مقدِّمة المركز
الحمد لله رب العالمين.. وصلى الله علىٰ سيدنا محمد وآله الطاهرين..
وبعد.. إنّ زيارة قبر النبيِّ الاَكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وقبور الأئمة الطاهرين من أهل بيته عليهمالسلام والأولياء والصالحين من هذه الاُمَّة، وشدَّ الرحال إليها، والتوسُّل والاستشفاع بهم، تُعدُّ من القربات التي ندب الشرع إليها، وقرَّرتها السيرة العملية للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وأكَّدت النصوص الإسلامية عند سائر فرق الأُمَّة علىٰ شرعيَّتها وثبوتها، ومارسها المسلمون منذ عهد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم والصحابة الأوَّلين فالتابعين لهم بإحسان ثُمَّ في أدوارهم المتتابعة إلىٰ يومنا هذا.
وليست الزيارة حالة من حالات التعامل الجامد مع أكوام الحجارة والتراب، كما يصفها البعض، وإنَّما هي صيغة واعية تمارسها الأُمَّة لتعبِّر عن عمق ارتباطها بخط الأولياء، وتنطوي علىٰ تأصيل حالة الولاء والحبِّ لرموز مسيرتها، وتستبطن مزيداً من العطاءات العقائدية والتاريخية والتربوية التي تشدُّ الأُمَّة إلىٰ عقيدتها وتاريخها وقادتها الرساليين.
فمن معطياتها العقائدية أنَّها تمثل حالة من حالات الانشداد إلىٰ الله سبحانه، ذلك لأنَّ الزائر إنَّما ينوي في زيارته التقرُّب إلىٰ الله تعالىٰ، ويشتغل ضمن الآداب المسنونة في الزيارة بالصلاة والدعاء والتضرُّع والتوسُّل وقراءة القرآن وغيرها من الأوراد والآداب التي تعكس حالات الإذعان إلىٰ الإرادة الإلهية القاهرة، وإخلاص العبودية للواحد الحقِّ،
فضلاً عن أنَّ نصوص الزيارات والأدعية الخاصَّة بالزيارة، تمثِّل مدرسة تلقِّن المسلمين أصول العقيدة الإسلامية والانفتاح علىٰ جميع مفرداتها ومضامينها. ثُمَّ إنَّ من القبور ما يمثل معلماً من معالم الرسالة وشاهداً من شواهد التاريخ، فزيارة قبر الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم تُعمِّق علاقة الزائر الروحية بالرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتعزِّز فهمه لأبعاد شخصيَّته ومكارم أخلاقه وإخلاصه لله، ودوره في تبليغ الرسالة وتجسيد معانيها، وتفتح ذاكرته علىٰ تاريخ الرسالة بكلِّ ما يزخر به من أحداث تعود بوعيه إلىٰ الأصالة التاريخية في مسيرة الأُمَّة وما فيها من دروس وعبر.
ومن معطياتها التربوية أنَّها تبعث في نفس الزائر حالة التذكير باليوم الآخر حيث يستحضر في وعيه حتمية الموت والموقف بين يدي الله تعالىٰ، فيمتلئ وجدانه ومشاعره بفيضٍ من قيم الخير والفضيلة والصلاح، ويندفع باتجاه تنمية نزعات نفسه الخيِّرة وردعها عن سبيل الغي وترويضها علىٰ طلب الخير.
ومن معطياتها الجهادية والسياسية استلهام مواقف الجهاد الفاعلة في تاريخ الإسلام، والتعاطي مع قيم الشجاعة والبطولة، والإدانة للسياسات الظالمة في تاريخ الأُمَّة، والحفاظ علىٰ ديمومة العطاء الثوري لدماء الشهداء.
من هنا فقد أقدم مركزنا علىٰ نشر هذه الدراسة المستوفية والموجزة لتُسهم في تعزيز أدلَّة الزيارة والتوسُّل في ضمير الأُمَّة، والتحقُّق من كونها سُنَّة ثابتة علىٰ طول المسيرة التاريخية، مع ما توفَّرت عليه من مناقشة علمية جادَّة لما أُثير حولها من شبهات لتكون دافعاً يشدُّ الأُمَّة بقدوتها ويربطها بتاريخها المشرق ورسالتها الخالدة.
والله سبحانه من وراء القصد وهو المسدِّد للصواب..
مركز الرسالة
المقدِّمة
في مرافئ الحياة، كل مرافئها، أقامت الشريعة السمحة مآذن تحثُّ علىٰ خير العمل، ومنابر للدرس والإرشاد، ومشاعل تنير الجوانب والمداخل وبين النواحي والأطراف..
ذلك هو شأن الشريعة، وسبيلها إلىٰ مقاصدها في إحياء الأنفس، ولمِّ شتات المجتمعات، وإعمار الأرض، وتسوية الطريق إلىٰ أحسن العواقب بعد الموت، وبعد فناء الدنيا..
وليست تعرف الشريعة فيصلاً بين عبادة المرء ربّه، وبين ممارساته شؤونَه الخاصة والعامة، فرداً له كيانه الخاص، وعضواً في أُسرة وفي مجتمع.
فليس في الشريعة شيء من العبادات أو القربات من شأنه أن ينعزل بالمرء عن تلك المقاصد والسبل.. ليس فيها خرافة يهوّم بها الإنسان بعيداً عن واقعه كعضو في مجتمع، وكفردٍ سائر إلىٰ غاية هي مصيره الأبدي..
ليس فيها ما يحنِّط مشاعره، ويجمِّد أحاسيسه، ويميت خُلُقَه.. وكل ما انتهىٰ بالمرء إلىٰ نتائج خطيرة كهذه فهو ليس من الشريعة في شيء، وإن اتخذ له من بعض أحكامها عنواناً..
وزيارة القبور لا تشذُّ عن هذه القواعد العامَّة ولا يخرج عن إطارها، ومثلها
التوسُّل بالأنبياء والصالحين، فإذا كانت الشريعة قد أباحت ذلك، أو حثَّت عليه، كما ستثبت مباحث هذا الكتاب، فإنّه داخل في إطارها، جارٍ علىٰ مسارها، باتجاه أغراضها ومقاصدها.
ولمّا كان للشريعة مسارها، فهي كلّما شرَّعت فعلا، أو أقرَّته، رسمت له حدوداً، ووضعت له آداباً، بها فقط ينضبط هذا الفعل في مسارها، وسيخرج عن هذا المسار بقدر خروجه عن تلك الحدود والآداب.. كما ستُنتزع من الفعل شرعيَّته إذ ما استبطن غاياتٍ أُخرىٰ خارجةً عن أهداف الشريعة ومقاصدها.
وقليل من الناس هم الذين يستحضرون غايات العبادات وأهدافها الكبرىٰ التي تتجاوز حدود الطاعة المتمثِّلة بالأداء الصحيح لها الملتزم بأحكامها وآدابها، فكم من بين مئات الألوف من الحجيج الذين يؤدُّون كلَّ عامٍ فريضة الحجِّ، يستحضر وهو يؤدِّي مناسكه ما في كل واحدةٍ من هذه المناسك من دروسٍ تربويةٍ وأهدافٍ دينيةٍ واجتماعيةٍ كبيرة؟
بل كم من هؤلاء من ينظر إلىٰ الوراء، إذا غاب عنه النظر إلىٰ أمام، ليستحضر المواقف التاريخية الكبيرة التي امتزجت بهذه المناسك منذ تشريعها؟
والظاهرة ذاتها قريبة جدّاً في شأن زيارة القبور، قبور الأنبياء والأئمة الأطهار وكبار الصالحين كانت، أم عموم المقابر، فالزيارة وإنْ كانت بذاتها ذات أثر شرعي، وأنَّ قصدها لوحدها لا يحبط العمل، بل لا يحرم صاحبه الأجر والثواب، فإنّ الصحيح أنّ الشريعة لم تشرِّع الزيارة لذاتها، بل لعوائد كثيرة تعود علىٰ الميِّت، كما تعود علىٰ الحي، وأنّ من يفقه هذا لهو أفضل بكثير من الطراز الأول، مع فرض تساويهما في صدق النيّة وحسن الالتزام بأحكام الشريعة وآدابها.
فكم هو شاسع الفرق بين أن يقف المرء عند قبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بسكونٍ وهيبةٍ وخشوع، يصلِّي ويسلِّم عليه وعلىٰ آله بأكمل الصلوات والتحيّات، ويرتِّل المشروع من الدعاء، عارفاً بمقام النبي الكريم، مستحضراً عظمته وعظمة ما أدّاه من أثر في إحياء بني الإنسان، مجدّداً معه عهد الاقتداء بسلوكه العظيم.. وبين أن تغيب عنه كل هذه المعاني الجليلة.
فلابدّ إذن من فقه بالعبادات، فقه بأحكام الشريعة كلّها، الفقه الكافي في المحافظة علىٰ صورتها، كأقرب ما تكون إلىٰ الكمال.. ولابدّ إلىٰ جانب هذا الفقه من وعي بأبعاد هذه الأحكام وأهدافها ومقاصدها العامة التي لأجلها بالدرجة الأولىٰ شرّعت، أو التي ستنعكس عنها.
ومن بين هذه الأهداف المقصودة من وراء الزيارة تركيز ضرورة الاقتداء بهؤلاء العظماء، وتجديد العهد معهم، وتعضيد المعرفة بحقوقهم، ولا شك في أنّ هذا الهدف مقصود لوحده في الشريعة، وقد أمرت به وحثَّت عليه، وجعلت له أبواباً ومداخل كثيرة، وهذه واحدة من تلك الأبواب والمداخل، بل لعلَّها من أهمِّها، لما تزرعه في الزائر من شعور بالقرب الأكيد من النبي أو الإمام المَزور.
والأُمّة إنّما تحيا بأسباب، ومن أهم أسباب حياتها هو تمجيدها عظمائها، وإحيائها ذكرهم، الأمر الذي سيجعلهم أحياء فيها علىٰ الدوام، وإن بعُدت بهم القرون.
وبهذا الفقه والوعي يندفع الضجيج الذي يثيره البعض حول مشروعية الزيارة، بحجّة ما يصدر من كثير من الزائرين من أخطاء تمتزج بأعمالهم في الزيارة، فإذا كانت هذه الأخطاء يجب تجنُّبها، وهو كذلك، فإنّها أيضاً لا تكون
بحالٍ من الأحوال ذريعةً إلىٰ تحريم عمل مشروع، كلَّلته الشريعة بأغراض سامية، ووعدت أصحابه بجزيل الثواب إذا ما حفظوا حدوده وآدابه.. وما يقال في الزيارة يقال في التوسُّل والاستشفاع.
ومن هنا تأتي أهمية الكتابة في موضوع كهذا..
فهو موضوع تتعدَّد فيه أطراف الحوار والجدل، بين الفعل ومشروعيته، وبين فضائله وأهدافه وعوائده، وبين حدود وآداب عرَّفتها الشريعة ينبغي تجديد الإرشاد إليها والتذكير بها، وبين شبهات علقت بأذهان البعض، لسبب أو لآخر، فحاولوا قطع السبيل إلىٰ عمل مشروع، وتشويه صورته، عن خطأ في الفهم أحياناً وعن تقليد وإصرار واتّباع للهوىٰ أحياناً أخرىٰ..
وقد نهض هذا الكتاب بذلك كلِّه في أوجز عبارةٍ وأركزها..
وقد جاء في قسمين:
تناول الأول منهما مباحث الزيارة في أربعة فصول. |
|
وتناول الثاني مباحث التوسُّل في مدخل وفصلين. |
آملين أن يحقِّق أغراضه التي من أجلها كُتب.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلىٰ سواء السبيل.
الفصل الأول
الزيارة - مشروعيتها - أهدافها - فضيلتها
الزيارة، من الزَّور، والزَّورُ: أعلىٰ الصدر.
وزرت فلاناً: تلقيته بِزَوري، أي بصدري.. أو قصدتُ زَوره، أي صدره.
وزاره يزوره زوراً، وزيارةً، وزوارةً: عادَه.. وزار فلانٌ فلاناً: مال إليه.
والزورة: المرة الواحدة.
ورجل زائر، وامرأة زائرة، من قومٍ زُوَّر، وزوّار، وزَوْر. والأخيرة اسم للجمع.
والزَور: الذي يزورك، يقال: رجل زَور، وقومٌ زَور، وامرأة زَور، ونساءٌ زَور، يكون للواحد والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد لأنه مصدر.. وفي الحديث: « إنّ لِزَورِك عليك حقّاً » .
وقد تزاوروا: زار بعضهم بعضهم.
والتزوير: كرامة الزائر، وإكرام المزور للزائر.. يقال: زوِّروا فلاناً: أي
أكرموه.. وقد زوَّر القوم صاحبهم تزويراً، إذا أحسنوا إليه.
وأزاره: حمله علىٰ الزيارة.
واستزاره: سأله أن يزوره (1) .
وتطلق الزيارة ويُراد بها، عندما يبحث عن حكمها، زيارة القبور غالباً.
إذا لم يرد في القرآن الكريم التصريح نصاً بالزيارة، فقد وردت في مضامين أكثر من واحدة من آياته، منها:
1 - في قوله تعالىٰ في شأن أصحاب الكهف ونزاع القوم فيهم بعد أن أماتهم الله: ( إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ) (2) .
قال المفسرون: ذكر اتخاذ المسجد يُشعر بأنّ هؤلاء الذين غلبوا علىٰ أمرهم هم المسلمون، وهذا يدلّ علىٰ أنّه لمّا ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور.
وهذا هو الراجح عند أهل التفسير علىٰ قول بعضهم أن الذي غلب هم أصحاب الملك، فهم الذين يغلبون علىٰ أمر من عداهم. قالوا: الأول أولىٰ (3) . بل قال بعضهم
_________________________________
(1) مفردات القرآن / الراغب ( زور )، لسان العرب / ابن منظور ( زور ).
(2) سورة الكهف: 18 / 21.
(3) انظر: مجمع البيان / الطبرسي 5: 710، التفسير الكبير / الرازي 11: 106، فتح القدير / الشوكاني 3: 277، الميزان / الطباطبائي 13: 267.
إنّ الملك الذي عثر عليهم كان مؤمناً (1) .
وأيّاً كان القائل فالمسجد إنّما يُتّخذ ليؤتىٰ علىٰ الدوام، ينتابه الناس، سواء المعاصرون منهم لقصّته أو الأجيال اللاحقة.. وبهذا أصبحت مراقد أصحاب الكهف مزاراً يقصده الناس للزيارة، بل أقاموا عليه مسجداً يذكرون اسم الله فيه.
ولعل مراقد هؤلاء الفتية المؤمنين، أصحاب الكهف، هي المثال الأسبق تاريخاً في ما ذكره القرآن الكريم لاحترام مراقد الأولياء وتعاهدها بالزيارة، بل إقامة المسجد عندها كما هو صريح القرآن الكريم.
2 - قوله تعالىٰ في النهي عن القيام عند قبور المنافقين ( وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ) (2) .
لا خلاف في أنّ المراد بالصلاة هنا هو خصوص الصلاة علىٰ الميت، يدل عليه السياق وسبب النزول، أمّا موضع الاستدلال لدينا علىٰ المطلوب فهو قوله تعالىٰ: ( وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ) فقد ذهب كثير من المفسرين إلىٰ أنّ المراد يتجاوز الوقوف عنده وقت الدفن، إلىٰ عموم الأوقات.
قال البيضاوي، والآلوسي، والبروسوي: المراد لا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة (3) .
فإذا كان هذا النهي قد ورد في شأن من مات علىٰ الكفر، كما هو في ذيل الآية
_________________________________
(1) الدر المنثور، وعنه الميزان 13: 286 في رواية قال عنها: والرواية مشهورة أوردها المفسرون في تفاسيرهم وتلقوها بالقبول.
(2) سورة التوبة: 9 / 84.
(3) أنوار التنزيل / البيضاوي 1: 416، وروح المعاني / الآلوسي 10: 155، روح البيان / البروسوي 3: 378.
نفسها ( إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ) ففيه دلالة واضحة علىٰ أن ذلك جائز، بل ومعهود، في شأن من مات علىٰ الاسلام.
إذن ففي هذه الآية أيضاً دلالة علىٰ مشروعية زيارة قبر المسلم، بقصد الزيارة والدعاء للميت، فهذا هو المعهود في قيام النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم علىٰ قبر الميت بعد دفنه.
3 - قوله تعالىٰ: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (1) .
جاء في أسباب النزول أنّ الآية في صدر الحديث عن المنافقين الذين تتحدث عنهم الآيات السابقة والذين ارتضوا التحاكم إلىٰ الطاغوت فراراً من التحاكم إلىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلو أنّهم جاءوا الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وأظهروا الندم علىٰ ما فعلوه، وتابوا عنه واستغفروا منه، واستغفر لهم الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم لتاب الله عليهم.
وقيل: إنّها نزلت في قوم من المنافقين، قال الحسن: اثني عشر رجلاً اجتمعوا علىٰ أمر مكيدة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمَّ دخلوا عليه لذلك الغرض، فأتاه جبريل عليهالسلام فأخبره به، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ قوماً دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه، فليقوموا وليستغرفوا الله حتىٰ استغفر لهم » فلم يقوموا، فقال: « ألا تقومون » ؟ فلم يفعلوا، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « قم يا فلان، قم يا فلان » ، حتىٰ عدّ اثني عشر رجلاً، فقاموا وقالوا: كنّا عزمنا علىٰ ما قلت، ونحن نتوب إلىٰ الله من ظلمنا أنفسنا، فاستغفر لنا. فقال: « الآن أخرجوا عنّي، أنا كنت في أول أمركم أطيب نفساً بالشفاعة، وكان الله أسرع إلىٰ الإجابة » (2) .
_________________________________
(1) سورة النساء: 4 / 64.
(2) مجمع البيان 3: 105، تفسير الرازي 5: 167 - 168.
فهذا ما كان في حياة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، يأتيه المذنب، فيستغفر، ويطلب منه الاستغفار والشفاعة له، ولما ورد فيها من تكريم خاص وإجلال لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وجد المسلمون استحباب العمل بها بعد وفاته صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيأتي قبره الشريف، ويستغفر عنده ويسأل صاحبه الشفاعة، ذلك لأنّ إجلال الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وتكريمه واجب بعد موته كوجوبه في حياته، والعمل بهذه الآية بعد وفاة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كالعمل بالآية القائلة: ( لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ ) (1) حيث مضت سيرة المسلمين علىٰ وجوب العمل بها عند قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، والأثر في ذلك كثير، بحيث كتبت هذه الآية علىٰ الجدار المقابل لقبر الرسول اليوم.
ومثل ذلك ورد في الأثر الكثير في العمل بالآية موضع الاستدلال عند قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، في عهد الصحابة وبعده، سنورد أمثلةً منها في المباحث اللاحقة، ونكتفي هنا بذكر استدلال مالك بن أنس بالآية في ردِّه علىٰ أبي جعفر المنصور، وهما عند قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد سأله أبو جعفر المنصور: أستقبل القبلة وأدعوا، أم استقبل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
فقال مالك: ولِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليهالسلام إلىٰ الله تعالىٰ يوم القيامة؟! بل استقبله واستشفع به فيشفّعه الله تعالىٰ، قال الله تعالىٰ: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (2) . وفي مقدمة كلام مالك وأبي جعفر كان مالك قد
_________________________________
(1) سورة الحجرات: 49 / 2.
(2) شفاء السقام / السبكي: 69 - 70.
استنكر علىٰ أبي جعفر رفعه صوته عند قبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قائلاً: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإنّ الله تعالىٰ أدّب قوماً فقال: ( لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) ومدح قوماً فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ) الآية... وذمّ قوماً فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ ) الآية... وإنّ حرمته ميتاً كحرمته حياً.
وعلىٰ هذا قال السبكي: دلّت الآية علىٰ الحث علىٰ المجيء إلىٰ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم والاستغفار عنده واستغفاره لهم، وذلك وإن كان ورد في حال الحياة، فهي رتبة له لا تنقطع بموته، تعظيماً له.
قال: والآية وردت في أقوام معينين في حالة الحياة، فتعمّ بعموم العلّة كل من وجد فيه ذلك الوصف في الحياة وبعد الموت، ولذلك فهم العلماء من الآية العموم في الحالتين، واستحبّوا لمن أتىٰ قبره صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يتلو هذه الآية ويستغفر الله تعالىٰ.
وحكاية العتبي - وهو من مشايخ الشافعي - مشهورة، وقد شهد أعرابياً جاء إلىٰ قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فتلىٰ هذه الآية واستغفر وانصرف.. وقد حكاها المصنفون في المناسك من جميع المذاهب، والمؤرخون، وكلهم استحسنوها ورأوها من آداب الزائر وما ينبغي له أن يفعله (1) .
في هذا المبحث فقرتان:
الأولىٰ: في اثبات مشروعية الزيارة في السنّة النبوية.
_________________________________
(1) شفاء السقام: 81 - 82.
والثانية: ممارسة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لها وأحاديثه الواردة فيها. باستثناء ما جاء عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم في زيارة قبره الشريف خاصة، فقد تكفل بها الفصل الثاني من هذا الكتاب.
يلاحظ أنّ زيارة القبور بشكل عام مرّت في عهد الرسالة بثلاث مراحل (1) : مرحلة الإباحة استمراراً لما كان عليه أهل الشرائع السابقة، كما أشارت إليه آية سورة الكهف، وكما يثبته الحديث النبوي الآتي الذي يضع نهايةً لهذه المرحلة، وتبتدئ المرحلة الثانية، وهي مرحلة المنع من الزيارة، وكان هذا المنع معلّلاً كما سيأتي في الحديث النبوي، وأخيراً مرحلة الإباحة وتجديد العمل بها وفق الآداب التي أقرّها الإسلام.
هذا التقسيم الثلاثي يستفاد بشكل مباشر من قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم :
« كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها » . أخرجه مسلم والترمذي والنسائي والحاكم والبغوي، وغيرهم (2) .
وهو واضح في أنّ المسلمين كانوا يزورون القبور، ثمَّ نهاهم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم عن زيارتها، ثمَّ أذن لهم بعد ذلك بالزيارة.
وفي رواية ابن عباس عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ما يتضمن علّة النهي أو بعضها، ففيها أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: « نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ولا تقولوا هُجْراً » (3) .
_________________________________
(1) علىٰ أساس ما ورد في كتب الجمهور.
(2) صحيح مسلم - كتاب الجنائز - 2: 366 / 107، سنن الترمذي 3: 370 / 1504، السنن الكبرىٰ للنسائي 1: 653 / 2159، المستدرك 1: 530 / 1385، مصابيح السنّة 1: 568 / 1239.
(3) المعجم الكبير / الطبراني 11: 202 / 11653، والمعجم الاَوسط 3: 343 / 2730، مجمع الزوائد / الهيثمي 3: 58.
والهُجْر - بضم الهاء - الكلام القبيح الذي ينبغي هَجْره لقبحه.
قال الراغب الأصفهاني: الهُجر، الكلام القبيح المهجور لقبحه، وفي الحديث: « ولا تقولوا هُجْراً » .. وأهْجَر فلان، إذا أتىٰ بهُجْرٍ من الكلام عن قصد.. وهَجَر المريض، إذا أتىٰ ذلك من غير قصد (1) .
وفي لسان العرب: الهُجْر، القبيح من الكلام، والهذيان.. والهُجر الاسم من الإهجار، وهو الإفحاش، وكذلك إذا أكثر الكلام في ما لا ينبغي.. وفي التنزيل العزيز: ( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ) أي تقولون القبيح. وقرئ ( تَهْجُرُونَ ) أي تهذون.
ثمَّ قال: وأمّا قول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّي كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ولا تقولوا هُجْراً » فإنّ أبا عبيد ذكر عن الكسائي والأصمعي أنّهما قالا: الهُجْر الإفحاش في المنطق، والخنا.. ومعنىٰ الحديث: لا تقولوا فُحشاً (2) .
وفيه دلالة علىٰ أن الناس كانوا عند زيارة القبور يقولون ما لا ينبغي من الكلام، فأباح النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم الزيارة، وحرّم الهُجر من الكلام. يؤيده ويزيده وضوحاً وتحديداً قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ولا تقولوا ما يسخط الرب » (3) .
فهي رواية تفسّر « الهجر » بـ « ما يسخط الرب ». وقد تكون رواية بالمعنىٰ للحديث الأول نفسه. وحديث آخر في هذا السياق جاء فيه: « من أراد أن يزور قبراً
_________________________________
(1) معجم مفردات ألفاظ القرآن ( هجر ).
(2) لسان العرب ( هجر ).
(3) مجمع الزوائد 3: 58، رجاله رجال الصحيح.
فليزره، ولا يقول إلّا خيراً، فإنّ الميت يتأذىٰ مما يتأذىٰ منه الحيّ » (1) .
ومن حديث بريدة: كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يعلّمهم إذا خرجوا إلىٰ المقابر أن يقول قائلهم: « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية » (2) .
وهكذا يؤسس الإسلام لأدب الزيارة، لاغياً ما كان متعارفاً في عادات الجاهلية.
وبعد ذلك كان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يزور القبور بنفسه، ويعلم المسلمين ماذا يقولون عند زيارتها، فاصلاً بين ما ينبغي وبين ما لا ينبغي من القول.
1 - أخرج مسلم، والترمذي، والنسائي، والحاكم، والبغوي حديث بريدة الأسلمي، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أُذِن لمحمّدٍ في زيارة قبر أُمّه، فزوروها، فإنّها تذكّر الآخرة » (3) .
قال الترمذي: وفي الباب عن أبي سعيد، وابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة،
_________________________________
(1) الروض الفائق في المواعظ والرقائق: 22، وعنه: الغدير 5: 245.
(2) سنن ابن ماجة 1: 485 / 1547.
(3) صحيح مسلم 2: 366 / 107 - كتاب الجنائز -، سنن الترمذي 3: 370 / 1054، السنن الكبرىٰ / النسائي 1: 653 / 2159، المستدرك علىٰ الصحيحين 1: 530 / 1385، مصابيح السنّة / البغوي 1: 568 / 1239. ولا يخفىٰ أنَّ الغرض من ذكر مثل هذا الحديث هو الاستدلال علىٰ مشروعية زيارة القبور بفعل النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وقوله، وقد ذهب أصحابنا وجمع من علماء الجمهور إلىٰ أنَّ والديه صلىاللهعليهوآلهوسلم كانا مؤمنين وهما من أهل الجنَّة.
وأم سلمة. وحديث بريدة حديث حسن صحيح (1) . ولكلام الترمذي تتمة تأتي في محلّها.
وفي قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أُذِن لمحمّدٍ في زيارة قبر أمّه » ثمَّ حثه علىٰ زيارة القبور، دليل صريح علىٰ جواز قصد قبر معين بالزيارة.
2 - أخرج الحاكم عن بريدة، قال: زار النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قبر أمّه في ألف مقنّع، فلم يُرَ باكياً أكثر من يومئذ (2) .
قال الذهبي: صحيح علىٰ شرطهما - أي البخاري ومسلم -.
ومثله عن أبي هريرة: زار النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قبر أمّه فبكىٰ وأبكىٰ من حوله (3) .
3 - من حديث طلحة بن عبيدالله، قال: خرجنا مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يريد قبور الشهداء حتىٰ إذا أشرفنا على حرّة واقم، فلمّا تدلينا منها وإذا قبور ممحية، قلنا: يا رسول الله، أقبور إخواننا هذه؟ قال: « قبور أصحابنا » فلما جئنا قبور الشهداء، قال: « هذه قبور إخواننا » .
الحديث رواه أبو داود في ( السنن ) (4) وفيه دلالة صريحة علىٰ الخروج بقصد زيارة قبور بعينها، لمنزلة اختصت بها، وليس لأجل التذكير بالآخرة فقط، وإلّا لكانت الزيارة لأقرب المقابر في المدينة وافية بالغرض، أو لوقف صلىاللهعليهوآلهوسلم عند القبور الأولىٰ التي قال فيها « قبور أصحابنا » ، والحديث كله صريح بأن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كان قاصداً زيارة قبور الشهداء، وراء حرّة واقم، وهي في طرف
_________________________________
(1) سنن الترمذي 3: 370 / 1054.
(2) المستدرك 1: 531 / 1389.
(3) المستدرك 1: 531 / 1390.
(4) سنن أبي داود 2: 218 / 357 - كتاب المناسك - باب زيارة القبور.
المدينة الشرقي.
وحرّة واقم هذه هي التي حصلت فيها وقعة الحرّة سنة 62 هـ، بين أهل المدينة المنورة وكلهم من الصحابة وأبنائهم، وبين جيش الحاكم الفاجر يزيد بن معاوية.
4 - ثبت في الصحيح عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه كان يخرج مراراً إلىٰ البقيع لزيارة قبور المؤمنين المدفونين هناك، أخرج مسلم من حديث عائشة، أنّها قالت: كلما كان ليلتها من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يخرج من آخر الليل إلىٰ البقيع، فيقول: « السلام عليكم دار قوم مؤمنين.. » الحديث (1) .
5 - أخرج ابن أبي شيبة: أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يأتي قبور الشهداء بأُحد علىٰ رأس كل حول، فيقول: « السلام عليكم بما صبرتم، فَنِعْمَ عقبىٰ الدار » (2) .
6 - وفاطمة في حياة أبيها: ثبت في الصحيح عن فاطمة الزهراء البتول عليهاالسلام انّها كانت في حياة أبيها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم تخرج في كل جمعة لزيارة قبر عمها حمزة بن عبد المطلب، فتصلّي وتبكي عنده.
أخرجه البيهقي، والحاكم (3) ، وقال الحاكم معقباً علىٰ الحديث: هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات، وقد استقصيت في الحث علىٰ زيارة القبور تحرياً للمشاركة في الترغيب، وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنّة مسنونة، وصلىٰ الله علىٰ محمد وآله أجمعين (4) .
_________________________________
(1) صحيح مسلم 2: 363 / 102 - كتاب الجنائز -، وسنن ابن ماجة 1: 485 / 1546.
(2) أخرجه الأميني في الغدير 5: 258 عن ابن عابدين في ردّ المختار علىٰ الدر المختار 1: 604 - 605.
(3) السنن الكبرىٰ للبيهقي 4: 78، المستدرك علىٰ الصحيحين 1: 533 / 1396.
(4) المستدرك علىٰ الصحيحين 1: 533 / 1396.
ماذا يجد الزائر في سريرته وهو يزور القبور، أو يتوجه لزيارتها؟! ما هي الدوافع التي تحركه صوب هذا الفعل؟ وعلىٰ نحوٍ أكثر تحديداً، هل عرّف التشريع شيئاً من الأهداف التي يرجىٰ تحققها من خلال زيارة القبور، أو زيارة قبر بعينه؟
هذا بدوره إن وجد سيكشف عن فضائل الزيارة وما يرتجىٰ منها من ثمرات في دنيا المرء وأُخراه.
إنّ كل الأهداف المتعلقة بالزيارة هي مستفادة بشكل مباشر من السنّة النبوية المطهرة، ومن ذلك يمكن أن نجمل هذه الاهداف بما يلي:
1 - الخشوع وتذكّر الموت والآخرة، وهذه أهداف لا غنىٰ لمؤمن عنها، ومهما كان عليه أن يستحضرها في كثير من أوقاته، غير أنّ أشياء بعينها ذات أثر مباشر في استحضار هذه المعاني، ستكون لها أهميتها الكبيرة بحسب مقدار ما تحققه من ذلك.. ولا شك في أن الوقوف بين القبور بتأمّل، أو عند قبر خاص، له أكبر الأثر في إحياء تلك المعاني في القلوب، وعلىٰ نحو ربّما لا يضاهيه فيه فعل آخر، إلّا تشييع جنازة ميت والوقوف عنده ساعة دفنه.
وفي تحقق هذه المعاني من وراء الزيارة جاء حديث نبوي كثير، منه:
- قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّي نهيتكم عن زيارة القبور، فمن شاء أن يزور قبراً فليزره، فإنّه يُرقُّ القلب، ويُدمع العين، ويذكّر الآخرة.. ولا تقولوا هُجراً » .
أخرجه أحمد والبيهقي، وصححه الحاكم والذهبي (1) .
_________________________________
(1) مسند أحمد 4: 119 / 13075، 140 / 13203، السنن الكبرىٰ 4: 77،
- قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « فزوروا القبور فإنّها تذكّر - أو تذكركم - الموت » .
