كلمة المركز
الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّنا محمد وآله الطاهرين، وبعد..
في أدبيات الإسلام وأخلاقه بيان شاف للأسس الروحية والفكرية والعملية القويمة في بناء حياة الفرد والمجتمع، ويأتي في طليعة تلك الأسس اختيار القدوة الحسنة، والتأسي بها، والتأثّر بمنهجها، والتحلي بمكارم أخلاقها، واستلهام العبر والدروس من رحاب سيرتها، والانغماس في طهر تجليّاتها، والتواصل معها، مع ضرورة تحويل معطياتها إلى واقع عملي ملموس.
ولا خلاف بأنّ سيرة أهل البيت عليهمالسلام هي الامتداد الحقيقي لسيرة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ونهجه الوضّاء، لأنّهم الحماة الأمناء لمفاهيم الرسالة وعقائدها وأحكامها من حالات التردّي والإنحراف والضلال، الأمر الذي أكّده القرآن الكريم بتطهيرهم، والسنّة المطهّرة بجعل التمسّك بحبلهم عاصما من الضلالة إلى يوم القيامة.
إنّنا بحاجة إلى دراسة متأملة وقراءة متأنية تلمّ بأطراف تلك السيرة المشرقة بالعطاء، لنجعلها نصب أعيننا، فنستجلي مواطن العبرة فيها،
ونستلهم دروس العظمة منها، ونتعاطى مع دلالاتها المتناغمة مع مسيرة الحياة بما تحمله من متطلبات ومستجدات على جميع مستويات الفكر والمنهج والسلوك.
ولعلّ في تنوّع أدوار تلك السيرة بحسب طبيعة واختلاف المرحلة والظروف السياسية المحيطة بقادتنا المعصومين عليهمالسلام ما يزيل الرتابة عنها، ويجعلها تتواصل مع مختلف المواقف والظروف نحو هدفٍ أسمى وهمّ مشترك، وذلك هو حفظ الكتاب الكريم وسنة النبي المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وطلب الاصلاح والهداية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذا الكتاب قراءة في سيرة أحد عظماء أهل البيت عليهمالسلام ، ذلك هو إمامنا العاشر أبو الحسن علي الهادي عليهالسلام الذي طفحت كتب الحديث بمناقبه، وفضائله، ودوره العظيم في إحياء معالم الحقّ بعد أن حاولت السلطات العباسية الغاشمة إماتتها، فضلاً عمّا في سيرته من صفحات مشرقة ملأى بالعطاء نتركها للقارى ء الكريم وهو يتحرّاها في فصول هذا الكتاب الذي استطاع مؤلفه أن يوقفنا عند المحطات الرئيسية في سيرة هذا الإمام العظيم، ضمن دراسة جادّة موثقة بالمصادر المعتبرة.
ومنه تعالى نستمد العون والتوفيق مركز الرسالة |
المقدمة
الحمد للّه ربّ العالمين، وسلامه على عباده المصطفين محمد وآله الهداة الميامين.
وبعد: إنّ البحث في سيرة أئمة أهل البيت عليهمالسلام وتاريخهم يسهم في تأصيل الوعي الرسالي في ضمير الاُمّة، وتصحيح مسار الرسالة من حالات الانحراف الفكري؛ لأنهم قادة الرسالة والقدوة الحسنة المتميزة بخصائص العظمة والاستقامة، وهم الامتداد الواقعي لنهج النبوة وسيرتها المعطاء، وهم الحُماة الاُمناء لمفاهيم الرسالة وعقائدها من حالة التردي والتحريف والضلال.
وعلى الرغم من إقصاء وتغييب رموز القدوة الحسنة عن التواصل مع حياة الاُمّة السياسية والاجتماعية وملاحقتها وعزلها عن قواعدها، فقد تمسكت بهم غالبية الاُمّة ومنحتهم مظاهر الودّ والثقة، لما لمسته من سيرتهم الغنية بالعطاء ودورهم المشرف في جميع المستويات.
وفي عهد الامام الهادي عليهالسلام تصدى الخلفاء العباسيون - كالعادة - لمدرسة الأئمّة عليهمالسلام وشيعتهم، فطوقوا الإمام بحصار شديد ورقابة صارمة، وتربصوا به وبأصحابه، حتى انه يمكن القول إن هذه الفترة من أشد فترات التاريخ وأكثرها ضراوةً وعنتاً على الامام الهادي عليهالسلام وأصحابه، بسبب الحقد السافر الذي يكنّه المتوكل لأهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله ، فهو الذي حرث قبر الامام الحسين عليهالسلام وعفاه، ووضع المسالح حوله ليمنع من زيارته، وقرّب في بلاطه الحاقدين ممن يدينون بالنصب، وفرض على الامام عليهالسلام أقصى حالات العزل والاقصاء، حيث استدعاه إلى عاصمة بلاطه في رحلة مضنية من المدينة المنورة إلى سامراء،
ليكون محجوزا ومراقبا ومعزولاً عن قاعدته العريضة في المدينة المنورة وعن أداء دوره الرسالي في أوساط الاُمّة.
ورغم ضيق هامش الحرية المتاحة للامام الهادي عليهالسلام وفي حدود فسحة ضيقة محكومة بالرقابة والقسوة، سجّل عليهالسلام رصيداً علمياً وعطاءً معرفياً واسعاً، وأسهم في أداء دوره الرسالي، وقدّم عطاءات جادة على طريق الدفاع عن أصول الدين ونشر فروعه، وإيصال سنن جده المصطفى وآبائه الكرام عليهمالسلام إلى قطاعات واسعة من الاُمّة، فضلاً عن مقاومة مظاهر البدع والانحراف، فكان علماً للحق ومرجعاً للدين تهرع إليه الاُمّة حيثما أشكلت مسألة وكلما استجدت أخرى فيوجهها نحو الاصول الحقيقية للشريعة المقدسة.
ولعل أهم ما يستوقف الباحث في حياة الإمام الهادي هو أنه أُسند إليه منصب الامامة بكل ما يتطلبه من احاطة تامة بعلم الشريعة وأحكامهابعد شهادة أبيه عليهالسلام وهو في سن الثامنة من عمره الشريف، وتلك ظاهرة نجدها لأول مرّة في تاريخ أهل البيت عليهمالسلام متمثلة بأبيه الامام الجواد وثانياً بالامام الهادي وثالثاً بالامام الحجة المهدي المذخور لاقامة دولة الحق عليهمالسلام ، وهو أمر لا يصدق على سائر الناس، ولا يقع في دائرة الإمكان الا لمن كان محاطاً بعناية إلهية خاصة، وواقعاً ضمن دائرة الاصطفاء الالهي التي جعلت عيسى بن مريم يتكلم وهو في المهد ويتولى مهام النبوة وهو في السابعة من عمره، وجعلت يحيى بن زكريا نبياً وهو في بواكير الصبا ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّـهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (1) .
ولقد ثبت من سيرته أنه كان أعلم أهل زمانه وأرجحهم كفة بلا خلاف،
__________________
(1) سورة القصص: 28 / 68.
شأنه في ذلك شأن سائر الأئمّة المعصومين عليهمالسلام ، وتسالم العلماء والفقهاء على الرجوع إلى رأيه في المسائل المعقدة والغامضة من أحكام الشريعة والعقيدة الاسلامية، حتى إن المتوكل العباسي وهو ألدّ أعدائه كان يرجع إلى رأيه في المسائل التي اختلف فيها علماء عصره، فيقدّم رأيه على آرائهم، وكانوا يرجعون إليه في كل معضلة، ويلجأون إليه في كل مأزق، وأذعن سائر من ناظره من العلماء المعاصرين له بتفوقه العلمى.
ومن عطاءاته العلمية أنه واصل نشاط مدرسة الأئمّة المعصومين عليهمالسلام من حيث المنهج والمادة، ومهّد لمدرسة الفقهاء والمحدثين من أصحابه التي سارت على خطاها حتى اكتملت في زمان ولده الامام العسكري عليهالسلام ، فكان للإمام الهادي عليهالسلام دورٌ بارزٌ في إغناء تلك المدرسة وتغذيتها بروح الشريعة الغراء، وسنة المصطفى السمحاء، ورفدها بالمادة العلمية اللازمة لديمومتها واستمرار عطائها.
كما أعدّ جيلاً من رواد الفكر الاصيل الثقات فكانوا رواة وطلاباً وفقهاء ومؤلفين ووكلاء منتشرين في طول البلاد وعرضها، يحرصون على تبليغ رسالته عليهالسلام وإيصال كتبه ورسائله وهي تحمل أحكام الشريعة والعقيدة إلى قواعده في مختلف أطراف البلاد الشاسعة، وتمكّن بالاشراف عليهم عن طريق التواقيع والمراسلات أن يكون له امتدادات واسعة في المواقع الاسلامية تؤمّن له الاتصال والتواصل مع قواعده الشعبية في ظلّ تلك الظروف العصيبة، فيخطط لسلوكها ويحمي وجودها وينمي وعيها، ويمدها بكل الأساليب التي تساعد على صمودها وارتقائها إلى مستوى الحاجة الاسلامية.
ونسبت إلى الإمام الهادي عليهالسلام عدّة كتب ورسائل ومسائل في مجال
الأحكام والشرائع والتفسير والأدعية والحكم والمواعظ والوصايا التربوية والبيانات المفصلة في تفسير القرآن وغيرها، وقد وصلنا العديد منها مدونة في مصادر الحديث والرجال.
وكان له عليهالسلام دور بارز في ترسيخ مبادى ء العقيدة، وترك في هذا الاتجاه بحوثاً كلامية وعقائدية عديدة انبرى فيها لخدمة مبادئ الاسلام الحقة والدفاع عن أصوله ونشر فروعه، ولعل أهمّ تلك البحوث رسالته المطولة إلى أهل الاهواز التي تعرّض فيها للردّ على فكرة الجبر والتفويض باعتبارها من المسائل التي أُثيرت بقوة في ذلك الوقت بحيث كانت سبباً للاختلاف بين أصحابه الى حدّ الفرقة والتقاطع والعداوة، فوضع الامام عليهالسلام النقاط على الحروف في هذه المسالة الحساسة. كما تعتبر زيارة الأئمّة عليهمالسلام الموسومة بالزيارة الجامعة والمروية عنه، مدرسة سيارة لتعليم العقيدة الإسلامية والانفتاح على جميع مفرداتها.
ومن جملة القضايا المطروحة بقوة أيضاً في ذلك الوقت، مسألة خلق القرآن التي أثارها الحكم العباسي في زمان المأمون والمعتصم والواثق لأسباب سياسية واعتقادية، فأحدثت فتنة ومحنة بين صفوف الناس على مختلف طبقاتهم وذهب ضحيتها الكثيرون، وأثارت الفرقة والاحقاد والضغائن بين المسلمين. وكان جواب الامام الهادي عليهالسلام لاصحابه واضحا، يقوم على اعتبار الجدال في القرآن بدعة، مع التفريق بين كلام اللّه تعالى وبين علمه، فكلامه تعالى محدث وليس بقديم، قال تعالى: ( مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ ) (1)، وأما علمه فقديم قدم ذاته المقدسة، وهو من الصفات التي هي عين ذاته.
__________________
(1) سورة الأنبياء: 21 / 2.
وتصدى الإمام عليهالسلام لبعض الفرق التي كانت تموج بها الساحة الاسلامية آنذاك والتي رفعت راية الدعوات المنحرفة والشبهات الباطلة، مبيناً زيفها وبطلانها، فكان له موقف حازم تجاه بعض الفرق التي توقفت على بعض الأئمّة عليهمالسلام كالواقفة والفطحية، كما حذر أصحابه من الاختلاط بالصوفية الذين يظهرون التقشف والزهد لإغراء عامة الناس وبسطائهم وغوايتهم.
وانطلاقاً من مسؤوليته الرسالية في الدفاع عن العقيدة الاسلامية المقدسة ومبادئها السامية ومكافحة الكفر والالحاد، اتخذ الامام عليهالسلام مواقف صارمة من الغلو والغلاة الذين استفحلوا في زمانه، فكانوا من المعاول الهدامة التي أرادت الاجهاز على الاسلام وعقائده الحقة بجملة مقالات باطلة خرجوا بها عن الجادة؛ كوصفهم الامام عليهالسلام بالألوهية، واستهتارهم بالسنن الالهية، وإسقاطهم الفرائض عمن دان بمذهبهم، وإباحتهم كل ما حرم الله ونهى عنه كنكاح المحارم واللواط وقولهم بالتناسخ وما إلى ذلك من المفتريات، فأعلن الامام عليهالسلام عن كفرهم وضلالهم، وصرح بلعنهم والبراءة منهم، ودعا إلى نبذ أتباعهم ومقاطعتهم والاستخفاف بهم وتكذيب مقالاتهم الباطلة، وحذر شيعته وسائر المسلمين من الاتصال بهم أو الانخداع بمفترياتهم، حرصاً منه على تنزيه تعاليم الاسلام من التشويه والتحريف والافتراء وتصحيحاً للمسار الاسلامي بكل ما حوى من علوم ومعارف.
وكان عليهالسلام علماً للهداية والاصلاح والارشاد بما يتحلى به من صفات الكمال وحسن السيرة والتفوق العلمي واسماع الموعظة وما ظهر على يده من كرامات حباها الله له، فاستطاع أن ينقذ جماعة ممن أغرتهم الدنيا فانحرفوا عن جادة الطريق فاهتدوا ببركته عليهالسلام إلى ساحل الامان، وخرجوا من ظلمات
الجهل والضلال إلى نور العلم وصراط الهداية.
وواصل عليهالسلام هذه العطاءات ولم تلن له قناة في أداء رسالة جدّه المصطفى صلىاللهعليهوآله وهداية أمته، متحملاً الأهوال صامداً صابراً كالطود الشامخ حتى مضى شهيداً وهو من أنصح خلق الله لخلقه، وأحرصهم على دينه وشريعته، وأصبرهم على بلائه، وأخوفهم من سخطه وعقابه.
ونحن أمام سيرة هذا الإمام العظيم المشرقة بالعطاء، لا يسعنا الا أن نجعلها نصب أعيننا ونعتبر بمواطن العبرة فيها، ونستلهم دروس العظمة منها، ونتواصل مع دلالتها على كافة مستويات الفكر والمنهج والسلوك، وهناك صفحات أخرى مشرقة تستوقف الباحث في سيرة هذا الإمام العظيم الملأى بالعطاء، نتركها للقارئ الكريم وهو يتحرّاها في فصول كتابنا.
ومنه تعالى نستمد العون والتوفيق، وهو من وراء القصد.
* * *
الفصل الأوّل
الحياة السياسية
في عصر الإمام الهادي عليه السلام 212 - 254 هـ
انّ دراسة الحالة السياسية في عصرٍ ما تعتبر بمثابة العجلة التي تتحرك على محورها مجمل الأوضاع الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، ذلك لأن الجهاز الحاكم يمتلك أسباب القدرة على إحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي في أوساط الاُمّة، إلاّ أنّ كيفيّة ذلك مرتبطة بنوع الجهاز الحاكم وطبيعة أداء أجهزتة التنفيذية، من هنا سنقدم قراءة تاريخية تتضمّن أهم سمات العصر الذي عاش فيه الامام أبو الحسن الهادي عليهالسلام وملوك بني العباس الذين عاصرهم الإمام عليهالسلام لأهمية ذلك في معرفة تاريخه عليهالسلام .
ولد الإمام الهادي عليهالسلام سنة 212 هـ على القول المشهور في ولادته، وتولى الإمامة وهو في الثامنة من عمره وذلك بعد وفاة أبيه الجواد عليهالسلام سنة 220 هـ، واستشهد عليهالسلام سنة 254 هـ عن إثنين وأربعين عاما، عاصر فيها عليهالسلام سبعة من ملوك بني العباس وهم بحسب الترتيب كالآتي:
1 - المأمون (198 - 218 هـ ).
2 - المعتصم بن هارون (218 - 227 هـ ).
3 - الواثق بن المعتصم (227 - 232 هـ ).
4 - المتوكّل جعفر بن المعتصم (232 - 247 هـ ).
5 - المنتصر (247 - 248 هـ ).
6 - المستعين بن المعتصم (248 - 251 هـ ).
7 - المعتز بن المتوكّل (252 - 255 هـ ).
امتازت هذه الفترة من حكم بني العباس بضعف سلطة الدولة وسقوط هيبتها وانحلال أجهزتها، بسبب استيلاء الأتراك وغيرهم من الجند الأجانب في زمان المعتصم والملوك الذين بعده على زمام الملك في سامراء، وتدخلهم في مقاليد الحكم، وضعف ثغور الدولة وغزوها من قبل بعض الطامعين الذين يتربصون بها، واستقلال بعض الأطراف، وكثرة المتغلبين من العمال والولاة وغيرهم، وازدياد أعمال التمرد والشغب، وانصراف غالبية العباسيين عن شؤون الحكم إلى الاستحواذ على الأموال العامة وإنفاقها في وسائل اللهو والترف والبذخ والمجون، مما كان له إفرازات وخيمة أبرزها تردي مجمل الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وارتفاع وتيرة الثورات الداخلية والحركات المتطرفة، وفيما يلي أهم خصائص هذا العصر:
كانت الصفة الغالبة على رجال الدولة وعلى رأسهم الخليفة، هي انفاق الأموال الطائلة العائدة الى بيت المال لأغراضهم الخاصة وغير المشروعية في الأغلب كاقتناء الجواري والسراري والقيان والمغنين والمخنثين وشتى وسائل اللهو والمجون المتاحة في ذلك العصر، وكانوا يسرفون في الانفاق على الشعراء
وبناء القصور، بينما تعيش الأكثرية الساحقة من الناس على الكفاف، وينهكها الجوع والفقر، وتفتك بها الأمراض والأوبئة.
فقد كان المأمون ينفق على طعامه يومياً ستة آلاف دينار (1)، وكان المتوكل كثير الانفاق على الشعراء، حتى قيل: ما أعطى خليفة شاعرا ما أعطى المتوكل (2)، فأجاز مروان بن أبي الجنوب على قصيدة في مدحه بمائة وعشرين ألف درهم، وأعطاه حتى أثرى كثيرا فقال:
فأمسك ندى كفيك عني ولاتزد |
فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا |
فقال: لا أمسك حتى يغرقك جودي (3) .
وقرّب المتوكل أبا شبل عاصم بن وهب البرجمي، وكان شاعرا ماجنا، وأنفق عليه حتى أثرى، قال أبو الفرج: نَفَق عند المتوكل بايثاره العبث وخدمه وخُصّ به فأثرى، وأمر له بثلاثين ألف درهم على قصيدة من ثلاثين بيتا (4) .
وأجاز عبيداللّه بن يحيى بن خاقان أباشبل البرجمي أيضا على قصيدة في مدحه خمسة آلاف درهم ودابة وخلع عليه (5) .
وعن أحمد بن المكي، قال: غنيت المتوكل صوتا شعره لأبي شبل البرجمي، فأمر لي بعشرين ألف درهم، فقلت: يا سيدي أسأل اللّه أن يبلّغك الهُنيدة. فسأل عنها الفتح، فقال: يعني مائة سنة، فأمر لي بعشرة آلاف
__________________
(1) الفخري في الآداب السلطانية / ابن الطقطقا: 207، نشر الشريف الرضي، قم.
(2) تاريخ الخلفاء / السيوطي: 270.
(3) تاريخ الخلفاء / السيوطي: 270.
(4) الأغاني / ابوالفرج الاصفهاني 14: 193 - دار إحياء التراث العربي - بيروت.
(5) الأغاني 14: 199.
اُخرى (1) .
وأجاز المتوكل الحسين بن الضحاك الخليع على أربعة أبيات أربعة آلاف دينار (2) .
وكان المتوكل مغرما بالجواري اللاتي يجلبن من أنحاء البلاد بأموال طائلة، فقد روي عن المسعودي أنه قال: كان المتوكل منهمكا في اللذات والشراب، وكان له أربعة آلاف سُرّية ووطئ الجميع (3) .
أما اُعطيات الخلفاء لذوي المناصب والمهام السياسية ولبعض المقربين فالحديث عنه ذو شجون، فالمأمون في سنة 213 ولى أخاه المعتصم الشام، وابنه العباس الجزيرة والثغور والعواصم، ومنح لكل واحد منهما ولعبدالله بن طاهر ألف ألف دينار وخمس مائة ألف دينار (4)، وفي سنة 218 منح المأمون لمحمد بن عباد بن المهلب ثلاثة آلاف ألف درهم، وأعطى جنده وحاشيته في دمشق عشرين ألف ألف درهم، وأعطى وزيره الحسن بن سهل عشرة آلاف ألف درهم، وأعطى المعتصم للافشين قائده بعد ما هزم بابك الخرمي عشرين ألف ألف درهم، وأعطى الواثق وصيفاً التركي سنة 231 خمسة وسبعين ألف درهم بعد قضائه على ثورة الأكراد في الجزيرة (5) .
وكان أغلب حكام هذه الفترة يميلون إلى التأنّق في تشييد القصور الفخمة
__________________
(1) الأغاني 14: 193 - 194.
(2) مروج الذهب / المسعودي 4: 388، سير أعلام النبلاء 12: 40.
(3) تاريخ الخلفاء / السيوطي: 271، سير أعلام النبلاء 12: 40.
(4) البداية والنهاية 10: 291.
(5) البداية والنهاية 10: 337، وراجع أحداث السنوات المذكورة في تاريخ الطبري، والكامل في التاريخ، وتاريخ ابن كثير.
التي تعجّ بألوانٍ من مظاهر الترف والبذخ واللهو والمجون، وقد أنفقوا عليها أموالاً طائلة، فقد بنى المعتصم قصوراً عدة بعشرات الملايين من الدراهم، وحينما آلت الخلافة الى الواثق انتقل من قصور المعتصم وبنى له قصراً على شط دجلة يقال له الهاروني، وجعل له دكتين: دكة غربية ودكة شرقية، وكان من أحسن القصور (1) .
وبالغ المتوكل في بناء القصور الى حد الهوس وكان منها: العروس وقد أنفق عليه ثلاثين ألف ألف درهم، والشِّبنداز عشرة آلاف ألف درهم، والغريب عشرة آلاف ألف درهم، والبرج ألف ألف وسبعمائة ألف دينار، والقصر المختار خمسة آلاف ألف درهم، والوحيد ألفي ألف درهم، الجعفري المحدث عشرة آلاف ألف درهم، والبرج عشرة آلاف ألف درهم، والصبح خمسة آلاف ألف درهم، والمليح خمسة آلاف ألف درهم، وقصر بستان الايتاخية عشرة آلاف ألف درهم، والتل علوة وسفلة خمسة آلاف ألف درهم، والجوسق في ميدان الصخر خمس مئة ألف درهم، وبركوان للمعتز عشرين ألف ألف درهم، والقلائد خمسين ألف دينار، وجعل فيها أبنية بمائة ألف دينار، والغرد في دجلة ألف ألف درهم، والقصر بالمتوكلية وهو الذي يقال له الماحوزة خمسين ألف ألف درهم، والبهو خمسة وعشرين ألف ألف درهم، واللؤلؤة خمسة آلاف ألف درهم، وغيرها كثير.
وقيل: أنفق على الجوسق والجعفري والهاروني أكثر من مئتي ألف ألف درهم (2) .
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 483.
(2) سير أعلام النبلاء 12: 40، وراجع: معجم البلدان / ياقوت 2: 60 - دار إحياء التراث العربي عند ذكر الجعفري وسامراء، وتاريخ اليعقوبي 2: 491 - 492، والبداية والنهاية 10: 346، والكامل في التاريخ 6: 130.
وبنى قصراً في سفينة وصفه البحتري بقوله:
غنينا على قصر يسير بفتية |
قعود على أرجائه وقيام |
|
تظل البزاة البيض تخطف حولنا |
جآجئ طير في السماء سوام (1) |
وإلى جانب صور البذخ تعاني الأكثرية من عامة الناس الحرمان والفقر وصعوبة العيش، وفرض المتوكل حصاراً قاسياً على خصوص العلويين وعموم الطالبيين (2) .
أما الإسراف في مراسم البلاط الخاصة بأولاد الخلفاء والامراء وغيرهم فمما يطول به الحديث، ومن شواهد ذلك ما نقله ابن كثير عن مراسم تزوج الحسن بن الافشين باترجة بنت أشناس سنة 224 ودخل بها في قصر المعتصم بسامراء، وكان عرساً حافلاً وليه المعتصم بنفسه، حتى قيل إنهم كانوا يخضبون لحا العامة بالغالية (3) .
