فلسفة الصلاة
التجميع كتب الأخلاق
الکاتب علي الكوراني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

فلسفة الصّلاة



بسم الله الرحمن الرحيم



الفصل الأوّل

أضواءٌ على الصّلاة

* معنى العبادة

* معنى الصّلاة

* الصّلاة في الشرائع الإلهيّة

* لماذا الصّلاة

* الصّلاة والإنسان والنسيان

* الصّلاة والإنسان والغيب



معنى العبادة

للعبادة أربعة معانٍ:

1 - المعنى اللغوي ، والمحصّل من كتب اللغة العربية أنّ كلمة (عَبَدَ) تعني: مزيجاً من الطّاعة والخضوع، وكلمة العبادة تعني: العمل الذي يُطاع به المَعبود، كما نجد في مراجع اللغة كأساس البلاغة، ولسان العرب، وتاج العروس... ومن ذلك استعملوا كلمة (عبّد) بالتشديد فقالوا: عبَّد الطريق وعبّد الشخص، بمعنى أخضعَهما وذلّلهما.

وبهذا المعنى لا تشمل العبادة كلّ سلوك الإنسان، ولا يُسمى الإنسان عابداً إلاّ إذا أطاع في عمله معبوداً، إلهاً أو شخصاً، وأمّا إذا كان عمله إطاعة لأمر نفسه مثلاً وليس إطاعة لأَمر أحد فلا يسمّى عبادة.

2 - المعنى القرآني، أو المفهوم الإسلامي للعبادة، حيث تتّسع دائرة المعنى في مادّة - عَبَدَ - ومشتقّاتها، فتشمل كلّ أعمال الناس، فما السلوك البشري في رأي هذا المفهوم إلاّ استجابةً خاضعة.

والاستجابة الخاضعة هي: العبادة، والناس كلّهم جميعاً عابدون، أتقى المؤمنين وأكفر الكافرين في ذلك سواء، فألوان سلوكهم استجابات لأمر آمر، وإنّما الفرق في نوعيّة المعبود، فبعضهم عَبد شخصاً، وبعضهم عَبد هواه، وبعضهم عَبد الشيطان، وبعضهم عَبد وثناً، وبعضهم عَبد الله الواحد الأحد.

يدلّنا على هذا الشمول في مصطلح العبادة الإسلامي:

أ - عدّة آياتٍ سمّت الدعوة إلى الإسلام دعوة إلى عبادة الله، كقوله تعالى: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللَّهَ ) 64 - آل عمران، وقوله تعالى: ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ


الدِّينَ ) 11 - الزّمر.

وهذه الدّعوة إلى عبادة الله تعالى تعني، الدعوة إلى إطاعة كافّة المفاهيم والشرائع الإسلامية.

ب - قوله تعالى ( وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ ) 28 - 29 يونس.

فقد اعتبرت الآيتان إطاعة الأتباع لأَسيادهم عبادة لهم، وإن لم يشعروا بها.

جـ - بعض النصوص التي فسّرت معنى العبادة في القرآن الكريم، منها عن الإمام الصادق (عليه السلام)، في تفسير قوله تعالى: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ.. ) ، قال: (أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم لمَا أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراماً، وحرّموا عليهم حلالاً، فعبدوهم من حيث لا يشعرون).

وفي نصّ آخر عنه (عليه السلام) قال: (من أطاع رجلاً في معصيةٍ فقد عَبده) الكافي جـ 2 ص398.

د - قوله تعالى: ( يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً ) 44 - مريم.

حيث اعتبر عبادة آزر للصّنم عبادة للشيطان؛ لأنّه المؤثّر الخارجي على النفس، فكان هو المعبود بالحقيقة (1).

هـ قوله تعالى: ( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ) 43 - الفرقان.

حيث اعتبرت أهواء النفس إلهاً معبوداً.

من هذه الآيات المتقدّمة وغيرها يتّضح؛ أنّ مصطلح العبادة الإسلامي يشمل كلّ عمل يقوم به الإنسان، حتى ما كان استجابة للشيطان والدوافع

________________________

(1) ورد في القرآن الكريم تعبيرُ إبراهيم (عليه السلام)، عن آزرَ بالأب؛ لأنّه كان عمّه ومُربيه، وقد ورد عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، أنّ الأَبَ هنا ليست بمعنى الوالد، بدليل قوله تعالى: ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) ، 114 - التّوبة، وقد وقع هذا الاستغفار وبعده التبرؤ في بابل قبل هجرة إبراهيم (عليه السلام)، ثمّ ذكر تعالى - استغفار إبراهيم لوالديه عند بناء البيت المحرّم في أُخريات حياته -: ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ) ، 41 - إبراهيم، فلَزم أن المُستغفَر لهما (الوالدين) غير المُتبَرّأ منه، ويؤيّد ذلك توسّع العرب في استعمال كلمة الأب دون الوالد.


والنّوازع النفسيّة، فكلّ أعمال الناس بهذا المعنى عبادات، والعبادة التي دعا إليها الإسلام تعني صدور كافّة أعمال الناس عن أوامر الله تعالى نواهيه.

فالمجتمع المسلم الذي يستجيب لهذه الدعوة ويَصدر في سلوكه عن أحكام الإسلام، مجتمعٌ عابد لله في كل النشاطات اللازمة لحياته، سواء في ذلك تطبيقه لصيغة الحكم الإسلامي، وتصريف الجهاز الحاكم لقضايا الأُمّة، وتطبيقه لنظام الإنتاج والتوزيع وتطبيقه لفرائص الصلاة والصيام والجهاد... إلخ، فكلّها ألوان من العبادات، يتعبّد المسلمون فيها بأمر الله تعالى، ويصدرون فيها عن إرادته.

3 - المعنى الفقهي، فعندما أخذ الفقهاء بدراسة أحكام الشريعة الإسلامية واستنباطها، رأوا أن يقسّموها إلى أقسام متميّزة، عملاً بالتبويب المتّبع في البحث والتأليف، فلاحظوا أنّ من الواجبات الإسلامية ما يَشترط فيها الإسلام أن يكون الدافع إليها نيّة القُربة إلى الله عزّ وجلّ، أو نيّة امتثال أمره... إلخ، أي أن تصدر عن وعي والتفات لتكليف الله تعالى بهذا الواجب، وإلاّ اعتُبرت باطلة ووجب إعادتها أو قضاؤها.

ومنها واجبات لم يَشترط فيها الإسلام مثل هذا الاستحضار، بل طلب مجرّد حصولها بقطع النّظر عن الدافع إليها، فاختاروا لهذا القسم الثاني اسم (الواجبات التوصّليّة)؛ لأنّ المطلوب مجرّد التوصّل إليها، وكان نصيب القسم الأوّل (الواجبات العباديّة، أو العبادات)، كالصلاة، والصيام، والصدقات، والخُمس...

4 - المعنى العُرفي للعبادة ، الذي يعني: الصلاة، والصيام، والحج، والدعاء، والتسبيح، وما شابه... وهذا المعنى للعبادة والعابد أضيق المعاني المتقدّمة دائرةً على الإطلاق، وهو أقرب إلى المعنى اللغوي.

أمّا بالقياس إلى المعنى القرآني الشامل، فنسبته واضحة، وأمّا بالقياس إلى المعنى الفقهي، فإنّ واجب الضرائب الماليّة (الزكاة والخُمس) والذي هو واجب عباديّ بالاصطلاح الفقهي - لأنّه يُشترط فيه قصد القُربة - لا يشمله هذا المعنى العرفي... هذا وربما نجد استعمال العبادة في بعض أحاديث السنّة الشريفة بالمعنى العرفي، وهو استعمال للكلمة في مصداقها البارز لدى الناس.

* * *


أمّا لماذا تقلّص مفهوم العبادة الإسلامي في أذهان المسلمين إلى المعنى العرفيّ الضيّق؟! فمردّ ذلك بشكل أساسي إلى فترة الانحطاط الفكري العام الذي أصاب المسلمين، فقلّص العديد من مفاهيم الإسلام في أذهانهم، وحلّت محلّها مفاهيم ضيّقة جامدة أو مفاهيم مُتخلّفة، حتى غزتْنا المفاهيم الغربيّة المعادية للإسلام.

وبذل أعداؤنا المستعمرون المتسلّطون وعملاؤهم من حكّام الأمّة جهوداً متواصلة في تحريف وتشويه وإقصاء مفاهيم الإسلام، وتربية أبناء الأمّة عليها بمناهجهم التربويّة المسمومة ووسائل إعلامهم المُختلفة.

وقد وجد أعداء الإسلام في شبهة المعنى العرفي للعبادة مَدخلاً لإبعاد الإسلام والمسلمين عن مقاومة سيطرتهم، فقالوا: ما دام الإسلام دعوةٌ إلى عبادة الله، وعبادة الله هي القيام بالعبادات الإسلامية...

فما عليكم أيّها المسلمون إلاّ أن تعبدوا ربّكم بكلّ حريّتكم، فتصوموا، وتحجّوا، وتصلّوا، وتقرأوا القرآن ما بدا لكم، وتعيشوا مع الله في جوّ روحي وديع، وتكفّوا إسلامكم عن حركة الحياة في المصنع، والمتجر، والحقل، والموقف معنا، فإنّ ذلك لا يتّصل بدعوة عبادة الله التي هي دعوة دينكم.

كم يحلوا لأعداء ديننا وأمّتنا أن نتنازل عن مفهوم التعّبد الإسلامي، الذي يعني التعّبد لله بإقامة حياة الأمّة كلاًّ على أساس هُداه وتشريعه... ونحجر مفهوم التعّبد في جوانب معيّنة معزولة عن الحياة.

يتناسى هؤلاء أنّ الله تعالى قال لرسوله (صلى الله عليه وآله):

( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ... ) ، ولم يَقل له: إنّا أنزلنا إليك الكتاب لتُهرب أنت ومن اتّبعك من واقع الحياة وتعيشوا في جوّ روحي حالم، وبذلك تعبدون الله.

فلو كانت دعوة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، إلى عبادة الله عزّ وجلّ تعني ما يُريده لنا هؤلاء المستعمرون... إذاً لاتّخذ الرسول سبيله بمن تبعه في أرض من أرض الله وقضوا حياتهم في (عبادة الله)، وما تجشّموا بأمر الله هذه الجهود والحروب والمجابهات.

إنّ عبادة الله في مفهوم الإسلام إنّما هي مع الصلاة والصيام، وبالصلاة


والصيام، جهاد بمنهج تغييري شامل لإقامة أوضاع جديدة في مختلف شؤون الحياة.

وتشريعات الإسلام - من حيث صلتها بعبادة الله - على درجةٍ واحدة، من دون فرقٍ بين أحكام توزيع الثروة، وأحكام جهاد أعداء الله ورفع سيطرتهم عن الأمّة، وأحكام الصلاة، والصيام، وتلاوة القرآن... فجميعها أحكام للحياة لاستقرار صلاحها وسعادتها، وجميعها أحكام يتلّقاها المجتمع المسلم من الله ويتعّبد له بتطبيقها... وبالتالي فكلّها عبادات لله، وبكلّها تتّسق إنسانية هذا الإنسان وتسير قِدماً في تكامُلها.

ومن طريف حكمة الله عزّ وجلّ أن تكون الواجبات التي اشترط فيها نيّة القُربة أنواعاً مختلفة...

* فكما أنّ منها: الصلاة وهي عمل خُشوعي تربوي.

* كذلك منها: الصيام، وهو فريضة امتناع وكفّ للنفس عن العادات اللصيقة بالإنسان.

* ومنها: الحجّ الذي هو سفر إلى أرض الله المقدّسة وأداء لمناسك معيّنة.

* ومنها: أداء الصدقات والخُمس، وهما ضريبتان ماليّتان.

* ومنها الاغتسال والتوضؤ، وهما عملان تطهيريّان...

ممّا يدلّنا على أنّ الله تعالى يُريد للإنسان أنّ يعيش في قسم متنّوع من أعماله، حالة الوعي لربّه والاستحضار لصدوره عن أمره وهداه.

وحينما ننظر إلى الصلاة - موضوع البحث - نجد أنّها من فئةِ التعّبدات التي اشترط فيها الإسلام أن تؤدّى عن وعيٍ لله، وصدور عن أمره وإرادته (نيّة القُربة)، وهي ميزة لهذه الفريضة تُضاف إلى مِيَز من مقوّماتها فترتفع بها إلى حدّ الإبداع، وبأثرها في نفس الإنسان وحياته إلى حدّ الإعجاز....

* * *


معنى كلمة الصّلاة

تذكر مصادر اللغة العربية أنّ لفظة الصلاة تعني: الدعاء والتعظيم والرحمة والبركة، ويذكر بعض اللغويين أنّها مشتقّة من (صلّى واصطلى) بمعنى لَزِم الشيء، ويذكر بعضهم أنّها مشتقّة من (صلّى) بمعنى أزال عن نفسه الصّلى، أي النار.

ويرى بعضهم أنّ أصل الكلمة عربي، وأنّ هذه العبادة المُشتملة على الركوع والسجود كانت معروفة لدى العرب... بينما يرى بعضهم أنّ أصلها عبريّ، من لفظة - صلوتا - بمعنى مكان الصلاة.

والذي أُرجّحه أنّ الصلاة في الأصل كلمة بابليّة جُعلت اسماً لعبادة معيّنة في شريعة إبراهيم (عليه السلام)، وأنّها دخلت إلى اللغة العربية بهجرة إسماعيل (عليه السلام)، وقد حكى الله تعالى عن إبراهيم أنّه أسكن من ذريّته عند البيت المحرّم ليُقيموا الصلاة، فلا بدّ أنّهم أقاموها وعلّموها، فدخل اسمها في العربية.

وأمّا لفظة - صلوتا وصلوت - العبرانيّة بمعنى مكان الصلاة، فهي من نفس الأصل البابلي، وقد ورد جمعها في القرآن الكريم على صلوات، قال الله تعالى: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ) 40 - الحج.

ويساعد على هذا الترجيح أنّ اللغة العربية واللغة العبريّة تكونتا في زمانين متباعدين، وفي بيئتين متباعدتين، فقد تكوّنت اللغة العربية الجنوبيّة الأُولى من البابليّة ولغاتٍ أخرى، وبعد قرون من نمّوها وتطوّرها تفاعلت مع الثروة اللفظية التي حملتها إليها من البابليّة أيضاً، هجرة إسماعيل (عليه السلام) واستقراره مع أبنائه في الجزيرة... وفي هذه المرحلة المتأخرة تكوّنت اللغة


العبريّة من البابليّة والقبطية وغيرهما في مصر بين أبناء يعقوب (عليه السلام).

أمّا التفاعل بين اللغتين العربيّة والعبريّة فهو بعيدٌ جداً، حيث لم تربط العرب باليهود علاقات ثقافية أو تجارية أو سياسية، إلاّ العلاقات التجارية المتأخرة بعد ميلاد المسيح (عليه السلام)، عندما هاجر قسم من اليهود إلى الجزيرة العربية، ينتظرون ظهور النبيّ الموعود...

وقد كانت اللغة العربيّة عندئذٍ في أعلى مراحل اكتمالها ونُضجها، وكانت اللغة العبريّة منطوية داخل الأقليّات اليهودية التي تتكلّم وتتعامل مع محيطها باللغة العربية.

وبهذا الترجيح يكون المعنى الأساسي لكلمة الصّلاة هو: عبادة إسماعيل (عليه السلام)، التي يُفهم من القرآن الكريم أنّها كانت تتضمّن ركوعاً وسجوداً وتلاوة، قال عزّ وجلّ: ( وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) ، 125 - البقرة.

ومن القريب أنّ التطوّر الذي طرأ على معنى الكلمة بعد إسماعيل (عليه السلام)، قد جعلها تفقد اختصاصها بتلك العبادة، التي ضُيّعت فيما ضُيّع من شريعة إبراهيم (عليه السلام)، وأصبحت الصلاة اسماً لكلّ تعبّد وذكْرٍ بين يدي إله... ويؤيّد ذلك قوله تعالى: ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى ) 9 - 10 العَلق.

حيث إنّ هذه الآية من أوائل ما خُوطب به المجتمع المكّي من القرآن، ولم تكن الصلاة الإسلامية معروفة أو مشرّعة آنذاك.

أمّا أن يكون المعنى الذي استقرّت عليه الكلمة قبل الإسلام هو: مُطلق الدعاء، بحيث يصحّ لدى العربيّ أن يُقال: صلّيتُ أن يردّ الله عليّ ضالّتي، بمعنى: دعوتُ فهو بعيد، وكذلك أن يكون معناها: مطلق التعظيم، أو مطلق الرحمة والبركة...

وأمّا صحّة استعمالها عند العرب بهذه المعاني، فهو بملاحظة أن ذكر الإنسان للإله يتضمّن عادة الدعاء والتعظيم ويُطلب به الرحمة والبركة.

وبهذا تكون تسمية العبادة الإسلامية باسم (الصلاة) من باب تسمية الخاصّ باسم العامّ، وليس من باب تسمية الكلّ باسم الجزء، كما هو شائع بين اللغويين.


استعمالات كلمة الصّلاة في الإسلام

استعملت كلمة الصلاة في القرآن الكريم والسنّة الشريفة في عدّة معانٍ:

1- المعنى اللغوي : الذي رجّحنا أنّه ذكْر الإنسان للإله في مقام التعبّد، وبه جاء قوله تعالى: ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً صَلَّى ) العلق

وقوله تعالى: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) 14 - 15 - الأعلى.

وقوله تعالى: ( فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ) 31 - القيامة.

وقوله تعالى: ( وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) 41 - النّور.

فالصلاة في هذه الآيات خاصّة، بملاحظة الفاء في قوله تعالى: ( وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) ، بمعنى: ذكر الله تعالى في مقام التعبّد.

2- المعنى الشّرعي : وهو الصلاة الإسلامية المعيّنة، وبه جاءت أكثر النصوص الإسلامية، كقوله تعالى: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةََ ) ،

وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (الصّلاة عمود الدّين) .

3 - صلاة الله تعالى على النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وعلى المؤمنين : وهي بمعنى الرحمة والبركة قال تعالى: ( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ) 43 - الأحزاب.

وقال تعالى: ( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ) 157 - البقرة.

4 - صلاة المخلوق على المخلوق: كصلاة الإنسان على الإنسان الحيّ والميّت، وصلاته على الملائكة، وصلاة الملائكة على الناس، وهي بمعنى: الطلب من الله تعالى أن يُبارك على المدعوّ له.

فعن علي بن أبي حمزة، عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن قول الله عزّ وجلّ: ( ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ؟ فقال: (الصّلاة من الله عزّ وجلّ رحمة، ومن الملائكة تزكية، ومن الناس دعاء، وأمّا قوله عزّ وجلّ: ( وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) ، فإنّه يعني التسليم له فيما ورد عنه...). الوسائل، ج7، ح1213.

وبهذا المعنى جاء قوله تعالى: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) 103 - التوبة، أي: أدعُ الله


عزّ وجلّ أن يبارك عليهم، وهذه الصلاة جائزة على كلّ المؤمنين، وخاصّة الأنبياء والأئمّة والملائكة (صلّى الله عليهم) (1).

وقد تُستعمل صلاة المخلوق على المخلوق بمعنى: أداء الصلاة بين يدي الله عزّ وجلّ، كأنّها نيابةٌ عن الغير لإحداث الرحمة والبركة عليه، ومنها صلاة النافلة عن الأحياء والأموات.

ومنها الصلاة على الميّت كما في قوله تعالى - ناهياً رسوله صلّى الله عليه وآله، أن يصلّي على المنافقين -: ( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِِ ) 84 - التوبة.

والمعنى المشهور للصلاة هو: الصلاة الشرعيّة التي نحن بصددها، وهو المعنى الذي يتبادر إلى الذهن عند إطلاق كلمة (الصلاة)؛ ولذلك أصبحت المعاني الأُخر تحتاج إلى قرينة تدلّ على أنّها مقصودةُ الكلمة.

________________________

(1) قال الزمخشري: (القياس جواز الصلاة على كل مؤمن؛ لقوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ) ، وقوله تعالى: ( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) ، وقوله (صلى الله عليه وآله): (اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى)، ولكن للعلماء تفصيلاً في ذلك؛ وهو: أنّها إن كانت على سبيل التبع كقولك: (صلّى الله على النبيّ وآله)، فلا كلام فيها، وأمّا إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة، كما يُفرد فمكروه؛ لأنّ ذلك صار شعاراً لذكر رسول الله (صلّى الله عيه وآله)؛ ولأنّه يؤدّي إلى الاتّهام بالرفض؟! قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يقفنّ مواقف التّهم)، تفسيرالكشاف - ج3، ص558، وهو كما ترى.


الصّلاة في الشرائع الإلهيّة

يُفهم من عدد من النصوص الإسلامية، أنّ الدين الإلهي بدأ مع نُشوء المجتمع الإنساني الأوّل، على يد آدم (عليه السلام)، على شكل مفاهيم وتعاليم إلهيّة، ثمّ استمر في هذه المرحة التمهيديّة مع نمو المجتمع الإنساني، وكان إدريس (عليه السلام)، من أنبياء هذه المرحلة.

حتّى إذا تكوّنت الحضارة الأُولى، دخل الدين على عهد نوح (عليه السلام)، المرحلة الأُولى، وأخذ صفة عقيدة وشريعة مُتكاملة، تفي بحاجات العلاقات والأوضاع الاجتماعية المُستجدّة التي طرأ عليها التشعّب والتعقيد: ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً ) 13 - الشورى.

وقد أقام نبيّ الله نوح (عليه السلام)، المجتمع الإنساني بعد الطُّوفان على هذه الشريعة، والصُّحف الإلهيّة التي أُنزلت عليه، وجاء الأنبياء من بعد نوح (عليهم السلام)، يدعون إلى شريعته وصُحفه، وكان من أنبياء هذه المرحلة هود وصالح (عليهما السلام)، في حضارتي عادٍ وثمود.

ثمّ دخل الدين المرحة الثانية على يد إبراهيم (عليه السلام)، والثالثة على يد موسى (عليه السلام)، والرابعة على يد عيسى (عليه السلام)... ثمّ تنزّل بصيغته النهائية في المرحة الخامسة على يد خَاتم النبيين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم).

ونُلاحظ في هذه الخطّة المرحليّة المتدرّجة في تنزيل الدين، أنّها تُراعي نموّ الاستيعاب، وتفتّح الآفاق الفكريّة والنفسيّة للأجيال الإنسانيّة، هذا النمو الذي يتوقّف على المرور بالتجارب الرساليّة والاجتماعيّة والحضاريّة، ومعايشة نتائجها وأخطائها وصوابها... وهذه سنّته عزّ وجلّ في أمور الكون والناس.


كما نلاحظ أنّ المُتغيرات في الدين الإلهي في المراحل الخَمْس قليلة بالنسبة إلى الثوابت، ولذا كانت الصفة العامّة لشرائع الأنبياء أولي العزم (عليهم السلام)، أنّها مصدّقة لمَا سبقها: ( وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ) 46 - المائدة.

( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ) 48 - المائدة.

وقد ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، أنّه قال: مَثَلي ومَثل الأنبياء قبلي، كقوم شادوا بناءً، فبقي فيه موضعُ لَبِنة، فجئت لأَضعها ، وقال: (إنّما بعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق) .

أمّا باعتبار المتغيّرات التي هي تفصيل، وإكمال، وتبديل لأحكام ظرفيّة، فإنّ الشريعة اللاحقة تكون ناسخة للشريعة السابقة وحاكمةً عليها: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) .

ويكشف كون التشريع ثابتاً في كل المراحل عن أنّه من الاحتياجات الإنسانيّة الأساسية الدائمة في كل الظروف والأجيال، كما هو الأمر في فريضة الصلاة.

بل من غير المُستبعد ثبات تشريع فريضة الصلاة عبر مراحل الدين في مضمونها وفي أكثر شكلها أيضاً، وأنّ التغيير الذي حدث على شكلها وتوقيتها في الشرائع اللاّحقة قليل، ففي سورة مريم يستعرض عزّ وجلّ عدداً من الأنبياء، والأُمم المؤمنة في أوليّات التاريخ، ثمّ يذكر انحراف ذرّياتهم من بعدهم وتضييعهم للصلاة.

فيقول عزّ وجلّ: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ) 58 - 59 مريم.

وإبراهيم أبو النبوّات (صلّى الله عليه وآله)، كان يؤدّي الصلاة ويحرص عليها ويدعوا ربّه: ( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) ، 40 - إبراهيم.

وإسماعيل (عليه السلام)، كان على رسالة أبيه: ( وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ ) ، 55 - مريم.


وشعيب (عليه السلام)، كان يُعيّره قومه بصلاته: ( قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ) 87 - هود.

وموسى وهارون: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ ) 87 - يونس.

ولقمان الحكيم رضي الله عنه، كان يَعي أهميّة الصلاة، ويوصي ابنه: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) 17 - لقمان.

وبنو إسرائيل تكفّل الله لهم بالْعَون، بشرط أن يُقيموا الصلاة: ( وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي ) 12 - المائدة.

وعيسى (عليه السلام)، حينما كلّم الناس في المَهد قال: ( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ) 30 - مريم.

...هذا الموكب الإنساني الواعي مُنذ أقدم التاريخ، وفي أمكنة مُختلفة من الأرض، وفي بيئات وظروف اجتماعيّة وحضاريّة متنوّعة... كان مكلّفاً بالصلاة، وكان لالتزامه بهذه الفريضة المهمّة في آفاقه الفكريّة والنفسيّة، وفي انجازاته الضخمة في حياة البشريّة... أكبر التأثير.


لماذا الصّلاة؟

حينما يصنّف الإسلام عملاً في قسم (الواجبات)، فذلك يعني أنّه يحكم بضرورة هذا العمل، وحينما يَعتبر الصلاة واحدة من القواعد التي يُقيم عليها منْهجه السلوكي، فذلك يعني أنّها من صنف الضرورات الأُولى لحياة الإنسان.

فمن أي الحقائق تنبع ضرورة هذا النشاط اليومي في رأي الإسلام؟

ولماذا كان من الضروري للإنسان أن يقوم بعمليّة تعبّد رَتِيبة خمْس مرّات كلّ يوم؟!

إنّ الصلاة الإسلامية مع ما يلزمها من تطهّر تستغرق من وقت الإنسان يوميّاً مدّة ساعةٍ تقريباً، وبما أنّ أوقاتها موزّعة على اليوم، تُصبح الساعة ساعتين، هذا سوى العناء النفسي الحاصل من هذا الالتزام الدائم، أمّا إذا أضفنا إليها الصلوات المستحبة - النوافل - فقد استهلكنا من وقت الإنسان ثلاث أو أربع ساعات كل يوم.

وإذا أخذنا هذا الرقم بذهنيّة الصين المشبّعة بتعاليم الثورة الثقافيّة، فستكون النتيجة خسارة ملايين ومليارات من ساعات الإنتاج والدخل القومي!

قد نُقنع أصحاب الاتجاه الكمّي الاقتصادي بخطأ النظرة الميكانيكيّة الكميّة لعلم الإنسان وإنتاجه، وصحّة النظرة الإنسانية للإنسان، والنظرة النوعيّة لإنتاجه قبل النظرة الكميّة أو معها... وبأنّ ملايين الساعات التي يصرفها المجتمع المصلّي يوفّرها بالإقلاع عن الخمور والمخدّرات والإسراف في الجنس واللهو...


قد نُقنع هؤلاء بعدم وجود كارثة على الدخل القومي من الصلاة... ولكنّ السؤال يبقى: هل من ضرورة لإنفاق هذا الوقت، وتحمّل هذا العناء اليومي من أجل الصلاة؟!.

إنّ الإجابة على سؤال (لماذا الصلاة)، يصعُب أن تكون مُقنعة لغير المسلم، كما يصعب أن تكون مقنعة للمسلم البعيد عن أجواء الإسلام وعن المسلمين المصلّين، فالاقتناع الكامل بالإجابة يتوقّف على فهم النظرة الإسلامية للكون والإنسان، وعلى لمس تأثير الصلاة في النفس والناس.

لو أجبنا على سؤال: لماذا الصلاة كلّ يوم:

بأنّه يشبه السؤال: لماذا الطعام للإنسان كلّ يوم؟

* فكما إنّ الطعام ضرورة دائمة للجسم، فالصلاة ضرورة دائمة للعقل والنفس، أو كما يقال: غذاء للروح.

* أو بأنّ الصلاة: شُحنة يوميّة للشخصيّة، كشحنة الوقود للسيّارة.

* أو بأنّ الصلاة: ارتباط يومي ضروري للإنسان الكائن المحدود بالله الخالق المطلق.

* أو بأنّ الصلاة: إعادة توازن يوميّة لنفس الإنسان ممّا يطرأ عليها من اختلال، كما إنّ الحجّ عمليّة إعادة توازن لشخصيّة الإنسان ووجوده ككلّ.

* أو بأنّ الصلاة: تغسل النفس يوميّاً من أدران الذنوب وتَحلّ عُقد النفس الحاصلة من الذنوب، (تحتّ الذنوب حتّ الورق، وتُطْلقها إطلاق الربق).

* أو بأنّ الصلاة: تنهى الإنسان عن الفحشاء والمنكر.

* أو بأنّ الصلاة: معراج المؤمن، وقُربان كلّ تقي...

فسيكون وقْع هذه الإجابات متفاوتاً بين غير المسلم وبينه، إذا كان له صديق مسلم مصلّ، وبين المسلم البعيد عن أجواء الإسلام والمصلّين، والمسلم القريب من هذه الأجواء، وبين المسلم الساهي عن صلاته، أو المُلتزم


بها التزاماً شكليّاً وهو مُستغرق في الدنيا، وبين الذي له نصيب من آفاق العقيدة الإسلامية، وهو يخشع في صلاته أحياناً ويتفكّر... إلخ، وهذا التفاوت ليس في درجة الاقتناع النفسي فحسب، بل في الفهم الفكري العقلي لهذه الإجابات أيضاً.

وما ذلك إلاّ لأنّ الاقتناع بضرورة الصلاة من ناحية نظريّة ونفسيّة معاً، يتوقّف على الاقتناع بالله تعالى والغيب والآخرة، والمنهج السلوكي الإسلامي الذي يتبنّى ضرورة أن يُمارس الإنسان حياته في هذا الإطار وهذه الآفاق، ويرتبط بعبادات ومفاهيم وأحكام على مدار أيّامه تشدّه إليها وتمنعه من الانحراف عنها...

كما يتوقّف على التجربة، تجربة أداء الصلاة ولمس تأثيرها في نفسه، والمقارنة بين شخصيّته قبلها وبعدها، أو على المقارنة بين شخصيّة المصلّي وشخصيّة تارك الصلاة.

بل أنصح من يريد الاقتناع العميق بضرورة الصلاة للإنسان؛ أن يتّجه إلى قراءة حالة ترك الصلاة ومدى آثارها الرهيبة على الحالة العقليّة، والنفسيّة، والسلوكيّة، والحضاريّة في شخصيّة الإنسان والمجتمع.

إنّ دراسة الدور الإيجابي للصلاة في حياتنا مُفيد ومُقنع بلا شك، ولكنّي وجدتني بعد كتابة هذه الدراسة واطمئناني إلى صحّة هذه المعطيات للصلاة المباركة، ووجود معطيات جديدة... وجدتني أكثر ما يُقنعني بضرورة الصلاة للإنسان شخصيّة غير المصلّين الجانحة، وحالتهم الخطيرة اللامعقولة.

إنّ حقيقة: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ )

وحقيقة: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ )

وحقيقة: ( إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً...... إِلاّ الْمُصَلِّينَ )

وحقيقة: ( إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً )

وحقيقة: ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً )


وغيرها التي قدّمها لنا الإسلام عن الدور الإيجابي للصلاة... كلّها حقائق عميقة وملموسة ومُقنعة، ومعطيات الصلاة منها وفيرة.

ولكن الأكثر إقناعاً لمن يُناقش في ضرورة الصلاة هو: حقيقة الهَلع والهوائيّة في الشخصيّة، وحالة الفُحش والمنكر، وحالة اتباع الشهوات... حالة تارك الصلاة البئيسة المفصومة عن ربّها، والمستغرقة في ظُلمات طينها وحيوانيّتها.

إنّ دراسة الدور السلبي لترك الصلاة في الشخصية والمجتمع، تبقى أشدّ في الإقناع، خاصّة لتاركي الصلاة، وإن كانت صورها قاتمة غير محبّبة... وإنّ الحقائق التي قدّمها لنا الإسلام عنها كثيرة وحيويّة.

ومن نماذجها عن النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: (لا يزال الشيطان ذَعِراً من المؤمن، ما حافظ على مواقيت الصّلوات الخَمْس، فإذا ضيّعهنّ اجترأ عليه؛ فأدخله في العظائم)، الوسائل، ج3 ص18.

وجاء إليه رجل فقال: يا رسول الله أوصني؟ فقال: (صلى الله عليه وآله)، (لا تَدَع الصّلاة متعمداً، فإنّ من تركها متعمّداً فقد بَرِئت منه ملّة الإسلام)، الوسائل، ج3 ص29.

ولعلّ هذه الحقيقة هي السبب في أنّ نصوص الإسلام التي تحذّر من سلبيّة وخطورة ترك الصلاة وتاركي الصلاة، أكثر من تلك التي تبيّن إيجابيّة الصلاة وتأثيرها.


الصّلاة والإنسان والنسيان

للنسيان ثلاثة معانٍ:

1 - النسيان اللغوي العرفي:

بمعنى زوال صورة الشيء - الشيء الماديّ أو الفكرة أو الشعور - من ذهن الإنسان زوالاً وقتياً أو نهائياً، وهو تارة: نسيان بسيط، ينسى الإنسان فيه الصورة ويتذكّر أنّه ناسٍ لصورة.

وتارة: مركب، حيث ينسى الإنسان الصورة وينسى أنّه ناسٍ لصورة، وهذا النسيان ظاهرة عامّة في الجنس البشري، وتفاوت الناس في غير كبير في العادة، وهو ينشأ عن عوامل متعدّدة ترجع بالنتيجة إلى محدوديّة استيعاب الذهن البشري، على إنّ طاقة ذهن الإنسان على الاستيعاب هائلة.

وقد رفع الله تعالى مسؤولية الإنسان عن النسيان بهذا المعنى، فقد ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) قوله: (رُفع عن أُمّتي تسع: الخطأ، والنسيان، وما اضطرّوا إليه، وما أكرهوا عليه، وما لا يُطيقون... إلخ).

وقد يقال: إنّ النسيان أمر غير إرادي فهو داخل في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): وما لا يُطيقون ، فكيف عدّ أمراً مستقلاً في الحديث الشريف؟!

والجواب: أنّ الأمر المنسي وإن كان التكليف به - بالنتيجة - تكليفاً بغير المقدور، وهو داخل في (ما لا يطيقون)، ولكن يمكن تكليف الإنسان بمقدّمات النسيان الإرادية؛ بأن يُحصّن معلوماته ويرفع مستوى تذكّره، واستحضاره للأمور إلى الحدّ الذي تراه الشريعة المقدّسة ضرورياً.

إنّ نسبةً كبيرة من مقدّمات النسيان داخلة تحت إرادة الإنسان، ولمّا كان من حقّ الشريعة وضعُ التكليف بشأنها، كان من سماحتها رفعه، كما نصّ الحديث الشريف.

2 - النسيان بالمعنى الفلسفي:

المُتبنّى لأفلاطون والفلاسفة الذين أخذوا


بنظرته في الاستذكار والمِثْل، ومحصّل هذه النظرية: أنّ الإنسان كان قبل وجوده على الأرض يعيش في عالم مجرّد غير ماديّ هو عالم المثْل، وكان وعيه واستحضاره للأشياء والأفكار كاملاً، ولكنّه بهبوط روحه وحلولها في الجسد يفقد معلوماته دُفعة واحدة... ثمّ يبدأ باستعادة بعض معلوماته وتذكّرها.

وقد أخذ بهذه الفرضيّة أكثر الفلاسفة المسلمين، ما عدا صدر المتألّهين الشيرازي (قدسّ سرّه)، الذي توصّل إلى نظرية الحركة الجوهريّة الشهيرة، القاضية بأنّ: روح الإنسان وجسده مخلوقان من التراب، وقد مرّا بحركةٍ داخليّةٍ في جوهرهما، وافترقا في نوع النموّ والتطوّر، فخرجت النفس عن قواعد المادّة المعروفة، وبقي الجسم خاضعاً لهذه القواعد، ولكنّهما بقيا مُؤتلفين منسجمين...

وهذه النظريّة في وحدةِ أصل الروح والجسد، المنسجمة مع آيات القرآن الكريم في خلْق الإنسان من تراب، تقضي بأنّ المعلومات تَحدث للإنسان بتوفّر شروطها، من نموّ الجسد، والنفس، وليست استرجاعاً واستذكاراً لما كان يعلمه من قَبل: ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) النحل - 78.

3- النسيان بالمعنى القرآني:

وقد ورد استعمال النسيان في القرآن الكريم بالمعنى العرفي المتقدم كقوله تعالى: ( وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) ( كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنسَى ) . لكنا نقصد بالمعنى القرآني المعنى الآخر للنسيان الذي وردت الآيات الكريمة في ذمه والنهي عنه والتحذير من العقاب الخطير الذي يترتب عليه.

قال الله عز وجل: ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) 19 الحشر. ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) . 57 - الكهف. ( قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ) 126 طه. ( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا ) 14 السجدة.


وهذا المعنى من النسيان الذي يَرِد كثيراً في آيات القرآن الكريم، وأحادث السنّة الشريفة في مقابل (الذكر والتذكّر)، ينبغي أن نسمّيه (النسيان العملي)، وهو يختلف عن النسيان العرفي المسموح به في الإسلام، كما إنّه لا يتصّل في شيءٍ بالنسيان الأفلاطوني.

والنسيان بالمعنى العملي مبني على أساس النظرة الإسلامية للإنسان، التي تقضي بأنّ الإنسان مزوّد بفطرة وعقل، يدفعانه لإنْ يعرف عدداً من الحقائق ويعمل وفقها، وأوّلُ هذه الحقائق أن يعرف ربّه وشريعته المنزلة إليه... فإذا لم يسلك الإنسان هذا الطريق الطبيعي في المعرفة والعمل، فهو مُعرض عن الحقائق التي أمامه وناسٍ لها، وإذا سلك هذا المنهج في المعرفة والعمل فهو مُتذكّر.

فالتذكّر والنسيان بهذا المفهوم عملان إراديان للإنسان، وسلوكان يواجه بهما الحقائق التي يملك قوّة الاهتداء إليها في فطرته وعقله...

أمّا لماذا سمّى القرآن الكريم السلوك السلبي نسياناً، مع إنّه مخالفة متعمّدة للفطرة والعقل، وإعراض متعمّد عن الحقائق القائمة...؟ فالذي يبدو من نصوص الإسلام أنّ اختيار التسمية أو المصطلح ليس فقط بسبب أنّ هذا السلوك السلبي والإعراض إهمال وتناس؛ بل لأنّه يَنتج عنه نسيان حقيقي عملي ونظري.

فالمُعرضون والغافلون والناسون لربّهم تعالى، ولمّا قدّمت أيديهم، ولليوم الآخر، هم ناسون حقيقة، ولكنّه نسيان مُدان إسلامياً؛ لأنّه ثمرة طبيعية لمخالفة نداء الفطرة والعقل، ثمّ نداء أوامر الله ونواهيه.

وهذا (النسيان) الخطير على شخصيّة الإنسان، مرّة يكون في أصل الإيمان بالله تعالى ورسالته، فيكون مساوياً للكفر والنفاق... ومرّة يكون في تطبيقات الشريعة على السلوك، فيكون مساوياً للمعاصي والذنوب من المسلمين، كما في قوله تعالى عن المؤمنين: ( رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيناَ أَوْ أَخْطَأْناَ ) 286 - البقرة.

وكلّ منهما درجات متعدّدة يمكن ملاحظتها في مادّة (نَسيَ) ، و (ذَكَرَ) ، في القرآن الكريم...


وهكذا يكون مفهوم التذكّر والنسيان قضيّة أساسيّة يجعلها الله تعالى مصطلحاً، ويَطرح الإسلام من زاويتها ويسمّيه: (ذِكراً)، ويسمّي المستجيبين له: (متذكّرين)، ويسمّي الكافرين به، والمنحرفين عنه: (ناسين).

الصّلاة ومعالجة النسيان:

كيف يُعالج الإسلام (حالة النسيان)، الخطيرة في الإنسان؟

طبعاً ليس السؤال عن علاج يكون ضماناً كاملاً لتذكّر الإنسان وعدم نسيانه؛ لأنّ الضمان في هذا المجال يعني: الإجبار أو شبه الإجبار على التذكّر العقيدي والسلوكي: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ) .

ولكنّه تعالى لم يُنشئ عالم الإنسان على هذا الأساس، بل على أساس إبقاء معادلة التذكّر والنسيان قائمة، كي يكسب الإنسان بإرادته ومعاناته فضيلة الاهتداء، ويتحمّل بسوء إرادته مسؤولية الكفر والمعصية.

بل نجد في كثير من نصوص الإسلام ودلائل العقل وآيات الحياة أنّ مسألة التكامل بالمعاناة، والتناقض بسوء الاختيار قانون ثابت لا يُمس: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) .

فالمعالجة الإسلامية لحالة النسيان إذاً مجالها فيما دون الضمان الكلّي - الإجبار -، أي في تهيئة الأجواء المتعدّدة المحيطة بالإنسان، من عالمه الداخلي والخارجي التي تساعده وتدفعه إلى التذكّر.

أمّا القسم العقيدي من هذا النسيان، ويرافقه النسيان السلوكي طبعاً، بمعنى نسيان الإنسان لربّه وآخرته، فيعالجها الإسلام فيما يعالجها بـ (الذكْر) أي: بالقرآن، وما فيه من آيات الدعوة إلى الإيمان، التي لا تَدع أفُقاً من آفاق التذكّر إلاّ وتفتحه، ولا لوناً من ألوان معالجة النسيان إلاّ اتّبعته.

فمنها ما يَلْطف حتّى يلمس أعماق القلب فيضيؤها، أو أعماق النفس فيثيرها...

ومنها: ما يَشفُّ حتى يُجري الدمعة الحرّى، أو يُرفرف بالروح في الملأ الأعلى...

ومنها: ما يضع


يد الإنسان على مكنون نفسه وأسرار محيطه وحقائق حياته...

ومنها: ما ينزل على هذا الغافل خطاباً منصبّاً من أعلى السماوات...

ومنها: ما يقرع أعماق هذا الناسي وجِلده بالمقارع... ( وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ ) .

وليست معالجة حالة هذا (النسيان الأكبر) من صُلب حديثنا عن الصلاة، فالصلاة يأتي دورها في معالجة (النسيان السلوكي) الذي يتعرّض له الإنسان بعد تذكّره العقيدي وإيمانه بالله تعالى ورسله واليوم الآخر، فيُعرض عن تطبيق شريعته و(ينسى) أوامر الله ونواهيه في سلوكه.

أي إنّ دور الصلاة هو: في معالجة حالة الانحراف في المسلمين، أو الوقاية منها - ما شئت فعبّر - وهو دور هامّ جدّاً؛ لأنّ الانتقال من الكفر إلى الإسلام، من حالة النسيان الكبرى إلى التذكّر العقيدي، يبقى انتقالاً شكليّاً ما لم يتمّ معه التذكّر السلوكي.

إذا نظرنا إلى المجتمع الإسلامي، نجد أنّ الضمانات النسبيّة التي يعتمدها الإسلام لتطبيق أحكامه وقوانينه، متفوّقة في الكمّ والنوعيّة على الضمانات التي تعتمدها كلّ المبادئ المعروفة، بما فيها أحدث المبادئ والتشريعات في إقامة المجتمعات والدول...

فهناك ضمانة السلطة، ففي الحديث الشريف: أما إنّه لا بدّ للناس من سلطان : (إنّ الله لَيَزعّ بالسلطان ما لا يَزَعّ بالقرآن...)، وهذه الضمانة مشتركة في أصلها بين الإسلام وغيره.

وهناك ضمانة ضمير التقوى في المسلم، ويُقابلها في المبادئ الأُخرى ما تستطيع أن تحقّقه في نفس أفرادها من ضمير بقيمها إن كانت، وبقايا الفطرة.

وهناك ضمانة المجتمع، المتمثّلة بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي يتفرّد بها الإسلام، والتي هي مشاركة شعبيّة كاملة ومسؤوليّة عن سلوك الدولة والأفراد.

هذه الضمانات النسبيّة الثلاث تشكّل أجواءً مهمّة تحيط بالإنسان المسلم، فتعالج فيه حالة (النسيان السلوكي)، وتذكّره بالسلوك القويم، ولكنّ موقع الصلاة من هذه الضمانات - كما تدلّنا نصوص الإسلام - يأتي في القلب منها


جميعاً، ففي الحديث الشريف: (ما أعلمُ شيئاً - بعد المعرفة - أفضل من هذه الصلاة).

وحتى لو قلنا بأنّ كلّ الضمانات الإسلامية لاستقامة المسلمين ترجع إلى ضمير التقوى في المسلم؛ لأنّ الفرد هو اللبْنة الأساسية في المجتمع، والمجتمع ليس إلاّ الأفراد والعلاقات الناشئة عنهم...

فإنّ الصلاة في الإسلام تبقى هي القلب والجوهر لأعمال المسلم كلّها... فلماذا كانت قلب التقوى وخير أعمال المسلم بعد الإيمان؟

إنّ دُفعة التذكّر التي تعطيها الصلاة ذات قيمة تذكيريّة عالية... لأنّها تتركّز على تذكير الإنسان وربطه بالله عزّ وجلّ... وبما إنّ القاعدة المركزيّة في الإسلام هي: الاعتقاد بالله عزّ وجلّ مُنزل هذا الدين، وبما إنّ كافّة مفاهيم الإسلام وأحكامه مبنيّة ومتفرّعة عن الاعتقاد بالله تعالى وصادرة عنه، ومبلَّغة بواسطة رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم)...

فإن استذكر الإنسان هذه الحقيقة العظمى باستمرار واستحضرها وترسّخت في فكره وقلبه... فقد أصبح أكثر ما يكون استعداداً للانسجام معها، والابتعاد عمّا يخالفها، بل وأمكن أن يتحوّل استذكاره لله تعالى إلى حضور موجّه دائم، يعيش المسلم معه ويطبّق توجيهه في كلّ الأمور.

صحيح أنّ الالتزام بتذكّر الله تعالى وأحكامه في سلوك الإنسان أمر صعب، فهو يملك عوامل إيجاب كثيرة في فطرة الإنسان ونفسه وحياته وعقيدته... لكنّ المشاغل والمُلهيات والمشوّشات في حياة الإنسان تكاد تكون أكثر وأكبر... خاصّة إذا كانت حياة المسلم حافلة بالظلم والآلام، والمتاعب والهموم والمغريات، كما في عصرنا الحاضر...

إلاّ إنّ عمليّة الاستذكار برغم الظروف الداخليّة والخارجيّة المحيطة، تبقى في رأي الإسلام صعوبة لا بدّ منها؛ لأنّها ضرورة معاناة الإنسان في تكامله، ولا بديّة نَظم أعماله في خطّ الإسلام وأحكام شريعته.

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (ألا أُخبرك بأشدّ ما فرض الله على خلقه، [ثلاث] قلت بلى، قال: إنصاف الناس من نفسك، ومواساتك أخاك، وذكر الله في كلّ موطن، أما إنّي لا أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، وإن كان هذا


من ذاك، ولكن ذكر الله عزّ وجلّ في كلّ موطن، إذا هجمتَ على طاعة أو معصية) الكافي، ج2، ص145.

فاستذكار الله تعالى في السلوك صعوبةٌ تقع في صف صعوبة الإنتصار على الذات، وصعوبة حبّ الناس ومواساتهم...

ومن أجل هذه الصعوبة الضرورية غَمر الله عزّ وجلّ الإنسان بالإشفاق، ووضع له التشريعات التي تذلّلها وتيسّرها

وقد تمثّل الإشفاق:

بغفران السيئات، والتوبة على التائبين.

وبجعل السيّئة بواحدة، والحسنة بعشرة أمثالها.

وبمواصلة إرسال المذكّرين من الأنبياء والرسل.

وبالكتب المنزلة التي يسمّيها عزّ وجلّ بالذكر، وبوجود الأئمّة والعلماء في كلّ جيل...

وبكثير من ألطافه عزّ وجلّ...

وتمثّلت التشريعات التربويّة - مضافاً على عنصر تربية المسلم - على ذكر الله تعالى في كلّ مفاهيم الإسلام وتشريعاته، بتشريعين خاصّين:

أحدهما تشريع التفكير: أي التأمّل العقلي والشعوري في جميع الأشياء والاستنتاج منها، قال عزّ وجلّ: ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) 190 - 191 - آل عمران.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (أفضل العبادة إدمان التفكّر في الله، وفي قدرته).

وعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم، إنّما العبادة التفكّر في أمر الله عزّ وجلّ)، يقصد (عليه السلام)، كثرة الصلاة والصيام بدون تفكّر.


وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (إنّ التفكّر يدعوا إلى البرّ والعمل به) الكافي ج2، ص55.

والنصوص الإسلاميّة من القرآن والسنّة التي تؤكّد على التفكير وإعمال العقل، وتُشيد بهذه العبادة وتندّد بمن لا يؤدّيها... تبلغ في وفْرتها مادّةً لكتاب، وقد قام المرحوم العقّاد بمحاولة لتقديم فريضة التفكير هذه في كتابه (التفكير فريضة إسلامية).

وثاني التشريعين: الصلاة اليوميّة، أكبر عمليّة تركيز عقلي وشعوري لاستذكار الله وأحكامه في عملنا اليومي، قال الله عزّ وجلّ: ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) 45 - العنكبوت.

نرى أنّه سبحانه يعبّر عن هذه الحقيقة بيسر وبداهة، فيسمّي الصلاة (ذكراً) لوجوده وتوجيهاته في الأمور، ويُفهمنا عزّ وجلّ أن تذكّر وجوده الذي هو: القاعدة الأساس لمنهجه الكامل، هو: طاقةُ الدفع لاستقامة المسيرة والضمان من الإسفاف والانحراف، وإنّ هذا التذكّر - إذا حافظنا على حيوّيته - أكبر فاعليّة في السلوك نحو الأهداف الإسلامية من كلّ مؤثّرات الانحراف على شخصيّة المسلم.

وبيُسر وبداهةٍ يوضّح لنا الرسول الذي أوتي جوامع الكَلِم (صلّى الله عليه وآله)، موقع الصلاة في الحفاظ على نضَارة شخصيّة المسلم من المؤثّرات اليوميّة المختلفة، في مَثل بليغٍ يقول فيه:

(أيسّر أحدكم أن تكون على باب داره حمة، يغتسل منها كلّ يوم خمس مرّات، فلا يبقى من دَرَنهِ شيء؟ قالوا: نعم، قال: (صلّى الله عليه وآله وسلم) فإنّها الصلوات الخَمس)، الوسائل ج3 ص20.

كذلك هو حال النفس البشريّة مع المؤثّرات السلبيّة الداخليّة والخارجيّة... إنّها لا تلبث نصف نهار حتى تشوب نقاءها الأدران، حتى لتكاد تحجب عنها إحساسها بالله تعالى، ومفاهيم دينه وأحكامه، فتحتاج إلى اغتسال بالنبع المعدني الحارّ: الصلاة، ليعود إليها نقاؤها من جديد ويعود تذكّرها وهداها غضّاً


نضِراً، فتقطع شوطاً آخر، مستقيمةً في السلوك والأهداف.

عن الإمام الصادق والإمام الرضا (عليهما السلام)، في جواب السؤال عن فائدة الصلاة - مع أنّ فيها مشغلةً للناس عن حوائجهم، ومتعبة لهم في أبدانهم على حدّ تعبير السائل -: (إنّ علّة الصلاة؛ أنّها إقرار بالربوبيّة... والمداومة على ذكر الله عزّ وجلّ بالليل والنهار، لئلا ينسى العبد سيّده ومدبّره وخالقه، فَيبطر ويطغى، ويكون في ذكره لربّه وقيامه بين يديه زاجراً له عن المعاصي، ومانعاً له عن أنواع الفساد)، الوسائل، ج3، ص4 (من مجموع نصيّن).

* * *

إنّ الحاجة إلى فكرة مركزيّة تملأ ذهن الإنسان ومشاعره، وتدفعه إلى العمل وتوجّه سلوكه، حاجة إنسانيّة يشعر بضرورتها كلّ الناس، بل نستطيع القول أنّه لا يوجد إنسان إلاّ ويحمل فكرة مركزيّة تدفعه إلى العمل وتوجّه سلوكه، أيّاً كانت هذه الفكرة.

والإسلام لم يضف هذه الحاجة على حياة الإنسان ولكنّه لبّاها، ودعا إلى اعتماد فكرة توحيد الله عزّ وجلّ قاعدة تدفع إلى العمل وتوجهه... بينما اعتمدت المبادئ الأُخرى أفكاراً أخرى جعلتها القاعدة والمحور، أو تركت الإنسان يتّخذ من ذاته وهواه فكرة مركزيّة ودافعاً وهدفاً.

فالشيوعيّة ، حينما تقدّم فكرتها المركزيّة - الاعتقاد بالديالكتيك والصراع الطبقي - تريدها أن تكون المالئة لذهن الإنسان والدافعة له إلى الصراع والسلوك..

والصهيونية ، حينما تقدّم فكرتها المركزيّة - العنصر اليهودي المختار - تريدها أن تكون الدافعة والموجهة لسلوك اليهود ومكائدهم.

والمسيحيّة ، فكرتها المركزيّة تجسد الله تعالى بالمسيح، وتكفيره عن خطيئة البشر الموروثة بالصلب... إلخ..

والوجوديّة ، قاعدتها المركزيّة لا مسؤولية الإنسان عن أن يحقّق وجوده بما يهوى...

والديمقراطيّة الرأسماليّة ، فكرتها المركزيّة حريّة الإنسان في سلوكه


الفردي والاقتصادي والسياسي... أي الحريّة للمجتمعات الاستعماريّة، وليست للمجتمعات المُستعمرة طبعاً...

وهكذا... فإنّ العيش بطريقة أيّ مبدأ لا تتمّ للإنسان إلاّ بأن يستحضر في عقله ونفسه (القاعدة المركزيّة) لذلك المبدأ ويجعلها هي الدافع له لأهدافه والموجّه لأعماله...

ومن الفارق بين المبادئ في نوعيّة أفكارها المركزيّة التي تعمل لتركيزها في أذهان الناس، تَنتج الفوارق في تجسيد طريق العيش المطلوبة للمبدأ... تبعاً لصحّة تلك الفكرة وخطأها، وسعتها وضيقها، وصحّة انبثاق المفاهيم والتفاصيل لحياة الإنسان عنها، وتبعاً لانسجامها مع تكوين الإنسان وفطرته، وصلاحيتها لدفع الإنسان نحو الهدف وتقويم سلوكه بمفاهيمها.

ولا يدخل في موضوعنا تقييم الأفكار المركزيّة الأُخرى التي تُريد المبادئ - غير الإسلام - جعلها المحور لحياة الإنسان، وتفصيل الفوارق الكثيرة بينهما...

ولكن غرضنا أن نوضّح أهميّة فكرة وحدانيّة الله عزّ وجلّ، التي هي القاعدة المركزيّة في الإسلام، ومدى دور الصلاة في تركيز هذه القاعدة وملء كيان الإنسان بها، ودفعه بطاقتها الهائلة إلى الهدف وتوجيه سلوكه بموجبها.

* * *

إنّ مَثل الإنسان والصلاة، كمثل راكب في سفينة، وليس لديه ما يعيّن له اتّجاهه إلاّ مواقع النجوم، وهو مصاب بداء نسيان شديد بسبب طبيعته وظروفه، إلى حدّ أنّه ربما ينسى اتّجاهه الذي حدّده قبل خمسين ميلا ً؟!

أفَترى يستقيم أمر هذا الرجل إلاّ أن يقف مرّة كلّ أربعين ميلاً، يطلّ من نافذته ويتأمّل الأُفق فيعيّن اتّجاهه من جديد؟ كذلك الإنسان والصلاة حرفاً بحرف.

إنّ احتمال ضياع الإنسان في بحر الحياة أضعاف احتمال ضياعه في بحر الماء، وليس لديه ما يعيّن له اتّجاهه إلاّ هَدْي خالقه عزّ وجلّ،


وداء نسيانه لربّه وأهدافه يصل به إلى حدّ أن ينسى اتّجاهه الذي حدّده في صباح يومه... أفَترى يستقيم أمر هذا الإنسان إلاّ بوقفات طوال الطريق، يتأمّل فيها الوجود ويعرف موقعه منه، ويتكلّم مع مَلِيكه عزّ وجلّ ليؤكّد اتّجاهه من جديد، ويستمرّ في مسيرته على هدى؟

إنّ داء النسيان للقاعدة والهدف هو خصّيصة طبيعية للإنسان، لكنّها خصّيصة إنسانيّة الإنسان، وسرّ قدرته على الجهد والمعاناة، آخذاً بيد نفسه إلى تكامله، مربيّاً نفسه على الاحتفاظ بالقاعدة المركزيّة التي آمن بها واتّخذها محوراً لوجوده، بوقفاتِ تروٍ وتجديدٍ للميثاق مع الله... وقفاتٍ هي سندٌ للقلب، وزاد المسير، جاءت بصيغتها الإسلامية الخالدة آيةً في العطاء والإبداع، شكلاً ومضموناً..

* * *

المبدأ، أيّ مبدأ، ما دام طريقة عيش لهذا الكائن الناسي، فلا بدّ أن يتضمّن عملاً تركيزيّاً دائباً، يمكّن الإنسان من مواكبته في حركته الدائبة.

والفرق كبير بين حاجة المبدأ إلى الإعلام ووسائله المتنوّعة، وبين حاجته إلى عمليّة تربويّة من هذا النوع... فالإعلام حاجة من أجل إيصال القاعدة والمفاهيم والقوانين إلى الأذهان، حاجة من أجل الإقناع النظري، وهي ضرورة كبيرة دون شكّ.

ولكنّ الضرورة الأكبر منها هي: التركيز التربوي في تعامل الإنسان بالمبدأ، والتركيز هذا لا بدّ أن يقوم به الإنسان نفسه، أن يتبنّاه في معاناة ذاتيّة يوميّة يؤكّد فيها اعتقاده بالمبدأ، ويُشرب عروقه بمفاهيمه... وذلك ما لا تنهض به وسائل الإعلام مجتمعة.

قد يمكن للمبادئ غير الإسلامية أن تضع لنفسها صلوات، وتفرض أدائها على الشعوب المؤمنة بها، والخضاعة لها، ولكن أنّى لها بالقاعدة الفكريّة المركزيّة الصالحة التي تستطيع أن تحقّق بها النجاح في صلواتها، كما استطاع الإسلام ويستطيع أن يحقّق بصلاته.

إنّه مهما امتلكت هذه المبادئ من وسائل الإعلام، ومهما ابتكرت للحفاظ


على أُسسها في أنفُس الناس من طُرق تركيز تربوي... فستبقى مُخفقة في تحقيق إيمان حيوي بها، وتعامل حقيقي صادر عنها، ما دامت فاقدة للقاعدة المركزيّة الفريدة التي يقوم عليها الإسلام، ولطريقة التركيز الفريدة التي وضعها الإسلام...

( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ) .


الصّلاة والإنسان والغيب

يتناول الإسلام في نصوصه وتشريعاته المسألة الفكريّة والاجتماعيّة (العقيدة والنظام الاجتماعي)، من مستويات متعدّدة ومن زوايا متعدّدة... يتناولها من مستوى اجتماعي فيخاطب المجتمع المتكّون من أفراد وعلاقات... ويتناولها من مستوى فردي؛ لأنّ الفرد أساس المجتمع... وعلى هذا المستوى يتناول المسألة من عدّة أبعاد...

ذلك أنّ أبعاد شخصيّة الإنسان متعدّدة، وأبعاد الظروف المحيطة به كذلك، فالإنسان كالجوهرة الكثيرة الأضلاع والزوايا، تحيط بها ظروف كثيرة الأضلاع والزوايا، ولا بدّ أن يُلقى الضوء على الزوايا المختلفة، لكي تستوفى الصورة ويستكمل الغرض.

وقد رأينا في الفقرة المتقدّمة كيف يتناول الإسلام المسألة من زاوية التذكّر والنسيان، وهما بُعدان في عقل الإنسان وإرادته... وفي هذه الفقرة نرى كيف يتناول الإسلام المسألة من البُعد الزماني والمكاني المحيط بالإنسان، أي من زاوية علاقة الإنسان بالغيب... ودور الصلاة في هذه العلاقة.

معنى الغيب والشهادة:

الموجودات في نظر الإسلام ثلاثة أقسام:

كائن طبيعي مشهود - عالم الشهادة.

كائن طبيعي غير مشهود - عالم الغيب.

كائن غير طبيعي وغير مشهود - عزّ وجلّ.

فالقسم الطبيعي المشهود : هو ما تصل إليه أجهزة حواسّنا (جهاز إدراكنا)، كالأرض، وما نراه من فضاء وكواكب ونجوم... ونسبة هذا العالم إلى العوالم


الطبيعية غير المشهودة، كنسبة البيضة إلى الأرض (كما ورد التمثيل بذلك في حديث شريف)...

والقسم الطبيعي غير المشهود: يشمل عوالم: الجنّة، والنار، والملائكة، والجنّ، وعوالم المخلوقات الأخرى، التي ورد في الحديث أنّها كثيرة ومتنوّعة، وأكثر هذه العوالم شبهاً بنا على ما يبدو عوالم الأرضين الأربع، حيث ورد في النصوص الشريفة: أنّ خَمساً من الأرضين السبع معمورة، واثنتين خَرَابان

. والأقرب لنا من الجميع عالم الجنّ، الذي يشترك معنا في جملةٍ من الصفات العامّة، من الخَلْق والتكليف وأصول الرسالة الإلهيّة، ولذلك يخاطبنا الله تعالى معاً في عدد من الآيات...

وهذا القسم الشاسع من عوالم الطبيعة الغائبة يكتنف عالمنا المشهود - عالم البيضة -، ويَتلابس فيه بنوع من التلابُس.

وأمّا القسم الثالث: الكائن غير الطبيعي، فهو الموجود بذاته سبحانه، والمُوجد للعالم الطبيعي المنظور وغير المنظور، وهو عزّ وجلّ وجود متفرّد يكتنف العالمِيْن أجمع، ويتلابس فيها بنوع من التلابُس.

هذي هي الخطوط العامّة للصورة التي يقدّمها الإسلام عن الكون ككل... وإنّ التعبير القرآني بالشهادة والغيب أصحّ من تعبير الفلاسفة بالطبيعة وما وراء الطبيعة؛ وذلك لأنّ كلمة الطبيعة تشمل المشهود وغير المشهود، بينما يَقصد منه الفلاسفة خصوص الطبيعة المشهودة، كما أنّ ما وراء الطبيعة يقصدون به الموجود غير الطبيعي كليّاً، على أنّ ما وراء الطبيعة هذا قد يكون طبيعة غير مشهودة، وقد يكون غير الطبيعة كليّاً (الله تعالى).

ومن النتائج الملحوظة لهذا اللبس لدى الفلاسفة المحْدَثين، أنّهم يفترضون مسبقاً في اصطلاح (ما وراء الطبيعة) أنّه كائن غير طبيعي، مع أنّه لا محتّم لذلك...

إنّ الغيب هو القسم الأكثر والأكبر من الوجود، فإنّ ما نشهده من الوجود هو الأقلّ، وما لا نشهده هو الأكثر...: ( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) .


أمّا - الوجود - الخالق سبحانه وتعالى فلا يُقاس به شيء: ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ) .

الترابط بين الشهادة والغيب:

إنّ التقنين والترابط كما هو حقيقة سائدة في عالمنا المشهود، وفي عوالم الطبيعة غير المشهودة كذلك، هو حقيقة سائدة بين عوالم الشهادة والغيب أيضاً: ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ ) 85 - الحجر.

فالطبيعة المشهودة والغائبة مركّب كلّي، تترابط كافّة أجزائه ببعضها، وتتفاعل في ظلّ قوانين موحّدة شاملة، وما مَثل المشهود والغائب من الطبيعة إلاّ كمثل الجسد المنظور والنفس غير المنظورة، فكما إنّهما كيان مترابط موحّد، تتبادل أجزاؤه التفاعل في ظلّ قوانين موحّدة، كذلك يؤلّف المنظور وغير المنظور من الطبيعة كلاًّ موحّداً تتبادل أجزاؤه التفاعل.

ومجرّد عدم اكتشاف أبعاد هذا التفاعل لا ينفي واقعه، كما إنّ عدم اكتشاف قانون الجاذبيّة وقانون ترابط الجسد والنفس لم يكن يُلغي واقعهما ونتائجهما.

لقد قرّر الإسلام هذا التلابُس القائم بين الشهادة والغيب، وأوضح لنا جوانب كثيرة من هذه العلاقة أهمّها وأكثرها أثراً في حياتنا: علاقة سلوك أحدنا بتكوين نفسه للنشأة الثانية، حيث يتقرّر بموجب هذه العلاقة ظرف العيش الذي نؤهّل له أنفسنا في عالم الجنّة أو عالم النار.

ثمّ علاقة الملائكة بحياة الإنسان وهي علاقة واسعة.

ووقوع الإنسان بسوء سلوكه تحت تأثير الأشرار من الجنّ.

وعلاقات أخرى للطبيعة المنظورة بكلّها غير المنظور، لسنا هنا بصددها.

أمّا عن علاقة الشهادة بالموجود غير الطبيعي عزّ وجلّ فقد أوضح الإسلام ذلك أشدّ إيضاح، مؤكّداً أنّ التلابُس والتقنين أمر قائم بين الطبيعة وخالقها سبحانه، وأنّ حقيقة وجود الطبيعة إنّما هو وجود تعلّقي متفرّع عن المُبدع الحكيم جلّت قدرته، وأنّه يتموّن في حركته التطوريّة التكامليّة من المُنشئ والمحيي الكامل الذات سبحانه...