أخرجه مسلم وأحمد وابن ماجة وأبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم (1) .
- وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « زُر القبور تذكر بها الآخرة » .
صححه الحاكم في المستدرك (2) .
- وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّي نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإن فيها عبرة » .
أخرجه أحمد والبيهقي، وصحَّحه الحاكم والذهبي (3) .
- قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنّها تزهّد في الدنيا، وتذكّر الآخرة » .
أخرجه ابن ماجة (4) .
2 - الدعاء للميت: هذا السلوك الأخلاقي الرفيع، الذي يحفظ كرامة المسلم في مجتمعه حتىٰ بعد موته، ويربّي في المسلمين روح الاخاء والحب والمودة وأداء حقوق الآخرين التي لا تنقطع برحيلهم من الدنيا، لهو واحد من الجوانب التربوية والاجتماعية الراقية التي تميز بها نظام الأخلاق في الإسلام.
ويشغل الدعاء للموتىٰ عند زيارتهم المساحة الأكبر في أدب الزيارة،
_________________________________
المستدرك 1: 532 / 1393.
(1) صحيح مسلم 2: 365 / 106 - كتاب الجنائز -، مسند أحمد 3: 186 / 9395، سنن ابن ماجة 1: 501 / 1572، سنن أبي داود 3: 218 / 3234، سنن النسائي 1: 654 / 2161، المستدرك 1: 531 / 1388.
(2) المستدرك 1: 533 / 1395.
(3) مسند أحمد 3: 427 / 10936، السنن الكبرىٰ 4: 77، المستدرك 1: 530 / 1368.
(4) سنن ابن ماجة 1: 492 / 1571.
كما هو ملاحظ في النصوص المأثورة في زيارة القبور.
- فكثيراً ما كان الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم يقف عند قبور المسلمين فيقول: « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون » ويأمر أصحابه بذلك متىٰ مرّوا بالقبور أو قصدوها بالزيارة (1) .
- وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم مؤكداً هذا المعنىٰ: « نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، واجعلوا زيارتكم لها صلاةً عليهم واستغفاراً لهم » (2) .
- وكثيراً ما جمع صلىاللهعليهوآلهوسلم بين الهدفين: السلام علىٰ الميت، والعبرة، ومنه قوله المشهور والوجيز المذكور أولاً في هذه الفقرة: « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون » .
- ومنه قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ألا فزوروا إخوانكم، وسلّموا عليهم، فإنّ فيها عبرة » (3) .
- وفي المأثور عن أمير المؤمنين عليهالسلام الجمع بين الغرضين، فقد كان عليهالسلام إذا دخل المقبرة قال: « السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة، والمحالّ المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات.. اللّهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنّا وعنهم.. الحمد لله الذي جعل لنا الأرض كفاتاً، أحياءً وأمواتاً، والحمد لله الذي منها خلقنا.. وإليها معادنا، وعليها يحشرنا.. طوبىٰ لمن ذكر المعاد، وعمل
_________________________________
(1) انظر: صحيح مسلم / 102 و 103 - كتاب الجنائز -، مسند أحمد / 8661، سنن الترمذي 3: 370 / 1053، سنن البيهقي 4: 79.
(2) المعجم الكبير / الطبراني 2: 94 / 1419، مجمع الزوائد 3: 58.
(3) مجمع الزوائد 3: 58.
الحسنات، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله عزّوجلّ » (1) .
3 - أداء حقوق الموتىٰ: وهذا ما نلحظه بوضوح في فحوىٰ الخطاب في الحديث النبوي الشريف الآنف الذكر: « ألا فزوروا إخوانكم، وسلّموا عليهم » ففيه إشارة في غاية الوضوح إلىٰ أن لاخواننا الموتىٰ حقوقاً علينا، ينبغي علينا أداؤها بزيارتهم والتسليم عليهم، ولمزيد من الترغيب في ذلك يذكّرنا النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بأن ذلك سيعود علينا أيضاً بالنفع الكبير: « فإنّ فيها عبرة » .
ولاشك في أنّ لبعض الموتىٰ حقوقاً خاصةً علىٰ البعض، تتأكد معها الزيارة، وكلّما تعاظمت الحقوق أصبح لهذه الزيارة شأن أكبر ومرتبة أرفع.. ولاشك في أنّ للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم علىٰ أبناء أمّته أثبت الحقوق وأعظمها، الأمر الذي يجعل قصد أحدهم زيارته صلىاللهعليهوآلهوسلم من القربات المهمّة في حياته.
وهذا ما أكّده حديث أهل البيت عليهمالسلام في هذا الشأن:
فعن الإمام الرضا عليهالسلام : « إنّ لكلِّ إمام عهداً في عنق أوليائهم وشيعتهم، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء، زيارة قبورهم.. » الحديث (2) .
4 - قصد القربىٰ والثواب: القربىٰ والثواب، المترتبان قطعاً، مع خلوص النية وصحة الفعل، علىٰ الزيارة التي يؤدّيها المسلم تحت أي واحد من العناوين المتقدمة، قد يكون هو الآخر بنفسه غرضاً للزيارة وعنواناً لها، فيقصد المسلم التقرب إلىٰ الله تعالىٰ ونيل الثواب بزيارة قبور المؤمنين، أو قبر واحد بعينه. وذلك لما انطوت عليه الزيارة من فضائل ومستحبات لا تنفصل عنها.
_________________________________
(1) العقد الفريد 3: 11، الغدير 5: 249.
(2) تهذيب الأحكام 6: 78 - 79 / 3.
فالزيارة وإن كانت بقصد القربىٰ فإنّ مقاصدها الرئيسية الثلاثة متحققة فيها علىٰ أي حال؛ من العبرة، والدعاء للميت، وأداء حقّه.
أمّا زيارة قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين فهي من القربات الأكيدة، كما ستأتي في ذلك الأحاديث الشريفة وكلمات الأعلام من علماء المسلمين.
وفي ( شفاء السقام ) جعل الزيارة من حيث مقاصد الزائرين أربعة أقسام، فذكر الثلاثة الأولىٰ التي استفدناها نحن من الحديث الشريف مباشرةً، ثمَّ جعل الرابع: التبرك بأهلها إذا كانوا من أهل الصلاح والخير.. وقال: مقصودنا أنّ زيارة قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وغيره من الأنبياء والمرسلين للتبرك بهم مشروعة، وقد صرّح به (1) .
هكذا تعود الزيارة بفضائل جمّة علىٰ الفرد الزائر، وعلىٰ المجتمع الذي تسود فيه هذه القربة، من خلال تحقيق فرصة لا غنىٰ عنها في احياء القلوب بذكر الله تعالىٰ، وبذكر الموت والآخرة، وعلىٰ مستوىٰ قد لا يحققه شيء آخر إلّا نادراً.. وفي هذا المعنىٰ جاء حديث رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما رأيت منظراً إلّا والقبر أفظع منه » (2) .
وتحقق، من ناحية أخرىٰ، روح احترام حقوق المؤمنين، بعضهم لبعض،
_________________________________
(1) شفاء السقام 86 - 87.
(2) المستدرك علىٰ الصحيحين 1: 526 / 1373.
أحياءً وأمواتاً، وأدائها. ولهذا ما لا يخفىٰ من الآثار الايجابية علىٰ الفرد والمجتمع.
ومن ناحية ثالثة فإنّ زيارة الأنبياء والأئمة والصالحين تزيد وتعمّق أواصر الارتباط بهم، وتجدد في النفوس روح الاقتداء بهم، وإحياء آثارهم الجليلة علىٰ الانسانية، وأعمالهم الصالحة، ومكارم أخلاقهم.. وقد لا ينهض أي عمل آخر بما تنهض به الزيارة من تقوية شعور الزائر بقربه من المزور، وما يوفره ذلك من مقدمات الاقتداء التام، وإحياء الذكر علىٰ الدوام.
ومن ناحية رابعة فإنّ تعهد أضرحة الانبياء والصالحين بالزيارة سيضمن الاعتناء بهذه الأضرحة وعمارتها، وبالإضافة إلىٰ ما يحققه ذلك من ذكرىٰ في القلوب، فإنّه يعد علامة واضحة علىٰ حياة الأمّة وعمق اتصالها بقادتها الذين بذلوا حياتهم في صناعة مجدها وماضيها، وهذه من المعالم الحضارية المهمة التي تعنىٰ بها سائر الأمم.
هذا غير الثواب الجزيل الذي يعود علىٰ الزائر من زيارته التي يرعىٰ فيها السنن والآداب التي وضعها الإسلام لهذه القربة:
عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: « مَنْ مرَّ علىٰ المقابر فقرأ قل هو الله أحد إحدىٰ عشر مرّة، ثمَّ وهب أجرها للأموات، أُعطي من الأجر بعدد الأموات » (1) .
وعنه صلىاللهعليهوآلهوسلم : « مَنْ زار قبر أبويه أو أحدهما كلَّ جمعةٍ غُفِر له » (2) .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن البصري أنّه قال: من دخل المقابر، فقال: « اللهم ربّ هذه الأجساد البالية، والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك
_________________________________
(1) كنز العمال / 42596 رواه الدارقطني، إتحاف السادة المتقين 10: 371.
(2) مجمع الزوائد 3: 59، كنز العمال / 45486، 45487.
مؤمنة، أدخل بها رَوحاً من عندك وسلاماً منّي » استغفر له كل مؤمن مات منذ خلق الله آدم.
وعن ابن أبي الدنيا أنّه من قال ذلك كُتب له بعدد من مات من ولد آدم إلىٰ أن تقوم الساعة حسنات (1) .
هذه بإيجاز صورة عن فضائل الزيارة وعوائدها علىٰ الزائر، وسيأتي لاحقاً حديث كثير في فضل زيارة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمة الأطهار، والتي من أبرزها نيل شفاعتهم يوم القيامة.. وأكبِر بها من عائدة.
أمّا عوائد الزيارة علىٰ الأموات فهي من أهم ما أوصت به الشريعة أداءً لحقّهم، لما ينالهم منها من فضل وبركات. وقد تقدم حديث رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يأمر أصحابه بزيارة قبور إخوانهم وأن يجعلوا زيارتهم دعاءً للأموات واستغفاراً لهم، وقد كان هو صلىاللهعليهوآلهوسلم يفعل ذلك.
وفي حديث أنس بن مالك: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من دخل المقابر وقرأ سورة يس خفّف الله عنهم يومئذٍ العذاب، ورفعه » .
وعن أنس أيضاً أنّه سأل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول الله إنّا نتصدّق عن موتانا، ونحجّ عنهم، وندعو لهم، فهل يصل ذلك إليهم؟ فقال: « نعم، لَيَصِل ذلك إليهم، ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه » (2) .
ومن حديث عثمان بن عفان: مرَّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بجنازة عند قبر وصاحبه يدفن، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « استغفروا لأخيكم وسلوا الله له التثبيت، فإنّه الآن يُسأل »
_________________________________
(1) الغدير 5: 257.
(2) أخرجها الأميني في الغدير 5: 257 عن مراقي الفلاح: 121.
صحّحه الحاكم والذهبي (1) .
والحديث في هذا الشأن كثير وكثير، وهو يعطف بنا علىٰ موضوع مهم، موضوع ليس فيه خلاف بين أهل الأديان قاطبة، ألا وهو موضوع الحياة بعد الموت، وما اصطلح عليه بالبرزخ.
والذي عليه اتفاق كلمة المسلمين أنّ الروح في البرزخ تعيش نصيبها من الآخرة، إمّا في نعيم، وإمّا في شقاء، وذلك منذ المساءلة بعد الموت، وحتىٰ يوم البعث والنشور.
وقد تحدّث القرآن الكريم عن حقيقة حياة الشهداء بعد موتهم، فقال: ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (2) .
وقال تعالىٰ: ( وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ ) (3) .
والنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: « ما من أحد منكم يُسلّم عليَّ إلّا ردَّ الله عليَّ روحي حتىٰ أردَّ عليهالسلام » (4) .
وليس الأمر خاصّاً بالأنبياء والشهداء، فالأرواح من حيث هي أرواح سواء في ما تتعرض له من أسباب البقاء، والأخبار متواترة في تعرضها للنعيم أو الشقاء
_________________________________
(1) المستدرك علىٰ الصحيحين 1: 526 / 1372.
(2) سورة آل عمران: 3 / 169 - 170.
(3) سورة البقرة: 2 / 154.
(4) مسند أحمد 2: 527، السنن الكبرىٰ للبيهقي 5: 245.
بعد الموت، تأنس إذا ذكرت بخير، ويعود عليها ما يهدىٰ إليها من الأعمال الصالحة بالنفع والبركة - والحديث في هذا كثير وكثير - نذكر غير ما تقدّم:
- قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما مِنْ رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلّا استأنس به » (1) .
- وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما مِنْ أحد يمرُّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلّم عليها إلّا عرفه وردّ عليهالسلام » (2) .
- وعنه صلىاللهعليهوآلهوسلم وقد جاءه رجل فسأله: إنّ أبي مات وعليه حجة الإسلام، أفأحجُّ عنه؟
قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أرأيت لو أنّ أباك ترك دَيناً عليه، أقضيته عنه؟ » قال: نعم. قال: « فاحجج عن أبيك » (3) .
هكذا ينتفع موتانا بدعائنا واستغفارنا لهم، وما نهديه إليهم من ثواب الأعمال الصالحة، ويستأنسون بالتسليم عليهم، وبقراءة القرآن عندهم، فما أحرىٰ أن نذكرهم بذلك كله، ونحن المحتاجون إلىٰ مثله في غد، ولا ندري لعله منّا قريب، ومهما بعُد عنّا فإنّنا سائرون إليه وإنّه لبالغنا، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
_________________________________
(1) إتحاف السادة المتقين 10: 365، كنز العمال / 42601.
(2) إتحاف السادة المتقين 10: 365، الحاوي للفتاوي / السيوطي 2: 302.
(3) سنن الدارقطني 2: 260، السنن الكبرىٰ / البيهقي 4: 256.
الفصل الثاني
زيارة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل البيتعليهمالسلام في الحديث الشريف
إذا كان في زيارة الميِّت من تجديد العهد معه والإحساس بالقرب منه ما لا يخفىٰ من الأثر، وإذا كان في زيارة العظماء إحياءً لروح التأسِّي والاقتداء.. فإنّ ذلك كلُّه أولىٰ أن يكون مع سيِّد البشر وخاتم الأنبياء صلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمة الهداة من أهل بيته الذين أمر بحبِّهم والاقتداء بهم..
وإذا كان في زيارة القبور عائدة ثوابٍ علىٰ الزائر، فإنّها في زيارة النبي وآله أكبر وأكبر.
وفي كلِّ هذه الأبعاد جاء عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم وعنهم عليهمالسلام حديث كثير، يعلِّمون الأمّة فيه شيئاً من آداب الإسلام ومن مفاتح أبواب الخير.
وربَّما وقع الكلام في أسانيد بعض هذه الأحاديث، ممّا اضطرنا إلىٰ الإطالة
نسبياً في مناقشة أسانيد وطرق ما اعتمدناه هنا، حتىٰ إذا حقَّقنا القدر الكافي من الدلالة علىٰ صحّة الاحتجاج بهذه الأحاديث، مِلنا إلىٰ الاختصار والتركيز.
ونبدأ هنا بما ورد عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم في زيارة قبره الشريف:
قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من زار قبري وجبت له شفاعتي » (1) .
والكلام أولاً في سند الحديث:
قال الدارقطني: حدّثنا القاضي المحاملي، ثنا عبيد بن محمد الوراق، ثنا موسىٰ بن هلال العبدي، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال، قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : الحديث..
وهذا الإسناد صحيح، رجاله ثقات، بلا خلاف، وإنّما وقع الكلام في عبيدالله بن عمر، وهو ثقة أيضاً، غير أنّ بعضهم رواه عن عبدالله، أخي عبيدالله، وهو دون أخيه (2) ، وبهذا تمسّك من ذهب إلىٰ تضعيف الحديث.
غير أنّ الثابت في جميع نسخ سنن الدارقطني « عبيدالله » مصغّراً، وهكذا رواه الدارقطني في غير السنن أيضاً، وكذلك أورده أبو اليمن زيد ابن الحسن في كتابه ( إتحاف الزائر وإطراف المقيم المسافر في زيارة سيدنا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ). وهكذا
_________________________________
(1) سنن الدارقطني 2: 278 / 194، السنن الكبرىٰ / البيهقي 5: 245، شعب الإيمان / البيهقي 3: 49، الأحكام السلطانية / الماوردي: 109، نيل الأوطار / الشوكاني 5: 108.
(2) هو عبد الله بن عمر بن حفص، بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن العمري، خرج مع محمد ذي النفس الزكية بن عبد الله بن الحسن المثنىٰ في ثورته علىٰ المنصور، فحبسه المنصور أخرجه عنه، توفي سنة 171 وقبل 173هـ. ويأتي الكلام في أقوال أهل الجرح والتعديل فيه لاحقاً.. تهذيب التهذيب 5: 285 - 286.
رواه أيضاً الحافظ أبو الحسين القرشي في كتابه ( الدلائل المبينة في فضائل المدينة ). وهكذا أيضاً رواه الخلعيّ عن الدارقطني، وأورده ابن عساكر عن الخلعيّ، كلهم يذكرون « عبيدالله » مصغّراً. فاتفقت الرواية بهذا الاسناد عن « عبيدالله » (1) .
وهكذا في رواية البيهقي بإسناده الذي يلتقي مع إسناد الدارقطني في عبيد بن محمد الوراق، وفيه « عبيدالله » المصغّر (2) .
وعبيدالله هو عبيدالله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، من صغار التابعين، ولد بعد سنة 70 هـ، سمع الحديث من سالم بن عبدالله بن عمر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ونافع مولى عمر، وكان ملازماً له، وقد سئل أحمد ابن حنبل عن مالك بن أنس، وأيوب السختياني، وعبيدالله بن عمر، أيّهم أثبت في نافع؟ قال: عبيدالله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية (3) .
وقد ورد الحديث بنحو هذا اللفظ عن عبدالله بن عمر بن الخطاب من طريق آخر، أخرجه البزار في مسنده، قال: حدَّثنا قتيبة، ثنا عبدالله بن إبراهيم الغفاري، ثنا عبدالرحمن بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر، قال، قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من زار قبري حلّت له شفاعتي » .
قال الهيثمي: وفيه عبدالله بن إبراهيم الغفاري، وهو ضعيف (4) .
والغريب من الحافظ ابن كثير وهو يتصدىٰ لجمع المسانيد والسنن أنه لا
_________________________________
(1) انظر: شفاء السقام / السبكي: 2 - الطبعة الثانية / حيدر آباد الدكن - 1402 / 1982.
(2) شعب الإيمان / البيهقي 3: 490.
(3) سير أعلام النبلاء 6: 304 - 305.
(4) مجمع الزوائد 4: 2.
يروي هذا الحديث في مسند ابن عمر إلّا من هذا الطريق، طريق عبدالله بن إبراهيم الغفاري، ويترك الطريق الذي اعتمده الدارقطني، والآخر الذي اعتمده البيهقي (1) ، أما محقق كتاب ابن كثير، هذا، فلم يزد علىٰ أن أورد تعليقة الهيثمي في تضعيف الغفاري، دون أن يذكر طريقاً آخر للحديث (2) .
وأما صاحب ( موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف ) فقد أخرج الحديث بلفظه عن سنن الدارقطني، و ( الكنىٰ والاسماء ) للدولابي، و ( مجمع الزوائد ) للهيثمي، و ( تلخيص الحبير ) لابن حجر، و ( الدر المنثور ) للسيوطي، و ( إتحاف السادة المتقين ) للزبيدي، و ( كنز العمال ) للمتقي الهندي، و ( تذكرة الموضوعات ) للفتني، و ( الدرر المُنتثرة في الأحاديث المشتهرة ) للسيوطي، و ( الكامل في الضعفاء ) لابن عدي (3) . ولم يشر إلىٰ رواية البيهقي في ( السنن الكبرىٰ ) ولا في ( شعب الإيمان ) المؤيدة لرواية الدارقطني، وهما من مصادر كتابه (4) .
وقد جاء بإسناد آخر، وبلفظ مقارب جداً للأول، وفيه « عبيدالله » المصغر أيضاً:
قال السبكي: ورواه عن موسىٰ بن هلال جماعة، منهم: جعفر بن محمد البزوري:
قال العقيلي في كتابه: ثنا محمد بن عبدالله الحضرمي، ثنا جعفر بن محمد
_________________________________
(1) انظر: جامع المسانيد والسنن 28: 130 / 244.
(2) جامع المسانيد والسنن 28: 130.
(3) موسوعة أطراف الحديث 8: 286.
(4) انظر: المصدر نفسه 1: 21 رقم 145 و 146.
البزوري، ثنا موسىٰ بن هلال البصري، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من زار قبري فقد وجبت له شفاعتي » قال السبكي: هكذا رأيته في نسخة « عبيدالله » (1) .
غير أنّ الطبعة المحقَّقة من كتاب العقيلي ( الضعفاء الكبير ) قد جاء فيها « عبدالله » مكبّراً، دون أن يشار إلىٰ النسخة التي فيها « عبيدالله » (2) .
وقد روىٰ بعضهم هذا النصّ عن « عبدالله »، وفيها: « محمد بن إسماعيل بن سَمُرة الأحمسي، ثنا موسىٰ بن هلال العبدي، عن عبدالله ابن عمر » بالتكبير، فردّه جماعة، منهم الحافظ يحيىٰ بن علي القرشي، وذكر أن الصواب « عبيدالله ». ومنهم: الحافظ ابن عساكر، قال: المحفوظ عن ابن سَمُرة « عبيدالله » (3) .
ويشهد لذلك كله رواية مسلمة الجهني عن عبيدالله العمري « المصغّر »:
أخرج الطبراني عن مسلمة بن سالم الجهني: حدّثني عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن سالم، عن ابن عمر، قال، قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من جاءني زائراً، لا تُعمله حاجة إلّا زيارتي، كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة » (4) .
وذكره آخرون بهذا الإسناد، منهم: يحيىٰ بن علي القرشي، عن الخلعيّ. وصححه سعيد بن السكن (5) . وحديث مسلمة الجهني أخرجه ابن كثير وذكر فيه « عبدالله » بدل عبيدالله (6) .
_________________________________
(1) شفاء السقام: 6.
(2) الضعفاء الكبير 4: 170 ترجمة موسىٰ بن هلال، وشفاء السقام - الطبعة الرابعة ( محققة ): 70.
(3) شفاء السقام: 8.
(4) المعجم الكبير / الطبراني 12: 255 / 13149.
(5) انظر: شفاء السقام: 16 - 20 الحديث الثالث.
(6) جامع المسانيد والسنن 28: 259 / 513.
وأخرجه الهيثمي أيضاً، واكتفى في التعليق عليه بالقول: فيه مسلمة بن سالم وهو ضعيف. ومنه يظهر أنّ الذي عند الهيثمي « عبيدالله » الثقة، ولذا اكتفىٰ بتضعيف مسلمة ولم يذكر عبدالله، ولو كان قد وقع في إسناده لما ترك ذكره، ولما اكتفىٰ في تضعيف الحديث بتضعيف أحد رواته دون الآخر.
وضعف مسلمة لا يقدح في كونه قد رواه عن عبيدالله، فلم يكن مسلمة مدلساً، ولا وضّاعاً، غاية ما في الأمر أنه لم يتقن الحفظ، أو نحو ذلك من أسباب التضعيف.
من كل هذا تصبح الرواية عن « عبيدالله » هي الراجحة، وبعد هذا فإنّ الجمع بين الروايتين ممكن جداً، فلا مانع من أن يكون بعضهم قد روىٰ الحديث عن عبدالله مرّة، وعن عبيدالله مرّة أخرىٰ، فهما أخوان عاشا في طبقة واحدة، وكلاهما حدّث عن نافع، غاية ما في الأمر أن عبيدالله أرفع درجة وأثبت في الحديث من أخيه.
ومع هذا فلم يكن « عبدالله » عندهم ساقط الحديث أو متروكاً، بل فيهم من مدحه وأثنىٰ عليه:
فقد قال فيه أحمد بن حنبل: صالح. وقال أبو حاتم: رأيت أحمد بن حنبل يحسن الثناء عليه.
وقال ابن عدي: لا بأس به، صدوق. وقال يحيىٰ بن معين: ليس به بأس، يكتب حديثه، وقال: إنه في نافع صالح.
وفي القول الاَخير تزكية خاصة لأحاديثه عن نافع، وهذا الحديث منها.
وقال ابن عمّار الموصلي: لم يزكِّه أحد إلّا يحيىٰ بن سعيد.. وقال أحمد بن يونس: لو رأيت هيأته لعرفت أنّه ثقة.. وقال الخليلي: ثقة، غير أنّ الحفّاظ لم يرضوا
حفظه، وقول ابن معين فيه إنّه صُويلح، إنّما حكاه عن إسحاق الكوسج، وأمّا عثمان الدارمي فقال عن ابن معين: صالح ثقة.
وقال ابن حبان: كان ممن غلب عليه الصلاح حتىٰ غلب علىٰ ضبط الأخبار والحفظ للآثار، تقع المناكير في روايته، فلما فحش خطؤه استحق الترك (1) .
وهذا غاية ما قيل فيه من التضعيف، غير أنه معارض بما سبق أولاً، وبالخصوص في أحاديثه عن نافع، ومرودود ثانياً بإخراج مسلم له مقروناً بغيره، في المتابعات (2) ، كما أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. وقد أورد له ابن أبي شيبة في مسنده حديثاً، فقال: هذا حديث حسن الإسناد (3) .
وعلىٰ هذا فالحديث في درجة الصحيح، وإذا انحصرت روايته في « عبدالله » وحده فهو حديث حسن، لا ينزل عن هذه الدرجة، والعمل بالحديث الحسن مما لا خلاف فيه.
ويشهد لذلك أيضاً ما نقله السبكي عن عبدالحق (4) ، قال: رواه عبدالحق رحمه الله في « الأحكام الوسطىٰ والصغرىٰ » وسكت عنه، وقد قال في خطبة « الأحكام الصغرىٰ » إنه تخيرها صحيحة الإسناد، معروفة عند النقاد، قد نقلها الأثبات، وتداولها الثقات.
وقال في خطبة « الوسطىٰ » وهي المشهورة اليوم بـ « الكبرىٰ »: إن سكوته عن
_________________________________
(1) تهذيب التهذيب، 5: 285 / 564.
(2) شفاء السقام: 9.
(3) تهذيب التهذيب 5: 285 / 564.
(4) وهو عبدالحق بن عبدالرحمن الأندلسي الإشبيلي، ابن الخرّاط. وصفه الذهبي بالإمام الحافظ البارع المجوّد العلّامة، كان فقيهاً حافظاً، عالماً بالحديث وعِلله، عارفاً بالرجال. له مصنّفات متقنة في الأحكام والحديث وغيرها. توفي سنة 580هـ ( سير أعلام النبلاء 21: 189 - 199 ).
الحديث دليل علىٰ صحته (1) .
تلخّص لدينا من هذا البحث أربعة أحاديث يقوّي بعضها بعضاً، وهي:
1 - « من زار قبري وجبت له شفاعتي » وهو حديث صحيح، أو حسن.
2 - « من زار قبري فقد وجبت له شفاعتي » .
3 - « من جاءني زائراً، لا تُعمله حاجة إلّا زيارتي، كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة » .
والأحاديث الثلاثة مروية عن « عبيدالله » المصغّر بطرق عديدة، ومثلها عن « عبدالله ».
4 - قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من زار قبري حلّت له شفاعتي » وهو المحفوظ من رواية عبدالله بن إبراهيم الغفاري.
وفي الباب حديث خامس عن ابن عمر أيضاً، رواه الدارقطني في سننه وفي « العلل »، وأحمد في مسنده:
5 - عن جعفر بن محمد الواسطي، ثنا موسىٰ بن هارون، ثنا محمد بن حسن الختلي، ثنا عبدالرحمن بن المبارك، ثنا عون بن موسىٰ، عن أيّوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال، قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من زارني إلىٰ المدينة كنت له شفيعاً وشهيداً » (2) .
وقال موسىٰ بن هارون، وهو الرجل الثاني في سند الحديث: ورواه إبراهيم
_________________________________
(1) شفاء السقام: 10 - 11.
(2) مسند أحمد 2: 74، سنن الدارقطني 3: 287 / 194، وشفاء السقام: 29 عن « العلل » للدارقطني.
ابن الحجاج، عن وهب، عن أيوب، عن نافع مرسلاً (1) .
هذا من حيث إسناد الحديث وتوابعه وشواهده.
ولا غموض في دلالة هذا الحديث وشواهده، ولا غبار عليها، فقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « وجبت » أو « حلّت » معناه ثبتت وحقّت ولزمت، وأنه لابدّ منها.
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم « وجبت له شفاعتي » أو ما جاء في نحو هذا اللفظ يعني أن الزائرين سيدخلون لزوماً في من تناله شفاعته صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم القيامة، وهذا المعنىٰ يتضمن البشرىٰ بأنّ زائر قبر الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم إذا كان صادقاً في قصده لن يموت إلّا علىٰ الإسلام. ونعمت البشرىٰ...
أو أن يراد به الزائر لقبره قربة واحتساباً تناله شفاعة خاصة، غير تلك الشفاعة العامة التي تنال عموم المسلمين، بسبب الزيارة وبفضلها.
وفي كلا الدلالتين من الفوز والفضل الكبير ما هو جدير في احتلال مكانة مهمة في اهتمامات المؤمن، وهو يتحرىٰ القربة عند الله والزلفىٰ لديه، انّه لفوز حقيق أن يتنافس فيه المتنافسون.
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من زارني بعد موتي كان كمن هاجر إليّ في حياتي، فإن لم تستطيعوا فابعثوا إليّ بالسلام، فإنه يبلغني » .
_________________________________
(1) شفاء السقام: 29.
من حديث الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام ، رواه الإمام جعفر الصادق عن آبائه، عن علي عليهالسلام عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال الشيخ الطوسي: محمد ابن أحمد بن داود (1) عن أبي أحمد إسماعيل بن عيسى بن محمد المؤدب (2) ، قال: حدَّثنا إبراهيم بن محمد بن عبدالله القرشي (3) ، قال: حدَّثنا محمد بن محمد بن الأشعث بن هيثم بمصر (4) ، قال: حدَّثنا أبو الحسن موسىٰ (5) بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليهالسلام قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن علي عليهالسلام ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من زار قبري بعد موتي كان كمن هاجر إليّ في حياتي، فإن لم تستطيعوا، فابعثوا إليّ بالسلام فإنه يبلغني » (6) .
وهذا حديث إسناده جيد، فهو حديث حسن إن لم يكن صحيحاً، لعدم التصريح بوثاقة إسماعيل المؤدّب وإبراهيم القرشي، فهو حديث قائم بنفسه صالح للاحتجاج علىٰ ما تضمنه من استحباب زيارة قبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
الأول: شاهد قوي من حديث حاطب بن أبي بلتعة عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال:
_________________________________
(1) شيخ القميين في وقته، ولم يُرَ أحد أحفظ ولا أفقه ولا أعرف بالحديث منه. رجال النجاشي: 384 رقم 1045.
(2) لم يذكر بتضعيف ولا توثيق. معجم رجال الحديث 3: 164.
(3) لم يذكر بتضعيف ولا توثيق. معجم رجال الحديث 1: 285 رقم 269.
(4) ثقة سكن مصر. رجال النجاشي: 379 رقم 1013.
(5) من أصحاب التصانيف، له كتاب ( جامع التفاسير ) وكتاب ( الوضوء ). رجال النجاشي 410 / 1019.
(6) تهذيب الأحكام / الشيخ الطوسي 6: 3 / 1.
« من زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي » .
رواه الدارقطني عن أبي عبيد، والقاضي أبي عبدالله، وابن مخلّد، قالوا: ثنا محمد بن الوليد البسري، ثنا وكيع، ثنا خالد بن أبي خالد وأبو عون، عن الشعبي والأسود بن ميمون، عن هارون بن قزعة، عن رجل من آل حاطب، عن حاطب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بُعثَ من الآمنين يوم القيامة » (1) .
وهكذا رواه البيهقي في ( السنن ) و ( شعب الإيمان ) والشوكاني في ( نيل الأوطار ) (2) .
