أئمة أهل البيت عليهم السلام في كتب أهل السنة
التجميع كتب متنوعة
الکاتب الشيخ حكمت الرحمة
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

أئمة أهل البيت عليهم السلام في كتب أهل السنة

الشيخ حكمت الرحمة



بسم الله الرحمن الرحيم



مقدّمة المؤسّسة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله أوّلاً وآخراً، وله الشكر واجباً، ثمّ الصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، اللّهم صلِّ عليهم كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد.

وبعد:

لم يأتِ في شريعة من الشرائع السماويّة حثٌّ وتأكيد على طلب العلم مثل ما جاء في شريعة الإسلام، بل لا غَرْو لو قيل إنّ الإسلام والعلم صنوان لا يفترقان.

فالمتتبّع للتراث الإسلامي يجد هذه الحقيقة جليّة نُصْب عينيه لا تحتاج معها إلى عناء البحث والتدقيق، بل ورد في تراثنا الإسلامي الأصيل طرق وآداب وأحكام لطلب العلم ما يُبهر العقول.

حتّى أنّ المشرّع الإسلامي دخل في الآداب الدقيقة بين المعلّم والمتعلّم كما هو شأنه في مجالات الحياة الأخرى، فقد وُضع لكلّ شيء قواعد وضوابط.

ولعلّ واحدة من أروع قواعد العلم التي حثّ عليها المشرّع الإسلامي هي تعقّل العلم، وعدم الاكتفاء بنقله، وهذا ما أكّدت عليه النصوص الإسلاميّة بمشاربها المختلفة.

فقد ورد عن أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) قوله: ( اعقلوا الخبر إذا سمعتموه


عقل رعاية لا عقل رواية، فإنّ رواة العلم كثير، ورعاته قليل ) (1) .

ومن هنا خطت مؤسّستنا خطواتها الواثقة في إبراز مكانة أهل البيت ( عليهم السلام ) ونشْر علومهم، اعتماداً على الأدلّة الناصعة والبراهين القاطعة التي استقتْها من الكتاب والسنّة، متخذةً المنهج العلمي الصحيح في دراسة الأدلّة والوصول من خلالها إلى نور الحقيقة.

لذا، احتضنتْ مجموعة من المؤلّفين والباحثين والمحقّقين، ووفّرت لهم السبل الكفيلة للوصول إلى هذا الغرض المنشود.

وكان من بينهم كاتبنا: ( الشيخ حكمت الرحمة ) ، وكتابه الموسوم: ( أئمّة أهل البيت في كتب أهل السنّة ) الماثل بين يدي قارئنا الكريم.

حيث تناول فيه الكاتب قضيّة طالما أُريد طمسها وإخفاؤها عن الملأ الإسلامي، أَلاَ وهي مكانة ومرجعيّة أهل البيت ( عليهم السلام ) في الواقع الإسلامي، والتي لا يخفى ما لها من تأثير فعّال في مُجمل حركة الفرد والمجتمع، مستنداً في بحثه على ما ورد في كتب أهل السنّة من روايات وأخبار صحيحة على مبانيهم الحديثيّة، وما ضمّتْه كتبهم بين دفّاتها من أقوال علمائهم وأعلامهم، مثبّتاً - بما لا يقبل الشكّ - أنّ لأهل هذا البيت ( عليهم السلام ) مقاماً سامياً أراده الله لهم، وتراثاً علميّاً ضخماً، ومحوريّة ومركزيّة في المجتمع الإسلامي أجمع.

فعلى مدى أحد عشر فصلاً عقدها في تتبّع تلك الآثار والروايات والأقوال من كتب أخواننا أهل السنّة، أفضى بنا إلى نتيجة قطعيّة وهي اتّفاق كلمة

____________________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: 18/254، دار إحياء التراث العربي.


المسلمين بكلّ مشاربهم ومذاهبهم على هذه الحقيقة.

فلذا يتّضح جليّاً أنّ أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) لم يتّبعوهم لهوىً أو عصبيّة، وإنّما وجدوا الحقّ معهم واضحاً، والطريق إليهم لاحِبَاً، والتمسّك بهم واجباً، واتّضح أيضاً أنّ لهم علوماً غزيرة وتراثاً فكريّاً ضخماً شهد به كبار علمائهم وأعلامهم؛ لذا حقّ لمؤلّفنا أنْ يتساءل في خاتمة كتابه عن سرّ عدم وجود هذا التراث الضخم في كتب أخواننا أهل السنّة، ونحن نشاطره هذا التساؤل؛ إذ لا يُعقل أبداً القول بأنّ هذا التراث قد فُقد، فهو ليس بكتاب أو كتابين، أو تراثٍ لشخصٍ مجهول مهمل خامل الذكر، بل هو تراث مَن قال النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) بحقّهم في الحديث الصحيح، بل المتواتر:

( إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم بهما لنْ تضلّوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ).

وقبل أنْ نترك قارئنا الكريم وهو يتصفّح طيّات هذا الكتاب لا يفوتنا أنْ نشكر كلّ مَن ساهم في إخراجه، سائلين المولى الكريم - جلّت أسماؤه - التوفيق لما فيه خير الدارين، ومستمدّين منه العون، إنّه نعم المولى ونعم النصير.

مؤسّسة الكوثر للمعارف الإسلاميّة



مقدّمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين، وبعد:

فإنّ الحقيقة هدف سامٍ يَنشده كلّ الأحرار، وضالّة يسعى نحوها العقلاء، ويتحرَّون مختلف الأساليب في الوصول إليها، فالاندفاع نحو معرفتها أمر فطري جُبلتْ عليه النفوس وسار عليه بنو البشر، بل صار معشوقهم الذي يهفون نحوه ويبذلون الغالي والنفيس في سبيل الحصول عليه.

والحقيقة مع ما لها من نور جلي واضح، إلاّ أنّها قد تَخفى أحياناً وتتراكم عليها سُحُب داكنة تحول دون ظهور نورها المُشرِق.

بَيْد أنّ تلك السُحُب مهما كانت قاتمة ومتراكمة، لكن لا يسعها أنْ تُدْرِس أثر الحقيقة أو تكتم أنفاسها إلى الأبد، فإنّ هناك قبسات من وَهَجها تبقى هنا وهناك، تُنير درب الساعي إليها وتوصله إلى ضالّته المنشودة.

وهذا الوصول يحتاج إلى قلوب تتعشّق تلك الحقيقة، وتُنْصِف السير نحوها، بعيداً عن التمسّك بتلك الأوهام التي حاولت طمس الحقيقة، والحيلولة دون بزوغ شمسها المتوهّجة.

وتحتاج أيضاً إلى مَن يَنفض عنها تلك التراكمات؛ ليظهر نورها ساطعاً جليّاً، وتعود مشرقة زاهرة تسرّ الناظرين.

وفي تاريخنا الإسلامي تلاطمتْ أمواج الحقّ بالباطل كثيراً، وانتشرت الفتن، وقَوِيَتْ الصراعات، وأخذتْ كثير من الأيدي تُزيِّف الحقائق وتضع


الأخبار وتُضلّل الأفكار والعقول؛ خدمةً لأغراضها ومصالحها الشخصيّة، فاختفتْ وغُيّبت - لأجل ذلك - كثير من الحقائق.

ومن أبرز الحقائق التي أُريد تغييبها وطمسها هي: محوريّة أهل البيت ومركزيّتهم ومرجعيّتهم، وسموّ وجلالة قدرهم.

فحيكت ضدّهم المؤامرات ومورستْ تجاههم شتّى أنواع الضغوط والحروب، وعُمِل على فصلهم عن المجتمع الإسلامي وفصل المجتمع الإسلامي عنهم.

يقول المَنَاوِي معلّقاً على حديث ( إنّكم ستبتلون في أهل بيتي من بعدي ) :

( هذا من معجزاته الخارقة؛ لأنّه إخبار عن غيبٍ وقد وقع، وما حلّ بأهل البيت بعده من البلاء أمر شهير، وفي الحقيقة البلاء والشقاء على مَن فعل بهم ما فعل ) (1) .

فما لقيه أهل البيت ( عليهم السلام ) من الظلم والجور والاضطهاد والتنكيل أمر مشهور لا يخفى على أحد، وكأنّ النبي لم يوصِ بهم ولم ينوّه إلى عظم منزلتهم، مع أنّ حديث الثقلين ( الأمر بالتمسّك بالكتاب والعترة ) لوحده كافٍ في معرفة قدْر أهل البيت وعظيم منزلتهم، فكيف إذا أضفنا إليه العديد من الآيات والروايات الدالّة على جلالتهم، بل ووجوب اتّباعهم، لكنّ الضمائر الميّتة أبت إلاّ أنْ تعمل على تغييب الحقيقة وطمْسها بشتّى الوسائل، فمضافاً إلى القتل والتشريد راحتْ الأقلام - بغضاً لأهل البيت - تضع فضائل لمناوئيهم وأعدائهم، كما عمد الكثير إلى تضعيف الروايات الواردة في

____________________

(1) فيض القدير شرح الجامع الصغير: 2 / 701، دار الكتب العلميّة.


حقّهم ( عليهم السلام ).

وكان لهذا التغييب الإعلامي - والذي استمرّ إلى اليوم - أثر كبير في تشويش ذهنيّة المسلمين وإبعادهم عن هذا الخط الإسلامي الأصيل، حتّى أنّ الكمَّ الهائل من مثقّفي أهل السنّة لا يعرف إلى اليوم مَن هو جعفر الصادق ومحمّد الباقر وغيرهم من أئمة أهل البيت؛ لأنّه لم يسمع من علمائه مديحاً واحداً حول هذه الشخصيّات المباركة، ولم يعرف قدرهم ومركزيّتهم في العالم الإسلامي.

ومن أجل الكشف عن هذه الحقيقة المغيَّبة، ارتأينا أنْ نكتب كتاباً نستلّ فيه مِن طَيّات كتب أهل السنّة ما يوضّح جلالة قدر أهل البيت وعظم منزلتهم؛ فإنّ هناك الكثير من الكلمات لعلماء وأعلام أهل السنّة في بيان سموّ مقام أهل البيت ظلّت مختبئة بين دفّات الكتب ولم ترَ النور، ولم يتسنّ للقارئ السُنّي معرفتها، بل لعلّه لم يتصوّر يوماً أنّه سيجد مثل هذه الكلمات في كتب علمائه وأعلامه، هذا فضلاً عمّا سيجده من الآيات والروايات الواردة في بيان مقامهم ( عليهم السلام ).

لذا، فإنّ كتابي هذا جاء موجّهاً لقرّائي الأعزّاء من الأخوة من أهل السنّة، خصوصاً الطبقة المثقّفة منهم من أساتذة وطلبة وأدباء وشعراء وغيرهم؛ ليروا منزلة أهل البيت ثمّ ليحكموا بما يُمليه عليهم الضمير الحر.

وقد جاء الكتاب مرتّباً على أحد عشر فصلاً وخاتمة وملحق.

* تضمّن الفصل الأوّل - الذي حمل اسم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) - بعضاً من الآيات القرآنيّة والروايات الواردة في عموم أهل البيت بما


فيهم علي بن أبي طالب ( عليهم السلام )، أو المختصّة به سلام الله عليه، مع بيان مختصر لدلالاتها، ولم نتطرّق فيه إلى ذكر كلمات علمائهم في حقّه؛ لأنّ ذلك بيّن غير خافٍ، وفي الآيات والروايات غنًى وكفاية، لكن تناولنا فيه بعض كلمات العلماء الدالّة على أنّ علياً ( عليه السلام ) أكثر الصحابة فضائل.

* وجاء الفصل الثاني - الذي حمل اسم: الحسن والحسين عليهما السلام - شبيهاً بسابقه، حيث اقتصرنا فيه على ذكر بعض الآيات والروايات الشاملة لأهل البيت بما فيهم الحسن والحسين عليهما السلام، أو المختصّة بهما من دون تطرّق إلى كلمات العلماء في حقّهما.

وكان منهجنا في هذين الفصلَين الاقتصار على ما صحّ عند علماء أهل السنّة من الروايات، من دون تعرّض إلى الروايات الضعيفة على مبانيهم إلاّ على سبيل الشاهد، والمتابع ونحوهما.

* وتعرّضنا في الفصول: الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر - وهي الفصول التي حملتْ عناوينها أسماء الأئمّة من علي بن الحسين وإلى الحسن العسكري عليهم جميعاً سلام الله، تعرّضنا إلى كلمات علماء وأعلام أهل السنّة في القرون المختلفة الدالّة على عظم وجلالة قدر ومقام أهل البيت ( عليهم السلام )، وأنّهم كانوا من أكابر العلماء والفقهاء والأجلاّء...

* أمّا الفصل الحادي عشر - آخر فصول الكتاب - وهو الفصل المتعلّق بالإمام المهدي ( عليه السلام ) ، فقد أشرنا في بداية الفصل - باختصار - إلى مسألة المهدويّة في الفكر الإسلامي، ثمّ سلّطنا الضوء على مسألة ولادة محمّد بن الحسن ( عليه السلام )، وذكرنا طائفتَين من أقوال علماء وأعلام أهل السنّة في ذلك.


* وفي جميع فصول الكتاب قدّمنا تعريفاً مجملاً عن الإمام الذي يحمل عنوانُ الفصلِ اسمَه؛ ليكون مدخلاً إلى معرفة الإمام ( عليه السلام )، ولم نلتزم في مقدّمات الفصول بالاقتصار على ما ورد عند أهل السنّة، بل أخذنا فيه من كتب الشيعة أيضاً؛ لأنّها لم ترد في مقام الاحتجاج.

* وفي الخاتمة أشرنا إلى أمرين في غاية الأهمِّيّة، يتعلّقان بمسألة تمسّك علماء أهل السنّة بأئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ).

* أمّا الملحق فأثبتنا فيه ترجمة لأكثر الشخصيّات التي قالت بولادة محمّد بن الحسن أو بمهدويّته - عجّل الله تعالى فرجه الشريف -.

* هذا مجمل ما أثبتناه في هذا الكتاب، وينبغي أنْ ننوّه إلى عدّة أمور:

الأوّل:

إنّ الكلمات التي ذكرناها في الكتاب لم تُخصَّص بفرقة من أهل السنّة دون أخرى، فدوّنا كلمات علماء الأشاعرة، والمعتزلة، والسلفيّة، والصوفيّة من دون إشارة إلى معتقده؛ لأنّ الكل يُعدّ من علماء وأعلام أهل السنّة.

الثاني:

إنّ الصلاة على النبي محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) الواردة في هذا الكتاب أثبتناها كما ذكروها في نصوصهم من دون تصرّف بها، أمانةً منّا للنقل، فما كان فيهم مَنْ ذكر الآل ذكرناها، ومَن اقتصر على الصلاة البتراء ولم يذكر الآل أثبتناها أيضاً كما هي.

الثالث:

إنّ هذا الكتاب جاء مختصراً سواء في ذكر الروايات أمْ الأقوال؛ ليسهل تناوله وقراءته، ويكون مفتاحاً لرؤية نور الحقيقة.


وفي الختام أقدّم شكري وامتناني إلى مؤسّسة الكوثر للمعارف الإسلاميّة لدعمها هذا المشروع ورعايته بصورة كاملة.

كما أقدّم جزيل امتناني إلى جميع الأخوة الذين ساهموا في إنجاح الكتاب من: طباعة وتقويم وتصحيح وإخراج، وأخصّ بالذكر سماحة الشيخ زكريّا بركات صاحب فكرة الكتاب، والذي أردفني بمجموعة من الملاحظات القيّمة كان لها الدور الكبير في وصول هذا السِفر إلى ما هو عليه الآن.

هذا، ولا يفوتني أنْ أُهدي ثواب هذا العمل إلى روح والدي الشهيد، الذي قضى أنفاسه الأخيرة تحت سياط الجلاّدين البعثيّين، سائلاً الله أنْ يتغمّده برحمته الواسعة ويحشره مع محمّد وآله.

والحمد لله ربّ العالمين

حكمت الرحمة


الفصل الأوّل

أوّل أئمّة أهل البيت

أمير المؤمنين

علي بن أبي طالب عليه السلام



نافذة إلى معرفة الإمام

ليس ثَمّة مَن يجهل علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): مولى المتّقين، وأمير المؤمنين، ووارث علم النبيّين، وخليفة رسول ربّ العالمين، منبع الفضائل، ومنتهى المكارم، والقمّة الشامخة السامية التي ينحدر عنها السيل ولا يرقى إليها الطير.

فأنّى للقلم أنْ يكتب في صفاته، وماذا عساه يسطّر في بيان كمالاته، وقد حارت العقول والأفهام أمام شموخ فضائله التي ملأتْ الخافقَين، ومكارم أخلاقه التي وسعتْ الكونَين.

وشهد بفضله وعلوّ مقامه العدوّ قبل الصديق؛ لأنّ النور دائماً أقوى من الظلام ووهج الحقيقة يأبى أنْ يكتمه تراكم الدخان، لذا سطع نور عليٍّ عالياً يُضيء دربَ البشريّة ويمدّها بمنهاج الرسالة المحمّديّة الخالدة، وتسابقتْ الأقلام لتتشرّف في تخليد هذه الشخصيّة العظيمة وتبجيلها.

قال الإمام الآجري:

( شرّفه الله الكريم بأعلى الشرف، سوابقه بالخير عظيمة، ومناقبه كثيرة، وفضله عظيم، وخطره جليل، وقدره نبيل، أخو الرسول صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم )، وابن عمّه، وزوج فاطمة، وأبو الحسن والحسين، وفارس المسلمين، ومفرّج الكرب عن رسول الله ( صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم )، وقاتل الأقران، الإمام العادل، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المتّبع للحقّ، المتأخّر عن الباطل، المتعلّق بكلّ خُلُق شريف، الله عزّ وجل ورسوله له مُحِبَّان، وهو لله والرسول محبّ، الذي لا يحبّه إلاّ مؤمن تقي، ولا يبغضه إلاّ منافق شقي، معدن العقل والعلم،


والحلم والأدب، رضي الله عنه ) (1) .

وحيث إنّ فضائل علي ( عليه السلام ) عظيمة شهيرة تناولتْها كتب الفريقَين؛ لذا لا نجد حاجة لسرد كلماتهم كما سيأتي التنويه إليه بعد قليل، وقبل ذلك نقدّم للقارئ بطاقة تعريف بالإمام ( عليه السلام ):

-هو: الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطّلب ( عليه السلام )، أبو الحسن الهاشمي القرشي.

-( وأُمّه: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشميّة، وهي بنت عمّ أبي طالب، كانت من المهاجرات ) (2) ، ( و هي أوّل هاشميّة ولدتْ هاشميّاً، قد أسلمتْ وهاجرت ) (3) ، ( وكانت بمحلٍّ عظيم من الأعيان في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله، وتُوفِّيت في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله، وصلّى عليها ) (4) .

عن أنس بن مالك قال:

( لمّا ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم، أُمّ علي، دخل عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجلس عند رأسها، فقال: رحمك الله يا أُمّي، كنتِ أُمّي بعد أُمّي، تجوعين وتُشبعيني، وتَعْرَيْن وتكسيني،

____________________

(1) نقلها المحقّق آل زهوي في مقدّمته على كتاب: خصائص الإمام علي للنسائي: عن كتاب: الشريعة: 3 / 119.

(2) تاريخ الإسلام للذهبي: حوادث وفيّات ( 11 - 40هـ ) عهد الخلفاء الراشدين: 621، دار الكتاب العربي.

(3) تاريخ الخلفاء للسيوطي: 128، دار الكتاب العربي.

(4) المستدرك على الصحيحين: 3 / 108، دار المعرفة.


وتمنعين نفسَك طيباً وتطعميني، تُرِيْدِيْنَ بذلك وجْهَ الله والدار الآخرة، ثمّ أمر أنْ تُغسّل ثلاثاً، فلمّا بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) بيده، ثمّ خلع رسول الله قميصَه فألْبَسَهَا إيّاه، وكفّنها بِبُرْدٍ فوقه، ثمّ دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسامة بن زيد، وأبا أيّوب الأنصاري، وعمر بن الخطّاب، وغلاماً أسود يحضرون، فحفروا قبرَها، فلمّا بلغوا اللحد حفره رسول الله بيده وأخرج ترابه بيده، فلمّا فرغ دخل رسول الله فاضطجع فيه، فقال: الله الذي يُحيي ويُميت وهو حيّ لا يموت، اغفر لأُمّي فاطمة بنت أسد ولَقِّنْهَا حُجَّتها، ووسّع عليها مَدْخَلَهَا، بحقّ نبيّك والأنبياء الذين مِن قبلي، فإنّك أرحم الراحمين... ) (1) .

-وُلد ( عليه السلام ): بمكّة، في البيت الحرام، يوم الجمعة، الثالث عشر من رجب، سنة ثلاثين من عام الفيل (2) .

قال الحاكم ووافقه الذهبي:

( فقد تواترت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدتْ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، في جوف الكعبة ) (3) .

-كنيته: أبو الحسن، وكنّاه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أبا تراب (4) ، لمّا رآه ساجداً معفّراً وجهه في التراب، ومِن كُناه أيضاً: أبو الحسين، أبو السبطين، أبو الريحانتَين (5) .

____________________

(1) المعجم الكبير للطبراني: 24 / 351، دار إحياء التراث العربي.

(2) الإرشاد للمفيد: 1 / 5، مؤسّسة آل البيت.

(3) المستدرك على الصحيحين وبهامشه ( تلخيص المستدرك ) للذهبي: 3 / 483، دار المعرفة.

(4) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي: 128، دار الكتاب العربي.

(5) انظر: إعلام الورى للطبرسي: 1 / 307، مؤسّسة آل البيت.


-ألقابه: أمير المؤمنين (1) ، والمرتضى، والوصي (2) ، وقد لقّبه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): سيّد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، وسيّد الأوصياء، وسيّد العرب (3) .

- كان علي ( عليه السلام ) هو الإمام والخليفة الشرعي للمسلمين بعد وفاة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وعلى ذلك النصوص الصريحة الصحيحة في كتب الفريقَين وسيأتي التعرّض لبعضها أثناء البحث.

- كان علي ( عليه السلام ) أخا رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بالمؤاخاة، وصهره على فاطمة سيّدة نساء العالمين عليها السلام (4) .

- كان من السابقين الأوّلين شهد بدراً وما بعدها (5) ، وثبت في الصحيحَين أنّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أعطاه الراية في يوم خيبر، وأخبر أنّ الفتح يكون على يديه، وأحواله في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة (6) .

- اشتهرتْ مناقبُه وفضائله وملأتْ الخافقين، وقد صرّح أحمد بن حنبل وغيره بأنّه: ( لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد، أكثر ممّا جاء في علي )، وسيأتي التعرّض لذلك بعد قليل إنْ شاء الله.

____________________

(1) تاريخ الإسلام للذهبي: حوادث ( 11 - 40 هـ ) عهد الخلفاء الراشدين: 621، دار الكتاب العربي.

(2) مطالب السؤول لمحمّد بن طلحة الشافعي: 1 / 59، مؤسّسة أُمّ القرى.

(3) إعلام الورى للطبرسي: 1 / 307، مؤسّسة آل البيت.

(4) تاريخ الخلفاء للسيوطي: 128، دار الكتاب العربي.

(5) تاريخ الإسلام للذهبي: حوادث ( 11 - 40 هـ ) عهد الخلفاء الراشدين: 622، دار الكتاب العربي.

(6) تاريخ الخلفاء للسيوطي: 128، دار الكتاب العربي.


- عاش بعد النبي تسعاً وثلاثين سنة، قضاها في الجهاد الشريف والدفاع عن حياض الشريعة، والحفاظ على الرسالة المحمّديّة من الضياع.

- استشهد ( عليه السلام ) في شهر رمضان، في اليوم الحادي والعشرين منه، سنة أربعين للهجرة، ( 21 / رمضان / سنة 40هـ ) وكان عمره الشريف ثلاثاً وستّين سنة ( 63 سنة ) (1) . قتله عبد الرحمان بن ملجم المرادي - لعنه الله - وقد خرج لصلاة الفجر ليلة تسع عشرة من شهر رمضان وهو ينادي ( الصلاة الصلاة ) في المسجد الأعظم بالكوفة، فضربه بالسيف على أمّ رأسه، وقد كان ارتصده من أوّل الليل لذلك، وكان سيفه مسموماً، فمكث ( عليه السلام ) يوم التاسع عشر وليلة العشرين ويومها وليلة الحادي والعشرين إلى نحو الثلث من الليل، ثمّ قضى نحبه ( عليه السلام ) (2) .

- نصّ النبي في الصحيح من حديثه على أنّ عبد الرحمان بن ملجم المرادي قاتل علي بن أبي طالب هو أشقى الناس.

قال السيوطي:

( وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمّار بن ياسر أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال لعلي: ( أشقى الناس رجلان، أُحَيْمِر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه - يعني قَرْنه - حتّى تبتلّ منه هذه من الدم - يعني لحيته - ) ) (3) .

____________________

(1) أصول الكافي للكليني: 1 / 524، دار التعارف للمطبوعات، و إعلام الورى للطبرسي: 1/ 309، مؤسّسة آل البيت.

(2) إعلام الورى للطبرسي: 1 / 309، مؤسّسة آل البيت.

(3) تاريخ الخلفاء للسيوطي: 134، دار الكتاب العربي.


والحديث صحّحه الحاكم ووافقه الذهبي (1) ، وكذا صحّحه الألباني في ( صحيح الجامع الصغير ) (2) ، وفي ( الصحيحة ) (3)، مضافاً لتصحيح السيوطي المتقدّم.

- دُفن ( عليه السلام ) في النجف الأشرف، وقبره معلوم معروف، تتّجه إليه الألوف المؤلّفة لزيارته والتوسّل إلى الله به.

***

بناؤنا في هذا الكتاب على استعراض كلمات علماء وأعلام أهل السنّة في أئمّة أهل البيت، ولكن في خصوص ( علي والحسنَين ) نجد كثرة في ما ورد في فضائلهما من القرآن والسنّة النبويّة الشريفة، ومعها لا نجد حاجة لذكر كلماتهم في المقام؛ لذا سنقتصر في هذين الفصلَين على ذكر الفضائل من الكتاب والسنّة، ولكن حيث صرّح كبار حفّاظ وعلماء أهل السنّة بكثرة ما ورد في علي من الفضائل، ارتأينا أنْ نبتدئ بحثنا بذكر بعض الكلمات في ذلك، ثمّ ننتقل لذكر نماذج من فضائله، والله المستعان.

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين وبهامشه تلخيص المستدرك للذهبي: 3 / 141، دار المعرفة.

(2) صحيح الجامع الصغير: 1 / 505، المكتب الإسلامي.

(3) سلسلة الأحاديث الصحيحة: 4 / 324 - 325، حديث رقم ( 1743 )، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض.


أقوال في كثرة فضائله

1 -قال أحمد (1) و إسماعيل القاضي (2) والنسائي (3) وأبو علي النيسابوري (4) :

( لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر ممّا جاء في علي ) (5) .

____________________

(1) هو الإمام المحدِّث أحمد بن حنبل ( ت: 241 هـ )، صاحب المَذْهب.

(2) هو الإمام العلاّمة الحافظ شيخ الإسلام، أبو إسحاق، إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن محدّث البصرة حمّاد بن زيد بن درهم الأزدي، مولاهم البصري المالكي قاضي بغداد، وصاحب التصانيف، المتوفّى 282 هـ. انظر: ترجمته في ( سير أعلام النبلاء ): 13 / 393، مؤسّسة الرسالة.

(3) هو الحافظ الشهير أحمد بن شعيب النسائي ( ت: 303 هـ )، صاحب السنن.

(4) هو أبو علي الحسن بن علي بن زيد بن داود النيسابوري ( ت: 349 هـ )، قال عنه الذهبي: الحافظ الإمام العلاّمة الثبت...، انظر: ( سير أعلام النبلاء ): 16 / 51، مؤسّسة الرسالة.

(5) أُرسل هذا القول إرسال المسلّمات ( مع اختلاف قليل في اللفظ ) في كلمات جملة من الحفّاظ منهم:

- ابن عبد البر في ( الاستيعاب ): 3 / 1115، دار الجيل، لكنّه اقتصر على نسبة القول إلى الثلاثة ولم يذكر أبا علي النيسابوري.

- وابن حجر العسقلاني في ( فتح الباري ): 7 / 91، دار السلام.

- وابن حجر الهيتمي في ( الصواعق المحرقة ): 186، دار الكتب العلميّة.

وقد أفرد لفظاً لأحمد، وآخر للثلاثة، والمباركفوري في ( تحفة الأحوذي ): 10 / 44، دار الكتب العلميّة. واللفظ منقول من ( فتح الباري )، كما أخرج قول أحمد مسنداً - مع اختلاف قليل في اللفظ - جمعٌ كثير، منهم:

- الحاكم في ( المستدرك على الصحيحين ): 3 / 107، دار المعرفة.

- والثعلبي في تفسيره: ( الكشف والبيان ): 4 / 81، دار إحياء التراث العربي.

- والحاكم الحسكاني في ( شواهد التنزيل ): 1 / 18 - 19، الأحاديث: 7، 8، 9.

- وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ): 42/ 419، دار الفكر.

- وشمس الدين الجزري في ( أسنى المطالب في مناقب سيّدنا علي بن أبي طالب ): 47، وقد صرح في مقدّمة كتابه بصحّة كل ما جاء فيه.

- وأورد قوله أيضاً ابن الأثير في ( الكامل ): 3 / 339، دار الفكر، مرسِلاً إيّاه إرسال المسلّمات.

- والذهبي في ( تاريخ الإسلام ): =


2 -قال ابن أبي الحديد المعتزلي ( ت: 655هـ ) في ( شرح نهج البلاغة ):

( فأمّا فضائله ( عليه السلام )، فإنّها قد بلغت من العِظَم والجلالة والانتشار والاشتهار مَبْلَغاً يسمج معه التعرّض لذكرها، والتصدّي لتفصيله )، إلى أنْ قال:

( وما أقول في رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جَحْد مناقبه، ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنّه استولى بنو أميّة على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكلّ حيلة في إطفاء نوره، والتحريض عليه، ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعّدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمّن له فضيلة، أو يرفع له ذكراً، حتّى حظروا أنْ يسمّى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلاّ رفعة وسموّاً، وكان كالمسك كلّما سُتر انتشر عُرْفُه، وكلّما كُتم تضوع نشره، وكالشمس لا تُستر بالراح، وكضوء النهار إنْ حُجبت عنه عين واحدة، أدركتْه عيون كثيرة، وما أقول في رجل تُعزى إليه كلُّ فضيلة، وتنتهي إليه كلُّ فرقة، وتتجاذبه كلُّ طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها، وسابق مضمارها، ومجلى حلبتها، كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى ) (1) .

3 -قال السمهودي ( ت: 911 هـ ) في ( جواهر العِقدَين ):

( ومناقب علي - رضي الله عنه - جليلة، عظيمة، شهيرة، كثيرة، حتّى قال الإمام

____________________

= حوادث وفيات ( 11 - 40 هـ )، ص 638، دار الكتاب العربي، نقلاً بواسطة محمّد بن منصور الطوسي، ( الثقة عندهم ).

- كما أرسله ابن حجر إرسال المسلّمات في ( الإصابة ): 2 / 507، دار الفكر.

- كما نقل المَنَاوِي قول أحمد والنيسابوري كلاً على انفراد مرسِلاً إيّاهما إرسال المسلّمات في ( فتح القدير شرح الجامع الصغير ): 4 / 468، دار الكتب العلميّة.

(1) شرح نهج البلاغة: 1 / 17، دار الكتب العلمية. طبعة مصوّرة على طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.


أحمد بن حنبل ( رحمه الله ): ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ورضي الله عنهم من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ) (1) .

4 - قال ابن العماد الحنبلي ( ت: 1089 هـ ) في ( شذرات الذهب ):

( و مناقبه لا تُعد، من أكبرها: تزويج البتول، ومؤاخاة الرسول، ودخوله في المباهلة والكساء، وحمله - في أكثر الحروب - اللواء، وقول النبي أَمَا ترضى أنْ تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى، وغير ذلك ممّا يطول ذكره ويَعزّ حَصْره ) (2) .

5 - قال الحافظ أحمد بن الصدّيق المغربي ( ت: 1380 هـ ) في ( فَتْح المُلْك العَلِي ) :

( فإنّ الأحاديث الصحيحة الواردة بفضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) عديدة متكاثرة، وشهيرة متواترة، حتّى قال جمعُ من الحفّاظ: إنّه لم يَرِد من الفضائل لأحد من الصحابة بالأسانيد الصحيحة الجياد ما ورد لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ) (3) .

ومن هنا لا نجد حاجة لبسط كلمات علماء وأعلام أهل السنّة في فضله ومدحه والثناء عليه، وسنقتصر في هذا الفصل على ذكر جملة ممّا ورد في فضْله من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

____________________

(1) جواهر العقدين: 251، دار الكتب العلميّة.

(2) شذرات الذهب: 1 / 85، دار الكتب العلميّة.

(3) فتح الملك العلي بصحّة حديث باب مدينة العلم علي: ( مقدّمة الكتاب ).


فضائل علي في القرآن والسنّة النبويّة

المبحث الأوّل

من فضائل علي في القرآن الكريم

* الآية الأ ُ ولى: آية التطهير:

( إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .

وحيث إنّ الآية الكريمة صريحة في تكريم أهل البيت، وتمييزهم، وخصّهم بكرامة عالية ومنقبة جلية سامية، أَلاَ وهي إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم تطهيراً؛ لذا نقصر الكلام على بيان المراد من أهل البيت ( عليهم السلام ) في هذه الآية:

وقد دلّت الأخبار الصحيحة المتضافرة عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) على اختصاص أهل البيت بأصحاب الكساء وهم:

رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين.

وروى ذلك عدد كبير من الصحابة كـ:

ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعمر بن أبي سلمة، وواثلة بن الأسقع، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وسعد بن أبي وقّاص، وزيد بن أرقم، وأُمّ سلمة، وعائشة، وغيرهم. وإليك نماذج من الروايات في ذلك:

1 - أخرج مسلم في ( صحيحه ) بسنده إلى عائشة، قالت:

( خرج النبي صلّى الله عليه وسلّم غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء علي فأدخله، ثمّ قال: ( إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُم

____________________

(1) الأحزاب: 33.


تَطْهِيراً ) (1) .

2 - أخرج الترمذي في ( سننه ) بسنده إلى شهر بن حوشب عن أُمّ سلمة، قالت:

( إنّ النبي جلّل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساءً، ثمّ قال: ( اللّهم هؤلاء أهل بيتي وحامّتي (2) ، أذهِب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فقالت أُمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: إنّكِ إلى خير ) ).

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب (3) .

3 - أخرج أحمد في ( مسنده ) بسنده إلى شهر بن حوشب عن أمّ سلمة:

أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لفاطمة: ( ائتني بزوجك وابنَيك، فجاءتْ بهم، فألقى عليهم كساءً فدكيّاً، قال: ثمّ وضع يده عليهم ثمّ قال: اللّهم إنّ هؤلاء آل محمّدٍ، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمّدٍ وآل محمّدٍ إنّك حميد مجيد، قالت أُمّ سلمة: فرفعتُ الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال:

____________________

(1) صحيح مسلم: 7 / 130، باب فضائل أهل بيت النبي، دار الفكر. وأخرجه ابن أبي شيبة في ( المصنف ): 7 / 501، دار الفكر. والحاكم النيسابوري صحّحه في ( المستدرك على الصحيحين ): 3/147، دار المعرفة، وغيرهم.

(2) حامّة الإنسان: خاصّته، ومَن يقرب منه وهو الحميم أيضاً، ( النهاية في غريب الحديث ): 1 / 429.

(3) سنن الترمذي: 5 / 361، ما جاء في فضل فاطمة ( رضي الله عنها )، ط، دار الفكر.

وأخرجه أحمد في مسنده 18 / 272، حديث رقم: ( 26476 )، دار الحديث، القاهرة.

وحسّنه حمزة أحمد الزين محقّق الكتاب، حيث قال: ( إسناده حسن ).

كما أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده: 12 / 451، دار المأمون للتراث.

وأورده الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ): 3 / 283، في ترجمة الحسين الشهيد، مؤسّسة الرسالة، قائلا: ( إسناده جيّد، روي من وجوه عن شهر، وفي بعضها يقول: دخلتُ عليها أعزّيها على الحسين ).


إنّكِ على خير ) (1) .

4 - أخرج الترمذي في ( سننه ) بسنده إلى عطاء بن أبي رياح عن عمر بن أبي سلمة ( ربيب النبي صلّى الله عليه وسلّم )، قال:

لمّا نزلت هذه الآية على النبي صلّى الله عليه وسلمّ: ( إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) في بيت أُمّ سلمة، فدعا فاطمة وحسناً وحسيناً، فجلّلهم بكساء وعلي خلف ظهره، فجلّله بكساء، ثمّ قال: ( اللّهم هؤلاء أهل بيتي، فأذِهب عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً، قالت أُمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: أنتِ على مكانك وأنتِ إلى خير ) (2) .

قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) (3) .

5 - أخرج ابن عساكر الشافعي في ( الأربعين في مناقب أُمّهات المؤمنين ) بسنده إلى أبي سعيد الخدري عن أُمّ سلمة رضي الله عنها، قالت:

نزلت هذه

____________________

(1) مسند أحمد: 18 / 314، حديث رقم: ( 26625 )، دار الحديث، القاهرة.

وقد حسّن الحديث محقّق الكتاب حمزة أحمد الزين بقوله في الهامش: ( إسناده حسن ).

وأخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده: 12 / 344، حديث رقم: ( 6912 ).

وبسند آخر إلى شهر في: 12 / 456، حديث رقم: ( 7026 )، ط، دار المأمون للتراث.

والطبراني في ( المعجم الكبير ): 3 / 53، حديث رقم: ( 2664 )، ط، دار إحياء التراث العربي. وكذا في: 23 / 336.

وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ): 13 / 203، و14 / 141، ط، دار الفكر.

وأورده السيوطي في ( الدر المنثور ): 5 / 198، ط، الفتح، جدّة.

(2) سنن الترمذي: 5 / 328، كتاب تفسير القرآن، دار الفكر، بيروت.

(3) صحيح سنن الترمذي: 3 / 306، كتاب تفسير القرآن، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. وأخرجه ابن جرير الطبري في ( جامع البيان ): مجلد: 12، ج22، ص11، دار الفكر.

والطحاوي في ( مشكل الآثار ): 1 / 335، دار صادر.


الآية في بيتي ( إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، قلتُ يا رسول الله: ألستُ من أهل البيت؟ قال: إنّكِ إلى خير، إنّك من أزواج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قالت: وأهل البيت: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، رضي الله عنهم أجمعين.

قال ابن عساكر: (هذا حديث صحيح ) (1) .

6 - أخرج أحمد في ( مسنده ) بسنده إلى علي بن زيد عن أنس بن مالك:

أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يمرّ ببيت فاطمة ستّة أشهر إذا خرج إلى الفجر فيقول: ( الصلاة يا أهل البيت إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ) (2) .

إلى غير ذلك من الروايات الصحيحة الكثيرة الشهيرة في هذا الباب، والتي تُثبت بوضوح اختصاص أهل بيت النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بأربعة وهم: علي، وفاطمة، والحسن، والحسين؛ لذا قرأنا - في ما صحّ عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) - أنّه جذب الثوب من أمّ سلمة حين أرادت الدخول، وقال لها: إنّك على خير، أو منعها من الدخول معهم وقال لها: أنتِ على مكانك وأنتِ إلى خير.

كما عرفنا أنّه كان يمرّ ببيت

____________________

(1) الأربعين في مناقب أُمّهات المؤمنين: 106.

(2) مسند أحمد بن حنبل 11، 257، حديث رقم: ( 13663 ).

وأخرجه بسند آخر إلى علي بن زيد في: 11، 336، حديث رقم: ( 13973 )، دار الحديث، القاهرة.

وقد حسّن محقّق الكتاب حمزة أحمد الزين كلا الطريقَين قائلاً: ( إسناده حسن ) في تهميشه على كلٍّ منهما.

وأخرج الحديث الترمذي في سننه: 5، 31، كتاب تفسير القرآن، دار الفكر. قائلاً: ( هذا حديث حسن ).

وأخرجه الحاكم النيسابوري في ( المستدرك ): 3، 158، ذكر مناقب فاطمة، دار المعرفة، قائلاً: ( هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ).

وأقرّه الذهبي في التلخيص.


فاطمة - وهو بيت علي والحسنَين - مدّة ستّة أشهر ويقول: الصلاة يا أهل البيت، ثمّ يتلو الآية الكريمة، ولم نقرأ ولم نسمع أنّه مرّ ساعة واحدة على أحد بيوت أزواجه وفعل مثل ذلك، أَفَلَيْسَ ذلك من باب تعميق وتأكيد معنى ( أهل البيت ) في نفوس المسلمين، ثمّ إنّ نَفْس وضْع الكساء على هؤلاء الأربعة وقوله: اللّهم هؤلاء أهل بيتي فيه قرينة حاليّة واضحة على حصر أهل البيت في زمانه بهؤلاء الأربعة، وبهذا يندفع القول بأنّها شاملة لنساء النبي فضلاً عن القول باختصاصها بهنّ.

فإنّ عمدة ما يمكن أنْ يُستدلّ به على شمولها لنساء النبي هو:

سياق الآيات القرآنيّة المتحدّثة عن نساء النبي، صدْراً وعجْزاً، ممّا يدلّل على أنّ الآية ظاهرة في إرادة نساء النبي، وبضميمة الروايات الصحيحة تكون شاملة للأربعة المذكورين من أهل بيت النبي وغير مختصّة بهم.

* وفيه:

بعد التسليم بوحدة السياق، وعدم إبراز احتمال كون هذا المقطع ليس في سياق تلك الآية، حيث إنّ القرآن الموجود غير مرتّب على حسب النزول (1) ، أقول: بعد التسليم بوحدة السياق (2) ، فإنّ التمسّك به متوقّف على عدم وجود نص شرعي مبيّن له، وحيث إنّ النص موجود فالتمسّك بوحدة السياق ممنوع، إذ لا معنى مع بيان النبي وتصريحه مراراً، وتأكيده على أنّ

____________________

(1) وقد دلّت الروايات الصحيحة على أنّ آية: ( إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ. .. ) نزلت في بيت أمّ سلمة، وقد تقدّم ذكر بعض الروايات في ذلك، انظر : رواية رقم: (4)، ورواية رقم: (5)، وفيها ظهور بيّن على أنّ هذه الآية نزلتْ منفصلة عن بقيّة الآيات الواردة في نساء النبي.

(2) أي لو فرضنا أنّ آية التطهير نزلتْ في سياق واحد مع الآيات المتحدّثة عن نساء النبي.


المراد من أهل البيت هم الأربعة، لا معنى للتمسّك بوحدة السياق، فإنّ وحدة السياق تفيد ظهور الكلام في المعنى المراد، ومع تصريح النبي بخلافه ينتهي ذلك الظهور، خصوصاً مع منعه دخول أمّ سلمة في الكساء، قاطعاً بذلك السبيل على مَن أراد إدخال نسائه في الآية المذكورة.

وممّا يؤكّد على عدم دخول نساء النبي في الآية الكريمة هو:

عدم ادّعاء واحدة من نساء النبي تلك المزيّة والمنقبة، حتّى إنّ السيّدة عائشة في قتالها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لم تدّعِ ذلك، ولو كان لرفعته شعاراً في تجييشها الجيوش ونادتْ به وأقامتْ الدنيا وما أقعدتها.

هذا مضافاً لما روي عنها في الصحيح ما يدلّ على عدم شمولها بآية التطهير؛ فقد جاء في صحيح البخاري أنّ عائشة قالت: ( ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن، إلاّ أنّ الله أنزل عذري ) (1) ولو كانت مشمولة بآية التطهير، لكان ذكرها أولى من ذكر غيرها، مع أنّ لفظها في الرواية ظاهر في حصر الآيات النازلة فيها؛ أي أنّ الله لم يُنزل شيئاً في عائشة سوى الآية النازلة في براءتها ممّا رُمِيَتْ به (2) .

و بعد سقوط القول بشمول آية التطهير لنساء النبي يتّضح وهْن وضَعْف القول باختصاصها بهنّ، ولا بأس أنْ نشير إلى أنّ هذا القول نُسِب إلى ابن

____________________

(1) صحيح البخاري: 6، 42، دار الفكر.

(2) وتقصد من الآية النازلة في عذرها، قوله تعالى:

( إنَّ الَذينَ جاءُوا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شراً لَكُمْ بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ ما اكْتسَبَ مِنَ الإثْمِ والّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ، النور: 11.


عبّاس عن طريق عكرمة الخارجي، ونقل أنّ عكرمة كان يقول: ( مَن شاء باهلتُه، إنّها نزلتْ في أزواج النبي ) ، وروي عنه عند نزول الآية: ( ليس بالذي تذهبون إليه، إنّما هو نساء النبي ) (1) .

* وفيه:

أوّلاً: أنّه مخالف للصحيح الصريح المتظافر من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلّم )، في أنّ الآية مختصّة بأصحاب الكساء.

ثانياً: أنّها مخالفة لِمَا ثبت وصحّ عن ابن عبّاس نفسه في أنّ النبي أخذ ثوبه فوضعه على علي، وفاطمة، وحسن، وحسين، وقال: ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ) (2) .

____________________

(1) الدرّ المنثور للسيوطي: 5، 198، مطبعة الفتح، جدّة.

(2) أخرج الحاكم في مستدركه بسنده إلى عمرو بن ميمون قال:

إنّي جالس عند ابن عبّاس إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: يا ابن عبّاس، إمّا أنْ تقوم معنا، وإمّا أنْ تخلو بنا من بين هؤلاء.

قال فقال ابن عباس: بل ﺃنا ﺃقوم معكم، قال وهو يومئذٍ صحيح قبل ﺃنْ يعمى، قال: فابتدأوا فتحدّثوا فلا ندري ما قالوا.

قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول ﺃف وتف وقعوا في رجل له بضع عشرة فضائل ليست لأحد غيره، وقعوا في رجل قال له النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: ( لأبعثنّ رجلاً لا يخزيه الله ﺃبداً، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله ).

فاستشرف لها مستشرف فقال: ﺃين علي؟

فقالوا: إنّه في الرحى يطحن.

قال: وما كان ﺃحدهم ليطحن.

قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد ﺃنْ يبصر، قال فنفث في عينيه، ثمّ هزّ الراية ثلاثاً فأعطاها إيّاه، فجاء علي بصفيّة بنت حيي.

قال ابن عبّاس: ثمّ بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فلاناً بسورة التوبة، فبعث عليّاً خلفه فأخذها منه وقال: ( لا يذهب بها إلاّ رجل هو منّي وأنا منه ).

فقال ابن عبّاس: وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لبني عمّه: ( أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة؟

قال: وعلي جالس معهم فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله واقبل على رجل رجل منهم أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة فأبَوا، فقال لعلي: أنت وليِّي في الدنيا والآخرة ) =


ثالثاً: أنّ قول عكرمة قول شاذ ونادر، ولم يعبأ به أحد من المسلمين، بل إنّ إجماعهم على خلافه.

رابعاً: أنّ عكرمة متّهم بالكذب، مضافاً لكونه خارجيّاً (1) مبغِضَاً لعلي بن

____________________

= قال ابن عبّاس: وكان علي ﺃوّل مَن آمن من الناس بعد خديجة رضي الله عنها، قال: وأخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين وقال: ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً... ) .

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح الإسناد ).

وقال الذهبي في التلخيص: ( صحيح )، انظر: ( المستدرك على الصحيحين ): 3، 133 – 134، وبذيله ( تلخيص المستدرك ) للذهبي، دار المعرفة، بيروت.

وﺃخرج الحديث أحمد في ( مسنده ): 1، 331، دار صادر، بيروت.

وﺃورده الهيثمي في ( مجمع الزوائد ): 9، 119، دار الكتب العلميّة.

وقال: رواه أحمد، والطبراني في ( الكبير ) و ( الأوسط ) باختصار.

(1) قال مصعب الزبيري: كان عكرمة يرى رﺃي الخوارج.

وقال أبو خلف الخزار عن يحيى البكاء: سمعت ابن عمر يقول لنافع: اتقِ الله ويحك يا نافع، ولا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عبّاس.

وقال جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن ﺃبي زياد: دخلت على علي بن عبد الله بن عبّاس وعكرمة مقيّد على باب الحش، قال: قلتُ ما لهذا؟ قال: إنّه يكذب على أبي.

وقال هشام بن سعد عن عطاء الخراساني: قلتُ لسعيد بن المسيّب: إنّ عكرمة يزعم أنّ رسول الله تزوّج ميمونة وهو محرم، فقال: كذب مخبثان [ يعني الخبيث ].

و قال فطر بن خليفة: قلت لعطاء: إنّ عكرمة يقول: سبق الكتاب، المسح على الخفّين، فقال: كذب عكرمة سمعت ابن عبّاس يقول: امسح على الخفّين وإنْ خرجت من الخلاء.

وقال إسرائيل عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة: إنّه كره كراء الأرض، قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذب عكرمة، سمعت ابن عبّاس يقول: إنّ أمثل ما أنتم صانعون استيجار الأرض البيضاء سنة بسنة. =


أبي طالب ( عليه السلام )، وقد صحّ عن النبي قوله لعلي ( عليه السلام ) أنّه: ( لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق ) (1) ، فعكرمة منافق بنصّ قول النبي، فكيف يُعتمد عليه في بيان أمور الدين وما يتعلّق بشريعة سيّد المرسلين (2) .

خامساً: أنّ نفس قول عكرمة: ( مَن شاء باهلته )، أو ( ليس بالذي تذهبون ) ، فيه دلالة واضحة وصريحة على أنّ المسلمين كانوا يذهبون إلى خلاف رأيه.

وبهذا اتّضح أنّ الآية مختصّة بالخمسة أصحاب الكساء، وهم: نبيّنا محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، وعلي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء، والحسن، والحسين - عليهم جميعاً سلام الله ورضوانه - بحسب ما صحّ عن النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؛ ولذا نرى جمعاً من علماء أهل السنّة ذهبوا إلى هذا القول، منهم:

- القرطبي في كتابه ( المفهم )، حيث

____________________

= وقال وهيب بن خالد عن يحيى بن سعيد الأنصاري: كان كذّاباً.

وقال إبراهيم بن المنذر عن معن بن عيسى وغيره: كان مالك لا يرى عكرمة ثقة، ويأمر ﺃنْ لا يؤخذ عنه.

وقال الدوري عن ابن معين: كان مالك يكره عكرمة.

وقال الربيع عن الشافعي: ( وهو - يعني مالك بن ﺃنس - سيّء الرﺃي في عكرمة، قال: ( لا ﺃرى لأحد ﺃنْ يقبل حديثه )

( تجد هذه الأقوال في ( تهذيب التهذيب ): 5، 634 – 635، دار الفكر )

وترجمه الذهبي في ( ميزان الاعتدال ): وقال: (... وأمّا مسلم فتجنّبه وروى له قليلاً مقروناً بغيره، وأعرض عنه مالك وتحايده، إلاّ في حديث أو حديثَين )، وروى روايات في تضعيفه وأنّه كان يلعب النرد ويسمع الغناء ويرى رأي الخوارج ( ميزان الاعتدال ): 3، 93 - 97، دار الفكر، وبهذا يثبت أنّ عكرمة كان متّهماً بالكذب ولا حاجة لسرد مزيد كلمات.

(1) تجد الحديث بألفاظ مختلفة في مصادر عديدة منها: ( صحيح مسلم ): 1، 61، دار الفكر و ( مسند أحمد ): 1، 95، دار صادر، و ( سنن النسائي ): 8، 116 دار الفكر وغيرها.

(2) ومن المؤسف حقّاً ما نراه من علماء أخواننا من أهل السنّة في توثيقهم للخوارج والنواصب المبغضين لعلي بن أبي طالب، وهم منافقون بنصّ قول النبي المتقدم.


قال:

( وقراءة النبي صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية: ( إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) دليل على أنّ أهل البيت المعنيّين في الآية: هم المغطَّون بذلك المرط في ذلك الوقت ) (1) .

- ومنهم الطحاوي في ( مشكل الآثار ) (2) .

- ووافقه عليه قاضي القضاة أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي في كتابه ( المعتصر من المختصر من مشكل الآثار ) (3) ، وهو كتاب مختصر لـ ( المختصر من مشكل الآثار ) لمؤلّفه القاضي أبي الوليد بن رشد، ويظهر أنّ أبا الوليد وافق الطحاوي أيضاً؛ إذ لم نرَ من أبي المحاسن أي إشارة إلى الخلاف عند التعرّض لهذا المطلب، مع أنّه وعد في مقدّمة كتابه التنبيه إلى اختلافات أبي الوليد مع الطحاوي.

- ومنهم ابن عساكر الشافعي المتوفّى ( 620 هـ ) في كتابه ( الأربعين في مناقب أُمّهات المؤمنين ) (4)، وغيرهم.

* الآية الثانية: آية المباهلة:

( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (5) .

____________________

(1) المفهم لِمَا أُشكل من تلخيص كتاب مسلم: 6، 302 - 303، دار ابن كثير.

(2) انظر: ( مشكل الآثار ): 1، 336 - 337 - 338 - 339، دار صادر.

(3) انظر: ( المعتصر من المختصر من مشكل الآثار ): 2، 267، عالم الكتب.

(4) انظر: ( الأربعين في مناقب أُمّهات المؤمنين ): 106.

(5) آل عمران: 61.


سنصبّ البحث في هذه الآية مختصراً على ثلاثة أمور:

الأوّل: في بيان المراد من المباهلة، مع ذكر مختصر لحادثة المباهلة.

الثاني: في بيان المقصودِين من آية المباهلة.

الثالث: في بيان معطيات آية المباهلة.

* أمّا الأوّل:

فالمباهلة كما في ( لسان العرب ) هي: أنْ يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة الله على الظالم منّا...

والابتهال: الاجتهاد في الدعاء وإخلاصه لله عزّ وجل، وفي التنزيل العزيز: ( ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الكاذِبِينَ ) ، أي نخلص ويجتهد كلٌّ منّا في الدعاء، واللعن على الكاذب منّا (1) ؛ فالمراد بقوله: ( نَبْتَهِلْ ) في الآية هو أنْ نجتهد في الدعاء إلى الله تعالى في أنْ يجعل لعنته على الكاذبين.

و قد أمر الله سبحانه وتعالى نبيَّه في أنْ يباهل نصارى نجران، حيث كانوا يعاندون في قضيّة عيسى ( عليه السلام )، ويعتقدون بألوهيّته ويجادلون النبي في ذلك، ونقتصر في ذكر الحادثة على ما نقله الفخر الرازي في تفسيره، قال:

( رُوي أنّه ( عليه السلام ) لمّا أورد الدلائل على نصارى نجران، ثمّ إنّهم أصرّوا على جهلهم.

فقال ( عليه السلام ): ( إنّ الله أمرني إنْ لم تقبلوا الحجّة أنْ أُباهلكم ).

فقالوا: يا أبا القاسم، بل نرجع فننظر في أمرنا، ثمّ نأتيك، فلمّا رجعوا، قالوا للعاقب: وكان ذا رأيهم، يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمّداً نبيّ مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الحقّ في أمر صاحبكم،

____________________

(1) انظر: ( لسان العرب ): 11 / 72، دار إحياء التراث العربي.


والله، ما باهل قومٌ نبيّاً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لكان الاستئصال، فإنْ أبيتم إلاّ الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.

وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج وعليه مرط من شعر أسود، وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي رضي الله عنه خلفها، وهو يقول: ( إذا دعوت فأمِّنوا ).

فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أنْ يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.

ثمّ قالوا: يا أبا القاسم: رأينا أنْ لا نباهلك وأنْ نقرّك على دينك.

فقال صلوات الله عليه: ( فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين )، فأبوا.

فقال: ( فإنّي أناجزكم القتال ).

فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أنْ لا تغزونا ولا تردّنا عن ديننا على أنْ نؤدّي إليك في كلّ عام ألفي جلّة: ألفاً في صفر، وألفاً في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد.

فصالحهم على ذلك، وقال: ( والذي نفسي بيده، إنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله، حتّى الطير على رؤوس الشجر ولَمَا حال الحول على النصارى كلّهم حتّى يهلكوا ) ) (1) .

وروي أنّه ( عليه السلام ) لمّا جاء في المرط الأسود، فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله، ثمّ

____________________

(1) تفسير الفخر الرازي: مجلّد4، ج8، ص79 - 90، دار الفكر، وانظر: ( تفسير الثعلبي ): 3 / 85، دار إحياء التراث العربي، وقد أرسل الخبر إرسال المسلّمات.


جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله ثمّ فاطمة، ثمّ علي رضي الله عنهما ثمّ قال: ( إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) واعلم أنّ هذه الرواية كالمتّفق على صحّتها بين أهل التفسير والحديث ) (1) .

هذا ملخّص ما يُقال في الأمر الأوّل.

* الثاني: في بيان المقصودِين من آية المباهلة:

اتّضح من قصّة المباهلة أنّ المقصودِين من الآية هم الخمسة أصحاب الكساء الواردة فيهم آية التطهير وهم نبيّنا محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلّم )، والإمام علي ( عليه السلام )، والسيّدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وولداهما الإمامان الهمامان الحسن والحسين عليهما السلام السلام السلام.

و الأخبار في ذلك متواترة ومن ضمنها الصحيحة الصريحة في ذلك.

- قال الحاكم النيسابوري: ( وقد تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد الله بن عبّاس وغيره أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذ يوم المباهلة بيد علي وحسن وحسين وجعلوا فاطمة وراءهم، ثمّ قال: ( هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا فهلمّوا أنفسكم وأبناءكم ونساءكم، ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) (2) ).

- وذهب الجصّاص إلى عدم الخلاف في ذلك فقال في ( أحكام القرآن ): ( فنقل رواة السير - ونقلة الأثر لم يختلفوا فيه - أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ بيد الحسن والحسين وعلي وفاطمة - رضي الله عنهما - ثمّ دعا

____________________

(1) المصدر نفسه: مجلّد 4، ج8، ص90.

(2) معرفة علوم الحديث: 48، ط، دار الآفاق الجديدة.


النصارى الذين حاجّوه إلى المباهلة... ) (1) .

- هذا، وقد أخرج أحمد ومسلم والترمذي والحاكم وابن الأثير وابن حجر وغيرهم بسندهم إلى سعد بن أبي وقاص, قال: (... وأنزلت هذه الآية: ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وأَبْنَاءَكُمْ ونِسَاءَنا ونِسَاءَكُمْ وأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ) فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً, فقال: ( اللّهم هؤلاء أهلي ) ) (2) .

- وقال القرطبي في تفسيره لهذه الآية عند بلوغه كلمة ( أَبْنَاءَنَا ) : ( ( أَبْنَاءَنَا ) دليل على أنّ أبناء البنات يُسمَّون أبناء؛ وذلك أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء بالحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفهما وهو يقول لهم: ( إنْ أنا دعوت فأمّنوا. .. ) (3) فهو إذن أرسل الخبر إرسال المسلّمات.

- و أخرج ابن مردويه بسنده إلى الشعبي عن جابر بن عبد الله, قال: ( قدم على النبي العاقب والطيّب فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أنْ يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثمّ أرسل إليهما فأبيا أنْ يجيبا، وأقرّا له بالخراج. قال: فقال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ( والذي بعثني بالحقّ لو قال: لا، لأمطر عليهم الوادي ناراً ). قال

____________________

(1) أحكام القرآن: 2 / 18، دار الكتب العلميّة.

(2) انظر: ( صحيح مسلم ): 7 / 120، دار الفكر. و ( مسند أحمد ): 1 / 85، دار صادر. و ( سنن الترمذي ): 4/ 293، دار الفكر، وقال عنه: ( هذا حديث حسن غريب صحيح ). و ( مستدرك الحاكم ): 3 / 150، دار المعرفة، وصحّحه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. و ( أُسد الغابة ) لابن الأثير: 4 / 114، دار إحياء التراث العربي. و ( الإصابة ) لابن حجر: 4 / 468، دار الكتب العلميّة، واللفظ للأخير.

(3) تفسير القرطبي المسمّى ( الجامع لأحكام القرآن ): 4 / 104، دار الكتاب العربي.


جابر: وفيهم نزلت ( تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وأَبْنَاءَكُمْ ونِسَاءَنا ونِسَاءَكُمْ وأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ) قال جابر: ( وأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ) رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعلي بن أبي طالب، و ( أَبْنَاءَنَا ) الحسن والحسن، و ( ونِسَاءَنا ) فاطمة ) (1) .

إذن, فلا كلام في أنّ المقصودِين من الآية هم: نبيّنا محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، والإمام علي ( عليه السلام )، والسيّدة فاطمة الزهراء، والحسن والحسين ( عليهم السلام )، كما اتّضح أنّ المراد من الأبناء هم الحسن والحسين؛ إذ لم يأت النبي بغيرهم فهم أبناء رسول الله بنصّ هذه الآية.

قال الفخر الرازي في تفسيره: ( هذه الآية دالة على أنّ الحسن والحسين عليهما السلام السلام السلام كانا ابني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعد أنْ يدعو أبناءه فدعا الحسن والحسين، فوجب أنْ يكونا ابنيه... ) (2) .

كما أنّ المراد من النساء هي فاطمة الزهراء عليها السلام؛ إذ لم يأت النبي بغيرها مع أنّه كان تحته عدّة زوجات، كما أنّ النفس المرادة هي نفس علي بن أبي طالب؛ إذ لم يدع النبي غير هؤلاء، وتفسيرها منحصر فيهم ولا يحتمل التأويل، وقد تقدّمت رواية جابر المصرِّحة بذلك، كما نلاحظ أنّ الفخر الرازي يصّر في تفسيره بأنّ المراد من النفس هي نفس علي بن أبي طالب (3) . ولهذا

____________________

(1) تفسير ابن كثير: 1 / 350، دار الجيل. وأخرجه الواحدي في ( أسباب النزول ): 90، دار الكتاب العربي.

(2) تفسير الفخر الرازي: مجلّد4، ج8، ص90، دار الفكر. ونبّه القرطبي في تفسيره إلى أنْ تسميه أولاد البنت بالأولاد إنّما ذلك مختصٌّ بالحسن والحسين عليهما السلام السلام السلام، انظر: ( تفسر القرطبي ): 4/105، دار الكتاب العربي.

(3) تفسير الفخر الرازي: مجلد4، ج8، ص91، دار الفكر.


المعنى أشار علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في احتجاجه على القوم يوم الشورى، فقد أخرج الدارقطني: أنّ عليّاً يوم الشورى احتجّ على أهلها، فقال لهم: ( أنشدكم بالله هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الرحم منّي، ومَن جعله صلّى الله عليه وسلّم نفسه وأبناءَه أبناءَه، ونساءَه نساءَه غيري )، قالوا اللّهم لا، الحديث (1) .

* الثالث: في بيان معطيات آية المباهلة:

لا يرتاب أحد ولا يشكّ ذو لبّ بأنّ الآية تعطي منقبة عليَّة ومزيّة جليّة للأربعة من أصحاب الكساء ( عليهم السلام )، فهم صفوة الصفوة ولباب اللباب والخيرة الخيّرة من عامّة المسلمين بعد النبي محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

اختارهم الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من بين أمّته - بأمر من الله - ليباهل بهم الكفر والنفاق وليثبّت بهم الحقّ الحقاق.

دعاهم لقضيّة هي من أهمّ القضايا، ولأمرٍ غاية في الخطورة، ولمسألة يهتزّ لها الكون، إنّها إثبات أحقِّيَّة الإسلام، الدعاء والابتهال من أجل إظهار الحقّ وخذلان معانديه.

فمَن - يا ترى - الذي سيُظهر الحقّ بدعائه وعلى يديه؟ ومَن سيقف في الخندق الأوّل ويدعو ويبتهل لإبقاء راية الإسلام خفّاقة مرفرفة فوق الجميع؟

لا ريب أنّ الرسول سيختار صفوة الأمّة وخيرتها، سيختار قلوباً تتفتّح أبواب السموات بدعائها، سيختار أنفساً طاهرة لا تعرف في داخلها شيئاً

____________________

(1) الصواعق المحرقة: 239، دار الكتب العلميّة.


سوى الله، فكانت صفوة الأولاد متمثّلة بأولاد النبي محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، الحسن والحسين، ولو كان مَن هو بمقامهما لدعاه معهما، وكانت صفوة النساء متمثّلة بفاطمة الزهراء، ولو كانت هناك مَن تماثلها لدعاها، مع أنّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان تحته عدّة زيجات، وكانت نفس النبي المتّصفة بصفاته هي نفس علي ( عليه السلام )؛ فدعاه، ولو كان له مماثل لدعاه أيضاً، هكذا أمر الله، وهكذا امتثل رسولُه.

صورة جليّة، ومقام كبير شامخ، ووصيّة أوصاها الرسول لأمّته، هي النخبة التي ضمّها في الكساء، هي النخبة التي باهل بها!! سبحان الله! طفلان، يحتضن الرسول أحدهما ويمسك بيد الآخر، امرأة تسير خلفهما، قطب الرحى وحلقة الوصل بين النبوّة والإمامة، ورجل من خلفها يمثّل الخلافة السامية بعد النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ). بهذه الكيفيّة خرج الرسول مباهِلاً، منظر اهتزّت له السموات والأرض وانذعر منه النصارى وارتعدتْ مفاصلهم، وكادوا يهلكون؛ فرفضوا المباهلة وصالحوا، ولو باهلوا لَمَا بقي لهم ذكر إلى يوم القيامة.

فضيلة لا تدانيها فضيلة، ومنزلة يعجز القلم عن وصفها وبيانها، لا ينكرها إلاّ مكابر ومعاند؛ لذا أقرّ بها المؤالف والمخالف، وهذا الزمخشري يعدّها دليلاً لا شيء أقوى منه على فضيلتهم فيقول في تفسيره: ( وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء ( عليهم السلام ) ) (1) .

و في الآية المباركة دلالة واضحة على عظم مقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام )، فهو نفس الرسول الكريم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بنصّ هذه الآية، وحيث لا

____________________

(1) تفسير الكشّاف: 1، 370.


يمكن أنْ يكون هو النفس حقيقةً لمحمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فتعيّن أنْ يكون أقرب المجاز إلى الحقيقة، يعني المماثلة في الصفات والمقامات الثابتة للنبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عدا ما ثبت اختصاصه به صلّى الله عليه وآله، كالنبوّة وأفضليّته على الخلق بما فيهم علي ( عليه السلام )، وما شابه ذلك من مختصّاته، وتبقى صفات النبي الأخرى ثابتة لعلي ( عليه السلام ) بنصّ هذه الآية كالعصمة، والأفضليّة على الصحابة أجمع، والخلافة والولاية بعد النبي وغير ذلك.

* الآية الثالثة: آية المودّة:

( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرَاً إِلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى ) (1) .

يقع الكلام في هذه الآية على أمرين:

الأوّل: في دلالتها.

الثاني: في المراد من القربى.

* الأمر الأوّل:

دلّت الآية المباركة على وجوب مودّة ومحبّة قرابة النبي وعترته، وعلى ذلك إجماع الشيعة الإمامية؛ استناداً إلى الروايات المتظافرة عن أهل بيت العصمة والطهارة، ووافقهم على ذلك جملة من علماء وأعلام أهل السنّة (2) .

- قال الثعلبي في تفسيره: ( وقال بعضهم: معناه إلاّ أنْ تودّوا قرابتي وعترتي

____________________

(1) الشورى: 23.

(2) ينبغي الالتفات إلى أنّ وجوب مودّة آل البيت هي ضرورة إسلاميّة متّفق عليها بين المسلمين بكلّ طوائفهم، لكنّ الخلاف هل أنّ هذه الآية أحد الأدلّة على ذلك أم لا؟ فأجمعت الشيعة على أنّها أحد أدلّة ذلك، ووافقهم جملةٌ من علماء أهل السنّة عليه.


وتحفظوني فيهم، وهو قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب ) (1) ، إلى أنْ قال في آخر بحثه عن الآية: ( والدليل على صحّة مذهبنا فيه ما أخبرنا... )، وأخرج حديثاً بسنده إلى جرير بن عبد الله البجلي، قال: ( قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( مَن مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، أَلاَ ومَن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له، أَلاَ ومَن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً، أَلاَ ومَن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، أَلاَ ومَن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير، أَلاَ ومَن مات على حبّ آل محمّد جعل الله زوّار قبره ملائكة الرحمان، أَلاَ ومَن مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان من الجنّة، أَلاَ ومَن مات على بغض آلِ محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله، أَلاَ ومَن مات على بغض آل محمّد مات كافراً، أَلاَ ومَن مات على بغض آل محمّد لم يشم رائحة الجنّة ) ) (2) .

و هذا الحديث أورده الثعلبي كدليل على صحّة رأيه في الآية، ممّا يدل على أنّه معتمد عليه عنده.

كما أنّ الزمخشري قد أرسل هذه الرواية إرسال المسلّمات في تفسيره ونقل الرواية بقوله: (قال رسول الله... )، ممّا يدلّ على اعتقاده وجزمه بصحّة ما نقله عن الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) (3) .

____________________

(1) تفسير الثعلبي: 8، 310، دار إحياء التراث.

(2) تفسير الثعلبي: 8، 314، دار إحياء التراث.

(3) انظر: ( تفسير الكشّاف ) للزمخشري: 4، 220، ونقله عنه القرطبي في تفسيره ( الجامع لأحكام القرآن ): 16 / 22، دار الكتاب العربي.


- وقال الفخر الرازي في المسألة الثالثة من مسائله حول هذه الآية: ( آل محمّد هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكلّ مَن كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شكّ أنّ فاطمة وعليّاً والحسن والحسين كان التعلّق بينهم وبين رسول الله أشدّ التعلّقات وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أنْ يكونوا هم الآل، وأيضاً اختلف الناس في الآل فقيل هم الأقارب وقيل هم أمّته، فإنْ حملناه على الأمّة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل، فثبت أنّ على جميع التقديرات هم الآل، وأمّا غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل؟ فمختلف فيه (1) .

- وروى صاحب الكشّاف: ( أنّه لمّا نزلت هذه الآية قيل يا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَن قرابتك هؤلاء الذين وجبتْ علينا مودّتهم؟

فقال: ( علي وفاطمة وابناهما )، فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإذا ثبت هذا وجب أنْ يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم، ويدلّ عليه وجوه:

( الأوّل ): قوله تعالى: ( إِلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى ) ، ووجه الاستدلال به ما سبق.

( الثاني ): لا شكّ أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يحبّ فاطمة عليها السلام، قال صلّى الله عليه وسلّم: ( فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما يؤذيها )، وثبت بالنقل المتواتر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يحبّ عليّاً والحسن والحسين، وإذا ثبت ذلك وجب على كلّ الأمّة مثله؛ لقوله: ( واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ، ولقوله تعالى: ( فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه ِ ) ، ولقوله: ( إنْ

____________________

(1) وسيأتي منّا في الأمر الثاني حول هذه الآية بيان معنى الآل فانتظر.


كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) ، ولقوله سبحانه وتعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهَ أُسْوَةٌ حَسَنةٌ ) .

(الثالث): إنّ الدعاء للآل منصب عظيم؛ ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة وهو قوله: اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد وارحم محمّداً وآل محمّد، وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل، فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حبّ آل محمّد واجب.

وقال الشافعي رضي الله عنه:

يا راكِباً قِف بِالمُحَصَّبِ مِن مِنىً

وَاِهتِف بِساكِنِ خَيفِها وَالناهِضِ

سَحَراً إِذا فاضَ الحَجيجُ إِلى مِنىً

فَيضاً كَما نظم الفُراتِ الفائِضِ

إِنْ كانَ رَفضاً حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ

فَليَشهَدِ الثَقَلانِ أَنّي رافِضي ) (1) .

- وقال الشيخ أحمد الرفاعي الشافعي (2) في ( البرهان المؤيّد ): ( و نوّروا كلّ قلب من قلوبكم بمحبّة آله الكرام ( عليهم السلام )، فهم أنوار الوجود اللامعة، وشموس السعود الطالعة. قال تعالى: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرَاً إِلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى ) .

وقال (3) ( الله الله في أهل بيتي ).

____________________

(1) تفسير الفخر الرازي: مجلد14، ج27، ص167، دار الفكر.

(2) قال ابن العماد الحنبلي في ( شذرات الذهب ) عند ذكره لحوادث وفيات ( 578 هـ ): ( وفيها توفّي الشيخ الزاهد القدوة أبو العبّاس أحمد بن علي بن أحمد بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة، الشيخ الكبير الرفاعي البطائحي... كان شافعي المذهب، فقيه ).

وقال عنه اليافعي في ( مرآة الزمان ) في حوادث سنة ( 578 ): (... شيخ الشيوخ الذي ملأتْ شهرته المشارق والمغارب، تاج العارفين وإمام المعرفين، ذي الأنوار الزاهرة والكرامات الباهرة، والمقامات العليّة والأحوال السَنية، والبركات العامّة والفضائل الشهيرة بين الخاصّة والعامّة، أحمد بن أبي الحسن الرفاعي... ).

(3) يعني الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله.


مَنْ أراد الله به خيراً ألزمه وصيّة نبيّه في آله، فأحبّهم واعتنى بشأنهم وعظّمهم وحماهم وصان حماهم، وكان لهم مراعياً ولحقوق رسوله فيهم راعياً، المرء مع مَن أحبَّ، ومَن أحبَّ اللهَ أحبَّ رسولَ الله، ومَن أحبَّ رسولَ الله أحبَّ آلَ رسول الله، ومَن أحبَّهم كان معهم وهم مع أبيهم، قدَّموهم عليكم ولا تقْدِموهم، وأعينوهم وأكرموهم يعود خير ذلك عليكم ) (1) .

- و قال الشيخ حسن بن علي السقاف في ( صحيح شرح العقيدة الطحاوية ): ( محبّة آل بيت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فريضة عقائديّة من الله تعالى على كلّ مسلم ومؤمن، والدليل عليها من القرآن قوله تعالى: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرَاً إِلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى ) . وأشار في هامشة على هذه الآية إلى قضيّة حسّاسة جدّاً وهي إدخاله عدداً كبيراً من علماء أهل السنّة في دائرة النصب والبغض لآل البيت (عليهم السلام ) فقال: (و قد زعم النواصب أعداء النبي وآل بيته الأطهار أنّ المراد بلفظ ( القربى ) هو الطاعة التي هي بمعنى ( القربة ) ليحرْفوا الناس عن فَهْم القرآن باللغة التي أنزله الله تعالى به، بقصد صرف الناس عن محبّة آل البيت!! فلا تغفل عن هذا! ) (2) .

أقول: والسقاف من علماء أهل السنّة، فلا تغفل عن هذا!

* الأمر الثاني: في المراد من القربى:

عُلِم ممّا سبق أنّ دلالة الآية على وجوب محبّة آل محمّد عليها إجماع الشيعة الإماميّة، وبه قال سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب وجملة من علماء

____________________

(1) البرهان المؤيّد: 1 / 25، نشر دار الكتاب النفيس، بيروت.

(2) صحيح شرح العقيدة الطحاوية: 653، دار الإمام النووي، الأردن.


أهل السنّة، بل إنّ السقاف يرى أنّ مَن يقول بغير ذلك فهو مبغض معادٍ لآل البيت، ويرى أنّ اللغة التي نزلتْ بها الآية صريحة في المطلوب.

بقي الكلام في تشخيص المراد من آل البيت ( عليه السلام )، وما يهمّنا في المقام هو التشخيص الشرعي لهذه الكلمة، سواء كان موافقاً للمعنى اللغوي أمْ أخصّ منه، والمتابِع للروايات الشريفة يلحظ بجلاء أنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) استعمل لفظ الآل والأهل والعترة في معنى واحد وهم محمّد وآله الكرام المخصوصون، فنلاحظ - مثلاً - يوصي بالثقلين ويقول: ( إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لنْ تضلّوا بعدي. .. كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ) (1)، فالعترة هنا هم أهل بيت النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، وتقدّم فيما سبق أنّ المراد من أهل البيت هم: محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وعرفنا أنّ هؤلاء اختصّت بهم آية التطهير، وهم الذين خرجوا لمباهلة نصارى نجران، وسيأتي من بعض علماء أهل السنّة التصريح بأنّ المراد من العترة في حديث الثقلين هم الخمسة أصحاب الكساء.

وكما دلّت الروايات على أنّ أهل البيت هم عترة النبي كذا دلّت على أنّهم آله الكرام، فقد تقدّم في ضمن أحاديث الكساء:

- ما أخرجه أحمد بن حنبل بسنده إلى شهر بن حوشب عن أمّ سلمة: ( أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لفاطمة: ( ائتني بزوجك وابنَيك، فجاءت بهم فألقى عليهم كساء فدكيّاً، قال: ثمّ وضع يده عليهم ثمّ قال: اللّهم إنّ هؤلاء آل محمّد فاجعل صلواتك

____________________

(1) سيأتي فيما بعد التحدّث عن حديث الثقلين بنوع من التفصيل.


وبركاتك على محمّد وعلى آل محمّد إنّك حميد مجيد، قالت أمّ سلمة: فرفعتُ الكساء لأدخل معهم فجذبه مِن يدي وقال: إنّك على خير ) ) (1) فالحديث دالّ بالصراحة على أنّ أصحاب الكساء هم آل محمّد، وهم محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين.

- وقد صرّح الحاكم النيسابوري في المستدرك : بأنّ الآل وأهل البيت هم واحد، فقد أخرج بسنده إلى عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال: ( لقيني كعب بن عجرة فقال: أَلاَ أهدي لك هديّة سمعتها من النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

قلت: بلى.

قال: فأهدها إليّ.

قال: سألْنا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت.

قال فقولوا: ( اللّهم صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللّهم بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد ) ) (2) .

فالسؤال كان عن كيفيّة الصلاة عليكم أهل البيت ووقع الجواب: قولوا: اللّهم صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد...، فالسؤال عن الأهل والجواب بلفظ الآل؛ ولذا فإنّ الحاكم تنبّه لهذا المضمون، فأخرج هذا الحديث في مستدركه مع أنّه موجود في صحيح البخاري، فعلّق ليرفع اللبس عن القارئ، قائلاً: وقد روى هذا الحديث بإسناده وألفاظه حرفاً بعد حرف الإمامُ محمّد بن إسماعيل البخاري عن موسى بن إسماعيل في الجامع الصحيح، وإنّما أخرجتُه ليعلم المستفيد أنّ أهل البيت والآل جميعاً هم (3) .

____________________

(1) مسند أحمد: 18 / 314، حديث رقم: (26625)، دار الحديث، القاهرة.

(2) مستدرك الحاكم: 3 / 148، دار المعرفة، وانظر: ( صحيح البخاري ): 4 / 118، دار الفكر.

(3) مستدرك الحاكم: 3 / 148، دار المعرفة.


فتلخّص أنّ الآل والأهل والعترة عناوين لمصداق واحد، وهم: علي وفاطمة والحسن والحسين، وعرفنا أنّ الآية دلّت على وجوب محبّة آل البيت، فيتعيّن حينئذ أنّ القربى في الآية هم الأربعة الذين ضمّهم النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) معه في الكساء.

ولعمري! لو أنصف كلُّ باحث في بحثه، لعرف بلا أدنى شكّ أنّ هؤلاء الأربعة لهم عناية ربّانية خاصّة، ومقام إلهي منقطع النظير، ولا يشكّ المتأمّل - خصوصاً عند ضمّ الآيات والروايات إلى بعضها البعض - بأنّ هؤلاء هم المحور الذي أراد الرسول من المسلمين أنْ يلتفوا حوله، ويستلهموا من نهجه، وأنّ النجاة وطريق السعادة الإلهيّة لا تحصل إلاّ بمحبّتهم، والتمسّك بمنهجهم، والسير وِفق طريقتهم، فماذا يعني نزول آية التطهير المساوقة للعصمة في حقّهم؟ وماذا يعني الخروج بهم لمباهلة الكفّار، مع وجود الصحابة والأزواج؟ وماذا يعني وجوب محبّتهم؟ وماذا يعني وجوب الصلاة عليهم؟ بل وماذا يعني وجوب التمسّك بهم الوارد في حديث الثقلين، وغيرها الكثير الكثير من الآيات والروايات التي تفضي إلى نتيجة قطعيّة بوجوب اتّباعهم ( عليهم السلام ).

إذن، تلخّص أنّ الآية دلّت على وجوب مودّة ومحبّة قربى النبي، وهم آل بيته الأربعة أصحاب الكساء، وعلى هذا المعنى دلّت روايات خاصّة أيضاً:

- فقد أخرج أحمد والطبراني وغيرهما، بسندهم إلى ابن عبّاس، قال: ( لمّا نزلت ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرَاً إِلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى ) قالوا: يا رسول الله، مَن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟

قال: ( علي وفاطمة وابناهما


رضي الله عنهم ) (1) .

كما أورد الرواية محمّد بن طلحة الشافعي (2) وصحّحها في كتابه ( مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ) (3) .

وأوردها أحمد بن عبد الله الطبري في كتابه ( ذخائر العقبى ) وجعلها دليلاً على أنّ المراد من الآية هم: علي وفاطمة وولداهما (4) .

وأوردها ابن حجر الهيتمي في ( صواعقه ) وعقّب عليها في معرض مناقشته للسند قائلاً: ( وفي سنده شيعي غالٍ لكنّه صدوق ) (5) ، فهو يعترف باعتبار الرواية من جهته؛ لأنّه صدوق.

إذن، فالرواية معتبرة عند بعض علماء أهل السنّة ولا غبار عليها.

- ومن جملة الروايات الخاصّة أيضا ً ما ورد صحيحاً عن رابع أصحاب الكساء السبط الشهيد الحسن بن علي ( عليه السلام )، فقد أخرج الطبراني بسنده إلى أبي الطفيل خطبة الإمام الحسن بعد شهادة أبيه علي بن أبي طالب ( عليه السلام )، من جملتها: ( ثمّ أخذ في كتاب الله فقال: أنا ابن البشير، وأنا ابن النذير، وأنا ابن النبي، وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا ابن الذي أُرسل

____________________

(1) فضائل الصحابة: 2 / 669، مؤسّسة الرسالة، وجاءت الرواية بلفظ: ( مَن قرابتنا هؤلاء. .. )، والمعجم الكبير: 11 / 351، دار إحياء التراث.

(2) قال عنه السبكي في ( طبقات الشافعيّة الكبرى ): تفقّه وبَرَع في المذهب... وكان من صدور الناس، انظر: الطبقات: 8، 63.

(3) مطالب السؤول: 1 / 38.

(4) انظر: ( ذخائر العقبى ): 25، عن نسخة دار الكتب المصريّة.

(5) الصواعق المحرِقة: 259، دار الكتب العلميّة.


رحمةً للعالمين، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله عزّ وجل مودّتهم وولايتهم، فقال فيما أنزل الله على محمّد صلّى الله عليه وسلّم: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرَاً إِلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى ) ) (1) .

وأورد الحديث الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) وعلّق عليه قائلاً: ( رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار... وأبو يعلى باختصار، والبزّار بنحوه... ورواه أحمد باختصار كثير وإسناد أحمد وبعض طرق البزار والطبراني في الكبير حِسان ) (2) .

وأورده ابن حجر الهيتمي في صواعقه، وقال: ( وأخرج البزّار والطبراني عن الحسن رضي الله عنه من طرق بعضها حسن ) (3) .

فالرواية إذن، معتبرة. ولو لم تكن آية المودّة مختصّة بالأربعة من أصحاب الكساء، وكانت شاملة للكثير من غيرهم، لَمَا كان هناك أيّ مبرّر لأنْ يفتخر بها الإمام الحسن ( عليهم السلام ).

- ومن الشواهد على اختصاص الآية بالأربعة ما أخرجه الحاكم وحسّنه بسنده إلى أبي هريرة قال: ( نظر النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إلى علي وفاطمة و الحسن والحسين فقال: ( أنا حربٌ لِمَنْ حاربكم، وَسِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَكُم ) ).

____________________

(1) المعجم الأوسط: 2 / 337، دار الحَرَمَين، القاهرة.

(2) مجمع الزوائد: 9 / 146، دار الكتب العلميّة، بيروت.

(3) الصواعق المحرِقة: 259، دار الكتب العلميّة.


قال الحاكم: ( هذا حديث حسن )، وأقرّه الذهبي في التلخيص (1) .

- و ذكر الحاكم حديثاً يشهد بصحّة ما تقدم فقال: وله شاهد عن زيد بن أرقم، وسلسل السند إلى زيد عن النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنّه قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: ( أنا حرب لمَن حاربتم، وسلم لمن سالمتم )، ونقله الذهبي في التلخيص بعنوان شاهد أيضاً (2) .

فالرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) خصّ هؤلاء الأربعة، وجعل حربهم حرباً لنفسه الطاهرة وهي حرب للإسلام، والسِلْم معهم سِلْماً مع نفسه الشريفة ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وهي سِلْم للإسلام، وسيأتي التعرّض للحديث لاحقاً إنْ شاء الله.

كما يؤيّد ما ذهبنا إليه كلُّ الروايات الواردة في محبّة علي وفاطمة والحسن والحسين، وهي كثيرة شهيرة، وسيأتي التعرّض لبعضها في المباحث القادمة إنْ شاء الله تعالى.

* الآية الرابعة: آية الولاية: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) .

تُعدّ هذه الآية أحد أدلّة الشيعة الإماميّة على أنّ الخلافة بعد النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )

____________________

(1) المستدرك على الصحيحَين: 3 / 149، دار المعرفة، وبهامشه تلخيص الذهبي، وأخرج هذا الحديث أحمد في ( مسنده ): 2 / 442، دار صادر، وابن أبي شيبة في ( مصنّفه ) عن طريق زيد: 7 / 512، دار الفكر، وابن حبّان كذلك في ( صحيحه): 15 / 434، مؤسّسة الرسالة، والطبراني في (المعجم الكبير) بكلا الطريقَين: 3 / 40، دار إحياء التراث، نشر مكتبة ابن تيمية، وغيرهم.

(2) المستدرك على الصحيحَين: 3 / 149، دار المعرفة وبهامشه تلخيص الذهبي.


تكون لعلي بن أبي طالب، ورواياتهم متواترة بأنّ الآية الشريفة نزلتْ حينما تصدّق أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بخاتمه على السائل، وهو في أثناء الصلاة وفي حال الركوع، لكن وطبقاً لمنهجنا في هذا الكتاب، وهو الالتزام في الاستدلال بما ورد في كتب أهل السنّة وصحّ عندهم؛ لذا لابدّ من النظر إلى سبب نزول هذه الآية عندهم، ثمّ بعد ذلك نبيّن دلالتها على خلافة علي ( عليه السلام )، فالكلام يقع في أمرين:

الأول: في سبب نزول هذه الآية.

الثاني: في دلالتها على الخلافة.

* أمّا الأوّل:

فقد دلّت أقوال بعض الصحابة، والتابعين والعلماء، من أهل التفسير والحديث، على أنّ الآية نزلت في علي ( عليه السلام ) في تلك القضيّة الخاصّة وعلى ذلك الروايات المستفيضة أيضاً.

- قال الثعلبي في تفسير ( الكشف والبيان ): ( قال ابن عبّاس، وقال السدي، وعتبة بن حكيم، وثابت بن عبد الله: إنّما يعني بقوله: ( وَالذِينَ آمَنُوا الذِينَ يُق ِ يمُونَ الصّ َ لاةَ ) الآية، علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه )، مرّ به سائل، وهو راكع في المسجد وأعطاه خاتمه ) (1) .

- و قال ابن الجوزي في ( زاد المسير ) بعد أنْ ذكر القول الأوّل في المسألة وهو أنّ الآية نزلت في علي بن أبي طالب، وذكر إحدى الروايات الدالّة على ذلك، قال: ( و به قال مقاتل، وقال مجاهد: نزلت في علي بن أبي طالب

____________________

(1) تفسير الثعلبي: 4 / 80، تفسير آية: 50، من سورة المائدة.


تصدّق وهو راكع ) (1) .

فاتّضح من قول الثعلبي وابن الجوزي أنّ ابن عبّاس، والسدّي، وعتبة بن حكيم، وثابت بن عبد الله، ومقاتل، ومجاهد، كلّهم يقولون بأنّ الآية نزلت في علي ( عليه السلام )، وإلى هذا القول ذهب بعض العلماء أيضاً:

- قال أبو جعفر الإسكافي (2) ( ت: 240 هـ ) في ( المعيار والموازنة ): ( و فيه نزلت: ( إنّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالذِينَ آمَنُوا الذِينَ يُق ِ يمُونَ الصّ َ لاةَ ويُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، تصديقاً لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه )، إذ قرن الله ولايته بولاية رسوله ) (3) .

كما نلاحظ أنّ الزمخشري لم يُفصح عن سبب نزول الآية، ممّا ينبئ عن حيرته في المسألة؛ لذا نسب ذلك إلى ( القِيل )، فقال في تفسيره ( الكشّاف ): ( و قيل... وأنّها نزلت في عليّ كرّم الله وجهه حين سأله سائل، وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه كأنّه كان مرجاً (4) ، في خنصره، فلم يتكلّف لخلعه كثير عمل تفسد بمثله صلاته )، ثمّ أجاب عن إشكالٍ حاصله: كيف تكون الآية نازلة في علي وهو مفرد مع أنّ الآية جاءت بلفظ الجمع؟

فقال: ( فإنْ قلتَ:

____________________

(1) زاد المسير: 2 / 292، دار الفكر، بيروت.

(2) قال عنه الذهبي: ( و هو العلامة أبو جعفر محمّد بن عبدالله السمرقندي ثم الإسكافي المتكلم وكان أعجوبة في الذكاء، وسعة المعرفة مع الدين والتصون والنزاهة ). انظر: ( سير أعلام النبلاء ): 10 / 550، مؤسّسة الرسالة.

(3) المعيار والموازنة: 228.

(4) كأنّه كان مرجاً: أي قلقاً غير ثابت.


كيف صحّ أنْ يكون لعلي رضي الله عنه واللفظ لفظ جماعة؟ قلتُ: جيء به على لفظ الجمع وإنْ كان السبب فيه رجلاً واحداً؛ ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبّه على أنّ سجيّة المؤمنين يجب أنْ تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان وتفقّد الفقراء، حتّى إنْ لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة لم يؤخّروه إلى الفراغ منها (1) ). وهذا يكشف عن أنّ القول عند الزمخشري له وجه وجيه وأنّ هكذا إشكال لا يَرِدُ عليه.

- وقال الجصّاص في ( أحكام القرآن ): ( و قوله تعالى ( ويُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) يدلّ على أنّ صدقة التطوّع تسمّى زكاة؛ لأنّ عليّاً تصدّق بخاتمه تطوّعاً... ) (2) .

- وقال الآلوسي في تفسيره: (وغالب الإخباريّين على أنّها نزلت في عليّ كرّم الله وجهه... ) (3) . وقال في موضع آخر: ( والآية عند معظم المحدّثين نزلت في عليّ كرّم الله وجهه... ) (4) .

والروايات متظافرة مستفيضة، نذكر للقارئ طرفاً منها:

- فقد أخرج الخطيب في المتّفق عن ابن عبّاس قال: ( تصدّق عليٌّ بخاتمه وهو راكع، فقال النبي للسائل: ( مَن أعطاك هذا الخاتم؟ )

قال: ذاك الراكع، فأنزل

____________________

(1) تفسير الكشّاف: 1 / 649، تفسير الآية: 55، من سورة المائدة.

(2) أحكام القرآن: 2 / 558، دار الكتب العلميّة.

(3) تفسير روح المعاني: 6 / 167، دار إحياء التراث العربي.

(4) المصدر نفسه: 6 / 186.


الله ( إنّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) ) (1) .

- وأخرج الحاكم بسنده إلى علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) قال: ( نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ( إنّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالذِينَ آمَنُوا الذِينَ يُق ِ يمُونَ الصّ َ لاةَ ويُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودخل المسجد والناس يصلّون بين راكع وقائم، فصلّى فإذا سائل، قال: يا سائل أعطاك أحدٌ شيئاً؟ فقال: لا، إلاّ هذا الراكع ( لعلي ) أعطاني خاتماً ) (2) .

- وأخرج ابن مردويه بسنده إلى ابن عبّاس قال: ( كان علي بن أبي طالب قائماً يصلّي، فمرّ سائل وهو راكع فأعطاه خاتمه فنزلت ( إنّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية ) (3) .

- وأخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى سلمة بن كهيل، قال: ( تصدّق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت ( إنّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ ) الآية ) (4) .

و الروايات مستفيضة كما قلنا، والملاحظ أنّ ابن حجر العسقلاني في تخريجه لروايات تفسير ( الكشّاف للزمخشري ) أخرج رواية ابن أبي حاتم، وابن مردويه والحاكم، ولم يقدح في سندهما، مع أنّه أخرج غيرهما وقدح في سنده، ممّا يدلّ على قبوله بما ذكر (5) .

____________________

(1) الدر المنثور للسيوطي: 3 /104، دار الفكر.

(2) معرفة علوم الحديث: 102، دار الآفاق الجديدة.

(3) تفسير ابن كثير: 2 / 74، دار المعرفة.

(4) الدر المنثور للسيوطي: 3 / 105، دار الفكر.

(5) تفسير الكشّاف: 1 / 649، الحاشية.


ومهما يكن من أمر؛ فإنّ خبر تصدّق علي بالخاتم في أثناء الركوع له طرق متعدّدة يعضد بعضها بعضاً؛ ولذا فإنّ السيوطي في ( لباب النقول ) بعد أنْ ذكر عدّة طرق للرواية، قال: ( فهذه شواهد يقوّي بعضها بعض ) (1) .

فالحادثة - إذن - ثابتة والآية نازلة في علي بن أبي طالب ( عليه السلام ).

و في ذلك أنشأ حسّان بن ثابت قائلاً:

أبا حسنٍ تفديك نفسي ومُهجتي

وكلُّ بطيء في الهدى ومُسارِعِ

أَيَذْهَبٌ مَدحي والمحبر ضائعاً

وما المدح في جنب الإله بضائعِ

وأنتَ الذي أعطيتَ إذْ كنتَ راكِعاً

زكاة فدتك النفس يا خيرَ راكعِ

فأنزل فيكَ الله خيرَ ولايةٍ

فبيَّنها في نيّرات الشرائعِ (2)

* الأمر الثاني: في دلالتها على الخلافة:

دلّت الآية الكريمة على حصر الولاية في ثلاثة وهم: الله، ورسوله، والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، وهو علي بن أبي طالب ( عليه السلام )، وتقدّم الجواب من قبل الزمخشري كيف أنّ المراد واحد واللفظ القرآني جاء بصيغة الجمع، وهناك أجوبة أخرى تعرّض لها العلماء، ليس غرضنا بحثها والتعرّض لها، بل فقط أحببنا التنويه إلى أنّ هذا الإشكال غير وارد.

فلابدّ أنْ نصبّ الكلام على معنى كلمة ( وليّكم ) الواردة في الآية، وعند النظر في القرائن المحيطة بالآية يتّضح أنّ المراد من الولي هنا هو: مَنْ له حقّ

____________________

(1) لباب النقول: 81، دار الكتب العلمية.

(2) انظر: ( شواهد التنزيل ) للحاكم الحسكاني: 1، 236، و( نظم درر السمطين ): 88.


التصرّف في شؤون الأمّة الإسلاميّة، من قبيل ما جاء في حقّ الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. .. ) [ الأحزاب: 6 ]، فهذه الأولويّة الثابتة لرسول الله، ثابتة لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بموجب هذه الآية الكريمة، ولا يمكن حمْلها على النصرة، أي أنّ المراد: أنّ النصرة محصورة بموجب أداة الحصر ( إنَّمَا ) بالله والرسول وعلي ( عليه السلام )؛ لأنّ النصرة عامّة ومطلوبة من كلّ المؤمنين، كما جاء في الذكر الحكيم: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ... ) [ التوبة: 71 ].

مضافاً إلى أنّ ذيل الآية لا ينسجم مع تفسير كلمة ( وَلِيُّكُم ) بـ ( ناصركم )؛ لأنّ النصرة مطلوبة على كلّ حال ولا يمكن أنْ تكون متّصفة بحال الركوع، سواء فسّرناه بالركوع الحقيقي أو المجازي وهو الخشوع؛ لأنّ المؤمن ناصر لأخيه المؤمن، سواء في حال الركوع أَم غيره، فتكون هذه الإضافة لغواً، ولا قيمة لها وحاشا لله ذلك فلابدّ - إذن - أنْ نحمل الولاية على ولاية الأمر والتصرّف، ويكون ذيل الآية مبيِّناً لصفات ذلك الولي، وتلك الصفات - كما اتّضح ومرّ - لا تنطبق إلاّ على عليّ ( عليه السلام )، فيتعيّن أنّ المراد من الولاية هي ولاية الأمر وهي الإمامة والخلافة، ويكون وليّ الأمر والإمام الشرعي بموجب ما تقدّم هو علي بن أبي طالب، وأداة الحصر دالّة على نفي مَن يكون خليفة في عرضه، وحتّى لا يطول بنا المقام فإنّا نقف عند هذا الحد من ذكْر الآيات القرآنيّة الشاملة لعلي أو المختصّة به؛ إذْ ليس غرضنا استيفاء ذلك، ولا إثبات الإمامة، بل كما عرفت - قارئي الكريم - إنّ هدف الكتاب يصبّ في ذكْر جملة من كلمات علماء وأعلام أهل السنّة في أئمّة أهل البيت، ولكثرة ما ورد في فضائل علي والحسنَين، اقتصرنا في الفصلَين الأوّل والثاني على ذكْر


نُبَذٍ من فضائلهم، سواء من القرآن أَمْ السنّة الشريفة.

لذا نتوقّف عن ذكْر بقيّة الآيات، كآية البلاغ والإكمال وغيرهما، ونحيل مَن شاء المراجعة والتفصيل إلى الكتب المختصّة في ذلك، مثل: ( دلائل الصدق ) للمظفّر، و ( عبقات الأنوار ) للنقوي، و ( الغدير ) للأميني، وغيرها، وننقل الكلام الآن إلى السنّة الشريفة، ونضع بين يدي القارئ جملة من الروايات الواردة في فضل علي بن أبي طالب ( عليه السلام )، مشمولاً بها مع غيره أو مختصّاً بها، ومنه تعالى نستمدّ العون والتسديد.

المبحث الثاني

فضائل علي ( عليه السلام ) في السنّة النبويّة الشريفة

ولا يخفى ما ورد في علي (عليه السلام) من كثرة الأخبار المشيدة بفضله، والآمرة بالتمسّك به، والسَيْر وِفق نهجه. نذكر في بحثنا طرفاً يسيراً من ذلك نبتدئه بذكر الأحاديث العامّة الشاملة له، ثمّ نذكر الأحاديث الواردة في خصوصه ( عليه السلام ).

أ - الأحاديث العامّة

* الحديث الأوّل: حديث الثقلَين:

من الأحاديث المشهورة المعروفة الواردة في حقّ أهل البيت هو حديث الثقلين، وهو حديث متّفق على صحّته بين الفريقَين، بل هو متواتر عند الشيعة الإماميّة وله طرق عدّة عند أهل السنّة، وصحّح الحديث كبار علمائهم، وحيث إنّ الحديث متفاوت في بعض ألفاظه؛ لذا سنذكر للقارئ أكثر من صيغة له، ثمّ ننتقل للبحث عن دلالاته ومعطياته.


1 - صيغ حديث الثقلين:

الصيغة الأ ُ ولى:

ما أخرجه مسلم في ( صحيحه ) في باب فضائل علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بسنده إلى زيد بن أرقم قال: ( قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوماً فينا خطيباً بماءٍ يدْعى خمّاً بين مكّة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكّر. ثمّ قال:

( أمّا بعد، أَلاَ أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشَك أنْ يأتي رسول ربّي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ) فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثمّ قال:

( وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي )... ) (1) .

الصيغة الثانية:

أخرج الترمذي بسنده إلى أبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم، قالا: ( قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

( إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهم ) ) (2) .

وصحّحه السيّد حسن السقاف في صحيح شرح العقيدة الطحاويّة (3) .

وكذا الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير (4) .

____________________

(1) صحيح مسلم: 4 / 1873، دار الفكر، باب فضائل علي بن أبي طالب.

(2) سنن الترمذي: 5 / 329، دار الفكر.

(3) صحيح شرح العقيدة الطحاويّة: 654، دار الإمام النووي.

(4) صحيح الجامع الصغير: 1 / 482، المكتب الإسلامي.


الصيغة الثالثة:

أخرج أحمد بسنده إلى زيد بن ثابت قال: ( قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

( إنّي تارك فيكم خليفتَين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ).