وما القيامة في المفهوم الإسلامي إلاّ مرحلة كبرى من حركة الطبيعة المشهودة والغائبة، حيث تتحقّق الوحدة بين عوالمها ويتمّ انفتاحها على الخالق سبحانه...

ولذلك كانت القيامة، من ناحية مرحلة النضج والاكتمال لجميع الطبيعة بما فيها الإنسان، ومن ناحية ثانية لقاء كافّة الموجودات بالخالق سبحانه بما يناسب ذاتها ونضجها من لقاء...

علاقتنا بالغيب:

رأينا في الفقرة المتقدّمة أنّ المسألة الفكريّة والاجتماعية من زاوية مفهوم (التذكّر والنسيان)، هي أن يكون الإنسان متذكّراً أو ناسياً، ومدى الجهد الذي بذله في استحضار القاعدة المركزيّة، والاحتفاظ بحيويتها وتوجيهها، ونرى المسألة من زاوية مفهومي الشهادة والغيب، هي: أن يرضى الإنسان لنفسه أوسع يشمل الشهادة والغيب، ومدى الجهد الذي يبذله للتعامل بهذا الأُفق الرحب.

قد يقول قائل: ما لنا وللعلاقة بالغيب وبالعالمِيْن الأُخرى، والزمن الآخر، وما دخالة ذلك بحياة الإنسان ومشاكلها...؟

ولكن مثل هذا الكلام الناشيء من الميل إلى الحياة بالمحدوديّة الزمانيّة والمكانيّة، يؤكّد أهميّة وعي الإنسان لمسألة علاقته بالغيب، ليس بسبب أنّها واقع علمي موضوعي فحسب، بل لآثارها الكبيرة على حياته.

ما هو التطوّر الأساسي الذي طرأ على الإنسان المُشرك عابد الوثن، بدخوله في الإسلام من هذه الزاوية؟ نجد أنّ الأفق الزماني والمكاني الذي كان فيه هذا الإنسان الذي يمتدّ من جبهته إلى الصنم، إلى محيط حياته الشخصيّة والقبليّة، ولا يتعدّى ذلك.

وبمجرّد دخوله في الإسلام اتسع هذا الأفق إلى الاعتقاد بربّ العالمين، عالم الغيب والشهادة، وبالآخرة، وبمسؤولية حمل الرسالة إلى شعوب الأرض... إنّ البعد الزماني والمكاني الذي انتقل إليه هذا الإنسان هو


سرّ التحوّلات الكبيرة في دوافعه وأهدافه...

وللمزيد من التوضيح نطرح التساؤلات التالية:

*ما الفرق بين المُسرف والمقتصد، من غير بُخل؟

الأوّل: يعيش ضمن بُعد زماني محدود، والثاني: يعيش ببعد أوسع يشمل الشهور والسنين الآتية.

* ما الفرق بين من يسكت على الظلم ويعيش لنفسه وعائلته وحاجاتهم الآنية، وبين ثائرٍ يضحّي بحياته ضدّ الظلم؟

الشخص الأوّل: يعيش ضمن بعد مكاني وزماني محدود، والثاني: يعيش في أفق مكاني أوسع، يشمل المظلومين الذين يعمل لهم، وفي أفق زماني أوسع يمتدّ إلى المستقبل الذي يعمل لتحقيقه.

* ما الفرق بين من يعمل لذاته، وبين من يعمل لمجتمعه وأمّته؟

الفرق: أنّ ذات الأوّل محدودة بشخصه وقد تضرّ بآخرين، بينما بُعد الذات عند الثاني تشمل المجتمع والأمّة.

* ما الفرق بين من يعمل للدنيا، ومن يعمل للآخرة...؟

الفرق: أنّ البُعد الزماني والمكاني لدى الأوّل محدود بعمره ومجال حياته، وقد يمتدّ هذا البُعد لما بعد حياته من مجدٍ أو ذكر حسن وما شابه، ولكنّه لا يتعدّى الأرض والحياة عليها... بينما البُعد الزماني والمكاني لدى الآخر يمتدّ ليشمل الآخرة والحياة في الجنّة...

إنّ مسألة البُعد الزماني والمكاني الذي يؤمن به الإنسان ويتحرّك في أفقه، وما يُحدث له من دوافع ومجالات وأهداف... مسألة ذات تأثير أساسي على حياة الإنسان، والمجموعة البشريّة على الأرض، تأثير على نوع الحضارة التي يقيمها الناس، وعلى نوع الدوافع والأهداف لكلّ شخص، وإذا كان كفاح الأنبياء (عليهم السلام)، في التذكير كفاحاً من أجل اليقظة والوعي ضدّ الغفلة والنسيان... فهو من هذه الزاوية كفاح ضدّ الميل الغريزي الطيني الذي يُقوقع


الذات في بُعد زماني ومكاني محدود، ونقلها إلى بُعد أرحب في الزمان والمكان.

من أجل هذا اعتبر الإسلام اعتقاد الإنسان بالغيب أساساً من أصول التديّن به، واستثار في قرآنه وسنّته كلّ ما أودعه الله تعالى في النفس البشريّة من غرائز النزوع والأشواق في الكائن المحدود نحو المطلق عزّ وجلّ، ونحو لقائه، والخلود في نعيم الحياة الآخرة... حتى إنّنا نجد الحديث القرآني عن الغيب يستوعب عدداً وفيراً من الآيات الكريمة، ويقدّم هذه الحقيقة من زواياها المختلفة وبالأساليب المختلفة.

ولم يكتف الإسلام بذلك فحسب، بل أدخل مفاهيم الارتباط بالله تعالى، والآخرة، والثواب، والعقاب في تشريعاته لمجالات الحياة المتنوّعة، حتى لنرى البُعد الزماني والمكاني في أحكام النظام الاجتماعي الإسلامي يأبى المحدوديّة بمكانِ وزمانِ جيلٍ من الناس، أو بمكانِ وزمانِ كلّ الحياة على الأرض، بل يتّحد في مساحة واحدة مع بُعد الغيب والحياة الآخرة.

دور الصلاة في التعامل مع الغيب:

الصلاة هذا العمل اليومي المركّز بأفعالها البدنيّة وتلاواتها البليغة، أسلوب فريد لنقل الإنسان من ذاته ومحيطه الصغير وزمانه القريب إلى الأفق الأرحب، وتحسيسه بالله تعالى وغيبه.

إنّ المصلّي بمجرّد دخوله في الصلاة بالإحرام، ينتقل إلى بُعد مكاني وزماني جديدين ويتعامل معهما، ولا نجد مصلّياً يفقه شيئاً من صلاته إلاّ ويحسّ بهذه الحقيقة ويتأثّر بها.

إنّ أهميّة الصلاة في تحسيس الإنسان بمسؤوليّته في الأرض، وتصحيح مسيرته وأعماله كبيرة دون شكّ، ولكنّها تأتي من تحسيسه بالله تعالى وبالآخرة، وإعادة المفاهيم الإسلامية والمقاييس الإسلامية الرحبة إلى وعيه وشعوره.

إنّ مفاهيم المسلم عن الارتباط بالله تعالى، والتوجّه إليه، وعن التطلّع والاشتياق إلى الآخرة، ومفاهيمه في السموّ عمّا ينزل إليه الناس من متاع الدنيا


وسفاسفها، ورَفرفات روحه نحو الملأ الأعلى... وغيرها من المفاهيم الراقية المؤثّرة في رقيّ سلوكه وتعامله... هذه المفاهيم تتزوّد بحيويّة خاصّة من فريضة الصلاة اليوميّة.

وهل أبلغ في جعل الغيب مجسّداً - يحسّه الناس ويتعاملون معه - من عملية الصلاة الواعية وأفقها الشاسع، التي يجعلها الإسلام مظهراً يوميّاً لحياة المسلم والمجتمع الإسلامي، فتُبنى لأجلها المساجد، وتُترك لأدائها الأعمال، وتقسّم بموجبها الأوقات، ويُتطهّر لأجلها بالماء... وتؤدّى باستمرار في وسط النهار وأطرافه...

إنّ الصلاة هي: الإصرار الواعي والمعالجة المستمرّة للنفس البشريّة، من أجل أن تتحرّر من الاستغراق في المتاع القريب، وتوسّع أفقها الزماني والمكاني، لتكون على مستوى حاجاتها الفعليّة والمستقبليّة على الأرض وفي الآخرة، إنّها استمداد المحدود من المطلق، حياة وسِعةٌ في أبعاد ذاته وزمانه ومكانه...

وهي بالتّالي ظاهرة من معالم الحضارة المتميّزة التي يدعو الإسلام لبنائها على الأرض، ممتدّة بأفقها إلى جميع الناس، وإلى مستقبل الأجيال على الأرض، ومستقبل الناس في الحياة الآخرة.

وأيّ شيء يفي بالتحسيس على الغيب كالصلاة... هذه الدقائق العميقة الثريّة... الميسّرة لكلّ الناس.


الفصل الثاني

الصّلاة في القرآن الكريم

* تقسيم النصوص القرآنية في الصّلاة

* فرض الصّلاة ووجوبها

* توقيت الصّلاة وعددها

* إقامة الصّلاة

* التوجّه شطرَ المسجد الحرام

* قرْن الصّلاة بالإيمان والزكاة

* الاصطبار والمحافظة على الصّلاة

* الإعداد للصّلاة بالتطّهر

* نهي الصّلاة عن الفحشاء والمنكر

* معالجة الصّلاة للهلع في الشخصيّة

* صلاة الكُسالى، وتضييع الصّلاة


تقسيم النصوص القرآنية في الصّلاة

للصلاة في القرآن الكريم موقع بارز بين أوليّات الفرائص الإسلامية، حيث تجد عشرات الآيات نزلت في هذه الفريضة، أو ذكرتها تشريعاً وتأكيداً وإيضاحاً لآثارها، ومدحاً لمُقيميها وذمّاً لتاركيها.

والطريقة المفيدة لموضوعنا في دراسة هذه الآيات الكريمة، أن نقسّمها من حيث المضمون، ثمّ ندرس الأقسام المتحصّلة منها.

ونظراً لأنّنا في فصل (الصلاة في السنّة) سنتّبع نفس الأسلوب، ونظراً لوجود مضامين مشتركة بين الفصلين... فسنلتزم في هذا الفصل بتأييد المضامين القرآنية بمضامين السنّة المُرادفة، لكي يختصّ الفصل القادم بالمضامين التي تنفرّد بها السنّة عن القرآن الكريم تقريباً.

والمتحصّل من الآيات القرآنية في الصلاة هو الأقسام أو المضامين التالية:

* فرض الصّلاة ووجوبها

* توقيت الصّلاة وعددها

* إقامة الصّلاة

* التوجّه شطرَ المسجد الحرام

* قَرْن الصّلاة بالإيمان والزكاة

* الاصطبار والمحافظة على الصّلاة

* الإعداد للصّلاة بالتطهّر

* نهي الصّلاة عن الفحشاء والمنكر

* معالجة الصّلاة للهلع في الشخصيّة

* صلاة الكُسالى، وتضييع الصّلاة


فرض الصّلاة ووجوبها

وجوب الصلاة وفرضها من المدلولات الصريحة لعدد من الآيات الكريمة، كقوله عزّ وجلّ: ( وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) 56 - النّور.

وقوله تعالى: ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) 78 - الحجّ.

وقوله تعالى: ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) 103 - النّساء.

ومن نافلة القول الاستدلال على وجوب الصلاة في الشريعة، فإنّ نظرة في الآيات القرآنية المتعلّقة بالموضوع تكفي لهذا الغرض، فضلاً عن تواتر السنّة وإطباق سيرة المسلمين ورأيهم كافّة.

نعم؛ ينبغي أن نُلقي الضوء على معنى الفرض والوجوب في الإسلام، لنفهم منه فرض الصلاة ووجوبها.

الوجوب : واحد من الصيغ الخَمس التي تحدّد بها الشريعة المقدّسة موقفها من أنواع سلوك الناس، وهذه الصيغ هي:

1 - الوجوب، الفرض، العزيمة.

2 - الحرمة، الحظْر، المنع.


3 - الاستحباب، الندب، الرّخصة.

4 - الكراهة، التنزّه.

5 - الإباحة، الحِلّ.

فكلّ عملٍ في حياتنا لا بدّ أنّ يكون للإسلام فيه حكمٌ من هذه الأحكام الخَمسة، سواءٌ في ذلك ما كان من الشؤون الشخصيّة والاجتماعية والدولية، وسواء في ذلك الأعمال والأوضاع الثابتة والمتجدّدة، بل وحتى الأعمال الذهنيّة من عمليّات عقليّة ونفسيّة...

فإنّ من المُجمع عليه لدى فقهاء الإسلام استحالة خلوّ الواقعة - الحادثة - من حكمٍ، تعبيراً عن ضرورة شمول الشريعة المطلق لشؤون الحياة.

والسبب في هذا الشمول التشريعي واضح؛ فإنّ الإسلام ليس ديناً بالفهم الغربي للدين، بل هو نظام حياة متكامل، منبثق عن عقيدة مُتكاملة، لا يغفل شيئاً من نشاط الإنسان، دون أن يحدّد موقفه الإعتقادي والعملي منه... لذلك نرى الإسلام يشمل كلّ النشاطات البشريّة، الموجود منها والممكن، فينوّعها بالنحو التالي:

القسم الأوّل : أعمال ضروريّة لإقامة الحياة، بالشكل الذي يريده الإسلام - وهو أجمل وأصحّ أشكال الحياة على الأرض - ويُصدر الإسلام أمره بضرورة - وجوب - تحقيق هذه الأعمال والقيام بها، ويَعتبر من تركها فرداً أو مجتمعاً، منحرفاً وعاصياً.

وتنقسم هذه الضرورات أو الواجبات أو الفرائض إلى:

* واجبات إعتقاديّة .

* وواجبات عمليّة ، والأخيرة إلى: واجبات فرديّة وواجبات اجتماعيّة.

ومن أمثلتها: الاعتقاد بالله ورسُله والحياة الآخرة، التفكير بمقدار يوصل الإنسان إلى الحقّ، مساواة الحاكم لفقراء شعبه في معيشته، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مقاومة الظلم... إلخ.

القسم الثاني: أعمال مضرّة بالفرد والمجتمع، ويُصدر الإسلام أمره فيها بالمنع الباتّ - التحريم - ويَعتبر من فعلها فرداً أو مجتمعاً، مُنحرفاً وعاصياً.


وهي كذلك تنقسم إلى: محرّمات اعتقاديه وعمليّة، فرديّة واجتماعية، كما تنقسم إلى: محرّمات - كبائر - مشدّدة ومحرّمات - صغائر-...

ومن أمثلة هذه المحرّمات: القتل، الكذب، الخمر، الركون إلى الظالمين، الزنا، الربا، السرقة، السفور، الحُكم بغير ما أنزل الله، التصوّرات الجنسيّة المحرّمة، الغشّ... إلخ.

القسم الثالث: أعمال يحبّذها الإسلام؛ لأنّها تحقّق مستوى أرفع لحياة الفرد والمجتمع، ولكنّه لا يفرضها؛ لأنّ الحدّ المرْضي من الحياة يتحقّق بدونها؛ ولذلك لم يَعتبر تركها معصية وانحرافاً، واعتبر القيام بها عملاً صالحاً طيّباً يستحقّ المكافأة في الآخرة.

وتنقسم هذه الأعمال التي تسمّى - المستحبّات - إلى: مستحبّات مؤكّدة، ومستحبات.... ومن أمثلتها: الإعطاء من الثروة زائداً على الواجبات المفروضة، الصلاة، والصيام زائداً على الفريضة، التطوّع لدراسة الإسلام وتعليمه للأُمّة، هذا إذا توفّر الحدّ الواجب من المبلّغين، وكلّ ما سوى الواجبات ممّا يكون نافعاً، فرديّاً واجتماعيّاً، ويُقصد به وجه الله عزّ وجلّ.

القسم الرابع : أعمال لا يرغّب فيها الإسلام؛ لأنّها من بعض وجوهها تشبه المحرّمات بنسبة من الشبه، ولكنّه لا يمنع من ارتكابها؛ لعدم منافاتها للحدّ المرْضي من الحياة؛ ولذلك لا يَعتبر فعْلها معصيةً، وإن كان يَعتبر تركها عملاً صالحاً يستحقّ الجزاء في الآخرة.

وهي تنقسم أيضاً إلى: مكروهات مؤكّدة، ومكروهات.... ومن أمثلتها: الأكل في الطريق، كثرة الكلام، حِلْف اليمين في المعاملة، إذا كان صادقاً - وإن كان كاذباً فهو حرام - الصلاة في الأماكن غير اللائقة، الدخول في سَوْم البضاعة مع وجود من يُساوم عليها...

القسم الخامس : الأعمال الباقية التي ليس فعلها أو تركها ضرورياً لإقامة الحياة المُرادة، ولا هي دخيلة في تحقيق المستوى الأرفع، أو في تخفيض الحدّ المرْضي؛ ولذلك لا يَعتبر الإسلام فعلها أو تركها معصية أو انحرافاً، ومن أمثلة هذه الأعمال التي تسمّى - المُباحات -: القيام، الجلوس، الرواح، المجيء،


أكل هذا النوع من الطعام أو ذاك، فتح شخصٍ لمحلّ تجاري أو مخبز... كلّ ذلك إذا لم يكن دخيلاً فيما ذكر أعلاه.

وممّا يتّصل بتنويع الإسلام للنشاطات البشريّة، هذه الأصول التالية:

*أوّلاً

إنّ وحدانيّة الله عزّ وجلّ التي يؤكّد عليها الإسلام - حتى ليسمّى دين التوحيد - هي: إفراد الله في ذاته: بمعنى نفي التركيب والماديّة عنه عزّ وجلّ، وإفراده في الخلْق ابتداءً واستمراراً، وإفراده في حقّ التشريع... فكما إنّ من أجاز عليه سبحانه الحلول والتغيّر فقد أشرك به، فكذلك من جعل حقّ التشريع لنفسه أو لشخصٍ أو جهةٍ فقد أشركهم مع الله تعالى.

ومنشأ ضرورة التوحيد في حقّ التشريع، أنّ تنويع النشاطات البشريّة وإصدار الأحكام المناسبة فيها، أمر لا يمكن أن يمارسه إلاّ الخبير بهذه النشاطات، وتشابكها، وآثارها، ونتائجها على نفس الإنسان، ومجتمعه، في حياته الحاضرة والمُقبلة... ومثل هذه الخبرة العميقة الدقيقة لا تتحقّق إلاّ في الخبير العليم سبحانه.

نعم ، يُستثنى من ذلك مناطق الفراغ التي تركتها الشريعة المقدّسة، وسمحت للدولة العادلة أن تشرّع لها القوانين الملائمة، على ضوء الأوضاع المتطوّرة، وفي إطار الخطوط العامّة للشريعة، ومن الواضح أنّ ملئ هذه المساحات المفتوحة في الشريعة، إنّما هو بالحقيقة وضع لوائح تنظيميّة لغرض تنفيذ أحكام الشريعة العامّة، بنصّها وروحها على ضوء مصلحة الأُمّة المتطوّرة.

*ثانياً

يخضع تنويع الإسلام المتقدّم للنشاطات البشريّة، لقواعد عامّة محدّدة في الشريعة، قد تُوجب تبديلاً في أقسامه، وتسمّى هذه القواعد - العناوين الثانوية -.

فقد يقتضي العنوان الثانوي المنع عن أعمال كانت في أصلها من نوع المُباحات، فتصبح من نوع المحرّمات... مثلاً: تصرّف المالك في ما يملك، أمرٌ


جائز في الأصل، لكن إذا استوجب إضراراً بالغير فإنّه يصبح محرّماً؛ وذلك بمقتضى العنوان الثانوي الذي هو هنا - قاعدة نفي الضرر - التي قرّرتها الشريعة الإسلامية في النصّ المشهور عن الرسول (صلّى الله عليه وآله): (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) .

وقد يقتضي العنوان الثانوي إباحة الحرام أو وجوبه... مثلاً: يشرّع الإسلام الملكيّة الفرديّة، ويحرّم التعدّي عليها، ولكنّه يجيز لحكومته أن تأخذ من الملكيّات الفرديّة - الكبيرة أو الصغيرة - القدر الذي تراه ضرورياً للحاجة الاجتماعيّة.

كما يُجيز أن تُجبر أهل الأموال على تشغيل رؤوس أموالهم المجمّدة للمصلحة الاجتماعيّة، أو تأخذ منهم زيادة على الحقوق الشرعيّة المفروضة.

وقد يقتضي العنوان الثانوي إيجاب المباح أو تحريمه، فالتخصّص الصناعي والزراعي أمرٌ مباح أساساً، ولكن إذا احتاج الوطن الإسلامي بشكل ضروري إلى اختصاصيين في الصناعة والزراعة وغيرها، فإنّ ذلك يصبح واجباً شرعاً، ويحرم على أساسه التخصّص في المجالات الأُخرى غير الضروريّة، وإن كانت مباحة في أصل التشريع.

وهكذا ، يضع الإسلام قواعد عامّة تُوجب التبديل في تنويعه الأساسي للأعمال، وأحكامه الأُولى بشأنها، ولكنّه تبديلٌ ثابت في إطار الإسلام، منسجم مع عقيدته في الحياة، وأهدافه منها، وخطّته فيها.

*ثالثاً

باستطاعة الفرد والمجتمع والدولة المُسلِمَين أن يحوّلوا جميع نشاطاتهم المباحة إلى نشاطات مستحبة، فتكون في ميزان الإسلام أعمالاً صالحة تستحق الجزاء والمكافأة؛ وذلك بأن يعيشوا روح الرسالة الإسلامية، ويقصدوا من حياتهم التقرّب إلى الله عزّ وجلّ بتحقيق أهدافها.

*رابعاً

الأُسلوب السائد في تطبيق التشريعات على المجتمعات هو: أسلوب القوّة؛ حيث تفرض السلطة على الناس تطبيق تشريعها، وتقوم بمعاقبة المخالفين.


أمّا أسلوب تكوين الضمير القانوني في المواطنين، عن طريق تركيز قيم التشريع وفوائده في نفوسهم، فلم تسلكه حتى الآن أي من الدول القائمة على دساتير وتشريعات، ولا كلام لنا في الدول المُقامة على غير تشريع.

ولا نستطيع أن نستثني من ذلك إلاّ الدول والمجتمعات التي أقامها الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام)، فإنّها اعتمدت في تطبيق شرائعها على تربية ضمير التقوى لدى المواطنين، ونجحت في ذلك أيّما نجاح.

وقد تتصوّر إنّ إغفال المشرّعين القانونيين لطريقة تكوين الضمير القانوني؛ إنّما هو لعدم أهمّية هذه الطريقة في حياة المجتمعات... لكنّ الأمر على العكس، فما من مشرّع قانوني إلاّ ويتمنّى أنّ يجمع المواطنين على قيم تشريعه، وما من دولةٍ إلاّ وتتمنّى أن يؤمن المواطنون من أعماق قلوبهم بصحّة الدستور والتشاريع التي تقوم عليها.

بل السبب في خسارة هذا المكسب العظيم؛ إخفاق خبراء التشريع في تكوين الضمير القانوني لدى الناس... (إنّهم يجدون القيم التي يحاولون جمعها في هيكل الدستور، يستحيل وضعها في ميزان واحد، ومثَل رجل القانون في محاولته هذه، كمثل الذي يزن مجموعة من الضفادع بمجموعة أخرى مُماثلة، فكلمّا وضع مجموعة في كفّة، وجد أن ضفادع الكفّة الثانية قد وثبت إلى الماء مرّة أُخرى)، هذا ما يقوله أحد خبراء التشريع - الإسلام يتحدّى - ص231.

والنتيجة الطبيعيّة لافتقاد القيم القانونية، افتقاد القانون ذاته، فإلى حدّ الآن أخفق أساتذة القانون في وضع شيءٍ يصحّ تسميته (القانون)، رغم كلّ الجهود والتعديلات التي تُبذل في هذا المجال.

وهذا ما يعترف به أحد خبراء القانون الغربيين L.L. foller ، حتى لقد وضع كتاباً أسماه (القانون)، يبحث عن نفسه ( The Lawin Questof Itself )، ص230 - المصدر المتقدّم.

وينقل البروفسور (باتون) رأياً لبعض علماء التشريع يقول: (إنّ جميع محاولات الدراسة الفلسفيّة للبحث عن الأهداف في فلسفة التشريع قد انتهت


إلى غير ما نتيجة...)، ثمّ يتساءل ويُجيب: (أهناك قيم مثاليّة تحدّد الأُسس عند تطوّر التشريعات لم يتمكن المشرّعون من التوصّل إلى هذه القيم حتى الآن؟... غير أنّها لا بدّ منها)، ص234 - المصدر المتقدّم.

أمّا الإسلام الذي حدّد قيم الشريعة، وأقام على أساسها التنويع الكامل لكلّ نشاطات الناس، فإنّ من الميسور له أن يَسلك في تطبيق شريعته أسلوب تكوين الضمير القانوني في نفوس الناس، وأن يجعل من السلطة المعتمدة كلّياً عند غيره خطّ ضمانٍ ثانياً لنظامه، لحالات الشذوذ عن الضمير القانوني.

* * *

من هذا العرض لتنويع الإسلام لنشاطات الناس نجد أنّ: مفهوم الوجوب في الإسلام يعني: الضرورة التي لا تستقيم الحياة بدونها.

ومن تنويع الصلاة في قسم الواجبات نفهم: أنّ هذا العمل التربوي اليومي في نظر الإسلام، ضرورة لا تستقيم حياة الناس بدونه.

يُضاف إلى ذلك جعل فريضة الصلاة من أوليّات الواجبات، بل من الأركان التي بُني عليها الإسلام، ممّا يدلّ بوضوح على أنّها تقع في نطاق الضرورات القصوى لحياة الناس.

ويُضاف إلى ذلك، أنّ وجوب الصلاة وجوب ثابت في كلّ حال، لا يخضع للرفع أو التبديل بالعناوين الثانويّة الآنفة الذكر، فهي إذاً ضرورة قائمة لكلّ الناس، وفي كلّ الظروف، حتى أنّ الله عزّ وجلّ يعلّم الرسول (صلّى الله عليه وآله) والمؤمنين كيف يؤدّون الصلاة في حالات الخوف، وساحة المعركة، كما في الآيات 101 - 103 من سورة النساء...

وفي السنّة الشريفة أنّ: (الصّلاة لا تُترك بحال)، وأنّ على من يُعالج الغَرق أن يؤدّي صلاته بما يستطيع، ولو بأن يتوجّه بقلبه، ويوميء للركوع والسجود إيماءً... وهل أحدٌ أحوج منه إلى الصلاة؟.


توقيت الصّلاة وتعدّدها

دلالة التعدّد

من الثابت عن نشأة النبي (صلّى الله عليه وآله) قبل البعثة، أنّه كان يجاور في كلّ سنة بحراء (1)، الكهف الصخري الواقع في - جبل ثور - على بُعد خمسة كيلو مترات عن مكّة المكرّمة، ويمضي هنالك أيّاماً في التعبّد.

أمّا ما هي طبيعة هذا التعبّد الذي كان يقوم به (صلّى الله عليه وآله)؟ وهل كان يؤدّي في سائر أيّام السنة لوناً مؤقتاً من الصلاة؟ أم أنّ التوقيت لم يبدأ إلاّ بعد البِعثة في عام الإسراء، كما هو المعروف؟...

ليس بعيداً أنّه (صلّى الله عليه وآله)، كان قبل البِعثة يمارس صلاةً يومية موقتة سوى موسم التعبّد بحراء، الذي كان يمضيه بصلوات طويلة قد تستغرق نهاره وأكثر ليله...

أوّلاً؛ لأنّ قضيّة التوقيت من القضايا الطبيعية لحياتنا، التي يفرضها وجود الليل والنهار، واحتياج الإنسان إلى وجبات الطعام والراحة، فالاهتداء إلى التوقيت ليس صعباً...

وثانياً ؛ لأنّ الوفرة العقليّة التي كان ينعم بها (صلّى الله عليه وآله)، تنسجم مع الاهتداء إلى ضرورة توقيت عمليّة التفهّم والخضوع بين يدي الربّ عزّ وجلّ... هذه الوفرة التي كانت تتنامى باستمرار، ببركة العناية الإلهيّة التي منها: المَلَك الذي

________________________

(1) نهج البلاغة، شرح محمّد عبده - ج2، ص157.


رافقه منذ طفولته: (ولقد قَرن الله به (صلّى الله عليه وآله) - من لدُن أن كان فطيماً - أعظم مَلك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم...) - المصدر السابق.

ومهما يكن من أمر؛ فإنّ المشهور لدى المسلمين أنّ الصلاة اليوميّة فُرضت بعد البِعثة الشريفة، في معراج رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، محدّدة بخَمس فرائض، وسبعَ عشرةَ ركعة، وأوقات معيّنة.

* * *

يستكثر بعض الناس أن يوجب الإسلام على الناس خَمس صلوات في اليوم الواحد... فيسألون: ألا يكفي بعد أن أوضح الله عزّ وجلّ للناس حياتهم، وحدّد لهم أهدافهم، وكشف لهم عن مستقبلهم، أن يكلّفهم بصلاة واحدة صباحيّة مثلاً، يؤكّدون فيها وعيهم وأهدافهم ثمّ ينطلقون إلى أعمالهم؟

أو يسألونك لماذا لا يصحّ أن تُجمع الوقفات الخَمس في وقفة طويلة، صباحية أو مسائية، تكون شحنة تمدّ الناس بالهدى ليوم كامل؟

يقال ذلك ، حينما يُغفل عن طبيعة الإنسان، وطبيعة ظروفه التي يعيش فيها... أمّا حينما يؤخذان بعين الاعتبار فيتّضح أنّ الصلاة هكذا يجب أن تكون، خَمس مرّات كلّ يوم.

صحيح أنّ أحدنا يملك إمكانات هائلة للتكامل، وللسعي باستقامةٍ في تحقيق أهداف وجوده الكبيرة، ولكنّنا بنفس الوقت نحوي بذور ضعفٍ خطيرة تتهدّدنا كلّ حين أن تعصف بإمكاناتنا وأهدافنا...

قد تخرج من بيتك مليئاً بالعزيمة والتصميم، وتشعر بوجودك كياناً قويّاً ساعياً لأهداف كبيرة، ثمّ يعترضك بعد ساعة إغراء مال أو جنس، فما هو إلاّ أن ينهدم الكيان وتنهار القوّة، وتجد نفسك وجوداً خائراً في قبضة الإغراء مجبولاً بطينه...

أو تصمّم على مجابهة وضع اجتماعي، واثقاً كلّ الثقة بحجّتك ضدّه وقوّتك


عليه وتضحيتك من أجل تصحيحه، ثمّ ما أن تواجهك الأوهام والتخوّفات حتى تنكص عن التصميم، وتنخذل أمام الخوف...

أو تكون في أحسن حالك المُعتادة، فيفجؤك حدث من مُحزنات الدنيا المتكرّرة، فيبدّل رحابةَ صدرك إلى ضيق، وآمالك إلى آلام، وقوّتك إلى ضعف.

وكثير من أمثلة هذا الضعف تزخر بها حياة الأقوياء من الناس، فضلاً عن الضعفاء.

إنّ الضعف في الإنسان قاعدة وليس فرعاً، وبذوره التي يمكن أن تنمو في أي لحظة ترافقنا طوال حياتنا...

ومعوّقات الحياة... مشاغلها، ومتاعها الحطام تتساعد هي الأُخرى مع ضعفنا، فتشدّنا إلى اللصوق بتوافِه صغيرة، وكثيراً ما تثنينا عن أهدافنا، وتتحوّل إلى حاجب ينسينا أنفسنا وربّنا!

لهذا كان لا بدّ للإنسان أن ينمّي بشكل دائم قوى الإيجاب في نفسه، وأن يحميها من جوانب السلب، ويسدّ ثغراتها مرّات كلّ يوم...

فلو كان أمر الإنسان يستقيم بصلاة واحدة أو اثنين لما فرض الله عزّ وجلّ عليه أكثر منها، ولو كانت تتمّ الشُحنة المطلوبة ليومٍ في وقفة واحدة، لأجاز سبحانه جمع الصلوات الخَمس في وقت واحد، كما أجاز جمع الظهرين والعشاءين تخفيفاً منه ورحمة...

ولكنّها الضرورة النابعة من نفس الإنسان وظروفه، أمْلت هذا التعدّد والتوقيت، فجعلت الصلاة على الأقلّ بعدد وجبات الطعام.

( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ ) .

إنّ تعدّد الصلاة وتوقيتها في التشريع الإسلامي، يدلّنا بوضوح على أنّ نفس الإنسان وظروفه مأخوذة بعين الاعتبار في هذا التشريع.

فمن الواقعيّة وليس من سوء الظنّ أن نعترف بأنّ الإنسان يحتاج في كلّ يوم يعيشه إلى رعاية وإلى تكرار التوعيّة... إلى عمليّة تفهّم وتخشّع خَمس مرات


في الأقلّ، علّهُ يستوعب منها ما يصحّح مشاعره وأفكاره وأعماله، وينقّيها من رواسب الضعف والانحراف...

أليست الصلوات بكلّها معرّضة للفقدان والتحريف حينما يحوّلها الإنسان إلى حقل يابس؟ إلى وقفات جامدة عديمة العطاء...؟ فما بالك إن عوّض عنها بصلاة واحدة...؟

عن الإمام الرضا (عليه السلام)، أنّه سُئل عن حكمة الصلاة وتعدّدها فقال: (...لأنّ في الصّلاة الإقرار بالربوبيّة، وهو صلاح عامّ... لئلا ينسى العبد مدبّره وخالقه، فيَبطر ويطغى... والقيام بين يدي ربّه زاجراً له عن المعاصي، وحاجزاً ومانعاً عن أنواع الفساد... إنّ الله عزّ وجلّ أحبّ أن يبدأ الناس في كلّ عمل أوّلاً بطاعته وعبادته... فإذا فعلوا ذلك لم ينسوه ويغفلوا عنه، ولم تقس قلوبهم...)، عيون أخبار الرضا، ص102، و108.

دلالة التوقيت

يتفاوت إحساس الناس بالوقت - هذا المحيط الزمني الذي يعيش فيه الإنسان، وما حوله من إحياء وأشياء - وتنظيمهم له واستفادتهم منه.

ففي المجتمعات البدائية التي يمثّلها في عصرنا بعض مناطق القارّة الإفريقية، وبعض القبائل المنعزلة في أمريكا اللاتينية، وبعض جزر المحيط الهادي، يعيش الإنسان في هذه المجتمعات بذهنيّة مسطّحة لا عمق فيها، وأبرز ما في حياة أفرادها: الكسل، والتراخي، وإهمال الوقت.

وفي المجتمعات الماديّة المتخلّفة، كما في أمريكا الجنوبية، والمجتمعات البوذيّة والهندوسيّة في آسيا - عدا اليابان - هذه البلاد يعيث فيها الاستعمار فساداً فوق فسادها، ويسيّرها حسب مصالحه، بنهب ثرواتها الخام، ويستغل مواقعها الجغرافية، ويفترس جهود أبنائها... مقابل السلع الاستهلاكية التي يصدّرها إليهم... الوقت في هذه المجتمعات رخيص يُهدر من قِبَل الأكثرية بالتوافِه من الأمور، ويُصرف من قبل الحكّام والمثقّفين لخدمة الاستعمار، ولا تجني بلادهم من وقتهم


إلاّ التبعيّة والخضوع... يقول أحد شعراء أمريكا اللاتينيّة:

الوقت نهر يجرفني... وأنا النهر

إنّه نمر يمزقني... وأنا النمر

إنّه النار تأكلني... وأنا النار

أمّا الوقت في مجتمعات المسلمين المتخلّفة، فهو يُشبه الوقت في المجتمعات الماديّة المتخلّفة، مع اختلاف في وجود بقايا المفاهيم والعادات الإسلامية، ووجود محاولات إسلامية جادّة للخروج من المأزق الاستعماري، ومن دوّامة التخلّف بكلّ أبعادها.

وأمّا مجتمعات الحضارة الماديّة المتقدّمة، وهي مجتمعات أمريكا وأوروبا واليابان وإسرائيل، فقد اندفع الناس فيها للاستفادة من الوقت في الحصول على السلع والمُتع الجسديّة بأوسع نطاق، ونَمت عندهم الأشياء بما لم يسبق له مثيل في المجتمع البشري.

فلا يمرّ يوم لديهم إلاّ ويزداد إنتاج السلع البسيطة والمعقّدة، من وسائل الرفاهية، إلى أسلحة الدمار والحرب، ويتميّز المجتمع الشيوعي بالمركزيّة، والمجتمع الرأسمالي بالانطلاق الفردي، وكلاهما يعملان في اتجاه واحد، اتجاه التّرف واللهو والركض وراء السلع والإنتاج والربح والسيطرة (1)...

* * *

إنّ توقيت الصلاة اليوميّة الذي يبدو عملية تعداديّة أو تقسيميّه بسيطة، هو إحدى العمليّات التغيريّة الكبرى التي يحدثها الإسلام في حياة الإنسان وحضارته... فقد بني هذا الدين الإلهي الخالد بناءاً محكماً للإحاطة بحياة الإنسان وتنظيمها تنظيماً شاملاً ودقيقاً، وجعل لحياته محطّات رئيسية تكون مصدراً حيويّاً للتنبيه للوقت إلى الخطّ السليم، ومن أهمّ هذه المحطّات: الصلاة اليومية، علامة المؤمن التي تنهاه عن الفحشاء والمنكر.

إنّ توقيت الصلاة عملية رائعة يتذكّر الناس من خلالها بصورة أكيدة ودائمة وعلى أحسن وجه، صلتهم بربّهم على مدار اليوم من الفجر إلى العشاء.

________________________

(1) مستفاد من كتاب: (دراسة الوقت والعمل).


وإلى الثُلث الأخير من الليل.

وإنّ التزام مجتمعاتنا الإسلامية بأداء الصلاة اليومية، لهو واحد من أهمّ الأعمال والظواهر المؤثرة في كفاحنا لإقامة الحياة الإسلامية والحضارة الإسلامية، هذه الحضارة الربانيّة - المعنويّة الماديّة - التي تخرجنا من حالة الخضوع والتخلّف، وهدر الأوقات والأعمار، كما تنجينا من الوقوع في مستنقع مجتمعات الحضارة الماديّة، التي تستفيد من الوقت ولكن ركضاً وراء ترفها، وإمعاناً في استعباد الشعوب المستضعفة.

ومن مفردات تأثير الالتزام بالصلاة اليومية المؤقتة نذكر: تطبيق نظريّة الإسلام عن الليل والنهار، ونشير إلى المُعطى الصحي والنفسي لهذا التوقيت والتنظيم:

*تطبيق نظرية الإسلام عن الليل والنهار

تَنُوف الآيات القرآنية التي تضمن ذكر الليل والنهار على الستين آية، ولكنّ الآيات التي اختصّت بالليل والنهار أو تضمّنت التركيز عليهما تَنُوف على الثلاثين... وهي تنقسم إلى فئتين:

الفئة الأُولى : تتناول الجانب التكويني لظاهرتي الليل والنهار، فتبيّن للناس مختلف أوجه الحكمة والرحمة في تكوين الليل والنهار... في أصل خلْقِهما، وفي تقليب كلّ منهما وتكويره على الآخر، وفي ثبات نظامهما الدقيق وارتباطه بحاجة البشر الحياتيّة، وفي مسيرة الليل الدائبة وراء النهار على مدار الكرة، يطلبه حثيثاً فلا يدركه...

وتدعوهم إلى استيعاب الدلالة والحكمة والرحمة في هاتين الظاهرتين، اللتيْن قُصدتا قصداً في تكوين الأرض، وإعدادها لحياتهم...

من هذه الفئة قوله عزّ وجلّ: ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً... ) 12 - الإسراء.

وقوله تعالى ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) 54 - الأعراف.


وقوله تعالى: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ*قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ*وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) 71 - 73 القصص.

وقوله تعالى: ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ ) 190 - آل عمران.

والفئة الثانية تتناول الجانب الوظيفي للّيل والنهار، وتدعوا الناس لأن يجعلوا حياتهم منسجمة مع الوظيفة الطبيعيّة لكلّ منهما.

ومن هذه الفئة قوله عزّ وجلّ: ( اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ) 61 - غافر.

وقوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) 62 - الفرقان.

وقوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ) 47 - الفرقان.

وغرضُنا في هذا القسم، أن نتبيّن رأي الإسلام في الجانب الوظيفي للّيل والنهار، ثمّ نتبيّن مدى فاعليّة توقيت الصلاة في تطبيق هذا الرأي.

ومن خير النصوص التي تصوغ وظيفة الليل والنهار على ضوء هذه الآيات، هذا المَطْلع البليغ من دعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام)، في دعائه الصباحي المُنساب الخاشع:

(الحمد لله الذي خلق الليل والنّهار بقوّته، وميّز بينهما بقدرته، وجعل لكلّ واحد منهما حدّاً محدوداً، وأمداً ممدوداً.. يولِج كلّ واحدٍ منهما في


صاحبه، ويولج صاحبه فيه، بتقديرٍ منه للعباد فيما يغذوهم به وينشئهم عليه، فخلق لهم الليل ليسكنوا فيه من حركات التعب ونهضات النّصب، وجعله لباساً ليلبسوا من راحته ومنامه، فيكون ذلك لهم جِماماً وقوّة، ولينالوا به لذّةً وشهوة.

وخلق لهم النّهار مبصراً، ليبتغوا من فضله، ويتسببوا إلى رزقه، ويسرحوا في أرضه، طلباً لما فيه نيل العاجل من دنياهم، ودرك الآجل في آخرتهم، بكلّ ذلك يُصلح شأنهم، ويَبلو أخبارهم، وينظر كيف هم في أوقات طاعته، ومنازل فروضه ومواقع أحكامه، ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) ، الصحيفة السجاديّة - الدعاء السادس.

فالجانب الوظيفي للّيل في رأي الإسلام هو: السكن لهذا الجهاز الإنساني، أمّا الحركة فهي اضطرار مخالف لوظيفة الليل الطبيعية.

والجانب الوظيفي للنّهار هو: العمل والنشور - السَرح في الأرض - أمّا السكون فهو مخالف لوظيفة النهار الطبيعية، اللهمّ إلاّ راحة الظهيرة القصيرة التي تنصّ عليها الآية - 58 - من سورة النّور:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ ) ، والتي تكون بحكم الاكتفاء بسكن الليل ارتياحاً موجزاً؛ لتجديد النشاط عقِب شوط العمل وطعام الغداء.

وقضيّة السبات والنشور في الليل والنهار حقيقة عميقة في تكوين الإنسان وحياته، سواء تكويننا الجسدي والنفسي والعقلي... والبحوث العلميّة في هذا الجانب لا بدّ أن تجيء مؤيّدة لهذه الحقيقة، كما أيّدها إلى الآن العديد من البحوث الفسيولوجية والنفسية...

ومن أكبر الجنايات التي يستهين بها الناس، جنايتهم في إهمال الوظيفة الطبيعية لليل والنهار، وقلْبها رأساً على عقب... فلو أردنا أن نقّدر الخسائر التي تترتّب على هذا التغيير لرأيناها فادحة جداً في الصحة الجسديّة، أو الصحة العقليّة والنفسيّة للناس، أو في الناحية الاقتصادية أيضاً.


لذلك كان من الطبيعي للإسلام وهو المنهج الربّاني للحياة المُثلى، أن يعالج هذه الناحية بتوعيته النظريّة، وبتشريعاته العمليّة..

وقد تمثّل جانب التوعية النظريّة بتقرير الجانب التكويني، والجانب الوظيفي لليل والنهار وتركيزه والتأكيد عليه، وهو ما تكفّلت به الفئتان من الآيات التي أشرنا إليها، والعديد من نصوص السُّنة التي فصّلت النظرية وشرحتها، كقوله (صلى الله عليه وآله): (لا سهر إلاّ في ثلاث، متهجّد بالقرآن، أو في طلب العلم، أو عروس تُهدى إلى زوجها)، رواه في الخصال ص - 112.

وأمّا الجانب التشريعي لمعالجة هذه الناحية من حياة الناس، فأراه يتمثّل أكثر ما يتمثّل في توقيت الصلاة الصباحيّة والمسائية... فقد فرض الله عزّ وجلّ على الناس أن يستيقظوا قَبل طلوع الشمس ليؤدّوا صلاتهم بين يديه سبحانه، إيذاناً ببدءِ النشور وانتهاء السبات، كما فرض عليهم أن يؤدّوا صلاةً أخرى في المساء، إعلاناً بختام فترة النشور ودخول فترة السكون.

إنّ صلاتي الصباح والمساء إذ تحدّدان بصورة طبيعية وأكيدة بدء العمل ونهايته، لَترسمان لنا الصورة اليوميّة لنشاط المجتمع الإسلامي.

مجتمعٌ يهبّ مع الفجر على انسياب الأذان بصوت الإعلان الخالد: (الله أكبر) للماء الطّهور، يفتح به نشاطه بعد استجمام، ويمثُل بين يدي الربّ الرحيم، بادئاً يومه الجديد باسمه وبعونه وبهدايته وفي طريقه...

مجتمعٌ يتنفّس أُناسه مع تنفّس الطبيعة الرائع، وتتفتّح قلوبهم باشراقة الصلاة، مع تفتّح قلب الطبيعة باشراقة التسبيح، فيمتزج ابتهال الإنسان في موكب سعيد من تغريدٍ وثغاءٍ، وأريج وهديل، يعمّ المدن والقرى، والسهول والسفوح، والقِمم فرحة بيوم جديد وأملٍ جديد... ثمّ ينطلق هذا الموكب في نشاطه بعين الله وبعونه، يقيم حياته، ويعمّر أرضه، ويصرّف شؤونه.. حتى إذا نثرت عليه الشمس ثُمالة أشعّتها وعَسْعس الليل مؤذناً بالسكون؛ عَسْعس موكب الحياة المبارك إلى مِهاد أمن الله في ختامٍ رائع، يلتفّ فيه حنان الثغُاء بزقزقةِ الأوكار وإياب النسيم بارتياح الزهور.

وتنزل الملائكة بصلاة الختام، حيث يعود الناس من سَرحهم وكدحهم إلى بيوت


الله، أو بيوتهم يشكرونه على توفيق يومهم، ويعتذرون إليه لِما فرط منهم، ويستهدونه لأيّامهم المقبلة، ويستمدّون منه المعونة للسير في المهمّة التي خلقهم من أجلها وهداهم إليها، ثمّ ليسكنوا إلى أهليهم من حركات التعب ونهضات النصَب، ليكون ذلك لهم جِماماً وقوّة وسعادة..

ولافتتاح النهار أثر كبير في سلوك الإنسان، فإنّ العمل المؤثّر الذي تفتتح به نشاطك، والشعور الذي تتلقّاه في الصباح، ينعكسان على عملك في النهار بشعور أو لا شعور، وماذا أبلغ من أن يفتتح الناس نشاطهم في أرضهم بصلاةٍ بين يدي ربّ الأرض والوجود عزّ وجلّ، يستهدونه الطريق، ويستعينونه على الأهداف، ثمّ لِيسرحوا في أرضه ويبتغوا من فضله...

وختام النهار كافتتاحه، أو هو أشدّ حاجة لعودةٍ إلى الله، ووقفةٍ تضع الناس بحصيلة نهارهم بين يديه؛ ليباركوا نتاجهم الخيّر وجهدهم المبرور، وينفضوا عنهم أوضار النهار وأثقاله وآثامه...

إنّها صورة بديعة لبكور الناس وعشيِّهم تشدّنا إلى جمال الحياة الإسلامية، التي افتقدها عالمنا الحاضر، واستبدلها بالتمزّق المرير الذي ينام أُناسه على شبَحه في ساعة متأخرة من الليل، ويستيقظون على مضغه في ضحى النهار...

وماذا باستطاعة حضارة الانفصام عن الله، أن تحقّق للناس غير انفصالهم عن الطبيعة وعن أنفسهم؟

لو كان الناس أكفّاء لإسعاد أنفسهم في الدنيا بدون هدى الله، لانتظموا مع الطبيعة في منهج البكور والعودة على الأقل!

تبارك الذي خلق الليل والنهار، وشَرع للنشور، والعمدة صلاة شاكرة معطاءة تزوّد الناس بالهُدى، وتنتظم بهم في موكب الطبيعة الجميل...

* * *

وإذا بلغ النهار منتصفه وجب على الناس أن يؤدّوا صلاة الظهر، وفي هذا التوقيت علاج لمسألتين مهمّتين في حياة الناس:

الأُولى : تصفية الشوائب التي تعلَق بنفس الإنسان في غمرة الحركة، فإنّ


باستطاعتك أن تدرّس فرداً أو أفراداً من الناس؛ لترى الفرق الكبير بين حالتهم النفسية في الصباح، حينما توجّهوا إلى أعمالهم باسم الله وعلى بركته، وبين حالتهم النفسية قُرابة الظهر، وقد قطعوا شوطاً من العمل في طلب الرزق، والتعامل مع الناس.

أو تلحظ المحتوى النفسي لمجتمع استقبل يومه الجديد بالصلاة الصباحية، فخشع بين يدي الله وتملّى وجوده وهدفه ومفاهيمه عن الحياة والسعي فيها وانتشر في أعماله... ثمّ تلحظ هذا المجتمع قُرابة الظهر، وقد أمعن فلاّحوه في حقولهم، وتجّاره في أسواقهم، وموظّفوه في دوائرهم، وعمّاله في أعمالهم، ومسؤولوه في تصريف أموره... لَتجد المسافة بين مشاعر الصباح ومشاعر هذه الساعة...

سترى مجتمعاً استغرق في حركة السعي لرزقه، حتى كاد ينسى مفهومه عن السعي، والروح الفرديّة قد تسرّبت في أفراده، حتى ليكاد الواحد منهم أن ينحصر في جوّه ومشاغله الخاصّة، ناسياً بذلك وجوده المجموعي ومسؤولياته في ذلك...

إنّه داء النسيان يعاود الإنسان في غمرة علائقه بالدنيا، فيتهدّد مفهومه عن المال والذات، ويتهدّد هدفه من كدحه وسَرحه، حتى تكاد تنفذ من قلبه شحنة المشاعر الجيّدة التي تلقّاها في الصباح، فلا يعيده إليها إلاّ نداءٌ يأتي من مختلف الجنَبات معلناً:(الله أكبر) لتتجاوب معه أعماق الضمير قائلة: نعم الله أكبر... نداءٌ وكأنّه يد الغيب الرفيقة، تمتدّ فتنتشل الناس من نسيانهم لتضعهم بين يدي ربّهم الأكبر عزّ وجلّ، أمام مفاهيمهم ومشاعرهم وهدفهم من حياتهم الدنيا... وحياتهم العليا...

ضعيف هذا الإنسان عندما يستغرق في كدحه، فينسى كدحه ويستغرق في نفسه فينسى نفسه، ينسى أنّه موجود في زاوية من كون الله الكبير، وأنّه لا بدّ تاركٌ هذه الزاوية، وعائد إلى قلب الكون ليلاقي هناك ربّه وعمله... ولذلك كانت صلاة الظهر نِعم الدواء، نِعم العون على الضعف والمنعش للنفس.

والمسألة الثانية : التي يعالجها توقيت الصلاة بانتصاف النهار: مسألة تحديد


شوط العمل، فمن الواضح في المجتمع الإسلامي، أنّ أذان الظهر يعلِن انتهاء شوط العمل الصباحي، ويدعوا الناس لأداء فريضتهم وتناول غدائهم...

لقد أحكم الله سبحانه بقدرته خلْق الإنسان، فجعل نفسه وجسده يحتاجان إلى الطاقة في آن، فما أن تبلغ الشمس كبِد السماء، حتى تحتاج النفس إلى استعادة مُعطى السلام من المفاهيم والأهداف، في صلاة بين يديّ الله تبارك وتعالى، ويحتاج الجسم إلى وجبة الغذاء وربّما لشيءٍ من الراحة.

إنّ الصورة الإسلامية المفضّلة للعمل في الأرض، أن يكون انتصاف النهار نهاية لشوطِ الصباح، وبملاحظة البكور في النشور الذي تفرضه صلاة الفجر، فإنّ الدوام الرسمي يكون فترة واحدة تبدأ بطلوع الشمس أو بعده بقليل، وتنتهي بصلاة الظهر.

أمّا الأعمال الحرّة فتكون على فترتين:

أولاهما : فترة الدوام الرسمي.

والثانية : تبدأ بعد راحة الظهيرة وصلاة العصر، وتنتهي بصلاة المغرب... ثمّ يكون السكون والاستجمام.

ونلمس حرص الإسلام على هذه الصورة لمجتمعه، من تأكيده بشكل خاص على الصلاة الوسطى، صلاة الظهر، فقد ورد في تفسير قوله تعالى: ( ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى ) ، إنّ الصلاة الوسطى هي صلاة الظهر)، كما في الوسائل ج3 ص - 14.

كما ورد في تفسير قوله تعالى: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) ، أنّ الانتشار المقصود هو: الانتشار يوم السبت، وليس عصر الجمعة، رواه في الخصال ص393.

المُعطى الصحي للتوقيت

إنّ نظرة في الشريعة الإسلامية من زاوية اهتمامها بصحة الإنسان، ترينا أنّ تطبيق هذه الشريعة العظيمة كفيل بالوقاية من كثير من الأمراض، بالقضاء على منابعها وأسبابها، كما أنّه كفيل بتوفير أفضل ظروف العلاج ووسائله الماديّة والنفسيّة.

فمن الطبيعي للخالق عزّ وجلّ وهو الخبير بمن خلق، وبما خلق، أن يُدخل في


حساب تشريعاته توفير كل المكاسب الممكنة لحياة الإنسان، ما عرف الإنسان منها وما لم يعرف.

ومن الطبيعي للخالق عزّ وجلّ أن يقدّر في أصل تكوين الإنسان وحياته أنّهما ينسجمان مع شريعته المقدّسة، سواء بتحقيق المكاسب الصحية والعقلية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية... وكافّة المكاسب التي تسهم في إقامة حياة الإنسان سعيدة هنا، وتضمَنها سعيدةً في الجنّة.

وفي مجال الجانب الوظيفي لليل والنهار، كم يؤلمك أن ترى الحضارة الماديّة المنكودة، قد وصلت في مخالفة هذه الوظيفة إلى حدّ النقيض.

أوّل ما ترى ملايين العمّال المستضعفين، الذين لا تعطيهم الأنظمة الظالمة فرصة لسدّ رمقهم ورمق عوائلهم، إلاّ بأن يقلبوا ليلهم نهاراً ونهارهم ليلا.

ثمّ ترى عادة استهلاك نصف الليل في كثير من الترف واللهو والفسوق، هذه العادة التي نشرتها الحضارة الجاهليّة بثقافتها ووسائلها في أنحاء العالم، فجعلت أكثر الليل ظرفاً لأنواع الفساد، والإرهاق المدمّر لأعصاب الناس واقتصادهم.

إنّ توقيت الصلاة إذ يَفرض على الناس أن ينهضوا مبكّرين لأداء صلاة الفجر، يرفض أن يكون الليل أو قسم منه وقت عمل... فالليل فترة سكن وجِمام، وعلى الإنسان أن ينال منه حاجة جسمه ونفسه، إلاّ من اضطر غير باغٍ ولا عادٍ، ممّن يحتاج المجتمع إلى عملهم في الليل.

إنّ الليل الإسلامي ليلٌ هادئ سعيد، وما أغنى الحياة عن كدح البائسين الذين تسرق منهم الحضارة الظالمة فرصة العمل في نهارهم، وتحرمهم في الليل سكنهم وراحتهم، ولو اكتفى الطامعون من الرأسماليين والشيوعيين، وعدلوا في توزيع الثروات التي وهبها الله لعباده، لاستغنوا عن إرهاق ملايين المستضعفين الكادحين في الليل، وأعادوا إليهم حياتهم المقلوبة وراحتهم المسلوبة.

والليل الإسلامي ليلٌ هادئ سعيد، وليس ظرفاً للصحب وإرهاق الأعصاب، وتبديد العقول كما هو ليلُ المسرفين... فكم في الحياة من أنواع


السعادة وأنواع المُتع الحلال التي يسرها الله، وهدى إليها الإنسان وأعطاه الوقت الكافي لنيلها في النهار، وفي الشطر الأوّل من الليل.

ولو أنّ دولة من دول الحضارة الماديّة اتخذت الإجراءات والقوانين اللازمة لإعادة الوظيفة الطبيعية لليل، لحقّقت أعظم الفوائد في الحفاظ على صحة شعبها وأعصابه، ولوفّرت عليهم مبالغ هائلة تصرف عبثاً في استهلاك الطاقة الكهربائية وفي العلاج... ولكن أنّى لهم ذلك بدون الإسلام.

* * *

وممّا يزيد في الخسارة الصحية والاقتصادية، أنّ ما يقابل إتلاف الليل، أو إتلاف قسم منه في العمل والصخب والفسوق؛ خسارة غرّة النهار وأفضل ساعاته، وبالأخصّ فترة ما بين الطلوعين، طلوع الفجر وطلوع الشمس... فلا شكّ أنّ هواء هذه الفترة، ثروة صحية كبيرة يبدّدها المسرفون في الليل، فتمرّ عليهم وهم نائمون خاملون.

إنّ الله تعالى أراد للناس أن يهبّوا مع يقظةَ الطبيعة؛ ليؤدّوا صلاة الفجر وينعموا بثورة نسيم الصباح الباكر، إضافة إلى ما يبعثه جوّ الفجر وطلوع الشمس من مشاعر جميلة، تعود على الجسم والنفس باليقظة والراحة والنشاط، خاصّة بملاحظة الحكم الشرعي الذي يقضي بكراهة النوم بين الطلوعين.

ولئن كان هارون الرشيد يقول لزوجته زبيدة كما يُروى: (قومي نتنسّم هواء الفجر قبل أن تلوّثه أنفاس العامّة)، فإنّ الله يقول لعامّة الناس: انهضوا وصلّوا وتنسّموا هواء الفجر، قبل أن تغادركم هذه النعمة اليوميّة.

ولئن كان أحد إبطال الكمال الجسمانيّ يقدّم نصيحته الوحيدة لهواةِ الكمال الجسمانيّ، بأن يلتزموا بأقلّ من ربع ساعة رياضة قبل طلوع الشمس؛ ليجدوا الفارق في أجسامهم في أقلّ من شهر... فإنّ الله تعالى يوجب على الناس أن يستيقظوا قبل طلوع الشمس لأداء الصلاة؛ من أجل كمال نفوسهم وأجسامهم.

كم يؤلمك أن تنظر إلى مجتمعات الحضارة الجاهليّة في هدأة الليل، فترى بؤس الكادحين وصخب الصاخبين من الناس... ثمّ تنظر في تنفّس الصبح فلا تجد


منهم إلاّ غطيطاً يحرمهم من ثروة النسيم العليل التي خلقها الله لهم...

متى سيتوب الإنسان عن مناقضة الوظيفة الطبيعيّة لليله ونهاره، ويلتئم مع الطبيعة ويشاركها حياتها الجملة...؟

ذلك عندما يلتئم مع نفسه فيجد ربّه وهداه، ويجد نفسه بين يدي ربّه، ويدي أهدافه في وقفة الصباح والمساء... في تنفّس الصباح، وهدأة المساء.

* * *

ولراحة الظهيرة التي يفرضها توقيت الإسلام للصلاة نفع صحي كبير، لأنّها تعوّض الجسم والنفس قدراً من الطاقة والحيويّة التي استنفذها العمل.

وهي فترة نافعة بشكل خاصٍ لأولئك الذين يعملون بشكل متواصل إلى وقت متأخر من النهار؛ إمّا لأنّ أصحاب العمل يفرضون عليهم ذلك، أو بدافع الحاجة والحرص، كأولئك الفلاّحين والكادحين الذين يستطيعون أن يستفيدوا من راحة الظهيرة ولكنّهم لِعَوزهم وجهلهم يحوّلون نهارهم إلى معركة جهد مُضنية، لا يوقفها إلاّ تداعي قواهم، فيعودون إلى مساكنهم محطّمي القوى لا يشعرون كيف يتناولون طعامهم أو يرون أسرهم، ثمّ يسلّمون أنفسهم إلى نوم لا يفقه طعم النوم... ثمّ ليعودوا في اليوم التالي إلى معركتهم... وهكذا دواليك.

من أجل ذلك؛ كانت راحة الظهيرة التي تفرضها الصلاة، حدّاً إلزامياً لشوط العمل، تُلزم الناس بالمحافظة على سلامة أبدانهم، كما تلزمهم بالمحافظة على سلامة نفوسهم.

* * *

المُعطى النفسي للتوقيت

ومن معطيات توقيت الإسلام للصلاة اليومية، الالتزام بالنظام والاطمئنان النفسي.

إنّ كلّ ما حول الإنسان من إحياء وأشياء ملتزمٌ بنظام لحياته، السماء: بحركة أجرامها.. والماء: بجريانه وتبخّره وعودته... والنبات: بغذائه ونموّه


وأثماره... والحيوان: بقوانين تكوينه وغريزته... بل الذرّة الواحدة: بحركات أجزائها ونواتها... بل الإنسان: - في تكوينه الجسدي - ملْتزم بنظام...

ولذلك ؛ فإنّ النزوع إلى النظام يعتبر نزعة طبيعية لدى الإنسان، الذي لا يقرّ عقله ولا تطمئنّ نفسه إلى الفوضى والعبث.

أمّا حالات الاتجاه والرغبة إلى التخلّص من الالتزام بالانتظام؛ فهي ترجع إلى رفض نظام حياة معين لاستبداله بنظام آخر، أو إلى التعوّد الطويل الأمد على الحياة غير المنظمة، أو إلى حالة غير سويّة في شخصيّة الإنسان... ولا أظنّ لهذا الاتجاه المضادّ للانتظام سبباً وراء هذه الأسباب الثلاثة.

إنّ اتجاه الناس في مجتمعاتنا إلى عدم الالتزام بأنظمة الحياة الموضوعة من قِبل الحكومات، هو القناعة العامّة بظلم هذه الالتزامات التي تفرضها أنظمة ظالمة متسلّطة، وهو في بعض الحالات عدم التعوّد على الالتزام بالنظام الموروث من فوضى الانحطاط وفوضى الإفساد التي أشاعها الاستعمار.

وكذلك حالة الميل إلى الفرديّة، وعدم الانتظام في ظلّ الدولة الإسلامية، والمؤسسات والحركات الإسلامية، هي حالة ناشئة من عدم التعوّد على النظام، أو من خلل ذهني ونفسي في شخصيّة المسلم.

وأمّا الظاهرة التي تسمّى (ثورة الجيل الجديد) - في المجتمعات الغربية المتقدّمة على كلّ التزام وانتظام - فهي في اعتقادي ليست خروجاً على (مبدأ الالتزام)، وإنّما ثورة للبحث عن التزام نافع، بدَل الالتزام بالأنظمة الماديّة الفارغة... إنّ السبب في تيار الفوضى والعبث الهيبي والوجودي وأمثاله، هو: شعور هؤلاء (الثوّار) أنّ التزام الناس بشكل الحياة الغربي بدون جدوى... فلماذا يقيّد الإنسان نفسه بقوانين؟ ولماذا ينتظم في عمل يومي مرهق؟ ولماذا؟ ولماذا؟...

فما دام كلّ ذلك من أجل أن يعيش الإنسان عمره سعيداً هانئاً، فمن يقول: أنّ شكل الحياة القائم المعقّد المرهق هو أكثر سعادة وهناءة من شكلها الحرّ الطليق البسيط، حيث يفعل الإنسان ما يشاء ويعيش كما يشاء...

إنّ هذه الموجات الخارجة عن الانتظام الباحثة عن المجهول، لا بدّ أن


تنتهي إلى ألوان من الالتزامات المبسّطة والمعقّدة، تبعاً للظروف التي تحيط بها، والأفكار التي تنمو في أوساطها.

وما دام الالتزام بنظامٍ في السلوك هو نداء الفطرة ونداء الحياة من حول الإنسان، فإنّ الإسلام بتوقيته للصلاة اليوميّة يلّبي هذا النداء، ويضع نشاط الإنسان اليومي في إطار عبادة تعلّم الإنسان الانتظام الجادّ الحيوي، وتعطي نفسه الاستقرار بعيداً عن انضباط التقاليد المَمْلول، أو انضباط الأنظمة الماديّة الظالمة.

* * *

وفي النظام المقنع الواعي استقرار النفس واطمئنانها... فالنفس إن فقدت هذا الاطمئنان فليس إلاّ الأعراض الرهيبة تنتابها من كلّ جانب وتهدّد كيانها...

من أصحّ ما وصفت به حضارة الجاهليّة الغربيّة: أنّها حضارة الرعب والقلق، فقد نقل الغربيّون إلى مجتمعاتهم كلّ مخاوف الحضارة اليونانية، التي تصوّر حياة الإنسان صراعاً مع الطبيعة، وزادوا عليها مخاوف الظلم الاجتماعي في مجتمعاتهم وخارجها، وزادوا عليها مخاوف الوسائل التدميريّة الهائلة التي أنتجوها... حتى أصبح إنسان هذه الحضارة يعيش العداء والخوف من الطبيعة المحيطة به، ومن الناس الذين حوله، ومن التكنولوجيا التي بين يديه، ومن المجهول الذي أمامه...

لقد تمكّن الرعب والقلق من إنسان الحضارة الغربية، وفقد لؤلؤةَ الاطمئنان من محّارة نفسه، لقد أصبح أمله في أن يسكن الكواكب البعيدة أملاً قريباً، ولكنّ أمله في أن تطمئنّ نفسه التي بين جنبيه لا زال بعيداً بعيداً.

إنّه لا أقْدر من الإسلام على إهداء اللؤلؤة المفقودة إلى الأنفُس القلقة، يقوم الإسلام أوّلاً: بتطمين الناس عقيديّاً، فيقدّم لهم مفهومه السعيد الفريد عن الوجود، وعن موقعهم المطمئنّ فيه - وليس هذا مجال استعراض مدى الطمأنينة والموضوعيّة في مفهوم الإسلام هذا -.