ومن ذلك مراسم تسليم المعتز على أبيه بالخلافة، فقد ذكر المؤرخون أنه لما جلس المعتز وهو صبي على المنبر وسلم على أبيه بالخلافة، وخطب الناس، نثرت الجواهر والذهب والدراهم على الخواص والعوام بدار الخلافة، وكان قيمة ما نثر من الجواهر يساوي مئة ألف دينار، ومثلها ذهبا، وألف ألف درهم غير ما كان من خلع وأسمطة وأقمشة مما يفوت الحصر... (4) .
__________________
(1) ديوان البحتري 3: 202 - دار المعارف - 1963.
(2) راجع: مقاتل الطالبيين: 396.
(3) البداية والنهاية 10: 317.
(4) البداية والنهاية 11: 17.
ولم يشذّ عن هذه السيرة أغلب خلفاء هذا العصر، فقد ذكر المؤرخون عن المستعين: انه كان متلافا للمال مبذرا، فرّق الجواهر وفاخر الثياب، واختلّت الخلافة بولايته واضطربت الاُمور (1) .
وذكروا أنّ اُمّ المهتدي محمد بن الواثق، التي ماتت قبل استخلافه، أنّها كانت تحت المستعين، فلمّا قُتل المستعين صيّرها المعتزّ في قصر الرصافة الذي فيه الحرم، فلمّا ولي المهتدي الخلافة قال يوما لجماعة من الموالي: أمّا أنا فليس لي اُمّ أحتاج لها إلى غلّة عشرة آلاف ألف في كلّ سنة لجواريها وخدمها والمتصلين بها... (2) .
وسرى الترف في البلاط الى الملبس والزينة والتجميل، وطغى هذا اللون من الترف على النساء والمخنثين، سيما نساء وجواري الخلفاء ومواليهم، والأمثلة على ذلك يطول بذكرها المقام، وهي تحكي عن حجم التبذير في بيوت الأموال والإسراف في النفقات الخاصة على حساب الأغلبية المحرومة، وكان من نتائج ذلك أن ابتعد الخليفة عن الرعية وأهمل شؤونهم فكرهه غالبية الناس.
قال ابن كثير في حوادث سنة 249 - خلافة المستعين -: قد ضعف جانب الخلافة، واشتغلوا بالقيان والملاهي، فعند ذلك غضبت العوام من ذلك (3) .
السمة الغالبة في حياة سلاطين هذا العصر ومن سار في ركابهم من القادة والولاة والامراء والقضاة هي الاستئثار ببيت المال وتسخير الأموال العامة
__________________
(1) سير أعلام النبلاء 12: 46.
(2) تاريخ الطبري 9: 396، الكامل في التاريخ 6: 203، البداية والنهاية 11: 18.
(3) البداية والنهاية 11: 3.
لخدمة مصالحهم الخاصة وحرمان الأغلبية الساحقة منه.
ولم يحدثنا التاريخ عن خلفاء أثروا كبني العباس والمحيطين بهم من ابناء البلاط والوزراء والكتاب الذين سجلوا أرقاماً فائقة في الثراء خلال القرنين الثاني والثالث.
فقد روي أن المعتصم خلف من الذهب ثمانية آلاف ألف دينار، وثمانية عشر ألف ألف درهم، وثمانين ألف فرس، وثمانية آلاف مملوك، وثمانية آلاف جارية، وبنى ثمانية قصور. وقيل: بلغ مماليكه ثمانية عشر ألفاً (1) .
ومن مظاهر استئثار رجال البلاط أن اُمّ شجاع والدة المتوكل حينما ماتت قبله بسنة خلفت أموالاً لاتُحصر، من ذلك خمسة آلاف ألف دينار من العين وحده (2) .
وفي أحداث سنة 249 ذكروا أن المستعين أطلق يد والدته ويد أتامش وشاهك الخادم في بيوت الأموال، وأباحهم فعل ما أرادوا، فكانت الأموال التي ترد من الآفاق يصير معظمها إلى هؤلاء الثلاثة... وما يفضل من هؤلاء الثلاثة يأخذه أتامش للعباس بن المستعين فيصرفه في نفقاته (3) .
وذكروا أنه حينما خرج المستعين من سامراء وبويع للمعتز سنة 252 هـ خلّف في بيت المال بسامراء نحو خمس مئة ألف دينار، وفي بيت مال أم المستعين ألف ألف دينار، وفي بيت مال العباس ابنه ستمائة ألف دينار (4) .
__________________
(1) سير أعلام النبلاء 10: 302.
(2) سير أعلام النبلاء 12: 41.
(3) الكامل في التاريخ / ابن الأثير 6: 154 - دار الكتب العلمية - 1415 هـ، البداية والنهاية / ابن كثير 11: 3 - مكتبة المعارف - 1414 هـ.
(4) الكامل في التاريخ 6: 166، البداية والنهاية 11: 7.
وفي أحداث سنة 255 هـ ذكروا أنه ظُفِر لقبيحة اُمّ المعتز وزوجة المتوكل بعد خلع المعتز وقتله، بخزائن تحت الأرض فيها أموال كثيرة، ومن جملتها دار تحت الأرض وجدوا فيها ألف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار، ووجدوا في سفط قدر مكوك زمرد لم ير الناس مثله، وفي سفط آخر مقدار مكوك من اللؤلؤ الكبار، وفي سفط آخر مقدار كليجة من الياقوت الأحمر الذي لم يوجد مثله، فقُوّمت الأسفاط بألفي ألف دينار (1) .
أما استعراض تفاصيل أموال وضياع الامراء والولاة والقضاة وكتاب الدواوين والجواري والمغنين والشعراء وغيرهم من المقربين إلى البلاط، فمما يخرج بنا عن الغرض، ويكفي مثالاً على ذلك ما نقله المؤرخون في أحداث سنة 226 أن الافشين حينما مات في الحبس واحتيط على أمواله وحواصله وجدوا فيها أصناماً مكللة بذهب وجواهر (2)، وأن بغا الكبير حينما مات سنة 248 ترك من المتاع والضياع ما قيمته عشرة آلاف ألف دينار، وترك عشر حبّات جوهر قيمتها ثلاثة آلاف ألف دينار (3) .
وكانت مؤونة أحمد بن طولون ألف دينار في اليوم... وحينما مات خلّف من العين عشرة آلاف ألف دينار، وأربعة وعشرين ألف مملوك (4) .
ويحدثنا التاريخ عن الاموال الطائلة التي يصادرها الخلفاء من كبار العمال
__________________
(1) تاريخ الطبري 9: 395 بتحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم - بيروت، الكامل في التاريخ 6: 202، البداية والنهاية 11: 17، تاريخ الخلفاء / السيوطي: 280.
(2) البداية والنهاية 10: 322.
(3) البداية والنهاية 11: 2.
(4) سير أعلام النبلاء 12: 94 - 95.
والكتاب حينما يتعرضون للاقالة، فحينما سخط المعتصم على وزيره أبي العباس الفضل بن مروان وبطش بجماعة من أصحابه، استصفى أموالهم، فأخرجوا من داره مالاً عظيماً (1) .
وسار الواثق على هذه السياسة، ففي سنة 229 بطش بالكتاب وأخذ منهم أموالاً عظيمة جداً، وأمر بعقوبة أصحاب الدواوين وضربهم واستخلاص الأموال منهم، لظهور خياناتهم وإسرافهم في أمورهم، فمنهم من ضرب ألف سوط وأكثر من ذلك وأقل، ومنهم من أخذ منه ألف ألف دينار، وضرب أحمد ابن أبي إسرائيل، وأخذ منه ثمان مئة ألف دينار، ومن سليمان بن وهب أربع مئة ألف دينار، وأخذ من أحمد بن الخصيب ألف ألف دينار (2) . وكل ذلك وغيره يحكي عن مدى الاستئثار والفساد الذي تعاني منه السلطة وجهازها الاداري.
السمة الغالبة في هذا العصر هي ازدياد تحكم الاتراك والفراغنة والمغاربة وغيرهم من الموالي في تسيير شؤون الدولة والحرب وتدخّلهم في مقاليد الحكم، وازداد مع ذلك الظلم والتعسف، وكان أول ذلك في عصر المعتصم الذي اهتم منذ توليه الحكم سنة 218 هـ باقتناء الترك، فبعث إلى سمرقند وفرغانة والنواحي في شرائهم وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب، فلما كثر عسكره ضاقت عليه بغداد، وتأذى بهم الناس حيث كانوا
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 472.
(2) سير أعلام النبلاء 10: 312، تاريخ اليعقوبي 2: 481، البداية والنهاية 10: 330.
يطردون بخيلهم في بغداد، وضاقت بهم البلد، فاجتمع إليه أهل بغداد وقالوا: إما أن تخرج من بغداد، فإن الناس قد تأذوا بعسكرك، أو نحاربك، فكان سبب خروج المعتصم إلى القاطول في سنة 220 فاختطّ موضع المدينة التي بناها هناك، ثم ارتحل من القاطول إلى سر من رأى، وكان ابتداء ذلك في سنة 221 هـ (1) .
وقد استخدم المعتصم من المماليك الترك قريب من عشرين ألفا (2)، ثم في عصر الواثق والمتوكل ومن جاء بعدهم ازداد نفوذ الأتراك في عاصمة العسكر سامراء، حيث توصلوا الى نقاط حساسة في الدولة كولاة وعمال وقادة جيش، ومنهم الافشين وأشناس ومنكجور الاشروسني وايتاخ وبغا الكبير، وابناه موسى ومحمد، وبابكيال، وياركوج، واذكوتكين، وبغا الصغير الشرابي، ووصيف بن باغر وغيرهم. وكانت لهم قيادة الجيش وتدبير شؤون الخليفة والدولة، بل كان عزل ونصب القواد والامراء والولاة والقضاة بيد هؤلاء، حتى أنهم كانوا سبباً في إثارة الفتن والفساد في الدولة وانتهاك مصالح الاُمّة ومقدراتها، بالخروج عن الطاعة وإثارة الحروب لسلب الأموال العامة وهتك الاعراض وإذلال الناس بمختلف طبقاتهم.
هذا مع كون بعضهم لا يدين بالإسلام مثل الافشين الذي عقد له المعتصم مجلساً سنة 225 فظهر أنه باق على دين أجداده من الفرس، وأنه يريد أن ينصر
__________________
(1) تاريخ الخلفاء / السيوطي: 259، معجم البلدان / ياقوت الحموي - المجلد الثالث: 10 - 13 - دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1417 هـ، الانساب / السمعاني 4: 193، تاريخ اليعقوبي 2: 472.
(2) البداية والنهاية 10: 325.
دين المجوس ويظهره على دين العرب (1)، وحينما مات سنة 226 في الحبس وجد في تراثه كتباً في فضل دين المجوس وأشياء كثيرة كان يتهم بها، تدل على كفره وزندقته، وتحقق بسببها ما ذكر عنه من الانتماء إلى دين آبائه المجوس (2) .
وبمرور الزمن ازدادت سيطرة الترك على مقاليد الحكم، فأهانوا الخلفاء العباسيين وسلبوا إرادتهم، وصار الخلفاء العباسيون ألعوبة بأيديهم، فقتلوا المتوكل، وخلعوا المعتز والمؤيد ابني المتوكل من ولاية العهد، واستخلفوا للمستعين، واستولوا على الأموال في عهده، وقاتلوه حين غضب عليهم، فاعتصم ببغداد وبايعوا للمعتز من بعده.
قال ابن طقطقا: كان الأتراك قد استولوا منذ قتل المتوكل على المملكة، واستضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة في يدهم كالأسير إن شاءوا أبقوه، وإن شاءوا خلعوه، وإن شاءوا قتلوه (3) .
وقد وصف بعض الشعراء الحالة التي انتهت إليها الخلافة العباسية في زمن المستعين الذي ليس له حول ولا قوة مع اُمراء الجند الأتراك ومنهم وصيف وبغا بقوله:
خليفة في قفصٍ |
بين وصيفٍ وبغا |
|
يقول ما قال لهُ |
كما تقول الببغا (4) |
ومن مظاهر سيطرة مقدم اُمراء الأتراك صالح بن وصيف على جميع أفراد
__________________
(1) البداية والنهاية 10: 320.
(2) البداية والنهاية 10: 322.
(3) الفخري في الآداب السلطانية / ابن الطقطقا: 243.
(4) تاريخ الخلفاء / السيوطي: 278.
الدولة بمن فيهم الخليفة في زمان المعتزّ باللّه، ما ذكره اليعقوبي في حوادث سنة 255 هـ من تاريخه، قال: وثب صالح بن وصيف التركي على أحمد بن اسرائيل الكاتب وزير المعتز، وعلى الحسن بن مخلد صاحب ديوان الضياع، وعلى عيسى بن إبراهيم بن نوح وعلي بن نوح، فحبسهم وأخذ أموالهم وضياعهم وعذّبهم بأنواع العذاب، وغلب على الأمر، فهمّ المعتزّ بجمع الأتراك، ثمّ دخل إليه فأزاله من مجلسه، وصُيّر في بيت، وأخذ رقعته بخلع نفسه، وتوفي بعد يومين (1) .
كان من افرازات الاستئثار بالاموال العامة وكثرة الحروب الداخلية واضطراب السلطة وضعفها وسوء إدارتها أن تركّزت الثروات بيد قلّة من أبناء الاُسرة الحاكمة والمحيطين بها، فتفشّى التفاوت الطبقي بين أبناء الاُمّة تبعا للولاء والقرب والبعد من البلاط وحاشيته، فهناك قلّة متخمة تستأثر برأس المال والثراء الفاحش وتبدّده في حياة البذخ والترف لاشباع شهواتهم وملاذّهم، وغالبية مسحوقة تعيش حياة البؤس والفقر والحرمان، وتنهكها النزاعات والحروب، وتئن تحت وطأة البطالة وغلاء الاسعار وفتك الأوبئة ومختلف الامراض، مما ترك آثارا وخيمة على بنية المجتمع وسلوك أفراده.
فذكر المؤرخون في حوادث سنة 228 هـ أنه غلا السعر على الناس في طريق مكة جداً (2) .
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 504، سير أعلام النبلاء / الذهبي 12: 535 - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1419 هـ.
(2) البداية والنهاية 10: 328.
وذكروا في حوادث سنة 251 هـ أنه بلغ سعر الخبز في مكة ثلاثة أواقٍ بدرهم، واللحم رطل بأربعة دراهم، وشربة الماء بثلاثة دراهم (1) .
وفي حوادث سنة 251 و 252 هـ نتيجة الحرب التي دارت رحاها بين المعتز والمستعين على كرسي الخلافة، شمل أهل بغداد الحصار وغلاء الأسعار، واجتمع على الناس الخوف والجوع (2) .
قال اليعقوبي في حوادث سنة 252 هـ: غلت الأسعار ببغداد وسرّ من رأى حتى كان القفيز بمائة درهم، ودامت الحروب، وانقطعت الميرة، وقلّت الأموال (3) .
وكان من نتائج الفقر والبطالة أن تفشّت الكثير من المفاسد الاجتماعية، فكثر الشطّار والعيارين الذين ألجأهم الفقر والعوز الى التجوال في الأسواق للحصول على لقمة العيش ولو عن طريق النهب والسلب والاعتداء، وقد فشا أمر هؤلاء فشكلوا ظاهرة متميزة في بغداد عند أواخر القرن الثاني الهجري وبداية القرن الثالث.
كما انتشرت الكثير من مظاهر الانحرف في المجتمع مثل تعاطي القمار ومعاقرة الخمور حيث فتحت حانات عديدة في بغداد وباقي الأمصار، وكثر المغنون والجواري والغلمان الذين أصبحوا مادة للغزل عند شعراء ذلك العصر، وتفشت ظاهرة الخنوثة والميوعة والفساد سيما في قصور الخلفاء والامراء والقضاة وسواهم من رجال الدولة.
__________________
(1) الكامل في التاريخ 6: 181، البداية والنهاية 11: 10.
(2) البداية والنهاية 11: 9.
(3) تاريخ اليعقوبي 2: 499.
سادت الكثير من مظاهر الفوضى والشغب والاضطراب في هذا المقطع التاريخي من عمر الدولة العباسية، تتمثل في انتقاض أطرافها، واستقلال بعض ولاياتها، والعدوان الأجنبي على بعض أعمالها، وكثرة الثورات الداخلية، إلى غير ذلك من مظاهر عدم الاستقرار السياسي والأمني الناجمة عن ضعف القدرة المركزية للسلطة وتلاشي هيبتها وتعدد الارادات السياسية فيها، لتدخل قادة الجند الأتراك والمغاربة والفراغنة في شؤونها وإشاعتهم الظلم والقهر والاستبداد. وفيما يلي نعرض لأهم تلك المظاهر، ونذكر بعض الأمثلة من المصادر التي أرّخت لهذا العصر:
شهدت الدولة العباسية - للفترة التي نؤرّخ لها - فتنا متصلة وأعمال قتل وحرق وسلب ونهب لم تسلم منها حتى العاصمة سامراء.
ففي زمان المعتصم خرجت المحمرة بالجبل فقتلوا وقطعوا الطريق وأخافوا السبيل وتعرضوا للحاج (1)، وفي سنة 219 هجم الزط على البصرة وعاثوا فيها الفساد وخرّبوا البلاد (2)، وخرج محمد بن عبيدالله الورثاني بورثان (3) .
وفي زمان الواثق انتقضت أرمينية، وتغلب ملوك الجبال على ما يليهم، وضعف أمر السلطان (4) .
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 471.
(2) البداية والنهاية 10: 308، تاريخ اليعقوبي 2: 472.
(3) تاريخ اليعقوبي 2: 475.
(4) تاريخ اليعقوبي 2: 481.
وخرج ابن بيهس الكلابي بدمشق في جمع كثير من بطون قيس، وفي سنة 227 خرج رجل من أهل الثغور بالشام يقال له تميم اللخمي أبو حرب المبرقع اليماني، فخلع الطاعة ودعا إلى نفسه، واتبعه نحو مائة ألف مقاتل، واستفحل أمره جداً، وخرج قوم من البربر ببرقة ومعهم قوم من قريش من بني أسيد بن أبي العيص على عاملهم محمد بن عبدويه بن جبلة (1) .
وكانت بطون قيس قد عاثت في طريق الحجاز وقطعوا الطريق حتى تخلف الناس عن الحج، ونصبوا رجلاً من سليم يقال له عزيزة الخفافي، وسلموا عليه بالخلافة، وخرج بنو سليم حول المدينة النبوية فعاثوا في الارض فساداً وأخافوا السبيل، وقاتلهم أهل المدينة فهزموا أهلها واستحوذوا على ما بين المدينة ومكة من المناهل والقرى، فوجه الواثق بغا الكبير سنة 230 وأمره أن يقتل كل من وجده من الاعراب، فلقيهم بغا فقاتلوه، فقتل منهم خلقاً عظيماً، وصلبهم على الشجر، وأسر منهم جمعاً غفيراً وحبسهم، وحمل الباقين في الاغلال (2) .
وفي زمان المتوكل سنة 232 هـ عاثت بنو نمير باليمامة فسادا، فقاتلهم بغا الكبير، فقتل منهم نيفا وخمسين رجلاً وأسر أربعين رجلاً (3) .
وفي سنة 237 هـ خرج أهل أرمينية على عاملهم يوسف بن محمد فقتلوه (4) .
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 480، البداية والنهاية 10: 224.
(2) تاريخ اليعقوبي 2: 480، البداية والنهاية 10: 332.
(3) الكامل في التاريخ 6: 90، البداية والنهاية 10: 308.
(4) الكامل في التاريخ 6: 111، البداية والنهاية 10: 315.
وكانت حمص مسرحا للقتل والصلب والحرق لسوء تصرف عمالها وثورة الأهالي عليهم، ففي سنة 240 هـ ثاروا على عاملهم أبي المغيث الرافقي، فقتلوا جماعة من أصحابه، وأخرجوه وأخرجوا عامل الخراج (1) .
وفي زمان المستعين سنة 248 هـ ثاروا على عاملهم كيدر بن عبداللّه الإشروسيني، فأخرجوه، فوجه إليهم المستعين الفضل بن قارن الطبري فقتل منهم خلقا كثيرا وحمل مائة من أعيانهم إلى سامراء وأمر بهدم سور المدينة (2) .
ثم وثبوا على الفضل بن قارن سنة 250 هـ فقتلوه، فوجه المستعين إليهم موسى بن بغا فقاتلهم وهزمهم، وقتل من أهل حمص مقتلة عظيمة وأحرقهاوأسر جماعة من أعيان أهلها (3) .
وفي سنة 248 هـ بويع المستعين بالخلافة من قبل قادة الأتراك، وجرت فتن منتشرة وكثيرة جدا، ثم استقر الأمر للمستعين (4) .
وفي سنة 249 هـ هجم نفرٌ من الناس لايُدرى من هم على سامراء، ففتحوا السجن وأخرجوا من فيه (5) .
وكانت بغداد مسرحا لأعمال الشغب والفتن الكثيرة المتصلة، ففي سنة 249 هـ وقعت فتنة عظيمة في بغداد، لأن العامة كرهوا جماعة من الاُمراء الأتراك لتغلبهم على أمر الخلافة واستيلائهم على اُمور المسلمين، فنادوا بالنفير، وانضمّ إليهم جماعة من الجند والشاكرية، وفتحوا السجون وأخرجوا
__________________
(1) الكامل في التاريخ 6: 120، البداية والنهاية 10: 319.
(2) الكامل في التاريخ 6: 151، البداية والنهاية 11: 2، تاريخ اليعقوبي 2: 495.
(3) الكامل في التاريخ 6: 161، البداية والنهاية 11: 6، تاريخ اليعقوبي 2: 495.
(4) الكامل في التاريخ 6: 150، البداية والنهاية 11: 2.
(5) الكامل في التاريخ 6: 154.
من فيها، وأحرقوا أحد الجسرين وقطعوا الآخر، ونهبوا أماكن متعددة (1) .
وفي سنة 251 - 252 هـ جرت فتنة شنعاء في بغداد، وذلك لأن المستعين هرب إلى بغداد بعد أن شغب عليه القادة الترك، فأخرج المشغبون المعتزّ من سجن الجوسق وبايعوه بالخلافة، فكانت الحروب سجالاً بينهما، وقد انتهت بحصار جيش المعتز بقيادة أخيه الموفق وكلباتكين التركي لبغداد، ودام الحصار أشهرا اشتدّ فيها البلاء وكثر القتل والحرق والسلب، وجهد أهل بغداد من غلاء الأسعار وانتشار الأمراض حتى انتهى الأمر بتنازل المستعين عن الخلافة وخلعه نفسه وبيعته للمعتز (2) .
وتعرضت الموصل لفتن كثيرة، ففي سنة 253 هـ حدثت فيها أعمال النهب والقتل... ثم تكرر المشهد في السنوات التالية بسبب تعسف العامل عليها - وهو اذكوتكين التركي - الذي أساء السيرة في الناس، وأظهر الفسوق، وفعل المنكرات، وأخذ الأموال، فقاتلوه وأخرجوه من الموصل ونهبوا داره (3) .
نتيجة لتدهو الأوضاع السياسية وضعف الدولة العباسية كثيرا في هذا العصر فقد استقلت بعض أطراف الدولة وكثر المتغلّبون عليها.
ففي سنة 254، استقلت مصر بسيطرة الأسرة الطولونية، وكان أولهم أحمد ابن طولون وهو من الأتراك، واستغنى مدّة ملكه على مصر عن الارتباط
__________________
(1) الكامل في التاريخ 6: 153، البداية والنهاية 11: 3.
(2) الكامل في التاريخ 6: 164 -170، البداية والنهاية 11: 7.
(3) الكامل في التاريخ 6: 191 و 247.
بالخلافة (1) .
وانفصلت السواحل الشمالية من أفريقيا عن الدولة العباسية، وخرجت من قبضة العباسيين على يد آل الأغلب منذ سنة 184، واستمر حكم هذه الاسرة الى سنة 292، بعد أن توسع نفوذها في سواحل البحر المتوسط (2) .
وقامت الدولة الرستمية الاباضية في الجزائر، وبقيت الى سنة 269 حيث سقطت باستيلاء الحاكم الفاطمي عبد الله المهدي عليها.
ومنذ النصف الثاني من القرن الثاني الهجري قامت دولة الادارسة في المغرب، وكان مؤسسها إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي عليهالسلام وبقيت هذه الدولة تحكم بلاد المغرب الى سنة 375 (3) .
وفي سنة 238 هـ تغلّب على تفليس إسحاق بن إسماعيل مولى بني اُمية (4) .
وفي سنة 237 هـ اضطرب أمر أرمينية، وتحرك فيها جماعة من البطارقة وغيرهم وتغلّبوا على نواحيهم (5) .