قال حمزة أحمد الزين في تحقيقه على ( المسند ): ( إسناده حسن ) (1).

وأورده الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) وقال عنه: ( رواه أحمد وإسناده جيّد ) (2) .

وقال عنه الشيخ الألباني: ( صحيح ) (3) .

الصيغة الرابعة:

أخرج الطبراني في ( المعجم الكبير )، بسنده إلى زيد بن ثابت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:

( إنّي تركتُ فيكم خليفتَين: كتاب الله وأهل بيتي، وأنّهما لم يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ) (4) .

وأورده الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) وقال: ( رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات ) (5) .

وقد أخرجه أحمد في ( مسنده ) بلفظ يقرب من ذلك، وبسنده إلى زيد بن ثابت أيضاً، قال: ( قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

( إنّي تارك فيكم

____________________

(1) مسند أحمد: 16 / 28، دار الحديث القاهرة. والحديث في (5 / 182) من طبعة دار صادر.

(2) مجمع الزوائد: 9 / 162، دار الكتب العلميّة.

(3) صحيح الجامع الصغير للألباني: 1 / 482، المكتب الإسلامي.

(4) المعجم الكبير: 5 / 153، دار إحياء التراث العربي. والناشر مكتبة ابن تيمية، القاهرة.

(5) مجمع الزوائد: 1 / 170، دار الكتب العلميّة.


خليفتَين: كتاب الله وأهل بيتي، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض جميع ).

وقال عنه المحقّق حمزة أحمد الزين: ( إسناده حسن ) (1) .

الصيغة الخامسة:

أخرج النسائي في ( السنن الكبرى ) بسنده إلى زيد بن أرقم قال: ( لمّا رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن حجّة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات (2) فقممن (3)، ثمّ قال:

( كأنّي قد دُعيت فأجبتُ، إنّي قد تركتُ فيكم الثقلَين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض، ثمّ قال: إنّ الله مولاي وأنا وليّ كلّ مؤمن، ثمّ أخذ بيد علي فقال: مَن كنتُ وليّه فهذا وليّه، اللّهم والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه ). فقلت لزيد (4) : سمعتُه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال: ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينيه وسمعه بأذنيه ) (5) .

وقد أخرج هذا الحديث الحاكم النيسابوري في المستدرك وقال: ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخَين ولم يخرجاه بطوله ) (6) .

ورواه ابن كثير في ( البداية والنهاية ) عن ( السنن ) وقال: ( قال شيخنا أبو

____________________

(1) مسند أحمد: 16 / 50، دار الحديث القاهرة، والحديث في (5 / 190) من طبعة دار صادر.

(2) الدوحات: جمع دوحة وهي الشجرة العظيمة.

(3) قممن: كنِسْنَ.

(4) القائل هو أبو الطفيل.

(5) السنن الكبرى: 5 / 46، دار الكتب العلميّة.

(6) المستدرك على الصحيحين: 3 / 109، في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، دار المعرفة.


عبد الله الذهبي وهذا حديث صحيح ) (1) .

الصيغة السادسة:

ما أورده الحافظ أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري، عن مسند إسحاق بن راهويه، بسنده إلى علي بن أبي طالب ( عليه السلام ):

( أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم حضر الشجرة بخمٍّ. ثمّ خرج آخذاً بيد علي فقال: ألستُم تشهدون أنّ الله ربّكم؟ قال (2) : بلى، قال: ألستُم تشهدون أنّ الله ورسوله أولى بكم من أنفسكم, وأنّ الله ورسوله مولاكم؟ قالوا: بلى، قال: فمَن كان الله ورسولُه مولاه فإنّ هذا مولاه، وقد تركتُ فيكم ما إنْ أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله سببه بيده وسببه بأيديكم وأهل بيتي ).

قال البوصيري (840 هـ) بعد ذكره للحديث: ( رواه إسحاق بسند صحيح... ) (3)، كما أورده ابن حجر في ( المطالب العالية ) وقال: ( هذا إسناد صحيح ) (4)، كما أورده السخاوي مقتصراً على الشطر الأخير منه في ( استجلاب ارتقاء الغرف )، وقد علّق المحقّق عليه قائلاً: ( إسناده صحيح ) (5) .

وقال الألباني: ( ورجاله ثقات غير يزيد بن كثير فلم أعرفه )، ثمّ تنبّه إلى أنّ هذا تحريف من الطبّاع، وأنّ الصحيح هو كثير بن زيد، خصوصاً أنّ ابن أبي

____________________

(1) البداية والنهاية: 5 / 228، مؤسّسة التاريخ العربي.

(2) كذا في المطبوع، ولعل الصحيح ( قالوا ).

(3) إتحاف الخيرة المهرة: 9 / 279, برقم: (8974)، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى 1419هـ - 1998م.

(4) المطالب العالية: 4/65، حديث رقم: (3972)، دار المعرفة.

(5) استجلاب ارتقاء الغرف، بتحقيق خالد بن أحمد الصمي: 1 / 357، دار البشائر الإسلاميّة.


عاصم في كتابه ( السنّة ) ذكر الرواية وفي طريقها كثير بن زيد وليس يزيد بن كثير (1) .

وقال الألباني في تحقيقه على كتاب ( السنّة ): ( وفي كثير بن زيد كلام لا ينحط به حديثه عن مرتبة الحسن ) (2) .

فتكون الرواية حسنة بطريقها هذا عند الألباني.

وقال الحاكم في تعليقه على رواية فيها كثير بن زيد وأبو عبد الله القراظ: ( كثير بن زيد وأبو عبد الله القراظ مدنيّان، لا نعرفهما إلاّ بالصدق وهذا حديث صحيح ) (3)، ووافقه الذهبي.

وعلّق الشيخ الألباني على كلام الحاكم وموافقة الذهبي قائلاً: ( قلت: بل هو إسناد حسن... وكثير بن زيد قال الحافظ: صدوق يخطئ، قال الذهبي: صدوق فيه لين ) (4) .

فالحديث صحيح بلفظه، هذا عند كبار الحفّاظ ولا أقل من كونه حسناً كما هو عند الألباني، وهو صالح للاحتجاج به على كلّ حال.

وهناك صيغ أخرى، وطرق كثيرة للحديث نغمض عن ذكرها، توخّياً للاختصار. وقد عرفتَ أنّ الطرق التي مرّت بعضها صحيح، وبعضها جيّد

____________________

(1) انظر: ( سلسلة الأحاديث الصحيحة ): 4 / 357، في تعليقه على حديث رقم: (1761)، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.

(2) السنة: 345، المكتب الإسلامي, بيروت، بتحقيق الألباني.

(3) المستدرك على الصحيحين: 1 / 217، دار المعرفة.

(4) سلسلة الأحاديث الصحيحة: 3 / 285، في تعليقه على حديث: 1296. مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض.


وبعضها حسن، وهي صالحة للاحتجاج بحدّ ذاتها، لكن يمكن القول، بل هو المتعيّن أنّ حديث الثقلَين حديث متواتر عند أهل السنّة لا حاجة معه لذكر الأسانيد وتصحيحها. قال الشيخ أبو المنذر سامي بن أنور المصري الشافعي: ( فحديث العترة بعد ثبوته من أكثر من ثلاثين طريقاً وعن سبعة من صحابة سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله ورضي الله عنهم، وصحّته التي لا مجال للشكّ فيها يمكننا أنْ نقول أنّه بلغ حدّ التواتر... ) (1) . والصحابة السبعة الذين ذكر الحديث صاحب الزهرة العطرة من طريقهم هم:

1 - زيد بن أرقم رضي الله عنه.

2 - زيد بن ثابت رضي الله عنه.

3 - أبو سعيد الخدري رضي الله عنه.

4 - علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

5 - أبو ذر رضي الله عنه.

6 - حذيفة بن أسيد رضي الله عنه.

7 - جابر بن عبد الله رضي الله عنه (2) .

فطرق الحديث - إذن - ثلاثون على القول أنّ رواة الحديث من الصحابة هم سبعة فقط، ومع ذلك قال صاحب الزهرة بالتواتر، فما بالك لو زاد عددهم على العشرين فكم يصل عدد طرق الحديث وكيف لا نجزم بتواتره؟! فإنّ صاحب الزهرة لم يجزم بانحصار الرواية في السبعة، بل ذكر ذلك بحسب

____________________

(1) الزهرة العطرة في حديث العترة: 69 - 70، دار الفقيه، القاهرة.

(2) المصدر نفسه: 44.


تتبّعه الشخصي، وأشار إلى ذلك بقوله: (... وذلك على حدّ علمنا ) (1) .

وقد صرّح غير واحد بأنّ عدد الصحابة فاق العشرين صحابيّاً. قال السمهودي في ( جواهر العقدَين ): ( وفي الباب عن زيادة على عشرين من الصحابة رضوان الله عليهم ) (2) .

وقال ابن حجر الهيتمي في ( الصواعق المحرقة ): ( ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيّاً... ) (3) .

فتكون طرق الحديث متعدّدة جدّاً، ونجزم معها بتواتر الحديث. والحديث المتواتر لا يُبحث عن رجاله، بل يجب العمل به من غير بحث كما هو معلوم عند أهل هذا الفن (4) .

2 - دلالات ومعطيات حديث الثقلين:

الدلالة الأولى:

دلالته على إمامة أهل البيت ووجوب التمسّك بهم والأخذ عنهم.

وهذه الدلالة جليّة للعيان لا تحتاج إلى مزيد بيان؛ فألفاظ الحديث صريحة في ذلك، فانظر قوله: ( إنّي تركتُ فيكم خليفتَين ... ) فهو صريح في أنّ العترة خلفاء الرسول، وانظر قوله: ( وقد تركتُ فيكم ما إنْ أخذتم به لنْ تضلّوا. .. ) وقوله: ( إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ... )، فالأخذ

____________________

(1) المصدر نفسه: 67.

(2) جواهر العقدين: 234، دار الكتب العلميّة.

(3) الصواعق المحرقة: 342، دار الكتب العلميّة.

(4) انظر مثلاً: ( أصول الحديث ) للدكتور محمّد عجاج الخطيب: 197، الباب الرابع، دار الفكر.


والتمسّك بالعترة منجٍ من الضلال والهلكة، وموجب للهداية الحقّة.

وصرّح بهذه الدلالة جمع من علماء أهل السنّة:

- قال الملاّ علي القاري: ( والمراد بالأخذ بهم التمسّك بمحبّتهم، ومحافظة حرمتهم، والعمل بروايتهم، والاعتماد على مقالتهم... ) (1) .

- ونقل الملاّ عن بعضهم قال: ( ومعنى التمسّك بالعترة محبّتهم، والاهتداء بهدْيهم وسيرتهم ) (2) .

- وقال المناوي في تعليقه على الحديث بعد فقرة ( حتّى يَرِدَا عليَّ الحوض ) : ( أي الكوثر يوم القيامة، زاد في رواية، كهاتَين - وأشار بإصبعيه - وفي هذا مع قوله أوّلاً إنّي تارك فيكم، تلويح بل تصريح بأنّهما كتوأمين، خلّفهما ووصّى أمّته بحسن معاملتهما, وإيثار حقّهما على أنفسهما، والاستمساك بهما في الدين ) (3) .

- وقال السيّد حسن السقاف العالِم السنّي المعاصر: ( والمراد بالأخذ بآل البيت والتمسّك بهم هو محبّتهم، والمحافظة على حرمتهم، والتأدّب معهم، والاهتداء بهدْيهم وسيرتهم، والعمل برواياتهم والاعتماد على رأيهم ومقالتهم، واجتهادهم وتقديمهم في ذلك على غيرهم ) (4) .

وممّا يؤكّد دلالته على الإمامة أيضاً اقترانه في بعض طرقه الصحيحة

____________________

(1) مرقاة المفاتيح: 9 / 3974، باب مناقب أهل بيت النبي، الفصل الثاني، دار الفكر.

(2) المصدر نفسه: 9 / 3974.

(3) فيض القدير شرح الجامع الصغير: 3 / 20، دار الكتب العلمية.

(4) صحيح شرح العقيدة الطحاوية: 653، دار الإمام النووي، الأردن.


بسياق واحد مع حديث الغدير المعروف ( مَن كنتُ مولاه فهذا علي مولاه )، فهو يعطي دلالة واضحة على أنّ المراد من الحديثَين أمر واحد، وهو خلافة أهل البيت، وأوّلهم من بعد النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) سيّد العترة علي بن أبي طالب ( عليه السلام ).

وفي لفظ الثقلين الوارد في الحديث إشارة واضحة إلى إمامة أهل البيت أيضاً, وذلك يظهر بسهولة لكل مَن تأمّل في كلمات علماء أهل السنّة في ذلك:

- قال ابن الأثير في ( النهاية ): ( سمّاهما ثقلين: لأنّ الأخْذ بهما والعمل بهما ثقيل، ويُقال لكلّ خطير نفيس: ثَقَل، فسمّاهما ثقلين إعظاماً لقدرهما وتفخيماً لشأنهم ) (1) .

- قال النووي في ( شرح صحيح مسلم ): ( قال العلماء: سُمِّيا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما، وقيل: لثقل العمل بهم ) (2) .

- وقال جلال الدين السيوطي في ديباجته ما يقرب من القول المتقدّم (3) .

- وقال الزمخشري في ( الفايق في غريب الحديث ): ( الثَقَل: المتاع المحمول على الدابة، وإنّما قيل للجن والأنس: الثقلان؛ لأنّهما قُطّانُ الأرض فكأنّهما أثقلاها، وقد شبّه بهما الكتاب والعترة في أنّ الدين يُستصلَحُ بهما ويعمّر كما عمرت الدنيا بالثقلين ) (4) .

____________________

(1) النهاية في غريب الحديث: 1 / 216، المكتبة الإسلاميّة.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي: 15 / 180، دار الكتاب العربي.

(3) الديباج على مسلم: 5 / 390، دار ابن عفّان، المملكة العربيّة السعوديّة.

(4) الفايق في غريب الحديث: 1 / 150، دار الكتب العلميّة.


إلى غير ذلك من الكلمات (1) التي تفيد أنّ التمسّك بالعترة أمر عظيم ثقيل، وأنّ شأنها كبير، وبها يُستصلَح الدين، أفهل يرتاب بعد هذا ذو لبٍّ في دلالة حديث الثقلين على الإمامة ووجوب التمسّك بأهل البيت؟!

الدلالة الثانية:

دلالته على عصمة أهل البيت ( عليهم السلام ): وتوضيح ذلك ببيانَين:

الأوّل:

إنّ النبي أمرنا بالتمسّك المطلق بأهل البيت، فلا بدّ أنْ تكون كلّ أعمالهم وأقوالهم مطابقة للشريعة المقدّسة؛ حتّى يكون التمسّك بهم منجياً من الضلال، وإلاّ لو كانوا يخطئون، لَمَا أمرنا النبي بالتمسّك المطلق بهم، ولهذا أشار العلاّمة القاري في ( المرقاة )، فقال: ( في إطلاقه [ أي عدم تقييد التمسّك بهم في أمر دون آخر ] إشعار بأنّ مَن يكون من عترته في الحقيقة لا يكون هَدْيُهُ وسيرته إلاّ مطابقاً للشريعة والطريقة ) (2) .

الثاني:

إنّ النبي قرنهم بالقرآن الكريم، وأوضح بأنّهما لن يفترقا، والقرآن معصوم من كلّ خطأ وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، فالذي يكون مع القرآن بحيث لا يفترق عنه أبداً لا بدّ أنْ يكون معصوماً من كل خطأ ومخالفة للشريعة، وإلاّ كان مفارقاً للقرآن، ويؤيّد ذلك ما رواه الحاكم في ( المستدرك ) وتبعه الذهبي في ( التلخيص ) من قول

____________________

(1) انظر مثلاً: ( مرقاة المفاتيح ): 9 / 3976، باب مناقب أهل بيت النبي، الفصل الأوّل، دار الفكر، و ( لسان العرب ): 11 / 88، دار إحياء التراث.

(2) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: 9 / 3974، باب مناقب أهل بيت النبي، الفصل الثاني، دار الفكر.


النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( علي مع القرآن والقرآن مع علي، لنْ يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض )، والحديث صحيح كما صرّحا بذلك (1) .

الدلالة الثالثة:

دلالته على وجود إمام من أهل البيت في كلّ عصر وزمان.

ويدلّ على ذلك قول النبي: ( لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض )، ومقتضى عدم الافتراق هو وجود إمام من أهل البيت في كلّ عصر يجب على الناس اتّباعه، كما أنّ القرآن موجود في كلّ زمان إلى يوم القيامة. وقد صرّح بعض علماء أهل السنّة بذلك:

- قال السمهودي: ( إنّ ذلك يُفهم وجود مَن يكون أهلاً للتمسّك به من أهل البيت والعترة الطاهرة، في كلّ زمان وُجدوا فيه إلى قيام الساعة حتى يتوجّه الحث المذكور إلى التمسّك به، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا - كما سيأتي - أماناً لأهل الأرض، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض ) (2) . ونقل ذلك المنّاوي مُقِرّاً له عليه (3) .

- وقال ابن حجر الهيتمي: ( وفي أحاديث الحثّ على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك؛ ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض - كما يأتي - ويشهد لذلك الخبر السابق: في كلّ خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ) (4) .

____________________

(1) انظر: ( المستدرك على الصحيحَين ) وبهامشه تلخيص الذهبي: 3 / 124، دار المعرفة.

(2) جواهر العقدَين: 244، دار الكتب العلميّة.

(3) فيض القدير شرح الجامع الصغير: 3 / 19، دار الكتب العلميّة.

(4) الصواعق المحرقة: 232، دار الكتب العلميّة.


ومِن هنا يتوجّه السؤال إلى الأخوة من أهل السنّة: مَنْ هو إمام المسلمين من أهل البيت الذي يجب التمسّك به في زماننا هذا؟ بل مَن هم أئمّة أهل البيت الذين يجب التمسّك بهم من وفاة الرسول وإلى يومنا، فإنّه في كلّ عصر وزمان لا بدّ أنْ يوجد واحد من أهل البيت صالح للتمسّك به؟

الشيعة الإماميّة عندهم الجواب واضح وصريح، وهو أنّ الائمّة من أهل البيت اثنا عشر إماماً، أوّلهم علي بن أبي طالب، ثمّ ولده الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ محمّد الباقر بن علي، ثمّ جعفر الصادق بن محمّد، ثمّ موسى الكاظم بن جعفر، ثمّ عليّ الرضا بن موسى، ثمّ محمّد الجواد بن علي، ثمّ عليّ الهادي بن محمّد، ثمّ الحسن العسكري بن علي، ثمّ محمّد بن الحسن المهدي المنتظر الموعود الغائب عن الأنظار، وهو إمام العصر والزمان.

هذا جوابنا فأين جوابكم؟ ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) .

ولحديث الثقلين دلالات ومعطيات أخرى كدلالته على أعلميّة أهل البيت على غيرهم؛ إذ أُمر غيرهم باتّباعهم، ولم يأمرهم باتّباع الغير، ودلالته على أفضليّتهم، وغير ذلك ممّا يفيده هذا الحديث الغني بالمعطيات، ولِمَنْ أراد الاطلاع على حديث الثقلَين وما حواه من كنوز، عليه بمراجعة الكتب المختصّة بذلك من قبيل: ( خلاصة عبقات الأنوار )، الجزء الثاني، تلخيص السيّد علي الميلاني، وغيرها.

وقبل أنْ نختم الكلام عن هذا الحديث نحاول أنْ نبيّن - مختصراً - المراد من العترة التي يجب التمسّك بها في الحديث الشريف في المبحث التالي:


مَن هم أهل البيت الذين أمرنا باتّباعهم؟

* اتّضح ممّا سبق أنّ لحديث الثقلين دلالات عديدة:

منها: دلالته على أنّ أهل البيت هم خلفاء النبي والأئمّة من بعده الذين ينجو المتمسّك بهم من الضلال.

ومنها: عصمتهم من الخطأ والزلل.

ومنها: أعلميّتهم على سائر من سواهم...

لذا، لا يمكن لأحد القول بأنّ أهل البيت هم كلّ مَن انتسب إلى النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؛ لأنّه من المقطوع والمجزوم به أنّ كثيراً ممّن انتسب إليه لا تتوفّر فيهم تلك الشروط والصفات المعيّنة.

وكذا لا يمكن القول بأنّ منهم نساء النبي؛ لأنّه عُلِم بعدم عصمتهنّ أوّلاً، ولأنّ منهن مَن قاتل علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهي السيّدة عائشة، فكيف يمكن أنْ تكون مأموراً باتباعها، والتمسّك بها، وهي قاتلتْ عليّاً، وهو - بلا كلام - داخل ضمن أهل البيت، بل هو سيّد العترة، أفهل يأمر النبي باتّباع المتقاتلين معاً؟!

وكذا الكلام يَرِدُ على الصحابة:

فمنهم مَن خالف الرسول وعصاه.

ومنهم مَن فرَّ من الزحف في أُحُد.

ومنهم مَن قاتل علي بن أبي طالب.

مضافاً لما هو معلوم من اختلافات كثيرة بينهم أنفسهم، فكيف يكون التمسّك بهم منجياً من الضلال؟! على أنّ غالبيّة الصحابة ليسوا من عترة النبي، فلا يشملهم قوله - بلا كلام -.

* إذن، لا بدّ أنْ يكون المقصودون من أهل البيت مجموعة معيّنة، تتوفّر فيهم مواصفات خاصّة معيَّنة، وقد بيّنهم الرسول بطرق عديدة، منها:

1 - أشار فيما صحّ من أقواله إلى أنّ عدد خلفائه اثنا عشر خليفة: وهذا الحديث رواه مسلم في ( صحيحه ) والبخاري وأحمد بن حنبل وغيرهم، وسيأتي الكلام عنه بعد حديث الثقلين.


فهذا الحديث مُفسِّر لحديث الثقلين ومبيِّن بتحديد رقمي لِمَا هو المراد من حديث الثقلين، فالأوّل: ( حديث الثقلين ) يوجب التمسّك بالثقلين، بالخليفتَين ( القرآن والعترة )، والثاني: ( حديث الاثني عشر ) يُبيِّن أنّ عدد خلفائه الذين يجب التمسّك بهم هم اثنا عشر خليفة.

فهذا التحديد يبيّن بوضوح أنّ لفظ أهل البيت ليس عامّاً.

2 - ما مرّ سابقاً في آية التطهير: من أنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) حدّد المقصودين من أهل البيت، الموجودين في زمانه، وهم أصحاب الكساء، علي وفاطمة والحسن الحسين، وقد مرّ تفصيل ذلك فلا نعيد.

3 - ما مرّ أيضاً من اصطحاب النبي أصحاب الكساء معه إلى المباهلة: وقوله فيهم: ( اللّهم هؤلاء أهلي )، وقد مرّ أيضاً في آية المباهلة، فراجع.

إلى غير ذلك من الإشارات العديدة إلى المراد من أهل البيت في زمانه، وقد تقدّم بعضها وسيأتي في طيّات البحث غيرها.

فهذه البيانات من الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) تحدّد المراد من العترة التي يجب التمسّك بها؛ ولذا نرى العلاّمة المنّاوي من علماء أهل السنّة يقول في تفسيره للفظ: ( وعترتي أهل بيتي ) من حديث الثقلين: ( و هم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ) (1) .

إذن، فالنبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) حدّد رقميّاً العترة التي يجب التمسّك بها وهم اثنا عشر خليفة، وأوضح الموجودين منهم في زمانه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

____________________

(1) فيض القدير شرح الجامع الصغير: 3 / 19، دار الكتب العلميّة.


وبهذا يَثبت أنّ حديث الثقلين يُثبت مزيّة خاصّة لأُناس محدّدين معيَّنين آتاهم الله مقاماً لم يُؤْته أحداً من العالمين، وعلى رأس هؤلاء الطيّبين الطاهرين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه.

ومَنْ يتأمّل، لا يجد أئمّة اثني عشر يمكن عدّهم المصداق الواقعي لهذا الحديث الشريف غير الذين ذكرهم الشيعة الإماميّة الاثنا عشريّة، ابتداءً من سيّد العترة علي بن أبي طالب، وختاماً بالمهدي المنتظر.

وقد صرّح بعض علماء أهل السنّة بأنّ أحقّ مَن يجب التمسّك به مِن العترة هو علي بن أبي طالب ( عليه السلام ).

- قال السمهودي: ( وأحقّ مَن يتمسّك به منهم إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فضله ودقائق مستنبطاته وفهمه وحسن شيمه ورسوخ قدمه ) (1) .

- وقال ابن حجر الهيتمي المكّي: ( ثمّ أحقّ مَن يتمسّك به منهم إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه؛ لِمَا قدّمناه من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته ) (2) .

أقول: الحمد لله الذي جعلنا من المتمسّكين بعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ).

وإذ شارفنا على الانتهاء من حديث الثقلين يحسن بنا أنْ ننبّه على أنّ الحديث الوارد بصيغة: ( كتاب الله وسنّتي )، بدل لفظ: ( وعترتي )، إنّما هو حديث موضوع مكذوب.

____________________

(1) جواهر العقدَين: 245، دار الكتب العلميّة.

(2) الصواعق المحرقة: 232، دار الكتب العلميّة.


- قال العلاّمة حسن السقّاف أحد علماء أهل السنّة المعاصرين: ( وأمّا حديث: ( تركتُ فيكم ما إنْ تمسّكتم بهما لنْ تضلّوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنّتي ) فحديث موضوع كما بيّنتُه في كتابي ( صحيح صفة صلاة النبي ) ص: (289)، وذكرتُ جميع طرقه وهو مِن وضع النواصب أعداء آل البيت النبوي؛ ليصرفوا الأمّة عن اتّباع آل البيت واقتفاء آثارهم، وليضعوا لهم ما شاءوا من الأحاديث المكذوبة ليقودونهم كيف ماشاءوا!! فانتبهوا لذلك! ) (1) .

ولو سلّمنا جدلاً وقلنا بصحّة الحديث بلفظ ( وسنتي ) فلا يوجد هناك أي تعارض بين الحديثين؛ إذ إنّ من سنّة النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) هو قوله: ( إنّي تارك فيكم الثقلين... كتاب الله وعترتي )، فيكون حديث ( وسنتي ) دالاًّ على وجوب الأخذ بحديث ( وعترتي ).

* الحديث الثاني: حديث الاثني عشر خليفة:

ورد هذا الحديث بصياغات مختلفة متقاربة نصّت على أنّ عدد الخلفاء بعد النبي اثنا عشر خليفة.

- فقد أخرج مسلم في ( صحيحه ) في كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش، بسنده عن حصين عن جابر بن سمرة، قال: ( دخلتُ مع أبي على النبي صلّى الله عليه وسلّم فسمعتُه يقول: ( إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، قال: ثمّ تكلّم بكلام خفي عليّ، قال: فقلتُ لأبي ما قال؟ قال: كلّهم من قريش ) ) (2) .

____________________

(1) صحيح شرح العقيدة الطحاويّة: 178، دار الإمام النووي، الأردن.

(2) صحيح مسلم: 6/3، دار الفكر.


- وأخرج بسنده إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: كتبتُ إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: فكتب إليّ سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الجمعة عشيّة رجم الأسلمي يقول: ( لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش ) ) (1) .

- وأخرج البخاري في ( صحيحه ) في كتاب الأحكام بسنده عن جابر بن سمرة، قال: ( يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلّهم من قريش ) (2) .

- وأخرج أحمد في ( مسنده ) عن مسروق قال: ( كنّا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يُقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمان هل سألتم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كم تملك هذه الأمّة من خليفة؟

فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قَدِمْتُ العراق قبلك، ثمّ قال: نعم، ولقد سألْنا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: ( اثنا عشر، كعدّة نقباء بني إسرائيل ) ) (3) .

- وأخرجه أبو يعلى في: ( مسنده ) (4) والطبراني في ( الكبير ) (5) .

قال أحمد محمّد شاكر: ( إسناده صحيح ) (6) .

____________________

(1) المصدر نفسه: 6/4، دار الفكر.

(2) صحيح البخاري: 8/127، دار الفكر.

(3) مسند أحمد: 1/398، 406، دار صادر.

(4) مسند أبي يعلى: (8/444) و (9/222)، دار المأمون للتراث.

(5) المعجم الكبير: 10/158، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.

(6) مسند أحمد بتحقيق أحمد محمّد شاكر: 4/28، 62، حديث (3781) و (3859)، دار الحديث، القاهرة.


والحديث أورده السيوطي وحسّنه في ( تاريخ الخلفاء ) (1) .

وحديث الاثني عشر خرّجه كبار أئمّة الحديث وامتلأت الكتب بذكره، ولا نرى حاجة لذكر مصادره بعد وجوده في البخاري ومسلم، إذْ لا كلام ولا نقاش في صحّته، بل يمكن القول إنّه من المُجْمَع على صحّته؛ لأنّه في صحيح مسلم، وقد صرّح بأنّه لم يخرج في كتابه إلاّ ما أجمعوا عليه.

قال السيوطي في ( تدريب الراوي ): (... وقال مسلم ليس كلّ شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنّما وضعتُ ما أجمعوا عليه ) (2) .

فالحديث مجمع عليه، ودلالته على أنّ خلفاء النبي اثنا عشر خليفة جليّة ظاهرة للعيان، وهذا العدد كما هو واضح ينطبق على ما تذهب إليه الشيعة الإماميّة الاثنا عشريّة، من وجود الاثني عشر إماماً من أهل البيت، أوّلهم علي وآخرهم المهدي.

أمّا أهل السنّة فبقوا في حيرة من أمر هذا الحديث ولم يجدوا له مخرجاً؛ لأنّهم إنْ قالوا هم الخلفاء الأربعة نقص عددهم، وإنْ أدخلوا فيهم الخلفاء الأمويّين أو العبّاسيّين زاد عددهم، لذا راحوا ينتقون انتقاء حسب أهوائهم وكأنّ الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ترك هذا الأمر المهم الخطير في مهبّ الريح.

ومن الغريب أنّ بعضهم أدخل ضمن انتقائه معاوية بن أبي سفيان وولده يزيد بن معاوية (3) ، مع أنّ معاوية خرج على خليفة زمانه علي بن أبي

____________________

(1) تاريخ الخلفاء: 17، دار المعرفة، بيروت.

(2) تدريب الراوي: 1 / 98، مكتبة الرياض الحديثة.

(3) وهو الحافظ ابن حجر العسقلاني في ( فتح الباري ): 13 / 184، دار المعرفة. وانظر: ( تاريخ الخلفاء ) للسيوطي: 15، دار الكتاب العربي.


طالب( عليه السلام ) وقاتله في صفّين، وقُتل في هذه المعركة الصحابي الجليل عمّار بن ياسر فيكون معاوية مصداقاً لأمرين:

أوّلاً:

لقول النبي لعلي ( عليه السلام ): ( لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق )، فالمبغِض لعلي منافق فما بالك بِمَنْ قاتله (1) .

وثانياً:

لقول النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بأنّ عمّاراً تقتله الفئة الباغية، فقد أخرج البخاري في ( صحيحه ) عن أبي سعيد قال: ( كنّا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة، وكان عمّار ينقل لبنتَين لبنتَين، فمرّ به النبي صلّى الله عليه وسلّم ومسح عن رأسه الغبار وقال: ( ويحَ عمّار تقتله الفئة الباغية، عمّار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار ) ) (2) .

وأخرج مسلم عن أمّ سلمة: إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال لعمّار: ( تقتلك الفئة الباغية ) (3) .

قال المنّاوي في ( فيض القدير ): ( فائدة: قال ابن حجر: ( حديث تقتل عمّاراً الفئةُ الباغية، رواه جمع من الصحابة منهم: قتادة، وأمّ سلمة، وأبو هريرة، وابن عمر، وعثمان، وحذيفة، وأبو أيوب، وأبو رافع، وخزيمة بن ثابت، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأُميّة، وأبو اليسر، وَغَالِبُ طُرُقِهِ كلّها صحيحة أو حسنة وفيه علمٌ من أعلام النبوّة وفضيلة ظاهرة لعلي وعمّار ورَدّ على النواصب الزاعمين أنّ عليّاً لم يكن مصيباً في حروبه ) (4) .

____________________

(1) تقدّم الحديث في آخر البحث عن آية التطهير وهو موجود في صحيح مسلم، وستأتي الإشارة إليه منفرداً إنْ شاء الله.

(2) صحيح البخاري: 3 / 207، كتاب الجهاد والسير، دار الفكر.

(3) صحيح مسلم: 8 / 186، كتاب الفتن وأشراط الساعة، دار الفكر.

(4) فيض القدير شرح الجامع الصغير: 4 / 613، دار الكتب العلميّة.


فهل يكون معاوية بعد هذا إماماً عادلاً، وخليفة لرسول الله على الأمّة الإسلاميّة؟!! (1) .

وأمّا يزيد بن معاوية فهو غنيٌّ عن التعريف، وأطبقت كتب التاريخ والسِيَر على قبْح وشناعة أفعاله:

فهو الذي قتل الحسين بن علي ( عليه السلام ) سيّد شباب أهل الجنّة.

وهو الذي استباح المدينة المنوّرة، وهتك الأعراض والنواميس.

وهو الذي تجاسر على البيت الطاهر فضرب الكعبة بالمنجنيق (2)، فهل بعد هذا يكون خليفة رسول الله وإماماً من أئمّة المسلمين؟!!

و هذا التخبّط في تشخيص الخلفاء هو نتيجة الابتعاد عن وصايا وتوجيهات النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، فإنّ السنّة النبويّة يُفسِّر بعضها بعضاً، فحيث إنّ الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أوصى بالتمسّك بأهل البيت في حديث الثقلين عُلِم من ذلك أنّ

____________________

(1) تنبيه: صحّ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: ( قاتِلُ عمّار وسالبه في النار ).

أخرج الحاكم وصحّحه، ووافقه الذهبي، ( المستدرك على الصحيحين ) وبهامشه ( تلخيص المستدرك) للذهبي: 3 / 387، دار المعرفة.

وأورده الهيثمي عن أحمد وقال: ( ورجال أحمد ثقات )، انظر: ( مجمع الزوائد ): 7 / 244، كتاب الفتن، باب فيما كان بينهم يوم صفّين، دار الكتب العلميّة.

و معلوم أنّ الذي قتل الصحابي الجليل عمّار بن ياسر في معركة صفّين، هو صحابي آخر كان ضمن صفوف جيش معاوية يدعى أبو الغادية الجهني، ( تعجيل المنفعة ) لابن حجر العسقلاني: 509، دار الكتاب العربي.

فهذا الصحابي في النار بنصّ قول النبي، فهل يمكن بعد هذا القول بأنّ كلّ الصحابة عدول؟ فهل يُتصوّر أنّ مَن يكون في النار عادلاً وصحابيّاً جليلاً يجب احترامه؟!!

(2) انظر: على سبيل المثال ترجمة يزيد في ( تاريخ الخلفاء ) للسيوطي: 182 - 186، دار المعرفة.


خلفاءه الاثني عشر هم من أهل بيته الطاهرين، وبذا يتّضح الحال ويتبيّن المقصود، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أنْ هدانا الله.

* الحديث الثالث: حديث السفينة:

و هو قول النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( مَثَلُ أهل بيتي مثل سفينة نوح مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غَرِق ).

و هذا الحديث رواه عدّة من الصحابة منهم:

- علي بن أبي طالب ( عليه السلام ).

- أبو ذر الغفاري.

- أبو سعيد الخدري.

- ابن عبّاس.

- عبد الله بن الزبير.

- وأنس بن مالك.

واستفاضت طرق نقل الحديث إليهم، ووقفنا على ستّة طرق مختلفة في طبقاتها وعدّة طرق أخرى تتداخل في بعض طبقاتها (1) . وهذه الطرق بضمّ بعضها إلى بعض ترفع الحديث إلى درجة الصحّة ومِن دون حاجة إلى ملاحظة لآحاد رواة أسانيده؛ ولذا قال الحافظ السخاوي في ( استجلاب ارتقاء الغرف ) بعد أنْ ذكر طرقاً عديدة للحديث: وبعض هذه الطرق يقوِّي بعضاً (2) .

- وقال ابن حجر الهيتمي في ( صواعقه ): ( وجاء من طرق كثيرة يقوّي بعضها

____________________

(1) انظر الحديث في: ( فضائل الصحابة ) لأحمد بن حنبل: 2 / 785، مؤسّسة الرسالة و ( المصنف ) لابن أبي شيبة: 7 / 503، دار الفكر. و ( المعجم الكبير ) للطبراني: 3 / 44 - 45، دار إحياء التراث، و ( المعجم الأوسط ): (4/10) و (5 / 306 - 355) و (6/85)، دار الحرمين. و ( المعجم الصغير ): (1/193) و(2/22)، دار الكتب العلميّة. و ( المستدرك ) للحاكم: (2/343) و (3/151)، دار المعرفة، وتاريخ بغداد: 12 / 91، دار الكتب العلميّة. و ( الحلية ) لأبي نعيم: 4 / 306، دار الكتاب العربي، و ( تاريخ الخلفاء ) للسيوطي: 209، دار الكتاب العربي. و ( مجمع الزوائد ) للهيثمي: 9 / 168، دار الكتب العلميّة.

(2) استجلاب ارتقاء الغرف بحبّ أقرباء الرسول وذوي الشرف: 2 / 484، دار البشائر.


بعضاً: ( مَثَلُ أهل بيتي )، وفي رواية: ( إنّما مثل أهل بيتي )، وفي أخرى: ( إنّ مَثَل أهل بيتي )، وفي رواية: ( أَلاَ إنّ مَثَل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه، مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غَرِق )، وفي رواية: ( مَن ركبها سلم، ومَن تركها غَرِق، وأنّ مَثَل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل، مَن دخله غُفِرَ له. .. ) (1) .

- وعَقَدَ السمهودي في ( جواهر العقدين ) باباً أسماه: ( ذكر أنّهم أمان الأمّة، وأنّهم كسفينة نوح عليه الصلاة والسلام، مَن ركبها نجا ومَن تخلّف عنها غرق ) (2) . وذكر طرقاً عديدة للحديث، ثمّ قال: ( وهذه الطرق يُقوّي بعضها بعضاً ) (3) .

فالحديث صحيح ولا غبار عليه، وقد صحّحه الحاكم في ( المستدرك )، كما تتبّع السيّد الميلاني - وهو من علماء الشيعة الإماميّة - أكثر من طريق للحديث، وأثبت صحّتها على مباني أهل السنّة (4) .

ودلالة الحديث على وجوب التمسّك بأهل البيت، وضلالة وهلاك المتخلّف عنهم أوضح مِن أنْ تُبيَّن، فالحديث يدلّ على إمامة أهل البيت كما يدلّ على عصمتهم من الزلل، وإلاّ لو كانوا يُخطئون لَمَا قال الرسول بأنّ مَن رَكِبَ في سفينتهم نجا، فنجاة مَن يركب سفينة أهل البيت، تدلّ على أنّ المشار إليهم لا يفارقون الشريعة المقدّسة في كلّ حركاتهم وسكناتهم، فهذا

____________________

(1) الصواعق المحرقة: 352، دار الكتب العلميّة.

(2) جواهر العقدَين: 259، دار الكتب العلميّة.

(3) المصدر نفسه: 261.

(4) انظر: ( دراسات في منهاج السنّة لمعرفة ابن تيمية ): 299 - 303.


الحديث يصبّ في مجرى واحد مع حديث الثقلين وحديث الاثني عشر خليفة المتقدِّمين، وله نفس الدلالات المتقدّمة هناك، فتأمّل واغتنم.

وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) داخل فيمَن يجب ركوب سفينتهم؛ لأنّه سيّد العترة بلا خلاف.

* الحديث الرابع: قول النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( النجوم أمانٌ لأهل السماء وأهل بيتي أمانٌ لأمتي ).

رُوي هذا الحديث بألفاظ متقاربة مع بعض الزيادات المتفاوتة عن جمع من الصحابة منهم:

- علي بن أبي طالب ( عليه السلام ).

- وابن عبّاس.

- وسلمة بن الأكوع.

- وجابر بن عبد الله الأنصاري، وغيرهم.

وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في ( فضائل الصحابة ) (1) والطبراني في ( المعجم الكبير ) (2) والحاكم في ( المستدرك ) في مواضع ثلاثة (3) . والروياني في ( مسنده ) (4)، وعزاه السخاوي أيضاً إلى مسدّد، وابن أبي شيبة، وأبي يعلى في مسانيدهم (5) .

والحديث مضافاً إلى اعتباره عند جمع من علمائهم، فإنّ له طرقاً عديدة يقوّي بعضها بعضاً.

____________________

(1) فضائل الصحابة: 2 / 671، مؤسّسة الرسالة.

(2) المعجم الكبير: 7 / 22، دار إحياء التراث.

(3) المستدرك على الصحيحين: (2 / 448) و (3 / 149) و (3 / 457)، دار المعرفة.

(4) مسند الروياني: 2 / 258، مؤسّسة قرطبة.

(5) انظر: ( استجلاب ارتقاء الغرف ) للسخاوي: 2 / 477، دار البشائر الإسلاميّة.


وممّن صرّح باعتباره:

- الحاكم في ( المستدرك )، حيث قال بصحّته (1) .

- وكذا ابن حجر الهيتمي في ( صواعقه ) (2) .

- وحسّنه السيوطي في الجامع الصغير.

- وأشار المنّاوي إلى كثرة طرقه في ( فيض القدير ) (3) .

وعقد السخاوي في كتابه ( استجلاب ارتقاء الغرف ) باباً أسماه: ( باب الأمان ببقائهم والنجاة في اقتفائهم ) (4)، وذكر فيه نحواً من طرق الحديث المتقدّم، ممّا يدلّ على اعتباره عنده وثبوته لديه، وكذا السمهودي في ( جواهر العقدين ) عقد باباً أسماه: ( ذِكْر أنّهم أمان الأمّة، وأنّهم كسفينة نوح عليه الصلاة والسلام، مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق ) (5) ، وذكر فيه جملة من الأحاديث الدالّة على ذلك؛ ممّا يدل على اعتبار ذلك عنده أيضاً، خصوصاً أنّه جزم فيما تقدّم بأنّهم أمان لأهل الأرض عند تعليقه على حديث الثقلين، حيث قال: ( إنّ ذلك يفهم وجود مَن يكون أهلاً للتمسّك من أهل البيت والعترة الطاهرة في كلّ زمان وجدوا فيه إلى قيام الساعة، حتّى يتوجّه الحثّ المذكور إلى التمسّك به، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا - كما سيأتي - أماناً لأهل الأرض، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض ) (6) .

____________________

(1) المستدرك على الصحيحَين: (2 / 488) و(3 / 149)، دار المعرفة.

(2) الصواعق المحرقة: 351، دار الكتب العلميّة.

(3) فيض القدير شرح الجامع الصغير: 6 / 386، دار الكتب العلميّة.

(4) استجلاب ارتقاء الغرف: 2 / 477، دار البشائر.

(5) جواهر العقدَين: 259، دار الكتب العلميّة.

(6) المصدر نفسه: 244.


فتحصّل أنّ حديث الأمان الوارد في أهل البيت حديثٌ معتبرٌ وله طرق متعدّدة:

- أمّا دلالته على وجوب التمسّك بأهل البيت فلا خلاف فيها؛ إذ لا معنى لكونهم أماناً لأهل الأرض ومع ذلك تجوز مخالفتهم والسير على غير طريقتهم. قال المنّاوي في ( فيض القدير ): عند شرحه للحديث المذكور: ( شبَّههم بنجوم السماء وهي التي يقع بها الاهتداء وهي الطوالع والغوارب والسيارات والثابتات، فكذلك بهم الاقتداء وبهم الأمان من الهلاك ) (1) .

- ومن وجوب التمسّك بهم والسير وِفق منهجهم وكونهم أماناً لأهل الأرض يتّضح أمر عصمتهم وعدم مخالفتهم للشريعة؛ إذ مع احتمال خطئهم ومخالفتهم للشريعة لا يتحقّق الأمان معهم.

- و الحديث له دلالات أخرى لا تخفى على النبيه، فهو يصبّ في مجرى واحد مع حديث السفينة وحديث الثقلين المتقدّمين.

* الحديث الخامس: قول النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لعلي وفاطمة والحسن والحسين: ( أنا حرب لِمَنْ حاربكم، وسلمٌ لمَنْ سالمكم ) .

- أخرج هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل في ( مسنده ) : من طريق أبي هريرة (2) .

- وأخرجه ابن ماجة في ( سننه ) من طريق زيد بن أرقم بلفظ: ( أنا سلمٌ لمَن سالمتم وحرب لمَن حاربتم ) (3) .

- وأخرجه الترمذي في ( سننه ) بلفظ: ( أنا

____________________

(1) فيض القدير شرح الجامع الصغير: 6 / 386، دار الكتب العلميّة.

(2) مسند أحمد: 2 / 442، دار صادر.

(3) سنن ابن ماجة: 1 / 52، دار الفكر.


حرب لِمَنْ حاربتم، وسلم لِمَنْ سالمتم ) (1) .

كما أخرج الحديث كلّ مِن:

ابن أبي شيبة في ( المصنف ) (2) وابن حبّان في ( صحيحه ) (3) ، والطبراني في ( الكبير ) (4) و ( الأوسط ) (5) و ( الصغير ) (6)، والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد ) (7) ، وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) (8) ، وغيرهم.

وهو من الأحاديث المعتبرة عند أهل الفن، فقد أخرجه الحاكم من طريق أبي هريرة وقال: ( هذا حديث حسن... ) وذكر له شاهداً، وهو حديث زيد بن أبي أرقم المتقدّم، ووافقه الذهبي في ( التلخيص ) على ذلك؛ إذ سكت عن تحسينه للحديث، وذكر حديث زيد بن أبي أرقم بعنوان شاهد له أيضاً (9) ، كما أخرج الحديث ابن حبّان في ( صحيحه ) كما تقدّم، ومعلوم من مقدّمة ابن حبّان في كتابه أنّه لا يخرّج إلاّ الصحيح.

و الحديث أيضاً موجود في كتاب ( مشكاة المصابيح ) (10) للخطيب

____________________

(1) سنن الترمذي: 5 / 360، ما جاء في فضل فاطمة، دار الفكر.

(2) المصنف: 7 / 512، دار الفكر.

(3) صحيح ابن حبّان: 15 / 434، مؤسّسة الرسالة.

(4) المعجم الكبير: (3 / 40، الأحاديث: 2619 - 2620 - 2621) و (5 / 184)، دار إحياء التراث.

(5) المعجم الأوسط: (3 / 179) و (5 / 182) و(7 / 197)، دار الحرمين.

(6) المعجم الصغير: 2 / 3، دار الكتب العلميّة.

(7) تاريخ بغداد: 7 / 144، دار الكتب العلميّة.

(8) تاريخ دمشق: (13 / 218 - 219) و (14 / 144 - 157 - 158)، دار الفكر.

(9) انظر: ( المستدرك على الصحيحَين ) وبهامشه تلخيص الذهبي: 3 / 149، دار المعرفة.

(10) مشكاة المصابيح: باب مناقب أهل بيت النبي، الفصل الثاني: 3 / 1735، المكتب الإسلامي.


التبريزي تبعاً لوجوده في ( المصابيح ) للبغوي، ومعلوم أيضاً من مقدّمة البغوي في ( المصابيح ) أنّه إذا لم يشر إلى ضعف الحديث وكان موجوداً في كتب ( السنن ) فهو من الحسان عنده.

مضافاً إلى أنّ الحديث روي بطريق ثالث، أيضاً بلفظ يقرب من ذلك وليس فيه الحسنان؛ لأنّهما لم يولدا بعد، فقد أخرج الحافظ عمر بن شاهين المتوفّى سنة (385هـ) في ( فضائل سيّدة النساء ) بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: ( لمّا دخل علي بفاطمة جاء النبي صلّى الله عليه وسلّم أربعين صباحاً إلى بابها فيقول: ( أنا حرب لمَن حاربتم، وسِلْمٌ لمَنْ سالمتم ) ) (1) .

فالنبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إذن، كان يكرّر هذه العبارة على هذا البيت الطاهر قبل ولادة الحسنَين وبعد ولادتهما، فماذا يعني ذلك؟ وماذا يريد الرسول أنْ يقول للأمّة؟

لا يشكّ أحدٌ بأنّ الحديث يدلّ صراحة على عظم مقام أبناء هذا البيت وعلوّ درجاتهم؛ بحيث صار المحارِب لهم محارباً لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، ومعلوم أنّ المحارب لرسول الله إنّما هو محارب للإسلام المحمّدي ومحارب لله عزّ وجلّ.

فالرسول، إذن، جعلهم مداراً ومعياراً يُعرف من خلاله مَن حارب الإسلام ومَن يكون معه في سِلْم، بل ويعرف من خلاله مَن يسير على خطّ الإسلام وينهج نهجه؛ فإنّهم ( عليهم السلام ) الممثّلون الحقيقيّون للإسلام بعد النبي، فهم الثقل الأصغر، وعِدْل القرآن، وهم السفينة، وهم أمان هذه الأمّة، فكان طبيعيّاً ومن

____________________

(1) فضائل سيّدة النساء: 29، مكتبة التربية الإسلاميّة، القاهرة.


دون حاجة إلى تصريح من النبي، بأنّ مَن حاربهم حاربه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؛ فإنّه ممثّل الإسلام وحامل رايته، وحرب خلفائه ورافعي رايته إنّما هي حرب له ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وحرب لرسالته المقدّسة.

لكنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أراد أنْ يلقي الحجّة على الجميع ولا يترك فراغاً ليتسلّل منه الشكّ لمَن أراد أنْ يحرِّف الكلم عن مواضعه، ومع ذلك، ومع هذا التصريح الذي لا يقبل التأويل نرى اليوم من يقول: إنّ يزيد أمير المؤمنين رغم أنوفكم، مع أنّه أرسل جيوشه لقتال الحسين ( عليه السلام )، ولعلماء أهل السنّة فيه كلمات ذمّ صريحة، وكذا لا يفوتنا هنا أنْ ننوّه مجدداً إلى أنّ نظرية عدالة الصحابة بأجمعهم لا يمكن أنْ تصمد وتواجه التراث الصحيح المروي عن النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، فالسيّدة عائشة وطلحه والزبير قاتلوا عليّاً ( عليه السلام ).

والصحابي معاوية قاتل عليّاً في صفّين، وجيَّش الجيوش لمقاتلة الحسن.

أفليست هذه الحروب حرباً لرسول الله بنصّ الحديث المتقدّم؟ بل أَلاَ يمكن القول إنّ الرسول كان يُخبر عن الغيب وينبّه المسلمين إلى طريق الحقّ عند وقوع الفتنة.

* الحديث السادس: حديث الصلاة على أهل البيت:

لا يخفى على كلّ مسلم أنّ الله سبحانه وتعالى قَرَنَ الصلاة على نبيِّه بالصلاة على أهل بيته الطاهرين، والأحاديث النبويّة صريحة في ذلك متّفق على صحّتها بين علماء المسلمين، وأخرجها أكابر أئمّة الحديث.

فقد أخرج مسلم في ( صحيحه ) ( باب الصلاة على النبي بعد التشهّد ) بسنده إلى أبي مسعود الأنصاري: قال: ( أتانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم،


ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أنْ نصلّي عليك (1) يا رسول الله فكيف نصلّي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى تمنّينا أنّه لم يسأله، ثمّ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قولوا: ( اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلَّيتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركتَ على آل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد ) ) (2) .

وتقدّم منّا ذكْر حديث كعب بن عجرة الذي أخرجه البخاري في ( صحيحه ) (3) .

والحديث موجود في أمّهات الكتب بألفاظه المختلفة كـ ( مسند أحمد ) (4) و ( المصنف ) (5) لعبد الرزاق الصنعاني، و ( المصنف ) لابن أبي شيبة (6) ، وغيرها الكثير الكثير، فلا داعي لذكرها مع اشتهار الحديث ووجوده في الصحيحين.

والحديث فيه مضامين عالية ودلالات عظيمة تبرز مقام أهل البيت السامي، فالآية ظاهرة في وجوب الصلاة على رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقط، ( يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ، لكنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) حينما علّم

____________________

(1) يعني بقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) .

(2) صحيح مسلم: 1 / 305، دار الفكر.

(3) انظر: ( صحيح البخاري ): 4 / 118، دار الفكر.

(4) مسند أحمد: 5 / 274 - 353، دار صادر.

(5) المصنف: 2 / 212 - 213، نشر المجلس العلمي.

(6) المصنف: 2 / 391، دار الفكر.


أصحابه بمراد الآية عمّم الأمر بالصلاة، ليكون شاملاً لأهل بيته ( عليهم السلام )، ومعلوم أنّ الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يسمو في كلّ تصرفاته بعيداً عن العواطف الشخصيّة والمؤثّرات الدنيويّة، بل هو رسول الهدى لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وحيٌ يُوحى.

ولا يفوتني أنْ أنبّه القارئ بعد أنْ رأى الخبر الصحيح في كيفيّة الصلاة على النبي أنْ لا يُغفل ذكر الآل، وأنْ يستمع إلى أقوال العلماء وينظر في كتبهم ويرى هل يصلّون على الآل كما أمر النبي؟ (1) .

ولا شكّ بأنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) داخل فيمَن أمرنا بالصلاة عليهم؛ لأنّه سيّد العترة بلا ريب، فصلوات الله وسلامه عليه.

* الحديث السابع: قول الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وهو آخذ بيد الحسن والحسين عليهما السلام: ( مَن أحبّني وأحبّ هذَين وأباهما وأمّهما، كان معي في درجتي يوم القيامة ).

و هذا الحديث من الأحاديث المعتبرة عند أهل السنّة أيضاً، فقد حسَّنه:

- الترمذي في ( سننه ) (2).

- وشمس الدين بن الجزري في ( أسنى المطالب ) (3).

- وأحمد محمّد شاكر في تحقيقه على ( مسند أحمد ) (4) .

والحديث أخرجه

____________________

(1) بل الغريب، أنّ مسلماً في ( صحيحه ) حتّى في نقله لهذه الرواية التي تُعلّم المسلمين كيفيّة الصلاة على النبي وأنّها بضم الآل إليه؛ نراه يصلّي على النبي من دون ذكر الآل!!. وما عِشْتَ أراك الدهرُ عجباً.

(2) سنن الترمذي: 5 / 305، دار الفكر.

(3) أسنى المطالب: 121.

(4) مسند أحمد: 1 / 412، دار الحديث، القاهرة.


جمع من المحدّثين والحفّاظ، منهم:

- الترمذي في ( سننه ) (1) .

- وعبد الله بن أحمد في زوائده على ( المسند ) (2).

- والدولابي في ( الذرِّيَّة الطاهرة النبويّة ) (3) .

- والطبراني في ( المعجم الصغير ) (4) .

- والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد ) (5) ، وغيرهم.

و دلالة الحديث صريحة في رفعة مقامهم وسموّ منزلتهم وعظيم درجتهم عند الله سبحانه وتعالى.

* الحديث الثامن: قول النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( والذي نفسي بيده لا يبغضنا - أهل البيت - أحدٌ إلاّ أدخله اللهُ النارَ ).

أخرج هذا الحديث الحاكم في ( المستدرك ) بسنده إلى أبي سعيد الخدري وقال عنه: ( هذا الحديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه )، وأقرّه الذهبي (6) . وأخرجه ابن حبّان في ( صحيحه ) (7) وعزاه السيوطي في ( الدرّ المنثور ) إلى أحمد أيضاً (8) .

وأورد الحديث وصحّحه السيّد حسن السقاف في ( صحيح شرح العقيدة

____________________

(1) سنن الترمذي: 5 / 305، دار الفكر.

(2) مسند أحمد: 1 / 77، دار صادر.

(3) الذرية الطاهرة النبويّة: 119، الدار السلفيّة، الكويت.

(4) المعجم الصغير: 2 / 70، دار الكتب العلميّة.

(5) تاريخ بغداد: 13 / 289، دار الكتب العلميّة.

(6) المستدرك وبهامشه تلخيص الذهبي: 3 / 150، دار المعرفة.

(7) صحيح ابن حبّان: 15 / 435، مؤسّسة الرسالة.

(8) الدر المنثور: 7 / 349، في ذيل آية المودّة، دار الفكر.


الطحاويّة ) (1) ، وقال بعده:

( وقد نصّ على محبّة العترة جمهورُ أهل السنّة والجماعة، لكنّها بقيتْ مسألة نظريّة لم يطبّقها كثيرون، فهي مفقودة - حقيقة - في أرض الواقع، وهذا ممّا يؤسف له جدّ الأسف، وقد حاول النواصب وهم المبغضون لسيّدنا علي رضوان الله عليه ولذرِّيَّته - وهم عترة النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) الأطهار - أنْ يصرفوا الناس عن محبّة آل البيت التي هي قربة من القرب، فوضعوا أحاديث في ذلك وبنوا عليها أقوالاً فاسدة، منها: أنّهم وضعوا حديث: ( آل محمّد كلّ تقي ) ، وحديث: ( أنا جدّ كلّ تقي ) ، ونحو هذه الأحاديث التي هي كذب من موضوعات أعداء أهل البيت النبوي، ومن الباطل قول أحد النواصب المبتدعة أثناء كلام له في هذا الموضوع (2) : ( وأهل بيته في الأصل هم نساؤه صلّى الله عليه وسلم وفيهن الصديقة عائشة رضي الله عنهن جميعاً ) ... ) (3) .

وعلّق السيّد السقّاف على هذه الفقرة قائلا: ( يريد هذا المبتدع هنا أنْ يصرف الناس عن اعتقاد أنّ أهل البيت هم على وجه الخصوص أصحاب الكساء، سيّدنا علي والسيّدة فاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام )، فادّعى أنّ أهل البيت هنا أزواجه صلّى الله عليه وسلّم، وكأن هذا المبتدع يحترم أزواجه صلّى الله عليه وسلّم!! وقد حاول أنْ يظهر هنا أنّه يحترمهنّ رضوان الله تعالى عليهنّ، مع أنّه يصفهنّ في صحيحته (4/531) بأنّ الزنا يجوز عليهنّ

____________________

(1) صحيح شرح العقيدة الطحاويّة: 656، دار الإمام النووي.

(2) يعني به الشيخ الألباني في كتابه سلسلة الأحاديث الصحيحة.

(3) صحيح شرح العقيدة الطحاويّة: 657، دار الإمام النووي، الأردن.


وأنّهن غير محفوظات ولا معصومات منه، كبرتْ كلمة تخرج من فمه!! فعلى الناس أنْ يسألوه ما فائدة إثارة هذا الموضوع الباطل الفاسد بعد خمسة عشر قرناً من وفاتهنّ رضوان الله تعالى عليهنّ... ) (1) .

وعلّق على كلامه في موضع آخر وهو قوله: ( و تخصيص الشيعة ( أهل البيت ) في الآية بعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم دون نسائه صلّى الله عليه وآله وسلّم من تحريفهم لآيات الله تعالى؛ انتصاراً لأهوائهم كما هو مشروح في موضعه ).

قال السيّد السقّاف هنا: ( وهذا من تلبيساته وتمحّله في ردّ السنّة الثابتة في تفسيره لأهل البيت، وهو بهذا أراد أنْ يُلبّس على القارئ بأنّ مَن قال: إنّ أهل البيت هم أهل الكساء، أنّهم هم الشيعة!! والحقّ أنّ مَن قال ذلك جميع أهل السنّة والجماعة وقبلهم الذي لا ينطق عن الهوى صلّى الله عليه وآله وسلّم!! ولكنّ هذا هو النصب الذي يُفضي بصاحبه إلى ما ترى كما شرحنا هذا في موضعه ) (2) .

هذا، والأحاديث في فضل أهل البيت وعلوّ درجاتهم شهيرة عديدة أفرد لها أصحاب الحديث فصولاً خاصّة، وألّف فيها البعض كتباً مستقلّة، وحيث لم يكن غرضنا إحصاء ذلك، بل كان إشارة إلى جملة من الفضائل؛ لذا نوقف الركب إلى هنا، ونحيل القارئ إلى الكتب المختصّة بذلك.

____________________

(1) المصدر نفسه: 657، هامش برقم: 390.

(2) صحيح شرح العقيدة الطحاوية: 657، هامش برقم: 391، دار الإمام النووي، الأردن.


ب - الأحاديث الخاصّة في عليٍّ ( عليه السلام )

فضائل علي ( عليه السلام ) ملأت الخافقين، وانتشرت واشتهرت شهرة عظيمة، وفيها ألّفت كتب عديدة؛ لذا سننتخب جملة يسيرة من ذلك ونحيل القارئ إلى مراجعة الكتب الحديثيّة التي خصّصت أبواباً في فضل علي ( عليه السلام ):

* الفضيلة الأولى: أنّه الأوّل إسلاماً:

- أخرج النسائي بسنده إلى زيد بن أرقم قال: ( أوّل مَن أسلم مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب ).

قال المحقّق آل زهوي: ( إسناده صحيح ) (1) .

- وأخرجه الحاكم في ( المستدرك ) وقال: ( هذا حديث صحيح الإسناد )، ووافقه الذهبي عليه (2) .

- وعن زيد بن أرقم أيضاً: ( أوّل مَن صلّى مع رسول الله علي ).

قال آل زهوي: ( إسناده صحيح ) (3) ، وخرّج الحديث قائلاً: ( أخرجه أحمد: ( 4/ 368، 370 )، وفي ( الفضائل ) : ( 1000، 1004 )، وابن أبي شيبة في ( المغازي ) : ( 61 )، والطيالسي في ( مسنده ): ( 678 )، والترمذي ( 3735 )، وابن جرير الطبري في ( تاريخه ): ( 2 / 211، 212 )... ) وذكر غيرهم أيضاً (4) .

____________________

(1) خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بتحقيق آل زهوي: 20، المكتبة العصريّة للطباعة والنشر.

(2) المستدرك على الصحيحين وبهامشه تلخيص المستدرك للذهبي: 3 / 136، دار المعرفة.

(3) خصائص أمير المؤمنين: 20، المكتبة العصريّة.

(4) المصدر نفسه.


- وعن سلمان الفارسي قال: أوّل هذه الأمّة وروداً على نبيّها صلّى الله عليه وسلّم أوّلها إسلاماً علي بن أبي طالب )، قال الهيثمي في ( مجمع الزوائد ): ( رواه الطبراني ورجاله ثقات ) (1) .

- وعن عبد الله بن عبّاس قال: ( أوّل مَن أسلم عليٌّ رضي الله عنه ).

رواه الطبراني في ( الأوائل )، وقال المحقّق: ( حديث صحيح رجاله ثقات ) (2) .

- وعن سعد بن أبي وقّاص في حديثه مع رجل يشتم عليّاً: ( يا هذا على ما تشتم علي بن أبي طالب، ألم يكن أوّل مَن أسلم، ألم يكن أوّل من صلّى مع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، ألم يكن أعلم الناس... ).

أخرجه الحاكم وصحّحه ووافقه الذهبي (3) .

- وعن علي ( عليه السلام ) قال: ( أنا أوّل رجل صلّى مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم )، أخرجه أحمد في المسند، وقال عنه أحمد محمّد شاكر محقّق الكتاب: ( إسناده صحيح ) (4) ، وأخرجه ابن أبي شيبة في ( المصنف ) (5) . وابن أبي عاصم في ( الأوائل ) (6) .

____________________

(1) مجمع الزوائد: 9 / 102.

(2) الأوائل بتحقيق محمّد شكور: 78، مؤسّسة الرسالة.

(3) المستدرك على الصحيحَين وبهامشه تلخيص الذهبي: 3 / 125، دار المعرفة.

(4) مسند أحمد بتحقيق أحمد محمّد شاكر: 2 / 98 برقم: 1191، دار الحديث القاهرة.

(5) المصنف: 8 / 332، دار الفكر.

(6) الأوائل: 79، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت.


هذا، والمروي في أنّ عليّاً أوّل مَن أسلم كثير جدّاً، وما ذكرناه نموذجٌ من الصحابة الذين قالوا بتقدّم إسلامه ليس إلاَّ، واستقصاء ذلك يحتاج إلى بحثٍ خاص، ونختم الكلام بنقل كلمتَين لعالمين من علماء أهل السنّة، فقد قال الحاكم النيسابوري في ( معرفة علوم الحديث ): ( ولا أعلمُ خلافاً بين أصحاب التواريخ، أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه أوّلهم إسلاماً ) (1) .

- وقال السيوطي في ( تاريخ الخلفاء ): ( أَسْلَمَ قديماً، بل قال ابن عبّاس، وأنس، وزيد بن أرقم، وسلمان الفارسي، وجماعة: إنّه أوّل مَن أسلم، ونقل بعضهم الإجماع عليه ) (2) .

* الفضيلة الثانية: أنّه أحبّ الخلق إلى الله:

- أخرج النسائي بسنده إلى أنس بن مالك قال: ( إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان عنده طائر فقال: ( اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فجاء أبو بكر فردّه، وجاء عمر فردّه، وجاء علي فأَذِنَ له ) (3)، وهذا الحديث معروف بحديث الطير وله طرق عديدة متكاثرة جدّاً (4) عن جمع كبير من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب، وابن عبّاس، وسفينة خادم رسول الله، وأبي سعيد الخدري، مضافاً لأنس المتقدّم ذكر الحديث عنه، وغيرهم، وأخرجه جمع كبير من الحفّاظ والمحدّثين.

____________________

(1) معرفة علوم الحديث: 23، دار الآفاق الجديدة.

(2) تاريخ الخلفاء: 128، دار الكتاب العربي.

(3) السنن الكبرى: 5 / 107، دار الكتب العلميّة.

(4) انظر: بعض طرقه في ( تاريخ دمشق ): 42 / 245، وما بعدها.


- فقد أخرجه الحاكم في ( المستدرك ) من طريق أنس وصحّحه، ثمّ قال: ( و قد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفساً، ثمّ صحّت الرواية عن علي وأبي سعيد الخدري وسفينة ) (1) .

- ورواه الطبراني من طريق سفينة (2)، وأورده الهيثمي في مجمعه، وقال: ( ورجال الطبراني رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة ) (3) .

- كما حسّن حديث الطير الحافظ ابن حجر عند ذكره لتلخيص الأحاديث التي أخرجها الأئمّة الستّة في الحديث السادس عشر في آخر رسالته الموسومة بـ ( أجوبة الحافظ ابن حجر عن أحاديث المصابيح )، والمطبوعة في ذيل كتاب ( مشكاة المصابيح ) (4) .

فالحديث، مضافاً لكثرة طرقه التي تصل حد التواتر بلا كلام، فإنّ له طرقاً صحيحة ولله الحمد (5) .

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 3 / 130، دار المعرفة.

(2) المعجم الكبير: 7 / 82، دار إحياء التراث العربي.

(3) مجمع الزوائد: 9 / 126، دار الكتب العلميّة.

(4) مشكاة المصابيح: 3/1791، ط - المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1985، بيروت، بتحقيق الألباني.

(5) وممّن أخرج حديث الطير:

- أحمد في ( فضائل الصحابة ): 2 / 560، مؤسّسة الرسالة.

- والترمذي في ( سننه ): 5 / 300، دار الفكر.

- والبزّار في مسنده: 9 / 287، مؤسّسة علوم القرآن.

- والطبراني في ( الأوسط ): ( 2 / 207 )، ( 6 / 90 )، دار الحرمين.

- وأبو نعيم في ( مسند أبي حنيفة ): 1 / 234، مكتبة الكوثر، الرياض.

- والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد ): ( 3 / 390 ) و ( 9 / 376 )، دار الكتب العلميّة، وغيرهم الكثير.

- مضافاً لِمَا تقدّم ذكره من ( سنن النسائي )، و ( تاريخ دمشق )، و ( مستدرك الحاكم ).


* الفضيلة الثالثة: قول الرسول في حقّه في حديث الغدير المعروف: ( مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ).

وهذا الحديث لا يخفى على أحد، فهو كالشمس في رابعة النهار، صحيحٌ متواتر رواه الجمّ الغفير عن الجمّ الغفير في مختلف الأزمنة والأعصار، وأخرجه أئمّة الحديث وكبار الحفّاظ في كتبهم ومسانيدهم.

و للحديث زيادات في الألفاظ من قبيل قول النبي: ( أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم )، أو قوله: ( اللّهم والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه ) وغيرها. لذا سنذكر طرفاً من ذلك ونشير إلى مَن صحّحه من علماء أهل السنّة:

- فقد أخرج النسائي في ( خصائص أمير المؤمنين ) بسنده إلى زيد بن أرقم، قال: ( لمّا رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حجّة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقُمِمْنَ، ثمّ قال: ( كأنّي قد دُعيتُ فأجبتُ، إنّي تركتُ فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يَرِدَا عليّ الحوض )، ثمّ قال: ( إنّ الله مولاي، وأنا وليّ كلّ مؤمن )، ثمّ أخذ بيد علي فقال: ( مَن كنتُ وليّه، فهذا وليّه، اللّهم والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداه )، فقلتُ لزيد: سمعتَه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال: ما كان في الدوحات أحدٌ إلاّ رآه بعينيه وسمعه بأذنيه ) (1) .

وأخرجه الحاكم في ( المستدرك ) (2) ، وابن أبي عاصم في ( السنّة ) (3)،

____________________

(1) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 71 - 72، المكتبة العصريّة.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3 / 109، دار المعرفة.

(3) السنة: 630، المكتب الإسلامي، بيروت.


والطبراني في ( الكبير ) (1) .

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخَين ولم يخرجاه بطوله) (2) .

- وأورده ابن كثير في ( البداية والنهاية ) وقال: ( قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وهذا حديث صحيح ) (3) .

- وعن أبي الطفيل ( عامر بن واثلة ) قال: ( جمع عليٌّ - رضي الله تعالى عنه - الناسَ في الرحبة، ثمّ قال لهم: أنشد الله كلّ امرئ مسلم سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول يوم غدير خم ما سمع لمّا قام، فقام ثلاثون من الناس ( وفي رواية: فقام ناس كثير ) فشهدوا حين أخذ بيده فقال للناس: أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: مَن كنتُ مولاه فهذا مولاه، اللّهم والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداه، قال ( يعني الصحابي أبا الطفيل ) فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً، فلقيت زيد بن أرقم، فقلتُ له: إنّي سمعتُ عليّاً رضي الله عنه يقول كذا وكذا، قال: فما تنكر، قد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول ذلك له ).

أخرجه أحمد في ( المسند ) (4) ، والنسائي في ( الخصائص ) (5) ، وابن حبّان في

____________________

(1) المعجم الكبير: 5 / 166، دار إحياء التراث العربي.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3 / 109، دار المعرفة.

(3) البداية والنهاية: 5 / 228 - 229، مؤسّسة التاريخ العربي.

(4) مسند أحمد: 4 / 370، دار صادر.

(5) خصائص أمير المؤمنين بتحقيق آل زهوي: 82، المكتبة العصريّة.


( صحيحه ) (1) ، والهيثمي في ( موارد الظمآن ) (2) ، وغيرهم.

قال الهيثمي في ( مجمع الزوائد ): ( رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة ) (3) .

قال الألباني: ( وإسناده صحيح على شرط البخاري ) (4)

قال الداني بن منير آل زهوي: ( إسناده صحيح ) (5) .

- وعن رياح بن الحارث قال: ( جاء رهط إلى علي بالرحبة، فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم غدير خم يقول: مَن كنتُ مولاه فإنّ هذا مولاه، قال رياح: فلمّا مضوا تبعتُهم فسألتُ مَنْ هؤلاء؟ قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيّوب الأنصاري ).

أخرجه أحمد في ( المسند ) (6) ، والطبراني في ( الكبير ) (7) .

قال الهيثمي: ( رواه أحمد والطبراني...، ورجال أحمد ثقات ) (8) .

____________________

(1) صحيح ابن حبّان: 15 / 376، مؤسّسة الرسالة.

(2) موارد الظمآن: 544، دار الكتب العلميّة، بيروت.

(3) مجمع الزوائد: 9 / 104، دار الكتب العلميّة.

(4) سلسلة الأحاديث الصحيحة: 4 / 331، حديث رقم: 1750، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض.

(5) خصائص أمير المؤمنين للنسائي بتحقيق آل زهوي: 82، المكتبة العصريّة.

(6) مسند أحمد: 5 / 419، دار صادر.

(7) المعجم الكبير: 4 / 174، دار إحياء التراث العربي.

(8) مجمع الزوائد: 9 / 104، دار الكتب العلميّة.


وقال الشيخ الألباني: ( وهذا إسناد جيّد، رجاله ثقات ) (1) .

- ولهذا الخبر تتمّة أيضاً، ففي وقعة صفّين للحافظ الثقة إبراهيم بن ديزيل: ص 165 - 166: ( حدّثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال: حدّثنا ابن فضيل، قال: حدّثنا الحسن بن الحكم النخعي، عن رياح بن الحارث النخعي قال: كنتُ جالساً عند علي ( عليه السلام ) إذْ قدم عليه قوم متلثّمون، فقالوا: السلام عليك يا مولانا، فقال لهم: أولستم قوماً عرباً: قالوا: بلى، ولكنّا سمعنا رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول يوم غدير خم: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله.

قال: فلقد رأيتُ عليّاً ( عليه السلام ) ضحك حتّى بدت نواجذه، ثمّ قال: اشهدوا، ثمّ إنّ القوم مضوا إلى رحالهم فتبعتهم، فقلت لرجل منهم: مَن القوم؟ قالوا: نحن رهط من الأنصار، وذاك - يعنون رجلاً منهم - أبو أيّوب صاحب منزل رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، قال: فأتيتُه فصافحتُه ) (2) ، وهذه الرواية معتبرة سنداً، فإبراهيم بن ديزل، قال فيه الذهبي: ( الإمام الحافظ الثقة العابد... ) (3) .

وقال أيضاً: ( قال صالح بن أحمد الحافظ: سمعت أبي، سمعت علي بن عيسى يقول: إنّ الإسناد الذي يأتي به إبراهيم لو كان فيه أنْ لا يؤكل الخبز، لوجَبَ أنْ لا يؤكل لصحّة إسناده ) (4) .

____________________

(1) سلسلة الأحاديث الصحيحة: 4 / 340، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.

(2) ونقل هذا الخبر عن كتاب ( وقعة صفّين ) لإبراهيم بن ديزل، ابن أبي الحديد في ( شرح النهج ): 3/208، دار الكتب العلميّة المصوّرة على طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.

(3) سير أعلام النبلاء: 13 / 184، مؤسّسة الرسالة.

(4) المصدر نفسه: 13 / 188.


ويحيى بن سليمان الجعفي: قال الذهبي: ( صويلح ) (1) . وأقل حالاته أنْ يكون حديثه حسناً، مع أنّ الألباني وثّقه باعتباره من رجال البخاري كما في ( إرواء الغليل ) (2) .

ومحمّد بن فضيل الحافظ وثّقه الذهبي في ( الكاشف ) (3) ، وقال عنه الألباني: ( هو ثقة من رجال الشيخين ) (4) .

والحسن بن الحكم النخعي: قال عنه أبو حاتم: ( صالح الحديث ) (5) ، ووثّقه الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) (6) .

ورياح ابن الحارث النخعي: تقدّم في الحديث السابق توثيق الهيثمي والألباني له. فالحديث حسن على أقل تقدير.

ولحديث الغدير طرق عديدة جدّاً وبعض فقراته متواترة. قال الذهبي معقّباً على أحد طرق ( مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه ): ( هذا حديث حسن عالٍ جدّاً، ومتنه فمتواتر ) (7) .

وقال شمس الدين الجزري حول أحد الطرق: ( هذا حديث حسن من هذا الوجه، صحيح من وجوه كثيرة، تواتر عن أمير المؤمنين علي، وهو متواتر

____________________

(1) الكاشف: 3 / 244، دار الفكر.

(2) إراواء الغليل: 4 / 194، المكتب الإسلامي، بيروت.

(3) الكاشف: 3 / 71، دار الفكر.

(4) سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2 / 89، مكتبة المعارف، الرياض.

(5) انظر: ( الكاشف ) للذهبي: 1 / 175، دار الفكر.

(6) مجمع الزوائد: ( 5 / 246 ) و ( 8 / 104 )، دار الكتب العلميّة.

(7) سير أعلام النبلاء: 8 / 335، مؤسّسة الرسالة.


أيضاً عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، رواه الجمّ الغفير عن الجمّ الغفير، ولا عبرة بمَن حاول تضعيفه ممّن لا اطلاع له في هذا العلم (1) ، فقد ورد مرفوعاً عن... ) وذكر نحو ثلاثين صحابيّاً (2) .

وقال الألباني في ( الصحيحة ) في تصحيحه للحديث ( مَن كنتُ مولاه، فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه ): ( وجملة القول أنّ حديث الترجمة حديث صحيح بشطرَيه (3) ، بل الأوّل منه متواتر عنه صلّى الله عليه وسلّم كما يظهر لِمَنْ تتبّع أسانيده وطرقه، وما ذكرت منها كفاية ).

إلى أنْ قال: ( إذا عرفت هذا، فقد كان الدافع لتحرير الكلام على الحديث وبيان صحّته أنّني رأيتُ شيخ الإسلام ابن تيميّة قد ضعّف الشطر الأوّل من الحديث، وأمّا الشطر الآخر فزعم أنّه كذب، وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري مِن تسرّعه في تضعيف الأحاديث قبل أنْ يجمع طرقها ويدقّق النظر فيه ) (4) . وسنعود في آخر هذا البحث لنقف مع ما ضعفه الألباني من هذا الحديث فانتظر.

وقال الداني بن منير آل زهوي: ( فحديث المولاة حديث صحيح ثابت، بل

____________________

(1) يظهر أنّها إشارة إلى ابن تيمية الحرّاني الذي ضعّف الحديث.

(2) أسنى المطالب في مناقب سيّدنا علي بن أبي طالب: 48.

(3) يعني بالشطر الأوّل: ( مَن كنت مولاه، فعلي مولاه )، وبالشطر الثاني: ( اللّهم والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه ).

(4) سلسلة الأحاديث الصحيحية: 4 / 343 - 344، التعليق على الحديث رقم: 1750، مكتبة المعارف، الرياض.


هو متواتر كما قال الألباني في ( الصحيحة ) ( 4 / 343 ). أمّا قول ابن تيمية في المنهاج ( 4/104 ): ( أنّه كذب مخالف للقواعد الحديثيّة ) فهو مردود عليه... أقول: مَن تتبّع طرق هذا الحديث علم أنّها صحيحة كالشمس، في أغلبها ومنها الحسن، والضعيف فيها قليل، والحديث صحيح لا شكّ في ذلك كما مرّ ) (1) .

وأمّا دلالة الحديث:

فقد قال أهل السنّة أنّ المراد من المولاة هنا النصرة، وليست من الخلافة والإمامة في شيء، بينما تذهب الشيعة إلى أنّ المراد من الولاية هي الأولويّة في التصرّف في شؤون الأمّة الثابتة للنبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بنصّ الآية: ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) ، ولهم في ذلك شواهد وقرائن من الأخبار الصحيحة الناقلة للخبر، نقتصر منها على خصوص ما ذكرناه من الروايات:

1 - إنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قرن بين حديث الثقلَين وحديث الغدير، وواضح أنّ حديث الثقلين يدلّ على وجوب التمسّك بالعترة، فما اقترانه بحديث الموالاة إلاّ إشارة جليّة إلى أنّ أوّل مَن يُتمسك به مِن العترة هو علي بن أبي طالب ( عليه السلام )، وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك في حديث الثقلَين.

2 - تأكيد النبي أولويّته من أنفس المؤمنين ثمّ إثباته الولاية لعلي، فقال في بعضها: ( أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم )، وفي ذلك دلالة واضحة في أنّ النبي يريد نقل هذه الولاية الثابتة له إلى علي ( عليه السلام ).

____________________

(1) خصائص أمير المؤمنين للنسائي بتحقيق آل زهوي: 78، المكتبة العصريّة.


3 - عرفنا أنّ الصحابي أبا الطفيل ( عامر بن واثلة ) عندما سمع شهادة الصحابة لعلي بالولاية صار في نفسه شيء وسأل زيد بن أرقم عمّا سمع، فأخبره زيد بصحّة ذلك، ولا وجه لهذا الاستنكار لو لا فهم أبي الطفيل أنّ المراد من الولاية هي الأولوية في التصرّف؛ لأنّه معلوم عند الكلّ أنّ عليّاً ناصر المؤمنين، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، فتشكيك أبي الطفيل فيه دلالة واضحة على أنّ المفهوم من هذه الواقعة هو تولّي علي ( عليه السلام ) الإمامة والخلافة الإسلاميّة.

4 - عرفنا في آخر خبرَين ذكرناهما أنّ قوماً من الأنصار سلّموا على علي ( عليه السلام ) بقولهم ( السلام عليك يا مولانا ).

فأجاب الإمام علي بشكل يلفت الناس ويذكرّهم بأنّه الولي والخليفة بنصّ الرسول فقال: ( كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ )، أو ( أولستم قوماً عرب )، والمعنى أنتم قوم عرب أحرار ولستم عبيداً، فكيف أكون وليّاً عليكم وسيّداً لكم وأولى بالتصرّف من أنفسكم.

فقالوا: سمعنا رسول الله يقول يوم غدير خمّ وذكروا الحديث.

فلمّا سمع علي ( عليه السلام ) ذلك منهم ضحك حتّى بدت نواجذه وقال: اشهدوا. ومن الواضح أنّه لا معنى لأنْ يُشهِدهم على أنّه ناصر المؤمنين بعد طيلة هذه السنين من جهاده ( عليه السلام ) ومعرفة كلّ الناس أنّ المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ولم يشكّ أحدٌ في أنّ عليّاً ناصر المؤمنين؛ لذا فمن سلامهم عليه بالولاية وجوابه لهم بتلك الطريقة من التساؤل، ثمّ إشهادهم على ذلك يتّضح أنّ المراد من الولاية والمفهوم منها عند الصحابة هي الأولويّة في التصرّف من النفس،


وهي تعني الإمامة الإسلاميّة العامّة.

بقي في هذه الفضيلة شيء أحببنا التنويه إليه وهو:

أنّ الألباني في ( الصحيحة ) أنكر صحّة ذيل بعض الطرق وهو قوله: ( وانصرْ مَن نصره، واخذلْ مَن خذله ) فقال: ( ففي ثبوته عندي وقفة؛ لعدم ورود ما يجبر ضعفه، وكأنّه رواية بالمعنى للشطر الآخر من الحديث: ( اللّهم والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه ) ومثله قول عمر لعلي: ( أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلّ مؤمن ومؤمنة ) لا يصح أيضاً؛ لتفرّد علي بن زيد به كما تقدّم ) (1) .

قلت:

أمّا قوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( وانصرْ مَن نصره، واخذلْ مَن خذله ) فقد ورد بإسناد حَسَن وهو الخبر الأخير الذي ذكرناه من كتاب ( وقعة صفّين ) لابن ديزيل، ونقله عنه ابن أبي الحديد في ( شرح النهج )، ويبدو أنّ هذا الطريق خفيّ على الألباني، بل وردت هذه الألفاظ بطريق صحيح أيضاً، كما نقل ذلك الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) عن البزّار بسنده إلى عمر بن ذي مر، وسعيد بن وهب، وزيد بن بثيع، قالوا: ( سمعنا عليّاً يقول: نشدتُ الله رجلاً سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول يوم غدير خم لمّا قام، فقام ثلاثة عشر رجلاً فشهدوا أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فأخذ بيد علي فقال: مَن كنتُ مولاه فهذا مولاه، اللّهم والِ مَن ولاهُ، وعادِ مَن عاداهُ، وأحب مَن أحبّه، وأبغض مَن يبغضه، وانصرْ مَن نصره، واخذلْ مَن خذله ).

قال الهيثمي: ( رواه البزّار، ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو

____________________

(1) الصحيحة: 4 / 344، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض.


ثقة ) (1) .

وأمّا قول عمر لعلي، فلم يتفرّد به علي بن زيد كما ادّعى الألباني، بل رواه غيره أيضاً، قال ابن كثير في ( البداية والنهاية ): قال الحافظ أبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان: ثنا هدبة، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد وأبي هارون عن عدي بن ثابت عن البرّاء، وذكر الحديث الذي في ذيله: ( فلقيه عمر بن الخطّاب فقال: هنيئاً لك أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلّ مؤمن ومؤمنة ) (2) .

مضافاً إلى أنّ الخطيب أخرجه بألفاظ متقاربة في ( تاريخ بغداد ) بسند آخر ينتهي إلى أبي هريرة، جاء فيه: ( فقال عمر بن الخطّاب بخٍ بخٍ لك يابن أبي طالب أصبحتَ مولاي ومولى كلّ مسلم ).

ثمّ إنّ قول عمر صحّحه العلاّمة الحنفي سبط ابن الجوزي (3) في ( تذكرة الخواص ) (4) .

وأقرّ بصحته الغزالي، بل علّق عليه بما يدلّ على تخلّيه عن مذهبه والتحاقه بمدرسة أهل البيت، فقد ذكر الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ): ( ولأبي

____________________

(1) مجمع الزوائد: 9 / 105، دار الكتب العلميّة.

(2) البداية والنهاية: 5 / 229، مؤسّسة التاريخ العربي.

(3) قال عنه الذهبي: ( الشيخ، العالم، المتفنّن، الواعظ، البليغ، المؤرّخ، الأخباري، واعظ الشام )، انظر: ترجمته في ( سير أعلام النبلاء ): 23 / 296، مؤسّسة الرسالة، و ( تاريخ الإسلام ): حوادث وفيات ( 651 - 660 ) ص 183، دار الكتاب العربي.

(4) تذكرة الخواص: 36، مؤسّسة أهل البيت، بيروت.


المظفّر يوسف سبط ابن الجوزي في كتاب ( رياض الأفهام في مناقب أهل البيت ) قال: ذكر أبو حامد في كتابه ( سرّ العالمين وكشْف ما في الدارَين ) فقال في حديث ( مَن كنتُ مولاه، فعليّ مولاه ): إنّ عمر قال لعلي: بَخٍ بَخٍ، أصبحتَ مولى كلّ مؤمن ومؤمنة. قال أبو حامد: وهذا تسليم ورضا، ثمّ بعد هذا غلب عليه الهوى حبّاً للرياسة، وعقد البنود، وأمر الخلافة ونهيها، فحملهم على الخلاف، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون، وسرد كثيراً من هذا الكلام الفسل الذي تزعم الإماميّة، وما أدري ما عذره في هذا؟ والظاهر أنّه رجع عنه وتبع الحقّ، فإنّ الرجل مِن بحور العلم، والله أعلم ) (1) .

وليت الذهبي يخبرنا كيف استظهر أنّ الغزالي رجع عن هذا القول؟! إذن، فما أنكر الألباني ثبوته غير صحيح نكتفي بما أشرنا من التصحيح خوف الإطالة.

* الفضيلة الرابعة: في أنّه وليّ كلّ مؤمنٍ بعد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلّم ):

- أخرج الترمذي في ( سننه ) باب مناقب علي بن أبي طالب، بسنده إلى عمران بن حصين قال: ( بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جيشاً واستعمل عليهم علي بن أبي طالب، فمضى في السريّة فأصاب جارية فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: إذا لقينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخبرناه بما صنع علي، وكان المسلمون إذا رجعوا من السفر بدأوا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسلّموا عليه ثمّ انصرفوا إلى رحالهم، فلمّا قَدِمَتْ السريّة سلّموا على النبي صلّى الله عليه

____________________

(1) سير أعلام النبلاء: 19 / 328، مؤسّسة الرسالة.


وسلّم، فقام أحدُ الأربعة فقال: يا رسول الله، ألم ترَ إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا، فأعرض عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ قام الثاني فقال مثل مقالته، فأعرض عنه، ثمّ قام الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه، ثمّ قام الرابع فقال مثل ما قالوا، فأقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والغضب يُعرَف في وجهه، فقال: ( ما تريدون من علي؟ ما تريدون من علي؟ ما تريدون من علي؟ إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي ) ) (1) .

وأخرجه النسائي في ( الخصائص ) (2) ، وأبو يعلى في ( مسنده ) (3) ، وابن حبّان في ( صحيحه ) (4) ، وغيرهم.

قال الترمذي: ( حديث حسن غريب لا نعرفه إلاّ من حديث جعفر بن سليمان ) (5) ، وتعقبّه الألباني قائلاً: ( قلتُ: وهو ثقة من رجال مسلم وكذلك سائر رجاله، ولذلك قال الحاكم: ( صحيح على شرط مسلم ) وأقرّه الذهبي (6) ، والحديث قوّاه ابن حجر في ( الإصابة ) (7) أيضاً.

- و أخرج أحمد في ( مسنده ) من طريق الأجلح الكندي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: ( بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعثَين إلى اليمن،

____________________

(1) سنن الترمذي: 5 / 632، دار إحياء التراث.

(2) خصائص الإمام علي للنسائي: 79، المكتبة العصريّة.

(3) مسند أبي يعلى: 1 / 293، دار المأمون للتراث.

(4) صحيح ابن حِبّان: 15 / 374، مؤسّسة الرسالة.

(5) سنن الترمذي: 5 / 632، دار إحياء التراث.

(6) سلسلة الأحاديث الصحيحة: 5 / 261، حديث رقم: 2223، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.

(7) الإصابة: 4 / 468، دار الكتب العلميّة، بيروت.


على أحدهما علي بن أبي طالب وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال إذا التقيتم فعليّ على الناس وإنْ افترقتما فكلّ واحد منكما على جُنْدِهِ، فلقينا بني زيد من أهل اليمن فاقتتلنا فظهر المسلمون على المشركين فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، فاصطفى علي امرأة من السبي لنفسه، قال بريدة فكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخبره بذلك، فلمّا أتيتُ النبي صلّى الله عليه وسلّم دفعتُ الكتاب، فقُرِئَ عليه فرأيتُ الغضب في وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلتُ يا رسول الله هذا مكان العائذ، بعثتني مع رجل وأمرتني أنْ أطيعه ففعلتُ ما أرسلتَ به، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( لا تقع في علي؛ لأنّه منّي وأنا منه، وهو وليّكم بعدي، وأنّه منّي وأنا منه، وهو وليّكم بعدي ) ) (1) .

قال الألباني: إسناده حَسَن، رجاله ثقات، رجال الشيخين غير الأجلح وهو ابن عبد الله الكندي، فمختلف فيه، وفي ( التقريب ): ( صدوق شيعي ) (2) ، وقال حمزة أحمد الزين محقِّق كتاب ( مسند أحمد ) (3) : إسناده صحيح، وأجلح الكندي هو ابن عبد الله، موثق وحديثه في السنن وأدب البخاري، والحقّ كما قال.

- وأخرج أبو داود الطيالسي بسنده إلى ابن عبّاس، قال: ( إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: ( أنت وليّ كلّ مؤمنٍ بعدي ) ) (4) .

____________________

(1) مسند أحمد: 5 / 356، دار صادر.

(2) سلسلة الأحاديث الصحيحة: 5 / 262، مكتبة المعارف، الرياض.

(3) مسند أحمد بتحقيق أحمد الزين: 16 / 497، دار الحديث، القاهرة.

(4) مسند أبي داود الطيالسي: 360، دار الحديث، بيروت.


وأخرجه أحمد في ( مسنده ) (1) ، ومن طريقه الحاكم في ( مستدركه ) (2) .

قال الحاكم: ( صحيح الإسناد ) ووافقه الذهبي (3) .

ووافقهما الألباني بقوله: وهو كما قالا (4) .

وقال أحمد محمّد شاكر: ( إسناده صحيح ) (5) .

فاتّضح أنّ هذا الحديث صحيح، بل كلّ الزيادات التي تقدّمت فيه معتبرة أيضاً، وقد ذكرنا تصحيح العلماء لها. وفي الحديث دلالة على أنّ عليّاً هو الخليفة والإمام بعد رسول الله ولا يمكن أنْ تكون لفظة الولي هنا بمعنى النصرة؛ لأنّ عليّاً ناصر المؤمنين حتّى في حياة رسول الله، فماذا يعني تقييد رسول الله الولاية بالبعديّة بقوله ( أنت وليّ كلّ مؤمنٍ بعدي ) أو ( من بعدي ) فلا شكّ أنّ الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أراد بهذه الولاية الأولويّة في التصرّف في شؤون الأمّة، خصوصاً إنّ هذه العبارة جاءت - في بعض ما تقدّم - ردّاً على اعتراض بعض الصحابة على علي ( عليه السلام )؛ لأنّه اصطفى جارية لنفسه، ومن غير الخفي على كلّ ذي لبٍّ أنّ اصطفاء الجارية أمر يتعلّق وينسجم مع الأولويّة في التصرّف لا مع النصرة؛ إذ لا علاقة بين كون شخص ناصر المسلمين، وبين أنْ يكون له حقّ الاصطفاء؛ لذا غضب النبي على الصحابة وأوضح مقام

____________________

(1) مسند أحمد: 1 / 330 - 331، دار صادر.

(2) المستدرك على الصحيحَين: 3 / 132 - 134، دار المعرفة.

(3) المصدر نفسه: 3 / 132 - 134.

(4) سلسلة الأحاديث الصحيحة: 5 / 263، مكتبة المعارف، الرياض.

(5) مسند أحمد بتحقيق أحمد محمّد شاكر: 3 / 333، دار ا لحديث، القاهرة.


علي قائلا: ما تريدون من علي ثلاثاً، إنّ عليّاً منّي وأنا منه، أي أنا وهو نفسٌ واحدةٌ، له ما لي من حقّ التصرّف، وهو وليّ كلّ مؤمنٍ بعدي.

* الفضيلة الخامسة: في أنّه من النبي بمنزلة هارون من موسى:

- أخرج البخاري في ( صحيحه ) بسنده إلى سعد بن أبي وقّاص قال: ( قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعلي: ( أَمَا ترضى أنْْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ) ) (1) .

- وأخرجه مسلم بسنده إلى سعيد بن المسيّب عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه قال: ( قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: ( أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي )، قال سعيد: فأحببت أنْ أشافه بها سعداً، فلقيتُ سعداً فحدّثته بما حدّثني عامر، فقال أنا سمعتُه، فقلتُ: أنت سمعتَه، فوضع أصبعيه على أذنيه فقال: نعم، وإلاّ فاستكتا ) (2) .

وقد روى هذا الحديث عدّة من الصحابة وهو متّفق على صحّته ولا نرى ضرورة لأنْ نتتبّع طرقه ونلحظ تصحيح العلماء له بعد أنْ اتّفق عليه الشيخان، فنقتصر على نقل قول شمس الدين ابن الجزري حيث قال في ( أسنى

____________________

(1) صحيح البخاري: 4 / 208، دار الفكر، بيروت.

( 2) صحيح مسلم، باب فضائل علي: 7 / 120، دار الفكر. وانظر: حديث المنزلة بألفاظه المختلفة في كلٍّ من:

- ( سنن ابن ماجة ): 1 / 45، دار الفكر.

- و ( سنن الترمذي ): 5 / 302 - 304، دار الفكر.

- و ( السنن الكبرى ) للنسائي: 5 / 44 - 45 - 108 - 113 - 120 - 121 - 122، وغيرها، دار الكتب العلميّة.

- و ( صحيح ابن حِبّان ): 15 / 16 - 369 - 371، مؤسّسة الرسالة.

- و ( مستدرك الحاكم ): 3/( 108 - 109 ) و ( 132 - 134 )، دار المعرفة، وغيرها من المصادر الحديثيّة الكثيرة جدّاً.


المطالب ): ( متّفق على صحّته بمعناه من حديث سعد بن أبي وقاص، قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: وقد روى هذا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جماعة من الصحابة، منهم: عمر، وعلي، وابن عبّاس، وعبد الله بن جعفر، ومعاذ، ومعاوية، وجابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، وأبو سعيد، والبرّاء بن عازب، وزيد بن أرقم، وزيد بن أبي أوفى، ونبيط بن شريط، وحبشي بن جنادة، وماهر بن الحويرث، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وأمّ سلمة، وأسماء بنت عميس، وفاطمة بنت حمزة ) ثمّ ذكر طرقها كلّه بأسانيده في ( تاريخ دمشق ) (1) ، وبعد أنْ اتّضح أنّه لا يمكن المناقشة في سند الحديث (2) ، نقول: إنّ في الحديث دلالة واضحة على أنّ الخليفة بعد النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) هو علي ( عليه السلام )؛ لأنه من النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بمنزلة هارون من موسى، ومعلوم أنّ إحدى منازل هارون من موسى هي الخلافة، فيكون علي ( عليه السلام ) هو خليفة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

إنْ قال قائل: إنّ خليفة موسى هو يوشع؛ لأنّ هارون مات في زمن موسى.

قلت: إن الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بَيَّنَ أنّ منزلة علي منه هي منزلة هارون من موسى، ولم

____________________

(1) أسنى المطالب في مناقب سيّدنا علي بن أبي طالب: 53.

(2) وننوّه إلى أنّ الحديث مضافاً لصحّته فهو متواتر؛ لذا ذكره الكتّاني في كتابه ( نظم المتناثر من الحديث المتواتر )، وبعد أنْ ذكر عدّة من الصحابة الذين رووه قال: ( وفي شرح الرسالة للشيخ جسوس رحمه الله ما نصّه: وحديث: ( أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ) متواتر جاء عن نيّف وعشرين صحابيّاً واستوعبها ابن عساكر في نحو عشرين ورقة )، ( نظم المتناثر من الحديث المتواتر ): 195، دار الكتب السلفيّة، مصر.


يقل إنّ ما يحصل لهارون يحصل لعلي؛ ولذا فإنّ هارون مات في زمن موسى لكنّ علي ( عليه السلام ) لم يمت في زمن النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، فلو فرض أنّ هارون بقي حيّاً لكان هو الخليفة من دون شكّ أو تردّد، فهكذا علي يكون هو الخليفة بعد النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

هذه لمحة موجزة لدلالة الحديث والتفاصيل في الكتب المختصّة بذلك.

* الفضيلة السادسة: في أنّ طاعته طاعة للنبي محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، ومعصيته معصية له:

أخرج الحاكم في ( المستدرك ) بسنده إلى أبي ذر، قال: قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصا الله، ومَن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومن عصى عليّاً فقد عصاني ) (1) . وأخرجه ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) (2) ، وأورده المتّقي الهندي في ( كنز العمال ) (3) .

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ووافقه الذهبي (4) .

والحديث يدلّ دلالة صريحة وواضحة على عصمة علي ( عليه السلام ) من الخطأ والزلل، وأنّ كلّ أفعاله وأقواله مطابقة للشريعة المقدّسة؛ لذا صارت طاعته طاعة للنبي وهي طاعة لله، ومعصيته معصية للنبي وهي معصية لله، ولو لم يكن كذلك، لَمَا أطلق النبي قوله هذا فيه، وهو مُسدَّد من السماء ولا ينطق

____________________

(1) المستدرك على الصحيحَين: 3 / 121، دار المعرفة.

(2) تاريخ دمشق: 42 / 306 - 307، دار الفكر.

(3) كنز العمال: 11 / 614، حديث رقم: 32973، مؤسّسة الرسالة.

(4) المستدرك وبهامشه ( تلخيص المستدرك ) للذهبي: 3 / 121، دار المعرفة.


عن الهوى إنْ هو إلاّ وحي يوحى.

* الفضيلة السابعة: في أنّه مع الحقّ والحقُّ معه:

- أخرج أبو يعلى في ( مسنده ) عن أبي سعيد: أنّ عليّاً مرّ فقال النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( الحقُّ مع ذا، الحقّ مع ذا ) (1) .

وأخرجه ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) (2) .

وأورده المتّقي الهندي في ( كنز العمال ) (3) .

قال الهيثمي في ( مجمع الزوائد ): ( رواه أبو يعلى ورجاله ثقات ) (4) .

- وعن علي ( عليه السلام )، قال: قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( رحم الله عليّاً، اللّهم أَدِرْ الحقَّ معه حيث دار ).

أخرجه الترمذي في ( سننه ) (5) ، وأبو يعلى في ( مسنده ) (6) ، والطبراني في ( الأوسط ) (7) ، والحاكم في ( المستدرك ) (8) ، وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) (9) ، وغيرهم.

____________________

(1) مسند أبي يعلى: 2 / 318، دار المأمون للتراث.

(2) تاريخ دمشق: 42 / 449، دار الفكر.

(3) كنز العمال: 11 / 621، مؤسّسة الرسالة.

(4) مجمع الزوائد: 7 / 235، دار الكتب العلميّة.

(5) سنن الترمذي: 5 / 297، دار الفكر.

(6) مسند أبي يعلى: 1 / 419، حديث: 550، دار المأمون للتراث.

(7) المعجم الأوسط: 6 / 95، دار الحرمين.

(8) المستدرك على الصحيحَين: 3 / 124، دار المعرفة.

(9) تاريخ دمشق: ( 30 / 63 ) و ( 42 / 448 ) و ( 44 / 139 ).