ثمّ يضع لهم فريضة الصلاة، التي تجعل من الاطمئنان حقيقة يتعاملون


معها في سلوكهم، بعد أن استوعبوها في عقيدتهم...

ماذا أبلغ في تطمين النفس البشريّة من أن تأوي في فترات نهارها إلى مليك الوجود عزّ وجلّ، تتفيأ رعايته وحنانه وهداه، وتستمدّ منه العون لحاضر أمرها ومُقبله.

وللتوقيت الحكيم الذي اختاره الله سبحانه لفريضة الصلاة، ارتباط واضح بدفعات الطمأنينة التي تحتاجها النفس كلّ يوم... فما أن يرخي الليل أسداله على الأرض، حتى يرتفع الأذان، وتمتدّ يد الصلاة لتُطمئن الإنسان، فتضعه بين يدي ربّه وآماله، مسلّمة إيّاه إلى سكون مقصود...

وينهض الإنسان ليوم جديد، فتوافيه الصلاة مبكّرة، تُبارك له آماله وتبشّره... ويستغرق في العمل وملابسات الحياة، فتعود اليد الرفيقة لتنتشله من حرصه ومخاوفه، وتعيد إليه طمأنينته وارتياحه من تعب النفس وتعب الجسم.

توقيت حكيم كتبه الله على الإنسان كي يجدّد لنفسه إيمانها واطمئنانها، كلمّا قطعت مرحلة من النهار، من أجل أن تبقى مفعمةً بالهداية والسعادة، سائرة برعاية ربّها وهداه، تجني لوجودها خير الحاضر المطمئن، وفوز المستقبل المأمول...

( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) صدق الله العظيم.


قامة الصّلاة

لم يستعمل القرآن الكريم في الأمر بالصلاة تعبير: صلّوا، أو تعبير: أدّوا الصلاة، بل اختار تعبير: أقيموا الصلاة وحرص عليه حتى أصبح الصيغة الرسميّة كلمّا أمر عزّ وجلّ بالصلاة.

إنّ هذا التعبير من أدقّ التعابير القرآنية وأبلغها، فإنّ الأمر بالصلاة بصيغة - صلّ - ينصّبّ فيه الوجوب على تحقيق نفس الصلاة، أمّا الأمر بها بصيغة - أقم الصلاة - فينصّبّ فيه الوجوب على إقامتها، وهي أكثر من مجرّد الأداء... فإقامة الشيء تعني: تحقيق وجود بارز له، بحسب ما يناسبه من وجود، فهي مسألة اجتماعيّة وليست فرديّة.

يتّضح ذلك من استعمالات القرآن الكريم لمادّة - أقَامَ - حيث يُعبّر بها عن الأمور التي يريد لها تحقيق وجود اجتماعي بحسبها.

فقد أمر عزّ وجلّ بإقامة الشهادة في قوله: ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ) 2 - الطّلاق.

ومعنى إقامة الشهادة: جعْلها أمراً جارياً متعارفاً في المجتمع.

وأمر بإقامة الوزن بالقسط في قوله تعالى: ( وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ) 9 - الرحمان.

ومعنى إقامة الوزن بالقسط: جعل التقييم العادل للأشياء والحقوق، أمراً متّبعاً سائداً بين الناس.

وأمرَ المسلمين بإقامة الإسلام بكتابه وسنّة نبيه (صلّى الله عليه وآله) بقوله تعالى: ( شَرَعَ


لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) 13 - الشورى.

ومعنى إقامة الدين: جعله منهجاً اجتماعياً وطريقة عيشٍ سائدة...

وأمر سبحانه بإقامة أحكامه في الحياة الزوجيّة، كما في قوله تعالى: ( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) 299 البقرة.

ومعنى إقامة حدود الله بين الزوجين: جعل الأحكام الشرعية التي تحكم هذه العلاقة، هي السائدة المتّبعة في الحياة الزوجيّة.

وأمر سبحانه بإقامة الصلاة في كلّ الآيات التي أمر فيها بالصلاة تقريباً، ومعنى الأمر بإقامة الصلاة: تكليف الناس أن يقيموا لهذه الفريضة وجوداً اجتماعياً، بحيث يكون أداؤها والاهتمام بشؤونها ظاهرة واضحة من ظواهر مجتمعهم.

وكذلك ينسجم التعبير القرآني البليغ بإقامة الصلاة مع طبيعة المسؤولية الاجتماعية التي يقرّرها الإسلام على كلّ الناس، فلا يرضى لهم أن يعيشوا الروح الفرديّة، التي يعاني منها مجتمع الحضارة القائمة، المسؤولية التي يشدّ الإسلام من أواصرها بين جماعته المؤمنة، فلا يُجيز لنفسه أن يخاطبهم بعقيدته وتشريعاته كأفراد يطلب منهم تطهير أرواحهم بعيداً، وأداء صلواتهم في زوايا الأكواخ والقصور، بل يخاطبهم كأُمّة ذات رسالة عالمية، كوجود متّحد متضامن، يعمل وسط الناس لإنقاذ حياتهم وإقامتها على هدى الله...

وينسجم التعبير كذلك مع طبيعة الصلاة التي أمر الله عزّ وجلّ أن يُنادى بها على مسامع الناس: أقبلوا على الصلاة، أقبلوا على الفلاح، أقبلوا على خير العمل، وجعل سبحانه هذا النداء مقدّمة لصلاةِ كلّ مصلٍ، حتى ولو كان بمفرده في بيته...

وينسجم التعبير الحكيم مع تكلّم المصلّي بضمير الجماعة، بدل ضمير المفرد، إذ يقول: إيّاك نعبدُ، وإيّاك نستعين، اهدنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.


وينسجم مع تأكيد الإسلام على أداء هذه الفريضة جماعات لا أفراداً، وفي بيوت الله العامّة لا في البيوت الشخصيّة.

كلّ ذلك إفهام من الله عزّ وجلّ بأنّ هذه الفريضة إنّما تتحقّق كما أرادها تعالى، وإنّما تعطي ثمارها في النفس والمجتمع؛إذا حقّق الناس لها وجوداً بارزاً ظاهراً في مجتمعهم، ونهضوا بمسؤولية إقامتها بهذا النحو، كما يقيمون الشهادة وكما يقيمون الوزن بالقسط.


التَوجُّه شَطر المسجد الحرام

الناس أبناء أبٍ واحدٍ، وعباد ربّ واحد، ومصيرهم واحد ورسالتهم واحدة... فكم يناسب أن يكون لهم مركز واحد يتّجهون إليه في صلواتهم، من وراء البحار، ومن خلف الجبال، وفي امتداد السهول... وكلّ مكان ينتشرون عليه في الأرض.

إنّ المسجد الحرام، يمثّل في الشريعة الإسلامية المسجد الأبَ الذي تتّجه إليه مساجد العالم، ومركز التوجّه الذي تلتقي عليه من جوانبه قلوب البشر وأنظارهم.

والوحدة في شريعة الإسلام ظاهرة أصليّة، لا نستغرب عليها أن تمتدّ إلى وحدة الناس في المركز والتطلّع...

والذي يعمّق من هذه الوحدة في الاتجاه: قداسة مركز الاتجاه، وما أعرق هذه القداسة، وأرفع شأنها.

فالبيت الحرام والمسجد الحرام: أوّل بيت وضع للناس، مهبط آدم، ومقام إبراهيم، ومنزل إسماعيل، ومحجّ الأنبياء، ومتنزّل الملائكة، ومنبثق الإسلام... شاء الله أن يكون هذا الشرف الرفيع لهذه البقعة العتيقة عن الخضرة والنضرة وأسباب الرفاه وأطماع الناس.

بقعةٌ متواضعة في وادٍ متواضع، كم انشقّت من فوقها السماء فتنزّلت فيها الملائكة... وكم حفل ثراها وروابيها بأنبياء الله وعبادة المؤمنين، وكم غمرها جلال الله ونوره ورحمته، وكم سيمتدّ هذا الشرف في مستقبل التاريخ...

يقول علي أمير المؤمنين (عليه السلام):


(ألا ترون أنّ الله سبحانه اختبر الأولين من لدنْ آدم صلوات الله عليه إلى الآخرين من هذا العالم، بأحجار لا تضرّ ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياماً، ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجراً، وأقلّ نتائق الأرض مدراً، وأضيق بطون الأودية قُطْراً، بين جبالٍ خشنة، ورمال دمِثة، وعيون وشِلة، وقرىً منقطعة، لا يزكوا بها خفّ ولا حافر ولا ظلف.

ثمّ أمر آدم وولده أن يُثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثابةً لمنتجع أسفارهم، وغايةً لمُلقى رحالهم، تهوي إليه ثمار الأفئدة من مفاوزَ قفارٍ سحيقة، ومهاوي فِجاج عميقة، وجزائر بحار منقطعة، حتى يهزّوا مناكبهم ذُللاً يهلّلون الله حوله، ويرملون على أقدامهم شُعثاً غبراً له، قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم، وشوّهوا بإعفاءِ الشعور محاسن خلقهم، ابتلاءً عظيماً، وامتحاناً شديداً، واختباراً مبيناً، وتمحيصاً بليغاً، جعله الله سبباً إلى رحمته ووصلة إلى جنّته.

ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام، ومشاعره العظام، بين جنّات وأنهار، وسَهل وقرار، جمّ الأشجار، داني الثمار، ملتف البنا، متّصل القرى، بين بُرّةٍ سمراء، وروضة خضراء، وأرياف مُحدقة، وعراصٍ مُغدقة، ورياض ناظرة، وطرقٍ عامرة، لكان قد صغر قَدر الجزاء على حسب ضعف البلاء،

ولو كان الأساس المحمول عليها، والأحجار المرفوع، بها بين زمرّدة خضراء، وياقوتة حمراء، ونور وضياء، لخفّف ذلك من مسارعة الشكّ في الصدور، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب، ولنفى مُعتلج الريب عن الناس.

ولكنّ الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبّدهم بأنواع المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره، إخراجاً للتكبّر من قلوبهم، وإسكاناً للتذلّل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبواباً فتحاً إلى فضله، وأسباباً ذُللاً لعفوه...) - نهج البلاغة، تعليق محمّد عبده - ج2 ص170.

* * *

كلّ شيء في مكّة يثير العقل والقلب: موقعها الجغرافي بين آسيا وأفريقيا،


وتركيبها الجيولوجي، من رمالٍ وجبال داكنة، أشبعتها نُضجاً شمس القرون... وموقعها الكونيّ حذوَ الضراح الذي في السماء، والذي هو: البيت المعمور - الكافي ج4 ص188.

وتاريخها الضارب بجذوره إلى بدء تكوين اليابسة، وبدء سكنى الإنسان الأرض، والمُمتدّ مع تاريخ البشر، وأمجاد النبوّات...

قال الله عزّ وجلّ: ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) 96 - 97 - آل عمران.

عن الإمام الباقر (عليه السلام): (لمّا أراد الله أن يَخلق الأرض، أمرَ الرّياح فضربنّ وجهَ الماء حتى صار موجاً، ثمّ أَزبَد فصارَ زَبداً واحداً، فجمعه في موضع البيت، ثمّ جعله جبلاً من زبد، ثمّ دَحى الأرض من تحته، وهو قول الله عزّ وجلّ: ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا... ) ) الوسائل ج9 ص348.

وقال الله عزّ وجلّ: ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) 27 - 28 - الحج.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (لمّا ولد إسماعيل، حمله إبراهيم وأّمّه على حمار وأقبل معه جبرئيل، حتى وضعه في موضع الحجر، ومعه شيءٌ من زادٍ وسِقاء فيه شيءٌ من ماء، والبيت يومئذٍ رَبوةٌ حمراء من مَدَر، فقال إبراهيم لجبرئيل: (عليهما السلام): ها هنا أُمرت؟ قال: نعم، قال: ومكّة يومئذٍ سَلم وسمَر - نوعان من الشجر - وحول مكّة يومئذٍ ناسٌ من العماليق)، الكافي ج4 ص201.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام): (صلّى في مسجد الخيْف سبعمئة نبي، وإنّ ما بين الركن والمقام لمشحون من قبور الإنبياء (عليهم السلام))، الكافي ج4 ص214.


وعنه (عليه السلام): (لم يزل بنو إسماعيل ولاة البيت، [و]يقيمون للناس حجّهم وأمر دينهم، يتوارثونه كابراً عن كابر، حتى كان زمن عدنان بن أددَ، فطال عليهم الأَمد فقست قلوبهم، وأفسدوا وأحدثوا في دينهم... وكان فيما بين إسماعيل وعدنان بن أدَد موسى (عليه السلام))، الكافي ج4 ص210.

* * *

كلّ شيءٍ في مكّة يثير العقل والقلب: مسجدها حرم الله ومسكن أبويْنا البرّين الطاهرين، وكعبتها بيت الله ومثابتهً لأحبائه بني آدم، وبئرها سقيا الله لآبائنا وأنبيائنا، وحَجَرها الأسود، المَلََك الكريم الذي شهد على أبينا آدم بميثاقه في توحيد الله،فحوّله الله مادّة نلمسها بأيدينا، ونشمها ونستشهدها على ميثاقنا...! ومقام أبينا إبراهيم فتى بابل العظيم وأبي النبوّات والبشر، وحِجْر إسماعيل غرسة الله عند بيته الحرام...

ناهيك عن تاريخها الحديث المزدان بنشأة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وبعثته وجهاده، حيث تلّقى في مكّة نور السماء وأفاضه منها على العالم، فخطّ الخلود على روابيها وبيوتها وساحاتها، وأعطاها أمجاداً إلى أمجاد...

ها هنا ولد سيّد البشر... وها هنا درج ونشأ... وها هنا تلّقى الوحي في البيت والمسجد والربوة والوادي... وهاهنا وقف خاشعاً يصلّي، ودموعه تفيض على هذا التراب، وها هنا وقف يفيض من قلبه على الناس يدعوهم إلى الله.

جميع هذه الأمجاد والأشياء تتّصل بكلّ إنسان وتثير في أعماقه الحنين والحنان، وتجعله يحسّ وهو يتّجه إليها في صلاته أنّه يتّجه إلى وطنه الأوّل، ومنابعه المباركة الصافية... إلى روافد رسالة الله التي أشرقت بها الأرض، وانهمرت بها السماء هدى للعالمين، وإلى فوّارها الخالد، يبعث تيّاره كبير الرسل وسيّد البشر (صلّى الله عليه آله).

* * *

إنّ من الطبيعي لمكّة وهي تحفل بما تحفل به، أن تكون للناس جميعاً ما دامت تتّصل بهم جميعاً، بهذا العمق من الاتصال، ومن الطبيعي لكعبتها أن تكون عتيقةً طليقة حرّة من النسبة إلى شخص أو قوم أو عنصر أو إقليم...


سئل الإمام الباقر (عليه السلام): لِمَ سمّي البيت العتيق؟ فقال: (هو بيت حرّ عتيق من الناس، لم يملكه أحد)، الكافي ج4 ص189.

ومن الطبيعي أيضاً للرسالة الإلهيّة الخاتمة أن ترشد الناس للتوجّه إلى هذا البيت، ما دام هو المنطلق أوّلاً، والمنطلق أخيراً، والملتقى فيما بين ذلك.

كذلك شاء المخطط الإلهي للرسالة أن تتجمّع روافدها، من أرض كنعان وبابل والخليل والقدس وسيناء وبيت لحم ونينوى... في هذا المركز العتيق المقدّس، والمنبع الأوّل والأخير ليكون قبلةَ المراكز كما كان محجّ الأنبياء.

ولأسباب اختباريّه صرفةٍ، لم يفرض الله عزّ وجلّ التوجّه إلى مكّة في أول فرائص الإسلام، بل أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله) المسلمين وهم في مكّة أن يتّجهوا إلى بيت المقْدس، فكان الرسول وهو في مكّة يجمع بين الاتجاهين فيصلّي قبلةَ المسجد والقدس معاً.

وكان هذا الأمر الإلهي في التوجّه إلى القدْس الشريفة، اختباراً للمشركين المكيّين الذين يعتبرون البيت العتيق مجداً عنصريّاً وإقليمياً، ويأنفون أن يعترفوا بالقداسة لبقعة أخرى من الأرض... ثمّ كان اختباراً لليهود والنصارى في المدينة وما حولها عندما نزل الوحي بتحويل القِبلة عن القدْس، التي يعتبرونها بدورهم مجداً عنصريّاً وإقليمياً، ويرفضون الاعتراف بهذه القداسة لبقة أخرى من الأرض...

يصف لنا الله عزّ وجلّ حالة الرسول (صلّى الله عليه وآله) حينما كثرت أقاويل اليهود ولغطهم بأنّ محمداً ما دام تابعاً (لقبلتهم)، فما عليه إلاّ أن يتّبع (دينهم)! وكيف توجّه الرسول في هذه الفتنة إلى الله عزّ وجلّ، وأخذ يقلّب وجهه في السماء منتظراً وعده السابق بتحويل القبلة، ومتفكّراً أتكون القبلة التي يختارها عزّ وجلّ مكّة؟ أم بقعة أُخرى يشاؤها سبحانه؟.

فيأتي الوحي حكيماً حاسماً: ( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ


كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) 142 - 148 - سورة البقرة.

هذه الآيات الحكيمة الحاسمة تقرّر وسطيّة الاتجاه إلى مكّة؛ بسبب ما تحفل به من عراقة في تاريخ الإنسان، والرسالات الإلهيّة.

ثمّ أنظر إلى التأكيد على الاتجاه الفكري في الآية الأخيرة، من أجل إعطاء الاتجاه المكاني إلى المسجد الحرام محتواه الفكري الإسلامي، وإبعاده عن معاني الجاهليّة والتصنيم...

* * *

هذه البدائة الواضحة الصارخة في الاتجاه إلى المسجد الحرام، تُرى هل فاتت المستشرقين وإتباعهم الذين يقولون: أن تقديس الإسلام لمكّة وللمسجد وللكعبة ألوان من التصنيم؟ أم هو العمى ومرض القلب، يبتلي الله به من يستحقّ؟


قَرْن الصّلاة بالإيمان والزكاة

إنّ الإيمان الذي لا يثير الضمير ولا يدفع إلى العمل بموجبه أشبه بالمصباح المحجور في صندوق، أو بالجسد المحنّط عن الحياة، أو بالمحرّك المفصول عن عجلات السيارة، أو بشجرة الورد البلاستيكيّة الممنوعة من النموّ والعطاء...

كيف يؤمن الإنسان بوجود الله تعالى، ويصدّق ما بَلّغ عنه رسله الكرام، ثمّ لا يتدفّق حياة بهذه الحياة، ولا ينبعث إلى العمل لخير وجوده كما بعثه وأرشده الله تعالى؟.

كيف يؤمن أحدنا بأعماقه أنّه كادح إلى ربّه كدحاً فملاقيه، وساعٍ إليه فموافيه، ثمّ لا يتوقّد أملاً وعملاً وإشفاقاً؟.

إنّ الإيمان الحيّ لا بدّ أن يدفع إلى العمل به، وهي حقيقة يقرّرها القرآن الكريم، ويَزن الإيمان على أساسها، ولذا تجد الإيمان أكثر ما تجده في القرآن مقروناً بالعمل الصالح، ومشروطاً بالعمل الصالح، وكأنّهما إلْفان لا يفترقان، وسبب ونتيجة لا يتخلّفان:

( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ... ) 35 - البقرة.

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ... ) 9 - يونس.

( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ ) 28 - ص.

( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ... ) .

وفي قرابةِ سبعين آية من القرآن الكريم، يظهر العمل الصالح تحرّكاً لازماً


يبعث إليه الإيمان، واستجابةً طبيعية للاعتقاد بالله تعالى ورسالته.

والعمل الصالح، كلّ العمل الصالح هو ثمرة الإيمان: الجهاد مع النفس، وفي المجتمع والعمل المعيشي، والراحة اللازمة، وأداء كافّة الواجبات والمستحبات التي بلّغها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أو هدى إليها عقل الإنسان (الرسول الباطن)، ولكنّ أول عمل صالحٍ ينتج عن الإيمان، وأوّل ثمرةٍ تبرز من أكمامه؛ إقامة الصلاة، ثمّ يليها إيتاء الزكاة...

( ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) 2 - 3 البقرة.

( قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً ) 31 - إبراهيم.

( الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) 1 - 4 لقمان.

وآياتٍ كريمة عديدة قرن الله فيها الإيمان بالصلاة وبالزكاة.

إنّ قضيّة إيمانك بالإسلام تقف في أوّل خطواتها أمام امتحانك على الصعيد العملي، فإنّ أنت عشتها في جزء من يومك وقسط من نفسك، تابعت خطواتها في حياتك وعطاءها...

وأوّل بديهة يتطلّبها منك إسلامك لله: أن تعيش حياة المسلم المألوه... وهل حياة المألوه الخالية عن تركيز التألّه عمليّاً إلاّ كحياة المؤمن بالوطن البعيد عن سلوك المواطنة، المؤمن بالقانون الرافض لمظهر القانون...؟ على سعة الفرق بين قضيّة المواطنة والقانون، وقضيّة الدينونة لإلهِ الوطن والقانون والكون أجمع تبارك وتعالى...

* * *

وعلاقة الزكاة بالإيمان والصلاة منشؤها؛ أنّ حقل الإيمان في رأي الإسلام ليس هو النفس منفصلة عن حركة الحياة، ولا هو حركة الحياة مفصولة عن


النفس، بل هو المساحة الكاملة لحركة النفس وحركة الحياة جميعاً.

لا بدّ أن تمتدّ قضيّة الإيمان إلى الربح الموسمي والسنوي، لكي تُسهم ضريبة الزكاة في إنجاح الحياة الاجتماعية وتكافلها.

ولا بدّ كما خضعت حركة النفس لمتطلّبات الإيمان، فتقدّست أن تخضع حركة الإنتاج لمتطلّبات الإيمان تتّسم بالعطاء لتتقدّس... فما بعد عطاء الوقت أهمّ وأبعد أثراً من عطاء المال...

عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (إنّ الله عزّ وجلّ أمر بثلاثة مقرون بها ثلاثة أُخرى: أمر بالصلاة والزكاة، فمن صلّى ولم يزكِّ لم تقبل منه صلاته، وأمر بالشكر له وللوالدين، فمن لم يشكر والديه لم يشكر الله، وأمر باتّقاء الله وصلة الرحم، فمن لم يَصِلْ رحمه لم يتّق الله عزّ وجلّ) رواه في الخصال ص 156.

* * *

ومن الحقائق التي يلفت إليها التعبير القرآني في هذا المجال؛ أن يصف المصلّين بأنّهم أهل زكاة، فهم إذاً أهل عمل وإنتاج، ليسوا متصوّفة يهربون بصلاتهم من الكدح والعيش في خضمّ الناس، ولا كُسالى يجعلون من الصلاة حرفةً فاشلة ووسيلة استعطاء.

( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ) 1-4 المؤمنون

( كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) 17 - 19 الذاريات.

وتلك هي صورة المؤمنين المصلّين حقّاً، الذين تملؤهم صلاتهم بالنشاط، وتدفعهم إلى العمل والإنتاج والعطاء...


الاصْطبار والمحافظة على الصّلاة

التعجّل مشكلة خطيرة الآثار، وحياة الناس ملئى بالأمثلة عليها...

وأعظم النتائج في حياتنا، قد تتوقّف على دقائق معدودة من الصبر، لكنّ الذي يسبب خسارتنا لها هو تعجلّنا ومللنا عن المقدّمات ونزوعنا إلى القريب الصغير من المنافع، دون البعيد الكبير منها.

والصبر المطلوب في نظر الإسلام كما قسمته أحاديث السنّة الشريفة ثلاثة أقسام:

* الصبر على المصائب: وهي ألوان الخسارات التي يتعرّض لها الإنسان في أحبّائه وأمواله وآماله... فهو بحاجة لأن يمسك عندها نفسه، ويستنقذها من براثن اليأس والغمّ والألم، ويركّز فيها مفهوم الإسلام عن المكاسب والخسائر.

* والصبر عن المعاصي : وهي أنواع المحرّمات التي تتراءى للإنسان نافعة محبّبة، بينما هي سيّئة الآثار وخيمةُ العواقب... فهو بحاجة لأن يمسك عنها نوازعه، ويركّز في نفسه زيف إغرائها ويربّيها على الابتعاد عنها.

* والصبر على الطاعات : وهي أنواع الطاعات التي تتراءى للإنسان ثقيلة باهظة، بينما هي عظيمة النتائج رائعة العواقب.. فهو بحاجة لأن يمسك عليها نفسه، ويركّز فيها عظيم منافعها ويربّيها على القيام بها والانتفاع منها...

ومن أوّل ما يلزم للصبر على الطاعة أن أفهم طبيعة الطاعة، طبيعة الواجبات السلوكيّة التي فرضها الإسلام:

فمن ملامح الطاعة أنّها: تكليف الله لي بصفتي فرداً، وبصفتي جزءاً من


أُمّة - الفرائص الشخصيّة والاجتماعيّة - وإنّه لشرف عظيم أن يجعلني الله عزّ وجلّ أهلاً للمخاطبة والتكليف، فيطلب مني القيام بأعمال معيّنة، والالتزام بسلوك محدّد، ويندبني إلى إجابة أمره المقدّس المطاع.

ومن ملامح الطاعة أنّها: ضرورة تكفل لي الحياة السعيدة؛ الاطمئنان في النفس، والنور في القلب، والبلاغة في الشخصيّة، والمركز الثابت في الأرض وفي الكون، لي وللجماعة التي أنتمي إليها وأتحمّل معها أداء طاعة الله وتطبيق دينه.

ومن ملامح الطاعة أنّها: عمّا قليل تمنحني العيش الخالد، في بيت أفضل من بيتي، وصحة أقوى من صحتي، وسعادة أوسع وأروع من سعادتي، تؤهلني لأن أُسْتقبل لدى مغادرتي استقبال الإبطال، وأُزفّ إلى الخلود زفاف الأبرار، إنّ عملاً هذه طبيعته ونتائجه؛ لهو عمل يُحرص عليه، ويُصبر عليه، ويُنهض بتكاليفه بسخاء.

والصلاة واحدة من نوع هذا العمل، ومن أهمّ التكاليف التي شرّفنا الله عزّ وجلّ بها، وجعل علينا عهدتها، وحدّد لنا صيغتها وأقواتها.

والصبر على الصلاة من أوّل الصبر على الطاعات، وهو يتألّف من لونين من الصبر: صبرٌ على أدائها، وصبرٌ على الاستفادة منها.

فما دمتُ أفهم طبيعة هذه الطاعة وأؤمن بضرورتها لوجودي، فلماذا لا أُصبّر نفسي على أدائها في مختلف الظروف؟ لم لا أحرص عليها كما أحرص على غذائي؟

إنّي أعجب للمصلّي الذي (يتنازل!) عن صلاته في بعض الحالات، بحجّة ظروف السفر أو المشاكل أو المرض أو المعارضة والاستهزاء من أغبياء حوله...

كيف لا يدرَك إنّ الصلاة في هذه الحالات تتأكّد ضرورتها للشخصيّة؛ لأنّها تتعاظم فائدتها للنفس وراحتها لضمير.

هل ظروف السفر والحضر، والشدّة والرخاء، والصحة والمرض، والتأييد والمعارضة مانعة لي من طلب الغذاء؟ فكيف تكون مانعة لي عن أداء الصلاة؟


بل إنّ من يصبّر نفسه على أداء الصلاة في مختلف الظروف التي يلاقيها من داخل نفسه ومن خارجها، سيجد لصلاته طعوماً جديدة.

فهي في السفر: تشعره بالمواطنة من أرض الله... وفي الشدّة هي: المنفذ للفرج والصِلة بمن يملك الأسباب، وفي المرض: هي الدعاء العميق وصحة النفس التي تنعكس على الجسد، وفي حالات المعارضة والاستهزاء: هي الثقة بالشخصيّة والإشفاق على المستهزئين الخاسرين.

وفي كلّ ذلك هي: الثبات على خطّ الرسالة، والاعتزاز بالعقائدية في السلوك، والإصرار على الظروف كي تخضع هي لإرادة الإيمان، ويستعلي الإيمان على ضغوطها.

* * *

والأرقى من الصبر على أداء الصلاة؛ الصبر على الاستفادة منها.

ومنشأ الحاجة إلى هذا اللون من الصبر، وهو طبيعة الحسّ البشري.

إنّ أروع المناظر الطبيعيّة هي في معرض أن تتحوّل لديك إلى أمور عاديّة إذا تكرّرت مشاهدتك لها، وكذلك كلّ معنى بديع وشعور جميل ونعمة سابغة.

ألا ترى الذين يعيشون وسط مناظر الطبيعة الجميلة - من غير ذوي الإحساس المرهف - لا يثير وجدانهم الجماليّ جبلٌ تشتبك خضرته بأشعة الشمس عند الأصيل، وتتراقص أطياره على خرير واديه، وتبعث أزاهيره عطاءها في نسيمه العليل... حتى إنّ حسّهم لا يكاد يفرّق بين هذا الجمال الباذخ، وبين قاعٍ بلْقع، ووادٍ يابس!

ألا ترى الأغنياء وأبناء الأغنياء - من غير ذوي الإحساس المرهف - كيف يفقدون الإحساس بالغِنى والمال والجمال...

وقرّاء القرآن ذوي الإيمان الخافت، قد حُرموا من مروج القرآن وينابيعه وسخائه؛ ذلك أنّ النفس البشريّة يطرأ عليها التلبّد إذا تكرّر عليها الشيء الجميل، ما لم تعط لذاتها على الدوام دفعة الحيويّة اللازمة من أجل الحفاظ على جدّة إحساسها وإرهافه.


والصلاة بأوضاعها ومحتواها لوحة غنيّة بالعطاء والجمال، ولكنّ ضرورة تكرارها اليومي تجعلها في معرض أن تتحوّل إلى عمل شكلي يتبلّد إحساس النفس به، وتنغلق عن روعته وعطائه... ولذلك كانت هذه الفريضة بحاجة إلى لون آخر من الصبر، يتمثّل في تفتيح العقل والشعور عليها والعودة إلى الحيويّة في أدائها.

بحاجة كي لا تخسر جمال صلاتك وعطاءها لأن تجدّد في نفسك معنى صلاتك، معنى إيمانك بالله وخشوعك بين يديه، ومعنى انحنائك، ومعنى استلامك الأرض تعفّر بها جبينك، ومعنى جثوّك على ركبتيك تسجّل الشهادة على نفسك لله سبحانه بالوحدانيّة، ولعبده محمّد (صلّى الله عليه وآله) بتبليغ الرسالة.

والصلاة غنيّة بما يجدّد الحيويّة، ويضمن إرهاف الذهن والشعور، حتى يصبح هذا الإرهاف العقلي والعاطفي ملَكة راسخة... ولكنّ مفتاح ذلك هو عزمَة الجدّ الخشوع التي تبدأ فيها صلاتك وتعود إليها كلمّا سرحت عنها، فتصبّر نفسك في حقل الصلاة الثري، تجني من مفاهيمه وتتروى من مشاعره.

* * *

هذان المعنيان للصبر تقصدهما آيات الصبر والمحافظة على الصلاة، كقوله عزّ وجلّ: ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) 132 - طه.

( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) 28 - الكهف.

( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) 238 - البقرة.

( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ... وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ) 1.... - 9 - المؤمنون.

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) 9 - المنافقون.

وممّا يُلفت في التعبير القرآني جمال كلمة: ( وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) ، بدل كلمة:


- واصبر- فإنّها توحي بلزوم دفعات متكرّرة من الصبر؛ لأنّ - اصطبر - بمعنى: تصبّر أي تكلّف الصبر، وكذلك هو الصبر على الصلاة دفعات من الجدّ تُمسك بها نفسك، فتتغلّب على المعوّقات عن أدائها، والمشوشات عن عطائها.

وممّا يلفت في آيات المحافظة على الصلاة، تخصيص صلاة الظهر بالتأكيد، نظراً لما يحتاجه المرء في وسط النهار من حُزمٍ لانتشال نفسه من العمل وحُزمٍ للتغلّب على مشاغل النفس وتوجيه الفكر والشعور نحو الله عزّ وجلّ.

عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال لأبي ذر رحمه الله: (يا أبا ذر: ركعتان مقتصدتان في تفكّر، خيرٌ من قيام ليلة والقلب لاهٍ[ساهٍ]) رواه في الوسائل ج3 ص54.

وعنه (صلّى الله عليه وآله)، أنّه دخل المسجد وفيه أناس من أصحابه فقال:

(تدرون ما قال ربّكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنّ ربّكم يقول: إنّ هذه الصلوات الخمس المفروضات، من صلاّهنّ لوقتهنّ وحافظ عليهنّ، لقيني يوم القيامة وله عندي عهد أُدخِلُه به الجنّة....) الوسائل ج3 ص80.

وعنه (صلّى الله عليه وآله) قال: (لكلّ شيءٍ وجه، ووجه دينكم الصّلاة، فلا يشيننّ أحدكم وجه دينه...) الوسائل ج3 ص16.


الإعداد للصّلاة بالتطهّر

(الطهارة): مصطلح إسلامي لنوعين أساسيين من النظافة:

*التطهّر من الخَبَث ، والخَبث هو: الأقذار التي حدّدها الإسلام، كالدم والبول والخمر والميتة وبقية النجاسات، وأوجب أن يكون المطعم والمشرب طاهرين منها، وأن يكون البدن والثياب حال الصلاة طاهرة منها.

*والتطهّر من الحَدَث، والحَدث هو: ما يوجب غسل البدن بتمامه؛ كالجنابة ومسّ الميت والحيض والنفاس، أو ما يوجب غسل الأطراف - الوضوء - كالنوم وما يخرج من الأسفلين.

ويفترق التطهّر من الخبث عن التطهّر من الحدث بأنّ المطلوب في الأوّل هو: مجرّد التطهير حتى لو حصل بدون نيّة القُربة إلى الله عزّ وجلّ، أو حصل قهراً وخطأً نتيجة السقوط في الماء أو سقوط الماء... بينما المطلوب في التطهير من الحدث: أن يحصل عن قصد، وأن تصاحبه نيّة التقرّب إلى الله عزّ وجلّ، وإلاّ اعتُبر باطلاً ووجبت إعادته عن قصدٍ ونيّة.

وللإعداد لصلاة بالتطهّر آثار بالغة في الصحة والنفس، وتنظيم المعيشة يناسب أن نُجملها هنا إجمالاً:

فكم هو مفيد من الناحية الصحيّة أن يلتزم الناس بالنظافة التزاماً دينيّاً لا مجال فيه للتكاسل والإغماض، وأن تكون النظافة شرطاً في قبول صلواتهم عند الله عزّ وجلّ، فيقوموا بتطهير أجسادهم وثيابهم بصورة دائمة، ويعملوا على إتقان ذلك؛ لأنّ الله تعالى: ( التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ... ) .


إنّ فارقاً كبيراً في النتائج بين التوعية الصحية الحديثة، التي تعتمد شرح الفوائد والمضارّ، وإصدار الإرشادات الطبيّة، وبين التوعية الصحية بروحها الإسلامية، التي تعتمد بيان أحكام الإسلام بوجوب التطهّر وإجادته، وإنّ الله عزّ وجلّ يأمر بذلك ويشترطه لفرائض الصلاة اليومية، ويحبّ المتطهّرين المتعطّرين ويبارك نفوسهم وبيوتهم وصلواتهم.

وها هو الطبّ يؤيّد غسل البدن الذي يوجبه الإسلام، على أثر الجنابة وحالات النساء تأييداً كليّاً، ولكنّي لا أعرف شخصاً واحداً استطاعت التوعية الصحيّة الخالية من روح الإسلام، أن تلزمه بالاغتسال على أثر هذه الحالات... بينما استطاع الإسلام ويستطيع أن يلزم بهذه النظافة أبعد الناس عن الوعي الصحي.

إنّ أدنى المسلمين نظافةً هو الشخص الذي يغسل تمام بدنه على أثرِ الجنابة وحالات النساء، كما يغسل أطرافه مرّات كلّ يوم، ويحافظ على طهارة بدنه من النجاسات العارضة، ويغسل أسفليه بالماء كلمّا تخلّى عن الفضلات...

ولا غروّ فإنّ الإسلام دين الصحة والنظافة، وأغراضه فيها وفي غيرها متلابسة متّحدة، يمهّد كلّ منهما للآخر، ويحافظ عليه...

* * *

وكم هو مفيد نفسياً أن يشعر الإنسان وهو يَهْمر الماء على بدنه، ويصبّه على أطرافه؛ إنّه بذلك يستجيب لأمر الله لكي يقف بين يديه مطهّراً بنعمة الماء، ثمّ ليصبح مطهّراً بنعمة الصلاة...

كم هو مفيد أن يحسّ الإنسان بأنّ في الحياة أشياء أمره الله عزّ وجلّ بالتطهّر منها، كما أنّ فيها أفكاراً ومشاعر باطلة أمره بالتنزّه عنها.

* * *

أمّا في تنظيم المعيشة، فإنّ الالتزام بالطهارة يوجب إلى حدّ كبير التحفّظ الدائم عن الأقذار، وتنظيم غسل الأطراف، وتنظيم التخلّي عن الفضلات، كما يظهر أثر ذلك في تنظيم المعاشرة الزوجيّة... وفي ذلك أبلغ المنافع في تحقيق


الصحة النفسيّة للأسرة، والحفاظ على النشاط الجسمي والجنسي وسلامة النسل.

إنّ أدنى ملاحظةٍ أو تجربة تبيّن لك البُعد الشاسع بين الراحة الكبيرة - الصحيّة والنفسيّة والمعيشيّة - التي يتمتّع بها المجتمع الملتزم بالتطهّر للصلاة، وبين المتاعب والفوضى التي يعيش فيها المجتمع غير الطاهر، وإن بدا لعينيْك نظيفاً.

( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) صدق الله العظيم.


نَهي الصَّلاة عن الفحشاء والمنكر

معنى الفحشاء:

إنّ الاعتماد على الاستعمالات القرآنية لتحديد معنى مادّة (فَحَشَ)، أنفع من الاعتماد على كلمات اللغويين المضطربة في هذه المادّة...

نلاحظ أوّلاً: استعمال القرآن لكلمة - الفحشاء - مقابل كلمة - المنكر- في ثلاث آيات كقوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ... ) 90 - النحل.

ممّا يَردُّ قول بعض اللغويين، أنّ معنى الفحشاء: كلّ ما نهى الله عزّ وجلّ عنه(1)؛ لأنّ هذا هو معنى المنكر كما ستعرف فلا وجه حينئذٍ للتقابل.

كذلك استعمال القرآن لكلمة - الفواحش - مقابل - كبائر الإثم والْلمَم - كما قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ) 37 - الشورى.

ممّا يردُّ قول بعض اللغويين، أنّ معنى الفاحشة: ما يشتدّ قبحه من الذنوب (2)، إذ لو صحّ هذا التعميم لما كان وجه للتقابل أيضاً.

ونلاحظ ثانيا ً: تسمية الزّنا واللواط بالفاحشة، كما في قوله تعالى: ( وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ) 32 - الإسراء.

وقوله تعالى: ( أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ) 80 - الأعراف.

ونلاحظ ثالثاً : استعمال كلمة - الفحشاء - بمعنى البُخل، كما في قوله تعالى: ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاَ

________________________

1 - و 2 - راجع تاج العروس مادّة (فَحَشَ).


وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) 268 - البقرة.

فبالإضافة إلى أنّ الآية واردة في سياق الأمر بالإنفاق، فقد ورد في الحديث الشريف تفسير الفحشاء في هذا المورد: (بالبخل) كما في تفسير القمّي، والدرّ المنثور.

*ونلاحظ رابعاً، استعمال كلمة الفاحشة بمعنى - بذاءة اللسان، وسوء الخلُق - كما في قوله تعالى: ( وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ - تضيّقوا عليهنّ - لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) 19 - النساء.

فقد أفتى الفقهاء بأنّ الفاحشة المبيّنة تشمل: السباب، وبذاءة اللسان.

*ونلاحظ أخيراً، استعمالاً قرآنياً لكلمة (الفواحش) في قوله تعالى: ( وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) 151- الأنعام.

وقوله تعالى: ( إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) 33 - الأعراف.

والفواحش الباطنة، رويَ تفسيرها عن ابن عباس: بالزنا، الذي كانت تستبيحه العرب.

نستفيد من ملاحظة هذه الاستعمالات القرآنية: أنّ معنى كلمة فاحشة - ومثْلها كلمة فحشاء التي هي اسم للفاحشة - يشمل المحرّمات الجنسيّة الظاهرة والباطنة، وشراسة اللسان والبخل، فحيث توجد معها قرينة تخصّصها بأحد هذه المعاني فهو، وإن لم توجد قرينة فلا بدّ من حملها على مجموع هذه المعاني، على الأقلّ أخذاً بشمول الإطلاق كما في الآية التي نحن بصددها: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) ، حيث أُطلقت الكلمة ولم تقيّد بمعنى واحد.

معنى المُنْكَر:

المنْكَر في اللغة هو: في الشيء المجهول، وفي المصطلح الإسلامي: كلّ ما نهى الله عزّ وجلّ عنه، وقد استعملت الكلمة في القرآن الكريم بالمعنى اللغوي، كما في قوله تعالى: ( فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ) 62 - الحجر.

وبالمعنى الاصطلاحي في قوله تعالى: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) 104 - آل عمران، وفي عدّة آيات أخر.

والوجه في هذا الاصطلاح هو: تشبيه الأمور التي نهى الله تعالى عنها


بالأمور المجهولة؛ لأنّها غريبة على السلوك الصحيح للناس.

ولا شكّ أنّ - المنكر - بهذا المعنى المصطلح يشمل الفحشاء؛ لأنّها قسم ممّا نهى الله عزّ وجلّ عنه، فيكون التقابل بينها في الآية من باب تقابل الخاصّ والعامّ، كما تقول: هذا الدواء ينفع في حالة الإرهاق والتعب، فإنّ التعب يشمل الإرهاق؛ لأنّه حالة من حالات التعب، ومع ذلك صحّ التقابل بالعطف؛ لاعتبار الخصوص والعموم.

* * *

وبعد اتّضاح معنى الفحشاء والمنكر، يتحدّد معنى الآية الكريمة: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) ، بأنّ الالتزام بأداء فريضة الصلاة من شأنه أن يبعد الإنسان بالدرجة الأُولى عن: المحرّمات الجنسيّة كافّة، وعن اثنين من أهمّ المحرّمات الخلُقيّة: - سوء الخلُق، والبخل - وبالدرجة الثانية عن: كافّة المحرّمات التي نهى الله عز ّوجلّ عنها - المنكرات -.

وقبل أن نتعرّف كيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر، نجيب على سؤال يوجّهه بعض الناس حول الآية، ومفاده:

أنّا نرى بعض المصلّين يرتكبون من الفواحش والمنكرات ما لا يرتكبه بعض تاركي الصلاة! فكيف لا تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر؟!

ومنشأ هذا السؤال تصوّر أنّ الصلاة كجرعة (الأسبرين) المضادّة للصداع، فكما إنّ تناول الأسبرين يزيل الصداع من الرأس، فكذلك أداء الصلاة يزيل الفحشاء والمنكر من السلوك...

غير إنّه من الخطأ إغفال الفارق ما بين العلاجات السلوكيّة، والعلاجات الفسيولوجيّة مثلاً، فإنّ العلاجات الفسيولوجيّة تقوم بتفاعلاتها وتؤدّي دورها في حقل لا يقع تحت إرادة الإنسان، أمّا العلاجات السلوكيّة فإنّ دورها: أن تقدّم للإنسان دوافع معيّنة تجعله يرجح - بإرادته - لوناً من السلوك ويستبعد لوناً آخر.

إنّ الصلاة لا تجعل الإنسان مسلوب الإرادة، مجبراً على ترك الفحشاء والمنكر، وإلاّ لما استحق الثواب، بل تهيئ في نفسه الدوافع الصالحة التي تدفعه


لترك الفحشاء والمنكر، ولنلتفت إلى أنّ الله تعالى عبّر بـ - تنهى - ولم يعبّر بـ - تمنع - أو تُزيل.

فما تختصّ به الصلاة إذاً هو غناها بـ (الدوافع النفسيّة الصالحة لإبعاد الإنسان عن الفواحش والمنكرات)، وهي دوافع تقع تحت اختيار الإنسان وإرادته، وتتوقّف استفادتها من الصلاة على تفهّم المرء لصلاته، وجمعه لقلبه عند أدائها، فمثل هذه الصلاة الواعية المتجاوبة، هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر...

كيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والمُنْكَر؟

علاقة الصّلاة بالسلوك:

السلوك هو: النشاط البشري بألوانه الواسعة، من الرضا والغضب، والإحسان والإجرام، والحرب والسلم، والذهاب والمجيء، والإيمان والكفر، والأكل والنوم، والقراءة والصلاة، وكلّ ما يقوم به الناس من أعمال خارجية إنّما هو في حقيقته انعكاس لوضعٍ نفسيّ هو: الإحساس الذي يَنتج بدوره عن الغرائز الكامنة في صميم الإنسان، وعن المفاهيم التي يحملها عن كونه وحياته ونفسه.

إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما

جُعل اللسان على الفؤاد دليلاً

كذلك هو السلوك البشري في مراحله المَعْمليّة: مواد طبيعية، هي الغرائز والأفكار، النظريّة والمكتسبة، تتحوّل في عمليّة نفسيّة - بتوسّط العقل أو بدون توسّطه - إلى مشاعر في النفس، ثمّ تتحوّل هذه المشاعر في عمليّة ثانية نفسيّة - بتوسّط العقل أو بدون توسّطه - إلى ألوان من النشاط تعجّ بها الحياة، نسمّيها (السلوك).

ولكن ما يتمّ تحوّله إلى أحاسيس وسلوك، هو القليل كما تراه في هذا الرسم البياني التقريبي:


يوجد هنا رسم

إنّ الذي أوجب أن تقف كميّات من المفاهيم والغرائز، فلا تتحوّل إلى أحاسيس، وأن تقف كميّات من الأحاسيس، فلا تتحوّل سلوكاً... هو: القوّة والضعف في المفاهيم والغرائز والأحاسيس، فبينما تأخذ الغريزة الأقوى والمفهوم الأقوى طريقهما ليتجسّدا في النفس إحساساً، يبقى المفهوم والغريزة الأضعف، مجرّد مفهوم مختزن في الذهن، ومجرّد نزعة في النفس.

وبينما يأخذ الإحساس الأقوى طريقه ليتجسّد سلوكاً، يبقى الإحساس الأضعف مجرّد إحساس مختزن، لا يحرّك عصباً ولا يدفع إلى عمل...

وتبرز هنا بوضوح حاجة الإنسان إلى الدين، فما دامت نفس الإنسان تحوي كميّات كبيرة من الغرائز - الميول الطبيعيّة الخيّرة والشريرة - وما دام تركها وشأنها يؤدّي إلى غلبةِ الغرائز التي تملك الإثارة من الظروف الحياتيّة للإنسان، وهي الغرائز الجنسيّة، والأنانيّة، والغذائيّة على الأكثر...

فإنّ معنى ذلك : أن تأخذ هذه الغرائز طريقها لتتجسّد إحساساً فسلوكاً، ويعيش الإنسان بها على حساب مفاهيمه وعقله، ولا يكون فرق بينه وبين الحيوان؛ لأنّ كلاًّ منهما حينئذٍ يصدر في سلوكه عن مجرّد الغريزة وحسب: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ ) .

أمّا الدين ، فهو يقدّم للإنسان المفاهيم التي تنمّي في نفسه الغرائز الخيّرة، وتهذّب الغرائز الشريرة، ثمّ يقدّم له المنهج التربوي لتحويل كافّة الغرائز والمفاهيم المُزكاة إلى أحاسيس، ثمّ يدفع بهذه الأحاسيس لتتجسّد في سلوك عملي، ويجعل القائم على هذه العمليّة عقل الإنسان، حيث يُنيط به وعي المنهج التربوي وتنفيذه...


إنّه لو لم يكن للدين برهان على كونه - حقّاً - من عند الله، إلاّ إنّه مشروعٌ بليغ لصناعة السلوك البشري، على ضوء العقل... لكفاه ذلك برهاناً على صحّته وأحقّيّته.

وها هنا يظهر دور الصلاة في التأثير على السلوك، وإبعاده عن الفحشاء والمنكر.

قال أحدهم بصورة عفويّة: (قبل أن التزم بالصلاة، كنت أنظر إلى كلّ شيءٍ باستهتار وبدون تفكير، أمّا بعد التزامي بالصلاة، فقد أصبحت أفكّر في الأمور وأتعجّب كيف كنت أعيش فيما مضى؟)، ثم أخذ يتحدّث عن تغيّر وضعه النفسي، وسلوكه الجنسي.

إنّ مَثَل مجموعة الغرائز والمفاهيم التي تحملها نفس الإنسان، كمثَل مجموعة من الورود والنباتات المفيدة والضارّة، تحملها مساحة من التربة. والصلاة تؤثّر منع النباتات الضارّة من النموّ في صفحة النفس والتحوّل إلى إحساس فسلوك.

وينتج عن ذلك؛ إزالة المانع عن النباتات المفيدة، كي تأخذ طريقها في النموّ والإثمار، أي إنّ الصلاة تؤثّر بصورة مباشرة على الغرائز والمفاهيم الشرّيرة، فتمنع ضررها، وبصورة غير مباشرة على الغرائز والمفاهيم الخيرة، إذ تزيل عنها الصعاب...

ونجد تأييد هذا المعنى من حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي مثّل الصلاة بنبع معدني يزيل الأدران: (أيسرّ أحدكم أن يكون على باب داره حمة، يغتسل منها كلّ يوم خَمس مرّات).

ومن ناحية ثانية، فإنّ الصلاة تقوّي وتنمّي الغرائز والمفاهيم الخيّرة - النباتات النافعة - وينتج عن ذلك؛ منع الغرائز والمفاهيم الضارّة من النموّ والأثمار السيئ، فإنّ المقصود بـ (ذكر الله) في الآية هو: الصلاة، ومعنى كونه (أكبر من الفحشاء والمنكر)، أنّه يعطي للنفس طاقة دفع للميول الخيّرة، ممّا يجعل ميول الفحشاء والمنكر تتضاءل وتضعُف في جانبها... وكذلك، فإنّ الملاحظ من عطاء الصلاة في أنفُس المصلّين هو: الدفع الإيجابي لنوازع الخير، ممّا ينتج عنه ردع النوازع المنكرة ومنعها عن النموّ.

* * *


من أبرز ما في الصلاة:

أنّها توجب الالتزام بالتطهّر اليومي، تطهير الثياب والبدن من النجاسات، ومن حدث الجنابة، وشعور الإنسان بالتزامه في حياته بالتطهّر، مفهوم ينمّي فيه ضمير النزاهة، والترفع عن كثير من أمور الحياة.

ومن أبرز ما في الصلاة:

أنّها توجب في نفس الإنسان شعوره بالالتزام طوال حياته بالوقوف بين يدي الله تعالى، ومفهوم الارتباط بالله تعالى مدى الحياة، وبالحضور اليومي بين يديه، ينمّي في الإنسان النزعة العقليّة - نزعة الموضوعيّة، والجدّ في الأمور، ونزعة الخشوع للخالق سبحانه.

ومن أبرز ما في الصلاة:

شعور المصلّي بالانتماء إلى جماعة المصلّين في العالم، وعلى الأخصّ إلى من يلتقي بهم، ويؤدّي صلاته معهم في المساجد، ومفهوم الانتماء إلى الجماعة والشعور بالشخصيّة الكليّة بدل الفرديّة، ينمّي في الإنسان غريزة حبّ الناس، وغريزة الإيثار، وواضح أنّ هذه الغرائز من المقوّمات الأساسيّة لإنسانية الإنسان.

أمّا وجه تخصيص الصلاة بالنهي عن الفحشاء - والتي سبق تحديد معناها القرآني بالمحرّمات الجنسيّة، وشراسة اللسان، والبخل - فهو يدلّ على أنّ فائدة الصلاة هي بالدرجة الأُولى: للنهي عن هذه المنكرات السلوكيّة الخاصّة، وبالدرجة الثانية: النهي عن عموم المنكرات.

ويمكننا بهذا الخصوص أن نلحظ حالة المصلّين عامّة، ونقارنها بغيرهم من الذين يشابهونهم في الظروف الحياتيّة؛ لنجد أنّ نسبة الفواحش في المصلّين منخفضة إلى حدّ كبير عن نسبتها في غيرهم، أو نلحظ حالة أُناس لم يكونوا من المصلّين، ثمّ أصبحوا من المصلّين، لنجد الفارق الكبير بين ما كانوا يرتبكون من الفواحش قبل الالتزام بالصلاة وبعده.

كما يمكننا أن نقسّم المعنى القرآني للفحشاء إلى قسمين:

القسم الأوّل :

الفُحش الجنسي واللساني، وإنّما جعلناهما قسماً واحداً؛ لأنّهما من وادٍ واحد، فمنشؤهما الذي هو: الاندفاع الغريزي،وعدم الحياء يكاد يكون واحداً، كما إنّ الترابط السلوكي بينهما ملحوظ، ومن طبيعة هذه الفواحش، أنّها تستغرق الإنسان، وتطبع بطابعها تصوراته الذهنيّة، ىوسلوكه اليومي، أنّها كالإخطبوط يمهّد


المَخلب الأوّل منه للمخلب الثاني، حتى تحتوي الإنسان وتصبح السمَة البارزة لشخصيّته، والدوافع الأساسية المحرّكة له.

وهنا يظهر دور صفة التنزّه، التي ينمّيها الالتزام بالتطهّر الدائم للصلاة، كما يظهر دور النزعة العقليّة، التي ينمّيها الخشوع اليومي أمام الله، فإنّ مجتمعاً يلتزم بالانضباط أمام الخالق في فترات يومه، ويُدلي بين يديه بالشهادة، ويتحمّل مسؤولية الاستقامة على منهجه، ويعفّر جبينه على الأرض خاشع الضمير؛ لهو أقرب من أي مجتمع آخر إلى التعفّف الجنسي والخُلقي، وأبعد عن الانغماس في دوامة الجنس، وقباحة الخُلق.

والقسم الثاني :

من الفحشاء هو: البخْل، ومنشؤه الروح الفرديّة، التي تنمو في نفس الإنسان، فتدفع به إلى الحرص وتمنعه العطاء.

ويظهر هنا ما لشعور الانتماء إلى جماعة المصلّين من أثر في نهي الإنسان عن فاحشة البخل، فلا شيءَ أنفع في معالجة النزعة الفرديّة الخطيرة، من تنمية النزعة المجموعيّة، وتطوير مفهوم الذات لدى الفرد؛ ليتّسع لمصالح وأهداف الجماعة بل وإيثارها.

وللصلاة في ذلك دورها الكبير، حيث تسهم إسهاماً رائعاً في إنشاء التجمّع البشري الموحّد، تحت لواء الله تعالى، وفي طريقه.

وسيتّضح ذلك بالتفصيل في بحث (التجمّع للصلاة)، وبحث (المعطيات الاجتماعيّة للصلاة) إن شاء الله.


معالجة الصّلاة للهَلَع في الشخصيّة

الهلع هو : فقدان الثبات في الشخصيّة، وسرعة التغيّر بالمؤثرات المختلفة، التي تتوارد على النفس.

لا أقصد بذلك التغيّر من الرضا إلى الغضب، ومن الحزن إلى الفرح، ومن الهدوء إلى الثورة، فإنّ ذلك من لوازم بشريّة الإنسان، وإحساسه بما في نفسه وحياته، فالإنسان الذي يتأثر بمؤثرات الحياة المختلفة، دون أن يخرجه ذلك عن منهج الإسلام في فهم الحياة، والإحساس بها.. ليس إنساناً هلوعاً.

أمّا الإنسان الذي يتناقض في مواقفه ومشاعره مع منهج الإسلام في الحياة، فهو الإنسان الهلوع.

فالذي يرى في الوفاء قيمة إنسانيّة، ثمّ يرتكب الخيانة لأنّ فيها مكسباً عاجلاً، هو الإنسان الهلوع، والذي يؤمن بأنّ تقييم الناس يكون بمحتواهم النفسي من الاستقامة، ثمّ تأخذه المؤثّرات المظهريّة فيقيّمهم بأموالهم ومناصبهم... هو إنسان هلوع.

والذي تتغيّر شخصيتّه ومفاهيمه بسبب الفقر والغنى، والمرض والصحّة، والحبّ والبغض، وهذه البيئة أو تلك... هو الإنسان الهلوع... وما أكثر الأمثلة وألوان الهَلع في الناس وحياتهم...

والهَلع سِمة أصيلة من سمات أنفسنا، يتّصل وجودها بتكوين الأنفس، يقول الله عزّ وجلّ: ( إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا... ) الضعف فيه قاعدة، والثبات استثناء، ولم يكن بدّ من هذا التكوين؛ لأنّ جهاز النفس يجب أن يكون جهازاً حيويّاً، مرهف الالتقاط... وفي ظرف تكثر فيه جهات الإرسال،


وتتنوّع الموجات، يحدث أن يمتلئ الجهاز بالموجات الطوليّة والعرضيّة، السالبة والموجبة، المتواردة عليه.

يخرج أحدنا إلى عمله، فيسعده التوفيق بصديق حميم، طالما اشتاق إلى رؤيته، فيعتنقان بدموع الفرح، وذكريات الأخوّة، فتمتلئ نفسه حبّاً للحياة ومعانيها وأشيائها...

حتى إذا زحمه العمل، وأزعجه أحد الأشياء أو الناس، امتلأت نفسه نفرةً من الناس وغيظاً... ثمّ إذا تسلّم مرتّبه الشهري، عاد الرضا إلى نفسه... فإذا رجع إلى منزله، ووجد طفلته قد فجأها المرض، عادت الحياة سوداء في عيْنيه، فإذا غادرتها الحمّى في وقت لاحق من الليل، وارتاحت إلى نوم رفيق، عادت نفسه مزيجاً من الرضا والغضب والألم والراحة!

في يوم واحد تتوارد على نفس أحدنا ألوان الشرّ والخير.. فما بالك بحياتنا الطويلة، وهي مسيرة بين الأشواك والزهور، في سَهل الدرب وحَزَنه، ونسيمٍ عليل، وسمومٍ لافح... نعماء وضرّاء، ومسرّات وآلام...

يبدو أن الهَلع في الشخصيّة أمر لا مفرّ منه، ما دام ينبع من إرهاف أنفسنا، واختلاف المؤثّرات في حياتنا.

لكنّ الإسلام يرى أن باستطاعة الإنسان أن يتخلّص من الهَلع، بل ويرى في الهَلع تناقضاً في الشخصيّة وتمزّقاً ضارّاً... فأنْ تعيش في الحياة وتمارس خيرها وشرّها، لا يمنع أن تكون نفسك ثابتة النظرة، موحّدة المشاعر، متعالية على ما ينتابها من المؤثّرات.

ومفتاح ذلك في رأي الإسلام، أن تعرف المفهوم الواقعي للخير والشرّ، إنّ ما تراه يملئ حياة الناس من (خيرٍ وشرٍّ) ليس هو في الحقيقة خيراً ولا شرّاً، فلا الفقر ولا المرض، ولا الآلام والنكبات، والموت بشرٍّ ولا خير...! ولا الغنى والرفاه، ولا الجاه العريض والقوّة الواسعة، بخير ولا شرّ...! إنّها جميعاً عناصر أوليّة، وعجائن بيديك تجعلها خيراً أو شرّاً... يقول الله تعالى:

( فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن*وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ*كَلاَّ ) 15 - 17 - الفجر.

كلاَّ .. فلا هو التكريم والخير في النعماء، ولا هي الإهانة والشرّ في الضرّاء... إنّما هما صحيفتان مقدّمتان لك تملئ كلاًّ منهما بما شئت... فقد


تكسب بثروتك شرّاً، وقد تكسب خيراً، وقد تكسب بفقرك خيراً، وقد تكسب شرّاً... والحاكم والمحكوم، والقوي والضعيف، والجميل والدميم، والذكي والغبي، والمشهور والمغمور، كلّ منهم قد يكسب بما هو فيه خيراً، وقد يكسب شرّاً؛ لأنّهم جميعاً يملكون عجائن قابلة للتحويل إلى الخير وإلى الشرّ، وبدرجات واحدة من القابليّة.

هذا هو التقييم الإسلامي لأشياء الحياة، وللمؤثّرات الناتجة عنها، موادّ خام من نوع واحد، لا بالخير ولا بالشرّ، وإن تراءت لأعيننا خيراً وشرّاً...

ومن ثمّ ، وجب في نظر الإسلام أن تمسّ هذه المؤثّرات سطح النفس، مساساً دون أن تنفذ إلى عمقها، وأن يكون المنبع لمواقف النفس وأحاسيسها، الخير الحقيقي لا المظهري، رضا الله تعالى ورضاه وحده... رضا الله الذي هو: تحويل المادّة الخام إلى خير، تحويل الابتلاء إلى نجاح... فبهذا تطمئنّ النفس إلى الخير الحقيقي، وتتخلّص من الهلوع صعوداً وهبوطاً، مع ما يتراءى لها من خير وشرّ.

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (عجبت للمرء المسلم، لا يقضي الله عزّ وجلّ له قضاءً إلاّ كان خيراً له، وإن قُرّض بالمقاريض كان خيراً له، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له....) الكافي ج2 ص62.

إنّه الخير المطلق المضمون من مصدره، الموصول في منبعه، تتنعّم فيه النفس المؤمنة، وهي تمشي بين الأشواك والورود، وتقطع الحياة بنعمائها وضرّائها، دون أن تجزع من ضرّاء أو تطغى في نعماء، ودون أن تخضع في مواقفها وأحاسيسها لمؤثّرات الخير والشرّ الظاهريين...

وكذلك الإيمان، يتعالى بالنفس عن الهَلع بمؤثّرات الحياة، ويهبها الطمأنينة في كلّ حال:

يروى أنّه عندما أوثق البابليون نبيّ الله إبراهيم (عليه السلام)، ووضعوه في المنجنيق؛ ليلقوا به في نارهم المضطرمة، أتاه جبريل (عليه السلام) فقال له: ألك حاجة؟ فأجابه (عليه السلام) باطمئنان: أمّا إليك يا أخي فلا!

ويخرج الرسول (صلّى الله عليه وآله) من بلده مكّة مهاجراً برسالته، بعد أن أجمع المكّيون على عدائه وقتله، فلا تنفذ إلى نفسه الشريفة ذرّة من الحزن أو الجزع، ثمّ


يدخل مكّة فاتحاً في جيش من جند الله، فلا تنفذ إلى نفسه الشريفة ذرّة من زهو الانتصار الشخصي، بل يدخل خاشعاً ساجداً لله على قربوس جواده!

وتحلّ النكبات بالمؤمنين عبر التاريخ، فلا يرون فيها إلاّ رضوان الله، ويقطعون الحياة بحلوها ومرارتها، فيرونها حلوة كلّها برضوان الله...

إنّ الشخصيّة المؤمنة هي الاستثناء الوحيد من الهلع المرير، الذي يعصف بالناس من حولك... فمن أين تملك يا ترى هذه الوحدة المتينة الجميلة في الموقف والإحساس؟ وتنتصر بها على سِمة الهلع العميقة؟

يحدّد القرآن الكريم ثماني صفات لهذه الشخصيّة:

الصفة الأولى والأخيرة منها تتّصل بالصلاة ودورها في معاجة الهلع:

( إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ) . 19 - 35 المعارج.

والمقصود بالدوام على الصلاة في الفقرة الأُولى: الدوام على النوافل، وبالمحافظة على الصلوات في الفقرة الثامنة: المحافظة على الفرائص، الوسائل ج 3 ص51.

وبهذا يكون المعنى: أنّ مداومة الإنسان على صلاة النافلة، ومحافظته على صلاة الفريضة؛ هما عاملان على رأس وفي ختام ثمانية عوامل


للتخلّص من الهَلع، وكسب الاطمئنان والوحدة في الشخصيّة.

* * *

إنّ الإيمان بالمفهوم الواقعي للخير والشرّ، إنّما يمثّل الجانب النظري من تماسك الشخصيّة؛ ولذا قلنا إنّه مفتاح الانتصار على الهلع في نظر الإسلام، أمّا الجانب التطبيقي، فهو تحويل هذا المفهوم إلى قرارةٍ في النفس، ورؤية يوميّة فيها... وأيّ شيءٍ ينهض بذلك غير الصلاة؟

في أيّامنا الطويلة التي نقطعها بين مؤثّرات الحياة، وضغوطها على أنفسنا، وعصفها برؤيتنا ومشاعرنا، لا نجد في الحياة دوحةً تعيد إلينا اطمئناننا وبصيرتنا، كدوحة المثول بين يدي الله، والاغتراف من معينه، والاعتصام به.

الدوحة الظَلِيْلة التي تدخلها متعباً من الأثقال، مشوّشاَ من لبس الهوى واعوجاج الناس، وما أن تستظلّ بركعتين منها حتى تنزاح عنك الأتعاب، وينكشف عن قلبك الهوى، وتستقيم لك البصيرة، فتعود جديداً لحياتك مليئاً بالحياة.

أنظر إلى سرّائك وضرّائك، إلى كلّ ما يملئ نفسك ويعترض أيّامك من ثمرات الحياة، من تعب وارتياح، وفقدان ووجدان، ودموع وبسمات، وآلام كالجبال... كيف إذا مزجتها بالصلاة وهبتك الصلاة فيها البصيرة، وأنارت لك الجادّة، وأساغت لك مرارة الحنظل، وعطّرت لك هناءَة النعيم...



صلاة الكُسالى وتضييع الصّلاة

صلاة الكُسالى هي : الصلاة التي تفقد حرارتها، العاطفيّة والفكريّة، وتتحوّل إلى عمل جامدٍ، بعد أن كانت حقلاً خصباً جميلاً.