وقامت الدولة الزيادية سنة 204 في بلدة زبيد بتهامة، واستمر حكم الزياديين نحو قرنين من الزمان، واستطاعوا خلال هذه المدة توسيع رقعة دولتهم باحتلال المناطق المتاخمة لهم.
__________________
(1) راجع: الكامل في التاريخ 6: 195 و 213 و 227 و 238، سير أعلام النبلاء 13: 94 / 53.
(2) الكامل في التاريخ 6: 66 و 89 و 102 و 126 و 132 و 155.
(3) راجع: تاريخ اليعقوبي 2: 405، مقاتل الطالبيين: 487، عمدة الطالب: 159.
(4) تاريخ اليعقوبي 2: 489، الكامل في التاريخ 6: 116.
(5) تاريخ اليعقوبي 2: 489.
وفي سنة 251 أسس بنو الاخيضر العلويين دولتهم في مكة واليمامة، ومؤسسها الاول إسماعيل بن يوسف الاخيضر الذي ينتهى نسبه الى الامام الحسن عليهالسلام ، وكان خروجه أيام المستعين بالله، وامتد نفوذ هذه الدولة الى الحجاز وما جاورها، واستمر ملكه الى سنة 305 حيث استولى عليهم القرامطة (1) .
وتشكلت عدة دول في شرق البلاد، فتغلّب الحسن بن زيد العلوي على طبرستان، وأسس الدولة العلوية هناك، ودامت إمرته عليها عشرين عاما 250 - 270 هـ ثم خلفه أخوه محمد بن زيد (2) .
وفي سنة 234 هـ خرج محمد بن البعيث عن طاعة الخلافة في آذربيجان، ولجأ إلى مدينة مرند فحصّنها (3) .
وتغلّب يعقوب بن الليث الصفار على خراسان ونيسابور، واستمرت حروبه من سنة 253 هـ حتى وفاته سنة 265 هـ، وأسس دولته الصفارية (4) .
وتأسست دولة العجليين في سنة 210 في الكرج والبرج، وكان مؤسسها أبو دلف القاسم العجلي (5)، وتوسع نفوذ هذه الدولة سنة 271 بضم إصفهان ونهاوند.
__________________
(1) راجع: مروج الذهب 4: 429، الكامل في التاريخ 6: 180 - 181، مقاتل الطالبيين: 450، عمدة الطالب / ابن عنبة: 112، المجدي / العلوي: 49.
(2) راجع: تاريخ الطبري 9: 271، سير أعلام النبلاء 12: 48 و 543.
(3) الكامل في التاريخ 6: 100 و 104، البداية والنهاية 10: 312.
(4) تاريخ اليعقوبي 2: 504، الكامل في التاريخ 6: 114 و 151 و 193 و 197 و 232 و 242 و 246، سير أعلام النبلاء 12: 513 / 191.
(5) راجع ترجمته في تاريخ بغداد 12: 412 / 6869.
تعرضت أطراف الدولة الى عدة غزوات راح ضحيتها آلاف الابرياء من المسلمين ونهبت أموالهم وانتهكت أعراضهم، نتيجة اهمال المتصدين لقيادة الدولة الثغور الاسلامية اهمالاً كبيراً، فكانت الروم تهاجم وبشكل مستمر ثغور المسلمين من جهة البر والبحر، ففي سنة 216 عدا ملك الروم وهو توفيل بن ميخائيل على جماعة من المسلمين فقتلهم في أرض طرسوس وكانوا نحواً من ألف وست مئة إنسان (1) .
وفى سنة 223 أوقع ملك الروم توفيل بن ميخائيل بأهل ملطية من المسلمين وما والاها ملحمة عظيمة قتل فيها خلقاً كثيراً من المسلمين، وأسر ما لا يحصون كثرة، وكان من جملة من أسر ألف امرأة من نساء المسلمين، ومثل بمن وقع في أسره من المسلمين فقطع آذانهم وأنوفهم وسمل أعينهم (2) .
وفي سنة 238 هـ غزت الافرنج مصر في ثلاث مئة مركب من جهة دمياط، فدخلوها فجأة، فقتلوا من أهلها خلقا، وأحرقوا المسجد الجامع والمنبر، وأسروا من النساء نحوا من ست مئة امرأة، وأخذوا من الأمتعة والمال والأسلحة شيئا كثيرا جدا، وفرّ الناس منهم في كل وجه، وكان من غرق في بحيرة تنيس أكثر ممن أسروه،... ولم يعرض لهم أحد حتى رجعوا إلى بلادهم (3) .
__________________
(1) البداية والنهاية 10: 307.
(2) البداية والنهاية 10: 312.
(3) الكامل في التاريخ 6: 117، البداية والنهاية 10: 317، تاريخ الخلفاء / للسيوطي: 269، تاريخ اليعقوبي 2: 488 مع شيءمن الاختلاف عن باقي المصادر.
وفي سنة 241 هـ أغارت البجة على جيش من أرض مصر، وهم طائفة من سودان بلاد المغرب، وقد كانت البجة لايغزون المسلمين قبل ذلك لهدنة كانت لهم مع المسلمين، فنقضوا الهدنة واعلنوا بالخلاف (1) .
وفي سنة 242 هـ أغارت الروم على بلاد الجزيرة، فانتهبوا شيئا كثيرا، وأسروا نحوا من عشرة آلاف من الذراري (2) .
وفي سنة 245 هـ أغارت الروم على سُمَيساط، فقتلوا وسبوا وأسروا خلقا كثيرا (3) .
يجد الباحث في تاريخ هذه الفترة نشاطا ملحوظا للخرمية المجوسية متمثلة بحروب بابك الخرمي (4) والمازيار (5) في زمان المأمون والمعتصم، كماكان للخوارج الشراة جولة في هذا العصر أيضا، فشنوا حرباً شعواء على كل من خالفهم الرأي سواء كان عباسياً أو غيره، فكانوا نسخة مختصرة من أسلافهم
__________________
(1) البداية والنهاية 10: 324.
(2) البداية والنهاية 10: 342.
(3) الكامل في التاريخ 6: 131.
(4) تاريخ اليعقوبي 2: 473، تاريخ دمشق / ابن عساكر 94: 130، سير أعلام النبلاء 10: 293 و 11: 257، البداية والنهاية 10: 310 و 312، البدء والتاريخ / المقدسي 3: 30 و 5: 134.
(5) معجم البلدان 4: 15، سير أعلام النبلاء 10: 301، تاريخ اليعقوبي 2: 476، البداية والنهاية 10: 317 و 320.
الذين مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية (1) .
حدثت في هذا العصر عدة ثورات ضدّ الحكم العباسي، قادها الطالبيون، وهي من إفرازات تردّي الأحوال العامة والقهر والقمع والجور التي عمّت آثارها على الاُمّة بشكل عام وعلى الطالبيين بشكل خاص؛ لأنهم كانوا يعانون من شدة الوضع العام، ومن السياسة العباسية القاضية باضطهادهم ومطاردتهم واتباع شتى وسائل الضغط عليهم، فكانت واعزا يحفّز الثوار منهم على الخروج المسلّح من حين الى آخر.
وقد تعرضوا في زمان المتوكل لاضطهاد وارهاب وحصار لايوصف واُنزلت فيهم أقصى العقوبات، فتفرّق كثير منهم في النواحي كي يتواروا عن الأنظار أو يعلنوا الثورة المسلحة ضدالدولة (2)، وشُرّد بعضهم قسراً من المدينة إلى سامراء، وأودع بعضهم السجون حتى ماتوا فيها أو سُمّوا، هذا فضلاً عمن قُتِلوا على أيدي قادة العباسيين ورجال دولتهم كالافشين وموسى بن بغا وعلي ابن أوتامش وصالح بن وصيف وسعيد الحاجب وغيرهم.
وقد تضمّنت كتب التاريخ أسماء نحو أربعة عشر ثائرا من الطالبيين خلال حياة الامام الهادي عليهالسلام 212 - 254 مما يشير إلى حجم معاناة الطالبيين ومدى الحيف والظلم الذي لحقهم على أيدي العباسيين.
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 483 و 497 و 502، البداية والنهاية 10: 337، و 11: 22 و 30، والكامل في التاريخ 6: 186 و 190 و 195 و 205 و 212 و 219 و 272 و 334 و 345 و 346.
(2) راجع: مقاتل الطالبيين: 396 و 404.
والغالب على تلك الثورات هو الدعوة إلى إقامة حكم اللّه في الأرض، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن حقوق المظلومين، وبعضها دعا إلى الرضا من آل محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم كثورة محمد بن القاسم العلوي ويحيى بن عمر وأحمد بن عيسى والحسن بن زيد وأخيه محمد بن زيد وغيرهم؛ ولأهميّة تلك سنذكر أهم الثوار الذين حملوا السلاح بوجه السلطة العباسية في هذه الفترة، وهم:
أ - محمد بن القاسم العلوي:
وهو محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام ، وأمه صفية بنت موسى بن عمر بن علي بن الحسين. ويكنى أبا جعفر. ويلقب بالصوفي للبسه ثياب الصوف البيض، وكان من أهل العلم والفقه والدين والزهد وحسن السيرة.
وخرج في الطالقان من خراسان في أيام المعتصم، داعياً إلى الرضا من آل محمد صلىاللهعليهوآله ، وكان معه جماعة من وجوه الزيدية، منهم: يحيى بن الحسن بن الفرات، وعباد بن يعقوب الرواجني، وتبعه في مدة يسيرة خلق كثير، وتمت سيطرته على الطالقان مدة أربعة أشهر، فلما بلغ خبره عبداللّه بن طاهر وجّه إليه الجيوش تلو الجيوش، فكانت له معها وقعات بناحية الطالقان وجبالها، أحرز فيها الغلبة أولاً، وتغلب ابن طاهر أخيراً على جيش ابن القاسم، فتفرق أصحابه في النواحي والآكام، واستتر ابن القاسم في نسا مدة طويلة، واستمر أصحابه في الدعوة اليه، ثم أنه وشي به الى ابن طاهر، فأُلقي عليه القبض وسيّر مقيداً بالحديد، فأدخل إلى عبداللّه بن طاهر.
قال إبراهيم بن غسان: ما رأيت قط أشد اجتهاداً منه، ولا أعفّ، ولا أكثر
ذكراً لله تعالى مع شدة نفس، واجتماع قلب، وما ظهر منه جزع ولا انكسار ولا خضوع في الشدائد التي مرت به، وأنهم ما رأوه قطّ مازحاً ولا هازلاً.
ثم ان ابن طاهر أقامه بنيسابور ثلاثة أشهر، يريد بذلك أن يعمّي خبره على الناس كيلا يغلب عليه لكثرة من بايعه بكور خراسان، ثم أرسله إلى المعتصم سراً في جوف الليل، حتى أخرجه من الري ولم يعلم به أحد، ثم ورد على المعتصم في بغداد حاسراً كما أمر المعتصم، فأُدخل عليه يوم 15 ربيع الثاني سنة 219 هـ، وكان يوم النوروز، والمعتصم جالس يشرب وبين يديه الجواري الفرغانيات يرقصن والغلمان الفراغنة يلعبون، فأوقفه المعتصم والناس ينظرون إليه، وكانت أكؤس الشراب تُدار في المجلس أمام ناظري محمد بن القاسم، فلما رأى هذا الوضع بكى ثم قال: اللهم إنّك تعلم أني لم أزل حريصا على تغيير هذا وإنكاره. وأخذ يسبح ويستغفر الله ويحرك شفتيه يدعو عليهم.
ولم يزل محمد واقفاً حتى فرغ المعتصم من لهوه ولعبه، فمروا بمحمد بن القاسم عليه، فأمر بدفعه إلى مسرور الكبير، فحبس في سرداب ضيق شبيه بالبئر طوله ثلاثة أذرع في ذراعين فكاد أن يتلف ويموت فيه، وانتهى ذلك إلى المعتصم، فأمر باخراجه منه، وحبس في قبة في بستان موسى مع المعتصم في داره، ووكل به مسرور عدة من غلمانه وثقاته، فلم يزل محبوساً فيها، فلما كان ليلة عيد الفطر في سنة 219 وقد مضى أغلب الموكلون به إلى منازلهم، احتال محمد وهرب من السجن وغاب عن الأنظار، فطلبوه فلم يقدروا عليه، واختلفت الأخبار في مصيره بعد ذلك، فقيل: إنّه رجع إلى الطالقان فمات بها. وقيل: بل إنّه اختفى ببغداد مدة ثم انحدر إلى واسط فمكث بها حتى مات. وقال أحمد بن الحارث الخزاز: انه مضى فاستتر مدة المعتصم والواثق ثم وجد في أيام
المتوكل فحمل إليه فحبسه حتى مات في محبسه، ويقال: انه دسّ إليه سماً فمات منه (1) .
ب - محمد بن صالح:
وهو محمد بن صالح بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي عليهالسلام ، وكان من فتيان آل أبي طالب وشجعانهم وظرفائهم وشعرائهم، خرج في أيام المتوكل بسويقة واجتمع له الناس، وحج بالناس أبو الساج فقصده وخاف عمه موسى بن عبد الله بن موسى أبا الساج على نفسه وولده وأهله، فضمن لأبي الساج تسليمه، وتوثق له بالايمان والامان، وجاء عمه إليه فأعلمه ذلك، وأقسم عليه ليلقين سلاحه ففعل، وخرج إلى أبي الساج فقيّده وحمله إلى سر من رأى مع جماعة من أهله، فحبسه المتوكل ولم يزل محبوساً بها ثلاث سنين ثم أطلق، وأقام بها إلى أن مات وكان شاعراً محسناً، وقد أسهب أبو الفرج في ترجمته... (2) .
جـ - يحيى بن عمر:
وهو يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب عليهمالسلام ، أبو الحسين. وأمه أم الحسن بنت عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضياللهعنه ، كان ذا زهد وورع ونسك وعلم.
خرج سنة 235 هـ في بعض نواحي خراسان، فردّه عبداللّه بن طاهر، فأمر
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 471، مقاتل الطالبيين: 464 - 472، تاريخ الطبري 7: 223 - 224 حوادث سنة 219 هـ، مروج الذهب 4: 60 - 61، عمدة الطالب / الداوودي: 306 المطبعة الحيدرية - النجف، البداية والنهاية 10: 308.
(2) مقاتل الطالبيين: 397.
المتوكل بتسليمه إلى عمر بن الفرج الرخّجي، فكلمه يحيى في صلته، وكان في ضائقة وعليه دين، فأغلظ عمر بن الفرج له القول، فردّ عليه يحيى، فشكا عمر إلى المتوكل، فأمر به فضرب دررا ثم حبسه في دار الفتح بن خاقان مدّة، ثم كفله أهله فاُطلق، وأقام في بغداد على حال سيئة من الفقر بعد قطع صلته.
ثمّ خرج ثانية سنة 250 هـ وقيل: 248 أو 249 هـ، وقد بدأ خروجه في هذه المرة بزيارة قبر الامام الحسين عليهالسلام وأظهر للزوار ما أراد، فاجتمعت إليه جماعة من الأعراب، ثم مضى قاصدا شاهي، فأقام بها إلى الليل، ثم دخل الكوفة ليلاً، وجعل أصحابه ينادون: أيها الناس، أجيبوا داعي اللّه. حتى اجتمع إليه خلق كثير.
فلمّا كان من غد مضى إلى بيت المال فأخذ ما فيه وفرّقه على أصحابه، فبدأ يعدّ العدّة ويصلح السلاح، وفتح السجون وأخرج من فيها وأخرج العمال عنها، ودعا إلى الرضا من آل محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأظهر العدل وحسن السيرة والانصاف والكفّ عن الدماء، فاجتمع الناس إليه وأحبوه وبايعوه.
فندب له محمد بن عبداللّه بن طاهر ابن عمه الحسين بن إسماعيل بن طاهر، وضمّ إليه جماعة من القواد، فمضى الحسين إلى الكوفة وأقام بشاهي، وأشار بعض أهل الكوفة من الزيدية على يحيى بمعاجلة الحسين، ولم يكن لهم خبرة بالحرب ولاشجاعة، وألحوا عليه، فزحف إليه في رجب من السنة المذكورة، فساروا ليلهم فصبّحوا الحسين وهو مستريح، فثار بهم في الغلس، وحمل عليهم أصحاب الحسين فانهزموا ووضعوا فيهم السيف، وانهزم رجالة أهل الكوفة، وانكشف العسكر عن يحيى، ولم يزل يقاتل مكانه حتى قتل، وكان فارسا شجاعا شديد البدن مجتمع القلب، واحتزوا رأسه، وسيره الحسين بن إسماعيل
مع رؤوس من قُتِل والأسرى إلى محمد بن عبداللّه بن طاهر، فحُبِسوا في بغداد.
وسير محمد رأس يحيى إلى المستعين، فنصبه في سامراء لحظة ثمّ حطّه، وردّه إلى بغداد لينصب بها، فلم يقدر ابن طاهر على ذلك لكثرة من اجتمع من الناس المنكرين لذلك، لما في قلوبهم من المحبة ليحيى، فخاف ابن طاهر أن يأخذوه، فلم ينصبه وجعله في صندوق في بيت السلاح.
ودخل بعضهم إلى محمد بن عبداللّه بن طاهر يهنّئه بالنصر، ودخل في من دخل عليه أبوهاشم داود بن القاسم الجعفري من أصحاب الامام الهادي عليهالسلام ، وكان ذا عارضة ولسان، لايبالي ما استقبل الكبراء وأصحاب السلطان به، فقال: أيها الأمير، إنك لتُهنّأ بقتل رجل لو كان رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم حيا لعُزّي به. فلم يجبه محمد عن هذا بشيء، وخرج داود من داره وهو يقول:
يابني طاهر كلوه وبيّا |
إنّ لحم النبي غير مريّ |
|
إن وترا يكون طالبه اللّـ |
ـه لوترٌ بالفوت غير حريّ (1) |
ولهج الشعراء برثاء يحيى فأكثروا، قال أبو الفرج الأصفهاني: ما بلغني أن أحدا ممن قتل في الدولة العباسية من آل أبي طالب رُثي بأكثر مما رثي به يحيى، ولا قيل فيه الشعر بأكثر مما قيل فيه (2) .
وعلّل ابن الأثير ذلك قائلاً: أكثر الشعراء مراثي يحيى لما كان عليه من حسن السيرة والديانة في مراثٍ يطول عرضها (3) .
__________________
(1) راجع سيرته وأخبار ثورته في: مروج الذهب 4: 406 - 409، تاريخ اليعقوبي 2: 497، مقاتل الطالبيين: 419 - 424، الفخري في الآداب السلطانية: 240، الكامل في التاريخ 6: 107 و 156 - 158، البداية والنهاية 10: 314 و 11: 5.
(2) مقاتل الطالبيين: 424.
(3) الكامل في التاريخ 6: 158.
وكان من بين الشعراء الذين رثوه أحمد بن طاهر، وعلي بن محمد العلوي الحماني رثاه بعدّة قصائد رائعة (1)، وأبو الحسن علي بن العباس، المعروف بابن الرومي، رثاه بقصيدة جيمية تقع في 111 بيتا على ما في ديوانه، يقول فيها:
أمامك فانظر أي نهجيك تنهج |
طريقان شتى مستقيم وأعوجُ |
|
أكلّ أوان للنبي محمد |
قتيلٌ ذكيٌّ بالدماء مضرّجُ |
|
أما فيهم راعٍ لحق نبيه |
ولاخائف من ربه يتحرجُ |
|
أبعد المكنى بالحسين شهيدكم |
تضيء مصابيح السماء فتسرجُ |
|
فإن لايكن حيّا لدنيا فانه |
لدى اللّه حيّ في الجنان مزوّجُ |
|
وكنا نرجّيه لكشف عماية |
بأمثاله أمثالها تبلّجُ (2) |
وتساوى الناس في الجزع عليه، يقول المسعودي: ولما قتل يحيى جزعت عليه نفوس الناس جزعا كثيرا، ورثاه القريب والبعيد، وحزن عليه الصغير والكبير، وجزع لقتله المليّ والدني، وفي ذلك يقول بعض شعراء عصره، ومن جزع على فقده:
بكت الخيل شجوها بعد يحيى |
وبكاه المهند المصقولُ |
|
وبكته العراق شرقا وغربا |
وبكاه الكتاب والتنزيلُ |
__________________
(1) راجع: مروج الذهب 4: 406 و 408، مقاتل الطالبيين: 429 - 430.
(2) الديوان 2: 492 / 365، بتحقيق د - حسين نصار، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
وبنات النبي يندبن شجوا |
موجعات دموعهن تسيلُ |
|
قطعت وجهه سيوف الأعادي |
بأبي وجهه الوسيم الجميلُ |
|
إن يحيى أبقى بلقبي غليلاً |
سوف يودي بالجسم ذاك الغليلُ |
|
قَتْلُه مُذكرٌ لقتل علي |
وحسين ويوم اُودي الرسولُ |
|
فصلاة الإله وقفا عليهم |
ما بكى موجع وحنّت ثكولُ (1) |
د - الحسين بن محمد:
وهو الحسين بن محمد بن حمزة بن عبداللّه بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام ، ويعرف بالحرون، خرج في الكوفة سنة 251 هـ بعد يحيى بن عمر، وأجلى عنها عامل بني العباس، فوجه إليه المستعين مزاحم بن خاقان في عسكر عظيم من بغداد، فقاتله وانكشف جيش الحرون بعد أن أطبق ابن خاقان على أصحابه، فلم يفلت منهم أحد، واستطاع الحرون أن ينجو بنفسه، ودخل مزاحم الكوفة فرماه أهلها بالحجارة، فأحرقها بالنار، قيل: أحرق ألف دار، ونهب أموال الذين خرجوا مع الحرون (2) .
__________________
(1) مروج الذهب 4: 407، والقصيدة في الكامل في التاريخ 6: 158.
(2) مروج الذهب 4: 410، مقاتل الطالبيين: 431، الكامل في التاريخ 6: 180، البداية والنهاية 11: 9.
هـ - محمد بن جعفر:
وهو محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام ، كان خليفة الحسين بن محمد الحرون الآنف الذكر، خرج بعده بالكوفة، فكتب إليه عبد الله بن طاهر بتولية الكوفة وخدعه لذلك، فلما تمكن بها أخذه خليفة أبي الساج، فحمله إلى سرّ من رأى فحبس بها حتى مات (1) .
و - الحسن بن زيد:
وهو الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبيطالب عليهمالسلام ، كان عالما بالفقه والعربية، حازما مهيبا مرهوب الجانب، فاضل السيرة، حسن التدبير جوادا متواضعا للّه. وهو من جملة من تفرق في النواحى والديار من آل أبي طالب منذ زمان المتوكل فتوطن الري، وبدأ ثورته سنة 250 هـ، فحدثت فتنة بين صاحب خراسان وأهل طبرستان سنة 250 هـ، فكتبوا إليه يبايعونه، فجاءهم وزحف بهم على آمد فاستولى عليها، وكثر جمعه فقصد سارية وجرجان فغلب عليهما بعد قتال عنيف، ووجه جيشا إلى الري فملكها في أيام المستعين، وقاتله مفلح وموسى ابن بغا ومحمد بن طاهر من قبل السلطة العباسية، ويعقوب بن الليث الصفار من المتغلبين فتغلّب عليهم جميعا.
وأسس الحسن بن زيد الدولة العلوية في طبرستان ونواحي الديلم ودامت أمرته عشرين عاما حيث توفي سنة 270 هـ وخلفه أخوه محمد بن زيد عليها، وكان هو وأخوه يدعوان إلى الرضا من آل محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم وكذلك من طرأ
__________________
(1) مقاتل الطالبيين: 432.
بعدهما ببلاد طبرستان (1) .
ز - محمد بن جعفر:
وهو محمد بن جعفر بن الحسن بن عمر بن علي بن الحسين بن أحمد بن عيسى بن الحسين الصغير بن علي بن الحسين عليهالسلام ، خرج في الري سنة 250 هـ، وكان يدعو إلى الحسن بن زيد صاحب طبرستان، فحاربه عبد الله بن طاهر وأسره سنة 251 هـ، فحبسه في نيسابور، وبقي في حبسه إلى أن مات (2) .
حـ - إدريس بن موسى:
وهو ادريس بن عبداللّه بن موسى بن عبداللّه بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب عليهمالسلام ، خرج في الري سنة 250 - 251 هـ مع محمد بن جعفر المذكور آنفا (3) .
