الشهادة الثالثة
التجميع فقه استدلالي
الکاتب آية الله الشيخ محمد سند (حفظه الله)
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

الشهادة الثالثة

محمّد السند



الشهادة الثالثة

محمّد السند



بسم الله الرحمن الرحيم



تقريظ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أخذَ الإيمان برسالة خاتم أنبياءه ديناً في ميثاقه على جميع أنبياءه لإعطائهم النبوّة حيث قال: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) (1) .

فكان جميع الأنبياء والرُسل على دين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد جعلَ تعالى من أصول هذا الدين والديانة أيضاً ولاية وصيّه عليّاً (عليه السلام) حيث قال: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (2) ، وقال تعالى: ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ) (3) ،

____________________

(1) آل عمران: 81.

(2) المائدة: 67.

(3) المائدة: 3.


فجعلَ الولاية من الدين الواحد الذي بُعثت به جميع الأنبياء لا من مختصّات الشريعة الأخيرة.

ثُمّ الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين لكلّ الأزمنة والبيئات البشريّة إلى يوم القيامة، الذي قال تعالى في شأنه: ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) (1) ، فقرنَ ذكرهُ بذكر الله تعالى حيثما يُذكر، فرفعَ ذكرهُ في الأذان مع ذكره تعالى، كما قرنَ اسمه باسمه في العرش وعلى آله المطهّرين الذين أذهبَ عنهم الرجس، والذي قال تعالى في شأنهم: ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ... ) (2)، ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) (3) ، ( رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) (4).

فرفعَ الله تلك البيوت التي هي رجال معصومون من الرجس مطهّرون، كما رفعَ ذِكر نبيهّ، فقرنَ الشهادة بولايتهم بالشهادتين، فجعلَ حقيقة التشهّد في شريعة الإيمان هي الشهادات الثلاث ونَعت أهل الإيمان بقوله: ( وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ ) (5) فجمعَ لفظ الشهادة.

وبعد، فهذا الكتاب سفرٌ استدلالي في الآيات، والروايات، والسيرة، وفتاوى المتقدّمين حول الشهادة الثالثة في الأذان وتشهّد الصلاة، قد قام جناب الفهّامة اللوذعي،

____________________

(1) الانشراح: 4.

(2) النور: 35.

(3) النور: 36.

(4) النور: 37.

(5) المعارج: 33.


نجم الأفاضل الشيخ علي الشكري (دام توفيقه) بتقريره، بعدما عرضَ لي مجموعة من التساؤلات حول الوجيزة التي كنتُ كتبتها في ذلك وطُبعت عام 48هـ ق، فوجدتُ الإجابة عليها تُكوّن كتاباً مستقلاً، وقد كتبَ التوفيق الإلهي أن وَقفنا على شواهد روائيّة وموارد للاستدلال لم يقف عليها البحث الفقهي من قبل.

فأرجو منه تعالى له المزيد من التوفيق والنجاح لخدمة الدين ومنهاج الحقّ والهدى.

محمّد السند

5 / ربيع الأول / 1426هـ.ق



المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتديَ لولا أن هدانا الله، الحمد لله على هدايته إلى حقائق الإيمان، وأنارَ قلوبنا بأنوار العلم والمعرفة بأهل بيته محمّد بقدر ما احتَمَلتهُ قلوبنا ووَعته عقولنا القاصرة، ثُمّ الصلوات الزاكيات على سيّدنا ونبيّنا وشفيع ذنوبنا وحبيب قلوبنا محمّد، الصادع بالدين الحنيف والمبلِّغ لرسالات ربّه، وعلى آله الأطهار والدعاة إلى الله والناشرين لأحكام الله، لاسيّما سيّد العترة المشهود له بالولاية في السماوات والأرضين، المقرون اسمه بنبيّ الرحمة في كلّ عالَم الوجود والإمكان.

وبعد: إنّ من مِنن المولى القدير (جلّ شأنه) ومعونة سيّد المُرسلين وآله الطاهرين، أنْ وفِّقتُ لحضور أبحاث الأستاذ المحقّق آية الله الشيخ محمّد السَند (دامت إفاداته وتأييداته)، والارتواء من منهله الصافي العَذب، وقد امتازت أبحاثه بالدقّة والتحقيقات البكر لاسيّما بحث الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة وباقي أفعال الصلاة، إذ إنّني لم أجد أحداً من السابقين ولا المتأخّرين قد بلورَ جزئيّة الشهادة الثالثة بهذه الطريقة، وهذا الفهم الدقيق والواسع والمستفاد من الضوابط العامّة والقواعد الأساسيّة للمذهب والدين، كما قد أمتاز بحثه بالتفحّص الطويل والعميق في روايات وتراث أهل البيت (عليهم السلام)، فلله درّه وعلى الله أجره وألحقهُ الله وجمعهُ مع أئمّتنا المعصومين الطاهرين.


وبعد، فإنّه قد قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (1) .

فيا تُرى ما هذا الذي أُمرَ الرسول بالنداء به على رؤوس الناس في أُخريات حياته المزامن لآخر سورة نَزلت عليه؟ وما هذا الأمر الذي عَدل بإبلاغه ربُّ العزّة إبلاغ كلّ الرسالة؟ أوَ ما كان رسول الله قد أبلغَ فريضة التوحيد من شهادة أن لا إله إلاّ الله منذ أوّل يوم صدعَ بالرسالة في مكّة، أوَ ما كان رسول الله قد أبلغ الفريضة الثانية بأنّه رسول الله، وأيّ شيء يَعظم خَطبهِ مثل الشهادتين بحيث يُنذر الباري نبيّه بأنّ عدم إبلاغه للناس هو: بمنزلة عدم الإبلاغ للرسالة برمّتها، وما هو هذا الأمر الذي يتخوّف من الناس التمرّد عليه وعدم انصياعهم له، أوَ ما كان الشرك وعبادة الأصنام مستفحلة في قلوبهم، ومع ذلك سارعَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بإبلاغ التوحيد عندما أُمرَ بالصدع، أوَ ما كانت قريش والعرب والجاهليّة تُنابذ بني هاشم على نبوّة النبي ومع ذلك لم يأبه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الإنذار والتبشير بنبوّته، فإذاً أيّ شيء هذا الذي يخشى النبي من عصيان وتمرّد الناس عن الاستجابة إليه؟ ثُمّ ما هذا الأمر الذي يوجِب سلب الإيمان عن الناس بتمرّدهم عليه؟

إنّ هذا الأمر تطالعنا الآية الأخرى في سورة المائدة بالإفصاح عنه حيث قال تعالى: ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ) (2) .

____________________

(1) المائدة: الآية 67.

(2) المائدة: الآية 3.


وهذه الآية تُناغم الآية السابقة، وتُفصح عن حدثٍ في ذلك اليوم قد وقعَ به إياس الكفار من إزالة الدين، وبه حَصلت الضمانة الإلهيّة لخلود هذا الدين، كما حَصل به عزّة المسلمين ومنعةُ حوزتهم، فما هو هذا الشيء الذي حدثَ في ذلك اليوم وكُتبَ به إعزازهم، وما هذا الأمر في ذلك اليوم الذي لولاه لم يكمل الدين ولولاه لم يرضَ الربُّ تعالى الإسلام ديناً؟ وهذا التعبير على وزان التعبير في الآية الأولى: من أنّ لولا إبلاغ ذلك لمَا حصلَ إبلاغ الرسالة أي إنّه ثمرة الرسالة وضمان بقائها، وإنّ من أركان الاعتقاد الذي به يتكامل ظاهر الإسلام إلى طور حقيقة الإيمان، إذ إنّه الغاية المرضيُّ بها من ظاهر الإسلام قال تعالى: ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (1) .

فكانت بيعة الغدير وميثاق الولاية بالشهادة الثالثة تتلو الشهادتين، وبها كمال الدين لا خصوص الشريعة ورضا الرب للإسلام، ولا مجرّد الشرعة والمنهاج فآلت ركناً اعتقاديّاً ثالثاً في الدين، بل هي شرط حقيقة التوحيد كما في حديث الرضا (عليه السلام) المعروف بالسلسلة الذهبيّة عن آبائه عن رسول الله حيث قال:

(سمعتُ أبي موسى بن جعفر يقول: سمعتُ أبي جعفر بن محمّد يقول: سمعتُ أبي محمّد بن علي يقول: سمعتُ أبي علي بن الحسين يقول: سمعتُ أبي الحسين بن علي بن أبي طالب يقول: سمعتُ أبي أمير المؤمنين يقول: سمعتُ رسول الله يقول: سمعتُ جبرئيل يقول: سمعتُ الله جلّ جلاله يقول: لا إله إلاّ الله حِصني، فمَن دخلَ حِصني أمِنَ من عذابي، قال: فلمّا مرّت الراحلة نادانا: بشروطها وأنا من شروطها) (2).

____________________

(1) الحجرات: الآية 4.

(2) التوحيد للصدوق: ص25، باب ثواب الموحّدين والعارفين، ح 23.


فآلى بتجريد الشهادتين من الشهادة الثالثة إلى الانخلاع من ربقة الإيمان، وقد جعلَ تعالى من صفات الإيمان في المؤمنين ما أشار إليه في قوله تعالى: ( وَالّذِينَ هُم بِشَهَاداتِهِمْ قَائِمُونَ ) (1).

فجاء بلفظ الجمع؛ ليدلّك على زيادة الشهادات على الاثنتين، وقد تواترت الروايات الواردة عن أهل البيت بل وعن جملة من المصادر العامّة، على أنّ التشهّد حقيقة شرعيّة في الشهادات الثلاث، بل وفي مجمل العقائد الحقّة وذلك بلسان اقتران الشهادات الثلاث في كلّ مراحل نواميس الخلقة الإلهيّة، وسيأتي الإشارة إلى المصادر الروائيّة ومضانّ أبواب تلك الروايات.

كما قد وردَ أنّ التشهّد كحقيقة شرعيّة أُخذت في حقيقة الأذان، وجُعل في مطّلع الأذان للنداء به، فكانت مجموع هذه المقرّرات الشرعيّة بمثابة التقرير الواضح من الشرع على النداء بالشهادة الثالثة في الأذان حيث يُنادى فيه بالتشهّد، بل قد روى اقتران الشهادات الثلاث في حقيقة التشهّد جملة غفيرة من الصحابة (2) ، كما ورد في روايات الفريقين ممّا يدلّك على تأصّل تشريعها النبوي في الأذان منذ عصر صاحب الرسالة،

____________________

(1) المعارج: الآية 33.

(2) وسيأتي ذكر هذه الروايات في مطاوي الكتاب.


كما هو الحال في إبلاغه لميثاق الولاية في بيعة الغدير، هذا مضافاً إلى ما يأتي من الأدلّة الخاصّة على ذلك إلاّ أنّه كما تُنكّر لأصل الولاية ولبيعة الغدير، تُنكّر أيضاً للنداء بالشهادة الثالثة في الأذان، كيف لا وقد جرى بعد وفاة الرسول ما جرى مالا تستوعبه الأسماع، وقد روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن عنبسة، عن أبي عبد الله قال: (إيّاكم وذِكر علي وفاطمة، فإنّ الناس ليس شيء أبغض إليهم من ذِكر علي وفاطمة (عليهما السلام) (1).

وقال ابن أبي الحديد المعتزلي في معرض كلامه عن حرب بني أميّة لعلي ولذكره: (إنّ الطِباع تَحرص على ما تُمنع منه وتلحّ فيه، فالناس لمّا مُنعوا من ذِكر فضائله والموالاة له وألزموا سبّه وبغضه، ازدادوا بذلك محبّةً له وإظهاراً لشرفه ولذلك سبّوه بني أميّة ألف شهر على المنابر، فما زاد ذلك ذِكر عليّ إلاّ علوّاً ولا ازدادَ الناس في محبّته إلاّ غلوّاً) (2).

وأخرجَ مالك في الموطّأ بإسناده: أنّ رجلاً سأل عثمان بن عفّان عن الأختين من مُلك اليمين هل يُجمع بينهما؟ فقال: أحلّتهما آية، فأمّا أنا فلا أحبّ أن أصنع ذلك، قال: فخرجَ من عنده فلقيَ رجلاً من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فسألهُ عن ذلك؟ فقال:

____________________

(1) الكافي: ج8، ص159.

(2) شرح نهج البلاغة: ج13، ص223.


لو كان ليس من الأمر شيء ثُمّ وجدتُ أحداً فعلَ ذلك لجعلتهُ نكالاً.

قال ابن شهاب: أراه عليّ بن أبي طالب، وعلّقَ ابن عبد البر في كتاب الاستذكار على هذه الرواية بقوله: (إنّما كنّى قبيصة ابن ذؤيب عن عليّ بن أبي طالب؛ لصحبته عبد الملك بن مروان وكانوا يستثقلون ذِكر عليّ بن أبي طالب) (1).

وكذلك رويَ: أنّه قد أُدخل عَدي بن حاتم الطائي على معاوية وقال له: ما أبقى الدهر من ذِكر علي بن أبي طالب، فقال عدي: فهل رعى الدهر إلاّ ذِكراً وقال: كيف حُبّك له فتنفّس الصَعداء، وقال: حُبّي والله جديد لا يبيد، وقد تمكّن من شغاف الفؤاد إلى يوم المعاد، وقد امتلأ من حُبّه صدري وفاضَ في جسدي وفكري) (2).

ونَقل ابن أعثم في الفتوح أيضاً: (أنّ معاوية قال له: يا أبا طريف، ما الذي أبقى لك الدهر من ذِكر عليّ بن أبي طالب فقال عدي: وهل يتركني الدهر أن لا أذكره قال: فما الذي بقيَ في قلبك من حُبّه؟ قال عدي: كلّه وإذا ذُكر ازداد، فقال معاوية: ما أريد إلاّ أخلاق ذكره فقال عدي: قلوبنا ليست بيدك يا معاوية، فضحك معاوية.... الحديث) (3) .

____________________

(1) الموطّأ لمالك بن أنس: ج2، ص10، راجع أيضاً تفسير ابن كثير ج1، ص484، وقد ذكرَ الشيخ الأميني تسعة مصادر أخرى فراجع ج8، ص215، طبعة طهران.

(2) أشعّة الأنوار في فضل حيدر الكرار: ص314، طبعة النجف.

(3) الفتوح لابن أعثم: ج3، ص134.


وروى أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني عن ابن عائشة قال: كان أبو عدي يكره ما يجري عليه بنو أُميّة من ذِكر علي وسبّه على المنابر، ويُظهر الإنكار لذلك فشهدَ عليه قوم من بني أميّة بمكّة بذلك ونهوه عنه، فانتقلَ إلى المدينة وقال:

شَردوا بي عند امتداحي عَليّ

ورأوا ذاك في داءً دوّياً

فَو ربّي ما أبرح الدهر حتّى

تختلي مُهجتي بحبّي عليّاً

وبنيه لحُب أحمد أنّي

كنتُ أحببتهم بحبّ النبيا

حُبّ دين لا حبّ دنيا وشر

الحبّ حبّ يكون دنيوياً (1)

ونقلَ ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر الاسكافي قوله: (لولا ما غَلب على الناس من الجهل وحبّ التقليد، لم يُحتج إلى نقض ما احتجّت به العثمانيّة، فقد عَلم الناس كافة أنّ الدولة والسلطان لأَرباب مقالتهم، وعرفَ كلّ أحد على أقدار شيوخهم وعلمائهم وأُمرائهم وظهور كلمتهم وقهر سلطانهم وارتفاع التقيّة عنهم، والكرامة والجائزة لمَن روى الأخبار والأحاديث في فضل أبي بكر، وما كان من تأكيد بني أميّة لذلك، وما رواه المحدِّثون من الأحاديث طلباً لمَا في أيديهم فكانوا لا يألون جهداً في طول ما ملكوا أن يخملوا ذِكر علي (عليه السلام) وولده، ويطفئوا نورهم ويكتموا فضائلهم ومناقبهم وسوابقهم ويحملوا على شتمهم وسبّهم ولَعنهم على المنابر، فلم يزل السيف يقطر من دمائهم مع قلّة عددهم وكثرة عدوّهم، فكانوا بين قتيلٍ وأسير وشريد وهارب ومُستخف وذليل وخائف ومترقّب،

____________________

(1) قاموس الرجال: ج10، ص131، المُجدي في أنساب الطالبيين لعلي بن محمد العلوي، ص364.


حتّى أنّ الفقيه والمحدِّث والقاضي والمتكلّم يتقدّم إليه ويتوعّد بغاية الإبعاد وأشدّ العقوبة، ألاَّ يذكروا شيئاً من فضائلهم ولا يرخّصوا لأحد أن يطيف بهم، وحتّى بلغَ من تقيّة المحدِّث أنّه إذا ذَكر حديثاً عن علي (عليه السلام) كنّى عن ذكره فقال: قال رجل من قريش، وفعلَ رجل من قريش، ولا يذكر عليّاً (عليه السلام) ولا يتفوّه باسمه، ثُمّ رأينا جميع المختلفين قد حاولوا نقض فضائله ووجّهوا الحِيل والتأويلات نحوه من: خارجي مارق، وناصب حنق، وثابت مُستبهم، وناشئ معاند، ومنافق مُكذّب، وعثماني حسود يعترض ويطعن...

وقد علمتُ أنّ معاوية ويزيد ومَن كان بعدهما من بني مروان أيّام مُلكهم - وذلك نحو ثمانين سنة - لم يدعوا جهداً في حمل الناس على شتمه ولعنه وإخفاء فضائله وستر مناقبه وسوابقه) (1) .

ثُمّ ذكرَ ابن أبي الحديد روايات مستفيضة من مصادرهم، في السُنن التي أقامها بنو أميّة في النيل من علي (عليه السلام) وشتمه فلاحظ ذلك (2) .

وكذلك نقلَ ابن أبي الحديد في موضع آخر بقوله: (ولقد كان الحجّاج ومَن ولاّه كعبد الملك والوليد، ومَن كان قبلهما وبعدهما من فراعنة بني أميّة على إخفاء محاسن علي (عليه السلام)، وفضائله وفضائل ولده وشيعته وإسقاط أقدارهم، أحرص منهم على إسقاط قراءة عبد الله وأُبي؛ لأنّ تلك القراءات لا تكون سبباً لزوال مُلكهم وفساد أمرهم وانكشاف حالهم، وفي اشتهار فضل علي (عليه السلام) وولده وإظهار محاسنهم بوارهم، وتسليط حكم الكتاب المنبوذ عليهم،

____________________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج13، ص219.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج13، ص219.


فحرصوا واجتهدوا في إخفاء فضائله، وحملوا الناس على كتمانها وسترها، وأبى الله أن يزيد أمره وأمرَ ولده إلاّ استنارة وإشراقاً، وحبّهم إلاّ شَغفاً وشدّة، وذِكرهم إلاّ انتشاراً وكثرة، وحجّتهم إلاّ وضوحاً وقوّة، وفضلهم إلاّ ظهوراً، وشأنهم إلاّ علوّاً، وأقدارهم إلاّ إعظاماً حتى أصبحوا بإهانتهم إيّاهم أعزّاء...) (1) الحديث.

ومن هذا يُعلم أنّ ذِكر أهل البيت (عليهم السلام) حاربهُ أعداء الله بهذه الصورة، مع أنّ ذِكرهم لم يكن في أذان أو في صلاة بل كان ذِكر فضائلهم ومحاسنهم - وهم سادة الخلق على رؤوس الأشهاد - من خلال الخُطب ومجالس الذكر، فكيف إذاً لو ذُكر عليٌ وأولاده في الأذان - وهو الحقّ - ماذا كانت تصنع قريش، وماذا كان يصنع معاوية وهو الذي كان يصعب عليه أن يسمع ذِكر خاتم النبيين وسيّد المرسلين - الذي نقلهُ ونَقَلهم من الضلالة إلى الهدى - في الأذان، ولولا خوف الاتّهام بصراحة الكفر والخروج عن الإسلام لأسقطَ ذكرهُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الأذان، بل من كلّ شيء في ذِكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإلى هذا المعنى أشارت روايات عديدة من مصادرهم أذكر بعضاً منها.

الأولى: ما رواه أحمد بن أبي طاهر في كتاب (أخبار الملوك): أنّ معاوية سمعَ المؤذِّن يقول: (أشهدُ أن لا إله إلاّ الله) فقالها ثلاثاً، فقال: أشهدُ أنّ محمّداً رسول الله فقال: لله أبوك يا بن عبد الله لقد كنتَ عالي الهمّة، ما رضيتَ إلاّ أن يُقرن اسمك باسم ربّ العالمين) (2) .

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: ج13، ص224.

(2) شرح ابن أبي الحديد: ج10، ص101، طبعة المرعشي النجفي.


الثانية: (روى الزبير بن بكار في الموفقيات وهو غير متّهم على معاوية، ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة لمَا هو معلوم من حاله من مجانبة علي (عليه السلام) والانحراف عنه، قال المطرف بن المغيرة بن شعبة:

دخلتُ مع أبي على معاوية وكان أبي يأتيه فيتحدّث معه، ثُمّ ينصرف إليّ فيذكر معاوية وعقله ويَعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسكَ عن العشاء ورأيته مغتمّاً فانتظرتهُ ساعة وظننتُ أنّه لأمرٍ حَدث فينا فقلتُ: مالي أراك مُغتمّاً منذ الليلة؟ فقال: يا بُني، جئتُ من عند أكفر الناس وأخبثهم، قلتُ: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوتُ به: إنّك قد بلغتَ سنّاً يا أمير المؤمنين فلو أظهرتَ عدلاً وبسطتَ خيراً فإنّك قد كبرتَ، ولو نظرتَ إلى إخوتك من بني هاشم فوصلتَ أرحامهم فو الله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإنّ ذلك ممّا يبقى لك ذكره وثوابه فقال:

هيهات هيهات! أيّ ذِكر أرجو بقاءه! مَلك أخو تيم فعدلَ وفعل ما فعل، فما عدا أن هلكَ حتى هلكَ ذكره، إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر، ثُمّ مَلك أخو عدي، فاجتهدَ وشمّر عشر سنين فما عدا أن هَلك حتّى هلكَ ذكره إلاّ أن يقول قائل: عمر، وإنّ ابن أبي كبشة ليُصاح به كلّ يوم خمس مرّات: (أشهدُ أنّ محمّداً رسول الله) فأيّ عملٍ يبقى؟ وأيّ ذِكر يدوم بعد هذا لا أباً لك! لا والله إلاّ دَفناً دفناً) (1).

ومن هذين الروايتين يُعلم عدم تسليم معاوية بالشهادة الثانية، ولله درّ ابن أبي الحديد حيث قال: (وقد طَعن كثير من أصحابنا في دين معاوية، ولم يقتصروا على تفسيقه وقالوا عنه: إنّه كان مُلحداً لا يعتقد النبوّة، ونقلوا عنه في فلتات كلامه وسقطات ألفاظه ما يدلّ على ذلك) (2).

____________________

(1) شرح ابن أبي الحديد: ج6، ص129 - 130.

(2) شرح ابن أبي الحديد: ج60، ص129.


ولذا مورِست التقيّة وبشكلٍ شديد اتّجاه الإعلان بذكر فضائل علي (عليه السلام) وولده، ولاسيّما ذكرهُ (عليه السلام) في الأذان منذ عهد رسول الله، فلم يكن بدٌ من تبليغ الشهادة الثالثة إلى خواص الأصحاب والمؤمنين والمسلمين بولايته، بل إنّ الحكومة آنذاك أحسّت وعَلمت بوجود ذِكر لعلي وولده بغير صيغة وفصل الشهادة لعلي في الأذان، ولذا أقدَمت على حذف فصل (حيّ على خير العمل) من الأذان، مع الإيهام والتمويه بعلّة أخرى للحذف في أوساط المسلمين، وقد أشارت إلى ذلك رواية الإمام موسى بن جعفر حيث سأله ابن أبي عمير فقال:

(حيّ على خير العمل، لِمَ تُركت من الأذان؟ قال: (تريد العلّة الظاهرة أو الباطنة؟ قلت: أريدهما جميعاً، فقال: أمّا العلّة الظاهرة فلئلاّ يدع الناس الجهاد اتّكالاً على الصلاة، وأمّا الباطنة فإنّ خير العمل الولاية، فأرادَ من أمُر بترك حيّ على خير العمل من الأذان، أن لا يقع حثّ عليها ودعاء إليها) (1).

الشهادةُ الثالثة والتقيّة:

إنّ من أظهر مصاديق التقيّة وأبرزها هو: الاتّقاء عن ذِكر فضائل علي (عليه السلام) وولده، وحيث كانت الشهادة الثالثة هي اقتران ذكر علي بذكر الله ورسوله في الأذان، يعني الإقرار بولايته ووصايته بعد رسول الله، ولهذا لا معنى أن يسكت عليه الناصبون العداوة لعلي وأولاده؛ لأنّه يعني الهدم لحكومتهم وتسلّطهم على الناس؛ لأنّ عليّاً (عليه السلام) بعدُ لم يمت فكيف يُذكر اسمه في كلّ يوم خمس مرّات وهو في معزل عن إدارة المسلمين وقيادتهم في الظاهر، هذا مضافاً إلى ما ذكرهُ لنا التاريخ من تجريدهم من كلّ أسباب القوّة الظاهريّة، أو إثبات إمامتهم بعد رحيل رسول الله من خلال الهجوم على الدار وإجبار علي (عليه السلام)

____________________

(1) الوسائل: أبواب الأذان والإقامة، باب 19، ح16.


على البيعة، ومنع رواية الحديث عن النبي لمَا فيه من أحاديث الفضائل الكثيرة في علي (عليه السلام)، ولذا بَقيت هذه السيرة من ذكر علي (عليه السلام) في الأذان والصلاة عند المتمسّكين بوصايا النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما سيأتي في رواية كدير الضبّي وبعض الصحابة المخلصين خوفاً من إظهارها؛ لمَا كانوا يجدوا في أنفس الناس من حرج ذكر علي (عليه السلام)، فقد روى علي بن إبراهيم القمّي مُعتبرة أبي بصير: سمعتُ أبي عبد الله (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى ( الّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي ) (1) ، فقال: (يعني بالذكر ولاية علي (عليه السلام) وهو قوله: ذِكري، قلت: قوله ( لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ) قال: كانوا لا يستطيعون إذا ذُكر علي (عليه السلام) عندهم أن يسمعوا ذكره، لشدّة بغض له وعداوة منهم له ولأهل بيته) (2).

ولذلك عمدَ أولئك الأعداء إلى كتمان الشهادة لعلي في الأذان، بل مَنع كلّ ما يشير إلى ذلك من قريب أو بعيد، فقد رويَ في التفسير المنسوب للإمام العسكري في تفسير قوله تعالى: ( إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ) (3) (فوجّهوا اللعنتين إلى اليهود الكاتِمين نَعت محمّد وصفته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وذِكر علي (عليه السلام) وحُليته، وإلى النواصب الكاتمين لفضل علي والرافضين لفضله.

____________________

(1) الكهف، آية: 101.

(2) تفسير القمّي: ج2، ص47.

(3) البقرة، آية: 159.


ثُمّ قال الله: ( إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ ) من كتمانه ( وَأَصْلَحُواْ ) أعمالهم، وأصلحوا ما كانوا أفسدوه بسوء التأويل، فيجحدوا به فضل الفاضل واستحقاق المُحق، ( وَبَيَّنُواْ ) ما ذكرهُ الله تعالى من نعت محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وصفته من ذِكر علي (عليه السلام) وحليته وما ذكره رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ( فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) أقبل توبتهم ( وَأَنَا التّوّابُ الرّحِيمُ )) (1) الحديث.

فكان هذا الظرف العصيب أحد الأمور التي ساعدت في عدم التفات البعض إلى عدم وصول النصوص الصريحة، أو خفاء النصوص الصريحة وبقاءها في صدور الذين آمنوا سيرة دينيّةً في صلواتهم وعباداتهم، وهكذا إلى أن أصبحت وكأنّها من المسلّمات الفقهيّة عند جماعة من عدم جزئيّة الشهادة الثالثة في الأذان، وكان قبلُ دورَ الصدوق (رحمه الله) في إيهام الراويَين والمصرّحين بالروايات الذاكرة لعلي (عليه السلام) في الأذان، ولعلّه للتقيّة أو لغلبة مسلك القمّيين في علم الرجال.

وهذا أيضاً ساعدَ على عدم وضوح الحقيقة واستبهامها، بل دفعَ البعض إلى الاعتقاد بالبدعيّة لاعتقاد جزئيّة الشهادة الثالثة، ولكن مع ذلك كانت هناك فتاوى من علمائنا السابقين كالسيّد المرتضى المعاصر للصدوق (رحمهم الله)، من دَفع الذاكرين لعلي (عليه السلام) في الأذان إلى الأمام من خلال فتواه في كتابه المسائل المبافارقيّة:

____________________

(1) التفسير المنسوب للإمام العسكري: ص571.


بأنّ المُعتقِد بجزئيّة الشهادة الثالثة غير مأثوم، وكذا فتوى الشيخ ابن برّاج في المهذّب، بل وكذا شيخ الطائفة الطوسي (قدِّس سرّه) في المبسوط بعدم الإثم للعامل بتلك الروايات مع تلك القراءة الدقيقة لفتواه، كما سيأتي في تحليلات أستاذنا المحقّق لفتوى الشيخ، وكذا الشهيد في الذكرى وغيرهم ممّا سيأتي استعراضه.

فاللازم على الباحث التريّث والتدبّر والتمعّن في مواد البحث، وتجنّب القراءة السطحيّة العابرة وعدم الغفلة عن الفَذلكات الصناعيّة، وقد تنوّعت دلالة الأدلّة في هذا البحث بين ما هو صريح: كالطوائف الروائيّة التي أشار إليها الصدوق في الفقيه، وبين ما هو بالدلالة الالتزاميّة وبالتعريض ممّا ينظم إلى شواهد أخرى فتتكوّن دلالة الاقتضاء، وبين ما هو دالّ لبّاً كالسيرة المتقادمة، كما اختلفت درجات الدلالة بتقريب الصياغات المختلفة لها على وجه الجزئيّة الخاصّة في الأذان والتشهد، أو الجزئيّة المختصّة ببيان الصلاة، أو الجزئيّة الندبيّة الخاصّة والعامّة أو الشعاريّة.

فهذا الكتاب مشتمل على عدّة أبحاث:

1- تخريج الفذلكة الصناعيّة الدقيقة للمشروعيّة وفق ميزان وجوه متعدّدة أصوليّة وفقهيّة وحديثيّة درائيّة، مع تبيان حقيقة مؤدّى أقوال أعلام الطائفة.

2- الالتفات إلى كون الروايات الواردة في ضمن فصول الأذان - المشار إليها من قِبَل الصدوق (قدِّس سرّه) - هي موجودة في أصول الأصحاب المعتبرة.

3 - كون هذه الأخبار معتبرة في نفسها بشهادة وصفها بالشذوذ لا الضعف، وإنّهم متّهمون بالغلو لا أنّه متحقّق من غلوّهم.


4 - فتوى ابن برّاج (قدِّس سرّه) في مهذّبه، بإحدى طوائف تلك الروايات التي أشار إليها الصدوق (قدِّس سرّه) في الفقيه ممّا يعزِّز النقطتين السابقتين.

5 - التنويه إلى أنّ منشأ إعراض الصدوق والعديد من القدماء عن تلك الروايات هو: صحيحة زرارة وهي لا تقوى على المعارضة، بل لا توجد معارضة لطبيعة ونمط لسان الروايات الواردة في فصول الأذان.

6 - إقرار الصدوق (قدِّس سرّه) - كما يظهر ذلك من الشيخ أيضاً - بوجود قطّاعات من الشيعة في زمانه تؤذِّن بالشهادة الثالثة.

7 - الإشارة إلى روايات عديدة لم يُستدلّ بها من قَبل في المقام، ذات دلالة قريبة المرمى من المطلوب مع بيان الفنيّة الفقهيّة للدلالة.

8 - التنبيه على وجود روايات دالّة على الاستحباب المطلق للقرآن في الأذان، بين الشهادة الثالثة والأولتين وتكرارها بعدد تكرارهما.

9 - التنبيه على أنّ التشهّد بالثالثة باللسان وزانه وزان التشهد بالشهادتين، في كونهما سبباً للدخول في حظيرة الإسلام، وهي كذلك في كونها سبباً للدخول في الإيمان بمقتضى تعريفه أنّه: (الاعتقاد بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان)، وهو مراد المشهور في تعبيرهم - في فصول الأذان -: (أنّها من أحكام الإيمان بلا خلاف بمقتضى المذهب الحق)، وهذا مدلول الروايات المتواترة والمستفيضة ذلك أيضاً.

10 - تحليل مغزى ورود الكم الغفير المستفيض من الروايات الحاكية عن اقتران الشهادات الثلاث، في مواطن شريفة عديدة من مدارج الخلقة.


11 - نَقل كلام المتقدّمين في جواز واستحباب ذِكر الشهادة الثالثة في تشهّد وتسليم الصلاة، وبيان الفذلكة الصناعيّة في ذلك وارتباطها بالأذان وإنّها - أي ذِكر الشهادة الثالثة في التشهّد - من المشهور المُفتى به عند المتقدّمين من علمائنا، كأمثال: الصدوق ووالده، والمفيد، والشيخ في النهاية، ومصباح المتهجّد، وابن برّاج (رحمهم الله) وغيرهم.

هذا، وأخيراً أسأل الله تعالى أن يوفّقنا للإخلاص في ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وأن يجعلنا من العارفين بحقيقة مقامهم والمتمسّكين بولايتهم، وأن يحفظ أستاذنا الأجل في نشر معارف الدين والحمد لله ربّ العالمين.

علي الشكري

10/ ربيع الأول/ من عام 1426 هجريّة

على مهاجرها آلاف التحيّة والسلام

في جوار السيّدة الجليلة الطاهرة

فاطمة المعصومة - قم المقدّسة


لَمحةٌ عن المَسار العَملي للمَسألة

لقد كُتب واستُدلّ لمشروعيّة الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة، في ضمن رسائل عديدة لأعلام الطائفة في الأعصار الأخيرة، بل إنّ المسألة مثارةٌ علميّاً في كُتب الأقدمين والمتقدّمين، بل هي ظاهرة عمليّة ثابتة مارستها أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، كما يشير إلى ذلك الصدوق في كتابه الفقيه (1)، بل قد عُزي في بعض المصادر إتيان بعض صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بها.

فقد قال ابن حجر العسقلاني في الإصابة: (كدير) بالتصغير الضبّي يقال: هو ابن قتادة،... روى حديثه زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن كدير الضبّي، أنّه أتى النبي (2) ....

وقال البخاري في الضعفاء: (كدير الضبّي روى عنه أبو إسحاق، وروى عنه سميك بن سلمة، وضعّفه لمّا رواه مغيرة بن مقسم عن سمّاك بن سلمة قال: دخلتُ على كدير الضبّي أعودهُ فوجدتهُ يصلّي وهو يقول: اللهمّ صلّي على النبيّ والوصيّ، فقلت: والله، لا أعودك أبداً) (3).

وروى العقيلي في الضعفاء بسنده عن سمّاك بن سمكة قال: دخلتُ على كدير بعد الغداة فقالت لي امرأته: ادنوا منه فإنّه يصلّي حتى يتوكّأ عليك، فذهبتُ ليعتمد عليّ، فسمعته وهو يقول في الصلاة: سلامٌ على النبيّ والوصيّ فقلت...) (4) .

____________________

(1) سيأتي التعرّض إلى كلامه مفصّلاً.

(2) الإصابة في تمييز الصحابة: في حرف الكاف القسم الأول في باب ك د، وسيأتي ذكر مصادر أخرى تشير إلى ذلك في ص52 من المدخل.

(3) لاحظ: الملحق 1.

(4) الضعفاء: ج3، ص1184 رقم المسلسل 1571، طبعة دار الصنيعي.


وبالرغم من ذلك، فإنّ كلمات متأخّري المتأخّرين لم يستوفوا فيها النظر حقّه في الروايات الواردة بحثاً ودراسة، ولم يكثروا التأمّل كفايته في كلام المتقدّمين فبنوا على الظاهر البدوي من كلامهم، وجعلوا مؤدّى كلماتهم (أي كلمات المتقدّمين) على مفاد واحد مع أنّها مختلفة، وتقييمهم لاعتبار الروايات متباين، فنظرةُ الصدوق حول تلك الروايات مختلفة تماماً عن نظرة الشيخ الطوسي، فضلاً عن المرتضى وابن برّاج، فلم يُنجَز البحث الدرائي حول الروايات كما هو حقّه، كما لم يُعالج السبب للموقف الفقهي للصدوق والشيخ اتّجاه تلك الروايات، مع أنّ ذلك السبب مدركي اجتهادي لا تعبّدي، بل لم يتمّ تحليل رأي الصدوق ومغزى مرامه الذي هو أشدّ المتقدّمين طعناً اتّجاه تلك الروايات بحسب الظاهر المترائى، مع أنّ حقيقة موقف الصدوق ليس ما يوحيه ظاهر كلامه بموجب قرائن عدّة آتية في تحليل كلامه، وهذه النقاط في كلام المتقدّمين مؤثرة مصيريّاً في تقييم واعتبار حجيّة الروايات صدوراً.

هذا، مضافاً إلى نضوب البحث والاختزال في الاستدلال في المسألة، في الجهات الصناعيّة للوجوه المختلفة، فلم يوردوا في المقام طوائف الروايات الأخرى التي لا يخلو مضمونها من ربط وصلة متوسطة أو بعيدة، لكنّها غير أجنبيّة عن المقام من رأس ولا مقطوعة الصلة بتاتاً.


أضف إلى ذلك: أنّ هناك جملة من الفتاوى لبعض المتقدّمين أو المتأخّرين مواتية لإثبات الحكم في المسألة، لم يُنبّه عليها في الكتب المطوّلة الراصدة لأقوال الفقهاء، وهذا ممّا أوجبَ استيحاش جملة - ممّن مالَ إلى تقرير الحُكم - عن مخالفة ظاهر المشهور، وقد صرّح جملة من الأساطين بذلك، ولم يقف الأمر والحال عند ذلك، بل آلَ عند بعض متأخّري العصر إلى الاستشكال في المسألة وتقريب وجوه المنع والحرمة غفلةً عن ما تقدّم.



المُتون الروائيّة الخاصّة بالشهادة الثالثة في الأذان

إنّ من الأمور المهمّة في المقام اللازم الالتفات إليها: أنّ متون الروايات المتضمنّة لجزئيّة الشهادة الثالثة في فصول الأذان، قد ذكرها الصدوق نصّاً في كتابه مَن لا يحضره الفقيه (1)، مع أنّ الملاحَظ في الكثير من الكلمات الغفلة عن ذلك، وتُوّهِم أنّ الصدوق قد أشار إليها إجمالاً من دون أن يروي متونها، لا كما صنعَ الشيخ الطوسي في المبسوط والنهاية، حيث أشار إليها إجمالاً من دون أن يورد متونها لكنّه بيّن بنحو واضح حال أسانيدها، عكس الصدوق الذي بيّن متونها من دون أن يفصح تفصيلاً عن طُرقها.

وهذا ما غفلَ عنه جُلّ المتأخّرين في المقام، غاية الأمر أنّ الصدوق لم يورد مصادر تلك الطوائف من الروايات، ولا طرق رواياتها؛ وإنّما ألفاظ متونها بنحو المراسيل، لكنّه أشار إلى تعدّدها وتعدّد ألسنتها وتطويفها إلى ثلاث طوائف، كما هو دَيدن الصدوق في كثير من الأبواب الفقهيّة الروائيّة من كتاب مَن لا يحضره الفقيه، حيث يورد العديد من المراسيل مع أنّها مسانيد في التهذيب والكافي، والشيخ في المبسوط قد نبّه بكلامه الآتي على أنّها مسانيد معتبرة، غاية الأمر أنّها مبتلاة بروايات أخرى معارضة بحسب نظره الشريف ونظر الصدوق.

____________________

(1) الفقيه: ج1، كتاب الصلاة أبواب الأذان والإقامة ص290، طبعة قم.


وسيأتي نصّ عبارة الصدوق في الفقيه التي تُعد رواية منه لتلك الروايات بنحو الإرسال، كما أشار إلى ذلك في الجواهر (1) ، وإن حَكمَ عليها هو بالضعف، وسيأتي أنّه ليس ضعفاً في السند بل هو ضعف من جهة أخرى في نظره، كما سيأتي بيانه مفصّلاً حيث قال: (ومع ذلك كلّه فعن المجلسي: أنّه لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة في الأذان؛ استناداً إلى هذه المراسيل التي رُميت بالشذوذ) (2).

وممّن نبّه على وصول المتون الروائية أيضاً: المجلسي الأوّل في شرح الفقيه في كتابه روضة المتقين، حيث قال في ذيل عبارة الصدوق - التي تضمّنت حكمه بأنّ تلك الروايات من وضع المفوّضة -:

(الجزم بأنّ هذه الأخبار من موضوعاتهم مشكل، مع أنّ الأخبار التي ذكرنا مختلفة الزيادة والنقصان، وما لم نذكره كثيراً، والظاهر أنّ الأخبار بزيادة هذه الكلمات أيضاً كانت في الأصول، وكانت صحيحة أيضاً كما يظهر من المحقّق والعلاّمة والشهيد؛ فإنّهم نسبوها إلى الشذوذ والشاذ ما يكون صحيحاً غير مشهور) (3).

وكذلك المجلسي الثاني في البحار، قال في ذيل عبارة الصدوق: (لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة في الأذان؛ لشهادة الشيخ، والعلاّمة، والشهيد وغيرهم بورود الأخبار بها) (4).

____________________

(1) الجواهر: ج9، ص86.

(2) الجواهر: ج9، ص86.

(3) روضة المتقين: ج2، ص245، طبعة بنياد فرهنكي إسلامي.

(4) البحار: ج84، ص111.


فمن الغريب بعد الالتفات إلى ذلك - أي إلى أنّ الصدوق قد روى هذه الروايات الدالّة على جزئيّة الشهادة الثالثة في الأذان بنحو الروايات المرسلة، وأنّ الروايات تلك مرويّة في كتاب الفقيه بمتونها وألفاظها -: تشبّث جملة من الأعلام لاستحباب الشهادة الثالثة في الأذان بنمط ندبيّة المقارنة العامّة بين الشهادتين والشهادة الثالثة، يتشبّثون بمرسلة الاحتجاج الآتية الدالّة على استحباب مقارنة الشهادة الثانية بالشهادة الثالثة في مطلق الأحوال من دون تعرّضها للأذان، فبينَ المَتنين بونٌ بعيد، كما أنّ بينهما بوناً كبيراً في المأخذ الروائي؛ فإنّ المُرسل في الأولى هو الصدوق الأقرب عهداً بصدور النص مضافاً إلى روايته لها وإنّها على طوائف ثلاث، بينما مرسلة الاحتجاج هي رواية واحدة والمرسل لها الطبرسي المتأخّر عهداً بثلاث طبقات أو أكثر عن عهد الصدوق، فهذه قيمة درائيّة حديثيّة.

وممّن تنبّه إلى وصول متون الروايات بالشهادة الثالثة إلينا: العلاّمة المحدِّث الشيخ حسين العصفوري البحراني، حيث قال في الفرحة الأنسيّة: (وأمّا الفصل المروّي في بعض الأخبار المرسلة وهو (أشهد أنّ عليّاً وليّ الله)، فممّا نفاه الأكثر، وظاهر الشيخ في المبسوط ثبوته وجواز العمل به، وهو الأقوى) (1).

وممّن أشار إلى ذلك أيضاً صاحب القوانين في كتاب الغنائم حيث قال: (ويظهر من هؤلاء الأعلام ورود الرواية بها، فلا يبعد القول برجحان الشهادة بالولاية) (2).

____________________

(1) الفرحة الإنسيّة: ج2، ص16، طبعة بيروت.

(2) غنائم الأيام: ج2، ص423 مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي - قم.


وممّن أشار إلى ذلك أيضاً، المحقِّق الهمداني في مصباح الفقيه قال: (ولولا رَمي الشيخ والعلاّمة لهذه الأخبار بالشذوذ وادّعاء الصدوق وضعها، لأمكنَ الالتزام بكون ما تضمّنته هذه المراسيل من الشهادة بالولاية والإمرة، وإنّ محمّداً وآله خير البريّة من الأجزاء المستحبّة للأذان والإقامة لقاعدة التسامح، كما نفى عنه البُعد المحدِّث المجلسي في المحكي تعويلاً على هذه المراسيل) (1).

* المتونُ الروائيّة:

ثُمّ إنّه يُعدّ ممّن نقلَ متون هذه الروايات أيضاً: ابن برّاج، والسيّد المرتضى؛ وذلك لكون فتاوى المتقدّمين هي متون روايات، كما أشار إلى ذلك الشيخ الطوسي في مقدّمة المبسوط: بأنّ الأصحاب كانوا يستوحشون من الفتوى بغير ألفاظ الروايات، ومن ثَمّ عُرف عن السيّد البروجردي أنّه كان يقول: إنّ كُتب المتقدّمين هي متون روايات وهي بمنزلة الأصول المتلقاة، وعلى ذلك ففتوى ابن برّاج في المهذّب، والسيّد المرتضى في رسائله، بمثابة النقل لمتون الروايات لاسيّما وإنّها متطابقة مع المتون التي رواها الصدوق في الفقيه، واليك نصّ المتن الروائي في فتوى ابن برّاج حيث قال: (يستحبّ لمَن أذّن أو أقام أن يقول في نفسه عند (حيّ على خير العمل): (آل محمّد خيرُ البريّة) مرّتين).

وهذا المتن: هو عين أحد متون طوائف الروايات التي استعرضها الصدوق في الفقيه كما مرّ.

والمتن الروائي في فتوى السيّد المرتضى، حيث سُئل هل يجب في الأذان بعد قول (حيّ على خير العمل): (محمّد وعلي خير البشر)؟ فأجاب: إن قال: (محمّد وعلي خير البشر) على أنّ ذلك من قوله خارج من لفظ الأذان جاز؛ فإنّ الشهادة بذلك صحيحة، وإن لم يكن فلا شيء عليه) (2) .

____________________

(1) مصباح الفقيه: كتاب الصلاة فصل الأذان.

(2) المسائل المبافارقيّة: ص257، ورسائل السيّد المرتضى: ج1، ص279، طبعة المرعشي.


ومراده من الذيل - كما سيأتي شرح ذلك -: إن قال على أنّه من فصول الأذان فلا شيء عليه، والملاحَظ في هذا المتن الذي أفتى به مغايرته مع المتون الثلاثة التي ذكرها في الفقيه، وإن كان مقارباً لأحدها لاسيّما مع متن ابن برّاج حيث خصّ الموضع ما بعد حيّ على خير العمل، بل قد يُستكشف من ذلك أنّ الشهادة الثالثة لها موضعان:

أحدهما: بعد الشهادة الثانية وهو الشهادة بالإمرة والولاية، والموضع الآخر: بعد (حيّ على خير العمل) وهو القول بأنّ: (محمّد وآله خير البشريّة)، أو قوله: (محمّد وعلي خير البشر).

* المتون الروائيّة التي رواها الصدوق:

وإليك متن في عبارة الصدوق في الفقيه: وقال مصنّف هذا الكتاب (رحمه الله): هذا هو الأذان الصحيح لا يُزاد فيه ولا يُنقص فيه، والمفوّضة (لعنهم الله) قد وضعوا أخباراً وزادوا في الأذان (محمّد وآل محمّدٍ خير البريّة) مرّتين، وفي بعض رواياتهم بعد أشهد أنّ محمّداً رسول الله: (أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله) مرّتين، ومنهم مَن روى بدل ذلك: (أشهدُ أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً) مرّتين، ولا شكّ في أنّ عليّاً وليّ الله، وأنّه أمير المؤمنين حقّاً، وأنّ محمّداً وآله صلوات الله عليهم خير البريّة، ولكن ليس ذلك في أصل الأذان؛ وإنّما ذُكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتّهمون بالتفويض المدلِّسون أنفسهم في جملتنا) (1) انتهى كلامه (قدِّس سرّه).

____________________

(1) الفقيه: ج1.


وعبارته وإن كانت كما سيأتي في الفصل الأوّل تحليلها وتقييمها بنحو مفصّل، إلاّ أنّ الذي يُعنينا في المقام هو تنصيص الصدوق على كونها روايات لا رواية واحدة، وتنصيصه على كونها ثلاثة طوائف وروايته لمتونها بألفاظها.

* المتونُ التي رواها الشيخ في النهاية والمبسوط:

لاسيّما وأنّ النهاية كلّها متون روايات كما هو معروف، بل قد نصّص الشيخ فيها بلفظ الرواية فقال: (وأمّا ما رويَ في شواذ الأخبار من قول: (أشهد أنّ عليّاً وليّ الله)، و (وآل محمّد خير البريّة).....) (1) ، وسيأتي تتمّة كلامه عند استعراض فتواه، وقال في المبسوط: وأمّا قول: (أشهد أنّ عليّاً أمير المؤمنين)، و (وآل محمّد خير البريّة) على ما ورد في شواذ الأخبار.....) (2) وسيأتي تتمّة كلامه عند استعراض فتواه.

* لمحةٌ عن أسانيد المتون الخاصّة:

إنّ الظاهر المنسبق من عبارة الصدوق السابقة، وإن كان يتبادر منه حُكمه بالوضع في صدور تلك الروايات مع أنّه روى متونها، إلاّ أنّه سيأتي أنّ ذيل عبارته ينافي ذلك، إلاّ أنّه يناسب مقدّمة البحث، ذكرَ عبارة المبسوط وتقييمه لدرجة صدور تلك الروايات الدالّة على كون الشهادة الثالثة من فصول الأذان، وهو يخالف بذلك موقف الصدوق من صدور الروايات، وقد وافق الشيخ في ذلك: العلاّمة الحلّي، والشهيد الأوّل، كما سيأتي لاحقاً في استعراض الأقوال واليك نص عبارة المبسوط:

____________________

(1) النهاية: ج1، ص293 طبعة جماعة المدرّسين.

(2) المبسوط: ج1، ص293 طبعة جماعة المدرّسين.


قال في كتاب الصلاة منه في فصل الأذان: (ففصول الأذان أربع تكبيرات في أوله،... فأمّا قول: (أشهدُ أنّ عليّاً أمير المؤمنين، وآل محمّد خير البريّة) على ما ورد في شواذ الأخبار، فليس بمعمول عليه في الأذان، ولو فعله الإنسان لم يأثم به، غير أنّه ليس من فضيلة الأذان ولا كمال فصوله) (1) ، انتهى كلامه (قدِّس سرّه).

فقد حُكم عليها بالشذوذ وعدم الإثم بالعمل بها، وقد عَقدنا تذييلين (2) فيهما بحثٌ مفصّل في خاتمة الفصل الأوّل، في بيان معنى الشاذ لدى الشيخ والمحدّثين وعلماء الدراية هو المعتبر سنداً المُعرض عنه عملاً.

وقال في النهاية في كتاب الصلاة: (وهذا الذي ذكرناه من فصول الأذان والإقامة هو المختار المعمول عليه، وقد روي سبعة وثلاثون فصلاً في بعض الروايات وفي بعضها،... وفي بعضها،... فإن عَمل عامل على إحدى هذه الروايات لم يكن مأثوماً، وأمّا ما رويَ عن شواذ الأخبار من قول: (أشهد أنّ عليّاً وليُّ الله، وآل محمّد خير البريّة) فممّا لا يُعمل عليه في الأذان والإقامة فمَن عملَ بها كان مخطئاً)، انتهى كلامه (قدِّس سرّه) (3) .

____________________

(1) المبسوط: ج1، ص148، طبعة جماعة المدرّسين - قم المقدّسة.

(2) راجع: ص240.

(3) النهاية: ص293، طبعة جماعة المدرّسين - قم المقدّسة.


وشرح كلامه سيأتي مفصّلاً لاحقاً، لكن نشير إجمالاً إلى أنّ تعبيره في المبسوط أنّ العامل بها غير مأثوم، قد عبّر به في النهاية عن العمل بطوائف الروايات المختلفة الواردة في عدد فصول الأذان، التي هي مسألة أخرى غير الشهادة الثالثة، وجملة تلك الروايات طوائفها معتبرة، ممّا يؤكّد اعتبار صدور الروايات في الشهادة الثالثة في فصول الأذان، غاية الأمر أنّه وصفها بالشذوذ بمعنى الإعراض عن العمل بها.

* فتحصّل:

أولاً: الالتفات إلى كون الروايات الواردة المتضمّنة لكون الشهادة الثالثة من فصول الأذان، قد أشار إلى متونها الصدوق في كتابه مَن لا يحضره الفقيه وغيره من المتقدّمين في كتبهم، كما مرّ وهي موجودة في أصول الأصحاب المعتبرة في الطبقات السابقة عليه.

ثانياً: إنّ هذه الأخبار معتبرة في نفسها عند الشيخ وجملة من الأصحاب، كما سيأتي شرح ذلك مفصّلاً بشهادة وصفها بالشذوذ لا الضعف، وإنّ العامل بها غير مأثوم وغير ذلك من عباراتهم الآتية، وإنّ الصدوق - بمقتضى ذيل كلامه كما مرّ وسيأتي شرحه - لم يجزم بالوضع لها صدوراً؛ وإنّما طرحها لكونهم من المتّهمين بالتفويض عنده لا أنّه (قدِّس سرّه) متحقّق من تفويضهم ومن وَصفها.

والجدير بالالتفات أيضاً: أنّ عبارة الصدوق في الفقيه ناصّة على تكثّر روايات الشهادة الثالثة في الأذان، فعبّر بلفظ (أخباراً)، وعبّر أيضاً بلفظ (وفي بعض رواياتهم) عن ورود الصيغة الثانية في تلك الروايات، وعبّر أيضاً ومنهم مَن روى بدل ذلك عن الصيغة الثالثة للشهادة الثالثة، والتفنّن بهذه التعبيرات منه حكاية واضحة عن كثرة طرق تلك الأخبار، وممّا يشهد لكثرة الطرق أيضاً: اختلاف صيغ الشهادة الثالثة في الأذان المرويّة في تلك الروايات وسيأتي بيان ذلك لاحقاً.


وسيأتي أنّ الشيخ وغير واحد، بل وكذا الصدوق - وإن اختلف رأيه في اعتبار الروايات عن الشيخ وأتباعه - إنّما أطرحوا هذه الروايات لدعوى المعارض الراجح، ممّا يقضي بكونها حجّة في نفسها لولا المُعارض، ومن ثُمّ لم يحكموا بأثم العامل بتلك الأخبار أي على أنّها من فصول الأذان، وإنّما حكموا بخطئه بحسب صناعة الترجيح أي أنّ كِلا طرفي الروايات معتبر في نفسه، وإنّما طُرحت روايات الشهادة الثالثة لأرجحيّة معارضه (1) ، وقد تبعَ الشيخ في موقفه وتقييمه للروايات ومعالجته لها في كلّ ذلك كلّ من: العلاّمة، والشهيد الأوّل، كما سيأتي نقل كلامهم.

____________________

(1) وسيأتي أنّ دعوى أصل المعارضة من متقدّمي الأصحاب، ليس في محلّه، كما نبّه عليه المجلسي الأوّل في روضة المتّقين لشرح كتاب الفقيه، فضلاً عن أرجحيّة الروايات الخالية من الشهادة الثالثة.



صيَغ الشهادة الثالِثة

يتّضح ممّا تقدّم: أنّ للشهادة الثالثة في الأذان والإقامة أو الصلاة هي بأشكال متعدّدة وصيغ مختلفة:

الأولى، والثانية، والثالثة: ما ذكرها الصدوق في الفقيه (1) من متون الروايات: (محمّد وآل محمّد خير البريّة) مرّتين، ولم يحدِّد لها الصدوق في الرواية الواردة موضعاً خاصّاً في الأذان ولعلّها بعد (حيّ على خير العمل)، كما في كلمات السيّد المرتضى وابن برّاج وغيرهما: (وأشهد أنّ عليّاً وليّ الله) مرّتين، وقد ذكر الصدوق موضعها بعد الشهادة الثانية، وصيغتها مكرّرةً كبقيّة فصول الأذان، و (أشهدُ أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً) مرّتين، وظاهر الصدوق أنّ الوارد في الروايات الأخرى هذه الصيغة بعد الشهادة الثانية.

الرابعة: الصيغة التي رواها السيّد المرتضى في كتابه (مسائل المبافارقيات)، بعد حيّ على خير العمل وهي: (أشهد أنّ محمّد وعليّاً خير البشر) (2).

الخامسة: الصيغة التي بنى عليها العلاّمة الحلّي في المنتهى (3)، ممّا رواه من صحيحة الحَلَبي وهو: تسمية الأئمّة بالإجمال في الصلاة كذكرٍ من أذكارها.

____________________

(1) الفقيه: ج1، كتاب الصلاة، أبواب الأذان والإقامة، ص290 طبعة قم.

(2) المبارقيات: ص257.

(3) المنتهى: ج5، ص292 طبعة الأستانة الرضويّة.


السادسة: الصيغة التي ذكرها علي بن بابويه في التشهّد في كتابه الفقه الرضوي حيث قال: (فإذا تشهّدت في الثانية فقل: بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلّها لله، أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله،... فإذا صلّيت الرابعة فقل في تشهّدك: بسم الله وبالله،... أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله،.. وأشهدُ أنّك نِعمَ الربُّ، وأنّ محمّداً نِعمَ الرسول، وأنّ عليّ بن أبي طالب نِعم الولي، وأنّ الجنّة حق....) (1).

السابعة: الصيغة التي ذكرها كلّ من: علي بن بابويه، والنراقي، والميرزا النوري:

(اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن، والحسين، وعلى الأئمّة الراشدين...) (2) .

الثامنة والتاسعة: وهما الصيغتان المذكورتان في دعاء التوجّه في فتاوى القدماء؛ تَبعاً لمَا ورد في النصوص وهما: (ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب)، و (منهاج علي بن أبي طالب) و(هدي علي).

العاشرة: ما ورد في قضيّة كُدير الضبّي بقوله في صلاته: (اللهمّ صلِّ على النبيّ والوصيّ).

____________________

(1) الفقه الرضوي: ص108.

(2) (فقه الرضا، المستند، مستدرك الوسائل).


سيرةُ العلماء المتقادمة وفتاواهم بجواز الشهادة الثالثة

* الأولى: فتوى السيّد المرتضى بالجواز

في رسالة له (المسائل المبافارقيّات) المسألة الخامسة عشر: هل يجب في الأذان بعد قول: (حيّ على خير العمل) محمّد وعلي خير البشر؟

الجواب: إن قال: محمّد وعلي خير البشر على أنّ ذلك من قوله خارج من لفظ الأذان جاز، فإنّ الشهادة بذلك صحيحة، وإن لم يكن فلا شيء عليه) (1) .

أقول: ولا يخفى أنّ الشق الثاني من جوابه من قوله: (وإن لم يكن فلا شيء عليه) المراد منه: أي إن لم يقل ذلك على أنّه من خارج لفظ الأذان، أي جعله من داخل لفظ الأذان وفصوله فلا شيء عليه، فحكمهُ (قدِّس سرّه) فتوى صريحة بمضمون الروايات التي أوردها الصدوق (الفقيه) المتضمنّة بكون صيغ الشهادة الثالثة من فصول الأذان.

ثُمّ إنّ سؤال السائل من مدينة مبّافارقي (2) - وهي مدينة كبيرة عند إيل من بلاد الجزيرة وفي معالِم العلماء مبافارقي - وقعَ عن وجوب ذلك في الأذان، وسواء كان السائل من العوام أو من أهل الفضل؛ فإنّ سؤاله يبني عن وقوع التأذين بالشهادة الثالثة في الأذان عند الشيعة والمفروغيّة من مشروعيّتها لديهم، وإنّما ترديدهم في لزومها على نحو الوجوب أو الندب، وهذا يؤكّد ما تفيده عبارة الصدوق في الفقيه المتقدّمة من وجود ظاهرة عمل وسلوك الشيعة وسيرتهم بذكر الشهادة الثالثة في الأذان في زمن الصدوق، وزمن السيّد المرتضى،

____________________

(1) رسالة المسائل: مطبوعة بضميمة جواهر الفقه لابن برّاج، طبعة جماعة المدرّسين، وفي رسائل السيّد المرتضى: طبعة السيّد المرعشي، ج1، ص279.

(2) المبّافارقي: بفتح الميم وتشديد الباء الموحّدة والفاء بين الألفين، وآخرها الراء والقاف، قريبة من الموصل.


حيث يُعد الصدوق من مشايخ السيّد المرتضى (قدِّس سرّه) في الرواية، كما هو من مشايخ الشيخ المفيد في الرواية، وبذلك نقف بالدلائل على وجود السيرة بالشهادة الثالثة في الأذان لدى الشيعة في بدايات الغيبة الكبرى، وسيأتي في مبحث سيرة المتشرّعة من الطائفة الشيعيّة أنّ سيرتهم في بغداد، وشمال العراق، وجنوب إيران، وحلب، ومصر، وكذلك الدولة الحمدانيّة، وآل بويه، والدولة العبيديّة، والفاطميون كانت على التأذين بالشهادة الثالثة (محمّد وعلي خير البشر)، وهي أحد الصيغ القريبة من الطوائف الثلاث التي رواها الصدوق في الفقيه، كلّ ذلك بالنصوص التأريخيّة العديدة على ذلك، وهذه السيرة متقدّمة على الصدوق بطبقة أو طبقتين.

أقول: فيُعلم أنّ مبدأ السيرة لديهم ليس في ابتداء الغيبة الكبرى، بل المراد أنّ مقدار ما تعطيه العبارة المتقدّمة للصدوق وعبارة الشيخ الطوسي: هو الدلالة على ما هو أقدم، وهو وجود جملة من طوائف الروايات الواردة عن الرواة، وبذلك يفيد أنّ هذه السيرة كانت لدى رواة الأئمّة قبل الغيبة الصغرى؛ لأنّ دأب ودَيدن الرواة العمل والفتوى بما يروونه، وإلاّ فيستثنون وينبّهون على عدم اعتمادهم على مضمون الرواية عند روايتهم لها في ذيلها، كما هو واضح للمتتّبع لكتب الحديث وأبواب الروايات.

* الثانية: فتوى الشيخ الطوسي بالجواز

وتتبيّن فتواه بالجواز من خلال المقارنة بين عبارته في النهاية وعبارته في المبسوط المتقدّمتين، حيث قال في المبسوط: بأنّ العامل بالروايات المتضمنّة للشهادة الثالثة بكونها من فصول الأذان غير مأثوم، ونظير هذا التعبير عبّر به الشيخ في النهاية فيمَن عملَ بأحد طوائف الروايات المختلفة مفاداً في عدد الفصول، حيث ذهب أنّ العامل بأحدها غير مأثوم،


وهذا يقضي بفتواه بالجواز، إذ هو (قدِّس سرّه) كان في صدد عدم ارتضاء الجمع بين الروايات المتضمنّة للشهادة الثالثة والخالية منه، بحمل المتضمنّة منها على الاستحباب؛ لأنّه يبني على استحكام التعارض لا الجمع الدلالي بينهما، فمن ثُم تصل النوبة إلى الترجيح بينهما عنده، نظير ما صرّح به في الروايات الواردة في عدد فصول الأذان المختلفة في تحديده؛ فإنّه لم يَجمع بينهما بحمل المتضمنّة للزيادة على الندب بل بنى على استحكام التعارض بينهما، ومن ثُمّ قال بالتخيير في العمل بها، حيث قال في كتاب النهاية:

(مَن عَمل بإحدى هذه الروايات لم يكن مأثوماً)، الذي هو عين التعبير في المبسوط في روايات الشهادة الثالثة حيث قال: (لو فعله الإنسان لم يأثم)، وقد مرّ أنّ رواية رواة الأئمّة لتلك الروايات اعتماداً منهم عليها، وإلا لذيلّوا بقولهم المُعترض على مضمونها بصورة لفظ استثناء ونحوه، ولو كان مثل ذلك الذيل في كلام الرواة لتلك الروايات موجوداً لَنقلهُ الصدوق والشيخ الطوسي (قدِّس سرّهما)، ولأشارا إليه لاسيّما وإنّهما كانا - بحسب عبارتهما - في مقام تقييم درجة اعتبار الروايات، فظهرَ من ذلك دلالة عبارة الصدوق والشيخ - حيث لم يصفا الروايات بالإرسال، ولا بكونها مقطوعة، ولا بكونها مضمرة، ولا بكونها معلّقة - على كون الروايات متّصلة الإسناد إلى المعصومين (عليهم السلام)، وبكونها سيرة روائيّة لدى جملة من الرواة؛ لأنّهم قد وصفوها بوصف الجمع ممّا يدلّ على تعدّد مضامينها وطرقها - كما نقلَ تعدّد المتون وتعدّد طُرقها وبالتالي تعدّد سلسلة الرواة لها.

ثُمّ إنّ هناك في فتوى السيّد المرتضى (قدِّس سرّه) ما يعزِّز فتواه بالجواز - وإن أتى بها على أنّها من فصول الأذان - أمرين:


الأوّل: إنّ فتواه كما مرّ صَدرت في ظل سيرة الشيعة في بغداد، وشمال العراق، وجنوب إيران، ومصر، ودولة الحمدانيين، وآل بويه، والفاطميين، والعبيديّة، على التأذين بالشهادة الثالثة بنفس الصيغة التي أفتى بها السيّد فتكون فتواه مساندة لهذه السيرة ودعم لها.

والثاني: هو فتواه المتصلة بالعبارة السابقة حيث سُئل: (المسألة السادسة عشر: من لفظ أذان المخالفين يقولون في أذان الفجر: (الصلاة خير من النوم) هل يجوز أن نقول ذلك أم لا؟

الجواب: مَن قال ذلك في أذان الفجر قد أبدعَ وخالف السنّة؛ لإجماع أهل البيت على ذلك) انتهى.

ففتواه ببدعيّة (الصلاة خير من النوم) - مع ورود الروايات المتضمنّة لها الصادرة تقيّة، بل وفتوى جماعة من المتقدّمين بجوازها عند التقيّة - يدلّ بوضوح - بمقتضى المقابلة مع فتواه السابقة المتصلة بالشهادة الثالثة - بناءه على استفادة المشروعيّة للشهادة الثالثة في فصول الأذان من الروايات الواردة فيها، وبنفس التقريب سيأتي في فتوى الشيخ الطوسي، حيث تعرّض فيها للشهادة الثالثة وسنبيّن إفادتها للجواز، غاية الأمر أنّه يُحكم بخطأ مَن عملَ بمضمونها الذي هو كون الشهادة الثالثة من فصول الأذان، أي تخطئة اجتهاديّة في مقام الترجيح بين الروايات المتعارضة لا التخطئة القطعيّة كما هو الحال في التثويب، حيث قال قبل فتواه الآتي نقلها في الشهادة الثالثة: (ولا يجوز التثويب في الأذان، فإن أراد المؤذِّن إشعار قوم بالأذان جاز له تكرار الشهادتين، ولا يجوز قول: (الصلاة خير من النوم) في الأذان، فمَن فعلَ ذلك كان مُبدعاً) (1) .

____________________

(1) النهاية: ج1/ 29 ط. قم مؤسّسة النشر الإسلامي.


فنلاحظ الشيخ الطوسي كالسيّد المرتضى، قد اختلف حكمهما على التثويب عن حكمهما على الشهادة الثالثة، فإنّهما حَكما (بالبدعيّة) أي: التخطئة القطعيّة على ذِكر التثويب في فصول الأذان، مع أنّ الروايات الواردة في التثويب - كفصل من الأذان - متعدّدة قد وصلَ إلى عصرنا إسنادها المتصل، إلاّ أنّها حيث وردت في التقيّة بشهادة روايات أخرى صريحة دالّة على ذلك، فَحكما على التثويب بالبدعيّة.

وأمّا الشهادة الثالثة إذا أُتي بها على أنّها من فصول الأذان، فقد حَكم السيّد المرتضى بنفي المحذور في ذلك، فضلاً عمّا لو أتى بها في الأذان على أنّها خارجة منه، بينما الشيخ الطوسي حَكم بالخطأ بصناعة الترجيح لو أتى بها على أنّها من فصول الأذان، وقد ذهبَ العلاّمة الحلّي إلى التفرقة في الحُكم بين التثويب (1) والشهادة الثالثة، بعين ما صنعهُ الشيخ الطوسي، فبينَ حُكم التثويب وحكم الشهادة الثالثة في الأذان بون بعيد، كما لا يخفى على المتحذلق في صناعة الاستدلال.

وممّا يدلّ على ذهابه للتخيير والجواز للعمل بها، ويُعضد قوياً استظهار فتواه بالجواز قوله عقيب عبارته في المبسوط: (غير أنّه ليس من فضيلة الأذان، ولا كمال فصوله) فإنّ هذا الاستثناء لا يصلح التعبير به إلاّ في سياق سَبق الحُكم فيه بالجواز؛ لأنّ هذا الاستثناء بمعنى الاستدراك فهو يستدرك على شيء قد مضى، ولو كان يفتي بالحرمة لمَا صحّ الاستدراك.

____________________

(1) التذكرة: ج3، ص45، وص47.


ثُمّ إنّ فتوى الشيخ - كما تقدّم في فتوى السيّد المرتضى - مُساندة وداعمة لسيرة الشيعة في بغداد، وشمال العراق، وجنوب إيران، ومصر، وحلب، والدول الشيعيّة: كالحمدانيين في شمال العراق، وحلب، وآل بويه، والعبيديين، والفاطميين، كما سيأتي في بحث السيرة استعراض النصوص التاريخيّة في ذلك.

* الثالثة: فتوى ابن برّاج بالجواز في المهذّب

قال ابن البرّاج في المهذّب: (ويستحبّ لمَن أذّن أو أقامَ أن يقول في نفسه عند حيّ على خير العمل: آلُ محمّد خير البريّة مرّتين) (1).

وصريحهُ: العمل والفتوى بأحد الطوائف التي ذكرها الصدوق والتي تقدّم نَقل متنها، وهو يقضي أنّ الروايات كانت واصلة لديه، فاعتمدَ وأفتى بمضمونها خلافاً لموقف الصدوق من تلك الروايات، وخلافاً لموقف الشيخ الطوسي حيث بنى على التعارض والتخيير، فابن البرّاج قد بنى على الجمع بينها بحملها على الإسرار، فكأنّه حملَ الروايات الخالية منها أي من الشهادة الثالثة على التقيّة، وفهمَ منها مطلوبيّة التقيّة والتقيّة بالتالي تقتضي الإسرار بها، لاسيّما مع ما سيأتي من حصول الصدامات عقوداً من الزمن بين الشيعة وسنّة جماعة الخلافة في بغداد قبله بطبقتين أو ثلاث، على كيفيّة فصول الأذان وإدراج الشهادة الثالثة وحيّ على خير العمل فيه، ولاسيّما وإنّ ابن برّاج قد انتقلَ وهاجر إلى الشام في ظلّ الدولة الشيعيّة هناك آنذاك.

____________________

(1) المهذّب: ج1، ص90 طبعة جماعة المدرّسين.


فالتقيّة تقتضي الإسرار بقراءتها دون الإجهار بها أمام العامّة هذا، مع أنّ الإسرار سيأتي أنّه أحد كيفيّات الأذان في بعض الموارد، كما أنّ الإجهار من كيفيّاته المطلوبة بحسب غالب الموارد، فيكون بذلك قد جمعَ بين دلالة الطائفتين، كما أنّه يظهر من صريح فتواه الفتوى في ذلك في كلّ من الأذان والإقامة لا خصوص الأذان.

كما أنّ تقييده هذا القول بالمرّتين: هو الآخر صريح بالإتيان بها على أنّها من فصول الأذان، كما أنّه شاهد على عمله بمضمون متون الروايات التي أشار إليها في الفقيه، حيث نصّت على كونها من فصول الأذان مرّتين.

* الرابعة: فتوى المتقدّمين والمتأخّرين بالشهادة الثالثة في محاكاة الأذان

وفتواهم هذه وإن كان مصبّها في حكاية الأذان لمَن سمعهُ من غيره، إلاّ أنّه سيأتي في الفصول اللاحقة فتواهم الأخرى المعتمدة من لزوم مطابقة حكاية الأذان ومحاكاته لمتن فصول الأذان، وبهذه الضميمة تُشعر فتواهم الأولى بتضمّن فصول الأذان للشهادة الثالثة.

منها: قول الشيخ الطوسي في المبسوط: (ويستحبّ للإنسان أن يقول مع نفسه مثلَ ما يسمع من فصول الأذان. إلى أن قال: ورويَ أنّه إذا سمعَ المؤذِّن يقول: أشهدُ أن لا إله إلاّ الله - أن يقول: وأنا أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبد الله ورسوله، رضيتُ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رسولاً، وبالأئمّة الطاهرين أئمّة) ويصلّي على النبيّ وآله (1).

____________________

(1) المبسوط: المجلّد الأوّل، ص144-145، طبعة جماعة المدرّسين.


ومنها: ما قاله العلاّمة في التذكرة: (رويَ أنّه يستحبّ إذا سمعَ المؤذِّن يقول: أشهدُ أن لا إله إلاّ الله، أن يقول: (وأنا أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمّد رسولاً، وبالأئمّة الطاهرين أئمّة) ثُمّ يُصلي على النبيّ وآله (1) ، وأفتى بذلك في المنتهى أيضاً (2).

ومنها: ما قاله الشهيد في الذكرى في أحكام الأذان، المسألة الرابعة عشر: (قال ابن البرّاج: يستحبّ لمَن أذّن أو أقامَ أن يقول في نفسه عند (حيّ على خير العمل): (آلُ محمّد خير البريّة) مرّتين (3).

ويظهر من الشهيد تقرير ابن برّاج في المهذّب (4) على فتواه، والتي هي عمل بمضمون الطوائف التي استضعفها الصدوق في الفقيه المتضمنّة لجزئيّة الشهادة الثالثة في الأذان.

نعم، الظاهر من الشهيد أنّه فهمَ من فتوى ابن برّاج: أنّ الشهادة الثالثة من أذكار الأذان التابعة له المندوبة بالندب الخاص، لا جزء فصوله، وكأنّ ابن برّاج بنى على ذلك إلاّ أنّ بناء الشهيد على بعض مضمون تلك الطوائف - لاسيّما وإنّه ذَكر في كثير من كتبه وصول الروايات المزبورة ووقوفه عليها - دال على اعتماده على صدورها، وفاقاً لابن برّاج، والطوسي، والعلاّمة، خلافاً للصدوق، ولا يخفى التنبيه في المقام على أنّ الاستحباب هنا قد جعله للمؤذِّن والمقيم نفسه، لا للسامع في حكايته لمَا يسمعه في الأذان.

____________________

(1) التذكرة: ج3، ص84 طبعة مؤسّسة أهل البيت، قم المقدّسة.

(2) المنتهى: ج4/ 343، ط مشهد المقدّسة.

(3) ذكرى الشيعة: ج3، ص241 طبعة مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام).

(4) المهذّب: ج1/90.


ومنها: فتوى المحقّق في المعتبر.

قال: (مسألة: من السنّة حكاية قول المؤذّن؛ لمَا روي عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (إذا سمعتم النداء، فقولوا كما يقول المؤذِّن) قال الشيخ في المبسوط: مَن كان خارج الصلاة قطعَ كلامه وحكى قول المؤذِّن، وكذا لو كان يقرأ القرآن قطعَ وقال كقوله؛ لأنّ الخبر على عمومه، وقال في المبسوط أيضاً: رويَ إذا قال المؤذِّن أشهدُ أن لا إله إلاّ الله أن يقول: (وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربّاً، بالإسلام ديناً، وبمحمّد رسولاً، وبالأئمّة الطاهرين أئمّة...) (1) .

وظاهره: تقريره فتوى الشيخ مُشعر أيضاً بأنّ الشهادة الثالثة من الأذان بمقتضى قاعدة تطابق حكاية الأذان مع الأذان المستحبّة، ولا أقلّ من دلالتها على أنّ الشهادة الثالثة من توابع الأذان، ومن ثُمّ أدرجَ الفقهاء استحباب الحكاية بالشهادات الثلاث عند سماع الأذان في نفس مسألة الحكاية لسماع الأذان.

* الخامسة: الفتوى بذكريّة أسمائهم في الصلاة

أي ذِكر أسمائهم في الصلاة، مع وصفهم بالإمامة الذي هو نحو من الشهادة بالولاية.

منها: فتوى الصدوق في الفقيه

فإنّه قد أوردَ صحيح الحَلَبي المتقدّم في موضعين من الفقيه: أحدهما في قنوت صلاة الوتر (2) ، والآخر في مطلق باب القنوت في الصلاة (3) ، ويظهر منه كلا الموضعين الإفتاء بها؛ لأنّه لم يعلِّق عليها برد أو توقّف مع أنّه قد علّق على روايات قبلها وبعدها،

____________________

(1) المعتبر: ج2، ص146 الطبعة القديمة.

(2) الفقيه: ج1، ص493 طبعة قم.

(3) الفقيه: ج1، ص317 طبعة قم.


بل قد قال قبل هذه الصحيحة بعد حكاية شيخه لفتوى سعد بن عبد الله أنّه كان يقول: لا يجوز الدعاء في القنوت بالفارسيّة، وكان محمد بن الحسن الصفّار يقول: إنّه يجوز والذي أقول به إنّه يجوز ثُمّ استدلّ لذلك بروايتين، ثُمّ أورد صحيحة الحَلَبي، فلاحظ ثمّة كلامه.

ومنها: فتوى الشيخ المفيد بمضمون صحيح الحَلَبي

حيث قال في دعاء قنوت الوتر بذكر لفظ الشهادات الثلاث قال: (... اللهمّ فإنّي أشهدُ على حين غفلة من خلقك: أنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت، وأنّ محمّداً عبدك المرتضى ونبيّك المصطفى، أسبغتَ عليه نعمتك، وأتممتَ له كرامتك، وفضّلت لكرامته آله، فجعلتهم أئمّة الهدى، ومصابيح الدُجى، وأكملتَ بحبّهم وطاعتهم الإيمان، وقبلتَ بمعرفتهم والإقرار بولايتهم الأعمال، واستعبدتَ بالصلاة عليهم عبادك وجعلتهم مفتاحاً للدعاء،.... اللهمّ صلِّ على محمّد عبدك ورسولك وآله الطاهرين،.... اللهمّ صلِّ على أمير المؤمنين وصيّ رسول ربّ العالمين، اللهمّ صلِّ على الحسن والحسين سِبطَي الرحمة وإمامَي الهدى، وصلِّ على الأئمّة من وِلد الحسين، عليّ بن الحسين،.... والخلف الحجّة (عليهم السلام)، اللهمّ اجعلهُ الإمام المنتظر....) (1) .

ومنها: فتوى الشيخ الطوسي بذلك

حيث أورد صحيح الحَلَبي في موضعين أيضاً، أوّلهما: في دعاء قنوت الوتر حيث قال: (وممّا وردَ في الحث على الدعاء في الوتر)، ثُمّ أورد جملةً من الروايات ومن ضمنها صحيح الحَلَبي المتقدِّم) (2) .

____________________

(1) المقنعة: ص125 - 126 - 130 طبعة قم - جماعة المدرّسين.

(2) التهذيب: ج2، ص130 - 131، ح506.


وثانيهما: ما وردَ في باب (1) كيفيّة الصلاة وصِفتها، حيث أوردها بعد ذكر روايةٍ في مطلق ذكر الله في الصلاة، ولم يعلِّق عليها بردٍ أو توقف كما هو دأبه فيما لا يرتضيه في مضامين بعض الروايات، حتّى أنّه أوردَ في الموضع الثاني قَبل ذلك رواية في النهي عن الصلاة والإزار محلول، وعلّق عليها: بأنّ هذا الأمر محمول على الاستحباب واستشهدَ برواية أخرى.

منها: فتوى العلاّمة، كما في كتاب المنتهى الفصل الثالث: في التروك، حيث استثنى من الكلام المبطل في الصلاة كلّ كلام هو من ذِكر الله، وجعلَ منه ذكر أسماء الأئمّة مستنداً في ذلك إلى صحيح الحَلَبي الدال بالخصوص على ذلك.

قال: المطلب الثاني عشر (لا بأس بأصناف الكلام الذي يناجي به الربّ تعالى؛ لمَا رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يتكلم في صلاة الفريضة، بكلّ شيء يناجي ربه؟ قال: (نعم)) (2).

وعن الحلبي: قال: (قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) أسمّي الأئمّة (عليهم السلام) في الصلاة؟ قال: (أجمِلهم) (3) ، ومن هذا الباب كلّ ذكرٍ يُقصد به تنبيه غيره) (4).

____________________

(1) التهذيب: ج2، ص326، ح1338.

(2) منتهى المطلب: ج5، ص292 طبعة الأستانة الرضويّة.

(3) أبواب القنوت: باب 14 الحديث الأوّل، التهذيب: ج2، ص326، الحديث 1338.

(4) أبواب قواطع الصلاة: باب 13، الحديث الأوّل.


وما أشار إليه من صحيحة الحَلبي، سيأتي ورود عدّة صِحاح قريب من مضمونها: كصحيح عبد الله بن سنان (1)، وصحيح زرارة (2) ، وصحيح محمد بن مسلم (3) ، وموثّق سماعة (4) ، وموثّق أبي بصير (5)، وعلى كلّ حال فيظهر من فتوى العلاّمة: أنّ ذِكر أسماء الأئمّة في الصلاة، وبوصفهم أئمّة للدين - الذي هو نمط من الشهادة بولايتهم - هو من أذكار الصلاة الخاصّة، ومن ثُمّ لا يكون من الكلام المبطل للصلاة، وسيأتي تحرير وتنقيح كلامه بشكل مبسوط في الوجه الثاني، وملخّص بيان كون التوصيف بالإمامة لهم هو شهادة بإمامتهم؛ وذلك لكون الواصف في كلامه في مقام الإخبار يلتزم ويقرّ ويعترف بثبوت الوصف للموصوف، كما هو الحال في باب الأقارير: يؤخذ المتكلم في مقام الإخبار بمدلول كلامه التضمنّي والالتزامي، فالتركيب النعتي في هيئة الجملة الخبريّة موازية في المعنى للفظ الإقرار والالتزام.

____________________

(1) أبواب الركوع: باب 20، ح1.

(2) أبواب الأذان والإقامة: باب 42، ح1.

(3) أبواب صلاة الجمعة: باب 25، ح1.

(4) المصدر السابق: ح2.

(5) أبواب الذكر من أبواب الصلاة: باب 3، ح3.


ومنها: فتوى المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان

حيث قال بعد حكاية كلام الصدوق في الفقيه: والذي أستعملهُ وأفتي به ومضى عليه مشايخي (رحمة الله عليهم): هو أنّ القنوت في جميع الصلوات في الجمعة وغيرها، في الركعة الثانية بعد القراءة وقبل الركوع، ثُمّ قال المقدّس الأردبيلي وقال في صحيحة الحَلَبي، قال في قنوت الجمعة: (اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى أئمّة المؤمنين (المسلمين)، اللهمّ اجعلني ممّن خلقته لدينك وممّن خلقته لجنّتك. قلتُ: أسمّي الأئمّة؟ قال: سمِّهم جملةً) (1).

قال في المنتهى: إنّه صحيح كما قلنا، مع وجود أبان كأنّه ابن عثمان ولا يضر؛ لمَا عرفتَ مراراً وهو مؤيّد لمَا قلناه (2) .

والرواية التي تعرّض لها الأردبيلي: هي صحيحة أخرى للحَلَبي غير متن الصحيحة التي تعرّض لها العلاّمة في المنتهى في الموضع الذي أشرنا إليه، بل وعلى أيّ تقدير فهذه الصحيحة في قنوت صلاة الجمعة لا في خُطبتي صلاة الجمعة، فيظهر منه العمل بمضمونها، ولا يخفى أنّ توصيفهم بالإمامة هي نمط من الشهادة لهم بذلك وبالولاية، كما مرّ وسيأتي بسط بيان ذلك.

ومنها: فتوى المحقّق النراقي في المستند

قال المحقّق النراقي في المستند، المسألة الثالثة في بحث التشهّد في الصلاة: وتجب فيه الصلاة على النبي وآله في كلّ من التشهّدين،... ثُمّ استدلّ بجملة من الروايات وقال:

____________________

(1) أبواب القنوت: باب 14، ح2.

(2) مجمع الفائدة والبرهان: ج2، ص393 - 394 طبعة قم.


يستفاد من الروايتين الأولى والأخيرة وجوب إضافة الآل أيضاً، كما عليه الإجماعات المحكيّة وتدلّ عليه صحيحة القدّاح،... وصحيحة الحلبي: أسمّي الأئمّة في الصلاة قال: (أجمِلهم).... الأمر دلّ على الوجوب ولا وجوب في غير موضع النزاع بالإجماع (1).

وظاهره: الإفتاء بصحيح الحلبي، إلاّ أنّه فسّر عنوان الصلاة الوارد في الصحيحة بغير تفسير العلاّمة في المنتهى، حيث فسّرها في المنتهى بمجموع الأركان والأجزاء، فجعلَ ذِكر أسماء الأئمّة (عليهم السلام) من أذكار مجموع الصلاة ومن الكلام غير المبطل لها، وبغير تفسير الصدوق في الفقيه، حيث فسّر الصدوق عنوان الصلاة بالصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة (عليهم السلام) في قنوت الصلاة، ونظير الصدوق المقدّس الأردبيلي: حيث فسّر عنوان الصلاة في صحيح الحلبي الآخر بالصلاة على أئمّة المؤمنين في قنوت صلاة الجمعة، بينما ظاهر فتوى النراقي وعمله بصحيحة الحلبي تفسير عنوان الصلاة بالصلاة في التشهّد، وهذه احتمالات أربع في معنى الصحيحة إلاّ أنّها تشترك في ذِكر أسمائهم (عليهم السلام) في الصلاة ولو بالإجمال، ووصفهم بالإمامة وهو نحو شهادة لهم بالإمامة وشهادة لهم بالولاية.

* السادسة: الفتوى بالشهادة الثالثة في التشهّد والتسليم للصلاة

منها: فتوى علي بن بابويه في الفقه الرضوي قال: فإذا تشهّدت في الثانية فقل: بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلّها لله، أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله،...

____________________

(1) المستند: ج5، ص329 - 332 طبعة آل البيت (عليهم السلام).


فإذا صلّيت الركعة الرابعة فقل في تشهّدك: بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلّها لله، أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله،... أشهدُ أنّك نِعم الرب، وأنّ محمّداً نِعم الرسول، وأنّ عليّ بن أبي طالب نِعم الولي، وأنّ الجنّة حق، والنار حق.... (1).

ومنها: فتوى سلاّر أبو يعلي حمزة بن عبد العزيز الديلمي الطبرستاني: (وأمّا التشهّد الثاني الذي يتعقّبه التسليم في الرابعة من.... فهو: (بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلّها لله،... وأشهدُ أنّ ربّي نِعم الرب، وأنّ محمّداً نِعم الرسول، وأنّ عليّاً نِعم الإمام، وأنّ الجنّة حق والنار حق،... اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد...) (2).

ومنها: فتوى النراقي في المستند.

(قال: المسألة الرابعة: يستحبّ أن يزيد في تشهّده في الركعتين الأوليين ما في رواية عبد الملك،.... والأكمل منه للتشهّدين ما في موثّقة أبي بصير،... أو ما في الفقه الرضوي، ثُمّ أوردَ عين النص الذي نقلناه للفقه الرضوي المتضمِّن للشهادة الثالثة، إلى أن قال: ثُمّ إنّه لا شكّ في جواز الاكتفاء بالتشهّد بما في روايةٍ.

وهل يجوز التبعيض بأن يُذكر بعض ما في رواية واحدة فيه؟ لا ريب في جوازه (التبعيض) من حيث إنّه دعاء، وأمّا من حيث وروده واستحبابه بخصوصه (التبعيض) فمحلّ نظر، نعم، يجوز الاكتفاء بأحد التشهّدين بأن يُذكر ما ورد فيه دون الآخر، ويجوز الاكتفاء بافتتاح التشهّد خاصّة كما في رواية بدء الأذان (3).

____________________

(1) الفقه الرضوي: ص108.

(2) المراسم العلويّة: ص73.

(3) مستند الشيعة: ج5، ص334 - 336.


ومنها: ما يظهر من الميرزا النوري في المستدرك، حيث أورد ما في الفقه الرضوي من دون أن يعلِّق عليه بردٍ أو غيره مع أنّ دأبه - كما يظهر في المستدرك (1) - التعليق بالإشكال أو المعارضة بروايات أخرى على ما لا يتمّ عنده من الروايات.

ومنها: فتوى علي بن بابويه، والنراقي، والنوري أيضاً بالشهادة الثالثة في صيغة الصلاة في التشهّد، حيث أوردوا رواية علي بن بابويه وفيها زيادة على ما سبقَ وفيها هذا النص: (اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى، وعليّ المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن، والحسين، وعلى الأئمّة الراشدين من آل طه وياسين، اللهمّ صلِّ على نورك الأنور، وعلى حبلك الأطول، وعلى عروتك الأوثق، وعلى وجهك الكريم، وعلى جنبك الأوجب، وعلى بابك الأدنى، وعلى مسلك الصراط) (2).

ووجهُ عدُّ هذه المسألة من الشهادة الثالثة وهو الشهادة بالولاية: هو نَعتهم بالأئمّة التي تقدّم أنّها نحو من الإقرار بالإمامة والولاية لهم وهو مفاد الشهادة الثالثة، ومضافاً إلى ذلك: تخصيصهم بالأسماء الخاصّة لهم في الصلوات في رديف اسم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شاهد على خصوصيّة مقامهم بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أي أنّهم خير البريّة، وهو أحد صيغ الشهادة الثالثة التي مرّت في الروايات التي نقلها الصدوق في الفقيه، ومن ذلك يُستشفَ من فتاوى المشهور هذا المطلب كما سنتعرّض إليه.

____________________

(1) مستدرك الوسائل: أبواب التشهد، باب 2، ج5، ص6.

(2) لاحظ المصادر الثلاثة السابقة: (فقه الرضا، مستند النراقي، مستدرك الوسائل).


ومنها: فتوى علي بن بابويه، والنراقي، والنوري أيضاً بالشهادة الثالثة في صيغة التسليم في الصلاة، حيث أوردوا رواية علي بن بابويه وفيها النص التالي في التسليم: (السلامُ عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين، السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثُمّ سلِّم) (1).

ومنها: فتوى الصدوق محمد بن علي بن بابويه في التسليم، وفي كتابه المقنع (2) (أبواب الصلاة)، وكذلك ورد في الفقيه قال: (ثُمّ سلِّم وقل: اللهمّ أنت السلام، ومنك السلام، ولك السلام، وإليك يعود السلام، والسلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام على الأئمّة الراشدين المهديين،...) (3) .