وقد جاء الحديث بهذا الإسناد المضاعف في كثير من مراتبه، معرّفاً بالرجل من آل حاطب، أخرجه ابن عساكر بالإسناد نفسه: ثنا وكيع بن الجراح، عن خالد وابن عون، عن هارون بن قزعة مولىٰ حاطب، عن حاطب (3) .
وعن هذا الحديث قال الذهبي: إنّه أجود أحاديث الزيارة إسناداً. وأقرّه السخاوي في « المقاصد الحسنة » والسيوطي في « الدرر المُنتثرة » (4) .
والثاني: حديث الإمام علي عليهالسلام أيضاً: أخرجه أبو الحسين يحيىٰ بن الحسن ابن جعفر الحسيني في كتاب « أخبار المدينة » قال: ثنا محمد بن إسماعيل، حدَّثني أبو أحمد الهمداني، ثنا النعمان بن شبل، ثنا محمد بن الفضل سنة ست وسبعين، عن جابر، عن محمد بن علي، عن علي عليهالسلام ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من زار
_________________________________
(1) سنن الدارقطني 2: 287 / 193.
(2) السنن الكبرىٰ 5: 245، شعب الإيمان 3: 488، نيل الأوطار 5: 108.
(3) مختصر تاريخ دمشق / ابن منظور 2: 406.
(4) المقاصد الحسنة: 413، الدرر المُنتثرة: 173، شفاء السقام الطبعة الرابعة المحقّقة: 103 هامش 3.
قبري بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي، ومن لم يزرني فكأنّما جفاني » (1) .
فالحديث شاهد قوي للأول، وإنّما جاءه ضعف الإسناد من النعمان ابن شبل.
الثالث: حديث أبي هريرة: عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: « من زارني بعد موتي فكأنّما زارني وأنا حي، ومن زارني كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة » (2) .
وفي الباب ما أخرجه أبو داود بإسناده عن سوار بن ميمون، عن رجل من آل عمر، عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: « من زار قبري » أو قال: « من زارني كنت له شفيعاً » أو قال: « شهيداً » الحديث (3) .
وأخرجه الدارقطني والبيهقي أيضاً (4) .
وسوار بن ميمون روىٰ عنه شعبة، ورواية شعبة عنه دليل علىٰ وثاقته عنده، كما هو الأصل عند شعبة.
بقي الكلام في جهالة « رجل من آل عمر » والأمر فيه - كما يقول السبكي - قريب، لا سيما في هذه الطبقة التي هي طبقة التابعين (5) .
ومن طريق آخر: ثنا هارون بن قزعة، عن رجل من آل الخطاب، عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: « من زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة » .
أخرجه البيهقي في « شعب الإيمان » والعقيلي في « الضعفاء الكبير ».
_________________________________
(1) عن شفاء السقام: 39 الحديث الرابع عشر، وأخرجه عبدالملك النيسابوري الخركوشي في شرف المصطفىٰ: 421 و 466.
(2) شفاء السقام: 35 - 36 الحديث العاشر.
(3) سنن أبي داود 1: 12.
(4) سنن الدارقطني 2: 278 / 193، السنن الكبرىٰ / البيهقي 5: 245.
(5) شفاء السقام: 30.
وهارون بن قزعة ذكره ابن حبان في الثقات (1) . وحين ذكره العقيلي في الضعفاء لم يزد عن أن نقل فيه قول البخاري: لا يتابع عليه (2) .
وقد قيل إنّ في هذا الإسناد تصحيفاً، فهو « رجل من آل حاطب » (3) . كالذي أوردناه أولاً عن الدارقطني من رواية هارون بن قزعة نفسه عن رجل من آل حاطب، عن حاطب.
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً » .
من حديث أنس بن مالك، أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي وابن الجوزي والشوكاني وغيرهم.
قال ابن أبي الدنيا: حدّثني سعيد بن عثمان الجرجاني، ثنا محمد بن إسماعيل ابن أبي فديك، أخبرني أبو المثنىٰ سليمان بن يزيد الكعبي، عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: « من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة » وفي رواية: « كنت له شهيداً » أو قال: « شفيعاً » .
نقل ابن الجوزي حديث ابن أبي الدنيا هذا في كتابه « مثير العزم الساكن إلىٰ أشرف الأماكن » ومن خطه نقله السبكي (4) .
_________________________________
(1) الثقات / ابن حبان 7: 580.
(2) الضعفاء الكبير 4: 361 رقم 1973.
(3) انظر: شفاء السقام: 32.
(4) شفاء السقام: 36 - 37 - الحديث الحادي عشر.
وأخرجه البيهقي بإسناده ويلتقي مع الأول في إسماعيل بن أبي فديك، عن سليمان بن يزيد الكعبي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من مات في أحد الحرمين بُعثَ من الآمنين يوم القيامة، ومن زارني محتسباً إلىٰ المدينة كان في جواري يوم القيامة » (1) .
وللحديث إسناد آخر، فيه: أبو عوانة موسىٰ بن يوسف القطّان، ثنا عباد بن موسىٰ الختلي، ثنا ابن أبي فديك، عن سليمان بن يزيد الكعبي عن أنس بن مالك، مطابقاً للنصّ الأول.
فدارت الطرق الثلاثة علىٰ ابن أبي فديك، وسليمان بن يزيد الكعبي، فأمّا سليمان الكعبي، وهو التابعي الراوي عن أنس، فقد طعن عليه أبو حاتم الرازي، فقال: منكر الحديث، ليس بقويّ، غير أن ابن حبان ذكره في الثقات (2) .
وأمّا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك فهو مجمع علىٰ وثاقته (3) .
ومن هنا فإنّ هذا الحديث لا يهبط عن درجة الحسن الغريب.
وله بعد ذلك شواهد، منها:
1 - حديث الإمام جعفر الصادق عليهالسلام بإسناده، قال: قال رسول الله عليهالسلام : « من أتاني زائراً كنت شفيعه يوم القيامة » (4) .
2 - حديث ابن عبّاس عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: « من زارني في مماتي كان كمن زارني
_________________________________
(1) شعب الإيمان 3: 490 / 4158. ونيل الأوطار / الشوكاني 5: 109، والتاج الجامع للاَصول 2: 190.
(2) الثقات / ابن حبّان 6 / 395.
(3) روىٰ عنه الشافعي وأحمد والحميدي وغيرهم من هذه الطبقة، وأخرج حديثه الستة. ( تهذيب التهذيب 9: 52 / 62 ).
(4) الكافي / الكليني 4: 548 / 3 كتاب الحج، أبواب الزيارات، باب زيارة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم .
في حياتي، ومن زارني حتىٰ ينتهي إلىٰ قبري كنت له يوم القيامة شهيداً - أو قال - شفيعاً » ، أخرجه العقيلي (1) .
3 - حديث ابن عمر عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: « من زارني إلىٰ المدينة كنت له شهيداً - أو - شفيعاً » . أخرجه الدارقطني في السنن (2) .
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من حجّ فزار قبري بعد وفاتي، فكأنّما زارني في حياتي » . أخرجه الدارقطني في « السنن » من حديث مجاهد عن ابن عمر (3) ، وبالإسناد نفسه أخرجه: البيهقي والطبراني، وأبو يعلىٰ، وابن عساكر، والشوكاني (4) ، كلُّهم بالإسناد عن: أبي الربيع الزهراني، عن حفص بن أبي داود، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم .
وليس في أحد من رجال إسناد هذا الحديث من كلام، فأمّا حفص بن أبي داود، وهو حفص بن سليمان القارىء صاحب القراءة المعتمدة عند سائر المسلمين، والمعروفة بـ « قراءة حفص عن عاصم » فهو أخص الناس بعاصم بن أبي النجود شيخ أصحاب القراءات.
وقد مال بعض أهل الجرح والتعديل إلىٰ تضعيف عاصم في الرواية، وهو أمر
_________________________________
(1) الضعفاء الكبير / العقيلي 3: 457.
(2) سنن الدارقطني 2: 278 / 194.
(3) سنن الدارقطني 2: 278 / 192.
(4) السنن الكبرىٰ / البيهقي 5: 246، المعجم الكبير 12: 310 / 13497، مختصر تاريخ دمشق 2: 406، نيل الأوطار 5: 108.
مستغرب، إذ كيف اعتمدوا بكل اطمئنان وبالإجماع، راويته لقراءة القرآن كلّه عن عاصم، ثمَّ يعدّونه في الضعفاء في رواية الحديث؟!
فقد ذكره ابن عدي في الضعفاء، قال البيهقي بعد أن أخرج الحديث: تفرّد به عاصم، وهو ضعيف.
وضعّفه ابن حبّان أيضاً (1) .
الأولىٰ: إنّ الضعف المنسوب إلىٰ حفص بن سليمان لا يتجاوز حدود الضبط، أو الرواية عن الضعفاء، لكنه قد أسند هذا الحديث إلىٰ ثقات مجمع علىٰ وثاقتهم عند أهل الجرح والتعديل: ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر. وبه تزول الشبهة الثانية، أمّا الأولىٰ فإنّها مهما بلغت فلا تصل إلىٰ درجة الكذب والوضع، كيف وقد أجمعوا علىٰ قبول روايته قراءة عاصم وأطبقت عليه الأمّة؟
والمسألة الثانية: إنّ ابن حبّان ذكر رجلين باسم حفص بن سليمان، أحدهما المقرىء وهو هذا، والآخر حفص بن سليمان، وهو ابن أبي داود المذكور في الأسناد، وهو ثقة ثبت.
قال السبكي: فإن صحّ مقتضىٰ كلام ابن حبّان زال الضعف المذكور (2) .
ثمَّ إنّ هذا التضعيف الوارد في حفص المقرىء مردود مرّةً أخرىٰ، بغير الإجماع علىٰ أخذ قراءته، فقد دفع عنه الضعف أحمد بن حنبل في روايتين عنه:
- قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن حفص بن سليمان المنقري - وهو
_________________________________
(1) الكامل في الضعفاء 3: 789 - 790، السنن الكبرىٰ 5: 246، المجروحين / ابن حبّان 2: 250.
(2) شفاء السقام: 24 - 25.
المقرىء - فقال: هو صالح.
- وقال حنبل بن إسحاق: قال أبو عبدالله ( أحمد بن حنبل ): ما كان بحفص بن سليمان المنقري بأس (1) .
لم يتفرّد حفص بهذا الحديث كما وهمه البيهقي، فقد ورد الحديث عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد عن ابن عمر من طريق آخر عن سبط ليث بن أبي سليم وزوجته: قال سبطه الليث ابن بنت الليث بن أبي سليم: حدّثتني جدّتي عائشة بنت يونس امرأة الليث، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي » (2) .
وبهذه الرواية يزول كل ضعف ينسب إلىٰ الحديث، والاختلاف الوارد في اللفظ بين: « من حجّ فزار قبري » كما في رواية حفص، وبين « من زار قبري » لا تمس في دلالة الحديث علىٰ استحباب زيارة قبره الشريف وفضيلتها، والنص بعدها متطابق تماماً.
1 - حديث النعمان بن شبل، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من حجّ البيت ولم يزرني فقد جفاني » ، ذكره ابن عدي وقال: لا
_________________________________
(1) شفاء السقام: 25.
(2) أخرجه: الطبراني في المعجم الكبير 12: 406 / 13496، وفي حاشية أخرجه المحقق عن المعجم الأوسط أيضاً: 1: 201 / 157.
أعلم رواه عن مالك غير النعمان بن شبل، ولم أرَ في أحاديثه ( يعني عن مالك ) حديثاً غريباً قد جاوز الحد فأذكره (1) .
وأخرجه الدارقطني في ( أحاديث مالك بن أنس الغرائب التي ليست في الموطّأ ) وهو كتاب ضخم (2) .
وهكذا تتعاضد الأحاديث، وفيها صحاح وحسان بملاحظة المتابعات والشواهد، في الدلالة علىٰ استحباب زيارة قبر سيد المرسلين صلىاللهعليهوآلهوسلم وعلىٰ ما فيها من فضل كبير.
2 - حديث الإمام جعفر الصادق عليهالسلام : رواه الكليني، عن علي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبي حجر الأسلمي، عن أبي عبدالله عليهالسلام ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أتىٰ مكة حاجّاً ولم يزرني إلىٰ المدينة جفوته يوم القيامة، ومن أتاني زائراً وجبت له شفاعتي، ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنّة، ومن مات في أحد الحرمين، مكة والمدينة (3) ، لم يعرض ولم يحاسَب، ومن مات مهاجراً إلىٰ الله عزّوجل حُشر يوم القيامة مع أصحاب بدر » (4) .
وعنه روىٰ الشيخ الطوسي في ( التهذيب ) شطر الحديث، بالإسناد نفسه عن أبي عبدالله عليهالسلام قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أتىٰ مكة حاجّاً ولم يزرني في المدينة جفوته يوم القيامة، ومن أتاني زائراً وجبت له شفاعتي، ومن وجبت
_________________________________
(1) الكامل لابن عدي: 7 رقم 2480 ترجمة النعمان بن شبل.
(2) شفاء السقام: 27 - 28 الحديث الخامس.
(3) أي وهو يؤدّي مناسك الحجّ قربة إلىٰ الله تعالىٰ.
(4) الكافي / الكليني 4: 348 / 5.
له شفاعتي وجبت له الجنّة » (1) .
وروىٰ الطوسي متابعاً له: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبان، عن السندي، عن أبي عبدالله عليهالسلام قال: قال رسول الله عليهالسلام : « من أتاني زائراً كنت شفيعه يوم القيامة » (2) .
في حديث أهل البيت عليهمالسلام
بعد أن قرأنا جملةً من الحديث النبوي الشريف في زيارة القبر الشريف، نقرأ في حديث أهل البيت عليهمالسلام بعض ما جاء في زيارته صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ بعض ما جاء في زيارتهم عليهمالسلام .
1 - حديث الإمام عليٍّ عليهالسلام :
قال الإمام علي عليهالسلام : « من زار قبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كان في جواره » (3) .
- وفي حديث مرفوع إلىٰ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ما يشهد لهذا الحديث ويوافقه:
رواه الشيخ الطوسي، عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيىٰ، عن سلمة، عن علي بن سيف بن عميرة، عن طفيل بن مالك النخعي، عن إبراهيم بن أبي يحيىٰ، عن صفوان بن سليمان، عن أبيه، عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: « من زارني في حياتي
_________________________________
(1) تهذيب الأحكام 6: 4 / 5.
(2) تهذيب الأحكام 6: 4 / 4.
(3) نيل الأوطار / الشوكاني 5: 109، مختصر تاريخ دمشق / ابن منظور 2: 406.
وبعد موتي، كان في جواري يوم القيامة » (1) .
2 - حديث الإمام جعفر الصادق عليهالسلام :
رواه الشيخ الطوسي بالإسناد عن الحسن بن الجهم، عن الإمام أبي الحسن الكاظم عليهالسلام قال: « جاء الإمام الصادق عليهالسلام يوم عيد الفطر إلىٰ قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فسلم عليه، ثمَّ قال: قد فَضَلْنا الناس اليوم بسلامنا علىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم » (2) .
3 - وحديثه عليهالسلام : « مرّوا بالمدينة فسلِّموا علىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من قريب، وإن كانت الصلاة تبلغه من بعيد » (3) .
4 - وحديثه عليهالسلام : « صلّوا إلىٰ جانب قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وإن كانت صلاة المؤمنين تبلغه أينما كانوا » (4) .
وقوله عليهالسلام في أول الحديث: « صلّوا » يريد الصلاة علىٰ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، بقرينة ما بعدها.
5 - حديث الإمام الكاظم عليهالسلام :
رواه الشيخ الطوسي مسنداً، قال: أتىٰ هارون المدينة المنورة ومعه عيسى بن
_________________________________
(1) تهذيب الأحكام 6: 3 / 2.
(2) تهذيب الأحكام 6: 17 - 18 / 19.
(3) الكافي 4: 553 / 7، تهذيب الأحكام 6: 7 / 4.
(4) الكافي 4: 552 / 5.
جعفر، فاستدعىٰ الإمام موسىٰ الكاظم لصحبته، فقصدوا قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فتقدم هارون فسلّم عليه وقال: « السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابن عمّ » فتقدم الإمام الكاظم فقال: « السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبه، أسأل الله الذي اصطفاك واجتباك وهداك وهدى ٰ بك أن يصلّي عليك » فقال هارون لعيسىٰ: سمعتَ ما قال! قال: نعم، قال هارون: أشهد أنّه أبوه حقّاً (1) .
6 - حديث الإمام الجواد عليهالسلام :
قال الشيخ الطوسي: محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيىٰ العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نجران، قال: سألت أبا جعفر الثاني عليهالسلام عمن زار النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قاصداً، قال: « له الجنّة » (2) .
وسيأتي في « آداب الزيارة » عنهم عليهمالسلام ما يستدل به أيضاً علىٰ استحباب زيارة قبره صلىاللهعليهوآلهوسلم وحثهم عليها وتذكيرهم بفضيلتها.
في حديث أهل البيت عليهمالسلام من الحث علىٰ زيارة مراقدهم والترغيب فيها والتذكير بحكمتها وعوائدها ما يغني المحتاج، وهذه طائفة منتخبة منها:
1 - من حديث الإمام علي عليهالسلام : رواه الشيخ الطوسي عن محمد بن أحمد بن داود،
_________________________________
(1) تهذيب الأحكام 6: 6 / 3، تاريخ بغداد 13: 31، وفيات الأعيان 5: 309، سير أعلام النبلاء 6: 273.
(2) تهذيب الأحكام 6: 14 / 9.
عن محمد بن علي بن الفضل، قال: أخبرني الحسين بن محمد الفرزدق، قال: حدَّثنا علي بن موسىٰ بن الأحول، قال: حدَّثنا محمد بن أبي السري إملاءً، قال: حدَّثني عبدالله بن محمد البلوي، قال: حدَّثني عمارة بن زيد، عن أبي عامر الساجي واعظ أهل الحجاز، قال: أتيت أبا عبدالله جعفر بن محمد عليهالسلام فقلت له: يا ابن رسول الله ما لمن زار قبر أمير المؤمنين وعمَّر تربته؟
قال: « يا أبا عامر، حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه الحسين بن علي عليهالسلام : انّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال له: والله لتقتلنّ بأرض العراق وتدفن بها، فقلت: يا رسول الله، ما لمن زار قبورنا وعمرها وتعاهدها؟ فقال لي: يا أبا الحسن، إنّ الله جعل قبرك وقبر وُلدِك بقاعاً من بقاع الجنّة، وعرصة من عرصاتها، وانّ الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوته من عباده تحنّ إليكم، وتحتمل المذلّة والأذى ٰ فيكم، فيعمرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقرّباً منهم إلىٰ الله، [ و ] مودّةً منهم لرسوله، أولئك - يا علي - المخصوصون بشفاعتي، والواردون حوضي، وهم زواري غداً في الجنّة... » الحديث (1) .
ولعل في هذا الإسناد ضعف من جهة البلوي وعمارة بن زيد، ولكن في الأحاديث التالية ما يعضده ويقويه..
2 - من حديث الإمام الحسن السبط عليهالسلام : عن سعد بن عبدالله الأشعري، عن أحمد ابن محمد بن عيسىٰ، عن محمد بن خالد البرقي، عن القاسم بن يحيىٰ، عن جدّه الحسن بن راشد، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله الصادق عليهالسلام ، قال: « بينا الحسن بن علي عليهالسلام في حجر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إذ رفع رأسه فقال: يا
_________________________________
(1) تهذيب الأحكام 6: 22 / 7.
أبه، ما لمن زارك بعد موتك؟ فقال: يا بني، من أتاني زائراً بعد موتي فله الجنّة، ومن أتىٰ أباك زائراً بعد موته فله الجنّة، ومن أتىٰ أخاك زائراً بعد موته فله الجنّة، ومن أتاك زائراً بعد موتك فله الجنّة » (1) .
وفي إسناد هذا الحديث ثلاثة هم من كبار أئمة الحديث وحفاظه ونقاده: الأول طرف الإسناد الأقصى، عبدالله بن سنان، والثاني والثالث، هما طرفه الأدنى، سعد ابن عبدالله الأشعري، وأحمد بن محمد بن عيسىٰ.
وأمّا ما جاء في تضعيف محمد بن خالد البرقي، فليس بقادح فيه بعد العلم بما أقرّوا به من منزلة البرقي في العلم والأدب والمعرفة بالأخبار وعلوم العرب (2) ، هذا أولاً، وثانياً بعد معرفة أنّ أحمد بن محمد بن عيسىٰ لا يروي عن رجل متهم، ولا يتساهل في الرواية عن الضعفاء والمتهمين، فكان لا يروي إلّا عمّن يعتقد وثاقته. وهو يعدّ شيخ القميين ووجههم وفقيههم، غير مدافع (3) .
ومن أجل هذا أيضاً يشفع الضعف المروي في الحسن بن راشد (4) .
وبعد هذا فالحديث مشفوع بالحديث الآتي أيضاً، وهو مطابق له متناً.
3 - من حديث الإمام الحسين السبط عليهالسلام : محمد بن أحمد بن داود، عن محمد بن الحسن الكوفي، قال: حدَّثنا محمد بن علي بن معمر، قال: حدّثنا محمد بن مسعدة، قال: حدّثني عبدالرحمن بن أبي نجران، عن علي بن شعيب، عن أبي عبدالله الصادق عليهالسلام ، قال: « بينا الحسين عليهالسلام قاعدٌ في حجر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم
_________________________________
(1) تهذيب الأحكام 6: 20 / 1، و 40 / 1.
(2) انظر: رجال النجاشي: 335 / رقم 898.
(3) انظر: رجال النجاشي: 81 - 82 رقم 198.
(4) رجال النجاشي: 38 رقم 76.
ذات يوم، إذ رفع رأسه إليه فقال: يا أبه، قال: لبيك يا بني، قال: ما لمن أتاك بعد وفاتك زائراً لا يريد إلّا زيارتك؟ قال: يا بني، من أتاني بعد وفاتي زائراً لا يريد إلّا زيارتي فله الجنّة، ومن أتىٰ أباك بعد وفاته زائراً لا يريد إلّا زيارته فله الجنّة، ومن أتىٰ أخاك بعد وفاته زائراً لا يريد إلّا زيارته فله الجنّة، ومن أتاك بعد وفاتك زائراً لا يريد إلّا زيارتك فله الجنّة » (1) .
4 - من حديث الإمام الباقر عليهالسلام : محمد بن أحمد بن داود، عن الحسن بن محمد بن أحمد بن الوليد، قال: حدّثنا الحسن بن متيل الدقاق وغيره من الشيوخ، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، قال: حدّثني الحسن بن علي بن فضّال، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليهالسلام ، قال: « مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليهالسلام ، فإنّ إتيانه يزيد في الرزق، ويمد في العمر، ويدفع مدافع السوء. وإتيانه مفترض علىٰ كل مؤمن يقرّ له بالإمامة من الله » (2) .
5 - من حديث الإمام الصادق عليهالسلام : محمد بن أحمد بن داود، عن الحسن بن محمد ابن علان، عن حميد بن زياد، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يزيد، عن علي ابن الحسن، عن عبدالرحمن بن كثير، قال: قال أبو عبدالله عليهالسلام : « لو أن أحدكم حجّ دهره ثمَّ لم يزر الحسين بن علي عليهماالسلام لكان تاركاً حقّاً من حقوق رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّ حق الحسين عليهالسلام فريضة من الله تعالىٰ واجبة علىٰ
_________________________________
(1) تهذيب الأحكام 6: 21 / 5، و 40 / 2.
(2) تهذيب الأحكام 6: 42 / 1.
كل مسلم » (1) .
ولا ريب في أن تكون لزيارة الإمام الحسين عليهالسلام مثل هذه المزية، ذلك أنّ للحسين عليهالسلام خصوصية فريدة، في دوره الفريد في تاريخ الإسلام، فلقد كان في حركته العظمىٰ من أجل إحياء الدين وكشف أسطورة السلاطين العابثين، تجسيداً حياً للفاروق الأعظم الذي لم يدع برزخاً بين الولاء الحق لرسالة السماء الصافية، وبين التحايل علىٰ الدين لدىٰ طائفة الحكام وحواشيهم، والذل والخنوع والرضا بالدون لدى سائر الناس.. لذا فإنّ زيارته التي تستحضر هذا البعد الأساس، هي مصداق الولاء لله ولرسوله ولأوليائه ولدينه الحنيف، من ناحية، ومصداق البراءة من سلاطين الجور وشياطين الأنس من ناحية أخرىٰ.
ومن هنا أكثر أئمة أهل البيت عليهمالسلام من الحث علىٰ زيارته، وافرادها بفضائل خاصة قد لا نجد نظيرها في ما ورد في زيارة غيره من الأئمة عليهمالسلام (2) .
ونجد البعد الأساس في الزيارة المتمثل في الاعتراف بالحق وتجديد العهد وأداء الأمانة، صريحاً في حديث الإمام الرضا عليهالسلام الآتي:
6 - من حديث الإمام علي بن موسىٰ الرضا عليهالسلام : محمد بن أحمد بن داود، عن أبيه، قال: حدّثنا محمد بن السندي، عن أحمد بن إدريس، عن علي بن الحسين النيسابوري، عن عبدالله بن موسىٰ، عن الحسن بن علي الوشاء، قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليهالسلام يقول: « إنّ لكل إمام عهداً في عنق أوليائهم وشيعتهم، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء، زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة
_________________________________
(1) تهذيب الأحكام 6: 42 / 2.
(2) انظر: تهذيب الأحكام 6: 42 - 52 باب 16.
في زيارتهم وتصديقاً لما رغبوا فيه، كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة » (1) .
هذه هي فلسفة الزيارة في أوجز عبارة.
_________________________________
(1) تهذيب الأحكام 6: 78 - 79.
الفصل الثالث
الزيارة في تراث السلف
إذا كانت مفردة « السلف » تتسع لأجيال عديدة، بل هي لغوياً تمتد منذ جيل الآباء صعوداً حتىٰ عهد الرسالة، فإنّنا نقتصر منها هنا علىٰ الطبقات العليا، وتحديداً حتىٰ منتصف القرن الثالث، لتشمل عهد الرسالة وعهود الصحابة وأئمة أهل البيت عليهمالسلام والتابعين وأئمة الحديث والفقه انتهاءً بأئمة المذاهب الأربعة. هذه الطبقات التي عاصرت السنن رواية وتدويناً وأسست للفقه وسائر علوم الدين، وإليها ينتهي احتجاج المسلمين بطوائفهم كافة، لنرىٰ كيف كانت زيارة قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وقبور الأولياء والصالحين تمثل جزءاً من ثقافة الأمّة الأصيلة علىٰ امتداد تلك الطبقات. وليس غرضنا فيه الاستقصاء، بل الاكتفاء بما فيه إثبات المطلوب.
وقبر حمزة كان مزاراً للصالحين من الصحابة والتابعين.. وقبر الكاظم موسىٰ مقصداً لمن أدرك وفاته وعاش بعده.. وقبر الرضا علي بن موسىٰ كان ملاذاً لأهل العلم والصالحين مذ كان القبر.. كل ذلك سنقرأه لاحقاً.. ونقرأ أنّ قبر أبي حنيفة كان ملاذاً للشافعي، يأتيه كل يوم، داعياً ومستشفعاً ومتوسّلاً.. وأنّ
قبر معروف الكرخي ( المتوفى 200 هـ ) كان عندهم ( الترياق المجرّب ) يقصده المحتاج والمكروب من كل مكان.
ونقرأ عند الغزالي والنووي والفاخوري وآخرين: أنّ الزائر حين يودّع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ويفرغ من زيارته، يستحب له أن يخرج كل يوم إلىٰ البقيع، ويخصّ يوم الجمعة، يأتي المشاهد والمزارات، فيزور العباس، ومعه الحسن بن علي، وزين العابدين، وابنه محمد الباقر، وابنه جعفر الصادق، ويزور أمير المؤمنين عثمان، وقبر إبراهيم ابن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وجماعة من أزواج النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعمته صفية، وكثيراً من الصحابة والتابعين..
ويقول: سلام عليكم بما صبرتم، فنعمىٰ عقبىٰ الدار، سلام عليكم، دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون.
ويقرأ آية الكرسي وسورة الإخلاص.
أو يقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون.. اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنَّا بعدهم، واغفر لنا ولهم (1) .
والآن إلىٰ نماذج من فعل السلف في طبقاتهم الأولىٰ:
1 - الزهراء البتول عليهاالسلام تزور قبر أبيها المصطفىٰ صلىاللهعليهوآلهوسلم :
من حديث الإمام علي عليهالسلام : « لمّا رُمِس رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، جاءت فاطمة،
_________________________________
(1) الغدير / الأميني 5: 233 - 234 - تحقيق مركز الغدير - عن ( وفاء الوفاء ) للسمهودي 4: 1410.
فوقفت علىٰ قبره، وأخذت قبضة من تراب القبر ووضعته علىٰ عينيها، وبكت، وأنشأت تقول:
ماذا علىٰ مَن شمَّ تربةَ أحمـدٍ |
أن لا يشُمَّ مـدىٰ الزمان غواليا |
|
صُبَّت عليَّ مصائـب لو أنّها |
صُبَّت علىٰ الأيـام عُدنَ لياليا (1) |
2 - أعرابي يزور قبر المصطفىٰ صلىاللهعليهوآلهوسلم :
من حديث علي عليهالسلام : قدم علينا أعرابي بعد ما دفنّا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بثلاثة أيام، فرمىٰ بنفسه علىٰ قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وحثا من ترابه علىٰ رأسه، وقال: يا رسول الله، قلتَ فسمعنا قولك، ووعيت عن الله سبحانه فوعينا عنك، وكان في ما أُنزل عليك: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) وقد ظلمت نفسي، وجئتك تستغفر لي، فنودي من القبر « قد غُفر لك » (2) .
3 - عمر يزور قبر غريمه
أخرج المحب الطبري حديثاً طويلاً في ما اتفق بالأبواء بين عمر وقد خرج حاجاً في نفر من أصحابه، وبين شيخ استغاث به هناك، فلما انصرف عمر من حجّه ونزل ذلك المنزل، استخبر عن الشيخ، فقيل له إنّه قد مات. فوثب عمر
_________________________________
(1) السيرة النبوية / ابن سيد الناس 2: 432، السيرة النبوية / زيني دحلان 2: 310، إرشاد الساري / القسطلاني 3: 352، أعلام النساء / عمر رضا كحّالة 4: 113.
(2) وفاء الوفا / السمهودي 4: 1399، المواهب اللدنية / القسطلاني 4: 583.
مسرعاً، مباعداً بين خطاه، حتىٰ وقف علىٰ قبره، فصلّىٰ عليه، ثمَّ اعتنقه وبكىٰ (1) .
فقد هبَّ عمر مسرعاً لزيارة قبر شخص بعينه، ثمَّ اعتنقه وبكىٰ، أما الصلاة المذكورة فالمراد بها الدعاء، وهو الظاهر، وقد يُراد بها الصلاة علىٰ الميت.
4 - بلال يزور قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في أيام عمر
سأل بلالُ عمرَ أن يقرّه بالشام، قال: وأخي أبو رويحة الذي آخىٰ بيني وبينه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ففعل ذلك عمر. ثمَّ إنّ بلالاً وهو بالشام رأىٰ في منامه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يقول له: « ما هذه الجفوة يا بلال! أما آن لك أن تزورني يا بلال؟ » فانتبه حزيناً وجلاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتىٰ قبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه. فأقبل الحسن والحسين عليهماالسلام فجعل يضمّهما ويقبّلهما. فقالا له: نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان بلال قد ترك الأذان بعد وفاة رسول الله، فاستجاب لهما، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه. فلما أن قال: « الله أكبر، الله أكبر » ارتجت المدينة.. فلما قال: « أشهد أن لا إله إلّا الله »، ازدادت رجّتها بأهلها، فلما أن قال: « أشهد أنّ محمّداً رسول الله » خرجت حتىٰ العواتق من خدورهن، وقالوا: أبُعِثَ رسول الله؟! فما رئي يوم أكثر باكياً وباكيةً بالمدينة بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من ذلك اليوم (2) .
ولهذا الخبر إسناد جيد، نذكره لتشكيك منكري شد الرحال للزيارة فيه، اتّباعاً
_________________________________
(1) الرياض النضرة 2: 330.