ط - أحمد بن عيسى:
وهو أحمد بن عيسى بن علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبيطالب عليهمالسلام ، خرج بعد محمد بن جعفر المتقدم سنة 251 هـ، ودعا إلى الرضا من آل محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ودعا الى الحسن بن زيد صاحب طبرستان، واستولى على الري، فحاربه محمد بن علي بن طاهر وقاتله أحمد بن عيسى، فانهزم محمد بن
__________________
(1) تاريخ الطبري 9: 271، مروج الذهب 4: 410 و 426 و 431 و 542، الكامل في التاريخ 6: 158 و 204 و 227 و 233 و 238 و 246 و 336، البداية والنهاية 11: 6 و 15 و 24 و 30، سير أعلام النبلاء 12: 48 و 543، الأعلام / للزركلي 2: 192 - بيروت - دار العلم للملايين.
(2) مقاتل الطالبيين: 406.
(3) مروج الذهب 4: 429، الكامل في التاريخ 6: 180.
علي بن طاهر وسار إلى قزوين، ودخل أحمد بن عيسى الري (1) .
ي - الحسين بن أحمد:
وهو الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد، المعروف بالكوكبي، من ولد الأرقط، وقيل: إن اسم الكوكبي هو الحسين بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد...، خرج بعد أحمد بن عيسى في قزوين وزنجان سنة 251 هـ وطرد عامل بني العباس عنها، وبقي عليها أميرا إلى سنة 252 هـ، فحاربه موسى بن بغا سنة 253 هـ ودخل قزوين، وصار الكوكبي إلى الديلم، ثمّ وقع إلى الحسن بن زيد فمات قبله (2) .
ك - إسماعيل ومحمد ابنا يوسف:
وهو اسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبداللّه بن موسى بن عبداللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام ، نقلت أغلب المصادر أنه لم يكن محمود السيرة، ولم يسر على نهج العلويين في نقاء الثورة، خرج في مكة والمدينة سنة 251 - 252 هـ فاستولى عليهما، ونال أهل المدينة وغيرهم من أهل الحجاز في أيامه الجهد والضيق والبلاء، ومات اسماعيل بالطاعون وخلفه بعد وفاته أخوه محمد بن يوسف، وحاربه أبو الساج ولما انكشف من بين يديه سار إلى اليمامة والبحرين فغلب عليهما مؤسساً دولة بني الاخيضر العلوية التي بقيت الى
__________________
(1) مروج الذهب 4: 410، الكامل في التاريخ 6: 161، البداية والنهاية 11: 6، مقاتل الطالبيين: 406.
(2) مروج الذهب 4: 410، وفيه: الكركي، مقاتل الطالبيين: 406، الكامل في التاريخ 6: 180 و 192، البداية والنهاية 11: 9 و 12، سير أعلام النبلاء 12: 48.
سنة 305 حيث سقطت على يد القرامطة (1) .
ل - أحد أولاد موسى بن عبد الله:
خرج بالمدينة بعدهما أحد أولاد موسى بن عبداللّه بن موسى بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبيطالب عليهمالسلام (2) .
مـ - علي بن عبداللّه الطالبي ، المسمّى المرعشي، خرج في آمل سنة 251 هـ، وحاربه أسد بن جندان (3) .
ن - رجل علوي ، خرج في نينوى من أرض العراق سنة 251 هـ، فحاربه هشام ابن أبي دلف، فقتل جماعة من أصحابه، وهرب فدخل الكوفة (4) .
* * *
__________________
(1) مروج الذهب 4: 429، الكامل في التاريخ 6: 180 - 181، سير أعلام النبلاء 12: 48، البداية والنهاية 11: 9، مقاتل الطالبيين: 450.
(2) مروج الذهب 4: 429.
(3) الكامل في التاريخ 6: 179.
(4) الكامل في التاريخ 6: 180.
الفصل الثّاني
موقف السلطة من الإمام عليه السلام
اتخذ الخلفاء العباسيون المعاصرون للامام الهادي عليهالسلام عين المواقف التي اتخذها أسلافهم في التصدّي لمدرسة الأئمّة عليهمالسلام وشيعتهم والنكاية بهم؛ ذلك لأن علاقة الحاكم بالإمام تقوم على أساس ثابت، وهو الخوف من نشاط الإمام ودوره الفاعل في الحياة الاسلامية، فضلاً عن أن رجال السلطة كانوا يعيشون أوضاعا سلبية على مستوى الالتزام الديني، فكانوا يضيقون ذرعا بأي إمام من معاصريهم، لما يتمتع به من سمو المكارم ومن شخصية علمية وروحية فذّة وسيرة صالحة تجتذب مختلف أوساط الاُمّة، من هنا حرصوا على ربط الإمام بالجهاز الحاكم وتقريبه بشتى الوسائل لدوام مراقبته وتحديد حركته وفصله عن أتباعه ومواليه ومحبّيه المؤمنين بمرجعيته الفكرية والروحية، وأخيرا تآمروا على حياته.
وقد عمل رجال السلطة العباسية على استدعاء الامام الهادي عليهالسلام من مدينة جده المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم الى عاصمة الدولة ليكون تحت مرآى ومسمع الخليفة وجهازه الحاكم وليتسنى لهم مراقبته والحيلولة دون أداء دوره القيادي تجاه قواعده المؤمنة به.
ولأجل استجلاء موقف السلطة من الإمام لابدّ من استعراض مواقف الحاكمين من بني العباس على انفراد حسب التسلسل التاريخي، على أن الامام
الهادي عليهالسلام قد تسنم منصب الامامة الرفيع بعد شهادة أبيه الجواد سنة 220 هـ فعاصر في سني إمامته 220 - 254 هـ سبع سنين من أيام المعتصم 218 - 227 وأيام الواثق 227 - 232 والمتوكل 232 - 247 والمنتصر 248 والمستعين 248 - 251 ونحو ثلاث سنين من أيام المعتز 252 - 255.
ولم ينقل لنا التاريخ تفاصيل العلاقة بين الإمام عليهالسلام وبين كل واحد من خلفاء عصره، عدا أخبار اعتقاله وتنبؤاته بموت بعضهم أو قتله، وموقف الخلفاء من الشيعة بشكل عام والطالبيين وأصحاب الامام بشكل خاص، وهو يعكس موقف الحاكم من الامام عليهالسلام ، وكما يلي.
وهو أبو إسحاق محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور، ولد في شعبان سنة 180، وبويع له في رجب سنة 218 هـ، وتوفي في الثامن عشر من ربيع الاول سنة 227، وكان أمياً لا يحسن الكتابة، قال الخطيب: كانت نهمته في الانفاق في الحرب لا في البناء ولا في غيره (1) .
أمر المعتصم العباسي بحمل الإمام أبي جعفر الجواد عليهالسلام وزوجته أم الفضل بنت المأمون بكل إكرام وإجلال وعلى أحسن مركب إلى بغداد، وذلك ضمن كتاب بعثه إلى واليه على المدينة محمد بن عبد الملك الزيّات في سنة 219 هـ.
__________________
(1) البداية والنهاية 10: 324 و 325.
قال ابن شهرآشوب: لما بويع المعتصم جعل يتفقد أحواله عليهالسلام ، فكتب إلى عبد الملك الزيات أن ينفذ إليه التقي وأم الفضل (1) .
وكان الامام الجواد عليهالسلام يعلم بأن رحلته هذه هي الأخيرة التي لا عودة بعدها، لذلك أخبر أحد أصحابه وهو إسماعيل بن مهران بأنّه غير عائد من رحلته هذه مرة اُخرى، وأخبره أن الامام بعده ابنه علي عليهالسلام (2) .
واستمهل المأمورين بحمله الى المعتصم لحين أداء الموسم، وفعلاً مضى الإمام الجواد عليهالسلام لاداء مراسم الحج مصطحباً ابنه أبا الحسن الهادي عليهالسلام وكان عمره آنذاك نحو سبع سنين، وترك مكّة فور أداء المناسك معرجا على مدينة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ومنها انصرف إلى العراق ومعه زوجته ابنة المأمون، وخلف ابنه أبا الحسن الهادي عليهالسلام في المدينة، وسلم إليه المواريث والسلاح وأوصى اليه ونص عليه بمشهد ثقاته وأصحابه (3)، وأخيرا ينتهي به المسير إلى بغداد ويدخلها لليلتين بقيتا من المحرم سنة 220 هـ (4) .
لم يمهل الامام الجواد عليهالسلام الا نحو عشرة أشهر في بغداد، فقد استشهد في ذي القعدة سنة 220 هـ (5)، ودفن في مقابر قريش ببغداد الى جنب جده أبي
__________________
(1) المناقب 4: 384.
(2) اُصول الكافي 1: 323 / 1 باب الاشارة والنص على أبي الحسن الثالث عليهالسلام ، الثاقب في المناقب / ابن حمزة الطوسي: 516.
(3) راجع: إثبات الوصية / المسعودي: 192، عيون المعجزات: 131، دلائل الإمامة / الطبري: 395 - مؤسسة البعثة - قم - 1413 هـ.
(4) راجع: الإرشاد / الشيخ المفيد 2: 295، روضة الواعظين 1: 243.
(5) الإرشاد 2: 295.
الحسن موسى بن جعفر عليهماالسلام ، وكان له يوم قبض خمس وعشرون سنة وأشهر.
وعلى الرغم من اختلاف الروايات في كيفية شهادة الإمام أبي جعفر الجواد عليهالسلام الا انه صرح أغلب محدثي الشيعة ومؤرخيهم بأنه عليهالسلام قبض مسموماً وأن الذي باشر ذلك المعتصم أو أحد أعوانه (1) .
وذكر المسعودي في تاريخه أن أم الفضل بنت المأمون لما قدمت معه من المدينة إلى المعتصم سمته (2) .
ويبدو مما ذكره المسعودي مفصلاً في اثبات الوصية وغيره من المؤرخين أن المشتركين بالتآمر على حياة الامام عليهالسلام زوجته أم الفضل زينب بنت المأمون، وهي أداة التنفيذ والمباشر الأول في هذا العمل الاجرامي، ثم أخوها جعفر بن المأمون، ومدبّر هذا الأمر عمّهم المعتصم بن هارون.
قال المسعودي وغيره من المؤرخين: لما انصرف أبو جعفر عليهالسلام إلى العراق لم يزل المعتصم وجعفر بن المأمون يدبران ويعملان الحيلة في قتله، فقال جعفر لاخته أم الفضل - وكانت لامه وأبيه - في ذلك لانه وقف على انحرافها عنه وغيرتها عليه، لتفضيله أم أبي الحسن ابنه عليها مع شدة محبتها له، ولانها لم ترزق منه ولدا، فأجابت أخاها جعفراً، وجعلوا سماً في شيء من عنب رازقي، وكان يعجبه العنب الرازقي، فلما أكل منه ندمت وجعلت تبكي، فقال لها: « ما بكاؤك؟ والله ليضربنك الله بفقر لا ينجبر وبلاء لا ينستر » فبليت بعلة في
__________________
(1) تفسير العياشي 1: 320 / 109، مروج الذهب 3: 460، اثبات الوصية: 192، روضة الواعظين / الفتال: 243، دلائل الإمامة / الطبري: 395، مصباح الكفعمي: 523، مناقب ابن شهر آشوب 4: 384.
(2) مروج الذهب 4: 52.
أغمض المواضع من جوارحها صارت ناسوراً ينتقض في كل وقت، فأنفقت مالها وجميع ملكها على تلك العلة حتى احتاجت إلى رفد الناس.... ويروى أنّه قد تردّى جعفر في بئر فأخرج ميتاً وكان سكراناً (1) .
وذكر الطبري وابن شهر آشوب في رواية اخرى أنها سمّته بمنديل يمسح به عند الملامسة، فلما أحس بذلك قال لها: « أبلاك الله بداء لا دواء له »، فوقعت الأكلة في فرجها، فكانت تنكشف للطبيب، ينظر إليها ويشير عليها بالدواء، فلا ينفع ذلك شيئاً حتى ماتت في علتها (2) .
وعلى الجملة، فإنّ المعتصم هو السبب الأوّل لقتل الإمام عليهالسلام ، هذا الرجل الذي وصفه المؤرخون بقولهم: كان ذا سطوة إذا غضب لا يبالي من قتل (3) .
وكان ممن قتلهم المعتصم سنة 223 ابن أخيه العباس بن المأمون، الذي قتله بمنبج فدفن هناك، وكان طريقة قتله أنه أجاعه جوعاً شديداً ثم جيء بأكل كثير فأكل منه وطلب الماء فمنع حتى مات.
وقتل جماعة من ولد المأمون أيضاً، وسجن مجموعة من الامراء ثم أخذهم بأنواع النقمات التي اقترحها لهم، فقتل كل واحد منهم بنوع لم يقتل به الآخر (4) .
هذا، وإنّ كثيراً من أصحابنا ذهب إلى أن جميع الأئمّة عليهمالسلام خرجوا من الدنيا بالقتل، واستدلوا على ذلك بما روي عن الصادق عليهالسلام من قوله: « مامنا إلاّ
__________________
(1) اثبات الوصية: 192، دلائل الإمامة / الطبري: 395، عيون المعجزات: 131.
(2) دلائل الامامة / الطبري: 395، مناقب ابن شهر آشوب 4: 391.
(3) سير أعلام النبلاء 10: 302، والبداية والنهاية 10: 325.
(4) راجع: البداية والنهاية 10: 316.
مقتول شهيد » (1) . فليس فيهم عليهمالسلام من يموت حتف أنفه، وقاتلهم دائما هو الحاكم الذي يحذر نشاطهم ويتوجس منهم خيفة، لأنّهم يمثلون جبهة المعارضة ضد الانحراف الذي يمثله الحاكم (2) .
ذكرنا أن الامام الجواد عليهالسلام خلف ولده الامام الهادي عليهالسلام في المدينة المنورة، وبقي هناك حتى شهادة أبيه على ما تصرح به كثير من الروايات (3) .
وما أن استشهد الامام الجواد عليهالسلام توجه رجال السلطة إلى ولده أبي الحسن عليهالسلام رغم كونه صغيراً ولا يشكل أدنى خطر على مركز الخلافة العباسية وأجهزتها، وأول بوادر ذلك هو أن المعتصم عهد إلى عمر بن الفرج الرخجي أن يشخص إلى المدينة فيختار مؤدباً لأبي الحسن الهادي عليهالسلام وشرط أن يكون المؤدب معروفاً بالعداء لأهل البيت عليهمالسلام ليغذيه بأفكار بعيدة عن نهجهم، فاختار الرخجي أبا عبد الله الجنيدي، وأوكل إليه مهمة تأديب الامام عليهالسلام ، فعمل الرخجي على حبسه عن شيعته ومواليه، ولاجل ذلك وضع عليه العيون، وشرع بعمله، إلا أنه ذهل من حدة ذكاء الامام عليهالسلام وغزارة علمه، الامر الذي جعله يذعن بأن الامام عليهالسلام أعلم منه، وأنه تعلم منه ضروباً من العلم، وأنه خير أهل الارض، وأفضل من برأه الله تعالى، وأنه يحفظ القرآن من
__________________
(1) إعلام الورى 2: 131.
(2) راجع بحثا مفصلاً حول هذا الموضوع في تاريخ الغيبة الصغرى / للسيد الشهيد محمد محمدصادق الصدر: 229.
(3) راجع: دلائل الامامة: 415 / 378 / 11، بصائر الدرجات: 487 / 2 باب21 من الجزء التاسع - مؤسسة الأعلمي - طهران، إثبات الوصية: 194.
أوله إلى آخره ويعلم تأويله وتنزيله، وأخيراً نزع الجنيدي نفسه عن النصب والعداء لاهل البيت عليهمالسلام ودان بالولاء لهم واعتقد بالامامة واهتدى إلى سواء السبيل (1) .
ويبدو أن المعتصم ظن أنه يستطيع بعمله هذا توجيه الامام عليهالسلام وفقاً لأهوائه، وأن يغذيه بالعلوم كما يريد، متناسياً أن الأئمّة عليهمالسلام يتميزون بالعلم الحضوري والنور الجلي والسر الخفي من لدن رب العالمين.
في أيام المعتصم اشتدت المحنة على الاُمّة بصورة عامة وعلى الشيعة بوجه خاص، فقد نقل المؤرخون أن الرجل منهم إذا تفوه بأدنى معارضة أو أمر بمعروف ونهى عن منكر فإن مصيره يؤول الى بركة السباع أوإراقة دمه بأبشع الطرق فضلاً عن الاغلال والسجون ومصادرة الاموال، وكانوا في كل ما يتعرضون له من قمع الجهاز الحاكم يتوجهون الى الامام عليهالسلام فيراسلونه ليرفدهم بالدعاء.
روى السيد ابن طاوس بالاسناد عن اليسع بن حمزة القمي، قال: « أخبرني عمرو بن مسعدة وزير المعتصم الخليفة أنه جاء علي بالمكروه الفظيع حتى تخوفته على إراقة دمي وفقر عقبي، فكتبت إلى سيدي أبي الحسن العسكري عليهالسلام أشكو إليه ما حلّ بي، فكتب إلي: لا روع إليك ولا بأس، فادع الله بهذه الكلمات، يخلصك الله وشيكاً مما وقعت فيه، ويجعل لك فرجاً، فإن آل محمد يدعون بها عند إشراف البلاء وظهور الأعداء، وعند تخوف
__________________
(1) إثبات الوصية / المسعودي: 222.
الفقر وضيق الصدر.
قال اليسع بن حمزة: فدعوت الله بالكلمات التي كتب إلي سيدي بها في صدر النهار، فوالله ما مضى شطره حتى جاءني رسول عمرو بن مسعدة فقال لي: أجب الوزير، فنهضت ودخلت عليه، فلما بصر بي تبسّم إلي، وأمر بالحديد ففك عني وبالأغلال فحلّت مني، وأمر لي بخلعة من فاخر ثيابه، وأتحفني بطيب، ثم أدناني وقربني، وجعل يحدثني ويعتذر إلي، وردّ علي جميع ما كان استخرجه مني، وأحسن رفدي، وردني إلى الناحية التي كنت أتقلدها، وأضاف إليها الكورة التي تليها ».... الى آخر الحديث وفيه الدعاء المعروف بدعاء الفرج (1) .
ونقل المسعودي في تاريخه عند ترجمته لبغا الكبير ما يدل على قتل بعض الموالين لأهل البيت عليهمالسلام بالقائهم في بركة السباع، فذكر أن بغا الكبير القائد التركي الذي كان من غلمان المعتصم قد نيف على التسعين سنة، وقد كان باشر من الحروب ما لم يباشره أحد، فما أصابته جراحة قط، وأنه كان ديناً بين الاتراك، وكان يقول: الأجل جوشن (2) . ولم يكن يلبس على بدنه شيئاً من الحديد، فعذل في ذلك، فقال: رأيت في نومي النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ومعه جماعة من أصحابه فقال لي: يا بغا، أحسنت إلى رجل من أمتي فدعا لك بدعوات استجيبت له فيك. قال: فقلت: يا رسول الله، ومن ذلك الرجل؟ قال: الذي خلصته من السباع. الى آخر الخبر وفيه: أن المعتصم أمره أن يلقى ذلك الرجل إلى السباع، وحينما جاء ليلقيه سمعه يقول: اللهم إنك تعلم ما تكلمت إلا فيك، ولم أرد بذلك
__________________
(1) مهج الدعوات: 271.
(2) الجوشن هنا: الدرع.
غيرك، وتقرباً إليك بطاعتك وإقامة الحق على من خالفك، أفتسلمني؟ قال بغا: فارتعدت وداخلتني له رقة، وملئ قلبي له رعباً، فجذبته عن طرف بركة السباع وقد كدت أن أزج به فيها، وأتيت به حجرتي فأخفيته فيها.... (1) .
واصل الطالبيون قيادة حركة المعارضة المسلحة التي لم تهدأ منذ ثورة الشهيد السبط الامام الحسين عليهالسلام ، وهي في هذا الوقت تمثّل ردّ فعل طبيعي لحالة التردي التي تعاني منها الاُمة عموماً والطالبيون خصوصاً، من هنا فقد خرج من العلويين في أيام المعتصم بالطالقان محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام ، المعروف بالصوفي، ودعا إلى الرضا من آل محمد صلىاللهعليهوآله ، فكانت له مع العباسيين عدة وقعات بناحية الطالقان وجبالها، وشي به في آخرأمره فارسل المعتصم، فحبسه في سرداب ضيق شبيه بالبئر طوله ثلاثة أذرع في ذراعين فكاد أن يموت فيه، ثم أنه هرب من السجن وغاب عن الأنظار، فطلبوه فلم يقدروا عليه (2) .
ومن وسائل الاستفزاز التي مارستها السلطة العباسية ضد خصومها سيما الطالبيون منهم، هو اجبارهم على لبس السواد الذي يمثل شعار الدولة العباسية، وفي حال الامتناع يتعرض الخصم لعقوبات قاسية، ومما حدث من ذلك في زمان المعتصم ماذكره أبو الفرج أن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن
__________________
(1) مروج الذهب 4: 160.
(2) تاريخ اليعقوبي 2: 471، مقاتل الطالبيين: 464 - 472، تاريخ الطبري 7: 223 - 224 حوادث سنة 219 هـ، مروج الذهب 4: 60 - 61، عمدة الطالب / الداوودي: 306 المطبعة الحيدرية - النجف، البداية والنهاية 10: 308.
إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب امتنع من لبس السواد، وخرقه لما طولب بلبسه، فحبس بسر من رأى حتى مات في حبسه رضياللهعنه (1) .
هو أبو جعفر، وأبو القاسم، هارون بن المعتصم بالله بن هارون الرشيد، بويع له لاحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الاول سنة 227 (2) .
ولم يسجل لنا التاريخ موقف سوء من الواثق تجاه الامام عليهالسلام وشيعته، أما من حيث موقفه من الطالبيين فان المؤرخين اتفقوا على أنه كان محسناً اليهم.
قال يحيى بن أكثم: ما أحسن أحد إلى الطالبيين ما أحسن إليهم الواثق، ما مات وفيهم فقير (3) .
وقال أبو الفرج: لا نعلم أحداً قتل في أيامه، الا أن علي بن محمد بن حمزة ذكر أن عمرو بن منيع قتل علي بن محمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين، ولم يذكر السبب في ذلك، فحكيناه عنه على ما ذكره،... وكان آل أبي طالب مجتمعين بسر من رأى في أيامه تدرّ الأرزاق عليهم حتى تفرقوا في أيام المتوكل (4) .
هذا فضلاً عن أن الواثق كان يطلب من الامام عليهالسلام أن يحضر مجلسه ويسأله الفقهاء ومنهم يحيى بن أكثم عن مسائل عويصة فيجيب عنها (5) .
__________________
(1) مقاتل الطالبيين: 393.
(2) سير أعلام النبلاء 10: 306، البداية والنهاية 10: 325.
(3) سير أعلام النبلاء 10: 307.
(4) مقاتل الطالبيين: 395.
(5) راجع: تاريخ بغداد 12: 56 / 6440.
وبقي الواثق على رأس السلطة العباسية الى ذي الحجة من سنة 232، وقد أخبر الامام الهادي عليهالسلام وهو في المدينة أحد أصحابه القادمين من العراق - وهو خيران الاسباطي - عن موت الواثق وتسنم جعفر المتوكل مقاليد السلطة العباسية قبل اعلان السلطة ذلك (1) .
هو جعفر بن المعتصم بالله بن هارون الرشيد، بويع له بعد وفاة أخيه الواثق في ذي الحجة سنة 232، حيث اجتمع في دار الخلافة عند وفاة الواثق أحمد بن أبي دؤاد وإيتاخ ووصيف وعمر بن الفرج وابن الزيات، وأرادوا البيعة لمحمد بن الواثق، وهو غلام أمرد، فقال وصيف: أما تتقون الله، تولون الخلافة مثل هذا؟!ثم تناظروا فيما يولونه، فأحضروا المتوكل فألبسه ابن أبي دؤاد وعممه وسلم عليه بإمارة المؤمنين ولقبه المتوكل، وبقي على رأس السلطة الى سنة 247.
وكان الإمام الهادي عليهالسلام مقيماً في المدينة، وقد مضى على امامته نحو 12 عاماً، وكان عليهالسلام مرجعاً لرواد العلم من مختلف البلاد وشتى الديار، ومبلغاً لرسالة جده المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم وسنته وكتاب ربه.
ويظهر من روايات التاريخ أن هذه الفترة من أشد الظروف التي مرت بالامام عليهالسلام وأكثرها ضراوةً وعنتاً، لأن السمة الغالبة على المتوكل هي النصب والتجاهر بالعداء لآل البيت عليهمالسلام والحقد السافر عليهم وعلى من يمتّ لهم بصلة نسب أو ولاء، وقد أجمع على هذا الأمر غالبية المؤرخين.