وصحّح هذا الحديث: الحاكم في ( المستدرك ) (1) ، وأبو منصور ابن عساكر الشافعي في ( الأربعين في مناقب أمّهات المؤمنين ) (2)، والسيوطي في ( الجامع الصغير )، كما في ( فيض القدير ) (3) للمناوي.

وأرسله الفخر الرازي إرسال المسلّمات، فقال في تفسيره: ( ومَن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل عليه قوله ( عليه السلام ): ( اللّهم أدر الحقّ مع علي حيث دار ) ) (4) .

- وأخرج الخطيب في ( تاريخ بغداد ) بسنده إلى أبي ثابت مولى أبي ذر قال: ( دخلتُ على أمّ سلمة فرأيتها تبكي وتذكر عليّاً وقالت: سمعتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ( علي مع الحقّ والحقُّ مع علي، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض يوم القيامة ) (5) ، وأخرجه ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) (6) .

- وحديث أمّ سلمة هذا سمعه سعد بن أبي وقاص في دارها، قال: إنّي سمعتُ رسول الله يقول: ( علي مع الحقّ أو الحقّ مع علي حيث كان ) (7) .

____________________

(1) مستدرك الحاكم: 3 / 125، دار المعرفة.

(2) الأربعين في مناقب أمّهات المؤمنين: 86، حديث رقم: 24، دار الفكر.

(3) فيض القدير: 4 / 25، دار الكتب العلميّة.

(4) تفسير الفخر الرازي: مجلّد1 / ج1 / ص210، دار الفكر.

(5) تاريخ بغداد: 14 / 322، دار الكتب العلميّة.

(6) تاريخ دمشق: 42 / 449، دار الفكر.

(7) جاء في صدر الحديث: ( إنّ فلاناً [ وهو معاوية ] دخل المدينة حاجّاً فأتاه الناس يسلّمون عليه، فدخل سعد فسلّم، فقال: وهذا لم يعنّا على حقّنا على باطل غيرنا. قال فسكت عنه، فقال: مالكَ لا تتكلّم؟ فقال: هاجت فتنة وظلمة فقلتُ لبعيري! أخ أخ، فأنختُ حتّى انجلت، فقال رجل: إنّي =


فقال له رجل [ وهو معاوية ]: مَنْ سمع ذلك؟

قال سعد: قاله في بيت أمّ سلمة.

قال: فأرسل إلى أمّ سلمة فسألها، فقالت: قد قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بيتي.

فقال الرجل لسعد: ما كنتُ عندي قط ألومُ منك الآن.

فقال: ولمَ؟

قال: لو سمعت هذا من النبي صلّى الله عليه وسلّم لم أزل خادماً لعلي حتّى أموت!

أورده الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) وقال: ( رواه البزّار وفيه سعد بن شعيب ولم أعرفه، وبقيّة رجاله رجال الصحيح ) (1) .

قال الشيخ الأميني: ( الرجل الذي لم يعرفه الهيثمي هو سعيد بن شعيب الحضرمي، قد خفي عليه لمكان التصحيف، ترجمه غير واحد بما قال شمس الدين إبراهيم الجوزجاني: إنّه كان شيخاً صالحاً صدوقاً، كما في خلاصة الكمال: ( ص118 ) وتهذيب التهذيب: ( 4 / 48 ) ) (2) .

فلا غبار على سند الحديث، إذن.

قال أبو القاسم البلخي وتلامذته: إنّه ( قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنّه قال: ( عليّ مع الحقّ والحقُّ مع علي، يدور حيثما دار ) ووافقهم ابن أبي الحديد على ذلك (3) .

____________________

= قرأتُ كتاب الله من أوّله إلى آخره فلم أرَ فيه أخ أخ! فقال: أمّا إذا قلتَ ذاك فإنّي سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ( علي مع الحقّ. .. ) الحديث.

(1) مجمع الزوائد: 7 / 235 - 236، دار الكتب العلميّة.

(2) الغدير: 3 / 177، دار الكتاب العربي.

(3) شرح نهج البلاغة: 2 / 296 - 297، دار الكتب العلميّة، مصوّرة على طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.


فاتّضح من جميع ما تقدّم في هذه الفضيلة أنّ الحقّ مع علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بنصّ قول النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، ودلالة ذلك لا تحتاج إلى بيان، فاقرأ وتدبّر!.

ومَن أراد التوسّع في طرق هذا الحديث ومصادره، فليراجع كتاب ( الغدير ) للشيخ الأميني (1) .

* الفضيلة الثامنة: في أنّه مع القرآن والقرآن معه:

- أخرج الحاكم بسنده إلى ثابت مولى أبي ذر قال: ( كنتُ مع علي رضي الله عنه يوم الجمل، فلمّا رأيتُ عائشة واقفة دخلني بعض ما يدخل الناس فكشف الله عنّي ذلك عند صلاة الظهر فقاتلتُ مع أمير المؤمنين، فلمّا فرغ ذهبتُ إلى المدينة فأتيتُ أمّ سلمة فقلتُ: إنّي والله ما جئتُ أسأل طعاماً ولا شراباً ولكنّي مولى لأبي ذر، فقالت: مرحباً، فقصصتُ عليها قصّتي، قالتْ: أين كنتَ حين طارت القلوب مطائرها؟ قلتُ: إلى حيث كشف الله ذلك عنّي عند زوال الشمس، قالت: أحسنت، سمعتُ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول: ( عليّ مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض ).

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح الإسناد ) ووافقه الذهبي (2) .

ولا يخفى أنّ هذا الحديث يتّفق مع ما سبقه بمعنى واحد، فإنّ كونه مع الحقّ يعني مع القرآن، وكونه مع القرآن يعني مع الحق، فالأحاديث مع كونها صحيحة لذاتها، فإنّها يُقوِّي بعضها بعضاً أيضاً.

____________________

(1) الغدير: 3 / 177 - 180، دار الكتاب العربي.

(2) المستدرك على الصحيحَين وبهامشه ( تلخيص المستدرك ) للذهبي: 3 / 124، دار المعرفة.


* الفضيلة التاسعة: في أنّ مَن فارقه فارق رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):

- أخرج الحاكم في ( المستدرك ) بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( يا علي، مَن فارقني فقد فارق الله، ومَن فارقك يا علي فقد فارقني ) (1) .

- وأخرجه: أحمد في ( فضائل الصحابة ) (2) ، وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) (3) ، وأخرجه أبو بكر الإسماعيلي في ( معجم شيوخه ) بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( مَن فارق عليّاً فارقني، ومَن فارقني فارق الله عزّ وجل ) (4) .

وأخرجه عن ابن عمر أيضاً، الطبراني في ( الكبير ) (5) .

قال الحاكم: ( صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) (6) .

قال الهيثمي: ( رواه البزّار ورجاله ثقات ) (7) .

أمّا الذهبي، فقد وافق الحاكم في التصحيح، لكنّه استنكر متن الحديث بقوله: ( بل منكر ) (8) .

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 3 / 123 - 124، دار المعرفة.

(2) فضائل الصحابة: 2 / 570، مؤسّسة الرسالة.

(3) تاريخ دمشق: 42 / 307، دار الفكر.

(4) معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي: 3 / 800، مكتبة العلوم والحكم.

(5) المعجم الكبير: 12 / 323، دار إحياء التراث العربي.

(6) المستدرك على الصحيحين: 3 / 124، دار المعرفة.

(7) مجمع الزوائد: 9 / 135، دار الكتب العلميّة.

(8) انظر: ( المستدرك ) وبهامشه ( تلخيص المستدرك ): 3 / 124، دار المعرفة.


وعلّق عبد الله بن الصدّيق الغُمَارِيّ على استنكار الذهبي بقوله: ( وإنّما استنكره الذهبي لأمرين: إنّ هذا اللفظ لم يرد في حقّ أحد الشيخَين، وإنّه يُفيد الطعن في معاوية وفرقته ) (1) .

وقد أوضح قبل هذا منهج الذهبي في الحُكم على الأحاديث بكونها موضوعة أو منكرة وهو ( فهمه أنّ الحديث يقتضي تفضيل علي على الشيخَين رضي الله تعالى عنهم، وعلى أساس هذا الفهم ردّ - هو وغيره - كثيراً من الأحاديث في فضل علي عليه السلام، وحكموا بوضعها، أو نكارتها، ولم يسلم من نقدهم بهذا الفهم إلاّ قليل وأيّد ذلك عندهم إنّ المبتدع إذا روى حديثاً يؤيّد بدعته تُردّ روايته، ونفّذوا هذه القاعدة بدقّة فيما يرويه الشيعة من فضائل علي ( عليه السلام )، بل يستنكرون الحديث الوارد في فضله، ولو لم يكن في سنده شيعي ) (2) ، ثمّ ساق الحديث المتقدّم وعلّق عليه بما ذكرناه، إذن فالذهبي وغيره لا يؤسّسون قواعدهم على أساس الأخذ من النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، بل إنّ لديهم قواعد مسبقة تتنافى مع ما صرّح به النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؛ لذا راحوا يردّون هذه الأحاديث الصحيحة سنداً عندهم والتي تدلّ على أفضليّة علي، وتوضّح مقامه الشريف، معتذرين عن ذلك بالوضع أو النكاره!!!

إذن، فالرواية السابقة صحيحة السند، ودلالتها صريحة في أنّ مفارِق عليّ ( عليه السلام ) مفارِق لله ولرسوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

____________________

(1) الرد على الألباني المبتدع: 6.

(2) المصدر نفسه: 6.


* الفضيلة العاشرة: في أنّ عليّاً من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ورسول الله مِن علي، ولا يؤدّي عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إلاّ علي ( عليه السلام ):

- أخرج ابن ماجة في ( سننه ) بسنده إلى حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( عليٌّ منّي وأنا مِن علي، ولا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو علي ) (1) .

وأخرجه الترمذي في ( سننه ) (2) ، والنسائي في ( سننه ) (3) ، وفي ( الخصائص ) (4) ، وأحمد في ( مسنده ) (5) ، وغيرهم.

والحديث صحّحه الترمذي في ( سننه ) (6) ، وحَسَّنهُ الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) (7) ، والألباني في ( صحيح الجامع الصغير ) (8) ، وفي تحقيقه على ( سنن ابن ماجة ) (9) ، كما قال بصحّته محقّقُ ( الخصائص ) الحويني الأثري (10) ، ومحقّق كتاب ( سير أعلام النبلاء )، مشيراً إلى أنّ رجاله رجال الشيخين (11) ، ومحقّق

____________________

(1) سنن ابن ماجة: 1 / 44، حديث رقم: 119.

(2) سنن الترمذي: 5 / 300، حديث رقم: 3803، دار الفكر.

(3) السنن الكبرى: 5 / 45، حديث رقم: 8147، دار الكتب العلميّة.

(4) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 67، المكتبة العصريّة.

(5) مسند أحمد: 4 / 164 - 165، دار صادر.

(6) سنن الترمذي: 5 / 300، دار الفكر.

(7) سير أعلام النبلاء: 8 / 212، مؤسّسة الرسالة.

(8) صحيح الجامع الصغير: 2 / 753، المكتب الإسلامي.

(9) سنن ابن ماجة تعليق الألباني: 1 / 75، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض.

(10) تهذيب خصائص الإمام علي بتحقيق الحويني الأثري: 67، دار الكتب العلميّة.

(50 ) سيرأعلام النبلاء: 8 / 212، أشرف على تحقيق الكتاب وخرّج أحاديثه شعيب الأرنؤوط، وحقّق هذا الجزء نذير حمدان، ط، مؤسّسة الرسالة.


كتاب ( مسند أحمد ) حمزة أحمد الزّين (1) .

- مضافاً إلى أنّ الشطر الأوّل للحديث ( علي منّي وأنا مِن علي ) قد ورد من طرق أخرى معتبرة تقدّمت الإشارة إليها في الفضيلة الرابعة، ونشير هاهنا إلى رواية عمران بن حصين إتماماً للفائدة، فقد أخرج النسائي في ( سننه )، وابن أبي عاصم في ( السنّة )، وغيرهم بسندهم إلى عمران بن حصين، قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ( إنّ علياً منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن من بعدي ) (2) .

قال الألباني: ( إسناده صحيح، رجاله ثقات على شرط مسلم، والحديث أخرجه الترمذي ( 2 / 297 )، وابن حِبّان ( 2203 )، والحاكم ( 3 / 110 - 111 )، وأحمد ( 4/437 ) من طرق أخرى عن جعفر بن سليمان الضبعي به، وقال الترمذي: ( حديث حسن غريب )، وقال الحاكم: ( صحيح على شرط مسلم )، وأقرّه الذهبي، وله شاهد من حديث بريدة مرفوعاً به، أخرجه أحمد ( 5 / 356 ) عن طريق أجلح الكندي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة وإسناده جيّد، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أجلح وهو ابن عبد الله بن جحيفة الكندي، وهو شيعي صدوق ) (3) .

فعليٌّ من رسول الله، ورسول الله من علي، هما نفس واحدة، ولهما

____________________

(1) انظر: ( المسند ) بتحقيق حمزة أحمد الزين: 13 / 394 - 395 - 396، أحاديث رقم: 17435 - 17439 - 17440 - 17441، دار الحديث، القاهرة.

(2) سنن النسائي: 5 / 45، حديث 8146، دار الكتب العلميّة. و( السنّة ): 550، المكتب الإسلامي.

(3) كتاب السنّة بتحقيق الألباني: 550، المكتب الإسلامي، بيروت.


خصائص ومميّزات معيّنة ثابتة لكليهما، سوى ما خرج من الأمور التي اختصّ بها النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كالنبوّة وأفضليّته على سائر البشر.

ولذا فإنّه لا يؤدّي عن رسول الله إلاّ علي ( عليه السلام )؛ لأنّه الوحيد الذي حمل صفات النبي وخصائصه ومميّزاته التي امتاز بها على الخلق، فيكون هو الخليفة على الأمّة والإمام لها ومرجعها في الشريعة المقدّسة وغير ذلك من وظائف الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وخصائصه؛ فكلّ ما ثبت للنبي محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يكون ثابتاً لعلي ( عليه السلام ).

وما تبليغ سورة براءة بيد علي إلاّ ضمن هذا المعنى المتقدّم. وخبر تبليغ براءة بيد علي ( عليه السلام ) خبر صحيح.

فقد أخرج الترمذي والنسائي وغيرهم بسندهم إلى أنس بن مالك قال: ( بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم ببراءة مع أبي بكر، ثمّ دعاه فقال: ( لا ينبغي لأحد أنْ يُبلغ هذا إلاّ رجل من أهلي، فدعا عليّاً فأعطاه إيّاه ) (1) .

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث أنس.

قال الحويني الأثري في تحقيقه على ( خصائص النسائي ): ( إسناده صحيح ) (2) .

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائده على ( المسند ) بسنده إلى علي قال: ( لمّا نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلّى الله عليه وسلّم، دعا النبي صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر، فبعثه بها ليقرأها على أهل مكّة، ثمّ دعاني النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال لي: أدرك أبا بكر، فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه

____________________

(1) سنن الترمذي: 4 / 339، دار الفكر، و( سنن النسائي ): 5 / 128، دار الكتب العلميّة.

(2) تهذيب خصائص الإمام علي بتحقيق الحويني الأثري: 67، دار الكتب العلميّة.


فاذهب به إلى أهل مكّة فاقرأه عليهم )، فلحقته بالجحفة، فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله نزل فيّ شيء؟ قال: لا، ولكنّ جبرائيل جاءني فقال: لن يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك ).

قال أحمد محمّد شاكر محقّق كتاب ( المسند ): ( إسناده حسن ) (1) .

و في ( الخصائص ) بسنده إلى زيد بن يثيغ عن علي ( عليه السلام ): ( إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بعث ببراءة إلى أهل مكّة مع أبي بكر، ثمّ أتبعه بعلي، فقال له: خذ الكتاب فامضِ به إلى أهل مكّة. قال: فلحقه فأخذ الكتاب منه، فانصرف أبو بكر، وهو كئيب، فقال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أنزَل فيّ شيء؟ قال: لا، إلاّ أنّي أمرتُ أنْ أبلّغه أنا أو رجل من أهل بيتي ).

قال أبو إسحق الحويني الأثري: ( صحيح ) (2) .

وأخرج أحمد في ( مسنده ) والحاكم في ( المستدرك ) بسندهما إلى ابن عباّس في حديث طويل جاء فيه: ( ثمّ بعثَ فلاناً بسورة التوبة فبعثَ عليّاً خلفه فأخذها منه، وقال [ يعني رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ]: ( لا يذهب بها إلاّ رجل منّي وأنا منه ) (3) .

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح الإسناد ) ووافقه الذهبي في ( التلخيص ) (4) .

____________________

(1) مسند أحمد بتحقيق أحمد محمّد شاكر: 2 / 135، حديث 1296، دار الحديث، القاهرة.

(2) تهذيب خصائص الإمام علي للنسائي بتحقيق الحويني الأثري: 68، دار الكتب العلميّة.

(3) مسند أحمد: 1 / 330 - 331، دار صادر، و ( المستدرك على الصحيحين ): 3 / 132 - 134، دار المعرفة.

(4) المستدرك على الصحيحين وبهامشه ( تلخيص المستدرك ): 3 / 132 - 134، دار المعرفة.


وقال أحمد محمّد شاكر: ( إسناده صحيح )، وقال: ( قوله: ثمّ بعث فلاناً بسورة التوبة: يريد أبا بكر رضي الله عنه ) (1) .

* الفضيلة الحادية عشرة: في أنّ عليّاً وفاطمة أحبّ الناس إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):

- أخرج الترمذي بسنده عن ابن بريدة عن أبيه، قال: ( كان أحبّ النساء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاطمة ومن الرجال علي ) (2) .

وأخرجه النسائي في ( السنن ) (3) ، و ( الخصائص ) (4) ، والحاكم في ( المستدرك ) (5) ، والطبراني في ( الأوسط ) (6) ، وغيرهم.

و الحديث حسّنه الترمذي (7) ، وصحّحه الحاكم في ( المستدرك )، ووافقه الذهبي في ( التلخيص ) (8) ، وصحّحه أيضاً أبو إسحاق الحويني الأثري في ( تهذيب خصائص أمير المؤمنين ) (9) ، والسيّد حسن السقاف في ( تناقضات الألباني الواضحات ) (10) .

____________________

(1) مسند أحمد بتحقيق أحمد محمّد شاكر: 3 / 331 - 333، حديث 3062، دار الحديث، القاهرة.

(2) سنن الترمذي: 5 / 360، دار الفكر.

(3) سنن النسائي: 5 / 140، دار الكتب العلميّة.

(4) خصائص الإمام علي للنسائي: 89، دار الكتب العلميّة.

(5) المستدرك على الصحيحين: 3 / 155، دار المعرفة.

(6) المعجم الأوسط: 7 / 199، دار الحرمين.

(7) سنن الترمذي: 5 / 360، دار الفكر.

(8) المستدرك على الصحيحين وبهامشه ( تلخيص المستدرك ) للذهبي: 3 / 155، دار المعرفة.

(9) تهذيب خصائص أمير المؤمنين: 89، حديث رقم: 108، دار الكتب العلميّة.

(10) تناقضات الألباني الواضحات: 2 / 244، دار الإمام النووي.


وعن جميع بن عمير قال: دخلتُ مع أبي على عائشة يسألها ( من وراء حجاب ) عن علي رضي الله عنه، فقالت: تسألني عن رجل ما أعلم أحداً كان أحبّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا أحبّ إليه من امرأته ).

أخرجه النسائي في ( خصائص أمير المؤمنين ) (1) ، وأخرجه جماعة بلفظ دخلتُ مع عمّتي أو أمّي...، منهم الترمذي في ( سننه ) (2) ، والحاكم في ( مستدركه ) من طريقَين عن جميع به (3) .

وأبو يعلى في ( مسنده ) (4) ، والطبراني في ( الكبير ) (5) ، وغيرهم.

و الحديث حسَّنَه الترمذي في ( السنن ) (6) ، وصحّحه الحاكم في ( المستدرك ) (7) ،والحويني الأثري في تحقيقه على ( الخصائص ) (8) ، والسيّد حسن السقّاف في ( تناقضات الألباني الواضحات ) (9) .

- وعن النعمان بن بشير، قال: ( استأذن أبو بكر على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسمع صوت عائشة عالياً وهي تقول: والله لقد عرفت أنّ عليّاً

____________________

(1) تهذيب خصائص أمير المؤمنين بتحقيق الحويني الأثري: 89، دار الكتب العلميّة.

(2) سنن الترمذي: 5 / 362، دار الفكر.

(3) المستدرك على الصحيحين: 3 / 154 - 157، دار المعرفة.

(4) مسند أبي يعلى: 270، دار المأمون للتراث.

(5) المعجم الكبير: 22 / 403، دار إحياء التراث.

(6) سنن الترمذي: 5 / 362، دار الفكر.

(7) المستدرك على الصحيحين: 3 / 154 - 157، دار المعرفة.

(8) تهذيب خصائص أمير المؤمنين بتحقيق الحويني الأثري: 89، دار الكتب العلميّة.

(9) تناقضات الألباني الواضحات: 2 / 249 - 250، دار الإمام النووي.


أحبّ إليك من أبي ومنّي مرّتين أو ثلاثاً، فاستأذن أبو بكر، فدخل فأهوى إليها فقال: يا بنت فلانة أَلاَ أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ).

أخرجه أحمد في ( مسنده ) (1) ، والنسائي في ( سننه ) (2) و ( خصائصه ) (3) ، قال الحافظ الهيثمي في ( المجمع ): ( رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ) (4) .

قال الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ): ( أخرجه أحمد، وأبو داود والنسائي بسند صحيح ) (5) .

وقال الحويني الأثري محقّق ( الخصائص ): ( إسناده صحيح ) (6) .

و قد أجاد السيّد حسن السقاف في بيان صحّة هذه الأحاديث في كتابه ( تناقضات الألباني الواضحات )، مَن شاء فليراجع (7) .

* الفضيلة الثانية عشرة: في أنّ مَن أحبّ علياً فقد أحبّ الله ورسوله، ومَن أبغض عليّاً فقد أبغض الله ورسوله:

- أخرج الطبراني بسنده إلى أبي الطفيل قال: ( سمعتُ أمّ سلمة تقول: أشهد أنّي سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ( مَن أحبّ عليّاً، فقد أحبّني

____________________

(1) مسند أحمد: 4 / 275، دار صادر.

(2) سنن النسائي: 5 / 139 - 365، دار الكتب العلميّة.

(3) تهذيب خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 87، دار الكتب العلميّة.

(4) مجمع الزوائد: 9 / 200 - 201، دار الكتب العلميّة.

(5) فتح الباري شرح صحيح البخاري: 7 / 19، دار المعرفة، بيروت.

(6) تهذيب خصائص الإمام علي بتحقيق الحويني الأثري: 87، حديث رقم: 105، دار الكتب العلميّة.

(7) انظر: ( تناقضات الألباني الواضحات ): 2 / 244 - 250، دار الإمام النووي.


ومّن أحبّني فقد أحبَّ الله، ومَن أبغض عليّاً فقد أبغضني، ومَن أبغضني فقد أبغض الله ) (1) .

وأورده الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) وقال: ( رواه الطبراني وإسناده حَسَن ) (2) ، والسيوطي في ( تاريخ الخلفاء ) وقال: ( أخرجه الطبراني بسند صحيح ) (3) ، والألباني في ( الصحيحة ) وقال: ( رواه المخلص في ( الفوائد المنتقاة ) ( 10 / 5 / 1 ) بسند صحيح عن أمّ سلمة قالت: أشهد أنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: فذكره ) (4) .

- وأخرج الحاكم بسنده إلى أبي عثمان النهدي، قال: ( قال رجل لسلمان: ما أشد حبّك لعلي، قال: سمعتُ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول: ( مّن أحبّ عليّاً فقد أحبّني، ومَن أبغض عليّاً فقد أبغضني ) ).

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه )، ووافقه الذهبي (5) .

والحديث أورده السيوطي في ( الجامع الصغير ) (6) من رواية الحاكم عن سلمان، واستدرك عليه المناوي في ( فيض القدير ) بعد ذكر الحاكم وإقرار

____________________

(1) المعجم الكبير: 23 / 380، دار إحياء التراث.

(2) مجمع الزوائد: 9 / 132، دار الكتب العلميّة.

(3) تاريخ الخلفاء: 133، دار الكتاب العربي.

(4) سلسلة الأحاديث الصحيحة: 3 / 287 - 288، رقم: 1299، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض.

(5) المستدرك على الصحيحين وبهامشه ( تلخيص المستدرك ) للذهبي: 3 / 130، دار المعرفة.

(6) الجامع الصغير: 2 / 554، حديث رقم: 8319، دار الفكر، بيروت.


الذهبي وسكوته عنهما قائلاً: ( و رواه أحمد باللفظ المزبور عن أمّ سلمة وسنده حسن ) (1) ، وفي تعليق الألباني على ( الجامع الصغير ) للسيوطي قال: ( صحيح ) (2) .

هذا، وفضائل علي كثيرة شهيرة، لو أردنا استقصاءها وتخريجها لطال بنا المقام، وما ذكرناه لا يمثّل إلاّ نزراً يسيراً منها، وقفنا فيه على اثنتي عشرة فضيلة تيمّناً بعدد خلفاء الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، ولكن قبل أنْ نختم هذا الفصل رأينا من المناسب أنْ نشير إشارات عابرة إلى فضائل أخرى من فضائله ( عليه السلام )، لكن نحاول الاقتصار على ذكر الخبر من مصدر واحد ونشير إلى تصحيحه بلا توسّع في البحث أو استقصاء للمصادر؛ توخّياً للاختصار وإتماماً للفائدة:

فضائل أخرى

1 - في أنّه حامل راية خيبر وأنّه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله:

- أخرج البخاري في ( صحيحه ) بسنده إلى سهل بن سعد رضي الله عنه: ( إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال يوم خيبر: لأعطينّ هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يُعطاها، فلمّا أصبح الناس غدوّاً على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كلّهم يرجو أنْ يُعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل يا رسول الله يشتكي عينيه، فأرسلوا

____________________

(1) فيض القدير: 6 / 42، حديث 8319، دار الكتب العلميّة.

(2) صحيح الجامع الصغير: 2 / 1034، حديث رقم: 5963، المكتب الإسلامي.


إليه فأُتي به، فبصق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في عينيه، ودعا له فبرأ حتّى كأنْ لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أُقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا، فقال عليه الصلاة والسلام: أنفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم مِن حقّ الله فيه، فو الله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أنْ يكون لك حمر النعم ) (1) .

الحديث رواه عدّة من الصحابة، وأخرجه البخاري في أكثر من موضع (2) ، وكذا ( مسلم ).

- وفي بعض أخبار ( مسلم ) بسنده إلى أبي هريرة قال: ( قال عمر بن الخطاب: ما أحببتُ الإمارة إلاّ يومئذ قال: فتساورت لها رجاء أنْ أُدعى لها، قال: فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب فأعطاه إيّاها... ) (3) .

والحديث لا كلام في صحّته خصوصاً مع وروده في الصحيحين.

2 - في أنّه لا يحبّه إلاّ مؤمن، ولا يبغضه إلاّ منافق:

- أخرج مسلم في ( صحيحه ) بسنده إلى علي بن أبي طالب، قال: ( والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأمّي صلّى الله عليه وسلّم إليّ، أنْ لا

____________________

(1) صحيح البخاري: 5 / 77 - 78، باب غزوة خيبر، دار الفكر.

(2) صحيح البخاري: ( 4 / 12 - 20 - 207 )، و ( 5 / 76 )، دار الفكر، بيروت.

(3) صحيح مسلم: 7 / 120، في فضائل علي، دار الفكر. وانظر: الحديث في ( صحيح مسلم ): ( 5 / 194 - 195 ) و ( 7 / 120 - 121 - 122 ).


يحبني إلاّ مؤمن، ولا يبغضني إلاّ منافق ) (1) .

والحديث أخرجه الكثير بألفاظ متقاربة وهو صحيح؛ لوجوده في مسلم، ولا حاجة لذكر تصحيحات أخرى له.

3 - في أنّ مَن سبّه فقد سبّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):

- أخرج الحاكم بسنده إلى أبي عبد الله الجدلي، قال: دخلتُ على أمّ سلمة رضي الله عنها، فقالت: أيُسبُّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيكم، فقلتُ معاذ الله أو سبحان الله أو كلمة نحوها، فقالتْ: سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ( مَن سبَّ عليّاً فقد سبّني ) ).

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح الإسناد ) ووافقه الذهبي (2) .

وأخرجه النسائي في ( الخصائص )، وقال فيه المحقّق أبو إسحاق الحويني الأثري: ( إسناده صحيح ) (3) .

4 - في أنّ الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وعليّاً ( عليه السلام ) خُلِقَا من نور واحد:

- هذا الحديث صحيح الإسناد نقله سبط ابن الجوزي في ( تذكرة الخواص )، وإليك جميع ما قاله في المقام:

( قال: قال أحمد في ( الفضائل ): ( حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن خالد بن معدان عن زادان عن سلمان، قال: قال رسول الله ( ص ): ( كنتُ أنا وعلي بن أبي طالب نوراً بين يدي الله تعالى قبل أنْ يُخلق آدم بأربعة

____________________

(1) صحيح مسلم: 1 / 61، دار الفكر.

(2) المستدرك على الصحيحين وبهامشه ( تلخيص المستدرك ) للذهبي: 3 / 121، دار المعرفة.

(3) تهذيب خصائص الإمام علي: 76، حديث 86، دار الكتب العلميّة.


آلاف عام، فلمّا خلق آدم قُسم ذلك النور جزئين، فجزء أنا وجزء علي )، وفي رواية: ( خلقتُ أنا وعلي من نور واحد ) ).

فإن قيل: فقد ضعّفوا هذا الحديث، فالجواب [ والكلام لابن الجوزي ] أنّ الحديث الذي ضعفوه غير هذه الألفاظ وغير الإسناد:

أمّا اللفظ [ يعني لفظ الحديث الذي ضعّفوه ]: ( خلقتُ أنا وهارون بن عمران ويحيى بن زكريّا وعليّ بن أبي طالب من طينة واحدة، وفي رواية: خلقتُ أنا وعلي من نور وكنّا عن يمين العرش قبل أنْ يخلق الله آدم بألفَي عام، فجعلنا نتقلّب في أصلاب الرجال إلى عبد المطّلب ).

وأمّا الإسناد [ يعني إسناد الحديث الذي ضعّفوه]: فقالوا في إسناده محمّد بن خلف المروزي، وكان مغفّلاً، وفيه أيضاً جعفر بن أحمد بن بيان، وكان شيعيّاً. والحديث الذي رويناه يخالف هذا اللفظ والإسناد، رجاله ثقات، فإنْ قيل: فعبد الرزاق (1) كان يتشيّع، قلنا: هو أكبر شيوخ أحمد بن حنبل ومشى إلى صنعاء من بغداد حتّى سُمع منه وقال: ما رأيتُ مثل عبد الرزاق ولو كان فيه بدعة لَمَا روى عنه ومازال إلى أنْ مات يروي عنه، ومعظم الأحاديث التي في ( المسند ) رواها من طريقه، وقد أخرج عنه أيضاً في الصحيح ) (2) .

5 - في أنّ مَن آذى عليّاً فقد آذى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):

- أخرج أحمد في ( مسنده ) عن عمرو بن شاس الأسلمي، وكان من

____________________

(1) هو عبد الرزاق الصنعاني صاحب ( المصنّف ) من كبار محدّثيهم.

(2) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: 50 - 51، مؤسّسة أهل البيت، بيروت.


أصحاب الحديبيّة، قال: خرجتُ مع عليٍّ إلى اليمن فجفاني في سفري ذلك حتّى وجدت في نفسي عليه، فلمّا قدمتُ، أظهرت شكايته في المسجد حتّى بلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فدخلتُ المسجد ذات غدوة ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ناس من أصحابه، فلمّا رآني أبدني عينيه، يقول: حدّد إليّ النظر، حتّى إذا جلست قال: ( يا عمرو والله لقد آذيتني، قلتُ: أعوذ بالله أنْ أؤذيك يا رسول الله، قال: بلى، مَن آذى عليّاً فقد آذاني ) (1) .

أخرجه الحاكم في ( المستدرك ) وقال: ( هذا حديث صحيح الإسناد ). ووافقه الذهبي (2) .

و أورده الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) وقال: ( رواه أحمد والطبراني باختصار والبزّار أخصر منه، ورجال أحمد ثقات ) (3) .

- وفي ( مجمع الزوائد ) عن سعد بن أبي وقاص قال: ( كنتُ جالساً في المسجد أنا ورجلَين معي فنلنا من علي، فأقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غضبان يُعرَف في وجهه الغضب، فتعوّذتُ بالله من غضبه، فقال: ( ما لكم ومالي، مَن آذى عليّاً فقد آذاني ) ).

رواه أبو يعلى والبزار باختصار ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير محمود بن خداش وقنان وهما ثقتان ) (4) .

____________________

(1) مسند أحمد: 3 / 483، دار صادر.

(2) المستدرك على الصحيحين وبهامشه ( تلخيص المستدرك ) للذهبي: 3 / 122، دار المعرفة.

(3) مجمع الزوائد: 9 / 129، دار الكتب العلميّة.

(4) مجمع الزوائد: 9 / 129، دار الكتب العلميّة.


6 - حديث المؤاخاة:

- عن ابن عمر قال: ( آخى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه: ( يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تُؤاخِ بيني وبين أحد )، فقال له رسول لله صلّى الله عليه وسلّم: ( أنت أخي في الدنيا والآخرة ) ). أخرجه الترمذي في ( سننه ) وحسّنه (1) .

والحديث رواه جمع من الصحابة وعدّه ابن عبد البر في الاستيعاب من الآثار الثابتة عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) (2) .

وأرسله الحافظ ابن حجر في الإصابة إرسال المسلّمات بقوله: ( و كان اللواء بيده في أكثر المشاهد، ولمّا آخى النبي صلّى الله عليه وسلّم بين أصحابه قال له أنت أخي ) (3) .

7 - في أنّه باب مدينة علم رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):

- قال السيوطي في ( تاريخ الخلفاء ): ( و أخرج البزّار والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله، وأخرج الترمذي والحاكم عن علي قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ( أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها )، هذا حديث حسن على الصواب، لا صحيح كما قال الحاكم، ولا موضوع كما قاله جماعة، منهم: ابن الجوزي والنووي، وقد بيّنت حاله في التعقبات على الموضوعات ) (4) (5) .

____________________

(1) سنن الترمذي: 5 / 300، دار الفكر، بيروت.

(2) انظر: ( الاستيعاب في معرفة الأصحاب ): 3 / 1098 - 1100، دار الجيل، بيروت.

(3) الإصابة في معرفة الصحابة: 2 / 507 ترجمة رقم: 5688، دار الفكر.

(4) تاريخ الخلفاء: 131، دار الكتاب العربي.

(5) وسيأتيك بعد قليل أنّ السيوطي صحّح الحديث في كتاب آخر.


وقال السيّد حسن السقاف في تحقيقه على كتابه ( تناقضات الألباني الواضحات ): ( صحّ عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) صحّحه الحافظ ابن معين كما في ( تاريخ بغداد: 11 / 49 )، والإمام الحافظ ابن جرير الطبري في ( تهذيب الآثار ) مسند سيّدنا علي ( ص 104 حديث 8 )، والحافظ العلائي في ( النقد الصحيح )، والحافظ ابن حجر والحافظ السيوطي كما في ( اللآلي المصنوعة ): 1 / 334، والحافظ السخاوي كما في ( المقاصد الحسنة ) (1) .

كما ألّف العلاّمة أحمد بن الصدّيق المغربي كتاباً خاصّاً في تصحيح الحديث المذكور أسماه: ( فتح الملك العلي بصحّة حديث باب مدينة العلم علي ).

- وأخرج الحاكم بسنده إلى شريك بن عبد الله عن أبي إسحاق قال: سألت قثم بن العبّاس، كيف ورث علي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم دونكم، قال: لأنّه أوّلنا به لحوقاً وأشدّنا به لزوقاً ).

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه )، ووافقه الذهبي (2) .

- ثمّ قال: ( سمعت قاضي القضاة أبا الحسن محمّد بن صالح الهاشمي يقول: سمعتُ أبا عمر القاضي يقول: سمعتُ إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول وذُكِرَ له قول قثم هذا فقال: إنّما يرثُ الوارث بالنسب وبالولاء ولا خلاف بين أهل العلم أنّ ابن العمّ لا يرث مع العمّ، فقد ظهر بهذا الإجماع أنّ عليّاً

____________________

(1) تناقضات الألباني الواضحات للسيّد السقاف: 3 / 82، دار الإمام النووي.

(2) المستدرك على الصحيحين وبهامشه ( تلخيص الذهبي ): 3/125، دار المعرفة.


ورث العلم من النبي صلّى الله عليه وسلّم دونهم ) ثمّ خرّج حديثاً يدلّل على صحّة ذلك، أيضاً فقال: ( وبصحّة ما ذكره القاضي حدّثنا محمّد بن صالح بن هاني، حدّثنا أحمد بن نصر، حدّثنا عمرو بن طلحة القنّاد، حدّثنا إسباط بن نصر عن سمّاك بن حرب عن عكرمة عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: كان علي يقول في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( إنّ الله يقول: ( أَفَئِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ ) والله، لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله، لئنْ مات أو قتل لأقاتلنّ على ما قاتل عليه حتّى أموت، والله، إنّي لأخوه ووليّه وابن عمّه ووارث علمه فمّن أحقّ به منّي ) )، وقد وافق الذهبي الحاكم في ذلك (1) .

فتنبين أنّ عليّاً ( عليه السلام ) هو باب مدينة علم النبي ووارث علمه.

نكتفي بهذا القدر، ونقول كما قال شمس الدين بن الجزري: ( فهذا نزر من بحر وقل مِن كثر، بالنسبة إلى مناقبه الجليلة، ومحاسنه الجميلة، ولو ذهبنا لاستقصاء ذلك، لطال الكلام بالنسبة إلى هذا المقام، ولكن نرجو من الله تعالى أنْ ييسّر إفراد ذلك بكتاب نستوعب فيه ما بلغنا من ذلك، والله الموفّق للصواب ) (2) .

____________________

(1) المصدر نفسه: 3/125 - 126 دار المعرفة.

(2) أسنى المطالب: 79.


الفصل الثاني

إماما الهدى وسيّدا شباب أهل الجنّة

الحسن والحسين عليهما السلام



نافذةٌ إلى معرفتهما عليهما أفضل الصلاة والسلام

هما الإمامان الهمامان، والقمران النيّران، سبطا النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، وريحانتاه من الدنيا، وسيّدا شباب أهل الجنّة، الحسن والحسين عليهما السلام.

فضلهما وقدرهما لا يخفى على كلّ مسلم، وهو أكبر من أنْ تسطّره الأقلام أو تمتلئ به الصحف، فلهما في وصف الله ورسوله غنىً عن وصْف الواصفين، وثناء المادحين، فهما من أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وهما المدعوّان في مباهلة نصارى نجران؛ ليمثلا جنبة الحقّ الإلهي المقدّس، وليكونا وَلَدَين للرسول بنصّ القرآن العظيم، وامتلأتْ بذكر فضائلهما الكتب، وعجّتْ بها ألْسِنَة المحدّثين؛ لذا سنتناول في هذا الفصل مجموعة ممّا ورد من فضائلهما في القرآن الكريم، والسنّة النبويّة الشريفة كما أشرنا إلى ذلك في الفصل الأوّل.

وقبل الشروع في ذلك نقدّم للقارئ إلمامة سريعة بحياتهما عليهما السلام:

* فالإمام الحسن: هو الإمام الثاني من أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ).

-أبوه: أمير المؤمنين، ومولى المتّقين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ).

-وأمّه: سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء بنت الرسول محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، فضلها وشرفها أشهر من أنْ يُذكَر، ويكفي أنّ النبي محمّداً ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يغضب لغضبها.

فقد أخرج البخاري في ( صحيحه ) بسنده إلى المسوّر بن مخزمة، أنّ


رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال: ( فاطمة بضعة منّي فمنْ أغضبها أغضبني ) (1) .

-وُلِدَ ( عليه السلام ): بالمدينة المنوّرة، ليلة النصف من شهر رمضان، سنة ثلاث من الهجرة، ( 15/ رمضان / 3 هـ ) (2) .

-كنيته: أبو محمّد لا غير (3) .

-ألقابه كثيرة منها: التقي، الطيّب، الزكي، السيّد، السبط، الولي (4) .

-كان شبيهاً بالنبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): سمّاه النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) الحسن، وعقّ عنه يوم سابعه، وحلق شعره، وأمر أنْ يتصدّق بِزِنَةِ شعره فضّة، وهو خامس أهل الكساء (5) ) (6) .

-كان عمر الحسن ( عليه السلام ): سبع سنين وأشهراً حين رحل الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، وقيل: ثماني سنين، وقام بالأمر بعد أبيه ( عليه السلام ) وله سبع وثلاثون سنة (7) . وأقام في خلافته بعد أنْ بايعه أهل الكوفة ستّة أشهر وأيّاما، فسار إليه معاوية وانتهى الأمر بالصلح والهدنة (8) ، وشروط الصلح، وأسباب الهدنة تحتاج إلى بحث

____________________

(1) صحيح البخاري، باب المهاجرين: 4/210، دار الفكر.

(2) انظر: ( الإرشاد ) للمفيد: 2/6، مؤسّسة آل البيت، و ( تاريخ الخلفاء ) للسيوطي: 144، دار الكتاب العربي.

(3) مطالب السؤول لمحمّد بن طلحة الشافعي: 2/9، مؤسّسة أمّ القرى، و( الإرشاد ): 2/5، مؤسّسة آل البيت.

(4) انظر مثلاً: ( مطالب السؤول ) لمحمّد بن طلحة الشافعي: 2/9، مؤسّسة أم القرى.

(5) هكذا في المتن المطبوع، والصحيح هو رابع أهل الكساء، والحسين (عليه السلام ) خامسهم.

(6) تاريخ الخلفاء للسيوطي: 114، دار الكتاب العربي.

(7) انظر: ( إعلام الورى ) للطبرسي: 2/401، مؤسّسة آل البيت.

(8) انظر: ( تاريخ الخلفاء ) للسيوطي: 147، دار الكتاب العربي.


موسّع؛ مَنْ شاء الاطلاع، فليراجع كتاب ( صلح الإمام الحسن ) لآل ياسين.

-استشهد ( عليه السلام ): في شهر صفر سنة خمسين من الهجرة، مسموماً، سقتْه زوجتُه ( جعدة بنت الأشعث ) بأمر من معاوية بن أبي سفيان (1) .

-دُفن ( عليه السلام ): في مقبرة البقيع عند جدّته فاطمة بنت أسد (2) ، وقبره ومَن معه من قبور أئمّة الهدى، هناك مهدّمة، قامت بهدمها الفرقة الوهابيّة.

* وأمّا الإمام الحسين ( عليه السلام ): فهو الإمام الثالث من أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ).

-أبوه: علي بن أبي طالب ( عليه السلام ).

-وأمّه: فاطمة الزهراء، سلام الله عليها، فأكرم به وأنعم.

نَسَبٌ كأنَّ عليهِ مِن شمس الضُّحى = نوراً ومن فَلَقِ الصَّباحِ عَمُودا

-وُلِدَ ( عليه السلام ): في الثالث من شهر شعبان المعظّم، وقيل في الخامس منه، سنة أربع من الهجرة (3) . وجاءت به أمّه فاطمة عليها السلام إلى جدّه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فاستبشر به، وسمّاه حُسيناً وعقّ عنه كبشاً، وهو وأخوه بشهادة الرسول صلّى الله عليه وعليهما، سيّدا شباب أهل الجنّة، وبالاتّفاق الذي لا مِرْيَةَ فيه، سبطا نبيّ الرحمة (4) .

-كنيته: أبو عبد الله.

-وأما ألقابه، فكثيرة: الرشيد، والطيّب، والوفي، والسيّد، والزكي، والمبارك، والتابع لمرضاة الله، والسبط (5) .

____________________

(1) إعلام الورى للطبرسي: 1/403، مؤسّسة آل البيت.

(2) المصدر نفسه: 1/403.

(3) انظر: ( إعلام الورى ) للطبرسي: 1/420، مؤسّسة آل البيت.

(4) الإرشاد للمفيد: 2/27، مؤسّسة آل البيت.

(5) انظر: ( مطالب السؤول ) 2/51، مؤسّسة أمّ القرى.


-رفض بيعة يزيد بن معاوية: وضحّى بنفسه الشريفة في سبيل إيقاظ شعور الأمة وإبقاء راية الإسلام خفاقة عالية.

-عاش: سبعاً وخمسين سنة وخمسة أشهر، كان مع الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) سبع سنين، ومع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب( عليه السلام ) سبعاً وثلاثين سنة، ومع أخيه الحسن سبعاً وأربعين سنة، وكانت مدة إمامته الشرعية للأمة الإسلامية عشر سنين وأشهراً (1) .

-استشهد ( عليه السلام ): في يوم عاشوراء من شهر محرّم الحرام سنة إحدى وستّين من الهجرة ( 10 / محرّم / 61 هـ ) (2) .

قال السيوطي في ( تاريخ الخلفاء ): ( ولمّا قُتل الحسين مكثتْ الدنيا سبعة أيّام والشمس على الحيطان كالملاحف المعصفّرة، والكواكب يضرب بعضها بعضاً، وكان قتله يوم عاشوراء، وكُسفت الشمس ذلك اليوم، واحمرّت آفاق السماء ستّة أشهر بعد قتله، ثمّ لا زالت الحمرة تُرى فيها بعد ذلك ولم تكن تُرى فيها قبله. وقيل: إنّه لم يقلب حجر بيت المقدس يومئذ إلاّ وجد تحته دمٌ عبيط، وصار الورس الذي في عسكرهم رماداً، ونحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها مثل النيران، وطبخوها فصارت مثل العلقم، وتكلّم رجل في الحسين بكلمة، فرماه الله بكوكبين من السماء فطُمس بصره ) (3) .

-قبره: في كربلاء المقدّسة، معروف مشهور، يُزار يؤمّه الآلاف من

____________________

(1) انظر: ( إعلام الورى ) للطبرسي: 1/420، مؤسّسة آل البيت.

(2) المصدر نفسه.

(3) تاريخ الخلفاء: 160، ترجمة يزيد بن معاوية، دار الكتاب العربي.


المسلمين من مختلف مناطق العالم الإسلامي.

فضائل الحسنَين في القرآن الكريم

حيث أنّ غرض الكتاب لم يكن منصبّاً على ذكر فضائل أهل البيت أو استقصائها؛ لذا سنقتصر على نماذج مختصرة ممّا ورد في حقّهما من الآيات القرآنيّة، ونترك التفصيل لمظانّه:

* الفضيلة الأولى: قوله تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .

وهذهِ هي الآية الموسومة بآية التطهير، وتقدّم البحث عنها في الفصل الأوّل بما يناسب المقام، وعرفنا أنهّا شاملة للحسن والحسين، عليهما السلام فلا نعيد ولا نكرر الكلام.

* الفضيلة الثانية: قوله تعالى: ( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (2) .

وهذه هي الآية الموسومة بآية المباهلة، وهي مثل أختها المتقدّمة، سَبَرْنَا أغوارها، وأنْهينا الكلام عن غاياتها ومقاصدها في الفصل الأوّل بما يتناسب والمقام، وعرفنا هناك أنّ النبي محمّداً ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) خرج إلى مباهلة نصارى نجران بمعيّة علي، وفاطمة، والحسن، والحسين ( عليهم السلام )، فهم صفوة الأمّة وخلاصتها

____________________

(1) الأحزاب: 33.

(2) آل عمران: 61.


ومدار رحاها، وأشرنا هناك إلى أنّ الحسنين بنصّ القرآن كانا ولدي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، فراجع.

* الفضيلة الثالثة: قوله تعالى: ( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1) .

وهذه هي الآية الموسومة بآية المودّة، وهي دالّة على وجوب محبّة آل البيت ( عليهم السلام )، وتقدّم ذكرها والكلام عنها في الفصل الأوّل، وعرفنا شمولها للحسن والحسين عليهما السلام فلا نعيد.

فهذهِ ثلاث آيات باهرات في فضل الحسنين عليهما السلام، كلّها تقدّم ذكرها، وبها غنىً وكفاية لمعرفة مقامهما وشرفهما عند الله سبحانه وتعالى، ولكن لا بأس أنْ نتبرّك هنا بذكر آية رابعة مشتملة على معانٍ عديدة من فضائل أهل البيت ( عليهم السلام )؛ نوردها بعنوان الفضيلة الرابعة:

* الفضيلة الرابعة: قوله سبحانه وتعالى في سورة الإنسان: ( إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً ولا شُكُوراً ) (2) ، الآيات.

جاءت الأخبار بأنّ هذهِ الآيات المباركة نزلت في علي، وفاطمة، والحسن

____________________

(1) الشورى: 23.

(2) سورة الإنسان: 5 - 9.


والحسين ( عليهم السلام ) في قصّة طويلة مجملها ما أورده الزمخشري في تفسيره عن ابن عبّاس قال:

( إنّ الحسن والحسين مَرِضَا، فعادهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ناس معه. فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرت على وُلدك، فنذر عليٌ وفاطمة وفضّة جارية لهما إنْ بَرِآ ممّا بهما أنْ يصوموا ثلاثة أيّام، فَشُفِيَا، وما معهم شيء فاستقرض عليّ من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء، وأصبحوا صياماً، فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم، فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك، فلمّا أصبحوا أخذ علي رضي الله عنه بيد الحسن والحسين، وأقبلوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا أبصرهم، وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، قال: ( ما أشدّ ما يسوؤني ما أرى بكم )، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبرائيل وقال: ( خذها يا محمّد، هنّأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة ) ) (1) .

وقد أخرج الخبر - مفصّلاً - الثعلبي في تفسيره ( الكشف والبيان ) (2) - ومختصراً - ابن الأثير الجزري في ( أُسد الغابة ) (3) .

____________________

(1) تفسير الكشاف: 4/670.

(2) الكشف والبيان: 10/98 - 101، تفسير سورة الإنسان.

(3) أُسد الغابة: 7/256، ترجمة فضّة النوبية.


كما أخرج الخبر من طرق كثيرة الحاكم الحسكاني في ( شواهد التنزيل ) عن ثلاثة من الصحابة، وهم: علي بن أبي طالب ( عليه السلام )، وابن عبّاس وزيد بن أرقم (1) ، وقال بعد ذلك: ( قلتُ: اعترض بعض النواصب على هذهِ القصّة بأنْ قال: اتّفق أهل التفسير على أنّ هذه السورة مكِّيّة، وهذه القصّة كانت بالمدينة - إنْ كانت - فكيف كانت سبب نزول السورة، وبان بهذا أنّها مخترعة!!

قلتُ: كيف يسوّغ له دعوى الإجماع مع قول الأكثر أنّها مدنيّة!! )، ثمّ شرع في إثبات كون هذه السورة مدنيّة (2) .

وأخرج القصّة مفصّلة سبط ابن الجوزي في ( تذكرة الخواص )، مصحّحاً لها رادّاً على جدّه أبي الفرج ابن الجوزي، مبيّناً في أكثر من موضع أنّ جدّه يرتضي هذه القصّة أيضاً، فإليك قارئي الكريم، تمام ما قاله سبط ابن الجوزي:

( ذكْر إيثارهم بالطعام:

قال علماء التأويل فيهم نزل قوله تعالى: ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ) الآيات.

أنبأنا أبو المجد محمّد بن أبي المكارم القزويني بدمشق سنة اثنتين وعشرين وستمئة، قال أنبأنا أبو منصور محمّد بن أسعد بن محمّد العطاري، أنبأنا الحسين بن مسعود البغوي، أنبأنا أحمد بن إبراهيم الخوارزمي، أنبأنا أبو

____________________

(1) انظر: ( شواهد التنزيل ): 2/298 - 310، وستجد هناك القصّة مفصّلة تارةً، ومختصرةً أخرى وبطرق متكاثرة. والحسكاني كما قال الذهبي: ( شيخ متقن ذو عناية تامّة بعلم الحديث ) انظر: ( تذكرة الحفّاظ ): 3/ 1200، مكتبة الحرم المكّي.

(2) شواهد التنزيل: 2/310 - 315.


إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم الثعلبي، أنبأنا عبد الله بن حامد، أنبأنا أبو محمّد أحمد بن عبد الله المزني، حدّثنا محمّد بن أحمد بن سهيل الباهلي، حدثنا عبد الرحمان بن محمّد بن هلال، حدثني القاسم بن يحيى عن أبي علي العزي عن محمّد بن السايب عن أبي صالح عن ابن عبّاس، ورواه أيضاً مجاهد عن ابن عبّاس، قال في قوله تعالى: ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) الآية.

قال: مرض الحسن والحسين عليهما السلام فعادهما رسول الله (ص) ومعه أبو بكر وعمر (رض)، وعادهما عامّة العرب فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على وَلَدَيك نذراً فكلّ نذر لا يكون له وفاء فليس بشيء، فقال علي (ع): ( لله إنْ برأ ولداي ممّا بهما صمت لله ثلاثة أيّام شكراً )، وقالت فاطمة كذلك وقالت الجارية يقال لها فضّة كذلك، فأُلبس الغلامان العافية وليس عند آل محمّد قليل ولا كثير، فانطلق علي (ع) إلى سمعون بن حانا اليهودي فاستقرض منه ثلاثة أصواع من شعير، فجاء به إلى فاطمة فقامت إلى صاع فطحنتْه وخبزتْه خمسة أقراص لكلّ واحد منهم قرص، وصلّى علي (ع) المغرب مع النبي (ص) ثمّ أتى المنزل فوضع الطعام بين أيديهم فجاء سائل أو مسكين فوقف على الباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد، مسكين من المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فسمعه علي (ع) فقال:

فاطِمُ ذاتَ المَجدِ وَاليَقينِ

يا بِنتَ خَيرِ الناسِ أَجمَعين

أَمَا تَرينَ البائِسَ المَسكين

قَد قامَ بِالبابِ لَهُ حَنين

يشكو إلى الله ويستكين

يَشكو إِلَينا جائِعٌ حَزين

كُلُّ اِمرئٍ بِكَسبِهِ رَهين

وفاعل الخيرات يَسْتَبِيْن


مَوْعِدُ جَنَّة عِلِّيِّيْن

حَرَّمَهَا اللهُ عَلَى الضَنِيْن

وَلِلْبَخِيْلِ مَوْقِف مَهِيْن

تَهْوَى بِهِ النَّارُ إِلَى سِجِّيْن

شَرَابُهُ الحَمِيْمُ وَالْغِسْلِيْن

فقالت فاطمة (ع):

أَطْعِمُهُ وَلاَ أُبَالِي الساعه

أَرجو إِذا أَشبعتُ ذا مَجاعَه

أنْ أَلحقَ الأخيارَ وَالجَماعه

وَأَدخلَ الخلد وَلِي شَفَاعَه

قال: فأعطوه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا إلاّ الماء القراح، ولمّا كان اليوم الثاني طحنت فاطمة من الشعير وصنعت منه خمسة أقراص، وصلّى علي (ع) المغرب وجاء إلى المنزل فجاء يتيم فوقف على الباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد، يتيم من أولاد المهاجرين استشهد والدي، أطعموني ممّا رزقكم الله أطعمكم الله من موائد الجنّة، فقال علي (ع):

فاطِمُ بِنت السَيِّدِ الكَريم

بِنت نَبيٍّ لَيسَ بِالذَميمِ

قَد جاءَنا اللَهُ بِذا اليَتيم

قد حرّم الخُلْدَ عَلَى اللَئِيْمِ

يُحْمَلُ في الحشر إلى الجَحِيْمِ

شَرَابُهُ الصَدِيْد وَالحَمِيْم

وَمَنْ يَجُوْدُ اليَوْمَ فِي النَعِيْم

شَرَابُهُ الرَحِيْق والتَسْنِيْم

فقالت فاطمة (ع):

إنِّي أُطْعِمُهُ وَلاَ أُبَالِي

وَأُوْثِرُ اللهَ عَلَى عِيَالِي

أَمْسَوا جِيَاعَاً وَهُم أشْبَالِي

فرفعوا الطعام وناولوه إيّاه، ثمّ أصبحوا وأمسوا في اليوم الثاني كذلك كما كانوا في الأوّل، فلمّا كان في اليوم الثالث طحنتْ فاطمة باقي الشعير ووضعته،


فجاء علي (ع) بعد المغرب فجاء أسير فوقف على الباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد، أسير محتاج تأسرونا ولا تطعمونا أطعمونا من فضل ما رزقكم الله، فسمعه علي ( عليه السلام )، فقال:

فاطِمُة يا بِنتَ النَبِيِّ أَحمَدِ

بِنتَ نَبِيٍّ سَيِّدٍ مُسَوَّدٍ

مُنِّي عَلَى أَسِيْرِنَا المُقَيَّد

مَنْ يُطْعِمُ اليَوْم يَجِدْهُ فِي الغَد

عِنْدَ العَلِّي المَاجِد المُمَجَّد

مَنْ يَزْرَع الخَيْرَات سَوْفَ يَحْصُد

فقالت فاطمة (ع):

لَمْ يَبْقَ عِنْدِي اليَوْمَ غَيْرَ صَاعٍ

قَدْ مَجُلَتْ كَفِّي مَعَ الذِرَاعِ

ابْنَايَ وَاللهِ مِنَ الجِيَاعِ

أَبُوْهُمَا لِلْخَيْرِ ذُو اصْطِنَاعِ

ثمّ رفعوا الطعام وأعطوه للأسير، فلمّا كان اليوم الرابع دخل علي (ع) على النبي (ص) يحمل ابنَيه كالفَرْخَيْن، فلمّا رآهما رسول الله (ص) قال: وأين ابنتي؟ قال: في محرابها، فقام رسول الله (ص) فدخل عليها ولقد لُصِقَ بطنها بظهرها وغارت عيناها مِن شدّة الجوع، فقال النبي (ص): واغوثاه بالله آل محمّد يموتون جوعاً فهبط جبرئيل وهو يقرأ ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) الآية، فإنْ قيل فقد أخرج هذا الحديث جدّك في الموضوعات.

وقال: أخبرنا به ابن ناصر عن محمّد بن أبي نصر الحميدي عن الحسن بن عبد الرحمان عن أبي القاسم السقطي عن عثمان بن أحمد الدقاق عن عبد الله بن ثابت عن أبي الهذيل عن عبد الله السّمرقندي عن عبد الله بن كثير عن الأصبغ بن نباتة، قال: مرض الحسن والحسين وذكره ثمّ قال جدك قد نزّه الله ذينك الفصيحين عن هذا الشعر الركيك. ونزّههما عن منع الطفلين عن


أكل الطعام، وفي إسناده الأصبغ بن نباتة: متروك الحديث، والجواب أمّا قوله قد نزّه الله ذينك الفصيحَين عن هذا الشعر الركيك فهذا على عادة العرب في الرجز والخبب كقول القائل: ( والله لو لا الله ما اهتدينا ) ونحو ذلك، وقد تمثّل به النبي (ص)، وأمّا قوله عن الأصبغ بن نباتة فنحن ما رويناه عن الأصبغ ولا له ذكر في إسناد حديثنا، وإنّما أخذوا على الأصبغ زيادة زادوها في الحديث وهي أنّ: رسول الله (ص) قال في آخره: اللّهم أنزل على آل محمّد كما أنزلت على مريم بنت عمران، فإذا ( جفنة ) تفور مملوءة ثريداً مكلّلة بالجواهر، وذكر الفاظاً من هذا الجنس.

والعجب من قول جدي وإنكاره وقد قال في كتاب ( المنتخب ): يا علماء الشرع أعلمتم لِمَ آثرا وتركا الطفلين عليهما أثر الجوع؟ أتراهما خفي عنهما سر: ابدأ بِمَنْ تَعُول، ما ذاك إلاّ لأنّهما عَلِما قوّة صبر الطفلين، وأنّهما غصنان من شجرة أظل عند ربي، وبعض جملة: فاطمة بضعة منّي، وفرخ البط سابح.

فصل:

وقد اشتملت سورة ( هل أتى ) من فضائل أهل البيت على معاني:

- منها: قوله: ( يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً ) ، لِمَ ذكر الكافور وهو لا يُشرب؟

فالجواب من وجوه:

أحدها: أنّه أراد بياض الكافور في حسنه وطيب ريحه وبرده، كقوله: ( حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً ) أي كنار.

والثاني: إنّ الكافور اسم لعين في الجنّة.

والثالث: إنّه لمّا غَلَبَتْ عليهم حرارة الخوف في الدنيا، مُزِجَ لهم الكافور في الجنّة.

- ومنها: أنّ الهاء في قوله ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ ) تعود على الله تعالى وقيل على حب الثواب؛ وقيل على حب الطعام لفاقتهم إليه.

- ومنها: قوله:


( لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً ) ، المراد بالزمهرير القمر، قال الشاعر:

وليلةٍ ظَلاَمُهَا قَد اعْتَكَر

قَطَعْتُهَا وَالزَمْهِرْيُر مَا ظَهَر

- ومنها قوله: ( إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُوراً ) فإن قيل فالمنظوم أحسن فالجواب إن المراد به الانتشار في الخدمة لما تعبوا في الدنيا أقام الحقّ لهم خدّاماً في الآخرة، ومنها إنّ الله تعالى ذكر في هذه السورة جميع ما يتعلق بنعيم الجنة ولذّاتها كالأشجار والأنهار والولدان والطعام والقصور وجميع ما يتعلق بهذا الباب إلا الحور حتى عجب العلماء من شرح هذه الأمور واستطرفوا عدم ذكرهن في هذا النعيم المذكور فقيل لهم ما ذاك إلا غيرة على زهراء الأنس من ذكر الضراير أو لأن الحور مملوكات والمملوكات لا يذكرن مع الحراير.

وسمعت جدي يُنْشِدُ في مجالس وعْظه ببغداد في سنة ست وتسعين وخمسمئة بيتين ذكرهما في كتاب ( تبصرة المبتدي ) وهما:

أهوى عليّاً وإيماني محبَّتُه

كَمْ مُشْرِكٍ دَمُهُ مِن سَيْفِهِ وَكَفَا

إنْ كُنْتَ وَيْحَكَ لَمْ تَسْمَعْ فَضَائِلَهُ

فَاسْمَعْ مَنَاقِبَه مِنْ ( هَلْ أَتَى ) وَكَفَى ) (1) .

انتهى كلام سبط ابن الجوزي.

هذا وفضائل أهل البيت عليهم السلام في القرآن الكريم عديدة جدّاً، وقد ألّف الحاكم الحسكاني كتاباً في جزءين أسماه: ( شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم )، فَمَن شاء الاستزادة، فلْيراجع.

____________________

(1) تذكره الخواص: 281 - 284، مؤسّسة أهل البيت.


فضائل الحسنين في السُنّة النبويّة الشريفة

وهي على قسمين:

الأول: الفضائل المشتركة:

الثاني: الفضائل الخاصة لكلّ واحد منهما.

أمّا الأول: فهو بدوره مشتمل على فضائل عامّة تشمل غير الحسنَين من أهل البيت ( عليهم السلام )، وفضائل خاصّة بهما عليهما السلام، وسنجعل لهذا القسم باباً واحداً بعنوان الفضائل المشتركة.

أمّا الثاني: وهي الفضائل الخاصّة بكلّ واحد منهما، فستكون على قسمَين، الأوّل: يتعلّق بفضائل الإمام الحسن الخاصّة، والثاني: يتعلّق بفضائل الإمام الحسين الخاصّة، فيكون التقسيم إلى ثلاثة أقسام:

الأوّل: الفضائل المشتركة.

الثاني: فضائل الإمام الحسن الخاصّة.

الثالث: فضائل الإمام الحسين الخاصّة.

وسَيْراً على نهجنا في الكتاب، فإنّ الغرض ليس سرد الفضائل واستيفاءها، بل هو ذكر جملة موجزة من ذلك، والله المستعان.

القسم الأوّل: الفضائل المشتركة

* الفضيلة الأولى: حديث الثقلين: وهو قول الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إنْ تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي وأنّهما لنْ يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض ).


وقد تقدّم الكلام عن هذا الحديث ودلالاته ومضامينه في الفصل الأوّل، وعرفنا أنّه شامل للحسن والحسين عليهما السلام فلا نعيد.

* الفضيلة الثانية: حديث الاثني عشر خليفة: وهو قول النبي محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة ... كلّهم مِن قريش ). وتقدّم الكلام عنه أيضاً.

* الفضيلة الثالثة: حديث السفينة: وهو قول النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( مَثَل أهل بيتي مثل سفينة نوح، مَن ركبها نَجَا، ومَن تخلّف عنها غرق ). تقدّم أيضاّ.

* الفضيلة الرابعة: في كونهم أماناً لأهل الأرض: وهو قول النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ).

تقدّم.

* الفضيلة الخامسة: قول الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لعلي وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام ): ( أنا حرب لِمَنْ حَارَبَكُم، وَسِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَكُم ). تقدّم.

* الفضيلة السادسة: في وجوب الصلاة على أهل البيت ( عليهم السلام ): وهو قول النبي لأصحابه مُعلّماً إيّاهم كيفيّة الصلاة عليه: ( قولوا: اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركتَ على آل إبراهيم في العالمين، إنّك حميد مجيد ). وقد تقدّم الكلام عنه، وننوّه هنا إلى أنّ مسلماً في ( صحيحه ) أخرج الحديث تحت باب: ( الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد التشهّد ) (1) .

____________________

(1) انظر: ( صحيح مسلم ) كتاب الصلاة، باب 17: 1/305، دار الفكر.


فالصلاة على الآل إنّما هي واجبة على كلّ مسلم في الصلاة اليوميّة، فأيّ فضيلة هذه، وأيّ مقام سامٍ يضعهم الله فيه!!؟.

* الفضيلة السابعة: قوله وهو آخذ بيد الحسنَين: ( مَن أحبّني وأحبّ هذَين وأباهما وأمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة ). تقدّم.

* الفضيلة الثامنة: قول النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحدٌ إلاّ أدخله الله النّار ). وهذا تقدّم أيضاً.

فهذه ثماني فضائل شاملة للحسن والحسين عليهما السلام، تقدّمت في الفصل الأوّل، ونضيف هنا بعضاً آخر من فضائلهما عليهما السلام:

* الفضيلة التاسعة: في أنّ النبي راضٍ عنهما:

أخرج الطبراني في ( الأوسط ) بسنده إلى ربعي بن حراش، عن علي ( عليه السلام ): ( أنّه دخل على النبي صلّى الله عليه وسلّم وقد بسط شملة فجلس عليها هو وفاطمة وعلي والحسن والحسين، ثمّ أخذ النبي صلّى الله عليه وسلّم بمجامعه فعقد عليهم، ثمّ قال: ( اللّهم ارض عنهم كما أنا راضٍ عنهم ) ) (1) .

وأورده الهيثمي في ( المجمع ) وقال: ( رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير عبيد بن طفيل وهو ثقة ) (2) .

فالنبي، إذن راضٍ عن علي وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام )، ومنه يُعلم

____________________

(1) المعجم الأوسط: 5/348، دار الحرمين.

(2) مجمع الزوائد: 9/169، دار الكتب العلميّة.


حال مخالفيهم ومعاديهم ومبغضيهم، فتأمّل.

* الفضيلة العاشرة: في أنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة:

- أخرج أحمد في ( مسنده ) بسنده إلى أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ) (1) .

وأخرجه الترمذي في ( سننه ) (2) ، والنسائي في ( الخصائص ) (3) ، والحاكم في ( المستدرك ) (4) ، وغيرهم.

قال الترمذي: ( حديث حسن صحيح ) (5) ، ووافقه الألباني في ( الصحيحة ) بقوله: ( وهو كما قال ) (6) .

وقال الحاكم معلّقاً على أحد الطرق: ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ووافقه الذهبي (7) ، ووافقهما الألباني أيضاً (8) .

والحديث بهذا الطريق، أعني من طريق أبي سعيد الخدري، قال بصحّته أو حُسْنه جمعٌ آخر من العلماء، منهم الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) (9) ،

____________________

(1) مسند أحمد: 3/3، 62، 64، 82، دار صادر.

(2) سنن الترمذي: 5/321، دار الفكر.

(3) تهذيب خصائص الإمام علي للنسائي بتحقيق الحويني الأثري: 104 - 105، دار الكتب العلميّة.

(4) المستدرك على الصحيحين: 3/ (154، 166 - 167)، دار المعرفة.

(5) سنن الترمذي: 5/321، دار الفكر.

(6) سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2/423، حديث رقم: (796). مكتبة المعارف.

(7) المستدرك على الصحيحين وبهامشه ( تلخيص الذهبي ): 3/154، دار المعرفة.

(8) سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2/424، حديث: (796). مكتبة المعارف.

(9) مجمع الزوائد: 9/201، دار الكتب العلميّة.


ومصطفى بن العدوي في ( الصحيح المسند من فضائل الصحابة ) (1) . والحويني الأثري في تحقيقه على ( خصائص أمير المؤمنين ) (2) ، وكذا الداني بن منير آل زهوي (3) ، وحمزة أحمد الزين محقّق كتاب ( مسند أحمد ) (4) .

- وأخرج أحمد بسنده إلى حذيفة قال: ( سألتْني أمّي: منذ متى عهدك بالنبي صلّى الله عليه وسلّم؟

قال: فقلتُ: منذ كذا وكذا.

قال: فنالت منّي وسبّتني.

قال: فقلتُ لها: دعيني فإنّي آتي النبي صلّى الله عليه وسلّم فأصلّي معه المغرب ثمّ لا أدعه حتّى يستغفر لي ولك.

قال: فأتيتُ النبي صلّى الله عليه وسلّم فصلّيتُ معه المغرب، فصلّى النبي صلّى الله عليه وسلّم العشاء، ثمّ انفتل فتبعتُه، فعرض له عارض فناجاه، ثمّ ذهب فاتبعته فسمع صوتي، فقال: ( من هذا؟ ).

فقلتُ: حذيفة.

قال: ( مالكَ؟ ). فحدّثته بالأمر.

فقال: ( غفر الله لك ولأمّك ).

ثمّ قال: ( أَمَا رأيتَ العارض الذي عرض لي قبيل؟ ).

قال: قلتُ: بلى.

قال: ( فهو مَلَك من الملائكة لم يهبط الأرض قبل هذهِ الليلة، فاستأذن ربّه أنْ يُسلّم عليّ ويبشّرني أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، وأنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة ) (5) .

____________________

(1) الصحيح المسند من فضائل الصحابة: 257، دار ابن عفّان.

(2) تهذيب خصائص الإمام علي بتحقيق الحويني الأثري: 99 حديث: (124). دار الكتب العلميّة.

(3) خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بتحقيق آل زهوي: 107، حديث رقم: (140)، المكتبة العصريّة.

(4) مسند أحمد بتحقيق حمزة أحمد الزين: 1/101، 195، 204، 259، أحاديث رقم: (10941)، (11537)، (11561)، (11716)، دار الحديث، القاهرة.

(5) مسند أحمد: 5/391، دار صادر.


وأخرجه الترمذي في ( سننه ) وحسّنه (1) ، وعقّب عليه الألباني قائلاً: ( وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رجال ( الصحيح ) غير ( مَيْسَرَة ) - وهو ابن حبيب - وهو ثقة ) (2) .

وأخرج الحديث - بألفاظ مختلفة من طريق حذيفة من غير زيادة ( وأنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة ) - جمعٌ منهم: أحمد في ( مسنده ) (3) ، وابن حِبَّان في ( صحيحه ) (4) ، والحاكم في ( المستدرك ) (5) ، وغيرهم.

والحديث صحّحه الحاكم ووافقه الذهبي (6) ، وصحّحه الألباني بطريق أحمد الثاني أيضاً بقوله: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم (7) .

وصحّح كلا طريقي أحمد محقّقُ كتاب ( المسند )، حمزة أحمد الزين (8) .

- وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ( الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما خيرٌ منهما ) أخرجه الحاكم وقال: ( هذا حديث صحيح بهذهِ الزيادة ولم يخرجاه )، ووافقه الذهبي (9) .

هذا، والحديث رواه جمعٌ آخر من الصحابة أيضاً منهم: علي بن أبي

____________________

(1) سنن الترمذي: 5/326، دار الفكر.

(2) سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2/426، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.

(3) مسند أحمد: 5/392، دار صادر.

(4) صحيح ابن حِبَّان: 15/413، مؤسّسة الرسالة.

(5) المستدرك على الصحيحين: 3/381، دار المعرفة.

(6) المستدرك على الصحيحين وبهامشه ( تلخيص الذهبي ): 3/381، دار المعرفة.

(7) سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2/426، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.

(8) مسند أحمد: 16/591 - 592، حديث (23222) و (23223)، دار الحديث، القاهرة.

(9) المستدرك على الصحيحين وبهامشه ( تلخيص الذهبي ): 3/167، دار المعرفة.


طالب، وعبد الله بن عمر، والبرّاء بن عازب، وجابر بن عبد الله، وعمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وقرّة بن إياس، وغيرهم (1) ، وله طرق متكثّرة؛ لذا قال السيوطي بتواتره (2) وكذا السمعاني (3) ، ومعه لا حاجة لذكر طرق أخرى، ونكتفي بما قدّمناه.

وإذا عرفت أنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة، فتأمّل في حال مَن جَيَّش الجيوش لقتالهما، أو تسبّب في ذلك، فضلاً عمّن اشترك، أو أعان، بل تأمّل في حال مَن رضي بذلك أيضاً، على مرّ العصور ومدار الزمان.

* الفضيلة الحادية عشرة: في أنّهما ريحانتا النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):

- عن ابن عمر قال: ( قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هما ريحانتاي من الدنيا ) ) يعني الحسن والحسين.

أخرجه البخاري في ( صحيحه ) في موضعَين (4) .

- والترمذي في سننه بلفظ: ( سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ( إنّ الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا) )، وقال: ( هذا الحديث صحيح ) (5) .

وأخرجه - أيضاً - أبو داود الطيالسي في ( مسنده ) (6) ، وأبو يعلى في ( مسنده ) (7) ، والطبراني في ( الكبير ) (8) ،

____________________

(1) انظر طرفاً من رواياتهم في ( مجمع الزوائد ): 9/182، 183، 184، 201، دار الكتب العلميّة.

(2) انظر: ( تحفة الأحوذي ) 10/186، دار الكتب العلميّة، و ( فيض القدير ) للمنّاوي: 3/550، دار الكتب العلميّة.

(3) الأنساب: 3/477، دار الجنان، بيروت.

(4) صحيح البخاري:(4/217)، (7/74)، دار الفكر.

(5) سنن الترمذي: 5/322، دار الفكر.

(6) مسند أبي داود: 261، دار الحديث، بيروت.

(7) مسند أبي يعلى: 10/106، دار المأمون للتراث.

(8) المعجم الكبير: 3/127، دار إحياء التراث العربي.


وأحمد في ( مسنده ) (1) .

- وعن سعد بن أبي وقاص، قال: دخلتُ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والحسن والحسين يلعبان على بطنه، فقلتُ: يا رسول الله، أتحبّهما؟

فقال: ( ومالي لا أُحبّهما وهما ريحانتاي ) ).

أخرجه البزّار في ( مسنده ) (2) .

وأورده الهيثمي في ( المجمع ) وقال: ( رواه البزّار ورجاله رجال الصحيح ) (3) .

- وعن أبي أيوب الأنصاري قال: دخلتُ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والحسن والحسين رضي الله عنهما يلعبان بين يديه وفي حجره، فقلتُ: يا رسول الله، أتحبّهما؟

قال: ( وكيف لا أحبّهما وهما ريحانتاي من الدنيا أشمّهما ) ).

أخرجه الطبراني في ( الكبير ) (4) ، وما تقدّم يشهد لصحّته.

* الفضيلة الثانية عشرة: في محبّة النبي لهما:

- أخرج أحمد بسنده إلى عطاء: أنّ رجلاً أخبره ( أنّه رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم، يضمّ إليه حسناً وحسيناً يقول: ( اللّهم إنّي أُحِبُّهما فأحِبَّهُما ) ) (5) .

وأورده الهيثمي في ( المجمع ) وقال: ( رواه أحمد ورجاله رجال

____________________

(1) مسند أحمد: 2/85، 93، 114، 153، دار صادر.

(2) مسند البزّار: 3/287، نشر مؤسّسة علوم القرآن.

(3) مجمع الزوائد: 9/181، دار الكتب العلميّة.

(4) المعجم الكبير: 4/156، دار إحياء التراث العربي.

(5) مسند أحمد: 5/369، دار صادر.


الصحيح ) (1) .

وقال حمزة أحمد الزين محقّق كتاب ( المسند ): ( إسناده صحيح ) (2) .

- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( اللّهم إني أُحبُّهما فأحِبَّهما ) ).

أخرجه أحمد في ( مسنده ) (3) ، وابن أبي شيبة في ( المصنّف ) (4) . والبزّار في ( مسنده ) كما في ( مجمع الزوائد )، وقال الهيثمي بعد ذكره: ( رواه البزّار وإسناده حسن ) (5) .

وقال حمزة أحمد الزين محقّق ( المسند ) ( إسناده حسن ) (6) .

هذا ومحبّة الرسول للحسن والحسين غير خافية على أحد، بل هي محلّ اتفاق المسلمين، والروايات في ذلك عديدة متكاثرة، قال الفخر الرازي: ( ثبت بالنقل المتواتر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يحبُّ عليّاً والحسن والحسين، وإذا ثبت ذلك وجبَ على كلّ الأمّة مثله؛ لقوله: ( وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) .

ولقوله تعالى: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) .

ولقوله: ( قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبِكُمُ اللهُ ) .

ولقوله سبحانه: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي

____________________

(1) مجمع الزوائد: 9/179، دار الكتب العلميّة.

(2) مسند أحمد بتحقيق حمزة أحمد الزين: 16/534، حديث: (23027)، دار الحديث، القاهرة.

(3) مسند أحمد: 2/446 دار صادر.

(4) المصنف: 7/511، دار الفكر.

(5) مجمع الزوائد: 9/179.

(6) مسند أحمد بتحقيق حمزة أحمد الزين: 9/303، حديث: (9721)، دار الحديث، القاهرة.


رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (1) .

لذا نكتفي بما ذكرناه أعلاه وننوّه إلى أنّه سيأتي في ذكر الفضائل الآتية ما يدلّ على ذلك أيضاً.

* الفضيلة الثالثة عشرة: في أمر النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بمحبّتهما عليهما السلام:

- عن عبد الله بن مسعود قال: ( كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يصلّي والحسن والحسين يَثِبَان على ظهره فيباعدهما الناسُ، فقال صلّى الله عليه وسلّم: ( دعوهما، بأبي هما وأمّي، مَن أحبّني فليحبّ هذَين ) )، أخرجه:

النسائي في ( السنن ) (2) .

وابن أبي شيبة في ( المصنف ) (3) .

وأبو يعلى في ( مسنده ) (4) .

وابن خزيمة في ( صحيحه ) (5) .

وابن حِبَّان في ( صحيحه ) (6) .

والطبراني في ( الكبير ) (7) .

وأورده ابن حجر في ( الإصابة ) (8) ، واللفظ لابن حِبَّان.

قال ابن حجر بعد ذكر الحديث: ( وله شاهد في السنن وصحيح ابن خزيمة عن بريدة، وفي معجم البغوي نحوه بسند صحيح عن شداد بن الهاد ) (9) .

____________________

(1) تفسير الفخر الرازي: مجلّد14، ج27، ص167، دار الفكر.

(2) السنن الكبرى: 5/50، دار الكتب العلميّة.

(3) المصنّف: 7/511، دار الفكر.

(4) مسند أبي يعلى: 9/250، دار المأمون للتراث.

(5) صحيح ابن خزيمة: 2/48، حديث: (887)، المكتب الإسلامي.

(6) صحيح ابن حِبّان: 15/427، مؤسّسة الرسالة.

(7) المعجم الكبير: 3/47، دار إحياء التراث.

(8) الإصابة: 2/63، دار الكتب العلميّة.

(9) المصدر نفسه: 2/63.


وقال الألباني في ( صحيح موارد الظمآن ): ( حَسَن ) (1) .

وقد عرفت أنّه صحيح عند ابن حِبّان، وابن خزيمة أيضاً؛ لوجوده في كتابيهما، وقد التزما بذكر ما هو صحيح فقط، كما هو جليّ واضح من مقدّمة كتابيهما.

وذكر الحديث مصطفى بن العدوي في ( الصحيح المسند من فضائل الصحابة )، وقال: ( حَسَن ) (2) .

وعن أبي هريرة، قال: ( سمعتُ رسول الله يقول للحسن والحسين: ( مَن أحبَّني فليحِبَّهما ) ).

أخرجه أبو داود الطيالسي في ( مسنده ) (3) ، بلفظ: ( فليحبَّ هذين )، وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) (4) ، والبزّار في ( مسنده ) على ما في ( مجمع الزوائد ) (5) ، قال الهيثمي: ( رواه البزّار، ورجاله وثّقوا، وفيهم خلاف ) (6) .

قلتُ: عرفتَ أنّ الحديث الأوّل حسن، فيكون هذا الحديث على فرض ضعفه، شاهداً على صحّته.

* الفضيلة الرابعة عشرة: في أنّ من أحبَّهما، فقد أحبّ رسول الله، ومَنْ

____________________

(1) صحيح موارد الظمآن: 2/376، دار الصميعي.

(2) الصحيح المسند من فضائل الصحابة: 260، دار ابن عفّان.

(3) مسند أبي داود، 327، دار الحديث.

(4) تاريخ دمشق: 14/154 - 155، دار الفكر.

(5) مجمع الزوائد: 9/180، دار الكتب العلميّة.

(6) المصدر نفسه: 9/180.


أبغضهما، أبغض رسول الله( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):

- أخرج الحاكم بسنده إلى أبي هريرة قال: ( خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعه الحسن والحسين، هذا على عاتقه وهذا على عاتقه وهو يلثم (1) هذا مرّة وهذا مرّة، حتى انتهى إلينا فقال له رجل: يا رسول الله أنّك تحبّهما؟

فقال: ( نعم، مَن أحبَّهما فقد أحبَّني، ومَن أبغضهما فقد أبغضني ) ) (2) .

وأخرجه أحمد في ( مسنده ) (3) ، وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) (4) .

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ووافقه الذهبي (5) . وأُخرِج الحديث عن أبي هريرة مختصراً مُقتصِراً فيه على: ( مَنْ أحبَّهما فقد أحبَّني، ومَن أبغضهما فقد أبغضني ) ).

أخرجه النسائي في ( سننه ) (6) ، وأحمد في ( مسنده ) (7) ، والطبراني في ( الكبير ) (8) ، وابن راهويه في ( مسنده ) (9) .

____________________

(1) يلثم: يُقبّل.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3/166، دار المعرفة.

(3) مسند أحمد: 2/440، دار صادر.

(4) تاريخ دمشق: 13/199، دار الفكر.

(5) المستدرك على الصحيحين وبهامشه ( تلخيص المستدرك ): 3/166، دار المعرفة.

(6) سنن النسائي: 5/49، دار الكتب العلميّة.

(7) مسند أحمد: 2/288، دار صادر.

(8) المعجم الكبير: 3/48، دار إحياء التراث.

(9) مسند ابن راهويه: 1/248، مكتبة الإيمان، المدينة المنوّرة.


قال أحمد محمّد شاكر: ( إسناده صحيح ) (1) .

وأُخرج الحديث عن أبي هريرة أيضاً، قاله في يوم وفاة الحسن ( عليه السلام )، أخرجه أحمد في ( مسنده ) (2) ، وعبد الرزاق في ( المصنّف ) (3) ، والحاكم في ( المستدرك ) (4) .

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ووافقه الذهبي (5) .

- وفي ( سنن ابن ماجة ) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( مَن أحبَّ الحسن والحسين فقد أحبَّني، ومَن أبغضهما فقد أبغضني ).

قال البوصيري: ( هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات ).

وقال الألباني: ( حسن ) (6) .

- وفي ( تاريخ ابن عساكر ) عن ابن عبّاس بصيغة: ( الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، مَن أحبَّهما فقد أحبَّني، ومَن أبغضهما فقد أبغضني ) (7) .

- وفي ( مجمع الزوائد ) عن ابن مسعود بلفظ: ( اللّهمّ إنّي أُحِبُّهما فأحِبَّهما، ومَن أحبَّهما أحبَّني ).

____________________

(1) مسند أحمد بتحقيق أحمد محمّد شاكر: 7/519، حديث: (7863)، دار الحديث، القاهرة.

(2) مسند أحمد: 2/531، دار صادر.

(3) المصنّف: 3/472، المجلس العلمي.

(4) المستدرك على الصحيحَين: 3/171، دار المعرفة.

(5) المصدر نفسه: 3/171.

(6) السنن لابن ماجة وبحاشيته ( مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة ) مع تعليقات للألباني: 1/85، حديث: (143)، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.

(7) تاريخ دمشق لابن عساكر: 14/ 132، دار الفكر.


قال الهيثمي: ( رواه البزّار وإسناده جيد ) (1) .

- ونختم الكلام عن هذهِ الفضيلة بذكر ما أخرجه الحاكم في ( مستدركه ) بسنده إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: ( سمعتُ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول: ( الحسن والحسين ابناي، مَن أحبَّهما أحبَّني، ومَن أحبَّني أحبَّه الله، ومَن أَحَبَّه الله أدخله الجنّة، ومَن أبغضهما أبغضني، ومَنْ أبغضني أبغضه اللهُ، ومَن أبغضه اللهُ أدخله النار ) ).

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) (2) .

وأرسله القاضي عِيَاض إرسال المسلّمات مع نحو اختصار (3) .

ومن الغريب أنّ الذهبي لم يَرُقْ له الحديث، فقال: ( مُنْكَر ) (4)، مع أنّه صحَّحَ ما تقدّم ذكره عن أبي هريرة، ومعلوم عند كلّ المسلمين أنّ مبغض النبي مبغضٌ لله، وأنّ مبغض الله في النّار، والأمر واضح لا يحتاج إلى رواية، فإنّ نفس الرواية التي صحَّحها الذهبي في أنّ مبغض الحسنَين مبغضٌ للنبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كافيةٌ في إثبات أنّه مبغض لله، فلماذا حكم الذهبي هنا بالنّكارة وصحَّحَ تلك؟!

لا نرى مبرِّراً معقولاً سوى أنّ القارئ عندما يقرأ تلك لا يلتفت، لكنّه حينما يقرأ هذهِ الرواية الصريحة سوف ينتبه، ويدقّ عنده ناقوس الخطر

____________________

(1) مجمع الزوائد: 9/ 179، دار الكتب العلميّة.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3/166، دار المعرفة.

(3) الشفا في حقوق المصطفى: 2/36، دار الفكر، بيروت.

(4) انظر: ( تلخيص المستدرك ) للذهبي، المطبوع في هامش المستدرك: 3/166، دار المعرفة.


ويتبيّن له حال معاوية، وابنه يزيد، وأتباعهما من المبغضين للحسنين؛ لذا لم يستطع الذهبي تحمّل ذلك كعادته، فلا بدّ أنْ تكون الرواية في نظره ( منكرة )!!!

* الفضيلة الخامسة عشرة: في أنّهما وَلَدا رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):

- أخرج الترمذي بسنده إلى أسامة بن زيد، قال: ( طرقتُ النبي صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو، فلمّا فرغتُ من حاجتي قلتُ: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشفه، فإذا حسن وحسين على ورْكَيْه، فقال: ( هذان ابناي وابنا ابنتي، اللّهم إنّي أحِبُّهما، فأحِبَّهما وأحِبَّ مَن يحبُّهما ) ) (1) .

وأخرجه ابن أبي شيبة في ( المصنف ) (2) . والنسائي في ( الخصائص ) (3) ، وابن حِبّان في ( صحيحة ) (4) ، والطبراني في ( الصغير ) (5) .

قال الترمذي: ( هذا حديث حَسَن غريب ) (6) .

قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الحسن بن أسامة بعد نقل كلام الترمذي: ( وصحّحه ابن حِبّان والحاكم ) (7) .

____________________

(1) سنن الترمذي: 5/322، دار الفكر.

(2) المصنّف: 7/512، دار الفكر.

(3) خصائص الإمام علي: 107، المكتبة العصريّة.

(4) صحيح ابن حِبّان: 15/423، مؤسّسة الرسالة.

(5) المعجم الصغير: 1/200، دار الكتب العلميّة.

(6) سنن الترمذي: 5/322، دار الفكر.

(7) تهذيب التهذيب: 2/238، دار الفكر.


قال الألباني في ( صحيح الجامع الصغير ): ( حَسَن ) (1) .

- وفي ( سير أعلام النبلاء ) عن عبد الله بن مسعود: قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( هذان ابناي، مَن أحبَّهما فقد أحبَّني ).

قال محقّق الكتاب: ( سند الحديث حسن ) (2) .

- وفي ( مجمع الزوائد ) عن أبي هريرة قال في حديث طويل: ( سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحسن والحسين وهما يبكيان وهما مع أمّهما، فأسرع السير حتّى أتاهما فسمعتُه يقول: ( ما شأن ابني. .. ) ) الحديث.

قال الهيثمي: ( رواه الطبراني ورجاله ثقات ) (3) .

- وأخرج أحمد (4) ، والترمذي (5) ، والنسائي (6) ، وأبو داود (7) ، وابن ماجة (8) ، وغيرهم بسندهم إلى عبد الله بن بريدة قال: سمعتُ أبي بُريدة يقول: كان رسول الله يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه، ثمّ قال: ( صدق الله ورسوله، إنّما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرتُ إلى

____________________

(1) صحيح الجامع الصغير: 2/1175، المكتب الإسلامي.

(2) سير أعلام النبلاء: 3/254، هامش (3)، مؤسّسة الرسالة.

(3) مجمع الزوائد: 9/181، دار الكتب العلميّة.

(4) مسند أحمد: 5/354، دار صادر.

(5) سنن الترمذي: 5/324، دار الفكر.

(6) سنن النسائي: 3/108، 192، دار الفكر.

(7) سنن أبي داود: 1/348، دار الفكر.

(8) سنن ابن ماجة: 2/119، دار الفكر.


هذين الصبيّين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتّى قطعتُ حديثي ورفعتُهم ) ). واللفظ لأحمد.

قال الترمذي: ( هذا حديث حسن غريب ) (1) .

والحديث صحّحه ( ابن حِبَّان ) و ( ابن خزيمة )، إذ أخرجاه في صحيحيهما (2) ، وأخرجه الحاكم وقال: ( هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ) (3) .

وأخرجه في موضع آخر وقال: ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) (4) .

والحديث صحَّحه الألباني أيضاً (5) .

هذا، ولا يخفى على القارئ دلالة آية المباهلة على ذلك أيضاً، وقد أشرنا إلى ذلك في محلّه، كما أنّ بعض الروايات المتقدّمة قد دلّت على ذلك أيضاً فلا نعيد.

ويعضد ذلك ما ورد عن الرسول محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بأكثر من طريق في أنّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وليُّ الحسن والحسين وهو عصبتهما التي ينتمون إليها.

- فقد أخرج الحاكم بسنده إلى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله

____________________

(1) سنن الترمذي: 5/324، دار الفكر.

(2) انظر: ( صحيح ابن حِبَّان ): 13/402، 403، مؤسّسة الرسالة. و ( صحيح ابن خزيمة ): (2/355) و (3/152)، المكتب الإسلامي.

(3) المستدرك على الصحيحَين: 1/287، دار المعرفة.

(4) المصدر نفسه: 4/190.

(5) انظر: ( صحيح سنن النسائي ): 1/455 - 456. و ( سنن ابن ماجة ) مع تعليق الألباني: 3/510، مكتبة المعارف. و ( صحيح موارد الظمآن ): 2/366 - 367، دار الصميعي.


صلّى الله عليه وآله وسلّم: ( لكلّ بني أمّ عصبة ينتمون إليهم، إلاّ ابني فاطمة فأنَا وليّهما وعصبتها ).

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) (1) .

- وأخرج أبو يعلى بسنده إلى فاطمة الزهراء عليها السلام، قالت: ( قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( لكلّ بني أُمّ عصبة ينتمون إليه إلاّ وُلد فاطمة، فأنا وليّهم وأنا عصبتُهم ) ) (2) .

- وأخرجه الطبراني بلفظ: ( لكلّ بني أنثى عصبة ينتمون إليه، إلاّ وُلد فاطمة فأنا وليّهم وأنا عصبتهم ) (3) .

- وأورده السيوطي في الجامع الصغير بلفظ : ( كلّ بني آدم ينتمون إلى عصبة، إلاّ وُلد فاطمة فأنا وليُّهم وأنا عصبتهم )، وأشار إلى حسنه كما في ( فيض القدير ) للمنّاوي (4) .

- وأخرج الطبراني بسنده إلى عمر بن الخطاب، قال: ( سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ( كلّ بني أنثى فإنّ عصبتَهم لأبيهم، ما خلا وُلد فاطمة فإنّي أنا عصبتُهم، وأنا أبوهم ) ) (5) .

قال محمّد بن طاهر الفتني ( ت: 986 هـ ) في ( تذكرة الموضوعات ): ( ( كلّ

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: 3/164، دار المعرفة.

(2) مسند أبي يعلى: 12/109، دار المأمون للتراث.

(3) المعجم الكبير: 22/432، دار إحياء التراث، نشر مكتبة ابن تيمية، القاهرة.

(4) فيض القدير: 5/23، دار الكتب العلميّة، بيروت.

(5) المعجم الكبير: 3/44، حديث: (2631) دار إحياء التراث، نشر مكتبة ابن تيمية.


بني آدم ينتمون إلى عصبة أبيهم إلاّ ولد فاطمة فإنّي أنا أبوهم وأنا عصبتُهم ) فيه إرسال وضعف، ولكن له شاهد عن جابر رفعه: ( إنّ الله تعالى جعل ذرِّيَّة كلّ نبي في صُلْبِهِ وإنّ الله تعالى جعل ذرِّيَّتي في صُلْب علي ) وبعضهم يقوّي بعضاً، وقول ابن الجوزي أنّه لا يصح، ليس بجيّد، وفيه دليل لاختصاصه صلّى الله عليه وسلّم به ) (1) .

وذكر العجلوني الحديث، مع بعض تخريجاته وقال: إنّ له شواهد عند الطبراني عن جابر، وذكر حديث جابر المتقدّم، ثمّ ذكر كلام صاحب المقاصد فقال: ( قال في المقاصد: ويُروى أيضاً، عن ابن عبّاس كما كتبته في ارتقاء الغرف وبعضها يقوّي بعضاً، وقول ابن الجوزي في العلل لا يصح، ليس بجيّد، وفيه دليل لاختصاصه صلّى الله عليه وسلّم بذلك، كما أوضحتُه في بعض الأجوبة وفي مصنَّفي أهل البيت ) (2) .

وبهذا يتّضح أنّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله اتّخذ من الحسنَين أولاداً له وصار عصبتهم التي ينتمون إليها، وأنّ هذا من مختصّاته صلّى الله عليه وآله.

ولا مِرْيَةَ أنّ في ذلك لطف كبير، وعناية مميّزة، واهتمام خاص من الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بالحسنَين عليهما السلام.

وهذا يكشف عن عظيم منزلتهما وكِبَر قدرهما عند الله سبحانه وتعالى، وبهذهِ الفضيلة الشريفة نختم الكلام عن الفضائل العامّة، ومَن أراد الاستزادة

____________________

(1) تذكرة الموضوعات: 299.

(2) كشف الخفاء للعجلوني: 2/119، دار الكتب العلميّة.


فليراجع الكتب الحديثيّة، حيث خُصصت في الكثير منها أبواب مستقلّة في ذكر فضائل الحسنَين عليهما السلام.

القسم الثاني: فضائل الإمام الحسن الخاصّة

نُورد هنا بعض فضائل الإمام الحسن ( عليه السلام ) المختصّة به، وننوّه إلى أنّ بعضها تقدّمت في الفضائل المشتركة بنفس المعاني، لكن نُوردها هنا تيمّناً وتبرّكاً:

* الفضيلة الأولى: في حبّ النبي له:

- أخرج البخاري في ( صحيحه ) باب مناقب المهاجرين، باب مناقب الحسن والحسين بسنده إلى البرّاء قال: ( رأيتُ النبي صلّى الله عليه وسلّم والحسن بن علي على عاتقه، يقول: ( اللّهمّ إنّي أحبُّهُ فأحبَّه ) ) (1) .

وأخرجه مسلم في ( صحيحه ) (2) . والترمذي في ( سننه ) (3) . وأحمد في ( المسند ) (4) .

- وأخرج الحاكم في ( المستدرك ) بسندهِ إلى أبي هريرة قال: ( لا أزال أحبُّ هذا الرجل بعد ما رأيتُ رسول الله يصنع ما يصنع، رأيتُ الحسن في حجر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو يُدخل أصابعه في لحيةِ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يُدخل لسانه في فمه، ثمّ قال:

____________________

(1) صحيح البخاري: 4/216، دار الفكر.

(2) صحيح مسلم: 7/129، دار الفكر.

(3) سنن الترمذي: 5/327، دار الفكر.

(4) مسند أحمد: 4/284، 292، دار صادر.


( اللّهمّ إنّي أحبُّه فأحِبَّه ) ).

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه )، ووافقه الذهبي (1) .

- وعن سعيد بن زيد بن نفيل: أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم احتضن حَسَنَاً وقال: ( اللّهمّ إنّي أحبُّه فاحبَّه ).

أورده الهيثمي في ( المجمع ) وقال: ( رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير يزيد بن حسين وهو ثقة ) (2) .

وتقدّم في الفضائل المشتركة أنّ محبّة النبي للحسنَين تواترَ بها النقل.

وفي ( سير أعلام النبلاء ) للذهبي: ( وفي ( الجعديات ) لفضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت، عن البراء، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم للحسن: ( اللّهمّ إنّي أُحبّه فأحبَّه، وأحِبّ مَن يُحبُّه )، صحّحه الترمذي ) (3) .

قال الهيثمي: ( رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزّار وأبو يعلى ورجال الكبير رجال الصحيح ) (4) .

قال الذهبي: (وفي ذلك عدّة أحاديث فهو متواتر ) (5) .

* الفضيلة الثانية: في دعاء النبي لمحبِّ الحسن ( عليه السلام ):

- أخرج مسلم في ( صحيحه ) باب فضائل الصحابة، باب فضائل الحسن

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين وبهامشه: ( تلخيص المستدرك ) للذهبي: 3/169، دار المعرفة.

(2) مجمع الزوائد: 9/176، دار الكتب العلميّة.

(3) سير أعلام النبلاء: 3/250، مؤسّسة الرسالة.

(4) مجمع الزوائد: 9/176، دار الكتب العلميّة.

(5) سير أعلام النبلاء: 3/251، مؤسّسة الرسالة.


والحسين: بسنده إلى أبي هريرة ( عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال لحسن، ( اللّهم إنّي أُحبُّه فأَحبّه، وأحبِبْ مَن يُحبُّه ) ) (1) .

- وأخرج عن أبي هريرة أيضاً في نفس الباب، قال: (خرجتُ مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في طائفة من النهار لا يكلّمني ولا أكلّمه، حتّى جاء سوق بني قينقاع ثمّ انصرف، حتّى أتى خباء فاطمة فقال: أَثَمَّ لكع (2) أَثَمَّ لكع يعني حسناً، فظنّنا أنّه إنّما تحبسه أمّه لأنْ تغسله وتلبسه سخاباً (3) ، فلم يلبث أنْ جاء يسعى حتّى اعتنق كلّ واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( اللّهم إنّي أحبّه فأحبّه وأحببْ مَن يُحبُّه ) ) (4) .

وأخرجه البخاري في ( صحيحه ) (5) ، وجمع من أئمة الحديث وقد تقدّم بعض ما يدلّ على ذلك فيما سبق أيضاً.

* الفضيلة الثالثة: في أنّه مِنْ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):

- في ( مسند أحمد ): حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا حبوة بن شريح، ثنا بقيّة، ثنا بحير بن سعد عن خالد بن معدان، قال: ( وَفَدَ المقدام بن معدي كرب

____________________

(1) صحيح مسلم: 7/129، دار الفكر.

(2) المراد هنا ( الصغير ).

(3) السِخاب: بكسر السين المهملة وبالخاء المعجمة، جمعه سخب، وهو قلادة من القرنفل والمسك، والعود ونحوهما من أخلاط الطيب، يعمل على هيئة السبحة، ويُجعل قلادة للصبيان والجواري، وقيل هو خيط فيه خرز، سُمِّي سخاباً لصوت خرزه عند حركته من السَخَب بفتح السين والخاء، يُقال الصخب بالصاد وهو اختلاط الأصوات، ( شرح صحيح مسلم للنووي: 15/193 ).