(2) اُسد الغابة 1: 307 - 308، ترجمة بلال بن رباح، وأخرجه ابن عساكر في ترجمة بلال أيضاً، وفي ترجمة إبراهيم بن محمد الأنصاري، انظر: مختصر تاريخ دمشق 4: 118 و 5: 265، وتهذيب الكمال 4: 289 / 782.
للهوىٰ، لا متابعة لأصول النقد العلمي.
فقد أسند الخبر إلىٰ: إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء، قال: حدّثني أبي محمد بن سليمان، عن أبيه سليمان بن بلال، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: الخبر...
وليس في هذا الإسناد من يطعن عليه في سائر كتب الرجال.
وروي الحديث بهذا الإسناد من طريقين، ومداره علىٰ ( محمد بن الفيض الغساني ) وهو الذي يرويه عن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال، ومحمد بن الفيض هذا هو المولود سنة 219 هـ، والمتوفىٰ سنة 315 هـ، قال السبكي: روىٰ عن خلائق، وروىٰ عنه جماعة منهم: أبو أحمد بن عدي، وأبو أحمد الحاكم، وأبو بكر المقرىء في معجمه (1) .
هكذا صنع بلال، وهو أحد السابقين إلىٰ الإسلام، صاحب السيرة المعروفة، وفي عهد عمر، والصحابة متوافرون في المدينة المنوّرة.
5 - أمير المؤمنين علي عليهالسلام يزور قبر خباب:
خَبّاب بن الأَرَت، من السابقين الأولين إلىٰ الإسلام، وكان مع علي عليهالسلام بالكوفة وقد مرض مرضاً طويلاً فلم يشهد معه صفين، فلما رجع أمير المؤمنين عليهالسلام من صفين، وقف علىٰ قبره وأحسن عليه الثناء. قال زيد بن وهب: سرنا مع علي حين رجع من صفين، حتىٰ إذا كنّا عند باب الكوفة إذا نحن بقبور سبعة عن أيماننا، فقال: « ما هذه القبور؟ » ، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنّ خَبّاب بن الاَرَث توفي بعد
_________________________________
(1) شفاء السقام: 54 ( الباب الثالث ).
مخرجك إلىٰ صفين فأوصىٰ أن يدفن في ظاهر الكوفة، فدفن الناس عنده، فقال علي رضياللهعنه : « رحم الله خبّاباً، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلي في جسمه، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً » ثمَّ دنا من قبورهم، فقال: « السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا سلف فارط (1) ، ونحن لكم تبع عمّا قليل لاحق، اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم، طوبىٰ لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، وأرضىٰ الله عزوجل » (2) .
6 - عائشة تزور قبر أخيها:
عن عبدالله بن أبي مليكة، أنّ عائشة أقبلت ذات يومٍ من المقابر، فقلت لها: يا أمَّ المؤمنين من أين أقبلتِ؟
قالت: من قبر أخي عبدالرحمن بن أبي بكر.
فقلت لها: أليس كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم نهىٰ عن زيارة القبور؟
قالت: نعم، كان نهىٰ، ثمَّ أمر بزيارتها.
صحَّحه الذهبي (3) .
7 - محمد بن الحنفية يزور قبر الحسن السبط عليهالسلام :
وقف محمد بن الحنفية علىٰ قبر الإمام الحسن عليهالسلام فخنقته العبرة،نطق فقال:
_________________________________
(1) أي متقدم.
(2) اسد الغابة ( ترجمة خباب ) 2: 143، العقد الفريد 3: 12.
(3) المستدرك 1: 532 / 1392.
رحمك الله يا أبا محمد، فلئن عزّت حياتك، فلقد هدّت وفاتك، ولنعم الروح روح ضمّه بدنك، ولنعم البدن بدن ضمّه كفنك، وكيف لا يكون كذلك وأنت بقية ولد الأنبياء، وسليل الهدىٰ، وخامس أصحاب الكساء، عذّتك أكف الحق، وربيت في حجر الإسلام، فطبت حياً وطبت ميتاً، وإن كانت أنفسنا غير طيبة بفراقك، ولا شاكّة في الخيار لك (1) .
8 - أبو أيوب الأنصاري يزور قبر المصطفىٰ صلىاللهعليهوآلهوسلم :
اتفق الحاكم والذهبي علىٰ صحة الخبر المروي في زيارة أبي أيوب الأنصاري قبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أيام ولاية مروان علىٰ المدينة، أي قبل سنة 64 هـ، إذ أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه علىٰ القبر، فأخذ مروان برقبته، ثمَّ قال: هل تدري ما تصنع؟
فأقبل عليه، فإذا أبو أيوب الأنصاري، فقال: نعم، إنّي لم آتِ الحَجَر، إنّما جئت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ولم آتِ الحَجَر، سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: « لا تبكوا علىٰ الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا علىٰ الدين إذا وليه غير أهله » (2) .
وفيه أكثر من دلالة:
الأولىٰ: إنّ علماء الصحابة وأجلّائهم كانوا يعرفون صحة الزيارة، ويستحبونها، وهو ما صرّح به الترمذي في تعليقته المشار إليها، وستأتي بنصها الكامل لاحقاً.
_________________________________
(1) العقد الفريد 3: 13، الغدير 5: 25 / 9.
(2) المستدرك علىٰ الصحيحين 4: 560 / 8571، وتلخيص الذهبي في ذيل الصفحة.
والثانية: إنّ رجالات بني أمية كانوا ينهون عن ذلك ويستنكرونه.
والثالثة: إنّها إشارة مفيدة إلىٰ تاريخ النهي عن الزيارة وجذوره الأولىٰ، ولعل هذا الخبر الثابت يكشف لنا عن أقدم ما ورد في النهي عن الزيارة وورود القبر الشريف، وهي ممارسة سياسية، مارسها هذا الوالي الأموي أيام حكومتهم.
يؤكد هذا جواب أبي أيوب الأنصاري لمروان، وفيه التصريح الواضح بأنّ بني أمية ليسوا من أهل الدين الأمناء عليه، بل إنّما يُخشىٰ علىٰ الدين منهم، وهذا الذي يصنعه مروان واحدة فقط من الأحدوثات التي أحدثها وسيحدثها الأمويون في الدين.
هذه الأخبار ونظائرها لا تمثل أحداثاً منفردة في تاريخ الصحابة، وإنّما هي أخبار دونت دون سواها لما وافقها من خصوصية، ساعدت علىٰ انتشارها، وما هي إلّا شواهد علىٰ واقع الحال الذي كان يعيشه جيل الصحابة والذي لم نعرف عنه في مصدر واحد، ولا في حديث واحد - ولو موضوع - نهياً عن زيارة قبر الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم أو أحدٍ من الصحابة بعد وفاتهم. وعدم وجود النهي وحده قاطع بالإثبات، تؤكِّده هذه الاَحداث المروية لما فيها من خصوصيات أفردتها عن العرف السائد.
وتؤيده السيرة الثابتة للصحابة والتابعين أنّهم إذا أرادوا الخروج من المدينة أتوا قبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم للوداع، وإذا دخلوا المدينة ابتدأوا بزيارته والسلام عليه. وهذا أمر ثابت أشهر من أن يحتاج إلىٰ برهان، ولم ينكره أحد ممّن له خلاف في
بعض شؤون الزيارة وأحوالها.
1 - عمر بن عبدالعزيز
استفاض عن عمر بن العزيز أنّه كان يبرد البريد من الشام ليسلّم له علىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم . نقل ذلك أبو بكر أحمد بن عمر بن أبي عاصم النبيل، المتوفىٰ سنة 280هـ في كتابه « المناسك » وقد جرّده من الأسانيد ملتزماً فيه الثبوت، قال: كان عمر بن عبدالعزيز يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلىٰ المدينة ليقرىء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم السلام، ثمَّ يرجع.
وذكره ابن الجوزي أيضاً في كتابه الذي أفرده لمثل هذه الأخبار، وأسماه « مثير العزم الساكن إلىٰ أشرف الأماكن »، قال السبكي: نقلته من خطه (1) .
ودلالته واضحة ليس علىٰ استحباب الزيارة وحسب، بل علىٰ شد الرحال لأجلها أيضاً. ومثله في الدلالة ما ثبت عن بلال رضي الله عنه.
2 - الإمام جعفر الصادق عليهالسلام :
وقد سأله أحد أصحابه: إنا نأتي المساجد التي حول المدينة، فبأيها أبدأ؟
قال عليهالسلام : « أبدأ بِقُبا، فصلّ فيه، وأكثِر، فإنّه أول مسجد صلّىٰ فيه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في هذه العرصة، ثمَّ ائت مشربة أم إبراهيم فصلّ فيها، فهو مسكن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ومصلّاه، ثمَّ تأتي مسجد الفضيخ فتصلّي فيه، فقد صلّىٰ فيه
_________________________________
(1) شفاء السقام: 55.
نبيك، فإذا قضيت هذا الجانب أتيت جانب أحد فبدأت بالمسجد الذي دون الحرة فصلّيت فيه، ثمَّ مررت بقبر حمز بن عبدالمطلب عليهالسلام فسلمت عليه، مررت بقبور الشهداء... » الحديث (1) .
وفيه أمر صريح بزيارة قبر سيد الشهداء حمزة خاصة ثمَّ قبور سائر الشهداء رضوان الله عليهم أجمعين.
3 - الشافعي يزور قبر أبي حنيفة
أخرج الخطيب البغدادي وغيره، عن علي بن ميمون صاحب الشافعي، قال: سمعت الشافعي يقول: إنّي لأتبرك بأبي حنيفة، وأجيء إلىٰ قبره في كل يوم، فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلىٰ قبره وسألت الله تعالىٰ الحاجة عنده، فما تبعد حتىٰ تُقضىٰ (2) .
وفيه زيادة علىٰ الزيارة، العمل بالتوسل والاستشفاع.
4 - أبو علي الخلّال شيخ الحنابلة وقبر موسىٰ بن جعفر عليهالسلام :
الحسن بن إبراهيم، أبو علي الخلّال، شيخ الحنابلة في وقته، كان يقول: ما همّني أمر فقصدت قبر موسىٰ بن جعفر فتوسلت به إلّا سهّل الله تعالىٰ لي ما أحب (3) .
_________________________________
(1) تهذيب الأحكام 6: 22 / 7.
(2) تاريخ بغداد 1: 123، مناقب أبي حنيفة / الخوارزمي 2: 199.
(3) تاريخ بغداد / الخطيب البغدادي 1: 120.
5 - أبو بكر بن خزيمة وقبر الرضا عليهالسلام :
قال أبو بكر محمد بن المؤمّل: خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر ابن خزيمة (223 - 311 هـ)، وعديله أبي علي الثقفي (244 - 328)، مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلىٰ زيارة علي بن موسىٰ الرضا بطوس. قال: فرأيت من تعظيمه - يعني ابن خزيمة - لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرّعه عندها ما تحيّرنا (1) .
وكل ذلك شاهد علىٰ التوسل والاستشفاع، بعد القصد إلىٰ الزيارة.
6 - أئمة المذاهب الاَربعة وسائر أهل العلم:
عند ذكر الحديث الذي أخرجه مسلم والترمذي والنسائي والحاكم من حديث بُريدة عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمّدٍ في زيارة قبر أمّه، فزوروها فإنّها تذكر الآخرة » أشرنا إلىٰ أن للترمذي تعقيباً علىٰ الحديث، وهذا هو نصّه:
قال الترمذي: حديث بُريدة حديث حسن صحيح، والعمل علىٰ هذا عند أهل العلم، لا يرون بزيارة القبور بأساً، وهو قول: ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (2) .
وابن المبارك: هو عبدالله بن المبارك بن واضح، وصفه الذهبي بالإمام، شيخ الإسلام، عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته.. سمع من هشام بن عروة،
_________________________________
(1) تهذيب التهذيب / ابن حجر العسقلاني 7: 339.
(2) سنن الترمذي 3: 370 / 1054 ( كتاب الجنائز - باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور ).
والأعمش، وموسىٰ بن عقبة، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وابن جريج، وهذه الطبقة، وحدَّث عنه: مَعمر، والثوري، وعبدالرزاق الصنعاني، وابن أبي شيبة وهذه الطبقة، ولد سنة 118، وتوفي سنة 181هـ في مدينة هيت - من مدن غرب العراق - ودفن فيها.. ونقل الذهبي لبعض الأفاضل في زيارة قبره:
مررتُ بقبر ابن المبارك غَدوةً |
فأوسعني وعظاً وليس بناطقِ (1) |
وإسحاق: هو إسحاق بن راهويه قرين أحمد بن حنبل، وكان أحمد يسميه الإمام، ويقول: لا أعرف له في الدنيا نظيراً، ولقّبه الذهبي بشيخ المشرق، سيد الحفّاظ ولد سنة 161 هـ، وتوفي سنة 238 هـ، وله في سير أعلام النبلاء ترجمة واسعة (2) .
- وقد تقدّم عن الشافعي زيارته قبر أبي حنيفة، وتوسله به، ومداومته علىٰ ذلك، ويأتي في ( التوسل ) توسل أحمد بالشافعي.
- وقال مالك بن أنس: لا بأس بمن قدم من سفر، أو خرج إلىٰ سفر أن يقف علىٰ قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فيصلّي عليه ويدعو له، ولأبي بكر وعمر. فقيل له: فإنّ ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربّما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرّة والمرّتين أو أكثر عند القبور فيسلّمون ويدعون ساعة.
فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمّة إلّا بما صلح به أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنّهم كانوا
_________________________________
(1) سير أعلام النبلاء 8: 378 - 421.
(2) سير أعلام النبلاء 11: 358 - 383.
يفعلون ذلك، ويكره إلّا لمن جاء من سفر، أو أراده.
قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوا أتوا القبر فسلّموا، قال: وذلك رأيي.
قال الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء، لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم (1) .
الأولىٰ: أنّ جمهور الناس في القرن الثاني للهجرة، حيث عاش مالك، كانوا متفقين علىٰ المداومة علىٰ زيارة قبر المصطفىٰ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، يصنعون ذلك مراراً، ويدعون عند قبره علىٰ الدوام، وهم جيل اتباع التابعين، الذين ورثوا عن التابعين عاداتهم وعباداتهم.
والثانية: أنّ مالكاً، كان يجيز القصد إلىٰ الزيارة، ويحبّذه، فيدعو المسافر أو القادم إلىٰ التوجه لزيارة قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قاصداً لذلك.
وهذا ما قاله الباجي في شرح كلام مالك، مؤكداً أنّ قصد الزيارة هو المبرر الذي اعتمده مالك في جوازها، بل استحبابها، قائلاً: لأنّ الغرباء قصدوا ذلك.
أمّا عن رأي مالك، كما قال السبكي، فهو أنّ الزيارة قربة، ولكنه علىٰ عادته في سدّ الذرائع يكره منها الاكثار الذي قد يفضي إلىٰ محذور. وهذا واضح في كلام مالك الآنف الذكر، وهو يحبّذها للغرباء والمسافرين.
وأمّا أئمة المذاهب الثلاثة الأخرىٰ، فهم يقولون باستحبابها واستحباب
_________________________________
(1) شفاء السقام: 70 - 71.
الإكثار منها، لأنّ الإكثار من الخير خير، وكلهم مجمعون علىٰ استحباب الزيارة (1) . ونذكِّر ثانيةً بما أسلفناه عن الشافعي، وما سيأتي عن أحمد.
في ما ذكره ابن تيمية حول جسد الحسين عليهالسلام ، قال: ولكن الذي اعتقدوه هو وجود البدن في كربلاء، حتىٰ كانوا ينتابونه في زمن أحمد وغيره، حتىٰ أنّه في مسائله: ( مسائل في ما يُفعل عند قبره ) أي قبر الحسين عليهالسلام ، ذكرها أبو بكر الخلال في جامعه الكبير، في زيارة المشاهد (2) .
فهو يثبت زيارة الناس قبر الإمام الحسين عليهالسلام زمن أحمد وغيره، ويثبت أن أحمد لم ينكر عليهم الزيارة، بل يثبت أنّه قد كتب في ما ينبغي أن يفعله الزائر لقبر الحسين عليهالسلام ، مراعاةً للسنة في الزيارة.
هذا مع أن ابن تيمية هو أشدّ المنكرين للسفر بقصد الزيارة، وهذه واحدة فقط من هفواته، ولأجل هذا أفردنا هذا برقم خاص، مع أنّه داخل في الفقرة السابقة.
من جميل الأثر في زيارة سيد البشر صلىاللهعليهوآلهوسلم ما رواه محمد بن عبيدالله بن عمرو ابن معاوية بن عمر بن عتبة بن أبي سفيان الأموي، وكان صاحب أخبار وراويةً للآداب، وقد حدّث عن سفيان بن عيينة. وقد أخرج هذه الرواية ابن الجوزي في
_________________________________
(1) شفاء السقام: 71.
(2) رأس الحسين / ابن تيمية: 209 مطبوع مع استشهاد الحسين للطبري.
( مثير العزم الساكن إلىٰ أشرف الأماكن ) وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) والقسطلاني بأسانيدهم عن: محمد بن حرب الهلالي، قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثمَّ قال: يا خير الرسل، إنّ الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) وإنّي جئتك مستغفراً ربّك من ذنوبي مستشفعاً فيها بك. ثمَّ بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه |
فطـاب من طيبهنّ القاع والأكمُ |
|
نفسي الفداء لقبرٍ أنـت ساكـنه |
فيه الـعفاف وفيه الجود والكرمُ |
ثمَّ استغفر وانصرف.
وقد نظم أبو الطيب أحمد بن عبدالعزيز بن محمد المقدسي فيها أبياتاً وضمّنها البيتين، فقال:
أقول والدمـع من عـينيّ منسجمُ |
لمّا رأيــت جــدار الـقبرِ يُستَلمُ |
|
والناسُ يغشـونه باكٍ ومـنقـطعٌ |
مـن الـمهـابـة أو داعٍ فـملتـزمُ |
|
فما تمالـكت أن ناديتُ من حَرَقٍ |
في الصدر كادت له الأحشاء تضطرمُ |
|
( يا خير من دُفنت في القاع أعظمه |
فـطـاب من طيـبهـن القاع والأكمُ |
|
نفسي الفداء لقبــرٍ أنـت ساكنه |
فيـه العـفاف وفيـه الجود والكرمُ ) |
|
وفيه شمس التقىٰ والدين قد غربت |
من بعـد ما أشرقت من نورها الظُلُم |
|
حاشا لوجهك أن يبلىٰ وقـد هُدِيَتْ |
في الشـرق والغرب من أنواره الأممُ |
|
وأن تمـسّك أيدي الـترب لامسةً |
وأنـت بيـن السمـاوات العلىٰ علمُ |
إلىٰ قوله:
لئـن رأينـاه قبـراً إنّ باطـنـه |
لروضة من رياض الخـلد تبـتسمُ |
|
طافه به مـن نواحيــه ملائكـةٌ |
تغشـاه في كل يوم ما يـوم تزدحمُ |
|
لو كنـت أبصرته حيـاً لقــلت له |
لا تمشي إلّا علىٰ خدي لك القدمُ (1) |
أفردنا أئمة الحنابلة خاصة في هذا الموضع لأنّه أوقع في الرد علىٰ متأخريهم، ابتداءً بابن تيمية، الذين ذهبوا إلىٰ تحريم السفر بقصد الزيارة وعدّه من مصاديق الشرك، أو الكفر.
1 - أبو الفرج ابن الجوزي ( 597هـ ) صنّف كتاباً بعنوان ( مثير العزم الساكن إلىٰ أشرف الأماكن ) وعقد فيه باباً في زيارة قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم . وقد تقدمت عنه نقول كثيرة.
وفي كتابه الآخر « مناقب الإمام أحمد بن حنبل » ذكر أخباراً عديدةً في زيارة قبر أحمد بن حنبل، يفيد مجموعها أنّها عادة الحنابلة، وأنّها لديهم من القربات المهمة التي لا يفرطون بها (2) . وذكر في كتابه ( المنتظم ) أنّه قد قصد زيارته في سنة 574 هـ وتبعه خلق كثير يقدرون بخمسة آلاف إنسان (3) .
وهذه بعض نصوص ابن الجوزي، تعكس صورةً واضحةً عن ثقافة الزيارة عند الحنابلة:
_________________________________
(1) شفاء السقام: 62 - 63، مختصر تاريخ دمشق 2: 408، القسطلاني والمواهب اللدنية 4: 583.
(2) مناقب أحمد: 400، 563، 639، 642، 643، 677 وغيرها.
(3) المنتظم في أخبار الملوك والأمم 18: 248.
- عن أبي الفرج الهندبائي، قال: كنت أزور قبر أحمد بن حنبل، فتركته مدَّةً، فرأيت في المنام قائلاً يقول لي: تركت زيارة إمام السنّة؟! (1) .
- عن أبي طاهر ميمون، قال: رأيت رجلاً بجامع الرصافة في شهر ربيع الآخرة من سنة ست وستين وأربعمئة، فسألته، فقال: قد جئت من ستمئة فرسخ، فقلت: في أي حاجة؟
قال: رأيت وأنا ببلدي في ليلة جمعة كأنّي في صحراء أو في فضاء عظيم، والخلق قيام، وأبواب السماء فُتحت، وملائكة تنزل من السماء تُلِبسُ أقواماً ثياباً خضراً، وتطير بهم في الهواء، فقلت: من هؤلاء الذين اختصوا بهذا؟
فقالوا لي: هؤلاء الذين يزورون أحمد بن حنبل..
فانتبهت، ولم ألبث أن أصلحت أمري وجئت إلىٰ هذا البلد وزرته دفعات، وأنا عائد إلىٰ بلدي إن شاء الله (2) .
- قال ابن الجوزي: وفي صفر سنة 542 هـ رأىٰ رجل في المنام قائلاً يقول له: من زار أحمد بن حنبل غُفر له.
قال: فلم يبقَ خاصٌّ ولا عامٌّ إلّا زاره، وعقدتُ يومئذٍ ثمَّ مجلساً فاجتمع فيه ألوف من الناس (3) .
- الله يزور أحمد بن حنبل كل عام!! كما نقل ابن الجوزي عن أبي بكر بن مكارم ابن أبي يعلىٰ الحربي، قال: وكان شيخاً صالحاً، أنّه رأىٰ في منامه أنّه أتىٰ قبر
_________________________________
(1) مناقب أحمد: 6390، وأخرجه الخطيب البغدادي / تاريخ بغداد 4: 423.
(2) مناقب أحمد: 639.
(3) المنتظم 18: 55.
أحمد يزوره علىٰ عادته، فرأىٰ القبر قد التصق بالاَرض ولم يبقَ منه إلّا القليل، فقال: هذا من كثرة الغيث.. فسمع أحمد من القبر يقول له: لا، بل هذا من هيبة الحقّ عزَّ وجلَّ، لأنّه عزَّ وجلَّ قد زارني، فسألته عن سرِّ زيارته إيّاي في كل عام، فقال عزَّ وجلَّ: يا أحمد، لأنّك نصرت كلامي، فهو يُنشر ويتلىٰ في المحاريب.
يقول الحربي: فأقبلت علىٰ لحده أُقبِّله، ثمَّ قلت: يا سيدي، ما السر في أنّه لا يُقبَّل قبرٌ إلّا قبرك؟
فقال لي: يا بنيَّ، ليس هذا كرامة لي، ولكن هذا كرامة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّ معي شعرات من شعره.. ثمَّ قال: ألا ومن يحبني لِمَ لا يزورني في شهر رمضان؟ (1) .
وليست العبرة في صحَّة هذه الأخبار أو عدم صحَّتها، إنَّما العبرة في ملاحظة أنّ ثقافة الزيارة عند الحنابلة لا تختلف كثيراً عنها عند الصوفية، إلّا في ممارسات خارجية قد يصنعها بعض الصوفية دون الحنابلة.. مع ملاحظة أنّ دعاة السلفية من المنتسبين إلىٰ مذهب أحمد بن حنبل حين حاربوا هذا النمط من ثقافة الزيارة قد وجَّهوا حملاتهم علىٰ التراث الصوفي خاصةً، وتراث الطوائف الإسلامية الأخرىٰ عامة، وغضّوا الطرف كاملاً عمّا تراكم في تراثهم من ذلك.
ولا ريب في أنّ الأحداث التي دوَّنها ابن الجوزي في ( المنتظم ) في هذا الموضوع كانت صحيحة، وفيها حدثان كان فيهما شاهداً ومعايشاً، وثمَّة حقيقة أُخرىٰ يثبتها، ويشاركه فيها ابن كثير، قد تفوق كلَّ ما تقدَّم ذكره في ما تعارف عليه الحنابلة في الزيارة..
_________________________________
(1) مناقب أحمد: 607.
ففي ترجمة أبي جعفر بن أبي موسىٰ ( ت 470 هـ ) إمام الحنابلة في وقته، وقد دفن عند قبر أحمد، قال ابن الجوزي: كان الناس يبيتون هناك كل ليلة أربعاء، ويختمون الختمات، ويخرج المتعيِّشون فيبيعون المأكولات، وصار ذلك فرجةً للناس - أي فَرَجاً - ولم يزالوا كذلك إلىٰ أن جاء الشتاء فامتنعوا.. وقال ابن كثير: دفن إلىٰ جانب الإمام أحمد، فاتخذت العامَّة قبره سوقاً كلَّ ليلة أربعاء، يتردَّدون إليه (1) .
وكلُّ ما تقدَّم يكشف بوضوح عن عقيدة شيخ الحنابلة في وقته أبي الفرج بن الجوزي في الزيارة، بل في شدِّ الرحال إليها، الذي سيأتي بحثه لاحقاً..
ولنتابع مع آخرين من أقطاب الحنابلة..
2 - موفق الدين ابن قدامة المقدسي ( 620 هـ ): يصرِّح باستحباب زيارة قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويستدلُّ لذلك بما رواه الدارقطني وأحمد من حديث ابن عمر وأبي هريرة (2) .
3 - نجم الدين بن حمدان الحنبلي ( 695 هـ ): ويسنّ لمن فرغ عن نسكه زيارة قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وقبر صاحبيه، وله ذلك بعد فراغ حجه، وإن شاء قبل فراغه (3) .
4 - ابن تيمية ( 728 هـ ): وابن تيمية الذي أنكر السفر بقصد الزيارة، لم ينكر أصل الزيارة، فأثبتها للحاج وأدخلها في المناسك، فقال في مناسكه: « باب زيارة قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا أشرف علىٰ مدينة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قبل الحج أو بعده... فإذا
_________________________________
(1) المنتظم، والبداية والنهاية: أحداث سنة 470 هـ.
(2) المغني / ابن قدامة 3: 788.
(3) نقله السبكي في شفاء السقام: 67 عن ( الرعاية الكبرىٰ في الفروع الحنبلية ).
دخل المسجد بدأ برجله اليمنىٰ... ثمَّ يأتي الروضة بين القبر والمنبر فيصلي بها ويدعو بما شاء، ثمَّ يأتي قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيستقبل الجدار، ولا يمسّه ولا يقبّله، ويجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر علىٰ رأسه ليكون قائماً وِجاه النبي، ويقف متباعداً كما يقف لو ظهر في حياته بخشوع وسكون.. (1) .
ويأتي في الفقرة اللاحقة ما يثبت خطأ ما ذهب إليه ابن تيمية في تجنُّب مسِّ القبر والمنبر.
التبرُّك
زيادة في تقرير صحة الزيارة وكونها قربة، فقد ثبت في الكثير من سير الصحابة والتابعين وكبار السلف أنّهم كانوا يتبرّكون بآثار رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وبقبره ومنبره. والأثر في هذا كثير، نكتفي منه بالنزر اليسير الشاهد علىٰ المطلوب:
1 - قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن الرجل يمسّ منبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ويتبرك بمسّه ويقبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك رجاء ثواب الله تعالى.
قال: لا بأس به (2) .
ويؤيد ذلك عن أحمد الرواية الآتية:
2 - عن الحافظ أبي سعيد بن العلا، وهو معاصر لابن تيمية، قال: رأيت في كلام
_________________________________
(1) ذكره ابن عبدالهادي في الصارم المنكي في الرد علىٰ السبكي: 7 المطبعة الخيرية، القاهرة. ط 1، بواسطة الزيارة في الكتاب والسنّة / جعفر سبحاني: 28 - 29.
(2) أخرجه العز بن جماعة، كما في / وفاء الوفا 2: 424.
الإمام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر (1) وغيره من الحفّاظ: أنّ الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وتقبيل منبره، فقال: لا بأس بذلك.
قال: فأريناه التقيّ ابن تيمية، فصار يتعجب من ذلك، ويقول: عجبت من أحمد، عندي جليل!!
قال ابن العلا: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنّه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به!
أخرج هذا ابن الجوزي وابن كثير (2) ، وهما من أشد الناس اتباعاً لأحمد وتعظيماً له، وان ابن كثير خاصة من أشد الناس متابعة لابن تيمية.
3 - وروىٰ ابن حجر العسقلاني عن أحمد أنّه لا يرىٰ بأساً في تقبيل منبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وقبره (3) .
4 - محمد ابن المنكدر، وهو من أعلام التابعين، توفي سنة 130 هـ، كان يجلس مع أصحابه في المسجد النبوي الشريف، فكان يقوم ويضع خدّه علىٰ قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ثمَّ يرجع، فعوتب في ذلك، فقال: إنّه ليصيبني خطرة، فإذا وجدت ذلك استشفيت بقبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان يأتي موضعاً من المسجد في الصحن فيتمرّغ فيه ويضطجع، فقيل له في ذلك، فقال: إنّي رأيت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا
_________________________________
(1) أبو الفضل، محمد بن ناصر السلامي البغدادي، من أئمة الحنابلة في القرن السادس، وعنه أخذ أبو الفرج ابن الجوزي علم الحديث وعليه قرأ المسانيد، وكان مقدّم أصحاب الحديث في وقته ببغداد. ولد سنة 467 وتوفي سنة 550 هـ. سير أعلام النبلاء: 20: 265 - 270.
(2) مناقب أحمد / ابن الجوزي: 609، البداية والنهاية / ابن كثير: 10: 365 حوادث سنة 241 هـ.
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 3: 475 / 1609.
الموضع، يعني في النوم.
ذكرهما عنه الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) (1) وقد ترجم له ترجمة وافية، وأثنىٰ عليه ثناءً بالغاً، وعدّه، نقلاً عن نقّاد الرجال، من أجدر التابعين من طبقته ممّن يؤخذ منه حتىٰ مراسيله إلىٰ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأرّخ مولده ببضع وثلاثين للهجرة، وهو خال عائشة، وكان خصيصاً بها، وحين توفيت كان هو ابن نيف وعشرين سنة (2) .
5 - وأمّا التبرك بآثار رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فهو أمر شائع، وشواهده يطول ذكرها، نكتفي منها بواحد، عالي الإسناد، صريح الدلالة:
أخرج الذهبي من حديث التابعي الكبير عبيدة السلماني المتوفى سنة 72 هـ، وهو من أجلّ التابعين وأفاضل أصحاب الإمام علي عليهالسلام ، ومن أئمة الحديث والقضاء، وكانوا لا يختلفون في أنّه أقضىٰ من شُريح (3) .
قال الذهبي: قيل لعَبِيدة السلماني: إنّ عندنا من شَعْر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم شيئاً من قِبَل أنس بن مالك.
فقال عَبيدة: لأن يكون عندي منه شعرة أحب إليّ من كل صفراء وبيضاء علىٰ ظهر الأرض.
وعقّب الذهبي قائلاً: هذا القول من عَبيدة هو معيار كمال الحب، وهو أن يؤثر شَعرة نبوية علىٰ كل ذهب وفضة بأيدي الناس، ومثل هذا ما يقوله هذا الإمام بعد
_________________________________
(1) سير أعلام النبلاء / الذهبي 5: 358 - 359.
(2) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 5: 353 - 361.
(3) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 4: 40 - 44.
النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بخمسين سنة، فما الذي نقوله نحن في وقتنا لو وجدنا بعض شعره بإسناد ثابت، او شسع نعل كان له، أو قلامة ظفر، أو شَقَفة من إناء شرب فيه؟
فلو بذل الغني معظم أمواله في تحصيل شيء من ذلك، أكنت تعده مبذّراً أو سفيهاً؟! كلّا.. فأبذل مالك في زورة مسجده الذي بنىٰ فيه بيده، والسلام عليه عند حجرته في بلده، وتملّأ بالحلول في روضته ومقعده، فلن تكون مؤمناً حتىٰ يكون هذا السيد أحبّ إليك من نفسك وولدك وأموالك والناس كلّهم. وقبّل حجراً مكرّماً نزل من الجنّة، وضع فمك لاثماً مكاناً قبّله سيد البشر بيقين، فهنّأك الله بما أعطاك، فما فوق ذلك مفخر، ولو ظفرنا بالمِحْجَن الذي أشار به الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم إلىٰ الحجر ثمَّ قبّلَ مِحْجَنه، لحَقّ لنا أن نزدحم علىٰ ذلك المحجن بالتقبيل والتبجيل، ونحن ندري بالضرورة أن تقبيل الحجر أرفع وأفضل من تقبيل مِحْجَنه ونعله.
قال: وقد كان ثابت البُناني إذا رأىٰ أنس بن مالك أخذ بيده فقبلها، ويقول: يدٌ مسّتها يد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
فنقول نحن إذا فاتنا ذلك: حجر معظّم بمنزلة يمين الله في الاَرض مسّته شفتا نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم لاثماً له.. فإذا فاتك الحج، وتلقّيت الوفد فالتزم الحاج وقبّل فمه، وقل: فمّ مسَّ بالتقبيل حجراً قبّله خليلي صلىاللهعليهوآلهوسلم (1) .
وفي كلام الذهبي هذا تعريض واضح بابن تيمية وأتباعه، وهو يحث علىٰ شدّ الرحال لزيارة قبره، وبذل الأموال من أجل ذلك، بل من أجل الحصول علىٰ شيء من آثاره، ولو شسع نعل كان له.
وخلاصة القول: إنّ التبرك بمسّ قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ومنبره وآثاره أمر معروف
_________________________________
(1) سير أعلام النبلاء 4: 42.
عند متقدمي السلف، مشهود بينهم، وسائر الفقهاء لا يخالفون في هذا، غير أن بعضهم كان يرىٰ أنّ التأدب مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقتضي أن لا يدنو الزائر من قبره كثيراً، بل يقف أمامه علىٰ فاصلة، بكل إجلال، كما لو كان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قائماً أمامه، وهو رأي لا نكارة فيه لمن يرىٰ هذا من التأدّب، وهو بعد لم يستند إلىٰ أدلّة تجعل منه السنّة الثابتة في الزيارة، إنّ القائلين به أيضاً كانوا يستثنون من غلبته شدّة الشوق، فقبل القبر أو المنبر، أو رمىٰ بنفسه عليهما، ولا ريب أنّ بعض أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كانوا يصنعون معه مثل هذا في حياته في حالات الشوق الشديد الذي لا يمتلك معه المرء نفسه، وقد كان ذلك ممّا يبعث في نفسه الشريفة الارتياح، ويزيده لهم محبّة، وعليهم رحمة وشفقة.
كما اتفقوا أيضاً علىٰ أنّ من فعل ذلك لغرض التبرك وحده، فلا بأس به، ولا نكارة عليه.
وإنّما كرهوا أن يكون ذلك تصنّعاً، وأن يتخذه المرء عادةً وسنّةً، دون أن يكون ذلك مصحوباً بشوق حقيقي. وهو المستفاد مما نسب إلىٰ الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليهماالسلام - علىٰ فرض صحَّة إسناده - وقد رأىٰ رجلاً يفعل ذلك مراراً وفي كل يوم، فقال له: « ما يحملك علىٰ هذا؟ » .
قال: أُحبُّ التسليم علىٰ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم .
فقال له زين العابدين عليهالسلام : « هل لك أن أحدّثك عن أبي؟ » .
قال: نعم.
قال عليهالسلام : « حدّثني أبي، عن جدّي، أنّه قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تجعلوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلّوا عليّ وسلّموا حيث ما كنتم،
فسيبلغني سلامكم وصلاتكم » (1) .
وأخرج عبدالرزاق في ( المصنّف ) نحو هذا عن الحسن بن علي عليهماالسلام .
وليس في هذا الكلام إنكار لأصل الزيارة، لاسيما بعد أن ثبت أنّهم يفعلونها، وأنّهم مجمعون علىٰ صحّتها وكونها قربة، ولكنه لما رأىٰ الرجل قد جاوز الحد في صنيعه عند القبر، مكرراً ذلك غداة كل يوم كما جاء في صدر الخبر، الأمر الذي يبعُد معه احتمال كونه يصنع ذلك كلَّه بشوق حقيقي خالٍ من التصنُّع، أنكر عليه ذلك، وأراد تعليمه أنَّ السلام يبلغه ولو من بعد، دون الحاجة إلىٰ هذا القدر من التصنُّع المكرَّر يوماً بعد آخر.
ويشهد لهذا أحاديث كثيرة عن أهل البيت عليهمالسلام ، منها:
- حديث الإمام الباقر عليهالسلام عن أبيه علي بن الحسين نفسه، أنّه كان يقف علىٰ قبر النبي ويلتزق بالقبر (2) .
- وأنّ الإمام الصادق عليهالسلام كان يأتي قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فيضع يده عليه. وسيأتي بكامله مع أحاديث أُخرىٰ مماثلة في ( آداب الزيارة ).
- وحديث الإمام الصادق عليهالسلام : « مرّوا بالمدينة فسلّموا علىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من قريب، وإن كانت الصلاة تبلغه من بعيد » (3) .
- وقوله عليهالسلام : « صلّوا إلىٰ جانب قبر النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وإن كانت صلاة المؤمنين
_________________________________
(1) أخرجه السبكي عن القاضي إسماعيل في كتاب ( فضل الصلاة علىٰ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم )، شفاء السقام: 79.
(2) الكافي 4: 551 / 2.
(3) الكافي 4: 552 / 5 - كتاب الحج - باب دخول المدينة وزيارة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم .
تبلغه أينما كانوا » (1) .
وسيأتي في ( آداب الزيارة ) أن الأئمة عليهمالسلام وسائر أهل العلم كانوا يعلِّمون الناس سنناً وآداباً خاصةً في الزيارة، ليتمسّك بها الناس، فلا يتجاوزونها.
وشأن الزيارة في ذلك شأن سائر العبادات والقربات المحفوفة بالسنن والآداب.
_________________________________
(1) الكافية 4: 553 / 7 تهذيب الأحكام 6: 7 / 4.
الفصل الرابع
آداب الزيارة وردُّ الشبهات المثارة حولها
كغيرها من الأعمال التي يُتقرّب بها إلىٰ الله تعالىٰ، لابدّ أن تكون للزيارة سنن وآداب، ينبغي التزامها، والعمل بمقتضاها والحذر من مجاوزتها وإغفالها لما قد يجره ذلك عن خروج من السنن أحياناً، ومجاوزة للآداب أحياناً أخرىٰ.
وقد تقدّم في ( زيارة القبور وفضيلتها ) عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه نهىٰ أن يقول الزائر هجراً، أي أن يأتي بالكلام الذي لا يستقيم مع روح الدين الإسلامي ومقاصده.
ولما كانت زيارة قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وقبور الأولياء الصالحين ممّا عمل به المسلمون منذ الصدر الأول، واستمروا عليه، فقد وجد الأئمة عليهمالسلام وسائر الفقهاء لزاماً تعليم الناس فقه الزيارة وسننها وآدابها، حفاظاً علىٰ صورة الدين الحنيف، وعلىٰ صورة هذه الشعيرة من شعائره، فورد عنهم في هذا أثر كثير، يؤكد
بالمرتبة الأولىٰ إجماعهم علىٰ أنّها من سنن هذا الدين، وأنّها من الأعمال التي يتقرّب بها العبد إلىٰ الله تعالىٰ..
ونكتفي هنا بإيراد نماذج منتخبة، تحقق الغرضين معاً، شرعية الزيارة، ثمَّ سننها وآدابها.
1 - في حديث حسن الإسناد عن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام : « إذا دخلت المدينة فاغتسل قبل أن تدخلها أو حين تدخلها، ثمَّ تأتي قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمَّ تقوم فتسلّم علىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمَّ تقوم عند الاسطوانة المقدمة من جانب القبر الأيمن عند رأس القبر، وأنت مستقبل القبلة، ومنكبك الأيسر إلىٰ جانب القبر، ومنكبك الأيمن مما يلي القبر، فإنّه موضع رأس رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتقول: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، وأشهد أنّك رسول الله، وأشهد أنّك محمد بن عبدالله، وأشهد أنّك قد بلغت رسالات ربّك ونصحت لأمّتك وجاهدت في سبيل الله وعبدت الله مخلصاً حتىٰ أتاك اليقين، بالحكمة والموعظة الحسنة، وأدّيت الذي عليك من الحقّ، وأنّك قد رؤفت بالمؤمنين، وغلظت علىٰ الكافرين، فبلغ الله بك أفضل شرف محلّ المكرّمين.
الحمد لله الذي استنقذنا بك من الشرك والضلالة، اللهم فاجعل صلواتك وصلوات ملائكتك المقرّبين وعبادك الصالحين وأنبيائك المرسلين وأهل السماوات والأرضين ومن سبّح لك يا رب العالمين من الأولين والآخرين علىٰ محمد عبدك ورسولك ونبيك وأمينك ونجيبك وحبيبك وصفيّك وخاصّتك وصفوتك وخيرتك من خلقك، اللهم أعطه
الدرجة والوسيلة من الجنّة وابعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأولون والآخرون.
اللهم إنّك قلت: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) وإنّي أتيت نبيّك مستغفراً تائباً من ذنوبي، يا رسول الله إنّي أتوجه بك إلىٰ الله ربّي وربّك ليغفر ذنوبي » .
قال: « وإذا كان لك حاجة فاجعل قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم خلف كتفيك واستقبل القبلة وارفع يديك واسأل حاجتك، فإنّها أحرىٰ أن تُقضىٰ إن شاء الله » (1) .
وفي الحديث ما هو صريح بالتوسل والاستشفاع بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم .
أمّا استدبار القبر الشريف أثناء الدعاء فقد ورد مثله في أحاديث أُخر، كما ورد أيضاً استقباله في الدعاء، مما يدل علىٰ جواز الأمرين، وليس في أيّهما مخالفة لأدب الزيارة أو أدب الدعاء.
2 - من حديث الإمام موسىٰ بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه الباقر عليهمالسلام ، قال: « كان أبي علي بن الحسين عليهماالسلام يقف علىٰ قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فيسلّم عليه، ويشهد له بالبلاغ، ويدعو بما حضره، ثمَّ يسند ظهره إلىٰ المروة (2) الخضراء الدقيقة العرض مما يلي القبر، ويلتزق بالقبر، ويسند ظهره إلىٰ القبر ويستقبل القبلة، فيقول: اللهم إليك ألجأت أمري، وإلىٰ قبر محمد عبدك
_________________________________
(1) الكافي 4: 550 - 551 / 1 - كتاب الحج - باب دخول المدينة وزيارة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، تهذيب الأحكام 6: 5 / 1 باب3.
(2) المروة: الحجر البراق.
ورسولك أسندت ظهري، والقبلة التي رضيت لمحمد صلىاللهعليهوآلهوسلم استقبلت... » في دعاء طويل (1) .
3 - عن محمد بن مسعود، قال: رأيت أبا عبدالله عليهالسلام انتهىٰ إلىٰ قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فوضع يده عليه، وقال: « أسأل الله الذي اجتباك واختارك وهداك وهدىٰ بك أن يصلّي عليك » ، ثمَّ قال: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (2) .
4 - عن الإمام الصادق عليهالسلام : « إذا فرغت من الدعاء عند قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فأت المنبر وامسحه بيدك، وخذ برمّانتيه، وهما السفلاوان، وامسح عينيك ووجهك به، فإنّه يقال إنّه شفاء العين. وثمَّ عنده فاحمد الله وأثنِ عليه، وسل حاجتك، فإنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنّة، ومنبري علىٰ ترعة من ترع الجنّة (3) ، ثمَّ تأتي مقام النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فتصلّي فيه ما بدا لك، فإذا دخلت المسجد فصلِّ علىٰ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وإذا خرجت فاصنع مثل ذلك، وأكثر من الصلاة في مسجد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم » (4) .
وهو صريح بجواز التبرّك بمنبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم .
5 - نصّ زيارة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في ( الفقه علىٰ المذاهب الأربعة ).
وردت عن أعلام المذاهب الأربعة نصوص عديدة في زيارة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ،
_________________________________
(1) الكافي 4: 551 / 2.
(2) الكافي 4: 552 / 4.
(3) الترعة: الباب الصغير.
(4) الكافي 4: 553 / 1، باب المنبر والروضة، تهذيب الأحكام 6: 7 / 5.
إختار منها صاحب كتاب ( الفقه علىٰ المذاهب الأربعة ) نصّاً موجزاً نسبياً، يتلوه الزائر عند قبر المصطفىٰ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو:
« السلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، أشهد أنّك رسول الله، فقد بلّغت الرسالة وأدّيت الأمانة، ونصحت الأمّة، وجاهدت في أمر الله حتىٰ قبض الله روحك حميداً محموداً، فجزاك عن صغيرنا وكبيرنا خير الجزاء، وصلّىٰ عليك أفضل الصلاة وأزكاها، وأتمّ التحية وأنماها، اللهم اجعل نبيّنا يوم القيامة أقرب النبيين إليك، واسقنا من كأسه، وارزقنا من شفاعته، واجعلنا من رفقائه يوم القيامة، اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بقبر نبيّنا عليهالسلام ، وارزقنا العود إليه يا ذا الجلال والإكرام » (1) .
وفي الفقرة الأخيرة ما يدلّ علىٰ استحبابهم القصد لزيارته صلىاللهعليهوآلهوسلم ، غير مقرون بقصد آخر « اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بقبر نبيّنا عليهالسلام ، وارزقنا العود إليه ».
تقدّم في حديثي الإمامين زين العابدين والصادق عليهماالسلام استحباب استقبال القبلة وجعل القبر الشريف وراء الكتف حال الدعاء عنده، وقد أشرنا هناك إلىٰ ورود ما يدعو إلىٰ استقبال القبر الشريف حال الدعاء والاستشفاع، وعندها تكون القبلة وراء كتف الزائر. ومما ورد في هذا:
1 - عن أبي حنيفة، قال: جاء أيوب السختياني، فدنا من قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فاستدبر القبلة، وأقبل بوجهه إلىٰ القبر، فبكىٰ بكاءً غير متباكٍ (2) .
_________________________________
(1) الفقه علىٰ المذاهب الأربعة 1: 713.
(2) شفاء السقام: 74، عن مسند أبي حنيفة، لأبي القاسم طلحة بن محمد بن جعفر.
2 - مالك بن أنس: في مناظرة مالك بن أنس وأبي جعفر المنصور في المسجد النبوي الشريف، قال أبو جعفر لمالك: يا أبا عبدالله، أستقبل القبلة وأدعو، أم استقبل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
قال مالك: ولِمَ تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليهالسلام إلىٰ الله تعالىٰ يوم القيامة؟! بل استقبله، واستشفع به فيشفّعه الله تعالىٰ (1) .
3 - مذهب الشافعي وأبي حنيفة، والمنقول عن ابن عمر: استقبال القبر واستدبار القبلة.
قال الخفاجي في ( نسيم الرياض ): استقبال وجهه صلىاللهعليهوآلهوسلم واستدبار القبلة مذهب الشافعي والجمهور، ونُقل عن أبي حنيفة. وقال ابن الهمام: ما نُقل عن أبي حنيفة أنّه يستقبل القبلة مردود بما روي عن ابن عمر: أنّ من السنّة أن يستقبل القبر المكرّم ويجعل ظهره للقبلة. قال: وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة (2) .
وقد تقدمت رواية أبي حنيفة عن أيوب السختياني بما يوافقه.
4 - إبراهيم الحربي (3) : قال في مناسكه: تولّي ظهرك القبلة وتستقبل وسط القبر، وتقول: السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته (4) .
إنّ من تمام الوفاء بالعهد لهم عليهمالسلام زيارة قبورهم.. رغبةً في زيارتهم،
_________________________________
(1) شفاء السقام: 69، ويأتي بتمامه في ( التوسل ).
(2) نسيم الرياض في شرح الشفا 3: 517، الغدير 5: 199.
(3) من كبار الحفّاظ وأهل الفقه والزهد، سمع من أحمد بن حنبل وطبقته، وكان جلساؤه يفضلونه علىٰ أحمد بن حنبل، مولده سنة 198، ووفاته سنة 285 هـ، سير أعلام النبلاء: 3: 356 - 372.
(4) شفاء السقام: 70.
وتصديقاً لما رغبوا فيه، كما ورد عن الإمام الرضا عليهالسلام في ما تقدّم، من أجل ذلك، وحفظاً لسنن الشريعة وآدابها، لا نجد واحداً منهم عليهمالسلام إلّا وقد ورد في آداب زيارته وما يقال عنده ما فيه غنىً لقاصديهم، تعليماً وتأديباً، وما في حفظه براءة من كلّ محدَثٍ مبتَدع من الأمور التي قد تصدر هنا أو هناك عن بعض زوار القبور، لجهالة أو لغفلة، وفيه البراءة أيضاً من كل ما لا يليق بمقاماتهم الشريفة.. ولكون هذه الآداب والتعاليم متشابهة، نكتفي بذكر القليل منها:
1 - في زيارة أمير المؤمنين عليهالسلام ، عن أبي عبدالله عليهالسلام : « إذا أردت زيارة قبر أمير المؤمنين عليهالسلام فتوضّأ واغتسل وامشِ علىٰ هنيئتك، وقل: الحمد لله الذي أكرمني بمعرفة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ومن فرض طاعته، رحمةً منه وتطوّلاً عليَّ بالإيمان..
الحمد لله الذي سيّرني في بلاده، وحملني علىٰ دوابه، وطوىٰ لي البعيد ودفع عني المكروه حتىٰ أدخلني حرم أخي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ... الحمد لله الذي جعلني من زوّار قبر وصي رسول الله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله جاء بالحق من عنده، وأشهد أنّ علياً عبد الله وأخو رسوله.
ثمَّ تدنو من القبر وتقول: السلام من الله والتسليم علىٰ محمد أمين الله... » ثمَّ ذكر تسليماً يعدِّد فيه خلال وخصال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم الحميدة، ثمَّ التسليم علىٰ أمير المؤمنين بنحو ذلك ويكثر من الصلوات عليهما وعلىٰ آلهما، في ذكر طويل (1) .
_________________________________
(1) تهذيب الأحكام 6: 25.
غير انّ هناك نصّاً آخر مختصراً جامعاً لزيارته عليهالسلام روي عن الإمامين الصادق والكاظم عليهماالسلام ، جاء فيه:
« تقول عند قبر أمير المؤمنين عليهالسلام : السلام عليك يا ولي الله، أنت أول مظلوم، وأول من غُصِبَ حقّه، صبرت واحتسبت حتىٰ أتاك اليقين.. وأشهد أنّك قد لقيت الله وأنت شهيد.. عذَّب الله قاتلك بأنواع العذاب وجدد عليه العذاب.. جئتك عارفاً بحقّك، مستبصراً بشأنك، معادياً لأعدائك ومن ظلمك، ألقىٰ علىٰ ذلك ربّي إن شاء الله، يا ولي الله إنّ لي ذنوباً كثيرةً فاشفع لي إلىٰ ربّك عزّوجلّ، فإنّ لك عند الله مقاماً محموداً، وأنّ لك عند الله جاهاً وشفاعةً، وقال تعالىٰ: ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ) » (1) .
فالاغتسال قبل الدخول، ثمَّ الدخول بوقار واحترام وتواضع، والوقوف أولاً عن بعد وأداء السلام اللائق بعد تقديم الحمد لله تعالىٰ والثناء عليه بما هو أهله، ثمَّ الدنو من القبر، وتجديد السلام بأليق الألفاظ وأجمعها لخصاله، ثمَّ الإستشفاع به إلىٰ الله تعالىٰ علىٰ هذا النحو المذكور، وما يدور في مضمونه، تلك هي صورة الزيارة التي نقرأها في تراث أهل البيت عليهمالسلام ، مع ما ورد من جواز مس القبر تبركاً به.
ثمَّ يحسن بعد ذلك أداء الوداع لصاحب القبر المزور قبل الخروج، كما يودّع لو كان حياً، وفيه من حسن الأدب ما لا يخفىٰ، ومما يقال فيه بعد تجديد السلام والعهد بالولاء: « اللهم إنّي أسألك أن تصلّي علىٰ محمّدٍ وآل محمّدٍ، ولا تجعله
_________________________________
(1) تهذيب الأحكام 6: 28.
آخر العهد من زيارته، فإن جعلته فاحشرني مع هؤلاء الميامين الأئمة » (1) .
2 - وهكذا ورد أيضاً مع كل زيارة، فبعد أداء الزيارة للاِمام الحسن عليهالسلام : « تقف عند قبره كوقوفك عليه عند الزيارة، وتقول: السلام عليك يا ابن رسول الله، السلام عليك يا مولاي ورحمة الله وبركاته، استودعك الله وأسترعيك، وأقرأ عليك السلام، آمنّا بالله وبالرسول وبما جئت به ودللت عليه، اللهم اكتبنا مع الشاهدين.. ثمَّ تسأل الله حاجتك وأن لا يجعله آخر العهد منك » (2) .
3 - وفي زيارة قبر الإمام الحسين سيد الشهداء عليهالسلام ورد التأكيد أوّلاً علىٰ الاغتسال بماء الفرات، ثمَّ تراعىٰ الخطوات الآنفة، مع ملاحظة ما يخصّه عليهالسلام من وقائع وأحداث: « إذا أتيت قبر الحسين عليهالسلام فائت الفرات واغتسل بحيال قبره، وتوجّه إليه وعليك السكينة والوقار حتىٰ تدخل إلىٰ القبر، من الجانب الشرقي، وقل حين تدخله: السلام علىٰ ملائكة الله المنزلين » ويكرر السلام علىٰ ملائكة الله ببعض خصالهم « فإذا استقبلت قبر الحسين عليهالسلام ، فقل: السلام علىٰ رسول الله » ويستغرق في السلام والصلاة عليه، ثمَّ علىٰ أمير المؤمنين عليهالسلام ، ثمَّ الإمام الحسن عليهالسلام ، ثمَّ الإمام الحسين عليهالسلام ، ثمَّ سائر الأئمة « ثمَّ تأتي قبر الحسين فتقول: « السلام عليك يا ابن رسول الله » ويستغرق في التسليم عليه بأجمل خصاله، وكل خصاله جميلة، ويؤكد الولاء له، والبراءة من أعدائه « ثمَّ اجلس عند رأسه وقل: صلّىٰ الله عليك،
_________________________________
(1) تهذيب الأحكام 6: 30.
(2) تهذيب الأحكام 6: 41.
أشهد أنّك عبدالله وأمينه، بلّغت ناصحاً وأدّيت أميناً، وقُتلت صدّيقاً، ومضيت علىٰ يقين، ولم تؤثر عمىً علىٰ هدىٰ، لم تَمِلْ من حقٍّ إلىٰ باطل.. أشهد أنّك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، واتّبعت الرسول وتلوت الكتاب حق تلاوته، ودعوت إلىٰ سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة... » « ثمَّ تحوّل عند رجليه وتخيّر من الدعاء، وتدعو لنفسك » .
« ثمَّ تحوّل عند رأس علي بن الحسين » وتسلّم عليه بما يليق بشأنه « ثمَّ تأتي قبور الشهداء وتسلّم عليهم » « ثمَّ ترجع إلىٰ القبر - قبر الحسين عليهالسلام - ... وإذا أردت أن تودعه فقل: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أستودعك الله وأقرأ عليك السلام.. اللهم لا تجعله آخر العهد منّا ومنه » ثمَّ يدعو له بالدرجة العالية الرفيعة (1) .
وعلىٰ هذا النحو سار أئمّة أهل البيت عليهمالسلام في تعليم المسلمين سنن الزيارة وآدابها بعد أن كانوا قد علّموهم فضيلتها، ورغَّبوهم فيها، وحثّوهم عليها.
فحريٌّ بنا التزام هذه السنن والآداب، والحذر من مجاوزتها وفقاً لذوقٍ خاصٍّ او استحسانٍ عقلي، فكثيراً ما ينزلق الذوق الخاص والاستحسان بصاحبه إلىٰ ما لا أصل له في الشريعة، وأحياناً إلىٰ ما يتناقض مع سنن الشريعة وآدابها، ولنا في ما ثبت عنهم عليهمالسلام كفاية في نيل فضيلة الزيارة وشرفها، فلو كانوا يرون في غير ذلك فضلاً لذكروه، وكفى بهذا حجَّةً للمتمسِّك بالسنن، وكفىٰ به زاجراً للخارج عنها.
_________________________________
(1) انظر: الكافي 4: 572 - 575، من حديث الإمام الصادق عليهالسلام .
شبهات حول الزيارة
لم يناقش أحد في مشروعية الزيارة، بل الاتفاق حاصل علىٰ استحبابها وكونها قربة، لما ثبت فيها من النص والسيرة والأثر، وإن ناقش بعضهم في النص، فإنه لم ينكر أصل الزيارة ومشروعيتها، وإنَّما وقع من بعضهم التمسك بشبهات داحضة تتصل ببعض الشؤون المتعلقة بالزيارة، وتنحصر هذه الشبهات في ثلاثة:
لقد ثبت في الفصول الثلاثة المتقدمة أن زيارة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بعد موته في نفسها مستحبة، وأنها من القربات:
أولاً: لأنّها داخلة في عموم زيارة القبور التي حثت عليها السنة النبوية المطهّرة.
ثانياً: لما ورد فيها علىٰ نحو الخصوص من تأكيد الفضيلة والاستحباب.
فكيف إذا ما توقفت الزيارة علىٰ السفر؟
وهل يجوز السفر من مكان بعيد بقصد زيارته صلىاللهعليهوآلهوسلم بالمرتبة الأولىٰ؟
ليس يخفىٰ أن بين الفعل وبين المقدمة التي يتوقف عليها الفعل ملازمة عقلية، فلا يمكن أن يتحقق الحج ما لم يتم السفر إلىٰ ديار الحج.
وفي الأحكام الواجبة يذهب أكثر الفقهاء إلىٰ أن مقدمتها واجبة أيضاً، وهو
المراد بالقاعدة الفقهية المشهورة: « ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب » (1) . أما الذين لا يرون إفراد المقدمة بحكم، فلأنهم ذهبوا إلىٰ أنه بين المقدمة وذي المقدمة ملازمة عقلية محضة لا تستدعي جعل أمر مولوي (2) .
والملازمة العقلية ثابتة بين المندوب وملازمه، من هنا ذهب أكثر الفقهاء إلىٰ أن المقدمة التي يتوقف عليها الحكم المستحب هي مستحبة أيضاً، تبعاً للقول بأن المتلازمين تلازم العلّة والمعلول يجب أن يأخذا حكماً متماثلاً.. وأدنىٰ ما يقال إن الملازم للمندوب لابد أن يكون مباحاً، فلايمكن أن يكون محرماً أو مكروهاً وهو شرط لازم لإتيان المستحب.
ولما كانت زيارة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم مستحبة في نفسها، وقد توقفت علىٰ السفر إلىٰ حيث مرقده الشريف، فلابد أن يكون السفر بقصد الزيارة مباحاً، إن لم يكن مستحباً هو الآخر.
ومن ناحية ثانية: فإن النصوص الواردة في الزيارة تثبت أن السفر بقصد الزيارة قربة، أيضاً، ذلك:
1 - لأنّ النص علىٰ الزيارة يتضمن السفر أيضاً، إذ الزيارة تستدعي الانتقال إلىٰ مكان المزور؛ قريباً كان أو بعيداً، فالزيارة إذ كانت تعني الحضور عند المزور فقد استدعت الانتقال إلىٰ المكان الذي هو فيه، وهو السفر، وإذا كانت الزيارة تعني الانتقال إلىٰ المزور بقصد الحضور عنده؛ فالسفر بهذا القصد هو المنصوص عليه إذن في كل ما تقدم من الأحاديث الحاثة علىٰ الزيارة.
_________________________________
(1) راجع: شرح القواعد الفقهية / أحمد الزرقا: 486، والقواعد الفقهية / علي أحمد الندوي: 345.
(2) الأصول العامة للفقه المقارن / محمد تقي الحكيم: 67.
2 - ولأنّ السفر بقصد الزيارة هو ظاهر الطلب وموضع الحث في بعض النصوص:
- كما في قوله تعالىٰ: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) فمجيؤهم إلىٰ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم هو متعلِّق التوبة والرحمة، فلم يطلب منهم الاستغفار وحده، بل طلب أولاً مجيئهم إلىٰ الرسول ثمَّ الاستغفار بحضرته ليستغفر لهم هو صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا أمر صريح بالسفر إلىٰ الرسول، وقد رأينا الاتفاق علىٰ أن مشروعيته ثابتة بعد وفاة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كما كانت ثابتة في حياته.
- وكما في قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من جاءني زائراً لا تُعْمِلُهُ حاجة إلّا زيارتي » فإنّه صريح في السفر بقصد زيارته صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لا يشترك معها قصد آخر.
- وهكذا كلُّ حديثٍ يقول فيه صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من زارني - أو - من زار قبري » فإنّه عامٌّ يدخل فيه القريب والبعيد.
هذه المقدمة كافية لوحدها في إثبات بطلان ما تمسك به البعض في تحريم السفر بقصد الزيارة، إضافةً إلىٰ ما تنطوي عليه شبهتهم من تهافت واضح..
وهي شبهة قائمة علىٰ فهم حرفي خاطئ لقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا تشدّ الرحال إلّا إلىٰ ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصىٰ » .
فقال هؤلاء: هذا يعني أنّ السفر إلىٰ غير هذه الأماكن الثلاثة حرام! وأنّ السفر بأي قصد غير قصد هذه الاَماكن الثلاثة تعظيماً، والصلاة فيها حرام!!
قال بهذا نفر من المفرطين في السطحية في فهم النص، فلما انتصر له ابن تيمية
أصبح هو مذهب دعاة السلفية حتىٰ اليوم.. (1) .
وهذه الشبهة مردودة؛ أولاً: بما تقدم في الفصول السابقة. و ثانياً: بالمقدمة الآنفة الذكر. و ثالثاً: بالحديث الذي تمسكوا به نفسه.
فالحديث يقول: « لا تشدّ الرحال إلّا إلىٰ ثلاثة مساجد » .
والاستثناء هنا يعود إما إلىٰ المساجد، فيكون المعنىٰ: لا يجوز شدّ الرحال لشيء من المساجد تعظيماً لها، إلّا المساجد الثلاثة المذكورة في الحديث.. وهذا هو الراجح، لأنه لا يتعارض مع أوامر الشريعة، أو حثها علىٰ شدّ الرحال إلىٰ أماكن كثيرة وبمقاصد كثيرة، كما لا يتعارض مع واقع السيرة النبوية الشريفة وسيرة المسلمين، كما سيأتي.
أو أنه استثناء من شدّ الرحال، فيكون المعنىٰ: لا يجوز شدّ الرحال إلىٰ شيء من الأماكن إلّا المساجد الثلاثة.. وهذا هو الذي تمسك به أصحاب هذه الشبهة.
وليس لهذا الكلام معنى إلّا أن يراد به قصد مكان من الأماكن تعظيماً له بذاته، ولذلك جعلوا النذر بالسفر إلىٰ مسجد غير المساجد الثلاثة ليس ملزماً..
وعلىٰ هذا المعنى سوف يخرج كل سفر إلىٰ أي مكان من الاَماكن، لا بقصد تعظيمه بذاته، بل لخصوصية فيه، من حكم النهي.. فشدّ الرحال إلىٰ مكان ما لغرض طلب العلم، ليس هو تعظيماً للمكان المقصود بذاته.. وشدّ الرحال إلىٰ مواقع الجهاد أو لحماية الثغور أو لصلة الرحم ونحو ذلك، ليس فيه شيء من تعظيم الأماكن المقصودة، فليست هذه الأماكن هي علّة السفر لعظمة شأنها، وإنَّما هي غاية السفر لخصوصيات فيها.
_________________________________
(1) انظر: كتاب الزيارة / ابن تيمية: 18 - 21، المسألة الثانية.
وهكذا يقال في شأن الزيارة، فلم يكن موقع القبر هو علّة السفر، وإنّما علّة السفر هو من فيه، فهو بهذا خارج أيضاً عن حكم النهي.
