصاريّ رآه في النوم.
فقال (عليه السلام): كذبوا واللَّه، إنَّ دين اللَّه تعالى أعَزُّ من أن يُرى في النوم). وقال أبو عبد اللَّه: (العزيز الجبّار عَرَج بنبيّه إلى سمائه...) فذكر قصّة الإسراء بطولها (75) .
وفي نصّ آخر، قال (عليه السلام): (ينزل الوحيُ على نبيِّكم فتزعمون أنَّه أخذ عن عبد اللَّه بن زيد؟!) (76) .
وعن عليّ بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أُذينة، عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام)، قال: (ما تروي هذه الناصبة؟).
فقلت: جُعِلت فداك؛ في ماذا؟
فقال: (في أذانهم وركوعهم وسجودهم).
فقلت: إنّهم يقولون: إنَّ أُبيَّ بن كعب رآه في النوم.
فقال: (كذبوا، فإنَّ دين اللَّه (عزَّ وجلّ) أعَزُّ مِن أن يُرى في النوم).
قال: فقال له سدير الصيرفيّ: جُعلت فداك؛ فأحدِثْ لنا مِن ذلك ذِكراً.
____________________
(73) يونس: 94.
(74) تفسير العيّاشيّ 1: 157/ 530، المستدرك 4: 42 - 43 وانظر: بيان المجلسيّ في بحار الأنوار 81: 121.
(75) انظر: علل الشرائع 1/312، وعنه في بحار الأنوار 8: 354.
(76) وسائل الشيعة 5: 370/ 6816.
فقال أبو عبد (عليه السلام): (إنَّ اللَّه (عزّ وجلّ) لمّا عَرَج بنبيّه (صلَّى الله عليه وآله) إلى سماواته السبع، أمّا أُولاهُنَّ فبارَك عليه، والثانية علّمه فرضه فأنزل اللَّه محملاً من نور فيه أربعون نوعاً من أنواع النور كانت مُحدِقة بعرش اللَّه تغشي أبصار الناظرين... (77) قال: ثمّ زادني ربّي أربعين نوعاً من أنواع النور لا تشبه الأنوار الأُولى، ثمّ عرج بي إلى السماء الثالثة، فنَفَرت الملائكة وخَرَّتْ سُجَّداً، وقالت: سبُّوح قدُّوس ربُّ الملائكة والرُّوح، ما هذا النور الذي يشبه نور ربّنا؟!
فقال جبرائيل (عليه السلام): أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه، أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه.
فاجتمعت الملائكة وقالت: مرحباً بالأوّل، ومرحباً بالآخِر، ومرحباً بالحاشر، ومرحباً بالناشر، محمّد خير النبيّين وعليّ خير الوصيّين.
قال النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله): ثمّ سَلَّموا علَيَّ وسألوني عن أخي، قلتُ: هو في الأرض، أفتعرفونه؟
قالوا: وكيف لا نعرفه وقد نَحجّ البيت المعمور كلَّ سنة وعليه رَقّ أبيض فيه اسم محمّد واسم عليّ والحسن والحسين [والأئمة]: وشيعتهم إلى يوم القيامة، و إنّا لَنُبارِك عليهم كلّ يوم وليلة خمساً [يعنون في وقت كلّ صلاة]...
قال: ثمّ زادني ربّي أربعين نوعاً من أنواع النور لا تشبه تلك الأنوار الأُولى، ثمّ عرج بي حتّى انتهيت إلى السماء الرابعة، فلم تَقُل الملائكة شيئاً، وسمعت دَويّاً كأنّه في الصدور، فاجتمعت الملائكة ففتحت أبواب السماء وخرجت إليَّ شبه المعانيق، فقال جبرئيل (عليه السلام): حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة؛ حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح.
فقالت الملائكة: صوتان مقرونان معروفان.
____________________
(77) الحديث طويل أخذنا مقاطع منه.
فقال جبرئيل (عليه السلام): قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة...
ثمّ أوحى اللَّه إليَّ: يا محمّد! ادنُ من صاد فاغسل مساجدك وطهّرها وصلِّ لربِّك.
فدنا رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) من صاد (78) ، وهو ماءٌ يسيل من ساق العرش الأيمن، فتلقّى رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) الماء بيده اليمنى، فمن أجل ذلك صار الوضوء باليمين.
ثمّ أوحى اللَّه عزّ وجل إليه أن: اغسل وجهك...) (79) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ (سورة بني إسرائيل) عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الصادق (عليه السلام) - في خبر طويل جدّاً - قال فيه: (فإذا مَلَكٌ يُؤَذِّن لم يُرَ في السماء قبل تلك الليلة، فقال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر؛ فقال اللَّه: صدق عبدي أنا أكبر.
فقال: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه؛ فقال اللَّه تعالى: صدق عبدي، أنا اللَّه لا إله غيري.
فقال: أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه، أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه؛ فقال اللَّه: صدق عبدي، إنَّ محمّداً عبدي ورسولي أنا بعثته وانتجبته.
فقال: حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة؛ فقال: صدق عبدي، دعا إلى فر يضتي، فَمَن مشى إليها راغباً فيها محتسباً كانت كفّارة لِما مضى من ذنوبه.
فقال: حيّ على الفلاح [ حيّ على الفلاح ]؛ فقال اللَّه: هي الصلاح والنجاح والفلاح.
____________________
(78) وللشيخ الجوادي الآملي في كتابه (أسرار الصلاة): 22 86 بيان في ذلك فراجع.
(79) الكافي كتاب الصلاة باب النوادر 3: 482 - 486/ 1، وللمزيد يمكن مراجعة خبر الإسراء في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي 2: 11.
ثمّ أمَمتُ الملائكة في السماء كما أمَمتُ الأنبياء في بيت المقدس...) (80) .
وقد أخرج الحافظ العلوي في كتابه "الأذان بحيّ على خير العمل" بقوله: حدّثنا الحسين بن محمّد بن الحسن، حدّثنا عليّ بن الحسين بن يعقوب، أخبرنا أحمد بن عيسى العجلي، حدّثنا جعفر بن عنبسة اليشكري، حدّثنا أحمد بن عمر البجلي، حدّثنا سلام بن عبد اللَّه الهاشمي، عن سفيان بن السمط، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه قال: (أوّل مَن أذّن في السماء جبريل (عليه السلام) حين أُسري بالنبي (صلَّى الله عليه وآله)، فقال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر؛ فقالت الملائكة: اللَّه أكبر من خلقه.
فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، فقالت الملائكة: ونحن نشهد أن لا إله إلّا اللَّه.
فقال، أشهد أن محمّداً رسول اللَّه، أشهد أن محمّداً رسول اللَّه، فقالت الملائكة: عبد بُعِث.
فقال جبريل: حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة؛ فقالت الملائكة: أُمِر القوم بالصلاة، فقال: حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح؛ فقالت الملائكة: أفلح القوم.
فقال: حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل؛ فقالت الملائكة: أُمِر القوم بخير العمل. وأقام الصلاة، فقال النبيّ: يا جبريل، تَقدّمْ صلِّ بنا، فقال جبريل: يا محمّد، إنّ اللَّه (عزّ وجلّ) أمرنا أن نسجد لأبيك آدم، فلسنا نتقدّم ولدَه، فتقدّم رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) فصلّى بالملائكة) (81) .
وقد نقل محمّد بن مكّيّ - الشهيد الأوّل - في " ذكرى الشيعة " قول ابن أبي
____________________
(80) تفسير القمّيّ 2: 3 - 12 كما في مستدرك وسائل الشيعة 4: 40، وفي تفسير العيّاشي 1: 157 ح 530 عن عبد الصمد بن بشير عن الصادق في حديث المعراج، إلى أن قال: (ثمّ أمر جبرئيل فأتمّ الأذان وأقام الصلاة).
(81) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 20، بتحقيق الفضيل، وبتحقيق عزّان 59.
عقيل، قال: أجمعت الشيعة عن الصادق (عليه السلام) أنَّه لَعَن قوماً زعموا أنَّ النبيَّ أخذ الأذان من عبد اللَّه بن زيد، فقال: (ينزل الوحي على نبيِّكم فتزعمون أنَّه أخذ الأذان من عبد اللَّه بن ز يد؟!) (82) .
الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) (ت 204 هـ):
أخرج الصدوق في "عيون أخبار الرضا" و "علل الشرائع" بسنده إلى الرضا (عليه السلام) عن آبائه، قال: (قال رسول اللَّه: لمّا عُرِج بي إلى السماء أذَّن جبرئيل مَثْنى مَثْنى وأقام مَثْنى مَثْنى) (83) .
وجاء في الاعتصام بحبل اللَّه عن صحيفة عليّ بن موسى الرضا : (... حدّثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدّثني أبي جعفر بن محمّد، قال: حدّثني أبي محمّد بن عليّ، قال: حدّثني أبي عليّ بن الحسين بن عليّ، قال: حدّثني أبي الحسين بن عليّ، قال: حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب: قال: قال رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) لمّا بُدئ رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) بتعليم الأَذان، أتى جبريل (عليه السلام) بالبُراق فاستصعب عليه، فأتاني بدابّة يقال لها برقة... (من حديث طويل) فقال لها جبريل: اسكُني برقة... (من حديث طويل): فخرج مَلَك من وراء الحجاب فقال: اللَّه أكبر اللَّه أكبر. قال: فقلت: يا جبريل، من هذا المَلَك؟ قال: والذي أكرمك بالنبوّة، ما رأيت هذا المَلَك قبل ساعتي هذه، فقال المَلَك: اللَّه أكبر أللَّه أكبر.. فنُودِي من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر أنا أكبر.
____________________
(82) ذكرى الشيعة 3: 195، وعنه في وسائل الشيعة 5: 370.
(83) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 204 باب ما جاء عن الرضا في زيد بن عليّ ح 22، علل الشرائع 1: 6 وعنه في بحار الأنوار 81: 108.
فقال الملك: أشهد أن لا إله إلّا اللَّه...) الخبر (84) .
قال الشيخ الطوسيّ: (الأذان مأخوذٌ من الوحي النازل على النبيِّ دون الرؤيا والمنام) (85) .
وقال السيّد محمّد العامليّ صاحب "المدارك" : (قد أجمع الأصحاب على أنَّ الأذان والإقامة وحيٌ من اللَّه تعالى على لسان جبرئيل (عليه السلام) كسائر العبادات، وأخبارُهم به ناطقة) (86) .
وقال الشهيد في الذكرى : (وهما وحيٌ من اللَّه تعالى عندنا كسائر العبادات على لسان جبرئيل (عليه السلام)) (87) .
وهذه الرؤية النابعة من النصوص الدالّة على قداسة الأذان وأنّه بوحي من السماء لم تختصّ بمدرسة أهل البيت، فقد حكى الداوديّ عن ابن إسحاق أنَّ جبرئيل أتى النبيَّ بالأذان قبل أن يراه عبد اللَّه بن زيد وعمر بثمانية أيّام (88) ، و يؤيّده ما جاء عن عمر من أنّه ذهب ليشتري ناقوساً فأُخبِر أنَّ ابن زيد قد أُرِي الأذان في المنام، فرجع ليخبر رسول اللَّه، فقال له: (سبقك بذلك الوحي) (89) .
وقد روى عبد الرزّاق عن ابن جريج عن عطاء أنّه سمع عبيد بن عمير يقول: إنّ الأذان كان بوحي من اللَّه (90) .
وروى السيّد ابن طاووس - مِن علماء الشيعة الإماميّة - بإسناده إلى
____________________
(84) الاعتصام بحبل اللَّه 1: 278.
(85) المبسوط 1: 95.
(86) مدارك الأحكام 3: 255 المقدّمة السابعة من الأذان.
(87) ذكرى الشيعة 3: 195.
(88) سبل الهدى والرشاد 3: 361، وانظر: تنوير الحوالك: 86، وفتح الباري 2: 65.
(89) تاريخ الخميس 1: 360، وانظر: السيرة الحلبيّة 3: 301 - 302.
(90) المصنَّف، لعبد الرزّاق 1: 456/ 1775 كتاب الصلاة بدء الأذان.
عبد الرزّاق عن معمر، عن ابن حمّاد، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيِّ في حديث المعراج، قال: (ثمّ قام جبرئيل فوضع سبّابته اليمنى في أذنه فأذّن مَثْنى مَثْنى).. يقول في آخرها: (حيّ على خير العمل، حتىّ إذا قضى أذانه أقام للصلاة مثنى مثنى) (91) .
وفي كنز العمّال (مسند رافع بن خديج): لمّا أُسرِي برسول اللَّه إلى السماء أوحي إليه بالأذان، فنزل به فعلّمه جبرئيل (الطبراني في الأوسط عن ابن عمر) (92) .
ولذلك حاول القسطلانيّ الشافعي في "إرشاد الساري" التخلّص من إشكال التشريع بالرؤيا، فأدّعى أنّ المشرِّع للأذان هو النصّ الذي أَقَرَّ المنامَ لا نفس المنام، فقال: قوله تبارك وتعالى: ( وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ) معانيَ عبادة اللَّه وشرائعه، واستدلّ على مشروعيّة الأذان بالنصّ لا بالمنام وحده (93) . لكنك تعلم أنّ الإشكال باقٍ بحاله، إذ لا معنى للمنام في هذه الحالة.
وقال السرخسيّ - مِن أعلام الحنفيّة - في "المبسوط" :... وروي أنَّ سبعة من الصحابة (رضي اللَّه عنهم أجمعين) رأوا تلك الرؤيا في ليلة واحدة، وكان أبو حفص محمّد بن عليّ ينكر هذا ويقول: تعمدون إلى ما هو من معالم الدين فتقولون: ثَبَت بالرؤيا! كلَّا ولكنّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) حين أُسري به إلى المسجد الأقصى وجُمِع له النبيّون، أذَّنَ مَلَكٌ وأقام، فصلَّى بهم رسول اللَّه. وقيل: نزل به جبرئيل (عليه الصلاة والسلام)، حتَّى قال كثير بن مرة: أذَّن جبرئيل في السماء فسمعه عمر (94) .
____________________
(91) سعد السعود 100، وفي متن بحار الأنوار: 81: 107 (فوضع سبّابته اليمنى في أذنه اليمنى.. حيّ على خير العمل مَثْنى مَثْنى...) إلخ.
(92) كنز العمّال 8: 329 كتاب الصلاة فصل من الأذان ح 23138. وانظر مجمع الزوائد 1: 329.
(93) إرشاد الساري 2: 2 كتاب الأذان. عمدة القارئ 5: 7 و102.
(94) المبسوط للسرخسيّ 1: 128 كتاب الصلاة باب الأذان.
اتّضح بجلاء - من خلال ما مرّ بنا من أحاديث وأقوال وغيرها - أنّ القول بتشريع الأذان في الإسراء والمعراج، ممّا لم ينفرد به الإماميّة الاثنا عشريّة، و إنّما قالت به الشيعة الزيدية والإسماعيلية أيضاً، إضافةً إلى أعلام من أهل السنّة، وهذا يعني أنّ تشريع الأذان - بوصفه فعلاً تعبّدياً - كان سماوياً وعُلْوياً وليس مناماً وأرضياً، وهذا القول ينسجم تماماً مع التشريعات السماوية الإلهية، ومع الاعتقاد بالنبوّة والوحي، التي هي واسطة في التشريع بين اللَّه تعالى وبين خلقه.
أمّا القول بأنّه كان عبر منام رآه رجل وأخبر به النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) فإنّه من منفردات بعض أهل السنّة، والذي أمسى قولاً مشهوراً لديهم فيما بعد. و إزاء اشتهار هذا القول عندهم، تبرز طائفة من التساؤلات الملِحَّة التي تصدر من الرؤية الإسلاميّة لحقائق الأشياء وعمق التشريع الإلهي. ومن هذه التساؤلات:
هل يسوغ لهذا القول - الذي يُسنِد تشريع الأذان إلى رؤيا أحد الناس - أن يتلاءم وأصول الشريعة القائمة على تلقّي النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) من اللَّه سبحانه؟
وهل يسوغ - في منطق الإسلام والوحي - أن تؤخذ الشريعة من الأحلام والمنامات والأقاصيص، أو حتّى من المشاورة كما جاء في بعض أحاديث الأذان؟
أوّلاً: إنّ المنام لا يصحّ أن يُستنَد إليه في القضايا الشرعيّة، ولا يمكن أن يُعتمَد عليه في تشريع الأحكام.. اللهمّ إلّا أن يكون رؤيا رآها رسول اللَّه نفسه؛ لأنّها
جزء من الوحي.
إنّ التلّقي عن اللَّه وحصر الأخذ عنه (جلّ وعلا) تنفي كلّ ما عدا الوحي الإلهي في التشريع، وتؤكّد أنّ هذا الوحي هو وحده المنبع الذي ليس للنبيّ أن يبدّله أو يغيّر فيه من تلقاء نفسه، كما عرّفنا اللَّه سبحانه ذلك بقوله: ( قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) (95) .
وقال: ( قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) (96) .
وقال أيضاً: ( قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (97) .
وقال: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) (98) .
وقال في ملائكته: ( بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (99) .
إنّ هذه الآيات الشريفة صريحة في أنّه ليس لرسول اللَّه ولا لملائكته أن يسبقوه بالقول أو أن يُشرِّعوا من قِبَل أنفسهم، إذ ليس لهم إلّا الاستماع إلى الوحي وانتظاره، وقد انتظر الرسولُ (صلَّى الله عليه وآله) الوحيَ في تغيير القبلة مدّة ستّة شهر أو سبعة حتّى
____________________
(95) يونس: 15.
(96) الأحقاف: 9.
(97) الأعراف: 203.
(98) النجم: 3 - 5.
(99) الأنبياء: 26 - 27.
نزل قوله تعالى: ( تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ... ) (100) .
أمّا التشاور فهو أبعدُ ما يكون عن أن يتولّد منه حكم شرعيّ، ذلك أنّ للَّه الدين الخالص وليس لغيره فيه من شيّ، كما قال جلّ جلاله: ( يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) (101) . من هنا يكون قول الحقّ تعالى: ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) دالّاً على المشاورة في الموضوعات الخارجية وشئون الحياة اليومية، والمواقف العملية من بعض الحوادث، كالموقف في الحرب ومواجهة مكائد الأعداء و إمكانيّات سبل السلام، وما إليها.
وهذه المشاورة ذات ثمرات صالحة، منها: أنّها تُشعِر المشاوَرين بالمشاركة في صنع الموقف المسؤول، ومنها أنّها تَهَبُهم طاقة للاندفاع في سبيل تنفيذ مقرّرات هذه المشاورة وتحمّل نتائجها. ومع ذلك كلّه تظلّ لرسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) الكلمة الأخيرة في مقرّرات المشاورة، فهو الذي يحدّد ما ينبغي وما لا ينبغي، و يكون عزمه في المسألة هو الساري الجارى ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) .
إنّ الشورى ليس لها دخل في الأحكام، ومتى تدخّلت في الحكم فإنّها تكون قد شاركت الوحيَ في التشريع، وهَوَّنت من شأن النبوّة والنبيّ، وفتحت باباً للتقوّل على اللَّه.. ذلك التقوّل الذي هدّد اللَّهُ تعالى باجتراح ولو بعض منه.
ولقد حذّر اللَّهُ رسولَه - وهو أحبّ خلقه إليه - أيما تحذير، وهدّده أيّما تهديد.. إذا ما غيّر حرفاً واحداً؛ وذلك لمّا جاءه أهل قرية الناصرة بأحمال الذهب والفضّة والحرير وأرادوا إِعطاءها رشوةً للنبيّ (صلَّى الله عليه وآله) في مقابل أن يُبدّل حرف الباء تاءً في لفظة
____________________
(100) البقرة: 144.
(101) آل عمران: 154.
(أبَوا) بعد نزول قوله تعالى: ( حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا ) (102) . وعندئذ نزل التهديد الإلهيّ ليعلم الناس أنّ دين اللَّه خالص نقيّ لا يجوز بحالٍ أن يشوبه شيء من رأي البشر ولو قَلّ وضَئُل إلى مستوى حرفٍ. استمع إلى تعابير المواجهة والإنذار: ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ) (103) ، وهو الذي ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (104) .
ثانياً: إنّ الأذان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بفريضة الصلاة التي هي (خيرُ موضوع)، كما يقول رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله)، وهي عمود الدين وأساسه الجوهري.. إلى حدّ أن جعل الإمام الهادي الزيدي الأذان من أصول الدين! كما مرّ بنا سابقاً.
والأذان مقدّمة للصلاة، وكلاهما عبادة خالصة للَّه عزّ وجلّ صادرة عن حقيقة وجودية توحيدية عميقة. من هنا يكون من الغفلة الاعتقاد بأنّ اللَّه عزّ وجلّ قد أمر خاتم أنبيائه الكرام بإقامة الصلاة على وجهها الذي شرّعه اللَّه تعالى، ثمّ ترك شأن تعليم أذان الصلاة و إقامتها لأُناس عاديّين يقولون إنّهم رأوها في المنام! أو إنّهم قد أضافوا إليها من عندهم ما يكملها، دون أن يُعلّمها رسولَه الذي هو مبلّغ الوحي وحامل راية الهدى لأجيال البشرية كافّة.
ثالثاً: تشير بعض النصوص السنيّة التي أوردتها كتب الصحاح والسنن في موضوع الأذان إلى أنّ رسول اللَّه كان في حيرة من أمر الأذان، ولم يكن يعلم الحكم الإلهيّ فيه أيّاماً، حتّى شاور الصحابةَ في ذلك، وأمر بناقوس النصارى ليكون
____________________
(102) الكهف: 77.
(103) الحاقّة: 44 - 47.
(104) النجم: 3.
إعلاماً لوقت الصلاة حتّى (كاد ينقس)!
وفي هذا الرأي من التوهين والتقليل من شأن رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) ما لا خفاء فيه، وهو ممّا يرفضه منطق القرآن الكريم، و يرفضه المنطق الإيماني على وجه العموم، ذلك أنّ هذا التوهين يعارض دعوةَ القرآن المسلمين إلى توقير رسول اللَّه وتعظيمه، و يضادّ نهي الذين آمنوا أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، تعريفاً بتميّزه وعلوّ مقامه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) (105) اهتماماً بمكانته (صلَّى الله عليه وآله) وشأنه.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الآية نزلت لمّا تنازع أبو بكر وعمر في تعيين مَن يكون موفد الرسول المصطفى إلى بني تميم. فقال أبو بكر: القعقاع بن معبد، وقال عمر: الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر لعمر: ما أردتَ إلَّا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فتمارَيا حتّى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك هذه الآيات الحكيمة (106) .
فإذا كان اللَّه سبحانه لا يرتضي التنازع ورفع الصوت بمحضر النبيِّ في أيّة قضيّة من القضايا احتراماً له وتوقيراً لمقامه، فكيف يصحّ أن يُنسَب إليه التحيّر في شأن أمر تعبّدي كالأذان حتّى اختار - أو كاد أن يختار - ناقوس النصارى يُنقس به إعلاماً للصلاة؟!
رابعاً: أهمل الشيخان البخاريّ ومسلم وكذا الحاكم النيسابوريّ في مستدركه
____________________
(105) الحجرات: 1 - 2.
(106) انظر: صحيح البخاريّ 60: 290 كتاب المغازي، باب وفد بني تميم ج 812، باب وفد بني تميم.
ذِكْر أحاديث رؤيا عبد اللَّه بن زيد، بل في المستدرك عن (سفيان بن الليل عن الإمام الحسن السبط) ما يُسَخِّف تشريع الأذان بالمنام.
وقد أجاب الحاكم معلّلاً تركَ الشيخين أحاديث عبد اللَّه بن زيد التي قصّها على رسول اللَّه بقوله: (... و إنّما ترك الشيخان حديث عبد اللَّه بن ز يد في الأذان والرؤيا التي قصّها على رسول اللَّه بهذا الإسناد (107) ، لتقدّم موت عبد اللَّه بن زيد، فقد قيل: إنَّه استُشهد بأُحد، وقيل: بعد ذلك بيسير، واللَّه أعلم) (108) .
ويشير إهمال الشيخين لهذا الحديث إلى أنّه لا أصل لحديث عبد اللَّه بن زيد عن رسول اللَّه، و يؤيّد ذلك ما أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء في ترجمة عمر بن عبد العزيز عن عبيد اللَّه بن عمر، قال: (دَخَلتْ ابنة عبد اللَّه بن زيد على عمر بن عبد العزيز، فقالت: يا أمير المؤمنين، أنا بنت عبد اللَّه بن زيد، أبي شهد بدراً وقُتِل
____________________
(107) ليس فيما روي عن عبد اللَّه بن زيد في الأذان ما رجاله على شرط الشيخين إلّا ما رواه بشير بن محمد بن عبد اللَّه بن زيد عن جدّه عبد اللَّه بن زيد، ولكن لم يخرجه الشيخان في صحيحيهما لأنّه منقطع؛ فالحفيد بشير لم يدرك جدّه عبد اللَّه بن زيد.
(108) المستدرك للحاكم 4: 348 كتاب الفرائض، باب ردّ الصدقة ميراثاً. قال ابن حجر في تلخيص الحبير 3: 162.
(وقال الحاكم والبيهقي: الروايات عن عبد اللَّه بن زيد في هذا الباب كلّها منقطعة؛ لأنّ عبد اللَّه بن زيد استشهد يوم أحد. ثمّ أسند عن الدراوردي عن عبيد اللَّه بن عمر قال: دخلت ابنة عبد اللَّه بن زيد على عمر بن عبد العزيز فقالت: يا أمير المؤمنين، أنا ابنة عبد اللَّه بن زيد، شهد أبي بدراً وقتل يوم أحد. وفي صحّة هذا نظر؛ فإن عبيد اللَّه بن عمر لم يدرك هذه القصّة... وروى الواقدي عن محمد بن عبد اللَّه بن زيد قال: تُوفّي أبي بالمدينة سنة اثنين وثلاثين، وقال ابن سعد: شهد أحداً والخندق والمشاهد كلها، ولو صحّ ما تقدم للزم أن تكون بنت عبد اللَّه بن زيد صحابية). عن تلخيص الحبير 3: 162 - 163.
أقول: الظاهر أنّ كلام الحاكم هو الصحيح، فإن الراوي هو عبيد اللَّه بن عمر العمري كما في الإصابة 2: 312 ترجمة عبد اللَّه بن زيد بن ثعلبة، وهو عبيد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب، المتوفَّى سنة 144 و145 و147 هـ، والمسند إليه صحيح بلحاظ الراوي والمروي عنه. انظر: تهذيب الكمال 19: 124 - 130.
يوم أحد، فقال عمر:
تلك المكارِمُ لا قعبان من لَبنٍ |
شِيبا بماءٍ فعادا بَعدُ أبوالا |
سَليني ما شئتِ، فسألت فأعطاها ما سألت) (109) .
ولو ثبت بشكل قطعي أنَّ عبد اللَّه رأى الأذان لَذَكرتْ ابنته هذه المكرمة له وعدّتها ضمن منقبتيه الأُوليين: حضوره بدراً وقتله بأُحد، بل أن فضيلة رؤيا الأذان لو كانت واقعةً فعلاً لَما ضاهاها شيء؛ إذ إنّ الوحي قد وافقه في هذه المسألة دون عموم بني البشر، وهي أهمّ من حضوره بدراً وقتله بأُحد، وذلك لمشاركة آخَرين له في هاتين الفضيلتين.
إنَّ عدم ذكر ابنة عبد اللَّه بن زيد لهذه المنقبة - وهي في معرض استعطاف عمر بن عبد العزيز - ليشير إلى عدم ثبوت هذه المكرمة له في العهد الأوّل.
خامساً: من الثابت عند أهل العلم أنّ رؤيا الأنبياء وحدهم حجّة، لا رؤيا غيرهم. نعم، إنّهم صحّحوا هذه الرؤيا والمنامات الأخرى بتطابق الوحي معها.
قال العسقلانيّ: (وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد اللَّه بن زيد، لأنَّ رؤيا غير الأنبياء لا يُبنى عليها حكم شرعيّ، وأُجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك...) (110) .
لكنّ هذا الجواب غير علميّ ولا دقيق؛ لأنَّ مجرّد احتمال مقارنة الوحي لا يفيد، إذ لو كان ذلك صحيحاً لذكرته الروايات المعتمدة في الباب ولم تنحصر باجتهادات أمثال ابن حجر.
____________________
(109) حلية الأولياء 5: 322 ترجمة عمر بن عبد العزيز، وعنه في الإصابة 2: 312 ترجمة عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربّه بن ثعلبة.
(110) فتح الباري 2: 65 باب الأذان مثنى.
ثمّ لماذا لم ينزل الوحي على رسول اللَّه حينما كان متحيّراً في أوّل أمره، أي حينما قَدِم المدينة، حتّى أخبره عبد اللَّه بن زيد بمنامه، ثمّ تطابق الوحي مع الرؤيا بعد ذلك؟!
إنَّ تعارض النصوص وتخالفها مع الثوابت الأُخرى تُخطِّئ هذه الرؤية؛ لأنَّ القول بتشريع الأذان في المَسرى لا يتطابق مع حيرة النبيّ وسعيه لمشاورة الصحابة في المدينة، وخصوصاً حينما نشم رائحة الغلوّ من بعض النصوص وادِّعاء نزول ما يشابه الوحي على عبد اللَّه بن زيد، أو على عمر، أو بلال، لقول عبد اللَّه في بعض النصوص: (كأنّي وأنا بين نائم و يقظان)، وفي آخر: (لولا أن يقول الناس لقلتُ بأنّي كنتُ يقظان غير نائم)!!
أو ما جاء في نصوص أُخرى: (إنَّ جبرئيل أذَّن في سماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالاً فأخبر النبيّ ثمّ جاء...)، أفَلا ترى أنّ هذه النصوص ترفع من شأن عبد اللَّه بن زيد ومن شأن عمرَ إلى مرتبة النبوّة، وتغلو فيهما؟!
بل العجب العجاب أن نرى إلقاء العبء الأكبر في الأذان على عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربّه الخزرجي الأنصاري، هذا الصحابي غير الواضح المعالم في التاريخ والفقه، والذي لم يُعرَف ولم يشتهر إلّا عبر هذه المفردة، إذ عرف ب (الذي أُرِيَ الأذان). ومثل ذلك ما قيل في سَمِيّه عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري (صاحب حديث الوضوء) الذي ألقوا على عهدته قسماً من الوضوء الثلاثي الغَسلي وادّعوا أن الأخبار الصحيحة جاءت عنه وهو منها بريء!
فلماذا هذان الصحابيان الأنصاريان الغامضا المعالم؟! اللذان لا يعرفان إلّا في حديثَي الأذان والوضوء؟!
وبعد هذا، لابدّ من الإشارة إلى إشكال آخر أثاره السُّهيليّ (111) والعسقلانيّ وغيرهما حاولوا الإجابة عنه.
قال ابن حجر في إرشاد الساري : (فإن قلتَ: ما الحكمة في تخصيص الأذان برؤيا رجل ولم يكن بوحي؟ أُجيب: لما فيه من التنويه بالنبيّ والرفع لذِكره؛ لأنَّه إذا كان على لسان غيره كان أرفَعَ لذكره وأفخَرَ لشأنه. على أنّه روى أبو داود في المَراسيل أنَّ عمر لمّا رأى الأذان جاء ليخبر النبيّ فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلّا أذان بلال، فقال له (عليه السلام): سبقك بها الوحي. ورواة هذا الحديث خمسة، وفيه التحديث والإخبار) (112) .
وهذا التعليل عليل، لأنَّه لو صحّ للزم لحاظ هذا الوجه في كلّ شيء ورد فيه ذِكر الشهادتين، لأنَّ نقل ذلك على لسان غيره أرفع لذكره وأفخر لشأنه وأدفع لتهم أعدائه، في حين نعلم بأنَّ الباري جَلَّ شأنه هو الذي رفع ذِكره بقوله: ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) (113) ، وبعد هذا فلا يحتاج إلى أن يرفع ذكره بعد الباري (جلّ شأنه) أحدٌ.
هذه أهمّ الأقوال التي قيلت في تشريع الأذان عند مدرسة أهل السنّة والجماعة، وقد يمكن إرجاع بعضها إلى بعض، وتقليص حجم اختلافاتها، غير أنّ إعادة جميع النصوص إلى قول واحد محالٌ من القول، لأنّ القول بتشريعها والتأذين بها في الإسراء والمعراج لا يتّفق مع هَمِّ وغمّ رسول اللَّه في المدينة وجلوسه مع أصحابه يستشيرهم في كيفيّة التأذين وطريقة جمع المسلمين على شيء واحد.
____________________
(111) في الروض الأنف 2: 356.
(112) إرشاد الساري 2: 4.
(113) الشرح: 4.
وهكذا الحال بالنسبة إلى ما جاء عن عمر وأنّه كان أوّل من سمع أذان جبرئيل في السماء ثمّ بلال، أو ما حكي عنه من أنّه أضاف الشهادة بالنبوة في الأذان بعد أن كانت فيه الشهادة بالتوحيد فقط، فإنّه لا يتّفق مع تشريع الأذان في المسرى.
وكذا القول بأنّ أبا بكر كان أوّل مَن أخبر رسولَ اللَّه بالأذان - كما في خبر جامع المسانيد - فهو يخالف المشهور بين المحدّثين من أنّ عبد اللَّه بن زيد الأنصاريّ كان أوّل مَن أخبر رسول اللَّه بمنامه.
وكذا الحال بالنسبة إلى ما اشتهر عن عبد اللَّه بن زيد وأنّه أخبر رسول اللَّه في الصّباح - بعد أن نام بالليل - لقوله: (فلمّا أصبحتُ أتيت رسول اللَّه) أو: (فلما غدا...) وهو يخالف ما قاله الحافظ الدمياطي في سيرته من أنّ عبد اللَّه بن زيد أتى رسول اللَّه ليلاً وأخبره (114) .
وقد حاول الحلبيّ الجمع بين القولين ذاهباً إلى عدم المنافاة بينهما؛ لأنّ جملة: (فلمّا أصبحتُ) أو: (فلمّا غدا) إشارة إلى مقاربة الوقت للصباح.
وهذا تأو يل بعيد يخالف الظاهر، لأن المتبادر من كلمة (فلما أصبحت) أو (غدوت) صريح في الصبح، فكان على الحلبي أن يخطّئ نقل الحافظ الدمياطي وهو خير له من أن يقول بهذا القول.
وكذا الحال بالنسبة إلى عمر بن الخطّاب، ففي بعض النصوص نراه يخرج حينما سمع الأذان (وهو في بيته يجرّ رداءه)، وفي بعض آخر نراه يقترح على رسول اللَّه بقوله: (أوَ لا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟)، ف(فخرج يجر رداءه) يختلف مع (أو لا تبعثون) لكون الثاني يشير إلى أنَّ الأذان شُرِّعَ باقتراح عمر بن الخطّاب وأنَّه
____________________
(114) انظر: السيرة الحلبية 2: 299.
كان بمحضر الرسول.
أمّا جملة (فخرج يجر رداءه)، فتشير إلى أنّه سمع الأذان وهو في بيته.
قال القسطلاني في إرشاد الساري - بعد أن أتى بخبر ابن عمر السابق الذكر -: (كان المسلمون حين قدموا المدينة)؛ قال الحافظ ابن حجر بأنَّ سياق حديث عبد اللَّه بن زيد يخالف ذلك، فإنَّ فيه أنّه لمّا قصَّ رؤياه على النبيِّ، قال: فسمع عمر الصوت فخرج فأتى النبيَّ فقال: رأيتُ مِثل الذي رأى. فدلَّ على أنَّ عمر لم يكن حاضراً لما قصَّ عبد اللَّه.
قال: والظاهر أنّ إشارة عمر بإرسال رجل ينادي بالصلاة كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأنَّ رؤيا عبد اللَّه كانت بعد ذلك؛ وتعقّبه العينيّ بما رواه أبو داود عن أبي بشر، عن أبي عمير، عن أنس، عن عمومة له من الأنصار، أنّ عبد اللَّه بن زيد: قال (إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان، وكان عمر قد رآه قبل ذلك فكتمه، فقال له النبيُّ: ما منعك أن تخبرنا...) إلى آخره، ليس فيه أنَّ عمر سمع الصوت فخرج؛ فقال: فهو يُقَوي كلام القرطبيّ و يردّ كلام بعضهم - أي ابن حجر - انتهى.
وأجاب ابن حجر في انتقاض الاعتراض بأنَّه إذا سكت في رواية أبي عمير عن قوله: فسمع عمر الصوت فخرج، وأثبتها ابن عمر، إنّما يكون إثبات ذلك دالاً على أنّه لم يكن حاضراً، فكيف يعترض بمثل هذا؟! (115) .
ومجمل الكلام أنّهم بهذه الوجوه سعوا للجمع بين بعض النصوص، ولكن أنَّى لهم الجمع في مواردها الأخرى؟ فإنهم كلّما رقعوا منها جانباً انخرق منها جانب آخر، ونحن تركنا مناقشة تلك الروايات سنداً خوفاً من الإطالة، مكتفين بالتعليق
____________________
(115) إرشاد الساري 2: 3.
على دلالة بعضها.
و خلاصة القول: إنَّ الأذان كغيره من الشرائع قد جرى فيه اتِّجاهان:
أحدهما: يقول بتشريعه في الإسراء والمعراج وأنَّه من الوحي الذي لا يجوز فيه الزيادة والنقصان.
و ثانيهما: يعتقد بأنَّ تشر يعه جاء على أثر منام رآه عبد اللَّه بن ز يد بن عبد ربّه، أو أنّه شُرِّع بمشورة من الصحابة.
وقد اختلف الاتّجاهان في المفاهيم والأُصول؛ لأنَّ القائل بتشريعه في الإسراء والمعراج يربطه بقضايا إلهيّة قدسيّة، حيث إنَّ حقيقة الإسراء هي حقيقة عالية ترتبط بالغيب، و إنَّ أهل بيت الرسالة وبعض الصحابة المتعبّدين كانوا هم المطّلعين بما دار في الإسراء والمعراج، بعكس بعض قريش التي كانت تنكر حقيقة المسرى وتسخّف مغزاه، فلم تكن تقبل بأن الرسول الأعظم تجاوز الحجب حتّى وصل إلى دار العظمة، حاملاً معه مفاهيم ربانية وأفكاراً عالية لا يمكن الوصول إليها إلَّا بالاستعانة بالقدرة الإلهيّة، ولا يمكن معرفة دقائقها إلّا عن أهل بيت الرسالة والوحي، الذين وضَّحوا لنا المبهم من هذه الأمور.
أمّا القائل بتشريعه عن طر يق رؤيا رآها عبد اللَّه بن زيد، أو سبعةٌ آخرون من الصحابة، فيعطي لفكرته مسحة عدم التوقيف، ليكون له مساغ في أن يزيد في هذه الشعيرة المقدسة، أو ينقص منها.
قال السرخسي في المبسوط: (... بدليل ما روي عن إبراهيم أنَّ: أوّل مَن أفرد الإقامة معاوية. وقال مجاهد: كانت الإقامة مثنى كالأذان حتّى استخفّه بعض أمراء الجور فأفرده لحاجة لهم) (116) .
____________________
(116) المبسوط 1: 129 كتاب الصلاة باب بدء الأذان، وانظر: المصنف لعبد الرزّاق
=
وقال ابن عبد البرّ - في فتح المالك بتبويب التمهيد على موطّأ مالك - وهو يريد أن يصحّح اختلاف أحاديث الأذان بقوله: (روى عن النبيّ في قصَّة عبد اللَّه بن زيد هذه في بدء الأذان جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعانٍ متقاربة، وكلّها تتّفق على أنَّ عبد اللَّه بن ز يد أُري النداء في النوم، وأنَّ رسول اللَّه أمر به عند ذلك، وكان ذلك أوّل أمر الأذان...) (117) .
فهذا النصّ وما سبقه يتضح منهما أن غالب أهل السنّة والجماعة يقولون بعدم توقيفيّة الأذان بالنحو الذي تقوله الشيعة، إذ العامة يستدلون على شرعيّة الأذان بمنام عبد اللَّه بن زيد حتّى إنّ بعض أمراء الجور أفرد الإقامة لحاجة له.
والعجب في هذا الباب ما قاله ابن عبد البرّ في موضع آخر من الكتاب المذكور: (في حديث هذا الباب لمالك وغيره من سائر ما أوردنا فيه من الآثار أوضح الدلائل على فضل الرؤيا وأنّها من الوحي والنبوّة، وحسبك بذلك فضلاً لها وشرفاً، ولو لم تكن وحياً من اللَّه ما جعلها شريعة ومنهاجاً لدينه) (118) .
قال أبو عمر (119) : (اختلفت الآثار في صفة الأذان و إن كانت متّفقة في أصل أمره، كان من رؤيا عبد اللَّه بن زيد، وقد رآه عمر بن الخطّاب أيضاً) (120)! !!.
أفلا يدل قوله هذا على أنّ لعبد اللَّه بن زيد وعمر بعض النبوّة؟!!
____________________
=
1: 463/ 1793.
(117) فتح المالك 2: 3.
(118) فتح المالك 2: 7.
(119) هو ابن عبد البرّ.
(120) التمهيد لابن عبد البر 24: 27.
كانت هذه صورة مصغّرة عن اختلاف الآراء في مدرسة الخلفاء حول بدء تشريع الأذان، وكيف اتفقت مدرسة أهل البيت ومعها الصحابة المتعبدون على أنّه كان في الإسراء بتعليم من اللَّه العليّ العظيم.
بعد أن توصلنا إلى وجود اختلاف بين المسلمين في كيفيّة تشريع هذه الشعيرة الإسلامية، وعلمنا أنّ أهل بيت النبوّة لا يقبلون فكرة الرؤيا، حاولنا تحديد زمن النزاع بين المسلمين، والدوافع الكامنة وراء طرح مثل هذه الآراء في الشريعة.
ممّا لا شك فيه أنّ قدرات المسلمين وأفهامهم وإدراكاتهم لحقيقة الإيمان والإسلام لم تكن بمرتبة واحدة. فالبعضُ منهم كان يفهم مغزى الرسالة ومكانة الرسول وما يريده اللَّه من أوامره ونواهيه بدّقة عالية فكان يتعبد بما قاله رسول اللَّه ولا يرى لنفسه الخيرة من أمره. والبعض الآخر كان يرى لنفسه حقّ التشريع وإبداء الرأي مسمّياً فعله بالاجتهاد. وهناك اتّجاه ثالث أغرق في النزع، فراح يتعامل مع الرسول كأنّه رجل حارب فانتصر! ورابع وخامس و...
وقد أوضحنا في دراستنا لأسباب "منع تدوين الحديث" ونتائجه هذه الاتجاهات، وقلنا: إنّها جميعاً تنخرط وتنتظم في نهجين هما:
1 - المتعبدون = التعبد المحض.
2 - المجتهدون = الاجتهاد بالرأي.
ونحن لا نريد أن نعود إلى ما كتبناه سابقاً، بل نريد الإشارة إلى بعض الشيء
عن هذين النهجين، مؤكدين الكلية التي رسمناها في دراسة ملابسات التشريع، مبينين كيفية تطبيقها في مفردة الأذان، وكيف ارتبطت قضية الأذان بالمنام بعد ثبوتها في الإسراء والمعراج، وما هو ارتباطها بالرؤيا التي أقلقت النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؛ تلك الرؤيا التي رأى (صلّى الله عليه وآله) فيها بني أميّة يَنْزُون على منبره الشريف نَزْوَ القردة؟
وقد رأينا تقديم شيء من خبر الإسراء والتحريفات الواقعة فيه؛ لارتباطه ببيان رؤيتنا بصدد الرؤيا في الأذان، وهو بيان لدواعي اختلاف المسلمين في بدء الأذان، فنقول:
إنّ خبر الإسراء والمعراج ثابت لا كلام فيه، وقد وردت سورة باسم الإسراء في الذكر الحكيم. وقد اختلف المسلمون في يوم الإسراء ومكانه وكيفيّة عروجه (صلَّى الله عليه وآله) إلى السماء، وما جرى في الإسراء والمعراج، وهل أُسري به مرّة أو مرّتين (121) أو أكثر من ذلك (122) ، وهل كان عروجه بروحه وجسده أم بروحه فقط؟ على أنّ هناك من فَصَّل بين إسرائه ومعراجه، فقال بأن إسراءَهُ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان بروحه وجسمه، وأنّ عروجه إلى السماء كان بروحه فقط؟
فالذين لا يدركون عمق الرسالة ومكانة الرسول شكّكوا في حقيقة الإسراء والمعراج وقالوا بأشياء لا تتفق مع رسالة الغيب والوحي، وقد ارتدّ بعض من أَسلَمَ حينما سمع بخبر الإسراء، وهناك من ثبت على الدين وصَدَّق بما قال الرسول وبما حكاه من مشاهدات ومغيّبات، كبعض الصحابة المتعبدين المخلصين الذين شهد له
____________________
(121) انظر: على سبيل المثال تفسير ابن 3: كثير 22 حيث قال: وقد صرّح بعض من المتأخّرين بأنّه (عليه السلام) أُسري به مرّة من مكّة إلى بيت المقدس فقط، ومرّة من مكّة إلى السماء فقط، ومرّة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء.
(122) الخصال: 600. وانظر: علل الشرائع: 149.
التاريخ بصدقهم ووفائهم وبقائهم على العهد الذي فارقوا رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله).
نعم، قد اختلفت النصوص في مكان الإسراء، فالبعض منها صرحت بأنّه (صلّى الله عليه وآله) أسري به من شعب أبي طالب (123) ، والأُخرى من بيت خديجة (124) ، وثالثة من بيت فاختة (أمّ هاني) بنت أبي طالب (125) أخت الإمام عليّ، ورابعة من بيت عائشة (126) .
ففي تفسير الطبري بإسناده عن أبي صالح بن ياذم، عن أُمّ هاني بنت أبي طالب في مسرى النبيّ، أنّها كانت تقول: ما أُسري برسول اللَّه إلّا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلّى العشاء الآخرة ثمّ نام ونمنا، فلما كان قُبيل الفجر أهبَّنا رسول اللَّه، فلمّا صلّى الصبح وصلّينا معه قال: (يا أُمّ هاني، لقد صلّيتُ معكم العشاء الآخرة كما رأيتِ بهذا الوادي، ثمّ جئتُ بيت المقدس فصلّيت فيه، ثمّ صلّيت صلاة الغداة معكم الآن كما تَرَين) (127) .
وفي بعض الآثار أنّ أمّ هاني قالت: فقدتُه (صلّى الله عليه وآله) وكان نائماً عندي فامتنع منّي النوم مخافةَ أن يكون عرض له بعض قريش. و يقال: أنّه تفرّقت بنو عبد المطلّب يلتمسونه، ووصل العبّاس إلى ذي طُوى وهو ينادي: يا محمّد، يا محمّد، فأجابه (صلّى الله عليه وآله).
____________________
(123) فتح الباري 7: 160 كتاب أحاديث الأنبياء، باب المعراج، الدرّ المنثور 4: 149 سورة الإسراء عن ابن أبي حاتم عن قتادة.
(124) المجموع النووي 9: 248 باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز، فرع في مذاهب العلماء في بيع دور مكّة، شرح الأزهار 1: 199.
(125) المغني 10: 616 كتاب الجزية، الشرح الكبير 10: 621 كتاب الجزية، فتح الباري 7: 160، تحفة الأحوذي 9: 193.
(126) الدرّ المنثور 4: 154 - 157 سورة الإسراء الآية 1، الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1: 194.
(127) تفسير الطبري 3: 15 سورة بني إسرائيل الآية 1.
فقال: يا ابن أخي، أعيَيْتَ قومك! أين كنت؟
قال: (ذهبتُ إلى بيت المقدس).
قال: مِن ليلتك؟!
قال: (نعم).
قال: هل أصابك إلّا خير؟
قال: (ما أصابني إلّا خير)، وقيل غير ذلك (128) .
وفي روضة الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: (لمّا أسري برسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) أصبح فقعد فحدَّثهم بذلك؛ فقالوا له: صِفْ لنا بيت المقدس. قال: فوصف لهم، و إنّما دخله ليلاً فاشتبه عليه النعت، فأتاه جبرئيل فقال: انظر هاهنا، فنظر إلى البيت فوصفه وهو ينظر إليه، ثمّ نعت لهم ما كان من عِير لهم فيما بينهم وبين الشام، ثمّ قال: هذه عير بني فلان تَقدِم مع طلوع الشمس يتقدّمها جملٌ أورَق أو أحمر. قال: وبعثت قريش رجلاً على فرس ليردّها، قال: وبلغ مع طلوع الشمس، قال قرطة بن عبد عمرو: يا لَهفا!! ألّا أكون لك جذعاً حين تزعم أنّك أتيت بيت المقدس ورجعت من ليلتك) (129) .
وفي أمالي الصدوق بإسناده عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (لمّا أسري برسول اللَّه إلى بيت المقدس حمله جبرئيل على البُراق، فأتَيا بيت المقدس وعرض عليه محاريب الأنبياء وصلّى بها وردّه، فمرّ رسول اللَّه في رجوعه بعِيرٍ لقريش، و إذا لهم ماء في آنية وقد أضلّوا بعيراً لهم وكانوا يطلبونه، فشرب رسول اللَّه من ذلك الماء وأهرق باقيه.
____________________
(128) تفسير روح المعاني 6: 15 سورة بني إسرائيل الآية 1، الدر المنثور 4: 149 سورة الإسراء الآية 1.
(129) روضة الكافي 8: 262 / الحديث 376. وانظر: الدرّ المنثور 4: 148 - 149.
فلما أصبح رسول اللَّه قال لقريش: إنّ اللَّه جلّ جلاله قد أسرى بي إلى بيت المقدس وأراني آثار الأنبياء ومنازلهم، وإنّي مررت بعِيرٍ لقريش في موضع كذا وكذا وقد أضلوا بعيراً لهم فشربتُ من مائهم وأهرقتُ باقي ذلك، فقال أبو جهل: قد أمكنتكم الفرصة منه، فاسألوه: كم الأساطينُ فيها والقناديل؟
فقالوا: يا محمّد، إنّ ها هنا من قد دخل بيت المقدس، فصِفْ لنا كم أساطينُه وقناديله ومحاريبه؟
فجاء جبرئيل فعلّق صورة بيت المقدس تجاه وجهه، فجعل يخبرهم بما يسألونه عنه، فلمّا أخبرهم، قالوا: حتّى تجيء العير ونسألهم عمّا قلت، فقال لهم رسول اللَّه: تصديقُ ذلك أن العِير تطلع عليكم مع طلوع الشمس يقدمها جملٌ أورَق.
فلما كان من الغد أقبلوا ينظرون إلى العَقَبة و يقولون: هذه الشمس تطلع [علينا] الساعة، فبينما هم كذلك إذ طلعت عليهم العِير - حتّى طلع القرص - يقدمها جمل أورَق، فسألوهم عمّا قال رسول اللَّه فقالوا: لقد كان هذا؛ ضلّ جمل لنا في موضع كذا وكذا، ووضعنا ماءً فأصبحنا وقد أهريق الماء فلم يَزِدْهم ذلك إلّا عُتوّاً) (130) .
وروى البغوي في تفسيره عن ابن عبّاس وعائشة عن رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله): (لمّا كانت ليلة أُسري بي أصبحت بمكّة فضِقتُ بأمري وعرفتُ أنّ الناس يكذّبوني)، فروي أنّه (عليه الصلاة والسلام) قعد معتزلاً حزيناً، فمرّ به أبو جهل فجلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل استفدتَ من شيء؟
قال: (نعم، إنِّي أُسري بي الليلة).
قال: إلى أين؟
____________________
(130) أمالي الصدوق: 363، المجلس 69 - الحديث 1. وانظر: الدرّ المنثور 4: 148.
قال: (إلى بيت المقدس).
قال: ثمّ أصبحتَ بين ظَهرانينا؟!
قال: (نعم).
فلم يُرِهِ أبو جهل أنّه ينكر ذلك مخافة أن يجحده الحديث، قال: أتُحدِّثُ قومك بما حدثتني به؟
قال: (نعم).
قال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤيّ، هلمّوا. قال: فانقضّت إليه المجالس فجاءوا حتّى جلسوا إليهما، قال: فحدِّثْ قومك بما حدّثتني؟
قال: (نعم، أنّه أُسري بي الليلة).
قالوا: إلى أين؟
قال: (إلى بيت المقدس).
قالوا: ثمّ أصحبت بين ظهرانينا؟
قال: (نعم).
قال: فمِن بين مصفّق، ومن بين واضعٍ يدَه على رأسه متعجّباً للكذب، وارتدّ ناسٌ ممن كان آمن به وصدّقه.. (131) .
قال ابن إسحاق: وحدِّثتُ عن الحسن:.... فلمّا أصبح صلى الله عليه وآله غدا على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس: هذا واللَّه الأمر البيِّن! واللَّه إنّ العِير لتطرد شهراً من مكّة إلى الشام؛ مُدبرةً شهراً ومُقبلةً شهراً، فيذهب ذلك محمّد في ليلة واحدة و يرجع إلى مكّة!
____________________
(131) تفسير البغوي 3: 79. وانظر: مختصر تاريخ دمشق 17: 189 ترجمة عليّ بن أحمد بن المبارك.
قال: فارتدّ كثير ممن كان أسلم (132) .
* * *
كان هذا بعض الشيء عن الإسراء والمعراج وتكذيب قريش بهما، وارتداد بعض المسلمين، وقد سعت قريش وعن طريق حكّام بني أميّة وبعض علماء البلاط في العصور المتأخّرة إلى التشكيك في الإسراء والمعراج والتقليل من عظمة هذا الأمر الإلهيّ ومكانة الرسول بطرح تشكيكات ذات طابع جدلي، كالقول باستحالة صعود الأجسام إلى العالم العلوي بهذه السرعة الخارقة للعادة بحيث يذهب في آخر الليل ويرجع إلى مكّة عند الفجر، وعدم تطابق ما قيل في مقدمات هذا السفر الإلهي من شقّ الصدر وغسله بماء زمزم وركوبه (صلّى الله عليه وآله) البراق و... مع العقل.
كلّ تلك التساؤلات، بل قل التشكيكات، جاءت مساوقة للتشكيك في مدلول قوله تعالى في الآية 60 من سورة الإسراء؛ إذ قال سبحانه ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ ) حيث قالوا بأنّ الإسراء والمعراج كان بروحه (صلّى الله عليه وآله)، لا بجسمه وروحه، كي يقللوا من واقع الإسراء ويعضّدوا القول بأنّه كان في المنام لا في اليقظة و...
فقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عائشة (رضى اللَّه تعالى عنها)، قالت: ما فقدتُ جسدَ رسولِ اللَّه، ولكنّ اللَّه أسرى بروحه (133) .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن معاوية بن أبي سفيان أنّه كان إذا سئل
____________________
(132) أحكام القرآن للقرطبي 10: 285 سورة بني إسرائيل الآية 60.
(133) الدرّ المنثور 4: 157. وفي تفسير الطبري 15: 13 حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني بعض آل أبي بكر أنّ عائشة كانت تقول: ما فُقد جسدُ رسول اللَّه ولكنّ اللَّه أسرى بروحه.
عن مسرى رسول اللَّه قال: كانت رؤيا صادقة (134) .
قال القرطبي في تفسيره: وقد احتُجَّ لعائشة بقوله تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) فسمّاها رؤيا.
وهذا يردّه قوله تعالى: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ) ، ولا يقال في النوم (أسرى)، وأيضاً فقد يقال لرؤية العين (رؤيا)... وفي نصوص الأخبار الثابتة دلالة واضحة على أنّ الإسراء كان بالبدن... (135) .
وقال ابن عطيّة الأندلسي:... والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ولو كانت منامة ما أمكن قريشاً التشنيع، ولا فضّل أبو بكر بالتصديق، ولا قالت له أمّ هاني: لا تُحدِّث الناس بهذا فيكذبوك، إلى غير هذا من الدلائل.
واحتجّ لقول عائشة بقوله تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) ويحتمل القول الآخر؛ لأنّه يقال لرؤية العين (رؤيا). واحتجّ أيضاً بأنّ في بعض الأحاديث (فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام)، وهذا محتمل أن يريد من الإسراء النوم.
واعترض قول عائشة بأنّها كانت صغيرة لم تشاهد ولا
____________________
(134) الدرّ المنثور 4: 157. وفي تفسير الطبري 15: 13 حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنّ معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) قال: كانت رؤيا من اللَّه صادقة!
(135) تفسير القرطبي 10: 209 سورة الإسراء الآية 1.
حدّثت عن النبي عليه السلام. وأمّا معاوية فكان كافراً في ذلك الوقت غير مشاهد للحال، صغيراً، ولم يحدّث عن النبيّ... (136) .
وقال ابن كثير:... فلو كان مناماً لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مستعظماً، ولما بادرت قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدّت جماعة ممّن كان قد أسلم. وأيضاً فإن (العبد) عبارة عن مجموع الروح والجسد وقد قال: ( أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ) ... (137) .
و يجري مجرى قوله تعالى: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ) ما في سورة النجم، فقوله تعالى: ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) (138) لا يتّفق مع الرؤيا، بل الآية في سياق الامتنان وبيان آيات ربّه الكبرى. أمّا الرؤيا، فهي نحو من التخيّل يتفق للصالح والطالح ولا منزلة للرسول في القول بهذا.
هذا ويمكن إجابة كلّ التساؤلات والتشكيكات بأنّ الأمر كان معجزةً، والمعجزةُ لا تدركها العقول البسيطة، فهي من قبيل إحياء الأموات، وتبديل العصى ثعباناً، وكولادة عيسى من غير أَب، وخروج ناقة صالح من الجبل الأصم، وقوله تعالى: ( فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ
____________________
(136) المحرر الوجيز 3: 435، وانظر: تفسير الثعالبي 2: 248.
(137) تفسير ابن كثير 3: 23 سورة الإسراء آية 1.
(138) النجم: 17 - 18.
ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (139) ، وقوله تعالى: ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) (140) صريحٌ بإحضار (من عنده علم من الكتاب) لعرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر، وهو يشبه ما قاله سبحانه عن الرياح وأنّها كانت تسير بسليمان ( غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ) (141) في لحظة واحدة، إلى غيرها من عشرات بل مئات الموارد.
إذاً رسالة الإسلام هي رسالة الغيب والإيمان بما خلق اللَّه من الجنِ والملك والروح و... والمسلم هو الذي يسلم بالغيب ويؤمن به لقوله تعالى: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) (142) .
فلو كان معراج النبيّ محمّد في ليلة واحدة ممتنعاً لكان القول بنزول آدم من الجنّة و إصعاد عيسى إلى السماء ممتنعاً، بل لسرى الشك في المعجزات لأنّها في أصلها خرقٌ للقوانين المادية.
وعليه فهذه الرؤية طرحت لبذر الشكّ في قلوب المؤمنين من قبل ( الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) (143) أو ( الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) (144) في حين أنّ رسالة السماء معناها الغيب والماورائيات وهي تتفق مع الإسراء وما جاء فيه، وهذا ما لا تدركه عقول هؤلاء من الامتحان الإلهيّ الذي سُنّ ليمحّص اللَّه به المؤمنين و يميزهم عن الكافرين
____________________
(139) البقرة: 260.
(140) النمل: 40.
(141) سبأ: 12.
(142) البقرة: 3.
(143) المائدة: 52، التوبة: 125، الأنفال: 49.
(144) النحل: 22.
والمنافقين.
هذا وقد أجاب العلّامة الطباطبائي في " الميزان " عمّا قاله بعض المفسّرين من أنّ الشجرة الملعونة في القرآن تعني شجرة الزقّوم التي قال عنها الباري جلّ شأنه: ( أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ) (145) ، بأنّ هذا الاحتمال بعيد جدّاً لأنّه جلّ شأنه لم يلعنها في موضع من القرآن الكر يم، ولو كان مجردّ كونها شجرةً تخرج من أصل الجحيم سبباً موجباً للعنها في القرآن الكر يم لكانت النار وما أعدّ اللَّه فيها من العذاب ملعونة وهذا ما لم يَقُله أحد، ولكان ملائكةُ العذاب - الذين قال عنهم جل شأنه: ( وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) (146) - ملعونين، في حين نراه سبحانه قد أثنى عليهم بقوله: ( عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (147) .
ولو صحّ هذا الاحتمال لكانت أيدي المؤمنين ملعونة كذلك؛ لقوله: ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ) (148) .
ومثله حال بقية المعاذير التي ذكرها مفسرو أهل السنة والجماعة للتخلّص من كيفية صحّة لعن الشجرة، ومحاولتهم صرف الآية الكريمة عن لعن شجرة بني أميّة (149) .
و إنكّ لو تدبّرتَ في تفسير قوله تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً
____________________
(145) الصافّات: 62 - 63.
(146) المدّثر: 31.
(147) التحريم: 6.
(148) التوبة: 14.
(149) انظر: على سبيل المثال تفسير الميزان 13: 141 - 143 ففيه جواب تلك المعاذير المطروحة.
لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ ) لعرفت أنّ المقصود منها بنو أميّةِ؛ لما فعلوه من قبيح الأعمال، ولا يصحّ ما قالوه بأنّ المعنيّ من الرؤيا هي الإسراء وغيرها من الأفكار الفاسدة.
وبهذا فقد عرفت أَنَّ جهلهم بالأمور الغيبية ومكانة الرسول لم يكن عن قصور أو تقصير بَدْويَّينِ، بل إنَّ جذوره ترجع إلى خلفيات هي أعمق ممّا قالوه بكثير.
مع الرسول ورؤياه
قال الآلوسي في تفسير آية الرؤيا:
... وأخرج ابن جرير، عن سهل بن سعد، قال: (رأى رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) بني أميّة يَنْزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتّى مات (عليه الصلاة والسلام)، وأنزل اللَّه تعالى هذه الآية: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا... ) . وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن سعيد بن المسيب، قال: رأى رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) بني أميّة على المنابر فساءه ذلك، فأوحى اللَّه إليه: إنّما هي دنيا أُعطُوها، فقرّت عينه، وذلك قوله تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا... ) ... إلخ.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن يعلى بن مرّة، قال: (قال رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله): رأيت بني أميّة على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء، واهتمّ (عليه الصلاة والسلام) لذلك، فأنزل اللَّه سبحانه: ( وَمَا جَعَلْنَا... ) ... الآية.
وأخرج عن ابن عمر: أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال: (رأيتُ ولد الحَكَم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة، وأنزل اللَّه تعالى في ذلك ( وَمَا جَعَلْنَا... ) . .. إلخ، والشجرة الملعونة الحكم وولده). وفي عبارة بعض المفسرين: هي بنو أميّة.
وأخرج ابن مردويه، عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: أنّها قالت لمروان بن
الحكم: سمعتُ رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) يقول لأبيك وجدّك: (إنّكم الشجرة الملعونة في القرآن).
فعلى هذا معنى إحاطته تعالى بالناس إحاطة أقداره بهم، والكلام على ما قيل على حذف مضاف، أي (وما جعلنا تعبير الرؤيا) أو الرؤيا فيه مجاز عن تعبيرها، ومعنى جعل ذلك فتنة للناس جعله بلاء لهم ومختبراً، وبذلك فسّره ابن المسيب.
وكان هذا بالنسبة إلى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا، وعدلوا عن سنن الحقّ وما عدلوا، وما بعده بالنسبة إلى ما عدا خلفاءهم منهم، ممن كان عندهم عاملاً وللخبائث عاملاً، أو ممن كان من أعوانهم كيفما كان.
ويحتمل أن يكون المراد (ما جعلنا خلافتهم وما جعلناهم أنفسهم إلّا فتنة)، وفيه من المبالغة في ذمهم ما فيه. وجعل ضمير (نُخوّفُهم) على هذا لما كان له أوّلاً، أو للشجرة باعتبار أن المراد بها بنو أميّة ولعنهم لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة، والفروج المحصنة، وأخذ الأموال من غير حلها ومنع الحقوق عن أهلها، وتبديل الأحكام، والحكم بغير ما أنزل اللَّه تعالى على نبيه (عليه الصلاة والسلام)، إلى غير ذلك من القبائح العظام والمخازي الجسام التي لا تكاد تُنسى ما دامت الليالي والأيام.
وجاء لعنهم في القرآن، إما على الخصوص كما زعمته الشيعة، أو على العموم كما نقول، فقد قال سبحانه وتعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ) وقال عزّ وجلّ: ( فَهَل عَسِيتُم إن تَوَلَّيتُم أن تُفسِدوا في الأرضِ وتُقَطِّعوا أرحامَكُم أولئكَ الذينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فأصَمَّهُم وأعمى أبصارَهُم ) إلى آيات أخر، ودخولهم في عموم ذلك يكاد يكون دخولاً أوّليّاً (150) ، انتهى موضع
____________________
(150) تفسير روح المعاني 15: 107 - 108، هذا ومن المفيد الرجوع إلى التفسير الكبير للرازي
=
الحاجة من كلام الآلوسي.
وقال القرطبي في تفسيره: (فنزلت الآية مخبرة أنّ ذلك من تملّكهم وصعودهم [ أي نَزْوِهِم على منبره نزو القردة ] يجعلها اللَّه فتنة للناس وامتحاناً. وقرأ الحسن بن عليّ في خطبته في شأن بيعته لمعاوية: (وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين). قال ابن عطية: وفي هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه الرؤيا، عثمان، ولا عمر بن عبد العزيز، ولا معاوية) (151) . وعليه فلا يصحّ ما قالوه من تكلّفات في كلمة الرؤيا والشجرة الملعونة في الآية، مع وضوح أنّ الملعونين في القرآن هم جند إبليس واليهود، والمشركون، والمنافقون، والذين ماتوا وهم كفار، والذين يكتمون ما أنزل اللَّه، والذين يؤذون اللَّه ورسوله وغيرها، لا شجرة الزقوم ولا غيرها من التأويلات التي صيغت بأجرة لإبعاد الآية الكريمة عن معناها الحقيقي (152) .
____________________
=
20: 236 - 237 لملاحظة سائر الأقوال في الآية المباركة.
(151) تفسير القرطبي 10: 283 سورة الإسراء.
(152) وللتأكيد انظر: كتاب المأمون العبّاسي في تاريخ الطبري 10: 58 - 57 حتى تقف على الفهم السائد في القرون الأولى بالنسبة للشجرة الملعونة وأنّها تعني بني أميّه وأن أهل البيت هم العترة - والكتاب طويل نأخذ من قوله -:... فجعلهم اللَّه أهل بيت الرحمة وأهل بيت الدين، أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً، ومعدن الحكمة، وورثة النبوة، وموضع الخلافة، وأوجب لهم الفضيلة، وألزم العبد لهم الطاعة، وكان ممن عانده ونابذه وكذّبه وحاربه من عشيرته العدد الأكثر، والسواد الأعظم، يتلقّونه بالتكذيب والتثريب، ويقصدونه بالأذيّة والتخويف، ويبادونه بالعداوة، وينصبون له المحاربة، ويصدّون عنه من قصده، وينالون بالتعذيب مَن اتّبعه، وأشدّهم في ذاك عداوة وأعظمهم له مخالفة، وأوّلهم في كلّ حرب ومناصبة، لا يرفع على الإسلام راية إلّا كان صاحبها وقائدها ورئيسها في كلّ مواطن الحرب من بدر، وأحد، والخندق، والفتح: أبو سفيان بن حرب، وأشياعه من بني أميّة الملعونين في
=
المجتهدون الأوائل ودورهم في التشريع:
أبانت دراساتنا السابقة عن "وضوء النبيّ" و "منع تدو ين الحديث" و "تاريخ الحديث النبوي الشريف" (153) بروز نهجين بعد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) كان موجودين في حياته:
أحدهما : يتّخذ المواقف من خلال الأصول، و يتّبع القرآن والسنّة، ولا يرتضي الرأي والاجتهاد مع وجود النصّ.
و الآخر: يتّخذ الأصول من خلال مواقف الصحابة وإن خالفت النصوص، فهؤلاء يشرّعون الرأي ويأخذون به مقابل النص، ويتعاملون مع رسول اللَّه كأنّه بشر غير كامل، يصيب و يخطئ، ويسبّ و يلعن، ثمّ يطلب المغفرة للملعونين (154) ، أو أنّه (صلّى الله عليه وآله) خفي عليه أمر الوحيٍ حتّى أخبره ورقة بن نوفل بذلك! وهذا يخالف ما ثبت من أنّ خاتم النبوة كان مكتوباً على كتفه.
____________________
=
كتاب اللَّه، ثمّ الملعونين على لسان رسول اللَّه في عدة مواطن وعدّة مواضع؛ لماضي علم اللَّه فيهم وفي أمرهم، ونفاقهم، وكفر أحلامهم، فحارب مجاهداً، ودافع مكابداً، وأقام منابذاً حتّى قهره السيف، وعلا أمر اللَّه وهم كارهون، فتقوَّل بالإسلام غير منطوٍ عليه، وأسرَّ الكفر غير مقلعٍ عنه، فعرفه بذلك رسول اللَّه والمسلمون وميّز له المؤلفة قلوبهم فقبله، وولده على علم منه، ممّا لعنهم اللَّه به على لسان نبيه وأنزل به كتاباً قوله: (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً) ولا اختلاف بين أحد إنّه أراد بها بني أميّة، ومنه قول الرسول (عليه السلام) وقد رآه مقبلاً على حمار، ومعاوية يقود به، ويزيد ابنه يسوق به: لعن اللَّه القائد، والراكب، والسائق...
(153) طبع سابقاً في مجلة تراثنا (الأعداد 60 - 53 (تحت عنوان (السنّة بعد الرسول).
(154) صحيح البخاري 435: 8 / كتاب الدعوات، باب 736، ح 1230 سورة الإسراء، مسند أحمد 419 2: 316 - 317، وج 3: 40.
وبين هؤلاء من رفع صوته - في ممارساته اليومية - فوق صوت النبيّ، واعترض على رسول اللَّه في أعماله (155) ، وتعرّف المصلحة وهو بحضرته (صلّى الله عليه وآله)، وتنزّه في أمرٍ رخّص فيه، أو تزهّد في أمرٍ نهى عنه.
فجاء في كتاب الآداب من صحيح البخاري أنّ النبيّ رخّص في أمر فتنزّه عنه ناس، فبلغ النبيّ فغضب ثمّ قال: (ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه، فواللَّه إنّي لأعلمُهم وأشدّهم خشية) (156) .
وفي خبر آخر: أُخبر رسول اللَّه أنّ عبد اللَّه بن عمرو بن العاص يقول: واللَّه لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل، فقال له رسول اللَّه: (أنت الذي تقول: (لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل ما عشت))؟!
قال: قد قلت ذلك يا رسول اللَّه.
فقال رسول اللَّه: (إنّك لا تستطيع ذلك فصُمْ وأفطرِ، ونَم وقُم، وصُم من الشهر ثلاثة أيّام، فإنّ الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر).
قال، قلت: إنّي أُطيق أفضلَ من ذلك.
فقال (صلّى الله عليه وآله): (فصم يوماً وأفطِر يومين).
قال: قلت: إنّي أطيق أفضل من ذلك.
فقال: قال: (فَصُم يوماً وأفطِر يوماً، فذلك صيام داود (عليه السلام) وهو أفضل الصيام).
____________________
(155) كاعتراض عمر بن الخطاب على رسول اللَّه لمّا أراد أن يصلّي على المنافق، وقوله له: أتصلّي عليه وهو منافق؟! وإنكاره على رسول اللَّه فعله في أخذ الفداء من أسرى بدر وغيرها. انظر: صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضائل عمر.
(156) انظر: صحيح البخاري 8: 353 كتاب الدوب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب، ح 979.
فقلت: أطيق أفضل من ذلك.
فقال النبيّ: (لا أفضل من ذلك) (157) .
إن مثل هذا التحكيم للرأي الشخصي في مقابل قول رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) يحمل في طياته مخاطر عديدة، و يفتح مسارات للتحريف والتبديل، ومن شأنه أن يحول الدين الإلهي إلى دين مشوب بآراء الناس ووجهات نظرهم الشخصية، وهو يجرّ من ثمّ إلى تجزُّء الدين والى النزعة التلفيقية في الشريعة؛ ومن هنا ظهرت في الصدر الأوّل وما بعده الأحكام المبتدعة والأهواء المتّبعة التي ليست من دين اللَّه في شيء، ولا تمت إلى الحياة الإسلامية النزيهة بصلة، وهو الذي كان رسول اللَّه يتخوف على أمته منه. وقد صرّح الإمام عليّ في خطبة له بأنّه لو أتيحت له الفرصة لأرجع بعض الأُمور إلى أصلها، فقال: (... و إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تتّبع وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللَّه، يتولّى فيها رجالٌ رجالاً...) إلى أن يقول: (.. أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول اللَّه، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة، ورددت صاع رسول اللَّه كما كان، وأمضيت قطائع أقطعها رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) لأقوام لم تمض لهم ولم تنفذ، ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد (158) ، ورددت قضايا من الجور قضي بها (159) ، ونزعت نساء تحت رجال بغير حقّ فرددتهن إلى أزواجهن (160) واستقبلت بهنّ الحكم في الفروج والأحكام، وسبيت
____________________
(157) انظر: صحيح البخاري 3: 91 كتاب الصوم، باب صوم الدهر، ح 233.
(158) كأ نّهم غصبوها وأدخلوها في المسجد.
(159) كقضاء عمر بالعول والتعصيب في الإرث وسواهما.
(160) كمن طلّق زوجته بغير شهود وعلى غير طهر، وقد يكون فيه إشارة إلى قوله بعد بيعته: ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان وكلّ مال أعطاه من مال اللَّه فهو مردود في بيت المال، فإن الحقّ القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوج به.. إلخ، وانظر: نهج البلاغة 1: 42 خ 14.
ذراري بني تغلب (161) ، ورددت ما قسّم من أرض خيبر، ومحوت دواوين العطايا (162) ، وأعطيت كما كان رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) يعطي بالسويّة، ولم أجعلها دولة بين الأغنياء. وألقيت المساحة (163) ، وسوّيت بين المناكح (164) ، وأنفذت خمس الرسول كما أنزل (عزّ وجلّ) وفرضه (165) ، ورددت مسجد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) إلى ما كان عليه (166) ، وسددت ما فُتح فيه من الأبواب (167) ، وفتحت ما سُدّ منه، وحرّمت المسح على الخفين (168) ، وحَدَدت على النبيذ، وأمرت بإحلال المُتعتيَن (169) ، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات (170) ، وألزمتُ الناس الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم (171) ،
____________________
(161) لأنّ عمر رفع الجزية عنهم فهم ليسوا بأهل ذمّة، فيحلّ سبي ذراريهم، قال محيي السنّة البغويّ: روي أنّ عمر بن الخطّاب رام نصارى العرب على الجزية، فقالوا: نحن عرب لا نؤدّي ما يؤدّي العجم، ولكن خذ منّا كما يأخذ بعضكم من بعض، بعنوان الصدقة. فقال عمر: هذا فرض اللَّه على المسلمين. قالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية، فراضاهم على أن ضعّف عليهم الصدقة.
(162) إشارة إلى ما ذهب إليه عمر من وضعه الخراج على أرباب الزراعة والصناعة والتجارة لأهل العلم والولاة والجند، بمنزلة الزكاة المفروضة، ودوّن دواوين فيها أسماء هؤلاء وأسماء هؤلاء.
(163) راجع تفصيل هذا الأمر في كتاب الشافي للسيّد المرتضى.
(164) ربّما كان إشارة إلى ما ذهب إليه عمر من منع غير القرشيّ الزواج من القرشيّة، ومنعه العجم من التزوّج من العرب.
(165) إشارة إلى منع عمر أهل البيت خُمسَهم.
(166) يعني أخرجت منه ما زاده عليه غصباً.
(167) إشارة إلى ما نزل به جبرئيل من اللَّه تعالى بسدّ الأبواب المفضية إلى مسجد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) إلّا باب عليّ.
(168) إشارة إلى ما أجازه عمر في المسح على الخفّين، ومخالفة عائشة وابن عبّاس وعليّ وغيرهم له في هذا الصدد.
(169) يعني متعة النساء ومتعة الحجّ.
(170) لِما كبّر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) خمساً في رواية حذيفة وزيد بن أرقم وغيرهما.
(171) والجهر بالبسملة ممّا ثبت قطعاً عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) في صلاتهِ، وروى الصحابة في ذلك آثاراً صحيحة مستفيضة متظافرة.
وأخرجت من أُدخل بعد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) في مسجده ممّن كان رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) أخرجه، وأدخلت من أُخرج بعد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) ممّن كان رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) أدخله (172) ، وحملت الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنّة (173) ، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها (174) ، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها (175) ، ورددت أهل نجران إلى مواضعهم (176) ، ورددت سبايا فارس وسائر الأُمم إلى كتاب اللَّه وسنّة نبيّه (صلَّى الله عليه وآله).. إذن لتفرّقوا عنّي ) (177) .
وقد أعلن الأئمّة من آل البيت أنهم كانوا يتبعون النصوص ولا يرتضون الرأي..
فعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال لجابر: (واللَّه يا جابر لو كنّا نُفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نُفتيهم بآثارٍ من رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) وأُصول علمٍ عندنا، نتوارثها كابراً عن كابر، نَكنِزُها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم) (178) .
____________________
(172) يحتمل أن يكون المراد إشارة إلى الصحابة المخالفين الذين أُخرجوا بعد رسول اللَّه من المسجد في حين كانوا مقرّبين عند النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، وكذا إنّه (عليه السلام) يخرج من أخرجه رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله)، كالحكم بن العاص وغيره.
(173) ينظر (عليه السلام) إلى الاجتهادات المخالفة للقرآن وما قالوه في الطلاق ثلاثاً.
(174) أي من أجناسها التسعة، وهي: الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب والإبل والغنم والبقر.
(175) وذلك لمخالفتهم هذه الأحكام. وقد أوضّحنا حكم الوضوء منه في كتابنا (وضوء النبيّ) فراجع، نأمل أن نوفّق في الكتابة عن الغسل والصلاة وغيرها من الأحكام الشرعية التي أشار الإمام علي بن أبي طالب إلى التحريف والابتداع فيها إنّ شاء اللَّه تعالى.
(176) وهم الذين أجلاهم عمر عن مواطنهم.
(177) الكافي 8: 58، الروضة ح 21.
(178) بصائر الدرجات: 300 ح 4 والنص عنه، و299 ح 1.
وسأل رجلُ الإمام الصادق (عليه السلام) عن مسألةٍ فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيتَ إن كان كذا وكذا، ما يكون القول فيها؟
فقال له: (مَه! ما أجبتك فيه شيء فهو عن رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله)، لسنا من (أرأيت) في شيء) (179) .
وعن الإمام الباقر (عليه السلام): (ما أحدٌ أكذب على اللَّه وعلى رسوله ممّن كذّبنا أهلَ البيت أو كذب علينا؛ لأنّا إنّما نحدِّث عن رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) وعن اللَّه. فإذا كُذّبنا فقد كُذّب اللَّه ورسوله) (180) .
وقال: (لو أنّا حدّثنا برأينا ضللنا كما ضلّ من كان قبلنا، ولكنّا حدّثنا ببيّنة من ربّنا بيّنها لنبيّه فبيّنها لنا) (181) .
وعن أبي بصير، قال: قلت للصادق: تَرد علينا أشياءُ ليس نعرفها في كتاب اللَّه ولا سنّة، فننظر فيها؟ قال: (لا، أما إنّك إن أصبتَ لم تُؤجَر، و إن أخطأتَ كذبتَ على اللَّه عزّ وجلّ) (182) .
نعم، إنّ نهج الاجتهاد كان له دعاة وأتباع استمدّوا جذورهم من مصدر غير التعبد والتسليم، وهو أقرب إلى ما عرفوه في الجاهلية ممّا عرفوه في الإسلام، وكان لهؤلاء وجود ملحوظ أيضاً في صدر الإسلام، فقد اقترح بعض المشركين على رسول اللَّه أن يبدل بعض الأحكام الشرعية وهو (صلَّى الله عليه وآله) يقول: ( مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ) (183) .
____________________
(179) الكافي 1: 58. كتاب فضل العلم باب البدع والرأي والمقاييس ح 21.
(180) جامع أحاديث الشيعة 1: 181. باب حجيّة فتوى الأئمّة المعصومين، ح 114.
(181) بصائر الدرجات: 299 ح 2 وانظر: 301 ح 1.
(182) الكافي 1: 56. كتاب فضل العلم باب البدع والرأي ح 11.
(183) يونس: 15.
وقد أثبتنا سابقاً أنّ عمر بن الخطّاب كان من المجتهدين الأوائل الذين تعرّفوا المصلحة وهم بحضرة الرسول المصطفى، فأنكر عليه أخذَه الفداءَ من أسارى بدر (184) ، واعترض عليه (صلَّى الله عليه وآله) في صلاته على المنافق (185) ، وواجه النبيَّ بلسان حادّ في صلح الحديبية (186) ، وطالب النبيَّ أن يزداد علماً إلى علمه وأن يستفيد من مكتوبات اليهود في الشريعة (187) وقال لرسول اللَّه في مرض موته: (إنه لَيَهجُر) أو غَلَبه الوجع (188) !
المجتهدون الأوائل والأذان!
والآن لنرى موقف عمر بن الخطاب وموقف غيره من المجتهدين في الأذان، وهل لهؤلاء دور في هذا التغيير، أم تقع تبعات التحريف على اللاحقين من بني أُميّة وبني العبّاس؟ وغيرهم من المتأخّرين حسب تعبير الصنعاني (189) .
____________________
(184) شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد 11ـ 12: 12/ 82، باب نكت من كلام عمر وسيرته وأخلاقه.
(185) صحيح مسلم 4: 1865 كتاب فضائل الصحابة باب فضائل عمر ح 25 و1: 2141 كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ح 3.
(186) صحيح البخاري 4/ 381 كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة، ح 932.
(187) المصنّف لعبد الرزاق 10: 313 كتاب أهل الكتابين، باب هل يسأل أهل اليهود بشيء / ح 19213، مجمع الزوائد 1: 174 باب ليس لأحد قول مع رسول اللَّه 9.
(188) صحيح البخاري 1: 39 كتاب العلم، باب 82، ح 112، صحيح مسلم 1259 3: 1257، كتاب الوصية باب ترك الوصية...
(189) انظر: كلامه المتقدم في صفحه 23 من هذه الدراسة. قال النووي في شرحه على صحيح مسلم وبعد أن أتى بخبر عبد اللَّه بن زيد قال:... فيكون الواقع الإعلام أولاً ثمّ رأى عبد اللَّه بن زيد الأذان فشرعه النبيّ بعد ذلك إما بوحي وإما باجتهاده (صلَّى الله عليه وآله) على مذهب الجمهور في جواز
=
إنّ النّصوص السابقة أوقفتنا على وجود اتّجاه في الصحابة وموقف من الأذان يقترح على الرسول أن يتّخذ ناقوساً مثل ناقوس النصارى، أو بُوقاً مثل بوق اليهود، فيستاء رسول اللَّه من هذا ويغتمّ لاقتراحات هذا الاتجّاه من الصحابة الذين وصل الأمر بهم إلى أن يقترحوا على الرسول المصطفى إدخال بعض أحكام وأفكار شريعتي موسى أو عيسى المحرَّفتين في منهج الإسلام، وكأنّ أطروحة الإسلام غير قادرة على أن تفي بالأعباء؛ فقد رووا عن عمر أنّه قال للنبي (صلَّى الله عليه وآله) (يا رسول اللَّه، إنّي مررتُ بأخٍ لي من يهود فكتب لي جوامع من التوراة، أفلا أعرضها عليك؟ فتغيّر وجه رسول اللَّه.
فقال عمر: رضيت باللَّه ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمّد رسولاً، فسُرّي عن النبيّ، ثمّ قال (صلَّى الله عليه وآله): (والذي نفسي بيده، لو أصبح فيكم موسى فاتّبعتموه وتركتموني لضللتم، إنّكم حظّي من الأمم وأنا حظّكم من النبيّين) (190) .
فهؤلاء المجتهدون في الصدر الأوّل كانوا يتعاملون مع الأحكام وفق ما عرفوه من الشرائع السابقة، وكانوا يتصورون بأنّ الأمر بيدهم يفعلون ما يشاءون، فكانوا هم الذين اقترحوا على رسول اللَّه البوق، الناقوس (فنقسوا أو كادوا أن ينقسوا) حتّى رأى عبد الله بن زيد أو غيره في المنام....
إذاً، فكرة كون تشريع الأذان كان بـ (رؤيا) جاءت من قبل الصحابة المجتهدين، ثمّ تطوّرت حتّى وصل بها الأمر إلى ما وصل لاحقاً ، وهذا ما يجب
____________________
=
الاجتهاد الاجتهاد له (صلَّى الله عليه وآله) وليس هو عملاً بمجرد إتمام هذا ما لا يشك فيه بلا خلاف واللَّه أعلم.
(190) المصنّف لعبد الرزّاق 10: 313 رقم 19213، مجمع الزوائد 1: 174 وفيه: يا رسول اللَّه، جوامع من التوراة أخذتها مع أخٍ لي من بني زُريق، فتغيّر وجه رسول اللَّه...
الوقوف عليه في مطاوي بحوثنا..
إذ جاء عن كثير بن مرة الحضرمي أنّ رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) قال: أوّل من أذّن في السماء جبرئيل (عليه السلام)، قال: فسمعه عمر وبلال، فأقبل عمر فأخبر النبيّ بما سمع، ثمّ أقبل بلال فأخبر النبيّ بما سمع، فقال له رسول اللَّه: سبقك عمر يا بلال....
أو قول ابن عمر: إنّ بلالاً كان يقول أوّل ما أذّن: (أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، حيّ على الصلاة)، فقال له عمر: قل في أثرها (أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه)...
نعم، إنّهم رفعوا بعض الصحابة الحالمين الرائين للأذان إلى مرتبة النبوة والمعاينة الحقيقيّة حتّى قال عبد الله: (يا رسول اللَّه، إنّي لَبينَ يقظان ونائم)، وفي آخر: (لقلت: إني كنت يقظاناً غير نائم)، وبعكس ذلك نراهم يحطّون من منزلة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) عن المعاينة الحقيقية في المعراج - ( دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) - إلى مرتبة التشكيك، مستخدمين العبارة نفسها (بين النائم واليقظان)، ورووا ذلك في الصحيح!!
ففي صحيح مسلم بسنده عن قتادة، عن أنس بن مالك - لعله قال: عن مالك بن صعصعة (رجل من قومه)، قال - قال نبي اللَّه (صلَّى الله عليه وآله): بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان....
ثمّ أتيت بدابة أبيض يقال له البُراق فوق الحمار ودون البغل يقع خطوه عند أقصى طرفه، فحُمِلتُ عليه، ثمّ انطلقنا حتّى أتَينا السماء الدنيا.... ثمّ سرد قصة المعراج (191) .
____________________
(191) صحيح مسلم 1: 150، باب الإسراء من كتاب الإيمان - ح 264. وانظر: مثله في صحيح البخاري 4: 549، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة صلوات اللَّه عليهم، ح 1371.
بل في رواية شريك في حديثه عن أنس التصريح بأنّه (صلَّى الله عليه وآله) كان نائماً. قال: (وهو نائم بالمسجد الحرام) وذكر القصة الواردة ليلة الإسراء، ثمّ قال في آخرها: (استيقظت) - أي انتبهت - من منامي وأنا في المسجد الحرام (192) .
قال الصالحي الشامي: وهذا المذهب يعزى إلى معاوية بن أبي سفيان... و يُعزى أيضاً إلى عائشة (193) .
بل صرّح إمام الشافعية القاضي أبو العبّاس بن سريج بوضع هذا الحديث على عائشة فقال: هذا حديث لا يصحّ و إنّما وُضِعَ ردّاً للحديث الصحيح (194) .
ترى من هو الواضع؟
وما هو غرضه من التحريف في مقابل ما هو أصيل؟
ولماذا جَحْدُ منزلة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) ومحاولة جعل القضية مناماً عاديّاً؟
ولماذا يختص ذلك بمعاوية وعائشة؟!
وهل يكمن في ذلك إنكارٌ مُبَطَّن لرؤيا النبيّ بني أميّة - أو تيماً وعديّاً - يردون الناس عن الإسلام القهقرى؟! (195) إذ ليس في الرؤيا المناميّة كبير أمر ولا كثير طائل، و إذا كان المعراج رؤيا فلماذا لم يَرَها الآخرون كما رأى الأذان سبعة أو أربعة عشر أو عشرون شخصاً؟! لكي لا يكذّب المشركون النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) أو لكي لا يرتدّ من
____________________
(192) سبل الهدى والرشاد 3: 69 والنص عنه. وانظر: رواية شريك في صحيح البخاري 9: 824 - 826 / كتاب التوحيد / باب قوله (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) / ح 2316، وانظر: صحيح مسلم 1: 148 ح 262 / كتاب الإيمان - باب الإسراء برسول اللَّه.
(193) سبل الهدى والرشاد 3: 69.
(194) سبل الهدى والرشاد 3: 70، نقلاً عن المعارج الصغير لابن الخطاب بن دحية.
(195) الكافي 8: 343 - 345 باب رؤيا النبيّ (صلَّى الله عليه وآله).
أسلم من المسلمين؟ ألم يقولوا مثل هذا التعليل في سرّ رؤى الصحابة للأذان؟!
فهذه النصوص ترفع هؤلاء إلى السماء وتجعلهم قرب الوحي، وتحاول إنزال مقامات النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) في المعراج إلى حدّ الرؤيا العادية، فنحن لو لحظنا دور المجتهدين في الشريعة ووقفنا على اجتهادات الصحابة واقتراحاتهم على رسول اللَّه في الأذان وغيرها، وعرفنا الدواعي التي دفعت بعمر بن الخطّاب أن يرفع (حيّ على خير العمل) أو يضع (الصلاة خير من النوم) في الأذان لآمَنَّا بأن الشرارة الأولى لهذا التحريف جاءت من قبل هذا القسم من الصحابة، وأن فكرة كون الأذان رؤيا تتّفق مع فكر هذا الصنف لا المتعبّدين، وذلك لاجتهادهم وعدم تعبّدهم بالنصوص. ونظرة هؤلاء تختلف عن نظرة أهل البيت إلى الشريعة والإسراء والمعراج وغيرها.
الأمويّون والأذان
لقد تطوّرت فكرة الرؤيا وما جاء في تشريع الأذان في العهد الأموي وتأطّرت بإطارها الخاص؛ إذ لو جمعنا القرائن والشواهد لعرفنا بأن معاوية ومن بعده هم الذين تبنوا هذه الفكرة، وأنّهم كانوا قد سعوا لتثقيف الناس حسبما يريدونه، وهذا ما نلاحظه في نصوص الأذان بعد الإمام عليّ، إذ لم يشر عليّ (عليه السلام) إلى هذا التضاد في الأذان في ما رواه عن النبيّ، بل لم يردنا خبرٌ صريحٌ في تكذيب الروايات المدّعية لثبوت تشريع الأذان بالرؤيا قبل الإمام الحسن بن عليّ (عليه السلام).
فأوّل ما تطالعنا النصوص بهذا الصدد هو كلام سفيان بن الليل حينما قدم على الإمام الحسن بعد الصلح، قال: فتذاكرنا عنده الأذان فقال بعضنا: إنّما كان بدء
الأذان برؤيا عبد الله بن زيد.
فقال له الحسن بن عليّ: (إنّ شأن الأذان أعظم من ذلك، أذَّن جبرئيل..).
وهذا يرشدنا إلى تذاكر المسلمين في أمر الأذان بعد الصلح لقوله (لما كان من أمر الحسن بن عليّ ومعاوية ما كان، قدمتُ المدينة وهو جالس في أصحابه).
فبعضهم في هذا الخبر يقول: (إنّما كان بدء الأذان برؤيا عبد الله)، لكنّ الإمام الحسن صحّح رؤيتهم الخاطئة قائلاً: (إنّ شأن الأذان أعظم من ذلك).
ونحن لو واصلنا السير التاريخي وانتقلنا من خبر الإمام الحسن إلى ما جاء عن الإمام الحسين وأنه سئل عمّا يقول الناس؟ فقال (عليه السلام): (الوحي ينزل على نبيكم، وتزعمون أنّه أخذ الأذان عن عبد الله بن زيد)؛ لعرفنا استمرار هذا النزاع بين الناس وأهل البيت في كيفية نشوء وبدء تشريع الأذان.
وقد مر عليك كلام أبي العلاء سابقاً حيث قال: قلت لمحمّد بن الحنفية: إنا لنتحدث أنّ بدء الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه. قال: ففزع لذلك محمّد بن الحنفية فزعاً شديداً وقال: عمدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنّه إنّما كان رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه يحتمل الصدق والكذب وقد تكون أضغاث أحلام.
قال: فقلت: هذا الحديث قد استفاض في الناس؟
قال: هذا واللَّه هو الباطل...
فبدءُ النزاع العلني وانتشاره كان في زمن معاوية بعد صلح الإمام الحسن، وفزعُ محمّد بن الحنفية الفزع الشديد، وإخبارهم إياه باستفاضة هذا الحديث، ليدلّان على أنّ وضع تلك الأحاديث الأذانية أو بدء انتشارها كان في زمان معاوية
بن أبي سفيان، الّذي كان حسّاساً إلى درجة كبيرة من ذكر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، إذ كيف يُقرنُ اسم بشر (محمد) باسم ربّ العالمين (اللَّه)؟! (196) مع أنّ كلّ الأنبياء الذين جاءوا بشرائع سابقة لم يقرن اسم أحدهم باسم رب العزة في إعلامهم للطقوس الدينية، بل كان الناقوس والبوق والشبّور.
إذن لم يكن معنىً - بنظر معاوية - لمقارنة اسم النبيّ لاسم الربّ في السماء وفي المعراج، بل يكفي بذلك أن يكون مناماً، أو اقتراحاً من عمر، أو... وعلى ذلك فلا ضير إذن في الزيادة أو الحذف في الأذان، فلَكَ أن تحذف (حيّ على خير العمل) كما فعل عمر وتضع موضعها (الصلاة خير من النوم)، ولك أن تفرد الإقامة ولا تثنّيها (لحاجة لَهُمْ)، ولك أن تزيد النداء الثالث يوم الجمعة، ووو... إلى آخر هذه الاجتهادات، إن كان لها آخِر.