(4) صحيح مسلم: 7/130، دار الفكر.

(5) صحيح البخاري، كتاب البيوع: 3/20، دار الفكر.


وعمرو بن الأسود إلى معاوية، فقال معاوية للمقدام: أعلمتَ أنّ الحسن بن علي تُوفّي، فرجّع المقدام [ أي قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون ] فقال له معاوية: أتراها مصيبة؟

فقال: ولمَ لا أراها مصيبة وقد وضعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حجره وقال: ( هذا منّي وحسين مِن علي رضي الله تعالى عنهم ) ) (1) .

- وأخرجه أبو داود في ( سننه ) (2) ، والطبراني في ( الكبير ) (3) ، في أكثر من موضع وفي بعضها بلفظ: ( حَسَن منّي، وحسين من علي ) وبهذا اللفظ في ( مسند الشاميّين ) أيضاً (4) .

قال المنّاوي في ( فيض القدير ): قال الحافظ العراقي: ( سنده جيّد ) (5) .

قال الذهبي: في ( السيّر ): ( إسناده قوي ) (6) .

قال الألباني في ( صحيح الجامع الصغير ): ( حَسَن ) (7) .

قال محقّق كتاب ( السير ): بقيّة بن الوليد مدلّس، وقد عَنْعَنَ وباقي رجاله ثقات، وعلّق على تصحيح الذهبي قائلاً: هذا مُسلّم لو أنّ بقية صرّح بالتحديث، أمّا وقد عنعن فلا (8) .

____________________

(1) مسند أحمد: 4/132، دار صادر.

(2) سنن أبي داود: 2/275، دار الفكر.

(3) المعجم الكبير: (3/43) و (20/268 - 269)، دار إحياء التراث.

(4) مسند الشاميّين للطبراني: 2/170، مؤسّسة الرسالة.

(5) فيض القدير: 3/551، دار الكتب العلميّة.

(6) سير أعلام النبلاء: 3/258، مؤسّسة الرسالة.

(7) صحيح الجامع الصغير: 1/607، المكتب الإسلامي.

(8) سير أعلام النبلاء: 3/258 هامش (2) و (3)، مؤسّسة الرسالة.


أقول:

يظهر أنّ المحقّق قد خفي عليه وجود الرواية في ( مسند أحمد )، وفيها أنّ بقية حدّث ولم يعنعن كما أثبتناه أعلاه، وقد نوّه الألباني إلى ذلك أيضاً (1) .

فالرواية معتبرة إذن، وليلتفت إلى أنّه سيأتي في فضائل الحسين ( عليه السلام ) أنّ الرسول قال في حقّه: ( حسينٌ منّي وأنا من حسين ).

* الفضيلة الرابعة: النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يأمر بمحبّته ( عليه السلام ):

- أخرج أحمد بسنده إلى زهير بن الأقمر قال: ( بينما الحسن بن علي يخطب بعدما قُتل علي رضي الله عنه إذ قام رجل من الأزد آدم طوال فقال: لقد رأيتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واضعه في حبوته يقول: ( مَن أحبّني فليحبّه، فَلْيُبْلِغ الشاهد الغائب ) ولولا عزمة (2) رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما حدّثتُكم ) (3) .

وأخرجه الحاكم في ( المستدرك ) (4) ، وابن أبي شيبة في ( المصنّف ) (5) ، وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) (6) .

قال حمزة أحمد الزين محقّق كتاب ( المسند ): ( إسناده صحيح ) (7) .

____________________

(1) سلسة الأحاديث الصحيحة: 2/451 حديث رقم: (811)، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض.

(2) في بعض المصادر ( كرامة )، انظر: ( مستدرك الحاكم ): 3/173 - 174، دار المعرفة.

(3) مسند أحمد: 5/366، دار صادر.

(4) المستدرك على الصحيحين 3/ 173 - 174، دار المعرفة.

(5) المصنّف: 7/513، دار الفكر.

(6) تاريخ دمشق: 13/ 197، دار الفكر.

(7) مسند أحمد بتحقيق حمزة أحمد الزين: 16/ 525، رقم: (23000)، دار الحديث، القاهرة.


وسكت عنه الحاكم وكذا الذهبي في ( التلخيص ) (1) .

- وفي ( مسند أبي داود الطيالسي ): حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا شعبة عن عدي بن ثابت، قال سمعتُ البرّاء يقول: ( رأيتُ النبي صلّى لله عليه وسلّم واضعاً الحسن على عاتقه وقال: ( مَن أحبّني فليحبّه ) ) (2) .

والرواية صحيحة السند، رجالها ثقات.

وقد تقدّم في الفضائل المشتركة ما يدلّ على ذلك أيضاً.

* الفضيلة الخامسة: في أنّه سيّد بنصّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):

أخرج الحاكم بسنده إلى سعيد بن أبي سعيد المقبري، قال: ( كنّا مع أبي هريرة، فجاء الحسن بن علي بن أبي طالب علينا فسلّم، فرددنا عليه السلام ولم يَعلم به أبو هريرة، فقلنا: يا أبا هريرة هذا الحسن بن علي قد سلّم علينا، فلحقه وقال: وعليك السلام يا سيّدي، ثمّ قال: سمعتُ رسول صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: إنّه سيّد ).

قال الحاكم: ( هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ) ووافقه الذهبي (3) .

* الفضيلة السادسة: في رعاية النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) واهتمامه الشديد بولده الحسن ( عليه السلام ):

- أخرج الهيثمي في ( موارد الظمآن ) بسنده إلى أبي هريرة قال: ( كان رسول الله

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين وبذيله ( تلخيص المستدرك ) للذهبي: 3/ 173 - 174، دار المعرفة.

(2) مسند أبي داود الطيالسي: 99، دار الحديث، بيروت.

(3) المستدرك على الصحيحين وبذيله ( تلخيص المستدرك ) للذهبي: 3/169، دار المعرفة.


صلّى الله عليه وسلّم يَدْلَعُ لسانه للحسن، فيرى الصبي حمرة لسانه فيهش إليه ) (1) .

قال الألباني: ( حَسَن ) (2) .

- وأخرج أحمد في ( مسنده ) بسنده إلى معاوية قال: ( رأيتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمصّ لسانه أو قال: شفته، يعني الحسن بن علي صلوات الله عليه، وأنّه لن يُعذّب لسان أو شفتان مصّهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ) (3) .

ونقلها الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) وقال: ( رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمان بن أبي عوف وهو ثقة ) (4) .

وقال حمزة أحمد الزين محقّق كتاب ( المسند ): ( إسناده صحيح ) (5) .

ولا يفوتنا أنْ نشير هنا إلى أنّ معاوية يعلم بأنّ الحسن بن علي ( عليه السلام ) من أهل الجنّة، ومع ذلك يرفض الدخول في طاعته، بل ويجيّش الجيوش لقتاله!!!

- وأخرج الحاكم بسندهِ إلى أبي هريرة: ( أنّه لقي الحسن بن علي، فقال: رأيتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قبّل بطنك، فاكشف الموضع الذي قبّل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى أُقبّله، قال: وكشف له الحسن فقبّله ) (6) .

____________________

(1) موارد الظمآن: 553، دار الكتب العلميّة.

(2) صحيح موارد الظمآن: 2/ 368، دار الصميعي للنشر والتوزيع.

(3) مسند أحمد: 4/93، دار صادر.

(4) مجمع الزوائد: 9/177، دار الكتب العلميّة، بيروت.

(5) مسند أحمد: 13/180، حديث: (16791)، دار الحديث، القاهرة.

(6) مستدرك الحاكم: 3/168، دار المعرفة.


وأخرجه أحمد من طريق عمير بن إسحاق (1) ، وأورده الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) وقال: ( رواه أحمد والطبراني ) (2) .

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ) وأقرّه الذهبي (3) .

وقال الهيثمي في ( المجمع ): ( رجاله رجال الصحيح غير عمير بن إسحاق، وهو ثقة ) (4) .

وقال حمزة أحمد الزين محقّق كتاب ( المسند ): ( إسناده صحيح ) (5) .

- وأخرج ابن أبي شيبة في ( المصنّف ) بسنده إلى عبد الله بن شداد عن أبيه قال: ( دُعيَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لصلاة، فخرج وهو حامل حسناً أو حسيناً فوضعه إلى جنبه، فسجد بين ظهراني صلاته سجدةً أطال فيها، قال أبي: فرفعتُ رأسي مِن بين الناس فإذا الغلام على ظهر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأعدتُ رأسي فسجدتُ، فلمّا سلّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال له القوم: يا رسول الله، لقد سجدت في صلاتك هذه سجدةً ما كنتَ تسجدها، أفكان يُوحى إليك، قال: ( لا، ولكن ابني ارتحلني فكرهتُ أنْ أعجّله حتّى يقضي حاجته ) ) (6) .

____________________

(1) مسند أحمد: 2/427، دار صادر.

(2) مجمع الزوائد: 9/177، دار الكتب العلميّة.

(3) المستدرك على الصحيحين وبذيله ( تلخيص المستدرك ) للذهبي: 3/168، دار المعرفة.

(4) مجمع الزوائد: 9/ 177، دار الكتب العلميّة، بيروت.

(5) مسند أحمد: 9/ 232، رقم الحديث: (9478) دار الحديث، القاهرة.

(6) المصنّف: 7/514، دار الفكر.


وأخرجه أحمد في ( المسند ) (1) ، والنسائي في ( السنن ) (2) ، والحاكم في ( المستدرك ) (3) ، والضحاك في ( الآحاد والمثاني ) (4) .

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) ووافقه الذهبي على ذلك (5) .

قال حمزة أحمد الزين محقّق كتاب ( المسند ): ( إسناده صحيح ) (6) .

- كما ورد: أنّ الحسن ( عليه السلام ) كان يركب على رقبة النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، وهو ساجد فما ينزله حتّى يكون هو الذي ينزل، وكان يجيء والنبي راكع فيفرج له بين رجليه حتّى يخرج من الجانب الآخر (7) ، وكان يحمله أحياناً على رقبته، ويخرج به إلى الناس، ويقول عنه: ( نِعْمَ الراكب هو ) (8) .

وغير ذلك من الروايات العديدة الدالّة على اهتمام الرسول الأعظم ورعايته المنقطعة النظير لولده الحسن ( عليه السلام )، والتي تكشف عن عظم مقام الحسن ( عليه السلام )، وكبر شأنه، وتبيّن بوضوح مراد النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، مِن أمّته في الاهتمام بريحانته المباركة وتبجيلها، والسير وِفق نهجها الشريف، خصوصاً

____________________

(1) مسند أحمد: 3/493 - 494، دار صادر.

(2) السنن الكبرى: 1/243، دار الكتب العلميّة.

(3) المستدرك على الصحيحين: 165 - 166، دار المعرفة.

(4) الآحاد والمثاني: 2/188، دار الدراية.

(5) المستدرك على الصحيحين وبذيله ( تلخيص المستدرك ): 1/166، دار المعرفة.

(6) مسند أحمد: 12/ 423، حديث رقم: (15975)، دار الحديث، القاهرة.

(7) تاريخ دمشق: 13/176، دار الفكر، والإصابة: 2/62، دار الكتب العلميّة.

(8) سنن الترمذي: 5/661، دار إحياء التراث العربي.


عند ضمّ هذهِ الروايات مع سابقاتها إلى الآيات القرآنيّة، والأحاديث العامّة التي وردت في حقّ أهل البيت، فإنّها لا تدع أيّ مجال للشكّ في أنّ الله اختار هذهِ الصفوة المباركة؛ ليكونوا خلفاء لرسوله الأكرم، وأمناء على رسالته المباركة، ونجزم يقيناً بأنّ كلّ باحثٍ لو أنصف البحث، لانفتحت له آفاق الحقيقة، ولرأى نورها يشعّ بولاية علي وأولاده الطاهرين، والتوفيق من عند الله العظيم.

هذا وفضائل الإمام الحسن ( عليه السلام ) عديدة شهيرة نكتفي منها بما ذكرناه، ونختم هذا القسم بما صحّ عن الصحابي عبد الله بن عمرو: بأنّ الحسن ( عليه السلام ) أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء، فعن رجاء بن ربيعة قال: ( كنتُ جالساً بالمدينة في مسجد الرسول صلّى الله عليه وسلّم في حلقةٍ فيها أبو سعيد، وعبد الله بن عمرو، فمرّ الحسن بن علي فسلّم فردّ عليه القومُ، وسكت عبد الله بن عمرو ثمّ أتبعه وقال: وعليك السلام ورحمة الله، ثمّ قال: هذا أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء والله ما كلّمته منذ ليالي صفّين .

فقال أبو سعيد: أَلاَ تنطلق إليه فتعتذر إليه؟

قال: نعم.

قال: فقام فدخل أبو سعيد فاستأذن فأَذِنَ له، ثمّ استأذن لعبد الله بن عمرو فدخل.

فقال أبو سعيد لعبد الله بن عمرو: حدّثنا بالذي حدّثتنا به حيث مرّ الحسن.

فقال: نعم، أنا أُحدّثكم، إنّه أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء.

قال: فقال له الحسن: إذا علمتَ أنّي أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء فلِمَ قاتلتنا أو كثّرت يوم صفّين.

قال: أَمَا إنّي والله ما كثّرتُ سواداً ولا ضربتُ معهم بسيف، ولكنّي حضرتُ مع أبي، أو كلمة نحوها.

قال: أَمَا علمتَ أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الله.

قال: بلى، ولكنّي


كنتُ أسرد الصوم على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فشكاني أبي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله، إنّ عبد الله بن عمرو يصوم النهار ويقوم الليل، قال: صمْ، وافطرْ، ونَمْ، فإنّي أنا أصلّي، وأنامُ، وأصومُ، وأفطرُ.

قال لي: يا عبد الله، أَطِعْ أباك، فخرج يوم صفّين وخرجتُ معه ).

قال الهيثمي في ( مجمع الزوائد ): ( رواه البزّار ورجاله رجال الصحيح غير هاشم بن البريد وهو ثقة ) (1) .

وقد نقلنا الخبر بطوله؛ ليتأمّل به القارئ الكريم، فإنّ فيه دلالات عديدة لا تخفى على اللبيب.

القسم الثالث: فضائل الإمام الحسين الخاصّة

وقد ملأت الخافقين وهي أشهر مِن أنْ تذكر، نورد جملة مختصرة منها تيمّناً وتبرّكاً، علماً أنّه تقدّم بعض ذلك في الفضائل المشتركة أيضاً.

* الفضيلة الأولى: في أنّه سيّد شباب أهل الجنّة:

- قال ابن كثير في ( البداية والنهاية ): قال الإمام أحمد: حدّثنا وكيع عن ربيع بن سعد عن أبي سابط (2) ، قال: ( دخل حسين بن علي المسجد فقال: ( جابر بن عبد الله: مَن أحبّ أنْ ينظر إلى سيّد شباب أهل الجنّة فلينظر إلى هذا )، سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ) (3) .

____________________

(1) مجمع الزوائد: 9/177، دار الكتب العلميّة، بيروت.

(2) في ( السير ) و ( مسند أبي يعلى ): ( عبد الرحمان بن سابط ) وليس ( أبا سابط ).

(3) البداية والنهاية: 8/225، مؤسّسة التاريخ العربي.


ورواه الذهبي في ( السير ) أيضاً عن ( مسند أحمد ) (1) .

قال محقّق ( السيّر ): ( ذكره الهيثمي في ( المجمع ) 9/187، ونسبه إلى أبي يعلى وليس لأحمد، وقال: رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعد وهو ثقة ) (2) .

- أقول:

ما نقله أبو يعلى وأخذه عنه الهيثمي في ( المجمع ) يختلف قليلاً عمّا هو في ( مسند أحمد ) بحسب ما نقل الذهبي وابن كثير، فقد أخرج أبو يعلى بسندهِ عن ابن نمير عن أبيه عن الربيع بن سعد عن عبد الرحمان بن سابط عن جابر، قال: ( ( مَن سرّه أنْ ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى الحسين بن علي )، فإنّي سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقوله ) (3) .

ويظهر أنّهما رواية واحدة والله العالم.

وعلى كلّ حال، فقد مرّ في الفضائل المشتركة، أنّه تواتر النقل عن الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة.

* الفضيلة الثانية: في أنّه من الرسول وأنّ الرسول منه:

- أخرج الترمذي بسنده إلى يعلى بن مرّة، قال: ( قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( حسينٌ منّي وأنا مِن حسين ) ) (4) .

____________________

(1) سير أعلام النبلاء: 3/282 - 283، مؤسّسة الرسالة.

(2) المصدر نفسه: 3/282 - 283.

(3) مسند أبي يعلى: 3/397، دار المأمون للتراث. وانظر: ( مجمع الزوائد ): 9/187، دار الكتب العلميّة، بيروت.

(4) سنن الترمذي: 5/324، دار الفكر.


وأخرجه البخاري في ( الأدب المفرد ) (1) ، وأحمد في ( المسند ) (2) ، وابن ماجة في ( السنن ) (3) ، والحاكم في ( المستدرك ) (4) ، وغيرهم، علماً أنّ للرواية تتمّة، يأتي التعرض لها في الفضائل الآتية، قال الترمذي: ( هذا حديث حَسَن ) (5) .

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ووافقه الذهبي (6) ، قال البوصيري في ( مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة ): ( هذا إسناد حسن رجاله ثقات ) (7) .

قال الهيثمي في ( مجمع الزوائد ): ( إسناده حَسَن ) (8) .

ومن المُستبعَد أنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يريد بهذا الحديث الرابطة النسبيّة بينه وبين الحسين ( عليه السلام )، خصوصاً عند النظر إلى الشطر الثاني، ( وأنا من حسين ) فلا بدّ أنْ يكون الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ناظراً إلى أمرٍ أدقّ وأعمق من ذلك، ولعلّه يشير إلى وحدة المنهج، والهدف، والروح الرساليّة التي يحملها الحسين ( عليه السلام ) في سبيل إرساء رسالة الله، والحفاظ على أصولها، والتي تهدف إلى إصلاح الإنسان،

____________________

(1) الأدب المفرد: 85، مؤسّسة الكتب الثقافيّة.

(2) مسند أحمد: 4/172، دار صادر.

(3) سنن ابن ماجة: 1/85، مكتبة المعارف.

(4) المستدرك على الصحيحين: 3/177، دار المعرفة.

(5) سنن الترمذي: 5/324، دار الفكر.

(6) المستدرك على الصحيحين وبذيله ( تلخيص المستدرك ): 3/177، دار المعرفة.

(7) مصباح الزجاجة المطبوع بحاشية السنن: 1/85، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.

(8) مجمع الزوائد: 9/181، دار الكتب العلميّة، بيروت.


وتخليصه من مستنقعات الجهل والظلام، والرقي به نحو سُلّم الكمال.

* الفضيلة الثالثة: في دعاء النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لمحبّ الحسين ( عليه السلام ):

- فقد ورد عنه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنّه قال: ( أحبّ الله من أحبّ حسيناً ) وهذا المقطع هو إحدى تتمّات الحديث السابق، فلا داعي لذكر تخريجاته أو تصحيحاته؛ فإنّ عين ما تقدّم في الفضيلة الثانية مِن تخريج وتصحيح يأتي هنا أيضاً.

ونشير هنا إلى أنّ دعاء النبي لمحبّ الحسين ( عليه السلام ) بهذهِ الألفاظ الشريفة يبيّن بوضوح عظمة الحسين ( عليه السلام ) ودرجته الرفيعة عند الله، سبحانه وتعالى، ومنها يتّضح حال مبغضه ومعاديه، بل وكذا حال محبّي أعدائه، ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) .

* الفضيلة الرابعة: في أنّه سبط من الأسباط:

وهو قول النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( حسين سبط من الأسباط ) وهو تتمّة الحديث المتقدّم في الفضيلة الثانية والثالثة، فإنّ الحديث كما جاء في سنن الترمذي: ( حسينٌ منّي وأنا من حُسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط )، فعين ما تقدّم في الفضيلة الثانية من تخريجات وتصحيحات، يأتي هنا أيضاً.

لكنْ نشير إلى أنّه في بعض المصادر ورد: ( الحسن والحسين سبطان من الأسباط ) (1) .

وقال الهيثمي معقّباً: ( رواه الترمذي باختصار ذكر الحسن، ورواه الطبراني

____________________

(1) التاريخ الكبير للبخاري: 8/415، المكتبة الإسلاميّة، ديار بكر. والمعجم الكبير للطبراني: 3/32، نشر مكتبة ابن تيمية، القاهرة.


وإسناده حَسَن ) (1) .

وأمّا معنى السبط في الحديث، فقد جاء في ( لسان العرب ): ( وفي الحديث أيضاً: الحسين سبط من الأسباط، أي أمّة من الأمم في الخير، فهو واقع على الأمّة، والأمّة واقعة عليه ) (2) . أي هو بمنزلة الأمّة في الخير.

وقال شارح ( التاج الجامع للأصول ) في كتابه ( غاية المأمول، شرح التاج الجامع للأصول ): ( والمراد هنا: أنّ الحسين رضي الله عنه في أخلاقه وأعماله الصالحة في دنياه كأمّة صالحة، كقوله تعالى: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ، ويُبعث الحسين في الآخرة له شأن وجاه عظيم، كأمّة ذات شأن عظيم ) (3) ، ونفس هذا الكلام يأتي في الإمام الحسن ( عليه السلام )؛ لِمَا قدمناه مِن أنّ بعض المصادر نقلتْ: ( الحسن والحسين سبطان من الأسباط ).

* الفضيلة الخامسة: في محبّة النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) للحسين ( عليه السلام ):

- أخرج الحاكم بسنده إلى أبي هريرة، قال: ( رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله، وهو حامل الحسين بن علي، وهو يقول: ( اللّهمّ إنّي أحبّه فأحبّه ) ) (4) .

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد روى بإسناد في الحسن مثله وكلاهما محفوظان )، ووافقه الذهبي (5) .

____________________

(1) مجمع الزوائد: 9/181، دار الكتب العلميّة، بيروت.

(2) لسان العرب: 7/310، دار إحياء التراث العربي.

(3) غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول، المطبوع بحاشية التاج الجامع للأصول: 3/359، دار الكتب العلميّة، بيروت.

(4) المستدرك على الصحيحين: 3/177، دار المعرفة.

(5) المستدرك على الصحيحين وبهامشه ( تلخيص المستدرك ) للذهبي: 3/177، دار المعرفة.


- وفي ( المستدرك ) أيضاً عن أبي هريرة، قال: ( ما رأيتُ الحسين بن علي إلاّ فاضت عيني دموعاً؛ وذاك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله خرج يوماً فوجدني في المسجد فأخذ بيدي واتّكأ عليّ، فانطلقتُ معه حتّى جاء سوق بني قينقاع، قال: وما كلّمني، فطاف ونظر، ثمّ رجع ورجعتُ معه، فجلس في المسجد واحتبى، وقال لي: أدعو لي لكاع، فأتى حسين يشتدّ حتّى وقع في حجره، ثمّ أدخل يدَه في لحية رسول الله صلّى الله عليه وآله، فجعل رسول الله صلّى الله عليه وآله يفتح فم الحسين فيُدْخِلُ فاه في فيه ويقول: ( اللّهمّ إنّي أحبُّه فأحبّه ) ).

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه )، ووافقه الذهبي (1) . وتقدّم في الفضائل المشتركة ما يدلّ على ذلك أيضاً.

هذا، وفضائل الحسين عديدة شهيرة نكتفي بما ذكرناه، ونحاول في ختام هذا الفصل، وحيث إنّنا في صدد ذكر سيّد شباب أهل الجنّة، أنْ ننقل نموذجاً من الأخبار الصحيحة من كتب أهل السنّة حول شهادة الحسين ( عليه السلام )، وتعظيمه، والبراءة من قاتليه وأعدائه، وحرمة قبره الشريف، فإليكم ذلك: بعنوان:

أخبار وروايات تتعلّق بعاشوراء

* الخبر الأوّل: في أنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان أشعث أغبر لقتل الحسين ( عليه السلام ):

أخرج أحمد في ( المسند ) بسندهِ إلى عمّار بن أبي عمّار عن ابن عبّاس قال: ( رأيتُ النبي صلّى الله عليه وسلّم في المنام بنصف النهار، أشعث، أغبر، معه قارورة فيها دمٌ يلتقطه أو يتتبّع فيها شيئاً، قال: قلتُ يا رسول الله ما هذا؟

____________________

(1) المصدر نفسه: 3/178.


قال دم الحسين وأصحابه لم أزل أتتبّعه (1) منذ اليوم، قال عمّار: فحفظنا ذلك اليوم فوجدناه قُتل في ذلك اليوم ) (2) .

وأخرجه عبد بن حميد في ( منتخب مسند عبد بن حميد ) (3) ، والطبراني في ( المعجم الكبير ) (4) ، والحاكم في ( المستدرك ) (5) ، وغيرهم.

قال ابن كثير الدمشقي بعد أنْ نقل الخبر عن ( المسند ): ( إسناده قوي ) (6) .

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ) (7).

قال الهيثمي بعد نقل الخبر: ( رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح ) (8) .

قال أحمد محمّد شاكر محقّق كتاب ( المسند ): ( إسناده صحيح ) (9) .

* الخبر الثاني: في نَوْح الجن على الحسين بن علي ( عليه السلام ):

أخرج الطبراني بسنده إلى أمّ سلمة، قالت: ( سمعتُ الجِنّ تنوح على

____________________

(1) وفي بعض المصادر ( ألتقطه ) بل كذا في ( مسند أحمد ) في موضع آخر، انظر: ( المسند ): 1/283، وانظر: ( المستدرك ): 4/398.

(2) مسند أحمد: 1/242 و283، دار صادر.

(3) منتخب مسند عبد بن حميد: 235، مكتبة، النهضة العربيّة.

(4) المعجم الكبير: (3/110) و (12/143)، نشر مكتبة ابن تيمية، القاهرة.

(5) المستدرك على الصحيحين: 4/398، دار المعرفة.

(6) البداية والنهاية: 8/218، مؤسّسة التاريخ العربي.

(7) المستدرك على الصحيحين: 4/398، دار المعرفة.

(8) مجمع الزوائد: 9/194، دار الكتب العلميّة، بيروت.

(9) مسند أحمد: 2/551، حديث: (2165)، و 3/155، حديث: (2553)، دار الحديث، القاهرة.


الحسين بن علي رضي الله عنه ) (1) .

وأخرجه الضحاك في ( الآحاد والمثاني ) (2) ، وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) (3) ، ورواه ابن كثير في ( البداية والنهاية ) وقال: ( وهذا صحيح ) (4) .

ورواه الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) وقال: ( رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ) (5) .

وأخرج الطبراني بسندهِ إلى ميمونه قالتْ: ( سمعتُ الجنّ تنوح على الحسين ) (6) .

قال الهيثمي: ( رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ) (7) .

* الخبر الثالث: في طمس عيني رجل تهجّم على الحسين ( عليه السلام ):

أخرج الطبراني بسنده إلى قرّة بن خالد، قال: ( سمعتُ أبا رجاء العطاردي يقول: لا تسبّوا عليّاً ولا أهل هذا البيت، فإنّ جاراً لنا مِن بلهجيم قال: ألم تروا إلى هذا الفاسق الحسين بن علي قتله الله، فرماه الله بكوكبين في عينيه فطمس الله بصره ) (8) .

____________________

(1) المعجم الكبير: 3/121 و122، نشر مكتبة ابن تيمية، القاهرة.

(2) الآحاد والمثاني: 1/ 308، دار الدراية.

(3) تاريخ مدينة دمشق: 14/239، 240، دار الفكر.

(4) البداية والنهاية: 6/259، مؤسّسة التاريخ العربي.

(5) مجمع الزوائد: 9/199، دار الكتب العلميّة.

(6) المعجم الكبير: 3/122، نشر مكتبة ابن تيمية، القاهرة.

(7) مجمع الزوائد: 9/199، دار الكتب العلميّة.

(8) المعجم الكبير: 3/112، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.


وأخرجه ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) (1) ، ورواه المزّي في ( تهذيب الكمال ) (2) ، والذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) (3) ، وغيرهم.

قال الهيثمي: ( رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ) (4) .

* الخبر الرابع: في أنّه ما رُفع حجرٌ في الشام وبيت المقدس يوم قتل الحسين إلاّ وُجد تحته دمٌ عبيط:

أخرج الطبراني بسنده إلى ابن شهاب الزهري قال: ( ما رُفع بالشام حجرٌ يوم قتل الحسين بن علي إلاّ عن دم، رضي الله عنه ) (5) .

قال الهيثمي: ( رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ) (6) .

وأخرج الطبراني أيضاً بسنده إلى الزهري قال: ( قال لي عبد الملك بن مروان أي واحد أنت إنْ أخبرتني أي علامة كانت يوم قتل الحسين بن علي؟ قال: قلتُ: لم تُرفع حصاة ببيت المقدس إلاّ وُجد تحتها دم عبيط، فقال عبد الملك: إنّي وإيّاك في هذا الحديث لقرينان ) (7) .

قال الهيثمي: ( رواه الطبراني ورجاله ثقات ) (8) .

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق: 14/232، دار الفكر.

(2) تهذيب الكمال: 6/436، مؤسّسة الرسالة.

(3) سير أعلام النبلاء: 3/313، مؤسّسة الرسالة.

(4) مجمع الزوائد: 9/196، دار الكتب العلميّة.

(5) المعجم الكبير: 3/113، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.

(6) مجمع الزوائد: 9/196، دار الكتب العلميّة.

(7) المعجم الكبير: 3/119، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.

(8) مجمع الزوائد: 9/196، دار الكتب العلميّة.


* الخبر الخامس: في قداسة وعظمة قبر الحسين ( عليه السلام ):

أخرج الطبراني بسنده عن الأعمش قال: ( خرى رجل من بني أسد على قبر حسين بن علي رضي الله عنه، قال: فأصاب أهل ذلك البيت خبل، وجنون، وجذام، ومرض، وفقر ) (1) .

وأخرجه ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) (2) ، ورواه الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) (3) .

قال الهيثمي: ( رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ) (4) .

هذا، وروايات هذا الباب كثيرة جدّاً، نكتفي بما أشرنا إليه من الإيجاز، ونحيل القارئ إلى مطالعة كتاب ( سيرتنا وسنّتنا ) للشيخ الأميني صاحب الغدير، حيث جمع كمّاً هائلاً من الروايات الصحيحة في كتب أهل السنّة عن هذا الموضوع.

وبهذا نختم هذا الفصل الموجَز عن الإمامَين الحسنَين، وننقل الكلام إلى الإمام الرابع علي بن الحسين عليهما السلام وهو موضوع الفصل الثالث.

____________________

(1) المعجم الكبير: 3/120، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.

(2) تاريخ مدينة دمشق: 14/244، دار الفكر.

(3) سير أعلام النبلاء: 3/317، مؤسّسة الرسالة.

(4) مجمع الزوائد: 9/197، دار الكتب العلميّة.


الفصل الثالث

الرابع من أئمّة أهل البيت

زين العابدين

علي بن الحسين عليه السلام



نافذة إلى معرفة الإمام

سليل النبوّة، وفرع دوحة المجد، وغصن شجرة الإسلام الأصيلة، وأحد كواكب البيت العلوي الطاهر، وعَلَماً من أعلام الهداية، ذلك هو الإمام علي بن الحسين، زين العابدين ( عليه السلام ).

كان وما زال مثلاً أعلى يُقتدى به، ومشعلاً وضّاءً يُنير الطريق بنور هَدْيه وإشعاع معرفته.

جمع الفضائل، وحاز المكارم، وتألّق نجمُه في عِنان السماء يفيض على الوجود نور الإيمان، ووهج الحقّ، ويرسو بمَن ركب سفينته نحو شاطئ الأمن والأمان.

كان في رَكْب الخلود وقافلة المجد، قافلة أسراء آل محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، فكسّر قيود أسره بصرخات محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، صرخات الحقّ والعدالة.

تلك الصرخات الخالدة التي هزّت عروش بني أميّة، وأيقظت نيام الأمّة وأصحتْ كلّ ضمير حي.

نعم، استطاع إمامنا زين العابدين أنْ يُسقط كلّ أوراق التستّر الأموي؛ ليُبدي سَوْءَة الجبابرة المتلبّسين بلباس الدين، ويفضح مخطّطاتهم، وألاعيبهم أمام الملأ الإسلامي.

فحصحص الحقّ وزهق الباطل، وعاد الدم يدبُّ في جسد الأمّة لتشمّ رائحة الحياة من جديد بعد أنْ كانت يائسة منها.

وهكذا استطاع إمامنا زين العابدين أنْ يُعرّف الناس بمغزى وحقيقة ثورة الإمام الحسين، ويضع أولى لَبِنات النصر الإلهي الذي أسّس أساسه الدّم الحسيني الخالد.


وبعد الثورة الخالدة، وأيّام مريرة في قيود الأسر، اتّجه إمامنا ( عليه السلام ) إلى توعية الأمّة وتهذيبها، ونشر فضائل الأخلاق فيها، وكان سبّاقاً في الطاعة وفعل المعروف قبل القول؛ لتكون دروسه العمليّة أبلغ في النفوس تأثيراً، فعُرِف بزين العابدين لكثرة عبادته، وشهد له كلُّ مَنْ عاصره بأنّه كان أورع وأفضل وأفقه أهل المدينة.

وقد طبعت السجلاّت في صحائفها مزيداً من الكلمات في تبجيل الإمام وتعظيمه، وامتلأت الكتب في نقل مناقبه ومحاسنه، ونحاول في هذا الفصل أنْ ننقل شطراً من كلمات علماء وأعلام أهل السنّة في حقّ الإمام عليه السلام، وقبل الدخول في ذلك، نعرض إلمامة قصيرة عن حياته ( عليه السلام ) فنقول:

-هو: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

-أمّهُ: شاه زنان (1) ، بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى، ويُقال إنّ اسمها شهربانوا، وكان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ولّى حُريث بن جابر الحنفي جانباً من المشرق، فبعث إليه بنتي يزدجرد بن شهريار بن كسرى؛ فنحل ابنه الحسين ( عليه السلام ) شاه زنان منهما فأولدها زين العابدين ( عليه السلام )، ونحل الأخرى محمّد بن أبي بكر فولدت له القاسم بن محمّد بن أبي بكر، فهما ابنا خالة (2) . وجاء في الخبر أنّ عليّاً ( عليه السلام ) قال لولده الحسين ( عليه السلام ): ( أحسِن إلى شهربانويه فإنّها مرضيّة، فستلد لك خير أهل الأرض بعدك ) (3) .

____________________

(1) كلمة فارسيّة معرّبها: ملكة النساء.

(2) الإرشاد للمفيد: 2/137، مؤسّسة آل البيت.

(3) عيون المعجزات: 70 - 71.


-وُلِدَ ( عليه السلام ) بالمدينة، سنة: ثمان وثلاثين من الهجرة (38هـ) (1) .

-كنيته: أبو محمّد، ويُكنّى بأبي الحسن أيضاً، وبأبي القاسم (2) . وغيرها.

-ألقابه عديدة، منها: سيّد العابدين، زين العابدين، السجّاد، ذو الثفنات وغيرها (3) .

-تسلّم إمامة المسلمين: عند شهادة أبيه الحسين ( عليه السلام ) في محرّم سنة: (61هـ) وكان له من العمر: (23) سنة.

-عاصر في أيّام إمامته خمسة من حكّام بني أميّة، وهم: يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك (4) .

-شهد ( عليه السلام ) مأساة كربلاء: وكان مريضاً فيها، وواكب ركب السبايا بعد الفاجعة إلى الكوفة، ومنها إلى الشام.

-كان له ( عليه السلام ) دور كبير في: فضح البيت الأموي، وتبيين الحقّ والحقيقة أمام الملأ الإسلامي.

-تُوفّي ( عليه السلام ): في المدينة مسموماً (5) سنة: (95 هـ) (6) .

-دُفن: في البقيع مع عمّه الحسن ( عليه السلام ) (7) .

____________________

(1) انظر: ( الإرشاد ) للمفيد: 2/137، مؤسّسة آل البيت.

(2) إعلام الورى للطبرسي: 1/480، مؤسّسة آل البيت.

(3) المصدر نفسه: 1/480.

(4) انظر: للمصدر نفسه: 1/481.

(5) انظر: ( الإتحاف بحبّ الأشراف ): 143، منشورات الرضي، طبعة مصوّرة على طبعة المطبعة الأدبيّة بمصر.

(6) الإرشاد للمفيد: 2/137، مؤسّسة آل البيت.

(7) المصدر نفسه: 2/138.


الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السنّة

اتّضح للقارئ من خلال الفصلَين الأوّلَين أنّ الرسول الأكرم، ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) نصّ على خلافة أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام )، وصدرت منه روايات صحّحها الفريقان، في مدحهم والثناء عليهم، ولأجل عدم التكرار ارتأينا أنْ نقتصر في فصلنا هذا وما بعده من الفصول الآتية على ذكر كلمات علماء وأعلام أهل السنّة في أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام )؛ ليتبيّن للقارئ إجماع الأمّة على كون هذهِ الذرِّيَّة الطاهرة من آل بيت النبي هم مدرسة من العطاء وأهل للاتّباع.

نُورد في فصلنا هذا بعضاً من كلمات علماء وأعلام أهل السنّة، في تعظيم الإمام زين العابدين ومدحه والثناء عليه. فإليك ذلك:

1 - سعيد بن المسيَّب (ت: 93 أو 94 أو 100هـ):

قال في حقّ الإمام زين العابدين ( عليه السلام ): ( لم يكن في أهل البيت مثله ) (1) ، وقال أيضاً: ( ما رأيت رجلاً أورع من علي بن الحسين ) (2) .

2 - محمّد بن مسلم الزهري (ت: 123هـ أو 124هـ):

نقل عنه أصحاب التراجم والسّير عدّة أقوال في مدح الإمام وتعظيمه، نورد بعضاً منها (3) :

____________________

(1) نقله ابن كثير في ( البداية والنهاية ): 1/122، مؤسّسة التاريخ العربي.

(2) أورده الذهبي في ( تاريخ الإسلام ): حوادث وفيات (81 - 100هـ)، ص 434، دار الكتاب العربي.

ونقل قريباً منه السيوطي في ( طبقات الحفّاظ ): 37، دار الكتب العلميّة.

(3) انظر مثلاً: ( تاريخ الإسلام ) للذهبي: حوادث وفيات (81 - 100هـ) ترجمة رقم: 352. و ( سير أعلام النبلاء ) له أيضاً: 4/386 - 401، مؤسّسة الرسالة. و ( تهذيب التهذيب ) لابن حجر: 669 - 672، دار الفكر. مضافاً للمصادر الآتية في هامش كلّ قول.


1 - ( ما رأيتُ قرشيّاً أورع منه، ولا أفضل ) (1) .

2 - ( لم أدرك من أهل البيت أفضل من علي بن حسين،... وكان أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة ) (2) .

3 - ( ما رأيت هاشميّاً قط أفضل من علي بن حسين، وهو أبو الحسينيّين كلّهم ) (3) .

4 - ( لم أُدرك بالمدينة أفضل منه ) (4) .

5 - ( ما رأيتُ قرشيّاً أفضل منه وما رأيتُ أفقه منه ) (5) .

3 - زيد بن أسلم (ت: 136هـ):

قال في حقّ الإمام زين العابدين ( عليه السلام ): ( لم يكن في أهل البيت مثله ) (6) ، و ( ما رأيتُ فيهم مثل علي بن الحسين قط ) (7) ، وقال: ( ما رأيت مثل علي بن الحسين فهم حافظ ) (8) .

4 - سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج (ت: 135 أو 140هـ):

قال عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ): ( ما رأيتُ هاشميّاً أفضل من علي بن

____________________

(1) البداية والنهاية: 9/ 122، مؤسّسة التاريخ العربي.

(2) مختصر تاريخ دمشق: 17/ 234 و 235، دار الفكر.

(3) المصدر نفسه: 17/ 234 و 235.

(4) تهذيب الأسماء واللغات: 1/314، دار الفكر.

(5) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال: 237، دار البشائر المصوّرة على الطبعة البولاقيّة في القاهرة.

(6) نقله ابن كثير في ( البداية والنهاية ): 9/122، مؤسّسة التاريخ العربي.

(7) نقله الذهبي في ( تاريخ الإسلام ): حوادث وفيات (81 - 100هـ)، ص 433، دار الكتاب العربي.

(8) نقله أبو إسحاق الشيرازي في ( طبقات الفقهاء ): 47، دار القلم، بيروت.


الحسين ) (1) ، وقال أيضاً: ( ما رأيت هاشميّاً أفقه من علي بن الحسين ) (2) .

5 - يحيى بن سعيد الأنصاري (ت: 143هـ):

قال عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ): ( هو أفضل هاشمي رأيتُه بالمدينة ) (3) . ( وكان أفضلُ هاشمي أدركتُه ) (4) .

6 - الإمام مالك بن أنس (ت: 179هـ):

قال عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ): ( إنّ عليّ بن الحسين كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة إلى أنْ مات... وكان يسمّى زين العابدين لعبادته ) (5) .

وروى عنه عبد الله بن وهب (6) أنّه قال: ( لم يكن في أهل بيت رسول الله

____________________

(1) نقله الذهبي في ( تاريخ الإسلام ): حوادث وفيات (81 - 100هـ)، ص 433، دار الكتاب العربي، وابن العماد الحنبلي في ( شذرات الذهب ): 1/194، دار الكتب العلميّة.

(2) نقله المزّي في ( تهذيب الكمال ): 20/393، مؤسّسة الرسالة.

(3) نقل قوله النووي في ( تهذيب الأسماء واللغات ): 1/314، دار الفكر.

(4) نقل قوله ابن كثير في ( البداية والنهاية ) 9/122، مؤسّسة التاريخ العربي. والذهبي في ( تاريخ الإسلام): حوادث وفيات (81 - 100هـ)، ص 435، دار الكتاب العربي. وأورده ابن حجر في ( تهذيب التهذيب ): 5/670، دار الفكر.

(5) رواه ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ): 41/ 378، دار الفكر. وأرسله الذهبي في ( العبر في خبر من غبر ): 1/111 إرسال المسلّمات، واللفظ أعلاه للذهبي.

(6) قال عنه ابن حجر في ( تقريب التهذيب ): ( عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمّد المصري، الفقيه، ثقة حافظ عابد )، ( تقريب التهذيب ): 1/320، دار الفكر، وترجمه في ( تهذيب التهذيب ): 4/530، ونقل فيها قول علي بن الحسين بن الجنيد: سمعتُ أبا مصعب يعظّم ابن وهب، قال: ومسائل ابن وهب عن مالك صحيحة، ونقل قول هارون بن عبد الله الزهري: كان الناس في المدينة يختلفون في الشيء عن مالك فينتظرون قدوم ابن وهب حتّى يسألوه عنه.


مثل علي بن الحسين ) (1) .

7 - حمّاد بن زيد (ت: 179هـ):

قال عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ): ( كان أفضل هاشمي أدركته ) (2) .

8 - سفيان بن عُيَيْنة (ت: 198هـ):

قال في حقّ الإمام زين العابدين ( عليه السلام ): ( ما رأينا قط قرشيّاً أفضل منه ) (3) .

9 - الإمام محمّد بن إدريس الشافعي (ت: 204 هـ):

قال عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ): ( هو أفقه أهل المدينة ) (4) .

10 - محمّد بن سعد الزهري (ت: 230هـ):

قال عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ): ( كان ثقةً مأموناً، كثير الحديث، عالياً، رفيعاً، ورعاً ) (5) .

____________________

(1) انظر: ( البداية والنهاية ) لابن كثير: 9/122، مؤسّسة التاريخ العربي، ونسب القول إلى مالك بلا رواية عنه. و ( سير أعلام النبلاء ) للذهبي: 4/389، مؤسّسة الرسالة. و ( تهذيب التهذيب ) لابن حجر: 5/670، دار الفكر، واللفظ لابن حجر.

(2) نقل قوله النووي في ( تهذيب الأسماء واللغات ): 1/314، دار الفكر.

(3) نقل قوله المنّاوي في ( الكواكب الدريّة ): 139، مطبعة وورسة تجليد الأنوار، مصر. وابن الصبّان في ( إسعاف الراغبين ): 237، مطبوع على هامش نور الأبصار، طبعة دار الفكر المصوّرة على الطبعة المصريّة لسنة: 1948م.

(4) نقل قوله الجاحظ في ( رسائله ): 106، جمع ونشر حسن السندوبي، المطبعة الرحمانيّة بمصر، توزيع المكتبة التجاريّة الكبرى.

(5) أورده الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ): 4/387، مؤسّسة الرسالة. وابن حجر في ( تهذيب التهذيب ): 5/670، دار الفكر.


11 - الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ):

علّق الإمام أحمد بن حنبل على سندٍ فيه الإمام علي الرضا، عن أبيه موسى الكاظم، عن أبيه جعفر الصادق، عن أبيه محمّد الباقر، عن أبيه علي زين العابدين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب، عن الرسول الأكرم صلوات الله عليهم أجمعين، قائلاً: ( لو قرأت هذا الإسناد على مجنون لبرئ مِن جُنَّتِهِ ) (1) .

12 - عمرو بن بحر الجاحظ (ت: 250هـ):

قال عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ): ( وأمّا علي بن الحسين بن علي، فلم أرَ الخارجي في أمره إلاّ كالشيعي، ولم أرَ الشيعي إلاّ كالمعتزلي، ولم أرَ المعتزلي إلاّ كالعامّي، ولم أرَ العامّي إلاّ كالخاصّي، ولم أجد أحداً يتمارى في تفضيله ويشكّ في تقديمه ) (2) .

وقال في ( رسائله ) عند الردّ على ما تفاضلت به بنو أميّة على بني هاشم: ( وإنْ عددتم النسّاك من غير الملوك فأين أنتم عن علي بن الحسين زين العابدين، الذي كان يُقال له: علي الخير، وعلي الأعز، وعلي العابد، وما أقسم على الله بشيء إلاّ وأبرّ قسمه...

فأمّا الفقه والتفسير والتأويل فإنْ ذكرتموه، لم يكن لكم فيه أحد، وكان لنا فيه مثل علي بن أبي طالب... وجعفر بن محمّد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه... ومَن مثلُ علي بن الحسين زين العابدين. وقال الشافعي في الرسالة في إثبات خبر الواحد: وجدتُ علي بن الحسين - وهو أفقه أهل المدينة - يُعوّل على

____________________

(1) أورده ابن حجر الهيتمي في ( الصواعق المحرقة ): 310، دار الكتب العلميّة.

(2) نقل قوله ابن عنبة في ( عمدة الطالب ): 194، المطبعة الحيدريّة في النجف الأشرف.


أخبار الآحاد) (1) . كما أنّه مدح عشرة من أئمّة أهل البيت من ضمنهم الإمام زين العابدين في كلام واحد، فقال:

( ومَن الذي يُعَدُّ من قريش أو من غيرهم ما يَعُدُّه الطالبيّون عشرة في نسق؛ كلّ واحد منهم عالمٌ، زاهد، ناسك، شجاع، جواد، طاهر، زاكٍ، فمنهم خلفاء، ومنهم مُرشّحون: ابن ابن ابن ابن، هكذا إلى عشرة، وهم الحسن [ العسكري ] بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي [ زين العابدين ] بن الحسين بن علي ( عليهم السلام )، وهذا لم يتّفق لبيت من بيوت العرب ولا من بيوت العجم ) (2) .

13 - أبو بكر بن البرقي، أحمد بن عبد الله (ت: 270هـ):

قال في حقّ الإمام زين العابدين ( عليه السلام ): ( كان أفضل أهل زمانه ) (3) .

14 - أبو حاتم، محمّد بن حبّان البستي (ت: 354هـ):

قال في ( مشاهير علماء الأمصار ): ( علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن، من فقهاء أهل البيت، وأفاضل بني هاشم، وعُبّاد المدينة... ) (4) .

15 - أبو نعيم، أحمد بن عبد الله الأصفهاني (ت: 430 هـ):

قال في ( حلية الأولياء ): ( علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، زين العابدين، ومنار القانتين، كان عابداً وفيّاً، وجواداً حفيّاً )

____________________

(1) رسائل الجاحظ: 105 - 106، جمعها ونشرها حسن السندوبي، المكتبة التجاريّة الكبرى، مصر، طبع المطبعة الرحمانيّة بمصر.

(2) المصدر نفسه: 109.

(3) نقل قوله المزّي في ( تهذيب الكمال ): 20/388، مؤسّسة الرسالة. والذهبي في ( سير أعلام النبلاء ): 4/390، مؤسّسة الرسالة.

(4) مشاهير علماء الأمصار: 63، دار الكتب العلميّة.


ثمّ ذكر طرفاً من مكارمه وفضائله ومحاسنه وبعض أقوال أهلُ العلم في تعظيمه والثناء عليه، كما ذكر جانباً من كلماته (1) ، سلام الله عليه.

16 - محمّد بن طلحة الشافعي (ت: 652 هـ):

قال في ( مطالب السؤول ): ( هذا زين العابدين: قدوة الزاهدين وسيّد المتّقين، وإمام المؤمنين، شيمتُه تشهد له أنّه من سلالة رسول الله(ص)، وسِمَتُهُ تثبت مقام قربه من الله زُلفى، ونفثاته (2) تسجّل بكثرة صلاته وتهجّده، وإعراضه عن متاع الدنيا ينطق بزهده فيها، درّت له أخلاف التقوى فتفوّقها، وأشرقت لديه أنوار التأييد فاهتدى بها، وأَلِفته أوراد العبادة فآنس بصحبتها، وخالفته وظائف الطاعة فتحلّى بِحِلْيَتِهَا، طالما اتّخذ الليل مطيّة ركبها لقطع طريق الآخرة، وظمأ الهواجر دليلاً استرشد به في مفازة المسافرة، وله الخوارق والكرامات ما شُوهد بالأعين الباصرة، وثبت بالآثار المتواترة، وشهد له أنّه من ملوك الآخرة ) (3) .

17 - يوسف بن فرغلي سبط ابن الجوزي (ت: 654هـ):

قال في ( تذكرة الخواص ): ( وهو أبو الأئمّة، وكنيته أبو الحسن، ويلقّب بزين العابدين، وسمّاه رسول الله (ص) سيّد العابدين...، والسجّاد، وذي الثفنات، والزكي، والأمين، والثفنات - ما يقع على الأرض من أعضاء البعير إذا استناخ وغلظ كالركبتين ونحوهما، الواحدة ثفنة - فكان طول السجود أثّر في

____________________

(1) انظر: ( حلية الأولياء ): 3/124 - 135، دار إحياء التراث العربي.

(2) هكذا في المصدر المطبوع ولعلّ الصحيح ( ثفناته ).

(3) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 2/84، مؤسّسة أمّ القرى.


ثفناته... ) (1) .

ثمّ ذكر طرفاً من مناقبه ومحاسنه وكلماته وبعض أقوال العلماء في تعظيمه و الثناء عليه، إلى أنْ قال: ( اختلفوا في وفاته على أقوال: أحدها: أنّه تُوفّي سنة أربع وتسعين، والثاني: سنة اثنتين وتسعين، والثالث: سنة خمس وتسعين، والأوّل أصحّ؛ لأنّها تسمّى سنة الفقهاء: لكثرة من مات بها من العلماء، وكان سيّد الفقهاء، مات في أوّلها وتَتَابَعَ الناسُ بعده.

أسند عنه سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وعامّة فقهاء المدينة... ) (2) .

18 - ابن أبي الحديد المعتزلي (ت: 655هـ):

نقل في ( شرح نهج البلاغة ) نصّ كلام الجاحظ في ( رسائله ) مقرّاً له عليه (3) ، وقد تقدّم ذكره منّا عند نقل كلمات الجاحظ حول الإمام زين العابدين ( عليه السلام ).

19 - محيي الدين، يحيى بن شرف النووي (ت: 676 هـ):

قال في ( تهذيب الأسماء واللغات ): (... علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، المدني، التابعي، المعروف بزين العابدين رضي الله عنه،... روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمان ويحيى الأنصاري والزهري وأبو الزناد، وزيد بن أسلم وحكيم بن جبير، وابنه أبو جعفر محمّد بن علي وغيرهم، وأجمعوا على جلالته في كلّ شيء... ). وذكر مجموعة من أقوال العلماء في مدحه

____________________

(1) تذكرة الخواص: 291، مؤسّسة أهل البيت.

(2) المصدر نفسه: 298 - 299.

(3) انظر: ( شرح نهج البلاغة ): 15/ 274 و 278، دار الكتب العلميّة المصوّرة على طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.


والثناء عليه (1) .

20 - أحمد بن محمّد بن إبراهيم بن خِلّكان (ت: 681 هـ):

قال في ( وفيات الأعيان ): ( أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين، المعروف بزين العابدين، ويقال له عليّ الأصغر، وليس للحسين - رضي الله عنه - عقب إلاّ من وُلد زين العابدين هذا، وهو أحد الأئمّة الاثني عشر، ومن سادات التابعين، قال الزهري: ما رأيتُ قرشياً أفضل منه ) (2) ، إلى أنْ قال: ( وفضائل زين العابدين ومناقبه أكثر من أنْ تُحْصَر ) (3) .

21 - شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: 748 هـ):

قال في ( سير أعلام النبلاء ) بعد أنْ ذكر بعض مناقبه ونُبَذَاً من أقوال العلماء في مدحه والثناء عليه: ( وكان له جلالة عجيبة، وحقّ له والله ذلك، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى، لشرفه، وسؤدده، وعلمه، وتألّهه، وكمال عقله. قد اشتهرت قصيدة الفرزدق - وهي سماعنا - أنّ هشام بن عبد الملك حجّ قُبيل ولايته الخلافة، فكان إذا أراد استلام الحجر زُوحم عليه، وإذا دنا عليّ بن الحسين من الحجر تفرّقوا عنه إجلالاً له، فوجم لها هشام وقال: مَن هذا؟ فما أعرفه، فأنشأ الفرزدق يقول:

هذا الذي تَعرِفُ البطحاء وطأتَه = والبيتُ يَعْرِفُهُ والحِلُّ والحَرَمُ

____________________

(1) انظر: ( تهذيب الأسماء واللغات ): 1/314 - 315، دار الفكر.

(2) وفيات الأعيان: 3/233، دار الكتب العلميّة.

(3) المصدر نفسه: 3/235.


هذا ابنُ خَيْرِ عَبَادِ اللهِ كُلّهمُ = هذا التقيّ النقيّ الطَاهِرُ العَلَمُ

إذا رَأَتْهُ قُريشٌ قال قائلُها = إلى مَكَارِم هذا ينتهي الكَرمُ

يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانُ رَاحَتِهَِ = رُكْن الحَطِيْمِ إذا مَا جَاء يَسْتَلِمُ

يُغضي حَيَاءً ويُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ = فَمَا يُكلَّم إلاّ حِيْنَ يَبْتَسِمُ

هذا ابنُ فاطمة إنْ كنتَ جاهِلهُ = بِجَدِّهِ أنبياءُ اللهِ قَد خُتِمُوا

وهي قصيدة طويلة. قال: فأمر هشام بحبس الفرزدق... ) (1) .

وقال في ( العبر ): ( قلتُ: مناقبه كثيرة من صلواته وخشوعه وحَجّه وفَضْله رضي الله عنه ) (2) .

22 - عبد الله بن أسعد اليافعي (ت: 768 هـ):

قال في ( مرآة الجنان ) عند ذكر حوادث سنة: (94 هـ): ( وفيها توفّي زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، روي عن جماعة من السلف أنّهم قالوا: ما رأينا أورع - وبعضهم قالوا - أفضل منه، منهم سعيد بن المسيّب، وقال أيضاً: بلغني أنّ علي بن الحسين كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة إلى أنْ مات... ) وبعد أنْ ذكر طرفاً من مناقبه ومحاسنه قال: ( ومناقبه ومحاسنه كثيرة شهيرة، اقتصرتُ منها على هذهِ النُبذ اليسيرة ) (3) .

23 - إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت: 774 هـ):

ترجم الإمام علي بن الحسين في كتابه ( البداية والنهاية )، ونقل فيها أقوالاً

____________________

(1) سير أعلام النبلاء: 4/398، مؤسّسة الرسالة.

(2) العِبَر في خبر مَن غبر: 1/111، مطبعة حكومة الكويت.

(3) مرآة الجنان وعبرة اليقظان: 1/151 - 153، دار الكتب العلميّة.


ع دّة من العلماء في مدحه والثناء عليه ، كمحمّد بن سعد والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم، كما ذكر عدّة من محاسن الإمام ومناقبه وفضائله ونقل بعضاً من مواعظه، وقبساً من نور كلماته (1) .

24 - محمّد خواجه بارساي البخاري (ت: 822 هـ):

قال في ( فصل الخطاب ): ( وُلد سنة ثمان وثلاثين، وكان ثقة، مأموناً، كثير الحديث، عالياً، رفيعاً، وأجمعوا على جلالته في كلّ شيء، وقال حمّاد بن زيد: كان أفضل هاشمي أدركتُه ) (2) .

25 - أحمد بن حجر العسقلاني (ت: 852 هـ):

قال في ( تقريب التهذيب ): ( علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، زين العابدين، ثقة، ثبتٌ، عابدٌ، فقيهٌ، فاضلٌ، مشهور، قال ابن عيينة عن الزهري: ما رأيتُ قرشيّاً أفضل منه... ) (3) .

كما ترجمه في ( تهذيب التهذيب ) واقتصر على نقل توثيقات ومدائح العلماء للإمام ( عليه السلام ) (4) .

26 - ابن الصبّاغ المالكي (ت: 855 هـ):

قال في ( الفصول المهمّة ): ( أمّا مناقبه ( عليه السلام )، فكثيرة، ومزاياه شهيرة، منها: أنّه كان إذا توضّأ للصلاة يصفرّ لونه، فقيل له: ما هذا نراه يعتادك عند الوضوء،

____________________

(1) انظر: ( البداية والنهاية ): 9/121 - 134، مؤسّسة التاريخ العربي.

(2) نقله القندوزي الحنفي في ( ينابيع المودّة ): 2/454، منشورات الشريف الرضي.

(3) تقريب التهذيب: 1/411، دار الفكر.

(4) انظر: ( تهذيب التهذيب ): 5/669 - 672. دار الفكر.


فيقول: ما تدرون بين يَدي مَنْ أريدُ أنْ أقوم... ) (1) .

27 - شمس الدين محمّد بن طولون (ت: 911 هـ):

قال في ( الأئمّة الاثنا عشر ): ( ورابعهم علي، رضي الله عنه وهو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف بزين العابدين، ويُقال له علي الأصغر. وليس للحسين رضي الله عنه، عقبٌ إلاّ مِن وُلد زين العابدين هذا. وهو من سادات التابعين.

قال الزهري: ما رأيتُ قرشيّاً أفضل منه.... وكان يُقال لزين العابدين: ابن الخيرتَين؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ( لله تعالى من عباده خيرتان، فخيرته من العرب قريش، ومن العجم فارس ) إلى أنْ قال: ( وفضائل زين العابدين ومناقبه أكثر مِن أن تُحصى ) (2) .

28 - أحمد بن حجر الهيتمي (ت: 974 هـ):

قال في ( الصواعق المحرقة ): ( وزين العابدين هذا هو الذي خلف أباه: علْماً، وزهداً، وعبادة، وكان إذا توضّأ للصلاة اصفرّ لونه، فقيل له في ذلك، فقال: ( أَلاَ تدرون بين يَدي مَن أقف ). وحكي أنّه كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة )، ثمّ ذكر بعض كراماته ومحاسنه وطرفاً من أقواله عليه السلام (3) .

29 - عبد الرؤوف المُناوِيّ القاهري الشافعي (ت: 1031 هـ):

____________________

(1) الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة: 190، دار الأضواء.

(2) الأئمّة الاثنا عشر: 75 - 78، منشورات الرضي المصوّرة على طبعة دار صادر، بيروت.

(3) انظر: ( الصواعق المحرقة ): 302 - 304، دار الكتب العلميّة.


قال في ( الكواكب الدُرِّيَّة ): ( علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، زين العابدين، إمامٌ سيّدٌ سندٌ، اشتهرتْ أياديه ومكارمه، وطارت في الوجود حمائمه، كان عظيم القدر، رَحِب الساحة والصدر، رأساً لجسد الرياسة، مؤمّلاً للإيالة والسياسة... وهو ثقة، ثبت، فاضل، قال الزهري وابن عيينة رضي الله عنه: ما رأينا قط قرشيّاً أفضل منه، [ روى ] عنه بنوه: محمّد، وزيد، وعمر، والزهري، وأبو الزناد وغيرهم.

قال الزهري رحمه الله: ما رأيتُ أحداً أفقه منه.

وقال ابن المسيّب: ما رأيت أورع منه، وقد جاء عنه مَنَاقب من خشوعه في وضوئه، وصلاته، ونسكه، ما يُدهِش السامع، وكان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة حتّى مات.

قال مالك رضي الله عنه: وسُمّي زين العابدين لكثرة عبادته.

وكان إذا هاجت الريح سقط مغشيّاً عليه، ووقع حريق في بيته وهو ساجد، فجعلوا يقولون له: النار، فما رفع رأسه حتّى طُفئت، فقيل له أَشَعَرْتَ بها؟

قال: ( ألهتني عنها النار الكبرى )، وكان إذا نقصه أحد قال: ( اللّهمّ إنْ كان صادقاً فاغفر لي، وإن كان كاذباً فاغفر له )، ولمّا مات وجدوه يقوت أهل مئة بيت... ) (1) .

30 - ابن العماد الحنبلي (ت: 1089 هـ):

قال في ( شذرات الذهب ) عند ذكره لأحداث سنة: (94): ( وفيها [ أي تُوفِّي ] زين العابدين علي بن الحسين الهاشمي... سُمّي زين العابدين لفرط عبادته، وكان وِرْده في اليوم والليلة ألف ركعة )، ثمّ ذكر بعض محاسنه وأقواله ونقل مدح وثناء بعض العلماء له كالزهري وأبي حازم الأعرج وغيرهم (2) .

____________________

(1) الكواكب الدرِّيَّة: 139، مطبعة وورسة تجليد الأنوار، مصر.

(2) انظر: ( شذرات الذهب ): 1/194، دار الكتب العلميّة.


31 - محمّد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني (ت: 1122 هـ)

قال في شرحه على ( موطّأ مالك ): ( علي بن حسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، زين العابدين، ثقة، ثبت، عابد، فقيه، فاضل، مشهور من رجال الجميع، قال الزهري: ما رأيتُ قرشيّاً أفضل منه ) (1) .

32 - عبد الله بن محمّد الشبراوي (ت: 1171 هـ):

قال في ( الإتحاف بحبّ الأشراف ): ( الرابع من الأئمّة، علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه... كان رضي الله عنه عابداً، زاهداً، ورعاً، متواضعاً، حسن الأخلاق، وكان إذا توضّأ للصلاة اصفرّ لونه، فقيل له: ما هذا الذي نراه يعتريك عند الوضوء؟

فقال: ( أَمَا تدرون بين يَدي مَنْ أُريدُ أقف )، وكان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة... ) إلى آخر ما ذكره من محاسنه ومناقبه (2) .

33 - محمّد بن الصبّان الشافعي (ت: 1206 هـ):

قال في ( إسعاف الراغبين ): ( أمّا السيّد علي زين العابدين، فهو ابن الحسين بن علي بن أبي طالب... أشهر كُنَاه: أبو الحسن، وأشهر ألقابه: زين العابدين ) إلى أنْ قال: ( [ روى ] عنه بنوه، والزهري، وأبو الزناد وغيرهم، قال الزهري وابن عيينة: ما رأينا قرشيّاً أفضل منه، وقال عنه ابن المسيّب: ما رأيتُ أورع منه.

____________________

(1) شرح الزرقاني: 1/230، دار الكتب العلميّة.

(2) انظر: ( الإتحاف بحبّ الأشراف ): 135 - 143، منشورات الرضي، مصوّرة على طبعة المطبعة الأدبيّة بمصر.


وقد جاء عنه من خشوعه في وضوئه وصلاته ونسكه ما يدهش السامع، وكان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة حتى مات، ولقّب بزين العابدين لكثرة عبادته وحسنها، كان شديد الخوف من الله تعالى بحيث إنّه إذا توضّأ اصفرّ لونه وارتعد. فيُقال له: ما هذا؟

فيقول: ( أتدرون بين يدَي مَنْ أقوم. .. ) ).

وذكر جملة من محاسنه ومناقبه وطرفاً من كلماته، سلام الله عليه (1) .

34 - يوسف بن إسماعيل النبهاني (ت: 1350 هـ):

قال في ( جامع كرامات الأولياء ): ( علي زين العابدين، أحد أفراد ساداتنا آل البيت، وأعاظم أئمّتهم الكبار، رضي الله عنه وعنهم أجمعين... ) (2) .

35 - خير الدين الزركلي (ت: 1396 هـ):

قال في ( الأعلام ): ( علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي القرشي، أبو الحسن، الملقّب بزين العابدين: رابع الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة، وأحد مَن كان يُضرب بهم المَثَل في الحلم والورع، يُقال له: ( علي الأصغر ) للتمييز بينه وبين أخيه ( علي الأكبر )... أُحصي بعد موته عدد من كان يقوتهم سرّا، فكانوا نحو مئة بيت، قال بعض أهل المدينة: ما فقدنا صدقة السرّ إلاّ بعد موت زين العابدين، وقال محمّد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون مِن أين معاشهم ومأكلهم، فلمّا مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به ليلاً إلى منازلهم... ) (3) .

____________________

(1) إسعاف الراغبين: 236 - 241، مطبوع على هامش نور الأبصار، طبعة دار الفكر المصوّرة على الطبعة المصريّة لسنة: 1948م.

(2) جامع كرامات الأولياء: 2/210، المكتبة الشعبيّة، بيروت، لبنان.

(3) الأعلام: 4/277، دار العلم للملايين.


هذا وقد زخرتْ الكتب والمؤلّفات بترجمة الإمام زين العابدين ( عليه السلام )، وامتلأت الصحائف بذكر الأقوال في تبجيله ومدحه والثناء عليه، نكتفي بما تقدّم ذكره من الكلمات التي بيّنت - وبلا شك - إجماع العلماء والأعلام، وأهل الفن والمعرفة على عظم الإمام، وجلالة قدره وكونه أفضل، وأورع وأفقه أهل المدينة، كما أقرّ بذلك الزهري، وغيره من التابعين، وممّن تلاهم.

لذا لا نرى حاجة لتتبّع كلمات أكثر، وبإمكان القارئ المراجعة والاطلاع.



الفصل الرابع

الخامس من أئمّة أهل البيت

الباقر

محمّد بن علي عليه السلام



نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام

بحرٌ من الفضائل، وشعلة من النور، وغصن من شجرة النبوّة، فأنّى لأحد أنْ يكتب عن الإمام محمّد الباقر ( عليه السلام )، بَقَرَ العلم وشقّه، وعرف أصله وفرعه وخَفِيَّه، جمع الفقه والديانة والسؤدد ومكارم الأخلاق، فانحنتْ الخلافةُ بين يديه تواضعاً، وقبّلت السيادةُ يديه تَشرُّفاً.

كان كوكباً متألّقاً يفيض على الدنيا بعطائه السيّال، ويمدّ البشريّة بعلمه الزاخر، فاستنار الوجود بوجوده، واستضاء الكون من بحر جوده، فصار وهجاً وضاءً ينير طريق الأجيال، ويرسو بالأمّة نحو رضا الربّ المتعال؛ لذا خلّدتْه الصحائف، بل خَلُدت الصحائف بذكره، وتشرّفت الأقلام بمدحه والثناء عليه.

وقبل أنْ نسطّر بعضاً ممّا دوّنه علماء وأعلام أهل السنّة في صحائفهم، نتعرَّض لذكر إلمامة بسيطة بحياته ( عليه السلام )، فنقول:

-هو: محمّد بن علي زين العابدين، بن الحسين الشهيد، بن علي بن أبي طالب، عليهم جميعاً سلام الله ورضوانه.

-أمُّهُ: أمّ عبد الله، فاطمة بنت الحسن ( عليه السلام ) (1) ، كانت من سيّدات النساء، يسمّيها الإمام زين العابدين ( الصدّيقة ) (2) ، وكان يقول عنها إمامنا الصادق ( عليه السلام ): ( كانت صدّيقة، لم تُدرَك في آل الحسن امرأة مثلها ) (3) .

____________________

(1) إعلام الورى للطبرسي: 1 / 498، مؤسّسة آل البيت.

(2) الدرّ النظيم لجمال الدين الشامي: 603، مؤسّسة النشر الإسلامي.

(3) أصول الكافي للكليني: 1 / 542، دار التعارف للمطبوعات.


-وُلد ( عليه السلام ): بالمدينة سنة: سبع وخمسين من الهجرة (57 هـ) (1) .

-يُكنّى ( عليه السلام ): بأبي جعفر.

-وأشهر ألقابه: الباقر (2) .

-تسلّم إمامة المسلمين: عند وفاة أبيه زين العابدين في سنة: (95 هـ)، وكان له من العمر ثمان وثلاثون سنة.

-عاصر في أيّام إمامته: خمسة من حكّام بني أميّة، وهم: الوليد بن عبد الملك، سليمان بن عبد الملك، عمر بن عبد العزيز، يزيد بن عبد الملك، هشام بن عبد الملك.

-بذر الإمام الباقر ( عليه السلام ): النواة الأولى لبلورة ونشر الرسالة الإسلاميّة الحقّة المتمثّلة في مذهب أهل البيت ( عليهم السلام )، فعقد في مسجد المدينة المنوّرة حلقات الدروس المختلفة في الفقه والتفسير والحديث وغيرها، وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوهُ التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين.

وقد سمّي ( عليه السلام ) بالباقر؛ لأنّه بقر العلم أي شقّه وعَرَف أصله وخفيّه.

-رحل إمامنا الباقر ( عليه السلام ): في سنة: (114 هـ) (3) .

-دُفِنَ ( عليه السلام ): في مقبرة البقيع في مدينة الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إلى جانب أبيه زين العابدين ( عليه السلام )، وعمّ أبيه الحسن بن علي ( عليه السلام ) (4) .

____________________

(1) الإرشاد للمفيد: 2 / 158، مؤسّسة آل البيت.

(2) انظر: ( مطالب السؤول ): 2 / 100، مؤسّسة أمّ القرى.

(3) الإرشاد للمفيد: 2 / 158، مؤسّسة آل البيت.

(4) إعلام الورى للطبرسي: 1 / 498، مؤسّسة آل البيت.


الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السنّة

نستعرض فيما يلي جانباً من كلمات علماء، وأعلام أهل السنّة، وهي تشيد بمقام الإمام الباقر ( عليه السلام )، وتبيّن جلالة قدره وعظمَ منزلته:

1 - محمّد بن سعد الزهري (ت: 230 هـ):

قال عن الإمام الباقر ( عليه السلام ): ( محمّد من الطبقة الثالثة من التابعين من المدينة، كان عابداً، عالماً، ثقة ) (1) ، وقال أيضاً: ( كان ثقة كثير الحديث ) (2) .

2 - الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ):

علّق الإمام أحمد بن حنبل على سندٍ فيه الإمام علي الرضا، عن أبيه موسى الكاظم، عن أبيه جعفر الصادق، عن أبيه محمّد الباقر، عن أبيه علي زين العابدين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب، عن الرسول الأكرم صلوات الله عليهم أجمعين، قائلاً: ( لو قرأت هذا الإسناد على مجنون لبرئ من جُنَّتِهِ ) (3) .

3 - أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت: 250 هـ):

قال عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) في ( رسائله ) عند ذكره الرد عمّا فخرت به بنو أميّة على بني هشم ما نصّه: (... وهو سيّد فقهاء الحجاز، ومنه ومن ابنه جعفر تعلّم الناس الفقه، وهو الملقّب بالباقر، باقر العلم، لقّبه به رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ولم

____________________

(1) نقله سبط ابن الجوزي في ( تذكرة الخواص ): 302، مؤسّسة أهل البيت.

(2) نقل قوله ابن كثير في ( البداية والنهاية ): 9 / 338، مؤسّسة التاريخ العربي.

(3) أورده ابن حجر الهيتمي في (الصواعق المحرقة): 310، دار الكتب العلميّة.


يُخلَق بعد، وبشّر به، ووعد جابر بن عبد الله برؤيته، وقال: ( ستراه طفلاً، فإذا رأيتَه فأبْلِغْهُ عنّي السلام )، فعاش جابر حتّى رآه، وقال له ما وصّى به ) (1) .

كما أنّه مدح عشرة من أئمّة أهل البيت، ومِن ضمنهم الإمام الباقر ( عليه السلام ) في كلام واحد، فقال: ومَنِ الذي يُعَدُّ مِن قريش أو من غيرهم ما يَعُدُّه الطالبيّون، عشرة في نَسَق؛ كلّ واحد منهم: عالم، زاهد، ناسك، شجاع، جواد، طاهر، زاكٍ، فمنهم خلفاء، ومنهم مرشّحون: ابن ابن ابن ابن. هكذا إلى عشرة وهم: الحسن [ العسكري ] بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد [ الباقر ] بن علي بن الحسين بن علي ( عليهم السلام )، وهذا لم يتّفق لبيت من بيوت العرب ولا من بيوت العجم ) (2) .

4 - الحافظ أبو نعيم الأصفهاني (ت: 430 هـ):

قال في ( حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ): ( ومنهم الحاضر الذاكر، الخاشع الصابر، أبو جعفر محمّد بن علي الباقر، كان من سلالة النبوّة، وممّن جمع حسب الدين والأبوّة، تكلّم في العوارض والخطرات، وسفح الدموع والعبرات، ونهى عن المراء والخصومات ) (3) .

5 - الفخر الرازي (ت: 604 هـ):

قال عند تفسيره لمعنى الكوثر: ( والقول الثالث: الكوثر أولاده.... فالمعنى أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مرّ الزمان، فانظر كم قُتل من أهل البيت ثُم العالَم

____________________

(1) رسائل الجاحظ: 108، جَمَعَهَا ونَشَرَهَا حسن السندوبي، المكتبة التجاريّة الكبرى، مصر.

(2) المصدر نفسه: 109.

(3) حِلْيَة الأولياء: 3 / 166، دار إحياء التراث العربي.


ممتلئ منهم، ولم يبقَ من بني أميّة في الدنيا أحد يعبأ به، ثمّ انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر، والصادق، والكاظم، والرضا ( عليهم السلام )... ) (1) .

6 - محمّد بن طلحة الشافعي (ت: 652 هـ):

قال في ( مطالب السؤول ): ( هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه، ومتفوّق درّه وواضعه، ومنمّق درّه وراضعه (2) ، صفا قلبه، وزكا عمله، وطَهُرَت نفسه، وشَرُفَت أخلاقه، وعمرت بطاعة الله أوقاته، ورسخت في مقام التقوى قدمُه، وظهرتْ عليه سمات الازدلاف، وطهارة الاجتباء، فالمناقب تَسْبِقُ إليه، والصفات تَشْرَف به ) (3) .

7 - سبط ابن الجوزي (ت: 654 هـ):

قال في ( تذكرة الخواص ): ( هو أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب... وإنّما سمِّي الباقر؛ من كثرة سجوده، بقر السجودُ جبهتَه أي فتحها ووسّعها، وقيل لغزارة علمه.

قال الجوهري في ( الصحاح ) التبقّر: التوسّع في العلم، قال: وكان يُقال لمحمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) الباقر، لتبقّره في العلم، ويسمّى الشاكر والهادي.

وقال ابن سعد: ( محمّد من الطبقة الثالثة من التابعين من المدينة. كان عالماً

____________________

(1) تفسير الفخر الرازي: مجلّد16، ج32 / 125، دار الفكر.

(2) هكذا في المتن المطبوع، ولعلّ الصحيح: ومتفوّق دَرّه وراضعه، ومنمّق درّه وواضعه؛ لأنّه يُقال تفوّق الدّر أي شربه، ونمّق الدُّر أي حسّنه، والدَّر - بالفتح - هو الحليب، والدُّر - بالضم - هو اللؤلؤ.

(3) مطالب السؤول: 2 / 100، مؤسّسة أمّ القرى.


عابداً ثقة ).

روى عنه الأئمّة: أبو حنيفة وغيره...

قال عطاء (1) : ( ما رأيتُ العلماء عند أحدٍِ أصغر علماً منهم عند أبي جعفر، لقد رأيت الحَكَم عنده كأنّه مغلوب، ويعني بالحَكَم: الحَكَم بن عُيَيْنَة، وكان عالماً نبيلاً جليلاً في زمانه ) (2) .

8 - ابن أبي الحديد المعتزلي (ت: 655 هـ):

نقل في ( شرح نهج البلاغة ) نصّ ما تقدّم ذكره من كلام الجاحظ مقِرّاً له على ذلك (3) .

9 - محمّد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي (ت: 671هـ):

قال في تفسيره عند تعرّضه للآية: ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً. .. ) : ( بقرة ) البقرة: اسم للأنثى، والثور اسم للذكر، مثل: ناقة وجمل، وامرأة ورجل... وأصله من قولك: بقرَ بطنَه، أي شقّه، فالبقرة تشقُّ الأرض بالحرث وتثيره، ومنه الباقر لأبي جعفر محمّد بن علي زين العابدين؛ لأنّه بقرَ العلم وعرف أصله، أي شقّه ) (4) .

10 - أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي (ت: 676 هـ):

قال في ( تهذيب الأسماء واللغات ) عن الإمام الباقر ( عليه السلام ): (... سميّ بذلك

____________________

(1) هكذا في المتن المطبوع، ولعلّ الصحيح: ( عبد الله بن عطاء )، كما أورده اليافعي وابن العماد.

(2) تذكرة الخواص: 302، مؤسّسة أهل البيت.

(3) انظر: ( شرح نهج البلاغة ): 15 / 277 و278، دار الكتب العلميّة، المصوّرة على طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.

(4) تفسير القرطبي: 1 / 483، دار الكتاب العربي.


لأنّه بقر العلم أي شقّه، فعرف أصلَه وعرف خفيَّه... وهو تابعي جليل، إمام بارع، مُجْمَع على جلالته، معدود في فقهاء المدينة وأئمّتهم... ) (1) .

11 - أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خِلّكان (ت: 681 هـ):

قال في ( وفيّات الأعيان ): (أبو جعفر محمّد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، الملقّب الباقر أحد الأئمّة الاثني عشر في اعتقاد الإماميّة، وهو والد جعفر الصادق...

كان الباقر عالماً سيّداً كبيرا، وإنما قيل له الباقر لأنه تَبَقَّرَ في العلم، أي توسّع، والتبقّر: التوسّع، وفيه يقول الشاعر:

يا باقرَ العلمِ لأَهْلِ التُقَى

وَخَيْرَ مَنْ لَبّى على الأَجْبُلِ (2) .

12 - ابن منظور المصري: (ت: 711 هـ):

قال في ( لسان العرب ): ( والتبقّر: التوسّع في العلم، والمال. وكان يُقال لمحمّد بن علي بن الحسين بن علي الباقر، رضوان الله عليهم؛ لأنّه بقر العلم، وعرف أصلَه، واستنبط فرعَه، وتبقّر في العلم ) (3) .

13 - شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: 748 هـ):

قال في ( العبر في خبر مَن غبر ): ( وكان من فقهاء المدينة، وقيل له الباقر؛ لأنّه بقر العلم أي شقّه، وعرف أصلَه وخفيَّه ) (4) .

____________________

(1) تهذيب الأسماء واللغات: 1 / 103، دار الفكر.

(2) وفيات الأعيان: 4 / 30، دار الكتب العلميّة.

(3) لسان العرب: 4 / 74، دار صادر.

(4) العِبَر في خبر مَن غَبَر: 1 / 142، نشر مطبعة حكومة الكويت، سنة: 1948 م.


وقال في ( سير أعلام النبلاء ) في الجزء الثالث عشر: ( أبو جعفر الباقر، سيّدٌ إمام، فقيهٌ يصلح للخلافة ) (1) .

وترجمه في الجزء الرابع وقال عنه: ( وكان أحد من جمع بين العلم والعمل والسؤدد والشرف والثقة والرزانة، وكان أهلاً للخلافة... وشُهر أبو جعفر بالباقر، مِنْ: بَقَرَ العلم أي شقّه، فَعَرف أصلَه وخفيَّه، ولقد كان أبو جعفر إماماً مجتهداً تالياً لكتاب الله، كبير الشأن ) إلى أنْ قال: (وقد عدّه النسائي وغيره في فقهاء التابعين بالمدينة، واتّفق الحفّاظ على الاحتجاج بأبي جعفر ) (2) .

14 - صلاح الدين، خليل بن أيبك الصفدي (ت: 764 هـ):

قال في ( الوافي بالوفيات ): ( الباقر رضي الله عنه، محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، أبو جعفر الباقر سيّد بني هاشم في وقته... وكان أحد مَن جمع: العلم، والفقه، والديانة، والثقة، والسؤدد، وكان يصلح للخلافة، وهو أحد الأئمّة الاثني عشر الذين يعتقد الرافضة عصمتهم، وسمّي الباقر؛ لأنّه بَقَرَ العلم أي شقّهُ، فعرف أصلَهُ وخفيَّهُ ) (3) .

15 - عبد الله بن أسعد اليافعي (ت: 768 هـ):

قال في ( مرآة الجنان ) عند ذكره حوادث سنة: (114 هـ): ( وفيها تُوفّي أبو جعفر محمّد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب

____________________

(1) سير أعلام النبلاء: 13 / 120، مؤسّسة الرسالة.

(2) المصدر نفسه: 4 / 402 - 403.

(3) الوافي بالوفيات: 2 / 102، دار النشر: فرانز شتايز، شتوتغارت.


رضوان الله عليهم، أحد الأئمّة الاثني عشر في اعتقاد الإماميّة، وهو والد جعفر الصادق، لُقّب بالباقر، لأنه بَقَرَ العلم أي شقّه وتوسّع فيه.. وفيه يقول الشاعر:

يا باقرَ العلمِ لأَهْلِ التُقَى

وَخَيْرَ مَنْ رَكِبَ (1) عَلَى الأجْبُلِ

وقال عبد الله بن عطاء: ما رأيتُ العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند محمّد بن علي... ) (2) .

16 - الحافظ أبو الفداء، إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت: 774 هـ):

قال في ( البداية والنهاية ): ( وهو محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو جعفر الباقر، وأمّه أمّ عبد الله بنت الحسن بن علي، وهو تابعي جليل، كبير القدر كثيراً، أحد أعلام هذهِ الأمة عِلماً وعَمَلاً وسيادةً وشرفاً...

حدّثَ عنه جماعة من كبار التابعين وغيرهم، فمَنْ روى عنه ابنه جعفر الصادق، والحَكَم بن عتيبة، وربيعة، والأعمش، وأبو إسحاق السبيعي والأوزاعي والأعرج وهو أسنّ منه، وابن جريج، وعطاء، وعمرو بن دينار، والزهري. وقال سفيان بن عيينة عن جعفر الصادق، قال: حدّثني أبي، وكان خير محمّديّ يومئذ على وجه الأرض، وقال العجلي: وهو مدني تابعي ثقة، وقال محمّد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث ) (3) .

وقال أيضاً: ( أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب،

____________________

(1) لعلّ الأصح: لبّى.

(2) مرآة الجنان وعبرة اليقظان: 1 / 194 - 195، دار الكتب العلميّة.

(3) البداية والنهاية: 9 / 338، مؤسّسة التاريخ العربي.


كان أبوه علي زين العابدين، وجدّه الحسين قُتلا شهيدَين بالعراق (1) ، وسمّي بالباقر لبقره العلوم واستنباطه الحكم، كان ذاكراً خاشعاً صابراً، وكان من سلالة النبوّة، رفيع النسب عالي الحسب، وكان عارفاً بالخطرات، كثير البكاء والعبرات، مُعرِضاً عن الجدال والخصومات ) (2) .

17 - محمّد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت: 817 هـ):

قال في: ( القاموس المحيط ): ( والباقر: محمّد بن علي بن الحسين، رضي الله تعالى عنهم، لتبحّر في العلم ) (3) .

18 - محمّد بارساي البخاري (ت: 822 هـ):

قال في ( فصل الخطاب ): ( ومن أئمّة أهل البيت أبو جعفر محمّد الباقر سمّي بذلك؛ لأنّه بقر العلم أي شقّه فعرف أصلَه وعلم خفيَّه... وهو تابعيٌ جليل، إمام بارع، مجمع على جلالته وكماله... قال بعضهم: ما رأيت العلماء كان أقلّ علماً إلاّ عند الإمام محمّد الباقر ( رضي الله عنه ) ) (4) .

19 - محمّد بن محمّد، شمس الدين الجزري (ت: 833 هـ):

قال في ( غاية النهاية في طبقات القرّاء ): (محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر؛ لأنّه بقر العلم - أي شقّه - وعرف ظاهره

____________________

(1) الصحيح أنّ الإمام زين العابدين لم يُقتَل في كربلاء، بل أُخِذَ أسيراً إلى الشام.

(2) المصدر نفسه: 339.

(3) القاموس المحيط: 1 / 376.

(4) نقله القندوزي الحنفي في ( ينابيع المودّة ): 2 / 456، منشورات الشريف الرضي المصوّرة على الطبعة الحيدريّة، 1965م.


وخفيَّه، وكان سيّد بني هاشم عِلْمَاً وفضلاً وسنّة... ) (1) .

20 - الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: 852 هـ):

قال في ( تهذيب التهذيب ): ( محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو جعفر الباقر، أمّه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب( عليه السلام )...

روى عنه ابنه جعفر، وإسحاق السبيعي، والأعرج، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبو جهضم موسى بن سالم، والقاسم بن الفضل، والأوزاعي، وابن جريج، والأعمش، وشيبة بن نصاح، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عطاء، وبسّام الصيرفي، وحرب بن سريج، وحجاج بن أرطاة، ومحمّد بن سوقة، ومكحول بن راشد، ومعمر بن يحيى بن بسّام، وآخرون.

قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث...

وقال العجلي: مدني، تابعي، ثقة.

وقال ابن البرقي: كان فقيهاً فاضلاً.

وذكره النّسائي في فقهاء أهل المدينة من التابعين: إلى أنْ قال: قال الزبير بن بكّار: كان يُقال لمحمّد الباقر، باقر العلم. وقال محمّد بن المنكدر: ما رأيت أحداً يُفَضَّلُ على علي بن الحسين حتّى رأيتُ ابنه محمّداً، أردتُ يوماً أنْ أَعِظَهُ فوعظني ) (2) .

وقال في ( تقريب التهذيب ): (محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي

____________________

(1) أورده الشيخ القرشي في ( حياة الإمام الباقر ): 1 / 104، نقلاً عن ( غاية النهاية ): 2 / 220.

(2) تهذيب التهذيب: 7 / 330 - 331، دار الفكر.


طالب، أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل من الرابعة) (1) .

21 - ابن الصبّاغ المالكي (ت: 855 هـ):

قال في ( الفصول المهمّة ) عند حديثه عن الإمام الباقر ( عليه السلام ): ( وأمّا مناقبه فكثيرة عديدة، وأوصافه فحميدة جليلة ) (2) ، وقال أيضاً: ( وكان محمّد بن علي بن الحسين ( عليهم السلام ) مع ما هو عليه من العلم والفضل والسؤدد والرئاسة والإمامة، ظاهر الجود في الخاصّة والعامّة، مشهور الكرم في الكافّة، معروفاً بالفضل والإحسان مع كثرة عياله وتوسّط حاله ) (3) .

22 - جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي (ت: 874 هـ):

قال في ( النجوم الزاهرة ) في أحداث سنة: (114 هـ): ( وفيها تُوفّي محمّد الباقر، كنيته: أبو جعفر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي العلوي، سيّد بني هاشم في زمانه ) (4) .

23 - شمس الدين محمّد بن طولون (ت: 953 هـ):

قال في ( الأئمّة الاثنا عشر ): ( وهو أبو جعفر محمّد بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، الملقّب بالباقر، وهو والد جعفر الصادق، رضي الله عنهما.

____________________

(1) تقريب التهذيب: 2 / 541، دار الفكر.

(2) الفصول المهمّة: 201، دار الأضواء.

(3) المصدر نفسه: 204.

(4) النجوم الزاهرة: 1 / 5.


كان الباقر عالماً سيّداً كبيراً، وإنّما قيل له الباقر؛ لأنّه تبقّر في العلم، أي توسّع. والتبقّر التوسّع. وفيه يقول الشاعر:

يَا بَاقِرَ العِلْمِ لأَهْلِ التُقَى

وَخَيْرَ مَنْ لَبَّى عَلَى الجَبَلِ ) (1)

24 - المحدّث الفقيه أحمد بن حجر الهيتمي المكّي (ت: 974 هـ):

قال في ( الصواعق المحرقة ) - بعد أنْ ذكر أنّ علي بن الحسين تُوفّي عن أحد عشر ذَكَرَاً وأرْبَع بنات - ما نصّه: ( وارثه منهم عبادةً وعلماً وزهادة، أبو جعفر محمّد الباقر سمّي بذلك: مِن بَقَر الأرض أي شقّها وأثار مُخْبآتها ومكامِنَها؛ فلذلك هو أظهر مِن مخبآت كنوز المعارف وحقائق الأحكام والحِكَم واللطائف ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة أو فاسد الطَوِيَّة والسريرة، ومِن ثَمّ قيل فيه: هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه، صفا قلبه وزكا علمه وعمله، وطهرتْ نفسه وشرف خُلُقُهُ وعمرتْ أوقاته بطاعة الله، وله من الرسوم في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذهِ العجالة، وكفاه شرفاً أنّ ابن المديني روى عن جابر أنّه قال له وهو صغير: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسلّم عليك، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: كنتُ جالساً عنده والحسين في حجره وهو يداعبه، فقال: ( يا جابر، يولد له مولود اسمه علي، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ ليقم سيّد العابدين، فيقوم ولده، ثمّ يولد له ولد اسمه محمّد، فإنْ أدركتَه يا جابر فاقْرِئْهُ منّي السلام ) (2) .

____________________

(1) الأئمّة الاثنا عشر: 81، منشورات الرضي.

(2) الصواعق المحرقة: 304، دار الكتب العلميّة.


25 - الملاّ علي القاري (ت: 1014 هـ):

قال في ( شرح الشف ): ( هو أبو جعفر الباقر، سُمّي به لتبقّره في العلم، أي لتوسّعه فيه... [ روى ] عنه ابنه جعفر الصادق، والزهري، وابن جريج، والأوزاعي وآخرون، أخرج له الأئمّة الستّة ) (1) .

26 - أحمد بن يوسف القرماني (ت: 1019 هـ):

قال في ( أخبار الدول ): ( وإنّما سُمّي بالباقر؛ لأنّه بقر العلم، وقيل: لقّب بالباقر لِمَا روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا جابر، يوشَك أنْ تلحق بولدٍ لي مِن وُلد الحسين، اسمه كاسمي يبقر العلم بقراً، أي يفجّره تفجيراً، فإذا رأيته فاقرئه منّي السلام، قال جابر: فأخّر الله مدّتي حتّى رأيتُ الباقر، فَأَقْرَأْتُهُ السلام عن جدّه محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

وكان خليفة أبيه مِن بين إخوته، ووصيّه والقائم بالإمامة من بعده...

ولم يظهر عن أحد مِن وُلد الحسن والحسين مِن علم الدين والسنن، وعلم القرآن والسّير، وفنون الآداب، ما ظهر عن أبي جعفر الباقر.

روى عنه في معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين، وفيه يقول القرطبي:

يَا بَاقِرَ العِلْمِ لأَهْلِ التُقَى

وَخَيْرَ مَنْ لَبَّى عَلَى الجَبَلِ )

إلى أنْ قال: وحدّثَ بعضهم قال: كنتُ بين مكّة والمدينة، فإذا أنا بشيء يلوح تارةً ويختفي أخرى، حتّى قرب منّي، فتأمّلْتُهُ فإذا هو غلام سباعي أو

____________________

(1) شرح الشفا: 1 / 343، دار الكتب العلميّة.


ثُماني، فسلّم عليّ فرددتُ عليه السلام، فقلتُ: مِمَّنْ أنت؟

قال: رجل عربي.

قلتُ: أَبِنْ لِي؟

قال: قرشي.

قلتُ: أَبِنْ لِي؟

قال: علوي، ثمّ أنشأ يقول:

وَنَحْنُ عَلَى الحَوْضِ رُوَّادُهُ

نَذُوْدُ وَتَسْعَدُ وُرَّادُهُ

فَمَا فَازَ مَنْ فَازَ إلاّ بَنَا

وَمَا خَابَ مَنْ حُبِّنَا زَادُهُ

فَمَنْ سَرّنا نَالَ مِنَّا السُرُوْرَ

وَمَنْ سَاءَنَا سَاءَ مِيْلاَدُهُ

وَمَنْ كَانَ غَاصِبَنَا حَقَّنَا

فَيَوْمَ القِيَامَةِ مِيْعَادُهُ

ثمّ قال: أنا محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثمّ التفتُّ فلم أره، فلا أدري نزل في الأرض أَمْ صعد في السماء... ) (1) .

27 - أبو الفلاح، عبد الحي بن أحمد بن محمّد ابن العماد الحنبلي (ت: 1089 هـ):

قال في ( شذرات الذهب ) عند ذكره لأحداث سنة: (114 هـ): ( وفيها تُوفّي السيّد أبو جعفر محمّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب...

وكان من فقهاء المدينة، وقيل له الباقر، لأنّه بقر العلم، أي شقّه، وعَرف أصله وخفيَّه، وتوسّع فيه، وهو أحد الأئمّة الاثني عشر على اعتقاد الإماميّة.

قال عبد الله بن عطاء: ما رأيتُ العلماء عند أحد، أصغر منهم علماً عنده. وله كلام نافع في الحكم والمواعظ... ) (2) .

28 - حسين بن محمّد الديار بكري (ت: 1111 هـ):

____________________

(1) أخبار الدول وآثار الأُوَل: 1 / 331، دار الكتب العلميّة.

(2) شذرات الذهب في أخبار مَن ذَهَب: 1 / 260، دار الكتب العلميّة.


قال في ( تاريخ الخميس ): ( محمّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، يُكَّنى أبا جعفر، ولُقّب بالباقر لتبقّره في العلم وتوسّعه فيه ) (1) .

وقال في أحداث سنة (114 هـ): ( وفيها مات الإمام، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين العلوي، الباقر، الفقيه، وله ثمان وخمسون سنة ) (2) .

29 - محمّد بن عبد الباقي الزرقاني المالكي (ت: 1122 هـ):

قال في شرحه على موطّأ الإمام مالك: ( محمّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي، الثقة، الفاضل، من سادات آل البيت ) (3) .

30 - الشيخ عبد الله بن عامر الشبراوي (ت: 1171 هـ):

قال في ( الإتحاف بحبّ الأشراف ): ( الخامس من الأئمّة محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم... وكُنِّيَ أبا جعفر ولقّب بالباقر؛ لبقره العلم.

يُقال بَقَرَ الشيء: فجّره، سارت بذكر علومه الأخبار، وأُنشدت في مدائحه الأشعار، فمِنْ ذلك قول مالك الجهني فيه:

إِذَا طَلَبَ النَّاس عِلْمَ القُرْآنِ

كَانَتْ قُرَيْشٌ عَلَيْهِ عِيَالا

وإنْ فَاهَ فِيْهُ ابنِ بِنْتِ النبي

تلقّتْ يَدَاهُ فُرُوْعَاً طوالا

نجومٌ تُهَلِّلُ لِلْمُدْلِجِيْنَ

فَتَهْدِي بِأَنْوَارِهِنَّ الرِجَالا

____________________

(1) تاريخ الخميس: 2 / 286، دار صادر، مصوّر على منشورات مؤسّسة شعبان للنشر والتوزيع، بيروت.

(2) المصدر نفسه: 2 / 319.

(3) شرح الزرقاني على موطّأ الإمام مالك: 2 / 403، دار الكتب العلميّة.


ومناقبه رضي الله عنه باقية على ممرّ الأيّام وفضائله قد شهد له بها الخاصّ والعام وما أحقّه بقول الشاعر:

قَالَ فِيْه البَلِيْغ مَا قَالَ ذُو العي

وَكُلٌّ بِفَضْلِهِ مَنْطِيْق

وَكَذَاكَ العَدُوّ لَمْ يَعدُ أنْ قَا

لَ جَمِيْلاً فَمَا يَقُوْلُ الصَدِيْق

قال محمّد بن المنكدر: وما كنتُ أرى أنّ مثل علي بن الحسين يدع خلفاً يقاربه في الفضل حتّى رأيت ابنه محمّداً الباقر ) (1) .

31 - محمّد بن محمّد الزبيدي (ت: 1205 هـ):

قال في ( تاج العروس ): ( والباقر ) لُقّب الإمام أبي عبد الله وأبي جعفر ( محمّد بن ) الإمام ( علي ) زين العابدين ( بن الحسين ) بن علي ( رضي الله تعالى عنهم ) وُلد بالمدينة سنة: 57 من الهجرة، وأمّه: فاطمة بنت الحسن بن علي، فهو أوّل هاشمي وُلِدَ مِن هاشميَّيْن علوي من علويَّين، عاش سبعاً وخمسين سنة وتُوفّي بالمدينة سنة: 114، ودُفِنَ بالبقيع عند أبيه وعمّه... وإنّما لُقّب به؛ ( لتبحّره في العلم ) وتوسّعه وفي اللسان لأنّه بقر العلم وعرف أصلَه واستنبط فرعه. قلتُ: وقد ورد في بعض الآثار عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال له: ( يُوشَك أنْ تبقى حتّى تلقى وَلَداً لي من الحسين يُقال له محمّد يَبْقُر العلمَ بقراً فإذا لقيتَه فَاقْرِئْهُ منّي السلام )، خرّجه أئمّة النسب ) (2) .

____________________

(1) الإتحاف بحبّ الأشراف: 143 - 145، منشورات الرضي، طبعة مصوّرة على طبعة المطبعة الأدبيّة بمصر.

(2) تاج العروس: 3 / 55، نشر مكتبة الحياة، بيروت.


32 - محمّد بن علي الصبّان (ت: 1206 هـ):

قال في ( إسعاف الراغبين ): ( وأمّا محمّد الباقر رضي الله عنه، فهو صاحب المعارف وأخو الدقائق واللطائف، ظهرتْ كراماته، وكثرتْ في السلوك إشاراتُه، لُقّب بالباقر؛ لأنّه بقر العلم أي شقّه، فعرف أصلَه وخفيَّه ) (1) .

33 - أبو الفوز محمّد أمين السويدي (ت: 1246 هـ):

قال في ( سبائك الذهب ): ( لقّب بالباقر لِمَا رَوى جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( يولد مِن وُلد الحسين، اسمه كاسمي، يبقر العلم بَقْراً أي يفجّره تفجيراً، فإذا رأيتَه فَاقْرِئْهُ منّي السلام )، قال جابر رضي الله عنه: فأخّر الله مدّتي حتّى رأيتُ الباقر فَقَرَأْتُهُ السلام عن جدّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان خليفة أبيه من بين إخوته، ووصيّه، والقائم بالأمر مِن بعده... ولم يظهر عن أحد من أولاد الحسين مِن علم الدين والسنن وعلم السّير وفنون الآداب ما ظهر عن أبي جعفر رضي الله عنه ) (2) .

34 - يوسف بن إسماعيل النبهاني (ت: 1350 هـ):

قال في كتابه ( جامع كرامات الأولياء ): ( محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهما، أحد أئمّة ساداتنا آل البيت الكرام، وأوحد أعيان العلماء الأعلام... ) (3) .

____________________

(1) إسعاف الراغبين: 250، مطبوع كهامش على ( نور الأبصار )، طبعة دار الفكر المصوّرة على الطبعة المصريّة لسنة: 1948م.

(2) سبائك الذهب: 74، المكتبة العلميّة.

(3) جامع كرامات الأولياء: 1 / 164، المكتبة الشعبيّة، بيروت.


35 - خير الدين الزركلي (ت: 1396 هـ):

قال في كتابه ( الأعلام ): ( محمّد بن علي زين العابدين بن الحسين الطالبي الهاشمي القرشي، أبو جعفر الباقر، خامس الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة، كان ناسكاً عابداً، له في العلم وتفسير القرآن آراء وأقوال ) (1) .

هذا وقد تقدّم في ثنايا البحث أسماء مجموعة من العلماء لم نفرد لهم قولاً مستقلاًّ كالنسائي (2) ، وابن البرقي (3) ، والعجلي (4) ، وعبد الله بن عطاء (5) ، ومحمّد بن المنكدر (6) ، وغيرهم. كما أنّ الكتب غصّت بترجمة الإمام ومدْحه وذكْر فضائله، وأجمع أهلُ الفنّ والمعرفة على جلالة قدْره، وعظمِ منزلته؛ لذا نكتفي بما ذكرناه توخّياً للاختصار وعدم الإطالة.