ولا يمكن قبول أي تفسير آخر للحديث يحرّم السفر إلىٰ أي مكان غير المساجد الثلاثة بأي قصد كان، فالسفر في طلب العلم قد يرقىٰ إلىٰ الوجوب الكفائي أحياناً، وكم شدّ الرحال تابعون كبار في طلب حديث واحد عند رجل في مكان ناءٍ.. والهجرة قد تجب أحياناً، كما كان في الهجرة من مكة إلىٰ المدينة، ولقد هاجرت أسرة ابن تيمية نفسه من حرّان إلىٰ دمشق فراراً بحياتهم من المغول.. وهكذا القول مع الجهاد وسدّ الثغور وصلة الرحم، وإسداء النصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من المقاصد التي حثت عليها الشريعة.
وهذا ما يفسّر ورود الحديث بصيغة أُخرىٰ ليس فيها نهي ولا تخصيص، فقد جاء في رواية معمر عن الزهري: « تشد الرحال إلىٰ ثلاثة مساجد » أخرجه مسلم (1) .
وقد قال بعض العلماء: الصحيح إباحة السفر لزيارة القبور والمشاهد، وجواز القصر فيه (2) ، لأن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يأتي قباء ماشياً وراكباً، وكان يزور القبور، وقال: « زوروها تذكّركم الآخرة » . وأما قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا تُشدّ الرحال إلّا إلىٰ ثلاثة مساجد » فيحمل علىٰ نفي الفضيلة، لا علىٰ التحريم، وليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر، ولا يضرّ انتفاؤها (3) .
_________________________________
(1) صحيح مسلم - كتاب الحج - باب لا تشد الرحال إلّا إلىٰ ثلاثة مساجد.
(2) اي قصر الصلاة، إذ لا يجوز القصر في الاَسفار المحرمة.
(3) المغني / ابن قدامة 2: 103.
والمراد بنفي الفضيلة هو أن المساجد الأخرىٰ متساوية في الفضل، فلا معنىٰ لتفضيل بعضها علىٰ بعض.
وقال الغزالي في آداب السفر: القسم الثاني أن يسافر لأجل العبادة، إما لجهاد، أو حج.. ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء عليهمالسلام وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والاَولياء، وكل من يُتبَرّك بمشاهدته في حياته يُتبرك بزيارته بعد وفاته. ويجوز شد الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله عليهالسلام : « لا تُشدّ الرحال إلّا إلىٰ ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصىٰ » لأن ذلك في المساجد، فإنها متماثلة بعد هذه المساجد، وإلّا فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء والأولياء والعلماء في أصل الفضل، وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند الله تعالىٰ.
قال: أما البقاع فلا معنىٰ لزيارتها سوىٰ المساجد الثلاثة، وسوىٰ الثغور للرباط بها، فالحديث ظاهر في أنه لا تشدّ الرحال لطلب بركة البقاع إلّا إلىٰ المساجد الثلاثة (1) .
ثمَّ تمسّك أصحاب هذه الشبهة بأنّ السلام والدعاء يصل الموتىٰ من بعد، فلم يبقَ في الزيارة إلّا قصد الأماكن، وهو منهي عنه في الحديث.
وهذا مردود؛
أولاً: بأن الزائر لا يقصد البقعة بذاتها، وإنَّما يقصد زيارة مَنْ فيها.
وثانياً: هو مردود أيضاً بفعل النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فقد كان يخرج إلىٰ البقيع مراراً، كما تقدم في حديث عائشة، ويخرج إلىٰ قبور الشهداء خارج المدينة، ليسلّم عليهم
_________________________________
(1) إحياء علوم الدين 2: 398 - كتاب آداب السفر - ط دار الوعي بحلب.
ويدعو لهم، وقد كان يكفيه ذلك من مكانه لو كان الأمر كما يقولون، فلِمَ كان يخرج إلىٰ القبور ويقف عندها، ويأمر أصحابه بزيارتها؟
هذا وقد وضع أصحاب هذه الشبهة فتاوىٰ مختلفة، كشف عنها السبكي وكشف زورها (1) .
وهي مترتِّبة علىٰ الشبهة الأولى..
قال ابن تيمية، موهماً كعادته، أنه ينقل عن أهل العلم إجماعهم، ( قالوا: ولأن السفر إلىٰ زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة، لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر بها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعله فهو مخالف للسنّة ولإجماع المسلمين ).
ثمَّ أسند قوله هذا إلىٰ ابن بطة وحده في ( الإبانة الصغرىٰ ).
وسيسوقه هذا القول إلىٰ التكذيب بكل الأحاديث التي وردت في زيارة قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد صنع ذلك، فقال: ( ليس عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في زيارة قبره ولا قبر الخليل حديثاً ثابتاً أصلاً ) (2) وقال أيضاً: ( والأحاديث الكثيرة المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة، بل موضوعة، ولم يرو الأئمة ولا أصحاب السنن المتبعة كسنن أبي داوود والنسائي ونحوهما فيها شيئاً ) (3) .
_________________________________
(1) راجع شفاء السقام: 126 - 127.
(2) كتاب الزيارة: 12 - 13 - المسألة الأولى.
(3) كتاب الزيارة: 38 - المسألة الرابعة.
وفيه:
1 - إنّ الأحاديث التي مرّ ذكرها في زيارة قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فيها الصحيح، وفيها الحسن، وفيها الضعيف، وحتى القسم الأخير منها لم يقع في إسانيدها من هو متهم بالكذب والوضع، فكيف يقال انّها كلها موضوعة؟!
2 - لقد عاد ابن تيمية نفسه إلىٰ كتب السنن المتبعة، ولابدّ له أن يعود فهي مبثوثة بين أيدي الناس، وليعترف أن الحديث في زيارته صلىاللهعليهوآلهوسلم قد أخرجه الدارقطني وابن ماجة! (1) وفيه ردّ لقوله الأول.
3 - ومن كلام ابن تيمية نفسه في كتاب آخر له نأتي علىٰ نقيض ما اعتمده هنا، ينفيه ويثبت ضدّه، فهو حين كان في معرض الحديث عن موضع رأس الحسين عليهالسلام وتخطئة من يذهب إلىٰ أنه دفن في عسقلان أو القاهرة، قال: ( فإذا كانت تلك البقع لم يكن الناس ينتابونها ولا يقصدونها، وإنَّما كانوا ينتابون كربلاء لأن البدن هناك، كان دليلاً علىٰ أن الناس في ما مضىٰ لم يكونوا يعتقدون أن الرأس في شيء من هذه البقاع ). ثمَّ قال: ( ولكن الذي اعتقدوه هو وجود البدن في كربلاء، حتىٰ كانوا ينتابونه في زمن أحمد وغيره، حتىٰ أنّ في مسائله (2) : ( مسائل في ما يُفعل عند قبره ) - أي قبر الحسين عليهالسلام - ذكرها أبو بكر الخلال في جامعه الكبير في زيارة المشاهد ) (3) .
4 - في اعتماد ابن تيمية علىٰ ابن بَطّة مسألتان:
_________________________________
(1) كتاب الزيارة: 19 - المسألة الثانية.
(2) يعني مسائل أحمد بن حنبل.
(3) رأس الحسين / ابن تيمية: 206 مطبوع مع استشهاد الحسين للطبري.
الأولىٰ: ان لابن بَطّة كتابه المعروف بـ ( الإبانة الكبرىٰ ) وقد أثبت فيه خلاف ما نقله عنه ابن تيمية في حق قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، نقله عنه السبكي (1) .
والثانية: إن ابن بَطّة وإن كان قد وصفوه بالصلاح غير أنّهم وصفوه أيضاً بالضعف والاضطراب الكثير. قال الذهبي: لابن بَطّة مع فضله أوهام وغلط.. وقال: قال عبيدالله الأزهري: ابن بطة ضعيف، وعندي عنه ( معجم البغوي ) ولا أُخرج عنه في الصحيح شيئاً.
ونقل الخطيب البغدادي عن الأزهري قوله في ابن بطة: ضعيف، ضعيف، ضعيف، ليس بحجة (2) .
ثمَّ ان ابن تيمية لم يذكر أحداً من الذين قال عنهم أنهم « قالوا » غير ابن بطة هذا!!
ومن ناحية أُخرىٰ فقد بقي لابن تيمية والقائلين بقوله في الموضوع حجتان:
الأولىٰ في غاية الطرافة؛ إذ يقول: إنّ النبي ليلة الإسراء لم يذهب لزيارة قبر إبراهيم الخليل!!
فهل في هذا ما يحتجّ به علىٰ نفي مشروعية الزيارة؟ وهل كل شيء لم يفعله النبي في رحلة الاسراء لم يعد مشروعاً؟ فهو صلىاللهعليهوآلهوسلم في رحلته تلك لم يدعُ أحداً إلىٰ عبادة الله تعالى! ولا كسر صنماً! ولا وصل رحماً، ولا عاد مريضاً، ولا دخل مسجداً!! فعل يحتج بذلك ذو منطق؟ لقد كان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في شغله، في ما هو فوق ذلك كلّه، في رحلة قاده فيها جبرئيل إلىٰ حيث قاده، ثمَّ عاد به إلىٰ مضجعه ولمّا يبرد بعد.
_________________________________
(1) شفاء السقام: 146.
(2) سير أعلام النبلاء 16: 529 - 533، تاريخ بغداد 10: 371 - 375.
انّها واحدة من أساليب التهويل والاستحواذ علىٰ السامع والقارئ من المقلّدين خاصّة.
والثانية داحضة هي الأخرىٰ؛ وهي تمسكه بالحديث « لا تجعلوا قبري عيداً » وقد اعتمد فيه الرواية المنسوبة إلىٰ الحسن بن الإمام الحسن عليهالسلام ، وقد رأىٰ رجلاً عند قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يدعو له ويصلّي عليه، فقال له: لا تفعل فإن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: « لا تتخذوا بيتي عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلّوا عليّ حيث ما كنتم فإنّ صلاتكم تبلغني » .
وعن هذا الخبر قال الذهبي: مرسل (1) .
وتقدّم مثله عن الإمام علي بن الحسين عليهماالسلام ، وفي إسناده رجل مجهول، وقد تقدم الحديث فيه.
وحديث « لا تجعلوا قبري عيداً » أخرجه أبو داود في سننه (2) ، وفي إسناده عبدالله بن نافع الصائغ المخزومي، قدح فيه غير واحد من أهل الجرح والتعديل:
قال فيه أحمد بن حنبل: لم يكن صاحب حديث، كان ضعيفاً فيه، ولم يكن في الحديث بذاك.
وقال البخاري: في حفظه شيء، وقال أيضاً: يُعرف حفظه ويُنكر. ومثله قال أبو حاتم الرازي، وزاد: هو ليّن، ليس بالحافظ.
ووثقه يحيىٰ بن معين.. وقال أبو زرعة: لا بأس به.. ومثله قال النسائي.
وقال ابن عدي: روىٰ عن مالك غرائب. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان
_________________________________
(1) سير أعلام النبلاء 4: 484 ترجمة الحسن بن الحسن السبط عليهالسلام .
(2) سنن أبي داود 1: 453 / 2042.
صحيح الكتاب، وإذا حدّث من حفظه ربّما أخطأ.. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم.. (1) وهكذا اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، يظهر منه أن الغالب عليه الضعف والخطأ في الحفظ، لكنه لم يتهم بوضع وكذب.
والنتيجة أنّ هذا الحديث لم يرد بطريق صحيح، فلا معنىٰ لاحتجاج ابن تيمية به وهو يرد أحاديث الزيارة بدعوىٰ أنها لم ترد بطرق صحيحة.
وعند قبول الحديث لكون رواته غير متهمين بالوضع، مع أنه ورد في أكثر من طريق وان اختلف اللفظ يسيراً، فلا يصح تفسيره منفرداً عن الأحاديث الأخرى المتعلقة بموضوع زيارة قبره الشريف وزيارة سائر القبور، فالإجتزاء سيؤدي إلىٰ تشويه الحقيقة، وظهورها بمظاهر متعددة، والحكم الموضوعي يقتضي النظر والتدبر في ما يتعلق بموضوع البحث من حديث وأثر للخروج بالتصور الجامع للموضوع وأبعاده، عندئذٍ لا يصح تفسير « العيد » هنا بمطلق الوفود او اجتماع الناس عند القبر لقصدهم زيارته، مع وجود الأحاديث التي تحث علىٰ الزيارة، وتأييد ذلك بالأثر الثابت.. وقد تقدم الجمع بين بعض هذه الأحاديث والآثار عند مناقشة الخبر الوارد عن الإمام علي بن الحسين عليهماالسلام بهذا الشأن.
ولهذا أيضاً أورد بعض العلماء تفاسير أُخرىٰ للمراد بقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا تجعلوا قبري عيداً » ..
- أن يكون المراد الحث علىٰ كثرة زيارة قبره صلىاللهعليهوآلهوسلم وأن لا يهمل حتىٰ لا يزار إلّا في بعض الأوقات، كالعيد الذي لا يأتي في العام إلّا مرّتين.. ويؤيده ما جاء في الحديث نفسه: « ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً » أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم
_________________________________
(1) تهذيب التهذيب 6: 46 - 48 / 99.
حتىٰ تجعلوها كالقبور التي لا يصلّىٰ فيها.
- أو أن يكون المراد لا تتخذوا له وقتاً مخصوصاً لا تكون الزيارة إلّا فيه، كما هو الحال في بعض المشاهد التي جعل الناس يوماً معيناً لزيارتها، وزيارة قبره صلىاللهعليهوآلهوسلم ليس فيها يوم بعينه، بل أي يوم كان.
- أو أن يكون المراد أن لا يجعل كالعيد في العكوف عليه والاجتماع وغير ذلك مما يُعمل في الأعياد، بل لا يؤتىٰ إلّا للزيارة والسلام والدعاء ثمَّ ينصرف عنه (1) .
- أو أن الحديث في غير ذلك، إذ إنّ الذي جاء في حديث الحسن المثنّىٰ: « لا تجعلوا بيتي عيداً » ولم يذكر القبر، والقرينة علىٰ ذلك ما جاء بعده « ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً » (2) .
ولأجل التناقض بين ما يفهم من حديث الحسن المثنىٰ وهو الفهم الذي اعتمده المنكرون للزيارة، وبين ما ورد في الزيارة من الحديث والأثر، علّق الذهبي علىٰ حديث الحسن السابق الذكر قائلاً:
ما استدلّ حَسَنٌ في فتواه بطائل من الدلالة، فمن وقف عند الجمرة المقدّسة ذليلاً، مُسَلِّماً مصلياً علىٰ نبيه، فيا طوبىٰ له، فقد أحسن الزيارة، وأجمل في التذلّل والحب، وقد أتىٰ بعبادة زائدة علىٰ من صلّىٰ عليه في أرضه أو في صلاته، إذ الزائر له أجر الزيارة وأجر الصلاة عليه، والمصلّي عليه في سائر البلاد له أجر الصلاة فقط، فمن صلّىٰ عليه واحدة صلىٰ الله عليه عشراً، ولكنّ من زاره - صلوات الله عليه
_________________________________
(1) راجع شفاء السقام: 80.
(2) هامش المحقق في / شفاء السقام: 187 - الطبعة المحققة.
- وأساء أدب الزيارة، أو سجد للقبر، أو فعل ما لا يُشرع، فهذا فعل حسناً وسيئاً، فيُعَلَّم برفق، والله غفور رحيم.
فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم والصياح وتقبيل الجدران وكثرة البكاء إلّا وهو محب لله ولرسوله، فحبّه المعيار الفارق بين أهل الجنّة وأهل النار.
فزيارة قبره من أفضل القُرَب، وشدّ الرحال إلىٰ قبور الأنبياء والاَولياء، لئن سلّمنا أنّه غير مأذون فيه لعموم قوله صلوات الله عليه: « لا تُشد الرحال إلّا إلىٰ ثلاثة مساجد » فشدّ الرحال إلىٰ نبيّنا مستلزم لشدّ الرحل إلىٰ مسجده، وذلك مشروع بلا نزاع، إذ لا وصول إلىٰ حجرته إلّا بعد الدخول إلىٰ مسجده، فليبدأ بتحية المسجد، ثمَّ بتحية صاحب المسجد، رزقنا الله ذلك وإيّاكم، آمين (1) .
قد يجاوز بعض الجهلاء الحد حين يغلبه الوجد، ولا فقه له ولا علم، فيسجد للقبر، وهذا أمر منكر لا يقرّه أحد بأي عذر، والواجب تعليم الجاهل وزجره عن هذا ونظائره من الأفعال التي لا تستقيم مع الشرع، ولا مع أدب الزيارة، ولهذا ونظائره أوجب الله تعالىٰ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأوجب علىٰ العالم أن يظهر علمه، وإلّا لعنه الله وأبعده عن ساحة رضاه.
أما ابن تيمية فقد جعل هذا ذريعة إلىٰ تحريم الذهاب إلىٰ قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بقصد الزيارة حتىٰ من قرب، قائلاً: إن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالىٰ: ( وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا
_________________________________
(1) سير أعلام النبلاء 4: 484 - 485 ترجمة الحسن المثنىٰ.
سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) قالوا: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، فلمّا ماتوا عكفوا علىٰ قبورهم ثمَّ صوّروا علىٰ صورهم تماثيل، ثمَّ طال عليهم الأمد فعبدوها... قال: وقد ثبت عنه في الصحيح أنّه قال: « إنّ من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنّي أنهاكم عن ذلك » . واحتجّ أيضاً بحديث النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لعن الله اليهود والنصارىٰ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » .
وعلىٰ هذا قال: كان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلّموا عليه وأرادوا الدعاء، دعوا مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر (1) .
وهذا ممّا لا يحتجُّ به ذو معرفة، فهل كان علىٰ الله تعالىٰ أن لا يبعث نبياً، سدّاً للذرائع، إذا كانت أمة سالفة قد عبدت نبيّها وألَّهته؟! أم عليه تعالىٰ إذا بعث نبيّاً ألّا يُميته؟! وإذا أماته أن يرفعه إلىٰ السماء لئلّا يُدفن بين أمّته فيتخذون قبره مسجداً؟!
لقد بيّنت الشريعة التوحيد وحدوده، والشرك وحدوده، وحتىٰ الشرك الأصغر، ليجتنبه الناس ولا يخلطون بعباداتهم، وطاعاتهم وأعمالهم ومعتقداتهم شيئاً ممّا يدخل تحت عنوان الشرك، ليبقىٰ الواجب واجباً، والمندوب مندوباً، والمباح مباحاً، كلٌّ علىٰ صورته المشروعة، وما يظهر من بدع في طريق الناس وأساليبهم يردّ عليهم، كما قال صلىاللهعليهوآلهوسلم :« مَن أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ » .
وقد أمر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم المؤمنين بزيارة قبور إخوانهم، فهل يعني أنه أباح لهم إقامة الأوثان عليها والسجود لها؟
_________________________________
(1) مجموع فتاوىٰ ابن تيمية 27: 184 - 192، ونحوه في / زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور: 29 - 30.
لقد أمرهم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بها بعد أن علَّمهم آدابها وسننها، ونهاهم عن المحرم فيها، وهذا هو الأصل في الزيارة في غيرها.
ولقد كان النصارىٰ حتىٰ قبل ظهور نبينا صلىاللهعليهوآلهوسلم يشركون بالله في صلواتهم فيجعلونه ثالث ثلاثة، تعالىٰ الله عن ذلك علواً كبيراً، فهل من واجب الموحِّد فيهم أن ينهاهم عن الصلاة لما خالطها من شرك!! أم الواجب عليه تبيين حدودها وآدابها ونفي كل ما خالطها من بدع وضلالات؟ أم كان علىٰ خاتم الأنبياء أن يحرِّم الصلاة سدّاً للذرائع؟!
هذا مما لا يقوله عاقل.. غير أن عادة ابن تيمية التهويل في الأمور، وإغراء الناس بالإيهام والمغالطة والتلبيس، وقد يسوق هذا إلىٰ الكذب والافتراء، وكثيراً ما وقع فيهما!! وها هو الآن يرتكبهما في قوله: ( كان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلّموا عليه وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر ). وافترىٰ علىٰ مالك بن أنس وكذّب فيه المالكية كلّهم، ومذهبم قائم علىٰ هذا، وقد نقلوه عن إمامهم مالك بأسانيدهم العالية عن أوثق أصحابه وأكثرهم معرفة به.. وحتىٰ لو صح مدّعاه، ولا يصح، فإنّما هو عليه، لا له، ففيه شهادة بزيارتهم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والدعاء عنده، ولا يضرّ في ذلك استقبال القبر عند الدعاء او استدباره واستقبال القبلة. وقد قدمنا علىٰ الهيئتين كثيراً من أثر السلف.
ويغض ابن تيمية الطرف عن كل ما لا يوافق هواه من أثر السلف.. وحين يختلف من السلف اثنان يتمسك هو بمذهب المروانية منهم ويهجر من خالفه، ولو كان من أشرف الصحابة، وأكثرهم علماً..
فلقد وقع النزاع في شيء من هذا عند القبر الشريف بين مروان بن الحكم وبين
أبي أيوب الأنصاري:
أقبل مروان بن الحكم، فإذا رجل ملتزم القبر، فأخذ مروان برقبته، ثمَّ قال: هل تدري ما تصنع؟
فأقبل عليه، فإذا هو أبو أيوب الأنصاري رضياللهعنه ، فقال: نعم، إنّي لم آتِ الحَجَر، إنّما جئت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثمَّ قال: سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: « لا تبكوا علىٰ الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا علىٰ الدين إذا وليه غير أهله » !
أخرجه أحمد في مسنده، وصحَّحه الحاكم والذهبي (1) .
نعم، صدق رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :
لا تبكوا علىٰ الدين إذا وليه أهله.. |
||
ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله.. |
||
ومن غريب اختلاقات ابن تيمية هنا قوله: فهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء، لئلّا يصلّي أحد عند قبره ويتخذه مسجداً، فيُتَّخذ قبره وثناً!
وهذا تهويل وافتراء، فما كان شيء من هذا يدور في خلد أحدهم وإنَّما دفنوه هناك لقولهم إن الأنبياء يُدفنون حيث قبضوا، بل رفعوا القول إلىٰ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه؛ قال المؤرخون: لمّا توفِّي النبيُّ اختلفوا في موضع دفنه؛ فقال قائل: في البقيع، فقد كان صلىاللهعليهوآلهوسلم يكثر الاستغفار لهم.. وقال قائل: عند منبره.. وقال قائل: في مصلّاه.. فجاء أبو بكر فقال: إنّ عندي من هذا خبراً وعلماً، سمعت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم
_________________________________
(1) مسند أحمد 5: 423، والمستدرك 4: 560 / 8571.
يقول: « ما قُبض نبيٌّ إلّا دُفِن حيث تُوفِّي » (1) .
هذه رواية ابن إسحاق والواقدي، أمّا في رواية أبان بن عثمان الأحمر فإنّ قائل ذلك هو عليٌّ عليهالسلام ؛ قال أبان: وخاض المسلمون في موضع دفنه، فقال عليٌّ عليهالسلام : « إنّ الله سبحانه لم يقبض نبيّاً في مكان إلّا وارتضاه لرمسه فيه، وإنّي دافنه في حجرته التي قُبض فيها » فرضي المسلمون بذلك (2) .
وأياً كان القائل، فإنّ ما ذكره ابن تيمية لم يكن ليخطر ببال أحدهم علىٰ الاطلاق، ناهيك عمّا تنطوي عليه كلمته من تصوّر الإجماع أو ما هو قريب به!!
تلك هي شبهاتهم، لا تقوم إلّا علىٰ الذوق الخاص الذي لا يستقيم مع منطقٍ متجرِّدٍ، ولا يسنده دليل..
_________________________________
(1) انظر: السيرة النبوية / ابن هشام 4: 256، السيرة النبوية / الذهبي 2: 481، والنص منه.
(2) إعلام الورىٰ / الطبرسي 1: 27.
توسَّل إلىٰ الله بوسيلةٍ: إذا تقرّب إليه بعمل.
ووَسَّل فلانٌ إلىٰ الله وسيلةً: إذا عمل عملاً تقرّب به إليه.
وتوسّل إليه بكذا: تقرّب إليه بحرمةِ آصرةٍ تُعطفه عليه.
والوسيلة: القُربة.. والدرجة.. والمنزلة عند الملك.
وفي حديث الآذان: « اللهم آتِ محمداً الوسيلة » هي في الأصل ما يُتَوصَّلُ به إلىٰ الشيء ويُتَقَرّب به، والمراد به في الحديث: القرب من الله تعالىٰ، وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة. وقيل: هي منزلة من منازل الجنّة. هكذا قال ابن منظور (1) .
وقال الراغب: الوسيلة: التوصّل إلىٰ الشيء برغبة، وهي أخصّ من الوصيلة بتضمّنها لمعنىٰ الرغبة، قال تعالىٰ: ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) .
وحقيقة الوسيلة إلىٰ الله تعالىٰ - كما قال الراغب - مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحرّي مكارم الشريعة، وهي كالقربة (2) .
وقد ورد لفظ « الوسيلة » في القرآن الكريم في موضعين:
الأول: في قوله تعالىٰ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (3) .
_________________________________
(1) لسان العرب ( وسل ).
(2) معجم مفردات ألفاظ القرآن ( وسل ): 560 - 561.
(3) سورة المائدة: 5 / 35.
قال أهل التفسير: أي اطلبوا إليه القربة بالطاعات، فكأنّه قال: تقرّبوا إليه بما يرضيه من الطاعات (1) .
قال الرازي: الوسيلة، فعيلة، من وَسَل إليه إذا تقّرب إليه. قال لبيد الشاعر:
أرىٰ الناسَ لا يدرون ما قدَّ أمرهم |
ألا كل ذي لبٍّ إلىٰ الله واسِلُ |
أي متوسل. فالوسيلة هي التي يُتَوسَّل بها إلىٰ المقصود (2) .
واستنتج السيد الطباطبائي ممّا تقدَّم في معنىٰ الوسيلة أنّها ليست إلّا توصلاً واتصالاً معنوياً بما يوصل بين العبد وربّه ويربط هذا بذاك، ولا رابط يربط العبد بربّه إلّا ذلّة العبودية، فالوسيلة هي التحقق بحقيقة العبودية وتوجيه وجه المسكنة والفقر إلىٰ جنابه تعالىٰ، فهذه هي الوسيلة الرابطة، وأمّا العلم والعمل فإنّما هما من لوزامها وأدواتها كما هو ظاهر، إلّا أن يطلق العلم والعمل علىٰ نفس هذه الحالة.
وفي الترابط بين المفردات الثلاثة:« تقوىٰ الله » و« ابتغاء الوسيلة » و« الجهاد في سبيله » الواردة في الآية عرض السيد الطباطبائي صورةً رائعة متماسكة، خلاصتها أنّ الأمر بابتغاء الوسيلة بعد الأمر بالتقوىٰ، ثمَّ الأمر بالجهاد في سبيل الله بعد الأمر بابتغاء الوسيلة، هو من قبيل ذكر الخاص بعد العام اهتماماً بشأنه (3) .
فابتغاء الوسيلة إذن وهو التماس ما يقرّب العبد إلىٰ ربّه، أخص من التقوىٰ العامة في اجتناب المعاصي والعمل بالطاعات.
_________________________________
(1) مجمع البيان 3: 293.
(2) تفسير الرازي 6: 225 - 226.
(3) الميزان 5: 328.
والموضع الثاني: في قوله تعالىٰ: ( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) (1) .
والآية هنا في معرض الردِّ علىٰ أقوام يعبدون الملائكة، أو يؤلهون المسيح وعزيراً عليهماالسلام ، فقالت الآية انّ أولئك الذين تدعونهم من ملائكة وأنبياء إنّما هم في أنفسهم يبتغون إلىٰ ربِّهم الوسيلة ويرجون رحمته ويخافون عذابه (2) .
والوسيلة هنا لم تخرج عن معناها الأول، فهي التوصل والتقرّب. وربّما استعملت بمعنىٰ ما به التوصّل والتقرّب، ولعلّه الأنسب بالسياق (3) .
ومن كل ما تقدّم يُعلَم أنّ التوسُّل إنّما هو اتخاذ الوسيلة المقصود، ومعه يكون الأنسب في معنى الوسيلة أنّها ما يتم به التوصّل والتقرّب.
هذا هو التوسُّل في معناه اللغوي الجامع.
أمّا التوسُّل إلىٰ الله تعالىٰ في معناه الاصطلاحي، فهو أن يتقرّب العبد إلىٰ الله تعالىٰ بشيء يكون وسيلة لاستجابة الدعاء ونيل المطلوب (4) . وهو ما جاء به قوله تعالىٰ: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) فهم بعد استغفارهم يتّخذون من استغفار الرسول لهم وسيلة لنيل توبة الله عليهم ورحمته إيّاهم. وهذا توسُّل بدعاء الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته.
_________________________________
(1) سورة الإسراء: 17 / 57.
(2) انظر تفسير الرازي 10: 233 - 234، والميزان 13: 128.
(3) الميزان 13: 130.
(4) انظر: التوسل / جعفر السبحاني: 18، معاونية التعليم والبحوث الإسلامية، بدون تاريخ ورقم طبعة.
ولم ينحصر أُسلوب التوسُّل المأمور به شرعاً، أو الآخر الذي أباحته الشريعة، بهذا اللون بل تعدَّدت أساليبه بتعدُّد الوسائل المعتمدة فيه، كما سيأتي في مبحث أقسام التوسُّل.
ومن هنا يمكن ملاحظة أكثر من مصطلح آخر قد يكون مرادفاً للتوسُّل بهذا المعنىٰ، منها:
1 - الاستشفاع: أو التشفّع، وهو اتخاذ الشفيع إلىٰ الله تعالىٰ لاستجابة الدعاء ونيل القرب والرضا.
وقد كان الاستشفاع بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وبدعائه في حياته ثابت في سلوك المسلمين وثقافتهم، كما هو ثابت أيضاً بعد وفاته، والإجماع قائم علىٰ تحقّق شفاعته صلىاللهعليهوآلهوسلم لأمّته يوم القيامة.
والشفيع بمثابة الوسيلة في الدعاء وطلب القربىٰ.
2 - الاستغاثة: وهي طلب الاِغاثة من المستغاث به، إلىٰ المستغاث والمغيث وهو الله تعالىٰ.
3 - التوجّه: وهو التوجّه إلىٰ الله تعالىٰ بما له وجه عنده.
4 - التجوّه: وهو مثل التوجّه، فهو سؤال الله تعالىٰ بما له وجاهةٌ عنده.
فالوسيلة في التوسُّل، هو الشفيع في الاستشفاع، وهو المستغاث به في الاستغاثة، وهو المتوجَّهُ به في التوجّه، والمتجوّه به في التجوّه. ولا عبرة في اختلاف الألفاظ أو الاختلاف فيها، ما دام المعنىٰ واحداً، وهو سؤال الله تعالىٰ بالنبي محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم أو بغيره ممّا له عند الله تعالىٰ منزلة مقطوع بها.
الفصل الأول
أقسام التوسُّل
التوسُّل في معناه واحد، لا يمكن تقسيمه من هذا الوجه، غير أنّه من حيث تعيين المتوسَّل به - أي الوسيلة - يتعدّد بتعدّد الوسائل، فليس كل شيء يصلُح أن يكون وسيلةً إلىٰ الله تعالىٰ، وإنّما هناك وسائل أمر الشارع ببعضها وشرّع البعض الآخر علىٰ نحو الإباحة أو الاستحباب.
وأقسام التوسُّل بهذا الاعتبار هي:
الله تبارك وتعالى أقرب إلىٰ المرء من نفسه، وأعلم به من نفسه، وأرحم به من كل شيء، فهو (الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ) وهو ( أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) فجاز التوسُّل به تعالىٰ إليه لنيل رضاه، وهو في نهاية اليقين به تعالىٰ والوثوق به والاعتماد عليه.
وقد جاء في دعاء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم عند النوم: « اللّهم إنّي أعوذ برضاك من
سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك » (1) .
وفي هذا الباب يدخل كل دعاء يكون الله جلَّ جلاله هو المخاطب فيه، فقولك: « اللهم اغفر لي ذنبي » ، « اللهم ارحمني » ، « اللهم انّي أسألك رضاك » وغير ذلك إنّما هو توسُّل بالله تعالىٰ لنيل المغفرة، والرحمة، والرضوان.