ومن هذا الباب كان معاوية أوّل من أفشى مقولة التثويب الثاني، وهي دعوة المؤذّنُ للخليفة أو الأمير - لكثرة مشاغله - إلى الصلاة بقوله (السلام على أمير المؤمنين، الصلاة الصلاة رحمك اللَّه)، وسار المغيرة بن شعبة على نهج معاوية في هذا أيضاً، بل قيل إنّه أوّل من فعل ذلك.
ولكن صرّح الأعلام بأنّ معاوية كان أوّل من أحدث هذا، وتبعه المغيرة بن شعبة ومَن حذا حذوه (197) .
فشاع الأمر واستفاض، وصار كأنّه حقيقة لا مناص عن الإذعان لها - مع أنّ الحقيقة الإسلامية هي شيء آخر - وراحت أصداء هذا الحدث الأذاني تمتد وتمتد إلى
____________________
(196) سيأتي خبر معاوية لاحقاً في صفحة 106 - 107.
(197) انظر: الوسائل إلى معرفة الأوائل، للسيوطي: 26.
العصر العباسي، ومنه وصلت إلى يومنا الحاضر.
روى عبد الصمد بن بشير، قال: ذُكر عند أبي عبد اللَّه [ الصادق ] بدء الأذان فقيل: إنّ رجلاً من الأنصار رأى في منامه الأذان، فقصه على رسول اللَّه فأمره رسول اللَّه أن يعلّمه بلالاً، فقال أبو عبد الله: (كذبوا، إنّ رسول اللَّه كان نائماً في ظلّ الكعبة فأتاه جبرئيل ومعه طاس فيه ماء من الجنَّة...) (198) .
ولو تدبرنا في هذه النصوص وما جاء في تاريخ بني أميّة لعرفنا إمكان تطابق هذه الرؤية مع ما يحملون من أفكار أكثر من غيرهم، خصوصاً بعد أن وقفنا على تاريخ النزاع وأنّه بدأ في عهدهم، وإنّك لو تتّبعّت مجريات الأحداث لعرفت تضاد بني أميّة مع رسالة الإسلام وعدم تطابق مفاهيمهم مع مفاهيم الوحي ورسول اللَّه، وأنّهم كانوا على طرفي نقيض مع بني هاشم في الجاهلية وفي الإسلام، إذ التزم بنو أميّة جانب المشركين أمام بني هاشم الذين لم يفارقوا الرسول في جاهلية ولا إسلام.
فقد قال رسول اللَّه عن بني هاشم: (أنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، و إنّما نحن وهم شيء واحد) وشبك بين أصابعه (199) . نعم كان الأمر كذلك، فرسول اللَّه كان لا يرتضيهم، وهُم لم يدخلوا الإسلام إلّا مكرهين.
____________________
(198) تفسير العيّاشي 1: 157، ح 530.
(199) سنن أبي داود 3: 146 كتاب الخراج والإمارة و..، باب في بيان مواضع قسم الخمس..، ح 2980، وانظر: سنن النسائي 7: 131 كتاب قسم الفيء.
الأمويون ورسول اللَّه
لقد صحّ عن رسول اللَّه أنّه لعن أبا سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وصفوان بن أميّة في قنوته (200) وهم من أقطاب قريش، وفيهم أبو سفيان رأس بني أميّة.
وصحّ عنه (صلّى الله عليه وأله) قوله لمّا أقبل أبو سفيان ومعه معاوية: (اللهمّ العن التابع والمتبوع) (201) .
وفي آخر: (اللهمّ العن القائد والسائق والراكب) (202) ، وكان يزيد بن أبي سفيان معهم. وقوله (صلّى الله عليه وأله) في مروان بن الحكم: (اللهمّ العن الوَزغ بن الوزغ) (203) .
فبنو أميّة بعد عجزهم عن ردّ صدور أحاديث اللعن رووا عن أبي هريرة قوله (صلّى الله عليه وأله): اللّهم إني أتّخذ عندك عهداً لن تُخلفنيه، فإنمّا أنا بشر، فأيّ المؤمنين آذيته، أو شتمته، أو لعنته أو جلدته.. فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقرّبه بها يوم القيامة (204) !
ومن المعلوم أنّ هذه الروايات لا تّتفق مع أصول الإسلام والسير التاريخي والفكري لرسول اللَّه، وما جاء به من مفاهيم، لأنّه قال: (إني لم أُبعث لعّاناً وإنّما بعثت
____________________
(200) سنن الترمذي 227 / 5 كتاب تفسير القران، باب سورة آل عمران، ح 3004. الفردوس 1: 503 / ح 2060، انظر: صحيح البخاري 5: 201 كتاب المغازي، باب 135 / ح 556، الإصابة 2: 93 ترجمة سهيل بن عمرو بن عبد شمس.
(201) وقعة صفين: 217 - 217، باب ما ورد من الأحاديث في شأن معاوية، وانظر: المحصول للرازي 2: 165 - 166.
(202) وقعة صفّين: 220.
(203) انظر: تلخيص المستدرك للذهبي 4: 479.
(204) صحيح مسلم 4: 2007 - 2008، كتاب البرّ والصلة، باب من لعنه النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) ح 2601، مسند أحمد 2: 317.
رحمة) (205) .
فهو (صلّى الله عليه وأله) لم يكن لعّاناً في سجيّته، ولم يلعن من لم يكن مستحقّاً للّعْنة، بل لعنَ جماعات وأفراداً مخصوصين يستحقّون اللعنة من اللَّه ورسوله في ضمن ملاكات الأحكام الشرعية والموازين الإلهية، ومثل هذا اللعن والسبّ والجلد لا معنى لأنْ يكون رحمة لصاحبه.
وهؤلاء القوم لم يسلموا إلّا ليحقنوا دماءهم، بعدما عجزوا عن الوقوف أمام الدعوة وطمس الإسلام، فدخلوا الإسلام لتحريف بعض المفاهيم وإبدال مفاهيم أخرى مكانها، وكان ضمن مخططهم التقليل من مكانة الرسول والتعامل معه كإنسان عاديّ يصيب ويخطئ ويسبّ ويلعن، كما كان في مخطّطهم الاستنقاص من الإمام عليّ، لأنّه كان قد وتر شوكة قريش وسعى لتحطيم سلطانهم.
فقد جاء في كتاب معاوية إلى عماله: (أن انظروا مَن قِبَلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه، فادنُوا مجالسهم وقَرِّبوهم واكرموهم، واكتبوا إليَّ بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته. فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلّا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحبّ إلي وأقرّ لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله) (206) .
نحن لو تأملنا تاريخ قريش وما فعلته مع رسول اللَّه (صلّى الله عليه وأله) في بدء الدعوة وقضايا فتح مكّة لوقفنا على خبث الأمويين واستغلالهم لرحمة رسول رب العالمين، فقد
____________________
(205) صحيح مسلم 4: 2007.
(206) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11: 44 - 45 باب ذكر ما مُني به آل البيت من الأذى والاضطهاد.
اشتهر عن النبيّ (صلّى الله عليه وأله) أنّه لما سمع قول القائل:
اليوم يوم الملحمة |
اليوم تُسبَى الحرمة |
قال له (صلّى الله عليه وأله): (لا تَقُلْ هذا، بل قل:
اليوم يوم المرحمة |
اليوم تحفظ الحرمة) (207) |
وجاء عنه قوله يوم الفتح في أعدى عدوه: (من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن) (208) ، وقوله: (اذهبوا أنتم الطلقاء) (209) ، لكن قريشاً ومع كلّ هذه الرحمة كانوا يتعاملون مع الرسالة والرسول بشكل آخر.
قال الواقدي:... وجاءت الظهر فأمر رسولُ اللَّه (صلّى الله عليه وأله) بلالاً أن يؤذّن فوق ظهر الكعبة وقريشٌ في رءوس الجبال، ومنهم من قد تَغيّب وستر وجهه خوفاً من أن يُقتلوا، ومنهم من يطلب الأمان، ومنهم من قد أمن.
فلمّا أذّن بلال وبلغ إلى قوله (أشهد أن محمّداً رسول اللَّه (صلّى الله عليه وأله)) رفع صوته كأشدّ ما يكون. فقالت جويرية بنت أبي جهل: قد لعمري (رفع لك ذِكرك). فأمّا الصلاة فسنصلّي، ولكن واللَّه لا نحبّ مَن قتل الأحبة أبداً، ولقد كان جاء أبي الذي جاء محمّداً من النبوة، فردّها، ولم يُرِدْ خلاف قومه.
وقال خالد بن سعيد بن العاص: الحمد للَّه الذي أكرم أبي
____________________
(207) انظر: المبسوط للسرخسي 10: 39.
(208) سنن أبي داود 3: 162 كتاب الخراج باب ما جاء في خبر مكّة، السنن الكبرى للبيهقي 118: 9 كتاب السير، باب فتح مكة.
(209) المبسوط للسرخسي 10: 40.
فلم يدرك هذا اليوم.
وقال الحارث بن هشام: واثكلاه، ليتني متّ قبل هذا اليوم، قبل أن أسمع بلالاً ينهق فوق الكعبة!
وقال الحكم بن أبي العاص: هذا واللَّه الحدث العظيم، أن يصيح عبد بني جُمحَ، يصيح بما يصيح به على بيت أبي طلحة.
وقال سهيل بن عمرو: إن كان هذا سخطاً من اللَّه تعالى فسيغيره، وإن كان للَّه رضا فسيقرّه.
وقال أبو سفيان: أمّا أنا فلا أقول شيئاً، لو قلت شيئاً لأخبَرَتْه هذه الحصباء، قال: فأتى جبرئيل (عليه السلام) فأخبره مقالة القوم (210) .
ولو تأملت في ما رواه لنا العبّاس في كيفية إسلام أبي سفيان لعرفت أنّه لم يسلم عن قناعة وإيمان، إذ قال العباس: غدوت به على رسول اللَّه فلما رآه قال: (ويحك يا أبا سفيان!! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلّا اللَّه؟).
قال: بلى، بأبي أنت وأمي، لو كان مع اللَّه غيره لقد أغنى عنيّ شيئاً.
فقال: (ويحك! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول اللَّه؟!)
فقال: بأبي أنت وأمي، أما هذه ففي النفس منها شيء.
قال العباس: فقلت له: ويحك! تشهد شهادة الحق قبل أن تضرب عنقك.
قال: فتشهد (211) .
____________________
(210) شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد 17: 283 عن الواقدي، وانظر: سبل الهدى والرشاد 193/5 رواه عن البيهقي.
(211) الكامل في التاريخ 2: 245.
فهنا يبدو واضحاً أن أبا سفيان كان أكثر بطئاً في قبول الشهادة الثانية من الأولى، لأنّه كان يتصوّر بأن في الثانية تحطيمَ غروره وجبروته وموقعه السياسي والاجتماعي، وذلك ما لا تعنيه كثيراً الشهادة الأولى بالنسبة له.
وقد ثبت عن أبي سفيان أنّه قال للعباس لما رأى نيران المسلمين وكثرة عددهم: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً. فقال له العباس: ويحك! إنها النبوة. فقال: نعم إذن.
وظل منظّر الفكر القرشي على هذه الوتيرة حتّى بعد وفاة النبي وخلافة الشيخين. فقد روي صاحب " قصص الأنبياء " بإسناده إلى الصدوق عن بن عباس أنه قال: (... ولقد كنّا في محفل فيه أبو سفيان وقد كُف بصره، وفينا عليّ (صلوات اللَّه عليه) فأذّن المؤذن، فلما قال: أشهد أن محمداً رسول اللَّه، قال أبو سفيان: ها هنا من يحتشم؟ قال واحد من القوم: لا. فقال: للَّه در أخي بني هاشم، انظروا أين وضع اسمه؟ فقال عليّ: اسخن اللَّه عينك يا أبا سفيان، اللَّه فعل ذلك بقوله عزّ من قائل ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) ، فقال أبو سفيان: اسخن اللَّه عين من قال لي ليس ها هنا من يحتشم) (212) .
بل إن أبا محذورة كان يستحيي من الإباحة باسم رسول اللَّه (صلّى الله عليه وأله) من أهل مكّة، إذ جاء في المبسوط للسرخسي - عند بيانه لسبب الترجيع في الأذان - قوله:... وقيل إن أبا محذورة كان مؤذّن مكّة، فلما انتهى إلى ذكر رسول اللَّه خفض صوته استحياءً من أهل مكّة؛ لأنّهم لم يعهدوا ذكر اسم رسول اللَّه (صلّى الله عليه وأله) بينهم جهراً، ففرك رسول اللَّه (صلّى الله عليه وأله) أذنَهُ وأمره أن يعود فيرفع صوته ليكون تأديباً له...) (213) .
____________________
(212) بحار الأنوار 18: 107، 31: 523 عن قصص الأنبياء.
(213) المبسوط للسرخسي 1: 128.
نعم، ظلت نظرة قريش إلى النبيّ بعد البعثة مشوبة بهذا المنطق المزعوم مستغلين عطف النبيّ ورحمته (صلّى الله عليه وأله)، قال الواقدي: فكان سهيل بن عمرو يحدث فيقول: لما دخل محمّد (صلّى الله عليه وأله) مكّة انقمعتُ فدخلتُ بيتي وأغلقته عليَّ، وقلت لابني عبد الله بن سهيل: اذهب فاطلب لي جواراً من محمّد، فإنّي لا آمن أن أقتل، وجعلتُ أتذكّر أثري عنده وعند أصحابه فلا أرى أسوأ أثراً منّي؛ فإنّي لقيته يوم الحديبية بما لم يلقه أحد به، وكنت الذي كاتبه، مع حضوري بدراً وأُحداً، وكلّما تحركّت قريش كنت فيها.
فذهب عبد الله بن سهيل إلى رسول اللَّه، فقال: يا رسول اللَّه، أبي تؤمّنه؟
قال: (نعم، هو آمن بأمان اللَّه، فليظهر)، ثمّ التفتَ إلى مَن حوله فقال: (مَن لقي سهيل بن عمرو فلا يشدنّ النظر إليه)، ثمّ قال: قل له: (فليخرج، فلعمري إنّ سهيلاً له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يُوضَعُ فيه إن لم يكن له تتابع) فخرج عبد الله إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول اللَّه (صلّى الله عليه وأله).
فقال سهيل: كان واللَّه برّاً صغيراً وكبيراً.
وكان سهيل يقبل و يدبر غير خائف، وخرج إلى خيبر مع النبيّ وهو على شركه حتّى أسلم بالجعرانة (214) .
هكذا تعامل رسول اللَّه مع المشركين والطلقاء، لكنّهم أضمروا النفاق للرسول والرسالة فانضووا تحت لوائه كي يغدروا بالإسلام، بل سعوا بكل قواهم لطمسه ودفنه.
فقد جاء عن المغيرة أنّه طلب من معاوية ترك إيذاء بني هاشم - لمّا استقرّ له الأمر - لأنّه أبقى لذكره!!... فقال معاوية للمغيرة: هيهات! هيهات! أيّ ذكر أرجو
____________________
(214) شرح نهج البلاغة 17: 284.
بقاءه؟! مَلَك أخو تيم فعدل، وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره، إلّا أن يقول قائل: أبو بكر. ثمَّ ملك أخو عديّ، فاجتهد وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره، إلّا أن يقول قائل: عمر. و إنَّ ابن أبي كبشة لَيصاح به كلّ يوم خمس مرَّات: (أشهد أنَّ محمَّداً رسول اللَّه)، فأيّ عمل يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا! لا أباً لك! لا واللَّه إلّا دفناً دفناً (215) .
وعن علي (عليه السلام) أنّه قال حين سأله بعض أصحابه من بني أسد: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟ فقال: (يا أخا بني أسد؛ إنّك لقلق الوضين ترسل في غير سدد! ولك بعد ذمامة الصهر وحق المسألة، وقد استعلمت فأعلم: أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام - ونحن الأعلون نسباً، والأشدّون برسول اللّه (صلّى الله عليه وأله) نوطاً - فإنّها كان أثَرِةٌ شحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم اللّه والمعود إليه يوم القيامة.
ودع عنك نهباً صيح في حجراته |
وهلم الخطب في ابن أبي سفيان |
فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه، ولا غرو واللّه فياله خطباً يستفرغ العجب ويكثر الأود، حاول القوم إطفاء نور اللّه من مصباحه، وسدّ فواره من ينبوعه، وجدحوا بيني وبينهم شرباً وبيئاً. فإن ترتفع عنّا وعنهم محن البلوى أحملهم من الحقّ على محضه وإن تكن الأُخرى ( فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) (216) (217) .
وجاء عن معاوية أنّه قال لما سمع المؤذّن يقول (أشهد أنَّ محمَّداً رسول اللَّه): للَّه
____________________
(215) الأخبار الموفّقيّات للزبير بن بكّار: 576 - 577؛ مروج الذهب 4: 41؛ النصائح الكافية: 123؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5: 130.
(216) فاطر: 8.
(217) نهج البلاغة 2: 63 / الخطبة 162.
أبوك يا بن عبد الله! لقد كنتَ عالي الهمَّة، ما رضيتَ لنفسك إلّا أن يُقرَنَ اسمك باسم ربِّ العالمين (218)!
ولا يستبعد هذا من معاوية وهو ابن أبي سفيان القائل: للَّه درّ أخي بني هاشم، انظروا أين وضع اسمه، والقائل: فو الذي يحلف به أبو سفيان.. لا جنَّة ولا نار (219) ، وهو الذي مرّ بقبر حمزة وضربه برجله؛ وقال: يا أبا عمارة! إنَّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا اليوم يتلعّبون به (220) !
وهو ابن هند آكلة كبد حمزة سيّد الشهداء (221) ، وهو أبو يزيد الذي هدم الكعبة (222) ، وقتل الحسين بن عليّ (223) ، وأباح المدينة لثلاثة أيّام (224)، والذي سمّى المدينة الطيّبة بـ (الخبيثة) إرغاماً لأنوف أهل بيت النبيّ (225) !
فمعاوية ومن قبله أبوه صخر كانا يتصوّران بأنّ النبيّ هو الذي أدرج اسمه في الأذان، فقال أبو سفيان: للَّه در أخي بني هاشم. انظروا أين وضع اسمه، وقال ابنه معاوية: للَّه أبوك يا بن عبد الله! لقد كنت عالي الهمَّة، ما رضيت لنفسك إلّا أن تقرن
____________________
(218) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10: 101، وفي المعمرين للسجستاني كما في النصائح الكافية: 126 سأل معاوية بن أبي سفيان يوماً أمد بن لبد المعمر: فهل رأيت محمداً. قال: من محمّد؟ قال معاوية: رسول اللَّه. قال أمد: ويحك أفلا فخّمته كما فخّمه اللَّه فقلت رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) وانظر كذلك كنز الفوائد: 261 وبحار الأنوار 33: 276.
(219) الاستيعاب 4: 1679؛ الأغاني 6: 371؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 45 والنصّ عنه.
(220) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 16: 136.
(221) أُسد الغابة 2: 47، الطبقات الكبرى 3: 12.
(222) سبل الهدى والرشاد 1: 223، مختصر تاريخ دمشق 7: 191.
(223) تاريخ الطبري 5: 400 - 467، وغيره من كتب التاريخ.
(224) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 259.
(225) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 238.
اسمك باسم ربِّ العالمين (226) ، وهل هذان القولان إلّا وجهٌ آخر للرواية التي وُضِعت وادَّعت أنّ بلالاً كان يؤذن (أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، حيّ على الصلاة)، فقال عمر: قل في إثرها (أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه)؟! وعنوا بذلك أنّ ذكر اسمه (صلّى الله عليه وأله) في الأذان لم يكن من اللَّه، بل كان باقتراحٍ فقط!!
وبعد هذا، فلا يمكن تبرير فعل معاوية والقول بأنّه تعرّف على المصلحة أو اجتهد قبال النص، بل الأمر تجاوز ذلك، ودخل في إطار تكذيب الرسالة، وتهرئة أصل من أكبر أصول الشريعة، وهو الاعتقاد بنبوة محمّد المصطفى.
ومما يحتمل في الأمر هو أنّ هذه الرؤية تجاه ذكر اسم النبي في الأذان وأمثالها، هي التي رسّخت فكرة كون الأذان مناماً، وهي التي أقلقت الرسول المصطفى حتّى جعلته لا يُرى ضاحكاً بعد رؤياه التي رأى فيها الغاصبين ينزون على منبره نزو القردة.
وليس من الصدفة في شيء الترابط الموجود بين أن يرى رسول اللَّه الشجرة الملعونة في منامه وبين أن يُسفّه الأمويون مسألة الرؤيا، و يعزون الإسراء والمعراج إلى رؤيا لا تعدو كونها مناماً!
____________________
(226) وقد استمرت هذه الرؤية عند البعض بعد معاوية، فروى المفضل بن عمر أنه سمع في مسجد الرسول صاحب ابن أبي العوجاء يقول له: إن محمداً استجاب له العقلاء وقد قرن اسمه باسم ناموسه [أي اللَّه جلَّ وعلا]..
فقال ابن أبي العوجاء: دع ذكر محمد فقد تحيّر فيه عقلي وحدّثني عن الأصل الذي جاء به... (بحار الأنوار 4: 18).
ومثل ذلك ما حكاه رشاد خليفة عن جماعة أن تكرار الشهادة الثانية (أشهد أن محمداً رسول اللَّه) بجنب الشهادة الأولى (أشهد أنْ لا إله إلّا اللَّه) يعد شركاً أكبر (انظر القرآن والحديث والإسلام: 38، 41، 43 وكتابه الآخر قران أم حديث: 20، 33).
إخماد ثورة الحسين وقتله وقتل عترة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله).
فالأذان المشرع من الوحي كان مفخرة آل النبيّ، وبياناً لارتفاع ذكره وذكر آله، لا كما قيل فيه من أنواع المختلقات.
ويؤكد ذلك أنّه لمّا قدم عليّ بن الحسين بعد قتل أبيه الحسين (عليه السلام) إلى المدينة استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيد اللَّه وقال: يا عليّ بن الحسين، مَن غَلَب؟ وذلك على سبيل الشماتة
فقال له عليّ بن الحسين: إذا أردتَ أن تعلم من غَلَب ودخل وقت الصلاة فأذِّن ثمّ أقِم (248) .
وذلك أنّ ذكر الرسول المصطفى خُلّد في الأذان والإقامة رغم نصب الناصبين وعداء المعادين، وبه خلود ذكر آل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، فيكونون هم الغالبين لا بنو أميّة ولا من غصبوا الحقوق وحرَّفوا المعالم عن سُنَنها ومجاريها.
وقد كانت نعرة البغض لرهط النبي وآله مترسّخة متجذرة في نفوس الأمويين إلى أبعد الحدود، حتّى وصلت بهم درجة الإحساس بالتعالي والتيه والكبر إلى أن يحاسبوا حتّى من يمدحهم غاية المدح فيما إذا قدّم عليهم آل الرسول، فقد افتخر ابن ميادة الشاعر بقومه بعد رهط النبي وبعد بني مروان، فقال:
فَضَلْنا قريشاً غيرَ رهطِ محمَّدِ |
وغير بني مروان أَهلِ الفضائلِ |
فقال له الخليفة الأموي الوليد بن يزيد: قدَّمْتَّ رهطَ محمّد قبلنا؟! فقال ابن ميادة: ما كنت أظنه يمكن إلّا ذاك (249) .
فها هو الشاعر يصرّح - طبقاً لضرورات الدين - بأنه لا يمكن للمسلم إلّا أن
____________________
(248) أمالي الطوسي 687 - 688، مجلس يوم الجمعة السابع من شعبان 457 ه.
(249) انظر انساب الأشراف 13: 128. وفيه أن إبراهيم بن هشام بن عبد الملك قال لابن ميادة: يا ماصَّ بظر أمّه أنت فضلت قريشاً، وجرّده فضربه مئة سوط وأقل.
يقدّم رهط النبي (صلَّى الله عليه وآله) على قومه وعلى جميع الأقوام، لكن العقلية الأموية والمروانية كانت تسعى في طمس آثار آل الرسول بكل ثقلها وجهدها.
وفي العصر العباسي، دخل الإمام عليّ الهادي (عليه السلام) يوماً على المتوكّل فقال له المتوكل: يا أبا الحسن مَن أشعر الناس؟ - وكان قد سأل قبله عليّ بن الجهم، فذكر شعراء الجاهلية وشعراء الإسلام - فلما سأل الإمامَ قال: عليّ الحماني حيث يقول:
لقد فاخَرَتْنا من قريشٍ عصابةٌ |
بمطّ خُدودٍ وامتدادِ أصابعِ |
|
فلمّا تَنازَعنا المقالَ قضى لنا |
عليهم بما نهوى نداءُ الصَّوامعِ |
قال المتوكّل: وما نداء الصوامع يا أبا الحسن؟ قال: (أشهد أن لا إله إلّا اللَّه وأنّ محمّداً رسول اللَّه) جدّي أم جدّك؟ فضحك المتوكل ثمّ قال: هو جدّك لا ندفعك عنه (250) .
تَرانا سُكوتاً والشهيدُ بفضلِنا |
تَراهُ جَهيرَ الصوتِ في كلِّ جامعِ |
|
بأنّ رسولَ اللَّهِ أحمدَ جدُّنا |
ونحن بَنوهُ كالنجومِ الطَّوالعِ (251) |
فكان الأذان وفيه اسم محمّد، المرفوع ذكره، المستتبع لرفع ذكر الأئمّة من أولاده (252) ، كان ذلك أكبر مفخرة للمسلم الحقيقي، كما كان يؤذي أعداء الإسلام الذين ارتدوا بسبب المعراج، و يؤذي من أرادوا جعل الأذان وفصوله أحلاماً واقتراحات، ويؤذي معاوية الذي أرّقه ذكر اسم (محمّد) واقترانه باسم ربّ العالمين، و يؤذي أولاد طلحة وقتلة الحسين (عليه السلام)، كما كان يؤرق المتوكّل العباسي، وكلّ رموز التحريف وأرباب الطموحات السلطويين، وكلّهم من السلك القرشي
____________________
(250) أمالي الطوسي 293.
(251) انظر: ديوان عليّ الحمّاني 81، ومناقب ابن شهرآشوب 4: 406 وفيه: (عليهم) بدل: (تراه).
(252) لأنّه (صلَّى الله عليه وآله) أمر أن لا يصلوا عليه الصلاة البتراء.
المعادي للَّه وللرسول ولعترة الرسول (صلوات اللَّه عليهم أجمعين).
القدرة الإلهيّة وفشل المخطّطات
إن قريشاً سعت للوقوف أمام الدعوة ودأبت على طمس معالم الإسلام، لكن اللَّه أبى إلّا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون: ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (253) .
وقد مرّ عليك قول معاوية بن أبي سفيان: (إلّا دفناً دفناً) في حين أن اللَّه سبحانه وتعالى يقول: ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) .
وقال السدّي في تفسير قوله: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) : كانت قريش يقولون لمن مات الذكور من أولاده: أبتر، فلمّا مات ابنه (صلَّى الله عليه وآله): القاسم، وعبد الله بمكّة، و إبراهيم بالمدينة، قالوا: بُتِرَ، فليس له من يقوم مقامه.
ثمّ إنّه تعالى بيّن أنّ عدوّه هو الموصوف بهذه الصفة، فإنّا نرى أنّ نسل أولئك الكفرة قد انقطع، ونسله (عليه الصلاة والسلام) يزداد كلّ يوم وينمو وهكذا إلى يوم القيامة (254) .
فقد أشار الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) إلى أن الكوثر: أولاده (صلَّى الله عليه وآله)، قالوا: لأنّ هذه السورة إنّما نزلت ردّاً على من عابه (عليه السلام) بعدم الأولاد، فالمعنى أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مرّ الزمان.
فانظر كم قُتل من أهل البيت، ثمّ العالَم ممتلئ منهم، ولم
____________________
(253) التوبة: 32.
(254) التفسير الكبير 32: 133.
يبقَ من بني أميّة في الدنيا أحد يُعبأ به.
ثمّ انظر كم فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) والنفس الزكيّة وأمثالهم (255) .
وكان الأمويون يحسدون آل البيت على ما آتاهم اللَّه من فضله، وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى... ) أنّها نزلت في عليّ (عليه السلام) وما خُصَّ به من العلم (256) .
وعن ابن عبّاس في قوله: ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ) قال: نحن الناس دون الناس (257) .
وعن محمّد بن جعفر في قوله: ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ) ، قال: نحن المحسودون، وعن ابن عبّاس في قوله: ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ) ، قال: نحن الناس المحسدون و(فضله) النبوة (258) .
فسبحانه جل شأنه رفع ذكرَ محمّد وآل محمّد بآيات التطهير والمودّة والمباهلة وسورة الدهر وبراءة وغيرها من السور والآيات الكثيرة، ولو تدبّر المطالع في سورة الضحى لعرف نزولها في مدح النبيّ محمّد وأنّه جلّ شأنه ذكره بثلاثة أشياء تتعلق بنبوته، منها: ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) وفي سورة ألم نشرح شرّفه بثلاثة أشياء أوّلها: ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) ، وثانيها: ( وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) ، وثالثها: ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) (259) .
____________________
(255) التفسير الكبير 32: 124.
(256) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7: 220.
(257) المعجم الكبير 11: 146، مجمع الزوائد 7: 6 والنص له.
(258) شواهد التنزيل 1: 183.
(259) التفسير الكبير 32: 118.
قال الإمام فخر الدين الرازي: جعل اللَّه تعالى أهل بيت النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) مساوين له في خمسة أشياء:
أحدها: المحبة؛ قال اللَّه تعالى: ( فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) ، وقال لأهل بيته: ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) .
و الثانية: تحريم الصدقة؛ قال (صلَّى الله عليه وآله): لا تحل الصدقة لمحمّد ولا لآل محمّد، إنّما هي أوساخ الناس.
و الثالثة: الطهارة؛ قال اللَّه تعالى: ( طَه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى ) أي يا طاهر، وقال لأهل بيته: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
و الرابعة: في السلام؛ قال: (السلام عليك أيّها النبيّ)، وقال لأهل بيته ( سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) (260) .
و الخامسة: في الصلاة على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وعلى الآل في التشهّد (261) .
وبهذا فقد عرفنا - وعلى ضوء الصفحات السابقة - بأن المجتهدين كانوا وراء فكرة الرؤيا، وأنّ رأسها الأمويون، استغلوا ما طرح في عهد الصحابة لما يريدون
____________________
(260) قرأ نافع وابن عامر ويعقوب هذه الآية بفتح الهمزة ومدّها وقطع اللام من الياء كما في آل يعقوب، (النشر في القراءات العشر 2: 360 وتحبير التيسير: 170 (وللتأكيد أقر في مصحف المدينة النبوية برواية ورش عن نافع المدني والمطبوع في المملكة العربية السعودية صفحة 407 الآية: 130 من سورة الصافّات.
(261) انظر: نقل كلام الفخر الرازي في: نظم درر السمطين 240، والصواعق المحرقة 233 - 234، وينابيع المودّة 1: 130 - 131، وجواهر العقدين 2: 166.
القول به لاحقاً.
فإنّ النصوص السابقة وضّحت لنا بأنّ الصحابة اقترحوا على رسول اللَّه بأن يتخذ ناقوساً مثل ناقوس النصارى أو بوقاً مثل قرن اليهود ورسول اللَّه لم يرضَ بذلك حتّى أُري عبد الله بن زيد أو غيره الأذان.
وجاء في كتاب " من لا يحضره الفقيه " عن الإمام (عليه السلام) أنّه قال: كان اسم النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يكرّر في الأذان، فأوّل مَن حذفه ابن أروى (262) ، وهو عثمان بن عفّان.
وهذا يتّفق مع ما قاله محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن هاشم في كتاب العلل ، وهو يذكر علل فصول الأذان حتّى يقول:
(... وقوله: (حيّ على خير العمل) أي حث على الولاية، وعلّة أنّها خير العمل أن الأعمال كلّها بها تقبل.
اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، فألقى معاوية من آخر الأذان (محمّد رسول اللَّه) فقال: أما يرضى محمّد أن يذكر في أوّل الأذان حتّى يذكر في آخره) (263) .
وقد مر عليك ما رواه عبد الرزاق عن إبراهيم من أنّ أوّل من أفرد الإقامة
____________________
(262) من لا يحضره الفقيه 1: 299، كتاب الصلاة باب الأذان والإقامة.
(263) بحار الأنوار 81: 170، عن العلل لابن هاشم، وقد علّق المجلسي على كلامه بقوله:... وكون الشهادة بالرسالة في آخر الأذان غريب، ولم أره في غير هذا الكتاب.
أقول: قد يكون المراد من الشهادة بالرسالة في آخر الأذان هو ما جاء في بعض الروايات من استحباب ذكر الرسول وجعله الوسيلة إلى اللَّه في آخر الأذان، وكلما سمع المسلم الشهادة بالنبوة في الأذان وغيره، وهذا ما حذفه معاوية. قال الشرواني في حواشيه 3: 54 (.. وصريح كلامهم أنّه لا يندب الصلاة على النبيّ بعد التكبير، لكن العادة جارية بين الناس بإتيانها بها بعد تمام التكبير، ولو قيل باستحبابها عملاً بظاهر (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) وعملاً بقولهم: إنّ معناه (لا أذكر إلّا وتذكر معي) لم يكن بعيداً) فتأمل.
معاوية، وقال مجاهد: كانت الإقامة مثنى كالأذان حتّى استخفّه بعض أمراء الجور فأفرده لحاجة لهم (264) .
وجاء في مجمع الزوائد عن عبد الرحمن بن ابن ليلى قال: كان علي بن أبي طالب إذا سمع المؤذن يؤذن قال كما يقول فإذا قال: أشهد أن لا إله إلّا اللَّه وأشهد أن محمّداً رسول اللَّه. قال علي: (أشهد أن لا إله إلّا اللَّه وأشهد أن محمّداً رسول اللَّه وأن الذين جحدوا محمّداً هم الكافرون) (265) .
بعد ذلك لا غرابة عليك في تصريح الصادق (عليه السلام) بأنّ الحكومات والنواصب منهم على وجه التحديد حرّفوا أو حاولوا تحريف الحقائق، فقد عرفنا سياسة التحريف عند الأمويين ومسخهم للحقائق وأنّ عملهم هذا يصب في المخطط الهادف إلى إبدال كلّ ما جاء من حقائق الإسلام وكلّ ما كان من فضائل الإمام عليّ وأصحاب نهج التعبد.
فقد روى القاسم بن معاوية خبراً قال فيه:
قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): هؤلاء يروون حديثاً في معراجهم أنّه لما أسري برسول اللَّه رأى على العرش مكتوباً (لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، أبو بكر الصديق).
فقال: (سبحان اللَّه، غيروا كل شيء حتّى هذا؟!)
قلت: نعم.
فقال الصادق (عليه السلام) ما ملخّصه: (إنّ اللَّه تعالى لمّا خلق العرش، والماء، والكرسي، واللوح، و إسرافيل،
____________________
(264) أبو الوفاء الأفغاني في تعليقته على كتاب الآثار 1: 107، وانظر: المصنّف لعبد الرزاق 1: 463/ 1793.
(265) مجمع الزوائد 1: 332.
وجبرائيل، والسماوات والأرضين، والجبال، والشمس، والقمر، كان يكتب على كلّ منها (لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، عليّ أمير المؤمنين)). ثمّ قال (عليه السلام): (فإذا قال أحدكم: (لا إله إلّا اللَّه محمّد رسول اللَّه)، فليقل: (عليّ أمير المؤمنين)) (266) .
فالقارئ البصير لو تدبّر في النصوص الصادرة عن الأئمة لعرف أنّ رسالتهم هي تصحيح للأفكار الخاطئة المبثوثة في الشريعة والتاريخ، و يتأكد لك مدعانا لو طبق على ما نحن فيه، من وجود تيار يحمي فكرة الرؤيا وهم النواصب وأعداء النبيّ والإمام عليّ بن أبي طالب، وهؤلاء النواصب كانوا لا يستسيغون ذكر الرسول محمّد في الأذان، أو يتصورون أنّ الشهادة الثانية من وضعه (صلَّى الله عليه وآله)، فكيف يقبل أمثال هؤلاء بشرعية شيء فيه تنويه ورفعة لمنزلة آل الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، والنواصب هم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه و يجعلون مكانها مفاهيم أخرى، وقد أشرنا سابقاً إلى بعضها، و إليك نَصَّين آخرين في هذا السياق، إذ جاء في أصل زيد النرسي، عن الإمام الكاظم بأن الصلاة خير من النوم من بدع بني أميّة (267) ، وهي توكّد ما نريد الوصول إليه من حقيقة الأذان وكيفية وقوع التحريف فيه.
فقد روى الصدوق وعليّ بن إبراهيم، عن عمر بن أُذينة، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: (يا عمر بن أُذينه، ما ترى هذه الناصبة؟)
قال: قلتُ: في ماذا؟
____________________
(266) انظر: الاحتجاج 158.
(267) أصل زيد النرسي54، وعنه في مستدرك الوسائل 4: 44 ح 4140/2.
فقال: (في أذانهم وركوعهم وسجودهم).
قال: قلت: إنّهم يقولون: إنّ أبيّ بن كعب رآه في النوم.
فقال: (كذبوا، فإنّ دين اللَّه عزّ وجلّ أعزّ من أن يُرى في النوم).
فقال سدير الصيرفي للإمام: جُعلت فداك، فأَحِدث لنا من ذلك ذِكراً (268) ، فبدأ الإمام الصادق (عليه السلام) ببيان عروج الرسول إلى السماوات السبع وذكر لهم خبر الأذان والصلاة هناك.
ولو أحببت الوقوف على ملابسات هذه الأمور أكثر فأكثر، ومعرفة دور قريش وأتباعهم من النواصب في تحريف النصوص وما يتعلق بالإمام عليّ على وجه التحديد، فتمعن فيما نقوله تحت العنوان الآتي:
من هم الثلاثة أو الأربعة؟
بعد أن وقفت على بعض تحريفات بني أميّة نوقفك الآن مع عبارة مبهمة تذكرها كتب الصحاح والسنن في خبر الإسراء، مفادها أنّ جبريل لمّا نزل بأمر الإسراء رأى ثلاثة رجال نائمين، فقال إسرافيل لجبرئيل: أيّهم هو؟ فقال: أوسطهم.
وكان النائم في الوسط هو النبيّ محمّد، فالآن نتساءل: من هما الاثنان الآخران يا ترى؟ ولماذا الإبهام في اسميهما؟
أخرج مسلم في صحيحه، وأبو عوانة في مسنده، والترمذي في سننه، وابن
____________________
(268) الكافي كتاب الصلاة باب النوادر 3: 482 - 486/ 1. وللمزيد من الاطّلاع يمكنك مراجعة خبر الإسراء في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي 3: 3 - 12. وانظر: علل الشرائع 2: 313 باب علل الوضوء والأذان والصلاة، وعنه في بحار الأنوار 18: 354.
خزيمة في صحيحه، والنصّ للأول بسنده عن قتادة، عن أنس بن مالك، لعلّه قال عن مالك بن صعصعة (رجل من قومه)، قال: قال نبيّ اللَّه: بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين... (269) .
وفي مسند أحمد، و المجتبى للنسائي، و السنن الكبرى له أيضاً، والنصّ للأوّل... عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة: أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) قال: بينا أنا عند الكعبة بين النائم واليقظان فسمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة... فأُتِيتُ بطست من ذهب.... ثمّ أُتيتُ بدابّة دون البغل وفوق الحمار، ثمّ انطلقت مع جبرئيل (عليه السلام)... الحديث (270) .
على أنّ البخاري وغيره أرجعوا هذا الخبر إلى قبل أن يبعث الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، فجاء في الصحيحين عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر: سمعت أنس بن مالك يحدّثنا عن ليلة أُسري بالنبيّ (صلَّى الله عليه وآله) من المسجد الكعبة: جاء ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في مسجد الحرام، فقال أوّلهم: أيّهم هو؟ فقال: أوسطهم هو خيرهم، وقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك، فلم يَرَهم حتّى جاءوا ليلة أخرى فيما يرى قلبه والنبيّ (صلَّى الله عليه وآله) نائمة عيناه ولا ينام قلبه... فتولّاه جبرئيل ثمّ عرج به إلى السماء (271) .
____________________
(269) صحيح مسلم 1: 104 كتاب الإيمان 1: 149 باب الإسراء برسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) إلى السماوات وفرض الصلوات ح 264، مسند أبي عوانة 1: 107، وصحيح ابن خزيمة 1: 153، كتاب الصلاة، باب بدء فرض الصلوات الخمس، تفسير القرطبي 20: 104، أسد الغابة 4:281، الديباج للسيوطي 1: 207، وانظر: جامع البيان 15: 4، وسنن الترمذي 5: 442 ح 3346، كتاب تفسير القرآن باب (من سورة ألم نشرح).
(270) مسند أحمد 4: 207، 210، سنن النسائي 1: 217، السنن الكبرى 1: 138.
(271) صحيح البخاري 5: 33 - 34 / كتاب المناقب - باب (كان النبيّ تنام عينه ولا ينام قلبه). وانظر: 9: 824، كتاب التوحيد - باب (وكلّم اللَّه موسى تكليما)، وصحيح مسلم 1: 148، كتاب الإيمان، باب (الإسراء برسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله))، وسنن البيهقي 7: 62.
وفي هذه الضبابية وهذا الإبهام نرى كتب شروح الحديث عند أهل السنّة والجماعة لا توضّح إلّا بعض الشيء عن هؤلاء، فحكى السندي في حاشيته على النسائي وضمن تفسيره لهذا الحديث.. (قالوا: هما حمزة وجعفر...) (272) .
وفي شرح مسلم باب الإسراء: روي أنّه كان نائماً معه حينئذ عمّه حمزة بن عبد المطّلب وابن عمّه جعفر بن أبي طالب (273) .
وفي فتح الباري بشرح صحيح البخاري :... فقال أوّلهم: أيهم هو، فيه إشعار بأنّه كان نائماً بين جماعة أقلّهم اثنان وقد جاء أنّه كان نائماً معه حينئذٍ حمزة بن عبد المطّلب وجعفر بن أبي طالب ابن عمّه (274) .
وقال البناء في الفتح الربّاني (275) والمباركفوري في تحفة الأحوذي (276) ، والكلام للأوّل: قال الحافظ: والمراد بالرجلين، حمزة وجعفر، وأنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) حين كان نائماً بينهما.
هكذا عرّفت كتب الشروح اسم الرجلين دون ذكر سندٍ أو رواية في ذلك، لكنّ كتب الشيعة الإماميّة والإسماعيليّة والزيديّة رَوَت بأسانيدها أسماء الذين كانوا نائمين مع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، وهم: عليّ، وحمزة، وجعفر، كانوا يحيطون به عن يمينه وشماله
____________________
=
وقال ابن حجر في فتح الباري 13: 409: (وقوله: قبل أن يُوحى إليه) أنكرها الخطّابي وابن حزم وعبد الحقّ والقاضي عياض والنووي، وعبارة النووي: وقع في رواية شريك هذه أوهام أنكرها العلماء، أحدها قوله: قبل أن يوحى إليه، وهو غلط لم يَوافَق عليه.
(272) حاشية السندي على النسائي 1: 217، كتاب الصلاة باب فرض الصلاة وذكر اختلاف الناقلين.
(273) هذا ما حكاه مهمّش تفسير القرطبي 20: 104. ولم نقف عليه في مظانّه.
(274) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13: 409 - 410، كتاب التوحيد.
(275) الفتح الربّاني 2: 248.
(276) تحفة الأحوذي 9: 193.
وتحت رِجلَيه..
روى عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول اللَّه تعالى: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ) ، قال: (روي عن رسول اللَّه أنّه قال: بينا أنا راقد بالأبطح، وعليٌّ عن يميني، وجعفر عن يساري، وحمزة بين يَدَيّ، و إذا أنا بخفق أجنحة الملائكة وقائل منهم يقول: إلى أيّهم بُعِثتَ يا جبرئيل؟ فقال: إلى هذا، وأشار إليّ. ثمّ قال: هو سيّد ولد آدم وحوّاء، وهذا وزيره ووصيّه وختنه وخليفته في أمّته، وهذا عمّه سيد الشهداء حمزة، وهذا ابن عمّه جعفر له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنّة مع الملائكة، دعه فلتنم عيناه ولتسمع أُذناه ولْيَعِ قلبه...) (277) .
وروى القاضي النعمان في شرح الأخبار عن الطبري؛ رفعه إلى حذيفة اليماني، قال: خرج إلينا رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) يوماً وهو حاملٌ الحسنَ والحسينَ (عليهما السلام) على عاتقه، فقال: (هذان خير الناس أباً وأمّاً؛ أبوهما عليّ...)، إلى أن قال: (إنّ اللَّه عزّ وجلّ اختارنا أنا وعليّاً وحمزة وجعفر يوم بعثني برسالته وكنت نائماً بالأبطح، وعليّ نائم عن يميني، وحمزة عن يساري، وجعفر عند رجلي، فما انتبهت إلّا بحفيف أجنحة الملائكة، فنظرت فإذا أربعة من الملائكة وأحدهم يقول لصاحبه: يا جبرئيل، إلى أيّ الأربعة أُرسِلتَ؟ فرفسني برِجلي وقال: إلى هذا.
قال: ومَن هذا؟!
قال: محمّد سيّد المرسلين.
قال: ومَن هذا عن يمينه؟!
قال: عليّ سيّد الوصيّين.
____________________
(277) تفسير عليّ بن إبراهيم 2: 13 تأويل الآيات 1: 269، تفسير نور الثقلين 3: 100 عنه.
قال: ومن هذا عن يساره؟!
قال: حمزة سيّد الشهداء.
قال: ومن عند رجليه؟
قال: جعفر الطيّار في الجنَّة) (278) .
وروى الشيخ الطوسي بإسناده عن إبراهيم بن صالح بن زيد بن الحسن، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (قال رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله): رقدتُ بالأبطح على ساعدي وعليٌّ عن يميني، وجعفر عن يساري، وحمزة عند رِجلي، قال: فنزل جبرئيل وميكائيل و إسرافيل، ففزعت لخفق أجنحتهم. قال: فرفعت رأسي فإذا إسرافيل يقول لجبرئيل: إلى أيّ الأربعة بُعثتَ وبُعثنا معك؟ قال: فرفس برِجله فقال: إلى هذا...) إلى آخر الرواية (279) .
وروى المرشد باللَّه يحيى بن الحسين الشجري - من الزيديّة - في الأمالي الخميسيّة بإسناده عن ابن عباس، عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) في قول اللَّه: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (فإنّا أهل بيت مُطهَّرون من الذنوب، ألا وإن اللَّه اختارني من ثلاثة من أهل بيتي على جميع أمّتي وأنّا سيّد الثلاثة، وسيّد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر.
قال أهل السدة: يا رسول اللَّه، سَمِّ لنا الثلاثة نعرفهم؟ فبسط رسول اللَّه كفَّه الطيّبة المباركة ثمّ حلق بيده، قال: (اختارني وعليّاً وحمزة وجعفراً، كنا رقوداً بالأبطح ليس منّا إلّا مسجّى بثوبه، عليّ عن يميني، وجعفر عن يساري، وحمزة عند رجلي، فما نبّهني من رقدتي غير حفيف أجنحة الملائكة وبرد ذراع عليّ تحت خدي،
____________________
(278) شرح الأخبار 1: 120: - 121 ح 46.
(279) الأمالي للطوسي: 731 مجلس يوم الجمعة الثالث والعشرين من ذي الحجّة سنة 457 ه.
فانتبهت من رقدتي، وجبرئيل في ثلاثة أملاك، فقال له بعض الأملاك الثلاثة: يا جبرئيل، إلى أيّ هؤلاء الثلاثة أُرسِلتَ؟
فحرّكني برجله وقال: إلى هذا، وهو سيّد ولد آدم.
فقال له أحد الثلاثة: ومَن هو، سمِّه؟
فقال: هذا محمّد سيّد المرسلين، وهذا عليّ خير الوصيّين، وهذا حمزة سيّد الشهداء، وهذا جعفر له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنّة حيث يشاء) (280) .
ولو حقّقنا في رجال الخبر المروي في تفسير عليّ بن إبراهيم - والذي رواه المرحوم شرف الدين الحسيني (من أعلام القرن العاشر) مسنداً في تأويل الآيات - لرأيناهم ثقات لم يرد فيهم جرح، و يؤيّده ما حكاه القاضي النعمان المصري في شرح الأخبار والطوسي والمرشد باللَّه في أماليهما، فنحن لو جمعنا هذين النصين مع ما جاء في الإمام عليّ وأنّه أحد سادات أهل الجنّة السبعة بنص رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) وأنّ مثاله كان في الجنَّة وقد رأى ذلك رسول اللَّه حينما أسري به إلى السماء، لعرفنا حقيقة أخرى كانت بنو أميّة تخفيها وتخاف نشرها وشيوعها بين الناس، بل سعت لطمسها و إبدالها بأخبار أخرى في الصحابة.
و إذا أردتَ أن تقف على جلية الأمر، فلاحِظْ أنّ هناك مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة، ومجموعة من الآيات الكريمة فسّرها الرسول الأكرم، وفيها تجد عليّاً وحمزة وجعفراً في إطار واحد لا ينفصلون، وعلى نسقٍ فريد من الكرامة فيه لا يتفرقون.
فقد أخرج الحاكم وابن ماجة بسندهما عن أنس بن مالك أنّ رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) قال: (نحن بنو عبد المطلب سادة أهل الجنّة؛ أنا وعليّ وجعفر وحمزة والحسن
____________________
(280) الأمالي الخميسية 151.
والحسين والمهدي)، ثمّ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (281) .
وقد روى ابن عساكر بسنده عن حبشي بن جنادة، أن رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله)، قال: (إنّ اللَّه اصطفى العرب من جميع الناس، واصطفى قريشاً من العرب، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني واختارني في نفر من أهل بيتي: عليّ وحمزة وجعفر والحسن والحسين) (282) .
وقد روى عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله): (خير الناس حمزة وجعفر وعليّ) (283) .
وروى الحاكم الحسكاني بسنده عن عبد الله بن عباس، في قول اللَّه تعالى: ( أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ ) (284) ، قال: نزلت في حمزة وجعفر وعليّ، وذلك أنّ اللَّه سبحانه وتعالى وعدهم في الدنيا الجنّة على لسان نبيّه (صلَّى الله عليه وآله)، فهؤلاء يلقون ما وعدهم اللَّه في الآخرة (285) .
وروى الحاكم الحسكاني أيضاً بسنده عن عبد الله بن عبّاس في قول اللَّه تعالى: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) (286) ، يعني عليّاً وحمزة وجعفراً ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) يعني حمزة وجعفراً ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ )
____________________
(281) المستدرك على الصحيحين 3: 211 والنصّ عنه، وهو في سنن ابن ماجة 2: 1368 باب خروج المهديّ ح 4087، وفيه: (نحن ولد عبد المطّلب)... ونحو الأوّل في طبقات المحدّثين بأصفهان 2: 291، وأيضاً في سبل الهدى والرشاد 11: 7.
(282) كنز العمّال 11: 756، ح 3368، عن ابن عساكر.
(283) شرح نهج البلاغة 15: 72.
(284) القصص: 61.
(285) شواهد التنزيل 1: 564، ح 601. وانظر: نهج الإيمان 514.
(286) الأحزاب: 23.
يعني عليّاً كان ينتظر أجله والوفاء للَّه بالعهد والشهادة في سبيل اللَّه، فواللَّه لقد رزق الشهادة (287) .
وبإسناده أيضاً عن زيد، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ، قلت له: أخبرني عن قوله تعالى ( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ ) (288) ، قال: (نزلت في عليّ وحمزة وجعفر) (289) .
فهؤلاء الثلاثة كانوا يحوطون النبيّ كما تحوط عينَ الناظر الهُدُبُ، وكانوا هم عماد المدافعين عنه في أوائل الدعوة الإسلاميّة، وقد أعلنوا إسلامهم بكل جرأة وتحدّ للحشود القرشية المتظافرة على الفتك برسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله)، وها قد رأيت الأحاديث النبوية الشريفة والآيات القرآنية الكريمة كيف تعدهم لئالئ في سلك ونظام واحد، فلماذا يحذف اسم (عليّ) من هذه الكوكبة؟! ما يكون ذلك إلّا من صنيع المبغضين له والأمويين ومن لفّ لفَّهم، ويكفيك هذا دليلاً دامغاً على أنّ (نهج الأذان المنامي) حاول التعتيم على الحقيقة المحمدية العلوية، وحاول القضاء على (نهج الأذان السماوي)، فلم يتمكنوا من ذلك.
وهؤلاء الثلاثة - عليّ وحمزة وجعفر - كانت فضائلهم متماسكة متناسقة حتّى سارت على السنة الشعراء، فقد قال الكميت في بائيته الرائعة:
أولاك نبيّ اللَّه منهم وجعفر |
وحمزة ليث الفَيلقَين الُمجرَّبُ |
|
هُمُ ما هُمُ وتراً وشَفعاً لقومِهم |
لفقدانهم ما يُعذَرُ المتَحَوِّبُ |
|
قتيل التَّجوبي الذي استوأرت به |
يساق به سَوقاً عنيفاً ويجنبُ |
قال شارح القصيدة: قتيل التجوبي هو عليّ بن أبي طالب، وتجوب قبيلة وهم
____________________
(287) شواهد التنزيل 2: 6، ح 628. وانظر: التبيان 5: 318، وتفسير القمّي 2: 188.
(288) الحجّ: 40.
(289) شواهد التنزيل 1: 521، ح 552.
في مراد (290) .
ولمّا هجا أحدُ الشعراء - من ولد كريز بن حبيب بن عبد شمس - محمّد بن عيسى المخزومي، أجابه شاعرٌ آخر فذكر معايب بني عبد شمس وأنهم لم يكن لهم ما يذكر في الجاهلية من أمر اللواء والندوة والسقاية والرفادة، وذكر حقدهم على النبيّ وآل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، فقال:
لا لواءٌ يُعدّ يا بن كريز |
لا ولا رِفْدُ بيتِه ذي السَّناءِ |
|
لا حجابٌ وليس فيكم سِوى الكبـ |
ـر وبُغضِ النبيِّ والشهداءِ |
|
بين حاكٍ ومُخْلجٍ وطريدٍ |
وقتيلٍ يَلْعَنْهُ أهلُ السماءِ |
|
ولهم زمزمٌ كذاك وجِبريـ |
ـلُ ومجدُ السقايةِ الغَرّاءِ |
قال ابن أبي الحديد: قال شيخنا أبو عثمان: فالشهداء عليّ وحمزة وجعفر، والحاكي والمخلج هو الحكم بن أبي العاص... والطريد اثنان: الحكم بن أبي العاص ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وهما جدّا عبد الملك بن مروان من قبل أمّه وأبيه (291) .
وعلى كلّ حال، فإن المنصف لا يرتاب في أنّ الأذان كان تشريعه سماوياً لا رؤيوياً. وكان عليّ وحمزة وجعفر محيطين بالنبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، لكن الحكومات والسياسات حذفت اسم عليّ (عليه السلام) محاوِلةً إبعاد هذه المكرمة عنه وهي أقرب إليه من حبل الوريد، وهذه ليست أوّل فعلة من فعلات المحرّفين، بل لها نظائر ونظائر إلى ما شاء اللَّه.
وما ذكرهم مثال بلال وغيره من الصحابة في خبر الإسراء والمعراج وتركهم
____________________
(290) الروضة المختارة 40.
(291) انظر: شرح نهج البلاغة 15: 198 - 199.
ذكر مثال عليّ إلّا شاهد آخر على ما حرفوا في الأذان السماوي، الذي تبناه عليّ وأولاده وأصحابه.
فقد روى مضمون ذلك جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو أمامة الباهلي، وبريده، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وسهل بن سعد الساعدي عن رسول اللَّه بنصوص متقاربة.
فأمّا ما رواه جابر - فقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهم (292) ، وأبو داود الطيالسي (293) ، وأحمد (294) في مسنديهما، وابن حبان في صحيحه (295) - والنص للبخاري - وهو:
قال رسول اللَّه: أُريتني دخلت الجنَّة، فإذا أنا بالرميضاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة فقلت: من هذا؟
قال [ جبرئيل ]: هذا بلال. قال: ورأيت قصراً بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقال: لعمر، فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك. فقال عمر: بأبي أنت وأمّي يا رسول اللَّه، أعليك أغار؟!
وفي رواية أبي أمامة التي رواها أحمد في مسنده (296) والطبراني في الكبير (297)
____________________
(292) صحيح البخاري والنصّ عنه 5: 70 ح 199، باب مناقب عمر بن الخطاب، وانظر: صحيح مسلم 4: 1908 ح 2457 باب من فضائل أمّ سليم أمّ أنس بن مالك وبلال، وانظر: صحيح مسلم 4: 1862 باب فضائل عمر بن الخطّاب ح 2394.
(293) مسند أبي داود الطيالسي 238 ح 1715 و1719، ما رواه محمد بن المنكدر عن جابر.
(294) مسند أحمد 3: 389 - 390.
(295) صحيح بن حبّان 15: 309 في ذكر قصر عمر في الجنّة، وص 559 في ذكر إيجاب الجنّة لبلال و161: 16 في ذكر أمّ حرام في الجنّة.
(296) مسند أحمد 5: 259.
(297) المعجم الكبير 8: 281 ح 7923 باختصار، مسند الروياني 2: 277.
والهيثمي في مجمع الزوائد (298) - والنصّ عن أحمد - قال: قال رسول اللَّه: دخلت الجنَّة فسمعت فيها خشفة بين يدي، فقلت: ما هذا؟ قال: بلال.
قال: فمضيت فإذا أكثر أهل الجنَّة فقراء المهاجرين (299) وذراري المسلمين ولم أرَ أحداً أقلّ من الأغنياء والنساء... ثمّ خرجنا من أحد أبواب الجنَّة الثمانية، فلمّا كنت عند الباب أتيت بكُفّة فوُضعت فيها ووُضِعت أمّتي في كفّة، فرجحتُ بها، ثمّ أتي بأبي بكر فوضع في كفّة وجيء بجميع أمّتي في كفّه فوضعوا فرجح أبو بكر، وجيء بعمر فوضع في كفّة وجيء بجميع أمّتي فوضعوا فرجح عمر، وعرضت أمّتي رجلاً رجلاً (300) فجعلوا يمرّون فاستبطأت عبد الرحمن بن عوف، ثمّ جاء بعد الأياس...
وأمّا رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه والتي أخرجها الطبراني في الكبير (301) وابن أبي شيبة في المصنّف (302) وابن حبّان في الصحيح (303) وأحمد في المسند (304) والترمذي في السنن (305) وابن خزيمة في الصحيح (306) والحاكم في المستدرك (307) - والنصّ للترمذي - فهي، قال: أصبح رسول اللَّه فدعا بلالاً، فقال: يا بلال، بم سبقتني إلى الجنَّة؟ ما دخلت الجنَّة قطّ إلّا سمعت خشخشتك أمامي.
____________________
(298) مجمع الزوائد 9: 59، 10: 262.
(299) لا يفوتك عدم ذكر الأنصار في هذا الحديث.
(300) لاحظ عدم ذكر عثمان وعليّ في هذا الحديث فقد يكون للخوارج يد في وضعه.
(301) المعجم الكبير 1: 337 - 338 ح 1012.
(302) المصنّف لابن أبي شيبة 6: 399 ح 32325.
(303) صحيح ابن حبّان 15 - 561 - 562.
(304) مسند أحمد 5: 354 و360.
(305) سنن الترمذي 5: 620 ح 3689.
(306) صحيح ابن خزيمة 2: 214 ح 1209.
(307) المستدرك على الصحيحين 1: 313 و3: 285.
وأمّا ما رواه أنس بن مالك - والذي جاء في مسند عبد بن حميد (308) - فهو: قال أنس: قال رسول اللَّه: دخلتُ الجنّة فسمعت خشفة فقلت: ما هذه؟ فقالوا: هذا بلال، ثمّ دخلت الجنّة فسمعت خشفة، فقلت: ما هذه؟ قالوا: هذه الغميضاء بنت ملحان وهي أمّ سليم أمّ أنس بن مالك.
وأمّا ما رواه أبو هريرة - والذي أخرجه البخاري (309) ومسلم (310) وابن حبّان (311) في صحاحهم، وابن عساكر في تاريخ دمشق (312) - فهو: أن النبيّ قال لبلال عند صلاة الفجر: يا بلال، حدّثني بأرجى عمل عملتَه في الإسلام فإني سمعت دفّ نعلَيك بين يدَيّ في الجنَّة، قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أنيّ لم أتطهّر طهوراً في ساعة ليل أو نهار إلّا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلّي.
وأمّا رواية سهل بن سعد ففيها: قال: قال رسول اللَّه: دخلت الجنَّة فإذا منظر آت فنظرت فإذا هو بلال (313) .
كلّ هذه النصوص ظاهرة في أنّه (صلَّى الله عليه وآله) رأى ذلك في معراجه إلى السماء، وهناك نصّان آخران يوضحان ذلك؛ فقد روى الطبراني في الكبير بإسناده عن وحشي بن حرب، عن أبيه، عن جدّه: أنّ رسول اللَّه لمّا أسري به في الجنَّة سمع خشخشة، فقال: يا جبرئيل، ما هذه الخشخة؟ قال: هذا بلال.
____________________
(308) منتخب مسند عبد بن حميد 399 ح 1346.
(309) صحيح البخاري 2: 499 كتاب التهجّد بالليل، باب فضل الطهور بالليل والنهار، ح 1074 والنصّ عنه، وج 5: 93 كتاب فضائل أصحاب النبيّ باب مناقب بلال بن أبي رباح.
(310) صحيح مسلم 4: 1910 باب من فضائل بلال ح 2458.
(311) صحيح ابن حبّان 15: 565.
(312) تاريخ دمشق 10: 453 - 454.
(313) مسند أحمد 2: 333.
قال أبو بكر: ليت أمّ بلال ولدتني وأبو بلال وأنا مثل بلال (314) رواه الطبراني ورجاله ثقات.
وفي مسند أحمد (315) ومجمع الزوائد (316) والأحاديث المختارة (317) وتفسير ابن كثير (318) عن ابن عبّاس، والنصّ لأحمد: بسنده عن ابن عبّاس، قال: ليلة أسري بنبيّ اللَّه (صلَّى الله عليه وأله) ودخل الجنَّة فسمع من جانبها وَجساً، قال: يا جبرئيل، ما هذا؟ قال: هذا بلال المؤذّن.
فهذه النصوص تشير إلى وجود مثال بلال في الجنّة وإن جدّ بعض الأعلام إلى تضعيفها (319) وحملها على كونها كانت في المنام لا اليقظة، لكنّهم بهذا التعليل أو ذاك لا يمكنهم التقليل من حجيّتها عند القائلين بها، وذلك لحجيّة رؤيا الأنبياء عند جميع المسلمين، وقد يكون ما رآه الرسول معنى آخر لتجسّم الأعمال والذي يذهب إلى القول به جماعة من المسلمين.
وبعد هذا فلا مانع من أن نذكر بعض الروايات الدالّة على وجود اسم عليّ في العرش والكرسي، والتي لا نستبعد أن تكون حكومة الأمويين وضعت الأحاديث الآنفة في مقابلها، محاولةً منهم لطمس فضائل عليّ والتقليل من أهمّيتها، وذلك طبق المنهج الذي رسموه وخططوه في ذلك كما تقدم بيانه، إذ أن حديث رجحان كفّة أبي بكر وعمر على كفّة الناس أجمعين هو تحريف للحديث الثابت عن رسول اللَّه: (ضربة
____________________
(314) المعجم الكبير 22: 137، مجمع الزوائد 9: 299.
(315) مسند أحمد 1: 257.
(316) مجمع الزوائد 9: 300.
(317) الأحاديث المختارة 9: 552.
(318) تفسير ابن كثير 3: 14.
(319) فيض القدير 3: 517، فتح الباري 3: 26 - 27، نيل الأوطار 3: 81، تحفة الأحوذي 10: 120.
عليّ يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين) (320) .
وإليك الآن بعض تلك الروايات المشيرة إلى وجود اسم الإمام عليّ على ساق العرش:
روى الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) عن عليّ (عليه السلام)، عن النبيّ (صلَّى الله عليه وأله) أنّه قال في وصية له: (يا عليّ، إنّي رأيت اسمك مقروناً باسمي في ثلاثة مواطن، فأنست بالنظر إليه، إني لمّا بلغت بيت المقدس في معراجي إلى السماء وجدت على صخرتها (لا إله إلّا اللَّه محمّد رسول اللَّه، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره).
فقلت لجبرئيل: مَن وزيري؟
قال: عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
فلما انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدتُ مكتوباً عليها: (إنّي أنا اللَّه لا إله إلّا أنا وحدي، محمّد صفوتي من خلقي، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره)، فقلت لجبرئيل: مَن وزيري؟ فقال: عليّ بن أبي طالب.
فلمّا جاوزتُ سِدرةَ المنتهى انتهيت إلى عرش ربّ العالمين جلّ جلاله، فوجدت مكتوباً على قوائمه: (إنّي أنا اللَّه لا إله إلّا أنا وحدي، صفوتي من خلقي، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره)، فقلت لجبرئيل: مَن وزيري؟ فقال: عليّ بن أبي طالب.
فلمّا رفعت رأسي نظرت على بطنان العرش مكتوباً: (إنّي أنا اللَّه لا إله إلّا أنا، محمّد حبيبي، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره) (321) .
وفي كتاب كمال الدين وتمام النعمة للصدوق بإسناده إلى وهب بن منبّه، رفعه عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللَّه لعليّ: (لمّا عرج بي ربيّ جلّ جلاله أتاني النداء: يا محمّد.
قلت: لبيّك ربَّ العظمة لبيّك، فأوحى اللَّه إليَّ: يا محمّد، فيمَ اختصم الملأ
____________________
(320) شرح المقاصد للتفتازاني 5: 298.
(321) من لا يحضره الفقيه 4: 373 - 374، وفي تاريخ دمشق 47: 344 بسنده عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال النبي (صلَّى الله عليه وآله): (لما عُرج بي رأيت على ساق العرش مكتوباً: لا إله إلّا اللَّه محمّد رسول اللَّه أيّدته بعليّ ونصرته بعليّ).
الأعلى؟
فقلت: إلهي، لا علم لي.
فقال: يا محمّد، هلّا اتَّخذت من الآدميّين وزيراً وأخاً ووصيّاً من بعدك؟
قلت: إلهي، ومَن أتّخذ؟ تخيَّرْ أنت يا إلهي. فأوحى اللَّه إليّ: يا محمّد، قد اخترتُ لك من الآدميّين عليّ بن أبي طالب.
فقلت: إلهي، ابن عمّي؟
فأوحى اللَّه إليّ: يا محمّد، إنّ عليّاً وارثك ووارث العلم من بعدك، وصاحب لوائك لواء الحمد يوم القيامة، وصاحب حوضك يسقي مَن ورد عليه من مؤمني أمّتك.
ثمّ أوحى اللَّه إليّ: يا محمّد، إنّي قد أقسمت على نفسي قسماً حقاً، لا يشرب من ذلك الحوض مُبغض لك ولأهل بيتك وذريّتك الطيّبين الطاهرين، حقّاً أقول يا محمّد: لأُدخِلنّ جميع أمّتك الجنَّة إلّا مَن أبى من خلقي، فقلت: إلهي، هل واحد يأبى من دخول الجنَّة؟
فأوحى اللَّه إلي: بلى.
فقلت: وكيف يأبى؟
فأوحى اللَّه إلي: يا محمّد، اخترتُك من خلقي، واخترتُ لك وصيّاً من بعدك، وجعلته منك بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدك، وألقيت محبّته في قلبك، فجعلته أباً لولدك، فحقّه بعدك على أمّتك كحقّك عليهم في حياتك، فمن جحد حقّه فقد جحد حقّك، ومن أبى أن يواليه فقد أبى أن يواليك، ومن أبى أن يواليك فقد أبى أن يدخل الجنّة، فخَرَرتُ للَّه ساجداً شكراً لما أنعم عليّ...) والخبر طويل اكتفينا منه
بهذا المقدار (322) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم بإسناده عن أبي بردة الأسلمي، قال: سمعت رسول اللَّه يقول لعليّ:
(يا عليّ، إنّ اللَّه أشهَدَك معي في سبع مَواطن: أمّا أوّل: ذلك فليلة أُسري بي إلى السماء، قال لي جبرئيل: أين أخوك؟
فقلت: خلّفته ورائي.
قال: ادعُ اللَّه فليأتك به، فدعوتُ اللَّه و إذا مِثالُك معي وإذا الملائكة وقوف صفوف، فقلت: يا جبرئيل، من هؤلاء؟ قال: هم الذين يباهيهم اللَّه بك يوم القيامة، فدنوت فنطقت بما كان وما يكون إلى يوم القيامة.
والثاني: حين أُسري بي من المرّة الثانية، فقال لي جبرئيل: أين أخوك؟ فقلت: خلّفته ورائي، فقال: ادعُ اللَّه فليأتك به، فدعوتُ اللَّه فإذا مثالك معي، فكُشِط لي عن سبع سماوات حتّى رأيت سُكّانها وعُمّارها وموضع كلّ ملك منها...)
إلى أن قال:
(وأمّا السادس: لمّا أُسري بي إلى السماء جمع اللَّه لي النبيّين فصلّيت بهم ومثالك خلفي) (323) .
وفي عيون أخبار الرضا، بسنده عن أمير المؤمنين، قال: قال رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وأله): (لمّا أسري بي إلى السماء أوحى إليّ ربّي جلّ جلاله فقال: يا محمّد، إنّي اطّلعتُ إلى الأرض اطّلاعةً فاخترتك منها فجعلتك نبيّاً، وشَقَقتُ لك من اسمي اسماً، فأنا المحمود وأنت محمّد.
ثمّ اطّلعت الثانية فاخترت منها عليّاً وجعلته وصيّك وخليفتك وزوج ابنتك وأبا ذريّتك، وشَقَقْتُ له أسماً من أسمائي؛ فأنا العليّ الأعلى وهو عليّ.
____________________
(322) كمال الدين وتمام النعمة 250 - 251 وانظر: تفسير نور الثقلين 4: 470.
(323) تفسير عليّ بن إبراهيم 2: 335 - 336 في تفسير سورة النجم وعنه في تفسير نور الثقلين 5: 158 سورة النجم ح 55.
وجعلت فاطمة والحسن والحسين من نوركما، ثمّ عرضت ولايتهم على الملائكة، فمَن قَبِلها كان عندي من المقرّبين...) (324) .
وفي كمال الدين وتمام النعمة ، بإسناده إلى عبد السلام بن صالح الهروي، عن عليّ بن موسى الرضا، عن آبائه، عن عليّ: عن النبيّ (صلَّى الله عليه وأله) في حديث طويل، قال فيه: (... فنظرت - وأنا بين يَدَي ربّي - إلى ساق العرش، فرأيتُ اثني عشر نوراً، في كلّ نور سطر أخضر مكتوب عليه اسم كلّ وصيّ من أوصيائي، أولهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم مهديّ أمّتي.
فقلت: يا ربّ، أهولاء أوصيائي مِن بَعدي؟ فنُوديتُ: يا محمّد، هؤلاء أوليائي وأحبّائي وأصفيائي وحجّتي بعدك على بريّتي، وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك. وعزّتي وجلالي لأظهرنّ بهم دِيني، ولأُعلينّ بهم كلمتي، ولأطهرنّ الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأملّكنّه مشارق الأرض ومغاربها، ولأسخرنّ له الرياح، ولأذللنّ له الرقاب الصِّعاب، ولأرقينّه في الأسباب، ولأنصرنّه بجندي، ولأمدنّه بملائكتي حتّى يُعلن دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي، ثمّ لأديمنّ ملكه، ولأداولنّ الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة) (325) .
وفي أصول الكافي ، بإسناده عن الإمام عليّ (عليه السلام) عن رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وأله) أنّه قال: (... فإنه لمّا أسري بي إلى السماء الدنيا فنسبني جبرئيل لأهل السماء استودع اللَّه حبّي وحبّ أهل بيتي وشيعتهم في قلوب الملائكة، فهو عندهم وديعة إلى يوم القيامة...) (326) .
وقد مر عليك خبر سدير الصيرفي وعمر بن أُذينة في الإسراء والمعراج، وقول
____________________
(324) عيون أخبار الرضا 2: 61.
(325) كمال الدين وتمام النعمة 256.
(326) الكافي 2: 46 كتاب الإيمان والكفر، باب نسبة الإسلام ح 3.
الإمام الصادق للأخير: (يا عمر، ما ترى هذه الناصبة في أذانهم وركوعهم وسجودهم؟!).
نحن جئنا بهذه النصوص كي نؤكد على صحّة ما قاله الإمام الصادق عن النواصب ودورهم في تحريف الأمور، وخصوصاً المسائل التي فيها اسم الإمام عليّ بن أبي طالب وأهل بيت الرسول، وأن تحريفاتهم لا تقتصر على مفردة أو مفردتين في التاريخ والشريعة، بل شملت جميع مراحل التشريع من الإسراء حتّى ما لا نهاية. وإنّك لو مررت بالتاريخ والحديث ودرستهما دراسة واقعية بعيداً عن التعصب لوافقتنا فيما قلناه وستقف على عشرات الروايات الدالّة على مكانة الإمام عليّ والتي سنتعرض لها في الشهادة الثالثة لاحقاً بإذن اللَّه تعالى.
نحن لا نريد التفصيل في مثل هذه الموارد، بل نذكّر القارئ الكريم بما مرّ عليه من كلام شيخ ابن أبي الحديد من أنّ الأمويّين سعوا إلى تحريف الفضائل الثابتة في عليّ وجعلها في عثمان وأبي بكر وعمر، ونحن لو تابعنا السير التاريخي لوقفنا على التحريف اللفظي والمعنوي لبني أميّة، فكما أنهم جعلوا اللعنة سمة وشرفاً للملعونين!! فقد أوّلوا كلام الرسول في معاوية (لا أشبع اللَّه بطنك) بأنّه دعا له بأنّه سيأتي يوم القيامة خميص البطن لا شيء عليه (327) .
وخير مثال على التحريف المعنوي هو ما أشاعه معاوية في واقعة صفّين عند
____________________
(327) والأغرب من هذا ما قاله ابن كثير في البداية والنهاية 8: 123، وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه.
أمّا في الدنيا فإنّه لما صار إلى الشام أميراً كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً ويقول واللَّه ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك.
وأمّا في الآخرة... فإن رسول اللَّه قال: اللهم إنما أنا بشر فإيّما عبد سببته وجلدته ودعوت عليه وليس لذلك أهلاً، فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة... وهذا الحديث فضيلة لمعاوية.
مقتل عمّار بن ياسر - لمّا تناقل الجندُ كلامَ رسول اللَّه (تقتلك الفئة الباغية) - بأن الإمام عليّ بن أبي طالب هو القاتل له؛ حيث أخرجه وزجّ به في المعركة. ولما سمع الإمام عليّ بن أبي طالب بهذه المقالة، قال ما مفاده: وعلى هذا الكلام يكون رسول اللَّه هو الذي قتل حمزة لأنّه أخرجه لحرب المشركين!
وأقبح منه ما روي أنّه قال لأهل الشام: إنّما نحن الفئة الباغية التي تبغي دم عثمان (328) !
فللأمويين تحريفات لفظية وتحريفات معنوية كثيرة، و إنّ هذه الدراسة تريد أن توضح أمثال هذه الأمور في الشريعة والتاريخ وانعكاساً على الأذان هنا.
فلا يجوز حمل بعض التحقيقات حول الأمويين وعقيدتهم في الإسراء والمعراج و... على الإسهاب والخروج عن البحث، بل ما كتبناه هو المقصود، ولولاه لما فهمنا ملابسات التشريع الذي نحن بصدد بيانها.
بلى، إنّهم لم يكونوا يحبّون آل الرسول، بل لم يحبّوا كلّ من أحبّه الرسول، بل كانوا يتعاملون مع آل الرسول بالشدة والبغض، فقد ذكر المناوي في فيض القدير، وكذا القرطبي في تفسيره واقعة دارت بين مروان بن الحكم وأسامة بن زيد.
وأسامة كان ممن يحبهم رسول اللَّه - حسب نص القرطبي وغيره - وكان الخليفة عمر بن الخطاب أعطاه خمسة آلاف درهم ولابنه عبد الله ألفي درهم، فسأل عبد الله عن سر ذلك فأجابه عمر أنّه فعل ذلك لمحبة رسول اللَّه له.
قال القرطبي: وقد قابل مروان هذا الواجب (أي محبّة مُحِبِّ رسول اللَّه) بنقيضه، وذلك أنّه مرّ بأسامة وهو يصلّي بباب بنت رسول اللَّه.
____________________
(328) الإمامة والسياسة 1: 146.
فقال مروان: إنّما أردت أن تُري الناس مكانك، فقد رأينا مكانك! فَعَل اللَّه بك وفعل، وقال قولاً قبيحاً.
وقال له أسامة: آذيتني و إنّك فاحش متفحّش، وقد سمعتُ رسول اللَّه يقول: (إنّ اللَّه يُبغض الفاحش المتفحش).
فانظر ما بين الفعلين وقِس ما بين الرجلين، فلقد آذى بنو أميّة رسول اللَّه في أحبابه وناقضوه في مَحابّه (329) .
وعليه فالذي يجب القول به هنا، هو أنّ خبر الإسراء ثابت بالكتاب، والمعراج ثابت بالسنة - وإن لم يفرّق البعض بينهما فأطلق الإسراء على كليهما تساهلاً - وهذا ما جعل المجال مفتوحاً للإجمال والتفصيل والتلاعب والتشكيك في خبر المعراج أكثر من أخبار الإسراء.
فهل يرجع إجمالهم في نقل أخبار المعراج إلى عدم وقوفهم على نقول أهل بيت الوحي والنبوة؟ أم يرجع إلى أنّهم أجملوا ذلك عن قصد وعمد؟ لعلّك عرفت جواب هذا السؤال ممّا مرّ، فأغنى ذلك عن الإطالة.
وبهذا يكون ما كتبناه هو أشارة إلى دواعي الأمويين ومن لفّ لفهم في تحريف خبر الأذان، وكيف ربطوا خبر الإسراء والمعراج بالشجرة الملعونة، مدّعين أنّها شجرة الزقوم، بل كيف ربطوها بمسائل أخرى وقضايا مصيرية في الشريعة والتاريخ، كلّ ذلك للتشكيك في مقام الرسول (صلَّى الله عليه وأله) والقول بأنّ منامه المعراجي هذا يشابه الأذان و يحتاج إلى شاهد لتثبيت صحته.
____________________
(329) تفسير القرطبي 14: 240، وعنه في فيض القدير 1: 618.
مطلبان:
لنا هنا مطلبان يتضحان بعد طرحنا هذين السؤالين:
الأوّل: هل أنّ الأذان عبارة عن الإعلام للصلاة فقط، أم هو بيان لأصول العقيدة وأركان الإسلام؟
الثاني: هل أنّ أمر الأذان توقيفيّ؟ و إذا كان توقيفيّاً، فهل هناك فرق بين توقيفية الواجبات وتوقيفية المستحبّات أم لا؟
وقبل الجواب عن السؤال الأوّل لابدّ من الإشارة إلى حقيقة هامّة في العبادات وغيرها، وهي: أنَّ الأُمور العباديّة في الشرع لها ظاهر ومغزى، فقد يمكن للإنسان أن يقف على ظاهر شيء ويؤدّيه دون أن يعرف كنهه ومغزاه والغاية القصوى منه، فالمطالع مثلاً في ما جاء عن أهل بيت النبوة يقف على أسرار في الصلاة والصيام والزكاة والحجّ وغيرها، ويتعرّف على أُمور كان لا يعرفها من ذي قبل، ولم يتنبه لها في نظرته الأُولى، من ذلك ما ذكره الصدوق في علل الشرائع ، حيث قال فيه:
إنّ نفراً من اليهود جاءوا إلى رسول اللَّه فسألوه عن مسائل وكان فيما سألوه: أخبرنا يا محمّد لأيّ علَّة تُوَضَّأُ هذه الجوارح الأربع وهي أنظف المواضع في الجسد؟
فقال النبيُّ (صلَّى الله عليه وأله): (لمّا أن وسوس الشيطان إلى آدم دنا من الشجرة ونظر إليها ذهب ماء وجهه، ثمّ قام ومشى إليها وهي أوّل قدم مشت إلى الخطيئة، ثمّ تناول بيده منها ممّا عليها فأكل فطار الحلي والحلل عن جسده، فوضع آدم يده على [ أُمِّ ] رأسه وبكى، فلمّا تاب اللَّه عليه فرض عليه وعلى ذرّيّته غسل هذه الجوارح الأربع، وأمره بغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة، وأمره بغسل اليدين إلى المرفقين لما تناول منها، وأمره بمسح الرأس لما وضع يده على أُمِّ رأسه، وأمره بمسح
القدمين لما مشى بهما إلى الخطيئة) (330) .
ومعنى هذا النصّ أنّ العبد يجب عليه تطهير أعضائه حينما يريد التوجّه إلى اللَّه، وبما أنّ الوجه واليدين فيهما الحواسّ الخمس الظاهرة التي بها يُعصى الإله كان عليه أن يغسلهما قبل الدخول إلى حضرة الإله.
أمّا الرأس والقدمان فهما عنصران آليّان يتقوّى بهما المكلّف على المعصية أو الطاعة وهما ليسا من الحواسّ الخمس، ففي الرأس القوّة المفكِّرة والخياليّة التي تبعث الفرد إلى ارتكاب المعاصي أو فعل الواجب، وبالرِّجل يسعى إليهما - الطاعة أو المعصيّة - فأمر سبحانه المسح عليهما كي ينجو من الوساوس الشيطانيّة والأغلال النفسيّة ويدخل حضيرة القدس طاهراً نقيّاً من الأدناس، ولأجل هذه الحقيقة فقد أكّدنا في كتابنا (وضوء النبيّ) على: أنَّ طهارة الوضوء هي طهارة حكميّة وليست بحقيقيّة، لأنَّ المؤمن لا يُنَجِّسُه شيء، وبالوضوء يُعرف مَن يطيع اللَّه ومن يعصيه (331) .
وبعد هذه المقدِّمة لابدّ من الإجابة عن السؤال الأوّل.
قال القاضي عياض: (اعلم أنّ الأذان كلام جامع لعقيدة الإيمان، مشتملة على نوعيه من العقليّات والسمعيّات، فأوّله إثبات الذات وما يستحقّه من الكمال [ أي الصفات الوجودية ]، والتنزيه عن أضدادها [ أي الصفات العدمية ]، وذلك بقوله (اللَّه أكبر)، وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالَّة على ما ذكرناه.
ثمّ صرّح بإثبات الوحدانيّة ونفي ضدّها من الشركة المستحيلة في حقّه
____________________
(330) علل الشرائع 1: 280 الباب 191.
(331) انظر: وضوء النبيّ المدخل 428.
سبحانه وتعالى، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد، المقدّمة على كلّ وظائف الدين.
ثمّ صرح بإثبات النبوّة والشهادة بالرسالة لنبيّنا، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانيّة وموضعها بعد التوحيد، لأنّها من باب الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدّمات من باب الواجبات، وبعد هذه القواعد كملت العقائد العقليّات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقّه سبحانه وتعالى.
ثمّ دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات، فدعا إلى الصلاة وجعلها عقب إثبات النبوّة؛ لأنَّ معرفة وجوبها من جهة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) لا من جهة العقل.
ثمّ دعا إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، وفيه إشعار بأُمور الآخرة من البعث والجزاء، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام.
ثمّ كرّر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمّن لتأكيد الإيمان وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان وليدخل المصلّي فيها على بيّنة من أمره وبصيرة من إيمانه ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعظمة حقّ مَن يعبده وجزيل ثوابه...) (332) .
وقد نقل محمّد بن علان - شارح الأذكار النوويّة - كلام القاضي عياض بشيء من التصرّف، كقوله:
ثمّ كرّر التكبير آخره إشارة إلى الاعتناء السابق، لأنَّ هذا المقام هو الأصل المبنيّ عليه جميع ما تقرّر من العقائد والقواعد، وختم ذلك بكلمة التوحيد إشارة إلى التوحيد المحض... (333) .
____________________
(332) نقله عنه النووي في المجموع 3: 75. وانظر كلام السيّد البكري في حاشية إغاثة الطالبيين 1: 229 والبخاري في شرح الكرماني 5: 4 وشرح النووي على مسلم.
(333) وهو أن (لا إله إلّا هو)، معنى آخر لقوله: ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) ، وقوله: ( إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ) .
وكان آخره اسم (اللَّه) ليطابق البداءة، إشارة إلى أنّه الأوّل والآخِر في كلّ شيء، قال القاضي: (ثمّ كرّر ذلك عند إقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها، وفي ذلك تأكيد الإيمان وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان، ليدخل المصلّي فيها على بيّنة من أمره وبصيرة من إيمانه ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعظيم حقّ مَن عبده وجزيل ثوابه على عباده (334) .
وقد علّق ابن علان على كلام القاضي عياض بقوله: (قلتُ: قال ابن حجر في شرح المشكاة: وللاعتناء بشأن هذا المقام الأكبر كرّر الدالّ عليه أربعاً إشعاراً بعظيم رفعته، وكأنّ حكمة خصوص الأربع أنَّ القصد بهذا التكرير تطهير شهود النفس بشهود ذلك عن شهواتها الناشئة عن طبائعها الأربعة الناشئة عن أخلاطها الأربعة.
وفي شرح العباب له:) وكأنَّ حكمة الأربع أنَّ الطبائع أربعة لكلٍّ منها كمال ونقص يخصّه بإزاء كلّ منها كلمة من تلك ليزيد في كمالها ويطهّر نقصها، وكذا يقال بذلك في كلّ محلّ ورد فيه التربيع) (335) .
وقال القرطبيّ وغيره: (الأذان على قلّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، لأنّه بدأ بالأكبريّة وهي تتضمّن وجود اللَّه وكماله، ثمّ ثنّى بالتوحيد ونفي الشرك، ثمّ بإثبات الرسالة لمحمّد (صلَّى الله عليه وآله).
ثمّ إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة، لأنّها لا تُعرف إلَّا من جهة الرسول.
____________________
(334) انظر: الفتوحات الربّانيّة على الأذكار النوويّة 2: 84.
(335) الفتوحات الربانية 2: 83.
ثمّ دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد.
ثمّ أعاد ما أعاد توكيداً، ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت والدعاء إلى الجماعة وإظهار شعار الإسلام) (336) .
قال ابن خزيمة: فإذا كان المرء يطمع بالشهادة بالتوحيد للَّه في الأذان وهو يرجو أن يخلّصه اللَّه من النار بالشهادة للَّه بالتوحيد في أذانه، فينبغي لكلِّ مؤمن أن يتسارع إلى هذه الفضيلة طمعاً في أن يخلّصه اللَّه من النار، خلا في منزله وفي بادية وقرية ومدينة طلباً لهذه الفضيلة) (337) .
وقال القسطلانيّ - بعد نقله خبر أبي هريرة عن النبيِّ وقوله: (إذا نُودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتّى لا يُسمَع التأذين) -: (لعظيم أمره لما اشتمل عليه من قواعد الدين وإظهار شرائع الإسلام، أوحى: لا يشهد للمؤذِّن بما سمعه إذا استشهد يوم القيامة، لأنّه داخل في الجنّ والإنس المذكور في حديث: لا يسمع مدى صوت المؤذِّن جنّ ولا إنس ولا شيء إلَّا شهد له يوم القيامة) (338) .
وأخرج عبد الرزّاق عن معمر، عن الزهريّ: أنَّ أبا بكر الصدّيق قال: الأذان شعار الإيمان (339) .
ونقل الصدوق بسنده إلى الإمام الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، قال: (كنّا جلوساً في المسجد، إذ صعد المؤذِّن المنارة، فقال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، فبكى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وبكينا لبكائه، فلمّا فرغ المؤذّن، قال: (أتدرون ما يقول
____________________
(336) فتح الباري 2: 61 كتاب أبواب الأذان، وعنه في بذل المجهود 4: 3 - 4. وعون المعبود 2: 127.
(337) صحيح ابن خزيمة 1: 208.
(338) إرشاد الساري 2: 5.
(339) مصنّف عبد الرزّاق 1: 483/ 1858.
المؤذِّن؟).
قلنا: اللَّه ورسوله ووصيّه أعلم.
فقال: (لو تعلمون ما يقول لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، فلِقوله: اللَّه أكبر، معانٍ كثيرة.
منها: أنَّ قول المؤذِّن: (اللَّه أكبر)، يقع على قِدَمِهِ، وأزليّته، وأبديّته، وعلمه، وقوّته، وقدرته، وحلمه، وكرمه، وجوده، وعطائه، وكبريائه.
فإذا قال المؤذِّن: اللَّهُ أكبر، فإنّه يقول: اللَّه الذي له الخلق والأمر، وبمشيّته كان الخَلق، ومنه كلّ شيء للخلق، وإليه يرجع الخلق، وهو الأوّل قبل كلّ شيء لم يَزَل، والآخِر بعد كلّ شيء لا يزال، والظاهر فوق كلّ شيء لا يُدرَك، والباطن دون كلّ شيء لا يُحَدّ، فهو الباقي، وكلّ شيء دونه فانٍ.
والمعنى الثاني: (اللَّه أكبر)، أي: العليم الخبير، عليم بما كان وما يكون قبل أن يكون.
والثالث: (اللَّه أكبر)، أي: القادر على كلّ شيء، يقدر على ما يشاء، القويّ لقدرته، المقتدر على خلقه، القويّ لذاته، وقدرته قائمة على الأشياء كلّها، إذا قضى أمراً فإنّما يقول له: كن فيكون.
والرابع: (اللَّه أكبر) على معنى حلمه، وكرمه، يحلم كأنّه لا يعلم، ويصفح كأنّه لا يرى، ويستر كأنّه لا يُعصى، لا يَعجَل بالعقوبة كرماً وصفحاً وحلماً.
والوجه الآخر في معنى اللَّه أكبر: أي الجواد، جزيل العطاء، كريم الفِعال.
والوجه الآخر: اللَّه أكبر فيه نفي صفته وكيفيّته، كأنّه يقول: اللَّه أجَلُّ من أن يُدرِك الواصفون قدرَ صفته، الذي هو موصوف به، وإنّما يصفه الواصفون على قدرهم لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى اللَّه عن أن يُدرِك الواصفون صفته علوّاً
كبيراً.
والوجه الآخر: اللَّه أكبر، كأنّه يقول: اللَّه أعلى وأجلّ، وهو الغنيُّ عن عباده، لا حاجة به إلى أعمال خلقه.
وأمّا قوله: (أشهد أن لا إله إلّا اللَّه): فإعلام بأنَّ الشهادة لا تجور إلَّا بمعرفة من القلب، كأنّه يقول: أعلمُ أنّه لا معبود إلَّا اللَّه (عزّ وجلّ)، وأنَّ كلّ معبود باطل سوى اللَّه (عزّ وجلّ)، وأقِرُّ بلساني بما في قلبي من العلم بأنّه لا إله إلَّا اللَّه، وأشهد أنّه لا ملجأ من اللَّه (عزّ وجلّ) إلّا إليه، ولا منجى من شرّ كلّ ذي شرّ، وفتنة كلّ ذي فتنة إلّا باللَّه.
وفي المرّة الثانية: (أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه)، معناه: أشهد أن لا هادي إلّا اللَّه، ولا دليل إلى الدين إلّا اللَّه، وأُشهِدُ اللَّه بأني أشهَدُ أن لا إله إلّا اللَّه، وأُشهد سُكَّان السماوات، وسكّان الأرضين، وما فيهنّ من الملائكة والناس أجمعين، وما فيهنّ من الجبال، والأشجار، والدوابّ، والوحوش، وكلّ رطب ويابس، بأنّي أشهد أن لا خالق إلَّا اللَّه، ولا رازق، ولا معبود، ولا ضارّ، ولا نافع، ولا قابض، ولا باسط، ولا معطي، ولا مانع، ولا ناصح، ولا كافي، ولا شافي، ولا مُقدّم، ولا مُؤخّر إلّا اللَّه، له الخلق والأمر، وبيده الخير كلّه، تبارك اللَّه ربّ العالمين.
وأمّا قوله: (أشهدُ أن محمّداً رسول اللَّه)، يقول: أشهد اللَّه أنّه لا إله إلّا هو، وأنَّ محمّداً عبده ورسولُه، ونبيُّه، وصفيُّه، ونجيبُه، أرسله إلى كافّة الناس أجمعين بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، وأشهد مَن في السماوات والأرض، من النبيّين والمرسلين، والملائكة والناس أجمعين أنَّ محمّداً سيّد الأوّلين والآخرين.
وفي المرّة الثانية: (أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه)، يقول: أشهد أن لا حاجة لأحد [ إلى أحد ] إلَّا إلى اللَّه الواحد القهّار الغنيّ عن عباده والخلائق والناس أجمعين، وأنّه
أرسل محمّداً إلى الناس بشيراً ونذيراً وداعياً إلى اللَّه بإذنه وسراجاً منيراً، فمن أنكره وجحده ولم يؤمن به أدخله اللَّه (عزّ وجلّ) نار جهنّم خالداً مُخَلَّداً، لا ينفكُّ عنها أبداً.
وأما قوله: (حيّ على الصلاة)، أي هلمّوا إلى خير أعمالكم، ودعوة ربّكم، وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم، وإطفاء ناركم التي أوقدتموها على ظهوركم، وفكاك رقابكم التي رَهَنتموها، ليكفّر اللَّه عنكم سيئاتكم، ويغفر لكم ذنوبكم، ويبدّل سيئاتكم حسنات، فإنّه مَلِكٌ كريم، ذو الفضل العظيم، وقد أذِن لنا - معاشرَ المسلمين - بالدخول في خدمته، والتقدّم إلى بين يديه.
وفي المرة الثانية: (حيّ على الصلاة)، أي قوموا إلى مناجاة ربّكم وعرض حاجاتكم على ربكم، وتوسّلوا إليه بكلامه، وتشفعوا به وأكثروا الذكر والقُنوت، والركوع والسجود، والخضوع والخشوع، وارفعوا إليه حوائجكم، فقد أذن لنا في ذلك.