____________________

(1) الأعلام: 6 / 270، دار العلم للملايين.

(2) انظر: ص 222، 225.

(3) انظر: ص 225.

(4) انظر: ص 223، 225.

(5) انظر: ص 220، 223، 229.

(6) انظر: ص 225، 231.



الفصل الخامس

السادس من أئمّة أهل البيت

الصادق

جعفر بن محمّد عليه السلام



نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام

نفسٌ طاهرة زاكية، سمت نحو العليّ الأعلى، فأشرقتْ تُنير على الأفق صفحات خالدة من القِيَم والمبادئ والأخلاق والمكارم والعلوم المحمّديّة المباركة.

تلك هي نفس إمامنا جعفر بن محمّد الصادق الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه، حتّى قال أبو حنيفة: ( ما رأيتُ أفقه من جعفر بن محمّد ) (1) .

فقد انتشر اسمه في البلدان، ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وتمتّع بأخلاق دَمِثَة نبويّة، ومكارم هاشميّة، ضاهت السماء علوّاً، فكان ولازال بحراً زاخراً تنهل البشريّة من نبْعه النقي الصافي وتغترف من جوده العلمي، وتسمو نحو الكمال بالاستقاء من صفاته المشرقة التي تحمل عطر النبوّة وفيض الرسالة الخالد.

فكان - بحقٍّ - مفخرة من مفاخر الإنسانيّة، ومعجزة من معاجز الدنيا الباقية على مرّ العصور وعبر الأجيال والدهور، جمعَ الفضائل كلّها، وحاز المكارم أجمعها، وملأ الدنيا بفيض علومه النيّرة.

فلْنتجوّل مع قُرَّائنا الكرام ونرى ما سطّرت الأقلام حول تلك الشخصيّة المباركة، ملتزمين بما نقله علماء وأعلام أهل السنّة.

وقبل أنْ نشرع في سرد كلماتهم، نُقدِّم للقارئ الكريم إلمامة سريعة بحياته ‌( عليه السلام ) فنقول:

____________________

(1) أرسله الصفدي إرسال المسلّمات في ( الوافي بالوفيات ): 11 / 127، دار النشر فرانز شتايز، شتوتغارت.


-هو: الإمام جعفر بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ).

-أمّه: أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر، كانت من الصالحات القانتات ومن أتقى نساء أهل زمانها (1) ، وفيها قال إمامنا الصادق ( عليه السلام ): ( كانت أمّي مِمَّن آمنتْ واتّقتْ وأحسنتْ والله يحبّ المحسنين ) (2) .

-وُلد: ( عليه السلام ) بالمدينة المنوّرة سنة: ثلاث وثمانين من الهجرة (83 هـ) (3) ، وكان ميلاده مقترناً بذكرى ولادة الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في السابع عشر من شهر ربيع الأوّل (4) .

-كنيته: أبو عبد الله.

-وله ألقاب أشهرها: الصادق، ومنها: الصابر، والفاضل، والطاهر (5) .

-تسلّم إمامة المسلمين: عند وفاة أبيه الباقر ( عليه السلام ) في سنة: (114 هـ)، وكان له من العمر أحدى وثلاثون سنة.

-عاصر في أيّام إمامته : خمسة من حكّام بني أميّة، واثنين من حكّام بني العبّاس.

أمّا حكّام بني أميّة فهم: هشام بن عبد الملك، الوليد بن يزيد بن عبد الملك،

____________________

(1) عيون المعجزات: 85.

(2) أصول الكافي للكليني: 1 / 545، دار التعارف للمطبوعات.

(3) الإرشاد للمفيد: 2 / 179، مؤسّسة آل البيت.

(4) انظر: ( الدروس ) للشهيد الأوّل: 2 / 12، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين.

(5) انظر:( مطالب السؤول ): 2 / 111، مؤسّسة أمّ القرى.


يزيد بن الوليد بن عبد الملك، إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، مروان بن محمّد بن مروان بن الحكم المعروف بمروان الحمار.

وأمّا حكّام بني العبّاس فهما: أبو العبّاس السفّاح، أبو جعفر المنصور.

-كان الإمام ( عليه السلام ): علماً بارزاً متفوّقاً على جميع أهل العلم والفضيلة، وازدهرتْ في عصره جامعة العلوم الإسلاميّة، وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات، على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل (1) .

وقال الحسن بن علي الوشاء: ( أدركتُ في هذا المسجد - أي مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ كلّ يقول: حدثني جعفر بن محمّد ) (2) .

-ولكثرة ما رُوي عنه وما بيّنه ( عليه السلام ) من أصول وفروعٍ لمذهب أهل البيت، سُمّي هذا المذهب بـ ( المذهب الجعفري ) ؛ نسبةً إلى اسمه الشريف.

-رحل إمامنا الصادق ( عليه السلام ): في شوّال سنة: (148 هـ) (3) ، بعد جهاد فكري عقائدي مرير، ومعاناة شديدة من حكّام الجور، خصوصاً من أبي جعفر المنصور.

-دُفن ( عليه السلام ): في مقبرة البقيع مع أبيه وجدّه وعمّه الحسن ( عليهم السلام ) (4) .

____________________

(1) انظر: ( الإرشاد ) للشيخ المفيد: 2 / 179، مؤسّسة آل البيت.

(2) رجال النجاشي: 40، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين.

(3) الإرشاد للمفيد: 2 / 180، مؤسّسة آل البيت.

(4) المصدر نفسه: 2/180.


الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السنّة

نستعرض فيما يلي جانباً من كلمات علماء وأعلام أهل السنّة وهي تُشيد بمقام الإمام الصادق ( عليه السلام ):

1 - الإمام أبو حنيفة النعمان: (ت: 150 هـ):

روي عنه أنّه قال: ( ما رأيتُ أحداً أفقه من جعفر بن محمّد، لمّا أقدمه المنصور الحيرة، بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة إنّ الناس قد فُتنوا بجعفر بن محمّد فهيّئ له من مسائلك تلك الصعاب، قال: فهيّأتُ له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبو جعفر فأتيتُه بالحيرة فدخلتُ عليه، وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرتُ بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلمتُ وأذِن لي، فجلستُ ثمّ التفت إلى جعفر، فقال: يا أبا عبد الله تعرف هذا؟ قال: نعم، هذا أبو حنيفة، ثمّ أتبعها قد أتانا. ثمّ قال: يا أبا حنيفة هات من مسائلك نسأل أبا عبد الله، وابتدأتُ أسأله، وكان يقول في المسألة: أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا، فربّما تابعنا وربّما تابع أهل المدينة وربّما خالفنا جميعاً، حتّى أتيتُ على أربعين مسألة ما أخبرت منها مسألة، ثمّ قال أبو حنيفة: أليس قد روينا أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس ) (1) .

____________________

(1) رواه المزّي في ( تهذيب الكمال ): ج 5، ص 79، مؤسّسة الرسالة. والذهبي في سير أعلام النبلاء: ج 6، ص 257 - 258، مؤسّسة الرسالة، وغيرهم، واللفظ الذي أوردناه منقول من ( التهذيب ).


وفي ( مختصر التحفة الاثني عشريّة ) أنّه قال: ( لو لا السنتان لهلك النعمان ) (1) . يعني السنتين اللَّتين انتهل فيهما أبو حنيفة من بحر علم الإمام الصادق ( عليه السلام ).

قال الحافظ شمس الدين محمّد بن محمّد الجزري: ( وثبتَ عندنا أنّ كلاً من الإمام مالك، وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى، صحب الإمام أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق حتّى قال أبو حنيفة: ما رأيتُ أفقه منه، وقد دخلني منه من الهيبة ما لم يدخلني للمنصور ) (2) .

2 - الإمام مالك بن أنس (ت: 179 هـ):

قال عن الإمام الصادق ( عليه السلام ): ( ولقد كنتُ أرى جعفر بن محمّد وكان كثير الدعابة والتبسّم، فإذا ذُكِرَ عنده النبيّ صلّى الله عليه وسلّم اصفرَّ، وما رأيتُه يُحدّث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلاّ على طهارة، ولقد اختلفتُ إليه زمانا، فما كنتُ أراه إلاّ على ثلاث خصال إمّا مصلِّياً وإمّا صامتا ً (3) ، وإمّا يقرأ القرآن، ولا يتكلّم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعبّاد الذين يخشون الله عزّ وجلّ ) (4) .

____________________

(1) مختصر التحفة الاثني عشريّة: 9، المطبعة السلفيّة، القاهرة.

(2) أسنى المطالب في مناقب سيّدنا علي بن أبي طالب: 55.

(3) هذا حسب كتاب: ( الشفا بتعريف حقوق المصطفى ) للقاضي عِيَاض، ولعلّ الأصحّ صائماً كما ذكره ابن حجر في التهذيب.

(4) نقل كلامه القاضي عِيَاض في ( الشفا بتعريف حقوق المصطفى ): 2 / 42 طبع دار الفكر، ونقل قريباً من ذلك ابن حجر العسقلاني في ( تهذيب التهذيب ): 2/70، دار الفكر.


3 - الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ):

علّق الإمام أحمد بن حنبل على سندٍ فيه الإمام علي الرضا، عن أبيه موسى الكاظم، عن أبيه جعفر الصادق، عن أبيه محمّد الباقر، عن أبيه علي زين العابدين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب، عن الرسول الأكرم صلوات الله عليهم أجمعين قائلاً: ( لو قرأتُ هذا الإسناد على مجنون لبرئ مِن جُنَّتِهِ ) (1) .

4 - أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت: 250 هـ):

قال في رسائله عند ذكر الجواب عمّا فخرتْ بهِ بنو أُميّة على بني هاشم، ما نصّه: ( فأمّا الفقه والعلم والتفسير والتأويل، فإنْ ذكرتموه لم يكن لكم فيه أحد، وكان لنا فيه مثل علي بن أبي طالب... وجعفر بن محمّد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه. ويُقال إنّ أبا حنيفة مِن تلامذته وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب... ) (2) .

كما أنّه مدح عشرة من أهل البيت من ضمنهم الإمام الصادق ( عليه السلام ) فقال: ( وَمنِ الذي يُعَدُّ مِنْ قريش أو من غيرهم ما يَعُدُّه الطالبيّون عشرة في نَسَق؛ كلّ واحد منهم: عالمٌ، زاهد، ناسك، شجاع، جواد، طاهر، زاكٍ، فمنهم خلفاء، ومنهم مُرشّحون:

ابن ابن ابن ابن، هكذا إلى عشرة، وهم الحسن [ العسكري ] بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر [ الصادق ] بن محمّد بن علي بن الحسين

____________________

(1) أورده ابن حجر الهيتمي في ( الصواعق المحرقة ): 310، دار الكتب العلميّة.

(2) رسائل الجاحظ: 106، جَمَعَهَا ونَشَرَهَا حسن السندوبي، المكتبة التجاريّة الكبرى، مصر.


بن علي ( عليهم السلام )؛ وهذا لم يتّفق لبيتٍِ من بيوت العرب ولا من بيُوت العجم ) (1) .

5 - الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي (ت: 261 هـ):

قال في ( معرفة الثقات ): ( جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، ولهم شيء ليس لغيرهم، خمسة أئمّة... ) (2) .

6 - محمّد بن إدريس، أبو حاتم الرازي (ت: 277 هـ):

قال عن الإمام الصادق ( عليه السلام ): ( جعفر بن محمّد ثقةٌ لا يُسألُ عن مثله ) (3) .

7 - عبد الرحمان بن أبي حاتم محمّد بن إدريس الرازي (ت: 327 هـ):

قال في كتابه ( الجرح والتعديل ): ( جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله كرّم الله وجهه... روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج، والثوري، وشعبة، ومالك، وابن إسحاق، وسليمان بن بلال، وابن عيينة، وحاتم، وحفص، سمعتُ أبي يقول ذلك ).

ثمّ نقل بعض مدائح وتوثيقات العلماء للإمام، كتوثيق الشافعي، وابن معين، وأبي عبد الرحمان، وأبي زرعة، مقرّاً لهم على ذلك بدلالة عدم تعليقه على كلماتهم، خصوصاً أنّ كتابه موسوم بالجرح والتعديل (4) .

____________________

(1) المصدر نفسه: 109.

(2) معرفة الثقات: 1 / 270، مكتبة الدار، المدينة المنوّرة.

(3) نقله ولده الرازي في ( الجرح والتعديل ): 2 / 487، دار الفكر. والذهبي في ( تذكرة الحفّاظ ): 1 / 166، نشر مكتبة الحرم المكّي، وغيرهما.

(4) انظر: ( الجرح والتعديل ): 2 / 487، دار الفكر.


8 - محمّد بن حِبَّان بن أحمد، أبو حاتم التميمي البستي (ت: 354هـ):

قال في كتابه ( الثقات ): ( جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم، كنيته أبو عبد الله، يروي عن أبيه، وكان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلاً، روى عنه الثوري ومالك وشعبة والناس... ) (1) .

9 - عبد الله بن عدي الجرجاني (ت: 365 هـ):

قال عن الإمام الصادق ( عليه السلام ): ( ولجعفر بن محمّد حديث كبير عن أبيه عن جابر، وعن أبيه عن آبائه، ونُسَخَاً لأهل البيت برواية جعفر بن محمّد، وقد حدّث عنه من الأئمّة مثل: ابن جريج، وشعبة بن الحجّاج، وغيرهم... وجعفر من ثقات الناس كما قال يحيى بن معين ) (2) .

10 - أبو عبد الرحمان السلمي (ت: 412 هـ):

قال في ( طبقات المشايخ الصوفيّة ): ( جعفر الصادق ( عليه السلام ) فاق جميع أقرانه من أهل البيت، وهو ذو علم غزير في الدين، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وأدب كامل في الحكمة ) (3) .

____________________

(1) الثقات: 6 / 131، طبع مجلس دائرة المعارف العثمانيّة، حيدر آباد الدكن، الهند.

(2) الكامل في الضعفاء: 2، 134، دار الفكر. ونقله ابن حجر بلفظ قريب من ذلك في ( تهذيب التهذيب )، 2 / 69، واللفظ المذكور من كتاب التهذيب.

(3) ذكره محمّد الخواجة البخاري في ( فصل الخطاب ). ونقله عنه القندوزي الحنفي في ( ينابيع المودّة ): 2 / 457، منشورات الشريف الرضي، المصوّرة على الطبعة الحيدريّة.


11 - أحمد بن علي بن منجويه الأصبهاني (ت: 428 هـ):

قال في ( رجال مسلم ): ( جعفر بن محمّد الصادق... وكان من سادات أهل البيت فقهاً، وعلماً، وفضلاً ) (1) .

12 - أبو نعيم الأصبهاني (ت: 430 هـ):

قال في ( حلية الأولياء ) عند ترجمة الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ): (.. الإمام الناطق، ذو الزمام السابق، أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق، أقبل على العبادة والخضوع، وآثر العزلة والخشوع، ونهى عن الرئاسة والجموع ) (2) .

13 - محمّد بن طاهر بن علي المقدسي (ت: 507 هـ):

قال في كتابه ( الجمع بين رجال الصحيحين ): ( جعفر بن محمّد الصادق، وهو ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي ( رضي الله عنهم )، يُكنّى أبا عبد الله... وكان من سادات أهل البيت... روى عنه عبد الوهاب الثقفي، وحاتم بن إسماعيل، ووهيب بن خالد، وحسن بن عيّاش، وسليمان بن بلال، والثوري، والداروردي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحفص بن غيّاث، ومالك بن أنس، وابن جريج... ) (3) .

14 - أبو الفتح محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت: 548 هـ):

قال في ( الملل والنحل ): ( جعفر بن محمّد الصادق، هو ذو علم غزير، وأدب كامل في الحكمة، وزهد في الدنيا، وورع تامّ عن الشهوات، وقد أقام

____________________

(1) رجال مسلم: 1 / 120، دار المعرفة.

(2) حلية الأولياء: 3 / 176، دار إحياء التراث العربي.

(3) الجمع بين رجال الصحيحين: 1 / 70، دار الكتب العلميّة.


بالمدينة مدّة يُفيد الشيعة المنتمين إليه، ويفيض على الموالين له أسرارَ العلوم، ثمّ دخل العراق وأقام بها مدّة، ما تعرّض للإمامة قط، ولا نازع في الخلافة أحداً، ومَنْ غرق في بحر المعرفة لم يقع في شط، ومَن تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يَخَفْ مَن حطّ ) (1) .

15 - جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي (ت: 597 هـ):

قال في تاريخه ( المنتظم ) عند ذكر وفيات سنة: (148 هـ): ( جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله جعفر الصادق... كان عالماً، زاهداً، عابداً... ) (2) .

وقال في كتابه ( صفة الصفوة ): ( جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين ( عليهم السلام )، يكنّى أبا عبد الله، أمّه أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر الصديق. كان مشغولاً بالعبادة عن حبّ الرياسة... ) (3) .

16 - أبو سعد عبد الكريم بن محمّد بن منصور التميمي السمعاني (ت: 562 هـ):

قال في كتاب ( الأنساب ): ( الصادق: بفتح الصاد، وكسر الدال المهملتَين، بينهما الألف وفي آخرها القاف، هذهِ اللفظة لقب لجعفر الصادق، لصدقه في مقاله... ) (4) .

____________________

(1) الملل والنحل: 1 / 166، دار المعرفة.

(2) المنتظم: 8 / 110 - 111، المؤسّسة المصريّة العامّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر.

(3) صفة الصفوة: 2 / 168، عند ذكر الطبقة الخامسة من أهل المدينة، رقم: 186، دار المعرفة.

(4) الأنساب: 3 / 507، دار الجنان، بيروت.


17 - الفخر الرازي، محمّد الرازي فخر الدين بن ضياء الدين عمر المشتهر بخطيب الري (ت: 604 هـ):

قال في تفسيره عند ذكره معاني كلمة ( الكوثر ): ( والقول الثالث ( الكوثر ) أولاده، قالوا لأنّ هذهِ السورة إنّما نزلت ردّاً على مَن عابه عليه السلام بعدم الأولاد، فالمعنى أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مرّ الزمان، فانظر كم قُتل من أهل البيت، ثمّ العالَم ممتلئ منهم. ولم يبقَ من بني أميّة في الدنيا أحد يُعبأ به، ثمّ انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر، والصادق، والكاظم، والرضا ) (1) .

18 - عزّ الدين، ابن الأثير الجزري (ت: 630 هـ):

قال في ( اللباب في تهذيب الأنساب ): ( الصادق... هذهِ اللفظة تُقال لجعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهو المشهور بالصادق، لُقّبَ به لصدقه في مقاله وفعاله... ومناقبه مشهورة ) (2) .

19 - محمّد بن طلحة الشافعي: (ت: 652 هـ):

قال في كتابه ( مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ): ( هو من عظماء أهل البيت وساداتهم عليهم السلام ذو علوم جَمّة، وعبادة موفرة، وأوراد متواصلة، وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة، يتتبّع معاني القرآن، ويستخرج من بحر جواهره، ويستنتج عجائبه، ويقسّم أوقاته على أنواع الطاعات، بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تُذكِّر الآخرة، واستماع كلامه يُزهد في الدنيا، والاقتداء

____________________

(1) تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب: مجلّد16/ ج32/ 125، دار الفكر.

(2) اللباب في تهذيب الأنساب: 2 / 3، دار الفكر، طبعة جديدة ومنقّحة بإشراف مكتب البحوث والدراسات في دار الفكر.


بِهَدْيِهِ يورث الجنّة، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع أنّه من ذريّة الرسالة.

نقل عنه الحديث، واستفاد منه العلم جماعة من الأئمّة وأعلامهم مثل: يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عُيَيْنَة، وشعبة، وأيّوب السجستاني وغيرهم (رض)، وعدّوا أَخْذَهم عنه منقبةً شُرِّفوا بها وفضيلة اكتسبوها )

إلى أنْ قال: ( وأمّا مناقبه وصفاته، فتكاد تفوت عدد الحاصر، ويُحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر، حتى أنّ من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى صارت الأحكام التي لا تُدرك عللها، والعلوم التي تقصر الأفهام عدد الإحاطة بحكمها، تُضاف إليه وتروى عنه.

وقد قيل إنّ كتاب الجفر الذي بالمغرب ويتوارثه بنو عبد المؤمن هو من كلامه عليه السلام، وإنّ في هذهِ المنقبة سنيّة، ودرجة في مقام الفضائل عليّة، وهي نبذة يسيرة مما نقل عنه ) (1) .

20 - يوسف بن فرُغلي بن عبد الله سبط ابن الجوزي (ت: 654 هـ):

قال في ( تذكرة الخواص ): ( وهو جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب... ويلقّب بالصادق، والصابر، والفاضل، والطاهر، وأشهر ألقابه الصادق )، ثمّ ذكر قول علماء السّير بأنّ الإمام الصادق: كان قد اشتغل بالعبادة عن طلب الرياسة ).

ونقل قول عمرو بن أبي المقدام، وهو: ( كنتُ إذا نظرتُ إلى جعفر بن محمّد علمتُ أنّه من سلالة النبيّين ).

____________________

(1) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 2 / 111، مؤسّسة أمّ القرى.


كما ذكر طرفاً من أخباره وإرشاداته ومكارم أخلاقه (1) .

21 - ابن أبي الحديد المعتزلي (ت: 655 هـ):

نقل في كتابه ( شرح نهج البلاغة ) نصّ ما تقدّم ذكره عن أبي عثمان الجاحظ، مقرّاً له عليه (2) .

وقد ذكر في نفس الفصل أيضاً عند تطرّقه لذكر الإمام الباقر ( عليه السلام ) ما نصّه: ( وهو سيّد فقهاء الحجاز، ومنه ومن ابنه جعفر تعلّم الناس الفقه ) (3) .

22 - أبو زكريّا محيي الدين بن شرف النووي (ت: 676 هـ):

قال في ( تهذيب الأسماء واللغات ): ( الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم الهاشمي المدني الصادق... روى عنه محمّد بن إسحاق، ويحيى الأنصاري، ومالك، والسفيانان، وابن جريج، وشعبة، ويحيى القطان، وآخرون. واتّفقوا على إمامته وجلالته وسيادته، قال عمر بن أبي المقدام: كنتُ إذا نظرتُ إلى جعفر بن محمّد علمتُ أنّه من سلالة النبيّين ) (4) .

23 - أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خِلَّكان (ت: 681 هـ):

قال في كتابه ( وفيات الأعيان ): ( أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمّد

____________________

(1) تذكرة الخواص: 307، مؤسّسة أهل البيت، بيروت، لبنان.

(2) شرح نهج البلاغة: 15 / 274 و278، دار الكتب العلميّة، المصوّرة على طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.

(3) المصدر نفسه: 277.

(4) تهذيب الأسماء واللغات: 1 / 155، دار الفكر.


الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين، أحد الأئمّة الاثني عشر على مذهب الإماميّة، وكان من سادات أهل البيت، ولُقّب بالصادق لصدقه في مقالته، وفضله أشهر مِن أنْ يُذكر. وله كلام في صناعة الكيمياء والزجر والفأل (1) ، وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيّان الصوفي الطرسوسي قد ألّف كتاباً يشتمل على ألف ورقة تتضمّن رسائل جعفر الصادق وهي خمسمئة رسالة...

تُوفّي في: شوّال، ثمان وأربعين ومئة بالمدينة، ودُفن بالبقيع في قبرٍ فيه أبوه محمّد الباقر وجدّه عليّ زين العابدين وعمّ جدّه الحسن بن علي، رضي الله عنهم أجمعين، فللّه درّه من قبر ما أكرمه وأشرفه.. ) (2) .

24 - شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: 748 هـ):

قال في ( تذكرة الحفّاظ ): ( جعفر بن محمّد بن علي بن الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي الإمام أبو عبد الله العلوي المدني الصادق أحد السادة الأعلام... وثّقه الشافعي ويحيى بن معين. وعن أبي حنيفة قال: ما رأيتُ أفقه من جعفر بن محمّد، وقال أبو حاتم: ثقة لا يُسأل عن مثله. وعن صالح بن أبي الأسود سمعتُ جعفر بن محمّد يقول: ( سلوني قبل أنْ تفقدوني فإنّه لا يحدّثكم أحد بعد بمثل حديثي )، وقال هياج بن بسطام: كان جعفر الصادق يُطْعِم حتّى لا يبقى لعياله شيء، قلتُ [ أي الذهبي ]: مناقبُ هذا السيّد

____________________

(1) انظر: التنبيه في آخر هذا الفصل.

(2) وفيات الأعيان: 1 / 307، دار الكتب العلميّة.


جمّة... ) (1) .

وقال في ( سير أعلام النبلاء ): في الجزء الثالث عشر، عند ذكره للإمام الصادق ( عليه السلام ): ( جعفر الصادق: كبير الشأن، من أئمّة العلم، كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور ) (2) .

كما ذكر له في الجزء السادس ترجمة طويلة فيها توثيقات ومدائح العديد من العلماء كالشافعي، ويحيى بن معين، وأبي زرعة، وأبي حنيفة وغيرهم، كما تفرّقت أقواله عن الإمام في طيّات هذهِ الترجمة:

فقد قال في أحد المواضع: ( شيخ بني هاشم أبو عبد الله القرشي الهاشمي العلوي النبوي المدني، أحد الأعلام ) (3) .

وقال في موضع آخر عنه وعن أبيه الباقر ( عليه السلام ): ( وكانا من جُلَّة علماء المدينة ) (4) .

وقال في موضع ثالث: ( جعفر: ثقة، صدوق ) (5) .

كما أنّ الذهبي ترجم الإمام ترجمة مطوّلة شبيهة بما في ( سير أعلام النبلاء ) وذلك في كتابه تاريخ الإسلام (6) . وقال في آخرها: ( مناقب جعفر كثيرة، وكان يصلح للخلافة؛ لسؤدده وفضله وعلمه وشرفه رضي الله عنه ).

____________________

(1) تذكرة الحفّاظ: 1 / 166، نشر مكتبة الحرم المكّي ( إعانة وزارة معارف الحكومة العالية الهنديّة ).

(2) سير أعلام النبلاء: 13 / 120، مؤسّسة الرسالة.

(3) المصدر نفسه: 6 / 255.

(4) المصدر نفسه: 6 / 255.

(5) المصدر نفسه: 6 / 257.

(6) تاريخ الإسلام: حوادث وفيات - 141 هـ - 160 هـ): 93 / دار الكتاب العربي.


25 - صلاح الدين الصفدي (ت: 764 هـ):

قال في كتابه ( الوافي بالوفيات ): ( جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. هو المعروف بالصادق، الإمام العَلَم المدني... ) إلى أنْ قال: ( وحدّثَ عنه: أبو حنيفة، وابن جريج، وشُعبة، والسفيانان، ومالك، ووهيب، وحاتم بن إسماعيل، ويحيى القطان، وخلق غيرهم كثيرون آخرهم وفاةً أبو عاصم النبيل، وثّقه يحيى بن معين والشافعي وجماعة ).

ثمّ نقل توثيق ومدح أبي حنيفة وأبي حاتم المتقدّم ذكرهما...، إلى أنْ قال: ( وله مناقب كثيرة وكان أهلاً للخلافة؛ لسؤدده وعلمه وشرفه... وتُوفّي سنة: ثمان وأربعين ومئة، ودُفن بالبقيع في قبرٍ فيه أبوه محمّد الباقر وجدّه علي زين العابدين وعمّ جدّه الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. فللّه درّه من قبر ما أكرمه وأشرفه. ولقّب بالصادق لصدقه في مقاله... ) (1) .

26 - أبو عبد الله أسعد بن علي بن سليمان اليافعي (ت: 768 هـ):

قال في كتابه ( مرآة الجنان ) في أحداث سنة: (148 هـ): ( فيها توفيّ الإمام السيّد الجليل، سلالة النبوّة ومعدن الفتوّة، أبو عبد الله جعفر الصادق بن أبي جعفر محمّد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين الهاشمي العلوي، وأمّه أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر... وُلِدَ سنة: ثمانين في المدينة الشريفة وفيها تُوفّي.

ودُفن بالبقيع في قبرٍ فيه أبوه محمّد الباقر وجدّه زين العابدين وعمّ جدّه الحسن بن علي رضوان الله عليهم أجمعين، وأكرِمْ بذلك القبر وما جمع من

____________________

(1) الوافي بالوفيات: 11 / 126 - 128، دار النشر: فرانز شتايز، شتوتغارت.


الأشراف الكرام أُولي المناقب، وإنّما لقّب بالصادق؛ لصدقه في مقالته: وله كلام نفيس في علوم التوحيد وغيرها، وقد ألّف تلميذه جابر بن حيّان الصوفي كتاباً يشتمل على ألف ورقة يتضمّن رسائله وهي خمسمئة رسالة ) (1) .

27 - المحدّث محمّد خواجه بارساي البخاري (ت: 822 هـ):

قال في كتابه ( فصل الخطاب ): ( ومِن أئمّة أهل البيت أبو عبد الله جعفر الصادق ( رضي الله عنه )... وكان جعفر الصادق ( رضي الله عنه ) من سادات أهل البيت... روى عنه ابنه موسى الكاظم ( رضي الله عنه )، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو حنيفة، وابن جريج، ومالك، ومحمّد بن إسحاق، وسفيان الثوري، وسفيان بن عُيَيْنَة، وشعبة، ويحيى بن سعيد القطان ( رحمهم الله )، واتّفقوا على جلالته وسيادته ) (2) .

28 - الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: 852 هـ):

قال في ( تقريب التهذيب ): ( جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله، المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام، من السادسة، مات سنة: ثمان وأربعين [ أي 148 هـ ] ) (3) .

____________________

(1) مرآة الجنان وعبرة اليقظان: 1 / 238، دار الكتب العلميّة.

(2) نقله القندوزي الحنفي في ( ينابيع المودّة ): 2 / 457، منشورات الشريف الرضي، المصوّرة على الطبعة الحيدريّة.

(3) تقريب التهذيب: 1 / 91، دار الفكر للطباعة والنشر.


ونقل في كتابه ( تهذيب التهذيب ) مدائح العديد من العلماء وتوثيقاتهم للإمام سلام الله عليه كالشافعي، وابن معين، وأبي حاتم، والنسائي، وابن عدي، وابن حِبَّان وغيرهم، كما أرسل قول عمرو بن أبي المقدام إرسال المسلّمات، فقال:

قال عمرو بن أبي المقدام: ( كنتُ إذا نظرتُ إلى جعفر بن محمّد علمتُ أنّه من سلالة النبيّين ) (1) .

29 - ابن الصبّاغ المالكي (ت: 855 هـ):

قال في كتابه ( الفصول المهمّة ): ( كان جعفر الصادق ( عليه السلام ) من بين أخوته خليفة أبيه ووصيّه، والقائم من بعده، برز على جماعة بالفضل، وكان أنبههم ذكراً وأجلّهم قدراً، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته وذكره في سائر البلدان، ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من الحديث، وروى عنه جماعة من أعيان الأمّة، مثل:

يحيى بن سعيد، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وأبو عيينة، وأبو حنيفة، وشعبة، وأبو أيّوب السجستاني وغيرهم، وصّى إليه أبو جعفر ( عليه السلام ) بالإمامة وغيرها وصيّة ظاهرة، ونصّ عليه نصّاً جلياً ) إلى أنْ قال:

( وأمّا مناقبه فتكاد تفوت من عدّ الحاسب، ويحير في أنواعها فهم اليقظ الكاتب، وقد نقل بعض أهل العلم أنّ كتاب الجفر الذي بالمغرب، الذي يتوارثه بنو عبد المؤمن بن علي هو من كلامه، وله فيه المنقبة السنيّة والدرجة التي هي في مقام الفضل عَلِيَّة )، وقال في آخر الفصل:

( مناقب أبي جعفر الصادق ( عليه السلام ) فاضلة، وصفاته في الشرف كاملة، وشرفه على

____________________

(1) انظر: (تهذيب التهذيب): 2 / 68 - 70، دار الفكر.


جهات الأيّام سائلة، وأندية المجد والعزّ بمفاخره ومآثره آهِلَة.

مات الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام سنة: ثمان وأربعين ومئة، في شوّال... وقبره في البقيع، دُفن في القبر الذي فيه أبوه وجدّه وعمّ جدّه، فللّه درّه من قبرٍ ما أكرمه وأشرفه... ) (1) .

30 - عبد الرحمان بن محمّد الحنفي البسطامي (ت: 858 هـ):

قال في ( مناهج التوسّل ): ( جعفر بن محمّد، ازدحم على بابه العلماء، واقتبس من مشكاة أنواره الأصفياء، وكان يتكلّم بغوامض الأسرار وعلوم الحقيقة وهو ابن سبع سنين ) (2) .

31 - المؤرّخ يوسف بن تغري بردي، جمال الدين الأتابكي (ت: 874هـ):

قال في ( النجوم الزاهرة ) عند ذكره لأحداث سنة: (148 هـ): ( وفيها تُوفّي جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، الإمام السيّد أبو عبد الله الهاشمي العلوي الحسيني المدني... وهو من الطبقة الخامسة من تابعي أهل المدينة، وكان يلقّب بالصابر، والفاضل، والطاهر، وأشهر ألقابه: الصادق... حدّث عنه أبو حنيفة، وابن جريج، وشعبة، والسفيانان ومالك، وغيرهم، وعن أبي حنيفة قال: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد ) (3) .

____________________

(1) الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة: 211 - 219 دار الأضواء.

(2) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر: 1 / 55 عن ( مناهج التوسّل ): 106.

(3) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: 2 / 8، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسّسة المصريّة العامّة للتأليف والطباعة والنشر، نسخة مصوّرة على طبعة دار الكتب.


32 - محمّد بن سراج الدين الرفاعي (ت: 885 هـ):

قال في ( صحاح الأخبار ): (قال العميدي: وُلِد الصادق بالمدينة، يوم الجمعة عند طلوع الفجر، سنة: ثلاث وثمانين من الهجرة... وعاش خمساً وستّين سنة، وكانت إمامته أربعاً وثلاثين سنة، وقد نقل الناس عنه على اختلاف مذاهبهم ودياناتهم ما سارت به الركبان، وقد عُدّ أسماء الرواة عنه فكانوا أربعة آلاف رجل... ) (1) . وواضح من اسم الكتاب ومقدّمته أنّه يتبنّى كلّ ما جاء فيه.

33 - أحمد بن عبد الله الخزرجي (ت: بعد 923 هـ):

قال في ( خلاصته ): ( جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد الله، أحد الأعلام... [ حدّث ] عنه خَلْق كثير لا يحصون، منهم ابنه موسى، وشعبة، والسفيانان، ومالك، قال الشافعي: وابن معين، وأبو حاتم، ثقة ) (2) .

34 - شمس الدين محمّد بن طولون (ت: 953 هـ):

قال في ( الأئمة الاثنا عشر ): ( وهو أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم.

كان من سادات أهل البيت ولقّب بالصادق لصدقه في مقالته، وفضله

____________________

(1) صحاح الأخبار في نَسَب السادة الفاطميّة الأخيار: 44، الركابي المصوّرة على طبعة نخبة الأخبار في الهند.

(2) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال: 63، نشر مكتبة المطبوعات الإسلاميّة بحلب.


أشهر مِن أنْ يُذكر ) (1) .

35 - الفقيه أحمد بن حجر الهيتمي (ت: 974 هـ):

قال في ( الصواعق المحرقة ) في آخر كلامه عن الإمام الباقر ( عليه السلام ): ( وخلّف ستّة أولاد، أفضلهم وأكملهم جعفر الصادق، ومن ثمّ كان خليفته، ووصيّه، ونقل عنه الناس من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيتُه في جميع البلدان، وروى عنه الأئمّة الأكابر كيحيى بن سعيد، وابن جريج، ومالك، والسفيانَين، وأبي حنيفة، وشعبة، وأيّوب السختياني... ) (2) .

36 - الملاّ علي القاري (ت: 1014 هـ):

قال في ( شرح الشفا ): (جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن أبي طالب الهاشمي المدني المعروف بالصادق... متّفق على إمامته وجلالته وسيادته ) (3) .

37 - أحمد بن يوسف القرماني (ت: 1019 هـ):

قال في ( أخبار الدول ) عند ترجمته الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ): ( كان [ رضي الله عنه ] من بين أخوته خليفة أبيه ووصيّه، ونقل عنه من العلوم ما لم ينقل من غيره.

وكان رأساً في الحديث، روى عنه يحيى بن سعيد، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبو حنيفة، وشعبة، وأبو أيّوب السجستاني،

____________________

(1) الأئمّة الاثنا عشر: 85، منشورات الشريف الرضي.

(2) الصواعق المحرقة في الردّ على أهل البِدَع والزندقة: 305، دار الكتب العلميّة.

(3) شرح الشفا: 1 / 43 - 44، دار الكتب العلميّة.


وغيرهم. وُلِد بالمدينة سنة: ثمانين من الهجرة... )، إلى أن قال:

( ومناقبه كثيرة، تُوفّي في سنة: ثمان وأربعين ومئة وله من العمر ثمان وستّون سنة، وقيل: إنّه مات مسموماً في زمن المنصور. ودُفِنَ بالبقيع الذي فيه أبوه وجدّه وعمّ جدّه، فللّه درّه [ من قبرٍ ما أكرمه وأشرفه ] ) (1) .

38 - محمّد بن عبد الرؤوف المنّاوي القاهري (ت: 1031 هـ):

قال في ( الكواكب الدريّة ): ( جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب... كان إماماً نبيلاً... قال أبو حاتم: ( ثقة لا يُسأل عن مثله )، وله كرامات كبيرة ومكاشفات شهيرة:

منها: أنّه سُعي به عند المنصور، فلمّا حجّ أحضر الساعي وقال للساعي: أتحلف؟

قال: نعم، فحلف.

فقال جعفر للمنصور: حلّفهُ بما أراه.

فقال: حلِّفه؟

فقال: قل برئتُ مِن حول الله وقوّته والْتَجَأْتُ إلى حولي وقوّتي، لقد فعل جعفر كذا وكذا، فامتنع الرجل، ثمّ حلف، فَمَا تمّ حتّى مات مكانه.

ومنها: أنّ بعض الطغاة قتل مولاه فلم يزل ليلته يصلّي ثمّ دعا عليه عند السحر فسُمِعَت الضجّة بموته.

ومنها: أنّه لمّا بلغه قول الحكم بن عبّاس الكلبي في عمّه زيد:

صَلَبْنَا لَكُمْ زَيْدَاً عَلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ

وَلَمْ نَرَ مَهْدِيَّاً عَلَى الجِذْعِ يُصْلَبُ

قال: اللّهم سلّط عليه كلباً من كلابك، فافترسه الأسد... ) (2) .

____________________

(1) أخبار الدول وآثار الأول: 1 / 334 - 336، عالم الكتب، وقد أثبتنا الأقواس كما هي في النسخة التي اعتمدنا عليها، أمانةً للنقل.

(2) الكواكب الدريّة: 94، وورسة تجليد الأنوار، مصر.


39 - أحمد بن شهاب الدين الخفاجي (ت: 1069 هـ):

قال عن الإمام الصادق ( عليه السلام ): ( جعفر الصادق، أبو عبد الله بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، روى عنه كثيرون، كمالك والسفيانان وابن جريح وابن إسحاق، واتفقوا على إمامته وجلالته وسيادته، وُلِدَ سنة: 80 هـ، وتُوفّي سنة: 148 هـ قيل مسموماً، وثّقه في روايته: الشافعي، وابن معين، وأبو حاتم، والذهبي، وهو مِن فضلاء أهل البيت وعلمائهم ) (1) .

40 - الشيخ مؤمن بن حسن الشبلنجي (ت: بعد 1083 هـ):

قال في كتابه ( نور الأبصار ) تحت عنوان: فصل في ذكر مناقب سيّدنا جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم: (... ومناقبه كثيرة تكاد تفوت عدّ الحاسب، ويُحار في أنواعها فَهْم اليَقِظ الكاتب، روى عنه جماعة من أعيان الأئمّة وأعلامهم كيحيى بن سعيد، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبي حنيفة، وأيّوب السختياني، وغيرهم.

قال أبو حاتم جعفر: الصادق ثقة لا يُسأل عن مثله... وفي حياة الحيوان الكبرى، فائدة، قال ابن قتيبة في كتاب أدب الكاتب وكتاب الجفر كتبه الإمام جعفر الصادق بن محمّد الباقر رضي الله عنهما فيه كلّ ما يحتاجون علمه إلى يوم القيامة، وإلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعرّي بقوله:

لَقَد عَجِبُوا لآلِ البَيْتِ لَمّا

أَتَاهُم عِلْمُهُم فِي جِلْد جَفْرِ

____________________

(1) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر: 1 / 59، ونقله محمّد علي دخيل في ( أئمّتنا ): 1/485 عن ( شرح الشفا ): 1 / 124.


وَمِرْآةُ المُنَجِّمِ وَهِيَ صُغْرَى

تُرِيْهِ كُلَّ عَامِرَةٍ وَقَفْرِ

... وفي الفصول المهمّة: نقل بعض أهل العلم أنّ كتاب الجفر الذي بالمغرب يتوارثه بنو عبد المؤمن بن علي من كلام جعفر الصادق، وله فيه المنقبة السَّنيَّة، والدرجة التي في مقام الفضل عَلِيَّه، و ( كان ) جعفر الصادق رضي الله عنه مجاب الدعوة، إذا سأل الله شيئاً لا يتمّ قوله إلاّ وهو بين يديه... ) (1) .

41 - شهاب الدين أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمّد بن العماد الحنبلي (ت: 1089 هـ):

قال في كتابه ( شذرات الذهب ) في أحداث سنة: (148 هـ): ( وفيها تُوفِّي الإمام، سلالة النبوّة، أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين الهاشمي العلوي... وكان سيّد بني هاشم في زمانه، عاش ثمانياً وستّين سنة وأشهراً.

ووُلِدَ سنة: ثمانين بالمدينة، ودُفن بالبقيع في قبّة أبيه وجدّه وعمّ جدّه الحسن، وقد ألّف تلميذه جابر بن حيّان الصوفي كتاباً في ألف ورقة يتضمّن رسائله، وهي خمسمئة، وهو عند الإماميّة من الاثني عشر بزعمهم...

وقال في ( المغني ): جعفر بن محمّد بن علي ثقة... وقد وثّقه ابن معين وابن عدي... ) (2) .

42 - حسين بن محمّد الديار بكري (ت: 1111 هـ):

قال في ( تاريخ الخميس ): ( وفي سنة: ثمان وأربعين ومئة، تُوفّي سيّد بني

____________________

(1) نور الأبصار في مناقب آل النبيّ المختار: 160 - 161، دار الفكر، طبعة مصوّرة على طبعة القاهرة، 1948م.

(2) شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب: 1 / 362، دار الكتب العلميّة.


هاشم جعفر بن محمّد الصادق أبو عبد الله العلوي المدني ) (1) .

43 - محمّد بن عبد الباقي الزرقاني المالكي (ت: 1122 هـ):

قال في ( شرحه على موطّأ الإمام مالك ): ( جعفر بن محمّد، أبو عبد الله، فقيه صدوق إمام، مات سنة: ثمان وأربعين ومئة ) (2) .

44 - الشيخ عبد الله بن محمّد بن عامر الشبراوي الشافعي (ت: 1171هـ):

قال في كتابه ( الإتحاف بحبّ الأشراف ): ( السادس من الأئمّة جعفر الصادق، ذو المناقب الكثيرة والفضائل الشهيرة، روى عنه الحديث أئمّة كثيرون مثل: مالك بن أنس، وأبي حنيفة، ويحيى بن سعيد، وابن جريج، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وغيرهم رضي الله عنهم، وُلد رضي الله عنه بالمدينة المنوّرة سنة: ثمانين من الهجرة، وغررُ فضائله وشرفه على جبهات الأيّام كاملةٌ. وأندية المجد والعز بمفاخره ومآثره آهلة. وتُوفِّي رضي الله عنه سنة: ثمان وأربعين ومئة في شوّال، يٌقال إنّه مات بالسُمّ في أيّام المنصور، ودُفِنَ بالبقيع في القبّة التي دُفِنَ فيها أبوه وجدّه... ) (3) .

45 - محمّد أمين السويدي (ت: 1246 هـ):

قال في ( سبائك الذهب ): ( جعفر الصادق، كان من بين أخوته خليفة أبيه

____________________

(1) تاريخ الخميس: 2 / 325، دار صادر المصوّرة على الطبعة الوهبيّة بمصر لسنة: 1183 هـ.

(2) شرح الزرقاني على موطّأ الإمام مالك: 2 / 403، دار الكتب العلميّة.

(3) الإتحاف بحبّ الأشراف: 146 - 147، منشورات الرضي، الطبعة المصوّرة على النسخة المطبوعة بالمطبعة الأدبيّة بمصر.


ووصيّه، نُقل عنه من العلوم ما لم ينقل عن غيره، وكان إماماً في الحديث... ) (1) .

46 - خير الدين الزركلي (ت: 1396 هـ):

قال في كتابه ( الأعلام ): ( جعفر بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط، الهاشمي القرشي، أبو عبد الله، الملقّب بالصادق: سادس الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة.

كان من أجلاّء التابعين، وله منزلة رفيعة في العلم. أخذ عنه جماعة منهم الإمامان أبو حنيفة ومالك، ولقّب بالصادق؛ لأنّه لم يُعرف عنه الكذب قط، له أخبار مع الخلفاء من بني العبّاس وكان جريئاً عليهم صدّاعاً بالحقّ، له ( رسائل ) مجموعة في كتاب، ورد ذكرها في ( كشف الظنون )، يُقال إنّ جابر بن حيّان قام بجمعها. مولده ووفاته بالمدينة ) (2) .

47 - محمود بن وهيب البغدادي ( لم نعثر على سنة وفاته ):

قال في ( جوهرة الكلام ): ( جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وكنيته أبو عبد الله، وقيل أبو إسماعيل، وألقابه: الصادق، والفاضل، والطاهر، وأشهرها الأوّل، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمّة الكبار كيحيى، ومالك، وأبي حنيفة ) (3) .

____________________

(1) سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب: 74، المكتبة العلميّة.

(2) الأعلام: 2 / 126، دار العلم للملايين.

(3) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر: 1 / 59 عن ( جوهرة الكلام ): 59.


تنبيه

* قال ( أسد حيدر ) في كتابه ( الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ) حول نسبة الزجر والفال إلى الإمام الصادق عليه السلام:

( وهذا من الخطأ والاشتباه، وإنّما الإمام يستشف ما وراء الحجب باستقراء الحوادث السياسيّة، وينظر المستقبل بحكمته وصفاء بطنه، يخبر بالحوادث قبل وقوعها، وقد أخبر بأنّ الخلافة للسفّاح ومن بعده للمنصور وتبقى في أولاده من بعده، وأخبر بمقتل محمّد وإبراهيم على يد المنصور.

وكان معارضاً لبيعة محمّد في المؤتمر الذي عقده الهاشميّون من عباسيّين وعلويّين لبيعة محمّد بن عبد الله، وقال لعبد الله بن الحسن: لا تفعلوا فإنّ الأمر لم يأتِ بعد، فقال عبد الله: لقد عملتَ خلاف ما تقول، قال الصادق: لا، ولكن هذا وأبناؤه دونك، وضرب بيده على أبي العبّاس، ثمّ نهض فأتبعه عبد الصمد بن علي وأبو جعفر المنصور فقالا له: أتقول ذلك؟ قال: نعم، أقوله والله وأعلمه.

وليس في وسعنا بسط القول في علمهم ( عليهم السلام ) وانكشاف حقائق الأشياء لهم، فقد أخبروا بكثير من الحوادث قبل وقوعها، وقد صدر عن الصادق كثير من ذلك ممّا لا يتّسع المجال لذكره.

وأمّا نسبة الزجر والفال إليه فهو خطأ نشأ من اشتباه في الاسم وتقارب في الزمن، وذلك أنّ جعفر بن محمّد البلخي المعروف بأبي معشر الفلكي كان مشهوراً بالزجر والفال وأستاذ عصره في التنجيم، ونقل الناس أخباره وشاع ذكره.


قال ابن كثير: والظاهر أنّ الذي نَسب إلى جعفر بن محمّد الصادق مِن علم الفال، واختلاج الأعضاء، إنّما هو منسوب إلى جعفر بن أبي معشر، هذا وليس بالصادق وإنّما يغلطون (1) ) (2) .

* تلك كانت مجموعة من كلمات علماء أهل السنّة في مدح الإمام سلام الله عليه، وثمّة توثيقات للإمام من علماء آخرين لم نفرد لهم عناوين مستقلّة، نشير إليهم هنا إتماماً للفائدة، وهم:

1 - محمّد بن إدريس الشافعي (3) .

2 - النّسائي (4) .

3 - يحيى بن معين (5) .

4 - أبو زرعة (6) .

____________________

(1) نسبه أسد حيدر إلى البداية والنهاية: 11 / 51، لكنّ الذي عثرنا عليه يختلف قليلاً عمّا في المتن، فقد جاء في البداية والنهاية: 11 / 60، مؤسّسة التاريخ الإسلامي: والظاهر أنّ الذي نَسب إلى جعفر بن محمّد الصادق مِن علم الرجز والطرف واختلاج الأعضاء... الخ ) ولعلّ الرجز هنا اشتباهاً والأصحّ هو الزجر.

(2) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: 1 / 63 - 64، دار الكتاب العربي.

(3) نقل قوله الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ): 6 / 256 - 257، مؤسّسة الرسالة. وابن حجر في ( تهذيب التهذيب ): 2 / 69، دار الفكر، وغيرهما.

(4) نقل قوله ابن حجر في ( تهذيب التهذيب ): 2 / 69، دار الفكر.

(5) نقل قوله الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) 6 / 257، مؤسّسة الرسالة. وابن حجر في ( تهذيب التهذيب ): 2 / 69، دار الفكر.

(6) نقل قوله الرزاي في ( الجرح والتعديل ) 2 / 487، دار الفكر.


5 - ابن أبي خيثمة (1) .

فاتّضح - إذن - إجماع العلماء على جلالة قدره وعظم منزلته، ومَن يراجع، يجد مزيداً من الكلمات في مدْحه والثناء عليه.

____________________

(1) نقل قوله ابن حجر في ( تهذيب التهذيب ): 2 / 69، دار الفكر.



الفصل السادس

السابع من أئمّة أهل البيت

الكاظم

موسى بن جعفر عليه السلام



نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام

صَفَتْ نفسُه الطاهرة، وخلُصتْ سريرتُه، فكان أحد كواكب البيت النبوي يُضيء طريق الأجيال ويُنوِّر ظلمات الدنيا بعطائه السيّال... تألّق نجمُه في عنان السماء، وارتقى إلى مشارف العُلى، علماً وحلماً، شجاعة وسماحة، فضلاً وكرماً... مضافاً إلى انقطاعه التام إلى الله سبحانه وتعالى، فصار مهوىً للقلوب والأفئدة؛ ولذلك تسابقت الأقلام على مختلف انتماءاتها تُشيدُ بفضله وتذكر مناقبَه، وتبيّن علوَّ شأنه...

وقبل أنْ نغور في سرْد كلمات علماء أهل السنّة في مدحه والثناء عليه، نحاول أنْ نقدّم بين يدي القارئ الكريم إلمامة سريعة بحياة الإمام سلام الله عليه، فنقول:

-هو: الإمام موسى بن جعفر الصادق بن محمَّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ).

-أمّه: حميدة البربريّة، ويُقال لها: حميدة المُصفّاة (1) ، كانت من خيار النِّساء، وقد مدحها الإمام الصادق ( عليه السلام ) بكلمات تكشف عن عظمتها وسمُوّ قدرها، فقال: ( حميدة مُصَفّاة من الأدناس كسبيكة الذهب، ما زالتْ الأملاك تحرسها حتّى أُدّيَت إليّ كرامةً من الله لي والحُجّة من بعدي ) (2) .

____________________

(1) إعلام الورى للطبرسي: 2/ 6، مؤسّسة آل البيت.

(2) أُصول الكافي للكليني: 1/ 550، دار التعارف للمطبوعات.


-وُلِدَ ( عليه السلام ): بالأبواء (1) لسبعٍ خلوْن من صفر، سنة: ثمان وعشرين ومئة (2) .

-كنيته: أبو الحسن، وهو أبو الحسن الأوّل، وأبو إبراهيم، وأبو علي، ويُعرَف بالعبد الصالح، والكاظم ( عليه السلام ) (3) .

-تسلّم إمامة المسلمين: بعد وفاة أبيه الصادق ( عليه السلام ) في سنة: 148 هـ، وكان له من العمر عشرون سنة.

-عاصر في أيّام إمامته: أربعةً من الخلفاء العبّاسيين، وهم: أبو جعفر المنصور، ثُمّ ابنه محمّد المعروف بالمهدي، ثمّ ابنه موسى المعروف بالهادي، ثمّ أخوه هارون بن المهدي المُلقّب بالرشيد.

-عاش الإمام ( عليه السلام ): مدةً مديدةً من حياته في ظلمات السجون، فقد سجنه المهدي العبّاسي ثمّ أطلقه، ولمّا آلتْ النوبة إلى حكم هارون الرشيد عاد معتقِلاً الإمام، وآخذاً ينقله من سجن إلى سجن، حتّى استشهد ( عليه السلام ) في سجن السندي بن شاهك في بغداد.

-كانت شهادته ( عليه السلام ): في الخامس والعشرين من شهر رجب لسنة: مئة وثلاث وثمانين للهجرة (183 هـ) (4) .

-دُفن ( عليه السلام ): في المقبرة المعروفة بمقابر قريش (5) والمعروفة اليوم بالكاظميّة.

____________________

(1) الأبواء: بلدة بين مكّة والمدينة، فيها توفّيتْ ودُفنتْ آمنة بنت وهب أمّ الرسول الكريم.

(2) إعلام الورى للطبرسي: 2/ 6، مؤسّسة آل البيت.

(3) المصدر نفسه: 2/6.

(4) المصدر نفسه: 2/6.

(5) المصدر نفسه: 2/6.


الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السنّة

إليك قارئي الكريم جانباً من كلمات علماء وأعلام أهل السنّة وهي تشيد بمقام الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ):

1 - الإمام الشافعي (ت: 204 هـ):

قال في ( تحفة العالم ): ( قبر موسى الكاظم، الترياق المجرّب ) (1) . يريد إجابة الدعاء عنده.

2 - الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ):

علّق الإمام أحمد بن حنبل على سندٍ فيه الإمام علي الرضا عن أبيه موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمّد الباقر عن أبيه علي زين العابدين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عن الرسول الأكرم صلوات الله عليهم أجمعين قائلاً: ( لو قرأت هذا الإسناد على مجنون لبرئ من جُنَّته ) (2) .

3 - الحسن بن إبراهيم، أبو علي الخلال شيخ الحنابلة ( من علماء القرن الثالث الهجري ):

قال: ( ما همّني أمرٌ، فقصدتُ قبر موسى بن جعفر فتوسّلت به، إلاّ سهّلَ الله تعالى لي ما أُحِبُّ ) (3) .

____________________

(1) أئمّتنا لمحمّد علي دخيل: 2/ 65، عن ( تحفة العالم ): 2/22. ونقله أحمد زيني دحلان في ( الدرر السنيّة في الردّ على الوهابيّة ): 4/ 6، مكتبة إيشيق، إسلامبول.

(2) أورده ابن حجر الهيتمي في ( الصواعق المحرقة ): 310، دار الكتب العلميّة.

(3) نقل قوله الخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد ): 1/120، دار الكتب العلميّة. وابن الجوزي في ( المنتظم ): 9/ 89، دار الكتب العلميّة، بيروت.


4 - أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت: 250 هـ):

ذكر الإمام الكاظم ( عليه السلام ) في رسائله عند مدْحه لعشرة من الأئمّة في كلام واحد، عند ذكره الرد على ما فخرتْ به بنو أميّة على بني هاشم، فقال: ( ومَنِ الذي يُعَدُّ مِنْ قريش ما يَعُدّه الطالبيّون عَشَرة في نسق؛ كلّ واحد منهم: عالم، زاهد، ناسك، شجاع، جواد، طاهر، زاكٍ، فمنهم خلفاء، ومنهم مُرشّحون: ابن ابن... هكذا إلى عشرة، وهم الحسن [ العسكري ] بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي ‍‌( عليهم السلام )، وهذا لم يتّفق لبيت من بيوت العرب ولا من بُيوت العجم ) (1) .

5 - محمّد بن إدريس بن المنذر، أبو حاتم الرازي (ت: 277 هـ):

قال في حقّ الإمام أنّه: ( ثقةٌ صدوق، إمامٌ مِن أئمّة المسلمين ) (2) .

6 - الرازي ابن أبي حاتم (ت: 327 هـ):

قال: ( صدوقٌ إمام ) (3) كما نقل في كتابه ( الجرح والتعديل ) نص قول أبيه المتقدّم مقِرّاً به (4) .

7 - الخطيب البغدادي (ت: 463 هـ):

قال في ( تاريخ بغداد ): ( أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا الحسن بن

____________________

(1) رسائل الجاحظ: 106، جَمَعَهَا ونَشَرَهَا حسن السندوبي، المكتبة التجاريّة الكبرى، مصر.

(2) ذكر قوله ابنه الرازي في ( الجرح والتعديل ): 8/138، دار الفكر، والذهبي في ( سير أعلام النبلاء ): 6/280، مؤسّسة الرسالة، وابن حجر في ( تهذيب التهذيب ): 8/393، دار الفكر.

(3) ذكر قوله الذهبي في ( ميزان الاعتدال ): 4/ 201، دار الفكر.

(4) الجرح والتعديل: 8/ 139.


محمّد بن يحيى العلوي، حدّثني جدّي قال: كان موسى بن جعفر يُدعى العبد الصالح مِن عبادته واجتهاده، روى أصحابُنا أنّه دخل مسجد رسول الله فسجد سجدةً في أوّل الليل، وسُمع وهو يقول في سجوده: ( عظم الذنب عندي فليحسن العفو عندك، يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة )، فجعل يرددها حتّى أصبح، وكان سخيّاً كريماً، وكان يبْلغه عن الرجل أنّه يؤذيه، فيبعث إليه بصرّة فيها ألف دينار، وكان يصرّر الصرر ثلاثمئة دينار، وأربعمئة دينار ومئتي دينار، ثمّ يقسّمها بالمدينة، وكان مثل صرر موسى بن جعفر إذا جاءت الإنسان الصرّة فقد استغنى )، ثُمّ ذكر أخباراً في مدْحه والثناء عليه (1) .

8 - عبد الكريم بن محمّد السمعاني (ت: 562 هـ):

قال في ( الأنساب ): ( وهو موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب... ومشهده ببغداد مشهور يُزار... زُرْتُهُ غير مرّة مع ابنه محمّد بن الرضا علي بن موسى ) (2) .

9 - أبو الفرج عبد الرحمان بن الجوزي (ت: 597 هـ):

قال في كتابه ( صفة الصفوة ): ( كان يُدعى العبد الصالح؛ لأجل عبادته واجتهاده وقيامه بالليل، وكان كريماً حليماً، إذا بلغه عن رجل يؤذيه بعث إليه بمال )، ثمّ إنّه ذكر ابن الجوزي منقبة ظاهرةً من مناقبه وفضيلة رائعة من جميل فضائله، وهو ما جرى مع شقيق البلخي في طريقه إلى الحج، وما

____________________

(1) راجع: ( تاريخ بغداد ): 13/ 27، دار الكتب العلميّة.

(2) أنساب السمعاني: 5/405، مؤسّسة الكتب الثقافيّة.


شاهده من الإمام ( عليه السلام )، حيث إنّ الإمام نطق بما في نفسه مرّتين، كما أنّه شاهد كيف أنّ البئر قد ارتفع ماؤها بدعاء الإمام، وارتفعتْ على إثر ذلك ركوته التي سقطتْ مِن يده في أعماق البئر، ثمّ إنّ شقيقاً طلب من الإمام أنْ يطعمه فناوله الركوة فشرب منها وإذا سويق وسكّر ما شرب قط ألذّ منه ولا أطيب ريحاً منه، فشبع ورَوي، وأقام أيّاماً لا يشتهي طعاماً ولا شراباً... والقصّة مفصّلة في الكتاب المذكور، فَمَن شاء فليراجع (1) .

كما أنّ ابن الجوزي ترجم الإمام في كتابه ( المنتظم ) ومَدَحَهُ بكلمات تقرب من النص المتقدّم (2) .

10 - الفخر الرازي (ت: 604 هـ):

قال عند تفسيره لمعنى الكوثر: ( والقول الثالث الكوثر أولاده... فالمعنى أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مرّ الزمان، فانظر كم قُتل من أهل البيت ثُم العالَم ممتلئ منهم، ولم يبقَ من بني أميّة في الدنيا أحد يعبأ به، ثمّ انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر، والصادق، والكاظم، والرضا ( عليهم السلام )... ) (3) .

11 - ابن الأثير الجزري (ت: 630 هـ):

قال في كتابه ( الكامل في التاريخ ): ( وكان يلقّب بالكاظم؛ لأنّه كان يحسن إلى مَن يُسيء إليه، كان هذا عادته أبداً ) (4) .

____________________

(1) راجع: ( صفة الصفوة ): 2/184، ترجمة رقم: 191. دار المعرفة.

(2) انظر: ( المنتظم ): 9/ 87. دار الكتب العلميّة، بيروت.

(3) تفسير الفخر الرازي: مجلّد 16، ج32/ 125، دار الفكر.

(4) الكامل في التاريخ: 6/14، دار الفكر.


12 - العارف الشيخ محيي الدين محمّد بن علي المعروف بابن عربي (ت: 638 هـ):

قال في ( المناقب ) المطبوع بآخر ( وسيلة الخادم إلى المخدوم ) للشيخ فضل الله الأصبهاني (ص296): ( وعلى شجرة الطور، والكتاب المسطور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والسرّ المستور، والرقّ المنشور، والبَحر المَسْجُور، وآية النور، كليم أيمن الإمامة، منشأ الشرف والكرامة، نور مصباح الأرواح، جلاء زجاجة الأشباح، ماء التخمير الأربعيني، غاية معارج اليقيني، إكسير فلزات العرفاء، معيار نقود الأصفياء، مركز الأئمّة العلوية، محور فلك المصطفويّة، الآمر للصور والأشكال بقبول الاصطبار والانتقال، النور الأنور أبي إبراهيم، موسى بن جعفر، عليه صلوات الله الملك الأكبر ) (1) .

13 - محمّد بن طلحة الشافعي (ت: 652 هـ):

قال في كتابه ( مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ): ( هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكبير المجتهد الجادّ في الاجتهاد، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعات، المشهود له بالكرامات، يبيت الليل ساجداً وقائماً، ويقطع النهار متصدّقاً وصائماً، ولِفَرْطِ حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه دُعي كاظماً، كان يُجازي المسيء بإحسانه إليه، ويُقابل الجاني بعفْوه عنه، ولكثرة عبادته كان يُسمّى بالعبد الصالح، ويُعرف بالعراق باب الحوائج إلى الله لِنُجْحِ مطالب المتوسّلين إلى الله تعالى به، كرامته تُحار منها العقول، وتقضي بأنّ له عند الله تعالى قَدَم صدْق لا تَزَل ولا تزول... وأمّا مناقبه

____________________

(1) أورده السيّد المرعشي في ( شرح إحقاق الحقّ ): 28/570.


فكثيرة، ولو لم يكن منها إلاّ العناية الربّانيّة لكفاه ذلك منقبة، ثمّ ذكر بعض مناقبه ومنها قصّة شقيق البلخي المتقدّمة الذكر (1) .

14 - سبط ابن الجوزي (ت: 654 هـ):

قال في كتابه ( تذكرة الخواص ): ( وكان موسى جواداً حليماً، وإنّما سُمّي الكاظم؛ لأنّه كان إذا بلغه عن أحد شيء بعث إليه بمال )، وذكر بإسناده إلى شقيق البلخي القصّة المُشار إليها فيما سبق (2) .

15 - ابن أبي الحديد المعتزلي (ت: 655 هـ):

نقل ما تقدّم من كلام الجاحظ (3) ، مقرّاً له عليه بدلالة قوله في أوّل البحث: ( ونحن نذكر ما أجاب به أبو عثمان عن كلامهم ونضيف إليه من قبلنا أموراً لم يذكرها فنقول... ) (4) .

كما أنّه قال عن الإمام في نفس الفصل: ( ومِن رجالنا موسى بن جعفر بن محمّد - وهو العبد الصالح - جمع من الفقه والدين والنُسُك والحلم والصبر ) (5) .

16 - ابن الساعي (ت: 674 هـ):

قال في ( مختصر تاريخ الخلفاء ): ( أمّا الإمام الكاظم فهو صاحب الشأن

____________________

(1) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 2/120، مؤسّسة أمّ القرى.

(2) تذكرة الخواص: 312.

(3) شرح نهج البلاغة: 15 /278، دار الكتب العلميّة، طبعة مصوّرة على طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.

(4) المصدر نفسه: 270.

(5) المصدر نفسه: 291.


العظيم، والفخر الجسيم، كثير التهجّد، الجادّ في الاجتهاد، المشهود له بالكرامات، المشهور بالعبادات، المواظِب على الطاعات، يبيت الليل ساجداً وقائماً، ويقطع النهار متصدّقاً وصائماً، ولفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه كان كاظماً، يُجازي المسيء بإحسانه إليه، ويُقابل الجاني بعفوه عنه، ولكثرة عبادته يسمّى بالعبد الصالح، ويُعرف بالعراق بباب الحوائج إلى الله لِنُجْحِ المتوسّلين إلى الله تعالى به، كراماته تُحار منها العقول، وتقضي بأنّ له قَدَم صدق عند الله لا تزول ) (1) .

17 - ابن خلّكان (ت: 681 هـ):

قال في كتابه ( وفيات الأعيان ): [ هو ] ( أحد الأئمّة الاثني عشر، رضي الله عنهم أجمعين )، ثمّ نقل ما تقدّم ذكره من قول الخطيب البغدادي من دون تعليق عليه (2) .

18 - أبو الحجّاج يوسف المِزِيّ (ت: 742 هـ):

ذكر في كتابه ( تهذيب الكمال ) نصَّ قول أبي حاتم المتقدّم، كما أنّه اقتصر على ذكر أخبار عديدة في مدح الإمام والثناء عليه (3) .

19 - شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: 748):

قال في ( سير أعلام النبلاء ): ( الإمام، القدوة، السيّد أبو الحسن العلوي، والد الإمام علي بن موسى الرضا، مدنيّ، نزل بغداد ).

____________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر لباقر شريف القرشي: 1/166 عن ( مختصر أخبار الخلفاء ): 39.

(2) انظر: ( وفيات الأعيان ): 4/503. دار الكتب العلميّة.

(3) تهذيب الكمال: 29/43 وما بعدها، مؤسّسة الرسالة.


وقال في ( العبر ): (وكان صالحاً عابداً جواداً حليماً كبير القدر).

وقد نقل في هذَين الكتابَين قول أبي حاتم المتقدّم في أنّ الإمام: ( ثقة صدوق إمام من أئمّة المسلمين ) من دون أي تعليق عليه (1) .

وقد ترجم له أيضاً في ( تاريخ الإسلام )، وقال عنه: ( وكان صالحاً، عالماً عابداً، متألّهاً... ) (2) .

20 - اليافعي اليمني المكّي (ت: 768 هـ):

قال في كتابه ( مرآة الجنان ): ( وفيها [ أي سنة: 183 هـ ] تُوفّي السيّد أبو الحسن موسى الكاظم وَلَدُ جعفر الصادق، كان صالحاً عابداً جواداً حليماً كبير القدر، وهو أحد الأئمّة الاثني عشر على اعتقاد الإماميّة، وكان يُدعى بالعبد الصالح من عبادته واجتهاده، وكان سخيّاً كريماً. كان يبلغه عن الرجل أنّه يؤذيه فيبعث إليه بصُرّة فيها ألف دينار... ) (3) .

21 - أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت: 774 هـ):

قال في ( البداية والنهاية ): ( وكان كثير العبادة والمروءة، إذا بلغه عن أحد أنّه يؤذيه أرسل إليه بالذهب والتّحف... وأَهدى له - مرّة - عبدٌ عصيدةً فاشتراه واشترى المزرعة التي هو فيها بألف دينار وأعتقه ووهب المزرعة له... ) (4) .

22 - محمّد خواجة البخاري (ت: 822 هـ):

____________________

(1) راجع: ( سير أعلام النبلاء ): 6/270، مؤسّسة الرسالة. و ( ميزان الاعتدال ): 4/ 201، دار الفكر. و ( العبر ): 1/222. دار الكتب العلميّة.

(2) تاريخ الإسلام: حوادث وفيات (181 - 190 هـ)، ص417، دار الكتاب العربي.

(3) مرآة الجنان: 1/ 305، أحداث سنة: 183 هـ، دار الكتب العلميّة.

(4) البداية والنهاية: 10/ 197، أحداث سنة: 183 هـ، مؤسّسة التاريخ العربي.


قال في كتابه ( فصل الخطاب ): ( ومِن أئمّة أهل البيت أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق - رضي الله عنهما -... وكان - رضي الله عنه - صالحاً عابداً جواداً حليماً كبير القدر كثير العلم كان يُدعى بالعبد الصالح، وفي كلّ يوم يسجد لله سجدةً طويلة بعد ارتفاع الشمس إلى الزوال... ) (1) .

23 - ابن حجر العسقلاني (ت: 852 هـ):

نقل في كتابه ( تهذيب التهذيب ) نصّ قول أبي حاتم المتقدّم، كما ذكر قول يحيى بن الحسن بن جعفر النسّابة: ( كان موسى بن جعفر يُدعى العبد الصالح؛ من عبادته واجتهاده ).

وبعد أنْ نقل تاريخ وفاته قال: ( ومناقبه كثيرة ) (2) .

24 - ابن الصبّاغ المالكي (ت: 855):

نقل في كتابه ( الفصول المهمّة ) قول بعض أهل العلم قائلاً: ( قال بعض أهل العلم: الكاظم هو الإمام الكبير القدر، والأوحد الحجّة الحَبْر، الساهر ليله قائماً، القاطع نهاره صائماً، المُسمّى لفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين كاظماً، وهو المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج إلى الله وذلك لِنُجْحِ قضاء حوائج المسلمين ) (3) .

وقال في موضع آخر: ( وأمّا مناقبه وكراماته الظاهرة وفضائله وصفاته الباهرة فتشهد له بأنّه قبّة الشرف وعلاها وسما إلى أَوْج المزايا، فبلغ أعلاها، وذُلِّلت له كواهل السيادة وامتطاها، وحكم في غنائم

____________________

(1) ذكر قوله القندوزي الحنفي في ( ينابيع المودّة ) ص459، منشورات الشريف الرضي.

(2) تهذيب التهذيب: 8/ 393، دار الفكر.

(3) الفصول المهمّة: 221، دار الأضواء.


المجد فاختار صفاياها فاصطفاها... ) (1) .

25 - جمال الدين يوسف بن تغري بردي الأتابكي (ت: 874 هـ):

قال في كتابه ( النجوم الزاهرة ): ( وفيها [ سنة: 183 ] تُوفّي موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن السيّد الحسين بن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنهم أجمعين ). كان موسى المذكور يدعى بالعبد الصالح؛ لعبادته، وبالكاظم؛ لعلمه (2) ، وُلد بالمدينة سنة: ثمان أو تسع وعشرين ومئة، وكان سيّداً عالماً فاضلاً سَنِيّاً جواداً، ممدوحاً مُجاب الدعوة ) (3) .

26 - أحمد بن عبد الله الخزرجي (ت بعد 923 هـ):

نقل في كتابه ( خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ) نصّ قول أبي حاتم المتقدّم من دون أي تعليق عليه، ممّا يدلّ على قبوله وإمضائه له (4) .

27 - عبد الوهاب الشعراني (ت: 973 هـ):

قال في ( طبقاته ): ( أحد الأئمّة الاثني عشر، وهو ابن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين... كان يُكنّى بـ ( العبد الصالح )؛ لكثرة عبادته واجتهاده وقيامه بالليل، وكان إذا بلغه عن أحد يؤذيه يبعث إليه بمال ) (5) .

____________________

(1) المصدر نفسه: 222.

(2) هكذا في المطبوع، ولعلّ الصحيح ( لحلمه ).

(3) النجوم الزاهرة: 2/112 نشر المؤسسة المصريّة العامّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر.

(4) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال: 3/63 مكتبة القاهرة.

(5) طبقات الشعراني الكبرى: 1/55، دار الفكر.


28 - ابن حجر الهيتمي (ت: 974 هـ):

قال في ( الصواعق المُحرقة ): ( موسى الكاظم: وهو وارثه [ أي جعفر الصادق ] علماً ومعرفة وكمالاً وفضلاً، سُمّيَ الكاظم؛ لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم... ومِن بديع كراماته: ما حكاه ابن الجوزي والرامهرمزي وغيرهما عن شقيق البلخي... ) (1) .

29 - أحمد بن يوسف القرماني (ت: 1019 هـ):

قال في كتابه ( أخبار الدول ): ( هو الإمام الكبير القدر، الأوحد، الحجّة، الساهر ليله قائماً، القاطع نهاره صائماً، المُسمّى لِفَرْطِ حِلْمه وتجاوزه عن المعتدين كاظماً، وهو المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج؛ لأنّه ما خاب المتوسّل به في قضاء حاجة قط... وكان له كرامات ظاهرة ومناقب باهرة، اقترع قمّة الشرف وعلاها، رسماً إلى أوج المزايا (2) فبلغ عُلاها، فمِن ذلك ما ذكره ابن الجوزي في كتابه ( مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن ) عن شقيق البلخي قال:... ) وذكر قصّة شقيق التي تقدّمت الإشارة إليها (3) .

30 - ابن العماد الحنبلي (ت: 1089 هـ):

قال في ( شذرات الذهب ): ( وفيها [ سنة: 183 هـ تُوفّي ] السيّد الجليل أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ووالد علي بن موسى الرضا. وُلد

____________________

(1) الصواعق المحرقة: 307 - 308 دار الكتب العلميّة.

(2) كذا في المطبوع، ولعلّ الصحيح: ( افترع قمّة الشرف وعلاها، وسما إلى أوج المزايا ).

(3) أخبار الدول: 1/337. عالم الكتاب.


سنة: ثمان وعشرين ومئة. رَوى عن أبيه، قال أبو حاتم: ثقة إمام من أئمّة المسلمين، وقال غيره: كان صالحاً عابداً، جواداً حليماً، كبير القدر. بلغه عن رَجُل الأذى له فبعث إليه بألف دينار... ) (1) .

31 - عبد الله الشبراوي (ت: 1171 هـ):

قال في ( الإتحاف بحبّ الأشراف ): ( كان من العظماء الأسخياء، وكان والده جعفر يحبّه حبّاً شديداً... )، ثمّ تحدّث عن الإمام ونقل بعض كلامه (2) .

32 - الحسن بن عبد الله البخشي (ت: 1190 هـ):

قال في كتابه ( النور الجلي في نسب النبي ): (وهو الإمام الكبير القدر، والكثير الخير، كان - رضي الله عنه - يسهر ليله ويصوم نهاره، وسمّي كاظماً؛ لفرط تجاوزه عن المعتدين، وهو المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج؛ لأنّه ما خاب المتوسّل به في قضاء حاجته قط، وكانت له كرامات ظاهرة ومناقب باهرة، تسنّم ذروة الشرف، وعلاها وسما أوج المزايا فبلغ أعلاها... ) (3) .

33 - الشيخ محمّد بن علي الصبان (ت: 1206 هـ):

قال في كتابه ( إسعاف الراغبين ): ( أمّا موسى الكاظم فكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان من أعبد أهل زمانه ومن أكابر

____________________

(1) شذرات الذهب: 1/ 486. دار الكتب العلميّة.

(2) الإتحاف بحبّ الأشراف: 148، منشورات الشريف الرضي، النسخة المصوّرة على النسخة المطبوعة بالمطبعة الأدبيّة بمصر.

(3) حياة الإمام موسى بن جعفر للشيخ القرشي: 1/ 167 عن ( النور الجلي ): 97.


العلماء الأسخياء... ولقّب بالكاظم؛ لكثرة تجاوزه وحلمه ) (1) .

34 - محمّد أمين السويدي (ت: 1246 هـ):

قال في كتابه ( سبائك الذهب ): ( موسى الكاظم: هو الإمام الكبير القدر الكثير الخير، كان يقوم ليله ويصوم نهاره، وسمّي الكاظم؛ لفرط تجاوزه عن المعتدين ) (2) .

35 - الشيخ مؤمن الشبلنجي (ت: بعد 1308 هـ):

قال في ( كتابه نور الأبصار ) تحت عنوان فصل في ذكر مناقب سيّدنا موسى الكاظم...: ( قال بعض أهل العلم: الكاظم هو الإمام الكبير القدر، الأوحد، الحجّة، الحَبْر، الساهر ليله قائماً، القاطع نهاره صائماً، المسمّى لفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين كاظماً، وهو المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج إلى الله؛ وذلك لِنُجْحِ قضاء حوائج المتوسّلين به. ( ومناقبه ) رضي الله عنه كثيرة شهيرة... ) (3) .

36 - يوسف بن إسماعيل النبهاني (ت: 1350 هـ):

قال في كتابه ( جامع كرامات الأولياء ): ( موسى الكاظم أحد أعيان أكابر الأئمّة من ساداتنا آل البيت الكرام، هداة الإسلام رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا ببركاتهم، وأماتنا على حبّهم وحبّ جدّهم الأعظم صلّى الله عليه

____________________

(1) إسعاف الراغبين المطبوع بهامش ( نور الأبصار ): 246، دار الفكر الطبعة المصوّرة على الطبعة المصريّة المطبوعة سنة: 1948م.

(2) سبائك الذهب: 75، المكتبة العلميّة.

(3) نور الأبصار: 164، طبعة دار الفكر المصوّرة على الطبعة المصريّة لسنة: 1948م.


وسلم ) (1) .

37 - علي جلال الحسيني المصري (ت: 1351 هـ):

قال: ( جمع من الفقه والدين والنسك والحلم والصبر، مالا مزيد عليه... ) (2) .

38 - الدكتور زكي مبارك (ت: 1371 هـ):

قال في ( شرح زهر الآداب ): ( كان موسى بن جعفر سيّداً من سادات بني هاشم وإماماً مقدّماً في العلم والدين ) (3) .

39 - السيّد علي فكري (ت: 1372 هـ):

قال في ( أحسن القصص ): ( قال بعض أهل العلم: الكاظم هو الإمام الكبير القدر، الأوحد، الحجّة، الحَبْر، جمع من الفقه والدين بما لا مزيد عليه... ) (4) .

40 - خير الدين الزركلي (ت: 1396 هـ):

قال في كتابه ( الأعلام ): ( كان من سادات بني هاشم، ومِن أعبد أهل زمانه، وأحد كبار العلماء الأجواد ) (5) .

41 - محمود بن وهيب القراغولي الحنفي:

قال في ( جوهرة الكلام ): ( هو الوارث لأبيه - رضي الله عنهما - علماً ومعرفة وكمالاً وفضلاً، سمّي بـ ( الكاظم )؛ لكظمه الغيظ وكثرة تجاوزه وحلمه. وكان

____________________

(1) جامع كرامات الأولياء: 2/ 495. دار الفكر، 1992م.

(2) أئمّتنا لمحمّد علي دخيل: 2/ 69 عن ( الحسين ): 2/ 207.

(3) أئمّتنا لمحمّد علي دخيل: 69 عن ( شرح زهر الآداب ): 1/ 132.

(4) حياة الإمام موسى بن جعفر: 1/168 عن ( أحسن القصص ): 4/293.

(5) الأعلام: 7/321، دار العلم للملايين.


معروفاً عند أهل العراق بـ ( باب قضاء الحوائج عند الله )، وكان أعبد أهل زمانه، وأعلمهم وأسخاهم... ) (1) .

42 - عبد السلام الترمانيني:

قال في ( أحداث التاريخ الإسلامي بترتيب السنين ): ( هو موسى بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن سادس الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة. كان يلقّب بالكاظم؛ لأنّه كان يحسن لِمَن أساء إليه... وكان من سادات بني هاشم، ومِن أعبد أهل زمانه، وأحد كبار العلماء الأجواد... ) (2) .

43 - عارف أحمد عبد الغني ( معاصر ):

قال في كتابه ( الجوهر الشفاف في أنساب السادة الأشراف ) عند ذكره للإمام الكاظم ( عليه السلام ): ( كان أسود اللون، عظيم الفضل، رابط الجأش، واسع العطاء.

لقّب بالكاظم؛ لكظمه الغيظ وحلمه، وكان يخرج في الليل وفي كُمّه صُرَر من الدراهم، فيُعطي لمَن لَقِيَهُ، ومَن أراد برّه، وكان يُضرب المثل بصرّة موسى، وكان أهله يقولون: عجباً لمن جاءته صرّة موسى فشكا القلة... ) (3) .

هذا وقد أجمع أهل هذا الفن على جلالة الإمام موسى بن جعفر وعظم منزلته، نكتفي بما تقدّم من كلماتهم؛ توخّياً للاختصار ومنعاً للإطالة.

____________________

(1) أئمّتنا: 2/68 عن ( جوهرة الكلام ): 139.

(2) أحداث التاريخ الإسلامي بترتيب السنين: ج1، مجلّد2، ص1070. أحداث سنة: 183 هـ.

(3) الجوهر الشفاف في أنساب السادة الأشراف: 1/41، دار كتاب للطباعة والنشر.



الفصل السابع

الثامن من أئمّة أهل البيت

الرضا

علي بن موسى عليه السلام



نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام

نشأ في بيت الرسالة، وارتضع من معين الوحي، وتربّى في أحضان الإمامة، فكان قمّةً شامخة، لا يُقاس به عظيمٌ ولا يرقى إليه راقٍ.

صار مدرسة تفيض على الوجود بأنواع العطاء، وتغذّي البشريّة ألواناً من القِيَم والفضائل والمكارم.

استطاع بحكمته البالغة وبفضل عناية الباري سبحانه وتعالى أنْ يحطّم كلّ آمال المأمون العبّاسي التي أراد تحقيقها من خلال مسرحيّة ولاية العهد، فحوّل سنة: (201هـ) - وهي سنة ولاية العهد - إلى سنة ازدهار للتشيّع والفكر الشيعي، فبيّن أسُسه ومبانيه وأصوله وحقيقته، كما أنّه ذاد عن الإسلام المحمّدي الأصيل ( فكان لا يكلّمه خصْم من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين والدهريّة، ولا خصْم من فِرَق المسلمين المخالفين له إلاّ قَطَعَهُ وألْزَمَه الحجّة )، فذاع صِيْته وانتشر خبرُه، ودانت له العلماء، وأخذتْ الناس تقول: ( والله، إنّه أولى بالخلافة من المأمون ).

فخلُد في ذاكرة التاريخ، وأبتْ الصحف إلاّ أنْ تسطّر في طيّاتها ثناءً ومدْحاً لتلك الشخصيّة الخالدة، وقبل أنْ نُقدّم للقارئ الكريم كلمات علماء أهل السنّة في مدْح الإمام ( عليه السلام )، نضع بين يديه إلمامة سريعة بحياة الإمام ( عليه السلام ):

-هو: علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام ).


-كانت لأمّه أسماء عديدة منها: نجمة، و أروى، و تكتم... (1) . وتُكنّى بأمّ البنين (2) ، وكانت أفضل النساء في عقلها ودينها، وكانت - على ما في بعض الروايات - مُلْكاً لحميدة أمّ الإمام موسى بن جعفر، وورد أنّها كانت تعظّم مولاتها حميدة حتّى أنّها ما جلست بين يديها قط إجلالاً لها، وجاء في الخبر أيضاً أنّ حميدة قالتْ لابنها موسى ( عليه السلام ): يابُنَي! إنّ تكتم جارية ما رأيتُ جاريةً قط أفضل منها ولستُ أشكّ أنّ الله تعالى سيُظهر نسلها إنْ كان لها نسل، وقد وهبتُها لك فاستوصِ خيراً بها، فلمّا ولدتْ له الرضا ( عليه السلام ) سمّاها الطاهرة... (3) .

-وُلِدَ (عليه السلام ): في المدينة المنوّرة، يوم الخميس، حادي عشر ذي القعدة، سنة: ثمان وأربعين ومئة (11/ ذو القعدة/ 148هـ) (4) .

-كان يُكنّى ( عليه السلام ) : بأبي الحسن.

-ويلقب بألقاب عديدة (5) ،أشهرها: الرضا.

-تسلّم إمامة المسلمين: بعد شهادة أبيه الكاظم ( عليه السلام ) سنة: (183هـ)، وكان له من العمر خمس وثلاثون سنة.

-كانت مدّة إمامته: عشرين سنة، عاصر خلالها ثلاثة من حكّام بني العبّاس

____________________

(1) انظر: ( عيون أخبار الرضا ) للشيخ الصدوق: ج1، ب2، رقم: 3، ص26، منشورات الشريف الرضي.

(2) انظر: ( الإرشاد ) للشيخ المفيد: 2/ 245، مؤسّسة آل البيت، و ( إعلام الورى ) للشيخ الطبرسي: 2/ 40، مؤسّسة آل البيت.

(3) انظر: ( عيون أخبار الرضا ) للشيخ الصدزق: ج1، ب2، رقم 2، ص24.

(4) البحار: 49/ 9، رقم 16، 17، 18.

(5) كالصابر، والرضي، والوفي وغيرها.


وهم: هارون الرشيد، وولداه الأمين والمأمون الذي استشهد الإمام في حكومته.

-أُجبر على قبول ولاية العهد: من قِبَل المأمون العبّاسي في سنة: 201هـ (1) . ولذلك أُرغم على ترك مدينة جدّه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) والتوجّه إلى ( مرو ) عاصمة الدولة العبّاسيّة آنذاك في سنة: (200هـ) (2) .

-اسْتُشهد ( عليه السلام ): في طوس، في آخر صفر لسنة: (203هـ) (3) .

-دُفن ( عليه السلام ): في دار حُميد بن قحطبة في قرية يُقال لها: ( سناباد ) في أرض طوس، في نفس الموضع الذي دُفن فيه هارون الرشيد، وقبر أبي الحسن ( عليه السلام ) بين يديه في قبلته (4) .

____________________

(1) كشف الغمّة للأربلي: 2/ 853، منشورات الشريف الرضي.

(2) عيون أخبار الرضا للصدوق: ج2، ب40، ح19. ص158 - 159.

(3) إعلام الورى للطبرسي: 2/ 41 و86، مؤسّسة آل البيت.

(4) الإرشاد للمفيد: 2/ 271، مؤسّسة آل البيت.


الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السنّة

إليك - قارئي العزيز - جانباً من كلمات علماء وأعلام أهل السنّة والجماعة وهي تشيد بفضل الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) وتبين جلالة قدره وسموّ منزلته:

1 - محمّد بن عمر الواقدي (ت: 207 هـ):

قال: ( سمع علي الحديث من أبيه وعمومته وغيرهم، وكان ثقة يفتي بمسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو ابن نَيّف وعشرين سنة، وهو من الطبقة الثامنة من التابعين من أهل المدينة ) (1) .

2 - الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ):

علّق الإمام أحمد بن حنبل على سندٍ فيه الإمام علي الرضا عن أبيه موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمّد الباقر عن أبيه علي زين العابدين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عن الرسول الأكرم صلوات الله عليهم أجمعين، قائلاً: ( لو قرأت هذا الإسناد على مجنون لبرئ من جُنَّتِهِ ) (2) .

3 - أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت: 250 هـ):

ذكر الإمام الرضا ( عليه السلام ) في ( رسائله ) عند مدحه لعشرة من الأئمّة في كلام واحد عند ذكره الردّ على ما فخرتْ به بنو أميّة على بني هاشم، فقال: ( ومنِ الذي يُعَدُّ مِنْ قريش ما يَعُدُّه الطالبيّون عَشَرة في نسق؛ كلّ واحد منهم: عالم،

____________________

(1) نقل كلامه سبط ابن الجوزي في ( تذكرة الخواص): 315، مؤسّسة أهل البيت، بيروت.

(2) أورده ابن حجر الهيتمي في ( الصواعق المحرقة ): 310، دار الكتب العلميّة.


زاهد، ناسك، شجاع، جواد، طاهر، زاكٍ، فمنهم خلفاء، ومنهم مُرشّحون: ابن ابن ابن ابن، هكذا إلى عشرة، وهم الحسن [ العسكري ] بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي ( عليهم السلام )، وهذا لم يتّفق لبيت من بيوت العرب ولا من بُيوت العجم ) (1) .

4 - ابن حِبّان (ت: 354 هـ):

قال في كتابه ( الثقات ): ( وهو علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن، من سادات أهل البيت وعقلائهم وجلّة الهاشميّين ونبلائهم... ومات علي بن موسى الرضا بطوس من شربة سقاه إيّاها المأمون، فمات من ساعته... وقبره بسناباذ خارج النوقان مشهور، يُزار بجنب قبر الرشيد، قد زرتُه مراراً كثيرة، وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس فزرتُ قبر علي بن موسى الرضا - صلوات الله على جدّه وعليه - ودعوتُ الله إزالتها عنّي إلاّ استُجيب لي وزالتْ عنّي تلك الشدّة، وهذا شيء جرّبته مراراً فوجدتُه كذلك، أماتنا الله على محبّة المصطفى وأهل بيته صلّى الله عليه وعليهم أجمعين ) (2) .

5 - الحاكم النيسابوري (ت: 405 هـ):

قال في ( تاريخه ): (كان يُفتي في مسجد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وهو ابن نَيّف وعشرين سنة. روى عنه من أئمّة الحديث: آدم بن أبي إياس، ونصر بن علي

____________________

(1) رسائل الجاحظ: 106 جمعها ونشرها حسن السندوبي، المكتبة التجاريّة الكبرى، مصر.

(2) الثقات: 8/ 456 - 457، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانيّة بحيدر آباد الدكن، الهند، الناشر: مؤسّسة الكتب الثقافيّة.


الجهضمي، ومحمّد بن رافع القشيري وغيرهم... ) (1) .

6 - الحافظ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمان بن الجوزي (ت: 597هـ):

قال في ( المنتظم ): ( علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب... سمع أباه وعمومته وكان يُفتي في مسجد رسول الله وهو ابن نَيّف [ وعشرين ] سنة، وكان المأمون قد أمر بإشخاصه من المدينة، فلمّا قَدِمَ ( نيسابور ) خرج وهو على بَغْلَة شهباء، فخرج علماء البلد في طلبه مثل: يحيى بن يحيى، وإسحاق بن [ راهويه ]، ومحمّد بن رافع، وأحمد بن حرب، وغيرهم... ) (2) .

7 - عبد الكريم بن محمّد السمعاني (ت: 562 هـ):

قال في ( الأنساب ): ( والرضا كان مِن أهل العلم والفضل مع شرف النسب... ) (3) .

8 - الفخر الرازي (ت: 604 هـ):

قال عند تفسيره لمعنى الكوثر: ( والقول الثالث الكوثر أولاده... فالمعنى أنّه يُعطيه نسلاً يبقون على مرّ الزمان، فانظر كم قُتل من أهل البيت ثمّ العالَم ممتلئ منهم، ولم يبقَ من بني أميّة في الدنيا أحد يعبأ به، ثمّ انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر، والصادق، والكاظم، والرضا ( عليهم السلام ).. ) (4) .

____________________

(1) نقل قوله ابن حجر في ( تهذيب التهذيب ): 5/ 746.

(2) المنتظم: 10/ 120، نشر دار الكتب العلميّة، سنة النشر: 1412هـ - 1992م.

(3) الأنساب: 3/ 74، مؤسّسة الكتب الثقافيّة.

(4) تفسير الفخر الرازي: مجلّد16، ج32، ص125، دار الفكر.


9 - عبد الكريم بن محمّد الرافعي القزويني (ت: 623 هـ):

قال في كتابه ( التدوين ): ( علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو الحسن الرضا، من أئمّة أهل البيت وأعاظم ساداتهم. وأكابرهم... ) (1) .

10 - العلاّمة العارف الشيخ محيي الدين ابن عربي (ت: 638 هـ):

قال في كتابه ( المناقب ) المطبوع في آخر ( وسيلة الخادم إلى المخدوم ) للشيخ فضل الله بن روزبهان الأصفهاني: ( وعلى السرّ الإلهي والرائي للحقائق كما هو النور اللاهوتي، والإنسان الجبروتي، والأصل الملكوتي، والعالم الناسوتي، مصداق معلم المطلق، والشاهد الغيبي المحقَّق، روح الأرواح وحياة الأشباح، هندسة الموجود الطيّار في منشآت الوجود، كهف النفوس القدسيّة، غوث الأقطاب الأنسيّة، الحجّة القاطعة الربّانيّة، محقّق الحقائق الإمكانيّة، أزل الأبديّات وأبد الأزليّات، الكنز الغيبي والكتاب اللاريبي، قرآن المجملات الأحديّة وفرقان المفصلات الواحديّة، إمام الورى، بدر الدُجَى، أبي محمّد علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) ) (2) .

11 - ابن النجار (ت: 643 هـ):

قال في ( ذيل تاريخ بغداد ): ( وكان من العلم والدين بمكان، كان يُفتي في مسجد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وهو ابن نَيِّف وعشرين سنة ) (3) .

____________________

(1) التدوين في أخبار قزوين: 3/ 269.

(2) شرح إحقاق الحقّ للسيّد المرعشي: 28/657، عن ( المناقب ): 96، ط: قم.

(3) ذيل تاريخ بغداد: 4 /135. دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ.


12 - محمّد بن طلحة الشافعي (ت: 652 هـ):

قال في ( مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ): ( قد تقدّم القول في أمير المؤمنين علي، وفي زين العابدين علي، وجاء هذا علي الرضا ثالثهما، ومَن أمعن النظر والفكرة وجده في الحقيقة وارثهما، فيحكم كونه ثالث العَلِيِّيْن، نما إيمانه وعلا شأنه، وارتفع مكانه، واتّسع إمكانه، وكثر أعوانه، وظهر برهانه، حتّى أحلّه الخليفة المأمون محلّ مهجته... وصفاته سنيّة، ومكارمه حاتميّة، وشنشنته أخزميّة، وأخلاقه عربيّة، ونفسه الشريفة هاشميّة، وأرومته الكريمة نبويّة، فمهما عدّ من مزاياه كان أعظم منه، ومهما فصّل من مناقبه كان أعلى رتبة منه ) (1) .

13 - سبط ابن الجوزي (ت: 654 هـ):

قال في( تذكرة الخواص ): ( كان من الفضلاء الأتقياء الأجواد، وفيه يقول أبو نؤاس:

قيل لي أنتَ أَوْحَدُ الناسِ طُرّاً

في كلامٍ مِن المَقَال بَدِيْهِ

لَكَ فِي جَوْهَرِ الكَلاَمِ فُنُوْنٌ

يَنْثُرُ الدُرَّ فِي يَدَي مُجْتَنِيْهِ

فَعَلَى مَا تَرَكَتَ مَدْحَ ابْنَ مُوْسَى

وَالخِصَال الّتِي تَجَمَّعْنَ فِيْهِ

قُلْتُ لاَ أَهْتَدِي لِمَدْحِ إِمَامٍ

كَانَ جِبْرَائِيْل خَادِمَاً لأَبِيْهِ (2) ..

14 - ابن أبي الحديد المعتزلي (ت: 655 هـ):

نقل ما تقدّم من كلام الجاحظ عند مدْحه لعشرة من أئمّة أهل البيت (3)،

____________________

(1) مطالب السؤول: 2/ 128.

(2) تذكرة الخواص: 321، مؤسّسة أهل البيت، بيروت.

(3) نقله في (شرح نهج البلاغة): 15/ 278.


مقرّاً له عليه بدلالة قوله في أوّل البحث: ( ونحن نذكر ما أجاب به أبو عثمان عن كلامهم ونضيف إليه من قبلنا أموراً لم يذكرها فنقول... ) (1) .

كما أنّه قال عن الإمام في نفس الفصل: ( ومن رجالنا موسى بن جعفر بن محمّد - وهو العبد الصالح - جمع من الفقه والدين والنسك والحلم والصبر. وابنه علي بن موسى المرشح للخلافة والمخطوب له بالعهد كان أعلم الناس وأسخى الناس وأكرم الناس أخلاق ) (2) .

15 - ابن خِلّكان (ت: 681 هـ):

قال في ( وفيات الأعيان ): ( وهو أحد الأئمّة الاثني عشر على اعتقاد الإماميّة، وكان المأمون قد زوّجه ابنته أمّ حبيب في سنة: اثنتين ومئتين، وجعله وليَّ عَهْدِهِ، وضرب اسمه على الدنانير والدراهم، وكان السبب في ذلك أنّه استحضر أولاد العبّاس الرجال منهم والنساء، وهو بمدينة مرْو من بلاد خراسان، وكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفاً ما بين الكبار والصغار، واستدعى عليّاً المذكور، فأنزله أحسن منزله، وجمع خواصّ الأولياء وأخبرهم أنّه نظر في أولاد العبّاس وأولاد علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، فلم يجد في وقته أحداً أفضل ولا أحقّ بالأمر من علي الرضا، فبايعه وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام (3) ... قول أبو نؤاس:

____________________

(1) المصدر نفسه: 270.

(2) المصدر نفسه: 291.

(3) إنّ أفضليّة الإمام على سائر الناس ليست هي السبب في إعطائه ولاية العهد، والموضوع يحتاج إلى مزيد من البيان، وإنّما أثبتنا المتن كما هو؛ ليرى القارئ أنّ القوم يقرّون بأفضليّة الإمام ( عليه السلام ) على سائر مَن سواه.


قِيْلَ لِي أَنْتَ أَوْحَدُ النَاسِ طُرَّاً ... إلى آخر الأبيات المتقدّمة.

قال: وكان سبب قوله هذهِ الأبيات؛ أنّ بعض أصحابه قال له: ما رأيتُ أوقح منك، ما تركتَ خمراً ولا طرداً ولا معنى إلاّ قلتَ فيه شيئاً، وهذا علي بن موسى الرضا في عصرك لم تقل فيه شيئاً.

فقال: والله، ما تركتُ ذلك إلاّ إعظاماً له، وليس قدرُ مثلي أنْ يقول في مثله، ثمّ أنشد بعد ساعة هذهِ الأبيات.

وفيه يقول أيضاً:

مُطهّرون نَقِيَّاتٌ جُيُوْبُهُم

تجري الصلاة عليهم أينما ذُكروا

مَن لَمْ يَكُنْ عَلَوِيَّاً حِيْنَ تَنْسِبُهُ

فَمَا لَهُ فِي قَدِيْمِ الدَهْرِ مُفْتَخَرُ

الله لمّا بَرَا خَلْقَاً فَأَتْقَنَهُ

صَفّاكُمُ وَاصْطَفَاكُم أَيُّهَا البَشَرُ

فَأَنْتُم المَلأُ الأَعْلَى وَعِنْدَكُمُ

عِلْمُ الكِتَابِ وَمَا جَاءَتْ بِهِ السُوَرُ (1) .

16 - الحافظ الجويني (ت: 722 هـ):

قال في ( فرائد السمطين ): ( الإمام الثامن، مظهر خفيّات الأسرار، ومُبْرِز خبيات الأمور الكوامن، منبع المكارم والميامن، ومتبع الأعالي الحضارم والأيامن، منيع الجناب، رفيع القباب، وسيع الرحاب، هموم السحاب، عزيز الألطاف، غزير الأكناف، أمير الأشراف، قرّة عين آل ياسين وآل عبد مناف، السيّد الطاهر المعصوم، والعارف بحقائق العلوم، والواقف على غوامض السرّ المكتوم، والمُخْبِر بما هو آتٍ، وعمّا غبر ومضى، المرضي عند الله سبحانه برضاه عنه في جميع الأحوال؛ ولِذَا لُقِّب بالرضا علي بن موسى صلوات الله

____________________

(1) وفيات الأعيان: 3/ 236، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان.


على محمّد وآله خصوصاً عليه ما سحّ سحاب وهما، وطلع نبات ونما.. ) (1) .

17 - شمس الدين الذهبي (ت: 748 هـ):

قال في ( سير أعلام النبلاء )، الجزء التاسع: ( علي الرضا، الإمام السيّد، أبو الحسن، علي الرضا بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمّد الباقر، بن علي بن الحسين، الهاشمي العلوي المدني... وكان من العلم والدين والسؤدد بمكان، يُقال: أفتى وهو شاب في أيّام مالك... وقد كان علي الرضا كبير الشأن، أهلاً للخلافة... ) (2) .