والكسل الذي يسبب فقدان الصلاة هو: حالة مرضيّة تعرض للنفس، وتنشأ تارة من الجسد، وتارة من إرهاق النفس، وثالثة من انحرافها.

فأمّا كسل الجسد: فهو خللٌ في وظائفه الفسيولوجيّة الواسعة، لا يلبث أن ينعكس على النفس، بقانون الترابط الصميم بينها وبين الجسد، فيحدث أن تصاب النفس بالخمول، وتتضاءل قدراتها على العمل والاستيعاب والتفاعل... ثمّ تزول إصابة النفس بهذه الحالة بزوال إصابة الجسد.

وليس هذا الكسل الناتج عن الجسد مذموماّ في الشريعة الإسلامية، ما دام لم يَحدث بسبب الإنسان.

قال الله عزّ وجلّ: ( لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) 286 - البقرة.

وقال عزّ وجلّ : ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا ) 7 - الطلاق.

وفي الحديث الشريف: (كلّ ما غلب الله عليه، فهو أولى بالعُذر فيه).

ونصوص أخرى تؤكّد هذا المعنى، ومن ورائها حكم العقل بذلك.

وأمّا كسل الإرهاق النفسي ؛ فينتج عن الإكثار من بذل الجهد، دون إعطاء النفس قسطها من الراحة، فيحدث أن تصاب بإعياء وكللٍ عن الاستيعاب والتفاعل.

وهذا الكسل ليس مذموماً في الشرعية الإسلامية أيضاً، ما دام الجهد الذي سبّبه مشروعاً، فقد ورد في الحديث الشريف أن هذه الأُنفس تملّ كما تملّ الأبدان، وأنّ لها إقبالاً وإدباراً، وأنّ القلب تمرّ عليه الساعة من الليل والنهار ما


فيه إيمان ولا كفر، شبه المُضغة وشبه الثوب الخَلِق (الكافي ج2 ص420 - 421)

ونصوص أخرى تدلّ على أنّ حالة الإعياء والفتور هذه، عارض طبيعي في حياة النفس البشريّة، لا تلبث أن تزول فتعود النفس إلى نشاطها.

وأمّا كسل الانحراف فهو: خمول يتّخذ صفة النُفْرة، وعدم الانسجام مع نشاطات نافعة، وقد يكون جزئيّاً، فينحصر بالضجر من أعمال معيّنة كالصلاة، وتلاوة القرآن مثلاً، وقد يكون كليّاً، فيشمل كافّة النشاطات النافعة، حيث تصاب النفس بالضجر من جميعها، وتتركّز رغباتها على نشاطات ضارّة أو تافهة، وغالباً ما يكون كسل الانحراف هذا مستمرّاً دائماً، عكس كسل الإرهاق الذي يكون موقوتاً وموجزاً في الأكثر.

والانحراف الذي يثمر هذا الكسل، يكمن في عمق شخصيّة الإنسان، في نوعيّة مواجهته للحياة وأشيائها... فإنّ مواجهة الناس للحياة تكون تارة بروح جادّة ومسؤولة، وتارة بروح انتهازيّة غير مسؤولة، وثالثة بقدرٍ ناقص من الجدّ والمسؤولية.

أمّا الذي يواجه الحياة بروح جادّة مسؤولة أمام الخالق عزّ وجلّ، فلا يمكن إلاّ أن يكون حيويّاً، متفاعلاً مع الحياة في كلّ جانب من جوانب سلوكه، فيما يفعل وفيما يرفض.

وأمّا الذي يواجه الحياة بروح غير مسؤولة، كالروح الانتهازيّة والشهويّة - روح النفاق - فإنّ هذه الروح بطبيعتها الوصوليّة ستفرض عليه المُمالئة، والقيام بأعمال لا يقتنع بها، ولا يؤدّيها إلاّ أداء شكليّاً؛ لغرض الوصول إلى مآربه...

ولهذا يعجز المنافق مهما أعْمل قدرته في التمثيل والتضليل، أن يعطي أعماله الخيّرة روح الخير - كالذي يؤمن بها ويتفاعل معها - فيحدث أن تنعكس روحه المنافقة على القيم التي يتحدّث عنها، والصلاة التي يصلّيها، والمال الذي ينفقه، وأحياناً يتّضح خموله الروحي ونفاقه، فتراه يشعر بعمل الخير ضريبة مكروهة يدفع إليها نفسه دفعاً، بينما تراه يمارس أعماله النفعيّة بكلّ إقبال.


يقول الله عزّ وجلّ عن المنافقين: ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) 4 - 7 الماعون.

ويقول عزّ وجلّ: ( قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ * فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ * وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ) 53 - 56 - التوبة.

ويقول عزّ وجلّ: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) 142 - 143 النساء.

وأمّا الذي يواجه الحياة لا بروح النفاق، ولكن بقدر ناقصٍ من الجدّ والمسؤولية، فهو المؤمن الذي لم تكتمل فيه روح الإيمان، ولم يستوفِ دفعة الحيويّة والتفاعل مع السلوك الذي يؤمن به، وهذه الروح الناقصة تسبب فيه كسلاً نفسيّاً، يختلف في قدره ونوعه عن كسل النفاق، ولكنّه يشترك معه في أنّه كسل ناتج عن انحراف نفسيّ في مواجهة الحياة.

ودرجات هذا الكسل تتفاوت... فربّما كان كسلاً مُطبقاً على جميع النشاط الخيّر، حتى يكون خمولاً وجموداً في القلب، وربّما كان كسلاً عن اتخاذ المواقف الحاسمة في الحياة، أو كسلاً عن محبّة الناس، أو عن تلاوة القرآن والصلاة... في حالات معيّنة أو دائمة.

ويتّسع هذا الكسل في الناس، حتى ليكون لكلّ مؤمن منه نصيب قلّ أم كثر، ولا يسلم منه كليّاً إلاّ من بذل مع نفسه جهداً تربويّاً كبيراً فعصمه الله عزّ وجلّ.

* * *


وعلى المسلم الذي يعرض له الكسل في صلاته أن يبحث عن سببه:

فإن كان ناتجاً عن عارض صحّي، فدواؤه المعالجة الصحيّة، وكلّ ما غلب عليه الله عزّ وجلّ فهو أولى بالعذر فيه، على حدّ تعبير الإمام الصادق (عليه السلام).

وإن كان ناتجاً عن تقصير في الجدّ والتفاعل مع السلوك، فلا بدّ للمسلم أن يخرج بصلاته من صلاة الكسالى، إلى صلاة الوعي والنشاط فيقوم

أوّلاً: بتفهّم الصلاة ومدى ضرورتها الذاتيّة والموضوعيّة لوجوده، ويحسّ بها مسؤوليّة محبّبة من أجل مصلحته، لا من أجل الله الغني تبارك وتعالى.

ويقوم ثانياً: بتغيير طريقة أدائه للصلاة، فلا يكون همّه حينما يبدأ بها أن ينتهى منها، ولا يعتبرها عملاً مقفلاً يقوم به دون تفهّم، بل حقلاً جميلاً يعيش فيه بروحه وفكره وجسده، ويجني من عطائه... ليحسّ أحدنا على الأقل أنّ الله عزّ وجلّ ينظر إليه في صلاته، وأنّ الملائكة يؤمّنون على دعائه ويستغفرون له.

وحينما يبدأ المسلم في التغلّب على هذا الكسل، فسيجد الله سبحانه في عونه، وسيجد صلاته.

أمّا كسل النفاق فلا شفاء منه إلاّ بالشفاء من مرض النفاق، باستئصال الروح المريضة واقتلاعها من أعماق الشخصيّة، ومواجهة الحياة بروح مؤمنة مسؤولة.

* * *

وتضييع الصلاة مسألة متّصلة بالكسل... فما صلاة الكسالى إلاّ لوناً من ألوان إضاعة الصلاة.

ومن ملاحظة نصوص القرآن الكريم والسنّة الشريفة في إضاعة الصلاة، نجد أنّها تقصد بالإضاعة معنيين:

الاستخفاف بالصلاة، وترك الصلاة كليّاً.

أمّا الاستخفاف بها فهو يشمل: عدم تفهّم الصلاة في أحكامها وشروطها الشرعيّة، وتأخيرها عن وقتها، وتركها جزئيّاً، وعدم التأنّي في أدائها، وعدم التوجّه بالقلب والتأثّر بها حال أدائها... وإليك بعض النصوص التي تخصّ


هذه الألوان من التضييع:

عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (ليس منّي من استخفّ بصلاته، لا يَرِد الحوض عليّ، لا والله..).

وعنه (صلّى الله عليه وآله) قال: (لكلّ شيءٍ وجه، ووجه دينكم الصلاة، فلا يَشِيننّ أحدكم وجه دينه...).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال لجماعة: (والله إنّه ليأتي على الرجل خمسون سنةً وما قَبل الله منه صلاة واحدة، فأيّ شيءٍ أشدّ من هذا؟! والله إنّكم لتعرفون من جيرانكم وأصحابكم مَن لو كان يصلّي لبعضكم ما قبلها منه لاستخفافه بها... إنّ الله لا يقبل إلاّ الحسن، فكيف يقبل ما يُستَخفّ به) الوسائل ج3 ص15 - 16.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (بينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جالس في المسجد، إذ دخل رجل، فقام يصلّي فلم يُتمّ ركوعه ولا سجوده، فقال (صلّى الله عليه وآله): نقرٌ كنقرِ الغراب، لئن مات هذا الرجل وهكذا وصلاته ليموتنّ على غير ديني).

وعن النبي (صلّى لله عليه وآله) قال: (الصلاة ميزان، من وفّى استوفى).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (إذا صلّيت صلاة فريضة فصلّها لوقتها صلاة مودّع يخاف أن لا يعود إليها أبداً، ثمّ اصْرف بصرك إلى موضع سجودك، فلو تعلم مَن على يمينك وشمالك لأحسنت صلاتك، واعلم أنّك بين يدي من يراك ولا تراه) .

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (إنّ أسرق النّاس من سرق من صلاته). الوسائل ج3 ص21 - 24.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (إنّ العبد لَيُرفع له من صلاته نصفها، أو ثُلثها، أو ربعها، أو خُمُسها... فما يُرفع له إلاّ ما أقْبلَ عليه منها بقلبه...) الوسائل ج3 ص52.

* * *


وأمّا ترك الصلاة كليّاً فقد حذّرت من خطورته نصوص كثيرة، وأهمّ حقيقتين في هذه النصوص؛ أنّ ترك الصلاة يعتبر قطع آخر رابطةٍ تربط الإنسان بالله عزّ وجلّ، وأنّ تركها يقترن بفقدان الإنسان للمقياس السلوكي، الأمر الذي يجعله فريسةً للشهوات الرخيصة.

ففي سورة مريم يتحدّث القرآن الكريم عن الذين أنعم الله عليهم من ذريّة آدم وخيار أبنائه، ثمّ يشير إلى الانحرافات التي كانت تحدث بعدهم فيقول:

( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا ) 59 - 60 - مريم.

وعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (لا يزال الشيطان ذَعِراً من المؤمن، ما حافظ على مواقيت الصلوات الخَمس، فإذا ضيعهنّ؛ اجترأ عليه فأدخله في العَظائم) الوسائل ج3 ص18.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أوصني، فقال: لا تدع الصلاة متعمّداً، فإنّ من تركها متعمّداً، فقد برئت منه ملّة الإسلام) الوسائل ج3 ص29.

وقد يبدو الحكم على تارك الصلاة بأنّه مقطوع الرابطة بالإسلام، وبأنّه تابع لشهواته، حكماً قاسياً، ولكنّ الملاحظة توضّح منطقيّة هذا الحكم:

إنّ الإسلام طريقة معيّنة في التفكير والسلوك، لها تكاليفها وشروطها.... فمن الطبيعي أن لا يعدّ الإنسان منتمياً إلى هذه الطريقة ما لم يتحمّل التكاليف والشروط.

وبديهي أنّ أوّل شروط الانتماء إلى طريقة العيش الإسلاميّة، استعداد الإنسان أن يتملّى روح هذه الطريقة، وأن يركّزها في نفسه كلّ يوم؛ من أجل أن يفيَ بتكاليفها ويتعامل مع الحياة من خلالها... أمّا إذا رفض ذلك أو تقاعس عنه، فإنّ هذا يعني عدم استعداده للنهوض بتكاليفها، وبالتالي رفضه للعيش بالطريقة الإسلامية.


ماذا يبقى من إسلام (المسلم) إذا ترك مؤثّرات الحياة المختلفة تتكاثف على نفسه، على فكره ومشاعره وإحساسه بالحياة، دون أن يجلوها بوقفة بين يدي نفسه ويدي الله، تعيد إليه روح الإسلام واستقامته...؟

إنّ مَثله مَثَل الذي يؤمن بالنظافة ويريدها، ولكنّه يترك الغبار والأدران تتكاثف على جسده، فهو بالحقيقة لا يريد النظافة ولا يؤمن بها إيماناً فعّالاً.

فليس من الغريب إذاً أن يكون ترك الصلاة بمثابة قطع آخر رابطةٍ تَصِل الإنسان بملّة الإسلام، ما دامت هذه الفريضة من أوّل الشروط العمليّة لاستكناه هذه الملّة والعيش على هداها.

كذلك ليس من الغريب أن يَقترن ترك الصلاة بإتباع الشهوات؛ لأنّه لا معنى للتخلّي عن التفاعل مع طريقة العيش الإسلامية إلاّ الانحراف إلى طريقة عيش ثانية، تتّصف بالهوى، والاستسلام للنوازع القريبة، والابتعاد عن مواجهة الحياة بروح مؤمنة جادّة.

ولنا من حياة المضيّعين لصلاتهم خير دليل على التلازم بين إضاعة الصلاة وإطاعة النوازع الشهويّة الزائلة... ولنا من تقرير الله عزّ وجلّ لهذه الحقيقة، خير دليل على ثبوتها في نفس الإنسان وحياته... أعاذ الله المسلمين وهداهم.

* * *



الفصل الثالث

الصّلاة في السُنّة

* النداء للصّلاة - الأذان والإقامة

* التجمّع للصّلاة - صلاة الجماعة

* أوضاع الصّلاة

* تلاوات الصّلاة

* الجهر والإخفات

* قبول الصّلاة

* النوافل



تقسيم نصوص الصّلاة في السُنّة

بين أيدينا من السنّة الشريفة مئات النصوص في موضوع الصلاة، ففي كتاب الكافي وحده، أخرج ثقة الإسلام الكليني رحمة الله عليه، تسع مئة وسبعة وعشرين حديثاً، أما الحرّ العاملي رحمه الله، فقد أخرج في موسوعته الحديثية - الوسائل - أضعاف هذا العدد، إذ بلغت صفحات الأجزاء الثالث، والرابع، والخامس المخصّصة لأحاديث الصلاة أكثر من ألف وثمان مئة صفحة، وكذلك ما ورد في مصادر السنّة الشريفة في الصحاح الستّة وغيرها... وتتناول هذه النصوص تفاصيل أحكام الصلاة وشرائطها ومستحباتها وكلّ ما يتعلّق بهذه الفريضة المقدّسة من قُرب أو بعد.

وتنقسم الأحاديث الشريفة التي تدخل في عرض هذه الدراسة - عدا ما تقدّم - إلى الأقسام التالية:

* النداء للصّلاة - الأذان والإقامة

* التجمّع للصّلاة - صلاة الجماعة

* أوضاع الصّلاة

* تلاوات الصّلاة

* الجهر والإخفات

* قبول الصّلاة

* النوافل



النداء للصّلاة

الأذان ، هذا النداء المرتفع من أرجاء العالم الإسلامي مرّات في كلّ يوم، هو لدى التحليل إعلان بالإسلام، ودعوة إلى الصلاة... وهو لذلك يشكل مادّة إعلاميّة تهدف إلى طبع المجتمع بطابع إسلامي.

والإعلام في الإسلام جانب محفوف بالعناية والإتقان، شأن صنعة الله الذي أتقن هذا الدين وأتقن كلّ شيءٍ.

وإذا التفتنا إلى أنّ الإعلام هو: عمليّة تكوين الأفكار والمشاعر في الآخرين، نعرف كم أنّ تشريعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتجمّع السنوي لأداء الحجّ، وتلاوة القرآن، وإقامة المباني العامّة - المساجد - والأذان للصلاة، والتجمّع للصلاة... كم هي عمليّات إعلاميّة بليغة ومتقنة.

لقد خطى الإعلام في عصرنا الحديث خطوات واسعة، ولكنّه لم يبلغ مستوى الإعلام الإسلامي في القدرة على التأثير.

فلكي نكون منصفين في المقارنة؛ لا بدّ أن نساوي في الظروف بين المادّة الإعلاميّة الإسلاميّة، وبين المادّة الإعلاميّة للمبادئ والاتجاهات الأخرى.

إنّ الإعلام يتكوّن من: مادّة إعلاميّة، ووسيلة إعلام، ولمّا كانت المادّة الإعلاميّة الإسلامية محرومة فعلاً من وسائل الإعلام الحديثة - نتيجة إقصاء الإسلام عن مسرح الحياة - فإنّه لكي تكون الموازنة سليمة بينها وبين المادّة الإعلاميّة في الاتجاهات الحاضرة، لا بدّ أن نفترض كلتا المادّتين مجرّدتين عن الوسائل، ونوازن بينهما كمادّتين فكريّتين وشعوريّتين فقط، أو أن نفرض تكافؤها في امتلاك الوسائل...


أمّا أن ننظر إلى المادّة الإعلاميّة غير الإسلامية ضمن ما تملكه من وسائل متنوّعة، ونقارنها بالمادّة الإعلاميّة الإسلامية ضمن حرمانها من الوسائل الحديثة... فذلك هو التحيّز والظلم.

وبهذه النظرة نجد أنّ للمادّة الإعلاميّة في الإسلام ميزتين جوهريّتين وتركيباً متفرّداً...

فمن ميزاتها: أنّها دائماً مادّة ذات مناسبة منطقيّة، ومن هنا لم يكن في الإسلام مادّة إعلاميّة لمجرّد الإعلام، كما في أغلب المواد الإعلاميّة التي نشاهدها، بل كانت المواد الإعلاميّة الإسلامية بنفسها ضرورات فرديّة واجتماعية، وكان عطاؤها الإعلامي عطاءً تلقائيّاً...

والمختصّون بالإعلام يعرفون كم يمتاز الإعلام التلقائي، عن الإعلام المقصود في تكوين الأفكار والمشاعر لدى الناس، وكم يبذلون من الجهود لأجل التوصّل إلى المادّة الإعلاميّة التلقائيّة.

أنظر إلى فريضة الحجّ كيف يجتمع لها عشرات الألوف، من عناصر مختلفة وبيئات متباينة، وكيف أنّ كلاً منهم إنّما يقصد أداء مناسكه في أرض النبوّات المقدّسة، ثمّ أنظر كيف تنصهر أفكارهم ومشاعرهم تلقائيّاً في وحدة الإخاء الإنساني، وذكريات الأبوين الطاهرين آدم وحواء، بما تعجز عنه مؤسسات وجهود إلغاء التمييز العنصري، إذا كانت صادقة.

وانظر إذا شئت إلى التجمّع اليومي للصلاة، كيف يلتقي فيه أهل الحيّ الواحد - على الأقلّ - ويتعارفون ويتبادلون الأحاديث في الأمور المختلفة، ويكوّنون وحدة اجتماعيّة وفكريّة... كلّ ذلك بشكل تلقائي بليغ، لا تنهض به تجمّعات الروابط والجمعيّات في المجتمع غير الإسلامي.

ثمّ انظر إلى الأذان موضوع الحديث، في محتواه الفكري وفي مناسبته المنطقيّة، ثمّ في تركيبه وأسلوبه! فالمحتوى الفكري في الأذان يتلّخص في التكبير، والشهادتين، والدعوة إلى الصلاة.

والمناسبة المنطقيّة للأذان هي: الحاجة الحقيقيّة للتذكير بحين الصلاة، فإنّ


الناس بحاجة إلى إعلان يعرّفهم بالفجر، ثمّ يذكّرهم بالزوال، ثمّ يعلن لهم المغيب، كما إنّهم بحاجة حقيقيّة إلى إعلان يحدّد لهم وقت الاستيقاظ، ونهاية شوط العمل الصباحي والمسائي..

وأمّا صيغة الأذان وأسلوبه، ففيهما يكمن الإبداع والإعجاز...

تأمّل في عبائره ، وفي إيقاعه النفسي، وفي تسلسله خطوة خطوة... ولا بدّ لك أن تزيل راسب الإلفة المكثّف حتى تجد الأذان الذي أقصد.

لقد تعوّدت أذهاننا مثلاً كلمة (القرآن) اسماً لكتاب الله عزّ وجلّ، ولذلك نحسبه اسماً عاديّاً، أمّا لو تأمّلناه بنظرةٍ فاحصة لأخذتنا الدهشة لهذا الاسم، ولعلمنا أنّ الذهنيّة البشريّة لو جهدت مجتمعة لمَا توصّلت إلى هذه اللفظة اسماً لكتاب.

القرآن : أيْ ما يقرأ، أي الكلام الذي يستحقّ أن يُقرأ على البشريّة، والذي يستحقّ أن تقرأه البشريّة...

القرآن : انطلق بعقلك مع هذا الاسم، وابحث كلّ عمرك عن اسمٍ عملي بليغ، حيوي موجز، جزلِ اللفظ متين البناء، رائع الإيقاع معبّر عن كتاب الله للناس... فلن تجد غير... القرآن.

كذلك نحن تعوّدنا صيغة (الله أكبر)، وصرنا نحسبها عبارة عاديّة، ولكنّها عبارة تجسّد لنا حقيقة أنّنا لن نحيط بالله علماً، ولن نحيط به وصفاً، وأنّه عزّ وجلّ أكبر من مخاوفنا وهمومنا وقدراتنا ومشاكل حياتنا...

كلمتان : هما شعار الأمّة، وهتافه في معركة، وطاقة أمام عقبة، وتعبير عن إعجاب بجمال أو جلال، ونداء ينطلق في بدء الدعوة إلى الصلاة...

كلمتان : كلمّا تأمّلناهما أدركنا إعجاز مضمونهما وصيغتهما، وفهمنا قول بعض الأحاديث الشريفة: أنّ التكبير عطاء من الله لهذه الأمّة.

الله أكبر: بهذا التركيب الموجز، والجرس الحاسم، وبصيغة التفضيل المطلق، والصلاحيّة للعديد من حالاتنا... رائعةٌ من خلق الله، ولا بديل لخلق الله.


بهذه الصيغة الخالدة يفتتح الأذان، أربع مرّات، فينهل العقل والشعور من عطائها، وينطلق في أبعادها ولا يملّ...

ثمّ تأتي الشهادة لله ولرسوله...

والشهادة في الأساس: إقرار يؤخذ من الشاهد أمام قاضٍ في محكمة، ولكنّها بلاغة الإسلام نقلتها من جلسة في محكمة إلى وقفة مفتوحة أمام الناس والأشياء، وجعلت الوجود كلّه محكمة يدلي المؤذّن بشهادته على أسماعه، ويدعونه إلى تسجيلها وتصديقها.

ومن بلاغة صيغة الشهادة أنّها تنصّب على إفراد الله عزّ وجلّ في الإلوهيّة، ونفيها عن سواه، فكأنّ المسألة ليست إلوهيّة الله عزّ وجلّ بمقدار ما هي توحيد الله.

وكأنّ (أشهد أن لا إله إلاّ الله) علمٌ يرفعه المؤذّن خفّاقاً باسم الخالق الواحد، والمالك الواحد، والحاكم الواحد تبارك وتعالى، ثمّ يعقِبه بالشهادة لمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، بأنّه رسول الإله الواحد، ومبعوثه للبشر... وكفى بكلمة رسول تعبيراً ميسّراً بليغاً عن مهمّة النبي (صلّى الله عليه وآله).

وكما تؤدّى الشهادة في المحكمة من قِبل شاهدين، تتكرّر من المؤذّن مرّتين.

ثمّ تأتي الدعوة إلى الصلاة بأسلوب جديد قلمّا يستعمل في الدعوة إلى مهمّة، إذ تنتقى لها كلمة (حيّ) المعبّرة النشيطة النديّة، وكأنّها تثير الشهامة الإنسانية إلى مهمّة شريفة.

وتتكرّر الدعوة ثلاث مرّات: إلى الصلاة باسمها المجرّد الخاشع المتفتّح.

ثمّ إلى الصلاة بصفتها الفلاح والفوز برضا الرب تبارك وتعالى.

ثمّ إلى الصلاة خير العمل، وباعثة الروح في ضمير الإنسان وأعماله.

وحيث إنّ الدعوة إلى الصلاة قد تلاقي صعوبة في النفس، فإذا بالتكبير يأتي بعدها مرّة أخرى لينشط النفس من عقالٍ ويدعوها إلى إجابة الأكبر تعالى، ثمّ يختم الأذان بوحدانية الله عزّ وجلّ، ليس بصيغة الشهادة بل بصيغة التقرير لحقيقة ثابتة في ذاتها، ولحقيقة أُدّيت بها الشهادة فدوّنت... وإذا بالأذان يُختم بكلمة (الله) كما فُتح بكلمة (الله).


إنّ هذه الأسطر التي قدّمتها لك لا تفي بالكشف عن روعة الأذان، وإنّما تفتح لك الباب إلى الملاحظة والاستيعاب... فالحقّ أنّ الأذان سواء في صياغته التعبيريّة، أم في إيقاعه وإيحائه النفسي، أم في تسلسله مع العقل وانسيابه في الروح؛ لوحة فنيّة لا تشبهها إلاّ سورة من القرآن.

والحقّ أنّ فكرة الأذان، فكرةَ أن يُنادى بهذه المفاهيم وهذا التعبير على أسماع الناس والطبيعة، فكرة معجزة كإعجاز الأذان وككلّ تشريعات الإسلام...

إنّ الأذان تشريع من تشريع الله، وشعيرة من شعائره، أراد عزّ وجلّ أن ينطبع بها المجتمع الإسلامي، أراد أن يعلوَ هذا النداء الخالد مرّات كلّ يوم، فيلفّ بصداه العذب معالم المدينة والقرية والسهل والجبل... أن تنطلق هذه الدعوة في كلّ فترة لتهيب بالناس أن يكونوا على مستوى الإسلام لله، وأن لا يعوقهم عن الوقفة الغنيّة بين يديه عائق من عمل أو تقاعس...

أنت في المجتمع، المؤذّن صديق حميم لنداء (الله أكبر) ينساب في ضميرك مع تنفّس الصباح، ليبعثك من رقدتك على دفئه ونداه وحنانه... ثمّ يعاودك في الظهيرة لتنهي عملك على بركته، ثمّ يعاودك باطمئنان مع سكون المساء...

ومن مؤذنين متنوّعين وفي بلاد مختلفة يوافيك... فإذا هو النداء الخالد، والصديق الحميم، يَهبُ النبرات واللهجات عذوبة الإيمان، ويجسّد في الأمكنة والأزمنة وحدة قضيّة، الإيمان وتعالي رايتها.

صوتٌ حميم أنّى ذهبت في بلاد الله، يعطي ليومك روعة اليقظة وجمال الاستراحة والعودة، يعطي للطبيعة من حولك نفحة الإيمان فتتجاوب مع أمواجه...

ما ضرّ هذه البشريّة الضالّة لو تجاوبت مع نعمة الأذان الثريّة، مع هذا العطاء الإلهي، ففتحت عليها قلوبها مع تفتّح الطبيعة، وأنهت عليها أعمالها واستقبلت بها المغيب...

إذ ذلك خير أم موادّ الإعلام التي تحاول أن تعطيه سِمات معينّة، فلا تعطيه إلاّ سِمة العبادة للصغائر، والغباء عن الخالق الأكبر، وعن كلّ ما هو أكبر في ضمير الإنسان وضمير الحياة...؟


إنّ الأذان - هذه السِمة البليغة التي أرادها الله أن تتجاوب في أرجاء الحياة - لم يزل بنفس القوّة وبنفس الثراء الذي جنت منه الأمّة فجرها، حينما عاشته في ضميرها، وهتفت به في معاركها، ورفعته من مآذنها... ولا بدّ مجدّداً أن تنفتّح له الأسماع ويأخذ طريقه إلى القلوب والحياة، فبذلك وعدَ الله عزّ وجلّ صاحب الوجود وصاحب مشروع الإسلام في المجتمع البشري.

* * *

يقول (إدوارد وليام لين) صاحب كتاب (أحوال المحدّثين وعاداتهم): (إنّ أصوات الأذان أخّاذةٌ جداً، ولا سيّما في هدأة الليل).

ويقول (جيراردي نرفال) في كتابه (سياحة بالمشرق):

إنّني لأوّل مرّة سمعت فهيا صوت المؤذّن الرخيم الناصع، خامرني شعور من الشجو لا يوصف، وسألت الترجمان: ماذا يقول هذا الهاتف؟ فقال: إنّه ينادي أن لا إله إلاّ الله، قلت: فماذا يقول بعد هذا؟ فقال: إنّه يدعوا النيام قائلاً: يا من ينام توكل على الحيّ الذي لا ينام...

ويقول الكاتب المتصوف (لافكاد يوهيرون):

(إنّ السائح الذي يهجع لأوّل مرّة بين جدران مدينة شرقيّة، وعلى مقربة من إحدى المنائر، قلمّا تفوته خشعة الفوائد لذلك الجمال الوقور، الذي ينبعث به دعاء المسلمين إلى الصلاة، وهو لا شكّ يستوعب في قلبه - إذا كان قد هيأ نفسه للرحلة بالقراءة - كلّ كلمة من كلمات تلك الدعوة المقدّسة، ويتبيّن مقاطعها وأجزاءها في نفحات المؤذّن الرنّانة، حيثما أرسل الفجر ضياءه المورّد في سماء مصر أو سورية، وفاض بها على النجوم، وإنّه ليسمع هذا الصوت أربع مرّات أخرى قبل أن يعود إلى المشرق ضياء الصباح... يسمعه تحت وهج الظهيرة اللامعة، ويسمعه قبيل غياب الشمس والمغرب يتألّق بألوان القرمز والنضّار، ويسمعه عقيب ذلك حين تنسرب هذه الألوان الزاهية في صبغة مزدوجة من البرتقال والزمرّد، ثمّ يسمعه آخر الأمر حين تومض من


فوقه ملايين المصابيح التي ترصع بها تلك القبّة البنفسجية - يقصد السماء - فوق مسجد الله الذي لا يزول...

عن كتاب (بلال) للمرحوم العقّاد ص144 - 145.

* * *



التجمّع للصّلاة

الحياة ضمن الجماعة:

هل صحيح أنّ الإنسان ليس مدنيّاً بالطبع، وأنّ حياة أحدنا ضمن الجماعة إنّما نشأت من حاجته إلى الجماعة، في خبزه وثيابه ومسكنه...؟

حاول مرّة أحد الأصدقاء أن يثبت أنّ رغبة الإنسان في الحياة الاجتماعيّة، ليس لها عمق في نفسه وراء حاجاته الاقتصادية.

قيل له: ألا تحسّ في نفسك حاجة للحياة مع الناس وراء انتفاعك منهم في معيشتك؟

قال: بلى.

قيل له: هذا دليل على أنّك اجتماعي بالطبع قبل أن تكون اجتماعيّاً للنفع.

قال: هذا تطبّع تربينا عليه، وليس طبعاً في عمق أنفسنا.

قيل له: افترض أنّ الناس لم يتربّوا على حياة الجماعة، وأنّ كلّ فرد منهم نشأ مكفيّ الحاجات، أفتراهم كانوا يعيشون آحاداً؟

قال: نعم.

قيل له: وعاطفة غريزة الجنس مثلاً، ألا كانت تدفع بالرجل والمرأة إلى التزاوج؟

وعاطفة الأُمومة والأبوّة، ألا كانت تدفع بالأبوين إلى احتضان الصغار؟

فها قد تكوّنت نواة الجماعة - الأسرة - ونتج عنها القرابة، ونتج عنها الحياة الاجتماعيّة.


وثراء الإنسان الفكري، ألم يكن يدفعه إلى البحث عن حقل لأفكاره.

وأُنس الإنسان بالإنسان، وميله إلى مزج نفسه بأُنفس الآخرين...

واستطردنا نحشد الأمثلة من أفكار الإنسان وعواطفه، نفنّد بها افتراض صديقنا حتى أقنعناه بأنّه اجتماعي بطبيعته، وأنّ الحياة الأصليّة للإنسان والحيوان والطيور هي الحياة ضمن الجماعة والأسراب.

إنّ لحياة الإنسان الاجتماعيّة (الحياة ضمن الجماعة) منبعين اثنين وليس منبعاً واحداً، فمنبع من حاجاته المعيشيّة، ومنبع وراء ذلك؛ من إنسانية الإنسان وعمق نفسه، وكذلك اتّسقتْ في تقدير الله عزّ وجلّ حاجة الفرد البشري للجماعة في معيشته، مع حاجته لهم في إنسانيّته.

الحاجات المعيشيّة بسبب كثرتها وتنوّعها تقول للإنسان: إنّك لا تستطيع أن توفّرني إلاّ عن طريق الخباز، ومعمل الطحين والفلاح، ومصنع الآلات الزراعية، والبنّاء والنجّار والنسّاج والسائق... وعشرات ومئات الناس الذين يُسهمون في إقامة حياتك، وتسهم من جانبك في إقامة حياتهم.

وإنسانية الإنسان بدورها تقول له...

تقول له - ألوان الحبّ التي يحملها في أعماقه -: ابحث لي عمّن أحبّ، عن صاحب خُلق كريم، وعن شجاع نبيل، وعن زوجة وفيّة، وعن أولاد، وعن إنسان كامل الإنسانيّة... ابحث لي عمّن آنس به، وآلفه واسكن إليه، وأفيض عليه من روحي، ويفيض عليّ من روحه.

وتقول له - ألوان الأفكار والمشاعر -: ابحث لي عن مستَقَر، عن فكرٍ أعبّر إليه، وشعور أتسرّب فيه، عن أفكار أتكامل بالتفاعل معها، ومشاعر أتكامل بالامتزاج فيها.

وتقول له نزعته لخدمة الآخرين... ويقول له حنانه إلى أبناء جنسه وميله إلى عنصره... وتقول له أعماقه بكلّها: أنا لا أستطيع العيش إلاّ في واحة البشر...


إنّ إنسانية الإنسان كدرّ الأُمّ؛ ينبع من دمها، ويفيض في صدرها، مطالباً بالوليد الرضيع، فإن هو لم يجد رضيعه لم يؤدّ دوره، ولم يبلغ هدفه، وارتدّ على الأمّ ألماً وضيقاً... وكذلك النفس البشريّة تفيض بالرغبة في الامتزاج بالجماعة، فإن هي لم تجد الأنفس التي تكتمل بالتفاعل الإنساني معها، لم تبلغ تكاملها وارتدّت على صاحبها ضموراً وألماً وضيقاً.

الذين يختصرون حياة الإنسان بالبحث عن الخبز هم أغبياء حقّاً، كم من باحث في الناس عن الرغيف حتى إذا وجده استقرّ واطمأنّ... ولكنّه بنفس الوقت باحث عن نفس بشريّة يمتزج بها، حتى إذا وجدها استقرّ واطمأنّ...

وها نحن نشاهد إنسان الحضارة القائمة حينما اشبع بطنه الرغيف، وأشبع فرجه الجنس، وأعرض عن إشباع إنسانيّته العميقة، كيف تحوّلت إنسانيّته إلى بركان يتفّجر في داخله ويمزّقه!

لقد تحمّلت الحضارة الكافرة ظلم الفطرة الإنسانية، فما كان إلاّ أن ثارت الفطرة المكبوتة، عن طريق ردّات فعل غريبة... فمن انتحار يتضاعف بسبب الشعور بالوحدة، إلى مجتمعات (البتلز والهيبيين)، إلى ردّات التديّن واستحداث الطرق الدينيّة، إلى الإسراف في المسكرات والمخدّرات، إلى التعقيد النفسي المتفاقم...

ردّات تلتقي في الكفر بالحضارة القائمة، الحضارة التي أشبعت الإنسان الخبز والجنس، ولكنّها أفقدته الترابط الفكري والعاطفي حتى في أسرته، أفقدته تكامل إنسانيّته من خلال الجماعة... الحضارة التي صيرت الناس كتلاً بشريّة هائلة، ولكنّها قطعت من بينهم كلّ وشائج الشعور والفكر ( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ) .

أمّا الإسلام المنهج الربّاني الخبير بحاجات النفس البشريّة، فإنّه لم يعط الإنسان خبز جسده حتى أعطاه خبز إنسانيّته...فبذلك معاً يكون الإنسان إنساناً في رأي الإسلام.

والنظريّة الاجتماعيّة في الإسلام موضوع دراسة مستقلّة أو دراسات...فالإسلام لون حضاري متميّز، وله نظريّته المستقلّة في الأُسس، والتشريعات،


والتوجيهات، التي يقيّم عليها مجتمعه... في مقابل الأُسس والتشريعات والتوجيهات (أو في مقابل اللانظريّة) التي تقوم عليها مجتمعات الحضارة الماديّة القائمة، التي انحرفت بالفطرة الاجتماعيّة، وبالحقوق الاجتماعيّة، وبالعلاقات الاجتماعيّة إلى درجة خطيرة، لم تشهدها حتى مجتمعات الجاهليّة الأُولى!

مكان التجمع للصّلاة

والتجمّعات التي أوجبها الإسلام ودعا إليها، من أهمّ مظاهر الحياة الاجتماعيّة في الإسلام، التجمّع السنوي للحجّ في أرض الله المقدّسة، وفي المشاهد المشرّفة، والتجمّع لصلوات الأعياد، والاحتفالات والمناسبات، والتجمّع الأسبوعي لصلاة الجمعة، والتجمّع اليومي لصلاة الجماعة في المساجد... موضوع الحديث.

صحيح أنّ الإسلام أجاز أن تؤدّى الصلاة، وتقام الجماعة في البيت، أو الساحة أو في أي مكان مناسب، ولكنّ المكان الطبيعي المفضّل لديه هو المسجد.

وفكرة المسجد أو الأماكن العامّة المنسوبة إلى الله عزّ وجلّ، فكرة قائمة في الشرائع السابقة قبل الإسلام، ولكنّ الذي فعلته الشريعة الإسلامية؛ أنّها صحّحت هذه الفكرة من رواسب الانحراف عن الشرائع السابقة، وأعطتها مضمونها الاجتماعي وموقعها من حركة الحياة...

قد تقول: لا نُنكر ما لهذا الالتقاء اليومي المتكرّر من دور في توثيق العلاقات الاجتماعية بين الناس، ولكنّ هذا لا يبيح دعوى اختلاف فكرة المساجد اختلافاً جوهريّاً عن فكرة المعابد في الأديان الأخرى... ودونك المسجد الإسلامي المعاصر، أي فرق له عن غيره من المعابد فيما عدا كثرة الالتقاء للصلاة؟

نعم ، إنّ المسجد الإسلامي المعاصر بناء، بتصميمات (دينيّة) معيّنة، محاط بأوضاع وقيود خاصّة يقوم على شؤونه (رجل دين) ومؤذّن يعلن أوقات


الصلاة... والإيحاءات الغيبيّة متقارنة في أذهان الكثيرين، بين شكل كنيسةٍ ومسجد ومعبد، أو بين قسيسٍ وكاهن وإمام جماعة، أو بين عامل الناقوس وعامل المبخرة والمؤذّن! فأين المضمون الاجتماعي والموقع من حرمة الحياة الذي يجعل فكرة المسجد تختلف جوهريّاً عن فكرة المعابد الأخرى...؟

من الإنصاف أن نعترف بأنّ مساجدنا الإسلامية أصبحت قريبة الشبه في شكلها، وشعاراتها، والقائمين عليها، وبعدها عن المضمون الاجتماعي وحركة الحياة، بالمعابد الأخرى... ولكن من الإنصاف أيضاً أن نسأل: هل يا ترى هذه هي فكرة المسجد في الإسلام؟

أوّل ما يطالعك من أمر المسجد في مصادر الإسلام، مسألة الشكل وإصرار الإسلام على رفض المآذن والزخارف والمحاريب والتشاريف! بل والدعوة إلى جعل المسجد باحةً غير مسقوفة إلاّ في الضرورات!

ثمّ يأتي رفض الكهنوت... فلا مبخرة في المسجد، ولا مذبح، ولا كرسي اعتراف، ولا رجل دين يقم بمراسيم، ولا موظف للأذان...! إنّما يؤمّ الصلاة من يُوثق به من المسلمين، فقيهاً كان أو موظفاً أو طالباً أو تاجراً أو عاملاً ودون زيّ خاصّ يتزيّا به، ويؤذّن للصلاة أيّ فردٍ من المسلمين يتطوّع للإعلان هذه الدعوة الكريمة.

ثمّ تجد الحثّ على عمارة المسجد وإعماره، بالتواجد فيه، والصلاة فيه، والجلوس فيه، وعقد الاجتماعات والالتقاء بالإخوان ومصافحتهم وتبادل المودّة معهم.

تجد أنّ المسجد الإسلامي كما ترسمه نصوص الإسلام (صالة) طبيعيّة واسعة، أو باحة مفتوحة منسوبة إلى الله عزّ وجلّ، تشكّل مركز التقاء دائم ميسّر لأداء الصلاة، وتبادل الشؤون، وتوثيق الروابط، ومختلف المنافع الاجتماعيّة...

وهذه بين يديك مختارات من النصوص تحدّد هذه الصورة بجزمٍ ووضوح:

عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (ابنوا المساجد واجعلوها جمّا) الوسائل ج3 ص494.

وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: (لا تُزخرفوا مساجدكم كما زَخْرفت


اليَهود والنّصارى بِيَعهم) صحيح مسلم ج1 ص228.

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه رأى مسجداً بالكوفة قد شُرّف - بنيت له شُرفات - فقال: (كأنّه بِيَعة، إنّ المساجد تبنى جمّا لا تُشرّف) الوسائل ج3 ص494.

وعنه (عليه السلام) أنّه كان يكسّر المحاريب إذا رآها في المساجد ويقول: (كأنّها مذابح اليهود) الوسائل ج3 ص510.

وعنه (عليه السلام) أنّه مرّ على منارة طويلة فأمر بهدمها، ثمّ قال: (لا تُرفع المنارة إلاّ مع سطح المسجد) الوسائل ج3 ص505.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه سئل عن المساجد المظلّلة، أتكره الصلاة فيها؟ فقال: (نعم، ولكن لا يضرّكم اليوم، ولو قد كان العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك) الوسائل ج3 ص488.

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له رجل: يا أمير المؤمنين والله إنّي لأحبّك، فقال (عليه السلام) له: (ولكنّي أبغضُك قال: ولِمَ؟ قال: لأنّك تبغي في الأذان كسباً، وتأخذ على تعليم القرآن أجراً) كتاب من لا يحضره الفقيه ج3 ص109.

وعن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لجبرائيل (عليه السلام): (يا جبرئيل أيّ البقاع أحبّ إلى الله عزّ وجلّ؟ قال: المساجد، وأحبّ أهلها إلى الله؛ أوّلهم دخولاً وآخرهم خروجاً منها) الوسائل ج3 ص554.

وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (من أدمن الإختلف إلى المساجد، أصاب أخًا مستفاداً في الله عزّ وجلّ، أو علماً مستطرفاً، أو كلمة تدلّه على هدى، أو أخرى تصرفه عن الردى، أو رحمة منتظرة، أو ترك الذنب خشيةً، أو حياءً) مستدرك الوسائل ج1 ص226.

وللاستزادة من هذه النصوص يمكنك أن ترجع إلى كتاب (وسائل الشيعة) الباب 32، وكتاب (سُنن أبي داود) الباب 12 من كتاب الصلاة.

هذه صورة المسجد كما تقدّمها لنا مصادر الإسلام، ولا يهمّنا بعد ذلك


أن تكون قريبة أو بعيدة عن مساجدنا القائمة، وإنّما يهمّنا أنّها الصورة الصحيحة التي جاء بها الإسلام، والتي يجب أن نقدّمها إلى الأمّة وندعوا إليها.

يهمّنا أنّها الصورة الإسلامية التي تعيد لبيت الله مضمونه الاجتماعي، وموقعه من حرمة الحياة.

نعم؛ لقد أراد الإسلام للمسجد أن يوحي بالمعاني الغيبيّة، وأن يعمّق الفهم المعنوي للحياة في قلوب الناس، ولكنّه رفض في فكرة المسجد وفي كلّ ما قدّمه من مفاهيم وأحكام، أن يُقام في الأرض لونان من الحياة، أحدهما غيبي، والآخر مادّي، وأصرّ على اللون الواحد الحقيقي المادّي الغيبي في آنٍ، وأراده لوناً موّحداً شاملاً.

إنّ قداسة المسجد تنبع في الإسلام من إنّه؛ ملّتقى يومي مأهول عامر بالصلاة وبالحركة النافعة، التي تفيض الفهم المعنويّ على حركة الحياة الاجتماعيّة، أمّا المسجد المعزول عن حياة المجتمع، فهو في رأي الإسلام؛ مبنى معزول عن القداسة بمقدار عزلته عن عطائها.

إنّه لا فرق في رأي الإسلام بين رهبانيّة الإنسان التي تعني: أن يعتزل حركة الحياة ويتحنّط في معانٍ غيبيّة تائهة... وبين رهبانيّة المسجد التي تعني: أن يُعزل عن حركة الحياة، لكي يحنّط معاني غيبيّة تائهة.

شكل التجمع للصّلاة:

بعد هذه الفكرة عن الظرف الاجتماعي، والظرف المكاني لصلاة الجماعة في الإسلام، ننظر في شكل هذا التجمّع، وأثره في حياتنا، فنجد أنّه من أحدث وأروع أشكال التجمّعات المنظّمة!

توافد تلقائي في وقت معيّن إلى مبنى المسجد الميمون، وانتظام تلقائي في صفوف متّجهة إلى بيت الله الحرام، حيث يتّخذ كلّ وافد المحل الذي يجده شاغراً من الصف الأمامي.

وما أن يتمّ الانتظام في صفوف، ويقدّم المجتمعون أحدَ من يثقون به


لإمامة التجمّع، حتى ينهض متطوّع فيعلن تكبير الله عزّ وجلّ، والشهادة له ولرسوله (صلّى الله عليه وآله)، ثمّ يعلن الدعوة إلى الصلاة، والفلاح، وخير العمل... ثمّ يعلن قيام الصلاة، فينهض الجميع منتظمةً صفوفهم، معتدلاً وقوفهم.

ثمّ يسود الصمت لحظات، يبدؤن فيها التوجّه وينوون أداء الصلاة، فيرتفع من الإمام التكبير الذي هو: الافتتاح الرسمي للإحرام بالصلاة، ويتوالى دخول المجموع في حَرم الصلاة... ثمّ ينصتون مصغين إلى القراءة، التي ينوب فيها الإمام عن الجميع...

ويتتابع أداء الفريضة في فصول بليغة، تتّسق فيها التلاوة مع الحركة، مع الفكرة، مع المشاعر... في مزيج إنساني ربّاني عجيب.

إنّ الأسطر لا تنهض بالوصف، والصفحات لا تكفي عن العيان، فما عليك لكي تحسّ بروعة هذا التجمّع الإنساني بين يدي الله، إلاّ أن تنفُض عن ذهنك رواسب الماضي، رواسب النظرة الضيّقة، وتواجه هذا المظهر الاجتماعي بعقل منفتح متأمّل.

سوف تدرك البلاغة الفكريّة والشعوريّة المنبثقة من عمق هذا التجمّع وأفكاره... وتدرك أنّ علماء الاجتماع لن يصلوا إلى شكلٍ للتجمّع البشري أروع وأثرى وأحدث من هذا الشكل، تماماً كما يعجز علماء النبات عن أن يقدّموا لشجرةٍ واحدة نظاماً أروع وأحدث من نظامها الذي تسير فيه، واهبةً العطر والمنظر والظلّ والغذاء والدواء... وما واضع نظام التجمّع للصلاة ونظام الشجرة إلاّ واحداً عزّ وجلّ...

من أبرز ما في هذا المجتمع:

إمامة التجمّع التي تعني: تقديم المصلّين أحدَ من يثقون به؛ لينوب عنهم في التلاوة الرئيسيّة بين يدي الله تعالى، ويتابعونه في تسلسل فصول الصلاة...


شأن الانتظامات الاجتماعيّة، التي لا تتمّ في نظر الإسلام إلاّ برئاسة وإدارة، وشأن الرئاسة التي تعني: في مفهوم الإسلام النيابة عن الجماعة بثقتهم ورضاهم.

وتطبيق مفهوم الائتمام، الذي يعني في الإسلام: الإتّباع بموافقة ورضىً، مع بقاء المسؤوليّة الشخصيّة، ويتجلّى ذلك في الصلاة بأنّ الإمام ينوب عن المأموم فقط في التلاوة، حالة الوقوف بينما يتحمّل المأموم بقيّة أفعال الصلاة وتلاواتها، مع أنّه مأموم.

وشكل الانتظام في صفوف... تركيزاً لمفهوم التنظيم، الذي لا بدّ منه في رأي الإسلام لكلّ وضع اجتماعي، ولكلّ عمل اجتماعي... اتساقاً مع مخطط التنظيم الذي أقام الله عليه الوجود، وعمّمه على كلّ ذرّة من ذرّاته.

وأحقيّة السابق بالمكان، وكراهة أن يُبدأ بصف جديد حتى يَكمُل الصف الذي أمامه... منعاً للذاتيّة أن تظهر في اختيار المكان والمكين، وتحقيقاً لتجدّد التجمّع باستمرار، بحكم اختلاف توافد المصلّين يوماً عن يوم...

واليسر وعدم التعقيد... اليسر في المكان، واليسر في الانتظام كما رأيت، واليسر في مدّة الاجتماع، واليسر المقصود في التحلّل من الرسميّات والبروتوكولات الاجتماعيّة، بحكم موضوعيّة الصلاة وبُعد روحها عن التصنّع الاجتماعي، وبحكم كسرها لكبرياء الذات في تواضع الركوع والسجود.

وختام الصلاة بالتسليم، بالطمأنينة والسلام من الله، والرحمة على مبلّغ رسالته (صلّى الله عليه وآله وسلم) وعلينا وعلى عباد الله الصالحين... السلام الذي يقدّمه الله لأحبائه البشر فلا يقبلونه، ويبحثون عنه بينهم فلا يجدونه.

وأخيراً... المصافحة عند الانتهاء من أداء الصلاة... مصافحة المسلم لإخوانه الذين صادفت صلاتهم عن يمينه ويساره، ومصافحة المسلمين بعضهم لبعض... ومن القلوب وعلى الألسنة دعاء أخوي لطيف: تقبّل الله أعمالكم... غفر الله لكم.


آثار التجمّع للصّلاة

وأمّا أثر هذا التجمّع الأخوي في أنفس الناس وحياتهم، فإنّي أسجل أهمّ ما أجده منه، وأترك لك أن تفكّر وتقارن بين مجتمع يؤدّي الصلاة جماعة، ومجتمع يفتقد هذا التجمّع.

من أهمّ منافع التجمّع للصلاة الامتزاج الإنساني، وأقصد به: إرواء هذا التعطّش القائم في عمق النفس، للنفوذ إلى الأنفس الإنسانيّة الأخرى والتفاعل معها... والألفة بالأُنفس البشريّة والامتزاج بها.

ضرورة نعرف قيمتها حينما نفقدها في حياتنا، كما حدث لمجتمعات الحضارة الغريبة القائمة، ونعرف روعتها حينما نتوّفر عليها باكتمال، كما في المجتمعات التي تعيش روح الإيمان في الماضي والحاضر، والتي يتسنّى لها في التجمّع لأداء الصلاة الجوّ الخصب لهذه الأُلفة والاكتمال...

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (إنّ المؤمن ليسُكن إلى المؤمن، كما يسكن الظمآن إلى الماء البارد). الكافي ج2 ص247.

وعنه (عليه السلام) قال: (إنّ سرعة ائتلاف قلوب الأبرار إذا التقوا، وإن لم يظهروا التودّد بألسنتهم؛ كسُرعة اختلاط ماءِ السماء بماء الأنهار، وإنّ بُعد ائتلاف قلوب الفجّار إذا التقوا، وإن أظهروا التودّد بألسنتهم، كبُعد البهائم من التعاطف، وإن طال اعتلافُها على مِذودٍ واحدٍ). تُحف العقول ص 275.

وعن جابر بن يزيد الجُعفي قال: تقبّضت بين يدي أبي جعفر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك، ربّما حزنت من غير مصيبة تصيبني، أو أمر ينزل بي، حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي وصديقي! فقال (عليه السلام):

(نعم يا جابر، إنّ الله عزّ وجلّ خلق المؤمنين من طينة الجنان، وأجرى فيهم من ريح روحه، فلذلك؛ المؤمن أخ المؤمن لأبيه وأُمّه، فإذا أصاب روحاً من تلك الأرواح، في بلد من البلدان حزنٌ حزنت هذه؛ لأنها منها). الكافي ج2 ص166.

ومن أهمّ منافع التجمّع للصلاة: تعرّف الناس بعضهم على بعض، بحكم الالتقاء اليومي المتكرّر المترّسل.


وفي التعرّف على الناس، على أوضاعهم وقضاياهم وأعمالهم، مشاركة لهم في آلامهم وأفراحهم - ولو بقدر - وفيه فائدة الاعتبار بنتائج تجاربهم ومواقفهم، وفوائد معرفة أنفس الناس وطاقاتها وميولها، ومعرفة أوضاع المجتمع، والاتجاهات السائدة والخفيّة فيه، وقوانين الفعل وردّ الفعل في قضاياه وأحداثه.

وواضح ما للترّسل في هذا التجمّع الذي يفرضه التوضّؤ والانتظام، إلى جانب من يصادف من المؤمنين، والاشتراك معهم في أداء الفريضة، وما يرافق ذلك ويتبعه من ألوان العواطف والمصافحة والأحاديث... ما لهذا الترّسل من دور في الخروج بالإنسان من العزلة والانطواء إلى الانفتاح الفكري والنفسي على الآخرين.

ومن أهمّ منافع التجمّع للصلاة: الشعور بالروح المجموعيّة، وظهور الكيان الموحّد...

وقد حرصت الرسالة الإلهيّة على الكيان الاجتماعي الموحّد، كما حرصت الرسالات البشريّة والأنظمة المعاصرة على الوحدة الوطنيّة والقوميّة والمصلحيّة، ولكنّ الرسالة الإلهيّة افترقت عن دعوات الوحدة جميعاً: في المنطلق الذي أقامته للوحدة وفي الأجواء التي وفّرتها لها.

فالمنطلق الصحيح للوحدة الإنسانيّة في رأي الإسلام - سواء في ذلك الوحدة بين اثنين من البشر أو بينهم جميعاً - هو الرابطة الفكريّة الاعتقاديّة، أمّا الروابط الوطنيّة والقوميّة والمصلحيّة فهي منطلقات خاطئة في رأي الإسلام.

ولهذا كان طابع الجماعة الإسلامية طابعاً فكريّاً بحتاً، وكان الشرط الوحيد للانتماء إلى جماعة المسلمين، الإيمان بالحقّ الذي آمنتْ به، دون اعتبارٍ لعنصرٍ أو إقليم أو مصلحة مادّية، قال الله عزّ وجلّ: ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) 153 - الأنعام.

( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ


النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) 103 - آل عمران.

( وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) 105 - آل عمران.

وفي الحديث الشريف (من خَلع جماعة المسلمين قَدْر شِبْر، خَلع ربْقة الإيمان من عنقه) سفينة البحار ج1 ص176.

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد سأله رجل عن السنة والبدعة والفرقة والجماعة فقال: (أمّا السنّة، فسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وأمّا البدعة، فما خالفها، وأمّا الفرقة، فأهل الباطل وإن كثروا، وأمّا الجماعة، فأهل الحقّ وإن قلّوا...) تُحف العقول ص150.

إنّ الإسلام بعد أن يقدّم للناس جملةَ مفاهيمه الاجتماعيّة عن الإنسان وعن الذات، وعن الأخوّة الحقيقيّة المصيريّة بين أهل الحقّ، وعن مسؤوليتهم المشتركة، وعن ضرورة الكيان الاجتماعي الموحّد، وعن عطف الله وحنانه ورعايته لهذا الكيان... يهيئ للمؤمنين في صلاة الجماعة اليوميّة جوّاً تربويّاً حافلاً؛ لتركيز هذه المفاهيم وتجسيدها...

وباستطاعتك أن تلاحظ: أنّ السِمة البارزة في التجمّع للصلاة سِمةَ: اللهمّ اهدنا وارحمنا، وارزقنا وانصرنا، بدل اهدني وارحمني، وارزقني...

أو قل: إنّها سِمة (أنا) الرساليّة المقدّسة بدل (أنا) الذاتيّة الضيّقة، وكم من فرقٍ بين أنا التي تنفصم عن نحن، وبين أنا التي تعبّر عن نحن وتذوب من أجلها.

ومن أهمّ منافع التجمّع للصلاة:

العمل لشؤون الجماعة، وتأتي هذه الثمرة المهمّة نتيجة للمسؤولية الإسلامية في العمل لمصلحة الإسلام والأمة، ونتيجة لما تقدّم من الامتزاج الإنساني والتعرّف على الناس، والشعور بالروح المجموعيّة والكيان الموحّد الذي يوفّره التجمّع للصلاة، فلا شكّ في أنّ الالتقاء اليومي بين طبقات المجتمع - وأقصد بطبقات المجتمع المفهوم الإسلامي عن تفاوت الناس - لا شكّ أنّ هذا الالتقاء اليومي بين أبناء


المجتمع الإسلامي، له أبعد الأثر في قيامهم بمسؤولياتهم الإسلامية تجاه الرسالة والأمّة، حيث يسهّل لهم التشاور المستمر، وتبادل وجهات النظر، وبلورة الآراء، والتعاون الأخوي المثمر في أداء المسؤوليّات المشتركة...

بل ويؤدّي التجمّع للصلاة دوراً أبعد عن ذلك في العمل للرسالة وللأمّة وهو: دور التقاء الجهاز الحاكم بجماهير الأمّة، وقيام الجماهير بالرقابة على الحكم، والمشاركة في مسيرته... ويتجلّى هذا الدور في التجمّع الأسبوعي لأداء صلاة الجُمعة...

إنّ الصورة الإسلامية لصلاة الجمعة: إنّها مؤتمرٌ أسبوعي تقيمه الأمّة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها؛ من أجل مضاعفة وعيها للإسلام، ومشاركتها ومراقبتها المباشرة على مسيرة الحكومة، في العمل لأهداف الإسلام في أمّته وفي العالم، ويرأس هذا التجمّع في العاصمة الحاكم المسلم - العادل - وفي المدن الأُخرى والأرياف المسؤولون القائمون بالحكم.

من هذه الصورة المقتضبة لصلاة الجمعة نرى: أنّ التجمّع الإسلامي الأسبوعي لأدائها له أكبر الأثر في الحيلولة دون عزلة الحكومة عن الشعب.

كما له أكبر الأثر في رقابة الشعب على سياستها، ومنعها من الانحراف عن الإسلام، وبالتالي في قيام الحكومة بتوعية الأمّة وتحميلها مسؤولياتها الإسلامية في امتلاك الحكم، فوراناً شعبيّاً إذ يحسّ المجموع أن دور الحكومة هو: تطبيق أحكام الإسلام في رعاية الشؤون العامّة، ودعوة العالم إلى نوره وسعادته، وأنّهم جميعاً مشاركون في هذه المسيرة المظفرة.

* * *

وإذ نستكمل أهمّ الآثار الاجتماعية التي يحقّقها تشريع التجمّع للصلاة الإسلامية، يحسن بنا أن نلقي نظرةً على مدى تطبيق هذا التشريع واستثمار هذه النتائج في حياة أمّتنا الحاضرة:

إنّ نظرة في المجال التطبيقي لهذا التشريع وغيره من تشريعات إسلامنا الخالد، كفيلة بأن تملئ قلوبنا ألماً ومسؤولية.


أين الامتزاج الإنساني والأخوّة الحميمة في الله، وأين التعرّف المترّسل النافع، وأين الشعور المجموعي والكيان الموحّد؟

وأين العمل لشؤون الجماعة الإسلامية وشؤون الرسالة الإسلامية...؟

وأين المسؤولون الذين يساوون في معيشتهم فقراء المسلمين، ويلتقون مع الأمّة في صلاة الجمعة، يقدّمون لها حسابهم ويؤمونهم في الصلاة بين يدي الله...؟

أين ذلك بالنحو الذي تقدّمه مفاهيم الإسلام وتشريعاته، وتهيؤه صلاة الجماعة...؟

صحيح أنّ الخير والأصالة لا زالا في أمّتنا، وأنّهما آخذان بالنموّ حتى يتحقّق وعد الله سبحانه، وأنّ مساجد المسلمين لا زالت عامرة بصلاة الجماعة اليوميّة والأسبوعيّة، وإنّا نجد الكثير من الآثار الاجتماعيّة لصلاة الجماعة...

لكنّ هذا وحده لا يصحّ أن يكون صورة للثمرات الاجتماعية، التي قصدها التشريع الإسلامي من صلاة الجماعة، ولا يُسقط مسؤوليتنا في العمل الدائب والتضحية لتحقيق هذا التشريع، وكلّ تشريعات الإسلام بروحها ومقاصدها.


أوضاع الصّلاة

تتركب الصلاة من أوضاع وتلاوات... وأعني بالأوضاع: الأفعال البدنيّة الواجبة في عمليّة الصلاة.

وطبيعي أن يكون ضارّاً بصورة الصلاة أن نفهمها أفعالاً بدينة مفصولة عن التلاوات التي ترافقها، من البدء إلى الختام وتضفي عليها طابعها البليغ... لكنّي أردت في هذا البحث أن أعرض هذه الأفعال وما تعبّر عنه بحدّ ذاتها، وسأعرض في البحث اللاحق إنشاء الله لتلاوات الصلاة، فتكتمل بها الصورة.

تتركّب أوضاع الصلاة من وحدات تسمّى الواحدة منها (ركعة) والتسمية مأخوذة من الركوع الذي هو (الانحناء) والذي يقع في وسط الركعة.

وتتألّف الركعة من: وقوف باعتدال باتجاه القبلة، ثمّ انحناء إلى الأمام للركوع، بحيث تصل الكفّان إلى الركبتين، فعودة إلى الوقوف باعتدال، فسجود على الأرض، فاعتدال إلى الجلوس، فسجود على الأرض ثانية، واعتدال إلى الجلوس، ثمّ تنهض إلى الوقوف باعتدال فتبدأ الركعة الثانية...

وتتألّف الصلاة في الحدّ الأعلى من أربع وحدات تركيبيّة - أربع ركعات - كما في صلاة الظهر والعصر والعشاء، وفي الحدّ الأدنى من ركعة واحدة، كما في بعض الصلوات المستحبّة.

السؤال : لماذا دخلت الأفعال البدينّة وهذه الأفعال بالذات: وقوف، وركوع، وسجود، وجلوس في عملية الصلاة الإسلامية وكانت جزءاً صميماً منها...؟

قرأت عن طالب تركي يعيش في ألمانيا أنّه يصلّي بالتأمّل مستغنياً عن


الركوع والسجود! قال لصديقه:

دخلت عليه فوجدته جالساً في شُرفة الشقّة مستغرقاً في التفكير، ممّا اضطرني لأن أنتظر... ولمّا استوفى صديقي تأمّلاته نهض وسلّم عليّ مرحّباً، فقلت له:

* ما الذي أخذ عليك لبّك؟ بماذا كنت تفكّر؟

* كنت أصلّي.

* أيّ صلاة هذه! لا أعرف صلاة بهذا الشكل!

* كنت أصلّي صلاتنا الإسلامية.

* وأين الوقوف والركوع والسجود، وشروط الصلاة الإسلامية؟

-: إني أصلّي بروح الصلاة... أمّا حركات الوقوف والركوع والسجود، فأعتقد أنّها كانت حاجة للمجتمع البدائي... كان أجدادنا بحاجة إليها؛ لأنّهم كانوا يفتقدون رياضة التنس والبليارد وكرة القدم والحركات السويديّة، وكانوا بحاجة إلى حركات ليحسّوا بروح الصلاة؛ لأنّ مستواهم الثقافي كان محدوداً...

أمّا مجتمعنا الحاضر فهو يمارس الرياضة وهو يمتلك الثقافة التي تجعله يحسّ بالله ويكلّمه دون حركات... وهذا ما أفعله، إنّي أصلّي لله، وأتفكّر فيه وأنا جالس في مكاني من هذه الشرفة.

في صلاة هذا الأخ التركي ثلاث نقاط يستحقّ على إحداها الشكر، ويكْمن في اثنين منها الخطأ...

أمّا التي يستحقّ عليها الشكر، فتفكيره في الإسلام ومحاولته فهم صلاته، إنّ بذل أدنى محاولة لتعقّل الإسلام خطوة نافعة.

والنقطة الثانية: تصوّر هذا الأخ أن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) قام هو بوضع الشريعة متأثّراً بالمفاهيم والأوضاع المعاشة في عصره! أو تصوّره أنّ الله أنزل هذه الشريعة، ولكن على ضوء المفاهيم والأوضاع المعاشة في عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم).

لقد تعوّد هذا الشابّ وغيره أن ينظروا إلى الشرائع الوضعيّة القديمة


والحديثة كشريعة حمورابي، والشرائع الرومانيّة واليونانيّة، والشرائع الفرنسيّة والإيطاليّة وغيرها، على أنّها شرائع نابتة من الأرض، فتراهم يسارعون في تعميم هذه النظرة إلى الإسلام، ويحمِلون شريعته من رواسب البيئة وظروفها، ما يحملونه للشرائع الوضعيّة... وينسون أن هذا الدين ينبع من فوق الظروف والمفاهيم المعاشة في جيل من الأجيال، وأنّه تنزل تنزيلاً حقيقيّاً من الله عزّ وجلّ.

إذا كانت نظرة هذا النوع من المسلمين ناتجة عن الغفلة عن مصدر الشريعة وخلودها، فإنّ عليهم أن ينتبهوا إلى هاتين الحقيقتين.