وأمّا قوله: (حيّ على الفلاح)، فإنّه يقول: أَقْبِلُوا إلى بقاءٍ لا فناءَ معه، ونجاةٍ لا هلاك معها، وتعالوا إلى حياةٍ لا موت معها، وإلى نعيم لا نفاد له، وإلى مُلك لا زوال عنه، وإلى سرور لا حزن معه، وإلى أُنس لا وحشة معه، وإلى نور لا ظلمة معه، وإلى سعة لا ضيق معها، وإلى بهجة لا انقطاع لها، وإلى غِنى لا فاقة معه، وإلى صحّة لا سقم معها، [ وإلى عِزّ لا ذلّ معه ]، وإلى قوّة لا ضعف معها، وإلى كرامة يا لها من كرامة، وعَجِّلُوا إلى سرور الدنيا والعقبى، ونجاة الآخرة والأُولى.
وفي المرّة الثانية: (حيّ على الفلاح)، فإنّه يقول: سابقوا إلى ما دعوتكم إليه، وإلى جز يل الكرامة، وعظيم المِنَّة، وسنيّ النِّعمة، والفوز العظيم، ونعيم الأبد في جوار محمّد (صلَّى الله عليه وآله) في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وأمّا قوله: (اللَّهُ أكبر، اللَّهُ أكبر)، فإنّه يقول: اللَّه أعلى وأجلّ من أن يعلم أحد من خلقه ما عنده من الكرامة لعبد أجابه وأطاعه، وأطاع أمره وعبدَهُ وعرف وعيده، واشتغل به وبذكره، وأحبّه وآمن به، واطمأنَّ إليه ووثق به وخافه ورجاه، واشتاق إليه، ووافقه في حكمه وقضائه، ورضي به.
وفي المرّة الثانية: (اللَّهُ أكبر)، فإنّه يقول: اللَّه أكبر: وأعلى وأجَلُّ من أن يَعلم أحدٌ مبلغ كرامته لأوليائه وعقوبته لأعدائه، ومبلغ عفوه وغفرانه ونعمته لمن أجابه وأجاب رسوله، ومبلغ عذابه ونَكاله وهوانه لمن أنكره وجحده.
وأمّا قوله: (لا إله إلّا اللَّه)، معناه: للَّه الحجّة البالغة عليهم بالرسول والرسالة، والبيان والدعوة، وهو أجَلُّ من أن يكون لأحدٍ منهم عليه حجَّة، فَمَن أجابه فله النور والكرامة، ومَن أنكره فإنَّ اللَّهَ غنيٌّ عن العالمين، وهو أسرع الحاسبين.
ومعنى (قد قامت الصلاة) في الإقامة، أي حان وقت الزيارة والمناجاة، وقضاء الحوائج، ودرك المُنَى، والوصول إلى اللَّه (عزّ وجلّ)، وإلى كرامته وغفرانه وعفوه ورضوانه).
قال الصدوق: إنّما تَرَكَ الراوي ذِكر (حيّ على خير العمل) للتقيّة (340) ، وقد روي في خبر آخر أنَّ الصادق عليه السلام سئل عن معنى (حيّ على خير العمل) فقال: (خير العمل: الولاية).
____________________
(340) وعلّق القاضي نعمان بن محمد بن حسون (ت 363 هـ) في الإيضاح على الرواية التي ليس فيها ذكر (حي على خير العمل) بقوله: ولا أظن - واللَّه أعلم - أن ذلك ترك من الرواية إلّا لمثل ما قدمت ذكره في كتاب الطهارات من الوجوه التي من أجلها اختلفت الرواة عن أهل البيت [أي البقية، راجع دعائم الإسلام 1: 59 - 60] فإن لم يكن ذلك فقد ثبت أنه إذن بها على عهد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) توفَّاه اللَّه تعالى وأن عمر اقطعه...
وفي خبر آخر: (خير العمل: بِرُّ فاطمةَ وولدها) (341) .
قلتُ: سنفتح بإذن اللَّه ملابسات هذه الرؤية وما يتلوها عن ابن عبّاس في البابين الأوّل (حيّ على خير العمل، الشرعية والشعارية)، والثالث (أشهد أن عليّاً وليّ اللَّه بين الشرعية والابتداع) من هذه الدراسة إن شاء اللَّه تعالى. إذ لا خلاف عند جميع الفرق الشيعية إسماعيلية كانت، أم زيدية، أم إمامية اثني عشرية بجزئية الحيعلة الثالثة، وأكّد الدسوقي وغيره - كما سيأتي - على تأذين الإمام عليّ بن أبي طالب بها، فقد يكون - وكما احتمله الشيخ الصدوق - الراوي إنّما ترك ذكر (حيّ على خير العمل) للتقية وذلك للظروف التي كانت تمر بها الشيعة.
ويؤيد ما قلناه في شرعية الحيعلة الثالثة وأنّها موجودة في الأخبار المنقولة عن الإمام عليّ وابن عباس ما روي عند الزيدية عن ابن عبّاس عن عليّ بن أبي طالب قال: (سمعت رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) يقول: لما انتُهي بي إلى سدرة المنتهى)... وفيه: (حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل) (342) .
وروى الصدوق في معاني الأخبار بسنده عن عطاء، قال: كنّا عند ابن عبّاس بالطائف، أنا وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وعكرمة، فجاء المؤذِّن فقال: (اللَّهُ أكبر اللَّهُ أكبر)، واسم المؤذِّن قثم بن عبد الرحمن الثقفيّ.
فقال ابن عبّاس: أتدرون ما قال المؤذِّن؟ فسأله أبو العالية، فقال: أخبرنا بتفسيره.
قال ابن عبّاس:) إذا قال المؤذِّن: (اللَّه أكبر، اللَّهُ أكبر)، يقول: يا مَشاغيلَ
____________________
(341) معاني الأخبار 38 - 41 والنصّ عنه، والتوحيد 238 - 241 كما في مستدرك وسائل الشيعة 4: 65 - 70 ح 4187/ 1، وانظر: بيان المجلسيّ في بحار الأنوار 81: 134 - 135، وتفسيره (عليه السلام) الأذان في جامع الأخبار: 171 كما في بحار الأنوار 81: 153 - 155.
(342) انظر: الخبر بتفصيله في كتاب الاعتصام بحبل اللَّه 1: 290.
الأرض، قد وجبت الصلاة، فتفرَّغوا لها.
وإذا قال: (أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه)، يقول: يقوم يوم القيامة، ويشهد لي ما في السماوات وما في الأرض على أنّي أخبرتكم في اليوم خمس مرّات.
وإذا قال: (أشهد أنَّ محمّداً رسول اللَّه)، يقول: تقوم القيامة ومحمّد يشهد لي عليكم أنّي قد أخبرتكم بذلك في اليوم خمس مرّات، وحجّتي عند اللَّه قائمة.
وإذا قال: (حيّ على الصلاة)، يقول: دِيناً قيِّماً فأقيموه.
وإذا قال: (حيّ على الفلاح)، يقول: هَلمُّوا إلى طاعة اللَّه وخذوا سهمكم من رحمة اللَّه، يعني الجماعة.
وإذا قال العبد: (اللَّهُ أكبر، اللَّهُ أكبر)، يقول: حرّمت الأعمال.
وإذا قال: (لا إله إلَّا اللَّه)، يقول: أمانة سبع سماوات، وسبع أرضين، والجبال، والبحار وضعت على أعناقكم: إن شئتم فأقبلوا، وإن شئتم فأدبروا (343) .
وقد مرّ عليك كلام الإمام الحسين (والأذان وجه دينكم)، وقول محمّد ابن الحنفيّة: (عمدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم الدين) (344) ، وما جاء في مَن لا يحضره الفقيه بإسناده عن الفضل بن شاذان فيما ذكره من العلل عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال:
(إنّما أُمِرَ الناس بالأذان لعلل كثيرة، منها: أن يكون تذكيراً للناسي، وتنبيهاً للغافل، وتعريفاً لمن جهل الوقت واشتغل عنه؛ ويكون المؤذِّن بذلك داعياً لعبادة الخالق، ومرغِّباً فيها، ومُقِرَّاً له بالتوحيد، مجاهراً بالإيمان، معلناً بالإسلام...).
إلى أن يقول: (وجُعِل بعد التكبير الشهادتان، لأنَّ أوّل الإيمان هو التوحيد
____________________
(343) معاني الأخبار 41 كما في بحار الأنوار 81: 141 - 143 ومستدرك وسائل الشيعة 4: 71 - 72.
(344) جاء في كتاب الاعتصام بحبل اللَّه 1: 278: قال الهادي إلى الحقّ [من أئمّة الزيديّة]: والأذان من أصول الدين، وأصول الدين لا يتعلّمها رسول اللَّه على لسان بشر من العالمين.
والإقرار للَّه بالوحدانيّة، والثاني الإقرار للرسول بالرسالة، وأنَّ إطاعتهما ومعرفتهما مقرونتان، ولأنَّ أصل الإيمان إنّما هو الشهادتان، فجعل شهادتين شهادتين كما جُعِلَ في سائر الحقوق شاهدان، فإذا أقرّ العبد للَّه (عزّ وجلّ) بالوحدانيّة وأقرّ للرسول بالرسالة فقد أقرَّ بجملة الإيمان؛ لأنّ أصل الإيمان إنّما هو باللَّه وبرسوله. وإنّما جعل بعد الشهادتين الدعاء إلى الصلاة، لأنّ الأذان إنّما وضع لموضع الصلاة، وإنّما هو نداء إلى الصلاة في وسط الأذان ودعاء إلى الفلاح وإلى خير العمل، وجعل ختم الكلام باسمه كما فتح باسمه) (345) .
وفي العلل لمحمّد بن عليّ بن إبراهيم بن هاشم، قال: علّة الأذان أن تكبّر اللَّه وتعظّمه وتقرّ بتوحيد اللَّه وبالنبوّة والرسالة وتدعو إلى الصلاة وتحثّ على الزكاة، ومعنى الأذان: الإعلام، لقوله تعالى: ( وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ ) (346) ، أي: إعلام، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (كنتُ أنا الأذان في الناس بالحجّ)، وقوله: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ) (347) ، أي: أعلِمهم وادعُهم.
فمعنى (اللَّه) أنّه يخرج الشيء من حدِّ العدم إلى حدِّ الوجود ويخترع الأشياء لا من شيء، وكلّ مخلوق دونه يخترع الأشياء من شيء إلَّا اللَّه، فهذا معنى (اللَّه) وذلك فرق بينه وبين المحدَث.
ومعنى (أكبر)، أي: أكبر مِن أن يُوصَف في الأوّل، وأكبر من كلِّ شيء لمّا خلق الشيء.
ومعنى قوله: (أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه): إقرار بالتوحيد، ونفي الأنداد وخلعها،
____________________
(345) مَن لا يحضره الفقيه 1: 299/ 914، علل الشرائع: 258/ 9 الباب 182، عيون أخبار الرضا 2: 103 - 105.
(346) التوبة: 2.
(347) الحجّ: 28.
وكلّ ما يعبدون من دون اللَّه.
ومعنى (أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه): إقرار بالرسالة والنبوّة، وتعظيم لرسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله)، وذلك قول اللَّه (عزّ وجلّ): ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) (348) ، أي: تُذكَر معي إذا ذُكِرتُ.
ومعنى (حيّ على الصلاة)، أي: حثّ على الصلاة.
ومعنى (حيّ على الفلاح)، أي: حثّ على الزكاة.
وقوله: (حيّ على خير العمل)، أي: حثّ على الولاية، وعلّة أنّها خير العمل أنَّ الأعمال كلّها بها تقبل.
اللَّهُ أكبر، اللَّهُ أكبر، لا إله إلَّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، فألقى معاوية من آخر الأذان (محمّد رسول اللَّه)، فقال: أمَا يرضى محمّد أن يُذكر في أوّل الأذان حتّى يذكر في آخره؟!
ومعنى (الإقامة): هي الإجابة والوجوب، ومعنى كلماتها فهي التي ذكرناها في الأذان.
ومعنى (قد قامت الصلاة)، أي: قد وجبت الصلاة وحانت وأُقيمت. وأما العلّة فيها، فقال الصادق (عليه السلام): (إذا أذَّنتَ وصلّيتَ صلَّى خلفك صفٌّ من الملائكة، و إذا أذَّنت وأقمتَ صلَّى خلفك صفّان من الملائكة). ولا يجوز ترك الأذان إلّا في صلاة الظهر والعصر والعتمة، يجوز في هذه الثلاث الصلوات إقامة بلا أذان، والأذان أفضل، ولا تجعل ذلك عادة، ولا يجوز ترك الأذان والإقامة في صلاة المغرب وصلاة الفجر، والعلة في ذلك أنّ هاتين الصلاتين تحضرهما ملائكة الليل وملائكة النهار (349) .
____________________
(348) الانشراح: 4.
(349) بحار الأنوار 81: 169. عن كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم.
وقال الشيخ جعفر كاشف الغطاء - ضمن بيانه لحكم وفضل الأذان -: (.. ولأنّه وضع لشعائر الإسلام دون الإيمان) (350) .
فهذه النصوص تشير بوضوح إلى أنّ الأذان لم يكن إعلاماً بوقت الصلاة فقط، بل هو بيان لكلّيّات الإسلام وأصول العقيدة والعقائد الحقة.
فلو كان بياناً لوقت الصلاة خاصّة؛ لكان للشارع أن يكتفي بتشريع علامة كي تكون معلماً للوقت والمكان كما تفعله اليهود والنصارى والمجوس بالبوق والناقوس وإشعال النار وغير ذلك.
وعليه، لم يكن الأذان لإعلام وقت الصلاة خاصّة، و يؤيّد قولنا شموليّة التأذين لكثير من الأُمور الاجتماعيّة والحياتيّة، ولو سلّطنا الضوء على آثار الأذان في الشريعة لوقفنا على جواب سؤالنا.
من الثابت في الشريعة الإسلامية استحباب الأذان والإقامة لأمور حياتيّة واجتماعيّة كثيرة غير الصلاة، نذكر موارد منها:
الأذان والمولود
عن عليّ (عليه السلام): (مَن وُلِد له مولود فليؤذِّن في أُذنه اليمنى بأذان الصلاة، وليقم في
____________________
(350) كشف الغطاء، الطبعة القديمة 227 في بيان كيفيّة الأذان، وسنعلِّق في الباب الثالث (أشهد أن عليّاً ولي اللَّه بين الشرعية والابتداع) على كلامه رحمه اللَّه تعالى.
اليسرى، فإنَّ ذلك عصمة من الشيطان الرجيم والإفزاع له) (351) .
وفي سنن أبي داود بسنده عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن أبيه، قال: (رأيت رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) أذّن في أُذن الحسن بن عليّ حين ولدته فاطمة بالصلاة) (352) .
الأذان والعقم
شكا هشام بن إبراهيم إلى الرضا (عليه السلام) سقمه وأنّه لا يولد له، فأمره أن يرفع صوته بالأذان في منزله، قال: ففعلتُ ذلك، فأذهب اللَّهُ عني سقمي، وكثر ولدي (353) .
الأذان والمرض
عن جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) أنّه دخل عليه رجل من مواليه وقد وعك، فقال له (عليه السلام): (ما لي أراك متغيِّر اللون؟)، فقلتُ: جُعِلتُ فداك، وعكتُ وعكاً شديداً منذ شهر، ثمّ لم تنقلع الحمّى عنّي، وقد عالجتُ نفسي بكلّ ما وصفه لي المترفّقون فلم أنتفع بشيء من ذلك. فقال له الصادق (عليه السلام): (حلَّ أزرار قميصك، وأدخل رأسك في قميصك وأذِّن وأقِم واقرأ سورة الحمد سبع مرات).
____________________
(351) النصّ في الجعفريّات (الأشعثيّات): 32، وقريب منه في دعائم الإسلام 1: 147، وعنه في بحار الأنوار 84: 162 - 163. وانظر: وسائل الشيعة 21: 405 - 406 كتاب النكاح باب استحباب الأذان في أذن المولود.
(352) سنن أبي داود 4: 328 كتاب الأدب باب في الصبيّ يولد فيؤذّن في أذنه ح 5105، وسنن الترمذي 4: 97 كتاب الأضاحي باب الأذان في أذن المولود ح 1514، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(353) الدعوات للقطب الراونديّ: 189 - 190، وعنه في بحار الأنوار 81: 156. ومستدرك وسائل الشيعة 4: 39 كتاب الصلاة وانظر: كلام الشيخ يحيى بن سعيد في جامع الشرائع 73، والصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 292 ح 903.
قال: ففعلتُ ذلك، فكأنّما نشطتُ من عقال (354) .
وحكى العجلوني في كشف الخفاء عن الفقيه محمّد السيابا - فيما حكى عن نفسه - أنّه هبّت ريح فوقعت منه حصاة في عينه وأعياه خروجها وآلمته أشدّ الألم، وأنّه لمّا سمع المؤذّن يقول: أشهد أن محمّداً رسول اللَّه، قال ذلك، فخرجت الحصاة من فوره (355) .
الأذان وسعة الرزق
شكا رجل لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام) الفقر، فقال: (أذِّن كلَّما سمعتَ الأذان كما يُؤذّن المؤذّن) (356) .
وقال سليمان بن مقبل المدينيّ: قلتُ لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): [لأيّ] علّة يستحبّ للإنسان إذا سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذِّن، و إن كان على البول والغائط؟
فقال (عليه السلام): (لأنَّ ذلك يزيد في الرزق) (357) .
الأذان ووجع الرأس
ذكر الشيخ الطبرسيّ في عدّة السفر وعمدة الحضر: روي عن الأئمَّة: أنّه: (يكتب الأذان والإقامة لرفع وجع الرأس و يُعَلَّق عليه) (358) .
____________________
(354) طبّ الأئمّة 52، كما في بحار الأنوار 81: 75.
(355) كشف الخفاء 2: 206 - 207.
(356) بحار الأنوار 81: 174 عن الدعوات للراوندي.
(357) وسائل الشيعة 1: 315 كتاب الطهارة أبواب أحكام الخلوة، وانظر: 15: 347 - 348 عن الإمام عليّ، كتاب الجهاد أبواب جهاد النفس.
(358) مستدرك وسائل الشيعة 4: 76، مستدرك سفينة البحار 1: 65 في مادة (أذن)، الطبعة القديمة.
الأذان وسوء الخُلق
عن الصادق (عليه السلام): (إن لكلّ شيء قَرَماً، وأنَّ قَرَم الرجل اللحم، فَمَن تركه أربعين يوماً ساء خُلقه، ومَن ساء خلقه فأذِّنّوا في أُذنه اليمنى) (359) .
الأذان وطرد الشيطان
روى سليمان الجعفريّ أنّه سمع الإمام الصادق (عليه السلام)، يقول: (أذِّن في بيتك، فإنّه يطرد الشيطان، و يستحبّ من أجل الصِّبيان) (360) .
الأذان والغول
في دعائم الإسلام عن عليّ (عليه السلام) قال: (قال رسول اللَّه: إذا تَغَوّلت لكم الغِيلان (361) فأذِّنوا بالصلاة) (362) .
وعن أبي سعيد الخدريّ: قال رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله): (لا يسمع مدى صوت المؤذِّن جنّ ولا إنس ولا شيء إلَّا وشهد له يوم القيامة) (363) .
وقال الخطاب الرعيني في مواهب الجليل نقلاً عن الناشري من الشافعيّة في الإيضاح: يستحبّ الأذان لمزدَحَم الجنّ، وفي أُذُن الحزين، والصبيّ عندما يولد في اليمنى ويقيم في اليسرى، والأذان خلف المسافر والإقامة (364) .
____________________
(359) المحاسن 2: 256 كتاب المآكل ح 1808، بحار الأنوار 81: 151.
(360) الحدائق النضرة 7: 366.
(361) الغول: نوع من الجنّ يغتال الإنسان - بحار الأنوار 81: 119.
(362) دعائم الإسلام 1: 147 كما في بحار الأنوار 81: 162، ومستدرك وسائل الشيعة 4: 62.
(363) صحيح البخاري 1: 306 كتاب الأذان باب رفع الصوت بالأذان ح 575، سنن النسائي 2: 12 كتاب الأذان باب رفع الصوت بالأذان.
(364) مواهب الجليل 2: 85. وانظر فتح المعين لشرح قرة العين المطبوع في هامش إغاثة الطالبين 1: 230.
فتلخّص مما سبق ومن أقوال بعض علماء أهل السنّة والجماعة، وجميع الشيعة بفرقها الثلاث أنَّ تشريع الأذان كان في المسرى وأنَّ تشريعه لم يكن لتعيين وقت الصلاة خاصّة؛ لاكتناف هذه الشعيرة الإسلاميّة أسراراً عالية ومعاني باطنيّة عميقة ذكرنا بعضها، وستقف على غيرها لاحقاً، وستعرف بأنَّ السِّرَّ في رفع (حيّ على خير العمل) لم يكن لِما علّلوه، وكذا المقصود من جملة (الصلاة خير من النوم) لم يكن كما يفهمه عامّة الناس من العبارة، بل هناك أسرار ومسائل تكتنف هذه الفصول سنرفع الستار عنها بإذن اللَّه تعالى.
2 - توقيفيّة الأذان
وصل البحث بنا إلى طرح سؤال آخر وهو: هل الأذان توقيفيّ بمعنى لزوم إتيان فصوله كما هي، أم إنّ لنا الحق في الزيادة والنقصان حسب ما تقتضيه المصلحة وهو المعني بعدم توقيفيته كما مرّت الإشارة إليه؟ وهل هناك فرق بين الأمور التوقيفية العباديّة وغيرها، وبين الواجبات والمستحبات، أم لا؟ بل ما هو حكم الأذان، وهل توقيفيته كالقرآن لا يمكن الزيادة والنقيصة فيها؟ أم أن توقفيته هي بشكل آخر؟
من الثابت المعلوم أن الأذان توقيفيّ، وقد مرت عليك نصوص أهل بيت النبيّ الدالّة على أنّه شرّع في الإسراء والمعراج، ومثله جاء في كتب بعض أهل السنة والجماعة.
لكن من حقّنا أن نتساءل: لو كان كذلك فكيف لنا أن نتعامل مع بعض الأحاديث والنصوص المشعرة بعدم التوقيفية، وذلك لما فيها من الزيادة والنقصان، وعلى أيّ شيء تدل، هل على التخيير أم الرخصة أم على شيء آخر؟
روى أبو بصير عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: (لو أنّ موّذناً أعاد في الشهادة وفي حيّ على الصلاة أو حيّ على الفلاح المرتين والثلاث وأكثر من ذلك إذا كان إماماً يريد به جماعة القوم ليجمعهم لم يكن به بأس) (365) .
وعن أبي عبيدة الحذَّاء، قال: رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يكبّر واحدة واحدة في الأذان، فقلت له: لِمَ تكبر واحدة واحدة؟ فقال: (لا باس به إذا كنتَ مستعجلاً في الأذان) (366) .
وروى الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله عن المرأة تؤذّن للصلاة؟ فقال: (حَسَنٌ إن فعلت، وان لم تفعل أجزأها أن تكبّر وأن تشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمّداً رسول اللَّه) (367) .
وعن أبي مريم الأنصاري في الصحيح، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إقامة المرأة أن تكبّر وتشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأنّ محمّداً عبده ورسوله (صلَّى الله عليه وآله)) (368) .
وجاء في رواية البخاري ومسلم، عن عبد الله بن الحارث، قال: خَطَبنا ابنُ عبّاس في يوم ذي رزغٍ، فأمرَ المؤذّن لمّا بلغ (حيّ على الصلاة) قال قل: (الصلاة في الرحال)، فنظر بعضهم إلى بعض، فكأنّهم أنكروا، فقال: كأنّكم أنكرتم هذا، إنَّ هذا فَعَلُه مَن هو خير منّي - يعني النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) - و إنّها عزمة، و إنّي كرهت أن أُحرجكم (369) .
____________________
(365) الكافي 3: 308 ح 34 والنصّ عنه، وعنه في وسائل الشيعة 5: 428.
(366) التهذيب 2: 62 ح 216، الاستبصار 1: 307/ 1140، وسائل الشيعة 5: 425.
(367) التهذيب 58: 58 ح 202، وسائل الشيعة 5: 405.
(368) الكافي 3: 305، كتاب الصلاة باب بدء الأذان والإقامة.
(369) صحيح البخاري 1: 324 - 325، كتاب الأذان باب هل يصلّي الإمام بمَن حضر... في المطر ح 629 وقرئت منه في باب (الرخصة في المطر والعلة أن يُصلي في رحله) وفي باب (الأذان
=
وجاء عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه كان يزيد في الفجر جملة (الصلاة خير من النوم) (370) !
فعلى أي شيء تدل هذه النصوص؟ وما المعني بها؟ وكيف يمكن تطابقها مع القول بتوقيفية العبادات؟
وهل أنّ توقيفية الأذان تختلف عن غيره من الأحكام فيجوز إعادة (حيّ على الفلاح) ثلاث مرات أو أكثر في الأذان، ولا يجوز الزيادة والنقيصة في أمر عبادي آخر؟
وهل هناك فرق بين الواجب التوقيفيّ والمستحبّ التوقيفيّ؟
إن التوقيفيّ معناه هو التعبّديّ، أي التعبّد بما جاء به الشارع المقدّس دون زيادة ولا نقصان، فلو صحّ مجيء (حيّ على الفلاح) في الأذان ثلاثاً فهو شرعيّ ويحمل إما على التخيير أو الرخصة لضرورة خاصة.
ولو لم يصح الخبر فلا يعمل به، وليس هناك فرق بين التوقيفيّ في العبادات والتوقيفيّ في المعاملات، وكذا لا فرق بين التوقيفيّ في الواجبات والمستحبّات، فعلى المكلف أن يؤدّي ما سمعه وعقله على الوجه الذي أمر به الشارع فقط، ففي كمال الدين للصدوق، عن عبد الله بن سنان، قال: قال الصادق (عليه السلام): (ستصيبكم شبهة فتبقون بلا عَلَم يُرى ولا إمام هدىً، لا ينجو منها إلَّا من دعا بدعاء الغريق).
قلت: وكيف دعاء الغريق؟
____________________
=
للمسافر إذا كانوا جماعة...) عن نافع قال أذّن ابن عمر في ليلة باردة بصحبنا ثمّ قال: صلوا في رحالكم... وانظر فتح الباري لابن رجب 3: 493، صحيح مسلم 1: 485 ح 699، كتاب صلاة المسافرين وقصرها.
(370) التهذيب 2: 63 ح 222.
قال: تقول: (يا اللَّه يا رحمن يا رحيم يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك..).
فقلت: يا مقلّب القلوب والأبصار ثبّت قلبي على دينك.
فقال (عليه السلام): (إن اللَّه عزّ وجلّ مقلّب القلوب والأبصار، ولكن قُل كما أقول: يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك) (371) .
بهذا النهج يتعلم المسلم لزوم التروّي والتأنّي والحيطة والحذر في النقل وضرورة رعاية النص كما هو دون زيادة ونقصان، هذا ما علّمنا الشارع المقدّس التمسّك به.
نعم، قد يختلف توقيفي عن توقيفي آخر، وبلحاظ زاوية خاصة، بمعنى أنّ توقيفية الأذان قد تختلف عن توقيفية الزواج والطلاق، أي: أنّ توقيفية الزواج والطلاق تتعلّق بأمر كلّي لا بجزئيته، أي يجب على المطلِّق أو العاقد أن يُنشئ عقدة الزواج والطلاق في كلامه دون التعبد بصيغة واحدةٍ خاصة، فله أن يقول: (أنكحت) أو (زوّجت) أو (متّعت)، فلو أتى العاقد بأي صيغة منها صح زواجه.
وكذا الحال بالنسبة إلى الطلاق فلو قال المطلِّق: زوجتي طالق، أو فاطمة طالق، أو امرأتي التي في ركن الدار طالق - لو كانت هناك مثلاً - صح طلاقه، لأنّ المطلوب هو إنشاء علقة الزوجية في الزواج، وقصد الإبانة في الطلاق دون التعبّد بصيغة مخصوصة، وهذا بخلاف التعبد بنصوص القرآن وما شابهه، لأن الثاني يأبى التغيير والتبديل، فلا يجوز تقديم جملة من القرآن على أخرى، فلا يجوز أن تقول: (الرحيم الرحمن) بدل (الرحمن الرحيم)؛ لأن المطلوب أداء النصّ السماوي كما هو.
إذا توقيفيات الأمور تختلف بحسب تعلّق الأحكام، فتارة: تتعلّق بالحقيقة وذات الأمر، وأخرى بلزوم التعبد بالنص المعهود دون زيادة ونقيصة، وقد وضّحنا
____________________
(371) كمال الدين وتمام النعمة 2: 351 باب 43 ح 49 وعنه في بحار الأنوار 52: 148 ح 73.
قبل قليل بأنّ توقيفية الزواج والطلاق مثلاً تتعلق بالحقيقة الكلية دون التعبد بصيغة بخصوصها، بخلاف توقيفية القرآن فإنّها توقيفية بالنص فلا يجوز الزيادة والنقصان والتقديم والتأخير، ومن القبيل الأوّل الأذكار المستحبة في القنوت، فالقنوت مستحبّ يقيناً لكن لا يلحظ فيه ذكر مخصوص، فللقانت أن يقنت بما شاء من تسبيح وتحميد وشكر و...
والآن نتساءل عن توقيفية الأذان وأنّه من أي القسمين، وهل يجوز فيه الزيادة والنقيصة وتبديل كلمة بأختها أم لا؟ ولو جاز فإلى أيّ حدّ يسمح لنا الشارع بالتصرف؟ وهل أنّه من قبيل الذكر المسموح به في القنوت، أو من قبيل اختلاف صيغ التشهد وصلاة الخوف عند أهل السنة والجماعة، أم هو شيء آخر؟
نترك القارئ معنا إلى الأبواب اللاحقة كي نوقفه على حقيقة الأمر وما نريد قوله بهذا الصدد.
الخلاصة:
بعد أن بيّنّا معنى الأذان لغة واصطلاحاً، والأقوال التي قيلت في تأريخ تشريع الأذان، عرضنا أشهر الأقوال الموجودة عند أهل السنة والجماعة في بدء الأذان فكانت ستّة:
1 - تشريعه باقتراح من الصحابة وخصوصاً عمر بن الخطّاب.
2 - تشريعه بمنامات رآها بعض الصحابة. مثل أبي بكر وعمر وعبد الله بن زيد
وغيرهم.
3 - نزول الأذان تدريجياً، ثمّ إضافة عمر الشهادة بالنبوّة.
4 - الأذان وحي من اللَّه تلقّاه الرسول من جبرئيل في المعراج.
5 - إنّ عمر أوّل من سمع أذان جبرئيل في السماء ثمّ سمعه بلال.
6 - إنّ تشريع الأذان نزل به جبرئيل على آدم لمّا استوحش.
ثمّ أتينا برؤية أهل البيت في بدء الأذان، وأكّدنا اتّفاقهم على كون تشريعه كان في المعراج، ونقلنا نصوصاً عن:
1 - الإمام عليّ بن أبي طالب.
2 - الإمام الحسن بن عليّ.
3 - الإمام الحسين بن عليّ.
4 - محمّد بن عليّ بن أبي طالب (ابن الحنفية).
5 - الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين.
6 - الإمام محمّد بن عليّ الباقر.
7 - الإمام جعفر بن محمّد الصادق.
8 - الإمام عليّ بن موسى الرضا.
ثمّ ذكرنا أقوال بعض أعلام الإمامية كي نؤكّد إطباقهم على هذا الأمر وأنه مأخوذ من الوحي النازل على النبيّ دون الرؤيا.
وحيث إن القول بكونه وحياً قد ورد عند الفريقين بعكس القول بكونه مناماً الذي انفردت به أهل السنة والجماعة، ألقينا بعض الضوء على هذه الرؤية فكانت لنا وقفة مع أحاديث الرؤيا، ثمّ تحقيق في دواعي نشوء مثل هذه الفكرة عندهم، واحتملنا ارتباط هذا الأمر مع قوله تعالى ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً
لِلنَّاسِ ) المرتبط بلعن بني أميّة، موضحين هناك بعض معالم الخلاف وجذوره، مؤكدين على أن أهل البيت كانوا يشيرون في كلماتهم ومواقفهم إلى أن بني أميّة جدّوا للوقوف أمام انتشار ذكر محمّد وآله في الأذان والتشهد والخطبة، ساعين للتقليل من مكانة الإسراء والمعراج والادّعاء بأنّه كان بالروح فقط، أي أنّه كان في المنام لا في اليقظة، وذلك طمساً لذكر الرسول المستتبِع طمس ذكر مكارمه (صلَّى الله عليه وآله) وفضائله. والأنكى من ذلك أنهم أغفلوا وجود الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ضمن المضطجعين مع النبيّ عند العروج أو البعثة، وحرّفوا نصوصاً ومشاهدات أخرى كانت في المعراج وتسميتها بأسماء آخرين.
ومثله تناسيهم ذكر وجود مثاله في الجنَّة مع أنّهم ذكروا وجود أمثلة مَن هم أقلّ شأناً ومنزلة من عليّ بكثير. وقد قلنا بأن فكرة الرؤيا استحكمت عند القوم بعد صلح الإمام الحسن مع معاوية لقول سفيان بن الليل: فتذاكرنا عنده، فقال بعضنا: إنّما كان الأذان برؤيا عبد اللَّه بن زيد، فقال له الحسن بن عليّ: (أنّ شأن الأذان أعظم من ذلك، أذّن جبرئيل...).
ثمّ ذكرنا ما حكي عن الإمام الحسين وأنّه سئل عما يقول الناس فقال (عليه السلام): (الوحي ينزل على نبيكم وتزعمون أنّه أخذ الأذان عن عبد اللَّه بن زيد).
وما نقل عن محمّد بن الحنفية أنّه فزع لمّا سمع ما يُقال عن تشريع الأذان بالرؤيا وقوله: وعمدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنّه كان رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه يحتمل الصدق والكذب وقد تكون أضغاث أحلام.
قال [ الراوي ]: فقلت: هذا الحديث قد استفاض في الناس؟
قال: هذا واللَّه هو الباطل.
ثمّ نقلنا بعد ذلك كلمات الإمام عليّ والزهراء والحسن والحسين وعليّ بن الحسين وزينب، المصرّح أو الملوّح فيها ببني أميّة ومن قبلهم ممن كانوا قد تصدوا للخلافة!
ثمّ ركّزنا على خطبة الإمام السجاد في الشام فذكرنا قسماً منها إلى أن أذّن المؤذّن فقال: (أشهد أن محمّداً رسول اللَّه) فالتفت عليّ بن الحسين من أعلى المنبر إلى يزيد وقال: (يا يزيد، محمّدٌ هذا جدي أم جدك، فإن زعمت أنّه جدك فقد كذبت، و إن قلت إنّه جدي فلم قتلت عترته) . ولاحظنا سير محاولة الطمس وامتدادها إلى العصر العباسيّ من جانب الحكومات، وفي مقابلها حرص أئمّة أهل البيت على إتمام النور ورفع الذكر والافتخار باسم محمّد المرفوع في الأذان.
وأخيراً أشرنا إلى مطلبين آخرين:
أحدهما: أنّ الأذان ليس إعلاماً محضاً للصلاة، بل له أكثر من واقع في الحياة الإسلامية، إذ تنطوي ألفاظه على معاني الإسلام وأصول العقيدة من التوحيد والنبوة والإمامة - بنظر الإمامية - ثمّ ذكرنا الأذان وآثاره في الحياة الاجتماعية.
ثانيهما: توقيفية الأذان..! وقد تركنا القارئ دون جواب متكامل هنا، وذلك لأنّ هذا المطلب يحتاج إلى مقدمات ومزيد بيان للملابسات وما زيد في الأذان وما نقص منه، فلابّد من مسايرة البحث للوقوف على الحقيقة. والآن مع أوّل باب من هذه الدراسة:
البابُ الأَوَّل:
حيَّ عَلى خَيْرِ العَمَلِ
الشرعية والشعارية
إنّها جزء على عهد رسول اللَّه
تأذين الصحابة وأهل البيت بها
رفع الخليفة الثاني لها
بيان لمعنى الحيعلة وسبب حذفها
تاريخ المسألة والصراعات فيها
ويقع الكلام في هذا الباب في أربعة فصول:
الفصل الأوّل: الكلام في شرعيّة حيَّ على خير العمل، وأنّها كانت جزءاً على عهد رسول اللَّه(صلَّى الله عليه وآله).
الفصل الثاني: في تحديد زمن حذف هذه الحَيعَلة، وامتناع بلال عن التأذين.
الفصل الثالث: في بيان معنى "حيّ على خير العمل" ، والأسباب التي دَعَتِ عمر بن الخطاب إلى حَذْفِها من الأذان.
الفصل الرّابع: بيان تاريخ المسألة وكيف صارت شعاراً لنهج التعبّد المحض، وحذفُها شعاراً سياسيّاً لخصومهم في العصور المتأخّرة بعد ثبوت شرعيّتها على عهد رسول اللَّه(صلَّى الله عليه وآله).
الفصل الأوّل:
في جزئية حيَّ على خير العمل
ويتلّخص الكلام فيه في ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: بيان اتّفاق الفريقين على أصل شرعيّة " حيَّ على خير العمل " وانفراد أهل السنة والجماعة بدعوى النَّسخ فيها من بعد.
القسم الثاني: أسماء من أذّن بـ " حيَّ على خير العمل " من الصَّحابة والتّابعين وأهل البيت.
القسم الثالث: إجماع العترة.
من الثابت المسلّم الذي لا يقبل الشكّ هو ثبوت جزئيّة (حيَّ على خير العمل) في الأذان على عهد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّها مضافاً إلى وجودها في روايات الإمامية الاثني عشرية وفي روايات الزيّدية والإسماعيليّة، رواها أهل السنة والجماعة بطرقهم، وأنّ بلالاً كان يؤذّن بها في الصبح خاصّة، بل كان جمّ غفير من الصحابة يؤذّنون بها.
وحكي عن بعض أئمّة المذاهب الأربعة أنّهم قالوا بالتأذين بها، لكنّ عامّتهم ادّعوا أنّ رسول اللَّه أمر بلالاً بحذفها من الأذان ووضع مكانها جملة (الصلاة خير من النوم).
من هذا يتبيّن أنّهم لا ينكرون شرعيّتها في مبدأ الأمر، لكنّهم يقولون بنسخها، فما هو الناسخ إذاً؟ ولِمَ تُنسخُ هذه الجملة بالخُصوص من الأذان؟
للإجابة عن هذا السؤال لابدّ من ملاحظة أنّ أهل السنّة والجماعة انقسموا - في هذه المسألة - إلى فريقين؛ فمنهم من قال إنّ الناسخ هو قول رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) لبلال: (اجعل مكانها: الصلاة خير من النوم) (372) ، في حين لم يَرَ الفريقُ الآخر منهم بُدّاً من
____________________
(372) انظر: مجمع الزوائد 1: 330، (وفيه: (رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الرحمن بن عمّار بن سعد وقد ضعّفه ابن معين). والجدير بالذكر أن المتّقي الهندي ذكر رواية الطبراني في كنز العمال
=
السُّكوت عن بيان الناسخ؛ لضعف تلك الأخبار وعدم دلالتها على المقصود، بل لاحتواء تلك الأسانيد على وقفات علميّة؛ سَنَديّة ودلاليّة، يجب بيانها إن اقتضى الحال.
قال السيّد المرتضى في الانتصار : وقد روت العامّة أنّ ذلك [أي (حيّ على خير العمل) ] مما كان يقال في بعض أيام النبيّ، و إنّما ادّعي أن ذلك نُسخ ورُفع، وعلى مَن ادّعى النسخ الدلالة له، وما يجده (373) .
وقال ابن عربي في الفتوحات المكية :... وأمّا من زاد في الأذان حيَّ على خير العمل فإن كان فُعل في زمان رسول اللَّه - كما روي أنّ ذلك دعا به في غزوة الخندق؛ إذ كان الناس يحفرون، فجاء وقت الصلاة وهي خير موضوع كما ورد في الحديث، فنادى المنادي أهل الخندق (حيَّ على خير العمل) - فما أخطأ مَن جعلها في الأذان، بل اقتدى إن صحّ الخبر، أو سنّ سنّة حسنة (374) .
وجاء في الروض النضير عن كتاب السنام ما لفظه: الصحيح أنّ الأذان شرّع بحيّ على خير العمل، لأنّه اتُّفِق على الأذان به يوم الخندق، ولأنّه دعاءٌ إلى الصَّلاة، وقد
____________________
=
342: 8 ح 23174 بعد ذكر إسنادها قال: كان بلال يؤذّن بالصبح فيقول: حيَّ على خير العمل، ولم يذكر فيه: (اجعل مكانها الصلاة خير من النوم).
(373) الانتصار 137، باب (وجوب قول حيّ على خير العمل في الأذان).
(374) الفتوحات المكية 1: 400.
قال (صلّى الله عليه وآله) (خير أعمالكم الصلاة) (375) . كما وردت روايات أخرى تفيد أنّ مؤذّني رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) وغيرهم من الصحابة استمرّوا على التأذين بها حتّى ماتوا (376) .
وعليه فالفريقان، شيعةً وسنةً، متّفقان على ثبوت حكمها في الصدر الأوّل وعلى كونها جزء الأذان في بدء التشريع، لكنّ أهل السنة والجماعة انفردوا بدعوى النسخ، وهو كلام قُرِّر في العهود اللاحقة لأسباب تقف عليها لاحقاً.
فهذا الأمر يشير إلى أنّ شرعيتها وجزئيتها كانت ثابتة عند الفريقين من لدن عهد الرسول الأكرم، ويضاف إلى ذلك أنّ الشيعة الإمامية والزيدية والإسماعيلية لهم طرقهم الخاصَّة والصَّحيحة وكُلُّها تُؤكّد ثبوتها على عهد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) وعدم نَسْخها في حياته (صلّى الله عليه وآله)، (وأنّ رسول اللَّه أمَرَ بلالاً أنْ يُؤذّن بها فلم يَزَلْ يُؤَذِّنُ بها حتّى قَبَضَ اللَّهُ رَسولَهُ) (377) .
وهذا نص صريح يدل على عدم نسخ (حَيّ على خير العمل) وعلى كونها جُزء الأذان حتّى قَبَضَ اللَّه رسوله.
و يؤيِّد هذا المروي عندنا عن بلال ما رواه الحافظ العلوي الزيدي (378) مسنداً
____________________
(375) هذا ما حكاه عزّان محقّق كتاب (الأذان بحيّ على خير العمل) 12 عن الروض النضير 1: 542.
(376) المصدر نفسه 50 - 56..
(377) انظر: من لا يحضره الفقيه 1: 284/ ح 872 وعنه في وسائل الشيعة 5: 416، والاستبصار 1: 306 ح 1134، والأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي 91.
(378) وهو أبو عبد اللَّه محمد بن علي بن الحسن العلوي الشجري الكوفي (الإمام المحدّث الثقة العالم الفقيه مسند الكوفة) كما نصّ عليه الذهبي في العبر 3: 212 وسير أعلام النبلاء 17: 636 وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب 3: 274. مات بالكوفة في ربيع الأول سنة 445 هـ، ومولده في رجب سنة 367 هـ.
=
=
قال ابن النرسي: ما رأيت من كان يفهم فقه الحديث مثلَه. وقال: كان حافظاً خرّج عنه الحافظ الصوري وأفاد عنه وكان يفتخر به (سير أعلام النبلاء 17: 636). وفي (طبقات الزيدية 2: 292): الثقة العبد مسند أهل الكوفة، وقد ترجم له الطهراني في طبقات أعلام الشيعة (أعلام القرن الخامس 170 - 172).
له كتاب (فضل الكوفة) و(فضل زيارة الحسين) و(تسمية من روى عن الإمام زيد من التابعين)، و(التاريخ)، و(التعازي) وكتاب (الجامع الكافي) وقد جمعه من بضع وثلاثين كتاباً من كتب الإمام محمد بن المنصور المرادي الزيدي، وهو من أجلّ ما كتب في الفقه ونصوص الأئمّة الزيديّة، وفيه بحث الأذان. وله كتاب على انفراد باسم (الأذان بحيَّ على خير العمل) له طرق متعدّدة عند الزيديّة، وقد أشار محمد يحيى سالم عزّان إلى بعض طرقه إلى هذا الكتاب في مقدّمة تحقيقه ص (32)، وكذا العلّامة السيّد محمّد بن حسين بن عبد اللَّه الجلال، حيث قال في آخر نسخته: يقول الفقير إلى اللَّه المعترف بالذنب والتقصير محمد بن حسين بن عبد اللَّه الجلال:
أروي كتاب (الأذان بحيَّ على خير العمل) من عدّة طرق عن مشايخي رحمهم اللَّه بطر يق الإجازة العامّة، وأرويه عن سيّدي العلّامة قاسم بن حسين أبو طالب بالسماع من فاتحته إلى خاتمته إلّا اليسير منه فبالإجازة العامّة، وهو يرويه عن عدد من مشايخه ذكرتهم في مؤلّفي المسمّى (الأنوار السنيّة في إسناد علوم الأمة المحمديّة)، منهم: شيخه العلّامة عليّ بن حسين المغربي، عن شيخه السيّد العلّامة عبد الكريم بن عبد اللَّه أبو طالب عن شيخه العلّامة بدر الآل... إلى آخر مشايخه - عن المؤلّف أبي عبد اللَّه محمد بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن الحسين بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن ز يد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (رضوان اللَّه عليهم جميعاً).
وقد طبع هذا الكتاب في اليمن في شهر صفر عام 1399 هـ السيّد يحيى عبد الكريم الفضل عن نسخة العلّامة الجلال. قال المحقق في مقدّمته للكتاب: وقد روى التأذين بـ (حي على خير العمل) أكثر من عشرة من الصحابة، وجاءت رواية الأذان من أكثر من مئة طريق، وكلّ منها بإسناد متصل (انظر: المقدمة 5 - 6).
وقد نقل عن هذا الكتاب كثير من الأعلام أمثال الإمام القاسم بن محمّد في كتاب الاعتصام، والشوكاني في نيل الأوطار، وأخرج مسنده في كتابه (إتحاف الأكابر)، ورواه وأخرج مسنده العلّامة عبد الواسع الواسعي في كتابه (درر الأسانيد)، وكذا العلّامة مجد الدين المؤيّد والعلّامة
=
إلى أبي محذورة من أنَّ رسول اللَّه علّمه الأذان، وفيه التَّأذين بحيَّ على خير العمل (379) .
ومن المعلوم أنَّ أبا محذورة تَعَلَّمَ الأذان من رسول اللَّه - حسبما يقولون - في أواخر السَّنَة الثامنة من الهجرة بعد رجوعه من حُنَين (380) ، ومعناه ثبوتُ حيّ على خير العمل وشرعيتُها حتّى ذلك التأريخ، ولم يَأمر رسولُ اللَّه بإبدالها بـ (الصلاة خير من النوم).
و يضاف إلى ذلك أنَّ رواية الحافظ العَلوي عن بلال تنفي الزيادة التي جاء بها الطبراني والبيهقي عنه رضوان اللَّه تعالى عليه؛ لأنَّ الحافظ العَلوي كان قد قال:
حدّثنا عليّ بن محمّد بن إسحاق المقري الخزّاز، أخبرنا أبو زرعة أحمد بن الحسين الرازي، حدّثنا أبو بكر بن تومردا، أخبرنا مسلم بن الحجّاج، حدّثنا إبراهيم بن محمّد
____________________
=
الجلال وغيرهم.
ومن المؤسف أنّ النسخة المطبوعة التي بأيدينا مغلوطة، ولم تُعرض وتقابَل مع نسخ خطية أخرى للكتاب، وإنْ كتب على المطبوع حقّقه السيّد يحيى عبد الكريم الفضيل. ولأجله استعنت في بعض الأحيان بنسخة أخرى من تحقيق محمّد يحيى سالم عزّان، وفي أحيان أخرى بكتاب الاعتصام بحبل اللَّه المطبوع فيه كتاب الأذان بكامله. وقد أراني المحقّق الحجة السيّد محمد رضا الجلالي نسخة من كتاب (الأذان بحي على خير العمل) بخط العلّامة المحدّث السيّد محمد بن الحسين الجلال مجيزاً له رواية هذا الكتاب، وقد أخبرني بأنه يعزم على تحقيقه وطبعه فسرّني عزمه آملين له التوفيق والسداد.
(379) انظر: (الأذان بحيّ على خير العمل) للحافظ العلوي 26ـ 27، 29. وكذا: تحقيق عزّان 50 - 54.
(380) سبل السلام 1: 120، كتاب المسند للشافعي 31، مسند أحمد 3: 408، سنن النسائي 2: 5.
بن عرعرة، حدّثنا معن بن عيسى، حدّثنا عبد الرحمن بن سعد المؤذِّن، عن محمّد بن عمّار بن حفص بن عمر، عن جدّه حفص بن عمر بن سعد، قال: كان بلال يؤذِّن في أذان الصبح بحيَّ على خير العمل (381) .
في حين نرى نفس هذا الحديث قد ورد في الطبراني والبيهقي (382) من طريق يعقوب بن حميد، عن عبد الرحمن بن سعد [المؤذّن]، عن عبد اللَّه بن محمّد وعمر وعمّار ابنَي حفص، عن آبائهم، عن أجدادهم، عن بلال: أنّه كان ينادي بالصبح فيقول: (حيَّ على خير العمل)، إلّا أنّ فيما أخرجه الطبراني والبيهقي زيادة:
فأمره النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أن يجعل مكانها (الصلاة خير من النوم) وترك (حيَّ على خير العمل).
والمتأمِّل في رواية معن بن عيسى عن عبد الرحمن بن سعدٍ التي أوردها الحافظ العلوي يراها أوثق من رواية يعقوب بن حميد التي أوردها الطبراني والبيهقي باتفاق الجميع؛ لأنَّ معن بن عيسى ثقة ثبت وكذا غيره من رجال السند.
وممّا يحبذ هنا هو أنّ نقوم بتحقيق بسيط عن رجال الإسنادين وما رَوَوه عن بلال وأبي محذورة، واختلاف النقل عنهما، كي نتعرف على ملابسات مثل هذه الأمور في الشريعة والأحكام:
____________________
(381) الأذان بحيّ على خير العمل 28. وبتحقيق عزّان 56. والاعتصام بحبل اللَّه 1: 290.
(382) المعجم الكبير 1: 353 والنصّ عنه، وفي السنن الكبرى 1: 425 وفيه قال الشيخ: هذه اللفظة لم تثبت عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) فيما علّم بلالاً وأبا محذورة، ونحن نكره الزيادة فيه وباللَّه التوفيق.
وقفه مع الحديثَين (383)
ذكرت كتب الحديث والتاريخ أسماء أربعة من الذين أذّنوا على عهد رسول اللَّه، وهم:
1 - بلال بن رباح الحبشي
2 - أبو محذورة القرشي
3 - عبد اللَّه بن أمّ مكتوم
4 - سعد القرظ
وقد أذّن أبو محذورة بعد السنة الثامنة من الهجرة (384) ، وقيل بعد فتح مكّة (385) ، ونقل عن سعد القرظ أنّه كان يؤذّن بِقُبا (386) .
وربّما تكون روايات الأذان عند المذاهب الأربعة والاختلافات في فصوله وأعداده، راجعة إلى اختلاف عمل هؤلاء الصحابة في الأذان أو اختلاف النقل عنهم، مضافاً إلى ما جاء عن عبد اللَّه بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه
____________________
(383) أحدهما: الذي رواه الطبراني والبيهقي بإسنادهما عن عبد الرحمن بن سعد القرظ، وفيه: كان بلال يؤذّن في أذان الصبح بحيّ على خير العمل، وأنّ رسول اللَّه أمره أن يجعل مكانها الصلاة خير من النوم، وهو يخالف ما رواه الحافظ العلوي من طريق مسلم بن الحجّاج والذي يخلو من هذه الزيادة.
الثانية: حديث أبي محذورة المختلف فيه، والذي رواه رجال الصحاح والسنن ليس فيه (حيّ على خير العمل). أمّا الحافظ العلوي وأحمد بن محمّد بن السري، فقد رَوَياه وفيه التأذين بحيّ على خير العمل، وهو الذي يتّفق مع مرويّات أهل البيت، وعليه إجماع العترة حسبما ستعرف بعد قليل.
(384) سبل السلام 1: 120، كتاب المسند للشافعي 31، مسند أحمد 3: 408، سنن النسائي 2: 5.
(385) الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 450.
(386) تلخيص الحبير 3: 199، تهذيب الأسماء للنووي 1: 55.
فيه.
فالاختلاف أمر ملحوظ في الأحاديث، وقد يُنقَل عن الصحابي الواحد نقلان متخالفان؛ فالتكبيرتان والأربع في أوّل الأذان مثلاً ورد كلّ منهما عن عبد اللَّه بن زيد، والتثويب وعدمه جاءا عن أبي محذورة، واختص خبر الترجيع (387) بأبي محذورة دون غيره من المؤذنين، فما سبب كلّ هذا الاختلاف والكل ينسب فعله إلى الصحابة؟
(فمالك والشافعي ذهبا إلى أنّ الأذان مثنى مثنى والإقامة مرّة مرّة، إلّا أنّ الشافعيّ يقول في أوّل الأذان (اللَّه أكبر) أربع مرات و يرويها محفوظاً عن عبد الله بن زيد وأبي محذورة، وهي زيادة مقبولة والعمل بها في مكّة ومن تبعهم من أهل الحجاز.
لكن مالكاً وأصحابه ذهبا إلى تثنية التكبير، وقد رووا ذلك من وجوهٍ صحاحٍ من أذان أبي محذورة ومن أذان عبد اللَّه بن زيد وعليه عمل أهل المدينة من آل سعد القرظ) (388) .
واتفق مالك (389) والشافعي (390) على الترجيع في الأذان، لكن الحنابلة (391) والأحناف (392) قالوا: لا ترجيع في الأذان، وكلٌ استند فيما ذهب إليه إلى نقله عن بعض الصحابة!!
____________________
(387) الترجيع في الأذان هو تكرير الشهادتين جهراً، هكذا فسّره الصاغاني، انظر: تاج العروس 5: 351.
(388) انظر: فتح المالك 1: 7. وفتح الباري لابن رجب الحنبلي 3: 413.
(389) فتح المالك 1: 8.
(390) المجموع للنووي 3: 90.
(391) المغني لابن قدامة 1: 416. فتح الباري لابن رجب 3: 414.
(392) المبسوط للسرخسي 1: 128، الهداية شرح البداية 1: 41 باب الأذان.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه [يعني أحمد بن حنبل] يُسأَلُ: إلى أيّ الأذان يذهب؟ قال: إلى أذان بلال...
قيل لأبي عبد اللَّه: أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد اللَّه بن زيد؛ لأنّ حديث أبي محذورة بعد فتح مكّة؟
فقال: أليس قد رجع النبيّ إلى المدينة فأقرّ بلالاً على أذان عبد اللَّه بن زيد (393) .
بلى، إنّ فِعل الصحابي كان هو الحجة رغم الاختلافات، لكن لنا أنّ نتساءل عن هذا الاختلاف هل أنّه حصل بالفعل في زمن الصحابي، أم أنّه من صنع المتأخرين، وما هي ملابسات هذه الأحاديث المختلفة؟ بل ما هي قيمة رجال إسنادها؟!
ونحن إيماناً بضرورة دراسة مثل هذه الأمور سلّطنا بعض الضوء على رجال خبري بلال وأبي محذورة.
فقد ادّعي في طريق الطبراني والبيهقي أنّ رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) قال لبلال: (اجعل مكانها: الصلاة خير من النوم)، مع أنّ هذه الزيادة غير موجودة في طريق الحافظ العلوي.
وفي رواية أبي محذورة (فاجعل في آخرها: الصلاة خير من النوم)، وهي أيضاً غير موجودة في طريق الحافظ العلوي.
فأيّ النقلين هو الصواب إذن؟!
____________________
(393) المغني لابن قدامة 1: 416 - 417.
مع ما رواه الطبراني والبيهقي عن بلال
قد مر عليك قبل قليل (394) ما رواه الطبراني عن شيخه محمّد بن عليّ الصائغ، والبيهقي بإسناده عن أبي الشيخ الإصفهانيّ - في كتاب الأذان - عن محمّد بن عبد اللَّه بن رسته، كلاهما عن يعقوب بن حميد بن كاسب:
حدّثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمّار بن سعد القرظ، عن عبد اللَّه بن محمّد، وعمر وعمّار ابنَي حفص، عن آبائهم، عن أجدادهم، عن بلال...
وفي هذا الإسناد: يعقوب بن حميد بن كاسب، فهو أبو يوسف، مدنيّ الأصل، مكيّ الدار؛ هذا ما قاله ابن أبي حاتم الرازي، ثمّ قال: سألت يحيى بن معين عن يعقوب بن كاسب، فقال: ليس بشيء.
وقال أبو بكر بن خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول وذكر ابن كاسب، فقال: ليس بثقه، قلت: من أين قلت ذلك؟ قال: لأنّه محدود (395) .
قلت: أليس في سماعه ثقة؟ قال: بلى.
أخبرنا عبد الرحمن، قال: سمعت أبي يقول: ضعيف الحديث.
أخبرنا عبد الرحمن قال: سألت أبا زرعة عن يعقوب بن كاسب، فحرّك رأسه، قلت: كان صدوقاً في الحديث، قال: لهذا شروط. وقال في حديث رواه يعقوب: قلبي لا يسكن إلى ابن كاسب (396) .
____________________
(394) مرّ في صفحة: 186.
(395) المحدود: من أقيم عليه الحدّ.
(396) الجرح والتعديل 9: 206.
وقال أبو بكر: سمعت يحيى بن معين وذكر ابن كاسب يقول: ليس بثقة، فقلت له: من أين قلت ذاك؟ قال: لأنّه محدود، قلت: أليس هو في سماعه ثقة؟ فقال: بلى، فقلت له: أنا أعطيك رجلاً تزعم أنّه وجب عليه حدٌّ وتزعم أنّه ثقة، قال: من هو؟ قلت: خلف بن سالم، قال: ذلك إنما شتم بنت حاتم مرّة واحدة، وما به بأس لولا أنّه سفيه.
قلت لمصعب الزبيري: إنّ يحيى بن معين يقول في ابن كاسب: إنّ حديثه لا يجوز لأنّه محدود، فقال: ليس ما قال، إنما حدّه الطالبيّون في التحامل وليس حدود الطالبيين عندنا بشيء لجورهم، وابن كاسب ثقة مأمون صاحب حديث، أبوه مولى للخيزران، وكان من أمناء القضاة زماناً (397) .
وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ : تفرّد بأشياء وله مناكير، حدّث عنه البخاري وابن ماجة وعبد اللَّه بن أحمد و إسماعيل القاضي، وأبو بكر بن أبي عاصم وطائفة، ذكره البخاري فقال: لم نرَ إلّا خيراً، وقال أبو حاتم: ضعيف (398) .
وفي ميزان الاعتدال : قال البخاري: لم نرَ إلّا خيراً، هو في الأصل صدوق وشذّ مضر بن محمّد الأسدي فروى عن ابن معين: ثقة، وروى عبّاس عن يحيى: ليس بثقة (399) ، فقلت: لم؟
قال: لأنّه محدود...
والنسائي: ليس بشيء.
وأبو حاتم: ضعيف.
قال الذهبي: كان من علماء الحديث لكن له مناكير وغرائب، وحديثه في
____________________
(397) التعديل والتجريح للباجي 3: 1425.
(398) تذكرة الحفّاظ 2: 466.
(399) في تهذيب الكمال 32: 322 عن عباس الدوري عن ابن معين: ليس بشيء.
صحيح البخاري في موضعين: في الصلح، وفيمن شهد بدراً...
قال الحلواني: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه، فسألته عنه، فقال: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول فدافعنا، ثمّ أخرجها بَعدُ فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيَّرة بخطِّ طَرِيّ؛ كانت مراسيل فأسنَدَها وزادَ فيه (400) .
وفي سير أعلام النبلاء :
(... وكان من أئمّة الأثر على كثرة مناكير له - إلى أنّ يقول -: وقال ابن عدي: لا بأس به وبرواياته، هو كثير الحديث، كثير الغرائب، كتبت مسنده عن القاسم بن عبد اللَّه عنه، صَنّفه على الأبواب، وفيه من الغرائب والنسخ والأحاديث العزيزة، وشيوخ أهل المدينة ممّن لا يروي عنهم غيره...) (401) .
وقال ابن حبّان في الثقات: مات سنة أربعين أو أحد وأربعين ومائتين، كان ممّن يحفظ وممّن جمع وصنّف، واعتمد على حفظه فربّما أخطأ في الشيء بعد الشيء، وليس خطأ الإنسان في شيء يَهِمُ فيه ما لم يفحش ذلك منه بمُخْرِجِهِ عن الثقات إذا تقدّمت عدالته (402) .
قلت: كيف يقول ابن حبّان هذا وهو يعلم بأن الخدشة فيه جاءت لكونه محدوداً لا من جهة حفظه؛ لأنّ الثابت عدم قبول شهادة الفاسق وخصوصاً لو أفحش في التحامل على أهل البيت، وخصوصاً الإمام عليّ بن أبي طالب، وهذا يشير إلى نصبه بلا أدنى شك؛ لأنّ الطالبيين حدّوه لنصبه، وقد وقفت على سرّ الحد لقول الزبيري: (إنّما حده الطالبيون في التحامل). وقول ابن معين في خلف بن سالم: (... إنّما
____________________
(400) ميزان الاعتدال 7: 276 - 277. وانظر: الضعفاء الكبير للعقيلي 4: 446.
(401) سير أعلام النبلاء 11: 158 وانظر: كلام ابن عدي في الكامل 7: 151.
(402) الثقات لابن حبّان 9: 285.
شتم بنت حاتم مرّة واحدة وما به بأس)، وهما يرشدان إلى أنّ الخدشة جاءت فيه من هذه الجهة، وهي فسق بلا شك، لا من جهة نسيانه، وكيف لا يكون فاسقاً غير معتمد الرواية وهو يغير الأصول و يسند المراسيل؟! أضف إلى كلّ ذلك أنّه كان (أبوه مولى للخيزران وكان من أمناء القضاة زماناً)؟
وأما عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذّن.
فقد قال ابن أبي حاتم عنه: سئل يحيى بن معين عن عبد الرحمن المؤذّن، فقال: مديني ضعيف؛ روى عن أبي الزناد (403) .
وقال ابن حجر في تقريب التهذيب: ضعيف من السابعة (404) .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار : وعبد الرحمن ضعيف (405) .
وقال ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني: ضعيف (406) .
وقال البخاري في تاريخه الكبير: عبد الرحمن بن سعد فيه نظر، مولى بني مخزوم (407) .
وقال المارديني الشهير بابن التركماني في الجوهر النقي: منكر الحديث (408) .
وضعّفه ابن أبي حاتم، وقال ابن القطان: هو وأبوه وجدّه مجهولو الحال (409) .
وقال الألباني في إرواء الغليل : عبد الرحمن بن سعد ضعيف وأبوه وجده
____________________
(403) الجرح والتعديل 5: 238.
(404) تحرير تقريب التهذيب 2: 321.
(405) نيل الأوطار 3: 346.
(406) الآحاد والمثاني 1: 65.
(407) تاريخ البخاري الكبير 5 287.
(408) الجوهر النقي 3: 286.
(409) الجوهر النقي 1: 394.
لا يعرف حالهم (410) .
وأما عبد اللَّه بن محمد فقد ضعفه ابن معين (411) .
وسئل يحيى بن معين عن عبد اللَّه بن محمّد وعمّار وعمر ابني حفص بن عمر بن سعد عن آبائهم عن أجدادهم كيف حال هؤلاء؟ قال: ليسوا بشيء (412) .
وأما عمر بن حفص بن عمر بن سعد القرظ.
فقد قال ابن معين: ليس بشيء (413) .
وقال ابن حجر في تقريب التهذيب : عمر بن حفص بن عمر بن سعد القرظ المدني المؤذن فيه لين، من السابعة (414) .
وأما عمار بن حفص بن عمر بن سعد القرظ، فهو أخو عمر، وهو والد محمّد، روى عنه عبد الرحمن بن سعد (415) .
قال البخاري: لم يصحّ حديثه (416) .
وقال يحيى بن معين: ليس بشيء (417) .
وأما حفص بن عمر بن سعد القرظ، فلم يسمع من جدّه ولا غيره من
____________________
(410) إرواء الغليل 3: 120.
(411) الجوهر النقي 3: 287، 1: 394.
(412) انظر: تاريخ ابن معين (الدارمي) 169، الكامل في الضعفاء 5: 73، الضعفاء للعقيلي 2: 300 - 301، والجرح والتعديل 6: 103.
(413) الجوهر النقي 3: 287 الجرح والتعديل 6: 102، المغني في الضعفاء 2: 464، تهذيب الكمال 21: 302، تهذيب التهذيب 6: 183.
(414) تحرير تقريب التهذيب 3: 68.
(415) التاريخ الكبير 5: 287.
(416) ميزان الاعتدال 5: 211.
(417) لسان الميزان 4: 271، الجرح والتعديل 6: 392.
الصحابة، وربما نسب إلى جدّه فيتوهّمه الواهم أنّه تابعي (418) .
وقد علّق ابن التركماني على أحد أحاديث حفص بن عمر في كتاب صلاة العيدين بقوله: إنّ حفصاً والد عمر المذكور في هذا السند إن كان حفص بن عمر المذكور في السند الأوّل فقد اضطربت روايته لهذا الحديث، رواه ها هنا عن سعد القرظ، وفي ذلك السند رواه عن أبيه وعمومته عن سعد القرظ، فظهر من هذا أنّ الأحاديث التي ذكرها البيهقي في هذا الباب لا تسلم من الضعف. وكذا سائر الأحاديث الواردة في هذا الباب.. (419) .
وحكى الزيلعي عن (الإمام): وأهل حفص غير مُسمَّين، فهم مجهولون (420) .
كان هذا حال رجال هذا الإسناد.
مع ما رواه الحافظ العلوي عن بلال
أ مّا طريق الحافظ العلوي فهو أحسن من هذا بكثير، و إن كان فيه بعض الملابسات؛ لأنّ الحافظ خرّج حديثه من طريق مسلم بن الحجّاج، و إن لم يكن في صحيحه:
حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن عرعرة، حدّثنا معن بن عيسى، حدّثنا عبد الرحمن بن سعد المؤذّن، عن محمّد بن عمّار بن حفص بن عمر.
وهم خير من أولئك
____________________
(418) معرفة علوم الحديث: 70 النوع الخامس عشر.
(419) الجوهر النقي 3: 287.
(420) نصب الراية 1: 265.
فـ مسلم بن الحجّاج، صاحب الصحيح، فهو إمام عند القوم.
وأما إبراهيم بن محمّد بن عرعرة بن البرند بن النعمان أبو إسحاق البصري فقال عنه ابن أبي حاتم الرازي: سئل أبي عن إبراهيم بن أبي عرعره فقال: صدوق (421) .
وحكى عن عليّ بن الحسين بن حبّان أنّه قال: وجدت في كتاب أبي بخطّ يده قلت له - يعني يحيى بن معين -: أبو عرعرة؟
فقال: ثقه معروف الحديث، كان يحيى بن سعيد يكرمه، مشهور بالطلب، كيّس الكتاب؛ ولكنه يفسد نفسه، يدخل في كلّ شيء (422) . وجاء فيه بعض التليين.
وأما م عن بن عيسى بن يحيى بن دينار الأشجعي مولاهم القزّاز أبو يحيى المدني؛ فهو في طبقة يعقوب بن حميد بن كاسب، فقد ترجم له المزّي في التهذيب (423) ، قال أبو حاتم: أثبتُ أصحاب مالك وأوثقهُم معن بن عيسى، وهو أحب إليّ من عبد اللَّه بن نافع الصائغ ومن ابن وهب (424) .
أ مّا عبد الرحمن بن سعد المؤذن فضعيف حسبما عرفت.
وأما محمّد بن عمّار بن حفص بن عمر ، فهو أبو عبد اللَّه المدني مؤذّن مسجد الرسول، ويقال له: كشاكش، وهو مولى الأنصار ويقال: مولى عمّار بن ياسر (425) .
قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ما أرى به بأس (426) ، وقال الدوري عن
____________________
(421) الجرح والتعديل 2: 130.
(422) تاريخ بغداد 6: 149 - 151 وفيه: سكن بغداد وحدّث بها عن يحيى بن سعيد القطّان وعبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن جعفر ومحمد بن بكر البرساني ومعن بن عيسى...
(423) تهذيب الكمال 28: 336.
(424) الجرح والتعديل 8: 277 - 278 الترجمة 1271.
(425) تهذيب الكمال 26: 163، تهذيب التهذيب 9: 358، التاريخ الصغير 2: 183.
(426) العلل لأحمد 2: 485، بحر الدم فيمن مدحه أحمد وذمّ 141.
يحيى بن معين: لم يكن به باس (427) .
وقال عليّ بن المديني: ثقة (428) .
قال أبو حاتم: شيخ ليس به بأس، يُكتب حديثه (429) .
وقال ابن حجر: لا بأس به، من السابعة (430) .
وحفص بن عمر بن سعد القرظ قد عرفت حاله وهو مُتكلَّم فيه، والخبر موقوف عليه وليس بحجة.
ومع كلّ هذه الملابسات نرى هذا الإسناد أنظف ممّا رواه الطبراني في الكبير والبيهقي عن أبي الشيخ الإصفهاني عن محمّد بن عبد اللَّه بن رُسته في السنن.
مع ما رواه السري عن أبي محذورة
ويعضد ثبوت الحيعلة الثالثة عن رسول اللَّه ما رواه الحافظ العلوي بطرق متعددة - سيأتيك ذكرها تحت عنوان (تأذين الصحابة وأهل البيت) - عن أبي محذورة وأنها اتفقت جميعاً على ثبوتها.
وأما رواية الحافظ العلوي بإسناده الذي فيه أحمد بن محمّد بن السري فإليك نصّها:
حدّثنا أبو القاسم عليّ بن الحسين العرزمي إملاءً من حفظه، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن السري التميمي،
____________________
(427) تاريخ بن معين برواية الدوري 1: 147.
(428) لسان الميزان 7: 369 - 370، تهذيب الكمال 26: 163.
(429) الجرح والتعديل 8: 43.
(430) تحرير تقريب التهذيب 3: 295.
حدّثنا أبو عمران موسى بن هارون بن عبد اللَّه الجمال، حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي محذورة، قال: كنتُ غلاماً صيّتاً، فأذّنت بين يدي رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) لصلاة الفجر، فلما انتهيت إلى (حيَّ على الفلاح) قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (ألحق فيها: حيَّ على خير العمل) (431) .
وهذا النص - كما تراه - واضح لا مغمز في لفظه ولا معناه، لكنّ المتأخّر ين من علماء العامّة حرفوا النص عن وجهته فنقلوا الرواية بشكل آخر، قالوا:
زعم أحمد بن محمد بن السري أنّه سمع موسى بن هارون عن الحماني عن أبي بكر بن عياش عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي محذورة، قال: كنت غلاماً فقال النبيّ: اجعل في آخر أذانك (حيّ على خير العمل) (432) .
وبناء على هذا التلاعب قال الحافظ ابن حجر في خبر السري:
(وهذا حدثنا به جماعة عن الحضرمي عن يحيى الحماني و إنما هو: اجعل في آخر أذانك: الصلاة خير من النوم) (433) .
لكن كلامه باطل من عدة جهات:
الأولى: أنّ مكان (حيّ على خير العمل) عند من يقول بها هي وسط الأذان لا في آخره، وأنها من أصل الأذان لا زيادة فيه كالصلاة خير من النوم، و إنّما سوغ لهم هذا التلاعب تحريفهم نص السري عن وجهته، حيث جعلوا الحيعلة الثالثة في
____________________
(431) الأذان بحيّ على خير العمل 15 - 16.
(432) ميزان الاعتدال 1: 283 - 284.
(433) لسان الميزان 1: 268.
آخر الأذان، ليتسنى لهم ادعاء أنّ الرواية وردت بجعل (الصلاة خير من النوم) في آخره لا الحيعلة الثالثة.
الثانية: أنّ زيادة (الصلاة خير من النوم) جاءت متأخّرة، وقد قال مالك عنها أنها ضلال (434) ، ورجع الشافعي عن القول بها في الجديد (435) ؛ لعدم ثبوت ذلك عن أبي محذورة، وهو مؤشّر على عدم شرعيّتها في أصل الأذان، فلو كان الأمر كذلك فالزيادة مشكوك فيها ولا يمكن الأخذ بها، وقد جاء في مصنف ابن أبي شيبة عن الأسود بن يزيد قوله وقد سمع المؤذّن يقول (الصلاة خير من النوم) فقال: لا يزيدون في الأذان ما ليس سنّة (436) .
الثالثة: إنّ ما زعمه ابن حجر من وضع حديث: نار تلتقط مبغضي آل محمّد، واتّهم به أحمد بن محمّد بن السريّ، فباطل.
إذ لا شاهد له على ذلك إلّا استعظامه واستكباره أن يرد مثل هذا الحديث في فضل آل محمّد، ولو أنصف لعلم أنّ مبغضي آل محمّد في النار وأنّه لا استكبار ولا استعظام. وهناك روايات كثيرة تشير إلى هذا المعنى، فقد يكون أحمد بن محمّد بن السري نقل الحديث بالمعنى، وهو جائز عند الفريقين، ومحض الانفراد - لو صحّ - لا يدلّ على الوضع، خصوصاً مع أنّ لحديثه هذا شواهد ومتابعات كثيرة، وأحمد هذا ثقة بإجماعهم، ولم يعيبوا عليه إلّا شيئاً لا يصح به قدح.
____________________
(434) انظر: مواهب الجليل 2: 83 كتاب الصلاة، فضل الأذان والإقامة، حيث صرّح بأن التثويب ضلال، فتمحّل بعضهم وقالوا إن المراد بالتثويب (حيّ على خير العمل) وقال آخر المراد هو التثويب الثاني وهو خنق للحقيقة، خصوصاً وقد حكي عن مالك تجويزه الحيعلة الثالثة كما سيأتي في آخر القسم الثالث من هذا الفصل (جزئية حي على خير العمل)، والباب الثاني من هذه الدراسة (الصلاة خير من النوم شرعة أم بدعة).
(435) الأمّ 1: 85.
(436) مصنّف ابن أبي شيبة 1: 189.
فأحمد بن محمّد بن السري المعروف بابن أبي دارم (المتوفّى 351 هـ) قال عنه الحافظ محمّد بن أحمد بن حمّاد الكوفي، بعد أنّ أرّخ وفاته: كان مستقيم الأمر عامّة دهره، ثمّ في آخر أيّامه كان أكثر ما يُقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه: إنّ عمر رفس فاطمة حتّى أسقطت بمحسن.
وفي خبر آخر في قوله تعالى: ( وَجَاءَ فِرْعَوْنُ ) عمر: ( وَمَنْ قَبْلَهُ ) أبو بكر ( وَالْمُؤْتَفِكَاتُ ) عائشة وحفصة، فوافقته على ذلك؛ ثمّ إنّه حين أذَّن الناس بهذا الأذان الُمحدَث وضع حديثاً متنه: تخرج نار من عدن (437) .
وعليه فالخدشة في ابن أبي دارم جاءت لروايته المثالب لا لسوء حفظه واختلاطه بأخَرَة و..، بل لروايته أشياء لا ترضي الآخرين: من القول برفس فاطمة، وشرعيّة حيّ على خير العمل، وأنّ النار تلتقط مبغضي آل محمّد وغيرها.
وقد تلخص مما سبق: إمكان الخدش في خبرَي أبي محذورة وبلال المُدَّعِيَيْنِ لنسخ الحيعلة الثالثة، والمُعَارَضَيْنِ بما رواه العلوي. ونلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ هذين الخبرين بمجردهما قد لا يصلحان لإثبات شرعية حيّ على خير العمل، بل إن ثبوتها عندنا يرجع إلى ما عندنا من طرق صحيحة في ذلك، ويؤيده تأذين أهل البيت والصحابة بذلك، وهو ما ستعرفه بعد قليل، الأمر الذي يتفق مع سيرة بلال وحياته الفكرية التي ستقف عليها في الفصل الثاني (حذف الحيعلة وامتناع بلال عن التأذين) من هذا الباب.
مشيرين إلى أنّ الملابسات العلمية التي تعرضنا لها آنفاً ينبغي أن تحدّ من إسراف من يدّعي النسخ ويلهج بوجود الناسخ بلا دليل مُرْضٍ، وهذا هو الذي
____________________
(437) لسان الميزان 1: 268. ودعوى ابن حجر وغيره أن هذا من مختلقات السري لا يثبت أمام الحقيقة العلمية؛ إذ روى هذا التأويل كثير من المحدثين ومن كتبوا في المثالب.
أشار إليه الشريف المرتضى (ت 436 هـ) بقوله: وقد روت العامة أنّ ذلك مما كان يقال من بعض أيّام النبيّ وإنّما ادُّعي أنّ ذلك نُسِخَ ورُفِعَ، وعلى من ادّعى النسخ الدلالة له وما يجدها.
وممّا يضحك الثكلى أنّ البعض أسرف للغاية؛ حيث رفض جزئية حيّ على خير العمل، مدّعياً أنّ الشيعة هم الذين أوجدوها وحشروها في كتب أهل السنة والجماعة لأنّ بقيّة الفرق الإسلاميّة لا تقول بذلك، كما أنَّ صحاحهم ومسانيدهم قد خلت من (حيّ على خير العمل).
وأمام احتمال طرح مثل هذه الشبهة، نقول: إنَّ هذه القضيّة لم تختصّ بالطالبيّين دون غيرهم على ما ضبطته لنا صفحات تاريخ السنّة والسيرة، بل أقرّها عدد من الصحابة وعملوا بها، ويكفينا أن نذكر هنا اسم ابن عمر فقط لأنّه الصحابي الذي كان مورد اعتماد أهل السنة والجماعة في فترات متعاقبة من التاريخ، حتّى إنَّ المنصور العبّاسيّ قد وجّه مالكاً حين تدوين كتاب (الموطّأ) بقوله: هل أخذت بأحاديث ابن عمر؟
قال: نعم.
قال المنصور: خذ بقوله وإن خالف عليّاً وابن عباس (438) .
وعلى ضوء هذا الأمر الحكومي يمكننا القول: إنّ الدولة العبّاسيّة قد اعتبرت فقه ابن عمر معياراً ومقياساً شاخصاً لتدوين السنّة؛ لأنّه لم يكن شخصاً عاديّاً، بل كانت شخصيته ذات أبعاد مبطّنة، وفي هذا المجال رأيناه يضفي على حياته هالة من القدسيّة في اقتفاء آثار النبيّ ومتابعته.
____________________
(438) الطبقات الكبرى لابن سعد 4: 147.
ويتلخص إشكال أهل السنة والجماعة في ثلاث نقاط:
إشكالهم الأوّل: ادّعاء أنَّ مصادرهم الحديثيّة المعتبرة قد خلت من الروايات التي تؤكّد ثبوت (حيّ على خير العمل) في الأذان، وأنّ السنن الكبرى للبيهقيّ، ومصنّف ابن أبي شيبة - اللَّذين ضمّا بين طيّاتهما مثل تلك الروايات - ليسا من الكتب الرئيسيّة التسعة، إذ هما من المصادر الثانويّة، لذا فهم لا يقولون بشرعيّة (حيّ على خير العمل) لأنّ صحيحي البخاريّ ومسلم لم يذكرا روايات تؤيّد ذلك!
إشكالهم الثاني: ادعاء أنّ رواة تلك الروايات المثبِتة لـ (حيّ على خير العمل) هم من الضعفاء، فتكون الروايات غير معتبرة من ناحية السند.
إشكالهم الثالث: إمكان القول بأنَّ عمل رسول اللَّه هو الحجّة علينا لا عمل الصحابة، فلا حجّيّة في التزام ابن عمر الإتيانَ بـ (حيّ على خير العمل) في أذانه، لأنّ المسلم مكلّف باتّباع رسول اللَّه لا غيره!
هذه هي جملة إشكالاتهم
أمّا ما يخصّ إشكالهم الأوّل - من أنّ صحاحهم وسننهم المعتبرة لم تذكر روايات تؤيّد شرعيّة (حيّ على خير العمل) وعلى الأخصّ فيما تمّ تدوينه في كتابي الشيخين البخاريّ ومسلم - فقد أجاب أحد الزيديّة عليه إجابة نقضيّة بقوله:
(وقالوا: إن صحّت في الأذان الأوّل فهي منسوخة بالأذان الثاني، لعدم ذكره فيها.
وردّ هذا: بأنّه لا يلزم من عدم ذكره في الصحيحين عدم صحّته، وليس كلّ السنّة الصحيحة في الصحيحين، وبأنّه لو كان منسوخاً لما خفي على عليّ بن أبي طالب وأولاده كما
في مسنداتهم، وهم السفينة الناجية بقول جدّهم سيّد البريّة: (أهل بيتي فيكم كسفينة نوح: مَن رَكبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى). وما ذكره في كتاب (الأذان بحيّ على خير العمل) أنّها كانت ثابتة في الأذان أيّام النبيّ، وفي خلافة أبي بكر، وفي صدر من خلافة عمر ثمّ نهى عنها) (439) .
وبعد ذكر جواب هذا الزيديّ على الإشكال الأوّل، نقول: إنّ من الثابت المعلوم أَنْ ليس باستطاعة كتبهم التسعة أن تضمّ جميع الأحاديث والروايات المرويّة على مرّ التاريخ، بل ولم يدَّعِ أصحاب تلك الكتب أنفسهم الإلمام بكلِّ ما رُوِي أو جمْعهم لكل ما صح عن رسول اللَّه.
بلى، إنّهم ادعوا أنّ أحاديثهم منتقاةٌ من الأحاديث الصحيحة، وبهذا المعنى صرح كلٌّ من النسائيّ والبخاريّ وابن ماجة وغيرهم، فهذا يقول: إنَّه انتقى صحيحه من ستمئة ألف حديث صحيح، وذاك يقول: إنّه أخذها من ثلاثمئة ألف حديث صحيح.. وهكذا.
وصحيح أنَّهم يصفون الأحاديث التي انتقوها بأنّها صحيحة، ولكنّهم بذات الوقت لا ينكرون صحّة بقيّة الأحاديث المتروكة عندهم - التي لم يشملها تدوينهم - فهم والحال هذه لا ينفون وجود أحاديث صحيحة عند الآخرين.
فلو لاحظت أحاديث عبد الله بن زيد الأنصاري المعتمدة عندهم في تشريع الأذان فلا تجدها في صحيحي البخاري ومسلم، ولم يأتِ بهما الحاكم في مستدركه،
____________________
(439) انظر: هامش مسند زيد بن علي: 84 عن الأذان بحيّ على خير العمل: 63 بتحقيق عزّان. والنص عن طبعة دار الحياة لمسند الإمام زيد.
فما يعني هذا إذاً؟
ونحن قد بيّنّا أنّ ثمّة اتفاقاً بين الفريقين على ثبوت (حيّ على خير العمل) في عهد رسول اللَّه واستمرّ ذلك إلى أن جاء المنع من قبل عمر بن الخطاب، وبهذا تتأكّد شرعيّة وثبوت (حيَّ على خير العمل) إلى أنّ حكم عمر بن الخطّاب بعدم شرعيّتها، وعلى هذا الأساس فإنّ (حيّ على خير العمل) هي السنّة الحقّة وما خالفها ليس من سنّة الرسول المصطفى (صلّى الله عليه وآله).
أمّا الإجابة على إشكالهم الثاني ، فهي غير مبتورة عن الإجابة على الإشكال الأوّل؛ إذ أنّ امتداد الإجابة بمثابة الردّ الفاصل على إشكالهم الثاني، لأنّهم يقولون بأنّ الروايات التي وردت فيها الحيعلة الثالثة (حيّ على خير العمل) ضعيفة السند، لأنّ أغلب رواتها من الضعاف... وهنا لابدّ لنا من الخوض في بحث منهجي مبنائيّ معهم ليكون حديثنا أكثر علميّة وأدقّ توجيهاً، فنقول:
هل ضوابط الجرح والتعديل المتّبعة في توثيق وتضعيف الرجال هي ضوابط قرآنيّة، أو هي مبنيّة على الهوى والهوس، أو تتحكّم بها الطائفيّة، كأن يكون للشافعيّة ضوابطهم الخاصّة بهم، وكذا للمالكيّة والحنفية وغيرهم؟
فقد خدش ابن معين وأحمد بن صالح في الإمام الشافعيّ (440) .
وذكر الخطيب البغداديّ أسماء الذين ردّوا على الإمام أبي حنيفة (441) .
وقال الرازي في رسالة ترجيح مذهب الشافعيّ ما يظهر منه أنّ البخاري عدّ أبا حنيفة من الضعفاء في حين لم يذكر الشافعيّ (442) .
____________________
(440) انظر: هامش تهذيب الكمال 24: 380.
(441) تاريخ بغداد 13: 370 وفيه اسم 35 رجلاً تكلّموا في الإمام أبي حنيفة.
(442) طبقات الشافعية 2: 118.
وحكي عن أبي عليّ الكرابيسيّ أنّه كان يتكلم في الإمام أحمد، وكذا قدح العراقيّ شيخ ابن حجر في ابن حنبل ومسنده (443) .
وذكر الخطيب في تاريخه أسماء عدّة قد خدشوا في الإمام مالك (444) .
وقد خدشوا في الإمام البخاري والنسائي وغيرهما.
فما المعتبر في الجرح والتعديل اذاً؟
في سياق جوابنا على إشكالهم الثاني، نقول أيضاً: لو سلّمنا فرضاً بضعف تلك الروايات، فإنّ كثرتها وتعدّد طرقها تجعلها معتبرة، ويمكن الأخذ بها بناءً على قاعدة: (الحديث الضعيف يقوّي بعضه بعضاً) (445) . وأنّهم كثيراً ما أخذوا بروايات رجالها ضعفاء، فمثلاً أنّهم عملوا بقوله (صلّى الله عليه وآله) (على اليد ما أخذت حتّى تؤديه) (446) على رغم ضعف سندها وانحصارها بسمرة بن جندب.
هذا كلّه بصرف النظر عن أنّ هناك جمّاً غفيراً من علماء المسلمين - من طوائف الاثني عشرية والإسماعيلية والزيدية - رووا بطرق صحاح وحسان ثبوت الحيعلة الثالثة في زمن رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله) وعدم نسخها، وحينئذٍ فنحن نرى انجبار الروايات الضعيفة بهذه الطرق الصحيحة والحسنة.
ويتأكد لك سبب ندرة الروايات الدالّة على الحيعلة الثالثة في مدرسة الخلفاء أو
____________________
(443) انظر: فيض القدير 1: 26.
(444) تاريخ بغداد 1: 224، وتهذيب الكمال 24: 415.
(445) نصب الراية 1: 93 عن البيهقي أنّه قال: والآثار الضعيفة إذا ضم بعضها إلى بعض أحدثت قوة فيما اجتمعت فيه من الحكم.
(446) مسند أحمد 5: 8، 12، 13، سنن الدارمي 2: 264 باب في العارية موداة، ابن ماجة 2: 802 باب العارية، سنن أبي داود 2: 115 باب في الرقبى، سنن الترمذي 2: 368 باب ما جاء في العارية موداة، مستدرك الحاكم 2: 47، السنن الكبرى للبيهقي 6: 90، 95، 100، السنن الكبرى للنسائي 3: 411.
تضعيفهم لرواتها لو سايرت البحث معنا حتّى الفصل الرابع (حيّ على خير العمل: تاريخها السياسي والعقائدي) إذ هناك ستقف على الأسباب السياسية الكامنة وراء هكذا أمور في الشريعة.
أمّا فيما يتعلّق بالإشكال الثالث من أنَّ عمل النبيّ الأكرم هو الحجّة وليس عمل الصحابة في المورد المشار إليه، فليس لنا إشكال في أصل هذا الكلام والمبنى، لكن فيه على أهل السنّة إيرادان: نقضيّ وحلّي؛ إذ أنك ترى أهل السنّة يتّبعون عمل الصحابة ويجعلونه معياراً لهم في الأحكام الفقهيّة، ولكنّهم اتّخذوا موقفاً مضادّاً لمنهجيّتهم الفقهيّة في مسألة (حيّ على خير العمل) على الرغم من دعم عمل الصحابة فيها بالنصوص الكثيرة الصريحة والشواهد التاريخيّة المؤيّدة لها.
فعلى الرغم من التزام الصحابة بـ (حيّ على خير العمل) في أذانهم، وعلى رغم كثرة الروايات التي تؤكّد شرعيّتها، ترى بعضهم يستثنون حكم هذه المسألة على ضوء طريقتهم فيقولون: الحجّة - في هذه المسألة بالذات - عمل النبيّ الأعظم وليس عمل الصحابة، مع أنّ مِن بينهم مَن يقول بأنَّ (فعل الصحابيّ يخصّص القرآن) (447) .. وهذا تناقض واضح وصريح من جانبهم!
بينما تراهم في حين آخر يقولون بأنّ فعل الصحابيّ هو علامة أو انعكاس لفعل النبيّ الأكرم، ولمّا كان ثمّة خلاف بين فقه عليّ (عليه السلام) وفقه عمر، وبين ابن عمر وعمر نفسه، وبين الصحابة الآخرين فيما بينهم أيضاً، فإنّ هذا مؤشر يدلّ دلالة واضحة على وجود مذهبين مختلفين: أحدهما يتبع رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) والنصوص الواردة، والآخر يعطي لنفسه الاجتهاد، ويتعبد بسيرة الشيخين و إن خالفت سنة رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله).
____________________
(447) المذاهب الإسلاميّة لأبي زُهرة.
ولو نقّبت في الكتب وتتبّعت أقوال المؤرخين في ابن عمر لوقفت على أنّ المشهور عندهم أنّه كان يتحرّى آثار النبيّ الأكرم، وقد سُطِّرَتْ في كتاب (منع تدوين الحديث) ثمان وثلاثون حالة اختلف فيها عبد اللَّه بن عمر مع أبيه.
إذ كان ابن عمر في أغلبها يحاول اتّباع سنّة رسول اللَّه، لكنّ عمر لم يأبه بكلام ابنه، ملتزماً برأيه، عاملاً بالقياس أو الاستحسان وما شابه ذلك..
فبماذا يُفَسَّر إذاً خلاف ابن عمر مع أبيه؟ نحن لا نريد بكلامنا هذا القول بأنّ ابن عمر كان من اتباع نهج التعبد المحض، أو أنّه لا يجتهد مقابل النص، لكن الصبغة الغالبة عليه هي شهرته بتحري أثار رسول اللَّه واتّباع سننه لا الاجتهاد والرأي.
ولمّا كان عمر هو الذي أمر بـ (الصلاة خير من النوم)، وهو الذي نهى عن (حيّ على خير العمل)، كان فعل الصحابة في هذا المورد هو الحاكم وهو الحجّة عندهم بخلاف ما يدّعون من أنَّ فعل النبيّ الأكرم هو الحجة لا غير.
وبهذا، فقد عرفنا شرعية الأذان بحيّ على خير العمل، وأنه لم ينسخ من قِبَلِ رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) كما يقولون، وما ذُكِر من إشكالات كلّها كانت واهية لا تناهض الأدلة، بل وقفتَ - عزيزي القارئ الكريم - على بعض تحريفات الأمويين ومن اتبعوهم من المتزلفين وكيف حرّفوا قول أبي محذورة (فلما انتهيت إلى حيّ على الفلاح قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (ألحِق فيها حيّ على خير العمل)، وأبدلوها بـ (اجعل في آخر أذانك حيّ على خير العمل) فإن هذا الكلام باطل وتحريف صريح للنصوص. لأنّ (ألحِق فيها حيّ على خير العمل) يؤكد على أن مكان الحيعلة الثالثة هو بعد الحيعلتين لا كما تقول الرواية المفتعلة بأنّها في آخر الأذان، فـ (الصلاة خير من النوم) تتفق مع كونها آخر الأذان لتأخر تشريعها، أما الحيعلة الثالثة فهي بعد
الحيعلتين، إلّا أن يقولوا بأن الحيعلة الثالثة أو الصلاة خير من النوم - كما في الرواية الأخرى - هو آخر الأذان، مسقطين بذلك التكبير والتهليل عن آخر الأذان وهذا ما لا يقوله أحد.
وعليه فيكون الصحيح الذي يتفق مع فصول الأذان هو ما رواه الحافظ العلوي بإسناده عن أبي محذورة لا ما حرّفه الذهبي وابن حجر، فتدبر.
إنّ المطالع في كتب السير والتاريخ والحديث عند المذاهب الإسلاميّة يقف على أسماء عدة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وأهل بيت رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) كانوا يؤذّنون بـ (حيّ على خير العمل) وإن كانت بعض تلك النصوص تشير إلى تأذينهم بها في الفجر خاصة، لكنّ هناك نصوصاً أخرى تدل على شموليتها لجميع الأوقات.
و إليك الآن أسماء بعض مَن أذّن بها للرسول الأكرم، وأسماء بعض كبار الصحابة وأهل بيت النبوة، جئنا بها من طرق الشيعة الإمامية الاثني عشرية وطرق الزيدية والإسماعيلية، وأهل السنة والجماعة، اعتقاداً منا بضرورة الوقوف على جميع الطرق عند جميع المذاهب الإسلامية، كي لا تكون رؤيتنا ضيقة منحصرة بمذهب دون آخر، بل لتكون شموليّة موسّعة تكشف عن وجهات نظر الجميع.
1 - بلال بن رباح الحبشي (ت 20 هـ).
أخرج الطبراني في الكبير والبيهقي في سننه، بسندهما عن عمّار وعمر ابنَي حفص بن عمر، عن آبائهم، عن أجدادهم، عن بلال أنّه كان يؤذّن بالصبح فيقول: (حيَّ على خير العمل)، فأمر النبيُّ أن يجعل مكانها (الصلاة خير من النوم) وترك
(حيَّ على خير العمل) (448) .