وقال في الجزء الثالث عشر بعد أنْ ذكر الأئمّة مختصراً، وأنهى كلامه عن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) بقوله: ( وابنه علي بن موسى الرضا: كبير الشأن، له علم وبيان ووقع في النفوس... ) (3) .

وقال في ( تاريخ الإسلام ): ( كان سيّد بني هاشم في زمانه وأجلّهم وأنبلهم... مات في صفر سنة: ثلاث ومئتين عن خمسين سنة بطوس، ومشهده مقصود بالزيارة رحمه الله ) (4) .

18 - المؤرّخ الباحث محمّد بن شاكر الكتبي (ت: 764 هـ):

قال في ( عيون التواريخ ): ( وهو أحد الأئمّة الاثني عشر، كان سيّد بني

____________________

(1) فرائد السمطين: 2/187 مؤسّسة المحمودي للطباعة والنشر.

(2) سير أعلام النبلاء: 9/ 387 - 388 و 392، مؤسّسة الرسالة

(3) المصدر نفسه: 13/ 121.

(4) تاريخ الإسلام: حوادث وفيات (201 - 210) ص269 - 272، دار الكتاب العربي.


هاشم في زمانه... ) (1) .

19 - عبد الله بن أسعد اليافعي (ت: 768 هـ):

قال في ( مرآة الجنان ): ( وفيها [ 203 هـ ] تُوفّي الإمام الجليل المعظّم، سلالة السادة الأكارم، أبو الحسن علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أحد الأئمّة الاثني عشر، أولي المناقب الذين انتسبتْ الإماميّة إليهم، وقصروا بناء مذهبهم عليه. وكان المأمون قد زوّجه ابنتَه أُمّ حبيبة وجعله وليّ عهده، وضرب اسمه على الدينار والدرهم... وكان السبب في ذلك أنّه استحضر أولاد العبّاس الرجال منهم والنساء، وهو بمدينة مرْو من بلاد خراسان، وكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفاً بين كبير وصغير، واستدعى عليّاً المذكور، فأنزله أحسن منزل، وجمع خواصّ الأولياء، وأخبرهم أنّه نظر في أولاد العبّاس وأولاد علي بن أبي طالب، فلم يجد أحداً في وقته أفضل، ولا أحقّ بالخلافة من علي الرضا، فبايعه (2) ، وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام، وأبدل ذلك بالخضرة (3) .

20 - ابن حجر العسقلاني (ت: 852 هـ):

نقل في كتابه ( تهذيب التهذيب ) قول الحاكم المتقدّم وقول السمعاني

____________________

(1) حياة الإمام الرضا للشيخ باقر شريف القرشي: 1/ 62 عن ( عيون التواريخ ): 3، ورقة 226 مصوّر في مكتبة السيّد الحكيم.

(2) نحنُ وإنْ كنّا نتّفق مع المؤرّخ في أنّ الإمام أفضل مَن في وقته، إلاّ أنّا لا نتبنّى أنّ ذلك كان السبب في إعطاء الإمام ولاية العهد، وليس هنا محلّ تفصيل ذلك.

(3) مرآة الجنان: 2/ 10، دار الكتب العلميّة، 1417هـ.


المتقدّم أيضاً، ومن دون أيّ إيراد عليهما (1) .

21 - ابن الصبّاغ المالكي (ت: 855 هـ):

قال في ( الفصول المهمّة ): ( قال الشيخ كمال الدين بن طلحة: تقدّم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام )، وزين العابدين علي بن الحسين ( عليه السلام )، وجاء علي بن موسى الرضا هذا ثالثهما، ومَن أمعن نظره وفكره، وجده في الحقيقة وارثهما، نما إيمانه وعلا شأنه وارتفع مكانه وكثر أعوانه وظهر برهانه، حتّى أدخله الخليفة المأمون محلّ مهجته وأشركه في مملكته، وفوّض إليه أمر خلافته وعقد له على رؤوس الأشهاد عقد نكاح ابنته. وكانت مناقبه عَلِيَّة، وصفاته سَنيّة، ونفسه الشريفة زكيّة هاشميّة، وأرومته الكريمة نبويّة ) (2) .

22 - جمال الدين الأتابكي المعروف بابن تغري (ت: 874 هـ):

قال في ( النجوم الزاهرة ): ( وفيها [ سنة: 203 ] تُوفّي علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب الإمام، أبو الحسن الهاشمي العلوي الحسيني، كان إماماً عالماً... وكان علي هذا سيّد بني هاشم في زمانه وأجلّهم... ) (3) .

23 - الحافظ السمهودي الشافعي (ت: 911 هـ):

قال في ( جواهر العقدَين ): ( وأمّا علي الرضا بن موسى الكاظم، فكان أوحد زمانه جليل القدر... ) (4) .

____________________

(1) تهذيب التهذيب: 5/ 745 - 746، دار الفكر.

(2) الفصول المهمّة: 233، دار الأضواء.

(3) النجوم الزاهرة: 2/ 174، نشر المؤسّسة المصريّة العامّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر.

(4) جواهر العقدَين: 446، دار الكتب العلميّة، بيروت.


24 - صفيّ الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي (ت: بعد923 هـ):

قال في ( خلاصته ): ( كان سيّد بني هاشم، وكان المأمون يعظّمه ويجلّه، وعهد له بالخلافة وأخذ له العهد... ) (1) .

25 - ابن حجر الهيتمي (ت: 974 هـ):

قال في( الصواعق المحرقة ) بعد أنْ أتمّ كلامه عن الإمام الكاظم ومَن سبقه من الأئمّة ( عليهم السلام ): ( علي الرضا: وهو أنبههم ذِكْراً وأجلّهم قدراً؛ ومِن ثمّ أَحلّه المأمون محلّ مهجته، وأنكحه ابنته، وأشركه في مملكته، وفوّض إليه أمر خلافته... ) (2) .

26 - أحمد بن يوسف القرماني (ت: 1019 هـ):

قال في ( أخبار الدول ): ( وكانت مناقبه عليّة، وصفاته سَنيّة،... وكان رضي الله عنه قليل النوم كثير الصوم، وكان جلوسه في الصيف على حصير، وفي الشتاء على جلْد شاة ) (3) .

27 - ابن العماد الحنبلي (ت: 1089 هـ):

قال في ( شذرات الذهب ): ( [ وفيها 203 هـ تُوفّي ] علي بن موسى الرضا الإمام الحسن (4) الحسيني بطوس، وله خمسون سنة، وله مشهد كبير بطوس يُزار، روى عن أبيه موسى الكاظم، عن جدّه جعفر بن محمّد الصادق، وهو

____________________

(1) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال: 2 /257 ترجمة رقم: 5054، ط. مكتبة القاهرة.

(2) الصواعق المحرقة: 309، دار الكتب العلميّة.

(3) أخبار الدول وآثار الأول: 1/ 341 و344، عالم الكتب.

(4) كذا في المطبوع، ولعلّ الصحيح ( الإمام أبو الحسن ).


أحد الأئمّة الاثني عشر في اعتقاد الإماميّة ) (1) .

28 - عبد الله الشبراوي (ت: 1171 هـ):

قال في ( الإتحاف بحبّ الأشراف ): ( كان رضي الله عنه كريماً جليلاً، مهاباً موقّراً...قال بعضهم: علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، فاق أهل البيت شانه، وارتفع فيهم مكانه، وكثر أعوانه، وظهر برهانه، حتّى أحلة الخليفة المأمون محلّ مهجته، وأشركه في خلافته، وفوّض إليه أمر مملكته، وعقد له على رؤوس الأشهاد عقد نكاح ابنته، وكانت مناقبه علية، وصفاته سَنيّة، ونفسه الشريفة هاشميّة، وأرومته الكريمة نبويّة، وكراماته أكثر مِن أنْ تُحْصَر، وأشهر مِن أنْ تُذكَر... ) (2) .

29 - محمّد أمين السويدي (ت: 1264 هـ):

قال في ( سبائك الذهب ): ( كانت أخلاقه عَلِيَّة، وصفاته سنيّة... كراماته كثيرة، ومناقبه شهيرة، لا يسعها مثل هذا الموضع... ) (3) .

30 - الشيخ مؤمن الشبلنجي (ت: بعد 1308 هـ):

عقد في كتابه ( نور الأبصار ) فصلاً كاملاً عن الإمام الرضا أسماه: ( فصل: في ذكر مناقب سيّدنا علي الرضا، بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمّد الباقر، بن علي زين العابدين، بن الحسين بن علي، بن علي بن أبي

____________________

(1) شذرات الذهب: 2/ 75 - 76. دار الكتب العلميّة - بيروت - لبنان، 1998م.

(2) الإتحاف بحبّ الأشراف: 155- 156، منشورات الرضي، الطبعة المصوّرة على النسخة المطبوعة بالمطبعة الأدبيّة بمصر.

(3) سبائك الذهب: 75، المكتبة العلميّة.


طالب، رضي الله عنهم أجمعين ) (1) .

31 - يوسف إسماعيل النبهاني (ت: 1350 هـ):

قال في ( جامع كرامات الأولياء ): ( علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، أحد أكابر الأئمّة ومصابيح الأمّة، من أهل بيت النبوّة، ومعادن العلم والعرفان، والكرم والفتوّة. كان عظيم القدر مشهور الذكر، وله كرامات كثيرة.. ) (2) .

32 - علي جلال الحسيني (ت: 1351 هـ):

قال عن الإمام ( عليه السلام ): ( كان أعلم الناس في وقته وأسخاهم، وُلِدَ سنة: 148، وقُبض سنة: 203 وهو ابن خمس وخمسين سنة ) (3) .

33 - عبد الله عفيفي (ت: 1363 هـ):

قال: ( علي بن موسى الرضا، عميد هذا البيت وزعيمه، والإمام المرتضى من آل البيت... ) (4) .

34 - الفاضل علي بن عبد الله فكري الحسيني القاهري (ت: 1372هـ):

قال في ( أحسن القصص ): ( علمه وفضله: قال إبراهيم بن العبّاس: ما رأيتُ الرضا سُئل عن شيء إلاّ علمه، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان

____________________

(1) نور الأبصار في مناقب آل النبي المختار::168، طبعة دار الفكر، الطبعة المصوّرة على الطبعة المصريّة لسنة: 1948.

(2) جامع كرامات الأولياء: 2/ 311. دار الفكر.

(3) أئمّتنا لمحمّد علي دخيل: 2/ 154 عن ( الحسين ): 2/ 207.

(4) أئمّتنا لمحمّد علي دخيل: 2/ 154 عن ( المرأة العربيّة ): 3/ 93.


إلى وقت عصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كلّ شيء، فيجيبه الجواب الشافي الكافي.

تعبّده: وكان قليل النوم، كثير الصوم، لا يفوته صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر.

ويقول: ذلك صيام الدهر.

معروفه وتصدّقه: وكان كثير المعروف والصدقة، وأكثر ما يكون ذلك منه في الليالي المظلمة...

زهْده وورعه: كان زاهداً ورعاً، وكان جلوسه في الصيف على حصير، وفي الشتاء على مسح ) (1) .

35 - خير الدين الزركلي (ت: 1396 هـ):

قال في كتابه ( الأعلام ): ( علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، أبو الحسن الملقّب بالرضا: ثامن الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة، ومِن أجلاّء السادة أهل البيت وفضلائهم... ) (2) .

36 - الدكتور عبد السلام الترمانيني:

قال في ( أحداث التاريخ الإسلامي ): ( هو علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن، الملقّب بالرضا. ثامن الأئمّة الاثني عشريّة عند الإماميّة...

____________________

(1) شرح إحقاق الحقّ للسيّد المرعشي: 28 /622 - 623، عن ( أحسن القصص ): 4/289، دار الكتب العلميّة، بيروت.

(2) الأعلام: 5/ 26، دار العلم، بيروت - لبنان.


وكان من أجلاّء السادة أهل البيت وفضلائهم ) (1) .

37 - محمود بن وهيب:

قال عن الإمام ( عليه السلام ): ( وكراماته - أي الرضا - كثيرة رضي الله عنه، إذْ هو فريد زمانه... ) (2) .

38 - الفاضل باقر أمين الورد - المحامي عضو اتحاد المؤرّخين العرب:

قال في ( معجم العلماء العرب ): ( علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، أبو الحسن الملقّب بالرضا: ثامن الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة، ومن أجلاّء السادة أهل البيت وفضلائهم... ) (3) .

39 - الفاضل الهادي حمو:

قال في كتابه ( أضواء على الشيعة الإماميّة ): (... وعلى كلٍّ فالإمام الرضا كان في أزهى عصور الحضارة الإسلاميّة، فقد عاصر المأمون حقبةً، وكان له في مجالسه العلميّة ونشاطه الفكري نصيب عظيم، وكان المأمون يخصّه بعقد المناظرات، ويجمع له العلماء والفقهاء والمتكلّمين من جميع الأديان، فيسألونه ويجيب الواحد تِلْوَ الآخر، حتّى لا يبدي أحد منهم إلاّ الاعتراف له بالفضل، ويُقِرُّ على نفسه بالقصور أمامه... ) (4) .

____________________

(1) أحداث التاريخ الإسلامي بترتيب السنين ( أحداث سنة: 203، ج1، مجلّد2 ص1169 ط. الكويت ).

(2) حياة الإمام الرضا للشيخ القرشي: 1/ 62، عن ( جوهرة الكلام ): 143.

(3) شرح إحقاق الحقّ للسيّد المرعشي: 28/628، عن ( معجم العلماء العرب ): 1/ 153، عالم الكتاب ومكتبة النهضة العربيّة - بيروت.

(4) شرح إحقاق الحقّ: 28 /623، عن ( أضواء على الشيعة الإماميّة ): 134، ط. دار التركي.


40 - عارف أحمد عبد الغني:

قال في كتابه ( الجوهر الشفّاف في أنساب السادة الأشراف ) عند ذكره للإمام الرضا ( عليه السلام ): ( ولم يكن في الطالبيّين في عصره مثله، بايع له المأمون لولاية العهد، وضرب اسمه على الدنانير والدراهم، وخطب له على المنابر، ثمّ تُوفِّي بطوس، ودُفن بها... ) (1) .

هذا والكلمات عديدة متظافرة نقتصر على ما أوردناه؛ مراعاةً للاختصار.

____________________

(1) الجوهر الشفّاف في أنساب السادة الأشراف: 1/ 159، دار كتاب للطباعة والنشر.



الفصل الثامن

التاسع من أئمّة أهل البيت

الجواد

محمّد بن علي عليه السلام



نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام

رغم صِغَرِ سنّه إلاّ أنّه كان نابغة عصره وأعجوبة دهره، حَيَّر العلماء والمفكّرين بوافر علمه، وبالغ حكمته، وأثبت بلسانه الربّاني وأجوبته الإلهيّة بأنّه خليفة الله في أرضه وحجّته على أهل مملكته، فقد جاءت وفود العلماء إلى المدينة وهي تُنْشِدُ ضالّتها وتبحث عن إمام زمانها، فتصدّى لهم تاسع أئمّة أهل البيت، وكلّه بهاء وعلوّ وسموّ، فأجاب بيقينٍ راسخ عن أسئلتهم وشُبُهَاتهم؛ فأقرّت لذلك قلوبهم، وأذعنت له نفوسهم، فارتفع الشكّ من صدورهم، وما كان منهم إلاّ الإذعان لإمامته والإقرار بفضيلته، بل أفضليّته، فعادوا إلى بلدانهم وهم يذيعون ما رأوه من مناقبه وعلوّ مقامه.

فانتشر خبره وذاع صيته وملأت أصقاع الأرض شهرتُه.

لقد مثّل الإمام ( عليه السلام ) الرسالة المحمّدية بكلّ أبعادها، فكان خُلقاً إسلاميّاً أصيلاً، ومنبعاً ثَرّاً للفضائل والمكارم، فاجتمعتْ حوله العلماء والرواة وسائر الجماهير وهي تستقي من معينه السيّال، وتنهل من نَبْعِهِ العَذِب.

لذا خَلُدَ في ذاكرة التاريخ، وراحت الكتب تُنوّر صحائفها بذكره ومدحه والثناء عليه.

وقبل الدخول في ذكر كلمات علماء أهل السنّة والجماعة نعرض للقارئ إلمامة سريعة بحياة الإمام ( عليه السلام ):

-هو: الإمام محمّد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.


-أمُّهُ ( عليه السلام ): يُقال لها ( سبيكة ) وكانت نوبيّة (1) ، وقيل أيضاً إنّ اسمها كان ( خيزران )، ورُوي أنّها كانت من أهل ( مارية ) أمّ إبراهيم ابن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) (2) .

-وُلِدَ ( عليه السلام ): في شهر رمضان، من سنة خمس‌‌ وتسعين ومئة (195هـ) (3) .

وفي رواية ابن عيّاش: وُلِدَ يوم الجمعة لعشرٍ خلون من رجب (4) .

-كان يُلقّب: بالتقي، والمنتجب، والجواد، والمرتضى، ويُقال له: أبو جعفر الثاني (5) ، تمييزاً له عن الإمام محمّد الباقر ( عليه السلام )، حيث كان يُكنّى بأبي جعفر أيضاً.

-تصدّى لشؤون الإمامة: في سنٍ مبكّر، حيث كان عمره الشريف ثماني سنوات تقريباً، إذْ إنّ وفاة أبيه الرضا ( عليه السلام ) كانت في سنة (203هـ).

-كانت مدّة إمامته: سبع عشرة سنة، عاصر خلالها اثنين من الخلفاء العبّاسيّين وهما: المأمون والمعتصم ولدا هارون الرشيد.

-أشخصه المأمون إلى بغداد في سنة: (204) تقريباً، ونوّه بذكره وأشاد بفضله، وزوّجه من ابنته أمّ الفضل، وكان له من وراء ذلك أغراض سياسيّة لا يتّسع هذا المختصر لبيانها.

____________________

(1) ( النّوبة ): جيل من الناس، الواحد نوبي، و ( بلاد النوبة ): وطن ذلك الجيل، ويقع في الجزء الجنوبي من بلاد مصر. ( المعجم الوسيط: 2/961 ).

(2) انظر: ( أصول الكافي ) للكليني: 1/566، دار التعارف للمطبوعات.

(3) أصول الكافي للكليني: 1/ 566، دار التعارف. والإرشاد للمفيد: 2/ 274، مؤسّسة آل البيت. وإعلام الورى للطبرسي: 2/91، مؤسّسة آل البيت.

(4) إعلام الورى للطبرسي: 2/91، مؤسّسة آل البيت.

(5) المصدر نفسه.


-قفل الإمام راجعاً إلى المدينة بصحبة زوجته حينما رأى الفرصة مناسبة لذلك؛ ليمارس نشاطه الإسلامي بمنأى عن الحكومة العبّاسيّة.

-حينما تولّى المعتصم الخلافة العبّاسيّة بعد أخيه المأمون أشخص الإمام إلى بغداد تارةً أخرى؛ لتكون تحرّكات الإمام نُصب عَيْنَيْه، وكان ذلك في سنة: (220هـ) (1) .

-استشهد ( عليه السلام ): في آخر ذي القعدة من نفس السنة التي أشخصه فيها المعتصم، أي سنة: (220هـ) (2) .

-دُفِن ( عليه السلام ): في مقابر قريش (3) في ظهر جدّه موسى ( عليه السلام ) (4) .

____________________

(1) أصول الكافي للكليني: 1/566، دار التعارف للمطبوعات.

(2) ذكر وفاته في هذه السنة الشيخ الكليني في ( الكافي ): 1/566. والشيخ المفيد في ( الإرشاد ): 2/273، مؤسّسة آل البيت. والشيخ الطبرسي في ( إعلام الورى ): 2/91 مؤسّسة آل البيت.

(3) المعروفة الآن بالكاظميّة في العاصمة العراقيّة بغداد.

(4) أصول الكافي للكليني: 1/566. وإعلام الورى للطبرسي: 2/91.


الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السنّة

إليك - قارئي العزيز - جانباً من كلمات علماء وأعلام أهل السنّة وهي تشيد بمقام الإمام محمّد الجواد ( عليه السلام ):

1 - أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت: 250 هـ):

ذكر الإمام الجواد ( عليه السلام ) عند مدحه لعشرة من الأئمّة في كلام واحد، عند ذكْره الردّ على ما فخرتْ به بنو أميّة على بني هاشم، فقال: ( ومنِ الذي يُعَدُّ مِنْ قريش ما يَعُدُّه الطالبيّون عَشَرة في نسق؛ كلّ واحد منهم عالم زاهد ناسك شجاع جواد طاهر زاكٍ، فمنهم خلفاء، ومنهم مُرشّحون: ابن ابن ابن ابن، هكذا إلى عشرة، وهم الحسن [العسكري] بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي ( عليهم السلام )، وهذا لم يتفق لبيت من بيوت العرب ولا مِن بُيوت العجم ) (1) .

2 - العلاّمة العارف الشيخ محيي الدين ابن عربي (ت: 638 هـ):

قال في ( المناقب ): ( وعلى باب الله المفتوح وكتاب الله المشروح ماهية الماهيّات، مطلق المقيّدات، وسرّ السريّات الوجود، ظلّ الله الممدود، المنطبع في مرآة العرفان، والمنقطع مِن نيله حَبْل الوجدان، غواص بحر القدم، محيط الفضل والكرم، حامل سرّ الرسول، مهندس الأرواح والعقول، أديب معلمة الأسماء والشؤون، فهرس الكاف والنون، غاية الظهور والإيجاد، محمّد بن علي الجواد ( عليه السلام ) ) (2) .

____________________

(1) رسائل الجاحظ: 106، جمعها ونشرها حسن السندوبي، المكتبة التجاريّة الكبرى، مصر.

(2) شرح إحقاق الحقّ للسيّد المرعشي: 29/21، عن ( المناقب ) المطبوع في آخر ( وسيلة الخادم ) لابن روزبهان الأصبهاني: 296، ط. قم.


3 - محمّد بن طلحة الشافعي (ت: 652 هـ):

قال في كتابه ( مطالب السؤول ): ( هذا أبو جعفر محمّد الثاني، فإنّه تقدّم في آبائه ( عليهم السلام ) أبو جعفر محمّد وهو الباقر بن علي فجاء هذا باسمه وكنيته واسم أبيه، فعُرف بأبي جعفر الثاني، وهو وإنْ كان صغير السنّ فهو كبير القدر رفيع الذكر... ).

ثمّ قال: ( وأمّا مناقبه فما اتّسعت حلبات مجالها، ولا امتدّت أوقات آجالها، بل قضتْ عليه الأقدار الإلهيّة بقلّة بقائه في الدنيا بحُكْمِهَا وأَنْجَالِهَا، فقلّ في الدنيا مقامه، وعجّل القدوم عليه لزيارة حمامه، فلم تَطُل بها مدّته، ولا امتدّت فيها أيّامه ) (1) .

4 - سبط ابن الجوزي (ت: 654 هـ):

قال في ( تذكرة الخواص ): ( وكان على منهاج أبيه في: العلم، والتقى، والزهد، والجود ) (2) .

5 - ابن أبي الحديد المعتزلي (ت: 655 هـ):

نقل ما تقدّم من كلام الجاحظ عند مدْحه لعشرة من أئمّة أهل البيت (3) مقرّاً له عليه بدلالة قوله في أوّل البحث: ( ونحن نذكر ما أجاب به أبو عثمان عن كلامهم ونضيف إليه من قِبلنا أموراً لم يذكرها فنقول... ) (4) .

____________________

(1) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 2/ 140 - 141.

(2) تذكرة الخواص: 321، مؤسّسة أهل البيت، بيروت.

(3) نقله في ( شرح نهج البلاغة ): 15 / 278، دار الكتب العلميّة، المصوّرة على طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.

(4) المصدر نفسه: 270.


6 - ابن تيمية (ت: 728 هـ):

قال في ( منهاج السنّة ): ( محمّد بن علي الجواد كان من أعيان بني هاشم وهو معروف بالسخاء والسؤدد؛ ولهذا سمّي الجواد ) (1) .

7 - شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: 748 هـ):

قال في ( تاريخ الإسلام ): ( محمّد بن الرضا علي بن الكاظم موسى بن الصادق جعفر بن الباقر محمّد بن زين العابدين علي بن الشهيد الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

أبو جعفر الهاشمي الحسيني.

كان يلقّب: بالجواد، وبالقانع، وبالمرتضى.

كان من سروات آل بيت النبي (ص)...

تُوفِّي ببغداد في آخر سنة عشرين (2) ، شابّاً طريّاً له خمس وعشرون سنة.

وكان أحد الموصوفين بالسخاء؛ ولذلك لُقّب بالجواد.

وقبره عند قبر جدّه موسى.

وقيل تُوفِّي في آخر سنة تسع عشرة، رحمه الله ورضي عنه.

وهو أحد الأئمّة الاثني عشر الذين تدّعي الشيعة فيهم العصمة.

وكان مولده في سنة خمس وتسعين ومئة ) (3) .

____________________

(1) منهاج السنّة: 4 / 68، بتحقيق الدكتور محمّد رشاد سالم، الطبعة الأولى، 1986م.

(2) أي مئتين وعشرين.

(3) تاريخ الإسلام: حوادث وفيات: 211 - 220، ص385، ترجمة رقم: 372، دار الكتاب العربي.


8 - صلاح الدين الصفدي (ت: 764 هـ):

قال في ( الوافي بالوفيات ): ( محمّد بن علي هو الجواد بن الرضا بن الكاظم موسى بن الصادق جعفر رضي الله عنهم. كان يلقَّب: بالجواد، وبالقانع، وبالمرتضى، وكان من سروات آل بيت النبوّة.... وكان من الموصوفين بالسخاء؛ ولذلك لُقّب الجواد، وهو أحد الأئمّة الاثني عشر، ومولده سنة خمس وتسعين ومئة ) (1) .

9 - العلاّمة اليافعي (ت: 768 هـ):

قال في ( مرآة الجنان ) وقايع سنة عشرين ومئتين: ( وفيها تُوفِّي الشريف أبو جعفر محمّد الجواد... أحد الاثني عشر إماماً الذين يدّعي الرافضة فيهم العصمة... وكان المأمون قد نوّه بذكره وزوّجه بابنته ) (2) .

10 - ابن الصبّاغ المالكي (ت: 855 هـ):

قال في ( الفصول المهمّة ): ( قال صاحب كتاب مطالب السؤول في مناقب آل الرسول، هو أبو جعفر الثاني... وإنْ كان صغير السنّ فهو كبير القدر، رفيع الذكر، القائم بالإمامة بعد علي بن موسى الرضا ) (3) .

11 - المحدّث الفقيه ابن حجر الهيتمي (ت: 974 هـ):

قال في صواعقه: (وتُوفّي [ الإمام الرضا ] رضي الله عنه وعمره خمس وخمسون سنة، عن خمسة ذكور وبنت، أجلّهم محمّد الجواد، لكنّه لم تطل

____________________

(1) الوافي بالوفيات: 4/ 105، ترجمة رقم: 1587.

(2) مرآة الجنان: 2 /60، دار الكتب العلميّة.

(3) الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة: 253، دار الأضواء.


حياته) (1) .

12 - القرماني (ت: 1019 هـ):

قال في ( أخبار الدول ): ( وأمّا مناقبه فما امتدّت أوقاتها ولا تأخّر ميقاتها، بل قضتْ عليه الأقدار الإلهيّة بقلّة بقائه في الدنيا، فقلّ مقامه وعاجله حمامه، ولم تطل أيّامه... قُبض رضي الله عنه ببغداد؛ لأنّ المعتصم استقدمه مع زوجته أمّ الفضل بنت المأمون، ودُفِنَ في مقابر قريش في ظهر جدّه موسى الكاظم [ رضي الله عنهما ] ) (2) .

13 - أبو الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي (ت: 1089 هـ):

قال في ( شذرات الذهب ): ( وفيها [ أي عشرين ومئتين ] تُوفّي الشريف أبو جعفر محمّد الجواد بن علي بن موسى الرضا الحسيني أحد الاثني عشر إماماً الذين تدّعي فيهم الرافضة العصمة، وله خمس وعشرون سنة، وكان المأمون قد نوّه بذكره وزوّجه بابنته، وسكن بها بالمدينة.

إلى أنْ قال: وتُوفّي ببغداد آخر السنة، ودُفن عند جدّه موسى، ومشهدهما ينْتابه العامّة بالزيارة ) (3) .

14 - العلاّمة العارف الخواجة المولوي عبد الفتّاح ابن محمّد نعمان الحنفي الهندي (ت: 1096 هـ):

قال في ( مفتاح العارف ) - المخطوط - ما ترجمته: ( كان الإمام محمّد بن علي الرضا يُكنّى بأبي جعفر، فهو سَمِيُّ جَدِّه الباقر وكَنِيِّهِ؛ ولذلك يُقال له أبو

____________________

(1) الصواعق المحرقة: 311، دار الكتب العلميّة، بيروت.

(2) أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ: 1/ 346 - 348، عالم الكتب. بيروت.

(3) شذرات الذهب: 2 /146، دار الكتب العلميّة، بيروت.


جعفر الثاني، وكان ( عليه السلام ) صاحب الخوارق والكرامة من طفوليّته، ويُقال إنّه أخبر أنّ موته يكون ثلاثين شهراً بعد موت المأمون، فكان كما أخبر ) (1) .

15ـ الشيخ عبد الله بن محمّد بن عامر الشبراوي الشافعي (ت: 1171هـ):

قال في ( الإتحاف بحبّ الأشراف ): ( ( التاسع ): من الأئمّة محمّد الجواد، وهو أبو جعفر محمّد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وُلِدَ تاسع عشر رمضان، سنة خمس وتسعين ومئة، وكراماته رضي الله عنه كثيرة ومناقبه شهيرة ) (2) .

16 - الشيخ مؤمن الشبلنجي (ت: بعد 1308 هـ):

ذكر في كتابه ( نور الأبصار ) فصلاً كاملاً عن الإمام الجواد ( عليه السلام ) أسماه: ( فصل: في ذكر مناقب محمّد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين )، ونقل فيه قول محمّد بن طلحة المتقدّم، فقال:

( قال صاحب كتاب مطالب السؤول في مناقب آل الرسول صلّى الله عليه وسلّم هذا محمّد أبو جعفر الثاني فإنّه قد تقدّم في آبائه أبو جعفر محمّد الباقر بن علي فجاء هذا باسمه وكنيته واسم أبيه، فعُرِف بأبي جعفر

____________________

(1) شرح إحقاق الحقّ للسيّد المرعشي: 19 / 585، عن ( مفتاح العارف ) - مخطوط -.

(2) الإتحاف بحبّ الأشراف: 168، منشورات الرضي، النسخة المصوّرة على النسخة المطبوعة بالمطبعة الأدبيّة بمصر.


الثاني وإنْ كان صغير السن فهو كبير القدر رفيع الذكر، ومناقبه رضي الله عنه كثيرة... ) (1) .

17 - يوسف بن إسماعيل النبهاني (ت: 1350 هـ):

قال في ( جامع كرامات الأولياء ): ( محمّد الجواد بن علي الرضا أحد أكابر الأئمّة ومصابيح الأمّة، من ساداتنا أهل البيت. تُوفِّي محمّد الجواد رضي الله عنه في آخر ذي القعدة سنة: 220، وله من العمر خمس وعشرون سنة وشهر، رضي الله عنه وعن آبائه الطيّبين الطاهرين وأعقابهم أجمعين، ونفعنا ببركتهم آمين ) (2) .

18 - الشريف علي فكري القاهري (ت: 1372 هـ):

قال في ( أحسن القصص ): ( لقد أحسن المأمون إليه، وقرّبه وبالغ في إكرامه، ولم يزل مشغوفاً به لِمَا ظهر له من فضله وعلمه، وكمال عقله، وظهور برهانه، مع صِغَر سِنَّهِ، وعَزَمَ على تزويجه بابنته أمّ الفضل... ) (3) .

19 - خير الدين الزركلي (ت: 1396 هـ):

قال في ( الأعلام ): ( محمّد بن علي الرضا بن موسى الكاظم الطالبي الهاشمي القرشي، أبو جعفر الملقّب بالجواد، تاسع الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة، كان رفيع القدر كأسلافه، ذكيّاً، طلق اللسان، قويّ البديهة ) (4) .

____________________

(1) نور الأبصار للشبلنجي: 177، دار الفكر، الطبعة المصوّرة على الطبعة المصريّة لسنة: 1948م.

(2) جامع كرامات الأولياء: 1/ 168 - 169 دار الفكر، بيروت.

(3) شرح إحقاق الحقّ للسيّد المرعشي: 29 /15، عن ( أحسن القصص ): 4/295.

(4) الأعلام 6 /271 - 272، دار العلم للملايين، بيروت.


20 - محمود بن وهيب:

قال في ( جوهرة الكلام ): ( وهو الوارث لأبيه علماً وفضلاً، وأجلّ أخوته قدراً وكمالاً... ) (1) .

21 - الشيخ محمود الشيخاني:

قال في ( الصراط السوي ): ( وكان محمّد الجواد - رضي الله عنه - جليل القدر عظيم المنزلة ) (2) .

22 - السيّد محمّد عبد الغفّار الهاشمي الأفغاني:

قال في كتاب ( أئمّة الهدى ): ( خاف الملك المعتصم على ذهاب ملكه إلى الإمام محمّد الجواد ( عليه السلام )، إذْ كان له قدر عظيم علماً وعملاً ) (3) .

23 - الفاضل الهادي حمو:

قال في ( أضواء على الشيعة ): ( هو أبو جعفر محمّد الجواد بن علي الرضا، مات فخلفه في الإمامة وهو ابن سبع أو تسع سنين، وقد شغف به المأمون لمّا رأى من فضله مع صِغَرِ سِنِّه، ونبوغه في العلم والحكمة والأدب، وكمال العقل ما لم يساوه أحدٌ في ذلك من أهل زمانه، فزوّجه ابنته أمّ الفضل كما زوّج أباه مِن قَبل مِن أخته أمّ حبيب ) (4) .

____________________

(1) أئمّتنا لمحمّد علي دخيل: 2/ 206، عن ( جوهرة الكلام ): 147.

(2) قادتنا كيف نعرفهم: 7 /15، عن ( الصراط السويّ ):402.

(3) انظر: القول في ( موسوعة الإمام الجواد ):1/363.

(4) شرح إحقاق الحقّ للسيّد المرعشي: 29 / 4، عن ( أضواء على الشيعة الإماميّة ): 136، ط. دار التركي.


24 - الدكتور عبد السلام الترمانيني:

قال في ( أحداث التاريخ الإسلامي بترتيب السنين ): ( هو محمّد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الملقّب بالجواد. ثامن (1) الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة، كان ذكيّاً طَلِق اللسان، حاضر البديهة ) (2) .

25 - عارف أحمد عبد الغني:

قال في كتابه ( الجوهر الشفّاف في أنساب السادة الأشراف ) عند ذكره للإمام الجواد: ( كان جليل القدر عظيم المنزلة... ) (3) .

إلى غير ذلك من الكلمات العديدة التي أثنى أصحابها على الإمام سلام الله عليه.

____________________

(1) كذا في المطبوع، والصحيح تاسع الأئمّة.

(2) أحداث التاريخ الإسلامي بترتيب السنين: مجلّد2، ج1، ص1259 أحداث سنة: 220.

(3) الجوهر الشفّاف في أنساب السادة الأشراف:1/160، دار كتاب للطباعة والنشر.


الفصل التاسع

العاشر من أئمّة أهل البيت

الهادي

علي بن محمّد عليه السلام



نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام

طابت نفسه الطاهرة وصلحتْ سريرته، وانقطع إلى الله عمله، فكان أحد أرباب السفينة المباركة التي مَن ركبها نجا ومَن تخلّف عنها غرق وهلك. فهو من بيت الرسالة والإمامة، ومقرّ الوصيّة والخلافة، وشعبة من الدوحة المحمّدية وثمرة من الشجرة النبويّة.

لذا أشرق نوره، وسطع نجمه، وعرف الملأ علوّ شأنه، وسموّ مقامه، ولم يستطع المتوكّل العبّاسي باضطهاده وبمحاصرته إيّاه أنْ يحطّ من قدره أو يقلِّل من شأنه، بل كان ذلك يزيد شمسه سطوعاً، ونجمه بزوغاً، وشخْصه شهرة وذيوعاً، فبقي خالداً ما خلد الدهر وباقياً ما بقي الزمان، فنوّرت الكتب صحائفها بذكر مدائحه وتبيين فضائله ومكارمه.

وقبل أنْ نقدّم لقارئنا الكريم طائفة من كلمات علماء وأعلام أهل السنّة في مدح الإمام والثناء عليه، نعرض إلمامة سريعة بحياته سلام الله عليه:

-هو: علي بن محمّد الجواد، بن علي الرضا، بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمّد الباقر، بن علي زين العابدين، بن الحسين الشهيد، بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ).

-وُلِدَ ( عليه السلام ) : بصريا (1) من المدينة للنصف من ذي الحجّة، سنة: اثنتي عشرة ومئتين (15/ ذو الحجّة/212هـ) (2) ، و ( روي أنّه وُلِد في سنة: أربع عشرة

____________________

(1) صريا: قرية أسّسها الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) على ثلاثة أميال من المدينة، ( مناقب آل أبي طالب ) لابن شهر آشوب: 4/382، دار الأضواء.

(2) الإرشاد للمفيد: 2/297، مؤسّسة آل البيت.


ومئتين) (214هـ) (1) .

-اسم أُمّه على ما رواه أصحاب الحديث: سُمانة، وكانت من القانتات (2) .

-ألقابه: النجيب، المرتضى، الهادي، النقيّ، العالم، الفقيه، الأمين المُؤْتَمَن، الطيّب، المتوكّل، العسكري، ويُقال له: أبو الحسن الثالث... (3) .

-تسلّم إمامة المسلمين: في سنة: (220هـ) عند وفاة أبيه محمّد الجواد ( عليه السلام )، وكان في مقتبل عمره الشريف حيث كان يبلغ من العمر ثماني أو ست سنوات على اختلاف الروايات.

-كانت مدّة إمامته: (33 سنة) (4) ، عاصر خلالها ستّة من خلفاء بني العبّاس، وهم: المعتصم، الواثق، المتوكّل، المنتصر، المستعين، المعتز (5) .

-خاف المتوكّل من نشاط الإمام: وتحرّكاته الرامية إلى نشر الحقّ، فبعث إليه يحيى بن هرثمة لحمله من المدينة إلى سامرّاء (6) ، وكان ذلك في حدود سنة: (234هـ) (7) .

____________________

(1) أصول الكافي للكليني: 1/572، دار التعارف للمطبوعات.

(2) عيون المعجزات: 130.

(3) مناقب آل أبي طالب: 4/401، دار الأضواء، بيروت.

(4 ) انظر: ( الإرشاد ) للمفيد: 2/297.

(5) انظر: ( إعلام الورى ) للطبرسي: 2/109، كما أنّ ذلك يتّضح جليّاً لمَن يلاحظ تاريخ تولّي هؤلاء الخلافة وتاريخ وفاتهم.

(6) انظر: خبر رحيل الإمام في ( الإرشاد ) للمفيد: 2/309. مؤسّسة آل البيت.

(7) على ما يظهر من ابن شهر آشوب في ( المناقب ): 4/401، حيث ذكر أنّ مدّة بقاء الإمام في سامرّاء كانت (20) سنة، ومعلوم أنّ وفاة الإمام ( عليه السلام ) كانت سنة: (254هـ)، فيكون حمله إلى المدينة في سنة: (234هـ).


-تعرّض الإمام ( عليه السلام ): إلى حالات عديدة من الاضطهاد من الحكومة العبّاسيّة (1) ، كما أنّه زُجّ - فترة من حياته - في ظلمات السجون (2) .

-بقي ( عليه السلام ): في سامراء إلى أنّ استشهد ( عليه السلام ) في الثالث من رجب سنة: (254هـ) (3) .

-دُفِنَ ( عليه السلام ): في داره (4) ، ومشهده اليوم معروف في سامرّاء، تختلف إليه العامّة والخاصّة.

____________________

(1) انظر: مثلاً ( الإرشاد ) للمفيد: 2/311.

(2) انظر مثلا: ( إعلام الورى ): 2/245 - 246.

(3) انظر: تاريخ وفاته في ( المناقب ): 4/401.

(4) الإرشاد للمفيد: 2/311، مؤسّسة آل البيت.


الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السُنّة

نستعرض في هذا الفصل جانباً ممّا ذكره علماء وأعلام أهل السُنّة في مدح الإمام علي الهادي ( عليه السلام ):

1 - أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت: 250 هـ):

ذكر الإمام الهادي ( عليه السلام ) في رسائله عند مدْحه لعشرة مِن الأئمّة في كلام واحد عند ذكره الردّ على ما فخرتْ به بنو أميّة على بني هاشم فقال: ( ومنِ الذي يُعَدُّ مِنْ قريش ما يَعُدُّه الطالبيّون عَشَرة في نسق؛ كلّ واحد منهم: عالم، زاهد، ناسك، شجاع، جواد، طاهر، زاكٍ، فمنهم خلفاء، ومنهم مُرشحون: ابن ابن ابن ابن، هكذا إلى عشرة، وهم الحسن [ العسكري ] بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي ( عليهم السلام )، وهذا لم يتّفق لبيت من بيوت العرب ولا من بُيوت العجم ) (1) .

2 - شهاب الدين أبو عبد الله، ياقوت بن عبد الله الحموي (ت: 626هـ):

قال في كتابه ( معجم البلدان ) عند ذكره لمدينة عسكر سامرّا: ( وهذا العسكر يُنسب إلى المعتصم، وقد نُسب إليه قوم من الأجلاّء، منهم: علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، يُكنّى أبا الحسن الهادي، وُلِد بالمدينة ونُقل إلى سامرّا، وابنه الحسن بن علي وُلِد بالمدينة أيضاً ونقل إلى سامّرا؛ فسُمِّيا بالعسكريّين لذلك، فأمّا علي فمات في رجب سنة: 254هـ،

____________________

(1) رسائل الجاحظ: 106، جمعها ونشرها حسن السندوبي، المكتبة التجاريّة الكبرى، مصر.


ومقامه بسامرّا عشرين سنة، وأمّا الحسن فمات بسامرّا أيضاً سنة: (260هـ)، ودُفِنَا بسامرّا، وقبورهما مشهورة هناك، ولولدهما المنتظر هناك مشاهد معروفة ) (1) .

3 - العلاّمة العارف الشيخ محيي الدين ابن عربي (ت: 638 هـ):

قال في ( المناقب ): ( وعلى الداعي إلى الحقّ أمين الله على الخلْق، لسان الصدق، وباب السلْم، أصل المعارف، ومنبت العلم، منجي أرباب المعادات، ومنقذ أصحاب الضلالات والبدعات، إنسان عين الإبداع، أنموذج أصول الاختراع، مهجة الكونين ومحجّة الثقلين، مفتاح خزائن الوجوب، حافظ مكان الغيوب، طيّار جوّ الأزل والأبد، علي بن محمّد عليه صلوات الله الملك الأحد ) (2) .

4 - محمّد بن طلحة الشافعي المتوفّى سنة: (ت: 652 هـ):

قال في ( مطالب السؤول ): ( وأمّا مناقبه: فمنها ما حلّ في الآذان محلّ حلاها بأشنافها، واكتنفتْه شَغَفَاً به اكتناف اللئالئ الثمينة بأصدافها، وشهد لأبي الحسن أنّ نفسه موصوفة بنفائس أوصافها، وأنّه نازلة من الدوحة النبويّة في ذرى أشرافها، وشرفات أعرافها... ) (3) .

____________________

(1) معجم البلدان: ج5 - 6، ص328، دار إحياء القرآن العربي، مؤسّسة التاريخ العربي.

(2) شرح إحقاق الحقّ للسيّد المرعشي: 29/48، عن ( المناقب ) المطبوع في آخر ( وسيلة الخادم ) لفضل الله بن روزبهان: 297 ط. قم.

(3) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 2/144 - 145، مؤسّسة أمّ القرى للتحقيق والنشر.


5 - ابن أبي الحديد المعتزلي (ت: 655 هـ):

نقل ما تقدّم مِن كلام الجاحظ عند مدْحه لعشرة مِن أئمّة أهل البيت (1) ، مقرّاً له عليه بدلالة قوله في أوّل البحث: ( ونحن نذكر ما أجاب به أبو عثمان عن كلامهم، ونضيف إليه مِن قِبلنا أموراً لم يذكرها فنقول... ) (2) .

6 - ابن خِلّكان (ت: 681 هـ):

قال في ( وفيات الأعيان ): ( أبو الحسن علي الهادي بن محمّد الجواد بن علي الرضا المقدّم ذكره، وهو حفيد الذي قبله، فلا حاجة إلى رفع نسبه، ويُعرف بالعسكري، وهو أحد الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة، كان قد سُعي به إلى المتوكّل، وقيل: إنّ في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته، وأوهموه أنّه يطلب الأمر لنفسه، فوجّه إليه بعدّة من الأتراك ليلاً، فهجموا عليه في منزله على غفلة، فوجدوه وحده في بيت مغلق، وعليه مدرعة من شعر، وعلى رأسه ملحفة من صوف، وهو مستقبل القبلة يترنّم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، ليس بينه وبين الأرض بساط إلاّ الرمل والحصى، فأُخذ على الصورة التي وُجد عليها، وحُمل إلى المتوكّل في جوف الليل، فَمَثَلَ بين يديه والمتوكّل يستعمل الشراب وفي يده كأس، فلمّا رآه، أعظمه وأجلسه إلى جنبه، ولم يكن في منزله شيء ممّا قيل عنه، ولا حالة يُتعلّق عليه بها، فناوله المتوكّل الكأس الذي كان بيده، فقال: يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: 15 / 278. دار الكتب العلميّة، المصوّرة على طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.

(2) المصدر نفسه: 270.


قط، فاعفني منه.

فأعفاه ، وقال: أنشدني شعراً أستحسنه.

فقال: إنّي لقليل الرواية للشعر.

قال: لا بدّ أنْ تنشدني،

فأنشده:

بَاتُوا على قُلَلِ الأَجْبَالِ تَحْرُسُهُم

غُلْبُ الرِجَال فَمَا أَغْنَتْهُمُ القللُ

وَاسْتَنْزَلُوا بَعْدَ عِزٍّ مِنْ مَعَاقِلِهِم

فَأُوْدِعُوْا حُفَرَاً يَا بِئْسَ مَا نَزَلُوْا

نَادَاهُمُ صَارِخٌ مِنْ بَعْدِ مَا قُبِرُوْا

أَيْنَ الأَسِرَّةُ وَالتِيْجَانُ وَالحُلَلُ

أَيْنَ الوُجُوْهُ التِي كَانَتْ مَنَعَّمَةً

مِنْ دُوْنِهَا تُضْرَبُ الأَسْتَارُ وَالْكِلَلُ

فَأَفْصَحَ القَبْرُ عَنْهُمْ حِيْنَ سَاءَلَهُمْ

تِلْكَ الوُجُوْهُ عَلَيْهَا الدُوْدُ يَقْتَتِلُ

قَدْ طَالَ مَا أَكَلُوا دَهْرَاً وَمَا شَرِبُوْا

فَأَصْبَحُوا بَعْدَ طُوْلِ الأَكْلِ قَدْ أُكِلُوْا

قال:

فأشفق مَن حضر على علي، وظنّ أنّ بادرة تبدر إليه، فبكى المتوكّل بكاءً كثيراً حتّى بلّت دموعُه لحيتَه، وبكى مَن حضره، ثمّ أمر برفع الشراب، ثمّ قال: يا أبا الحسن أعليك دَين؟

قال: نعم، أربعة آلاف دينار. فأمر بدفْعها إليه، وردّه إلى منزله مُكرَّم ) (1) .

7 - أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن علي (ت: 732 هـ):

قال في ( تاريخه ): ( وفي هذهِ السَنَة: [ أي 254هـ ]... تُوفِّي علي الهادي وعلي التقي وهو أحد الأئمّة الإثني عشر عند الإماميّة، وهو علي الزكي بن محمّد الجواد المقدّم ذكره في سنة: عشرين ومئتين، وكان علي المذكور قد سُعِيَ به إلى المتوكّل أنّ عنده كتباً وسلاحاً، فأرسل المتوكّل جماعة من الأتراك، وهجموا عليه ليلاً على غفلة، فوجدوه في بيت مغلق، وعليه مَدْرَعَة مِن شعر، وهو مستقبل القبلة، يترنّم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، ليس

____________________

(1) وفيات الأعيان: 3/238، دار الكتب العلميّة.


بينه وبين الأرض بساط إلاّ الرمل والحصى... الخ ) (1) .

8 - شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: 748 هـ):

قال في ( تاريخ الإسلام ): ( علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن زين العابدين، السيّد الشريف، أبو الحسن العلويّ الحسينيّ الفقيه، أحد الاثني عشر، وتلقّبه الإماميّة الهادي... تُوفِّي علي رحمه الله سنة: أربع وخمسين، وله أربعون سنة ) (2) .

وقال في ( العبر ): ( وفيها [ أي سنة: 254 تُوفِّي ]: أبو الحسن علي بن الجواد محمّد، بن الرضا علي، بن الكاظم موسى... العلويّ الحسينيّ المعروف بالهادي.

تُوفَِّي بسامرّاء وله أربعون سنة، وكان فقيهاً إماماً متعبّداً ) (3) .

وقال عنه في ( السير ): ( شريف جليل ) (4) .

9 - ابن الوردي، زين الدين عمر بن المظفر (ت: 749 هـ):

قال في ( تاريخه ): ( علي الملقّب بالزكيّ وبالهاديّ وبالتقيّ، أحد الأئمّة الاثني عشر على رأي الإماميّة، وهو ابن الجواد، كان قد سُعي به إلى المتوكّل، أنّ عنده كتباً وسلاحاً، فأرسل إليه الأتراك ليلاً، على غفلةٍ، فوجدوه في بيت مغلق، وعليه مدرعة شعر، مستقبل القبلة، يترنّم بآيات في الوعد والوعيد، ليس بينه وبين الأرض إلاّ الرمل والحصى... الخ ) (5) .

____________________

(1) تاريخ أبي الفداء: مجلّد1، ج2، ص44، مكتبة المتنبّي، القاهرة.

(2) تاريخ الإسلام: وفيات سنة: 251 - سنة: 260 ص218، دار الكتاب العربي.

(3) العبر في أخبار مَن غبر: 1/364، دار الكتب العلميّة.

(4) سير أعلام النبلاء: 13/ 121، مؤسّسة الرسالة.

(5) تاريخ ابن الوردي: 1/318، منشورات المطبعة الحيدريّة في النجف الأشرف.


10 - صلاح الدين الصفدي (ت: 764 هـ):

قال في ( الوافي بالوفيات ): ( هو أبو الحسن الهادي بن الجواد بن الرضا بن الكاظم بن الصادق بن الباقر بن زين العابدين، أحد الأئمّة الإثني عشر، عند الإماميّة. كان قد سُعي به إلى المتوكّل، وقيل: إنّ في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته، وأوهموه أنّه يَطلب الأمر لنفسه، فوجّه إليه عدّة من الأتراك، فهجموا [ فهاجموا ] منزله على غفلة، فوجدوه في بيت مغلق، وعليه مدرعة من شعر، وعلى رأسه ملحفة من صوف، وهو مستقبل القبلة، يترنّم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، ليس بينه وبين الأرض بساط إلاّ الرمل والحصى... ) (1) إلى آخر القصّة التي تقدّمت مراراً، بما فيها الأبيات الشعريّة التي قرأها الإمام على المتوكّل.

11 - اليافعي عبد الله بن أسعد (ت: 768 هـ):

قال في ( مرآة الجنان ): ( فيها [ سنة: 254 ] تُوفِّي العسكري أبو الحسن الهادي بن محمّد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلويّ الحسينيّ، عاش أربعين سنة، وكان متعبّداً فقيهاً إماماً... وكان قد سُعي به إلى المتوكّل... ) (2) . وذكر القصّة المتقدّمة.

12 - ابن كثير الدمشقي (ت: 774 هـ):

قال في ( البداية والنهاية ): ( وأمّا أبو الحسن علي الهادي [ فهو ] ابن محمّد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب، أحد الأئمّة

____________________

(1) الوافي بالوفيات: 22/72.

(2) مرآة الجنان وعبرة اليقظان: 2/119، دار الكتب العلميّة.


الاثني عشر... وقد كان عابداً زاهداً... وقد ذكر للمتوكّل أنّ بمنزله سلاحاً وكتباً كثيرة من الناس، فبعث كَبْسَةً فوجدوه جالساً مستقبل القبلة، وعليه مدرعة من صوف، وهو على التراب، ليس دونه حائل، فأخذوه كذلك... ) (1) .

13 - محمّد خواجه بارساي البخاري (ت: 822 هـ):

قال عن الإمام ( عليه السلام ): ( وكان أبو الحسن علي الهادي عابداً فقيهاً إماماً، قيل للمتوكّل: إنّ في منزله أسلحة يطلب الخلافة، فوجّه رجالاً هجموا عليه فدخلوا داره، فوجدوه في بيته وعليه مدرعة من شعر، وعلى رأسه الشريف مَلْحَفَة من صوف، وهو مستقبل القبلة، ليس بينه وبين الأرض بساط إلاّ الرمل والحصى... الخ ) (2) .

14 - ابن الصبّاغ المالكي (ت: 855 هـ):

قال في ( الفصول المهمّة ): ( قال بعض أهل العلم: فَضْل أبي الحسن علي بن محمّد الهادي قد ضرب على الحرّة قبابه، ومدّ على نجوم السماء أطنابه، فما تُعدّ منقبة إلاّ وإليه نحيلتها، ولا تُذكر كريمة إلاّ وله فضيلتها، ولا تُورد محمدة إلاّ وله تفضلها وجملتها، ولا تُسْتعظم حالة سُنَنِيَّة إلاّ وتظهر عليه أدلّتها، استحقّ ذلك؛ بما في جوهر نفسه من كرم تفرّد بخصائصه، ومجد حكم فيه على طبعه الكريم، بحفظه من الشرب حفظ الراعي لقلايصه، فكانت نفسه مهذّبة، وأخلاقه مستعذبة، وسيرته عادلة، وخلاله فاضلة، وميازه إلى العفاة واصلة، وزموع المعروف بوجود وجوده عامرة آهلة، جرى من الوقار والسكون

____________________

(1) البداية والنهاية: 11/19، مؤسّسة التاريخ العربي.

(2) ذكره القندوزي الحنفي في ( ينابيع المودّة ): 2/463.


والطمأنينة والعفّة والنزاهة والخمول في النباهة على وتيرة نبويّة، وشنشنة علويّة، ونفس زكيّة، وهمّة عَلِيَّة، لا يفارقها بها أحد من الأنام ولا يدانيها، وطريقة حسنة لا يشاركه فيها خلق، ولا يُطمع فيها ) (1) .

15 - محمّد بن طولون (ت: 953 هـ):

قال في كتابه ( الأئمّة الاثنا عشر ): ( وعاشرهم ابنه علي، وهو أبو الحسن علي الهادي، بن محمّد الجواد، بن علي الرضا، بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمّد الباقر، بن علي زين العابدين، بن الحسين، بن علي، بن أبي طالب، رضي الله عنهم، المعروف بالعسكري عند الإماميّة.

كان قد سُعي به عند المتوكّل، وقيل: إنّ في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته، وأوهموه أنّه يطلب الأمر لنفسه، فوجّه إليه بعدّة من الأتراك، فهجموا عليه في منزله على غفلة، فوجدوه وحده في بيت مغلق، وعليه مدرعة من شعر، وعلى رأسه ملحفة من صوف، وهو مستقبل القبلة، يترنّم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، ليس بينه وبين الأرض بساط إلاّ الرمل والحصى... ) (2) .

16 - ابن حجر الهيتمي (ت: 974 هـ):

قال في ( الصواعق المحرقة ): ( وتُوفِّي [ الجواد ]... وعمره خمس وعشرون سنة... عن ذَكَرَيْن وبِنْتَيْن، أجلّهم علي العسكري: سُمّي بذلك؛ لأنّه لَمّا وجّه

____________________

(1) الفصول المهمّة: 270.

(2) الأئمّة الاثنا عشر: 107 - 108، منشورات الشريف الرضي المصوّرة على طبعة دار صادر، بيروت.


لإشخاصه من المدينة النبويّة إلى ( سرّ مَن رأى )، وأسكنه بها، وكانت تسمّى العسكر، فعُرف بالعسكري، وكان وارث أبيه علماً وسخاءً ) (1) .

17 - القرماني أحمد بن يوسف (ت: 1019 هـ):

قال في ( أخبار الدول ): ( وأمّا مناقبه فنفيسة وأوصافه شريفة... ) (2) .

18 - ابن العماد الحنبلي (ت: 1089 هـ):

قال في ( شذرات الذهب ) وهو يتكلّم عن وفيات سنة: (254 هـ): ( وفيها أبو الحسن علي، بن الجواد محمّد، بن الرضا علي، بن الكاظم موسى، بن جعفر الصادق، العلوي الحسني (3) المعروف بالهادي، كان فقيهاً إماماً متعبّداً... ) (4) .

19 - عبد الله الشبراوي (ت: 1171 هـ):

قال في ( الإتحاف بحبّ الأشراف ): ( العاشر من الأئمّة علي الهادي، وُلِد رضي الله عنه بالمدينة، في رجب، سنة: أربع عشرة ومئتين، وكراماته كثيرة ) (5) .

20 - محمّد أمين السويدي البغدادي (ت: 1246 هـ):

قال في ( سبائك الذهب ): ( وُلِدَ: بالمدينة، وكنيته: أبو الحسن، ولقبه: الهادي... ومناقبه كثيرة ) (6) .

____________________

(1) الصواعق المحرقة: 312، دار الكتب العلميّة.

(2) أخبار الدول وآثار الأول: 1/349، عالم الكتب.

(3) كذا في المصدر، وهو خطأ والصواب الحسيني.

(4) شذرات الذهب: 2/272، دار الكتب العلميّة.

(5) الإتحاف بحبّ الأشراف: 136، منشورات الشريف الرضي المصوّرة على النسخة المطبوعة بالمطبعة الأدبيّة بمصر.

(6) سبائك الذهب: 77، المكتبة العلميّة.


21 - الشيخ مؤمن الشبلنجي (ت: 1308 هـ):

قال في ( نور الأبصار ): ( فصل: في ذكر مناقب سيّدنا علي الهادي، بن محمّد الجواد، بن علي الرضا، بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمّد الباقر، بن علي زين العابدين، بن الحسين، بن علي، بن أبي طالب، رضي الله عنه.. ومناقبه رضي الله عنه كثيرة، قال في الصواعق: كان وارث أبيه علْماً ومنحاً (1) .. ) (2) .

22 - الشريف علي فكري الحسيني القاهري (ت: 1372 هـ):

قال في ( أحسن القصص ): ( نسبه: هو سيّدنا علي الهادي، بن محمّد الجواد، بن علي الرضا، بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمّد الباقر، بن علي زين العابدين، بن الحسين، بن علي، بن أبي طالب، رضي الله عنهم.

وأُمّه: أُمّ وَلَد، يُقال لها: سمانة المغربيّة.

مولده: وُلد أبو الحسن الهادي بالمدينة، في رجب، سنة: أربع عشرة ومئتين للهجرة ).

وقال أيضاً في ص301: ( كان أبو الحسن العسكري وارث أبيه علماً ومنحاً، وكان فقيهاً فصيحاً جميلاً مهيباً، وكان أطيب الناس بهجةً، وأصدقهم لهجةً ) (3) .

23 - خير الدين الزركلي (ت: 1396 هـ):

قال في كتابه ( الأعلام ): ( علي الملقّب بالهادي، بن محمّد الجواد، بن علي الرضي، بن موسى بن جعفر الحسيني الطالبي: عاشر الأئمة الاثني عشر عند

____________________

(1) الموجود في الصواعق المطبوع ( علْماً وسخاءً )، انظر: ( الصواعق المحرقة ): 312، دار الكتب العلميّة.

(2) نور الأبصار: 181، طبعة دار الفكر، الطبعة المصوّرة على الطبعة المصريّة لسنة: 1948م.

(3) شرح إحقاق الحقّ للسيّد المرعشي: 29 /32، عن ( أحسن القصص ): 4/ 300، دار الكتب العلميّة، بيروت.


الإمامية، وأحد الأتقياء الصلحاء، ولد بالمدينة، ووشي به إلى المتوكّل العبّاسي... ) (1) .

24 - السيّد محمّد عبد الغفّار الهاشمي الحنفي:

قال في ( أئمّة الهدى ): ( فلمّا ذاعت شهرته [ أي الهادي ( عليه السلام ) ] استدعاه الملك المتوكّل من المدينة المنوّرة؛ حيث خاف على ملكه وزوال دولته إليه بما له من علم كثير، وعمل صالح وسداد رأي، وقول حقّ، وأسكنه بدار ملكه بالعراق في عاصمة ( سامراء )، وأخيراً دسّ له السم؛ وتُوفِّي منه يوم الاثنين، في 25 من جمادى الآخرة، سنة: 254، وكان عمره إذ ذاك الوقت 40 سنة، ومدّة إمامته 30 سنة، ودُفِنَ بداره في ( سامراء ) التي هي خَرِبَة الآن، إلاّ من فئة قليلة من العرب. وعلى مرقده قبّة جميلة، رضي الله عنه وعليه السلام ) (2) .

25 - محمود بن وهيب البغدادي:

قال في ( جوهرة الكلام ): ( هو علي الهادي، بن محمّد الجواد، بن علي الرضا، بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمّد الباقر، بن علي زين العابدين، بن الحسين، بن علي، بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين... قال في الصواعق: وكان وارث أبيه علماً وسخاءً ).

وبعد أنْ فصّل الحديث عنه ( عليه السلام )، قال: ( اللّهمّ إنّا نسألك بهؤلاء، أهل بيت رسولك، أنْ تنوّر قلوبنا بالتمام، وتشرح صدورنا للإسلام، وتحيينا على دين

____________________

(1) الأعلام: 4/323، دار العلم للملايين.

(2) شرح إحقاق الحقّ للسيّد المرعشي: 12/445، عن ( أئمّة الهدى ): 136، القاهرة.


هؤلاء الكرام، وتُمِيْتَنَا على ملّة رسولك عليه الصلاة والسلام، وعلى آله وأصحابه السادة الأعلام، والتابعين لهم إلى يوم المقام ) (1) .

26 - الشيخاني:

قال في ( الصراط السويّ ): ( وكان علي العسكري صاحب وقار وسكون وهيبة وطمأنينة، وعفّة ونزاهة، وكانت نفسه زكيّة وهمّته عليّة، وطريقته حسنة مرضيّة، رضي الله تعالى عنه وعن سَلَفه وخَلَفه ) (2) .

27 - عبد السلام الترمانيني:

قال في ( أحداث التاريخ الإسلامي ): ( هو علي، الملقّب بالهادي ابن محمّد الجواد... كان على جانب عظيم من التقوى والصلاح ) (3) .

28 - عارف أحمد عبد الغني:

قال في كتابه ( الجوهر الشفّاف في أنساب السادة الأشراف ) عند ذكره للإمام الهادي ( عليه السلام ): ( كان في غاية الفضل ونهاية النُبل، أشخصه المتوكّل ( الخليفة ) إلى (سرّ مَن رأى)، فأقام بها إلى أنْ تُوفّي ) (4) .

29 - يونس أحمد السامرائي:

في كتابه ( سامراء في أدب القرن الثالث ) الذي طُبع بمساعدة جامعة بغداد،

____________________

(1) أئمّتنا لمحمّد علي دخيل: 2/256، عن ( جوهرة الكلام ): 154.

(2) قادتنا كيف نعرفهم للسيّد الميلاني: 7/60، عن ( الصراط السوي ): 409 ( مخطوط ).

(3) أحداث التاريخ الإسلامي: المجلّد الأوّل/ ج2/ ص131. أحداث سنة: 254 هـ.

(4) الجوهر الشفّاف في أنساب السادة الأشراف: 1/160 دار كتاب للطباعة والنشر.


قال وهو يتكلّم عن نسبة العسكري إلى سامرّاء: ( فالعسكري: نسبة إلى العسكر، وهو كما مرّ بنا من أسماء سامرّاء... ) إلى أنْ قال: ( وقد حَمَل هذهِ النسبة جماعة من الأجلاّء منهم: أبو الحسن علي الهادي بن محمّد الجواد العسكري، وابنه الحسن العسكري، وأبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري وهو المهدي المنتظر ) (1) .

وقال في موضع آخر: ( كما تُوفّي فيها ودُفن عدد غير قليل من الأفاضل والعلماء المحدّثين والقضاة واللغويّين و... منهم: أبو الحسن علي بن محمّد العسكري، وابنه أبو محمّد الحسن بن علي العسكري والد المنتظَر (2) .

والكلمات في الإمام الهادي ( عليه السلام ) عديدة متكاثرة نكتفي بما ذكرناه؛ توخّياً للاختصار.

____________________

(1) سامرّاء في أدب القرن الثالث الهجري: 46، مطبعة الإرشاد، بغداد.

(2) المصدر نفسه: 70.


الفصل العاشر

الحادي عشر من أئمّة أهل البيت

العسكري

الحسن بن علي عليه السلام



نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام

نفس طيّبة طاهرة، وأخلاق كريمة فاضلة، وسيرة محمّديّة ظاهرة، تلك هي قبسات من شخصيّة أبي محمّد العسكري سلام الله عليه، أحد أركان البيت النبوي وسليل العترة المطهّرة.

كان ( عليه السلام ) كآبائه الطاهرين نوراً يشعّ على الوجود بإشراقاته المقدّسة، ومنبعاً يفيض على العالمين بعطائه الثرِّ.

كان مرآة يعكس على الوجود النور المحمّدي الأصيل ويضيء طريق الظلام بحسن سلوكه المقدّس.

ولنترك الكلام لأحد مبغضي أهل هذا البيت، ونرى ماذا يحدّثنا عن الإمام العسكري ( عليه السلام ).

إنّه أحمد بن عُبيد الله بن خاقان أحد رجال الحكومة العبّاسيّة، كان متولّياً لشؤون الضياع والخراج بـ ( قم ) ، وقد جرى في مجلسه يوماً ذكر العَلَوِيّة (1) ومذاهبهم، وكان شديد النّصب والانحراف عن أهل البيت ( عليه السلام )، فقال: ما رأيتُ ولا عرفتُ بـ ( سرّ مَن رأى ) من العلويّة مثل الحسن بن علي بن محمّد بن الرضا في هديه وسلوكه وعفافه ونُبله وكبرته عند أهل بيته وبني هاشم كافّة، وتقديمهم إيّاه على ذوي السنّ منهم والخطر. وكذلك كانت حاله عند القوّاد والوزراء وعامّة الناس. فأذكرُ أنّني كنتُ يوماً قائماً على رَأْس أبي وهو يوم مَجْلسه للناس، إذ دخل حُجّابُه، فقالوا: أبو محمّد بن الرضا بالباب، فقال بصوت عالٍ: ائذنوا له، فتعجبتُ ممّا سمعتُ منهم ومِن جسارتهم أنْ يُكنّوا

____________________

(1) أي ذكر العلويّين.


رجلاً بحضرة أبي، ولم يكن يُكنَّى عنده إلاّ خليفة أو ولي عهد أو مَنْ أقرّ السلطان أنْ يُكنّى. فدخل رجلٌ أسمر حسنُ القامة جميل الوجه، جيّد البدن، حديثُ السنّ، له جلالة وهيئة حسنة، فلمّا نظر إليه أبي قام فمشى إليه خُطىً، ولا أَعْلَمُهُ فَعَل هذا بأحد من بني هاشم والقوّاد، فلمّا دَنَا منه عانقه وقبّل وجهه وصدره وأخذ بيده وأجلسه على مصلاّه الذي كان عليه، وجلس إلى جنبه مُقْبِلاً عليه بوجهه، وجعل يكلّمه ويُفَدّيه بنفسه، وأنا متعجّب ممّا أرى منه، إذ دخل الحاجب فقال: الموفّق (1) قد جاء، وكان الموفّق إذا دخل على أبي يَقدِمُه حُجّابُه وخاصّةُ قوّاده، فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين إلى أنْ يدخل ويخرج، فلم يزل أبي مُقبلاً على أبي محمّد يُحدّثهُ حتّى نظر إلى غلمان الخاصّة (2) فقال حينئذ له: إذا شئت َ (3) جعلني الله فداك، ثمّ قال لحُجّابه: خذوا به خلف السماطين لا يراه هذا - يعني الموفّق - فقام، وقام أبي فعانقه ومضى.

فقلتُ لحجّاب أبي وغلمانه: ويلكم، مَنْ هذا الذي كَنَّيْتُمُوْهُ بحضرة أبي وفعلَ به أبي هذا الفعل؟

فقالوا: هذا علويّ، يُقال له: الحسن بن علي، يُعرَفُ بـ: ابن الرضا، فازددتُ تعجّباً، ولم أزل يومي ذلك قَلِقَاً مفكّراً في أمْره وأمْر أبي، وما رأيتُه منه، حتّى كان الليل، وكانت عادتُه أنْ يُصلّي العتمة، ثمّ يجلسُ فينظر فيما يحتاجُ إليه من المؤامرات وما يرفعه إلى السلطان.

____________________

(1) هو أبو أحمد بن المتوكّل العبّاسي، وأخو الخلفاء: المعتز، والمهدي، والمعتمد.

(2) أي الخدم المختصّون بخدمة الموفّق.

(3) أي أنْ تذهب.


فلمّا صلّى وجلس جئتُ فجلستُ بين يديه، وليس عنده أحد، فقال لي: يا أحمد، ألك حاجة؟

فقلتُ: نعم يا أبه، مَن الرجل الذي رأيتُك بالغداةِ فعلتَ به ما فعلتَ من الإجلال والكرامة والتبجيل، وفديتَه بنفسك وأبوَيك؟

فقال: يا بنيّ ذاك إمام الرافضة الحسن بن عليّ المعروف بابن الرضا، ثمّ سكت ساعة وأنا ساكت.

ثمّ قال: يا بُنيّ، لو زالت الإمامةُ عن خلفائنا بني العبّاس ما استحقّها أحد من بني هاشم غيره؛ لفضله، وعفافه، وهَدْيه، وصيانته، وزهده، وعبادته، وجميل أخلاقه، وصلاحه، ولو رأيتَ أباه، رأيتَ رُجلاً جزْلاً نبيلاً فاضلاً.

فازددتُ قلقاً وتفكّراً وغيظاً على أبي، وما سمعتُ منه وفيه، ورأيتُ مِن فعله به، فلم يكن لي همّة بعد ذلك إلاّ السؤال عن خبره والبحث عن أمره، فما سألت أحداً من بني هاشم والقُوّاد والكُتّاب والقضاة والفقهاء وسائر الناسِ إلاّ وجدتُه عنده في غاية الإجلال، والإعظام، والمحلّ الرفيع، والقول الجميل، والتقديم له على جميع أهل بيته ومشايخه، فعظُمَ قدره عندي إذْ لم أرَ له وَليّاً ولا عدوّاً إلاّ وهو يُحسنُ القول فيه والثناءَ عليه (1) .

ولذا خلد في ذاكرة التاريخ، وتناولته الأقلام مدحاً وثناءً، وقبل أنْ نذكر كلمات علماء أهل السُنّة في مدحه والثناء عليه، نعرض لقارئنا الكريم إلمامة سريعة بحياته سلام الله عليه:

-هو: الحسن بن علي الهادي، بن محمّد الجواد، بن علي الرضا، بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمّد الباقر، بن علي زين العابدين، بن الحسين

____________________

(1) انظر: الرواية في ( أصول الكافي ) للكليني: 1/ 578. دار التعارف للمطبوعات. و ( الإرشاد ) للمفيد: 2/321، مؤسّسة آل البيت.


الشهيد، بن علي، بن أبي طالب (عليهم السلام ).

-وُلِد ( عليه السلام ): في المدينة المنوّرة (1) في يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الآخر، سنة: اثنتين وثلاثين ومئتين (8/ ربيع2/ 232هـ) (2) .

-أمّهُ ( عليه السلام ): تُسمّى بـ ( سليل ) ، وقيل حديث، وكانت من العارفات الصالحات (3) .

-يُلقّب ( عليه السلام ): بالهادي والسراج والعسكري، وكان هو وأبوه وجدّه يُعرف كلٌّ منهم في زمنه بابن الرضا (4) . وكان يُكنّى ( عليه السلام ) بأبي محمّد (5) .

-تسلّم إمامة المسلمين: في سامراء بعد وفاة أبيه الهادي ( عليه السلام ) في سنة: (254هـ).

-كانت مدّة إمامته: ستَّ سنين (6) ، عاصر خلالها ثلاثة من خلفاء بني العبّاس وهم: المعتز، المهتدي، المعتمد (7) .

-قضى الإمام مدّة مِن حياته: في سجون الظالمين (8) .

-استشهد ( عليه السلام ): في زمن المعتمد العبّاسي في الثامن من ربيع الأوّل سنة:

____________________

(1) الإرشاد للمفيد: 2/313، مؤسّسة آل البيت.

(2) إعلام الورى للطبرسي: 2/131، مؤسّسة آل البيت.

(3) انظر: ( عيون المعجزات ): 134.

(4) إعلام الورى للطبرسي: 2/131، مؤسّسة آل البيت.

(5) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول لمحمّد بن طلحة الشافعي: 2/148، مؤسّسة أم القُرى.

(6) الإرشاد للمفيد: 2/313، مؤسّسة آل البيت.

(7) انظر: ( إعلام الورى ) للطبرسي: 2/131، مؤسّسة آل البيت، كما أنّ مَن يراجع تاريخ تولّي هؤلاء الخلافة وتاريخ وفاتهم يتّضح له الأمر جليّا.

(8) انظر مثلا: ( إعلام الورى ) للطبرسي: 2/140 - 141، مؤسّسة آل البيت.


(260هـ) (1) .

-دُفن ( عليه السلام ): في داره بسامرّاء في البيت الذي دُفن فيه أبوه ( عليه السلام ) (2) .

____________________

(1) انظر: تاريخ وفاته في ( إعلام الورى ) للطبرسي: 2/ 131. و( الإرشاد ) للمفيد: 2/ 313، مؤسّسة آل البيت.

(2) انظر: ( الإرشاد ): 2/ 313، مؤسّسة آل البيت.


الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السُنّة

نورد فيما يلي جانباً من كلمات علماء وأعلام أهل السُنّة وهي تشيد بمقام الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ):

1 - أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت: 250 هـ):

ذكر الإمام العسكري ( عليه السلام ) في رسائله عند مدحه لعشرة من الأئمّة في كلام واحد عند ذكْره الردّ على ما فخرت به بنو أميّة على بني هاشم، فقال: ( ومَنِ الذي يُعَدُّ مِنْ قريش ما يَعُدُّه الطالبيّون عَشَرة في نسق؛ كلّ واحد منهم: عالم، زاهد، ناسك، شجاع، جواد، طاهر، زاكٍ، فمنهم خلفاء، ومنهم مُرشّحون: ابن ابن ابن ابن، هكذا إلى عشرة، وهم الحسن [ العسكري ] بن علي، بن محمّد، بن علي، بن موسى، بن جعفر، بن محمّد، بن علي، بن الحسين، بن علي عليهم السلام، وهذا لم يتّفق لبيت من بيوت العرب ولا من بُيوت العجم ) (1) .

2 - شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحَمَويّ (ت: 626هـ):

جاء في كتابه ( معجم البلدان ) عند ذكره لمدينة عسكر سامرّاء: (.. وهذا العسكر يُنسب إلى المعتصم، وقد نُسب إليه قوم من الأجلاّء، منهم: علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، يُكنّى أبا الحسن الهادي... وابنه الحسن بن علي، وُلِد بالمدينة أيضاً ونُقل إلى سامرّاء؛ فسُمّيا بالعسكريّين لذلك، فأمّا علي فمات في رجب سنة: 254 ومقامه بسامرّاء عشرين سنة، وأمّا الحسن فمات بسامرّا أيضاً سنة: 260هـ، ودُفنا بسامرّا، وقبورهما مشهورة هناك، ولولدهما

____________________

(1) رسائل الجاحظ: 106، جمعها ونشرها حسن السندوبي المكتبة التجاريّة الكبرى، مصر.


المنتظر هناك مشاهد معروفة ) (1) .

3 - محمّد بن طلحة الشافعي (ت: 652 هـ):

قال في ( مطالب السؤول ): ( اعلم أنّ المنقبة العليا والمزيّة الكبرى التي خصّه الله بها، وقلّده فريدها، ومنحه تقليدها، وجعلها صفة دائمة لا يبلى الدهر جديدها، ولا تنسى الألْسنة تلاوتها وترديدها، أنّ المهدي محمّداً نسله المخلوق منه، وَوَلَده المنتسب إليه وبضعته المنفصلة عنه ) (2) .

4 - سبط ابن الجوزي (ت: 654 هـ):

قال في ( تذكرة الخواص ): ( هو الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب... وكان عالماً ثقة... ) (3) .

5 - ابن أبي الحديد المعتزلي (ت: 655 هـ):

نقل ما تقدّم من كلام الجاحظ عند مدْحه لعشرة من أئمّة أهل البيت (4) ، مقرّاً له عليه بدلالة قوله في أوّل البحث: ( ونحن نذكر ما أجاب به أبو عثمان عن كلامهم، ونضيف إليه من قِبِلنا أموراً لم يذكرها فنقول... ) (5) .

____________________

(1) معجم البلدان: مجلّد3، ج5 - 6، ص328. دار إحياء التراث العربي، مؤسّسة التاريخ العربي.

(2) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 2/148، مؤسّسة أمّ القرى.

(3) تذكرة الخواص: 324، مؤسّسة أهل البيت، بيروت.

(4) نقله في ( شرح نهج البلاغة ): 15 / 278، دار الكتب العلميّة، المصوّرة على طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.

(5) المصدر نفسه: 270


6 - عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي اليمني المكّي (ت: 768 هـ):

قال في ( مرآة الجنان ): ( وفيها [ أي سنة: 232 ]، وقيل سنة: ستّين، تُوفِّي الشريف العسكري الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، أحد الأئمّة الاثني عشر على اعتقاد الإماميّة، وهو والد المنتظر صاحب السرداب ) (1) .

7 - ابن الصبّاغ المالكي (ت: 855 هـ):

قال في ( الفصول المهمّة ): ( مناقب سيّدنا أبي محمّد الحسن العسكري دالّة على أنّه السري ابن السري، فلا يَشكّ في إمامته أحد، ولا يمتري، واعلم أنّه يبعث مكرمة فسواه بايِعها وهو المشتري، واحد زمانه من غير مدافع، ويسبح وحده من غير منازع، وسيّد أهل عصره، إمام أهل دهره، أقواله سديدة، وأفعاله حميدة، وإذا كانت أفاضل زمانه قصيدة فهو في بيت القصيدة، وإنْ انتظموا عقداً كان مكان الواسطة الفريدة، فارس العلوم الذي لا يُجارَى، ومبيّن غوامضها فلا يحاول ولا يُمَارَى، كاشف الحقائق بنظره الصائب، مظهر الدقائق بفكره الثاقب، المحدّث في سرّه بالأمور الخفيّات، الكريم الأصل والنفس والذّات، تغمّده الله برحمته وأسكنه فسيح جنّاته بمحمّد (ص) آمين ) (2) .

____________________

(1) مرآة الجنان: 2/81.، دار الكتب العلميّة، بيروت.

(2) الفصول المهمّة: 279، دار الأضواء، بيروت.


8 - نور الدين علي بن عبد الله السمهودي (ت: 911 هـ):

قال في ( جواهر العقدَين ): ( وأمّا ولده أبو محمّد الحسن الخالص، فكان عظيم الشأن... وقد سبقتْ له كرامة جليلة - لَمّا حَبَسَهُ - المعتمد على الله ابن المتوكّل العبّاسي ) (1) .

9 - أحمد بن الفضل بن محمّد باكثير الحضرمي الشافعي: (ت: 1047 هـ).

قال في ( وسيلة المآل ): ( أبو محمّد الحسن الخالص ابن علي العسكري، كان عظيم الشأن جليل المقدار... ووقع له مع المعتمد - لمّا حَبَسَه - كرامة ظاهرة مشهورة ) (2) .

10 - عبد الله بن محمّد بن عامر الشبراوي الشافعي (ت: 1171 هـ):

قال في ( الإتحاف بحبّ الأشراف ): ( الحادي عشر من الأئمّة الحسن الخالص ويلقّب أيضاً بالعسكري، وُلِد - رضي الله عنه - بالمدينة لثمان خلون من ربيع الأوّل، سنة: اثنتين وثلاثين ومئتين، وتُوفِّي - رضي الله عنه - يوم الجمعة لثمان خلون من ربيع الأوّل، سنة: ستّين ومئتين، وله من العمر ثمان وعشرون سنة، ويكفيه شرفاً أنّ الإمام المهدي المنتظر من أولاده، فلله درّ هذا البيت الشريف والنسب الخضيم المنيف، وناهيك به من فخار وحسبك فيه من علوّ مقدار، فهم جميعاً في كرم الأرومة وطيب الجرثومة كأسنان المشط متعادلون، ولسهام المجد مقتسمون، فيا له من بيت عالي الرتبة سامي المحلّة، فلقد

____________________

(1) جواهر العقدَين في فضل الشرفين: 448، دار الكتب العلميّة، بيروت.

(2) قادتنا كيف نعرفهم للسيّد الميلاني: 7/115، عن ( وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل ): 426.


طاول السماء عُلاً ونُبْلاً، وسما على الفرقدَين منزلةً ومحلاًّ، واستغرق صفات الكمال فلا يُستثنى فيه بغير ولا بإلاّ، انتظم في المجد هؤلاء الأئمّة انتظام اللآلي، وتناسقوا في الشرف فاستوى الأوّل والتالي، وكم اجتهد قومٌ في خفْض منارهم والله يرفعه، وركبوا الصعب والذلول في تشتيت شَمْلهم والله يجمعه، وكم ضيّعوا من حقوقهم ما لا يهمله الله ولا يضيعه. أحيانا اللهُ على حبّهم وأماتنا عليه، وأدخلنا في شفاعة مَن ينتمون في الشرف إليه صلّى الله عليه وسلّم، وكانت وفاته بسرّ مَن رأى، ودُفن بالدار التي دُفن فيها أبوه ) (1) .

11 - العبّاس بن نور الدين المكّي (ت: 1180 هـ):

قال في ( نزهة الجليس ): ( أبو محمّد الإمام الحسن العسكري: نسبه أشهر من القمر ليلة أربعة عشر، يُعرف هو وأبوه بالعسكري، وأمّا فضائله فلا يحصرها اللَّسَن... ) (2) .

12 - الشيخ مؤمن الشبلنجي (ت: بعد 1308 هـ):

قال في ( نور الأبصار ): ( فصل في ذكر مناقب الحسن الخالص بن علي الهادي.. رضي الله عنهم... ومناقبه رضي الله عنه كثيرة... ).

إلى أنْ قال: ( تتمّة في الكلام على وفاته وولده رضي الله عنه، في الفصول المهمّة: ولمّا ذاع خبر وفاته ارتجّت سرّ مَن رأى، وقامت صيحة واحدة، وعُطّلتْ الأسواق، وغلّقتْ الدكاكين، وركب بنو هاشم والكتّاب والقضاة والمعدلون وسائر الناس إلى جنازته، فكانت سرّ مَن رأى يومئذ شبيهة بالقيامة، فلمّا فرغوا من تجهيزه

____________________

(1) الإتحاف بحبّ الأشراف: 178 - 179، منشورات الرضي، الطبعة المصوّرة على النسخة المطبوعة بالمطعبة الأدبيّة بمصر.

(2) حياة الإمام الحسن العسكري للقرشي: 69، عن ( نزهة الجليس ): 2/184.


بعث الخليفة إلى أبي عيسى بن المتوكّل ليصلّي عليه، فصلّى عليه ودُفن في البيت الذي دُفن فيه أبوه مِن دارهما بسرّ مَن رأى، وكانت وفاة أبي محمّد الحسن بن علي في يوم الجمعة لثمان خلوْنَ من شهر ربيع الأوّل، سنة: ستّين ومئتين، وخلّف من الوُلْد ابنه محمّد ) (1) .

13 - يوسف النبهاني (ت: 1350 هـ):

قال في ( جامع كرامات الأولياء ): ( الحسن العسكري أحد أئمّة ساداتنا أهل البيت العظام، وساداتهم الكرام، رضي الله عنهم أجمعين، ذَكَرَه الشبراوي في الإتحاف بحبّ الأشراف، ولكنّه اختصر ترجمته ولم يذكر له كرامات، وقد رأيتُ له كرامة بنفسي... ) (2) .

14 - علي جلال الحسيني (ت: 1351 هـ):

قال: (أبو محمّد الحسن الزكي، ويُقال له العسكري أيضاً، وُلِد في سنة: 232، وكان أوحد زمانه في الفضل والعفاف، والزهد والعبادة... ) (3) .

15 - الشريف علي بن الدكتور محمّد عبد الله فكري الحسيني القاهري (ت: 1372 هـ):

قال في ( أحسن القصص ): ( نسبه: هو سيّدنا الحسن الخالص، بن علي الهادي، بن محمّد الجواد، بن علي الرضا، بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمّد الباقر، بن علي زين العابدين، بن الحسين، بن علي، بن أبي طالب

____________________

(1) نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار: 183 - 185، طبعة دار الفكر، الطبعة المصوّرة على الطبعة المصريّة لسنة: 1948م.

(2) جامع كرامات الأولياء: 2/ 21 - 22، دار الفكر للطباعة والنشر.

(3) أئمّتنا لمحمّد علي دخيل:2/312 - 313، عن ( الحسين ):2/207.


رضي الله عنهم. وأمّه أمّ ولد، يُقال لها: حديث، وقيل: سوسن ).

إلى أنْ قال: ( مولده: وُلِدَ أبو محمّد الخالص بالمدينة لثمان خلتْ من شهر ربيع الآخر، سنة: اثنتين وثلاثين ومئتين من الهجرة ).

إلى أنْ قال في ص305: ( كانت وفاة أبي محمّد الحسن بن علي في يوم الجمعة لثمان خلون من شهر ربيع الأوّل، سنة ستّين ومئتين، وكان عمره يوم وفاته: 28 سنة، ولمّا ذاع خبر وفاته ارتجّت سرّ مَن رأى وقامت صيحة واحدة، وعطّلت الأسواق، وغلّقت الدكاكين، وركب بنو هاشم والقواد والكتّاب والقضاة وسائر الناس إلى جنازته، وكانت سر من رأى يومئذ شبيهةٌ بالقيامة ) (1) .

16 - خير الدين الزركلي (ت: 1396 هـ):

قال في ( الأعلام ): ( الحسن بن علي الهادي بن محمّد الجواد الحسيني الهاشمي: أبو محمّد الإمام الحادي عشر عند الإماميّة، وُلِد في المدينة وانتقل مع أبيه الهادي إلى سامرّاء في العراق وكان اسمها مدينة العسكر؛ فقيل له العسكري - كأبيه - نسبةً إليها. وبويع بالإمامة بعد وفاة أبيه، وكان على سنن سَلَفِه الصالح تقىً ونسْكاً وعبادة. وتُوفِّي بسامرّاء.

قال صاحب الفصول المهمّة: لمّا ذاع خبر وفاة الحسن ارتجّت سرّ مَن رأى ( سامرّاء )، وقامت صيحة واحدة، وعُطّلت الأسواق، وغُلّقت الدكاكين، وركب بنو هاشم والقوّاد والكتّاب والقضاة وسائر الناس إلى جنازته، ودُفن في البيت الذي دُفن به

____________________

(1) شرح إحقاق الحقّ للسيّد المرعشي: 29/60 - 61، عن ( أحسن القصص ): 4/304، دار الكتب العلميّة، بيروت.


أبوه) (1) .

17 - محمّد بن عبد الغفّار الهاشمي الحنفي:

قال في ( أئمّة الهدى ): ( وكثر أتباعه، وذاع صِيْته، واتّجهت إليه الأنظار، ودسّ له المعتمد العبّاسي سُمّاً فتُوفِّي منه ) (2) .

18 - محمّد أبو الهدى أفندي:

قال في ( ضوء الشمس ): ( قد علم المسلمون في المشرق والمغرب أنّ رؤساء الأولياء وأئمّة الأصفياء من بعده عليه الصلاة والسلام من ذرِّيَّته وأولاده الطاهرين، يتسلْسلون بطناً بعد بطن، وجيلاً بعد جيل، إلى زمننا هذا. وهم الأولياء بلا ريب، وقادتهم إلى الحضرة القدسيّة المحفوظة من الدَنَس والعَيب، ومَن في الأولياء الصدر الأوّل بعد الطبقة المشرفة بصحبة النبي الكريم كالحسن والحسين والباقر والكاظم والصادق والجواد والهادي والتقي والنقي والعسكري ) (3) .

19 - عارف أحمد عبد الغني:

قال في كتابه ( الجوهر الشفّاف في أنساب السادة الأشراف ) عند ذكره للإمام العسكري ( عليه السلام ): ( كان من الزهد والعلم على أمر عظيم، وهو والد الإمام المهدي، ثاني عشر الأئمّة عند الإماميّة وهو القائم المنتظر عندهم ) (4) .

____________________

(1) الأعلام: 2/200، دار العلم للملايين، بيروت.

(2) شرح إحقاق الحقّ للسيّد المرعشي:12/475، عن ( أئمّة الهدى ): 138، طبع القاهرة.

(3) شرح إحقاق الحقّ:19/ 621، عن ( ضوء الشمس ): 1/119، طبع الاسلامبول.

(4) الجوهر الشفاف في أنساب السادة الأشراف: 1/ 160-161، دار كتاب للطباعة والنشر.


20 - يونس أحمد السامرّائي:

قال في كتابه ( سامرّاء في أدب القرن الثالث ) الذي طُبع بمساعدة جامعة بغداد وهو يتكلّم عن نسبة العسكري إلى سامرّاء: ( فالعسكري نسبة إلى العسكر وهو - كما مر بنا - مِن أسماء سامرّاء...

إلى أنْ قال: وقد حمل هذهِ النسبة جماعة من الأجلاّء منهم: أبو الحسن علي الهادي بن محمّد الجواد العسكري وابنه الحسن العسكري وأبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري وهو المهدي المنتظر ) (1) .

وقال في موضع آخر: ( كما تُوفِّي فيها ودُفن عدد غير قليل من الأفاضل والعلماء المحدّثين والقضاة واللغويّين و... منهم أبو الحسن علي بن محمّد العسكري وابنه أبو محمّد الحسن بن علي العسكري والد المنتظر ) (2) .

وكلمات الثناء والمدح التي قيلتْ في الإمام عديدة نكتفي بما ذكرناه آنفاً؛ منعاً للإطالة.

____________________

(1) سامرّاء في أدب القرن الثالث الهجري: 46، مطبعة الإرشاد، بغداد.

(2) المصدر نفسه: 70.


الفصل الحادي عشر

الثاني عشر من أئمّة أهل البيت

المهدي المنتظر

محمّد بن الحسن عليه السلام



المهدويّة في الفكر الإسلامي

- نظرة موجزة -

من المسائل التي اجتمعت عليها كلمة المسلمين، هي مسألة ظهور المهدي في آخر الزمان، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعد ما مُلئتْ ظلماً وجوراً.

فمسألة المهدويّة - وأنّ هناك رجلاً من عترة النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) سيظهر في آخر الزمان ويُقيم دولة الحقّ الإلهيّة ويملأ أرجاء المعمورة بالعدل، الذي حُرِمت منه البشريّة قروناً متمادية - تُعدُّ من المسائل الضروريّة المتّفق عليها بين علماء المسلمين، وما إنكارها إلاّ جهل وضلالة، وانحراف عن خطوط الإسلام الصريحة وتكذيب للرسول محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

والروايات الشريفة متواترة في هذا الباب، مضافاً لصحّة الكثير من طرقها على ما صرّح به علماءُ المسلمين.

وحيثُ إنّ المسألة أُلّفت فيها الكتب العديدة وصارت على مستوى بيّن أجلى من الشمس في رابعة النهار؛ لذا لا نرى ضرورة للخوض في إثبات هذهِ المسألة الضروريّة، لكنّنا إتماماً للفائدة ارتأينا أنْ نذكر شطراً من كلمات العلماء، وجملة من الروايات الدالّة على ذلك:

* فقد قال الحافظ أبو الحسن الآبري (ت: 363 هـ):

( قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلّى الله عليه وسلّم في المهدي، وأنّه من أهل بيته، وأنّه يملك سبع سنين، ويملأ الأرض عدلاً، وأنّ عيسى عليه الصلاة والسلام يخرج فيساعده على قتْل الدجّال، وأنّه يؤمّ هذهِ الأمّة


وعيسى خلفه في طول مِن قصّته وأمره ) (1) .

* وقال القرطبي في تفسيره عند التعرّض للآية (33) من سورة التوبة:

( وقيل: المهدي هو عيسى فقط، وهو غير صحيح؛ لأنّ الأخبار الصحاح قد تواترت على أنّ المهدي من عترة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلا يجوز حمْله على عيسى... ) (2) .

* ونقل الكتاني:

القولَ بالتواتر عن جماعةٍ، منهم: الحافظ السخاوي، ومحمّد بن أحمد السفاريني الحنبلي، ومحمّد بن علي الشوكاني، وغيرهم (3) .

وذهب هو إلى ذلك أيضاً، حيث قال:

( والحاصل أنّ الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، وكذا الواردة في الدجّال، وفي نزول سيّدنا عيسى بن مريم عليهما السلام ) (4) .

هذا نزرٌ يسير من أقوال العلماء في تواتر روايات المهدي ( عليه السلام )، أمّا الروايات فنذكر جملة مختصرة منها:

* ما أخرجه أحمد في ( مسنده ) بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

( لا تقوم الساعة حتّى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً، قال: ثمّ يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قِسْطَاً

____________________

(1) نقل قوله ابن حجر في ( تهذيب التهذيب ): 7/133، دار الفكر.

(2) الجامع لأحكام القرآن: 8/113، دار الكتاب العربي.

(3) نظم المتناثر من الحديث المتواتر: 228، دار الكتب السلفيّة، مصر.

(4) المصدر نفسه: 229.


وعدلاً كما مُلئتْ ظلماً وعدوان ) (1) .

وأخرجه ابن حِبَّان (2) والحاكم (3) وغيرهم.

قال الحاكم: ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه )، ووافقه الذهبي (4) ، ووافقهما الشيخ الألباني بقوله: ( وهو كما قال ) (5) .

* وفي ( مجمع الزوائد ) عن أبي سعيد الخدري قال:

( قال رسول الله صلّى الله وسلّم: أُبشّركم بالمهدي يُبعث على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئتْ جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض يُقسِّم المال صِحَاحَاً، قال له رجل: ما صحاحاً؟

قال: بالسويّة بين الناس، ويملأ الله قلوب أُمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم غناءً، ويسعهم عدلُه، حتّى يأمر منادياً فينادي فيقول: مَن له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلاّ رجل واحد فيقول أنا، فيقول: إئتِ السدان يعني الخازن فقل له: إنّ المهدي يأمرك أنْ تعطيني مالاً، فيقول له احْثُ حتّى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم فيقول: كنتُ أجشع أمّة محمّد نفساً أو عجز عنّي ما وسعهم قال فيردّه فلا يقبل منه فيقال له: إنّا لا نأخذ شيئاً أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، ثمّ لا خير في العيش بعده، أو قال ثمّ لا خير في الحياة بعده ) (6) .

____________________

(1) مسند أحمد: 3/36، دار صادر.

(2) صحيح ابن حِبَّان: 15/236، مؤسّسة الرسالة.

(3) المستدرك على الصحيحين: 4/557، دار المعرفة.

(4) المستدرك على الصحيحين وبهامشه ( تلخيص المستدرك ) للذهبي: 4/557، دار المعرفة.

(5) سلسلة الأحاديث الصحيحة: 4/39 - 40، حديث: (1529)، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.

(6) نقلنا النصّ من ( مسند أحمد ): 3/37، دار صادر.


قال الهيثمي: ( رواه الترمذي وغيره باختصار كثير، ورواه أحمد بأسانيد، وأبو يعلى باختصار كثير، ورجالهما ثقات ) (1) .

* وأخرج أبو داود في ( سننه ) بسندهِ إلى أمّ سلمة، قالتْ:

( سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ( المهدي مِن عترتي مِن وُلْد فاطمة ) ) (2) .

وأخرجه ابن ماجة في ( سننه ) (3) ، والحاكم في ( المستدرك ) (4) ، وغيرهم.

قال الشيخ الألباني: ( هذا سند جيّد، رجاله كلّهم ثقات، وله شواهد كثيرة ) (5) .

وقال محقّق ( سير أعلام النبلاء ): ( سنده جيّد ) (6) .

وأحاديث المهدي كثيرة جدّاً، وقال بصحّتها جمع من أكابر المحدّثين.

* قال الشيخ الألباني - بعد أنْ ذكر تصحيح خمسة من كبار أئمّة الحديث، وهم: الترمذي، والذهبي، والحاكم، وابن حِبّان، وابن تيمية - ما نصّه:

( فهؤلاء خمسة من كبار أئمّة الحديث قد صحّحوا أحاديث خروج المهدي ومعهم أضعافهم من المتقدّمين والمتأخّرين، أذكرُ أسماء من تيسّر لي منهم:

1 - أبو داود في ( السنن ) بسكوته على أحاديث المهدي.

____________________

(1) مجمع الزوائد: 7/313، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان.

(2) سنن أبي داود: 2/310، دار الفكر، بيروت.

(3) سنن ابن ماجة: 4/154، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.

(4) المستدرك على الصحيحين: 4/557، دار المعرفة.

(5) سلسلة الأحاديث الضعيفة: 1/181، مكتبة المعارف، وقد جاء به هنا ردّاً على الحديث الموضوع: ( المهدي مِن وُلد العبّاس عمّي ).

(6) سير أعلام النبلاء: 10/663، مؤسّسة الرسالة.


2 - العقيلي.

3 - ابن العربي في ( عارضة الأحوذي ).

4 - القرطبي كما في ( أخبار المهدي ) للسيوطي.

5 - الطيّبي كما في ( مرقاة المفاتيح ) للشيخ القارئ.

6 - ابن قيّم الجوزيّة في ( المنار المنيف )، خلافاً لمَن كذب عليه.

7 - الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ).

8 - أبو الحسن الآبري في ( مناقب الشافعي )، كما في ( فتح الباري ).

9 - الشيخ علي القارئ في ( المرقاة ).

10 - السيوطي في ( العرف الوردي ).

11 - العلاّمة المباركفوري في ( تحفة الأحوذي ).

وغيرهم كثير وكثير جدّاً ) (1) .

إذن، فلا كلام في ظهور المهدي المنتظر في آخر الزمان؛ ليقيم دولة الحقّ الإلهي، لذا ارتأينا أنْ يكون فصلُنا هذا مختلفاً عمّا تقدّم مِن الفصول مِن إثبات كلمات المدح والثناء على أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام )، وسنصبّ الكلام هاهنا على مسألة الولادة، التي صارت محلاًّ للأخذ والردّ عند الأخْوة من أهل السُنّة.

وقد ذهبت الشيعة الإماميّة الاثنا عشريّة إلى أنّ المهدي المنتظر قد وُلِدَ

____________________

(1) سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني: 4/41، في تعليقه على حديث: (1529)، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.


وهو محمّد بن الحسن العسكري ( عليه السلام )، وهو حيٌّ غائب عن الأبصار، ويوافقهم في ذلك جمٌّ غفير من علماء أهل السُنّة.

وقبل الخوض في هذه المسألة نقدّم تعريفاً مختصراً عن الإمام محمّد بن الحسن العسكري ( عليه السلام ) بعنوان:


نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام

-هو: محمّد المهدي، بن الحسن العسكري، بن علي الهادي، بن محمّد الجواد، بن علي الرضا، بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمّد الباقر، بن علي زين العابدين، بن الحسين الشهيد، بن علي، بن أبي طالب، عليهم جميعاً سلام الله.

-وُلِد ( عليه السلام ) : بسرّ مَن رأى ليلة النصف من شعبان، سنة: خمس وخمسين ومئتين من الهجرة [ 15 / شعبان / 255هـ ] (1) .

-أُمّه ( عليه السلام ): يُقال لها نرجس (2) ، وكفاها فخراً وشرفاً أنّها وَلَدَتْ منقذ البشريّة مهدي آل محمّد ( عليه السلام ).

-يُلقّب سلام الله عليه: بالمهدي، والحجّة، والخلف، والمنتظر، والقائم، و....

-ويكنّى بـ: أبي القاسم (3) .

-تَسلّم إمامة المسلمين: عند وفاة أبيه العسكري ( عليه السلام )، في سنة: (260هـ)، وكان له من العمر خمس سنوات.