وقد أفتى الشيخ الطوسي في النهاية بذلك، حيث قال في صيغة التسليم: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على جميع أنبياء الله وملائكته ورسله، السلام على الأئمّة الهاديين المهديين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثُمّ يسلِّم على حسب ما قدّمنا) (4) .

وبعين هذه الألفاظ أفتى ابن برّاج في التسليم في كتابه المهذّب (5)، وأفتى سلاّر في التسليم بقوله: (ويومئ بوجهه إلى القبلة فيقول: (السلام على الأئمّة الراشدين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) (6)، وأفتى المفيد (قدِّس سرّه) في المقنعة بذلك في التسليم حيث قال: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويومئ بوجهه إلى القبلة ويقول: السلام على الأئمّة الراشدين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وينحرف بعينه إلى يمينه، وإذا فعلَ ذلك فقد فرغَ من صلاته وخرج منها بهذا التسليم).

____________________

(1) المصدر السابق.

(2) المقنعة: ص96، طبعة قم/ مؤسّسة الإمام الهادي.

(3) الفقيه: ج1، ص319، ح944 طبعة قم.

(4) النهاية: ج1، ص311، طبعة مؤسّسة النشر، قم.

(5) المهذّب: ج1، ص95، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي.

(6) المراسم العلويّة: ص73.


ومنها: فتوى الحَلَبي في الكافي قال: (السلام عليك أيها النبيّ ورحمه الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على محمدٍ وآله المُصطفين، ثُمّ تُسلِّم التسليم الواجب).

وقال قبل ذلك في فروض الصلاة: الفرض الحادي عشر: السلام عليكم ورحمة الله، يعني محمّداً وآله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والحفظة.

ومنها: فتوى المشهور (1) شهرة عظيمة، بما في موثّقة أبي بصير (2) وغيرها بالشهادة الثالثة في صيغة الصلاة في التشهّد، حيث ورد فيها: (اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، وسلِّم على محمّد وعلى آل محمّد، وترحّم على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت وباركت وترحّمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد)، إذ التقابل في الصلاة على آل محمّد مع الصلاة على آل إبراهيم - في رديف الصلاة على محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلى إبراهيم - دال بوضوح على ما في قوله تعالى: ( إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (3) ، أي على الاصطفاء والإنتجاب لهم بالولاية والإمامة كما في قوله تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (4)،

____________________

(1) مستند النراقي: ج5، ص334.

(2) الوسائل: أبواب التشهّد، باب 3، ح2.

(3) آل عمران: 33، 34.

(4) البقرة: 124.


وقوله تعالى على لسان إبراهيم: ( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ... رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء ) (1) ، وقال تعالى على لسان إبراهيم وإسماعيل: ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) (2) .

فهذه الصيغة الواردة في موثّقة أبي بصير - وغيرها من الصلاة على آل محمد - صيغة نَعت وإقرار لهم بالولاية والسؤدد والخيريّة على البريّة، فهي قريبة من أحد الصيغ التي ذكرها الصدوق في الفقيه للشهادة الثالثة وهي: (آل محمّد خير البريّة)، وكذلك قريبة من الصيغة التي أوردها السيّد المرتضى في مسائله المبافارقيات (محمّد وعلي خير البشر).

* السابعة: الفتوى بالشهادة الثالثة بعد تكبيرة الإحرام

الفتوى بالشهادة الثالثة في دعاء التوجّه إلى الصلاة، والذي يؤتى به بعد تكبيرة الإحرام.

منها: فتوى الشيخ الطوسي في كتاب الاقتصاد، قال في فصل فيما يقارن حال الصلاة: (أوّل ما يجب من أفعال الصلاة المقارنة لها النيّة،... ويستفتح الصلاة بقوله: (الله أكبر)،... فإن أراد السنّة في الفضيلة كبّر ثلاث مرات...

____________________

(1) إبراهيم: 37، 4.

(2) البقرة: 128.


ثُمّ يكبّر تكبيرتين أخريين مثلما قدّمناه ويقول،... ثُمّ يكبّر تكبيرتين أخريين ويقول بعدهما: (وجّهتُ وجهي للذي فطرَ السماوات والأرض على ملّة إبراهيم ودين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وولاية أمير المؤمنين وما أنا من المشركين، قل إنّ صلاتي ونُسكي ومحياي لله ربّ العالمين لا شريك له، وبذلك أُمرتُ وأنا من المسلمين) (1) ، وقريب منه ما جاء في كتاب النهاية (2) .

ومنها: فتوى الحَلَبي في الكافي

قال في الكافي: (فأمّا التوجّه فهو ما يُفتتح به الصلاة من التكبير والدعاء وصفته: أن يقول المتوجّه بعد الفراغ من الإقامة ويداه مبسوطتان تجاه وجهه: اللهمّ إنّي أتوجّه إليك وأتقرّب إليك بمَن أوجبتَ حقّهم عليَّ، آدم، ومحمّد، ومَن بينهما من النبيّين، والأوصياء، والحجج، والشهداء، والصالحين، وآل محمّد المصطفى، علي، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجّة بن الحسن، اللهمّ فصلِّ عليهم أجمعين، واجعلني بهم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين، اللهمّ اجعل صلاتي بهم مقبولة، وعملي بهم مبروراً، وذنبي بهم مغفوراً، وعيبي بهم مستوراً، ودعائي بهم مستجاباً مَننتَ اللهمّ عليَّ بمعرفتهم، فاختِم لي بطاعتهم وولايتهم، واحشرني عليها وجازني على ذلك الفوز بالجنة، والنجاة من النار برحمتك يا أرحم الراحمين، ثُمّ يكبّر ثلاث تكبيرات،... ثُمّ يكبّر تكبيرتين ويدعو بعدهما،... ثُمّ يكبّر تكبيرة، ثُمّ ينوي الصلاة ويكبّر تكبيرة الافتتاح مصاحبة للنيّة ويقول بعدها:

____________________

(1) الاقتصاد: ص26 - 261، منشورات جامع جهلستون.

(2) النهاية: ج1، ص294.


وجّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً على ملّة إبراهيم، ودين محمّد، وولاية أمير المؤمنين والأئمّة من ذريتهم الطاهرين.... (1).

منها: فتوى الشيخ المفيد

قال في المقنعة في باب كيفيّة الصلاة وصفتها: وليستفتح الصلاة بالتكبير فيقول: (الله أكبر ويرفع يديه مع تكبيرة،.... ويكبّر تكبيرة أخرى كالأولى و....، ويكبّر ثالثة،... ثُمّ يكبّر تكبيرة رابعة،... ثُمّ يكبّر تكبيرتين أخريين، إحداهما بعد الأخرى، كما قدّمنا ذكره ويقول: (وجّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً على ملّة إبراهيم، ودين محمد، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وما أنا من المشركين،... أعوذُ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (بسم الله الرحمن الرحيم ثُمّ يقرأ الحمد...)) (2) .

منها: فتوى الشيخ الصدوق في كتابه المقنع في أبواب الصلاة قال: (ثُمّ كبِّر تكبيرتين وقل: وجّهتُ وجهي للذي فطرَ السماوات والأرض، عالِم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم على ملّة إبراهيم، ودين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حنيفاً مسلماً،... (3).

ومنها: فتوى القاضي ابن البرّاج

قال: (وجّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً على ملّة إبراهيم، ودين محمّد، ومنهاج عليّ بن أبي طالب، وما أنا من المشركين، إنّ صلاتي ونُسكي...) (4) .

____________________

(1) الكافي في الفقه: ص121 - 122، طبعة مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

(2) المقنعة: ص13، طبعة قم، جماعة المدرّسين.

(3) المقنع: ص93، طبع قم، مؤسّسة الإمام الهادي (عليه السلام).

(4) المهذّب: ج1، ص 92 كتاب الصلاة، طبعة جماعة المدرّسين، قم.


ومنها: فتوى ابن زهرة الحَلَبي

قال: (وأن يقول بعد تكبيرة الإحرام: وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً على ملّة إبراهيم، ودين محمد، وولاية أمير المؤمنين عليّ، والأئمّة من ذرّيتهما وما أنا من المشركين...) (1).

ومنها: الشيخ أبي يعلي حمزة بن عبد العزيز الديلمي المعروف بسلاّر.

قال: (ثُمّ يكبّر تكبيرتين، الثانية منهما تكبيرة الافتتاح ثُمّ يقول: وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً على ملّة إبراهيم، ودين محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)...) (2) .

وغيرها من الفتاوى التي يجدها المتتّبع طبقاً للروايات الواردة في دعاء التوجّه للصلاة، والتي يأتي التعرّض لها لاحقاً، وهي ناصّة على كون الإقرار بالشهادة الثالثة بالصيغة المتقدّمة من أوراد الصلاة الخاصّة، والتي يؤتى بها داخل الصلاة فضلاً عن مقدّماتها الخارجة كالأذان والإقامة، نعم، في بعض فتاوى المتأخّرين تخصيص دعاء التوجّه بما بين الإقامة وتكبيرة الإحرام، وهو الآخر أيضاً نافع في المقام؛ لتوسّطه بين الإقامة وتكبيرة الإحرام فضلاً عن تخلّلها في الإقامة والأذان ذاتيهما.

____________________

(1) غنية النزوع: ص83 كتاب الصلاة، طبعة قم، مؤسّسة الإمام الصادق.

(2) المراسم العلويّة: ص71 كتاب الصلاة، طبعة أمير، قم.


ومنها: فتوى الشيخ الصدوق في الفقيه في وصف الصلاة وأدب المصلي قال، قال الصادق: (إذا قمتَ إلى الصلاة فقل... ثُمّ كبّر تكبيرتين وقل: (وجّهتُ وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً على ملّة إبراهيم، ودين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومنهاج علي، حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إنّ صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين، لا شريك له وبذلك أُمرتُ وأنا من المسلمين، أعوذُ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم) (1) ، ثُمّ قال الصدوق في ذيلها: (وإن شئتَ كبّرت سبع تكبيرات ولاءً، إلاّ أنّ الذي وصفناه تعبّد، وإنّما جَرت السنّة في افتتاح الصلاة بسبع تكبيرات لمَا روى زرارة).

ومنها: فتوى الشيخ الطوسي في مصباح المتهجّد قال: (فإذا أراد التوجّه قام مستقبل القبلة وكبّر فقال: الله أكبر، يرفع بها يديه إلى شَحمتي أُذنيه لا أكثر من ذلك، ثُمّ يُرسلهما، ثُمّ يكبّر ثانية وثالثة مثل ذلك ويقول،.... ثُمّ يكبّر تكبيرتين أخريين مثل ذلك ويقول،... ثُمّ يكبّر تكبيرتين أخريين على ما وصفناه ويقول: وجّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملّة إبراهيم، ودين محمد، ومنهاج علي حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إنّ صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له، وبذلك أمرتُ وأنا من المسلمين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) (2).

____________________

(1) الفقيه: ج1، ص302 - 34 طبعة جماعة المدرّسين.

(2) مصباح المتهجّد: فصل في سياقه الصلوات الإحدى والخمسين ركعة في اليوم والليلة، ص44 مؤسّسة الأعلمي بيروت.


* الثامنة: الفتوى بذكرهم بوصف إمامتهم (عليهم السلام) في خطبة الجمعة

ويراد بذلك: مشروعيّة أو شرطيّة ذِكر أسمائهم بوصف الإمامة في خطبة الجمعة، تضمّن خطبة الجمعة للإمام التي هي عوض ركعتي الظهر، والتي هي شرط في ركعتي صلاة الجمعة، بل هي من الأجزاء الواجبة لتضمنّها لأسماء الأئمّة ففي مفتاح الكرامة (1) قال: وفي الجعفريّة، وكشف الالتباس، وحاشية الإرشاد وجوب الصلاة فيهما على أئمّة المسلمين.

وفي فوائد الشرايع: أنّه أولى واعتمدَ في المدارك والشافية على صحيح محمّد الطويل، وظاهر الدروس أو صحيحها: أنّ الصلاة على أئمّة المسلمين من وظائف الثانية، كالنافع والمعتبر، وكأنّه مالَ إليه في إرشاد الجعفريّات، وفي موضع من السرائر والمنقول عن مصباح السيّد: أنّه يدعو لأئمّة المسلمين في الثانية، وظاهر النهاية: أنّه يدعو لأئمّة المسلمين وقد تضمّنت صحيحة (2) محمّد بن مسلم الأمر بذكر أسماءهم (عليهم السلام)، وكذا موثّق سماعة (3).

وقال في الجواهر: (لكنّ ظاهره (الموثّق)، وظاهر صحيح ابن مسلم إيجاب الصلاة على الأئمّة في الثانية، بل في الثاني منهما ذِكرهم (عليهم السلام) تفصيلاً، فمقتضى الجمع بين النصوص ذلك فيهما معاً إلاّ أنّ ندرة الفتوى بها وما سمعتهُ من إجماع الشيخ وغيره على الاجتزاء بدونه، وسوق النصوص للأعم من الواجب والمندوب ونحو ذلك ممّا لا يخفى يمنع من الجرأة على الوجوب، وإن كان الوجوب في الجملة ظاهر ما سمعته في مصباح السيّد، ونهاية الشيخ، والنافع، والمعتبر وغيرها، بل ربّما استُظهرَ من موضع من السرائر إلاّ أنّه استُظهر منه الندب؛ لحصر الواجب في الخطبة في أربعة أصناف (4).

____________________

(1) مفتاح الكرامة: ج3، ص114.

(2) الكافي: ج3، ص422 باب تهيئة الإمام للجمعة وخطبته.

(3) الوسائل: أبواب صلاة الجمعة ب24، ح1.

(4) الجواهر: ج11، ص215.


والحاصل: إنّ مشروعيّة ذِكر الأسماء للأئمّة (عليهم السلام) ورجحانه بالخصوص في خطبة الجمعة، لا خلاف فيه والخُطبة - كما مرّ - عِوض الركعتين وبمنزلة الجزء المقدّم على ركعتي صلاة الجمعة، فهي أدخل في الصلاة من الأذان والإقامة، وقد تضمّنت لكلّ من الشهادات الثلاث وإن كانت بصورة الحمد لله والصلاة على النبي بالتوصيف، والصلاة على الأئمّة بوصف الإمامة، لاسيّما وأنّه قد أُمرَ ندباً ووجوباً بذكر الأسماء تفصيلاً في: صحيح محمد بن مسلم، ومجموعاً في موثّق سماعة.

وهذا التشريع الخاص بذكرهم (عليهم السلام) في خطبة الجمعة يدفع كثيراً من الاستبعادات والإشكاليات التي ذكرها جماعة: من أنّ صورة الأذان لو كانت متضمّنة للشهادة الثالثة على عهد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لتوفّرت الدواعي لنقلها ونحوه ممّا ذُكر في استبعاد تضمّن الأذان للشهادة الثالثة كفصل؛ فإنّ هذه الاستبعادات بعينها تتأتّى في خطبة صلاة الجمعة، وليس من وجه في الجواب إلاّ تدريجيّة التشريع وبيان الأحكام ولو بسبب عدم استجابة الناس وتقبّلهم لذلك، كما في إبلاغ أصل الولاية بنحو عام لكلّ المسلمين كما في واقعة غدير خم، حيث كان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يخشى تمرّد المنافقين فطمأنَهُ الله تعالى بقوله: ( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (1).

____________________

(1) المائدة 67.


السيرةُ على عهدِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)

بالرغم من كون تشريع الأحكام وإبلاغها من الله تعالى ورسوله الكريم تدريجيّاً، بل إنّ بعض تفاصيل الأحكام تأخّر إبلاغها إلى عهد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بعهدٍ معهود من رسول الله، إذ كمال الدين بنصب رسول الله لعلي (عليه السلام) والمطهّرين من ولده أئمّة، إلاّ أنّه يُطرح السؤال:

عن أنّ تشريع الشهادة الثالثة في الأذان هل وقعَ في عهد رسول الله، أم أنّه تمّ بيانه وإبلاغه على يدي أئمّة أهل البيت، الذين يمسّون الكتاب المكنون واللوح المحفوظ، الذين عهد إليهم النبي العلم الإلهي من بعده، فإنّ الذي يسترعي الانتباه هو ظاهره حذف السلطة بعد رسول الله على عهد الثاني لفصل (حيّ على خير العمل)، فإنّ ظاهره التصرّف في الأذان بالنقيصة أو زيادة (الصلاة خير من النوم)، تثير التساؤل بأنّ الأذان الذي كان على عهد رسول الله قد نقص منه أمور وزيد فيه أموراً أخرى، وهذا التطاول يزيد في احتمال مطروح بدواً، في كون الشهادة الثالثة قد حصلَ التأذين بها في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لاسيّما مع الإعلان عنها في واقعة الغدير وقبلها من الوقائع ونزول آية إكمال الدين (1) ، وأنّه ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ... ) (2) ، وهذا ما يظهر بوضوح من مصحّح ابن أبي عمير الآتي، مع اعتضاد مضمونه وتوافقه مع فتاوى السيّد المرتضى وابن برّاج، وتطابق بعض مضمونه مع بعض الأحاديث النبويّة المرويّة من قِبل الفريقين فهاهنا نقطتان:

____________________

(1) المائدة: آية 3.

(2) المائدة: آية 67.


الأولى: فتوى كلّ من: السيّد المرتضى، وابن برّاج بجواز (محمّد وعلي خير البشر) بعد قول: (حيّ على خير العمل) في الأذان، كما أفتى بذلك السيّد المرتضى في المسائل المبافارقيّة (1) ، وفتوى (2) ابن برّاج بجواز قول: (آل محمّد خير البريّة) مرّتين بعد قول: (حيّ على خير العمل) في الأذان والإقامة.

ثُمّ إنّ هاتين الفتويين بَنياها العَلَمان على المتون الروائيّة التي أشار إلى روايتها الصدوق في الفقيه، وقد أشار الشيخ الطوسي في المبسوط والنهاية بورودها، فيستفاد إلى أنّ أحد موضعي الشهادة الثالثة في الأذان بعد فصل (حيّ على خير العمل) مضافاً إلى الموضع الأوّل، والذي هو الشهادة الثانية فبضميمة النقطة الثانية وهي:

الثانية: وهي ما ورد في مصحّحة ابن أبي عمير، أنّه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن (حيّ على خير العمل) لمَ تُركت من الأذان؟ قال: (تريد العلّة الظاهرة أو الباطنة؟ قلت: أريدهما جميعاً، فقال: أمّا العلّة الظاهرة فلئلاّ يدع الناس الجهاد اتّكالاً على الصلاة، وأمّا الباطنة؛ فإنّ خير العمل الولاية، فأراد من أمر بترك حيّ على خير العمل من الأذان: أن لا يقع حثٌ عليها ودعاء إليها).

ومراده (عليه السلام) من العلّة الباطنة: السبب الحقيقي الخفي الذي دفعَ الثاني إلى حذفها من الأذان أنّه لكي لا يُدعى إلى الولاية، مع أنّ متن (حيّ على خير العمل) ليس فيه لفظ الولاية فلا يكون هذا الفصل دعوة إلى الولاية إلاّ بضميمة ما ذُكر في النقطة من وجود (آل محمّد خير البريّة)، أو (محمّد وعلي خير البشر)، وأنّ هذا الفصل كان قد قُرأ به في الأذان في بعض أيّام رسول الله أو فترة من الفترات،

____________________

(1) المسائل المبافارقية: ص256.

(2) المهذّب: ج1، ص92، كتاب الصلاة، طبعة جماعة المدرّسين، قم.


وحيث إنّ هذين الفصلين مترابطان، حُذف الفصل الأوّل وهو (حيّ على خير العمل)؛ لئلاّ يُذكر الفصل الثاني وهو (آل محمّد خير البريّة) أو (محمّد وعلي خير البشر)، والذي كان يمارَس في بعض الأحيان في عهد رسول الله، فلكي لا يُذكر هذا الفصل الثاني حُذف الأوّل.

وبهاتين النقطتين يتبيّن سند روائي معتبر على تشريع الشهادة الثالثة منذ عهد رسول الله، وأنّ هذه المصحّحة والروايات المشار إليها في النقطة الأولى سند روائي لتاريخ تشريع الشهادة الثالثة، وأنّها تشريع نبوي، وهذا ما تعطيه تصريح الرواية من أنّ السند الحقيقي من إقدام الثاني بحذف (حيّ على خير العمل) والداعي الأصلي لديه هو: لئلاّ يُدعى بالولاية بتوسّط حيّ على خير العمل، ممّا يستلزم أنّ قَبل عهد الثاني - وهو عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - كان يُدعى للولاية بتوسّط (حيّ على خير العمل).

وهذا ما تفسّره الروايات في النقطة الأولى من: أنّ تشريع الشهادة الثالثة قد كان في أصل التشريع الأوّلي للأذان، وأنّ تعبيره (عليه السلام) بالعلّة الباطنة يريد به الوصف للعلّة، أي السبب الخفي الذي حذا بالثاني على أن يَقدِم على حذف (حيّ على خير العمل)، فلا يُتوهم أنّ لفظ الباطن هو وصف للمعنى الخفي لحيّ على خير العمل؛ لأنّه بعيد ممجوج، إذ سؤال الراوي عن سبب ترك وحذف (حيّ على خير العمل) من قِبَل السلطة في الأذان، ولذلك ترك العلّة الظاهرة لهذا الترك والحذف، أي العلّة المُعلنة على السطح من قِبَل السلطة للناس وهو قوله (عليه السلام):

إنّ سلطة الثاني ادّعت (لئلاّ يدع الناس الجهاد اتّكالاً على الصلاة)، إذ المعروف أنّ حذف (حيّ على خير العمل) هي من بِدع الثاني، فهذه المصحّحة منادية بوجوب الدعاء والحثّ على ولاية آل محمّد في الأذان في التشريع الأوّلي من قِبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إلاّ أنّ الثاني قام بحذفه.


ويَدعم مضمون هذه المصحّحة - بالإضافة إلى الروايات المشار إليها في النقطة الأولى، والتي أفتى بها كلّ من السيّد المرتضى، وابن برّاج -: ما رواه الفريقان مستفيضاً عن النبي، وما هو مجانس لفظاً لمضمون هذه الروايات في ذلك سورة البيّنة أنّ آل محمّد خير البريّة، وأنّ (محمّداً وعليّاً خير البشر)، فقوالب هذه الألفاظ والجُمل هي أحاديث نبويّة مرويّة عند الفريقين، وهو يشاكل ويجانس لفظاً (حيّ على خير العمل)، وهو عين الفصل الثاني الذي أشارت إليه روايات النقطة الأولى، لاسيّما وأنّ الآية في سورة البيّنة: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (1) ، فلاحظ ما رواه العامّة من تسمية علي بخير البريّة، فكانوا يقولون له على عهد رسول الله: جاء خير البريّة، وذَهب خير البريّة.

فقد روى السيوطي في الدرّ المنثور (2) في ذيل الآية، قال: وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله (قال: كنّا عند النبي (صلّّى الله عليه وآله وسلّم)، فأقبلَ علي (عليه السلام) فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة) ونَزلت: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، فكان أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا أقبل علي (عليه السلام) قالوا: جاء خير البريّة).

وقال السيوطي: وأخرج ابن عدي، وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً (علي خير البريّة).

____________________

(1) البيّنة: الآية 7.

(2) الدرّ المنثور للسيوطي: ج6، ص389.


وأخرج ابن عدي عن ابن عبّاس، قال: لمّا نَزلت: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعلي: (هو أنتَ وشيعتك يوم القيامة راضيين مرضيين).

وأخرجَ ابن مردويه عن علي (عليه السلام) قال: (قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ألم تسمع قول الله: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جيئت الأمم للحساب، تُدعونَ غرّاً محجّلين) (1).

وروى الطبري ابن جرير، المتوفّى سنة 31 هجريّة في تفسيره جامع البيان: وقد حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا عيسى بن فرقد عن أبي الجارود عن محمّد بن علي ( أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، فقال النبي (صلّى الله عليه ((وآله)) وسلّم): (أنت يا علي وشيعتك) (2).

وقد روى الشوكاني في فتح القدير (3) هذه الروايات عن تلك المصادر الحديثيّة، وروى الآلوسي في روح المعاني (4) هذه الروايات أيضاً عن نفس تلك المصادر الحديثيّة.

وروى ابن حسنويه الحنفي في كتابه (دُر بحر المناقب)، ص59 مخطوط فقال: (وعن الإمام فخر الدين الطبري يرفعه إلى جابر بن عبد الله الأنصاري قال: بينما نحن بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوماً في مسجده بالمدينة، فذُكرَ بعض الصحابة، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):

____________________

(1) الدرّ المنثور للسيوطي: ج6، ص389.

(2) تفسير الطبري: ج30، ص335.

(3) فتح القدير: ج5، ص477.

(4) روح المعاني للآلوسي: ج3، ص6.


(إنّ لله لواءً من نور وعموده من زبرجد، خلقه الله تعالى قبل أن يخلق السماء بألفي عام مكتوب عليه (لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، آل محمّد خير البشر، وأنت يا علي إمام القوم، فعند ذلك قال علي: الحمدُ لله الذي هدانا وأكرمنا بك وشرّفنا....) الحديث (1).

____________________

(1) إحقاق الحق، ج4، ص284. فقد أورده إمام الحنابلة احمد بن حنبل الشيباني المروزي في فضائل الصحابة ص46 مخطوط كما حكاه في إحقاق الحق ج4، ص249 إلى ص258.

وروى مُحب الدين الطبري في ذخائر العقبى: ص96 وفي الرياض النظرة: ج2، ص220 وابن حجر في لسان الميزان: ج3، ص166، ج6، ص78، ج1، ص175 وأخرجه ابن مردويه في كتابه المناقب وغيرها من المصادر فلاحظ إحقاق الحق.


تَقادُم السيرة على الشهادة الثالثة

المحطّةُ الأُولى:

إنّ من أقدم الشهادات التاريخيّة على السيرة في ذِكر الشهادة الثالثة هي: ما ذكرهُ العامّة في كُتب التراجم في ترجمة كدير الضبّي، وهو أحد صحابة النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإنّه ذَكرها في تشهّد الصلاة حيث صلّى على النبي وعلى الوصي بلفظ الوصي، وهو يُنبئ عن السيرة الموجودة لدى صحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ممّن كان يتشيّع لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ويظهر من التراجم المشار إليها (1) معروفيّة تضعيفه لأجل ذلك.

وروى محمد بن سليمان الكوفي القاضي، المتوفّى بعد الثلاثمائة هجري قمري في كتابه مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (حدّثنا محمد بن منصور، عن عثمان بن أبي شيبه، عن جرير عن المغيرة، عن سمّاك بن سلمة قال: دخلتُ على كدير الضبّي حين صلّيت الغداة فقالت لي امرأته: ادنوا منه؛ فإنّه يصلّي فسمعته يقول: سلام على النبي والوصي (2) ، فقلت: لا والله، لا يراني الله عائداً إليك).

بل إنّ هناك روايات أخرى تُعدّ أقدم من ذلك عن جماعة كثيرة من الصحابة وهي: ما روي عن ابن عبّاس في عدّة روايات بسند متّصل عن

____________________

(1) لاحظ التذييل الثالث في خاتمة الفصل الأوّل.

(2) مناقب الإمام علي أمير المؤمنين: ص386 تصحيح المحمودي، والحديث رواه كلّ من: العقيلي، وابن حجر في ترجمة كدير الضبّي من كتاب الضعفاء ولسان الميزان، ج4، ص486.


النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (1) ، وسيأتي ذِكرها في الفصل الثاني في الطوائف الروائيّة العامّة، كالطائفة الأولى حيث قرنَ فيها الشهادات الثلاث، وقريب منه ما رواه الصدوق عن ابن عبّاس بسند متصل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (2) ، وعن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين - والأصبغ من أوائل التابعين - وهذا ما يُدلّل على أنّ السيرة متقادِمة في الصحابة والتابعين، وكذلك ما رواه الفضل بن شاذان، عن الأعمش، عن جابر، عن مجاهد، عن عبد الله بن العبّاس (3) ، وستأتي في الفصل الثاني في الطائفة الأولى من طوائف الروايات العامّة، وكذلك ما رواه الفضل بن شاذان عن عبد الله بن مسعود (4) ، وكذلك روى عنه الفضل بن شاذان (5) حديث المعراج من اقتران الشهادات الثلاث.

أقول: فيظهر من هذه الروايات وغيرها، أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حرّضَ على اقتران الشهادات الثلاث في عدّة مواطن؛ لدفع المسلمين على الاعتياد على ذِكر الشهادة الثالثة كلّما ذكروا الشهادتين، وجعلها شعاراً لهم في كلّ المواطن والشعائر العباديّة ومنها الأذان، وقد روى الصدوق بإسناده في كمال الدين (6) عن أبي الطفيل عامر بن واثلة اقتران الشهادات الثلاث، وهناك روايات أخرى في الفصل الثاني رواها الطبراني،

____________________

(1) الفضائل لابن شاذان: ص93، البحار: ج38، ص318.

(2) توحيد الصدوق: ص279 - 282، ح4، ح1.

(3) الفضائل لابن شاذان: ص83، الخصال للصدوق: ج1، ص323.

(4) الفضائل لابن شاذان: ص152.

(5) الفضائل لابن شاذان: ص153.

(6) كمال الدين: ص294 - 296، ح3.


والحافظ ابن عساكر، والسيوطي، وابن عدي وغيرهم، عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي الحمراء خادم الرسول، وغيرهم من الصحابة في اقتران الشهادات الثلاث وكلّها من كُتب ومصادر العامّة (1).

المحطّةُ الثانية:

ما يظهر من سيرة الطالبيين في حلب، والشام، ومصر من التأذين بالشهادة الثالثة، عندما تسلّموا سدّة الحكم في أواخر القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع وطواله، وإليك هذه النصوص التاريخيّة:

1 - ما ذكرهُ ابن العديم في كتابه بغية الطلب في تاريخ حلب، روى بسنده عن أبي بكر الصولي: أنّه لمّا أُجلس أحمد بن عبد الله - وهو الخارج بالشام في أيّام المكتفي بالله، وكان ينتمي إلى الطالبيين وهو المعروف بصاحب الخال وقُتل بالدكّة في سنة إحدى وتسعين ومائتين (291 هجري قمري) - على سدّة الحكم، سار أحمد بن عبد الله إلى حمص ودُعي له بها وبكورها، وأمَرهم بأن يُصلّوا الجمعة أربع ركعات، وأن يَخطبوا بعد الظهر ويكون أذانهم: أشهدُ أنّ محمّداً رسول الله، أشهدُ أنّ عليّاً وليّ المؤمنين، حيّ على خير العمل، وضَربَ الدراهم والدنانير وكُتب عليها: (الهادي المهدي، لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، ( جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً )) ، وعلى الجانب الآخر: ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (2).

____________________

(1) ملحقات إحقاق الحق: ج16، ص468 - 493.

(2) بُغية الطلب في أخبار حلب: ج2، ص944.


2 - ما ذكرهُ أبو عبد الله محمّد بن علي بن حمّاد في كتابه (أخبار ملوك بني عبيد)، في ترجمة عبيد الله ابن محمد الطالبي (1) المتوفّى سنة (322 هجريّة قمريّة)، مؤسّس الدولة العبيديّة في مصر قال: (وكان ممّا أحدثَ عبيد الله أن: قطعَ صلاة التراويح في شهر رمضان، وأمرَ بالصيام يومين قبله، وقنتَ قبل صلاة الجمعة قبل الركوع، وجهرَ بالبسملة في الصلاة المكتوبة، وأسقطَ من أذان الصبح (الصلاة خير من النوم)، وزاد (حيّ على خير العمل)، (محمّد وعلي خير البشر)، ونصّ الأذان طول مدّة بني عبيد بعد التكبير والتشهدين: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح مرّتين، حيّ على خير العمل، محمّد وعلي خير البشر مرّتين، لا إله إلاّ الله مرّة) (2).

3 - ما رواه القاضي التنوّخي (أبي علي الحسن بن أبي القاسم التنوّخي (المتوفّى 384 هجريّة قمريّة)، عن أبي الفرج الأصفهاني المتوفّى سنة (356هـ) قال: سمعتُ رجلاً من القطعيّة يؤذِّن: الله أكبر، أشهدُ أن لا إله إلاّ الله، أشهدُ أنّ محمّداً رسول الله، أشهد أنّ عليّاً وليّ الله، محمد وعلي خير البشر فمَن أبى فقد كفر، ومَن رَضي فقد شكر، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله) (3).

____________________

(1) وهو عبيد الله بن محمد بن الحسين بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب، كما ذُكر في نسبه وولِد سنة (260 هجريّة)، وتوفي يوم الاثنين الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاثمائة واثنان وعشرون (322 هجريّة قمريّة)، كما جاء في أخبار ملوك بني عبيد ج1، ص49.

(2) أخبار ملوك بني عبيد: ج1، ص5.

(3) نشوار المحاضرة للتنوّخي: ج2، ص133.


4 - قال المقريزي في (المواعظ والاعتبار): (... وأوّل مَن قال في الأذان بالليل (محمّد وعليّ خير البشر) الحسين المعروف بابن شكنبه، ويقال: اشكنبه، وهو اسم أعجمي معناه: الكرش، وهو: علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن الحسين بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وكان أوّل تأذينه بذلك في أيّام سيف الدولة بن حمدان بحلب في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة (347 هجريّة قمريّة)، قاله الشريف محمد بن أسعد الجوباني النسّابة، ولم يزل الأذان بحلب يزاد فيه (حيّ على خير العمل، محمد وعلي خير البشر) إلى أيّام نور الدين محمود) (1).

5 - ما ذكره المقريزي في حوادث سنة (356) ستة وخمسين وثلاثمائة في مصر، قال: (لمّا دخلَ جوهر (2) القائد لعساكر المُعز لدين الله وقد بنى القاهرة وأظهر مذهب الشيعة، وأذّن في جميع المساجد الجامعة بـ(حيّ على خير العمل)، وأعلن بتفضيل عليّ بن أبي طالب على غيره وجهرَ بالصلاة عليه، وعلى الحسن والحسين وفاطمة الزهراء رضوان الله عليهم....) (3).

____________________

(1) خطط المقريزي: ج2، ص271 - 272 (المواعظ والاعتبار في ذِكر الخُطب والآثار).

(2) وهو جوهر الصيقلي والقائد أبو الحسن، والمعروف بالكاتب الرومي، كان من موالي المُعز بن المنصور.... وفيات الأعيان لابن خلّكان: ج1، ص375 وهو الذي فتح مصر للدولة الفاطميّة.

(3) المواعظ والاعتبار في ذِكر الخُطب والآثار للمقريزي: ج2، ص34، وذُكرت مصادر أخرى ما هو قريب من ذلك مثل: العِبر في خبر مَن غبر، ج2، ص316 - الذهبي: ص86، ومثل: الوفيان لابن خلّكان، ج1، ص375 - 386، والمنتظم لابن الجوزي في تاريخ الأمم والملوك: ج14، ص197، وكتاب أخبار ملوك بني عبيد: ج1، ص85.


وذكرَ ابن العديم في كتابه زبدة الحلب من تاريخ حلب قال: (واستقرّ أمر سعد الدولة بحلب (1) ، وجدّد الحلبيّون عمارة المسجد الجامع بحلب، وزادوا في عمارة الأسوار في سنة سبع وستين وثلاثمائة (367هـ)، وغيّر سعدٌ الأذان بحلب وزاد فيه (حيّ على خير العمل، ومحمد وعلي خير البشر) (2).

وذكرَ أبو الفداء (3) في (اليواقيت والضرب في تاريخ حلب) نظير ذلك.

6 - وقال ناصر خسرو في كتابه (سفرنامه)، في عنوان اليمامة التي زارها أثر مُدن سابقة ذكرها سنة 433 هجريّة قمريّة: إنّ أمراؤها علويون منذ القديم ولم يَنتزع أحد الولاية منهم، إذ ليس في جوارهم سلطان أو مَلك قاهر، وهؤلاء العلويون ذو شوكة فلديهم ثلاثمائة أو أربعمائة فارس، ومذهبهم الزيديّة وهم يقولون في الإقامة: محمد وعلي خير البشر، وحيّ على خير العمل، وقيل: إنّ سكّان هذه المدينة شريفيّة خاضعون للأشراف....) (4).

7 - ما ذكرهُ المؤرِّخون من حوادث كثيرة في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس في بغداد، بين سنّة جماعة الخلافة والشيعة، ومن مظاهر تلك الخلافات الحاصلة بين الطرفين:

____________________

(1) وهو من ملوك الدولة الحمدانيّة، وهم من الشيعة الاثنى عشريّة، والتي بدأت من سنة 892 م إلى 991 م.

(2) زبدة الحلب من تاريخ حلب لابن العديم: ج1، ص159 - 160.

(3) اليواقيت والضرب في تاريخ حلب: ص134.

(4) سفرنامه: ناصر خسرو، ص141 - 142.


التأذين بحيّ على خير العمل بالأذان من قِبل الشيعة، وبالصلاة خير من النوم في أذان سنّة الجماعة والخلافة، وبالكتابة على أبواب المساجد والدور والدروب (محمّد وعلي خير البشر)، فلاحظ المصادر التاريخيّة في ذلك (1).

____________________

(1) الكامل في التاريخ: ج8، ج9، من سنة 362 هـ.ق إلى سنة 45 هـ.ق، والبداية والنهاية لابن كثير، تاريخ الخلفاء للسيوطي، السيرة الحلبيّة، تاريخ أبي الفداء، المنتظم لابن الجوزي، النجوم الزاهرة، الشذرات لابن عماد الحنبلي.

ومن باب النموذج: لاحظ ما وقعَ قبل سنة 356 هجريّة قمريّة، كالذي مرّ في الإشارة إليه في كتابه نشوار المحاضرة برواية القاضي التنوّخي عن أبي الفرج الأصفهاني، وكذلك سنة 441 هجريّة قمريّة، و442 هجريّة قمريّة، لاحظ: الكامل في التاريخ، والمنتظم، وتاريخ أبي الفداء، والنجوم الزاهرة، وكذلك سنة 443 هجريّة قمريّة، لاحظ المصادر السابقة، وكذلك سنة 444 هجريّة، 445 هجريّة، وسنة 448 هجريّة قمريّة وهي السنة التي تركَ فيها الشيخ بغداد وهاجر إلى النجف بسبب تلك الفتنة، ولاحظ: البداية والنهاية، والسيرة الحلبيّة، وكذلك سنة 450هـ ق، وموقف البساسيري (*)، ونهاية الأرب في فنون الأدب، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي.

(*) البساسيري: وهو قائد تركي الأصل، كان من مماليك بني بويه، وقد حكمَ آل بويه من سنة 320 هجريّة قمريّة إلى سنة 448 هجريّة قمريّة جنوب إيران والعراق، وأمّا بغداد فقد حكموها من سنة 334 هجريّة قمريّة.



تحليلُ المحطّة الثانية

ويظهر ممّا مرّ: أنّ التأذين بذكر الشهادة الثالثة في فصول الأذان قد وقع في حمص، ومصر، وبغداد قبل ولادة الشيخ الصدوق (1) ، وأنّ في بغداد والعراق كانت الصِدامات مشتدّة ومحتدّة بين الشيعة وسنّة جماعة الخلافة على الشعائر المذهبيّة، بخاصّة الأذان وخُطب الجمعة، وقد كانت الدولة العبيديّة والفاطميّة في مصر والشام تَرفع في أذانها كذلك الشهادة الثالثة كما مرّ، وكذلك دولة الحمدانيين في شمال العراق والشام، والتي كانت أوائل القرن الرابع، وكذا الدولة البويهيّة في جنوب إيران، والعراق، وبغداد.

فيظهر من ذلك: أنّ بلدان الشيعة ودولهم كانت سيرتهم على التأذين بالشهادة الثالثة في الغيبة الصغرى، وطوال القرن الرابع والخامس في فصول الأذان، على نفس الدرجة من تشدّدهم وتقيّدهم بالتأذين بفصل (حيّ على خير العمل) (2) ، وكانت المصادمات في بغداد بين الشيعة وسنّة جماعة الخلافة على كلّ من الفصلين في الأذان،

____________________

(1) ولِدَ الصدوق في حدود 305 هجريّة قمريّة؛ لأنّ وفاته في ثلاثمائة وواحد وثمانين (381 هجريّة قمريّة)، حيث كانت وفاته في العشر الثامن من عمره، وقد ورد بغداد سنة 355 هجريّة قمريّة.

أمّا الدولة العبيديّة في مصر: فقد كانت من 301 هجريّة قمريّة.

وأمّا الدولة الحمدانيّة: فقد استمرّت ستين سنة، من سنة 322 هجريّة قمريّة، وأتت بعدهم الدولة الفاطميّة في حلب. وأمّا الدولة الفاطميّة: فقد بدأت في مصر من سنة 356 هجريّة قمريّة، وفي أفريقيا من سنة 297 هجريّة قمريّة إلى سنة 567 هجري قمري.

(2) وفي هذا المجال قد ألّف البحّاثة المتتبّع السيّد علي الشهرستاني كتاباً (الأذان بين الأصالة والتحريف)، رصدَ فيه التسلسل الزمني لسيرة الشيعة في رفع الأذان بحيّ على خير العمل.


ممّا يُدلّل مجموع ذلك على أنّ كِلا الفصلين على درجة واحدة من الثبوت والارتكاز المتشرّعي لديهم، وسيأتي في الفصل الأوّل بيان الصلة بين حيّ على خير العمل والشهادة الثالثة، كما مرّ في مصحّح محمد بن أبي عمير (1) في قوله (عليه السلام): (وأمّا الباطنة: فإنّ خير العمل الولاية، فأراد من أمْر بترك حيّ على خير العمل من الأذان أن لا يقع حث عليها ودعاءٌ إليها).

وسيأتي ما له صلة أيضاً، وفي ظلّ أجواء هذه السيرة وهو: الارتكاز لدى المتشرّعة، ينبغي دراسة طوائف الروايات التي أشار لها الصدوق في الفقيه في الشهادة الثالثة، وحقيقة موقف الصدوق منها، لاسيّما وأنّ الصدوق له صلةٌ وثيقة بآل بويه، وكذلك الحال في فتوى السيّد المرتضى في الشهادة الثالثة، والتي هي بعين الصيغة المتداولة في عمل الشيعة في هذه البقاع (محمّد وعليّ خير البشر).

وكذلك فتوى الشيخ الطوسي، لاسيّما وإنّ الشيخ الطوسي كان شاهداً للمصادمات التي حصلت بين الطرفين على الأذان وغيره من شعائر المذهب، والتي بسببها هاجرَ الشيخ إلى النجف الأشرف، فلابدّ من تفسير فتواه بنحوٍ تكون ناظرة إلى ذلك الوقت الفعلي المُعاش من قِبل الشيعة، وهكذا الحال في فتوى ابن برّاج وغيرهم من أعلام الطائفة.

____________________

(1) الوسائل: أبواب الأذان والإقامة، باب 19، ح16.


* المحطّة الثالثة:

قد اتّضح ممّا مرّ من عبارة الصدوق (1) : أنّ سيرة جملة من الشيعة في زمانه كانوا يؤذِّنون بالشهادة الثالثة في الأذان والإقامة ويمارسون العمل في هذه الروايات، بل الظاهر من عبارته وعبارة الشيخ الطوسي: أنّ هذه الروايات وطوائفها مُتلقاة من أصول الأصحاب، فهي المتداولة رواية وعملاً في الطبقات السابقة زمناً على الصدوق، ومن ثُمّ وَصفَ الصدوق سلسلة رواتها بأنّهم متّهمون بالتفويض، ولم يصف تلك الروايات بأنّها مقطوعة، أو مرسلة، أو مرفوعة، ممّا يُعزِّز اتصال أسانيدها وإن لم يَذكر أسانيدها وحَذفها في عبارة الفقيه، فيظهر من ذلك: أنّ الممارسة العمليّة للشهادة الثالثة مُتقادمة على عصر الصدوق ومثلها عبارة الشيخ الطوسي (2).

هذا، مضافاً إلى ما تقدّم في المحطّة الثانية: من إثبات أنّ التأذين بالشهادة الثالثة كان من عمل الشيعة في بغداد وآل بويه، وكذلك الحمدانيون في حلب وشمال العراق، فضلاً عن عمل الطالبيين من العبيدين والفاطميين في الشام، ومصر، وغرب أفريقيا قَبل وفي زمان الصدوق (قدِّس سرّه).

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه: ج1.

(2) وذَكرَ الذهبي في ميزان الاعتدال، في ترجمة أحمد بن محمد السري بن أبي يحيى بن أبي دارم المحدِّث قال: أبو بكر الرافضي الكذّاب مات في أوّل سنة سبعة وخمسين وثلاثمائة (357هـ)، ثُمّ حكى عن ابن حمّاد الكوفي الحافظ أنّه قال فيه: كان مستقيماً عامّة دهره، ثُمّ كان في آخر أيّامه أكثر ما يُقرأ عليه المثالب، وقد حضرتُ ورجل يَقرأ عليه أنّ عمر رَفس فاطمة فأسقَطت المحسن،... ثُمّ إنّه حين أذّن الناس بهذا الأذان، المحدِّث وضعَ حديثاً متنه: (تَخرج نار من قعر عَدن تلتقط مُبغضي آل محمّد)، ووافقتهُ عليه، ويحتجّون به في الأذان. ميزان الاعتدال: ج1، ص139.


* المحطّة الرابعة:

ما يظهر من مسائل السيّد المرتضى (المبافارقيات) (1) ، حيث سأل السائل من مدينة مبافارقي (وهي مدينة كبيرة عند إيل من بلاد الجزيرة التي هي اليوم قريبة من الموصل في العراق) عن وجوب الشهادة الثالثة في الأذان، وهو يُنبئ عن مفروغيّة التأذين بها عند أهل منطقته من الشيعة وممارستهم لها ووضوح مشروعيّتها لديهم؛ وإنّما سؤاله وقعَ عن عزيمة ذلك ولزومه، ولا يخفى أنّ الصدوق يُعد من مشايخ السيّد المرتضى بالرواية، إلاّ أنّ الصدوق حكى عن وجود السيرة في بلدان فارس، والمرتضى حكى عن وجود السيرة في بلدان العراق وهما في أوائل الغيبة الكبرى، فضلاً عمّا نبّهنا عليه أنّ هذه الروايات دالّة على وجود السيرة لدى أصحاب الأصول الروائيّة للطبقات المتقدِّمة.

وأيضاً يظهر من كلام ابن الجنيد حيث قال: (رويَ عن سهل بن حنيف، وعبد الله بن عمر، والباقر، والصادق (عليهما السلام) أنّهم كانوا يؤذِّنون بـ(حيّ على خير العمل)، وفي حديث ابن عمر أنّه سمعَ أبا محذورة ينادي بـ(حيّ على خير العمل) في أذانه عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعليه شاهَدنا آل الرسول، وعليه العمل بطبرستان، واليمن، والكوفة ونواحيها، وبعض بغداد) (2).

أقول: وهو يدلّ على اختلاف المسلمين بحسب البلدان في صورة فصول الأذان الناشئ من اختلاف المذاهب، كما يشير قول الصدوق في الفقيه إلى وجود السيرة عند بعض الطائفة الإماميّة على التأذين بالشهادة الثالثة.

____________________

(1) المبافارقيات: ص257.

(2) الذكرى: ج3، ص214 طبعة مؤسّسة أهل البيت (عليهم السلام).


ومن ثُمّ قال المجلسي الأول في روضة المتّقين في ذيل كلام الصدوق: (إنّ عَمل الشيعة كان عليه في قديم الزمان وحديثة) (1) .

بل إنّه ممّا تقدّم - في المحطّة الثانية التي تبيّنَ أنّ إصرار الشيعة في البلدان المختلفة: كبغداد، وشمال العراق، وحلب، ومصر من التأذين بالشهادة الثالثة لاسيّما بهذه الصيغة (محمّد وعلي خير البشر)، وكتابتها على أبواب وجدران المساجد، وأنّ الدولة الحمدانيّة في شمال العراق وحلب قد كانت تؤذِّن بهذه الصيغة من الشهادة الثالثة كما مرّ - يرتسم من ذلك بوضوح: أنَّ هذا السائل المُستفتي للسيّد المرتضى من مدينة شماليّة في العراق، عن كون هذه الصيغة في الأذان واجبة أو غير واجبة فارغاً عن مشروعيّتها، يُعزِّز ما تكرّر في المصادر التاريخيّة المتعدّدة من رفع الحمدانيين شعار الأذان بهذه الصيغة من الشهادة الثالثة، والتي مرّ ذِكرها في النصوص التاريخيّة عن سيرتهم.

وهذه الفتوى من السيّد المرتضى - بقوله: (لو قَصد الجزئيّة) في الشق الثاني من فتواه، أنّه (لا شيء عليه) - هو إمضاء ودعم لسيرة الشيعة في شمال العراق، وبغداد، ومصر، وحلب، وأفريقيا، وكذلك جنوب إيران، ممّا كان تحت سيطرة آل بويه، وكذلك فتوى ابن برّاج، لاسيّما وأنّ ابن برّاج قد هاجرَ من بغداد إلى الشام، فيظهر من فتواه أيضاً: مدى مساندة عمل الشيعة في هذه البلدان لتقرير المشروعيّة لهم فيما يمارسوه.

وعلى ضوء ذلك: يتبيّن أنّ فتوى الشيخ الطوسي في النهاية والمبسوط - حيث نفى الإثم عمّن يأتي بها بقصد الجزئيّة، عَملاً بطوائف الروايات التي وَصفها بالشذوذ - تسويغ بالمشروعيّة من الشيخ لعمل الطائفة في زمانه.

____________________

(1) روضة المتّقين: ج2، ص246 طبعة قم، المطبعة العلميّة.


* المحطّة الخامسة:

ما ذكرهُ ابن بطّوطة (1) في رحلته حيث قال: ثُمّ سافرنا إلى مدينة القطيف - كأنّه تصغير قطف - وهي مدينة كبيرة حسنة ذات نخل كثير تسكنها طوائف العرب، وهم رافضيّة غلاة يظهرون الرفض جهاراً لا يخافون أحداً، ويقول مؤذِّنهم في أذانه بعد الشهادتين: (أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله)، ويزيد بعد الحيّعلتين: (حيّ على خير العمل)، ويزيد بعد التكبيرة الأخيرة: (محمّد وعلي خير البشر، مَن خالفهما فقد كفر) (2).

وهذه المحطّة تكشف أيضاً عن سيرة الشيعة في مكان آخر - وهو القطيف - من ممارستهم للتأذين بالشهادة الثالثة، وبأحد الصيَغ التي رواها الصدوق في الفقيه.

____________________

(1) وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الطنجي (703 - 779)، رحّالة وعالِم جغرافي.

(2) رحلة ابن بطّوطة: ج1، ص305.


عناوينُ طوائف الروايات

يجدر الإشارة إلى وجود طوائف من الروايات العديدة التي لم يُستدلّ بها من قبل على ذلك، وهي على نَمطين في الدلالة:

منها: ما هو وارد في باب الصلاة أو الأذان، وتُعد دلالتها بالخصوص والمطابقة أو بمنزلة ذلك.

ومنها: ما هو وارد في غير باب الصلاة من الأبواب العباديّة الأخرى، أو الاعتقاديّة الدالّة بنحو الإيماء والإشارة، أو غيرهما من أنحاء الدلالة الالتزاميّة على المطلوب ولو بنحو العموم، فهي ذات دلالة قريبة المرمى من المطلوب، وسيأتي في الفصول اللاحقة الوجوه الفنيّة الفقهيّة في دلالتها، ومن ضمن النمط الثاني أيضاً روايات كثيرة مستفيضة دالّة على استحباب الاقتران مطلقاً في الأذان وغيره بين الشهادة الثالثة والشهادتين، بل تكرارها بتكرارهما، أي أنّ مع البناء على خروجها من الأذان - واستحباب ذِكرها بعد الشهادتين من باب الاستحباب المطلق - يمكن استخراج استحباب إتيانها بصورة وشكل فصول الأذان بالاستحباب المطلق أي إتيانها مكرّراً، وسيأتي تحليل المغزى والغرض من ورود جمّ غفير مستفيض من الروايات الحاكية لاقتران الشهادات الثلاث في مواطن شريفة عديدة، في نشأة التكوين والخِلقة وباب التشريع، وأنّ لبابه هو استثارة الحثّ على الاقتران بين الشهادات الثلاث بلسان ودلالة إشاريّة.

واليك تعداد وطوائف النمط الأول:


* النمط الأوّل: وفيه عدّة طوائف:

الأولى: روايات الصدوق الخاصّة التي ذَكر متونها.

الثانية: ما ورد في تطابق التشهّد في الصلاة مع التشهّد في الأذان، بضميمة روايات التشهّد المتضمّنة للشهادة الثالثة.

الثالثة: روايات ذِكر أسمائهم في الصلاة، وأنّها من أذكارها الخاصّة التي أفتى بمضمونها العلاّمة في المنتهى.

الرابعة: الروايات الواردة في ذِكر أسمائهم في القنوت.

الخامسة: الروايات الواردة في ذِكر أسمائهم في خطبة الجمعة.

السادسة: الروايات الواردة في ذِكرها في التشهّد والتسليم.

السابعة: الروايات الواردة في تفسير خير العمل بالشهادة الثالثة، وإنّ ذِكر هذا الفصل من الأذان بمثابة ذِكر الشهادة الثالثة، وإنّه لسان كنائي عنها، ومن ثُمّ حُذفت عند العامّة.

الثامنة: ما ورد في تفسير الأذان أنّه نداء للإسلام والإيمان معاً.

التاسعة: ما ورد في جواز الدعاء والذكر ما بين الأذان والإقامة.

العاشرة: ما ورد في ذِكر الشهادات الثلاث في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام أو بعد الإقامة.

* النمط الثاني: وفيه عدّة طوائف:

الأولى: جملة من الروايات الدالّة بالنصوصيّة والصراحة على استحباب التلازم والتقارب بين الشهادات الثلاث مطلقاً.

الثانية: جملة من الروايات وردت في الشهادة الثالثة مع الشهادتين في الزيارات.


الثالثة: ما ورد في مقارنة الشهادة الثالثة مع الشهادتين في تلقين الميّت وعَرض الدين.

الرابعة: ما ورد في نداء الملائكة في طبقات السماوات بالشهادات الثلاث في أوقات الأذان.

الخامسة: ما ورد في جملة من الروايات في تفسير القول الصادق بالشهادات الثلاث.

السادسة: ما ورد في جملة من الروايات بإقرار الأئمّة بالشهادات الثلاث عند ولادتهم.

السابعة: ما ورد من الروايات المستفيضة في ميثاق الأنبياء والرُسل من أخذ الشهادات الثلاث عليهم.

الثامنة: ما ورد من أنّ ذِكرهم من ذِكر الله عزّ وجل.

التاسعة: ما ورد من أنّ الصلاة عليهم كهيئة التكبير والتسبيح.



مَنشأُ إعراض الصدوق وجملة من القُدماء

لابدّ من التنبيه إلى اختلاف منشأ إعراض الصدوق وجملة من القدماء عن تلك الروايات الخاصّة، الواردة في الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة، وإن كانت هناك جهة اشتراك أيضاً، وهي دعوى معارضة هذه الروايات الخاصّة المتضمّنة للشهادة الثالثة لجملة طوائف أخرى الخالية عنها في موارد الأذان: كصحيحة زرارة، ومعتبرة كليب الأسدي وغيرها، إلاّ أنّ الاختلاف في المنشأ أيضاً موجود، حيث إنّ الصدوق بنى على الإسترابة في أسانيد تلك الروايات كما سيأتي مفصّلاً.

بينما ذَهب: الشيخ الطوسي، ويحيى بن سعيد، والعلاّمة، والشهيد وغيرهم إلى الخَدشة فيها من جهة المعارَضة، وعدم عمل الأصحاب بها فوصفوها بالشذوذ، ومن ثُمّ فتوّقفهم فيها من ناحية المضمون ودواعي جهة البيان، لا من ناحية الصدور وأسانيد تلك الروايات كما سيأتي نقل كلماتهم مفصّلاً.

هذا، مع أنّ جملة من القدماء: كالسيّد المرتضى، وابن برّاج وغيرهما، قد عملوا بهذه الروايات الخاصّة في الجملة، بل سيأتي أنّ الشيخ الطوسي قد أفتى بالجواز بمقتضى تلك الروايات، وكيفيّة استظهار ذلك من عبارته في المبسوط والنهاية، وإن حصلت الغفلة عن مراده عند المتأخّرين، بل سيأتي أنّ الصدوق قد عَدل عمّا ذكرهُ في الفقيه في كتبه الأخرى، كما سيأتي الاستشهاد بعبائره الأخرى على ذلك، وسيأتي أنّ عُمدة إعراض المتأخّرين ومتأخّري المتأخّرين عن تلك الروايات وغيرها - من الطوائف التي لها نحو دلالة على الشهادة الثالثة في الأذان - هو الغفلة في استظهار حقيقة مراد وموقف القدماء من تلك الروايات.



الشهادةُ الثالثة سببُ الإيمان وشرطُ الأذان

إنّ ما يجدر بالتنبيه والإشارة إليه: أنّ التشهّد بالشهادة الثالثة ليس خطورته وأهميّته في الدين منحصرةً في جزئيّته في الأذان كعمل عبادي، أي كقول مأخوذ كأحد الأعمال التي هي من فروع الدين، بل إنّ مُكمن موقعيّته كقول هو في كونه سبباً لتحقيق الإيمان كما هو مقتضى تعريفه أنّه: (الاعتقاد بالجِنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان)، كما هو الحال في التشهّد بالشهادتين كقولٍ موجب للدخول في الإسلام، ومفتاح للولوج في الدين، فكذلك قول الشهادة الثالثة مفتاح وأُسٌ ركينٌ لبناء الإيمان، وهو مراد المشهور في تعبيرهم في فصول الأذان:

(أنّها من أحكام الإيمان بلا خلاف لمقتضى المذهب الحق)، بل هي من أعظم أحكامه كقول يتشهّد بها المكلّف في حياته ويقرّ به، كما يتشهّد بالشهادتين للدخول في الإسلام بغضّ النظر عن الأذان والإقامة، وإذا اتّضح ذلك - كما هو مدلول الأدلّة القرآنيّة والروايات المتواترة - فيتبيّن أنّ تحقّق الإيمان متوقف على التلفّظ بالشهادة الثالثة بأيّ صيغة من صيغها، وحيث إنّ الإيمان شرط في صحّة العبادات - كما ذهب إليه المشهور المنصور، أو شرط قبول كما احتمله جملةٌ من الفقهاء، وإن لم يبنوا عليه في الفتوى - فإنّه على كِلا القولين ينتج من هذه القاعدة الشرعيّة:

أنّ الشهادة الثالثة شرط وضعي في الأذان والإقامة كعمل عبادي، غاية الأمر على القول الأوّل: شرط وضعي لزومي في صحّة الأذان والإقامة، وعلى القول الثاني: شرط وضعي كمالي فيهما،


وبيان ذلك ملخّصاً - وسيأتي بسط جهات البحث فيه لاحقاً -: أنّه على قول المشهور، الإيمان شرط في صحّة الأعمال، لاسيّما العبادات ومنها: الأذان، والإقامة، والصلاة، وقد مرّت الإشارة إلى أنّ الإيمان لابدّ في تحقّقه من الإقرار باللسان، وهو القول بالشهادة الثالثة، فلا محالة يكون سبب الإيمان شرطاً في صحّة الأعمال والعبادات أيضاً.

وأمّا على القول بأنّ الإيمان شرط في قبول الأعمال والعبادات: فلا محالة يكون الإيمان شرطاً كماليّاً في العمل؛ ليترتّب عليه ملاكه لمصلحته وفائدته المرجوّة وثوابه الأخروي، أي سيكون الإيمان دخيلاً في كمال العمل وأكثر ملائمة في صحّته، وهذا هو معنى الشرط المستحبّ الذي هو شرط وضعي ندبيٌّ في ماهيّة العمل، ودخيلٌ في كماله، وتأكيد صحّته، فكلّ شرط في قبول العمل لابدّ أن يكون منسجماً وملائماً لماهيّة العمل ودخيلاً في كماله، وهذا عين ماهيّة الشرط الوضعي الندبي في العمل المقرّر في بحث المركّبات الاعتباريّة، فلابدّ أن يكون شرطاً وضعيّاً ندبيّاً، فضلاً عن امتناع كونه مانعاً عن صحّته، إذ لا يُعقل أنّ ما هو دخيلٌ في قبول العمل أن يكون مضادّاً لماهيّة العمل وأثره، بل لابدّ أن يكون بينهما تمام الانسجام والملائمة والارتباط والإعداد في تهيئة المصلحة وأثر العمل.

ومن ذلك يتّضح: أنّ الشهادة الثالثة حيث إنّها سببٌ للإيمان - الذي هو شرط وضعي وكمالي في الأعمال والعبادات، ومنهما الأذان والإقامة والصلاة - يُمتنع أن يكون مانعاً عن صحّتها، وبهذا التقريب الملخّص - وسيأتي بسط زواياه لاحقاً - يتبيّن أنّ مشروعيّة الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة لا يعتريه الريب والوسوسة، إلاّ مع الغفلة عن هذه الحقيقة الصناعيّة، وهذا شأن آخر.


بحثٌ في حقيقة الأذان وبيان الأغراض التشريعيّة له

* كونهُ للإعلام

قال في المعتبر: الأذان في اللغة (الإعلام)، وفي الشرع: (اسم للأذكار الموضوعة للإعلام بدخول أوقات الصلاة)، وهو من وكيد السُنن اتفاقاً (1).

* كونهُ ذِكراً

قال الشيخ في الخلاف في مسألة (لو فرغَ من الصلاة ولم يحكِ الأذان): يؤتى به لا من حيث كونه أذاناً، بل من حيث كونه ذِكراً.

* كونهُ تشهّداً

قال الشهيد الثاني في روض الجنان في مسألة (هل يكون الكافر بتلفّظه بالشهادتين في الأذان أو الصلاة مسلماً) (2): ونَسبهُ إلى اختيار العلاّمة في التذكرة؛ لأنّ الشهادة صريحة في الإسلام، لكنّه اختار العدم، وقال: ألفاظ الشهادتين ليست موضوعة لأن يَعتقد، بل للإعلام بوقت الصلاة، وإن كان قد يُقارنها الاعتقاد، وكذا تشهّد الصلاة لم يوضع لذلك؛ بل لكونه جزءاً من العبادة، ومن ثُمَّ لو صدرت من غافل عن معناها صحّت الصلاة؛ لحصول الغرض المقصود منها، بخلاف الشهادتين المجرّدتين عنهما المحكوم بإسلام مَن تلفظ بهما، فإنّهما موضوعتان للدلالة على اعتقاد قائلهما.

____________________

(1) المعتبر: ج2، ص121.

(2) روض الجنان: ص242.


فنلاحظ: أنّ الشهيد الثاني يستدلّ على مشروعيّة الأذان بمطلق مشروعيّة ذِكر الله، كما أنّه يبيّن تنوّع الأذان بحسب الغاية المشروعة الراجحة، فتارة هي الإعلام، وتارة هي الذِكر والإعظام، كما أُشير إلى ذلك في رواية تعليل الأذان للإمام الرضا (عليه السلام) الآتية كما في صدرها.

وقال الشهيد الأوّل في الذكرى (1) : روى عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام): (يجزيكَ إذا خلوتَ في بيتك إقامة بغير أذان)، وروى الحلبي عنه (عليه السلام): (إذا كان صلّى وحده في البيت أقام إقامة ولم يؤذِّن)، قال في التهذيب: إنّما يكون للمنفرد غير المصلّي جماعة، قلتُ: في هذين الخبرين دلالة على أنّه لا يتأكّد الأذان للخالي وحده، إذ الغرض الأهم من الأذان هو الإعلام، وهو منفي هنا، أمّا أصل الاستحباب، فإنّه قائم لعموم مشروعيّة الأذان، ويكون الأذان هنا لذكر الله تعالى ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

أقول: يظهر من كلامهم (قُدِّس سرّهم): أنّ الأغراض التشريعيّة للأذان متعدّدة عُمدتهما الإعلام، ومنها ذِكر الله تعالى ورسوله.

وممّا ينبغي الالتفات إليه في صور فصول الأذان والإقامة: جواز الإتيان بها واحدة واحدة لا مثنى مثنى، فالصورة المشروعة تتحقّق أدنى مراتبها بذلك، والمَثنى مثنى إنّما هي صورة كمال الأذان، وقد ورد الإذن بالاجتزاء واحدة واحدة في موارد كما في المسافر، ومَن تعجّلت به حاجته وفي المرأة، بل قد ورد فيهم الاكتفاء بالتكبير والشهادتين دون الحيّعلات (2) ،

____________________

(1) الذكرى: ج3، ص235.

(2) كما في أبواب الأذان والإقامة: ب14.


وفي بعض الروايات الاكتفاء بالشهادتين فقط، وهو يعطي أنّ الصورة الأصليّة في الأذان والإقامة هي الواحدة، وإنّ العمدة فيها هو التشهّد بالشهادتين، ومثله ما ورد (1) في مَن يصلي مع القوم ولا يمهله يؤذِّن ويُقيم، فإنّه يكتفي ببعض فصول الإقامة الأخيرة المتضمّنة لقيام الصلاة والتهليل، كما قد ورد أنّ المرأة تُسرّ في الأذان وهو يُعطي أنّ الإسرار هو بعض حالات الأذان والإقامة، كما أنّ مَن نفى الأذان والإقامة عن النساء يستفاد منهم أنّ من بعض أفراد الأذان ما يسقط، وإن كان مشروعاً.

* مشروعيّته في الصلاة:

قال الشيخ في المبسوط: ولو قاله في الصلاة (الأذان) لم تبطل صلاته، إلاّ في قوله (حيّ على الصلاة)، فإنّه متى قال ذلك مع العلم بأنّه لا يجوز فَسدت صلاته؛ لأنّه ليس بتحميد ولا تكبير، بل هو كلام الآدميين، فإن قال بدلاً من ذلك (لا حول ولا قوة إلاّ بالله) لم تبطل صلاته.

* شعاريّته للإسلام وللإيمان:

قال في التذكرة: مسألة: لا يجوز الاستيجار في الأذان وشبهه من شعائر الإسلام غير المفروضة شعاريّته،... إلى أن قال: وللشافعيّة في الأجر على الشعائر غير المفروضة في الأذان تفريعاً على الأصحّ عندهم ثلاثة أوجه، فإن جوّزوه فثلاث أوجه في أنّ المؤذِّن يأخذ بالأجرة، إحداها: أنّه يأخذ على رعاية المواقيت، والثاني: على رفع الصوت، والثالث: على الحيّعلتين؛ فإنّهما ليستا من الأذان.

____________________

(1) أبواب الأذان والإقامة: باب 34، الحديث 1.


والأصحّ عندهم وجه رابع: أنّه يأخذ على الأذان بجميع صفاته، ولا يبعد استحقاق الأجرة على ذِكر الله تعالى، كما لا يبعد استحقاقها على تعليم القرآن، وإن اشتملَ على تعليم القرآن.

وقال الشهيد الثاني في الروضة البهيّة - بعدما ذَكر أنّ التشهّد بالولاية لعلي (عليه السلام)، وأنّ محمّداً وآله خير البريّة، أو خير البشر، ليس من جزء الأذان، وإن كان الواقع كذلك -: (وبالجملة فذلك من أحكام الإيمان، لا من فصول الأذان)، وقال بعدما نقل كلام الصدوق: لو فعلَ هذه الزيادة لا حرج (1).

ومثله قول صاحب المدارك (2).

وقال صاحب الرياض - بعدما حكى القول بأنّها من أحكام الإيمان وليست من فصول الأذان -: (ومنه يظهر جواز زيادة أنّ محمّداً وآله - إلى آخره -، وكذا عليّاً وليّ الله مع عدم قصد الشرعيّة في خصوص الأذان، وإلاّ يحرم شرعاً ولا أظنّهما من الكلام المكره أيضاً؛ للأصل، وعدم انصراف إطلاق النهي عنه إليهما بحكم عدم التبادر، بل يستفاد من بعض الأخبار استحباب الشهادة بالولاية بعد الشهادة بالرسالة) (3).

وقال السيّد الحكيم في المستمسك: (بل ذلك - أي ذِكره الشهادة الثالثة في الأذان - في هذه الأعصار معدود من شعائر الإيمان، ورمز إلى التشيّع فيكون من هذه الجهة راجحاً شرعاً) (4) .

____________________

(1) الروضة البهيّة: بحث الأذان.

(2) المدارك: ج3، ص29.

(3) رياض المسائل: ج3، ص97 - 98.

(4) مستمسك العروة الوثقى: ج5، ص545.


وقال السيّد الخوئي (قدِّس سرّه) في إثبات شعاريّة الأذان: (وممّا يهوِّن الخَطب أنّنا في غِنى من ورود النص، إذ لا شبهة في رجحان الشهادة الثالثة بعد أن كانت الولاية من مُتممات الرسالة، ومقوّمات الإيمان، ومن كمال الدين بمقتضى قوله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ، بل من الخمس التي بُني عليها الإسلام، لاسيّما وقد أصبحت في هذه الأعصار من أجلى أنحاء الشعائر، وأبرز رموز التشيّع وشعائر مذهب الفرقة الناجية، فهي إذاً أمر مرغوب فيه شرعاً وراجح قطعاً في الأذان وغيره....) (1) .

* الولايةُ فيه:

وقال الصدوق - في ذيل خبر في الأذان تركَ الراوي فيه ذِكر (حيّ على خير العمل) - (إنّما تَرك الراوي لهذا الحديث ذِكر (حيّ على خير العمل) للتقيّة.

وقد رويَ في خبرٍ آخر، أنّ الصادق (عليه السلام) سُئل عن معنى (حيّ على خير العمل) فقال: (خيرُ العمل الولاية)، وفي خبر (العملُ برّ فاطمة وولدها (عليهم السلام)) (2) ، وذكر نظير ذلك في كتاب التوحيد (3) في ذيل نفس الخبر، وقد أشار إلى هاتين الروايتين السيّد ابن طاووس في فلاح السائل (4).

وقال المجلسي الأوّل في روضة المتّقين - في ذيل رواية متضمّنة لمدح أمير المؤمنين لمؤذِّنه ابن النباح على قوله (حيّ على خير العمل) -: (وروي عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّ تفسيرها الباطن الولاية،

____________________

(1) مستند العروة الوثقى: ج13، ص259 - 260.

(2) معاني الأخبار: ص41، طبعة جامعة المدرّسين - قم.

(3) التوحيد: ص241، طبعة جماعة المدرّسين - قم.

(4) فلاح السائل: ص148، ص15.


وعن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه: (برُّ فاطمة ووِلدها (عليهم السلام))، وتَركها العامّة ظاهراً وباطناً، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون، وليس هذه أوّل قارورة كُسرت في الإسلام) (1).

وقال المجلسي الثاني:(وتأويل خير العمل بالولاية، لا ينافي في كونها من فصول أذان الله؛ لأنّها من أعظم شرائط صحّتها وقبولها) (2).

وذَكرَ ما يُماثل ذلك أو ما يقرُب منه ابن شهرآشوب في المناقب (3) ، وسيأتي نقل الروايات في ذلك مخصوصاً والكلمات في ذلك، وهي دالّة على أنّ ماهيّة الأذان متضمّنة للدعاء لولاية أهل البيت (عليهم السلام)، كما أنّه دعاء للإسلام والإقرار بالشهادتين.

* عدّة طبايع

أقول: ويستفاد من كلام العامّة وأقوال المذاهب الأخرى: أنّ الأذان تنطبق عليه عدّة طبايع مندوبة، فمضافاً إلى خصوصيّة الأذان تنطبق عليه أيضاً الطبيعة العامّة لشعائر الإسلام فيندرج في قاعدة تعظيم الشعائر، كما تنطبق عليه طبيعة ذِكر الله المندوب، ولعلّه باللحاظ الثالث تخرج الحيّعلات عن طبيعة بقيّة الفصول إذ ليس هي بذكر، ومن ثُمّ لم يُسوِّغ الشيخ الطوسي في المبسوط حكايتهنّ في الصلاة عند سماع الأذان وقال: إنّهن من كلام الآدمي، وإن كنّ مستحبّات من حيثيّة الأذان، أي حيثيّة الإعلام، وبالتالي فطبيعة الأذان قد اجتمع فيها عدّة طبايع شرعيّة، ولكلّ منها حكم ينسحب عليها دون الطبيعة الأخرى كما هو واضح من أمثلة الأحكام الآنفة، ومن ثُمَّ يتبيّن تعدّد وجه مشروعيّة الشهادة الثالثة في الأذان، والتي تصل إلى ثلاثة وجوه أو أكثر:

____________________

(1) روضة المتّقين: ج2، ص237 - 238.

(2) البحار: ج84، باب 35 من أبواب الأذان والإقامة، ذيل ح24.

(3) مناقب ابن شهرآشوب: ج3، ص326.


الأوّل: كونهُ جزء طبيعة الأذان من حيث هو، أي من حيث الأذانيّة ومن خصوص عنوان الأذان كجزء منه.

الثاني: الاستحباب العام من جهة قاعدة الاقتران.

الثالث: من جهة الشعيرة والشعائر الإيمانيّة.

الرابع: من جهة كون الشهادة الثالثة ذِكر الله، كما أشار إليه جملة من فحول أعلام النجف في فتياهم.

ومثله ما قاله الشيخ الطوسي (1) قال: لو فرغَ من صلاته ولم يحكه فيها، كان مخيّراً بين الحكاية وعدمها.

قال الشيخ: لا مزيّة لأحدهما من حيث كونه أذاناً، بل من حيث كونه تسبيحاً وتكبيراً.

وفي موضعٍ من الذكرى (2) استدلّ على مشروعيّة الأذان للصلاة الثانية عند الجمع، قال: وكذلك في المغرب والعشاء في المزدلفة وهل يكره الأذان؟ لم أقف فيه على نص ولا فتوى، ولا ريب في استحضار ذِكر الله على كلّ حال، ولو أذّن من حيث إنّه ذِكر الله فلا كراهيّة.

وقال أيضاً: (واحتجّ الشيخ للكراهيّة بما ذكرناه من جَمع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وظاهره أنّه لا تصريح فيه بالكراهيّة، والأقرب الجزم بانتفاء التحريم، وأنّه يكره في مواضع استحباب الجمع، أمّا لو اتّفق الجمع مع عدم استحبابه (أي في موارد عدم استحبابه)؛ فإنّه يسقط أذان الإعلام ويبقى أذان الذِكر والإعظام) (3) .

____________________

(1) المبسوط: ج1، ص97.

(2) الذكرى: ص231.

(3) الذكرى: ص232.


وأفتى الفقهاء بتعدّد موارد يُستحب فيها الأذان في غير الصلاة منها: الفلوات الموحشة، ومنها: أذان المولود، ومنها: مَن ساء خُلقه، ومنها: الأذان المقدّم لدخول الفجر للاستعداد والتهيّؤ له، وبعض الموارد الأخرى.

* غاياتهُ:

وهو يعطي: أنّ حقيقة الأذان غير خاصّة بالصلاة فقط، بل هو يتضمّن معاني وغايات أُخر من التذكّر بالإيمان والموعظة، وكونهُ من الأذكار الشريفة، وأنّه ممّا يُحترز به كبقيّة الأحراز الشرعيّة، وهذه المعاني قد وردت أنّها من خصائص الشهادة الثالثة والولاية لعلي (عليه السلام)، نظير ما ورد (1) في بعض المصادر الدالّة على خصائص الولاية المطابقة لتلك الموارد التي يُستحب فيها الأذان.

وقال الشهيد الثاني في الروضة - في مسألة سقوط الأذان في موارد الجمع وغيرها، حيث استدلّ البعض على مشروعيّة الأذان في كونه ذِكراً -: وأمّا تقسيم الأذان إلى القسمين؛ لأنّه عبادة خاصّة أصلها الإعلام، وبعضها ذِكر، وبعضها غير ذِكر، تؤدّي وظيفته بإيقاعه سرّاً ينافي اعتبار أصله، والحيّعلات تنافي ذكريّته، بل هو قسم ثالث وسُنّة متّبعة، ولم يوقعها الشارع في هذه المواضع - أي مواضع الجمع - فيكون بدعة، نعم، قد يقال: إنّ مطلق البدعة ليس محرّماً، بل ربّما قسّمها بعضهم إلى الأحكام الخمسة ومع ذلك لا يثبت الجواز.

____________________

(1) نظير ما رواه الشيخ في مصباح المتهجّد في تعقيب صلاة الصبح، ثُمّ قل: (أصبحتُ اللهمّ مُعتصماً بذِمامك المنيع الذي لا يُطاول ولا يحاول،... في جُنّة من كلّ مخوفٍ بلباس سابغة ولاء أهل بيت نبيّك محتجباً... بجدارٍ حصين الإخلاص في الاعتراف بحقّهم والتمسّك بحبلهم،...).


وقال في مسالك الإفهام - في مسألة أخذ الأجرة على الأذان، من أنّه هل يكون الأذان محرّماً وغير مشروع كما ذهب إليه العلاّمة في المختلف؟ -: وهو متّجه، لكن يُشكل بأنّ النيّة غير معتبرة فيه، والمحرّم هو أخذ المال لا نفس الأذان؛ لأنّه عبادة أو شعار) (1).

وقال في المدارك (2) : (وذكرَ الشهيد في الدروس: أنّ استحباب الأذان من القاضي لكلّ صلاة ينافي سقوطه عمّن جمع في الأداء، وهو غير جيّد؛ لعدم المنافاة بين الحكمين لو ثبت دليلها، ثُمّ احتملَ كون الساقط مع الجمع أذان الإعلان دون الأذان الذكري، وهو احتمال بعيد؛ لأنّ الأذان عبادة مخصوصة مشتملة على الأذكار وغيرها، ولا ينحصر مشروعيّته في الإعلام بالوقت، إذ قد ورد في كثير في الروايات أنّ من فوائده: دعاء الملائكة إلى الصلاة، وكيف كان فهو وظيفة شرعيّة فيتوقف على النقل، ومتى انتفى سقط التوظيف مطلقاً، وأمّا الفرق بين الأذان الذكري وغيره فلا أعرف له وجهاً).

وأيضا ً (3) قال: (الثالثة: لو فرغَ من الصلاة ولم يحكِ الأذان، فالظاهر سقوط الحكاية؛ لفوات محلّها وهو ما بعد الفصل بغير فصل أو معه).

____________________

(1) مسالك الإفهام: ج3، ص131.

(2) المدارك: ج3، ص263.

(3) المدارك: ج3، ص295.


وقال العلاّمة في التذكرة (1): إنّه يكون مخيّراً بين الحكاية وعدمها.

وقال الشيخ في الخلاف (2): يؤتى به لا من حيث كونه أذاناً، بل من حيث كونه ذِكراً، وهما ضعيفان.

وقال: ذهبَ بعض أصحاب الشافعي إلى وجوب الأذان والإقامة كفايةً، وذهبَ مالك إلى وجوبه في مساجد الجماعة التي يُجمع فيها للصلاة، وذهب ابن حنبل إلى وجوب الأذان على أهل المصر، واستدلّوا ببعض الروايات (3) بأنّه: من شعائر الإسلام فأشبهَ الجهاد، وناقشهُ العلاّمة بالفرق بين الأصل وهو (الإسلام) وبين الفرع وهو (الأذان): بأنّ الأصل وضِعَ للدخول في الدين، وهو من أهمّ الواجبات فكان الطريق إليه واجباً، والأذان وضِع للدخول في الجماعة وهي غير واجبة، فالأَولى بالوسيلة أن لا تكون واجبة) (4).

أقول: ويتحصّل من كلمات الأعلام في الأذان: ذهابهم إلى كونه متضمّناً لعدّة طبايع، وأنّها منطبقةٌ عليه، كما أنّ له غايات شرعيّة متعدّدة، ومن ثُمّ تترتّب عليه أحكام مختلفة بحسب الماهيّات المنطبقة عليه وبحسب اختلاف غاياته، كما أنّهم حرّروا ما هو الركن فيه ممّا ليس بركن ورتّبوا على ذلك اختلاف حالاته، فهذه المقامات المتعدّدة في الأذان يجدها المتتّبع في كلمات الأعلام، أمّا الطبايع التي ذكروها فهي: (الإعلام، الذِكر، التشهّد، الدعاء للصلاة، الشعاريّة).

____________________

(1) التذكرة: ج3، ص83.

(2) التذكرة: ج3، ص83، المبسوط: ج1، ص 97.

(3) المغني: ج1، ص461، المجموع: ج3، ص81، المدوّنة الكبرى: ج1، ص61.

(4) منتهى المطلب: ج4، ص411 طبعة جامعة المدرّسين.


وقد بنوا على حقيقة هذه الطبايع لا من باب الاحتمال، بل على نحو التحقيق، فرتّبوا آثاراً وأحكام كلّ طبيعة عليه، كما تُلاحظ ذلك في كلماتهم المتقدّمة المُقتطفة ويجدها المتتبّع في مظان تلك المسائل، ويشير إلى تعدّد طبايع الأذان ما في معتبرة الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال: (إنّما أُمرَ الناس بالأذان لِعلل كثيرة، منها: أن يكون تذكيراً للناس، وتنبيهاً للغافل، وتعريفاً لمَن جهلَ الوقت واشتغل عنه، ويكون المؤذِّن بذلك داعياً إلى عبادة الخالق ومرغِّباً فيها، مُقرّاً له بالتوحيد، مجاهراً بالإيمان، مُعلناً بالإسلام، مؤذِّناً لمَن ينساها، وإنّما يقال له: مؤذِّن؛ لأنّه يؤذّن بالأذان بالصلاة، وإنّما بدأ فيه بالتكبير وختمَ بالتهليل؛ لأنّ الله أراد أن يكون الابتداء بذكره واسمه، واسم الله في التكبير في أوّل الحرف، وفي التهليل في آخره.

وإنّما جَعل مثنى مثنى؛ ليكون تكراراً في آذان المستمعين مؤكّداً عليهم إن سهى أحدٌ عن الأوّل لم يسهى عن الثاني؛ ولأنّ الصلاة ركعتان ركعتان فلذلك جَعل الأذان مثنى مثنى، وجَعل التكبير في أوّل الأذان أربعاً؛ لأنّ أوّل الأذان إنّما يبدو غفلةً وليس قبله كلام يُنبّه المستمع له، فجَعل الأوليان تنبيهاً للمستمعين لمَا بعده في الأذان، وجَعل بعد التكبير الشهادتان؛ لأنّ أوّل الإيمان هو التوحيد والإقرار لله بالوحدانية، والثاني الإقرار للرسول بالرسالة وأنّ طاعتهما ومعرفتهما مقرونتان؛ ولأنّ أصل الإيمان إنّما هو الشهادتان فجعلَ شهادتين شهادتين، كما جَعل في سائر الحقوق شاهدان، فإذا أقرّ العبد لله عزّ وجل بالوحدانيّة، وأقرّ للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالرسالة، فقد أقرّ بجملة الإيمان؛ لأنّ أصل الإيمان إنّما هو الإقرار بالله وبرسوله، وإنّما جَعل بعد الشهادتين الدعاء إلى الصلاة؛ لأنّ الأذان إنّما وضِع لموضع الصلاة، وإنّما هو نداء إلى الصلاة في وسط الأذان، ودعاء إلى الفلاح، وإلى خير العمل، وجَعل ختمُ الكلام باسمه كما فُتح باسمه) (1).

____________________

(1) الوسائل: الباب 19 من أبواب الأذان والإقامة ح14.


فالمحصّل: أنّ الرواية بيّنت أنّ في الأذان ذِكر الله، ودعوى إلى التوحيد، ودعوى إلى الإسلام، ودعوى إلى الإيمان، وهذا العنوان الأخير سيأتي أنّ أحد طبايع الأذان، اشتماله على الدعوة إلى الإيمان والولاية، كما أشارت الرواية إلى الإقرار والتشهّد.

كما أنّ الأذان نداء ودعوى إلى الصلاة، وسيأتي شرح كامل لدلالة الرواية على الشهادة الثالثة في الأذان في الفصل الأوّل، ثُمّ إنّ ممّا مرّ من كلمات الفقهاء يظهر أنّ ما ذكروه من غايات في الأذان - وموارد مستحبّة له غير الصلاة (تأكيداً لمَا سبق) - أنّهم يبنون على ترتيب الآثار على الحقائق الأخرى المنطبقة على الأذان، وأنّه ليس تمام حقيقته النداء للصلاة والإعلام لها، هذا فضلاً عن انطباق عناوين طارئة أخرى عليه كالشعاريّة وغيرها من العناوين التي رتّبوا آثارها على الأذان، كما أنّهم بيّنوا ما هو الرُقي في الأذان وهو ماهيّة الذِكر بالتكبير، وماهيّة التشهّد بالشهادتين دون بقيّة الماهيّات المتضمّن الأذان لها.


المبحثُ الأوّل

الشهادةُ الثالثة في الأذان وأجزاء الصلاة

وفيه ثلاثة فصول:

الفصلُ الأوّل

تقريبُ إثبات جزئيّة الشهادة الثالثة والإقامة فضلاً عن مشروعيّتها فيهما


الفصل الأوّل

تقريبُ إثبات جزئيّة الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة فضلاً عن مشروعيّتها فيهما

ويُستدلّ لذلك بعدّةٍ من طوائف الروايات الخاصّة الدالّة مطابقةً على ذلك بالصراحة أو الظهور، والبحث يقع في جهات:

الجهةُ الأُولى: البحث في طوائف الروايات الخاصّة التي روى متونها الصدوق في الفقيه سنداً ودلالة وأقوالاً، وهي ثلاث طوائف، ثُمّ تُتبع بذكر طوائف روائيّة خاصّة أخرى.

الجهةُ الثانية: البحث في مقتضى قاعدة شرطيّة الولاية، والإيمان في صحّة الأعمال، والعبادات لشرطيّة الشهادة الثالثة في الأذان.


الجهةُ الأُولى

البحثُ في طوائف الروايات الخاصّة التي روى متونها الصدوق في الفقيه سنداً ودلالةً وأقوالاً

نصُ الطوائف الثلاث الأُول: لقد جاء في كتاب مَن لا يحضره الفقيه للصدوق في باب الأذان والإقامة، بعد استعراضه لصورتيهما قال: (هذا هو الأذان الصحيح لا يُزاد فيه ولا ينقص منه، والمفوّضة لعنهم الله قد وضعوا أخباراً وزادوا في الأذان (محمّداً وآل محمّد خير البريّة) مرّتين، وفي بعض رواياتهم بعد أشهدُ أنّ محمّداً رسول الله: (أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله) مرّتين، ومنهم مَن روى بدل ذلك: (أشهدُ أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً) مرّتين، ولا شكّ في أنّ عليّاً وليّ الله، وأنّه أمير المؤمنين حقّاً، وأنّ محمّداً وآله صلوات الله عليهم خير البريّة، ولكن ليس ذلك في أصل الأذان، وإنّما ذكرتُ ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتّهمون بالتفويض المدلّسون أنفسهم في جملتنا) (1).

وهذه المتون التي ذكرها الصدوق بنحو الإرسال هي ثلاث طوائف بالأحرى كما مرّ توضيحه في المدخل.

____________________

(1) الفقيه: ج1، ص290 طبعة قم.


* البحثُ في سند الطائفة:

نظرةُ الصدوق: ويُلاحظ ويُستشفى من كلام الصدوق عدّة أمور:

1 - وجود روايات واردة في الشهادة الثالثة وأنّها متعدّدة ذات طوائف.

2 - إنّ تلك الروايات كانت في أصول أصحابنا لا في كتب الفِرَق المنحرفة - فِرق المفوضة -، وإلاّ لمَا أشار إليها الصدوق؛ لعدم دأبه بالتعرّض لروايات الفِرق الأخرى، ويَعضد هذه الحقيقة ما سيأتي من كلام الشيخ الطوسي (قدِّس سرّه) حول هذه الروايات الدال على ذلك أيضاً.

3 - حكاية الصدوق بوجود جملة من الشيعة يمارسون الأذان بالشهادة الثالثة في زمانه، ويعملون بتلك الروايات وكانوا من جملة أبناء الطائفة وفي مُدنهم، بل إنّ التدبّر في كلام الصدوق - حيث وَصفَ سلسلة الرواة لطرق تلك الروايات بأنّهم متّهمون بالتفويض - يقتضي كون تلك الروايات متداولة في الطبقات السابقة عليه روايةً وعملاً، فيظهر من ذلك أنّ السيرة المزبورة متقادِمة على عصر الصدوق.

4 - إنّ الصدوق قد عَقد في كتاب التوحيد (1) باباً تحت عنوان (تفسير حروف الأذان والإقامة)، ثُمّ نقلَ رواية طويلة في تفسير الأذان لم تتضمّن (حيّ على خير العمل)، فعلّقَ عليها بقوله: إنّما تَرك الراوي لهذا الحديث (حيّ على خير العمل) للتقيّة، ثُمّ قال: وقد رويَ في خبر آخر أنّ الصادق (عليه السلام) سُئل عن معنى (حيّ على خير العمل)؟ فقال: (خيرُ العمل الولاية)، وفي خبرٍ آخر: (خيرُ العمل برّ فاطمة وولدها (عليهم السلام)) انتهى كلامه.

____________________

(1) باب 34، ص238 - 241، التوحيد، طبعة قم.


فيظهر من الصدوق: البناء على أنّ بعض فصول الأذان قد تُترك في روايات الأذان لأجل التقيّة، فمِن الغريب بعد ذلك استنتاجه لوضع الشهادة الثالثة في الروايات المتقدّمة لأجل ترك ذِكرها في كثير من الروايات الأخرى، حسب سياق كلامه في كتاب الفقيه، فلاحظ كلامه المتقدِّم على العبارة التي نقلناها.

كما أنّه يظهر منه في كتابه التوحيد: أنّ الأذان مشتمل على فصل كنائي عن ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وهو حيّ على خير العمل، فهذا ممّا يَعضد تضمّن الأذان لذكر الولاية، بل قد روى الصدوق في العِلل (1) في المصحّح عن ابن عمير، عن أبي الحسن أنّه سأله عن (حيّ على خير العمل) لِمَ تُركت من الأذان؟ قال: (تريد العلّة الظاهرة أو الباطنة؟ قلت: أريدهما جميعاً، فقال: أمّا العلّة الظاهرة؛ فلئلاّ يدع الناس الجهاد أو اتكالاً على الصلاة، وأمّا الباطنة (2) ؛ فإنّ خير العمل الولاية، فأراد من أمْر بترك حيّ على خير العمل من الأذان، أن لا يقع حثٌ عليها ودعاء إليها) انتهى.

ممّا يدلّ على بناء الصدوق على كون فصل (حيّ على خير العمل): هو عنوان لولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وصيغة من صيغ الشهادة الثالثة الكنائيّة، ثُمّ إنّه يُلاحظ على كلام الصدوق في الفقيه جملة من الأمور.