__________________
(1) أصول الكافي1: 498 / 1 باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهماالسلام من كتاب الحجة، الفصول المهمة: 279.
قال السيوطي: « كان المتوكل معروفا بالتعصب » (1) .
وقال الذهبي: « كان المتوكل فيه نصب وانحراف » (2) .
ويساعده على ذلك زمرة من النواصب المبغضين لعلي عليهالسلام من أمثال وزيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وعلي بن الجهم الشاعر، وعمرو بن الفرج الرخجي، وأبي السمط مروان بن أبي حفصة، وعبداللّه بن داود الهاشمي.
من هنا فقد أمعن المتوكل في التنكيل بالامام عليهالسلام وشيعته وأسرف في القتل والحبس والحصار والتشريد وصنوف الأذى والعنت، وفيما يلى استجلاء لبعض مواقفه في هذا الإتجاه:
ينطلق المتوكل في جميع المواقف التي اتخذها من أهل البيت عليهمالسلام وشيعتهم مما يعتمل في كوامن نفسه من البغض والعداء لهم ولمن يتعلق بهم، لذلك عمل على ابعادهم والاساءة اليهم، وأنفق المزيد في سبيل اشاعة ثقافة النصب في أوساط الناس عن طريق بعض المرتزقة من المحدّثين والشعراء وغيرهم، ومصاديق هذا في الواقع العملي كثيرة ولعل أبرزها:
قال ابن خلكان: إن المتوكل كان كثير التحامل على علي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين (3) .
ونقل سبط ابن الجوزي عن علماء السير قولهم: إن المتوكل كان يبغض
__________________
(1) تاريخ الخلفاء: 268.
(2) سير أعلام النبلاء 12: 35.
(3) وفيات الاعيان 6: 400 عند ترجمة يعقوب بن السكيت.
عليا عليهالسلام وذريته (1) .
وقال ابن الأثير: « كان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبيطالب ولأهل بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى عليا وأهله بأخذ المال والدم، وكان من جملة ندمائه عبادة المخنّث، وكان يشدّ على بطنه تحت ثيابه مخدّة ويكشف رأسه وهو أصلع ويرقص بين يدي المتوكل، والمغنون يغنّون: قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين، يحكي بذلك عليا عليهالسلام والمتوكل يشرب ويضحك.
وإنّما كان ينادمه ويجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب والبغض لعلي، منهم: علي بن الجهم الشاعر الشامي من بني شامة بن لؤي، وعمرو بن الفرج الرخجي، وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالي بني اُمية، وعبداللّه بن داود الهاشمي المعروف بابن اُترجة، وكانوا يخوّفونه من العلويين، ويشيرون عليه بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم، ثم حسّنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين يعتقد الناس علوّ منزلتهم في الدين، ولم يبرحوا به حتى ظهر منه ما كان... (2) .
ولا يمكن أن يجرأ أحد من هؤلاء الذين ذكرهم ابن الأثير على النيل من أمير المؤمنين عليهالسلام وعموم أهل البيت عليهمالسلام أمام أحد الخلفاء العباسيين، الا مع علمه المسبق بعداء ذلك الخليفة السافر لأهل البيت عليهمالسلام وحقده المقيت عليهم، وحرصه على تشجيع ثقافة النصب والبغض.
__________________
(1) تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي 322 - مؤسسة أهل البيت - بيروت - 1401 هـ.
(2) الكامل في التاريخ 6: 108 - 109، ونحوه في تاريخ ابن الوردي 1: 309 -المطبعة الحيدرية - النجف.
روي أنّ أبا السمط مروان بن أبي الجنوب قال: « أنشدت المتوكل شعرا ذكرت فيه الرافضة، فعقد لي على البحرين واليمامة، وخلع عليّ أربع خلع، وخلع عليّ المنتصر، وأمر لي المتوكل بثلاثة آلاف دينار فنثرت عليّ، وأمر ابنه المنتصر وسعد الايتاخي أن يلتقطاها لي ففعلا، والشعر الذي قلته:
يرجوا التراث بنو البنا |
ت وما لهم فيها قُلامه |
|
والصهر ليس بوارثٍ |
والبنت لاترث الامامه |
|
ماللذين تنحّلوا |
ميراثكم إلاّ الندامه |
|
ليس التراث لغيركم |
لا والاله ولا كرامه |
قال: ثمّ نثر عليّ بعد ذلك لشعرٍ قلته في هذا المعنى عشرة آلاف درهم » (1) . لا يخفى أنّه قد سبقه هارون في ذلك.
والموقف الآخر الذي ينمّ عن ماهية نفس المتوكل الحاقدة، هو أنه أمر في سنة 236 بهدم قبر الإمام السبط الشهيد الحسين عليهالسلام ، ظناً منه أنه يميت ذكره ويعدم أثره، وقد بعث رجلاً من أصحابه يقال له الديزج - وكان يهوديا فأسلم - إلى قبر الحسين عليهالسلام ، وأمره بكرب القبر ومحوه وإخراب كل ما حوله، فمضى لذلك، وخرب ما حوله، وهدم البناء وكرب ما حوله نحو مائتي جريب، فلما بلغ إلى قبره لم يتقدم إليه أحد، فأحضر قوماً من اليهود فكربوه، ثم أمر أن يبذر ويزرع، ووكلّ به مسالح بين كل مسلحتين ميل، فلا يزوره زائر إلا أخذوه ووجّهوا به إليه، فقُتِل عدد كبير من زواره أو اُنهكوا عقوبة، ونودي بالناس في
__________________
(1) تاريخ الطبري 9: 230، الكامل في التاريخ 6: 140.
تلك الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة أيام حبسناه في المطبق (1) .
وجاء في بعض الأخبار: « أنه لما صار الماء فوق مكان القبر وقف وافترق فرقتين، يمينا وشمالاً، ودار حتى التقى تحت المكان، وبقي الوسط خاليا من الماء، والماء مستدير حوله، فسمّي من ذلك اليوم بالحائر » (2) .
وتألم المسلمون بسبب هذا الموقف المشين الذي سوّد وجه التاريخ، فكتب أهل بغداد شتم المتوكل على الحيطان والمساجد، وهجاه الشعراء، ومنهم دعبل ابن علي الخزاعي ت 246 والبسّامي (3) الذي يقول:
تاللّه إن كانت اُمية قد أتت |
قتل ابن بنت نبيها مظلوما |
|
فلقد أتى بنو أبيه بمثله |
هذا لعمري قبره مهدوما |
|
أسفوا على أن لايكونوا شاركوا |
في قتله فتتبعوه رميما (4) |
ولم يكتف المتوكل بالاعتداء على المكان المقدس الذي شهد ملحمة البطولة بين معسكر الحق بقيادة سيد الشهداء عليهالسلام ومعسكر الباطل بقيادة يزيد ابن معاوية، بل اعتدى على الزمان الذي بقي رمزا يختزن الشجاعة والتحدّي للظلم والطغيان على مرّ الدهور، فجعل المتوكل العاشر من المحرم الحرام سنة 256 يوما لافتتاح مدينته التي بناها بالماحوزة، ونزوله في قصر الخلافة فيها
__________________
(1) راجع: مقاتل الطالبيين: 395، الكامل في التاريخ 6: 108، تاريخ ابن الوردي 1: 216، البداية والنهاية 10: 315، تاريخ الخلفاء / السيوطي: 268.
(2) بحار الأنوار 45: 403، التتمة في تواريخ الأئمّة عليهمالسلام / السيد تاج الدين العاملي: 137.
(3) هو أبو الحسن، علي بن محمد بن نصر بن منصور ابن بسّام، المعروف بالبسّامي، أو ابن بسّام، سير أعلام النبلاء 14: 112 / 56.
(4) سير أعلام النبلاء 12: 35، تاريخ الخلفاء / للسيوطي: 269.
الذي سماه اللؤلؤة، وكان يوما مشهودا يعجّ بأصحاب الملاهي والمطربين، فأعطى فيه وأطلق، وقيل: إنّه وهب فيه أكثر من ألفي ألف درهم (1) .
ومع صرامة اجراءات المتوكل في منع زيارة الامام السبط عليهالسلام فقد استطاع بعض محبيه أن يزوره في أيام الحظر مخاطراً بنفسه وهو يمشي بين مسلحتين متحرياً القبر من خلال رائحته الزكية لانعدام أي شاخص يدل عليه.
قال أبو الفرج الاصفهاني: حدثني محمد بن الحسين الاشناني، قال: بعد عهدي بالزيارة في تلك الأيام خوفاً، ثم عملت على المخاطرة بنفسي فيها، وساعدني رجل من العطارين على ذلك، فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل حتى أتينا نواحي الغاضرية، وخرجنا منها نصف الليل، فسرنا بين مسلحتين وقد ناموا، حتى أتينا القبر فخفي علينا، فجعلنا نشمّ الأرض ونتحرّى جهته حتى أتيناه، وقد قلع الصندوق الذي كان حواليه وأُحرق وأجرى الماء عليه، فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق، فزرناه وأكببنا عليه، فشممنا منه رائحة ما شممت مثلها قط، كشيء من الطيب، فقلت للعطار الذي كان معي: أي رائحة هذه؟ فقال: لا والله ما شممت مثلها، كشيء من العطر، فودعناه وجعلنا حول القبر علامات في عدة مواضع، فلما قتل المتوكل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيين والشيعة حتى صرنا إلى القبر، فأخرجنا تلك العلامات وأعدناه إلى ما كان عليه (2) .
قال أبو الفرج الأصفهاني: كان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب،
__________________
(1) راجع: البداية والنهاية 10: 347، الكامل في التاريخ 6: 130.
(2) مقاتل الطالبيين: 396.
غليظا على جماعتهم، مهتمّا بأمورهم، شديد الغيظ والحقد عليهم وسوء الظن والتهمة لهم، واتّفق له أن عبيداللّه بن يحيى بن خاقان وزيره كان يسيء الرأي فيهم، فحسّن له القبيح في معاملتهم، فبلغ فيهم مالم يبلغه أحدٌ من خلفاء بني العباس قبله (1) .
من هنا فرض المتوكل حصارا قاسياً على آل أبي طالب، واستعمل على المدينة ومكة عمر بن الفرج الرخجي وبلغ في هذا الاتجاه مبلغا لم يبلغه أحد ممن سبقه، فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس، ومنع الناس من البر بهم، وكان لا يبلغه أن أحداً أبر أحداً منهم بشيء وان قلّ إلا أنهكه عقوبة وأثقله غرماً، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد واحدة ثم يرقعنه، ويجلسن على مغازلهن عواري حواسر، إلى أن قتل المتوكل فعطف المنتصر عليهم وأحسن إليهم (2) .
وتجاوز المتوكل في الاساءة جميع الخطوط، فتعرض آل أبي طالب بشكل عام والعلويون بشكل خاص لصنوف الأذى والقسوة في زمانه، وتفرق رجالهم في مختلف بقاع الارض تاركين أوطانهم ومرابع طفولتهم، وأعلن آخرون الجهاد بوجه الطغيان، واختفى بعض كبارهم طيلة مدة حكمه الذي استمر نحو 15 عاماً، وتعرض بعضهم للمطاردة والابعاد أو الاعتقال أو التصفية بدسّ السمّ اليهم وهم سجناء، وأُجْبِرَ آخرون على ارتداء السواد الذي يمثّل شعار الدولة العباسية.
__________________
(1) مقاتل الطالبيين: 406.
(2) مقاتل الطالبيين: 396.
وممن قُتِل في زمان المتوكل من الطالبيين القاسم بن عبداللّه بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي، وكان رجلاً فاضلاً، وقد حمله عمر بن الفرج الرخّجي إلى سرّ من رأى، فأمروه بلبس السواد فامتنع، فلم يزالوا به حتى لبس شيئا يشبه السواد فرضي منه بذلك.
روى أبو الفرج الأصفهاني عن أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن ذوب مولاة زينب بنت عبداللّه بن الحسين قالت: « اعتلّ مولاي القاسم بن عبداللّه، فوجّه إليه بطبيب يسأله عن خبره، وجّهه إليه السلطان، فجسّ يده، فحين وضع الطبيب يده عليها يبست من غير علّة، وجعل وجعها يزيد عليه حتّى قتله، قالت: سمعت أهله يقولون: إنّه دسّ إليه السمّ مع الطبيب » (1) .
وقتل الحسن بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله بن الحسن، وقتل جعفر بن عيسى بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر، وقتل عبد الرحمن خليفة أبي الساج بمكة أحمد بن عبد الله بن موسى بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى، وقتل بالري جعفر بن محمد ابن جعفر بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين، وقتل إبراهيم بن محمد ابن عبد الله بن عبيد الله بن الحسن بن عبد الله بن العباس بن علي عليهالسلام .
ومات في سجن الكوفة عيسى بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر، وكان أبو الساج حمله فحبس بالكوفة فمات هناك.
وحبس الحارث بن أسد عامل أبي الساج بالمدينة احمد بن محمد بن يحيى
__________________
(1) مقاتل الطالبيين: 407.
ابن عبد الله بن الحسن المثنى في دار مروان فمات في محبسه (1) .
وتوارى أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين عليهالسلام مدةً طويلة حتى توفي سنة 247 هـ، وكان فاضلاً عالما مقدما في أهله، معروفا فضله، وقد كَتَب الحديث وعمّر، وكُتِب عنه، وروى عنه الحسين بن علوان روايات كثيرة، وروى عنه محمد بن المنصور الراوي ونظراؤه.
وتوارى أيضا عبداللّه بن موسى بن عبداللّه بن الحسن بن الحسن بن علي عليهالسلام منذُ أيام المأمون ومات في أيام المتوكل (2) .
روى أبو الفرج الأصفهاني بالأسناد عن محمد بن سليمان الزينبي قال: « نُعي عبداللّه بن موسى إلى المتوكل صبح أربع عشرة ليلة من يوم مات، ونُعي له أحمد ابن عيسى فاغتبط بوفاتهما وسُرّ، وكان يخافهما خوفا شديدا، ويحذر حركتهما لما يعلم من فضلهما واستنصار الشيعة الزيدية بهما وطاعتهما لهما لو أرادوا الخروج عليه، فلما ماتا أمن واطمأنّ، فما لبث بعدهما إلاّ اُسبوعا حتّى قُتِل » (3) .
وكان الناس يفتخرون بتزويج آل أبي طالب لشرفهم واتصال نسبهم بالرسول المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم ، بينما تراهم في زمان المتوكل يمتنعون من تزويجهم خوفاً منه، روى أبو الفرج بالاسناد عن إبراهيم بن المدبر، قال: جاءني محمد بن صالح الحسني، وسألني أن أخطب عليه بنت عيسى بن موسى بن أبي خالد الحربي، ففعلت ذلك وصرت إلى عيسى فسألته أن يجيبه، فأبى وقال لي: لا أكذبك والله إني لا أرده لأني لا أعرف أشرف وأشهر منه لمن يصاهره، ولكني أخاف
__________________
(1) راجع: مقاتل الطالبيين: 434 و 450.
(2) مقاتل الطالبيين: 408.
(3) مقاتل الطالبيين: 417.
المتوكل وولده بعده على نعمتي ونفسي... (1) .
أمعنت أجهزة المتوكل في منع شيعة الإمام ومواليه من الدخول اليه، روى القطب الراوندي بالاسناد عن أبي القاسم بن القاسم، عن خادم علي ابن محمد عليهالسلام ، قال: كان المتوكل يمنع الناس من الدخول إلى علي بن محمد عليهالسلام ، فخرجت يوماً وهو في دار المتوكل، فإذا جماعة من الشيعة جلوس خلف الدار، فقلت: ما شأنكم جلستم ها هنا؟ قالوا: ننتظر انصراف مولانا لننظر إليه ونسلم عليه وننصرف... (2) .
كما أمعنت في التنكيل بأتباع الامام ومحبيه قتلاً واعتقالاً وافقارا، فأمروا ببعضهم أن يلقى من جبل عالٍ ويدفن في أصل الجبل بتهمة موالاة الإمام عليهالسلام (3)، وقطعت أرزاق بعضهم لملازمة الإمام أبي الحسن الهادي عليهالسلام (4) .
وحبس علي بن جعفر وكيل الإمام الهادي عليهالسلام ، وكان من أهل همينيا - قرية من قرى سواد بغداد - فسعي به إلى المتوكل، فحبسه مدة طويلة وتحت ظروف قاسية، وحينما كلمه عبيد الله بن خاقان بقبول ضمانة عنه قدرها ثلاثة آلاف دينار قال المتوكل: يا عبيد الله، لو شككت فيك لقلت إنك رافضي، هذا وكيل فلان - أي علي بن محمد عليهماالسلام - وأنا عازم على قتله. فتأدى الخبر إلى علي ابن جعفر، فكتب إلى أبي الحسن عليهالسلام : يا سيدي، الله الله في فقد والله خفت أن
__________________
(1) مقاتل الطالبيين: 399.
(2) الخرائج والجرائح 1: 403 / 9.
(3) الثاقب في المناقب: 543، المناقب لابن شهر آشوب 4: 448.
(4) المناقب / ابن شهرآشوب 4: 442.
أرتاب. فوقع في رقعته: « أما إذا بلغ بك الأمر ما أرى فسأقصد الله فيك »، وكان هذا في ليلة الجمعة، فأصبح المتوكل محموماً فازدادت عليه حتى صرخ عليه يوم الاثنين، فأمر بتخلية كل محبوس عرض عليه اسمه حتى ذكر هو علي ابن جعفر، فقال لعبيد الله: لم لم تعرض علي أمره؟ فقال: لا أعود إلى ذكره أبداً. قال: خل سبيله الساعة، وسله أن يجعلني في حلّ، فخلى سبيله (1) .
وفي كل ذلك يتوجه الأصحاب إلى إمامهم عليهالسلام كماترى فيعينهم بالدعاء للتخلص مما هم فيه. عن عبداللّه بن سليمان الخلال، قال: « كتبت إليه عليهالسلام أسأله الدعاء أن يفرّج اللّه عنّا في أسباب من قبل السلطان كنا نغتم بها من غلماننا، فرجع الجواب بالدعاء، ورد علينا الغلمان... » (2) .
وهو امام العربية الحجة، صيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى المتوكل،
__________________
(1) رجال الكشي 2: 866 / 1129.
(2) الثاقب في المناقب: 548 / 490.
(3) ترجم له النجاشي وقال: يعقوب بن إسحاق السكيت، أبو يوسف، كان مقدماً عند أبي جعفر الثاني وأبي الحسن عليهماالسلام ، وكان يختصانه، وله عن أبي جعفر عليهالسلام رواية ومسائل، وقتله المتوكل لأجل التشيع وأمره مشهور. كان وجيهاً في علم العربية واللغة، ثقة، مصدقاً، لا يطعن عليه، وله كتب منها: كتاب إصلاح المنطق، كتاب الألفاظ، كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه، كتاب الاضداد، كتاب المذكر والمؤنث، كتاب المقصور والممدود، كتاب الطير، كتاب النبات، كتاب الوحش وغيرها. رجال النجاشي: 449.
وقال ابن خلكان: قال بعض العلماء: ما عبر على جسر بغداد كتاب في اللغة مثل إصلاح المنطق، ولا شك أنه من الكتب النافعة الممتعة الجامعة لكثير من اللغة، ولا نعرف في حجمه مثله في بابه. وفيات الاعيان 6: 400.
فندبه الى تعليم أولاده، فبينما هو مع المتوكل يوماً إذ جاء المعتز والمؤيد، فقال له المتوكل: يا يعقوب، أيما أحبّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ فذكر الحسن والحسين عليهماالسلام بما هما أهله، وقال له: إن قنبراً خادم علي أحبّ إلي من ابنيك. أو إن قنبراً خادم علي خير منك ومن ابنيك، فأمر المتوكل الأتراك فسلوا لسانه وداسوا بطنه حتى مات، وذلك في يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة 243، وقيل: سنة 244، وقيل: سنة 246 (1) .
أمر المتوكل باشخاص الامام الهادي عليهالسلام الى عاصمة ملكه سامراء ليكون محاصرا ومعزولاً عن قاعدته العريضة في المدينة المنورة، وعلى مقربة من رقابة الجهاز الحاكم.
معلوم أن المتوكل ينطلق في كل مواقفه مع الإمام الهادي عليهالسلام وشيعته مما تنطوي عليه نفسه من البغض الذي يكنّه لأهل بيت النبوة عليهمالسلام الأمر الذي صرّح به كثير من المؤرخين، وفضلاً عن ذلك فقد أضاف المؤرخون سببين مرتبطين دفعا المتوكل إلى إشخاص الإمام عليهالسلام إلى سامراء وهما:
أ - الوشاية بالإمام إلى المتوكل من قبل بعض الحاقدين من عمال بني العباس، ومنهم عبداللّه بن محمد بن داود الهاشمي، المعروف بابن اترجة أو
__________________
(1) الكامل في التاريخ 6: 133، تاريخ الخلفاء: 269، تاريخ ابن الوردي 1: 313، وفيات الاعيان 6: 400، معجم الادباء 20: 50.
بريحة (1)، وكان يتولى ادارة الحرب والصلاة في الحرمين.
قال المسعودي: كتب بريحة... إلى المتوكل: إن كان لك في الحرمين حاجة، فاخرج علي بن محمد منها، فإنّه قد دعا الناس إلى نفسه واتبعه خلق كثير، وتابع كتبه إلى المتوكل بهذا المعنى (2) .
وذكر الشيخ المفيد أن عبدالله بن محمد سعى بأبي الحسن عليهالسلام إلى المتوكل، وكان يقصده بالأذى (3) .
وقال اليعقوبي: كتب إلى المتوكل يذكر أن قوما يقولون إنه الإمام (4) .
ومهما يكن فان أفعال الوشاة توقظ شكوك المتوكل وأحقاده وتثير توجّسه الكامن في نفسه تجاه الامام عليهالسلام .
ب - تخوف المتوكل من خروج الامام عليهالسلام عليه أو أن يأمر أحداً من أهل بيته بالخروج لانصراف الناس إلى الإمام عليهالسلام وإلتفافهم حوله في المدينة، نقل سبط ابن الجوزي عن علماء السير قولهم: « إنّما أشخصه المتوكل إلى بغداد، لأن المتوكل كان يبغض عليا عليهالسلام وذريته، فبلغه مقام علي عليهالسلام بالمدينة، وميل الناس إليه فخاف منه » (5) .
وعبّر عن هذا المعنى أيضا يزداد النصراني طبيب البلاط تلميذ بختيشوع الطبيب المعروف، حيث جاء عنه في حديث ذكر فيه الامام الهادي عليهالسلام أنه قال: « بلغني أن الخليفة استقدمه من الحجاز فَرَقا منه، لئلا تنصرف إليه وجوه
__________________
(1) أو بريهة، راجع: الكامل في التاريخ 6: 245.
(2) إثبات الوصية: 233.
(3) الارشاد 2: 309.
(4) تاريخ اليعقوبي 2: 484.
(5) تذكرة الخواص: 322.
الناس، فيخرج هذا الأمر عنهم، يعني بني العباس » (1) .
هذا مع أن الإمام عليهالسلام لم يكن في موقع الدعوة إلى الثورة ضد الخلافة العباسية، لأن الظروف الموجودة آنذاك لم تكن تسمح بمثل هذا العمل، وقد عرف الإمام عليهالسلام بعد استدعائه هواجس نفس المتوكل، فبين له أنه ليس همّة استلام السلطة ولاتنزع نفسه الكريمة إلى شيء من هذا الحطام، وذلك حينما استعرض المتوكل جيشه بحضور الإمام عليهالسلام بأحسن زينة وأتم عدة وأعظم هيبة، وقد بلغ تسعين ألفا من الترك.
قال الراوي معبراً عن غرض المتوكل من استعراض الجيش بحضرة الامام عليهالسلام : وكان غرضه أن يكسر كل من يخرج عليه، وكان خوفه من أبي الحسن أن يأمر أحداً من أهل بيته أن يخرج على الخليفة، إلى أن قال: فقال له أبو الحسن عليهالسلام : « نحن لاننافسكم في الدنيا، نحن مشتغلون بأمر الآخرة، ولا عليك ممّا تظنّ » (2) .
قال الشاعر:
لست أنسى غداة أخرجه |
الطاغي مع الناس ذلة وصغارا |
|
وغدا يعرض الجيوش عليه |
عل يرتاع خيفة وانذعارا |
|
فأراه من الملائك جيشاً |
ملأ الافق والفضا جرارا (3) |
__________________
(1) دلائل الإمامة / الطبري: 419 / 382، نوادر المعجزات / الطبري: 188 / 7 - مؤسسة الإمام المهدي عليهالسلام - قم - 1410 هـ، فرج المهموم: 233.