-بدأتْ غيبتُه الصغرى ( عليه السلام ): في نفس اليوم الذي تُوفِّي فيه أبوه الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام )، وهو يوم الثامن من شهر ربيع الأوّل لسنة: (260هـ).

-دامت فترة الغيبة الصغرى مدّة: (69سنة)، نصّب خلالها الإمام سفراء بينه وبين أتباعه ومواليه، وهم أربعة على التوالي:

____________________

(1) إعلام الورى للطبرسي: 2/214، مؤسّسة آل البيت.

(2) الإرشاد للمفيد: 2/340، مؤسّسة آل البيت.

(3) سيتّضح ذلك عند مراجعة الأقوال الآتية في ولادته ( عليه السلام ).


الأوّل: الشيخ الموثوق به أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري رحمه الله.

الثاني: الشيخ الموثوق به أبو جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمري رحمه الله.

الثالث: الشيخ الموثوق به أبو القاسم الحسين بن روح رحمه الله.

الرابع: الشيخ الموثوق به أبو الحسن علي بن محمّد السمري رحمه الله (1) .

-انتهت فترة الغيبة الصغرى: بوفاة السفير الرابع في سنة: (329هـ) (2) .

-سُمّيت تلك الحقبة: بالغيبة الصغرى؛ لأنّ الناس كانت تتمكّن من الاتصال بالإمام عن طريق هؤلاء السفراء.

-كانت وظيفة هؤلاء السفراء الأربعة: تلقّي الأسئلة من الأتباع مكتوبةً ورفعها إلى الإمام ( عليه السلام ).

وكان الإمام ( عليه السلام ) يوقّع بالإجابة عن السؤال على الورقة المكتوب عليها السؤال؛ ولذا سُمّيت بالتوقيعات.

وقد ذكر الشيخ المجلسي في كتابه بحار الأنوار ( ج53، ص150 - 198 ) كثيراً من تلك التوقيعات، عَنْوَنَها بـ: باب ( ما خرج من توقيعاته ( عليه السلام ) ).

-عند وفاة السفير الرابع: بدأت الغيبة الكبرى وهي مستمرّة حتّى يأذن الله له بالظهور.

____________________

(1) انظر: ( الغيبة ) للشيخ الطوسي: 353 - 393، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة.

(2) انظر: ( الغيبة ) للشيخ الطوسي: 393 - 394، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة.


ولادة الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السُنّة

أجمعت الشيعة الإماميّة على ولادة المهدي المنتظر، وأنّه الإمام محمّد بن الحسن العسكري ثاني عشر أئمّة أهل البيت، فالأئمّة عندهم - حسبما نصّ النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) - اثنا عشر أوّلهم علي بن أبي طالب وآخرهم المهدي المنتظر.

وقد ذهب جمٌّ غفير من علماء وأعلام أهل السُنّة إلى عين ما تقول به الشيعة الإماميّة؛ من ولادة المهدي المنتظر؛ وأنّه محمّد بن الحسن العسكري، لكنّه غائب عن الأنظار، بينما اكتفى فريقٌ آخر بذكر ولادة محمّد بن الحسن مع إنكار مهدويّته أو السكوت عن ذلك، ويظهر من هؤلاء: الذهاب إلى ولادة المهدي في آخر الزمان، ويلزم من كلامهم خلوّ الأرض من إمام وحجّة في هذهِ الفترة الطويلة من الزمان، وهو خلاف قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: ( مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهليّة ) المتواتَر في مضمونه (1) عند الفريقَين، والدالّ على وجود إمام في كلّ عصر وزمان.

وسيتّضح للقارئ أنّ جُلّ مَن قال بولادة محمّد بن الحسن - عجّل الله فرجه الشريف - من المنكرين أو الساكتين عن مهدويّته ولم يقل بوفاته، بل التزم الصمت إزاء ذلك، سوى البعض الذين تكهّنوا بوفاته رجماً بالغيب، وسيأتي كلامهم في محلّه إنْ شاء الله تعالى.

____________________

(1) إذ إنّ الحديث ورد بألفاظ مختلفة تعطي مضموناً واحداً، فانظر على سبيل المثال: ( كمال الدين وتمام النعمة ) للصدوق: 309، مؤسّسة النشر الإسلامي. و ( صحيح ابن حِبَّان ): 10/434، مؤسّسة الرسالة. و ( مسند أبي داود ): 259، دار الحديث - بيروت. و ( السُنّة ) لابن أبي عاصم بتحقيق الألباني: 489، المكتب الإسلامي.


وهذا بنفسه دليل يؤكّد ما تقوله الشيعة من أنّ الإمام - سلام الله عليه - حيُّ غائب عن الأنظار.

ثمّ إنّ البعض ممّن زاغتْ أبصارهم وعموا في طغيانهم، راحوا يُنكرون ولادة محمّد بن الحسن، مُدّعين أنّ الحسن العسكري مات من غير عقب! ولا شكّ في أنّ ذلك كان محاولة بائسة؛ لدحض عقيدة الاثني عشريّة بادّعاء أنّ الاثني عشريّة لا ثاني عشر عندهم!!!

وليس هذا الفصل في واقعه إلاّ ردّاً على هذهِ الفِرْيَة الخاوية التي حاول أصحابها طمس النّور الإلهي المشرق، ولكنّ أنّى للظلام أنْ يُطفئ جذوة النور وأنّى للباطل أنْ ينتصر على الحقّ. وإذا كانت جولة الباطل ساعة، فصولة الحقّ إلى قيام الساعة.

فتعال - عزيزي القارئ - وانظر إلى فيوض الرحمان، وأبصر بعينيك كلمات القوم المتظافرة الدالّة على ولادته ( عليه السلام )، فإنّها ردّ قاطع على كلّ مَنْ عُمِيتْ بصيرتُه وسوّلت له نفسه أنْ يُحرّف الحقيقة ويُدنّس قلمه بأكاذيب مفضوحة.

ولأجل أنْ تكون الرؤية واضحة عند قارئنا العزيز، ارتأينا أنْ نقسم الأقوال إلى قسمين:

يتضمّن الأوّل: طائفة من أقوال علماء وأعلام أهل السُنّة، الذاهبين إلى ولادة محمّد بن الحسن، المنكرين لمهدويّته، أو الساكتين عن ذلك.

ويتضمّن الثاني: طائفة من أقوال علماء وأعلام أهل السُنّة، الذاهبين إلى ولادة محمّد بن الحسن، وأنّه المهدي المنتظر صلوات الله وسلامه عليه.

وواضح أنّ نقطة الاشتراك بين الطائفتين تتركّز في أنّهما يتّفقان على ولادته الشريفة.


القسم الأول

طائفة من أقوال علماء وأعلام أهل السُنّة الذاهبين إلى ولادة محمّد بن الحسن ( عليه السلام )

( المنكرين لمهدويّته، أو الساكتين عن ذلك )

1 - ابن الأزرق الفارقي (ت: بعد 577 هـ) (1).

ذكر في تاريخه ( تاريخ ميّا فارقين ): ( إنّ الحجّة المذكور ولد تاسع شهر ربيع الأوّل سنة: ثمان وخمسين ومئتين، وقيل: ثامن شعبان سنة: ست وخمسين، وهو الأصح... ) (2) .

2 - شهاب الدين، أبو عبد الله، ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي (ت: 626هـ ):

قال في كتابه ( معجم البلدان ) عند ذكره لمدينة عسكر سامراء: (... وهذا العسكر يُنسب إلى المعتصم، وقد نُسب إليه قوم من الأجلاّء، منهم: علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، يُكنّى أبا الحسن الهادي،

____________________

(1) نقل قوله ابن خِلّكان من دون أنْ يشير إلى اسمه، وقد ورد في كتب التراجم أنّ هناك شخصَين يحملان هذه الكنية:

أحدهما: عبد الله بن محمّد بن عبد الوارث الفارقي المتوفّى سنة: (590هـ) على ما ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون وتبعه رضا كحالة عليه، (معجم المؤلّفين 6/130).

والثاني: أحمد بن يوسف بن علي المتوفّى بعد سنة: (577 هـ) على ما ذكره صاحب ( الأعلام )، ( الأعلام: 1/273 ).

لكن بعد التحقيق والمتابعة عثرنا على جزء من كتاب تاريخ ميافارقين لأحمد بن يوسف بن الأزرق بتحقيق الدكتور بدوي عبد اللطيف عوض، أستاذ التاريخ الإسلامي بكلِّيَّة أصول الدين، ومدير جامعة الأزهر، حيث صرّح في مقدّمته بأنّ ابن خِلّكان ينقل عن هذا التاريخ في مواضع عدّة، وذكر منها المورد المذكور، فيتعيّن على هذا أنّ مراد ابن خلكان هو أحمد بن يوسف، والأمر سهل.

(2) نقل قوله ابن خِلّكان في ( وفيات الأعيان ): 4/30 - 31، دار الكتب العلميّة.


وُلد بالمدينة ونُقل إلى سامرّا، وابنه الحسن بن علي ولد بالمدينة أيضاً، ونُقل إلى سامرّا؛ فَسُمِّيَا بالعسكريّين لذلك، فأمّا علي فمات في رجب سنة: 254، ومقامه بسامرّا عشرين سنة، وأمّا الحسن فمات بسامرّا أيضاً سنة: (260هـ)، ودُفنا بسامرّا، وقبورهما مشهورة هناك، ولولدهما المنتظر هناك مشاهد معروفة ) (1) .

3 - ابن الأثير الجزري (ت: 630 هـ):

قال في كتاب ( الكامل في التاريخ ) في حوادث سنة: (260هـ): ( وفيها تُوفِّي أبو محمّد العلوي العسكري، وهو أحد الأئمّة الاثني عشر، على مذهب الإماميّة، وهو والد محمّد، الذي يعتقدونه المنتظر... ) (2) .

4 - أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن إبراهيم المعروف بابن خِلّكان: (ت: 681 هـ):

قال في ( وفيات الأعيان ) تحت عنوان الحجّة المنتظر: ( أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمّد الجواد المذكور قبله، ثاني عشر الأئمّة الاثني عشر على اعتقاد الإماميّة، المعروف بالحجّة، وهو الذي تزعم الشيعة أنّه المنتظر والقائم والمهدي... كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة: خمس وخمسين ومئتين، ولمّا تُوفِّي أبوه... كان عمره خمس سنين، واسم أُمّه: خمط ، وقيل: نرجس... وذكر ابن الأزرق في ( تاريخ ميّافارقين ): أنّ الحجّة المذكور ولد تاسع شهر ربيع الأوّل سنة: ثمان

____________________

(1) معجم البلدان: ج 5 - 6، ص328، دار إحياء التراث العربي، مؤسّسة التاريخ العربي.

(2) الكامل في التاريخ: 7/274، دار الفكر للطباعة والنشر.


وخمسين ومئتين، وقيل: في ثامن شعبان، وهو الأصح.. ) (1) .

5 - المؤرّخ الشهير أبو الفداء عماد الدين اسماعيل بن علي (ت: 732 هـ):

قال في تاريخه ( المختصر في تاريخ البشر ) عند ذكره لوفاة الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) في أحداث سنة: (254هـ): ( والحسن العسكري المذكور هو والد محمّد المنتظر صاحب السرداب، والمنتظر ثاني عشرهم ويلقّب أيضاً القائم والمهدي والحجة، ومولد المنتظر سنة: خمس وخمسين ومئتين ) (2) .

6 - المؤرخ الشهير شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: 748 هـ):

قال في ( تاريخ الإسلام ) عند ترجمته للإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ): ( وأمّا ابنه محمّد بن الحسن الذي يدعوه الرافضة: القائم، الخَلَف، الحجّة، فوُلِد سنة: ثمان وخمسين، وقيل سنة: ست وخمسين، عاش بعد أبيه سنتَين ثمّ عُدِم، ولم يُعلم كيف مات... ) (3) .

وقال في ( العبر في خبر مَن غبر ) في وفيات سنة: (265هـ): ( وفيها [ أي تُوفّي ] محمّد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمّد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني أبو القاسم، الذي تُلقّبه الرافضة: الخلف، الحجّة، وتلقّبه بالمهدي وبالمنتظر، وتلقّبه بصاحب الزمان، وهو خاتمة الاثني عشر، وضلال الرافضة ما عليه مزيد، فإنّهم يزعمون

____________________

(1) وفيّات الأعيان: 4/31 - 32، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان.

(2) المختصر في أخبار البشر: مجلّد1، ج2، ص45، مكتبة المتنبّي، القاهرة.

(3) تاريخ الإسلام: 19/113 حوادث السنوات: (251هـ - 260هـ)، دار الكتاب العربي.


أنّه دخل السرداب الذي بسامرّاء فاختفى وإلى الآن. وكان عمره لمّا عُدِم تسع سنين أو دونه ) (1) .

ولا بأس أنْ نقف - قصيراً - مع كلمات الذهبي هذه، ولا نريد أنْ نُناقش فِرْيَة السرداب التي يَعرف بطلانَها كلُّ متحرِّر مِن قيود الحقد واللؤم، ولكن نريد مِن شيخ الإسلام الذي ما انفكّ يرمينا بالضلالة والخرافة، أنْ يُتْحِفُنَا ويَذكر لنا كيف تُوفِّي الإمام الحجّة، فلماذا لم يعلم كيف مات، وليتَه يدلّنا على قبره الشريف، فهذهِ قبور آبائه كلّها معروفة معلومة، فكيف ضاع قبره، مع أنّه مِن تلك السلالة المباركة الذين أوجب الله محبّتهم على عباده في مُحكم كتابه؟!

أَلَمْ يقرّ الذهبي بأنّه وُلِدَ؟!

أَلَمْ يُقِرُّ بِأَنّه عُدِم؟!

فكيف جاز له أنْ يَنْسِبَ إليه الموت، أليس هذهِ شهادة على العَدَم لا تصحّ عند الجميع، فكيف صحّت عند الذهبي؟!

7 - زين الدين عمر بن المظفّر المعروف بابن الوردي (ت: 749 هـ):

قال في تاريخه عند ذكره لوفاة الحسن العسكري في أحداث سنة: (260هـ): ( والحسن العسكري والد محمّد المنتظر صاحب السرداب، والمنتظر ثاني عشرهم، ويلقّب أيضاً القائم، والمهدي، والحجّة، ومولد المنتظر سنة: خمس وخمسين ومئتين ) (2) .

8 - صلاح الدين، خليل بن أيبك الصفدي (ت: 764 هـ):

____________________

(1) العبر: 1/381، دار الكتب العلميّة.

(2) تاريخ ابن الوردي: 1/319.


قال في كتابه ( الوافي بالوفيات ) عند ترجمته للإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ): ( وأمّا ابنه محمّد الحجّة الخَلَف الذي تدّعيه الرافضة، فوُلِد سنة: ثمان وخمسين، وقيل: ست وخمسين، عاش بعد أبيه سنتين، ومات. عُدِمَ ولم يُعْلَم كيف مات... ) (1) .

وعين ما تقدّم من التعليق على كلام الذهبي يأتي هنا.

9 - الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: 852هـ):

قال في ( لسان الميزان ) عند ترجمته لجعفر الكذّاب: (... أخو الحسن الذي يُقال له العسكري، وهو الحادي عشر من الأئمّة الإماميّة ووالد محمّد صاحب السرداب... ) (2) .

10 - نور الدين عبد الرحمان بن أحمد بن قوام الدين الدشتي الجامي الحنفي (ت: 898 هـ):

قال في كتابه ( شواهد النبوّة ) ما ترجمته: ( هو الإمام الثاني عشر، كنيته: أبو القاسم، وتلقبه الإماميّة: بالحجّة، والقائم، والمهدي، والمنتظر، وصاحب الزمان، وهو عندهم خاتم الاثني عشر إماماً، وإنّهم يزعمون أنّه دخل السرداب الذي في سرّ مَن رأى وأُمّه تنظر إليه، فلم يخرج إليها وذلك في سنة: خمس وستين ومئتين، وقيل: في سنة ست وستّين ومئتين، وهو الأصح. فاختفى إلى الآن على زعْمهم. أُمّه أمّ وَلَد، يُقال لها: صيقل، وقيل: سوسن، وقيل: نرجس، وقيل: غير

____________________

(1) الوافي بالوفيات: 12/113، دار النشر، فرانز شتايز، شتوتغارت.

(2) لسان الميزان: 2/119، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات.


ذلك. كانت ولادته في سرّ مَن رأى في الثالث والعشرين من رمضان سنة: ثمان وخمسين ومئتين... ) (1) .

11 - شمس الدين محمّد بن طولون الدمشقي الحنفي (ت: 953 هـ):

قال في كتابه: ( الأئمّة الاثنا عشر ): ( وثاني عشرهم ابنه محمّد بن الحسن، وهو أبو القاسم محمّد بن الحسن بن علي الهادي بن محمّد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم.

ثاني عشر الأئمّة الاثني عشر، على اعتقاد الإماميّة، المعروف بالحجّة وهو الذي تزعم الشيعة أنّه المنتظر، والقائم، والمهدي...

كانت ولادته - رضي الله عنه - يوم الجمعة منتصف شعبان سنة: خمس وخمسين ومئتين، ولمّا تُوفِّي أبوه المتقدّم ذكره - رضي الله عنهما - كان عمره خمس سنين... ).

ثمّ ذكر أبياتاً شعريّة في أئمّة أهل البيت وهي مِن نظمه جاء فيها:

____________________

(1) وأمّا نصّ كلامه في الكتاب فهو: ( وي إمام دوازدهم است، وكنيت وي أبو القاسم است، ولقّبه الإماميّة بالحجّة، والقائم، والمهدي، والمنتظر، وصاحب الزمان. وهو عندهم خاتم الاثني عشر إماماً، وإنّهم يزعمون أنّه دخل السرداب الذي في سرّ مًن رأى، وأمّه تنظر إليه فلم يخرج إليها، وذلك في سنة: خمس وستّين ومئتين، وقيل: في سنة: ست وستّين ومئتين، وهو الأصح، فاختفى إلى الآن على زعمهم. مادر وي أمّ ولد بوده است، صيقل نام، وقيل: سوسن، وقيل: نرجس، وقيل غير ذلك، وولادت وي در سر مَن رأى بوده است، في الثالث والعشرين من رمضان سنة: ثمان وخمسين ومئتين ) ( شواهد النبوّة ): (404 - 405)، انتشارات وحيد.


عليكَ بالأئمّةِ الاثني عشرْ

مِن آلِ بَيْتِ المُصْطَفَى خَيْرِ البَشَر

أَبُو تُرَابٍ حَسَنٌ حُسَينُ

وَبغْضُ زَيْنِ العَابِدِيْنَ شَيْنُ

مُحَمَّدُ البَاقِرِ كَمْ عِلْمٍ دَرَى

وَالصَادِقُ ادعُ جعفراً بَيْنَ الوَرَى

مُوْسَى هُوَ الكَاظِمُ وَابْنُه عَلِي

لَقِّبْهُ بِالرِضَا وَقَدْرُهُ عَلِي

مُحَمَّد التَقِيّ قَلْبُهُ مَعْمُوْرُ

عَلِيْ التَقِي دُرُّهُ مَنْثُورُ

وَالعَسْكَرِيُّ الحَسَنُ المُطَهَّر

مُحَمَّدُ المَهْدِي سَوْفَ يَظْهَر (1)

ويظهر من هذهِ الأبيات - بل صريحها - القول بالمهدويّة، وأنّ محمّد بن الحسن هو المهديّ المنتظر على اعتقاد ابن طولون، وِفْقاً للشيعة، والله العالم.

12 - حسين بن محمّد الديار بكري القاضي المؤرّخ (ت: 966 هـ):

قال في كتابه ( تاريخ الخميس ): ( وفي سنة: ستّين ومئتين، مات الحسن بن علي الجواد بن الرضا العلويّ، أحد الأئمّة الاثني عشر الذين تعتقد الرافضة عصمتَهم، وهو والد منتظرهم محمّد بن الحسن ) (2) .

13 - أحمد بن حجر الهيتمي الشافعي (ت: 974 هـ):

قال في ( الصواعق المحرقة )، في آخر الفصل الثالث من الباب الحادي عشر: ( أبو محمّد الحسن الخالص، وجعل ابن خِلّكان هذا هو العسكريّ، وُلِدَ سنة: اثنتين وثلاثين ومئتين - إلى أنْ قال - مات بسرّ مَن رأى، ودُفِن عند أبيه وعمّه، وعمره ثمانية وعشرون سنة. ويُقال: إنّه سُمّ أيضاً، ولم يخلّف غير

____________________

(1) الأئمّة الاثنا عشر: الفصل الخاص بالحجّة المهدي: (117 - 118)، منشورات الرضي المصوّرة على طبعة دار صادر، بيروت، لبنان.

(2) تاريخ الخميس: 2/343، دار صادر.


ولده أبي القاسم محمّد الحجّة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة، ويسمّى القائم المنتظر؛ قيل: لأنّه سُتر بالمدينة وغاب، فلم يُعرف أين ذهب ) (1) .

14 - محمّد بن الحسين بن عبد الله الحسيني السمرقندي المدني (ت: 996 هـ):

قال في كتابه ( تحفة الطالب ) بعد ذكر الإمام العسكري ( عليه السلام ): ( وأمّا ولده محمّد المهدي بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمّد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم ورحمة الله عليهم أجمعين، فهو الثاني عشر من الأئمّة.

ولد يوم الجمعة منتصف شعبان، سنة: خمس وخمسين ومئتين. وقيل: وُلد تاسع عشر شهر ربيع الثاني سنة: ثمان وخمسين ومئتين. وقيل: وُلِد ثامن شعبان سنة: ست وخمسين ومئتين، وهو الأصح.

وكنيته: أبو القاسم. وألقابه: الحجّة، والخلف الصالح، والقائم، والمنتظر، وصاحب الزمان، وأشهرها المهدي.

وصفته: شاب، ربعة، حسن الوجه والشعر، أقنى الأنف، أجلى الجبهة.

وكان عمره حين تُوفِّي أبوه خمس سنين. والشيعة يقولون: إنّه دخل السرداب في دار أبيه وأمّه تنظر إليه، فلم يخرج منه، وذلك في سنة: خمس وستين ومئتين، وعمره يومئذ تسع سنين، وقيل: كان عمره حين دخل السرداب أربع سنين، وقيل: خمس سنين. وقيل: دخل السرداب سنة: خمس وسبعين ومئتين، وعمره يومئذ سبع عشرة سنة،

____________________

(1) الصواعق المحرقة: 313 - 314، دار الكتب العلميّة.


وهم ينتظرون خروجه من السرداب في آخر الزمان وذلك في سرّ من رأى، وأقاويلهم فيه كثيرة، والله أعلم أنّى ذلك كان ) (1) .

15 - الشيخ الملاّ علي القاري (ت: 1014 هـ):

قال في كتابه ( مرقاة المفاتيح ) بعد ذكر حديث اثني عشرية الخلفاء: ( قلت: وقد حمل الشيعة الاثني عشر على أنّهم من أهل بيت النبوّة متوالية، أعم مِن أنْ تكون لهم خلافة حقيقيّة أو استحقاقاً، فأوّلهم علي، فالحسن، فالحسين، فزين العابدين، فمحمّد الباقر، فجعفر الصادق، فموسى الكاظم، فعلي الرضا، فمحمّد التقي، فعلي النقي، فحسن العسكري، فمحمّد المهدي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين على ما ذكره زبدة الأولياء خواجة محمّد بارسا في كتاب ( فصل الخطاب ) مفصّلة، وتبعه مولانا نور الدين عبد الرحمان الجامي في أواخر ( شواهد النبوّة )، وذكر فضائلهم ومناقبهم وكراماتهم ومقاماتهم مجملة، وفيه ردّ على الروافض حيث يظنّون بأهل السُنّة أنّهم يبغضون أهل البيت باعتقادهم الفاسد ووهمهم الكاسد ) (2) .

وواضح مِن هذا الكلام بأنّه يعتقد بما نقله عن الشيعة من أنّ محمّد المهدي مولود وهو ابن العسكري ( عليه السلام ).

16 - أحمد بن يوسف القرماني (ت: 1019 هـ):

قال في ( كتابه أخبار الدول وأثار الأول ) تحت عنوان: في ذكر أبي القاسم

____________________

(1) تحفة الطالب بمعرفة مَن ينتسب إلى عبد الله وأبي طالب: 54، الناشر، دار المجتبى للتوزيع والنشر، تحقيق: الشريف أنس الكتبي الحسني.

(2) مرقاة المفاتيح: 9/ 3864، شرح حديث رقم: 5983، دار الفكر للطباعة والنشر.


محمّد الحجّة الخَلَف الصالح: ( وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة، كما أوتيها يحيى ( عليه السلام ) صبيّاً... ) (1) .

17 - أبو المجد عبد الحقّ الدهلوي البخاري (ت: 1052 هـ):

قال في رسالة خاصة بمناقب الأئمة: ( وأبو محمّد الحسن العسكري ولده: م ح م د - رضي الله عنهما - معلوم عند خواصّ أصحابه وثقاته ) (2) .

18 - شهاب الدين، أبو الفلاح عبد الحيّ بن أحمد بن محمّد بن العماد الحنبلي (ت: 1089 هـ):

قال في كتابه ( شذرات الذهب في أخبار من ذهب ) عند ذكْره لوفاة الإمام الحسن العسكري في أحداث سنة: (260هـ): ( وفيها: [ أي تُوفِّي ] الحسن بن علي بن محمّد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلويّ الحسينيّ، أحد الاثني عشر الذين تعتقد الرافضة فيهم العصمة، وهو والد المنتظر محمّد، صاحب السرداب ) (3) .

19 - عبد الملك بن حسين بن عبد الملك المكّي العصامي (ت: 1111 هـ):

قال في كتابه ( سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي ): ( وهو الإمام محمّد المهدي بن الحسن العسكري بن علي التقيّ بن محمّد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

____________________

(1) أخبار الدول وآثار الأُول في التاريخ: 1/353. عالم الكتب.

(2) نقل كلامه صاحب ( كشف الأستار عن وجه الغائب عن الأنظار ): 62 - 63.

(3) شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب: 2/290، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان.


وُلِد يوم الجمعة منتصف شعبان سنة: خمس وخمسين ومئتين، وقيل: سنة: ست وهو الصحيح، أمّه: أُمّ ولد، اسمها: صقيل، وقيل: سوسن، وقيل: نرجس، كنيته: أبو القاسم، ألقابه: الحجّة، والخَلَف الصالح، والقائم، والمنتظر، وصاحب الزمان، والمهدي وهو أشهرها... ) (1) .

20 - عبد الله بن محمّد بن عامر الشبراوي الشافعي (ت: 1171 هـ):

قال في كتابه ( الإتحاف بحبّ الأشراف ): ( الثاني عشر من الأئمّة أبو القاسم محمّد الحجّة الإمام، قيل: هو المهدي المنتظر، وَلَد الإمام محمّد الحجّة، ابن الإمام الحسن الخالص رضي الله عنه بسرّ مَن رأى ليلة النصف من شعبان سنة: خمس وخمسين ومئتين قبل موت أبيه بخمس سنين، وكان أبوه قد أخفاه حين وُلِدَ وستر أمره لصعوبة الوقت وخوفه من الخلفاء؛ فإنّهم كانوا في ذلك الوقت يتطلّبون الهاشميّين ويقصدونهم بالحَبس والقتل ويريدون إعدامهم.

وكان الإمام محمّد الحجّة يُلقّب أيضاً بالمهدي، والقائم، والمنتظر، والخَلَف الصالح، وصاحب الزمان، وأشهرها المهدي؛ ولذلك ذهبتْ الشيعة أنّه الذي صحّت الأحاديث بأنّه يظهر آخر الزمان، وأنّه موجود في السرداب الذي دخله في سرّ مَن رأى، ولهم في ذلك تأليف.

والصحيح خلاف ما ذهبوا إليه، وأنّ المهدي الذي صحّت به الأحاديث وأنّه يظهر آخر الزمان خلافه، وإنْ كان أيضاً من أشراف آل البيت الكريم لكنّه يُولد ويَنشأ كغيره، لا أنّه من المعمّرين.

وقد أشرق نور هذهِ السلسلة الهاشميّة والبيضة الطاهرة النبويّة والعصابة

____________________

(1) سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي: 4/ 138، المكتبة السلفيّة، القاهرة.


العلويّة، وهم اثنا عشر إماماً، مناقبهم عَلِيَّة، وصفاتهم سنيّة، ونفوسهم شريفة أبيّة، وأرومتهم كريمة محمّديّة، وهم: محمّد الحجّة بن الحسن الخالص بن علي الهادي بن محمّد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الإمام الحسين أخي الإمام الحسن وَلَدَي الليث الغالب علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم أجمعين ) (1) .

21 - أحمد بن علي بن عمر شهاب الدين أبو النجاح المنيني الحنفي الدمشقي (ت: 1172 هـ):

في كتاب ( فتح المنّان ) وهو شرح لقصيدة الشيخ بهاء الدين العاملي المسمّاة: ( وسيلة الفوز والأمان، في مدح صاحب الزمان )، وقد قال في مقدّمة الشرح: (... وليعلم أنّ هذهِ القصيدة في مدْح المهدي الموعود به أنّه يخرج في آخر الزمان.

وذهب الإماميّة - ومنهم الناظم - إلى أنّه محمّد بن الحسن العسكري، أحد الأئمّة الاثني عشر - باصطلاحهم - الذين أثبتوا لهم العصمة في اعتقادهم، وأنّه مختفٍ بسرداب بسرّ مَن رأى، إلى أنْ يأتي أوان ظهوره، وهذا باطل؛ لأنّ محمّد بن الحسن العسكري تُوفِّي في حياة والده، وأخذ ميراث والده عمّه جعفر... ) (2) .

____________________

(1) الإتحاف بحبّ الأشراف: 179 - 180، منشورات الرضي المصوّرة على النسخة المطبوعة بالمطبعة الأدبيّة بمصر.

(2) شرح الشيخ أحمد المنيني على قصيدة بهاء الدين العاملي صاحب الكشكول والمطبوعة في =


فالرجل إذن، يعترف بولادة محمّد بن الحسن، وليتَه أخبرنا بِسَنَة وفاته وكيفيّتها، وأخبرنا بمكان قبره!!

22 - السيّد عبّاس بن علي المكّي (ت: 1180 هـ):

قال في كتابه ( نزهة الجليس ): ( ترجمة الإمام المهدي المنتظر أبي القاسم محمّد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمّد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

هو القائم المنتظر على رأي الإماميّة، وهو صاحب السرداب... وللإماميّة فيه أقوال كثيرة، وهم ينتظرون خروجه آخر الزمان، كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة: خمس وخمسين ومئتين، ولمّا تُوفِّي أبوه وقد تقدّم ذكره، كان عمره خمس سنين، واسم أُمّه نرجس...

إلى أنْ قال: والصحيح أنّ ولادته في ثامن شعبان سنة: ست وخمسين ومئتين، ودخل السرداب سنة: خمس وسبعين ومئتين وعمره سبع عشرة سنة... ) (1) .

23 - الشيخ عثمان العثماني (ت: 1200 هـ):

قال في ( تاريخ الإسلام والرجال ): ( الثاني عشر محمّد بن الحسن بن علي بن محمّد بن علي الرضا، يكنّى: أبا القاسم، وتلقّبه الإماميّة: بالحجّة، والقائم،

____________________

= آخر الكشكول لبهاء الدين العاملي، الجزء الثاني، دار إحياء الكتب العربيّة، وقد نقل نسخة مصوّرة منها الشيخُ فقيه إيماني في كتابه المهدي عند أهل السُنّة: 1/ 524 وما بعدها.

(1) نقل كلامه الأستاذ الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي في كتابه ( مَن هو المهدي ): ص442، مؤسّسة النشر الإسلامي، التابعة لجماعة المدرّسين، عن ( نزهة الجليس ): 128، طبع القاهرة.


والمنتظر، وصاحب الزمان.

إلى أنْ قال: وُلِدَ في سرّ مَن رأى، في الثالث والعشرين من رمضان، سنة: ثمان وخمسين ومئتين.. ) (1) .

24 - النسّابة أبو الفوز محمّد أمين السويدي (ت: 1246 هـ):

قال في كتابه ( سبائك الذهب ): ( وكان عمره - أي محمّد بن الحسن العسكري عليهما السلام - عند وفاة أبيه خمس سنين، وكان مربوع القامة، حسن الشعر، أقنى الأنف، صبيح الجبهة... ) (2) .

25 - الشيخ مؤمن بن حسن الشبلنجي (ت: بعد 1308 هـ):

قال في كتابه ( نور الأبصار ): ( فصل: في ذكر مناقب محمّد بن الحسن الخالص بن علي الهادي بن محمّد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم... ) (3) .

26 - خير الدين الزركلي (ت: 1396 هـ):

قال في كتابه ( الأعلام ): ( محمّد بن الحسن العسكري ( الخالص ) بن علي الهادي، أبو القاسم: آخر الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة، وهو المعروف عندهم بالمهدي، وصاحب الزمان، والمنتظر، والحجّة، وصاحب السرداب، وُلِدَ في سامرّاء، ومات أبوه وله من العمر نحو خمس سنين، ولمّا بلغ التاسعة أو العاشرة أو التاسعة عشرة، دخل سرداباً في دار أبيه ولم يخرج منه... ) (4) .

____________________

(1) المصدر نفسه: 440، عن ( تاريخ الإسلام والرجال ).

(2) سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب: 78، المكتبة العلميّة.

(3) نور الأبصار: 185، دار الفكر، النسخة المصوّرة على طبعة القاهرة، سنة: 1948م.

(4) الأعلام: 6 /80، دار العلم للملايين.


27 - الشيخ علاء الدين أحمد بن محمّد السماني، في ذكر الأبدال والأقطاب:

قال: ( وقد وصل إلى رتبة القطبية محمّد المهدي بن الحسن العسكري، وهو إذْ اختفى دخل في دائرة الأبدال متدرّجاً طبقة بعد طبقة، إلى أنْ صار سيّد الأبدال... ) (1) .

28 - عارف أحمد عبد الغني:

قال في كتابه ( الجوهر الشفّاف في أنساب السادة الأشراف ) عند ذكره للإمام العسكري ( عليه السلام ): ( وهو والد الإمام المهدي، ثاني عشر الأئمّة عند الإماميّة، وهو القائم المنتظر عندهم ) (2) .

29 - الشريف أنس الكتبي الحسيني:

قال في تحقيقه لكتاب ( تحفه الطالب ) عند ذكر الماتن لمحمّد المهدي: أقول: ( اختفى الإمام المهدي في سنٍّ مبكّر، والأمر مسلَّم بين الشيعة والسُنّة على اختفائه وعدم ظهوره، وقد أثبتتْ لنا الكتب التاريخيّة أنّ المهدي دخل السرداب وهو صغير السن... ) (3) .

____________________

(1) نقله العصامي في تاريخه ( سمط النجوم العوالي ): 4/ 138، المكتبة السلفيّة، القاهرة.

(2) الجوهر الشفّاف في أنساب السادة الأشراف: 1/160 - 161، دار كتاب للطباعة والنشر.

(3) انظر: كتاب ( تحفة الطالب ): 55، دار المجتبى للطباعة والنشر.


القسم الثاني

طائفة من أقوال علماء وأعلام أهل السُنّة الذاهبين إلى ولادة محمّد بن الحسن

وأنّه المهدي المنتظر ( عليه السلام )

1 - الحافظ أبو محمّد أحمد بن محمّد بن إبراهيم بن هاشم الطوسي البلاذري (ت: 339 هـ):

حيث التقى بالإمام محمّد بن الحسن، ونقل عنه رواية بلا واسطة كما جاء ذلك في كتاب: ( أسنى المطالب في مناقب سيّدنا علي بن أبي طالب ) لشمس الدين بن الجزري الشافعي: حيث نقل فيه رواية يتّصل إسنادها بالبلاذري، محدّثاً فيها عن محمّد بن الحسن، واصفاً إياه بإمام عصره. وقبل أنْ ننقل الرواية بإسنادها ننوّه إلى أنّ شمس الدين بن الجزري ذكر في مقدّمة كتابه هذا، بأنّه لا ينقل فيه إلاّ ما تواتر أو صحّ أو حسن من الروايات، وعليه فتكون هذه الرواية معتبرة خصوصاً مع مراعاة أوصاف رواتها المثبّتة في السند. وإليك قارئي تمام الرواية:

قال شمس الدين بن الجزري:

أخبرنا شيخنا الإمام جمال الدين محمّد بن محمّد الجمالي زاهد عصره، قال: أخبرنا الإمام سعيد الدين محمّد بن مسعود محدّث فارس في زمانه، أخبرنا الشيخ ظهير الدين إسماعيل بن المظفّر بن محمّد الشيرازي عالِم وقته، أخبرنا أبو طاهر عبد السلام بن أبي الربيع الحنفي محدّث زمانه، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمّد بن شاهور القلانسي شيخ عصره، أخبرنا أبو المبارك عبد العزيز بن محمّد بن منصور الآدمي إمام أوانه، أخبرنا سليمان بن إبراهيم بن محمّد بن سليمان نادرة دهره، حدّثنا أبو صالح أحمد بن عبد


الملك بن علي النيسابوري غريب وقته، حدثنا أبو طاهر محمّد بن محمّد بن محمش الزيادي فريد دهره،حدّثنا أبو حامد أحمد بن محمّد بن هاشم البلاذري حافظ زمانه، ثنا محمّد بن الحسن بن علي إمام عصره، حدثنا أبي الحسن بن علي السيّد المحجوب [ حدّثنا أبي علي بن محمّد الهادي، حدثنا أبي محمّد بن علي الجواد ] (1) حدّثنا أبي علي بن موسى الرضا، حدّثنا أبي موسى بن جعفر الكاظم، حدّثنا أبي جعفر بن محمّد الصادق، حدّثنا أبي محمّد بن علي الباقر، حدّثنا أبي علي بن الحسين زين العابدين، حدّثنا أبي الحسين بن علي سيّد الشهداء، حدّثنا أبي علي بن أبي طالب سيّد الأولياء رضي الله عنهم، أخبرني سيّد الأنبياء محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم، قال:

( أخبرني جبرائيل سيّد الملائكة، قال: قال الله تعالى سيّد السادات: إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا مَنْ أقرّ لي بالتوحيد دخل حُصْنِي، ومَن دخل حصني أمِنَ من عذابي ) (2) .

قال الشمس ابن الجزري: كذا وقع هذا الحديث بهذا السياق من المسلسلات السعيديّة والعهدة فيه على البلاذري والله أعلم (3) .

وستأتيك ترجمة البلاذري في ملحق الكتاب، وتَعرف أنّه من الحفّاظ

____________________

(1) قال الشيخ محمّد باقر المحمودي الذي هذّب وحقّق كتاب: ( أسنى المطالب ) وسمّاه بـ ( أسمى المناقب ): ( كذا في أصلي المطبوع بمكّة المكرّمة زادها الله شرفاً وكرامة،غير أنّ ما بين المعقوفين كان قد سقط من الأصل المذكور)، انظر: ( أسمى المناقب في تهذيب أسنى المطالب ):99 - 100.

(2) أسنى المطالب في مناقب سيّدنا علي بن أبي طالب:86 - 87.

(3) المصدر نفسه.


والثقات على مبانيهم، وها هو يعترف بكلّ صراحة ووضوح بأنّ محمّد بن الحسن هو إمام العصر، وهو عين ما تقول به الشيعة الإماميّة.

2 - الحافظ محمّد بن أحمد بن أبي الفوارس، أبو الفتح البغدادي (ت: 412 هـ):

في أربعينه، الحديث الرابع:

قال: أخبرنا محمود بن محمّد الهروي... قال: أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن عبد الله عن سعد بن عبد الله عن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: حدّثنا محمّد بن عيسى الأشقري عن أبي حفص أحمد بن نافع البصري، قال: حدّثني أبي وكان خادماً للإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام [ قال: حدّثني الرضا ]، قال: حدّثني أبي العبد الصالح موسى بن جعفر، قال: حدّثني أبي جعفر الصادق، قال: حدّثني أبي باقر علم الأنبياء محمّد بن علي، قال: حدّثني سيّد العابدين علي بن الحسين، قال: حدّثني أبي سيّد الشهداء الحسين بن علي، قال: حدّثني أبي سيّد الأوصياء علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) أنّه قال: قال لي أخي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):

( مَن أَحَبَّ أنْ يلقى الله عزّ وجلّ وهو مقبل عليه غير مُعرض عنه فليوالِ عليّاً ( عليه السلام ) .

ومَن سرّه أنْ يلقى الله عزّ وجل وهو راضٍ عنه فليوالِ ابنك الحسن ( عليه السلام ) .

ومَن أحبّ أنْ يلقى الله عزّ وجل ولا خوف عليه فليوالِ ابنك الحسين.

ومَن أحبّ أنْ يلقى الله وهو تمحّص عنه ذنوبه فليوالِ علي بن الحسين عليهما السلام فإنّه كما قال الله تعالى: ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) .

ومَن أحبّ أنْ يلقى الله عزّ وجل وهو قرير العين فليوالِ محمّد بن علي عليهما السلام.

ومَن أحبّ أنْ


يلقى الله عزّ وجل فيعطيه كتابه بيمينه فليوالِ جعفر بن محمّد عليهما السلام.

ومَن أحبّ أنْ يلقى الله طاهراً مطهّراً فليوالِ موسى بن جعفر النور الكاظم عليهما السلام.

ومَن أحبّ أنْ يلقى الله وهو ضاحك فليوالِ علي بن موسى الرضا عليهما السلام.

ومَن أحبّ أنْ يلقى الله وقد رُفعتْ درجاته وبدّلت سيئاته حسنات فليوالِ ابنه محمّد.

ومَن أحبّ أنْ يلقى الله عزّ وجل فيحاسبه حساباً يسيراً ويدخله جنّةً عرضها السموات والأرض فليوالِ ابنه علي.

ومَن أحبّ أنْ يلقى الله عزّ وجل وهو من الفائزين فليوالِ ابنه الحسن العسكري.

ومَنْ أحبّ أنْ يلقى الله وقد كمل إيمانه وحسن إسلامه فليوالِ ابنه صاحب الزمان المهدي.

فهؤلاء مصابيح الدُجى، وأئمّة الهدى، وأعلام التُقى، فَمَن أحبّهم ووالاهم كنتُ ضامناً له على الله الجنّة ) (1) .

وواضح أنّه معتقد بصحّة الخبر، وإلاّ لَمَا أورده في أربعينه، خصوصاً أنّه قال في آخر كلامه ما نصّه:

( وإنّما ملتُ إلى تفضيلهم - يعني أهل البيت عليهم السلام - بعد أنْ تقدّمتْ مذاهب فعرفتها وبان لي الحقيقة فعرفتها وتبيّنت الطريقة فسلكتها بالشواهد اللائحة والأخبار الصحيحة الواضحة، ونبأت بها من الثقات وأهل الورع والديانات وكذلك أديناها حسب ما رويناها، قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( مَن كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار ) (2) .

3 - أحمد بن الحسن النامقي الجامي (ت: 536 هـ):

على ما في ( ينابيع المودّة ) في آخر الباب السادس والثمانين حيث قال

____________________

(1) نقله صاحب ( كشف الأستار عن وجه الغائب عن الأبصار ):60.

(2) المصدر نفسه: 61.


القندوزي الحنفي: ( وأمّا شيخ المشايخ العظام أعني حضرة شيخ الإسلام أحمد الجامي النامقي، والشيخ عطّار النيشابوري، وشمس الدين التبريزي، وجلال الدين مولانا الرومي، والسيّد نعمة الله الولي، والسيّد النسيمي، وغيرهم ( قدس الله أسرارهم ) ووهب لنا عرفانهم وبركاتهم، ذكروا في أشعارهم في مدائح الأئمّة من أهل البيت الطيّبين ( رضي الله عنهم ) مدْح المهدي في آخرهم، متّصلاً بهم، فهذهِ أدلّة على أنّ المهدي وُلِدَ أوّلاً ( رضي الله عنه )، ومَن تتبّع آثار هؤلاء الكاملين العارفين يجد الأمر واضحاً عيان ) (1) .

4 - يحيى بن سلامة بن حسين بن أبي محمّد عبد الله الديار بكري الطنزي الحصكفي (ت: 553 هـ) (2) .

ذكر ولادة الإمام المهدي في قصيدة طويلة جاء فيها:

وَسَائِلٌ عَنْ حُبِّ أَهْلِ البَيْتِ هَلْ

أُقِرُّ إِعْلاَنَاً بِهِ أَمْ أَجْحَدُ

هَيْهَاتَ مَمْزُوْجٌ بِلَحْمِيْ وَدَمِيْ

حُبُّهُم وَهُوَ الهُدَى الرَشَدُ

حَيْدَرَةُ وَالحَسَنَانِ بَعْدَهُ

ثُمَّ عَلِيّ وَابْنُه مُحَمَّدُ

وَجَعْفَرُ الصَادِق وابْنُ جَعْفَر

مُوْسَى وَيَتْلُوْهُ عَلِيُّ السَيِّدُ

أَعْنِي الرِضَا ثُمّ ابْنُهُ مُحَمَّدُ

ثُمّ عَلِيّ وَابْنُه المُسَدَّدُ

____________________

(1) ينابيع المودّة: 2/ 566، منشورات الشريف الرضي المصوّرة على المطبعة الحيدريّة سنة: 1965م.

(2) ذكر الذهبي في السير - ج20، ص32 - مؤسّسة الرسالة: أنّ وفاته في سنة: (551هـ)، بينما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية، وابن الدمياطي في ( المستفاد من تاريخ بغداد )، وسبط ابن الجوزي في ( تذكرة الخواص )، أنّ وفاته في سنة: (553هـ).


الْحَسَنُ التَالِي وَيَتْلُوْ تِلْوَهُ

مُحَمَّد بْن الحَسَن المُفْتَقَدُ

فَإِنَّهُمْ أَئِمَّتِي وَسَادَتِي

وَإِنْ لَحَانِي مَعْشَرٌ وَفَنَّدُوا

إلى أنْ قال:

وَلَسْتُ أَهْوَاكُم بِبُغْضِ غَيْرِكُم

إِنِّي إِذَنْ أَشْقَى بِكُمْ لاَ أُسْعَدُ

فَلاَ يَظُنُّ رَافِضِيْ أَنَّنِي

وَافَقْتُهُ أَوْ خَارِجِيّ مُفْسِدُ

مُحَمَّدٌ وَالخُلَفَاءُ بَعْدَهُ

أَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ فِيْمَا أَجِدُ

هَمْ أَسَّسُوْا قَوَاعِدَ الدِّيْنِ لَنَا

وَهُمْ بَنَو أَرْكَانَهُ وَشَيَّدُوْا

وَمَنْ يَخُنْ أَحْمَدَ فِيْ أَصْحَابِهِ

فَخَصْمُهُ يَوْمَ المِعَادِ أَحْمَدُ

هَذَا اعْتِقَادِي فَالْزِمُوْهُ تُفْلِحُوا

هَذَا طَرِيْقِيْ فَاسْلُكُوْهُ تَهَ دُوا

وَالشَافِعِيُّ مَذْهِبِي مَذْهَبُهُ

لأَنَّه فِيْ قَوْلِهِ مُؤَيَّدُ

تَبِعْتُهُ فِيْ الأَصْلِ وَالفَرْعِ مَعَاً

فَلْيَتْبَعْنِي الطَّالِبُ المُرْشِدُ

إنِّي بِإذْنِ اللهِ نَاجٍ سَابِقٍ

إِذَا وَنَى الظَالِمُ ثُمَّ المُفْسِدُ (1)

وقد نقلتُ المقطع الأخير؛ لأدلّك على أنّ الرجل ليس من الشيعة كما ينسبه البعض.

5 - العلاّمة أبو محمّد بن الخشّاب عبد الله بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر البغدادي النحوي المحدّث الفقيه الحنبلي (ت: 567 هـ):

قال في كتاب ( تواريخ مواليد الأئمة ووفياتهم ): حدّثنا صدقة بن موسى،

____________________

(1) نقل الأبيات المتقدّمة ابن كثير في ( البداية والنهاية ): 12/ 297 - 298، مؤسّسة التاريخ العربي. ونقل مقطعاً منها - فيه موضع الشاهد على ولادة المهدي عليه السلام - سبط ابن الجوزي في ( تذكرة الخواص ): 327، مؤسّسة أهل البيت، بيروت.


حدّثنا أبي، عن الرضا ( عليه السلام ) قال: ( الخَلَف الصالح مِن ولد أبي محمّد الحسن بن علي، وهو صاحب الزمان وهو المهدي ).

وحدّثني الجراح بن سفيان قال: حدّثني أبو القاسم طاهر بن هارون بن موسى العلوي عن أبيه هارون عن أبيه موسى، قال: قال سيّدي جعفر بن محمّد عليهما السلام: ( الخَلَف الصالح مِن وُلْدِي، المهدي اسمه محمّد، كنيته أبو القاسم، يخرج في آخر الزمان، يُقال لأُمِّه صيقل ).

قال لنا أبو بكر الدَرَّاع:

وفي رواية أخرى بل أُمّه: حكيمة، وفي رواية أخرى ثالثة يُقال لها: نرجس، ويُقال بل: سوسن، والله أعلم بذلك، يُكنّى بأبي القاسم، وهو ذو الاسمَين خلف ومحمّد يظهر في آخر الزمان على رأسه غمامة تظلّه من الشمس تدور معه حيث ما دار، تنادي بصوت فصيح هذا المهدي.

حدّثني محمّد بن موسى الطوسي، قال: حدّثنا أبو السكين عن بعض أصحاب التاريخ: أنّ أمّ المنتظر يُقال لها حكيمة، حدّثني عبيد الله بن محمّد عن الهشيم بن عدي قال: يُقال: كنيته الخَلَف الصالح أبو القاسم، وهو ذو الاسمَين صلّى الله عليه وآبائه أجمعين ) (1) .

6 - أبو المؤيّد الموفّق بن أحمد المكّي أخطب خوارزم (ت: 568 هـ):

حيث نقل بعض الأحاديث الدالّة على ولادة الإمام المهدي من دون أنْ

____________________

(1) تاريخ مواليد الأئمّة: ص44 - 46، مطبعة الصدر، الناشر مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم.


يُعلّق عليها (1) .

7 - فريد الدين عطّار النيشابوري (ت: 627 هـ):

على ما نقله القندوزي الحنفي في ( ينابيع المودّة ) آخر الباب السادس والثمانين حيث قال: ( وأمّا شيخ المشايخ العظام أعني حضرة شيخ الإسلام أحمد الجامي النامقي، والشيخ النيشابوري، وشمس الدين التبريزي، وجلال الدين مولانا الرومي، والسيّد نعمة الله الولي، والسيّد النسيمي، وغيرهم، ( قدّس الله أسرارهم ) ووهب لنا عرفانهم وبركاتهم، ذكروا في أشعارهم في مدائح الأئمّة من أهل البيت الطيّبين ( رضي الله عنهم ) مدْح المهدي في آخرهم متّصلاً بهم، فهذه أدلّة على أنّ المهدي وُلِدَ أوّلاً ( رضي الله عنه ) ومَن تتبّع آثار هؤلاء الكاملين العارفين يجد الأمر واضحاً عيان ) (2) .

ثمّ إنّه ذكر في الباب السابع والثمانين بعضَ أشعار الشيخ عطّار النيشابوري باللغة الفارسيّة فقال: ( ومِن كلمات الشيخ عطّار النيشابوري ( قدس الله سره ) وأفاض علينا علومه وبركاته في كتابه مظهر الصفات:

مصطفى ختم رسل شد در جهان

مرتضى ختم ولايت در عيان

جملة فرزندان حيدر أوليا

جمله يك نورند حق كرد اين ندا

____________________

(1) انظر: ( مقتل الخوارزمي ): الفصل السادس، في فضائل الحسن والحسين، حديث رقم: 21 ص144 - 145، وحديث: 23 ص146، نشر أنوار الهدى. وانظر: ( ينابيع المودّة ): 2/534، منشورات الشريف الرضي.

(2) ينابيع المودّة: 2/ 566، منشورات الشريف الرضي، المصوّرة على الطبعة الحيدريّة، سنة: 1965م.


وبعد تعداد أسماء الأئمّة الأحد عشر قال:

صد هزاران اولياء روي زمين

از خدا خواهند مهدي را يقين

يا إلهي مهديم از غيب آر

تا جهان عدل گردد آشكار

مهدي هاديست تاج اتقيا

بهترين خلق برج أولياء (1)

8 - الشيخ محيي الدين محمّد بن علي المعروف بابن عربي الطائي الأندلسي (ت: 638 هـ):

قال في الباب السادس والستّين وثلاثمئة من ( الفتوحات المكِّيَّة ): ( واعلموا أنّه لا بدّ من خروج المهدي ( عليه السلام )، لكن لا يخرج حتّى تمتلئ الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً، ولو لم يكن من الدنيا إلاّ يوم واحد طوّل الله تعالى ذلك اليوم حتّى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، مِن وُلْد فاطمة رضي الله عنها، جدّه الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده حسن العسكري ابن الإمام علي النقي - بالنون - ابن محمّد التقي - بالتاء - ابن الإمام علي الرضا ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمّد الباقر ابن الإمام زين العابدين علي بن الإمام

____________________

(1) المصدر نفسه: 2/567. وترجمة مضمون هذه الأبيات هو:

إنّ المصطفى صار خاتم الرسل في العالم

والمرتضى خاتم الولاية علانية

وجميع أولاد حيدر أولياء

وكلّهم نور واحد والحقّ نادى بهذا

* * *

آلاف من أولياء الله في الأرض

يطلبون من الله ظهور المهدي

يا إلهي أظهر مهديَّنا من الغيب

حتّى يشتهر العدل في العالم

المهدي هادٍ وتاج الأتقياء

أفضل الخلق قمّة الأولياء


الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه... ) (1) .

9 - الشيخ كمال الدين محمّد بن طلحة الشافعي (ت: 652 هـ):

قال في كتابه ( مطالب السؤول ): ( محمّد بن الحسن الخالص بن علي المتوكّل بن محمّد القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين بن أبي طالب، المهدي الحجّة الخَلَف الصالح المنتظر، عليهم السلام ورحمة الله وبركاته.

فَهَذَا الخَلَفُ الحُجَّةُ قَدْ أَيَّدَهُ اللهُ

هُدَاهُ مَنْهَجُ الحَقِّ وَآتَاهُ سَجَايَاهُ

إلى آخر الأبيات، ثمّ أثنى على الإمام بكلماته الرائعة وبعدها قال:

فأمّا مولده: فبسرّ مَن رأى، في ثالث وعشرين رمضان، سنة: ثمان وخمسين ومئتين للهجرة ) (2) .

10 - العلاّمة يوسف بن فرغلي المعروف بسبط ابن الجوزي الحنفي (ت: 654 هـ):

____________________

(1) نقل كلامه عبد الوهاب الشعراني في الجزء الثاني من كتاب ( اليواقيت والجواهر )، وقد أدرج الشيخ مهدي فقيه إيماني نسخة مصوّرة من الفصل المتعلّق بالموضوع في كتابه ( المهدي عند أهل السُنّة ): ( 1/410) وما بعدها.

كما نقل كلامه أيضاً الصبّان الشافعي في ( إسعاف الراغبين ) المطبوع في هامش ( نور الأبصار ): 154، دار الفكر، النسخة المصوّرة على طبعة القاهرة، 1948.

ومِن المؤسف أنّ الأيدي التي تدّعي أنّها أمينة على التراث قد حذفتْ هذه العبارة من كتاب الفتوحات المكِّيَّة المتداول فعلاً؟!!

(2) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 2/ 152، طبعة مؤسّسة أمّ القرى، بيروت.


قال في كتابه ( تذكرة الخواص ): ( فصل في ذكر الحجّة المهدي: هو محمّد بن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليه السلام )، وكنيته: أبو عبد الله، وأبو القاسم، وهو الخَلَف، الحجّة، صاحب الزمان، القائم المنتظر، والتالي، وهو آخر الأئمّة... ) (1) .

11 - الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي (ت: 658 هـ):

قال في الباب الثامن من الأبواب التي ألحقها بأبواب الفضائل من كتابه كفاية الطالب بعد ذكر الأئمّة من ولد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ما لفظه: ( وخلف - يعني علي الهادي ( عليه السلام ) - من الولد أبا محمّد الحسن ابنه )، ثمّ ذكر تاريخ ولادته ووفاته وقال: ( ودُفن في داره بسرّ مَن رأى، في البيت الذي دُفن فيه أبوه، وخلّف ابنه وهو الإمام المنتظر صلوات الله عليه ونختم الكتاب بذكره مفرداً انتهى ) (2) .

وقال في نهاية الكتاب: ( ويتلوه ذكر الإمام المهدي ( عليه السلام ) في كتاب مفرد وَسَمْتُهُ بـ: ( البيان في أخبار صاحب الزمان ) ).

وقال في كتابه ( البيان في أخبار صاحب الزمان ) في الباب الخامس والعشرين وهو آخر الأبواب في الدلالة على كون المهدي حيّاً باقياً منذ غيبته إلى الآن: ( ولا امتناع في بقائه؛ بدليل بقاء عيسى، وإلياس، والخضر، من أولياء الله تعالى، وبقاء الدجّال وإبليس الملعونَين من أعداء الله تعالى... ) (3) .

____________________

(1) تذكرة الخواص: 325، مؤسّسة أهل البيت، بيروت.

(2) كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: 312، مطبعة الغري.

(3) البيان في أخبار صاحب الزمان: ص148، توزيع دار التعارف للمطبوعات.


12 - الشيخ جلال الدين الرومي (ت: 672 هـ):

تقدّم أنّ القندوزي الحنفي ذكره في آخر الباب السادس والثمانين (1) .

ونضيف أنّه ذكر له أبياتاً شعريّة باللغة الفارسيّة في الباب السابع والثمانين، تفيد ذلك أيضا ً (2) .

13 - الشيخ العارف عامر بن بصري (ت: 696 هـ):

قال في قصيدته التائيّة المسمّاة بذات الأنوار (3) :

إِمَامَ الهُدَى حَتّى مَتَى أَنْتَ غَائِب

فَمُنَّ عَلَيْنَا يَا أَبَانَا بِأَوْبَةِ

تَرَاءَتْ لَنَا رَايَاتُ جَيْشِكَ قَادِمَاً

فَفَاحَتْ لَنَا مِنْهَا رَوَايِحُ مِسْكَةِ

وَبُشِّرَتْ الدُنْيَا بِذَلِكَ فَاغْتَدَتْ

مَبَاسِمُهَا مفترّة عَنْ مَسَرَّةِ

مَلَلْنَا وَطَالَ الانْتِظَارُ فَجِدْ لَنَا

بِرَبِّكَ يَا قُطْبَ الوُجُوْدِ بِلُقْيَةِ

14 - المحدّث الكبير إبراهيم بن محمّد بن المؤيّد الجويني الشافعي (ت: 722 هـ):

حيث أخرج في الباب الثاني والثلاثين من الجزء الثاني حديثَ اللوح في صياغات مختلفة، فيه ذكر الأئمّة الاثني عشر واحداً واحداً، وأنّ آخرهم القائم، المهدي المنتظر بن الحسن العسكري ( عليه السلام ) (4) .

____________________

(1) تقدّم القول في الصفحة: 388، 391.

(2) ينابيع المودّة: 2/ 568، انتشارات الشريف الرضي، طبعة مصوّرة على الطبعة الحيدريّة في النجف 1965م.

(3) نقل الأبيات صاحب ( كشف الأستار عن وجه الغائب عن الأبصار ): 88، إصدار مكتبة نينوى الحديثة.

(4) فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين والأئمّة من ذرِّيَّتهم عليهم السلام: 2/136 - 141. أحاديث رقم: (432 - 435). مؤسّسة المحمودي للطباعة والنشر، بيروت.


كما أخرج بسنده إلى دعبل الخزاعي عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) أنّه قال: ( يا دعبل، الإمام بعدي محمّد ابني، وبعد محمّد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجّة، القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره ... ) (1) .

15 - الشيخ شمس الدين محمّد بن يوسف الزرندي (ت: 747 هـ):

قال في ( كتاب معراج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول ): ( الإمام الثاني عشر، صاحب الكرامات المشتهر الذي عظم قدره بالعالم واتّباع الحقّ والأثر، القائم - مولده على ما نقلته الشيعة ليلة الجمعة من شعبان سنة: خمس وخمسين - بالحقّ، والداعي إلى منهج الحقّ، الإمام أبو القاسم محمّد بن الحسن، وكان بسرّ مَن رأى في زمان المعتمد، وأمّه نرجس بنت قيصر الروميّة أُمُّ وَلَد ) (2) .

16 - علي بن محمّد بن شهاب الهمداني (ت: 786 هـ):

في ( مودّة القربى )، حيث ذكر في المودّة العاشرة المعنونة بعنوان: في عدد الأئمّة، وأَن المهدي منهم ( عليهم السلام )، ذكر بعض الروايات الدالّة على ولادته ومن دون أنْ يعلّق عليها برفض، ممّا يدل على قبوله ذلك (3) .

17 - محمّد بن محمّد بن محمود البخاري المعروف بخواجه بارسا النقشبندي (ت: 822هـ):

قال في كتابه ( فصل الخطاب ): ( وكانت مدّة بقاء الحسن العسكري بعد

____________________

(1) المصدر نفسه: 2/ 337. حديث رقم: (591).

(2) نقلاً عن كتاب ( أئمّتنا ) لمحمّد علي دخيل: 2/435.

(3) نقل الكتاب القندوزي الحنفي في ( ينابيع المودّة ): ج1، من ص288 - 317.


أبيه ( رضي الله عنهما ) ستّ سنين ولم يخفِ (1) ولداً غير أبي القاسم محمّد المنتظر المسمّى بالقائم، والحجّة، والمهدي، وصاحب الزمان، وخاتمة الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة، وكان مولده ليلة النصف من شعبان سنة: خمس وخمسين ومئتين. وأمّه أُمّ ولد، يُقال لها نرجس، تُوفِّي أبوه - رضي الله عنه - وهو ابن خمس سنين، فاختفى إلى الآن ( رضي الله عنه ).

وهو محمّد المنتظر وَلَد الحسن العسكري ( رضي الله عنهما ) معلوم عند خاصّة أصحابه وثقات أهله... وقالوا: آتاه الله تبارك وتعالى الحكمة وفصْل الخطاب، وجعله آية للعالمين، كما قال: ( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً ) ، وقال تعالى: ( قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً ) ، وطوّل الله تبارك وتعالى عمره كما طوّل عمر الخضر وإلياس عليهما السلام.

وقال بعض كبراء العارفين يعني الشيخ محيي الدين العربي ( قدّس الله سره ) في المهدي ( رضي الله عنه ) فإنّه يكون معه ثلاثمئة وستّون رجلاً من رجال الله الكاملين يبايعونه بين الركن والمقام، أسعد الناس به أهل الكوفة، ويقسّم المال بالسويّة، ويعدل في الرعيّة، ويفصل في القضيّة... ) (2) .

18 - شهاب الدين بن شمس الدين بن عمر الهندي المعروف بملك العلماء (ت: 849 هـ):

قال في كتابه الموسوم بـ ( هداية السعداء ): ( ويقول أهل السُنّة: إنّ خلافة

____________________

(1) في بعض النسخ الأخرى ( يخلّف )، انظر: المصدر بطبعة دار الأسوة: 4/171.

(2) نقله القندوزي الحنفي في ( ينابيع المودّة ): 2/464 - 465، منشورات الشريف الرضي الطبعة المصوّرة على الطبعة الحيدريّة في النجف، 1965م.


الخلفاء الأربعة ثابتة بالنص، كذا في عقيدة الحافظيّة، قال النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): خلافتي ثلاثون سنة، وقد تمّت بعلي، وكذا خلافة الأئمّة الاثني عشر:

أوّلهم: الإمام علي كرّم الله وجهه، وفي خلافته ورد حديث: الخلافة ثلاثون سنة.

والثاني: الإمام الشاه حسن ( رضي الله عنه )، قال ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): هذا ابني سيّد سيصلح بين المسلمين.

والثالث: الإمام الشاه حسين ( عليه السلام )، قال ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( هذا ابني ستقتله الباغية وتسعة مِن وُلْد الشاه حسين، قال: ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): ( بعد الحسين بن علي كانوا من أبنائه تسعة أئمّة آخرهم القائم ).

وقال جابر بن عبد الله الأنصاري: دخلتُ على فاطمة بنت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وبين يديها ألواح فيها أسماء أئمّة مِن ولدها، فعدّدتْ أحد عشر اسماً آخرهم القائم، ثمّ أورد على نفسه سؤالاً أنّه لم يدع زين العابدين الخلافة؟ فأجاب عنه بكلام طويل حاصله: أنّه رأى ما فُعل بجدّه أمير المؤمنين وأبيه عليهما السلام من الخروج والقتل والظلم، وسمع أنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) رأى في منامه أنّ أجرية الكلاب تصعد على منبره وتعوي، فحزن فنزل عليه جبرائيل بالآية: ( لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) وهي مدّة ملك بني أميّة وتَسلّطهم على عباد الله، فخاف وسكت إلى أنْ يظهر المهدي من ولده فيرفع الألوية ويُخرج السيف فيملأ الأرض عدلاً وقسط ). إلى أن قال: ( وأوّلهم الإمام زين العابدين، والثاني الإمام محمّد الباقر، والثالث الإمام جعفر الصادق عليهم السلام، والرابع الإمام موسى الكاظم ابنه، والخامس علي الرضا ابنه، والسادس الإمام محمّد التقي ابنه، والسابع الإمام علي النقي ابنه، والثامن الإمام الحسن العسكري ابنه، والتاسع الإمام حجّة الله القائم الإمام المهدي ابنه، وهو غائب وله عمر طويل،


كما بين المؤمنين عيسى وإلياس وخضر، وفي الكافرين الدجّال والسامري ) (1) .

19 - نور الدين علي بن محمّد بن الصبّاغ المالكي (ت: 855 هـ):

ذكر ذلك خلال الفصل الخاص بالإمام المهدي من كتابه ( الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة ).

وجاء في جملته: ( وُلِد أبو القاسم محمّد الحجّة بن الحسن الخالص بسرّ مَن رأى ليلة النصف من شعبان سنة: خمس وخمسين ومئتين للهجرة، وأمّا نسبه أباً وأمّاً فهو: أبو القاسم محمّد الحجّة، بن الحسن الخالص، بن علي الهادي، بن محمّد الجواد، بن علي الرضا، بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمّد الباقر، بن علي زين العابدين، بن الحسين، بن علي، بن أبي طالب، صلوات الله عليهم أجمعين... وأمّا لقبه: فالحجّة، والمهدي، والخَلَف الصالح، والقائم المنتظر، وصاحب الزمان، وأشهرها: المهدي... ) (2) .

20 - الشيخ أبو المعالي محمّد سراج الدين الرفاعي (ت: 885 هـ):

ذكر في كتابه الموسوم بـ ( صحاح الأخبار في نَسَب السادة الفاطميّة الأخيار ) في ترجمة أبي الحسن الهادي ( عليه السلام ) ما لفظه: ( وأمّا الإمام علي الهادي ابن الإمام محمّد الجواد ولقبه التقي، والعالِم، والفقيه، والأمير، والدليل، والعسكري، والنجيب ولد في المدينة سنة: اثنتي عشر ومئتين من الهجرة،

____________________

(1) نقل كلامه الشيخ علي اليزدي الحائري في كتابه ( إلزام الناصب ): 1/297، تحقيق السيّد علي عاشور.

(2) الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة: 282 - 283، دار الأضواء.


وتُوفِّي شهيداً بالسمّ في خلافة المعتز العبّاسي يوم الاثنين بسرّ مَن رأى لثلاث ليالٍ خلون من رجب سنة: أربع وخمسين ومئتين، وكان له خمسة أولاد: الإمام الحسن العسكري، والحسين، ومحمّد، وجعفر، وعائشة.

فالحسن العسكري أعقب صاحب السرداب الحجّة المنتظر وليّ الله الإمام محمّد المهدي ( عليه السلام )... ) (1) .

21 - محمّد بن داود النسيمي (ت: 901 هـ): على ما في ينابيع المودّة (2) .

22 - الفضل بن روزبهان (ت: بعد 909 هـ):

قال في كتابه ( إبطال الباطل ): ( ما ذكر من فضائل فاطمة صلوات الله على أبيها وعليها وعلى سائر آل محمّد والسلام، أمر لا يُنكر، فإنّ الإنكار على البحر برحمته، وعلى البَرّ بسعته، وعلى الشمس بنورها، وعلى الأنوار بظهورها، وعلى السحاب بجوده، وعلى الملك بسجوده، إنكار لا يزيد المُنْكِر إلاّ الاستهزاء به، ومَن هو قادر على أنْ يُنْكِر على جماعة هم أهل السداد، وخُزّان معدن النبوّة، وحفّاظ آداب الفتوة، صلوات الله وسلامه عليهم، ونعم ما قلت فيهم منظوماً:

سلام على المصطفى المجتبى

سلام على السيّد المرتضى

سلام على ستّنا فاطمة

مَن اختارها الله خير النسا

سلام على المسك أنفاسه

على الحسن الألمعي الرضا

سلام على الأورعي الحسين

شهيد يرى جسمه كربلا

____________________

(1) صحاح الأخبار في نسب السادة الفاطميّة الأخيار: 55 - 56، ركابي للتوزيع.

(2) وقد تقدّم نصّ عبارة صاحب الينابيع في الصفحات: 388، 391.


سلام على سيّد العابدين

علي بن الحسين المجتبى

سلام على الباقر المهتدي

سلام على الصادق المقتدى

سلام على الكاظم الممتحَن

رضي السجايا إمامِ التُقى

سلام على الثامن المؤتَمَن

علي الرضا سيّد الأصفيا

سلام على المتّقي التقي

محمّد الطيّب المرتجى

سلام على الاريحي النقي

علي المكرّم هادي الورى

سلام على السيّد العسكري

إمام يجهز جيش الصفا

سلام على القائم المنتظر

أبي القاسم القرم نور الهدى

سيطلع كالشمس في غاسق

ينجيه من سيفه المنتقى

ترى يملأ الأرض من عدله

كما مُلئت جور أهل الهوى

سلام عليه وآبائه

وأنصاره ما تدوم السما (1)

فنصّ من غير تردّد على أنّ المهدي الموعود القائم المنتظر هو الثاني عشر من هؤلاء الأئمّة الغُرّ الميامين الدُرَر ( عليهم السلام ).

23 - الشيخ حسن العراقي (ت: بعد 958 هـ):

المدفون قرب كوم الريش بمصر، الذي التقى بالإمام المهدي - حسب ما صرّح بذلك - كما في ( اليواقيت والجواهر ) للشعراني (2) ، و ( الطبقات الكبرى )

____________________

(1) نقله الشهيد نور الله التستري في ( إحقاق الحقّ ): 209، وصاحب ( كشف الأستار عن وجه الغائب عن الأبصار ): 73 - 75، إصدار مكتبة نينوى الحديثة.

(2) ذكر عبارة الشيخ الشعراني، الشيخ الصّبان في كتاب ( إسعاف الراغبين )، المطبوع بهامش ( نور الأبصار ): 154، طبعة دار الفكر المصوّرة على طبعة القاهرة، سنة: 1948م، وسيأتي منّا ذكر نصّ العبارة عند ذكر الشيخ الشعراني إنْ شاء الله.


المسمّاة بـ ( لواقح الأنوار )، للشعراني أيضاً (1) .

24 - الشيخ علي الخواص أستاذ الشيخ الشعراني (ت: بعد 958 هـ):

على ما في ( اليواقيت والجواهر ) للشيخ الشعراني (2) .

25 - أحمد الرملي (ت: 971 هـ):

على ما ذكره مفتي الديار الحضرميّة في كتابه ( بغية المسترشدين )، حيث قال: ( وذكر أحمد الرملي أنّ المهدي موجود وكذلك الشعراني ) (3) .

26 - عبد الوهاب بن أحمد الشعراني الشافعي (ت: 973 هـ):

قال في ( اليواقيت والجواهر ) في المبحث الخامس والستّين، في بيان أنّ جميع أشراط الساعة التي أخبرنا بها الشارع حقّ لا بدّ أنْ تقع كلّها قبل قيام الساعة: ( وذلك كخروج المهدي ثمّ الدجال... قال الشيخ تقي الدين بن أبي منصور في عقيدته، وكلّ هذهِ الآيات تقع في المئة الأخيرة من اليوم الذي وَعَدَ به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمّته بقوله: ( إنّ صلحت أمّتي فلها يوم وإنْ فسدت فلها نصف يوم )، يعني من أيّام الرب المشار إليها بقوله تعالى: ( وإِنَّ يَوْمَاً عِنْدَ رَبِّكّ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ) ، قال بعض العارفين وأوّل الألف محسوب من وفاة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه... ثمّ تأخذ

____________________

(1) الطبقات الكبرى المسمّاة بـ ( لواقح الأنوار ): 2/190، دار الفكر.

(2) ذكر عبارة الشيخ الشعراني الشيخُ الصّبان في كتاب ( إسعاف الراغبين )، المطبوع بهامش ( نور الأبصار ): 154، طبعة دار الفكر المصوّرة على طبعة القاهرة، سنة: 1948م، وسيأتي منّا ذكر نصّ العبارة عند ذكر الشيخ الشعراني إنْ شاء الله.

(3) نقل كلامه الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي في كتابه ( مَن هو المهدي ): 440 - 441، مؤسّسة النشر الإسلامي.


في ابتداء الاضمحلال إلى أنْ يصير الدين غريباً كما بدأ، وذلك الاضمحلال يكون بدايته من مضي ثلاثين سنة في القرن الحادي عشر، فهناك يُتَرقّب خروج المهدي ( عليه السلام ) وهو من أولاد الإمام حسن العسكري، ومولده ( عليه السلام ) ليلة النصف من شعبان سنة: خمس وخمسين ومئتين، وهو باقٍ إلى أنْ يجتمع بعيسى بن مريم ( عليه السلام )، فيكون عمره إلى وقتنا هذا وهو سنة: ثمان وخمسين وتسعمئة. سبعمئة سنة وستّ سنين، هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي، المدفون فوق كوم الريش المطلّ على بركة الرطل بمصر المحروسة، عن الإمام المهدي حين اجتمع به ووافقه على ذلك سيّدي علي الخواص رحمهما الله تعالى.

وعبارة الشيخ محيي الدين في الباب السادس والستّين والثلاثمئة من الفتوحات: واعلموا أنّه لا بدّ من خروج المهدي.... ) (1) . وقد تقدّم منّا ذكر كلام الشيخ محيي الدين في الرقم (8) حسب هذا التسلسل، فراجع.

27 - السيّد جمال الدين عطاء الله بن السيّد غياث الدين فضل الله الشيرازي النيشابوري (ت: 1000هـ) (2) :

____________________

(1) اليواقيت والجواهر: الجزء الثاني، دار المعرفة للطباعة والنشر، وقد نقل الشيخ مهدي فقيه إيماني نسخة مصوّرة من الفصل المتعلّق بالموضوع من هذهِ الطبعة في كتابه ( المهدي عند أهل السنّة ): (1/410 - 411). كما نقل موضع الشاهد أعلاه الشيخ الصبّان في كتابه ( إسعاف الراغبين ) المطبوع بهامش ( نور الأبصار ): ص154، طبعة دار الفكر المصوّرة على طبعة القاهرة 1948، حيث قال: ( قال سيّدي عبد الوهاب الشعراني في كتابه اليواقيت والجواهر: المهدي مِن وُلد الإمام حسن العسكري... ).

(2) سنة وفاته على ما في ( كشف الظنون ) للحاجي خليفة هي ما أثبتناه، ذكره في ج1، ص923، دار إحياء التراث، لكن في ( معجم المؤلّفين ) لـ (عمر رضا كحالة ) أنّ سنة وفاته: (803هـ)، انظر: ج6، ص285، دار إحياء التراث العربي.


قال في كتابه ( روضة الأحباب ) (1) : ( كلام في بيان الإمام الثاني عشر المؤتمَن محمّد بن الحسن عليهما السلام، كانت ولادته المباركة في دَرَج الولاية، وجوهر معدن الهداية، بقول أكثر الروايات في منتصف شعبان سنة: ثمان وخمسين ومئتين، وكانت أمّه الجليلة أمّ ولد، وتُسمّى بصيقل، أو سوسن، وقيل: نرجس، وقيل: حكيمة.

وهذا الإمام ذو الإكرام يواطئ في كنيته واسمه خير الأنام عليه وآله تحف الصلاة والسلام، وقد انتظم في ألقابه: المهدي المنتظر، والخَلَف الصالح، وصاحب الزمان ( عليه السلام )، وكان له في حياة أبيه ( عليه السلام ) بالرواية الأولى: - وهي أقرب إلى الصحّة - خمس سنوات، وبالقول الثاني: سنتان، وقد كرّم واهب العطايا ذلك النور الأبهج مثل يحيى بن زكريّا سلام الله عليهما في حالة الطفولة، وقد

____________________

(1) النص الفارسي لكلامه هو:

( كلام در بيان إمام دوازدهم م ح م د ابن الحسن عليهما السلام، تولّد همايون آن در درج ولايت وجوهر معدن هدايت، يقول أكثر أهل روايت در منتصف شعبان سنة: دويست وبنجاه وبنج در سامرة اتفاق افتاد وگفتة شده در بيست وسيم از شهر رمضان دويست وبنجاه وهشت، ومادر آن عالي گهر أم ولد بود، ومسمّاة بصيقل، يا سوسن، وقيل: نرجس، وقيل: حكيمة.

وآن إمام ذوي الاحترام در كنيت ونام با حضرت خير الأنام عليه وآله تحفّ الصلاة والسلام موافقت دارد، ومهدي منتظر، والخلف الصالح، وصاحب الزمان، در ألقاب أو منتظم است، در وقت بدر برزگوار بروايت كه بصحّت أقربست: بنج ساله بود، وبقول ثاني: دو ساله، وحضرت واهب العطايا آن شكوفه گلزار را مانند يحيى زكريا سلام الله عليهما در حالت طفوليّت حكمت كرامت فرموده، ودر وقت صبا بمرتبة بلند امامت رسانيده، وصاحب الزمان يعني مهدي دوران در زمان معتمد خليفة در سنة: دويست وشصت وبنج يا شصت وشش على اختلاف القولين در سردابه سرّ مَن رأى از نظر فرق برايا غايب شد... ) ( نقله صاحب كشف الأستار: ص64 - 65 ).


وصل في وقت الصبا إلى مرتبة الإمامة الرفيعة. وقد غاب صاحب الزمان - يعني المهدي - في عصر المعتمد الخليفة في سنة: خمس أو ست وستّين ومئتين على اختلاف القولين في السرداب في سرّ من رأى عن خرق (1) البرايا... ) (2) .

28 - العارف عبد الرحمان الجشتي من مشايخ الصوفية (ت: 1045 هـ):

قال في كتابه ( مرآة الأسرار ) ما ترجمته (3) : ( ذكر شمس الدين والدولة هادي الملّة والدولة: مَن هو القائم في المقام المطهّري الأحمدي الإمام بالحقّ أبو القاسم محمّد بن الحسن المهدي رضي الله عنه، وهو الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت، أمّه كانت أُمّ ولد، اسمها نرجس، ولادته ليلة الجمعة

____________________

(1) هكذا في المتن المطبوع ولعلّ الصحيح: ( فرق )، والمقصود هم الخلق.

(2) نقلاً عن النجم الثاقب في أحوال الحجّة الغائب: (1/398)، ترجمة وتحقيق السيّد ياسين الموسوي.

(3) وأمّا النص الفارسي فهو:

(ذكر آن آفتاب دين ودولت آن هادي جميع ملّت ودولت آن قائم مقام باك أحمدي إمام بر حقّ أبو القاسم م ح م د بن الحسن المهدي رضي الله عنه، وي امام دوازدهم است أز أئمّة أهل بيت، مادرش أُمّ لد بود، نرجس نام داشت، ولادتش شب جمعه بانزدهم ماه رمضان سنة: خمس وخمسين ومئتين وبرواية ( شواهد النبوّة ) بتاريخ ثلاث وعشرين من شهر رمضان سنة: ثمان وخمسين در سرّ مَن رأى عرف سامرّه واقع شد، وامام دوازدهم در كنيت ونام حضرت رسالت بناهي ( عليه السلام ) موافقت دارد، ألقاب شريفش: مهدي، وحجّت، وقائم، ومنتظر، وصاحب الزمان ( عليه السلام ).

در وقت وفاة بدر خود إمام حسن عسكري ( عليه السلام ) بنج ساله بود كه بر مسند امامت نشست، چنانچه حق تعالى حضرت يحيى بن زكريا عليهما السلام را در حال طفوليّت حكمت كرامت فرمود، وعيسى بن مريم ( عليه السلام ) را وقت صبا بمرتبه بلند رسانيد، وهمچنين أو را در اين صغر سن إمام گردانيد وخوارق عادات أو نه چندانست كه در اين مختصر گنجايش دارد.)


خامس عشر شهر شعبان سنة: خمس وخمسين ومئتين، وعلى رواية ( شواهد النبوّة ) أنّها في ثلاث وعشرين من شهر رمضان سنة: ثمان وخمسين في سرّ مَن رأى المعروفة بسامرّاء، وافق رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في الاسم والكنية، وألقابه: المهدي، الحجّة، والقائم، والمنتظر، وصاحب الزمان.

كان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين وجلس على مسند الإمامة، ومثله مثل يحيى بن زكريّا حيث أعطاه الله في الطفولة الحكمة والكرامة، ومثل عيسى بن مريم حيث أعطاه الله النبوّة في صغر سنّه، كذلك المهدي جعله الله إماماً في صغر سنه، وما ظهر له من خوارق العادات كثير لا يسعها هذا المختصر ) (1) .

29 - المولوي علي أكبر بن أسد الله المؤودي (ت: 1210 هـ):

في كتابه ( المكاشفات ) الذي جعله كالحواشي على كتاب النفحات للمولى عبد الرحمان الجامي، ذكر ذلك ضمن الكلام عن علي بن سهل بن الأزهر الإصبهاني والبحث في عصمة الأنبياء، وقد جاء في جملة كلامه: (... فبهذا صحّ مذهب مَن ذهب إلى كون غير النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) معصوماً، ومَن قيّد العصمة في زمرة معدودة ونفاها عن غير تلك الزمرة فقد سلك مسلكاً آخر. وله أيضاً وجه يعلمه من علمه، فإنّ الحكم بكون المهدي الموعود رضي الله عنه موجوداً وهو كان قطباً بعد أبيه الحسن العسكري - كما كان هو قطباً بعد أبيه إلى الإمام علي بن أبي طالب كرّمنا الله بوجوههم - يُشير إلى صحّة حصر تلك الرتبة في وجوداتهم من حين كان القطبيّة في وجود جدّه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) إلى أنْ تتمّ فيه لا قبل ذلك. فكلّ قطب فرد يكون على تلك الرتبة

____________________

(1) ذكر كلامه بالفارسيّة صاحب ( كشف الأستار ): 81ـ 82، إصدار مكتبة نينوى الحديثة.


نيابة عنه لغيبوبته من أعين العوام والخواص لا عن أعين أخصّ الخواص. وقد ذكر ذلك عن الشيخ صاحب اليواقيت وعن غيره أيضاً رضي الله عنه وعنهم. فلا بدّ أنْ يكون لكلّ إمام من الأئمّة الاثني عشر عصمة، خذ هذهِ الفائدة.

قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني، في المبحث الخامس والستّين: قال الشيخ تقي الدين بن أبي المنصور في عقيدته بعد ذكر تعيين السَنَة للقيامة: فهناك يُتَرقّب خروج المهدي ( عليه السلام )، وهو من أولاد الإمام حسن العسكري ( عليه السلام )... ) (1) .

30 - القاضي جواد بن إبراهيم بن محمّد ساباط القاضي الحنفي (ت: 1250 هـ):

في كتابه ( البراهين الساباطيّة ) فيما تستقيم به دعائم الملّة المحمّدية، حيث نقل من كتاب ( شعيا ) ما ترجمته: ( وستخرج من قِنْسِ الأسى ينبت من عروقه غصن، وستستقرّ عليه روح الربّ أعني: روح الحكمة والمعرفة، وروح الشورى والعدل، وروح العلم وخشية الله، ويجعله ذا فكرة وقّادة، مستقيماً في خشية الربّ، فلا يُقضى كذا بلجامات الوجوه ولا يدين بالسمع ).

ثمّ ذكر تأويل اليهود والنصارى هذا الكلام، ورده وقال: فيكون المنصوص عليه هو المهدي رضي الله عنه بعينه بصريح قوله ولا يدين بمجرّد السمع؛ لأنّ المسلمين أجمعوا على أنّه - رضي الله عنه - لا يحكم بمجرّد السمع والحاضر، بل لا يلاحظ إلاّ الباطن، ولم يتّفق ذلك لأحد من الأنبياء والأوصياء ).

____________________

(1) نقل كلامه بنحو من التفصيل صاحب ( كشف الأستار ): 79 - 81..


إلى أنْ قال: ( وقد اختلف المسلمون في المهدي رضي الله عنه، فقال أصحابنا من أهل السُنّة والجماعة: إنّه رجل من أولاد فاطمة يكون اسمه محمّداً، واسم أبيه عبد الله، وأُمّه آمنة، وقال الإماميّون: بل، إنّه هو محمّد بن الحسن العسكري رضي الله عنهما، وكان قد تولّد سنة: 255 مِن فتاةٍ للحسن العسكري رضي الله عنه اسمها نرجس، في سرّ مَن رأى بزمن المعتمد، ثمّ غاب سنة، ثمّ ظهر، ثمّ غاب وهي الغيبة الكبرى، ولا يؤوب بعدها إلاّ إذا شاء الله. ولمّا كان قولهم أقرب لتناول هذا النص، وكان غرضي الذبّ عن ملة محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مع قطع النظر عن التعصّب في المذهب ذكرتُ لك مطابقة ما يدّعيه الإماميّون ) (1) .

31 - عبد الرحمان بن محمّد بن حسين بن عمر باعلوي مفتي الديار الحضرميّة (ت: بعد 1251 هـ):

قال في كتابه ( بغية المسترشدين ) طبع مصر، ص296: ( نقل السيوطي عن شيخه العراقي أنّ المهدي وُلِدَ سنة: 255، قال: ووافقه الشيخ علي الخواص، فيكون عمره - في وقتنا - سنة: 958: 703 سنة.

وذكر أحمد الرملي أنّ المهدي موجود، وكذلك الشعراني أ هـ، من خط الحبيب علوي بن أحمد الحدّاد، وعلى هذا يكون عمره في سنة: 1301: 1046 سنة ) (2) .

____________________

(1) نقل كلامه صاحب ( كشف الأستار ): 84 - 85، إصدار مكتبة نينوى الحديثة.

(2) نقل كلامه الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي في كتابه ( مَن هو المهدي ): 440 - 441، مؤسّسة النشر الإسلامي.


32 - سليمان بن إبراهيم المعروف بالقندوزي الحنفي (ت: 1294 هـ):

قال في كتابه ( ينابيع المودّة ): ( فالخبر المعلوم المحقّق عند الثقات أنّ ولادة القائم ( عليه السلام ) كانت ليلة الخامس عشر من شعبان سنة: خمس وخمسين ومئتين في بلدة سامرّاء ) (1) .

كما أنّ الذي يُراجِع الباب: (79) و (80) و (82) و (83) و (84) و (85) و (86)، وغيرها من الأبواب المختصّة بأمر المهدي في كتاب ( ينابيع المودّة ) يجد الأمر جليّاً واضحاً.

33 - الشيخ نجم الدين الشافعي:

قال في كتاب ( منال الطالب ) ( مخطوط ): ( القسم الثاني في ذكر المعاني التي ذكر اختصاصهم بها وهي الإمامة الثابتة لكلّ واحد منهم، وكون عددهم مختصراً في اثني عشر إماماً، فأمّا ثبوت الإمامة لكلّ واحد منهم فإنّه حصل ذلك لكلّ واحد مِن قَبله، فحصلتْ للحسن التقي ( عليه السلام ) من أبيه علي بن أبي طالب ( عليه السلام )، وحصلتْ بعده لأخيه الحسين الزكي منه، وحصلتْ بعد الحسين لابنه علي زين العابدين منه، وحصلتْ بعد زين العابدين لولده محمّد الباقر، وحصلتْ بعد الباقر لولده جعفر الصادق منه، وحصلتْ بعد الصادق لولده موسى الكاظم منه، وحصلت بعد الكاظم لولده علي الرضا منه، وحصلت بعد الرضا لولده محمّد القانع منه، وحصلت بعد القانع لولده علي المتوكّل منه، وحصلتْ بعد المتوكّل لولده الحسن الخالص منه، وحصلت بعد الخالص

____________________

(1) ينابيع المودّة: 2/ 543، آخر الباب: (79)، منشورات الشريف الرضي المصوّرة على منشورات المطبعة الحيدريّة 1965م.


لولده محمّد الحجّة المهدي ) (1) .

34 - شمس الدين التبريزي، على ما في ينابيع المودّة (2) .

35 - السيّد نعمة الله الولي، على ما في ينابيع المودّة (3) .

36 - عبد الله بن محمّد المطيري الشافعي:

قال في كتابه ( الرياض الزاهرة في فضل آل بيت النبي وعترته الطاهرة صلوات الله عليهم ) على ما نقله المحدّث النوري في ( كشف الأستار )، حيث ذكر أنّ المؤلّف ( صدّر كتابه هذا بذكر تمام رسالة: إحياء الميت بفضائل أهل البيت عليهم السلام للإمام جلال الدين السيوطي، وهي تشتمل على ستّين حديثاً، فتمّمها وأنهاها إلى مئة وواحد وخمسين، ورُوى في الحديث الأخير: أنّ من ذرِّيَّة الحسين بن علي - رضي الله عنه - المهدي المبعوث في آخر الزمان ).

إلى أنْ قال: ( وجميع نسل الحسين وذرِّيَّته يعودون إلى إمام الأئمّة المحقّق المُجْمَع على جلالته وغزارة علمه وزهده، وورعه وكماله، سلالة الأنبياء والمرسلين، وسلالة خير المخلوقين زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنه وأرضاه ).

ثمّ ذكر بعض فضائله وجماعة مِن ذرِّيَّته وجملة من المنامات في فضيلتهم، إلى أنْ قال: ( فالإمام الأوّل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ).

____________________

(1) نقل كلامه الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي في كتابه ( مَن هو المهدي ): 442 - 443، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين.

(2) تقدّم نقل عبارة صاحب الينابيع في الصفحات: 338، 391.

(3) تقدّم نقل عبارة صاحب الينابيع في الصفحات: 338، 391.


وساق أسامي الأئمة ثمّ قال: ( الحادي عشر: ابنه الحسن العسكري رضي الله عنه، الثاني عشر: ابنه محمّد القائم المهدي رضي الله عنه، وقد سبق النص عليه في ملّة الإسلام من النبي محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وكذا مِن جدّه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن بقيّة آبائه أهل الشرف والمراتب، وهو صاحب السيف القائم المنتظر كما ورد ذلك في صحيح الخبر، وله قبل قيامه غيبتان - إلى آخر ما قال ).

ثمّ أضاف المحدث النوري: ( والنسخة التي عثرت عليها عتيقة وكانت لمؤلّفها وبخطّه وعلى ظهرها: ( كتاب الرياض الزاهرة في فضل آل بيت النبي وعترته الطاهرة، تأليف الفقير إلى الله تعالى عبد الله محمّد المطيري شهرة: المدني حالاً، الشافعي مذهباً، الأشعري اعتقاداً، والنقشبندي طريقةً، نفعنا الله من بركاتهم، آمين ) (1) .

37 - الدكتور عبد السلام الترمانيني:

قال في ( أحداث التاريخ الإسلامي ): ( الحسن العسكري... أبو محمّد الإمام الحادي عشر مِن أئمّة الشيعة الإماميّة، وهو والد محمّد ( المهدي ) الإمام المنتظر الذي دخل السرداب في سامرّاء واختفى ) (2) .

38 - يونس أحمد السامرائي:

قال في كتابه ( سامراء في أدب القرن الثالث ) الذي طُبع بمساعدة جامعة بغداد، وهو يتكلّم عن نسبة العسكري إلى سامراء: ( فالعسكري نسبة إلى

____________________

(1) كشف الأستار عن وجه الغائب عن الأبصار: 93 - 94، إصدار مكتبة نينوى الحديثة.

(2) أحداث التاريخ الإسلامي: ج2، مجلّد1، ص171، تلاسدار دمشق.


العسكر وهو كما مرّ بنا من أسماء سامرّاء... إلى أنْ قال: وقد حمل هذهِ النسبة جماعة من الأجلاّء منهم أبو الحسن علي الهادي بن محمّد الجواد العسكري وابنه الحسن العسكري وأبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري وهو المهدي المنتظر (1) .

وقال في موضع آخر: كما تُوفِّي فيها ودُفن عدد غير قليل من الأفاضل والعلماء المحدّثين والقضاة واللغويّين و... منهم أبو الحسن علي بن محمّد العسكري وابنه أبو محمّد الحسن بن علي العسكري والد المنتظر (2) .

وإلى هنا نُوقِف الركب ولا نثقل على القارئ أكثر من هذا، فإن ما ذكرناه فيه غنىً وكفايةً لردّ كلّ التقوّلات والتخرّصات التي أرادتْ إطفاء نور الله وزعمتْ أنّ الحسن العسكري مات مِن غير عقب.

فها أنت - قارئي الكريم - قد عرفت عبارات المؤرّخين وأهل الفن والمعرفة، وكلّها صراحة ووضوح بولادة محمّد بن الحسن، ورأيتُ أنّهم ما بين قائل بمهدويّته، وما بين قائل بولادته من دون إشارة إلى وفاته، عدا بعض التخرّصات المشيرة إلى وفاته رجماً بالغيب، وهذا يؤيّد صراحة قول الشيعة بأنّ الإمام الحجّة حي غائب عن الأبصار.

إذن، فلتخرس كلّ الألسن التي نطقتْ زوراً وباطلاً...

ولتفض كلّ الأفواه التي حرِّفتْ مسار التاريخ ودُسَّتْ فيه زيفاً وبهتاناً...

فقد أشرقت الشمس وبزغ القمر وعلا نور الحقيقة يصدح بنور الإمامة...

____________________

(1) سامراء في أدب القرن الثالث الهجري: 46، مطبعة الإرشاد، بغداد.

(2) المصدر نفسه: 70.


ووُلِدَ مهديُّ آل محمّد ليحطّم أنوف الجبابرة، ويهشّم كبرياء وغرور الظالمين؛ ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلِئضتْ ظلماً وجوراً.

والحمد الله ربّ العالمين.



خاتمة الكتاب

وفيها أمران:

اتّضح من البحوث السابقة أنّ الأمّة الإسلاميّة أجمعتْ بأسرها على جلالة وعظمة أهل البيت ( عليهم السلام )، وقد عرفنا أنّ الآيات والروايات دلّت على وجوب اتّباعهم والتمسّك بمنهجهم والانتهال من معين نبْعهم الثَر، كما عرفنا أنّ كتب أهل السُنّة قد تناولتْهم بالمدح والثناء، بل قرأنا أنّ جملة من علماء أهل السُنّة - فضلاً عن عوامّهم - كانوا يزورون مراقد أئمّة أهل البيت ويتوسّلون بهم إلى الله في قضاء حوائجهم (1) ، ومن هنا يتبيّن أنّ لأهل هذا البيت عليهم السلام محوريّة مميّزة في حياة الأمّة الإسلاميّة، وأنّ لهم دوراً مركزيّاً في إحياء شرعة الحقّ التي جاء بها النبي محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؛ ولذا يجدر بنا التنبيه إلى أمرين:

* الأمر الأوّل:

عند مراجعة ما تقدّم يتّضح جلياً أنّ لأهل البيت ( عليهم السلام ) تراثاً علميّاً ضخماً ملأ آفاق الدنيا، فقد عرفنا أنّ عليّاً ( عليه السلام ) كان باب مدينة علم رسول الله، ووارث علمه (2) .

ولا يخفى على القارئ مكانة علي ( عليه السلام ) العلميّة بين الصحابة:

قال ابن عبّاس: ( قال عمر: عليٌ أقضانا ).

وقال ابن مسعود: ( كنّا نتحدّث أنّ أقضى أهل المدينة علي ).

وقال ابن المسيّب: ( قال عمر: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن ).

وقال ابن عبّاس: ( إذا حدّثنا ثقة بفتيا عن علي لم نتجاوزه ) (3) .

____________________

(1) انظر مثلاً ما تقدّم من: قول الشافعي: ص271، وأبي علي الخلال: ص271، والسمعاني: ص273، وابن حِبَّان: ص293، والذهبي: ص299.

(2) انظر: آخر الفصل الأوّل.

(3) هذهِ الأقوال أرسلها الذهبي إرسال المسلّمات في ( تاريخ الإسلام ): وفيات: (11 - 40هـ)، ص 638.


فعليّ ( عليه السلام ) كان مرجعاً في الفتيا والقضاء وكلّ ما يتعلّق بأمور الدين والدنيا، حتّى أنّ سعيد بن المسيّب قال: ( لم يكن أحدٌ من الصحابة يقول: ( سلوني ) إلاّ علي ) (1) .

لذا، فإنّ الصحابة نهلوا منه الكثير الكثير، قال ابن الأثير - بعد أنْ تحدّث عن علم علي ( عليه السلام ) -: ( ولو ذكرنا ما سأله الصحابة - مثل عمر وغيره رضي الله عنهم - لأطلنا ) (2) .

إذن، فعلم علي ( عليه السلام ): لا يخفى على أحد، وكذا أولاده الطاهرين من أهل البيت، كلّهم كانوا من أكابر العلماء وأجلّتهم، كما عرفت من الكلمات السابقة في حقّهم ( عليهم السلام ).

أمّا الحسن والحسين: فلا يخفى جلالة قدرهما وعظيم علمهما عند كافّة المسلمين.

وزين العابدين: كان أفضل وأفقه أهل المدينة.

والباقر: سُمّي بذلك؛ لأنّه بقر العلم بقراً.

والصادق: كان من أعاظم العلماء، حتّى أنّ أبا حنيفة لم يرَ مَن هو أفقه منه، وقد نُقل عنه من العلوم ما سارتْ به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان.

وهكذا الكاظم، والرضا، والجواد، والهادي، والعسكري : كلّهم كانوا من أجلّة العلماء وأكابرهم، وكان بعضهم يفتي في مسجد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

وأمّا المهدي المنتظر: فهو وارث علم النبي والذي سيحكم ويُقيم العدل في الأرض، بعد ما ملأها الظلم والجور.

إذن، فأينما تضع يدك فإنّك تضعها على كنز من كنوز العلم والمعرفة، فأهل البيت ( عليهم السلام ) كانوا يحملون العلوم المحمّدية المباركة ويفيضون بها على الملأ الإسلامي.

____________________

(1) المصدر نفسه: 638.

(2) أُسدُ الغابة: 4/110، دار إحياء التراث العربي.


والتساؤل الذي يتأرجح في ذهن كلّ قارئ هو:

- أينَ تراث أهل البيت في كتب أهل السُنّة؟!

- وأينَ فقههم بالذات؟!

- وهل عملوا به وأخذوا منه؟!

إنّ مراجعة بسيطة لكتبهم الحديثيّة والفقهيّة وغيرها تعطيك جواباً جليّاً واضحاً، وهو:

إنّ الأخوة من أهل السُنّة لم ينهلوا من هذا المنبع العذب الذي أمرنا الرسول بالتمسّك به، فلا تجد في طيّات كتبهم إلاّ النَزْر اليسير ممّا نسبوه إلى أهل البيت ( عليهم السلام )، بل تجد في كلمات بعض علمائهم تحاملاً واضحاً على أهل هذا البيت المبارك، وكأنّ الرسول الأعظم محمّداً ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لم يوصِ الأمّة بهم خيراً.

فها هو القاضي المعروف بابن خلدون المالكي صاحب كتاب التاريخ المعروف بـ ( تاريخ ابن خلدون ) يتهجّم على هذا المذهب المحمّدي الأصيل ويصفه بالشذوذ، فيقول في تاريخه: ( وشذّ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقهٍ انفردوا به... ) (1) .

فما أمر به الرسول يكون شذوذاً عند ابن خلدون؟!!

وما ورثه علي من النبي يكون بدعة؟!!

وفي نفس المضمار تجد ابن تيمية ( شيخ الإسلام ) يُجْهِد نفسه في سبيل إثبات أنّ الأئمّة الأربعة، وسائر فقهاء أهل السُنّة لم يأخذوا من علي ( عليه السلام )، ولا مِن أولاده الطاهرين، فيقول: ( فليس في الأئمّة الأربعة - ولا غيرهم مِن أئمّة الفقهاء - مَن يرجع إليه [ إلى علي ] في فقهه:

أمّا مالك: فإنّ علمه عن أهل المدينة، وأهل المدينة لا يكادون يأخذون بقول علي، بل أخذوا فقههم عن

____________________

(1) تاريخ ابن خلدون: 1/446.