وإن كانت نظرة متعمّدة، فحالهم حال المستشرقين الذين يكفرون بالإسلام، فهم مدعوون أوّلاً إلى براهين الإسلام على إلوهيّة الله عزّ وجلّ، ونبوّة رسوله محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)... قبل أن يتّخذ هذا الأخ موقفاً من الصلاة، عليه أن يحدّد موقفه من مصدر الشريعة الإسلامية وخلودها...

فهل الأفعال البدنيّة في الصلاة هي رأي محمّد بن عبد الله المكّي النابع من ذاته وظروفه، أو هي رأي الله الخاصّ بالمجتمع المكّي والعربي آنذاك...؟ أم هي رأي الله المطلّع - قديماً وفعلاً - على رياضة البليارد والتنس والكرة، وعلى جلسة عبده التركي على كرسي الشرفة..؟

والنقطة الثالثة: أنّ الصلاة التي اختارها هذا الأخ، تعبّر تعبيراً أميناً عن النظرة الغربيّة للروح والجسد.

فالروح والجسد في الغرب وجودان مختلفان، أحدهما وفدَ من السماء، والآخر نبت في الأرض، ولكلّ منهما اتّجاه ومطالب، وبينهما صراع نشب منذ زمن طويل، وانتهى بسيطرة المواطن في أرضه، وإقامة دولة رمزيّة للروح، يرأسها البابا، وتقدّم لها دولة الأجساد شيئاً من الاحترام في يوم الأحد...

تمشيّاً مع هذه النظرة، وجد هذا المسلم أنّ الصلاة حاجة للروح، وما دامت الروح وجوداً مستقلاً عن الجسد، فليس من الضروري إطلاقاً أن يشارك في تلبية هذه الحاجة، بل يكفي للروح أن تغترف حاجتها من الصلاة، والجسد مستقرٌ على كرسي، أو مستلقٍ على سرير.


أمّا الإسلام فهو يُخطّئ هذه النظرة جملةً وتفصيلاً:

الروح والجسد ، في رأي الإسلام: وجودان بتجزئتنا العقليّة فقط، أمّا في حقل الواقع الموضوعي، حقل الحياة فهما وجود موحّد، يتبادل التفاعل والتعاون، فيشكّل كياناً واحداً اسمه الإنسان، تماماً كالوردة ذات الخلايا والأوراق، واللون والرائحة، نجزّئُها في أذهاننا إلى هذه الأشياء، مع أنّها في حقل الحياة وجود موحّد متعاون ومتفاعل، يشكّل شيئاً اسمه الوردة.

والروح والجسد ، في رأي الإسلام: مصنوعان بيد الله القديرة، من تربة هذه الأرض المقدّسة، فكلاهما مواطنان، وكلاهما سماويّان، لا غازيَ فيهما ولا مغزوّ...

والصراع القائم في الإنسان ليس صراعاً بين الروح والجسد، ولكنّه صراع قائم في الروح، في النفس التي أُلهمت في عمقها الفجور والتقوى، ومُزجت في جسدٍ يتفاعل معها، ويشاركها هذا الصراع، ويخضع بدوره لنتائجه...

والدولتان القائمتان - في الغرب - للروح والجسد: هما في نظر الإسلام: لونان من انحراف الروح والجسد كليهما.

والدولة التي أقامها الإسلام على يد رسوله (صلّى الله عليه وآله)، والتي يريد إقامتها الآن هي: دولة الإنسان الموحّد المستقيم.

والصلاة التي أوجبها الإسلام هي: صلاة لهذا الكلّ الذي يتشكّل منه الإنسان، يشارك في أدائها جسده، فينعكس الأثر على روحه، وتشارك في أدائها روحه، فينعكس التأثير على جسده، من دون تفاوت في ذلك ولا انفصام.

إنّ أوّل ما يتجلّى في شكل الصلاة الإسلامية هو: نظريّة الإسلام هذه، في وحدة الروح والجسد - وحدة الإنسان -.

وهي وحدة أصيلة يؤكّد الإسلام عمقها في المنشأ، من ذرّة التراب المباركة التي دخلت حركتها التطوريّة المدهشة في مصنع الله عزّ وجلّ، حتى صار قسمٌ منها روحاً، وصار الآخر جسداً، وصار المجموع بشراً: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ) 20 - الروم.


ويؤكّد الإسلام في الامتزاج والترابط والتفاعل المستمرّ القائم في هذا الزوج الموحّد، الذي يشقى معاً ويسعد معاً.

ويؤكّدها في شجبه النظرة المنحطّة إلى الجسد، والنظرة المغالية في الروح، ويستبدلها بنظرة عالية للإنسان، بروحه وجسده، ومشفقة عليه في آنٍ.

ويؤكّدها في الخط السلوكي العام، إذ يرفض رهبانيّة الروح، كما يرفض مادّية الجسد.

ثمّ ينسجم مع هذه النظرة الموضوعيّة في تشريعاته كلّها، فتجيء تشريعات: لا للروح السارحة، ولا للجسد القابع، وإنّما للمزيج الإلهي الموحّد الإنسان.

وينسجم مع هذه النظرة في عمليّته التربويّة اليوميّة للصلاة، فيجعلها مزيجاً من التطهّر بالماء، والوقوف والركوع، والسجود والجلوس، والقراءة والنيّة، والتأمّل والخشوع... مزيجاً تربويّاً مركّباً من روح وجسد، لهذا المزيج الموحّد في روح وجسد.

إنّ إدراك الضرورة في أفعال الصلاة البدنيّة ليس على جانب من الصعوبة، فما على الذين يرتابون في هذه الضرورة إلاّ أن يلاحظوا مرّة واحدة أثر هذه الأفعال في أنفسهم، ثمّ ليحكموا عن حسّ وتجربة...

سيجدون أنّ نصيب الروح وتأثّرها الملموس بالأفعال البدنيّة للصلاة، من تطهّر، ووقوف، وركوع، وسجود، وجلوس بين يدي الله، لا يقلّ عن تأثّر البدن... وكذلك نصيب الجسد، وتأثّره بالخشوع، والتفكّر، والمثول في حضرة الله تعالى لا يقلّ عن تأثّر الروح ونصيبها...

اطمئن بأنّه لا توجد للإنسان حاجة جسديّة مشروعة، إلاّ وهي تنعكس تأثيراً نافعاً على روحه، ولا حاجة روحيّة مشروعة، إلاّ وهي تنعكس تأثيراً فسيولوجيّاً على جسده، وإن لم تصل إلى ذلك علوم فسلجة الإنسان؛ وما ذلك إلاّ لأنّ الامتزاج والتفاعل الحقيقي العميق بين الروح والجسد، يجعل حاجاتهما واحدة وتأثّرهما متبادلاً.

* * *


والأمر الآخر الذي يتجلّى في شكل الصلاة هو: تذليل الإنسان وتحريره من كبريائه، ولا بدّ لنا أن ننظر إلى مسألة الكبرياء البشري نظرة موضوعيّة هادئة؛ لأنّها تمسّ كبريائنا.

في أحدنا - هذا المتر المكعب من التراب أو دون ذلك - قوى هائلة، وعمدتها القوى النفسيّة، في مقابل القوى الجسديّة المحدودة.

وفينا من الطموح ما لا يقلّ عن قوانا واستعدادنا، بل يفوقه.

وبنفس الوقت فينا من نقاط الضعف ما يمكن أن يحطّم قوانا الجسديّة، فيجعلنا في لحظة جسداً خائراً، أو يضعف بقوانا العقليّة فيجعلنا في لحظة موجوداً تافهاً.

هكذا بنى الله وجودنا الإنساني، وأسلمنا قياده، وهذه هي النظرة الموضوعيّة التي يجب أن ننظرها إلى أنفسنا...

لكن الذي يحدث كثيراً هو الانحراف عن هذه النظرة، فنصاب تارةً بالعُجب، وتارة بالكبر.

وقد ذكر صاحب كتاب جامع السعادات (رحمه الله)، أنّ الكبر ينتج عن العجب، قال:

(... إذ العجب مجرّد استعظام النفس، من دون اعتبار رؤيتها فوق الغير... فالعجب هو: سبب الكِبر، والكٍبر من نتائجه) ج1 ص300.

ولكنّ الذي يظهر من نصوص السنّة الشريفة، أنّ الكِبر والعُجب حالتان مختلفتان، وأنّ العُجب هو: استعظام الإنسان لعمله، وأنّ الكِبر هو: استعظام الإنسان لنفسه ذاتها، بقطع النظر عن العمل (راجع الكافي ج2 ص309 - 314).

وللكِبر عوامل كثيرة، يجمعها الشعور بالنقص، ففي الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (ما من أحدٍ يَتِيه، إلاّ من ذلّة يجدها في نفسه) الكافي ج2 ص312.

كما إنّه على درجات كثيرة، يجمعها أنّها: نظرة خاطئة ينظرها الإنسان إلى نفسه، فيستعظم قواه ومطامحه، ناسياً مصدر هذه القوى، وناسياً نقاط ضعفه...


وتبعاً لمدى الخطأ في هذه النظرة، تجيء النتائج التي وكلّها رهيبة نعوذ بالله...

النتائج هي : الحَجْب عن الرؤية الموضوعيّة، إمّا حجباً جزئيّاً، وإمّا حجباً كليّاً، حتى ليبلغ حالة الطبْع على القلب، والانكفاء في النفس، قال الله عزّ وجلّ: ( كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) 35 - غافر.

والعمَى عن الرؤية، خطورةٌ على الإنسان ما فوقها خطورة... فما هو العلاج من هذا البلاء...؟

يرى الإسلام أنّ العلاج يتكّون من ثلاث مواد:

*الأُولى

الظروف التكوينيّة التي خلق الله الإنسان في وسطها، والتي من شأنها أن تبدّل شعور الكبرياء المقيت في نفس الإنسان، بشعور الاعتزاز الخاشع بين يدي الله، والاستعانة به على الضعف، من شأنها أن تُطأطئ رأس الإنسان، وتجعله يقبل الحقيقة الموضوعيّة عن نفسه، وطريقة تكامله.

عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: (لولا ثلاثة، ما طأطأ رأس ابن آدم شيء، المرض، والفقر، والموت، وجميعهنّ فيه، وإنّه معهنّ لوثّاب).

*والمادّة الثانية

تركيز المفاهيم التي تشكّل النظرة الموضوعيّة لأنفسنا، كمفهوم صدورنا عن الله، ومملوكيّتنا له، واحتياجنا الدائم إليه، ومفهوم ارتباط حريّتنا بمدى تجسيد عبوديّتنا له عزّ وجلّ، ومفهوم التواضع المقابل لشعور الكبرياء الآنف الذكر.

*والمادّة الثالثة

المواقف التربويّة التي تمرِّسُ الإنسان عمليّاً على التحرّر من الكبرياء، وتضعه في موقعه السليم، وطريقه التكاملي الصحيح...

وأُولى هذه المواقف: الصلاة اليوميّة، التي يَفرض علينا شكلها البليغ، أن نقف بين يدي الواهب عزّ وجلّ، وقفة الجنود المؤدّبين أمام القائد، ثمّ ننحني إعظاماً، ثمّ نفترش الأرض بجباهنا، مؤدّين أقصى درجة من الخضوع، والاعتراف بالجميل والاحتياج، ثمّ نكرّر هذه التعبيرات إمعاناً في التحرّر من ذاتيّتنا، والانتصار على كبريائنا، وتأكيداً لتعلّقنا المطلق بالله عزّ وجلّ.


علينا أن نستبعد نظرة الكبر العمياء... الخضوع فينا ضرورة يميلها تكويننا واحتياجاتنا وظروفنا.

وليس منّا أحد فوق الظروف والاحتياجات... إنّنا مخلوقون ولسنا آلهة... وعلينا أن نختار بين الخضوع العزيز لمصدر وجودنا وحاجاتنا عزّ وجلّ، أو الخضوع الذليل لمن عداه... كما يفعل الذين يرفضون الخضوع لله، فيخضعون لأهوائهم ولبشرٍ مثلهم، ولشيطانٍ يغويهم، ويؤدّون لهم أكثر من ركوع وسجود.

يسعى أحدهم وراء الحريّة فيقع في عبوديّة مقيتة!، يرفض الانحناء أمام الله صاحب كلّ شيء!، ثمّ ينحني على أعتاب أيّ شيءٍ!، يرفض الخضوع المنفتح النافع الذي يهبه الحريّة والاعتزاز!، فيقع في الخضوع الباطل الضارّ الذي يهبه عمىً في الرؤية وانتكاسة في القلب!.

أفهدا الشطَطْ لا يحتاج إلى علاج...؟ إلى وقوف يعبّر عن مسؤوليّة الطفل بين يدي المربّي، وإلى انحناء ووضع للجبين على التراب، نذوق فيه روعة التذلّل لله، وحلاوة التحرّر من مهانة الأشياء...

ما دمنا مخلوقين مملوكين محتاجين، وما دام عِلْمنا بحاضرنا ومستقبلنا محدوداً، وما دمنا لا نملك لأنفسنا من الله شيئاً، لا ضرّاً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشورا، ما دام أمرنا بكلّه من الله وبالله وإلى الله... فلمَ لا نقف بين يديه وننحني إعظاماً، ونعفّر الجبين إجلالاً؟ لمَ لا نستعينه على ضعفنا، ونشكره على قوانا، ونعتزّ بعلاقتنا به وخضوعنا له...؟ وهل يحرمنا من ذلك إلاّ نظرة الكبرياء العمياء؟

ما أروع الانتصار على الكبرياء، وما أعذب الخضوع أمام الإله الأحد سبحانه، والانتظام بين يديه، والانحناء أمام عظمته، ثمّ يبلغ العبد ذروة القُرب والخشوع، في سجود مفعمٍ غامر...

في الحديث الشريف: (...أقرب ما يكون العبد إلى ربّه وهو ساجد...) الوسائل ج4 ص980.


تِلاواتُ الصَّلاة

القسم الثاني الذي يؤلّف الصلاة مع الأوضاع: التلاوات، التي ترافقك من بدء الصلاة إلى ختامها، في الوقوف، والركوع والسجود، والجلوس، وحتى في حالة النهوض إلى ركعة تالية.

وتنقسم تلاوات الصلاة إلى قسمين:

* تلاوات معيّنة شخصيّة

*وتلاوات مخيّرة نوعيّة

فالتلاوات الشخصيّة التي لا يجوز تبدليها بغيرها هي:

التكبير في افتتاح الصلاة، والفاتحة في حالة الوقوف للركعة الأُولى والثانية، والتشهد بعد كلّ ركعتين وفي ختام كلّ صلاة.

والتلاوات المخيرة، منها: ما تختار فيه أحد نوعين وهو: التلاوة في حالة الوقوف للركعة الثالثة والرابعة، المخيّرة بين فاتحة القرآن الكريم والتسبيحة الرباعيّة - سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر -

والتلاوة في ختام الصلاة - التسليم - المخيّرة بين صيغة: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وصيغة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ومنها: ما تختار فيه أحد أنواعٍ عديدة، كتلاوة الركعتين الأوّليّتين بعد الفاتحة، المخيّرة بين سور القرآن الكريم.

وتلاوة الركوع والسجود المخيّرة بين أنواع الذكر لله عزّ وجلّ، من التكبير، والتحميد، والتهليل وما شابه.

* * *

وأوّل ما يُلفت أمر هذه التلاوات، التوزيع المتقن الحكيم، بين المخيّر منها والمعيّن.


تقفُ إلى الصلاة، فتفتتحها بصيغة رسميّة: (الله أكبر) ، ثمّ تقرأ تلاوة محدّدة، هي فاتحة القرآن، ثمّ يُفسح لك مجال الاختيار من مئةٍ وسبعِ سور من كتاب الله... ثمّ تنحني للركوع، فيقال لك: أذكر الله، وعبّر عن شعورك نحوه عزّ وجلّ بما شئت، بالتحميد، والتهليل، والتكبير، والتسبيح... ثمّ تهوي إلى السجود، فتُعطى نفس الحريّة، وتجلس للشهادة بالوحدانيّة والرسالة لتؤدّي صيغة الشهادة المحدّدة.

وهكذا تَجمع لك تلاوات الصلاة بين متانة الالتزام، وحيويّة الحريّة، انسجاماً مع خط الإسلام التربوي العام، الذي يريد أن يُخرج منك للحياة شخصيّةً ملتزمةً، حرّةً، منفتحةً، متفاعلةً في التزامها، وحريّتها، وما أيسر أن تلاحظ ذلك في صلاتك، وتعيشه بالتفصيل.

* * *

وممّا يُلفت في أمر التلاوات هذه، البلاغة الفائقة العمق في المحتوى، واليُسر، والمتانة في الصياغة...

ولا أحسبُني أستطيع الإحاطة بأبعاد هذه التلاوات، وجمالها التعبيري، إنّها معاني الحياة والوجود، وحقائق الشعور، صُبّت في عبارات قويّة نديّة، تُصلح لأن تنطلق معها، وتروي فكرك وعواطفك، لا لأن تحيط بها وتُخضعها للمقاسات... ثمّ هي كثيرة نسبيّاً، لا يناسب هذه الدراسة أن تستطرد في تفسيرها واستلهامها، لذا أختار منها نماذج وافية من المعين، والمخيّر والمستحبّ، وأسجلَ عنها ما يهدي إليه الله عزّ وجلّ.

*التكبير

مرّ معك في بحث الأذان شيءٌ عن صيغة ( الله أكبر ) التي يبدأ بها الأذان، عن صيغتها المطلقة، وصلاحيتها الشاملة، وجرسها الحاسم... وها أنت تجدها هنا الصيغة الرسميّة لافتتاح الصلاة؛ إذ تسمّى لذلك (تكبيرة الإحرام)، بمعنى أنّك بأدائها تدخل في حَرم الصلاة.

وأوّل ما يواجهك هنا في هذه العبارة ملاءمتها البالغة لافتتاح الصلاة حتى


كأنّها صِيغت خصّيصاً لهذا الغرض، ووفّت به أيّما وفاء.

فأنت في بدء الصلاة بحاجة لأن تتّعرف وتحسّ بمن تقف بين يديه، وليس شيءٌ يفي بهذا التعريف كعبارة: الله أكبر .

وفي بدء هذه الوقفة، أنت بحاجة لأن تنفض عنك المشاغل والهواجس، والعلاقات بالحطام، وليس شيءٌ يفي بهذا التطهير الفكري والشعوري كعبارة: الله أكبر .

وفي بدء الوقوف بين يدي الله، يُطلق ذهنك عمليّاته التخيّليّة، محاولاً أن يصور لك الله الذي تقف بين يديه... وما أن توافيك - الله أكبر - حتى يتناثر الخيال، وتتساقط الأوهام، ويتجلّى لك إيمانك بالله عزّ وجلّ، وجوداً لا يحويه الذهن البشري الذي صُنع خصّيصاً ليعمل داخل الزمان والمكان، والزمين والمكين.

وفي بدء الوقوف للصلاة، أنت بحاجة إلى دفعة من الجدّ والشعور بالمسؤوليّة، إلى دفعة من الحنان والرحمة، وإلى دفعة من التعقّل والحكمة، والشعور بالجلال... وكلّ ذلك وغيره تفيضه عليك عبارة: الله أكبر ... خاصّة إذا أدّيت الاستحباب الشرعي، فكبّرت ستّ تكبيرات أوّلاً، وجعلت تكبيرة الإحرام السابعة.

ثمّ لا يقف دور التكبير في الصلاة عند هذا الحدّ... إذ تجده يعاودك كلّما شرعت في جزء من الصلاة، فتكبير للركوع، وتكبيرتان للسجدتين، وتكبير للتشهد... وهكذا، حتى ليكون في الصلوات الخَمس اليوميّة، خَمس وتسعون تكبيرة، منها خَمس فرض، وتسعون مستحبّة - الوسائل ج4 ص719.

وفي هذا التكرار تجد عبارة - الله أكبر - تؤدّي أدواراً جديدة:

فهي تقوم بإرجاعك إلى - الله الأكبر - كلمّا سرحْت عن الصلاة، فكلمّا شدّتك علائق الدنيا وهواجسها، انتزعتك منها الله أكبر، وعادت بك إلى موقعك أمام الله، وعادت بمستواك إلى مستوى التربّي على يديه عزّ وجلّ.

وهي تقوم بتهيئتك لخضوع الركوع والسجود، فتقدّم لك قبل هذا الخضوع


منطقيّته وخشوعه.

وهي تقول لك بعد الركوع والسجود: لا تظن أنّك بانحنائك أمام عظمة الله، وبتعفيرك الجبين بين يديه، قد وفّيت حقّه، وأدّيت شكر نعمائه، كلا... فالله أكبر من أن يفي خضوعك - مهما كانت قيمته - بشيءٍ من عطائه وحنانه...

أو ليس هذا الخضوع النافع لك، الفاتح لبصيرتك، الواصلِ إيّاك بمصدر العطاء نعمة من نعمه عزّ وجلّ، فكيف تكون النعمة شكراً ووفاء...؟

وتقوم الله أكبر، بتكرارها في غضون الصلاة، بالتأكيد باستمرار على حقيقة أن الوجود الإلهي، لا يصحّ أن يقاس بشيء من وجود الطبيعة، وتنفي عن ذهنك ما ربّما يتوارد من التوّهم والتشبيه، والمقاسات الخاطئة، التي تتخيّل انطباقها على الله عزّ وجلّ.

أرأيت هذه الصلاحيّة الواسعة لهذه الصيغة العميقة الميسّرة...؟ فإذا أضفت إليها صلاحيتها لبدء الدعوة إلى الصلاة في الأذان، وصلاحيتها للتأمين من المخاوف، كلّ المخاوف، وصلاحيتها في الهتاف في مظاهرة، وفي معركة، وفي كربٍ عظيم، وصلاحيتها تعبيراً مريحاً للانبهار من جمال أو جلال، وصلاحيتها تسبيحاً خفيّاً يملئ العقل ويفيض الدموع، وصلاحيتها رايةً وشعاراً لمسيرة الإسلام في هذه الأرض...

وتفحّصت الأوجه العديدة في كلّ واحد من هذه المجالات... وأضفت إلى ذلك، متانة هذه العبارة ويسرها، ونداوتها وإيقاعها في أعماق الضمير في كلّ هذه المجالات... ألا ترى حينئذٍ أنّ عبارة (الله أكبر) في صيغتها ومحتواها، درّة مضيئة من كلّ صوب، أنّى نظرت تَقُلْ هذا وجهها، وهي بكلّها وجه.

أليست كما يقول الحديث الشريف عطاءً من الله لهذه الأمّة...

عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: (لكلّ شيءٍ وجه، ووجه دينكم الصّلاة، فلا يَشِيننّ أحدكم وجه دينه، ولكلّ شيءٍ أنف، وأنف الصلاة التكبير) الوسائل ج4 ص715.


وعن علقمة بن وائل عن أبيه قال: (صلّيت خلف النبي صلّى الله عليه وآله، فكبّر حين افتتح الصلاة، ورفع يديه، وحين أراد الركوع، وبعد الركوع) الوسائل ج4 ص727.

وعن منصور بن حازم قال: (رأيت أبا عبد الله (عليه السلام)، افتتح الصلاة، فرفع يديه حِيال وجهه، واستقبل القبلة ببطن كفّيه) الوسائل ج4 ص726.

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (مرّ النبي صلّى الله عليه وآله برجل يصلّي، وقد رفع يديه فوق رأسه فقال: ما لي أرى قوماً يرفعون أيديهم فوق رؤوسهم، كأنّها آذان خيل شمس) الوسائل ج4 ص729.

وعن الإمام الرضا (عليه السلام)، وقد سُئل عن استحباب رفع اليدين في التكبير قال: (إنّما ترفع اليدان بالتكبير؛ لأنّ رفع اليدين ضربٌ من الابتهال، والتبتّل، والتضرّع.... ولأنّ في رفع اليدين إحضار النيّة، وإقبال القلب...) الوسائل ج4 ص727.

سورة الفاتحة

تتركّز السورة على ثلاثة أمور:

*الأوّل

تقرير أن الشكر والامتنان على كلّ ما في الوجود من عطاء، إنّما هو لصاحب هذا العطاء عزّ وجلّ، ثمّ تنطلق السورة في تسجيل ثلاثة أوصاف لصاحب الحمد تبارك وتعالى: صفة ربّ العالمين، وصفة الرحمن الرحيم، وصفة مالك يوم الدين، وهذه الصفات هي أعمق وأشمل الأُسس التي أوضحها الإسلام عن الخالق عزّ وجلّ.

فصفة ربّ العالمين ، تعني: تربية الله وإدارته لجميع العوالم والكائنات المشهودة لأعيننا والغائبة.

وصفة الرحمن الرحيم ، تكشف عن: طبيعة العلاقة بين الخالق الربّ، وبين كائنات العالمين، فهي علاقة رحمةٍ وعطاءٍ وتفضّل، علاقة مرحوم برحيم، وموهوب بواهب.


وصفة مالك يوم الدين ، تقرّر: الديْنونة والمسؤوليّة على الكائنات، أن تسير في طريق تكاملها الذي أراده لها الخالق تبارك وتعالى، وأنّ هذا السرّ سيعطي نتائجه لكلّ كائن في مرحلة قادمة من الوجود تسمّى: يوم الدين، ويوم لقاء المخلوقات بالله عزّ وجلّ.

*والأمر الثاني

الذي تتركّز عليه السورة: حصر العبادة والاستعانة بالله عزّ وجلّ، أمّا العبادة فهي: الإطاعة، وأمّا الاستعانة فهي: استمداد الطاقة الخيّرة في كلّ ما يحتاج إلى طاقة.

*والأمر الثالث

المنهج والطريق العملي في الحياة... فتقرّر السورة أنّ للبشريّة طُرق عيشٍ ثلاثاً لا رابعة لها: الطريق القويم، طريق الإيمان بالله ورسالته، وطريقان معوجان: أحدهما: طريق المعاندين الذين غضب الله عليهم، وثانيهما: طريق التائهين الضّالين عن جادّة الحقّ.

وها أنت ترى أنّّ الحقائق التي تتضمّنها هذه الأمور الثلاثة، هي القواعد الأساسيّة للبناء الإسلامي، جُمعت في هذه اللوحة البديعة.

* * *

إنّ الأسلوب الذي تقدّم به السورة هذه الحقائق الكبيرة ليس أسلوب العرض والتقرّير المجرّد، ولكنّه أسلوب القرآن العملي الحيوي، الذي يجعل القارئ يشارك بعقله ووجدانه في تملّي هذه الحقائق، والتعبير عنها بين يدي الله عزّ وجلّ...

إنّ سورة الفاتحة تأخذ بيدك في رحلة حافلة، دون أن تخطوَ بك قدماً، أو تنقلك في سيارة، بل تفتح عينيك على معاني الوجود في نفسك وما حولك.

وتبدأ معك (باسم الله) ، ثمّ تعرض لك مشاهد العطاء كلّ العطاء في نفسك وفي الوجود، والحنان الغامر لنفسك وللوجود، وتقول لك: سجّل الشكر والامتنان، واستشعر الرحمة والحنان، والمسؤوليّة للمستقبل... ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ...

ثمّ تنساب بك في حديث مع الواهب المعطي، المحاسب تبارك وتعالى، فتعلّمك كيف تسجّل على نفسك الالتزام بطاعته وحده والتحرُّر من مهانة


الأشياء، والالتزام بالاستعانة به وحده، والتحرّر من الفقر إلى الأشياء: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )

ثم تحضر لك الأجيال البشريّة، منذ الأب الأوّل وحتى الأبوين الأخيرين، فتراهم ساربين في ثلاث طرق، يتميّز واحد منها بالجلال والإشراق، فتقول لك: أطلب من الله هذا الطريق، لتقطع به مسيرتك بجدارة وشرف، فتطلب من الله: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ... ) .

ثمّ ترجوا أن لا يكون أحد الطريقين الآخرين العاثرين: طريق المغضوب عليهم والضّالين، وكذلك تودّعك السورة وقد حدّدتْ موقعك في الجماعة البشريّة، وملئت قلبك بالإشفاق على خطواتك من طريق الغضب والتيْه.

* * *

أصحّ ما توصف به سورة الفاتحة أنّها: صورة كاملة للوجود والتعامل معه، وهذا ما يفسر لنا اختيارها مقدّمة القرآن الكريم، ومقابلتها به في قوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ... ) ، فإنّ القرآن الكريم صُور تفصيليّة للوجود، والتعامل معه، فناسب أن يفتتح التفصيل بهذا الموجز المعبّر، وأن يُقابل به مقابلة المعنون بالعنوان.

أمّا طبيعة هذه الصورة التي تقدّمها الفاتحة للوجود فهي: الرحمة، الرحمة المؤكّدة المتنوّعة في التكوين، والتربية، والإعانة، والهداية... فيضٌ ذاتي لا يقف عند حدّ.

وأمّا طبيعة التعامل الذي تمليه السورة فهو: المسؤوليّة والإشفاق المغموران بالرحمة، مسؤوليّة يوم الدين الذي يملكه الرحمن الرحيم، ومسؤوليّة الاستقامة مع أحبّاء الرحمن الرحيم.

والإشفاق من طريق الذين حرموا أنفسهم من هذه الرحمة الميسّرة، الذين تحذّر منهم السورة وتستثنيهم بصيغة: (المغضوب عليهم ولا الضّالين)، لا بصيغة: الذين غضب الله عليهم وأضلّهم، وانسجاماً مع طبيعة الرحمة الغامرة في السورة، وإلفاتاً إلى أن الفعل الأساس لله عزّ وجلّ هو: الرحمة ثمّ الرحمة والعطاء، وأنّ هذا الغضب والضلال جاءا من فعل أيديهم وخُبث سرائرهم.


إنّ التسلسل والترابط العقلي والشعوري، في الحقائق التي تتضمّنها سورة الفاتحة أمر مدهش

فمن ناحية عقليّة، تتدرج الحقائق كما يلي:

* الابتداء باسم الله المتّصف بالرحمة الذاتيّة الشاملة، أحقّ من يُبدأ باسمه على شيءٍ من أشياء كونه... الحمد على العطاء لصاحب هذا العطاء...

* الإلفات إلى عطاء التربية والإدارة والتنمية، إضافة إلى غطاء الخلق والتكوين.

* إنّ هذا العطاء الغامر في التكوين والتربية، ينبع بشكل طبيعي من الرحمة الذاتيّة الشاملة...

* ثمّ تأتي حقيقة يوم الدين، وملكيته لله عزّ وجلّ، ويوم الدين هو: مرحلة إثمار الوجود، ولقائه بالله عزّ وجلّ، فهو حقيقة متفرّعة من الرحمة الإلهيّة ومرتبطة بها.

* ثمّ يأتي دور الإنسان في الإفادة من هذه الرحمة السخيّة، ومسؤوليّته تجاه يوم الدين.

* ثمّ تتوالى التوجيهات العمليّة في إطاعة الله الرحمن الرحيم، والاستعانة به، والانسلاك في طريق نعمائه القويم، والاستعاذة من الطرق المنحرفة... فتجد أنّ كلّ حقيقة في السورة مرتبطة بالحقيقة التي قبلها، ومتسلسلة عنها...

بل يمكن أن تجد هذا الترابط والتسلسل بشكل أبلغ، تجد أنّ الحقيقة التالية مرتبطة بكافّة الحقائق المتقدّمة، ومتفرّعة عن كلّ واحدة منها: مثلاً، ملكيّة الله ليوم الدين، متفرّعة منطقيّاً عن رحمته، وعن ربوبيّته وعن تكوينه للوجود.

والاستعانة بالله متفرّعة منطقيّاً عن الالتزام بعبادته، وعن ملكيّته ليوم الدين، وعن رحمته وربوبيّته وتكوينه... وانحراف المغضوب عليهم والضالين، يرتبط ويتفرّع عن كلّ ما قبله؛ لأنّه انحراف عن الصراط المستقيم، وعن الاستعانة والإطاعة وعن مسؤوليّة يوم الدين، وعن الإفادة من الرحمة والتربية والتكوين الإلهي...!

ومن ناحية شعورية: تتدرج السورة بمشاعرك، وهي تحكي لك قصّة الله


عزّ وجلّ مع هذا الوجود الحيّ القائم، في تكوينه إيّاه، وإدارته له، وتخطيطه لمستقبله، ثمّ تجعلك تتجاوب مع هذا الوجود ومليكه عزّ وجلّ، وتحسّ بموقعك فيه وتحدّد موقفك منه... في ألوان لا توصف من الشعور العميق بالله، وبالوجود وبالحياة وبالمستقبل وبالمسؤوليّة.

* * *

لو تكلّم صوفي مع الله عزّ وجلّ، لكلّمه عن وجْدِه وعشقه، وأشواقه وسرحه، وهيامه وفنائه في الذات المقدّسة، أو عمّا شابه ذلك من ألوان العلاقات، التي تفترضها الاتجاهات الصوفية مع الله عزّ وجلّ...

بينما نرى التكلّم الذي تفرضه السورة مع الله عمليّاً بكلّه، فهو يتركّز على إطاعة الله، والاستعانة به، واستهدائه طريق الحياة القويم، واستبعاد طريقيْها المعوجّيْن، وهذا هو الفارق بين العلاقة العمليّة الحياتيّة التي يريدها الإسلام مع الله عزّ وجلّ، وبين العلاقة المعلّقة التائهة التي تريدها الصوفيّة.

* * *

يمكن وصف سورة الفاتحة بأنّها تعامل عقائدي، يتعامل به المسلم مع الله والوجود، من وجهة نظر الإسلام التي يؤمن بها. ولكنّ السورة مع ذلك تحمل قوّة الاستدلال العقائدي.

فهي تقدّم للوجود وللتعامل معه صورة مسنودة بقوّة اليقين، والبداهة والسير العملي، حتى لتهزّ أعماق غير المسلم، حينما يسمعها من المسلم في صلاته أو يقرؤها، ويتجيّش عقله وقلبه... وما ذلك إلاّ لأنّها بقوّتها وبداهتها تقول له: هذا هو الوجود، وهذا هو الموقف منه، والتعامل معه، هذي هي الفطرة البشريّة، وما سواها انحراف..

* * *

ثمّ ماذا أسجّل عن هذه السورة، عن بلاغة معانيها، وعذوبة تعبيرها، وإيقاع قوافيها، متنقلة من الميم إلى النون، وعن شمولها واستيعابها وحيويّتها؟

إنّما هي لوحة للوجود بأكمله، ولموقع الإنسان منه، ودربٌ هَدَاه فيه، صاغها من جوامع الكَلِم صائغ الوجود عزّ وجلّ، متدفّقة بالحياة حافلة بالعطاء.

عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (كلّ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي


خداج) - أي منقوصة - الوسائل ج4 ص733.

وعن الإمام الرضا (عليه السلام) وقد سُئل، لماذا وجبت سورة الحمد في كلّ صلاة؟ قال: (لأنّه ليس شيءٌ من القرآن والكلام جُمع فيه، من جوامع الخير والحكمة، ما جُمع في سورة الحمد...) الوسائل ج4 ص733.

* * *

تلاوة الركوع والسجود

تدلّنا نصوص السنّة الشريفة على أنّ الواجب الأهمّ في الصلاة هو: نفس الركوع والسجود، أمّا التلاوة فيهما فهي واجبة على درجة ثانية من الأهمّية... لكنّ ذلك لا يخفّض من قيمة فكرة التلاوة في حالة هذين الخضوعين، ولا يُنقص من إبداعها وعطائها.

فعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (إنّما جُعل التسبيح في الركوع والسجود لعلل؛ منها: أن يكون العبد مع خضوعه وخشوعه، وتورّعه واستكانته، وتذلّله وتواضعه، وتقرّبه إلى ربّه مقدِّساً له، ممجّداً مسبّحاً، معظماً شاكراً لخالقه ورازقه، وليستعمل (ويستعمل) التسبيح والتحميد، كما استعمل التكبير والتهليل، وليشغل قلبه وذهنه بذكر الله، فلا يذهب به الفكر والأماني إلى غير الله) الوسائل ج4 ص924.

وقد عرفت أنّ تلاوة الركوع والسجود مفتوحة لمطلق التعبير عن ذكر الله عزّ وجلّ، لكنّي اختار صيغة: (سبحان ربّي العظيم وبحمده) ، وصيغة: (سبحان ربّي الأعلى وبحمده) ؛ لأنّهما أشهر الصيغ التي تفضّل الشريعة المقدّسة تلاوتها في خضوع الركوع والسجود - أنظر الوسائل ج4 ص923.

وأوّل ما ينبغي لهاتين الصيغتين، معرفة مفرداتهما:

تذكر مصادر اللغة أنّ معنى التسبيح: التنزيه، وأنّ لفظ (سبحان) مصدر، بمعنى التسبيح، وأنّه (علمُ جنسٍ على التسبيح، كبّره: علم للبر ونحوه من أعلام الأجناس الموضوعة للمعاني) - معجم تاج العروس.


والذي أرجّحه، أنّ (سبحان) : اسم مصدر، وليست مصدراً، وأهمّ الفروق بين المصدر واسمه؛ أنّ المصدر اسم للحدث - أي فِعْلُ الشيء - بما هو فعلٌ منسوب إلى الفاعل، أمّا اسم المصدر فهو: اسم لهذا الحدث المنسوب إلى الفاعل...

مثال ذلك: الاغتسال والغسل، والتطهير والطهارة، والإعطاء والعطاء... فإنّ التطهير: اسم لفعل التطهير ملحوظاً فيه فعل هذا الفعل، أمّا الطهارة فهي: اسم لعمليّة التطهير ملحوظاً فيه فعل هذا الفعل، أمّا الطهارة فهي: اسم لعمليّة التطهير بقطع النظر عن فعل التطهير.

وكذلك التسبيح: اسم لتنزيه الله عزّ وجلّ بما هو تنزيه صادر عنك، فهو بقوّة قولك: تنزيها لله، أمّا سبحان، فهو: اسم لتنزيه الله بقطع النظر عن صدوره عنك، فهو بقوّة قولك: تنزيه الله... والفرق بين التعبيرين؛ أنّ تنزيهاً لله وتسبيحاً لله إنشاء للتنزيه، أمّا تنزيه الله، وتسبيح الله، وسبحان الله فهو: إخبار عن التقديس يتّضمن الإنشاء... وهذا يتّفق تقريباً مع ما ذكره صاحب تاج العروس عن بعض اللغويين.

وأمّا لفظ (ربّ) فهو: (يطلق في اللغة على المالك، والسيّد، والمربّي، والمُتمّم) - تاج العروس.

وأنسب المعاني المقصودة من استعماله إسلاميّاً: اسماً لله عزّ وجلّ بمعنى التربية والتدبير، وإن أمكن القول بشموله للمعاني الأخر.

وأمّا لفظة (الحمد) فهي: مصدر - حمِد - بكسر الميم، وقد ذكر صاحب القاموس واللحْياني أنّ الحمد: بمعنى الشكر، وخالفهما في ذلك بقيّة علماء اللغة فقالوا: إنّ الحمد أعمّ من الشكر؛ لأنّ (الشكر لا يكون إلاّ ثناءً ليدٍ أولَيْتها، والحمد يكون شكراً للصنيعة، ويكون ابتداءً للثناء على الرجل).

فالحمد أشمل من الشكر، وكذلك هو أشمل من الثناء، والمديح، والامتنان؛ بدليل أنّك تستعمل كلمة الحمد في بعض الموارد، ولا تستعمل مكانها كلمة الثناء والمديح أو الامتنان، كما في تلاوة الركوع والسجود ذاتها، حيث تقول: (سبحان ربّي العظيم وبحمده)، ولا تقول: سبحان ربّي العظيم وبثنائه، أو بامتنانه.

وبدليل؛ أنّ فعل - سبحان - يتعدّى إلى متعلّقة بعلى، بينما تتعدّى أفعال هذه المصادر باللاّم، أو بعلى، التي بمعنى اللاّم، تقول: أحمد الله على نعمه، فيشمل ذلك كافّة النعم الصادرة عنه عزّ وجلّ، المستقرّة والحادثة، وربّما الآتية... بينما إذا قلت: أشكر الله على نعمه أو لنعمه، اختصّ ذلك بالنعم الماضية المتعلّقة بك، وكذلك


قولك: أمدح الله لنعمه، أو على نعمه، وأثني على الله لنعمه، وأمتنّ منه لنعمه.

وهكذا نجد لفظة الحمد بمعنى الثناء المطلق على كلّ أفعال المحمود، ولا أعرف لفظة غيرها في العربية تحمل هذا المعنى الشامل.

* * *

وها أنت تلاحظ في ألفاظ هذه التلاوة، النُدرة والتفرّد في الاشتقاق والتركيب، ولا تعجب فإنّها بلاغة الإسلام تنتقي في كثير من الأحيان ألفاظاً نادرة قليلة الاستعمال، متفرّدة في اشتقاقها أو تركيبها، عميقة في معانيها، خاصّة في إيقاعها... من أجل التركيز على مفهوم معيّن، أو شعور معين، وهل أعلم باللغة وبأُنفس البشر من الله عزّ وجلّ؟

لاحظ لفظة (سبحان) النادرة في اشتقاقها وإيقاعها، وعمق معناها، وقلّة استعمالها في إثبات التنزيه!.

ولفظة (وبحمده) في معناها الشامل وتركيبها المتفرّد: جارٌ ومجرور محذوف المتعلّق، ومعطوف على جملة مصدريّة! أرأيت هذا الابتكار في العبارة العربية؟!

ثمّ أرأيت اختيار هذه العبارة المتفرّدة لخضوعي الركوع والسجود المتفرّدين؟

* * *

ثمّ نلاحظ في صيغة التسبيح الإطلاق المقصود، الذي يعطي المعنى الامتداد والعمق... فبالإضافة إلى أنّ مفاهيم التسبيح والتربية والحمد التي تتضمّنها التلاوة، مفاهيم كليّة شاملة، تجد أنّ كلمة - سبحان - تستبطن معنيي الأخبار والإنشاء، فكأنّك تقول: التقديس ثابت لربّي العظيم، وأقدّس ربّي العظيم...

وعين الأمر تجده في تركيب (وبحمده)، حيث أنّ حذف المتعلّق لهذا الجار والمجرور قصداً قصداً؛ لإعطائك الإطلاق في التقدير.

تستطيع أن تقدّر: وبحمده أعترف، وبحمده أعيش، وبحمده يقوم الوجود... أو تبقي الجار والمجرور على إطلاقه المفتوح صالحاً للتعلّق بكلّ اشتقاق مناسب!


وهكذا تجمع لك هذه الصيغة البليغة بين الإخبار عن التسبيح والتحميد، وبين إنشائهما من قِبَلك، وتعطيك السعة في متعلّق الحمد، لتحسّ بثبوته لله عزّ وجلّ، أو تنشئه على ما أحببت من أفعاله ونعمائه...

أربعُ كلماتٍ... تفتح عينيك وعقلك على حقلين خصبين ممتدّين: حقل التقديس لصاحب الوجود، وحقل نعمائه الغامرة في هذا الوجود القائم... فتقطف منها ما تتوفّق إليه من ألوان الأفكار وألوان المشاعر.

* * *

وتلاحظ في هاتين التلاوتين الارتباط الوشيج بين التسبيح والتحميد، وهو ارتباط تربوي يسلكه الإسلام في مختلف المواقف ويؤكّد عليه في مفاهيمه... ذلك أنّ التسبيح: تنزيه لله عن أن يُشبه شيئاً من المخلوقات، وتنزيه لذاته المقدّسة أن تكون من نوع الذرّات والطاقة التي يتركّب منها الكون، وتنزيه لأفعاله أن يشوبها شيءٌ من الضعف والنقص والخطأ الذي يتعرّض له تحرّك الأشياء.

ومثل هذا النفي الشامل قد يجرّ الذهن إلى الإغراق، وتخيّل أنّ الله عزّ وجلّ لا يقوم فعلاً بعمليات التكوين والإدارة في الوجود، وقد وقع بعضهم في هذا الوهم نعوذ بالله، متخيّلاً أنّ مقتضى تنزيه الله عزّ وجلّ أن ينزّهه حتى عن الخلق والإدارة، أو عن قسم من الخلق والإدارة.

وما مَثل هؤلاء إلاّ كمَثل من يمتدح حاكماً فينزّهه عن الظلم والانحراف، ثمّ يُغرق حتى ينزّهه عن الحكم والعدالة، أو كمثل مُتفرْنج خبيث أخذ يمتدح - ذات مرّة - سموَ النظام الإسلامي في جوانبه التربوية والاقتصادية، حتى جعله أسمى من أن يطبّق على حركة الحياة!

إنّ القسم الأوّل من التلاوتين وخاصّة تلاوة السجود - سبحان ربّي الأعلى - ينطلق بالفكر من مجالات التنزيه لذات الله وأفعاله انطلاقاً واسعاً، فكان لا بدّ من معادلة هذا الانطلاق النافي، بانطلاق مقابل في الإيجاب يتّجه إلى تكوين الله وإدارته للوجود، ونعمائه الغامرة في كلّ ذلك، ولم يكن أنسب لهذا الانطلاق الموجَب من مفهوم التحميد بصيغة الجار والمجرور الفريدة، وبعطفها بالواو!


وكذلك تقوم هذه الكلمات الأربع بتركيز المفهوم الإسلامي عن الله عزّ وجلّ، المفهوم النقي الذي يرفض التشبيه والتعطيل في آنٍ... تقوم بذلك في يسر وبساطة، وبأعمق المشاعر وأروعها.

عن الحسين بن سعيد، أنّه سُئل الإمام محمد الجواد (عليه السلام): يجوز أن يقال لله أنّه شيء؟ قال (عليه السلام): (نعم يُخرجه من الحدّين: حدّ التعطيل، وحدّ التشبيه) الكافي ج1 ص82.

وعن هشام بن الحكم قال: (سألت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) عن سبحان الله فقال: (أنفة [ا]لله) الكافي ج1 ص118.

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد سُئل عن معنى سبحان الله فقال: (كلمةٌ رضيها الله تعالى لنفسه، فأوصى بها) تاج العروس - مادّة سَبح.

* * *

وتلاحظ أخيراً في تلاوتي الركوع والسجود الشريفتيّن: اختيار صفة (العظيم) للربّ تبارك وتعالى في الركوع، وصفة (الأعلى) في السجود.

وتتّضح حكمة هذا الاختيار، من ملاحظة الفرق بين وضعي الركوع والسجود، فمع أنّ الركوع خضوع مستقلّ، إلاّ أنّه بمثابة المقدّمة والمرحلة لخضوع السجود، ومن هنا ناسب أن تكون صفة الربّ عزّ وجلّ - التي يتلوها المصلّي في الركوع - بمثابة الإعداد للصفة الأعمق التي يتلوها في تذلّل السجود.

وكذلك هو الحال في صفة - العظيم - وصفة - الأعلى - ... فمع أنّ الصفتين من أسماء الله الحُسنى، التي أمر القرآن الكريم بتسبيح الله بها: ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ) ، ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) ، إلاّ أنّ صفة العظيم بحكم كونها من (أمثلة المبالغة) صفة للذات المقدّسة بما هي.

وأمّا صفة - الأعلى - فهي بحكم كونها من (أفعل التفضيل)، صفة للذات المقدّسة بما هي منسوبة إلى الوجود، وتقديس الذات بالنسبة إلى كلّ الوجود، أبلغ وأعمق من تقديسها بما هي.

ثمّ إنّ طبيعة انحناء الركوع تتناسب مع الشعور بعظمة الخالق عزّ وجلّ، والتعبير عنها.

أمّا طبيعة وضع الجبين على التراب، وإلقاء الذات وإفنائها بين يدي الله عزّ وجلّ، فتتناسب مع الشعور بسموّه تبارك وتعالى، والتعبير عن هذا السموّ بصفة الأعلى... مطلقة شاملة.


تلاوة التشهّد

الأذان ؛ أنّ الشهادة في الأساس: إقرار يؤخذ من الشاهد أمام قاضٍ في محكمة، ولكنّها بلاغة الإسلام نقلتها من جلسة في محكمة إلى وقفة مفتوحة أمام الناس، والأشياء، وجعلت الوجود كلّه محكمة يُدلي المؤذّن بشهادته على أسماعه، ويدعوه إلى تسجيلها وتصديقها... أمّا هنا في الصلاة فللشهادة مُعطى من لون آخر، لا يبعد أن يكون أكثر بلاغة وعمقاً.

إنّ المسلم هو: الإنسان المقتنع الموقن بعقيدة الإسلام وشريعته، ولكنّ هذا اليقين معرّض للنسيان اليومي في حركة السلوك، فنحن أبناء آدم من طبيعتنا أن ننسى، كما نسيَ أبونا آدم (عليه السلام) من قبل: ( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) .

ومن ثمّ يرى الإسلام أنّ من الضروري لابن آدم - كجزء من تربِّيه اليومي بالصلاة - أن يُسجّ ل على نفسه الإقرار بإسلامه لله، إقراراً مجموعاً في كلمات، مصوغاً في شهادة يُدلي بها المصلّي وهو جاثٍ على ركبتيه، تسع مرّات في آناء اليوم، علّه يعيش مفهومه الذي يؤمن به عن الكون، ويوافق تحرّكه الواسع في الأرض مع شريعة هذا المفهوم، علّه يحسّ بمسؤوليّة هذه الشهادة، فلا ينحرف عنها...

ثمّ يتبع هذا الإقرار بالاتجاه إلى الله عزّ وجلّ، طالباً التبريك على مُبلّغ هذا الهدى وآله، والمجاهدين في تثبيته وتوضيحه (اللّهم صلّ على محمد آله محمد) .

أمّا بلاغة صيغة التشهّد، فما عليها من مزيد...

لاحظ انصباب الشهادة الأُولى على الوحدانيّة، حتى لكأنّ المسألة مسألة وحدانيّة الله، وليس الشهادة بوجوده عزّ وجلّ... وكذلك هو الأمر، فالمشكلة الأوسع في العالم هي الوحدانيّة.

هذا عالمنا أكثر من تسعة أعشاره يؤمنون بوجود الله، ولكن كم من هؤلاء من يوحّدون الله حقّ توحيده؟ وكم من الموحّدين نظريّاً يعيشون توحيد الله في سلوكهم، فلا يتلقّون عن غير الله، ولا يطيعون غير الله...؟

مسألة الاعتراف بوجود الله عزّ وجلّ هي الأساس، ولكنّها تملك البرهان


من عقل الإنسان وكونه، ثمّ لا تحتاج أكثر من الرهان... أمّا مسألة التوحيد فهي وإن امتلكت البرهان أيضاً من عقل الإنسان وكونه، لكنّها المسألة الأطول التي تواكبنا في فكرنا وسلوكنا، والمرحلة الأهمّ والأخطر في ضميرنا...

ومن هنا ناسب التربّي عليها وانصباب الشهادة عليها، بصيغة النفي لكافّة الإلوهيّات المتصوّرة، وإثبات إلوهيّة الإله الواحد عزّ وجلّ، وناسب توضيحها بنوعين من التأكيد، لكلّ منهما دور في تركيز التوحيد، فكلمة (وحده) تعني: أنّ وحدانيّة الله عزّ وجلّ قضيّة قائمة واجبة لا ممكنة بحسب التعبير المنطقي.

وكلمة (لا شريك له)، تنفي مساهمة أحدٍ أو شيءٍ مع الله عزّ وجلّ في شؤون الإلوهيّة، شؤون الخلق والإدارة والتشريع والأمر والحكم، كما ناسب في مستهلّ الشهادة الثانية وصف الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالعبد المخلوق المأمور، إبعاداً للشهادة بالرسالة عن أن تشي بأدنى مشاركةٍ لله في شيء، وإنّما هي مهمّة رسالةٍ وتبليغ، وإن كانت أعظم مهمّة قام بها إنسان.

* * *

ثمّ لاحظ المستوى الذي يرفع إليه - الفرد من الناس - الإدلاء بهذه الشهادة، مستوى أن يشهد أحدنا بوحدة الإلوهيّة وبالنبوّة!

متى احتاج الله عزّ وجلّ لأنّ يشهد بتوحيده أحد؟... ومن يكون زيد وعمرو في الوجود؟ ومن يكون الوجود بالنسبة إلى وجوده عزّ وجلّ، الوجود الحقيقي الصمد؟...

ومتى احتاج الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)، إلى شهادة أحد بإرساله من قِبل الله؟ وكفى بالله شهيداً له...

ولكنّه تواضع الرحمة من الله سبحانه، يقول لكلّ فرد من الناس: أنت بحاجة لأن تستشعر وحدانيّتي فتتلقّى عنّي وحدي، وتأتمر بأمري وحدي، فارتفع إلى مستوى احتياجك، وأشهد لي بالوحدانيّة، ولعبدي بالرسالة، وانهض بمسؤوليّة هذا المستوى..!

ثمّ لاحظ المسؤوليّة التي يتضمّنها هذا الإقرار، فكما إنّ ارتفاع الإنسان إلى مستوى الشهادة بالإلوهيّة والنبوّة، ليس من أجل الله ورسوله، فكذلك ليس


هو من أجل كبرياء الإنسان، وجعله في مستوى أن ينفي أو يثبت الوحدانيّة والرسالة... بل هو الارتفاع الخاشع المسؤول، الخاشع؛ لأنّه ارتفاع يتحقّق بين يدي الله، وبعد خضوع السجود، وفي حالة الجثوّ على الركبتين... والمسؤول؛ لأنّه ارتفاع مشروط بتكاليفه، تكاليف أن يتلّقى أحدنا مفاهيمه وأحكامه التي يتحرّك بها عن الله الذي يشهد يوميّاً بوحدانيّته، وعن رسوله الذي يشهد يوميّاً برسالته.

حينما أتفكّر أنّي في كلّ يوم من حياتي أسجّل على نفسي تسع مرّات الإقرار بوحدانية الله، ورسالة عبده محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) تهزّني مسؤوليّة هذا الإقرار، مسؤوليّة التقصير عنه فيما مضى، ومسؤوليّة أن أفيَ بما بقي من عمري بمستلزمات هذا الإقرار، أن أثبُت على التلقّي عن الله ورسوله، في خضمّ الهوى والناس والشيطان...

إنّها مسؤوليّة تهزّ الكيان أن يعلن أحدنا إقراره بوحدانيّة الله المطلقة، وبرسالة رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في آناء أيّامه طوال حياته، ومفارقة كبيرة أن يبدو في صلاته على مستوى هذا الإقرار، ثمّ ينخفض في تكفيره أو تصرّفه في دَركات الإسفاف.

* * *

ولاحظ الإيقاع الحازم العميق في ألفاظ تلاوة التشهد وعبارتها... إيقاعاً يمتدّ بالفكر في استيعابه، وتتروّى النفس من جلاله، وينتفض الضمير لحسمه، وينسجم كلّ ذلك مع مستوى الشاهد الذي ترفعه إليه هذه الجلسة، ومع جديّة المسؤوليّة التي تستوجبها.

* * *

ثمّ لاحظ البلاغة في الانتقال من الشهادة للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالرسالة، إلى طلب الصلاة عليه، فإنّ الشهادة للرسول تُحضر أمامك تكليف الله عزّ وجلّ إيّاه بهذه المهمّة، وقيامه بها على أكمل وجه وأثمر جهود، ممّا يدعوك لطلب التبريك عليه، كما يدعوك ذلك إلى تأكيد صلتك بالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)؛ باعتباره الهادي إلى الله عزّ وجلّ والمنقذ للبشريّة بأمر


الله... فتسجّل شعورك نحوه، معتزّاً بزعامته ومكانته (صلّى الله عليه وآله وسلم).

وفي ضمن هذا الانتقال إلى الصلاة على الرسول، يتم انتقال آخر من ضمير الغيبة إلى الخطاب، إلى التكلّم مع الله عزّ وجلّ، الذي تجثو بين يديه وتشهد له بالوحدانيّة، ولرسوله بالرسالة، أن يبارك على رسوله الذي هداك به، وهو انتقال منسجم أيضاً يفتح لك الخطاب مع الله الواحد ويجعلك تمارس طلباً منه، من أجل عبده ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، على عظمة هذا العبد الرسول.

* * *

ثمّ لاحظ أخيراً عطف الصلاة على آل الرسول، على الصلاة على الرسول، باعتبارهم امتداد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) في هذه الأُمّة، تثبيتاً للإسلام وجهاداً مخلصاً في سبيل الله...

وآل الرسول ، أو أهل البيت، هذا الاصطلاح الإسلامي الذي حدّده الرسول بأشخاص معيّنين، وأمرَ بالاقتداء بهم، والصلاة عليهم مع الصلاة عليه، وهو المنزّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن معاني القَبَليّة والأسريّة والذاتيّة، التي تجعل الزعماء الدنيويّين يفرضون امتدادهم على الأمّة في ذويهم: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) .

قال أحمد بن حنبل: لمّا نزلت هذه الآية: ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ... ) ، دعا الرسول (صلّى الله عليه وآله)، عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً رضوان الله عليهم أجمعين، فقال: (اللهمّ هؤلآء أهلي) مسند أحمد بن حنبل ص185.

وفي صحيح البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هديّة سمعتها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقلت: بلى فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقلنا يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإنّ الله قد علّمنا كيف نسلّم؟ قال:(قولوا اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد...) ج4 ص178 - مطابع الشعب.


قال الكحلاني: ( وحديث الصلاة أخرجه الشيخان عن كعب بن عجرة عن أبي حميد الساعدي، وأخرجه البخاري عن أبي سعيد، والنسائي عن طلحة، والطبراني عن سهل بن سعد، وأحمد والنسائي عن زيد بن خارجة.

والحديث دليل على وجوب الصلاة عليه (صلّى الله عليه وآله) في الصلاة؛ لظاهر (الأمر) ، أعني: (قولوا) ، وإلى هذا ذهب جماعة من السلف والأئمّة والشافعي، وإسحاق، ودليلهم الحديث مع زيادته الثابتة، ويقتضي أيضاً وجوب الصلاة على (الآل)، وهو قول الهادي، والقاسم، وأحمد بن حنبل.

ولا عُذر لمن قال بوجوب الصلاة عليه (صلّى الله عليه وآله وسلم) مستدلاًّ بهذا الحديث، من القول بوجوبها على الآل، إذ المأمور به واحد، ودعوى النووي وغيره الإجماع على أنّ الصلاة على الآل مندوبة، غير مسلّمة، بل نقول: الصلاة عليه (صلّى الله عليه وآله وسلم) لا تتمّ، ويكون العبد مُمتثلاً بها، حتى يأتي بهذا اللفظ النبوي الذي فيه ذكر الآل؛ لأنّه قال السائل: كيف نصلّي عليك، فأجابه بالكيفيّة؛ أنّها الصلاة عليه وعلى آله.

فمن لم يأت بالآل، فما صلّى عليه بالكيفيّة التي أمر بها، فلا يكون مُمتثلاً للأمر، فلا يكون مصلّياً عليه (صلّى الله عليه وآله وسلم)...

... ومن هنا تعلم؛ أنّ حذف لفظ الآل من الصلاة، كما يقع في كتب الحديث ليس على ما ينبغي... وكأنّهم حذفوها خطأً، تقيّة، لمّا كان في الدولة الأُمويّة من يكره ذكرهم، ثمّ استمرّ عليه عمل الناس، متابعة من الآخر للأوّل، فلا وجه له). سبل السلام في شرح بلوغ المرام للعسقلاني ج1 ص193.

التسبيحات الأربع

رويَ في الوسائل، عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الركعتين الأخيرتين من الظهر، قال: (تسبّح وتحمد الله وتستغفر لذنبك، وإن شئت فاتحة الكتاب فهي تحميد ودعاء).

وعن علي بن حنظلة قال: سألته عن الركعتين الأخيرين ما أصنع فيهما؟ فقال: (إن شئْت قرأت فاتحة الكتاب، وإن شئْت فاذكر الله، فهو سواء...) الوسائل


ج4 ص781.

وعن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما يجزي من القول في الركعتين الأخيرتين؟ قال: (أن تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، وتكبر وتركع).

وعن رجاء بن أبي الضحّاك، أنّه صحب الإمام الرضا (عليه السلام) من المدينة إلى مرو، فكان يسبّح في الأخراوين يقول:(سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ثلاث مرّات، ثمّ يركع) الوسائل ج4 ص782.

اعتماداً على هذه النصوص، ونصوص أخرى، أفتى الفقهاء: بتخيير المصلّي في الركعة الثالثة والرابعة، بين سورة الحمد وهذه التسبيحات الأربع، كما أفتوا باستحباب الاستغفار بعدها...

وقد نحسب أنّ هذا التركيب الموفّق، بين أربعة أنواع من الذكر إلهامٌ من الله عزّ وجلّ للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)، لكنّ النصّ الآتي يكشف لنا عن تاريخ عريق لهذه التلاوة...

فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (جاء نفر اليهود إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فسألوه عن الكلمات التي اختارهنّ الله لإبراهيم حيث بنى البيت، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم): نعم، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر...) الوسائل ج4 ص1207.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (مرّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) برجل يغرس غرساً في حائط له، فوقف له وقال: ألا أدلّك على غرسٍ أثبت أصلاً، وأسرع إيناعاً، وأطيب ثمراً وأبقى؟ قال: بلى فدلّني يا رسول الله، فقال: إذا أصبحت وأمسيت فقل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، فإنّ لك إن قلته بكلّ تسبيحة عشر شجرات في الجنّة، من أنواع الفاكهة، وهنّ من الباقيات الصالحات...) الكافي ج2 ص506.

هذه التلاوة إذاً؛ بالإضافة إلى أنّها مركبة من مفردات ومضامين قرآنية... فهي تلاوة مهداة من الله عزّ وجلّ إلى خليله شيخ الأنبياء إبراهيم (عليه


السلام)... وهي مؤكَّدة من قبل الرسول والأئمّة (عليهم السلام) في عدّة نصوص، حتى أصبحت تعرف باسم: (التسبيحات الأربع)؛ لأنّها أربعة أنواع من ذكر الله تبدأ بالتسبيح... وهذه العراقة والتأكيد يعطيان التلاوة قيمة خاصّة بين الأذكار الإسلامية.

وقد مرّت معنا مفردات التسبيحات الأربع في التلاوات المتقدّمة... لكن الذي يُلفت هنا جمعها، وجعلها تلاوة مستقلّة، تُقرأ في حالة الوقوف في الركعة الثالثة والرابعة بإخفات، ثلاثة مرّات... أو أكثر.

أربعة مفاهيم عن الله عزّ وجلّ وصلته بالوجود، كلّ واحد منها من حقل، عُطفت بحرف العطف، فإذا بها تشكّل وحدة فكريّة وشعوريّة لم نكن نعهدها في مفرداتها... فما هو التجانس الذي أعطاها الوحدة والغنى؟

قد تقول: إنّ الجمال الذي نراه في عطف هذه الفقرات نشأ من تجانسها بحدّ ذاتها، باعتبارها، تنزيهاً، وحمداً، وتوحيداً، وتكبيراً لله عزّ وجلّ، فهي جميعاً مفاهيم عن ذاته سبحانه، وصلته بالوجود تتّسق إذا عُطفت، وإن كان لكلّ منها لون.

غير إنّ جمال الاتّساق والغنى في التسبيحات الأربع، لم ينشأ كلّه من التقائها في وصف الله عزّ وجلّ، فإنّ هذا الجمال هو مُعطى الأخبار حينما تتلوها فتقول لك: التنزيه ثابت لله، والحمد ثبات لله، والتوحيد ثابت لله، وإنّ - الله أكبر - من نعوت المخلوقين وخيالهم... فإذا بها أوصاف عظيمة، وأمجاد هائلة، تَتتابع نحو الوجود الإلهي عزّ وجلّ، فتجعلك تترّنح أمامها.

أمّا القدر الآخر من الجمال والثراء، فيعطيك إيّاه انتقال هذه التلاوة بك من حقل إلى حقل، ومن لون إلى لون، يعطيك إيّاه تربّيك أنت بهذه الجولة...

وذلك حينما تتلوها بقصد الإنشاء، فتبدأ بحقل التنزيه المطلق، إذا يتكوّم الوجود أمامك لاطئاً، وتحسّ بالله وجوداً عالياً منزّهاً، ثمّ تدخل حقل العطاء كلّ العطاء في الوجود المتفرّع المترامي، فتسجّل الحمد فيه لله، ثمّ تدخل حقل التوحيد، فتنفي أن يكون في الوجود محبوب أو مُطاع غير الله، ثمّ تثبت في مكانك من الوجود، خاتماً موقفك بأنّ الله أكبر من كلّ الوجود ومن كلّ ما خطر


على قلب.

أو تتلوها كما هي إخبار يشدّ إلى الإنشاء، فيمتزج الجلال بالجمال والذهول، بالاطمئنان في ألوان من المفاهيم والمشاعر... ثمّ تكرّرها ما شئت بقصد الإخبار أو الإنشاء، أو المزيج البلاغي المُعجز منهما...

(سبحان الله... والحمد لله... ولا إله إلاّ الله... والله أكبر...).

تلاوة التسليم

التحيات التي يستعملها غير المسلمين في ملاقاتهم هي: التحيات التقليديّة الموروثة مثل: صباح الخير، ومساء الخير، ونهارك سعيد، ومرحباً، وطاب ليلك، وأنعم صباحاً... وما شابه؛ ذلك لأنّ أديانهم الوضعيّة والمنسوبة إلى الله لا يوجد فيها صيغة تحية للقاء الناس بعضهم مع بعض، أمّا الإسلام فقد وضع للتحيّة أحكاماً، ووضع لها صيغة جميلة... قال عزّ وجلّ: ( ...فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ) 61 - النور.

وعن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: (السلام تطوّع، والردّ فريضة)، وقال: (أولى الناس بالله ورسوله، من بدأ بالسلام) الكافي ج2 ص644.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (كان سلمان رحمه الله يقول: افشوا سلام الله، فإنّ سلام الله لا يَنال الظالمين) الكافي ج2 ص644.