ومن مفاتح هذا الباب: قوله تعالىٰ: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (2) .
وقوله تعالىٰ: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) (3) .
- وممّا يظهر فيه معنىٰ التوسُّل من هذا القسم، الدعاء المأثور: « اللهم إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحوّل عافيتك، ومن فجأة عقوبتك، ومن جميع سخطك » (4) .
- وكم هي جلية عظمة هذا القسم من التوسُّل، لما يتميّز به من درجات اليقين بالله والإحساس الأكبر بالقرب منه، كما نلمسه في دعاء الإمام زين العابدين عليهالسلام : « لا شفيع يشفع لي إليك، ولا خفير يؤمِنني عليك، ولا حصنٌ يحجبني عنك، ولا ملاذ ألجأ إليه منك.. ولا أستشهد علىٰ صيامي نهاراً، ولا أستجير بتهجّدي ليلاً... ولست أتوسَّل إليك بفضل نافلة مع كثير ما أغفلتُ من
_________________________________
(1) خرّجه الحافظ العراقي في ذيل ( إحياء علوم الدين ) عن النسائي في « اليوم والليلة » / 1444 من حديث علي (ع) - الغزالي / إحياء علوم الدين 1: 554.
(2) سورة غافر: 40 / 60.
(3) سورة البقرة: 2 / 186.
(4) صحيح مسلم / 2739 من حديث ابن عمر. كذا خرّجه العراقي في ذيل ( إحياء علوم الدين ) 1: 546.
وظائف فروضك... هذا مقام من استحيا لنفسه منك » (1) .
فهو عليهالسلام يستبعد الشفعاء بينه وبين بارئه الذي إليه مآبه، وينحّي كل وسيلة، رغم إمكان الاستشفاع والتوسل، كما هو واضح في قوله: « ولست أتوسَّل إليك بفضل نافلة مع كثير ما أغفلتُ من وظائف فروضك » فهو لفرط استحيائه من خالقه يستحي أن يقدّم طاعاته وسيلة بين يدي دعائه خشية أن يكون قد فرّط في أداء شيء من وظائف الفروض.
إنّه يجعل الله تعالىٰ هو شفيعه وهو وسيلته إلىٰ القرب منه ونيل رضاه.
- ومن دعائه عليهالسلام : « وأشبه الأشياء بمشيّتك، وأولىٰ الأمور بك في عظمتك، رحمة من استرحمك، وغوث من استغاث بك » (2) .
- وله عليهالسلام أيضاً: « وياغوثَ كل مخذول فريد، ويا عضد كل محتاج طريد » (3) .
- وقوله عليهالسلام أيضاً: « وبك استغاثتي إن كَرِثْتُ » (4) .
- وقوله عليهالسلام : « واستجير بك اليوم من سخطك، فصلِّ علىٰ محمّدٍ وآله وأجرني » (5) .
- وقوله الذي يحقّق هذه المعاني كلها: « فناديتك يا إلهي مستغيثاً بك، واثقاً بسرعة إجابتك، عالماً أنّه لا يُضطَهَدُ من آوى إلىٰ ظلِّ كنفِك، ولا يفزع من لجأ إلىٰ معقِل انتصارك » (6) .
_________________________________
(1) الصحيفة السجّادية / الدعاء 32.
(2) الصحيفة السجّادية / الدعاء 10.
(3) الصحيفة السجّادية / الدعاء 16.
(4) الصحيفة السجّادية / الدعاء 20.
(5) الصحيفة السجّادية / الدعاء 48.
(6) الصحيفة السجّادية / الدعاء 49.
قال تعالىٰ: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ) (1) .
وهو أمر صريح بدعاء الله تعالىٰ بأسمائه الحسنىٰ، وغالباً ما يأتي الدعاء بالأسماء الحسنىٰ علىٰ صيغة التوسُّل والاستغاثة، وهو إذ يؤكّد أنّ الدعاء هو توسُّل واستغاثة بالله تعالىٰ إليه ولنيل المطلوب لديه، يضيف أُسلوباً جديداً من أساليب التوسُّل والاستغاثة.. قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لله تسعة وتسعون اسماً، من دعا الله بها استجيب له » (2) .
- وقد جاء في دعائه صلىاللهعليهوآلهوسلم : « يا حيُّ يا قيّوم، برحمتك أستغيث » .
- وفي قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم يعلّم ابنته فاطمة عليهاالسلام أن تقول: « يا حي يا قيّوم، يا بديع السماوات والاَرض، لا إله إلّا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كلَّه، ولا تكلني إلىٰ نفسي طرفة عين، ولا إلىٰ أحدٍ من خلقك » (3) .
- ومن حديثه صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما أصاب عبداً قطّ همٌّ ولا حزن، فقال: اللهم إنّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضائك.. أسألك بكل اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همّي وغمّي؛ إلّا أذهب الله
_________________________________
(1) سورة الأعراف: 7 / 180.
(2) الشيخ الصدوق / التوحيد: 195 / 9.
(3) أخرجهما ابن تيمية في كتابه زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور: 47 - 48.
همّه وغمّه، وأبدله مكانه فرحاً ».
قالوا: يا رسول الله، أفلا نتعلّمها؟ يريدون هذه الكلمات.
قال: « ينبغي لمن سمعها أن يتعلّمها » (1) .
- وأخرج الترمذي من حديث بريدة: أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم سمع رجلاً يقول: ( اللهم إنّي أسألك بأنّي أشهد أنّك أنت الله لا إله إلّا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) فقال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لقد سألت الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطىٰ » (2) .
- وأخرج الترمذي أيضاً من حديث أنس بن مالك أنّه كان جالساً مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ورجل يصلّي، فدعا الرجل: ( اللهم إنّي أسألك بأنّ لك الحمد لا إله إلّا أنت المنّان، بديع السماوات والاَرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حيّ يا قيّوم ) فقال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : « تدرون بمَ دعا الله؟ دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطىٰ » (3) .
- ومن حديث محجم بن الادرع، أخرجه الحاكم: دخل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم المسجد، فإذا هو برجل قد صلّىٰ صلاته وهو يتشهَّد ويقول: اللَّهم إنِّي أسألك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنَّك أنت الغفور الرحيم. فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « قد غُفر له، قد غُفر، قد غُفر له » قال الحاكم: صحيح علىٰ شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي (4) .
_________________________________
(1) مسند أحمد 1 / 391، وابن تيمية / المصدر السابق: 48 - 49.
(2) الجامع الصحيح للترمذي 5: 515 / 3475.
(3) المصدر السابق / 3544.
(4) المستدرك 1: 400 / 985.
والحديث في مثل هذا وأشباهه كثير جداً.
وفي الدعاء النبوي الشريف: « اللَّهم إنِّي أسألك باسمك الأعظم » (1) ، « اللَّهم إنِّي أسألك باسمك المخزون المكنون » (2) ، « اللَّهم إنِّي أسألك بأسمائك الحسنىٰ » (3) .
- وفي دعاء الإمام السجّاد عليهالسلام : « فأسألك اللَّهم بالمخزون من أسمائك » (4) .
- وفي دعاء الإمام الباقر عليهالسلام : « اللهم إنّي أسألك باسمك العظيم الأعظم، الأعزّ الأجل الأكرم، الذي إذا دُعيت به علىٰ مغاليق أبواب السماء للفتح بالرحمة انفتحت، وإذا دُعيت به علىٰ مضايق أبواب الاَرض للفرج انفرجت... » الدعاء (5) .
والتوسُّل بأسماء الله الحسنىٰ كثير جدّاً في الدعاء المأثور، وعليه إجماع المسلمين، لا يخالف فيه أحد.
- ومن صريح التوسُّل بصفاته: دعاء الإمام زين العابدين عليهالسلام : « اللهم يا من برحمته يستغيث المذنبون » (6) .
- ودعاؤه أيضاً: « اللهم صلِّ علىٰ محمّدٍ وآله، وشفّع في خطاياي كرمك.. اللهم ولا شفيع لي إليك فليشفع لي فضلك » (7) .
_________________________________
(1) كنز العمال / 3217 و 3877.
(2) الدر المنثور 4: 9.
(3) كنز العمال / 3782.
(4) الصحيفة السجّادية / الدعاء 50.
(5) مصباح المتهجّد / للشيخ الطوسي: 374.
(6) الصحيفة السجّادية / الدعاء 16.
(7) الصحيفة السجّادية / الدعاء 31.
- وفي الدعاء النبوي الشريف: « اللهم إنّي أعوذ برضاك من سخطك » (1) .
« اللهم إنّي أعوذ بنور وجهك الكريم وكلماتك التامّة » (2) .
وهو أن يستفتح الداعي دعاءه بحمد الله تعالىٰ بما هو أهل له من الحمد، والثناء عليه، وأن يصلّي علىٰ النبي محمّدٍ وآله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّ ذلك أقرب في استجابة الدعاء ونيل المطلوب.
قال الإمام الصادق عليهالسلام : « إيّاكم إذا أراد أحدكم أن يسأل من ربِّه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة حتىٰ يبدأ بالثناء علىٰ الله عزّ وجلّ والمدح له، والصلاة علىٰ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمَّ يسأل الله حاجته » (3) .
وقال: « إنّ العبد لتكون له الحاجة إلىٰ الله تعالىٰ فيبدأ بالثناء علىٰ الله والصلاة علىٰ محمّد وآله حتىٰ ينسىٰ حاجته، فيقضيها من غير أن يسأله إيّاها » (4) .
وفي حديث رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: « لا يزال الدعاء محجوباً حتىٰ يُصلّىٰ عليَّ وعلىٰ أهل بيتي » (5) .
وفي حديث الإمام علي عليهالسلام : « كلُّ دعاءٍ محجوب حتىٰ يُصلّىٰ علىٰ محمد وآل
_________________________________
(1) مسند أحمد 1: 96، 6: 201.
(2) سنن أبي داود / 5052.
(3) الكافي 2: 351 / 1.
(4) بحار الأنوار 93: 312.
(5) كفاية الأثر: 29.
محمّد » (1) .
من هنا تجد الحمد لله والثناء عليه والصلاة علىٰ النبي وآله تتصدّر الكثير من الأدعية المأثورة، ولعلّ أوضح ما تكتشف فيه هذه الظاهرة هي أدعية الإمام السجّاد عليهالسلام في الصحيفة السجّادية التي تكاد كلّها تستهل بالحمد والصلاة، بل إنّ الصلاة علىٰ النبي وآله تتصدّر الغالبية العظمىٰ في فقراتها.
ومن صريح دعائه متوسّلا بالصلاة، قوله عليهالسلام : « وصلِّ علىٰ محمّدٍ وآله صلاةً دائمةً ناميةً، لا انقطاع لأبدها، ولا منتهىٰ لأمدها، واجعل ذلك عوناً لي، وسبباً لنجاح طلبتي، إنّك واسع كريم » (2) .
كما ورد سؤال الله تعالىٰ بأسمائه وصفاته وأفعاله، ورد أيضاً سؤاله جلّ شأنه بالقرآن الكريم، وهو كتابه المنزل وكلامه المحكم.
عن عمران بن الحصين: سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: « اقرأوا القرآن، واسألوا الله تبارك وتعالىٰ به، قبل أن يجيء قوم يسألون به الناس » (3) .
فكما يفيده عموم اللفظ من إرادة القربة ونيل الثواب والمنزلة بقراءة القرآن، فإنّه يفيد أيضاً جواز سؤال الله تعالىٰ به، وتقديمه بين يدي الدعاء.
وفي حديث الإمام علي عليهالسلام ما يبيِّن ذلك، قال عليهالسلام : « واعلموا أنّ هذا القرآن هو
_________________________________
(1) مجمع الزوائد 10: 160 وقال: رواه الطبراني في ( الأوسط ) ورجاله ثقات.
(2) الصحيفة السجّادية / الدعاء 13.
(3) مسند أحمد 4: 445.
الناصح الذي لا يغشّ... فاسألوا الله به، وتوجّهوا إليه بحبِّه، ولا تسألوا به خلقه، إنّه ما توجّه العباد إلىٰ الله تعالىٰ بمثله » (1) .
وفي دعاء الإمام زين العابدين عليهالسلام : « واجعل القرآن وسيلةً لنا أشرف منازل الكرامة...
« اللهم صلِّ علىٰ محمّدٍ وآل محمّدٍ واحطط بالقرآن عنّا ثقل الأوزار...
« وهوّن بالقرآن عند الموت علىٰ أنفسنا كرب السياق وجهد الأنين.. » (2) .
وفي حديث أهل البيت عليهمالسلام : « اللهم إنّي أسألك بكتابك المنزل وما فيه، وفيه اسمك الأكبر وأسماؤك الحسنىٰ، وما يخاف ويرجىٰ، أن تجعلني من عتقائك من النار » (3) .
وممّا لا نزاع فيه أنّ القرآن يشفع لصاحبه يوم القيامة.
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « تعلّموا القرآن فإنّه شافع يوم القيامة » (4) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة » (5) .
وفي حديث الإمام علي عليهالسلام في القرآن، وقد تقدّم طرف منه، يقول: « واعلموا أنّه شافعٌ مشفَّع، وقائلٌ مصدَّق، وأنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شُفِّع فيه » (6) .
_________________________________
(1) نهج البلاغة، الخطبة 176، ص260 - تحقيق صبحي الصالح.
(2) الصحيفة السجّادية / الدعاء 42.
(3) الإقبال / لابن طاووس: 41.
(4) مسند أحمد / 22219.
(5) مسند أحمد / 6637.
(6) نهج البلاغة / الخطبة 176.
الأيام التي جعل الله تعالىٰ لها شأناً خاصّاً هي الأُخرىٰ باب من أبواب التوسُّل والاستشفاع.
فقد جاء في دعاء الإمام زين العابدين عليهالسلام في شهر رمضان المبارك: « اللهم إنّي أسألك بحقِّ هذا الشهر » (1) .
إذا كان المراد بقوله تعالىٰ: ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) هو إتيان الطاعات المقرِّبة إلىٰ الله تعالىٰ، كما تقدّم عن المفسّرين، فالطاعات إذن هي الوسيلة إليه تعالىٰ هنا، وبها يتوسَّل العبد لنيل القربة والمنزلة عند بارئه.
ولم يقتصر التوسُّل بالأعمال الصالحة علىٰ أدائها فقط، بل تضمّن أيضاً التوسُّل بها إلىٰ الله تعالىٰ بالدعاء رجاءً لنيل المطلوب، من كشف الغم والهم، أو رفع الدرجة، ونيل الرضوان.
وهذا المعنىٰ منطوٍ في دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهماالسلام بعد أن بنيا البيت العتيق، إذ قدَّما عملهما المبارك بين يدي الدعاءِ، قال تعالىٰ: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (2) .
_________________________________
(1) الصحيفة السجّادية / الدعاء 44، وله تتمة تأتي في محلِّها.
(2) سورة البقرة: 2 / 127 - 128.
وروىٰ البخاري وغيره حديث رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقصُّ علىٰ أصحابه قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، فتوسّلوا بأعمالهم الصالحات ففرج عنهم، قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « بينما ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم المطر، فآووا إلىٰ غار، فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنّه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلّا الصدق، فليدعُ كلّ رجلٍ منكم بما يعلم أنّه صدق فيه.
فقال واحد منهم: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير عمل لي علىٰ فِرْقٍ (1) من أرز، فذهب وتركه، وإنّي عمدتُ إلىٰ ذلك الفِرْق فزرعته، فصار من أمره أنّي اشتريت منه بقراً، وأنّه أتاني يطلب أجره، فقلت: اعمد إلىٰ تلك البقر فَسُقها، فقال لي: إنّما لي عندك فِرْق من أرُز! فقلت له: اعمد إلىٰ تلك البقر، فإنّها من ذلك الفِرْق.. فساقها.. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك، ففرّج عنّا... فانساحت عنهم الصخرة.
فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت آتيهما كلَّ ليلةٍ بلبن غنم لي، فأبطأتُ عنهما ليلة، فجئت وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون (2) من الجوع فكنت لا أسقيهم حتىٰ يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما، فلم أزل أنتظر حتىٰ طلع الفجر، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا.. فانساحت عنهم الصخرة حتىٰ نظروا إلىٰ السماء.
فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنّه كان لي ابنة عم من أحبِّ الناس إليَّ،
_________________________________
(1) الفِرْق: القسم من الشيء إذا انفصل عنه.
(2) أي يتصايحون من الجوع.
وأنّي راودتها عن نفسها، فأبت، إلّا أن آتيها بمئة دينار، فطلبتها حتىٰ قدرت، فأتيتها بها، فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلمّا قعت بين رجليها قالت: اتقِ الله، ولا تفضّ الخاتم إلّا بحقِّه! فقمت وتركت المئة دينار.. فإن كنت تعلم انّي فعلت ذلك من خشيتك، ففرّج عنّا... ففرّج الله عنهم فخرجوا » (1) .
ولم يكن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يريد بهذا الحديث أن يمتّع أصحابه بقصةٍ من قصص الغابرين، إنّما كان يريد ما فيها من دروس وعبر، فهي بعد ما تتركه من أثر وثيق في شحذ الأرواح وزيادة اليقين، تؤدّي دور التعليم لواحد من سبل الخلاص من الشدائد، ألا وهو التوسُّل بالأعمال الصالحات.
وفي بعض التفاسير أنّ المراد بأصحاب الرقيم في قوله تعالىٰ: ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ) (2) هم هؤلاء النفر الثلاثة.
قال الطبرسي، في ذكر الوجوه الواردة في معنىٰ الرقيم: وقيل أصحاب الرقيم هم النفر الثلاثة الذين دخلوا في غار، فانسدّ عليهم، فقالوا: ليدعُ الله تعالىٰ كل واحد منّا بعمله حتىٰ يفرّج الله عنّا، ففعلوا، فنجّاهم الله. قال: رواء النعمان بن بشير، مرفوعاً (3) .
- وفي هذا الباب أيضاً التوسُّل بالكشف عن الاعتقاد المرضي عند الله جلّ شأنه، كالذي يستفاد من قوله تعالىٰ: ( الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (4) . فقدّموا الإيمان وسيلةً بين يدي دعائهم.
_________________________________
(1) صحيح البخاري 4: 173 - كتاب الأنبياء، الباب 53.
(2) سورة الكهف: 18 / 9.
(3) مجمع البيان 6: 697 - 698.
(4) سورة آل عمران: 3 / 16.
وفي ذلك من دعاء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته عليهمالسلام شيء كثير:
- ففي دعاء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: « اللهم إنّي أسألك بأنّي أشهد أنّك أنت الأحد.. » (1) .
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « اللهم أنّي أسألك بأنّي أشهد أنّك الله لا إله إلّا أنت » (2) .
- وفي دعاء الإمام زين العابدين صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ووسيلتي إليك التوحيد، وذريعتي أنّي لم أشرك بك شيئاً ولم أتخذ معك إلهاً » (3) .
للمؤمن عند الله تعالىٰ كرامة.. من هنا جعل الله للمؤمن شفاعةً في إخوانه وذويه من المؤمنين يوم القيامة، بل في الدنيا أيضاً، ففي الحديث الشريف: « قد أَجَرْنا مَنْ أجَرْتِ أُمَّ هانئ » (4) لمّا استجار بها قوم من المشركين يوم الفتح، والجوار معروف في الإسلام ومحفوظ.
ودعاء المؤمن لأخيه المؤمن في الغيب من الدعوات المجابة، ومن الدعوات التي يستحب للمؤمن فعلها.
ففي الحديث الشريف: « إنّ دعوة المسلم مستجابة لاَخيه بظهر الغيب » (5) .
_________________________________
(1) سنن الترمذي / 3475.
(2) الترغيب والترهيب / للمنذري 2: 485.
(3) الصحيفة السجّادية / الدعاء 49.
(4) أخرجه مالك في ( الموطأ ) والبخاري ومسلم في الصحيحين، أنظر: سير أعلام النبلاء 2: 313، 4: 420.
(5) مسند أحمد 5: 195.
بل قد جاء في الحديث الشريف الحثُّ علىٰ التوسُّل بدعاء بعض المؤمنين بأعيانهم، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ رجلاً من أهل اليمن يقدم عليكم.. يقال له أُوَيس، فمن لقيه منكم فليأمره فليستغفر لكم » (1) .
وقصة عمر بن الخطاب في طلب أُوَيس القرني والتماس دعوته مشهورة (2) .
في ترجمة أُوَيس، قال الذهبي بعد أن ذكر عدّة أحاديث في التماس عمر دعاءه، قال: نادىٰ عمر بمنىً علىٰ المنبر: يا أهل قَرَن.. فقام مشايخ، فقال لهم عمر: أفيكم من اسمه أُوَيس؟
فقال شيخ: يا أمير المؤمنين ذاك مجنون يسكن القفار، لا يألَف، ولا يؤلَف.
قال: ذاك الذي أعنيه، فإذا عدتم فاطلبوه، وبلّغوه سلامي وسلام رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
قال: فقال أُوَيس - لمّا بلغه ذلك -: عَرَّفني، وشهَّر باسمي؟! اللّهم صلِّ علىٰ محمّدٍ وعلىٰ آله، السلام علىٰ رسول الله، ثم هام علىٰ وجهه، فلم يُوقَف له بعد ذلك علىٰ أثر دهراً، ثمَّ عاد في أيّام علي عليهالسلام ، فاستشهد معه بصفّين، فنظروا فإذا عليه نيّف وأربعون جراحة (3) .
وكل هذا صريح في التوسُّل بدعاء المؤمن، فهو مرتبة من مراتب التوسُّل.
وأشرف المؤمنين علىٰ الإطلاق هو سيد البشر أجمعين محمّد المصطفىٰ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد أمر الله تعالىٰ بالتماس دعوته وإتيانه لطلب دعائه
_________________________________
(1) صحيح مسلم / 2542.
(2) انظر: سير أعلام النبلاء 4: 20 - 32.
(3) سير أعلام النبلاء 4: 32، تاريخ الإسلام 2: 174، 175.
واستغفاره.
قال تعالىٰ: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (1) .
وقال تعالىٰ: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ) (2) .
والتوسُّل بدعاء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم مشهور بين الصحابة.
قال ابن تيمية: وذلك التوسُّل به أنّهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، ويتوسّلون بشفاعته ودعائه، كما في الصحيح عن أنس بن مالك: أنّ رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قائم يخطب، فاستقبل رسولَ الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قائماً، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله لنا أن يُمسكها عنّا.
فرفع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يديه، ثمَّ قال: « اللّهم حوالينا ولا علينا، اللّهم علىٰ الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر » ، قال، وأقلعت، فخرجنا نمشي في الشمس (3) .
ذلك كان بعد أن سألوه الاستسقاء، فاستسقىٰ لهم، فسقاهم الله مطراً غزيراً.. روىٰ البخاري ومسلم: أنّ رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قائم يخطب، فاستقبل رسولَ الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قائماً، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال
_________________________________
(1) سورة النساء: 4 / 64.
(2) سورة المنافقون: 63 / 5.
(3) زيارة القبور: 41 - 42.
وانقطعت السبل، فادعُ لنا الله تعالىٰ يغيثنا، فرفع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يديه ثمَّ قال: « اللّهم أغثنا، اللّهم أغثنا » ، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلمّا توسّطت السماء انتشرت، ثمَّ أمطرت، قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً (1) . أي أسبوعاً كاملاً.
وفي سنن أبي داود، عن جبير بن مطعم، قال: أتىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أعرابي، فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس وضاعت العيال ونهكت الأموال وهلكت الأنعام، فاستسق لنا، فإنّا نستشفع بك علىٰ الله، ونستشفع بالله عليك.
قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ويحك، أتدري ما تقول؟! إنّه لا يُستشفع بالله علىٰ أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك » (2) .
فقد أنكر عليه قوله « نستشفع بالله عليك » ولم ينكر عليه قوله « نستشفع بك علىٰ الله ».
وفي دلائل النبوة للبيهقي، عن أنس بن مالك: جاء أعرابي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول الله، أتيناك وما لنا من صبي يصطبح، ولا بعير ينطّ، وأنشد:
أتـيتك والعــذراء تدمي لبانـها |
وقد شُغـلِت أمُّ الصبيِّ عن الطفلِ |
|
وألقـى بكفّيه الفـتىٰ لاستــكانةٍ |
من الجوع هوناً ما يمرُّ ولا يحـلي |
|
ولا شيء مـمّا يأكل الناس عندنا |
سوىٰ الحنظل العامي والعَلْهَز الفسلِ |
|
ولـيــس لنـا إلّا إليـك فرارنا |
وأين فرار الناس إلّا إلىٰ الرســلِ |
فقام رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يجرُّ رداءه حتىٰ صعد المنبر، فرفع يديه، ثمَّ قال: « اللّهم
_________________________________
(1) صحيح البخاري / كتاب الإستسقاء، باب 643، صحيح مسلم / كتاب صلاة الإستسقاء.
(2) سنن أبي داود 4: 232 - كتاب السنّة.
اسقنا.. » وذكر الدعاء، ثمَّ قال فما ردَّ النبي يده حتىٰ ألقت السماء بأرواقها، وجاء أهل البطانة يضجّون: الغرق الغرق! فقال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : « حوالينا ولا علينا » فانجاب السحاب عن المدينة حتىٰ أحدق بها كالأكليل، وضحك النبي حتىٰ بدت نواجذه، ثمَّ قال: « لله درُّ أبي طالب، لو كان حيّاً قرَّت عيناه، مَن يُنشِدنا قوله؟ » فقال علي بن أبي طالب عليهالسلام : « يا رسول الله كأنّك تريد قوله:
وأبيضُ يُستسقىٰ الغَمام بوجهه |
ثمالُ اليتامىٰ عصمةٌ للأراملِ |
|
يطوف به الهُلّاك من آل هاشمٍ |
فهم عنده في نعمةٍ وفواضلِ |
|
كذبتم وبيت الله نُبزىٰ محمّداً |
ولمّـا نُـطاعِن دونه ونُناضِلِ |
|
ونُسْلِمَهُ حتىٰ نُـصرَّع دونه |
ونـذهل عـن أبـنائنا والحلائلِ |
فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أجل » فقام رجل من كنانة، رضي الله تعالىٰ عنه، فقال:
لك الحمد والحمد ممّن شكر |
سقينا بوجه النبيِّ المطر |
إلى قوله:
فكان كما قال عمُّه |
أبو طالبٍ أبيض ذو غرر |
فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إن يك شاعرٌ أحسن فقد أحسنت » (1) .
وقال ابن تيمية: وفي الصحيح أنّ عبدالله بن عمر قال: إنّي لأذكر قول أبي طالب في رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم حيث يقول:
وأبيض يُستسقىٰ الغمام بوجهه |
ثمالُ اليتامىٰ عصمةٌ للأراملِ (2) |
_________________________________
(1) دلائل النبوة 6: 140 - 142، شفاء السقام: 170 - 171.
(2) زيارة القبور: 42.
وهذا ممّا لا خلاف فيه.
وفي هذا القسم من التوسُّل أقسام، هي:
أ - التوسُّل بدعائهم في حياتهم؛ وقد تقدّم في الفقرة السابقة.
ب - التوسُّل بهم في حياتهم.
ج - التوسُّل بهم وبدعائهم بعد موتهم.
والقسمان الأخيران ( ب، ج ) ممّا وقع فيه الكلام الذي يستدعي مزيداً من النقد والمطارحة، لذا فقد أفردنا له الفصل الآتي، مستوعبين خلاله الشبهات المثارة حول هذين القسمين من التوسُّل وردودها.
الفصل الثاني
التوسُّل بالأنبياء والصالحين
تقدّم أنّ هذا القسم من التوسُّل ينقسم إلىٰ ثلاثة أقسام، كما تقدّم بحث القسم الأول منه وهو التوسُّل بدعائهم في حياتهم،ويتكفّل هذا الفصل بحث القسمين الآخرين:
المراد هنا التوسُّل بالأنبياء والصالحين بأنفسهم وذواتهم، لما لهم عند الله من شأن ومنزلة، وأمثلته مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته كثيرة.
- فقد تقدّم قول الأعرابي للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( فإنّا نستشفع بك علىٰ الله، ونستشفع بالله عليك ) وردَّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم عليه قوله الأخير ( نستشفع بالله عليك ) مقرّاً قوله الأول ( فإنّا نستشفع بك علىٰ الله ). وهو صريح في جواز الاستشفاع بالنبي نفسه إلىٰ الله تعالىٰ، لمنزلته الشريفة عنده ومقامه المحمود لديه.
- كما تقدّم ذكر أبيات أبي طالب في الاستشفاع بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه، وليس
بدعائه وحسب، وإقرار النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم هذه الاَبيات واستبشاره بها.
- وفي الصحيح الثابت أيضاً توسُّل الأعمى بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في دعاء علَّمه إيّاه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بنفسه..
عن عثمان بن حنيف: إنّ رجلاً ضريراً أتىٰ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: ادعُ الله أن يعافيني.
فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرتَ، وهو خير لك » .
قال: فادعه.
إلىٰ هنا يظهر من الحديث أنّ الرجل كان يتوسَّل بدعاء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم له، غير أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم سينقله إلىٰ أُسلوب آخر من أساليب التوسُّل، فبدلاً من أن يدعو له بالشفاء، علَّمه دعاءً يدعو به صاحب الحاجة نفسه..
يقول الحديث: فقال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ائتِ الميضأة فتوضَّأ، ثمَّ صلِّ ركعتين، ثمّ قل: اللّهم إنّي أسألك وأتوجَّه إليك بنبيِّك محمدٍ نبيِّ الرحمة، يا محمد، إنّي أتوجَّه بك إلىٰ ربِّي فيجلِّي لي عن بصري، اللّهم فشفِّعه فيَّ » .
قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرَّقنا، وما طال بنا الحديث حتىٰ دخل علينا الرجل كأنَّه لم يكن به ضرٌّ قط (1) .
ابن تيمية روىٰ هذا الخبر عن البيهقي، ثمَّ قال:
( قال البيهقي: ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد، عن أبيه، بطوله. ورواه أيضاً هشام الدستوائي عن أبي جعفر، عن أبي أمامة بن سهل، عن عمِّه عثمان بن
_________________________________
(1) مسند أحمد 4: 138. الجامع الصحيح للترمذي ح / 3578 - كتاب الدعوات، سنن ابن ماجة ح / 1385.
حنيف ). ثمَّ واصل ابن تيمية قائلاً: ( قلتُ: وقد رواه ابن السُنّي في كتاب عمل اليوم والليلة، من طريقين، وشبيب هذا صدوق روىٰ له البخاري ) (1) .
وقال أيضاً: ( وقد روىٰ الطبراني هذا الحديث في المعجم ) ثمَّ ذكر الحديث بطوله بإسناد آخر إلىٰ أن قال: ( قال الطبراني: روىٰ هذا الحديث شعبة، عن أبي جعفر - واسمه عُمير بن يزيد - وهو ثقة، تفرَّد به عثمان بن عمير عن شعبة، قال أبو عبدالله المقدسي: والحديث صحيح ). قال: ( قلتُ: والطبراني ذكر تفرُّده بمبلغ علمه، ولم تبلغه رواية روح بن عبادة عن شعبة، وذلك إسناد صحيح يبيِّن أنّه لم ينفرد به عثمان بن عمير ) (2) .
لكنّه مع هذا كلّه، ومع وضوح النص النبوي، يقول: فهذا طلبَ من النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وأمره أن يسأل الله أن يقبل شفاعة النبي له في توجّهه بنبيِّه إلىٰ الله، وهو كتوسُّل غيره من الصحابة به إلىٰ الله، فإنّ هذا التوجّه والتوسُّل هو توجّه وتوسُّل بدعائه وشفاعته! (3) .
ويستنتج من ذلك وأمثاله ممّا تقدّم ذكره أنّ الصحابة كانوا يطلبون من النبي الدعاء، وهذا مشروع في الحيّ (4) .
وفي هذا مصادرة علىٰ الحقيقة غير خافية، ففرق كبير بين أن يطلب أحد الدعاء من النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيدعو له، وبين أن يطلب منه الدعاء، فيعلّمه أن يدعوا بنفسه ويتوسَّل في دعائه بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسيلةً وشفيعاً. ففي الأول يتولَّىٰ النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم
_________________________________
(1) التوسُّل والوسيلة: 101، 102، 103.
(2) التوسُّل والوسيلة: 105 - 106.
(3) التوسُّل والوسيلة: 92، وكتاب الزيارة / لابن تيمية أيضاً: 47 - المسألة الرابعة.