الفقهاء السبعة، عن: زيد، وعمر، وابن عمر ونحوهم.

أمّا الشافعي: فإنّه تفقّه أوّلاً على المكِّيِّين، أصحاب ابن جريج كسعيد بن سالم القدّاح، ومسلم بن خالد الزنجي، وابن جريج أخذ ذلك عن أصحاب ابن عبّاس، كعطاء وغيره، وابن عبّاس كان مجتهداً مستقلاًّ، وكان إذا أفتى بقول الصحابة أفتى بقول أبي بكر وعمر، لا بقول علي، وكان يُنْكِر على علي أشياء.

ثمّ، إنّ الشافعي أخذ عن مالك، ثمّ كتب كُتب أهل العراق، وأخذ مذاهب أهل الحديث، واختار لنفسه.

وأمّا أبو حنيفة: فشيخه الذي اختص به حمّاد بن أبي سليمان، وحمّاد عن إبراهيم، وإبراهيم عن علقمة، وعلقمة عن ابن مسعود، وقد أخذ أبو حنيفة عن عطاء وغيره.

وأمّا الإمام أحمد: فكان على مذهب أهل الحديث، أخذ عن ابن عُيَيْنَة، وابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس وابن عمر، وأخذ عن هشام بن بشير، وهشام عن أصحاب الحسن وإبراهيم النخعي، وأخذ عن عبد الرحمان بن مهدي ووكيع بن الجراح وأمثالهما، وجالس الشافعي، وأخذ عن أبي يوسف واختار لنفسه قولاً، وكذلك إسحاق بن راهويه، وأبو عبيد ونحوهم، والأوزاعي والليث أكثر فقههما عن أهل المدينة وأمثالهم، لا عن الكوفيّين ).

وأضاف بعد أسطر قليلة: ( فهذا موطّأ مالك ليس فيه عنه ولا عن أحد أولاده إلاّ قليل جدّاً، وجمهور ما فيه عن غيرهم، فيه عن جعفر تسعة أحاديث، ولم يروِ مالك عن أحد من ذرِّيَّته إلاّ عن جعفر، وكذلك الأحاديث التي في الصِحَاح والسنن والمسانيد، منها قليل عن ولده وجمهور ما فيها عن


غيرهم ) (1) .

هكذا أنهك شيخ الإسلام نفسَه في إثبات أنّ أهل السُنّة لم يأخذوا مِن أئمّة أهل البيت، وغفل ابن تيمية عن أنّ ذاك لا يُعدّ منقصة على أهل البيت، بل هو منقصة عظيمة على أولئك الفقهاء الذين خلّفوا وصيّة رسول الله وراء ظهورهم، فإنّ كلام ابن تيمية يعني أنّ جمهرة الفقهاء خالفوا وصيّة الرسول الأكرم في التمسّك بالثقلين: الكتاب والعترة، ولم يدخلوا إلى مدينة علم النبي من بابها الذي وضعه الله لها، ولم يرتضعوا علماً ورثه علي ( عليه السلام ) من الرسول الأكرم محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

إذن، فعلماء أهل السُنّة لم يتمسّكوا بأهلِ البيت ( عليهم السلام )، ولم يضمّوا بين دفات كتبهم إلاّ النَزْر اليسير من تراثهم!!

بل إنّ الإمام البخاري احتجّ في كتبه بالخوارج والنواصب المبغضين لعلي بن أبي طالب؛ أمثال: عمران بن حطان السدوسي ، الذي كان من رؤوس الخوارج (2) ، وهو المادح عبد الرحمان بن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بقوله:

يا ضربةً مِن تقيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا

إِلاَّ لِيَبْلُغَ مِنْ ذِيْ العَرْشِ رِضْوَانَا

إِنِّي لأَذْكُرهُ حِيْنَاً فَأَحْسُبُهُ

أَوْفَى البَرِيَّة عِنْدَ الله مِيْزَانَا (3)

____________________

(1) منهاج السنّة: 7/529 - 531، بتحقيق الدكتور محمّد رشاد سالم، الطبعة الأ ُ ولى.

(2) سير أعلام النبلاء: 4/214، مؤسّسة الرسالة.

(3) المصدر نفسه: 4/215.


وأمثال: حريز بن عثمان الرحبي الناصبي (1) ، المشهور الذي كان يَلعن عليَّ بن أبي طالب بالغداة سبعين مرّة وبالعشيّ سبعين مرّة، كما نقل ذلك ابن حِبَّان (2) .

وهكذا فالبخاري يروي عن الكثير من أمثال هؤلاء، لكنّه أبى أنْ يُخرّج عن الإمام الصادق في صحيحه (3) ، مع أنّ الصادق من أكابر علماء أهل البيت، ومجمع على جلالة قدره!!!

هذا هو التنبيه الأوّل الذي أحببنا التنويه إليه، فعلى كلّ طالب للحقيقة الالتفات إلى هذا الأمر المهم، والنظر إليه بعين الإنصاف، بعيداً عن قيود الموروث الذي كبّل الأفكار عن الانطلاق في عالم النور.

* الأمر الثاني:

إنّ السيرة العمليّة للكثير من علماء أهل السُنّة تَتَّسِم بالابتعاد عن أهل البيت ( عليهم السلام )، فمضافاً إلى أنّهم لم ينهلوا من علوم أهل البيت عليهم السلام تلاحظهم ينأَون بأنفسهم بعيداً عنهم، حتّى ولو استلزم ذلك مخالفة النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )!!!

فقد صحّت الروايات في كتبهم الحديثيّة أنّ كيفيّة الصلاة الصحيحة على النبي التي علّمها النبيُّ أصحابَه هي بضميمة الصلاة على الآل (4) ، لكنّك ترى

____________________

(1) الناصبي: هو المبغض والمعادي لعلي، وأهل البيت ( عليهم السلام )، وهو منافق بنص قول النبي ( صلّى الله عليه وآله ) المتّفق على صحّته بين الشيعة والسنّة، وهو: ( يا علي لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق )، وقد تقدّم ذكره، انظر للاطّلاع: ( صحيح مسلم ): 1/61، دار الفكر.

(2) انظر: ( تهذيب التهذيب ): 2/222، دار الفكر.

(3) انظر: ( سير أعلام النبلاء ): 6/269، مؤسّسة الرسالة.

(4) انظر: ( صحيح مسلم ): 1/305، دار الفكر، وقد تقدّم ذكر بعض مصادر الحديث في الفصل الأوّل عند ذكر فضائل علي الخاصّة ( الحديث السادس ).


أنّ السواد الأعظم من علمائهم لا يُقْرِنُ الصلاة على النبي بالصلاة على الآل، وهذهِ كتب أهل السُنّة في متناول الأيدي، وكلّ قارئ يمكنه المراجعة ليرى ذلك بوضوح، فلماذا تترك الصلاة على الآل؟! وهل هناك ما يبرّر مخالفة النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؟!

أضف إلى ذلك التغييب المتعمّد لأهل البيت ( عليهم السلام ) في الحياة العمليّة، فلا تجد في خُطَبِهِم، ومحاضراتهم، ومواعظهم ما يتعلّق بأهل البيت ( عليهم السلام )، حتّى أدّى ذلك إلى غياب هذهِ النخبة الطاهرة عن أذهان مثقّفي الأمّة الإسلاميّة، من الطلبة والأساتذة وأصحاب الشهادات، فإنّه مِن المؤسِف أنّهم لا يعرفون مَن هو زين العابدين، ومَن هو الباقر، ومَن هو الصادق، وهكذا؛ لأنّهم لم يعتادوا من علمائهم سماع هذهِ الأسماء المباركة، مع ادّعاء علمائهم محبّة آل البيت ( عليهم السلام )؟!!

يقول العلاّمة السقّاف، أحد علماء أهل السُنّة المعاصرين:

( وقد نصّ على محبّة العترة جمهورُ أهل السُنّة والجماعة، لكنّها بقيت مسألة نظريّة لم يطبّقها كثيرون، فهي مفقودة حقيقة في أرض الواقع، وهذا ممّا يؤسَف له جدُّ الأسف. وقد حاول النواصب - وهم المبغضون لسيّدنا علي رضوان الله عليه ولذرِّيَّته: وهم عترة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الأطهار - أنْ يصرفوا الناس عن محبّة آل البيت التي هي قربة من القرب، فوضعوا أحاديث في ذلك وبَنَو عليها أقوالاً فاسدة منها:

- أنّهم وضعوا حديث: ( آل محمّد كلّ تقي ) و ( أنا جَدّ كلّ تقي ) ونحو هذه الأحاديث التي هي كذب من موضوعات أعداء


أهل البيت النبوي ) (1) .

- كما أنّهم يكتمون ما أمر الله به أنْ يُعلم، فيذكرون من على منابرهم حديث الثقلين بلفظ: ( وسنّتي )، ولا يتطرّقون إلى حديث الثقلين بلفظ: ( وعترتي ) مع أنّ هذا الأخير حديث صحيح السند، تقدّمت منّا بعض طرقه، أمّا حديث: ( وسنتي ) فهو ضعيف السند، بل موضوع، وقد تقدّم كلام السقّاف حوله.

وحول كتمان علماء أهل السُنّة لحديث الثقلين بلفظ: ( وعترتي ) يقول العالم الوهّابي المعروف محمّد علي البار في كتابه: ( الإمام علي الرضا ورسالته الطبِّيَّة ) تحت عنوان ( حديث الثقلين ) بعد ذكر حديث الثقلين بلفظ: ( وعترتي ): ( والغريب حقّاً أنّ حديث الثقلين هذا - رغم وروده في صحيح مسلم، وفي سنن الترمذي و... - إلاّ أنّ معظم المعاصرين من العلماء والخطباء يجهله، أو يتجاهله ويوردون بدلاً عنه حديث: ( إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبدا: كتاب الله، وسنّتي )، وهي في موطّأ الإمام مالك، وفي سنده ضعف وانقطاع، وإنْ كان متنه ومعناه صحيحاً، وكان من الواجب إيراد الحديثَين كلاهما معاً لأهمِّيَّتهما في الباب، أمّا كتمان هذا الحديث الشريف الصحيح فهو من كتمان العلم الذي هدّد الله ورسوله فاعله... ).

- وليت الأمر وقف عند ذلك بل تعدّاه إلى: محاربة فضائلهم، وتضعيفها، والعمل على الحدّ منها بمختلف الأساليب، ومنها: إغراء ناشريها بالأموال، أو تهديدهم بالقتل وما شابهه، وفي ذلك يقول العالم السنّي السعودي حسن بن

____________________

(1) صحيح شرح العقيدة الطحاويّة: 656، دار الإمام النووي.


فرحان المالكي: ( ولكنّ الذي يهمّنا هنا أنْ نُبيّن بإنصاف أنّ فضائل علي حُوربتْ مِن بعده وطُورد ناشروها، وقُتل بعضهم، وكان لعلماء الشام والبصرة نفور من الشيعة بمباركة من السلطة الأمويّة ثمّ العبّاسيّة ) (1) .

ويذكر في محلّ ثانٍ كلمات ابن حجر في الردّ على ابن تيمية، الذي كان يُجهِد نفسَه في تضعيف فضائل علي ( عليه السلام ) ويعلّق عليها فيقول: ( يقول ابن حجر العسقلاني: ( طالعتُ كتاب ابن تيمية في الردّ على الرافضي، فوجدتُه شديد التحامل في ردّ أحاديث جياد... ) وهي تلك الأحاديث التي في فضل علي!! فقد كان متحامِلاً عليها كثيراً، وقد بيّن ذلك الألباني أفضل بيان في السلسلة الصحيحة (2) ، وذكر ابن حجر في لسان الميزان أنّه: ( كم من موطن بالغ ابن تيمية فيه في الردّ على الرافضي أدّته إلى تنقص علي رضي الله عنه!! )؛ فلذلك نشأنا هنا في الخليج عامّة وفي المملكة خاصّة على أنّ الشيعة فيهم معظم صفات اليهود والنصارى، وأنّهم أسوأ من اليهود والنصارى بخصلتين!! حتّى طُبعت في ذلك الكتب، ونُوقشتْ الرسائل العلميّة!! مع أنّ كلّ هذا أخذناه من ابن تيمية في مقدّمة منهاج السُنّة، معتمداً على رواية مكذوبة من رواية أحد الكذّابين واسمه عبد الرحمان بن مالك بن مغول ، رواها عن والده عن الشعبي، وهما بريئان من تلك الرواية ) (3) .

ومن أمثلة محاربة فضائل علي ( عليه السلام )، أيضاً ما قام به الليث بن سعد عالِم

____________________

(1) قراءة في كتب العقائد: المذهب الحنبلي نموذجاً: 81، مركز الدراسات التاريخيّة، عمّان الأردن.

(2) انظر: كلامه على حديث الموالاة، وقد تقدّم منّا عند ذكر الحديث.

(3) قراءة في كتب العقائد: المذهب الحنبلي نموذجاً: 177.


مصر وفقيهها، حيثُ كان معاصراً لعبد الله بن لهيعة، وعبد الله هذا من بحور العلم؛ إلاّ أنّه كان يكثر من فضائل علي ( عليه السلام )، فكان هذا جرماً له ليُضعَّف على أساسه ويكون من الضعفاء أو مِمَّن يروي المناكير!!

يقول الذهبي في ترجمة عبد الله: ( عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان بن ربيعة بن ثوبان، القاضي الإمام العلاّمة، محدّث ديار مصر مع الليث،... ) إلى أنْ يقول: ( كان من بحور العلم على لين في حديثه )، ويقول أيضاً:

( قال أحمد بن حنبل: مَن كان مثل ابن لهيعة بمصر، في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه )...

( وقال أبو داود: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: ما كان محدّث مصر إلاّ ابن لهيعة.

وقال أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طَلاّباً للعلم.

وقال زيد بن الحباب: قال سفيان الثوري: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع.

وقال عثمان بن صالح السهمي: احترقت دار ابن لهيعة، وكتبه وسلمتْ أصوله، كتبتُ كتاب عمارة بن غزية من أصله. ولمّا مات ابن لهيعة قال الليث: ما خُلّف مثله ).

ثمّ أضاف الذهبي قائلاً: ( لا ريب أنّ ابن لهيعة كان عالِم الديار المصريّة، هو والليث معاً، كما كان الإمام مالك في ذلك العصر عالِم المدينة، والأوزاعي عالِم الشام، ومعمر عالِم اليمن، وشعبة والثوري عالما العراق، وإبراهيم بن طهمان عالِم خراسان )، وكما قلنا فإنّ ابن لهيعة كان يكثر من فضائل علي، فكتب على نفسه أنْ يكون من الضعفاء، أو مِمَّن يروي المناكير؛ لذا أضاف الذهبي قائلاً: ( ولكنّ ابن لهيعة تهاون بالإتقان، وروى مناكير، فانحطّ عن رتبة الاحتجاج عندهم ) (1)! ! لكن المتتبّع يعرف أنّ ابن لهيعة لم يحتج به؛ لأنّه يروي

____________________

(1) سير أعلام النبلاء: 8/ 11 - 14، مؤسّسة الرسالة.


فضائل علي ( عليه السلام )، وفعل الليث الذي سنذكره شاهد على ذلك.

فإنّ الليث بن سعد (1) ، لم يحتمل كثرة الرواية من عبد الله بن لهيعة في فضل علي بن أبي طالب ( عليه السلام )، فلمّا احترقتْ دار عبد الله بعث إليه بألف دينار طالباً منه ترك الرواية في فضائل علي ( عليه السلام )!!، فقد قال ابن زولاق في ( فضائل مصر ): ( كان الليث بن سعد فقيه مصر، لمّا أحرقت دار عبد الله بن لهيعة، أرسل إليه الليث بألف دينار وقال: استعن بهذهِ واعفنا من فضائل علي بن أبي طالب، فأخذها عبد الله بن لهيعة وأنفذ إليه حديثاً من فضائل علي رضي الله عنه ليغيظ به الليث ) (2) .

إذن فضائل علي حُوربت بشتّى الأساليب، وأمثلة ذلك وشواهده كثيرة، ليس غرضنا بحثها واستقصاءها، بل أحببنا أنْ ننبّه القارئ الكريم إلى أنّه وإنْ وُجد مديح لأهل البيت ( عليهم السلام ) في كتب أهل السُنّة، إلاّ أنّ هذا المديح قد فُرّغ من محتواه وبقي مسألة نظريّة في بطون الكتب ليس له من الواقع نصيب.

لذا ندعو كلّ ضمير حي، وكلّ قلب متعطّش لمعرفة الحقيقة، أنْ يراجع متبنّياته القَبْلِيَّة، وأنْ يبحث في التراث الإسلامي بصدر واسع رحب بعيداً عن التعصّب الفئوي، والتقيّد بأُطُر الفكر الموروث، ومِنْ ثُمّ ليتّبع ما تمليه عليه

____________________

(1) قال عنه الذهبي:

( الليث بن سعد، الإمام، الحافظ، شيخ الديار المصريّة، وعالِمها، ورئيسها.. وكان كبير الديار المصريّة وعالِمها الأنبل، حتّى أنّ نائب مصر وقاضيها من تحت أوامره، وإذا رابه من أحد منهم أمرٌ كَاتَبَ فيه الخليفة فيعزله.. كان الشافعي يتأسّف على فواته وكان يقول: هو أفقه من مالك إلاّ أنّ أصحابه لم يقوموا به... ) ( تذكرة الحفّاظ ): 1/224، مكتبة الحرم المكّي.

(2) فضائل مصر وأخبارها وخواصّها لابن زولاق: 48، نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة.


الأصول الحقّة، وما يوصله له اجتهاده المنطقي المُبْتَنِي على الأُسس الصحيحة، والله هو الهادي إلى سبيل الرشاد. وما التوفيق إلاّ من عند الله.

والحمد لله ربّ العالمين.


ملحق

يتضمّن تعريفاً بالعلماء الذين قالوا بولادة الإمام محمّد بن الحسن

أو قالوا بمهدويّته

سنذكر في هذا الملحق ترجمة مختصرة، أو بالأحرى تعريفاً مختصراً للعلماء الذين أوردنا أقوالهم في الفصل المتعلّق بالإمام المهدي - عجّل الله تعالى فرجه الشريف - وسنرتّبهم كما في أصل الفصل:

- فنذكر الذين قالوا بولادة محمّد بن الحسن عليهما السلام، مع السكوت عن مهدويّته في القسم الأوّل، مع مراعاة الترتيب حسب سنة الوفاة.

- ونذكر في القسم الثاني القائلين بمهدويّته وحسب سنة الوفاة أيضاً.

ونتيجةً لبعض الظروف التي اضطرّتْنا إلى الإسراع في إكمال الكتاب؛ فإنّا لم نحصل بهذه العجالة على ترجمة لكافّة الشخصيّات، بل استطعنا إيراد أكثرها، وإذا مكّننا الله لطباعة الكتاب ثانيةً سنورد ترجمة لكافّة الشخصيّات، إنْ شاء الله.

القسم الأوّل

العلماء القائلون بولادة محمّد بن الحسن

مع السكوت عن مهدويّته

1 - أحمد بن يوسف بن علي بن الأزرق:

ذكره الزركلي في( الأعلام ) فقال: ( أحمد بن يوسف بن علي بن الأزرق الفارقي: مؤرّخ رَحّالة، من أهل ميّافارقين. وُلِدَ وتعلّم بها، ثمّ ببغداد. وقام برحلات إلى بلاد فارس ( إيران ) والعراق والجزيرة وأرمينيّة والشام. وتولّى مناصب، منها: الإشراف على الأوقاف بظاهر ميّافارقين ( سنة: 543 )، ونظارة حصن كيفا (562). وصنّف كتابه ( تاريخ ميّافارقين وآمد ) المسمّى ( تاريخ


الفارقي ) ط. قسم الدولة المروانيّة منه، فذكر مشاهداته في بغداد ( سنة: 534 ) وزياراته لآمد والموصل (544 هـ) وماردين ودمشق (565 و 566)، كما زار بلد الروم وأخلاط، والري وبرجيس، وبركري ونوشهر، وتبريز، وحمص، وحماه، وحلب، ومنبج، وحرّان، ورأس العين، ودير صليبا، والمدائن. ومِن أهمّ رحلاته زيارتُه لمملكة جورجيا وإيراده حوادث جرتْ بين ملك جورجيا وبعض ملوك المسلمين. وفي سنة: (548 هـ) مرّ بتفليس وأقام فيها مدّة، وفي: (549 هـ) كان في دربند. وتحدّث عن كثير ممّا رأى وسمع في رحلاته. ولم يُظفر بتاريخ وفاته) (1) .

2 - ياقوت الحموي (ت: 626 هـ):

قال عنه الذهبي: ( الأديب الأوحد شهاب الدين الرومي، مولى عسكر الحموي، السفار النحوي الأخباري المؤرّخ... ) (2) .

وقال عنه اليافعي: ( الأديب الأخباري صاحب التصانيف الأدبيّة في التاريخ والأنساب والبلدان وغير ذلك... صنّف كتاباً سمّاه ( إرشاد الألبّاء إلى معرفة الأدباء ) في أربع مجلّدات، وكتاباً في أخبار الشعراء المتأخّرين والقدماء، وكتباً أخرى عديدة، وكانت له همّة عالية في تحصيل المعارف... ) (3) والمتتبّع لسيرة الرجل يجده ناصبيّاً ينصب البغض والعداء لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وقد أشار الذهبي إلى ذلك على استحياء فقال: ( وتكلّم في بعض الصحابة فأُهين،

____________________

(1) الأعلام: 1 / 273، دار العلم للملايين.

(2) سير أعلام النبلاء: 22/312، مؤسّسة الرسالة.

(3) مرآة الجنان: 4/48، دار الكتب العلميّة.


وهرب إلى حلب... ) (1) . لكن ابن خِلّكان أفصح عن هذه الحقيقة فقال: ( وكان متعصّباً على علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وكان قد طالع شيئاً من كتب الخوارج، فاشتبك في ذهنه منه طرفٌ قوي، وتوجّه إلى دمشق في سنة: ثلاث عشرة وستّمئة وقعد في بعض أسواقها، وناظر بعض مَنْ يتعصب لعلي رضي الله عنه، وجرى بينهما كلام أدّى إلى ذكره عليّاً - رضي الله عنه - بما لا يسوغ، فثار الناس عليه ثورة كادوا يقتلونه، فسَلِم منهم... ) (2) . فمع كون الرجل ناصبيّاً إلاّ أنّه يقول بولادة محمّد بن الحسن ( عليه السلام ).

3 - ابن الأثير الجزري (ت: 630 هـ):

قال عنه ابن خِلّكان: ( كان إماماً في حفظ الحديث ومعرفته وما يتعلّق به، وحافظاً للتواريخ المتقدّمة والمتأخّرة، وخبيراً بأنساب العرب وأخبارهم وأيّامهم ووقائعهم، صنّف في التاريخ كتاباً كبيراً سمّاه ( الكامل )، ابتدأ فيه من أوّل الزمان إلى آخر سنة: ثمان وعشرين وستّمئة، وهو من خيار التواريخ... ) (3) .

وقال عنه الذهبي: ( الشيخ الإمام العلاّمة المحدّث الأديب النسّابة عزّ الدين أبو الحسن علي بن محمّد بن محمّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الجزري الشيباني، ابن الشيخ الأثير أبي الكرم، مصنّف ( التاريخ الكبير ) الملقّب بـ‍ ( الكامل )، ومصنّف كتاب ( معرفة الصحابة ) مولده بجزيرة ابن عمر في سنة:

____________________

(1) سير أعلام النبلاء:22/312، مؤسّسة الرسالة.

(2) وفيات الأعيان:5/104، دار الكتب العلميّة.

(3) المصدر نفسه: 3/304.


خمس وخمسين، ونشأ هو بها وأخواه... ) (1) .

4 - ابن خِلّكان (ت: 681 هـ):

قال عنه ابن كثير الدمشقي: ( ابن خِلّكان قاضي القضاة شمس الدين أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خِلّكان الأربلي الشافعي، أحد الأئمّة الفضلاء، والسادة العلماء، والصدور الرؤساء... ) (2) .

5 - أبو الفداء (ت: 732 هـ):

قال عنه ابن كثير الدمشقي: ( المؤيّد صاحب حماه عماد الدين إسماعيل، بن الملك الأفضل نور الدين علي، بن الملك المظفّر تقي الدين محمود، بن الملك المنصور ناصر الدين محمّد، بن الملك المظفّر تقي الدين عمر، بن شاهنشاه، بن أيّوب، كانت له فضائل كثيرة في علوم متعدّدة من الفقه والهيئة والطبّ وغير ذلك، وله مصنّفات عديدة، منها: تاريخ حافل في مجلّدين كبيرين، وله ( نظم الحاوي ) وغير ذلك، وكان يحبّ العلماء ويشاركهم في فنون كثيرة، وكان من فضلاء بني أيّوب... ) (3) .

وقال عنه خير الدين الزركلي: ( أبو الفداء... إسماعيل بن علي بن محمود بن محمّد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب: الملك المؤيّد، صاحب حماه. مؤرّخ جغرافي، قرأ التاريخ والأدب وأصول الدين، واطّلع على كتب كثيرة في الفلسفة والطبّ، وعلم الهيئة. ونظم الشعر وليس بشاعر، وأجاد الموشّحات،

____________________

(1) سير أعلام النبلاء: 22 /353، مؤسّسة الرسالة.

(2) البداية والنهاية: 13/ 352، مؤسّسة التاريخ العربي.

(3) المصدر نفسه:14/182.


له ( المختصر في أخبار البشر - ط ) ويعرف بتاريخ أبي الفداء، تُرجم إلى الفرنسيّة واللاتينيّة وقسم منه إلى الانكليزيّة، وله ( تقويم البلدان - ط ) في مجلّدين، ترجمه إلى الفرنسيّة المستشرق رينو...، و ( تاريخ الدولة الخوارزميّة - ط ) و ( نوادر العلم ) مجلّدان، ( والكناش - خ ) في النحو والصرف، و ( الموازين ) وغير ذلك... ) (1) .

6 - محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: 748 هـ):

قال عنه ابن كثير الدمشقي: ( وفي ليلة الاثنين ثالث شهر ذي القعدة تُوفِّي الشيخ الحافظ الكبير مؤرّخ الإسلام وشيخ المحدّثين شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن عثمان الذهبي بتربة أُمّ الصالح وصُلّي عليه يوم الاثنين صلاة الظهر في جامع دمشق ودُفن بباب الصغير، وقد خُتم به شيوخ الحديث وحفّاظه، رحمه الله ) (2) .

وقال عنه ابن العماد الحنبلي: (... الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني الذهبي، قال التاج السبكي في ( طبقاته الكبرى ): شيخنا وأستاذنا محدّث العصر... ) (3) .

7 - ابن الوردي (ت: 749 هـ):

قال عنه ابن العماد الحنبلي: ( زين الدين عمر بن مظفّر بن عمر بن محمّد بن أبي الفوارس بن الوردي المعرّي الحلبي الشافعي.

____________________

(1) الأعلام: 1/319، دار العلم للملايين.

(2) البداية والنهاية: 14/259 - 260، مؤسّسة التاريخ العربي.

(3) شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب: 6/335، دار الكتب العلميّة.


كان إماماً بارعاً في اللغة والفقه والنحو والأدب، مُفَنَّناً في العلم ونظمه في الذروة العالية والطبقة القصوى، وله فضائل مشهورة... ) (1) .

8 - الصفدي (ت: 764 هـ):

قال عنه ابن العماد الحنبلي: ( صلاح الدين أبو الصفا خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي الشافعي، مولده بصفد في سنة: ست أو سبع وتسعين وستّمئة، وسمع الكثير، وقرأ الحديث، وكتب بعض الطبّاق، وأخذ عن القاضي بدر الدين بن جماعة، وأبي الفتح بن سيّد الناس، والتقى السبكي، والحافظين أبي الحجّاج المِزِّيّ، وأبي عبد الله الذهبي، وغيرهم، وقرأ طرفاً من الفقه، وأخذ النحو عن أبي حيّان، والأدب عن ابن نباتة والشهاب محمود ولازمه، ومهر في فنّ الأدب، وكتب الخطّ المليح، وقال النظم الرائق، وألّف المؤلّفات الفائقة... ذكره شيخه الذهبي في ( المعجم المختص ) فقال: الإمام العالم الأديب البليغ الأكمل، طلب العلم وشارك في الفضائل وساد في علم الرسائل وجمع وصنّف... ) (2) .

9 - ابن حجر العسقلاني (ت: 852 هـ):

قال عنه ابن العماد: ( فيها [ أي سنة: 852 ] تُوفِّي شيخ الإسلام عَلَم الأعلام أمير المؤمنين في الحديث حافظ العصر، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي... ) (3) .

____________________

(1) المصدر نفسه: 6/343.

(2) المصدر نفسه:6/393.

(3) المصدر نفسه:7/407.


10 - عبد الرحمان بن أحمد الجامي (ت: 898 هـ):

قال عنه ابن العماد الحنبلي: ( وفيها [ أي في تلك السنة تُوفِّي ] الإمام العارف بالله تعالى عبد الرحمان بن أحمد الجامي، وُلِد بجام من قصبات خراسان، واشتغل بالعلوم العقليّة، والشرعيّة، فأتقنها، ثمّ صحب مشايخ الصوفيّة، وتلقّن الذكر من الشيخ سعد الدين كاشغري، وصحب خواجة عبيد الله السّمرقندي، وانتسب إليه أتمّ الانتساب.

وكان يذكر في كثير من تصانيفه أوصاف خواجة عبيد الله، ويذكر محبّته له، وكان مشتهراً بالفضائل.

وبلغ صيت فضله الآفاق، وسارت بعلومه الركبان ) إلى أنْ قال: ( وله كتاب ( شواهد النبوّة ) بالفارسيّة، وكتاب ( نفحات الأنس ) بالفارسيّة أيضاً، وكتاب ( سلسلة الذهب ) حط فيه على الرافضة...وله غير ذلك، وكلّ تصانيفه مقبولة... ) (1) .

11 - ابن طولون (ت: 953 هـ):

قال عنه ابن العماد الحنبلي: ( وفيها [ أي في تلك السنة تُوفِّي ] شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن علي بن محمّد الشهير بابن طولون الدمشقي الصالحي الحنفي، الإمام العلاّمة المسند المؤرّخ... كان ماهراً في النحو، علاّمة في الفقه، مشهوراً بالحديث، وولي تدريس الحنفيّة بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر... ) (2) .

____________________

(1) المصدر نفسه:8/23 - 24.

(2) المصدر نفسه:8/351 - 352.


12 - حسين بن محمّد الديار بكري (ت: 966 هـ):

قال عنه خير الدين الزركلي: ( حسين بن محمّد بن الحسن الديار بكري: مؤرّخ، نسبته إلى ديار بكر. وَلِيَ قضاء مكّة وتُوفِّي فيها. له ( تاريخ الخميس - ط ) مجلّدان، أجمل به السيرة النبويّة وتاريخ الخلفاء والملوك... ) (1) .

13 - أحمد بن حجر الهيتمي (ت: 974 هـ):

قال عنه خير الدين الزركلي: (... أحمد بن محمّد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العبّاس: فقيه باحث مصري، مولده في محلّة أبي الهيتم ( من إقليم الغربيّة بمصر ) وإليها نسبته...تلقّى العلم في الأزهر، ومات بمكّة. له تصانيف كثيرة، منها: ( مبلغ الأرب في فضائل العرب - ط ) و ( الجوهر المنظم - ط ) رحلة إلى المدينة، و ( الصواعق المحرقة على أهل البدع والضلال والزندقة - ط ) و ( تحفة المحتاج لشرح المنهاج - ط ) في فقه الشافعيّة... ) (2) .

14 - محمّد بن الحسين السَّمرقندي المدني (ت: 996 هـ):

قال عنه خير الدين الزركلي: (... محمّد بن حسين بن عبد الله السّمرقندي: كاتب من آل الحسيني، من أهل المدينة المنوّرة، ووفاته بها. كان يَعرف كثيراً من اللغات، مثل: العربيّة والفارسيّة والروميّة والهنديّة والحبشيّة. وله علم بالأنساب. صنّف ( تحفة الطالب - خ ) في نسب بعض الطالبيّين 77 ورقة في مكتبة الحسيني بتريم ) (3) .

____________________

(1) الأعلام:2/256، دار العلم للملايين.

(2) المصدر نفسه: 1/234.

(3) المصدر نفسه: 6/102.


15 - الشيخ الملاّ علي القاري (ت: 1014 هـ):

قال عنه خير الدين الزركلي في ( الأعلام ): (... علي بن ( سلطان ) محمّد، نور الدين الملاّ الهروي القاري: فقيه حنفي، من صدور العلم في عصره. وُلِدَ في هراة، وسكن مكّة وتُوفِّي بها... وصنّف كتباً كثيرة، منها: ( تفسير القرآن - خ ) ثلاثة مجلّدات، و ( الأثمار الجنيّة في أسماء الحنفيّة ) و ( الفصول المهمّة - خ ) فقه، و ( بداية السالك - خ ) مناسك، و ( شرح مشكاة المصابيح - ط ) و ( شرح مشكلات الموطأ - خ )... ) (1) .

16 - أحمد بن يوسف القرماني (ت: 1019 هـ):

قال عنه خير الدين الزركلي: ( أحمد بن يوسف بن أحمد بن سنان القرماني الدمشقي: مؤرّخ منشئ، حسن المحاضرة، رقيق المعاشرة. وُلِدَ ونشأ في دمشق وتولّى فيها النظر في وقف الحَرَمَين. له التاريخ المعروف بتاريخ القرماني واسمه ( أخبار الدول وآثار الأول - ط ) و ( الروض النسيم في مناقب السلطان إبراهيم - خ )، ومات في دمشق ) (2) .

17 - عبد الحقّ الدهلوي (ت: 1052هـ):

قال عنه الزركلي: ( عبد الحقّ بن سيف الدين الدهلوي: فقيه حنفي، من أهل دهلي ( بالهند ) كان محدّث الهند في عصره... قيل: بلغت مصنّفاته مئة مجلّد، بالعربيّة والفارسيّة... ) (3) .

____________________

(1) المصدر نفسه: 5/12.

(2) المصدر نفسه: 1/275.

(3) المصدر نفسه: 3 /280.


18 - ابن العماد الحنبلي (ت: 1089 هـ):

قال عنه الزركلي: ( عبد الحي بن أحمد بن محمّد ابن العماد العكري الحنبلي، أبو الفلاح: مؤرّخ، فقيه، عالم بالأدب. وُلِدَ في صالحيّة دمشق، وأقام في القاهرة مدّة طويلة، ومات بمكّة حاجّاً. له ( شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب - ط ) ثمانية أجزاء، و ( شرح متن المنتهى ) في فقه الحنابلة... ) (1) .

19 - عبد الملك العصامي (ت: 1111 هـ):

قال عنه الزركلي: ( عبد الملك بن حسين بن عبد الملك المكّي العصامي، مؤرّخ، من أهل مكّة مولده ووفاته فيها. له كتب، منها: ( قيد الأوابد من الفوائد والعوائد - خ ) بخطّه، و ( سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي - ط ) في 4 مجلّدات، و( الغرر البهيّة - خ ) و ( شرح الخزرجيّة في العروض - خ ) في دار الكتب. وهو حفيد الملاّ عصام، عبد الملك بن جمال الدين... ) (2) .

20 - عبد الله الشَّبْراوي (ت: 1171 هـ):

قال عن الزركلي: ( عبد الله بن محمّد بن عامر الشبراوي: فقيه مصري، له نظم. تولّى مشيخة الأزهر. من كتبه ( شرح الصدر في غزوة بدر - ط )، وديوان شعر سمّاه ( منائح الألطاف في مدائح الأشراف - ط )، و ( عنوان البيان - ط ) نصائح وحكم، و ( الإتحاف بحبّ الأشراف - ط )... ) (3) .

21 - أبو النجاح المنيني (ت: 1172 ه‍ـ):

____________________

(1) المصدر نفسه: 3 /290.

(2) المصدر نفسه: 4/157.

(3) المصدر نفسه: 4/130.


قال عنه الزركلي: ( أحمد بن علي بن عمر بن صالح، شهاب الدين، أبو النجاح المنيني: أديب من علماء دمشق، مولده في منين ( من قُرَاهَا ) ومنشأه ووفاته في دمشق، وأصله من إحدى قرى طرابلس. له ( الفتح الوهبي - ط ) في شرح تاريخ العتبي، مجلّدان، و ( الإعلام بفضائل الشام - ط )، و ( فتح القريب - خ ) شرح منظومة في الخصائص النبويّة، و ( الفرائد السنّية في الفوائد النحويّة - خ ) وله شعر فيه جودة ) (1) .

22 - عبّاس المكّي (ت: 1180 هـ):

قال عنه الزركلي: ( عبّاس بن علي بن نور الدين بن أبي الحسن المكّي الحسينيّ الموسويّ: أديب رَحّالة، غزير العلم بالأخبار واللطائف. وُلِدَ وعاش بمكّة، وعُرضت له أمور آذاه فيها أقاربه وأصحابه، فرحل سائحاً في العراق والهند واليمن من سنة: 1131 إلى 1142 هـ، وكان يعود فيحجّ في أكثر السنين. وانتهى مطافه بالتردّد بين بندر المخا ومكّة. ثم استقرّ في المخا سنة: 1145 هـ ورتّب له والِيْها الفقيه أحمد بن يحيى الخزندار... ما يعيش به، فانصرف إلى جمع ما تفرّق من أوراقه، فألّف منها كتابه ( نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس - ط ) في مجلّدين، انتهى منه في 4 شوال 1148 وجعله هديّته إلى الوالي الخزندار ) (2) .

23 - محمّد أمين السُّوَيْدي (ت: 1246 هـ):

قال عنه الزركلي: (... محمّد أمين بن علي بن محمّد سعيد السويدي

____________________

(1) المصدر نفسه: 1/181.

(2) المصدر نفسه: 3/263.


العبّاسي البغدادي، أبو الفوز: باحث، من علماء العراق، وُلِدَ ببغداد، وتُوفِّي في بريدة ( بنجد ) عائداً من الحجّ، من كتبه ( سبائك الذهب في معرفة أنساب العرب - ط )، و ( قلائد الدرر في شرح رسالة ابن حجر - خ ) في فقه الشافعيّة، و ( الجواهر واليواقيت في معرفة القبلة والمواقيت - خ ) اثنا عشر فصلاً، و ( قلائد الفرائد - خ ) في شرح المقاصد للنووي، فقه، و ( الصارم الحديد - خ ) مجلّدان، في الردّ على كتاب ( سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد ) ليوسف بن أحمد البحراني، انتصر السويدي فيه لابن أبي الحديد ) (1) .

24 - مؤمن الشبلنجي (ت: بعد 1308 هـ):

قال عنه الزركلي: (... مؤمن بن حسن مؤمن الشبلنجي: فاضل، من أهل شبلنجة ( من قرى مصر، قرب بنها العسل ) تعلّم في الأزهر وأقام في جواره. وكان يميل إلى العزلة. من كتبه ( نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار - ط )، و ( فتح المنّان ) في تفسير غريب القرآن، و ( مختصر الجبرتي ) في جزأين صغيرين ) (2) .

25 - خير الدين الزركلي (ت: 1396 هـ):

قال عنه محمّد خير رمضان يوسف في ( تكملة معجم المؤلّفين ): ( مؤرّخ، دبلوماسي، شاعر، ترجم لنفسه في آخر جزء من الأعلام ) إلى أنْ قال: ( وكان قد أهدى مكتبته القيّمة إلى جامعة الرياض، فخصّصت له قسماً مستقلاًّ وأصدرتْ فهرساً لها بعنوان: فهرس مكتبة خير الدين الزركلي - الرياض ـ

____________________

(1) المصدر نفسه: 6/ 42.

(2) المصدر نفسه: 7/ 334.


عمادة شؤون المكتبات... وأمّا مؤلّفاته فهي ( الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز )... ( الأعلام )... ( ما رأيت وما سمعت ) (1) ، وغيرها، وواضح من ترجمته لنفسه في الأعلام، أنّه كان ممّن ترعاه الحكومة السعوديّة، كما أنّه قد شغل مناصب سياسيّة ودبلوماسيّة لتلك الحكومة (2) .

26 - علاء الدين السماني:

ذكره الديار بكري في تاريخ الخميس ولم نعثر على ترجمته، لكن يظهر من كلماته التي نقلها عنه الديار بكري أنّه كان من علماء الصوفيّة.

27 - عارف أحمد عبد الغني:

مؤلِّف ومحقّق معاصر له مجموعة من الكتب منها ( تاريخ أمراء المدينة ) و ( تاريخ أمراء مكّة المكرّمة ) و ( تاريخ الحيرة في الجاهليّة والإسلام ) و ( الجوهر الشفّاف في أنساب السادة الأشراف )، وله تحقيق على كتاب ( سلوك المالك في تدبير الممالك ).

28 - الشريف أنس الكتبي:

مؤلّف ومحقّق معاصر، وصفه عارف أحمد عبد الغني بأنّه ( عالم الأنساب في المدينة المنوّرة ) (3) . له تحقيق على كتاب ( تحفة الطالب ) للعلاّمة السمرقندي المتوفّى (966هـ) وغيره.

____________________

(1) تكملة معجم المؤلّفين:177-178،دار ابن حزم.

(2) انظر: ( الأعلام ):8/267-269، دار العلم للملايين.

(3) انظر: ( تاريخ أمراء المدينة ) لعارف عبد الغني: 9، دار الإقليم.


القسم الثاني

القائلون بمهدويّة الإمام محمّد بن الحسن العسكري

عليهما السلام

1 - البلاذري الطوسي (ت: 339 هـ):

قال عنه السمعاني: ( والمشهور بهذا الانتساب أبو محمّد أحمد بن محمّد بن إبراهيم بن هاشم المذكر الطوسي البلاذري الحافظ الواعظ من أهل طوس، كان حافظاً فاضلاً فهماً عارفاً بالحديث، سمع بطوس إبراهيم بن إسماعيل العنبري وتميم بن محمّد الطوسي، وبنيسابور عبد الله بن شيرويه وجعفر بن أحمد الحافظ، وبالري محمّد بن أيّوب والحسن بن أحمد بن الليث، وببغداد يوسف بن يعقوب القاضي، وبالكوفة محمّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، وأقرانهم، سمع منه الحاكم أبو عبد الله الحافظ، وقال الحافظ أبو عبد الله: أبو محمّد البلاذري الواعظ الطوسي، كان واحد عصره في الحفظ والوعظ ومن أحسن الناس عشرة وأكثرهم فائدة، وكان يكثر المقام بنيسابور، ويكون له في كلّ أسبوع مجلسان عند شيخي البلد أبي الحسن المحمي وأبي نصر العبدوي، وكان أبو علي الحافظ ومشايخنا يحضرون مجالسه ويفرحون بما يذكره على رؤوس الملأ من الأسانيد، ولم أرهم - قط - غمزوه في إسناد أو اسم أو حديث، وكتب بمكّة عن إمام أهل البيت أبي محمّد الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى الرضا، وذكر أبو الوليد الفقيه قال: كان أبو محمّد البلاذري يسمع كتاب الجهاد من محمّد بن إسحاق وأمّه عليلة بطوس، وكان المجلس غداة الخميس، وكان أبو محمّد يخرج من الطبران غداة الأربعاء فيحضر غداة الخميس المجلس، ثمّ ينصرف


إلى الطابران فيشهد الجمعة بها. وحكي عن أبي محمّد البلاذري أنّه قال: لم تكن لي همّة في سماع الحديث أكبر من التخريج على كتاب مسلم، فلمّا انصرفت من الرحلة أخذتُ في التخريج عليه وأفنيت عمري في جمعه، قال الحاكم: واستشهد بالطابران سنة: تسع وثلاثين وثلاثمئة. وابنه أبو زكريّا يحيى بن أبي محمّد البلاذري، سمع بطوس أبا عبد الله بن أيّوب وأبا محمّد الحسن بن أبي خراسان، وبنيسابور أبا حامد أحمد بن محمّد بن يحيى بن بلال البزّاز وأبا بكر محمّد بن الحسين القطان وطبقتهم، سمع منه الحاكم أبو عبد الله الحافظ وذكره في التاريخ فقال: تُوفِّي بالنوقان في شهر رمضان سنة: سبع وثمانين وثلاثمئة ) (1) .

و قال عنه الذهبي: ( البلاذري، الإمام الحافظ، المفيد الواعظ، شيخ الجماعة، أبو محمّد، أحمد بن محمّد بن إبراهيم الطوسي البلاذري. سمع من: محمّد بن أيوب بن الضريس، وتميم بن محمّد الحافظ، وعبد الله بن محمّد بن شيرويه، وطبقتهم.

قال أبو عبد الله الحاكم: كان أوحد عصره في الحفظ والوعظ، وكان شيخنا الحافظ أبو علي ومشايخنا يحضرون مجلسه، ويفرحون بما يذكره على رؤوس الملأ من الأسانيد. ولم أرهم - قط - غمزوه في إسناد أو اسم أو حديث. سمع جماعة كثيرة بالعراق وخراسان. وخرج ( صحيحاً ) على وضع ( صحيح ) مسلم، إلى أنْ قال: واستشهد بالطابران وهي مرتحله من نيسابور سنة: تسع وثلاثين وثلاث مئة. قلتُ: كان قد انتخب على حاجب الطوسي

____________________

(1) أنساب السمعاني: 1/423، دار الجنان، بيروت.


وغيره. وهذا هو البلاذري الصغير... ) (1) .

2 - أبو الفتح البغدادي (ت: 412 هـ):

قال عنه الذهبي: ( ابن أبي الفوارس، الإمام الحافظ المحقّق الرحّال، أبو الفتح، محمّد بن أحمد بن محمّد بن فارس ابن أبي الفوارس سهل، البغدادي...وكان مشهوراً بالحفظ والصلاح والمعرفة... ) (2) .

3 - أحمد الجامي (ت: 536 هـ):

نكتفي بترجمته بما تقدّم في الفصل الحادي عشر من توصيف القندوزي الحنفي له بشيخ المشايخ، وعدّه من جملة الكاملين العارفين (3) .

4 - يحيى بن سلامة الحصكفي (ت: 553 هـ):

قال عنه الذهبي: ( الحصكفي، الإمام العلاّمة الخطيب، ذو الفنون، معين الدين، أبو الفضل، يحيى بن سلامة بن حسين بن أبي محمّد عبد الله الديار بكري الطنزي الحصكفي، نزيل ميّافارقين. تأدّب ببغداد على الخطيب أبي زكريّا التبريزي، وبرع في مذهب الشافعي، وفي الفضائل. مولده في سنة: ستّين وأربع مئة تقريباً. وَوَلِيَ خطابة ميّافارقين، وتصدّر للفتوى، وصنّف التصانيف، وله ديوان خطب، وديوان نظْم وترسل. ذكره العماد في ( الخريدة )، فقال: كان علاّمة الزمان في علمه، ومَعَرِّيّ العصر في نثره ونظمه، له الترصيع البديع، والتجنيس النفيس، والتطبيق والتحقيق، واللفظ الجزل الرقيق، والمعنى

____________________

(1) سير أعلام النبلاء:16/ 36، مؤسّسة الرسالة.

(2) المصدر نفسه:17/223.

(3) انظر: صفحة رقم: 388.


السهل العميق، والتقسيم المستقيم... ) (1) .

5 - عبد الله بن الخشاب (ت: 567 هـ):

قال عنه عمر رضا كحالة: ( عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر البغدادي ( أبو محمّد، ابن الخشاب ) نحوي، لغوي، أديب، محدّث، فقيه، مشارك في: المنطق، والفلسفة، والحساب، والهندسة، والتفسير، والنسب، والفرائض... ) (2) .

6 - الموفّق بن أحمد الخوارزمي (ت: 568 هـ):

قال عنه خيرالدين الزركلي: (الموفّق بن أحمد المكّي الخوارزمي، أبو المؤيّد: مؤلِّف ( مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة - ط ) و ( مناقب أمير المؤمنين علي بن أبى طالب - ط ). كان فقيهاً أديباً، له خطب وشعر. أصله من مكّة. أخذ العربيّة عن الزمخشري بخوارزم، وتولّى الخطابة بجامعها... ) (3) .

7 - فريد الدين عطّار النيشابوري (ت: 627 هـ):

نكتفي بما ذكره عنه صاحب الينابيع؛ حيث عدّه من جملة العارفين الكاملين (4) .

8 - محيي الدين بن عربي (ت: 638 هـ):

قال عنه الشعراني: ( الشيخ العارف الكامل المحقّق المدقّق، أحد أكابر

____________________

(1) سير أعلام النبلاء: 20/320، مؤسّسة الرسالة.

(2) معجم المؤلّفين: 6/20، دار إحياء التراث العربي.

(3) الأعلام: 7 /333، دار العلم للملايين.

(4) انظر: صفحة 391.


العارفين بالله سيّدي محيي الدين بن عربي، أجمع المحقّقون من أهل الله عزّ وجلّ على جلالته في سائر العلوم، كما يشهد لذلك كتبه، وما أنكر مَن أنكر عليه إلاّ لدقّة كلامه لا غير، فأنكروا على مَن يطالع كلامه من غير سلوك طريق الرياضة [ ترويض النفوس ] خوفاً من حصول شبهة في معتقده يموت عليها لا يهتدي لتأويلها على مراد الشيخ، وقد ترجمه الشيخ صفيّ الدين بن أبي منصور وغيره بالولاية الكبرى والصلاح والعرفان والعلم، فقال:

هو الشيخ الإمام المحقّق، رأس أجلاّء العارفين والمقرّبين، صاحب الإشارات الملكوتيّة والنفحات القدسيّة والأنفاس الروحانيّة، والفتح المونق والكشف المشرق، والبصائر الخارقة والسرائر الصادقة، والمعارف الباهرة والحقائق الزاهرة، له ( المحلّ الأرفع من مراتب القرب في منازل الأنس ) و ( المورد العذب في مناهل الوصل ) و ( الطول الأعلى من معارج الدنو ) و ( القدم الراسخ في التمكين من أحوال النهاية ) و ( الباع الطويل في التصرّف في أحكام الآية )، وهو أحد أركان هذه الطريق، رضي الله عنه، وكذا ترجمه الشيخ العارف بالله سيّدي محمّد بن أسعد اليافعي رضي الله عنه، وذكره بالعرفان والولاية، ولقّبه الشيخ أبو مدين رضي الله عنه بسلطان العارفين، وكلام الرجل أدلّ دليل على مقامه الباطن وكتبه مشهورة بين الناس... ) (1) .

9 - محمّد بن طلحة الشافعي (ت: 652هـ):

قال عنه تاج الدين السبكي: ( تفقّه وبرّع في المذهب، وسمع الحديث بنيسابور من المؤيّد الطوسي وزينب الشعريّة، وحدّث بحلب ودمشق. روى

____________________

(1) الطبقات الكبرى للشعراني: 1/260 - 261، ترجمة (288)، دار الفكر.


عنه الحافظ الدِّمياطي ومجدُ الدين بن العَديم. وكان من صدور الناس، وَلي الوزارة بدمشق يومَين، وتركها، وخرج عمّا يملكه من ملبوس ومَمْلوك وغيره وتزَهَّد ) (1) .

وقال عنه الإسنوي في ( طبقات الشافعيّة ): ( كان إماماً بارعاً في الفقه، والخلاف، عالماً بالأصلين، رئيساً كبيراً معظّماً، ترسل عن الملوك، وأقام بدمشق بالمدرسة الأمينيّة ) (2) .

وقال عنه ابن العماد الحنبلي: ( وفيها [ أي تُوفِّي في تلك السَنَة ] الكمال محمّد بن طلحة بن محمّد بن الحسن كمال الدين أبو سالم القرشي العدوي النصيبي الشافعي المفتي الرحّال مصنّف كتاب ( العقد الفريد ) وأحد الصدور والرؤساء المعظّمين... سمع بنيسابور من المؤيّد وزينب الشعرية وتفقّه، فبرع في الفقه، والأصول، والخلاف. وترسل عن الملوك، وساد وتقدّم وحدّث ببلاد كثيرة... ) (3) .

10 - سبط ابن الجوزي (ت: 654 هـ):

قال عنه ابن خِلّكان عند ترجمته لجدّه لأُمّه: ( وكان سبطه شمس الدين أبو المظفّر يوسف بن قُزغلي الواعظ المشهور، حنفي المذهب، وله صيت وسمعة في مجالس وعْظه، وقبول عند الملوك وغيرهم... ) (4) .

____________________

(1) طبقات الشافعيّة الكبرى: 8/63، الطبقة السادسة، فيمن تُوفّي بين الستمئة والسبعمئة.

(3) طبقات الشافعيّة: 418، ترجمة (1200)، دار الفكر.

(3) شذرات الذهب: 5/389، دار الكتب العلميّة.

(4) وفيات الأعيان: 3/118، دار الكتب العلميّة.


وقال عنه الذهبي في ( تاريخ الإسلام ): ( الإمام الواعظ المؤرّخ شمس الدين، أبو المظفّر التركي، ثمّ البغدادي العوني، الحنفي، سبط الإمام جمال الدين أبي الفَرَج ابن الجوزيّ، نزيل دمشق. وُلِدَ سنة: إحدى وثمانين وخمسمئة، وسمع مِن جدّه، وعبد المنعم بن كُلَيب، وعبد الله بن أبي المجد الحربي. وبالموصل من أبي طاهر أحمد وعبد المحسن ابني الخطيب عبد الله بن أحمد الطوسي وبدمشق من عمر بن طَبَرْزَد، وأبي اليُمْن الكندي وأبي عمر بن قدامة وغيرهم. روى عنه المعزّ عبد الحافظ الشُّرُوطي والزّين عبد الرحمان بن عُبَيْد والنجم موسى الشَّقراوي، والعز أبو بكر بن عبّاس بن الشّائب، والشمس محمّد بن الزرّاد، والعماد محمّد بن البالسي وجماعة. وكان إماماً فقيهاً واعظاً وحيداً في الوعظ، علاّمة في التاريخ والسير، وافر الحرمة، محبّباً إلى الناس، حُلْو الوعظ، لطيف الشمائل، صاحب قبولٍ تامّ ) (1) .

11 - الكنجي الشافعي (ت: 658 هـ):

وصفه الحاجي خليفة بالشيخ الحافظ (2) ، وقال عنه عمر رضا كحالة: ( محمّد بن يوسف الكنجي ( أبو عبد الله ) فاضل. من آثاره: ( البيان في أخبار صاحب الزمان )، ( كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب )، وله شعر ) (3) .

وقال عنه القندوزي الحنفي: ( الشيخ المحدّث الفقيه أبو عبد الله محمّد بن

____________________

(1) تاريخ الإسلام: حوادث وفيات (651 - 660) ص183، دار الكتاب العربي.

(2) كشف الظنون: 2/1497، دار إحياء التراث العربي.

(3) معجم المؤلّفين: 12/ 134، دار إحياء التراث العربي.


يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي رحمه الله ) (1) .

12 - جلال الدين الرومي (ت: 672 هـ):

نكتفي بما ذكره عنه صاحب الينابيع؛ حيث عدّه من جملة العارفين الكاملين (2) .

13 - عامر البصري (ت: 696 هـ):

قال عنه عمر رضا كحالة: ( عامر بن عامر البصري ( أبو المظفّر ) حكيم، أديب. من آثاره: التائيّة المسمّاة بذات الأنوار ) (3) .

14 - إبراهيم بن محمّد الجويني: (ت: 722 هـ):

قال عنه الذهبي: ( إبراهيم بن محمّد بن المؤيّد بن عبد الله بن علي بن محمّد بن حمويه الإمام الكبير المحدّث شيخ المشايخ صدر الدين أبو المجامع الخراساني الجويني الصوفي ) (4) .

15 - الشيخ شمس الدين محمّد بن يوسف الزرندي (ت: 747 هـ):

وصفه حاجي خليفة عند ذكره لكتابه ( درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والسبطين ) بأنّه: ( محدّث الحرم النبوي ) (5) .

ونقل المُنَاوِيّ عن كتبه، واصفاً إيّاه بالحافظ (6) .

____________________

(1) ينابيع المودّة: 2/565، منشورات الشريف الرضي.

(2) انظر: صفحة: 388.

(3) معجم المؤلّفين: 5/ 54، دار إحياء التراث.

(4) معجم المحدّثين: 1/65، نشر مكتبة الصدّيق.

(5) كشف الظنون:1/747، دار إحياء التراث العربي.

(6) انظر: ( فيض القدير شرح الجامع الصغير ): (1/256)، (2/220)، دار الكتب العلميّة.


وترجمه الحافظ ابن حجر قائلاً: ( محمّد بن يوسف بن الحسن بن محمّد بن محمود بن الحسن الزرندي المدني الحنفي شمس الدين أخو نور الدين علي، قرأتُ في مشيخة الجنيد البلياني تخريج الحافظ شمس الدين الجزري الدمشقي نزيل شيراز أنّه كان عالماً وأرّخ مولده سنة: 693 ووفاته بشيراز سنة: بضع وخمسين وسبعمئة، وذكر أنه صنّف ( درر السمطين في مناقب السبطين )، و ( بغية المرتاح ) جمع فيها أربعين حديثاً بأسانيدها وشرحها... )، ثمّ أضاف ابن حجر قائلاً: ( ورأس [ أي الزرندي ] بعد أبيه بالمدينة وصنّف كتباً عديدة ودرس في الفقه والحديث، ثمّ رحل إلى شيراز فَوُلِّيَ القضاء بها حتّى مات سنة: سبع أو ثمان وأربعين ذكره ابن فرحون ) (1) .

وترجمه الزركلي في ( الأعلام ) قائلاً: ( محمّد بن يوسف بن الحسن، شمس الدين الزرندي: فقيه حنفي، من العلماء بالحديث. من أهل المدينة. تولّى التدريس فيها بعد أبيه، ورحل إلى شيراز بعد سنة: (742) فَوُلِّيَ القضاء بها حتّى مات. له كتب، منها: ( درر السمطين في مناقب السبطين )... ) (2) .

وترجمه عمر رضا كحالة في ( معجم المؤلّفين ) قائلاً: ( محمّد بن يوسف بن الحسن بن محمّد بن محمود بن الحسن الزرندي، المدني، الأنصاري الحنفي ( شمس الدين ) محدّث، مسند، راوية، فقيه، ناظم. حدّث بحرم رسول

____________________

(1) الدرر الكامنة: 6/50، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانيّة، حيدر آباد، الهند، الطبعة الثانية، 1972م.

(2) الأعلام: 7/152، دار العلم للملايين.


الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة، وقدم شيراز فدرّس ونشر الحديث، وَوُلِّيَ بها القضاء، وتُوفِّي بها. من آثاره: ( بغية المرتاح إلى طلب الأرباح )، ( مولد النبي صلّى الله عليه وسلّم )، ( نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين )، و ( معارج الوصول إلى معرفة آل الرسول ) ) (1) .

16 - علي بن محمّد الهمداني (ت: 786 هـ):

قال عنه القندوزي الحنفي عند نقله لكتابه ( مودّة القربى ): ( هذا الكتاب للولي الكامل وصاحب الكشف والكرامات، زبدة السادات، وقدوة العارفين، مولانا ومقتدانا أمير سيّد علي بن شهاب الهمداني قدّس الله أسراره ووهب لنا بركاته وأنواره ) (2) .

وفي ( تلخيص عبقات الأنوار ) للسيّد حامد النقوي: ( السيّد علي الهمداني من أكابر علماء أهل السُنّة، ومن مشاهير عرفائهم، وقد أثنى عليه علماؤهم مثل عبد الرحمان بن أحمد الجامي في كتاب ( نفحات الأنس من حضرات القدس )، ومحمود بن سليمان الكفوي في كتاب ( كتائب الأعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار )، ونور الدين جعفر البدخشاني في كتاب ( خلاصة المناقب )، والشيخ أحمد القشاشي في كتاب ( السمط المجيد في سلاسل أهل التوحيد )، وشاه ولي الله الدهلوي في كتاب ( الانتباه في سلاسل أولياء الله ). وقد تُوفِّي السيّد علي الهمداني في السادس من ذي الحجّة سنة: ست وثمانين وسبعمئة.

____________________

(1) معجم المؤلّفين: 12/124، دار إحياء التراث العربي.

(2) ينابيع المودّة: 1/288.


وقد وصفه الكفوي بقوله: ( لسان العصر سيّد الوقت... الشيخ العارف الربّاني والعالم الصمداني أمير سيّد علي بن شهاب بن محمّد بن محمّد الهمداني قدّس الله تعالى سرّه. كان جامعاً بين العلوم الظاهرة والباطنة وله مصنّفات كثيرة في علم التصرّف ) ) (1) .

17 - محمّد بن محمّد بن محمود البخاري المعروف بخواجه بارسا النقشبندي (ت: 822 هـ):

قال عنه حاجي خليفة: ( هو الشيخ الفاضل محمّد بن محمود الحافظي البخاري المُتَوَفّى سنة: 822 ) (2) ، كما نعته أيضاً بـ ( الحافظ الزاهد ) (3) .

وقال عنه القندوزي الحنفي عند ذكره لكتاب ( فصل الخطاب ): ( في إيراد ما في فصل الخطاب من الفضائل للسيّد الكامل المحدّث العالِم العامل محمّد خواجه بارساي البخاري أسبق خلفاء خواجه محمّد البخاري شاه نقشبند ( قدّس الله سرّهما ) ورفع درجاتهما ووهب لنا فيوضهما وبركاتهما ) (4) .

وقال عنه خير الدين الزركلي: ( محمّد بن محمّد بن محمود بن محمّد بن محمّد بن مودود، شمس الدين الجعفري البخاري: فقيه حنفي، عالِم بالتفسير. من أهل بخارى، جاور بمكّة، ومات بها، أو بالمدينة. له كتب، منها: ( فصل الخطاب لوصل الأحباب - خ ) في المحاضرات، و ( الفصول الستّة ـ

____________________

(1) خلاصة عبقات الأنوار: 9/181 - 182.

(2) كشف الظنون: 1/447، دار إحياء التراث.

(3) المصدر نفسه: 2/1260.

(4) ينابيع المودّة: 2/442، منشورات الشريف الرضي.


خ ) في أصول الفقه، و ( أربعون حديثاً - خ )، و ( تفسير القرآن العظيم ) في مئة مجلّد ) (1) .

19 - ابن الصبّاغ المالكي (ت: 855 هـ):

قال عنه القندوزي الحنفي: ( الشيخ المحدّث الفقيه نور الدين علي بن محمّد المالكي.. ) (2) .

وترجمه العلاّمة النقوي فقال: ( نور الدين علي بن محمّد بن أحمد المعروف بابن الصبّاغ المالكي المكّي المتوفَّى سنة: 855، كان من الفقهاء المالكيّة، ومن العلماء المعتمدين، ترجم له الحافظ السخاوي وأثنى عليه وقال: ( أجاز لي ) (3) . وكتابه ( الفصول المهمّة ) من المصادر المعتبرة عندهم، فقد نقل عنه الأعلام كالحلبي صاحب ( السيرة ) والسمهودي في ( جواهر العقدَين ) وكثير ممّن ألّف في فضائل أهل البيت كالصبّان والحمزاوي والشبلنجي ) (4) .

20 - سراج الدين الرفاعي (ت: 885 هـ):

قال عنه خير الدين الزركلي: ( محمّد بن عبد الله بن محمّد المخزومي الرفاعي الحسيني، سراج الدين: شيخ الإسلام في عصره. وُلِدَ بواسط ( في العراق ) ورحل إلى الشام ومصر. وتُوفِّي ببغداد. له مؤلّفات، منها: ( البيان في

____________________

(1) الأعلام: 7/44، دار العلم للملايين.

(2) ينابيع المودّة: 2/ 565. منشورات الشريف الرضي.

(3) خلاصة عبقات الأنوار:4/75 عن ( الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ): 5/283.

(4) خلاصة عبقات الأنوار: 4/75 - 76، مطبعة سيّد الشهداء.


تفسير القرآن )، و ( صحاح الأخبار في نسب السادة الفاطميّة الأخيار - ط )، ردّ فيه على ابن الأثير في قوله إنّ خالد بن الوليد انقرض عقبه، و ( جلاء القلب الحزين ) تصوّف، و ( رحيق الكوثر - ط ) من كلام الشيخ الرفاعي، رسالة، و ( سلاح المؤمن ) حديث، و ( النسخة الكبرى ) فيما خاض به أهل علم الحرف. وله شعر. وإليه تُنسب ( محلّة الشيخ سراج الدين ) ببغداد ) (1) .

21 - محمّد بن داود النسيمي (ت: 901 هـ):

قال عنه ابن العماد الحنبلي: ( الشيخ الصالح، أحد المتمسّكين بالسُنّة المحمّديّة في أقوالهم وأفعالهم، ألّف رسالة سمّاها ( طريقة الفقر المحمّدي )، ضبط فيها أقوال النبي صلّى الله عليه وسلّم وأفعاله وأحواله التي ظهرتْ لأُمَّته، وكان يقول: ليس لنا شيخ إلاّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم... ) (2) .

22 - الفضل بن روزبهان (ت: بعد 909 هـ):

قال عنه عمر رضا كحالة: ( الفضل بن روزبهان بن فضل الله الخنجي، الأصبهاني، الشهير بخواجه مولانا. مؤرّخ، مشارك في بعض العلوم. من آثاره: ( إبطال المنهج الباطل في الردّ على ابن المطهّر )، ( بديع الزمان في قصّة حيّ بن يقظان )، و ( شرح الوصايا لعبد الخالق الغجدواني ) ) (3) .

وكان من المتعصّبين على الشيعة الإماميّة وكتابه ( إبطال المنهج الباطل ) يشهد بذلك.

____________________

(1) الأعلام: 6/238، دار العلم للملايين.

(2) شذرات الذهب: 8/41، دار الكتب العلميّة.

(3) معجم المؤلّفين: 8/68، دار إحياء التراث العربي.


23 - الشيخ حسن العراقي (ت: بعد 930 هـ):

وهو أستاذ الشيخ عبد الوهاب الشعراني الآتية ترجمته.

وقد وصفه الشيخ الشعراني بقوله: ( الشيخ العارف بالله تعالى، سيّدي حسن العراقي رحمه الله تعالى ) (1) .

24 - الشيخ علي الخواص (ت: بعد 958 هـ):

وهو أستاذ الشيخ عبد الوهاب الشعراني الآتية ترجمته.

قال عنه الشعراني: ( شيخي وأستاذي سيّدي علي الخواص البرلسي رضي الله تعالى عنه ورحمه،... كان رضي الله عنه يتكلّم على معاني القرآن العظيم والسُنّة المشرّفة كلاماً نفيساً تحيّر فيه العلماء... ) (2) .

25 - عبد الوهاب الشعراني (ت: 973 هـ):

قال عنه الشيخ عبد الرؤوف المُنَاوِيّ في طبقاته: ( هو شيخنا الإمام، العالِم، العامِل، العابد، الزاهد، الفقيه، المحدّث، الأصولي، الصوفي، المربِّي المسلِّك، من ذرِّيَّة محمّد بن الحنفيّة... ) (3) .

26 - عطاء الله بن فضل الله الشيرازي ( ت: 1000 هـ) (4) :

قال عنه عمر كحالة: ( عطاء الله بن فضل الله الشيرازي، الدستكي،

____________________

(1) الطبقات الكبرى للشعراني: 2/190، ترجمة (25)، دار الفكر.

(2) المصدر نفسه: 2/205، ترجمة (63).

(3) نقل قوله ابن العماد الحنبلي في ( شذرات الذهب ): 8/437، دار الكتب العلميّة.

(4) وقد أشرنا عند ذكره في فصل الإمام المهدي إلى الاختلاف في سنة وفاته، وأنّ حاجي خليفة في ( كشف الظنون ) ذكر أنّه تُوفِّي في سنة: (1000 هـ)، بينما ذكر آخرون ومنهم عمر رضا كحالة أنّ سنة وفاته: (803 هـ).


الحسيني ( جمال الدين ) مؤرّخ. من آثاره: ( روضة الأحباب في سيرة النبي والآل والأصحاب ) ) (1) .

كما عدّ القاضي الديار بكري كتابَه من الكتب المعتمدة وذلك في أوّل كتابه ( تأريخ الخميس ) (2) .

27 - عبد الرحمان بن محمّد بن حسين بن عمر باعلوي (ت: بعد1251 هـ):

قال عنه خير الدين الزركلي: (عبد الرحمان بن محمّد بن حسين بن عمر باعلوي: مفتي حضرموت، من فقهاء الشافعيّة، له ( بغية المسترشدين في تلخيص فتاوي بعض الأئمّة من العلماء المتأخّرين - ط ) فرغ من تأليفه سنة: 1251هـ ) ‍(3) .

28 - القندوزي الحنفي (ت: 1294 هـ):

قال عنه عمر رضا كحالة: ( سليمان بن إبراهيم القندوزي، البلخي الحسيني، صوفي، من تصانيفه: ( أجمع الفوائد )، ( مشرق الأكوان )، ( ينابيع المودّة لذوي القربى ) ) (4) .

وقال عنه الزركلي: ( سليمان بن خوجه إبراهيم قبلان الحسيني الحنفي النقشبندي القندوزي: فاضل، من أهل بلخ، مات في القسطنطينيّة. له ( ينابيع

____________________

(1) معجم المؤلّفين: 6/285، دار إحياء التراث العربي.

(2) تاريخ الخميس: 3، دار صادر.

(3) الأعلام: 3/333، دار إحياء التراث العربي.

(4) معجم المؤلّفين: 4/252، دار إحياء التراث العربي.


المودّة - ط ) في شمائل الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأهل البيت ) (1) .

29 - شمس الدين التبريزي:

نكتفي بما ذكره القندوزي الحنفي؛ حيث عدّه من جملة الكاملين العارفين (2) .

30 - السيّد نعمة الله الولي:

نكتفي بما ذكره القندوزي الحنفي؛ حيث عدّه من جملة الكاملين العارفين (3) .

31 - عبد السلام الترمانيني:

لم نحصل على ترجمة للترمانيني سوى ما حصلنا عليه من مقدّمته في كتابه ( أحداث التاريخ الإسلامي ) نورد بعضاً منها، قال: ( ولعلّ سائلاً يسأل ما لرجل القانون ينصرف إلى مثل هذا العمل [ يعني كتابته التاريخ ]؟

إنّه هوى قديم، نزعت إليه نفسي مع حبّي للقانون، وصرفني إلى تفكير يلازمني في ماضي أُمّتي ومستقبلها، فقد أمضيتُ في ممارسة القانون وتدريسه في كلِّيَّات الحقوق بجامعات: حَلَب، ودمشق، والكويت، خمسة وثلاثين سنة، كنت أمضي وقت فراغي خلالها في قراءة التاريخ الإسلامي، وقد أمدّني القانون بفهم أعمق لأحداث التاريخ واستخلاص نتائجها، وألزمني الحِيَاد في الحكم عليها.... ) (4) .

____________________

(1) الأعلام: 3/125، دار العلم للملايين.

(2) انظر: صفحة 388.

(3) انظر: صفحة 388.

(4) من مقدّمة ( أحداث التاريخ الإسلامي ): مجلّد1/ج1/ ص15، طبعة دمشق.



المصادر

1) القرآن الكريم.

2) الآحاد والمثاني، الضحّاك، دار الدراية، الرياض، الطبعة الأولى، 1411هـ - 1991م.

3) أئمّتنا، محمّد علي دخيل، دار المرتضى، بيروت، الطبعة السادسة 1402هـ - 1982م.

4) الأئمّة الاثنا عشر، شمس الدين محمّد بن طولون، منشورات الرضي المصوّرة على طبعة دار صادر، بيروت، لبنان.

5) الإتحاف بحبّ الأشراف، عبد الله الشبراوي، منشورات الرضي المصوّرة على طبعة المطبعة الأدبية بمصر، الطبعة الثانية.

6) إتحاف الخيرة المهرة، الحافظ أحمد بن أبي بكر البوصيري، مكتبة الرشيد، الرياض، الطبعة الأولى، 1419 هـ - 1988م.

7) أحداث التاريخ الإسلامي بترتيب السنين، الدكتور عبد السلام الترمانيني، تلاسدار، دمشق، الطبعة الأولى، 1411 هـ - 1991م.

8) إحقاق الحقّ، نور الله التستري.

9) أحكام القرآن، الجصّاص، دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1415هـ - 1994.

10) أخبار الدول وآثار الأول، أحمد بن يوسف القرماني، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ - 1992م.

11) الأدب المفرد، البخاري، مؤسّسة الكتب الثقافيّة، الطبعة الأولى، 1406هـ - 1986م.


12) الأربعين في مناقب أمّهات المؤمنين، ابن عساكر الشافعي، دار الفكر، بيروت.

13) الإرشاد، الشيخ المفيد، مؤسّسة آل البيت، قم، الطبعة الأولى، 1413هـ.

14) إرواء الغليل، الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1405هـ - 1985م.

15) أسباب النزول، الواحدي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة السابعة، 1419هـ - 1999م.

16) استجلاب ارتقاء الغرف بحبّ أقرباء الرسول وذوي الشرف، الحافظ السخاوي، تحقيق خالد بن أحمد الصمي، دار البشائر الإسلاميّة، بيروت، 1421هـ - 2000م.

17) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البرّ، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ - 1992م.

18) أُسد الغابة، ابن الأثير، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 1417هـ - 1996م.

19) إسعاف الراغبين المطبوع على هامش نور الأبصار، ابن الصبّان الشافعي، دار الفكر، المصوّرة على الطبعة المصريّة، 1948م.

20) أسمى المناقب في تهذيب أسنى المطالب، محمّد باقر المحمودي، 1403هـ - 1983م.

21) أسنى المطالب في مناقب سيّدنا علي بن أبي طالب، شمس الدين الجزري، مكتبة الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) العامّة، أصفهان، إيران.


22) الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني، طبعة دار الفكر، بيروت، وطبعة دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1415هـ.

23) أصول الحديث، د. محمّد عجاج الخطيب، دار الفكر، بيروت، 1421هـ - 2001م.

24) أصول الكافي، الشيخ الكليني، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1411هـ - 1990م.

25) الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة عشرة، شباط 1999م.

26) إعلام الورى بأعلام الهدى، الطبرسي، مؤسّسة آل البيت، قم، الطبعة الأولى، 1417هـ.

27) إلزام الناصب، الشيخ علي اليزدي الحائري، تحقيق السيّد علي عاشور.

28) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، أسد حيدر، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1390هـ - 1969م.

29) الأنساب، السمعاني، دار الجنان، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1408هـ - 1988م.

30) الأوائل، ابن أبي عاصم، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت.

31) الأوائل، الطبراني، تحقيق محمّد شكور، مؤسّسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1403هـ.

32) بحار الأنوار، المجلسي، دار إحياء التراث العربي.

33) البداية والنهاية، ابن كثير، طبعة مؤسّسة التاريخ العربي، ودار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1408هـ - 1988م.


34) البرهان المؤيّد، الشيخ أحمد الرفاعي الشافعي، نشر دار الكتاب النفيس، بيروت، الطبعة الأولى، 1408هـ.

35) البيان في أخبار صاحب الزمان، محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي، توزيع دار التعارف للمطبوعات.

36) تاج العروس، محمّد بن محمّد الزبيدي، نشر مكتبة الحياة، بيروت.

37) تاريخ ابن خلدون، ابن خلدون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الرابعة.

38) تاريخ ابن الوردي، ابن الوردي، منشورات المطبعة الحيدريّة في النجف الأشرف.

39) تاريخ الإسلام، الذهبي، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، 1418هـ - 1998م.

40) تاريخ أمراء المدينة، عارف عبد الغنيّ، دار الإقليم.

41) تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، دار الكتب العلميّة، بيروت.

42) تاريخ الخلفاء، جلال الدين السيوطي، طبعة دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، 1420هـ - 1999م، وطبعة دار المعرفة، بيروت، لبنان.

43) تاريخ الخميس، الديار بكري، دار صادر، الطبعة المصوّرة على الطبعة الوهبيّة بمصر، سنة 1183هـ.

44) التاريخ الكبير، البخاري، المكتبة الإسلاميّة، ديار بكر.

45) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، دار الفكر، بيروت.

46) تاريخ مواليد الأئمّة، ابن الخشّاب، مطبعة الصدر، نشر مكتبة المرعشي.


47) تاريخ ميافارقين، أحمد بن الأزرق، تحقيق الدكتور بدوي عبد اللطيف.

48) تحفة الأحوذي، المباركفوري، دار الكتب العلمية، بّيروت، الطبعة الأولى، 1410هـ.

49) تحفة الطالب بمعرفة من ينتَسب إلى عبد الله وأبي طالب، السّمرقندي، دار المجتبى للتوزيع.

50) تدريب الراوي، جلال الدين السيوطي، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.

51) التدوين في أخبار قزوين، عبد الكريم الرافعي.

52) تذكرة الحفّاظ، الذهبي، مكتبة الحرم المكّي، إعانة وزارة معارف الحكومة العالية الهنديّة.

53) تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي، مؤسّسة أهل البيت، بيروت.

54) تذكرة الموضوعات، محمّد بن طاهر الفتني.

55) تعجيل المنفعة، ابن حجر العسقلاني، دار الكتاب العربي، بيروت.

56) تفسير ابن كثير، ابن كثير، دار الجيل، بيروت، ودار المعرفة، بيروت، 1412هـ.

57) تفسير الثعلبي ( الكشف والبيان)، الثعلبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1422هـ - 2002م.

58) تفسير روح المعاني، الآلوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

59) تفسير الفخر الرازي، الفخر الرازي، دار الفكر، 1415هـ - 1995م.

60) تفسير القرطبي، القرطبي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1422هـ - 2001م.


61) تفسير الكشّاف، الزمخشري، منشورات البلاغة، الطبعة الثانية، 1415هـ.

62) تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1415هـ - 1995م.

63) تكملة معجم المؤلّفين، محمّد خير رمضان يوسف، دار ابن حزم.

64) تلخيص مستدرك الحاكم، الذهبي، دار المعرفة، بيروت، مطبوع بهامش المستدرك.

65) تناقضات الألباني الواضحات، السيّد حسن السقّاف، دار الإمام النووي، الطبعة الرابعة، 1412هـ - 1992م.

66) تهذيب الأسماء واللغات، النووي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1996م.

67) تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1415 هـ - 1995م.

68) تهذيب خصائص الإمام علي، النسائي، تحقيق الحويني الأثري، دار الكتب العلميّة، بيروت.

69) تهذيب الكمال، المِزِّيّ، مؤسّسة الرسالة، بيروت، الطبعة الرابعة، 1406هـ - 1985م.

70) الثقات، ابن حِبَّان، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانيّة بحيدر آباد الدكن، الهند، نشر مؤسّسة الكتب الثقافيّة، الطبعة الأولى، 1393ه.

71) جامع البيان، ابن جرير الطبري، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1421هـ - 2001م.


72) الجامع الصغير، جلال الدين السيوطي، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ.

73) جامع كرامات الأولياء، يوسف النبهاني، طبعة المكتبة الشعبيّة، بيروت لبنان، وطبعة دار الفكر، بيروت.

74) الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم الرازي، دار الفكر، بيروت، مصوّرة على طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانيّة بحيدر آباد الدكن، الهند، الطبعة الأولى.

75) الجمع بين رجال الصحيحَين، محمّد بن طاهر المقدسي، دار الكتب العلميّة.

76) جواهر العقدين، السمهودي، دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1415هـ - 1995م.

77) الجوهر الشفّاف في أنساب السادة الأشراف، أحمد عارف عبد الغني، دار كتاب للطباعة والنشر.

78) حلية الأولياء، أبو نعيم الأصفهاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1421هـ - 2001م.

79) حياة الإمام الباقر، باقر شريف القرشي، دار البلاغة، بيروت، الطبعة الأولى، 1409هـ - 1988م.

80) حياة الإمام الحسن العسكري، باقر شريف القرشي، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الأولى، 1409هـ - 1988م.

81) حياة الإمام الرضا، باقر شريف القرشي، انتشارات سعيد بن جبير، قم، الطبعة الأولى.


82) حياة الإمام موسى بن جعفر، باقر شريف القرشي.

83) خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، النسائي، تحقيق آل زهوي، المكتبة العصريّة للطباعة والنشر، 1422هـ - 2001م.

84) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، صفيّ الدين الخزرجي، طبعة دار البشائر المصوّرة على الطبعة البولاقيّة في القاهرة.

85) خلاصة عبقات الأنوار، حامد النقوي، مطبعة سيّد الشهداء، قم، 1406هـ.

86) دراسات في منهاج السنة لمعرفة ابن تيمية، السيّد الميلاني، طبعة ياران، الأولى، 1419هـ.

87) الدُرَر السَنِيَّة في الردّ على الوهابيّة، أحمد زيني دحلان، مكتبة إيشيق، إسلامبول.

88) الدرر الكامنة، ابن حجر العسقلاني، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانيّة، حيدر آباد، الهند، الطبعة الثانية، 1972م.

89) الدرّ المنثور، جلال الدين السيوطي، طبعة الفتح، جدّة، الطبعة الأولى، 1365هـ، وطبعة دار الفكر، بيروت، 1414هـ - 1993م.

90) الدرّ النظيم، كمال الدين الشامي، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، قم، الطبعة الأولى، 1420هـ.

91) الدّروس، الشهيد الأوّل، مؤسّسة النشر الإسلامي، التابعة لجماعة المدرّسين، قم، الطبعة الأولى، 1412هـ.

92) الديباج على مسلم، جلال الدين السيوطي، دار ابن عفّان، المملكة العربيّة السعوديّة، الطبعة الأولى، 1416هـ.


93) ذخائر العُقبى، أحمد بن عبد الله الطبري.

94) الذُرِّيَّة الطاهرة النبويّة، الدولابي، الدار السلفيّة، الكويت، الطبعة الأولى، 1407هـ.

95) ذيل تاريخ بغداد، ابن النجّار، دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ.

96) رجال مسلم، أحمد بن علي بن منجويه الأصبهاني، دار المعرفة.

97) رجال النجاشي، النجاشي، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، قم.

98) الردّ على الألباني المبتدع، عبد الله بن الصدّيق الغُمَارِيّ.

99) رسائل الجاحظ، الجاحظ، جمع ونشر حسن السندوبي، المطبعة الرحمانيّة بمصر، توزيع المكتبة التجاريّة الكبرى، الطبعة الأولى، 1352هـ - 1933م.

100) زاد المسير، ابن الجوزي، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ.

101) الزهرة العطرة في حديث العترة، أبو المنذر سامي بن أنور المصري الشافعي، دار الفقيه، مصر.

102) سامرّاء في أدب القرن الثالث الهجري، يونس السامرّائي، مطبعة الإرشاد، بغداد.

103) سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب، أبو الفوز محمّد أمين السويدي، المكتبة العلميّة.

104) سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمّد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، 1415هـ - 1995م.


105) سلسلة الأحاديث الضعيفة، الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثانية، 1420هـ - 2000م.

106) سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، عبد الملك العصامي، المكتبة السلفيّة، القاهرة.

107) سنن ابن ماجه، ابن ماجه القزويني، طبعة مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ( بتعليق الألباني ) الرياض، الطبعة الأولى، 1419هـ - 1998م، وطبعة دار الفكر، بيروت.

108) سنن أبي داود، أبو داود السجستاني، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1410هـ - 1990م.

109) سنن الترمذي، الترمذي، طبعة دار الفكر، بيروت، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، وطبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق وشرح أحمد محمّد شاكر.

110) السنن الكبرى، النسائي، طبعة دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1348هـ - 1930م.

111) السُنّة، ابن أبي عاصم، تحقيق الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1413هـ - 1993م.

112) سير أعلام النبلاء، الذهبي، مؤسّسة الرسالة، بيروت، الطبعة التاسعة، 1413هـ - 1993م.

113) شذرات الذهب في أخبار من ذهَب، ابن العماد الحنبلي، دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ - 1998م.


114) شرح إحقاق الحقّ، المرعشي، منشورات مكتبة السيّد المرعشي، قم.

115) شرح الزرقاني على موطّأ مالك، محمّد بن عبد الباقي الزرقاني، دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ.

116) شرح الشفا، ملاّ علي القاري، دار الكتب العلميّة.

117) شرح صحيح مسلم، النووي، مؤسّسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 2001م، ودار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، 1407هـ.

118) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، طبعة دار الكتب العلميّة المصوّرة على طبعة دار إحياء الكتب العربيّة، الطبعة الأولى، 1378هـ - 1959م.

119) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عِيَاض، طبعة دار الفكر، بيروت، 1409هـ.

120) شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى، 1393هـ - 1974م.

121) شواهد النبوّة، عبد الرحمان الجامي الحنفي، انتشارات وحيد.

122) صحاح الأخبار في نسب الفاطميّة الأخيار، محمّد بن سراج الدين الرفاعي، الركابي للتوزيع، المصوّرة على طبعة نخبة الأخبار في الهند.

123) صحيح ابن حِبَّان، ابن حِبّان البستي، مؤسّسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1414هـ - 1993م.

124) صحيح ابن خزيمة، محمّد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، 1412هـ.


125) صحيح البخاري، البخاري، دار الفكر، بيروت، 1401هـ - 1981م.

126) صحيح الجامع الصغير، الألباني، المكتب الإسلامي، دمشق، الطبعة الثالثة، 1408هـ - 1988م.

127) صحيح سنن الترمذي، الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثانية للطبعة الجديدة، 1422هـ - 2002م.

128) صحيح سنن النسائي، الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى للطبعة الجديدة، 1419هـ - 1998م.

129) صحيح شرح العقيدة الطحاويّة، السيّد حسن السقّاف، دار الإمام النووي، الأردن، الطبعة الأولى، 1416ه.

130) صحيح مسلم، مسلم النيسابوري، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ - 1999م.

131) الصحيح المسند من فضائل الصحابة، مصطفى بن العدوي، دار ابن عفّان، السعوديّة، الطبعة الثانية، 1419هـ - 1998م.

132) صحيح موارد الظمآن، الألباني، دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، 1422هـ - 2002م.

133) صفة الصفوة أو ( صفوة الصفوة )، ابن الجوزي، دار المعرفة، بيروت، حقّقه وعلّق عليه محمود فاخوري.

134) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1420هـ - 1999م.

135) طبقات الحفّاظ، السيوطي، دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1403هـ.


136) طبقات الشافعيّة، جمال الدين، عبد الرحمان الإسنوي، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1416هـ - 1996م.

137) طبقات الشافعيّة الكبرى، السبكي، تحقيق محمود محمّد الطناحي وعبد الفتّاح محمّد الحلو.

138) طبقات الفقهاء، أبو إسحاق الشيرازي، دار القلم، بيروت.

139) الطبقات الكبرى، الشعراني، دار الفكر المصوّرة على دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 1419هـ - 1999م.

140) العبر في أخبار مَن غبر، الذهبي، طبعة دار الكتب العلميّة، بيروت، وطبعة مطبعة حكومة الكويت، سنة 1948م.

141) عمدة الطالب، ابن عنبة، مطبعة الحيدريّة في النجف الأشرف، الطبعة الثالثة، 1380هـ - 1961م.

142) عيون أخبار الرضا، الصدوق، منشورات الشريف الرضيّ، مطبعة أمير، قم، الطبعة الأولى.

143) عيون المعجزات، الشيخ حسين عبد الوهاب، المطبعة الحيدريّة، النجف الأشرف.

144) غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول، منصور علي ناصف، المطبوع بحاشية التاج الجامع للأصول، دار الكتب العلميّة، بيروت.

145) الغدير، الأميني، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1397هـ - 1977م.

146) الغيبة، الطوسي، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، قم، الطبعة الأولى، 1411ه.


147) الفايق في غريب الحديث، الزمخشري، دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ.

148) فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية.

149) فتح الملك العلي بصحّة حديث باب مدينة العلم علي، الحافظ أحمد بن الصدّيق المغربي، مكتبة أمير المؤمنين، أصفهان، إيران.

150) فرائد السمطين، الجويني، مؤسّسة المحمودي للطباعة والنشر.

151) الفصول المهمّة، ابن الصبّاغ المالكي، دار الأضواء، الطبعة الثانية، 1409هـ - 1988م.

152) فضائل سيّدة النساء، عمر بن شاهين، مكتبة التربية الإسلاميّة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1411هـ.

153) فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل، مؤسّسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1403هـ - 1983م.

154) فضائل مصر وأخبارها وخواصّها، ابن زولاق، نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة.

155) فيض القدير شرح الجامع الصغير، محمّد عبد الرؤوف المُنَاوِيّ، دار الكتب العلميّة، الطبعة الأولى، 1415هـ - 1994م.

156) قادتنا كيف نعرفهم، الميلاني، الطبعة الثانية، قم، 1413هـ.

157) القاموس المحيط، محمّد بن يعقوب الفيروز آبادي.

158) قراءة في كتب العقائد: المذهب الحنبلي نموذجاً، حسن بن فرحان المالكي، مركز الدراسات التاريخية، عمّان، الأردن.


159) الكاشف، الذهبي، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1418هـ - 1997م.

160) الكامل في التاريخ، ابن الأثير، دار الفكر، المصوّرة على طبعة دار صادر، بيروت.

161) الكامل في الضعفاء، ابن عدي الجرجاني، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة، 1409هـ.

162) كشف الأستار عن وجه الغائب عن الأبصار، المحدّث النوري، مكتبة نينوى الحديثة، طهران.

163) كشف الخفاء، العجلوني، دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الثانية، 1408هـ.

164) كشف الظنون، حاجي خليفة، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

165) كشف الغمّة، الأربلي، منشورات الشريف الرضيّ، مطبعة شريعت، قم، الطبعة الأولى، 1421هـ.

166) كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين، الكنجي الشافعي، مطبعة الغري، النجف الأشرف.

167) كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، 1405هـ.

168) كنز العمال، المتّقي الهندي، مؤسّسة الرسالة، بيروت، الطبعة الخامسة، 1405هـ - 1985م.

169) الكواكب الدرِّيّة، المُنَاوِيّ، وورسة تجليد الأنوار، مصر، الطبعة الأولى، 1357هـ - 1938م.


170) اللباب في تهذيب الأنساب، عزّ الدين ابن الأثير الجزري، دار الفكر، طبعة جديدة ومنقّحة بإشراف مكتب البحوث والدراسات في دار الفكر، الطبعة الأولى، 1423هـ - 2002م.

171) لباب النقول، جلال الدين السيوطي، دار الكتب العلميّة، بيروت.

172) لسان العرب، ابن منظور، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1405هـ، وطبعة دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 1410هـ - 1990م.

173) لسان الميزان، ابن حجر، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الثالثة، 1406هـ - 1986م.

174) مجمع الزوائد، الهيثمي، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1408هـ - 1988م.

175) مختصر تاريخ دمشق، ابن منظور، دار الفكر، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى، 1404هـ - 1984م.

176) مختصر التحفة الاثني عشريّة، محمود شكري الآلوسي، المطبعة السلفيّة، القاهرة.

177) المختصر في أخبار البشر المعروف بتاريخ أبي الفداء، مكتبة المتنبّي، القاهرة.

178) مرآة الجنان وعبرة اليقظان، اليافعي، دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ - 1997م.

179) مرقاة المفاتيح، ملاّ علي القاري، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1422هـ - 2002م.


180) المستدرك على الصحيحَين، الحاكم النيسابوري، دار المعرفة، بيروت، 1406هـ.

181) مسند ابن راهويه، إسحاق بن راهويه، مكتبة الإيمان، المدينة المنوّرة، الطبعة الأولى، 1412هـ - 1991م.

182) مسند أبي حنيفة، أبو نعيم الأصبهاني، مكتبة الكوثر، الرياض، الطبعة الأولى، 1415هـ.

183) مسند أبي داود الطيالسي، أبو داود الطيالسي، دار الحديث، بيروت.

184) مسند أبي يعلى الموصلي، الحافظ أحمد بن علي التميمي، دار المأمون للتراث، دمشق.

185) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، تحقيق أحمد محمّد شاكر، طبعة دار الحديث القاهرة، الطبعة الأولى، 1416هـ - 1995م، وطبعة دار صادر، بيروت.

186) مسند البزّار، البزّار، نشر مؤسّسة علوم القرآن، بيروت، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنوّرة، الطبعة الأولى، 1409 هـ.

187) مسند الروياني، الروياني، مؤسّسة قرطبة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1416هـ.

188) مسند الشاميّين، الطبراني، مؤسّسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1417هـ - 1996م.

189) مشاهير علماء الأمصار، أبو حاتم محمّد بن حِبّان البستي، دار الكتب العلميّة، بيروت.


190) مشكاة المصابيح، الخطيب التبريزي، تحقيق الألباني، طبع المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، سنة 1985م.

191) مشكل الآثار، الطحاوي، دار صادر، بيروت.

192) مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، المطبوع بحاشية السنن لابن ماجة مع تعليقات الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1419هـ - 1998م.

193) المصنّف، ابن أبي شيبة، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1409هـ.

194) المصنّف، عبد الرزاق الصنعاني، نشر المجلس العلمي.

195) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول، محمّد بن طلحة الشافعي، مؤسّسة أم القرى، بيروت، الطبعة الأولى 1420هـ.

196) المطالب العالية، ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، 1414هـ - 1993م.

197) المعتصر من المختصر من مشكل الآثار، قاضي القضاة أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي، عالَم الكتب.

198) المعجم الأوسط، الطبراني، دار الحَرَمَين، القاهرة، 1415هـ - 1995م.

199) معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ - 1997م.

200) معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي، مكتبة العلوم والحكم.

201) المعجم الصغير، الطبراني، دار الكتب العلميّة، بيروت.

202) المعجم الكبير، الطبراني، طبعة دار إحياء التراث العربي، نشر مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الثانية.


203) معجم المؤلّفين، عمر رضا كحالة، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

204) معجم المحدّثين، الذهبي، نشر مكتبة الصدّيق، الطائف، الطبعة الأولى، 1408هـ.

205) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربيّة.

206) معرفة الثقات، الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي، مكتبة الدار، المدينة المنوّرة، الطبعة الأولى، 1405هـ - 1985م.

207) معرفة علوم الحديث، الحاكم النيسابوري، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الرابعة، 1400هـ.

208) المعيار والموازنة، أبو جعفر الإسكافي، تحقيق محمّد باقر المحمودي، الطبعة الأولى، 1401هـ - 1981م.

209) المفهم لِمَا أشكل من كتاب مسلم، القرطبي، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الثانية، 1420هـ - 1999م.

210) مقتل الحسين، الخوارزمي، نشر أنوار الهدى، قم، الطبعة الأولى، 1418هـ.

211) الملل والنحل، أبو الفتح محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني، دار المعرفة، بيروت، 1404هـ.

212) مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، دار الأضواء، بيروت، 1405هـ - 1985م.

213) منتخب مسند عبد بن حميد، أبو محمّد عبد بن حميد، مكتبة النهضة العربيّة، الطبعة الأولى، 1408هـ - 1988م.


214) المنتظم، جمال الدين أبو فرج ابن الجوزي، المؤسّسة المصريّة العامّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، وطبعة دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ - 1992م.

215) منهاج السنّة، ابن تيمية، تحقيق الدكتور محمّد رشاد سالم، الطبعة الأولى، 1406هـ - 1986م.

216) مَن هو المهدي، التجليل التبريزي، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، قم، الطبعة الثانية، 1409هـ.

217) المهدي عند أهل السُنّة، فقيه إيماني، مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامّة، أصفهان، إيران.

218) موارد الظمآن، الهيثمي، دار الكتب العلميّة، بيروت، تحقيق محمّد عبد الرزاق حمزة.

219) موسوعة الإمام الجواد، اللجنة العلميّة في مؤسّسة وليّ عصر للدراسات، قم، الطبعة الأولى، 1419هـ.

220) ميزان الاعتدال، الذهبي، دار الفكر، تحقيق علي محمّد البجاوي.

221) النجم الثاقب في أحوال الحجّة الغائب، المحدّث النوري، طبعة مهر، قم، الطبعة الأولى، 1415هـ.

222) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري الأتابكي، نشر المؤسّسة المصريّة العامّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، وزارة الثقافة والإرشاد القومي.

223) نظم دُرَر السمطين، الزرندي الحنفي، سلسلة من مخطوطات مكتبة أمير المؤمنين العامّة، الطبعة الأولى، 1377هـ - 1958م.


224) نَظْم المتناثر من الحديث المتواتر، الكتاني، دار الكتب السلفيّة، مصر، الطبعة الثانية.

225) النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير، المكتبة الإسلاميّة.

226) نور الأبصار في مناقب آل النبي المختار، طبعة دار الفكر المصوّرة على الطبعة المصريّة، 1948م.

227) الوافي بالوفيات، الصفدي، دار النشر: فرانز شتايز، شتوتغارت، 1411هـ - 1991م.

228) وفيات الأعيان وأنباء الزمان، ابن خِلّكان، دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ - 1998م.

229) ينابيع المودّة، القندوزي الحنفي، منشورات الشريف الرضيّ، المصوّرة على طبعة المكتبة الحيدريّة، الطبعة السابعة، 1384هـ - 1965م.

230) اليواقيت والجواهر، الشعراني، دار المعرفة للطباعة والنشر.


الفهرس

مقدّمة المؤسّسة 5

مقدّمة المؤلّف ..9

الفصل الأوّل: أوّل أئمّة أهل البيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام 15

نافذة إلى معرفة الإمام 17

أقوال في كثرة فضائله 23

فضائل علي في القرآن والسنّة النبويّة 26

المبحث الأوّل: من فضائل علي في القرآن الكريم .26

المبحث الثاني: فضائل علي ( عليه السلام ) في السنّة النبويّة الشريفة 60

أ - الأحاديث العامّة 60

ب - الأحاديث الخاصّة في عليٍّ ( عليه السلام ) 94

فضائل أخرى .129

الفصل الثاني: إماما الهدى وسيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين عليهما السلام 137

نافذةٌ إلى معرفتهما عليهما أفضل الصلاة والسلام 139

فضائل الحسنَين في القرآن الكريم .143

فضائل الحسنين في السُنّة النبويّة الشريفة 152

القسم الأوّل: الفضائل المشتركة 152

القسم الثاني: فضائل الإمام الحسن الخاصّة 171

القسم الثالث: فضائل الإمام الحسين الخاصّة 181

أخبار وروايات تتعلّق بعاشوراء 186

الفصل الثالث: الرابع من أئمّة أهل البيت زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام 191

نافذة إلى معرفة الإمام 193

الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السنّة 196

الفصل الرابع: الخامس من أئمّة أهل البيت الباقر محمّد بن علي عليه السلام 213

نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام 215

الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السنّة 217


الفصل الخامس: السادس من أئمّة أهل البيت الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام 235

نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام 237

الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السنّة 240

تنبيه 263

الفصل السادس: السابع من أئمّة أهل البيت الكاظم موسى بن جعفر عليه السلام 267

نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام 269

الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السنّة 271

الفصل السابع: الثامن من أئمّة أهل البيت الرضا علي بن موسى عليه السلام 287

نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام 289

الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السنّة 292

الفصل الثامن: التاسع من أئمّة أهل البيت الجواد محمّد بن علي عليه السلام 309

نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام 311

الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السنّة 314

الفصل التاسع: العاشر من أئمّة أهل البيت الهادي علي بن محمّد عليه السلام 323

نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام 325

الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السُنّة 328

الفصل العاشر: الحادي عشر من أئمّة أهل البيت العسكري الحسن بن علي عليه السلام 341

نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام 343

الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السُنّة 348

الفصل الحادي عشر: الثاني عشر من أئمّة أهل البيت المهدي المنتظر محمّد بن الحسن عليه السلام 357

المهدويّة في الفكر الإسلامي .359

- نظرة موجزة - .359

نافذة إلى معرفة الإمام عليه السلام 365

ولادة الإمام في كلمات علماء وأعلام أهل السُنّة 367


القسم الأول: طائفة من أقوال علماء وأعلام أهل السُنّة الذاهبين إلى ولادة محمّد بن الحسن ( عليه السلام ) ( المنكرين لمهدويّته، أو الساكتين عن ذلك ) 369

القسم الثاني: طائفة من أقوال علماء وأعلام أهل السُنّة الذاهبين إلى ولادة محمّد بن الحسن

وأنّه المهدي المنتظر ( عليه السلام ) 384

خاتمة الكتاب ..415

ملحق: يتضمّن تعريفاً بالعلماء الذين قالوا بولادة الإمام محمّد بن الحسن أو قالوا بمهدويّته 427

القسم الأوّل: العلماء القائلون بولادة محمّد بن الحسن مع السكوت عن مهدويّته 427

القسم الثاني: القائلون بمهدويّة الإمام محمّد بن الحسن العسكري عليهما السلام 440

المصادر 457