أولاً: إنّ الصدوق قد اعتمد وروى في كتاب التوحيد (3)، رواية في الأذان بسند متّصل تتضمّن نداء مَلك من الملائكة العظام - إذا حضر وقت الصلاة - بالشهادات الثلاث،

____________________

(1) الوسائل: أبواب الأذان والإقامة، باب 19، ح16.

(2) أي: الخفيّة التي لم يفصح الثاني عنها عَلناً.

(3) التوحيد: باب 38، ص281، ح10.


وإنّه لأجل ذلك تصيح الديكة في أوقات الصلاة كما سيأتي نقلها مفصّلاً، مع أنّه قد روى أيضاً في عِلل الشرائع - كما سيأتي - أنّ هذا النداء ذا صلة بالأذان، كما سيأتي مفصّلاً بحسب الروايات التي رواها الصدوق نفسه (قدِّس سرّه).

ثانياً: إنّ الصدوق في الفقيه قد بنى وروى ذِكر أسمائهم (عليهم السلام) بوصف الإمامة في قنوت الصلاة، وقنوت صلاة الوتر، حيث أورد في باب قنوت الصلاة الرواية بقوله: وقال الحَلبي له (للصادق (عليه السلام)): أسمّي الأئمّة (عليهم السلام) في الصلاة؟ قال: (أجمِلهم) (1).

مع أنّه أوردَ في الموضع الأوّل الفتوى لسعد بن عبد الله، بعدم جواز الدعاء في القنوت بالفارسيّة، ممّا يظهر منه أنّ الحال في القنوت توقيفي غير موسع، ومع ذلك أفتى برجحان ذِكرهم بالإمامة فيه.

وكذلك أفتى الصدوق بالشهادة الثالثة في المقنع، في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام قال: ثُمّ تُكبّر تكبيرتين وقل: وجّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض، عالِم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، على ملّة إبراهيم، ودين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) حنيفاً مسلماً) (2).

ثالثاً: إنّ والد الصدوق علي بن بابويه (قدِّس سرّه) ذَكر الشهادة الثالثة في عدّة مواضع:

____________________

(1) الفقيه: ج1، ص317 طبعة قم، وص493.

(2) المقنع: ص93، طبعة قم، مؤسّسة الإمام الهادي.


منها: في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام، نظير ما مرّ في عبارة الصدوق.

ومنها: في التشهّد حيث قال: (أشهدُ أنّك نِعم الرب، وأنّ محمّداً نِعم الرسول، وأنّ عليّ بن أبي طالب نِعم الولي) (1) .

ومنها: في صيغة الصلاة على النبي وآله في تشهّد الصلاة حيث قال: (اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى، وعليّ المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن، والحسين، وعلى الأئمّة الراشدين من آل طه وياسين، اللهمّ صلِّ على نورك الأنور، وحبلك الأطول، وعلى عروتك الأوثق، وعلى وجهك الكريم، وعلى جنبك الأوجب، وعلى بابك الأدنى، وعلى مسلك الصراط) (2).

ومنها: ما ذكرهُ علي بن بابويه في صيغة التسليم في الصلاة حيث قال: (السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) (3) ، وقريب منه ما تقدّم.

ويأتي من اعتماد الصدوق في الفقيه ذلك في التسليم للصلاة، فلم توجِب رواية كلّ هذه المواضع التُهمة بالتفويض عند الصدوق، فما الوجه في تخصيص رواة الشهادة الثالثة في الأذان بتهمة التفويض، مع أنّ عبارة الصدوق متدافعة بين الصدر والذيل؛ حيث إنّه في الصدر وَصفَ رواة هذه الروايات بالمفوّضة على نحو التحقيق، وفي الذيل وَصفهم بأنّهم متّهمون بالتفويض أي يظنّ بهم ذلك، ومنشأ هذا الظن ليس إلاّ تخرّصاً ورَجماً بالغيب، بعد كون الشهادة الثالثة مضمونها من ضروري المذهب، ومُكمِّلة للدين، ولقبول ورضا الرب بالأعمال واشتراط الإيمان بها،

____________________

(1) الفقه الرضوي: ص18 طبعة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.


وبعدما اتّضح رواية الصدوق نفسه لروايات في موارد عدّة في الصلاة يذكرها بصيغ مختلفة للشهادة الثالثة، فأي التقاء لذلك مع التفويض؟

ويُحتمل قريباً أنّ الصدوق ذَكر ذلك تقيّة، نظراً للأحداث والفتن الدامية التي حصلت بين الشيعة وسنّة جماعة الخلافة في بغداد وغيرها من البلدان، قَبل ورود الصدوق لبغداد بعقود من السنين، وكذلك أثناء وروده إليها وقد استعرَضَت الكتب التاريخيّة (1) ذلك بتفصيل، ويَعضد هذا الاحتمال قرائن منها:

أ - الصلة الوثيقة بين الصدوق وآل بويه، مع أنّهم هم الذين رفعوا شعار التشيّع في الأذان: كالشهادة الثالثة، وحيّ على خير العمل - كما مرّ تفصيله - في بغداد، وجنوب إيران، مع أنّ آل بويه من الشيعة الاثنى عشريّة، ولم يكونوا من فِرق الغلاة والمفوّضة.

ب - قول الصدوق في الفقيه في باب الوضوء، وفي صفة وضوء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: وقد فوّض الله عزّ وجل لنبيّه أمر دينه، ولم يُفوّض إليه تعدّي حدوده (2).

وقال المجلسي في البحار بعد نقل الكلام المتقدّم للصدوق: ولعلّ الصدوق عندما نفى المعنى الأوّل حيث قال في الفقيه: وقد فوّض الله عزّ وجب إلى نبيّه أمر دينه، ولم يفوّض إليه تعدّي حدوده)، وأيضاً هو (رحمه الله) قد روى كثيراً من أخبار التفويض في كتبه (3) ولم يتعرّض لتأويلها) (4).

____________________

(1) قد مرّ تفصيل المصادر في ذلك في المدخل في مبحث السيرة، فلاحظ.

(2) ثواب الأعمال: باب عقاب العُجب ص351، اعتقادات الصدوق، عيون أخبار الرضا: ج2، ص202، مَن لا يحضرهُ الفقيه: ج1، ص201، طبعة جماعة المدرّسين، حديث 605.

(3) الفقيه: ج1، ص41 طبعة قم، منشورات جماعة المدرّسين.

(4) البحار: ج25، ص347.


قال الصدوق في كتابه الاعتقادات: (وقد فوّض الله تعالى إلى نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمر دينه فقال تعالى: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) ، وقد فوّض ذلك إلى الأئمّة (عليهم السلام)....) (1).

قال الصدوق في الفقيه، وقال زرارة بن أعين، قال أبو جعفر (عليه السلام): (كان الذي فرضَ الله تعالى على العباد عشر ركعات وفيهنّ القراءة وليس فيهنّ وهمٌ - يعني السهو - فزاد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سبعاً فيهنّ السهو....) (2).

أقول: فمع هذه التصريحات من الصدوق بالتفويض، أو صحّة بعض أقسام التفويض، كالتفويض في التشريع من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الحدود التي رسمها الله تعالى له، مع فتوى الصدوق بالشهادة الثالثة في مواضع من الصلاة، كما في: ضمن دعاء التوجّه (3) ، وفي قنوت الصلاة (4) ، وفي التسليم (5) ، بل في الفقه الرضوي - الذي هو رسالة والده علي بن بابويه - ذَكر الشهادة الثالثة في تشهّد الصلاة (6) .

ومع ما تقدّم - من وقوع الفتن الدامية بين الشيعة وأهل سنّة الجماعة في بغداد، وحلب، ومصر، وبين آل بويه وغيرهم، كما مرّ مفصّلاً في بحث السيرة - لا يبعد كون حكم الصدوق بالتفويض على رواة هذه الروايات أنّه من باب التمسّك بالتقيّة، ولزوم الاتّقاء على الشيعة،

____________________

(1) اعتقادات الصدوق: ص109 - 111.

(2) مَن لا يحضرهُ الفقيه: ج1 باب فرض الصلاة، ح605، ص201 طبعة جماعة المدرّسين.

(3) المقنع: ص93، طبع قم - مؤسّسة الإمام الهادي.

(4) الفقيه: ج1، ص4، ص3، وص317، طبعة قم.

(5) المقنع: ص96، طبع قم - مؤسّسة الإمام الهادي والفقيه: ج1، ص319.

(6) الفقه الرضوي: ص108، طبعة آل البيت.


وقد يكون التدافع بين صدر عبارته وذيلها تعريض وإيماء وتلويح بالتقيّة، حيث حَكم في صدر عبارته بأنّها من وضع المفوّضة، ثُمّ ذَكر في ذيل عبارته: أنّ مَن يتعاطى هذه الروايات ويعمل بها فهو متّهم بالتفويض، مع أنّ الجزم بالوضع متوقف على الجزم أيضاً بالتفويض، وعلى الجزم بمنافاة المضمون؛ لمسلّمات وأصول المذهب، فكيف يتلائم ذلك مع عدم الجزم بالتفويض، بل المظنّة بأنّهم مفوّضة ومتّهمون.

رابعاً: إنّ ميزان التفويض والغُلو عند الصدوق (قدِّس سرّه) - وشيخه ابن الوليد، ومدرسة الرواة والمحدّثين القميّين - يختلف عن ميزان ذلك لدى الشيخ المفيد، والمرتضى، والطوسي، والمدرسة البغداديّة والكوفيّة؛ فإنّ الأولى اتّصفت بالحدّة والإفراط في ذلك، فإنّ بعضهم - كالصدوق في كتابه المزبور - يجعل نفي السهو عن المعصوم في الأفعال ذات الحكم الإلزامي أوّل درجات الغلو، ووقائع المدرسة الأولى - مع كبار وجوه وفقهاء ومتكلمي الطائفة والبرقي وغيرهم - معروفة، فلاحظ رجال الكشّي وغيره، ونحن وإن نُعطي النصفة والحق للمدرسة الأولى في ذلك، نظراً لأخذ الحيطة في تراث الروايات، ودَحراً لأيدي الوضّاع والمدلّسين عن الطمع في الجعل، إلاّ أنّ ذلك كلّه في إطار الوقاية والحماية، لا أنّه يعني صحَّة كلّ تشدّدهم وحدّتهم في صرامة المباني الرجاليّة والدرائيّة، التي تُضيّع هي الأخرى قسماً من التراث الروائي الديني.

ولذلك خطّأ جمهور أصحابنا - حتّى ابن الغضائري البغدادي المتشدّد - طعْنَ الصدوق وشيخه في عدّة مواضع، كما في طعنه على أصلَي زيد الزرّاد، وزيد النرسي، بأنّهما موضوعان من قِبَل محمد بن موسى الهمداني: بأنّ هذين الأصلين قد رواهما الأصحاب بأسانيد مختلفة أخرى صحيحة.


وكما في تخطئة النجاشي وغيره من الرجاليّين المحدِّثين، في استغرابهم بعض ما استثناه ابن الوليد، وبتبعه الصدوق من نوادر الحكمة لمحمّد بن أحمد الأشعري القمّي، حيث حكى النجاشي عن شيخه أبي العبّاس بن نوح تعجّبه من استثناء روايات محمد بن عيسى بن عبيد من الكتاب المزبور، مع أنّه كان على ظاهر العدالة والثقة.

وقد استثنى الصدوق وشيخه من الكتاب المزبور روايات سهل بن زياد الآدمي، مع أنّ الكليني أدمنَ الرواية عنه في الكافي، مع أنّ الصدوق أيضاً قد اعتمده في طريق المشيخة، وكذا استثنيا روايات أحمد بن هلال العبرتائي، مع أنّ الشيخ في العدّة ادّعى إجماع الطائفة على العمل برواياته في حال استقامته، وغيرها من الموارد التي امتنعَ الصدوق من نقل رواية الرواة الموجودة في الأصول المعتبرة لمسلكه الخاصّ به وبشيخه، بل تراهما يمتنعان من نقل رواية كتابين (أصلَين) معتبرَين عند الأصحاب لذلك.

ومن موارد وأمثلة التشدّد بحدّة التي تفرّد بها الصدوق: ما ذهبَ إليه في الفقيه من أنّ شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوماً أبداً، وذَكر جملة من الروايات بهذا المضمون، ثُمّ قال: (مَن خالفَ هذه الأخبار وذهب إلى الأخبار الموافقة للعامّة في ردّها اتُّقي كما يُتّقى من العامّة، ولا يُكلّم إلاّ بالتقيّة كائناً مَن كان، إلاّ أن يكون مسترشداً فيرشد ويَبين له، فإنّ البدعة إنّما تُماث وتبطل بترك ذِكرها ولا قوّة إلاّ بالله) (1).

وقال أيضاً في الخصال بعدما أورد الروايات: (إنّ إكمال العدّة ثلاثين يوماً، مذهب خواص الشيعة وأهل الاستبصار في شهر رمضان أنّه لا ينقص عن ثلاثين يوماً أبداً،

____________________

(1) الفقيه: كتاب الصوم، باب النوادر، ص171، ج2، طبعة قم.


والأخبار في ذلك موافِقة للكتاب ومخالفة للعامّة، فمَن ذَهب من ضَعفة الشيعة إلى الأخبار التي وردت للتقيّة، في أنّه ينقص ويصيبه ما يصيب الشهور من النقصات والتمام اتُقي كما تُتّقى العامّة، ولم يُكلّم إلاّ بما يُكلّم به العامّة، ولا قوّة إلاّ بالله) (1).

مع أنّه قد رجعَ عن ذلك في كتابه المُقنع، فقال في باب رؤية هلال شهر رمضان: (وقد يكون شهر رمضان تسعة وعشرين، ويكون ثلاثين، ويُصيبه ما يصيب الشهور من النقصان والتمام) (2) .

____________________

(1) الخصال: ج2، ص531، طبعة قم.

(2) المقنع: ص183، طبعة قم.


نظرةُ الشيخ الطوسي والسيّد المرتضى (قدِّس سرّهما)

وقد اختلفَ موقف الشيخ الطوسي والسيّد المرتضى عن الصدوق في اعتبار طرق هذه الروايات، ومثلهما ابن برّاج، والعلاّمة، والشهيد الأوّل، ولنذكر جملة من عبائرهما:

قال السيّد المرتضى في رسالته (مسائل مبّافارقيات) في المسألة الخامسة عشر: هل يجب في الأذان بعد قول (حيّ على خير العمل) محمّد وعلي خير البشر؟

الجواب: إن قال: محمّد وعلي خير البشر على أنّ ذلك من قوله خارج من لفظ الأذان جاز؛ فإنّ الشهادة بذلك صحيحة، وإن لم يكن فلا شيء عليه) (1) .

أقول: وظاهر جوابه في الشق الثاني أنّه إن أتى به على أنّه من داخل الأذان وفصوله فلا شيء عليه، أي فيسوغ ذلك، وهي فتوى منه (قدِّس سرّه) بمضمون إحدى الروايات التي أوردها الصدوق في الفقيه، والتي مرّ نقل متونها، كما أنّ سؤال السائل - من مدينة كبيرة من بلاد الجزيرة وهي مبّافارقي - هو عن وجوب أداء الشهادة الثالثة في الأذان، وهو يفيد المفروغيّة من مشروعيّتها، كما أنّه يكشف عن ممارسة وقيام السيرة بالتأذين بها في الأذان عند الشيعة آنذاك؛ وإنّما وقعَ الترديد في لزومها، وهذا يدعم ما تقدّم من عبارة الصدوق في الفقيه: من وجود السيرة لدى الشيعة آنذاك على التأذين بالشهادة الثالثة، وهي سيرة في بداية الغيبة الكبرى، مضافاً إلى ما قدّمناه في عبارة الصدوق من دلالتها على كون هذه السيرة لدى رواة تلك الطوائف قَبل الغيبة الصغرى؛ لدلالة رواياتهم لها على عملهم بها،

____________________

(1) رسالة المسائل: ص257 مطبوعة بضميمة جواهر الفقه لابن برّاج، طبعة جماعة المدرّسين، ورسائل المرتضى: طبعة السيّد المرعشي، ج1، ص279.


مع أنّ الصدوق وكذلك ما سيأتي من عبارة الشيخ الطوسي، لم يصفا الروايات بالإرسال، ولا بكونها مقطوعة، ولا مضمرة، ولا معلّقة، مع أنّهما في مقام تقييم درجة اعتبار صدور الروايات ومضمونها، لاسيّما الصدوق حيث كان في مقام بيان الطعن فيها وعدم لزوم الأخذ بها، ممّا يدلّ على كون الروايات متّصلة الإسناد إلى المعصومين.

ويظهر هذا جليّاً لمَن تتبّع دَيدن الصدوق في الفقيه، عند تقييمه لأسانيد الروايات وذِكره لأقسام وأنواع الضعف في أسانيدها، فإذا اتّضح اتّصال الإسناد، فيظهر منه أنّها سيرة روائيّة لدى جملة من الرواة بعد تعبير الصدوق عنهم بقوله: (رواياتهم)، وقوله بعد ذلك: (ومنهم مَن روى)، وتعبيره في صدر كلامه بكلمة (أخباراً)، كلّ ذلك يقضي بوجود السيرة على العمل بتلك الروايات.

وممّا يدعم اعتماد السيّد المرتضى على تلك الروايات في فتواه المتقدّمة: أنّ السيّد عقّب هذه الفتوى بفتوى أخرى وهي بدعيّة (الصلاة خير من النوم) في الأذان، وأنّها مخالفةٌ للسنّة وإجماع أهل البيت، مع أنّه قد وردت روايات متضمّنة لذلك تقيّة، بل قد أفتى بجواز ذلك تقيّةً، فكلّ ذلك يدلّ بوضوح على بناء السيّد (قدِّس سرّه) على مشروعيّة الشهادة الثالثة في الأذان بمقتضى الروايات الواردة فيها، وسيأتي نظير ذلك من الشيخ الطوسي.

ثُمّ إنّ فتوى السيّد المرتضى - كما تقدّم في المدخل، في مبحث السيرة وفتاوى الأعلام - كانت في ظلّ السيرة المتشرعيّة للطائفة الإماميّة في بغداد، وشمال العراق، وحلب، ومصر على التأذين بالشهادة الثالثة في الأذان كمَعلَم للطائفة المعاصرة، والمتقدّمة عليه بعقود من السنين، وأمام مرأى وعين منه (قدِّس سرّه) يُميّز أذانهم عن أذان طائفة سنّة جماعة الخلافة،


وكذلك الدول الشيعيّة: كدولة آل بويه، والحمدانيّين، والعبيديّين، والفاطميّين، وكانت صيغة الشهادة الثالثة لهم في الأذان حسبما فصّلنا في نقل المصادر والنصوص التاريخيّة الكثيرة (محمّد وعلي خير البشر)، ففتواه بجوازها في الأذان على نحو الجزئيّة غطاء شرعي داعم لتلك السيرة، فلاحظ بحث السيرة في المدخل وفتاوى الأعلام.

وكلّ من السيرة وهذه الفتاوى الداعمة: هو بمثابة القرائن الموجِبة للوثوق بصدور طوائف الروايات التي رواها الصدوق في الفقيه، لاسيّما مع ما يأتي من موقف الشيخ والأصحاب من أسانيدها.

أمّا الشيخ الطوسي فقد قال في النهاية: (وأمّا ما رويَ في شواذ الأخبار من قول: (أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله، وآل محمّد خير البريّة) فممّا لا يُعمل عليه في الأذان والإقامة، فمَن عملَ بها كان مخطئاً) (1).

وتعبيره (قدِّس سرّه) بخطأ العامل: يريد به الأخذ بغير الراجح في صناعة الترجيح بين المتعارضين، لا بمعنى عدم وجود الحجيّة الاقتضائيّة فيها، إذ التخطئة إنّما تكون بحسب صناعة موازين الاجتهاد، ومن ثُمّ لم يقل كان مُبدعاً، ممّا يدلّ على معذوريّته بحسب موازين الاستنباط عند العامل على مبناه، فالتخطئة مقابل التصويب في الاجتهاد، ويطابق هذا المفاد من كلامه في النهاية بكلامه في المبسوط (قدِّس سرّه) بخطأ العامل، يريد به الأخذ بغير الراجح في صناعة الترجيح بين المتعارَضين.

وقال في المبسوط: (ففصول الأذان: أربع تكبيرات في أوّله،... فأمّا قول:

____________________

(1) المبسوط: ج1، ص148، طبعة جماعة المدرّسين، قم.


(أشهدُ أنّ عليّاً أمير المؤمنين، وآل محمّد خير البريّة) على ما ورد في شواذ الأخبار، فليس بمعمول عليه في الأذان، ولو فعله الإنسان لم يأثم به، غير أنّه ليس من فضيلة الأذان ولا كمال فصوله) (1) .

ومن هذه العبارة: يلاحظ أنّ الشيخ قد حَكم على الروايات المتقدّمة - التي أشار إليها الصدوق في الفقيه - بالشذوذ، لا الحُكم عليها بالوضع وأنّ العمل بها لا يوجب الإثم، ومعنى العمل بها: هو العمل بمضمونها، ومضمونها جزئيّة الشهادة الثالثة كفصل من الأذان والإقامة، فالعمل بها يعني البناء والإتيان بها على أنّها جزء من فصول الأذان والإقامة، وحُكم ذلك العمل عند الشيخ لا يستوجب الإثم.

* شواهدٌ لفتوى الشيخ بالجواز

ووجه استفادة ذلك من عبارة الشيخ:

الشاهدُ الأوّل:

إنّ الضمير في (ولو فعله) في كلام الشيخ راجع إلى (فأمّا قول...)، أي قول الشهادة الثالثة الذي وصفهُ بأنّه مروّي في شواذ الأخبار.

الشاهدُ الثاني:

وممّا يُعزِّز إرادة الشيخ عدم الإثم، وجواز العمل بمضمون تلك الأخبار - أي العمل بمفادها من كون الشهادة الثالثة جزء فصول الأذان - تعبير الشيخ في النهاية عن العمل بطوائف الروايات المختلفة في عدد فصول الأذان والإقامة، بعين التعبير في المقام حيث قال:

____________________

(1) المبسوط: ج1، ص 148 طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي.


(وهذا الذي ذكرناه من فصول الأذان والإقامة هو المختار المعمول عليه، وقد روي سبعة وثلاثون فصلاً في بعض الروايات، وفي بعضها ثمانية وثلاثون فصلاً، وفي بعضها اثنان وأربعون فصلاً - ثُمّ ذَكر تفصيل تلك الأعداد - فإن عَمل عامل على إحدى هذه الروايات لم يكن مأثوماً) (1) .

ومسألةُ عدد فصول الأذان وإن كانت مسألة أخرى لا تختص بخصوص الشهادة الثالثة كفصل في الأذان، إلاّ أنّ تماثل حكم الشيخ في المسألتين، أي نفيه للإثم لمَن عملَ على أحد طوائف الروايات الواردة في عدد فصول الأذان والإقامة، مع كون جملة تلك الروايات وطوائفها معتبرة، والعمل بها هو بمعنى العمل بمفادها، والأخذ بها، والفتوى بمضمونها، فإذا كان هذا هو المعنى لعدم الإثم بالعمل في تلك الروايات، فعين هذا المعنى ينسحب على روايات الشهادة الثالثة، حيث حَكم عليها الشيخ بنفس الحكم وبنفس اللفظ والتعبير، ممّا يقضي باعتبار صدور الروايات للشهادة الثالثة في الأذان لدى الشيخ، وجواز العمل والأخذ بها، والفتوى بمضمونها، وإن كان الأرجح لديه العمل بالروايات الأخرى الخالية.

الشاهدُ الثالث:

وأمّا حُكمه بشذوذها، فيعزِّز إرادته (قدِّس سرّه) لاعتبار صدور تلك الروايات الشاذّة؛ لكون معنى الشاذ لدى الشيخ في التهذيبين - وكذا المحدِّثين وعلماء الدراية - هو المعتبر سَنداً المُعرَض عنه عملاً،

____________________

(1) النهاية: ج1، ص292 - 293 طبعة قم، النشر الإسلامي.


فالشذوذ وصفٌ لمضمون الخبر لا لطريقه، وقد عَقدنا لذلك تذييلين في نهاية هذا الفصل:

الأوّل: في أقوال أرباب الدراية في الشاذ.

والثاني: في استعمال الشاذ في كلام الشيخ الطوسي، والصدوق، والمفيد في كتب الحديث، وقد ذكرنا نبذة من الموارد تزيد على الثلاثين مورداً (1) استُعمل فيها لفظة الشاذ في المعتبر سنداً، وجعلوا وصف الشذوذ للمتن لا لضعف الطريق؛ بسبب المعارضة للروايات الأخرى في تلك الموارد، فأطلقوا الشاذ على الخبر الموثّق، والمصحّح، والمتكرِّر وروده في الكتب الحديثيّة.

كما صرّح الشيخ في غير مورد بأنّ علّة الشذوذ مُخالفة المضمون لمَا هو ثابت في قباله، لا ضعف السند، وفي كثير من موارد الشاذ يتكلّف الشيخ في توجيه مضمونه، وفي أحد الموارد يُصرِّح الشيخ بعدم امتناع العمل بالخبر الشاذ وأنّه حجّة بنفسه لولا المعارض الراجح، أي متّصف بالحجيّة الاقتضائيّة.

وفي بعض الموارد أطلقَ الشيخ المفيد (قدِّس سرّه) وصف الشاذ على مجموع من الأحاديث، كما نبّه على عمل الصدوق في موارد عدّة بالأخبار الشاذّة، ونبّه أيضاً على انطباق الأخبار الشاذّة على ما كان إسناده صحيحاً ثابتاً، وأنّ العمل بالشاذ ممكناً إذا وجِد العامل به وجهاً أو سبيلاً لذلك.

كما صرّح المفيد، وابن طاووس على أنّ معنى الشاذ في الغالب هو غرابة المضمون، أو منافاته لجملة من الأخبار، وكما صرّح بأنّ الرواية الشاذّة يُرخّص العمل بها إلاّ أنّه بنحو التخيير لا اللزوم التعييني، وهو ينطبق تماماً على ما صرّح به الشيخ الطوسي في المبسوط في روايات الشهادات الثلاث في الأذان من العبارة التي مرّ نقلها.

____________________

(1) وقد وافقَ عدد اثنين وأربعين مورداً.


كما نبّه السيّد ابن طاووس (قدِّس سرّه) على أنّ ما يورده القدماء من مضامين الروايات ومتونها في كتبهم: هو لأجل الرخصة في العمل بها، وهذا الذي ذكرهُ هو الذي أشار إليه الشيخ في المبسوط في العبارة المتقدّمة أيضاً.

كما أنّه قد نبّه الشيخ المفيد في كتابه الإفصاح (1) ، إلى أنّ الشاذ يُطلق على معانٍ أربعة أو خمسة: أحدها في مقابل المتواتر، وفي مقابل ما أُجمعَ على صحّته، وفي مقابل ما هو أشهر وأكثر نَقَلة، وفي مقابل ما هو أوضح طريقاً، وهو نظير ما وردَ في مصحّحة عمر بن حنظلة، كما أنّه نبّه على مُغايرة الشاذ مع معنى الضعيف في الإسناد.

كلّ هذه الأمور تجدها في التذييلين الآتيين في نهاية هذا الفصل، حيث نقلنا تصريح علماء الدراية على كون الشاذ يُعمل به في جملة من الموارد، ومن ثُمّ ذهبَ جملة منهم إلى أنّ العمل بالشاذ يدور مدار اختلاف الموارد، كما أنّهم صرّحوا بأنّ الشاذ يُطلق على ما صحّ إسناده، وأنّ الأشهر بين أهل الرواية والحديث إطلاقه على ما رواه الثقة مخالفاً لمَا رواه جماعة.

وقد نبّه غير واحد منهم على حصول الخلط بين الشاذ والمنكَر، ممّا أوجبَ تسرية أحكام المنكَر إلى الشاذ، كما نبّه علماء الدراية على وقوع العمل بالشاذ من قِبَل جملة من أعلام الطائفة، كما حصلَ للصدوق في روايات العدد في شهر رمضان، وكما حصلَ للشيخ المفيد والطوسي في رواية التوضؤ في أثناء الصلاة والبناء على ما سبق.

____________________

(1) الإفصاح: ص125.


فتبيّن من كلّ ذلك: أنّ وصف الشيخ للأخبار بالشذوذ يقتضي اعتبار صدورها، مُعتضداً ذلك بما مرّ من نفي الشيخ للإثم للعامل بها، نظير ما عبّر به في حكم اختلاف الروايات في عدد الفصول للأذان، من نفي الإثم عن العمل بأيّ منها، وممّا يَعضد ذلك أيضاً قوله عقبَ ذلك:

(غير أنّه ليس من فضيلة الأذان ولا من فصوله)، فإنّ هذا التعبير لا يؤتى به إلاّ بعد الحكم بالجواز؛ لأنّ الاستثناء استدراك على شيء سبق، فلو كانت عبارته السابقة مفادها الحرمة لمَا صحّ استدراكه، فالاستدراك يُعطي دفع الشيخ لمَا قد يُرتكب من الجمع بين الروايات المتضمّنة للشهادة الثالثة، والروايات الأخرى الخالية منها بحمل المتضمّنة لها على الاستحباب؛ وذلك لأنّه يبني على استحكام التعارض والبناء على التخيير في العمل بينهما، نظير بنائه في اختلاف الروايات الواردة في فصول الأذان؛ فإنّه لم يَجمع بينها بحمل الزيادة على الندب، بل بنى على استحكام التعارض بينها في العدد وحَكمَ بالتخيير في العمل بها بقوله: (مَن عَمل بإحدى هذه الروايات لم يكن مأثوماً) (1) ، ويظهر من العلاّمة في التذكرة استظهار هذا المعنى من كلام الشيخ، فلاحظ (2).

ومقتضى التخيير: هو جواز العمل بمضمونها ومفادها الذي هو جزئيّة الشهادة الثالثة في فصول الأذان، فهذه ثلاثة مواضع في كلام الشيخ تبيّن عدم طرح الشيخ لهذه الأخبار من رأس، كما تُبيّن تحديد الشيخ الميزان العلمي لدرجة اعتبار هذه الروايات.

____________________

(1) النهاية: ص68 - 69، طبعة قم.

(2) تذكرة الفقهاء: ج1، ص105، طبعة قم.


الشاهدُ الرابع:

وهناك موضع رابع يدعم ما تقدّم من موقف الشيخ، وهو قول الشيخ في المبسوط: (ويستحبّ للإنسان أن يقول مع نفسه مثل ما يسمع من فصول الأذان،.... وروى أنّه إذا سمعَ المؤذِّن يؤذِّن يقول: (وأنا أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمّد رسولاً، وبالأئمّة الطاهرين....) (1).

وهذه الفتوى من الشيخ مطابقة لفتوى ابن برّاج الآتية في كيفيّة الأذان، مع بناء الفقهاء على مطابقة الحكاية للأذان المسموع، كما مرّ في المدخل، وهذا يفيد عمل الشيخ بتلك الأخبار الموصوفة بالشذوذ في الجملة، وسنوضِّح أكثر ذلك في كلام ابن برّاج.

الشاهدُ الخامس:

وهناك موضع خامس يعضد إرادة الشيخ جواز العمل بالروايات المتضمّنة للشهادة الثالثة من باب التخيير: وهو قوله قبل فتواه المتقدّمة بالشهادة الثالثة: (ولا يجوز التثويب في الأذان، فإن أراد المؤذِّن إشعار قوم بالأذان جاز له تكرار الشهادتين دفعتين، ولا يجوز قول (الصلاة خير من النوم) في الأذان، فمَن فعلَ ذلك كان مبدعاً) (2).

____________________

(1) المبسوط: ج1، ص97 - المطبعة المرتضويّة لإحياء الآثار الجعفريّة - طهران، وج1، ص144 - 145 ط. مؤسّسة النشر الإسلامي قم.

(2) النهاية: ج1، ص290 طبعة قم، مؤسّسة النشر الإسلامي.


فيلاحظ: أنّ الشيخ (قدِّس سرّه) قد حكمَ على التثويب في فصول الأذان على خلاف حكمه في الشهادة الثالثة في الأذان؛ فإنّ الحُكم بالبدعيّة يعني القطع بمخالفة الواقع، أو القطع بعدم الدليل عليه وبعدم توفّر شرائط الحُجيّة، مع أنّ الروايات الواردة في التثويب في فصول الأذان كثيرة، وأسانيدها متّصلة واصلة إلينا في الكتب الحديثة التي بين أيدينا، إلاّ أنّها حيث كانت صادرة تقيّة بدلالة الروايات العديدة الأخرى فحكمَ على التثويب بالبدعيّة، وهذا بخلاف حكمه على الشهادة الثالثة، فقد حَكم فيما لو أتى بها على أنّها من فصول الأذان عملاً بتلك الروايات، حَكمَ بالخطأ بمقتضى صناعة الترجيح، فبينَ حكمه بالتثويب وحكمه بالشهادة الثالثة في الأذان مباينة واضحة، كما لا يخفى على المتدبّر للمباحث الصناعيّة.

الشاهدُ السادس:

وسيأتي في الطائفة الخامسة من الروايات رواية للشيخ في المبسوط في حكاية الأذان بالشهادة الثالثة، ممّا يُعزِّز ويدعم استظهار فتواه بالجواز عند إتيانها جزءاً في الأذان، كما سيأتي أنّ روايته للطائفة الخامسة يُعزِّز اعتمادهم على الطوائف الثلاث الأولى التي رواها الصدوق في الفقيه، وأشار إليها في المبسوط، وقد استظهر ذلك من الشيخ العلاّمة المحدِّث الشيخ حسين العصفور البحراني، حيث قال في الفرحة الإنسيّة: (وأمّا الفصل المروّي في بعض الأخبار المرسلة، وهو (أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله) فممّا نفاه الأكثر وظاهر الشيخ في المبسوط ثبوته وجواز العمل به....) (1) .

____________________

(1) الفرحة الإنسيّة: ج2، ص16 طبعة بيروت.


* دواعي فتوى الشيخ

وبعدما اتّضح فتوى الشيخ بالجواز، أو جواز العمل بالروايات، أي الجواز الفقهي والأصولي، وبعدما تبيّنَ في المدخل في بحث السيرة من وجود السيرة المتشرعيّة من الطائفة الشيعيّة على التأذين بالشهادة الثالثة، كأحد فصول الأذان، لاسيّما شيعة بغداد، وشمال العراق، وحلب، وجنوب إيران، ولاسيّما بغداد التي كان يقطنها الشيخ الطوسي، حيث جرت فيها مصادمات وفتن دامية بين الشيعة وأهل سنّة الجماعة والخلافة، منذ عقود من السنين قَبل الشيخ الطوسي، وتصاعدت هذه الفتن إلى أوجها حيث حُرقت دار الشيخ الطوسي، واضطرّ إلى ترك داره والهجرة إلى النجف الأشرف.

وكان الصخب في المصادمات في الدرجة الأولى على التأذين بالشهادة الثالثة في الأذان وحيّ على خير العمل، وقد مرّ بنا في مبحث السيرة في المدخل نَقل النصوص التاريخيّة الكثيرة حول ذلك، ففتواه بالجواز ونفيه للإثم في العمل بطوائف الروايات التي رواها الصدوق في الفقيه، بل رواها الشيخ الطوسي نفسه في النهاية والمبسوط، ومجموع فتوى الشيخ في الكتابَين - كما ترى - دعم متصلّب من الشيخ لموقف الطائفة الشيعيّة من الأذان، رغم ضغوط الدولة العبّاسيّة وأهل سنّة جماعة الخلافة لإقلاع الشيعة عن الأذان برسم مذهبهم.

ومن ذلك يتبيّن: من توصيف الشيخ لهذه الطوائف من الروايات باعتبار سندها، وأنّ العامل بها غير مأثوم، وقد مرّ أنّ هذا التعبير اصطلاح يستعمله في فتواه بجواز العمل (الجواز في المسألة الأصوليّة للعمل بالأخبار، كما عبّر بنظير ذلك في الروايات المختلفة الواردة في عدد فصول الأذان في النهاية)، مع كون هذا الموقف الفتوائي يشكّل دَعماً من الشيخ لسيرة الشيعة، التي كانوا يُضحّون فيها بالغالي والنفيس من أجل الثبات عليها أمام مرأى وعيان من الشيخ، كلّ ذلك يُشكّل قرائن قويّة للوثوق بالصدور لهذه الطوائف من الروايات التي رواها الصدوق في الفقيه، والشيخ في النهاية والمبسوط.


* نظرةُ ابن برّاج (قدِّس سرّه) وسيرة عصره

فقد قال في المهذّب: (ويستحبّ لمَن أذّن أو أقام أن يقول في نفسه عند (حيّ على خير العمل): (آلُ محمّد خير البريّة) مرّتين، وهذا تصريح منه بالعمل والفتوى بأحد الطوائف التي رواها الصدوق في الفقيه، ويظهر من ذلك: أنّها واصلة لديه، غاية الأمر قد قيّد قراءتها سرّاً.

وهذا ممّا يَعضد الجمع بين الروايات المتضمّنة للشهادة الثالثة ولطوائف الروايات الخالية منها، أي من الشهادة الثالثة، بأنّ وجه خلوّ أكثر الروايات من الشهادة الثالثة: هو لأجل الحذر على الطائفة والشيعة من الجهار بها وممارستها عَلناً أمام العامّة، أي أنّ الخلوّ لأجل التقيّة.

ويظهر جليّاً أنّ مبناه مخالف لمسلك الصدوق تجاه تلك الروايات، كما أنّه مخالف لمسلك الشيخ الطوسي، حيث يبني على التعارض والتخيير، بينما بنى ابن برّاج على الجمع بينها بحمل المتضمّنة للشهادة الثالثة على الإسرار، وهذا يُعطي حمله للروايات الخالية منها على التقيّة، والإسرار أحد كيفيّات الأذان في بعض الموارد، كما أنّ الإجهار من كيفيّاته في غالب الموارد، فقد حكى في الجواهر (1) عن المبسوط جواز الأذان سرّاً واستحبابه للمنفرد، لكنّه أشكله في المنفرد في موارد المنع ولو على جهة الكراهة؛ لعدم الفرق بين السر والعلانيّة لإطلاق الأدلّة.

____________________

(1) جواهر الكلام: ج9، ص45.


وعلى أيّة حال، فقد ذهبَ بعض الأصحاب إلى أنّ الإسرار من كيفيّات الأذان المأتي بها في بعض الحالات لبعض العوارض، ففتوى ابن برّاج بالإسرار بالشهادة الثالثة في الأذان لا تخرج عن كيفيّة الأذان.

ثُمّ إنّ فتواه لم تختص بالأذان، بل صرّح في الإقامة أيضاً، كما أنّ تقييده لها بالمرّتين صريح بالإتيان بها كهيئة فصول الأذان، وهو شاهد على عمله بعين مضمون طوائف الروايات التي رواها الصدوق في الفقيه، ولا يخفى أنّ القاضي ابن برّاج في طرابلس أمضى عشرين أو ثلاثين سنة كما حُكي عن الشهيد (1) ، حيث ذهبَ إلى طرابلس في سنة (438 هجري قمري)، وأقام بها إلى أن مات سنة (481 هجري قمري)، وكان خليفة الشيخ الطوسي في البلاد الشاميّة، وكان في زمن بني عمّار (2) فهو قد عاصر آل بويه في بغداد، والفاطميين في حلب والشام.

وقد تقدّم أنّ سيرة الشيعة في بغداد، وحلب، وسيرة الدولتين: (آل بويه، والفاطميين)، كانت على التأذين بالشهادة الثالثة وحيّ على خير العمل في الأذان، وأنّه كانت مصادمات بينهم وبين أهل سنّة جماعة الخلافة دامية على هذا المعلم، ففتواه المتطابقة لأحد مضامين الطوائف - التي رواها الصدوق والشيخ من صيغ الشهادة الثالثة - كفتوى بتيّة من جانب، وتقييده لهذه الفتوى بأن يقرأ بإخفات في نفسه ومضمراً، ذلك يدلّ على الدعم الفتوائي من ابن برّاج لهذه السيرة المتشرعيّة،

____________________

(1) رياض العلماء للأفندي التبريزي: ج3، ص141 - 142، رجال السيّد بحر العلوم: ج3، ص60 - 63.

(2) أعيان الشيعة: ج7، ص18.


كما أنّه يُبرز مدى الحالة العصيبة من التقيّة التي كانت تواجه الطائفة الشيعيّة في كلّ البلدان، لاسيّما في الشام أيضاً حيث كان ابن برّاج، فكلّ ذلك يورث الوثوق بالصدور لتلك الطوائف الروائيّة، لاسيّما مع عمل مثل ابن برّاج الذي هو من الرعيل الأوّل، وقد تتلمذَ على يد السيّد المرتضى، والشيخ الطوسي.

ويُعدّ كتابه (من الأصول المتلقّاة) ككتاب النهاية، والمقنعة، والمُقنع: التي هي متون روائيّة أو قريبة المضمون بالمتون، كما نبّه على ذلك السيّد البروجردي (قدِّس سرّه) في دروسه، وأنّ المتأخّرين يتلقّون هذه الكتب كمتون روائيّة.

وقد عرفتُ أنّ هذه الطوائف من الروايات، قد رواها كلّ من: الصدوق، والشيخ في النهاية والمبسوط، فذَكرها ابن برّاج في المهذّب، وقد تقدّم في المدخل في مبحث السيرة، أنّ فتوى السيّد المرتضى وابن برّاج في (آل محمّد خير البريّة)، و(محمّد وعلي خير البشر) - مع مصحّحة ابن أبي عمير الواردة في بيان علّة حذف حيّ على خير العمل - يدلّ على أنّ السيرة هي من عهد رسول الله، فلاحظ.

* نظرةُ المحقِّق، والعلاّمة، والشهيد

قال المحقِّق في المعتبر، مسألة: من السنّة حكاية قول المؤذِّن لمَا رويَ،.... ثُمّ قال: وقال في المبسوط أيضاً: رويَ إذا قال المؤذِّن (أشهدُ أن لا إله إلاّ الله) أن يقول: (وأنا أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمّد رسولاً، وبالأئمّة الطاهرين أئمّةً) (1).

____________________

(1) المعتبر: ج2، ص146.


وظاهره: تقرير فتوى الشيخ، وبمقتضى قاعدة تطابق حكاية الأذان مع الأذان، يفيد كلامه عمله بتلك الأخبار الموصوفة بالشذوذ في الجملة، ولا أقلّ من دلالته على أنّ الشهادة الثالثة من توابع الأذان، ولذلك جَعل الأصحاب استحباب الحكاية للشهادات الثلاث عند سماع الأذان في متن مسألة الحكاية لسماع الأذان.

وقد صنعَ العلاّمة في المنتهى (1) نظير ما صنعهُ المحقِّق في المعتبر، وكذلك أفتى بذلك في التذكرة (2) .

وأمّا الشهيد في الذكرى، فقد قال في أحكام الأذان (المسألة الرابعة عشر: قال ابن برّاج (رحمه الله): يستحبّ لمَن أذّن أو أقام أن يقول في نفسه عند (حيّ على خير العمل): (آلُ محمّد خير البريّة) مرّتين) (3).

وظاهر الشهيد: تقرير فتوى ابن برّاج، والتي قد عَمل بها بمضمون الطوائف التي ضعّفها الصدوق (قدِّس سرّه) في الفقيه المتضمّنة للشهادة الثالثة في فصول الأذان، وإن كان سياق عبارة الشهيد - وسياق المسألة لمَا قبلها وبعدها من المسائل - أنّه يستظهر من فتوى ابن برّاج كون الشهادة الثالثة من أذكار الأذان التابعة له المندوبة بالخصوص، لا من فصوله الأصليّة، وهذه الموافقة من الشهيد لفتوى ابن برّاج (قدِّس سرّه) - ما مع ذكرهُ في كثير من كتبه لورود روايات الشهادة الثالثة - دالّ على اعتماد أصل صدورها وفاقاً لابن برّاج، والطوسي، والعلاّمة على خلاف الصدوق، والاستحباب في الفتوى هذه هي للمؤذِّن والمُقيم لا لحكاية السامع لمَا يسمعه من الأذان، ففتوى الشهيد متطابقة مع فتوى ابن برّاج بالعمل بمضمون تلك الروايات، وتتميّز على فتوى الفاضلَين.

____________________

(1) المنتهى: ج4، ص433، طبعة مشهد الأستانة الرضويّة.

(2) التذكرة: ج3، ص84، طبعة قم، مؤسّسة آل البيت.

(3) ذكرى الشيعة: ج3، ص241، طبعة قم، مؤسسة آل البيت.


ثُمّ إنّ العلاّمة في المنتهى (1) ، والتذكرة (2) ، والشهيد في الدروس (3) ، والبيان (4) ، نَقلا كلام الشيخ في النهاية والمبسوط.

فقال العلاّمة في التذكرة (مسألة 158: قد وردَ عندنا..... قال الشيخ: ولو عملَ عامل بذلك لم يكن مأثوماً، فأمّا ما رويَ في شواذ الأخبار من قول: (أشهد أنّ عليّاً وليّ الله، وآل محمّد خير البريّة) فممّا لا يُعمل عليه في الأذان، فمَن عَمل به كان مخطئاً) (5).

وقال أيضاً في المنتهى: (وأمّا ما روي في الشاذ من قول: (أنّ عليّاً وليّ الله)، و(آل محمّد خير البريّة) فممّا لا يُعوّل عليه، قال الشيخ في المبسوط: فإن فعله لم يكن آثماً، وقال في النهاية: كان مخطئاً) (6).

وقال الشهيد في الدروس: (أمّا الشهادة لعلي (عليه السلام) في الولاية، وأنّ محمّداً وآله خير البريّة، فهما من أحكام الإيمان لا من ألفاظ الأذان، وقطعَ في النهاية بتخطئة قائله ونسبه ابن بابويه إلى وضع المفوّضة، وفي المبسوط لا يأثم به).

____________________

(1) المنتهى: ج4، ص381، طبعة مشهد، الأستانة الرضويّة.

(2) التذكرة: ج3، ص45، طبعة قم، مؤسّسة آل البيت.

(3) الدروس: ج1، ص162، طبعة قم، مؤسّسة النشر الإسلامي.

(4) البيان: ص144، طبعة قم، بنياد إمام مهدي.

(5) التذكرة: ج3، ص45، طبعة قم، مؤسّسة آل البيت.

(6) المنتهى: ج3، ص381، طبعة مشهد.


واستعراض العلاّمة والشهيد لكلمات الصدوق والشيخ من كتبه المتعدّدة - حيث نَقَلا كلامه في المبسوط، وكلامه في النهاية - للإشارة إلى اختلاف النظر والموقف تجاه الروايات الواردة بالشهادة الثالثة التي رواها الصدوق والشيخ (1).

وقال في البيان: (قال الشيخ: فأمّا قول (أشهدُ أنّ عليّاً أمير المؤمنين، وآل محمّد خير البريّة) على ما ورد في شواذ الأخبار، فليس بمعمول عليه في الأذان، ولو فعله الإنسان لم يأثم به، غير أنّه ليس من فضيلة الأذان ولا كمال فصوله) (2).

ويظهر منهما: تقرير موقف الشيخ الطوسي من هذه الروايات، وقد تقدّم أنّ الشهيد قد قرّر فتوى ابن برّاج، وكلام هذين العَلَمين دالّ على ورود هذه الروايات في الشهادة الثالثة.

وقال يحيى بن سعيد الحلّي: (والمروّي في شاذ الأخبار من قول (أنّ عليّاً وليّ الله، وآل محمّد خير البريّة) فليس بمعمول عليه....) (3).

وكلامه يقرِّر ورود الروايات في الشهادة الثالثة، واطّلاعه كالعلاّمة الحلّي والشهيد على تلك الروايات، ثُمّ إنّ العلاّمة حَكم في التذكرة (4) - كما تقدّم من المرتضى والشيخ الطوسي - ببدعيّة التثويب، وهو بذلك قد فرّق بالحُكم بين الشهادة الثالثة وبين التثويب كما تقدّم تقريبه في كلام الشيخ الطوسي (قدِّس سرّه).

____________________

(1) الدروس: ج1، ص162، مؤسّسة النشر الإسلامي.

(2) البيان: ص144، طبعة قم، بنياد إمام مهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

(3) الجامع للشرائع: ص73.

(4) التذكرة: ج3، ص47.


ومن ثُمّ قال المجلسي الأوّل في روضة المتّقين: (والظاهر أنّ الأخبار بزيادة هذه الكلمات - أي الشهادة الثالثة - أيضاً كانت في الأصول، وكانت صحيحة أيضاً كما يظهر من المحقِّق والعلاّمة والشهيد (رحمهم الله)، فقد نسبوها إلى الشذوذ والشاذ ما يكون صحيحاً غير مشهور...) (1).

* نظرةُ الشيخ المجلسي الأوّل:

قال المجلسي (قدِّس سرّه) في تعليقته وشرحه لكلام الصدوق (قدِّس سرّه): (الجزم بأنّ هذه الأخبار من موضوعاتهم مُشكل، مع أنّ الأخبار التي ذكرنا في الزيادة والنقصان وما لم نذكره كثيرة، والظاهر أنّ الأخبار بزيادة هذه الكلمات أيضاً كانت في الأصول وكانت صحيحة أيضاً، كما يظهر من المحقِّق، والعلاّمة، والشهيد (رحمهم الله)؛ فإنّهم نَسبوها إلى الشذوذ، والشاذ ما يكون صحيحاً غير مشهور، مع أنّ الذي حَكم بصحّته أيضاً شاذ كما عرفتَ، فبمجرّد عمل المفوّضة أو العامّة على شيء لا يمكن الجزم بعدم ذلك أو الوضع، إلاّ أن يَرد عنهم (صلوات الله عليهم) ما يدلّ عليه ولم يدلّ، مع أنّ عمل الشيعة كان عليه في قديم الزمان وحديثه.

والظاهر أنّه لو عَمل عليه أحد لم يكن مأثوماً، إلاّ مع الجزم بشرعيّته، فإنّه يكون مخطئاً، والأَولى أن يقوله على أنّه جزو الإيمان لا جزو الأذان، ويمكن أن يكون واقعاً ويكون سبب تركه التقيّة، كما وقعَ في كثير من الأخبار تَرك (حيّ على خير العمل) تقيّة، على أنّه غير معلوم أنّ الصدوق أيّ جماعة يريد من المفوّضة، والذي يظهر منه - كما سيجيء - أنّه يقول: كلّ مَن لم يقل بسهو النبي، فإنّه من المفوّضة، وكلّ مَن يقول بزيادة العبادات من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فإنّه من المفوّضة، فإن كان هؤلاء منهم كلّ الشيعة مفوّضة غير الصدوق وشيخه، وإن كان غير هؤلاء، فلا نعلم مذهبهم حتى ننسب إليهم الوضع واللعن، نعم، كلّ مَن يقول بإلوهيّة الأئمّة أو نبوّتهم؛ فإنّهم ملعونون) (2).

____________________

(1) روضة المتّقين: ج2، ص245، طبعة بنياد فرهنكي إسلامي، قم.

(2) نفس المصدر السابق.


* ويُفهم من كلامه (قدِّس سرّه) نقطتان:

الأُولى: استظهار أنّ هذه الأخبار المتضمّنة للشهادة الثالثة قد وردت في الأصول الروائيّة، وأنّها على وصف الصحّة، واستُظهر كِلا الأمرين من كلام الحلّيين المحقِّق، والعلاّمة، والشهيد (رحمهم الله) لوصفهم إيّاها بالشذوذ.

الثانية: أجابَ عن إعراض جملة من المتقدّمين عن العمل بروايات الشهادة الثالثة التي رواها الصدوق في الفقيه، بدعوى المعارضة مع الروايات الكثيرة الأخرى غير المتضمّنة لها بعدّة أمور:

* الخلافُ في فصول الأذان:

منها: أنّ الروايات الخالية من الشهادة الثالثة الكثيرة، مختلفة في الزيادة والنقيصة في عدد فصول الأذان والإقامة اختلافاً كثيراً جدّاً، فلو كان اختلاف العدد سبباً للمعارضة لأوجبَ التعارض فيما بينها، بل كما قال المجلسي (قدِّس سرّه): لمَا سَلِمت أيّ منها عن التعارض.

وما ذكرهُ (قدِّس سرّه) متينٌ جدّاً؛ فإنّ اختلاف الروايات الواردة في عدد فصول الإقامة والأذان مختلفة جدّاً، وقد اعترفَ بذلك جملة المتقدّمين والمتأخّرين، كما ورد عن الطوسي في الخلاف مسألة 19: (عندنا ثمانية عشر كلمة، وفي أصحابنا مَن قال عشرون كلمة...) (1).

____________________

(1) الخلاف: ج1، ص278.


وقال في النهاية ما لفظه: (وقد رويَ سبعة وثلاثون فصلاً في بعض الروايات، وفي بعضها ثمانية وثلاثون فصلاً، وفي بعضها اثنان وأربعون فصلاً، فمَن عَمل على إحدى هذه الروايات لم يكن مأثوماً) (1).

ويستفاد من هذا الكلام: أنّ عدد فصول الأذان ليست وفاقيّة، وقد قرّره على ذلك العلاّمة في منتهى المطلب (2).

وقال في المبسوط: (والأذان والإقامة خمسة وثلاثون فصلاً،.... ومن أصحابنا مَن جعلَ فصول الإقامة مثل فصول الأذان وزاد فيها (قد قامت الصلاة) مرّتين....) (3).

وقال ابن حمزة في الوسيلة: (فجميع فصولها خمسة وثلاثون فصلاً، وقد روي أكثر من ذلك والعمل على ما ذكرنا) (4).

ومنها: أنّ الخبر الذي حَكم الصدوق بصحّته في كلامه المتقدّم - على كلامه في روايات الشهادة الثالثة، وهو خبر أبو بكر الحضرمي، وكليب الأسدي - هو شاذ المضمون، فكيف يُعارِض به الروايات المتضمّنة في كون الشهادة الثالثة من فصول الأذان؛ وذلك لأنّ هذا الخبر قد تضمّن اتّحاد الأذان والإقامة في عدد فصولهما، ولا قائل به أحد من الأصحاب.

____________________

(1) النهاية: ج1، ص292.

(2) منتهى المطلب: ج4، ص386، طبعة مشهد.

(3) المبسوط: ج1، ص99.

(4) الوسيلة: ص92.


ومنها: أنّ منشأ إعراض جملة من المتقدّمين عن روايات الشهادة الثالثة في الأذان: هو الاعتماد على بعض الصحاح: كصحيح زرارة، وأبي بكر الحضرمي، وكليب الأسدي وغيرهم، مع أنّها لا تصلح لأن تكون سبباً للإعراض للتحفّظ على مضمونها، سواء من جهة عدد فصول الأذان والإقامة الوارد فيها، أو من جهة اتّحاد فصولهما.

ومنها: أنّ مجرّد خلوّ كثير من الأخبار عن الشهادة الثالثة، لا يوقِع المعارضة بينها وبين الروايات المتضمّنة لها؛ وذلك لوقوع نفس الشأن بالنسبة إلى فصل (حيّ على خير العمل)، حيث إنّ كثيراً من الأخبار تركُ ذِكر هذا الفصل في عداد فصول الأذان والإقامة تقيّةً، ولم يوقِعوا المعارضة بينها وبين الروايات المتضمّنة لها، والحال أنّ موجِب التقيّة في تركها - أي الشهادة الثالثة - في الروايات الخالية منها، أوجب وأشد من فصل (حيّ على خير العمل).

ومنها: أنّه لا يمكن الأخذ بطعن الصدوق في روايات الشهادة الثالثة في الأذان؛ لعدم وضوح مراده من التفويض الذي طعنَ به رواتها؛ لأنّ مبنى الصدوق أنّ كلّ مَن لم يقل بسهو النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإنّه من المفوّضة، وأنّ كلّ مَن يقول بزيادة العبادات من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإنّه من المفوّضة، مع أنّ القول بهذين الأمرين هو قول كلّ الشيعة عدا الصدوق وشيخه، بل قد روى العامّة في صِحاحهم أنّ ما زاد على الركعتين في الفرائض اليوميّة من سنن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليس فريضة إلهيّة.

ومنها: أنّ مجرّد عمل المفوّضة المطابق لمضمون بعض الروايات، لا يوجِب الخدشة في تلك الروايات، فضلاً عن الجزم بوصفها، كما هو الحال في عمل العامّة المطابق لمضمون بعض الروايات، فإنّ مجرّد ذلك لا يوجب الخدشة في تلك الروايات فضلاً عن الجزم بصدورها تقيّةً.

الثالثة: شهادتهُ بأنّ عَمل الشيعة في قديم الزمان وحديثه، قائم على التأذين بالشهادة الثالثة في الأذان والإقامة، وقد عرفتَ في مبحث السيرة في المدخل، أنّ النصوص التاريخيّة شاهدة على وجود هذه السيرة بصورة منتشرة وواسعة في البلدان، منذ نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع في عدّة من البلدان، وكذلك كان عمل الدول الشيعيّة آنذاك.


* نظرةُ العلاّمة المجلسي الثاني (قدِّس سرّه):

قال في البحار - بعدما نقل عبارة الصدوق في روايات الشهادة الثالثة في الأذان -: (لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة للأذان؛ لشهادة الشيخ، والعلاّمة، والشهيد وغيرهم بورود الأخبار بها، قال الشيخ:...) (1) ، ونقلَ كلامَي الشيخ المتقدّمين .

* نظرة صاحب الحدائق (قدِّس سرّه):

قال صاحب الحدائق: (وفي المقام فوائد: الأولى.... - ثُمّ نَقل كلام الصدوق في الفقيه، ثُمّ قال -: ثُمّ إنّ ما ذكرهُ (قدِّس سرّه) من قوله (والمفوّضة لعَنهم الله....) ففيه ما ذكره شيخنا في البحار، حيث قال: ونِعم ما قال - ثُمّ نقلَ كلام المجلسي المتقدّم في البحار إلى آخره - وقال: وهو جيّد) (2).

* نظرةُ صاحب الجواهر (قدِّس سرّه):

وقال في الجواهر - بَعدما نَقل كلام الشيخ في النهاية، وكلام الصدوق في الفقيه، ثُمّ نَقل كلام المجلسي في البحار، ثُمّ نَقل كلام العلاّمة الطباطبائي في المنظومة -: (بل لولا تسالم الأصحاب، لأمكن دعوى الجزئيّة بناءً على صلاحيّة العموم لمشروعيّة الخصوصيّة، والأمر سهلٌ) (3).

____________________

(1) البحار: ج81، ص111.

(2) الحدائق الناظرة: ج7، ص403 - 404.

(3) الجواهر: ج9، ص86 - 87.


ويريد (قدِّس سرّه) بإمكان دعوى الجزئيّة للشهادة الثالثة في الأذان - بعدما نَقل كلام الشيخ، والصدوق، والمجلسي المنصبّ حول الروايات الخاصّة في الشهادة الثالثة في الأذان، ثُمّ ذيل كلام العلاّمة المجلسي، والعلاّمة الطباطبائي في مشروعيّة الشهادة الثالثة بنحو الاستحباب العام في الأذان والإقامة استناداً إلى عمومات - أن لا معارضة بين الروايات الخاصّة المتضمّنة للشهادة الثالثة في الأذان والخالية عنها، وأنّه لو فُرض التعارض بينهما لكان الترجيح للروايات المتضمّنة للشهادة الثالثة في الأذان والإقامة دون الخالية منها؛ وذلك لاعتضاد الروايات الخاصّة المعتضدة بالعمومات الدالّة على استحباب اقتران الشهادة الثالثة بالشهادتين، لكنّك عرفتَ فيما مرّ عدم تسالم الأصحاب على عدم الجزئيّة للشهادة الثالثة فيما نقلناه من طوائف فتاويهم في المدخل، حيث تُشعر جملة منها بالجزئيّة نظير ما نقلناه من فتوى السيّد المرتضى، والطوسي، وابن برّاج، بل والشهيد (قُدِّست أسرارهم)، فلاحظ ثمّة.

* نظرةُ الحرّ العاملي (قدِّس سرّه)

قال الحرّ العاملي (قدِّس سرّه) في الهداية: إنّ المجلسي ذهبَ إلى كون الشهادة بالولاية فيهما من الأجزاء المستحبّة، وقال: إنّ ما ذكرهُ شيخنا في البحار قوي.

* نظرةُ الشيخ حسين العصفور (قدِّس سرّه)

قال في الفرحة الإنسيّة (1): (وأمّا الفصل المروّي في بعض الأخبار المرسلة وهو (أشهدُ أنّ عليّاً وليُّ الله) فممّا نفاه الأكثر، وظاهر الشيخ في المبسوط ثبوته وجواز العمل به، وإن كان غير لازم وهو الأقوى،

____________________

(1) الفرحة الإنسيّة: ج2، ص16 طبعة بيروت.


والطعنُ فيه بأنّه من أخبار المفوّضة والغلاة - كما وقعَ للصدوق في الفقيه - ممّا يشهد بثبوته وهو غير محقّق، فلا بأسَ بما ذهبَ إليه الشيخ وليس من البِدع، ويؤيّده: أخبار عديدة آمرة بأنّه كلّما ذُكر محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شُهد له بالنبوّة، فليُذكر معه علي (عليه السلام) وليُشهد له بالولاية).

أقول: وما استظهرهُ من اختلاف موقف الشيخ الطوسي واختلاف فتواه عن فتوى الصدوق متين جدّاً، كما أنّ استظهار فتوى الشيخ الطوسي في المبسوط بثبوت الشهادة الثالثة في الأذان، وتجويز الشيخ العمل بتلك الروايات، هو الصحيح الذي مرَّ استظهاره بقرائن عديدة من كلام الشيخ في المبسوط والنهاية، وإن خَفي ذلك وغَفل عنه كثير من الأصحاب؛ لعدم ملاحظة مجموع كلمات الشيخ، فظنّ من ذلك اتّحاد مذهب الشيخ مع الصدوق في هذه الروايات.

* نظرةُ صاحب القوانين (قدِّس سرّه)

قال في الغنائم (1): (وأمّا قول: (أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله)، (وأنّ محمّداً وآله خير البريّة)، فالظاهر الجواز - ثُمّ نَقل كلام الصدوق في الفقيه، وكلامَي الشيخ في النهاية والمبسوط، وأشار إلى عبارة العلاّمة في المنتهى - وقال: ويظهر من هؤلاء الأعلام ورود الرواية، فلا يبعد القول بالرجحان).

____________________

(1) الغنائم: ج2، ص422 - 423، طبعة مشهد المقدّسة.


* نظرةُ الشيخ محمّد رضا نجف (قدِّس سرّه)

قال (قدِّس سرّه) في العدّة النجفيّة - وهو شرحٌ للّمعة -: (الذي يقوى في النفس، أنّ السرّ في سقوط الشهادة بالولاية في الأذان؛ إنّما هو التقيّة، ومعه فقد يكون هو الحكمة فيطرد).

* نظرةُ الشيخ النراقي (قدِّس سرّه)

قال (قدِّس سرّه) في المستند: (بل الظاهر من شهادة الشيخ، والفاضل، والشهيد - كما صرّح به في البحار - ورود الأخبار بها في الأذان بخصوصه أيضاً، ثُمّ نَقل كلام الشيخ في المبسوط والنهاية، وقال: وعلى هذا فلا بُعد في القول باستحبابها فيه للتسامح في أدلّته، وشذوذُ أخبارها لا يمنع عن إثبات السُنن بها كيف؟‍ وتراهم كثيراً يجيبون عن الأخبار بالشذوذ فيحملونها على الاستحباب) (1).

أقول: وما ذُكر إلزام صناعي في الاستدلال لمشهور المتأخّرين، حيث بنوا على الاستحباب الخاص في جملة موارد ورود الروايات الموصوفة بالشذوذ.

* نظرةُ السيّد الحكيم (قدِّس سرّه)

قال - بعدما ذَكر عبارة الصدوق في الفقيه، وعبارة الشيخ في النهاية والمبسوط، والعلاّمة في المنتهى، حيث وُصفت الروايات بالشذوذ -: (لكنّ هذا المقدار لا يمنع من جريان قاعدة التسامح على تقدير تماميّتها في نفسها،

____________________

(1) مستند الشيعة: ج4، ص487.


ومجرّد الشهادة بكذب الراوي لا يمنع من احتمال الصدق الموجِب لاحتمال المطلوبيّة،... ومن ذلك يظهر وجه ما في البحار من أنّه لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة للأذان؛ لشهادة الشيخ، والعلاّمة، والشهيد، وغيرهم بورود الأخبار بها، وأُيّد ذلك بخبر القاسم بن معاوية المروّي عن احتجاج الطبرسي عن الصادق (عليه السلام)) (1) .

أقول: ويستفاد من كلامه:

أولاً: تقريره لشهادة القدماء بورود أخبار الأذان بالشهادة الثالثة.

ثانياً: أنّه رَغم طعن الصدوق بها لا يَمنع احتمال صدق الرواة.

ثالثاً: استفادتهُ من الروايات الدالّة على استحباب الاقتران، أنّها مؤيِّدة لمضمون جزئيّة الشهادة الثالثة في الأذان.

* نظرةُ السيّد الخوئي (قدِّس سرّه)

قال: (ولعلّ ما في البحار من كون الشهادة من الأجزاء المستحبّة، مُستند إلى هذه الرواية، أو ما عرفتهُ من شهادة الصدوق والشيخ وغيرهما من ورود النصوص الشاذّة) (2).

أقول: وهذا إشارة إلى ما ذكره الصدوق من متون في الفقيه، أنّها متون روايات، وأنّ صفة مضمونها شاذ.

____________________

(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5، ص545.

(2) المستند في شرح العروة الوثقى: ج13، ص259.


* نظرةُ السيّد الخميني (قدِّس سرّه)

قال (قدِّس سرّه) في كتابه الآداب المعنويّة للصلاة: (قد ورد في بعض الروايات غير المعتبرة، أن يقال بعد الشهادة بالرسالة في الأذان: (أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله) مرّتين، وفي بعض الروايات: (أشهدُ أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً) مرّتين، وفي بعضٍ آخر: (محمّد وآل محمّد خير البريّة)، وقد جعلَ الشيخ الصدوق (رحمه الله) هذه الروايات من موضوعات المفوّضة وكِذبها.

والمشهورُ بين العلماء (رضوان الله عليهم) عدم الاعتماد على هذه الروايات، وجَعل بعض المحدِّثين هذه الشهادة جزءاً مستحبّاً من جهة التسامح في أدلّة السُنن، وهذا القول ليس ببعيد عن الصواب، وإن كان أداؤه بقصد القربة أولى وأحوط....

وبالجملة: هذا الذِكر الشريف يستحبّ بعد الشهادة بالرسالة مطلقاً، وفي فصول الأذان لا يبعد استحبابه بالخصوص، وإن كان الاحتياط يقتضي أن يؤتى به بقصد القربة المطلقة لا بقصد الخصوصيّة في الأذان؛ لتكذيب العلماء الأعلام لتلك الروايات) (1).

أقول: ظاهر كلامه العمل والفتوى بمضمون روايات الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة، على نحو ما ذهبَ إليه المحقِّق النراقي، وما ذهبَ إليه العلاّمة المجلسي في البحار، الذي أشار إليه في كلامه بقوله: (بعض المحدِّثين)، نعم، الاحتياط الاستحبابي - الذي لا يتنافى مع الفتوى السابقة بالجزئيّة الندبيّة، عملاً بمضمون الروايات المزبورة - الذي ذهبَ إليه أن يؤتى بنيّة وقصد الاستحباب المطلق عملاً بقاعدة التسامح في أدلّة السُنن؛ لرواية الاحتجاج، وسيأتي نقل هذا المقطع من كلامه في الوجه الثالث.

____________________

(1) الآداب المعنويّة للصلاة: ص264 - 265، طبعة قم، دار الكتاب.


ويظهر منه: أنّه لولا إعراض المشهور بين العلماء عن تلك الروايات، لَبنى على الجزئيّة الأوّليّة في الأذان والإقامة كبقيّة فصول الأذان والإقامة، إلاّ أنّه قد مرّ - كما عرفتَ - أنّ مشهور المتقدِّمين لم يعرضوا عن تلك الروايات عدا الصدوق، وأنّ موقفهم منها يختلف عنه، نعم، جملة من المتأخّرين ومتأخّري المتأخّرين قد أعرضوا عنها، دون جملة أخرى ممّن قد تقدّمت فتاواهم: كالفاضلَين، والشهيد الأوّل، والأردبيلي، والمجلسيين، وصاحب الحدائق، والحرّ العاملي، والنراقي، قد بنوا عليها في الجملة كما مرّ تفصيل كلماتهم وفتاويهم.

* نظرةُ السيّد السبزواري (قدِّس سرّه)

قال - بعد أن ذَكر رواية الاحتجاج، وما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الكافي وغيرها من الأخبار -: (التي يقف المتتبّع عليها أنّ الروايات الواردة في الموارد المتفرّقة، التي يستفاد من مجموعها تلازم تشريع الشهادات الثلاث، مع استظهار جمع من الأساطين: كالشهيد، والشيخ، والعلاّمة، رجحانه بالأذان، وهذا المقدار يكفي - بعد التسامح في أدلّة السنن، وهم يتسامحون في الحكم بالاستحباب في جملة من الموارد - بأقلّ قليل من ذلك، كما لا يخفى) (1).

أقول: يظهر منه - من تخصيص ذِكر الشيخ، والعلاّمة، والشهيد - استظهاره منهم القول برجحانها في الأذان، رُغم وصفهم للروايات الواردة فيها بالشذوذ،

____________________

(1) مهذّب الأحكام: ج6، ص20.


ومن ثُمّ سوّغ جريان قاعدة التسامح في الروايات الواردة فيها بالأذان، وأنّ تلك الروايات محتملة الصدور رغم وصفها بالشاذّة، وأنّ دَيدن الضعفاء احتمال الصدور في روايات هي أدون في صفة الطريق من روايات المقام، كما أنّه استظهرَ من روايات اقتران الشهادات الثلاث في نواميس الخِلقة الإلهيّة، الحثّ على اقترانها التشريعي، فتَعضد مضمون روايات الأذان المتضمّنة للشهادة الثالثة والموصوفة بالشذوذ.

* نظرةُ السيّد الروحاني

قال السيّد الروحاني في حاشيته على العروة - عند قول الماتن (أنّها ليست جزءاً منهما) -: لكنّها راجحة بلا إشكال، ومن شعائر التشيّع، والقول بجزئيّتها قريب.

دَعمُ المضمون

وممّا يَدعم مضمون طوائف الروايات الخاصّة - التي رواها الصدوق في الفقيه في الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة، وأشار إليها المرتضى، والطوسي، وابن برّاج، والفاضلان، والشهيد - أمور:

الأوّل: ما مرّ من بيان السيرة المتقادمة عند الشيعة من زمان الصحابة، حيث ذَكر العامّة في كتب تراجمهم في ترجمة صحابي الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كدير الضبّي، أنّه كان يأتي بالشهادة الثالثة (1) في تشهّده في الصلاة،

____________________

(1) الإصابة في تمييز الصحابة: في حرف الكاف، القسم الأول في باب ك د، لسان الميزان لابن حجر: ج4، ص486، تحت عنوان (مَن اسمه كدير وكديرا)، رقم الترجمة 1539،=


وقد أشار إلى ذلك صاحب الجواهر (1) ، كما أنّه قد تقدّم في المدخل في مبحث السيرة، استعراض عدّة مصادر تاريخيّة أشارت إلى أنّ الشيعة في بغداد، وحلب، وشمال العراق، وجنوب إيران، ومصر، قد كانوا يؤذِّنون بالشهادة الثالثة في الأذان، وبحيّ على خير العمل في ظل دولة آل بويه، ودولة الحمدانيين، والعبيدين، والفاطميين؛ لأنّه قد جرت كثير من المصادمات من أهل سنّة الجماعة لصدّ ومنع الشيعة عن التأذين بذلك، لاسيّما في بغداد، وحلب، ومصر.

وقد مرّ أنّ فتوى السيّد المرتضى لأهالي شمال العراق كانت مسانَدة فتوائيّة، داعمة لسيرتهم تجاه ضغط سنّة جماعة الخلافة، وكذلك فتوى الشيخ الطوسي، وفتوى ابن برّاج، ففي ظلّ هذه السيرة التي لاقت هذه المواجهات الصعبة، يجب تحليل ودراسة فتاوى السيّد المرتضى، والشيخ الطوسي، وابن برّاج وحقيقة موقفهم.

____________________

= ميزان الاعتدال للذهبي: ج5، ص497، تحت رقم 6961،

العقيلي في كتاب الضعفاء: ج4، ص13، تحت رقم 1568،

مناقب الإمام أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان الكوفي القاضي، المتوفّى ثلاثمائة هجري قمري، والرواية بسنده ص386 تصحيح المحمودي.

وهذا الفصل من كدير مع كونه من الصحابة، لاحظ مبسوط ترجمته في التذييل الثالث.

يُعزِّز ما يُحكى عن كتاب السلافة في أمر الخلافة للشيخ عبد الله المراغي (من علماء العامّة)، أنّه نَقل أنّ بعد واقعة الغدير أذّن أبو ذر الغفاري بالشهادة الثالثة، فاعترضَ عليه جماعة من المنافقين عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال لهم: (أمَا وعيتم خطبتي يوم الغدير لعلي بالولاية، أمَا سمعتم قولي في أبي ذرّ: ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، إنّكم لمنقلبون بعدي على أعقابكم).

(2) قد مرّ في المدخل ذِكر مصادر ذلك، وسيأتي بسط ترجمته في التذييل الثالث، المُلحق بالفصل الأوّل.


كما أنّه قد مضت عبارة الصدوق المتضمّنة لوجود السيرة لدى جملة من الشيعة، كانوا يؤذِّنون في الأذان والإقامة، بل يظهر من عبارته وعبارة الشيخ الطوسي: أنّ رواة هذه الروايات في أصول الأصحاب متداولة، أي معمول بها في طبقات سابقة على الصدوق، وكذلك مرّت (1) عبارة السيّد المرتضى في المبافارقيات (2) ، حيث يظهر منها مفروغيّة التأذين بها في جملة من مناطق الشيعة وممارستهم لها، ووضوح ارتكاز مشروعيّتها لهم، وأنّهم كانوا متردّدين في عزيمتها ولزوم الإتيان بها، كما يظهر من عبارة ابن الجُنيد التي حكاها الشهيد (قدِّس سرّه) في الذكرى (3) ، اختلاف المسلمين بحسب البلدان في صورة فصول الأذان بحسب مذاهبهم، وكما مرّ عبارة المجلسي الأوّل المتضمّنة لعمل الشيعة في قديم الزمان لذلك.

الثاني: قد تقدّم في المدخل (4) : أنّ لدى الأصحاب في رواياتهم ما يقرب من تسع صيغ من صيغ الشهادة الثالثة، كما مرّ استعراض جملة المتون الروائيّة (5) ، وبالأحرى سيأتي ضمن جهات الفصل الأوّل ذِكر بقيّة الطوائف الخاصّة الدالّة على الشهادة الثالثة، زيادة على الطوائف الثلاث التي أوردها الصدوق، فلاحظ.

____________________

(1) المدخل: ص54.

(2) المبارقيات: ص257.

(3) الذكرى: ج3، ص214.

(4) صيغ الشهادة الثالثة: ص51، المدخل.

(5) المدخل: 43 وما بعدها.


الثالث: أنّه قد تقدّم في المدخل (1) : أنّ هناك ثمانية موارد ومواطن لفتاوى الأصحاب بالشهادة الثالثة في مواضع من الصلاة، وقد استعرضنا في كلّ مورد وموطن جملة من فتاوى المتقدّمين والمتأخّرين ومتأخّريهم.

الرابع: إنّ خلو الروايات الكثيرة عن الشهادة الثالثة في الأذان الواردة في فصول الأذان والإقامة، لا يبعد كونه لأجل التقيّة؛ لعدّة قرائن منها - مضافاً إلى ما تقدّم من قرائن على التقيّة في المدخل (2) فلاحظ -:

1 - خلو جملة من الروايات من فصل (حيّ على خير العمل)، وقد حَمل الأصحاب هذا الخلو على التقيّة في مقابل الروايات المتضمّنة لها.

2 - ما يظهر في جملة من الروايات: أنّ الحكّام والولاة قد أسقطوا من الأذان جملة من الفصول، وغيّروا من هيئة فصوله كما هو الحال المعروف في (حيّ على خير العمل)، ففي مصحّح ابن أبي عمير أنّه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن (حيّ على خير العمل) لِمَ تُركت في الأذان؟..... فقال (عليه السلام): (أمّا العلّة الباطنة؛ فإنّ خير العمل الولاية، فأرادَ من أمْر بترك حيّ على خير العمل من الأذان، أن لا يقع حثٌ عليها ودعاء إليها) (3).

____________________

(1) المدخل: ص55، وما بعدها.

(2) مواضع متعدّدة في المدخل.

(3) الوسائل: أبواب الأذان والإقامة، الباب 17، ح16.


وفي رواية (1) أخرى ليزيد بن الحسن، قد تضمّنت فصول الأذان وتَركَ الراوي فيها حيّ على خير العمل، فقال الصدوق في ذيلها: إنّما تركَ الراوي (حيّ على خير العمل) للتقيّة.

وروى الصدوق في الفقيه (2) قال: (قال الصادق (عليه السلام): (كان اسم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُكرّر في الأذان، فأوّل مَن حذفهُ ابن أروى).

وروى المجلسي عن كتاب العِلل لمحمّد بن علي بن إبراهيم بن هاشم: (أنّ آخر الأذان محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)) بعد التهليل إلاّ أنّه ألقاه معاوية، وقال: أمَا يرضى محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يُذكر في أوّل الأذان حتّى يُذكر في آخره) (3) ، وإن قال صاحب الجواهر في ذيل الخبر أنّه من الغرائب، ويُبعّده - زيادة على ما عرفتَ - أنّه لو كان الأمر هكذا لكان ذلك محفوظاً، كما حفظَ إسقاط عمر (حيّ على خير العمل)، بل هو أولى منه بذلك خصوصاً بعد فرض استمراره، كذلك إلى زمان معاوية الذي كان معروفاً في زمانه بالفسق والفجور، والله أعلم) (4) انتهى.

أقول: قد عرفتَ في رواية الصدوق أنّ بدء الإسقاط المذكور أوّل مَن ارتكبه ابن أروى وهو عثمان، فيُحمل ما في الرواية الأخيرة على أنّ معاوية دَعم هذا التغيير في الأذان، كما ورد في صلاة معاوية تماماً في مِنى دَعماً لإتمام عثمان الصلاة في السفر، كما ورد في صحيح زرارة (5).

____________________

(1) الوسائل: أبواب الأذان والإقامة، الباب 19، ح18.

(2) الفقيه: ج1، ص299، ح913، طبعة قم.

(3) البحار: ج81، ص169 - 17، مستدرك الوسائل: ج4، ص73 - 74، أبواب الأذان والإقامة، باب 37، ح7.

(4) الجواهر: ج9، ص89.

(5) وسائل الشيعة: أبواب صلاة المسافر، باب 3، ح9.


الخامس: دَعمُ هذه الطوائف الثلاث بما سيأتي من طوائف روائيّة أخرى خاصّة مختلفة، في درجات خصوص الدلالة وسنتعرّض لها تِباعاً.

السادس: اعتراف جملة المتقدّمين والمتأخّرين باختلاف الروايات الكثيرة المعتبرة في عدد فصول الأذان، أي اختلاف في الروايات في مقدار الفصول المتضمِّن لها الأذان كأجزاء، لاسيّما وأنّ بعض تلك الروايات اقتصرت على ذِكر العدد من دون أن تُصرّح بعناوين تلك الفصول، فهي يمكن أن تكون بذلك داعمة لطوائف الروايات المتضمّنة للشهادة الثالثة، حيث إنّ بعض روايات العدد لم تفصح بأسماء تلك الفصول، فلعلّ بعضها هو الشهادة الثالثة، ومنه يُعلم اختلاف عدد الفصول في الأذان والإقامة في الروايات، ولأجل ذلك قال الشيخ الطوسي في النهاية:

(قد رويَ سبعة وثلاثون فصلاً في بعض الروايات، وفي بعضها ثمانية وثلاثون فصلاً، وفي بعضها اثنان وأربعون فصلاً، فأمّا مَن روى سبعة وثلاثون فصلاً، فإنّه يقول في أوّل الإقامة أربع مرّات (الله أكبر)، ويقول في الباقي كما قدّمناه.

ومَن روى ثمانية وثلاثين فصلاً، يُضيف إلى ما قدّمناه من قول: (لا إله إلاّ الله) مرّة أخرى في آخر الإقامة.

ومَن روى اثنين وأربعين فصلاً، فإنّه يجعل في آخر الأذان التكبير أربع مرّات، وفي أوّل الإقامة أربع مرّات، وفي آخرها أيضاً مثل ذلك أربع مرّات ويقول: (لا إله إلاّ الله) مرّتين في آخر الإقامة، فإن عَمل عاملٌ على إحدى هذه الروايات لم يكن مأثوماً) (1).

____________________

(1) النهاية ونُكتها: ج1، ص293، طبعة قم، جماعة المدرّسين.


وقال أيضاً في كتابه مصباح المتهجّد: (وروي اثنان وأربعون فصلاً، فيكون التكبير أربع مرّات في أوّل الأذان وآخره، وأوّل الإقامة وآخرها، والتهليل مرّتين فيهما) (1).

أقول: وفتوى الشيخ بعدم الإثم بالعمل بأيّ منها عين لفظ فتواه في المبسوط، في روايات الشهادة الثالثة بنصّ هذه الفتوى.

وعلى أيّة حال، فتقريب دَعم هذا الشاهد لمضمون روايات الشهادة الثالثة بنحوين:

أ - إنّ تجويز الأصحاب وجمعهم بين اختلاف روايات عدد فصول الأذان بالتخيير بالعمل بأيّ منها، سواء أرادوا التخيير الفقهي أو الأصولي، كما صرّح بهذا الجواز جملة (2) عديدة من الأصحاب غير الشيخ الطوسي، كما يظهر للمتتبّع، وهذا يقضي بأنّ الشارع جَعل عدد فصول الأذان له حدّ أدنى وحدّ أقصى، ولم يحصره بنحو التعيين في مرتبة عدد، بل خيّر بين المراتب لاسيّما على القول بالتخيير الفقهي، بل حتّى على القول بالتخيير الأصولي، فإنّه تخيير ظاهري أيضاً.

____________________

(1) مصباح المتهجّد: في ذِكر الأذان والإقامة، ص39، طبعة بيروت، مؤسّسة الأعلمي.

(2) وقرّر ذلك العلاّمة في المنتهى: ج4، ص386، وذَكر الشهيد في الذكرى كلام الشيخ، إلاّ أنّه مالَ إلى الترجيح بينها وحَمل بعضها على حالات أخرى من السفر ونحوه، ج3، ص200، وقد مرّ ذِكر غيرها من كلمات الأصحاب فراجع.


وعلى هذا النحو من التقريب، ترتفع المعارضة بين الروايات الخالية عن الشهادة الثالثة والروايات المتضمّنة لها، حيث يتبيّن أنّ عدد فصول الأذان ليست عند الشارع بنحو التعيين عدداً، بل التخيير شرعاً بين مراتب العدد، فلا تكون روايات الشهادة الثالثة في الأذان متضمّنة لأمر غريب عن ماهيّة الأذان، وهذا هو الذي أشار إليه المجلسي الأوّل في روضة المتّقين، ويؤيّد ذلك: ما ورد من تقصير (1) الأذان والإقامة في السفر مرّة مرّة، بدل مثنى مثنى في الفصول، وكذلك في حالة العجلة أو ضيق الوقت (2) ، وكذلك للمرأة (3) ، بل ورد عند ضيق الوقت الاكتفاء بالفصول الأخيرة (4) .

ب - إنّ تفسير اختلاف العدد في روايات فصول الأذان - كما في عبارة الشيخ الطوسي في النهاية - ليس هو من مضمون كلّ روايات العدد، بل هو من تفسير الشيخ الطوسي، ويشهد بذلك: عبارته في المصباح التي مرّت آنفاً، حيث عطفَ على العدد بالفاء بقوله: (فيكون التكبير أربع مرّات...)، ممّا يُدلِّل على أنّ بسط العدد بهذا النحو من الفصول في تفسير الشيخ استظهاراً من بعض الروايات، ممّا ورد فيها تكرار بعض الفصول، ولكنّ ذلك لا يُحتّم كون المراد ذلك من العدد اثنين وأربعين مثلاً، فالاحتمال قائم فيها على الانطباق على ما تضمّنته الروايات الأخرى الواردة في الشهادة الثالثة.

____________________

(1) باب 21، من أبواب الأذان والإقامة.

(2) باب 21، من أبواب الأذان والإقامة.

(3) أبواب الأذان والإقامة: باب 34.

(4) أبواب الأذان والإقامة: باب 14.


وقد يوجّه التعارض بين الطوائف الثلاث - التي رواها الصدوق في الجزئيّة في الفقيه، والروايات الأخرى الصحيحة الواردة في فصول الأذان - بأنّ روايات الصِحاح التي حصرت فصول الأذان، أو التي ذَكرت تعداد فصول الأذان من غير عدّ الشهادة الثالثة في ضمنها، بأنّها مسوقة لبيان الفصول الواجبة في الصحّة لا المستحبّة.

السابع: اعتضاد مضمون هذه الطوائف الثلاث - بما أشار إليه الميرزا القمّي في كتابه الغنائم، والشيخ حسين العصفوري في كتابه الفرحة الإنسيّة - بالعمومات المستفيضة الآتي الإشارة إليها، والآمرة بقرن واقتران الشهادات الثلاث البالغ من العدد حدّ السنّة القطعيّة، ووجه الاعتضاد بهذا يبتني على بيان مقدّمة وهي: أنّ حجيّة الخبر عند الأكثر لا تدور مدار حجيّة خبر الثقة فقط، بل تدور مدار الوثوق بالصدور.

وبعبارة أخرى: أنّ العمدة لدى مشهور الفقهاء في حجيّة الخبر، هو على صحّة مضمونة؛ لمَا ورد من روايات مستفيضة من عرض مضامين الخبر الوارد عنهم على الكتاب والسنّة، فما وافق منه الكتاب والسنّة أُخذَ به، وما خالفَ الكتاب والسنّة طُرح، فالموافقة للكتاب والسنّة من الشرائط الأوّليّة لحجيّة الخبر، وهي مقدّمة على شرائط الصدور وليس حجيّة الصدور هي تمام حجيّة الخبر، بل ما هو الركن منه هو صحّة المضمون وموافقته، والمراد بالموافقة ليس المطابقة التفصيليّة بل الموافقة الإجماليّة، فإذا تبيّن ذلك عُلمَ أنّ مضمون الروايات التي ذَكرها الصدوق المتضمّنة لجزئيّة الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة، هي مطابقة لأصول المذهب وقواعده، إذ الشهادة الثالثة من أصول الإيمان وقواعده، والأذان هو من الإعلام والنداء بأصول الإيمان والدعوة إليها، فمضمون هذه الروايات موافق للكتاب والسنّة.


وقد اعترفَ الصدوق بذلك بل كلّ المشهور، وعلى ذلك فأيّ تأثير في ضعف الصدور بعد انجباره بقوّة المضمون، كيف وأنّ الحال في المقام هو صحّة الصدور، حيث إنّ الشيخ، والعلاّمة، والشهيد، وصفوها بالشذوذ، أي الصحيحة سنداً، الشاذّة والغريبة مضموناً - كما مرّت الإشارة إليه، وسيأتي له تتمّة -.

وهذا الوصف من الغرائب منهم (قدِّس سرّهم)؛ لأنّ مطابقة الخبر لمضمون السنّة لا يقتصر على المطابقة التفصيليّة، بل تعمّ المطابقة الإجماليّة العامّة وهي حاصلة في البين، بل إنّ المطابقة التفصيليّة أيضاً حاصلة بمعنىً ما؛ وذلك لأنّ حيّ على خير العمل - كما في صحيحة ابن أبي عمير، عن أبي الحسن (عليه السلام) - (حثٌ على الولاية ودعاء إليها) (1) ، ومثلها معتبرة الفضل بن شاذان، ومحمد بن سنان عن الرضا (عليه السلام) (2) .

هذا، مضافاً إلى أنّ الروايات الخاصّة الواردة في عدد فصول الأذان مختلفة بشدّة في العدد، ممّا يُستفاد منها - كما استظهر غير واحد من المتقدّمين والمتأخّرين ومتأخّري المتأخّرين - أنّ ماهيّة فصول الأذان ليست محدودة بعدد واحد مؤقّت، بل هي بين حدّ الأدنى وحدود عُليا، فأيّ شذوذ للمضمون يبقى حينئذٍ، ومن ثُمّ أخذ غير واحد من الأعلام على الصدوق بتدافع كلامه، حيث إنّه من جانب يعترف بأنّ المضمون في نفسه حق، ومن جانب آخر يتّهم رواة الأحاديث بالمفوّضة ويترفّع إلى الجزم بالوضع.

____________________

(1) أبواب الأذان: باب 19، حديث 16.

(2) أبواب الأذان: باب 19، حديث 14، 15.


هذا، وسيأتي في الفصل الثالث بيان دلالة آية النور بضميمة سورة الضحى، وما ورد في الآيتين ما يؤيّد أو يعضد الجزئيّة في الأذان، كما قد تقدّم في المدخل قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ... ) بتقريب المضمون بما يؤيّد ذلك، وغيرها من الآيات في المدخل، وكذلك آية الأذان وغيرها فلاحظ.


الطائفةُ الرابعة

الرواياتُ المتضمّنة لكون الشهادة الثالثة من الأذان

الروايةُ الأولى: مُعتبرة الفضل بن شاذان فيما ذكرهُ عن العِلل عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال: (إنّما أُمرَ لناس بالأذان لِعلل كثيرة، منها: أن يكون تذكيراً للناسي [ للساهي ]، وتنبيها للغافل، وتعريفاً لمَن جهل الوقت واشتغل عنه، ويكون المؤذِّن بذلك داعياً إلى عبادة الخالق ومُرغباً فيها، مُقرّاً له بالتوحيد، مجاهراً بالإيمان، مُعلناً بالإسلام، مؤذِّناً لمَن ينساها،.... وجَعل التكبير في أوّل الأذان أربعاً،.... وجَعل بعد التكبير الشهادتان؛ لأنّ أوّل الأيمان هو التوحيد والإقرار لله بالوحدانية، والثاني الإقرار للرسول بالرسالة، وأنّ طاعتهما ومعرفتهما مقرونتان؛ ولأنّ أصل الإيمان إنّما هو الشهادتان، فجَعل الشهادتين شهادتين كما جَعل في سائر الحقوق شاهدان، فإذا أقرّ العبد لله عزّ وجل بالوحدانيّة، وأقرّ للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالرسالة، فقد أقرّ بجملة الأيمان؛ لأنّ أصل الإيمان إنّما هو الإقرار بالله وبرسوله، وإنّما جَعل بعد الشهادتين الدعاء إلى الصلاة) (1)، وهذه الرواية رواها الصدوق في الفقيه (2) .