وإذا أردنا أن نقارن صيغة التحيّة الإسلاميّة (سلام عليكم، أو السلام عليكم، أو عليكم السلام) ، بالتحيّات الأُخرى لوجدناها تتميّز عليها من ناحيتين:

الأُولى: الشمول، فإنّ صيغ التحيّات الأُخرى مخصّصة بوقتٍ أو بحالة، بينما صيغة التحيّة الإسلاميّة شاملة للأوقات والحالات.


والثاني: المحتوى، فإنّ التحيّات الأُخرى تساوي قولك: أتمنّى أن يكون الوقت الذي يمرّ عليك سعيداً وخيراً، والتحيّة الإسلاميّة تساوي قولك: الأمان والطمأنينة من الله عليك.

وفارق كبير بين أن تحيّي من تلاقيه بأمنياتك له بالخير والسعادة، وبين أن تكون مخوّلاً من الله عزّ وجلّ بتحيّته بالأمن والطمأنينة، إنّ هذا العنصر في التحيّة الإسلاميّة يُلفت الذهن حقّاً...

فهي ليست تحيّة من عند الإنسان بل: (من عند الله مباركةً طيّبةً)، وكّلنا عزّ وجلّ أن نُنشئها عنه على أنفسنا كلّما التقينا، بل وخوّلنا إفشاءها على كلّ المسلمين.

إنّ المخلوق لا يملك الخير والأمن والطمأنينة حتى يقدّمها للآخرين... ولكنّها الرحمة الإلهيّة ترتفع بالإنسان إلى مستوى أن يحيّي نفسه وإخوانه بالسلام، نيابة عمّن يملك الأمنَ والسلام عزّ وجلّ.

* * *

ويزداد مُعطى هذه التحيّة البليغة حينما تجدها في الصلاة، وقد جعلها الإسلام تلاوة الختام.

عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (افتتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها السلام) الوسائل ج4 ص1003.

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد سأله رجل: ما معنى قول - الإمام في ختام الصلاة - السلام عليكم فقال: (إنّ الإمام يُترجم عن الله عزّ وجلّ، ويقول في ترجمته لأهل الجماعة: أمان من عذاب الله يوم القيامة) الوسائل ج4 ص1005.

وعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (إنّما جُعل التسليم تحليل الصلاة، ولم يجعل بدلها تكبيراً أو تسبيحاً أو ضرباً آخر؛ لأنّه لمّا كان الدخول في الصلاة تحريم الكلام للمخلوقين، والتوجّه إلى الخالق، كان تحليلها والانتقال عنها وابتداء المخلوقين في الكلام أوّلا بالتسليم) الوسائل ج4 ص1005.

فلئن كانت التحيّة الإسلاميّة في كلّ الحالات تحيّة من عند الله مباركة


طيّبة تبشّر بها عن الله عزّ وجلّ من لاقيت من الناس، فإنّها عقيب الصلاة أكثر بركة وطيباً؛ لأنّك تكون تلقّيتها غضّة عَطِرة من الله الذي وقفت بين يديه تبارك وتقدّس، وتكون أجدر بهذه النيابة، وأقرب للتعبير عن المنوب عنه عزّ وجلّ.

وممّا يلاحظ في تسليم الصلاة، استحباب التسليم على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، قبل سلام الختام، وإنّ هذا التسليم من ضمن الصلاة وليس ختاماً لها.

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (كلمّا ذكرت الله عزّ وجلّ به، والنبي صلّى الله عليه وآله، فهو من الصلاة، وإن قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقد انصرفت) الوسائل ج4 ص1012.

* * *

كما يلاحظ وجود صيغتين شرعيّتين للتسليم: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والسلام عليكم) ، فإن كان المصلّي مفرداً وليس حوله أحد سلّم على نفسه، وعلى عباد الله الصالحين، تحيّة من عند الله سبحانه، وإن كان يصلّي مع جماعة أو حوله أحد سلّم عليهم.

وإذا جمع بين الصيغتين وكان مفرداً سلّم على نفسه وعلى الصالحين أوّلاً، ثمّ سلّم سلاماً مطلقاً قاصداً به الملائكة الذين معه، أو مبقياً له على شموله لكلّ من يستحقّ تحيّة الله، وإن كان مع جماعة سلّم على نفسه وعليهم وعلى الصالحين أوّلاً، ثمّ خصّص أخوانه بالسلام ثانياً.

وللتسليم على النفس بأمر الله عزّ وجلّ، وبتحيّة من عنده مباركةً طيبة، أثر كبير في اطمئنان المسلم وشعوره بالأمان الإلهي الوديع.

* * *

بعد هذا الاستعراض لبلاغة تلاوات الصلاة، يلفتنا فيها أمر جديد لم يكن في الحسبان، يلفتنا أنّها ليست تكلّماً مع الله عزّ وجلّ، باستثناء الآيات الثلاث في نهاية سورة الفاتحة، وفقرة (اللهمّ صلّى على محمد وآل محمد) في تلاوة التشّهد!


نعم ، إنّ الطابع العامّ للصلاة هو: التكلّم مع النفس بين يدي الله، لا التكلّم مع الله.. وهو أمر يستحقّ الوقوف.

صحيح إنّه يستحب في الصلاة الدعاء ومخاطبة الله عزّ وجلّ، ولكن قِوام الصلاة هو: بتلاواتها الواجبة، من التكبير والتحميد والتوحيد والتهليل والتشّهد... وجميعها حقائق عن الله عزّ وجلّ وصلته بالوجود، يقوم المصلّي بتقريرها في نفسه بين يدي الله دون مخاطبته بها... فلماذا غلب هذا الطابع على الصلاة؟

لماذا لا نقول في الصلاة بدل الله أكبر: اللهمّ أنت أكبر، ولماذا لا نقرأ: باسمك اللهمّ، والحمد لك يا ربّ العالمين، أو نقول في الركوع: سبحانك ربّي العظيم وبحمدك، وفي الجلوس: اللهمّ أشهد ألاّ إله إلاّ أنت، وحدك لا شريك لك...؟

يبدو معقولاً أن تكون الصلاة كلّها استغراقاً في التكلّم مع الله، كما ترى في بعض الصلوات غير الإسلامية... لكن الإسلام يخطّئ هذه الطريقة في الصلاة ويراها غير عمليّة... لعدّة أسباب ترجع إلى أصلين، يقوم عليهما تشريعه للصلاة، وتشريعاته في كلّ مجال:

الأصل الأول : أنّ هدف التشريع الإسلامي هو: الإنسان وليس الله، هدفه تربية هذا الإنسان، وضمان استقامته في طريق تكامله...

ماذا يصنع الله بصلاة الإنسان وصومه واعترافه بإلوهيّته وأنبيائه واليوم الآخر، لو لم يكن ذلك ضرورة لازمه لوجود هذا الكائن...

يقول عزّ وجلّ: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) 118 - هود، خلقهم للرحمة، لمجرّد الاستفادة من عطائه في تكاملهم.

أمّا قوله تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) 56 - الذاريات، فهو بمثابة قوله: ما خلقتهم إلاّ ليتكاملوا بإطاعتي؛ لأنّ إطاعته عزّ وجلّ هي الطريق الوحيد للتكامل، كما تقول: إنّما تعلّمت لكي أعمل... مع إنّ العمل طريق وليس هدفاً.


والأصل الثاني: أنّه لا بدّ في التشريع الإسلامي أن يكون ميسّراً لظروف الناس ومستوياتهم جميعاً؛ لأنّه تشريع لهم جميعاً.

وبموجب هذين الأصلين - الغرض التربوي، والكلفة الأقلّ - اللذيْن هما من طبيعة المنطلق التشريعي في الإسلام، نجد أنّ التكلّم مع الله عزّ وجلّ ليس بحدّ ذاته هدفاً للتشريع الإسلامي، وإنّما أسلوب تربوي يُتّبع حيث يكون أكثر عطاءً ويسراً على العباد.

أمّا إذا كان أكثر كُلفة وأقلّ عطاءً فإنّ الله عزّ وجلّ لا يتردّد في اختيار الأسلوب البديل، وكذلك فعل عزّ وجلّ في الصلاة فاختار لها أسلوب التقرير المعيّن، وجعله الطابع العامّ لها دون أسلوب التكلّم المباشر.

لا أريد التقليل من الأهميّة التربويّة التي نفيدها من التكلّم مع الله عزّ وجلّ... بل أريد التمييز بين هذين الأسلوبين اللذين تتألّف منهما الصلاة: أسلوب التقرير بضمير الغَيْبة، الذي جعله الله الطابع العامّ للصلاة، وأسلوب التكلّم بضمير الخطاب، الذي انحصر في موردين من تلاوات الصلاة الواجبة.

فمن ناحية، نجد أنّ خطاب الحضور مع الله عزّ وجلّ، يستلزم جهداً ذهنيّاً أكثر من خطاب الغَيبة، فلا ننسى أنّ الوجود الإلهي مهما كانت درجة وضوحه في عقل الإنسان، إلاّ إنّه وجود غائب عن حواسّه السائدة، بل حتى عن حاسّة الخيال الشاسعة...

ولذا ، فإنّ من الصعوبة بمكان أن تكون صلاة الناس كلّها تكلّماً مع الله عزّ وجلّ، بينما أسلوب تقرير الحقائق عن الله والوجود مع النفس على عين الله أكثر يُسراً.

ومن ناحية أخرى، فإنّ الصلاة تهدف أن يتربّى الإنسان على تقديس الله، وتحميده، وتوحديه سبحانه، وهذا التربّي يَفي به أسلوب التقرير أكثر ممّا يفي به أسلوب التكلّم؛ لأنّ أسلوب التكلّم يجعل المقدّس المعظّم مُخاطَباً لك، أمّا أسلوب التقرير فيجعلك تقرّر هذه الأوصاف لمقدّس عظيم، وكأنّك تجلّه عن المخاطبة.

وأسلوب التكلّم قد يوميء بأنّ لك نصيباً في تقديس الله عزّ وجلّ؛ لأنّك تقوم بإنشاء هذا التقديس، أمّا أسلوب التقرير فيجعلك تعترف بالتقدس حقيقة كونيّة ثابتة، لا بدّ لك في إثباتها ولا في نفيها، ولا لأيّ مخلوق.


والصلاة تريد للإنسان أن يتربّى في نشاطه اليومي، على الاستقامة في خطّ الإسلام وأن يحسّ بأنّه يتصرّف على مرأى ومسمعٍ من الله عزّ وجلّ.

وأسلوب التقرير أقرب شبهاً بهذا النشاط اليومي المطلوب، فهو أنفع في التربية عليه، أمّا أسلوب التكلّم مع الله سبحانه فهو مادّة تربويّة من غير نوع النشاط اليومي...

بعبارة ثانية: إنّ أسلوب الخطاب يربّي الإنسان على أن ينضبط ويستقيم في تكلّمه مع الله عزّ وجلّ، أمّا أسلوب التقرير فهو يربّي الإنسان على أن ينضبط ويستقيم مع نفسه، على مرأى ومسمع من الله عزّ وجلّ، وهذا اللون من التربية أبعد أثراً في حياتنا اليوميّة.

من أجل ما تقدّم؛ نجد أنّ الصلاة تفرّق بين التربية على التقديس، وبين التربية على الطلب، ففي تربية الإنسان على تقديس الله سبحانه تستعمل أسلوب التقرير بضمير الغائب، وفي التربية على الطلب من الله عزّ وجلّ تستعمل أسلوب التكلّم والخطاب.

ولمّا كانت التربية على التقديس (التوعية على الله والوجود، وصلة الله بالوجود) هي الغرض الأكثر في الصلاة، والتربية على الطلب هي الأقلّ، كان الطابع العامّ لتلاوتها أسلوب التقرير بضمير الغائب.

ثمّ إنّ أسلوب التقرير المتّبع في الصلاة ليس أسلوباً متمحّضاً في (الغيبة)، فهو من ناحية، تقرير على عين الله وبين يديه، ومن ناحية، إخبار يتضمّن ويستبطن الإنشاء كما عرفت...

وهذان العنصران يجعلانه لوناً خاصّاً من الكلام، مزيجا الغَيْبة والخطاب، والإخبار والإنشاء، وهذا في اعتقادي من معاجز الصلاة... فكأنّ الله عزّ وجلّ يقدّم لنا بهذا الأسلوب، نموذجاً رفيعاً للنشاط الإنساني الواعي، ويدعونا لأنّ نجعل نشاطنا اليومي تحرّكاً على عينه، وموجّهاً إليه عزّ وجلّ، مع الالتفات الكامل إلى أنفسنا وموقعنا في هذا التحرّك.

* * *

وأخيراً لا أدري هل وفّيت في التمييز بين الأسلوبين اللذيْن تعتمدهما تلاوات الصلاة...

إنّ أسلوبي الغيْبة والخطاب في الصلاة، ما هما إلاّ جزءين من أسلوبي الغيبة


والخطاب الممتدّين في صفحات القرآن الكريم... وهما جديران بدراسة مستقلّة، تكشف عن قواعدهما العلميّة وتميّز بين حقولهما التربوية، دراسة تبيّن لنا متى يتكلّم الله عزّ وجلّ عن نفسه بضمير الغائب ولماذا؟ ومتى يتكلّم عن نفسه بضمير المتكلّم، ولماذا؟ ومتى يكلّمنا بضمير الغائب أو المخاطب، ولماذا؟ ومتى يطلب منّا أن نكلّمه بضمير الغائب أو المخاطب، ولماذا؟... وكذلك الأمر في ضمير المفرد والجماعة.

لا شكّ أنّ القرآن الكريم يعتمد في كلّ ذلك أصولاً علميّة ثابتة، لا تفاوت فيها ولا اختلاف: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) ، كما لا شكّ في أنّ تشريعات الإسلام وسنّة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وسلوك الأئمّة (عليه السلام) تطبيق أمين لهذه الأصول.

ولذلك فهي ذات فائدة كبيرة في استكشافها وتحديدها... وقد رأيت كيف تميّيز الصلاة بين تربية الإنسان على تقديس الله، وتربيته على الطلب من الله عزّ وجلّ، كما رأيت سابقاً في تميّيزها بين ضمير المفرد والجماعة.

* * *

وآخر ما يلفت في تلاوات الصلاة: إنّها تلاوات تشبع أوضاع الصلاة وتناسبها.

إنّ كثيراً من المواقف تفتقر إلى التعبير الملائم، افتقار الملح إلى الطعام، وافتقار الوردة إلى اللون، وافتقار الأشجار إلى الطيور... فإن هي لم تفعم بهذا التعبير، ظل ّت يتيمة ولْهَى.

وكذلك مواقف الصلاة: الوقوف باعتدال بين يدي الله، والركوع، والسجود، والجلوس بين يدي الله عزّ وجلّ، تفتقر إلى تعبير ملائم...

وتجيء التلاوات فتملئ هذا الفراغ، وتسدّ هذا الافتقار بجدارة، وما ذلك إلاّ لغنى التلاوات بالأفكار والمشاعر، وملاءمتها المطلقة لهذه المواقف... حتى لتجد تلاوة الركوع ركوعاً بذاتها، كما تجد الركوع بذاته موحياً بتعظيم الله عزّ وجلّ والتسبيح بحمده!

وكذلك الأمر في كلّ واحد من هذه التلاوات البديعة الفريدة ابتداءً بتكبير الله... وختاماً بالأمن والسلام من لدنه عزّ وجلّ...


الجهر والاخفات

من شمول حضارة الإسلام ودقّتها، أنّ التشريع الإسلامي تناول مسألة الصوت في سلوك الإنسان، باعتبار ما لدرجات الصوت من أثر على النفس...

والجهر في اللغة هو: الظهور والإعلان، تقول: جَهَر الشيء، أي ظهر وبدا، ورأيته جَهرةً أي: عياناً، وجَهر بالكلام وجهر الكلام: أي أعلن به، وكلام جهر أي: مرتفع، وجهر بصوته، وجهر صوته أي: رفعه، فهو جهر ومجهر وجهوري الصوت، (مقتطف من تاج العروس - مادّة جهر).

والخفت والخفوت والخفات: ضُعف الصوت وسكونه، تقول: خفت الرجل صوته، وخافته وأخفته: أي أضعفه، ومنه خفت الرجل أي: سكن صوته ومات.

فالجهر بالصوت هو: المبالغة في رفعه، مثلاً من درجة ستّين إلى مئة، والإخفات هو: المبالغة في خفضه، مثلاً من درجة عشرة إلى صفر، وما بينهما درجات معتدلة، ليست بالأصل جهراً ولا إخفاتاً، وإن كانت كلّ درجة منها إخفاتاً بالنسبة لما فوقها، وجهراً بالنسبة لما دونها...

وكذلك لا بدّ من التمييز بين الجهر والاخفات في أصل اللغة، والجهر والإخفات النسبيّين، لأنّ المعنيين دخيلان في غرضنا...

ففي قوله تعالى مسجّلاً حكمة لقمان لولده (عليهما السلام): ( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) 19 - لقمان.

يعطي القرآن الكريم قاعدة عامّة في أدب الحديث، فينهي عن الجهر بمعناه اللغوي الأصلي - رفع الصوت بدرجات عالية - ويلفت إلى استنكار


الطبع لصوت الحمار بسبب ارتفاعه الفاحش.

وفي قوله تعالى: ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاَ وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ) 110 - الإسراء.

يتّضح التمييز بين معنى الجهر والاخفات، حيث تنهى الآية الكريمة عن الجهر والإخفات الأصليّين، وتأمر بالوسط بينهما، وهو المعنى النسبي الذي افترضناه من درجة عشرة إلى ستين.

ولكن، هل أنّ المصلّي مخيّر بين كافّة هذه الدرجات في صلاته؟

يأتي هنا دور السنّة، فتقوم أوّلاً بتحديد الجهر والإخفات اللذيْن نهت عنهما الآية:

عن سماعة الحضرمي قال سألته - يعني الإمام الصادق (عليه السلام) - عن قول الله عزّ وجلّ، ( وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ) قال: (المُخافتة: ما دون سمعك، والجهر: أن ترفع صوتك شديداً) الوسائل ج4 ص773.

ثمّ تقوم السنّة بتقسيم السبيل الوسط - المعنى النسبي - إلى إخفاء وجهر، وتحدد الإخفاء بأنّه: الهمس المسموع إلى الهمس العالي، وتحدد الجهر: بأنّه ظهور جوهر الصوت إلى قرابة الارتفاع الفاحش... وتوزع ذلك على صلوات النهار والليل، فتأمر بالإخفاء في صلوات النهار، وبالجهر في صلوات الليل...

عن يحيى بن أكثم، أنّه سأل الإمام الكاظم (عليه السلام) عن صلاة الفجر لِمَ يجهر فيها بالقراءة، وهي من صلوات النهار، وإنّما يجهر في صلاة الليل؟ فقال: (عليه السلام):(لأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان يَغلس بها...)- أي يصلّيها أوّل الفجر عند الغَلَس: وهو وقت أقرب إلى الليل. الوسائل ج4 ص764.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام)، في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه، وأخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه، قال: (أي ذلك فعل متعمّداً فقد نقض صلاته، وعليه الإعادة، فإن فعل ذلك ناسياً أو ساهياً أو لا يدري؛ فلا شيء


عليه، وقد تمّت صلاته) الوسائل ج4 ص766.

ومن طريف ما نلاحظ، أنّ السنّة تعبّر عن الإخفات المطلوب في صلاة الظهر والعصر: بالإخفاء، وتعبر عن الإخفات المنهي عنه في الآية - ما دون سمعك - بالمُخافتة، مراعية الاشتقاق من فعل - خافت - الذي استعملته الآية الكريمة.

ولم أجد كلمة (الإخفات) في نصوص السنّة، إلاّ في رواية مرسلة عن الإمام الباقر (عليه السلام) - الوسائل ج4 ص774 - وأرجّح أنّها مصحفة عن الإخفاء... غير أنّ الفقهاء لم يتنبهوا لهذه الدقّة في نصوص السنّة الشريفة، ودرجوا على التعبير بوجوب الإخفات في الظهرين، والجهر في العشاءين والفجر، تأثّراً بالتضايف القائم بين الجهر والإخفات.

* * *

نَخْلص ممّا تقدّم، إلى أنّ الإسلام يوجب إبراز الصوت في صلوات العُتمة، وإخفاءه في صلاتي النهار... وبهذا التعليل الذي تقدّمه السنّة الشريفة، نضع أيدينا على الحكمة الأُولى من الجهر والإخفات.

فالليل وإن كان ظاهرة طبيعيّة متكرّرة على الناس، إلاّ أنّ له تهويمه على النفس، في عسعسته، وهواجسه، ووحشته، كما إنّ لليل وسَقَه وغَواسِقه.

والوسق: أحمال ما يجيء بها الليل، والغواسق: أرواح ما، أو مؤثّرات ما، على نفس الإنسان، يأمرنا عزّ وجلّ بالالتجاء إلى كنفه منها: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ... ) .

إزاء هذه المؤثّرات المنظورة وغير المنظورة، تحتاج أنفُسنا إلى تطمين، كما تحتاج إلى حماية، والذي يهمّنا هذا التطمين وهو الصلاة، وللجهر بتلاوتها أثر في عطاء الطمأنينة ندركه طبيعتنا.

أمّا أثر الصلاة في الحماية من غواسق الليل، ودور الجهر في توفير هذه الحماية،فهو احتمال نرجّحه ولا نعرف تفصيله، فإنّ الإسلام يكشف لنا عن أنّ النفس - هذه الطاقة المعيّنة - داخل أحدنا تقع في معرض التأثير لأُنفسٍ غير


منظورة...

منها إبليس، ومنها الغواسق، ومنها النفاثات، ومنها أنفُس الناس الشريرة، والأنفُس الحاسدة بشكل خاصّ، بل لا يبعد أن أجسادنا في رأي الإسلام واقعة في معرض التأثير لأنفُس وطاقات مادّية معيّنة...

والذي يحمينا من ذلك، أنفس أُخرى مقابلة، سخّرها الله لحمايتنا، قال عزّ وجلّ: ( وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ) 1 - 4 الطارق.

وقال عزّ وجلّ: ( سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) 10 - 11 الرعد.

ويضاف إلى هذه الحماية التكوينيّة، الحماية التي يوفّرها الالتزام بالسلوك الإسلامي، والتي تتصاعد تبعاً لاستقامة هذا السلوك، قال الله عز وجل: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) 30 - 31 فصلت.

والصلاة باعتبارها ركناً من السلوك الإسلامي، لا بدّ وأن تكون ذات أثر في الحماية، والجهر الذي أوجبه الله تعالى في قراءة الصلوات الليليّة، يرجّح كذلك أن يكون له دور في توفير الحماية لأنفسنا، كما كان له دور في تطمينها.

أمّا النهار: فهو نشور مبصر، يملئ النفس بالحركة والأحداث، فكان المناسب أن تكون الصلاة فيه انسحاباً رفيقاً من الخِضمّ، وهمساً للنفس بحقائق الحياة، وتقديساً ودعاءً خفيّاً بين يدي الربّ تبارك وتعالى.

إنّ الملاحظة الدقيقة لظاهرة الليل، وآثارها الشعوريّة واللاشعوريّة علينا، وكذلك الملاحظة الدقيقة لامتلاء النفس من حركة النهار، تجعلنا ندرك بوجداننا شدّة الملائمة بين العتمة والجهر، وبين الضياء والإخفاء في تلاوة الصلاة؛ ولذلك فإنّ إدراك هذه الحكمة يعتمد على الحسّ الوجداني، الذي يتجلّى بالملاحظة.

* * *

والحكمة الثانية: أنّ الجهر والإخفاء يتّصلان بطبيعة الربّ المقدّس تبارك اسمه، فإنّه سبحانه: (...ناءٍ لا بمسافة، قريب لا بمُداناة... نأى في قُربه، وقُرب


في نأيه، فهو في نأيه قريب، وفي قُربه بعيد، كيّف الكيف فلا يقال: كيف! وأيّن الأين فلا يقال: أين!) الكافي ج1 ص138.

ففي الوقت الذي هو سبحانه أقرب إلينا من حبل الوريد،هو سامق العلوّ، بحيث يستحيل لعقولنا الإحاطة به، ومثل هذا القُرب والبعد في آنٍ، يتناسب معه الجهر والإخفاء في التقديس والدعاء (فالجهر بالصلاة، يناسب كونه تعالى عليّاً متعالياً، والإخفات، يناسب كونه قريباً أقرب من حبل الوريد، فاتّخاذ الخصلتين جميعاً في الصلاة، أداء لحقّ أسمائه جميعاً) تفسير الميزان ج13 ص241.

* * *

هذا ما ندركه من حكمة الجهر والإخفاء... ولئن كانت هاتان الحكمتان قابلتين للمناقشة، وللنقض بوجوب الإخفاء في تلاوة الركعتين الثالثة والرابعة من صلاتي المغرب والعشاء، وبالتخيير بنين الجهر والإخفاء في بقية أذكار الصلاة، وفي النوافل، وبتخيير المرأة في الصلوات الجهريّة، وباستحباب الجهر في البسملة وقراءة صلاة الظهر من يوم الجمعة...

أقول إذا كانت الحكمتان المتقدّمتان قابلتين للمناقشة بهذا، فإنّ ما لا يقبل المناقشة إنّ مستوى إدراكنا التشريعي لا يخلوّلنا مناقشة ما ثبت في الشريعة المقدّسة، تماماً كما لا تخوّلك معرفتك الطبيّة العامّة، أن تناقش في علاج أجمع الأطباء على ضرورته، على سعة الفارق بين الإدراك الطبّي المتيسّر للبشر، والإدراك التشريعي المختصّ بالله عزّ وجلّ.

إنّ التمييز بين صلوات الليل والنهار في درجة الصوت المطلوبة أمر ثابت على العموم، في الشريعة الإلهيّة المقدّسة، وكفى بذلك دليلاً على ضرورة هذا التمييز للنفس البشريّة، ولا فرق بين أن تكون هذه الضرورة ناشئة من الحكمتين اللتين رجحناهما، أو من حِكم أخرى علّمها الله عزّ وجلّ ولم نؤتَ عِلْمها...


قبول الصلاة

العمل الصالح

... فالحضارة الرأسماليّة : ترى أنّ كلّ عملٍ يحقّق مصلحة للمجتمع، ويساهم في تأكيد المظهر الخارجي، والاجتماعي للعلاقات بين الأفراد، وإقامتها على أساس من الحريّة والمنفعة المتبادلة، فهو عمل شريف جدير بالاحترام وفقاً لمدى توفّر هذه العناصر الخيّرة فيه.

وكلمّا كانت الثمار التي يؤتيها في الحقل الاجتماعي والحياتي العام أكثر، كان العمل أرفع قيمة، وأعظم مجداً في هذا الحساب الخُلقي، أي: إنّ العمل يقاس بمنافعه التي تنشأ عنه، لا بدوافعه النفسيّة التي ينشأ العمل نفسه عنها، وحينما طغى الاتجاه النفعي في الحضارة الرأسماليّة، أصبح بعد كلّ عملٍ يسير في هذا الاتجاه نبيلاً، حتى اعتبر رجل الأعمال محسناً،مهما كانت دوافعه الأنانيّة ومشاعره الخاصّة كما لاحظ بحقّ الدكتور أكلسيس كارل.

* * *

وأمّا الماركسيّة : فهي تتّفق مع هذا إلى حدّ ما، وتختلف عنه بعض الاختلاف، فكلّ عمل يحقّق مصلحةً، ومكسباً للطبقة الجديدة فهو عمل مجيد، ويساهم في تطوير التاريخ، وكلّ عمل يحقّق مصلحة الطبقة القديمة، ويعمّق وجودها الاجتماعي ويطيل فترة صراعها واحتضارها... فهو عمل رجعي دنيء، ما دام لا يتّفق مع الأهداف العليا التي تؤمن الماركسيّة بضرورة تحقيقها، وهي انتصار الطبقة الجديدة، وسحق الطبقة القديمة التي تعارض في زحف التاريخ إلى الأمام.

فالمصلحة، والمنفعة، الطبقيّة التي يحقّقها العمل هي المقياس الخُلقي


والأساس، في تسعير العمل من الناحية المعنويّة.

ولأجل ذلك؛ قال لينين كلمته المشهورة: (لا وجود عندنا للآداب المعتبرة فوق المجتمع، إنّها لأكذوبةٌ سافرة، فالآداب خاضعة عندنا لمنفعة نضال الطبقة العماليّة).

* * *

وأمّا الإسلام: فهو يختلف في دراسته للمسألة، وفي النظرة التي يتبنّاها عمّا مرّت بنا من نظرات، ومردّ هذا الاختلاف إلى الفروق الجوهريّة بين الأهداف العالية التي يرمي الإسلام إلى تحقيقها، ويستوحي منها مفاهيمه الخلقي، وبين الغايات المحدودة التي تستهدفها مجتمعات رأسماليّة ومادّية.

فالإسلام يهتمّ بدوافع العمل لا بمنافعه، ويرى أنّه يستمدّ قيمته من الدوافع لا من المنافع، فلا عمل إلاّ بنيّة، وما لم تتوفّر النيّة الصالحة لا يكون العمل صالحاً مهما كانت منافعه التي تنشأ عنه، لأنّ الإسلام لا ينظر إلى المظهر الخارجي للعلاقات الاجتماعيّة فحسب، ولا يعني بالجانب الموضوعي من التعايش الاجتماعي وحياة الناس فقط، إيماناً منه بأنّ هذا الجانب وذلك المظهر ليس إلاّ صورة عن حقيقةٍ أعمق وأخطر، تعيش في داخل الإنسان، وما لم يتمكّن المذهب من كسب تلك الحقيقة وتطويرها وصبّها في قالبها الخاصّ، لا يستطيع أن يمتلك القيادة الحقيقيّة في المجتمع.

وهكذا نجد : أنّ الإسلام يقيس قيمة الأعمال بالدوافع والمقدّمات، والإطارات الفكريّة العامّة، التي تختمر بذرة العمل ضمن نطاقها، بينما يقيس غيره قيمة الأعمال بالنتائج والمنافع، والمجالات الحياتيّة التي يساهم العمل في إصلاحها.

فالإطار الفكري للعمل الذي يقرّره الإسلام هو: الإيمان بالله واليوم الآخر.

والدوافع هي: العواطف والميول الخيّرة التي تنسجم مع هذا الإطار العام، وتندمج معه في وحدةٍ روحيّة، يتكون منها الإنسان المسلم.

والعمل الصالح هو: العمل الذي ينبثق عن هذه العواطف والميول ضمن


الإطار العام.

وبهذا يفتح الإسلام السبيل أمام أيّ فرد - مهما كانت إمكاناته وقدرته على النفع الاجتماعي، والعمل النافع - للارتقاء إلى أسمى درجة في سلّم النفس البشريّة، ومراحل كمالها، ويفرض على المجتمع أن يقيّم تقديراته للأشخاص، على مقدار ما تكشف عنه الأعمال من أرصدةٍ روحيّة ونفسيّة، لا على المظاهر الخلاّبة الخاوية مهما بدت عظيمة.

* * *

وقد يتبادر إلى بعض الأذهان، أن العُرف غير الإسلامي في تقدير الأعمال أكثر واقعيّة من العرف الإسلامي، الذي يقرّره القرآن؛ لأنّ المهمّ قبل كلّ شيءٍ، توفير مصالح المجتمع وحماية هذه المصالح، فكلّ عمل كان يواكب هذا الهدف فهو عمل مجيد من مصلحتنا جميعاً أن نقدّره ونمجّده؛ لنشجع على الإتيان بمثله.

وماذا يهمّنا - بعد أن نصل عن طريقة إلى مكاسب موضوعيّة - الدافع الذي يختفي وراءه، والظروف النفسيّة التي اكتنفت تصميم العامل على العمل؟!

إنّ الشيء الجدير بالتقدير حقّاً، هو أن يشيد الغني مدرسةً لأبنائنا؛ لأنّ هذا التقدير والإعجاب سوف يشجعه في عمله، فتتضاعف مكاسبنا، ولا يهمّنا أن يكون لهذا الغني طمع شخصي يدفعه، ما دام هذا الطمع يدفعه إلى فعل الخير وخدمة المجتمع.

ولكن نظرة سطحيّة كهذه - تقف عند ظواهر الأعمال ولا تغوص إلى الأعماق - تختلف مع طبيعة الرسالة الإسلاميّة من ناحية، ومع مفهوم الإسلام عن الارتباط الكامل بين العمل ورصيده الروحي والفكري، من ناحية أخرى.

فمن الناحية الأُولى: ليس الإسلام مجرّد تنظيم للسلوك الخارجي، وإنّما هو رسالة تهدف إلى صنع الإنسان قبل كلّ شيء، ومنحه الحياة الجديرة به: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) .


فالإسلام يريد أن يعطي للإنسان حياة لا سلوكاً فحسب، ولا يمكن لرسالة هذه طبيعتها أن تترك المحتوى الداخلي للإنسان وتنظر إليه من مظهره الخارجي فحسب.

ومن الناحية الأُخرى: ينظر الإسلام إلى العمل بوصفه التعبير الخارجي عن الإطار الروحي، والجو الفكري الذي نمت فيه بذرة العمل، فلا يمكن أن يُجرّد عن طابع ذلك الإطار، ومزاج ذلك الجو، ولا يُنكر الإسلام بطبيعة الحال: أنّ العمل الذي ينشأ عن إطارات وفي أجواء فكريّة وروحيّة غير صالحة قد يكون عملاً مفيداً ونافعاً، بالرغم من كونه عملاً ناشئاً عن طمع شخصي أو غرض خبيث...

ولكنّنا إذا سمحنا لتلك الإطارات والأجواء غير الصالحة أن تنمو وتترعرع، في ظلّ قيم ومقاييس خُلقيّة كهذه التي تسود العرف غير الإسلامي... فمن يضمن لنا أنّها سوف تدفع الفرد إلى العمل المفيد والنافع دائماً؟! وكيف يمكن أن نترقّب حينئذٍ هذا العمل المفيد والنافع، إذا كان يتعارض مع مصالح الفرد الخاصّة وأغراضه العاجلة؟!

وهكذا تعرف أن ربط العمل بالمحتوى الداخلي هو الطريقة الواقعيّة التي تضمن استمرار العمل المفيد وتنميته والتشجيع عليه.

مقتبس من مقالة لشهيد الإسلام السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) - مجلة الأضواء - العدد السابع - السنة الثانية - 1382.

العمل المقبول:

في عدّة نصوص من القرآن الكريم والسنّة الشريفة، ورد وصف العمل بالقبول من الله عزّ وجلّ، أو بعدم القبول.

والعمل المقبول هو: العمل الصالح، أو العمل الكامل الصلاحية.

قال عزّ وجلّ: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) 27 - المائدة.

وقال عزّ وجلّ: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا... ) 16 - الأحقاف.


وقال عزّ وجلّ: ( قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ) 53 - التوبة.

وقال عز وجل: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ... ) 85 - آل عمران.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (والله إنّه ليأتي على الرجل خمسون سنة وما قِبَل الله منه صلاة واحدة، فأيّ شيءٍ أشدّ من هذا؟! والله إنّكم لتعرفون من جيرانكم وأصحابكم، من لو كان يصلّي لبعضكم ما قبلها منه، لاستخفافه بها، إنّ الله لا يقبل إلاّ الحسن، فكيف يقبل ما يُستخف به؟!) الوسائل ج3 ص15.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (إنّ العبد ليُرفع له من صلاته نصفها، أو ثلثها، أو ربعها، أو خمسها، فما يُرفع له إلاّ ما يُقبِل عليها منها بقلبه...) الوسائل ج3 ص52.

وما دامت قيمة العمل بنظر الإسلام تابعة للمحتوى النفسي الذي وراءه، كما نصّت القاعدة الشريفة: (إنّما الأعمال بالنيّات، ولكلّ امرئٍ ما نوى)، فإنّ الأعمال الصالحة والمقبولة تتفاوت بدرجات كثيرة.

* فقد يكون الدافع بكلّه صالحاً، وقد يكون مركّباً من عناصر صالحة وأُخرى سيّئة.

* وقد تكون صلاحيّة الدافع أو الدوافع بدرجة ضعيفة أو قويّة، فيكتسب العمل هذه الدرجة.

* وبما أنّ المحتوى النفسي للإنسان متفاعل ككلّ، فإنّ الدافع يرتبط ويتأثّر بمجموع المحتوى النفسي أيضاً، فحاله كحال الدرجة على مادّة تتأثّر قيمتها في النتيجة بدرجات بقيّة الموادّ، أو كدرجة الامتحان في فصل تتأثّر بالنهاية بدرجات بقيّة الامتحانات.

ولذلك وغيره؛ فإنّ التقييم الصحيح والدقيق لصلاح أعمال الإنسان وقبولها، يختصّ بالعليم بذات الصدور تبارك وتعالى، ولا نملك نحن البشر إلاّ


المقياس الظاهري والعامّ لذلك.

( مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) 52 - الأنعام.

نعم يستطيع أحدنا أن يعرف دوافعه ويقيم أعماله بشكل عام، خاصّة السيئ فيها: ( بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) .

* * *

وعلى ضوء تقييم الإسلام لصلاحية الأعمال الإنسانية وقبولها، وضع شروطاً تعود بالنتيجة إلى المضمون النفسي، والنيّة الدافعة إلى العمل... منها شروط عامّة لكلّ الأعمال، كالإيمان والتقوى، وشروط خاصّة ببعض الأعمال.

وتختلف الشروط الخاصّة من عمل إلى آخر، وغرضنا منها شروط قبول الصلاة، وقد عثرتُ منها على ما يلي:

1 - أداء الزكاة : فعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (إنّ الله عزّ وجلّ أمر بثلاثة مقرونٌ بها ثلاثة أخرى: أمر بالصلاة والزكاة، فمن صلّى ولم يزكِّ، لم تقبل منه صلاته...) الخصال - 15.

ويُقصد بالزكاة: الضريبة الماليّة التي أوجبتها الشريعة على الإنتاج أو الفائض السنوي.

2 - عدم شرب الخمر: فعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (من شَرِب الخمر فسكر منها، لم تُقبل صلاته أربعين يوماً...) الخصال - 534.

3 - عدم الظلم : فقد ورد أنّ من تعدّى على حقوق الآخرين، لم تقبل صلاته، كالحاكم الجائر، والمرأة الناشز دون عذر. الخصال - 242.

4 - الإقبال في أداء الصلاة : فعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (إنّ العبد ليُرفع له من صلاته نصفها، أو ثلثها، أو ربعها، أو خمسها، فما يُرفع له إلاّ ما يقبل عليه منها بقلبه...) الوسائل ج3 ص52.

هذا وأُرجّح وجود شروط أخرى في الشرعيّة لقبول الصلاة، ولكنّ


استقصائها يحتاج إلى تتبّع في مصادر السنّة الشريفة.

وأوثق هذه الشروط علاقة بالصلاة: شرط الإقبال، ويُقصد به الانتباه إلى الصلاة حال أدائها، أي: التركيز الذهني على أفعالها وتلاواتها، ويعبّر عن هذه الحالة بالتوجّه والالتفات، في مقابل سهو القلب وانشغاله بغير الصلاة، ولكنّ التعبير بالإقبال بالقلب - الذي عبّر به المعصومون عليهم السلام - يبقى أصحّ من تعبير التركيز والتوجّه والالتفات.

لأنّه يشمل التركيز العقلي والشعوري في آنٍ واحد، فإنّ (القلب) يستعمل في القرآن الكريم والسنّة الشريفة للقوّة الجامعة بين العقل والشعور.

والإقبال بالقلب إلى الصلاة، أعمّ من الخشوع الذي ذكره الله عزّ وجلّ في قوله: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ ) .

لأنّ الخشوع حالة رقّةٍ وانفعال في العقل والشعور، قد تنتج عن الإقبال وقد لا تنتج، فيكون الحدّ الأدنى للقبول هو مجرّد الإقبال على الصلاة، وإن لم يثمر الخشوع؛ بسبب غِلظة المشاعر أو ضعف التركيز، أمّا المديح في النصّ القرآني الشريف فهو الانتباه الكامل، الذي يُثمر حالة الخشوع.

وينبغي الالتفات إلى أنّ؛ الإقبال المطلوب إسلاميّاً في الصلاة هو: الإقبال على الصلاة، وليس على الله عزّ وجلّ، والفرق بين الأمرين واضح، فإنّ الإقبال على الله يعني الشعور بحالة الحضور والمناجاة، التي هي حالة الدعاء.

بينما الإقبال على الصلاة يعني: الإقبال على هذه العمليّة بطبيعتها ومحتواها... صحيح أنّ طبيعة الصلاة نحوٌ من الحضور بين يدي الله عزّ وجلّ، وأنّ محتواها يتضمّن شيئاً من الدعاء، والتكلّم مع الله عزّ وجلّ، ولكن مرّ معك في تلاوات الصلاة؛ أنّ الطبيعة الغالبة في الصلاة هي تقرير الحقائق مع النفس بين يدي الله عزّ وجلّ، فالإقبال على الصلاة الذي هو شرط القبول لا بدّ أن يكون إقبالاً على هذا العمل كما هو في طبيعته...

أمّا إذا جعل المصلّي صلاته خطاباً لله تعالى، وأغفل ناحية تقرير الحقائق على نفسه، فقد حوّل الصلاة عن طبيعتها... ولكنّ ذلك لا يمنع من مزيد التركيز على الحضور والمثول بين يدي الله، والشعور به عزّ وجلّ مع الحفاظ على


أسلوب التقرير التربوي السائد في الصلاة.

كما ينبغي الالتفات أيضاً إلى، أنّ الإقبال المطلوب في الصلاة هو: انتباه منطقي مسترسل، يُثمر ألواناً من المشاعر الواضحة الواعية، وليس توجّهاً مبهماً يثمر مشاعر غامضة...

والفرق بين هذين اللونين من الإقبال واضح أيضاً؛ فالإقبال المُبهم يعني: أنّ المصلّي يعتصر نفسه، فيكوّن حالة شعوريّة معيّنة نحو الله، أو نحو الصلاة، ثمّ يواصل إجبار نفسه على عيش أفعال الصلاة، وحقائقها بهذه الحالة الشعوريّة... فيكون بالحقيقة قد اصطنع في نفسه تأثيراً مسبقاً وافترضه للصلاة، ثمّ واصل الضغط على أعصابه في أثناء الصلاة؛ ليحتفظ بما اصطنع وينسبه إلى الصلاة.

أمّا الإقبال المنطقي المنفتح فيعني: ممارسة المصلّي لأفعال الصلاة وتلاواتها بوعيٍ وترسّل، بحيث يتركها تؤثّر أثرها وتُملي ثمارها على عقله وشعوره، فيكون مَثله مَثل الذي يدخل بوعي وبساطة إلى واحةٍ غنيّة من الطبيعة، ويدعها تؤثّر في نفسه.

* * *

أمّا كيف نحصل على الإقبال المطلوب في الصلاة، فإنّ ذلك يتوقّف على أمور ثلاثة:

*الأوّل

الجديّة العامّة في السلوك : ونقصد بها الانتباه والتركيز على أفعالنا اليوميّة التي نقوم بها، فإنّ حالة الناس الفكريّة والنفسيّة لدى ممارستهم أعمالهم اليومية تختلف...

فمنهم من يمارس أعماله بقدرٍ قليل من التركيز، بسبب إنشداد أفكاره ومشاعره إلى أمر آخر غير ما يقوم به، أو بسبب تشتت أفكاره ومشاعره وتشوشها، ومنهم من يركّز ذهنه ومشاعره على كلّ عمل يقوم به... وتستطيع أن تلاحظ ذلك بيسر في نفسك ومن حولك.

إنّ التركيز في النشاط الإنساني مسألة بالغة الأهميّة، لشدّة انعكاسها على شخصيّة الإنسان وسلوكه، حيويّة وجديّة واتقاناً، واتّساقاً، وإنّ الشخصيات الناجحة هي التي تملك قدراً كبيراً من التركيز على أعمالها.

ومهما تكن تشعبات الفكر والشعور الإنساني واسعة، ومهما يكن ضغط


المؤثّرات الفكريّة، والعاطفيّة المختلفة شديداً، فإنّ باستطاعة الإنسان أن يربّي نفسه على التركيز ويؤصّله فيها، حتى تصبح الحيويّة والمنطقيّة طابعاً لشخصيته، وما يصدر عنها من عمل صغير أو كبير.

والصلاة ، لمّا كانت واحداً من الأعمال التي يقوم بها الإنسان، كان الإقبال عليها خاضعاً لحالة التركيز والإقبال القلبي، الذي يتمتّع به المصلّي في شخصيّته وسلوكه العام...

ولذلك نجد الأنبياء والأئمّة وكبار المؤمنين (عليهم السلام)، يتوفّرون في صلاتهم على درجات عجيبة من الإقبال والخشوع؛ ببركة الجديّة العامّة، والحيويّة الدائمة، التي وهبهم الله إيّاها من التربّي بمنهجه القويم.

*الثاني

فَهْم الصلاة : فبمقدار ما يملك الإنسان من وعي الصلاة، لأفعالها وتلاواتها، ووعي لموقعها من حياته، يكون نصيبه من الإقبال عليها والإفادة منها، وهكذا يخضع التربّي بالصلاة لدرجة فهم الإنسان لحقائق ارتباط الإنسان في صدوره وسلوكه بالله تبارك وتعالى.

فإذا توفّر للإنسان قدر من الجدّ العامّ في سلوكه، وقدر من الوعي للصلاة وموقعها من حياته، لم يبق عليه إلاّ العزم عند البدء في الصلاة، والانتباه إلى دخوله في حرمها المقدّس الجميل...

وهذا هو الأمر الثالث: الذي يتمّ به الإقبال على الصلاة.

إنّ الإقبال بالقلب على الصلاة حالة فكريّة، وشعوريّة تتفاوت كمالاً ونقصاً، نتيجة للعوامل الثلاثة المتقدّمة، ولكنّ الأهمّ من ذلك أنّها تختلف فينا وجوداً وعدماً، بين يوم ويوم وصلاة، بل وفي الصلاة الواحدة، والركعة الواحدة.!

وعلنيا إذا ابتلينا بفقدان الإقبال على الصلاة، أو ابتلينا بسرح القلب بين حين وحين في أثناء الصلاة، أن لا يشكّل ذلك في أنفسنا ألماً ولا يأساً.

فهذه طبيعة القلب البشري، وهو يقطع الأيّام والسنين بين المؤثّرات المختلفة المتكثّرة، فهو يمتلئ منها ويتأثّر بها،ولكنّ الممارسة والمثابرة على إعارة القلب - كلمّا وقع فريسة للضواغط، أو سرح عن حقل الصلاة - تعيد حالة الإقبال المباركة وترسخّها، ومن الأمور النافعة للعودة بالقلب إلى الصلاة؛ أن تسكت هُنَيْهة أثناء


الصلاة، ثمّ تستأنف أجزاءها بإقبال جديد.

ومن الأمور النافعة في مختلف الظروف، أن تعطيَ إقبالك على الصلاة صبغةَ الحالةَ التي تعيشها وتتأثّر بها، إنّه لا بأس إذا كان التأثّر الذي نعيشه منطقيّاً، أن نطبع به إقبالنا على الصلاة، فيكون في حينٍ إقبالاً فرحاً؛ نتيجة لفرح نعيشه، وفي حين إقبالاً حزيناً؛ بسبب ألم نعيشه، أو نطبعه بأيّ حالةٍ منطقيّة تطفح على قلبنا.

إنّ إعطاء الإقبال الطابع الفعلي المُعاش لنا، لا ييسّر علينا الحصول على الإقبال فحسب؛ بل ويعوّدنا على التربّي بالصلاة في حالات، فرحِنا، وحزنِنا، وحبّنا، وبغضنا، وخوفنا، ورجائنا... الخ.

وسنجد للصلاة في هذه الحالات طعوماً جديدة ومردوداً بالغاً.

ويظهر من نصوص السيرة الشريفة، أنّ إقبال النبي: (صلّى الله عليه وآله وسلم) على صلاته، كان يأخذ طابع حالته النفسيّة الشريفة، وكذلك الأئمّة الأبرار (عليهم السلام).


النوافل

النافلة في اللغة : العطية، والهبة، والزيادة، وقد سمّيت الصلاة المستحبّة نافلة؛ لأنّها صلاة زائدة على الفريضة، يتطوّع بها المسلم تقرّباً إلى الله عزّ وجلّ.

وفي نصوص الإسلام في الصلوات النوافل تستوقفنا هذه الأمور:

1- دعوة هذه النصوص المؤكّدة إلى الإكثار من الصلاة.

2 - كثرة هذه النصوص وتفصيلها لأنواع النوافل، وأوقاتها، وأحكامها، حتى لتضاهي النصوص الواردة في الفرائض.

3 - نجد من خلال نصوص النوافل، أنّ الإكثار من الصلاة كان سلوكاً سائداً متّبعاً لدى فئات المؤمنين، المعاصرين للنبي والأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، حتى إنّهم كانوا يقضون ما ربّما يفوتهم منها، وكان بعضهم يخشى الإثم من فوت النوافل، فيتوجّه مشفقاً بالسؤال إلى الرسول والأئمّة (عليهم السلام). الوسائل ج3 ص49 - 50.

4 - أهمّ النوافل التي حثّ عليها الإسلام، (النوافل الراتبة) اليوميّة، التي تبلغ أربعاً وثلاثين ركعة موزّعة قبل الفرائص الخَمس أو بعدها، وبضمنها نافلة الليل قبل الفجر، إحدى عشر ركعة وهي: أهمّها على الإطلاق...

ثمّ تليها نوافل المناسبات وأهمّها نافلة شهر رمضان، ونافلة أوّل الشهر، ويوم الجمعة، والأعياد... ثمّ تلِيها النوافل المطلقة، حيث ورد أنّ: (الصلاة خيرُ موضوع، فمن شاء استقلّ ومن شآء استكثر)، وأنّ: (الصلاة قُربان كلّ تقي)، وأن: أفضل عمل بعد المعرفة هو الصلاة، كما سيمرّ بك.


الإكثار من الصلاة

أذاً ؛ بالإضافة إلى الفرائض اليوميّة التي تبلغ سبع عشرة ركعة، ويستغرق أداؤها قرابة الساعة، يدعوا الإسلام إلى التطوّع بالنوافل اليوميّة التي تبلغ أربعاً وثلاثين ركعة، ويستغرق أداؤها قرابة الساعتين...

والسؤال: إنّ الثلاث ساعات وقت كثير، أفلا يؤثّر صرفها في الصلاة على هدف إعمار الأرض، وإقامة الحياة السعيدة فيها؟

قد تجيب: بأنّ الإسلام لم يُلزم الناس بالنوافل، فباستطاعة الإنسان أن يقتصر على الفريضة، ويكون إنساناً مقبولاً في نظر الإسلام، غير إنّ الدعوة المؤكّدة إلى النوافل تعني: أنّ الإسلام يفضّل للإنسان أن يقضي من يومه ساعتين أو ثلاثاً في الصلاة... فكيف نفسّر حرص الإسلام على العمل الجادّ في إعمار الأرض، وبناء الحياة، ودعوته الحارّة إلى الإكثار من الصلاة؟

أوّلاً: علنيا أن نعرف الأوقات التي حدّدها الإسلام للنوافل، فإنّ ذلك يعطينا صورة للنشاط اليومي في رأيه.

إنّ صلاة النافلة لا تشرع من بعد صلاة الفجر إلى الظهر، ولا من بعد صلاة العصر إلى المغرب، ولا من بعد صلاة العشاء إلى منتصف الليل.

عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، لا يصلّي من النهار شيئاً حتى تزول الشمس...) الوسائل ج3 ص168.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا صلّى العشاء الآخرة، آوى إلى فراشه، فلا يصلّي شيئاً إلاّ بعد انتصاف الليل، لا في شهر رمضان ولا في غيره) الوسائل ج3 ص180.

وعنه (عليه السلام) قال: (لا صلاة بعد العصر، حتى تصلّي المغرب...) الوسائل ج3 ص171.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): صلاة الضحى بدعة)، (...إنّ عليّاً (عليه السلام) مرّ على رجل وهو يصلّيها، فقال علي (عليه السلام): ما هذه


الصلاة؟ فقال: أدعها يا أمير المؤمنين؟ فقال: (عليه السلام) أكون أنهى عبداً إذا صلّى؟..) وقد علّق الإمام الصادق (عليه السلام) على هذه الحادثة بقوله: (وكفى بإنكار عليّ (عليه السلام) نهياً) الوسائل ج3 ص74 - 75.

فقد استثنى الإسلام إذاً الأوقات اللاّزمة للعمل وللراحة، ووزّع الوقت الذي دعا فيه إلى النوافل على ثلاث فترات: قُبيل الفجر، وقبيل الغداء، وقبيل العشاء... وكفى بذلك حسما للشبهة والتقوّل.

ثانياً: إنّ ساعة النوافل التي دعا إليها الإسلام، أو الساعتين، ليست بعيدة عن نشاط الناس في إقامة حياتهم.

فنحن نعرف أنّ إنتاج الإنسان خاضع لطاقته النفسيّة والجسديّة، ونميّز بين الإنسان الغني في حوافزه النفسيّة وقوّته الجسديّة، وبين الفقير في ذلك، ونعرف إنّ ساعة من العمل الإنساني قد تعدل عشر ساعات؛ بسبب هذا التفاوت في الطاقة الإنتاجيّة للإنسان.

فلو أنّ أحداً دعا الناس إلى توفير ساعتين من نومهم من أجل التقدّم في إعمار الأرض وإغناء الحياة، لاعتبرناها دعوة خاطئة؛ لأنّ الاكتفاء بالنوم اللاّزم ينعكس على الإنتاج الإنساني نشاطاً، وجوده بينما ينعكس نقص النوم شللاً على الإنتاج ورداءة.

وصلاة النافلة في رأي الإسلام، لا تقلّ تأثيراً في جودة الإنتاج وارتفاعه، عن راحة النوم اللاّزمة، كما لا يقلّ فقدانها خسارة عن نقص النوم... غاية الأمر أنّ علاقة النوم بالإنتاج يدركها كلّ الناس، وعلاقة الصلاة بالإنتاج يدركها الواعون من الناس.

إنّ فترات النوافل التي دعا إليها الإسلام تنعكس حيويّة وجديّة على النشاط اليومي للناس، وتشكّل عاملاً إيجابيّاً في إعمار الأرض وإقامة السعادة فيها... ذلك إنّ الصلاة تستمدّ قيمتها - في رأي الإسلام - من إعطائها الرؤية والطاقة للناس في حياتهم وأهدافهم، ومن هنا كانت روح العمل، وخير العمل...


وثالثاً: لو افترضنا أنّ الصلاة النافلة لا تنعكس طاقةً على حركة الحياة، وأنّ فائدتها تنحصر في الآخرة... فإنّا نسأل الذين يستكثرون على الإنسان أن يقضي ساعتين من يومه في الصلاة: هل هم مشفقون على وقت الإنسان وجهده حقّاً؟ وكيف يقضون هم أوقاتهم، وفي سبيل ماذا ينفقون طاقاتهم؟

أنظر إلى المساحة العريضة من الناس لتجد رخْص الأهداف، وقتل الأوقات، وهدر الثروات والطاقات! لتجد القوى المجنّدة، والأعمار المسخّرة للبطالة، والعبث، والإفساد في الأرض!... أفكلّ هذا الإسراف لا يؤثّر على مهمّة الإنسان في إعمار الأرض وإغناء الحياة، وساعة أو ساعتين في مدرسة الصلاة تعدّ إسرافاً! أيّ منطق هذا؟

إنّ على أحدنا حينما يسترخص النوافل، ويقلّل من أهميّة الإكثار من الصلاة أن ينظر إلى أوقاته هل ينفقها في ما هو أكثر أثراً في شخصيّته وحياته من الصلاة؟

إنّ المسألة ليست الحرص على الوقت والجهد والأهداف، بقدر ما هي الاستعمار الذهني، والحجاب النفسي عن رؤية الإسلام وصلاته.

كيف يصبح قلب من يكثُر الصّلاة

اليوم الذي توفّق فيه لشيءٍ من النوافل بإقبال، يمتاز عن سائر أيّامنا بالحيويّة والعطاء، ذلك أنّ النوافل تملئ القلب بالإحساس بالله، والوثوق في السلوك والاطمئنان إلى الحياة وما فيها...

من هذه الأيّام الغنيّة في حياتنا، ومن معرفة النماذج التي نؤدّي النوافل دائماً، نستطيع أن ندرك ثراء القلوب المكثرة من الصلاة.

أعرفُ شابّاً متوسّطاً في وعيه وذكائه، ألقى الله في قلبه حبّ الصلاة، فأخذ يؤدّي فرائضه بوعي، ثمّ أخذ يؤدّي النوافل ما عدا نافلتي الظهر والعصر، ولم تمض مدّة حتى ظهر عطاء النوافل في هذا المسلم... لقد مزجته الصلاة، بالنور حتى تبلورت قسماته وتفتّح ذهنه وأطمأنّ قلبه، أصبح يستوعب ما يقرأ، ويجيد


أن يفكر، ويؤثّر حينما يتكلّم... ولم أجد سبباً لهذا التكامل؛ إلاّ أن الإكثار من الصلاة أعطاه لفحاً باطنيّاً انعكس على قسماته وحياته.

والمؤمنون الواعون في التاريخ وفي عصرنا، الذين تتميّز قلوبهم ونتاجهم بالنبوغ، الذين توحي إليك قسماتهم وحديثهم بالاطمئنان... تفحّص عن عوامل تكوين شخصيّاتهم؛ لتجد أنّ من أهمّها كثرة الصلاة.

والمتانة والحيويّة والحرارة الطمأنينة والحنان الغامر... هذا التميّز الذي نراه في سلوك الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام)، إنّما جاء في عقيدتي من لَفْح الباطن، من جذوة النور التي يؤجّجونها في أنفسهم الشريفة على عين الله... وهذه الجذوة المتّقدة مدانة فيما هي مدانة للإكثار من الصلاة.

صحيح أنّهم (عليهم السلام) يأخذون من يومهم ساعات يمضونها في الصلاة، ولكنّهم يأخذون من الصلاة لساعات عملهم طاقةً تجعلها أضعافاً مضاعفة، فهم بالإكثار من الصلاة يضيفون إلى يومهم أيّاماً، وإلى عمرهم أعماراً، ويطبعون نتاجهم بالنور والبركة والخلود.

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال في صفة صلاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم):

(كان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُؤتى بطهور، فيُخْمر عند رأسه - أي يغطّي الإناء - بخُمرة - قطعة قماش أو خوص - ويوضع سواكه تحت فراشه، ثمّ ينام ما شآء الله، فإذا استيقظ جلس، ثمّ قلّب بصره في السماء، ثمّ تلا الآيات من آل عمران:

( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُِولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) .

ثمّ يستنّ - أي يغسل ويتطهّر - ثمّ يقوم إلى المسجد فيركع أربع ركعات، على قدر قراءة ركوعه وسجوده، على قدر ركوعه، يركع حتى يقال: متى يرفع رأسه؟! ويسجد حتى يقال: متى يرفع رأسه؟! ثمّ يعود إلى فراشه،


فينام ما شاء الله.

ثمّ يستيقظ فيجلس فيتلوا الآيات من (آل عمران)، ويقلّب بصره في السماء، ثمّ يستنُّ ويتطهّر ويقوم إلى المسجد ويصلّي الأربع ركعات كما ركع قبل ذلك.

ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله، ثمّ يستيقظ ويجلس فيتلوا الآيات من (آل عمران)، ويقلّب بصره في السماء، ثمّ يستنُّ ويتطهّر، ويقوم إلى المسجد فيوتر ويصلّي الركعتين - أي يصلّي ركعات الوتر الثلاث، ثمّ يصلّي الركعتين نافلة الصبح - ، ثمّ يخرج إلى الصلاة) الوسائل ج5 ص263.

وعنه (عليه السلام) قال: (ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غمّ من غموم الدنيا أن يتوضّأ، ثمّ يدخل المسجد فيركع ركعتين يدعوا الله فيهما، أما سمعت الله يقول: ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ ) ) الوسائل ج5 ص263.

وعن الحسن بن محمد بن الديلمي رحمه الله قال: (كان علي (عليه السلام) يوماً في حرب صِفّين مشتغلاً بالحرب والقتال، وهو مع ذلك بين الصفّيْن يراقب الشمس، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين ما هذا الفعل؟! قال: (عليه السلام)، انظر إلى الزوال حتى نصلّي، فقال له ابن عباس: وهل هذا وقت الصلاة؟! أنّ عندنا لشغلاً بالقتال عن الصلاة، فقال (عليه السلام): فعلى مَ نقاتلهم!... ولم يترك (عليه السلام) صلاة الليل قطّ، حتى ليلة الهرير). - الوسائل ج3 ص179.

وهي ليلة مشهورة في حرب صفين، استمرّ فيها القتال حتى الصباح.

وعن أحمد بن علي الأنصاري قال: سمعت رجاء بن أبي الضّحاك يقول: (بعثني المأمون في إشخاص علي بن موسى الرضا (عليه السلام) من المدينة، وقد أمرني أن آخذ به على طريق البصرة والأهواز وفارس، ولا آخذ به على طريق قم، وأمرني أن أحفظه بنفسي بالليل والنهار، حتى أقْدِم به عليه، فكنت معه من المدينة إلى مرو، فوالله ما رأيت رجلاً كان أتقى لله تعالى منه، ولا أكثر ذكراً لله في جميع أوقاته...

وكان إذا أصبح صلّى الغداة، فإذا سلّم جلس في مصلاّه، يسبّح الله ويحمده، ويكبره ويهلّله، ويصلّي على النبي (صلّى الله عليه وآله) حتى تطلع الشمس...

فإذا زالت الشمس قام فصلّى ستّ ركعات... ثمّ يؤذّن ويصلّي ركعتين، ثمّ يقيم ويصلّي الظهر، فإذا سلّم، سبّح الله وحمده، وكبّره وهلّله ما شاء الله،


ثمّ سجد سجدة الشكر، يقول فيها مئة مرّة: شكراً لله، فإذا رفع رأسه، قام فصلّى ستّ ركعات... ثمّ يؤذّن، ثمّ يصلّي ركعتين... فإذا سلّم، أقام وصلّى العصر، فإذا سلّم، جلس في مصلاّه يسبّح الله ويكبّره، ويحمده ويهلّله، ما شاء الله...

فإذا غابت الشمس، توضأ وصلّى المغرب... ويصلّي أربع ركعات... ثمّ يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء الله... ثمّ يقوم فيصلّي العشاء الآخرة... فإذا سلّم، جلس في مصلاّه يذكر الله... ما شاء الله...

...فإذا كان الثلث الأخير من الليل، قام من فراشه بالتسبيح والتحميد، والتكبير والتهليل والاستغفار، فإستاك، ثم توضأ، ثمّ قام إلى صلاة الليل... ثمّ يصلّي صلاة جعفر بن أبي طالب - صلاة علّمه إيّاها الرسول فعرفت باسمه - ...فإذا قرب من الفجر، قام فصلّى ركعتي الفجر... فإذا طلع الفجر، أذّن وأقام وصلّى الغداة ركعتين...

وكان إذا أقام في بلدةٍ عشرة أيّام صائماً لا يفطر، فإذا جنّ الليل بدأ بالصلاة قبل الإفطار... وما رأيته صلّى الضحى في سفرٍ ولا حضر...

...وكان يكثر بالليل في فراشه تلاوة القرآن، فإذا مرّ بآية فيها ذكر جنّة أو نار بكى، وسأل الله الجنة وتعوّذ بالله من النار... وإذا قرأ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ، قال: لبيك اللهمّ لبيك، سرّاً...

وكان لا ينزل بلداً إلاّ قصده الناس، يستفتونه في معالم دينهم، فيجيبهم ويحدثهم ).

مقتطف من عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ص178 - 182).

إنّ الأنبياء والأئمّة وكبار المؤمنين (عليهم السلام)، ما هزّوا العقل والوجدان البشري من الأعماق، ولا شقّوا الطريق للِهدْي الإلهي في حياة الناس برغم كلّ الصعاب... إلاّ لأنّهم كانوا يعيشون قضيّة الله عزّ وجلّ مع عباده، ويتربّون بين يديه ساعات كلّ يوم.

ونحن الذين ندعوا شعوب الأرض إلى الإسلام، ونجابهَ طغاة حَجبوا عن عباد الله رؤية ربّهم وطريقهم، ونعالج أُمّة طال عليها الأمد فقست


قلوبها، وطال عليها الانغلاب فاستعظمت أعداءها... لا بدّ لنا أن نتربّى باستمرار بين يدي صاحب الإسلام عزّ وجلّ.

لا بدّ لنا أن نعيش دائماً قضيّة دعوتنا ومراحل مسيرتنا برؤية واضحة، وشخصيّة واثقة، وخطىً ثابتة، وجهود مضاعفة... ومن أهمّ الأسباب التي جعلها الله عزّ وجلّ لذلك؛ الصلاة الدائمة الواعية.

من نصوص النوافل

في صلاة الليل

قال الله عزّ وجلّ: ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ) 78 - 79 الإسراء.

( إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ) 7 - المزّمّل.

( كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) 17 - 18 الذاريات

أي قليلاً من الليالي ما ينامون عن صلاة الليل.

( أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ ) 9 - الزمر.

( وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ) 49 - الطور.

( وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ) 114 - هود.

وعن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال لجبرائيل (عليه السلام): (عظني، فقال: يا محمد عِشْ ما شئت فإنّك ميّت، وأحبب ما شئت فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنّك ملاقيه، واعلم أنّ شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزّه كفّ الأذى عن


الناس) الوسائل ج3 ص273.

وعنه (صلّى الله عليه وآله) قال: (الركعتان في جوف الليل، أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها) الوسائل ج3 ص276.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (عليكم بصلاة الليل فإنّها سنّة نبيّكم، ودأب الصالحين قبلكم، ومطردةُ الداء عن أجسادكم) الوسائل ج3 ص271.

( ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ، وثمان ركعات من آخر الليل زينة الآخرة، وقد يجمعهما الله لأقوام) الوسائل ج3 ص276.