(4) التوسُّل والوسيلة: 20، كتاب الزيارة: 86 - المسألة السابعة.
الدعاء للسائل الذي توسَّل بدعائه له، وهو مرتبة من مراتب التوسُّل، وفي الثاني يتولَّىٰ المرء نفسه الدعاء متوسِّلاً بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه.
والأمر واضح، لاسيما وفي الحديث عبارة صريحة تقول: « يا محمّد يا رسول الله، إنّي أتوجّه بك إلىٰ ربِّي في حاجتي » .
فهو توجّه صريح بمحمّد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه، وتوسل به نفسه إلىٰ الله تعالىٰ، ولا يؤثر علىٰ هذا المعنى ما جاء بعده من قوله « اللّهم فشفّعه فيَّ » لأنّ هذه هي غاية التوسُّل والتوجُّه والاستشفاع، سواء كان توسُّلاً بالدعاء، أو كان توسُّلاً بذات النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم .
كما أنّ قول الأعرابي المتقدّم الذكر ( ادعُ لنا ) الذي يفيد التوسُّل بدعائه صلىاللهعليهوآلهوسلم لا يلغي دلالة قوله: ( فإنّا نستشفع بك علىٰ الله ) بعد إقرار النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم هذا القول الذي هو صريح بالتوسُّل بذاته الشريفة.
ومثله في صراحة التوسُّل بذاته الشريفة قول أبي طالب الذي استبشر به النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم :
وأبيض يستسقىٰ الغمام بوجهه |
ثمالُ اليتامىٰ عصمةٌ للأراملِ |
ومثل هذا في الدعاء كثير، نكتفي منه بما أثبته ابن تيمية نفسه من حديث ابن ماجة عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه ذكر في دعاء الخارج للصلاة، أن يقول: « اللّهم إنِّي أسألك بحقِّ السائلين عليك، وبحقِّ ممشاي هذا، فإنِّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا رياءً ولا سمعةً، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي فإنّه لا يغفر الذنوب إلّا أنت » .
ثمّ نقل بعض أهل العلم أنّهم قالوا: ففي هذا الحديث أنّه سأل بحقِّ السائلين عليه
وبحقِّ ممشاه إلىٰ الصلاة، والله تعالىٰ قد جعل علىٰ نفسه حقّاً، قال الله تعالىٰ: ( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) (1) ونحو قوله: ( كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا ) (2) .
وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال له: « يا معاذ أتدري ما حقُّ الله علىٰ العباد؟ » .
قال: الله ورسوله أعلم.
قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « حقُّ الله علىٰ العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حقُّ العباد علىٰ الله إذا فعلوا ذلك؟ فإنّ حقَّهم عليه أن لا يعذّبهم » .
وقد جاء في غير حديث: « كان حقّاً علىٰ الله كذا وكذا » كقوله: « من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها - في الثالثة أو الرابعة - كان حقّاً علىٰ الله أن يسقيه من طينة الخبال » .
قيل: وما طينة الخبال؟
قال: « عصارة أهل النار » (3) .
وكل هذا دليل علىٰ صحة التوسُّل بالصالحين أنفسهم، وليس بدعائهم وحسب.
بل في هذا الحديث دلالة واضحة علىٰ جواز التوسُّل بهم بعد موتهم، فقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « بحقِّ السائلين » لفظ عام يستوعب كل السائلين من لدن آدم عليهالسلام إلىٰ يوم السائل هذا، بل يستوعب الملائكة ومؤمني الجن أيضاً، ولا يمكن حصره
_________________________________
(1) سورة الروم: 30 / 47.
(2) سورة الفرقان: 25 / 16.
(3) زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور: 39 - 40.
بالسائلين هذا اليوم أو من الأحياء، إذ لا دليل علىٰ هذا يحمله الحديث، ولا مخصص له من خارجه أيضاً، وسيأتي الكلام في هذا في الفقرة اللاحقة.
كما أنّ في الحديث شاهد آخر علىٰ التوسُّل بالأعمال الصالحة: « بحقِّ ممشاي هذا... » .
وهذا هو أكثر ما وقع فيه الخلاف، لاسيما من قبل ابن تيمية ومقلِّديه من سلفية ووهابية، والتحقيق يثبت أنّهم ليسوا علىٰ شيء في ما ذهبوا إليه، وليس لهم إلّا الرأي الذي لا يشفع له دليل، بل الدليل الذي لا يستطيعون إنكاره قائم علىٰ خلاف ما يقولون، وسنرىٰ هنا كيف يجادل ابن تيمية في أدلة هذا القسم بعد أن يثبت صحة كل واحد منها، دون أن يستند علىٰ شيء البتة..
وبعد أن قدّمنا الكلام في دلالة الحديث السابق « بحقِّ السائلين عليك » علىٰ التوسُّل بالموتىٰ، إذ ليس في الحديث ولا خارجه ما يفيد حصره بالأحياء، نشرع باختصار كلام ابن تيمية في هذا الموضوع، والردِّ عليه، مقدِّمين في الردِّ ما أثبت صحته بنفسه.
يقسِّم ابن تيمية التوسُّل بالاَنبياء والصالحين إلىٰ ثلاث درجات، ويقطع بحرمتها جميعاً، وهي:
الدرجة الأولىٰ:
أن يسأل الميتَ حاجتَه، مثل أن يسأله أن يزيل مرضه، أو مرض دوابه، أو يقضي دَينه، أو ينتقم له من عدوِّه، ونحو ذلك، ممّا لا يقدر عليه إلّا الله عزَّ وجلَّ.
يقول: وهذا شرك صريح، يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلّا قُتل (1) .
ومعنىٰ هذا أنّ السائل يسأل الميت، نبياً كان أو من الأولياء الصالحين، حاجته، معتقداً أن هذا المسؤول هو الذي بيده الأمر، وهو الذي سيستجيب دعاءه ويعطيه مراده.
ومثل هذا الاعتقاد لا ينسب إلىٰ المؤمنين، ولا يراود مؤمناً عاقلاً، لكن قد يزاوله بعض الجهّال من عوام الناس، لسذاجةٍ فيهم، دون معرفة بحقيقة هذا الأمر ومآله، والواجب أن يُعلَّم هؤلاء ويُرشَدوا بالأساليب المناسبة لقدراتهم العقلية ولاستعداداتهم النفسية، دون الوصول بهم إلىٰ التكفير.
أمّا إذا كان يفعله الغلاة، من أيِّ فريقٍ كانوا، فالغلاة قد أخرجهم غلوُّهم من الإيمان قبل أن يخرجهم توسُّلهم هذا، فأولىٰ أن يستتابوا علىٰ اعتقاداتهم الفاسدة أولاً، فهي الأصل في هذا وغيره.
الدرجة الثانية:
وهي أن لا تطلب منه الفعل، ولا تدعوه.. ولكن تطلب أن يدعو لك، كما تقول للحي: ادعُ لي، وكما كان الصحابة يطلبون من النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم الدعاء، فهذا مشروع في الحي، وأمّا الميت من الأنبياء والصالحين فلم يشرّع لنا أن نقول: ادعُ لنا. ولا اسئل لنا ربَّك.. فلم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد فيه حديث.
ثمَّ استدلَّ علىٰ كلامه بأنَّ المسلمين حين أجدبوا زمن عمر بن الخطاب،
_________________________________
(1) زيارة القبور: 18.
استسقىٰ عمر بالعباس، وقال: ( اللّهم إنّا كنّا إذا أجدبنا نتوسَّل إليك بنبيِّنا فتسقينا، وإنّا نتوسَّل إليك بعمِّ نبيّنا فاسقنا ) ولم يجيئوا إلىٰ قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قائلين: يا رسول الله ادع لنا واستسق لنا (1) . ثمَّ أطال الكلام بما ليس له في الموضوع صلة، إذ طفق يتكلَّم طويلاً عن بناء القبور واتخاذها مساجد والتبرُّك بها (2) .
والتحقيق يثبت خلاف هذا الرأي ويكشف عن ثغرات هذا الاستدلال..
بدءاً: إنّ الاستدلال باستسقاء عمر بالعباس لا ينهض دليلاً علىٰ الرأي المذكور، لعدة وجوه:
الأول: إذا كان هذا يمثِّل قناعة عمر بالتوسُّل بالحيّ، فليس فيه دلالة علىٰ حرمة التوسُّل بالميِّت.
الثاني: إذا كان موقف عمر هذا يدلُّ علىٰ عدم صحة التوسُّل بالميت، فليس فيه دلالة علىٰ أنّ هذه هي قناعة كلِّ الصحابة حتىٰ المشاركين له في هذا الاستسقاء. فإذا حُمِل إقرارهم قول عمر علىٰ أنّه إجماع سكوتي يدلُّ علىٰ صحّة رأيه، فهو من ناحيةٍ: إنّما يدلُّ علىٰ إقرارهم التوسُّل بالحي الذي تمَّ بالفعل، ولا يدلُّ علىٰ نفي التوسُّل بالميِّت..
هذا إذا عُدَّ الإجماع السكوتي حجّة، والاختلاف فيه كبير جدّاً..
فقد أنكر الاجماع السكوتي طائفة كبيرة من الفقهاء، فلم يعدُّوه إجماعاً ولا حجّة، وهذا هو مذهب المالكية، وهو قول الشافعي، وداود الظاهري إمام
_________________________________
(1) زيارة القبور: 24 - 25.
(2) انظر: زيارة القبور: 26 - 37.
الظاهرية، وإليه ذهب الآمدي، والفخر الرازي، والبيضاوي (1) .
وقد انتقده ابن حزم نقداً لاذعاً، فقال: إنّ القول بمثل هذا الاجماع يعني إيجاب مخالفة أوامره صلىاللهعليهوآلهوسلم ما لم يجمع الناس عليها!! وهذا عين الباطل.. بل إذا تنازع الناس ردّدنا ذلك إلىٰ ما افترض الله تعالىٰ علينا الردّ عليه من القرآن والسنة، ولا نراعي ما أجمعوا عليه مع وجود بيان السنّة (2) .
ويجب أن يضاف إلىٰ هذا أنّ هناك حقيقة واقعة جديرة بالاهتمام والملاحظة في أحداث كهذه، ألا وهي هيبة السلطان وصعوبة الردِّ عليه، لاسيما عمر في زمان حكومته، وأمره هذا أشهر من أن يستدعي سوق الأدلّة والبراهين.
هذا كلُّه فيما لو دلَّت الواقعة علىٰ تحقُّق إجماع سكوتي، وغاية ما يدلُّ عليه هذا الإجماع لو كان متحقِّقاً فعلاً إنّما هو الاجماع علىٰ جواز التوسُّل بالحي وبدعائه، وهذا أمر معلوم بغير هذه الواقعة.. ولا تتحمَّل هذه الواقعة أيَّ دلالةٍ زائدةٍ علىٰ هذا، لما سيأتي من عمل بعض الصحابة بعد عمر بالتوسُّل بالميِّت.
الثالث: إنّ كلمات عمر في هذه الواقعة تتجاوز مسألة التوسُّل بالدعاء إلىٰ التوسُّل بنفس الشخص وذاته، فهو يقول في أول كلامه: ( اللّهم إنّا كنّا نتوسَّل إليك بنبيِّنا فتسقينا، وإنّا نتوسَّل إليك بعمِّ نبيِّنا فاسقنا ). فهو صريح في التوسُّل بالعبّاس نفسه، وليس بدعائه فقط، كما أراد أصحاب الرأي المتقدِّم، فالحديث صريح في أنّ عمر هو الذي كان يدعو، وليس العبّاس، ولم يرد في أيٍّ من طرق هذا
_________________________________
(1) راجع: الأحكام / للآمدي 1: 312، موسوعة الاجماع في الفقه الاِسلامي / سعدي أبو حبيب 1: 31.
(2) المحلّىٰ 7: 165 - 166.
الخبر أنّ عمر قال للعبّاس ( ادعُ لنا )!
ويزيد في هذا وضوحاً ما ذكره ابن الأثير في هذه الحادثة بعد ذكرها، إذ قال: فسقاهم الله تعالىٰ به - أي بالعبّاس - وأخصبت الأرض، فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلىٰ الله، والمكان منه.
قال: ولمّا سقي طفق الناس يتمسَّحون بالعبّاس، ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين (1) .
إذن هو توسُّلٌ بالعبّاس نفسه لقرابته من النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وليس توسُّلٌ بدعائه، هذا من ناحية..
ومن ناحيةٍ أُخرى فهو عريٌّ عن الدلالة علىٰ عدم صحة التوسُّل بالميِّت أو بدعائه، وذلك:
1 - لما تقدّم من انحصار دلالته علىٰ ما ثبت في موضوعه.
2 - لما سنورد بعضه ممّا ثبت عن الصحابة أنفسهم من التوسُّل بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وبدعائه بعد وفاته..
- نبدأ ذلك بالتذكير بما تقدَّم في القسم الأول من حديث الإمام عليٍّ عليهالسلام ، ومن حديث عمر بن حرب الهلالي، في زيارة اثنين من الأعراب بمحضر من كل منهما، وتوسُّلهما بدعائه صلىاللهعليهوآلهوسلم .
- وشاهد ثالث أقرّه ابن تيمية نفسه (2) ، وأخرجه ابن أبي شيبة وغيره. وفيه:
أنّه أصاب الناس قحطٌ في زمان عمر بن الخطاب، فجاء رجل قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ،
_________________________________
(1) أسد الغابة / ترجمة العبّاس.
(2) اقتضاء الصراط المستقيم: 373.
فقال: يا رسول الله، استسق الله لأُمّتك، فإنّهم قد هلكوا.
فأتاه رسول الله في المنام، فقال: « أئتِ عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنّهم مُسْقَون، وقل له: عليك الكَيس، الكَيس » فأتىٰ الرجل عمر فأخبره (1) .
وهذا وحده - بعد أن أقرّه ابن تيمية - كافٍ في دفع شبهته، وفي ردِّ احتجاجه بتوسُّل عمر بالعبّاس علىٰ نفي جواز التوسُّل بدعاء الميِّت، ثمَّ بالميِّت نفسه.
- وأخرج السبكي من حديث عائشة؛ أنّه أصاب المدينة قحطٌ، فقالت: انظروا قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فاجعلوا منه كوىٰ إلىٰ السماء حتىٰ لا يكون بينه وبين السماء سقف.
ففعلوا، فمُطروا حتىٰ نبت العشب، وسمن الإبل حتىٰ تفتَّقت من الشحم، فسمِّي ذلك العام: ( عام الفتق ) (2) .
وبهذا، بل ببعضه ثبتت صحة التوسُّل بدعاء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بعد موته.
الدرجة الثالثة:
التوسُّل بالجاه والحرمة..
قال ابن تيمية: لم يبلغني عن أحدٍ من العلماء في ذلك ما أحكيه، إلّا ما رأيت في فتاوىٰ الفقيه أبي محمد بن عبدالسلام، فإنّه أفتى أنّه لا يجوز لأحدٍ أن يفعل ذلك إلّا للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، إن صحَّ الحديث في النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ! قال: ومعنىٰ الاستسفتاء: قد روىٰ النسائي والترمذي وغيرها أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم علَّم بعض أصحابه أن يدعو فيقول:
_________________________________
(1) المصنّف / لابن أبي شيبة 12: 31 - 32.
(2) شفاء السقام: 172.
« اللّهم إنِّي أسألك وأتوسَّل إليك بنبيِّك نبي الرحمة، يا محمّد يا رسول الله، إنّي أتوسَّل بك إلىٰ ربِّي في حاجتي ليقضيها لي، اللّهم فشفِّعه فيَّ » فإنّ هذا الحديث قد استدلَّ به طائفة علىٰ جواز التوسُّل بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته وبعد مماته.
قالوا، والكلام لابن تيمية: وليس في التوسُّل دعاء المخلوقين، ولا استغاثة بالمخلوق، وإنّما هو دعاء واستغاثة بالله، لكن فيه سؤال بجاهه، كما في سنن ابن ماجة، عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أن يقول: « اللّهم إنِّي أسألك بحقِّ السائلين عليك... » الحديث، ففي هذا الحديث أنّه سأل بحقِّ السائلين عليه.. والله تعالىٰ قد جعل علىٰ نفسه حقّاً.. إلىٰ أن قال: وقالت طائفة: ليس في هذا جواز التوسُّل به بعد مماته وفي مغيبه، بل إنّما فيه التوسُّل في حياته بحضوره..
ثمّ أخذ ينتصر لهذا الرأي الأخير، قائلاً: وذلك التوسُّل به أنّهم كانوا يسألونه أن يدعو لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، ويتوسَّلون بشفاعته ودعائه، ومثَّل لذلك بحديث الأعرابي: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادعُ الله لنا أن يمسكها عنّا.
قال: فهذا كان توسُّلهم به في الاستسقاء ونحوه، ولمّا مات توسَّلوا بالعبّاس رضياللهعنه .. وكذلك معاوية بن أبي سفيان، استسقىٰ بيزيد بن الأسود الجرشي، وقال: اللّهم إنّا نستشفع إليك بخيارنا، يا يزيد ارفع يديك إلىٰ الله...
ثمّ ختم بقوله: ولم يذكر أحد من العلماء أنّه يشرع التوسُّل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه، ولا استحبّوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا غير ذلك من الأدعية، والدعاء مخُّ العبادة (1) .
_________________________________
(1) زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور: 37 - 43.
والخلط والتمويه والتناقض واضح في أكثر من موضع من هذا الكلام، نبدأ بالكشف عنه قبل تقديم الاَدلّة علىٰ المطلوب.
1 - قد خلط بين التوسُّل بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وبين التوسُّل بالجاه، فالفرق واضح بين قولك: « يا محمّد، يا رسول الله إنّي أتوجّه بك إلىٰ الله » وبين أن تقول « اللّهم بحقِّ السائلين عليك » أو « اللّهم بحقِّ محمّدٍ صلىاللهعليهوآلهوسلم » فالأول توجّه وتوسُّل به، والثاني توجُّه وتوسُّل بحقِّه وجاهه ومنزلته، فهذان نوعان من التوسُّل بالأنبياء والصالحين يدخلان في هذا القسم، وقد حمل ابن تيمية الأول علىٰ الثاني، وهو حمل غير صحيح.
2 - خلط هنا كما خلط من قبل بين التوجُّه بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وبين طلب الدعاء منه، والفارق واضح، ولا يخفىٰ أنّه صنع هذا تمويهاً، ليس إلّا، ولذلك تراه عندما استدلَّ بحديث الأعرابي أتىٰ بفقرةٍ منه وترك قوله الذي قدَّمناه آنفاً: « يا رسول الله إنّا نستتشفع بك علىٰ الله » هذا القول الذي أقرَّه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم .
3 - ناقض نفسه في النقل عن العلماء، ثمَّ لجأ إلىٰ تقسيم الدعاء إلىٰ استسقاء وغيره تمويهاً علىٰ الأذهان لا غير، لأنّه عاد فجمع كل أصناف الدعاء ( ولا استحبّوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا في غير ذلك من الأدعية ).
فقد نقل أولاً عن العلماء قولهم بجواز التوسُّل بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته وبعد مماته، ثمَّ عاد يقول: ولم يذكر أحد من العلماء أنّه يشرع التوسُّل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته!!
ونأتي هنا علىٰ ما ينقض دعواه هذه بأدلَّةٍ أقرَّ هو بصحة بعضها، ولم يذكر البعض الآخر بإثبات أو نفي:
- أثبتنا ونؤكد أنّ ابن تيمية لم يجد نصّاً يستفيد منه النهي عن التوسُّل بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فطفق يحمِّل بعض النصوص ما لا تحتمل، وسنراه هنا كيف يدير ظهره لنصٍّ ثبتت صحّته لديه بنحو لا غبار عليه:
إنّه ينقل بطرق يعرف صحّتها عن الصحابي الجليل عثمان بن حنيف أنّه يعلِّم الناس التوسُّل بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في عهد عثمان بن عفّان، ثمَّ يشفِّعه بأخبار مماثلة عن السلف..
يقول: روىٰ البيهقي أنّ رجلاً كان يختلف إلىٰ عثمان بن عفّان في حاجةٍ له، وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي الرجل عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: ائتِ الميضأة، فتوضّأ، ثم ائتِ المسجد فصلِّ ركعتين، ثمَّ قل: « اللّهم إنّي أسألك وأتوجّه إليه بنبيِّنا محمّدٍ نبيِّ الرحمة، يا محمّد، إنّي أتوجَّه بك إلىٰ ربِّي ليقضي لي حاجتي » ثمَّ اذكر حاجتك، ثمَّ رح حتىٰ أروح معك..
فانطلق الرجل، فصنع ذلك، ثمَّ أتىٰ بعدُ عثمان بن عفّان، فجاء البوّاب فأخذ بيده فأدخله علىٰ عثمان فأجلسه معه علىٰ الطنفسة، وقال: انظر ما كانت لك من حاجة، فذكر حاجته، فقضاها له.
ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان لينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتىٰ كلَّمْتَه فيَّ.
فقال عثمان بن حنيف: ما كلّمته، ولكن سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وقد جاءه ضرير وشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أوَ تصبر » ثمَّ ذكر الحديث المتقدِّم.
قال البيهقي - والكلام ما زال لابن تيمية -: ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه بطوله، ورواه أيضاً هشام الدستوائي، عن أبي جعفر، عن أبي أمامة بن سهل، عن عمِّه عثمان بن حنيف. ثمَّ ذكر ابن تيمية لهذا الحديث أسانيد كثيرة، وصحّحها، إلىٰ أن قال:
وروي في ذلك أثر عن بعض السلف، مثل ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ( مجاني الدعاء ) بإسناده: جاء رجل إلىٰ عبد الملك بن سعيد بن أبجر، فجسّ بطنه فقال: بك داء لا يبرأ.
فقال الرجل: ما هو؟
قال: الدُبَيلَة (1) .
فتحوَّل الرجل، وقال: الله، الله، الله ربِّي لا أشرك به شيئاً، اللّهم إنِّي أتوجّه إليك بنبيِّك محمد نبيِّ الرحمة صلىٰ الله عليه وسلّم تسليماً، يا محمّد، إنِّي أتوجّه بك إلىٰ ربِّك وربِّي يرحمني ممّا بي.
قال: فجسّ بطنه، فقال: برئتَ، ما بك علّة..
أضاف ابن تيمية قائلاً: فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنّه دعا به السلف، ونُقل عن أحمد بن حنبل في ( منسك المروذي ) التوسُّل بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في الدعاء (2) .
هكذا يشهد علىٰ بطلان رأيه، وبطلان دعواه السابقة في أنّه لم ينقل عن أحدٍ من السلف التوسُّل به صلىاللهعليهوآلهوسلم بعد موته، هذه الدعوى التي أصرَّ عليها، وصدَّر بها لكتابه
_________________________________
(1) الدُبَيلَة: دُمّل كبار تظهر في الجوف وتقتل صاحبها غالباً.
(2) انظر: التوسُّل والوسيلة: 97، 98، 101 - 103.
( التوسُّل الوسيلة ) (1) !
وبهذا يثبت أنّه لم يكن علىٰ شيءٍ في ما ذهب إليه، غير إصرار علىٰ رأي باطل تشهد الأدلَّة الثابتة علىٰ بطلانه.
والحقُّ أنّ الذي ثبت عن السلف أكثر من ذلك بكثير، ولم يقتصروا علىٰ التوسُّل بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بعد مماته، بل توسَّلوا بغيره ممّن يرون فيه الصلاح ويعتقدون بأنّ له عند الله جاهاً وشفاعة.
التوسُّل بأهل البيت عليهمالسلام :
علىٰ رأس الصالحين والأبرار يأتي الأئمة الأطهار من أهل بيت النبيِّ صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.
وفي بعض المأثور عنهم عليهمالسلام في قوله تعالىٰ: ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) أنَّ الإمام منهم عليهمالسلام هو الوسيلة (2) .
وهو إشارة واضحة إلىٰ كونهم من أكبر مصاديق الوسيلة التي يُتَقَرب بها إلىٰ الله تعالىٰ، من خلال مودَّتهم وموالاتهم اللازمتين لصحَّة الاعتقاد.
وفي الدعاء المأثور في التوسُّل بهم عليهمالسلام ، وهو المعروف بدعاء التوسُّل، نقرأ:
« اللَّهمَّ إنِّي أسألك وأتوجَّه إليك بنبيِّك نبيِّ الرحمة محمَّدٍ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، يا أبا القاسم يا رسول الله يا إمام الرحمة، يا سيِّدنا ومولانا إنَّا توجَّهنا واستشفعنا وتوسَّلنا بك إلىٰ الله، وقدَّمناك بين يدي حاجاتنا، يا وجيهاً عند الله إشفع لنا
_________________________________
(1) التوسُّل والوسيلة: 18.
(2) انظر: الميزان في تفسير القرآن 5: 333 - 334.
عند الله.. يا أبا الحسن يا أمير المؤمنين يا علي بن أبي طالب، يا حُجَّة الله علىٰ خلقه يا سيِّدنا ومولانا إنَّا توجَّهنا واستشفعنا وتوسَّلنا بك إلىٰ الله وقدَّمناك بين يدي حاجاتنا، يا وجيهاً عند الله، إشفع لنا عند الله.. يا فاطمة الزهراء، يا بنت محمَّد، يا قُرَّة عين الرسول، يا سيِّدتنا ومولاتنا، إنَّا توجَّهنا واستشفعنا وتوسَّلنا بكِ إلىٰ الله، وقدَّمناكِ بين يدي حاجاتنا، يا وجيهةً عند الله، إشفعي لنا عند الله » (1) ، ويمضي مع سائر أئمة أهل البيت عليهالسلام بالعبارات نفسها.
ونختتم هذا القسم من الكتاب بذكر شواهد ممّا ثبت عن علماء السلف في هذا، بعد التذكير بما سبق ذكره من كلام مالك للمنصور وحثّه علىٰ التوسُّل بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم واستقبال قبره في الدعاء..
- الشافعي: أيّام كان ببغداد، قال: إنِّي لأتبرَّك بأبي حنيفة، وأجيء قبره كل يوم، فإذ عرضت لي حاجة صلِّيت ركعتين وجئت إلىٰ قبره، وسألت الله تعالىٰ الحاجة عنده، فما تبعد أن تقضىٰ (2) .
وقال ابن حجر: كان الشافعي - أيّام كان ببغداد - يجيء إلىٰ ضريح أبي حنيفة يزوره فيسلِّم عليه، ثمَّ يتوسَّل إلىٰ الله تعالىٰ به في قضاء حاجته.
ولمّا بلغ الشافعي أنّ أهل المغرب يتوسَّلون بما لك لم ينكر عليهم (3) .
- أحمد بن حنبل: ثبت أنّ أحمد توسَّل بالشافعي حتىٰ تعجّب ابنه عبد الله، فقال له أبوه: إنّ الشافعي كالشمس للناس وكالعافية للبدن (4) .
_________________________________
(1) الكفعمي / البلد الأمين: 369، عن ابن بابويه.
(2) تاريخ بغداد 1: 123.
(3) و (4) الخيرات الحسان / لابن حجر: 94.
- أبو علي الخلّال: شيخ الحنابلة في وقته، يقول: ما همَّني أمر فقصدت قبر موسىٰ بن جعفر، فتوسَّلت به، إلّا سهَّل الله تعالىٰ لي ما أُحب (1) .
- إبراهيم الحربي: قال في قبر معروف الكرخي: قبر معروف الترياق المجرَّب، أي في قضاء الحوائج (2) .
وقال ابن خلكان: وأهل بغداد يستسقون بقبره، ويقولون: قبر معروف ترياق مجرَّب (3) .
ومثل ذلك نقله الشعراني في ( الطبقات الكبرىٰ ) (4) .
- أبو الفرج ابن الجوزي: نقل ابن الجوزي أخباراً كثيرةً جدّاً في زيارة قبر أحمد والتبرُّك والتوسُّل به، منها:
عن عبد الله بن موسىٰ، قال: خرجت أنا وأبي في ليلة مظلمة نزور أحمد، فاشتدَّت الظلمة، فقال أبي: يا بنيَّ، تعال حتىٰ نتوسَّل إلىٰ الله تعالىٰ بهذا العبد الصالح حتىٰ يضيء لنا الطريق، فإنِّي منذ ثلاثين سنةً ما توسَّلت به إلّا قُضِيَتْ حاجتي، فدعا أبي وأمّنتُ علىٰ دعائه، فأضاءت السماء كأنَّها ليلة مقمرة حتىٰ وصلنا إليه (5) .
وهكذا يثبت أنّ التوسُّل بأقسامه المذكورة كلّها عمل صحيح، ورد بعضه في القرآن الكريم، وبعضه في الحديث الشريف، علَّمه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بعض أصحابه،
_________________________________
(1) تاريخ بغداد 1: 120.
(2) تاريخ بغداد 1: 122، وصفوة الصفوة / لابن الجوزي 2: 321 / 260.
(3) وفيات الأعيان 5: 232.
(4) الطبقات الكبرىٰ 1: 72.
(5) مناقب الإمام أحمد بن حنبل / لابن الجوزي: 400، 563.
وعمل به أصحابه من بعده، وعمل به التابعون ومن بعدهم، إلىٰ يومنا هذا.. كما يثبت أنّ ما أُثير حول التوسُّل من شبهات هي شبهات داحضة لم يتمسَّك أصحابها بدليلٍ، غير المخالفة والعناد، والدليل قائم بضدِّ ما يقولون.. وأنّ ما يصاحب عمل بعض عوام الناس من أخطاء صغيرة أو كبيرة، ينبغي تصحيحها، وإرشادهم إلىٰ الصحيح الثابت في التوسُّل، وأنّ هذا لا يصحُّ ذريعةً لتحريم سنَّةٍ صحيحةٍ ثابتة.
والحمد لله أولاً وآخراً. وهو المقصود والمعبود وحده، ولا مقصود ولا معبود سواه.
الفهرس
مقدِّمة المركز 3
المقدِّمة 5
الفصل الأول: الزيارة - مشروعيتها - أهدافها - فضيلتها 11
الزيارة لغةً واصطلاحاً: 11
الزيارة في التشريع: 12
أولاً: في القرآن الكريم: 12
ثانياً: في السنّة النبوية: 16
النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يزور القبور: 19
أهداف الزيارة: 22
فضل الزيارة وعوائدها علىٰ الزائر والمَزور: 26
الفصل الثاني: زيارة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل البيت عليهمالسلام في الحديث الشريف 31
زيارة قبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .....31
الحديث الأول: 32
الحديث بلفظ آخر 34
والكلام ثانياً في دلالة الحديث: 39
الحديث الثاني: 39
الحديث الثالث: 43
الحديث الرابع: 45
وهنا مسألتان: 46
وللحديث متابعات: 47
وللحديث شواهد، منها: 47
في حديث أهل البيت عليهمالسلام ....49
أوّلاً: في زيارة قبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم خاصة: 49
الفصل الثالث: الزيارة في تراث السلف ..57
أولاً - في عهد الصحابة: 58
الفائدة 64
ثانياً: بعد الصحابة: 65
وفيه فائدتان: 69
خاتمة في كلمات أئمة الحنابلة خاصةً في الزيارة: 72
التبرُّك .76
الفصل الرابع: آداب الزيارة وردُّ الشبهات المثارة حولها 83
آداب الزيارة 83
استقبال القبر واستدبار القبلة 87
في آداب زيارة مراقد الأئمة عليهمالسلام : 88
شبهات حول الزيارة 93
مدخل: 113
التوسُّل لغةً واصطلاحاً 113
الفصل الأول: أقسام التوسُّل .117
1) التوسُّل بالله تعالىٰ: 117
2) التوسُّل بأسماء الله الحسنىٰ وصفاته جلّ جلاله 120
3) التوسُّل بالثناء علىٰ الله والصلاة علىٰ النبيِّ وآله: 123
4) التوسُّل بالقرآن الكريم .124
5 ) التوسُّل بالأيّام المباركة 126
6) التوسُّل بالأعمال الصالحة 126
7) التوسُّل بدعاء الغير .129
8) التوسُّل بالأنبياء والصالحين .134
الفصل الثاني: التوسُّل بالأنبياء والصالحين .135
القسم الأول: التوسُّل بالأنبياء والصالحين في حياتهم .135
القسم الثاني: التوسُّل بالأنبياء والصالحين بعد موتهم .140