____________________

(1) الوسائل: أبواب الأذان والإقامة، باب 19، حديث 14.

(2) الفقيه: ج1، ص99، ح914، طبعة قم.


أقول: وتقريب دلالة هذه الرواية حيث إنّها متعرّضة لماهيّة وفصول الأذان كما يلي:

أولاً: إنّه قد وقعَ المقابلة بين قوله (المجاهرة بالإيمان، والإعلان بالإسلام)؛ فإنّ هذين العنوانين كانا يُستعمل كلّ منهما في معنى الآخر إذا أنفرد كلّ منهما عن الآخر، إلاّ أنّهما يستعملان في مقابل بعضهما البعض، لاسيّما إذا اقترنا بنحو المقابلة، كما في هذا الحديث نظير قوله تعالى: ( قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (1) .

ثانياً: إنّ المعنى المعهود المستعمل في رواياتهم (عليهم السلام) في مقابل الإسلام: هو الاعتقاد بولايتهم، مضافاً إلى التوحيد، والنبوّة، والمعاد، فيستفاد من إطلاقهم (عليهم السلام) له - لاسيّما مع مقابلته مع عنوان الإسلام - ينسبق منه معنى إرادة الإقرار بولايتهم.

ثالثاً: يَدعم هذا المفاد لهذه المعتبرة، ما سيأتي من رواية معتبرة ابن أبي عمير (2)، من تضمّن الأذان الحثّ على الولاية، وأنّه دعاءٌ إلى الولاية في فصل (حيّ على خير العمل)، ممّا يُدلّل على أنّ ماهيّة الأذان هي الدعوة إلى الإيمان والولاية أيضاً، كما هو دعوة إلى الإسلام والشهادتين.

رابعاً: ما تضمّنت المعتبرة بموضع آخر من التعبير، بأنّ أوّل الإيمان هو التوحيد، والتعبير الثاني (الإقرار للرسول بالرسالة) تلويح بأنّ هناك فقرات أخرى للأيمان، فيكون الأذان دعاءً إليه ومجاهرة به،

____________________

(1) الحجرات: 14.

(2) الوسائل: أبواب الأذان، باب 19.


ويَعضد هذا التعبير تعبير الرواية في موضع بعد ذلك: (ولأنّ أصل الإيمان إنّما هو الشهادتان)، ممّا يلوِّح بأنّ الشهادتين ليستا تمام فقرات ما يدعو إليه الأذان من الإيمان، والذي يؤكّد ذلك التلويح أيضاً: قوله (عليه السلام) مرّة ثالثة أنّه: (فإذا أقرّ العبد بالوحدانيّة، وللرسول بالرسالة، فقد أقرّ بجملة الإيمان)، وتعقيبه ذلك مرةً أخرى: بأنّ أصل الإيمان هو الإقرار بالشهادتين، مع أنّه لو كانت الشهادتان هما كلّ جملة الإيمان لمَا عقّب (عليه السلام) ذلك بقوله: (إنّما أصل الإيمان هو الإقرار بالله وبرسوله)، أي أنّهما مبتدأ الإيمان لإتمام فقرات جملته، فيبدوا بمجموع هذه القرائن أنّ المراد من كون ماهيّة الأذان هو الدعوة إلى التوحيد - والجهار بالإيمان والإعلان بالإسلام - هو كون الأذان دعوة إلى الشهادتين، وإلى الولاية.

وقد روى الصدوق في العِلل وعيون الأخبار عن الرضا (عليه السلام) ما يقرب (1) من ذلك.

خامساً: إنّ قوله (عليه السلام) في بيان ماهيّة الشهادتين في الأذان أنّه: (الإقرار لله بالوحدانيّة، والثاني الإقرار للرسول بالرسالة، وأنّ طاعتهما ومعرفتهما مقرونتان،.... فإذا أقرّ العبد لله تعالى بالوحدانيّة، وأقرّ للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالرسالة، فقد أقرّ بجملة الأيمان؛ لأنّ أصل الأيمان إنّما هو الإقرار بالله وبرسوله)، وعلّل (عليه السلام) جَعل الشهادتين في الأذان بثلاث عِلل:

1 - بأنّهما قوام الإيمان.

2 - أنّ طاعتهما مقترنتان.

3 - أنّ معرفتهما في ساير الكتب السماويّة.

____________________

(1) الوسائل: أبواب الأذان والإقامة، ب19/15.


وهذه العِلل الثلاث متأتّية في الشهادة الثالثة لتقَوّم الإيمان بولايته (عليه السلام) وولده، واقتران طاعتهم ومعرفتهم بطاعة الله ورسوله ومعرفتهما في الآيات القرآنية قال تعالى: ( أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) ، وقال تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُه وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (1) ، وكذلك الشهادة الثالثة مقرونة بالشهادتين في سائر الكتب السماويّة، وفي نشأة العرش والكرسي والسماوات والعديد من الأكوان والعوالم، والتعليل الثالث يُنبّه على وجود الإشارة إلى الشهادة الثالثة في الأذان، في لسان الطوائف الكثيرة المتعرِّضة لاقتران الشهادات في نشأة وخلق الأكوان.

هذا، مع أنّ عنوان الإقرار عنوانٌ قد ورد في بيان ماهيّته اقتران الشهادات الثلاث، كما في الروايات الواردة في تلقين الميّت (2) ، وكما في الإقرار الذي في التشهّد، حيث سيأتي عقد فصل خاص بالتشهّد، وإنّ مؤدّى النصوص الواردة في التشهّد بأنّ ماهيّته هو الإقرار بالعقائد الحقّة، بل إنّ هناك بعض الروايات الخاصّة بالشهادة الثالثة في التشهّد، وكذلك هو مورد فتوى جملة من الأعلام كما سيأتي.

فالإقرار في التشهّد الصلاتي مقرونة فيه الشهادات الثلاث، وكذلك الإقرار الوارد في الطوائف الروائيّة العامّة الآتية؛ فإنّ الإقرار فيها كذلك مقرون بالأمور الثلاث، فالإقرار بحقيقة الإيمان له ماهيّةٌ شرعيّة متقوّمة بالشهادات الثلاث.

____________________

(1) المائدة: 55.

(2) الوسائل: أبواب الاحتضار، باب 37، باب استحضار تلقين المحتضر الإقرار بالأئمّة وتسميتهم بأسمائهم.


الروايةُ الثانية: مصحّح محمّد بن أبي عمير، أنّه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن (حيّ على خير العمل)، لِمَ تُركت من الأذان؟ قال: (تريد العلّة الظاهرة أو الباطنة؟ قلتُ: أريدهما جميعاً، فقال: أمّا العلّة الظاهرة؛ فلئلاّ يدع الناس الجهاد اتّكالاً على الصلاة، وأمّا الباطنة؛ فإنّ خير العمل الولاية، فأراد من أمْر بترك حيّ على خير العمل من الأذان، أن لا يقع حثٌ عليها ودعاء إليها) (1).

وهذه المصحّحة نصٌ في تضمّن ماهيّة الأذان الدعاء إلى الولاية والحثُ عليها، وأنّ ذلك جزء الأذان، فالأذان الذي هو إعلام ودعاء، ليس هو دعاء للشهادتين فقط، بل هو دعاء للشهادات الثلاث بنص هذه المصحّحة، فتُضمّ هذه المصحّحة إلى المعتبرة السابقة الدالّة على أنّ ماهيّة الأذان دعاءٌ للتوحيد، وجهارٌ بالإيمان، وإعلان بالإسلام، فالتوحيد هو التكبير والتهليل في الأذان، وإعلان الإسلام هو الشهادتان، وجهار الإيمان هو الفصول الأخرى الدالّة على الولاية، سواء الشهادة الثالثة في الطوائف الثلاث المتقدّمة، أو فصل (حيّ على خير العمل) كما في هذه المصحّحة.

الروايةُ الثالثة: روى الصدوق فقال: حدّثنا على بن عبد الله الورّاق، وعلي بن محمد بن الحسن القزويني، قالا: حدّثنا سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري قال: حدّثنا العباس بن سعيد الأزرق، قال: حدّثنا أبو نصر، عن عيسى بن مهران، عن يحيى بن الحسن بن عبد الوهّاب، عن محمد بن مروان، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

____________________

(1) الوسائل: أبواب الأذان والإقامة، باب 19، ح16.


(أتدري ما تفسير (حيّ على خير العمل) قلتُ: لا، قال: دعاكَ إلى البِر، أتدري بِرُّ مَن؟ قلتُ: لا، قال: دَعاك إلى بِرّ فاطمة وولدها (عليهم السلام)) (1) ، ورواه أيضاً مُسنداً في كتابه العِلل (2) ، وروى ذلك الصدوق مُرسلاً في المعاني أيضاً في ذيل الخبر الأوّل من الباب الذي عقده في معنى حروف الأذان والإقامة، حيث قال في ذيل ذلك الخبر: قال مصنّف هذا الكتاب: إنّما تركَ الراوي لهذا الحديث ذِكر (حيّ على خير العمل) للتقيّة.

وقد رويَ في خبر آخر، أنّ الصادق (عليه السلام) سُئل عن معنى (حيّ على خير العمل) فقال: (خيرُ العمل الولاية)، وفي خبرٍ آخر (خيرُ العمل برّ فاطمة وولدها (عليهم السلام)) (3) .

وقد أشار إلى هاتين الروايتين السيّد ابن طاووس في فلاح السائل (4)، وقد ذُكر نظير ذلك في كتاب التوحيد (5) في ذيل نفس الخبر، وهذه الرواية أيضاً نصّ في كون ماهيّة الأذان متضمّنة الدعاء إلى الولاية.

الروايةُ الرابعة: وروى الصدوق مُرسلاً في الفقيه قال: وكان ابن النبّاح يقول في أذانه: حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل، فإذا رآه علي قال: (مرحباً بالقائلين عدلاً، وبالصلاة مرحباً وأهلاً) (6) .

____________________

(1) معاني الأخبار: ص42.

(2) عِلل الشرائع: ج2، ص368، باب 89، ح5.

(3) معاني الأخبار: ص41، طبعة جامعة المدرّسين، قم.

(4) فلاح السائل: ص148، ص150.

(5) التوحيد: ص41، طبعة قم، جامعة المدرّسين.

(6) أبواب الأذان والإقامة: باب 19، ح1.


قال المجلسي: (وكان ابن النبّاح) وهو مؤذِّن أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول إلى قوله: (عدلاً)، أي حقّاً وصواباً، كما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأذن الله تعالى: (بالصلاة مرحباً وأهلاً)، يعني: هُم لأن تُقبل صلواتهم لا مَن يتركه، أجمع الأصحاب على قول (حيّ على خير العمل) مرّتين بعد (حيّ على الفلاح)؛ للأخبار المتواترة عن النبي والأئمّة صلوات الله عليهم.

وروي من طرق العامّة سهل بن حنيف وعبد الله بن عمر، وروى ابن عمر أنّه سمعَ أبا محذورة ينادي (بحيّ على خير العمل) في أذانه عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقال ابن الجنيد: شاهدنا عليه آل الرسول، وعليه العمل بطبرستان، واليمن، والكوفة ونواحيها، وبعض بغداد، وقال ابن أبي عبيد منهم: إنّما أسقطَ (حيّ على خير العمل) مَن نهى عن المتعتين، وإنّه نهى عن ذلك كلّه في مقام واحد.

وذَكر العامّة: أنّ عمر رأى تركهُ ليُرغّب الناس في الجهاد، ورووا عن عكرمة إنّه قال: قلتُ لابن عبّاس أخبرني لأيّ شي حُذف من الأذان (حيّ على خير العمل)؟ قال: أراد عمر بذلك ألاّ يتّكل الناس على الصلاة ويَدَعوا الجهاد، فلذلك حَذفها من الأذان، رواه الصدوق بإسناده عنهم عن عكرمة.

وروي عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّ تفسيرها الباطن الولاية، وعن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه: (برُّ فاطمة وولدها (عليهم السلام)، وتَركها العامّة ظاهراً وباطناً ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) ، وليس هذا أوّل قارورة كُسرت في الإسلام (1).

____________________

(1) روضة المتّقين: ج2، ص37 - 38.


وقال المجلسي الثاني في ذيل معتبرة الفضل بن شاذان المتقدّمة - الرواية الأولى المتقدّمة في هذه الطائفة - عند قوله (عليه السلام) في تفسير (حيّ على الفلاح)، و(حيّ على خير العمل) أنّها (حثٌ على البر) قال: لعلّه إشارة إلى أنّ الفلاح يشمل غير الصلاة من البر أيضاً، أو إشارة إلى ما في بطن الفلاح وخير العمل وسرّهما من برِّ فاطمة، وولاية الأئمّة من ذريّتهما وبعلّها صلوات الله عليهم كما مرّ) (1).

وقال المجلسي في ذيل الحديث الطويل، الذي رواه الصدوق في معاني فصول الأذان والذي ذيّله الصدوق: بأنّ تَرك الراوي (حيّ على خير العمل) للتقيّة، وبأنّه رويَ عن الصادق (عليه السلام)، بأنّ معنى حيّ على خير العمل (الولاية)، وفي خبرٍ آخر (خير العمل برّ فاطمة وولدها)، قال: وتركُ تفسير (حيّ على خير العمل) يمكن أن يكون لترك المؤذِّن هذا الفصل؛ لأنّه (عليه السلام) كان يفسِّر ما يقوله المؤذِّن، وتأويل خير العمل بالولاية لا ينافي كونه من فصول أذان الله؛ لأنّها من أعظم شرائط صحّتها وقبولها) (2).

وفي المناقب لابن شهر آشوب (3) ، أنّه سُئل الصادق (عليه السلام) عن معنى (حيّ على خير العمل) فقال: (خيرُ العمل برُّ فاطمة وولدها)، وفي خبر آخر (الولاية)،

____________________

(1) البحار: ج84، ص146، باب الأذان والإقامة، باب 35، ح39.

(2) البحار: ج84، باب 35 من أبواب الأذان والإقامة، ذيل ح4.

(3) مناقب ابن شهرآشوب: ج3، ص36.


ونَقلَ شِعر الصاحب:

حُبّ عليّ لي أمل

ومَلجئي من الوَجل

إن لم يكن لي من عَمل

فحبّه خيرُ العمل

ثُمّ إنّ قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن النبّاح بأنّه من القائلين عدلاً، هو الآخر يفيد بأنّ الأذان لا يقتصر على الدعاء إلى الصلاة، بل فيه دعاءٌ إلى قول العدل وهو القول بالولاية، فيؤكّد ما تقدّم في الروايات من هذه الطائفة من أنّ فصل (حيّ على خير العمل) دعاء للولاية.

وفي صحيح أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) أنّه قال: (إنّ بلالاً كان عبداً صالحاً، فقال لا أؤذّن لأحدٍ بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَتركَ يومئذٍ حيّ على خير العمل) (1).

وقال المجلسي الأوّل في شرح الفقيه في ذيل هذه الرواية: (أنّه روى العامّة: أنّ عمر كان يباحث (يجادل) مع رسول الله في ترك حيّ على خير العمل، ويجيبه بأنّها من وحي الله، وليست منّي وبيدي، حتّى قال عمر: ثلاث كُنّ في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنا أُحرّمهنّ وأُعاقِب عليهنّ: متعة النساء، ومتعة الحج، وقول (حيّ على خير العمل) رواه العامّة في صحاحهم) (2).

الروايةُ الخامسة: وهي على ألسُن:

منها: ما رواه فرات الكوفي في تفسيره، فعن علي بن عتاب مُعنعناً عن فاطمة الزهراء (عليها السلام) قالت:

____________________

(1) الوسائل: أبواب الأذان والإقامة، الباب 19، الحديث 11.

(2) روضة المتقين: ج2، ص227 - 228.


(قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): لمّا عُرجَ بي إلى السماء صرتُ إلى سدرة المنتهى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأبصرتهُ بقلبي، ولم أرهُ بعيني، فسمعتُ أذاناً مثنى مثنى، وإقامة وتراً وتراً، فسمعتُ منادياً ينادي: يا ملائكتي وسكّان سماواتي وأرضي، وحَملة عرشي، اشهَدوا أنّي لا إله إلاّ أنا، وحدي لا شريك لي، قالوا: شهدنا وأقررنا، قال: اشهدوا يا ملائكتي، وسكّان سماواتي وأرضي وحملة عرشي، أنّ محمّداً عبدي ورسولي، قالوا: شَهدنا وأقررنا، قال: اشهدوا يا ملائكتي، وسكّان سماواتي وأرضي وحملة عرشي، أنّ عليّاً ولييّ ووليّ رسولي، ووليّ المؤمنين بعد رسولي، قالوا: شهدنا وأقررنا...) (1) الحديث.

ورواه عن علي بن عتاب في ذيل سورة الأحزاب، ورواه في ذيل سورة النجم قال: حدّثنا جعفر بن محمد مُعنعناً عن عبّاد بن صهيب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن فاطمة بنت محمد (عليهم السلام) قالت: (قال رسول الله....) (2).

ولا يخفى أنّ لفقرات الحديث شواهد كثيرة في روايات المعراج، كما أشار إلى ذلك المصحّح لطبعة التفسير الأخيرة (3).

وتقريب دلالة الرواية: أنّها دالّة بوضوح على الارتباط بين حقيقة الأذان والإقامة وبين الشهادات الثلاث، هذا لو جعلنا قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الرواية: (فسمعتُ منادياً ينادي...) نداءً بعد نداء الأذان، لا أنّ الفاء في (فسمعتُ) تفسيريّة لفصول وفقرات الأذان والإقامة، إذ على تقدير كونها تفسيريّة يكون مضمون الرواية نصّاً في المطلوب،

____________________

(1) تفسير فرات الكوفي في ذيل سورة الأحزاب: آية 72.

(2) تفسير فرات الكوفي في ذيل سورة النجم: آية 9.

(3) تفسير فرات، طبعة وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران.


ويَعضد هذا التقدير: تماثل وتكرار التعبير بكلمة (فسمعتُ)، حيث قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (فسمعتُ أذاناً مثنىً مثنى، وإقامةً وتراً وتراً، فسمعتُ منادياً ينادي)، وأمّا على التقدير الأوّل بأن يكون النداء بالشهادات الثلاث الذي سمعه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو عقب الأذان متّصلاً، به وأيضاً هو دال على المطلوب؛ لأنّه يبيّن الصلة والارتباط الوثيق بين ماهيّة الأذان والإقامة، لاسيّما وأنّ ذلك الأذان والإقامة - كما في جملة من روايات المعراج - قد أتى بهما لإتيانه الصلاة في المعراج، فيكون النداء في الشهادات الثلاث متخلِّلاً بين الإقامة وتكبيرة الإحرام، وقد مرّت الروايات المعتبرة في هذه الطائفة أنّ من أجزاء حقيقة الأذان الشهادة بأصول الإيمان.

ويَدعم مضمون هذه الرواية، جملة من روايات المعراج التي تضمّنت أنّه أذّن وأقام له جبرائيل، وصلّى بالأنبياء والمرسلين والملائكة، وأنّه كان النداء أيضاً هو بالشهادات الثلاث:

منها: ما روى الكليني في الصحيح الأعلائي عن ابن أُذينة، عن أبي عبد الله في حديث المعراج: (إنّ جبرئيل أذّن فقال: أشهدُ أنّ محمّداً رسول الله، فاجتمعت الملائكة فقالت: مَرحباً بالحاشر، ومرحباً بالناشر، ومرحباً بالأوّل ومرحباً بالآخر، محمّد خير النبيين، وعليٌّ خير الوصيّين) (1).

ولا يخفى أنّ الأذان في وضع اللغة في الأصل: هو بمعنى النداء والإعلام، كما مرّ في المدخل - فقد روى الحرّ العاملي في كتابه إثبات الهداة في الباب العاشر (2) قال: ومن كتاب الحسن بن علي بن عمّار بإسناد بَتَرهُ عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (رأيتُ ليلة أُسريَ بي في السماء الرابعة ديكاً ينادي: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ أمير المؤمنين وليّ الله) (3).

____________________

(1) الكافي: ج3، ص484، إثبات الهداة: ج، ص15.

(2) الفصل 46، الحديث 526.

(3) إثبات الهداة: ج2، ص285، ح1526.


ومنها: ما روى الصدوق بإسناد متّصل عن ابن عباس في عِلل الشرائع في حديث، قال: (دَخلَت عائشة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو يُقبّل فاطمة، فقالت: أتحبّها يا رسول الله؟ قال: (أمَا والله، لو علمتِ حُبّي لها لازددتِ لها حُبّاً، إنّه لمّا عُرج بي إلى السماء الرابعة أذّن جبرئيل، وأقام ميكائيل، ثُمّ قيل لي: ادنوا يا محمّد، فقلت: أتقدّم وأنت بحضرتي يا جبرائيل؟ قال: نعم، إنّ الله عزّ وجل فضّل أنبيائه المرسلين على ملائكته المقرّبين، وفضّلك أنت خاصّة فدنوتُ فصلّيت بأهل السماء الرابعة) (1).

وهاتان الروايتان تدلاّن على أنّ الأذان والإقامة في المعراج، كانتا في نفس الموطن من المعراج الذي سمعَ فيه النبيّ النداء للشهادات الثلاث، وروايات المعراج حافلة بأنّ بدء التشريع للأذان والصلاة كان في المعراج.

ومنها: ما ذكرهُ الحرّ العاملي أيضاً بسند: (إنّ الله خَلق مَلكين يكنفان العرش، وأمَرَهما بشهادتين فَشهدا، ثُمّ قال لهما: اشهدا أنّ عليّاً أمير المؤمنين فَشهدا) (2).

ومنها: ما روى الصدوق بسند (3) عن الأصبغ بن نباتة قال: جاء ابن الكوّاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، والله إنّ في كتاب الله لآية قد أفسَدت عليّ قلبي وشكّكتَني في ديني،

____________________

(1) عِلل الشرائع: ص183، البحار: ج18، ص350، ح61.

(2) إثبات الهداة: ج2، ص193، الفصل 75 الباب العاشر.

(3) حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن محمد بن أورقة، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبي الحسن الشعيري، عن سعد بن طريق، عن الأصبغ بن نباتة.


فقال له عليٌّ (عليه السلام): (ثَكلتك أُمّك وعدِمتك وما تلِك الآية؟ قال: قول الله تعالى: ( وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) ، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): يا بن الكوّاء، إنّ الله تبارك وتعالى خَلق الملائكة في صورٍ شتّى، إلاّ أنّ لله تبارك وتعالى مَلكاً في صورة ديك أبحّ أشهبَ، براثنه في الأرض السابعة السفلى مثنى تحت العرش، له جناحان: جناح في المشرق، وجناح في المغرب، واحدٌ من نار، وآخر من ثلج، فإذا حضرَ وقت الصلاة قام على براثنه، ثُمّ رفعَ عُنقه من تحت العرش، ثُمّ صفّق بجناحيه كما تُصفّق الدُّيوك في منازلكم، فلا الذي من النار يُذيب الثلج، ولا الذي من الثلج يُطفي النار، فينادي أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّداً سيّد النبيّين، وأنّ وصيّه سيّد الوصيين، وأنّ الله سُبّوح قدّوس ربّ الملائكة والروح، قال: فتخفق الديكة بأجنحتها في منازلكم فتجيبه عن قوله وهو تعالى: ( وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) من الديكة في الأرض) (1).

ومنها: ما روى الصدوق بسند (2) آخر متصل إلى ابن عبّاس، عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قريب من مضمون هذه الرواية أيضاً.

____________________

(1) التوحيد: باب 38، الحديث 10، ص81 طبعة جماعة المدرّسين، ورواه القمّي في تفسيره، في تفسير الآية الكريمة: ( وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ) .

(2) التوحيد: باب 38، حديث 4، ص279.


أقول: والسند الأوّل للصدوق قابلٌ للاعتبار، كما لا يخفى على الممارس، ومفادها يدعم رواية تفسير فرات الكوفي من صلة هذا النداء بالشهادات الثلاث في الأذان، وأنّ هذا النداء السماوي بالشهادات الثلاث مع الأذان لأوقات الصلاة لم يكن في ليلة معراج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خاصّة، بل هو مستمر ما دام يقام الأذان للصلاة إلى يوم القيامة.

كما أنّ تصدّيهم (عليهم السلام) لبيان ذلك في جملة من الروايات: هو لأجل بيان هذه الصلة بين الأذان والشهادات الثلاث؛ لأنّ الأصل الأوّلي في كلام المعصومين هو البيان الشرعي والمعنى التشريعي، لا الإخبار التكويني المحض، كما هو مطرّد في جملة روايات المعراج وغيرها.

ويُعزِّز ويَدعم كون ذلك النداء من المَلَك السماوي أذاناً، للإعلام والإشعار بوقت الصلاة ودخوله بضميمة ما تقدّم، وروي بطرق معتبرة في التعويل لاستعلام دخول الوقت على الديكة، وذلك عند وجود العلّة المانعة عن تبيّن دخول الصلاة أو مطلقاً، كما قال بأحد التقديرين كلّ من:

علي (1) بن بابويه في فقه الرضا، والصدوق (2) في الفقيه، والشهيد (3) في الذكرى، والمحقّق (4) الثاني في جامع المقاصد، والأردبيلي (5) في مجمع الفائدة،

____________________

(1) فقه الرضا: ص137.

(2) الفقيه: ج1، ص144.

(3) الذكرى: ص128.

(4) جامع المقاصد: ج2، ص29.

(5) مجمع الفائدة والبرهان: ج2، ص53.


والبرهان والسبزواري (1) في الذخيرة، وصاحب (2) الحدائق، والنراقي (3) في المستند، وصاحب (4) الجواهر، وآقا رضا (5) الهمداني في مصباح الفقيه، والنائيني (6) في تقريرات الكاظمي، وجملة من أعلام العصر (7).

بل نسبوا ذلك إلى المشهور، وذكروا أنّ هذه الروايات هي مُستند المشهور للقول بحجيّة مطلق الظن؛ لاستعلام الوقت عند العجز عن تحصيل العلم في ذلك، بل ذَهب بعض مَن تقدّم إلى حجيّة هذه العلامة حتّى مع القدرة على تحصيل العلم، إذا توفّر الشرط المذكور في الروايات من تجاوبها وصياح ثلاث منها ولاءً، كصحيح أبي عبد الله الغرّاء (سليم) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال له رجلٌ من أصحابنا ربّما اشتبهَ الوقت علينا في يوم الغيم فقال: (تَعرف هذه الطيور التي تكون عندكم بالعراق يقال لها: الديَكة؟ فقلتُ: نعم، قال: إذا ارتفعت أصواتها وتجاوبَت، فقد زالت الشمس، أو قال: فصلّّه) (8) .

ومثله معتبرة الحسين بن المختار، قال: قلتُ للصادق (عليه السلام): إنّي مؤذِّن، فإذا كان يوم غيم لم أعرف الوقت؟ فقال: (إذا صاحَ الديك ثلاث أصوات ولاءً، فقد زالت الشمس ودخل وقت الصلاة) (9).

____________________

(1) الذخيرة: ص209.

(2) الحدائق: ج6، ص 203.

(3) المستند: ج4، ص97.

(4) الجواهر: ج7، ص72، ص106، ص272، ص269.

(5) مصباح الفقيه: ج1، ص71.

(6) كتاب الصلاة: ج1، ص134.

(7) كتاب الصوم: تقريرات السيّد الخوئي، ج1، ص397، خَلل الصلاة للسيّد الخميني: ص102، كتاب الصلاة للمحقِّق الداماد بقلم المؤمن: ص214.

(8) الوسائل: أبواب المواقيت، الباب 14، ح5.

(9) أبواب المواقيت: باب 14، ح1.


بل إنّ كاشف الغطاء (1) قد استفاد جملةً من الأحكام من هذه الروايات: كاستحباب الإيقاظ للصلاة، وكرامة المحافظة على أوقات الصلاة، وغيرها من الأحكام.

ثُمّ إنّ فيما تقدّم من روايات - من إضافة سبّوح قدوس في نداء المَلَك لأوقات الصلاة عند أذان وإقامة صلاة النبي في المعراج، وغيرها من الثناء والتمجيد للباري تعالى - لا ينافي كونه من فصول الأذان؛ لأنّه كلحوق الصلاة على النبي وآله بعد الشهادة الثانية في الأذان والإقامة.

السادسة: ما رواه الفضل بن شاذان بإسناده إلى المقداد بن الأسود الكندي قال: كنّا مع سيّدنا رسول الله وهو متعلِّق بأستار الكعبة وهو يقول: (اللهمّ اعضُدني، واشدُد أزري، واشرَح صدري، وارفَع ذكري، فَنزل عليه جبرئيل (عليه السلام) وقال: اقرأ يا محمّد، قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) مع عليّ بن أبي طالب صهرك)، فَقرأها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأثبتها عبد الله بن مسعود في مصحفه، فأسقطها عثمان بن عفّان حين وحّد المصاحف) (2).

____________________

(1) كشف الغطاء: ج1، ص7، ص5، ص33، ج2، ص39.

(2) الفضائل لابن شاذان: ص151.


أقول: لقد أراد ابن مسعود من خلال إثباتها في مصحفه أنّه مشتمل على التنزيل والتأويل، وعلى هذا تكون دلالة الرواية كالنص في رفع ذِكر النبي ورفع ذِكر الوصي، وقد ورد في روايات الفريقين أنّ تفسير ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) هو جَعل اسمه الشريف في الأذان، فتكون الرواية كالنصّ في جَعل الشهادة الثالثة في الأذان، وقد روى هذه الرواية ابن شهر آشوب في المناقب (1) باختلاف يسير بالألفاظ، وبنفس الإسناد إلى المقداد بن الأسود الكندي.

وروى أيضاً عن عبد السلام بن صالح عن الرضا (عليه السلام) : ( ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) يا محمّد، ألم نجعل عليّاً وصيّك؟ ( وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ) بقتل مقاتلة الكفار وأهل التأويل بعليّ بن أبي طالب ( وَرَفَعْنَا لَكَ ) بذلك ( ذِكْرَكَ ) أي رَفْعَنا مع ذِكرك يا محمّد له رُتبة) (2) ، وقد رويت روايات كثيرة أنّ معنى ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) تَذكر إذا ذُكِرتَ وهو قول الناس: أشهدُ أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله.

____________________

(1) المناقب لابن شهرآشوب: ج2، ص67.

(2) المناقب لابن شهرآشوب: ج3، ص23.


الطائفةُ الخامسة

الروايات المتضمّنة لحكاية الأذان

مطابقة لمَا يسمعهُ من المؤذِّن في كلّ شيء

وقد تضمّنت في صورة الحكاية الشهادة الثالثة، أمّا مسألة مطابقة حكاية الأذان لمَا يسمعه من المؤذِّن فهو متّفق عليه فتوىً ونصّاً، وبضميمة ما ورد في روايات حكاية الأذان من الشهادة الثالثة يتمّ المطلوب، باعتبار التلازم بين الحكاية والمحكي، أمّا بيان ذلك تفصيلاً فَعَبر نقطتين:

1 - بيان لزوم مطابقة الحكاية مع ما يسمعه من الأذان نصّاً وفتوى.

أمّا النص:

أ - صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا سَمعَ المؤذِّن يؤذِّن، قال مثل ما يقوله في كلّ شيء) (1) .

ب - صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال له: (يا محمّد بن مسلم، لا تَدعنّ ذِكر الله تعالى على كلّ حال، ولو سمعتَ المنادي ينادي بالأذان وأنتَ على الخَلاء، فاذكُر الله عزّ وجل وقل كما يقول المؤذِّن) (2).

____________________

(1) أبواب الأذان والإقامة: الباب 45، الحديث 1.

(2) أبواب الأذان والإقامة: باب 45، ح2.


ومثلها رواية سليمان بن المقبل المديني، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) ، وكذلك رواية أبي بصير (2).

2 - أمّا الروايات المتضمّنة للشهادة الثالثة في الحكاية فهي:

أ - ما رواه الشيخ الطوسي مُرسلاً في المبسوط قال: وروي أنّه إذا سمعَ المؤذِّن يقول: (أشهدُ أن لا إله إلاّ الله) أن يقول: (وأنا أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبدُ الله ورسوله، رضيتُ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمّد صلّى الله عليه وآله رسولاً، وبالأئمّة الطاهرين أئمّة، ويُصلّي على النبي وآله) (3) ، وهذه الرواية من الشيخ في المبسوط يُعزِّز اعتماد الشيخ للطوائف الثلاث التي رواها الصدوق في الفقيه، كما اعتمدها ابن برّاج في فتواه.

ب - ما رواه العلاّمة مُرسلاً في التذكرة حيث قال: روي أنّه يُستحب إذا سمعَ المؤذن يقول: (أشهدُ أن لا إله إلاّ الله) أن يقول: (وأنا أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمّد رسولاً، وبالأئمّة الطاهرين أئمّة، ثُمّ يُصلّي على النبيّ وآله)، وأفتى بذلك في المنتهى أيضاً.

وفي المُعتبر اعتمدَ المحقِّق رواية المبسوط حيث قال: (قال الشيخ الطوسي في المبسوط: مَن كان خارج الصلاة قطعَ كلامه وحكى قول المؤذِّن، وكذا لو كان يقرأ القرآن قَطع وقال كقوله؛ لأنّ الخبر على عمومه، وقال في المبسوط أيضاً: روي إذا قال المؤذِّن....) (4) ، ثُمّ حكى ما تقدّم من قول المبسوط في حكاية الأذان المتضمّن للشهادة الثالثة.

____________________

(1) أبواب أحكام الخلوة: الباب 8، حديث 3.

(2) أبواب أحكام الخلوة: الباب 8، حديث 2.

(3) المبسوط: ج1، ص144، ص145 طبعة جماعة المدرّسين.

(4) المعتبر: ج2، ص 146 الطبعة القديمة.


وبمجموع النقطتين وطائفتي الروايات فيهما يتبيّن: أنّ تَرك الشهادة الثالثة في أغلب روايات الأذان هو للتقيّة، وأنّ الطائفتين من الروايات في النقطتين يشيران بنحو التعريض إلى ذلك.

كما يتبيّن تعزيز ما مرّ استظهاره من فتوى الشيخ الطوسي في المبسوط، حول الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة أنّه قائل بالجواز.



الطائفةُ السادسة

الرواياتُ المتضمّنة لتطابق التشهّد في الأذان والتشهّد في الصلاة

وقد تضمّن التشهّد الثاني ورود بعض النصوص في الشهادة الثالثة فيه، أما تطابق ماهيّة التشهّد في الأذان والصلاة فقد دلّت عليه معتبرة الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: (وإنّما جَعل التشهّد بعد الركعتين؛ لأنّه كما قدّم قبل الركوع والسجود من الأذان والدعاء والقراءة، فكذلك أيضاً أخّر بعدها التشهّد والتحيّة والدعاء) (1).

وأمّا ما دلّ على تضمّن التشهّد في الصلاة للشهادة الثالثة فهو على نمطين:

الأوّل:

ما دلّ على أنّ التشهّد ليس مؤقّتاً بمقدار وكيفيّات خاصّة من جانب الكثرة، بل يجزي منه كلّما هو حق من الاعتقادات، وهذا العنوان بعمومه شامل لمَا كمُل الدين به ورَضي الربّ به الإسلام ديناً، وسيأتي استعراضها مفصّلاً في المبحث الثاني الذي سيُعقد لمشروعيّة الشهادة الثالثة في الصلاة.

____________________

(1) الوسائل: أبواب التشهّد، الباب 3، ح6.


الثاني:

ما دلّ بالخصوص بالتنصيص على ذِكر الشهادة الثالثة في التشهّد، وهو ما رويَ عن كدير الظبّي، وما رواه علي بن بابويه، وما أفتى به أبو يعلى سلاّر الديلمي في المراسم العلويّة، والنراقي في المستند، وغيرها من الروايات والفتاوى كما سيأتي ويندرج في الدلالة الخاصّة ما ورد في تشهّد صلاة الجنازة بعدَما ورد أنّها تضمّن التشهّد.

ومنها: ما في موثّق سُماعة الوارد في بيان التشهّد والصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في صلاة الميّت في حديث (قال: سألتهُ عن الصلاة على الميّت؟ فقال: (خمس تكبيرات يقول إذا كبّر: أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله، اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد وعلى أئمّة الهدى) (1) الحديث.

ومنها: ما في موثّق عمّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (قال: سألتهُ عن الصلاة على الميّت؟ فقال: (تُكبّر ثُمّ تقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، إنّ الله وملائكته يُصلّون على النبيّ يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلِّموا تسليماً، اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد..... اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى أئمّة المسلمين، اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى إمام المسلمين....)) الحديث (2).

فتدلّ هاتان الموثّقتان على جواز الشهادة الثالثة في كلّ من صلاة الميّت، لاسيّما بعد ورود أنّه ليس في تشهّدها والدعاء فيها شيئاً مؤقّتاً،

____________________

(1) الوسائل: أبواب صلاة الجنازة، الباب 2، ح6.

(2) الوسائل: أبواب صلاة الجنازة، الباب 2، ح11.


كما تدلّ الموثّقتان أيضاً على جواز الثالثة في تشهّد عموم الصلاة، ولعلّه يُعترض أنّ هاتين الموثّقتين واردتان في صلاة الميّت، وهي ليست إلاّ دعاء وليست صلاة حقيقيّة، مع أنّ الذي ورد منهما إنّما هو بصيغة الصلاة على النبي وآله لا بصيغة التشهّد ولا في ضمنه.

أولاً:

يندفع هذا الاعتراض: بأنّ الصلاة على الميّت هي صلاة أيضاً، ومن ثُمّ اعتُبرَ فيها جملة من شرائط صلاة الجماعة، غاية الأمر أنّه وردَ في الروايات أنّها ليست الصلاة ذات الركوع والسجود، فالمنفي عنها ليس حقيقة الصلاة بل المنفي عنها نمط من أنواع الصلاة، وهو النمط الذي فيه الركوع والسجود، كما في معتبرة الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: (إنّما جوّزنا الصلاة على الميّت بغير وضوء؛ لأنّه ليس فيها ركوع ولا سجود، وإنّما هي دعاء ومسألة، وقد يجوز أن تدعو الله وتسأله على أيّ حال كنتَ، وإنّما يجب الوضوء في الصلاة التي فيها ركوع وسجود) (1)، ومثلها روايات أخرى (2).

ثانياً:

أنّ التشهّد الوارد في صلاة الجنازة قد أُمر فيها بعنوان التشهّد، كما في الصحيح إلى محمّد بن مهاجر: (كبّر وتشهّد) (3).

____________________

(1) أبواب صلاة الجنازة: باب 21، ح7.

(2) أبواب الجنازة: باب 8.

(3) أبواب صلاة الجنازة: الباب2، ح1.


وبضميمة ما ورد في معتبرة الفضل بن شاذان الواردة في تشهّد الصلاة ذات الركوع والسجود، الدالّة على أنّ التشهّد في الصلاة هو التشهّد في الأذان والإقامة، ففي معتبرة الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: (وإنّما جَعل التشهّد بعد الركعتين؛ لأنّه كما قدّم قبل الركوع والسجود مِن الأذان والدعاء والقراءة، فكذلك أخّر بعدها التشهّد والتحيّة والدعاء) (1).

فماهيّة التشهّد في هذه المواضع واحدة متّحدة.

ثالثاً:

أنّ الصلاة على النبيّ وآله مِن توابع التشهُّد، والصورة المذكورة في موثّق سُماعة، وموثّق عمّار هُما أيضاً مِن صِيَغ الإقرار والتشهُّد؛ وذلك لأنّ عبارة: (اللّهمّ صلِّ على محمّد وعلى أئمّة المسلمين، أو على إمام المسلمين، أو على أئمّة الهُدى) وإنْ كانت بصيغةِ الصلاة، إلاّ أنّ ذِكر آل محمّد ينعتهم بأئمّة المُسلمين ونحوه، وهذا النصّ والتوقيف مؤدّاه إقرار وتَشهّد؛ لأنّ المُتكلّم الذي يأتي بصورة الترتيب النعتي هو مدلول خَبري يلتزم بالإخبار به، ويأخذ به كإقرار، ألا ترى أنّ القائل أو الداعي لزيد بقوله:

(اللهمّ ارحَم زيداً الذي أقرَضني مئة ديناراً)، فإنّه يؤخذ به كاعتراف منه بالإقرار أنّه مدين لزيد بمئة دينار، ويكون هذا التركيب بهيئة الجملة الخبريّة وإن كان معناً حرفيّاً لا اسميّاً، إلاّ أنّ هذا المعنى الحرفي يوازي المعنى الاسمي بلفظه: أعترف، أو ألتزم، أو أقرّ، أو أشهدُ؛ فإنّ جملةً من المعاني كما يمكن أن يُتلفظ بها أو تؤدّى بصورة المعنى الاسمي، يمكن أن تؤدّى بصورة المعنى الحرفي الموازي المطابق لها، وكما يمكن أن تؤدّى بألفاظ الهجاء يمكن أن تؤدّى بهيئات الجمل والتراكيب،

____________________

(1) أبواب التشهّد: باب 3، ح6.


وهذا لا يُضعّف من الدلالة وإن كان يخفى وجه الدلالة على غير المتأنّي وغير المتدرّب بالإمامة، فيتبيّن من ذلك: أنّ صيغة الصلاة على النبي وآله - مع التركيب النعتي والمجيء بنعتهم في الصلاة عليهم - ليست صيغة دعاء فقط، بل هي صيغة دعاء بهم، وصيغة تشهّد بإمامتهم، ومن ثُمّ ستأتي روايات معتبرة عدّة، كالتي وردت في خطبة صلاة الجمعة، وكالتي وردت في القنوت داخل الصلاة، وقد أفتى بها جملة المشهور، وقد تضمّنت الصلاة على آل محمّد بنعتهم بأئمّة المسلمين، أو أئمّة الهدى.

إنّ هذه الصياغات في تلك الروايات المعتبرة المفتى بها عند عامّة علماء الطائفة، هي ليست صياغات في كيفيّة الصلاة عليهم والدعاء لهم، بل هي صياغات تشهد بإمامتهم أيضاً، وكذلك ورد في روايات التسليم في الصلاة صيغة التسليم عليهم بنعت أئمّة الهدى (السلامُ على أئمّة الهدى)؛ فإنّ هذه الصيغة وإن كانت صيغة تسليم نُدبي قبل التسليم الواجب المخرَج من الصلاة، إلاّ أنّها صيغة تشهّد أيضاً وإقرار واعتراف بإمامتهم، وقد أفتى بها الصدوق نفسه في الفقيه وغيره من كتبه وجملة من المتقدّمين كما سيأتي، وكذلك النراقي في المستند وصاحب الجواهر (3).

ويمكن تقريب دلالة هذه الطائفة ببيان آخر، قال في المستمسك في ذيل قول العروة الوثقى للسيّد اليزدي، في مبحث الاكتفاء بسماع الأذان عند الأذان والاكتفاء بالحكاية، قال:

____________________

(1) وهذا ما أشار إليه صاحب الجواهر في بحث الشهادة الثالثة في الأذان بقوله: (لولا تسالم الأصحاب لأمكن دعوى الجزئيّة بناءً على صلاحيّة العموم لمشروعيّة الخصوص، والأمر سهل)، أي أنّ الأمر العام وإن كان في دلالته المطابقيّة عامّ الدلالة، إلاّ أنّه بفذلكة القرائن يمكن أن تصاغ دلالته ولو الالتزاميّة على المفاد والمؤدّى الخاص.


(ويحتمل أن يكون الوجه في ذلك: أنّ الحكاية أذان بقصد المتابعة، نظير صلاة المأموم، فلو لم يدلّ على الاكتفاء بالسماع دليل أمكنَ الاكتفاء بها؛ لأنّها مصداق حقيقي للأذان، ودعوى أنّ الحكاية ليست من الأذان؛ لأنّ المؤذِّن يقصد معاني الفصول والحاكي يقصد لفظ الفصول، فيها: أنّ التعبير بالحكاية إنّما كان في كلمات الأصحاب، وأمّا النصوص فإنّما اشتملت على أن يقول مثلما يقول المؤذِّن، وفسّرها بذلك الأصحاب، والظاهر إرادتهم معنى الفصول، كما يظهر ذلك ممّا ورد أنّه ذِكر الله تعالى لكن في ظهور نصوص الحكاية لكونها أذاناً بقصد المتابعة، نظير صلاة المأموم تأمّلاً أو منعاً، بل الظاهر منها أنّ استحبابها من باب الذِكر فلاحظ، ولو سُلِّم لم يناسب قوله (رحمه الله) - ماتن العروة - (له أن يكتفي...)، الظاهر في الرخصة، مضافاً إلى أنّه ينبغي تخصيص الاكتفاء بصورة حكاية جميع الفصول من دون تبديل بالحوقلة، فلاحظ) (1).

أقول: ما أفاده (قدِّس سرّه) متين في تحليل ماهيّة الحكاية للأذان، وأنّ ما عدى الحوقلة مطابق لمتن ما في فصول الأذان.

____________________

(1) المستمسك: ج5، ص575.


الطائفةُ السابعة

الروايات المتضمّنة لندبيّة أسمائهم (عليهم السلام) في الصلاة بوصف الإمامة والولاية

ومجمل التقريب بهذه الطائفة من الروايات التي هي على ألسن متعدّدة، وكلّها متضمّن للأمر الخاص بذكر الشهادة الثالثة بصيَغ معيّنة: إمّا بنحو الندب الخاص في مطلق الصلاة كما في اللسان الأوّل، أو في خصوص دعاء التوجّه كما في اللسان الثالث، أو في خصوص التشهّد، أو الصلاة التي فيه على النبي وآله، أو في التسليم كما في اللسان الرابع، أو الأمر بصيغة من صيَغ الشهادة الثالثة بنحو العزيمة كما في اللسان الثاني في خطبتي صلاة الجمعة.

ويتحصّل من مجموعها - كما سيأتي تفصيل مفاد كلّ واحد منها -: أنّ الشهادة الثالثة من الأذكار الخاصّة في الصلاة وتوابعها، وأنّ اقترانها بالشهادتين من الكيفيّة الراجحة بالخصوص في مطلق الصلاة، فجملة لسان هذه الأدلّة شامل للأذان والإقامة، لاسيّما وأنّ الإقامة كما في الحديث (1) من الصلاة، وفي صحيح (2) زرارة: (إذا أُقيمت الصلاة حرُمَ الكلام...) الحديث، وإن كانت بمعنى شدّة الكراهة فيستفاد منها الرجحان الخاص في الصلاة والورود الخاص، أي الجزء الندبي فضلاً عن استفادة الإشعار الخاص بخصوص الشهادات الثلاث في الأذان والإقامة منها، الروايات على عدّة ألسن:

____________________

(1) أبواب الأذان والإقامة: باب 10، ح1.

(2) أبواب الأذان والإقامة: باب 10، ح12.


اللسانُ الأوّل: الروايات الواردة بذكر أسمائهم في الصلاة

الروايةُ الأولى: ما ورد في صحيح الحلبي الذي رواه كلّ من الصدوق (1) ، والشيخ (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال له: أسمّي الأئمّة في الصلاة؟ فقال: (أجمِلهم) (3).

قال المجلسي في ملاذ الأخبار (4): أي اذكُرهم مُجملاً كأئمّة المسلمين مثلاً، ولعلّه اتقاءً وإبقاءً عليهم وقيل: أي اذكرهم بالجميل، والأوّل أظهر.

وقال المجلسي الأوّل في روضة المتّقين في شرح الحديث الذي أورده الصدوق في الفقيه: (أي اذكُره مُجملاً كالأئمّة الطاهرين، أو الراشدين المهديّين، والظاهر أنّه للتقيّة وإن كان الأحوط الإجمال، وفسّره بعضٌ بوصفهم بالجميل) (5) .

وقد أفتى بمضمونه العلاّمة الحلّي في المنتهى (6)، حيث جَعل ذِكر أسمائهم في الصلاة من أذكار الصلاة، واستثناه من الكلام المبطل في الصلاة حيث قال: (المطلب الثاني عشر: لا بأس بأصناف الكلام الذي يُناجي به الربّ تعالى، لمَا رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار، قال: سألتُ أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يتكلّم في صلاة الفريضة بكلّ شيء يناجي ربّه؟ قال: (نعم)،

____________________

(1) الفقيه: ج1، ص493، ح14، 15، و ج1، ص317، ح938، طبعة قم.

(2) التهذيب: ج2، ص313، ح506، ج2، ص326، ح1338.

(3) الوسائل: أبواب القنوت، باب 14، ح1.

(4) ملاذ الأخبار: ج4، ص499.

(5) روضة المتّقين: ج2، ص349.

(6) منتهى المطلب: ج5، ص292، طبعة الأستانة الرضويّة.


وقال: وعن الحلَبي قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) أسمّي الأئمّة (عليهم السلام) في الصلاة؟ قال: (أجمِلهم)، ومن هذا الباب كلّ ذِكر يُقصد به تنبيه غيره).

الروايةُ الثانية: وفي صحيح آخر للحلَبي رواه الشيخ الطوسي (1) ، قال في قنوت الجمعة: (اللهمّ صلِّ على وعلى أئمّة المؤمنين [ المسلمين ]، اللهمّ اجعلني ممّن خَلقتهُ لدينك وممّن خَلقته لجنّتك، قلتُ: أسمّي الأئمّة؟ قال: سمِّهم جملةً).

وذيل هذه الرواية الثانية وإن احتُمل حمله على خصوص القنوت في أثناء وضمن صلاة الجمعة، إلاّ أنّه يُحتمل الإطلاق كما في الصحيح السابق.

والظاهر من الصدوق: الإفتاء بالصحيح السابق، حيث أورده في باب قنوت صلاة الوتر وباب القنوت في الصلاة، وقد أوردنا مبسوط كلامه في المدخل عند استعراض فتاوى الأعلام (2) في الشهادة الثالثة، وكذلك أفتى بمضمون صحيح الحَلَبي الشيخ المفيد (3) ، وبَسَط أسماء الأئمّة (عليهم السلام) واحداً واحداً في قنوت صلاة الوتر، وقد مرّ في المدخل (4) استعراض مبسوط فتواه، وكذلك أفتى الشيخ الطوسي به حيث أورده في موضعين من التهذيب:

____________________

(1) التهذيب: ج3، ص18، ح63، الوسائل: أبواب القنوت، باب 14، ح2.

(2) المدخل: ص54 وما بعدها.

(3) المقنعة: ص125 - 126 - 13، طبعة قم، جامعة المدرّسين.

(4) المدخل: ص64.


أحدهما : (1) في باب كيفيّة الصلاة وصفتها. والثاني : (2) في باب دعاء قنوت الوتر، وقد بسطنا نقل كلامه في المدخل عند استعراض فتاوى الأعلام فلاحظ.

وكذلك أفتى المحقِّق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان بمضمون صحيح الحَلَبي الثاني، وقد تعرّضنا في المدخل لنقل عبارته بتمامها، فلاحظ.

كما أفتى المحقِّق النراقي في المستند بمضمون صحيحة الحلَبي الأوّل، وقد تقدّم في المدخل نَقل عبارته بتمامها، والذي يتحصّل من فتاوى الأصحاب بمضمون الصحيحين أربع وجوه في تفسير الصحيحين المتقدّمين:

الوجهُ الأوّل: ما ذهبَ إليه العلاّمة في المنتهى من تفسير الصلاة بمجموع الأركان، وإنّ ذِكر أسماء الأئمّة (عليهم السلام) فيها من أذكار الصلاة.

الوجهُ الثاني: ما ذهب إليه الصدوق والمفيد (قدِّس سرّهما) من تفسير الصلاة بالصلاة على النبيّ والأئمّة: إمّا في قنوت الصلاة مطلقاً، أو في قنوت صلاة الوتر.

الوجهُ الثالث: ما ذهبَ إليه المقدّس الأردبيلي، حيث فسّر الصلاة بالصلاة على أئمّة المؤمنين، وتسميتهم في قنوت صلاة الجمعة، أي: أثناء ركعتي صلاة الجمعة.

الوجهُ الرابع: ما ذهبَ إليه المحقِّق النراقي في المستند من تفسير الصلاة بالصلاة على الأئمّة، وتسميتهم في تشهّد الصلاة، ولا يخفى أنّ هذه الاحتمالات الأربعة كلّها متّفقة على أنّ ذِكر أسماء الأئمّة ووصفهم بالإمامة في الصلاة، هو من الأذكار الخاصّة في الصلاة، والذي هو نوع ونحو من الشهادة الثالثة في أثناء الصلاة.

____________________

(1) التهذيب: ج2، ص131، ح506.

(2) التهذيب: ج2، ص326، ح1338.


وممّا يدعم فتوى الأصحاب بمضمون الصحيحين المتقدّمين:

الروايةُ الثالثة: موثّق أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما اجتمعَ قوم في مجلس لم يذكروا الله عزّ وجل ولم يذكرونا، إلاّ كان ذلك المجلس حسرةً عليهم يوم القيامة، ثُمّ قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ ذِكرنا من ذِكر الله، وذِكر عدوّنا من ذِكر الشيطان) (1) .

الروايةُ الرابعة: ومثلها رواية علي بن أبي حمزة (2).

الروايةُ الخامسة: صحيحة الحلَبي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (كلّما ذَكرتَ الله عزّ وجل والنبيّ صلّى الله عليه وآله فهو من الصلاة) (3).

وبضميمة صحيحة الحَلَبي إلى موثّق أبي بصير، ورواية علي بن أبي حمزة، يُستنتج عين مفاد الصحيحين الأوّليين من أنّ ذِكر أسمائهم في الصلاة بوصف الإمامة والولاية - وهي صيغة من صيغ الشهادة الثالثة - هو من أذكار الصلاة.

____________________

(1) أبواب الذكر من الوسائل: باب 3، حديث 3، الكافي: المجلّد 2، ص496، ح2.

(2) الكافي: ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب تذاكر الإخوان، ح1، ص186.

(3) الوسائل: ج6، الباب 20 من أبواب الركوع، الحديث 4، الكافي: ج3، ص337، ح6، والتهذيب: ج2، ص316، الحديث 1293 بإسناده عن الحسين بن سعيد، وفي موضع آخر من الوسائل، أبواب التسليم، أبواب قواطع الصلاة، باب 13، حديث 2.


اللسانُ الثاني: الروايات الواردة بذِكر أسمائهم في خطبة صلاة الجمعة

وممّا وردَ بهذا المضمون ويُعد ويندرج في هذه الطائفة، الروايات الواردة في ذِكر أسمائهم وبوصف الإمامة في خطبة صلاة الجمعة، وفيه عدّة روايات:

الروايةُ الأُولى: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في خطبة يوم الجمعة، وذَكرَ خطبة مشتملة على حمد الله والثناء عليه، والوصيّة بتقوى الله والوعظ، إلى أن قال: (واقرأ سورة من القرآن، وادعُ ربّك وصلِّ على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وادعُ للمؤمنين والمؤمنات، ثُمّ تجلس قدر ما يمكن هنيئة، ثُمّ تقوم وتقول، وذَكرَ الخطبة الثانية - وهي مشتملة على حمد الله والثناء عليه، والوصيّة بتقوى الله والصلاة على محمد وآله، والأمر بتسمية الأئمّة (عليهم السلام) إلى آخرهم، والدعاء بتعجيل الفرج - إلى أن قال: ويكون آخر كلامه ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ) ) الآية (1) .

الروايةُ الثانية: موثّقة سُماعة، قال أبو عبد الله (عليه السلام): (يَخطب - يعني إمام الجمعة - وهو قائم، يحمد الله ويثني عليه، ثُمّ يوصي بتقوى الله، ثُمّ يقرأ سورة من القرآن صغيرة، ثُمّ يجلس، ثُمّ يقوم فيحمد الله ويثني عليه، ويصلّي على محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلى أئمّة المسلمين، ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإذا فرغَ من هذا أقام المؤذِّن، فصلّى بالناس ركعتين: يقرأ في الأولى بسورة الجمعة، وفي الثانية بسورة المنافقين) (2).

الروايةُ الثالثة: صحيحة الحَلَبي، قال في قنوت الجمعة: (اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى أئمّة المؤمنين، اللهمّ اجعلني ممّن خلقته لدينك، وممّن خلقتهُ لجنّتك، قلتُ: أسمّي الأئمّة؟ قال: سمِّهم جملةً) (3).

____________________

(1) أبواب صلاة الجمعة وآدابها: الباب 25، الحديث 1.

(2) أبواب صلاة الجمعة وآدابها: الباب 25، الحديث 2.

(3) أبواب القنوت: الباب 14، ح2.


خطبةُ صلاة الجمعة واستبعادات الأعلام

تتضمّن خطبة الجمعة للإمام التي هي عوض ركعتي الظهر، والتي هي شرط في ركعتي صلاة الجمعة، بل هي من الأجزاء الواجبة لأسماء الأئمّة (عليهم السلام)، ففي مفتاح الكرامة قال:

(وفي الجعفريّة، وكشف الالتباس، وحاشية الإرشاد وجوب الصلاة فيهما على أئمّة المسلمين، وفي فوائد الشرائع أنّه أولى واعتمدَ في المدارك والشافية على صحيح محمد الطويل، وظاهر الدروس أو صريحها أنّ الصلاة على أئمّة المسلمين من وظائف الثانية كالنافع والمعتبر، وكأنّه مالَ إليه في إرشاد الجعفريّات، وفي موضعٍ من السرائر والمنقول عن مصباح السيّد أنّه يدعو لأئمّة المسلمين في الثانية، وظاهر النهاية أنّه يدعو لأئمّة المسلمين، وقد تضمّنت صحيحة محمّد بن مسلم الأمرَ بذِكر أسماءهم (عليهم السلام)) (1).

وقال في جواهر الكلام: (لكنّ ظاهره (الموثّق)، وظاهر صحيحة ابن مسلم إيجاب الصلاة على الأئمّة في الثانية، بل في الثاني منهما ذكرهم (عليهم السلام) تفصيلاً، فمقتضى الجمع بين النصوص ذلك فيهما معاً، إلاّ أنّ ندرة الفتوى بها وما سمعتهُ من إجماع الشيخ وغيره على الاجتزاء بدونه، وسَوق النصوص للأعم من الواجب والمندوب، ونحو ذلك ممّا لا يخفى يمنع من الجزم بالوجوب وإن كان الوجوب في الجملة ظاهر ما سمعته في مصباح السيّد، ونهاية الشيخ، والنافع، والمعتبر وغيرها، بل ربّما استَظهر من موضع من السرائر، إلاّ أنّه استظهرَ منه الندب؛ لحصر الواجب في الخطبة في أربع أصناف) (2).

____________________

(1) مفتاح الكرامة: ج3، ص114.

(2) جواهر الكلام: صلاة الجمعة.


أقول: والحاصل أنّ مشروعيّة ذِكر أسماء الأئمّة ورجحانه بالخصوص في خطبة الجمعة لا خلاف فيه، والخطبة - كما مرّ - عِوض الركعتين وبمنزلة الجزء المقدّم على ركعتي صلاة الجمعة، فهي أدخل في الصلاة من الأذان والإقامة، وقد تضمّنت لكلّ من الشهادات الثلاث، وإن كانت بصورة الحمد لله والثناء والصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالتوصيف والصلاة على الأئمّة بوصف الإمامة، لاسيّما وأنّه قد أُمر ندباً ووجوباً بذِكر أسمائهم بالتفصيل، كما في صحيح محمّد بن مسلم ومجموعاً في موثّق سُماعة.

وهذا التشريع الخاصّ بذكرهم (عليهم السلام) في خطبة الجمعة، يدفع كثيراً من الاستبعادات والإشكاليّات التي ذَكرها جماعة: من أنّ صورة الأذان لو كانت متضمّنة للشهادة الثالثة على عهد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لتوفّرت الدواعي لنقلها، ونحوه ممّا ذُكر في استبعاد تضمّن الأذان للشهادة الثالثة كفصل؛ فإنّ هذه الاستبعادات بعينها تتأتّى في خطبة صلاة الجمعة، وليس من وجه في الجواب إلاّ تدريجيّة التشريع وبيان الأحكام، ولو بسبب عدم استجابة الناس وتقبّلهم لذلك، كما في إبلاغ أصل الولاية بنحو عام لكلّ المسلمين كما في واقعة غدير خم، حيث كان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يخشى تمرّد المنافقين، فَطمئنهُ الله تعالى ( وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .

أمّا صحيحة الحَلَبي: فيظهر من عنوان باب الوسائل استحباب ذِكر أسماء الأئمّة (عليهم السلام) في القنوت وغيره في الصلاة، لا خصوص التشهّد فضلاً عن خصوص الصلاة في التشهّد.


قد يقال: بوحدة الرواية الواردة في قنوت صلاة الجمعة والرواية المطلقة في الصلاة، فهي من باب اتّحاد الراوي والمروّي، ولكن الذي يُبعّده إطلاق رواية الحَلَبي الأولى - وظهورها وظاهر متنها - عدم التقطيع، ومن ثَمّ أوردها الصدوق في موردَين لا ربْطَ لهما بصلاة الجمعة، وهو القنوت في مطلق الصلاة والقنوت في صلاة الوتر، ولو كانت متضمّنة لتسميتهم في قنوت الجمعة لأوردها في باب صلاة الجمعة، ومن ثُمّ أوردها الشيخ في موضعين في باب كيفيّة الصلاة وصفتها أي: مطلق طبيعي الصلاة، وأوردَ في موضع ثالث في صلاة الجمعة الرواية الثانية هذه.

مع أنّه لو كان السؤال عن خصوص الصلاة عليهم في القنوت يوم الجمعة، لكان الأَولى في تعبير السائل: (أصَلِّي على الأئمّة بأسمائهم؟)، هذا مع أنّ تسميتهم في قنوت صلاة الجمعة أيضاً دالٌ على نفس المؤدّى، من جواز ذِكرهم في الصلاة؛ لأنّ فرض السؤال في الرواية الثانية ليس عن ذِكرهم في خطبَتَي الجمعة، بل عن القنوت في صلاة الجمعة، وهو داخل الصلاة على كلّ حال.

ويظهر من كلام الشيخ في التهذيب: الاعتماد على مفاد الرواية الأولى في مطلق الصلاة، وهذا يؤكّد ويُعزِّز تعدّد الرواية، ثُمّ إنّه هل المراد من الصلاة في الرواية الأولى خصوص التشهّد (أي: الصلاة عليهم في التشهّد)، كما استظهرهُ المراد التفريشي في حاشيته على الفقيه، أو في مطلق الصلاة كما قد يُشعر به كلام المجلسيين، وصريح كلام الوسائل، أو خصوص القنوت كما يظهر من الصدوق في الفقيه، والشيخ في التهذيب، وهل أنّ الأمر بالإجمال عزيمةٌ، أو للتقيّة، أو أنّه الأَولى كما يظهر من الصدوق والشيخ؟

وفي صحيح محمّد بن مسلم (1) الوارد في كيفيّة خطبة الجمعة، مشتمل على الصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعلى الأئمّة بذكر أسمائهم بالتفصيل.

____________________

(1) أبواب صلاة الجمعة: الباب 25، ح1.


وكما مرّ في موثّق سُماعة (1) الواردة في ذلك أيضاً: (ويصلّي على محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعلى أئمّة المسلمين)، وهما وإن كانا واردَين في خُطبتي صلاة الجمعة لا في قنوت الجمعة، إلاّ أنّ خُطبتي الجمعة هما بدل عن الركعتين في أربع الظهر، وهما شرط أو جزء من صلاة الجمعة.

وعلى أيّ تقدير يُفهم منهما عدم العزيمة في الأمر بالإجمال بأسماء الأئمّة، وبالتالي مشروعيّة ذِكر أسماءهم بالتفصيل، وعلى تقدير العزيمة فأيضاً يستفاد مشروعيّة ذِكر أسمائهم بصورة الإجمال في الصلاة وتوابعها كالقنوت، والأذان والإقامة أَولَى بالتبعيّة للصلاة من القنوت، ولاسيّما الإقامة، فقد ورد في رواياتها أنّه في الصلاة.

وقال العلاّمة في منتهى المطلب (2) ، المطلب الثاني عشر: (لا بأس بأصناف الكلام الذي يُناجي بها الربّ تعالى؛ لمَا رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار قال: سألتُ أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يتكلّم في صلاة الفريضة بكلّ شيء يناجي ربّه؟ قال: (نعم)، وعن الحَلَبي قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) أسمّي الأئمّة (عليهم السلام) في الصلاة؟ قال: (أجمِلهم)).

ويظهر منه عموم مشروعيّة ذِكر أسماءهم بالإجمال في أجزاء الصلاة، كما هو الحال في الدعاء، نظير ما تقدّم استظهاره من عبارة الشيخ في التهذيب.

____________________

(1) أبواب الأذان والإقامة: باب 13، ح9، ح10.

(2) منتهى المطلب: ج1، ص310، طبعة قم.


وقال النراقي في المستند (1) - في معرض استدلاله على الصلاة على النبيّ وآله في التشهّد في الصلاة -: ويستفاد من الروايتين الأولى والأخيرة وجوب إضافة الآل أيضاً، كما عليه الإجماعات المحكيّة وتدلّ عليه،... ثُمّ ذَكر صحيحة القدّاح وقال: وصحيحة الحَلَبي (أسمّي الأئمّة في الصلاة؟ قال: (أجمِلهم))، الأمرُ دلّ على الوجوب، ولا وجوب في غير موضع النزاع بالإجماع، ويظهر من كلام النراقي: أنّه استظهرَ انطباق الرواية على الصلاة على النبيّ وآله في التشهّد، وهذا الاستظهار يدعم مفاد الرواية على العموم في أجزاء الصلاة.

فيتحصّل من كلام الشيخ في التهذيب، والنراقي في المستند: أنّ ذِكر أسماءهم بالصلاة عليهم، أو التشهّد بولايتهم في الصلاة، نظير المناجاة والدعاء في الصلاة، أي أنّه من الأذكار الصلاتيّة الخارجة عن الكلام المبطل للصلاة، وبالتالي فيعمّ توابع الصلاة أيضاً من الأذان والإقامة، غاية الأمر يكون من الأذكار المستحبّة في الصلاة، بل إنّ ذلك يظهر من الصدوق أيضاً، حيث بنى على رجحان ذِكرهم في قنوت الصلاة، وكذلك يظهر من عبارة المقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة (2) ، وإن ذَكر الرواية واستشهد بها في خصوص قنوت الجمعة.

والوجه في هذا الاستظهار من كلام الشيخ في التهذيب في موضع آخر - أي استظهار بنائهم على كونه من أذكار الصلاة مطلقاً المستثناة من الكلام المبطل في الصلاة -: هو أنّ ذِكرهم في قنوت الجمعة، أو قنوت مطلق الصلاة، أو صلاة الوتر.

____________________

(1) المستند: ج5، ص331 - 332.

(2) مجمع الفائدة والبرهان: ج2، ص392 - 393.


ثُمّ إنّ القنوت كونٌ صلاتي، فلو أتى المصلّي بأحد مبطلات الصلاة في أثنائها؛ فإنّ ذلك يوجب بطلان الصلاة، فلو بَنينا على أنّ القنوت ليس جزءاً مستحبّاً في الصلاة وأنّه مستحب مستقل ظرفه الصلاة، فإنّ ذلك لا يضرّ بالاستدلال لمَا عرفتَ من أنّ ظرفهُ الكون الصلاتي، هذا فضلاً عمّا لو بُني على أنّه جزء مستحبٌ كما هو مسلك المشهور المنصور، وعلى ذلك فما يُشرّع ذكرهُ في القنوت - أيّ قنوت، أيّ صلاة، ولو صلاة الجمعة (دون خطبتي صلاة الجمعة) - لابدّ أن يكون من الأذكار المساغة بحسب طبيعتها في مطلق طبيعي الصلاة، وإلاّ لكان الإتيان به في القنوت موجِب للكلام الآدمي المبطل للصلاة.

فيتبيّن من ذلك: أنّ رواية الحَلَبي الثانية المتقدّمة - والواردة في خصوص قنوت الجمعة (لا خُطبتي الجمعة) أيضاً - يمكن الاستدلال بها على المطلوب، وهو كون ذِكر أسمائهم (عليهم السلام) سواء بالشهادة بولايتهم أو الصلاة عليهم، من الأذكار الخاصّة بالصلاة.

فتحصّل من ذلك: أنّ ذِكرهم (عليهم السلام) في الصلاة بالصلاة عليهم أو بالتشهّد بولايتهم، من الأذكار الراجحة بالدليل الخاص في باب الصلاة، ومنه يستفاد مشروعيّة الشهادة الثالثة في تشهّد الصلاة، كما سيأتي البحث عن ذلك في القسم الثاني من الكتاب.

ثُمّ إنّه يَدعم ما ذهبَ إليه العلاّمة في المنتهى صريحاً وغيره، ظاهراً من كون ذكرهم (عليهم السلام) من أذكار الصلاة، ما استدلّ به جمهرة (1) من أعلام العصر، وذهبوا إليه من أنّ ذِكر الأئمّة (عليهم السلام) ذِكر لله عزّ وجل، كرواية وموثّقة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما اجتمعَ في مجلس قوم لم يذكروا الله عزّ وجل ولم يذكرونا، إلاّ كان ذلك المجلس حسرةً عليهم يوم القيامة، ثُمّ قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ ذِكرنا من ذِكر الله، وذِكر عدوّنا من ذِكر الشيطان) (2) .

____________________

(1) رسالة سرّ الإيمان للسيّد عبد الرزّاق المقرم: ص78.

(2) الوسائل: أبواب الذكر، باب 3، حديث 3، الكافي: ج2، ص496.


وروى الحَلَبي عن الصادق (عليه السلام) قال: (كلّما ذَكرتَ الله والنبيّ فهو من الصلاة، فإن قلتَ: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقد انصرفتَ) (1).

اللسانُ الثالث: الروايات الواردة المتضمّنة للشهادة الثالثة في دعاء التوجّه

ما ورد من الروايات المتضمّنة للشهادة الثالثة في دعاء التوجّه وفي عدّة روايات، وهي على صيغتين:

1 - ما وردَ في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام:

أ - ما رواه الصدوق في كتابه المقنع في أبواب الصلاة قال: (ثُمّ كبِّر تكبيرتين، وقل: وجّهتُ وجهي للذي فَطر السموات والأرض، عالِم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم على ملّة إبراهيم، ودين محمّد صلّى الله عليه وآله، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) حنيفاً مسلماً....) الحديث (2)، بل رواه في الفقيه أيضاً.

ب - ورواه المفيد (3) في كتابه المقنعة وأفتى به، وكذا الشيخ الطوسي رواه في كتابه الاقتصاد (4) وأفتى به.

____________________

(1) عوالي اللآلي: ج2، ص42، ح104.

(2) المُقنع: ص93، طبع قم، مؤسّسة الإمام الهادي (عليه السلام). الفقيه: 1/ ص304، ح916، في باب وصف الصلاة.

(3) المقنعة: ص13 - 104، طبعة قم، جماعة المدرّسين.

(4) الاقتصاد: ص260 - 261، منشورات جامع جهلستون.


ج - ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري، أنّه كتبَ إلى صاحب الزمان (عليه السلام) يسأله عن التوجّه للصلاة يقول: على ملّة إبراهيم ودين محمّد؟ فإنّ بعض أصحابنا ذَكر أنّه إذا قال: على دين محمّد، فقد أبدعَ؛ لأنّه لم نجده في شيء من كُتب الصلاة، خلا حديثاً في كتاب القاسم بن محمد عن جدّه، عن الحسن بن راشد أنّ الصادق (عليه السلام) قال للحسن: (كيف تتوجّه؟ فقال: أقول: لبيّك وسعديك، فقال له الصادق (عليه السلام): ليس عن هذا أسألك، كيف تقول: وجّهتُ وجهي للذي فطرَ السماوات والأرض حنيفاً مسلماً؟ قال الحسن: أقوله، فقال الصادق (عليه السلام): إذا قلتَ ذلك فقل: على ملّة إبراهيم (عليه السلام)، ودين محمّد، ومنهاج علي بن أبي طالب، والائتمام بآل محمّد حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين).

فأجاب (عليه السلام): التوجّه كلّه ليس بفريضة، والسنّة المؤكّدة فيه التي كالإجماع الذي لا خلاف فيه: (وجّهت وجهي للذي فطرَ السماوات والأرض، حنيفاً مسلماً على ملّة إبراهيم، ودين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهدى علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وما أنا من المشركين، إنّ صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين) (1).

____________________

(1) وسائل الشيعة: أبواب تكبيرة الإحرام والافتتاح، الباب 8، ح3.


و - ما رواه السيّد ابن طاووس عن كتاب ابن خانبه (قال: ويقول بعد ثلاث تكبيرات من تكبيرات الافتتاح.... ثُمّ يكبِّر تكبيرتين، ويقول.... ثُمّ تكبيرتين أخريين ويقول: (وجهتُ وجهيَ للذي فطر السموات والأرض) على ملّة إبراهيم، ودين محمّد، ومنهاج علي صلواتك عليهم حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إنّ صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له، وبذلك أُمرتُ وأنا من المسلمين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) (1).

ورواه أيضاً الميرزا النوري في مستدركه (2).

ن - وكذا ما روي في كتاب فقه الرضا (3) (عليه السلام): (ثُمّ تكبِّر مع التوجّه ثلاث تكبيرات، ثُمّ تقول.... ثُمّ تكبّر تكبيرتين وتقول... ثُمّ تكبِّر تكبيرتين وتقول: (وجّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السموات والأرض، حنيفاً مسلماً على ملّة إبراهيم، ودين محمّد، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم.... لا شريك له، وبذلك أُمرتُ وأنا من المسلمين، اللهم اجعلني من المسلمين، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ثُمّ تقرأ الحمد).

هـ - ما رواه الصدوق أيضاً في الفقيه عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال: قال الصادق (عليه السلام): (وقل:

____________________

(1) فلاح السائل: ص132، طبعة دفتر تبليغات إسلامي.

(2) المستدرك: ج4، ص141، الباب 6 من أبواب تكبيرات الإحرام.

(3) فقه الرضا: ص104، باب الصلوات المفروضة، تحقيق مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام).


(وجّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السموات والأرض على ملّة إبراهيم، ودين محمّد صلّى الله عليه وآله، ومنهاج علي حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إنّ صلاتي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له، وبذلك أُمرتُ وأنا من المسلمين، أعوذُ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم) (1) ، وقال الصدوق في ذيلها: (وإن شئتَ كبّرتَ سبع تكبيرات ولاءً، إلاّ أنّ الذي وصفناه تعبّد، وإنّما جَرَت السنّة في افتتاح الصلاة بسبع تكبيرات؛ لمَا رواه زرارة...).

ي - ما رواه الطوسي أيضاً في مصباح المتهجّد بنفس (2) اللفظ.

وهناك روايات في دعاء افتتاح الصلاة يؤتى به أيضاً بين الإقامة وتكبيرة الإحرام، ومن هذه الروايات:

2 - ما وردَ في دعاء التوجّه قبل تكبيرة الإحرام:

أ - صحيحة معاوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا قُمت إلى الصلاة فقل: اللهمّ إنّي أُقدّم إليك محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم بين يدي حاجتي، وأتوجّه به إليك فاجعلني به وجيهاً عندك في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين، واجعل صلاتي به مقبولة، وذنبي به مغفوراً، ودعائي به مستجاباً، إنّك أنت الغفور الرحيم) (3).

____________________

(1) الفقيه: ج1، ص302 - 304، طبعة جماعة المدرّسين.

(2) مصباح المتهجّد: فصل في سياقه الصلوات الإحدى والخمسين ركعة في اليوم والليلة، ص44 مؤسّسة الأعلمي.

(3) أبواب القيام: الباب 15، استحباب الدعاء المأثور عند القيام إلى الصلاة، ح3.


ب - الصحيح إلى علي بن النعمان عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: مَن قال هذا القول كان مع محمّد وآل محمّد إذا قام قبل أن يستفتح الصلاة: اللهمّ إنّي أتوجّه إليك بمحمّد وآل محمّد وأُقدّمهم بين يدي صلاتي، وأتقرّبُ بهم إليك فاجعلني بهم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين، مَننتَ عليّ بمعرفتهم فاختِم لي بطاعتهم ومعرفتهم وولايتهم؛ فإنّها السعادة، اختم لي بها؛ فإنّك على كلّ شيء قدير، ثُمّ تُصلّي، فإذا انصرفتَ قلتَ: اللهمّ اجعلني مع محمّد وآل محمّد في كلّ عافية وبلاء، واجعَلني مع محمّد وآل محمّد في كلّ مثوى ومنقلب، اللهمّ اجعَل محياي محياهم ومماتي مماتهم، واجعَلني معهم في المواطن كلّها، ولا تُفرِّق بيني وبينهم أبداً، إنّك على كلّ شيء قدير) (1).

وقد أفتى بذلك ابن برّاج في المهذّب (2) ، وابن زهرة (3)، والديلمي (4).

اللسانُ الرابع: الروايات الواردة في تشهّد وتسليم الصلاة

ما وردَ في التشهّد وتسليم الصلاة، فقد روى الصدوق في الفقيه (5) في السلام قال: (قل في تشهّدك: (بسم الله وبالله والحمد لله.... وأشهد أنّ ربّي نِعمَ الرب، وأنّ محمّداً نِعمَ الرسول أُرسل، وأشهدُ أنّ ما على الرسول إلاّ البلاغ المبين، السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام على محمّد بن عبد الله خاتم النبيين، السلام على الأئمّة الراشدين المهديين، السلام على جميع أنبياء الله ورسله وملائكته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)) ويجزيك في التشهّد الشهادتان.

____________________

(1) أبواب القيام: الباب 15، ح2.

(2) المهذّب: ج1، ص92.

(3) غُنية النزوع: ص83.

(4) المراسم العَلَويّة: 71.

(5) الفقيه: ج1، باب وصف الصلاة من فاتِحتها إلى خاتِمتها، ص319.


وروى في المقنعة (1) نظير ذلك، وروى في الفقه الرضوي علي بن بابويه قال: (فقل في تشهّدك: (بسم الله وبالله والحمد لله.... أشهدُ أنّك نِعم الربّ، وأنّ محمّداً نِعم الرسول، وأنّ عليّاً نِعم المولى، وأنّ الجنّة حق، والنار حق..... اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى، وعليّ المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن والحسين، وعلى الأئمّة الراشدين من آل طه وياسين.

اللهمّ صلِّ على نورك الأنور، وعلى حبلك الأطول، وعلى عروتك الأوثق، وعلى وجهك الأكرم، وعلى جنبك الأوجب، وعلى بابك الأدنى، وعلى مسلك الصراط، وعلى مسلك الهاديين المهديّين الراشدين الفاضلين الطيبين الطاهرين الأخيار الأبرار.... السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيّبين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) (2).

وقد اعتمدَ رواية علي بن بابويه النراقي في المستند سواء في صيغة التشهّد أو صيغة الصلاة منه، وكذا صيغة السلام، فلاحظ ما ذكره في المستند (3) .

وكذلك اعتمد الميرزا النوري رواية علي بن بابويه في المستدرك (4) ، ولم يرد عليها بشيء.

____________________

(1) المقنعة: ص96، طبعة قم.

(2) فقه الرضا: ص108.

(3) مستند الشيعة: ج5، ص334 - 336.

(4) مستدرك الوسائل: أبواب التشهّد، باب 2، ج5، ص6.


وفي موثّقة (1) أبي بصير وغيرها - حيث أفتى بمضمونها المشهور، كما أشار إلى ذلك النراقي في المستند (2) - حيث ورد فيها: (اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، وبارِك على محمّد وعلى آل محمّد، وسلِّم على محمّد وعلى آل محمّد، وترحّم على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت وباركت وترحّمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد).

والتقابل بين آل محمّد وآل إبراهيم إشارة إلى الاصطفاء، ونيل عهد الإمامة المشار إليه في الآيات (3) الكريمة، وقد تقدّم في الطائفة الأولى بعض الصِحاح، كصحيح الحَلَبي الذي استظهرَ منه النراقي أنّه وارد في التشهّد في الصلاة على النبيّ وآله، وذَكر أسمائهم بالتفصيل، وقد اعتمدَ في الفتوى كما مرّ.

اللسانُ الخامس: الروايات الواردة في قنوت صلاة العيد

ما ورد في دعاء قنوت صلاة العيد، ممّا رواه الشيخ في التهذيب عن بشير بن سعيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (تقول في دعاء العيدين بين كلّ تكبيرتين: الله ربّي أبداً، والإسلام ديني أبداً، ومحمّد نبيّي أبداً، والقرآن كتابي أبداً، والكعبة قبلتي أبداً، وعلي وليّي أبداً، والأوصياء أئمّتي أبداً، وتُسميّهم إلى آخرهم، ولا أحد إلاّ الله) (4).

____________________

(1) الوسائل: أبواب التشهّد، باب 3، ح2.

(2) مستند الشيعة: ج5، ص334- 336.

(3) آل عمران: آية 33 - 34، البقرة: 124 - 128، إبراهيم: 37 - 4.

(4) أبواب صلاة العيد: الباب 26، ح4.


أقول: يَعضد مضمون هذه الرواية، ما ورد في صحيح محمّد بن مسلم عن أحدهما، قال: سألتهُ عن الكلام الذي يتكلّم به فيما بين التكبيرتين في العيد قال: (ما شئتَ من الكلام الحسن) (1).

فإنّه يدلّ على أنّه ليس في قنوت العيدين شيء مؤقّت، معتضداً بما في صحيح أبي الصباح وغيره، من ذِكر مُجمل العقائد الحقّة من دون الاقتصار على الشهادتين فقط.

____________________

(1) أبواب صلاة العيد: الباب 26، ح1.


الطائفةُ الثامنة

الرواياتُ العامّة لاستحباب اقتران الشهادات الثلاث

وهي على طوائف عديدة جدّاً متكاثرة بعدد كبير، سيأتي استعراضها في الفصل الثاني في طوائف الروايات العامّة؛ لبيان الوجه الثاني والثالث في الشهادة الثالثة في الأذان، وهو: بيان الندبيّة الخاصّة أو العامّة، وتلك الطوائف من الروايات وإن كانت محطّ الدلالة فيها ابتداءً هو رجحان الاقتران بين الشهادات الثلاث، ومن ثُمّ تُصاغ فذلكة دلالتها للندبيّة الخاصّة أو العامّة، إلاّ أنّه - بضميمة جملة من القرائن الأخرى - يمكن صياغة فَذلكة الدلالة فيها، بتقريبٍ يجعلها من الطوائف الخاصّة الدالّة على الشهادة الثالثة في الأذان.

والذي يَعنينا في المقام ليس استعراض متون تلك الروايات؛ فإنّها آتية إنشاء الله في الفصل الثاني، بل المهمّ في المقام هو بيان فذلكة دلالتها، مع القرائن في صياغة الدلالة الخاصّة لها على الشهادة الثالثة في الأذان، بعد الفراغ من مفادها الأوّلي من كونها دالّة على رجحان الاقتران بين الشهادات الثلاث، والفراغ من كون الاقتران متعلّقاً للطلب الشرعي الأكيد، والذي سيأتي بيانه في الفصل اللاحق.

أمّا تقريب فَذلكة الدلالة الخاصّة مع القرائن فهي على نحوين:

الأوّل: أنّ هذه الطوائف بمجموعها مؤدّاها: أنّ التشهّد والإقرار حقيقة شرعيّة في الشهادات الثلاث مقترنة - مضافاً إلى أنّ الأصل في الأشياء وجودها الحقيقي الواقعي لا الظاهري التنزيلي - والحال في التشهّد كذلك؛


فإنّ عموم حقيقته ذلك إلاّ ما استثنيَ في مورد الدخول في الإسلام الظاهري من الاكتفاء بالشهادتين، وإنّ هذا الاقتران في معنى الإقرار بالشهادة قد صدرَ في جملة من الموارد، أبانها وأبلغها النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لجملة من الصحابة، وعلى ذلك فتكون تلك الطوائف مفسِّرة لعنوان التشهّد والشهادة المأخوذ في الأذان، بل وكذلك في التشهّد المأتي به في وسط الصلاة.

الثاني: أنّ الحثّ الشديد على الاقتران بين الشهادات الثلاث في مواطن متعدّدة عام لكلّ حال، وأهمّ تلك الأحوال: هو الأذان؛ لأنّه وجهَ العبادة ومحورها، كما يشهد لذلك استحباب اقتران الصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلّما ذَكره ذاكر، وأبرز تلك الأحوال: هو الأذان، كما دلّ على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: (وصلِّ على النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلّما ذكرتهُ، أو ذَكره ذاكر في أذان أو غيره) (1)، وكما في الصحيحة إلى صفوان بن يحيى عن الحسين بن يزيد (زيد)، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ما من قوم اجتمعوا في مجلس فلم يذكروا اسم الله عزّ وجل، ولم يصلّوا على نبيّهم، إلاّ كان ذلك المجلس حسرةً ووبالاً عليهم) (2) .

ولا ريبَ أنّ مكان الإقامة هو مجلس يشمله هذا العموم، وبهذا التقريب يُقرّب مفاد موثّق أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما اجتمعَ قوم في مجلس لم يذكروا الله عزّ وجل ولم يذكرونا، إلاّ كان ذلك المجلس حسرةً عليهم يوم القيامة، ثُمّ قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ ذِكرنا من ذِكر الله، وذِكر عدوّنا من ذِكر الشيطان) (3) .

____________________

(1) أبواب الأذان والإقامة: الباب 42، الحديث 1.

(2) أبواب الذكر: الباب 3، ح2.

(3) أبواب الذكر: 3، حديث 3.


وهذا الموثّق في الدلالة يُبرز اقتران ذِكرهم بذكر الله في المجالس، وأبرزها الأذان كما في صحيح زرارة المتقدّم.

ومن القرائن التي يُفهم منها اللحن والإيماء إلى ذِكرها في الأذان والإقامة: أنّه يُفهم من تلك الطوائف أنّ السُنّة الإلهيّة في دوام مقارنة الولاية، وإمرة أمير المؤمنين بالتهليل والرسالة في كلّ المواطن البالغة الشرف والمنزلة: كخلق العرش، والكرسي، واللوح، والقلم، والسماوات، والأرض، والبحار، والجبال، وأبواب الجنّة، وعلى الصراط، والمسألة في القبر، وعند الميزان، ونشر الكتب، وأخذ العهد والإقرار من النبيّين والمرسلين بثلاثة أمور، أي: الشهادات الثلاث، والدعاء والتوسّل في المِحن والابتلاءات حتّى من الأنبياء وأولي العزم، ونَدب عامّة المكلّفين إلى ذلك.

وكذا ميثاق الفطرة التي فطرَ الناس عليها بخلقهم عليها وعالَم الذرّ، وأخْذَ الرسول الإقرار بالشهادة الثالثة مقترنة بالشهادتين في مواطن متعدّدة من المسلمين، كغدير خُم وغيره، وكلّ ذلك يشهد بالسنّة الإلهيّة في اقتران الشهادات الثلاث في الموارد الشعاريّة، فهذا اللسان المؤكِّد على هذه السُنّة الإلهيّة الراسخة، بضميمة حكومة التقيّة على ظروف صدور النص، بحيث يخشى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من البوح بأصل الإمامة في واقعة الغدير كمنصب إلهي، فضلاً عن التصريح بها في الأذان والإقامة على الظاهر المكشوف، مع توصيتهم شيعتهم بالتقيّة، ومن ثُمّ ورد في بعض الروايات في الشهادة الثالثة في الأذان - التي أشار إليها الصدوق والشيخ - ذِكر الولاية سرّاً في النفس عند الأذان، كما أفتى بذلك ابن برّاج في المهذّب، والشهيد في الذكرى كما مرّ.


فيتحصّل: أنّ التأكيد في السُنّة الإلهيّة في اقتران الشهادات الثلاث تعريض بذكرها، بالخصوص في مثل شعيرة الأذان والإقامة، بل إنّ في بعضها ذَكر أنموذج منه مشتمل على ندب تكرار الشهادة الثالثة بعد تكرار الشهادتين، وعلى أن يكون تكرارها بعد الفراغ من تكرارهما، كما هو الحال في صورة فصول الأذان، وهذا التماثل في الصورة تعريض في إتيانهما في الأذان، ومثل ذلك التعبير في جملة منها بالنداء في الشهادات الثلاث، والنداء هو معنى الأذان بلفظ مرادف لغةً.

وقفةٌ مع كاشف الغطاء (قدِّس سرّه)

قال الشيخ جعفر كاشف الغطاء في كتابه (1): (وليس من الأذان قول: أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله، وأنّ محمّداً وآله خير البريّة، وأنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً مرّتين مرّتين؛ لأنّه من وَضع المفوِّضة (لَعنهم الله) على ما قاله الصدوق، ولمَا في النهاية، وما روي من أنّ عليّاً وليّ الله، وأنّ محمّداً وآله خير البشر أو البريّة، من شواذ الأخبار لا يُعمل عليه، وما في المبسوط، وحكى قوله وقول المنتهى، ثُمّ قال: (ثُمّ إنّ خروجه من الأذان، من المقطوع به لإجماع الإماميّة من غير نكير، حتّى لم يذكره ذاكر بكتاب ولا فاه به أحد من قُدماء الأصحاب؛ ولأنّه وضِع لشعائر الإسلام دون الإيمان، ولذا تُرك فيه ذِكر باقي الأئمّة (عليهم السلام)؛

____________________

(1) كشف الغطاء: الشيخ جعفر كاشف الغطاء، ج3، ص143 - 145، طبعة مكتب الإعلام الإسلامي، فرع مشهد.


ولأنّ أمير المؤمنين حين نزوله كان رعيّة للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلا يُذكر على المنابر؛ ولأنّ ثبوت الوجوب للصلاة المأمور بها موقوف على التوحيد والنبوّة فقط، على أنّه لو كان ظاهراً في مبدأ الإسلام، لكان في مبدأ النبوّة من الفترة ما كان الختام، ومَن حاول جعله من شعائر الإيمان، فألزمَ به لذلك يلزم ذِكر الأئمّة (عليهم السلام)، وقد أُمرَ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مكرّراً من الله في نصبه للخلافة، والنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يستعفي حذراً من المنافقين حتّى جاءه التشديد من ربّ العالمين؛ ولأنّه لو كان من فصول الأذان لنُقل بالتواتر في هذا الزمان، ولم يُخف على أحد من آحاد نوع الإنسان؛ وإنّما هو من وَضع المفوّضة الكفار المستوجبين الخلود في النار.