وقد مرّ عليك قبل قليل كلام الحافظ العلوي وتحقيقنا في هذه الرواية، وأن جملة (فأمره النبيّ...) لم تكن في الإسناد الأصلي، و يؤيّد صحة كلام الحافظ العلوي وروايته ما روي - عندنا - عن أبي بصير، عن أحدهما (عليهما السلام) أنه قال: (إنّ بلالاً كان عبداً صالحاً فقال: لا أؤذّن لأحد بعد رسول اللَّه، فتُرِكَ يومئذٍ: حيَّ على خير العمل) (449) .
وعن الإمام عليّ (عليه السلام) أنه قال: (سمعت رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) يقول: إنّ خير أعمالكم الصلاة. وأمر بلالاً أن يوذّن بحيّ على خير العمل) حكاه في الشفاء (450) .
وفي كنز العمّال: كان بلال يؤذن بالصبح فيقول: (حيّ على خير العمل) (451) .
2 - علي بن أبي طالب (ت 40 هـ).
روى الإمام المؤيد باللَّه الزيدي في كتابه شرح التجريد ، من طريق عبد بن يعقوب، عن عيسى بن عبد اللَّه، عن آبائه، عن عليّ (عليه السلام) أنه قال: (سمعت رسول اللَّه يقول: إن خير أعمالكم الصلاة. وأمر بلالاً أن يؤذّن بحيّ على خير العمل) (452) .
وروى الحافظ العلوي بسنده عن عيسى بن عبد اللَّه بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جده، قال: كان أبي عليّ (عليه السلام) إذا خرج إلى
____________________
(448) المعجم الكبير 1: 352، السنن الكبرى للبيهقي 1: 425 مجمع الزوائد 1: 330 كنز العمال 8: 345/ 23188.
(449) من لا يحضره الفقيه 1: 284، وسائل الشيعة 5: 418، ولنا تحقيق عن بلال في الفصل الثاني من هذا الباب فراجع.
(450) البحر الزخار 2: 191، وانظر: الشفاء 1: 260.
(451) كنز العمّال 8: 342، ح 23174.
(452) جواهر الأخبار والآثار 2: 191، الاعتصام بحبل اللَّه المتين 1: 309.
سفر لا يَكِل الأذان إلى غيره ولا الإقامة، وكان لا يَدَع أن يقول في أذانه: (حيَّ على خير العمل) (453) .
وقد أخرج الحافظ العلوي ذلك بعدّة طرق عن الإمام عليّ، منها:
حدّثنا محمّد بن الحسين التيملي قراءة، حدّثنا (454) عليّ بن العبّاس البجلي، حدّثنا بكّار بن أحمد، حدّثنا حسن بن حسين، عن عمرو بن ثابت، عن محمّد بن عبد الرحمن، قال: كان ابن النباح يجيء إلى عليّ (عليه السلام) حين يطلع الفجر فيقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، فيقول عليّ (عليه السلام): (مرحباً بالقائلين عدلاً، وبالصلاة مرحباً وأهلاً، يا ابن النباح: أقم).
حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا محمّد بن محمّد بن الحسين (455) في لقائه (456) ، أخبرنا محمّد بن القاسم بن زكريا، حدّثنا عبد بن يعقوب، أخبرنا عمرو بن ثابت، عن ابن أبي ليلى: بنحوه.
حدّثنا محمّد، أخبرنا محمّد بن عمّار العجلي، حدّثنا عليّ بن محمّد بن حنينة (457) ، حدّثنا عبد بن يعقوب، أخبرنا عمرو، عن ابن أبي ليلى: بنحوه.
حدّثنا أحمد بن زيد بن بشّار، وعليّ بن محمّد [ بن بنان ] الشيباني، قالا: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعيد الرفّاء المقري، حدّثنا محمّد بن الحسن بن محسن الطريفي،
____________________
(453) الأذان بحيّ على خير العمل: 94 الحديث 74.
(454) في الاعتصام 1: 291: نبأنا.
(455) في تحقيق عزّان: بن كنانة وليس فيها (في لقائه).
(456) في الاعتصام: في كتابه.
(457) أثبت عزّان في المتن: نُجية، وقال في الهامش: في ج: حنية، وفي ط: علي بن محمد بن حتينة، والصواب ما أثبته، انظر: ترجمته في المعجم [ الذي أعدّه في آخر الكتاب ]. أما في الاعتصام: حبية.
حدّثنا الحسن بن يحيى بن عبد اللَّه، حدّثني أبو بكر بن أبي أويس (458) ابن أخت مالك بن أويس، عن حسين بن عبد اللَّه بن ضميرة، عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنه كان يقول في أذان الصبح: (حيَّ على خير العمل، حيَّ على خير العمل).
حدّثنا ميمون بن عليّ بن حميد المقري، حدّثنا أبو الحسن أحمد بن الحسن بن الحسين بن عيسى العلوي، حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، حدّثنا المغيرة بن محمّد، حدّثنا إبراهيم بن محمّد وعبد الرحمن (459) حدّثنا عيسى بن عبد اللَّه و (460) محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جده، قال: كان أبي عليٌّ (عليه السلام) إذا خرج إلى سفر لا يَكِل الأذان إلى غيره والإِقامة (461) ، وكان لا يدع أن يقول في أذانه: (حيَّ على خير العمل).
حدّثنا (462) جعفر بن محمّد الجعفري ومحمّد بن عبد اللَّه بن الحسين، حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، حدّثنا يعقوب بن يوسف الضبي، حدّثنا أبو جبارة حصين بن المخارق، عن يعقوب بن عدي، عن يحيى بن زيد، عن آبائه، عن عليّ (عليه السلام): أنه كان يأمر مؤذنه أن ينادي في أذانه بحيَّ على خير العمل.
حدّثنا (463) أحمد بن محمّد بن إبراهيم قراءةً، أخبرنا محمّد بن أبي العبّاس الورّاق،
____________________
(458) أثبت عزّان في المتن بدل أويس (أنس) وأحال على ما ترجمه له في المعجم. وهو الموجود في الاعتصام 1: 292 كذلك وفي آخره الحيعلة مرة واحدة.
(459) في متن عزّان: (بن عبد الرحمن) وقال في الهامش: وفي ط: إبراهيم بن عبد الرحمن. وهو الموجود في الاعتصام 1: 292.
(460) في الاعتصام: عبد اللَّه بن محمد.
(461) في نسخة عزّان: ولا الإقامة. وهو الموجود في الاعتصام 1: 292 كذلك.
(462) في الاعتصام: أخبرنا.
(463) في نسخة عزّان: اخبرنا، وقد سقط ما قبله.
حدّثنا محمّد بن القاسم بن زكريّا، [ حدّثنا (464) ] عبد بن يعقوب، أخبرنا نصر بن مزاحم، عن سفيان بن إبراهيم الحريري، عن صباح المزني، عن سعيد، عن الأصبغ بن نباتة، قال: جاء مؤذنو عليّ (عليه السلام) فحيَّوه بالصلاة، فقال: (مرحباً بالقائلين عدلاً، وبالصلاة مرحباً وأهلاً). فلما تفرق المؤذّنون خرج علينا، فقال: (حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، حيَّ على خير العمل، حيَّ على خير العمل).
أخبرنا محمّد بن عبد اللَّه بن الحسين قراءة، حدّثنا الحسين بن محمّد الفزاري، حدّثنا جعفر بن عبد اللَّه المحمّدي، حدّثنا مصبح بن الهاقان (465) ، حدّثنا إبراهيم بن محمّد - يعني ابن أبي يحيى - عن جعفر، عن أبيه، [ عن جده (466) ] قال: كان عليّ (عليه السلام) يقول في أذانه: (حيَّ على الفلاح، حيَّ على خير العمل) وذكر الحديث.
* طريق الإمام الصادق (عليه السلام):
أخبرنا أبو العبّاس أحمد بن زيد بن بشّار، وعليّ بن محمّد الشيباني، قالا: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعيد بن مسلم، حدّثنا عليّ بن العبّاس وعليّ بن سلامة، حدّثنا بكار بن أحمد، حدّثنا نصر بن مزاحم، عن الثقة إبراهيم بن أبي يحيى، عن جعفر بن محمّد (عليه السلام): (أن عليّاً (عليه السلام) كان يقول لكل صلاة: حيَّ على الفلاح، حيَّ على خير العمل).
____________________
(464) الزيادة من تحقيق عزّان. والاعتصام 1: 292.
(465) في الاعتصام: الهلقان.
(466) الزيادة من الاعتصام.
* طريق إبراهيم بن محمد:
أخبرنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم قراءة، أخبرنا محمّد بن أبي العبّاس الورّاق في كتابه، حدّثنا محمّد بن القاسم، حدّثنا الحسن بن محمّد المزني، حدّثنا هارون بن أبي بروة، حدّثني حسين أخي، عن إبراهيم بن محمّد بن أبي يحيى: أن عليّاً (عليه السلام) كان يقول لكل صلاة: (حيَّ على الصلاة حي على الصلاة، حيَّ على الفلاح حيَّ على الفلاح، حيَّ على خير العمل حيَّ على خير العمل) (467) .
* طريق الإمام الباقر (عليه السلام):
أخبرنا محمّد قراءةً، حدّثنا محمّد [ قراءة (468) ]، حدّثنا حسن، حدّثنا حسين ابن نصر، حدّثنا خالد بن عيسى، عن عاصم بن جميل (469) ، عن جعفر، عن أبيه: أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول في الأذان لكل صلاة: حيَّ على الصلاة حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح، حيَّ على خير العمل حيّ على خير العمل.
أخبرنا محمّد [ بن أحمد (470) [، أخبرنا محمّد [ بن أبي العباس (471) ]، أخبرنا محمّد [ بن القاسم (472) ]، حدّثنا حسن [ بن محمّد المزني (473) ]، حدّثني هارون ابن أبي بردة، عن وهب بن وهب، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه [ عن جده (474) ]: (أن عليّاً (عليه السلام) كان يُثنّي الإِقامة كما يُثنّي الأذان، وأخبرنا أنه إن أذّن في الصبح قال: حيَّ على خير
____________________
(467) وانظر: الاعتصام 1: 293.
(468) الزيادة من الاعتصام 1: 293.
(469) في تحقيق عزّان: بن حميد الخياط.
(470) الزيادة من عزّان.
(471) الزيادة من عزّان.
(472) الزيادة من عزّان.
(473) الزيادة من عزّان.
(474) الزيادة من الاعتصام 1: 293.
العمل).
أخبرنا (475) أحمد بن زيد بن بشّار، حدّثنا الحسن [ بن (476) ] محمّد الرفّا، حدّثنا عليّ بن العبّاس وعليّ بن الحسين بن سلامة، قالا: حدّثنا بكّار، حدّثنا حسن (477) بن حسين [ العُرني ]، عن صالح بن أبي الأسود، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (كان في أذان عليّ (عليه السلام): حيّ على خير العمل).
... حدّثنا ابن النحّاس، حدّثنا عليّ، حدّثنا بكار بهذا... وقال: (كان في الأذان حيّ على خير العمل).
حدّثنا عبد اللَّه بن مخالد (478) البجلي، أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد، حدّثني أحمد بن يحيى بن المنذر الحجري، حدّثنا أبو الطاهر أحمد بن عيسى، حدّثني الحسن بن عليّ الينبعي عن أبيه، قال: سمعت محمّد بن عليّ (عليه السلام) يؤذن حيّ على خير العمل، فقلت له: أيش هذا الأذان؟ قال: (هذا أذان خير البرية بعد النبيّ (عليه السلام) جدِّك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)) (479) .
وجاء في حاشية الدسوقي ما نصه: (كان عليّ (عليه السلام) ي يد (حيَّ على خير العمل) بعد (حيَّ على الفلاح) وهو مذهب الشيعة الآن) (480) .
ومعنى كلامه أنه (عليه السلام) لم يَزِد شيئاً إضافياً على فصول الأذان، بل إنّه كان يأتي بأمر لم يعمل به الخلفاء.
____________________
(475) في تحقيق عزّان: حدّثنا.
(476) الزيادة من تحقيق عزّان والاعتصام.
(477) في الاعتصام: حسين.
(478) في الاعتصام 1: 294: مجالد.
(479) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي: 48 - 53، وبتحقيق عزّان من ص 92 - 98. والاعتصام 1: 294.
(480) حاشية الدسوقي 1: 193.
* طرق أخرى:
وفي الاعتصام بحبل اللَّه: وقد ذكر الفقيه صالح بن الصديق النمازي في شرحه (الأنهار على أثمار الأزهار) (قال ابن الرفعة - من أصحاب الشافعي - في مطلبه: قال القاضي حسين في التعليق: روي عن عليّ (عليه السلام) أنه كان يقول (حيَّ على خير العمل) وبه أخذت الشيعة (481) .
وروى الحافظ العلوي من طريق ابن عبّاس، عن عليّ بن أبي طالب، قال: سمعت رسول اللَّه يقول: (لمّا انتهي بي إلى سدرة المنتهى، فرأيت من جلال اللَّه ما رأيت، قال لي: يا محمّد (حيَّ على خير العمل)، قلت: يا رب وما خير العمل؟ قال: الصلاة قربان أمّتك...) (482) .
وعن يحيى بن زيد، عن آبائه، عن عليّ (عليه السلام) أنه كان يأمر مؤذّنه أن ينادي في أذانه بحيّ على خير العمل (483) .
وعن حسين بن عبد اللَّه بن ضميرة، عن جدّه ضميرة، عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنه كان يقول في أذان الصبح (حيَّ على خير العمل حي على خير العمل) (484) .
وروت الزيديّة عن جعفر بن محمّد، عن أبيه: (أنّ علياً (عليه السلام) كان يثنّي الإقامة كما يثنّي الأذان). وأخبرنا أنه إن أذّن في الصبح قال: (حيّ على خير العمل).
وعنه أيضاً، قال: (إنّ علياً (عليه السلام) كان يقول لكل صلاة: حيّ على الفلاح، حيَّ
____________________
(481) الاعتصام بحبل اللَّه 1: 308.
(482) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي: 61 بتحقيق عزّان. والاعتصام بحبل اللَّه 1: 290.
(483) كتاب الأذان بحيَّ علي خير العمل: 92 / الحديث 69، بتحقيق عزّان.
(484) كتاب الأذان بحيَّ على خير العمل: 93 / الحديث 73، بتحقيق عزّان.
على خير العمل) (485) .
وفي من لا يحضره الفقيه : وكان ابن النبّاح يقول في أذانه: (حيَّ على خير العمل حيَّ على خير العمل) فاذا رآه عليّ قال: (مرحباً بالقائلين عدلاً، وبالصلاة مرحباً وأهلاً) (486) .
3 - أبو رافع (كان حيّاً في عهد الإمام الحسن)
قال الحافظ العلوي: أخبرنا عليّ بن محمّد [ إسحاق (487) ] الخزّاز، أخبرنا الحسن بن محمّد بن سعيد المُقرئ، حدّثنا الحسن بن حيّاس (488) ، حدّثنا محمّد بن سليمان [ لُوَين ]، حدّثنا شريك، عن عاصم بن (489) عبيد اللَّه، عن عليّ بن الحسين، عن أبي رافع، قال: (كان النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) إذا سمع الأذان قال كما يقول، فإذا بلغ حيّ على خير العمل قال: لا حول ولا قوّة إلّا باللَّه) (490) .
4 - عقيل بن أبي طالب (ت في خلافة معاوية).
روى الحافظ العلوي بسنده عن عبيدة السلماني: أنّ عقيل بن أبي طالب كان
____________________
(485) الأذان بحيّ على خير العمل: 96 الحديث 77 وقد مر آنفاً.
(486) من لا يحضره الفقيه 1: 288 ح / 890 وانظر: كتاب الأذان بحيّ على خير العمل: 94 الحديث 75.
(487) الزيادة من الاعتصام 1: 289.
(488) تحقيق عزّان: حباش. وفي الاعتصام 1: 289: حياش.
(489) في الاعتصام 1: 289: عن.
(490) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 28، وبتحقيق عزّان: 55. الاعتصام 1: 289، وفيما يلي عن الاعتصام 1: 294 مثله.
يؤذن بـ (حيّ على خير العمل) إلى أن فارق الدنيا (491) .
5 - الحسن بن عليّ بن أبي طالب (ت 50 هـ).
قال القاسم بن محمّد - وهو من أعلام الزيديّة -: ذكر في كتاب السنام ما لفظه: الصحيح أنّ الأذان شرع بحيّ على خير العمل؛ لأنه اتفق على الأذان به يوم الخندق، ولأنه دعاء إلى الصلاة؛ وقد قال (صلَّى الله عليه وآله): (خير أعمالكم الصلاة)، وقد اتّفق أيضاً على أنّ ابن عمر والحسن والحسين (عليهما السلام) وبلالاً وجماعة من الصحابة أذّنوا به، حكاه في شرح الموطأ وغيره من كتبهم (492) .
وقد روى الحافظ العلوي عن محمّد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا محمّد بن أبي العبّاس الوراق بحرانة، حدّثنا محمّد بن القاسم، حدّثنا حسن بن محمّد، حدّثنا محمّد بن عليّ الكندي، عن زكريّا بن يحيى، عن عبد الرحمن بن أبي حمّاد، عن يوسف بن يعقوب، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (أذاني وأذان آبائي النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وعليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين..: حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل) (493) .
وفي الاعتصام (1: 294) عن الأذان للحافظ العلوي: أخبرنا محمّد بن طلحة الثعالبي ببغداد، حدّثنا محمّد بن عمر الجعابي القاضي، حدّثنا إسحاق بن محمّد - يعني ابن مروان - حدّثنا أبي، حدّثنا زيد بن المعدل، حدّثنا عبد اللَّه بن يزداد المرادي، عن النعمان بن قيس، عن عبيدة السلماني قال: كان عليّ بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعقيل بن أبي طالب، وابن عباس، وعبد اللَّه بن جعفر، ومحمّد
____________________
(491) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 54، وتحقيق عزّان: 109.
(492) الاعتصام بحبل اللَّه المتين 307 - 313. وانظر: الروض النضير 1: 542.
(493) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي: 54، وبتحقيق عزّان: 136 الحديث 171. والاعتصام 1: 294.
بن الحنفية: يؤذنون إلى أن فارقوا الدنيا فيقولون: (حيّ على خير العمل)، ويقولون: (لم تزل في الأذان).
6 - أبو محذورة (ت 59 وقيل 79 هـ).
روى محمّد بن منصور في كتابه الجامع، بإسناده عن رجال مرضيين، عن أبي محذورة - أحد موذّني رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) - أنه قال: أمرني رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) أن أقول في الأذان: (حيَّ على خير العمل) (494) .
وروى محمّد بن منصور: أنّ [ أبا ] القاسم (عليه السلام) أمره أن يؤذّن و يذكر ذلك [ يعني حيّ على خير العمل ] في أذانه، قال: (إنّ رسول اللَّه أمره به)؛ هكذا في الشفاء (495) .
وأخرج الحافظ العلوي من عدّة طرق خبر الحيعلة الثالثة، منها طريق الحمّاني آنف الذكر، والأخرى:
1 - حدّثنا أبو الطيب محمّد بن الحسين بن النحّاس (496) قراءة، حدّثنا عليّ بن عبّاس البجلي، [ حدّثنا بكار بن أحمد، حدّثنا مخول بن إبراهيم، عن] (497) محمّد بن بكر، عن زياد بن المنذر، قال: حدّثني شيخ من أصحابنا، عن رجل حدّثه عن أبي محذورة، قال: أمرني رسول اللَّه أن أقول في الأذان: (حيّ على خير العمل) (498) .
2 - أخبرنا أحمد بن عليّ بن العطّار ومحمّد بن الحسين بن عزال قراءة عليهما،
____________________
(494) البحر الزخّار 2: 192، أمالي أحمد بن عيسى 1: 92، وكذلك ميزان الاعتدال 1: 139، لسان الميزان 1: 268.
(495) جواهر الأخبار والآثار 2: 191.
(496) في تحقيق عزّان: النخّاس.
(497) الزيادة عن تحقيق عزّان: 51 ح 2.
(498) الاعتصام بحبل اللَّه 1: 284.
قالا: حدّثنا عليّ بن أحمد بن عمرو، حدّثنا محمّد بن المنصور المقري، حدّثني أحمد بن عيسى، عن محمّد بن بكر، عن أبي الجارود مثله (499) .
3 - حدّثنا أحمد بن زيد بن يسار، أخبرنا الحسن بن محمّد بن سعيد بن مسلم [ الرفّاء ]، حدّثنا محمّد بن الحسن الأريسي (500) ، حدّثنا أحمد بن يحيى الصوفي، حدّثنا مخول بن إبراهيم، حدّثني محمّد بن بكر الأرحبي، عن أبي الجارود، قال: حدّثني يحيى - شيخ من أصحابنا - عن رجل حدّثه عن أبي محذورة قال: (أمرني رسول اللَّه أن أقول في الأذان: حيَّ على خير العمل) (501) .
4 - حدّثنا محمّد بن الحسين بن النحّاس قراءة، حدّثنا عليّ بن العبّاس البجلي، حدّثنا بكّار بن أحمد، حدّثنا عثمان بن سعيد الأحول، حدّثني هُذيل ابن بلال المدائني، قال: سمعت [ ابن (502) ] أبي محذورة يقول: حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل.
5 - حدّثنا (503) أبو الطيب عليّ بن محمّد بن بنان، حدّثني أبو القاسم عبد اللَّه ابن جعفر بن محمّد النجّار الفقيه، حدّثنا العبّاس بن أحمد بن محمود الرازي - قَدِم حاجِّاً في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمئة - حدّثنا أبو جعفر (504) أحمد بن محمّد بن سلامة
____________________
(499) علَّق عزّان (51 ح 3): أخرجه محمد بن منصور في الأمالي 234 (1: 196 رأب الصدع) وفيه: أمرني رسول اللَّه أن أقول في الأذان: (حيّ على خير العمل..). وانظر: الاعتصام بحبل اللَّه 1: 284.
(500) في تحقيق عزّان: الأويسي. انظر: 52 ح 4.
(501) الاعتصام بحبل اللَّه 1: 284.
(502) من تحقيق عزّان: 54 ح 7. والاعتصام بحبل اللَّه 1: 284 - 290.
(503) في الاعتصام 1: 289 أخبرنا.
(504) في الاعتصام 1: 289 أبو هند.
الأزدي بمصر - يعني الطحاوي الفقيه - حدّثنا يونس بن بكر (505) ، حدّثنا ابن وهب، حدّثني عثمان [ بن الحكم الجذامي (506) ، عن ابن جُريج، عن ابن أبي محذورة، عن آل أبي محذورة (507) ]، عن أبي محذورة، قال: قال رسول اللَّه: (اذْهَبْ فأذِّن عند المسجد الحرام وقل: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، أشهد أن محمّداً رسول اللَّه، أشهد أن محمّداً رسول اللَّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلّا اللَّه) (508) .
6 - وبهذا الإسناد عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، قال: تأذين من مضى يخالف تأذينَهم (509) اليوم، وكان أبو محذورة يؤذّن على عهد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) فأدركته أنا وهو يؤذن، وكان يقول في أذانه بين الفلاح والتكبير: (حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل).
وروى الإمام المؤيّد باللَّه في شرح التجريد من طريق أبي بكر المقري، قال: حدّثنا الطحاوي الفقيه، قال: حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو عاصم، قال: حدّثنا ابن جريج، قال: حدّثنا عثمان بن السائبة (510) ، قال: أخبرني أبي، عن عبد الملك بن
____________________
(505) في الاعتصام: بكير.
(506) في الاعتصام: الحرامي.
(507) الزيادة من تحقيق عزّان: 52 ح 5.
(508) في تحقيق عزّان: 53 زيادة ثمّ ارجع فمد صوتك بـ (اللَّه أكبر) إلى أن تنتهي إلى الشهادتين، ثمّ قل: حيَّ على الصلاة حيّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلّا اللَّه. وهذه الزيادة موجودة في الاعتصام (1: 289) كذلك، وفي أول الأَذان تكبيرتان.
(509) في الاعتصام 1: 289: تأذينكم.
(510) في الاعتصام 1: 280: السائب.
أبي محذورة، عن أبي محذورة مؤذن النبيّ، قال: قال رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله): (اذْهَبْ فأذِّن في المسجد الحرام وقل: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر...) إلى أن ذكر: (حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل) (511) . وهو نفس خبر الحافظ العلوي إلا أنّ العلوي رواه عن طريق يونس بن بكر، حدّثنا ابن وهب، حدّثني عثمان بن الحكم المدائني، عن ابن جريج.
وقال الإمام يحيى بن حمزة من أئمّة الزيديّة في الانتصار : الحجّة التالية ما رواه محمّد بن منصور في كتاب الجامع بإسناده عن رجال مرضيّين، عن أبي محذورة أحد مؤذّني رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) أنّه قال: أمرني رسول اللَّه...
وقال الإمام محمّد بن المطهّر في المنهاج : وروِّينا أنّ أبا محذورة أمره النبيّ أن يقول: (حيَّ على خير العمل حيَّ على خير العمل).
وروى الحافظ العلوي بإسناده عن طر يق يحيى بن حميد الحِمّاني، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاش، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي محذورة، قال: كنت غلاماً صبيّاً فأذّنت بين يدَي رسول اللَّه لصلاة الفجر، فلمّا انتهيت إلى حيّ على الفلاح، قال النبيّ: (ألحِقْ بها: حيَّ على خير العمل) (512) .
____________________
(511) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 27 وما في مسند المؤيّد باللَّه موجود في "معاني الآثار" المطبوع، لأنّه سقط منه لفظ (حيّ على خير العمل) وهو يعني أن المؤيّد لم يَرو الرواية عن كتاب الطحاوي وإنما رواها عن طريق أبي بكر المقري عن الطحاوي، وقد تابعه العبّاس بن أحمد بن محمود الرازي كما هو مذكور، ويقوّيه ما أورد الحافظ المرادي (انظر: حيّ على خير العمل لمحمد سالم عزّان: 20). والاعتصام بحبل اللَّه (1: 280) وفيه: علمني رسول اللَّه الأَذان كما أوذّن الآن: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر.. وذكر فيها الحيعلة الثالثة، ثمّ قال: وذكره الهادي بلفظه في "الأحكام" و"المنتخب"، وقال في "المنتخب": الذي صح لنا عن رسول اللَّه هذا. وروي في "الشفا" مثل هذا عن ابن أبي محذورة.
(512) الأذان بحيّ على خير العمل تحقيق عزّان: 50. والاعتصام 1: 283.
7 - الحسين بن عليّ بن أبي طالب (ت 61 هـ).
قال القاسم بن محمّد - وهو من أعلام الزيدية -: ذكر في كتاب السنام ما لفظه: الصحيح أنّ الأذان شُرِّع بحيّ على خير العمل؛ لأنّه اتّفق على الأذان به يوم الخندق، ولأنّه دعاء إلى الصلاة؛ وقد قال (صلَّى الله عليه وآله): (خير أعمالكم الصلاة)، وقد اتّفق أيضاً على أنّ ابن عمر والحسن والحسين (عليهما السلام) وبلالاً وجماعة من الصحابة أذّنوا به، حكاه في شرح الموطأ وغيره من كتبهم (513) .
وقد روى الحافظ العلوي عن محمّد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا محمّد بن أبي العبّاس الورّاق بحرانة، حدّثنا محمّد بن القاسم، حدّثنا حسن بن محمّد، حدّثنا محمّد بن عليّ الكندي، عن زكريا بن يحيى، عن عبد الرحمن بن أبي حماد، عن يوسف بن يعقوب، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (أذاني وأذان آبائي النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وعليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين: حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل) (514) .
8 - زيد بن أرقم (ت ما بين 66 إلى 68 هـ).
حكى الشوكانيّ في نيل الأوطار، عن المحبّ الطبري في إحكام الأحكام : أنّ زيد بن أرقم كان يؤذّن بحيّ على خير العمل (515) .
____________________
(513) الاعتصام بحبل اللَّه المتين 307 - 313. وانظر: الروض النضير 1: 542.
(514) الأذان للحافظ العلوي: 54، وبتحقيق عزّان: 136 الحديث171. وقد مر عليك في صفحة 319 ما جاء في الاعتصام عن الحسن والحسين وغيرهم من الطالبيين.
(515) نيل الأوطار 2: 44، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 5: 283.
9 - عبد اللَّه بن عبّاس (ت ما بين 68 إلى 70 هـ).
روى الحافظ العلوي عن محمّد بن طلحة الثعالبي (516) ببغداد، حدّثنا محمّد ابن عمر الجعابي القاضي، حدّثنا إسحاق بن محمّد - يعني ابن مروان - حدّثنا أبي، حدّثنا زيد بن المعدلة (517) ، حدّثنا عبد اللَّه بن نزار المرادي، عن النعمان بن قيس، عن عبيدة السلماني، قال: كان عليّ بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعقيل بن أبي طالب، وابن عبّاس، وعبد اللَّه بن جعفر، ومحمّد بن الحنفية، يؤذنون إلى أن فارقوا الدنيا، فيقولون: (حيّ على خير العمل).. ويقولون: (لم يَزَل في الأذان ) (518) .
10 - عبد اللَّه بن عمر (ت 73 وقيل 74 هـ).
اختلفت الروايات عنه، ففي بعضها أنّه كان يقول بحيّ على خير العمل دوماً، وفي أخرى أنّه كان يقولها أحياناً أو في السفر خاصة. وقد وضّحنا في كتابنا "وضوء النبيّ" (البحث الروائي) سرّ مثل هذا الاختلاف في المرويّات، وسيأتي مزيد توضيح إن اقتضى الأمر. فأما الآثار الدالّة على تأذين ابن عمر بها دوماً، فهي:
1 - عن محمّد بن سيرين، عن ابن عمر، أنّه كان يقول ذلك في أذانه (519) .
2 - وفي مصنّف عبد الرزّاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل: أن ابن عمر كان إذا قال في الأذان (حيّ على الفلاح) قال (حيّ على خير العمل) ثمّ
____________________
(516) بتحقيق عزّان: النعالي.
(517) في تحقيق عزّان: المُعَدِّل.
(518) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 54، وتحقيق عزّان: 109 وفيه: لم تزل في الأذان.
(519) السنن الكبرى للبيهقي 1: 425، الاعتصام بحبل اللَّه 1: 308.
يقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلّا اللَّه (520) .
3 - وعن زيد بن محمّد، عن نافع: أنّ ابن عمر كان إذا أذّن قال: (حيّ على خير العمل) (521) .
4 - وعن ابن عون، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا أذّن قال: (حيّ على خير العمل)، أخرجه المؤيد باللَّه (522) .
وقال الحافظ محمّد بن إبراهيم الوزير: وروى ابن حزم في كتاب الإجماع، عن ابن عمر أنّه كان يقول في أذانه: (حيّ على خير العمل) (523) . ثمّ قال: وبحثت عن هذين الإسنادين في (حيّ على خير العمل) فوجدتهما صحيحين إلى ابن عمر وزين العابدين (524) .
أما الأقوال المشيرة إلى تأذينه بها في بعض الأحيان، فهي:
1 - مالك بن أنس، عن نافع: كان ابن عمر أحياناً إذا قال (حيّ على الفلاح) قال على إثرها: (حيّ على خير العمل) (525) .
2 - عن الليث بن سعد، عن نافع، قال: كان ابن عمر لا يؤذّن في سفره، وكان يقول: (حيّ على الفلاح) وأحياناً (حيّ على خير العمل). ورواه محمّد بن سيرين
____________________
(520) المصنف 1: 460 / ح 1786.
(521) الاعتصام بحبل اللَّه 1: 295. وراب الصدع 1: 198 وفي الإيضاح للقاضي نعمان: 109 و... وفيها بهذا الإسناد [ أي الذي مر في الكتب الجعفرية ] عن جعفر بن محمد بن نافع بن عبد اللَّه بن عمر إذا أقام الصلاة فبلغ (حي على الفلاح) قال: (حي على خير العمل).
(522) أخرجه المؤيّد باللَّه في شرح التجريد (خطوط) من طريق عمّار بن رجاء عن أزهر بن سعد، انظر: "الأذان بحيّ على خير العمل" للحافظ العلوي بتحقيق عزّان: 103.
(523) انظر: مراتب الإجماع، لابن حزم: 27.
(524) الروض النضير 1: 542 وانظر: الإحكام لابن حزم 4: 593، ومقدمة الأذان بحيّ على خير العمل بتحقيق عزّان: 14.
(525) السنن الكبرى للبيهقي 1: 424؛ الاعتصام بحبل اللَّه 1: 297، 308، 312.
عن ابن عمر أنّه كان يقول ذلك في أذانه، وكذلك رواه نسير بن ذعلوق عن ابن عمر وقال: في السفر (526) .
3 - وعن عبيد اللَّه والليث بن سعد، عن نافع، قال: كان ابن عمر ربّما زاد في أذانه (حيّ على خير العمل) (527) . ورواه أيضاً عطاء عن ابن عمر (528) .
4 - عبد الرزّاق، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، أنّه كان يقيم الصلاة في السفر يقولها مرّتين أو ثلاثاً يقول: (حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة، حيّ على خير العمل) (529) .
قال ابن حزم: ولقد كان يلزم من يقول بمثل هذا عن الصاحب - فمثل هذا لا يقال بالرأي - أن يأخذ بقول ابن عمر هذا، فهو عنه ثابت بأصحّ إسناد (530) .
وروى الحافظ زين الدين العراقي عن الإمام علاء الدين مغلطاي في كتاب "التلويح شرح الجامع الصحيح" أنّه قال ما لفظه: أمّا حيّ على خير العمل فذكر ابن حزم أنّه صحّ عن عبد اللَّه بن عمر وأبي أمامة بن سهل بن حنيف أنهما كانا يقولان في أذانهما حيّ على خير العمل. وقال مغلطاي: وكان عليّ بن الحسين يقوله (531) .
وقال المحقّق الجلال: وصحّح ابن دقيق العيد وغيره أن ابن عمر وعليّ بن الحسين ثَبَتا على التأذين بها إلى أن ماتا (532) .
وفي المختصر من شرح ابن دقيق العيد على العمدة ما لفظه: وقد صحّ بالسند
____________________
(526) السنن الكبرى للبيهقي 1: 424 - 425، وانظر: مصنف بن أبي شيبة 1: 196.
(527) فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن رجب الحنبلي 3: 497.
(528) السنن الكبرى للبيهقي 1: 424، الاعتصام بحبل اللَّه 1: 229، 310.
(529) مصنّف عبد الرزّاق 1: 464 / ح 1797.
(530) المحلى 3: 160 - 161.
(531) الروض النضير 1: 541. والاعتصام بحبل اللَّه 1: 311.
(532) ضوء النهار 1: 468.
الصحيح أن زين العابدين وعبد اللَّه بن عمر أذنّا بحيّ على خَير العمل إلى أن ماتا (533) .
و إليك الآن بعض الطرق التي ذكرها الحافظ العلوي في كتابه "الأذان بحيّ على خير العمل" ، عن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب:
* زيد عن نافع
أخبرنا أبو الطيّب محمّد بن الحسين التيملي قراءة، حدّثنا أبو جعفر محمّد ابن عليّ بن مهدي العطّار، حدّثنا قاسم بن وهب التميمي، حدّثنا قاسم أبو بكر البجلي، حدّثنا إسماعيل بن هارون الخزّار، عن عاصم العمري، عن زيد بن محمّد بن (534) نافع: أنّ ابن عمر كان إذا أذّن قال: حيّ على خير العمل.
* محمد بن عجلان عن نافع
حدّثنا محمّد بن حميد بن محمّد [ بن الحسين (535) ] بن حميد اللخمي، حدّثنا أبو بكر محمّد بن جعفر الآدمي القاري، حدّثنا موسى بن إسحاق، حدّثنا منجاب (536) بن الحارث، عن عليّ بن شهر (537) ، عن حاتم، عن محمّد بن عجلان، عن نافع، قال: سمعت ابن عمر يقول: حيّ على خير العمل.
حدّثنا الحسين بن محمّد بن الحسن المقري، حدّثنا عليّ بن الحسين بن يعقوب، حدّثنا عليّ بن أحمد بن حاتم، حدّثنا محمّد [ بن أحمد (538) ] بن مروان، حدّثنا عثمان
____________________
(533) الروض النضير 1: 542.
(534) في الاعتصام: عن.
(535) الزيادة من الاعتصام.
(536) في الاعتصام 1: 296: مِنْجَاب، وضبطه في الهامش: بكسر الميم وسكون النون وفتح الجيم، التيمي، أبو محمد الكوفي.
(537) في الاعتصام: مسهر.
(538) الزيادة من الاعتصام.
بن سعيد، عن (539) حاتم، بن إسماعيل، عن محمّد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يقول: حيّ على خير العمل.
حدّثنا عبد اللَّه بن بشر بن مخالد (540) البجلي، أخبرنا أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد، حدّثنا أحمد بن يحيى بن المنذر الحجري، حدّثنا أبو الطاهر أحمد بن عيسى، حدّثني أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يؤذّن فيقول: حيّ على خير العمل، و يقول: كانت في الأذان، فخاف عمر أن يتكل (541) الناس عن الجهاد.
أخبرنا محمّد بن طلحة الثعالي البغدادي ببغداد، وكتبه أبي بخطه، حدّثنا القاضي أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي الحافظ، حدّثنا حامد بن سعيد بن زهير، حدّثنا شريح بن يونس، حدّثنا أبو سعيد الصنعاني، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: أنّه كان يقول - يعني في أذانه -: [ حيّ على الصلاة (542) ] حيّ على خير العمل.
أخبرني محمّد بن طلحة الثعالي، حدّثنا محمّد بن عمر الجعابي الحافظ، حدّثنا أحمد المؤمّل، حدّثنا محمّد بن عليّ بن خلف، حدّثنا إسماعيل بن أبان، حدّثني ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: أنّه كان يؤذن فيقول في أذانه: حيّ على خير العمل.
وقد رواه أيضاً جعفر بن محمّد الطبري عن ابن عمّار، عن مؤمّل، عن سفيان، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر.
____________________
(539) في الاعتصام: (حدّثنا) بدل (عن).
(540) في الاعتصام: مجالد.
(541) في الاعتصام: ينكل.
(542) الزيادة من الاعتصام 1: 296.
* مالك بن أنس عن نافع
أخبرنا أبو العبّاس أحمد بن زيد بن بشار قراءةً، حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعيد المقري، حدّثنا جعفر بن محمّد الحسني البغدادي، حدّثنا محمّد بن عليّ بن خلف، حدّثنا عبد الوهّاب بن عطا الجفاف (543) ، أخبرنا مالك بن أنس، عن نافع: أن ابن عمر كان يقول في أذانه: حيّ على خير العمل (544) .
* ابن عون عن نافع
حدّثنا ميمون بن حميد المقري، أخبرنا إسحاق بن محمّد المقري، حدّثنا أبو زيد الحسن بن [ محمّد بن (545) ] السكن التميمي، حدّثنا جعفر بن محمّد السَّدوسي، حدّثنا أزهر بن سعدان، حدّثنا ابن عون، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا أذّن قال: حيّ على خير العمل (546) .
حدّثنا حسن بن حسين بن حبيش المقري، أخبرنا أبو العبّاس محمّد ابن أحمد بن مرزوق، حدثنا أبو زيد الحسن بن محمد بن السكن: بهذا.
____________________
(543) في الاعتصام: الخفاف.
(544) وانظر:الاعتصام 1: 312 فإنه وبعد ذكره إسناد البيهقي الشافعي عن مالك بن أنس عن ابن نافع... قال: ومن طريقهم إلى الطبري الشافعي في كتابه (غاية الإحكام في أحاديث الأحكام) ما لفظه: حديث الحيعلة بحيّ على خير العمل أخرجه سعيد بن منصور قال الطبري: ورواه ابن حزم في كتاب (الإجماع) عن ابن عمر: إنّه كان يقول في أذانه: حيّ على خير العمل. انتهى ما ذكره في التوضيح، وفي شرح العمدة لابن دقيق العيد.
(545) الزيادة من الاعتصام.
(546) جاء فيالاعتصام 1: 281 قال المؤيد باللَّه فيه أيضاً: أخبرنا أبو العباس الحسن قال: أخبرنا محمد بن علي الصباغ، ويوسف بن محمد الكسائي، وأحمد بن سعيد الثقفي قالوا أخبرنا عمار بن رجا قال: حدّثنا أزهر بن سعد عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول في أذان: حيّ على خير العمل، وهو في أصول الأحكام والشفاء.
حدّثنا أبي، حدّثنا عليّ بن سفيان (547) بن يعقوب الهمداني (548) ، حدّثنا أبو زيد الحسن بن محمّد بن السكن: بهذا.
* ابن جريج عن نافع
حدّثنا (549) أبو عمر عبد الواحد بن محمّد بن عبد اللَّه بن محمّد بن مهدي البغدادي، أخبرنا أبو عبد اللَّه محمّد بن إسماعيل الفارسي قراءةً سنة تسع وعشرين وثلاثمئةً، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن عبّاد، حدّثنا عبد الرزاق بن همّام الصنعاني، عن ابن جريج، عن نافع: أنّ ابن عمر كان يقول: - يعني في الأذان - حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل.
* عثمان بن مقسم عن نافع
أخبرنا محمّد بن طلحة التعالي (550) ، حدّثنا محمّد بن عمر بن زياد بن عجلان، حدّثنا محمّد بن إِسماعيل الراشدي، حدّثنا أميّة بن الحارث، حدّثنا عثمان بن مقسم، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يقول في أذانه: حيّ على خير العمل.
* عبيد اللَّه بن عمر عن نافع
أخبرنا محمّد بن أحمد بن إِبراهيم قراءةً، حدّثنا أحمد بن محمّد بن الهيثم في كتابه، حدّثنا أبو عليّ الخراساني، حدّثنا أبو بكر، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا عبيد اللَّه، عن نافع، قال: كان ابن عمر ربّما زاد في أذانه: حيّ على خير العمل.
____________________
(547) في الاعتصام: شفير.
(548) في الاعتصام: الهمذاني.
(549) في الاعتصام: أخبرنا.
(550) في الاعتصام: الثعالبي وبعده: حدّثنا محمد بن عمر الجعابي، حدّثنا أحمد بن زياد ابن عجلان، حدّثنا محمد بن إسماعيل الراشدي...
أخبرنا محمّد (551) بن أبي العبّاس الورّاق، حدّثنا محمّد بن الحسين بن جعفر (552) ، حدّثنا عبيد اللَّه [ بن إسماعيل القرشي، حدّثنا أبو أسامة، حماد بن أسامة عن عبيد اللَّه (553) ]، عن نافع، قال: كان ابن عمر ربّما زاد في أذانه: حيّ على خير العمل.
أخبرنا عليّ بن محمّد الشيباني، ومحمّد بن أحمد [ بن إبراهيم (554) ] قراءةً عليهما، قالا: أخبر الحسن بن محمّد بن إسماعيل بن إسحاق في كتابه، حدّثنا جعفر بن محمّد الحسني (555) ، حدّثنا عيسى بن مهران، أخبرنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، حدّثنا أبو مالك الحسني، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، قال: كان ابن عمر ربّما قال في أذانه: حيّ على خير العمل.
* جورية بن أسماء عن نافع
أخبرنا عليّ بن محمّد بن بنان في كتابه، حدّثني ثوابة بن أحمد بن عيسى بن ثوابة بن مهران (556) الأسدي الموصلي في الكوفة في مجلس السكوني، حدّثنا أبو يعلى أحمد بن عليّ بن المثنى، حدّثنا عبداللَّه (557) بن محمّد بن أسماء، حدّثنا جورية (558) ، عن نافع: أن ابن عمر كان لا يؤذّن في السفر ولكن يجعلها إِقامة و يقول: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، مرتين.
____________________
(551) في الاعتصام 1: 298 أخبرنا محمد، أخبرنا محمد بن العباس.
(552) في الاعتصام: حفص.
(553) الزيادة منالاعتصام 1: 298.
(554) الزيادة من الاعتصام.
(555) فيالاعتصام 1: 298 الجنبي. وقال في الهامش: بفتح الجيم وسكون النون بعدها موحدة، اسمه عمرو بن هاشم. انتهى من الطبقات.
(556) في الاعتصام: بهران.
(557) في الاعتصام: عبيد اللَّه.
(558) في الاعتصام: جويرية.
أخبرنا عليّ بن محمّد الشيباني، أخبرني الحسين بن محمّد الرفّاء، حدّثني جعفر بن محمّد الحسني، حدّثنا عيسى بن مهران، حدّثنا أبو غسان الهذلي، حدّثنا جورية بن أسماء، [ عن عتبة (559) ]، عن نافع، عن ابن عمر: أ نّه كان يقول في أذانه: حيّ على خير العمل، مرتين.
* يحيى بن أبي كثير عن نافع
أخبرنا عمر بن عبد الواحد بن مهدي البغدادي في كتابه إليَّ، حدّثنا محمّد ابن إسماعيل الفارسي، حدّثنا إِسحاق بن إِبراهيم بن عبادي (560) ، حدّثنا عبدالرزاق بن همام، حدّثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل (561) : أنّ ابن عمر كان إذا قال: في الأذان: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قال: حيّ على خير العمل، ثمّ يقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إِله إلّا اللَّه.
* عطاء عن ابن عمر
أخبرنا محمّد بن طلحة التغالي، وكتبه إلي بخطّه، حدّثنا القاضي محمّد بن عليّ (562) الجعابي الحافظ، حدّثنا إسحاق بن محمّد - يعني ابن مروان - حدّثنا أبي، حدّثنا المغيرة بن عبد اللَّه (563) ، عن مقاتل بن سليمان، عن عطاء، عن ابن عمر: أنه كان يؤذّن بحيّ على خير العمل، ثمّ ترك ذلك وقال (564) : أخاف أن يتّكل الناس (565) .
____________________
(559) لم توجد فيالاعتصام 1: 298.
(560) في الاعتصام: عبد.
(561) لم يذكر اسمه في الأصل، وقال عزّان: ويبدو أنّه نافع؛ لأنّ الرواية عنه.
(562) في الاعتصام: عمر.
(563) في الاعتصام: عبيد اللَّه.
(564) القائل عمر بن الخطاب.
(565) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي: 55 - 62. وانظر: الطريق الأخير في صفحه 25 من الكتاب نفسه وبتحقيق عزّان من صفحة: 100 - 108.
11 - جابر بن عبد اللَّه (ت 68 إلى 79 هـ)
قال الحافظ العلوي: أخبرنا محمّد بن جعفر التميمي مناولةً، أخبرنا عبد العزيز بن يحيى الجلودي، حدّثنا محمّد بن سهل، حدّثنا عمر بن عبدالجبار، حدّثنا أبي، حدّثنا عليّ بن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن جابر، قال: كان على عهد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) يقول المؤذّن بعد قوله (حيّ على الفلاح): (حيّ على خير العمل)، فلمّا كان عمر بن الخطاب في خلافته نهى عنه كراهة أن يُنْكَلَ عن الجهاد (566) ؟!
12 - عبد اللَّه بن جعفر (ت 80 وقيل 90 هـ)
روى الحافظ العلوي بسنده عن عبيدة السلماني: أن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب كان يؤذّن بـ (حيّ على خير العمل) إلى أن فارق الدنيا (567) .
13 - محمد بن علي بن أبي طالب (ت ما بين 93 - 73 هـ)
روى الحافظ العلوي من طريق عليّ بن حزور، عن محمّد بن بشر، قال: جاء رجل إلى محمّد بن الحنفية، فقال له: بلغنا أنّ الأذان إنّما هو رؤيا رآها رجل من الأنصار، فقَصّها على رسول اللَّه، فأمر بلالاً فأذّن بتلك الرؤيا! فقال له محمّد بن الحنفية: إنّما يقول بهذا الجاهلُ من الناس، إنّ أمر الأذان أعظم من ذلك، إنّه لما أسري برسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) سمع ملكاً يقول: (اللَّه أكبر اللَّه أكبر)، فقال عزّ وجلّ: أنا كذلك، أنا الأكبر لا شيء أكبر مني، إلى أن قال:
____________________
(566) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي: 30، والاعتصام 1: 291.
(567) الأذان للحافظ العلوي: 54، وتحقيق عزّان: 109. والاعتصام 1: 294.
ثمّ قال: (حيَّ على خير العمل)، فقال اللَّه: هي أزكى الأعمال عندي وأحبُّها إليَّ (568) .
وروى الحافظ العلوي من طريق عبيدة السلماني، عن محمّد بن الحنفية أنّه كان يؤذّن إلى أن فارق الدنيا فيقول: (حيّ على خير العمل) (569) .
14 - أنس بن مالك (ت ما بين 91 إلى 93 هـ)
قال الحافظ العلوي: أخبرنا أبو الطيّب أحمد بن محمّد بن بنان، أخبرنا الحسن بن محمّد بن الحسن اليشكري، حدّثني أبو عبد اللَّه الحسن (570) بن محمّد بن سعيد ببغداد، حدّثنا محمّد بن الغيصي (571) بدمشق، حدّثنا إِبراهيم بن عبد اللَّه، حدّثني عمّي عبد الرزّاق الإمام، عن معمر بن (572) ثابت، عن أنس، قال: قال رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله): (بينا أنا نائم إذ أتاني جبريل فهمزني برِجله فاستيقظت، فلم أر شيئاً، ثمّ أتاني الثانيةَ فهمزني فاستيقظت فأخذ بضبعي، فجعلني في شيء كوَكر الطير، فما أطرفت بصري [ طرفة ] حتّى رجعت إلى الأرض، فأتى بي مكاناً، فقال [ لي: أتدري أين أنت؟ فقلت: لا يا جبريل، فقال: هذا بيت المقدس، بيت اللَّه الأقصى، إلى (573) المحشر والمنشر؛ ثمّ قام جبريل فجعل سبابته اليمنى في أذنه اليمنى، وأذّن مثنى مثنى، يقول في
____________________
(568) الأذان بحيّ على خير العمل: 57 بتحقيق عزّان، والخبر طويل اقتطفنا منه بعض المقاطع. والاعتصام بحبل اللَّه 1: 285. وانظر الإيضاح للقاضي نعمان: 105.
(569) الأذان بحيّ على خير العمل بتحقيق عزّان: 109 الحديث 107.
(570) في الاعتصام 1: 288: الحسين.
(571) في الاعتصام: الفيض.
(572) في الاعتصام: عن.
(573) في الاعتصام: إليه.
أحده (574) : (حيّ على خير العمل) حتّى إذا مضى (575) أذانه أقام الصلاة مَثنى مَثنى، وقال في آخرها: (قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة)، فبرق نور من السماء، ففتحت به قبور الأنبياء، فأقبلوا من كلّ أوب يُلبّون دعوة جبريل، فوافى أربعة آلاف نبيّ وأربعمئة وأربعة عشر نبيّاً، وأخذوا مصافّهم، ولا أشكّ أنّ جبريل سيتقدّمنا، فلمّا استَووا في مصافّهم أخذ جبريل بضبعي فقال لي: تَقدّمْ يا محمّد فَصلِّ بإِخوانك، فالخاتِم أولى من المختوم...)، وذكر بقية الحديث (576) .
15 - عليّ بن الحسين بن عليّ (ت 94 هـ)
جاء في مصنّفا ابن أبي شيبة وسنن البيهقي ومصادر أخرى، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، ومسلم بن أبي مريم: إنّ عليّ بن الحسين (عليه السلام) كان يؤذّن فإذا بلغ (حيَّ على الفلاح)، قال: (حيَّ على خير العمل) ويقول: (هو الأذان الأوّل) (577) .
وقال الحلبي في سيرته: ونقل عن ابن عمر وعليّ بن الحسين أنّهما كانا يقولان في أذانيهما بعد (حيَّ على الفلاح): (حيَّ على خير العمل) (578) .
____________________
(574) في الاعتصام: وقال في آخرها.
(575) في الاعتصام: قضى.
(576) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 26. والاعتصام 1: 288 - 289.
(577) مصنّف ابن أبي شيبة 1: 195 والنص عنه، السنن الكبرى للبيهقي 1: 425، الاعتصام بحبل اللَّه 1: 299، 308، 31 وغيرهما. مسند زيد بن علي: 83 عن أبيه عليّ بن الحسين (عليه السلام) إنّه كان يقول... نحوه.
(578) السيرة الحلبية 2: 305 باب الأذان، المحلّى 3: 160، وفيه وقد صح عن ابن عمر وأبي أمامة بن سهل بن حنيف أنهم كانوا.... دعائم الإسلام 1: 145، جواهر الأخبار والآثار للصعدي 2: 192.
وجاء في الاعتصام بحبل اللَّه :... ومن شرح المختصر لابن دقيق العيد على العمدة ما لفظه: وقد صح بالسند الصحيح أن زين العابدين وعبد اللَّه بن عمر أذّنا بحيّ على خير العمل إلى أن ماتا (579) .
وقد أخرج الحافظ العلوي من عدة طرق أذان عليّ بن الحسين روايةً وإجازةً:
* حديث حاتم عن جعفر عن أبيه عن علي بن الحسين.
أخبرنا أبو الطيب محمّد بن الحسين بن النخاس قراءة، حدّثنا عليّ بن العبّاس البجلي، حدّثنا بكّار بن أحمد، حدّثنا حسن بن حسين، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه: أن عليّ بن الحسين كان يؤذّن، فإذا بلغ: (حيّ على الفلاح)، قال: (حيَّ على خير العمل) ويقول: (هو الأذان الأوّل) (580) .
حدّثنا محمّد بن عبد اللَّه الجعفي ومحمّد بن الحسين بن غزال، قالا: حدّثنا محمّد بن عمّار بن محمّد العجلي العطار لفظاً، حدّثنا الحسين بن الحكم الحبري، حدّثنا جندل بن [ والف (581) ]، عن حاتم بن إِسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، [ عن (582) ] عليّ بن الحسين: أنه كان إذا بلغ في أذانه (حيّ على الفلاح) كان يقول: (حيَّ على خير العمل) ويقول: (هو الأذان الأوّل) (583) .
____________________
(579) الاعتصام بحبل اللَّه 1: 312.
(580) الاعتصام 1: 287.
(581) في تحقيق عزّان: والق.
(582) في تحقيق عزّان: أن.
(583) أخرجه بن أبي شيبة 1: 195 ح 2239 عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر عن أبيه ومن طريق مسلم بن أبي مريم عن علي بن الحسين وأخرجه البيهقي 1: 425 من طريق موسى بن داود عن حاتم به. والاعتصام 1: 287. وفي الإيضاح للقاضي نعمان: 108. وفي الكتب الجعفرية من رواية: ابن علي محمد بن محمد بن الأشعث الكوفي، عن أبي الحسن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن أبي عبد اللَّه جعفر بن محمد، عن أبيه: (أن علي بن الحسين...).
حدّثنا ميمون، حدّثنا عليّ بن حميد المقري (584) ، أخبرنا إسحاق بن محمّد النجار المقري، حدّثنا أبو زيد الحسن بن السكن التميمي، حدّثنا جعفر بن محمّد السدوسي (585) ، حدّثنا حاتم بن إِسماعيل المدني (586) ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، قال: كان عليّ بن الحسين إِذا أذن قال: (حيَّ على خير العمل) ويقول: (هو الأذان الأوّل).
حدّثنا حسن بن حسين بن حبيش المقري، أخبرنا أبو العبّاس محمّد بن أحمد بن [ مرزقي (587) ] المقري، حدّثنا أبو زيد الحسن بن السكن: بمثله.
حدّثنا أبي رضي اللَّه عنه، حدّثنا محمّد [ بن الحسين (588) ] بن سعيد الأزدي، حدّثنا عبد اللَّه بن زيدان، حدّثنا محمّد [ بن ثوابة (589) ]، حدّثنا حفص الهلالي عن حاتم المدني (590) ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، قال: ذُكِر عنده (حيّ على خير العمل)، قال: (كان أذان الناس الأوّل).
حدّثنا جعفر بن محمّد الحسني، حدّثنا عيسى بن مهران، أخبرنا العبد الصالح مخول بن إبراهيم، حدّثنا حاتم بن إِسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، قال: كان عليّ بن الحسين يزيد في أذانه، إذا قال: (حيّ على الفلاح) قال: (حيّ على خير العمل)، ويقول: (يا بُنيّ، هو الأذان الأوّل).
____________________
(584) في الاعتصام 1: 287 حدّثنا ميمون بن حميد، أخبرنا إسحاق بن محمد المقري حدّثنا أبو زيد.
(585) في الاعتصام 1: 287 الدوسي.
(586) في الاعتصام: المديني.
(587) في تحقيق عزّان: المرزوقي.
(588) الزيادة من الاعتصام 1: 287، وفي تحقيق عزّان: الحسن.
(589) في الاعتصام 1: 287: بن نوار.
(590) في الاعتصام: المديني.
أخبرنا محمّد بن أحمد بن إِبراهيم، أخبرنا أحمد بن محمّد الكندي، حدّثنا أبو عليّ الخراساني، حدّثنا أبو بكر عبد اللَّه بن محمّد العبسي، حدّثنا حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، ومسلم بن أبي مريم: أنّ عليّ بن الحسين كان يؤذن، فإذا بلغ (حيّ على الفلاح)، قال: (حيَّ على خير العمل) ويقول:. ويقول: ([ هو ] الأذان الأوّل)، يعني أذان النبيّ (صلَّى الله عليه وآله).
[ وفيما أجاز لي جعفر بن محمّد بن حاجب، عن أحمد بن محمّد بن سعيد (591) ].
حدّثنا جعفر بن عليّ بن نجيح، حدّثنا أبو غسان، حدّثنا حاتم، عن جعفر ابن محمّد، [ عن أبيه (592) ] ومسلم بن أبي مريم: أنّ عليّ بن الحسين كان يؤذّن، فإِذا بلغ (حيّ على الفلاح) قال: (حيّ على خير العمل)، ويقول: (هو الأذان الأوّل).
[ وفيما أجاز لي جعفر بن محمّد بن حاجب، عن أحمد بن محمّد بن سعيد (593) ]، حدّثنا محمّد بن أحمد بن النضر، حدّثنا موسى بن داود، حدّثنا حاتم بن إِسماعيل، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، قال: كان يؤذّن فإِذا بلغ (حيّ على الفلاح) قال: (حيّ على خير العمل)، ويقول: (هو الأذان الأوّل).
حدّثنا الحسين بن محمّد بن الحسن المقري، حدّثنا مسلم التميمي، حدّثنا جعفر بن محمّد الأزدي (594) ، حدّثنا محمّد بن جميل، حدّثنا إِبراهيم - يعني ابن محمّد بن ميمون - عن حاتم، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، ومسلم بن أبي مريم: أن عليّ بن الحسين كان يؤذن، فإِذا بلغ (حيّ على الفلاح) قال: (حيّ على خير العمل)، ويقول: (هو الأذان الأوّل).
____________________
(591) الزيادة من الاعتصام 1: 300.
(592) من الاعتصام 1: 300.
(593) الزيادة من الاعتصام.
(594) في الاعتصام 1: 301: الأودي.
حدّثنا عليّ بن محمّد بن بنان، حدّثنا الحسن بن محمّد السَّكوني، حدّثنا الحضرمي، حدّثنا محمّد بن عبيد النحّاس، حدّثنا حاتم، عن جعفر، عن أبيه، ومسلم بن أبي مريم: أن عليّ بن الحسين كان يؤذن، فإذا بلغ (حيّ على الصلاة)، (حيّ على الفلاح) قال: (حيّ على خير العمل)، ويقول: (هو الأذان الأوّل).
أخبرنا أحمد بن زيد بن بشّار، حدّثنا الحسن بن محمّد الرفّا، حدّثنا جعفر ابن محمّد الأزدي (595) ، حدّثنا محمّد بن جميل، حدّثنا إِبراهيم بن محمّد بن ميمون، وحدّثنا حاتم: بمثله.
حدّثنا محمّد بن أحمد بن عبد اللَّه قراءةً، أخبرنا [ أحمد بن (596) ] محمّد بن هارون في كتابه إليَّ، أخبرنا محمّد بن الحسين بن حفص، حدّثنا محمّد بن عبيد، حدّثنا حاتم، حدّثنا جعفر بن محمّد، عن أبيه، ومسلم بن أبي مريم: أن عليّ بن الحسين كان يؤذن، فإِذا بلغ (حيّ على الفلاح) قال: (حيّ على خير العمل)، ويقول: (هو الأذان الأوّل)، يعني أذان النبيّ (صلَّى الله عليه وآله).
أخبرنا محمّد بن أحمد قراءةً، أخبرنا محمّد بن أحمد بن هارون في كتابه إليَّ (597) ، أخبرنا محمّد بن القاسم بن زكريا، حدّثنا حسن بن عبد الواحد، حدّثنا محمّد بن عليّ الكِندي، حدّثنا زكريا بن يحيى، حدّثنا عبد الرحمن بن أبي حمّاد، حدّثنا حاتم بن إِسماعيل، أخبرني جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين (عليه السلام)، قال: (الأذان الأول [يعني أذان النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)]: حيّ على خير العمل)، وكان عليّ بن الحسين يقوله في أذانه.
[ قال وفيما أجاز لي جعفر بن محمّد بن حاجب، عن أحمد بن محمّد بن
____________________
(595) في الاعتصام 1: 301: الأودي.
(596) الزيادة من الاعتصام.
(597) ليس في الاعتصام 1: 301 إليَّ.
رشد، حدّثنا أبو معمر سعيد بن جنتم (633) ، قال: سمعت زيد بن عليّ يقول: إن عمر نحَّى من النداء في الأذان: (حيّ على خير العمل) وقد أبلغت العلماء أنها كان يُؤَذَّن بها رسول اللَّه حتّى قبضه اللَّه عزّ وجلّ إليه، وكان يؤذَّن بها لأبي بكر حتّى مات، وطرفاً من ولاية عمر حتّى نهى عنه (634) .
19 - يحيى بن زيد بن عليّ (ت 125 هـ)
قال الحافظ العلوي، أخبرنا محمّد بن الحسين النحاس قراءة، حدّثنا عليّ بن العبّاس البجلي، حدّثنا بكار بن أحمد الهمداني، حدّثنا مخول بن إبراهيم، عن محمّد بن بكر الأرحبي، عن زياد بن المنذر، قال: حدّثني حسان، قال: أذَّنت ليحيى بن زيد بخراسان فأمرني أن أقول: (حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل) (635) .
أخبرنا أبو عبد اللَّه أحمد بن عليّ بن العطار المقري ومحمّد بن الحسين بن غزال قراءةً عليهما، قالا: حدّثنا عليّ بن أحمد بن عمرو الجنبي، حدّثنا محمّد بن منصور المقري، حدّثني أحمد بن عيسى، عن محمّد بن بكر، عن أبي الجارود، عن حسان،
____________________
(633) ما في المتن هو طبق نسخة الفضيل. أما في تحقيق عزّان: حدّثنا أحمد بن زيد بن بشار البيسائي، حدّثنا الحسن بن محمد بن سعيد الرَّفاء، حدّثنا محمد بن الحسن بن عبد الحميد بن محسن الأوسي، حدّثنا أحمد بن رشد، حدّثنا أبو معمر سعيد بن خثيم قال...
(634) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 83 وبتحقيق عزّان: 138 وانظر: مسند الإمام زيد: 93 ثمّ اخرج هذا الخبر برجاله ومعناه، وفي أمالي أحمد بن عيسى: فأمرني أن أقول: (حيّ على خير العمل).
(635) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 86 وبتحقيق عزّان: 144 وانظر: أمالي أحمد بن عيسى 1: 197 الحديث 236، وعنه في الاعتصام بحبل اللَّه 1: 281، وانظر الإيضاح للقاضي نعمان: 109 كذلك، وللإمام المهدي محمد بن المطهّر الزيدي في "المنهاج الجلي" إسناد آخر لهذه الروايات فراجع.
قال: أذّنت ليحيى بن زيد بخراسان فأمرني أن أقول: (حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل).
أخبرنا عليّ بن محمّد بن بنان، حدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمّد الرفّا، حدّثنا جعفر بن محمّد الحسني، حدّثنا عيسى بن مهران، حدّثنا مخول، حدّثنا صباح المزني، قال: أذّن رجل كان مع يحيى بن زيد بخراسان، قال: ما زال مؤذّنهم ينادي بـ (حيّ على خير العمل) حتّى قتل (636) .
20 - محمّد بن زيد بن عليّ (لم نقف على وفاته)
قال الحافظ العلوي: حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا محمّد بن أبي العبّاس الورّاق في كتابه إليّ، قال: حدّثنا محمّد بن قاسم بن وهيب، عن أحمد بن مفضل، عن محمّد بن زيد بن عليّ، [ قال: تقول ] في الأذان مرتين: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلّا اللَّه أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، أشهد أن محمّداً رسول اللَّه أشهد أن محمّداً رسول اللَّه، حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلّا اللَّه.
حدّثنا عليّ بن محمّد بن بنان الشيباني، أخبرنا عليّ بن الحسين بن يعقوب الهمداني، حدّثني عليّ بن العبّاس، حدّثنا قاسم بن وهيب، حدّثنا أحمد بن مفضل، قال: سألت محمّد بن زيد بن عليّ عن الأذان، فقال: مرّتين مرّتين اللَّه أكبر اللَّه أكبر فذكر مثل ما قبله (637) .
____________________
(636) انظر: كتاب الأذان بحيّ على خير العمل: 87.
(637) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 88، وبتحقيق عزّان: 146 ح 184 و185.
21 - محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب (ت 135 هـ)
روى الحافظ العلوي، عن محمّد بن الحسين بن النخاس قراءة، حدّثنا عليّ ابن العباس، حدّثنا بكار بن أحمد، حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن غياث بن إبراهيم، عن عبد اللَّه بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه: أنه كان يقول في أذانه: (حيّ على خير العمل) (638) .
وجاء في كتاب الاعتصام بحبل اللَّه: وفي شرح التجريد قال: والدليل على صحة ما أخبرنا به أبو العبّاس الحسني رضي اللَّه عنه، قال: أخبرنا عليّ بن الحسين الظاهري، قال: حدّثنا محمّد بن محمّد بن عبد العزيز، قال: حدّثنا عبد ابن يعقوب، قال: أخبرنا عيسى بن عبد اللَّه بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جده عليّ: قال: (سمعت رسول اللَّه يقول: إنّ خير أعمالكم الصلاة. وأمر بلالاً أن يؤذّن بحي على خير العمل) (639) .
قال الحافظ العلوي: أخبرنا أبي رضي اللَّه عنه، حدّثنا أبو عبد اللَّه محمّد بن محمّد بن المحدد العطار، حدّثنا أبي، حدّثنا الحسن بن يحيى العلوي، حدّثنا أبو الطاهر أحمد بن عيسى بن عبد اللَّه، عن الحسين بن زيد، قال: رأيت محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب يؤذّن بحيّ على خير العمل (640) .
____________________
(638) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 84، وصفحه 138 بتحقيق عزّان.
(639) الاعتصام 1: 281 عن شرح التجريد.
(640) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 84، وصفحه 138 الحديث 175 بتحقيق عزّان.
22 - إبراهيم بن عبد اللَّه بن الحسن (ت 145 هـ)
قال الحافظ العلوي: حدّثنا عبد اللَّه بن محمّد بن هشام، وأبو القاسم ميمون ابن عليّ المقري، قالا: أخبرنا إسحاق بن محمّد المقري، حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك، قال: حدّثنا عبد بن يعقوب، حدّثنا سالم الخزّاز، قال: كان إبراهيم بن عبد اللَّه بن الحسن يأمر أصحابه إذا كانوا في البادية يزيدون في الأذان: (حيّ على خير العمل) (641) .
حدّثنا الحسين بن محمّد بن الحسن المقري، حدّثنا عليّ بن الحسين بن يعقوب الهمداني، حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن وهيب القرشي، حدّثنا عبد عن سالم، قال: كان إبراهيم بن عبد اللَّه يأمرهم إذا كانوا في البادية أن يزيدوا في الأذان: (حيّ على خير العمل) (642) .
23 - جعفر بن محمّد الصادق (ت 148 هـ)
روى الحافظ العلوي من طر يق معاوية بن عمّار، قال: سمعت جعفر بن محمّد يقول في الأذان: (حيّ على خير العمل) (643) .
وفي الاعتصام بحبل اللَّه عن كتاب الأذان : أخبرنا أبو العبّاس أحمد بن زيد ابن بشار، وعليّ بن محمّد الشيباني، قالا: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعيد ابن مسلم، حدّثنا عليّ بن العبّاس وعليّ بن سلامة، حدّثنا بكار بن أحمد، حدّثنا نصر بن مزاحم، عن الثقة إبراهيم بن أبي يحيى، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) كان يقول لكل
____________________
(641) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 88، وبتحقيق عزّان: 147 ح 186.
(642) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 89، وبتحقيق عزّان: 147 ح 187.
(643) كتاب الأذان بحيّ على خير العمل: 85.
صلاة: (حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل) (644) .
ومن طريق عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه، قال: سألته عن الأذان، فذكره وقال فيه: (حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل) (645) .
وقد روى هذا الخبر الشيخ الطوسي بإسناده عن النضر، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه [ الصادق ] في التهذيب (646) والاستبصار (647) .
وعن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن حماد بن عثمان، عن إسحاق بن عمار، عن المعلى بن خنيس، قال: سمعتُ أبا عبد اللَّه يؤذّن فقال: (اللَّه أكبر اللَّه أكبر اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلّا اللَّه أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله)، حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح
____________________
(644) الاعتصام بحبل اللَّه 1: 293.
(645) كتاب الأذان بحيّ على خير العمل: 85. وبتحقيق عزّان: 141، ثمّ قال الحافظ العلوي: وقد روى حديثَ الأذان عن جعفر بن محمد عن ابيه عن علي بن الحسين (عليهما السلام) جماعةٌ قد تقدّم أحاديثهم في باب عليّ بن الحسين. فاستغنينا عن إعادتها هنا، منهم: هاني بن إسماعيل المدني، ومحمد بن عبد اللَّه بن علي بن الحسين، وعبد اللَّه بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، وأبو مريم الأنصاري، ومندل بن علي العثربي، ويحيى بن العليّ الرازي، وغياث بن إبراهيم، وسفيان بن السمط، وعبد اللَّه بن بكير، وعمرو بن جميع، وحصين بن مخارق، وعبد اللَّه بن سنان، ومحمد بن المسلم، وأبو العباس، وخالد بن إسماعيل المخزومي.
(ورواه عن حاتم بنإسماعيل عن جعفر عن أبيه عن جدّه جماعةٌ من الثقات منهم: حسن بن حسين المغربي، ومخول بن إبراهيم، وأبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، وإبراهيم بن محمد بن ميمون، ومحمد بن عبيد النحّاس، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الرحمن بن أبي حمّاد، وإسماعيل بن أبان، وجندل بن والف [ والق ] الثعلبي، وجعفر بن محمد السدوسي، وموسى بن داود وقتيبة بن سعيد.
(646) التهذيب 2: 59 ح 209.
(647) الاستبصار 1: 305 ح 1133.
حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلّا اللَّه لا إله إلّا اللَّه) (648) .
وعن فضاله، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي وكليب الأسدي؛ جميعاً عن أبي عبد اللَّه أنه حكى لهما الأذان وفيه: (حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل) (649) .
24 - الحسين بن عليّ صاحب فَخّ (ت 169 هـ)
كان الحسين يؤذن بها ويأمر أصحابه بالتأذين بها. قال الحافظ العلوي: أخبرنا محمّد بن الحسين بن النحّاس قراءة، حدّثنا عليّ بن العبّاس البجلي، حدّثنا بكّار، حدّثنا عنترة بن حسين العصافي، قال: كان حسين بن عليّ صاحب فَخّ يقول في أذانه: (حيّ على خير العمل) (650) .
وروى أبو الفرج الأصفهاني خبر (صاحب فخ) مع الوالي العمري، وفيه: أن الحسين بن عليّ (صاحب فخ) ويحيى بن عبد اللَّه بن الحسن (قتل سنة 175 هـ في حبس الرشيد)، وسليمان بن عبد اللَّه بن الحسن (قتل بفخ سنة 169 هـ)، وإدريس بن عبد اللَّه بن الحسن (ت 177 هـ بالمغرب)، وعبد اللَّه بن الحسن الأفطس (قتل ما بين 178 - 170 هـ)، وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا، وعمر بن الحسن بن عليّ بن الحسن بن الحسين بن الحسن،
____________________
(648) الاستبصار 1: 306 ح 1136. وانظر: التهذيب 2: 61 ح 212.
(649) انظر: التهذيب 2: 60 ح 211، والاستبصار 1: 306 ح 1135.
(650) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 89، وبتحقيق عزّان: 148 ح 188.
وعبد اللَّه بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ (قتل بفخ 169 هـ)، وعبد اللَّه بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وجّهوا إلى فتيان من فتيانهم ومواليهم فاجتمعوا.. ستة وعشرين رجلاً من ولد عليّ، وعشرة من الحاج، ونفر من الموالي، فكانوا جميعاً وراء التأذين العلني بحيّ على خير العمل (651) .
وسيأتي مزيد كلام عنه وما فعله بالوالي العمري بعد قليل (652) .
25 - موسى بن جعفر الكاظم (ت 183 هـ)
سيأتي بعد قليل (653) ما رواه الصدوق عنه في العلل عنه (عليه السلام) وأنّه أجاب محمّد بن أبي عمير عن العلة الظاهرة والباطنة لـ (حيّ على خير العمل).
26 - عليّ بن موسى الرضا (ت 203 هـ)
روى الصدوق بإسناده عن الفضل بن شاذان فيما ذكره من العلل عن الرِّضا (عليه السلام) في الأذان بالخصوص، وقال فيما قال: (... وإنّما هو نداء إلى الصلاة في وسط الأذان ودعاء إلى الفلاح وإلى خير العمل، وجعل ختم الكلام باسمه كما فتح باسمه) (654) .
وروى في العلل وفي عيون أخبار الرضا بأسانيد أخرى قوله: (وإنّما هو نداء إلى
____________________
(651) انظر: مفصل الخبر في الفصل الرابع: ( حيّ على خير العمل.. تأريخها العقائدي والسياسي) ومقاتل الطالبيين: 443 / 447.
(652) في الفصل الرابع: ( حيّ على خير العمل.. تأريخها العقائدي والسياسي) .
(653) في الفصل الثالث: (حيّ على خير العمل، دعوة للولاية وبيان لأسباب حذفها).
(654) من لا يحضره الفقيه 1: 300 ح 914، علل الشرائع 1: 259.
الصلاة، فجعل النداء إلى الصلاة في وسط الأذان، فقدَّم قبلها أربعاً: التكبيرتين والشهادتين، وأخّر بعدها أربعاً يدعو إلى الفلاح حثّاً على البرّ والصلاة، ثمّ دعا إلى خير العمل مرغّباً فيها وفي عملها وفي أدائها، ثمّ نادى بالتكبير والتهليل ليتم (655) ...).
27 - عليّ بن جعفر بن محمّد بن عليّ (ت 210 هـ)
قال الحافظ العلوي: حدّثنا أبي رضي اللَّه عنه، حدّثنا محمّد بن جعفر المُقري، حدّثنا محمّد بن الحسين الأسناني (656) ، حدّثنا أحمد بن جناب، عن عليّ بن جعفر بن محمّد، قال: قال في الأذان: (حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل) (657) .
28 - أحمد بن عيسى (ت 247 هـ)
قال الحافظ العلوي: أخبرنا أبو عبد اللَّه أحمد بن عليّ العطّار البجلي، ومحمّد بن عليّ بن الحسين بن غزال الحارثي قراءةً عليهما، قالا: حدّثنا علي ابن أحمد بن عمرو الحسني (658) ، حدّثنا محمّد بن منصور المقري، قال: سألت أحمد بن عيسى، قلت: إِذا أذّنت تقول: (حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل)؟ قال: نعم. قلت: في الأذان والإقامة.
____________________
(655) علل الشرائع 1: 259 / الباب 182. والنصّ عنه، عيون أخبار الرضا 2: 104. علة تشريع الأذان.
(656) في تحقيق عزّان: الأشناني.
(657) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي: 89، وبتحقيق عزّان: 149.
(658) في تحقيق عزّان: الجبان.
قال: نعم، ولكنّي أخفيه (659) .
وأخرى: قلت لأحمد بن عيسى، تقول إذا أذنت (حيّ على خير العمل)؟ قال: نعم. قلت: في الأذان والإقامة؟ قال: نعم (660) .
29 - الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليّ (ت260 هـ)
قال الحافظ العلوي: أخبرنا أبو عبد اللَّه أحمد بن عليّ بن الحسن الهذلي قراءةً، حدّثنا عليّ بن أحمد بن عمرو الحسني، حدّثنا الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليّ، قال: أجمع آل رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) على أن يقولوا في الأذان والإِقامة: (حيّ على خير العمل)، وأن ذلك عندهم سنّة. وقد سمعنا في الحديث أن اللَّه سبحانه وتعالى بعث ملكاً من السماء إلى الأرض بالأذان وفيه: (حيّ على خير العمل). ولم يزل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يؤذّن بحيّ على خير العمل حتّى قبضه اللَّه، وكان يُؤذَّن بها في زمن أبي بكر، فلمّا ولي عمر قال: دعوا (حيّ على خير العمل) لئلّا يشتغل الناس عن الجهاد، فكان أوّل مَن تركه (661) .
وبعد كلّ هذا نقول: لو صح النسخ فلماذا نرى إصرار بعض الصحابة والتابعين وكلّ أهل البيت على شرعيّتها وضرورة الإتيان بها؟
____________________
(659) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 90، وبتحقيق عزّان: 149 الحديث 190 وراب الصدع 1: 197 الرقم 237 وانظر الإيضاح للقاضي نعمان: 109 وفيه معنى قوله: (أخفيها) بمعنى أتقيه لأن ذلك هو السنة.
(660) المصدر السابق.
(661) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 91، وبتحقيق عزّان: 150 الحديث 192.
وهل يصح أن ينسخ حكم (حيّ على خير العمل) ولا يعلمه عبد اللَّه بن عمر وعليّ بن الحسين وأبو أمامة بن سهل بن حنيف سنوات بعد رسول اللَّه، فلو كان ثَمَّة نسخ لَمَا خَفِي عليهم، وما معنى كلام الإمام عليّ بن الحسين: (هذا هو الأذان الأول)؟ أَليس المعنيّ به هو الأذان الأول قبل التحريف؟ إنّ إجماع أهل البيت وتأذين بعض الصحابه بـ (حيَّ على خير العمل) لَيؤكّد شرعيّة الإتيان بها وعدم نسخها.
القسم الثالث: إجماع العترة
مرّ عليك سابقاً في (تأذين الصحابة وأهل البيت) أن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول ويأمر مؤذّنه أن يقول: حيّ على خير العمل. والمدقق في حديث تشريع الأذان الذي رواه الإمام عليّ عن النبيّ يقف على جزئية (حيّ على خير العمل) فيه، إذ جاء في حاشية الدسوقي ما نصه: (كان عليّ يزيد حيّ على خير العمل بعد حيّ على الفلاح، وهو مذهب الشيعة الآن) (662) .
ومعنى كلامه أنّه (عليه السلام) كان يأتي بأمر أعرض عنه الخلفاء، وهو فعل أبنائه من بعده كذلك حتّى استقرّت السيرة به عند الشيعة؛ للاعتقاد بعدم الفصل بين فعل الإمام عليّ ومذهب الشيعة الآن، لأنّ الشيعة يستقون فقههم وأحكامهم من الإمام عليّ وأبنائه المعصومين (عليهم السلام).
وقد روى الحافظ العلوي (أبو عبد اللَّه) بإسناده عن عبيدة السلماني، قال:
كان عليّ بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعقيل بن أبي طالب، وابن عباس، وعبد اللَّه بن جعفر، ومحمّد بن الحنفية يؤذنون إلى أن فارقوا الدنيا فيقولون بـ: (حيّ على
____________________
(662) حاشية الدسوقي 193: 1.
خير العمل) و يقولون: (لم تزل في الأذان) (663) .
وعنه كذلك عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله: (أذاني وأذان آبائي - عليّ، والحسن، والحسين، وعليّ بن الحسين -: حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل) (664) .
وجاء في معجم الأدباء لياقوت الحموي في ترجمة عمر بن إبراهيم بن محمّد المتوفى سنة 539 - من أحفاد الإمام زيد الشهيد - نقلاً عن السمعاني أنّه قال:
وكان خشن العيش، صابراً على الفقر، قانعاً باليسير، سَمِعتُه يقول: أنا زيدي المذهب ولكنّي أفتي على مذهب السلطان - يعني أبا حنيفة - إلى أن يقول السمعاني: وكنت ألازمه طول مقامي بالكوفة في الكُوَرِ الخمس، ما سمعت منه طول ملازمتي له شيئاً في الاعتقاد أنكرته، غير أنّي كنتُ يوماً قاعداً في باب داره وأخرج لي شذرة من مسموعاته وجعلت أفتقد فيها حديث الكوفيين فوجدت فيها جزءاً مترجماً بتصحيح الأذان بحي على خير العمل، فأخذته لأطالعه، فأخذه من يدي وقال: هذا لا يصلح لك، له طالبٌ غيرك، ثمّ قال: ينبغي للعالم أن يكون عنده كلّ شي، فإنّ لكلّ نوع طالب (665) .
فلو جمعت هذا النص مع الذي مر عليك من أنّ زيداً كان يأمر مؤذنه بالحيعلة
____________________
(663) الأذان بحيّ على خير العمل: 109 الحديث 107، الاعتصام 1: 294.
(664) مقدمة الأذان بحيّ على خير العمل لعزّان: 18.
(665) معجم الأدباء 15: 259.
الثالثة عندما يأمن أهل الشام، وكذا من أنّ يحيى بن زيد كان يأمر أصحابه بخراسان أن يحيعلوا فما زال مؤذنهم ينادي بها، ومثله كلام إبراهيم بن عبد اللَّه بن الحسن وأنه كان يأمر أصحابه - إذا كانوا بالبادية - أن يزيدوا في الأذان حيّ على خير العمل (666) . وما قاله أحمد بن عيسى في جواب من سأله عن التأذين بحيّ على خير العمل؟ قال: نعم، ولكن أُخفيه (667) .... فلو جمعت هذه النصوص بعضها إلى بعض لوقفت على الظروف التي كان يعيشها الطالبيون، وهي ظروف لم تكن مؤاتية لإبداء آرائهم، حتّى ترى عمر بن إبراهيم رغم كونه زيدياً يفتي على مذهب السلطان؛ لأن الفقه السائد يومئذٍ كان فقه أبي حنيفة، فلا يرتضي أن يطّلع السمعاني على الجزء المصحّح بالأذان بحيّ على خير العمل، فيأخذه منه ويقول له: (هذا لا يصلح لك، له طالب غيرك) ثمّ يعلل سر وجود مثل هذه الكتب والأجزاء مصحّحة عنده بأنّه ينبغي (للعالم أن يكون عنده كلّ شيء، فإن لكل نوع طالباً) لأن عمر بن إبراهيم كان يعرف السمعاني واهتماماته، وقد أشار السمعاني نفسه إلى توجهاته الشخصية بقوله: (... وجعلت أفتقد فيها حديث الكوفيين فوجدت...) وفي هذا كفاية لمن أراد التعرف على ملابسات التشريع وما دار بين الكوفة والشام والحجاز و.. من التخالف والتضاد.
هذا شيء عن ملابسات (حيّ على خير العمل)، وهي تدلّ على دور الحكومة بعدم التأذين بها.
والآن مع أقوال بعض العلماء عن إجماع العترة على التأذين بحيّ
____________________
(666) حيّ على خير العمل بتحقيق عزّان: 147 ح 186 و187.
(667) حيّ على خير العمل بتحقيق عزّان: 150 ح 190 واخرجه محمد بن منصور في الأمالي [ لابن عيسى ] 1: 194 رقم 237 قال: سألت أحمد... إلخ.
على خير العمل:
قال الشوكاني في نيل الأوطار : (... والتثويب زيادة ثابتة فالقول بها لازم، والحديث ليس فيه ذكر (حيّ على خير العمل)، وقد ذهبت العترة إلى إثباته وأنّه بعد قول المؤذّن (حيّ على الفلاح)، قالوا: يقول مرّتين: حيّ على خير العمل، ونسبه المهديّ في البحر إلى أحد قولَي الشافعي، وهو خلاف ما في كتب الشافعيّة، فإنّا لم نجد في شيء منها هذه المقالة (668) ، بل خلاف ما في كتب أهل البيت (669) .
قال في الانتصار : إنّ الفقهاء الأربعة لا يختلفون في ذلك، يعني في أنّ (حيّ على خير العمل) ليس من ألفاظ الأذان، وقد أنكر هذه الرواية الإمام عزّالدين في شرح البحر وغيره ممّن له اطّلاع على كتب الشافعيّة.
(احتج القائلون بذلك) بما في كتب أهل البيت - كـ "أمالي" أحمد بن عيسى، و التجريد، و الأحكام، و جامع آل محمّد - من إثبات ذلك سنداً إلى رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله).
____________________
(668) يؤيّد صحّة كلام المهدّي ما قاله القاسم بن محمّد بن عليّ نقلاً عن توضح المسائل للمقري (قد ذكر الروياني أنّ للشافعي قولاً مشهوراً بالقول به)، وما قاله الشافعي عن التثويب وأنّه لم يثبت عن أبي محذورة. ولو جمعنا هذين القولين وضممنا أحدهما إلى الآخر لاتّضح لنا ما نريد قوله من الملازمة وعدم الفصل بين القول (بحيّ على خير العمل) وعدم القول (بالصلاة خير من النوم)، وكذا العكس؛ إذ قد ثبت عن ابن عمر تأذينه بـ (حيّ على خير العمل) وكراهيته للتثويب، ومثله الأمر بالنسبة إلى الإمام علي، فالقائل بشرعية (حيّ على خير العمل) لا يقبل شرعية (الصلاة خير من النوم)، والقائل بشرعية (الصلاة خير من النوم) ينكر شرعية (حيّ على خير العمل)، فإنكار الشافعي للتثويب يرجح المنسوب إليه من القول بـ (حيّ على خير العمل).
هذا وقد أشار الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى (المتوفَّى 840 هـ) في البحر الزخار 2: 191 إلى أنّ أخير قولي الشافعي هو القول بالحيعلة الثالثة وذلك بعد أن أشار إلى إجماع العترة بذلك فقال: (.. العترة جميعاً، وأخير قولي الشافعي حيّ على خير العمل)، فتأمل.
(669) هذا قصور وتقصير من الشوكاني، فقد عرفت إجماع العترة على التأذين بـ (حيّ على خير العمل)، وكان ينبغي له أن يحقّق في المسألة قبل أن يقطع برأيه هذا.
قال في الأحكام : وقد صحّ لنا أنّ (حيّ على خير العمل) كانت على عهد رسول اللَّه يؤذّن بها، ولم تُطرح إلّا في زمن عمر. وهكذا قال الحسن بن يحيى؛ روي ذلك عنه في جامع آل محمّد .
وبما أخرج البيهقي في سننه الكبرى بإسناد صحيح عن عبد اللَّه بن عمر أنّه كان يؤذّن بحيّ على خير العمل أحياناً.
وروى فيها عن عليّ بن الحسين أنّه قال: (هو الأذان الأوّل).
وروى المحبّ الطبري في أحكامه عن زيد بن أرقم أنّه أذّن بذلك، قال المحب الطبري: رواه ابن حزم ورواه سعيد بن منصور في سننه عن أبي أمامة ابن سهل البدري، ولم يَروِ ذلك من طريق غير أهل البيت مرفوعاً، وقول بعضهم: وقد صحّح ابن حزم والبيهقي والمحبّ الطبري وسعيد بن منصور ثبوت ذلك عن عليّ بن الحسين...) (670) .
وجاء في كتاب الاعتصام بحبل اللَّه :... وفي الجامع الكافي : قال الحسن بن يحيى بن الحسين [ بن زيد المتوفّى 260 ]: أجمع آل رسول اللَّه على أن يقولوا في الأذان والإقامة (حيّ على خير العمل) وأن ذلك عندهم سنّة. قال: وقد سمعنا في الحديث: (أنّ اللَّه سبحانه بعث ملكاً من السماء إلى الأرض بالأذان..)، وفيه: (حيّ على خير العمل..)، ولم يزل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يؤذن بحيّ على خير العمل حتّى قبضه اللَّه إليه، وكان يُؤَذَّنُ بها في زمان أبي بكر، فلما وَلِيَ عمر قال: دعوا (حيّ على خير العمل) لا يشتغل الناس عن الجهاد. وكان أوّل من تركه (671) .
وقال الأستاذ عزّان في مقدمة كتاب (الأذان بحيّ على خير العمل): ... وقال
____________________
(670) نيل الأوطار 2: 43 - 44.
(671) الاعتصام بحبل اللَّه 1: 278 عن الجامع الكافي (مخطوط).
الإمام المؤيد باللَّه أحمد بن الحسين الهاروني (المتوفى 411 هـ): ومذهب يحيى - يعني الهادي - وعامة أهل البيت التأذين بحيّ على خير العمل (672) .
وقال القاضي زيد بن محمّد الكلاري - وهو من أتباع المؤيد باللَّه ولم يعاصره -: التأذين به (أي بحيّ على خير العمل) إجماع أهل البيت لا يختلفون فيه، ولم يرد عن أحد منهم منعه و إنكاره، و إجماعهم عندنا حجّة يجب اتّباعه (673) .
وقال الإمام محمّد بن المطهر المتوفى 728 هـ: و يؤذن بحيّ على خير العمل، والوجه في ذلك إجماع أهل البيت (674) .
وقال العلّامة صلاح بن أحمد بن المهدي المتوفى 1048 هـ: أجمع أهل البيت على التأذين بحيّ على خير العمل (675) .
وقال العلّامة الشرفي المتوفى 1055: وعلى الجملة فهو - أي الأذان بحيّ على خير العمل - إجماع أهل البيت، و إنّما قطعه عمر (676) .
وقال العلّامة المحقق الحسن بن أحمد الحلال المتوفى 1084هـ بعد أن ذكر اتفاق العترة على التأذين بحيّ على خير العمل: و إجماع العترة وعليّ، وهما معصومان عن تعمد البدعة (677) .
وقال شيخنا (678) السيّد العلّامة مجد الدين (حفظه اللَّه): وقد صحّ إجماع أهل البيت
____________________
(672) شرح التجريد (مخطوط).
(673) شرح القاضي زيد للتحرير (مخطوط).
(674) المنهج الحلي شرح مسند الإمام زيد بن علي 1: 77 (مخطوط).
(675) شرح الهداية: 294.
(676) ضياء ذوي الأبصار (مخطوط) 1: 61.
(677) ضوء النهار 1: 469.
(678) الكلام لعزّان.
على الأذان بحيّ على خير العمل (679) .
وذكر في أمالي أحمد بن عيسى: ذهب آل محمّد أجمع إلى أثبات حيّ على خير العمل مرّتين في الأذان بعد حيّ على الفلاح.
وفي شرح الأزهار : ومنهما: حيّ على خير العمل، يعني أنّ من جملة ألفاظ الأذان والإقامة حيّ على خير العمل؛ للأدلّة الواردة المشهورة عند أئمّة العترة وشيعتهم وأتباعهم وكثير من الأمّة المحمديّة التي شحنت بها كتبهم.
قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسن في الأحكام : وقد صحّ لنا أن حيّ على خير العمل كانت على عهد رسول اللَّه يؤذّنون بها، ولم تُطرح إلّا في زمن عمر بن الخطّاب، فإنه أمر بطرحها وقال: أخاف أن يتّكل الناس عليها ويتركوا الجهاد.
وفي المنتخب : وأمّا (حيّ على خير العمل) فلم تزل على عهد رسول اللَّه حتّى قبضه اللَّه، وفي عهد أبي بكر حتّى مات، وإنما تركها عمر وأمر بذلك، فقيل له: لم تركتها؟ فقال: لئلا يتّكل الناس عليها و يتركوا الجهاد (680) . انتهى ما قاله عزّان.
وقال الصنعاني: إن صحّ إجماع أهل البيت (يعني على شرعية حيّ على خير العمل) فهو حجة ناهضة (681) .
وقال المقبلي عن أئمّة الزيديّة: ولو صحّ ما ادعي من وقوع إجماع أهل البيت في ذلك لكان أوضح حجّة (682) .
____________________
(679) المنهج الأقوم في الرفع والضم: 35.
(680) الإحكام 1: 84، شرح الأزهار 1: 223، البحر الزخار 2: 191، الأذان للعلوي بتحقيق عزّان: 153.
(681) هذا ما حكاه عزّان في كتابه (حيّ على خير العمل بين الشرعية والابتداع): 68 عن كتاب "منحة الغفار" المطبوع بهامش "ضوء النهار".
(682) انظر: مقدمة الأذان بحيّ على خير العمل لعزّان: 17.
ونحن في الفصل الرابع (حيّ على خير العمل وتاريخها العقائدي والسياسي) من هذا الباب سنؤكّد هذا الإجماع عند أهل البيت، وعند الشيعة بفرقها الثلاث، ونوضّح سير هذه المسألة وكيف صارت شعاراً لنهج التعبد المحض في العصور المتأخرة بعد أن أُذِّن بها على عهد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله)، وكيف صار حذفها وإبدالها بـ (الصلاة خير من النوم) شعاراً لخصومهم، وهو دليل قوي على ما نريد قوله من وقوع الملابسات في هذه الشعيرة الإسلامية.
مؤكّدين بأنّا ببياننا لهذه الأقسام الثلاثة أردنا أن نوضح وجهة نظرنا في جزئية هذا الفصل من فصول الأذان، ولا نريد أن نحكّم آراءانا فوق كلام الباري وأقوال الرسول كما يفعله بعض متعصبي المذاهب الذين يرجّحون كلام إمام مذهبهم على القرآن والسنة المطهّرة، مثل ما فعله الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين إذ قال:
(ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قولَ الصحابة، والحديثَ الصحيح، والآيةَ، فالخارجُ عن المذاهب الأربعة ضالٌّ مضلٌّ، وربّما أدّاه ذلك للكفر؛ لأنّ الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر) (683) .