(ما من عملٍ حسن يعمله العبد إلاّ وله ثواب في القرآن، إلاّ صلاة الليل، فإنّ الله لم يبيّن ثوابها لعظيم خطره عنده، فقال: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) الوسائل ج5 ص280.

في النوافل عموماً

عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (إذا قام العبد المؤمن في صلاته، نظر الله عزّ وجلّ إليه، [أو قال: أقبل الله عليه حتى ينصرف]، وأظلّته الرحمة من فوق رأسه إلى أفق السماء، والملائكة تحفّه من حوله إلى أفق السماء، ووكّل الله به ملكاً قائماً على رأسه يقول له: يا أيّها المصلّي لو تعلم من ينظر إليك، ومن تناجي ما التفتّ ولا زِلت عن موضعك أبداً؟!) الوسائل ج3 ص21.

وعن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام)، عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم، وأحبّ ذلك إلى الله عزّ وجلّ ما هو؟ فقال: (ما أعلم شيئاً بعد المعرفة، أفضل من هذه الصلاة!...) الوسائل ج3 ص25.

وعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (الصلاة قُربان كلّ تقيّ) الوسائل ج3 ص30.


وعنه (عليه السلام) قال: (صلاة النوافل قُربان كلّ مؤمن) الوسائل 3 ص54.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (أتى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم رجل فقال: أدع الله أن يدخلني الجنّة، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلم) له: أعنّي بكثرة السجود) الوسائل ج3 ص75.

* * *

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (كلّ سهوٍ في الصلاة يطرح منها، غير أنّ الله يتمّ بالنوافل) الوسائل ج3 ص53.

وعنه (عليه السلام) قال: (إنّما جعلت النافلة؛ ليتمّ بها ما يفسد من الفريضة) الوسائل ج3 ص54.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (...وإنّما أُمرنا بالسنّة؛ ليكمل بها ما ذهب من المكتوبة) الوسائل ج3 ص52.

* * *

وعن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: (إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فتنفّلوا، وإذا أدبرت فعليكم بالفريضة) الوسائل ج3 ص50.

* * *


الفصل الرابع

المُعطيات العامّة مِن الصّلاة

* المُعطى العقلي من الصّلاة

* المُعطى النفسي

* المُعطى الاجتماعي

* المُعطى الصحي


وقفنا في الفصول السابقة على الكثير الوفير من عطاء الصلاة، وآثارها في شخصيّتنا وحياتنا، وقد بقي الكثير الوفير من عطاء هذه العملية التربوية الإلهيّة.

وفي هذا الفصل أحاول أن أسلسل ما يتيسّر من عطاء الصلاة، في حياتنا العقليّة والنفسيّة والاجتماعيّة والصحيّة، متجنّباً تكرار المعطيات المتقدّمة، ومتوخيّاً إكمال الصورة قدر الإمكان، لما تزخر به الصلاة من ثراء.

أقول قدر الإمكان لأنّي على يقين يملئ نفسي، بأنّ عطاء الصلاة في الشخصيّة، والحياة الإنسانيّة، أغنى من أن تحيط به دراسة واحدة، وأنّ الكشف عن أدوار جديدة للصلاة سيبقى مطّرداً، مع تقدّم فهم الإنسان لشخصيتّه وحياته وصلاته...

تماماً كما نكتشف أدواراً جديدة لمواد الغذاء في تركيب جسدنا، ووظائفه كلمّا تقدّم فهمنا لجسدنا وغذائه.

وليس من المبالغة في شيء، أن يكون دور الصلاة في حياتنا مضاهياً لدور الغذاء... فما الذي حكم لنا بضرورة الغذاء والصلاة إلاّ واحداً عزّ وجلّ.


المُعطى العقلي

تطلق كلمة (النفس) في اللغة ويراد بها: مجموعة القوى الكامنة في الإنسان، فتشمل قوى الغرائز، والقوى العاقلة، المدركة، وقوّة الحياة - الروح -.

ولهذا فقد يقال؛ أنّ التفريق بين المُعطى العقلي والمُعطى النفسي خطأ؛ لأنّ العقل قوّة من قوى النفس، فمعطياته جزء من معطياتها...

غير أنّ لكلمة النفس استعمالين آخرين، فهي تارة تطلق على ما يقابل الروح، كما تقول: إنّ نفس النائم غائبة عن جسده، ولكنّ روحه حاضرة في جسده، قال الله عزّ وجلّ: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) 42 - الزمر.

وتارة تطلق كلمة النفس على ما يقابل العقل تقول: هذا أمر نفسي، وهذا أمر عقلي، ويقصد بالأمور النفسيّة في هذا الاستعمال: المشاعر الانفعاليّة في مقابل الرؤية العقليّة المحضة.

ولمّا كان هذا الاستعمال - للنفس والعقل - اصطلاحاً سائداً في وقتنا الحاضر، جرينا عليه في هذا الفصل، وقصدنا بالمعطيات النفسيّة من الصلاة: الحصيلة الشعورية، وبالمعطيات العقليّة: الحصيلة الإدراكيّة المحضة بقطع النظر عمّا تنتجه من انفعالات شعورية.

وأهمّ العطاء الإدراكي الذي تقدّمه الصلاة إلى العقل نوعان:

* تصعيد درجة اليقين العقلي بالإسلام.

*وتركيز المنهج العقلي أو العقلانيّة في الوعي والسلوك.


اليقين العقلي ودور الصلاة فيه

درجات اليقين العقلي

يجب أن نميّز في اليقين - أيّ يقين - بين ناحيتين: إحداهما : القضيّة التي تعلّق بها اليقين، والأُخرى : درجة التصديق التي يمثّلها اليقين.

فحين يوجد في نفسك يقين بأنّ جارك قد مات، تواجه قضيّة تعلّق بها اليقين وهي: أنّ فلاناً مات، وتواجه درجة معيّنة من التصديق يمثّلها هذا اليقين؛ لأنّ التصديق له درجات تتراوح من أدنى درجةٍ للاحتمال إلى الجزم، واليقين يمثّل أعلى تلك الدرجات، وهي درجة الجزم الذي لا يوجد في إطاره أي احتمال للخلاف.

وإذا ميّزنا بين القضيّة التي تعلّق اليقين بها، ودرجة التصديق التي يمثّلها ذلك اليقين، أمكننا أن نلاحظ: أنّ هناك نوعين ممكنين من الحقيقة والخطأ في المعرفة البشريّة.

أحدهما: الحقيقة والخطأ في اليقين من الناحية الأُولى، أي: من ناحية القضيّة التي تعلّق اليقين بها، والحقيقة والخطأ من هذه الناحية مردّهما إلى تطابق القضيّة التي تعلّق بها اليقين مع الواقع، وعدم تطابقها، فإذا كانت متطابقة فاليقين صادق في الكشف عن الحقيقة، وإلاّ فهو مخطئ.

والآخر: الحقيقة والخطأ في اليقين من الناحية الثانية، أي: من ناحية الدرجة التي يمثّلها من درجات التصديق، فقد يكون اليقين مصيباً وكاشفاً عن الحقيقة من الناحية الأُولى، ولكنّه مخطئ في درجة التصديق التي يمثلها.

فإذا تسرّع شخص وهو يلقي قطعة النقد، فجزم بأنّها سوف تبرز وجه الصورة، نتيجة لرغبته النفسيّة في ذلك، وبرز وجه الصورة فعلاً، فإنّ هذا الجزم واليقين المسبّق، يعتبر صحيحاً وصادقاً من ناحية القضيّة التي تعلّق بها؛ لأنّ هذه القضيّة طابقت الواقع، ولكنّه رغم ذلك يعتبر يقيناً خاطئاً من ناحية درجة التصديق التي اتّخذها بصورة مسبّقة، إذ لم يكن من حقّه أن يعطي درجة للتصديق بالقضيّة: (إنّ وجه الصورة سوف يظهر) أكبر من الدرجة التي


يعطيها للتصديق بالقضيّة الأُخرى: (إنّ وجه الكتابة سوف يظهر).

وما دمنا قد افترضنا إمكانية الخطأ في درجة التصديق، فهذا يعني افتراض أنّ للتصديق درجة محدّدة في الواقع، طبق مبررات موضوعيّة، وأنّ معنى كون اليقين مخطئاً أو مصيباً في درجة التصديق: إنّ درجة التصديق التي اتّخذها اليقين في نفس المتيقّن، تطابق أو لا تطابق الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعيّة للتصديق.

ولنأخذ مثلاً آخر: نفترض أنّنا دخلنا إلى مكتبة ضخمة، تضمّ مئة ألف كتاب، وقيل لنا أنّ كتاباً واحداً فقط من مجموعة هذه الكتب قد وقع نقص في أوراقه، ولم يعيّن لنا هذا الكتاب.

ففي هذه الحالة إذا ألقينا نظرة على كتاب معيّن من تلك المجموعة، فسوف نستبعد جدّاً أن يكون هو الكتاب الناقص؛ لأنّ قيمة احتمال أن يكون هو ذاك، هي: 1 / 100.000، ولكن إذا افترضنا أنّ شخصاً ما تسرّع وجزم - على أساس هذا الاستبعاد - بأنّ هذا الكتاب ليس هو الكتاب الناقص، فهذا يعني: أنّ اليقين الذاتي قد وجد لديه، ولكنّنا نستطيع أن نقول بأنّه مخطئ في يقينه هذا، وحتى إذا لم يكن هذا الكتاب هو الكتاب الناقص حقّاً، فإنّ ذلك لا يقلّل من أهمّية الخطأ الذي تورّط فيه هذا الشخص.

وسوف يكون بإمكاننا أن نحاجّه قائلين: وما رأيك في الكتاب الآخر، وفي الكتاب الثالث... وهكذا؟ فإن أكّد جزمه ويقينه الذاتي بأنّ الكتاب الآخر ليس هو الناقص أيضاً، وكذلك الثالث... وهكذا، فسوف يناقض نفسه؛ لأنّه يعترف فعلاً بأنّ هناك كتاباً ناقصاً في مجموعة الكتب، وإن لم يُسرع إلى الجزم في الكتاب الثاني، أو الثالث، طالبناه بالفرق بين الكتاب الأوّل والثاني...

وهكذا، حتى نغيّر موقفه من الكتاب الأوّل، ونجعل درجة تصديقه بعدم نقصانه لا تتجاوز القدر المعقول لها، فلا تصل إلى اليقين والجزم.

فهناك - إذاً - تطابقان في كلّ يقين: تطابق القضيّة التي تعلّق اليقين بها مع الواقع، وتطابق درجة التصديق التي يمثّلها اليقين مع الدرجة التي تحدّدها المبررات الموضوعيّة.


ومن هنا نصل إلى فكرة التمييز بين اليقين الذاتي، واليقين الموضوعي.

فاليقين الذاتي هو : التصديق بأعلى درجة ممكنة، سواء كان هناك مبررات موضوعيّة لهذه الدرجة أم لا.

واليقين الموضوعي هو : التصديق بأعلى درجة ممكنة، على أن تكون هذه الدرجة متطابقة مع الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية، أو بتعبير آخر: إنّ اليقين الموضوعي هو: أن تصل الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعيّة إلى الجزم.

وعلى هذا الأساس قد يوجد يقين ذاتي، ولا يقين موضوعي، كما في يقين ذلك الشخص الذي يرمي قطعة النقد ويجزم مسبقاً بأنّ وجه الصورة سوف يبرز، وقد يوجد يقين موضوعي، ولا يقين ذاتي، أي: تكون الدرجة الجديرة وفق المبررات الموضوعيّة هي درجة الجزم، ولكن إنساناً معيّناً لا يجزم فعلاً، نظراً إلى ظرف غير طبيعي يمرّ به.

وهكذا نعرف: أنّ اليقين الموضوعي له طابع موضوعي مستقلّ عن الحالة النفسيّة، والمستوى السيكولوجي الذي يعيشه هذا الإنسان أو ذاك فعلاً، أمّا اليقين الذاتي فهو يمثّل: الجانب السيكولوجي من المعرفة. (من كتاب الأُسس المنطقية للاستقراء).

لشهيد الإسلام السيد محمد باقر الصدر - ص358 - 361.

* * *

السلبي للعامل الذاتي

كما يكون تأثير العامل الذاتي إيجاباً يسبب ارتفاع درجة التصديق، عن الذي تجيزه المبررات الموضوعيّة، كذلك يكون سلباً، فيسبّب انخفاض لتصديق عن الحدّ الذي توجبه المبررات الموضوعية...

ويمكننا ملاحظة ذلك في نفس مِثاليْ قطعة النقد، والكتاب الناقص المتقدّمين، فإنّ المبررات الموضوعية لظهور وجه الصورة، وظهور وجه الكتاب في القطعة النقديّة متساوية، وكذلك كان الواجب الاعتقاد والجزم بهذا التساوي، ولكنّ العامل الذاتي منع منه.


وهكذا، فإنّ كلّ تأثير ذاتي يسبب ارتفاعاً في درجة التصديق، عن درجة المبررات الموضوعيّة، يقابله تأثير سلبي يسبب انخفاض التصديق عن درجة المبررات الموضوعيّة المقابلة.

كما يمكن ملاحظة التأثير السلبي للعامل الذاتي، في كثير من القضايا التي تملك المبررات الموضوعيّة أي: الأدلة الكافية لأعلى درجات الجزم واليقين، ومع ذلك يمنع العامل الذاتي صاحبه أن ينعم باليقين، حتى إنّك لتجد إنساناً يشكّ في كرويّة الأرض، أو يشكّ في قانون العليّة، أو يشكّ في وجود روحه في جسده، أو يشكّ في ثبوت البداية للطبيعة، وهو يعتقد أنّ لكلّ شيءٍ فيها عمراً، أو يشكّ في وجود الله، وهو يرى خلق الله!

تأثير العامل الذاتي في حقل اليقين

وهناك تأثير آخر للعامل الذاتي، ففي الأمثلة المتقدّمة كان تأثيره تصعيد درجة التصديق من الشكّ إلى الجزم، أو المنع من الجزم وإبقاء الإنسان في حالة الشكّ أو الظنّ، في حين أنّ المبررات الموضوعيّة توجب حصول الجزم.

أمّا هذا التأثير فيقع في حقل الجزم نفسه، فإنّ الجزم، أو اليقين، أو الاعتقاد، أو الإدراك، أو الرؤية العقليّة ما شئت فعبّر تشبه الرؤية البصريّة وتتفاوت وضوحاً وجلاءاً، حيث يبدأ الجزم بنفي احتمال الخلاف، ثمّ يتصاعد إلى درجات عالية من الوضوح... ويلعب العامل الذاتي دوره في تصعيد الجزم،، أو تخفيضه عن الدرجة التي تسمح بها المبررات الموضوعيّة.

دور الصلاة في علاج المشكلة

المشكلة إذاً، إنّ الإنسان مع ما أوتي من قدرة على اليقين، والرؤية في القضايا والحقائق، إلاّ أنّه بسبب ميوله الذاتيّة كثيراً ما يعكّر هذه الرؤية أو يخسرها.


فهل من سبيل إلى التغلّب على هذه المشكلة، والحفاظ على التطابق بين درجة التصديق، التي تمليها المبررات الموضوعيّة وبين الدرجة التي يتّخذها التصديق في أنفسنا؟ هل باستطاعتنا أن نمنع العامل الذاتي من التدخّل والعبث، صعوداً، وهبوطاً في درجات تصديقنا بالقضايا أو الحقائق؟

أمّا أصحاب المذهب الذاتي في المعرفة، فلا يَرِد عليهم مثل هذا السؤال؛ لأنّ العامل الذاتي في رأيهم، سبب في كلّ اعتقاد، بما في ذلك اعتقادهم بمذهبهم هذا طبعاً.

لكن كلامنا على أساس المذهب الذي يؤمن بالقيمة الموضوعيّة للمعرفة، والذي يتبناه الإسلام.

يقوم الإسلام بعلاج المشكلة من جانبين:

الأوّل : إشاعة الطريقة العقليّة في الناس... حتى تكون هي الأسلوب العام السائد في تفكير الناس وحياتهم...

ومن هذا الجانب فإنّ الإسلام بذاته دعوة تعتمد العقل في إقناع الناس، وتطلب إعْمال العقل في فهم الكون، وإقامة الحياة الاجتماعيّة على الأُسس العقليّة.

ولم تَعرف الحياة البشريّة كالإسلام مبدءاً اعتمد العقل في أصول التفكير الإنساني وتفاصيله، وأشاع ذلك في أُمّته وغيرها من الأُمم، ورسّخ ذلك في حياة مجتمعه وأجياله، حتى أصبح الطابع العقلي واحداً من أبرز معالم الثقافة الإسلاميّة، والحضارة الإسلاميّة.

والثاني: الدعوة إلى تصحيح السلوك؛ باعتباره عاملاً في تكوين وتكثيف الميول التي هي العامل الذاتي، أو في تخفيف هذه الميول الذاتيّة وإزالتها.

قال الله تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ) .

وفي الحديث الشريف: (ما من شيءٍ أفسد للقلب من خطيئةٍ، إنّ القلب ليُواقع الخطيئة، فما تزال به حتى تغلِب عليه، فيصير أعلاه أسفله). الكافي ج2 ص268.


وفي نصوص عديدة، يؤكّد الإسلام على خطورة السلوك، وأنّه قد يشكّل حاجباً عن الرؤية العقليّة، أو يجعل الرؤية معكوسة تماماً، كما يمكن أن يكون نوراً وبصيرة في العقل.

والصلاة اليوميّة برأي الإسلام، ركن أساس من السلوك الإنساني، الذي يعالج مشكلة تأثير العامل الذاتي ويصحّح الرؤية العقليّة.

وتأثير الصلاة في اعتقادي، يشمل معالجة العامل الذاتي تجاه حقائق الحياة التي تتضمّنها الصلاة، وتجاه غيرها من الحقائق الأُخرى.

كما يشمل معالجة العامل الذاتي في مرحلة ما قبل الجزم، كما يشمل معالجته في نفس المسلم إلى درجات عالية من اليقين الموضوعي، الذي تملك مبرراته قضيّة الإسلام... وهذا الشطر الأخير نتناول في الحديث.

إنّ الصلاة تزيل عن العقل أغشية الذنوب، ولبس الأهواء، وأدران الخطايا، فتمكنه من معانية القضايا مواجهةً دونما حجاب، وهو التأثير الذي مثّل له الحديث النبوي الشريف الصلاة بـ - الحمة - أي: بالنبع المعدني الذي ينقّي الجسد من الأدران.

ومن ناحية ثانية، تجسّد الصلاة أهمّ قضايا الإسلام للعقل، وتجعله يتعامل معها ويحسّها.

إنّ فرقاً كبيراً بين موقف العقل وهو يتأمّل قضايا العقيدة الإسلاميّة، فيجدها تملك المبررات الموضوعيّة للاعتقاد والجزم، وبين موقفه في الصلاة، حيث يُدعى ليتّخذ موقفاً عمليّاً من هذه القضايا.

وبهاتين الناحيتين؛ تكون الصلاة قد تناولت بالتأثير كلاًّ من وسيلة الإدراك والقضيّة المدركة، والعامل الذاتي الذي يعوق عن الاحتفاظ باليقين في مستوى المبررات الموضوعيّة، ينشأ من أحد هذين الأمرين...

فالقوّة الإدراكيّة في الإنسان تتعرّض لأنواع من التشويش، فتحتاج إلى صقل وتجديد، والقضيّة المدركة إذا لم تكن من القضايا المعاشة على مستوى الحسّ، تتعرّض للخفوت وتحتاج إلى نوع من التجسيد الحسّي يُيسّر إدراكها


للعقل... وهذا ما تفعله الصلاة مع القوّة الإدراكيّة فتجلوها، ومع القضيّة المدركة حيث تجسّدها.

* * *

وينبغي الالتفات إلى أنّ هذا العطاء العقلي من الصلاة يتفاوت في الناس، تبعاً لبصيرتهم العقليّة وإقبالهم على الصلاة، وأنّه في الغالب عطاء تلقائي لا يحسّ به الإنسان إلاّ بالتّنبيه، أو بالمقارنة بين رؤية المصلّي، ورؤية غير المصلّي لقضايا الإسلام.

كما ينبغي الالتفات إلى أنّ هذا العطاء العقلي وإن اختصّ بالمؤمنين المعتقدين بالإسلام، فهو لا يفقد قيمته في نظر غير المؤمنين، فكما إنّنا نعترف بأنّ تجسيد المذهب الرأسمالي، أو المذهب الماركسي في دولة، وإمكانات ووسائل، إعلام ذو أثر كبير في تركيز هذين المذهبين في أذهان الناس، بقطع النظر عن امتلاكهما المبررات الموضوعيّة أو عدم امتلاكهما.

كذلك يعترف الرأسمالي أو الماركسي، بأنّ تجسيد المذهب الإسلامي في دولةٍ، وإمكانات، ووسائل إعلام ذو اثر في تركيز الإسلام في أذهان الناس، بقطع النظر عن المبررات الموضوعيّة التي يملكها.

كما يعترف بأنّ تجسيد أصول المذهب الإسلامي في عمليّة تربويّة مبتكرة، ذو أثر في تركيز وتصعيد الاعتقاد بالإسلام، وإن لم يؤدّ هو الصلاة، ولم يصل إلى الاعتقاد بالإسلام.

* * *

وهكذا يتّضح دور الصلاة الفعّال في تصعيد الاعتقاد بالإسلام، إلى درجات عالية من مستوى المبررات الموضوعيّة، ويمكن أن تقدر ما يترتّب على ذلك نتائج في شخصيّة أُمّة وحياتها، إذ تعيش وضوح الرؤية العقليّة لرسالتها، وأن تقدّر قيمة الطريقة الميسّرة التي ابتكرها الله عزّ وجلّ، لتوفير هذا المستوى من الرؤية العقليّة.


العقلانية في الشخصيّة ودور الصّلاة فيها

الشخصيّة العقلانية

أقصد بالعقلانية في الشخصيّة: الملَكة المنطقيّة في مكونات الشخصيّة الثلاثة، المفاهيم، والمشاعر، السلوك، حتى تكون طبيعة فيها.

ويتفاوت الناس في نصيبهم من هذه العقلانيّة، فقد يكون إنسان في قسم من مفاهيمه موضوعيّاً، عقلانيّاً، واضح الرؤية، ثابت البرهان، مطمئنّ البال، وفي قسم آخر مُغبش الرؤية، مشوش البال.

وقد يكون عقلانيّاً في قسم من مشاعره، عشوائيّاً في القسم الآخر.

وقد يكون عقلانيّاً في قسم من سلوكه، ارتجاليّاً في القسم الآخر.

وقد يكون عقلانيّاً في عامّة مفاهيمه، ولكنّه عشوائي المشاعر، ارتجلي السلوك... إلخ.

وكما تتفاوت مساحة العقلانيّة في أبعاد الشخصيّة الثلاثة، تتفاوت كذلك في حالات الإنسان، وظروفه الداخلية، والخارجيّة، فقد تتقلّص في بعض الحالات، أو تزداد، أو تترسّخ، أو تضعف، أو تزول...

ومن ضرب هذه الأقسام والحالات بعضها ببعض؛ يتحصّل مئات، بل آلاف الأنواع من شخصيّات الناس وحالاتهم.

والنموذج الأعلى للشخصيّة العقلانيّة هو: الإنسان الذي يعيش الموضوعيّة الصرفة المستوعبة الدائمة، يأخذ الحقيقة كما هي ويتعامل معها كما هي، لا يفترض لها إضافة، ولا ينتقص منها نقيصة، كما هو الحال في نخبة الإنسانيّة من الأنبياء والأئمّة وكبار المؤمنين (عليهم السلام)، الذين يعيشون المنهج العقلي


والأيديولوجية الكاملة الموحّدة في الفكر والشعور والسلوك.

إنّ الواحد من هذه الشخصيّات العقلانيّة لهو مادّة للدراسة الفكريّة والجماليّة... إذا انفتحتَ عليه فهو يستهويك ويملك عليك لبّك.

تجده صادقاً في نفسه، ومع نفسه، ومع الأشياء، حيويّاً جاداً في مفاهيمه، وانفعالاته وتصرفاته.

يعيش وضوح الرؤية، ووحدة المنهج في مجموعة أفكاره، ابتداءاً من مفهومه عن الله والطبيعة، والإنسان والتاريخ والمستقبل، إلى مفهومه عن نفسه وطريقه، وعن الآخرين، وإلى مفاهيمه الجزئيّة الصغيرة...

ونفس هذه المنهجيّة المضيئة في مشاعره من أكبر شعور إلى أصغر شعور، وفي سلوكه ومواقفه المصيريّة والجزئيّة..

وكما يَنْتظم كلّ بُعد من شخصيّته في هذا الصدق الجميل، تنتظم الأبعاد الثلاثة، الأفكار، والمشاعر، والسلوك في كلّ منسجمٍ بديع... إنّك تجد فيه البناء الإنساني المتين، والجمال الإنساني العميق كشجرة متكاملة، متكافلة، ثابتة الأصول، سامقة الفروع، فارعة الجمال، سخيّة الظلال والشذى والثمرات.

الحصول على السمت العقلاني

وكذلك يستطيع المنهج الإلهي أن يصوغ بعقلانيّته الفذّة الإنسان الفذ، وليس الحصول على هذا السمت في الشخصيّة مطلباً خياليّاً كما يظنّ البعض، ولا هو مقصور على شخصيّات مؤمنة ماضية، أُتيح لها أن تضع نفسها في بساطة الهواء الطلق، يوم كانت مغريات الحياة الدنيا قليلة، ومشوشات الفطرة الإنسانيّة ضئيلة...

كلا ، فمتى سمح أحد من الناس للإسلام أن يعمل في شخصيّته ولم يجد الثمرات فعليّة؟ ومتى سمح الناس لهذا المنهج الربّاني أن يسود مجتمعهم بنصّه وروحه، ولم يجدوا إنتاجه من الشخصيّات العقلانيّة؟

الصعوبة إنّما أتت من النُظم الاجتماعيّة التي تحكم حياة الناس، وتصوغ شخصيّاتهم بطرقها الملتوية الكاذبة، وتعيق الإنسان أن يبني نفسه بالإسلام


وينعم بعقلانيته الجميلة، وليس من ضيرٍ على الإسلام أن لا تتاح له التجربة الاجتماعيّة الكاملة، ما دام يثبت بالبرهان صحّة منهجه في بناء الإنسان، وما دام قدّم للناس ويقدّم عديداً من الشخصيّات العقلانيّة في ظروف تطبيقه الجزئي على حياة الناس، بل وفي أصعب الظروف المضادّة.

وفي حياتنا الحاضرة، وفي ظلّ الأنظمة الاجتماعية والمفاهيم السائدة الضالعة في تزييف فطرة الإنسان، وتشويه عقلانيّته، ما على أحدنا إلاّ أن يوفّر الصدق في نفسه، حتى يجدها بعد خطوات في طريق هذه العقلانيّة.

ثمّ ما عليه إلاّ أن يؤصّل الصدق في نفسه كطريقة دائمة يبني بها أفكاره وشعوره وسلوكه، وما أسرع أن يرى أنّ أشياء الطبيعة من حوله صادقة في أنفسها وحياتها، ويرى أنّ نصيبه من الصدق موكول إليه، ميسّر أمامه.

إنّ دعوة الإسلام إلى هذا السمت العقلاني، إلى الموضوعيّة والصدق في فهم الأشياء والتعامل معها، لا زالت دعوة قائمة موجهة إلى كلّ جيل، وفي كلّ الظروف؛ لأنّها الطريقة الوحيدة أبداً في بناء الإنسان ونجاحه..

ولسنا بحاجة إلى التدليل على أنّ القرآن الكريم والسنّة الشريفة، والسلوك العملي للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام)، دعوة حارّة لأخذ الحقيقة الموضوعيّة بصدق والتعامل معها بصدق.

دور الصلاة في ذلك

إنّ الصلاة تفرض السمت العقلاني على الشخصيّة من جانبين:

أوّلاً: بحقائقها الكبيرة التي تقدّمها إلى العقل بأسلوبها الخاصّ... والصلاة زاخرة بالحقائق الكبيرة عن الله والكون والإنسان وموقعه وطريقه، ومتفرّدة في أسلوب تقرير هذه الحقائق، وإثارتها أمام العقل، وإثارة العقل لاستيعابها، ومخامرتها والتفاعل معها، وقد تقدّم من ذلك ما فيه الكفاية، وبالأخصّ في بحث تلاوات الصلاة.

وثانياً: بموقفها الذي تمليه على المصلّي، فإن وقفة الصلاة بحدّ ذاتها تفرض


السمت العقلاني، فما أن يمثل الإنسان بين يدي الله، ويقف بانضباط واعتدال، حتى يشعر أنّه بدأ في عمل جادّ، وأنّه خلّف وراءه الهزل والتسيب.

ولا أحسبي بحاجة إلى التدليل على هذا العطاء للصلاة، فقد أصبح ذلك مثلاً على ألسن الناس، وأصبح خير تعبير عمّن يعيش حالة العقلانيّة والجدّ في أمر من أموره أن يقال عنه: (إنّه في صلاة) .

إنّ أي مصلٍّ ليحسّ بالفارق الجديد في شخصيّته أثناء الصلاة، يحسّ بالعقلانيّة التي يفرضها عليه الموقف الذي يقفه، والحقائق التي يواجهها، حتى إنّ نظرته إلى كثير من الأفكار والقضايا تختلف أثناء الصلاة وبعدها، وتتّسم بالتعقّل والموضوعية...

فالذي كان قبل قليل مندفعاً في شعور كراهية الإنسان، لو عَرض له هذا الشعور وهو في الصلاة لوجده نشازاً لا يلائم وضعه العقلي الجديد، والذي كان مستغرقاً في تصورات جنسيّة لأعراض الناس، سينفر من هذه التصورات لو عرضت له وهو في الصلاة، والذي كان يعيش ذاتيّته الشخصيّة الضيّقة، سيجد نفسه في الصلاة منفتحاً على أفق أوسع وذات أكبر.. وهكذا..

إنّ وقفة الصلاة إنّما هي يد المنطقيّة الإلهيّة تمتدّ إلى الإنسان كلّ يوم، لتنقذه بهدوئها واتّزانها من انحراف المشاعر وارتجال التصرّف، وتمدّه بشحنة من العقل والجدّ، فتصلحه بذلك لحركة الحياة.


المُعطى النفسي

أقصد بالعطاء النفسي: التفاعلات الشعوريّة التي تحدثها الصلاة في النفس، نتيجة لما تقدّمه من رؤية عقليّةٍ، أو تنمية لغرائز الخير، أو تهذيب لغرائز الشرّ...

ومن الناس من يقلّل من أهمّية العطاء النفسي، ويقول: إنّه عطاء عاطفي، وانفعال شعوري لا يلبث أن يزول، فلا يصحّ أن نعتبره من مقوّمات بناء الشخصيّة.

ومنشأ هذا القول اختلاط نوعين من العاطفة في نظر هؤلاء، فقد وجدوا أنّ جملة من العواطف البشريّة لا تنبع من أساس ولا تثبت على حال؛ فحكموا على جميع الانفعالات العاطفيّة بعدم القيمة في بناء الشخصيّة، وبأنّ الشخصيّة العاطفيّة شخصيّة غير مستقيمة.

ولكن هذا التعميم ليس في محله، فإنّ من العاطفة ما ينبع من أساس، ويرتكز على قاعدة، ويتّجه إلى غاية، ويسهم في تقويم الشخصيّة.

إنّ الانفعال العاطفي أو الشعوري أو الوحداني، الذي يشكّل نصف الشخصيّة الإنسانيّة، لهو طاقة أساسيّة فينا، ومن الخطأ أن نهمل قيمتها...

نعم يجب أن نميّز بين المشاعر الذاتيّة الطائشة التي تنبع من أساس، وبين المشاعر الموضوعيّة القويمة، التي يسندها العقل ويحكم بضرورة تنميتها، والإفادة منها في حياتنا..

إنّ من آيات الله في أنفسنا أن منحها من الحياة ما تتفاعل به مع الوجود، فتتجاوب مع ضميره، وتكسب لنفسها بذلك خيراً وجمالاً وكمالاً.. وإنّ المشاعر حينما تملك السند المنطقي لهي قوّة فاعلة، تضاهي قوّة العقل في بناء الإنسان والحياة، وسوف نرى أنّ الطاقة التي تعطيها الصلاة للنفس هي من هذا النوع


المنطقي الفعال.

وقبل تسجيل المُعطى النفسي من الصلاة، يجب أن ننبّه إلى خطأ النزعة الصوفيّة في تصور هذا المعطى... فقد اعتاد المتصوّفة أن يجعلوا من صلاتهم أجواء حالمة، وخيالات ناعمة يسرحون فيها كما يشآء لهم الهوى، متصوّرين بذلك أنّهم يناجون الله عزّ وجلّ، أو يستشرقون أنواره، أو ينعمون بالعيش في ملئه الأعلى...

وقد انعكس هذا التصوّر للصلاة في نفوس الناس، حتى أصبحت (صلاة الصوفي) مثلاً للاستغراق في المشاعر الإيمانيّة!

ويكمن الخطأ عند هؤلاء، في تصوّرهم أنّ الصلاة نقلةٌ للروح الإنسانيّة من واقع الحياة إلى عوالم مفترضة، من الأشواق والأنوار، ثمّ في تصوّرهم أنّ كمال النفس الإنسانيّة يكون بالانسلاخ عن واقع الحياة، والإمعان في تلك العوالم المفترضة..

غير أنّ هذين التصوّرين لا أساس لهما من الصحّة، فلا النفس البشريّة تكسب شيئاً من الكمال إن هي هربت من واقع الحياة، ولا أنزل الله الصلاة لتكون وسيلة لهذا الهروب.

إنّ الصلاة الإسلاميّة في هدفها ومحتواها الصريحين؛ إنّما جاءت لتفتح أعين الناس على ما حولهم، وتصلحهم لحركة الحياة وصناعة المستقبل...

أمّا الصلاة التي تغمض العينين عن واقع الحياة، وتفصل الإنسان عن حركتها، فليست من صلاة الإسلام في شيء، بل لا أحسبها في رأي الإسلام إلاّ خمراً أثيمة، تقوم بتهريب الإنسان من حركةِ يومه إلى خيالات سارحة، يتصوّر نفسه مصلّياً قريباً من الله..

وهل من فرق يا ترى بين هروب الفاسق عن الواقع بكأس من الخمر، وهروب الصوفي عن الواقع بركعتين من الصلاة؟ لا أجد فرقاً إلاّ في وسيلة الهروب، وسوف يأتي إن شاء الله بيان دور الإيحاء الذاتي في صلاة المتصوّفة.

أمّا المعطيات الشعوريّة الصحيحة التي تقدّمها الصلاة إلى النفس، فهي كثيرة متنوّعة، ونذكر هنا أهمّ ما بقي منها مضافاً إلى ما مر عليك:


فمن أهمّ المعطيات النفسيّة للصلاة : شعور الإسلام لله أو العبوديّة له عزّ وجلّ. وبعض النفوس تأنف من صفة العبوديّة لله، متأثّرة بنزعة التمرّد الحديثة!

وكأنّ باستطاعة الإنسان أن يتعامى عن قدره، وأن لا يكون عبداً مخلوقاً، وكأنّ من مصلحته أن يتمرّد على العبوديّة الجميلة النافعة ويتمرّغ في عبوديّات مغلقةٍ مهينة!

إنّ الصلاة تفتح العقل الإنساني على موقعه الذي يجب أن ينتظم فيه، وينسجم معه، وتبعث فيه مشاعر الأصالة والحريّة كلمّا أمعن في الشعور بالعبوديّة لله سبحانه، وعاش حقيقة الإسلام لإرادة الله وشريعته عزّ وجلّ.

أمّا السند المنطقي لهذا الشعور فهو: أنّ الإنسان مخلوق من قبل الله، ومموّن بالحياة من لدنه، وموجّه إلى خيره وسعادته بهداه، فمن البداهة المطلقة أن يخضع لقدرته عزّ وجلّ، ولأياديه وتوجيهه...

إنّنا نعيش في كون بكلّه عبدٌ لله، آخذ منه وجوده واستمراره وسائر بعطائه إلى كماله، وإن حظّ أحدنا إنّما هو بانسجامه مع طبيعة الوجود المخلوق، وإمعانه في الشعور بالحاجة والتزود بطاقة الهدى، وليس في محاولة التمرّد الغبيّة الضارّة.

وأمّا مساحة هذا الشعور فهي الصلاة كلّها، بل إنّ شعور المصلّي بالعبوديّة يبدأ من حين نهوضه إلى الصلاة، مستجيباً لأمر المولى عزّ اسمه، يزداد بالوقوف للصلاة، فالتلاوة، فالركوع، حتى يبلغ قمته في السجود.

وأمّا طبيعة هذا الشعور، فهي المزيج من المتانة والمسؤوليّة... المتانة في الموقع حينما يعي الإنسان أنّه عبد لربّ الكون سبحانه مكرّم منه، عزيز عليه عامل لخير وجوده بهداه...

وأيّ شيءٍ يعطي متانة الموقع في الوجود، كالشعور بالعبوديّة لصاحب الوجود جميعاً؟ والمسؤوليّة المشفقة من تبعات العبوديّة التي هي تبعات الوفاء بتكليف الله لنا أن نستقيم، وأن نحذر مغبّة الانحراف والعصيان.

وأمّا آثار هذا الشعور فهي كثيرة عميقة في حياتنا أفراداً وأُمّة... إنّه لا شكّ في أنّ حاجة المجتمع البشري إلى حفنةٍ من العبوديّة، أشدّ من حاجته إلى أطنان من القنابل والخمور... فلو عاش حكّام الأرض شيئاً من هذا الشعور


لارتفع من ظلمهم عن إخوانهم عباد الله، بمقدار نسبة هذا الشعور الجميل إلى مشاعرهم الرديئة، ولو امتلك ضعفاء الأرض شيئاً من هذا الشعور لارتفع من ظلاماتهم بمقدار نسبة هذا الشعور إلى مشاعرهم الخانعة.

وأمّا السبيل إلى استفادة شعور العبوديّة من صلاتك، فيكفي أن تسأل نفسك عند الصلاة: أمر مَنْ البّي في نهوضي إلى الصلاة؟ وبين يدي من أقف؟ وبأمر من أتلوا؟ ثمّ لمن أخضع راكعاً، ولمن أخرّ إلى الأرض ساجداً على الجبين؟

إنّه يكفي أن تكون واعياً لعملك جادّاً فيه، حتى تمتلئ من صلاتك بشعور العبوديّة والإسلام لله عزّ وجلّ، ثمّ لتعيش عديداً من مشاعر الثقة والإشفاق، تنعكس من حياتك على صلاتك، ومن صلاتك في حياتك.

ومن أهمّ المعطيات النفسيّة للصلاة: شعور الارتباط الفعلي بالله، ورسوله، ورسالته.

فمن الانحرافات السائدة في العقيدة: أن يتصوّر الناس أن وجود الله سبحانه، وإرساله الرسل، وتنزيله الدين قضايا تاريخيّة وليست فعليّة... يتصوّرون أنّ الله سبحانه كان وجوداً فعليّاً ظاهراً، حينما خلق الكون وأرسل الرسل، أمّا الآن فهو وجود غائب!

فهم يؤمنون به عزّ وجلّ إلهاً خالقاً، ولكنّهم يكفرون به ربّاً ومعطياً، ويؤمنون به بادئاً، ويكفرون به مموّناً لما بدأ.. أو هم يغفلون عن هذه الحقيقة، وكذلك الأمر في تصورهم للرسل والرسالة، فكأنّهما مسألة تخصّ مرحلة من التاريخ، وفوجاً من الناس..!

أمّا الصلاة فهي تقضي على هذا الانحراف، وتثبت المفهوم الإسلامي عن الله سبحانه، وعن رسله ودينه، فتفتح عقل الإنسان وقلبه على وجود الله وجوداً فعليّاً قيومًا على الكون، ترتبط به ذرّاته وأحياؤه، وظواهره وقوانينه، ارتباطاً فعليّاً مطلقاً.

كما تفتح عقل الإنسان وقلبه على الدين الإلهي، طريقة عيش فعليّة قَرَنها الله بقانون الاختيار، ولا زال هذا القانون قائماً يؤتي ثماره في الناس حتى يبلغ فيهم هدفه... وبهذه الحقائق تبعث الصلاة في النفس أعمق مشاعر الارتباط الفعلي بالله تعالى، ورسله ورسالته.


أمّا مساحة هذه المشاعر فهي الصلاة جميعاً، إذ تدعوك إلى الوقوف أمام الله الحاضر عزّ وجلّ، وتستمرّ في إشعارك به وبهداه إلى ختامها...وأبرز الفقرات التي تعطي شعور الارتباط هذا: سورة الحمد، وخضوع الركوع والسجود، والتشهد...

فالنصف الأوّل من سورة الحمد: يقرّر لمن الامتنان على العطاء الذي يزخر به الكون، كما يقرّر طبيعة العلاقة الملحّة بين الوجود المرحوم وبين الله الراحم، وفي النصف الثاني: تتكلّم أنت مع الله الحاضر سبحانه، معلناً طاعته، ومستعيناً إيّاه في حركة حياتك، ومستهدياً صراطه القائم الذي سارَ به الرسل والمؤمنون، مستعيذاً من طريق المنحرفين الذين يسيرون فعلاً في طريق الغضب والضلال.

وفي خضوع الركوع والسجود تشعرُ بنفسك ذرّة متواضعة من الكون، تخضع أمام منشئها ومعطيها العظيم الأعلى، عزّ وجلّ...وفي التشهّد تُفصح بالإقرار بالله سبحانه، متصرّفاً وحيداً في الكون، وبرسوله محمّد (صلّى الله عليه وآله)، مبلّغاً خاتماً لرسلهِ ورسالاته.

إنّه ليس أبلغ من الصلاة في الانتقال بالإنسان من الإيمان التاريخي الجامد إلى الإيمان الفعلي المتحرّك، وإن التأمّل المجرّد عن الصلاة مهما بلغ من القوّة في استكشاف وجود الله سبحانه، وجوداً حاضراً يقوم به الكون، واستكشاف وجود رسله وجوداً حاضراً يدعونا إلى الهدى - مهما بلغ التأمّل من تقرير هذه الحقائق والبرهنة عليها - فإنّه لا يستطيع أن يقدّمها إليك بقوّتها وجدّتها، كما تقدّمها الصلاة...

ذلك أنّ الصلاة تعاملٌ فعلي مع الله عزّ وجلّ وانسلاك فعلي في خطّ رسالته، فهي أقدر على تقديم شعور الارتباط الفعلي به عزّ اسمه، ارتباطاً مطلقاً من ألف وجودك إلى أحرفه الخالدة.

ويا لسعادة الإنسان وروعة الوجود في عيْنيه حينما يعيش شعور الارتباط الفعلي بالله، والانسلاك الفعلي في خطّ رسله ورسالته ويمتدّ ذلك من صلاته إلى جوانب حياته، ويا لروعة الأُمّة التي تعيش هذا الشعور وتعمل بمستلزماته في الأرض.


ومن أهمّ المعطيات النفسيّة للصلاة: الدفع العلمي.

فلا شكّ أنّ الشخصيّة التي يصنعها الإسلام بعقيدته ومفاهيمه، شخصيّة عمليّة فاعلة... فالله عزّ وجلّ في المفهوم الإسلامي، وجودُ قيّوم يعمل باستمرار، دون أن تأخذه سِنَةٌ ولا نوم ولا ملل، والكون كلّه يعمل ويسير إلى كماله وغايته، والإنسان مكلّف من الله بالعمل ومهديٌ إلى العمل، ومحاسب على العمل، والتفاضل بين كلّ الناس إنّما هو بالعمل بكميته ونوعيته...

إنّه لا مكان للبطالة أو الكسل في مفاهيم الإسلام؛ ولذلك لا مكان لكثير من (أُمّة الإسلام الحاضرة) في رحاب الإسلام والروح العمليّة في الشخصيّة المسلمة مدينةٌ - فيما هي مدينة - للدفع العملي الذي تعطيه الصلاة:

فمن جانب، تقوم الصلاة بنظامها اليومي بالقضاء على الأسباب النفسيّة للكسل والعبث، وحسب الإنسان أن يكون مصلّياً بحقّ حتى ينزع عن نفسه ثوب الخمول واللهو، ويرى أنّه لا متّسع في عمره لتضييع والتقاعس.

ومن جانب آخر، فإنّ الصلاة توقف الإنسان بين يدي الله الدائب في العطاء والرحمة، والتربية للعالمين، وتفتح عينه على الوجود الدائب في مسيرته، وتُلفته إلى يوم الدين، يوم المسؤوليّة عن العمل، وتجعله يطلب من الله الهُدى والطاقة، في طريق الذين هداهم الله إلى العمل المنتج، وتجعله ينحني أمام الله ويسجّل على نفسه مسؤوليّة العمل، والحساب على العمل... ومثل هذا الجو العامر بالحركة والفعل، يبعث في الإنسان أقوى مشاعر التحفّز إلى العمل والإنتاج.

إنّ الصلاة تقول للإنسان: هذا هو الله، وهذا هو الوجود، وهذا هو الطريق، فامض في خدمة وجودك، ثمّ امضِ ولا تركن إلى كسلٍ أو هوى، إنّ مفاهيم الإسلام عن العمل لتتجسَّد في الصلاة، حقائق ومشاعر متحرّكة... وما أيسر أن تجد ذلك من نفسك أثناء الصلاة وبعدها.

ومن أهمّ المعطيات النفسية للصلاة: شعور الانضباط في الشخصيّة:


وأقصد بشعور الانضباط التفات الإنسان إلى تصرفاته اليوميّة الصغيرة والكبيرة، هذا الالتفات الذي يمكّنه أن يُمسك قياد نفسه.

إنّ الانفعال السريع والتصرّفات المرتجلة من أكبر بلاءات النفس البشريّة، وأحسب ذلك بديهياً عند من يراقب تصرّفاته ويحاسب نفسه عليها؛ ولذلك فشعور الانضباط لدى التصرّف يعتبر من أغلى ما نملك؛ لأنه مِقْود سلوكنا، وسبب خيرنا.

باستطاعتك أن تلاحظ دبلوماسياً عريقاً وهو يتحدّث معك، أو يُدلي بتصريح كيف يَزن كلماته ويختارها، وكيف يقدّر مسؤوليته عنها، وكيف يحاول تركيز المفهوم الذي يريد، والإيحاء الذي يريد...

إنّه يعيش روح المسؤوليّة وشعور الانضباط (بِمقياسهِ عن المسؤوليّة والانضباط)، وبسبب ذلك فهو يمسك زمام محادثاته وتصريحاته... فكيف لو ملك أحدنا شعور الانضباط بمقياس الإسلام الخيّر الشامل.

إنّ من السهل للإنسان قبل أن يُقدم على تناول طعامه مثلاً، أن يتروّى هذا الوعي، ويستحضر هذا الشعور، ثمّ يقوم بتناول طعامه بهذه الروحيّة، فتراه مؤدّباً في جلسته مرتاحاً لنعمة الله عليه، غير مسرف في طعامه وشرابه...

ولكن إذا كانت مرافقة شعور الانضباط في وجبة طعام تحتاج إلى مثل هذا الإعداد المسبق، فكم يا ترى تحتاج تصرّفاتنا اليوميّة الواسعة المتنوّعة من إعداد؟ وكيف يمكن أن يعيش أحدنا تجاه حركة حياته كلّها شعور الوعي والانضباط؟.

إنّها مشكلة يضاعف منها ازدحام أوقاتنا بالأعمال، وسرعة شخصيّتنا في الانفعال والارتجال، فهل يمكن أن نحصل على شعور الانضباط في كلّ تصرّفاتنا أو جلّها؟ يرى الإسلام أنّ ذلك ممكن إذا توفّرت الشخصيّة على شحنتين من الوعي والشعور: إحداهما طويلة على مدى العمر، والثانية فعليّة يوميّة.

والشحنة الأُولى هي: مجموعة المفاهيم والمشاعر التي تشكّل النظرة إلى الكون والحياة، والإيمان بالمسؤوليّة والرقابة، والتي يستجليها الإنسان


وينمّيها ويرسّخها في شخصيّته، من خلال نضجه في الوعي والشعور والتجارب...

والشحنة الثانية هي: مجموعة المفاهيم والمشاعر التي تقدّمها الصلاة اليوميّة... فإذا ما توفّر الإنسان على هاتين الشحنتين فإنّه دون شكّ سيعيش روح المسؤوليّة، والخشية من الله، على شكل ملكةٍ في نفسه، وطابع في شخصيّته، وسيرافق تصرّفه شعور الانضباط والوعي إلى درجة كبيرة.

ومن عجائب ما نلاحظ في منهج التربية الإلهي؛ أنّه يؤكّد على هاتين الشحنتين كأساسين لا غنى عنهما للشخصيّة، حتى لتجد مسالة (تعميق الإيمان) ومسألة (الصلاة) من أُولى المسائل التي اهتمّ بها الله عزّ وجلّ وحثّ عليها الإنسان.

ولا تقتصر فقرات الصلاة التي تعطي شحنة الانضباط السلوكي هذه على التحسيس بالمسؤوليّة ورقابة الله فقط، بل إنّ توزيع الصلاة وتوقيتها، وبالأخصّ توقيت صلاة الصبح بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، ونوعية الوقوف والانتظام في الصلاة، والإقبال والجد المطلوبين... كلّ أولئك يتعاونون على تقديم شحنة الانضباط وترسيخها في النفس.

لا زال علماء النفس يبحثون عن وسائل لضبط الشخصيّة، والحدّ من جِماحها، وإمساك زمامها، حتى يستطيع الإنسان أن يتفادى شروراً كثيرة، ويكسب خيراً كثيراً، وإذا تقدّمت بحوثهم في هذا المجال، فإنّهم لا شكّ سوف يجدون بغيتهم في الشخصيّة التي تعيش حقيقة الإيمان وحقيقة الصلاة، فهذه الشخصيّة هي التي تملك الوعي في التصرّف، والانضباط في السلوك والتحكّم في العواطف الجامحة.


المُعطى الاجتماعي

ما هي المعطيات الاجتماعيّة البارزة التي ينبغي أن نضيفها إلى عطاء الصلاة في حياة المجتمع؟

*أوّل هذه المعطيات ظاهرة:

حاكميّة الله عزّ وجلّ وربوبيّته للمجتمع المصلّي ، فأوّل انطباع تأخذه عن مجتمع إسلامي يؤدّ صلاته بين يدي الله كلّ يوم؛ أنّه مجتمع يديره الله ويحكم شؤونه.

لا أقصد بذلك المجتمعات المسلمة شكليّاً، التي ترى فيها وجود الحكّام والاستعمار وجوداً كبيراً، ووجود الله سبحانه وجوداً غائباً! وإنذما أقصد المجتمع الإسلامي الذي يعيش في يومه وجود الله تعالى والصلاة بين يديه، فمثل هذا المجتمع ترى الوجود البارز المسيطر فيه هو الله عزّ وجلّ.

لأنّك تراه يعلن الخضوع له مبكّراً قبل شروق الشمس، وظهراً بعد شوط العمل، ومساءً في ختام العمل، يتساوى في هذا الخضوع الحاكم والعمال، والموظفون والتجّار، والفلاحون والسياسيون... تراه مجتمعاً يبرز فيه شعار: (لا إله إلاّ الله) ، وشعار: (الله أكبر) ، وشعار: (الحمد لله) ، وشعار: (باسم الله) ، تتردّد من كلّ فردٍ فيه مرّات كلّ يوم، وتتجاوب بإيقاعها الجنبات والقلوب.

وإنّما قَصُرت الصلاة الفعليّة عن تقديم هذه الظاهرة في مجتمعاتنا؛ لأنّ الذين يؤدّون الصلاة هم الضعفاء من أُمّتنا، فنسبة المصلّين من الأغنياء وأهل النفوذ قليلة جدّا ً، ونسبة المصلّين من السياسيين والحكّام تكاد تكون عدماً، وإذا كان الوجود الفعّال في المجتمع لا يعيش حاكميّة الله عزّ وجلّ ولا يعلن له الخضوع اليومي، لم تنعكس على المجتمع... ومن ناحية ثانية، فإنّ المصلّين من جماهير أُمّتنا لو كانوا يعيشون حاكميّة الله سبحانه، ويرفعون رايتها


لانعكست هذه الظاهرة على قطّاعهم على الأقلّ، ولكنّهم وللأسف يؤدّون لله عزّ وجلّ صلاتهم الشكليّة، ويؤدّون للحكّام والكفّار صلاة حياتهم الطويلة؛ ولذلك لا يرتفع عنهم كابوس الطاغوت.

وحاكميّة الله التي تعكسها الصلاة في المجتمع، حاكميّة فريدة سواء في عمقها واتّساعها وروحيتها... فإنّ الحاكميّة ترتكز على: حقّ المالكيّة وحقّ الأولويّة في الإدارة، وهما ثابتان لله سبحانه بأعمق ما يكون من ثبوت، وأوسع ما يكون من ثبوت.

فملكيّته عزّ وجلّ ليست مُلكيّة حيازة وحسب، بل ملكيّة تكوين، وإحياء، وعطاء، وتوجيه، ومصير إلخ... وأولويّته في الإدارة ليست بسبب أنّه أعلم بالإدارة وأقدر عليها من كلّ وجه بل؛ لأنّه سبحانه يدير الأشياء والناس من أجل خيرهم وكمالهم وسعادتهم، ويتعالى عن أن ينتفع بشيء من ذلك.

وحينما تنشر حاكميّة الله روحيّتها على أهل الأرض، أو على جماعة منهم، فما أعظم الثمرات التي تحقّقها فيهم... وأوّل هذه الثمرات: أن يتنفّس المجتمع الصعداء بزوال الطاغوت البشري عن مسرح التشريع والحكم، ويتساوى جميع عباد الله في التلّقي عن المشرّع والحاكم الواحد الذي يحبّهم جميعاً، ويتنزّه عن الميل والخطأ.

قدّر بنفسك الفارق بين مجتمع يعلو فيه الأقوياء بسلطانهم ومالهم وأنانيّاتهم وظلمهم، ويخضع فيه الضعفاء بمهانتهم وجبنهم... وبين مجتمعٍ يعلو فيه حكم الله وقوانينه، ويعتزّ فيه الناس بتلّقيهم منه، وبانتظامهم في ظلّ شريعته، وتساويهم أمام عدالته وحبّه.

أو قدّر الفارق في نفسك، إذ تعيش في مجتمع تخضع فيه للأنانيّة والطغيان، وللقوانين الظالمة والمقاييس المقلوبة، أو تعيش في مجتمع لا تخضع فيه إلاّ لله، وتتساوى في هذا الخضوع المحبّب مع الحاكم، الذي يعمل في تطبيق شريعة الله على نفسه وعلى الناس.

لا أريد أن أستطرد في خصائص حاكميّة الله في المجتمع الإسلامي، وإنّما أريد القول: إنّ الصلاة باعتبارها خضوعاً يوميّاً يؤدّيه المجتمع بين يدي الله.


تركّز حقيقة حاكمية الله وتوجيهه للمجتمع المسلم، وتجعل ذلك ظاهرة بارزة يعيشها الناس في مفاهيمهم، ومراحل يومهم وحركة حياتهم، ويجنون منها أنفع الثمار.

*وثاني هذه المعطيات:

وحدة المجتمع الإسلامي وتساوي أفراده

وتقوم الصلاة بتقديم هذا المُعطى من ناحيتين:

فهي من ناحية: تُبرز وحدة المجتمع الإسلامي وتساويه، وغنيٌ عن البيان أنّ وحدة التجمّع في الإسلام تقوم على أصول فكريّة، بدل الأصول العرقيّة والإقليميّة التي درجت المجتمعات على القيام بها حتى يومنا هذا... فالدعوة الإسلاميّة هي الدعوة الوحيدة التي تصرّ بطبيعتها على الصفة الفكريّة في الدولة والمجتمع، وترفض كلّ صفة أخرى غيرها.

نعم، لقد نشأت في شعوب الإسلام دول ومجتمعات عرقيّة وإقليميّة، ولكنّها ظلّت ولا تزال غريبة على الإسلام غرابة واضحة لا لبس فيها، وذلك بعكس المجتمعات والدول العرقيّة والإقليميّة في الشعوب الوثنيّة والمسيحيّة والشيوعيّة، التي استطاعت أن نتسجم مع هذه الديانات، بل وأن تحمّلها إطارها العرقي والإقليمي في كثير من الأحيان...

إنّ الصلاة تُبرز الصفة الفكريّة في المجتمع الإسلامي في مظهرين من مظاهرها عريقين في حياة المجتمع المصلّي: مظهر الالتزام بها، ومظهر المجتمع لأدائها.

فالالتزام اليومي بأداء الصلاة من جميع أفراد المجتمع، يشكل ظاهرة من ظواهر الوحدة فيه، خاصّة وأنّ هذا الالتزام يستتبع التزامات أُخرى ذات شأن في حياة الأُسر والأفراد، فالنهوض المبكر من أجل الصلاة، والتطهّر اللاّزم لها، والاستجابة لندائها، وتحديد المواعيد بها قبلاً أو بعداً، وغير ذلك من مستلزماتها؛ يجعلك تشعر بوحدة المجتمع المصلّي على اختلاف جنسيّاته وأقاليمه، وتشعر بما يدل عليه هذا الالتزام الموحّد اليومي الشامل، من أصول فكريّة يقوم عليها المجتمع ويدين بها.

والاجتماع لأداء الصلاة يعكس وحدة المجتمع الإسلامي بشكل ظاهر


أيضاً، وحسب الإنسان أن ينظر من ظاهرة الصلاة في الاصطفاف اليومي في المساجد، وفي الأعياد، وفي الصلاة في موسم الحجّ، لكي يحكم بأنّ هذا المجتمع المصلّي مجتمع واحد في حقيقته، مهما اختلفت جنسيّاته وأقاليمه، فكيف إذا أضاف إلى ذلك، وحدة الروحيّة في هذا الاصطفاف، ووحدة مركز الاتجاه فيه، ووحدة المحتوى الفكري الذي يعبّر عنه، والتفت إلى ما يستتبعه هذا الالتقاء من وحدة في شؤون أخرى كثيرة، وما يقدّمه من ثمرات كبيرة.

ومن ناحية ثانية، تقوم الصلاة بتعميق الوحدة في المجتمع الإسلامي؛ وذلك لأنّها بذاتها تمثّل وشيجة فكريّة وشعوريّة بين أفراده، ولا نريد أن نكرّر أنّ الصلاة الإسلاميّة ليست عملاً شكليّاً يقصد منه توحيد المجتمع في تقليد جامد.

وأنّها تربٍّ يومي ضروري لإعداد الشخصيّة المسلمة للقيام بدورها الطليعي في الحياة، وأنّها من هذا الأفق آية من آيات الله شكلاً، ومضموناً، وتأثيراً في تكوين شخصيّة الفرد والمجتمع، وتعميق مفاهيم الإسلام عن الأخوّة والتعاطف، والمساواة والحنان، والتكافل بين أفراد مجتمعه... فقد تقدّم من ذلك ما فيه الكافية.

لقد تعوّدنا أن نقرأ وأن نكتب عن الوحدة والمساواة بين الناس، وأن نُشيد بهذه الفكرة، ولكن يجب أن نعرف أن هذه المفاهيم لكي تسود المجتمع فلا بدّ من الانطلاق فيها من قاعدة عقائديّة متينة، ولا بدّ من تجسيدها بتشريعات فعّالة...

إنّه ما أيسر أن يقول الحكّام والأغنياء للناس: نحن أفراد منكم، لنا ما لكم، وعلنيا ما عليكم، ولكن ما أصعب أن يكون هذا الكلام ديناً يدينون به وحقيقة يعيشونها.

إنّ الإسلام يؤمن بأنّه لا يكفي لتحقيق الوحدة والمساواة في المجتمع، أن تسود المفاهيم والتشريعات النظريّة، في حين يبقى الواقع مفصولاً عنها رازحاً تحت وضع مضادّ لها، لذلك لا بدّ في رأيه من القضاء على الهوّة الفاصلة بين المفاهيم الخيّرة وبين الواقع الشرير... ولو أنّ الصلاة الإسلاميّة طبّقت في


مجتمع ما، لقامت بنصيبها في تجسد الوحدة والمساواة، واقعاً حيّاً تراه العين وتلمسه اليد.

لقد تعوّدنا أن نرى الحاكم معزولاً عن الجماهير، وراء عشرات الأبواب والحجّاب، أو نراه محاطاً بحراسة المدجّجين، وبعناصر الإيهام التي يحشدها حول شخصه، ولم نتعوّد أن نراه يؤدّي صلاته اليوميّة، والأسبوعيّة في أي مسجد إلى جانب أفراد شعبه الذين يدعي أنّه واحد منهم.

تعوّدنا أن نرى الرأسمالي حاكماً صغيراً على الذين يطعمونه من جهدهم وعرقهم، ولم نتعوّد أن نراه يؤدّي صلاته مأموماً خلف عامل تقيّ يعمل عنده.

إنّ الوحدة والمساواة في المجتمع الإسلامي واقع معاش لا نظريات معلّقة، وإنّ دور الصلاة في تجسيد ذلك وتوحيد طول الناس تحت لواء الله، لهو دور مهم.

*وثالث المعطيات الاجتماعيّة للصلاة:

حقوق الأُمّة المصلّية في الأرض والناس

ويبرز هذا المُعطى من الصلاة حينما يكون أهل الأرض دولة واحدة، وأُمّة واحدة، قائمة على هدى الله، عاملة في تحقيق أهدافها التي رسمها لها، معلنة ربانيّتها وانتسابها إليه عزّ وجلّ في أوجه نشاطها اليومي، وفي وقفة الصلاة الواعي الخاشعة...

لكن أحسب أنّ هذا المعطى يبرز بصورة أوضح حينما يكون المصلّون قسماً من أهل الأرض، ففي هذه الحالة يمكننا بيسر أن نجري المقارنة بين انتساب الأُمّة المصلّية إلى وليّها، وانتسابات الأُمم الأُخرى إلى أوليائها، وفي هذه الحالة تظهر بوضوح الصلاحيات التي يعطيها الله للأُمّة المصلّية ويكلّفها بها في الأرض والشعوب.

ولا بدّ لنا لكي نتبيّن هذا المعطى من الصلاة، أن نقدّم صورة موجزة عن المكانة والحقوق التي يقرّرها الله عزّ وجلّ للأُمّة المسلمة، ثمّ ننظر دور الصلاة في هذه الحقوق والمكانة.


أمّا هذه الحقوق فهي الحقوق الثلاثة التالية:

*حقّ ملكيّة الأرض.

*حقّ إقامة الحكم.

*حقّ هداية الناس.

فغير المسلمين لا يملكون في حكم الله شبراً واحداً من الأرض، ولا يحقّ لهم أن يقيموا دول، كما إنّهم غي مخوّلين من الله بدعوة الناس إلى هداه... وقد وقع الكثير من الكتّاب المسلمين في أخطاء ومفارقات لدى بحثهم عن الأساس القانوني في حروب الإسلام الجهاديّة، وفي تحويله ملكيّة الأراضي إلى المسلمين، وأخذ رسوم السكنى والمواطنة من غير المسلمين، ومنعهم من إقامة دولة...

وكان السبب في هذه الأخطاء: إمّا ضعف قلوب هؤلاء الكتّاب عن الجهر بما قرّره الله لأُمّة الإسلام، وإمّا جهالتهم بهذه الحقوق الثابتة للأُمّة الإسلاميّة، بنصوص لا تقبل الشكّ ولا التأويل:

قال الله عزّ وجلّ: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) 33 - التّوبة.

( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) 29 - التّوبة.

وأمّا قوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) فهو يقرّر مبدأ حريّة الاعتقاد للناس، ويحرّم إجبارهم على العقيدة الإسلاميّة، ولكنّ الذي يضمن هذه الحريّة إنّما هو الحكم الإسلامي، أمّا الحكم غير الإسلامي فهو يجبر الناس على عقيدته، ويمنعهم من إبصار الإسلام واعتناقه؛ ولذا فهو عقبة في طريق حريّة الاعتقاد.

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (... وذلك أنّ... الأرض لله عزّ وجلّ


ولرسوله ولأتباعهما من المؤمنين، فما كان من الدنيا في أيدي المشركين والكفّار والظلمة والفجّار... ظلموا فيه المؤمنين... فهو حقّهم أفاءه الله عليهم، وردّه إليهم... وإنّما معنى الفيء: كلّ ما صار إلى المشركين ثمّ رجع... إلى مكانه... فإنّما هي حقوق المؤمنين رجعت إليهم، بعد ظلم الكفّار إيّاهم، فذلك قوله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) ، ما كان المؤمنون أحقّ به منهم، وإنّما أُذن للمؤمنين الذين قاموا بشرائط الإيمان...).

قال السائل: فقلت: فهذه نزلت في المهاجرين بظلمِ مشركي أهل مكّة لهم، فما بالهم في قتالهم كسرى وقيصر، ومن دونهم من مشركي قبائل العرب؟

فقال (عليه السلام) : لو كان إنّما أُذن لهم في قتال من ظلمهم من أهل مكّة فقط... كانت الآية مرتفعة الفرض عمّن بعدهم، إذ لم يبقَ من الظالمين والمظلومين أحد... وليس كما ظننّتَ، ولا كما ذكرتَ، ولكنّ المهاجرين ظلموا...أهل مكّة بإخراجهم من ديارهم وأموالهم، فقاتلوهم بإذن الله لهم في ذلك، وظلمهم كسرى وقيصر، ومن كان دونهم من قبائل العرب والعجم، بما كان في أيديهم، ممّا كان المؤمنون أحقّ به منهم، فقد قاتلوهم بإذن الله عزّ وجلّ لهم في ذلك... وبحجة هذه الآية يقاتل مؤمنوا كلّ زمان...)، (من حديث طويل في الكافي ج5 ص16 - 17).

ولا نريد هنا أن ندخل في تفصيل هذه الحقوق، التي يعطيها الله عزّ وجلّ للأُمّة المسلمة، ولا في بيان سندها القانوني، وحكمتها الاجتماعيّة، ولكن لا بدّ من كلمة لأولئك الذين يستكثرون أن تعطى أُمّة من الناس حقوقاً وامتيازات على الأُمم الأُخرى بسبب معتقدها الديني...