ولعلّ المفوّضة أرادوا أنّ الله تعالى فوّض الخلق إلى علي (عليه السلام) فساعَده على الخلق، فكان وليّاً ومُعيناً فمَن أتى بذلك قاصداً به التأذين، فقد شرّعَ في الدين، ومَن قصده جزءاً من الأذان في الابتداء بطل أذانه بتمامه، وكذا كلّما انضمّ إليه في القصد صحّ ما عداه، ومَن قَصد ذِكر أمير المؤمنين (عليه السلام) لإظهار شأنه، أو لمجرّد رجحانه لذاته، أو مع ذِكر ربّ العالمين، أو ذِكر سيّد المرسلين، كما روي ذلك فيه وفي باقي الأئمّة، أو الردّ على المخالفين وإرغام أنوف المعاندين، أُثيبَ على ذلك، لكنّ صفة الولاية ليس لها مزيد شرفيّة لكثرة معانيها، فلا امتياز لها إلاّ مع قرينة إرادة معنى التصرّف والتسلّط فيها، كالاقتران مع الله ورسوله والأئمّة في الآية الكريمة ونحوه؛ لأنّ جميع المؤمنين أولياء الله، فلو بدّل بالخليفة بلا فصل - أو بقول أمير المؤمنين، أو يقول حجّة الله تعالى، أو يقول أفضل الخلق بعد رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونحوها - كان أولى وأبعد عن توهّم الأعوام (العامّة) أنّه من فصول الأذان.


ثُمّ قول: وأنّ عليّاً وليّ الله مع ترك لفظ أشهد، أبعد عن الشبهة، ولو قيل بعد ذِكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): صلّى الله على محمّد سيّد المرسلين، وخليفته بلا فصل عليّ وليّ الله أمير المؤمنين، لكانَ بعيداً عن الإيهام وأجمع لصفات التعظيم والاحترام، ثُمّ الذي أنكرهُ المنافقون يوم الغدير ومَلأ من الحسد قلوبهم، النصّ من النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليه بإمرة المؤمنين، وعن الصادق (عليه السلام): (مَن قال لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، فليقل علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويجري في وصفه في الإقامة نحو ما جرى في الأذان)).

أقول: في كلامه (قدِّس سرّه) عدّة مواضع للنظر:

الأوّل: قوله: (إنّه - أي الأذان - وضِع لشعائر الإسلام دون الإيمان، ولذا تُرك فيه ذِكر باقي الأئمّة (عليهم السلام)).

ففيه:

أ - إنّه قد تقدّم في مصحّح الفضل بن شاذان فيما ذُكر من عِلل الأذان عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال: (إنّما أُمرَ الناس بالأذان لعِلل كثيرة... ويكون المؤذِّن... مُقرّاً له بالتوحيد، تجاهراً بالإيمان، مُعلناً بالإسلام... وجَعل بعد التكبير الشهادتان؛ لأنّ أوّل الإيمان هو التوحيد والإقرار لله بالوحدانية، والثاني الإقرار للرسول بالرسالة... ولأنّ أصل الإيمان إنّما هو الشهادتان؛... لأنّ أصل الإيمان إنّما هو الإقرار بالله ورسوله) (1) .

ففي هذا المصحّح: تصريح بأنّ الأذان نداء وشعار للإيمان أيضاً، لا خصوص ظاهر الإسلام، كما أنّ التعبير المتكرِّر فيها بأنّ الشهادتين أوّل وأصل الإيمان، صريح في إرادة معنى الإيمان المقابل لظاهر الإسلام،

____________________

(1) أبواب الأذان والإقامة: باب 17، ح 14.


وبالتالي فيندرج فيه الشهادة الثالثة بعد كون الأذان جهراً بالإيمان، ونظيره مصحّح محمّد بن سنان عن الرضا (عليه السلام) - في حديث -: (لأنّ التهليل إقرار لله تعالى بالتوحيد، وخلع الأنداد من دون الله، وهو أوّل الإيمان وأعظم من التسبيح والتحميد).

وأيضاً ما رويَ في العِلل عن محمّد بن أبي عمير، أنّه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن حيّ على خير العمل لِمَ تُركت من الأذان؟ قال: (تريد العلّة الظاهرة أو الباطنة؟ قلت: أريدهما جميعاً، فقال: أمّا العلّة الظاهرة فلئلاّ يدع الناس الجهاد اتّكالاً على الصلاة، وأمّا الباطنة؛ فإنّ خير العمل الولاية، فأرادَ من أمْر بترك حيّ على خير العمل من الأذان أن لا يقع حثٌ عليها ودعاء إليها) (1) .

وهذه المصحّحة صريحة أيضاً في أنّ الأذان دعاءً ونداءً للولاية والإيمان.

ب - إنّه قد تقدّم (2) أنّ كمال الدين، وشرط الإخلاص، وشرط التهليل، وشرط الشهادتين: هو الإقرار بالشهادة الثالثة وكما في قوله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) (3).

ج - إنّ ذِكر أمير المؤمنين مفتاح ذِكر الأئمّة (عليهم السلام)، كما أنّ في جملة من روايات الفريقين والآيات الدالّة على ولاية أهل البيت، اقتُصر فيها على أمير المؤمنين لا من باب الحصر؛ وإنّما هو رمز لأهل البيت الإثنى عشر.

الثاني: قوله: (ولأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) حين نزوله كان رعيةً للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلا يُذكر على المنابر).

____________________

(1) أبواب الأذان والإقامة: الباب 19، ح 16.

(2) في طوائف الروايات العامّة.

(3) المائدة: 3.


ففيه: كونه رعيةً للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا ينافي ذلك، أليس قد جاءت الآيات: ( أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، وقوله تعالى: ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ الله وَرَسُوله وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، وغيرها من الآيات التي مفادها ولايته (عليه السلام) ووجه ذلك: أنّ الخطاب هو للأمّة في طول طاعة وولاية الله ورسوله.

الثالث: قوله (قدِّس سرّه): (ولأنّ ثبوت الوجوب للصلاة المأمور بها موقوف على التوحيد والنبوّة فقط).

ففيه: أنّ ذلك مبنيّ على عدم تكليف الكفار بالفروع، وإلاّ فلا توقّف للتكليف في الفروع على الشهادتين، مضافاً إلى أنّ صحّة الصلاة عند المشهور أو قبولها مبنيّ على الولاية كما هو مقتضى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) .

الرابع: قوله (قدِّس سرّه): (إنّه لو كان ظاهراً في مبدأ الإسلام، لكان في مبدأ النبوّة من الفترة ما كان في الختام - إلى أن قال - ولأنّه لو كان من فصول الأذان، لنُقل بالتواتر في هذا الزمان ولم يُخف الخ).

ففيه: أنّه قد اعترف بممانعة المنافقين والحاسدين عن تنصيبه (صلوات الله عليه وآله) له (عليه السلام) في عدّة مواطن ومواقف، وهو السبب في عدم الأمر بها في الأذان، لاسيّما وأنّه يؤتى به في اليوم خمس مرّات، ومع ذلك لم يسلم الأذان كغيره من سُنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من قِبَل الثلاثة وبني أميّة، كما قد حَذفوا منه حيّ على خير العمل، فقد قال ابن الجنيد: (رويَ عن سهل بن حنيف، وعبد الله بن عمر، والباقر، والصادق (عليهما السلام) أنّهم كانوا يؤذِّنون بـ (حيّ على خير العمل).


وفي حديث ابن عمر، أنّه سمعَ أبا محذورة ينادي بـ (حيّ على خير العمل) في أذانه عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعليه شاهَدنا آل الرسول، وعليه العمل بطبرستان، واليمن، والكوفة ونواحيها، وبعض بغداد) (1) .

وقال الصدوق في الفقيه (2) ، قال الصادق (عليه السلام): (كان اسم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الأذان، وأوّل مَن حَذفه ابن أروى).

وحديث الدار (3) رواه الفريقان عند نزول قوله تعالى: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ، وهو حديث نَصب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليّاً (عليه السلام) أخاً، ووارثاً، ووزيراً، ووصياً، وخليفةً في بدء النبوّة، دال على نصبه (عليه السلام) منذ مبدأ الإسلام، ثُمّ إنّنا قد ذكرنا في المدخل في مبدأ السيرة على التأذين، أنّ بِدءها عند الصحابة، ثُمّ من بعدها عند رواة الأئمّة، وسيأتي في الفصل اللاحق استعراض لتلك السيرة.

الخامس: قوله (قدِّس سرّه): (ولعلّ المفوّضة أرادوا أنّ الله تعالى فوّض الخلق إلى علي (عليه السلام)، فَساعَده على الخلق، فكان وليّاً ومُعيناً).

ففيه: إنّ دعوى إرادة ذلك المعنى عند الرواة لروايات جزئيّة الشهادة الثالثة في الأذان، تحكّم بارد، وإلاّ لكان القارئ للآيات الناصّة على ولايته منهم بالتفويض أيضاً، وهذا توجيه عليل؛ لمَا ذَكرنا من احتمال التقيّة في كلام الصدوق، ولذلك شواهد قد تقدّمت.

السادس: قوله (قدِّس سرّه): (لكنّ صفة الولاية ليس لها مزيد شرفيّة؛ لكثرة معانيها...).

____________________

(1) الذكرى: ج3، طبعة مؤسّسة أهل البيت.

(2) الفقيه: ج1، ص 195، ح 913.

(3) البحار: ج18، ص 178.


ففيه: إنّ المروي المشار إليه في كلامَي الصدوق، والشيخ، والفاضلين، والشهيد، ليس خصوص ذلك، بل بالإمرة للمؤمنين أيضاً، مضافاً إلى أنّ الولاية بقول مطلق تعني المتابعة المطلقة بأيّ معنى فُسّرت، لازم الإطلاق في كلّ تلك المعاني، هو السلطة والطاعة والإمامة، كما هو الحال في آيات الولاية المشار إليها.

السابع: إنّ قوله: (إنّ خروجه من الأذان من المقطوع به لإجماع الإماميّة من غير نكير، حتّى لم يذكره ذاكر بكتاب، ولا فاهَ به أحد من قُدماء الأصحاب).

ففيه: إنّ ما زَعمهُ (قدِّس سرّه) بسبب عدم وقوفه مليّاً بتدبّر، وعدم استقصاء لكلّ كلمات المتقدّمين، فقد عرفتَ فتوى السيّد المرتضى في المبافارقيات، وابن برّاج في المهذّب، والشهيد في الذكرى بذلك، بل عرفتَ بالتدقيق فتوى الشيخ في المبسوط، بمضمون روايات الجزئيّة بعين لفظ فتواه بروايات اختلاف عدد فصول الأذان، مضافاً إلى اعتراف الشيخ والصدوق - كما مرّ تفسير كلامهما - برواية طبقات الرواة لهذه الروايات، ممّا يعني تبنّيهم لمضمونها، كما هو ديدن الرواة للرواية إذا رووها من دون ردّ لها ولا تعقيب، وكذلك يظهر ذلك من العلاّمة والشهيد، وأنّ فتاوى القدماء هو دعم للسيرة المعاصرة لهم من الشيعة، الذين كانوا في اصطدام حادّ مع جماعة سنّة الخلافة في بغداد وغيرها من المُدن الإسلاميّة في البلدان.


الجهةُ الثانية

البحثُ في مقتضى قاعدة شرطيّة الولاية والإيمان

في صحّة الأعمال والعبادات لشرطيّة الشهادة الثالثة في الأذان.

أمّا مفاد القاعدة فالبيان الأوّل في تقريرها: فهو أنّ إتيان العبادات لابدّ في صحّته من شرطيّة اعتناق ولاية أهل البيت، وأنّ مَن لا يعرف الإمام منهم (عليهم السلام)؛ فإنّما يعرف ويعبد غير الله، كما في معتبرة (1) جابر عن أبي جعفر (عليه السلام)، وأنّه لا حجّ ولا صوم إلاّ للموالي لهم (عليهم السلام)، كما في جملة من الروايات (2) .

وفي صحيح بُريد بن معاوية العِجلي أنّ: (كلّ عملٍ عمله وهو في حال نَصبه وضلالته، ليس عليه قضاؤه، إذا منَّ الله عليه وعرّفه بالولاية فإنّه يؤجر عليه، إلاّ الزكاة فإنّه يعيدها؛ لأنّه وَضعها في غير موضعها) (3).

فهي من الشرائط العامّة في صحّة العبادات، كما ذهب إلى ذلك المشهور شهرةً عظيمة، بل إنّ بعض مُتأخّري العصر المُحتملين لكون الولاية شرط قبول الأعمال، لم يُسوّغوا نيابة غير المؤمن في الحجّ وقضاء الصلاة والصيام وغيرها مِن العبادات عن المؤمن،

____________________

(1) أبواب مُقدّمة العبادات: باب 29، حديث 6.

(2) نفس الباب من أبواب مُقدّمة العبادات.

(3) أبواب مُقدّمة العبادات: باب 31، ح1.


بل في خصوص المقام في مُوثّق عمّار الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال سُئل عن الأذان هل يجوز أنْ يكون من غير عارف؟ قال: (لا يستقيم الأذان، ولا يجوز أنْ يؤذِّن به إلاّ رجلٌ مُسلمٌ عارف، فإن عَلم الأذان وأذّن به ولم يكن عارفاً، لم يُجزِ أذانه، ولا إقامته، ولا يُقتدى به) (1).

أقوالُ العُلماء:

قال العلاّمة الحلّي في المُنتهى (2) بعد أنْ أوردَ هذا الموثّق: (وهذا حُكمٌ مُتّفق عليه بين أهل العِلم، مع أنّ الغلام غير البالغ يُجتزأ بأذانه، ذهب إليه العُلماء أجمع كما في المنتهى أيضاً، ودلّت عليه النصوص كما في صحيحة (3) عبد الله بن سنان.

وقال في الدروس: (ويُعتدّ بأذان المُميّز لا غيره، وبأذان الفاسق خلافاً لابن جُنيد، لا بأذان المُخالف) (4).

أقول: فمضافاً إلى ما تقدّم مِن روايات الأصحاب، أنّ الولاية لعليّ (عليه السلام) والأئمّة شرطٌ في صحّة الأذان، كما هو الحال في سائر العبادات، والنصّ المُتقدّم آنفاً صريحٌ في نفي الصحّة وعدم الاعتداد، والتولّي مِن سنخ النيّة؛ وذلك لكونه فعلاً قلبيّاً، والنيّة - كما هو مُحرّر في بحث التعبُّدي والتوصُّلي في مباحث الأصول - هي روح العبادة، وبمنزلة الصورة والفصل كمادّة العبادة وجسمها،

____________________

(1) أبواب الأذان والإقامة: باب 26، ح1.

(2) مُنتهى المطلب: ج4، ص395.

(3) أبواب الأذان والإقامة: باب 32، ح1.

(4) الدروس: ج1، ص164.


فهي التي تُنوّع الفعل وتُصيّره عبادة وطاعة لله، وذلك يقتضي أنّ الإقرار بالتكبير والتشهّد بالشهادتين، الذين هما طبيعتان مأخوذتان كجزء في رتبة سابقة على ماهيّة الأذان، وهاتان الطبيعتان لا تتحقّق طبيعتهما كعبادة ذاتيّة في رتبة سابقة على طبيعة الأذان، إلاّ بالاقتران بولاية علي وولده والتولّي له (عليه السلام)، وكما يتقوّم بعقد القلب يتقوّم بالإقرار اللساني، وبالتالي يتبيّن أنّ عباديّة الشهادتين في الأذان مأخوذة فيها الاقتران بالشهادة الثالثة.

وببيان ثانٍ: إنّ التصريح والإيجاد والإنشاء للشرط في ضمن المشروط، ليس يخلّ بصحّة المشروط، بل يزيده صحّةً وتماميّة، نظير التلفظ بالنيّة؛ فإنّه إبراز للشرط وتأكيد في وجوده الدخيل في صحّة المشروط، ومقتضى وفاق الأصحاب على شرطيّة الولاية في صحّة الأذان وعباديّته: هو مشروعيّة التصريح به مع المشروط، ولك أن تقول: إنّ الأذان متكوّن من أجزاء متعدّدة فيها التكبير والتهليل والإقرار بالشهادتين، وهُنّ عبادات قد أُخذت الولاية في صحّتها، والموجِد للولاية حدوثاً وبقاءً وتأكيداً هو: الإقرار بالولاية وبالتالي يقترن مع الشهادتين.

إن قلتَ:

1- إنّ غاية هذا الوجه شرطيّة الشهادة الثالثة لا جزئيّتها.

2- إنّ الولاية عند جماعة من متأخّري العصر، شرط في القبول لا شرط في الصحّة.

3- إنّ الشرط هو الولاية القلبيّة لا الإقرار اللساني، وغاية كون الإقرار باللسان من مقوّمات الولاية هو جواز التلفّظ لا استحبابه، كما هو الحال بالتلفّظ بالنيّة.


قلتُ:

أمّا الأوّل: لا ضيرَ في الشرطيّة بعد كونها نحو دخالة للشيء في ضمن المركّب، وبالتالي يكون الشرط جزءاً عقليّاً.

وأمّا الثاني: فلا ضيرَ في كونها شرط القبول أيضاً؛ لأنّه لا يقل عن شرط الكمال كالأجزاء المستحبّة، بل هو شرط مُلزم وإن لم يكن شرط صحّة بمقتضى لزوم الولاية، مع أنّ الصحيح هو ما عليه المشهور من كون الولاية شرطاً في الصحّة؛ لأنّ الصحّة تُلازم أدنى درجات القبول، فمعَ نفي طبيعة القبول بجميع أفرادها تنتفي الصحّة، وتفصيل الكلام في ذلك حرّرناه في مسألة (اشتراط إيمان النائب في الحج) (1)، مضافاً إلى خصوص الأدلّة في المقام الدالّة على شرطيّة الإيمان في صحّة الأذان.

وأمّا الثالث: فالتلفّظ بالنيّة قد ثبتَ رجحانه في أعمال الحج بالنصّ الخاص (2) ، وكذا في النيابة في الحج، وقد استفاد جماعة من ذلك رجحان التلفّظ بها في بقيّة العبادات، لاسيّما وأنّه موجِب لتأكيد حضور النيّة واستحضار الداعي، والجواز في العبادات لا ينفك عن الرجحان العام وإن لم يكن خاص، بل في المقام أنّ التلفّظ بالشهادة الثالثة سببٌ لإنشاء الولاية التي هي شرط، وإن كان بنحو التأكيد بقاءً بعد الفراغ عن الاكتفاء بحدوثه ولو مرّة، إلاّ أنّ الأفراد المتكرّرة منه مؤكِّدة لبقاء الوجود للولاية، كما هو الحال في تكرّر الإقرار بالشهادتين، فتحصّل وجه مستقل عن النصوص الخاصّة والعامّة لبيان دخالة الشهادة الثالثة في الأذان، بحسب مقتضى القاعدة بعد شرطيّة الولاية في صحّة الأذان لكون الإقرار بها مقوِّم لها.

____________________

(1) لاحظ سند العروة: كتاب الحج، ج1، ص235.

(2) الوسائل: أبواب الإحرام، باب 16 - 17.


وببيان ثالث: بعد اتّفاق المشهور على أنّ التلفّظ بالشهادة الثالثة من أحكام الإيمان، وأنّ دخالة سببيّتها للإيمان كدخالة سببيّة الشهادتين في الإسلام، هذا بضميمة ما ذهبَ إليه مشهور علماء الإماميّة: من أنّ الولاية والإيمان شرط في صحّة العبادات والثواب على سائر الأعمال، وهو شرط في قبولها، كما مالَ إليه جملة من متأخّري العصر.

ومقتضى النقطتين المتقدّمتين: كون الشهادة الثالثة شرطاً وضعيّاً في الأذان والإقامة كعملٍ عباديٍّ، إمّا شرط صحّةٍ أي: شرط وضعي لزومي في صحّتهما على قول المشهور، وإمّا شرط في القبول أي: شرط وضعيٌّ كماليٌّ فيهما، وهذا الشرط لابدّ في تحقّقه من الإقرار باللسان، وهو التلفّظ بالقول بالشهادة الثالثة، ومن ثَمّ عبّر الفقهاء عن الشهادة الثالثة في الأذان بأنّها من أحكام الإيمان أي سببٌ للإيمان، ولو في ضمن الأفراد المكرّرة المتلاحقة من الإقرار بالولاية، كما هو الحال في التهليل والإقرار بالرسالة كوِردٍ متكرّر بالنسبة للإسلام.

وحيث يكون الإيمان والولاية شرط وضعيٌّ ولزوميّ في الصحّة، أو كماليٌّ في الصحّة، كما هو طبيعة شرائط القبول، إذ هي دخيلةٌ في كمال الملاك والمصلحة المترتّبة، وهو معنى الشرط المستحبّ الوضعي والندبي في ماهيّة العمل، أي لابدّ أن يكون شرط القبول المقارن للعمل منسجماً وملائماً لماهيّته، كما هو مقرّر في المركّبات الاعتباريّة، فلابدّ أن يكون شرطاً وضعيّاً ندبيّاً، فضلاً عن امتناع كونه مانعاً عن الصحّة، هذا لو كانت الولاية شرط القبول.

وأمّا لو كانت شرط صحّة، فاشتراط الشهادة الثالثة - التي هي موجِب وسبب للولاية في العبادة، كالأذان والصلاة - أوضح وأبيَن.


نعم، المجيء بهذا الفرد - من الشهادة الثالثة المُقارن للأذان بعد تحقّقه فيما سبق - يكون من باب تكرير السبب، ومنه يتّضح أنّ المشهور القائل بالجواز للشهادة الثالثة في الأذان، وأنّها من أحكام الإيمان أي: راجحة لسببيّتها للإيمان، والإيمان لديهم شرط في الصحّة، فلا محالة يستلزم ذلك القول منهم بأنّها راجحة ندبيّة بالخصوص في الصحّة على أقلّ تقدير، وكذلك الحال عند مَن قال بأنّ الإيمان شرط في القبول.

وببيانٍ رابع: إنّ مقتضى قوله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ) (1) : هو أنّ الشهادة الثالثة مُكمّلة للشهادتين، كما أنّ مقتضى اشتراط الرضا والقبول للإسلام بالولاية في الآية هو اشتراط الولاية في الرضا والقبول بالصلاة، فالأذان الذي هو نداء للصلاة ودعوة إليها، وأنّها الفلاح، وأنّها خير العمل، إذا كانت مقرونة بالولاية وإلاّ فهي مردودة، كما لو كانت بلا توحيد ولا نبوّة فإنّها مردودة أيضاً، وسيأتي في الروايات ما يشير إلى ذلك.

ورويَ في تفسير العسكري (عليه السلام) قال: (وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إنّ العبد إذا توضّأ فَغَسل وجههُ تناثرت ذنوب وجهه... وإن قال في آخر وضوئه، أو غسله من الجنابة: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهدُ أن لا إله إلاّ أنت، أستغفركَ وأتوبُ إليك، وأشهدُ أنّ محمّداً عبدك ورسولك، وأشهدُ أنّ عليّاً وليّك وخليفتك بعد نبيّك، وأنّ أوليائه خلفائك وأوصيائه...) (2) الحديث.

____________________

(1) المائدة: 3.

(2) تفسير الإمام العسكري: ص239، البحار: ج80، ص317.


أقول: وهذه الرواية صريحة في أنّ الإقرار بالولاية ضمن العبادات، يؤكّد شرط الصحّة، ويُعزِّز شرط القبول والكمال لها، والرواية واردة في كلّ من الوضوء والغسل، ويؤكّد مفادها الرواية التالية.

ورويَ في التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، لا يقبل الله تعالى صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول، وإنّ أعظمَ طهورُ الصلاة - التي لا تُقبل الصلاة إلاّ به، ولا شيئاً من الطاعات، مع فقده - موالاة محمّد وأنّه سيّد المرسلين، وموالاة علي وأنّه سيّد الوصيين، وموالاة أوليائهما ومعاداة أعدائهما) (1).

والموالاة والبراءة - كما تقدّم - وإن كانتا قلبيّة، إلاّ أنّ من درجاتهما النازلة اللازمة أيضاً، هو الإقرار والتولّي اللساني، والتبرّي اللساني.

وببيان خامس: إنّ الأذان المفروض فيه أنّه نداء للصلاة ودعوى لها، ليس هو لأجل الدخول في ظاهر الإسلام، وإن كان متضمّناً للإقرار بالإسلام، لذا فإن قُصرَ الإقرار بظاهر الإسلام فيه دون الإقرار بالإيمان، يلزم من ذلك أن تكون ماهيّة الأذان نداءً ودعوى لظاهر الإسلام، لا نداءً ودعوى للإيمان الذي هو واقع الإسلام، وقد مرّ في معتبرة الفضل بن شاذان في الطائفة الرابعة: أنّ ماهيّة الأذان ليس هي النداء للإسلام الظاهري، بل هو نداء الواقع وحقيقة الإسلام والإيمان.

هذا، مضافاً إلى أنّ العمل بالأركان ومنها الصلاة، ليست من أحكام ظاهر الإسلام، بل من أحكام الإيمان، إذ لظاهر الإسلام أحكام: كحقن الدم، وحُرمة المال والعَرض، ونحوها من أحكام التعايش في دار الدنيا، بخلاف الالتزام بالدين،

____________________

(1) تفسير الإمام العسكري: ص239، البحار: ج8، ص317.


فإنّه من أحكام الإيمان نظير قوله تعالى: ( اتَّقُوا الله وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (1) ، فإنّه علّق الالتزام بترك الربا على الإيمان، ومثله قوله تعالى: ( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ) (2).

____________________

(1) البقرة: الآية 278.

(2) الأنعام: الآية 118.


التذييلُ الأوّل

أقوال أرباب عِلم الدراية في الشاذ

1 - قال الشهيد الثاني في شرح البداية في علم الدراية - عند تقسيمه لأقسام الحديث وصفاته - في الشاذ: (الثاني عشر الشاذ: وهو ما رواه الثقة مخالفاً لمَا رواه الجمهور أي الأكثر، سُمّي شاذّاً باعتبار ما قابله، فإنّه مشهور، ثُمّ إن كان المخالِف له الراجح أحفَظ، أو أضبَط، أو أعدَل من راوي الشاذ، فشاذٌ مردود؛ لشذوذه ومرجوحيّته لفقد أحد الأوصاف الثلاث، وإن انعكسَ فكان الراوي للشاذ أحفظ للحديث، أو أضبط، أو أعدل من غيره من رواه مقابله، فلا يُرد؛ لأنّ في كلّ منهما صفة راجحة وصفة مرجوحة فيتعارضان فلا ترجيح، وكذا إن كان المُخالف، أو راوي الشاذ مثله أي: مثل الآخر في الحفظ والضبط والعدالة، فلا يُرد؛ لأنّ ما معه من الثقة يوجب قبوله ولا رجحان للآخر عليه من تلك الجهة.

ومنهم مَن ردّه مطلقاً؛ نظراً إلى شذوذه وقوّة الظن بصحّة جانب المشهور.

ومنهم مَن قَبَله مطلقاً؛ نظراً إلى كون راويه ثقة في الجملة، ولو كان راوي الشاذ المخالف لغيره غير ثقةٍ، فحديثه مُنكر مردود؛ لجمعه بين الشذوذ وعدم الثقة، ويقال لمقابلة المعروف، ومنهم مَن جَعلهما أي: الشاذ والمنكر مرادفين لمعنى الشاذ المذكور، وما ذكرناه من الفرق أضبط.

2 - قال والد الشيخ البهائي، الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي في كتابه (وصول الأخيار إلى أصول الأخبار) (1) ، في تقسيم الحديث بحسب الصفات، قال:

____________________

(1) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار: ص18.


(الثالث عشر: الشاذ والنادر والمنكر، أمّا الشاذ والنادر: فهو عندنا وعند الشافعي ما خالفَ المشهور، وإن كان راويه ثقةً لا أن يروي ما يرويه غيره، وقد عَمل به بعضهم، كما اتّفق للشيخين في صحيحة زرارة في مَن دخل بالصلاة بتيمّم ثُمّ أحدثَ، أنّه: يتوضّأ حيث يُصيب الماء ويبني على الصلاة) (1) ، وإن خصّاها في حالة الحدث تأسيّاً، وأمّا المُنكر: فما خالفَ المشهور وكان راويه غير ثقة، وقد يُطلق (الشاذ) عندنا خاصّة على ما لم يَعمل بمضمونه العلماء، وإن صحّ إسناده ولم يعارضه غيره أو تكرّر.

وقال بعض العامّة: الشاذ ما ليس له إلاّ إسناد واحد تفرّد به ثقة أو غيره، وهو مُشكل؛ فإنّ أكثر أحاديثنا وأحاديثهم من هذا القبيل، ولم يُطلق عليها أحد اسم الشاذ.

3 - قال المامقاني في مقباس الهداية في استعراض الأقوال في العمل في الشاذ (أحدها: عدم ردّه.... ثانيها: ردّه مطلقاً؛ لأنّ نفس اشتهار الرواية من أسباب قوّة الظن بصدقها وسقوط مقابلها، مضافاً إلى تنصيص المعصوم (عليه السلام) بكون الشهرة مرجّحة، وأمْرهُ بردّ الشاذ النادر من دون استفصال.

ويمكن الجواب عن الأوّل: بمنع سببيّة الشهرة لقوّة الظن، حتّى في صورة كون الراوي الشاذ أحفظ، أو أضبط، أو أعدل، بل قد يقوى الظن حينئذٍ بصدق الشاذ، فالكليّة لا وجهَ لها، بل اللازم الإدارة مدار الرجحان في الموارد الجزئيّة.

وأمّا تنصيص المعصوم (عليه السلام) بردّ الشاذ، فمنصرف إلى غير صورة حصول الرجحان له، فتأمّل جيّداً) (2).

____________________

(1) التهذيب: ج1، ص205.

(2) مقباسُ الهداية: ص255.


4 - وقال الملاّ علي كني في توضيح المقال: (إنّ المشهور قد يُطلق على ما اشتهرَ في الفتوى به وإن لم يَشتهر نقله، فكذا الشاذ قد يُطلق على ما يندر الفتوى به وإن اشتهرَ نقله، ومن هنا يظهر لو شملَ قوله (عليه السلام) - (خُذ بما اشتهرَ بين أصحابك) - ما اشتهرَ في النقل والفتوى أيضاً، فكذا الشاذ يشمل ما شذّ نقله من الفتوى به) (1).

وقال أيضاً: (وكيف كان، يقال لمقابله الذي هو المشهور المحفوظ، فإن كان راوي المحفوظ في كل مرتبة أحفظ، أو أضبط، أو أعدل من الراوي الشاذ، فذاك شاذ مردود، وإلاّ فلا يُرد بل يُرجّح) (2).

____________________

(1) توضيح المقال: ص271، طبعة دار الحديث، قم.

(2) المصدر السابق: ص271.


التذييلُ الثاني

وفيه أمران:

1- الأمرُ الأوّل: الشاذ في كلام الشيخ الطوسي في كتابيه: التهذيب، والاستبصار

كتابُ التهذيب:

1- في التهذيب: باب الأحداث الموجِبة للطهارة، ج1، ص18:

قال الشيخ عن صحيح محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام)، المتضمّن للأمر بالوضوء في المذي قال (قدِّس سرّه): (وهذا خبر ضعيف شاذ، والذي يكشف عن ذلك....)، ثُمّ ذَكر خبر إسحاق بن عمّار النافي للوضوء، وفي هذا المورد استعملَ الشيخ الشاذ كوصف للمتن لا للضعف في الطريق؛ لمعارضته للروايات الأخرى.

2 - التهذيب: باب الحيض، ج1، ص15:

أوردَ الشيخ صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام)، المتضمّنة لكون أكثر الحيض ثمانية، ثُمّ قال: (فهذا الحديث شاذ أجمعت العصابة على ترك العمل به، ولو صحّ كان معناه....)، ثُمّ ذَكر تأويلاً للرواية، وفي هذا المورد أيضاً استعمال الشاذ صفةً للمتن لا للطريق.

3 - التهذيب: باب المياه، ج1، ص218:

أوردَ الشيخ رواية عن يونس عن أبي الحسن (عليه السلام)، المتضمّنة لجواز الوضوء بماء الورد، وليس في طريقها مَن يُتوقف فيه إلاّ سهل بن زياد، والأمرُ فيه سهل كما هو معروف،


مع أنّ الشيخ عَمل بروايته في أبواب عديدة، ثُمّ قال الشيخ: (فهذا خبرٌ شاذ شديد الشذوذ، وإن تكرّر في الكُتب والأصول؛ فإنّما أصله يونس عن أبي الحسن (عليه السلام) ولم يرويه غيره، وقد أجمَعتْ العصابة على ترك العمل بظاهره، وما يكون هذا حكمه لا يُعمل به)، وفي هذا المورد أيضاً استعملَ الشيخ الشاذ وصفاً لمتن الخبر لا لطريقه؛ لكونه مخالفاً لمضمون الروايات الأخرى ولإجماع الطائفة.

4 - ما قاله فيما يجوز الصلاة فيه من اللباس، أمّا ما رواهُ محمّد بن محمّد بن أبي يحيى، عن أحمد بن محمد عن داود الصرمي، قال: سألتهُ عن الصلاة في الخز... الحديث: (فهذا حديث شاذ ما رواه غير داود الصرمي، ومع تفرّده بروايته تختلف ألفاظه؛ لأنّ في هذه الرواية.....)، فترى في هذا المقام وصَفَ الشيخ الحديث بالشذوذ؛ لتضمّن الحديث جواز الصلاة في وبر الأرانب، فلم يكن الطعن في السند، وداود الصرمي وإن لم يوثّق، ولكن لم يُطعن عليه، وقد روى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري وأخوه، وبنان، ومحمّد بن عيسى اليقطيني في طريق المشيخة في الصدوق، وهي قرائن على حُسن حاله، ج2، ص213، الحديث 833.

5 - ما رواه الشيخ عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال، عن عمرو بن سعيد، عن مصدّق بن صدقة، عن عمّار بن موسى الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وساقَ الحديث الذي تضمّن تأخير المغرب الفائتة عن العشاء عند حضور وقت العِتمة فقال: (هذا الخبر شاذ، والأصل ما قدّمناه من أنّه إذا كان الوقت واسعاً ينبغي أن يبدأ بالفائتة)، فترى أنّ الشيخ أطلقَ وَصف الشاذ على الخبر الموثّق، ممّا يُعزِّز أنّ هذا الوصف وصف للمضمون لا للطريق، ج2، ص271، الحديث 1079.

6 - ما رواه الشيخ في الموثّق، عن عمّار بن موسى الساباطي، المتضمّن لعدم قضاء النافلة والفريضة في النهار، قال عنه: (فهذا خبر شاذ، لا يُعارَض به الأخبار التي قدّمناها مع مطابقتها لظاهر القرآن)، ج2، ص272، الحديث 1081.


7 - ما رواه الشيخ بطريق الزيديّة المعروف، عن زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام)، عن علي (عليه السلام) المتضمّن لصحّة الصلاة بزيادة ركعة مع السجود لسجدتي السهو، فقال: (هذا خبر شاذ لا يُعمل عليه؛ لأنّا قد بيّنا أنّ مَن زاد في الصلاة وعَلمَ ذلك، يجب عليه استئناف الصلاة)، فترى الشيخ يصرِّح بأنّ علّة الشذوذ ليس ضُعف السند، بل مخالفة المضمون لمَا هو ثابت، ج2، ص350، الحديث 1449.

8 - ما رواه في الصحيح الأعلائي عن العلاء، حيث تضمّن عدم إعادة الصلاة لناسي النجاسة، قال: (فإنّه خبر شاذ لا يُعارض فيه الأقوال التي ذكرناها)، ج2، ص360، الحديث 1492.

9 - ما رواه في الصحيح عن عبد الرحمان العزرمي، أو الرزمي عن أبيه، المتضمّن لإعادة المأمومين في صلاة الجماعة إذا كان إمام الجماعة على غير طهر (قال: هذا خبر شاذ مخالف للأخبار كلّها، وما هذا حكمه لا يجب العمل به على أنّ فيه ما يبطله، وهو أنّ أمير المؤمنين أدّى فريضة على غير طهر ساهياً عن ذلك، وقد آمننا من ذلك دلالة عصمته).

10 - الباب 24، وهناك موارد عديدة في كتابه التهذيب يستطيع المتتبّع ملاحظتها، ونورد قائمة لجملة منها:

التهذيب: ج3 ص235، ج4 ص273، ج6 ص254، ج6 ص256، ج7 ص253، ج7 ص278، ج7 ص318، ج9 ص253، ج7 ص278، ج7 ص318، ج9 ص119، ج9 ص345، ج10 ص73، ج10 ص92، ج10 ص96.


كتابُ الاستبصار:

1 - وفي الاستبصار روى الشيخ في المصحّح عن يونس، جواز الاغتسال والوضوء بماء الورد، فقال: (فهذا خبر شاذ شديد الشذوذ وإن تكرّر في الكُتب؛ فإنّما أصله يونس عن أبي الحسن (عليه السلام) ولم يرويه غيره، وقد اجتمعت العصابة على ترك العمل بظاهره، وما يكون هذا حكمه لا يُعمل به، ولو ثبتَ لاحتُمل أن يكون المراد بالوضوء في الخبر التحسين، وقد بيّنا ذلك في كتاب تهذيب الأحكام، إلى أن قال: ويحتمل أن يكون المراد بالماء الورد، الماء الذي وقعَ فيه الورد؛ لأنّ ذاك الذي يسمّى الورد وإن لم يكن مُعتصراً منه).

فترى أنّ الخبر مع أنّه شاذ شديد الشذوذ، تكلّف الشيخ في توجيه مضمونه، ج1، الباب الخامس من أبواب المياه، ج2، ص14.

2 - وفي الاستبصار ما رواه في الموثّق عن إسحاق بن عمّار، المتضمّن لعدد نزح البئر من موت الدجاجة ومثلها، قال: (فلا ينافي ما قدّمناه؛ لأنّ هذا الخبر شاذ وما قدّمناه مطابق للأخبار كلّها، ولأنّا إذا عَملنا على تلك الأخبار نكون قد عَملنا على هذه الأخبار؛ لأنّها داخلة فيها، وإنْ عَملْنا على هذا الخبر، احتجنا أن نُسقط تلك جملة؛ ولأنّ العلم يحصل بزوال النجاسة مع العمل بتلك الأخبار، ولا يحصل مع العمل بهذا الخبر).

فترى أنّ الشيخ لا يمنع من العمل بالخبر الشاذ مطلقاً، بل فيما إذا امتنعَ العمل بكلّ منه وما يقابله أي: يمتنع الجمع في العمل، ويُعزِّز كون الشاذ حجّة في نفسه عند الشيخ بنحو الاقتضاء: أنّه يرتكز الترجيح بينه وبين ما يقابله الأخبار، إذ الترجيح فرع الحجيّة الاقتضائيّة في الطريق، ج1، ص38، الباب 2، أبواب حكم الآثار أو المياه ص38، ح9.


3 - الباب 24 من أبواب المياه، ج3، ص45 في الاستبصار، ما رواه الشيخ في الصحيح عن كردويه (وهو حَسن الحال)، المتضمّنة لتقدير النزح عن البئر لسقوط بعض النجاسات فيها، قال: (فهذا خبر شاذ نادرٌ، وقد تكلّمنا عليه فيما تقدّم؛ لأنّه تضمّن ذِكر الخمر والنبيذ المسكر الذي يوجِب نزح جميع الماء، مضافاً إلى ذِكر الدم، وقد بيّنا الوجه فيه، ويمكن أن يُحمل فيما يتعلّق بقطرة دم أن نحمله على ضربٍ من الاستحباب، وما قدّمناه من الأخبار على الوجوب لئلاّ تتناقض الأخبار).

فترى أنّ الشيخ يتكلّف وجه الجمع بين الخبر الشاذ النادر وبقيّة الأخبار المعمول بها، ممّا يدلّ على أنّ الشاذ متّصف بالحجيّة الاقتضائيّة، غاية الأمر أنّه وصِفَ بالشذوذ بسبب المعارضة لأخبار كثيرة معمول بها، وهذا يوقفنا على تعريفٍ أدق وأعمق لمعنى الشاذ.

4 - الباب 57 من أبواب ما ينقص الوضوء وما لا ينقص ج5، ص96 من الاستبصار، ما رواه الشيخ في الموثّق عن عمّار بن موسى الساباطي، من تضمّنه إعادة الصلاة لترْك المسح بالماء لمَن مسّ الحديد، قال: (فالوجه في هذا الخبر أن نحملهُ على ضربٍ من الاستحباب دون الإيجاب؛ لأنّه خبر شاذ مخالف للأخبار الكثيرة، ما يجري هذا المجرى لا يُعمل عليه على ما بيّنا).

والتقريب في هذا الكلام ما سبق.

واليك قائمة بموارد استعمال الشاذ في الاستبصار لمزيد الاطلاع.

5 - 14ص22، ج1 ح2، ج1 ص289 ح8، ج2 ص83 ح، ج3 ص161 ح7، ج4 ص239 ح9، ج1 ص288 ح6، ج1 ص367 ح2، ج3 ص59 ح6، ج 3 ص198 ح23، ج4 ص233 ح2.


الأمرُ الثاني: كلامُ الشيخ المفيد

وفيه عدّة أمور:

الأوّل: إنّ الشاذ قد توصَف به مجموعة من الأحاديث، أي: أنّ مجموع جملتها يوجِب الوثوق بالصدور، وإن لم يوجِب الاستفاضة، إلاّ أنّها مع ذلك توصَف بالشذوذ من جهة مضمونها.

الثاني: إنّ الشيخ الصدوق وإن ذَكر حديثاً مع حذف إسناده، إلاّ أنّ مُعوله ومُعتمده - كما نبّه على ذلك الشيخ المفيد - هو على جملة أحاديث شاذّة لا على خصوص الحديث المفرد الذي ذكرهُ.

الثالث: إنّ الصدوق يعمل بالأخبار الشاذّة في نظر الشيخ المفيد.

الرابع: إنّ الأحاديث الشاذّة قابلة للحمل والتوجيه والتصوير بما يلائم بقيّة الأخبار، فينتهي ذلك إلى العمل بها.

الخامس: إنّ الأخبار الشواذ لا تُنافي وصف إسنادها بالصحّة والثبوت.

1 - ما ورد في شرح اعتقادات الصدوق في بحث القضاء والقدر (فصل، قال الشيخ أبو جعفر في القضاء والقدر: والكلام في القدر منهي عنه)، وروى حديثاً لم يَذكر له إسناداً، قال الشيخ المفيد: (عَمل أبو جعفر في هذا الباب على أحاديث شواذ، لها وجوه يعرفها العلماء، متى صحّت وثبتَ إسنادها ولم يقل فيه قولا محصّلاً) (1).

2 - قال الصدوق في تصحيح الاعتقاد في نزول الوحي: (اعتقادنا في ذلك أنّ بين عَيني إسرافيل...) (2).

قال الشيخ المفيد: (أخذهُ أبو جعفر من شواذ الحديث، وفيه خلاف لمَا قدّمه من أنّ اللوح مَلَك من ملائكة الله تعالى).

____________________

(1) تصحيح اعتقادات الإماميّة للشيخ المفيد: ص54، طبعة دار المفيد، بيروت.

(2) المصدر السابق: ص120.


وهذا موضع آخر عند الشيخ المفيد: أنّ الصدوق يعمل بالأخبار الشاذة، وفيه يتّضح أنّ العمل بالشاذ عندهم ليس ممتنعاً إذا وجَد العامل به لذلك وجهاً أو سبيلاً.

3 - قال المفيد في كتابه الإفصاح ص125: (فإن قالوا: كيف يصحّ إكفار أهل البصرة والشام؟ وقد سُئل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: (إخواننا بَغوا علينا)، لم ينفي عنهم الإيمان، ولا حَكمَ عليهم بالشرك والاكفار قيل لهم: هذا خبرٌ شاذ لم يأتِ به التواتر من الأخبار، ولا أجمعَ على صحّته رواة الآثار، وقد قابله ما هو أشهر منه عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأكثر نَقَلة وأوضح طريقاً في الإسناد:

وهو أنّ رجلاً سأل أمير المؤمنين بالبصرة والناس مُصطفون للحرب، فقال له: علامَ تقاتل هؤلاء القوم يا أمير المؤمنين ونستحلّ دمائهم، وهم يشهدون شهادتنا ويُصلّون إلى قبلتنا؟ فتلا (عليه السلام) هذه الآية رافعاً بها صوته: ( وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) ، فقال الرجل حين سمعَ ذلك: كفّار وربّ الكعبة، وكسرَ جفن سيفه، ولم يزل يقاتل حتى قُتل.

وتظاهرَ الخبر عنه (عليه السلام) أنّه قال يوم البصرة: (والله، ما قوتلَ أهل هذه الآية حتّى اليوم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ).

4 - ما ذكرهُ المفيد (رحمه الله) في كتابه الفصول المختارة ص274، عندما أوردَ رواية استدلّ بها العامّة قال: (أوّل ما في هذا الكلام أنّ الأخبار لا تتقابل ويحكم ببعضها على بعض، حتّى تتساوى في الصفة، فيكون الظاهر المستفيض مقابلاً لمثله في الاستفاضة، والمتواتر مقابلاً لمثله من التواتر، والشاذ مقابلاً لمثله في الشذوذ، وما ذكرناه عن مولانا (عليه السلام) مستفيض قد تواتر به الخبر على التحقيق، وما ذكره هذا الرجل عنه (عليه السلام) من الحديثين.


أحدهما: شاذ وارد من طريق الآحاد، غير مرضي الإسناد.

والآخر: ظاهر البطلان؛ لانقطاع إسناده وعدم وجوده في نقل معروف في الثقات، وليس يجوز المقابلة في مثل هذه الأخبار، بل الواجب إسقاط الظاهرَ منها الشاذ، وإبطال المتواتر ما ضادّه من الآحاد.

وها هنا استعملَ الشيخ المفيد في قبال المتواتر تارة، وأخرى بمعنى الشذوذ في المضمون، وقد غايرَ بين معنى الشاذ ومعنى ضعيف الإسناد، فَجَعلهما وَصفين متعدّدين لا وصفاً واحد لمعنى واحد.

وغيرها من الموارد من هذا القبيل، ولم يَطلق على الضعيف أحد اسم الشاذ.

5 - ما ذكرهُ الشيخ المفيد ردّاً على الشيخ الصدوق في رسالته (1) العدديّة في الردّ عليه، حيث اعتمدَ الصدوق الحديث النادر أو الشاذ لترادفهما في مسألة: (أنّ شهر رمضان يصيبه ما يصيب الشهور من النقص)، فقال (رحمه الله): إنّ النوادر هي التي لا عَمل عليها، أشار بذلك إلى رواية حذيفة، كما يكشف عن ذلك وعن ترادفهما، قول الشيخ في التهذيب في هذه المسألة أنّه: (لا يصلح العمل بحديث حذيفة؛ لأنّ متنها لا يوجد في شيء من الأصول المصنّفة، بل هو موجود في الشواذ من الأخبار ) (2).

____________________

(1) لاحظ مقباس الهداية: ج1، ص253.

(2) تهذيب الأحكام: ج4، ص169.


الأمر الثالث: كلامُ السيّد ابن طاووس

قال السيّد ابن طاووس في فتح الأبواب ص287، طبعة آل البيت، بعدما نقل روايات استخارة ذات الرقاع تعرّض لمناقشة حول رواياتها في كتاب المقنعة فقال: (وهذا آخر ما تضمّنته نسخته المشار إليها، ولم يُذكر عن شيخنا المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان طعناً عليها، وهي أقرب إلى التحقيق؛ لأنّ جدّي أبا جعفر الطوسي لمّا شرحَ المقنعة بتهذيب الأحكام، لم يَذكر عند ذكره لهذه الرواية أنّ المفيد طعن، وإنّما وجدنا بعض نِسخ المقنعة فيها زيادة، ولعلّها كانت من كلام غير المفيد على حاشية المقنعة فنقلها بعض الناسخين فصارت في الأصل، ونحن نذكر الزيادة في بعض نِسخ المقنعة ونجيب عنها، وهذا لفظ الزيادة:

(وهذه الرواية شاذّة، ليست كالذي تقدّم، لكنّا أوردناها على وجه الرخصة، دون تحقيق العمل بها)، هذا آخر ما وجدناه عنه في بعض نِسخ المقنعة رضي الله جلّ جلاله عنه وأرضاه.

أقول: اعتَبِر هذه الرواية واعتَبر ما قيّد به قوله (رحمه الله)، أنّها شاذّة وقد ظهر لك حقيقة الحال ومعنى المقال، (هذه الرواية شاذّة) فإنّه لم يقل: كلّ رواية وردت في الاستخارة شاذّة، ولا قال: إنّ سبب شذوذها كونها يُعمل فيها بالرقاع، ولا قال: إنّ العمل بها شاذ، فقد ظهر بذلك أنّ قوله (هذه الرواية شاذّة) مُحتمل لعدّة وجوه:

الوجهُ الأوّل: لعلّ مراده (رحمه الله) أنّ هذه شاذّة؛ لأجل أنّه عَرف أنّ راويها عن الأئمّة (صلوات الله عليهم) لم يروِ غيرها عنهم، فإنّه ما ذَكر اسم رواتها.

الوجهُ الثاني: لعلّ مراده أنّ هذه الرواية شاذّة؛ لأجل أنّ راويها خاصّة كان رجلاً مجهولاً، لا يعرف بالرواية عن أهل البيت (عليهم السلام).


الوجهُ الثالث: لعلّ مراده أنّ هذه الرواية شاذّة؛ لأجل كونها تضمّنت لفلان بن فلان ولم تتضمّن فلان بن فلانة، فإذا ذَكر فلان بن فلانة هو المألوف المعروف.

الوجهُ الرابع: لعلّ المراد أنّ هذه الرواية شاذّة، أنّها تضمّنت بسم الله الرحمن الرحيم....

الوجهُ الخامس: لعلّ المراد أنّ هذه الرواية شاذّة، كونهُ ذَكر فيها أوّلاً: (فإن خَرَجت....)، فإنّه كشفَ بذلك أنّ قوله (رحمه الله): (هذه الرواية شاذّة، وليست كالتي تقدّمت) مُحتمل لهذه الوجوه كلّها ولغيرها من التأويلات التي تدخل تحت الاحتمالات.

وأمّا قوله رضوان الله عليه: (لكنّا أوردناها على سبيل الرخصة، دون تحقيق العمل بها)، فاعلَم أنّ المفهوم من قوله (على سبيل الرخصة): أنّ العمل بها جائز وأنّها ليست كالروايات التي قدمّها قبلها، وهذا الجواز كافٍ مع ما ذكرناه من وجوه احتمالات شذوذها وضُعف نقلها، فإنّه لو لم يكن العمل بها جائزاً كانت بدعة وزيادة في شريعة الإسلام، وحاشا ذلك الشيخ العظيم المقام أن يودِع كتابه بدعة ليست من الشريعة المحمديّة، بل كان يُسقطها أصلاً ويحرِّمها على عادته في المجاهرة وترك التقيّة؛ ولأنّ الشيخ المفيد ذَكر في خطبة كتاب المقنعة أنّه ألّف ذلك، ليكون إماماً للمسترشدين ودليلاً للطالبين) انتهى.

ويظهر من كلام كلّ من المفيد، وابن طاووس عدّة أمور:

الأمرُ الأوّل: إنّ معنى الشاذ في الغالب هو غرابة المضمون، أو منافاته لمضامين بقيّة الأخبار، وقد يُستخدم فيما إذا قلّت رواية الراوي عن الأئمّة أو تفرّد هو بها، والوجوه الثلاثة الأخيرة التي ذكرها هي من الشذوذ في المضمون، بخلاف الوجهين الأوّليين، ومراده من كون الرجل مجهولاً أنّه لا يعرف بالرواية عنهم (عليهم السلام).


الأمرُ الثاني: إنّه قد صرّح كلّ من المفيد وابن طاووس، أنّ الرواية الشاذّة يُرخّص في العمل بها والعمل بها جائز، ولا يكون العمل بها لزوماً تعينيّاً، وهذا الذي ذكره الشيخ المفيد، وشرحهُ ابن طاووس ووافَقهُ عليه، ينطبق بالدقّة على الذي صرّح به الشيخ الطوسي في المبسوط في روايات الشهادة الثالثة في الأذان، وهو ينطبق بالدقّة أيضاً على ما ذهبَ إليه العلاّمة الحلّي، والشهيد الأول.

الأمرُ الثالث: قد استدلّ السيّد ابن طاووس بقوله (يُرخّص العمل به): بأنّ الشيخ المفيد قد أودعَ في كتابه المقنعة رواية الرقاع وأوردها فيه، وذلك يدلّ على جواز العمل بها بنحو الرخصة، إذ لو لم يكن حُكم ذلك كذلك، كان بدعة وزيادة في الشريعة، وللزمَ إسقاطها وتحريم العمل بها، هذا مع أنّ الشيخ المفيد في المقنعة لم يَذكر سند الرواية، وإنّما قال: (ورويَ)، ثُمّ ذَكر مضمون الرواية ووَصَفها بالشاذّة في بعض النِسخ، وهذه الصورة بعينها قد أتى بها الشيخ الصدوق في الفقيه، والشيخ الطوسي في المبسوط، والعلاّمة في كتبه، والشهيد الأوّل في كتبه، ممّا يُعزِّز أنّ إيرادهم وإيداعهم لمضمون الروايات لا رواية واحدة في كتبهم، يقتضي الرخصة في العمل بها، كما صرّح بذلك الشيخ في المبسوط حيث قال: (فأمّا قول أشهدُ أنّ عليّاً أمير المؤمنين، وآل محمّد خير البريّة، على ما ورد في شواذ الأخبار، فليس بمعوّل عليه في الأذان، ولو فعلهُ الإنسان لم يأثم به).

أقول: يُلاحظ في كلام المفيد (قدِّس سرّه)، أنّه استعملَ الخبر الشاذ في قبال المتواتر، وفي مقابل ما أُجمِع على صحّته، وفي مقابل ما هو أشهر وأكثر نَقَلة،


وفي مقابل ما هو أوضح طريقاً (أي: أصحّ طريقاً)، فهذه أربعة معاني للشاذ، بل ولو قسّمنا الشهرة إلى العمليّة والروائيّة، لأصبحت المعاني خمسة، ويطابق بعض هذه المعاني ما وردَ في مصحّحة عمر بن حنظلة في قوله (عليه السلام): (المُجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حُكمنا، ويُترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المُجمع عليه لا ريب فيه) الكافي: ج1، ص67.

الأمرُ الرابع: كلامُ الشيخ المامقاني

قال الشيخ المامقاني في كتابه مقباس الهداية: ج1، ص255: (الشاذ: وهو على الأظهر الأشهر بين أهل الدراية والحديث هو ما رواه الثقة، مخالفاً لمَا رواه جماعة ولم يكن له إلاّ إسناد واحد، فخرج بقيد الثقة المُنكر والمردود، وبقيد المخالفة المفرد بأوّل معنييه المزبورين،... وهناك أقوال أُخر شاذّة ساقطة، وما ذكرناه تبَعاً للأكثر هو الفصل).

ويلاحَظ ممّا ذُكِر عن عبارات وأقوال أرباب علم الدراية:

1 - أنّ التعريف الشاذ لديهم، هو ما رواه الثقة مخالفاً لمَا رواه الأكثر.

2 - ذهاب الشهيد الثاني إلى العمل بقسمين من الأقسام الثلاثة للشاذ، وهناك مَن ردّ الشاذ مطلقاً، ومنهم مَن قبله مطلقاً.

3 - أنّه قد حصلَ الخلط بين الشاذ والمنكر، وقد أوجب تسرية أحكام المنكر إلى الشاذ ممّا سبب الخلط في صفة الحجيّة، مع أنّ الشاذ أقرب إلى النادر منه إلى المنكر.

4 - أنّه قد اتّفق وحصلَ لجملة من أعلام الطائفة العمل بالخبر الشاذ، كما حصل للصدوق في روايات العدد في شهر رمضان، والمفيد، والشيخ الطوسي كما في رواية التوضؤ في أثناء الصلاة والبناء على ما سبق.


5 - أنّ أحد معاني الشاذ عدم وجوده في الأصول الروائيّة المصنّفة المشهورة، وإن كان فرديّاً بطريق الثقاة.

6 - قد صرّح جملة منهم بحجيّة العمل بالشاذ إذا تحلّى بصفات مرجّحة، وبعض منهم بنى على العمل به إن لم يكن فيه صفات المزبورة.



التذييلُ الثالث

في ترجمة كدير الضبّي

حيث إنّ كدير الضبّي كان يقول بالوصيّة الإلهيّة النبويّة لعلي (عليه السلام)، فقد تناوله أرباب الجرح والتعديل من سنّة أهل الجماعة بالجرح اللاذع والطعن القاسي؛ لمَا بنو عليه من ضعف الصحابي والراوي إذا كان موالياً لعلي وعاملاً بقوله تعالى: ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، وتوثيق الصحابي والراوي إذا كان منابذاً لعلي (عليه السلام)، ومجافياً له، وتاركاً العمل بآية المودّة، ونابذاً للتسليم بآية التطهير، ومتبرّماً من فضائل علي (عليه السلام) وأهل بيته، وإليك جملة من كلماتهم في كدير الضبي الدالّة على صدق ما رووه عنه، من إتيانه بالتشهّد بالصلاة على النبي والوصي (بلفظة الوصي).

أ - ما ورد في الجرح والتعديل: ج7، ص 174 / 992

كدير الضبّي: (روى عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) مرسلاً، وروى عن علي (رضي الله عنه)، روى عنه أبو إسحاق الهمداني، وسمّاك بن سلمة، ويزيد بن حيّان، سمعتُ أبي يقول ذلك: إنّ عبد الرحمان قال: سألتُ أبي عنه؟ فقال: محلّه الصدق، وقيل له: إنّ محمّد بن إسماعيل البخاري أدخلهُ في كتاب الضعفاء، فقال يحوّل من هناك).

ب - الضعفاء المتروكين لابن الجوزي: ج3، ص24 / 2795

كدير الضبّي: روى عنه أبو إسحاق السبيعي وجدّه ويقال: إنّ له صحبة البغوي، ضعّفه البخاري والنسائي.


ج - ميزان الاعتدال في نقد الرجال: ج5، ص 497 / 6961

كدير الضبّي: شيخ لأبي إسحاق، وَهَمَ مَن عدّه صحابيّاً، قوّاه أبو حاتم، وضعّفه البخاري والنسائي، وكان من غلاة الشيعة.

سفيان وشعبة - واللفظ له - عن أبي إسحاق، سمعتُ كدير الضبي يقول: جاء رجل إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ قال: (قل العدل، وأعط الفضل، قال: لا أطيق، قال: فأطعِم الطعام، وأفشِ السلام...).

عن مغيرة عن سمّاك بن سلمة قال: دخلتُ على كدير الضبي أعوده، فقالت لي امرأته: ادنُ منه فإنّه يصلّي، فسمعتهُ يقول في الصلاة: السلام على النبي والوصي، فقلت: لا والله، لا يراني الله عائداً إليك.

د - لسان الميزان: ج4، ص 486 / 5139

مَن اسمه كدير، كديره، كدير الضبّي: شيخ لأبي إسحاق، وَهَم مَن عدّه صحابيّاً، قوّاه أبو حاتم، وضعّفه البخاري والنسائي، وكان من غلاة الشيعة.

سفيان وشعبة - واللفظ له - عن أبي إسحاق، سمعتُ كدير الضبي يقول: جاء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ قال: (قل العدل، وأعطِ الفضل، قال: لا أطيق ذلك، قال: هل لك من إبل إظر سيراً وسقاء، ثُمّ انظر أهل بيت لا يشربون الماء إلاّ غبّاً فاسقهم؛ فإنّه لعلّه لا ينفق بعيرك، ولا ينخرق سقاؤك حتى تجب لك الجنّة...).

هـ - الكامل في ضعفاء الرجال: ج ص 79 / 1612

كدير الضبّي: سمعتُ بن حمّاد يقول، قال السعدي: كدير زائغ، وقال النسائي: كدير الضبّي ضعيف، حدّثنا الفضل بن الحباب، ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن كدير الضبّي: أنّ رجلاً جاء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال: أخبِرني بعمل يدخلني...

ويقال لكدير: البغوي، وهو من الصحابة...


و - الضعفاء الصغير: ج1 ص 97/ 308

كدير الضبّي: عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، روى عنه أبو إسحاق السبيعي ليس بالقوي.

ي - ضعفاء العقيلي: ج4، ص 13 / 1568

كدير الضبّي: كان من الشيعة، حدّثنا محمّد بن عيسى، حدّثنا محمّد بن علي يقال له حمدان الورّاق ثقة، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا جرير عن مغيرة، عن سمّاك بن سلمة قال: دخلت على كدير الضبي أعوده بعد الغداء، فقالت لي امرأته: أدنُ منه يصلّي حتّى يتوكّأ عليك، فذهبتُ ليعتمد عليّ، فسمعته وهو يقول في الصلاة: سلام على النبي (صلّى الله عليه وآله) والوصي، فقلت: لا والله، يا فلان لا يراني الله عائداً إليك بعد يومي هذا، ومن حديثه ما حدّثناه محمد بن إسماعيل، حدّثنا يعلى بن عبيد، حدّثنا أبو حيّان التيّمي، عن يزيد بن حيّان، عن علي (رضي الله عنه) قال: (إنّ من ورائكم أموراً متماحلة، ردحاً وبلاءاً مكلّحاً مبلّحاً).

ل - المجروحين: ج2، ص 221 / 892

كدير الضبّي: شيخ يروي المراسيل، روى عنه أبو إسحاق السبيعي، منكر الرواية على أنّ المراسيل لا تقوم ثمّ بها الحجّة، وهي وما لم يروَ سيّان، فلا يعجبني الاحتجاج بما انفرد به كدير، المراسيل إن وجد ذلك.

ك - الإصابة: ج5، ص 576

قال ابن خزيمة: لستُ أدري سماع أبي إسحاق من كدير، قلت: قد صرّح به شعبة عن أبي إسحاق، وأخرجه ابن شاهين من طريق سعيد بن عامر الضبي عن شعبة قال: سمعتُ أبا إسحاق منذ أربعين سنة قال: سمعتُ كديراً الضبّي منذ ثلاثين سنة، وقال البخاري في الضعفاء كدير الضبّي روى عنه أبو إسحاق،


وروى عنه سمّاك بن سلمة، وضعّفه لمَا رواه مغيرة بن مقسم عن سمّاك بن سلمة قال: دخلتُ على كدير الضبي أعوده فوجدته يصلّي وهو يقول: اللهمّ صلِّ على النبي والوصي، فقلت: والله، لا أعودك أبداً).


الفصلُ الثاني

في إثبات ندبيّة الشهادة الثالثة، الخاصّة والعامّة

والبحثُ في جهاتٍ خمس:

الجهة الأولى: الأقوال في الندبيّة الخاصّة والعامّة والتقريب الصناعي لها.

الجهة الثانية: في بيان روايات الندبيّة الخاصّة.

الجهة الثالثة: في بيان روايات الندبيّة العامّة.

الجهة الرابعة: في بيان السيرة الشرعيّة.

الجهة الخامسة: في إثبات الجزئيّة (الندبيّة الخاصّة) بحسب قاعدة التسامح في أدلّة السُنن.



الجهةُ الأولى

الأقوال في الندبيّة الخاصّة والعامّة والتقريب الصناعي لها

قال العلاّمة في التذكرة في كتاب الحج حول الأذان: (ولا تُكره الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند الذبيحة مع التسمية، بل هي مستحبّة - وبه قال الشافعي - (1) ؛ لأنّه شُرِّع فيه ذِكر الله تعالى، فشُرِّع فيه ذكر رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كالأذان.

وقال أحمد: ليس بمشروع (2).

وقال أبو حنيفة ومالك: إنّه مكروه (3)، لمَا روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أنّه قال: (موطنان لا أُذكر فيهما: عند الذبيحة، وعند العطاس) (4).

ومرادهُ: (لا أُذكر فيهما) مع الله تعالى على الوجه الذي يُذكر معه في غيرهما، فإنّ في الأذان يُشهد لله بالتوحيد، ويُشهد للنبي بالرسالة، وكذا في شهادة الإسلام والصلاة، وهنا يسمّي الله تعالى، ويصلّي على النبي (صلّى الله عليه وآله)، والصلاة ليست من جنس التسمية وكذا العطاس، فإنّ المروي فيه أنّه يسمّي الله تعالى، ويصلّي على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (5) .

ومثله في المنتهى من نفس كتاب الحج.

____________________

(1) الأم: ج52، ب 239، والحاوي الكبير: ج15، ص 95- 96.

(2) المغني: ج11، ص6، حُلية الأولياء: ج3، ص75 3.

(3) الحاوي الكبير: ج15، ص 96.

(4) أورده ابن قدامة في المغني: ج11، ص6، والماوردي في الحاوي الكبير: ج15، ص 96.

(5) البحار: ج18، ص 178.


أقول: ويتحصّل من كلام العلاّمة استفادة استحباب اقتران ذِكر الرسول بذكر الله تعالى حيثما ذُكر، واستحباب اقتران الشهادتين باستفادة ذلك بالاقتران الوارد في ذكرهما، وبالشهادة لهما في الأذان والصلاة، وفي شهادة الدخول في الإسلام، واستُحصل من هذه الموارد: استحباب قاعدة عامّة باقتران الذِكرين والشهادتين في الموارد الأخرى التي يرد فيها دليل خاص، كالتسمية عند الذبيحة.

وإذا تمّ هذا النمط من الاستدلال يتّضح قالب الاستدلال بالوجه الثاني - الندبيّة الخاصّة - بتقريبيّة الآيتين، حيث إنّ المستفاد من طوائف الروايات الواردة في التقريبين قاعدة عامّة وهي: استحباب اقتران الشهادات الثلاث، وذِكر علي والأئمّة (عليهم السلام) بذكر الله ورسوله، وبالتالي مشروعيّته في الأذان، لاسيّما وأنّ اقتران الشهادات الثلاث مشروع في الصلاة، كما مرّ في الفصل الأوّل، بل في مواطن عدّة من الصلاة ببركة القاعدة العامّة وخصوص الصلاة قوي جدّاً، وقال في منتهى المطلب: (المشهور ذهبوا إلى جواز الكلام بعد الإقامة ودلّت على ذلك النصوص... ولا خلاف بينهم في تسويغ الكلام بعد الإقامة إذا كان ممّا يتعلّق بالصلاة، كتقديم الإمام وتسوية الصف) (1).

ويشير إلى حسنة الحسن بن شهاب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (لا بأسَ أن يتكلّم الرجل وهو يقيم الصلاة، وبعدما يقيم إنشاء) (2).

____________________

(1) منتهى المطلب: ج4، ص 394 طبعة جماعة المدرّسين.

(2) أبواب الأذان والإقامة: باب 10، ح10.


وفي صحيحة حمّاد بن عثمان قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلّم بعدما يقيم الصلاة؟ قال: (نعم) (1).

وفي مصحّح الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلّم في أذانه أو إقامته؟ فقال: (لا باس) (2).

وفي صحيح بن أبي عمير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلّم في الإقامة؟ قال: (نعم، فإذا قال المؤذِّن: قد قامت الصلاة، فقد حرُم الكلام على أهل المسجد، إلاّ أن يكونوا قد اجتمعوا من شتّى، وليس لهم إمام فلا بأس أن يقول بعضهم لبعض تقدّم يا فلان) (3).

وفي صحيحة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) قلت: أيتكلّم الرجل بعدما تقام الصلاة؟ قال: (لا بأس) (4).

والرواية وإن كانت من مستطرفات السرائر عن محمد بن علي بن محبوب، إلاّ أنّه ذَكر في مستطرفات السرائر أنّ نسخة الكتاب عنده بخط جدّه الشيخ الطوسي، مضافاً إلى صحّة إسناد ابن إدريس إلى الشيخ الطوسي، كما هو مذكور في سلسلة الإجازات، ومن ثَمّ تكون طرق بن إدريس إلى الكتب هي طرق الشيخ الطوسي.

____________________

(1) أبواب الأذان والإقامة: باب 10، ح9.

(2) أبواب الأذان والإقامة: الباب10، ح7.

(3) أبواب الأذان والإقامة: الباب10، ح8.

(4) أبواب الأذان والإقامة: باب 10، ح13.


قال العلاّمة في التذكرة: في مسألة 162: يكره الكلام خلال الأذان والإقامة... إلى أن قال: لو كان الكلام لمصلحة الصلاة، لم يُكره إجماعاً؛ لأنّه سائغ الأذان والإقامة أيضاً) (1).

أقول: وقد اختلف الأصحاب في التثويب، واختلفوا على جوازه للتقيّة وهو قوله: (الصلاة خير من النوم) في الصبح والعشاء، ومع عدم التقيّة الأشهر الكراهيّة، وقال الجعفي: (تقول في صلاة الصبح بعد قولك (حيّ على خير العمل)، الصلاة خير من النوم، وليست من أصل الأذان).

ولم يَستشكل عليه الأصحاب من جهة تسويغه إقحام التثويب، مع عدم كونه جزء الأذان وإن خالفوه في حكم التثويب في نفسه، وهو يُعطي ذهابهم إلى مشروعيّة الكلام المتعلّق بالأذان وغاياته، وإن لم يكن جزءاً منه.

وقد تقدّم في الفصل الأوّل في الطائفة الثالثة من طوائف الروايات، ذِكر الروايات الخاصّة الصحيحة المتضمّنة الندب الخاص بذكر الشهادة الثالثة في مطلق الصلاة، والتي قد أفتى بمضمونها العلاّمة في المنتهى (2) ، حيث جَعل ذِكر أسمائهم في الصلاة من أذكار الصلاة، واستثنى ذكرهم من الكلام المبطل في الصلاة، وأفتى كلّ من الصدوق، والمفيد، باستحباب ذكرهم في قنوت الصلاة، والطوسي أيضاً، والمحقّق الأردبيلي (3) ، والنراقي (4) في المستند.

____________________

(1) التذكرة: ج3، ص51، طبعة مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) منتهى المطلب: ج5، ص292 طبع الأستانة الرضويّة، مشهد.

(3) في قنوت صلاة الجمعة في مجمع الفائدة والبرهان: ح2، ص 392- 393.

(4) في تشهّد الصلاة: ج5، ص 331 - 332.


وقد تقدّمت جملة من الروايات المعتبَرة المعاضدة للصِحاح، هذا مضافاً إلى جملة أخرى من ألسن الروايات في سكك الطائفة أيضاً المتقدّمة في مواضع أخرى من الصلاة.

فالإقرار بإمامتهم وذِكر أسمائهم في الصلاة من أذكار الصلاة، هذا مضافاً إلى ما في موثّق أبي بصير التي مرّت الإشارة إليه من قول أبي جعفر (عليه السلام): (إنّ ذِكرنا من ذِكر الله، وذِكر عدوّنا من ذِكر الشيطان) (1) ، وفي صحيح الحَلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): (كلّما ذَكرت الله عزّ وجل، والنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فهو من الصلاة) (2).

وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: (وأفصِح بالألف والهاء وصلِّ على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلّما ذكرتهُ، أو ذكره ذاكر عندك في أذان أو غيره) (3).

وتقريب دلالة هذه الرواية: أنّها دالّة على عموم حكم ذِكر النبي وذِكر الله لكلّ الموارد، ومنها الأذان وعدم خروج طبيعة الأذان عن ذلك، لكون طبيعة الذكر منطوية فيه.

ومن خصائص النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): الصلاة عليه بالصلاة التامة كلّما سُمع اسمه الشريف، فإذا ثَبتت هذه الكبرى، والكبرى أنّ من أحكام التشهّد بالوحدانيّة من الرسالة هو الاقتران بالشهادة الثالثة، وهذا العموم شامل لطبيعة الأذان، ولا يُتوهّم أنّ ذلك يغيّر صورة الأذان وفصوله، أو أنّ الأذان ينقطع موالاته باقتحام الكلام ونحو ذلك من التعليلات الأخرى لذلك الوهم؛ لأنّ هذه المناشئ لا تُمانع عموم استحباب الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ لعموم موضوعه وهو ذِكره بالصلاة عليه.

____________________

(1) أبواب الذكر: باب 3، ح3.

(2) أبواب الركوع: باب 20، ح4.

(3) الكافي: ج3، ص303 ح7، والفقيه: ح1، ص 184، ح875، الوسائل: أبواب الأذان والإقامة، باب 41 ح1.


قال الشهيد الثاني في الروضة:

(ولو فعلَ هذه الزيادة أو إحداهما بنيّة أنّها منه أثمَ في اعتقاده، ولا يبطل الأذان بفعله وبدون اعتقاد ذلك لا حرج) (1).

ويظهر منه مشروعيّة ذِكرها - لا بنيّة الجزئيّة - كشعار؛ لأنه ذَكر أنّها من أحكام الإيمان قبل ذلك.

وقال المجلسي الأوّل (قدِّس سرّه) في شرح الفقيه في ذيل الكلام المتقدّم: (الجزم بأنّ هذه الأخبار من موضوعاتهم مُشكل، مع أنّ الأخبار التي ذكرنا [ مختلفة ] في الزيادة والنقصان، وما لم نذكره كثيرة، والظاهر أنّ الأخبار بزيادة هذه أيضاً كانت في الأصول وكانت صحيحة أيضاً، كما يظهر من المحقّق، والعلاّمة، والشهيد (رحمهم الله)؛ فإنّهم نسبوها إلى الشذوذ، والشاذ ما يكون صحيحاً غير مشهور، مع أنّ الذي حكم بصحّته أيضاً شاذ كما عرفتَ، فبمجرّد عمل المفوّضة أو العامّة على شيء لا يمكن الجزم بعدم ذلك أو الوضع، إلاّ أن يرد عنهم (صلوات الله عليهم) ما يدلّ عليه، ولم يرد مع أنّ عمل الشيعة كان عليه في قديم الزمان وحديثه، والظاهر أنّه لو عمل عليه أحد لم يكن مأثوماً، إلاّ مع الجزم بشرعيّته فإنّه يكون مخطئاً، والأَولى أن يقوله على أنّه جزو الإيمان لا جزو الأذان، ويمكن أن يكون واقعاً ويكون سبب تركه التقيّة،

____________________

(1) الروضة: ج1، ص 573 الطبعة القديمة.


كما وقعَ في كثير من الأخبار ترك (حيّ على خير العمل) تقيّة، على أنّه غير معلوم أنّ الصدوق أيّ جماعة يريد من المفوّضة، والذي يظهر منه - كما سيجيء - أنّه يقول: كلّ مَن لم يقل بسهو النبي، فإنّه من المفوّضة، وكلّ مَن يقول بزيادة العبادات من النبي، فإنّه من المفوّضة، فإن كان هؤلاء فلا تلُم مذهبهم حتى تنسب إليهم الوضع واللّعن، نعم، كلّ مَن يقول بإلوهيّة الأئمّة أو نبوّتهم؛ فإنّهم ملعونون) (1).

أقول: ويستفاد من كلامه (قدِّس سرّه) أمور:

الأمرُ الأوّل: أنّ ما أفاده أوّلاً في تعريف الشاذ، هو الأشهر في تعريفه حيث قالوا: إنّه ما رواه الثقة مخالفاً لمَا رواه جماعة، ولم يكن له إلاّ إسناد واحد، فهو يقابل المنكر والمردود، ويعضد إرادة هذا المعنى من الشاذ في المقام: أنّ الصدوق (قدِّس سرّه) فيما تقدّم من كلامه، ذَكر أنّ الأخذ بتلك الروايات من علامات الاتّهام بالمفوّضة، فلم يجزم ولم يحقّق النسبة إلى التفويض في الراوين الآخذين لها، وكذا ما تقدّم من كلمات القدماء، فإنّ غاية طعنهم فيها هو بالشذوذ لا الضعف في السند، الذي قد يُتوهم من كلام الصدوق (قدِّس سرّه)، وقد عرفتَ عمل القاضي ابن برّاج لبعضها، وقد قدّمنا في الفصل الأوّل استقصاء معاني الشاذ في كلمات الشيخ الطوسي، والصدوق وغيرهم، وعُلم منه أنّ الأشهر في معناه ما ذكرناه سالفاً.

الأمرُ الثاني: إنّ الجمع بين كلامَي الشيخ متين، وكذا ما فسّر به عبائر الأصحاب المتكرّرة، من أنّ الشهادة الثالثة من أحكام الإيمان أو جزء الإيمان لا جزء الأذان، من إرادتهم ذِكرها في الأذان مبنيّاً على أنّها شعار وجزء للإيمان لا بنيّة جزء الأذان، كما في الصلوات على النبي عند ذِكر الشهادة الثانية، كما يأتي في تنقيح بقيّة الوجوه المشار إليها.

____________________

(1) روضة المتقين: ج2، ص245، طبعة قم.


الأمرُ الثالث: إنّ منشأ الإعراض عن روايات الشهادة الثالثة، هو الأخذ بصحيح زرارة المحدّد للأذان والإقامة بعدد معيّن متّحد فيهما، مع أنّ روايات الأذان من جهة عدّ فصوله مع الإقامة مختلفة في تحديد العدد، فلا يصلح ذلك منشأ للإعراض عن روايات الشهادة الثالثة.

وقال المجلسي الثاني - في ذيل عبارة الصدوق بَعدما نقلها في البحار -: (لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة للأذان؛ لشهادة الشيخ، والعلاّمة، والشهيد وغيرهم بورود الأخبار بها، قال الشيخ:... ونقل كلامَي الشيخ المتقدّمَين، ثُمّ قال: ويؤيّده ما رواه الشيخ أحمد بن أبي طالب (قدِّس سرّه)، ونقلَ رواية الاحتجاج، فيدلّ على استحباب ذلك عموماً والأذان من تلك المواضع، وقد مرّ أمثال ذلك في أبواب مناقبه (عليه السلام)، ولو قاله المؤذِّن أو المقيم لا بقصد الجزئيّة، بل بقصد البركة لم يكن آثماً، فإنّ القوم جوزّوا الكلام في أثنائهما مطلقاً، وهذا أشرف الأدعية والأذكار).

واستجودَ هذه المقالة صاحب الحدائق.

وقال صاحب الجواهر بعد كلام المجلسي المتقدّم: (وهو كما ترى إلاّ أنّه لا بأس بذكر ذلك لا على سبيل الجزئيّة، عملاً بالخبر المزبور، ولا يقدح مثله في الموالاة والترتيب، بل هي كالصلاة على محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)عند سماع اسمه، وإلى ذلك أشار العلاّمة الطباطبائي في منظومته عند ذكر السُنن للأذان وآدابه فقال:

صلِّ إذا اسمُ محمّد بدا

عليه والآل فصلِّ لتحمدا

وأكمل الشهادتين بالتي

قد أكمل الدين بها في الملّة

وأنّها مثل الصلاة خارجة

عن الخصوص والعموم والجهة


ثُمّ قال: بل لولا تسالم الأصحاب لأمكنَ دعوى الجزئيّة بناءً على صلاحيّة العموم لمشروعيّة الخصوص، والأمر سهل) (1) انتهى.

وقال الوحيد البهبهاني في حاشيّته على المدارك - عند ذِكر الترجيع (أي التكرار في فصول الأذان) -: (وردَ في العمومات متى ذكرتم محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فاذكروا آله، ومتى قلتم محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قولوا علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما رواه في الاحتجاج فيكون حال الشهادة بالولاية حال الصلاة على محمّد وآله بعد قول المؤذّن: (أشهدُ أنّ محمّداً رسول الله) في كونه خارجاً عن الفصول ومندوباً عند ذِكر محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (2).

وقال الحرّ العاملي في الهداية (3) : إنّ المجلسي ذهبَ إلى كون الشهادة بالولاية فيهما من الأجزاء المستحبّة وقال: إنّ ما ذكرهُ شيخنا في البحار قوي.

وقال المحدّث العلاّمة الشيخ حسين العصفوري البحراني، أنّه قال في الفرحة الإنسيّة: (وأمّا الفصل المروي في بعض الأخبار المرسلة وهو: أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله، فممّا نفاه الأكثر، وظاهر الشيخ في المبسوط بثبوته، وجواز العمل به وهو الأقوى، والطعن فيه كما عن الصدوق غير متحقّق، فلا بأس بما ذهب إليه الشيخ، وليس من البِدع كما زعمه، ثُمّ يؤيّد ما ذكرنا أخبار عدم التفكيك بين الشهادتين، الشهادة بالنبوّة، والشهادة بالولاية، ومنها رواية الاحتجاج) (4).

____________________

(1) الجواهر: ج9، ص 86 - 87.

(2) حاشية المدارك: ج2، ص410.

(3) هداية الأمّة إلى أحكام الأئمّة: بحث الأذان.

(4) الفرحة الإنسيّة: ج2، ص16 طبعة بيروت.


أقول: وما استظهره من عبارة المبسوط متين جدّاً، كما عرفتَ ممّا تقدّم، وكذا ردّه لطعن الصدوق (قدِّس سرّه) للروايات المزبورة.

وقال صاحب القوانين في الغنائم: (أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله، وأنّ محمّداً وآله خير البريّة) فالظاهر الجواز، - ثُمّ نقلَ قول الصدوق، والشيخ في النهاية والمبسوط - ويظهر من هؤلاء الأعلام ورود الرواية، فلا يبعد القول بالرجحان، سيّما مع المسامحة في أدلّة السُنن ولكن بدون اعتقاد الجزئيّة.

وممّا يؤيّد ذلك: ما ورد في الأخبار المطلقة (متى ذكرتم محمّداً صلّى الله عليه وآله فاذكروا آله، ومتى قلتم: محمّداً رسول الله، فقولوا: عليّ وليّ الله) (1).

وعن الشيخ محمّد رضا جدّ الشيخ محمّد طه نجف في العدّة النجفيّة - شرح اللمعة -: (الذي يقوى في النفس أنّ السرّ في سقوط الشهادة بالولاية في الأذان؛ إنّما هو التقيّة ومعه فقد يكون هو الحكمة فيطرّد، نعم، لو قيل لا بقصد الجزئيّة لم يبعد رجحانه).

وقال المحقّق النراقي في المستند: (صرّح جماعة منهم الصدوق، والشيخ في المبسوط بأنّ الشهادة بالولاية ليست من أجزاء الأذان والإقامة الواجبة ولا المستحبّة، وكرّهها بعضهم مع عدم اعتقاد مشروعيّتها للآذان، وحرّمها معه (والظاهر إرادته صاحب مفاتيح الشرائع)، ومنهم مَن حرّمها مطلقاً لخلو كيفيّتهما المعقولة (والظاهر إرادته صاحب الذخيرة)، وصرّح في المبسوط بعدم الإثم وإن لم يكن من الأجزاء، ومفاده الجواز، ونفى المحدّث المجلسي في البحار البُعد عن كونها من الأجزاء المستحبّة للأذان، واستحسنه بعض مَن تأخّر عنه.

____________________

(1) الغنائم: ج2، ص 422.


أقول: (1) أمّا القول بالتحريم مطلقاً، فهو ممّا لا وجه له أصلاً، والأصل ينفيه وعمومات الحثّ على الشهادة بها تردّه.

وليس من كيفيّتهما اشتراط التوالي وعدم الفصل بين فصولهما حتى تخالفهما الشهادة، كيف؟ ولا يُحّرم الكلامَ اللغو بينهما، فضلاً عن الحقّ، وتوهّم الجاهل الجزئيّة غير صالح لإثبات الحرمة كما في سائر ما يتخلّل بينها من الدعاء، بل التقصير على الجاهل حيث لم يتعلّم.

بل وكذا التحريم مع اعتقاد المشروعيّة، إذ لا يُتصوّر اعتقاد إلاّ مع دليل ومعه لا إثم، إذ لا تكليف فوق العلم، ولو سُلِّم تحقّق الاعتقاد وحرمته فلا يوجب حرمة القول، ولا يكون ذلك القول تشريعاً وبدعة، كما حقّقناه في موضعه.

وأمّا القول بكراهتها: فإن أُريد بخصوصها فلا وجه له أيضاً، وإن أُريد من حيث دخولها في التكلّم المنهي عنه في خلالهما، فله وجه لولا المُعارض، ولكن تُعارضه عمومات الحثّ على الشهادة مطلقاً، والأمر بها بعد ذِكر التوحيد والرسالة بخصوصه كما في المقام رواه في الاحتجاج - ونقلَ رواية معاوية المتقدّمة - بالعموم من وجه، فيبقى أصل الإباحة سليماً من المزيل، بل الظاهر من شهادة الشيخ، والفاضل، والشهيد - كما صرّح به في البحار - ورود الأخبار بها في الأذان بخصوصه أيضاً - ثُمّ نَقل كلامَي الشيخ في المبسوط والنهاية - وعلى هذا فلا بُعد في القول باستحبابها فيه، للتسامح في أدلّته.

وشذوذ أخبارها لا يمنع عن إثبات السُنن بها، كيف؟ وتراهم كثيراً يجيبون عن الأخبار بالشذوذ فيحملونها على الاستحباب) (2) انتهى كلامه.

____________________

(1) والكلام لا زال للنراقي.

(2) المستند: ج4، ص486.


وقال صاحب الرياض - في معرض ردّه على المستشكل في ذِكر الشهادة الثالثة في الأذان -: (قيل: إنّ الأذان سُنّة متلقاة من الشارع كسائر العبادات فتكون الزيادة فيه تشريعاً محرّماً، كما يحرم زيادة أنّ محمّداً وآله خير البريّة؛ فإنّ ذلك وإن كان من أحكام الإيمان إلاّ أنّه ليس من فصول الأذان كما ترى، فإنّ التشريع لا يكون إلاّ إذا اعتقد شرعيّته من غير جهة أصلاً، ومنه يظهر جواز زيادة أنّ محمّد وآله إلى آخره، وكذا عليّاً وليّ الله مع عدم قصد الشرعيّة في خصوص الأذان، وإلاّ فيحرم قطعاً، ولا أظنّهما من الكلام المكروه أيضاً؛ للأصل، وعدم انصراف إطلاق النهي عنه إليهما بحكم عدم التبادر، بل يستفاد من بعض الأخبار استحباب الشهادة الثالثة بالولاية بعد الشهادة بالرسالة) (1) .

وإليك بعض فتاوى وكلمات أعلام العصر في جواز الثالثة وهي:

1- قال السيّد إسماعيل النوري - عند ذِكر الماتن للأذان -: (المتصفِّح للروايات الواردة في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، يحصل له القطع بمحبوبيّة اقتران اسمه المبارك والشهادة له بولايته باسم الله تعالى، واسم رسوله كلّما يُذكران لفظاً وكتابةً، وذكروا أنّه لا معنى للاستحباب إلاّ رجحانه الذاتي النفس الأمري) (2).

وإطلاق كلامه شامل للتشهّد في الصلاة كما يشمل الأذان.

____________________

(1) رياض المسائل: ج1، ص151.

(2) نُقلت من كتاب سرّ الإيمان، للسيّد عبد الرزاق المقرّم.


2- وقال السيّد علي الطباطبائي آل بحر العلوم في البرهان القاطع، عند ذِكر كيفيّة الأذان: (وبالجملة بالنظر إلى ورود تلك العمومات يستحبّ كلّما ذُكرت الشهادتان تُذكر الشهادة بالولاية، وإن لم ينصّ باستحبابه في خصوص المقام، إذ العموم كاف له، ومنه الأذان والإقامة فيستحبّ الشهادة بالولاية بعد الشهادتين فيهما، لا بقصد جزئيّتهما فيهما؛ لعدم الدليل وفاقاً للدرّة) (1) .

أقول: يظهر من هذا الكلام وما تقدّم، أنّ كلّ مَن بنى على استحباب اقتران الشهادات الثلاث عموماً، مقتضاه أن يبني على استحبابه في التشهّد أيضاً لا بنحو الجزئيّة، بل من باب استحباب العام لكيفيّته الخاصّة.

3- وقال الميرزا محمّد تقي الشيرازي - وهو في رتبة أستاذ الميرزا النائيني - في رسالته العمليّة التي طُبعت في بغداد (في مطبعة الآداب 1328)، قال في ص60: (ويستحبّ الصلاة على محمد وآله عند ذِكر اسمه الشريف، وإكمال الشهادتين بالشهادة لعلي بالولاية، وإمرة المؤمنين في الأذان وغيره) (2).

وقال الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء في حاشيته على العروة: (يمكن استفادة كون الشهادة بالولاية والصلاة على النبي وآله، أجزاء مستحبّة في الأذان والإقامة من العمومات) (3).

أقول: إنّ ما ذهب إليه من استفادة الجزئيّة من العمومات، نظير ما ذهب إليه صاحب الجواهر، وذهب للاستحباب في الأذان والإقامة الميرزا عبد الهادي الشيرازي في حاشيته على العروة.

____________________

(1) البرهان القاطع: ج3.

(2) رسالة سرّ الإيمان: السيّد عبد الرزاق المقرّم، ص 76.

(3) حاشية على العروة الوثقى، في ذيل مسألة فصول الأذان الإقامة.


تكملة كلام السيّد الحكيم والتعليق عليه.

قال: (وما في الجواهر من أنّه كما ترى غير ظاهر).

ويستفاد من قوله (قدِّس سرّه):

الأوّل: عدم حصول القطع ولا العلم القصدي من دعوى الصدوق بكذب الرواة، وأنّ احتمال صدقهم قائم بحاله، وعلى ذلك فتجري قاعدة التسامح في أدلّة السُنن على القول بها، بل حتّى على القول بها كما سيأتي بيانه.

الثاني: تقريره بأنّ الأذان شعار للإيمان أو محلّ لشعائر الإيمان.

الثالث: استوجهَ ما ذهبَ إليه المجلسي في البحار من كون الشهادة الثالثة من الأجزاء المستحبّة في الأذان، استناداً إلى شهادة الشيخ، والعلاّمة، والشهيد بورود الأخبار الخاصّة المعتضدة بالأخبار العامّة الدالّة على التلازم بين الشهادات الثلاث، وذَكر أنّ تَنظّر صاحب الجواهر بأنّ دعوى المجلسي المزبورة لا وجه له ظاهر.

4- قال الميرزا النائيني في وسيلة النجاة: (يستحبّ الصلاة على محمد وآله عند ذِكر اسمه الشريف، وإكمال الشهادتين بالشهادة لعلي (عليه السلام) بالولاية، وإمرة المؤمنين في الأذان وغيره).

أقول: وعموم كلامه يقتضي شموله للتشهّد في الصلاة، لاسيّما وإنّ الصلاة على النبي محمّد عند ذِكر اسمه يعمّ الصلاة وغيرها.

5- قال السيّد الحكيم في منهاج الصالحين يُمثل عبارة أستاذه الميرزا: (وتستحبّ الصلاة على محمّد وآله عند ذِكر اسمه الشريف، وإكمال الشهادتين لعلي (عليه السلام) بالولاية، وإمرة المؤمنين في الأذان وغيره) (1).

____________________

(1) منهاج الصالحين: ص 129 الطبعة السابعة.