(2) الخرائج والجرائح 1: 414 / 19، الثاقب في المناقب: 557، كشف الغمة 3: 185، بحار الأنوار 50: 155 / 44.
(3) الذخائر / ديوان الشاعر محمد علي اليعقوبي: 63.
أورد الشيخ المفيد كتاب الاستدعاء الذي أرسله المتوكل الى الامام عليهالسلام ، وذكر في أوله سبب شخوص أبي الحسن عليهالسلام إلى سر من رأى، فجاء فيه أن عبد الله بن محمد كان يتولى الحرب والصلاة في مدينة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم فسعى بأبي الحسن عليهالسلام إلى المتوكل، وكان يقصده بالأذى، وبلغ أبا الحسن عليهالسلام سعايته به، فكتب إلى المتوكل يذكر تحامل عبد الله بن محمد ويكذبه فيما سعى به، فتقدم المتوكل بإجابته عن كتابه ودعاه فيه إلى حضور العسكر على جميل من الفعل والقول.
وكان جواب المتوكل الذي استدعى بموجبه الإمام عليهالسلام إلى سامراء هادئا لينا، تظاهر فيه بتعظيم الإمام عليهالسلام وإكرامه، ووعده فيه باللطف والبرّ، وذكر فيه براءته مما نسب إليه واتّهم به من التحرك ضد الدولة، وانه أمر بعزل الوالي الذي سعى به - وهو عبداللّه بن محمد - عن منصبه وولّى محلّه محمد بن الفضل، وادّعى في آخر الكتاب أنّه مشتاق إلى الإمام عليهالسلام ، ثمّ أفضى إلى بيت القصيد وهو أن يشخص الإمام عليهالسلام إلى سامراء مع من اختار من أهل بيته ومواليه، وأن يرافقه يحيى بن هرثمة الذي أرسله لأداء هذه المهمة على رأس الجند.
قال الشيخ المفيد: فخرجت نسخة الكتاب وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد: فإن أمير المؤمنين عارف بقدرك، راع لقرابتك، موجب لحقك، مؤثر من الامور فيك وفي أهل بيتك ما يصلح الله به حالك وحالهم، ويثبت به عزك وعزهم، ويدخل الأمن عليك وعليهم، يبتغي بذلك رضا ربه وأداء ما افترض عليه فيك وفيهم، وقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله بن محمد عما
كان يتولاه من الحرب والصلاة بمدينة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم إذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقك واستخفافه بقدرك، وعندما قرفك به ونسبك إليه من الأمر الذي علم أمير المؤمنين براءتك منه، وصدق نيتك في برك وقولك، وأنك لم تؤهل نفسك لما قرفت بطلبه، وقد ولى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن الفضل، وأمره بإكرامك وتبجيلك والانتهاء إلى أمرك ورأيك، والتقرب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك.
وأمير المؤمنين مشتاق إليك، يحب إحداث العهد بك والنظر إليك، فإن نشطت لزيارته والمقام قبله ما أحببت شخصت ومن اخترت من أهل بيتك ومواليك وحشمك، على مهلة وطمأنينة، ترحل إذا شئت، وتنزل إذا شئت، وتسير كيف شئت، وإن أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجند يرتحلون برحيلك ويسيرون بسيرك فالأمر في ذلك إليك، وقد تقدمنا إليه بطاعتك، فاستخر الله حتى توافي أمير المؤمنين، فما أحد من إخوته وولده وأهل بيته وخاصته ألطف منه منزلة، ولا أحمد له أثرة، ولا هو لهم أنظر، وعليهم أشفق، وبهم أبر، وإليهم أسكن منه إليك.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكتب إبراهيم بن العباس في شهر كذا من سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
قال الشيخ المفيد: فلما وصل الكتاب إلى أبي الحسن عليهالسلام تجهّز للرحيل، وخرج معه يحيى بن هرثمة حتى وصل إلى سر من رأى، فلما وصل إليها تقدم المتوكل بأن يحجب عنه في يومه، فنزل في خان يعرف بخان الصعاليك وأقام فيه يومه، ثم تقدم المتوكل بإفراد دار له فانتقل إليها (1) .
__________________
(1) الارشاد / الشيخ المفيد 2: 309، الكافي / الشيخ الكليني1: 501 / 7 - باب
ويبدو أن المتوكل قد صاغ كتابه بصيغة الرجاء، وكأنه ترك للإمام عليهالسلام الخيار في الشخوص أو البقاء، غير أنه الاكراه بعينه، إذ أنه بعث الكتاب مع الجند وقادتهم الذي أرسلهم لأداء مهمة إشخاص الإمام، ثمّ ان الإمام إن لم يذهب حيث أمره يكون قد أثبت تلك التهمة على نفسه، وأعلن العصيان على الخلافة، وكلاهما مما لاتقتضيه سياسة الإمام عليهالسلام .
ولعل أوضح دليل على إلزام الإمام عليهالسلام بهذا الأمر هو تصريحه عليهالسلام بذلك في حديث رواه المنصوري عن عم أبيه أبي موسى، قال: « قال لي يوما الإمام علي بن محمد عليهماالسلام : يا أبا موسى، اُخرجت إلى سرّ من رأى كرها... » (1) .
قال الشاعر:
وأشخص رغماً عن مدينة جده |
إلى الرجس إشخاص المعادي المخاصم |
|
ولاقى كما لاقى من القوم أهله |
جفاءً وغدراً وانتهاك محارم |
|
وعاش بسامراء عشرين حجةً |
يجرع من أعداه سم الأراقم |
|
بنفسي موتوراً عن الوتر مغضياً |
يسالم أعداءً له لم تسالم (2) |
__________________
مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهماالسلام من كتاب الحجة.
(1) المناقب لابن شهر آشوب 4: 449، بحار الأنوار 50: 129 / 8.
(2) المجالس السنية / محسن الأمين 5: 656. والشعر للسيد صالح بن مهدي الحسيني النجفي، المتوفى في بغداد سنة 1306.
يظهر من كتاب المتوكل أنه لا يعدو كونه مناورة حاول المتوكل الالتفاف من خلالها على الإمام عليهالسلام واحتواء نشاطه، أو قل هو صيغة دبلوماسية من قبيل ذرّ الرماد في العيون، إذ لم يكن المتوكل صادقا فيما وعد، ولا التزم بالشروط التي تعهد بها في كتابه، وأول بادرة سوء في ذلك أنه حينما دخل يحيى ابن هرثمة المدينة أمر بتفتيش دار الامام تفتيشاً دقيقاً، حتى ضجّ أهل المدينة خوفاً على الامام عليهالسلام ، ولو كان المتوكل ينوي إكرام الامام عليهالسلام لما احتجب عنه في اليوم الأول من وصوله إلى سامراء، ولما انزله في خان الصعاليك، ولما حجب عنه شيعته وأصحابه، ولما فرض عليه الاقامة الجبرية في عاصمة العسكر سامراء طيلة مدة حكمه، ولما أمر بتفتيش داره في سامراء مرات عديدة، ولعل أظهر موارد نقض الشروط هو أن المتوكل أعاد محمد بن الفرج الرخّجي المعروف بعدائه السافر لآل البيت عليهمالسلام الى عمله وعزل محمد بن الفضل (1) .
اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ رحلة الإمام الهادي عليهالسلام من المدينة الى
__________________
(1) قال ابن كثير: كان المتوكل لايولي أحدا إلا بعد مشورة الإمام أحمد، البداية والنهاية 10: 316، فإن كان ذلك حقا، فلا أدري كيف يوافق الامام أحمد على تولية أمثال: محمد بن الفرج الرخجي، والديزج الذي هدم قبر الحسين عليهالسلام ، وأبي السمط مروان بن أبي الجنوب الذي ولاه على اليمامة والبحرين، وابن اُترجة الذي ولاه الحرب والصلاة في الحرمين وغيرهم من النواصب؟! فإنّ أراد المبالغة في مدح المتوكل الناصبي فقد عرّض بالإمام أحمد وأساء إليه، وإن كان قوله حقا فان الإمام أحمد على رأس النواصب وأهم المروجين لثقافة النصب.
ومما يشهد بنصبه قوله في حقّ (حريز بن عثمان) الناصبي الذي كان يلعن أمير المؤمنين صباحا ومساءً: « ثقة ثقة ثقة »: ولهذه الأمور خاطب عبداللّه بن أحمد أباه قائلاً: إنّ الناس يقولون عنك... ذكره ابن الجوزي.
العراق؛ فقد ذكر المسعودي أنه شخص الإمام الهادي عليهالسلام إلى العراق في سنة 236 هـ (1) .
وذكر الطبري أنه قدم يحيى بن هرثمة بعلي بن محمد بن علي الرضا بن موسى ابن جعفر سنة 233 هـ (2)، وعلى ضوئه ذكر ابن كثير أن مدة إقامة الإمام الهادي عليهالسلام في سامراء أكثر من عشرين سنة. فقال في أحداث سنة 254 هـ، وهي السنة التي توفي فيها الإمام الهادي عليهالسلام : نقله المتوكل إلى سامراء، فأقام بها أزيد من عشرين سنة بأشهر، ومات في هذه السنة (3)، وكذلك ذكر الخطيب البغدادي والسمعاني وابن طولون أنه عليهالسلام أقام في سامراء عشرين سنة وتسعة أشهر (4) .
أما الشيخ المفيد فقد ذكر في ذيل نسخة كتاب الاستدعاء الذي كتبه المتوكل أن كاتبه إبراهيم بن العباس كتبه في سنة 243 هـ (5) . وهذا يعني أنه تاريخ الاشخاص، وأكّد الشيخ المفيد هذا التاريخ باعتباره مقام الإمام الهادي عليهالسلام في سامراء إلى أن قُبض عشر سنين وأشهرا (6) .
ويبدو أن الشيخ المفيد استفاد من رواية الشيخ الكليني لنسخة كتاب
__________________
(1) إثبات الوصية / المسعودي: 244.
(2) تاريخ الطبري 9: 163 - حوادث سنة 233 هـ.
(3) البداية والنهاية 11: 15 - حوادث سنة 254 هـ.
(4) تاريخ بغداد 12: 56 / 6440، الانساب / السمعاني 4: 193، الأئمّة الاثنا عشر / لابن طولون: 109 و 113 - بيروت - دار صادر.
(5) الارشاد 2: 310.
(6) الارشاد 2: 312.
المتوكل، والتي ورد فيها اسم كاتب المتوكل (إبراهيم بن العباس) في ذيل الكتاب إلاّ أنه يخلو من التاريخ، لكن جاء في أول رواية الشيخ الكليني ما يلي: عن محمد بن يحيى، عن بعض أصحابنا، قال: أخذت نسخة كتاب المتوكل إلى أبي الحسن الثالث من يحيى بن هرثمة في سنة 243 هـ (1)، من هنا يظهر أن هذا هو تاريخ أخذ نسخة الكتاب من يحيى بن هرثمة لا تاريخ كتابته.
ورجّح السيد محمد الصدر أن تاريخ الرحلة كان سنة 234 هـ، وترجيحه مبني على اعتبارين: الأول: ما ذكره ابن شهر آشوب من أن مدة مقام الإمام الهادي عليهالسلام في سامراء من حين دخوله إلى وفاته عشرون سنة (2)، فإذا كانت وفاته 254 هـ، تكون سفرته سنة 234 هـ، الثاني: كون هذا التاريخ أنسب بالاعتبار السياسي، لأنه بعد مجيء المتوكل إلى الخلافة بعامين، فيكون المتوكل قد طبّق منهجه في الرقابة على الإمام عليهالسلام في الأعوام الاولى من خلافته، بخلاف رواية الشيخ المفيد التي تبعد بالتاريخ عن استخلاف المتوكل أحد عشر عاما (3) .
ان الروايات الواردة في هذا المضمار لا تساعد على تتبع حركة الامام عليهالسلام من المدينة إلى بغداد ومن ثم إلى سامراء، وكل ما يستفاد من الروايات أنه رافق الإمام الهادي عليهالسلام في رحلته هذه أهل بيته وبعض مواليه، وولده الإمام بعده الحسن العسكري عليهالسلام .
__________________
(1) اصول الكافي 1: 501 / 7 - باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهماالسلام من كتاب الحجة.
(2) المناقب لابن شهرآشوب 4: 433.
(3) تاريخ الغيبة الصغرى 2: 107 - 108.
أما من حيث الوقت فالذي صرحت به الروايات أنه قد قطع هذا الطريق في موسم الحرّ فعانى المزيد من الجهد، وقد صاحبه في سفره هذا كثير من القادة والجند الذين لا يعرفون مقامه الالهي السامي بل كان منهم الخارجي والحشوي والناصب.
ومنها ما روي عن يحيى بن هرثمة، قال: دعاني المتوكل فقال: اختر ثلاث مئة رجل ممن تريد واخرجوا إلى الكوفة، فخلفوا أثقالكم فيها، واخرجوا على طريق البادية إلى المدينة، فاحضروا علي بن محمد بن الرضا إلى عندي مكرماً معضماً مبجلاً. قال: ففعلت وخرجنا، وكان في أصحابي قائد من الشراة، وكان لي كاتب يتشيع، وأنا على مذهب الحشوية، وكان ذلك الشاري يناظر ذلك الكاتب، وكنت أستريح إلى مناظرتهما لقطع الطريق... الى أن قال: وسرنا حتى دخلنا المدينة، فقصدت باب أبي الحسن علي بن محمد بن الرضا فدخلت إليه فقرأ كتاب المتوكل فقال: انزلوا وليس من جهتي خلاف. قال: فلما صرت إليه من الغد وكنا في تموز أشدّ ما يكون من الحرّ، فإذا بين يديه خياط وهو يقطع ثياب غلاظ له ولغلمانه، الى آخر الخبر (1) .
وعن أبي العباس خال شبل كاتب إبراهيم بن محمد، قال: كنت في الوفد الذي أوفده المتوكل إلى المدينة في إحضار أبي الحسن عليهالسلام ، وطوينا المنزل وكان منزلاً صائفاً شديد الحر، الى آخر الخبر (2) .
وهناك روايات تعكس لنا كيفية حمل الامام عليهالسلام وتصرف الموكلين
__________________
(1) الثاقب في المناقب: 551، الخرائج والجرائح 1: 393 الباب الحادي عشر، كشف الغمة 3: 180.
(2) الخرائج والجرائح 1: 415 / 20.
بذلك، وموقف الناس في المدينة حين أحسوا بذلك، وتعلق الناس بامامهم في بعض منازل الطريق.
ذكر المسعودي أن يحيى بن هرثمة قدم المدينة، فأوصل الكتاب إلى بريحة، وركبا جميعا إلى أبي الحسن عليهالسلام فأوصلا إليه كتاب المتوكل، فاستأجلهما ثلاثا، فلما كان بعد ثلاث عاد يحيى إلى داره فوجد الدواب مسرجة والأثقال مشدودة قد فرغ منها، وخرج صلوات اللّه عليه متوجها نحو العراق، وأتبعه بريحة مشيعا، فلما صار في بعض الطريق، قال له بريحة: قد علمت وقوفك على أني كنت السبب في حملك، وعليَّ حلف بأيمان مغلظة لئن شكوتني إلى أمير المؤمنين أو إلى أحد من خاصّته وأبنائه، لأجمرنّ عيون ضيعتك، ولأفعلن وأصنعن.
فالتفت إليه أبو الحسن عليهالسلام فقال له: إن أقرب عَرضي إياك على اللّه البارحة، وما كنت لأعرضنك عليه ثم لأشكونك إلى غيره من خلقه. فانكبّ عليه بريحة وضرع إليه واستعفاه. فقال له: قد عفوت عنك (1) .
وهكذا تجد بريحة يهدد الامام عليهالسلام بتخريب حطام الدنيا ان هو شكاه الى المتوكل أو أحد خاصته وأبنائه، والامام عليهالسلام يخبره بأنه شكاه الى الله فكيف يشكوه الى غيره؟! فهو يخاف من الشكوى الى المتوكل ولا يخاف من عرضه على الله، فتراه ينكبّ على الامام عليهالسلام ويتضرّع إليه ويستعفيه رغم أنّه في موقع القوة وزمام السلطة، والامام عليهالسلام يعفو عنه رغم وشايته به كذباً وافتراءاً، وهذا هو خلق أهل البيت عليهمالسلام وسماحتهم لمن ساء إليهم.
ونقل سبط ابن الجوزي عن علماء السير: أن المتوكل دعا يحيى بن هرثمة
__________________
(1) إثبات الوصية: 233.
وقال: اذهب إلى المدينة، وانظر حاله وأشخصه إلينا، قال يحيى: فذهبت إلى المدينة، فلما دخلتها ضجّ أهلها ضجيجا عظيما ماسمع الناس بمثله خوفا على علي، وقامت الدنيا على ساق، لأنّه كان محسنا إليهم ملازما للمسجد، ولم يكن عنده ميل إلى الدنيا.
قال يحيى: فجعلت اُسكّنهم وأحلف لهم أنّي لم اُؤمر فيه بمكروه، وأنه لابأس عليه، ثمّ فتّشت منزله، فلم أجد فيه إلاّ مصاحف وأدعية وكتب العلم، فعظم في عيني، وتوليت خدمته بنفسي، وأحسنت عشرته، فلما قدمت به بغداد بدأت باسحاق بن إبراهيم الطاهري، وكان واليا على بغداد فقال لي: يا يحيى، إن هذا الرجل قد ولده رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم والمتوكل من تعلم، فإن حرّضته عليه قتله، وكان رسول اللّه خصمك يوم القيامة، فقلت له: واللّه ما وقعت منه إلاّ على كلّ أمر جميل، ثمّ صرت به إلى سرّ من رأى، فبدأت بوصيف التركي فأخبرته بوصوله، فقال: واللّه لئن سقط منه شعره لايطالب بها سواك، قال: فعجبت كيف وافق قوله قول إسحاق » (1) .
وهذا الخبر يدل على الموقع الذي يشغله الإمام عليهالسلام في نفوس الناس وكسب ثقتهم ومحبتهم على اختلاف توجهاتهم، وذلك من خلال إحسانه إليهم ورعاية اُمورهم وتأثّرهم بخصائص شخصيته الباهرة، ممّا جعله في موقع محبة الناس كلهم، فهرعوا في مظاهرة احتجاجية لم يسمع بمثلها خوفا على حياة إمامهم عليهالسلام من بطش المتوكل الذي يعرفون توجهاته وممارساته، لهذا حاول ابن هرثمة تهدئتهم بقسمه لهم أنه لم يؤمر فيه بمكروه، وتأثّر ابن هرثمة بعظمة الإمام عليهالسلام أيضا فتولّى خدمته بنفسه وأحسن عشرته، وهكذا امتدت محبة
__________________
(1) تذكرة الخواص: 322، مروج الذهب 4: 422 نحوه.
الإمام عليهالسلام وتعظيمه إلى حاشية المتوكل في بغداد وسامراء.
وتتجلّى مظاهر الحب والتعظيم أيضا في تشوّق الناس من أهالي بغداد إلى الإمام واجتماعهم لرؤيته، مما اضطرهم إلى دخول البلد ومغادرته في الليل، فقد جاء في تاريخ اليعقوبي أنه لما كان في موضع يقال له الياسرية نزل هناك، وركب إسحاق بن إبراهيم الطاهري لتلقيه، فرأى تشوق الناس إليه واجتماعهم لرؤيته، فأقام إلى الليل، ودخل به في الليل، فأقام ببغداد بعض تلك الليلة ثم نفذ إلى سرّ من رأى (1) .
حينما وصل ركب الإمام عليهالسلام إلى سامراء تقدّم المتوكل بأن يُحجَب عنه في يومه، واُنزل في خان يُعرَف بخان الصعاليك، فأقام فيه يومه، وقد استطاع أحد محبيه من زيارته في ذلك الخان وهو صالح بن سعيد.
روى ثقة الاسلام الشيخ الكليني وغيره بالاسناد عن محمد بن يحيى، عن صالح بن سعيد قال: « دخلت على أبي الحسن عليهالسلام فقلت له: جعلت فداك في كل الامور أرادوا إطفاء نورك والتقصير بك حتى انزلوك هذا الخان الأشنع - خان الصعاليك؟! - فقال: هاهنا أنت يا ابن سعيد؟! ثم أومأ بيده وقال: انظر فنظرت، فإذا أنا بروضات أنفات وروضات باسرات فيهن خيرات عطرات وولدان كأنهم اللؤلؤ المكنون وأطيار وظباء وأنهار تفور، فحار بصري وحسرت عيني، فقال: حيث كنا فهذا لنا عتيد، لسنا في خان الصعاليك » (2) .
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 484.
(2) راجع: اصول الكافي 1: 498 / 2 باب مولد ابي الحسن علي بن محمد عليهالسلام من
قال الشاعر:
أنزله في أشنع المنازل |
وفخر كل منزل بالنازل |
|
من هو عند ربه مكين |
فلا عليه أينما يكون |
|
له رياض القدس مأوى ومقر |
خان الصعاليك غطاء للبصر (1) |
وقال آخر:
ما رعت للنبي فيه بنو العم |
ذماماً ولم يحوطوا ذمارا |
|
أشخصوه مع البريد لسامرا |
فلم يلق في سواها قرارا |
|
أنزلوه خان الصعاليك عمداً |
مذ أرادوا ذلاً به واحتقارا |
|
ما دروا أنه بدار عليها الله |
أرخى دون العيون ستارا (2) |
ثمّ تقدّم المتوكل بافراد دارٍ للامام عليهالسلام فانتقل إليها، والظاهر أن المتوكل أمر أولاً بحجز الإمام عليهالسلام وفرض الاقامة عليه في مكان غير لائق، ثمّ أنه لما سمع الاطراء من قادة الجند الموكلين به والذين فتشوا داره، صار مضطرا إلى إكرامه. نقل سبط ابن الجوزي عن علماء السير عن يحيى بن هرثمة أنه قال: « لمّا دخلت على المتوكل سألني عنه فأخبرته بحسن سيرته وسلامة طريقته وورعه وزهادته، وأني فتّشت داره فلم أجد فيها غير المصاحف وكتب العلم، وأن أهل المدينة خافوا عليه، فأكرمه المتوكل وأحسن جائزته وأجزل برّه، وأنزله معه
__________________
كتاب الحجة، بصائر الدرجات / الصفار: 426 / 7 و 427 / 11، الارشاد / الشيخ المفيد 2: 311، مناقب ابن شهر آشوب 4: 411، الخرائج والجرائح / القطب الراوندي 2: 680 / 10، عيون المعجزات: 137، الثاقب في المناقب: 542
(1) الأنوار القدسية / الشيخ محمد حسين الاصفهاني: 101. (2) الذخائر / الشيخ محمد علي اليعقوبي: 63.
سر من رأى » (1) .
ثم أن المؤرخون ذكروا أن أبا الحسن عليهالسلام أقام مدة مقامه بسرّ من رأى مكرما معظما مبجلاً في ظاهر حاله، والمتوكل يبغي له الغوائل في باطن الأمر، ويجتهد في ايقاع حيلة به، ويعمل على الوضع من قدره في عيون الناس، فلا يتمكن من ذلك ولم يقدره اللّه عليه (2) .
قال الشاعر:
يا بن النبي المصطفى ووصيه |
وابن الهداة السادة الامناء |
|
أناؤوك بغياً عن مرابع طيبة |
وقلوبهم ملأى من الشحناء |
|
براً وتعظيماً أروك وفي الخف |
يسعون في التحقير والايذاء |
|
كم حاولوا إنقاص قدرك فاعتلى |
رغماً لأعلى قنة العلياء |
|
فقضيت بينهم غريباً نائياً |
بأبي فديتك من غريب نائي |
|
قاسيت ما قاسيت فيهم صابراً |
لعظيم داهية وطول بلاء |
__________________
(1) تذكرة الخواص: 322، ونحوه في مروج الذهب 4: 422.
(2) الإرشاد 2: 311، الفصول المهمة 2: 1070، إعلام الورى 2: 126.
فلابكينك ما تطاول بي المدى |
ولامزجن مدامعي بدمائي (1) |
يصدر المتوكل بين فترة وأخرى أوامره بالتفتيش المفاجئ لدار الإمام عليهالسلام في سامراء بسبب الخوف والشك والحقد الذي اشتمل على كيانه وأحاط جوانبه، ويتخذ من الوشايات التي ترتفع إليه من النواصب المحيطين به ذريعة لاصدار تلك الأوامر، وقد انتهت جميع محاولات الدهم بالخيبة والفشل الذريع، لأنّهم لم يجدوا شيئا سوى الإمام عليهالسلام وهو يتلو القرآن أو يتهجد والناس نيام.