يستبين ممّا سبق أنّ الشيعة لم ينفردوا بهذا القول، بل هناك نقول عن الشافعي وبعض الأعلام في القول بجزئية (حيّ على خير العمل). ومن المفيد أن نقف قليلاً عند هذا الأمر لنؤكد على صحة ما قلناه من أنّ هذا الفصل (حيّ
____________________
(683) حاشية الصاوي على تفسير الجلالين 3: 10 ط دار إحياء التراث العربي، وقد رد الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي القاضي الأول بالمحكمة الشرعية بدولة قطر على كلام الصاوي في كتاب أسماه (تنزيه السنة والقرآن عن كونهما مصدر الضلال والكفران) هذا ما قاله العلّامة الخليلي مفتي سلطنة عمان في كتابه الحق الدامغ: 10.
على خير العمل) كان جزءاً من الأذان على عهد رسول اللَّه إذ أمر النبيّ مؤذّنه بالتأذين به، لكن المقدرات السياسية بعد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) شاءت محوه و إزالته.
وممّا يؤيد قولنا هذا ما قاله القاسم بن محمّد بن عليّ نقلاً عن (توضيح المسائل) لعماد الدين يحيى بن محمّد بن حسن بن حميد المقرئ ما لفظه: ومنها إثبات حيّ على خير العمل، قال: رواه الإمام المهدي أحمد بن يحيى في بحره عن أخير قولَي الشافعي قال: وقد ذكر الروياني أنّ للشافعي قولاً مشهوراً بالقول به. وقد قال كثير من علماء المالكية وغيرهم من الحنفية والشافعية إنّه كان (حيّ على خير العمل) من ألفاظ الأذان.
قال الزركشي في كتابه المسمى بـ "البحر" ما لفظه:
(ومنها ما الخلاف فيه موجود [ في المدينة ] كوجوده في غيرها، وكان ابن عمر - وهو عميد أهل المدينة - يرى إفراد الأذان ويقول فيه: (حيّ على خير العمل) انتهى بلفظه (684) .
إلى أن قال القاضي يحيى بن محمد بن حسن بن حميد [ المقري ]: فَصَحّ ما رواه الروياني أنّ للشافعي قولاً مشهوراً في إتيان (حيّ على خير العمل) (685) .
وفي الروض النضير : وقد قال كثير من علماء المالكية وغيرهم من الحنفية والشافعية أنّه كان (حيّ على خير العمل) من ألفاظ
____________________
(684) الاعتصام بحبل اللَّه المتين 1: 307.
(685) الاعتصام بحبل اللَّه 1: 308.
الأذان (686) .
وفي الاعتصام بحبل اللَّه : وروى الإمام السروجي عن شرح الهداية للحنفية أحاديث (حيّ على خير العمل) بطرق كثيرة (687) .
وبعد هذا اتضح سقم ما انفرد به أهل السنة والجماعة من القول بكراهة الإتيان بحيّ على خير العمل في الأذان (688) ؛ لأنّ فعل ابن عمر و إن قلنا بعدم دوامه فهو بيان لجواز الإتيان بها، وفعل أبي أمامة بن سهل بن حنيف يؤكد جزئيتها وأنّها كانت على عهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وكذا تأذين الإمام عليّ وعليّ بن الحسين فهو دليل على مشروعية هذا الفصل، و يضاف إليها أقوال العلماء فإنّها تدل في أقل التقادير على عدم حرمة الإتيان بها.
ففي كتاب (الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر) على هامش يواقيت الجواهر للشعراني، التصريح بعدم الكراهية، قال فيه [ أي الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية ]: ما عرفتُ مستند مَن كره قول المؤذن (حيّ على خير العمل) فإنّه روي أنّ رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) أمر بها يوم حفر الخندق.
وحكى الشيخ فخر الدين التلمساني عن صاحب (حاشية منهية) من علماء الهند: إنّ ابن تيمية زعم في منهاجه على بدعة (حيّ على خير العمل) في الأذان، فهذا تشدّد منه نحن لا نوافق معه في ذلك (689) .
وقال مهمّش مراتب الإجماع ما هذا نصه: فلا يكون هذا - حيّ على خير
____________________
(686) الروض النضير 1: 542.
(687) الاعتصام 1: 311.
(688) انظر المجموع للنووي 3: 98.
(689) حاشية منهية: 2. انظر: كلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية 4: 165.
العمل - بدعة الروافض كما يزعم ابن تيمية (690) .
وبهذا عرفت أنّ (حيّ على خير العمل) فصل قد أُذِّن به على عهد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) وعمل به الصحابة وأهل البيت، وذهب بعض الأعلام إلى شرعيته وعدم كراهة الإتيان به.
نعم، إنّ أتباع النهج الحاكم تركوه، ولم يرووا فيه إلّا القليل، وقالوا عن الموجود أنّه قد نسخ؟!
هذا وقد تمخض من كلّ ما سبق أُمور:
1 - اتفاق الفريقين على أصل شرعيتها في عهد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، وانفراد أهل السنة والجماعة بدعوى النسخ، وقد تحدى السيّد المرتضى أن يأتوه بالناسخ، بقوله: (وإنّما ادعي أنّ ذلك نُسخ ورفع، وعلى من ادعى النسخ الدلالة، وما يجدها) .
2 - ذكرنا في القسم الثاني الدليل الثاني من أدلّتنا على جزئية الحيعلة الثالثة وهو فعل الصحابة وأهل البيت، فذكرنا فيه اسم ثلاثين شخصاً أذّنوا بـ (حيّ على خير العمل) من الصحابة والتابعين وأهل البيت.
3 - إجماع العترة واتفاق الشيعة بفرقها الثلاث على الحيعلة.
4 - وأخيراً ختمنا الكلام عن جزئية الحيعلة الثالثة بما حكي عن الشافعي وبعض الأعلام من القول بجزئيتها. وسوف نُثبت لاحقاً - إن شاء اللَّه - وجود ملازمة بين القول بـ (حيّ على خير العمل) وعدم القول بـ (الصلاة خير
____________________
(690) مراتب الإجماع لابن حزم: 27، انظر: منهاج السنة النبوية 6: 293 - 294.
من النوم)؛ لأنّ القائل بشرعية أحدهما لا يقول بشرعية الآخر. وحيث ثبت عن الشافعي رجوعه - في أواخر أيام حياته - عن التثويب لعدم ثبوت صحة حديث أبي محذورة عنده، يرجح المنسوب من القول بـ (حيّ على خير العمل) إليه، ومثله الكلام عن مالك وغيرهم من الأحناف والمذاهب الأخرى.
الفصل الثاني:
حذف الحيعلة وامتناع بلال عن التأذين
قبل البدء في بيان بحوث هذا الفصل لابدّ من معرفة معنى ما قاله أحد الصادِقَيْن (691) فيما رواه عنه أبو بصير، أنّه قال: (إنّ بلالاً كان عبداً صالحاً فقال: لا أُؤَذِّنُ لأحدٍ بعد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، فتُرِكَ يومئذٍ: حيّ على خير العمل) (692) .
ولو ثبت هذا الخبر وصح الحديث لصار زمن سقوط حيّ على خير العمل من الأذان بعد وفاة رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) وفي عهد أبي بكر بالذات، وهذا يخالف المشهور بين الطالبيين والمتّفق عليه عند الشيعة الإمامية والزيديّة والإسماعيلية، فإنّهم جميعاً قد أطبقوا على إسقاطها في عهد عمر بن الخطّاب، فما يعني ما رواه أبو بصير إذاً؟
الحديث الآنف هو بصدد التعريف ببلال الحبشي مؤذّن رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) وأنّه كان صلب العود شجاعاً في مبادئه وعبداً صالحاً، ومعناه: لو كان بلال مؤذناً في العصور اللَّاحقة لما تُرك حيّ على خير العمل؛ وذلك لإيمانه وتقواه وثباته على العقيدة، لكن لما ترك بلال - بل اضطُرَّ إلى ترك - الأذان بعد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، كان في ذلك فرصة للآخرين بالزيادة والنقيصة فيه (693) .
ولك الحقّ أن تسأل عن علّة ترك بلال للأذان بعد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، وعن الأقوال التي قيلت في ذلك، وهل يصح حقاً ما نقل عن بلال بأنّه طلب من أبي بكر
____________________
(691) أي الإمام الباقر والإمام الصادق عليهم السلام.
(692) من لا يحضره الفقيه باب الأذان والإقامة 1: 184 ح 872.
(693) كزيادة: (الصلاة خير من النوم) فيه، ونقيصة: (حيّ على خير العمل) منه.
أن يذهب إلى الشام كي يرابط على ثغور المسلمين، أو أنّه قال: لا أطيق أن أؤذّن بعد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، أو غير ذلك؟
إنّ الدقّة في معرفة سير الأحداث تفرض علينا أن نقول: إنّ ترك بلالٍ للأذان لم يكن لمجرّد حالة نفسية وردّة فعل تجاه وفاة رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، لأنّ بلالاً كان أتقى وأورع من أن يترك منصباً نصبه فيه رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) طيلة حياته، ذلك لأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم ينصّبه مؤذِّناً شخصيّاً له، بل أعطاه دور مؤذّن الإسلام، فكيف يترك هذا الدَّور الشريف لمجرّد موت النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؟! وهو أعلم الناس بما قاله رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) في فضل الأذان والمؤذنين.
بل كيف تعقل صياغة عذر ترجيحه للجهاد في الشام على التأذين للمسلمين، مع أنّ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) أمر المسلمين أن ينضووا تحت لواء أُسامة وفيهم أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة، ومن الثابت أنّ بلالاً كان مستثنى من هذا الأمر الجهادي، حيث أطبق التاريخ والمؤرّخون على أنّه كان عند رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) يؤذّن له حتّى آخر لحظة من لحظات حياته الشريفة، فكيف ترك التأذين ورجّح الجهاد؟!
إن هذا ما لا يعقل في حق بلالٍ، خصوصاً وأنّه لم يُعهد عنه اتخاذه موقفاً مرتبكاً عند موت النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كما حدث ذلك لعمر بن الخطّاب (694) ، بل تلقّى الحادث كباقي المسلمين بألم وأسى، واضعاً نصب عينيه قوله تعالى: ( وما محمّدٌ إلّا رسولٌ قد خَلَت من قَبِلِه الرُّسُلُ أفإن ماتَ أو قُتِلَ انقَلَبتُم على أعقابِكم ) (695) ، وقوله تعالى: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُم مَيِّتُونَ ) (696) .
____________________
(694) تاريخ الطبري 3: 202 - 203 في أحداث سنة 11 هـ، وأُسد الغابة 3: 221.
(695) آل عمران: 144.
(696) الزمر: 30.
فما قيل في ترك بلال للأذان لمجرّد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لا يمكن الركون إليه بحال من الأحوال، خصوصاً وأنّ بلالاً لو بقي على أذانه لكان ذلك أقوى للمسلمين وأثبت لنفوسهم، حيث يظلّون يعيشون مع الرسول وذكرياته السماوية العطرة، بل يكون ذلك أبْعَثَ للمسلمين على الجهاد، لأنّه يذكّرهم بأيّام كان ينادي فيها بمحضر النبيّ بالصلاة جامعة للجهاد والخروج والقتال.
على أنّنا نرى أنّهم يستعيضون عن بلالٍ بسعد القرظ الذي لم يؤذن على عهد رسول اللَّه إلّا ثلاث مرّات بقباء - إن صح النقل - وأبي محذورة الذي كان يستهزئ بالأذان وبرسول اللَّه (697) ، فلماذا لم يخرج سعد القرظ للجهاد إذا كان الجهاد أفضل من التأذين؟!
و إذا كان بلال قد ترك الأذان لترجيح الجهاد عليه، فلماذا لا نرى له أيّ مشاركة في قتال المرتدين؟! ولماذا لم يرد اسمه مع أبي بكر في حروب الردّة؟ ونحن نعلم بأنّ حروب الردة قد طالت - بين موت النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وبدء فتوح الشام - فاصلة زمنية تقارب سنة (698) أو أقل.
ولماذا لم يؤذِّن بلال في هذه المدّة لأبي بكر، إذ كان بوسعه أن يؤذّن له، حتّى إذا بدأت مسيرة جيوش المسلمين للشام تركه واشتغل بالجهاد؟
إنّ بقاء بلال في المدينة ولو فترةً قصيرة لم يؤذّن فيها لأبي بكر إنّما يعني شيئاً! فما هو؟ حتّى إذا بدأت الجيوش بالزحف نحو الشام، خرج بلال - طائعاً أو مكرها - إلى الشام وبقي فيها؟
____________________
(697) هذا ما سنوضحه لك في الباب الثاني من هذه الدراسة: (الصلاة خير من النوم.. شرعة أم بدعة) فانتظر.
(698) بدأت حروب الردة بعد أربعين أو ستين أو سبعين يوماً من وفاة النبيّ، وانتهت بمقتل مسيلمة في ربيع الأول سنة 12 هـ.
وعليه لا يصح التبرير المطروح من ترك بلالٍ الأذانَ ترجيحاً للجهاد عليه، بل يبدو أنّ هذا العذر والتبرير اختُلِقَ لدعم فكرة حذف الحيعلة الثالثة ترجيحاً للجهاد عليها - وهي فكرة عمر بن الخطّاب التي صرّحت بها روايات عديدة، بدعوى أنّ الجهاد لا الصلاة، هو خير العمل، ومعنى كلامهم أن بلالاً ترك الأذان ترجيحاً للجهاد عليه!!
فإذا لم يصح هذا التبرير فلنا أن نقول: إنّ هناك أمراً آخر دعاه إلى اتخاذ هذا الموقف.. فما هو؟
يبدو أنّ وراء ترك بلال للأذان سرّاً كامناً، لأنّه ترك الأذان بمجرّد تسلّم أبي بكر للخلافة، و يظهر أنّه بقي في المدينة مدّة يسيرة قد لا تتجاوز وقت وفاة فاطمة بنت رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) أو تتجاوزها بأيام قلائل.
وما قيل من أنّ بلالاً أذّن لأبي بكر مدّة خلافته ثمّ رجّح الجهاد في زمان عمر فهو شيء لا يصحّ؛ لأنّ بلالاً كانت له مشاركات في فتوح الشام، وهذا يعني أنّه كان مع جيوش المسلمين، وقد تفطّن ابن كثير إلى ذلك قائلاً: (ولمّا توفّي رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) ترك بلال الأذان، و يقال: أذّن للصدّيق أيّام خلافته، ولا يصحّ) (699) .
وقد علّق النووي في المجموع على كلام ابن قسيط الذي قال بأن بلالاً كان يسلّم على أبي بكر وعمر في آذانه، يقول: وهذا النقل بعيد أو غلط، فإن المشهور المعروف عند أهل العلم بهذا الفن أن بلالاً لم يؤذن لأبي بكر ولا عمر. وقيل: إذن لأبي بكر (رضي اللَّه عنهم)، ورواية ابن قسيط هذه منقطعه فإنه لم يدرك أبا بكر ولا عمر ولا
____________________
(699) البداية والنهاية 4: 7/ 104 أحداث سنة عشرين من الهجرة.
بلالاً (رضي اللَّه عنهم) (700) .
وكأنّ امتناع بلال من التأذين لأبي بكر بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يَرُق لرجال النهج الحاكم، لأنّه تبدو منه معالم معارضته للخلافة الجديدة، من هنا وضعوا شتى المختلقات لتوجيه عدم تأذينه له، وكأنّ الأقرب للواقع أنّه اضطُرّ إلى ترك المدينة متّجهَّا نحو الشام، إذ كانت الشام منفى المعارضين، وكان ستار الجهاد خير وسيلة لإبعاد المعارضين، حيث ذهب سعد بن عبادة الأنصاري مكرهاً إلى الشام فقتل هناك غيلة، ونفي في زمان عثمان أبو ذر ومالك الأشتر وغيرهما من المعارضين إلى الشام وحبوس معاوية (701) ، ولا يستبعَد أن يكون بلال قد رأى، نتيجة ضغوط أبي بكر وعمر عليه كما ستعلم، أنّ الذهاب إلى الشام أسلَمَ له، وأبعد عن عيون السلطة.
و يؤكد لنا أنّ وراء امتناع بلال من التأذين لأبي بكر أمراً مخفيّاً، عدمُ امتناعه من التأذين لأهل البيت، حيث أذَّن لفاطمة الزهراء بعد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) مرّة، وأذّن لولديها الحسن والحسين (عليهما السلام) مرّة أخرى بعد وفاة فاطمة، وذلك ما لم يختلف فيه المؤرخون وأرباب السير.
روى الصدوق: أنّه لما قُبض النبيّ (صلّى الله عليه وآله) امتنع بلال من الأذان وقال: لا أؤذّن لأحد بعد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، و إن فاطمة قالت ذات يوم: (إنّي أشتهي أن أسمع صوت مؤذّن أبي بالأذان) ، فبلغ ذلك بلالاً فأخذ في الأذان، فلمّا قال: (اللَّه أكبر اللَّه أكبر) ذكرت أباها (صلّى الله عليه وآله) وأيّامه فلم تتمالك
____________________
(700) المجموع 3: 125.
(701) تاريخ اليعقوبي 2: 172 وفيه نفي أبي ذر إلى الشام، وتاريخ الطبري 4: 317 - 326/ أحداث سنة 33، وذكر فيه تسيير عثمان جماعة من أهل الكوفة إلى الشام، منهم: مالك الأشتر.
من البكاء، فلمّا بلغ إلى قوله (أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه) شَهِقت فاطمة شهقةً وسقطت لوجهها وغُشي عليها، فقال الناس لبلال: أمِسكْ يا بلال، فقد فارقت ابنةُ رسول اللَّه الدنيا، وظنّوا أنّها قد ماتت، فقَطَع أذانه ولم يُتمّه، فأفاقت فاطمة وسألته أن يُتّم الأذان فلم يفعل، وقال لها: يا سيّدة النسوان، إني أخشى عليك مما تُنزلينه بنفسك إذا سمعتِ صوتي بالأذان، فأعفته عن ذلك (702) .
وهذا يدل على وجود بلال في المدينة قبل وفاة الزهراء (عليها السلام)، ولم يكن قد خرج منها بعدُ إلى الشام، وهذا يؤكد أنّ أبا بكر بقي أربعين يوم (703) - على أقل التقادير - يدبّر أموره قبل أن يجهز لقتال المرتدين، وظل يقاتل المرتدين مدّة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن سنة قبل أن يسيِّر الجيوش التي فتحت الشام بعد أن كان جيش أسامة رجع عن وجهة الشام دون قتال.
وقد علمتَ أنّ بلالاً لم يشارك في قتال المرتدين، بل صرّحوا بأنّه أقام في المدينة إلى أن خرجت بعوث الشام (704) .
كان بلال إذاً في المدينة ولم يؤذّن لأبي بكر، فلماذا لم يؤذّن لأبي بكر؟! إنّه تساؤل يفرض نفسه، ويبحث عن إجابة.
روى إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء، حدثني أبي محمد بن سليمان، عن أبيه سليمان
____________________
(702) من لا يحضره الفقيه 1: 298/ ح 907، وانظر: الدرجات الرفيعة: 365 - 366.
(703) وقيل: ستين يوماً، وقيل سبعين يوماً، انظر: تاريخ الطبري 3: 241، واليعقوبي 2: 127.
(704) انظر: كنز العمّال 13: 305 ح 36873، مختصر تاريخ دمشق 5: 265. بل قال ابن أبي حاتم إنّه خرج إلى الشام في خلافة عمر. انظر: المراسيل: 108، وعنه في تهذيب الكمال 17: 373.
بن بلال، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: إنّ بلالاً رأى في منامه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟! أما آن لك أن تزورني يا بلال؟
فانتبه حزينا وجلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة [ من الشام ]، فأتى قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه.
فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمّهما ويقبِّلهما، فقالا له: يا بلال، نشتهي أن نسمع أذانك الذي كنت تؤذّنه لرسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) في السَّحَر، ففعل، فَعَلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلمّا أن قال: (اللَّه أكبر اللَّه أكبر) ارتجّت المدينة.
فلما أن قال: (أشهد أن لا إله إلّا اللَّه) زاد تعاجيجها، فلما أن قال: (أشهد أن محمّداً رسول اللَّه) خرج العواتق من خدورهنّ، فقالوا: أبُعِث رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)؟! فما رؤي يوماً أكثر باكياً وباكية بعد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) من ذلك اليوم (705) .
لقد ثبت أنّ بلالاً أذّن لفاطمة بعد وفاة رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) وقبل خروجه إلى الشام، وأذّن للحسن والحسين بعد وفاة فاطمة عند رجوعه من الشام لزيارة قبر رسول
____________________
(705) تاريخ دمشق 7: 136 ترجمة رقم 493 قال: أنبأنا أبو محمد بن الأكفاني، نا عبد العزيز بن أحمد، نا تمام بن محمد، نا محمد بن سليمان، نا محمد بن الفيض، نا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء، ثم ذكر باقي الإسناد. والنص عنه، ومختصر تاريخ دمشق 4: 118، 5: 265، أسد الغابة 1: 208. وانظر: تهذيب الكمال 4: 289، حيث أبدل (الحسن والحسين) بـ (بعض الصحابة).
اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، بل روي أنّه كان يرجع كلّ سنة مرّة إلى المدينة فينادي بالأذان للمسلمين إلى أن مات (706) ، فلماذا لم يؤذّن للخليفة الأوّل، ومن بعده للثاني؟!
إنّ حقيقة امتناع بلال من التأذين تتجاوز مسألة ترحيله إلى الشام للمشاركة في الجهاد، بل إنّ المسألة لَتصل إلى معارضته لأصل خلافة أبي بكر وعمر، ولأنّه أبى - كما يبدو - أن يؤذّن لهما بالأذان الذي بُدِّل فيه وغُيِّر، والذي سخّروا له من بعد سعد القرظ مولى قريش، الذي ظل مؤذّناً حتّى للحجّاج الثقفي، ولم يكن له أيّ دور في المدينة في زمان النبيّ (صلّى الله عليه وآله).
قال النووي في تهذيب الأسماء : جعل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) سعد القرظ مؤذناً بقباء. فلما ولي أبو بكر الخلافة وترك بلالٌ الأذان نقله أبو بكر إلى مسجد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) ليؤذن فيه فلم يزل يؤذن فيه حتّى مات في أيّام الحجاج بن يوسف الثقفي، وتوارث بنوه الأذان. وقيل: الذي نقله عمر بن الخطاب (707) .
ولكنّ بلالاً مع ذلك لم يمتنع عن التأذين لأهل البيت والمسلمين المخلصين - ولذلك قال جعفر بن محمّد: (رحم اللَّه بلالاً فإنّه كان يحبنا أهل البيت) (708) - ، بل إنّه
____________________
(706) انظر: الدرجات الرفيعة: 367، نقلاً عن كتاب المنتقى.
(707) تهذيب الأسماء 1: 207.
(708) الاختصاص: 73. ويدل على اختصاص بلال بعليّ وأهل البيت وعدم إيمانه بشرعية خلافة أبي بكر، ما روي في تفسير الحسن العسكري: في أن بلالاً كان يعظّم أمير المؤمنين (عليه السلام) ويوقّره أضعاف توقيره لأبي بكر، فقيل له في ذلك مع أنّ أبا بكر كان مولاه الذي اشتراه وأعتقه من العذاب، فأجاب من ذلك بأحسن جواب، فكان فيما قال: إن حقَّ عليٍّ أعظم من حقه، لأنّه أنقذني من رق العذاب الذي لو دام عليّ وصبرت عليه لصرت إلى جنات عدن، وعليّ أنقذني من رق العذاب الأبد، وأوجب لي بموالاتي له وتفضيلي إيّاه نعيم الأبد (تفسير العسكري 621/ ح 365).
=
امتنع عن التأذين لرجال النهج الحاكم ورءوس الخلافة وحدهم.
روى الشيخ المفيد بسنده عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال: (وكان بلال مؤذّن رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا قبض رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) لزم بيته ولم يؤذّن لأحد من الخلفاء) (709) .
وقال المزّي: ويقال: إنّه لم يؤذّن بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، إلّا مرّة واحدة، في قَدمةٍ قَدِمها لزيارة قبر النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وطلب إليه الصحابة ذلك فأذّن، ولم يُتمّ الأذان... (710) .
وفي كتاب أصفياء أمير المؤمنين ، روى عن ابن أبي البختري، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن الحسن: انّ بلالاً أبى أن يبايع أبا بكر، و إنّ عمر جاء وأخذ بتلابيبه، فقال: يا بلال، إنّ هذا جزاء أبي بكر منك؟! إنّه أعتقك فلا تجيء تبايعه؟! فقال بلال: إن كان أبو بكر أعتقني للَّه فليدعني له، و إن كان أعتقني لغير ذلك فها أنا ذا (711) .
____________________
=
هذا وقد بقى بلال إلى آخر لحظات عمره الشريف موالياً لمحمّد وآل محمّد، وقد ردّد قبل موته نفس الشعار الذي ردده عمار في صفين من بعد:
غداً سنلقى الأحبّة |
محمداً وحزبه |
(مختصر تاريخ دمشق 5: 267).
(709) الاختصاص: 73.
(710) انظر كلام المزي في تهذيب الكمال 4: 289، ومثله ما حكاه الحصني الشامي (ت 829 هـ) في كتابه "دفع الشبه عن الرسول": 182 عن الحافظ عبد الغني المقدسي في كتابه "الكمال في ترجمة بلال" - وأنّه قد قال بهذا القول قبل المزّي -. وقد يكون مقصود المزّي والمقدسي من جملة (طلب إليه الصحابة) هو طلب الحسن والحسين، إذ لم يقل أحد بأنه أذن للصحابة على نحو العموم، وكذا لا يصحّ ما قاله بأن بلالاً لم يؤذّن بعد النبيّ إلّا مرّة واحدة؛ لثبوت تأذينه لفاطمة الزهراء قبل رحلته إلى الشام.
(711) لا يخفى عليك أنّ رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) هو الذي اشترى بلالاً وأعتقه لكن بواسطة أبي بكر؛ إذ كانت عنده علاقات حسنة مع كفار قريش ولم يكن وَتَرهم.
وأمّا بيعته فما كنت أبايع أحداً لم يستخلفه رسول اللَّه، و إنّ بيعة ابن عمّه يوم الغدير في أعناقنا إلى يوم القيامة، فأيّنا يستطيع أن يبايِع عَلَى مولاه؟ فقال له عمر: لا أمّ لك، لا تُقِمْ معنا! فارتَحَلَ إلى الشام (712) .
وفي كتاب كامل البهائي - لعماد الدين الطبري (713) -: إنّ بلالاً امتنع عن بيعة أبي بكر والأذان له (714) .
فعلى هذا يكون بلال قد عارض خلافة أبي بكر، وامتنع من التأذين له مع بقائه بالمدينة، لعدم إيمانه بشرعية خلافته، ولأنّه وعمر أرادا منه ما يأباه، خرج إلى الشام مكرهاً لا ترجيحاً للجهاد على منصبه النبوي في التأذين، ولا ردّة فعلٍ منه تجاه وفاة الرسول المصطفى (صلّى الله عليه وآله). فإنّ بلالاً لم يبايع لهما، وبقي معارضاً للغاصبين، في صفّ عليّ وغيره من عيون الصحابة، وقد أذّن في هذه المدّة لفاطمة، وكان على اتصال بأهل البيت، ثمّ إنّهم بعد وفاة فاطمة وإجبار عليّ على البيعة، ونفي سعد بن عبادة إلى الشام، وكسرهم سيف الزبير، ووو.... أجبروا بلالاً على مغادرة المدينة تحت غطاء القتال في جبهات الشام، وكان قد عاد إلى المدينة لزيارة قبر النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فأذّن للحسن والحسين.
وبهذا، فإنّ مختلقة تأذينه لعمر (715) في الجابية بالشام، قد وضعت للتغطية على
____________________
(712) الدرجات الرفيعة: 367، عن كتاب أصفياء أمير المؤمنين. وقد روى الوحيد البهبهاني قريباً من هذا في التعليقة (انظر: معجم رجال الحديث 272: 4.
(713) الذي فرغ من تأليفه سنة 675 هـ. ق.
(714) الأربعين للماحوزي: 257، نقلاً عن كامل البهائي.
(715) وضعت روايات مفادها أنّ بلالاً أذّن لعمر في الجابية، وقد وردت بأربعة طرق: أوّلها: ما رواه الطبري في تاريخه 4: 65 / أحداث سنة 17 هـ، قال: (كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف [ بن عمر التميمي ]، عن مجالد عن الشعبي). وهذا الإسناد فيه سيف بن عمر الوضَّاع المتّهم بالزندقة. =
نزاع بلال مع عمر في شأن كيفية توزيع الأراضي المفتوحة وأمثالها، حيث قام بلال إلى عمر فقال: لتقسمنّها أو لنتضاربَنّ عليها بالسيف (716) . ولما أبى عمر ذلك، ودعا على بلال ومن معه بالهلاك (717) ، سألَ بلال عمرَ البقاء في الشام واعتزال باقي الفتوحات، ففعل ذلك عمر (718) ، فبقي بلال في دمشق إلى أن مات بها.
____________________
= ثانيها: ما رواه البيهقي في سننه 1: 419، وابن عساكر في تاريخه 10: 471، والذهبي في سيره 1: 357، وكلها تنتهي إلى (أبي الوليد أحمد بن عبد الرحمن القرشي، حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: سألت مالك بن أنس...). وهذا الإسناد فيه أحمد بن عبد الرحمن القرشي الذي لم يسمع من الوليد بن مسلم قط، وكان شبه قاصٍّ، وقالوا عنه: لا تقبل شهادته على تمرتين. ناهيك عن الوليد بن مسلم الذي كان رفّاعاً للحديث كثير الخطأ، وروى عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل، وكان رديء التدليس. ثالثها: ما ذكره البخاري في التاريخ الصغير والذهبي في سيرة 1: 357 والنص عن البخاري: (حدّثنا يحيى بن نشر، حدّثنا قراد، أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه). وهذا الإسناد فيه هشام بن سعد الذي ضعّفه أحمد بن حنبل وابن سعد ويحيى بن معين والنسائي، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، وقال ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد وهو لا يفهم، ويسند الموقوفات من حيث لا يعلم، وبطل الاحتجاج به. رابعها: ما أخرجه ابن الأثير في أسد الغابة عن أولاد سعد القرظ.
وفي هذا الإسناد أولاد سعد القرظ المجهولون كما مرّ عليك.
ولا يفوتنّك أنّ أولاد سعد القرظ أرادوا التغطية على نزاع بلال مع الخلفاء الذي أدّى إلى تركه الأذان، حتّى جاءوا بسعد القرظ فجعلوه بديلاً عن بلال رحمه اللَّه، واستمرّ التأذين الرسمي في ذرّيّته كما عرفت.
(716) السنن الكبرى للبيهقي 6: 318.
(717) الروض الأنف 6: 581، المبسوط للسرخسي 10: 16.
(718) أسد الغابة 2: 79، تاريخ دمشق 16: 21، الإصابة 4: 72.
وقد كان أبو بكر قد أغضب بلالاً في زمن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فأمر النبيّ أبا بكر أن يترضّاه، قالوا: مرّ أبو سفيان ببلال وسلمان وصهيب، فقالوا: ما أخَذَت سيوفُ اللَّه من عُنُق هذا بعدُ مأخذها، فقال أبو بكر الصديق: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيّدها؟! فذهب أبو بكر إلى رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) فأخبره بذلك، فقال له النبيّ (صلّى الله عليه وآله): يا أبا بكر لعلّك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك، قال: فرجع أبو بكر، فقال: يا إخوة، لعلّكم غضبتم. قالوا: يغفر اللَّه لك يا أبا بكر (719)!
وقد كان بين بلال وعمر اختلاف في وقت الأذان، أدّى بهم من بعد أن يختلقوا صحة أذان ابن أم مكتوم الأعمى في الفجر، مخطّئين أذان بلال لعدم تشخيصه الفجر الصادق، لضعف في بصره!! (720)
روى الأوزاعي أنّ بلالاً أتى عمر بن الخطّاب فقال: الصلاة الصلاة، فردّدها عليه، فقال له عمر: نحنُ أعلمُ بالوقت منك، فقال له بلال: لَأنا أعلم بالوقت منك، إذ أنت أضلّ من حمار أهلك (721) !
وفي زحمة هذا التضادّ السياسي الفقهي بين بلال من جهة، وأبي بكر وعمر وأتباعهما من جهة، يبدو أنّهم طلبوا منه حذف (حيّ على خير العمل) و إبدالها بـ (الصلاة خير من النوم)، فرفض بلال ذلك، ولذلك رفضوا بلالاً ورفضهم، ونسبوا
____________________
(719) مختصر تاريخ دمشق 5: 261.
(720) هذا ما تقف عليه في الباب الثاني من هذه الدراسة: (الصلاة خير من النوم) فراجع.
(721) مختصر تاريخ دمشق 5: 266 - 267.
إلى بلال ضعف البصر واللثَّغة في اللسان وغيرها من الأمور الجارحة، وجاءوا بدله بسعد القرظ وأبي محذورة، ووضعوا أحاديث نسبوها إلى بلال، وكأنّه أذّن بـ (الصلاة خير من النوم) في زمان النبيّ، مع أنّ الصحيح نسبته إلى بلال عكس ذلك، فإنّه أذّن بـ (حيّ على خير العمل) لا (الصلاة خير من النوم).
على أنّ بلالاً كان هو أقرب المشاهدين لما واجهوا به النبيَّ قبيل وفاته، وكيف تخلفوا عن جيش أسامة، وقدّموا أبا بكر للصّلاة.
كان بلال على علم بما يجري من حوله، ولذلك اعتزل القوم ونجا بدينه وأذانه الذي رواه لنا أهل البيت عن جبرئيل عن الباري والذي ليس فيه (الصلاة خير من النوم).
لكنّ عمر بن الخطّاب لمّا استتّب له الأمر، سعى لتطبيق ما يرجوه، فحذف الحيعلة الثالثة وأبدلها بالصلاة خير من النوم، وهو الواقع الذي رواه الأعلام من المسلمين:
قال سعد التفتازاني في حاشيته على شرح العضد، و القوشجي في شرح مبحث الإمامة وغيرهم: إنّ عمر بن الخطاب خطب الناس وقال: أيها الناس، ثلاث كُنَّ على عهد رسول اللَّه أنا أنهى عنهنّ وأحرمهنّ وأعاقب عليهن، وهي: متعة النساء، ومتعة الحجّ، وحيّ على خير العمل (722) .
____________________
(722) شرح التجريد: 374، كنز العرفان 2: 158، الغدير 6: 213، والبياضي في الصراط المستقيم
=
وقال الحافظ العلوي: أخبرنا محمّد بن طلحة النعالي البغدادي، حدثنا محمّد بن عمر الجعابي الحافظ، حدّثنا إسحاق بن محمّد [ بن مروان ]، حدّثنا أبي، حدّثنا المغيرة بن عبد اللَّه، عن مقاتل بن سليمان، عن عطاء، حدّثنا أبي [ السائب بن مالك ] عن عمر أنّه كان يؤذن بحيّ على خير العمل، ثمّ ترك ذلك وقال: أخاف أن يتكل الناس (723) .
وجاء في كتاب الإحكام - من كتب الزيدية -: قال يحيى بن الحسين صلوات اللَّه عليه: وقد صحّ لنا أنّ (حيّ على خير العمل) كانت على عهد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) يؤذن بها ولم تطرح إلّا في زمن عمر بن الخطاب، فإنّه أمر بطرحها وقال: أخاف أن يتّكل الناس عليها، وأمر بإثبات (الصلاة خير من النوم) مكانها.
قال يحيى بن الحسين رضي اللَّه عنه: والأذان فأصله أنّ رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) عُلِّمهُ ليلة المسرى، أرسل اللَّه إليه ملكاً فعلّمه إيّاه، فأما ما يقول به الجهّال من أنّه رؤيا... (724) .
وعن نافع، عن ابن عمر: أنّه كان يؤذن فيقول: حيّ على خير العمل، ويقول كانت في الأذان فخاف عمر أن ينكل الناس عن الجهاد.
وعن الباقر قال: (كان أبي عليّ بن الحسين يقول إذا أذّن: حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل. قال: وكانت في الأذان، وكان عمر لمّا خاف أن يتثبط الناس عن
____________________
=
3: 277 عن الطبري في المسترشد: 516.
(723) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي، بتحقيق عزّان: 99، وانظر: صفحه 63 منه.
(724) الإحكام 1: 84.
الجهاد ويتكلوا، أمرهم فكفّوا عنها) (725) .
وعن الإمام زيد بن عليّ: أنّه قال: ممّا نقم المسلمون على عمر أنّه نحى من النداء في الأذان حيّ على خير العمل، وقد بلغت العلماء أنّه كان يؤذّن بها رسول اللَّه حتّى قبضه اللَّه عزّ وجلّ، وكان يؤذن بها لأبي بكر حتّى مات، وطرفاً من ولاية عمر حتّى نهى عنها (726) .
وعن جعفر بن محمّد قال: (كان في الأذان حيّ على خير العمل، فنقصها عمر) (727) .
وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: (كان الأذان بحيّ على خير العمل على عهد رسول اللَّه، وبه أمروا أيّام أبي بكر وصدراً من أيّام عمر، ثمّ أمر عمر بقطعه وحذفه من الأذان والإقامة، فقيل له في ذلك فقال: إذا سمع الناس أنّ الصلاة خير العمل تهاونوا بالجهاد وتخلفوا عنه). وروينا مثل ذلك عن جعفر بن محمّد، والعامة تروي مثل هذا... (728)
____________________
(725) انظر: الأذان بحيّ على خير العمل: 79.
(726) الأذان بحي على خير العمل: 29 - 30 وهامش السنة للإمام زيد: 83.
(727) النصوص عن ابن عمر والباقر، وزيد، وجعفر بن محمد موجودة في الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي بتحقيق عزّان: 63.
(728) دعائم الإسلام 1: 142، بحار الأنوار 81: 156. وجاء في كتاب الإيضاح للقاضي نعمان المتوفَّى 363 هـ والمطبوع في (ميراث حديث شيعه) 10: 108:.. فقد ثبت أنه أذّن بها على عهد رسول اللَّه حتى توفاه اللَّه تعالى وأن عمر أقطعه وقد يزيد اللَّه في فرائض دينه بكتابه وعلى لسان نبيه ما شاء لا شريك له وأنا ذاكر ما جاءت به الرواية من الأذان بحي على خير العمل - وبدأها بهذا الخبر -: في كتب ابن الحسين علي بن فرسند [ورسند] روايته عن أحمد عن الحسين عن لولو عن بشر عن أبي جعفر محمد بن علي قال: أسقط عمر من الأذان حي على خير العمل فنهاه علي فلم ينته.
وروى القاضي زيد الكلاري في شرح التحرير ، عن الإمام القاسم بن إبراهيم أنّه قال: فأمّا (حيّ على خير العمل) فكانت في الأذان، فسمعها عمر يوماً فأمر بالإمساك فيه عنها وقال: إذا سمعها الناس ضيّعوا الجهاد لموضعها واتّكلوا عليه (729) .
وقال في المنتخب : وأمّ (حيّ على خير العمل) فلم تَزَل على عهد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) حتّى قبضه اللَّه عزّ وجلّ، وفي عهد أبي بكر حتّى مات، و إنّما تركها عمر وأمر بذلك، فقيل له: لم تركتها؟ فقال: لئلّا يتّكل الناس عليها و يتركوا الجهاد (730) .
وعن الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليّ، قال: لم يَزَل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يؤذن بحيّ على خير العمل حتّى قبضه اللَّه، وكان يؤذَّن بها في زمن أبي بكر، فلمّا ولي عمر قال: دعوا (حيّ على خير العمل) لا يشتغل الناس عن الجهاد، فكان أوّل من تركه (731) .
وقال الفضل بن شاذان (المتوفّى 260 هـ) مخاطباً أهل السنّة:... ورويتم عن أبي يوسف القاضي - رواه محمّد بن الحسن عن أصحابه - وعن أبي حنيفة، قالوا: كان الأذان على عهد رسول اللَّه وعلى عهد أبي بكر وصدراً من خلافة عمر يُنادى فيه: (حيّ على خير العمل). فقال عمر بن الخطاب: إنّي أخاف أن يتّكل الناس على الصلاة إذا قيل: (حيّ على خير العمل) و يَدَعُوا الجهاد، فأمر أن يطرح من الأذان (حيّ على خير
____________________
(729) الأذان بحيّ على خير العمل بتحقيق عزّان: 153.
(730) الأذان بحيّ على خير العمل بتحقيق عزّان: 153. وانظر الإيضاح للقاضي نعمان: 108.
(731) الأذان بحيّ خير العمل، للحافظ العلوي بتحقيق عزّان: 63 - 64.
العمل) (732) .
إنّ كل هذه النصوص دالّة على أنّ إسقاط (حيّ على خير العمل) من الأذان كان في عهد عمر بن الخطّاب، وأنّ الصحابة كانوا قد أذّنوا بها على عهد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله)، وعلى عهد أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، وأنّ عمر سمعها يوماً فأمر بالإمساك فيه عنها وقال: إذا سمعها الناس ضيّعوا الجهاد.
إنّ عمر نفَّذَ في أثناء تسلّمه أزمّة الأمور ما كان يطمح إليه من حذف (حيّ على خير العمل) التي كانت في أذان المسلمين، وقد سمعت أنّ مما نقمه المسلمون على عمر حذفه (حيّ على خير العمل).
و يبدو أنّه لم يتسنَّ لعمر أن يحذفها بعد وفاة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) مباشرة و إن حاول ذلك، وكان الجهاد قائماً على سوقه أيضاً، لكنّه نجح في ذلك عند استلامه الخلافة مسكتاً المعارضين بالقوة والشدة المعهودتين منه.
ومن هنا تعرف أنّ المقصود من كلمة بلال (لا أوذّن لأحد بعد رسول اللَّه) أنّها تعني: أنني لا أوذّن لأحدٍ اغتصب الخلافة ظلماً بعد رسول اللَّه ومن جدّ في حذف ما يدل على الإمامة والولاية وإسقاطها من الأذان (733) .
وبهذا فليس هناك تخالف بين ما رواه أبو بصير وما قالته الشيعة - بفرقها الثلاث - وذلك للدور الذي لعبه عمر بن الخطاب إبّان عهد الخليفة الأوّل في رسم الخطوط العامة للحكم الذي يرتضيانه، إذ أقرّ تلك التطلعات بعد بسط نفوذه في خلافته، ممّا دعا بلالاً إلى أن يترك الأذان ويقول: (لا أوذّن لأحد بعد رسول
____________________
(732) الإيضاح: 206 وراجع كتاب العلوم 1: 92 والاعتصام بحبل اللَّه المتين 1: 269، 299، 304.
(733) هذا ما سنبحثه في الفصل القادم: (حي على خير العمل.. دعوة إلى الولاية) .
اللَّه).
و خلاصة القول: أنّ الحيعلة الثالثة (حيّ على خير العمل) كانت على زمن رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله)، وزمن أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، ثمّ حذفها عمر في أيّام حكومته، وأنّه كان يقصد إلى ذلك منذ حروب الردة، ثمّ أراد تطبيقها بعد وفاة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، لكنّه اصطدام بمعارضة بلال مؤذن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) الذائع الصِّيت، الذي رفض أنْ يؤذن لرموز الخلافة المغتصبة، فأبعدوه وأبدلوه بسعد القرظ، فتسنى لهم ما أرادوا من بعد، فتمهّدت لهم الأرضية لذلك بعد إقصاء بلال عن منصبه الذي وضعه فيه النبيّ (صلَّى الله عليه وآله). وقد دلّت كلّ النصوص والأحداث التاريخية على أنّ حذفها كان في حكومة عمر، ودلَّ خبرُ أبي بصير عن أحد الصادقَين - الذي صدّرنا هذا الفصل به - على أنّ عمر كان قاصداً هذا القصد من قبل، ثمّ نفّذهُ في أيّام استخلافه.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى - كما ستعرف في الباب الثاني (الصلاة خير من النوم: شرعة أم بدعة؟) - أنّ إضافة (الصلاة خير من النوم) أيضاً كانت من مبتكرات عمر بن الخطاب، الذي رفع الحيعلة الثالثة وجعل مكانه (الصلاة خير من النوم) فسار الأمويّون والمجتهدون من بعده على مساره، وأحكموا ما ذهب إليه عمر، حتّى صار في العصور اللاحقة تلازم بين إثبات الحيعلة الثالثة ورفض التثويب عند نهج التعبد، وفي المقابل ثمّة تلازم بين حذف الحيعلة الثالثة واثبات التثويب عند نهج الاجتهاد والحكومات. وقد تطور الأمر - كما سيأتيك - إلى أن صار ذلك شعاراً سياسيّاً لكل من طرفَي النزاع.
وفي هذا المقام نلحظ ما رواه زيد النرسي - في أصله - عن أبي الحسن
الكاظم (عليه السلام)، حيث قال: ("الصلاة خير من النوم" بدعة بني أمية، وليس ذلك من أصل الأذان) (734) ، فإن الإمام الكاظم كان ناظراً إلى استفحال هذا التثويب وشيوعه واتخاذه طابع العموم والانتشار في زمن بني أميّة الذين ساروا في هذا المجال على خطى عمر بن الخطاب، وأيّدوا نهج الاجتهاد والرأي في مقابل نهج التعبد المحض، وبذلك لا يكون ثمة تخالف بين القول بأنّها بدعة وضعت في عهد عمر بن الخطاب والقول بأنّها بدعة أموية؛ لأن الثانية حكّمت ما شرّع في عهد الشيخين.
وبعد هذا نتساءل: هل تصحّ هذه العلّة (أي علّة الخوف من ترك الناس للجهاد) لحذف هذا الفصل من فصول الأذان، أم أنّ هناك دافعاً آخر وراء هذا الأمر؟ هذا ما سنوضحه في الفصل اللاحق.
____________________
(734) مستدرك الوسائل 4: 44.
الفصل الثالث:
حيّ على خير العمل
دعوة إلى الولاية، وبيان لأسباب حذفها
ذكرت كتب الحديث والتاريخ أنّ لـ (حيّ على خير العمل) مَعنَيَين: ظاهريّ و باطنيّ .
أمّا المعنى الظاهري لجملة (حيّ على خير العمل) فهو: أنّ خير الأعمال الصلاة والدعوة إلى إتيانها، وهذا هو الفهم الأوّلي المتبادر للذهن.
و تدلّ عليه رواية الصدوق في علل الشرائع و عيون أخبار الرضا فيما رواه من العلل عن الإمام الرضا (عليه السلام)... فقال: أخبِرني عن الأذان، لِم أُمروا به؟ قال:
(لعلل كثيرة، منها: أن يكون تذكيراً للساهي، وتنبيهاً للغافل، وتعريفاً لمن جهل الوقت...) إلى أن يقول: (فجعل النداء إلى الصلاة في وسط الأذان، فقدّم قبلها أربعاً: التكبيرتين والشهادتين، وأخّر بعدها أربعاً: يدعو إلى الفلاح حثاً على البر والصلاة، ثمّ دعا إلى خير العمل مرغّباً فيها وفي عملها وفي أدائها، ثمّ نادى بالتكبير والتهليل ليتمّ بعدها أربعاً...) (735) .
أما المعنى الباطني المكنون - الذي يعرفه أهل البيت ومن نزل في بيوتهم الكتاب والوحي - فهو ما رواه الصدوق في معاني الأخبار و علل الشرائع ، بإسناده عن محمّد بن مروان، عن الباقر (عليه السلام)، قال: (أتدري ما تفسير (حيّ على خير العمل)؟)
قال، قلت: لا.
____________________
(735) علل الشرائع: 259 الباب 182، عيون أخبار الرضا 2: 103.
قال: (دعاك إلى البرّ، أتدري بِرُّ مَن؟)
قلت: لا.
قال: (دعاك إلى برِّ فاطمة وولْدِها) (736) .
وقال الحافظ العلوي: أخبرنا محمّد بن أحمد قراءة، أخبرنا محمّد بن أبي العبّاس الوراق في كتابه، أخبرنا محمّد بن القاسم، حدّثنا حسن بن عبد الواحد، حدّثني حرب بن حسن، حدّثنا الحارث بن زياد - يعني الطحان - حدّثنا محمّد بن مروان، قال: سمعت أبا جعفر وسأله رجل عن تفسير الأذان قال، فقال له: اللَّه أكبر، قال: (فهو كما قال اللَّه أكبر من كلّ شيء...) حتّى بلغ: حيّ على خير العمل، قال: (أمّا قوله: حيّ على خير العمل..) قال: (فأمرك بالبر، تدري برّ مَن؟) قال الرجل: لا. قال: (بر فاطمة وولدها) (737) .
وفي خبر آخر عن الصادق (عليه السلام): سئل عن معنى (حيّ على خير العمل). فقال: (خير العمل الولاية) (738) .
هذا وقد علّل الإمام الكاظم سببَ حذف عمر بن الخطاب لهذه العبارة من الأذان بسبيين: ظاهري وباطني. إذ روى الصدوق في كتاب علل الشرائع بسنده الحسن بل الصحيح عن ابن أبي عمير أنّه سأل أبا الحسن (الكاظم) عن (حيّ على خير العمل) لِمَ تركت من الأذان؟ قال: (تريد العلة الظاهرة أو الباطنة؟)
____________________
(736) معاني الأخبار: 42، علل الشرائع: 368 الباب 89، وعنهما في بحار الأنوار 81: 141.
(737) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي بتحقيق عزّان: 135 الحديث 169.
(738) التوحيد للصدوق: 241، وعنه في بحار الأنوار 81: 134.
قلت: أريدهما جميعاً. فقال: (أمّا العلة الظاهرة فلئلّا يدع الناس الجهاد اتّكالاً على الصلاة، وأمّا الباطنة فإنّ (خير العمل) الولاية، فأراد مِن أمره بترك (حيّ على خير العمل) من الأذان أن لا يقع حثٌّ عليها ودعاءٌ إليه) (739) .
فما وجه الترابط بين الصلاة والدعوة إلى برّ فاطمة وولدها؟ بل ما يُعنى بمجيء الولاية وبرّ فاطمة وولدها في الأذان للصلاة؟ وهل حقاً أنّ جملة (خير العمل) هي الولاية؟ أم أنّها: الصلاة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟.. وهل هناك تناف بين الرؤيتين؟ وهل يصح مضمون الرواية القائلة بأنّ عمر أراد من أمره بتركها أن لا يقع حثٌّ على الولاية ودعاءٌ إليها؟ أم هناك شيء آخر؟ وما هي المقدّمات التي تساعدنا على تفهّم مقصود الإمام أبي الحسن الكاظم في علّة حذف عمر بن الخطاب لعبارة (حيّ على خير العمل)، بل بماذا تفسّر الشيعة هذه المقولة وما جاء عن أبي جعفر الباقر بـ(أن الإسلام بُني على خَمس: الصلاة والصوم والزكاة والحجّ والولاية، ولم يُنادَ بشيء كما نُودي بالولاية) (740) ؟ بل كيف تكون الولاية أهمّ من كلّ شيء؟ وهل هي أهمّ من الشهادتين كذلك؟ ولماذا تُرجع الشيعة كلَّ شيء إلى الولاية؟
إنّ أئمّة أهل البيت قد أجابوا عن هذه التساؤلات، وأنّ المعنيّ عندهم بـ (ما نُودي بشيء كالولاية) وأمثالها لا يعني أنّها أهم من الشهادتين، بل إنّ أمر
____________________
(739) علل الشرائع: 368 العلة 89. وعنه في بحار الأنوار 81: 140.
(740) المحاسن 1: 445 - 446 باب الشرائع، والكافي 2: 18 باب دعائم الإسلام ح 1 و3 و8.
الشهادتين مفروغ منه؛ لأن الإمام قال: (بني الإسلام على خمس) ومعناه: أنّ الإسلام المؤلّف من الشهادتين قد بني على خمس: الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج، الولاية، وأن الولاية أفضلها، وما نودي بشيء كالولاية؛ لكون الإمامة امتداداً للنبوّة، لا أنّها قبال النبوة والتوحيد - كما يصوّره البعض - فلا يمكن معرفة اللَّه إلّا بالنبي، ولا يمكن معرفة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) واللَّه (جَلَّ جلاله) معرفةً مقبولة صالحة إلّا بالإمام المفترض طاعته، وهذا ما وضّحته كتب الإمامية، وأشار إليه العلماء في كتبهم الكلامية.
إذ الاعتقاد بالإمامة لا يُترك بحال، فهي ليست كالصلاة والصوم والزكاة والحجّ التي قد يرخّص في تركها في ظروف خاصة؛ فالحائض مثلاً تترك الصلاة، والمريض معفوّ عن الصوم، والزكاةُ والحجّ ساقطان عن الفقير. أما الولاية، فهي واجبة على المكلّف سواء كان صاحياً أم مريضاً، وذا مال ومعسراً (741) و... لأنّها من الأصول التي يبتني عليها قوام الشريعة، وبها تقام الأحكام، وقد مرّ عليك كلام الإمام الزيدي يحيى بن الحسين - في كتابه الأحكام - عن الأذان، وأنّها من أصول الدين، إشعاراً منه بمكانة هذه الشعيرة وما تحمله من مفاهيم وأفكار.
فالأذان وإن كان من شعائر الدين، لكنّ فصوله تنطوي على أهم أصول الدين، والاعتقاد بالإمامة عندنا من أصول المذهب، وقد وضّح الإمام الباقر (عليه السلام)
____________________
(741) جاء في الخصال: 278 ح 21 باب الخمسة بسنده عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): (بني الإسلام على خمس: أقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم شهر رمضان، والولاية لنا أهل البيت، فجعل في أربع منها رخصة، ولم يجعل في الولاية رخصة. من لم يكن له مال لم تكن عليه الزكاة، ومن لم يكن له مال فليس عليه حج، ومن كان مريضاً صلى قاعداً وأفطر شهر رمضان، والولاية صحيحاً كان ومريضاً وذا مال ولا مال له فهي لازمة).
مكانة الإمامة بين العبادات الخمس، وقد سأله عنها زرارة بقوله: وأيّ شيء من ذلك أفضل؟ قال: (الولاية أفضل؛ لأنّها مفتاحهنّ، والوالي هو الدليل عليهنّ) إلى أن قال: (إنّ أفضل الأشياء ما أنت عليه إذا فاتَكَ لم يكن منه توبة دون أن ترجع إليه فتؤدّيه...).
وعليه فمبحث الإمامة والولاية من المسائل المهمة والمختلف فيها بين المسلمين، بل من المسائل المتجذّرة في تاريخ الإسلام، وقد كتب فيها الأعلام مصنفات كثيرة ولا يسع هذه الدراسة الإحاطة بجوانبها، لكننا نكتفي بالإشارة إلى قليل من مجموع مئات الأدلّة المستدلّ بها على الإمامة، نأتي بها كي نوضّح معنى ومقصود الإمام الكاظم، وكيف: أنّ الولاية خير من الجهاد والصلاة وسواهما.
بعض أدلّة الولاية
وليكن الكلام أولاً عن آية المودّة؛ مفهومها ومعطياتها، وهل تعني المحبة كما يقولون أم تعني شيئاً أكثر من مجرّد المحبة؟ بل هل هناك اختلاف بين قوله: ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ) وقوله: ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ؟ وعلى أيّ شيء تدل هذه الآية الأخيرة بالتحديد؟ وهل يعقل أن يحصر شخصٌ رساليٌّ عظيم كرسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) أجرَ رسالته - الّتي ما أوذي نبي مثل ما أوذي (صلَّى الله عليه وآله) هو عليها - بحبّ أقربائه وعشيرته؟ وهل إنّ قرار الرسول هذا جاء لتحكيم أسرته وعشيرته وتقوية الروح القبلية والنزعة العشائرية التي كانت سائدة عند العرب في الجاهلية - والعياذ باللَّه -؟
أم أنّه (صلَّى الله عليه وآله) أراد بذلك أموراً أخرى تعبّر عن إرادة السماء؟ ثمّ مَن هم أقرباؤه المعنيّون في هذه الآية؟
المعلوم أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أوجب مودّة قرباه لا لتعظيم الجانب القبلي والعشائري، إذ الثابت عن رسالة السماء أنّها تخالف هذه النزعة الجاهلية الضيّقة؛ حيث ذمّ الباري عمَّ النبيّ وزوجة عمّه في سورة نزلت في عمّ رسول اللَّه، أبي لهب، دون اعتبار لنسبه منه (صلَّى الله عليه وآله): ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) .
إذاً لا يكون المعنيُّ بالقربى عشيرته وأقرباءَه بما هم أقرباؤه وعشيرته، بل المعنيّ بذلك فئة خاصة منهم، لهم سمات وخصائص تجعلهم أمناء على دين اللَّه وواسطة للفيض الإلهي، وهؤلاء هم الصادقون والمطهّرون الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس، وقد نوّهنا بطرف من منزلتهم فيما مضى. إذ لا يعقل أن يأمر اللَّهُ ورسولُه المؤمنين بالتودّد إلى مَن ليس بأهل للمودّة، وإلى من هو منحرف عن الجادة (والعياذ باللَّه)، بل إنّ أمره بالتودد إليهم يشير إلى أنّ لهؤلاء القربى خصائص يتميّزون بها ليست للآخرين، كالعلم والفضل والتقوى والصبر و... وهذه المقوّمات هي التي جعلت من هؤلاء قدوة، وقد عرّفهم سبحانه في آية التطهير وحصرهم بمن تحت الكساء، وهم بعد النبيّ محمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله): عليّ وفاطمة والحسن والحسين.
من يعرف الدين الإسلامي يعلم بأنّ الإسلام يهتم بالقيم والمثل لا العلائق والاتجاهات القبلية والعشائرية، فقد جعل رسولُ اللَّه سلمانَ الفارسي من أهل بيته لما امتلكه من مؤهّلات وخصائص ذاتية ومعنوية مع عدم امتلاكه أي علائق مع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) من الوجهة القبلية والإقليمية.
قال أبو فراس في هذا المعنى من النَّسب الإيماني:
كانَت مَوَدَّةُ سَلمانٍ لَهُ رَحِماً |
وَلَم يَكُن بَينَ نوحٍ وَاِبنِهِ رَحِمُ |
المسألة إذاً أعظم مما تُصوِّره مدرسة الخلفاء ونهج الاجتهاد والرأي من أن الآية تعني المحبّة بما هي محبة مجرّدة، وأنّ رسول اللَّه أراد الاهتمام بعشيرته وأقربائه وذويه، بل إنّ آية المودّة تشير إلى مبدأ آخر واضح للمفكّر اللّبيب، لأنّ الشارع لا يأمر بمحبة من هو ليس بأهل وبمحبة الفاسق والفاجر (والعياذ باللَّه)، بل سبحانه يأمر بمودّة من له خصوصية أن يكون واسطة للفيض الإلهي وصيانة الأحكام، وإجراء الحدود على وجهاتها الصحيحة، وحفظ الثغور، وتقسيم الفيء، وردّ الشبهات، وغيرها من مستلزمات صيانة الدين الحنيف وحفظه، وهو دليل على سلامة القربى المعنيين في الآية من العيب والنقص، إذ جعلهم عِدلاً للقرآن الذي لا يأتيه ريب، وعلّق أجر رسالته - التي لاقى الصعاب من أجلها - على مودتهم.
قال الزمخشري في الكشاف بعد طرحه سؤالاً وجوابه: وروي أنّها لمّا نزلت، [ ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ] قيل: يا رسول اللَّه، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: (عليّ وفاطمة وابناهما). ويدل عليه ما روي عن عليّ رضي اللَّه عنه: (شكوت إلى رسول اللَّه حسد الناس لي، فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة: أوّل من يدخل الجنَّة، أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذريّتنا خلف أزواجنا) (742) .
وعن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): (حرمت الجنَّة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي. ومَن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطّلب، ولم يُجازِه عليها، فأنا أجازيه عليها غداً
____________________
(742) انظر: فضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل 2: 624 ح 1068 وفيه زيادة: (وشيعتنا من ورائنا).
إذا لقيني يوم القيامة) (743) .
وروي أنّ الأنصار قالوا: فَعَلنا وفَعَلنا؛ كأنّهم افتخروا. فقال عبّاس - وابن عبّاس رضي اللَّه عنهما -: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول اللَّه فأتاهم في مجالسهم، فقال: (يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلّة فأعزّكم اللَّه بي؟) قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال: (ألم تكونوا ضُلّالاً فهداكم اللَّه بي؟) قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال: (أفلا تجيبوني؟) قالوا: ما نقول يا رسول اللَّه؟ قال: (ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟ ولم يكذّبوك فصدّقناك؟ ولم يخذلوك فنصرناك؟) قال: فما زال يقول حتّى جَثَوا على الرُّكَب، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا للَّه ولرسوله، فنزلت الآية وقال رسول اللَّه: (من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يُزَفّ إلى الجنَّة كما تُزَف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فُتح له في قبره باباً إلى الجنّة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل اللَّه قبره مزار ملائكة الرحمة،
____________________
(743) انظر: مسند زيد بن علي: 463 و466 الباب 4 في فضل الحسنين (نشر دار الحياة) وهذا المطلب غير موجود في ما اعتمدناه في تخريج الروايات عن مسند زيد، فإنه ينتهي إلى آخر كتاب الفرائض، وهو من منشورات دار الكتب العلمية.
ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه (آيس من رحمة اللَّه)، ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يَشمَّ رائحة الجنّة)... (744) .
وقد نقل الرازي كلام الزمخشري في تفسيره معلقاً عليه بقوله: وروى صاحب الكشّاف أنّه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول اللَّه، مَن قرابَتُك هؤلاء الذين وَجَبت علينا مودّتُهم؟ فقال: (علي وفاطمة وابناهما). فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبي، وإذا ثَبَت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيدِ التعظيم، ويدل عليه وجوه:
الأوّل: قوله تعالى: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) ووجه الاستدلال به ما سبق.
الثاني: لا شكّ أنّ النبي كان يحبّ فاطمة، قال (صلَّى الله عليه وآله): (فاطمةُ بضعةُ مِنّي يُؤذيني ما يُؤذيها)، وثبَت بالنقل المتواتر أنّه كان يحبّ عليّاً والحسن والحسين. وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله؛ لقوله: ( وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ولقوله تعالى: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) ولقوله ( قُل إنْ كُنتُم تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعوني يُحبِبْكُم اللَّهُ ) ولقوله سبحانه: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
____________________
(744) تفسير الكشاف 3: 403، وفي تفسير القرطبي 16: 21 - 23 في ذيل الآية حكى عن الثعلبي هذه الرواية فذيّله بـ (ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له من شفاعتي).
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) .
الثالث: إن الدعاء للآل مَنصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة، وهو قوله: (اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد وارحم محمداً وآل محمد). وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل، فكلّ ذلك يدلّ على أن حبّ آل محمد واجب، وقال الشافعي رضي اللَّه عنه:
يا راكباً قِف بالُمحصَّبِ مِن مِنى |
واهتُفْ بساكنِ خِيفها والناهضِ |
|
سَحَراً إذا فاضَ الحجيجُ إلى مِنى |
فَيضاً كمُلْتَطَمِ الفراتِ الفائضِ |
|
إنْ كانَ رَفضاً حُبُّ آل محمدٍ |
فَلْيَشهدِ الثّقلَانِ أنّي رافضي (745) |
ولو تدبرت في خبر أبي عبيدة عن الإمام الصادق - والمروي في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي - لعرفت مزيّة فاطمة الزهراء على عائشة وعلى غيرها من نساء النبيّ، قال الصادق (عليه السلام): (كان رسول اللَّه يكثر تقبيل فاطمة (عليها السلام)، فغضبت من ذلك عائشة، وقالت يا رسول اللَّه: إنك تكثر تقبيل فاطمة! فقال رسول اللَّه: ياعائشة، إنه لمّا أسري بي إلى السماء دخلتُ الجنّة فأدناني جبرئيل من شجرة طوبى وناولني من ثمارها فأكلته، فلمّا هبطت إلى الأرض، حوّل اللَّه ذلك ماءً في ظهري، فلمّا هبطتُ إلى الأرض فواقعتُ بخديجة فحملت بفاطمة، فما قبّلتها قطّ إلّا وجدت رائحة شجرة طوبى منها) (746) .
____________________
(745) التفسير الكبير للرازي 166: 27، وديوان الشافعي: 84.
(746) تفسير عليّ بن إبراهيم كما في نور الثقلين 3: 131، مجمع الزوائد 9: 202، وانظر: الدّر
=
وحسب هذا دليلاً لمعرفة صحة ما نقول من أنّ مودّتها ميزان للإسلام والإيمان.
وعليه، فالأجر على الرسالة لابدّ أن يرتبط بأصل الرسالة، ولا معنى لما يقال من إرادة التودّد العاطفي البحت لذوي القربى، بل المعنيّ به هو أنّ هذه النخبة الصالحة هي التجسيد الواقعي للدين وصمّام الأمان للرسالة، وأنّ التودّد إليهم سيعود بالنفع على الناس قبل النفع على القربى، لأنّها لا تزيد القربى مقاماً ومنزلة إذ منزلتهم محفوظة من عند اللَّه، فهم مستودع العلم وظرف الرسالة، وهذا ما صرّح به الذكر الحكيم بقوله: ( إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) لا (المودة للقربى)، وفي هذا إيماء لطيف إلى أنّهم غير محتاجين إلى مودة الناس، بل إنّ مودّتهم تؤدّي بالناس إلى الخير والصلاح، لأنّ التودّد الذي تكون القربى ظرفاً له سيربطهم بالرسالة وصاحبها ارتباطاً وثيقاً ترجع خيراته إلى الناس، وهو لطف من اللَّه للبشر، إذ جعل مودّة أهل بيتِ رسولِهِ سبباً لنجاتهم من الهلكة، وهي من قبيل جعل حب الإمام عليّ وبغضه مقياساً لمعرفة المؤمن من المنافق، وقد كان المنافقون من الصحابة يُعرَفُون ببغضهم لعليّ بن أبي طالب، فقد ثبت عن أبي سعيد الخدري قوله: (إنّا كنّا نعرف المنافقين - نحن معاشَر الأنصار - ببغضهم عليّ بن أبي طالب) (747) .
وورد عن عُبادة بن الصامت قوله: كنا نبور أولادنا بحبّ عليّ بن أبي طالب،
____________________
=
المنثور 4: 153 والمستدرك للحاكم 3: 156، والمناقب لابن المغازلي: 357، وتاريخ الخميس 1: 277.
(747) أُسد الغابة 3: 30.
فإذا رأينا أحداً لا يحبّه علمنا أنّه ليس منّا وأنّه لغير رشدة (748) .
وجاء عن ابن مسعود قوله: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) إلّا ببغضهم عليّ بن أبي طالب (749) .
إذاً كان عليّ بن أبي طالب محكًّا للأنصار ولغيرهم (750) ، وهذا بخلاف قوله (صلَّى الله عليه وآله) في الأنصار: (لا يحبّهم إلّا مؤمن ولا يبغضهم إلّا منافق) (751) .
ففي النص الأوّل كان شخص عليّ بن أبي طالب هو المعيار لمعرفة المؤمن من المنافق، بخلاف الأنصار الذين يرجع حبّهم إلى ما فعلوه من نصرتهم لنشر الدين الإسلامي والسعي في إيواء المسلمين وقيامهم في مهمات الدين.
قال النووي في شرح مسلم: (إنّ من عرف مرتبة الأنصار... وعرف من عليّ ابن أبي طالب قربه من رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) وحبّ النبيّ له، وما كان منه في نصرة الإسلام وسوابقه، ثمّ أحب الأنصار وعليّاً لهذا، كان ذلك من دلائل صحّة إيمانه وصدقه في إسلامه، لسروره بظهور الإسلام والقيام بما يرضي اللَّه سبحانه وتعالى ورسوله...) (752) .
____________________
(748) الغريبين للهروي 1: 222 مادة (بور)، ذكر أول الحديث، تاج العروس 3: 61 مادة (بور)، وغيرهما.
(749) الدر المنثور 6: 66.
(750) ومن هنا أنشأت عائشة تقول في حق علي (عليه السلام):
إذا ما التِّبر حُكّ على محكٍّ |
تبيّن غشّه من غير شكِّ |
|
وفَيْنا التبر والذهب المصفّى |
عليّ بيننا شبه المحكِّ |
الكنز المدفون للسيوطي: 68.
(751) صحيح مسلم 1: 85 ح 129 كتاب الإيمان.
(752) شرح مسلم 1ـ 2: 423ـ 424، كتاب الإيمان / باب 33.
وكلام النووي كما تراه فيه غفلة عن الفرق الشاسع بين الأمر بحب عليّ (عليه السلام) والأمر بحب الأنصار، لأن حبّ عليّ (عليه السلام) مطلوب بذاته، بخلاف حبّ الأنصار فإنّه مطلوب لسوابقهم، ويؤكد ذلك أنّ في الأنصار منافقين ومنحرفين وأصحاب ارتباطات باليهود - وإن كانت غالبيّتهم من أنصار الإمام عليّ (عليه السلام) ومخالفين لقريش - فلا يعقل أن يكون حبّهم جميعاً لذواتهم، وإنّما كان الحب لهم كمجموعة لها مواقف محمودة.
ومثل الإمام عليّ كانت الصدّيقة فاطمة الزهراء، إذ علّق الباري عزّ وجلّ رضاه وغضبه على رضاها وغضبها؛ لقوله (صلَّى الله عليه وآله): (إنَّ اللَّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك) (753) ، فصار رضى فاطمة معياراً لرضى اللَّه، وهو دليل على نزاهتها المطلقة وعصمتها وطهارتها التامّة من كلّ ما يشين، إذ لا يعقل تعلق رضى اللَّه برضى إنسان غير معصوم.
ولا يفوتنك ما أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي ذر الغفاري، قال: قال رسول اللَّه: (من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن أطاع علياً فقد أطاعني، ومن عصى علياً فقد عصاني).
وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (754) .
وفي هذا الحديث دلالة على كمال الإمام عليّ وعصمته، لأنا نعلم أن رسول اللَّه لا يداهن ولا يجامل ولا يبالغ، وبذلك يكون معنى الحديث أن إرادة الإمام عليّ منبعثة من إرادة اللَّه ولا يمكن أن تتخلف عن إرادته جل وعلا، وكراهته منبعثة عن كراهة اللَّه، ولا يمكن أن تتخلف إحداهما عن الأُخرى، إذ لو أمكن التخلّف لكان
____________________
(753) المعجم الكبير 1: 108 و22: 401، مجمع الزوائد 9: 203، مستدرك الحاكم 3: 154، الإصابة 8: 266.
(754) المستدرك على الصحيحين 3: 121.
قوله: (من أطاعه فقد أطاع اللَّه) غلطاً، ولكان قوله: (من عصاه فقد عصى اللَّه) باطلاً (معاذ اللَّه) (755) ؛ حيث إن طاعة الرسول هي طاعة للَّه، وعصيانه هو عصيان للَّه، فيكون من أطاع علياً فقد أطاع اللَّه ورسوله، ومن عصاه فقد عصى اللَّه ورسوله.
وهكذا الحال بالنسبة إلى الإمامين الحسن والحسين، فهما إمامان قاما أو قعدا، وسيّدا شباب أهل الجنّة، فهؤلاء هم القربى المعنيّون في آية المودّة.
وعلى هذا فالدعوة إلى المودّة في القربى ونقل فضائلهم هي مقدِّمة إلى لزوم الأخذ بنهجهم والاهتداء بهداهم؛ لتعلّق أجر الرسالة بها، بل هو تعبير آخر عمّا جاء في حديث الثقلين: (ما إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً) لانّ مفهوم السنّة لغة: هو الطريق، والصراط، والجادّة، واصطلاحاً: هو اتّباع الرسول قولاً وفعلاً وتقريراً.
وقد أرشَدَنا الرسول (صلَّى الله عليه وآله) إلى لزوم اتّباع العترة، فيكون الابتعادُ عن هؤلاء ابتعاداً عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) والإسلام، وهو عين الضلالة والهلكة، لأنّه لا هدى إلّا بالقرآن والنبيّ والعترة، فـ (علي مع القرآن، والقرآن مع عليّ "لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض") (756) .
ولو تأمّلت في هذه العبارة لعرفت مكانة الإمام عليّ ولرأيته في رتبة المعيّة مع القرآن، وهي نسبة تقوم بطرفين، ويستحيل أن تقوم بطرف واحد، وعندما قال النبيّ: (عليّ مع القرآن)، فقد أثبتها، فلماذا أعاد إثباتها بصيغة أخرى، فقال: (والقرآن مع عليّ)؟
____________________
(755) الحق المبين: 79 للمرجع الديني الشيخ الوحيد الخراساني.
(756) المستدرك 3: 124 قال صحيح ولم يخرجاه، الجامع الصغير 2: 177، كنز العمال 11: 603.
حاشا أفصح مَن نطق بالضاد مِن اللغو في كلامه، وحاشا أفصح من نطق بالضاد من التكرار في كلامه، [ دون معنى متوخّى، فإنّه (صلَّى الله عليه وآله) ] أراد أن يُفهمنا أن مسألة معيّتهما [ هي ] معيّة من نوعٍ خاص، ويشير إلى أبعادها العميقة، ذلك أن المعيّة بين شيئين أو أكثر، عندما تطلق، فيقال: زيد مع عمرو، فهي أعمّ من أن يكون هذا الطرف في الإضافة متقدّماً رتبة على ذاك أو متأخّراً عنه، بل تدلّ على أنهما معاً بقطع النظر عن رتبة كلّ منهما.
وربّما كان فيها إشارة إلى أنّ المَقْرون أقلّ رتبةً من المقرون به، لهذا أعاد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) صياغة هذه المعية، ليقول للمفكّرين: لا ينبغي أن تفهموا من قولي: (عليّ مع القرآن) أن عليّاً أقلّ رتبة من القرآن، بل القرآن مع عليّ أيضاً، فهما وجودان متعادلان) (757) .
و يؤيّد هذا الاستنتاج ما جاء عن النبيّ: (عليّ مني وأنا من عليّ) (758) ، وقوله (صلَّى الله عليه وآله) لعليّ: (أنت مني وأنا منك) (759) .
ولو جمعنا آية المودة، مع آية التطهير، مع حديث الثقلين، وما جاء في أهل الكساء، وقوله: (لا يزال الدين عزيزاً حتّى يكون منهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) (760) ، وقوله: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) (761) ، وغيرها من الآيات والروايات، لعرفنا دلالة هذه النصوص على الولاية التي هي بمعنى
____________________
(757) الحقّ المبين: 105 للمرجع الديني الشيخ الوحيد الخراساني.
(758) سنن الترمذي 5: 300 ح 3803، مصنف بن أبي شيبة 7: 504 ح 58، سنن ابن ماجة 1: 44 ح 119.
(759) صحيح البخاري 3 - 4: 363 - 363 كتاب الصلح / باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان...
(760) صحيح مسلم 6: 4 كتاب الإمارة، سنن بي داود 4: 106 ح 4280.
(761) وسائل الشيعة 16: 246 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الإمامة، لا بمعنى الصاحب والُمحبّ، وما شابه ذلك من المفاهيم التي تطرحها مدرسة الخلفاء ونهج الاجتهاد والرأي.
عرفنا إذاً أنّ الخطاب في آية المودّة هو لعموم المسلمين الذين آمنوا برسالة النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، لا لخصوص المشركين من قريش حسبما قاله البعض؛ لكون الآية مدنية،وإن كانت السورة مكية فلا يُعقل أن يخاطب الرسول أعداءه من المشركين و يطلب منهم أجراً على رسالته.
وكذا لا يصحّ ما قاله البعض الآخر: من أنّ الآية تشير إلى معنى تودّد المسلمين في التقرّب إلى اللَّه، ومعنى كلامهم هذا أنّ القربى استعملت بمعنى مطلق التقرّب، وهذا باطل لغوياً حيث لم يرد هذا المعنى في المعاجم.
و يضاف إليه: كيف يمكن للرسول أن يوقف أجر رسالته على نفسها، لأنّ المسلم وباتّباعه الرسالة يحصل له القرب إلى اللَّه، فلا معنى للتودّد والإلحاح في القرب إليه؛ لأنّه توقيف الشيء على نفسه، و إن كان كذلك فلا يكون أجر الرسالة بل هو نتيجة الرسالة.
هذا، و إنّك لو طالعت التاريخ الإسلامي لعرفت أنّ مفهوم القربى كان في الصدر الأوّل يطلق على عليّ وفاطمة والحسنين، ثمّ أطلقت على أبنائهم المعصومين لاحقاً.
روى الحاكم النيسابوري في المستدرك عن الإمام الحسن قوله: (وأنا من أهل البيت الذين افترض اللَّه مودتهم على كلّ مسلم فقال تبارك وتعالى: ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت) (762) .
____________________
(762) المستدرك على الصحيحين 3: 173.
وقال أبو إسحاق السبيعي: سألت عمرو بن شعيب عن قوله تبارك وتعالى ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) فقال: قربى النبيّ، رواهما ابن جرير الطبري (763) .
وعن ابن عبّاس أنّه قال: لما نزلت هذه الآية ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قالوا: يا رسول اللَّه من هؤلاء الذين أمر اللَّه بمودّتهم؟ قال: (فاطمة وولدها) (764) .
وثبت عن عليّ بن الحسين أنّه قال للشامي رداً على تنكيل الشامي به: (أما قرأت كتاب اللَّه عزّ وجلّ؟)
قال الشامي: نعم.
فقال عليّ بن الحسين: (أما قرأتَ هذه الآية: ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ؟ )
قال: بلى.
فقال له عليّ بن الحسين (عليه السلام): (فنحن أولئك، فهل تجد لنا في سورة بني إسرائيل حقاً خاصّة دون المسلمين؟)
فقال: لا.
فقال عليّ بن الحسين: (أما قرأت هذه الآية ( وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ؟)
قال: نعم.
قال عليّ بن الحسين: (فنحن أولئك الذين أمر اللَّه عزّ وجلّ نبيه أن يؤتيهم حقهم).
____________________
(763) تفسير ابن كثير 4: 113 سورة الشورى.
(764) تفسير ابن أبي حاكم 10 ص 3277.
فقال الشامي: إنكم لَأنتم هُم؟
فقال عليّ بن الحسين: (نعم. فهل قرأت هذه الآية: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) ).
فقال الشامي: بلى.
فقال عليّ بن الحسين: (فنحن ذوو القربى، فهل تجد لنا في سورة الأحزاب حقّاً خاصّة دون المسلمين؟)
فقال: لا.
قال عليّ بن الحسين: (أما قرأت هذه الآية: ( إنما يُريدُ اللَّهُ ليُذهِبَ عَنكُمُ الرَّجسَ أهلَ البيتِ و يُطَهِّركُم تَطهيراً )) .
قال: فرفع الشامي يده إلى السماء ثمّ قال: اللّهمّ إنيّ أتوب إليك - ثلاث مرات - اللّهمّ إني أتوب إليك من عداوة آل محمّد، وأبرأ إليك ممن قتل أهل بيت محمّد، ولقد قرأت القرآن منذ دهر فما شعرتُ بها قبل اليوم (765) .
وهذا النص يؤكّد لنا وضوح دلالة هذه الآيات المباركة، حيث إن الشيخ الشامي فهم معانيها بأدنى تأمّل، وبمجرّد إيضاح الإمام السجّاد (عليه السلام) له المراد من هذه الآيات، هذا من جهة. ومن جهة ثانية يبين هذا النص مدى التعتيم الإعلامي الأموي على أهل البيت، وتحريفات السلطة لمعاني هذه الآيات المباركة، ولذلك كأنّ الشيخ الشامي من قبل لم يشعر بها وبمعانيها. ولم يعرف المصداق الأكمل لها في زمانه.
ومثله روى حكيم بن جبير، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: كنت أجالس أشياخاً لنا إذ مر علينا عليّ بن الحسين وقد كان بينه وبين أناس من قريش منازعة
____________________
(765) الاحتجاج: 307، وتفسير ابن كثير 4: 122 سورة الشورى.
في امرأة تزوّجها منهم لم يرض منكحها، فقال أشياخ الأنصار: ألا دعوتنا أمس لما كان بينك وبين بني فلان، إنّ أشياخنا حدّثونا أنّهم أتوا رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) فقالوا: يا محمّد، ألا نخرج إليك من ديارنا ومن أموالنا لِمَا أعطانا اللَّه بك وفضّلنا بك وأكرمنا بك؟ فأنزل اللَّه تعالى: ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ونحن ندلكم على الناس، أخرجه ابن منده (766) .
وجاء في الكافي في حديث طويل عن الباقر (عليه السلام) فيه قوله: ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) يقول: (أجر المودة الذي لم أسألكم غيره فهو لكم تهتدون به وتنجون به من عذاب يوم القيامة، وقال لأعداء اللَّه، أولياء الشيطان، أهل التكذيب والإنكار: ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) (767) .
وبعد هذا فلنا أن نحتمل أنّ اللَّه تعالى قد ألمح في قوله: ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (768) ، إلى ما تُلاقيه هذه المجموعة الصالحة من قربى الرسول من أمّته بعده.
فعن خالد بن عرفطة، قال: قال رسول اللَّه: (إنكم ستُبتَلَون في أهل بيتي من بعدي) (769) .
وقال الإمام الباقر: (بَليةُ الناس علينا عظيمة؛ إن دعوناهم لم يستجيبوا لنا، و إن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا) (770) .
____________________
(766) أسد الغابة 5: 367.
(767) الكافي 8: 379 / ح 574، البرهان 7: 79.
(768) سورة الشورى الآية: 23.
(769) كنز العمال 11: 124/ 30877.
(770) الإرشاد 2: 167، مناقب آل أبي طالب 4: 206، بحار الأنوار 46: 288 ح 11 عن الإرشاد.
وجاء عن إبراهيم النظّام قوله: عليّ بن أبي طالب محنة على المتكلم؛ إن وفى حقَّه غلا، و إن بخسه حقّه أساء، والمنزلة الوسطى دقيقة الوزن حادة الشأن صعبة الترقي إلّا على الحاذق الديِّن (771) .
وقال الشعبي: ما ندري ما نصنع بعليّ؛ إن أحببناه افتقرنا، و إن أبغضناه كفرنا (772) .
واشتهر عن محمّد بن إدريس الشافعي قوله: ماذا أقول في رجل أخفت أصدقاؤه فضائله خوفاً، وأخفت أعداؤه فضائله حسداً، وشاع له من بين ذَين ما ملأ الخافقين (773) .
من هذا يتبيّن لنا أنّ آية المودة هي معنىً آخر لقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (774) والأخيرة صريحة في نزولها في حجة الوداع و يوم غدير خُمّ.
ولا يصحّ ما قالوه من أنّها نزلت في أوّل البعثة لمّا خاف رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) من التبليغ، فهدّده اللَّه وطمأنه.
أو ما قالوه من أنّها نزلت في مكّة قبل الهجرة فاستغنى بها النبيّ عن حراسة عمّه أبي طالب.
أو ما قالوه من نزولها في المدينة في السنة الثانية للهجرة بعد غزوة
____________________
(771) مناقب آل أبي طالب 3: 215 باب في حساده.
(772) المناقب للخوارزمي: 350 الفصل 19 وعنه في بحار الأنوار 29: 481.
(773) حلية الأبرار 2: 136 (للبحراني)، مشارق أنوار اليقين للبرسي: 171، وقيل هي للخليل بن أحمد اللغوي الشهير كما جاء في ملحقات السيّد المرعشي على إحقاق الحق 3: 460، 4: 2. وقد نسب العلّامة الحلي هذه المقولة لأحد الفضلاء دون ذكر اسمه انظر: كشف اليقين: 4.
(774) المائدة: 67.
أحد.
لأن القول الأوّل يكذّبه كون السورة مدنية؛ فلا يعقل أن يأتي خبرٌ كان في أوّل البعثة في آخر سورة من القرآن، ولو صحّ ذلك القول وما يليه وأنّ اللَّه كان قد عصم رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله)، فما معنى صلاة الخوف وما فعله (صلَّى الله عليه وآله) مع الأعداء في السنوات الأخيرة من حياته الشريفة؟
وأكثر من ذلك، هو أنّ الرسول لو كان قد حُمِيَ هذه الحماية في بدء الدعوة واستغنى عن حماية أبي طالب، فما معنى تلك النصوص الصادرة عنه (صلَّى الله عليه وآله) إلى القبائل والتي يطلب منهم أن يحموه؟ بل ما معنى هجرته من مكّة إلى المدينة المنوّرة؟
فالآية صريحة في نزولها في آخر حياته الشريفة، وبعد حجة الوداع، إذ لو كانت في بدء الدعوة فلا معنى لعبارة ( بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) إذ لم ينزل إليه إلّا الشيء اليسير، وهذه الجملة تدلّ على الماضي الحقيقي وهو يتطابق مع نزولها في آخر حياته (صلَّى الله عليه وآله)، وخصوصاً حينما نرى توقّف أمر الرسالة عليه ( بَلِّغْ ما أُنزِلَ إليكَ من رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) !
وعليه فالآيتان - آية التبليغ وآية المودّة - دالتان على شيء واحد مرتبط بأجر الرسالة وتبليغها، وهما أمران مَولَويّان من الباري جل شأنه: ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) و ( وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) ، وكلاهما يرتبط بأمر الولاية والخلافة الإلهية، لأنّ رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) كان يخاف من رجوع أمّته القهقرى - وهي كائنة لا محالة - وذلك لاجتماع قريش على العصبية والقبلية وسعيهم لإبعاد الإمام عليّ عن الخلافة و إمرة المؤمنين؛ لأنّه وَتَر قريشاً وكَسَر شوكتها وعظمتها.
على أنّك لو تأمّلت كلمات الأنبياء قبل النبيّ محمّد المصطفى (صلَّى الله عليه وآله) لرأيتهم يوقفون أجرهم على اللَّه، ففي سورة الشعراء حكاية عن قول نوح وهود وصالح ولوط وشعيب قولهم:
( إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (775) .
وقوله: ( إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (776) .
وقوله: ( إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (777) .
وقوله: ( إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (778) .
وقوله: ( إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (779) .
وهكذا نجد أنّ كلمات هؤلاء الأنبياء الكرام: كانت واحدة متطابقة تعبّر عن معنىً واحد محدّد معلوم، هو أ نّهم لم يطلبوا من الناس أجراً على الرسالة، و إنّما أجرهم (على ربّ العالمين).
أما الرسول المصطفى فيقول: ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ
____________________
(775) الشعراء: 109.
(776) الشعراء: 127.
(777) الشعراء: 145.
(778) الشعراء: 164.
(779) الشعراء: 180.
) (780) وقال تعالى: ( وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) (781) .
وقال على لسان نبيّه (صلَّى الله عليه وآله): ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ) (782) فما يعني ذلك، وعلى أيّ شيء يدل؟
إن المقدمة السابقة قد تكون وضحت جواب هذا الأمر، خصوصاً بعدما عرفت أنّ رسالة المصطفى هي الرسالة الخاتمة، فلا يمكن إبقاء هذه الرسالة إِلَّا بـ ( ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) و ( مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ) وهما القرآن والعترة، وذلك لوجود نصوص كثيرة تشير إلى أنّ أهل البيت هم (الذكر) و (السبيل) إلى اللَّه، وهو ما اصطلح عليه في كلام النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بالثقلين، فيصير معنى الآية وكلام النبيّ لزوم اتّخاذ السبيل إلى اللَّه وهم القربى، وأنّ اتّخاذ هذا السبيل سيعود نفعه على الناس: (عليكم).
أمّا أجر رسول اللَّه، فهو على اللَّه؛ لقوله سبحانه في سورة سبأ: ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (783) . ومعنى الآية: أني قمت بواجبي، وأدّيت ما علَيَّ، ولا أسألكم عليه من أجر بعد المودّة إن أجري إلّا على اللَّه، لكن لو أردتم الانتفاع من هذه الرسالة والنجاة فاتصلوا بالسبب الممدود بين الأرض والسماء وهو القرآن والعترة.
وبهذا فلا تنافٍ بين قوله: ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) وبين قوله: ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ) (784) .
إنّ هذا لَيقترب بنا من فهم المعنى العميق لـ (حيّ على خير العمل) الذي نصّ
____________________
(780) الأنعام: 90.
(781) يوسف: 104.
(782) الفرقان: 57.
(783) سبأ: 47.
(784) للإمام الباقر توضح بهذا الصدد انظر: روضة الكافي 8: 379.
عليه أهل البيت: الذين هم أعلم الناس بدين اللَّه بما فازوا به من تطهير اللَّه تعالى إيّاهم تطهيراً شاملاً، في المعرفة والمعتقد، وفي المواقف والعمل. وهذا المعنى الذي يتضمنه (حيّ على خير العمل) هو الولاية أو برّ فاطمة وولدها أو ما شابه ذلك، لما اتّضح لك في الصفحات السابقة من أنّ الأذان هو بيان لأصول العقيدة، ولمّا كانت الولاية امتداداً للرسالة فلا غرابة في أن تكون أجر الرسالة، خصوصاً مع ما نعرف من تأكيدات رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) على أهل بيته وقرباه المنتجبين.
لقد أكّد رسول اللَّه على العترة بدءاً من: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (785) .
ومروراً بحجة الوداع التي خطب فيها رسول اللَّه خمس مرات، وختماً بالكتاب الذي منعوه من كتابته في آخر حياته الشريفة.
قال الحلبي في سيرته: (خطب النبيّ خمس خطب: الأولى يوم السابع من ذي الحجة بمكة، والثانية يوم عرفة، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم القرّ بمنى، والخامسة يوم النَّفر الأوّل بمنى) (786) .
وقد روى مسلم وأحمد وغيرهما - خطبته (صلَّى الله عليه وآله) عند مرجعه من حجة الوداع إلى المدينة - عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) يوماً خطيباً بماء يُدعى خُمّاً بين مكّة والمدينة، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ووعظ وذكّر، ثمّ قال: (ألا أيّها الناس، إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما كتاب اللَّه منه الهدى والنور فخذوا بكتاب اللَّه واستمسكوا به)، فحث على كتاب اللَّه ورغّب فيه، ثمّ قال: (وأهل بيتي، أذكّركم في أهل بيتي، أذكّركم في أهل بيتي، أذكّركم في أهل بيتي).
____________________
(785) الشعراء: 214، وانظر: في تفسيرها كتب التفاسير والتواريخ أخبار أول البعثة.
(786) السيرة الحلبية 3: 333.
فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟
قال: نساؤه من أهل بيته؟! ولكنّ أهل بيته من حرم الصدقة بعده.
قال: ومن هم؟
قال: هم آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس.
قال: كلّ هؤلاء حرم الصدقة؟
قال: نعم (787) .
وعن أبي هريرة: من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً، وهو يوم غدير خُمّ لمّا أخذ النبيّ بيد عليّ بن أبي طالب فقال: (ألستُ وليَّ المؤمنين؟)
قالوا: بلى يا رسول اللَّه.
قال: (من كنتُ مولاه فعليّ مولاه).
فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم! فأنزل اللَّه عزّ وجلّ: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ) (788) .
عَود على بدء
كانت هذه مقدمة أتينا بها كي نوضّح وجه أفضلية الولاية على العبادات الأربع الأخرى، إذ الصلاة تتركها الحائض، والصوم يتركه المريض، والزكاة والحج ساقطان عن الفقير. أمّا الولاية، فهي واجبة على الصحيح والمريض والغني
____________________
(787) صحيح مسلم 7: 122، مسند أحمد 4: 367.
(788) تاريخ دمشق 42: 233، الدر المنثور 2: 259، تاريخ بغداد 8: 290.
والمعسر، لأنّها مفتاحهنّ، وبأهل البيت تُعرف الأحكام، وتُقبل العبادات، و يُعبد اللَّه، فهم باب اللَّه الذي منه يُؤتى (وبالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، و إمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف) (789) لأنّه الضمان الإلهي للشريعةَ. ونحن نعلم بأن الشريعة مرت بمرحلتين:
1 - التأسيس على يد الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله).
2 - الصيانة من الانحراف، وهو دور الأئمة المفترضي الطاعة، وهو ما كان يؤكّد عليه الرسول للأمة، يحذّرها من الابتعاد عنهم لأنّ ذلك سيؤدّي بهم إلى الضلال.
وقد كان النهج الحاكم في تعارض مع هذه الصفوة الطاهرة، فما من الصفوة إلّا مقتول أو مسموم، وقد ثبت في علم السياسة والاجتماع أنّ جميع الثورات الفكرية، إذا مات زعماؤها وتولّى إدارتها غير الأكفاء، انحرفت عن مسارها الذي اختطّه لها صاحبها. أمّا إذا واصل المسيرة الأكفاء الذين يختارهم صاحب الثورة والتغيير، فإنها تبقى حيّة نابضة، ولا تنحرف عن منهاجها الأصلي. هذا عن القسم الأوّل من السؤال.
أمّا ارتباط برّ فاطمة وولدها بالأذان والصلاة - كما في بعض الروايات - (790) فهو معنى تفسيري للجملة، ومن قبيل بيان المعاني المشكلة والمتشابهة أو الخفية والمجملة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، فالإمام قد يكون أراد بتوضيحه ذلك بيان ما هو المقصود في العلم الإلهي، وبيان ما حدث بعد وفاة رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) من عقوقٍ لفاطمة؛ فبعد إقصاء عليّ (عليه السلام) عن الخلافة - أي ترك الولاية التي هي خير
____________________
(789) انظر: الكافي 1: 224، كمال الدين وتمام النعمة: 677، معاني الأخبار: 97.
(790) كرواية معاني الأخبار: 42، وعلل الشرائع 2: 256.
العمل - عقّوا فاطمة فغصبوا منها فدك (791) ، وروّعوها، وهددوها بحرق دارها (792) حتّى ماتت غاضبة عليهم (793) . كما عقّوا ولْدها فمضوا مسمومين مقتولين مشرّدين. ولو تمسك القوم بالولاية التي هي خير العمل لبَرّوا فاطمة وولدها، ولما خرجت الخلافة من أهلها، ومن هنا نعلم أن تفسير الحيعلة الثالثة تارة بالولاية، وأخرى ببرّ فاطمة وولدها، إنّما هما وجهان لعملة واحدة، وعبارتان تدلان على معنى مشترك واحد، وهو أنّ محمّداً وعليّاً وأولادهم المعصومين هم خير البرية.