وقال أيضاً في مستمسكه (قدِّس سرّه) - بعد أن نقلَ كلام الشيخ في المبسوط، وكلام الصدوق في الفقيه، واستعراضه لطوائف الروايات التي أوردها الصدوق، ونقلَ كلام العلاّمة في المنتهى -: (لكنّ هذا المقدار لا يمنع من جريان قاعدة التسامح على تقدير تماميّتها في نفسها، وردّ الشهادة بكذب الراوي لا يمنع من احتمال الصدق الموجِب لاحتمال المطلوبيّة، كما أنّه لا بأس بالإتيان بقصد الاستحباب المطلق؛ لمَا في خبر الاحتجاج - نَقل الخبر - بل ذلك في هذه الأعصار معدود من شعائر الإيمان ورمز إلى التشيّع، فيكون من هذه الجهة راجحاً شرعاً، بل قد يكون واجباً لكن لا بعنوان الجزئيّة من الأذان، ومن ذلك يظهر وجه ما في البحار من أنّه لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة للأذان؛ لشهادة الشيخ، والعلاّمة، والشهيد وغيرهم بورود الأخبار بها، وأيّد ذلك بخبر القاسم بن معاوية المروي عن احتجاج الطبرسي.

6- قال الشيخ مرتضى آل ياسين (قدِّس سرّه): (ومنه يظهر لك وجه القول بجواز ذِكر الشهادة الثالثة في الصلاة، فضلاً عن الأذان والإقامة) (1).

7- قال السيّد الخوئي (قدِّس سرّه): (نعم، قد يقال: إنّ رواية الاحتجاج تدلّ عليه بصورة العموم، فقد روى الطبرسي في الاحتجاج عن القاسم بن معاوية عن الصادق (عليه السلام) أنّه: (إذا قال أحدكم لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فليقل علي أمير المؤمنين)، لكنّها لضعف سندها غير صالحة للاستدلال إلاّ بناءً على قاعدة التسامح، ولا نقول بها كما عرفتَ.

____________________

(1) رسالة سرّ الإيمان: ص78، السيّد عبد الرزاق المقرّم.


ولعلّ ما في البحار من كون الشهادة من الأجزاء المستحبّة، مستند إلى هذه الرواية، وما عرفتهُ من شهادة الصدوق، والشيخ، وغيرهما بورود النصوص الشاذّة.

هذا، ولكنّ الذي يهوِّن الخَطب أنّنا في غنىً من ورود النص، إذ لا شبهة في رجحان الشهادة الثالثة في نفسها، بعد أن كانت الولاية من مُتمّمات الرسالة ومقوّمات الإيمان، ومن كمال الدين بمقتضى قوله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ، بل من الخَمس التي بُني عليها الإسلام، ولاسيّما قد أصبحت في هذه الأعصار من أجلى أنحاء الشعار، وأبرز رموز التشيّع وشعائر مذهب الفرقة الناجية، فهي إذاً أمر مرغوب فيه شرعاً وراجح قطعاً في الأذان وغيره، وإن كان الإتيان بها فيه بقصد الجزئيّة بدعة باطلة، وتشريعاً محرّماً حسبما عرفتَ) (1).

أقول: ويستفاد من قوله جملة أمور:

أوّلاً: إلفاته (قدِّس سرّه) كون ما أورده الصدوق في الفقيه، هي روايات محذوفة السند إلاّ أنّها في الأصل الذي نَقل عنه الصدوق هي مسندة متصلة، وإنّ عبارة كلّ من الصدوق، والشيخ في المبسوط والنهاية، شهادة لوجود تلك النصوص وورودها في الأصول الروائيّة.

الثاني: إنّ تقييمه لاعتبار تلك النصوص، أنّه وَصفها بالشذوذ بمعنى غير المعمول به لا بمعنى ضعف السند.

____________________

(1) مستند العروة الوثقى: ج13، ص259 - 260.


الثالث: تقريره (قدِّس سرّه) بكون الأذان شعيرة إيمانيّة أو محلاً للشعائر الإيمانيّة، وهذا مطابق لمصحّح (1) الفضيل بن شاذان في رواية العِلل المتقدّمة، وابن أبي عمير، وابن سنان، خلافاً لمَا ذهبَ إليه الشيخ جعفر كاشف الغطاء من أنّ الأذان شعار للإسلام، وقد مرّ أن قد ذهبَ إلى أنّ الأذان شعيرة إيمانيّة أو محلاً للإيمان جملة من العلماء: كالشهيد الأوّل (2) ، والثاني (3) ، وصاحب الرياض (4).

بل اعتبرها من أجلى الشعائر الدينيّة، وأبرز رموز التشيّع ومذهب أهل البيت (عليهم السلام).

الرابع: أنّه قد استفاد قطعيّة رجحان ذِكر الشهادة الثالثة في الأذان وغيره، من خلال كون الولاية من مُتمّمات الرسالة ومقوّمات الإيمان، ومن كمال الدين بمقتضى آية الغدير، وبمقتضى الروايات المستفيضة في أنّ الإسلام بُني على خمس أعظمهنّ الولاية، كما مرّت الإشارة إلى ذلك في طوائف الروايات العامّة، فما أبعدَ ما بين ما ذهبَ إليه المشهور من قطعيّة رجحان ذِكر الشهادة الثالثة - كما صرّح بذلك المجلسي الأوّل والمجلسي الثاني كما تقدّم - وبَين مَن يستعصي عليه فهمّ رجحان ذِكر الشهادة الثالثة التي هي من أصول الدين.

____________________

(1) أبواب الأذان والإقامة: باب 19، ح14 - 15 - 16.

(2) الدروس: ح1، ص 162 طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي.

(3) الروضة البهيّة في بحث الأذان.

(4) رياض المسائل: ج1، ص 151.


وقفةٌ أو محاكمة مع الحُكم بالبدعيّة

إنّ ما قاله (قدِّس سرّه) (1) ببدعيّة مَن قَصد الجزئيّة وكونه تشريعاً محرّماً، لا يتمّ مع ذهاب الشيخ الطوسي، والعلاّمة الحلّي، والشهيد الأوّل إلى أنّ العامل بالنصوص الشاذّة التي شهد بورودها الصدوق، والشيخ وغيرهما العامل بمضمونها - أي العمل بكون الشهادة جزءاً، لا بمجرّد التأذين بها بعنوان الرجحان العام، إذ هو ليس عملاً بمضمونها - غير آثم عند الأعلام الثلاثة، ومع وجود المَدرك المحتمل كيف يحكم بالبدعيّة، بل قد مرّ فتوى السيّد المرتضى أنّ المؤذِّن بها كذلك - أي كفصل - لا شيء عليه، كما مرّت (2) فتوى ابن برّاج (3) ، والشهيد الأوّل (4) باستحباب مضمون أحد تلك الطوائف التي شهد بورودها الصدوق، بل قد تقدّم استظهار فتوى الشيخ في المبسوط بجواز العمل بها.

وبعبارةٍ أخرى: إنّ البدعيّة لا يَحكم بها أحد المجتهدين على الآخر بمجرّد اختلاف النظر والاجتهاد، وإلاّ لكان اللازم أن يحكم المجتهدون بالبدعيّة على بعضهم البعض في كلّ ما اختلفوا فيه من الفروع الفقهيّة، ومجرّد عدم نهوض الدليل في نظر جماعة ولو المشهور، لا يوجب نفي الدليليّة لدى البعض الآخر والحكم بالبدعيّة، وقد مرّ أنّ الطوائف الثلاث مع الشواهد العديدة من كلام: الصدوق، والشيخ الطوسي، وكلام السيّد المرتضى، وابن برّاج، والشهيد، والعلاّمة ما يصلح لوثوق صدور تلك الروايات،

____________________

(1) مستند العروة الوثقى: ج13، ص259 - 260، تقريراً لأبحاث السيّد الخوئي.

(2) الفصل الأوّل: الجهة الأولى، البحث عن الطوائف الأولى.

(3) المهذّب: ج1، ص 90 طبعة جماعة المدرّسين.

(4) الذكرى: ج3، ص 241 طبعة قم.


ومن ثُمّ نفى الشيخ الطوسي الإثم عمّن عملَ بمضمون هذه الروايات - أي قال بالجزئيّة الواجبة وضعاً في الأذان؛ لأنّه مضمون تلك الطوائف الثلاث التي رواها الصدوق - ولكن خطّأه أي بالتخطئة الاجتهاديّة من دون أن يَحكم بالبدعيّة، بل حَكم بمعذوريّة العامل بتلك الروايات.

وكذلك موقف العلاّمة الحلّي، والشهيد الأوّل، بل السيّد المرتضى قد أفتى بنفي البأس عمّن يؤذِّن بها بقصد الجزئيّة، كما مرّ في رسالته المبافارقيات، وكذلك القاضي ابن برّاج قد أفتى باستحباب الشهادة الثالثة في الأذان، وظاهره الجزئيّة، ولكن يأتي بها بإخفات أي مستسراً، وقد أفتى بذلك الشهيد الأوّل أيضاً كما مرّ، كما أنّ الشيخ الطوسي في المبسوط والمحقّق وغيرهم، قد أفتوا باستحباب الشهادة الثالثة في حكاية الأذان، مع أنّ اللازم في الحكاية المطابقة مع فصول الأذان المسموع.

إلى غير ذلك من صنوف الفتاوى المستندة إلى صنوف ألسن طوائف الروايات الواردة التي مرّ ذكرها.

أقول: هذا مضافاً إلى السيرة المتقدّمة من الصحابة إلى الرواة من أصحاب الأئمّة، إلى سيرة الطائفة المتصلة بالغيبة الصغرى وسيرة الدول الشيعيّة، والتي قد دَللنا على وجودها في المصادر التاريخيّة المتعدّدة المتسالمة على وقوعها، بنحوٍ لا يقلّ عن سائر السيَر المتشرّعيّة المعتمدة في الفروع الفقهيّة، بل إنّهم يعتمدون على سِيَر هي دون هذه السيرة الضاربة المنتشرة في البلدان، المتواجدة فيها الطائفة الشيعيّة بنحو متّصل بالغيبة الصغرى.


هذا، فضلاً عن إمكان توظيف الطوائف العامّة بقرائن تقريبيّة خاصّة تجعلها بمثابة الطوائف الخاصّة، فمع كلّ هذا الكم من وجوه الأدلّة إن لم يصلح لإثبات الجزئيّة، فهو صالح قطعاً للمعذريّة لمَن يبني على تماميّة هذه الوجوه، فلا أقلّ من كون هذه الوجوه رافعه ومزيلة لموضوع قاعدة البدعيّة، وإلاّ كان اللازم الحكم ببدعيّة ما ذَهب إليه المتقدّمون في المقام ممّا مرّ فتاواهم بالشهادة الثالثة في الأذان.

قول إفراطي:

ثُمّ إنّ الأغرب في المقام، مَن شَذّ وحَكم بالبدعيّة في المقام أي: في ذِكر الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة، وإن لم يقصد بها الجزئيّة فيما إذا أُتي بها مكرّرة مرّتين كهيئة فصول الأذان والإقامة، أي قَصد بها الندبيّة العامّة، والحري أن يُحكم عليه بالبدعيّة في حكمه هذا؛ لأنّه حَكم بالبدعيّة بلا مستند ولا ميزان، بل على خلاف المستند، فإنّه لم يرتاب أحد من المشهور بقطعيّة الندب - كما مرّت كلماتهم - فكم فرق شاسع بين دعوى المشهور بقطعيّة الندبيّة العامّة الشاملة للأذان وبين دعوى قطعيّة العدم، ولربّما بنى القائل المزبور قطعه بعدم الندبيّة العامّة على عدم إيمانه بثبوت أدلّة إمامة أمير المؤمنين، وأنّ الإقرار بها باللسان لا صلة له بالإيمان، أو أنّ الإقرار بالإيمان لا صلة له بالإسلام، هذا، وقد يستدلّ للحرمة:

أوّلاً: بأنّها بدعة وزيادة في العبادة التوقيفيّة الموظّفة من الشارع.

ثانياً: بحصول الإيهام بالجزئيّة وهو تغيّر لرسم الأحكام الدينيّة؛ وذلك بسبب تشاكل وتماسك صورة التكرار عدواً لفصول الأذانين.


ثالثاً: بلزوم جواز الشهادة الثالثة في الصلاة أيضاً، واللازم ممنوع فمقدّم الملزوم مثله.

وفيه:

أوّلاً: ما مرّ من تماميّة المستند لدى جملة من المتقدّمين للجزئيّة الوصفيّة، فضلاً عن الندبيّة العامّة، بل قد ذكرنا جملة من المشهور حصول القطع من الأدلّة على الندبيّة العامّة، كيف لا؟ والولاية هي تمام الدين وشرط رضى الرب بالإسلام كدين توحيد، ومعاد، ونبوّة، ثُمّ لو تعامينا عن كلّ ذلك فإنّ اتخاذ الشهادة الثالثة في الأذان كشعار لولاية أهل البيت، ليس من الإحداث في الدين بعد عدم قصد الجزئيّة، وأيّ إيهام للجزئيّة مع تصريح الأكثر بعدم الجزئيّة في الكتب الفقهيّة.

وأمّا تخيّل الجاهل المقصّر - لتعلّم الأحكام من الكتب المعدّة لمعرفة الفقه والوسائل المنصوبة وأهل العلم - فلا وقعَ له ولا يُحسب له حساب، وإلاّ للزمَ أن نغيّر عمّا هي عليه بحسب تهاون الجاهل في تعلّم الأحكام، واطّرد ذلك في جملة من الأبواب، والتكلّم في الأثناء بذكر الله وما هو بحكمه سائغ في الأذان، بل التكلّم بالكلام العادي في الأثناء - كما تقدّم - مكروه لا محرّم وضعيّاً يُبطل الأذان والإقامة، فضلاً عمّا نحن فيه؛ لأنّ الكراهة غير شاملة.

ثانياً: إنّ عدم الجزئيّة كما عرفتَ ليس من المسلّمات القطعيّة، بل هي مسألة اجتهاديّة، كما قد عرفتَ أنّه ومرّ إفتاء جملة من القدماء بها، حتّى أنّ الشيخ في قوله: (ومَن عَمل بمضمونها لم يأثم) يشير إلى وجود بعض الأصحاب العاملين بها، وقد أفتى الشيخ بعدم حرمة العمل بها بقصد الجزئيّة، وإن وَصفَ ذلك في النهاية بأنّه مخطئ، ومعنى التخطئة هو الاختلاف في الاجتهاد لا الحكم بالبدعيّة، كما توهّم القائل المزبور، وقد حرّر كلام الشيخ كلّ من: العلاّمة في المنتهى، والشهيد في الدروس.


هذا، مضافاً إلى اعتراف الشيخ، والصدوق، والعلاّمة، والشهيد بورود الروايات، بل في الفقيه روى وأوردَ طوائف الروايات الثلاث لتلك الروايات، وإن غفلَ عن ذلك جملة من متأخّري المتأخّرين، وقد مرّ مفصّلاً أنّ الاختلاف في الاجتهاد لا يؤدّي إلى نسبة أحد الاجتهادين إلى البدعة، كما لا يخفى على المتفّقه فضلاً عن الفقيه، ولذلك قال الشيخ في النهاية بأنّ العامل بتلك الروايات الدالّة على الجزئيّة مخطئ، وهو معنى التخطئة والتصويب في الاجتهاد عند الاختلاف لا الحكم بالبدعة، كما توهّم القائل المزبور، وكذا تابعهُ العلاّمة في المنتهى، والشهيد في الدروس، وقد عرفتَ فتوى ابن برّاج في المهذّب ببعض مضمونها.

ثالثاً: بل لو سلّمنا التقصير في اجتهاد مَن ذهبَ إلى الجزئيّة؛ فإنّ ذلك لا يستلزم البدعة، كما هو الحال في سائر الموارد والاختلافات في الاجتهادات الظنيّة، والحاصل أنّ الزيادة القطعيّة في الدين هي البدعة، أو ما ليس عليه دليل أصلاً، لا ما عليه دليل ولو بحسب الأنظار الأخرى.

رابعاً: إنّك عرفتَ ممّا تقدّم من العديد من الروايات، استحباب تكرار الشهادة الثالثة بعدد تكرار الشهادتين، وبنحوٍ منفصل عنهما غير متداخل كهيئة فصول الأذان، فمعَ مسلّميّة الاستحباب المطلق في الأذان وغيره لإكمال وإقرار الشهادتين بالثالثة، لنا أن نبني على استحباب هذه الهيئة الخاصّة المماثلة لفصول الأذان، سواء في الأذان وغيره، وعلى كلّ حال الإقرار بحصول الإيهام من المستشكل، شاهد على وجود الدلالة في تلك الروايات المشار إليها على جزئيّة الشهادة الثالثة ندباً في الأذان؛ لأنّ المفروض أنّها تدلّ على هيئة مماثلة لهيئة فصول الأذان، والمفروض في حصول الإيهام فليس ذلك إلاّ للإيماء للأذان، فتدبّر، وقد أشرنا إلى هذه الدلالة سابقاً فراجع.


خامساً: وأمّا لزوم الجواز للشهادة الثالثة في الصلاة أيضاً ففيه:

ألف: عدم معلوميّة انتفاء ذلك، فقد ذهبَ إليه جماعة من هذه الأعصار، كما أشار إلى هذا القول في المستمسك، ويمكن أن يُستدلّ له بما ورد في التشهّد بطُرق معتبرة من اختلاف الصيَغ المندوبة فيه، المتضمّنة للتشهّد بالعديد من الأمور الاعتقاديّة الحقّة، ممّا يُستشفَ منه ندب التشهّد بالأصول الاعتقاديّة الحقّة، ويدلّ على مشروعيّة ذِكرها في التشهّد، العموم في رواية بكر بن حبيب قال، قلتُ لأبي جعفر: أيّ شيء أقول في التشهّد والقنوت؟ قال: (بأحسن ما عَلمتَ؛ فإنّه لو كان موقتاً لهلكَ الناس) (1).

وقد تقدّمت رواية الفقه الرضوي المتضمّنة لذلك في التشهّد، وكذا يُستشفَ ممّا وردَ في دعاء التوجّه من ذِكر آل محمّد (عليهم السلام)، في بعض كيفيّاته التي يؤتى بها بعد تكبيرة الإحرام، وأيضاً يمكن أن يُستدلّ بما ورد من جواز الصلاة على النبي وآله في الصلاة؛ فإنّ فيه ذِكرهم (عليهم السلام)، وكذا يُستدلّ بعموم ما ورد من أنّ ذكرهم (عليهم السلام) ذِكر الله، فيندرج فيه فيسوّغ في الصلاة، ولا ريبَ في الاندراج بعد كون إمامتهم وولايتهم فعل الله تعالى وجعله كالرسالة، فهي وجهة الله وشطره، ووجهه وعلم نَصَبه لصراطه.

باء: عدم لزوم ذلك، حيث إنّ الصلاة يُمنع فيها من التكلّم بغير ذكر الله تعالى أو قراءة الأذان، ولاسيّما الكلام الحقّ فيه.

____________________

(1) أبواب التشهّد: الباب 5، ح1، 3.


ج: بورود الروايات في الأذانين التي تقدّم إمكان اعتبارها فيهما دون الصلاة.

وأمّا القول بالكراهة: فقد يُستدلّ له بالكراهة للتكلّم في الأذان ويشتدّ في الإقامة، فيكون مكروهاً وإن كان راجحاً ذاتاً.

وفيه: إنّك عرفتَ من صحيح زرارة الوارد في الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلّما ذُكر - وإن كان في الأذان - دلالته على انصراف الكراهة عن الكلام الحق الذي هو من مستحبّات الشهادة الثانية، وكلّ من الصلوات والشهادة الثالثة من المستحبّات المشخّصة المفردة للشهادة الثانية.

قال السيّد عبد الأعلى السبزواري (قدِّس سرّه) تعليقاً على متن العروة: أنّ الشهادة الثالثة ليست بجزء؛ لعدم التعرّض لها في النصوص الواردة في كيفيّة الأذان والإقامة، ولكن الظاهر أنّه لوجود المانع لا لعدم المقتضي، ويكفي في أصل الرجحان جملة من الأخبار - ثُمّ ذَكر خبر الاحتجاج، وخبر أنّهم أوّل الخلقة، وأنّهم نُوّه بأسمائهم بالشهادات الثلاث، والرواية الواردة في الوضوء أنّ من مستحبّات أذكار الوضوء الخاصّة الشهادات الثلاث، وأشار إلى غيرها من الأخبار - إلى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبّع الواردة في الموارد المتفرّقة، التي يستفاد من مجموعها تلازم تشريع الشهادات الثلاثة - مع استظهار جمع من الأساطين - كالشهيد، والشيخ، والعلاّمة - رجحانه في الأذان، وهذا المقدار يكفي بعد التسامح في أدلّة السُنن، وهم يتسامحون في الحكم بالاستحباب - في جملة من الموارد - بأقلّ قليل من ذلك، كما لا يخفى، وقد صارت الشهادة بالولاية في الأذان والإقامة من شعار الإماميّة خَلَفاً عن سلف من العلماء، وطريق الاحتياط الإتيان بها رجاءً.


ويستفاد من قوله (قدِّس سرّه) جملة أمور:

الأوّل: إنّ من مجموع الطوائف يستفاد رجحان تلازم الشهادات الثلاث مطلقاً ولو في الأذان.

الثاني: استظهاره من كلام الشيخ، والعلاّمة، والشهيد إفتائهم برجحان الشهادة الثالثة في الأذان، وقد مرّ في الفصل الأوّل وفي الجهة الأولى عند البحث في الطوائف الثلاث، ذِكر الشواهد لهذا الاستظهار من كلامهم.

الثالث: إشارته إلى قاعدة التسامح في أدلّة السُنن، وأنّ ديدن المشهور على إجرائها في روايات أضعف صدوراً بالقياس إلى الروايات المتضافرة في المقام المدّعى ضعفها.

وذَكر السيّد اليزدي في العروة، في تعقيبات الصلاة في فصل استحباب الصلاة على النبي حيثما ذُكر، أو مَن ذُكر عنده، ولو كان في الصلاة وفي أثناء القراءة، بل الأحوط عدم تركها لفتوى جماعة من العلماء بوجوبها.

وقال في مسألة 7: إذا أراد أن يصلّي على الأنبياء، أوّلاً يصلّي على النبي وآله، ثُمّ عليهم، ففي الخبر عن معاوية بن عمّار قال: ذَكرت عند أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) بعض الأنبياء، فصلّيتُ عليه، فقال (عليه السلام): (إذا ذُكر أحد من الأنبياء، فابدأ بالصلاة على محمّد وآله ثُمّ عليه).

أقول: ويظهر من كلامه، أنّ ذِكر النبي وآله يندرج في أذكار الصلاة، ومن ثُمّ لا يُمانع من الصلاة على النبي وآله في كلّ الأحوال حتّى في حال الصلاة، ثُمّ لا يخفى أنّ فيه تقديم للصلاة على الآل قبل الصلاة على الأنبياء فتدبّر.


وقال أيضاً في العروة مسألة 43: ربّما يقال بجواز البكاء على سيّد الشهداء أرواحنا فداه في حال الصلاة وهو مشكل، وعلّق على هذه المسألة جملة من أعلام العصر ومنهم:

1- السيّد الخوئي: أظهره الجواز فيما إذا قَصد به التقرّب إلى الله، والأحوط تأخيره إلى خارج الصلاة.

2- الميلاني: الأظهر أنّه من أفضل الأعمال المتقرّب بها إليه سبحانه، فالأقرب جوازه.

3- القمّي: إذا كان بقصد التقرّب إلى الله ولم يكن ماحياً لصورة الصلاة، فلا إشكال فيه.

4- الشاهرودي: الظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال فيه إذا كان لرجحانه شرعاً وأنّه من أفضل القُربات، نعم، الأحوط الترك إذا كان البكاء عليهم من أجل الرحميّة وغيرها من الأمور الغير دينيّة، ولم يكن ماحياً لاسم الصلاة، كما أنّ منع الموجبة للمحو المذكور لا يُعاقد بما أتي به مطلقاً، وإن لم يكن عن تعمّد واختيار.

5- آل ياسين: لا ينبغي الإشكال، بل هو من أفضل الطاعات.

6- الجواهري: والأقوى الجواز.

7- كاشف الغطاء: لا ينبغي الإشكال؛ لأنّه من أفضل القُربات فلا تشمله الأخبار الناهية.

8- النائيني: الظاهر أنّه ممّا لا ينبغي الإشكال فيه.

أقول: والوجه في بنائهم على جواز البكاء على سيّد الشهداء حال الصلاة، هو كون ذكرهم (عليهم السلام) عبادة لله تعالى،


حيث إنّ ذِكرهم ذِكر لله تعالى، سواء كان الذكر الحالي أو القولي.

هذا، وقد جمعَ المحقّق المتتبّع السيّد عبد الرزاق المقرّم في رسالته سرّ الإيمان، ما يقرُب من مائة فتوى لعلماء من عهد المجلسيين إلى يومنا هذا، وهذا يعطي معنى التسالم الفقهي عند علمائنا في الاستحباب العام للشهادة الثالثة.


الجهةُ الثانية

روايات الندبيّة الخاصّة

وافتراق هذا الوجه عن الوجه الأوّل: أنّ في الأوّل كان البحث هو عن جزئيّة الشهادة الثالثة في فصول الأذان على حذو بقيّة الفصول، أي تكون الشهادة الثالثة وجوبها وضعيّاً في الأذان، أي دخيلة في صحّته، وممّا لابدّ منها في صحّة الأذان، بخلاف الوجه الثاني فإنّه غير دخيل في الصحّة؛ وإنّما هو بيان المشخّصات المفردة الدخيلة في كمال ماهيّة الأذان الواردة بالخصوص فيه، كما هو الحال في الجزء الندبي بالأمر الخاص في كلّ مركّب.

كما أنّ الوجه الثاني يُغاير الوجه الثالث، وهو الندبيّة العامّة إثباتاً وثبوتاً، فإنّ الأمر بالندبيّة الخاصّة لابدّ أن يكون أمراً خاصّاً وارداً في ماهيّة المركّب، وأمّا الأمر في الندب العام فلا يكون خاصّاً، بل عامّاً شاملاً لماهيّات متعدّدة ولموارد كثيرة.

ومن ثَمّ قد يقال في الأمر العام باحتياجه إلى مقدّمة وضميمة تبيّن مشروعيّة ضمّه إلى الماهيّة الخاصّة، نظراً لكون الماهيّات ذات وحدة ارتباطيّة خاصّة، وهذا بخلاف الأمر الخاص بالفعل الندبي؛ فإنّه لا يحتاج إلى تلك المقدّمة لوروده بالخصوص فيها، كما أنّ الجزء الندبي الخاص دخيل في كمال الماهيّة، من حيث هي هي أي بعنوانها الذاتي الخاص بها، وأمّا الندب العام فهو دخيل في كمال الماهيّة بعنوان عام، كعنوان أنّ الأذان ذِكر ومجلس ونحو ذلك.


الطوائفُ الروائيّة الخاصّة

وقد تقدّم جملة وافرة منها، وهي الطائفة السادسة من الفصل الأوّل لبيان الوجه الأوّل، وقد كانت على ألسن متعدّدة نظير ما ورد من تسميتهم (عليهم السلام) في الصلاة، كصحيحة الحَلَبي وغيرها، ممّا دلّ على أنّ ذِكر أسمائهم مع وصفهم بالإمامة هو من الأذكار الصلاتيّة الخاصّة.

وقد تقدّمت فتوى: العلاّمة، والصدوق، والمفيد، والطوسي، والنراقي، والأردبيلي وغيرهم بها، وكذلك في التشهّد، وصلاة التشهّد، والتسليم، ودعاء التوجّه، وخطبة الجمعة المتضمّنة لذكر أسمائهم مع كونها جزء الصلاة، حيث قد مرّ تقريب دلالتها بنحو ينطبق مع الوجه الأوّل، وهو الجزئيّة بنحو الوجوب الوضعي وإن لم يكن مفادها ذلك ابتداءً مطابقة، إلاّ أنّه بقرائن منضمّة تتكوّن الدلالة الالتزاميّة لها، وإلى هذه الفذلكة الصناعيّة وهي تقريب الدلالة المطابقيّة العامّة وتنزيلها على مفاد الدلالة الالتزاميّة الخاصّة، أشار صاحب الجواهر في المقام بقوله: (لولا تسالم الأصحاب لأمكنَ دعوى الجزئيّة بناءً على صلاحيّة العموم لمشروعيّة الخصوصيّة، والأمر سهل) (1) .

وعلى تقدير غضّ النظر عن تلك الفذلكة والتقرير المتقدّم، فدلالتها المطابقيّة الابتدائيّة هو كون الشهادة الثالثة من الأذكار الخاصّة بالصلاة وتوابعها، وقد مرّ بيان ذلك مفصّلاً من أنّ مفادها المطابقي هو الندبيّة الخاصّة، أي الجزء الندبي الذي هو شرط في الكمال، بخلاف الجزء الوجوبي الوضعي؛ فإنّه شرط في صحّة المركّب وإن كان المركّب برمّته مستحبّاً فلاحظ.

____________________

(1) الجواهر: ج9/ 86 - 87.


الجهةُ الثالثة

عناوينُ الطوائف الروائيّة العامّة

وهي جملة من الطوائف العديدة التي لسانها المطابقي ابتداءً ينطبق على الوجه الثالث وهو الندبيّة العامّة، إلاّ أنّه بضميمة جملة من القرائن تأتلف دلالتها على الندبيّة الخاصّة، بل قد مرّ في الفصل السابق تقريب دلالتها في جملة من القرائن على الوجه الأوّل، وهي الجزئيّة بنحو الوجوب الوضعي، إلاّ أنّ الكلام في المقام - مع غضّ النظر عن ذلك التقريب المتقدّم، وملاحظة سياق آخر للقرائن - لتقريب الندبيّة الخاصّة، وأهمّ تلك القرائن عمدةً، هي أنّ هذه الطوائف المستفيضة بل المتواترة معنىً، تُركّز في مجموعها وتصبّ في بيان أنّ للإقرار بالشهادة والتشهّد حقيقة شرعيّة، هي مجموع الشهادات الثلاث مقترنة، فيعمل الاستعمال الشرعي عليه.

وفي البدء نُسرد نُبذاً من متون هذه الطوائف، ونذكر في طيّاتها تلك القرائن الخاصّة المنضمّة، ثُمّ ننتهي إلى تلخيص الدلالة، مع العلم بأنّها متواترة سنداً ودلالة، فالتوقّف في دلالتها الإجماليّة - على رجحان الاقتران للشهادات الثلاث، أو التوقّف في صدورها المستفيض المتواتر - ناشئ من عدم التتبّع، وعدم التأمّل والتدبّر حقّه.



الطائفةُ الأولى

ندبيّة اقتران الشهادات الثلاث

وهي الدالّة بالصراحة على استحباب التلازم والتقارن بين الشهادات الثلاث مطلقاً، والغريب من جملة من الأعلام أنّهم اكتفوا برواية الاحتجاج في استحباب التقارن، ولم يذكروا الجمّ الغفير من الروايات الأخرى الدالّة على نفس المضمون وبنحو أصرح.

الأولى: رويَ عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن قال (لا إله إلاّ الله) تفتّحت له أبواب السماء، ومَن تلاها بـ (محمّد رسول الله) تهلّل وجه الحقّ سبحانه واستبشر بذلك، ومَن تلاها بـ (عليّ وليّ الله) غفرَ الله له ذنوبه، ولو كانت بعدد قطر المطر) (1).

وهذه الرواية وإن كانت مرسلة، إلاّ أنّ مدلولها في بالغ الأهميّة، حيث إنّ الراوي لهذه الرواية هو الهاشمي الصحابي عبد الله بن عبّاس، وعلى تقدير تماميّة السند - ولو بالانجبار والتعاضد مع الرواية الأخرى المُسندة عن عبد الله بن عبّاس أيضاً، والتي رواها فرات الكوفي في تفسيره، والتي تقدّمت في الطائفة الرابعة من الفصل الأوّل، حيث تضمّنت تقارن الشهادات الثلاث في نداء المَلَك المقارن لأذان وإقامة جبرائيل لصلاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)في ليلة المعراج، فعلى تقدير تعاضد هذه الرواية ولو بما صدر عن أهل البيت (عليهم السلام) - يُحكم بندبيّة تقارن الشهادات الثلاث.

____________________

(1) الفضائل لابن شاذان: ص 93، البحار: ج38، ص 318.


تنبيه

هذه الرواية دالّة على أنّ الحثّ النبوي على تقارن الشهادات الثلاث، كان في الصدر الأوّل إيعازاً إلى ذِكر الشهادة الثالثة، وفتحاً لباب النداء بها في الأذان.

الثانية: موثّقة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما اجتمعَ في مجلس قوم لم يذكروا الله، ولم يذكرونا، إلاّ كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة)، ثُمّ قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): (إنّ ذِكرنا من ذِكر الله، وذكر عدوّنا من ذِكر الشيطان) (1).

وفي هذه الموثّقة لم يُقصر على التحريض على ذِكر الله في كلّ مجلس، بل قَرنهُ لذكرهم (عليهم السلام)، فلا تنتفي الحسرة يوم القيامة إلاّ باقتران الذِكرين، وفي هذا تحريض أكيد على الاقتران في الشهادات الثلاث والحثّ البالغ على ذلك، وفي هذا النمط من لسان الأمر بالاقتران، فُتح لباب الاقتران في الأذان أيضاً ودُفع لممارسته فيه.

الثالثة: روى عبد الله التميمي عن الرضا عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): مَن كان آخر كلامه الصلاة عليّ وعلى عليّ دَخل الجنّة) (2).

الرابعة: روى عبد الله بن عبد الله الدهقان، قال: دخلتُ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فقال لي: (ما معنى قوله: ( وَذَكَرَ اسْمَ رَبّهِ فَصَلّى ) ؟ فقلت:

____________________

(1) الوسائل: أبواب الذكر باب 36، ح1.

(2) الوسائل: أبواب الذكر باب 38، ح1.


كلّما ذَكر اسم ربّه قام فصلّى، فقال لي: لقد كلّف الله عزّ وجل هذا شططا؟ فقلتُ: جُعلت فداك، وكيف هو؟ فقال: كلّما ذَكرَ اسم ربّه صلّى على محمّد وآله) (1).

ودلالة هذه الرواية تشير إلى أنّ الآية تريد استحباب اقتران ذكره بذكرهم (عليهم السلام)، وأنّ تشريع استحباب الاقتران تشريع قرآني.

الخامسة: روى علي بن إبراهيم في تفسيره، وفي ذيل تفسير آية ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطّيّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ) من سورة فاطر، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: (الكلِمُ الطيّب قول المؤمن: (لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ وليّ الله وخليفة رسول الله)، وقال: (والعمل الصالح، الاعتقاد بالقلب أنّ هذا هو الحقّ من عند الله، لا شكّ فيه من ربّ العالمين) (2)، ورواها في تفسير العسكري (عليه السلام) (3) عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام).

وفي هذه الرواية تحديد الكلم الطيّب، وأنّه يتقوّم باقتران الشهادات الثلاث، وأنّ الشهادتين من دون الشهادة الثالثة لا تصعد إليه، وإن كانت في الأذان والإقامة.

السادسة: روى الطبري في دلائل الإمامة عن عبد الله بن محمد، عن عمارة بن زيد قال، قلتُ لأبي الحسن: أتقدر أن تصعد إلى السماء حتّى تأتي بشيء ليس في الأرض حتّى نعلم ذلك؟ فارتفع في الهواء وأنا أنظر إليه، حتّى غاب، ثُمّ رجعَ ومعه طير من ذهب، في أذنه أشنِفة من ذهب، وفي منقاره درّة وهو يقول: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ ولي الله، فقال: (هذا طير من طيور الجنّة) ثُم سيّبه، فرجعَ (4).

____________________

(1) الوسائل: أبواب الذكر باب 41، ح1.

(2) تفسير القمّي: ح2، ص 208.

(3) تفسير الإمام العسكري: ص 328.

(4) دلائل الإمامة للطبري: ص 413.


وهي دالّة على أنّ اقتران الشهادات الثلاث من الأوراد والأذكار التي هي من كنوز الجنّة.

السابعة: ما رواه الفضل بن شاذان في كتابه الفضائل، بإسناد يرفعه لابن مسعود أنّه قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لمّا أُسريَ بي إلى السماء قال لي جبرائيل: قد أُمرتُ بعرض الجنّة والنار عليك، فرأيتُ الجنّة وما فيها من النعيم، ورأيت النار وما فيها من عذاب أليم، والجنّة لها ثمانية أبواب على كلّ باب منها أربع كلمات، كلّ كلمة فيها خير من الدنيا ومَن فيها لمَن يعرفها ويعمل بها... فعلى الباب الأوّل مكتوب (لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، لكلّ شيء حيلة...).

ثُمّ ذَكر (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كتابة الشهادات الثلاث على كلّ باب من الأبواب الثمانية، والكلمات والحِكم الأربع على كلّ باب، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ضمن ذلك: (وعلى الباب الخامس مكتوب لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ ولي الله، فمَن أراد أن لا يُشتم، ومَن أراد أن لا يُذل، ومَن أراد أن لا يُظلم ولا يَظلِم، ومَن أراد أن يستمسك بالعروة الوثقى في الدنيا والآخرة، فليقل: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ وليّ الله...) (1) الحديث.

الثامنة: في كتاب الفضائل لابن شاذان، روى عن سليمان بن مهران الأعمش قال، حدّثنا جابر عن مجاهد قال، حدّثنا عبد الله بن عبّاس قال، حدّثنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (لمّا عُرجَ بي إلى السماء رأيتُ على باب الجنّة لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ ولي الله، والحسن والحسين سبطا رسول الله، وفاطمة الزهراء صفوة الله، وعلى ناكرهم وباغضهم لعنةُ الله...) (2) الحديث.

وروى الصدوق هذه الرواية في الخِصال (3) مسندةً.

____________________

(1) الفضائل لابن شاذان: ص 153.

(2) الفضائل لابن شاذان: ص 83.

(3) الخصال: ج1، ص 323- 334


وهذه رواية ثالثة عن عبد الله بن عبّاس، وهو الهاشمي الصحابي، وهي مسندة بإسناد عن الفضل بن شاذان إليه، والسند وإن اشتملَ على بعض العامّة كما هو، إلاّ أنّه أدعى للاحتجاج؛ لأنّ المضمون على خلاف مرامهم، وهذه الرواية عن ابن عبّاس مع الرواية السابقة عنه، يُعزِّز أنّ اقتران الشهادات الثلاث حرّض عليها النبي في عدّة مواطن، لدفع المسلمين على الاعتياد عليها كلّما ذكروا الشهادتين، وهو بدوره دَفعٌ لهم لذكرها في الأذان، وجَعْلها شعاراً لهم في كلّ المواطن والشعائر العباديّة الشريفة.

التاسعة: وفي تأويل الآيات الظاهرة، روى الكليني بإسناده عن مولانا علي بن الحسين، عن أبيه الحسين، عن أبيه أمير المؤمنين (صلوات الله عليهم) في حديث قال: (ولقد سمعتُ حبيبي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)... يقول: مَن قال لا إله إلاّ الله بإخلاص فهو بريء من الشرك، ومَن خرجَ من الدنيا لا يشرك بالله شيئاً دخلَ الجنة، ثُمّ تلا هذه الآية ( إِنّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ ) وهم شيعتك ومحبّوك يا علي... وإنّهم ليخرجون من قبورهم وهم يقولون لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ وليّ الله...) (1) الحديث.

____________________

(1) تأويل الآيات الظاهرة: ص 147.


وهذا الحديث الشريف يدلّ على أنّ كلمة التوحيد والإخلاص، هي اقتران الشهادات الثلاث، وهذا المفاد حكومة تفسيريّة على كافّة الموارد التي يرد فيها الأمر التشريعي بقراءة كلمة الإخلاص.

وروى الصدوق في التوحيد، وعيون أخبار الرضا، وثواب الأعمال، ومعاني الأخبار، عن ابن المتوكّل، عن الأسدي، عن محمد بن الحسين الصوفي، عن يوسف بن عقيل، عن إسحاق بن راهويه قال: لمّا وافى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) نيسابور وأراد أن يخرج منها إلى المأمون، اجتمعَ عليه أصحاب الحديث فقالوا له: يا بن رسول الله، ترحل عنّا ولا تحدّثنا بحديث فنستفيده منك؟ وكان قد قعدَ في العماريّة، فأطلعَ رأسه وقال: (سمعتُ أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي علي بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين بن علي بن أبي طالب يقول: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: سمعت جبرئيل يقول: سمعت الله جلّ جلاله يقول: لا إله إلاّ الله حِصني، فمَن دخلَ حصني أمنَ عذابي، [ قال ]: فلمّا مرّت الراحلة نادانا: بشروطها وأنا من شروطها) (1).

وقريب منه ما رواه الصدوق بسند متّصل في كتاب عيون أخبار الرضا، عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن أبيه.

____________________

(1) التوحيد: ص 25. ثواب الأعمال: ص6. عيون أخبار الرضا: ص 135، ج2. معاني الأخبار: ص370- 371.


العاشرة: ما رواه الفضل بن شاذان أيضاً في الفضائل بإسناده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لمّا خَلق الله تعالى آدم... فرفعَ رأسه، فرأى في العرش مكتوباً عليه لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نبيّ الرحمة، وعلي أمير المؤمنين مقيم الحجّة فيمَن عَرف...) (1) الحديث.

وعبد الله بن مسعود من الصحابة، يروي ندبيّة الاقتران بين الشهادات الثلاث، ممّا يُعزِّز تقادم السيرة منذ زمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

الحادية عشرة: محسّنة الهيثم بن عبد الله الرمّاني، عن علي بن موسى، عن أبيه محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام) في قوله تعالى: ( فِطْرَتَ اللهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا ) قال: (هو لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ أمير المؤمنين وليّ الله إلى هاهنا التوحيد) (2).

وهذه الرواية نصّ على كون الإقرار بالتوحيد هو مجموع الإقرار بالأمور الثلاثة، سواء بالقلب، أو التصريح بها باللسان، فإلى ذلك حدّ التوحيد، لا بحسب الظاهر للإسلام، بل بحسب واقع الإيمان الذي يقرّ به ويتشهّد به.

عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عن جبرئيل عن ميكائيل عن إسرافيل عن اللوح عن القلم قال: (يقول الله عزّ وجل: ولاية علي بن أبي طالب حِصني فمَن دخلَ حِصني أمِنَ من عذابي).

ومن ثُمّ جَعل الصدوق في معاني الأخبار، أنّ معنى كون كلمة الإخلاص حصناً، هو اقتران الشهادات الثلاث.

____________________

(1) الفضائل لابن شاذان: ص152.

(2) تفسير القمّي: ج2 ذيل سورة الروم.


أقول: والروايات الواردة في أنّ ولايتهم هي الحصن، وهي الشرط في كلمة الإخلاص، وفي كونها حصناً وأماناً من العذاب قد وردت بكثرة في الروايات، ممّا يقضي بتلازم الشهادات الثلاث واقترانها لحصول الإخلاص، وتحقّق الإيمان، وترتّب الأمان، والنجاة من النيران، ولا ريب أنّ إتيان الشهادة بالتوحيد بنحو الإخلاص هو من أرفع كيفيّاتها، بل هو النحو الصحيح المتعيّن، إذ العبادة الخالصة هي العبادة الصحيحة، فيقتضي ذلك أنّ اقتران الشهادة الثالثة بالشهادتين هي من شرائط صحّة العبادة، وإن لم تكن من شرائط الشهادتين في الإقرار بظاهر الإسلام، فيظهر أنّ هذا اللسان المتكاثرة فيه الروايات (1) يمكن تقريبه على الوجه الأوّل، وهو الجزئيّة في الأذان، فضلاً عن الوجه الثاني والثالث.

الثانية عشرة: ما رواه صاحب كتاب المستدرك، عن رجل قال لعلي بن الحسين (عليه السلام): يا بن رسول الله، إنّا إذا وقفنا بعرفات وبمنى ذَكرنا الله ومجّدناه، وصلّينا على محمّد وآله الطيّبين، وذَكرنا آباءنا أيضاً بمآثرهم ومناقبهم وشريف أعمالهم، نريد بذلك قضاء حقوقهم، فقال علي بن الحسين (عليه السلام): (أوَلا أُنبئكم بما هو أبلغ في قضاء الحقوق من ذلك؟ قالوا: بلى، يا بن رسول الله، قال: أفضل من ذلك أن تُجدّدوا على أنفسكم ذِكر توحيد الله والشهادة به، وذِكر محمّد رسول الله [ والشهادة له ] بأنّه سيّد المرسلين، و [ ذكر ] عليّ ولي الله والشهادة له بأنّه سيّد الوصيّين، وذِكر الأئمّة الطاهرين من آل محمّد الطيّبين بأنّهم عباد الله المخلصين...) (2) الحديث.

____________________

(1) أمالي الشيخ الطوسي: ص 588 مجلس 25، أمالي الصدوق: المجلس 41، ص 235، بشارة المصطفى لعماد الدين الطبري: ص 269، والمتوفّى بعد سنة 553هـ.

(2) مستدرك الوسائل: ج10، ص 41.


الثالثة عشرة: ما رواه القاسم بن معاوية قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) هؤلاء يروون حديثاً في معراجهم، أنّه لمّا أُسريَ برسول الله رأى على العرش مكتوباً لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، أبو بكر الصدّيق، فقال: (سبحان الله غيّروا كلّ شيء حتّى هذا، قلت: نعم، قال (عليه السلام)، ثُمّ ذَكر أنّ الله تعالى كتب الأمور الثلاثة لمّا خَلق كُلاً من العرش، والماء، والكرسي، واللوح، وإسرافيل، وجبرائيل، والسماوات، والأرضين، والجبال، والشمس، والقمر، ثُمّ قال (عليه السلام): فإذا قال أحدكم لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، فليقل عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام)) (1) .

أقول: لا يخفى أنّ الرواية دالّة على أنّ الأمر بدوام اقتران الشهادتين بالإقرار بالثالثة، متفرّع على الشعار التكويني الذي كتبه الله على الخلقة، ويدلّ على أنّ الروايات التي في باب المعارف وروايات المعراج وغيرها ممّا ذُكر فيه القرن بينها هو إخبار، المراد به إنشاء الأمر باتّباع هذه السنّة الإلهيّة، وهي في الاصطلاح تسمّى حكومة تفسيريّة لتلك الروايات وقرينة عامّة عليها.

الرابعة عشرة: ما رواه جملة من محدّثي العامّة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (لمّا أُسريَ بي رأيتُ في سابق العرش مكتوباً لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله صفوتي من خلقي، أيّدتهُ بعلي ونصرتهُ به) (2).

____________________

(1) الاحتجاج: ج1، ص230، طبعة طهران.

(2) ملحقات إحقاق الحق: ج 16، ص 468- 490.


وقد رواه السيّد المرعشي (قدِّس سرّه) في تتمّة إحقاق الحق عن عشرة من مصادر العامّة منهم: الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق (1) في ترجمة الإمام علي (عليه السلام)، ومنهم المتّقي الهندي في كنز العمّال (2) ، وغيرهم فلاحظ، وجملة منهم رووها من طريق الطبراني عن أبي الحمراء خادم الرسول وأنس بن مالك، وهذان الراويان من الصحابة، وهما يرويان استحباب اقتران الشهادة الثالثة بالشهادتين.

الخامسة عشرة: ما رواه في إحقاق الحق ّ (3) أيضاً عن خمسة من مصادر العامّة، عن جابر بن عبد الله عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (مكتوب على باب الجنّة لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله أيّدتهُ بعلي (عليه السلام)).

وقد رواه أيضاً عن الحافظ ابن عساكر في تاريخه (4) في ترجمة الإمام علي (عليه السلام)، وابن حجر في لسان الميزان (5) ، والمتّقي الهندي في كنز العمّال (6)، وأخرجه السيوطي في الدرّ المنثور في سورة الإسراء عن ابن عدي وابن عساكر.

فهذا جابر من الصحابة يروي ندبيّة اقتران الشهادات الثلاث، ممّا يُنبئ بقِدم السيرة.

____________________

(1) تاريخ دمشق: ج2، ص 353.

(2) كنز العمّال: ج12، ص 220 طبعة حيدر آباد.

(3) ملحقات إحقاق الحق: ج16، ص 491- 493.

(4) تاريخ دمشق: ج2، ص 355.

(5) لسان الميزان: ج2، ص 484.

(6) كنز العمّال: ح12، ص 22 طبعة حيدر آباد.


السادسة عشرة: ما روى ابن حجر العسقلاني في الإصابة (1) في تمييز الصحابة، في ترجمة (كدير الضبّي) بعدما ذَكر له جملة من الروايات في المسانيد قال: وقال البخاري في الضعفاء (كدير الضبّي) روى عنه أبو إسحاق، وروى عنه سميك بن سلمة، وضعّفه لمّا رواه مغيرة بن مقتم عن السمّاك بن سلمة قال: دخلتُ على كدير الضبي فوجدتهُ يصلّي وهو يقول: اللهمّ صلّي على النبي والوصي، فقلت: والله، لا أعودك أبداً، قال ابن أبي حاتم: سألتُ عنه أبي، فقال: يُحوّل من كتاب الضعفاء.

____________________

(1) الإصابة في تمييز الصحابة: ج3.



الطائفةُ الثانية

الشهاداتُ الثلاث دين الله

أنّ التشهّد بإمامتهم المقترن بالشهادتين، هو دين الله وحقيقة الإسلام.

الأولى: ما رويَ في مصحّحة إسماعيل بن جابر قال: (قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أعرِض عليك ديني الذي أدين الله عزّ وجل به؟ قال: فقال: (هات، قال: فقلت: أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وأنّ عليّاً كان إماماً فرضَ الله طاعته، ثُمّ كان بعده الحسن إماماً فرضَ الله طاعته، ثُمّ كان بعده الحسين إماماً فرضَ الله طاعته، ثُمّ كان بعده عليّ بن الحسين إماماً فرضَ الله طاعته، حتى انتهى الأمر إليه، ثُمّ قلت: أنتَ يرحمك الله؟ قال: فقال: هذا دين الله ودين ملائكته).

ونظيرها رواية عبد العظيم الحسني التي عَرضَ فيها دينه على الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام).

الثانية: محسّنة سنان بن طريف عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: قال: (إنّا أوّل أهل بيت نوّه الله بأسمائنا، إنّه لمّا خَلقَ الله السماوات والأرض أمرَ منادياً فنادى: أشهدُ أن لا إله إلاّ الله، أشهدُ أنّ محمّداً رسول الله ثلاثاً، أشهدُ أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً ثلاثاً) (1).

ورواها الكليني في الكافي (2) بطريق مصحّح.

____________________

(1) الأمالي للشيخ الصدوق: المجلس الثامن والثمانون، ح4، ص 701 طبعة مؤسّسة البعثة، قم المقدّسة.

(2) الكافي: ج1، ص441، ح8، وعنه البحار ورواه الصدوق في أماليه: 483/ ح4.


أقول: وفي هذه الرواية مضافاً إلى استفادة ندب الاقتران منها، يُستفاد ندب التكرار بعدد التكرار للشهادتين بعد الفراغ من ذكرهما، كفصول الأذان عموماً في الأذان وغيره، كما يستفاد منها أنّ تكرار الشهادة الثالثة بعد تكرار الأوّلتين لا بإدخالها بينهما، كما يُدخل الصلوات بعد الشهادة الثانية، ثُمّ التعبير (منادياً فنادى) هو معنى (المؤذِّن فأذّن)؛ لأنّ الأذان هو النداء.

الثالثة: ما رواه الصدوق في كتابه ثواب الأعمال، وتحت عنوان ثواب مَن أقرّ لله بالربوبيّة، ولمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالنبوّة، ولعليّ (عليه السلام) بالإمامة، بسند حسن أو معتبر، عن المفضّل بن عمر (قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إنّ الله تعالى ضمّن للمؤمن ضماناً، قال: قلت: وما هو؟ قال: ضمّن له إن هو أقرّ له بالربوبيّة، ولمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالنبوّة، ولعلي (عليه السلام) بالإمامة، وأدّى ما افترضَ عليه...) (1) الحديث.

الرابعة: ما رواه الصدوق عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه عن آبائه، قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): حدّثني جبرئيل عن ربّ العزّة جلّ جلاله أنّه قال: مَن علمَ أن لا إله إلاّ أنا وحدي، وأنّ محمّداً عبدي ورسولي، وأنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي، وأنّ الأئمّة من ولده حُججي أُدخلهُ الجنّة برحمتي، ونجيّتهُ من النار بعفوي... ومَن لم يشهد أن لا إله إلاّ أنا وحدي، أو شهدَ بذلك ولم يشهد أنّ محمّداً عبدي ورسولي، أو شهدَ بذلك ولم يشهد أنّ علي بن أبي طالب خليفتي، أو شهدَ بذلك ولم يشهد أنّ الأئمّة من ولده حُججي، فقد جحدَ نعمتي، وصغّر عظمتي، وكفرَ بآياتي وكتبي، إن قَصدني حَجبتهُ، وإن سَألني حَرَمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه، وإن دعاني لم أستجب دعاءه، وإن رَجاني خيّبته وذلك جزاؤه منّي، وما أنا بظلاّم للعبيد...) (2) الحديث.

____________________

(1) ثواب الأعمال: ص 30.

(2) كمال الدين وإتمام النعمة: ج1، ص 258 طبعة جماعة المدرّسين بقم المقدّسة.


أقول: وذُيّل باقتران الشهادات الثلاث وإن كان التشهّد والإقرار في مقام الاعتقاد، إلاّ أنّ ظهورها في أنّ هذا هو التشهّد التام الكامل بيّن، وأنّ الاقتران هو الذي ينبغي عليه أن يكون من صورة التشهّد، ثُمّ إنّ ما في الذيل من النداء والدعاء والرجاء صادق بعمومه على الأذان؛ لأنّ مفاد الحديث اقتران الشهادات الثلاث، هو الباب لسماع النداء، ولرفع حجاب السماء، ولنجاح الرجاء.

الخامسة: ما رواه الصدوق بسند متصل من رجال العامّة، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: (بينما نحن عنده (أي عمر بن الخطاب) جلوس يوماً، إذ جاءه يهودي من يهود المدينة وهم يزعمون أنّه من وِلد هارون أخي موسى (عليهما السلام)، حتّى وقفَ على عمر فقال له: يا أمير المؤمنين، أيّكم أعلم بعلم نبيّكم وبكتاب ربّكم، حتّى أسأله عمّا أريد، قال أشار عمر إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له اليهودي: أكذلكَ أنت يا علي؟ قال: (نعم، سل عمّا تريد... إلى أن قال له علي (عليه السلام): على أنّ لي عليك إن أجبتك فيهنّ بالصواب أن تُسلم، فقال اليهودي: والله، لأَنْ أجبتَ فيهنّ بالصواب لأسلمنّ الساعة على يديك، ثُمّ سأل أسألتهُ السبعة، فأجابه (عليه السلام) في كلّ واحدة منها، واليهودي يقول بعد كلّ جواب: أشهد بالله لقد صدقت، ثُمّ وثبَ إليه اليهودي وقال: أشهدُ أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله، وأنّك وصيّ رسول الله...) (1) .

____________________

(1) كمال الدين وتمام النعمة: ج1، ص 294 الباب السادس والعشرون، ح3.


ورواه الصدوق بطريق آخر (1) عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام)، ورواها الصدوق أيضاً بطريق ثالث (2) عن أبي الطفيل أيضاً، بل رواه الصدوق بطريقين آخرين عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في نفس الباب (3).

السادسة: ما رواه الكليني في الكافي عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديثه (عليه السلام) مع الشامي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (أُخبرك كيف كان سفرك، وكيف كان طريقك؟ كان كذا وكذا، فأقبلَ الشامي يقول: صدقتَ، أسلمتُ لله الساعة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (بل آمنتَ بالله الساعة، إنّ الإسلام قبل الإيمان وعليه يتوارثون ويتناكحون، والإيمان عليه يثابون).

فقال الشامي: صدقتَ، وأنا الساعة أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، وأنّك وصيّ الأوصياء) (4).

____________________

(1) كمال الدين وتمام النعمة: ج1، ص 297 الباب السادس والعشرون، ح5.

(2) كمال الدين: ج1 الباب السادس والعشرون ح6، ص 299.

(3) كمال الدين: ج1 الباب السادس والعشرون ح7، ح8.

(4) الكليني: ج1، ص171 - 173.


الطائفةُ الثالثة

شهاداتُ الميثاق

وهي الروايات التي لسانها أخذُ الشهادات الثلاث في الميثاق، على الأنبياء والرسل وفي الكتب السابقة.

الأولى: ما رواه الحرّ العاملي في إثبات الهداة عن كتاب المعرفة لإبراهيم بن محمد الثقفي، بسنده عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ الله خَلق مَلَكين يكنفان العرش وأمَرَهما بشهادتين فشهدا، ثُمّ قال لهما اشهدا أنّ عليّاً أمير المؤمنين فشهدا) (1).

وروى عدّة روايات بنفس السند تفيد اقتران الشهادة الثالثة بالشهادتين في العرش وحول العرش.

الثانية: أيضاً ما رواه الحرّ العاملي بنفس الإسناد السابق عن أبي جعفر (عليه السلام): (إنّ عليّاً سُمّي أمير المؤمنين عند أخذ الميثاق على بني آدم) (2).

الثالثة: ما رواه أيضاً الحرّ العاملي عن كتاب ما نزلَ من القرآن في النبي والآل، لمحمّد بن العبّاس بن مروان بإسناده عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، في حديث أنّ الأنبياء قالوا له ليلة المعراج: (إنّ عليّاً أمير المؤمنين وصيّك، وأنّك سيّد النبيّين، وأنّ عليّاً سيّد الوصيين) (3).

____________________

(1) إثبات الهداة: الباب العاشر ح955، ص 193.

(2) إثبات الهداة: الباب العاشر ح958، ص 193.

(3) إثبات الهداة: الباب العاشر ح 963، ص193.


الرابعة: ما رواه الحرّ العاملي عن بكير بن أعين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث الحجر الأسود: (وإنّ الله أودعهُ - يعني ذلك المَلَك - الميثاق والعهد دون غيره من الملائكة؛ لأنّ الله عزّ وجل لمّا أخذ الميثاق له بالربوبيّة، ولمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالنبوّة، ولعليّ (عليه السلام) بالوصيّة، اصطكّت فرايص الملائكة، فأوّل مَن أسرعَ إلى الإقرار ذلك المَلَك، ولم يكن فيهم أشدّ حبّاً لمحمّد وآل محمّد منه، فكذلك اختارهُ الله من بينهم وألقمهُ الميثاق) (1).

الخامسة: ما رواه الصدوق بسند متّصل عن محمد بن عبد الرحمان الضبّي، قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (ولايتنا ولاية الله التي لم يُبعث نبيّ قط إلاّ بها) (2).

السادسة: ما رواه الصدوق عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين عن أبيه عن أمير المؤمنين: (أنّه جاء إليه رجل فقال له: يا أبا الحسن، إنّك تدّعي أمير المؤمنين فمَن أمّرك عليهم؟ قال (عليه السلام): (الله جلّ جلاله أمّرني عليهم، فجاء الرجل إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: يا رسول الله، أيصدق علي فيما يقول إنّ الله أمّره على خلقه، فغضبَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقال: إنّ عليّاً أمير المؤمنين بولاية من الله عزّ وجل عَقدها له فوق عرشه، وأشهدَ على ذلك ملائكته أنّ عليّاً خليفة الله وحجّة الله، وإنّه لإمام المسلمين...) (3) الحديث.

____________________

(1) إثبات الهداة: الباب العاشر ح64، ص16، عِلل الشرائع للصدوق: الباب 164 الحديث الأول، ص429.

(2) الأمالي للطوسي: المجلس السادس والثلاثون، الحديث 19.

(3) الأمالي للصدوق: المجلس السابع والعشرون، الحديث 8.


السابعة: ما رواه الصدوق في العلّة التي من أجلها جُعل الميثاق في حجر الركن، عن بكير بن أعين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) لأيّ علّة وضعَ الله الحجر في الركن الذي هو فيه ولم يوضع في غيره؟ قال: (.... فلعلّة العهد تجديداً لذلك العهد والميثاق، وتجديداً للبيعة، وليؤدّوا إليه في ذلك العهد الذي أُخذ عليهم في الميثاق فيأتونه في كلّ سنة، وليؤدّوا إليه ذلك العهد،... وإنّ الله عزّ وجل أودعهُ العهد والميثاق وألقمهُ إياه دون غيره من الملائكة؛ لأنّ الله تعالى لمّا أخذ الميثاق له بالربوبيّة، ولمحمّد بالنبوّة، ولعليّ (عليه السلام) بالوصيّة...) (1) .

الثامنة: روى الصدوق بالصحيح الأعلائي عن أبي هاشم داود بن قاسم الجعفري، عن أبي جعفر الثاني محمّد بن علي (عليهم السلام) قال: (أقبلَ أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم معه الحسن بن علي (عليه السلام)، وسلمان الفارسي (رحمه الله)، وأمير المؤمنين متكئ على يد سلمان، فدخلَ المسجد الحرام فجلسَ، إذ أقبلَ رجل حَسَن الهيئة واللباس فسلّم على أمير المؤمنين (عليه السلام) فردّ عليه السلام، فجلسَ ثُمّ قال: يا أمير المؤمنين، أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتَني بهنّ علمتُ أنّ القوم قد ركبوا من أمرك ما أُقضي عليهم... - ثُمّ سألَ مسائله الثلاث - فأوعزَ أمير المؤمنين إلى أبي محمد الحسن (عليه السلام) فأجابهُ على مسائله كلّها فقال الرجل:

____________________

(1) عِلل الشرائع: ج2، ص429 -430.


أشهد أن لا إله إلاّ الله ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنّك وصيّه والقائم بحجّته بعده - وأشار بيده إلى أمير المؤمنين - ولم أزل أشهد بها، ثُمّ تشهّد بوصاية واحد واحد من أسماء الأئمّة حتّى ذكرَ أسمائهم، ثُمّ قام فمضى فقال (عليه السلام): هو الخضر...) (1).

التاسعة: ما رواه المفيد في الاختصاص عن المفضّل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إنّ الله تبارك وتعالى توحّد بمُلكه... ثُمّ قال: يا مفضّل، والله ما استوجبَ آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه، إلاّ بولاية علي (عليه السلام)، وما كلّمَ الله موسى تكليماً إلاّ بولاية علي (عليه السلام)، ولا أقامَ الله عيسى بن مريم آية للعالمين إلاّ بالخضوع لعلي (عليه السلام)، ثُمّ قال: أجملَ الأمر ما استأهلَ خلق من الله النظر إليه، إلاّ بالعبوديّة لنا) (2).

ويراد بالعبوديّة هنا: خضوع وانقياد الطاعة لهم صلوات الله عليهم أجمعين، حيث قرنَ الله تعالى طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله.

وعقدَ المجلسي (قدِّس سرّه) في البحار (3) في تاريخ أمير المؤمنين، باباً بعنوان ذِكره (عليه السلام) في الكتب السماويّة، وقد تضمّن ما يقرب من ثلاثة عشر حديثاً وكلّها متضمّنة لاقتران الشهادات الثلاث في الكتب السماويّة.

____________________

(1) إكمال الدين وإتمام النعمة: الباب 29، ح1، ص 313 - 315.

(2) الاختصاص: ص250 طبعة جماعة المدرّسين، قم المقدّسة.

(3) البحار: ج38، باب 58، ص41 - 62.


الطائفةُ الرابعة

الشهاداتُ الثلاث في التلقين

تلقين المحتضر والميّت الشهادات الثلاث والإقرار بالأئمّة (عليهم السلام).

الأولى: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (لو أدركتُ عكرمة عند الموت لنفعته، فقيل لأبي عبد الله (عليه السلام) بماذا كان ينفعه؟ قال: يلقّنه ما أنتم عليه) (1) .

الثانية: رواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (فلقِّنوا موتاكم عند الموت شهادة أن لا إله إلاّ الله والولاية) (2).

الثالثة: ما رواه أبو بكر الحضرمي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (والله، لو أنّ عابد وَثن وصفَ ما تصفون عند خروج نفسه ما طَعمت النار من جسده شيئاً أبداً)، أي: وصف كلّ من الشهادات الثلاث.

الرابعة: مصحّح معاوية بن وهب في حديث، أنّ رجلاً شيخاً كان من المخالفين عَرضَ عليه ابن أخيه الولاية عند موته، فأقرّ بها وشهقَ ومات قال: فدخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام)، فعرضَ علي بن السري هذا الكلام على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال: (هو رجل من أهل الجنّة، قال له علي بن السري: إنّه لم يعرف شيئاً من هذا غير ساعته تلك، قال: فتريدون منه ماذا؟ قد والله، دخلَ الجنّة) (3).

____________________

(1) الوسائل: أبواب الاحتضار الباب 37، الحديث 1.

(2) الوسائل: أبواب الاحتضار الباب 37، الحديث 2.

(3) أبواب جهاد النفس: الباب 93، الحديث 4.


الخامسة: رواية يحيى بن عبد الله في تلقين الميّت بعد الدفن، قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (ما على أهل الميت منكم أن يدرؤوا عن ميّتهم لقاء منكر،... ثُمّ ينادي بأعلى صوته: يا فلان بن فلان، أو يا فلانة بنت فلان، هل أنت على العهد الذي فارَقتنا عليه من شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله سيّد النبيين، وأنّ عليّاً أمير المؤمنين وسيّد الوصيين...) (1) الحديث.

ومثلها رواية جابر بن يزيد (2).

السادسة: ما روي في إثبات الهداة عن إبراهيم بن إسحاق الصولي، عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في حديث عن أبيه، عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إنّ أوّل ما يُسأل عنه العبد بعد موته شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، وأنّك وليّ المؤمنين بما جعلهُ الله وجَعلته لك، فمَن أقرّ بذلك وكان يعتقده صار إلى النعيم الذي لا زوال له)، إلى أن قال أبو ذكوان: وهذا الحديث قد رواه الناس عن رسول الله، إلاّ أنّه ليس فيه ذِكر النعيم والآية وتفسيرها؛ إنّما رووا: أنّ أوّل ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة الشهادة، والنبوّة، وموالاة علي بن أبي طالب) (3) .

____________________

(1) أبواب الدفن: الباب 35، ح1.

(2) أبواب الدفن: من الباب 35، ح2.

(3) إثبات الهداة: الباب العاشر، الحديث 129، ص 31، عيون أخبار الرضا: ج2.


أقول: هذه الطائفة من الروايات دالّة بوضوح على أنّ اقتران الشهادات الثلاث في التشهّد والإقرار، هو من قوام الإقرار والتشهّد، وأنّ من دون ذلك لا يتحقّق كلّ منهما ولا يترتّب أثرهما، وأنّ الاقتران حقيقة التشهّد وحقيقة الدين الذي يُدان به الإنسان عند موته الذي هو أوّل يوم من أيّام الآخرة، وأنّه يُسأل عن ذلك قبل بقيّة أركان الدين، ممّا يقتضي عدم الاكتراث بالعمل ببقيّة الأركان مجرّدة عن اقتران الشهادات الثلاث، وأنّ مجموع الثلاث واقترانها كالعنوان لصحيفة الأعمال، كما ورد بهذا اللفظ في روايات الفريقين هذا هو المفاد المطابقي الأوّلي لهذه الروايات، وهو عين مفاد آية الغدير من إكمال الدين بولاية علي (عليه السلام).

أمّا التقريب الخاص بدلالتها، فبضميمة ما سيأتي من مجموعة قرائن لدلالة جميع هذه الطوائف، نعم، هذه الطائفة تمتاز بدفع جملة من الاستبعادات التي تثار في الأقتران في الموارد التي تقتضي الشعاريّة منذ عهد الصدر الأوّل، لاسيّما وأنّ الباقر (عليه السلام) الذي أراد أن يلقِّن عكرمة بها، قد أدركَ جملة من الصحابة ممّا يُنبّه على تقادم اتخاذ الشهادات في المواطن الحسّاسة لإقامة الدين، نظير تلقين المحتضر والميّت، وهو كيوم الدخول في الدين المشار إليه بالعهد في الروايات المتقدّمة.



الطائفةُ الخامسة

اقترانُ الشهادات الثلاث في الزيارات

ما ورد في جملة الزيارات في اقتران الشهادات.

الأولى: ما رواه في كامل الزيارات من زيارة الرضا (عليه السلام) المعروفة وفيها: (وقل حين تدخل: بسم الله وبالله، وعلى ملّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ عليّاً وليّ الله).

الثانية: ما رواه ابن طاووس في الزيارة المعروفة بزيارة آل ياسين قال: وهي المعروفة بالندبة، خَرَجت من الناحية المحفوفة بالقدس إلى أبي جعفر محمد بن عبد الله الحِميري ومنها: (أشهد يا مولاي أنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله لا حبيب إلاّ هو وأهله، وأنّ أمير المؤمنين حجّته...) (1) .

ورواها الطبرسي في الاحتجاج وغيرها من الزيارات العديدة المتضمّنة للشهادات الثلاث فلاحظ.

____________________

(1) مصباح الزائر: الفصل 17 الزيارة الثانية لمولانا صاحب الزمان.



الطائفةُ السادسة

إقرارُ الأئمّة عند الولادة بالشهادات الثلاث وكذا بقيّة أهل البيت (عليهم السلام)

الأولى: ما رواه الصدوق (1)، قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن عمرو بن علي البصري قال: حدّثنا أبو عبد الله عبد السلام بن محمد بن هارون الهاشمي قال: حدّثنا [ محمد بن ] عقبة الشيباني، قال: حدّثنا أبو القاسم الخضر بن أبان عن أبي هدية إبراهيم بن هدية البصري عن أنس بن مالك قال: أتى أبو ذر يوماً إلى مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: ما رأيت كما رأيت البارحة؟ قال: رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ببابه، فخرج ليلاً فأخذَ بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) وخرجا إلى البقيع، فما زلتُ أقفو أثرهما إلى أن أتيا مقابر مكّة، فعدلَ إلى قبر أبيه فصلّى عنده ركعتين، فإذا بالقبر قد انشقّ وإذا بعبد الله جالس وهو يقول: (أنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله) فقال له: مَن وليّك يا أبه؟ فقال: وما الولي يا بني؟ فقال: هو هذا علي فقال: وأنّ عليّاً وليي.

قال: فارجع إلى روضتك، ثُمّ عدلَ إلى قبر أمّه آمنة فصنعَ كما صنع عند قبر أبيه، فإذا بالقبر قد انشقّ وإذا هي تقول: (أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّك نبي الله ورسوله) فقال لها: مَن وليّك يا أماه؟ فقالت: وما الولاية يا بني؟ قال: هو هذا علي بن أبي طالب فقالت: وأنّ عليّاً وليّي، فقال: ارجعي إلى حفرتك وروضتك،

____________________

(1) معاني الأخبار: باب معنى قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ما أظلّت الخضراء، ولا...)، ص 178.


فكذّبوه ولبّبوه وقالوا: يا رسول الله كذبَ عليك اليوم. فقال: (وما كان ذلك؟ قالوا: إنّ جُندب حكى عنك كيت وكيت، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر...) الحديث.

أقول: وهذه الرواية تؤيّد ما يُحكى عن بعض الكتب، من تأذين أبو ذر بالشهادات الثلاث بعد حادثة بيعة الغدير، وأنّ جملة من الصحابة اعترضوا عليه وشكوه إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأجابهم: (وعلامَ بايعتموني في الغدير).

وهاهنا أيضاً في ما رواه الصدوق في معاني الأخبار، كذّبوا أبا ذر وتناوشوه بأيديهم (لببوه)، لمَا حكاه لهم من أنّ حقيقة الشهادة والإقرار، هي باقتران الشهادات الثلاث إلاّ ما خرج بالدليل عن عموم هذا المعنى، كما في الحُكم بظاهر الإسلام، وبعبارة أخرى: إنّ الأصل في كلّ معنى إذ يُحمل على معناه الحقيقي لا التنزيلي الظاهري، وههنا تؤكّد هذه الرواية الحقيقة الشرعيّة في معنى الإقرار بالشهادة، وهذا يُعزِّز تقادم السيرة في الشهادة الثالثة على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فتعضد ما حكاه العامّة عن كدير الضبّي، وما رويناه عن عبد الله بن عبّاس وغيره من الصحابة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أمره بالشهادات الثلاث مقترنة.

الثانية: ما رواه الحافظ البرسي في كتاب مشارق أنوار اليقين قال: ومن أسراره (عليه السلام) أنّه لمّا ولِدَ في البيت الحرام خرّ ساجداً، ثُمّ رفع رأسه فأذّن وأقام وشهد لله بالوحدانيّة، ولمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالرسالة، ولنفسه بالخلافة والولاية...) (1) .

____________________

(1) إثبات الهداة: ج2، ص 465 فصل 22.


الجهةُ الرابعة

في بيان السيرة الشرعيّة للشهادة الثالثة

وهذه السيرة يمكن الوقوف على حصولها في زمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عند جملة من الصحابة: كعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وأبي الحمراء، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وكدير الضبّي، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي.

وقد مرّ في الطوائف العامّة والخاصّة ذِكر جملة الطرق والمصادر عن أولئك الصحابة، وهذا ممّا يُنبأ أنّ البناء على ندبيّة اقتران الشهادات الثلاث، كان متقارب العهد منذ عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حيث قد حرّض عليه في عدّة مواطن، وما رواية الصحابة لهذه الروايات إلاّ عمل وبناء منهم على الاقتران بينها، كما هو المعروف في علم الرجال والدراية أنّ مذهب الراوي يُعرف ممّا يرويه، هذا فضلاً عمّا روتهُ العامّة نفسها من ضمّ كدير الضبّي (1) الشهادة للوصي بالشهادتين، وهو يُنبئ عن سيرة وديدن عملي ممّن كان يشايع أمير المؤمنين، كما تقدّم في المدخل الإشارة إلى أنّ سيرة الطالبيين في حلب، والشام، ومصر هو التأذين بالشهادة الثالثة، عندما حكموا تلك البلاد في أواخر القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع حتى أواخره،

____________________

(1) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني: مادّة كدير.


وقد تقدّم ذلك مفصّلاً وذكرنا المصادر التاريخيّة في ذلك، وكذلك في العَلَويين الذين حكموا اليمامة في القرن الخامس.

وعموماً فهذه السيرة في الأذان في تلك البلدان، قد كانت جارية قبل ولادة الشيخ الصدوق، سواء من الدولة العبيديّة والفاطميّة في الشام ومصر، وكذلك دولة الحمدانيين في شمال العراق والشام، وكذا الدولة البويهيّة في جنوب إيران والعراق وبغداد، فهي سيرة جارية في الغيبة الصغرى وطوال القرن الرابع والخامس، وكانت تلك السيرة متجذّرة بتشدّد كتقيّدهم بالتأذين بفصل حيّ على خير العمل، وقد وقعت مصادمات عديدة بين طائفة الشيعة وأهل سنّة جماعة الخلافة والسلطان على كلّ من الفَصلين في الأذان.

ومن ثُمّ احتملنا فيما تقدّم أنّ موقف الصدوق من طوائف الروايات الواردة في الأذان، يُحتمل فيه تهدئة الموقف تجاه تلك الصدامات الدامية، وأنّه محمول على التقيّة بحكم علاقته بآل بويه (1) ، حيث إنّ عبارة الصدوق في الفقيه هي الأخرى تُنبئ عن وجود سيرة لدى جملة من الشيعة في زمانه كانوا يؤذّنون بها، عاملين بتلك الطوائف من الروايات، وكذلك الحال في الاستفتاء الموجّه للسيّد المرتضى من شيعة جزيرة المبافارقيات؛ فإنّ مؤدّى السؤال لدى السائل أنّ المشروعيّة مفروغ منها عندهم، وإنّما تردّدهم في اللزوم على حذو بقيّة الفصول، هذا مضافاً إلى أنّ عبارة الصدوق في الفقيه، والشيخ الطوسي في التهذيب والمبسوط،

____________________

(1) وقد ذكرنا جملة من الشواهد على هذا الاحتمال من عبارة الصدوق، في الفصل الأوّل عند التعرّض للطوائف الثلاث، مضافاً إلى فتوى الصدوق بالشهادة الثالثة في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام وفي القنوت وفي التسليم.


ظاهرة في أنّ هذا الطوائف من الروايات متلقّاة من أصول الأصحاب، وذكرنا الشواهد على ذلك في الفصل الأوّل، بل كانت متداولة رواية وعملاً لدى الرواة في الطبقات السابقة زمناً على الشيخ الصدوق، ومن ثُمّ وصَفَ الصدوق سلسلة رواتها بأنّهم متّهمون بالتفويض، بينما لم يطعن عليها بأنّها مقطوعة أو مرسلة أو مرفوعة، ممّا يؤكّد ويدلِّل على اتصال أسانيدها، إلاّ أنّه (قدِّس سرّه) حذفَ الأسانيد في عبارته في الفقيه فصيّر الروايات بالإضافة إلينا مرسلة، لكنّ شهادة الشيخ الطوسي بتعدّدها وكثرتها ووصفه لها بالشذوذ، يؤكّد اتّصال أسانيدها وكونهم من الثقاة، وأنّها غير مقطوعة ولا مرسلة ولا مرفوعة، ويؤكّد هذه الحقيقة إفتاء السيّد المرتضى، وابن برّاج، والشهيد بمضمون هذه الروايات، وكذا ما يقرب من مضمونها المحقّق الحلّي في المعتبر، والعلاّمة في التذكرة والمنتهى كما مرّ.



الجهةُ الخامسة

في إثبات الجزئيّة (الندبيّة الخاصّة) بحسب قاعدة التسامح في أدلّة السُنن

وهذه القاعدة وإن اشتهرَ عند متأخّري العصر عدم دلالتها على الاستحباب، بل هي عندهم إرشاد إلى رجاء الاحتياط، إلاّ أنّ الأقوى والأظهر في مفاد روايات القاعدة، هو ما ذهب إليه مشهور الفقهاء من الطبقات المتقدّمة وذلك:

أولاً: لأنّ تحديد الثواب الخاص كما بلغ، يعني الجعل الخاص ولو بسبب الانقياد الخاص في مورد البلوغ، وإلاّ لو كان لا خصوصيّة للقاعدة ولا جَعل خاص في البين، لكان اللازم هو كون الثواب في الانقياد على نمط واحد ووتيرة متّفقة، مع أنّ صريح الصحاح الواردة في القاعدة هو ثبوت الثواب الخاص نفسه الذي بلغهُ كلّ مورد بحسبه.

ثانياً: لو كان الثواب من باب الاحتياط، لكان ثبوت الثواب ليس على الإطلاق، بل فيما لو أصاب الخبر الوارد الواقع، كما هو الشأن دائماً في الاحتياط والوظائف الظاهريّة، مع أنّ صريح الصحاح الواردة في القاعدة هو ثبوت الثواب الخاص، ولو لم يكن كما بلغه أي ولو لم يكن في الواقع مطابقاً لمَا بلغهُ.

ثالثاً: أنّ هذه الروايات حيث إنّها في صدد الوعد في ثبوت الثواب على كلّ تقدير، فهي في صدد الحثّ والتحضيض والبعث والتحريك، وهو معنى الأمر الشرعي والطلب الندبي.


رابعاً: أنّ الانقياد بنفسه طاعة عندما يكون مضافاً إلى الرسول والأئمّة (عليهم السلام)؛ لأنّ حُسنه العقلي ذاتي وإن لم يكن هناك في البين حسن ذاتي في الفعل، وحسن الانقياد بدرجاته عن النيّة والعزم والشوق، وحركة الجوانح والجوارح كلّها تنصبغ وتتلوّن بحسن الانقياد، فالفعل في نفسه وإن لم يكن راجحاً في نفسه، إلاّ أنّه يطرأ عليه عنوان الانقياد فيجعلهُ راجحاً بسبب هذا الطرو، نظير ما ذُكر في قبح التجرّي، وامتداد هذا العنوان من الجوانح إلى الجوارح وتلوّن الفعل به، وملخّص هذا الوجه: أنّه مدرك عقلي لقاعدة التسامح في أدلّة السُنن، مستقل ومُعاضد لاستظهار المشهور من الروايات، هذا ملخّص كبرى إفادة قاعدة التسامح في أدلّة السُنن الندب الشرعي الخاص.

أمّا انطباقها على المقام، فبلحاظ الطوائف الروائيّة الثلاث التي رواها الصدوق في الفقيه، هذا إن لم تتم سنداً بعدما مرّ من إفتاء جملة من المتقدّمين بمضمونها، ونفى الشيخ الإثم عن العامل بها وإن خطّئه اجتهاداً، وقد تقدّم ما فيه الكفاية في المدخل، وفي الفصل الأوّل من الشواهد للوثوق بصدورها.

أمّا الخدشة في ذلك - لدعوى الوضع في الخبر أو الشذوذ ممّن نقلَ منه الخبر، وأنّه على ذلك لا مجرى لقاعدة التسامح - فمدفوعة لوجوه:

أولاً: أنّ الناقل وهو الصدوق قد تقدّم عدم جزمه بالوضع؛ وإنّما جَعَل مَن يروي مثل هذه الأحاديث متّهم بالغلو لا متيقّن الغلو، وأنّ الغلو عند الصدوق (قدِّس سرّه) والقمّيَين حدّه معروف الخدشة، وأنّ الشهادة الثالثة ليس فيها ما يدلّ على الغلو،


بل قد استفاضت الروايات لرجحان إتيانها مطلقاً في كلّ مورد يتشهّد بالأولتين، وإنّ الشيخ الطوسي نفى الإثم عن العامل به ممّا يظهر منه اعتبار سندها، بل يظهر منه الإفتاء بجواز العمل بها، كما مرّ قرائن وشواهد من كلامه دالّة على ذلك، وإن أَشكلَ في حجيّتها باعتبار الشذوذ في المضمون بسبب خلو بقيّة روايات الأذان عنها، وكذا العلاّمة والشهيد في البيان، وأنّ القاضي ابن برّاج قد أفتى ببعض مضمونها، وأنّ الشذوذ في المصطلح الأشهر هو الخبر المعتبر غير المعمول به لانفراد متنه عن بقيّة متون الروايات، وأنّ الشذوذ - على ماله من معنى مصطلح - لا يتنافى مع جريان قاعدة التسامح بعدما كان غاية ما يصنعه الشذوذ إسقاط الخبر عن الحجيّة لا الجزم بالوضع، وبعدما كان مقتضى العمل به بتوسط القاعدة بعد جريانها لا يحافظ على مضمون الخبر الشاذ، الدالّ على الجزئيّة في الماهيّة الأوليّة بل بعنوان الجزئيّة الندبيّة، سواء فسّرنا الجزء المندوب بمعنى العوارض الفرديّة على الطبيعة، أو صوّرنا الجزء المندوب بمعنى المطلوب الندبي في ظرف المطلوب والمتعلّق الأصلي وهو الطبيعة.

هذا، وقد جمعَ الفاضل المحقّق السيّد عبد الرزاق المقرّم (قدِّس سرّه)، في رسالته التي ألّفها في الشهادة الثالثة وغيره ممّن تطرّق إلى المسألة، ما يربو على المائة من فتاوى الفقهاء من عهد المجلسين (قدِّس سرّهما) إلى يومنا الحاضر باستحبابها في الأذان والإقامة من دون قصد الجزئيّة، بل ذهب صاحب المستمسك إلى احتمال الوجوب من جهة صيرورته شعيرة إيمانيّة من دون قصد الجزئيّة قال: (لا بأس بالإتيان بالشهادة بالولاية بقصد الاستحباب المطلق؛ لمَا في خبر الاحتجاج... بل ذلك في هذه الأعصار معدود من شعائر الإيمان ورمز إلى التشيّع، فيكون من هذه الجهة راجحاً شرعاً، بل قد يكون واجباً لكن لا بعنوان الجزئيّة من الأذان) (1) .

____________________

(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5، ص545.


ثانياً: ضعف منشأ تضعيف الصدوق لروايات الشهادة الثالثة، كما تقدّم مفصّلاً في الفصل الأوّل.

ثالثاً: أنّ الروايات المزبورة حيث قد وصِفت بالشذوذ وعدم العمل، وهما وصفان يتعارف ويصطلح إطلاقهما على الروايات المعتبرة من حيث السند، كما تقدّم ذلك مفصّلاً في التذييلين المُلحقين بالفصل الأوّل، ومرّ فيهما عمل وفتوى جملة من الأكابر بأخبار شاذّة في أبواب فقهيّة عديدة فلاحظ، فكيف بالعمل بالشاذ من باب قاعدة التسامح، وتقدّم أنّ ابن برّاج وغيره قد عمل وأفتى ببعض مضمونها، فالوسوسة في العمل بقاعدة التسامح في ما وصف بالشذوذ غفلة صناعيّة واضحة.

الرابع: إنّ بعض الشيعة في زمان الصدوق (قدِّس سرّه) كان يؤذِّن ويقيم بالشهادة الثالثة، كما تقدّم ذِكر ذلك، وهذا يظهر أيضاً من كلام الشيخ في المبسوط والنهاية، كما لا يخفى لمَن أمعنَ التدبّر، وكذا من فتوى الشريف المرتضى في مسائل المباقارقيات، وكذا الظاهر من كلام ابن برّاج في المهذّب والشهيدين، وصرّح المجلسي الأوّل بأنّ ذلك عمل الشيعة في قديم الزمان وحديثه، وقد ذكرَ ذلك في السيرة بشكل مفصّل.

الخامس: ذهاب جماعة من القدماء إلى عدم الحرمة والإثم بذكرها في الأذان والإقامة، كالشيخ في المبسوط، بل إنّ نظرَ الشيخ في ذلك إلى مَن ذكرها بقصد الجزئيّة كما لا يخفى،


والظاهر أنّ حكمهُ بعدم الحرمة لإمكان استناد الفاعل إلى تلك الروايات، وإن لم يجزم هو (قدِّس سرّه) بها، لكن قد مرّ استظهار فتواه بجواز العمل بمضمونها بقرائن من كلامه في المبسوط، فلاحظ ما مرّ في الفصل الأوّل، كما يظهر ذلك من الشهيد في البيان، وكذا العلاّمة في المنتهى.

وذهب الشهيد الثاني في الروضة إلى ذلك مع عدم قصد الجزئيّة، ويَستظهر ذلك مع عدم قصد الجزئيّة من كلّ مَن عبّر عنها أنّها من أحكام الإيمان لا من أجزاء الأذان، كما تقدّم حيث إنّه دالّ على رجحانها في نفسها تلو الشهادتين، إذ المجموع يتمّ به الإيمان، فمقتضى تلك العبائر استحباب الإتيان بها لا بقصد الجزئيّة، كما في الصلوات على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد الشهادة الثانية.

السادس: أنّ منشأ الإعراض الحاصل من أكثر القدماء عن الفتوى بها، هو العمل بصحيحة زرارة، وأبي بكر الحضرمي، وكليب الاسدي، المشار إليها في كلام الصدوق (قدِّس سرّه)، حيث لم يذكر فيها ذلك بل الحصر في عدد مخصوص، مع أنّ روايات فصول الأذان والإقامة مختلفة جدّاً وبكثرة في عدد الفصول، بل حتّى الصحيح المزبور قد جُعل فيه عدد فصولهما متّحد، فلا يصلح الصحيح ليكون منشأ للإعراض وإن كان متيناً بالإضافة إلى غيره، ولعلّه بلحاظ الفصول الواجبة في الصحّة لا المستحبّة.

السابع: أنّه من المطمئنّ به أو المقطوع كما تقدّم، أنّ تلك الروايات مرويّة في أصول أصحابنا، وإلاّ لمّا تعرّض له الصدوق، لعدم وضع كتاب مَن لا يحضره الفقيه للمقابلة مع روايات وكتب الفِرق المنحرفة الغالية المفوّضة،


ولا ذلك دأبه، وإلاّ لمَا اقتصر على ذلك الموضع، بل لشوهدَ منه في أبواب أخر.

الثامن: أنّه لو سلِّم الطعن بكذب الراوي، فهو لا يمنع من احتمال الصدق الموجِب لاحتمال المطلوبيّة، كما ذَكر ذلك غير واحد من الأساطين.


الفصلُ الثالث

في إثبات شعاريّة الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة

وفيه جهتان:

الأولى: شعاريّة الشهادة الثالثة

الثانية: أقوال نادرة في حكمها



الجهةُ الأولى

شعاريّة الشهادة الثالثة للإيمان في الأذان والإقامة، وبيان كبرى قاعدة الشعائر وصغراها في المقام

الأقوالُ في الشعاريّة

قد ذهبَ إلى شعاريّة الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة أكثر المتأخّرين ومتأخّريهم، وهو كونها من شعائر الإيمان، وهو ما أشار إليه كثير من الأصحاب في عبائرهم بأنّها من أحكام الإيمان لا من فصول الأذان، حيث صرّحوا بعدم الحرج في إتيانها لا بقصد الجزئيّة كالشهيد الأوّل (1) في الدروس، والثاني في الروضة (2) ، وصاحب الرياض (3) ، ولذلك حملَ المجلسي الأوّل في الروضة العبارة المزبورة منهم على رجحان ذكرها من دون قصد الجزئيّة.

أذانُ الإعلام (الشعيرة الإلهيّة) واجب كفائي

وقال الشيخ البهائي في الحبل المتين (في تفسير قوله (عليه السلام): (ولكنّها معصية - أي ترك نوافل الظهر -) والضمير يعود إلى ما دلّ عليه الكلام السابق،

____________________

(1) الدروس: ج1، ص162 طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي.

(2) الروضة البهيّة: في بحث الأذان.

(3) رياض المسائل: ج1، ص 151.


أي أنّ هذه الخصلة معصية، ولعلّ إطلاق المعصية عليها للمبالغة وتغليظ الكراهة، أو أنّ ترك النوافل بالمرّة معصية حقيقة لمَا فيه من التهاون، كما قال الأصحاب من أنّه لو أصرّ أهل البلد على ترك الأذان قوتلوا، وكذا لو أصرّ الحجّاج على ترك زيارة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما في آخر الحديث التاسع من قوله: (ولكن يُعذَّب على ترك السُنّة) محمول على هذا) (1).

وقال العلاّمة في منتهى المطلب: (ذهبَ بعض أصحاب الشافعي إلى وجوب الأذان والإقامة كفاية، وذهب مالك إلى وجوبه في مساجد الجماعة التي يُجمع فيها للصلاة، وذهب أحمد بن حنبل إلى وجوب الأذان على أهل المصر، واستدلّوا ببعض الروايات (2) بأنّه من شعائر الإسلام فأشبهَ الجهاد، وناقَشهُ العلاّمة بالفرق بين الأصل وهو الإسلام وبين الفرع وهو الأذان: بأنّ الأصل وضِعَ للدخول في الدين وهو من أهم الواجبات، فكان الطريق إليه واجباً، والأذان وضِعَ للدخول في الجماعة وهي غير واجبة، فالأَولَى بالوسيلة أن لا تكون واجبة) (3) .