عن إبراهيم بن محمد الطاهري - في حديث طويل - قال: « سعى البطحاني (2) بأبي الحسن عليهالسلام إلى المتوكل، وقال: عنده سلاح وأموال، فتقدم المتوكل إلى سعيد الحاجب أن يهجم ليلاً عليه، ويأخذ ما يجده عنده من الأموال والسلاح ويحمله إليه. قال إبراهيم: فقال لي سعيد الحاجب: صرت إلى دار أبي الحسن بالليل، ومعي سُلّم، فصعدت منه إلى السطح، ونزلت من الدرجة إلى بعضها في الظلمة، فلم أدر كيف أصل إلى الدار، فناداني أبو الحسن من الدار: يا سعيد، مكانك حتى يأتوك بشمعة، فلم ألبث أن أتوني بشمعة، فنزلت فوجدت عليه جبّة صوف وقلنسوة منها، وسجادته على حصير بين يديه، وهو مقبل على القبلة. فقال لي: دونك البيوت، فدخلتها وفتشتها فلم
__________________
(1) المجالس السنية / السيد محسن الأمين العاملي 5: 655.
(2) في الكافي: البطحائي العلوي.
أجد فيها شيئا... » (1) .
وبالنظر لكثرة اجراءات الكبس والدهم لبيت الامام اضطر عليهالسلام في أحد المرات الى طرد المأمور الذي قال بامامته تأثراً بشخصيته وهيبته وصدقه.
عن الحسن بن محمد بن جمهور العمي، قال: « سمعت من سعيد الصغير الحاجب قال: بعثني المتوكل وأمرني أن أكبس على علي بن محمد بن الرضا فأنظر ما فعل، ففعلت ذلك، فوجدته يصلي، فبقيت قائماً حتى فرغ، فلما انفتل من صلاته أقبل علي وقال: يا سعيد، لا يكف عني جعفر - أي المتوكل - حتى يقطع إرباً! اذهب واعزب، وأشار بيده الشريفة، فخرجت مرعوباً، ودخلني من هيبته ما لا أحسن أن أصفه، فلما رجعت إلى المتوكل سمعت الصيحة والواعية، فسألت عنه فقيل: قتل المتوكل... » (2) .
تعرض الامام الهادي عليهالسلام طيلة مقامه في سرمن رأى لموارد من الاساءة الموجهة اليه من قبل رجال البلاط سيما في زمان المتوكل وأزلام دولته.
وكان أول ذلك أن منعه المتوكل من الخروج ومن لقاء أصحابه، وفرض عليه ملازمة بيته، كما في حديث يوسف بن يعقوب النصراني الذي صار إلى سر من رأى، ليوصل مئة دينار كان نذرها إلى الامام عليهالسلام قال: عرفت أن المتوكل قد منعه من الركوب وأنه ملازم لداره (3) .
__________________
(1) اصول الكافي 1: 499 / 4 باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهالسلام من كتاب الحجة، الارشاد 2: 303، الخرائج والجرائح 1: 676 / 8.
(2) الثاقب في المناقب: 539.
(3) راجع: الخرائج والجرائح 1: 396 / 3، بحار الأنوار 50: 144 / 28.
وتعرض أيضاً للحبس، فبقي رهن الاعتقال عند علي بن كركر كما في رواية الحسن بن محمد بن جمهور (1)، وسجنه المتوكل عند حاجبه، وزاره في سجنه هذا الصقر بن أبي دلف لتعاطف حاجب المتوكل معه (2) .
يقول الشاعر:
قاسى الامام من بني العباس |
ما ليس في الوهم وفي القياس |
|
كم مرة من بعد مرة حبس |
وهو بما يراه منهم محتبس (3) |
ومن ذلك تجد الامام المعصوم حجة الله في الأرض يتهم بالرياء في صلاته في دار المتوكل (4) . وينازع من قبل ابن الخصيب على داره التي كان يسكنها، ويطالبه بالانتقال منها وتسليمها إليه (5) مع أن تلك الدار كان الامام عليهالسلام قد ابتاعها من دليل بن يعقوب النصراني كاتب بغا الشرابي، ودفن فيها عليهالسلام (6) .
ويصرح المتوكل بأنه يريد أن يخجل الامام عليهالسلام في مواقف عدة منها حادثة الرجل الهندي الذي وقع من ناحية الهند إلى المتوكل وكان يلعب لعبة
__________________
(1) راجع: المناقب لابن شهرآشوب 4: 439، الثاقب في المناقب: 536، اعلام الورى 2: 123.
(2) راجع: معاني الأخبار: 123، الخصال: 394 / 102، إكمال الدين: 382 / 9، كفاية الأثر: 285.
(3) الأنوار القدسية / الشيخ محمد حسين الاصفهاني: 101.
(4) اثبات الوصية: 230.
(5) الارشاد / الشيخ المفيد1: 306، الخرائج والجرائح / القطب الراوندي 2: 681 / 11، ونحوه في أصول الكافي1: 501 / ذيل الحديث 6 - باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهماالسلام من كتاب الحجة.
(6) راجع: تاريخ بغداد 12: 57 / 6440.
الحقّة (1) . واقترح أحد الأشرار يوماً على المتوكل أن لا يُخدم الامام عليهالسلام عند دخوله في دار الملك المأمور بالركوب اليها مرتين في الاسبوع، وأن لا يتبع برفع ستر ولا فتح باب ولا شيء من هذا القبيل، وقال له: ان هذا إذا علمه الناس قالوا: لو لم يعلم استحقاقه للأمر ما فعل به هذا، دعه إذا دخل يشيل لنفسه ويمشي كما يمشي غيره، فتمسه بعض الجفوة، فتقدم المتوكل أن لا يخدم ولا يشال بين يديه ستر (2) . وفي كل هذه الموارد وغيرها يتخلص الامام عليهالسلام منها بفضل كرامته عند الله سبحانه.
ومن محاولات المتوكل الرامية الى الاستخفاف بالامام عليهالسلام ، هو أنه أمره بالترجل والمشي بين يديه يوم الفطر من السنة التي قتل فيها المتوكل 247، فمشى الامام عليهالسلام مع عامة الناس حتى تفصد وجهه عرقاً وكان الجو صيفاً والامام عليهالسلام لا يستطيع السير إلا متكأ لمرض ألمّ به (3) .
ويصرح المتوكل أن الأمر الذي أعياه هو أن الامام لم يجالسه على مائدة الشراب التي لم يفارقها المتوكّل، فقد روي بالاسناد عن أبي الطيب يعقوب بن ياسر، قال، كان المتوكل يقول، ويحكم قد أعياني أمر ابن الرضا، وجهدت أن يشرب معي وأن ينادمني فامتنع، وجهدت أن أجد منه فرصة في هذا فلم أجدها (4) . وهذا يكشف عن سقوط الحاكم على المستوى الأخلاقي، وسعيه الى
__________________
(1) الثاقب في المناقب: 555، كشف الغمة 3: 183.
(2) مناقب ابن شهرآشوب 4: 406، بحار الانوار 50: 128 / 6.
(3) إثبات الوصية: 240، الخرائج والجرائح 1: 402 / 8، مهج الدعوات: 330.
(4) أصول الكافي1: 501 / 8 - باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهماالسلام من كتاب الحجة، الارشاد / الشيخ المفيد 2: 307، المناقب / ابن شهر آشوب 4: 409.
جرّ أشراف الناس الى الرذيلة التي يعيشها.
من هنا كان المتوكل يشهر بالامام عليهالسلام ويتهمه ويتهم بعض محبيه، فقد روى شيخ الطائفة الطوسيبالاسناد عن المنصوري، عن عم أبيه أبي موسى، قال: دخلت يوماً على المتوكل وهو يشرب فدعاني إلى الشرب، فقلت: يا سيدي، ما شربته قط، قال: أنت تشرب مع علي بن محمد. قال: فقلت له: ليس تعرف من في يدك، إنما يضرك ولا يضره... الحديث (1) .
ومرة اُخرى عزم المتوكل على الاستخفاف بالإمام عليهالسلام أمام ندمائه عن طريق تقديم الشراب اليه واستنشاده الشعر، فأرسل الأتراك على حين غرّة إلى دار الإمام، وقد أمرهم بحمله عليهالسلام إليه حتى وإن لم يجدوا مايثير الريبة والاستغراب.
روى المسعودي وغيره بالاسناد عن محمد بن يزيد المبرد، قال: « قد كان سعي بأبي الحسن علي بن محمد إلى المتوكل، وقيل له: إن في منزله سلاحا وكتبا وغيرها من شيعته، فوجّه إليه ليلاً من الاتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممن في داره، فوجده في بيت وحده مغلق عليه، وعليه مدرعة من شعر، ولابساط في البيت إلا الرمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة من الصوف متوجها إلى ربه، يترنّم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، فأخذ على ما هو عليه، وحمل إلى المتوكل في جوف الليل، فمثل بين يديه والمتوكل يشرب وفي يده كأس، فلمّا رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه، ولم يكن في منزله شيء ممّا قيل
__________________
(1) مناقب ابن شهر آشوب 4: 413 و 417.
فيه ولا حالة يتعلل عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده، فأبى واعتذر قائلاً: ما خامر لحمي ودمي قطّ فاعفني منه، فعفاه، وقال: أنشدني شعرا أستحسنه، فقال: إني قليل الرواية للأشعار. فقال: لابد أن تنشدني. فأنشده:
باتوا على قُلل الأجبال تحرسهم |
غلب الرجال فما أغنتهم القللُ |
|
واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم |
وأسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا |
|
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا |
أين الأسرةُ والتيجانُ والحللُ |
|
أين الوجوه التي كانت منعّمة |
من دونها تضرب الأستار والكللُ |
|
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم |
تلك الوجوه عليها الدود يقتتلُ |
|
قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا |
فأصبحوا بعد طول الإكل قد اُكلوا |
|
وطالما عمّروا دورا لتحصنهم |
ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا |
|
وطالما كنزوا الأموال وادّخروا |
فخلّفوها على الأعداء وارتحلوا |
|
أضحت منازلهم قفرا معطّلة |
وساكنوها إلى الأجداث قد نزلوا |
قال: فأشفق كلّ من حضر على عليّ، وظن أن بادرة تبدر منه إليه، قال: واللّه لقد بكى المتوكل بكاءً طويلاً حتى بلّت دموعه لحيته، وبكى من حضره، ثمّ أمر برفع الشراب، ثم قال له: يا أبا الحسن، أعليك دين؟ قال: نعم، أربعة آلاف دينار، فأمر بدفعها إليه وردّه إلى منزله من ساعته مكرما » (1) .
وهكذا لم يكن المتوكل وبطانته يتوقعون أن الإمام عليهالسلام سوف يصفعهم بمثل
__________________
(1) مروج الذهب 4: 367 - 368، وراجع أيضا: تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي 322، البداية والنهاية 11: 15، وفيات الأعيان / ابن خلكان 3: 272، الأئمّة الاثنا عشر / ابن طولون: 107 - منشورات الرضي - قم.
هذه العظات التي نزلت كالصاعقة على أسماعه وأسماع ندمائه، لأنها تصور ما سيؤول إليه أمره وأمر أمثاله من الطغاة عبيد الأهواء والشهوات.
قال الشاعر:
وكم أساء المتوكل الأدب |
أحضره عند الشراب والطرب |
|
وهو من السنة والكتاب |
منزلة اللب من اللباب |
|
أهذه القبائح الشنيعه |
بمحضر من صاحب الشريعه |
|
أيطلب الشرب من الامام |
وهو ولي عصمة الأحكام |
|
أيطلب الغناء بالأشعار |
من معدن الحكمة والأنوار (1) |
ولم يكن ذلك اول مواجهة بالشعر من قبل الامام عليهالسلام امام جبروت المتوكل، فقد روى ابن شهرآشوب عن أبي محمد الفحام، قال: « سأل المتوكل ابن الجهم: من أشعر الناس؟ فذكر شعراء الجاهلية والاسلام، ثم إنه سأل أبا الحسن عليهالسلام ، فقال عليهالسلام : الحمّاني حيث يقول:
لقد فاخرتنا من قريش عصابة |
بمد خدود وامتداد أصابع |
|
فلما تنازعنا المقال قضى لنا |
عليهم بما نهوى نداء الصوامع |
|
ترانا سكوتاً والشهيد بفضلنا |
عليهم جهير الصوت في كل جامع |
|
فإن رسول الله أحمد جدنا |
ونحن بنوه كالنجوم الطوالع |
قال: وما نداء الصوامع، يا أبا الحسن؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، جدي أم جدك؟ فضحك المتوكل ثم قال: هو جدك لا ندفعك عنه » (2) .
__________________
(1) الأنوار القدسية / الشيخ محمد حسين الاصفهاني: 100.
(2) المناقب 4: 406.
كان المتوكل يعمد الى الطلب من بعض الفقهاء والعلماء أن يمتحنوا أبا الحسن عليهالسلام بمسائل غامضة صعبة لعلّه لا يهتدي الى جوابها، فيكون ذلك ذريعة للتشهير به وسبباً في الحط من شأنه أمام أولئك العلماء.
ذكر ابن شهرآشوب أن المتوكل قال لابن السكيت: اسأل ابن الرضا مسألة عوصاء بحضرتي، فسأله ابن السكيت وأملى الامام عليهالسلام عليه جواب تلك المسائل جواباً شافياً فوت به الفرصة على المتوكل من أن ينال منه، وأظهر طاقاته العلمية الهائلة التي هي إحدى العناصر البارزة في معالم شخصيته العظيمة.
ثم أن يحيى بن أكثم ندد بابن السكيت وبإمكانيته في المناظرة، قائلاً: ما لابن السكيت ومناظراته، وإنما هو صاحب نحو وشعر ولغة، ورفع قرطاساً فيه مسائل عديدة، فأملى أبا الحسن عليهالسلام على ابن أكثم جوابها جميعاً.
وصرح الامام عليهالسلام في أول الجواب بغرض ابن أكثم من تلك المسائل قائلاً: « بسم الله الرحمن الرحيم، وأنت - فألهمك الله الرشد - أتاني كتابك، فامتحنتنا به من تعنتك لتجد إلى الطعن سبيلاً إن قصرنا فيها، والله يكافيك على نيتك، وقد شرحنا مسائلك، فأصغ إليها سمعك، وذلل لها فهمك، واشغل بها قلبك، فقد لزمتك الحجة والسلام » (1) . فهو عليهالسلام على احاطة تامة بمحاولات رجال السلطة وفقهاء البلاط وأغراضهم المبيتة.
__________________
(1) الاختصاص / الشيخ المفيد: 91، تحف العقول / الحراني: 476، المناقب / ابن شهر آشوب 4: 404.
يبدو من بعض الأخبار التي أرخت لسيرة الامام عليهالسلام أن المتوكل ذهب إلى أبعد مما ذكرنا حيث أراد الاعتداء على حياة الامام عليهالسلام في أكثر من محاولة، ولكن باءت محاولاته بالخيبة وبقي الامام عليهالسلام محاطاً بعناية الله وحفظه.
ومن تلك المحاولات ما كان قبل مقتل المتوكل بيومين، كما رواه ابن أرومة حيث قال: « خرجت إلى سر من رأى أيام المتوكل فدخلت إلى سعيد الحاجب، ودفع المتوكل أبا الحسن عليهالسلام إليه ليقتله فقال لي: أتحب أن تنظر إلى إلهك! فقلت: سبحان الله، إلهي لا تدركه الأبصار! فقال: الذي تزعمون أنه إمامكم؟ قلت: ما أكره ذلك. قال: قد أُمرت بقتله، وأنا فاعله غداً، فإذا خرج صاحب البريد فادخل عليه، فخرج ودخلت وهو جالس وهناك قبر يحفر، فسلمت عليه وبكيت بكاء شديداً، فقال: ما يبكيك؟ قلت: ما أرى. قال: لا تبك إنه لا يتم لهم ذلك، وإنه لا يلبث أكثر من يومين حتى يسفك الله دمه ودم صاحبه ، فوالله ما مضى غير يومين حتى قتل » (1) .
ومنها ما روي عن الصقر بن أبي دلف، قال « لما حمل المتوكل سيدنا أبا الحسن عليهالسلام جئت أسأل عن خبره، قال: فنظر إلي حاجب المتوكل، فأمر أن أدخل عليه فقال: يا صقر، ما شأنك؟ فقلت: خير أيها الاستاذ. فقال: اقعد. قال الصقر: فأخذني ما تقدم وما تأخر، فقلت: أخطأت في المجيء. قال: فوحّى الناس (2) عنه، ثم قال: ما شأنك وفيم جئت؟ قلت: لخبر ما. فقال: لعلك جئت تسأل عن خبر مولاك؟ فقلت له: ومن مولاي؟ مولاي أمير المؤمنين. فقال: اسكت مولاك هو الحق فلا تحتشمني فإني على مذهبك. فقلت: الحمد لله.
__________________
(1) كشف الغمة 3: 184.
(2) أي عجلوا الخروج.
فقال: تحب أن تراه؟ قلت: نعم. قال: اجلس حتى يخرج صاحب البريد. قال: فجلست فلما خرج قال لغلامه: خذ بيد الصقر فأدخله إلى الحجرة التي فيها العلوي المحبوس وخلّ بينه وبينه. قال: فأدخلني إلى الحجرة، وأومأ إلى بيت، فدخلت فإذا هو عليهالسلام جالس على صدر حصير وبحذاه قبر محفور. قال: فسلمت فرد علي السلام ثم أمرني بالجلوس فجلست، ثم قال: يا صقر، ما أتى بك؟ قلت: سيدي جئت أتعرف خبرك. قال: ثم نظرت إلى القبر فبكيت، فنظر إلي فقال: يا صقر لا عليك، لن يصلوا إلينا بسوء. فقلت: الحمد لله » (1) .
ومنها ما رواه أبو العباس الفضل بن أحمد بن إسرائيل الكاتب، وكان أبوه كاتباً للمعتز، في حديث ذكر فيه أن المتوكل أمر الفتح بن خاقان أن يأتيه بأربعة من الخزر أجلاف لا يفقهون ويدفع إليهم أربعة أسياف، وأمرهم أن يرطنوا بألسنتهم إذا دخل أبو الحسن عليهالسلام ، وأن يقبلوا عليه بأسيافهم فيخبطوه ويقتلوه، وأرسل الى أبي الحسن عليهالسلام وهو يقول: والله لأحرقنه بعد القتل. ودخل أبو الحسن عليهالسلام غير مكترث ولا جازع، فلما بصر به الخزر خروا سجداً مذعنين، ورمى المتوكل بنفسه من السرير إليه، وانكب عليه يقبّل بين عينيه، وهو يقول: ما جاء بك يا سيدي في هذا الوقت؟ قال: جاءني رسولك. فقال المتوكل: كذب ابن الفاعلة، ارجع يا سيدي من حيث جئت. فلما خرج أبو الحسن عليهالسلام دعا المتوكل الخزر، ثم أمر الترجمان أن يخبره بما يقولون، ثم قال لهم: لِمَ لا تفعلوا ما أمرتكم به؟ قالوا: لشدة هيبته، ورأينا حوله أكثر من مائة سيف
__________________
(1) معاني الأخبار: 123، الخصال: 394 / 102، إكمال الدين: 382 / 9، كفاية الأثر: 285.
لم نقدر أن ننالهم، فمنعنا ذلك عما أمرنا به، وامتلات قلوبنا رعباً من ذلك (1) .
كل مواقف المتوكل المتقدمة دعت الامام عليهالسلام في آخر المطاف الى التوسل بسهام السحر وسلاح الأنبياء، فتوجه الى قاصم الجبارين منقطعاً إليه متضرعاً داعياً على رأس السلطة وأزلامه، بالدعاء المعروف بدعاء المظلوم على الظالم، وهو من الكنوز التي توارثها أهل البيت عليهمالسلام ، ولم يلبث المتوكل بعد هذا الدعاء سوى ثلاثة أيام حتى أهلكه اللّه تعالى، لأن دلالة الامام من آل البيت عليهمالسلام العلم واستجابة الدعوة فضلاً عن النص عليه من آبائه.
روى المسعودي والقطب الراوندي والسيد ابن طاوس في أكثر من طريق بالاسناد عن أبي القاسم البغدادي، عن زرافة، قال: « أنه لما كان يوم الفطر في السنة التي قُتل فيها المتوكل، أمر بني هاشم بالترجّل والمشي بين يديه، وإنّما أراد بذلك أن يترجّل له أبوالحسن عليهالسلام ، فترجّل بنوهاشم، وترجّل عليهالسلام فاتكأ على رجلٍ من مواليه، فأقبل عليه الهاشميون، فقالوا له: يا سيدنا، ما في هذا العالم أحد يستجاب دعاؤه فيكفينا اللّه! فقال لهم أبو الحسن عليهالسلام : في هذا العالم مَن قلامة ظفره أكرم على اللّه من ناقة ثمود، لمّا عقرت وضجّ الفصيل إلى اللّه، فقال اللّه: ( تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) (2)، فقتل المتوكل في اليوم الثالث.
وروي أنه عليهالسلام قال وقد أجهده المشي: أما إنه قد قطع رحمي، قطع اللّه
__________________
(1) الثاقب في المناقب: 556، الخرائج والجرائح 1: 417 / 21، كشف الغمة 3: 185.
(2) سورة هود: 11 / 65.
أجله » (1)، وهذا يوافق ماجاء في التاريخ، فقد كان ترجّل الامام يوم الفطر ومقتل المتوكل في الرابع من شوال سنة 247 هـ.
وتضمنت رواية قطب الدين الراوندي والسيد ابن طاوس الدعاء الطويل الذي سمّـاه الإمام عليهالسلام (دعاء المظلوم على الظالم) قال عليهالسلام في أوله: « لمّا بلغ مني الجهد رجعت إلى كنوزٍ نتوارثها من آبائنا، وهي أعزّ من الحصون والسلاح والجنن، وهو دعاء المظلوم على الظالم، فدعوت به عليه فأهلكه اللّه ».
والدعاء طويل يكشف عمّا يعانيه الامام عليهالسلام وشيعته من ظلم المتوكل وعدوانه وطغيانه، وعن عمق إحساسه عليهالسلام بمعاناة الاُمّة من الحيرة والضياع والحدود المعطلة والأحكام المهملة وغيرها من مظاهر التردّي.
وفيما يلي مقطع منه قال عليهالسلام : «... اللّهم إنّه قد كان في سابق علمك وقضائك، وماضي حكمك ونافذ مشيئتك في خلقك أجمعين، سعيدهم وشقيهم، وفاجرهم وبرّهم، أن جعلت لفلان بن فلان عليَّ قدرة فظلمني بها، وبغى عليّ لمكانها، وتعزّز عليّ بسلطانه الذي خوّلته إياه، وتجبّر عليّ بعلوّ حاله التي جعلتها له، وغرّه إملاؤك له، وأطغاه حلمك عنه، فقصدني بمكروهٍ عجزتُ عن الصبر عليه، وتعمدني بشرّ ضعفت على احتماله، ولم أقدر على الانتصار لضعفي، والانتصاف منه لذلّي، فوكلته إليك، وتوكّلت في أمره عليك، وتواعدته بعقوبتك، وحذرته سطوتك، وخوفته نقمتك، فظنّ أن حلمك عنه من ضعف، وحسب أن إملاءك له من عجز، ولم تنهه واحدة عن اُخرى، ولا انزجر عن ثانية باُولى، ولكنه تمادى في غيّه، وتتابع
__________________
(1) إثبات الوصية: 240، الخرائج 1: 402 / 8، ونحوه مهج الدعوات: 330.
في ظلمه، ولجّ في عدوانه، واستشرى في طغيانه، جرأةً عليك ياسيدي، وتعرضا لسخطك الذي لاتردّه عن القوم الظالمين، وقلّة اكتراث ببأسك الذي لاتحبسه عن الباغين.