ولعلّ القارئ الكريم قد وقف على جذور هذا الأصل الديني من القرآن والعترة فيما وضّحناه سابقاً في البحوث التمهيدية، من أنّ تشر يع الأذان سماويٌّ، وهو يحمل في طياته سمات معنوية وأسراراً عالية، وأنّه بيان لأصول العقيدة وكليّات الإسلام، لأنّ الأذان ليس إعلاماً لوقت الصلاة فقط، بل إنّ آثاره تجري في عدة أمور، فهو بيان لما ابتنى عليه الدين الإسلامي من التوحيد والنبوة - والإمامة في نظر الإمامية -.
إنْ إكمال الدين و إتمام النعمة لا يكون إلّا بإمامة عليّ وولده، وهذا ما دلّلت
____________________
(791) انظر: شرح نهج البلاغة 16: 209 - 253 و17: 216، الاحتجاج 1: 267، الاختصاص: 183.
(792) جاء في تاريخ الطبري 3: 202 بسند معتبر، قال: أتى عمر بن الخطاب منزل عليّ وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: واللَّه لأحرقنّ عليكم ولتخرجنّ إلىالبيعة. وقد كانت فاطمة في البيت، فقالوا لعمر: إنّ في البيت فاطمة! قال: وإنْ (انظر الإمامة والسياسة 1: 12، أعلام النساء 4: 114).
(793) جاء في صحيح البخاري 2: 504 كتاب الخمس باب 837 باب فرض الخمس ح 1265 بسنده عن أم المؤمنين عائشة أنّها أخبرته: أن فاطمة (عليها السلام) ابنة رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول اللَّه ممّا أفاء اللَّه عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول اللَّه قال: لا نورث ما تركنا صدقة، فغضبت فاطمة بنت رسول اللَّه، فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت، وعاشت بعد رسول اللَّه ستة أشهر.
عليه الكتب الكلامية، ودلّت عليه الآيات الكريمة التي منها آية التطهير وآية الولاية: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ... ) وآية المباهلة، وسورة الدهر، وغيرها من عشرات الآيات والأحاديث - إن لم نقل المئات - دالّة عليه، وهذا ما يجب أن يعتقد به كلّ مسلم؛ إذ عرفتَ أنْ لا صلاة كاملة ومقبولة إلّا بولايتهم.
إنّ عبارة (حيّ على خير العمل) الدالة على الإمامة هي جزء من الأذان؛ لما تظافرت به روايات الإمامية الاثني عشرية، والزيدية، والإسماعيلية، ولوجودها حتّى في مصادر أهل السنّة، وقد أذّن بها كبار الصحابة، وحكي عن الإمام الشافعي والإمام مالك القول بجزئيتها، وسنزيد المسألة وضوحاً وجلاءً في الباب الثالث (أشهد أنّ عليّاً ولي اللَّه بين الشرعية والابتداع) من هذه الدراسة، ضمن بحثنا عن شرعية الشهادة الثالثة أو بدعيتها.
ما وراء حذف الحيعلة الثالثة
نصَّ التفتازاني والقوشجي وغيرهما على دافع الخليفة عمر بن الخطّاب إلى حذف هذا الفصل من الأذان، واتّفق الزيديّة والإسماعيليّة والإماميّة على ثبوت هذا الحذف عنه، في حين جرى التعتيم على هذه النقطة في أغلب كتب أهل السنّة، على الرغم من تأكيد كثير من النصوص التاريخيّة والحديثية المتناثرة في المصادر على حذف عمر لحيّ على خير العمل للدافع الذي أعلنه.
إنّ ما ذكر من تعليلٍ لحذف الحيعلة الثالثة قد يكون وجيهاً عند عمر بن الخطّاب؛ لانسجامه مع نفسيته ومنهجه في فهم النصوص، وللظروف التي كان يعيشها من غزوات وحروب وتوسيعٍ لرقعة الدولة، وهو ممّا يستوجب بالطبع جمع الطاقات وتوظيفها للغرض المنشود، وعدم السماح للمتقاعدين في التشبث بعلل قد
تبعدهم عن الجهاد، من جملتها الاتكال على الصلاة أو الولاية باعتبارهما خير العمل.
لكنّ هذا السبب في منع عمر بن الخطاب ترد عليه عدة أمور:
أوّلها: إنّ الغزوات والحروب كانت أعظم وأكثر على عهد رسول اللَّه، وكانت ظروف انبثاق الدولة الإسلاميّة الفتيّة وبداية انطلاقها لنشر دين اللَّه أدعى إلى حذف هذه الحيعلة من قِبل رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) - لو صحّ هذا التعليل - من الظروف التالية التي عاشها الخليفة بعد استقرار أمور الدولة بشكلها الذي كانت عليه. فلماذا لم يحذف رسولُ اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) هذا الفصل وحذفها عمر (794) ؟!
إنّ هذا لَيثير تساؤلاً حول صحّة هذا التعليل الذي فسّر به عمر حذفه هذا، أو يومئ إلى وجود سبب آخر غير معلن في هذا السياق.
ثانيها: لو قبلنا التعليل السابق تنزّلاً لصحَّت مشروعية الحذف لفترة معينة، لا أنّه يكون تشريعاً لكلّ الأزمان، ذلك أن سريان المنع إلى يومنا هذا ربّما يشير إلى أمر آخر.
ثالثها: إنّ هذا التعليل من قبل الخليفة لا يتّفق مع ما جاء عن رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) من قوله: (اعلموا أنّ خير أعمالكم الصلاة) وهو لا يتّفق أيضاً مع قوله (صلَّى الله عليه وآله) عن الصلاة: (إنّها عمود الدين إن قُبلت قُبل ما سواها و إن رُدَّت رُدّ ما سواها)، فلو صحّ تعليل الخليفة وأنّه أراد أن لا يتّكل الناس على الصلاة و يَدَعُوا الجهاد، للزم
____________________
(794) وهذا التعليل والرد، ورد نظيرهما في إتمام عثمان للصلاة بمنى، بحجّة خوفه أن يظن الناس أنّ صلاة القصر هي المفروضة، فأجابه الصحابة بأن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) كان يقصر الصلاة وينبّه المسلمين على أنّ ذلك مخصوص بمنى. فلو صح تعليل عمر، لكان يمكنه أن يقر الحيعلة الثالثة في الأذان وينبّه المسلمين على ضرورة الجهاد، كما كان رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) يفعل ذلك. وهذا التشابه في أدوار الخليفتين الثاني والثالث يوقفك على مسار تيار الحكّام المجتهدين.
من ذلك تخطئة كلّ النصوص الدالة على أنّ الصلاة خيرُ موضوع وخير الأعمال، وأنّها وسيلة لقبول الأعمال وردّها.
رابعاً: من المعلوم أنّ المسلمين صاروا بعد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) نهجين: أحدهما: نهج الخلفاء، والآخر: نهج أهل البيت. وكان هؤلاء على تخالف في كثير من القضايا السياسية والفقهية، فلمّا منع عمر الحيعلة الثالثة نَسَبَ نهجُ الخلفاء إلى رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) المنعَ تأييداً للخليفة عمر بن الخطاب، حتّى إذا جاء الخلفاء اللاحقون منعوا هذا الفصل من الأذان واستقبحوه من الناس، ولأجله ترى انحسار الروايات الدالة على الحيعلة في كتب الجمهور، لكنّ الطالبيِّين أصرّوا على الإتيان بها على الرغم من هذا المنع.
وبذلك تحزّب أبناء السنّة والجماعة لمذهب عمر بن الخطاب وحكمّوا رأيه في مقابل موقف الإمام عليّ وأولاده الذين خالفوا هذا المنع وأصرّوا على الحيعلة الثالثة رغم كلّ الظروف والمشاكل، كما ستقف عليها لاحقاً.
خامساً: إنّ المطّلع على مجريات الأحداث في زمن رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) ثمّ مَن بعده يقف على حقيقة جلية، هي أنّ قريشاً لم تكن ترضى باجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم، وكانت تطمع في الخلافة من بعده (صلَّى الله عليه وآله)، فكانوا يشترطون على رسول اللَّه أن يبايعوه بشرط أن يجعل لهم نصيباً في الخلافة من بعده، لكنّه (صلَّى الله عليه وآله) كان يقول: (إن الأمر للَّه يجعله حيث يشاء) (795) وليس الأمر بيدي.
وجاء عن ابن عباس: إن عمر بن الخطاب قال له في أوائل عهده بالخلافة: يا عبد اللَّه، عليك دماء البُدن إن كتَمتَنيها.... هل بقي في نفسه [ يعني عليّ بن أبي طالب ]
____________________
(795) انظر: حديث عامر بن صعصعة في سيرة ابن هشام 2: 289، وحديث قبيلة كندة في سيرة ابن كثير 2: 159، وهما يدلّان على ما نقوله.
شيء من أمر الخلافة؟
قلت: نعم.
قال: أيزعم أن رسول اللَّه نصَّ عليه؟
قلت: نعم. وأزيدك: سألتُ أبي عمّا يدّعيه، فقال: صَدَق.
قال عمر: لقد كان من رسول اللَّه في أمره ذَرْوٌ من قول لا يثبت حجّة ولا يقطع عذراً، وكان يَرْبَعُ في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعتُ من ذلك إشفاقاً وحيطةً على الإسلام... فعلم رسول اللَّه أنّي علمت ما في نفسه فأمسك (796) .
وقال العيني في عمدة القاري: واختلف العلماء في الكتاب الذي هم بكتابته فقال الخطابي: يحتمل وجهين، احدهما أنه أراد أن ينص على الإمامة بعده فترتفع تلك الفتن العظيمة كحرب الجمل وصفين (797) .
ولو جمعنا ما جاء عن ابن عباس، مع ما قاله عمر لرسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) عند مرضه - حينما قال (صلَّى الله عليه وآله): (ائتوني بدواة وقلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً)، فقال عمر: إنّ الرجل لَيَهجُر (798) - مع ما قاله رسول اللَّه لعمر لمّا أتاه بجوامع من التوراة: (والذي نفسُ محمّد بيده لو بدا لكم موسى فاتّبعتموه وتركتموني لَضللتُم) (799) ، مع قول رسول اللَّه في حديث الثقلين: (ما إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً)، لو جمعنا كل
____________________
(796) شرح ابن أبي الحديد 12: 21 وقال: ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب "تاريخ بغداد" في كتابه مسنداً.
(797) عمدة القارئ 2: 171.
(798) وفي نص البخاري: (إنّ الرجل قد غلب عليه الوجع)، وكلاهما إساءة للرسول المصطفى.
(799) سنن الدارمي 1: 115 باب ما يتقي من تفسير حديث النبي (صلَّى الله عليه وآله)، مسند أحمد 4: 266، المصنف لعبد الرزاق 6: 113 باب مسألة أهل الكتاب، أسد الغابة 3: 127.
ذلك لوقفنا على حقائق مذهلة، ولعرفنا موقف النهج الحاكم بعد رسول اللَّه من أهل بيت الرسالة وموت الزهراء وهي واجدة على أبي بكر وعمر (800) . ولعرفنا أيضاً مدى المفارقة بين ترك برّ فاطمة وترك الدعوة للولاية وبين تأكيدات الرسول على الاهتمام بالعترة تلويحاً وتصريحاً، مِن مِثل وقوفه (صلَّى الله عليه وآله) كلّ يوم - مدة ستة أشهر - على باب فاطمة بعد نزول آية التطهير يناديها للصلاة بقوله: (الصلاة الصلاة، إنّما يريد اللَّه ليذهبَ عنكم الرجسَ أهلَ البيت ويطهّركم تطهيراً) (801) .
ومما يَحسُن بنا أن نتفطّن له هو أن هذا الموقف من رسول اللَّه إنّما يُنبئ عن وجود ترابط عميق بين بر فاطمة وولدها ومسألة الصلاة، وبمعنى آخر بين الولاية والعبادة، إذ أنّ وقوف الرسول المصطفى على باب فاطمة لمدة ستة أشهر لا يمكن تصوّره لغواً بأيّ حال من الأحوال؛ لأنّه (صلَّى الله عليه وآله) كان يقف داعياً المطهَّرين من عترته إلى الصلاة، مُعلِماً بوجود لون من التواشج بين الصلاة والعترة. ورسولُ اللَّه حلقةُ الوصل والربط بين ركيزة التوحيد (الصلاة، الصلاة) وبين الولاية (إنّما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس...). ونلحظ في هذا النص: قول اللَّه (القران)، وفعل الرسول (الوقوف)، ونتيجة لزوم الاعتقاد بمنزلة العترة والقربى وأن مودتهما وطاعتهما عبادة منجية.
سادساً: إن الخلفاء المتأخّرين أيضاً أدركوا سرّ الحيعلة الثالثة فحرصوا أشدّ
____________________
(800) صحيح البخاري 5 - 6: 253، كتاب المغازي باب غزوة خيبر ح 704، صحيحمسلم 3: 1379، كتاب الجهاد باب قول النبي لا نورّث إنما تركناه صدقة، تاريخ المدينة لابن شبة 1: 197.
(801) مسند أحمد 3: 259، 285، سنن الترمذي 5: 351 ح 3205، كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة الأحزاب، المستدرك للحاكم 3: 158، مصنف ابن أبي شيبة 6: 391 ح 32262، كتاب الفضائل باب في فضل فاطمة (عليها السلام).
الحرص على حذفها، ولم يرضوا بها ممن خطب لهم ولَبِسَ خِلَعَهم وانضوى تحت لوائهمَ، بل أصرّوا على ضرورة حذفها؛ لأنّها رمز يشير إلى بطلان حكوماتهم. وسيأتيك ذلك في الفصل الرابع لدى الكلام عن تاريخ الحيعلة في مكّة وحلب سنة 463 هـ. وحسبك منها ما كان من القائم بأمر اللَّه العباسي، حين أخبره نقيب النقباء أبو الفوارس طرّاد بأنّ محمود بن صالح خطب له بحلب ولبس الخلع القائمية، حيث قال له: أيّ شيء تساوي خطبتهم وهم يؤذنون بـ (حيّ على خير العمل)!!
كلّ هذه النصوص تؤكّد أنّ المراد الأساسي من (خير العمل) هو بر فاطمة وولدها، والولاية والإمامة التي بها قوام الصلاة والصوم والزكاة والحجّ وسواها... لا شيء آخر، فصار الخليفة - حسب كلام الإمام المعصوم، والاستقراء التاريخي - لا يرضى أن يقع (دعاء إليها وتحريض عليها)، لأن ذلك يعني التشكيك بشرعيّة خلافته وخلافة مَن قبله، وهو المعنيّ من كلامه (عليه السلام): (ما نودي بشيء كالولاية).
وجاء في الغَيبة للنعماني عن عبد اللَّه بن سنان أنّه (عليه السلام) قال في معرض كلامه عن علامات ظهور القائم من آل محمّد (عجل اللَّه تعالى فرجه الشريف): (وأنّه سيكون في السماء نداء: ألا إنّ الحقّ في عليّ وشيعته).
قال (عليه السلام) فـ: ( ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) على الحق وهو النداء الأوّل (802) ، و يرتاب يومئذٍ الذين في قلوبهم مرض، والمرضُ واللَّهِ عداوتُنا) (803) .
ولو قرأنا تفسير الأئمّة لقوله تعالى: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) لعرفنا المنزلة العظيمة للولاية وسبب معاقبة عمر للقائل بها، لأنّ الكلم الطيّب لو كان قد صعد إليه سبحانه وتعالى بنفسه، فما معنى العمل الصالح يرفعه
____________________
(802) دون النداء الثاني الذي ينادي به إبليس لعنه اللَّه.
(803) الغيبة للنعماني 173 - 174 باب ما جاء في العلامات التي تكون قبل قيام القائم.
إذن؟!
روى الكليني بسنده إلى الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) قال: (ولايتنا أهل البيت - وأهوى بيده إلى صدره - فمن لم يتولّنا لم يرفع اللَّه له عمل) (804) .
وعن الرضا (عليه السلام) في قوله تعالى: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) قال: (الكلم الطيب هو قول المؤمن: (لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، عليّ ولي اللَّه وخليفة محمّد رسول اللَّه حقاً حقاً وخلفاؤه خلفاء اللَّه)، والعمل الصالح يرفعه، فهو دليله، وعمله اعتقاده الذي في قلبه بأنّ هذا الكلام صحيحٌ كما قلته بلساني) (805) .
وعن فاطمة الزهراء بنت محمّد، قالت: (قال رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله): لمّا عرج بي إلى السماء صرت إلى سدرة المنتهى ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) فأبصرته بقلبي ولم أره بعيني، فسمعت أذاناً مثنى مثنى، وإقامة وتراً وتراً، فسمعت منادياً ينادي: يا ملائكتي وسكان سماواتي وأرضي وحملة عرشي اشهدوا أني لا إله إلّا أنا وحدي لا شريك لي، قالوا: شهدنا وأقررنا، قال: اشهدوا يا ملائكتي وسكان سماواتي وأرضي وحملة عرشي بأن محمّداً عبدى ورسولي، قالوا: شهدنا وأقررنا، قال: اشهدوا يا ملائكتي وسكان سماواتي وأرضي وحملة عرشي بأن عليّاً وليي وولي المؤمنين بعد رسولي، قالوا: شهدنا وأقررنا...) (806) .
وبهذا يفضي بنا البحث إلى أنّ التعليل الحقيقي لمنع عمر بن الخطاب للحيعلة الثالثة هو اطلاعه على المقصود من عبارة (حيّ على خير العمل) في الأذان،
____________________
(804) الكافي 1: 340.
(805) تفسير الإمام العسكري 328 ح 184 وعنه في تأويل الآيات: 469 والنص عنه.
(806) تفسير فرات الكوفي: 342 في آخر تفسير سورة الأحزاب.
ودلالتها على ولاية أهل البيت، لصرف الانتباه عنها، وذلك بكتمانها وحذفها، فمَنَعها تحت غطاء الحفاظ على كيان الدولة الإسلامية وتوسيع رقعتها بالجهاد، لكن الطالبيين قد أدركوا هذا الأمر وأصرّوا على الإتيان بها رغم كلّ الظروف الحالكة، وهذا ما ستقرأه بعد قليل إن شاء اللَّه تعالى.
ولذلك كان الإمام عليّ (عليه السلام) في أيّام خلافته يلمح و يشير إلى أنّ حذف (حيّ على خير العمل) كان جوراً عليه وعلى الإسلام، فكان إذا سمع مؤذّنه يقول (حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل) قال: (مرحباً بالقائلين عدلاً) (807) ، معرّضاً بمن رفعها، لأنّ عليّاً هو خير العمل وهو العدل الذي يدور مع القرآن حيثما دار ويدور معه القرآن أيضاً.
والذين ظنوا أنّ الصلاة تقتصر على شكلها الظاهري دون المحتوى الذي هو الطاعة (808) سعوا إلى ترسيخ فكرة أن هل البيت ومودتهم ليست خير العمل، فكان لحذفها من الأذان مغزى عرفه أهل البيت فأنكروا حذفها، كما عرفه مخالفوهم فأصروا على حذفها.
ومن خلال هذه الدلائل العديدة استبان لنا أنّ (خير العمل) كناية عن إمامة عليّ (عليه السلام) التي هي امتداد لنبوّة النبيّ، وامتداد للتوحيد، وهذا ما رواه الباقر والصادق عليهما السلام من أئمّة أهل البيت في قوله تعالى ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) قالا: (هو: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، عليّ أمير المؤمنين وليّ اللَّه. إلى ها هنا
____________________
(807) الفقيه 1: 288/ ح 890.
(808) أي طاعة اللَّه وطاعة رسوله وطاعة وليّه، والأخيران منتزعان من الأولى، وقد مرّ عليك قوله (صلَّى الله عليه وآله): (من أطاعني فقد أطاع اللَّه ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن أطاع علياً فقد أطاعني ومن عصى علياً فقد عصاني)، وقوله (صلَّى الله عليه وآله): (فاطمة بضعة مني... فمن آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللَّه جلّ وعلا).
التوحيد) (809) .
وقد سئل الشريف المرتضى: (هل يجب في الأذان بعد قول (حيّ على خير العمل) (محمّد وعلي خير البشر)؟ فأجاب قائلا: (إن قال: محمّد وعلي خير البشر - على أنّ ذلك من قوله خارج من لفظ الأذان - جاز) (810) .
وهذا يعني أنّ هذا التفسير لحي على خير العمل كان سائداً في لسان المتشرعة منذ زمن أهل البيت وحتّى يومنا هذا.
____________________
(809) تفسير القمّي 2: 155 عن الباقر، ونحوه عن الصادق (عليه السلام) في التوحيد وبصائر الدرجات.
ولا يخفى عليك أن للتوحيد مراتب، فهناك توحيد الربوبية، وتوحيد الإلوهية، وتوحيد الطاعة، فإنه سبحانه وتعالى مع كونه: ( لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) - و ( هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ )، و ( خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) ، وهو الذي ( يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) ، فإن هذا المعنى غيرُ معارَضٍ بمثل قوله تعالى: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ).
وإن قوله تعالى: ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) لا يعارض ما جاء من الشفاء بالقرآن في قوله تعالى: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ ) ، وبالعسل: ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) .
وكذا قوله: ( قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ) فإنه لا يعارض قوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ) وإلى غيرها من عشرات الآيات.
فلا تخالُفَ إذاً بين نسبة الأفعال إلى اللَّه (جَلَّ جلاله) ونسبتها في الوقت نفسه إلى غيره، فلا يخالف قوله: ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) مع قوله: ( وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ ) وكلاهما من كلام الباري. ومن هنا تأتي مسألة التوحيد، فتوحيد الطاعة هو يعني لزوم إطاعة من أمر اللَّه بطاعته، ومن لا يطيع الرسول وأولي الأمر المفروض طاعتهم فإنه لم يطع اللَّه لقوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) وهذا لا يخالف قوله: ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) فطاعةُ مَن أمر اللَّه بطاعته هي طاعة للَّه، ومَن لم يطع اللَّه ورسوله ومَن أَمر اللَّه بطاعته لم يوحّد اللَّه تعالى حق توحيده.
وعليه فطاعة أحدهما جاء على وجه الاستقلال، والآخر على إنّه مظهر أمره سبحانه، وليس هذا بشرك ومغالاة كما يدّعون، بل هو عين الإيمان وكمال الدين.
(810) رسائل المرتضى 1: 279، مسألة 17، وجواهر الفقه لابن البَرَّاج: 257 مسألة 15.
وقد أفتى القاضي ابن البرّاج باستحباب ذكر هذا التفسير، فقال: و يستحب لمن أذّن أو أقام أن يقول في نفسه عند (حيّ على خير العمل): (آل محمّد خير البرية)، مرتين (811) .
وكون عليّ (عليه السلام) هو المراد من (حيّ على خير العمل)، والنبيّ من (حيّ على الفلاح)، وطاعة الرب وعبادته من (حيّ على الصلاة)، فيه من وجوه البلاغة ما لا يخفى، إذ فيه من أنواع البديع ما يسمّى بالتلميح، وهو أن يشار في الكلام إلى آية من القرآن أو حديث مشهور أو شعر مشهور أو مثل سائر أو قصة أو معنى معروف، من غير ذكر شيء من ذلك صريحاً. وأحسنه وأبلغه ما حصل به زيادة في المعنى المقصود.
قال الطيبي في التبيان : (ومنه قوله تعالى: ( وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ) قال: جار اللَّه الزمخشري: قوله: ( وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ) فيه دلالة على تفضيل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) وهو خاتم الأنبياء، وأنّ أمته خير الأمم، لأنّ ذلك مكتوب في الزبور، قال تعالى: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) ، قال: وهو محمّد (صلَّى الله عليه وآله) وأمته) (812) .
فهنا ألمح اللَّه سبحانه وتعالى لعباده بأن الصلاة له لا لغيره، وأنّ الفلاح الذي
____________________
(811) المهذب لابن البَرَّاج 1: 90 باب الأذان والإقامة وأحكامهما.
(812) أنوار الربيع 4: 266. ومن هذا الباب تلميح أبي العلاء المعري للشريف المرتضى بقصيدة المتنبي:
لَكِ يا مَنازِلُ في القُلوبِ مَنازِلُ |
...................................... |
انظر: أنوار الربيع 4: 292 - 293. هذا وقد أخذ الطيبي والزمخشري هذا عن تفسير النسفي 2: 290 سورة الإسراء.
قامت به الصلاة هو اتِّباع رسول اللَّه محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، لا الاجتهاد مقابل النص، وأن خير العمل هو الإيمان بالإمامة والولاية لعلي (عليه السلام) التي هي امتداد للنبوة والتوحيد، وبها قوام العبادات التي عمودها الصلاة.
وهناك عشرات، إن لم تكن مئات الأدلّة، على أنّ خير العمل ولاية عليّ، وأن ضربته يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين، وأنّ الأعمال لا تُقبل إلّا بولايته، ومعانٍ أخرى متّصلة بهذا الموضوع. وقولنا في الأذان (حيّ على خير العمل) فيه تلميح لكل تلك المعاني التي صدع بها رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) في حق عليّ بن أبي طالب (سلام اللَّه عليه).
والواقع أن كون أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب هو خير البشر بعد رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) إنّما هو معنىً قرآني نطقت به آية من سورة (البيّنة) المباركة، وصرّح به النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) في تفسير الآية، وتداولته المصادر السنيّة، وكان هذا المعنى ممّا آمن به كبار من الصحابة المعروفين، حتّى صار في عهد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) جزءً من الثقافة الإيمانيّة القرآنية السائدة.
فقد روى الطبري بإسناده عن محمّد بن عليّ الباقر لما نزل قوله تعالى ( أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال النبيّ: (أنت يا عليّ وشيعتك) (813) .
والديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب بإسناده عن جابر بن عبد اللَّه مرفوعاً عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) قال: (عليّ خير البشر من شك فيه فقد كفر) (814) .
وغيرها من عشرات الطرق والأسانيد عن الصحابة والتابعين.
____________________
(813) تفسير الطبري 30: 264، ورواه السيوطي في الدر المنثور 6: 379، والحسكاني في شواهد التنزيل 2: 459 - 473 ح 1125 - 1148 بأسانيد وطرق كثيرة.
(814) الفردوس 3: 62 ح 4175، وانظر ترجمة الإمام عليّ لابن عساكر 2: 457 ح 989 بإسناده عن عائشة.
وبعد كلّ هذا تعلم أنّ قول: (محمّد وآل محمّد خير البرية) أو (محمّد وعليّ خير البشر) عند الحيعلة الثالثة أو بعدها إنّما هو توضيح لمعناها الذي حاول الحكام كتمه، وأن هذا التوضيح والتفسير ما هو إلّا استلهام من نصوص القرآن والسنّة، وسيرٌ على الخطوات الصحيحة التي رسمها رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) لأمته.
وستعلم بما لا مزيد عليه - في الباب الثالث من هذه الدراسة (أشهد أن عليّاً ولي اللَّه: بين الشرعية والابتداع) - أن إتيان الأئمّة وأتباعهم بهذه العبارات ما هو إلّا تفسير لمعنى الحيعلة الثالثة، وهو من قبيل الإتيان بتفسير بعض الآيات تفسيراً مرتبطاً بنصّ الآية ونسقها، وهذا النوع من التفسير ممّا تحفل به كتب الفريقين بلا أدنى ريب (815) ، وهو التفسير المقبول الذي اصطلح على تسميته البعض
____________________
(815) انظر: قراءه عائشة، وحفصة، وأم سلمة للآية: ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ) هكذا: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا للَّه قانتين).
وحديث عائشة موجود في صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب وقت صلاة العصر، وسنن الترمذي، كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة، وسنن النسائي، كتاب الصلاة، باب المحافظة على صلاة العصر، وموطأ مالك، كتاب الصلاة، باب صلاة الوسطى، وتفسير الآية في الدر المنثور 1: 302 و303، وفي فتح الباري 9: 265، ومسند أحمد 6: 73 و878 منه.
أما حديث حفصة فانظر فيه: موطأ مالك / كتاب الصلاة / باب الصلاة الوسطى، ومصنف عبد الرزاق / كتابالطهارة / باب صلاة الوسطى ح 2202، وتفسير الطبري 2: 343، والدر المنثور 1: 302، والمصاحف لابن أبي داود: 85 - 86.
أما حديث أُم سلمة، فانظر فيه: الدر المنثور 1: 303، والمصاحف لابن أبي داود: 87.
وقد قرأ ابن عباس وابن مسعود وأبيّ بن كعب وعلي بن أبي طالب قوله تعالى: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) إلَى أجَلٍ مُسَمَّى .
وانظر: قراءة ابن عباس في المعجم الكبير 10: 320، والسنن الكبرى 7: 205، والمستدرك للحاكم 2: 305، والجامع لإحكام القرآن للقرطبي 5: 130، والكشاف 1: 519.
وفي قراءة ابن مسعود. انظر نيل الأوطار 6: 274، وشرح النووي على صحيح مسلم
=
بـ (التفسير السِّياقي) .
____________________
=
6: 118.
وفي قراءة أبي بن كعب. انظر جامع البيان للطبري 5: 19، والدر المنثور 2: 139. وهي قراءة علي كذلك.
الفصل الرابع:
حيّ على خير العمل
تاريخها العقائدي والسياسي
قد يقترح البعض ضرورة إكثارنا من ذكر مصادر أهل السنة والجماعة حين الكلام عن جزئية (حيّ على خير العمل) وعدم الاكتفاء بما نقلناه، بل عدم استساغة ما روته طرق الشيعة الإمامية الاثني عشرية والزيدية والإسماعيلية وبعض علماء أهل السنّة عن أهل البيت والصحابة، بزعم أنّ ذلك ليس ملزِماً للآخرين.
هذا الكلام قد يكون له مساغ لو ضربنا بمعطيات التاريخ عرض الجدار؛ إذ الموقف تجاه المتغيّرات في التاريخ والحديث، وما فعلته ريشة الحكام بالنصوص والموازين، وخنقهم لكلّ ما هو أصيل مما لا يعجبهم، وخصوصاً بعد أن اتّضح لنا دور الأمويين في التحريف والتعتيم، كلّ ذلك يدلّك على سرّ انحسار مثل نصوص الحيعلة الثالثة في مدرسة الخلفاء.
بل إن تصريح الإمام الباقر والإمام زيد وغيرهما بأن عمر بن الخطاب كان وراء رفع (حيّ على خير العمل)، إنّما ينم عن الظروف القاسية العصيبة التي جعلت المعاجم الحديثية السنية تكاد تخلو من أمثال هذه الأحاديث رغم ثبوتها على عهد رسول اللَّه؛ فرأينا أنّه لا محيص من الرجوع إلى التاريخ، للوقوف على مجريات
الأحداث، ومنها الوقوف على صحّة وأصالة ما قالته الشيعة وما جاء في الروايات اليتيمة في كتب الفقه والحديث عند أهل السنّة والجماعة، ومن خلال عرضنا للمسألة من وجهة نظر تاريخية سيقف القارئ على جواب القول السابق وأمثاله.
إنّ ثبوت (حيّ على خير العمل) لم يقتصر على العلويين - حسنيين كانوا أم حسينيين - بل تعدّاهم إلى بعض أهل السنة والجماعة، وقد مرّ عليك ما كان بأيديهم من بقايا هذا الأذان الأصيل.
ومن المعلوم أنّ المسلمين انقسموا بعد وفاة رسول اللَّه إلى نهجين:
الأوّل: نهج الصحابة.
و الثاني: نهج أهل البيت .
وعُرف النهجان بالتخالف فيما بينهما في كثير من المسائل، بحيث تجاوز حدَّ النزاع حول الإمامة والخلافة ليشمل كافّة مجالات الشريعة وأحكامها.
وبمعنى آخر: إنّ الخلاف الحاصل بين النهجين قد تجاوز الصعيد السياسيّ ليشمل أصعدة أخرى فكريّة وعقائدية واجتماعية. وفي حال اعتبار مصدر تشريع الأحكام في الفقه من الأُمور المهمّة والحسّاسة جدّاً، فلا عجب أن ترى بين قادة النهجين أحكاماً فقهيّة متضادّة، قد تصل إلى حدّ التناقض في المسألة الواحدة، فتجد ما يقوله عمر بن الخطاب يخالف ما يقوله عليّ بن أبي طالب تماماً، فعلى الرغم من التزام وتعبّد عليّ (عليه السلام) بمنهج رسول اللَّه في جواز المتعة مثلاً، ترى اجتهاد عمر شاخصاً أمامك في قبال شريعة رسول اللَّه، محرّما للمتعتين، قائلاً: (أنا أُحرمهما وأُعاقب عليهما).
لقد أخذ أهلُ السنّة الكثيرَ من فقههم من مجتهدي الصحابة الأوائل، وخصوصاً الخلفاء، وانتهجوا سيرة الشيخين، ولهذا فإنّ الكثير من موارد المنع في فقه أهل
السنّة والجماعة يرجع أساساً إلى سنّه عمر بن الخطاب وغيره من مجتهدي الصحابة. وقد تمحّل له علماء هذا النهج فحملوا كلّ ما لا يرتضونه من الروايات والأحكام المغايرة لاجتهادات السلف على النسخ والوضع. ولكي يضفوا صبغة شرعية على تلك الأحكام تراهم ينسبون روايات إلى رسول اللَّه تؤيّد ما ذهبوا إليه.
و إيماناً منا بضرورة دراسة ملابسات مثل هذه الأمور في الشريعة ورفع الستار عنها، خصصنا هذا الفصل كي نؤكّد على أن الصراع حول جزئية (حيّ على خير العمل) بين الطالبيين والنهج الحاكم، له جذوره وأصوله العقائدية والتاريخية، ولم يكن صراعاً سياسياً بحتاً، وهذا إن دّل على شيء فإنما يدّل على عمق الخلاف بين الفريقين. إذ إنّ استمرار الصراع العقائدي السياسي لمدة طويلة من الزمن ينبئ عن وجود أصل شرعي مُختلَف فيه عندهم.
ولمّا كان النهج الحاكم - على مرّ العصور - يدعو إلى (الصلاة خير من النوم) تبعاً للخليفة الثاني والأمويين من بعده، ولمّا كان الطالبيون لا يؤمنون بشرعية هذا الجزء، فمن المؤكد أن يكون عدم إتيان الحفّاظ والمحدّثين بما يدل على شرعيّة (حيّ على خير العمل) في الصحاح والسنن قد كان خاضعاً لأمور سياسية.
إنّ الطالبيّين قد وقفوا أمام مثل هذه الهجمات بكلِّ قوّة، وبذلوا كلّ ما يمكنهم في التعبير عن عدم الرضوخ أمام تغيير السنّة، وقد كلّفهم ذلك الكثير الكثير، وتحمّلوا المصاعب العظام من أجل الحفاظ على سنّة رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) ومنها الإتيان بـ (حيّ على خير العمل) في أذانهم. وقد جرت بين الطرفين مناوشات كلامية اتّهم فيها كلّ طرف منهما الآخر بالانحراف والبدعة، محافظاً على شعاريته، ورافضاً شعارية الطرف الآخر بكل عنف.
ومن يتصفّح التاريخ يجد بين طيّاته صوراً حيّة لمدى قوّة تمسّك الطالبيّين بهذا الجزء من الأذان، حتّى وصلت الحال في بعض الفترات إلى أن يكون هو الشعار المحرِّك للثوار والثورة في مراحل مختلفة من التاريخ.
لقد تمسّك الطالبيّيون بـ (حيّ على خير العمل) وقدّموا قرابين نفيسة من أجل إبقائها سنّة حتّى صارت شعاراً للشيعة في كلّ الأصقاع، وصبغة عقائديّة يُميَّزون بها عن غيرهم، وقد استمدّوا العزم من مواقف أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) الذي قال حين سمع أذان ابن النبّاح بـ (حيّ على خير العمل): (مرحباً بالذي قال عدلاً، وبالصلاة مرحباً وسهلاً) (816) .
وقد تجلّت مواقف الشيعة بوضوح في موقف الحسين بن عليّ - صاحب فخّ - وغيره من الطالبيين (817) الذين أصرّوا على إعلانها جهاراً في الأذان.
____________________
(816) من لا يحضره الفقيه 1: 288 ح 890، وانظر: كتاب الأذان بحيّ على خير العمل: 48، 50 للحافظ العلوي.
(817) وإليك مجمل الحركات الشيعيّة في العصر العباسي الأول (132 - 232):
1 - حركة محمّد النفس الزكيّة في المدينة سنة 145 هـ، في عهد المنصور العباسي.
2 - حركة إبراهيم (أخي النفس الزكية) في البصرة سنة 145 هـ.
3 - حركة الحسين بن علي (صاحب فخّ) في المدينة سنة 169 هـ، في عهد الخليفة الهادي.
4 - حركة يحيى بن عبد اللَّه (أخي النفس الزكيّة) في بلاد الديلم سنة 175 هـ، في عهد هارون الرشيد.
5 - حركة إدريس بن عبد اللَّه (أخي النفس الزكيّة) في بلاد المغرب سنة 172 هـ، في عهد الرشيد.
6 - حركة محمّد بن إبراهيم وأبي السَّرايا في الكوفة سنة 199 هـ، في عهد المأمون.
7 - حركة محمّد بن جعفر الصادق في مكة سنة 200 هـ، في عهد المأمون.
8 - حركة أبي عبد اللَّه (أخي أبي السرايا) في الكوفة سنة 202 هـ، في عهد المأمون.
9 - حركة إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمّد عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب في اليمن سنة 200 هـ، في عهد المأمون.
=
وعليه فلا يصح ما قاله البعض من عدم صحّة تلك الأخبار أو نسخها أو...، بل الأمر يرجع إلى أمور أعمق مما يقولون، والحوادث التاريخية تؤكّد ما قلناه.
إنّ متابعة السير التاريخيّ للأذان وما آل إليه في (حيّ على خير العمل) يكشف لنا عن أُمور عديدة متمادية الأطراف ترجع جذورها إلى عهد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله). ويمكن تلمّس ذلك بوضوح من خلال دراسة التاريخ والسيرة والحديث، وهذه المسألة من الأهميّة بمكان، بحيث إنّك كلّما بحثت في مسألة من مسائلها تفتّحت لك أبواب مسائل أُخرى ذات ارتباط عميق بها، ولا يمكنك تركها أو التهاون بها، فالمسألة أكبر من كون (حيّ على خير العمل) شعار الشيعة و (الصلاة خير من النوم) شعار السنّة.
صحيح أنَّ الحركات التغييريّة التي قادها الشيعة عبر فترات التاريخ المختلفة تُبيِّنُ أنَّهم قد أظهروا مسألة (حيّ على خير العمل) في الأذان كعنصر تحدٍّ، وتعاملوا معها كشعارٍ لهم - كما حصل في الدولة الفاطميّة في مصر، والدولة الزيدية في طبرستان، والبويهية في بغداد، والحمدانية في حلب - إلّا أنَّ ذلك لا يتجاوز ظاهر المسألة.
ذلك أنّ مصادر الحديث والتاريخ والسيرة تُظِهر لنا بأنّ (حيّ على خير العمل) لها جذور وأصالة شرعيّة، فهي أوسع من أن تتضيق في زاوية كونها شعار فرقة أو طائفة أو مذهب.
____________________
=
10 - حركة عبد الرحمن بن أحمد بن عبد اللَّه بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب في اليمن سنة 207 هـ، في عهد المأمون.
11 - حركة محمّد بن القاسم بن عمر بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب في خراسان سنة 219 هـ، في عهد المعتصم.
نعم، كان بلال يؤذِّن بها في عهد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، وقد أذّن مرّة أو مرّتين للزهراء والحسنين في زمن أبي بكر ولم يُتمّ أذانه. ويظهر من جمع الأدلة المارّة وما قلناه أنّه كان يؤذِّن بـ (حيّ على خير العمل)، ولذلك امتنع عن الأذان في زمن الشيخين أبي بكر وعمر؛ إذ جاء في الخطط للمقريزيّ (ت 845 هـ) وغيره: (... وأنَّ عمر أراده أن يؤذِّن له فأبى عليه) (818) لماذا؟!
إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما ذكره المقريزيّ في باب: (ذكر الأذان بمصر وما كان فيه من الاختلاف) وربطنا ذلك بما توصّلنا إليه من السير التاريخيّ لمسألة الأذان فيما يخصّ المسألة المبحوثة وشعاريّتها، وما أُثير حولها من محاولات عامدة للحؤول دون ترسيخها في قلوب المسلمين، وجمعنا ذلك مع ما بحوزتنا من رواياتنا ورواياتهم فسنحصل على ثمرة يانعة تشفي غليل المتطّلع إلى الحقيقة، وعلى نتيجة جليّة لا غبار عليها، ويستبين عندئذٍ أنّها لا تتعدَّى كونها في أصلها شعيرة إلهيّة وشعاراً إسلاميّاً أصيلاً يحمل وراءه نهجاً إسلامياً فكرياً يتبع (الرمز) القدوة الحسنة الذي دعا القرآن الكريم إلى الاقتداء به، ويرمي بعيداً كلّ ما يمتّ بِصلة إلى الاجتهاد بالرأي والاستحسان المقابل لمنهجيّة التعبّد المحض؛ ذلك أن (حيّ على خير العمل) سنّة نبويّة. أمّا (الصلاة خير من النوم)، فهي دعوة مُستحدَثة لا تمثل جانباً من رؤية الإسلام.
ولدى مرورنا بالنصوص والأحداث سنوضح - وفق منهجنا - ملابسات المسألة خلال الصراع الأموي العلوي ثمّ الصراع العباسي / العلوي، والسلجوقي / البويهي، والأيوبي / الفاطمي، وكيفية نشوء الحركات الشيعية في الأمصار، وذلك فيه
____________________
(818) الخطط المقريزية 2: 270. وانظر الفصل الثاني من هذا الباب: (حذف الحيعلة وامتناع بلال عن التأذين) .
التجسيم الحقيقي للصراع بين الرفض والإذعان، أو قل صراع الأصوليين الإسلاميين ضد الحكّام الأمويين أو العباسيين ومن حذا حذوهم.
لأنّ أصحاب النهج الحاكم - أمويّين وعباسيّين وغيرهم - كانوا يَدْعُون إلى اتّباع سيرة الشيخين على نحو الخصوص. أما الثوّار والمعارضون من الطالبيين، فكانوا يذهبون إلى شرعية خلافة الإمام عليّ وأولاده المعصومين ويَدْعون الناس إلى اتّباع نهج عليّ وولْده.
وقد بدأ الخلاف بين النهجين أولاً في موضوع الخلافة ومن هو الأحّق بها، وهل هناك تنصيب من اللَّه، أم أنّ الأمر شورى بين الأمة - أو أصحاب الحَلّ والعقد منهم -؟ ثمّ انجرّ هذا الخلاف إلى الشريعة، فوجدنا أحكاماً تُغيَّر وأخرى تُستحدَث، إما دعماً لمواقف الخليفة، أو للتعرف على رجال الطالبيين، أو لغيرهما من العلل والأسباب.
وقد استفحل هذا الخلاف بعد مقتل عثمان بن عفان، فانقسم المسلمون إلى فئتين كبيرتين:
فجلّ أهل البصرة وأهل الشام كانوا ذوي أهواء عثمانيّة في الانتماء الفكري والسياسي، وأهل الكوفة والأنصار من أهل المدينة وعدد كبير من أهل الحجاز كانوا علويّي الفكرة والعقيدة.
وبعد استشهاد الإمام عليّ وصلح الإمام الحسن تم استيلاء معاوية بن أبي سفيان على الحكم، فغلبت العثمانيّة على مجريات الأحداث وانحسر الطالبيّون فبدءوا يعيشون حالة التقيّة.
وإنّما جئنا بهذا الكلام كي نوضح بأن عملنا في هذا الفصل سيكون في محورين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر؛ لأنهما وجهان لعملة واحدة، هما:
1 - المحور السياسي.
2 - المحور التشريعي.
فقد نفرض أن يتغاضى الحاكم الأموي عن شعارية (حيّ على خير العمل) في بعض الأحيان، لكن ذلك لا يعني رضاه وسكوته عن ذلك في كلّ الحالات، لأنّ الحيعلة الثالثة كما علمت لها جانبان تشريعي صلاتيّ وعقائدي سياسي، فإذا كان الإتيان بها منحصراً في حدّ المسألة التشريعية سكت الحكام عنها على مضض، و إن اتّخذت طابعها العقائدي السياسي قامت قيامتهم واستبدّ بهم الغيظ؛ لأنّ معناها العقائدي السياسي هو فرع لمعناها التشريعي الصلاتي الذي هو (محمّد وآل محمّد خير البرية) و (الولاية) و (بِرّ فاطمة وولدها)، وهذا البعد التشريعي يتلوه البعد السياسي الذي يعني أنّهم أحقّ بالخلافة والحكم من الآخرين.
فلو دعا الإمام الباقر أو الصادق إلى جزئيتها في العهد الأموي، أو أتى بها عليّ بن الحسين، فقد يسكت الحاكم عنه على مضض، لكن ليس معنى هذا سكوتهم كذلك عن الطالبيين الثوار لو أذّنوا بـ (حيّ على خير العمل)؛ لأنّ الأمويّين لو أرادوا معارضة الإمامين الصادق والباقر وقبلهما الإمام عليّ بن الحسين، لفتحت أمامهم جبهة جديدة هم في غنى عنها في تلك المرحلة من تاريخ المعارضة، ولدخل الأمر في إطاره السياسي قبل أوانه.
ذلك أنّ الأمة الإسلامية بدأت تعي الأوضاع بعد شهادة الإمام الحسين سنة 61 هـ، وأخذت تتّضح لها معالم الظلم والمكر الأموي وسعيه لهدم الإسلام، لأنّ ما فعله يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بعترة رسول اللَّه واستحلاله المدينة المنورة لثلاثة أيّام وضربه مكّة وغير ذلك كان كلّ واحد منها كافياً لإحداث هذا التحول الفكري لدى عامّة الناس.
نعم، هاجت عواطف الشيعة وغيرهم بمقتل الإمام الحسين، فتلاوموا وتنادموا لعدم إغاثتهم الإمام (عليه السلام)، وقد كانت حصيلة هذا الهياج الجماهيري هو نشوء حركة شيعية باسم حركة التوّابين (61 - 64 هـ) (819) ، ثمّ تلتها حركة المختار ابن أبي عبيد الثقفي (64 - 67 هـ) ثمّ قيام زيد بن عليّ (122 هـ) بالعراق، وابنه يحيى (125 هـ) بخراسان، وعبد اللَّه بن معاوية (820) بن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب الذي قاد حركته في سنة (128 هـ) في إصفهان.
فالأمويون والعباسيّون في حدود المسألة التشريعيّة لا يمكنهم الوقوف أمام تأذين عليّ بن الحسين ومحمّد الباقر وجعفر الصادق بـ (حيّ على خير العمل)، لوجود أمثال عبد اللَّه بن عمر وأبي أمامة بن سهل بن حنيف وغيرهما ممن أذّن بها.
على أنّه يمكن حمل سكوت الأمويين هذا على أنّهم استهدفوا من عملهم هذا هدفاً سياسياً، وهو التعرّف على الطالبيين وتجمّعاتهم، وقد وضحنا سابقاً في كتابنا "وضوء النبيّ" أنّ الطالبيين هم المعارضون الحقيقيون للحكومتين الأموية والعباسية.
واستقراراً على هدفهم هذا سعوا أن يجمعوا الأمة على فقه يخالف فقه الإمام عليّ بن أبي طالب؛ الذي فيه الجهر بالبسملة، والجمع بين الصلاتين، وعدم مسح الخفّين، والمسح على الأرجل، والتكبير على الميت خمساً، وغيرها من الأمور الشرعية ذات البُعد الشعاري التي استخدمها النهج الحاكم للتعرف على جماعات
____________________
(819) وصف الطبري في تاريخه 5: 558 هذه الحركة بقوله: (فلم يَزَل القوم في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال، ودعاء الناس في السرّ من الشيعة وغيرها إلى الطلب بدم الحسين، فكان يجيبهم القومُ بعد القوم، والنّفرُ بعد النّفر، فلم يزالوا كذلك وفي ذلك حتّى مات يزيد بن معاوية) عام 64 هـ، فالثوار قدموا ثورتهم بموته في حين كان ضمن مخططهم الثورة على يزيد وعلى النظام الحاكم عام 65 هـ، فلم يفلحوا في ذلك.
(820) زوجته عُليَّة بنت علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) وهي أخت الإمام الباقر (عليه السلام).
الطالبيين.
وفي هذه الظروف وهذا الخضمّ كان من الطبيعي أن تكون الحيعلة الثالثة من تلك المسائل الشرعية السياسية التي كان للحكام من وراء حذفها ومحاربتها هدف بل أهداف.
وفي قبالة ذلك التيار الجارف نجد أن الإمامين الباقر والصادق كانا يدعوان إلى الحيعلة الثالثة، و يؤكّدان على شرعيتها بدون خوف واكتراث من السلطة، لكن الأمر نفسه لم يكن عند الثوار في ظروف التعبئة السريّة، بل كانوا يتّقون و يخافون من تعرف السلطة على مواقعهم العسكرية وتجمعاتهم الثورية، فلم يقولوا بـ (حيّ على خير العمل) إلّا في الصحراء وحين يأمنون مكر السلطة.
ومن المعلوم أنّ الدولة العباسية أُسست على شعار الرضا من آل محمّد (820) وأنهم قد تذرعوا بطلب ثار الشهداء من أبناء فاطمة: الحسين بن عليّ، زيد بن عليّ بن الحسين، وولده يحيى وسواهم.
لكنّهم سرعان ما قلبوا للعلويين ظهر المجنّ فلم يَفُوا بما عاهدوا عليه الأمة، ولم يحافظوا على الدلالة الصادقة لمقولة: (الرضا من آل محمّد)، بل نقضوا ما بايعوا عليه محمّد بن عبد اللَّه بن الحسن (النفس الزكية) قبل الانتصار.
وبعد خيانة العباسيين لشعار (الرضا من آل محمّد)، ادّعَوا أنّهم أولى بالخلافة من العلويين؛ لمكان العبّاس عم الرسول، وأنه أولى بالنبي من عليّ وفاطمة وأبنائها! وهنا كان من الطبيعي أن تغيظهم الحيعلة الثالثة المشيرة إلى أولوية عليّ وأولاده المعصومين بالخلافة من بني العبّاس وغيرهم.
وبما أنّ الحكومتين الأمويّة والعباسيّة كانتا تقدّمان الشيخين على الإمام عليّ
____________________
(821) انظر: تاريخ الطبري 7: 358 أحداث سنة 129 و7: 390 أحداث سنة 130 هـ وغيرهما.
وتأخذان بسيرتيهما، فمن المنطقيّ جدّاً أن لا يرتضي العلويّون السكوت عما فعله هؤلاء من ظلم لأهل البيت ومن طمس لـ "خير العمل"؛ فلذلك كان العلويون يقفون أمام الاجتهادات المُحدثة من قبل الخلفاء كحذف "حيّ على خير العمل" وتشريع صلاة التراويح، والتكبير على الميّت أربعاً، وإخفات البسملة. بل ربّما كان العلويّون يبعدون المرمى ويصيبون المقتل فيصرّحون بأنّ السبب الأوّل في ضياع حقهم في الخلافة وضياع أحكام الدين ما هو إلاّ ما فعله الشيخان بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله).
من هنا جدّ العلويّون لإعادة السنّة إلى موضعها - كما كانت في عهد رسول الله وكما أرادها الإمام عليّ - فأخذوا يعلنون (حيّ على خير العمل) على المآذن، ويجهرون بالبسملة، ويكبّرون على الميّت خمساً، وينادون بـ (من مات عن بنت وأخ وأخت فالمال كله لها)، ويصرّحون بالصحيح من دين الله في عشرات المسائل التي حرّفها المحرّفون.
وجاء في جامع علي بن أسباط، عن الحسن بن جهم قال: ذكرت لأبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) ما نحن فيه وما للناس فيه من إذلال بني العباس، قلت: ومتى الفرج؟ قال: النداء بحي على خير العمل على المنارة (1) .
وهذا يشير إلى أنّ الخلاف بين الحكّام والعلويين كان أصولياً، وليس كما يصوّره البعض بأنّه خلاف حول الخلافة بما هي خلافة فقط، بل إنّ اختلافهم كان على الشريعة حكومة وأحكاماً.
إنّ وقوف الطالبيين أمام الحكّام ما هو إلاّ انعكاس لنهج أصيل يقف في مواجهة الخلفاء، وما جزئيّة (حيّ على خير العمل) إلاّ نموذج مصغرَّ لهذا
____________________
(1) الإيضاح للقاضي النعمان المطبوع في (ميراث حديث شيعه) دفتر دهم ص 109.
الصراع الفكري العقائدي في الشريعة، و إليك الآن بعض النصوص في ذلك:
زيد بن عليّ بن الحسين (122 هـ)
روى الحافظ العلوي بسنده إلى يزيد بن معاوية بن إسحاق، قال: كنّا بجبّانة سالم (822) ، وقد أَمِنَّا أهل الشام، فأمر زيدُ بن عليّ معاويةَ بن إسحاق فقال: أذِّن بـ (حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل) (823) .
يحيى بن زيد بن عليّ بن الحسين (125 هـ)
أخرج الحافظ العلوي بسنده عن زياد بن المنذر، قال: حدّثني حسّان، قال: أذّنت ليحيى بن زيد بخراسان، فأمرني أن أقول: حيّ على خير العمل، [حي على خير العمل].
وبإسناده عن صباح المزني، قال: أذّن رجل كان مع يحيى بن زيد بخراسان، قال: ما زال مؤذنهم ينادي بحيّ على خير العمل حتّى قُتل (824) .
إبراهيم بن عبد اللَّه بن الحسن (145 هـ)
أخرج الحافظ العلوي بإسناده عن سالم الخزاز، قال: كان إبراهيم بن عبد اللَّه بن الحسن يأمر أصحابه إذا كانوا في البادية أن يزيدوا في الأذان (حيّ على خير
____________________
(822) أهل الكوفة يسمّون مكان دفن الأموات جبّانة، كما يسميّها أهل البصرة المقبرة، وجبَّانة سالم تنسب إلى سالم بن عمارة بن عبد الحارث (انظر: معجم البلدان 2: 99 - 100).
(823) الأذان بحيّ على خير العمل: 83 للحافظ العلوي.
(824) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي: 87 وانظر: أمالي أحمد بن عيسى 1: 97 الحديث 236.
العمل) (825) .
الحسين بن عليّ (صاحب فَخّ) (169 هـ)
روى أبو الفرج الإصفهانيّ أنّ إسحاق بن عيسى بن عليّ، وَلِي المدينة في أيّام موسى الهادي، فاستخلف عليها رجلاً من ولد عمر بن الخطّاب، يُعرف بعبد العزيز بن عبد اللَّه، فحمل على الطالبيّين، وأساء إليهم، وأفرط في التحامل عليهم، وطالبهم بالعرض [ عليه ] كلّ يوم، وكانوا يعرضون في المقصورة، وأخذ كلّ واحد منهم بكفالة قرينه ونسيبه، فضمن الحسينُ بن عليّ، و يحيى بن عبد اللَّه بن الحسن: الحسنَ بن محمَّد بن عبد اللَّه بن الحسن، ووافى أوائل الحاجّ، وقَدِم من الشيعة نحو من سبعين رجلاً فنزلوا دار ابن أفلح بالبقيع وأقاموا بها، ولقوا حسيناً وغيرَه، فبلغ ذلك العمريَّ فأنكره، وكان قد أخذ قبل ذلك الحسن بن محمّد بن عبد اللَّه، وابن جندب الهذلي الشاعر، ومولى لعمر بن الخطاب وهم مجتمعون، فأشاع أنّه وجدهم على شراب، فضرب الحسن ثمانين سوطاً، وضرب ابن جندب خمسة عشر سوطاً، وضرب مولى عمر سبعة أسواط، وأمر بأن يدار بهم في المدينة مكشّفي الظهور ليفضحهم، فبعثت إليه الهاشميّة - صاحبة الراية السوداء في أيام محمّد بن عبد اللَّه - فقالت له: لا ولا كرامة، لا تشهّر أحداً من بني هاشم، وتشنّع عليهم وأنت ظالم، فكفَّ عن ذلك وخلّى سبيلهم... إلى أن يقول: ثمّ عرضهم يوم الجمعة... فدعا باسم الحسن بن محمَّد، فلم يحضر؛ فقال ليحيى والحسين بن عليّ: لتأتياني به أو لأحبسنَّكما، فإنَّ له ثلاثة أيّام لم يحضر العرض، ولقد خرج أو تغيَّب... أريد أن
____________________
(825) الأذان بحيّ على خير العمل، للحافظ العلوي: 88، 89، وبتحقيق عزّان: 147 ح 186، 186.
تأتياني بالحسن بن محمَّد.
فقال له الحسين: لا نقدر عليه، هو في بعض ما يكون فيه الناس، فابعث إلى آل عمر بن الخطّاب، فاجمعهم كما جمعتنا، ثمَّ اعرضهم رجلاً رجلاً، فإن لم تجد فيهم من قد غاب أكثر من غيبة الحسن عنك، فقد أنصفتنا.
فحلف [ العمريّ ] على الحسين بطلاق امرأته وحريّة مماليكه، أنّه لا يخلّي عنه أو يجيئه به في باقي يومه وليلته، وأنّه إن لم يجئ به ليركبنّ إلى سويقِهِ فيخرّبها ويحرقها وليضربنَّ الحسين ألف سوط...
فوثب يحيى مُغضَباً، فقال له: أنا أعطي اللَّه عهداً.. ثمّ وجَّهَ [ الحسين ] فجاءهُ يحيى، وسليمان، و إدريس - بنو عبد اللَّه بن الحسن - وعبد اللَّه بن الحسن الأفطس، و إبراهيم بن إسماعيل طباطبا، وعمر بن الحسن بن عليّ بن الحسن بن الحسين بن الحسن، وعبد اللَّه بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ، وعبد اللَّه بن جعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.. ووجَّهوا إلى فتيان من فتيانهم ومواليهم، فاجتمعوا.. ستّة وعشرين رجلاً من ولد عليّ، وعشرة من الحاجّ، ونفر من الموالي.
فلمَّا أذَّن المؤذِّن للصبح دخلوا المسجد، ثمَّ نادوا: (أحد، أحد)، وصعد عبد اللَّه بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، عند موضع الجنائز؛ فقال للمؤذِّن: أذِّن بـ (حيَّ على خير العمل)، فلمَّا نظر إلى السيف في يده أذَّن بها. وسمعه العمريّ، فأحسَّ بالشرِّ، ودهش... وولَّى هارباً... فصلَّى الحسين بالناس الصبح؛ ودعا بالشهود العدول الذين كان العمريّ أشهدهم عليه أن يأتي بالحسن إليه، ودعا بالحسن؛ وقال للشهود: (هذا الحسن قد جئت به، فهاتوا العمريّ و إلّا واللَّه
خرجت من يميني، وممَّا عَلَيَّ). ولم يتخلَّف عنه أحد من الطالبيّين (826) .
غير أنّهم حرّفوا الخلاف العقائدي السياسي إلى خلاف سياسي بحت، فنراهم يشككون في أهداف ثورة صاحب فخ و يتّهمونه وكلَّ الثوار بأنّهم ثاروا للدفاع عن شخص سكّير - والعياذ باللَّه - وهو الحسن بن محمّد بن عبد اللَّه بن الحسن (ابن النفس الزكية) (827) !
ومثله قالوا عن ثورة الإمام زيد وشككوا في دواعي ثورته الخالصة، زاعمين أنّها جاءت على أثر خلاف ماليّ بينه وبين بعض أعوان السلطة وهو خالد بن عبد اللَّه (828) أو أنّه وابني الحسن تخاصما في وقف لعلي (829) أو ما شابه ذلك من التهم الفارغة التي تباين شخصية هؤلاء الأفذاذ، وما هذا إلّا كصنيع الأمويين مع النصوص والأحداث.
لقد سعت حكومة عمر بن الخطاب ومن بعده عثمان والحكومة الأموية، إلى تجريد الحيعلة الثالثة من طابعها السياسي، بل حاولوا إدخالها في إطار اختلاف وجهات النظر والاجتهاد بين الصحابة كما يسمّونه، لكنّ الأمر أخذ يختلف في العهد العباسي الأول ثمّ من بعده في الحكومات اللاحقة، إذ راح يتبلور أكثر فأكثر كون
____________________
(826) مقاتل الطالبيّين: 443 - 447 وقد رويناه مختصراً.
(827) تاريخ الطبري 8: 192، 192، الكامل في التاريخ 5: 74 - 75.
(828) تاريخ الطبري 7: 160. وقد أجاب الإمام زيد عن هذه التهمة وقال ليوسف بن عمر: أنّى يودعني مالاً وهو يشتم آبائي على منبره.
فأرسل [يوسف] إلى خالد فاحضره في عباءة فقال له: هذا زيد، زعمت أنك قد أودعته مالاً، وقد أنكر.
فنظر خالد في وجههما ثمّ قال: أتريد أن تجمع مع إثمك فيّ إثماً في هذا! كيف أودعه مالاً وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر! قال: فشتمه يوسف، ثمّ رده، (تاريخ الطبري 7: 167).
(829) تاريخ الطبري 7: 163 أحداث سنة 121.
الحيعلة الثالثة شعاراً دينيَّاً سياسياً للثوار، وأخذت الحكومة تتحسس منه ولا تستطيع خنقه.
فإبراهيم بن عبد اللَّه بن الحسن - أخو النفس الزكية الذي خرج بالبصرة بعد شهادة أخيه - يأمر أصحابه أن يؤذّنوا بالحيعلة سراً كي لا يقف النهج الحاكم وجواسيسه عليهم. وهكذا حال الحسين صاحب فخ، فإنّه لم يكن تأذينه وأتباعُهُ بالحيعلة الثالثة إلّا معنى آخر للثورة وليعلنوا أنهم هم الأولى باللَّه ورسوله وخلافته.
طبرستان (سنة 250 هـ)
خرج بطبرستان الحسن بن زيد بن محمّد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.
وكان سبب ظهوره أنّ محمّد بن عبد اللَّه بن طاهر لمّا ظفر بيحيى بن عمر أقطعه المستعين باللَّه العباسي من ضواحي السلطان بطبرستان قطائعَ، منها قطيعة قرب ثغر الديلم وهما كلار وشالوس، وكان بحذائهما أرض يحتطب منها أهل تلك الناحية، وترعى فيها مواشيهم، ليس لأحد عليها ملك إنّما هي مَوات، وهي ذات غياض، وأشجار، وكلأ.
فوجّه محمّد بن عبد اللَّه نائبه لحيازة ما أُقطِع، واسمه جابر بن هارون النصراني، فلمّا قَدِم جابر عَمَد فحاز ما اتّصل به من أرضٍ مَوات يرتفق بها الناس.
وكان في تلك الناحية يومئذ أخوانِ لهما بأسٌ مذكوران بإطعام الطعام وبالإفضال، يقال لأحدهما: محمّد، وللآخر: جعفر، وهما ابنا رستم، فانكرا ما فعل جابر من حيازة الموات وكانا مُطاعَين في تلك الناحية، فاستنهضا من أطاعهما لمنع جابر من حيازة ذلك الموات؛ فخافهما جابر فهرب منهما فلحق بسليمان بن عبد اللَّه
بن طاهر وكان عامل طبرستان يومئذ، وخاف محمّد وجعفر ومن معهما من عامل طبرستان، فراسلوا جيرانهم من الدَّيلم يذكّرونهم العهد الذي بينهم، ثمّ أرسل ابنا رستم ومن وافقهما إلى رجل من الطالبيين - اسمه محمّد بن إبراهيم كان بطبرستان - يدعونه إلى البيعة، فامتنع، وقال: لكنّي أدلّكم على رجل منّا هو أقوم بهذا الأمر منّي، فدلّهم على الحسن بن زيد وهو بالري، فوجّهوا إليه عن رسالة محمّد بن إبراهيم يدعونه إلى طبرستان، فشخص إليها، فأتاهم وقد صارت كلّ الديلم وأهل كلار وشالوس والرويان على بيعته، فبايعوه كلّهم وطردوا عمّال ابن أوس عنهم - وكان هذا من عمال سليمان بن عبد اللَّه عامل طبرستان - فلحقوا بسليمان بن عبد اللَّه، وانضم إلى الحسن بن زيد أيضاً جبال طبرستان.
ثمّ تقدم الحسن ومن معه نحو مدينة آمل ثمّ سارية، وقيل إنّ سليمان انهزم اختياراً لأنّ الطاهريّة كلّها كانت تتشيّع، فلمّا أقبل الحسن بن زيد إلى طبرستان تأثّم سليمان من قتاله لشدّته في التشيع، وقال:
نبّئتُ خيل ابن زيد أقبلت خَبَباً |
تُريدنا لتُحَسِّينا ألامَرَّيْنا |
|
يا قَومُ إن كانت الأنباءُ صادقةً |
فالوَيلُ لي ولجميع الطاهريّينا |
|
أمّا أنا فإذا اصطفّت كتائبُنا |
أكونُ من بينهم رأَس المُوَلّينا |
|
فالعُذرُ عند رسول اللَّه منبسطٌ |
إذا احتسبت دماء الفاطميّينا |
فلما التقوا انهزم سليمان، فلما اجتمعت طبرستان للحسن وجه إلى (جندا) مع رجل من أهله يقال له الحسن بن زيد أيضاً، فملكها وطرد عنها عامل الطاهرية، فاستخلف بها رجلاً من العلويين يقال له محمّد بن جعفر وانصرف عنها) (830) .
وقد جاء في تاريخ طبرستان لابن إسفنديار الكاتب المتوفّى 613 هـ قوله:
____________________
(830) انظر: تفاصيل هذا الأمر في الكامل لابن الأثير 5: 314 - 317 حوادث سنة 250.
(استقر الداعي الكبير ابن زيد في آمُل، وأعلن في أطراف طبرستان وكيلان والديلم أنّه: قد رأينا العمل بكتاب اللَّه وسنّة رسوله وما صحّ عن أمير المؤمنين، و إلحاق حيَّ على خير العمل، والجهر بالبسملة، والتكبير خمساً على الميت، ومن خالف فليس منّا) (831) .
وقد حكى الشيخ أغا بزرك الطهراني في الذريعة عن تاريخ طبرستان : 240 أن الداعي إلى الحق الحسن بن زيد كتب في سنة 252 منشورة عن آمل إلى سائر بلاده، بإعلاء شعائر التشيع من تقديم أمير المؤمنين (عليه السلام)، والأخذ بما صح عنه في جميع الأصول والفروع من قول (حيّ على خير العمل) والجهر بـ (بسم اللَّه الرحمن الرحيم) وغير ذلك (832) .
هكذا نجح الحسن بن زيد في تكوين هذه الدولة التي تُعرف بالدولة الزيدية بطبرستان، واقتطع من ملك بني العبّاس وآل طاهر طرفاً عظيماً تحميه جبال طبرستان والديلم، واستمرت هذه الحكومة نحو قرن كامل (355 - 250 هـ) تولى فيها:
1 - الحسن بن زيد الداعي (270 - 250).
2 - محمّد بن زيد القائم بالحق (279 - 270).
3 - احتلال الدولة السامية لطبرستان (301 - 279).
4 - تولي الحسن الأطروش بن عليّ بن عمر بن زين العابدين (304 - 301) على طبرستان مرّة أُخرى.
____________________
(831) تاريخ طبرستان لابن إسفنديار الكاتب: 239 وعنه في تاريخ طبرستان للمرعشي 881 هـ.
(832) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 17: 270.
5 - الحسن بن القاسم بن عليّ بن عبد الرحمن ومعه أولاد الأُطروش (355 - 304).
و يبدو أنّ المنشور الذي أعلنه الداعي الكبير سنة 252 ه ظل ساري المفعول حتّى نهاية هذه الدولة العلوية الزيديّة، فكانت المآذن تؤذن ب (حيّ على خير العمل) لأكثر من قرن، منبّهين على أنّ هذا المرسوم صدر في وقت مبكر جداً من أوائل حكومة هذا الداعي الكبير، لما له من هيبة دينية وبُعد سياسي، وما له من أثر في ترسيخ حكومة تقوم على أساس الدين من وجهة نظر علوية، و يؤكد صحةَ هذا ما نراه اليوم وبعد أكثر من ألف عام في التراث الزيدي، فلو راجعت كتبهم الفقهية والحديثية القديمة عرفت ثبوتها عندهم، وهذا الموقف من الحسن بن زيد وغيره هو امتداد لشرعيتها على عهد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله).
حمص / مصر / بغداد (سنة 290 هـ)
جاء في كتاب بغية الطلب في أخبار حلب لابن العديم المتوفّى (660 هـ):
(... فصار [ صاحب الخال ] إلى حمص ودُعي له بكورها وأمرهم أن يصلوا الجمعة أربع ركعات، وأن يخطبوا بعد الظهر ويكون أذانهم: أشهد أن محمّداً رسول اللَّه، أشهد أن عليّاً ولي اللَّه، حيّ على خير العمل) (833) .
وجاء في كتاب (أخبار بني عبيد) لمحمد بن عليّ بن حماد في ترجمة عبيد اللَّه (322 هـ) - مؤسس الدولة العبيدية في مصر -:
... وكان مما أحدث عبيد اللَّه أن قطع صلاة التراويح في
____________________
(833) بغية الطلب 2: 944.
شهر رمضان، وأمر بصيام يومين قبله، وقنت في صلاة الجمعة قبل الركوع، وجهر بالبسملة في الصلاة المكتوبة، وأسقط من أذان صلاة الصبح: (الصلاة خير من النوم)، وزاد: (حيّ على خير العمل)، (محمد وعلي خير البشر)، ونص الأذان طول مدة بني عبيد بعد التكبير والتشهدين: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح مرتين، حيّ على خير العمل محمد وعلي خير البشر مرتين مرتين، لا إله إلّا اللَّه مرة (834) .
هذان نصان أحدهما عن الطالبيين في حلب والآخر في مصر، وهما يؤكدان أنّ النزاع الفكري بين الطالبيين والنهج الحاكم كان مستمراً عبر جميع القرون، ولم يختصّ ببلدة دون أخرى.
و يدلّ على أصالة الحيعلة الثالثة، وامتداد التأذين بها زماناً، وانتشارها مكاناً، ما رواه القاضي التنوخي المتوفّى 384 هـ عن أبي فرج الأصفهاني فيما حدث في بغداد في نفس تلك الفترة تقريباً، قال:
أخبرني أبو الفرج الأصفهاني (المتوفّى 356 هـ) قال: سمعت رجلاً من القطيعة (835) ، يؤذن: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر،
____________________
(834) أخبار بني عبيد 1: 50.
(835) رجّح محقق كتاب نشوار المحاضرة أن يكون المقصود من القطيعة هي قطيعة أمّ جعفر، وهي محلّة ببغداد عند باب التبن وهو الموضع الذي فيه مشهد الإمام موسى ابن جعفر، لكن ترجيحه ليس براجح بنظرنا، لأن أبا الفرج لو أراد تلك القطيعة لقال: رجلُ من أهل القطيعة ورجل من قطيعة أمّ جعفر؛ وذلك لتمييزها عن القطائع الكثيرة الأخرى - والتي ذكرها صاحب معجم البلدان 4: 376 - كقطيعة إسحاق، وقطيعة الرقيق، وقطيعة الربيع، وقطيعة
=
أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، أشهد أن محمد رسول اللَّه، أشهد أن عليّاً ولي اللَّه، محمد وعلي خير البشر، فمن أبى فقد كفر، ومن رضي فقد شكر، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلّا اللَّه (836) .
ولتأكيد وجود الخلاف الفقهي العقائدي في تلك البرهة من التاريخ إليك كلام المقريزي في (المواعظ والاعتبار) عند ذكره مذاهب أهل مصر ونِحَلِهم، قال:
____________________
=
زهير، وقطيعة العجم، وقطيعة عيسى وغيرها.
وحيث لا يمكن الترجيح والقول بأن القطيعة هي علم لقطيعة أم جعفر فلابدّ من احتمال أن تكون القطيعة هي تصحيف للقطعية وهي الفرقة التي قطعت بموت موسى ابن جعفر وإمامة عليّ بن موسى الرضا (عليهم السلام)، وهم في مقابل الواقفيّة التي وقفت على إمامة موسى بن جعفر الكاظم ولم تقل بإمامة مَن بعده، ويترجّح احتمالنا حينما نرى التنوخي يأتي بـ (خبر أذان رجل من القطيعة) بعد خبر (حجّام يحجم بالنسيّة إلى الرجعة) وكلاهما يرتبط بأمر تقوله الشيعة الإماميّة الاثنا عشرية.
ويتقوّى احتمالنا هذا حينما نرى الإصفهاني - الزيدي العقيدة - ينقل هذا الخبر، وهو تأكيد لأذان الإمامية القطعية في الكاظمية، وأنهم كانوا يؤذّنون بالشهادة الثالثة. ولو أحببت أن تتأكد بأن القطعية هو اصطلاح للشيعة الاثني عشرية راجع كتب الشيخ الصدوق ومقالات الإسلاميين للأشعري 1: 17، والملل والنحل للشهرستاني 1: 29، وخاتمة المستدرك 4: 248 عن النوبختي في كتاب مذاهب فرق أهل الأمة.
وعلى فرض أن يكون المراد قطيعة أمّ جعفر، فهي أيضاً كانت من الأماكن التي يقطنها الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، قال الحموي في معجم البلدان 4: 448، وأهل الكرخ كلهم شيعة إمامية لا يوجد فيهم سنيّ ألبتة. وانظر: حول تشيعها الاثني عشري البداية والنهاية 11: 307 / أحداث سنة 379، وموسوعة العتبات المقدسة (الكاظمية) 9: 115.
هذا وقد أضاف المحقق جملة من بعض النسخ تشمئز منها النفوس ولا تتفق مع السير التاريخي وارتباط هند وابن عمر بمسألة الأذان، فراجع.
(836) نشوار المحاضرة للتنوخي 2: 133.
قال أبو عمر الكندي في كتاب (أمراء مصر): ولم يَزَل أهل مصر على الجهر بالبسملة في الجامع العتيق إلى سنة ثلاث وخمسين ومئتين (253 هـ)، قال: ومنع أرجون صاحب شرطة مزاحم بن خاقان أمير مصر من الجهر بالبسملة في الصلوات بالمسجد الجامع، وأمر الحسين بن الربيع إمام المسجد الجامع بتركها وذلك في رجب سنة ثلاث وستّين ومئتين (263 هـ)، ولم يَزَل أهل مصر على الجهر بها في المسجد الجامع منذ الإسلام إلى أن منع منها أرجون.
إلى أن يقول:... إلى أن قدم القائد جوهر من بلاد إفريقية في سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة (358 هـ) بجيوش مولاه المعز لدين اللَّه أبي تميم معدّ وبنى مدينة القاهرة، فمن حينئذٍ فشا بديار مصر مذهب الشيعة، وعمل به في القضاء وأنكر ما خالفه، ولم يبقَ مذهب سواه، وقد كان التشيّع بأرض مصر معروفاً قبل ذلك.
قال أبو عمر الكندي في كتاب الموالي ، عن عبد اللَّه بن لهيعة أنه قال: قال يزيد بن أبي حبيب: نشأت بمصر وهي علويّة فقلبتُها عثمانية (837) .
ثمّ عمد المقريزي إلى شرح الأدوار التي مرت بها الشيعة في مصر وكيف كانت علويّة وصارت عثمانيّة حتّى يصل إلى صفحة 340، وفيها يذكر حوادث سنة (353
____________________
(837) الخطط المقريزية 2: 334.
و 356 هـ) وأن (جوهراً) أعلن حيّ على خير العمل وفضّل الإمام عليّاً وأولاده على غيره وجهر بالصلاة عليه وعلى الحسن والحسين وفاطمة الزهراء (رضوان اللَّه عليهم)، ممّا سيأتي في ما ننقله عن حوادث مصر في تلك السنة.
هذا نموذج بسيط عن مسار الاتجاهين الفكري. وقد أكدنا أكثر من مرّة على أنّ لكلّ واحد من النهجين قادة وجماهير.
ولما حكم نهج الاجتهاد والرأي - في الحكومات الأموية والعباسية أو السلجوقية والأيوبية - حكّم آراء الخلفاء وفقههم في الشريعة.
أما النهج الشيعي فقد دعا إلى الأخذ بسنة رسول اللَّه عن عليّ وأولاده، وهؤلاء قد عارضوا النهج الحاكم في زمن الشيخين وعثمان وطيلة الحكم الأموي والعباسي. ولا ننسى أن شعارية (حيّ على خير العمل) وغيرها قد تجسدت في العصر العباسي الأوّل والثاني، أي بنشوء الدول الشيعية كالدولة الإدريسية في المغرب والحمدانية في حلب، والبويهية في بغداد، والزيدية في طبرستان، والفاطمية في مصر و...
وقد اتّخذ كلّ اتجاه أُصولاً في عمله، فأحدهم يمنع من تدوين الحديث والآخر يصرّ عليه وإن وضعت الصمصامة على عنقه.
والأوّل يذهب إلى عدم تنصيص النبيّ على أحد بل ترك الأمّة لتختار لإمامتها من تشاء، والآخر يعتقد بلزوم الوصاية والخلافة وقد عيّن النبيُّ بالفعل علياً إماماً وخليفة من بعده.
والسنيّ يقول باجتهاد النبيّ، والشيعي لا يرتضي ذلك.. وهلمّ جرّاً.
إذاً يمكن تلمس النهج السني في تصرف الدولتين الأموية والعباسية، ثمّ بعدهم السلجوقيّة والنوريّة والصلاحيّة والعثمانيّة، وهذه الدول كانت تسعى لتطبيق ما
شُرّع على عهد الخلفاء وما دوّن لهم في عهد عمر بن عبد العزيز - لقول الزهري: (كنّا نكره تدوين الحديث حتّى أكرهنا السلطان على ذلك، فكتبناه وخفنا أن لا نكتبها للناس) - وأخذوا بالمذاهب الأربعة فقط، اعتقاداً منهم بأنّ أقوال أربابها هي الدين الحق، غافلين عن دور الحكّام في تأصيل أصول تلك الأحكام الشرعية، كتدوين الحديث، وحصر المذاهب بالأربعة وسوى ذلك.
وفي المقابل نرى النهج العلوي بأمرائه وجماهيره وعلمائه وفقهائه يسعون - عند وصولهم إلى الحكم - لتطبيق ما عرفوه من سنة رسول اللَّه ونهج الإمام عليّ، فيصرّون على الإتيان بالحيعلة الثالثة مثلاً ويأبَون بِدعيتها، وهكذا الأمر في غيرها من المسائل المختلف فيها.
وهذا التخالف بين الجناحين يومئ إلى أنّ الخلاف بين الحكومات العلويّة الشيعيّة والحكومات السنيّة على مرّ التاريخ كان يدور في محاور عقائديّة فكرية إستراتيجية، مضافاً لما بينهما من خلاف حول الخلافة، لأنّ كلّ واحد من الطرفين يستدل على صحّة عمله بأقوال وأفعال من يعتقد به من الصحابة أو أهل البيت.
وعليه فلا يجوز أن نتغافل عن جذور الحيعلة الثالثة وأشباهها في كتب الفقه والحديث والتاريخ، بل بذكرنا خلافيات الفريقين يمكن الوقوف على جواب سؤالنا السابق، وأن هذه الأمور هي تشريعات ذات أبعاد سياسية عقائدية.
ولا يمكننا أن ننكر أنّ الشيعة قد كانوا يَمَسّون الصحابة في بعض الأحيان؛ لما وقفوا عليه في التاريخ من غصب حقّ الإمام عليّ، ومنع الزهراء من فدك والهجوم على بيتها، ولعن الإمام عليَّ على المنابر في زمن معاوية ومَن بعده، وضياع أحكام كثيرة من دين اللَّه و...
وهذا يوضح أنّ لكلّ واحد من النهجين شعائره ومقدساته. ويجب أن يتّضح لنا
أنّ هذا الموقف من الاعتقاد الشيعي أو ذاك الموقف من الاعتقاد السنّي إنّما يبتني على ما يحمله كلّ طرف من المتبنّيات الفكرية الأيدلوجية والأصول التي اعتمد عليها، والتي تدلّ على شرعيّته عنده وأنّه لم يكن وليد ساعته!
إنّ كلامنا هذا يرمي إلى بيان البُنَى التحتية للفريقين، دون الخوض في أصل شرعية حكم الفاطميين أو عدم شرعية حكم العباسيين أو العكس وإلى البحث عن مدى صحّة ما روي عنه (صلَّى الله عليه وآله): اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، أو أن حكم البسملة هو الجهر أم الإخفات، وهل يجوز المسح على الخفين أم لا؟ إذ إن شرعية هذه الأحكام وعدمها سبقت هذه المرحلة، و إن ديمومية هذا الخلاف من قبل الفريقين ينبئ عن وجود أصل مختلف فيه بينهما، لا كما يصورونه من عدم وجود أصل فيه عن رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله)، أو عن حكومات غير المتعبّدين.
الأندلس (ما بعد سنة 300 هـ)
ذكر ابن حزم الأندلسي في (نَقْط العروس في تواريخ الخلفاء) تحت عنوان: مَن خَطَب لبني العبّاس أو لبني عليّ بالأندلس، فقال:
عمر بن حفصون خطب في أعماله بريَّةَ (838) لإبراهيم بن قاسم بن إدريس بن عبد اللَّه بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب صاحب البصرة، ثمّ خطب لعبيد اللَّه صاحب افريقية، وأذّن في جميع أعماله بـ: (حيّ على خير العمل) (839) .
____________________
(838) بناحية إكشونيت.
(839) رسائل ابن حزم الأندلسي 2: 84 الرسالة الثانية (نَقط العروس في تواريخ الخلفاء)، تحقيق: إحسان عباس، بيروت 1987.
حلب / مصر (سنة 347 هـ)
قال المقريزي في (المواعظ والاعتبار) : (... وأوّل مَن قال في الأذان بالليل: (محمّد وعليّ خير البشر) (840) الحسين المعروف (بأمير ابن شكنبة)، ويقال: أشكنبة، وهو اسم أعجمي معناه: الكرش، وهو: عليّ بن محمّد بن عليّ بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وكان أوّل تأذينه بذلك في أيّام سيف الدولة بن حمدان بحلب في سنة سبع وأربعين وثلاثمئة، قاله الشريف محمّد بن أسعد الجوباني النسّابة.
ولم يزل الأذان بحلب يزاد فيه (حيَّ على خير العمل، ومحمّد وعليّ خير البشر) إلى أيّام نور الدين محمود، فلما فتح المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية استدعى أبا الحسن عليّ بن الحسن بن محمّد البلخي الحنفي إليها، فجاء ومعه جماعة من الفقهاء، وألقى بها الدروس، فلما سمع الأذان أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الأذان وقال لهم: مُرُوهم يؤذّنوا الأذان المشروع (841) ، ومن امتنع كُبّوه على رأسه، فصعدوا وفعلوا ما أمرهم به، واستمر الأمر على ذلك.
وأمّا مصر فلم يزل الأذان بها على مذهب القوم [يعني الشيعة الفاطميين] إلى أن استبدّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوّب بسلطنة ديار مصر وأزال الدولة الفاطمية في سنة سبع وستيّن وخمسمئة، وكان ينتحل مذهب الإمام الشافعي (رضي اللَّه عنه) وعقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعري، فأبطل الأذان بـ (حيّ على خير العمل) وصار يؤذّن في سائر إقليم مصر والشام بأذان أهل مكّة، وفيه تربيع التكبير وترجيع الشهادتين، فاستمر الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك المدارس بديار
____________________
(840) هذا اشتباه من الكاتب، ذلك أن الزيدية كانت تقول بهذا قبل هذا التاريخ حسبما وضحناه.
(841) يعني به الذي ليس فيه: (حيّ على خير العمل) المفسّر بمحمد وعلي خير البشر!
مصر وانتشر مذهب أبي حنيفة في مصر، فصار يؤذن في بعض المدارس التي للحنفيّة بأذان أهل الكوفة، وتقام الصلاة أيضاً على رأيهم... (842) .
ومما يجب الإشارة إليه أنّ دولة سيف الدولة الحمدانيّ المتوفّى سنة 356 هـ اتّسعت وشملت حلب وأنطاكيه وقنّسرين ومنبج وبالس ومعرّة النعمان ومعرّة مصرين، وسرمين، وكفر طاب، وأفامية، وعزاز، وحماة، وحمص، وطرطوس، ثمّ تولى بعده أخوه ناصر الدولة. وكانت دولة شيعية اثني عشريّة تعلن عن معتقداتها وآرائها بدون عسفٍ وقسرٍ.
روى ابن ظافر في أحداث سنة أربع وخمسين وثلاثمئة أن سيف الدولة صاهر أخاه ناصر الدولة، فزّوج ابنيه أبا المكارم وأبا المعالي بابنتَي ناصر الدولة، وزوج أبا تغلب بابنته (ستّ الناس) وضرب دنانير كبيرة، في كلّ دينار منها ثلاثون ديناراً وعشرون وعشرة عليها مكتوب: (لا إله إلّا اللَّه محمّد رسول اللَّه. أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب. فاطمة الزهراء. الحسن. الحسين. جبريل). وعلى الجانب الآخر: (أمير المؤمنين المطيع للَّه. الأميران الفاضلان: ناصر الدولة، سيف الدولة. الأميران أبو تغلب وأبو المكارم) (843) .
وواضح ممّا تقدم أنّ الشيعة كانوا يعلنون عن معتقداتهم بكل رصانة وهدوء وبالدليل والمنطق حين تستقر بهم الأمور، بخلاف مَن أمروا بإلقاء مَن يؤذّن بالحيعلة الثالثة وبفضل محمّد وآل محمّد من على رأس المنارة!!
وجاء في الكامل لابن الأثير و تاريخ الإسلام للذهبي في حوادث سنة 351 هـ: وفيها كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد: لَعَنَ اللَّه معاوية، ولَعَنَ من غَصَبَ
____________________
(842) خطط المقريزي 2: 271 - 272.
(843) أعيان الشيعة 8: 269.
فاطمةَ حقَّها من فَدَك، ومَن منع الحَسَن أن يُدفن مع جدّه، ومن نفى أبا ذَرٍّ. ثمّ إنَّ ذلك مُحي في الليل، فأراد مُعِزُّ الدولة إعادته، فأشار عليه الوزير المهلّبي أن يُكتَب مكان ما مُحي: (لعن اللَّه الظالمين لآل رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله))، وصرّحوا بلعنة معاوية فقط (844) .
وفي ثامن عشر ذي الحجّة من سنة اثنتين وخمسين وثلاثمئة (352 هـ) عُمل عيد غدير خُمّ وضُربت الدبادب، وأصبح الناس إلى مقابر قريش للصلاة هناك، و إلى مشهد الشيعة (845) .
القاهرة (سنة 356 هـ)
جاء في كتاب (المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار) للمقريزي: (... وفي شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وثلاثمئة أُخذ رجل يعرف بابن أبي الليث يُنسَب إلى التشيع فضُرب مئتي سوط ودَرّة.
ثمّ ضرب في شوّال خمسمئة سوط ودَرّة، وجُعل في عنقه غِلّ وحُبِس، وكان يُتفقَّد في كلّ يوم لئلا يُخفّف عنه، ويُبصَق في وجهه، فمات في محبسه، فحُمل ليلاً ودفن. فمضت جماعة إلى قبره ينبشوه وبلغوا إلى القبر، فمنعهم جماعة من الإخشيدية والكافوريّة فأبَوا وقالوا: هذا قبرُ رافضي، فثارت فئة، وضرب جماعة ونهبوا كثيراً حتّى تفرّق الناس.
وفي سنة ستّ وخمسين كتب في صفر على المساجد ذكر الصحابة والتفضيل،
____________________
(844) تاريخ الإسلام: 8 حوادث 351 - 380 هـ، الكامل في التاريخ 7: 4، المنتظم 14: 140.
(845) تاريخ الإسلام: 12 حوادث 351 - 380 هـ.
فأمر الأستاذ كافور الإخشيدي بإزالته، فحدّثه جماعة في إعادة ذكر الصحابة على المساجد فقال: ما أُحدِث ُفي أيّامي ما لم يكن، وما كان في أيّام غيري فلا أزيله، ثمّ أمر من طاف وأزاله من المساجد كلها.
ولما دخل جوهر القائد بعساكر المعزّ لدين اللَّه إلى مصر وبنى القاهرة أظهر مذهب الشيعة، وأذّن في جميع المساجد الجامعة وغيرها (حيّ على خير العمل) وأعلن بتفضيل عليّ بن أبي طالب على غيره، وجهر بالصلاة عليه وعلى الحسن والحسين وفاطمة الزهراء (رضوان اللَّه عليهم)...
وفي ربيع الأوّل سنة اثنين وستّين عَزّر سليمانُ بن عروة المحتسب جماعة من الصيارفة، فشغبوا وصاحوا: معاوية خال عليّ بن أبي طالب، فهمّ جوهر أن يحرق رحبة الصيارفة لكن خشي على الجامع، وأمر الإمام بجامع مصر أن يجهر بالبسملة في الصلاة، وكانوا لا يفعلون ذلك، وزِيدَ في صلاة الجمعة القنوت في الركعة الثانية، وأمر في المواريث بالردّ على ذوي الأرحام، وأن لا يرث مع البنت أخ ولا أخت ولا عمّ ولا جدّ، ولا ابن أخ ولا ابن عم، ولا يرث مع الولد الذكر أو الأنثى إلّا الزوج أو الزوجة والأبوان والجدّة، ولا يرث مع الأمِّ إلّا من يرث مع الولد أو الأنثى إلّا الزوج أو الزوجة والأبوان والجدّة، ولا يرث مع الأم إلّا من يرث مع الولد.
وخاطب أبو الطاهر محمّد بن أحمد - قاضي مصر - القائدَ جوهراً في بنت وأخ، وأنه حكم قديماً للبنت بالنصف وللأخ بالباقي، فقال: لا أفعل، فلمّا ألحّ عليه قال: يا قاضي، هذا عداوة لفاطمة3!! فأمسك أبو الطاهر فلم يراجعه بعد ذلك... (846)
____________________
(846) المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار للمقريزي 2: 340.
القاهرة (سنة 358 هـ)
قال ابن خلّكان في وفيات الأعيان : أقيمت الدعوة للمعزّ في الجامع العتيق، وسار جوهر إلى جامع ابن طولون، وأمر بأن يؤذّن فيه بـ (حيّ على خير العمل) وهو أوّل ما أذّن، ثمّ أذّن بعده بالجامع العتيق، وجهر في الصلاة بـ (بسم اللَّه الرحمن الرحيم) (847) .
وقال بعده: وفي يوم الجمعة الثامن من ذي القعدة أمر جوهر بالزيادة عقيب الخطبة: اللّهم صلّ على محمّد المصطفى، وعلى عليّ المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطَي الرسول، الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، اللّهمّ صلّ على الأئمّة الطاهرين آباء أمير المؤمنين (848) .
وجاء في (المنتظم) في حوادث سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة:.. ودخل جوهر إلى مصر يوم الثلاثاء لثلاث عشر ليلة بقيت من شعبان سنة ثمان وخمسين، وخطب لبني عبيد في الجامعين بفسطاط مصر وسائر أعمالها يوم الجمعة لعشر ليال بقين من شعبان هذه السنة، وكان الخاطب في هذا اليوم عبد السميع بن عمر العباسي.
وقد أشار محقق الكتاب في الهامش إلى نصّ كتاب جوهر لأهل مصر نقتطف منه مقطع: (... وردّ المواريث إلى كتاب اللَّه وسنّة رسوله، وأن يقدم من أَمَّ مساجدكم وتزيينها، و إعطاء مؤذنيها وقومتها ومن يؤمّ بالناس أرزاقهم، وأن يجري فرض الأذان والصلاة وصيام شهر رمضان وفطره وقنوت لياليه والزكاة والحج والجهاد على ما أمر اللَّه في كتابه وسنّة نبيّه، و إجراء أهل الذمّة على ما كانوا عليه) (849) .
____________________
(847) وفيات الأعيان لابن خلكان 1: 375 وانظر: أخبار بني عبيد 1: 84.
(848) وفيات الأعيان، لابن خلكان 1: 379.
(849) المنتظم 14: 197.
وفي كتاب (العبر في خبر من غبر) :... وجاءت المغاربة مع القائد جوهر المغربي، فأخذوا ديار مصر، وأقاموا الدعوة لبني عُبيد، مع أنّ دولة معزّ الدولة [ البويهي ] هذه المدة رافضية، والشعار الجاهلي يقام يوم عاشوراء ويوم الغدير (850) .
وفي (مآثر الإنافة) للقلقشندي قال:... دخل جوهر قائد المعزّ الفاطمي إلى مصر سنة 358 واستولى عليها وأذّن بـ (حيّ على خير العمل) وقطع الخطبة للعباسيين (851) .
وفي (تاريخ الخلفاء) للسيوطي قال:... لمّا مات كافور الإخشيدي صاحب مصر اختلّ النظام وقلّت الأموال على الجند، فكتب جماعة إلى المعزّ [ الفاطمي ] يطلبون منه عسكراً ليسلّموا إليه مصر، فأرسل مولاه جوهراً القائد في مئة ألف فارس فملكها... وقطع خطبة بني العبّاس ولبس السواد وألبس الخطباء البياض، وأمر أن يقال في الخطبة: (اللّهم صلّ على محمّد المصطفى، وعلى عليّ المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، وصلّ على الأئمة آباء أمير المؤمنين المعزّ باللَّه) (852) .
وفي (سير أعلام النبلاء) (853) و (نهاية الأرب) (854) والنصّ للأوّل:... وضربت السكّة على الدينار بمصر، وهي: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، عليٌّ خير الوصيين، والوجه الآخر اسم المعز والتاريخ، وأعلن بـ: (حيّ على خير العمل)، ونودي: (من مات عن بنت وأخ وأخت فالمال كلّه للبنت)، فهذا رأي هؤلاء.
____________________
(850) العبر في خبر من غبر 2: 316.
(851) مآثر الإنافة للقلقشندي 1: 307.
(852) تاريخ الخلفاء: 402.
(853) سير أعلام النبلاء 15: 160 وتاريخ الإسلام.
(854) نهاية الأرب في فنون الأدب / الفن 5 / القسم 5 / الباب 12 أخبار الملوك العبيديون.