وقال في التذكرة (مسألة: لا يجوز الاستيجار على الأذان وشبهه من شعائر الإسلام غير المفروضة... إلى أن قال: وللشافعيّة في الأجر على الشعائر غير المفروضة في الأذان تفريعاً على الأصحّ عندهم ثلاثة أوجه،

____________________

(1) الحبل المتين للشيخ البهائي: ص133- 134 الطبعة القديمة (بصيرتي).

(2) مصادر أهل سنّة الجماعة والخلافة (المغني: ج1، ص 461، المجموع: ج3، ص 81 المدوّنة الكبرى: ج1، ص 61، بداية المجتهد: ج1، ص 107، عمدة القارئ: ج5، ص 104، نيل الأوطار: ج2، ص 10).

(3) منتهى المطلب: ج4، ص 411 طبعة جماعة المدرّسين.


فإن جوّزوه فثلاثة أوجه في أنّ المؤذّن يأخذ الأجرة: أحدهما أنّه يأخذ على رعاية المواقيت، والثاني على رفع الصوت، والثالث على الحيّعلتين فإنّهما ليستا من الأذان، والأصحّ عندهم وجه رابع أنّه يأخذ على الأذان بجميع صفاته، ولا يبعد استحقاق الأجرة على ذكر الله، كما لا يبعد استحقاقها على تعليم القرآن إن اشتمل على تعلّم القرآن) (1).

أقول: ويستفاد من كلام العلاّمة وأقوال المذاهب الأخرى، أنّ الأذان تنطبق عليه عدّة طبايع مندوبة، فمضافاً إلى خصوصيّة الأذان تنطبق عليه أيضاً الطبيعة العامّة لشعائر الإسلام، فيندرج في قاعدة تعظيم الشعائر كما تنطبق عليه طبيعة ذِكر الله المندوب، ولعلّه باللحاظ الثالث تخرج الحيّعلات عن بقيّة الفصول، إذ ليس هي بذكر.

ومن ثُمّ لم يسوِّغ الشيخ الطوسي في المبسوط حكايتهنّ عند سماع الأذان لمَن كان في أثناء الصلاة، وقال: إنّهنّ من كلام الآدمي وإن كنّ مستحبّات من حيثيّة أذان الإعلام، وبالتالي فطبيعة الأذان قد اجتمعَ فيها عدّة طبايع شرعيّة، ولكلّ منها حكم يستحبّ عليها دون الطبيعة الأخرى، كما هو واضح من أمثلة الأحكام الآنفة، ومن ثُمّ يتبيّن تعدّد وجه مشروعيّة الشهادة الثالثة في الأذان تصل إلى ثلاثة وجوه أو أكثر، ومن تلك الوجوه جهة الشعيرة والشعائر الإيمانيّة.

وقال السيّد المرتضى في رسائله (المسألة الثالثة عشر: [ وجوب (حيّ على خير العمل) في الأذان ].

استعمال (حيّ على خير العمل) في الأذان، وأنّ تركهُ كترك شيء من ألفاظ الأذان.

____________________

(1) التذكرة: فصل الأذان والإقامة.


والحجّة أيضاً اتّفاق الطائفة المحقّة عليه، حتّى صار لها شعاراً لا يُدفع وعلماً لا يُجحد (1)، وقال في المستمسك: (ومجرّد الشهادة بكذب الراوي لا يمنع من احتمال الصدق الموجِب لاحتمال المطلوبيةّ، كما أنّه لا بأس بالإتيان به بقصد الاستحباب المطلق؛ لمَا في خبر الاحتجاج: (إذا قال أحدكم: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، فليقل: عليّ أمير المؤمنين)، بل ذلك في هذه الأعصار معدود من شعائر الإيمان ورمز إلى التشيّع، فيكون من هذه الجهة راجحاً شرعاً، بل قد يكون واجباً لكن لا بعنوان الجزئيّة من الأذان، ومن ذلك يظهر وجه ما في البحار من أنّه لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة للأذان؛ لشهادة الشيخ، والعلاّمة، والشهيد وغيرهم...) (2).

وقال في المستند: (ولكنّ الذي يهوّن الخطبَ أنّنا في غنى من ورود النص، إذ لا شبهة في رجحان الشهادة الثالثة في نفسها بعد أن كانت الولاية من متمّمات الرسالة، ومقوّمات الإيمان، ومن كمال الدين بمقتضى قوله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) بل من الخَمس التي بُني عليها الإسلام، ولاسيّما وقد أصبحت في هذه الأعصار من أجلى أنحاء الشعائر، وأبرز رموز التشيّع وشعائر مذهب الفرقة الناجية، فهي إذاً أمر مرغوب فيه شرعاً وراجح قطعاً في الأذان وغيره) (3).

وقال السيّد الخوئي في معرض الجواب عن سؤالٍ وجّه إليه: (وقد جرت سيرة العلماء والأبرار على الشهادة بالولاية في الأذان والإقامة،

____________________

(1) رسائل السيّد المرتضى: 1/ 219.

(2) مستمسك العروة الوثقى: ج5، ص545.

(3) مستند العروة: ج13، ص259 - 260.


لا يُقصد الجزئيّة منذ عهد بعيد من دون نكير من أحدهم، حتّى أصبح ذلك شعاراً للشيعة ومميّزاً لهم عن غيرهم، ولا ريبَ في أنّ لكلّ أمّة أن تأخذ ما هو سائغ في نفسه، بل راجح في الشريعة المقدّسة شعاراً لها...) (1).

أقول: قد ذَكر (قدِّس سرّه) الضابطة في قاعدة الشعاريّة موضوعاً ومورداً، فموضوعها: اتّخاذ شيء سائغ فضلاً عن الراجح علامة ومعلماً لباب من أبواب الدين، هذا بيان الموضوع على صعيد الكبرى الكليّة.

وأمّا على صعيد الصغرى وبيان المورد في المقام: فبيّنَ في صدر جوابه الإشارة إلى أنّ الشهادة بالولاية مكمّلة للشهادة بالرسالة، وأنّ الإيمان بها لا يتمّ إلاّ بالإيمان بالولاية، ثُمّ بيّن وقوع اتّخاذ الشهادة الثالثة في الأذان شعاراً للمذهب، كما هو الشأن في طبيعة اتّخاذ العلامات الوضعيّة أنّها تُتخذ للتباني والتواضع، فتشمل عموم القاعدة المورد في المقام، ونظير هذا الكلام ما ذكره الميرزا باقر الزنجاني في معرض جوابه عن هذا السؤال نفسه قال:

(.... وقد بَلَغنا عن أئمّتنا الهداة (صلوات الله عليهم) الأمر عقيب قول لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، أن يقول: عليٌّ أمير المؤمنين بنحو الإطلاق، وبه أخذ الإماميّة خَلَفاً عن سلف فجهروا بتلك الشهادة عقيب الشهادتين في الأذان على المآذن، وفي المساجد، وأوقات الصلاة حتى صار ذلك شعاراً لهم... فالإماميّة يعلمون أنّ هذه الشهادة كالصلاة على النبي وآله عقيب ذِكر اسمه الشريف في خروجها عن فصول الأذان،

____________________

(1) شرح رسالة الحقوق: ج2، ص127.


وإنّما هما من الآداب المطلوبة المرغوب فيهما بمقتضى الأخبار،... فعلى أبناء الشيعة (ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت)، أن يقتفوا أثر أسلافهم التابعين لفتاوى علمائهم الأبرار، أن لا يتركوا هذا الشعار المشروع الذي لا مطعن فيه ولا مغمز، وليستقيموا كما أُمروا) (1).

شعاريّة ذِكرهم في الأذان

وقال العلاّمة في المنتهى: (ويستحبّ إذا فرغَ من التلبية أن يصلّي على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)لقوله تعالى: ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) قيل في التفسير: لا أُذكَر إلاّ وتُذكَر، يعني ولأنّ كلّ موضع شُرِّع فيه ذِكر الله تعالى شُرِّع فيه ذِكر نبيّه كالصلاة والأذان) (2).

أقول: وقد قال تعالى: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ له فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالآصَالِ، رِجَالٌ لاّ تُلهيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله... ) (3).

فأمرَ في تعظيم تلك البيوت التي هي ليست من الحجر والمَدَر، بل هي رجال لا تُلهيهم تجارة ولا بيع، بمقتضى عطف الآية الثانية على الآية الأولى، وأنّ نور الله المخلوق هو في تلك البيوت التي هي الرجال الذي لا تلهيهم تجارة ولا بيع، وقد وردَ التنبيه على تفسير ظاهر هذه الآيات لهذا المفاد روايات عديدة من الفريقين، وأنّ بيت علي وفاطمة من أفاضلها.

ومن ذلك: ما روى السيوطي في الدرّ المنثور في ذيل الآية قال: (وأخرجَ ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة قال:

____________________

(1) شرح رسالة الحقوق: نقلاً عن كتاب سرّ الإيمان للسيّد عبد الرزاق المقرّم، ج2، ص125 - 126.

(2) منتهى المطلب: ج2، ص 681.

(3) النور: 36.


قَرأ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هذه الآية ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ ) فقامَ إليه رجل فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: (بيوت الأنبياء، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله، هذا البيت منها لبيت علي وفاطمة؟ قال: نعم، من أفاضلها).

فكما ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قوله تعالى ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) ، وقد فُسِّرت باقتران ذِكره بذكر الله تعالى في الأذان، كما ورد في بعض الروايات تأويلها بذلك، وكذلك ورد تأويل ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) بعلي صهرك.

وفي رواية الطبرسي عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن الحسين بن علي (عليهم السلام)، في حديثه لليهودي مع أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال (عليه السلام) في شرح قوله ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) : (فمَن هذا الذي يُشركه في هذا الاسم، إذ تمّ من الله به الشهادة فلا تتمّ الشهادة إلاّ أن يقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله ينادى على المنار، فلا يُرفع صوت لذكر الله عزّ وجل إلاّ رُفع بذكر محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معه)، وكذا ذُكر في تفسير علي بن إبراهيم في ذيل نفس الآية.

فكذلك ورد فيهم (عليهم السلام): ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، يُسَبّحُ له فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالآصَالِ، رِجَالٌ... ) (1) .

ومن ثُمّ ورد في الروايات المعتبرة التي تقدّمت أنّ ذكرهم من ذكر الله، كما في موثّقة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (قال: ما اجتمعَ في مجلس قوم لم يذكروا الله ولم يذكرونا، إلاّ كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة... ثُمّ قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ ذِكرنا من ذكر الله، وذِكر عدوّنا من ذِكر الشيطان) (2).

____________________

(1) النور: 36.

(2) الوسائل: أبواب الذكر باب 36، ح1.


فتقرّر من آية النور: أنّ إقامة ذِكرهم مقروناً بذكر الله وبذكر نبيّه، فكما أخبرَ تعالى بترفيع ذِكر النبي بذكره تعالى، كذلك أمرَ تعالى في آية النور - المعتضد مفادها بالنصوص - بترفيع ذِكرهم مع ذكره تعالى، فتكون الآية مع النصوص دليلاً خاصّاً على شعاريّة ذِكرهم في الأذان، بل عند التدبّر - وبضميمة ما في قوله تعالى: ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) وما وردَ في ذلك أنّه في الأذان، بالإضافة إلى عمومات الاقتران الدالّة على الحقيقة الشرعيّة في الشهادة - يُستَشعر الجزئيّة في الأذان.

وقد روى الفضل بن شاذان بإسناده إلى المقداد بن الأسود الكندي وقال: كنّا مع سيّدنا رسول الله وهو متعلّق بأستار الكعبة وهو يقول: (اللهمّ اعضُدني، واشدُد أزري، واشرح صدري، وارفع ذكري، فنزلَ عليه جبرئيل (عليه السلام) وقال: اقرأ يا محمّد؟ قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ: ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) مع عليّ بن أبي طالب صهرك)، فقرأها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأثبَتها عبد الله بن مسعود في مصحفه، فأسقطها عثمان بن عفان حين وحّد المصاحف) (1).

أقول: والمراد بإثباتها في مصحف عبد الله بن مسعود: أنّه مشتمل على التنزيل والتأويل، وعلى أيّ تقدير تكون دلالة الرواية نصّاً في رفع ذِكر النبي ورفع ذِكر الوصي، وقد ورد في روايات الفريقين أنّ تفسير ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) هو جَعل اسمه الشريف في الأذان، فتكون هذه الرواية كالنص في جَعل الشهادة الثالثة في الأذان.

____________________

(1) الفضائل لابن شاذان: ص151.


وهناك جملة من الروايات وردت في أنّ تلك البيوت هي بيوت آل محمّد، فقد روى علي بن إبراهيم بسنده المتصل عن جابر عن أبي جعفر في قوله تعالى: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله... ) قال: (هي بيوت الأنبياء وبيت علي منها) (1) .

وروى الكليني عن عبد الرحمان بن أبي ليلى عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث في ذيل الآية -: (والتَمسوا البيوت التي أذِنَ الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه؛ فإنّه أخبَركم أنّهم ( رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ) ) (2) .

وفي صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام)، في حديث دخول قتادة بن دعامة البصري حيث قال له أبو جعفر (عليه السلام): (ويحك يا قتادة، إنّ الله عزّ وجل خلقَ خلقاً من خلقه، فجعلهم حُججاً على خلقه، منهم أوتاد في أرضه، قوّام بأمره، نُجباء في علمه، اصطفاهم قبل خلقه، أظلةّ عن يمين عرشه، قال: فسكت قتادة طويلاً ثُمّ قال: أصلحكَ الله، والله لقد جلستُ بين يدي الفقهاء، وقدّام ابن عبّاس، فما اضطربَ قلبي قدّام واحد منهم ما اضطربَ قدّامك، فقال أبو جعفر (عليه السلام): (ويحكَ أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي ( بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ... ) فأنتَ ثَمّ، ونحن أولئك) فقال له قتادة: صدقتَ والله، جَعلني الله فداك، والله ما هي بيوت حجارة ولا طين... (3) الحديث.

وغيرها من الروايات أوردها صاحب تفسير البرهان ونور الثقلين عن المصادر الحديثيّة، فلاحظ ما ذَكراه في ذيل الآية.

____________________

(1) تفسر القمّي: ج2، ص 79.

(2) الكافي: ج1، ص 139.

(3) الكافي: ج6، ص 256.


ومن هذه الآيات والروايات يتبيّن: أنّ أبرز المصاديق التي ينصرف إليها الإطلاق في ترفيع الذكر هو الأذان والإقامة، ومنه تُستشعر الجزئيّة، ونحوهما تشهّد الصلاة، وأنّ الحال كذلك في العمومات الواردة التي تقدّمت الإشارة إليها في الفصل السابق، الدالّة على استحباب اقتران الشهادات الثلاث عموماً، وأنّ أبرز المصاديق المنصرف إليها هذه العمومات هو الأذان والإقامة، لاسيّما وأنّ طوائف روايات الاقتران دالّة بمجموعها على تقرير الحقيقة الشرعيّة للشهادة، وأنّ بدون الثلاث معاً لا يتقرّر ولا يتحقّق أصل التشهّد؛ لأنّ الثالثة بتبع الاثنتين ركن قوامي في حقيقة الإقرار والتشهّد أيضاً.

شعاريّةُ الأذان والشهادة الثالثة:

قال تعالى: ( وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصّلاَةِ اتّخَذُوهَا هُزُوا ًوَلَعِباً ذلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ ) (1).

وقوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى‏ ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ) (2) .

وقد ورد في نزول هذه الآية أنّ بعض المنافقين أو أهل الكتاب من الكفّار، إذا سمعوا المؤذّن يقول: (أشهد أن محمّداً رسول الله) شتمَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فدخَلَت خادمتهُ بنار ذات ليلة وهو نائم، فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترقَ البيت، واحترق هو وأهله.

وقد قُرّر أنّ في الآية دليل على ثبوت الأذان بنصّ الكتاب، لا بالمنام لبعض الصحابة كما روته العامّة، وفي الآية دلالة على إطلاق عنوان النداء على الأذان،

____________________

(1) المائدة: آية 58.

(2) الجمعة: آية 9.


وأنّ من قوام ماهيّته جهة الشعيرة فيه، حيث إنّ في الشعيرة إعلام وهو نتيجة النداء، والنداء نحو أعلام، وكذلك تقرير دلالة الآية الثانية، فإنّه أُطلقَ على أذان الظهيرة يوم الجمعة ِ ( إذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ... ) بأنّه أذان ونداء للصلاة، ثُمّ إنّ في الآية الأولى - مع ما تقدّم من مورد نزولها وسياق الآيات التي قبلها - دلالة واضحة على أنّ شعيريّة الأذان لا يقتصر على كونه إعلاماً للصلاة فقط، بل هو شعار ونداء للتوحيد والنبوّة والإسلام، وأنّ سبب استهزاء المنافقين والنصارى في مورد نزول الآية الأولى هو تضمّن الأذان للإقرار بالنبي والولاية له، ومن ثُمّ كان سياق الآيات في سورة المائدة قبل هذه الآية، هي كلّها في الموالاة لله ولرسوله ولأمير المؤمنين (عليه السلام)، وذمّ الذين يتوّلون اليهود والنصارى والمنافقين، وقال تعالى:

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنّصَارَى‏ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلهم مِنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ إِنّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * فَتَرَى الّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاَءِ الّذِينَ أَقْسَمُوا بِالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالهمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنّمَا وَلِيّكُمُ الله وَرَسُولهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلّ الله وَرَسُوله وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ * يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتّخِذُوا الّذِينَ اتّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوا وَلَعِباً مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتّقُوا الله إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصّلاَةِ اتّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ ) (1).

____________________

(1) المائدة: 52 - 58.


فجملة هذه الآيات النازلة في تولّي الله، ورسوله، وعلي (عليه السلام) - الذي تصدّق وهو راكع - وحصرُ الولاية بهم، وأنّ تلك الولاية هي ولاية حزب الله، بخلاف الذين في قلوبهم مرض الذين اندّسوا في صفوف المسلمين منذ أوائل البعثة، كما تشير إلى ذلك سورة المدّثر (1) ، وهم الذين تنبّأ القرآن بسيطرتهم على مقاليد الأمور بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما أشارت إلى ذلك سورة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فجملة الآيات في سياق التولّي والتبرّي، وجَعل حرمة الأذان من شعار التولّي ومقتضيات الولاية، وأنّ من مقتضيات التبرّي، التبرّي من أعداء الإسلام وأعداء الإيمان، والتبرّي من المستهزئين بحرمة الأذان.

وبعبارة جامعة: أنّ النداء إلى الصلاة - وهو الأذان - مظهر للتولّي والتبرّي ومن توابعه، ومن ثَمّ قد ورد أنّ مصحّح ابن أبي عمير عن أبي الحسن، أنّه علّة حذف حيّ على خير العمل من الثاني، هو لئلاّ يقع حث على الولاية، ولئلاّ يقع دعاء إليها (2) .

وممّا وردَ من الآيات المُعاضدة لكون النداء للإيمان أيضاً، قوله تعالى: ( رَبّنَا إِنّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبّكُمْ فَآمَنّا ) (3) .

وفي معتبرة أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (بُنيَ الإسلام على خمس: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم يُنادَ بشيء كما نوديَ بالولاية) (4).

____________________

(1) المدّثر: آية 31.

(2) أبواب الأذان والإقامة: ب19/ 16.

(3) آل عمران: 139.

(4) أبواب مقدّمات العبادات: الباب 1، ح10.


وروى البرقي (1) في الصحيح عن أبي حمزة الثمالي مثله، ورواه الكليني بطريق معتبر آخر عن الفضيل (2) .

وقد مرّ في معتبرة الفضل بن شاذان قوله في عِلل الأذان: (ويكون المؤذِّن... مجاهراً بالإيمان، مُعلناً بالإسلام) (3).

وفي صحيح ابن أبي عمير المتقدّم عن أبي الحسن (عليه السلام) (4)، أنّ خير العمل في الأذان هو الولاية، وأنّ الأذان حثٌ على الولاية ودعاء إليها، فتقرّر في جملة هذه الأدلّة عدّة أمور:

أولاً: تقرير النصوص القرآنيّة والروائيّة أنّ الأذان شعيرة وشعار أي: موضع للإعلام بأصول الدين.

الثاني: إنّ الأذان كما هو شعار للإسلام فهو شعار وشعيرة للإيمان أيضاً، والولاية للأئمّة (عليهم السلام) من أهل البيت، وقد تقدّم في المدخل في عنوان ماهيّة الأذان ما يُعاضد أدلّة المقام، فلاحظ.

الثالث: إنّ جملة هذه الأدلّة هي من الأدلّة الخاصّة، والدلالة بالخصوص على شعيريّة الأذان للإيمان والولاية، وبالتالي على جزئيّة الشهادة للثالثة في الأذان، فالشعيريّة على ذلك للشهادة الثالثة في الأذان يقرِّر عليها الدليل الخاص وأنّه تشعير خاص.

____________________

(1) المحاسن: ج1، ص286، ح429.

(2) الكافي للكليني: ج1، ص21، باب دعائم الإسلام، ح8، طبعة طهران.

(3) أبواب الأذان والإقامة: ح14، الباب 9.

(4) أبواب الأذان والإقامة: الباب 19، ح16.


الرابع: إنّ هناك أدلّة عامّة أخرى تفيد شعيريّة الأذان للإيمان والولاية، ويتمّ تقريبها ببيان صغرى وموضوع قاعدة الشعائر، ومن ثُمّ كبرى القاعدة، هذا مع الغضّ عن الدلالة الخاصّة على الجزئيّة التي استشعرنا منها تشعير الشهادة الثالثة في الأذان من الآيات السابقة.

أمّا الموضوع: فهو أنّ الشعار والشعيرة الدينيّة لغةً: كلّ ما كان علامةً ورمزاً على حقيقة، أو حكم اعتقادي، أو فرعي من الدين، وهي تارةً تكون مخترعةً من الشارع المقدّس: كالحَرَم المكّي والمدني، والكعبة، والبيت الحرام، والمشاعر، والمقام، وبيت المسجد الأقصى، ومسجد الكوفة، وبيوت المشاهد المشرّفة للمعصومين (عليهم السلام)، وأخرى يتعارف على وضعها المتشرّعة في حدود تطبيق العمومات المشروعة ضمن مصاديق جزئيّة، كما في مراسم إحياء ذكر أهل البيت (عليهم السلام)، ومراسم إحياء التمسّك بالقرآن الكريم كعقد المسابقات لحفظه وتفسيره وعلومه وغير ذلك، والضابطة ورود الأذن الشرعي باتخاذ ذلك ولو كان مستفاداً من العمومات.

وبعبارةٍ أخرى: إنّ الشعيرة في اللغة كلّ ما جُعلَ عَلَماً لطاعة الله، ومَعلماً على معنى من الدين وهو الإعلام من طريق الحس، ومن ثُمّ فهو الإعلام للمعاني الشرعيّة بآلات ووسائل حسيّة.

نعم، يظهر من بعض أدلّة قاعدة الشعائر: أنّ حيثيّة الإعلاء مأخوذة في موضوع القاعدة، وعلى ضوء تقرّر المعنى اللغوي - وعدم ورود الدليل التعبّدي الناقل عن المعنى اللغوي إلى الحقيقة الشرعيّة - يصحّ التمسّك بإطلاق أدلّة قاعدة الشعائر لكلّ وسيلة وآلة مباحة، تُتخذ من قِبَل العرف لإعلام معنى شرعي وديني، فدلالة الوسيلة والآلة على المعنى بالوضع والجَعل والاتّخاذ، فالشعيرة كما هي آلة إعلام، هي أداة إعلاء، وإحياء، وتجديد عهد،


ومن ثَمّ يُتمسّك بإطلاق قوله تعالى: ( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (1) ، وقوله تعالى: ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إلاّ أَن يُتِمّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (2).

ومفادهُ: الحثّ على نشر نور الله في مقابل الإطفاء، وقوله تعالى: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) (3)، أي: رَفع لتلك البيوت، ولكلمة الله ونشر حكمه، وقوله تعالى: ( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى‏ وَكَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا ) (4).

مُتعلّق موضوع القاعدة

أمّا مورد الشعيرة: فموضوعه هو الفعل المحلّل بالمعنى الأعم في نفسه، لا بلحاظ الطواري التي تُتخذ دالاًّ وعلامة على معنىً ديني، سواء كان مباحاً أو مستحبّاً في نفسه، والوجه في ذلك: أنّ الشعار والشعيرة - المتّخذة من العمومات لا من الدليل الخاص على خصوصيّتها - حالها حال العناوين الثانويّة: كالنذر، واليمين، والشروط، وطاعة الوالدين وغيرها من العناوين المثبتة لأحكام ثانويّة، من أنّها إنّما تَعرض على الفعل المحلّل في نفسه، ولا تُعارِض العناوين الأوّليّة الإلزاميّة، بخلاف العناوين الثانويّة الرافعة: كالضرر، والحرج، والجهل، والنسيان ونحوها.

____________________

(1) الحجّ: 32.

(2) التوبة: 32.

(3) النور: 36.

(4) البراءة: 40.


محمولُ القاعدة

أمّا أدلّة كبرى المحمول فهي: عموم تعظيم الشعائر وأنّها من تقوى القلوب، وغير ذلك بعد فرض وجود الإذن الشرعي من عموم رجحان الإقرار بالولاية باللسان لعلي والأئمّة (عليهم السلام)، وكفى في ذلك قوله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) ، فإنّ كمال الدين بها، وإتمام النعمة والهداية بها، وهي شرط الرضا والقبول للدين والأعمال، مضافاً إلى العمومات الأخرى المتواترة بين الفريقين في الأمر بالتسليم لهم (عليهم السلام) بالولاية، وقوله تعالى: ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ الله وَرَسُوله وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) وغيرها من آيات الولاية.

ومن أبرز مظاهر التسليم لولايتهم الإقرار باللسان بها، كما صنعَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمسلمين في غدير خم بالتسليم والإقرار والشهادة لعلي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين والولاية، فكثرة الإقرار باللسان بالولاية مطلوبيّته من الضروريّات البديهيّة.

فإذا اتّضحت هذه المقدّمات الثلاثة، ففي ما نحن فيه المقدّمات تامّة الحصول، أمّا الأولى: فقد شاعَ وذاع شعار الطائفة بالشهادة الثالثة في الأذان والإقامة علامةً ورمزاً للعقيدة الحقّة، وهي إمامة أهل البيت (عليهم السلام)، التي هي سفارة إلهيّة غير النبوّة والرسالة وخلافة لله في أرضه، التي بيّنها في كتابه بقوله تعالى: ( إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) ( وَعَلّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلّها ) ( قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ) عِلماً لدُنيّاً من عنده وإقراراً بالإيمان بها.


ثُمّ إنّ المشهور المنصور بين الأصحاب إباحة التكلّم في الأذان والإقامة؛ لورود النصوص الصحيحة السند بذلك، ولاسيّما قبل الفصل (قد قامت الصلاة) وإن كان مكروهاً محلاً، إلاّ أنّك عرفتَ الرجحان الذاتي للذكر نفسه، وهو الإقرار بالشهادة بالولاية، بل الصحيح المتعيّن عدم شمول عدم الكراهة للتكلّم في أثناء الأذانين للشهادة الثالثة، كما لا يشتمل الصلوات على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند ذكره، كما عرفتَ في تنصيص صحيح زرارة المتقدّم بذلك، حيث إنّها من المستحبّات للشهادة الثانية، وأفضل أفرادها المتشخّص بتعقّب الصلوات والشهادة الثالثة له.

أمّا عموم الآيات الآمرة بالولاية لهم (عليهم السلام)، والروايات المتواترة الآذنة والآمرة بكثرة الإقرار اللساني بولايتهم، فكلاهما محقّقة للإذن والطلب فيكون ما أُخذ شعاراً من الطائفة المحقّة الإماميّة، تطبيقاً لتلك العمومات، واتّخاذاً للشعيرة منها فيعمّه ( وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) .

والذي يتناول الواجب والمستحبّ، كما في تناول وطرو عنوان النذر وغيره من العناوين الثانويّة اللازمة لكلّ من المستحبّ والواجب، والتي هي معالم وإعلام للدين في قبال الاستخفاف والاستهانة بها - والعياذ بالله تعالى - وأيّ شعيرة بمثل أهميّة المكمّلة للدين والشرط في الرضا والقبول للدين والعمل، فهي قد تمّ اتّخاذها شعيرة بالخصوص في الأذان لا في غيره، وإن كان رجحانها لولا طرو عنوان التشعير بنحو العموم، ومنه يظهر وجه مَن مالَ للوجوب مضافاً للعناوين الأخرى الطارئة المُعاضدة لذلك،


هذا، فضلاً عمّا ذكرناهُ أوّلاً من تقريب تشعيرها في الأذان من قِبَل الشارع نفسه، في قوله تعالى: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه... ) ، ونظير قوله تعالى: ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) فلاحظ.

هذا كلّه فيما عليه جمهور فقهاء الإماميّة.


الجهةُ الثانية

الأقوالُ النادرة في حُكم الشهادة الثالثة

قال في المستند: (وكرّهها بعضهم مع عدم الاعتقاد بمشروعيّتها وحرّمها معه، ومنهم مَن حرّمها مطلقاً لخلوّ كيفيّتهما المنقولة) (1).

هذا بعد أن حكى قول المشهور بالمشروعيّة، وقول البعض كالمجلسي بنفي البعد عن كونها من الأجزاء المستحبّة، والظاهر أنّ القول الذي حكاه بالتفصيل بالكراهة والحرمة، إشارة إلى الفيض الكاشاني في المفاتيح، حيث قال في مفتاح ما يُكره في الأذان والإقامة:

(وكذا غير ذلك من الكلام وإن كان حقّاً، بل كان من أحكام الإيمان؛ لأنّ ذلك كلّه مخالف للسُنّة، فإن اعتقدهُ شرعاً فهو حرام) (2).

ويشير القول الثاني (قول التحريم) لصاحب الذخيرة السبزواري حيث قال: (وأمّا إضافة أنّ عليّاً وليّ الله، وآل محمّد خير البريّة وأمثال ذلك، فقد صرّح الأصحاب بأنّها بِدعة وإن كان حقّاً صحيحاً، إذ الكلام في دخولها في الأذان، وهو موقوف على التوقيف الشرعي، ولم يثبت) (3).

____________________

(1) المستند للنراقي: ج4، ص486.

(2) مفاتيح الشرائع1: 118.

(3) الذخيرة للسبزواري: ص254.


وردّ عليهما في المستند قال: (أمّا القول بالتحريم مطلقاً، فممّا لا وجه له أصلاً، والأصل ينفيه، وعمومات الحثّ على الشهادة تردّه، وليس من كيفيّتهما اشتراط التوالي وعدم الفصل بين فصولهما حتى يخالفها الشهادة، كيف؟ ولا يحرم الكلام اللغو بينها فضلاً عن الحقّ، وتوهّم الجاهل الجزئيّة غير صالح لإثبات الحرمة، كما في سائر ما يتخلّل بينها من الدعاء، بل التقصير على الجاهل حيث لم يتعلّم، بل وكذا التحريم مع اعتقاد المشروعيّة، إذ لا يُتصوّر اعتقاد إلاّ مع دليل، ومعه لا إثمَ إذ لا تكليف فوق العلم، ولو سُلِّم تحقّق الاعتقاد وحرمته فلا يوجب حرمة القول، ولا يكون ذلك القول تشريعاً وبدعة، كما حقّقنا في موضعه.

وأمّا القول بكراهتها: فإن أُريد بخصوصها فلا وجه له أيضاً، وإن أُريد دخولها في التكلّم المنهي عنه في خلالهما فله وجه لولا المُعارض، ولكن تعارضهُ عمومات الحثّ بالشهادة مطلقاً، والأمر بها بعد ذِكر التوحيد والرسالة بخصوصه كما في المقام) (1) ، ثُمّ ذكرَ رواية الاحتجاج المتقدّمة.

ثُمّ استَظهرَ من كلام الشيخ، والعلاّمة، والشهيد، وصريح المجلسي، بورود الأخبار بها في الأذان بخصوصه.

ويمكن تلخيص أدلّة الحرمة كالتالي:

1- بأنّها بدعة وزيادة في العبادة التوقيفيّة الموظّفة من قِبَل الشارع.

2- الإيهام بالجزئيّة وهو تغيير لرسم الأحكام الدينيّة؛ وذلك بسبب تشاكل وتماثل صورة التكرار عدداً لفصول الأذان.

____________________

(1) المستند: ج4، ص 486 - 487.


3- لزوم جواز الشهادة الثالثة في الصلاة أيضاً، وحيث يُعلم انتفاء ذلك فالمقدّم والملزوم مثله.

* ويُردّ عليه:

بعد غضّ النظر عن ورود الأدلّة الحاصلة على الجزئيّة، ولو الأعم من الواجب أو الندبيّة، وغضّ النظر عن الأدلّة العامّة التي أشار إلى بعض نماذجها المحقّق النراقي (قدِّس سرّه)، وقد عقدَ هذا الكتاب كلّه إشارة إلى الأقسام الثلاثة من الأدلّة في الفصول السابقة، مع غضّ النظر عن ذلك كلّه.

* يَرد عليه:

أوّلاً: أنّ الإذن باتّخاذ الشعائر والأمر بتعظيمها، ليس من الإحداث في الدين، ولو بُنيَ على عدم المشروعيّة من الأوامر العامّة لعُطّلت معظم أدلّة الشريعة، ممّا كانت بصيغة العموم والإطلاق ولانحسرَ التشريع؛ لأنّ الأدلّة الخاصّة لا تستوعب كلّ الجزئيات وما لا يتناهى من الجزئيات والصغريات المترامية، فمن الغريب مَن يرفع هذه الراية والمنهج في الاستدلال، فهو أشبه باستدلال الجماعة التي تَحكم ببدعيّة الاحتفال بالمواليد والمناسبات الدينيّة، وبدعيّة الاحتفاء بالأماكن الشريفة والمشاهد المشرّفة للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته، والأماكن الجغرافيّة التي شهدت أحداثاً تاريخيّة ووقائع للرسول وأهل بيته، تحت ذريعة أنّ كلّ ذلك لم يرد فيه نصّ خاص فهو بدعة ومُحدث فهو رد، وكلّ ذلك بسبب الضعف في صناعة الاستدلال، وعدم التفطّن إلى تحليل قاعدة الشعائر الدينيّة والتعمّق في مفادها، وحقيقة موضوع قاعدة الشعائر وحقيقة المحمول فيها، فإنّ قاعدة الشعائر شأنها شأن بقيّة الأدلّة الشرعيّة التي يؤخذ في موضوعها ومتعلّقها بعض العناوين المعيّنة،


وكلّ عنوان وارد في الأدلّة الشرعيّة إذا لم يَجعل الشارع لمعناه حقيقة شرعيّة، فيؤخذ بمعناه اللغوي وحقيقتهُ العرفيّة أو التكوينيّة، أمّا لو أخذَ الشارع في معناه حقيقة شرعيّة ما، فإنّه يُقتصر على المقدار الذي تصرّف فيه الشارع، ويبقى الباقي على حقيقته اللغويّة، وهذا أمر مُطرّد في صناعة الاستنباط، فكذا الحال في قاعدة الشعائر كقوله تعالى: ( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (1).

وغيرها من الآيات الدالّة على معنى الإعلام والنشر لمعالم الدين، ممّا هو بمضمون الشعيرة كقوله تعالى: ( يُرِيدُونَ ليُطفِئوُا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَالله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا ) (3).

حيث إنّه من خاصّة الشعيرة الإعلاء لمعالم الدين وترويجها، والشعيرة في أصل الوضع اللغوي هي العلامة، ومنها الشعار الذي هو رمز لمعنى، فهي في مقام التحقّق تتوقّف على الاعتبار الحاصل من الوضع، واتّخاذ شيء علامة ودلالة على شيء آخر، فهي في الأصل تحقّقها بالدلالة الوضعيّة، والمفروض أنّ في هذا العنوان ليس هناك حقيقة شرعيّة فيبقى على المعنى اللغوي، وليس اتخاذ الشارع لبعض الأمور شعيرة في بعض الأبواب أنّ معنى الشعيرة حقيقة شرعيّة وسقطت عن الحقيقة اللغويّة.

بل غاية ذلك اعتبار بعض الأفراد والعلامات شعيرة على معانٍ ومعالم خاصّة كقوله تعالى: ( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِر الله ) (4)، وقوله تعالى: ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائرِ الله ) .

____________________

(1) الصف: 8.

(2) البراءة: 40.

(3) الحج: 32.

(4) الحج: 36.


وكما في اتخاذ الأذان شعيرة للصلاة، لكنّ ذلك لا يعني أنّ المعنى العام الكلّي قد نُقل عمّا هو عليه، ويتّضح من ذلك: أنّ أيّ علامة مباحة فضلاً عمّا كانت راجحة إذا اتُّخذت من قِبَل المتشرّعة علامة على معنى ومَعلم ديني، فإنّها بالاتّخاذ والتباني على العلاميّة والتواضع فيما بينهم، تصبح شعيرة ومَعلماً للدين، ويكون إحياءً لذلك المَعلَم الديني وإقامة لرُكنه.

ومن ذلك يظهر وجه آخر لبقاء لفظ الشعيرة على معناه اللغوي، وهو ما دلّ ووردَ من أوامر على إقامة معالم الدين وتشييد أركانه في كلّ باب من أبواب الدين الحنيف، وكما ورد أيضاً الأمر بإحياء أمرهم (عليهم السلام)، حيث إنّ الإحياء كالإقامة والتشييد؛ إنّما يتمّ بالإعلام والنشر والإعلاء والتذكير، وهذه الأمور كلّها من خاصيّة معنى الشعيرة، إذ مقتضاها الإعلام والنشر والإعلاء والتذكير.

ومن ذلك يظهر الاستدلال ممّا ورد في المستفيض: (مَن سَنّ سُنّة حَسَنة كان لهُ أجرها وأجرَ مَن عَمَل بها إلى يوم القيامة)، وغيرها من أدلّة قاعدة الشعائر لا يسع المقام ذكرها (1) .

هذا كلّه من حيث كبرى قاعدة الشعائر محمولاً واقتضاءً، وأمّا من جهة الموضوع: فموردها وموضوعها، أي الآية التي تُتخذ علامة ومَعلماً شرعيّاً، فهو ما كان مباحاً أو راجحاً أي ممّا هو غير محرّم، وقد عرفتَ تضافر الأدلّة لاستحباب واقتران الشهادات الثلاث، واستحباب اقتران ذكرهم بذكره (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وذكرهم بذكر الله تعالى.

____________________

(1) ذكرناها مفصّلاً والجهات المتعدّدة في قاعدة الشعائر في كتابَي: الشعائر الحسينيّة، والشعائر الدينيّة.


هذا، فضلاً عن الرجحان الذاتي للشهادة الثالثة في نفسها لضرورة المذهب، كما ذَكر ذلك المجلسي وغيره، وأنّها من أشرف الأذكار، وعلى ذلك لا يُستراب في انطباق قاعدة الشعائر ومشروعيّة الشهادة الثالثة كشعيرة في الأذان؛ لأنّها من أحكام الإيمان، ولذلك لم يَسترب المشهور شهرة عظيمة في ذلك.

ثانياً: إنّ دعوى إيهام ذِكر الشهادة الثالثة في الأذان، أنّها توهِم الجزئيّة لاسيّما مع تكرارها مرّتين، مدفوعٌ؛ بأنّ ذلك يطّرد في موارد عديدة من إقامة السُنن الشرعيّة حتّى المندوبات الخاصّة في الصلاة؛ لأنّ جملة من العوام يبنون على جزئيّة الأذان في الصلاة وأنّه شرط صحّة، مع أنّ هذا إدخال في الصلاة ما ليس منها وإنّما هو جزء ندبي، وكذلك الحال في تعقيبات الصلاة، وكذا الحال في أعمال مِنى في أيّام التشريق، فإنّهم يبنون على جزئيّتها في الحج، مع أنّها أعمال وواجبات مستقلّة تتعقّب ماهيّتها.

ونظير هذا الإشكال، ما يورده مَن يستشكل في الشعائر والطقوس المستجدّة: كالاحتفال بالمواليد للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وللأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، والبِقاع المشرّفة، والمناسبات الدينيّة الخالدة في تاريخ الإسلام؛ فإنّ هذه الشعائر اعتُبرت جزءاً من الدين وأُدخلت فيه، مع أنّه لا نصّ عليها بالخصوص وكلّ هذه من المُحدثات المُبتدعة.

ويردّه: ما سبقَ من أنّ الشرعيّة لا تتوقّف على النصّ الخاص بل تتحقّق مع عموم الدليل، فشرعيّة المصاديق الخاصّة تُكتسب من العموم، نعم، خصوصيّتها لم تُشرّع بما هي خاصّة، بل بما هي مندرجة في طبيعي الموضوع العام، وإلى ذلك يشير صاحب الجواهر في المقام بقوله: (لولا تسالُم الأصحاب لأمكنَ دعوى الجزئيّة بناءً على صلاحيّة العموم لمشروعيّة الخصوصيّة، والأمر سهل) (1) ،

____________________

(1) الجواهر: ج9، 86 - 87.


بل إنّه في كلامه يشير لإمكان استفادة طلب الخصوصيّة من الأمر العام فتدبّر.

والشيء الواحد قد يختلف حكمه من حيثيّة أخرى، فالزيارة للأئمّة وإن كانت في خصوصها مستحبّة، لكنّها من جهة وحيثيّة طبيعي التولّي لهم وصِلتهم تندرج في الواجب، نظير: زيارة بيت الله الحرام، وزيارة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حيث قد وردت النصوص في الحج، أنّ على الوالي إحجاج جماعة من المسلمين للحج والزيارة لو تركَ عامّة المكلّفين الحج والزيارة ولو لعدم القدرة (1) ، وكذا الإقامة في مكّة والمدينة في حين كونها مستحبّة، إلاّ أنّها من حيثيّة أخرى واجب كفائي.

وكذلك الحال في شعائر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) والشعائر الحسينيّة؛ فإنّها وإن كانت مستحبّة في نفسها، إلاّ أنّها من جهة إقامة الحقّ ونشر الهداية فهي واجبة بالوجوب الكفائي، وقد تتعدّد الحيثيات إلى أكثر من ذلك، فإنّ الضرب بالسلاسل على تقدير عدم ورود النص فيه بالخصوص، إلاّ أنّه من حيثيّة إظهار الجزع مستحب، ومن حيثيّة إقامة ذِكر أهل البيت وحقّانيّتهم ومظلوميّتهم واجب كفائي، بمعنى أنّ إقامة ذِكرهم وبيان مظلوميّتهم غير منحصر بهذا الأسلوب، فقد يؤدّى بأنماط متعدّدة، غاية الأمر إذا أوديَ بذاك الأسلوب يتأدّى به الواجب.

والحاصل: أنّ الطبيعة العامّة التي هي مفاد العموم، تنحدر في درجات من المصاديق المباحة، وتكون من سريان الطبيعة الواجبة أو الراجحة في طبقات ومدارج من المصاديق، فالتغافل عن هذه الحقيقة في العمومات يوجِب سدّ باب العمل بها.

____________________

(1) أبواب وجوب الحجّ: ب4، ح5.


والضابطة في هذه القاعدة في العمومات، والتي تسمّى بالعناوين الثانويّة من جانب الموضوع، وهي تُغاير العناوين الثانويّة من جانب المحمول وهي المعهودة والدارجة على الألسن، إذ الطرو الثانوي من جهة الموضوع ليس بمعنى الثانويّة في الحكم، بل الحكم هو أوليّ، ولكنّ طروّ الموضوع على المصاديق ثانوي، فطبيعة المِلاك أوليّة، إلاّ أنّ طروّ الموضوع العام على المصاديق ثانوي، وذلك بعد أن لم يُقيّد الشارع انطباق الموضوع العام في تحديد مصاديق معيّنة، وهذا من مقتضيات عدم جَعل الحقيقة الشرعيّة.

وبذلك يتبيّن مشروعيّة الشعاريّة في الأذان، لاسيّما مع ملاحظة ما تقدّم مفصّلاً في الفصل الأوّل من بيان ماهيّة الأذان من أنّها دعوة للإيمان، والدعوة بمعنى الإعلام والإعلان بالإيمان، أي تقتضيه ماهيّة الأذان لاسيّما مع ما مرّ في الفصل الأوّل والثاني من اختلاف فصول الأذان بشكل كبير، كما يُلاحظه المتتبّع في روايات الأذان، وصرّح بذلك الشيخ في النهاية والمبسوط، والعلاّمة في المنتهى، وغيرهم من الأعلام، وهو ممّا يؤذِن ويقتضي التوسّع في ماهيّة وعدد فصول الأذان، بل إنّ هذا الاختلاف في مفاد الروايات يصلح أن يكون وجهاً خاصّاً لمشروعيّة ذِكر الشهادة الثالثة في الأذان، وهذا بضميمة تصريح مشهور المتأخّرين بعدم الجزئيّة بكتبهم الفقهيّة لا يبقى إيهام يتذرّع به.

وأمّا تخيّل الجاهل المقصّر في تعلّم الأحكام من الكتب المعدّة والوسائل المنصوبة، فلا يُعتدّ به ولا يُحسب له وَقْع؛ لأنّ المدار في مَعالم الدين وضروراته هي سيرة ونظر المتشرّعة الملتزمين، لا أهل المعاصي والتقصير، وإلاّ لاطّرد ذلك بحسب تهاونه في تعلّم الأحكام في موارد السيرة المختلفة لاستعلام معالم الأحكام،


وقد تقدّم أنّ التكلّم في الأثناء مكروه لا محرّم، بل الكراهة غير شاملة للمقام كما تقدّم، نعم، التزمَ بالحرمة محمّد بن عبد الوهّاب حتّى لمثل الصلاة على النبي وآله بعد الشهادة الثانية، ولمثل التنزيه والتقديس كذلك بعد التكبير وقُبيل الأذان وبعده (1).

ثالثاً: إنّ عدم الجزئيّة ليست من المسلّمات القطعيّة بل هي مسألة اجتهاديّة، إذ قد عرفتَ أنّ الشيخ، والصدوق، وكذا العلاّمة، والشهيد قد اعترفوا بورود روايات لم يعملوا بها، بل قد أورد الصدوق في الفقيه نصّ متونها، بل الشيخ في المبسوط أفتى بعدم حرمة العامل بها بقصد الجزئيّة، بل قد استظهرنا من عبارة المبسوط فتواه برخصة العمل بها.

وقد أفتى ببعض مضمونها ابن برّاج والشهيد في الذكرى، كما قد مالَ إلى ما ذكره الشيخ في الإثم من عدم العمل بها كلّ من: العلاّمة في المنتهى، والشهيد في البيان.

وقد أومأ الصدوق، والشيخ، والسيّد المرتضى وغيرهم، بتأذين جملة من الطائفة بالشهادة الثالثة في زمانهم، وقد مرّت الإشارة إلى جملة من المصادر التاريخيّة الدالّة على ذلك، فلاحظ ما مرّ من استعراض السيرة، مضافاً إلى ميل كلّ من: صاحب البحار، والحدائق، وصاحب الجواهر وغيرهم، إلى الجزئيّة بمقتضى الصناعة لولا إعراض المشهور، فمعَ كلّ ذلك يمتنع تحقّق موضوع البدعة والإحداث، إذ الاختلاف في الاجتهاد لا يؤدّي إلى نسبة أحد الاجتهادين الآخر إلى البدعة، كما لا يخفى على المتفقّه فضلاً عن الفقيه،

____________________

(1) فتنة الوهّابيّة لأحمد زيني دحلان: ص19 - 20، وذَكرَ قصّة قَتل المؤذِّن الصالح في الحَرَمين الشريفين من قِبَل محمد بن عبد الوهّاب؛ لأنّه نهاه عن الصلاة على النبي في الأذان فلم يترك ذلك. ولاحظ أيضاً كتاب أُمراء الكلام في تاريخ البلد الحرام، لأحمد زيني دحلان.


ولذلك قال الشيخ في النهاية: بأنّ العامل بتلك الروايات الواردة في الجزئيّة يُخطئ، وهو معنى التخطئة والتصويب في الاجتهاد عند الاختلاف، لا الحُكم بالبدعيّة كما توهّمه القائل بالبدعيّة، بل الأحرى أن يكون هذا التوهّم بدعة في ميزان الاجتهاد.

وقد أشار إلى التخطئة العلاّمة في المنتهى، والشهيد في الدروس، ومرادهم من العمل بها: الفتوى بالجزئيّة، وقد عرفتَ أنّهم يشيرون إلى فتوى ابن برّاج في المهذّب وعَمله ببعض مضمونها، بل قد عملَ السيّد المرتضى بها في المسائل المبافارقيات، وقد أشار في تلك المسائل إلى عمل جماعة بها.

رابعاً: لو سلّمنا بالتقصير في اجتهاد مَن ذهبَ إلى الجزئيّة؛ فإنّ ذلك لا يستلزم البدعة، كما هو الحال في سائر موارد الاختلاف في الاجتهادات الظنيّة، إذ الزيادة القطعيّة في الدين هي البدعة، أو ما ليس عليه دليل أصلاً، لا ما عليه دليل بحسب الأنظار المختلفة الأخرى، بل إنّ ظاهر مَن يحكم بالبدعيّة هو حُكمه بالبدعيّة على مشهور علماء المذهب الحق.

خامساً: قد مرّ وتقدّم استعراض العديد من الروايات المتضمّنة لاستحباب تكرار الشهادة الثالثة بعدد تكرار الشهادتين، وبنحوٍ منفصل عنهما غير متداخل كهيئة فصول الأذان، فمعَ التسالم على الاستحباب المطلق في غير الأذان لإكمال وإقران الشهادتين بالشهادة الثالثة، والاستحباب المطلق غير مختصّ بما عدا الأذان، بل هو شامل له، فيقضي كلّ ذلك باستحباب هذه الهيئة الخاصّة المماثلة لفصول الأذان سواء في الأذان وغيره.

ثُمّ إنّ الإشكال بحصول الإيهام والإقرار بذلك للمستشكل، شاهد على وجود الدلالة في تلك الروايات الدالّة على استحباب تكرار الشهادة الثالثة بعدد تكرار الشهادتين، وبنحو منفصل دلالتها على جزئيّة الشهادة الثالثة ندباً في الأذان؛ لأنّ المفروض أنّها تدلّ على هيئة مماثلة لهيئة فصول الأذان، والمفروض حصول الإيهام، فليس ذلك إلاّ للإيماء بالأذان في تلك الروايات فتدبّر، وقد أشرنا إلى هذه الدلالة سابقاً فراجع.


سادساً: إنّ النقض بلزوم الجواز في الشهادة الثالثة داخل الصلاة ففيه:

ألف: ما سيأتي في المبحث الثاني من ذهاب جماعة من متأخّري هذه الأعصار إلى جواز ذلك، ومنهم: النراقي، والنوري، ومن المتقدّمين منهم علي بن بابويه أيضاً، لمَا ورد في التشهّد من أنّه غير مؤقّت، وقد ورد في رواياته اختلاف صيَغه المندوبة بأنحاء عديدة، كلّها متضمّن لاستعراض الأمور الاعتقاديّة الحقّة، ونُصّ على تضمّن التشهّد للشهادة الثالثة في رواية الفقه الرضوي، هذا في التشهّد.

وأمّا تضمّن دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام للشهادة الثالثة، وكذا القنوت والتسليم آخر الصلاة، فقد وردَ بذلك النص والفتوى، كفتوى الصدوق في الفقيه، وعلي بن بابويه، والنراقي، والميرزا النوري، وفي خصوص القنوت فقد أفتى الشيخ المفيد بذلك، والشيخ الطوسي، وأفتى العلاّمة في المنتهى بأنّ أسمائهم من أذكار الصلاة، وأفتى الأردبيلي بجواز ذكرها في قنوت صلاة الجمعة، وقد أفتى بالشهادة الثالثة في خصوص التوجّه: الشيخ الطوسي في الاقتصاد والمصباح، والحَلَبي في الكافي، والمفيد في المقنعة، والقاضي ابن برّاج في المهذّب، وابن زهرة في الغُنية، والديلمي في المراسم، هذا فضلاً عن اتّفاق جمهور علماء الإماميّة على ذكرها بصيغة الصلاة في خطبَتَي صلاة الجمعة، وقد ورد في موثّق أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: (قال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ ذِكرنا من ذِكر الله) (1)، وهو عام شامل للصلاة وغيرها.

____________________

(1) أبواب الذكر: ب36، الحديث الأوّل.


باء: عدم المحذور في ذلك، حيث إنّ الممنوع في الصلاة الكلام الآدمي دون ذكر الله وما هو بمنزلته: كقراءة القرآن، والدعاء، والصلاة على النبي وآله، والإقرار بالإيمان، فضلاً عن ذكرها في الأذان والإقامة.

القولُ بالكراهة: واستدلّ له بكراهيّة التكلّم في الأذان واشتداده في الإقامة، فيكون القول بالتكلّم في التشهّد بالشهادة الثالثة مكروهاً، وإن كان راجحاً ذاتاً.

وفيه:

1- قد عرفتَ من صحيح زرارة الوارد في الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلّما ذُكر - وإن كان في الأذان - دلالتهُ على انصراف الكراهة عن الكلام الحق الذي هو من مستحبّات كيفيّة الشهادة الثانية، وكلّ من الصلوات والشهادة الثالثة من المستحبّات المشخّصة المفردة للشهادة الثانية.

2- ما مرّ من موثّق أبي بصير الدالّ على أنّ ذكرهم من ذكر الله، يقتضي بتنزيله منزلة الذكر أثناء الأذان والإقامة أيضاً.

وصلّى الله على محمّد، وعلى وصيّه أمير المؤمنين سيّد الوصيين، وآله الأئمّة الميامين الهداة المهديين.

تمّت بعون الله أبحاث أستاذنا في إثبات استحباب الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة، فكان الفراغ من ذلك في صبيحة يوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك، يوم ضُربت فيه هامة أركان الهدى، وانفصمت العروة الوثقى، من سنة ألف وأربعمائة وخمسة وعشرين للهجرة على مهاجرها ووصيّه وآله آلاف التحية والسلام، والبدء في بداية سنة ألف وأربعمائة وثلاثة وعشرين من الهجرة،


وذلك على أثر رسالة مختصرة كانت قد طُبعت في سنة ألف وأربعمائة وسبعة عشر، ثُمّ استجدّ له أيّدهُ الله أن يبحث الشهادة الثالثة في التشهّد والتسليم، فوجدنا أن تمام الفائدة جعْلهُ بحثاً لاحقاً، فلله الحمد والمنّة ثُمّ الصلاة على نبيه وآله الميامين.


المبحثُ الثاني

الشهادةُ الثالثة في تشهّد وتسليم الصلاة

* ويتضمّن أمرين:

الأوّل: الشهادة الثالثة في تشهّد الصلاة.

الثاني: الشهادة الثالثة في تسليم الصلاة.


الأمرُ الأوّل

الشهادةُ الثالثة في التشهّد

* الأقوالُ في المسألة:

*1 - القائلون بالجواز:

فقد حكى ابن حجر في الإصابة عن البخاري في الضعفاء، بسنده عن سمّاك بن سلمة قال: دخلتُ على كدير الضبّي فوجدتهُ يصلّي وهو يقول: (اللهمّ صلِّ على النبي والوصي، فقلتُ: لا والله، لا أعودك أبداً) (1) .

لكنّ العقيلي في الضعفاء روى بسنده عن سمّاك بن سمكة قال: دخلتُ على كدير بعد الغداة، فقالت لي امرأته: ادنوا منه، فإنّه يصلّي حتّى يتوكّأ عليك، فذهبتُ ليعتمد عليّ، فسمعتهُ وهو يقول في الصلاة: (سلام على النبي والوصي فقلت:...) (2).

قال في الفقه الرضوي في صورة تشهّد الصلاة في التشهّد الثاني: (بسم الله وبالله والحمد لله، والأسماء الحسنى كلّها لله، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسلهُ بالحق... أشهدُ أنّك نِعمَ الربّ، وأنّ محمّداً نِعمَ الرسول،

____________________

(1) الإصابة في تمييز الصحابة: ج3، ص289.

(2) الضعفاء: ج3، ص 1184، رقم المسلسل 1571، طبعة دار الضيغمي.


وأنّ عليّاً نِعمَ المولى، وأنّ الجنّة حق، والنار حق، والموت حق، والبعث حق، وأنّ الساعة آتية لا ريبَ فيها، وأنّ الله يبعث مَن في القبور... اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى، وعليّ المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن والحسين، وعلى الأئمّة الراشدين من آل طه وياسين) (1).

وقال سلاّر أبو يعلي حمزة بن عبد العزيز الديلمي الطبرستاني: (وأمّا التشهّد الأوّل فمثل ما تقدّم، وأمّا التشهّد الثاني الذي يتعقّبه التسليم في الرابعة من... فهو: (بسم الله وبالله والحمد لله، والأسماء الحسنى كلّها لله... وأشهد أنّ ربّي نِعمَ الرب، وأنّ محمّداً نِعمَ الرسول، وأنّ عليّاً نِعمَ الإمام، وأنّ الجنّة حق، والنار حق... اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد... ويومِئ بوجهه إلى القبلة فيقول: (السلام على الأئمّة الراشدين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)) (2).

وروى المجلسي الأوّل في كتابه (فقه كامل فارسي)، الذي هو بمثابة رسالة عمليّة له محشّاة بتعليقات جملة من الأعلام منهم: السيّد اليزدي صاحب العروة الوثقى، والميرازا محمّد تقي الشيرازي، والسيّد إسماعيل الصدر.

ذكرَ في مبحث التشهّد في الصلاة: (وروى أبو بصير عن جعفر الصادق (عليه السلام):

(بسم الله وبالله والحمد لله وخير الأسماء كلّها لله، أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسلهُ بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، وأشهدُ أنّ ربي نِعمَ الرب، وأنّ محمّداً نِعمَ الرسول، وأنّ عليّاً نِعم الوصي، اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، وتقبّل شفاعتهُ في أمّته وارفع درجتهُ، الحمد لله ربّ العالمين) (3).

____________________

(1) الفقه الرضوي: ص18 - ص19.

(2) المراسم العَلَويّة: ص73.

(3) فقه كامل فارسي: ص 31، طبعة مؤسّسة انتشارات فراهاني - طهران.


أقول: الظاهر أنّ هذه الرواية هي موثّقة أبي بصير الطويلة التي رواها الشيخ في التهذيب (1) ، وذَكرها صاحب الوسائل في أبواب التشهّد (2) ، وقد أفتى بمضمونها المشهور، وذكرها صاحب العروة الوثقى في باب التشهّد، وقد ذَكر فيها: (أشهدُ أنّ ربي نِعم الرب، وأنّ محمّداً نِعم الرسول، وأشهدُ أنّ الساعة آتية لا ريب فيها... الخ)، وقد قال السيّد الميلاني في تعليقته على كلام صاحب العروة: نِسَخ هذا الحديث تختلف بشيء من الزيادة والنقص، لكنّ الكلّ يتضمّن الواجب وفضيلته).

وقد أفتى صاحب الحدائق باستحباب الشهادة الثالثة في التشهّد والتسليم، حيث قال في الفصل التاسع من تشهّد الحدائق: (إنّ تحقيق الكلام يقع في موارد:... المورد الثاني: أفضل التشهّد ما رواه الشيخ في الموثّق... وقال (عليه السلام) في الفقه الرضوي (ثُمّ أوردَ الرواية) حيث فيها: (أشهدُ أنّك نِعمَ الربّ، وأنّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نِعم الرسول، وأنّ عليّ بن أبي طالب نِعم المولى... إلى آخر الرواية) (3).

وإلى ذلك ذهب أيضاً الشيخ حسين العصفور في الأنوار اللوامع، حيث اعتمدَ على رواية الفقه الرضوي في كيفيّة التشهّد والتسليم.

____________________

(1) التهذيب: ج 2, ص99/373.

(2) أبواب التشهّد: ب 3/2.

(3) الحدائق الناضرة: ج8، ص451، طبعة دار الكتب الإسلاميّة.


ويظهر من صاحب الجواهر ذلك أيضاً، حيث قال في مبحث التسليم: (إنّ المستفاد من المُتأمِل في النصوص... كون التسليم كالتشهّد ونحوه من الألفاظ المراد بها هيئات متعدّدة مختلفة بالكمال وعدمه) (1).

وقال النراقي في المستند: (يستحب أن يزيد في تشهّده ما في رواية عبد الملك،... والأكمل منه للتشهّدين ما في موثّقة أبي بصير... أو ما في الفقه الرضوي، ثُمّ ذَكر متن رواية الفقه الرضوي التي فيها: (وأنّ عليّاً نِعم المولى) كما أنّ في متنها: (اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن، والحسين، وعلى الأئمّة الراشدين من آل طه وياسين).

ثُمّ قال: ثُمّ إنّه لاشكّ في جواز الاكتفاء في التشهّد بما في رواية.... وهل يجوز التبعيض بأن يُذكر بعض ما في رواية واحدة؟ لا ريب في جوازه من حيث إنّه دعاء، وأمّا من حيث وروده واستحبابه بخصوصه فمحلّ نظر، نعم، يجوز الاكتفاء بأحد التشهّدين بأن يُذكر فيه ما ورد دون الآخر، ويجوز الاكتفاء بافتتاح التشهّد خاصّة كما في رواية بدو الأذان) (2).

وذهب إلى ذلك الميرزا النوري في المستدرك، فجوّز في صيغة التشهّد ما في رواية الفقه الرضوي) (3) .

وقال الشيخ مرتضى آل ياسين في فتواه المبسوطة، في الشهادة الثالثة في الأذان بعد الإشارة إلى الأدلّة قال: (ومن هنا يظهر لك وجه القول بجواز ذِكر الشهادة الثالثة في الصلاة، فضلاً عن الأذان والإقامة، والله العالم) (4) .

____________________

(1) الجواهر: ج10، ص 320 - 321.

(2) المستند للنراقي: ج5، ص 334 - 336.

(3) المستدرك: أبواب التشهّد، الباب2، ج5، ص6.

(4) شرح رسالة الحقوق: ج2، نقلاً عن رسالة سرّ الإيمان للسيّد عبد الرزاق المقرّم.


ويظهر من العلاّمة الحلّي (1) : أنّ ذِكر أسمائهم في الصلاة من أذكار الصلاة سواء في التشهّد أو غيره، حيث قال العلاّمة الحلّي في كتابه المنتهى (الفصل الثالث: في التروك)، حيث استثنى من الكلام المبطل كلّ كلام هو من ذِكر الله، وجَعل منه ذِكر أسماء الأئمّة، مستنداً في ذلك إلى صحيح الحَلَبي الدالّ بالخصوص على ذلك.

قال: المطلب الثاني عشر (لا بأس بأصناف الكلام الذي يناجي به الربّ تعالى، لمَا رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار قال: سألتُ أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يتكلّم في صلاة الفريضة بكلّ شيء يناجي ربّه؟ قال: (نعم) (2)، وعن الحَلَبي قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) أسمّي الأئمّة (عليهم السلام) في الصلاة؟ قال: (أجمِلهم) (3) .

ومن هذا الباب كلّ ذِكر يُقصد به تنبيه غيره) (4).

ويُستظهر ذلك من الشيخ الطوسي في التهذيب أيضاً، حيث أوردَ صحيح الحَلَبي في موضعين (5) في دعاء قنوت الوتر بقوله: (وممّا وردَ في الحثّ على الدعاء)، ثُمّ أوردَ في ضمن ذلك صحيح الحَلَبي،

____________________

(1) إنّما أخّرنا ذِكر قول العلاّمة، والطوسي، والمفيد، والصدوق؛ لكون فتواهم ليست في خصوص التشهّد، بل في عموم الصلاة.

(2) منتهى المطلب: ج5، ص292 طبعة الأستانة الرضويّة - مشهد.

(3) أبواب القنوت: باب 14 الحديث الأول، التهذيب، ج2، ص 346، الحديث 1338.

(4) منتهى المطلب: 5/ 292 طبعة مشهد.

(5) التهذيب: ج2، ص346، ح1338.


وكذلك في باب كيفيّة الصلاة وصفتها أوردَ صحيح الحَلَبي المتضمّن لذكر أسمائهم في الصلاة، بعدما أوردَ رواية في مطلق ذكر الله في الصلاة، فيظهر من الشيخ الاعتماد على مفاد الرواية (صحيحة الحَلَبي) في مطلق الصلاة، وأنّها نظير المناجاة والدعاء من الأذكار الصلاتيّة الخارجة عن الكلام المبطل في الصلاة.

ومثله يُستظهر من فتوى الشيخ الصدوق في الفقيه، حيث أوردَ الصحيح في باب القنوت في الصلاة، وفي باب قنوت صلاة الوتر.

وكذلك يُستظهر من الشيخ المفيد في المقنعة، حيث قال في دعاء قنوت الوتر بصيغة التشهّد الصريحة: (اللهمّ فإنّي أشهدُ على حين غفلة من خلقك أنّك الله لا إله إلاّ أنت، وأنّ محمّداً عبدك المرتضى ونبيّك المصطفى، أسبغتَ عليه نعمتك، وأتممتَ عليه كرامتك، وفضّلت لكرامته آله، فجعلتهم أئمّة الهدى، وأكملتَ بحبّهم وطاعتهم الإيمان، وقبلتَ بمعرفتهم والإقرار بولايتهم الأعمال، واستعبدتَ بالصلاة عليهم عبادك وجعلتهم مفتاحاً... اللهمّ صلِّ على أمير المؤمنين وصيّ رسول ربّ العالمين، اللهمّ صلِّ على الحسن والحسين سبطي الرحمة وإمامَي الهدى، وصلِّ على الأئمّة من وِلد الحسين علي بن الحسين،... والخلف الحجّة، اللهمّ اجعلهُ الإمام المنتظر) (1).

أقول: ولا يخفى من اعتماد الشيخ المفيد على أنّ التشهد بالشهادة الثالثة بصيَغه المختلفة، هو من الدعاء والذِكر الصلاتي؛ بل لأنّ الكلام المأذون في الصلاة إمّا يكون ذكراً، أو قرآناً، أو دعاءً، بل اعتمدَ الشيخ المفيد (قدِّس سرّه) في فتواه هذه على أنّ التشهّد بلفظه ومادّته بمقامات أهل البيت المتعدّدة، هو من الذكر في الصلاة، فهذه فتوى خاصّة بالتشهّد بالولاية في الصلاة من المفيد (قدِّس سرّه).

____________________

(1) المقنعة: س 125 - 130 طبعة قم.


وكذلك يُستظهر ذلك من المحقّق النراقي في المستند (1) ، حيث استدلّ على مشروعيّة إضافة الآل في الصلاة في التشهّد من صحيح الحَلَبي بتقريب: أنّ ذِكر أسمائهم في الصلاة نظير المناجاة والدعاء.

وكذلك يُستظهر من المحقّق الأردبيلي (2) ، حيث استدلّ على ذِكر أسمائهم في قنوت صلاة الجمعة بصحيح الحَلَبي، باستظهار كون ذكرهم من أذكار الصلاة المطلقة المستثناة من الكلام المبطل.

ويُستفاد من فتوى جماعة من المتقدّمين أيضاً - باستحباب الشهادة الثالثة في دعاء التوجّه الذي يؤتى به بعد تكبيرة الإحرام أي داخل الصلاة - أنّ التشهّد بالثالثة من أذكار الصلاة والأدعية الواردة في الصلاة.

قال الصدوق في الفقيه: (قال الصادق (عليه السلام): (إذا قمتَ إلى الصلاة فقل... ثُمّ كبِّر تكبيرتين وقل: وجّهتُ وجهي للذي فطرَ السموات والأرض على ملّة إبراهيم، ودين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومنهاج عليّ حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين... أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم...) (3).

وظاهر ذيل كلامه: إسناد ذلك إلى رواية زرارة، وقريب من ذلك ما أفتى به في كتابه المقنع، إلاّ أنّ فيه: (على ملّة إبراهيم، ودين محمّد، وولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب حنيفاً مسلماً) (4) .

وأفتى بذلك أيضاً المفيد في المقنعة (5) في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام، ولفظ فتواه كما مرّ في المقنع للشيخ الصدوق.

____________________

(1) المستند: ج5، ص 331 - 332.

(2) مجمع الفائدة والبرهان: ج2، ص 392 - 393.

(3) الفقيه: ج1، ص33 - 34، طبعة قم.

(4) المقنع: ص93، طبعة قم.

(5) المقنعة: ص103، طبعة قم.


وأفتى بذلك الشيخ الطوسي أيضاً في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام في كتاب النهاية (1) ، والاقتصاد، ومصباح المتهجّد (2) باللفظ الذي مرّ في المقنع.

وأفتى بذلك الحَلَبي أيضاً في الكافي في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام، إلاّ أنّ اللفظ فيه: (على ملّة إبراهيم، ودين محمّد، وولاية أمير المؤمنين، والأئمّة من ذرّيتهم الطاهرين) (3).

وأفتى بذلك ابن برّاج في المهذّب (4) ، وابن زهرة الحَلَبي في الغُنية (5).

وأفتى بذلك سلاّر الديلمي في المراسم (6).

هذا، ويَعضد بناءهم - أي المتقدّمين - على كون الشهادة الثالثة وأسماء الأئمّة بصيَغه المختلفة، من أذكار الصلاة العامّة، ومن مراسم ورسوم الدعاء المطلق ما أفتى به المشهور من ذكر أسمائهم (عليهم السلام) بوصف الإمامة في خطبة الجمعة، والتي هي عوض ركعَتي الظهر، وهي شرط في صلاة الجمعة، والشهادة الثالثة من الأجزاء الواجبة في الخطبة، كما حكى ذلك في مفتاح الكرامة (عن: الجعفريّة، وكشف الالتباس، وحاشية الإرشاد، والدروس، والنافع، والمعتبر، وموضع من السرائر، ومصباح السيّد، والنهاية، والمدارك، والشافية) (7).

____________________

(1) النهاية: ج1، ص294 طبعة قم.

(2) الاقتصاد: ص260 - 261، مصباح المتهجّد: ص44 طبعة بيروت.

(3) الكافي في الفقه: ص121 - 122.

(4) المهذّب: ج1، ص92 طبعة قم.

(5) الغُنية: ص830 طبعة قم.

(6) المراسم العَلَويّة: ص71 طبعة قم.

(7) مفتاح الكرامة: ج3، ص114.


كما يَعضد ذلك أيضاً: ما ذهب إليه جماعة من المتقدّمين: كالصدوق في الفقيه والمقنع (1) ، والمفيد في المقنعة (2) ، وعلي بن بابويه في الفقه الرضوي (3) ، وسلاّر الديلمي في المراسم (4) ، والطوسي في النهاية (5) ، وابن برّاج في المهذّب (6) ، والحَلَبي في الكافي (7) ، والنراقي في المستند (8) ، والميرزا النوري في المستدرك (9) ، من الفتوى بالشهادة الثالثة في التسليم المندوب الذي يؤتى به قبل التسليم الواجب، أي قبل الخروج من الصلاة.

وكذا يَعضد ذلك: فتوى علي بن بابويه، والنراقي، والنوري بالشهادة الثالثة في الصلاة، حيث تضمّنت صيغة الصلاة على ذكر أسمائهم الخاصّة ونَعتِهم بالأئمّة، وقد مرّ ذِكر ذلك.

ثُمّ إنّه قد يُستشعر أو يُستفاد من إطلاق عبارة المشهور - بأنّ أقل أو أدنى التشهّد هو الشهادتان -: جواز الشهادة الثالثة، كما هو الشأن في جواز الشهادة بالعقائد الحقّة الأخرى من المعاد والجنّة والنار، بعد تنصيص الروايات على أنّه ليس في التشهّد حدّ مؤقت أي من جهة حدّ الكثرة، وإليك نبذة من عبائر الأعلام المتقدّمين:

____________________

(1) الفقيه: ج1، ص310، المقنع: ص96 طبعة قم.

(2) المقنعة: ص114.

(3) الفقه الرضوي: ص108.

(4) المراسم العَلَويّة: ص73.

(5) النهاية: ج1، ص311 طبعة قم.

(6) المهذّب: ج1، ص95 طبعة قم.

(7) الكافي في الفقه: ص124.

(8) المستند: ج5، ص334 - 336.

(9) المستدرك: أبواب التشهّد، الباب2، ج5، ص6.


قال الطوسي: (والتشهّد يشتمل على خمسة أجناس... ويشهد الشهادتين، وهو أقلّ ما يجزيه في التشهّد والصلاة على النبي وعلى آله، فإن نقصَ شيئاً من ذلك فلا صلاة له، وكلّ ما زاد على ذلك من الألفاظ الواردة فيه، فهو زيادة في العبادة والثواب) (1).

وقال في النهاية: (وأقلّ ما يُجزي الإنسان في التشهّد، الشهادتان والصلاة على النبي محمّد وآله الطيبين، فإن زاد على ذلك كان أفضل) (2).

وقال الطوسي أيضاً في الخلاف (3) بنفس مضمون ما ذكره في النهاية والمبسوط.

وقال المفيد في المقنعة: (وأدنى ما يُجزي في التشهّد، أن يقول المصلّي: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله) (4).

وقال ابن البرّاج في شرح جُمل العلم والعمل للسيّد المرتضى (رحمه الله): (وأمّا أقلّ ما يُجزي في التشهّد، فهو ما ذكرهُ (رضي الله عنه) من الشهادتين والصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وذلك هو الواجب فيهما، وأمّا باقي التشهّد فهو مندوب...).

وقال ابن إدريس: (وأدنى ما يُجزي فيهما، الشهادتان والصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والصلاة على آله (عليهم السلام)) (5).

____________________

(1) المبسوط: ج1، ص17، طبعة مؤسّسة النشر (قم).

(2) النهاية: ج1، ص310، طبعة قم.

(3) الخلاف: ج1، ص372، المسألة 131.

(4) المقنعة: ص142.

(5) السرائر: ج1، ص231، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي - قم.


وقال في المعتبر مسألة (1) (2) : (والدعاء في التشهّد جائز سواء كان ممّا وردَ به الشرع، أو لم يكن للدنيا والآخرة ما لم يكن مطلوباً محرّماً، واستدلّ له بما رواه بكر بن حبيب قال: قلت لأبي جعفر أيّ شيء أقول في التشهّد والقنوت؟ قال: (قل بأحسن ما عُلِّمت، فإنّه لو كان موقّتاً هلكَ الناس)، ومثله في كشف الرموز للفاضل الآبي (3).

ويُستفاد من عبارة مشهور متأخّري الأعصار: أنّ من كمال الشهادتين الشهادة بالولاية، وإمرة المؤمنين لعلي (عليه السلام)، ويستفاد منها: أنّ أفضل كيفيّات الشهادتين هي المقرونة بالشهادة الثالثة، سواء أُتيَ بها في الصلاة أو في غير الصلاة، وإليك بعض تلك العبائر لعلماء الإماميّة:

قال المجلسي الثاني في البحار - بعدما أورد رواية الاحتجاج -: (فيدلّ على استحباب ذلك - يعني اقتران الشهادة الثالثة بالشهادتين - عموماً، والأذان من تلك المواضع، وقد مرّ أمثال ذلك في أبواب مناقبه - أي الروايات الدالّة على الاقتران في خلق العرش، والكرسي، والسماء، والأرضين -... وهذا أشرف الأدعية والأذكار، ومالَ إلى ذلك صاحب الحدائق، والحرّ العاملي في الهداية.

وقال في الجواهر: (هي كالصلاة على محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند سماع اسمه، وإلى ذلك أشار العلاّمة الطباطبائي في منظومته عند ذكر سُنن الأذان وآدابه، فقال:

____________________

(1) أبواب التشهّد: باب5، حديث1.

(2) المعتبر: ج2، ص230.

(3) كشف الرموز: ج1، ص161.


عليه والآل فصلِّ لتحمدا

صلّ إذا اسم محمّد بدا

قد أكملَ الدين بها في الملّة

وأكملَ الشهادتين بالتي

عن الخصوص والعموم

وأنّها مثل الصلاة خارجة

ثُمّ قال: لولا تسالم الأصحاب لأمكنَ دعوى الجزئيّة، بناءً على صلاحيّة العموم لمشروعيّة الخصوصيّة، والأمرُ سهل) (1) ، ونصّ في كتاب نجاة العباد (يستحبّ الصلاة على محمّد وآله عند ذكر اسمه، وإكمال الشهادتين بالشهادة لعلي بالولاية لله، وإمرة المؤمنين في الأذان وغيره) (2) .

وظاهره كظاهر العلاّمة الطباطبائي: في أنّ ضمّ الشهادة الثالثة للشهادتين من الكيفيّات المستحبّة في أدائهما مطلقاً، أي في الأذان وغيره، وقد تابعهُ على هذه الفتوى جملة المحشّين على نجاة العباد، وهم سبعة من الأعلام.

وقال الوحيد البهبهاني في حاشيته على المدارك عند ذكر الترجيع، أي التكرار في فصول الأذان: (... وردَ في العمومات: (متى ذكرتم محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فاذكروا آله، ومتى قلتم محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قولوا علي أمير المؤمنين)، كما رواه في الاحتجاج، فيكون حال الشهادة في الولاية حال الصلاة على محمد وآله بعد قول المؤذّن: (أشهدُ أنّ محمّداً رسول الله) في كونه خارجاً عن الفصول، ومندوباً عند ذكر محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)) (3).

وظاهره البناء على عموم استحباب اقتران الشهادة الثالثة بالشهادتين مطلقاً، كالحال في الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند ذكر اسمه مطلقاً، سواء في الصلاة أو غيرها.

____________________

(1) الجواهر: ج9، ص86 - 87.

(2) نجاة العباد: مبحث الأذان.

(3) حاشية المدارك: ج2، ص410.


وقال الميرزا القمّي في الغنائم، في معرض استدلاله على الشهادة الثالثة في الأذان: (وممّا يؤيّد ذلك: ما وردَ في الأخبار المطلقة (متى ذكرتم محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فاذكروا آله، ومتى قلتم محمّداً رسول الله فقولوا عليّ ولي الله)) (1).

وقال صاحب الرياض: (يُستفاد من بعض الأخبار، استحباب الشهادة الثالثة بالولاية بعد الشهادة بالرسالة) (2) .

وظاهره الإطلاق في الصلاة وغيرها.

وقال السيّد إسماعيل النوري في مبحث الشهادة الثالثة في الأذان: (المتصفِّح للروايات الواردة في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، يحصل له القطع في محبوبيّة اقتران اسمه المبارك والشهادة له بولايته باسم الله تعالى واسم رسوله، كلّما تُذكران لفظاً وكتابة، وذكروا أنّه لا معنى للاستحباب إلاّ رجحانه الذاتي النفسي الأمري) (3).

وقال السيّد علي الطباطبائي آل بحر العلوم في البرهان القاطع، عند ذِكر كيفيّة الأذان: (وبالجملة بالنظر إلى ورود تلك العمومات، يستحبّ كلّما ذُكرت الشهادتان تُذكر الشهادة بالولاية، وإن لم يُنصّ باستحبابه في خصوص المقام، إذ العموم كافٍ له... وفاقاً للدرّة - يعني منظومة السيّد بحر العلوم -) (4).

أقول: وظاهر كلامهم أنّ كلّ مَن بنى على استحباب اقتران الشهادتين بالثالثة عموماً، مقتضاه أن يبني على استحبابه في التشهّد لا بنحو الجزئيّة، بل من باب الاستحباب العام للكيفيّة الخاصّة.

____________________

(1) الغنائم: ج2، ص422.

(2) الرياض: ج1، ص151.

(3) شرح نجاة العباد لأستاذه صاحب الجواهر: مبحث الأذان.

(4) البرهان القاطع: ج3، عند ذكر كيفيّة الأذان.


وقال الميرزا محمّد تقي الشيرازي في رسالته العمليّة: (ويستحبّ الصلاة على محمّد وآله عند ذكر اسمه الشريف، وإكمال الشهادتين بالشهادة لعلي بالولاية، وإمرة المؤمنين في الأذان وغيره) (1).

وقال الشيخ محمّد حسين آل كاشف في حاشيته على العروة الوثقى: (يمكن استفادة كون الشهادة بالولاية والصلاة على النبي وآله، أجزاء مستحبّة في الأذان والإقامة من العمومات) (2) .

ومقتضاه: البناء على عموم الاستحباب من العمومات، وأنّ الشهادة الثالثة على نسق الصلاة على محمّد وآله عند ذكر اسمه، وأنّها تستحبّ كلّما ذُكرت الشهادتان.

وقال الميرزا النائيني في وسيلة النجاة: (يستحبّ الصلاة على محمّد وآله عند ذِكر اسمه الشريف، وإسناد الشهادتين بالشهادة لعلي، وإمرة المؤمنين في الآذان وغيره) (3).

وبنفس اللفظ أفتى السيّد حسن الصدر الكاظمي في المسائل المهمّة (4).

وبنفس اللفظ أفتى الشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمباني في رسالته وسيلة النجاة.

____________________

(1) رسالة سرّ الإيمان، السيّد عبد الرزاق المقرّم، ص 76 نقلاً عن الرسالة العمليّة للميرزا المطبوعة في بغداد - طبعة الآداب، عام 1328 هجري، ص60.

(2) العروة الوثقى: ج2، مع تعليقات عدّة من الفقهاء (قدِّس سرّهم)، مبحث الأذان.

(3) رسالة سرّ الإيمان للسيّد عبد الرزاق المقرّم، نقلاً عن وسيلة النجاة، الطبعة الحيدريّة ص56، سنة 1340هجريّة.

(4) رسالة سرّ الإيمان للسيّد عبد الرزاق المقرّم، تحت رقم 49، نقلاً عن المسائل المهمّة، طبعة صيدا سنة 1339، ص22.


وقال الآخوند صاحب الكفاية في كتابه ذخيرة العباد ما ترجمته: (الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين ليست جزءاً، ولكن لا بأس بذكرها بقصد القربة المطلقة بعد ذكر الشهادة لرسول الله) (1) .

وقال آقا رضا الهمداني في مصباح الفقيه: (الأَولَى أن يُشهد لعلي بالولاية وإمرة المؤمنين بعد الشهادتين، قاصداً به امتثال العمومات الدالّة على الاستحباب - كالخبر المتقدّم - لا الجزئيّة من الأذان، كما أنّ الأَولَى والأحوط الصلاة على محمّد وآله بعد الشهادة بالرسالة بهذا القصد) (2).

وقال الميرزا الكبير السيّد محمد حسن الشيرازي في رسالته مجمع الرسائل ما ترجمته: (الشهادة بالولاية لعلي ليست جزءاً للأذان، لكن يؤتى بها إمّا بقصد الرجحان بنفسه، وإمّا بعد ذِكر الرسالة، ولا بأس) (3) .

وقد تابعهُ على ذلك جملة تلامذته المحشّين لرسالته: كالسيّد إسماعيل الصدر العاملي، والآخوند الخراساني، والميرزا حسين الخليلي، والسيّد كاظم اليزدي، والشيخ محمد تقي الأصفهاني المعروف بآقا نجفي، والشيخ عبد النبي النوري.

____________________

(1) رسالة سرّ الإيمان: السيّد عبد الرزاق المقرّم، نقلاً عن ذخيرة العباد، طبعة صيدا سنة 1327 بالفارسيّة، تحت رقم 52.

(2) مصباح الفقيه: مبحث الأذان.

(3) رسالة سرّ الإيمان: السيّد عبد الرزاق المقرّم، نقلاً عن مجمع الرسائل، طبعة بمبئي ص98، وكذلك طبعة سنة 1315 هجريّة، وكذلك كتاب مجمع المسائل للسيّد الميرزا أيضاً، طبعة إيران سنة 1309هجريّة.


أقول : وقد تبعَ الميرزا الكبير في ذلك، أستاذه الشيخ مرتضى الأنصاري في رسالته العمليّة (النخبة) ما ترجمته: (الشهادة بالولاية لعلي (عليه السلام) ليست جزءاً للأذان، ولكن يستحبّ أن يؤتى بها بقصد الرجحان إمّا في نفسه، أو بعد ذِكر الرسول) (1) .

وقَبلَ الشيخ الأنصاري، أفتى الشيخ جعفر كاشف الغطاء بعين هذه الفتوى فقال: (ومَن قصدَ ذكر أمير المؤمنين لإظهار شأنه، أو لمجرّد رجحانه، أو مع ذِكر ربّ العالمين، أو ذِكر سيّد المرسلين، كما رويَ ذلك فيه وفي باقي الأئمّة الطاهرين، أُثيبَ على ذلك) (2) .

أقول: تصريح هؤلاء الأعلام بالرجحان الذاتي للشهادة الثالثة - فضلاً عن رجحان الاقتران - قد تقدّم ذهاب المجلسي في البحار إليه، أنّه من أشرف الأذكار والأدعية، وتابَعهُ على ذلك صاحب الحدائق، والحرّ العاملي إلى اثني عشر من الأعلام، وقد مرّت أسماؤهم ممّن ذهبَ إلى الرجحان الذاتي للشهادة الثالثة، أي أنّه من الأذكار فضلاً عن رجحان اقتران الشهادتين بها، أي فضلاً عن أنّها من الكيفيّات الراجحة في أداء الشهادتين، فهي على الثاني من الكيفيّة الراجحة فيما هو ذِكر من الأذكار.

____________________

(1) رسالة سرّ الإيمان للسيّد عبد الرزاق المقرّم، تحت رقم 12، نقلاً عن الرسالة العمليّة للشيخ الأنصاري المسمّاة بالنُخبة.

(2) كشف الغطاء: بحث الأذان.


وممّن ذهبَ إلى الرجحان الذاتي أيضاً فضلاً عن الاقتران: الشيخ جعفر الشوشتري في رسالته نهج الرشاد (1).

وممّن ذهبَ أيضاً إلى رجحان الاقتران: شيخ الشريعة الأصفهاني في الوسيلة (2) ، والشيخ أحمد كاشف الغطاء في سفينة النجاة (3)، وكذلك الشيخ حسن وابنه عبد الله المامقاني، والسيّد محمّد مهدي الصدر الكاظمي في نخبة المقلّدين، ووافقهُ الشيخ محمد رضا آل ياسين في حاشيته على النُخبة، وكذا السيّد أبو الحسن الأصفهاني في ذخيرة العباد، والسيّد حسين القمّي في مختصر الأحكام.

* 2 - القائلون بالمنع:

قال السيّد الخوئي في معرض جوابه عن السؤال عن الشهادة الثالثة في الأذان - بعدما ذَكر جوازها في الأذان، وأنّها اتُخذت شعاراً في الأذان؛ لأنّه قول سائغ في نفسه، بل راجح في الشريعة -: (ولا ريبَ في أنّ لكلّ أمّة أن تأخذ ما هو سائغ في نفسه، بل راجح في الشريعة المقدّسة شعاراً لها، نعم، لا يجوز ذلك فيما هو ممنوع منه في الدين، ومن هنا لا تجوز الشهادة الثالثة في الصلاة؛ لأنّ الدين مَنعَ عن كلّ كلام فيها غير القرآن والذكر والدعاء، فليس كلّ كلام مستحبّ في نفسه يجوز في الصلاة ما لم يكن قرآناً، أو ذكراً، أو دعاءً، وتفصيل ذلك موكول إلى محلّه) (4) .

____________________

(1) رسالة سرّ الإيمان للسيّد عبد الرزاق المقرّم، تحت رقم 17، نقلاً عن رسالة منهج الرشاد بالفارسيّة، طبعة بمبئي سنة 1313 هجريّة.

(2) رسالة سرّ الإيمان للسيّد عبد الرزاق المقرّم، تحت رقم 43 - 44، نقلاً عن رسالة الوسيلة، طبعة تبريز سنة 1337هجريّة.

(3) سفينة النجاة: ص206، المطبعة الحيدريّة.

(4) شرح رسالة الحقوق: ج2، ص27.


وقال الميرزا باقر الزنجاني في معرض جوابه عن الشهادة الثالثة في الأذان، وأنّها من الأمر الراجح كشعار، لا بقصد الجزئيّة كالصلاة على النبي وآله، ثُمّ قال: (نعم، للصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خصوصيّة تُفارق الشهادة بالولاية، وهي جواز الإتيان بالصلاة على الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أثناء الصلاة، وأمّا الشهادة بالولاية فلا يؤتى بها في أثناء الصلاة؛ للأخبار الخاصّة الناهية عن إدخال الكلام في أثناء الصلاة، إلاّ ما كان ذكراً، أو قرآناً، أو دعاءً، والصلاة على النبي من الدعاء دون الشهادة بالولاية).


أدلّةُ القائلين بالجواز

ويُستدلّ على الجواز تارة بمقتضى القاعدة وأخرى بالأدلّة الخاصّة، وبيان ذلك في وجوه:

* الوجهُ الأوّل: مقتضى القاعدة بعمومات الاقتران:

إنّ الشهادة هي من الكيفيّات المستحبّة في الشهادتين، وقد دلّت على ذلك الروايات المستفيضة إن لم نقل متواترة بمختلف الدلالات، وقد تمّ استعراضها مفصّلاً في الطوائف العامّة في بحث الأذان في الفصل الأوّل والثاني، وقد مرّ بك كلمات متأخّري الأعصار الدالّة على وضوح استفادة هذا المعنى من الروايات المستفيضة، وقد صرّح بعضهم - كما مرّ - أنّ الاستحباب في الاقتران في اللفظ والقول فقط، بل حتّى في الكتابة، فإذا تقرّر هذا المعنى من كون الشهادة الثالثة هو من الكيفيّات الراجحة لكيفيّة أداء الشهادتين، يتّضح أنّ الأمر الصلاتي في التشهّد هو أمر بطبيعة الشهادتين الشامل لكلّ أفراد الطبيعة، لاسيّما الراجح منها وهو المقرون بالشهادة الثالثة.

وهذا التقريب أمتن من تقريبه بـ: وهو أنّ العمومات الدالّة على استحباب اقتران الشهادتين بالشهادة الثالثة، دالّة بعمومها على استحباب الاقتران سواء كان في الصلاة أو غيرها، ويَعضد هذا العموم نظيره الوارد في الصلاة على محمّد وآله عند ذكر اسمه الشريف،


ولقد نُصّ على العموم في رواية خاصّة (1) ، كصحيح زرارة عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: (وصلِّ على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلّما ذكرتهُ، أو ذكرهُ ذاكر عندك في أذان وغيره).