نقول لهؤلاء إنّكم لو نظرتم إلى هذه الامتيازات التي يعطيها الله للمسلمين، لوجدتم أنّها ليست امتيازات بمقدار ما هي واجبات وتكاليف، بنشر الهدى الإلهي وإقامة العدالة في شعوب العالم.

ثمّ لو سلّمنا بأنّها صلاحيات وامتيازات محضة، فليست هي امتيازات عرقيّة أو إقليميّة حتى يكون الحصول عليها وقفاً على جماعة معيّنة، وما دام الشرط الوحيد لهذه الامتيازات هو: إعلان التصديق بقضيّة فكريّة تملك أقوى البراهين، فما أيسر أن تكسبوا هذه الامتيازات ويكون لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم.


وأمّا دور الصلاة من هذه الحقوق الممنوحة للأُمّة المسلمة فهو: أنّها شرط فيها... قال الله عزّ وجلّ: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ...الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) 39 و 41 - الحج.

( وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي ) 12 - المائدة.

وعن أبي عمرو الزبيري، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: أخبرني عن الدعاء إلى الله والجهاد في سبيله، أهو لقومٍ لا يحلّ إلاّ لهم، ولا يقوم به إلاّ من كان منهم؟ أم هو مباح لكلّ من وحّد الله عزّ وجلّ وآمن برسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم)...؟ فقال (عليه السلام): (...من قام بشرائط الله عزّ وجل في القتال والجهاد... فهو المأذون له في الدعاء إلى الله عز وجل، ومن لم يكن قائماً بشرائط الله... فليس بمأذون له في الجهاد...إلخ). الكافي ج5 ص13.

واعتبار الصلاة شرطاً في هذه الحقوق يكشف لنا أوّلاً عن:

خطورة هذه الحقوق وثقلها... وماذا أخطر من مهمّة إدارة أرض الله وإعمارها، وتحقيق العدالة بين شعوبها، وتوعيتهم على هدى الله عزّ وجلّ؟

ويكشف لنا ثانياً عن: أنّ الوفاء بهذه المهمّة يتوقّف فيما يتوقّف على التربّي اليومي في معهد الصلاة، المعهد الذي يزوّد الأُمّة بالطاقة المستقيمة، ويشعرها أنّها أُمّة منتمية إلى الله، وقائمة بتكاليفه، وموافية إيّاه عزّ وجلّ في لقاء مسؤول.

أمّا إذا لم تقم الأُمّة بأداء الصلاة فإنّها لا تستحقّ شيئاً من هذه الحقوق؛ لأنّ حالها يكون كحال الأُمم الأُخرى الفاسقة عن أمر ربّها، المحتاجة إلى أُمّة تقوم على شؤونها وتهديها إلى الله.

وهكذا تأخذ الصلاة موقعها في إعداد الأُمّة وتوفير القابلية فيها للقيادة والقيمومة على الأرض وشعوبها، فأين حكّامنا وأين أُمّتنا عن هذه الصلاحيات الإلهيّة المشرّفة، وأين هم عن معهد الصلاة؟


المُعطى الصحّي

إنّ المعطيات الصحيّة للصلاة، موضوع جدير بدراسة مستقلّة، ولكي تكون هذه الدراسة جيدة، لا بدّ أن يكون المؤلّف مختصّاً، وأن يعطي الموضوع ما يستحقّه من الجهد، وأن يتّبع منهجاً علميّاً سليماً في دراسته.

فما لم يكن المؤلف مختصّاً في الطبّ اختصاصاً يؤهّله لمثل هذه الدراسة، فإنّ استنتاجاته وآراءه ستكون تخمينات ظنّية مهما اتّسعت ثقافته الطبية، بل لا بدّ للكاتب في هذا الموضوع - إلى جانب اختصاصه - أن يكون عارفاً بالمعطيات النفسيّة للصلاة، وملمّاً بالتفاعل المتبادل بين الحالات النفسيّة والوظائف الجسديّة.

وما لم يعط الموضوع حقّه من الدراسة النظريّة والمختبريّة، فإنّ نتائجه لا تجيء قطعيّة ودقيقة، ولهذا كان علينا أن لا ننظر بكثير من التقدير إلى آراء الأطباء الذين يكتبون، أو يصرّحون عن معطيات الصلاة الصحّية، دون أن يدرسوا الصلاة دراسة طبيّة دقيقة، بل أحسب أن ملاحظاتنا الشخصيّة قد تكون أدقّ من كلام الطبيب السطحي.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى سلامة المنهج، فإنّ دراسة المعطيات الصحّية للصلاة من نوع الدراسات التي تحلّل التشريعات الإلهيّة على ضوء العلم، وهذه الدراسات تتعرّض عادة للإعجاب بالنتائج العلميّة الظنّية واعتبارها نتائج نهائيّة، كما تتعرّض للإغراق في تحميل التشريعات ما لا تحتمله من المعطيات، ممّا يجعل الربط بينها وبين النظريّات العلميّة ربطاً ركيكاً وغريباً في بعض الأحيان.

الدراسة الطبيّة للصلاة ينبغي أن تبدأ في تقديري بنظرة موجزة عن العناية


الصحيّة المأخوذة بعين الاعتبار في كلّ تشريعات الإسلام، وينبغي أن يستشهد لذلك بأمثلة من تشريعات الإسلام المختلفة، وبالأخصّ تشريعات التغذية والصوم والطبابة والتطهّر والصلاة... ثمّ تدرّس فقرات الصلاة ذات العلاقة الأكيدة بالصحّة الجسديّة، فتبحث مثلاً:

* الاستيقاظ المبكر وعلاقته بصحة الرئة ونقاء الدم...

* والنوم المبكر وعلاقته بصحّة الجسم بشكلٍ عام...

* والتطهّر بأنواعه وعلاقته بصحّة الجسم بشكلٍ عام...

* والسواك - المستحب قبل كلّ وضوء - وعلاقته بصحّة الفم والمعدة...

* والاستنشاق - المستحب قبل كلّ وضوء ثلاث مرات - وعلاقته بصحّة الأنف والرأس.

* وغسل الأطراف، وعلاقته بصحّة الأطراف والجسم.

* والوقوف للصلاة باطمئنان، وعلاقته بصحّة الأعصاب.

* والركوع - الذي يتكرّر في الأقلّ 17 مرّة يوميّاً - وعلاقته بصحّة العمود الفقري وجهاز الهضم.

* والسجود - الذي يتكرّر في الأقلّ 34 مرّة يوماً- وعلاقته بصحّة الجهاز الهضمي، ودورة الدم في الرئة والرأس.

* والسجود على الأعضاء السبعة - الجبهة والكفّين والركبتين وإبهامي الرجلين - وعلاقة ذلك بصحّة الشرايين.

* وجلسة التورّك المستحبّة في الصلاة وهي: أن يجلس المصلّي على فخذه الأيسر، واضعاً ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى.

* وكراهة الجلوس على القدمين... وعلاقة ذلك بسلامة الفقرات، والجهاز الهضمي.

* وكراهة افتراش الساعدين حال السجود (كما تجلس السباع) وعلاقته


بشرايين عضلات الأطراف.

ثمّ لا بدّ للدراسة الطبيّة للصلاة أن تُختم ببحث مسألتين مهمّتين:

الأوّل منها: الرياضة التلقائيّة التي تعطيها الصلاة، وأوجه الفرق بينها وبين الرياضة المقصودة.

والثانية: تأثير المُعطى النفسي من الصلاة على الوظائف الجسديّة المتنوّعة.

وها أنت ترى من هذه الفهرسة الأوليّة، أنّ العطاء الصحّي للصلاة موضوع جدير بالعناية والجهد من مختصيّن؛لكي يكشفوا لنا ما يقدّمه الالتزام بهذه الفريضة من نتائج صحيّة في حياتنا، أفراداً وأُمّةً...

ولكن ذلك لا يمنعني من تسجيل ملاحظات حول المسألتين الأخيرتين:

الرياضة التلقائيّة

لقد بلغت الحركة الرياضيّة العالميّة في عصرنا الحاضر من السعة، والتنوّع ما لم تبلغه في أي من العصور الماضية... ونظرة أوليّة إلى الدورات الأولمبيّة كافية للتدليل على ذلك.

وإذا سألت القائمين على الحركة الأولمبيّة العالميّة، عن تقييمهم للأُسس والمبادئ التي تقوم عليها وتسير عليها الحركة، لأجابوا بأنّها: أُسس ومبادئ سليمة للغاية، ولاستدلّوا على ذلك بالتأييد العالمي المنقطع النظير للحركة.

ويأخذ الناس العجب إذا قلت لهم: أنّ الحركة الرياضيّة تنطوي على خطرين كبيرين؟ وأنّه إذا لم يُعمل لتفاديهما فسوف يتفاقمان ويجعلان من الحركة الرياضيّة سلاحاً عالميّاً قتّالاً.

المشكلة الأُولى التي تواجهها الرياضة: تركيز العداء بين شعوب العالم، العداء بين الأنظمة، والعداء العرقي، والعداء الإقليمي... فها هي الحركة الأولمبيّة معرض للتنافس المقيت، بين الأنظمة والعناصر والأقاليم، وكلّ دولة


تحشّد طاقاتها للفوز بأكبر كميّة من المدَّليات، لكي تسخّر كلّ ذلك في الدعاية إلى نظامها، وعرقها، وإقليمها، أمّا الأُخوّة الدوليّة الرياضيّة فما هي إلاّ نفاق صريح! تحسّ به أيدي الرياضيين المتشابكة، وحكوماتهم، والواعون من الناس، ويغفل عنه السذج من الجماهير...

ولا أجدُني بحاجة إلى التدليل على هذه المشكلة الخطيرة، بعد أن سمعت تصريحاً - أليماً! - لرئيس اللجنة الأولمبيّة يدعوا فيه: إلى الحدّ من استعمال الفوز بالمدَّليات، للدعاية إلى نظام البلد الفائز، والحطّ من أنظمة البلدان الأخرى، ويعلن فيه: أنّ فوز بلدٍ بكميّة أكبر من المدَّليات لا يدلّ على أفضليّة النظام القائم فيه..

والمشكلة الثانية: تحويل الإنسان إلى جسد، فلا خلاف في أن تقييم الإنسان أوّلاً إنّما هو: بفكره وشعوره وسلوكه، وأنّ جسده ليس أساساً في ميزان إنسانيّته.

إنّ هذا المركب الإنساني من روح وجسد، يجب أن ننظر إليه ككيان جسدي وروحي، يتكّون بالمكوّنات الثلاثة الآنفة الذكر، أمّا إذا نظرنا إليه كهيكل جسدي ميكانيكي فقط، فقد خرجنا به عن الإنسان الكامل، إلى الحيوان القوّي الماهر.

وهذا ما تفعله الحركة الرياضيّة العالميّة! وهذا هو الشيء الذي يعجب جماهير العالم من الرياضيين، فتصفّق وتهتف وتصفّر!

لا أريد أن أدخل في تحليل نفسيٍ لإعجاب الجماهير الرياضيّة وحماسها، ولكنّي أسأل: ترى هل كان يختلف هذا الحماس إذا قرّرت اللجنة الأولمبيّة استبدال الرياضيّين من الناس، برياضيّين مدرّبين من، الأسود، والخيول، والأرانب والديَكة...؟

سيبقى الحماس، ويبقى كذلك تشجيع الدول وتسخيرها المدليّات التي تفوز بها حيواناتها، للدعاية إلى نظامها وعنصرها وإقليمها.

ثمّ ما هو الشيء الذي يعجب الرياضيّين من أنفسهم؟ أهو إنسانيّتهم أم أجسادهم؟.

لقد حوّلت الهواية الرياضيّة هؤلاء المساكين إلى عباد أجساد، إنّ أُنفس الكثيرين منهم تطفح من خلال تصفياتهم، وكلامهم! أمّا الخُلق الرياضي والروح الرياضة التي يتمتّع بها هؤلاء، فهي بالحقيقة النفاق الرياضي،


والوحشيّة الرياضيّة، وإلى العقُد النفسيّة، والأحقاد الرياضيّة التي تملئ قلوب أكثر الرياضيّين، وتمتد من ورائهم إلى جماهيرهم!.

وما يقال عن الحركة الرياضيّة على مستوى العالم، يقال بعينه على مستوى كلّ دولة وكلّ مدينة... فماذا أخطر من تيّارٍ عالمي تنساق له الجماهير، وهو يحمل في طياته ترسيخ العداء بين الناس وتعبيد الإنسان لجسده...؟!

إنّه لا بدّ أوّلاً من تأطير الحركة الرياضيّة بإطار إنساني، بدلاً من الإطار الذاتي الذي ترزح تحته الآن...

لماذا لا تُعطى الحرّية في الدورات الأولمبيّة وغيرها للرياضيّين أنفسهم، لكي يقسّموا أنفسهم إلى مجموعات وفِرق، بقطع النظر عن انتمائهم الدولي والعنصري؟ أو لماذا لا يتمّ تقسيمهم إلى فرقٍ بطريقة القرعة من قبل اللجنة الأولمبيّة نفسها؟ لماذا لا تزال هذه الحلبة السياسيّة الماكرة التي تلعب بهؤلاء الكرات، وبأذهان الجماهير من ورائها...؟

ولا بدّ ثانيّاً من حصر الحركة الرياضيّة في أنواع الرياضة التي نحتاجها لحياتنا، فما هي فائدة سباق الحواجز بالخيول؟ وما فائدة سباق رمي الرمح والقلّة؟ وما فائدة العديد من أنواع الرياضة المتبنّاة من اللجنة العالميّة ومن الرياضة العالميّة...

لماذا لا نستبدل هذه الأنواع بأنواع نافعة؟ لماذا لا تدخل في الألعاب الأولمبيّة رياضة القتال للدفاع عن الأوطان، وعن النفس بالذخيرة الشكليّة، وبأنواع الأسلحة؟

ولماذا لا تدخل رياضة التصنيع مثلاً بتعطيل المكائن الصناعيّة ومحاولة المهندسين إعادة تشغيلها في أوقات قصيرة، وللعمّال بكميات الإنتاج ونوعيّاته في مختلف الظروف...؟ ولماذا...؟ ولماذا؟

ولا بدّ ثالثاً من ابتكار نوع من الرياضة، وليسمّى: (الرياضة التلقائيّة) ، فلماذا تنحصر الحركة الرياضيّة بشعار (الرياضة للرياضة) أو (الرياضة للتسلية) ولا يرفع شعار: (الرياضة للعمل) أو (الرياضة للنهوض بالشعوب) ، فتشكل فِرق رياضيّة عالميّة من المهندسين والمهنيين والعمّال، وتقيم مبارياتها في


دولة ناميّة لتنتج لها في شهر من الزّمان عشرة مشاريع، أو خمسة، تكون عاملاً من عوامل النهوض بها، ثمّ يطلق على كلّ مشروع اسم: الفريق الذي فاز بأكثر المدليّات فيه...؟ ولماذا...؟ ولماذا؟

لا أعتبر هذه الفقرات مشروعاً لتصحيح الحركة الرياضيّة، وإنّما لا بدّ من أخذ هذه العناصر بعين الاعتبار في مشروع تصحيح الحركة الرياضية، وتفادي أخطارها الجسيمة القائمة، كما لا بدّ من أخذها بعين الاعتبار في إنشاء كلّ نشاط رياضي صحيح...

وهل تعلم أنّ هذا هو رأي الإسلام في الرياضة...

نعم ، الإسلام المنهج الربّاني الذي يجهل أهل الأرض عطاء تشريعاته، وإبداعه في مجالات حياته جميعاً.

في المفاهيم والأُطر التي يتبنّاها الإسلام في الحركة الرياضيّة، وفي كلّ نشاطات الناس، لا وجود للتنافس العِرْقي والإقليمي والذاتي؛ لأنّها مفاهيم رفضها الإسلام بحزم، جملةً وتفصيلاً، واستبدلها بالوحدة الإنسانيّة، وبالتنافس بالعمل من أجلها...

إنّ الإسلام يحرّم كافّة النشاطات التي تنمّي هذا التنافس المحرّم، (وأكثر من هذا، فقد حدث في خلافة أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، تفاخر بين اثنين من المسلمين، قام على أثره أحدهما بذبح مئة من إبله، وأباحها للناس، فحرّمها الإمام (عليه السلام)، وأمر بها أن تلقى في كُناسة الكوفة) .

وكذلك يأبى الإسلام أن يسلك في تأييد نظامه الأساليب غير المنطقيّة.

وعن حصر الحركة الرياضيّة في الأنواع النافعة، يمكن أن ترجع إلى مصادر الإسلام الفقهيّة، لتجد أنّها تحرّم أنواع اللهو والعبث، بينما تشرّع المباراة والرهان على نشاطات الفروسيّة، وإعداد القوى اللاّزمة لكيان الأُمّة.

وعن الرياضة التلقائيّة فقد سبق الإسلام أحدث ما يمكن أن يصل إليه الابتكار الرياضي في هذا المضمار، فبالإضافة إلى أنّ الفقه الإسلامي يشّجع التنافس الرياضي في مجالات إعمار الأرض، وإعداد القوّة، ويرحّب بمبدأ الجوائز والمدليّات (الجُعالات) ، ويعتبر ذلك عملاً مبروراً، فقد ضمن في شريعته


الرائعة لكلّ فرد من الناس نصيبه اللاّزم من الرياضة التلقائيّة اليوميّة والسنويّة.

إنّي لا أشكّ في أنّ تشريع الله عزّ وجلّ لفريضة الصيام الحازمة، وفريضة الصلاة اليوميّة، ذات الحركات الرياضيّة المتقنة المركّبة، قد قصد منه فيما قصد، تزويد الإنسان بما يحتاجه إلى الرياضة الجسديّة، الرياضة التلقائيّة التي تعمّق إنسانيّة الإنسان، ولا تحوّله إلى هيكل جسدي.

وإنّ على الدراسة الصحيحة لفريضة الصلاة، أن تدرس الجانب التلقائي في عطاء الصلاة الرياضي، وتقارنه بعطاء النشاطات الرياضيّة المتعمدة، فإنّي أحسب أنّ الفارق بينهما بالغ.

العلاقة بين النفس والصحّة الجسديّة

سواء كانت حقيقة النفس طاقة مادّية في الجسم، أو مِثالاً نورانيّاً حالاًّ فيه، أو وجوداً مجرّداً يدير الجسم، أو أيّ شيء آخر... فإنّ تبادل التفاعل بينها وبين الجسد حقيقة بديهية لا يسعنا إلاّ الاعتراف بها... فها نحن نتأثّر نفسيّاً فنمرض، ونُمرِّض فنتأثّر نفسيّاً.

وقد أصبحت هذه الحقيقة - خاصّة في العقود الأخيرة - موضع اهتمام الدراسات والمناهج الطبيّة، في كافّة جامعات العالم، وكذلك في بعض العلاج الطبّي.

أمّا ما هي حقول هذا التأثير المتبادل؟ ما هي الأمراض الجسديّة ذات المنشأ النفسي؟ وما هي الأعراض النفسيّة ذات المنشأ الجسدي؟ فإنّك تخرج من القراءات الطبيّة والنفسيّة بنتيجة واحدة هي: أنّ البحوث في هذا العلم (علم النفس الطبّي، أو علم الطبّ النفسي) لا زالت في أولى خطواتها...

وينبغي أن يكون الأمر كذلك؛ لأنّ الصعوبات التي تواجه هذا العلم صعوبات غير عاديّة.

فمن هذه الصعوبات: ما هي حقيقة النفس؟ إنّ معلوماتنا عن هذه الطاقة التي تعمل بين جنبينا لا تكاد تذكر!


ومن هذه الصعوبات: كثرة الوظائف لأجهزة الجسد وتشعّبها وتشابكها، إنّ علم الطب لا يدّعي إلى الآن أنّه أحاط بكلّ وظائف الجسد، ولا بأكثرها!

ومن هذه الصعوبات : من أين نبدأ؟ فما دام التأثير بين النفس والجسد متبادلاً فما الذي يضع يدنا على المنشأ، وما الذي يضمن في أكثر الأحيان أن لا نحسب السبب نفسيّاً وهو عضوي، أو عضويّاً وهو نفسي...؟

ومن هذه الصعوبات: منهج البحث في هذا العلم الذي يتردّد بين المنهج التجريبي المحض، وبين المنهج العقلي المحض، وبين المنهج العقلي الميتافيزي، أو بين المنهج المزيج الذي لا ندري كيف يمكن أن نكّونه، كما يتردّد المنهج الواحد بين طرق عديدة...

ومن هذه الصعوبات: ما هو الوضع الصحّي السليم للنفس، الذي يضمن عدم تأثيرها على وظائف الجسد، وما هو نظام التغذّي والعيش السليم الذي يضمن عدم تأثير الجسد على النفس...؟ إلى آخر المصاعب الرئيسيّة التي تعترض هذا العلم.

ولكن مع كلّ هذه المصاعب، فقد أصبح لدينا من النتائج الوئيدة لهذا العلم حصيلة من الحقائق والنظريات، لا تدع مجالاً للشكّ، بأنّ توفّر الإنسان على نفسٍ راضية مطمئنّة، هو عامل فعّال في صحّته الجسديّة.

وهذه الحقيقة العلميّة كافية لأنّ تفتح لنا حقلاً لدراسة المُعطى الصحّي للصلاة، ويمكن أن نتّبع في هذا البحث إحدى طريقتين.

الأُولى: الدراسة المختبريّة: بأن نأخذ عدّة نماذج مصلّية، وعدّة نماذج أُخرى غير مصلّية من بيئة وشروط متقاربة، ثمّ نقارن بين المستوى الصحّي لهؤلاء المصلّين وذريّاتهم، وبين المستوى الصحّي لأولئك وذريّاتهم.

والطريقة الثانية: أن ندرس صورةً لمجتمع يؤدّي فريضة الصلاة، بظروفها وشروطها الإسلامية، وصورة مجتمع لا يصلّي، ثمّ نقارن بين النتائج الصحيحة في كلٍّ من المجتمعين المتجانسين في الشروط.


وإذ نأتي على ختام هذا الفصل الذي ألمَمنا فيه ببعض المعطيات، العقليّة، والنفسيّة، والاجتماعيّة، والصحيّة للصلاة، علينا أن ننظر بتأمّل وتفهّم النصوص الإسلامية المتشدّدة في أمر الصلاة.

إنّ عملاً بهذا المستوى من الضرورة لحياة الفرد والأُمّة، وبهذه المكانة من الثراء والعطاء، لهو عمل جدير بأن يتشدّد الله عزّ وجلّ في أمره، ويجعله فريضة من أركان دينه ومنهجه لحياة الناس... فيأمر به مؤكّداً، ويحذّر من تركه مشدّداً:

( وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ )

( وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ )

( إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً )

( وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ )

( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى )

( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ )

( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر* َقَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ )

وتأتي السنّة الشريفة فتبيّن مكانة هذه الفريضة وتعبّر عن ذلك بأبلغ التعبير.

تارة بأنّها: عماد الإسلام ووجه الإسلام.

وتارة بأنّها: عنوان صحيفة المسلم، والميزان لكافّة أعماله.

وتارة بأنّها: قربان كلّ تقي، وأفضل الأعمال بعد المعرفة، وأنّ لها أربعة آلاف باب...

وتحذّر من مغبّة تركها، فتبيّن أنّ إثم تارك الصلاة من أكبر الآثام، وإنّه لا خير في من لا يصلّي، وأنّ الشيطان يطمع في من لا يصلّي، وتأمر بمقاطعة من لا يصلّي، إذا كان ذلك نافعاً في حمله على الصلاة.

إنّ من يتأمّل في ضرورة الصلاة وآثارها الكبيرة؛ سيجد أنّ من المنطق أن يولِي الإسلام هذه الفريضة هذه المكانة، وهذا التأكيد والتحذير... فما ضرورة الصلاة في حياة الفرد والأُمّة، إلاّ كضرورة الغذاء والهواء، فأمّا إذا انقطع


الإنسان عن الغداء والهواء فإنّه ينهار في مكانه... وأمّا إذا انقطع عن الصلاة فإنّه يتيه في كلّ طريق، وينهار في كلّ وادٍ.


الفصل الخامس

الجنايات على الصلاة

* جناية الجهل

* جناية الذاتيّة

* جناية الحكّام والمستعمرين


جناية الجهل

ممّن لا يصلّون

ليست القدرة على الوعي هي المشكلة في الإنسان، إنّما المشكلة إرادة الوعي... وإرادة الوعي كإرادة الحياة، أمر يملك خياره الإنسان، فهو الذي يقرّ أنّ يسير فيه قِدماً أو يرفضه طريقاً.

كم في الحياة من أشياء وأمور لا تستحقّ أن يصرف الناس عليها وقتاً وذهناً، يعطونها من أنفسهم الكثير، وكم فيها من أشياء وأمور تستحقّ أن يفتحوا لها عقولهم وقلوبهم، ويستوعبوها ويعوها، تراهم يغمضون عنها أعينهم!

ألا تعجب من جماهير يقال لها: إنّ أمامها حياة على غير الأرض، ثمّ هي لا تسأل عن هذه الحياة؟ ولا تتبيّن إليها الطريق؟! يقال لها: إنّ لها ربّاً سيسألها لا محالة عن تصرّفها، ثمّ هي لا تسأل نفسها إن كان ذلك صحيحاً..؟!

والأعجب من ذلك من يدّعي الوعي من الناس، ثمّ ينفق عمره في جزئيّات عاديّة أو تافهة، ولا يحاول أن يبحث مسائل مصيره المطروحة أمامه..!

ترى كيف يسمّى واعياً من تطرق سمعه دعوى كبيرة تخصّ وجوده ومصيره كدعوى الدين، ثمّ لا ينظر ما لهذه الدعوى وما عليها...؟ أو تطرق سمعه دعوى كبيرة كدعوى الصلاة، تقول له: إنّي في أقصى درجات الضرورة لحركة حياتك، ثمّ لا يبحثها ولا يتخّذ منها موقفاً...؟

وكذلك هي الجناية على الصلاة، جزء من الجناية على الإسلام بطريقة (تعمّد الجهالة)، فالعامل الأساس في جهالة الصلاة: تعمّد الإعراض والرضا به، ثمّ يجيء من بعده دور العوامل المساعدة، من مشاغل الحياة، وفراغ وسائل


الإعلام من توعية الأُمّة على إسلامها، وخلوّ مناهج التربية من تربية الأُمّة على رسالتها، وحاجة المكتبة الإسلاميّة إلى الدراسات والكتب الميسّرة...

فكلّ هذه العوامل لو كانت بجانبها إرادة الوعي لتغلّبت عليها، ولذا كانت الجهالة بالصلاة جناية عليها خاصّة من أولئك (المثقّفين) الذين يقرأون عن أيّ شيءٍ إلاّ عن الإسلام، ويفكرون في أيّ شيءٍ إلاّ في الإسلام، ويبحثون عن حاجتهم لأيّ شيءٍ إلاّ عن حاجتهم إلى الإسلام وصلاته.

إنّ أكثر أبناء الإسلام - فضلاً عن الجمهور - لا تشكّل معلوماتهم عن الإسلام شيئاً يذكر، أمّا معلوماتهم عن الصلاة فقد تكون مجرّد سماع اسمها، أو رؤية من يتمتم بها ويؤدّيها...

لقد أُشربوا في قلوبهم الإعراض عن إسلامهم، والإصرار على جهالته، كما أُشرب بنو إسرائيل بالعجل! وإذا سألتهم عن السبب اعترفوا بجهلهم، واعتذروا بأعذارهم... ولكن ليتهم يعتذرون بالجهل، ويتوقّفون عن إصدار أحكامهم على الإسلام على صلاة الإسلام...

وهل ننتظر في حلّ هذه المشكلة أن تستقيم وسائل الإعلام، وتعتدل مناهج التعليم، وتخلِص الحكومات في توعية الأُمّة على الصلاة؟

إنّ التوعية على الصلاة هي جزء من التوعية على الإسلام، لا يصحّ أن تنتظر فيها تبديل قانون الله، فقد قَرن الله عزّ وجلّ وعي هذا الدين بالجهد البشري... فلا بدّ للواعين لإسلامهم وصلاتهم، أن يواصلوا الجهود ويعملوا في تذليل الصعاب، لا بدّ أن نثير الضمائر وندفعها إلى اتّخاذ الوعي مبدأً بدل الجهالة، ولا بدّ أن ننفض عن العقول الركام المزمن حتى يتحوّل وعي الصلاة وأداؤها إلى تيّار يفرض نفسه على الناس بجدارة.

وإنّي على ثقة بأنّ كثيراً من الجانين على الصلاة بالجهالة سيتحوّلون إلى مصلّين مخلصين، وإلى دعاة إلى الصلاة.

مِنْ مصلّين

والنوع الآخر من الجُناة على الصلاة بالجهالة، مصلّون يؤدّون الصلاة في كلّ يوم! فكثيرون أولئك الذين ترافقهم الصلاة في حياتهم، ولكنّهم لا يكلّفون


أنفسهم عناء التفكير ولا السؤال عن محتوى هذا العمل، وعن ضرورته فتراهم يجنون على صلاتهم بجهلهم.

قال أحد الأصدقاء: رأيت في أحد مشاهد الأئمّة (عليهم السلام) شيخاً طاعناً في السنّ، يؤدّي صلاته يركض بها ركضاً، نقراً كنقر الغراب، حتى إذا طواها جلس مطمئنّاً يتلو وجوه المصلّين والزائرين...! قلت له: أيّها الحاجّ أنت شيخ جليل، وأنا أتوسّم فيك التقى والصلاح، فلماذا تعجّل بصلاتك؟

قال: دعني يا سيدي فقد مللت الصلاة وملّتني... عمري الآن مئة وعشر سنوات، وقد بدأت فيها مذ كنت في الحادية عشرة من عمري، لقد رافقتني مئة سنة، ولم تتركني يوماً واحداً، أفليس من حقّي أن أسأم منها وتسأم منّي...!

من الطبيعي لهذا المصلّي أن يسأم من صلاته؛ لأنّ هذه الفريضة في وعيه عمل شكلي مكرور، لو رافقه إنسان عشر سنوات لسئم منه فكيف بمئة عام...! ولكن هذا المصلّي لو وعى صلاته عملاً تربويّاً متفاعلاً مع حركة أيّامه مؤثّراً فيها ومؤثّرة فيه لرأى صلاته جديدة أبداً، لها في كلّ يوم طعم وعطاء، وفي كلّ أمرٍ صلة وتأثير.

وكثيرون مثل هذا المصلّي أو أقلّ منه سوءاً ممّن يحبّون الصلاة ويؤدّونها، ولكنّهم لا يحاولون وعيها حتى بمجرّد السؤال والتفكير، ويرضون لأنفسهم أن يؤدّوا عملاً وهم لا يعرفون أثره في حياتهم، ولا معنى فقراته وكلماته.

وجهد التوعية في هؤلاء المصلّين أيسر وأسرع إثماراً منه في غيرهم، بل كثيراً ما تستتبع إفاقة أحدهم على صلاته، إفاقته على الإسلام، عقيدة ونظاماً، للحياة.

* * *

ولا يصحّ هنا أن نبخس نوعاً من الناس الفطريّين، الذين تحسبهم يجهلون الصلاة؛ لأنّهم لا يستطيعون تفسيرها لك، ولا التعبير عن ضرورتها، بينا هم من وعاة الصلاة ومؤدّيها حقّاً.


باستطاعتك أن تتحدّث مع نماذج من هؤلاء، لتجد أنّ لديهم الكثير من الأفكار والمشاعر عن الصلاة، سل أحدهم ممن تتوسّم فيه صفاء الفطرة والإيمان خاصّةً إذا كان مسنّاً، عن أهميّة الصلاة، وعن فائدة الصلاة، وعن الفرق بين من يصلّي ومن لا يصلّي، وعن الفرق في حياته هو إن كانت مضت عليه فترة ترك فيها الصلاة... ستجد أنّه يعيش رؤية عميقة للصلاة، تبرزها لك نفسه، ونبراته وإن عجزت عنها كلماته.

لو سمعت أحدهم وهو يقول: (الصلاة... الصلاة... إنّ حياة الإنسان لا تصلح بدون صلاة) ، وتأمّلت في الثقة المطلقة، والتجربة الطويلة، والرؤية الواضحة الحاسمة التي تعبّر عنها لهجته، لأحسست بأنّ الرجل قد أدرك موقع الصلاة من حياة الإنسان.

نعم فكثير من الذين يتمتّعون بصفاء الإيمان وطيبة النفس، يخامرون الصلاة بحسّهم الباطني، ويتفاعلون معها على مرّ الأيّام، فينضج وعيها في عقولهم، ويظهر أثرها في سلوكهم، ونورها على وجوههم، وتفصح عن جوهرها قلوبهم، وإن عجزت ألسنتهم.

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (تجد الرجل لا يخطئ بلام ولا واو، خطيباً مُصقعاً، ولَقَلبُه أشدّ ظلمة من الليل المظلم، وتجد الرجل لا يستطيع يعبّر عمّا في قلبه بلسانه، وقلبه يَزهر كالمصباح) الكافي ج2 ص422)


جنَاية الذاتيَّة

حبّ الذّات

(وحبّ الذات هو: الغريزة التي لا نعرف غريزة أعمّ منها وأقدم، فكلّ الغرائز فروع هذه الغريزة وشُعَبها، بما فيها غريزة المعيشة.

فإنّ حبّ الإنسان لذاته - الذي يعني: حبّ اللذّة والسعادة لنفسه، وبغضه للألم والشقاء لها - هو الذي يدفع الإنسان إلى كسب معيشته، وتوفير حاجيّاته الغذائيّة والماديّة؛ ولذا قد يضع حدّاً لحياته بالانتحار إذا وجد أنّ تحمّل ألم الموت أسهل عليه من تحمّل الآلام التي تزخر بها حياته.

فالواقع الطبيعي الحقيقي إذاً الذي يكمن وراء الحياة الإنسانيّة كلّها، ويوجّهها بأصابعه هو: حبّ الذات، الذي نعبّر عنه بحبّ اللذّة وبغض الألم، ولا يمكن تكليف الإنسان أن يتحمّل - مختاراً - مرارة الألم، دون شيءٍ من اللذّة في سبيل أن يلتذّ الآخرون ويتنعّموا، إلاّ إذا سلبت منه إنسانيّته، وأعطي طبيعة جديدة لا تتعشّق اللذّة، ولا تكره الألم.

(إنّ المقياس الفطري يتطلّب من الإنسان أن يقدّم مصالحه الذاتيّة على مصالح المجتمع، ومقوّمات التماسك فيه، والمقياس الذي ينبغي أن يحكم ويسود هو: المقياس الذي تتعادل في حسابه المصالح كلّها، وتتوازن في مفاهيمه القيم الفردية والاجتماعيّة...

فكيف يتمّ التوفيق بين المقياسين وتوحيد الميزانين؟ لتعود الطبيعة الإنسانيّة في الفرد عاملاً من عوامل الخير والسعادة للمجموع، بعد أن كانت مثار المأساة والنزعة التي تتفنّن في الأنانيّة وأشكالها.

إنّ التوفيق والتوحيد يحصل بعمليّة يضمّها الدين للبشريةّ التائهة، وتتّخذ العمليّة أسلوبين:


(ويتلخّص أحدهما في: إعطاء التفسير الواقعي لحياة أبديّة، لا لأجل أن يزهّد الإنسان في هذه الحياة ولا لأجل أن يخنع للظلم ويقرّ على غير العدل... بل لأجل ضبط الإنسان بالمقياس الخُلقي الصحيح الذي يمدّه ذلك التفسير.

ويتلخّص الآخر في: التربية الخُلقية التي ينشأ عنها في نفس الإنسان مختلف المشاعر والعواطف، التي تضمّن إجراء المقياس الخُلقي بوحي من الذات.

(فالفهم المعنوي للحياة والإحساس الخُلقي بها، هما الركيزتان اللّتان يقوم على أساسهما المقياس الخُلقي الجديد، الذي يضعه الإسلام للإنسانيّة.

(وكلّ نظام اجتماعي لا ينبثق عن ذلك الفهم والإحساس فهو: إمّا نظام يجري مع الفرد في نزعته الذاتيّة فتتعرّض الحياة الاجتماعيّة لأقسى المضاعفات وأشدّ الأخطار.

وأمّا نظام يحبس في الفرد نزعته ويشلّ فيه طبيعته؛ لوقاية المجتمع ومصالحه، فينشأ الكفاح المرير الدائم بين النظام وتشريعاته، والأفراد ونزعاتهم، بل يتعرّض الوجود الاجتماعي للنظام دائماً للانتكاس على يد منشئيه، ما دام هؤلاء ذوي نزعات فرديّة أيضاً..).

من كتاب (فلسفتنا)

لشهيد الإسلام السيد محمّد باقر، اصدر ص35 - 48

* * *

خطر حبّ الذات على الصّلاة

ومادامت الصلاة واحداً من أعمالنا التي تخضع لمفهومنا عن حبّ الذات، ولمقياسنا الذي ندين به عن النفع والضرر... فإن كان أحدنا يحبّ ذاته بالمفهوم الإسلامي، وبالمقياس الإسلامي للنفع والضرر، فإنّ صلاته ستكون عملاً تربويّاً على هذا المقياس، وكلّما أمعن في حبّ ذاته - بهذا المفهوم - فهو يمعن في التربّي بالصلاة على عمل الخير، والتضحية من أجل الناس.

أمّا إذا كان يحبّ ذاته بمفهوم آخر وبمقياس آخر غير الإسلام، أو كان


يعيش المفهوم الإسلامي بدرجة ناقصة، فإنّ الأمر لا يقف عند عدم انتفاعه بالصلاة، بل قد يتعّدى إلى الجناية عليها، وذلك بمحاولة إخضاعها لمفهومه وطبعها بذاتيّته، وبالتالي تحويلها من عمل يتربّى فيه على سعة الأُفق، وإفناء الذات الفعليّة إلى عمل يرسّخ الذاتيّة الضيّقة وينمّيها.

لقد رأيتَ فيما تقدّم من البحوث؛ المعطيات الكبيرة التي تقدّمها الصلاة في خدمة المفهوم الإسلامي، والمقياس الإسلامي لحبّ الذات، وسترى كيف تتبدّل هذه المعطيات إلى معطيات مضادّة بفعل (الذاتيّة) عندما تمتدّ إلى الصلاة.

وتنقسم جناية الذاتيّة على الصلاة إلى أنوع ثلاثة

النوع الأوّل: جناية النفاق والرياء، والمنافق المرائي: شخص يعيش حبّ الذات بالمفهوم المادّي، ولكنّه يُظهر للناس أنّه يعيش المفهوم الإسلامي، ولا فرق في أمره بين أن يؤمن نظريّاً بالمفهوم الإسلامي أو لا يؤمن.

وتتمثّل جنايته على الصلاة في تحويلها من عمل تربوي رفيع، إلى عمل يتمرّس فيه كلّ يوم على النفاق، وخداع النفس، وخداع الناس، وكثيراً ما تبدو للناس سريرته، فيكون مثلاً سيّئاً للمصلّين، وسبباً لدى بعض النفوس للابتعاد عن الصلاة.

والنوع الثاني: جناية التصوّف، ولا أقصد بالتصوّف إتباع الطرق الصوفيّة المعيّنة فقط؛ بل أقصد كلّ فهم معنوي خاطئ للحياة، وكلّ إحساس معنوي خاطئ بها... فقد عرفت أنّ حبّ الذات بالمفهوم الإسلامي يرتكّز على الفهم المعنوي للحياة، والإحساس الخُلقي بها، وهذا الفهم وهذا الإحساس لهما أصولهما، ومقوماتهما، وأحكامهما في الإسلام.

والتصوّف هو: طريقة في فهم الحياة لا تتّفق مع أصول وأحكام الفهم الإسلامي؛ لذلك يعتبر انحرافاً عن الإسلام كالفهم المادّي، وإن كان بحدّ ذاته فهماً معنويّاً، وإحساساً خلقيّاً معيّناً.

وإذا حدث الانحراف عن مفهوم الإسلام للحياة، كان من الطبيعي أن يحدث الانحراف في حبّ الذات في مقياس النفع والضرر.. وأن يمتدّ ذلك إلى الصلاة.

إنّ الفرق الأساسي بين الفهم الإسلامي والفهم الصوفي لحياة الإنسان: أنّ


حقل تكامل الذات في الفهم الإسلامي هو: الناس، والمعاناة المطلوبة للتكامل هي: المعاناة مع الذات، ومع الناس لتطبيق رسالة الله... بينما يرى الاتجاه الصوفي أنّ حقل التكامل هو: نفس الذات، وأنّ المعاناة المطلوبة للتكامل هي: معاناة الذات مع الله، ولو بعيداً عن الناس.

كما أن إفناء الذات يعني - في المفهوم الإسلامي -: تغليب المكاسب الرساليّة حينما تتعارض مع المكاسب الشخصيّة من أجل مكاسب أكبر في الحياة المقبلة.

بينما يعني - في الاتجاه الصوفي -: تغليب مكاسب الروح على مكاسب الجسد، من أجل مكاسب أكبر... وبتعبير آخر: إنّ حبّ الذات المشروع إسلاميّاً هو: أنّ يحبّ الإنسان مطالب جسده وروحه، إلاّ عندما تتعارض مع مطالب رسالته وأُمّته، وحبّ الذات المشروع صوفيّاً هو: حبّ مطالب الروح المعيّنة المتعارضة أبداً مع مطالب الجسد!

والنتيجة الطبيعية لهذا الفارق: أنّ المسلم المستقيم يمارس الصلاة بقصد التربّي على حبّ الذات بمفهومه، والصوفي يمارسها للتربّي على مفهومه... وهو بذلك يجاهد ويتعسّف لتجريد الصلاة من العلاقة بحركة الحياة، ومن الجهاد بالرسالة الإلهيّة في مجتمع الناس.

إنّك إذا سمعت من صوفي أو قرأت له تفسّر الصلاة فسيأخذك العجب والدهشة، كيف يعتقد هذا الإنسان أنّ هذه الفقرات العربية المبيّنة يمكن أن تحمل هذه المعاني المتكلّفة؟

وكيف يتصوّر أنّ هدف الصلاة الإسلاميّة هو: تعميق الصراع في الوجود الإنساني الموحّد، والدعوة إلى إهمال ما أخرّ الله للإنسان من الرزق، والهروب إلى عوالم روحيّة حالمة...؟

وماذا أكبر جناية على الصلاة من اتّجاه يعمل لتحويلها من واقعها الفعّال في حركة الحياة، الزاخر بطاقة النشاط والاستقامة، إلى رياضة روحيّة! تسرح فيها النفس في عوالم مفترضة، كما يسرح فقراء الهنود في رياضاتهم الروحيّة!

ثمّ لو تأمّلت الذاتيّة التي يربّيها الصوفي بصلاته لوجدتها أقرب إلى الذاتيّة المادّية منها إلى الذاتيّة الإسلاميّة، إنّ الصلاة في مفهوم الصوفي ليست إعداداً


تربويّاً للعطاء الرسالي في الناس، وإنّما هي: عمل (يَصِلُ) فيه الصوفي إلى الله، ويبلغ به الكمال... ولذلك فهو يحوّلها من معهد تدخل إليه الذاتيّة لكي تتهذّب، إلى معهد تدخل إليه الذاتيّة لكي تطمئنّ بأنّها اكتملت.

وهذه الجناية الصوفيّة على الحياة أكبر من سابقتها... فكم من فرقٍ بين من يفرغ من صلاته وهو يشعر أنّه استوعب درساً وبقي عليه التطبيق، وبين من يفرغ من صلاته وهو يشعر أنّه بلغ الغاية، وعاش الوصل مع الله، والرفرفة في أنواره وجنّاته.

والذي يزيد في ضلال الصوفي وفي جنايته على صلاته، أنّه بفعل الإيحاء الذاتي والتركيز الذهني والنفسي، يجد الأنوار والعوالم التي يفترضها ويعيش فيها فعلاً، وحينما يتمّ له شيء من ذلك، يعتقد جازماً أنّه بلغ درجةً عظيمة، وخاصّة حينما يمنحه شيخ الطريقة أو العارف بالله رتبةً أو لقباً!!

حدثنا ذات مرّة (الأستاذ العارف بالله) عن العوالم النورانية، التي يتجلّى الله فيها لبعض عباده العارفين، في أثناء صلواتهم ومناجاتهم، وحثّنا على الطموح إلى هذه التجلّيات، وأوصى بتفريغ القلب حال الصلاة، أو المناجاة من أيّ شيء إلاّ من (الله)...

وما راعني في يوم لاحق إلاّ أن وجدت نفسي أرتفع من مكاني في مسجد الكوفة، وأرى مشهداً ممتدّاً من الربوات المغمورة بأفق من الأنوار الخاصّة!!

لقد كنت في يقظةٍ تامّة، جالساً أتلو دعاءً من كتاب، وقد أحسست بأنّي خرجت من جسدي، وعبَرت سور المسجد، ورفرفت في الأنوار فوق الربوات، ثمّ عدت رويداً إلى جسدي وهبطت فيه من الأعلى، فإذا الكتاب لا زال بيدي، وتابعت تلاوة الدعاء!!

طبعاً كان ذلك فوزاً عظمياً تقبّلت فيه التهنئة، وأصبحت بسببه من الداخلين في طريق (المكاشفة)، ولم أكتشف إلاّ فيما بعد أن رؤيتي كانت نتيجة الإيحاء الذاتي، والتركيز الشديد على المشهد، الذي شوّقنا إليه الأستاذ، وإنّي عند ما كنت (أناجي الله) كان قلبي فارغاً من كلّ شيءٍ إلاّ من التركيز على ما أُريد من ربوات وأنوار...

وأنّ هذه (المكاشفة) يمكن أن يصل إليها أيّ إنسان، وحتى الهندي المشرك بالله، وبأيّ وسيلة حتى بطريقة (اليوغا) أو بالنفخ بالبوق.


إنّ قيمة المناجات والصلاة عند الصوفي، إنّما هي بمقدار ما تعطي لذاته من المشاعر، والأجواء التي يركز عليها، أمّا عند المسلم فهي بمقدار ما تهيؤه للعطاء من ذاته في سبيل رسالته وأُمّته.

ولذا تجد الصوفي يهرب من مسؤوليات الحياة إلى أحلام الصلاة، بينما تجد المسلم يفزع إلى الصلاة للاستعانة بشحنتها على مهامّ الحياة، (كان رسول الله إذ أهمّه أمر فزع إلى الصلاة) ... تجد المسلم يتربّى بصلاته لكي يعطي من ذاته لرسالته وأُمّته، وتجد الصوفي يأخذ الصلاة لذاته، ثمّ لا يعطي منها لرسالته وأُمّته شيئاً!

فما فرق هذه الذاتيّة يا ترى عن جوهر الذاتيّة المادّية؟

* * *

والنوع الثالث - من جناية الذاتيّة - نوع يختلف عن جناية المرائين والمتصوّفة؛ لأن أصحابه لا يعيشون حبّ الذات بالمفهوم المادّي، أو الصوفي، أو الإسلامي، ينقسمون إلى قسمين:

*القسم الأوّل : الذين يعيشون حبّ ذواتهم بالمفهوم المادّي، ولكنّهم يتصوّرون أنّ هذا هو المفهوم الإسلامي لحبّ الذات.

وقد تعجب كيف يستطيع إنسان أن يعيش في سلوكه الذاتيّة المادّية المرفوضة إسلاميّاً، وهو يعتقد أنّه يعيش الذاتيّة الإسلاميّة المشروعة...؟

نعم، فلئن كان ذلك غير ممكن في الأعمال الحاسمة - التي تتطلّب الإيثار والتضحية وتقديم المكاسب الإسلاميّة - بسبب أنّ الذاتيّة الإسلاميّة في هذه المواقف تتميّز عن الذاتيّة الشخصيّة... فإنّ الأمر ممكن في كثير من الأعمال الاعتقاديّة، والسلوكيّة، التي قد تلبس فيها الذاتيّة المادّية ثوب الذاتيّة الإسلاميّة.

بِمَ تفسّر هذه الحالة:

شخص عليه ديون مستحقّة، وعنده أسرة واجبة النفقة، ولديه مبلغ من المال، سافر به إلى الحجّ (الواجب أو المستحب)، وأهمل وفاءَ دينه ونفقة عياله!

هذا الإنسان لم يكن من فئة المتصوّفة الذين يطمعون بالوصل مع الله، ولم يكن من فئة المرائين الذين يحجّون لأجل الناس، وإنّما كان يقصد القُربة إلى


الله بتحصيل بركة الحجّ، وهو يعتقد أنّه يحصل عليها!

وهذه الحالة:

شخص تصفّح كتاباً في الأدعية والمناجاة فأعجبه، وتلهّف في نفسه أن يكون عنده، ويتلو من أدعيته بين يدي الله لكي يستجاب دعاؤه، فسرق الكتاب وأخذ يقرأ من أدعيته ويتهجّد ويبكي!

وهذه الحالة:

أشخاص يتركون الطاعات التي تتّصل بالرسالة والأُمّة، من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والسعي في خدمة المؤمنين، مع قدرتهم عليها، ويفضلون عليها الإكثار من الصلاة، والأدعية، والحجّ، وزيارة النبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام)، مع علمهم بأنّ عملهم هذا على حساب الطاعات الأُخرى...!

وهذه الحالة:

أشخاص يكثرون من الصلاة جدّاً، ثمّ لا ينعكس أيّ أثرٍ لصلاتهم وتقديمِ مكسبٍ لرسالتهم وأمّتهم على مكاسب الشخصيّة، ولو في موقف واحد...؟!

إنّ هذه الحالات وحالات كثيرة مشابهة لا يمكن تفسيرها إلاّ بأنّ أصحابه لا يحسّون بالمكاسب الذاتيّة الرساليّة، وإنّما يحسّون بالمكاسب الذاتيّة الشخصيّة، فيتّجهون للعيش بالمفهوم المادّي ويحوّلون صلاتهم إلى خدمة هذا المفهوم، معتقدين أنّهم يؤدّونها حقّ أدائها! ولذلك كان الاسم الملائم لهذا النوع: (الذين يعيشون حبّ الذات بالمفهوم المادّي، ويعتقدون أنّه هو المفهوم الإسلامي) .

والقسم الثاني: من هذا النوع، هم الذين يعيشون حبّ ذواتهم بمفهوم مزيج من التصوّف والمادّية والإسلام، ويعتقدون أنّهم يحبّون ذواتهم بالمفهوم الإسلامي...


ولن أُطيل في استعراض نماذج من هؤلاء - وهم كثرة - لأنّ شخصيّة أحدهم مزيج من الشخصيّات التي تقدّم استعراضها؛ لذلك فإنّ طاعات الواحد منهم بما فيها الصلاة، تخضع لأحكام الأنواع المتقدّمة، بنسبة ما فيها من مادّية وتصوّف وإسلام، كما أنّ جنايته على الصلاة تكون بمقدار ما في صلاته من مادّية وتصوّف.

* * *

إنّ كلّ واحد منّا معرّض لأنّ يغلِّب ذاته الشخصيّة على ذاته الرساليّة، أو يفقد ذاته الرساليّة، ويجني بذلك على صلاته وسلوكه...

ولذلك لا بدّ للمسلم أن يستوثق أوّلاً: من أنّه في خطّه السلوكي العامّ يحبّ ذاته بالمفهوم الإسلامي، وبالمقياس الإسلامي، ويستوثق ثانياً: من استمراريّة هذا الخطّ وانتصاره في حركة حياته.

وطريق الاستيثاق من الخطّ العامّ للسلوك يكون:

أوّلاً: بمعرفة الإنسان لنفسه، إن كان بنى أمره على أن يعيش لذاته ولو على حساب إسلامه، أو يعيش لإسلامه ولو على حساب ذاته.

ثانياً: بملاحظة نفسه في موارد التعارض بين مكاسب الشخصيّة ومكاسبه الرساليّة.

ثالثاً: في افتراض التعارض بين مكاسبه الشخصيّة ومكاسبه الرساليّة.

وأمّا طريق الاستيثاق من انتصار هذا الخطّ في حركة سلوكنا فهو: الملاحظة المستمرّة، والدراسة لنقاط الضعف والأخطاء التي نرتكبها، واستمرار التركيز والضراعة إلى الله عزّ وجلّ، ليمدّنا بالعون على تقديم مكاسبنا الكليّة المقدّسة، على مكاسبنا الشخصيّة المحرّمة أو المرجوحة.


جناية الحُكّام

قد تقول: وهل للحكّام والمستعمرين جناية خاصّة على الصلاة؟ أم أنّك تريد هذا العنوان مفتاحاً للحديث عن جنايتهم على الإسلام والمسلمين ككل...؟

كأنّك تريد أن تقول أنّ المستعمرين الأوربيين، ومن بعدهم المستعمرين الأمريكان والروس، قد غزوا أرضنا، وحطّموا كياننا وفرّقونا ومزّقونا، وأخذوا ينهبون ثرواتنا، ويعملون على تشويه رسالتنا، وفصلنا عن جذورنا الحضاريّة وطبعنا بمفاهيمهم وحضارتهم وشخصيتهم؛ قصداً للإمعان في احتلالنا وإذلالنا... وأنّهم بذلك جنوا علينا كأُمّة، وجنوا على ديننا كرسالة إلهيّه، وعلى صلاتنا كنهج تربوي في هذه الرسالة...؟

أو تقول أنّ حكّامنا قد فرضوا علينا من قِبَلهم، ولم يحكمونا بتكليفنا واختيارنا، وأنّهم يتواطؤون مع المستعمرين بشكلٍ وآخر في جنايتهم على الأُمّة ورسالتها وصلاتها...

ثمّ إنّهم بحكم تربيتهم وعدم أصالتها، قد أبعدوا الإسلام عن حياة الأُمّة، واستبدلوه بنُظمٍ قوانين وضعها المستعمرون، أو المثقّفون بثقافة الاستعمار... فهم بذلك جناة على الأُمّة وإسلامها، وهم بذلك جناة على الصلاة؛ لأنّهم لم يتربّوا فيها على عيش الرسالة الإلهيّة، ولم يربّوا بها الأُمّة على رسالتها...؟

قد تقول: مثل هذا الحديث موضوع مستقلّ عن جناية المستعمرين والحكّام على الإسلام، وليس على خصوص الصلاة... غير إنّي هنا، أريد الحديث عن خصوص جناية المستعمرين والحكّام على الصلاة، وليس عن جنايتهم عليها كجزء من جنايتهم الكبرى على الإسلام وأُمّته، وهذه الجناية مؤلّفة من ثلاثة أنواع:

النوع الأوّل: تحريفهم لمفهوم الصلاة، فقد أجمع المستعمرون ومن والاهم


من الحكّام، على تحميل صلاتنا الإسلاميّة مفهومهم الغربي عن الصلاة... والصلاة بالمفهوم الغربي: طقوس، أو نوع من التطوّع يقوم به الإنسان تجاه ربّه، دون أن يكون ضرورة لحياته، أو يكون له تأثير في تسييرها، وحتى عندما يقول أصحاب هذا المفهوم: إنّ الصلاة صلة بين الإنسان وربّه، فهم يقصدون بالصلة التطوّع أو التفضّل من العبد في إقامة علاقة مع ربّّه، أو يقصدون هذه الهواية والمذاق المعيّن لدى بعض الناس، في أن تكون لهم علاقة بما وراء الطبيعة!

من أين جاءَنا هذا الفهم للصلاة؟

إنّ شريعة الإسلام لا تعرف الطقوس، ولا تعرف الثانويّات التي لا ترتبط بحركة الحياة، أو تمسّ صميم قضيّة الإنسان في هذه الأرض...

إنّ أحداً من المسلمين في صدر الإسلام لم يكن يعرف هذا المفهوم عن الصلاة، وإنّما تسرّب إلينا في الوثنيّات، ثمّ ورد إلينا سيلاً من المستعمرين، حتى صار سائداً في الذهنيّات المشبّعة بالمفاهيم الاستعماريّة.

هم، كابدوا الجمود، والكبت، والظلم، والطبقيّة، والإتاوات، من سدنة دينهم وكنائسهم وصلواتهم... حتى حطّموا هذه الأساطير وتحرّروا من دينهم وصلاته، فمهما وصفوا صلاتهم فهم في حلّ...

ونحن ما عرفنا النور، ولا شممنا العزّة، ولا أقمنا لنا كياناً عالميّاً، إلاّ بإسلامنا وصلاتنا، وها نحن تركنا إسلامنا وصلاتنا، فلم تزدد إلاّ ضعفاً وتمزّقاً ومذلّة...

وصلاتنا، هذا التربّي الواعي المنفتح، هذا الأُفق الكوني الشامل، هذا الاستمداد الفعّال في حياة الفرد والأُمّة... هل يصحّ أن نعطيها مفهوم صلاة الكنيسة، المحصورة بين التمثال والمذبح، والكاهن والرطانة العبريّة...؟

لا زال المستعمرون ومن والاهم من الحكّام يصرّون - بما يملكون من حول - على تركيز هذا المفهوم عن الصلاة، يريدون حصرها في المساجد، وقفلها في التراتيل المبهمة، ولا يريدون أن تكون تربّياً على منهج الإسلام، أن تمتدّ إلى حركة الحياة فتمدّها بالجدّ والاستقامة... إنّهم يخافون أن تنفتح الأُمّة على


صلاتها، يخافون أن نرفع رؤوسنا الصلاة لربّنا فنرفضهم سادةً وأرباباً.

والنوع الثاني: - من جنايتهم على الصلاة - عدم أخذها بعين الاعتبار في حياة الدولة، لا في الدوام الرسمي، ولا في وسائل الإعلام، ولا في مناهج التعليم، ولا في الحفلات الرسميّة.

نعم ، ليس من الطبيعي أن نطلب من المستعمر أن يصلّي، أو نطالب الحاكم الذي تنصّبه الدول الاستعماريّة أن يكون مصلّياً، ولكن أليس من الطبيعي للدولة - أيّ دولة - حينما تضع القوانين لحياة شعب من الشعوب، أن تأخذ في اعتبارها واقع هذا الشعب والتزاماته القائمة، حتى لو كانت مجرّد عادات...؟

وهل يخفى على واضعي القوانين سواء القوانين التشريعيّة، أو اللوائح التنظيمية للوزارات والمؤسسات، أنّهم يضعونها لأُناسٍ مسلمين، يلتزم قسم منهم على الأقلّ بأداء الصلاة اليوميّة...

تراهم في تنظيم الدوام الرسمي يأخذون بعين الاعتبار الحر والبرد والسفر والحضر والصحة والمرض والنوم واليقظة.. ويأخذون بعين الاعتبار احتياج الموظّفين إلى المرطبات والشاي والقهوة، ولا بدّ أنّهم يأخذون بعين الاعتبار مضغ اللبُان، ومضغ القات، وسواك الأسنان في البلاد التي توجد فيها هذه العادات اليوميّة...

تراهم يأخذون بعين الاعتبار العديد من الأمور الضروريّة والثانويّة والتافهة والضارّة... أمّا أوقات الصلاة، وأمّا أمكنة الصلاة فلا تؤخذ بعين الاعتبار!

لماذا هذا التجاهل؟ أهو أمرٌ عفوي أم أنّه قصد أراد به المستعمرون عدم الاعتراف بصلاتنا؟

يقولون: كيف يمكن أن نلغي عمل ساعة أو ساعتين بعد أذان الظهر؟

ونقول: لماذا لا نربح عمل ساعة أو ساعتين في نشاط الصباح، لماذا لا يبدأ الدوام مبكراً مع طلوع الشمس؟


ووسائل الإعلام ، كيف نطالبها بالتوعية على الصلاة وهي في أكثر بلادنا وسائل تجهيل بالإسلام، وتمييع للشخصيّة وإشاعة للفساد والبطالة... كيف نطالب مسؤول التلفزيون أن يقطع مسلسلةً غربيّة، أو رقصة شرقيّة، أو تمجيداً بنظام حكم، لكي يدعو الأُمّة إلى صلاتها...؟

والقائمون على التربية وواضعوا مناهجها، كيف نطلب منهم أن يضعوا خطّة للتوعية على الصلاة والتربية عليها، وأن يخصّصوا أمكنةً لأدائها وأكثرهم فاقدون لما نريد منهم، وفاقد الشيء من أين يعطيه...؟

والحفلات الرسميّة ، حفلات الكبار، والوزراء، والسفراء، تريد أيضاً إخضاعها لمواقيت الصلاة...؟ وهل هذا إلاّ كفرٌ بالرواسب الاستعماريّة؟

إنّ تجاهل الدولة للصلاة كفريضة من فرائض الإسلام، وتجاهلها للمصلّين كواقع قائم في حياة موظّفيها وشعبها، ما هو إلاّ جناية على الصلاة، يقصد منها المستعمِر أن يلغي هذه الفريضة من حياتنا...

والنوع الثالث: عدم أداء الحكّام صلاتهم مع الناس، فقد جعل الإسلام من واجبات الحاكم أن يؤدّي صلاته بين الناس إماماً، أو مأموماً، وعلى الأخصّ في يوم الجمعة.

وقد تقدّم في بحث (التجمّع للصلاة)، كيف يفرض التشريع الإسلامي على الحاكم أن يساوي نفسه بفقراء شعبه، وكيف يأبى للحاكم أن يكون (محجباً)، وأن يحيط نفسه بعناصر الإيهام، كما يفعل الأكاسرة والقياصرة والغربيون... وتشريع الصلاة ما هو إلاّ مادّة تطبيقية لمفهوم الإسلام عن الحكم والحاكم.

لقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو رئيس دولة متوثبة لافتتاح العالم، يطبّق هذا التشريع، ويؤمّ الناس، ويجلس مع فقرائهم قبل أغنيائهم، ويستمع إلى صغارهم وكبارهم ويتقبّل منهم.

ثمّ كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم يرأسون أكبر دولة ٍفي العالم يؤمّون المسلمين في الصلاة، ويستمعون إلى الناس، وكذلك كان الأمر في حكّام الولايات والمحافظات والنواحي.


ولما صار ملك الإسلام إلى الأمويّين، لم يستطيعوا التخلّص كليّاً من واجبات الحاكم الإسلامي، فاتّخذوا مقصورات في المساجد يصلّي فيها الخليفة وحاشيته، ثمّ من ورائهم في سعةِ المسجد يقف المسلمون، ثمّ أخذ الأُمويّون يتباطؤون عن الصلاة، ويستخلفون عليها أخاً، أو أباً، أو وزيراً.

ثمّ ملك العباسيّون فمشوا على سنّة الأمويّين، ثمّ تباطؤوا عن الصلاة مع الناس، وأخذوا يعيّنون أئمّة لمساجد العاصمة والولايات، وربّما خرج الخليفة أو حاكم الولاية إلى صلاة جمعة، أو عيد فأحيط بالحرس والمراسيم، حتى لا يصل إليه أحد.

ثمّ ملك المماليك والعثمانيون، واكتفوا بأن تُقرأ لهم في المساجد سلسلة الألقاب والمدائح والدعوات، وهم معزولون عن الناس في قصورهم.

ثمّ آل الملك إلى حكّامنا... فلم يتغيّر في الأمر شيء!

إنّ الوراثة لا تقللّ من أمر هذه الجناية، وما على الحاكم المسلم إلاّ أن يستجيب إلى نداء الصلاة، فيخرج من حجابه ويؤدّي صلاته مع شعبه، ويحتكّ بهم، ويستمع إليهم، ويفهم منهم، وحكّام المحافظات والنواحي عليهم أيضاً ما على الحاكم في العاصمة...

فما من شيءٍ يكسر من كبرياء الذات الأعمى، ويمزّق عن البصيرة غشاوة الرؤية للشخصيّة مثل العيش مع عامّة الناس، وأداء الصلاة معهم.

والحمد لله ربّ العالمين


الفهرس

الفصل الأوّل: أضواءٌ على الصّلاة 5

معنى العبادة 7

معنى كلمة الصّلاة 12

استعمالات كلمة الصّلاة في الإسلام 14

الصّلاة في الشرائع الإلهيّة 16

لماذا الصّلاة؟ 19

الصّلاة والإنسان والنسيان .23

الصّلاة والإنسان والغيب ..35

الفصل الثاني: الصّلاة في القرآن الكريم .42

تقسيم النصوص القرآنية في الصّلاة 43

فرض الصّلاة ووجوبها 44

توقيت الصّلاة وتعدّدها 51

دلالة التعدّد 51

قامة الصّلاة 69

التَوجُّه شَطر المسجد الحرام 72

قَرْن الصّلاة بالإيمان والزكاة 78

الاصْطبار والمحافظة على الصّلاة 81

الإعداد للصّلاة بالتطهّر 86

نَهي الصَّلاة عن الفحشاء والمنكر 89

معالجة الصّلاة للهَلَع في الشخصيّة 97

صلاة الكُسالى وتضييع الصّلاة 103

الفصل الثالث: الصّلاة في السُنّة 111

تِلاواتُ الصَّلاة 145

التكبير .146

سورة الفاتحة 149


تلاوة الركوع والسجود 154

تلاوة التشهّد .159

التسبيحات الأربع .163

تلاوة التسليم .166

الجهر والاخفات ..173

قبول الصلاة 178

العمل الصالح .178

النوافل .188

الإكثار من الصلاة 189

من نصوص النوافل .195

الفصل الرابع: المُعطيات العامّة مِن الصّلاة 198

المُعطى العقلي .200

اليقين العقلي ودور الصلاة فيه 201

العقلانية في الشخصيّة ودور الصّلاة فيها 208

المُعطى النفسي .212

المُعطى الاجتماعي .220

المُعطى الصحّي .228

الرياضة التلقائيّة 230

العلاقة بين النفس والصحّة الجسديّة 234

الفصل الخامس: الجنايات على الصلاة 238

جناية الجهل .239

ممّن لا يصلّون .239

مِنْ مصلّين .240

جنَاية الذاتيَّة 243

حبّ الذّات ..243

خطر حبّ الذات على الصّلاة 244

جناية الحُكّام 251