قال الذهبي : ظهر في هذا الوقت الرفض وأبدى صفحته وشمخ بأنفه في مصر والحجاز والشام والمغرب بالدولة العبيديّة، وبالعراق والجزيرة والعجم ببني بويه، وكان الخليفة المطيع ضعيف الدست والرتبة مع بني بويه، وأعلن الأذان بالشام ومصر بـ (حيّ على خير العمل).
وفي (البداية والنهاية) لابن كثير... دخل أبو الحسين جوهر القائد الرومي في جيش كثيف من جهة المعزّ الفاطمي إلى ديار مصر يوم الثلاثاء لثلاث عشر بقيت من شعبان، فلمّا كان يوم الجمعة خطبوا للمعزّ الفاطمي على منابر الديار المصريّة وسائر أعمالها، وأمر جوهر المؤذنين بالجوامع أن يؤذنوا بـ (حيّ على خير العمل) وأن يجهر الأئمّة بالتسليمة الأولى (855) .
جامع ابن طولون / مصر (سنة 359 هـ)
قال النويري في (نهاية الأرب في فنون الأدب) :... وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمئة في يوم الجمعة لثمان خَلَون من شهر ربيع الآخر، صلّى القائد جوهر في جامع ابن طولون وأذن بـ (حيّ على خير العمل)، وهو أوّل ما أذّن به بمصر، ثمّ أذن بذلك بالجامع العتيق بمصر في الجمعة (856) .
وقال ابن خلدون في تاريخه:... دخل جوهر جامع ابن طولون فصلّى فيه وأمر بزيادة (حيّ على خير العمل) في الأذان، فكان أوّل أذان أُذِّن به في مصر (857) .
وقال ابن الأثير في الكامل :... وفي جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين وثلاثمئة سار جوهر إلى جامع ابن طولون وأمر المؤذن فأذن بـ (حيّ على خير
____________________
(855) البداية والنهاية 11: 284.
(856) نهاية الأرب في فنون الأدب / الفن 5 / القسم 5 / الباب 12 أخبار الملوك العبيديون.
(857) تاريخ ابن خلدون 4: 48.
العمل) وهو أوّل ما أذن بمصر، ثمّ أذن بعده في الجامع العتيق وجهر في الصلاة ببسم اللَّه الرحمن الرحيم (858) .
وفي (شذرات الذهب) لابن العماد الحنبلي:... في ثامن عشر من ربيع الآخر سنة 359 صلّى القائد جوهر في جامع ابن طولون بعسكر كثير، وخطب عبد السميع بن عمر العباسي الخطيب وذكر أهل البيت وفضائلهم (رضي اللَّه عنهم)، ودعا للقائد جوهر، وجهر بالقراءة ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وقرأ سورة الجمعة والمنافقين في الصلاة، وأذن بـ (حيّ على خير العمل) وهو أوّل ما أُذّن به بمصر... وقنت الخطيب في صلاة الجمعة، وفي جمادى الأولى من السنة المذكورة أذنوا في جامع مصر العتيق بـ (حيّ على خير العمل) (859) .
وقال المقريزي في (المواعظ والاعتبار) :... وكان الأذان أولاً بمصر كأذان أهل المدينة وهو اللَّه أكبر اللَّه أكبر وباقيه كما هو اليوم، فلم يزل الأمر بمصر على ذلك في جامع عمرو بالفسطاط، وفي جامع العسكر، وفي جامع أحمد ابن طولون وبقيّة المساجد إلى أن قَدِم القائد جوهر بجيوش المعزّ لدين اللَّه وبنى القاهرة، فلمّا كان في يوم الجمعة الثامن من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمئة صلّى القائد جوهر الجمعة في جامع أحمد بن طولون، وخطب به عبد السميع بن عمر العبّاسي بقلنسوة وسبنى، وطيلسان دبسيّ، وأذّن المؤذّنون (حيّ على خير العمل) وهو أوّل ما أذّن به بمصر.
وصلّى به عبد السميع الجمعة، فقرأ سورة الجمعة و إذا جاءك المنافقون، وقنت في الركعة الثانية، وانحطّ إلى السجود، ونسي الركوع، فصاح به عليّ بن الوليد قاضي
____________________
(858) الكامل في التاريخ 7: 31.
(859) شذرات الذهب 3: 100.
عسكر جوهر: بطلت الصلاة، أعد ظهراً أربع ركعات، ثمّ أذّن بـ(حيّ على خير العمل) في سائر مساجد العسكر إلى حدود مسجد عبد اللَّه (860) .
وأنكر جوهر على عبد السميع أنه لم يقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم في كلّ سورة، ولا قرأها في الخطبة، فأنكره جوهر ومنعه من ذلك.
ولأربع بقين من جمادى الأولى المذكور أذّن في الجامع العتيق بـ (حيّ على خير العمل)، وجهروا في الجامع بالبسملة في الصلاة، فلم يزل الأمر على ذلك طول مدة الخلفاء الفاطميين؛ إلّا أنّ الحاكم بأمر اللَّه في سنة أربعمئة أمر بجمع مؤذّني القصر، وسائر الجوامع وحضر قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقي، وقرأ أبو عليّ العباسي سجلّاً فيه الأمر بترك (حيّ على خير العمل) في الأذان، وأن يقال في صلاة الصبح: الصلاة خير من النوم، وأن يكون ذلك من مؤذّني القصر عند قولهم: (السلام على أمير المؤمنين ورحمة اللَّه) (861) .
فامتثل ذلك، ثمّ عاد المؤذّنون إلى قول (حيّ على خير العمل) في ربيع الآخر سنة أحد وأربعمئة، ومنع في سنة خمس وأربعمئة مؤذّني جامع القاهرة ومؤذّني القصر من قولهم بعد الأذان: (السلام على أمير المؤمنين) وأمرهم أن يقولوا بعد الأذان: الصلاة رحمك اللَّه...) (862) .
وفي كتاب (النجوم الزاهرة في أعلام مصر والقاهرة): ... ثمّ في شهر ربيع الآخر
____________________
(860) انظر: قريباً منه في أخبار بني عبيد 1: 85.
(861) مرّ عليك أنّ معاوية بن أبي سفيان هو أوّل من ابتدع هذه المقولة ورسّخ أركانها (كما عن كتب الأوائل السيوطي: 26). وقد كان لهذا الأمر جذر متجذر في زمان عمر، ذلك إنّه لمّا قدم عمر مكّة أتاه أبو محذورة وقد أذّن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح، قال: ويحك أمجنون أنت؟! أما كان في دعائك الذي دعوتنا ما نأتيك حتّى تأتينا. (مصنف ابن أبي شيبة 1: 307).
(862) المواعظ والاعتبار للمقريزي 2: 270 - 271.
سنة تسع وخمسين وثلاثمئة أذّنوا بمصر بـ (حيّ على خير العمل) واستمرّ ذلك، ثمّ شرع جوهر في بناء جامعه بالقاهرة المعروف بجامع الأزهر، وهو أوّل جامع بنته الرافضة بمصر (863) .
وفي تاريخ الخلفاء : في ربيع الآخر سنة 359 أذّنوا بمصر بـ (حيّ على خير العمل) (864) .
دمشق (سنة 360 هـ)
قال الذهبي في تاريخ الإسلام :... وفي صفر أعلن المؤذّنون بدمشق (حيّ على خير العمل) بأمر جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعزّ باللَّه، ولم يجسر أحد على مخالفته، وفي جمادى الآخرة أمرهم بذلك في الإقامة فتألم الناس لذلك فهلك لِعامِهِ واللَّه أعلم (865) .
وفي (سير أعلام النبلاء) :... وفي سنة ستين تملّك بنو عبيد مصر والشام وأذنوا بدمشق بـ (حيّ على خير العمل) وغلت البلاد بالرفض شرقاً وغرباً وخفيت السنة قليلاً (866) .
ثمّ قال في (ج 16: 467):... وقطعت الخطبة العباسية وألبس الخطباء البياض وأذنوا بـ (حيّ على خير العمل).
وقال ابن كثير في (البداية والنهاية): ... استقرّت يد الفاطميين على دمشق في سنة 360، وأذّن فيها وفي نواحيها بـ (حيّ على خير العمل) أكثر من مئة سنة،
____________________
(863) النجوم الزاهرة 4: 32.
(864) تاريخ الخلفاء: 402.
(865) تاريخ الإسلام: 48 حوادث 351 - 380 هـ.
(866) سير أعلام النبلاء 15: 116، تاريخ الخلفاء: 402.
وكتب لعنة الشيخين على أبواب الجوامع بها وأبواب المساجد.
وفي مصر خطب جوهر لمولاه وقطع خطبة بني العبّاس، وذكر في خطبته الأئمّة الاثني عشر وأمر فأذّن بـ (حيّ على خير العمل) (867) .
وقال بعد ذلك: وفيها أذن بدمشق وسائر الشام بـ (حيّ على خير العمل).
قال ابن عساكر في ترجمة جعفر بن فلاح نائب دمشق: وهو أوّل من تأمّر بها عن الفاطميين. أخبرنا أبو محمّد الأكفاني، قال: قال أبو بكر أحمد بن محمّد بن شرام: وفي يوم الخميس لخمس خَلَونَ من صفر من سنة 360 أعلن المؤذّنون في الجامع بدمشق وسائر مآذن البلد وسائر المساجد بحيّ على خير العمل بعد حيّ على الفلاح، أمرهم بذلك جعفر بن فلاح ولم يقدروا على مخالفته، ولا وجدوا من المسارعة إلى طاعته بُدّاً.
وفي يوم الجمعة الثامن من جمادى الآخرة أُمر المؤذّنون أن يُثنّوا الأذان والتكبير في الإقامة مَثْنى مَثْنى، وأن يقولوا في الإقامة: (حيّ على خير العمل)، فاستعظم الناس ذلك وصبروا على حكم اللَّه (868) .
وجاء في (النجوم الزاهرة) :... وهي السنة الثانية لولاية جوهر... على مصر وهي سنة 360، وفيها عمل الرافضة المآتم ببغداد في يوم عاشوراء على العادة في كلّ سنة من النَّوح واللطم والبكاء، وتعليق المُسوح، وغلق الأسواق، وعملوا العيد والفرح يوم الغدير وهو يوم ثامن عشر من ذي الحجّة.
____________________
(867) البداية والنهاية 11: 284.
(868) البداية والنهاية 11: 287، وكلام ابن كثير يشير إلى عمل أهل السنة والجماعة بالتقية لو أحسوا الضرورة لذلك، كما يفعله اليوم الخط السلفي وأتباع الطالبان، فلا يرتضي أحد منهم أن يُنسَب إلى ابن لادن خوفاً من القتل والسجن!
وفي صفر أعلن المؤذّنون بـ (حيّ على خير العمل) بأمر القائد جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعزّ الفاطمي، ولم يجسر أحد على مخالفته، ثمّ في جمادى الآخرة أمرهم ابن فلاح المذكور بذلك في الإقامة فتألم الناس (869) .
وقال أيضاً:... وفيها (أي سنة 360) قتل جعفر بن فلاح وهو أوّل أمير ولي دمشق لبني عبيد المغربي، والعجب أن القرمطي أبا محمّد الحسن بن أحمد لمّا قتله بكى عليه ورثاه لأنهما يجمع بينهما التشيّع (870) .
وقد كتب المقريزي عن المعزّ لدين اللَّه: أنه لمّا دخل مصر أمر في رمضان سنة اثنين وستّين وثلاثمئة فكتب على سائر الأماكن بمدينة مصر: (خير الناس بعد رسول اللَّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام) (871) .
حلب (سنة 367 هـ)
جاء في زبدة الحلب من تاريخ حلب لابن أبي جرادة الشهير بابن العديم المتوفّى سنة 660:... وانهزم (بكجور) إلى القلعة فاستعصى بها وذلك في رجب سنة خمس وستّين وثلاثمئة، ثمّ أقام سعد الدولة يحاصر القلعة مدة حتّى نفذ ما فيها من القوت، فسلمها (بكجور) في شهر ربيع الآخر من سنة سبع وستين وثلاثمئة. وولى سعدُ الدولة بكجورَ حمص وجندها، وكان تقرير أمر بكجور بين سعد الدولة وبينه على يد أبي الحسن عليّ بن الحسين بن المغربي الكاتب والد الوزير أبي القاسم. واستقرّ أمر سعد الدولة بحلب، وجدّد الحلبيّون عمارة المسجد الجامع بحلب،
____________________
(869) النجوم الزاهرة 4: 57.
(870) النجوم الزاهرة 4: 57.
(871) المواعظ والاعتبار 2: 340 - 341.
وزادوا في عمارة الأسوار في سنة سبع وستين. وغيَّر سعدٌ الأذانَ بحلب وزاد فيه: (حيّ على خير العمل، محمّد وعليّ خير البشر)، وقيل: إنه فعل ذلك في سنة تسع وستين وثلاثمئة، وقيل: سنة ثمان وخمسين. وسير سعد الدولة في سنة سبع وستين وثلاثمئة الشريف أبا الحسن إسماعيل بن الناصر الحسني يهنّئ عضد الدولة بدخوله مدينة السلام (872) .
وقال أبو الفداء في (اليواقيت والضرب في تاريخ حلب) :... وأقام سعد الدولة يحاصر القلعة مدّة حتّى نفذ ما فيها من القوت، فسلّمها بكجور إليه في شهر ربيع الآخر سنة 367، وولى سعد الدولة بكجور حمص وجندها. وكان تقرير أمر بكجور بين سعد الدولة وبينه على يد أبي الحسن عليّ بن الحسين المغربي الكاتب والد الوزير أبي القاسم. واستقرّ أمر سعد الدولة بحلب، وجدّد الحلبيّون عمارة المسجد الجامع بحلب، وزادوا في عمارة الأسوار في سنة 367 وغيّر سعد الدولة الأذان بحلب وزاد فيه (حيّ على خير العمل، محمّد وعليّ خير البشر)، وقيل: إنّه فعل ذلك في سنة 369، وقيل: سنة 358 (873) .
ملتان - الهند (قبل سنة 380 هـ)
قال المقدسي المتوفّى (380هـ) في كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) ضمن حديثه عن إقليم السند:
الملتان تكون مثل المنصورة غير أنّها أعمرة ليست بكثيرة الثمار غير أنّها
____________________
(872) زبدة الحلب من تاريخ حلب لابن العديم المتوفَّى 660ه 1: 159 - 160، تحقيق سامي الدهان، ط المعهد الفرنسي.
(873) اليواقيت والضرب لإسماعيل أبي الفداء: 134، تحقيق محمد جمال وفالح بكور.
رخيصة الأسعار، الخبز ثلاثون منّاً بدرهم، والفانيد ثلاثة أمنان بدرهم، حسنة تُشاكل دور سيراف من خشب الساج طبقات، ليس عندهم زنا ولا شرب خمر، ومن ظفروا به يفعل ذلك قتلوه، أو حدّوه، ولا يكذبون في بيع، ولا يبخسون في كيل، ولا يخسرون في وزن، يحبّون الغرباء، وأكثرهم عرب، شربهم من نهر غزير، والخير بها كثير، والتجارات حسنة، والنعم ظاهرة، والسلاطين عادلة، لا ترى في الأسواق متجملة، ولا أحد يحدّثها علانية... إلى أن يقول:
وأهل الملتان شيعة يحيعلون في الأذان و يُثنّون في الإقامة، ولا تخلو القصبات من فقهاء على مذهب أبي حنيفة وليس به مالكية ولا معتزلة، ولا عمل للحنابلة، إنّهم على طريقة مستقيمة، ومذاهب محمودة، وصلاح وعفّة، قد أراحهم اللَّه من الغلوّ والعصبيّة والهرج والفتنة (874) .
مصر (سنة 393 هـ)
شرح ابن خلدون حال الحاكم بأمر اللَّه العبيدي الذي ولي الخلافة (386 - 411) فقال:... وأمّا مذهبه في الرافضة فمعروف، ولقد كان مضطرباً فيه مع ذلك، فكان يأذن في صلاة التراويح ثمّ ينهى عنها، وكان يرى بعلم النجوم و يُؤثِره. و يُنقل عنه أنه منع النساء من التصرف في الأسواق، ومنع من أكل الملوخيا، ورفع إليه أن جماعة من الروافض تعرّضوا لأهل السنّة في التراويح بالرجم، وفي الجنائز، فكتب في ذلك سجلاً قُرئ على المنبر بمصر كان فيه: أ مّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين يتلو عليكم من كتاب اللَّه المبين ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) ...
____________________
(874) أحسن التقاسم ومعرفة الأقاليم: 480 وفيه (يهوعلون) ويبدو إنّه تصحيف: يحوعلون ويحيعلون، ومعناه قولهم: (حيّ على خير العمل) في الأذان.
إلى أن يقول: يصوم الصائمون على حسابهم و يفطرون، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون، صلاة الخمس للدين بها جاءهم فيها يصلون، وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها، ولا هم عنها يُدَفعون، يخمّس في التكبير على الجنائز المخمّسون، ولا يمنع من التكبير عليها المربّعون، يؤذن بـ (حيّ على خير العمل) المؤذّنون، ولا يؤذى من بها لا يؤذنون... والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. كتب في رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمئة (875) .
وقال ابن الأثير في الكامل عن سبب قتله: (... وقيل كان سبب قتله أنّ أهل مصر كانوا يكرهونه لما يظهر منه من سوء أفعاله، فكانوا يكتبون إليه الرِّقاع فيها سَبّه، - إلى أن يقول -: منها أنه أمر في صدر خلافته بسبّ الصحابة (رضي اللَّه عنهم)، وأن تكتب على حيطان الجوامع والأسواق، وكتب إلى سائر عماله بذلك، وكان ذلك في سنة خمس وتسعين وثلاثمئة.
ثمّ أمر في سنة تسع وتسعين وثلاثمئة بترك صلاة التراويح، فاجتمع الناس بالجامع العتيق، وصلّى بهم [ إمام ] جميع رمضان، فأخذه وقتله، ولم يصلِّ أحد التراويح إلى سنة ثمان وأربعمئة، فرجع عن ذلك وأمر بإقامتها على العادة.
وبنى الجامع براشدة، وأخرج إلى الجوامع والمساجد من الآلات والمصاحف، والستور والحصر ما لم ير الناس مثله، وحمل أهل الذمة على الإسلام، أو المسير إلى مأمنهم، أو لبس الغيار، فأسلم الكثير منهم، ثمّ كان الرجل منهم بعد ذلك يلقاه فيقول له: إني أريد العود إلى ديني، فيأذن له، ومنع النساء من الخروج من
____________________
(875) تاريخ ابن خلدون 4: 60 - 61.
بيوتهن... (876) .
وممّا يجب التنويه به هنا هو أن الحكام - بوصفهم حكّاماً - قد يتخذون بعض المواقف لمصلحة، وقد تتدخل السياسة في بعض تصرفاتهم، ولا أستثني الفاطميين من العباسيين أو العكس، فهم بشر كغيرهم لهم ميولاتهم ونزعاتهم، ولا يمكن النجاة من ذلك إلّا بالإمام المعصوم.
بل الذي ذكرناه أو نذكره ما هو إلّا بيان لامتداد النهجين، و إن استُغلّ من قبل الحكام في بعض الحالات.
اليمامة (سنة 394 هـ)
ذكر ناصر خسرو المروزي الملقّب بحجّة المتوفّى سنة 450 هـ في رحلته وعند حديثه عن أحوال مدينة اليمامة:... وأمراؤها علويّون منذ القديم، ولم ينتزع أحد هذه الولاية منهم.... ومذهبهم الزيديّة، ويقولون في الإقامة: (محمّد وعليّ خير البشر وحيّ على خير العمل) (877) .
المدينة / مصر (سنة 400 هـ)
جاء في (النجوم الزاهرة): أنّ الحاكم بأمر اللَّه العبيدي أرسل إلى مدينة الرسول إلى دار جعفر الصادق مَن فتحها وأخذ منها ما كان فيها من مصحف وسرير والآت. وكان الذي فتحها ختكين العضدي الداعي، وحمل معه رسوم الأشراف، وعاد إلى مصر بما وجد في الدار. وخرج معه من شيوخ العلوية جماعة، فلمّا وصلوا
____________________
(876) الكامل في التاريخ 7: 305 حوادث سنة 411.
(877) سفر نامه ناصر خسرو: 122.
إلى الحاكم أطلق لهم نفقات قليلة وردّ عليهم السرير وأخذ الباقي، وقال: أنا أحقّ به، فانصرفوا داعين عليه، وشاع فعله في الأمور التي خرق العادات فيها ودعي عليه في أعقاب الصلوات، وظوهر بذلك فأشفق فخاف، وأمر بعمارة دار العلم وفرشها، ونقل إليها الكتب العظيمة وأسكنها من شيوخ السنّة شيخين يُعرف أحدهما بأبي بكر الأنطاكي، وخلع عليهما وقرّبهما ورسم لهما بحضور مجلسه وملازمته، وجمع الفقهاء والمحدثين إليها وأمر أن يقرأَ بها فضائل الصحابة، ورفع عنهم الاعتراض في ذلك، وأطلق صلاة التراويح والضحى، وغيَّر الأذان وجعل مكان (حيّ على خير العمل) (الصلاة خير من النوم)، وركب بنفسه إلى جامع عمرو بن العاص وصلّى فيه الضحى، وأظهر الميل إلى مذهب مالك والقول به.. وأقام على ذلك ثلاث سنين، وفعل ما لم يفعله أحد.
ثمّ بدا له بعد ذلك فقتل الفقيه أبا بكر الأنطاكي والشيخ الآخر وخَلقاً كثيراً من أهل السنّة، لا لأمر يقتضي ذلك، وفَعَلَ ذلك كلّه في يوم واحد، وأغلق دار العلم، ومنع من جميع ما كان فعله (878) .
وقال المقريزي في (المواعظ والاعتبار): ... وفي صفر سنة أربعمائة شُهِر جماعة بعد أن ضربوا بسبب بيع الفقاع والملوخي (879) والدلينس والترمس، وفي تاسع عشر
____________________
(878) النجوم الزاهرة 4: 222 - 223.
(879) لأنه كان قد قرئ في سنة 395 سِجِلٌّ فيه منع الناس من تناول الملوخيا أكلة معاوية ابن أبي سفيان المفضَّلة ومنعهم من أكل البقلة المسماة بالجرجير المنسوبة إلى عائشة ومن المتوكّلية المنسوبة إلى المتوكّل، والمنع من عجين الخبز بالرِّجل، والمنع من أكل الدلينس، وكان في هذا الكتاب أيضاً: المنع من عمل الفقاع وبيعه في الأسواق، لما يؤثر عن علي بن أبي طالب (رضي اللَّه عنه) من كراهية شرب الفقاع، وضرب في الطرقات والأسواق بالجرس ونودي أن لا يدخل أحد الحمام إلّا بمئزر، ولا تكشف امرأة وجهها في طريق ولا خلف جنازة ولا تتبرج، ولا يباع شيء من السمك بغير قشر ولا يصطاده أحد من الصيادين. (المواعظ والاعتبار 2: 341).
شهر شوّال أمر الحاكم بأمر اللَّه برفع ما كان يؤخذ من الخمس والزكاة والفطرة والنجوى، وأبطل قراءة مجالس الحكمة في القصر، وأمر بردّ التثويب في الأذان، وأذّن للناس في صلاة الضحى وصلاة التراويح، وأمر المؤذّنين بأسرهم في الأذان بأن لا يقولوا: (حيّ على خير العمل)، وأن يقولوا في الأذان للفجر: (الصلاة خير من النوم)، ثمّ أمر في ثاني عشر من ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمئة بإعادة قول: (حيّ على خير العمل) في الأذان وقطع التثويب وترك قولهم: (الصلاة خير من النوم)، ومنع من صلاة الضحى وصلاة التراويح، وفتح باب الدعوة، وأعيدت قراءة المجالس بالقصر على ما كانت، وكان بين المنع من ذلك والأذان فيه خمسة أشهر.
وضُرب في جمادى من هذه السنة جماعة وشُهروا بسبب بيع الملوخيا والسمك الذي لا قشر له وشرب المسكرات وتتبّع السكارى فضيّق عليهم (880) .
وفي السادس والعشرين منه [من المحرم سنة 401 هـ] قرئ بجامع مصر سجلّ يتضمن النهي عن معارضة الحاكم فيما يفعله وترك الخوض فيما لا يعني، و إعادة (حيّ على خير العمل) إلى الأذان و إسقاط (الصلاة خير من النوم) والنهي عن صلاة التراويح والضحى... (881) .
بغداد (سنة 442 - 441 هـ)
ذكر ابن الأثير في حوادث هذه السنة:... وفيها مُنع أهل الكرخ من النَّوح، وفعل ما جرت عادتهم بفعله يوم عاشوراء، فلم يقبلوا وفعلوا ذلك، فجرى بينهم وبين السنيّة فتنة عظيمة قُتل فيها وجرح كثير من الناس، ولم ينفصل الشرّ بينهم
____________________
(880) المواعظ والاعتبار 2: 342.
(881) نهاية الأرب في فنون الأدب / الفن 5 / القسم 5 / الباب 12 أخبار الملوك العبيديون.
حتّى عبر الأتراك وضربوا خيامهم عندهم فكفّوا حينئذٍ.
ثمّ شرع أهل الكرخ في بناء سور على الكرخ، فلمّا رآهم السنيّة من القلّائين ومن يجري مجراهم شرعوا في بناء سور على سوق القلّائين، وأخرج الطائفتان في العمارة مالاً جليلاً، وجرت بينهما فتن كثيرة، وبطلت الأسواق وزاد الشر حتّى انتقل كثير من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي فأقاموا به.
وتقدّم الخليفة إلى أبي محمّد بن النسوي بالعبور و إصلاح الحال وكفّ الشر، فسمع أهل الجانب الغربي ذلك فاجتمع السنة والشيعة على المنع منه، وأذّنوا في القلّائين وغيرها بـ (حيّ على خير العمل) وأذّنوا في الكرخ بـ (الصلاة خير من النوم) وأظهروا الترحّم على الصحابة، فبطل عبوره (882) .
وفي (المنتظم) وضمن بيان حوادث سنة 442 هـ:... انّه ندب أبو محمّد النسوي للعبور وضبط البلد، ثمّ اجتمع العامّة من أهلِ الكرخ والقلّائين وباب الشعير وباب البصرة على كلمة واحدة في أنه متى عبر ابن النسوي أحرقوا أسواقهم وانصرفوا عن البلد، فصار أهل الكرخ إلى باب نهر القلّائين، فصلّوا فيه وأذنوا في المشهد (حيّ على خير العمل) وأهل القلّائين بالعتيقة والمسجد بالبزّازين بـ (الصلاة خير من النوم) واختلطوا واصطلحوا وخرجوا إلى زيارة المشهدين مشهد عليّ والحسين (883) .
وفي (تاريخ أبي الفداء) :... وقعت الفتنة ببغداد بين السنّة والشيعة، وعَظُم الأمر حتّى بطلت الأسواق، وشرع أهل الكرخ في بناء سور عليهم محيطاً بالكرخ، وشرع السنّة من القلّائين ومن يجري مجراهم في بناء سور على سوق القلائين، وكان الأذان
____________________
(882) الكامل في التاريخ 53: 8.
(883) 15: المنتظم 325.
بأماكن الشيعة بـ (حيّ على خير العمل) وبأماكن السنة (الصلاة خير من النوم) (884) .
وفي (النجوم الزاهرة): ... فيها كان من العجائب أنّه وقع الصلح بين أهل السنّة والرافضة وصارت كلمتهم واحدة، وسبب ذلك: أن أبا محمّد النسوي ولي شرطة بغداد وكان فاتكاً، فاتّفقوا على أنّه متى رحل إليهم قَتَلوه، واجتمعوا وتحالفوا، وأُذّن بباب البصرة (حيّ على خير العمل)، وقرئ في الكرخ فضائل الصحابة، ومضى أهل السنة والشيعة إلى مقابر قريش، فعدّ ذلك من العجائب، فإنّ الفتنة كانت قائمة والدماء تُسكب والملوك والخلفاء يعجزون عن ردّهم حتّى ولي هذا الشرطة، فتصالحوا على هذا الأمر اليسير (885) .
بغداد (سنة 443 هـ)
قال ابن الأثير في (الكامل) :... في هذه السنة في صفر تجدّدت الفتنة ببغداد بين السنّة والشيعة وعظمت أضعاف ما كانت قديماً، فكان الاتفاق الذي ذكرناه في السنة الماضية غير مأمون الانتقاض لما في الصدور من الإحن، وكان سبب هذه الفتنة أن أهل الكرخ شرعوا في عمل باب السمّاكين، وأهل القلّائين في عمل ما بقي من باب مسعود، ففرغ أهل الكرخ، وعملوا أبراجاً كتبوا عليها بالذهب: (محمّد وعليّ خير البشر)؛ وأنكر السنيّة ذلك وادّعوا أنّ المكتوب: (محمّد وعليّ خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن أبى فقد كفر)؛ وأنكر أهلُ الكرخ الزيادةَ وقالوا: ما تجاوزنا ما جرت به عادتنا فيما نكتبه على مساجدنا، فأرسل الخليفة القائم بأمر
____________________
(884) تاريخ أبي الفداء 1: 170.
(885) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 5: 49.
اللَّه أبا تمّام نقيب العبّاسيّين، ونقيب العلويّين وهو عدنان بن الرضي، لكشف الحال و إنهائه، فكتبا بتصديق قول الكرخيّين، فأمر حينئذٍ الخليفة ونوّاب الرحيم بكفّ القتال، فلم يقبلوا. وانتدب ابن المذهب القاضي والزهيريّ وغيرهما من الحنابلة أصحاب عبد الصمد بحمل العامّة على الإغراق في الفتنة، فأمسك نوّابُ الملك الرحيم عن كفّهم غيظاً من رئيس الرؤساء لميله إلى الحنابلة، ومنع هؤلاء السُّنّة من حمل الماء من دجلة إلى الكرخ، وكان نهر عيسى قد انفتح بثقُهُ، فعظم الأمر عليهم، وانتدب جماعة منهم وقصدوا دجلة وحملوا الماء وجعلوه في الظروف، وصبّوا عليه ماء الورد، ونادوا: الماء للسبيل؛ فأغروا بهم السُّنّة.
وتشدّد رئيس الرؤساء على الشيعة، فمحوا: (خير البشر)، وكتبوا: (عليهما السلام)، فقالت السُّنّة: لا نرضى إلّا أن يُقلع الآجرّ الذي عليه (محمّد وعليّ) وأن لا يؤذَّن: (حيَّ على خير العمل)؛ وامتنع الشيعة من ذلك، ودام القتال إلى ثالث ربيع الأوّل، وقُتل فيه رجل هاشميّ من السنيّة، فحمله أهله على نعش، وطافوا به في الحربيّة، وباب البصرة، وسائر محالّ السُّنّة، واستنفروا الناس للأخذ بثأره، ثمّ دفنوه عند أحمد بن حنبل، وقد اجتمع معهم خلق كثير أضعاف ما تقدّم.
فلمّا رجعوا من دفنه قصدوا مشهد باب التبن فأُغلق بابه، فنقبوا في سوره وتهدّدوا البوّاب، فخافهم وفتح الباب فدخلوا ونهبوا ما في المشهد من قناديل ومحاريب ذهب وفضّة وسُتور وغير ذلك، ونهبوا ما في الترب والدور، وأدركهم الليل فعادوا.
فلمّا كان الغد كثر الجمع، فقصدوا المشهد، وأحرقوا جميع الترب والآراج، واحترق ضريح موسى، وضريح ابن ابنه محمّد بن عليّ الجواد، والقُبّتان الساج اللتان عليهما، واحترق ما يقابلهما ويجاورهما من قبور ملوك بني بُوَيْه، مُعزّ الدولة،
وجلال الدولة، ومن قبور الوزراء والرؤساء، وقبر جعفر بن أبي جعفر المنصور، وقبر الأمين محمّد بن الرشيد، وقبر أمّه زبيدة، وجرى من الأمر الفظيع ما لم يجرِ في الدنيا مثله.
فلمّا كان الغد خامس الشهر عادوا وحفروا قبر موسى بن جعفر ومحمّد بن عليّ لينقلوهما إلى مقبرة أحمد بن حنبل، فحال الهدم بينهم وبين معرفة القبر، فجاء الحفر إلى جانبه.
وسمع أبو تمّام نقيب العبّاسيّين وغيره من الهاشميّين السنيّة الخبرَ، فجاءوا ومنعوا عن ذلك، وقصد أهل الكرخ إلى خان الفقهاء الحنفيّين فنهبوه، وقتلوا مدرّس الحنفيّة أبا سعد السَّرَخْسيّ، وأحرقوا الخان ودور الفقهاء. وتعدّت الفتنة إلى الجانب الشرقيّ، فاقتتل أهل باب الطاق وسوق بَجّ، والأساكفة، وغيرهم.
ولمّا انتهى خبر إحراق المشهد إلى نور الدولة دُبَيْس بن مَزيد عَظُم عليه واشتدّ وبلغ منه كلّ مبلغ؛ لأنّه وأهل بيته وسائر أعماله من النيل وتلك الولاية كلّهم شيعة، فقُطعت في أعماله خطبةُ الإمام القائم بأمر اللَّه، فروسل في ذلك وعُوتب، فاعتذر بأنّ أهل ولايته شيعة، واتّفقوا على ذلك، فلم يمكنه أن يَشُقّ عليهم كما أنّ الخليفة لم يمكنه كفّ السفهاء الذين فعلوا بالمشهد ما فعلوا، وأعاد الخطبة إلى حاله (886) .
وقد ذكر ابن الجوزي هذه الحادثة في (المنتظم) إلى أن يقول:... وفي يوم الجمعة لعشر بقين من ربيع الآخر خطب بجامع براثا وأسقط (حيّ على خير العمل) ودق الخطيب المنبر وقد كانوا يمنعون منه، وذكر العبّاس في خطبته (887) .
____________________
(886) الكامل في التاريخ 8: 59 - 60 حوادث سنة 443.
(887) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك 15: 331 وتاريخ أبي الفداء 2: 170 - 171، وتاريخ الإسلام 30: 9.
بغداد (سنة 445 - 444 هـ)
ذكر ابن الأثير عدّة حوادث في هذه السنة، وقال: (وفيها عُمل محضرٌ ببغداد يتضمّن القدح في نسب العلويّين أصحاب مصر، وأنّهم كاذبون في ادّعائهم النسبَ إلى عليّ عليه السلام، وعَزَوهم فيه إلى الدَّيصانيّة من المجوس، والقدّاحيّة من اليهود، وكتب فيه العلويّون، والعبّاسيّون، والفقهاء، والقضاة، والشهود، وعُمل به عدّة نسخ، وسُيِّر في البلاد، وشُيّع بين الحاضر والباد....
وفيها حدثت فتنة بين السُّنة والشيعة ببغداد، وامتنع الضبط، وانتشر العيّارون وتسلّطوا، وجَبَوا الأسواق، وأخذوا ما كان يأخذه أرباب الأعمال، وكان مقدّمهم الطِّقطِقيّ والزَّيْبق، وأعاد الشيعة الأذان بـ (حيّ على خير العمل)، وكتبوا على مساجدهم: (محمّد وعليّ خير البشر)؛ وجرى القتال بينهم، وعظم الشرّ (888) .
ثمّ صدّر حوادث سنة خمس وأربعين وأربعمئة بذكر الفتنة بين السنّة والشيعة ببغداد، فقال: في هذه السنة، في المحرّم، زادت الفتنة بين أهل الكرخ وغيرهم من السُّنّة، وكان ابتداؤها أواخر سنة أربع وأربعين [ وأربعمئة ].
فلمّا كان الآن عظم الشرّ، واطّرحت المراقبة للسلطان، واختلط بالفريقَيْن طوائف من الأتراك، فلمّا اشتدّ الأمر اجتمع القوّاد واتفقوا على الركوب إلى المحالّ و إقامة السياسة بأهل الشرّ والفساد، وأخذوا من الكرخ إنساناً علويّاً وقتلوه، فثار نساؤه، ونَشَرنَ شعورهنّ واستَغَثنَ، فتَبعهنّ العامّة من أهل الكرخ، وجرى بينهم وبين القوّاد - ومَن معهم من العامّة - قتال شديد، وطَرَح الأتراك النار في أسواق
____________________
(888) الكامل في التاريخ 8: 64، وانظر كلام ابن العماد الحنبلي في حوادث سنة 402 (الشذرات 3: 162).
الكرخ، فاحترق كثير منها، وألحقتها بالأرض، وانتقل كثير من الكرخ إلى غيرها من المحالّ. وندم القوّاد على ما فعلوه، وأنكر الإمام القائم بأمر اللَّه ذلك، وصلح الحال، وعاد الناس إلى الكرخ، بعد أن استقرّت القاعدة بالديوان بكفّ الأتراك أيديهم عنهم (889) .
وفي (تاريخ أبي الفداء) :... وفي هذه السنة (ت 444 هـ) كانت الفتنة ببغداد بين السنة والشيعة، وأعادت الشيعة الأذان (بحيّ على خير العمل)، وكتبوا على مساجدهم: (محمّد وعليّ خير البشر) (890) .
بغداد (سنة 448 هـ)
ذكر ابن الأثير في حوادث هذه السنة:... وفيها أمر الخليفة بأن يؤذّن بالكرخ والمشهد وغيرها: (الصلاة خير من النوم)، وأن يتركوا: (حيّ على خير العمل) ففعلوا ما أمرهم به خوف السلطنة وقوته (891) .
وقال ابن الجوزي في (المنتظم): ... وفي هذه السنة أقيم الأذان في المشهد بمقابر قريش ومشهد العتيقة ومساجد الكرخ بـ (الصلاة خير من النوم)، وأزيل ما كانوا يستعملونه في الأذان من (حيّ على خير العمل) وقلع جميع ما كان على أبواب الدور والدروب من (محمّد وعليّ خير البشر).
ودخل إلى الكرخ منشدو أهل السنة من باب البصرة فأنشدوا الأشعار في
____________________
(889) الكامل في التاريخ 8: 65.
(890) تاريخ أبي الفداء 2: 172، البداية والنهاية 12: 68، العبر في خبر من غبر 3: 205، تاريخ الإسلام للذهبي 30: 9.
(891) الكامل في التاريخ 8: 79، وفي النجوم الزاهرة 5: 59 مثله.
مدح الصحابة، وتقدم رئيس الرؤساء إلى ابن النسوي بقتل أبي عبد اللَّه بن الجلاب شيخ البزّازين بباب الطاق، لِما كان يتظاهر به من الغلو في الرفض، فقُتل وصلب على باب دكانه، وهرب أبو جعفر الطوسي ونُهبت داره، وتزايد الغلاء فبيع الكرّ الحنطة بمئة وثمانين ديناراً (892) .
وفي (البداية والنهاية): ... وفيها ألزم الروافض بترك الأذان بـ (حيّ على خير العمل) وأمروا أن ينادي مؤذنهم في أذان الصبح وبعد (حيّ على الفلاح): (الصلاة خير من النوم) مرتين، وأزيل ما كان على أبواب المساجد ومساجدهم من كتابة: (محمّد وعليّ خير البشر)، ودخل المنشدون.... ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة، وذلك أنّ نوء الرافضة اضمحلّ، لأنّ بني بويه كانوا حكَّاماً وكانوا يقوونهم و ينصرونهم، فزالوا وبادوا وذهب دولتهم (893) .
وفي (السيرة الحلبية): ... وذكر بعضهم أنّ في دولة بني بويه كانت الرافضة تقول بعد الحيعلتين (حيّ على خير العمل)، فلمّا كانت دولة السلجوقية منعوا المؤذنين من ذلك وأمروا أن يقولوا في أذان الصبح بدل ذلك: (الصلاة خير من النوم) (894) .
وفي (النجوم الزاهرة): وفيها أقيم الأذان في مشهد موسى بن جعفر ومساجد الكرخ بـ (الصلاة خير من النوم) على رغم أنف الشيعة، وأُزيل ما كانوا يقولونه في الأذان من (حيّ على خير العمل) (895) .
ومما يجب التنبيه عليه أنّ جماعة من السنة ببغداد قد ثاروا في سنة 447 هـ وقصدوا دار الخلافة وطلبوا أن يسمح لهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر
____________________
(892) المنتظم 16: 7 - 8.
(893) البداية والنهاية 12: 73.
(894) السيرة الحلبية 2: 305.
(895) النجوم الزاهرة 5: 59.
فأذن لهم وزاد شرهم، ثمّ استأذنوا في نهب دور البساسيري [ ذي الميول الشيعية الذي أجاز الأذان بالحيعلة الثالثة ] وكان غائباً في واسط فأذن لهم الخليفة.
وهي تلك السنة التي وقعت فيها الفتنة بين الشافعية والحنابلة ببغداد وأنكرت الحنابلة على الشافعية الجهر بالبسملة والقنوت في الصبح والترجيع بالأذان (896) .
وذكر ابن الأثير بعض حوادث هذه السنة، فقال:... فتبعهم من العامة الجم الغفير وأنكروا الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم ومنعوا من الترجيع في الأذان، والقنوت في الفجر، ووصلوا إلى ديوان الخليفة، ولم ينفصل حال، وأتى الحنابلة إلى مسجدٍ بباب الشعير، فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة فأخرج مصحفاً وقال: أزيلوها من المصحف حتّى لا أتلوه (897) .
وهذا يشير إلى أن الخلاف الفقهي بين المسلمين لا ينحصر في الحيعلة الثالثة ولا ينحصر بالطالبيين، فقد يذهب بعض أهل السنة إلى خلاف المشهور عندهم لثبوت شرعيتها عنده وهذا ما نريد قوله، وهو وجود أصل متجذر للمختلف فيه بين المسلمين، وأن الطالبيين كانوا جادّين في الحفاظ على ما تلقوه ورووه من سنة رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله)، ونهج أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
أما عموم اتباع نهج الخلفاء فكانوا يتبعون عمر بن الخطاب وغيره من الخلفاء فيما شرعوه من الأمور التي أشار الإمام علي (عليه السلام) إليها سابقاً.
____________________
(896) تاريخ أبي الفداء 2: 174.
(897) الكامل في التاريخ 8: 72 - 73 حوادث سنة (447).
بغداد (سنة 450 هـ)
قال ابن الأثير في (الكامل في التاريخ) :.. ثمّ إن البساسيري (898) وصل إلى بغداد يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه أربعمئة غلام على غاية الضر والفقر، وكان معه أبو الحسن بن عبد الرحيم الوزير، فنزل البساسيري بمشرعة الروايا، ونزل قريش بن بدران وهو في مئتي فارس عند مشرعة باب البصرة، وركب عميد العراق ومعه العسكر والعوام وأقاموا بإزاء عسكر البساسيري، وعادوا وخطب البساسيري بجامع المنصور للمستنصر باللَّه العلوي صاحب مصر، وأمر فأذن بـ (حيّ على خير العمل) وعقد الجسر وعبر عسكره إلى الزاهر (899) .
وجاء في (النجوم الزاهرة): ... ثمّ دخل الأمير أبو الحارث أرسلان البساسيري بغداد في ثامن ذي القعدة بالرايات المستنصرية وعليها ألقاب المستنصر هذا صاحب مصر، فمال إلى البساسيري أهل باب الكرخ وفرحوا به لكونهم رافضة، والبساسيري وخلفاء مصر أيضاً رافضة، فانضموا إلى البساسيري وتشفّوا من أهل السنة وشمخت أنوف المنافقين الرافضة وأعلنوا بالأذان بـ (حيّ على خير العمل) ببغداد.
واجتمع خلق من أهل السنة على الخليفة القائم بأمر اللَّه العباسي وقاتلوا معه وفشت الحرب بين الفريقين في السفن أربعة أيّام.
وخطب يوم الجمعة ثالث عشر ذي القعدة ببغداد للمستنصر هذا صاحب الترجمة بجامع المنصور وأذّنوا بحيّ على خير العمل، وعقد الجسر وعبرت عساكر
____________________
(898) كان البساسيري مملوكاً تركياً من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة [ البويهي ]، تقلبت به الأمور حتّى بلغ هذا المقام المشهور، واسمه أرسلان وكنيته أبو الحارث. انظر: الكامل لابن الأثير 8: 87 أحداث سنة 451.
(899) الكامل في التاريخ 8: 83، وانظر: البداية والنهاية 12: 82، تاريخ ابن خلدون 3: 449.
البساسيري إلى الجانب الشرقي (900) .
وذكر ابن الجوزي في المنتظم :... وعاود أهل الكرخ الأذان بـ (حيّ على خير العمل) وظهر فيهم السرور الكثير وحملوا راية بيضاء ونصبوها في وسط الكرخ وكتبوا عليها اسم المستنصر باللَّه وأقام بمكانه والقتالُ يجري في السفن بدجلة.
فلما كان يوم الجمعة الثالث عشر من ذي القعدة دُعي لصاحب مصر في جامع المنصور، وزيد في الأذان (حيّ على خير العمل) وشرع البساسيري في إصلاح الجسر (901) .
وفي (نهاية الأرب في فنون الأدب) عند ذكر استيلاء أبي الحارث البساسيري على العراق، قال: ثمّ وصل البساسيري إلى بغداد في يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه أربعمئة غلام في غاية الضر والفقر، فنزل بمشرعة دار الروايا وكان معه قريش بن بدران وهو في مائتي فارس، فنزل مشرعة باب البصرة وركب عميد العراق ومعه العسكر والعوام وأقاموا بإزاء عسكر البساسيري وعادوا وخطب البساسيري بجامع المنصور للمستنصر العلوي صاحب مصر فأذن (حيّ على خير العمل) وعقد الجسر وعبر عسكره إلى الزاهر واجتمعوا فيه وخطب في الجمعة الثانية للمصري بجامع الرصافة... (902)
وفي تاريخ بغداد :... فلما كان يوم الجمعة الثالث عشر من ذي القعدة دعي لصاحب مصر في الخطبة بجامع المنصور وزيد في الأذان (حيّ على خير العمل)، وشرع البساسيري في إصلاح الجسر (903) .
____________________
(900) النجوم الزاهرة 5: 6.
(901) المنتظم 16: 32 حوادث 450.
(902) نهاية الأرب في فنون الأدب 23: 227.
(903) تاريخ بغداد 9: 401 - 402، ومثله في بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم 3: 1352
=
وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي:... ثمّ قدم البساسيري بغداد في سنة خمسين ومعه الرايات المصرية، ووقع القتال بينه وبين الخليفة، ودعي لصاحب مصر المستنصر بجامع المنصور، وزيد في الأذان (حيّ على خير العمل)، ثمّ خطب له في كلّ الجوامع إلّا جامع الخليفة، ودام القتال شهراً ثمّ قبض البساسيري على الخليفة في ذي الحجة وسيّره إلى غابة وحبسه بها و... (904) .
مكة / حلب (سنة 462 هـ)
قال ابن خلدون (905) و الذهبي (906) و السيوطي (907) : إنّ محمّد بن أبي هاشم خطب بمكة للقائم بأمر اللَّه وللسلطان ألب أرسلان (908) ، وأسقط خطبة العلوي صاحب مصر وترك (حيّ على خير العمل) من الأذان.
وقال ابن الأثير :... وفيها ورد رسول صاحب مكّة محمّد بن أبي هاشم ومعه ولده إلى السلطان ألب أرسلان يخبره بإقامة الخطبة للخليفة القائم بأمر اللَّه وللسلطان بمكة و إسقاط خطبة العلوي صاحب مصر، وترك الأذان بـ (حيّ على خير العمل)، فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعاً نفيسة وأجرى له كلّ سنة
____________________
=
، والبداية والنهاية 12: 84.
(904) تاريخ الخلفاء 1: 418.
(905) تاريخ ابن خلدون 3: 470.
(906) سير أعلام النبلاء 15: 190.
(907) تاريخ الخلفاء 1: 421.
(908) ولي هذا خراسان بعد وفاة والده طغري بك دواد سنة 452، وداود كان أخ السلطان ضغرليك السلجوقي المعروف.
عشرة الآف دينار (909) .
ثمّ ذكر في حوادث سنة 463 كيفية استيلاء السلطان ألب أرسلان على حلب، إلى أن قال:... وقد وصلها نقيب النقباء أبو الفوارس طِراد بالرسالة القائمية، والخلع، فقال له محمود؛ صاحب حلب: أسالك الخروج إلى السلطان واستعفائه لي من الحضور عنده، فخرج نقيب النقباء، وأخبر السلطان بأنّه قد لبس الخِلَعِ القائمية وخطب، فقال: أيّ شيء تساوي خطبتهم وهم يؤذنون (حيّ على خير العمل)؟ ولابد من الحضور ودوس بساطي، فامتنع محمود من ذلك.
فاشتد الحصار على البلد، وغلت الأسعار، وعظم القتال وزحف السلطان يوماً وقرب من البلد، فوقع حجر منجنيق في فرسه، فلما عظم الأمر على محمود خرج ليلاً، ومعه والدته منيعة بنت وثّاب النميري، فدخلا على السلطان وقالت له: هذا ولدي فافعل به ما تحبّ، فتلقاهما بالجميل وخلع على محمود وأعاده إلى بلده فأنفذ إلى السلطان مالاً جزيلاً (910) .
وخطب محمود بن صالح بحلب للقائم بأمر اللَّه وللسلطان ألب أرسلان... فأخذت العامة حُصُرَ الجامع، وقالوا: هذه حُصُرُ عليّ بن أبي طالب، فليأتِ أبو بكر بحُصُرٍ يصلّي عليها الناس (911) .
وفي (النجوم الزاهرة) (912) عن الشيخ شمس الدين بن قزاوغلي في المرآة، قال:... وضاقت يد أبي هاشم محمّد أمير مكّة بانقطاع ما كان يأتيه من مصر، فأخذ قناديل الكعبة وسقورها وصفائح الباب والميزاب، وصادر أهل مكّة فهربوا، وكذا
____________________
(909) الكامل في التاريخ 8: 107.
(910) الكامل في التاريخ 8: 109.
(911) الكامل في التاريخ 8: 108.
(912) في أحداث سنة 428.
فعل أمير المدينة مهنّأ وقَطَعَاً الخطبة للمستنصر [ الفاطمي ] وخطبا لبني العبّاس - الخليفة القائم بأمر اللَّه - وبعثا إلى السلطان ألب أرسلان السلجوقي حاكم بغداد بذلك، وأنّهما أذّنا بمكة والمدينة الأذان المعتاد وتركا الأذان بـ (حيّ على خير العمل)، فأرسل ألب أرسلان إلى صاحب مكّة أبي هاشم المذكور بثلاثين ألف دينار، و إلى صاحب المدينة بعشرين ألف دينار، وبلغ الخبر بذلك المستنصر فلم يلتفت إليه لشغله بنفسه ورعيته من عظم الغلاء (913) .
وفي أحداث سنة 464 قال: بعث الخليفة بأمر اللَّه الشريف أبا طالب الحسن بن محمّد أخا طرَّاد الزينبي إلى أبي هاشم محمّد أمير مكّة بمال وخلع، وقال له: غيِّر الأذان وأبطل (حيّ على خير العمل)، فناظره أبو هاشم مناظرة طويلة وقال له: هذا أذان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فقال له أخو الشريف: ما صحَّ عنه و إنّما عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب روي عنه أنه أذّن به في بعض أسفاره، وما أنت وابن عمر! فأسقطه من الأذان (914) .
وجاء في تاريخ الخلفاء بأن الخطبة اُعيدت للعبيدي بمكة في سنة 915 (467) .
الشام (سنة 468 هـ)
جاء في (مآثر الإنافة) للقلقشندي:... تغلّب على دمشق أتسز بن أرتق الخوارزمي المعروف بالأقسيس، أحد أمراء السلطان ملكشاه السلجوقي [ ابن ألب أرسلان ] في سنة 468 وقطع الخطبة بها للمستنصر الفاطمي وخطب للمقتدي (916)
____________________
(913) النجوم الزاهرة 5: 23.
(914) النجوم الزاهرة 5: 89.
(915) تاريخ الخلفاء 1: 423.
(916) ولي المقتدي 467 بعد وفاة والده القائم باللَّه، ومما يجب التنبيه عليه أنّ الخطبة للعلويين
=
العباسي، ومنع الأذان بـ (حيّ على خير العمل) ولم يخطب بعدها بالشام لأحد من الفاطميين وبقي بها إلى ما بعد خلافة المقتدي (917) .
وفي (الكامل) لابن الأثير:... ودخلها هو [ أي الأقسيس ] وعسكره في ذي القعدة وخطب بها يوم الجمعة لخمس بقين من ذي القعدة للمقتدي بأمر اللَّه الخليفة العباسي، وكان آخر ما خطب فيها للعلويين المصريين، وتغلب على أكثر الشام، ومنع الأذان بـ (حيّ على خير العمل)، ففرح أهلها فرحاً عظيماً، وظلم أهلها وأساء السيرة فيهم (918) .
وفي (البداية والنهاية) لابن كثير، قال:... الأقسيس هذا هو أتسز بن أوف الخوارزمي، ويلقب بالملك المعظم، وهو أوّل من استعاد بلاد الشام من أيدي الفاطميين وأزال الأذان منها بـ (حيّ على خير العمل) بعد أن كان يؤذن به على منابر دمشق وسائر الشام مئة وست سنين (106 سنة)، وكان على أبواب الجوامع والمساجد مكتوب لعنة الصحابة (رضي اللَّه عنهم)، فأمر هذا السلطان المؤذّنين والخطباء أن يترضّوا عن الصحابة أجمعين (919) .
وفي تاريخ الخلفاء :... خطب للمقتدي العباسي بدمشق وأبطل الأذان بـ (حيّ على خير العمل) وفرح الناس بذلك (920) .
____________________
=
أعيدت بمكة بعد وفاة القائم باللَّه وقطع خطبة المقتدي وكانت مدة الخطبة العباسية بمكة أربع سنين وخمسة أشهر، ثمّ أعيدت في ذي الحجة سنة ثمان وستين وأربعمئة (انظر: الكامل في التاريخ 8: 121).
(917) مآثر الإنافة للقلقشندي 2: 5.
(918) الكامل في التاريخ 8: 122 أحداث سنة 468 هـ.
(919) البداية والنهاية 12: 120، 127.
(920) تاريخ الخلفاء 1: 424.
وفي تاريخ ابن خلدون :... وخطب فيها أتسز للمقتدي العباسي في ذي القعدة سنة ثمان وستين، وتغلّب على أكثر الشام، ومنع من الأذان بـ (حيّ على خير العمل)، ثمّ سار سنة تسع وستين إلى مصر وحاصرها حتّى أشرف على أخذها، ثمّ انهزم من غير قتال، ورجع إلى دمشق وقد انتقضَ عليه أكثر الشام، فشكر لأهل دمشق صونهم لمخلفه وأمواله ورفع عنهم خراج سنة، وبلغه أنّ أهل القدس وثبوا بأصحابه... (921)
مصر (سنة 478 هـ)
ولي المستنصر باللَّه الفاطمي من سنة (428 - 487 هـ) وهو معد أبو تميم حفيد الحاكم بأمر اللَّه، وقد قرب هذا بدرَ الجماليَّ لولاية أمور الحضرة.
قال صاحب (النجوم الزاهرة): ... كان بدر الجمالي أرمني الجنس فاتكاً جباراً قتل خلقاً كثيراً من العلماء وغيرهم، وأقام الأذان بـ (حيّ على خير العمل)، وكبّر على الجنائز خمساً، وكتب سبَّ الصحابة على الحيطان... (922)
وفي (المنتظم) : وفي شهر ذي القعدة قبض بدر الجمالي - أمير مصر - على ولده الأكبر وأربعة من الأمراء... ونفى مذكِّري أهل السنة، وحمل الناس أن يكبّروا خمساً على الجنائز، وأن يسدلوا أيمانهم في الصلاة، وأن يتختّموا في الأيمان، وأن يثوّبوا (923) في صلاة الفجر (حيّ على خير العمل)، وحبس أقواماً رووا فضائل
____________________
(921) تاريخ ابن خلدون 3: 473 - 474.
(922) النجوم الزاهرة 5: 120.
(923) وقد عبّر ابن الجوزي عن الحيعلة الثالثة بالتثويب تساهلاً منه؛ لأنّها حلّت محلّ (الصلاة خير من النوم).
الصحابة (924) .
مصر (سنة 524 هـ)
ولي الحافظ لدين اللَّه الفاطمي (عبد المجيد حفيد المستنصر باللَّه) بعد قتل ابن عمه أبي عليّ منصور الآمر بأحكام اللَّه في سنة أربع وعشرين وخمسمئة.
قال العلّامة أبو المظفر في مرآة الزمان :... ولما استمر الحافظ في خلافة مصر ضعف أمره مع وزيره أبي عليّ أحمد بن الأفضل أمير الجيوش، وقويت شوكة الوزير المذكور وخطب للمنتظر المهدي، وأسقط من الأذان (حيّ على خير العمل)، ودعا الوزير المذكور لنفسه على المنابر (بناصر إمام الحق، هادي العصاة إلى اتّباع الحق، مولى الأمم، ومالك فضيلتي السيف والقلم) فلم يزل حتّى قتل الوزير (925) .
وقد تكلم المقريزي في (اتعاظ الحنفاء) عن أبي عليّ أحمد بن الأفضل، فقال: (وكان إمامياً متشدّداً فالتفت عليه الإمامية ولعبوا به حتّى أظهر المذهب الإمامي وتزايد الأمر فيه إلى التأذين فانفعل بهم، وحسّنوا له الدعوة للقائم المنتظر فضرب الدراهم باسمه ونقش عليها (اللَّه الصمد، الإمام محمّد)... إلى أن يقول:... وكان قد أسقط منذ إقامة الجند ذكر إسماعيل بن جعفر الصادق الذي تنسب إليه الطائفة الإسماعيلية، وأزال من الأذان قولهم فيه (حيّ على خير العمل، محمّد وعليّ خير البشر)، وأسقط ذكر الحافظ من الخطبة، واخترع لنفسه دعاءً يُدعى به على المنابر.. (926) .
____________________
(924) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك 16: 242.
(925) النجوم الزاهرة 5: 238.
(926) اتعاظ الحنفاء في تاريخ الأئمة الخلفاء 3: 143.
وقال أبو الفداء في تاريخه:... ثمّ دخلت سنة ست وعشرين وخمسمئة، فيها قُتِلَ أبو عليّ بن الأفضل بن بدر الجمالي وزير الحافظ لدين اللَّه العلوي، وكان أبو عليّ المذكور قد حجر على الحافظ وقطع خطبة العلويين وخطب لنفسه خاصة وقطع من الأذان (حيّ على خير العمل) فنفرت منه قلوب شيعة العلويين وثار به جماعة من الممالك وهو يلعب الكرة فقتلوه ونهبت داره (927) .
وفي (وفيات الأعيان): ... وقبض على الحافظ المذكور واستقل بالأمر وقام به أحسن قيام، وردّ على المصادَرين أموالهم، وأظهر مذهب الإمامية وتمسّك بالأئمة الاثني عشر، ورفض الحافظَ وأهلَ بيته، ودعا على المنابر للقائم في آخر الزمان المعروف بالإمام المنتظر على زعمهم، وكتب اسمه على السكة، ونهى أن يؤذّن بـ (حيّ على خير العمل)، وأقام كذلك إلى أن وثب عليه رجل من الخاصّة بالبستان الكبير بظاهر القاهرة في النصف من المحرم سنة ست وعشرين وخمسمئة فقتله، وكان بتدبير الحافظ، فبادر الأجناد بإخراج الحافظ وبايعوه ولقبوه بالحافظ ودعي له على المنابر (928) .
وفي (بدائع الزهور في وقائع الدهور) قوله:... وكان قد أسقط منذ أقامه الجندُ ذِكْرَ إسماعيل بن جعفر الصادق الذي تنسب إليه الطائفة الإسماعيلية، وأزال من الأذان قولهم فيه (حيّ على خير العمل، محمّد وعليّ خير البشر) وأسقط ذكر الحافظ من الخطبة، واخترع لنفسه دعاءً يدعى به على المنابر (929) .
وفي (نهاية الأرب في فنون الأدب) : قال المؤرخ: لما بويع الحافظ لدين اللَّه ثار
____________________
(927) تاريخ أبي الفداء 3: 6.
(928) وفيات الأعيان 3: 236. تاريخ ابن خلدون 4: 71 - 72.
(929) بدائع الزهور في وقائع الدهور لمحمد بن أحمد بن إياس الحنفي ط الهيئة المصرية العامة 1402هـ.
الجند الأفضلية وأخرجوا ابن مولاهم أبا عليّ أحمد بن الأفضل الملقب بكتيفات، وولّوه أمر الجيوش وذلك في يوم الخميس السادس من ذي القعدة منها، فحكم، واعتقل الحافظ صبيحة يوم بيعته، ودعا للإمام المنتظر وقوي أمر ابن الأفضل.
وفي سنة خمس وعشرين رتّب أحمد بن الأفضل في الأحكام أربعة قضاة: الشافعية، والمالكية، والإسماعيلية، والإمامية، يحكم كلّ قاضي بمقتضى مذهبه و يورّث بمقتضاه، فكان قاضي الشافعية الفقيه سلطان، وقاضي المالكية اللبني، وقاضي الإسماعيلية أبو الفضل ابن الأزرق، وقاضي الإماميّة ابن أبي كامل.
وسار أحمد بن الأفضل سيرة جميلة بالنسبة إلى أيام الآمر، وردّ على الناس بعض مصادراتهم، وأظهر مذهب الإماميّة الاثني عشرية، وأسقط من الأذان قولهم (حيّ على خير العمل) وأمر بالدعاء لنفسه على المنابر بدعاء اخترعه (930) .
وفي تاريخ ابن خلدون: فأشار عليه الإمامية بإقامة الدعوة للقائم المنتظر، وضرب الدراهم باسمه دون الدنانير، ونقش عليها: (اللَّه الصمد، الإمام محمّد) وهو الإمام المنتظر. وأسقط ذِكْرَ إسماعيل من الدعاء على المنابر وذِكْرَ الحافظ، وأسقط من الأذان (حيّ على خير العمل) (931) .
وفي (المواعظ والاعتبار) :... ولمّا تغلّب أبو عليّ بن كتيفات بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي على رتبة الوزارة في أيام الحافظ لدين اللَّه أبي الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمّد بن المستنصر باللَّه في سادس عشر
____________________
(930) نهاية الأرب في فنون الأدب: 7467.
(931) تاريخ بن خلدون.
ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمئة، سجَنَ الحافظ وقيّده، واستولى على سائر ما في القصر من الأموال والذخائر، وحملها إلى دار الوزارة، وكان إمامياً متشدّداً في ذلك، خالف ما عليه الدولة من مذهب الإسماعيلية، وأظهر الدعاء للإمام المنتظر، وأزال من الأذان (حيّ على خير العمل) وقولهم: (محمّد وعليّ خير البشر)، وأسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الذي تنتسب إليه الإسماعيلية، فلما قتل في سادس عشر المحرم سنة ست وعشرين وخمسمئة عاد الأمر إلى الخليفة الحافظ وأعيد إلى الأذان ما كان أُسقط منه (932) .
وفي بعض كلام المؤرخين هذا خطأ؛ إذ المعروف عن الإمامية والثابت عندهم هو جزئية (حيّ على خير العمل) فلا يجوز رفعه إن كان كتيفات هذا إمامياً بالمصطلح.
وأما الدعاء للإمام المنتظر و إسقاط ذكر إسماعيل بن جعفر من الخطبة فكانت خطوة سياسية احتمى بها ابن كتيفات؛ لأنّه كان سنيّاً لكنّه أظهر التمسّك بالإمام المنتظر. وهذا ما صرح به الذهبي في (العبر في خبر من غبر) بأن أبويه كانا سنيّين، قال:... فحجر على الحافظ ومنعه من الظهور، وأخذ أكثر ما في القصر، وأهمل ناموس الخلافة العبيدية، لأنّه كان سنيّاً كأبيه، لكنه أظهر التمّسك بالإمام المنتظر، وأبطل من الأذان (حيّ على خير العمل)، وغيرّ قواعد القوم، فأبغضه الدعاة والقواد وعملوا عليه (933) .
وقال اليافعي في (مرآة الجنان وعبرة اليقظان) :... وأهمل ناموس الخلافة
____________________
(932) المواعظ والاعتبار للمقريزي 2: 271، وانظر: قصة قتل أبي علي بن كثيفات في الكامل في التاريخ 8: 334 أحداث سنة 526 هـ.
(933) العبر في خبر من غبر 4: 68، شذرات الذهب 2: 78، سير أعلام النبلاء 19: 509 - 510.
العبيدية؛ لأنّه كان سنياً كأبيه، لكنّه أظهر التمسّك بالإمام المنتظر وأبطل من الأذان (حيّ على خير العمل) وغيّر قواعد القوم، فأبغضه الدعاة والقوّاد وعملوا عليه، فركب للعب الكرة في المحرم فوثبوا عليه وطعنه مملوك الحافظ بحربة.. (934) .
حلب (سنة 543 هـ)
جاء في (زبدة الحلب من تاريخ حلب): ... وشرع نور الدين (935) في تجديد المدارس والرباطات بحلب، وجلب أهل العلم والفقهاء إليها، فجدّد المدرسة المعروفة بالحلاويين في سنة ثلاث وأربعين وخمسمئة، واستدعى برهان الدين عليّ بن الحسن البلخي الحنفي وولّاه تدريسها، فغيّر الأذان بحلب، ومنع المؤذنين من قولهم (حيّ على خير العمل)، وجلس تحت المنارة ومعه الفقهاء وقال لهم: من لم يؤذن الأذان المشروع فألقوه من المنارة على رأسه، فأذنّوا الأذان المشروع واستمر الأمر من ذلك اليوم... (936)
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (937) في ترجمة عليّ بن الحسن بن محمّد أبي الحسن الحنفي الفقيه: سمع بما وراء النهر وتنتسب إليه المدرسة البلخية ويلقب بالبرهان، وهو الذي أبطل من حلب الأذان بـ (حيّ على خير العمل)، مات سنة 548.
وكان المقدسي قد نوه عن إبطال الأذان بـ (حيّ على خير العمل)، بقوله: ورد
____________________
(934) مرآة الجنان وعبرة اليقظان 3: 251.
(935) هو نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكي بن آقسنقر، المولود سنة 511 هـ، وكان حنفي المذهب داعية إلى مذهبه، وهو مؤسس الدولة النورية في الشام.
(936) زبدة الحلب في تاريخ حلب لابن العديم 2: 475 - 476.
(937) سير أعلام النبلاء 20: 276.
الخبر من ناحية حلب بأنّ صاحبها نور الدين بن أتابك أمر بإبطال (حيّ على خير العمل) في أواخر تأذين الغداة والتظاهر بسب الصحابة وأنكر ذلك إنكاراً شديداً، وساعده على ذلك جماعة من السنة بحلب، وعظم هذا الأمر على الإسماعيلية وأهل التَّشَيُّع.. (938) .
وفي (العبر في خبر من غبر) ، قال: أبو الحسن البلخي عليّ بن الحسن الحنفي... وكان يلقّب برهان الدين... وهو الذي قام في إبطال (حيّ على خير العمل) من حلب (939) .
وجاء في (البداية والنهاية) لابن كثير: افتتح نور الدين أبو القاسم التركي السلجوقي وكان حنفي المذهب.. وأظهر السنّة وأمات البدعة، وأمر بالتأذين بـ (حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح)، ولم يكن يؤذن بهما في دولتي أبيه وجدّه و إنّما كان يؤذن بـ (حيّ على خير العمل) لأن شعار الرفض كان ظاهراً به (940) .
وفي (النجوم الزاهرة) (941) وكتاب الروضتين في أخبار الدولتين (942) و خطط الشام لمحمد كرد عليّ (943) وغيرها والنص للثاني: قال أبو يعلى التميمي: وفي رجب من هذه السنة [ أي 543 هـ ] ورد الخبر من ناحية حلب بأنّ صاحبها نور الدين بن أتابك أمر بإبطال (حيّ على خير العمل) في أواخر تأذين الغداة، والتظاهرِ بسب الصحابة، وأنكر ذلك إنكاراً شديداً، وساعده على ذلك جماعة من السنة بحلب،
____________________
(938) الروضتين في أخبار الدولتين 1: 202.
(939) العبر في خبر من غبر 4: 631، الدارس في تاريخ المدارس 1: 368.
(940) البداية والنهاية 12: 298.
(941) النجوم الزاهرة 5: 282.
(942) الروضتين في أخبار الدولتين 1: 201 - 202.
(943) خطط الشام لمحمد كرد علي 2: 21.
وعظم هذا الأمر على الإسماعيلية وأهل التشيع، وضاقت له صدورهم وهاجوا له وماجوا، ثمّ سكنوا وأحجموا للخوف من السطوة النورية المشهورة والهيبة المحذورة...
حلب (سنة 552 هـ)
اشتد المرض في شهر رمضان بنور الدين وخاف على نفسه، فاستدعى أخاه نصرة الدين أمير أميران، وأسد الدين شيركوه، وأعيان الأمراء والمقدمين، وأوصى إليهم وقرر أن يكون أخوه نصرة الدين القائم في منصبه من بعده ويكون مقيماً في حلب، و يكون أسد الدين في دمشق في نيابة نصرة الدين... واتّفق وصول نصرة الدين إلى حلب فأغلق والي القلعة مجد الدين في وجهه الأبواب وعصى عليه، فثارت أحداث حلب...، ودخل نصرة الدين في أصحابه وحصل في البلد، وقامت الأحداث على والي القلعة باللوم والإنكار والوعيد، واقترحوا على نصرة الدين اقتراحات من جملتها إعادة رسمهم في التأذين (حيّ على خير العمل، محمّد وعليّ خير البشر) فأجابهم إلى ما رغبوا فيه وأحسن القول لهم والوعد.. (944) .
وفي (زبدة الحلب من تاريخ حلب) :... ثمّ عاد نور الدين إلى حلب فمرض بها في سنة أربع وخمسين مرضاً شديداً بقلعتها، وأشفى على الموت، وكان بحلب أخوه الأصغر نصر الدين أمير أميران محمّد بن زنكي، وأرجف بموت نور الدين، فجمع أمير أميران الناسَ واستمال الحلبيّ وملك المدينة دون القلعة، وأذِن للشيعة أن يزيدوا في الأذان (حيّ على خير العمل، محمّد وعليّ خير البشر) على عادتهم من
____________________
(944) الروضتين في أخبار الدولتين 1: 347، بغية الطلب في تاريخ حلب 4: 2024.
قبل، فمالوا إليه لذلك (945) .
مصر (سنة 565 هـ)
جاء في (نهاية الأرب في فنون الأدب): ... قال المؤرخ: ولعشر مضين من ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمئة أمر الملك الناصر [ أي صلاح الدين الأيوبي ] أن يسقط من الأذان قولهم (حيّ على خير العمل، محمّد وعليّ خير البشر) وكانت أول وصمة دخلت على الشيعة والدولة العبيدية، ويئسوا بعدها من خير يصل إليهم من الملك الناصر، ثمّ أمر أن يذكر في الخطبة بكلام مجمل، ليلبس على الشيعة والعامة: اللّهم أصلح العاضد لدينك... (946) .
ونقل أبو شامه عن ابن أبي طي فيما جرى في مصر سنة 566 هـ قوله: في هذه السنة شرع السلطان - يعني صلاح الدين - في عمارة سور القاهرة لأنه كان قد تهدّم أكثره وصار طريقاً لا يردّ داخلاً ولا خارجاً، وولّاه لقراقوش الخادم، وقبض على القصور وسلّمها إليه، وأمر بتغيير شعار الإسماعيلية وقطع من الأذان (حيّ على خير العمل) وشرع في تمهيد أسباب الخطبة لبني العباس (947) .
وجاء مثله عند ابن كثير في البداية والنهاية (948) .
وقال ابن الأثير: كان السبب في ذلك أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ثبت قدمه بمصر وأزال المخالفين له وضعف أمر العاضد وهو الخليفة بها.. كتب إليه الملك العادل نور الدين محمود يأمره بقطع الخطبة العاضدية و إقامة الخطبة العباسية،
____________________
(945) زبدة الحلب من تاريخ حلب لابن العديم 2: 486.
(946) نهاية الأرب في فنون الأدب الفن 5/القسم 5/الباب 12 أخبار الملوك العبيديون.
(947) الروضتين في أخبار الدولتين 2: 184.
(948) البداية والنهاية 12: 283.
فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك لميلهم إلى العلويين، فلم يصغ نور الدين إلى قوله وأرسل إليه يلزمه إلزاماً لا فسحة له فيه (949) .
مصر (سنة 567 هـ)
جاء في (نهاية الأرب في فنون الأدب) :... كان انقراض هذه الدولة عند خلع العاضد لدين اللَّه، وذلك في يوم الجمعة لسبع مضين من المحرم سنة سبع وستين وخمسمئة، وكان سبب ذلك أنّ صلاح الدين يوسف لمّا ثبتت قدمه في صلب الديار المصرية واستمال الناس بالأموال، قتل مؤتمن الخلافة جوهراً... ونصب مكانه قراقوس الأسدي الخصي خادم عمّه، ثمّ كانت وقعة السودان فأفناهم بالقتل... ثمّ أسقط من الأذان قولهم (حيّ على خير العمل)، وأبطل مجلس الدعوة، وضعف أمر العاضد معه إلى الغاية، فعند ذلك كتب الملك العادل نور الدين إلىالملك الناصر صلاح الدين يأمره بالقبض على العاضد وأقاربه والخطبة للخليفة المستضي بنور اللَّه، وكان المستضيء قد راسله في ذلك فامتنع صلاح الدين... (950)
وذكر ابن العماد في الشذرات هذا الموضوع فيما جرى في سنة 569، فقال: وفيها مات نور الدين الملك العادل أبو القاسم محمود بن زنكي بن آق سنقر، تملَّك حلب بعد أبيه ثّم أخذ دمشق فملكها عشرين سنة وكان مولده في شوال سنة 511.... وأزال الأذان بـ (حيّ على خير العمل) وبنى المدارس وسور دمشق (951) .
____________________
(949) انظر الكامل 9: 111 وعنه في الروضتين في أخبار الدولتين 2: 190.
(950) نهاية الأرب في فنون الأدب الفن 5/القسم 5/ الباب 12 أخبار الملوك العبيد يون.
(951) انظر: شذرات الذهب 4: 228.
حلب (سنة 570 هـ)
وفي هذه السنة عزم صلاح الدين الأيوبي الدخول إلى الشام [ وذلك بعد موت نور الدين ]، فلما استقرّت له دمشق نهض إلى حلب ونزل على أنف جبل جوشن، وكان على حلب آنذاك ابن نور الدين، والأخير جمع أهل حلب وقال لهم: يا أهل حلب، أنا ربيبكم ونزيلكم، واللاجئ إليكم، كبيركم عندي بمنزلة الأب، وشابّكم عندي بمنزلة الأخ، وصغيركم عندي يحلّ محلّ الولد، قال: وخنقته العبرة، وسبقته الدمعة، وعلا نشيجه، فافتتن النَّاس وصاحوا صيحةً واحدة، ورمَوْا بعمائمهم، وضجُّوا بالبكاء والعويل، وقالوا: نحن عبيدك وعبيد أبيك، نقاتل بين يديك، ونبذل أموالنا وأنفسنا لك. وأقبلوا على الدُّعاء له، والترحُّم على أبيه.
وكانوا قد اشترطوا على الملك الصَّالح أنه يُعيد إليهم شرقية الجامع يُصَلُّون فيها على قاعدتهم القديمة، وأن يُجهر بـ (حيّ على خير العمل) في الأذان، والتذكير في الأسواق وقُدَّام الجنائز بأسماء الأئمة الاثني عشر، وأن يصلُّوا على أمواتهم خمس تكبيرات، وأن تكون عقود الأنكحة إلى الشريف الطَّاهر أبي المكارم حمزة بن زُهْرة الحسيني، وأن تكون العصبية مرتفعة، والنَّاموس وازع لمن أراد الفتنة، وأشياء كثيرة اقترحوها مما كان قد أبطله نور الدين رحمه اللَّه تعالى، فأُجيبوا إلى ذلك.
قال ابن أبي طيّ : فأذّن المؤذّنون في منارة الجامع وغيره بـ (حيّ على خير العمل)، وصلّى أبي في الشَّرْقية مُسْبِلاً، وصلَّى وجوه الحلبيين خلفه، وذكروا في الأسواق وقُدَّام الجنائز بأسماء الأئمّة، وصلّوا على الأموات خمس تكبيرات، وأُذِنَ للشريف في أن تكون عقود الحلبيين من الإمامية إليه، وفعلوا جميع ما وقعتِ الأيمان
عليه (952) .
مكّة (سنة 579 هـ)
قال ابن جبير : وللحرم المكي أربعة أئمّة سنية و إمام خامس لفرقة تسمى الزيدية، وأشراف أهل هذه البلدة على مذهبهم، وهم يزيدون في الأذان (حيّ على خير العمل) إثر قول المؤذن (حيّ على الفلاح)، وهم روافض سبّابون، والله من وراء حسابهم وجزائهم، ولا يجمعون مع الناس إنّما يصلون ظهراً أربعاً، ويصلّون المغرب بعد فراغ الأئمة من صلاتها، فأوّل الأئمّة السنية الشافعي، و إنّما قدمنا ذكره لأنّه المقدم من الإمام العباسي وهو أوّل من يصلي وصلاته خلف مقام إبراهيم إلّا صلاة المغرب فإن الأربعة الأئمّة يصلونها في وقت واحد مجتمعين لضيق وقتها، يبدأ مؤذن الشافعي بالإقامة ثمّ يقيم مؤذنوا سائر الأئمّة، وربما دخل في هذه الصلاة على المصلّين سهو وغفلة لاجتماع التكبير فيها من كلّ جهة، فربما ركع المالكي بركوع الشافعي أو الحنفي، أو سلم أحدهم بغير سلام إمامه، فترى كلّ أُذُن مصغية لصوت إمامها أو صوت مؤذّنه مخافَة السهو، ومع هذا فيحدث السهو على كثير من الناس.
ثمّ المالكي وهو يصلي قبالة الركن اليماني... (953)
____________________
(952) الروضتين في أخبار الدولتين 2: 348 - 349، البداية والنهاية 12: 309 وفيه: شرط عليه الروافض. وانظر حاشية الشيخ آغا بزرك الطهراني على مستدرك وسائل الشيعة والمطبوع معه 3: 38.
(953) رحلة ابن جبير 1: 84 - 85، وقد ذكر بعض ما يتعلق بأئمّة المذاهب الأربعة، وأغفل ما يتعلق بإمام الزيدية!!
مكّة (سنة 582 هـ)
وفيها دخل سيف الإسلام أخو صلاح الدين إلى مكّة وضرب الدنانير فيها باسم أخيه، ومنع من قولهم (حيّ على خير العمل) (954) .
مكّة (سنة 617 هـ)
وفيها توفي الشريف أبو عزيز قتادة بن إدريس الزيدي الحسني المكّي أمير مكّة. كان شيخاً عارفاً مصنفاً، نقمةً على عبيد مكّة المفسدين، وكان الحاج في أيامه في أمان على أموالهم ونفوسهم، وكان يؤذّن في الحرم بـ (حيّ على خير العمل) على قاعدة الرافضة، وما كان يلتفتُ إلى أحد من خلق اللَّه تعالى، ولا وطئ بساط الخليفة ولا غيره، وكان يحمل إليه من بغداد في كلّ سنة الذهب والخلع وهو بداره في مكّة، وهو يقول: أنا أحق بالخلافة من الناصر لدين اللَّه، ولم يرتكب كبيرة فيما قيل.. (955) .
مكّة (سنة 702 هـ)
جاء في (الدرر الكامنة) قوله: أبطل [ بزلغى التتري حينما كان على الحج ] الأذان بـ (حيّ على خير العمل) وجمع الزيدية ومنعهم من الإمامة بالمسجد الحرام (956)
.
____________________
(954) النجوم الزاهرة 6: 103، الروضتين في أخبار الدولتين 3: 271.
(955) النجوم الزاهرة 6: 249 - 250.
(956) الدرر الكامنة 2: 9.
إيران (سنة 707 هـ تقريباً)
كان مذهب أهل السنة والجماعة هو الغالب على إيران إلّا في مناطق معينة كطبرستان، والريّ، وقم، وأقسام من خراسان، وقد ذكر المؤرخون عللاً وأسباباً في تشيع إيران (957) ، إلّا أنّ الثابت هو حدوثه في عهد العلّامة الحلّي (الحسن بن يوسف) المتوفى 726 هـ الذي كان السبب في تشيع السلطان الجايتو محمّد المغولي الملقّب بشاه خدابنده المتوفى 717 أو 719 هـ.
فلما تشيع السلطان أمر في تمام ممالكه بتغيير الخطبة و إسقاط أسامي الثلاثة عنها، وبذكر أسامي أمير المؤمنين (عليه السلام) وسائر الأئمّة على المنابر، وبذكر (حيّ على خير العمل) في الأذان، وبتغيير السّكّة ونقش الأسامي المباركة عليها (958) .
المدينة [ القرن الثامن ]
نقل السمهودي في (وفاء الوفاء): ... عن ابن فرحون المتوفى سنة 799 هـ قوله: وقد تساهل من كان قبلنا فزادوا على الحجرة الشريفة مقصورة كبيرة... وكانت بدعة وضلالة يصلي فيها الشيعة... ولقد كنت أسمع بعضهم يقف على بابها ويؤذّن بأعلى صوته (حيّ على خير العمل) وكانت مواطن تدريسهم وخلوة علمائهم (959) .
وذكر صاحب التحفة اللطيفة في ترجمة عزاز، أحد الأشراف: كان يقف على باب المقصورة المحيطة بالحجرة النبوية ويؤذّن بأعلى صوته من غير خوف ولا فزع
____________________
(957) طبع موخراً المؤرخ الحجة الشيخ رسول جعفريان رسالة إلجايتو والتي ألفها باللغة الفارسية موضحاً فيها أسباب تشيعه فليراجع.
(958) روضة المتقين للعلّامة المجلسي 9: 30 إحقاق الحق 1: 11، أعيان الشيعة 5: 396، مجالس المؤمنين 2: 356. وانظر: خاتمة مستدرك الوسائل للنوري وغيرها.
(959) وفاء الوفاء للسمهودي 1 - 2: 612 الفصل 27.
قائلاً: (حيّ على خير العمل). قاله ابن فرحون في تاريخه (960) .
القطيف (سنة 729 هـ)
ذكر ابن بطوطة في رحلته سفره إلى القطيف، فقال: ثمّ سافرنا إلى مدينة القُطَيف - وضبط اسمها بضم القاف كأنّه تصغير قَطِيف - وهي مدينة كبيرة حسنة ذات نخل كثير، يسكنها طوائف العرب، وهم رافضية غلاة، يظهرون الرفض جهاراً لا يتّقون أحداً، ويقول مؤذنهم في أذانه بعد الشهادتين: (أشهد أنّ عليّاً وليّ اللَّه)، و يزيد بعد الحيعلتين: (حيّ على خير العمل)، ويزيد بعد التكبير الأخير: (محمّد وعليّ خير البشر من خالفها فقد كفر) (961) .
مكّة (سنة 793 هـ)
جاء في صبح الأعشى :... وولي ابنه صلاح [ بن عليّ بن محمّد ] وتابعه الزيدية، وكان بعضهم ينكر إمامته لعدم استكمال الشروط فيه، فيقول: (أنا لكم ما شئتم إمام أو سلطان)، ثمّ مات سنة ثلاث وتسعين وسبعمئة، وقام بعده ابنه نجاح فامتنع الزيدية من بيعته... إلى أن يقول: قال في مسالك الأبصار : ولشيعة هذا الإمام فيه حُسْنُ الاعتقاد، حتّى إنّهم يستشفون بدعائه، ويُمرُّون يده على مرضاهم، ويستسقون به المطر إذا أجدبوا، و يبالغون في ذلك كلّ المبالغة، ثمّ قال: ولا يَكْبُرُ لإمام هذه سيرته - في التواضع للَّه، وحسن المعاملة لخلقه، وهو من ذلك الأصل الطاهر والعنصر الطيب - أن يجاب دعاؤه و يتقبل منه، قال: وزيُّ هذا الإمام
____________________
(960) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة 2: 260 الترجمة 2965.
(961) رحلة ابن بطوطة: 186 / بعد ذكره لمدينة (البحرين).
وأتباعه زيّ العرب في لباسهم والعمامة والحنك، وينادى عندهم بالأذان (حيّ على خير العمل) (962) .
صنعاء (سنة 900 هـ تقريباً)
ذكر صاحب البدر الطالع في ترجمة محمّد بن الحسن بن مرغم الزيدي اليماني (المولود 836 هـ والمتوفَّى 931 هـ) ما نصّه: لما افتتح السلطان عامر بن عبد الوهاب صنعاء وما يليها من البلاد [ كان ] يجلّه ويقبل شفاعته لأجل اتصاله بالإمام الناصر الحسن بن عز الدين بن الحسن.
ولما صلّى السلطان عامرٌ بجامع صنعاء أوّلَ جمعة فأراد المؤذن أن يسقط من الأذان (حيّ على خير العمل) فمنعه محمّد بن الحسن الزيدي، فالتفت إليه جميع من في المسجد من جند السلطان وهم ألوف مؤلّفة، وعُدَّ ذلك من تصلّبه في مذهبه (963) .
حضرموت (سنة 1070 هـ)
جاء في كتاب (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي) للعاصمي: قوله: وفي سنة 1065 جهّز الإمام إسماعيل (964) ابنَ أخيه الإمام أحمدَ بن الحسن على
____________________
(962) صبح الأعشى 7: 358 - 359.
(963) البدر الطالع 2: 122.
(964) ابن المنصور باللَّه القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن الرشيد بن أحمد بن الحسين بن عليّ بن يحيى بن محمد بن يوسف الأشل بن القاسم بن محمد بن يوسف الأكبر بن المنصور بن يحيى بن الناصر بن أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ابن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.
حضرموت ونواحيها لكونهم لم يخطبوا له [ بعد أن سيطر على أغلب اليمن ] فالتقى هو والأمير حسين الرصاص، لكون بلده أقرب البلدان إلى دولة الإمام إسماعيل، وحصل منهم قتال، فلما عجز الإمام أحمد بن الحسن أرسل إلى قبيلة يافع - وهم قبائل كثيرون - بالأموال خفية، وطلبوا منه أن يكونوا معه على الرصاص... فتجهزوا على الرصاص وأتوه على غرة... حتّى قتل... واستولى الزيدية على غالب حضرموت.
ثمّ في سنة 1070 استولى على حضرموت كلها، وأمرهم أن يزيدوا في الأذان (حيّ على خير العمل) وترك الترضي عن الشيخين... ثمّ لم يزل الإمام إسماعيل قائماً بأعباء الإمامة الكبرى إلى أن توفّاه اللَّه تعالى إلى رحمته سنة 1087 هـ (965) .
نجد (سنة 1224 هـ)
قال عبد الحي بن فخر الدين الحسيني (المتوفَّى 1341 هـ) في (نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر) :... الزيدية بعد ما خالف الشريف حمود بن محمّد على أهل نجد سنة أربع وعشرين ومئتين وألف أن يزيد أهلها قول: (حيّ على خير العمل) في ندائهم للصلوات ويَدَعُوا ما توارثوه من السلف في أذان الفجر من قولهم: (الصلاة خير من النوم) فإنه كان يراها بدعة إنّما أحدثها عمر (رضي اللَّه عنه) في إمرته (966) .
وأختم حديثي بما نقله القلقشندي في صبح الأعشى عن الزيدية فقال:... وهم
____________________
(965) سمط النجوم العوالي 4: 198 - 200.
(966) نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر: 1646.
يقولون: إن نَصَّ الأذَانِ بَدَل الحَيْعَلَتينِ (967) : (حَيّ على خَيْر العَمَلِ) يقولونها في أَذانِهم مرّتين بدل الحَيْعلَتَيْن، وربَّما قالوا قبل ذلك: (محمدٌ وعَلِيٌّ خَير البَشَر، وعِتْرتُهما خير العِتَر) ومن رأَى أنّ هذا بِدعةٌ فقد حاد عن الجَادَّة.
وهم يسوقون الإِمامة في أوْلاد عَلِيّ (كَرَّم اللَّه وَجْهَه) من فاطمة (عليها السلام)، ولا يُجوِّزونَ ثُبوتَ الإِمامة في غير بنيهما؛ إلّا أنّهم جَوَّزُوا أن يكونَ كلُّ فاطميِّ عالِمٍ زَاهِدٍ شُجاعٍ خَرج لطَلَب الإِمامة إماماً مَعْصُوماً واجِبَ الطاعة، سواء كان من ولد الحَسَنِ أو الحُسَينِ (عليهما السلام)، ومَن خلع طاعتَه فقد ضَلَّ. وهم يَرَوْن أن الإِمام المَهْدِيَّ المُنْتَظَر من ولَد الحُسَين دون ولد الحسَن (رضي اللَّه عنهما)، ومن خالف في ذلك فقد أخْطَأ. ومن قال: إِنَّ الشيخين أبا بَكْرٍ وعُمَر أفضلُ من عَلِيٍّ وبَنِيه فقد أخْطأَ عندهم وخالَف زَيداً في مُعْتَقَدِه. و يقولون: إنّ تَسْلِيم الحَسَنِ الأمْرَ لمعَاويةَ كان لمصْلَحةٍ اقتضاها الحال، و إن كان الحقُّ له.
قال في (التعريف) : وأَيْمانُهم أَيْمانُ أهْلِ السُّنَّة، يعني فيحلَّفون كما تقدّم، ويزاد فيها: و إِلَّا بَرِئْتُ من مُعْتَقَدِ زَيْد بن عَلِيّ، ورأيتُ أنَّ قَوْلِي في الأذانِ: (حَيَّ على خَيْرِ العَمَل) بِدْعةٌ، وخَلَعتُ طاعة الإِمام المعصوم الواجب الطَّاعة، وادّعَيْتُ أن المَهْدِيَّ المنتَظَر ليس من وَلَد الحُسَينِ بن عليّ، وقلتُ بتَفْضِيل الشيخين على أمير المؤمنين عَلِيٍّ وبَنِيه، وطعَنْتُ في رَأْي ابنِهِ الحسن لما اقتضته المَصْلَحةُ، وطعَنتُ عليه فيه (968) .
____________________
(967) هذا غلط من القلقشندي فالزيدية تقول بالحيعلة الثالثة بعد الحيعلتين لا بدلهما.
(968) صبح الأعشى في صناعة الإنشاء للقلقشندي 13: 231.
النتيجة:
وعليه فشرعية (حيّ على خير العمل) ثابتة عند الشيعة بفرقها الثلاث - الإمامية الاثني عشرية، والزيدية، والإسماعيلية - وعند بعض الصحابة، و إنّ هذه الجملة هي أصل لما فُسّر في كلام الأئمّة بـ: (محمّد وعليّ خير البشر) و(محمّد وآل محمّد خير البرية) و(أنّ عليّاً وليّ اللَّه)، فتارة كانت الشيعة تصرح بهذا التفسير، وأخرى لا تصرّح به، نتيجة للظروف القاسية التي كانت تمر بها.
و يؤكد التفسيرية التي قلناها ما أجاب به السيّد المرتضى (رحمه اللَّه) (ت 436 هـ) فإنه سئل: هل يجب في الأذان بعد قول (حيّ على خير العمل): (محمّد وعليّ خير البشر)؟ فأجاب: إن قال: (محمّد وعليّ خير البشر) على أنّ ذلك من قوله خارج من لفظ الأذان جاز، فإنّ الشهادة بذلك صحيحة، و إنّ لم يكن فلا شيء عليه (969) .
وقال ابن البراج (ت 481 هـ) في مهذَّبه: ويستحب لمن أذّن أو أقام أن يقول في نفسه عند (حيّ على خير العمل): (آل محمّد خير البرية) مرتين (970) .
وكذا يُفهم من كلام الشيخ الصدوق (ت 381 هـ) أن الذين كانوا يأتون بهذه الصيغ الثلاث أو الأربع! كانوا يأتون بها على أنّها صادرة عن أئمّة أهل البيت؛ لقوله (رحمه الله): (وفي بعض رواياتهم... ومنهم من روى بدل ذلك...) (971) .
فاختلاف الصيغ عند المؤذنين، و إتيانها في بعض الأحيان بعد الحيعلة الثالثة وأخرى بعد الشهادة الثانية تشير إلى عدم جزئيتها وكونها تفسيرية.
إذاً، عمل الشيعة وتفسيرهم هذا لم يكن عن هوى ورأي، بل لما عرفوه ووقفوا
____________________
(969) رسائل الشريف المرتضى 1: 279. ومثله جواب القاضي ابن البرَّاج في جواهر الفقه: 257.
(970) المهذب 1: 90.
(971) من لا يحضره الفقيه 1: 188 باب الأذان والإقامة وثواب المؤذنين ح 35.
عليه في مرويات أئمتهم الموجودة عندهم، وهذا لو جمع إلى سيرة المتشرعة من الشيعة في كل الأزمان والأصقاع في (حيّ على خير العمل) وأنّ المعنيَّ به عندهم الولاية لوقفت على حقيقة أخرى لم تنكشف لك من ذي قبل (972) . وممّا يستأنس به لذلك أذان الشيعة بحلب سنة 367 هـ حيث إنّهم كانوا يقولون في أذانهم: (حيّ على خير العمل، محمّد وعليّ خير البشر)، وكذلك في أذانهم باليمامة سنة 394 هـ، ففيه (يقولون في الإقامة: محمّد وعليّ خير البشر، وحيّ على خير العمل).
ومن هذا الباب ما ذُكر من أنّ الحسين بن عليّ بن محمّد... بن علي بن أبي طالب - المعروف بابن شكنبة - كان أوّل من جهر في الأذان بـ (محمّد وعليّ خير البشر) في زمن سيف الدولة الحمداني سنة 347 هـ، ولا يخفى عليك بأنّ هذا المؤذّن والحمدانيين شيعة اثنا عشرية، وقد عرفت بأنّ الأذان بذلك في حلب كان قبل هذا التاريخ.