*الوجهُ الثاني: مقتضى القاعدة بذكريّتها، وله عدّة تقريبات:

التقريبُ الأوّل: وهو كون الشهادة الثالثة ذِكراً عباديّاً، بل من أشرف الأذكار، ومن رسوم الدعاء العظيمة، فإذا تقرّرت ذكريّته - كما سيأتي بيانه - فيسوغ الإتيان به في الصلاة؛ لجواز مطلق الذكر، وقد ذهبَ إلى ذلك: المجلسي في البحار - كما مرّ - وصاحب الحدائق، والحرّ العاملي في الهداية، ومالَ إليه النراقي في المستند، والشيخ الكبير في كشف الغطاء، وأفتى به الشيخ الأنصاري، والميرزا الكبير المجدّد والسيّد إسماعيل الصدر، والميرزا الخليلي، والآخوند الخراساني، والسيّد كاظم اليزدي، والشيخ محمّد تقي الأصفهاني المعروف بآقا نجفي، والشيخ عبد النبي النوري، والشيخ جعفر الشوشتري.

ويدلّ عليه قوله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) .

وقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .

فدلّت الآيتان على أنّ الشهادة بالولاية هي كمال الدين، وركن الإيمان، وقوام رضا الرب للإسلام، كما ورد في المستفيض من الروايات أنّها من الخَمس التي بُني عليها الإسلام، فإذا كان الإقرار بالولاية يوجِب تحقّق أصل الإيمان،

____________________

(1) الوسائل: أبواب الأذان والإقامة، الباب42، الحديث1.


والإيمان عُمدة القرب والزلفى إلى الله، بل إنّ الإيمان هو حقيقة عبادة العقل والقلب والروح، كما أشار إليه تعالى في قوله: (وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون) أي: ليعرفون، فاستعملَ لفظ العبادة في معرفة العقل والقلب والروح؛ وذلك لأنّ حقيقة العبادة هي الخضوع، والإذعان، والانقياد، والتسليم، والإخبات، وهذه الأفعال إنّما يقوم بها العقل بتوسّط التصديق وإذعانه بالحق وإخباته له وتسليمه له وانقياده.

فعبادة العقل لا يقوم بها بهيئة بدنيّة، بل بالقيام بهذه الأفعال التي هي حقيقة ماهيّة العبادة، فإيمان العقل والقلب عبادة لله تعالى، بل هي أعظم درجة من عبادة البدن، وعلى ضوء ذلك: فإذا كان الإقرار بالولاية هو الموجِد والمُحقّق للإيمان، يكون هو المحقّق للعبادة أيضاً، فموجِب الإيمان ذاتَيه: التعبّد، والعبوديّة.

هذا كتقريب أوّل لهذا الوجه، وتمّ تصويره عبر ذات عباديّة نفس الشهادة الثالثة من دون توسيط عنوان الذكريّة.

التقريبُ الثاني لهذا الوجه: (وجه الذكريّة)

فهو إنّ الإقرار بالعقائد الحقّة ذِكر لساني وقلبي لاشتمالها على إضافة ذاتيّة للساحة الربوبيّة، نظير ما ذكروه وقرّروه للعبادة خوفاً من النار، أو طمعاً في الجنّة لحصول القربى: بأنّ الخوف من النار يؤول إلى الخوف من الله؛ لأنّها فعل الله، كما أنّ الطمع في الجنّة زُلفى إليه؛ لأنّها دار رضوانه، ولأجل ذلك كان ذِكر النار من ذكر الله، كما أنّ الجنّة من ذِكره أيضاً تبارك وتعالى، ويشهد لذلك: ورود التشهّد بالنار والجنّة بأنّها حقّ في تشهّد الصلاة كما سيأتي.

وعلى ضوء ذلك: فالإقرار بالولاية أمر ذكري؛ لأنّ ولاية وليّ الله الأعظم هي ولاية الله ورسوله، وقد قَرنَ ولايته بولاية الله ورسوله في جملة من الآيات،


ومن أجل ذلك كان الخضوع لآدم من الملائكة خضوعاً لله وإيماناً وتسليماً؛ لأنّه خليفته ووليّه، والإباء والاستكبار على آدم كان إباءً واستكباراً على الله تعالى وكفراً، فالإقرار بولاية وليّ الله المنصوب على الخلق إقراراً لولاية الله، والتسليم لولايته تسليم لولاية الله؛ بسبب أنّه مهبط إرادات الله ومشيئته، فإرادته إرادة لله ورضاه رضاً لله تعالى.

التقريبُ الثالث لهذا الوجه: (الذكريّة)

ما ورد في موثّقة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما اجتمعَ قوم في مجلس لم يذكروا الله عزّ وجل ولم يذكرونا، إلاّ كان ذلك المجلس حسرةً عليهم يوم القيامة، ثُمّ قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ ذِكرنا من ذِكر الله، وذكر عدوّنا من ذكر الشيطان) (1).

وروى الصدوق في عيون أخبار الرضا، وفي كتاب التوحيد عن تميم بن عبد الله بن تميم القرشي، عن أبيه عن أحمد بن علي الأنصاري، عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي قال: سألَ المأمون الرضا (عليه السلام) عن قول الله: ( الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ) فقال: (إنّ غطاء العين لا يمنع من الذكر، والذِكر لا يُرى بالعيون، ولكنّ الله شبّه الكافرين بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالعميان؛ لأنّهم كانوا يستثقلون قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيه، وكانوا لا يستطيعون سمعاً) فقال المأمون: فرّجت عنّي فرّج الله عنك) (2).

ومعتبرة أخرى لأبي بصير رواها علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: ( الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي ) ،

____________________

(1) أبواب الذكر: باب3، ج3.

(2) عيون أخبار الرضا: ج1/ 136، توحيد الصدوق: ص353، ح25، والاحتجاج: ج2/ 412، بحار الأنوار: ج5، ص41.


قال: (يعني بالذكر ولاية علي (عليه السلام) وهو قوله ( ذِكْرِي ) ، قلتُ: قوله ( لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ) قال: كانوا لا يستطيعون إذا ذُكر علي (عليه السلام) عندهم أن يسمعوا ذكره؛ لشدّة بغضٍ له وعداوة منهم له ولأهل بيته) (1).

فتقتضي الموثّقة الأولى: اندراج الشهادة الثالثة في ذكر الله تعالى، وظاهر هذا الاندراج ليس تنزيل ذكرهم بمنزلة ذكر الله بلحاظ أثر خاص، بل هو بيان حقيقة طبيعة ذكرهم أنّه ذكر لله تعالى؛ لأنّهم الناطقون عن الله تعالى وسفرائه في خلقه، ومن ثُمّ أوتيَ بلفظ (من) البيانيّة، فمقتضى ذلك حينئذٍ: أنّ الشهادة الثالثة من الأذكار المرخّص بها في الصلاة، ويدلّ على ذلك أيضاً صحيحة الحَلَبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: أسمّي الأئمّة في الصلاة؟ فقال: (أجمِلهم) (2).

وقد تقدّم اعتماد كلّ من: الصدوق، والمفيد (3) ، والشيخ الطوسي، وجماعة من المتقدّمين على هذا الصحيح، إلاّ أنّهم قرّروا مفاده في قنوت الصلاة تارة، وأخرى في قنوت الوتر، إذ الصحيح بالصورة المتقدّمة هو برواية الصدوق في الفقيه (4) في موضعين، وموضعين من التهذيب (5) ، إلاّ أنّه في موضع ثالث من التهذيب عن عبيد الله الحَلَبي قال في قنوت الجمعة:

____________________

(1) تفسير القمّي: الكهف، آية 101.

(2) أبواب القنوت: باب 14، ح1.

(3) المقنعة: ص125 - 126.

(4) الفقيه: طبعة قم، ج1، ص317.

(5) التهذيب: ج2/ ص131، ح506 - ج2/ ص326، ح1336.


(اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى أئمّة المؤمنين [ المسلمين ]، اللهمّ اجعلني ممّن خلقتهُ لدينك، وممّن خلقتَ لجنّتك، قلتُ: أسمّي الأئمّة (عليهم السلام)؟ قال: سمِّهم جملة) (1).

وقد اعتمد العلاّمة في المنتهى (2) على الصحيح، حيث قال: (المطلب الثاني عشر: لا بأس بأصناف الكلام الذي يناجي به الربّ؛ لمَا رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار قال: سألتُ أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يتكلّم في صلاة الفريضة بكلّ شيء يناجي ربّه؟ قال: (نعم)، وقال: وعن الحَلَبي قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) أسمّي الأئمّة (عليهم السلام)؟ قال: (أجمِلهم)، ومن هذا الباب كلّ ذكر يقصد به تنبيه غيره).

كما اعتمدهُ الأردبيلي (3) أيضاً في قنوت صلاة الجمعة، واعتمدَ عليه أيضاً النراقي (4) في المستند، في كيفيّة الصلاة على محمّد وآل محمّد في تشهّد الصلاة.

وبمضمون صحيح الحَلَبي الصحيح إلى فضّالة بن أيوب، عن علي بن أبي حمزة قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (شيعتنا الرُحماء بينهم، الذين إذا خلوا ذكروا الله [ إنّ ذكرنا من ذكر الله ]، إنّا إذا ذُكرنا ذُكر الله، وإذا ذُكر عدوّنا ذُكر الشيطان) (5).

____________________

(1) أبواب القنوت: ب14، ح2.

(2) المنتهى للعلاّمة: ج5، ص292 طبعة مشهد.

(3) مجمع الفائدة والبرهان: ج2، ص393 إلى ص394/ طبعة قم.

(4) المستند: ج5/ 329 - 332.

(5) المستند: ج5، ص329 - 332، طبعة قم.


ويَعضد مضمونها صحيحة الحَلَبي الأخرى أيضاً قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (كلّما ذكرتَ الله عزّ وجل به والنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهو من الصلاة... الحديث) (1).

كما يؤيّد مضمونها: صحيح عبد الله بن سنان قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يذكر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو في الصلاة المكتوبة إمّا راكعاً، وإمّا ساجداً، فيصلّي عليه وهو على تلك الحالة فقال: (نعم، إنّ الصلاة على نبي الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كهيئة التكبير والتسبيح، وهي عشر حسنات يبتدرها ثماني عشر مَلَكاً أيّهم يبلغها إيّاه) (2)، وفي هذا الصحيح إطلاق ذِكر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الصلاة عليه، مع أنّها مقرونة بالصلاة على الآل، فهي ذِكر للآل أيضاً.

ومثلها صحيح زرارة (3) المتقدّم في الوجه الأوّل، وكذا صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في خطبة يوم الجمعة، وذَكر خطبة مشتملة على حَمد الله والثناء عليه، والوصيّة بتقوى الله، والصلاة على محمّد وآله والأمر بتسمية الأئمّة (عليهم السلام) إلى آخرهم، والدعاء بتعجيل الفرج (4).

وموثّق سماعة (5) كذلك.

وما رواه الصدوق في الفقيه قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ذِكرُ عليّ عبادة) (6).

____________________

(1) أبواب الركوع: باب 20، ح4.

(2) أبواب الركوع: باب20، ح1.

(3) أبواب الأذان والإقامة: باب42، ح1.

(4) أبواب صلاة الجمعة: الباب25، ح1.

(5) أبواب صلاة الجمعة: الباب25، ح2.

(6) الوسائل: أبواب فضل المعروف، باب23، ح9، الفقيه: ج2، 133/ 558، طبعة النجف، الفقيه: ج2 ح2146، ص205، طبعة قم.


والظاهر أنّ إسناد الصدوق جزماً إلى رسول الله، للوثوق بصدورها واستفاضتها كما سيأتي.

وأخرجهُ البحار عن المناقب (1) لمحمد بن أحمد بن شاذان، عن عائشة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

وفي المناقب في تفسير قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ) عن ابن عبّاس: ذِكر علي (2).

وأخرجه العمدة لابن الطريق (3) عن مناقب ابن المغازلي (4) ، بسنده المتصل المذكور في مناقب ابن المغازلي عن عائشة.

وفي كشف اليقين (5) ، ذَكر أنّ الخوارزمي روى بسنده المتصل فيه عن عائشة عن رسول الله: (ذِكرُ علي عبادة).

____________________

(1) بحار الأنوار: ج26، ص229.

(2) بحار الأنوار: ج38، ص28، والمناقب 3/ 61.

(3) بحار الأنوار: ج38، ص199.

(4) المناقب: ابن المغازلي، ص206. البحار عن العمدة عن المناقب: 1/3/199، كما أخرجهُ عن عدّة مصادر أخرى: كمناقب ابن شهرآشوب، والإبانة، والفردوس لشيرويه، وشرف النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للخركوشي، فقد عَقد المجلسي في البحار: ج 38، ص 95، الباب 64، تحت عنوان (ثواب ذِكر فضائله و... أنّ النظر إليه وإلى الأئمّة (عليهم السلام) من وِلده عبادة)، وقد ذَكر تسع مصادر ولكلّ مصدر جملة روايات، ومن تلك المصادر أمالي الصدوق وغيره.

(5) كشف اليقين: ص449، العلاّمة الحلّي، وقد عَقد العلاّمة في هذا الكتاب مبحثاً مستقلاً برقم (28) في أنّ النظر إلى علي عبادة، وأوردَ فيه خمس روايات، البحار: ج38/197.


وأيضاً روى في كتاب مائة منقبة (1) بسنده المتصل فيه عن عائشة.

وروى في المناقب (2) عن شيرويه في الفردوس عن عائشة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ورواه الشيخ عبد الصمد الحارثي والد البهائي في وصول الأخبار (3).

وروى الشيخ المفيد في الاختصاص بسنده عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعتُ ابن عبّاس يقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ذِكرُ الله عزّ وجل عبادة، وذكري عبادة، وذِكر علي عبادة، وذِكر الأئمّة من ولده عبادة... الخبر) (4) .

ورويَ في التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام) قال: (قال علي بن الحسين - وهو واقف بعرفات - للزهري، في حديث عمّن هو الحاجّ، فقال علي بن الحسين: أوَلا أُنبِّئكم بما هو أبلغ في قضاء الحقوق من ذلك؟ قال: بلى، يا بن رسول الله، قال: أفضل من ذلك، أن تُجدّدوا على أنفسكم ذِكر توحيد الله والشهادة به، وذِكر محمّد رسول الله، والشهادة له بأنّه سيّد المرسلين، وذِكر عليّ وليّ الله والشهادة بأنّه سيّد الوصيين، وذِكر الأئمّة الطاهرين من آل محمّد الطيبين بأنّهم عباد الله المخلصين... الحديث ) (5).

وأخرجَ صاحب البحار عن تفسير القمّي بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ) . ..: (يعني في الخِلقة... قلتُ: قوله ( الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي ) قال: يعني بالذِكر، ولاية علي (عليه السلام) وهو قوله ( ذِكْرِي ) ،

____________________

(1) مائة منقبة: ص123، المنقبة (68) لابن شاذان القمّي، طبعة انتشارات أنصاريان.

(2) البحار: ج38/198-199، عن المناقب لابن شهرآشوب عن شيرويه.

(3) وصول الأخبار: ص58، طبعة مجمع الذخائر الإسلاميّة، المناقب لابن الغزالي: ص 206.

(4) مستدرك الوسائل: أبواب الذكر، ب1، ح1، والاختصاص: ص223.

(5) مستدرك الوسائل: ج10، ص39 - تفسير العسكري، ص606.


قلتُ: قوله ( لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ) قال: كانوا لا يستطيعون أن يسمعوا ذِكر علي عندهم...) (1).

وفي التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام) في قوله عزّ وجل ( وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ ) : (هو إقامة الصلاة بتمام ركوعها وسجودها ومواقيتها، وأداء حقوقها التي إذا لم تؤدّ لم يتقبّلها ربُّ الخلائق، أتدرونَ ما تلك الحقوق؟ فهي إتباعها بالصلاة على محمّد وعليّ وآلهما، منطوياً على الاعتقاد بأنّهم أفضل خيرة الله، والقوّام بحقوق الله، والنُصّار لدين الله) (2) .

وأخرجَ في البحار عن كتاب جعفر بن محمد بن شريح، عن حميد بن شعيب عن جابر الجعفي قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إذا صلّى أحدكم ونسيَ أن يذكر محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في صلاته، سَلكَ بصلاته غير سبيل الجنّة، ولا تُقبل صلاة إلاّ أن يُذكر فيها محمّداً وآل محمّد) (3).

وقريب منه ما رواه الديلمي في أعلام الدين (4).

وفي تفسير العسكري (عليه السلام): (وإذا قعدَ المصلّي للتشهّد الأوّل والتشهّد الثاني، قال الله تعالى: (يا ملائكتي، قد قضى خِدمتي وعبادتي، وقعدَ يُثني عليّ، ويصلّي على محمّد نبيّي، لأُثنينّ عليه في مَلكوت السموات والأرض، ولأُصلّينّ على روحه في الأرواح، فإذا صلّى على أمير المؤمنين، قال: لأُصلّينّ عليك كما صلّيت عليه، ولأجعلنّهُ شفيعك كما استشفعتَ به) (5).

____________________

(1) بحار الأنوار: ج24، ص377.

(2) تفسير الإمام الحسن العسكري: في ذيل الآية 83 من سورة البقرة.

(3) البحار: ج85، ص282، باب التشهّد.

(4) البحار: ج85، ص288.

(5) تفسير الإمام العسكري: ص240.


وروى أنّ ذكرهُ عبادة: العلاّمة الكشفي في المناقب المرتضويّة، والحافظ الشيخ يوسف النبهاني البيروتي في (الفتح الكبير) (1) ، والعلامة الحافظ ابن شيرويه الديلمي في الفردوس (2).

وذكره ُ: (3) العلاّمة أبو البركات في كتابه الفائق (4) ، وكذا العلاّمة عبد الكريم القزويني في كتابه التدوين في أخبار قزوين (5) ، والصدوق في الأمالي (6) ، والمجلسي في البحار.

وأخرجهُ أيضاً: ابن حجر في صواعقه (7) ، وابن عساكر في تاريخه (8) ، في ترجمة الإمام علي (عليه السلام)، والسيوطي في الجامع الصغير (9) ، وكنز العمّال (10) ،

____________________

(1) الفتح الكبير: ج2، ص120.

(2) الفردوس: ج2، ص36، دار الكتاب العربي، بيروت.

(3) وقد أفردَ بعض أهل الفضل رسالة في مجلّة تراثنا في إثبات حديث (ذِكر علي عبادة)، مجلّة تراثنا: ج49، ص86.

(4) الفائق: ص75.

(5) التدوين في أخبار قزوين: ج4، ص54 طبعة بيروت.

(6) الأمالي: ص84.

(7) الصواعق المحرقة: ص124.

(8) تاريخ دمشق: ح2، ص408.

(9) الجامع الصغير: ج1، ص665، ح4332.

(10) كنز العمّال للمتقي الهندي: ج11، ص601، رقم الحديث 32894.


والبداية والنهاية (1) ، وسُبل الهدى والرشاد (2) ، وينابيع المودّة (3) للقندوزي.

وقال المنّاوي في الفيض القدير في شرح حديث (ذكرُ علي عبادة) فقال: (عبادة) أي عبادة الله التي يُثيب عليها، والمراد ذكرهُ بالترضّي عنه، أو بذكر مناقبه وفضائله، أو بفضل كلامه وأذكاره وأحكامه، أو برواية الحديث عنه، أو نحو ذلك.

أقول: إذا كان ذلك ذِكر لعلي، فكيف بالشهادة له بالولاية، ورواه الخطيب الخوارزمي في كتابه (الأربعين) المعروف بالمناقب، ذَكرَ ذلك صاحب كتاب نهج الإيمان (4) وقد أسند الحديث إلى عائشة.

وذكرَ صاحب بصائر الدرجات (5) في تفسير قوله تعالى: ( وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ ) (6) حيث قال: أي ذِكر عليّ (عليه السلام)، فإنّه من آيات ربّ العالمين كما هو الحال في ذِكر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

____________________

(1) البداية والنهاية: ج7، ص394.

(2) سُبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي: ح11، ص293.

(3) ينابيع المودّة: ج8، ص229، ص328.

(4) نهج الإيمان لابن جبر: ص24- 25.

(5) بصائر الدرجات: باب 16، ح9 بتفاوت.

(6) الجنّ: 17.


الشهادةُ الثالثة في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام

ويَعضد ذكريّة الشهادة الثالثة في الصلاة الذي هو مفاد موثّقة أبي بصير المتقدّمة، مكاتبة الحِميري إلى صاحب الزمان (عليه السلام) يسأله عن التوجّه للصلاة يقول: على ملّة إبراهيم ودين محمّد، فإنّ بعض أصحابنا ذَكر أنّه إذا قال: على دين محمّد، فقد أبدعَ؛ لأنّه لم نجده في شيء من كتاب الصلاة خلا حديثاً واحداً في كتاب القاسم بن محمد، عن جدّه الحسن بن راشد أنّ الصادق (عليه السلام) قال للحسن: (كيف تتوجّه؟ فقال: أقول لبّيك وسعديك، فقال له الصادق (عليه السلام): ليس عن هذا أسألك، كيف تقول: وجّهت وجهيَ للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً؟ قال الحسن: أقوله، فقال الصادق (عليه السلام): إذا قلتَ ذلك فقل: على ملّة إبراهيم (عليه السلام)، ودين محمّد، ومنهاج علي بن أبي طالب، والائتمام بآل محمّد حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين.

فأجاب (عليه السلام): التوجّه كلّه ليس بفريضة، والسُنّة المؤكّدة فيه التي كالإجماع الذي لا خلاف فيه: وجّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السماوات والأرض حنيفاً مسلماً، على ملّة إبراهيم، ودين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهدى علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، وما أنا من المشركين، إنّ صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين، لا شريك له وبذلك أُمِرت وأنا من المسلمين.

اللهمّ اجعلني من المسلمين، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ثُمّ تقرأ الحمد) (1).

____________________

(1) الوسائل: أبواب تكبيرة الإحرام والافتتاح، باب 8، حديث3.


وروى الصدوق في الفقيه قال، قال الصادق (عليه السلام): (إذا قمتَ إلى الصلاة... وارفع يديك بالتكبير إلى نحرك وكبِّر ثلاث تكبيرات وقل... ثُمّ كبِّر تكبيرتين... ثُمّ كبِّر تكبيرتين وقل: وجّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السماوات والأرض، على ملّة إبراهيم، ودين محمّد، ومنهاج علي حنيفاً مسلماً... الحديث) (1).

وقال الصدوق معقّباً الحديث: (وإنّما جَرت السُنّة في افتتاح الصلاة بسبع تكبيرات؛ لمَا رواه زرارة).

وفي الفقه الرضوي: (ثُمّ تكبِّر مع التوجّه ثُمّ تقول: اللهمّ... ثُمّ تكبّر تكبيرتين وتقول: لبّيك وسعديك... ثُمّ تكبّر تكبيرتين وتقول: وجّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السموات والأرض حنيفاً مسلماً على ملّة إبراهيم، ودين محمّد، وولاية علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم، وما أنا من المشركين... الحديث) (2).

ما رواه السيّد علي بن طاووس في فلاح السائل (3) عن كتاب ابن خانبه (4) قال: ويقول بعد ثلاث تكبيرات من تكبيرات الافتتاح، ورواه الحَلَبي وغيره عن الصادق (عليه السلام): (اللهمّ أنت... ثُمّ يكبّر تكبيرتين، ثُمّ يقول: لبّيك... ثُمّ يكبّر تكبيرتين أخريين ويقول: وجّهتُ وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملّة إبراهيم، ودين محمّد، ومنهاج علي صلواتك عليهم حنيفاً مسلماً) (5).

____________________

(1) الفقيه: ح1، وصف الصلاة وأدب المصلي: ص304، طبعة قم.

(2) ج4، ص142 مستدرك الوسائل: أبواب تكبيرة الإحرام، باب6، ح3.

(3) فلاح السائل: صفحة132، طبعة قم.

(4) وهو أحمد بن عبد ربّه بن خانبه الكرخي.

(5) المستدرك: ج4، أبواب تكبيرة الإحرام: باب6، ح1.


وما رواه جملة من المتقدّمين الذي تُعد كتبهم متون روايات: كمقنع الصدوق (1) ، ومقنعة المفيد، واقتصاد (2) الشيخ، ومصباح المتهجّد (3) للشيخ، والكافي للحَلَبي، وغُنية ابن زهرة، ومراسم الديلمي، ومهذّب ابن برّاج، وهذه الكتب - مضافاً إلى أنّها مصادر روائيّة - دالّة على فتوى أصحابها بذلك، فمشهور المتقدّمين يبنون على ذكريّة الشهادة الثالثة في الصلاة.

هذا، ويَعضد ذكريّة الشهادة الثالثة في الصلاة، ما ورد من روايات في التسليم، وفي كيفيّة الصلاة على محمّد وآل محمّد في التشهّد المتضمّن للشهادة الثالثة، وقد تقدّم استعراض تلك الروايات مراراً في الفصول السابقة كما في الفقيه للصدوق (4)، وهو بصيغة: (السلامُ على محمّد بن عبد الله خاتم النبيين، السلام على الأئمّة الراشدين المهديين)، وفي الفقه الرضوي (5) أيضاً وهو بصيغة: (السلامُ عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين)، والمفيد في المقنعة (6) وهو بصيغة الفقه الرضوي، وقرّبه الصدوق في المقنع، والشيخ في النهاية، وابن برّاج في المهذّب، وسلاّر في المراسم، والحَلَبي في الكافي، والنراقي في المستند (7) .

____________________

(1) المقنع: ص93، طبعة قم.

(2) اقتصاد الشيخ: ص260 - 261.

(3) مصباح المتهجّد: ص44، مؤسّسة الأعلمي.

(4) الفقيه: ج1، ص319، طبعة قم، باب وصف الصلاة.

(5) الفقه الرضوي: ص180.

(6) المقنعة: ص69.

(7) وقد تقدّم الإشارة إلى مصادرها في المدخل فلاحظ، وجِلّ هذه الكتب متون روائيّة.


وكذا الروايات الواردة في صيغة الصلاة على محمّد وآل محمّد في التشهّد، كما رواه في الفقه الرضوي: (اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن والحسين، وعلى الأئمّة الراشدين من آل طه وياسين) (1).

وقد أفتى به النراقي في المستند (2) ، وقد ذَكر الشيخ المفيد في المقنعة في صيغة الصلاة في القنوت: (اللهمّ صلِّ على محمّد عبدك ورسولك وآله الطاهرين... اللهمّ صلِّ على أمير المؤمنين وصي رسول ربّ العالمين، اللهمّ صلِّ على الحسن والحسين سبطي الرحمة وإمامَي الهدى، وصلِّ على الأئمّة من وِلد الحسين، علي بن الحسين... والخَلف الحجّة (عليهم السلام)، اللهمّ اجعلهُ الإمام المنتظر...) (3).

الوجهُ الثالث: الروايات الخاصّة تنزيلاً

وهو بمنزلة الروايات الخاصّة والدلالة الخاصّة على جواز أصل الشهادة الثالثة في التشهّد، وبيانه: عبارة عن أنّه قد وردَ بأنّه ليس في التشهّد شيء مؤقّت، والمراد منه عدم التوقيت من جانب الكثرة، وإلاّ فمن ناحية القلّة محدود ومؤقّت بالشهادتين، فهذه مقدّمة يأتي بيانها، والمقدّمة الثانية أنّ ظاهر الروايات العديدة في كيفيّة التشهّد المندوب، دالّة على إطلاق العِنان في تعداد جُمل التشهّد، حيث إنّ بينها اختلافاً كثيراً في الصيغة والتعداد للجُمل المتشهّد بها، والجامع الطبيعي بينها: هو أنّها في صدد الحثّ على التشهّد بجملة المعتقدات الحقّة، لا التحديد والتخصيص بمقدار دون آخر.

____________________

(1) الفقه الرضوي: ص108.

(2) مستند الشيعة: ج5، ص334.

(3) المقنعة: ص125 - 126- 130.


وعلى ضوء هاتين المقدّمتين الآتيتين، يتبيّن اقتضاء جواز الشهادة الثالثة؛ لأنّها من جملة المعتقدات الحقّة، بل لها موقعيّة المرتبة الثالثة بعد الشهادتين، متقدّمة على بقيّة المعتقدات الحقّة الأخرى أهميّة بحسب الأدلّة القرآنيّة والنبويّة القطعيّة.

بيانُ المقدّمة الأولى:

وهي ما ورد من الروايات على أنّ ليس في التشهّد شيء مؤقّت من ناحية الكثرة، بل التحديد من ناحية القلّة، كصحيح محمّد بن مسلم قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) التشهّد في الصلاة؟ قال: (مرّتين، قال، قلت: وكيف مرّتين؟ قال: إذا استويتَ جالساً فقل: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وحدهُ لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله، ثُمّ تنصرف قال، قلت: قول العبد: التحيات لله والصلوات الطيبات لله؟ قال: هذا اللطف من الدعاء يلطف العبد ربّه) (1) .

وهذه الصحيحة الدالّة على أنّ حدّ التشهّد من جانب القلّة، هما الشهادتان وأنّه لا حدّ له من جانب الكثرة، كما تدلّ على مشروعيّة الدعاء والثناء بما هو حق من المعتقدات في التشهّد، كصحيح زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما يجزي من القول في التشهّد في الركعتين الأوليتين؟ قال: (تقول أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، قلتُ: فما يجزي من تشهّد الركعتين الأخيرتين؟ فقال: الشهادتان) (2).

____________________

(1) أبواب التشهّد: باب4، ح4.

(2) أبواب التشهّد: باب4، ح1.


وصحيح الفضلاء عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إذا فرغَ من الشهادتين فقد مضت صلاته، فإن كان مستعجلاً في أمر يخاف أن يفوته فسلّم وانصرفَ، أجزأهُ) (1)، وغيرها من الروايات الواردة (2).

وفي الصحيح إلى منصور بن حازم عن بكر بن حبيب قال، قلتُ لأبي جعفر (عليه السلام): أيّ شيء أقول في التشهّد والقنوت؟ قال: (قل بأحسن ما عَلمت، فإنّه لو كان موقّتاً لهلكَ الناس) (3).

وفي طريق الكليني مع اختلاف في الألفاظ: (لو كان كما يقولون واجباً على الناس هلكوا، إنّما كان القوم يقولون أيسر ما يعلمون إذا حمدتَ الله أجزأ عنك) (4) .

وبكر بن حبيب وإن لم يكن فيه توثيق خاص، إلاّ أنّه قد روى عنه منصور بن حازم ما يقرب من ستة مواضع (5) ، وقال الشيخ البهائي في تعليقه على الفقيه وفي الحبل المتين: (إنّ جمهور الأصحاب تلقّوا رواية له بالقبول).

ومن الروايات التي رواها عنه منصور بن حازم عن أبي جعفر (عليه السلام)، رواية تعليم رسول الله لعلي ألف باب يُفتح منه ألف باب، وفيها اُدعو لي خليلي.

وهذه الرواية (إنّه لو كان مؤقّتاً لهلكَ الناس) مضمونها يتطابق مع الصِحاح المتقدّمة في جانب الكثرة،

____________________

(1) أبواب التشهّد: باب4، ح2.

(2) أبواب التشهّد: الباب الرابع والخامس.

(3) أبواب التشهّد: باب5، ح1.

(4) أبواب التشهّد: الباب5، ح2.

(5) الكتب الأربعة، والخصال، وبصائر الدرجات، ومحاسن البرقي.


أنّه ليس هناك شيء مؤقّت، وكما فيه الترخيص في كلّ ما يَحسن من القول ممّا هو من جنس الدعاء، والثناء لله، والتشهّد بالمعتقدات الحقّة، وكذلك دلالة الصحاح المتقدّمة؛ لأنّ التعبير بـ(يجزي) فيها أي أقلّ ما يجزي.

ونظيرها رواية سورة بن كليب قال: سألتُ أبا جعفر عن أدنى ما يجزي من التشهّد، قال: (الشهادتان) (1).

هذا، وقد مرّ فتاوى مشهور الأصحاب وتنصيصهم بأنّ أدنى ما يجزي في التشهّد الشهادتان، هذا مع مفروغيّة وجوب الصلاة على محمّد وآله؛ لوجوبها بذكره في الشهادتين.

أمّا المقدّمة الثانية:

دلالة الروايات الخاصّة الواردة في التشهّد على جواز كيفيّات مختلفة، يستفاد منها أنّ الأمر في التشهّد موسّع من ناحية الكثرة، وأنّ ما كان من دعاء وثناء وإقرار وتشهّد بفرائض الإيمان، فإنّ كلّ ذلك من الأجزاء الندبيّة للتشهّد، كصحيحة الحَلَبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: أسمّي الأئمّة في الصلاة؟ فقال: (أجمِلهم).

ومنها: موثّق أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (إذا جلستَ في الركعة الثانية فقل: بسم الله وبالله والحمد لله، وخير الأسماء لله، أشهدُ أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسلهُ بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، أشهد أنّك نِعمَ الربّ، وأنّ محمّداً نِعم الرسول، اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد،

____________________

(1) أبواب التشهّد: الباب2، ح3.


وتقبّل شفاعتهُ في أمّته وأرفع درجتهُ، ثُمّ تَحمد الله مرّتين أو ثلاثاً ثُمّ تقوم، فإذا جلستَ في الرابعة قلتَ: بسم الله وبالله، والحمدُ لله وخير الأسماء لله، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسلهُ بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، أشهدُ أنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعثُ مَن في القبور، الحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله ربّ العالمين.

اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد، وبارك على محمّد وعلى آل محمد، وسلِّم على محمّد وعلى آل محمّد، وترحّم على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت وباركت وترحّمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.

اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تَجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا، ربّنا إنّك رؤوف رحيم، اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، وامنُن عليّ بالجنّة وعافِني من النار.

اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد واغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولمَن دَخل بيتي مؤمناً ولا تزد الظالمين إلاّ تباراً، ثُمّ قل: (السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام على أنبياء الله ورُسله، السلام على جبرائيل وميكائيل والملائكة المقرّبين، السلام على محمّد بن عبد الله خاتم النبيين لا نبيّ بعده، والسلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثُمّ تسلِّم) (1).

وهذه الموثّقة دلّت على عدّة كيفيّات من التشهّد، فبيّنت التشهّد الأوّل في كيفيّة، والتشهّد الثاني في كيفيّة أخرى، بل قد تضمّنت ستّة كيفيّات للتشهّد، كما تضمّنت جواز تكرار التشهّد في التشهّد الواحد،

____________________

(2) أبواب التشهّد: باب3، ح2.


كما أنّها تضمّنت التشهّد بالساعة، وبالبعث من القبور أي بالمعاد، كما تضمّنت الطلب بالجنّة، والوقاية من النار، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات، كما أنّها تضمّنت التبري من الظالمين أعداء الله ورسوله، كما أنّ صيغة السلام فيها تضمّنت السلام على أنبياء الله ورسله، وعلى ميكائيل وجبرائيل وملائكة الله المقرّبين.

ومنها: ذيل صحيح محمّد بن مسلم المتقدّم قال، قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)...: قول العبد التحيات لله والصلوات الطيّبات لله، قال: (هذا اللطف من الدعاء يلطف العبد ربّه) (1).

ومنها: صحيح يعقوب بن شعيب قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): أقرأ في التشهّد ما طابَ لله وما خبثَ فلغيره، فقال: (هكذا كان يقول علي (عليه السلام)) (2).

وفي مصحّح عبد الملك بن عمرو الأحول عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (التشهّد في الركعتين الأولتين: الحمدُ لله أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسولهُ، اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، وتقبّل شفاعتهُ، وارفع درجتهُ) (3).

فترى الكيفيّة في هذه المصحّحة تختلف عن الكيفيّة في الرواية الأخرى، كما أنّ صحيحة محمّد بن مسلم السابقة عليها نصّت على الجزئيّة الندبيّة للدعاء والثناء في التشهّد، وكذلك صحيح يعقوب بن شعيب، وغيرها من الروايات الواردة التي أوردها صاحب الوسائل في أبواب التشهّد وصاحب المستدرك،

____________________

(1) أبواب التشهّد: باب4، ح4.

(2) أبواب التشهّد: الباب الثالث، ح5.

(3) أبواب التشهّد: باب3، ح1.


كذلك الدالّة على مشروعيّة الدعاء والثناء والإقرار لمجمل قول الحق وفرائض الإيمان في التشهّد، فهذه كالكبرى تنضمّ إلى صغرى ما تقدّم من الكيفيّات المستحبّة للشهادتين، أن يؤتى بضميمة ثالثة لمجمل قول الحق وفرائض الإيمان، فضلاً عمّا دلّ على ذكريّته الذاتيّة.

الوجهُ الرابع: الروايات الخاصّة

وهو دلالة النصوص الخاصّة على مشروعيّة الشهادة الثالثة في التشهّد فمنها: معتبرة أو مصحّحة الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: (وإنّما جُعل التشهّد بعد الركعتين؛ لأنّه كما قُدّم قبل الركوع والسجود من الأذان والدعاء والقراءة، فكذلك أيضاً أخّر بعدها التشهّد والتحيّة والدعاء) (1).

وهذه المصحّحة صريحة في اتّحاد ماهيّة التشهّد في الأذان مع ماهيّة التشهّد في الصلاة، فيتأتّى ما دلّ على الشهادة الثالثة بالخصوص من الطوائف المتقدّمة مع الشهادتين في الأذان، فكلّ ما قُرِّر في الشهادة الثالثة في الأذان يتأتّى بمقتضى هذه المصحّحة في تشهّد الصلاة.

ومنها: رواية الفقه الرضوي... قال: (... فإذا صلّيت الركعة الرابعة فقل في تشهّدك: بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلّها لله، أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسلهُ بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، التحيات [ لله ] والصلوات الطيّبات الزاكيات الرائحات التامّات الناعمات المباركات الصالحات لله، ما طابَ وزكيَ وطهرَ ونمى وخلُص، وما خبُث فلغير الله،

____________________

(1) أبواب التشهّد: باب3، ح6.


أشهدُ أنّك نِعمَ الربّ، وأنّ محمّداً نِعمَ الرسول، وأنّ علي بن أبي طالب نِعمَ الولي، وأنّ الجنّة حقّ والنار حقّ، والموت حقّ، والبعث حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريبَ فيها، وأنّ الله يبعثُ مَن في القبور، والحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، وارحم محمّداً وآل محمّد، أفضل ما صلّيت وباركت ورحمت وترحّمت وسلّمت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين، إنّك حميد مجيد.

اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى، وعليّ المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن والحسين، وعلى الأئمّة الراشدين من آل طه وياسين، اللهمّ صلِّ على نورك الأنور، وعلى حبلك الأطول، وعلى عروتك الأوثق، وعلى وجهك الكريم، وعلى جنبك الأوجب، وعلى بابك الأدنى، وعلى (مسلك الصراط).

اللهمّ صلِّ على الهادين المهديين الراشدين الفاضلين الطيبين الطاهرين الأخيار الأبرار، اللهمّ صلِّ على جبرئيل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، وعلى ملائكتك المقرّبين، وأنبيائك المرسلين، ورسلك أجمعين من أهل السماوات والأرضين، وأهل طاعتك أكتعين، واخصُص محمّداً بأفضل الصلاة والتسليم) (1).

ويَعضده ما في المراسم لسلاّر الديلمي، حيث إنّ جملة كتب المتقدّمين تُعد متون للروايات؛ لاعتمادهم بالفتوى على نصّ ألفاظ الروايات.

(قال: وأمّا التشهّد الثاني الذي يلحقهُ التسليم في الرابعة من الظهر والعصر والعشاء الآخرة، والثالثة من المغرب والثانية من صلاة الغداة فهو:

____________________

(1) مستدرك الوسائل: أبواب التشهّد، باب2، ح3.


(بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلّها لله، التحيّات لله والصلوات الطيّبات الطاهرات الزاكيات الناعمات السابغات التامّات الحسنات لله، ما طابَ وطهر وزكا ونما وخلُص وما خبُث فلغير الله، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسولهُ، أرسلهُ بالهدى ودين الحقّ ليظهرهُ على الدين كلّه ولو كرهَ المشركون، وأشهدُ أنّ ربّي نِعمَ الربّ، وأنّ محمّداً نِعمَ الرسول، وأنّ عليّاً نِعمَ الإمام، وأنّ الجنّة حقّ، والنار حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث مَن في القبور.

اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، وبارك على محمّد وآل محمّد، وارحَم محمّداً وآل محمّد، وتحنّن على محمّد وآل محمّد، كأفضل ما صلّيت وباركتَ وترحّمت وتحنّنت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد، السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته) (1) .

ثُمّ إنّه يؤيَّد المقام برواية ما في تفسير العسكري (عليه السلام) قال: (إذا قعدَ المصلّي للتشهّد الأوّل والتشهّد الثاني، قال الله تعالى: (يا ملائكتي، قد قضى خِدمتي وعبادتي وقعدَ يُثني عليّ، ويصلّي على محمّد نبيّي، لأُثنينّ عليه في ملكوت السماوات والأرض، ولأصلّينّ على روحه في الأرواح)، فإذا صلّى على أمير المؤمنين (عليه السلام) في صلاته، قال: لأصلّينّ عليك كما صلّيت عليه، ولأجعلنّه شفيعك كما استشفعتَ به) (2).

الوجهُ الخامس:

وهو الاستدلال بجملة الطوائف للعامّة من الروايات التي مرّت الإشارة إلى متون بعضها ومصادرها، وهي في مفادها المطابقي الأوّلي، وإن كان مصبّها استحباب اقتران الشهادات الثلاث،

____________________

(1) المراسم العَلويّة: ص72 - 73.

(2) تفسير الإمام العسكري: ص 240.


إلاّ أنّ مجموعها يَشرف المُلاحِظ المتدبّر لدلالتها، أنّها تقتضي بيان حقيقة شرعيّة في معنى التشهّد والشهادة والإقرار، وأنّه متقوّم بالشهادات الثلاث، وأنّ الخروج عن هذا المعنى في حكم ظاهر الإسلام للدليل، وهو بمنزلة المخرج عن هذا العموم في معنى الحقيقة الشرعيّة، لاسيّما وأنّ الأصل في المعاني أنّ تُحمل على وجودها الحقيقي لا التنزيلي الظاهري، وعلى ذلك فتكون مفسِّرة لعنوان التشهّد أينما وردَ في الأدلّة، لاسيّما في باب الصلاة حيث اقترن بالتشهّد بالشهادتين - في جملة الروايات الواردة في المقام - التشهّد بجملة الاعتقادات الحقّة.


أدلّةُ القائلين بالمَنع

وقد مرّت الإشارة إلى ذلك عند نقل القول بالمنع، وعُمدة ما استُدلّ به للمنع كما مرّ في كلام السيّد الخوئي، وميرزا باقر الزنجاني: هو أنّه قد مُنع في الصلاة عن كلّ كلام فيها، عدا القرآن والذكر والدعاء، وهذا المنع شامل لمَا لو كان الكلام مستحبّاً في نفسه، إذا لم يكن قرآناً أو ذكراً أو دعاءً، كلّ ذلك للأخبار الخاصّة الناهية عن إدخال الكلام في أثناء الصلاة، إلاّ ما كان من الأجناس الثلاثة المتقدّمة، وهذا كلّه بالنسبة للشهادة الثالثة دون الصلاة على النبي وآله، فإنّها من الدعاء بخلاف الشهادة بالولاية.

* وفيه عدّة مواضع للنظر:

الأوّل: لو سُلِّم أنّ نطاق النهي عن الكلام في الصلاة غير مقصور على الكلام الآدمي، وأنّه أوسع من ذلك لمطلق الكلام ولم يُستثنَ منه إلاّ العناوين الثلاثة، فقد مرّ في وجوه الاستدلال على الجواز أنّ الشهادة بالولاية - أي الشهادة الثالثة - هي من أشرف الأذكار وأعظمها بعد الشهادتين، وأنّ إضافته ذاتيّة إلى الساحة الربوبيّة يجعلهُ من الذكر، كما في ذِكر الجنّة والنار والآخرة، نظير ما ورد في ظهور المهدي (عجّلَ الله تعالى فرجهُ الشريف) أنّه من المعاد، وفي رجعتهم (عليهم السلام) أنّها من المعاد أيضاً، والإقرار بولاية الإمام هو إقرار بولاية الله ورسوله، وقد قرنَ الله ولايته بولاية الله ورسوله في جملة من الآيات،


وكما مرّ أنّ الشهادة بالولاية ركن الإيمان، وكمال الدين، وقوام رضا الرب للإسلام، وأنّ التصديق بالولاية إيمان، والإيمان من أعظم درجات العبادة والذكر، بل هو مفتاح قبول العبادة والأعمال حيث قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) (1) .

فجعلَ التصديق بآيات الله وآياته هم حججه، كما أطلقت الآية على نبيّ الله عيسى بن مريم، والخضوع لها مفتاح قبول الدعاء والتقرّب إلى الله، ومن ثُمّ كان إباء واستكبار إبليس قد أبطلَ عبادته، وكيف يُتصوّر أنّ ما هو شرط صحّة العبادة وقبولها هو منافٍ لها، وقد تقدّم في موثّقة أبي بصير أنّ ذِكرهم من ذكر الله، بل في خصوص صحيحة الحَلَبي التنصيص الخاص على أنّ ذِكر أسمائهم (عليهم السلام) في الصلاة من أذكار الصلاة المرخّص بها، وقد أفتى لذلك العلاّمة في المنتهى كما مرّت الإشارة إليه، واعتمدَ على الصحيحة كلّ من: الصدوق، والمفيد، والطوسي، وجماعة من المتقدّمين في قنوت الصلاة.

هذا، مضافاً إلى ما مرّ من ورود الشهادة الثالثة في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام، وفي صلاة التشهّد والتسليم.

الثاني: قد تقدّم في مبحث الأذان دلالة الروايات المستفيضة والطوائف المتعدّدة، الدالّة على أنّ الشهادة الثالثة من الكيفيّات الراجحة لأداء الشهادتين، وأنّ أكمل أفراد طبيعة الشهادتين هو المقرون بالشهادة الثالثة، نظير الصلاة على محمّد وآله.

____________________

(1) الأعراف: 40.


الثالث: أنّه قد تقدّم في المدخل، أنّ الشهادة الثالثة سبب للإيمان بحسب طبيعتها، إذ لا يكفي فيها الاعتقاد بالجنان من دون الإقرار باللسان، والإيمان شرط في صحّة العبادات، كما ذهبَ إليه جُلّ علماء الإماميّة، أو شرط قبول كما ذهبَ شذاذ؛ فإنّه على كِلا التقديرين مقتضى ذلك: شرطيّة الشهادة الثالثة في الأعمال العباديّة، إمّا في الصحّة، أو في كمال الماهيّة، إذ ما هو شرط في الصحّة لا يُعقل تنافيه معه، وكذلك ما هو دخيل في كمال العمل، فلاحظ ثمّة.

والغريب في كلام السيّد الخوئي (رحمهُ الله) المتقدّم، فإنّه لا يتلائم مع ما قاله في الشهادة الثالثة في الأذان في شرح العروة، حيث أقرّ بما يفيد ويظهر منه ذكريّة الشهادة الثالثة، حيث قال: (إنّنا في غِنى من ورود النص، إذ لا شبهة في رجحان الشهادة الثالثة في نفسها بعد أن كانت الولاية من متمّمات الرسالة، ومقوّمات الإيمان، ومن كمال الدين بمقتضى قوله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) بل من الخَمس التي بُني عليها الإسلام، ولاسيّما وقد أصبحت في هذه الأعصار من أجلى أنحاء الشعار، وأبرز رموز التشيّع وشعائر المذهب الفرقة الناجية، فهي إذاً أمر مرغوب فيه شرعاً، وراجح قطعاً في الأذان وغيره...) (1).

وجهُ التدافع في كلام السيّد الخوئي (رحمهُ الله): أنّ الإقرار ببداهة رجحان الشهادة الثالثة، وأنّها ممّا يُتقوّم بها الإيمان ويرضى بها الربّ، فهل هذا إلاّ معنى الذِكر؛ لأنّه القول الراجح ذاتاً، والذي يكون مؤدّاه من الإيمان بالغيب، ويوجِب الزُلفى والرضا الإلهي بعد كونه ذو إضافة ذاتية إليه تعالى، وقد توفّرت هذه الأمور بما ذكره في بحث الأذان.

____________________

(1) المستند في شرح العروة الوثقى: ج13، ص260، طبعة قم.


الرابع: ما مرّ من ورود النصوص الصحيحة، من أنّه ليس في التشهّد شيء مؤقّت من جهة الكثرة، وأنّ كيفيّته من جهة الكثرة هو التشهّد بكلّ ما يكون من العقائد الحقّة: كمسائلة القبر، والشهادة بالنار، والجنّة، والملائكة وغيرها من الأمور الحقّة، بعد إشارة النصوص المزبورة بجواز كيفيّات مختلفة التعداد من الأمور الحقّة المقرّ بها، وهذا تعبّد خاصّ بالجزئيّة الندبيّة للتشهّد بالإقرار بكلّ العقائد الحقّة.

الخامس: أنّ الكلام المبطل في الصلاة هو الكلام الآدمي لا مطلق الكلام، كما نبّه على ذلك جملة من الأعلام، ومن ثُمّ خرجَ من الكلام المبطل مثل: القرآن، والذكر، والدعاء، والغريب في ذلك: أنّ السيّد الخوئي صرّح في ذلك في شرح العروة، فقال في ذيل الكلام للمسألة التاسعة من فصل مبطلات الصلاة، المتضمّنة استثناء الذكر والدعاء من الكلام المبطل:

(بلا خلاف فيه ولا إشكال، ويدلّنا عليه - مضافاً إلى انصراف نصوص المنع إلى ما كان من سنخ الآدميين غير الصادق على مثل القرآن، والذكر، والدعاء، ممّا كان التخاطب فيه مع الله تعالى، بل قد قُيّد التكلّم به في بعض النصوص المتقدّمة، كيف وأقوال الصلاة مؤلّفة من هذه الأمور، فكيف يشملها دليل المنع ولا يكون منصرفاً عنها - جملة من النصوص الدالّة على الجواز، وأنّه كلّ ما ناجيتَ به ربّك فهو من الصلاة، التي منها صحيحة علي بن مهزيار قال: (سألتُ أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يتكلّم في صلاة الفريضة لكلّ شيء يناجي ربّه قال: (نعم)، وصحيحة الحَلَبي قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): (كلّ ما ذكرتَ الله به والنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهو من الصلاة) (1).

____________________

(1) المستند: ج10، ص445 - 446.


وما أبعدَ ما قاله السيّد الخوئي (رحمه الله) في كلامه الأسبق، من عدم ذكريّة أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله، وبين ما ذهبَ إليه الميرزا النائيني في تقريرات الصلاة حيث قال: (لا إشكال في كون المتيقّن من استثناء الدعاء، هو ما إذا كانت المخاطبة مع الله سبحانه، وأمّا إذا كان مع النبي والأئمّة (صلوات الله عليه وعليهم) ففي جوازه وعدمه وجهان: من ورود المخاطبة مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بعض أدعية السجود، وكذا ما ورد من السلام عليه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في سجود السهو؛ ولأنّ المخاطبة معهم (صلوات الله عليهم) دعاء مع الله، لكونهم وسائل إليه سبحانه، ومن انصراف الدعاء عن مثله، إذ الظاهر المنصرَف إليه منه، هو ما كانت المخاطبة فيه مع الله سبحانه، ومختار الأستاذ - دام بقائه - هو الأوّل) (1).

وفي صحيح علي بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام) قال: سألتهُ عن رجل يصلّي خلف إمام يُقتدى به في الظهر والعصر، يقرأ؟ قال: (لا، ولكن يسبِّح ويَحمد ربّه ويصلّي على نبيّه) (2) ، ورواه أيضاً في قرب الإسناد بطريق معتبر عن علي بن جعفر.

ومقتضاه: تكرار الصلاة على النبي وآله من المأموم طوال فترة قراءة الإمام، ونظيره ما في صحيح الحَلَبي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (كلّما ذكرتَ الله به والنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهو من الصلاة).

وفي صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): سألتهُ عن رجل يذكر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو في الصلاة المكتوبة...: (إنّ الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كهيئة التكبير والتسبيح... الحديث) (3).

____________________

(1) كتاب الصلاة: ج2، تقريرات بحث المحقّق الميرزا محمّد حسين النائيني: ص286.

(2) الوسائل: أبواب صلاة الجماعة، باب32، حديث3.

(3) الوسائل: أبواب الركوع، باب20، حديث1.


الأمرُ الثاني

الشهادةُ الثالثة في التسليم

وقد أفتى بذلك جملة المتقدّمين كما ستأتي كلماتهم مفصّلاً: كعلي بن بابويه في الفقه الرضوي، والصدوق، والمفيد، والشيخ، وابن برّاج، وابن سلاّر الديلمي، وابن طاووس، والشهيد، وصاحب كاشف اللثام، وصاحب الحدائق، وصاحب الجواهر، والنراقي، والميرزا النوري، وبعض المعاصرين، وفي العروة للسيّد اليزدي أنّه يخطر بباله الأنبياء والأئمّة والحَفَظة في السلام على عباد الله الصالحين، وظاهر المحشّين موافقته، وهو نظير ما ذكرهُ الشهيدين في الذكرى، واللمعة، والروضة.

ولا يخفى أنّ المراد من كون التسليم على الأئمّة (عليهم السلام)، هي صيغة من صيَغ الشهادة الثالثة؛ وذلك لكون التسليم عليهم هو بنعت الإمامة لهم فيكون إقرار من المصلّي بذلك.

1 - فقهُ الرضا: قال علي بن بابويه: (والتسليم - بعد ذكر مستحبّات التشهّد - السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) (1) .

____________________

(1) فقه الرضا: ص109، طبعة مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام).


2- المُقنع: قال الصدوق (قدِّس سرّه): (ثُمّ سلِّم وقل: اللهمّ أنت السلام، ومنك السلام... السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام على الأئمّة الراشدين المهديين...) (1).

وقال (قدِّس سرّه) في كتابه (مَن لا يحضره الفقيه): (فإذا صلّيت الرابعة فتشهّد، وقل في تشهّدك: (بسم الله وبالله.... السلام عليك أيّها النبيّ... السلام على محمّد خاتم النبيين، السلام على الأئمّة الراشدين المهديين....)) (2).

3- المقنعة: قال الشيخ المفيد (قدِّس سرّه): (فإذا جلسَ للتشهّد في الرابعة من الظهر والعصر والعشاء الآخرة، وفي التشهّد الثاني من الثالثة في المغرب، أو في الثانية من الغداة، فليقل: (بسم الله وبالله.... السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته... السلام على الأئمّة الراشدين...)) (3).

4- النهاية: وقال الشيخ الطوسي (قدِّس سرّه): (غير أنّه يستحبّ أن يقول في التشهّد: (بسم الله وبالله.... السلام عليك أيّها النبيّ.... السلام على الأئمّة الهادين المهديين...)) (4).

وقال (قدِّس سرّه) في مصباح المتهجّد: (فإذا جلستَ للتشهّد في الرابعة على ما وصفناه قلت: (بسم الله وبالله... السلام على الأئمّة الهادين المهديِّين...)) (5).

5- المهذّب: قال القاضي ابن برّاج: (فإذا فعلَ ذلك، جلسَ للتشهّد الأخير وقال: بسم الله وبالله... السلام على الأئمّة الهادين المهديين...) (6).

____________________

(1) المُقنع للصدوق: ص96.

(2) مَن لا يحضرهُ الفقيه: ج1، ص319، طبعة جامعة المدرّسين.

(3) المقنعة: ص114، طبعة جماعة المدرّسين.

(4) النهاية للشيخ الطوسي: ج1، ص311، طبعة جماعة المدرّسين.

(5) مصباح المتهجّد: ص54.

(6) المهذّب: ج1، ص95.


6- المراسمُ العَلَويّة: قال الشيخ أبي يعلي الديلمي المعروف بسلاّر: (وأمّا التشهّد الثاني.... فهو: (بسم الله وبالله... السلام عليك أيّها النبيّ... السلام على الأئمّة الراشدين....)) (1).

7- منتهى المطلب: قال العلاّمة: (أكملُ التشهّد: ما رواه الشيخ في الموثّق عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا جلستَ في الركعة الثانية فقل:.... ثُمّ تقوم، فإذا جلستَ في الرابعة قلت: بسم الله وبالله.... السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام على أنبياء الله ورسله، السلام على جبرئيل، وميكائيل، والملائكة المقرّبين، السلام على محمّد بن عبد الله خاتم النبيين لا نبي بعده،....) (2).

أقول: وهو وإن لم يكن متضمّناً للتسليم بصيغة الشهادة الثالثة، إلاّ أنّه متضمّن للتسليم على الملائكة.

8- البيان: قال الشهيد الأوّل في بحث التسليم: (والسُنّة هنا أن يكون كهيئة المتشهّد.... وتقديم قوله: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على جميع أنبياء الله وملائكته ورسله، السلام على الأئمّة الهادين المهديّين...)) (3).

وقال أيضاً (رحمه الله) بعدَما حكى قول صاحب الفاخر بعد كلام، وعَنى بالذي آخر التشهّد قوله:

____________________

(1) المراسم العَلَويّة: 73، المجمع العالمي لأهل البيت، قم.

(2) منتهى المطلب: ج5، ص192، طبعة مشهد المقدّسة، الطبعة الأولى 1419هـ.

(3) البيان: الشهيد الأوّل، ص177، طبعة بنياد فرهنكي الإمام المهدي.


(السلام على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلى أهل بيته، السلام على نبيّ الله، السلام على محمّد بن عبد الله خاتم النبيين ورسول ربّ العالمين، السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام على جميع أنبياء الله وملائكته، السلام على الأئمّة الهادين المهديّين الراشدين، ثُمّ تَذكر الأئمة واحداً واحداً....) (1) .

9- فلاحُ السائل: قال السيّد ابن طاووس: (أقول: فيصلّي العبد الركعتين الأولتين... فإذا فرغَ من سجدَتي الركعة الرابعة، جلسَ للتشهّد الآخر... والسلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام على جميع أنبياء الله وملائكته ورسله، السلام على الأئمّة الهادين المهديين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين...) (2).

10- كشفُ اللثام: قال الفاضل الهندي في كتابه (كشف اللثام)، بعدَما ذكرَ خبَرَي أبي بصير الآتيين والمشتملَين (السلام على جبرائيل، وميكائيل، والملائكة المقرّبين، والتسليم على النبي وآله)، وبعدما ذَكر جملة أقوال الأصحاب في صيَغ التسليم المختلفة ومنها: قول الصدوق في الفقيه، والمقنع، من التسليم على النبي والأنبياء والأئمّة، ونقلَ بعد ذلك كلام الراوندي عن كتابه الرائع، وعن كتابه حلّ المعقود، وقال خلاصة كلامه في الكتابين: أنّ الفرض هو السلام عليكم، ولكن ينوب منابة التسليم المندوب، كما أنّ صوم يوم الشك ندباً يُسقط الفرض، ويحصل به الجمع بين القولين.

ثُمّ استدلّ على ذلك برواية العِلل الآتية أنّ أقلّ المُجزي: السلام على النبي، وأنّ ما زاد فضلٌ، ثُمّ أيّد كلامه بكلام الشهيد الأوّل في الذكرى والبيان (3).

____________________

(1) الذكرى: ص208، الطبعة القديمة.

(2) فلاح السائل: ص162 - 163، مركز انتشارات دفتر تلبيغات إسلامي، قم.

(3) كشف اللثام: ج4، ص131 - 135، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي.


11- الحدائقُ الناضرة: حيث قال الشيخ يوسف البحراني (قدِّس سرّه) في الفصل التاسع في التشهّد: (المورد الثاني: أفضلُ التشهّد ما رواه الشيخ في الموثّق،... ثُمّ روى رواية الفقه الرضوي وفيها: (السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطاهرين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)) (1).

12- جواهرُ الكلام: استشهدَ بكلام الشيخ المفيد في نافلة الزوال، من كيفيّة التسليم اتّجاه القبلة وفي الفريضة بعد التشهّد: (السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، ويومئ بوجهه إلى القبلة ويقول: السلام على الأئمّة الراشدين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) (2).

وقال أيضاً: (إنّ المستفاد من التأمّل في النصوص....: كون التسليم كالتشهّد ونحوه من الألفاظ المراد بها هيئات متعدّدة مختلفة بالكمال وعدمه، وإلاّ فالكلّ واجب على التخيير.

فالكامل منه مثلاً، المشتمل على التسليم على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والملائكة وغيرهم ممّن هو مذكور إلى الصيغة الثانية، ودونه المشتمل على الصيغتين خاصّة، أو على التسليم على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو على الصيغة الثانية خاصّة، أو غير ذلك من الهيئات المستفادة من النصوص.... فالآتي حينئذٍ بهيئة من الهيئات السابقة.... آتٍ بواجب وإن طال، كما أنّه لو اقتصر على: (السلام علينا)، أو (السلام عليكم) أجزَأ؛ لصدق التسليم حينئذٍ) (3).

____________________

(1) الحدائق الناظرة: ج8، ص452، طبعة دار الكتب الإسلاميّة.

(2) جواهر الكلام: ج10، ص334.

(3) جواهر الكلام: ج10، ص32 - 321.


ويدلّ على رجحان ما ذهب إليه الأصحاب من التسليم عليهم بوصف الإمامة بعد التسليم على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، روايات:

الأولى: ما رواه الصدوق في الفقيه: (السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام على محمّد خاتم النبيين، السلام على الأئمّة الراشدين المهديين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) (1) ، وقد تقدّم أنّ سياق عبارة الصدوق في الفقيه تؤمن بكونه من تتمّة صحيح زرارة، وقد أفتى بذلك في المُقنع الذي هو متون روايات، ويكفي ذلك لقاعدة التسامح.

الثانية: ما رواه الشيخ في الموثّق - على الأصح - عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا كنتَ إماماً فإنّما التسليم أن تُسلّم على النبي عليه وآله السلام وتقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قلتَ ذلك فقد انقطعت الصلاة) (2) ...الحديث.

وقوله: (أن تُسلِّم على النبي عليه وآله السلام)، وإن كانت محتملة لتخصيص التسليم في الصلاة بالنبي دون الآل، وأنّ ذِكرهم هو للتسليم عليهم بتبع التسليم لذكره (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الجواب، والرواية لا في الصلاة، ولكن على هذا الاحتمال الدلالة أيضاً تامّة، حيث إنّها تدلّ على كون اقتران التسليم عليهم بالتسليم عليه، هو من مستحبّات كيفيّة التسليم عليه، لاسيّما وإنّه (عليه السلام) في مقام بيان كيفيّة التسليم في الصلاة.

____________________

(1) الفقيه: ص319، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي، قم.

(2) أبواب التسليم: ب2 / 8.


الثالثة: ما رواه في الفقه الرضوي من كيفيّة التسليم: (السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) (1) ، وضُعف السند لا يضر، وكونه فتاوى علي بن بابويه التي هي متون روايات يكفي في تحقيق موضع قاعدة التسامح في أدلّة السُنن، لا سيّما مع ما يأتي من الروايات الأخرى.

الرابعة: ما رواه المفيد في المقنعة (2) ، وقد تقدّم الإشارة إليه في الأقوال بعد التسليم على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (السلام على الأئمّة الراشدين)، وهي أيضاً متون روايات.

الخامسة: ما تقدّم من كلام الشيخ في النهاية، ومصباح المتهجّد، وكليهما متن روايات، مضافاً إلى كلام ابن برّاج، وسلاّر الديلمي، وكتابيهما من الأصول المتلقّاة التي هي غالباً متون روايات، وهذا المجموع ممّا يوجِب الوثوق بصدور الرواية في ذلك، فضلاً عن تحقيق موضوع القاعدة في التسامح في أدلّة السُنن.

ويَعضد كلّ ذلك: ما في موثّق أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) من صيغة التسليم: (السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام على أنبياء الله ورسله، السلام على جبرئيل، وميكائيل، والملائكة المقرّبين، السلام على محمّد بن عبد الله خاتم النبيين لا نبيّ بعده، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) (3).

____________________

(1) الفقه الرضوي: ص109، طبعة مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المقنعة: ص114، طبعة قم.

(3) أبواب التشهّد: ب3، ح2.


حيث تضمّن التسليم على الأنبياء، والملائكة، والرسل بعد التسليم على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما في رواية العِلل لمحمد بن علي بن إبراهيم التي رواها في البحار:

(وأقلّ ما يجزي من السلام (السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته)، وما زاد على ذلك ففيه الفضل؛ لقول الله: ( فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ )) (1) .

____________________

(1) بحار الأنوار: ج85/ 39، باب التسليم وآدابه، ب57.


الخاتمة

في آثار ذِكر الشهادة الثالثة على المؤمن

1 - واعلم أنّه قد وردت روايات مستفيضة من الفريقين دالّة على جملة من الآثار، وخواص البركات، ورواشح وأمطار الخيرات للإقرار بالشهادة الثالثة بصيغها المختلفة، ففي حديث الأربعمائة الذي رواه الصدوق بطريقٍ اعتبرهُ جملة من الأعلام، عن أبي عبد الله عن جدّه أمير المؤمنين (عليهما السلام): (... إذا أراد أحدكم النوم، فليضع يده اليمنى تحت خدّه الأيمن وليقل: بسم الله وضعتُ جبيني لله، على ملّة إبراهيم، ودين محمّد، وولاية مَن افترضَ الله طاعته، ما شاء الله كان، وما لم يَشأ لم يكن.. فمَن قال ذلك عند منامه، حُفظ من اللص، والمُغير، والهدم، واستغفرت له الملائكة....) (1).

2 - ما رواه الصدوق بسنده المتصل في الأمالي عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام): (قال، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إنّ الله تعالى جعلَ لأخي علي بن أبي طالب (عليه السلام) فضائل لا يُحصي عددها غيره، فمَن ذكرَ فضيلة من فضائله مُقرّاً بها، غَفرَ الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، ولو وافى القيامة بذنوب الثَقَلين...) (2) الحديث.

____________________

(1) الخصال للصدوق: ص631.

(2) الأمالي للصدوق: ص84، البحار: ج38، ص196.


والإقرار بفضائله أبرز مصاديقها، الإقرار بمقام ولايته، والشهادة إقرار، ومن ثَمّ كانت الشهادة بالولاية من أشرف الأذكار العباديّة.

3 - ما وري في التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) (1) .

حيث قال الإمام (عليه السلام): ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) بتوحيد الله، وبنور محمّد رسول الله، وبإمامة عليّ وليّ الله ( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ) على ما رزقكم منها بالمقام على ولاية محمّد وعلي؛ ليقيكم الله بذلك شرور الشياطين المَرَدة على ربّها عزّ وجل، فإنّكم كلّما جدّدتم على أنفسكم ولاية محمّد وعلي، تجدّد على مَرَدة الشياطين لعائن الله، وأعاذكم الله من نفخاتهم ونفثاتهم....) (2) الحديث.

وهذه الروايات في حين هي دالّة على تلك الآثار والخواص العجيبة الباهرة في الدنيا والآخرة، فهي دالّة بدلالة الاقتضاء على عباديّة ذِكر علي والشهادة الثالثة.

4 - وروي عن ابن عبّاس قال، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن قال: (لا إله إلاّ الله) فُتحت له أبواب السماء، ومَن تلاها بـ (محمّد رسول الله) تهلّل وجه الحق سبحانه واستبشرَ بذلك، ومَن تلاها بـ (عليّ ولي الله) غَفرَ الله له ذنوبه ولو كانت بعدد قطر المطر) (3).

____________________

(1) البقرة: 168 - 169.

(2) تفسير الإمام العسكري: ص244 - 245.

(3) الفضائل لابن شاذان: ص153.


5 - ما رواه الفضل بن شاذان في كتابه الفضائل، بإسنادٍ يرفعهُ إلى عبد الله بن مسعود حيث قال، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لمّا أُسريَ بي إلى السماء قال لي جبرائيل: قد أُمرتُ بعرض الجنّة والنار عليك، فرأيتُ الجنّة... وعلى الباب الخامس مكتوب: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ ولي الله، فمَن أراد أن لا يُشتم، ومَن أراد أن لا يُذل، ومَن أراد أن لا يُظلم ولا يَظلم، ومَن أراد أن يستمسك بالعروة الوثقى في الدنيا والآخرة، فليقل: (لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ ولي الله) (1) .

6 - وما رواه الصدوق (2) عن إسحاق بن راهوية حديث السلسلة الذهبية قال: لمّا وافى أبو الحسن الرضا بنيسابور...: (سمعتُ جبرئيل يقول: سمعتُ الله جلّ جلاله يقول: لا إله إلاّ الله حِصني، فمَن دخلَ حِصني أمِنَ عذابي، قال: فلمّا مرّت الراحلة نادانا: بشروطها وأنا من شروطها) الحديث، قال الصدوق: ومن شروطها، الإقرار بالرضا بأنّه إمام من قِبَل الله عزّ وجل، مُفترَض الطاعة عليهم.

7 - وما روي في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إنّ العبد إذا توضّأ فَغَسل وجههُ... وإن قال في آخر وضوئه أو غسله من الجنابة: بسم الله الرحمن الرحيم.... وأشهدُ أنّ عليّاً وليّك، وخليفتك بعد نبيّك، وأنّ أولياءه خلفاؤك وأوصياءه، تَحاتت عنه ذنوبه كما تتحات أوراق الشجر، وخَلقَ الله بعدد كلّ قطرة من قطرات وضوئه أو غسله، مَلَكاً يُسبِّح الله ويقدِّسهُ ويُهلّله ويكبِّره...) (3) الحديث.

____________________

(1) الفضائل: ابن شاذان، ص93، البحار: ج38، ص318.

(2) التوحيد: ص25، عيون أخبار الرضا: 135، ج2، أمالي الطوسي: ص588، المجلس 25.

(3) الوسائل: أبواب الوضوء، باب 15، ح21.


8 - ما روي في المحاسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ذِكرنا أهل البيت شفاء من الوعك، والسقام، ووسواس الريب، وحُبّنا رضى الربّ تبارك وتعالى) (1) .

مُلحق:

قال الحافظ فتح الدين علي محمّد الحنفي المتوفّى سنة 1371هـ، في كتابه فُلك النجاة في الإمامة والصلاة (2) : فائدة، وفي تنوير الإيمان لمحمّد بن يعقوب الكليني حديث فيه: (أشهدُ أنّ أمير المؤمنين وإمام المتقين عليّاً وليّ الله).

وفي مصابيح الرشاد للسيّد محمّد الطبرسي، أنّه كان في عهد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتُرك في زمان خلفاء بني أُميّة، وقال في البحار: لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة للأذان، بشهادة الشيخ، والعلاّمة، والشهيد الأوّل وغيرهم، وأمّا إنكار صاحب مَن لا يحضرهُ الفقيه فليس بمُعتمد، لأنّه قول مردود، كما رُدّ قوله في سهو النبي (صلّى لله عليه وآله وسلّم) بقول الثقات.

أقول: وبالله أستمد الواجب على إخوان الإسلام أن لا يسخروا على أذان الشيعة، وأن يشهدوا بولاية أمير المؤمنين في الأذان؛ لأنّه تعالى هدّدَ (حدّد) مَن تَمسخرَ على الأذان بقوله: ( وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ) (3) ، ولنا في إثبات هذه الشهادة إثباتات كافية من القرآن الكريم، قال الله تعالى: ( وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ ) (4) .

ومن مسلّمات أهل الفن: أنّ أدنى الجمع يُطلق على الثلاث ففي الأذان ثلاث شهادات: شهادة التوحيد، وشهادة الرسالة، وشهادة الإمامة، والسلام، انتهى كلامه.

____________________

(1) المحاسن للبرقي: ص62.

(2) فُلك النجاة في الإمامة والصلاة للحافظ فتح الدين علي محمد الحنفي، الطبعة 8، ذي الحجّة 1343هـ ق.

(3) المائدة: 58.

(4) المعارج: 33.


أقول: لم نقف على كتاب تنوير الإيمان للكليني، فهذه الرواية مُرسلة بالشهادة الثالثة في أحد كُتب الكليني، نعم، أخبَرَنا بعض الأفاضل بوجود نسخة من هذا الكتاب في الباكستان وفي مكاتب العامّة.

كما أنّه لم نقف على كتاب مصابيح الرشاد للطبرسي، وفيه حكاية وجود السيرة في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الأذان بالشهادة الثالثة، واستدلاله بالآية القرآنيّة، متين كما مرّ.

هذا، تمام الكلام لأبحاث أستاذنا الفقيه والمحقّق، الشيخ محمد السند (دام تأييده)، ولعلّنا بحول الله وقوّته نُكمله ببيان مدخليّة الولاية في سائر العبادات، ولله الحمد والمنّة والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

علي الشكري

24 ربيع الأول لعام 1426

هجري قمري


المصادر

*القرآن الكريم كتاب الله العزيز.

1- إحقاق الحق - القاضي السيد نور الله الحسيني التستري.

2- أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم - لابن حماد، محمد بن علي بن حماد أبي عبد الله.

3- الآداب المعنوية للصلاة- السيد روح الله الموسوي الخميني - طبعة قم - دار الكتاب.

4- الإصابة في تمييز الصحابة - شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.

5- أصول الكافي - محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني.

6- أطيب البيان - السيد عبد الحسين طيب.

7- أعيان الشيعة - السيد الأمين.

8- أمالي الشيخ الصدوق - محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق.

9- أمالي الشيخ الطوسي - شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي.

10 - أمراء الكلام في تاريخ البلد الحرام - السيد أحمد زيني دحلان.

11- إثبات الهداة - محمد بن الحسن الحر العاملي.

12- الاختصاص - محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد - طبعة جماعة المدرسين - قم المقدسة

13- أسباب الن-زول - أبو الحسين علي بن أحمد الواحدي - دار الكتب العلمية - بيروت لبنان

14- اعتقادات الصدوق - محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق.

15- الإفصاح محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي المفيد.

16- الاقتصاد - محمد بن الحسن الطوسي - منشورات جامع جهلستون.

17- بحار الأنوار - الشيخ محمد باقر المجلسي.

18- البداية والنهاية - الحافظ الفداء ابن كثير الشامي.

19- البرهان القاطع - السيد علي بن السيد رضا بحر العلوم الطباطبائي.

20- بصائر الدرجات - أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروخ الصفار.

21- بغية الطلب في أخبار حلب - كمال الدين، عمر بن أحمد بن جرادة.

22- البيان في تفسير القرآن - السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي - طبعة قم - بنياد إمام مهدي.

23- تأويل الآيات الظاهرة - السيد شرف الدين علي الحسيني الاسترابادي الغروي.

24- تاريخ أبي الفداء (المختصر في أخبار البشر) إسماعيل بن نور الدين عماد الدين.

25- تاريخ الخلفاء - جلال الدين السيوطي.


26- تاريخ بغداد - أحمد بن علي بن أبي بكر المعروف للخطيب البغدادي.

27- تاريخ دمشق - علي بن الحسين المعروف بابن عساكر.

28- تحفة النظائر في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار - (رحلة ابن بطوطة) - محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطبخي.

29- التذكرة الفقهاء - العلامة الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر الحلي - طبعة قم وطبعة مؤسسة آل البيت.

30- تفسر علي بن إبراهيم بن هاشم القمي.

31- تفسير اثنى عشري - حسين بن أحمد الحسيني الشاه عبد العظيمي.

32- تفسير الإمام العسكري - المنسوب إلى الإمام الحسن بن علي العسكري.

33- تفسير الأمثل - ناصر مكارم الشيرازي.

34- تفسير البرهان - السيد هاشم البحراني.

35- تفسير الطبري - لمحمد بن جرير الطبري.

36- تفسير فرات - لفرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي.

37- تفسير نور الثقلين - المحدث الشيخ عبد علي جمعة العروسي الحويزي.

38- التهذيب - لمحمد بن الحسن الطوسي.

39- التوحيد - محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق. طبعة جماعة المدرسين

40- ثواب الأعمال - محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق.

41- جامع المقاصد - المحقق الشيخ علي بن الحسين الكركي.

42- الجامع للشرائع - الفقيه يحيى بن سعيد الحلي.

43- جواهر الكلام - الشيخ محمد حسن النجفي.

44- حاشية المدارك - محمد باقر الوحيد البهبهاني.

45- حاشية المكاسب السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي - طبعة دار المصطفى.

46- الحاوي الكبير - الشيخ عبدالنبي الجزائري.

47- الحدائق الناظرة - المحدث الفقيه الشيخ يوسف البحراني.

48- حلية الأولياء - أبو نعيم الأصفهاني.

49- الخصال - محمد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق.

50- الخلاف - الشيخ محمد بن الحسن الطوسي.

51- الدر المنثور - جلال الدين السيوطي.

52- الدروس - الشيخ أبو عبدالله محمد بن مكي العاملي الشهيد الأول - طبعة قم - مؤسسة النشر الإسلامي


53- دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري.

54- الذخيرة - الشريف علي بن الحسين الموسوي المرتضى البغدادي.

55- الذكرى - الشيخ أبو عبدالله محمد بن مكي العالمي الشهيد الأول - طبعة مؤسسة أهل البيت.

56- رسائل السيد المرتضى: الشريف علي بن الحسين الموسوي المرتضى البغدادي.

57- رسالة سر الإيمان للسيد عبد الرزاق المقرم.

58- روض الجنان - زين الدين الجبعي العاملي الشهيد الثاني.

59- الروضة البهية - زين الدين الجبعي العاملي الشهيد الثاني.

60- روضة المتقين محمد تقي المجلسي الأول. طبعة بنياد فرهنكي إسلامي.

61- رياض العلماء - الميرزا عبدالله افندي الاصفهاني.

62- رياض المسائل - السيد علي بن السيد محمد علي الطباطبائي.

63- سفرنامه - الحكيم ناصر خسرو.

64- السيرة الحلبية - علي بن رحمان الدين الحلبي الشافعي.

65- الشذرات - لابن عماد الحنبلي.

66- شرح ابن أبي الحديد - طبعة المرعشي النجفي.

67- شرح رسالة الحقوق - السيد حسن القبانجي.

68- علل الشرائع - محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق.

69- عوالي اللآلي - ابن أبي جمهور الأحسائي.

70- غنائم الأيام - المحقق الميرزا أبو القاسم القمي - مركز النشر التابع لمكتب الاعلام الإسلامي - قم.

71- غنية الن-زوع - السيد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي - طبعة قم - مؤسسة الامام الصادق.

72- فتنة الوهابية - السيد أحمد زيني دحلان.

73- فتوح ابن الأعثم - أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي.

74- الفرحة الأنسية - الشيخ حسين العصفوري - طبعة ب-يروت.

75- الفضائل - لابن شاذان.

76- فقه الرضا - محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق - تحقيق مؤسسة آل البيت:.

77- فقه القرآن - القطب الراوندي.

78- فلاح السائل رضي الدين علي بن طاووس - طبعة دفتر تبليغات إسلامي.

79- الكافي في الفقه - أبو الصلاح الحلبي، تقي بن نجم الدين الحلبي.

80- الكامل في التاريخ - العلامة عز الدين أبي الحسن علي بن أبي الكرم الشيباني المعروف بابن الأثير.

81- كشف الرموز - زين الدين أبي الحسن بن أبي طالب اليوسفي المعروف بالفاضل الآبي.

82- كشف الغطاء - الشيخ جعفر كاشف الغطاء.


83- كشف اللثام - بهاء الدين محمد بن الحسن الاصفهاني المعروف بالفاضل الهندي.

84- كشف اليقين - العلامة الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي.

85- كمال الدين وإتمام النعمة - محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق - طبعة جماعة المدرسين بقم المقدسة

86- كن-ز الدقائق - الميرزا محمد المهدي ابن محمد رضا بن إسماعيل القمي.

87- كن-ز العرفان - المقداد السيوري الحلي.

88- كن-ز العمال - علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي - طبعة حيدر آباد.

89- لسان الميزان - شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.

90- المبسوط - الشيخ الطوسي - طبعة المرتضوية لاحياء الآثار الجعفرية - طهران وطبعة مؤسسة النشر الإسلامي قم.

91- مجمع الفائدة والبرهان - المحقق المولى أحمد الأردبيلي - طبعة قم.

92- المحاسن - أحمد بن محمد بن خالد البرقي.

93- المراسم العلوية - الشيخ أبي يعلي حمزة بن عبدالعزيز الديلمي المعروف بسلار الديلمي.

94- المسائل المبافارقية - الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي البغدادي.

95- مستدرك الوسائل - المحدث الكبير ميرزا حسين الطبرسي النوري.

96- مستمسك العروة الوثقى - السيد محسن الحكيم.

97- مستند الشيعة - الشيخ أحمد النراقي - طبعة مؤسسة آل البيت:.

98- مستند العروة الوثقى - السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي.

99- مصباح الزائر - السيد رضي الدين علي بن طاووس الحلي.

100- مصباح الفقيه - آقا رضا بن محمد هادي الهمداني.

101- مصباح المتهجد - شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي - مؤسسة الاعلمي.

102- معاني الأخبار - محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق. طبعة جامعة المدرسين - قم.

103- المعتبر - العلامة الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر الحلي - الطبعة القديمة.

104- المغني - شيخ الإسلام موفق الدين أبي محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة.

105- المغني في الضعفاء ت محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي.

106- مفاتيح الشرائع - محمد محسن المشتهر بالفيض الكاشاني.

107- مفتاح الكرامة - السد محمد جواد الحسيني العاملي.

108- مقباس الهداية - عبدالله بن محمد حسن المامقاني.

109- المقنع محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق - طبعة قم - مؤسسة الإمام الهادي.

110- المقنعة - محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي المفيد- طبعة قم - جامعة المدرسين.


111- ملاذ الأخيار - الشيخ محمد باقر المجلسي الثاني.

112- ملحقات إحقاق الحق - لشهاب الدين المرعشي النجفي.

113- من لا يحضره الفقيه - محمد بن علي الحسين بن بابويه القمي الصدوق.

114- المناقب - محمد بن علي بن شهر آشوب المازندراني.

115- مناقب الامام أمير المؤمنين - لمحمد بن سليمان الكوفي القاضي، المتوفى ثلاثمائة هجري قمري.

116- المناقب لابن المغازلي - علي بن محمد الشافعي الواسطي.

117- المنتظم في تاريخ الأمم والملوك - عبدالرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي.

118- منتهى المطلب - العلامة الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر الحلي.

119- منهاج الصالحين السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي - الطبعة السابعة.

120- منهج الصادقين - ملا فتح الله الكاشاني - جملا فتح الله الكاشاني.

121- المهذب - الشيخ عبدالعزيز بن البراج الطربلسي - طبعة جماعة المدرسين.

122- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي للمقريزي.

123- ميزان الاعتدال شمس الدين محمد بن أحم الذهبي.

124- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - لأبي المحاسن الاتابكي.

125- نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة - المحسن بن علي بن أبي علي التنوخي.

126- النهاية - شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي.

127- نهاية الارب في فنون الأدب - أحمد بن عبدالوهاب النويري.

128- وصول الأخيار إلى أصول الاخبار - الشيخ حسين بن الشيخ عبدالصمد العاملي.

129- اليواقيت والضرب في تاريخ حلب - المنسوب إلى إسماعيل أبي الفداء.


الفهرس

المقدّمة 11

الشهادةُ الثالثة والتقيّة: 21

فهذا الكتاب مشتمل على عدّة أبحاث: 24

لَمحةٌ عن المَسار العَملي للمَسألة 27

المُتون الروائيّة الخاصّة بالشهادة الثالثة في الأذان .31

* المتونُ الروائيّة: 34

* المتون الروائيّة التي رواها الصدوق: 35

* المتونُ التي رواها الشيخ في النهاية والمبسوط: 36

* لمحةٌ عن أسانيد المتون الخاصّة: 36

صيَغ الشهادة الثالِثة 41

سيرةُ العلماء المتقادمة وفتاواهم بجواز الشهادة الثالثة 43

* الأولى: فتوى السيّد المرتضى بالجواز 43

* الثانية: فتوى الشيخ الطوسي بالجواز 44

* الثالثة: فتوى ابن برّاج بالجواز في المهذّب ..48

* الرابعة: فتوى المتقدّمين والمتأخّرين بالشهادة الثالثة في محاكاة الأذان .49

* الخامسة: الفتوى بذكريّة أسمائهم في الصلاة 51

* السادسة: الفتوى بالشهادة الثالثة في التشهّد والتسليم للصلاة 56

* السابعة: الفتوى بالشهادة الثالثة بعد تكبيرة الإحرام 61

* الثامنة: الفتوى بذكرهم بوصف إمامتهم (عليهم السلام) في خطبة الجمعة 66

السيرةُ على عهدِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) 68

تَقادُم السيرة على الشهادة الثالثة 74

المحطّةُ الثانية: 76

تحليلُ المحطّة الثانية 82

* المحطّة الثالثة: 84


* المحطّة الرابعة: 85

* المحطّة الخامسة: 87

عناوينُ طوائف الروايات ..88

* النمط الأوّل: وفيه عدّة طوائف: 89

* النمط الثاني: وفيه عدّة طوائف: 89

مَنشأُ إعراض الصدوق وجملة من القُدماء 92

الشهادةُ الثالثة سببُ الإيمان وشرطُ الأذان .94

بحثٌ في حقيقة الأذان وبيان الأغراض التشريعيّة له 96

* كونهُ للإعلام 96

* كونهُ ذِكراً 96

* كونهُ تشهّداً 96

* مشروعيّته في الصلاة: 98

* شعاريّته للإسلام وللإيمان: 98

* الولايةُ فيه: 100

* عدّة طبايع .101

* غاياتهُ: 103

المبحثُ الأوّل: الشهادةُ الثالثة في الأذان وأجزاء الصلاة 108

الفصلُ الأوّل: تقريبُ إثبات جزئيّة الشهادة الثالثة والإقامة فضلاً عن مشروعيّتها فيهما 108

الفصل الأوّل: تقريبُ إثبات جزئيّة الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة فضلاً عن مشروعيّتها فيهما 109

الجهةُ الأُولى: البحثُ في طوائف الروايات الخاصّة التي روى متونها الصدوق في الفقيه سنداً ودلالةً وأقوالاً  110

* البحثُ في سند الطائفة: 111

الطائفةُ الرابعة: الرواياتُ المتضمّنة لكون الشهادة الثالثة من الأذان .159

الطائفةُ الخامسة: الروايات المتضمّنة لحكاية الأذان .176

مطابقة لمَا يسمعهُ من المؤذِّن في كلّ شيء 176


الطائفةُ السادسة: الرواياتُ المتضمّنة لتطابق التشهّد في الأذان والتشهّد في الصلاة 180

الأوّل: 180

الثاني: 181

الطائفةُ السابعة: الروايات المتضمّنة لندبيّة أسمائهم (عليهم السلام) في الصلاة بوصف الإمامة والولاية 186

اللسانُ الأوّل: الروايات الواردة بذكر أسمائهم في الصلاة 187

اللسانُ الثاني: الروايات الواردة بذِكر أسمائهم في خطبة صلاة الجمعة 191

اللسانُ الثالث: الروايات الواردة المتضمّنة للشهادة الثالثة في دعاء التوجّه 198

اللسانُ الرابع: الروايات الواردة في تشهّد وتسليم الصلاة 202

اللسانُ الخامس: الروايات الواردة في قنوت صلاة العيد .204

الطائفةُ الثامنة: الرواياتُ العامّة لاستحباب اقتران الشهادات الثلاث ..206

وقفةٌ مع كاشف الغطاء (قدِّس سرّه) 209

الجهةُ الثانية: البحثُ في مقتضى قاعدة شرطيّة الولاية والإيمان .216

أقوالُ العُلماء: 217

التذييلُ الأوّل: أقوال أرباب عِلم الدراية في الشاذ 224

التذييلُ الثاني .227

1- الأمرُ الأوّل: الشاذ في كلام الشيخ الطوسي في كتابيه: التهذيب، والاستبصار 227

الأمرُ الثاني: كلامُ الشيخ المفيد .232

الأمر الثالث: كلامُ السيّد ابن طاووس .235

الأمرُ الرابع: كلامُ الشيخ المامقاني .238

التذييلُ الثالث: في ترجمة كدير الضبّي .241

الفصلُ الثاني: في إثبات ندبيّة الشهادة الثالثة، الخاصّة والعامّة 245

الجهةُ الأولى: الأقوال في الندبيّة الخاصّة والعامّة والتقريب الصناعي لها 247

وقفةٌ أو محاكمة مع الحُكم بالبدعيّة 264

قول إفراطي: 266


الجهةُ الثانية: روايات الندبيّة الخاصّة 274

الطوائفُ الروائيّة الخاصّة 275

الجهةُ الثالثة: عناوينُ الطوائف الروائيّة العامّة 276

الطائفةُ الأولى: ندبيّة اقتران الشهادات الثلاث ..278

تنبيه 279

الطائفةُ الثانية: الشهاداتُ الثلاث دين الله .290

الطائفةُ الثالثة: شهاداتُ الميثاق .294

الطائفةُ الرابعة: الشهاداتُ الثلاث في التلقين .298

الطائفةُ الخامسة: اقترانُ الشهادات الثلاث في الزيارات ..302

الطائفةُ السادسة: إقرارُ الأئمّة عند الولادة بالشهادات الثلاث وكذا بقيّة أهل البيت (عليهم السلام) 304

الجهةُ الرابعة: في بيان السيرة الشرعيّة للشهادة الثالثة 306

الجهةُ الخامسة: في إثبات الجزئيّة (الندبيّة الخاصّة) بحسب قاعدة التسامح في أدلّة السُنن .310

الفصلُ الثالث: في إثبات شعاريّة الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة 316

الجهةُ الأولى: شعاريّة الشهادة الثالثة للإيمان في الأذان والإقامة، وبيان كبرى قاعدة الشعائر وصغراها في المقام 318

الأقوالُ في الشعاريّة 318

شعاريّة ذِكرهم في الأذان .323

شعاريّةُ الأذان والشهادة الثالثة: 327

الجهةُ الثانية: الأقوالُ النادرة في حُكم الشهادة الثالثة 336

المبحثُ الثاني: الشهادةُ الثالثة في تشهّد وتسليم الصلاة 349

الأمرُ الأوّل: الشهادةُ الثالثة في التشهّد .350

* الأقوالُ في المسألة: 350

أدلّةُ القائلين بالجواز 368

* الوجهُ الأوّل: مقتضى القاعدة بعمومات الاقتران: 368

*الوجهُ الثاني: مقتضى القاعدة بذكريّتها، وله عدّة تقريبات: 369


الشهادةُ الثالثة في دعاء التوجّه بعد تكبيرة الإحرام 380

الوجهُ الثالث: الروايات الخاصّة تنزيلاً .383

الوجهُ الرابع: الروايات الخاصّة 389

الوجهُ الخامس: 391

أدلّةُ القائلين بالمَنع .393

* وفيه عدّة مواضع للنظر: 393

الأمرُ الثاني: الشهادةُ الثالثة في التسليم .398

الخاتمة 406

في آثار ذِكر الشهادة الثالثة على المؤمن .406

المصادر 411