و يضاف إليه ما قلناه قبل قليل من أن الشيعة الاثني عشرية (القطعية) أذنوا في بغداد (356 - 290 هـ) بـ (أشهد أن عليّاً ولي اللَّه)، وأعلوا هذا الإعلان على المآذن في القرن الثامن في القطيف كذلك، وغير ذلك من النصوص، فكلها تؤكد التفسيرية التي كان يبوح بها الشيعة أيّام قوتهم، وأنّ كلّ ما كانوا يقولونه مأخوذ من كلمات رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) وأئمّة أهل البيت، وأنّ ذلك كله تفسير وتوضيح للحيعلة الثالثة (973) التي حذفها عمر وسار على نهجه الحذفيّ أتباعُهُ. ولذلك عظم على الرافضة!! وأهل التشيع حذف الحيعلة الثالثة من الأذان في سنة 369 هـ من قبل نور الدين عم صلاح الدين الأيوبي.
____________________
(972) سنفصل هذا الأمر بإذن اللَّه تعالى في الباب الثالث من هذه الدراسة: (أشهد أن عليّاً ولي اللَّه بين الشرعية والابتداع) .
(973) وقد تكون الشهادة الثالثة هي تفسير للشهادة الثانية كذلك وهذا ما سنوضحه لاحقاً في الباب الثالث: (أشهد أن عليّاً ولي اللَّه بين الشرعية والابتداع) .
وبهذا فقد تبيّن لنا من كلّ ما سبق أنّ لـ (حيّ على خير العمل) أصلاً شرعيّاً ثابتاً، لكنَّ الظروف السياسيّة العصيبة ونهي عمر بن الخطّاب، لعبا دوراً كبيراً في طرح شرعيّتها جانباً - وقد مرّت عليك بعض الروايات التي صُرّح فيها بحذف الحيعلة الثالثة للتقية من الرواة الذين كانوا يخافون على أرواحهم عند اشتداد سطوة الظالمين - ومع كلّ ذلك العسف ترى الصمود الشيعي في جانب آخر، لذلك راح أتباع الحَذْفِ بعد أن لمسوا شدّة المتمسّكين بها يدّعون بأنّها منسوخة، وعلى الرغم من شراسة الحملة الموجّهة ضدّ هذا الأصل الشرعيّ وعنف وقسوة رموزها، إلّا بأنّ المنصفين لم يتمكّنوا من التجّرؤ والقول بأنَّ (حيّ على خير العمل) بدعة، وأكثر ما توصّلوا إليه أن يقولوا عنها: إنّ ذلك الأمر لم يثبت، و: ما لم يثبت فمن الأولى تركه وعدم الإتيان به!
ولكن، هل مال جميع المسلمين إلى ذلك؟
أبداً، فكثير من الصحابة وكل أهل البيت وعدّة من التابعين أصرّوا إصراراً شديداً على التمسّك بالإتيان بـ (حيّ على خير العمل) في أذانهم والتأكيد الحازم الجازم على شرعيّة الإتيان بها، وأن ليس من عامل شرعيّ قطعيّ دعا إلى طرحها و إسقاطها.. وقد مرّت في مطاوي البحوث شواهد كثيرة تؤيِّد صحّة ذلك بموضوعية، وقد كان هذا الفصل هو الموضّح لكيفية (تحوّل هذا الأصل الشرعيّ) إلى شعار يميّز الشيعة عن غيرهم، وقد اتّضحت بين ثناياه الدوافع التي دعت أهل السنّة لأن يتّخذوا من (الصلاة خير من النوم) شعاراً لهم، حيث كانت لهذه الجملة أبعادٌ متصلة باجتهاد الخليفة عمر! لا سنة رسول اللَّه.
لقد تجسدت شعاريّة هذا الموضوع بوضوح في العصور المتأخِّرة، ويمكن القول
بأنّها تجلّت واضحة في العصر العبّاسيّ الأوّل (974) ، وعلى الخصوص في زمن أبي جعفر المنصور الدوانيقيّ، كما وتجسّدت معالم شعاريّة (حيّ على خير العمل) بوضوح أيضاً بعد وفاة المنصور بعد أن صار جلياً وجود تيّارين متباينين: أحدهما يصرّ بإلحاح جادّ على الإتيان بـ (حيّ على خير العمل)، في حين يحاول الآخر منع ذلك بشتى الطرق ولا يرضى بالإتيان بها.
وانطلاقاً من هذا الأساس المتشنّج كانت جميع الحركات الشيعيّة ودُولها في حال استلامها لزمام أُمور السياسة لا تتردّد في إعلاء (حيّ على خير العمل) من على المآذن في الأذان إعلاناً عن هويّتهم الحقيقيّة، بل كان المدّ الجماهيري الشيعي في أحايين قوته يراهن على شرعيتها، ولا يتنازل عن الهوية المحمدية العلوية.
نعم، يمكن القول بذلك على أساس اتّخاذ الشيعة (حيّ على خير العمل) شعاراً لهم، و إن كانت هذه الحيعلة الثالثة جزءاً من الأذان النبوي، فشرعيتها أقدم من تاريخ شعاريتها بكثير، حيث هي مسألة شرعيّة ثابتة منذ عهد رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، وقد بيّنّا ذلك بما فيه الكفاية.
وأمّا فيما يخصّ ذِكر أذان الإمام زين العابدين (عليه السلام) الثابت للجميع وليس ثمّة منكر له، فله ميزة خاصّة، وذلك لمكانته بين المسلمين عموماً، فالإماميّة والزيديّة، بل مختلف فرق الشيعة - باستثناء الكيسانية المنقرضة - تذعن له وتستسلم لأوامره ونواهيه الشرعيّة، ويقرّون له (عليه السلام) بأنّه إمام للمسلمين وحجّة للَّه على خلقه، وبالنسبة لباقي الفرق فهم يتعاملون معه كأحد علماء المدينة على أقل ما يقال..
____________________
(974) هي الفترة السياسيّة لخلافة بني العبّاس؛ من خلافة أبي العبّاس السفّاح إلى خلافة الواثق باللَّه، أي خلافة: أبي العبّاس السفّاح، والمنصور الدوانيقيّ، والمهدي العبّاسيّ، والهادي العباسيّ، وهارون الرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم، وآخرهم الواثق باللَّه، ومن بعد وفاته إلى الغزو المغوليّ لبغداد، اصطلح عليه بين المؤرّخين بالعصر العبّاسيّ الثاني.
فإتيان الإمام زين العابدين عليه السلام بـ (حيّ على خير العمل) يمثِّل - بلا ريب - شرعيّتها وامتداد جذورها إلى عصر الرسالة الأوّل، وخصوصاً بعد وقوفنا على قوله عليه السلام: (إنّه الأذان الأول)، والذي يوضّح بأنّ الأذان شرّع في الإسراء والمعراج، وأن (حيّ على خير العمل)، إشارة إلى ولاية الإمام عليّ وولده، والذي كتب على ساق العرش.
وكذا الحال بالنسبة إلى فعل ابن عمر، فإنّ إتيانه بها في أذانه - وهو فقيه أهل السنة والجماعة - ليؤكد شرعيتها، ونحن لو أضفنا هذين الموردين إلى ما أورده الدسوقيّ في حاشيته عن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأنّه كان يأتي بها، و إلى ما ذُكر عن الإمامين الباقر والصادق:، لاتّضح لنا ولغيرنا بأنّ هذه المسألة لها أصل أصيل في الدين، بل هناك أصل لما نقول به في كتب أهل السنة والجماعة مستقى عن رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) بيقين.
فـ (حيّ على خير العمل) أصلٌ من الأُصول الثابتة، ذو جذور عريقة وراسخة تعود إلى عهد رسول اللَّه، وقد أتى بها الصحابة أيضاً، إلّا أنّه قد دبّ الخلاف فيها منذ عهد عمر بن الخطّاب، وهذا هو ما تثبته الأدلة والشواهد التاريخيّة والروائيّة، إلّا أنَّ التعصّب الأعمى دفع بالبعض دفاعاً عن اجتهاد عمر قبال السنّة النبويّة المباركة لأن يدّعي أنَّ الشيعة هم الذين أدخلوا هذه الروايات في كتبهم، بل ودفع ذلك التعصب المقيت بالبعض الآخر لأن يدّعي و يزعم أنَّ كتبهم المعتبرة خالية من مثل هذه الروايات، ولا ندري ما نقول لمن يريد إخفاء عين الشمس بغربال!
ونحن لو دققنا النظر في مسألة نهي عمر بن الخطاب عن متعة الحج ومتعة النساء وحيّ على خير العمل - على ما أورده القوشجي في (شرح التجريد) - لانكشف لنا الترابط فيما بين هذه المسائل الثلاث، وأنّ مسألة (حيّ على خير العمل) تعني
ارتباطها بمسألة هامة ترتبط بصميم الخلافة والإمامة، وهذا ما أثبتناه بالأرقام في الصفحات السابقة (975) ، وقد عرفت كيف تحوّلت الحيعلة الثالثة إلى شعار للطالبيين ولشيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ومحبّي الزهراء البتول (عليها السلام) عبر القرون، وأنّ ثبات الشيعة عليها وتمسّكهم بها يمثّل بحثا استراتيجيّاً بين الفريقين وحدّاً فاصلاً بينهما، ولعلّ ما روي عن الإمام أبي الحسن الكاظم (عليه السلام(عن تبيان علّتي النهي الظاهرة والخفية - التي مرّ ذكرها - جاء للكشف عن النوايا والتوجّهات الحكومية التي أرادت أن تطمس أنَّ خير العمل هو: (بر فاطمة وولدها).
وبعد أن بيّنا تعاريف (خير العمل) في روايات أهل البيت سابقاً، وأنها تعني: (الولاية) و (بر فاطمة وولدها)، نصل إلى أنّ نهي الخليفة يمثّل إعلاناً عن عدم الاعتناء ببر فاطمة، وهو ما يعود بالنتيجة إلى الولاية والخلافة وأن عمر بن الخطاب لا يريد الإشارة إلى خلافة غيره، بل إنه لا يريد الإشارة إلى كلّ ما يتعلق بها.
وممّا يدعم هذا المعنى ما تنطوي عليه العقوبة التي فرضها عمر بن الخطاب على القائل بها، فقوله: (أنهى عنها) أو (أُعاقِبُ عليها) بمثابة اعتراف مبدئيّ منه بشرعيّة (حيّ على خير العمل)، واعتراف ضمني على ما يجول في دواخله، ولذلك فقد ربط نهيه عن (حيّ على خير العمل) بنهييه عن متعتَي النساء والحجّ، اللَّذَيْنِ أكد الإمام عليّ وابن عبّاس ورعيل من الصحابة على شرعيتها، بخلاف عمر والنهج الحاكم اللذين دعيا إلى تركها، فترك هذه الثلاث عُمَرِيٌّ، وأمّا لزوم الإتيان بها أو جوازه فهو علوي. إذاً، الأمر لم يكن اعتباطاً، بل جاء لوجود رابطة وعلاقة متينة بين كلّ الأمور المنهيّ عنها.
____________________
(975) انظر: الفصل الثالث: (حيّ على خير العمل، دعوة للولاية وبيان لأسباب حذفها) .
لقد بلغ النزاع حول المسألة المبحوثة أوجه في القرنين الرابع والخامس الهجريّين، حيث إنّ الصراع الفكريّ والاعتقاديّ في تلك الفترة الزمنيّة قد اشتدّ كثيراً، فسيطر على الشارع العامّ جوٌّ من الخلاف الحادّ بين الشيعة والسنّة، كلٌّ يدّعي أنَّ الحقّ في جانبه، ولم يصلا لقاسم مشترك يرضي الطرفين في محاولة للعودة إلى حالة الألفة وعدم التنازع، فكلٌّ منهما متمسِّك بصلابة بما توصّل إليه؛ هؤلاء بأئمتهم، وأولئك بحكوماتهم.
ولو ألقينا نظرة فاحصة على النصوص التي مرت في حوادث سنة 350 - 443 هـ، ودرسنا وضع شدّة النعرة الطائفية واستفحالها، لشاهدنا بوضوح دور مسألة (حيّ على خير العمل) الذي تزامن طرحها مع مسائل اعتقاديّة أُخرى بشكل لا يمكنك التفكيك بينها، مثل مسألة الغدير، ولبس السواد وما إلى ذلك. فلماذا يمنع أهل الكرخ وباب الطاق من النوح يوم عاشوراء ومن تعليق المسوح؟ ولماذا تقع الفتنة يوم الغدير؟
قال الذهبيّ في أحداث سنة 389 هـ: (كانت قد جرت عادة الشيعة في الكرخ وباب الطاق بنصب القباب و إظهار الزينة يوم الغدير، والوقيد (976) في ليلته، فأرادت السنّة أن تعمل في مقابلة هذا أشياء، فادّعت أنَّ اليوم الثامن من يوم الغدير كان اليوم الذي حصل فيه النبيّ وأبو بكر في الغار، فعملت فيه ما تعمل الشيعة في يوم الغدير، وجعلت بإزاء يوم عاشوراء يوماً بعده بثمانية أيّام إلى مقتل مصعب...) (977) .
فانظر إلى الأصالة والتحريف معاً، وكيف تُغيّر الوقائع والأحداث عن
____________________
(976) أي إيقاد الشموع والقناديل والإضاءة.
(977) تاريخ الإسلام: 25 حوادث سنة 381 - 400 هـ.
مجرياتها وتحرّف عن أصالتها وتوضع باسم الآخرين!
ومن الحوادث التاريخيّة التي برزت فيها شعاريّة (حيّ على خير العمل) كرمز للشيعة والتشيّع ما أورده ابن الجوزيّ في (المنتظم) في أحداث سنة 417 هـ، وما جاء في (مرآة الجنان) في أحداث سنة 420 هـ، حيث ذكرا بأن الصراع والصدامات بين الشيعة والسنّة في بغداد كانت على أشدّها، وقد حاول السنّة بشتّى الأساليب التجرُّؤ على مكانة الإمام عليّ (عليه السلام) الرفيعة السامية، وبذلوا كلّ ما باستطاعتهم من النيل منه ومحاولة إسقاط مقامه الشامخ أمام أنظار العوامّ، وعلى هذا الغرار فقد بعث القادر العبّاسيّ ظاهراً - أحد وعّاظه - إلى مسجد براثا (978) (مسجد الشيعة) في أحد أيّام الجُمَع، وراح ينال من شخصيّة الإمام عليّ (عليه السلام) بكلّ ما لا يليق به لا من قريب ولا من بعيد، الأمر الذي أثار الشيعة من الذين كانوا حاضرين في ذلك المسجد، فلم يسكتوا على قباحة ذلك الخطيب، وحدث لغط وثارت الحميّة الدينيّة، فلم يكتفوا بالاعتراض اللفظيّ، بل رموا ذلك الخطيب بكلّ ما كان قريباً من أيديهم فأصابوه وكسروا له أنفه (979) ، فكانت هذه الحادثة بمثابة الشرارة الأُولى التي ألهبت حالة الصدامات فيما بين السنّة والشيعة في بغداد في تلك السنة، وعلى أثر ذلك فقد كتب الشيعة على أبواب دورهم هذه العبارة: (محمّد وعليّ
____________________
(978) ومسجد براثا من المساجد العريقة والقديمة جدّاً، وكان يومذاك بمثابة معقل الشيعة وحصنهم الحصين، وتخرّج منه الكثير من الرجال الذين دخلوا تاريخ عالَم التشيّع، حتّى قال عنه ابن كثير في البداية والنهاية 11: 271 حوادث سنة 354 هـ، إنّه: (عشّ الرافضة)، وكان ابن عقدة يعطي دروسه فيه، ونقل عنه إنّه كان حافظاً لستمئة ألف حديث، ثلاثمئة ألف حديث منها كانت في فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، هذا مضافاً إلى إيواء المسجد لعدد كبير من علماء الشيعة، وكانوا على درجة عالية من الوعي والصلابة في الدين، جعلت من أحد النواصب لأن يسمّيه بغضاً وتعنتاً بـ (مسجد ضرار) انظر البداية والنهاية 11: 173.
(979) البداية والنهاية 12: 28 - 29 حوادث سنة 420 هـ.
خير البشر، فَمَن رضى فقد شكر، ومَن أبى فقد كفر).
ومن خلال هذه الحادثة ومثيلاتها التي حدثت في بغداد على مرّ الأيّام يظهر لنا أنَّ (حيّ على خير العمل) أصبحت تُمَثِّل شعاراً للشيعة، لأنَّ ديدن الجميع هو التأكيد والتركيز عليها، وعدم التنازل عنها وذلك للاعتقاد الجازم بجزئيّتها، بخلاف الحكومات التي خافت منها ومن معناها ومغزاها فدأبت على حذفها، ولهذا يقول صاحب السيرة الحلبيّة : (إنَّ الرافضة لم يتركوا (حيّ على خير العمل) أيّام البويهيّين إلى أن تملّك السلجوقيّين سنة 448 هـ، فألزموهم بالترك و إبدالها بالصلاة خير من النوم) (980) .
وقد مرّ عليك تحت عنوان (مكّة / حلب 462 هـ) كيف أن نقيب النقباء أبو الفوارس لمّا أبلغ القائم بأمر اللَّه بأن محمود بن صالح [ والي حلب ] لبس الخلع القائمية وخطب للقائم. قال له القائم: أيّ شيء تساوي خطبتهم وهم يؤذنون (حيّ على خير العمل) (981) ؟!
كما وقفت على المناظرة الطويلة التي ناظرها أبو هاشم أمير مكّة وقوله لهم: هذا أذان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (982) .
وجاء في الإيضاح للقاضي النعمان بن محمد بن حيون المتوفَّى 363 هـ، عن أبي سليم قال: أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم القطان قال: أخبرنا إسماعيل بن إسحاق، عن حسن بن حسين، عن علي بن القاسم، عن ابن الربيع، عن منصور، عن هلال بن سنان،
____________________
(980) انظر السيرة الحلبيّة 2: 305.
(981) الكامل 10: 64.
(982) النجوم الزاهرة 5: 92.
عن علقمة بن قيس قال: أمر علي بن الصباح أن يلحق في أذانه: حي على خير العمل (983) .
إذَنْ، فقد قيّد التاريخ بين صفحاته بأنّ (حيّ على خير العمل) كانت شعاراً للشيعة على مرّ العصور، ومؤشِّراً على تشيِّع حكومات وحركات ثورية عديدة، مضافاً إلى الإجماع القاطع عليها من قَبِل أهل البيت، وقد مرّ عليك أنّ حجّة شرعيّتها هو إجماع أهل البيت على الإتيان بها، وقد نوه الشوكانيّ والأمير الصنعانيّ وغيرهما إلى حجية إجماع أهل البيت.
ومن المؤثّرات الأُخرى التي يمكن لنا أن نجعلها دليلاً شاخصاً على شعاريّة (حيّ على خير العمل) للشيعة هو ما كُتِب على المساجد والحسينيّات والتكايا القديمة، التي هي اليوم من المعالَم الأثريّة والحضاريّة للمسلمين في مختلف بقاع العالَم، وحتّى حديثاً فقد ذكر مؤلف كتاب تاريخ مسجد الكوفة ، بأنَّ أمجد عليّ شاه أمر بكتابة (محمّد وعليّ خير البشر، فمَن رضى فقد شكر، ومَن أبى فقد كفر) على مأذنه مسجد الكوفة، وكذا الحال في روضة مسلم بن عقيل (984) ، كما يمكننا ملاحظة شعاريّة (حيّ على خير العمل) في آثار شمال أفريقيّا التاريخيّة في المغرب والجزائر وتونس، إذ انتشر التشيّع هناك بعد شهادة محمّد بن عبد اللَّه بن الحسن ذي النفس الزكيّة،
____________________
(983) الإيضاح: 109 المطبوع في (ميراث حديث شيعه) دفتر دهم.
(984) قال الشيخ محمد رضا المظفر في ترجمته لصاحب جواهر الكلام الشيخ محمد حسن النجفي: ومن آثار الشيخ بناء مأذنة مسجد الكوفة وروضة مسلم بن عقيل... وكان ذلك ببذل ملك الهند أمجد علي شاه وقد أرخ الشيخ إبراهيم صادق ذلك من قصيدة مدح بها الشيخ والملك هذا، فقال مؤرخاً للمأذنة في آخرها:
واستنار الأفق من مأذنة |
أذن الله بأن ترقى زحل |
|
لهج الذاكر في تأريخها |
علناً حيّ على خير العمل |
جواهر الكلام 1: 21.
وذلك بعد أن تفرّق الشيعة في مختلف أرجاء المعمورة، وراحوا يتنفسون الصعداء بعيداً عن سطوة الحكومات الجائرة.
وبهذا فقد ثبت لك مما سبق وجود اتجاهين عند المسلمين:
أحدهما: يتبع الخلفاء ويتّخذ الاجتهاد والرأي حتّى على حساب القرآن والسنة في استنباطه.
و الآخر: يأخذ بكلام أهل البيت والنص القرآني والنبوي ولا يرتضي الرأي.
وكان الاتجاهان على تضاد فيما بينهما، فالذي لا يرتضي خلافة الإمام عليّ ابن أبي طالب وولده لا يحبذ شعارية (حيّ على خير العمل).
أمّا الذي يعتقد بشرعية خلافة الأوصياء، ويفهم من الحيعلة الثالثة أنّها دعوة إلى بر فاطمة وولدها الذين هم خير البرية بصريح الكتاب العزيز - أي محمّد وعليّ والزهراء والحسن والحسين - فيصر على شعاريتها و إن كلّفه ذلك الغالي النفيس.
وليس من الاعتباط أن نجد ارتباطاً تاريخياً بين القول بإمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب والقول بشرعية الحيعلة الثالثة، وبين رفض إمامة أمير المؤمنين والقول برفع الحيعلة الثالثة، فهي إذن تمثّل أهمّ المسائل الفارقة بين نهج التعبد المحض، وبين نهج الاجتهاد والرأي.
إنّ ما تنطوي عليه الحيعلة الثالثة من حقيقة الإمامة حينما دخلت الصراع، يكشف بلا ريب عن أنّ حلبة هذا الصراع أكبر من كونها نزاعاً حول فصل من فصول الأذان، وما (حيّ على خير العمل) إلّا نافذة من تلك النوافذ الكثيرة المعبّرة عن أصالة نهج التعبد المحض، شأنها في ذلك شأن التكبير على الجنائز خمساً أو
أربعاً، وحكم الأرجل في الوضوء هل هو المسح أو الغسل، والقول بمشروعية المتعة وعدمه، والإرسال أو القبض في الصلاة، والتختم في اليمين أو الشمال، والجهر بالبسملة أو إخفاتها، وعدم شرعية صلاة التراويح والضحى أو شرعيتها، وحرمة شرب الفقاع وأكل السمك الذي لا قشر له أو حليتهما، وجواز لبس السواد في محرم والاحتفال بيوم الغدير أو بدعيتهما، و إجراء أحكام المواريث والمناكح طبق هذا المذهب أو ذاك و...
فكل هذه المفردات تشير إلى وجود نهج يخالف الحكام وما سنوه من سنن تخالف سنة رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، فندرة وجود ما يؤيد هذا النهج في مدرسة الخلفاء لا يخدش في شرعيتها، بل يؤكّد أصالتها، وأنّ ثبوتها وبعد أربعة عشر قرناً - رغم كلّ الظروف التي مرت بها - ليؤكّد ارتباطها واستقائها من أهل البيت، وهو الآخر قد وضح لك سر الاختلاف في الوضوء والأذان وغيرها من عشرات المسائل التي اختلف فيها المسلمون والتي لم يذكرها ابن حزم وغيره، بل قبلوها على أنّها ثابتة لا لبس ولا تنازع فيها.
و مما يجب التأكيد عليه هنا هو: أننا حينما نتخذ بعض الحكّام، فاطميين كانوا أم عباسيين، كنماذج للنهجين، لا نريد أن نعتبرهم القدوة والأسوة، مادحين هذا أو ماسّين بذاك، فلا يحق لنا أن نسقط تصوّراتنا على هذا المذهب أو ذاك طبق ما عرفناه من أعمال هذا الحاكم أو ذاك، فهؤلاء أناس لهم سلوكياتهم وتصرفاتهم، وكلّ ما في الأمر أنهم يلتزمون نهجاً خاصاً، فقد يكونون متعبدين بما عرفوه من ذلك النهج، وقد يكونون متجاوزين على أصوله غير عاملين بأوامره، فلا يمكن القول بأنّ كلّ حكام هذا الفريق كذا، وحكام ذاك الفريق كذا، لأن بعض هؤلاء تخطَّوا الموازين، كما تخطى الطرف الآخر كذلك، لكنّ ما نريد بيانه في هذا
الفصل هو وجود اتجاهين عند المسلمين دون النظر إلى سلوكيات الأفراد والحكومات.
الخلاصة:
تلخص ممّا سبق عدة أمور:
أحدها: شرعية (حيّ على خير العمل)؛ وذلك لاتفاق الفريقين على أصل مشروعيتها، وانفراد أهل السنة والجماعة بدعوى النسخ، وقد أثبتنا عدم وقوع النسخ، ناقلين كلامَ السيد المرتضى: وقد روت العامة أنّ ذلك ممّا كان يقال في بعض أيام النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، و إنّما ادّعي أنّ ذلك نسخ ورفع، وعلى من ادّعى النسخ الدلالة له، وما يجده (985) .
وتأذينَ أكثر من ثلاثين رجل من أهل البيت والصحابة بها، بل وضّحنا إجماع العترة على ذلك، حاكين في البين ما نقل عن الشافعي وبعض أئمّة المذاهب الأربعة من القول بجزئيتها.
ثمّ عرجنا في الفصل الثاني لبيان سقوطها على عهد عمر بن الخطّاب، متسائلين عن موقف بلال الحبشي في الحيعلة الثالثة والصلاة خير من النوم، وهل أنّه أذن للشيخين أم لا؟ بل ما هو موقفه اتجاه أهل البيت، وما موقف أهل البيت اتجاهه؟ وقد توصلنا إلى كونه لم يؤذن إلّا للزهراء والحسنين، وأنّ خروجه إلى الشام كان
____________________
(985) الانتصار: 39.
اعتراضاً على السياسة الحاكمة.
هذا وقد تكلمنا في الفصل الثالث عن معنى (حيّ على خير العمل) وأنّها دعوة إلى الولاية، مبينين الأسباب التي دعت عمر بن الخطاب لحذفها، مشيرين إلى بعض العلل الخفية في هذا الأمر، موضحين ذلك من خلال القرآن المجيد والسنة المطهرة وكلام الإمام الكاظم عليه السلام.
أ مّا الكلام في الفصل الرابع فكان عن تاريخها العقائدي والسياسي وما حدث في بغداد وغيرها من الفتن، مشيرين إلى التأذين بها في حلب، وبغداد، ومصر، وحمص، والأندلس، والهند، و إيران، ومكّة، والمدينة، واليمامة، والقطيف، و... على مر العصور والأيّام. كلّ ذلك ضمن بياننا للسير التاريخي للأحداث والدول التي حكمت البلدان، فاطمية كانت أم عباسية، بويهية كانت أم سلجوقية و.. مؤكدين بأن الحيعلة الثالثة ما هي إلّا نافذة من النوافذ الكثيرة في التاريخ والشريعة كالجهر بالبسملة والجمع بين الصلاتين وعدم جواز المسح على الخفين و... والمشيرة إلى وجود اتجاهين بعد رسول اللَّه: أحدهما أتباع أهل البيت، والآخر أتباع الخلفاء، وأن (حيّ على خير العمل) كانت شعار الشيعة والطالبيين على مر الدهور، وكان حذفها و إبدالها بـ (الصلاة خير من النوم) شعار أهل السنة والجماعة.
وبهذا فقد انتهينا من بيان الباب الأول من هذه الدراسة على أمل أن نلتقي بالقارئ الكريم عند البابين الآخرين منها:
الباب الثاني: (الصلاة خير من النوم، شرعة أم بدعة).
و الباب الثالث: (أشهد أن عليّاً ولي اللَّه، بين الشرعية والابتداع).
نسأل اللَّه أن يوفقنا لإكمالهما و إتمامهما بفضله ومنّه، آمين رب العالمين.
وفي الختام:
لا بد لي أن أشكر كلّ من سايرني في هذه الرحلة الفكرية العقائدية المضنية، سواء قرأ لي، أو أشار عليّ بنكتة علمية، أو لفتة أدبية، أو ملاحظة فنية، أو تخريجة ما، وأخص بالذكر الباحثين الجليلين: الأستاذ الشاعر الشيخ قيس العطار ، والأخ الفاضل إبراهيم رفاعة لإبدائهما بعض الملاحظات القيمة.
وكذلك أشكر الأخ الفاضل سمير الكرماني الذي ضبط لي النصوص ووحّد المصادر وطبعاتها، ثمّ إعداده الفهرس النهائي للكتاب. فللَّه درهم وعليه أجرهم.
وأخيراً، آمل من إخواني العلماء ومن يعنيه أمر الفكر والعقيدة أن يتحفوني بآرائهم حول الكتاب سلباً أو إيجاباً، وصحّة أو سقماً، ولهم منّا الشكر في كلتي الحالتين. فإن وافقونا فسنستمد العزم لمواصلة الطريق، وإن خالفونا فسنستفيد من آرائهم ونجعلها نصب أعيننا في بحوثنا المقبلة إن شاء اللَّه تعالى.
اللّهم أرنا الحقَّ حقًّا فنتّبعه، والباطل باطلاً فنجتنبه، واجعل هوانا في طاعتك وطاعة نبيك وأوليائك المخلَصين، واهدنا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
اللّهم عرّفنا ما نجهل من كتابك، وعلّمنا ما لا نعلم من سنّة نبيّك، وبصّرنا بما لا نبصر من أسرار حكمك، واجعلنا أبراراً أتقياء برحمتك يا أرحم الراحمين، آمين ربَّ العالمين.
ثبت المصادر:
1 - القرآن الكريم .
2 - اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمّة الفاطميين الخلفاء 1/3 (رحلي)، للمقريزي، أحمد بن عليّ، تقي الدين أبي العبّاس (ت 845 هـ)، تحقيق: الدكتور محمّد حلمي محمّد أحمد، والدكتور جمال الدين الشيال، نشر: لجنة إحياء التراث الإسلامي، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية / مصر.
3 - الآثار 1/2، للشيباني، محمّد بن الحسن، أبي عبد اللَّه (ت 189 هـ)، صحّحه وعلّق عليه: أبو الوفاء الأفغاني، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية، 1413 هـ - 1993 م.
4 - الآحاد والمثاني ، لابن أبي عاصم (ت 287 هـ)، تحقيق: باسم فيصل أحمد الجوابرة، نشر: دار الدراية، الطبعة الأولى، 1411 هـ - 1991 م.
5 - الأحاديث المختارة ، للمقدسي الحنبلي، محمّد بن عبد الواحد بن أحمد، أبي عبد اللَّه (ت 643 هـ)، تحقيق: عبد الملك بن عبد اللَّه بن دهيش، نشر: مكتبة النهضة الحديثة - مكّة المكرمة، الطبعة الأولى، 1410 هـ.
6 - الاحتجاج 1/2 (في مجلد)، للطبرسي، أحمد بن عليّ بن أبي طالب، أبي منصور (من أعلام القرن السادس الهجري)، تعليق وملاحظات: السيّد محمّد باقر الموسوي الخرسان، منشورات: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات / بيروت، الطبعة الثانية، 1403 هـ - 1983 م.
7 - أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ، للمقدسي، محمد بن أحمد بن أبي بكر، شمس الدين، أبي عبد اللَّه (ت 414 هـ)، طبع في مدينة ليدن بمطبعة بريل سنة 1904 م، أوفسيت دار صادر - بيروت.
8 - إحقاق الحق وإزهاق الباطل 1/32، للتستري، القاضي نور اللَّه الحسيني المرعشي (ت 1019 هـ)، مع ملحقات السيّد المرعشي النجفي، نشر: مكتبة آية اللَّه العظمى المرعشي النجفي، قم - إيران.
9 - الإحكام في أصول الأحكام 1/8 (في مجلدين)، لابن حزم الأندلسي الظاهري، عليّ بن أحمد بن سعيد، أبي محمّد (ت 456 هـ)، تحقيق: لجنة من العلماء
نشر: دار الجيل، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، 1407 هـ - 1987 م.
10 - الأحكام في الحلال والحرام ، للإمام الهادي إلى الحق، يحيى بن الحسين الحسيني الحسني (ت 566 هـ)، نشر: دار التراث اليمني، الطبعة الأولى.
11 - الأخبار الموفقيات ، للزبير بن بكار (ت 256 هـ)، تحقيق: الدكتور سامي مكي العاني، نشر: منشورات الشريف الرضي، طبع: مطبعة أمير - قم - إيران، الطبعة الأولى، 1416 هـ.
12 - أخبار بني عبيد (= أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم)، لابن حماد، محمّد بن عليّ بن حماد، أبي عبد الله (ت 628 هـ)، تحقيق: التهامي نقرة - عبد الحليم عويس، نشر: دار الصحوة - القاهرة، الطبعة الأولى، 1401 هـ.
13 - الاختصاص ، للمفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي، أبي عبد الله (ت 413 هـ)، تحقيق: الأستاذ عليّ أكبر غفاري، نشر جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم - إيران.
14 - الأذان بحي على خير العمل ، للعلوي، محمّد بن عليّ بن الحسن، أبي عبد الله (ت 445 هـ)، تحقيق: محمّد يحيى سالم عزان، نشر: مركز النور للدراسات والبحوث والتحقيق - صعدة - اليمن، الطبعة الثانية، 1416 هـ - 1995 م. وطبعة ثانية: بتحقيق: يحيى عبد الكريم الفضيل، نشر: المكتبة الوطنية، الطبعة الأولى، 1399 هـ - 1979 م.
15 - الأربعون حديثاً في إثبات إمامة أمير المؤمنين ، للبحراني، سليمان بن عبد الله الماحوزي (ت 1121 هـ)، تحقيق: السيّد مهدي الرجائي، نشر: المحقق - قم - إيران، الطبعة الأولى، 1417 هـ.
16 - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ، للقسطلاني، أحمد بن محمّد، شهاب الدين، أبي العبّاس (ت 923 هـ)
أوفسيت دار إحياء التراث العربي - بيروت.
17 - الإرشاد في معرفة حجج اللَّه على العباد 1/2، للمفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي، أبي عبد الله (ت 413 هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيت - قم، الطبعة الثانية، 1416 هـ.
18 - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل ، للألباني، محمّد ناصر (معاصر)، تحقيق: زهير الشاويش، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثانية، 1405 هـ - 1985 م.
19 - الاستبصار 1/4، للطوسي: محمّد بن الحسن، أبي جعفر (ت 460 هـ)، تحقيق: السيّد حسن الموسوي، نشر: دار الكتب الإسلاميّة - طهران، الطبعة الرابعة.
20 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب 1/4، لابن عبد البر، يوسف بن عبد اللَّه بن محمّد بن عبد البر، أبي عمر (ت 463 - 368 هـ)، تحقيق: عليّ محمّد البجاوي، نشر: دار نهضة مصر للطبع والنشر - القاهرة.
21 - أُسد الغابة في معرفة الصحابة 1/5، لابن الأثير الجزري، عليّ بن محمّد، أبي الحسن (ت 630 هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
22 - الأشعثيات ( المعروف بـ: الجعفريات)، للأشعث الكوفي، محمّد بن محمّد الأشعث، أبي عليّ (من أعلام القرن الرابع الهجري)، المطبوع مع قرب الإسناد للحميري القمي، نشر: مكتبة نينوى الحديثة، طهران.
23 - الإصابة في تمييز الصحابة 1/5، للعسقلاني، أحمد بن عليّ بن حجر، شهاب الدين، أبي الفضل (ت 852 هـ)، طبع الكتبخانه الخديوية المصرية، أوفسيت دار إحياء التراث العربي - بيروت، لطبعة الأولى، 1328 هـ.
24 - الاعتصام بحبل اللَّه المتين 1/5، للقاسم بن محمّد، الإمام الزيدي (ت / 1029 هـ)، نشر: مطابع الجمعية، عمان - الأردن، طبع سنة 1403 هـ.
25 - أعيان الشيعة 1/11، للامين، السيّد محسن العاملي (ت 1371 هـ)،
تحقيق: حسن الأمين، نشر: دار التعارف للمطبوعات - بيروت.
26 - إغاثة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين 1/4 (2 مج)، للسيّد البكري، أبو بكر بن السيد محمد شطا الدمياطي [ت 1310 هـ]، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت. وطبعة أخرى: دار الفكر - بيروت (4 أجزاء).
27 - الأغاني 1/24، للأصفهاني، أبي الفرج (ت 356 هـ)، شرحه، كتب هوامشه: عبد عليّ مهنا، الطبعة الأولى، 1986 - 1407، دار الكتب العلمية - بيروت.
28 - الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 2/3، أسد حيدر (ت؟)، الطبعة الثالثة، 1411 هـ، وأعادت طباعته مكتبة الصدر - طهران.
29 - الإمامة والسياسة ، للدينوري، عبد الله بن مسلم بن قتيبة، أبي محمّد (ت 276 هـ)، تحقيق: عليّ شيري، نشر: منشورات الشريف الرضي.
30 - الأمالي الخميسية
للمرشد باللَّه، يحيى بن الحسين (ت 479 هـ)، طبع مصر - أعادته مكتبة المثنى - بغداد.
31 - أمالي الإمام أحمد بن عيسى ، أحمد بن عيسى بن زيد بن عليّ (ت 247 هـ)، تحقيق: عليّ بن إسماعيل بن عبداللَّه المؤيد، نشر: دار النفائس - بيروت، الطبعة الأولى.
32 - أمالي الشيخ الطوسي ، للطوسي، محمّد بن الحسن، أبي جعفر (ت 460 هـ)، وابنه أبو عليّ (ت بعد سنة 515 هـ)، مؤسسة الوفاء - بيروت، الطبعة الثانية 1981 - 1401.
33 - أمالي الصدوق ، لابن بابويه القمي، محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه، أبي جعفر (ت 381 هـ)، قدم له: الشيخ حسين الأعلمي، منشورات الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الخامسة، 1400 هـ - 1980 م.
34 - انساب الأشراف 1/13، للبلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر (ت 279 هـ)، تحقيق: الدكتور سهيل زكار والدكتور رياض زركلي،
بإشراف مكتب البحوث والدراسات، نشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة الأول، 1417 هـ - 1996م.
35 - أنساب الأشراف ، للبلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر [ت 279 هـ]، تحقيق: الشيخ محمّد باقر المحمودي، نشر: مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى، 1394 هـ.
36 - الإيضاح ، لابن شاذان النيسابوري، الفضل بن شاذان الأزدي، أبي محمّد (ت 26 هـ)، نشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى، 1402 هـ - 1982 م.
37 - الإيضاح ، للقاضي نعمان بن محمد بن حيون (ت 363 هـ) والمطبوع في المجلد العاشر من (ميراث حديث شيعة)، تحقيق: محمد كاظم رحمتي، نشر: مركز تحقيقات دار الحديث - قم، 1382 هجري شمسي.
38 - البحر الزخار، للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى (ت 840 هـ)، 1316 هـ.
39 - بحار الأنوار 1/110، للمجلسي، الشيخ محمّد باقر (ت 1111 هـ)، نشر: مؤسسة الوفاء - بيروت، الطبعة الثانية، 1403 هـ - 1983 م.
40 - البخاري بشرح الكرماني 1/25 في تسعه مجلدات، شمس الدين محمد بن يوسف بن علي الكرماني [ ت 786 هـ ]، نشر: دار إحياء التراث العربي / بيروت.
41 - بدائع الزهور في وقائع الدهور ، لابن إياس الحنفي، محمّد بن أحمد (ت 930 هـ)، نشر: الهيئة المصرية العامة - القاهرة، الطبعة الأولى، 1402 هـ.
42 - البداية والنهاية 1/8، لابن كثير، أبي الفداء (ت 774 هـ)، دقّق أصوله وحقّقه: مجموعة من الأساتذة، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
43 - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ، للشوكاني، محمّد بن عليّ (ت 1250 هـ)، نشر: دار المعرفة - بيروت.
44 - بذل المجهود في حل أبي داود 20/1 (في عشر مجلدات)، للسهار نفوري، خليل أحمد (ت 1346 هـ)
نشر: مكتبة دار الباز - مكّة المكرمة.
45 - بصائر الدرجات في فضائل آل محمد ، للصفار القمي، محمّد بن الحسن بن فروخ، أبي جعفر (ت 290 هـ)، صحَّحه وعلَّق عليه: الحاج ميرزا محسن كوجه باغي التبريزي، منشورات مكتبة آية اللَّه العظمى المرعشي النجفي، قم، 1404 هـ.
46 - بغية الطلب في تاريخ حلب 1/12 مع الفهارس، لابن العديم، عمر بن أحمد بن أبي جرادة، كمال الدين (ت 660 هـ)، حقّقه وقدّم له: الدكتور سهيل زكار، دار الفكر - بيروت.
47 - بلاغات النساء ، لابن طيفور، أبي الفضل بن أبي طاهر (ت 380 هـ)، نشر: مكتبة بصيرتي - قم.
48 - تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة ، شرف الدين الأسترآبادي، عليّ بن الحسين الغروي، السيد شرف الدين (من علماء النصف الثاني من القرن العاشر)، تحقيق: حسين الأستاد ولي، نشر: مؤسسة النشر الإسلامي - قم، الطبعة الثانية، 1417 هـ.
49 - تاج العروس من جواهر القاموس 1/30، للزبيدي، محمّد بن مرتضى الحسيني الواسطي (1205 هـ)، نشر: دار مكتبة الحياة - بيروت، طبع بالأوفسيت عن الطبعة الأولى للمطبعة الخيرية - مصر سنة 1306 هـ.
50 - تاريخ ابن خلدون 1/7، لابن خلدون الحضرمي المغربي، عبد الرحمن بن محمّد بن خلدون (ت 808 هـ)، نشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى، 1391 هـ - 1971 م.
51 - تاريخ ابن معين 1/2، لابن معين، يحيى معين بن عون المرّي الغطفاني البغدادي (ت 223 هـ)، برواية عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280 هـ)، تحقيق: أحمد محمّد نور سيف، نشر: دار المأمون للتراث - دمشق.
52 - تاريخ يحيى بن معين ( برواية الدوري)، لابن معين، يحيى بن معين بن عون المري الغطفاني البغدادي (ت 233 هـ)، رواية: العبّاس بن محمّد بن حاتم الدوري البغدادي (ت 271 هـ)، تحقيق: عبد اللَّه أحمد حسن، نشر: دار القلم - بيروت.
53 - تاريخ أبي الفداء (= المختصر في أخبار البشر) 1/4 (في مجلدين)، لأبي الفداء، إسماعيل بن نور الدين، عماد الدين (ت 732 هـ)
مكتبة المتنبي - القاهرة.
54 - تاريخ بغداد 1/14، للخطيب البغدادي، أحمد بن عليّ، أبي بكر (ت 463 هـ)، نشر: المكتبة السلفية، المدينة المنورة.
55 - تاريخ الثقات ، للعجلي، أحمد بن عبد اللَّه بن صالح، أبي الحسن (ت 261 هـ)، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1405 هـ - 1984 م.
56 - تاريخ الخلفاء ، للسيوطي، عبدالرحمن بن أبي بكر (ت 911 هـ)، تحقيق: محمّد محيي الدين عبدالحميد، نشر: مطبعة السعادة - مصر، الطبعة الأولى، 1371 هـ - 1952 م.
57 - التاريخ الصغير، للبخاري، محمّد بن إسماعيل، أبي عبداللَّه (ت 256 هـ) ، تحقيق: محمود إبراهيم زايد ، نشر: دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الأولى، 1406 هـ.
58 - تاريخ طبرستان (باللغة الفارسية) ، لابن إسفنديار الكاتب، محمّد بن حسن بن إسفنديار، بهاء الدين (ت 613 هـ) ، تصحيح: عبّاس إقبال الآشتياني ، الناشر: پديده (خاور) ، النشر: 1366 هـ ش.
59 - تاريخ الطبري (= تاريخ الأمم والملوك) 1/11، للطبري، محمّد بن جرير، أبي جعفر (ت 310 هـ) ، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم ، نشر: دار التراث، بيروت - لبنان.
60 - التاريخ الكبير 1/8، للبخاري الجعفي، محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم (ت 256 هـ) ، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت.
61 - تاريخ المدينة المنورة (= أخبار المدينة النبوية) 1/4، لابن شبّه، عمر بن شبّه النميري البصري، أبي زيد (ت 262 هـ) ، تحقيق: فهيم محمّد شلتوت ، نشر: دار التراث - بيروت ، الطبعة الأولى ، 1410 هـ - 1990.
62 - تاريخ مدينة دمشق المعروف بتاريخ ابن عساكر، لابن عساكر الدمشقي، عليّ بن محمّد الحسن بن هبة اللَّه الشافعي، أبي القاسم (ت 571 هـ)
تحقيق: عليّ شيري ، نشر: دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى ، 1415 هـ.
63 - تاريخ اليعقوبي 1/2 ، لليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح، الكاتب العبّاسي (ت 292 هـ) ، دار صادر - بيروت ، أوفسيت مؤسسة نشر ثقافة أهل البيت: إيران.
64 - تثبيت الإمامة، يحيى بن الحسين بن القاسم، الإمام الزيدي اليمني (ت 298 هـ) ، نشر: دار الإمام السجاد - بيروت ، الطبعة الثانية ، 1419 هـ.
65 - تحرير تقريب التهذيب 1/4 ، التقريب: للعسقلاني، أحمد بن عليّ بن حجر (ت 852 هـ) ، والتحرير: لبشار عواد معروف، شعيب الأرناءوط ، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ، 1417 هـ - 1997 م.
66 - التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة 1/2 ، للسخاوي، شمس الدين (ت 902 هـ) ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة الأولى ، 1414 هـ - 1993 م.
67 - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي 10/1 (ومجلد للمقدمة)، للمباركفوري، محمّد عبد الرحمن بن عبد الرحيم، أبي العلا (ت 1353 هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ، 1410 هـ - 1990 م.
68 - تحفة المحتاج بشرح المنهاج 1/10، [شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي (مع حاشيتي عبد الحميد الشرواني وأحمد بن قاسم العبادي)، دار إحياء التراث العربي - بيروت].
69 - تذكرة الحفاظ 1/4 (في مجلدين)، للذهبي، شمس الدين، أبي عبد الله (ت 748 هـ)، نشر: دار إحياء التراث العربي؛ بيروت، الطبعة الأولى، 1374 هـ.
70 - التعديل والتجريح للباجي المالكي، سليمان بن خلف بن سعد، أبي الوليد (ت 474 هـ) تحقيق: أحمد البزار.
71 - تفسير ابن أبي حاتم 1/12، لابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمّد بن إدريس الرازي (ت 327 هـ)، تحقيق: أسعد محمّد الطيب نشر: مكتبة نزار مصطفى الباز - مكّة المكرمة، الطبعة الأولى، 1417 هـ - 1997 م.
72 - تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل 1/4، للبغوي الشافعي، الحسين بن مسعود الفرّاء، أبي محمّد (ت 516 هـ)،
دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1414 هـ - 1993 م.
73 - تفسير الإمام العسكري المنسوب إلى الإمام العسكري، للحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام)، أبي محمّد (ت 260 هـ)، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهدي(عليه السلام) - قم، الطبعة الأولى، 1409 هـ.
74 - تفسير عبد الرزاق 1/3، للصنعاني، عبد الرزاق بن همام (ت 211 هـ)، دراسة وتحقيق: دكتور محمود محمّد عبده، منشورات محمّد عليّ بيضون / دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1999 - 1419 م.
75 - تفسير فرات الكوفي ،[ أبو القاسم فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي (ت 352 هـ)، تحقيق: محمد الكاظم، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي - طهران، ط 1، 1410 هـ - 1990 م ].
76 - تفسير القرآن العظيم (= تفسير ابن كثير) 1/4، لابن كثير الدمشقي، إسماعيل بن كثير، عماد الدين، أبي الفداء (ت 774 هـ) أعادت طبعه بالأوفسيت دار المعرفة - بيروت، 1402 هـ - 1982 م.
77 - تفسير العياشي 1/2، للعياشي، محمّد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي، أبي النضر (ت 320 هـ)، تحقيق: السيّد هاشم الرسولي المحلاتي، نشر: المكتبة العلمية الإسلاميّة - طهران.
78 - تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن 1/20، للقرطبي، محمّد بن أحمد الأنصاري، أبي عبد الله (ت 671 هـ)، تصحيح: أحمد عبد العليم البردوني، أعادت طبعه دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1405 هـ - 1985 م.
79 - تفسير القمي للقمي، عليّ بن إبراهيم، أبي الحسن (من أعلام القرنين 4 - 3 هـ)، صحّحه وعلّق عليه: السيّد طيب الموسوي الجزائري، طبع: مطبعة النجف سنة 1387 هـ.
80 - التفسير الكبير 1/32 (في ستة عشر مجلداً)، للفخر الرازي، محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين (ت 606 هـ)، طبع: دار إحياء التراث العربي - يروت، الطبعة الثالثة.
81 - تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل 1/4، للزمخشري، جار اللَّه محمود بن عمر، أبي القاسم (ت 538 هـ)، نشر: دار المعرفة بيروت.
82 - تفسير الميزان 1/21، للطباطبائي، السيّد محمّد حسين [ ت 1402 هـ]، نشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الثانية، 1392 هـ - 1972 م.
83 - تفسير نور الثقلين 1/5، للحويزي، عبد علي بن جمعة العروسي (ت 1112 هـ)،
تعليق: هاشم الرسولي المحلاتي، أوفسيت الحوزه العلمية - قم.
84 - التلخيص الحبير في تخريج الرافعي الكبير ، للعسقلاني، أحمد بن عليّ حجر، أبي الفضل (ت 852 هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت.
85 - تلخيص المستدرك (= المطبوع بذيل المستدرك للحاكم النيسابوري) للذهبي، محمّد بن أحمد، أبي عبد الله (ت 848 هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى، 1398 هـ - 1978 م.
86 - التمهيد ، لابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن عبد البر، أبي عمر (ت 463 هـ)، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي - محمّد عبد الكبير البكري، نشر: وزارة عموم الأوقاف والشئون الإسلاميّة - المغرب، الطبعة الأولى، 1387 هـ.
87 - تنوير الحوالك على موطأ مالك 1/2 (في مجلد)، للسيوطي، جلال الدين عبد الرحمن الشافعي (ت 911 هـ)، نشر: دار الندوة الجديدة - بيروت.
88 - تهذيب الأحكام (= التهذيب) 1/10، للطوسي، محمّد بن الحسن، أبي جعفر (ت 460 هـ)، حقّقه وعلّق عليه: السيّد حسن الموسوي الخرسان،
نشر: دار الكتب الإسلاميّة - إيران.
89 - تهذيب التهذيب 1/12، للعسقلاني، أحمد بن عليّ بن حجر، أبي الفضل (ت 852 هـ)، نشر: مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدرآباد - الهند، الطبعة الأولى، 1325 هـ.
90 - تهذيب الكمال 1/35، للمزي، جمال الدين أبي الحجاج يوسف (ت 742 هـ)، حقّقه وضبط نصه وعلّق عليه: الدكتور بشار عواد، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، 1413 هـ - 1992م.
91 - التوحيد ، لابن بابويه القمي، محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه، أبي جعفر (ت 381 هـ)، تحقيق: السيّد هاشم الحسيني الطهراني، نشر: مؤسسة النشر الإسلامي - قم.
92 - ثقات ابن حبان (= كتاب الثقات) 1/9، لأبي حاتم البستي، محمّد بن حبان بن أحمد التميمي (ت 354 هـ)، نشر: مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن - الهند، الطبعة الأولى.
93 - جامع أحاديث الشيعة 1/30، للبروجردي، السيّد حسين الطباطبائي (ت 1276 هـ)
تأليف ونشر: الشيخ إسماعيل المعزي الملايري، طبع في مطبعة مهر - قم، 1413 هـ.
94 - جامع البيان في تفسير القرآن 1/30 (في 12 مجلد)، للطبرسي، محمّد بن جرير، أبي جعفر (ت 310 هـ)، طبع: المطبعة الكبرى الأميرية - مصر، أوفسيت دار المعرفة - بيروت، 1409 هـ - 1989م.
95 - جامع الأخبار (= معارج اليقين في أصول الدين)، للسبزواري، محمّد بن محمّد، (من أعلام القرن السابع الهجري)، تحقيق: علاء آل جعفر، نشر: مؤسسة آل البيت - قم، الطبعة الأولى، 1414 هـ.
96 - الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير ، للسيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911 هـ)، نشر: دار الفكر، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1401 هـ - 1981 م.
97 - الجامع للشرائع ، يحيى بن سعيد (ت 690 هـ)، نشر: مؤسسة سيّد الشهداء - قم، الطبعة الأولى، 1405 هـ.
98 - الجرح والتعديل 1/9، لابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن أبي حاتم محمّد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي (ت 327 هـ)، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، أوفسيت عن الطبعة الأولى لمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن - الهند، 1373 هـ - 1952 م.
99 - جواهر الأخبار والآثار المستخرجة من لجة البحر الزخار ، للصعدي، محمّد بن يحيى بن محمّد بن أحمد (ت 957 هـ)، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، 1379 هـ.
100 - الجواهر الحسان في تفسير القران ( = تفسير الثعالبي)، للثعالبي، عبد الرحمن (ت 875 هـ)، حقّقه وخرج أحاديثه: أبو محمّد الغماري الإدريسي الحسني، طبعه دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1996 - 1416 م.
101 - جواهر الفقه ، لابن برّاج الطرابلسي، عبد العزيز بن برّاج (ت 481 هـ)، تحقيق: إبراهيم بهادري، نشر: مؤسسة النشر الإسلامي - قم، الطبعة الأولى، 1411 هـ.
102 - جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 1/43، للنجفي، الشيخ محمّد حسن (ت 1266 هـ)، تحقيق: الشيخ عليّ الآخوندي والشيخ عبّاس القوجاني وغيرهما، نشر: دار الكتب الإسلاميّة - طهران، الطبعة الأولى، 1392 هـ.
103 - جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، للباعوني الشافعي، محمّد بن أحمد الدمشقي (ت 871 هـ)، تحقيق: الشيخ محمّد باقر المحمودي، نشر: مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة - قم - إيران، الطبعة الأولى، 1415 هـ.
104 - الجوهر النقي (بهامش السنن الكبرى)، لابن التركماني، علاء الدين بن عليّ بن عثمان المارديني (ت 745 هـ)، نشر: دار المعرفة، بيروت.
105 - الحاوي الكبير (وهو شرح مختصر المزني) 1/18، للماوردي البصري، علي بن محمد بن حبيب [ت 450 هـ]، تحقيق: الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل احمد عبد الموجود، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1414 هـ - 1994م.
106 - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ، للدسوقي، محمّد بن عرفة (ت 1230 هـ)
نشر: دار إحياء الكتب العربي، بيروت لبنان.
107 - حاشية السندي (المطبوع بهامش سنن النسائي)، للسندي، نور الدين بن عبد الهادي، أبي الحسن (ت 1138 هـ)، نشر: دار إحياء التراث العربي.
108 - الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ، للبحراني، الشيخ يوسف (ت 1186 هـ)، تحقيق: الشيخ محمّد تقي الإيرواني، نشر: مؤسسة النشر الإسلامي - قم.
109 - حلية الأبرار في أحوال محمد وآله الأطهار (عليهم السلام) ، للبحراني، السيّد هاشم (ت 1107 هـ)، تحقيق: الشيخ غلام رضا مولانا البحراني، نشر: مؤسسة المعارف الإسلاميّة - إيران، الطبعة الأولى، 1411 هـ.
110 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 1/10، أحمد بن عبد اللَّه، أبي نعيم (ت 430 هـ)، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الخامسة، 1407 هـ - 1987 م.
111 - حيّ على خير العمل بين الشرعية والابتداع ، لمحمد سالم عزّان (معاصر)، نشر: النور للدراسات والبحوث والتحقيق - صعدة/اليمن،
الطبعة الأولى، 1419 هـ - 1999 م.
112 - الخصال ، لابن بابويه القمي، محمّد بن عليّ بن الحسين، أبي جعفر (ت 381 هـ)، صحّحه وعلّق عليه: الأستاذ عليّ أكبر الغفاري، نشر: جماعة المدرسين - قم، الطبعة الأولى، 1403 هـ.
113 - خطط الشام 1/6 في ثلاثة مجلدات، لمحمد كرد عليّ (ت 1953 هـ)، نشر: مكتبة النوري - دمشق - سوريا، الطبعة الثالثة، 1403 هـ - 1983 م.
114 - الدارس في تاريخ المدارس 1/2، للنعيمي الدمشقي، عبد القادر بن محمّد (ت 978 هـ)، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1410 هـ - 1990 م.
115 - الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ، للشيرازي، السيّد عليّ خان المدني (ت 1120 هـ)، نشر: مكتبة بصيرتي - قم - إيران، الطبعة الأولى، 1397 هـ.
116 - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ، لأبي الفضل، أحمد بن عليّ بن محمّد (ت 852 هـ)، تحقيق: محمّد عبد المعيد خان، نشر: مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدرآباد - الهند، الطبعة الثانية، 1972 م.
117 - الدر المنثور 1/6، للسيوطي، جلال الدين عبد الرحمن (ت 911 هـ)، منشورات مكتبة آية اللَّه العظمى المرعشي النجفي، قم، 1404 هـ.
118 - دعائم الإسلام 1/2، للتميمي المغربي، النعمان بن محمّد بن منصور بن حيون، أبي حنيفة (ت 363 هـ)، تحقيق: آصف بن عليّ أصغر فيضي، نشر: دار المعارف - القاهرة، 1383 هـ - 1963 م.
119 - الدعوات ، للقطب الراوندي، سعد بن هبة اللَّه، أبي الحسين (ت 573 هـ)، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهدي - قم، الطبعة الأولى، 1407 هـ.
120 - دفع الشبه عن الرسول والرسالة ، للحصني، أبي بكر بن محمّد بن عبد المؤمن تقي الدين (ت 829 هـ)، تحقيق: جماعة من العلماء
نشر: دار إحياء الكتاب العربي - القاهرة، الطبعة الثانية، 1418.
121 - الديباج ، للسيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، أبي الفضل (ت 911 هـ)، تحقيق: أبو إسحاق الجويني الأثري، نشر: دار ابن عفان - الخبر، الطبعة الأولى، 1416 هـ - 1996 م.
122 - ديوان الشافعي ، للشافعي، محمّد بن إدريس (ت 204 هـ)، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
123 - ديوان الحماني ، للحماني العلوي الكوفي، عليّ بن محمّد بن جعفر بن عليّ (ت 245 هـ)، تحقيق: الدكتور محمّد حسين الأعرجي، طبع: دار صادر - بيروت، الطبعة الأولى، 1998 هـ.
124 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة 1/26، للطهراني، آقا بزرك (ت 1389 هـ)، نشر: دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية، 1403 هـ.
125 - ذكرى الشيعة 1/4، للجزيني العاملي، محمّد بن جمال الدين مكي، المعروف بـ: الشهيد الأول، (ت 786 هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، طبع: مطبعة ستارة - قم، الطبعة الأولى، 1419 هـ.
126 - رأب الصدع = العلوم، للمرادي المقرئ، محمّد بن منصور (ت 290 هـ)، جمع فيه أمالي أحمد بن عيسى مع إضافات حديثية، تحقيق: عليّ بن إسماعيل بن عبد اللَّه المؤيد، نشر: دار النفائس - بيروت، الطبعة الأولى.
127 - رحلة ابن بطوطة (= تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، للواتي الطنجي، محمّد بن عبد اللَّه بن محمّد بن إبراهيم (ت 777 هـ)، نشر: دار الكتاب اللبناني.
128 - رحلة ابن جبير ، لابن جبير، محمّد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي البلنسي، أبي الحسين (614 هـ)، نشر: دار الكتاب اللبناني.
129 - الرسالة ، للشافعي، محمّد بن إدريس، أبي عبد اللَّه (ت 204 هـ)،
تحقيق: أحمد محمّد شاكر، القاهرة - مصر 1358 هـ - 1939 م.
130 - رسائل الشريف المرتضى 1/3، للشريف المرتضى، عليّ بن الحسين بن موسى، أبي القاسم (ت 436 هـ)، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، نشر: دار القرآن - قم، الطبعة الأولى، 1405 هـ.
131 - روح المعاني 1/30 في 15 مجلداً، للآلوسي البغدادي، شهاب الدين السيّد محمود، أبي الفضل (ت 1270 هـ)، عني بنشره وتصحيحه والتعليق عليه: محمود شكري الآلوسي، طبع: ادارة الطباعة المنيرية - أوفسيت دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الرابعة، 1405 هـ - 1985 م.
132 - الروض الأُنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام، للسهيلي الخثعمي، عبد الرحمن بن عبد اللَّه (ت 581 هـ)، تحقيق: مجدي منصور الشورى، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1997 م.
133 - الروض النضير ، للسياغي، شرف الدين، الحسين بن أحمد (ت 1221هـ)، نشر: مكتبة المؤيد - الطائف، الطبعة الثانية.
134 - الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية 1/4، لأبي شامه المقدسي، شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم (ت 665 هـ)، تحقيق: إبراهيم الزيبق، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1997 م.
135 - زاد المسير في علم التفسير ، للجوزي القرشي، جمال الدين عبد الرحمن بن عليّ بن محمّد أبي الفرج (ت 597 هـ)، تحقيق: محمّد بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه، نشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1407 هـ.
136 - زبدة الحلب من تاريخ حلب 1/2، لابن العديم، كمال الدين، عمر بن أحمد بن أبي جرادة (ت 660 هـ)، تحقيق: سهيل زكار، نشر: دار الكتاب العربي - دمشق والقاهرة، الطبعة الأولى 1418 هـ - 1997 م.
137 - سبل السلام 4/1 في مجلدين، للصنعاني، محمّد بن إسماعيل الكحلاني المعروف بالأمير - (ت 1182 هـ)، تحقيق: محمّد عبد العزيز الخولي
نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الرابعة 1379 هـ - 1960 م.
138 - سبل الهدى والرشاد ، للصالحي الشامي، محمّد يوسف (ت 942 هـ)، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ عليّ محمّد معوض، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1414 هـ.
139 - سعد السعود ، لابن طاووس، عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس، رضي الدين، أبي القاسم (ت 664 هـ)، نشر: المطبعة الحيدرية - النجف، الطبعة الأولى 1369 هـ.
140 - سفر نامه حكيم ناصر خسرو قبادياني (ت 4530 هـ) (باللغة الفارسية)، تصحيح: غني زاده، نشر: انتشارات منوجهري، المطبعة: كلشن، السنة: 1372 هـ ش.
141 - سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 1/4، للعصامي المكي، عبد الملك بن حسين بن عبد الملك الشافعي (ت 1111 هـ)، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ عليّ محمّد معوض، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت،
الطبعة الأولى 1419 هـ - 1998 م.
142 - سنن أبي داود 1/4، للسجستاني الأزدي، سليمان بن الأشعث أبي داود (ت 275 هـ)، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، نشر: المكتبة العصرية - بيروت.
143 - سنن ابن ماجة 1/2، للقزويني، محمّد بن يزيد أبي عبد اللَّه (ت 275 هـ)، تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
144 - سنن الترمذي 1/5، للترمذي، محمّد بن عيسى بن سورة، أبي عيسى (ت 297 هـ)، تحقيق وشرح: أحمد محمّد شاكر، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت 1357 هـ - 1938 م.
145 - السنن الكبرى 1/10 (رحلي)، للبيهقي، أحمد بن الحسين بن عليّ أبي بكر (ت 458 هـ)، نشر: دار المعرفة - بيروت.
146 - سنن النسائي 1/8 في أربعة مجلدات، للنسائي، أحمد بن شعيب بن عليّ بن بحر، أبي عبد الرحمن (ت 303 هـ)، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
147 - سير أعلام النبلاء 1/25 (مع الفهارس)، للذهبي، شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان (ت 748 هـ - 1374 م)، تحقيق: شعيب الأرناءوط، محمّد نعيم العرقسوسي، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الرابعة 1406 هـ - 1986 م.
148 - السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون 1/3 (رحلي)، للحلبي، عليّ بن برهان الدين (ت 1044 هـ)، نشر: دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى 1400 هـ.
149 - السيرة النبوية (= سيرة ابن هشام) 1/4، لابن هشام الحميري، عبد الملك بن هشام بن أيوب (ت 213 هـ أو 218 هـ)، تحقيق: مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، عبد الحفيظ شلبي، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
150 - السيرة النبوية (= سيرة ابن كثير)، لأبي الفداء، إسماعيل بن كثير (ت 774 هـ)، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
151 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب 1/8 في أربعة مجلدات، للحنبلي، عبد الحي ابن العماد، أبي الفلاح (ت 1089 هـ)، نشر: دار الأفاق الجديدة - بيروت.
152 - شرح التجريد ، للقوشجي، علاء الدين (ت 879 هـ)، نشر: منشورات الرضي - قم.
153 - شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار 1/3، للتميمي المغربي، النعمان بن محمّد أبي حنيفة (ت 363 هـ)، تحقيق: السيّد محمّد حسين الجلالي، نشر: مؤسسة النشر الإسلامي - قم، الطبعة الأولى 1409 هـ.
154 - شرح صحيح مسلم للإمام النووي 1/16 في 8 مجلدات، للنووي الشافعي، يحيى بن شرف، محيي الدين، أبي زكريا (ت 676 هـ)، راجعه: الشيخ خليل الميس، نشر: دار القلم - بيروت، الطبعة الأولى 1407 هـ - 1987 م.
155 - الشرح الكبير (المطبوع بهامش المغني) 1/12، لابن قدامة المقدسي، عبد الرحمن بن أبي عمر، شمس الدين، أبي الفرج (ت 682 هـ)، طبعة جديدة بالأوفسيت، طبع دار الكتاب العربي - بيروت.
156 - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك 1/4، للزرقاني، محمد [بن عبد الباقي (ت 1122 هـ)]، نشر: دار الجيل - بيروت.
157 - شرح المقاصد ، للتفتازاني، مسعود بن عمر بن عبد اللَّه، الشهير بسعد الدين (ت 793 هـ)، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، نشر: منشورات الشريف الرضي - قم، الطبعة الأولى 1409 هـ - 1989 م.
158 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/20 في عشرة مجلدات، لابن أبي الحديد المدائني، عز الدين بن هبة اللَّه بن محمّد بن محمّد بن الحسين بن أبي الحديد، أبي حامد (ت 655 هـ أو 656 هـ)، تحقيق: محمّد أبي الفضل إبراهيم، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثانية 1385 هـ - 1965 م.
159 - الشفا بتعريف حقوق المصطفى ، للحصبي، عياض، أبي الفضل (ت 544 هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1409 هـ - 1988 م.
160 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل 1/3، للحسكاني، عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أحمد المعروف بالحاكم، (من أعلام القرن الخامس)، تحقيق: الشيخ محمّد باقر المحمودي، نشر: مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي
- طهران، الطبعة الأولى 1411 هـ - 1990 م.
161 - صبح الأعشى في صناعة الإنشا 1/14، القلقشندي، أحمد بن عليّ (ت 821 هـ)، تحقيق: نبيل خالد الخطيب، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1407 هـ - 1987 م.
162 - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ، لابن بلبان الفارسي، علاء الدين عليّ بن بلبان (ت 739 هـ)، تحقيق: شعيب الارنؤوط، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثالثة 1418 هـ - 1997 م.
163 - صحيح ابن خزيمة 1/4، لابن خزيمة السلمي النيسابوري، محمّد بن إسحاق بن خزيمة، أبي بكر (ت 311 هـ)، حققه وعلق عليه: الدكتور محمّد مصطفى الأعظمي، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثانية 1412 هـ - 1992 م.
164 - صحيح البخاري 1/9 في أربعة مجلدات، للبخاري، محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم، أبي عبد اللَّه (ت 256 هـ)
شرح وتحقيق: الشيخ قاسم الشماعي الرفاعي، نشر: دار القلم - بيروت، الطبعة الأولى 1407 هـ - 1987 م.
165 - صحيح مسلم 1/4، للقشيري النيسابوري، مسلم بن الحجاج، أبي الحسين (ت 261 هـ)، تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة الثانية، 1389 هـ - 1978 م.
166 - صحيفة الإمام الرضا (عليه السلام) ، تحقيق: الشيخ محمّد مهدي نجف، نشر: المؤتمر العالمي للإمام الرضا (عليه السلام)، طبع الأستانة الرضوية - مشهد 1406 هـ.
167 - الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم 1/3، للبياضي، عليّ بن يونس العاملي النباطي، أبي محمّد (ت 877 هـ)، تحقيق: محمّد باقر البهبودي، نشر: المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية - إيران.
168 - الصواعق المحرقة، لليهثمي المكي، أحمد بن حجر (ت 899 هـ)، نشر: مكتبة القاهرة - مصر.
169 - الضعفاء الكبير 4/1، للعقيلي المكي، محمّد بن عمرو بن موسى بن حماد أبي جعفر (ت 322 هـ)، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، الطبعة الثانية 1418 هـ.
170 - الضعفاء والمتروكين ، للذهبي الدمشقي، شمس الدين بن عثمان بن قايماز (ت 748 هـ)، نشر: دار القلم - بيروت، الطبعة الأولى 1408 هـ - 1988 م.
171 - طب الأئمّة ، للنيسابوريَّين، عبد اللَّه بن سابور الزيات، والحسين بن بسطام (ت 262 هـ) النيسابوريين، نشر: منشورات الرضي - قم، الطبعة الثانية 1363 (بالأوفسيت عن المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف سنة 1385 هـ - 1965 م).
172 - طبقات أعلام الشيعة ، للطهراني، آغا بزرك (ت هـ)، تحقيق ولده: عليّ نقي منزوي، نشر: مؤسسة إسماعيليان، قم، الطبعة الثانية.
173 - الطبقات الكبرى (= طبقات ابن سعد) 1/9، لابن سعد، محمّد بن سعد كاتب الواقدي (ت 230 هـ)، قدم له: الدكتور إحسان عباس، نشر: دار بيروت للطباعة والنشر - بيروت، 1405 هـ - 1985 م.
174 - العبر في خبر من غبر ، للذهبي، محمّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز (ت 748 هـ)، تحقيق: صلاح الدين المنجد، نشر: مطبعة حكومة الكويت، الطبعة الثانية (مصورة)، 1948 م.
175 - علل الشرائع ، للصدوق، محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، أبي جعفر (ت 381 هـ)، قدم له: السيّد محمّد صادق بحر العلوم، نشر: منشورات المكتبة الحيدرية - النجف، الطبعة الثانية 1385 هـ - 1966 م، أعادت طباعته مكتبة الداوري - قم.
176 - العلل ومعرفة الرجال 1/4، لأحمد بن محمّد بن حنبل (ت 241 هـ)، تحقيق: وصي اللَّه بن محمّد عباس،
نشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى 1408 هـ - 1988 م
177 - عمدة القارئ 1/25 في 12 مجلد، للعيني بدر الدين محمود بن أحمد (ت 855 هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت 1415 هـ - 1995 م.
178 - عون المعبود 1/14، شرح سنن أبي داود، للعظيم آبادي، محمد شمس الحق (ت هـ)
179 - عيون أخبار الرضا 1/2، للصدوق، محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القميّ، أبي جعفر (ت 381 هـ)، من منشورات المطبعة الحيدرية - النجف أوفسيت منشورات الأعلمي - طهران 1390 هـ - 1970 م.
180 - الغريبين في القرآن والحديث، للهروي، أحمد بن محمّد صاحب الأزهري - أبي عبيد (ت 401 هـ)، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، نشر: المكتبة العصرية - بيروت، الطبعة الأولى 1419 هـ - 1999 م.
181 - الغدير في الكتاب والسنة والأدب 1/11، للأميني النجفي، عبد الحسين أحمد (ت 1392 هـ)
نشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثالثة 1387 هـ - 1967 م.
182 - الغيبة ، للنعماني، محمد بن إبراهيم بن جعفر المعروف بابن أبي زينب (ت 380 هـ)، نشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى 1403 هـ - 1983 م.
183 - فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1/13، للعسقلاني، أحمد بن عليّ بن محمّد شافع شهاب الدين، أبي الفضل (ت 852 هـ)، طبع: المطبعة البهية بمصر، طبعة 1348 هـ، أوفسيت: دار إحياء التراث العربي - بيروت 1408 هـ - 1988 م.
184 - فتح الباري شرح صحيح البخاري 1/7، لابن رجب الحنبلي زين الدين عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي الدمشقي (ت 795 هـ)، تحقيق: طارق بن عوض اللَّه بن محمد، نشر: دار ابن الجوزي - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى 1417 هـ - 1996.
185 - فتح المعين بشرح قرة العين 1/4 في مجلدين، للمليباري الشافعي، زين الدين بن عبد العزيز [ت 987 هـ]، مطبوع بهامش إغاثة الطالبيين ، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
186 - فتح المالك على موطأ الإمام مالك 1/10، لابن عبد البر النمري القرطبي المالكي، جمال الدين يوسف بن عمر بن عبد البر، أبي عمر (ت 463 هـ)، تحقيق: الأستاذ الدكتور مصطفى صميدة، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1418 هـ - 1998 م.
187 - الفتوح 1/3، لابن أعثم الكوفي، أحمد بن أعثم، أبي محمّد (ت نحو 314 هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، الطبعة الأولى 1406 هـ - 1986 م.
188 - الفتوحات الربانية على الأذكار النووية 1/2، للصديقي الشافعي، محمّد بن علان (ت 1057 هـ)، نشر: المكتبة الإسلاميّة، مصر، أوفسيت دار إحياء التراث العربي - بيروت.
189 - الفتوحات المكية ، لابن عربي الحاتمي الطائي، محمّد بن عليّ (ت 638 هـ)، نشر: دار صادر - بيروت.
190 - الفردوس بمأثور الخطاب 1/5، للديلمي الهمداني، شيرويه بن شهردار بن شيرويه، أبي شجاع الملقب (الكيا) (ت 509 هـ)، تحقيق: السعيد بن بسيوني زغلول
دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1406 هـ - 1986 م.
191 - فضائل الصحابة 1/2، لأحمد بن حنبل (ت 241 هـ)، تحقيق: وصي اللَّه محمّد عباس، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى 1403 هـ - 1983 م.
192 - فضل الصلاة على النبيّ، للجضمي القاضي المالكي، إسماعيل بن إسحاق (ت 282 هـ)، تحقيق: محمّد ناصر الدين الألباني، المركز الإسلامي - بيروت، الطبعة الثالثة 1397 هـ.
193 - فيض القدير شرح جامع الصغير 1/6، للمناوي، محمّد المدعو بعبد الرءوف (ت 1331 هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة الثانية 1391 هـ - 1972 م.
194 - الكافي 1/8، للكليني، محمّد بن يعقوب بن إسحاق (أبي جعفر) (ت 329 هـ)، صحّحه وقابله: الأستاذ عليّ أكبر الغفاري، نشر: دار الكتب الإسلاميّة - طهران، الطبعة الثانية.
195 - الكامل في التاريخ 1/9، لابن الأثير الجزري، محمّد بن محمّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني (ت 630 هـ)، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثالثة 1400 هـ - 1980 م.
196 - الكامل في ضعفاء الرجال 1/8، لابن عدي الجرجاني، عبد الله بن عدي، أبي أحمد (ت 360 هـ)، تحقيق: سهيل زكار، نشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة الثالثة 1409 هـ - 1988 م.
197 - كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس ، للعجلوني، إسماعيل بن محمّد (ت 1162 هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثالثة 1408 هـ - 1988 م.
198 - كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء ، لكاشف الغطاء، الشيخ جعفر النجفي (ت 1228 هـ)، نشر: انتشارات مهدوي - إصفهان، طبعة حجرية.
199 - كشف الغمة عن جميع الأمة 1/2، للشعراني، عبد الوهاب (ت 973 هـ - 1565 م)، نشر: المكتبة العلمية - بيروت.
200 - كشف الغمة في معرفة الأئمّة 1/2، للأربلي، عليّ بن عيسى بن أبي الفتح (ت 693 هـ)، تعليق: هاشم الرسولي، اهتم بطبعه الحاج السيّد عليّ بني هاشمي.
201 - كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين، للحلي، الحسن بن يوسف بن المطهر (ت 726 هـ)، تحقيق: حسن الدركاهي، الطبعة الأولى 1411 هـ.
202 - كفاية الأثر في النص على الأئمّة الاثني عشر ، للخزاز القميّ، عليّ بن محمّد بن عليّ الخزاز، أبي القاسم (من أعلام القرن الرابع)، تحقيق: عبد اللطيف الحسيني الكوه كمري النحوي، نشر: انتشارات بيدار - قم، الطبعة الأولى 1401 هـ.
203 - كمال الدين وتمام النعمة، لابن بابويه القمّي، محمد بن عليّ بن الحسين بن بابوية، أبي جعفر (ت 381 هـ)، تعليق: عليّ أكبر الغفاري، نشر: مكتبة الصدوق - طهران.
204 - كنز العرفان في فقه القرآن ، للسيوري، جمال الدين المقداد بن عبد الله (ت 826 هـ)، نشر: المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية - قم، الطبعة الأولى 1348 هـ.
205 - كنز العمال 1/16، للمتقي الهندي، علاء الدين عليّ المتقي بن حسام الدين البرهان فوري (ت 975 هـ)، ضبطه وفسَّر غريبه: الشيخ بكري حياني، تصحيح: الشيخ صفوة السقا، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الخامسة 1405 هـ - 1985 م.
206 - الكنز المدفون والفلك المشحون ، للسيوطي، جلال الدين عبد الرحمن (ت 911 هـ)، نشر: المطبعة اليمينية - مصر، الطبعة الأولى 1321 هـ.
207 - لسان الميزان 1/7، للعسقلاني، أحمد بن عليّ بن حجر أبي الفضل (ت 852 هـ)، نشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الثالثة 1406 هـ - 1986 م.
208 - مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1/3، للقلقشندي، أحمد بن عبد الله، صاحب كتاب صبح الأعشى (ت 821 هـ)، قدّم له: صلاح الدين المنجد، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، نشر: عالم الكتب - بيروت.
209 - المبسوط 1/30 في 15 مجلد، للسرخسي، شمس الدين (ت 490 هـ)، قام بتصحيح الكتاب: جماعة من العلماء، نشر: دار المعرفة - بيروت، 1406 هـ - 1986 م.
210 - المبسوط في فقه الإمامية 1/10، للطوسي، محمّد بن الحسن بن عليّ، أبي جعفر (ت 460 هـ)، صحّحه وعلّق عليه: السيّد محمّد تقي الكشفي، نشر: المكتبة الرضوية - طهران (أوفسيت عن طبعة المطبعة الحيدرية)، الطبعة الثالثة 1387 هـ.
211 - مجالس المؤمنين 1/2 (باللغة الفارسية)، للشوشتري، القاضي نور اللَّه المعروف بالشهيد الثالث (استشهد سنة 1010 هـ)، نشر: كتابفروشى اسلامية، طهران 1354 هـ ش.
212 - المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين ، للتميمي البستي، محمّد بن حبان بن أحمد بن أبي حاتم (ت 354 هـ)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، نشر: دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى 1412 هـ - 1992 م.
213 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 1/10، للهيثمي، عليّ بن أبي بكر، نور الدين (ت 807 هـ)، وهو بتحرير الحافظين العراقي وابن حجر، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت،
الطبعة الثالثة 1402 هـ - 1982 م.
214 - المجموع شرح المهذب 1/20، للنووي، محيي الدين بن شرف، أبي زكريا (ت 676 هـ)، طبع: دار الفكر - بيروت.
215 - المحاسن 1/2، للبرقي، أحمد بن محمّد بن خالد، أبي جعفر (ت 274 هـ أو 280 هـ)، تحقيق: السيّد مهدي الرجائي، نشر: المعاونية الثقافية للمجمع العلمي لأهل البيت - قم، الطبعة الأولى 1413 هـ.
216 - المحرر الوجيز في كتاب اللَّه العزيز 4/1، لابن عطية الأندلسي، عبد الحق بن غالب بن عطية، أبي محمّد (ت 546 هـ)، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمّد، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1993 - 413 م.
217 - المحصول في علم أصول الفقه 1/2، لفخر الدين الرازي، محمّد بن عمر بن الحسين (ت 606 هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة 1408 هـ - 1988 م.
218 - المحلى 1/11، لابن حزم الأندلسي، عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم، أبي محمد (ت 456 هـ)، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي
نشر: دار الآفاق الجديدة - بيروت.
219 - مختصر إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد العشرة 1/11، للبوصيري، أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل الكناني الشافعي، شهاب الدين، أبي العبّاس (ت 840 هـ)، تحقيق: سيد كروي حسن، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417 هـ - 1996 م.
220 - مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 1/29، لابن منظور، محمّد بن مكرم (ت 711 هـ)، تحقيق: أحمد راتب ومحمّد ناجي العمر، نشر: دار الفكر - دمشق، الطبعة الأولى 1409 هـ - 1988 م.
221 - مدارك الأحكام 1/8، للعاملي، السيّد محمّد بن عليّ الموسوي (ت 1009 هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث - مشهد المقدسة، طبع في مطبعة مهر - قم، الطبعة الأولى 1410 هـ.
222 - مرآة الجنان وعبرة اليقظان 1/4، لليافعي، عبد الله بن أسعد بن عليّ بن سليمان اليمني المكي (ت 768 هـ)، نشر: منشورات الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الثانية 1390 هـ - 1970 م.
أوفست عن مطبعة دائرة المعارف النظامية - حيدرآباد - الدكن سنة 1338 هـ.
223 - المراسيل ، لابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن محمّد بن إدريس (327 هـ)، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1403 هـ - 1983 م.
224 - مروج الذهب ومعادن الجوهر 1/4، للمسعودي، عليّ بن الحسين بن عليّ، أبي الحسن (ت 346 هـ)، وضع فهارسها: يوسف أسعد داغر، الطبعة الثانية - دار الهجرة - 1404 هـ - 1984 م، أوفست عن الطبعة الأولى 1385 هـ - 1965 م.
225 - مستدرك سفينة البحار 1/10، للنمازي الشاهرودي، الشيخ عليّ (معاصر)، نشر: قسم الدراسات الإسلاميّة في مؤسسة البعثة، الطبعة الأولى 1409 هـ.
226 - المستدرك على الصحيحين 1/4، للحاكم النيسابوري، محمّد بن عبد اللَّه، أبي عبد اللَّه (ت 405 هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت، 1398 هـ - 1978 م.
227 - مستدرك الوسائل 1/18، للطبرسي النوري، الحاج ميرزا حسين (ت 1320 هـ)
نشر وتحقيق: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - قم، الطبعة الأولى 1407 هـ.
228 - المسترشد في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، للطبري، محمّد بن جرير بن رستم (ت أوائل القرن الرابع الهجري)، تحقيق: الشيخ أحمد المحمودي، نشر: المؤسسة الثقافية الإسلاميّة - قم، الطبعة الأولى.
229 - مسند أبي داود الطيالسي ، للطيالسي، أبي داود (ت 204 هـ)، نشر: دار الحديث - بيروت.
230 - مسند أبي عوانة ، لأبي عوانه الأسفراييني، يعقوب بن إسحاق (ت 316 هـ)، تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي، نشر: دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى 1998 م.
231 - مسند أحمد 1/6 (رحلي)، لأحمد بن حنبل، (ت 241 هـ)، نشر: دار صادر - بيروت.
232 - مسند زيد بن علي ، لزيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (ت 121 هـ)، جمعه: عبد العزيز بن إسحاق البغدادي
نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
233 - مسند الشافعي ، للشافعي، محمّد بن إدريس، أبي عبد اللَّه (ت 204 هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، أوفست عن مطبعة بولاق الأميرية.
234 - مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين (عليهم السلام )، للبرسي، رجب (ت 813 هـ)، نشر: منشورات الشريف الرضي - قم، الطبعة الأولى 1414 هـ.
235 - المصنف 1/11، للصنعاني، عبد الرزاق بن همام، أبي بكر (ت 211 هـ)، عني بتحقيقه وتخريج أحاديثه والتعليق عليه: الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، من منشورات المجلس العلمي - بيروت.
236 - مصنفات الشيخ المفيد 1/14، للمفيد، محمّد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، أبي عبد اللَّه (ت 413 هـ)، نشر: المؤتمر العالمي لألفية المفيد - قم، الطبعة الأولى 1413 هـ.
237 - المصنف في الأحاديث والآثار 1/9، (مصنف بن أبي شيبة)، لابن أبي شيبة الكوفي العبسي، عبد اللَّه بن محمّد بن أبي شيبة، أبي بكر (ت 235 هـ)
ضبطه وصححه: محمّد عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1416 هـ - 1995 م.
238 - المعارف ، لابن قتيبة الدينوري، عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة (ت 276 هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1407 هـ - 1987 م.
239 - معاني الأخبار ، للصدوق، محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابوية القميّ (ت 381 هـ)، عنى بتصحيحه: عليّ أكبر الغفاري، انتشارات إسلامي - قم، الطبعة الثانية 1379 هـ.
240 - معجم الأدباء 1/20 (في عشر مجلدات)، للحموي، ياقوت بن عبد الرومي (ت 626 هـ)، نشر: دار الفكر، الطبعة الثالثة 1400 هـ - 1980 م
241 - المعجم الأوسط 1/11، للطبراني، سليمان بن أحمد، أبي القاسم (ت 360 هـ)، تحقيق: الدكتور محمود الطحان، نشر: مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م.
242 - معجم البلدان 1/5، للحموي، ياقوت بن عبد اللَّه الرومي البغدادي، شهاب الدين، أبي عبد اللَّه (ت 626 هـ)، نشر: دار صادر - بيروت.
243 - معجم رجال الحديث 1 /24، للخوئي، السيّد أبي القاسم الموسوي (ت 1413 هـ)، الطبعة الخامسة 413 هـ - 1992 م.
244 - المعجم الكبير 1/25، للطبراني، سليمان بن أحمد، أبي القاسم (ت 360 هـ)، حققه: حمدي عبد المجيد السلفي، نشر: مكتبة ابن تيمية - القاهرة.
245 - معرفة علوم الحديث ، للحاكم النيسابوري، محمّد بن عبد اللَّه (ت 405 هـ)، شرح ومراجعه: سعيد محمّد اللحام، نشر: دار ومكتبة الهلال - بيروت، الطبعة الأولى 1409 هـ - 1989 م.
246 - المغني 1/12، لابن قدامة، عبد اللَّه بن أحمد بن محمود بن قدامة، موفق الدين، أبي محمّد (ت 630 هـ)، طبعه جديد بالأوفست، نشر دار الكتاب العربي - بيروت.
247 - المغني في الضعفاء 1/2، للذهبي، محمّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز (ت 748 هـ)، تحقيق: نور الدين عتر.
248 - مقاتل الطالبين ، للأصفهاني، أبي الفرج (ت 356 هـ)، شرح وتحقيق: السيّد أحمد صقر، نشر: دار المعرفة - بيروت.
249 - المناقب (= مناقب الخوارزمي)، للخوارزمي، الموفق بن أحمد بن محمّد المكي (ت 568 هـ)، تحقيق: مالك المحمودي، نشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم - إيران، الطبعة الثالثة 1417 هـ.
250 - المنتخب من مسند عبد بن حميد ، لأبي محمّد عبد بن حميد (ت 249 هـ)، تحقيق: صبحي البدري السامرائي - محمود محمّد خليل الصعيدي، نشر: مكتبة النهضة العربية، الطبعة الأولى 1408 هـ - 1988 م.
251 - من لا يحضره الفقيه 1/4، للصدوق، محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القميّ، أبي جعفر (ت 381 هـ)، علّق عليه: عليّ أكبر الغفاري، نشر: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم، الطبعة الثانية.
252 - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك 1 /16، لابن الجوزي، عبد الرحمن بن عليّ بن محمّد ابن الجوزي (ت 597 هـ)، تحقيق: محمّد عبد القادر عطا - مصطفى عبد القادر عطا - نعيم زرزور، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1413 هـ - 1992 م.
253 - منهاج السنة النبوية ، لابن تيمية الحراني، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، أبي العباس (ت 728 هـ)، تحقيق: محمّد رشاد سالم، نشر: مؤسسة قرطبة - مصر، الطبعة الأولى 1406 هـ.
254 - المهذب ، لابن براج الطبرابلسي، عبد العزيز بن البراج (ت 481 هـ)، تحقيق: الشيخ جعفر السبحاني، نشر: جامعة المدرسين - قم، الطبعة الأولى 1406 هـ.
255 - المواعظ والاعتبار = الخطط المقريزية 1/2 (رحلي)، للمقريزي، أحمد بن عليّ، تقي الدين، أبي العبّاس (ت 745 هـ)، أوفست دار صادر - بيروت
256 - الموطأ ، مالك بن أنس (ت 179 هـ)، تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي
نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
257 - مواهب الجليل شرح مختصر خليل ، للحطاب الرعيني، محمّد بن محمّد بن عبد الرحمن المغربي، أبي عبد اللَّه (ت 954 هـ)، تحقيق: زكريا عميرات، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، الطبعة الأولى 1416 هـ - 1995 م.
258 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال 1/7، للذهبي، محمّد بن أحمد، شمس الدين (ت 748 هـ)، تحقيق: عليّ محمّد معوض، عادل أحمد عبد الموجود، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1416 هـ - 1995 م.
259 - ا لنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، للأتابكي، يوسف بن تغري بردي، أبي المحاسن (ت 874 هـ)، نشر: المؤسسة المصرية العامة - مصر.
260 - نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر 1/8، عبد الحي بن فخر الدين الحسيني (ت 1341 هـ)، قام بمراجعته واكماله: أبو الحسن عليّ الحسني الندوي - ابن المؤلف، نشر: مطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد الدكن الهند 1402 هـ.
261 - نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة 1/8، للتنوحي، المحسن بن عليّ، أبي علي (ت 384 هـ)
تحقيق: عبود الشالجي، الطبعة الأولى 1391 هـ - 1971 م.
262 - النصائح الكافية لمن يتولى معاوية ، لمحمد بن عقيل بن عبد اللَّه بن عمر بن يحيى العلوي (ت 135 هـ)، الطبعة الأولى 1412 هـ - مطبعة دار الثقافة، نشر: دار الثقافة - قم.
263 - نصب الراية لأحاديث الهداية 1/4، للزيلعي الحنفي، عبد اللَّه بن يوسف، جمال الدين، أبي محمّد (ت 762 هـ)، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة 1407 هـ - 1987 م.
264 - نظم درر السمطين ، للزرندي الحنفي، محمّد بن يوسف بن الحسن بن محمّد، جمال الدين (ت 750ه)، نشر: مكتبة الإمام أمير المؤمنين7، الطبعة الأولى 1377 هـ - 1958 م.
265 - نهاية الإرب في فنون الأدب ، للنويري، أحمد بن عبد الوهاب (ت 733 هـ)، نشر: مطبعة دار الكتب المصرية - القاهرة، الطبعة الأولى 1369 هـ - 1949 م.
266 - نيل الاوطار 1/8، للشوكاني، محمّد بن عليّ بن محمّد (ت 1255 هـ)، نشر: دار احياء التراث العربي - بيروت
الطبعة الأخيرة.
267 - الهداية شرح البداية ، للمرغيناني، عليّ بن أبي بكر بن عبد الجليل، أبي الحسين (ت 593 هـ)، نشر: المكتبة الإسلاميّة - بيروت.
268 - الوسائل إلى معرفة الأوائل ، للسيوطي، عبد الرحمن، جلال الدين (ت 911 هـ)، تحقيق: عبد الرحمن الجوزو، نشر: دار مكتبة الحياة - بيروت، الطبعة الأولى 1408 هـ - 1988 م.
269 - وسائل الشيعة 1/30، للحر العاملي، الشيخ محمّد بن الحسن (ت 1104 هـ)، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث قم - إيران، الطبعة الأولى 1409 هـ.
270 - وضوء النبي (المدخل)، لمؤلف هذا الكتاب، نشر: مؤسسة جواد الأئمّة - مشهد، الطبعة الثانية 1417 هـ.
271 - وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى ، للسمهودي، عليّ بن أحمد المصري (ت 911 هـ)، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
272 - وقعة صفين ، للمنقري، نصر بن مزاحم (ت 212 هـ)، تحقيق وشرح: عبد السلام محمّد هارون، نشر: مكتبة آية اللَّه العظمى المرعشي النجفي - قم، الطبعة الأولى 1403 هـ.
273 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان 1/8، لابن خلّكان، أحمد بن محمّد بن أبي بكر بن خلكان، شمس الدين، أبي العبّاس (ت 681 هـ)، تحقيق: إحسان عباس، نشر: دار الثقافة - بيروت.
274 - ينابيع المودة لذوي القربى ، للقندوزي الحنفي، سليمان بن إبراهيم (ت 1294 هـ)، تحقيق: عليّ جمال أشرف الحسيني، نشر: دار الأسوة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 1416 هـ.
275 - اليواقيت والضرب في تاريخ حلب ، المنسوب إلى إسماعيل أبي الفداء (ت 732 هـ)، المحقّقان: محمّد كمال وفالح البكور، نشر: دار القلم - حلب، الطبعة الأولى 1410 هـ - 1989 م.
الفهرس
بحوث تمهيدية 12
الأذان لغة واصطلاحاً 23
تاريخ الأذان .24
بدء الأذان عند أهل السنّة والجماعة 26
أهل البيت وبدء الأذان .40
وقفة مع أحاديث الرؤيا: 58
تحقيق في ما وراء نظريّة الرؤيا 72
الأذان إعلام للصلاة أم بيان لأصول العقيدة؟ 138
الأذان وآثاره في الحياة الاجتماعية 150
البابُ الأَوَّل: حيَّ عَلى خَيْرِ العَمَلِ الشرعية والشعارية 162
الفصل الأوّل: في جزئية حيَّ على خير العمل .166
القسم الأوّل: اتّفاق الفر يقين على أصل شرعيّتها 170
القسم الثاني: تأذين الصحابة وأهل البيت. 198
القسم الثالث: إجماع العترة 240
الفصل الثاني: حذف الحيعلة وامتناع بلال عن التأذين .252
الفصل الثالث: حيّ على خير العمل دعوة إلى الولاية، وبيان لأسباب حذفها 274
الفصل الرابع: حيّ على خير العمل تاريخها العقائدي والسياسي .316
ثبت المصادر: 410