فها أنا يا سيدي مستضعف في يديه، مستضام تحت سلطانه، مستذلّ بعقابه، مغلوب مبغيّ عليّ، مقصود وجلٌ خائف مروّع مقهور، قد قلّ صبري، وضاقت حيلتي، وانغلقت عليّ المذاهب إلاّ إليك، وانسدّت عليّ الجهات إلاّ جهتك، والتبست علي اُموري في رفع مكروهه عني، واشتبهت عليّ الآراء في إزالة ظلمه، وخذلني من استنصرته من عبادك، وأسلمني من تعلّقت به من خلقك طرّا، واستشرت نصيحي فأشار عليّ بالرغبة إليك، واسترشدت دليلي فلم يدلّني إلا عليك، فرجعت إليك يا مولاي صاغراً راغماً مستكيناً عالماً أنه لا فرج لي إلا عندك، ولا خلاص لي إلا بك، أنتجز وعدك في نصرتي، وإجابة دعائي، فانك قلت وقولك الحق الذي لا يردّ ولا يبدل: « ثم بغي عليه لينصرنه الله » (1) وقلت جل جلالك وتقدست أسماؤك: « ادعوني أستجب لكم » (2) وأنا فاعل ما أمرتني فاستجب لي كما وعدتني، وإني لأعلم يا سيدي أن لك يوماً تنتقم فيه من الظالم للمظلوم، وأتيقن أن لك وقتاً تأخذ فيه من الغاضب للمغضوب، لأنك لا يسبقك معاند ولا يخرج عن قبضتك منابذ، ولا تخاف فوت فائت، ولكن جزعي وهلعي لا يبلغان بي الصبر على أناتك، وانتظار حلمك، فقدرتك يا مولاي فوق كل قدرة، وسلطانك غالب كل سلطان، ومعاد كل أحد إليك وإن
__________________
(1) سورة الحج: 22 / 60.
(2) غافر: 40 / 60.
أمهلته، ورجوع كل ظالم إليك وإن أنظرته، وقد أضرني يا رب حلمك عن فلان بن فلان، وطول أناتك له وإمهالك إياه، وكاد القنوط يستولي علي لولا الثقة بك، واليقين بوعدك.
فان كان في قضائك النافذ وقدرتك الماضية أن ينيب أو يتوب، أو يرجع عن ظلمي أو يكف مكروهه عني، وينتقل عن عظيم ما ركب مني، فصل على محمد وآل محمد، وأوقع ذلك في قلبه الساعة الساعة قبل إزالته نعمتك التي أنعمت بها علي، وتكديره معروفك الذي صنعته عندي.
وإن كان في علمك به غير ذلك، من مقامٍ على ظلمي، فأسألك يا ناصر المظلوم المبغى عليه إجابة دعوتي، فصل على محمد وآل محمد وخذه من مأمنه أخذ عزيز مقتدر، وأفجئه في غفلته مفاجاة مليك منتصر، واسلبه نعمته وسلطانه، وافضض عنه جموعه وأعوانه (1)، ومزق ملكه كل ممزق، وفرق أنصاره كل مفرق، وأعره من نعمتك التي لم يقابلها بالشكر، وانزع عنه سربال عزه الذي لم يجازه بالاحسان، واقصمه يا قاصم الجبابرة، وأهلكه يا مهلك القرون الخالية، وأبره يا مبير الامم الظالمة، واخذله يا خاذل الفئات الباغية، وابتره عمره وابتزه ملكه، وعفّ أثره، واقطع خبره، وأطفئ ناره، وأظلم نهاره، وكور شمسه، وأهشم سوقه، وجذّ سنامه، وأرغم أنفه، ولا تدع له جنة إلا هتكتها، ولا دعامة إلا قصمتها، ولا كلمة مجتمعة إلا فرقتها، ولا قائمة علوّ إلا وضعتها، ولا ركناً إلا وهنته، ولا سبباً إلا قطعته، وأره أنصاره وجنده عباديد بعد الالفة، وشتى بعد اجتماع الكلمة، ومقنعي الرؤوس بعد الظهور على الاُمّة.
__________________
(1) في البحار: وفلّ عنه جنوده وأعوانه.
واشف بزوال أمره القلوب المنقلبة الوجلة والافئدة اللهفة، والاُمّة المتحيرة، والبرية الضائعة، وأدل ببواره الحدود المعطلة، والأحكام المهملة، والسنن الدائرة، والمعالم المغيرة، والآيات المحرفة، والمدارس المهجورة، والمحاريب المجفوة، والمساجد المهدومة، وأشبع به الخماص الساغبة، وأرو به اللهوات اللاغبة، والأكباد الظامئة، وأرح به الأقدام المتعبة، واطرقه بليلة لا اخت لها، وساعة لا شفاء منها، وبنكبة لا انتعاش معها، وبعثرة لا إقالة منها، وأبح حريمه، ونغص نعمته، وأره بطشتك الكبرى، ونقمتك المثلى، وقدرتك التي هي فوق كلّ قدرة، وسلطانك الذي هو أعزّ من سلطانه، واغلبه لي بقوتك القوية، ومحالك الشديد، وامنعني بمنعتك التي كل خلق فيها ذليل، وابتله بفقر لا تجبره، وبسوء لا تستره، وكله إلى نفسه فيما يريد، إنك فعال لما تريد... » (1) .
كان المتوكل قد بايع بولاية العهد لابنه المنتصر ثمّ المعتز ثمّ المؤيد، ثمّ انه أراد تقديم المعتز لمحبته لاُمه قبيحة، فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد فأبى، فكان يُحضره مجلس العامة ويحطّ من منزلته ويهدده ويشتمه ويتوعده، واتفق أن انحرف الترك عن المتوكل لاُمور، فاتفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه، فدخل عليه خمسة في جوف الليل وهو سكران ثمل في مجلس لهوه، فقتلوه هو ووزيره الفتح بن خاقان، ثم بايعوا المنتصر بالخلافة، وأشاعوا أن الفتح قد قتل المتوكل فقتلناه به، ثم أخذوا البيعة من سائر بني العباس وسائر أمراء الجيش وذلك لأربع خلون من شوال سنة 247 هـ.
__________________
(1) مهج الدعوات: 330، بحار الأنوار 95: 234 / 30.
وجاء في رواية ابن الأثير: أن المتوكل شرب في تلك الليلة أربعة عشر رطلاً، وهو مستمر في لهوه وسروره إلى الليل بين الندماء والمغنين والجواري (1)، وانتهت بمقتل المتوكل صفحة سوادء من تاريخ الظلم والجور، وكان قتله خزيا له في الدنيا « ولعذاب الآخرة أشقُّ وما لهم من اللّه من واق » (2) .
قال الشاعر:
فانتصر الله له بالمنتصر |
وهكذا أخذ عزيز مقتدر |
|
عاجله المنتقم القهار |
بضربة تقدح منها النار |
|
فانهار في نار الجحيم الموصده |
مخلداً في عمد ممدده (3) |
هو محمد بن المتوكل بن المعتصم، بويع له بعد قتل أبيه في شوال سنة 247 هـ، واعدّ كتابا قرأه أحمد بن الخصيب أن الفتح بن خاقان قد قتل المتوكل فقتلته به، فبايعه الناس، واستمرت خلافته ستة أشهر ويومين، ولم تشر هذه الفترة القليلة إلى أي بادرة سوء من المنتصر تجاه الإمام عليهالسلام وشيعته.
كان المنتصر يخالف أباه في الموقف من أهل البيت عليهمالسلام ، ومن جملة مخالفاته أنه حينما كان عبادة المخنث ينتقص أمير المؤمنين عليهالسلام بحضور المتوكل وجملة من النواصب كعلي بن الجهم الشاسي وأبي السمط الشاعر، قال له المنتصر يوماً: يا
__________________
(1) الكامل في التاريخ 6: 136، تاريخ الخلفاء / للسيوطي: 271، البداية والنهاية 10: 349.
(2) سورة الرعد: 13 / 34.
(3) الأنوار القدسية: 101.
أمير المؤمنين، إن علياً ابن عمك، فكل أنت لحمه إذا شئت، ولا تخل مثل هذا الكلب وأمثاله يطمع فيه، فقال المتوكل للمغنين: غنّوا:
غار الفتى لابن عمه |
رأس الفتى في حرّ أمّه (1) |
وحينما تغير عليه أبوه بتقديم المعتز عليه في ولاية العهد، والانتقاص منه والحط من منزلته بمحضر العامة، بدأ المنتصر يخالفه في كلّ شيء، فقد قتل أباه وخلع أخويه المعتز والمؤيد من ولاية العهد الذي عقده لهما المتوكل بعده (2)، كما أحسن إلى الطالبيين بشكل عام والعلويين بشكل خاص، وكان أبوه قد أفرط في الاساءة اليهم.
قال أبو الفرج: كان المنتصر يظهر الميل إلى أهل هذا البيت، ويخالف أباه في أفعاله، فلم يجرِ منه على أحد منهم قتل أو حبس ولا مكروه فيما بلغنا، واللّه أعلم (3) .
وقال في موضع آخر ذكر فيه حصار المتوكل للطالبيين، ثم قال: إلى أن قُتل المتوكل، فعطف المنتصر على العلويين ووجه بمال فرّقه فيهم، وكان يؤثر مخالفة أبيه في جميع أحواله ومضادة مذهبه طعنا عليه، ونصرة لفعله (4) .
وذكر المؤرخون كثيرا من إجراءاته المخالفة لأبيه في الموقف من الطالبيين والعلويين؛ قال ابن الأثير: أمر الناس بزيارة قبر علي والحسين عليهماالسلام ، وآمن
__________________
(1) تاريخ ابن الوردي1: 309.
(2) راجع: الكامل في التاريخ 6: 146 حوادث سنة 248، تاريخ الخلفاء / السيوطي: 277.
(3) مقاتل الطالبيين: 419.
(4) مقاتل الطالبيين: 396.
العلويين وكانوا خائفين أيام أبيه، وأطلق وقوفهم، وأمر بردّ فدك إلى ولد الحسن والحسين ابني علي بن أبيطالب عليهالسلام .
وذكر أن المنتصر لمّا ولي الخلافة كان أول ما أحدث أن عزل والي المدينة صالح بن علي، واستعمل عليها علي بن الحسن (1) بن إسماعيل بن العباس بن محمد، قال علي: فلما دخلت أودّعه قال لي: يا علي، إنّي اُوجّهك إلى لحمي، ودمي - ومدّ جلد ساعده - وقال: إلى هذا اُوجهك، فانظر كيف تكون للقوم، وكيف تعاملهم - يعني آل أبي طالب - فقال: أرجو أن أمتثل أمر أمير المؤمنين إن شاء اللّه، فقال: إذن تسعد عندي (2) .
ومات المنتصر رحمهالله في ربيع الآخر سنة 248 لعلّة لم تمهله طويلاً، وقيل: بل فصده الطبيب بمبضع مسموم فمات منه (3) .
وهو أحمد بن المعتصم، أخو الواثق والمتوكل، بويع سنة 248 هـ، وقتل سنة 252 هـ، وكان مستضعفا في رأيه وعقله وتدبيره، وكانت أيامه كثيرة الفتن، ودولته شديدة الاضطراب حتى خلع ثمّ قتل (4) .
وكانت البيعة له بعد أن خلع المنتصر أخويه المؤيد والمعتز من ولاية العهد، بتدبير من أحمد بن الخصيب والاتراك، خوفاً من أن يلي أحدهما فيقتلهم
__________________
(1) في تاريخ الطبري 9: 254 (علي بن الحسين).
(2) الكامل في التاريخ 6: 149 حوادث سنة 248، وراجع أيضا: تاريخ ابن الوردي 1: 315، سير أعلام النبلاء 12: 42، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 276.
(3) الكامل في التاريخ 6: 148.
(4) الفخري في الآداب السلطانية: 241.
بأبيه، وكان اختياره وتنصيبه من قبل القادة الأتراك بغا الكبير وبغا الصغير وأتامش، فبايعوه وكان عمره 28 سنة.
ونتيجة تردي الأحوال الاقتصادية والاجتماعية وضعف سلطة الخلافة في زمان المستعين، ثار الكثير من العلويين مطالبين برفع الظلم عن كاهل أبناء الاُمّة وداعين إلى الرضا من آل محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومنهم الشهيد يحيى بن عمر، والحسن بن زيد العلوي، والحسين بن محمد بن حمزة، ومحمد بن جعفر بن الحسن، ولم تحدثنا كتب التاريخ والرواية عن أي شيء من الوقائع بين المستعين والإمام الهادي عليهالسلام لتدنّي سلطة الخلافة في عصره واستلام مقاليد الأمور بيد القادة الاتراك، غير أنه لايخرج عن نهج الخلفاء العباسيين في حصار الإمام عليهالسلام والاساءة إلى شيعته بشكل عام والطالبيين بوجه خاص.
فقد ذكر المسعودي أن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبيطالب عليهالسلام ، حمله سعيد الحاجب من البصرة، فحبس حتى مات، وكان معه ابنه علي، فلما مات الأب خلي عنه، وذلك في أيام المستعين، وجعفر بن إسماعيل بن موسى بن جعفر عليهالسلام ، قتله ابن الأغلب بأرض المغرب، والحسن بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبداللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبيطالب، قتله العباس بمكة (1) .
في سنة 251 هـ شغب الأتراك على المستعين بعد قتل باغر التركي، فهرب المستعين إلى بغداد مع وصيف وبغا الصغير، ونزل دار محمد بن عبداللّه بن طاهر، فعاث الأتراك بغيا وفسادا في سامراء، وأخرجوا المعتز من سجن
__________________
(1) مروج الذهب 4: 429.
الجوسق وبايعوه بالخلافة، وصارت بغداد مسرحا للاقتتال والخراب والسلب والنهب بين جيش المعتز ومؤيدي المستعين، حتى انتهى القتال بخلع المستعين لنفسه من الخلافة سنة 252 هـ، وكان نتيجة ذلك القتال أن خربت الدور والحوانيت والبساتين، ونهبت الأسواق والأموال وتردت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية بشكل لم يسبق له مثيل.
ثمّ إن المعتز سيّر المستعين إلى واسط، فأقام بها نحو تسعة أشهر محبوسا موكلاً به أمين، ثمّ أرسل المعتز إلى أحمد بن طولون أن يذهب إلى المستعين فيقتله فأبى، فندب له سعيد بن صالح الحاجب فحمله إلى سامراء فذبحه وحمل إليه برأسه، فأمر لسعيد بخمسين ألف درهم وولاه معونة البصرة (1) .
وهو الزبير أو محمد بن المتوكل بن المعتصم، بويع له عند خلع المستعين سنة 252 هـ، وله عشرون سنة أو دونها (2) .
وفي زمانه تعرض الكثير من الطالبيين إلى المطاردة والحبس والترحيل، فقد حُمِل في أيامه من الري علي بن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، ومات في حبسه (3) .
وفي نفس السنة التي بويع له فيها حمل جماعة من الطالبيين إلى سامراء، منهم: أبو أحمد محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن علي بن
__________________
(1) راجع: مروج الذهب 4: 417، الكامل في التاريخ 6: 185، البداية والنهاية 11: 11، تاريخ ابن الوردي 1: 316.
(2) سير أعلام النبلاء 12: 532.
(3) مروج الذهب 4: 429.
أبي طالب، وأبو هاشم داود بن القاسم الجعفري (1) .
وفي أيامه أيضا قتل عبد الرحمن خليفة أبي الساج أحمد بن عبداللّه بن موسى بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي عليهالسلام .
وتوفي في الحبس عيسى بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي ابن عبداللّه بن جعفر بن أبيطالب، كان أبو الساج حمله فحبس بالكوفة فمات هناك.
وقتل بالري جعفر بن محمد بن جعفر بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين، في وقعة كانت بين أحمد بن عيسى بن علي بن الحسين بن علي بن الحسين عليهالسلام وبين عبداللّه بن عزيز عامل محمد بن طاهر بالري.
وقُتِل إبراهيم بن محمد بن عبداللّه بن الحسن بن عبداللّه بن العباس بن علي، قتله طاهر بن عبداللّه في وقعة كانت بينه وبين الكوكبي بقزوين.
وحبس أحمد بن محمد بن يحيى بن عبداللّه بن الحسن بن الحسن بن علي في دار مروان، حبسه الحارث بن أسد عامل أبي الساج في المدينة فمات في محبسه (2) .
بعد مرور ثلاث سنين من أيام المعتز قتل الامام الهادي عليهالسلام مسموماً في يوم الاثنين الثالث من رجب سنة 254 هـ (3)، واكتظّ الناس في موكب التشييع،
__________________
(1) الكامل في التاريخ 6: 187.
(2) مقاتل الطالبيين: 433.
(3) وقيل غير ذلك، راجع: أصول الكافي1: 497 - باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهالسلام من كتاب الحجة، دلائل الإمامة: 409، تاج المواليد / الطبرسي: 132
وصلى عليه ابنه الإمام أبو محمد الحسن العسكري عليهالسلام (1)، وروي أنه عليهالسلام خرج في جنازته مشقوق القميص، فقيل له في ذلك، فقال: « قد شقّ موسى على هارون » (2) .
وعن اليعقوبي: أن المعتز بعث بأخيه أحمد بن المتوكل، فصلّى عليه في الشارع المعروف بشارع أبي أحمد، فلما كثر الناس واجتمعوا كثر بكاؤهم وضجتهم فرُدّ النعش إلى داره فدفن فيها (3) .
ونقل كثير من المؤرخين والمحدثين أنّ الإمام الهادي عليهالسلام توفي مسموما، منهم: المسعودي، وسبط ابن الجوزي، والشبلنجي، وابن الصباغ المالكي، والشيخ أبوجعفر الطبري (4)، وصرح الشيخ ابراهيم الكفعمي بأن الذي سمّه هو المعتز (5)، ونقل عن ابن بابويه أنّ الذي سمّه هو المعتمد العباسي (6)، فإمّا أن
__________________
، المناقب لابن شهرآشوب 4: 433، كشف الغمة 3: 165 و 174، البداية والنهاية 11: 14، الفصول المهمة 2: 1074، اعلام الورى 2: 109، تاريخ اليعقوبي 2: 503.
(1) أصول الكافي1: 326 / 3 - باب الاشارة والنص على أبي محمد عليهالسلام من كتاب الحجة، الإرشاد 2: 315، إعلام الورى 2: 133.
(2) رجال الكشي / شرح الداماد: 842 - 843، المناقب / ابن شهرآشوب 4: 467، وسائل الشيعة 3: 274 / 3634 - 3636.
(3) تاريخ اليعقوبي 2: 503.
(4) مروج الذهب 4: 423، تذكرة الخواص: 324، نور الأبصار / الشبلنجي: 337 - دار الجيل - بيروت، الفصول المهمة 2: 1076، دلائل الإمامة: 409.
(5) بحار الأنوار 50: 117 عن مصباح الكفعمي.
(6) المناقب لابن شهرآشوب 4: 433 عن ابن بابويه.
يكون مصحفا، أو أن المعتمد هو الذي دسّ السمّ بايعازٍ من المعتز، لأن المعتمد بويع بالخلافة في النصف من رجب سنة 256 هـ بعد قتل المهتدي.
وليس بعيدا عن مثل المعتز اقتراف مثل هذه الجريمة النكراء، لأنه كان شابا متهوّرا لم يتحرج عن القتل، ففي سنة 252 هـ خلع أخاه المؤيد من ولاية العهد وعذّبه بضربه أربعين مقرعة ثم حبسه ودبّر قتله في السجن بعد ذلك بخمسة عشر يوما، كما حبس أخاه أبا أحمد بن المتوكل سنة 253 هـ ونفاه إلى واسط ثم إلى البصرة ثم ردّه إلى بغداد (1)، وأمر سعيد الحاجب بقتل ابن عمه المستعين فقتله وأتاه برأسه. فهكذا كانت أفعاله مع إخوته وأبناء عمومته، أما مع الطالبيين، فكانت أشد وأقسى.
لم تطل أيام المعتز بعد شهادة الامام الهادي عليهالسلام ، وكان خلع المعتز في رجب سنة 255 هـ، وتوفّي في شعبان من نفس العام، وكان سبب خلعه أن الجند وعلى رأسهم القادة الترك اجتمعوا فطلبوا منه أرزاقهم، فلم يكن عنده ما يعطيهم، فسأل من اُمه أن تقرضه مالاً يدفعهم عنه به، فلم تعطه وأظهرت أنه لاشيء عندها، فاجتمع الأتراك على خلعه وقتله، فدخل إليه بعض الأمراء فتناولوه بالدبابيس يضربونه، وجرّوا برجله وأخرجوه وعليه قميص مخرّق ملطخ بالدم، فأوقفوه في وسط دار الخلافة في حرّ شديد حتى جعل يراوح بين رجليه من شدّة الحرّ، وجعل بعضهم يلطمه وهو يبكي ويقول له الضارب: اخلعها والناس مجتمعون. ثمّ ادخلوه حجرة مضيقا عليه فيها، ومازالوا عليه
__________________
(1) الكامل في التاريخ 6: 185 و 192، تاريخ الخلفاء / السيوطي: 279، البداية والنهاية 11: 11 و 12.
بأنواع العذاب حتى خلع نفسه من الخلافة وولي بعده المهتدي باللّه، ثم سلموه إلى من يسومه سوء العذاب بأنواع المثلات، ومنع من الطعام والشراب ثلاثة أيام حتى جعل يطلب شربة من ماء البئر فلم يسق، ثم أدخلوه سربا وجصصوا عليه، فأصبح ميتا، وأشهدوا عليه جماعة من الأعيان أنه مات وليس به أثر (1) .
ان الرقابة والحصار والإقامة الجبرية وغيرها من ممارسات السلطة لم تفلح في قطع الإمام عليهالسلام بشكل كلّي عن المناطق التي يتملك فيها أتباعا وجماهير تدين بإمامته وتؤمن بمرجعيته، لأنه استطاع أن يكسر بعض حاجز الحصار والاحتجاب القسري عن طريق تفعيل عمل الوكلاء والمكاتبات.
وقد أحاط الامام، أعماله بالسرية والكتمان والحيطة إلاّ بالمقدار الذي تسمح به الظروف، لذلك عمد الى اتخاذ الوكلاء والقوّام الثقات الذين يمثّلون خط الامامة الأصيل في أطراف البلاد الشاسعة، ليكون الإمام عليهالسلام قادرا على ممارسة دوره في نشر الوعي الديني والعقائدي، والحفاظ على مفاهيم الرسالة والقيم الاسلامية المقدسة، والاتصال مع قواعده الشعبية في ظل تلك الظروف العصيبة.
ومن هنا كانت له عليهالسلام امتدادات واسعة في المواقع الاسلامية، تضمنها له عملية تنظيم الوكلاء والقوّام وتفعيل دورهم، بحيث كان له وكيل في كل منطقة له فيها أتباع وشيعة يأتمرون بأمره وينضوون تحت ولايته، وكانوا يتصلون
__________________
(1) الكامل في التاريخ 6: 200، الفخري في الآداب السلطانية: 243، البداية والنهاية 11: 16، سير أعلام النبلاء 12: 533.
به عليهالسلام عن طريق المراسلة أو المكاتبة، التي تصل اليه عليهالسلام بسرية تامة ويجيب عليها بجملة تواقيع تصدر عنه، ومن خلالها يمارس أيضا عملية عزل وكيل أو تعيين آخر مكانه، ويعطي سائر إرشاداته لهذا وذاك من أصحابه.
وكان الوكلاء والقيّمون يحتاطون كثيرا في أيصال المال إلى الإمام عليهالسلام وفي حمل مكاتباته وتواقيعه، وكان الامام عليهالسلام يحتاط كثيراً في ايصال تواقيعه الى أصحابه حتى انه كان يضع بعض الرقاق في فيه.
روى ثقة الاسلام الشيخ الكليني بإسناده عن أحمد بن محمد بن عبد الله، قال: كان عبد الله بن هليل يقول بعبد الله (1)، فصار إلى العسكر، فرجع عن ذلك، فسألته عن سبب رجوعه، فقال: إني عرضت لأبي الحسن عليهالسلام أن أسأله عن ذلك، فوافقني في طريق ضيق، فمال نحوي حتى إذا حاذاني أقبل نحوي بشيءٍ من فيه، فوقع على صدري، فأخذته فإذا هو رق فيه مكتوب: « ما كان هنالك ولا كذلك » (2) .
والمتتبع لدراسة حياة الجواد والعسكريين عليهمالسلام يرى أن المكاتيب والتواقيع قد اتخذت حيزا واسعا من مساحة تراثهما (3)، وبالنظر لكثرتها فقد اتخذت مادة للتأليف، فألف عبداللّه بن جعفر الحميري كتاب (مسائل الرجال ومكاتباتهم أبا الحسن الثالث عليهالسلام ) وكتاب (مسائل لأبي الحسن على يد محمد
__________________
(1) وهو عبد الله بن جعفر الصادق عليهالسلام ، والقائلون بامامته بعد أبيه هم الفطحية.
(2) أصول الكافي1: 355 / 14 - باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الامامة من كتاب الحجة.
(3) راجع المجلد الثاني من كتاب (معادن الحكمة في مكاتيب الأئمّة عليهمالسلام ) للمولى محمد علم الهدى ابن الفيض الكاشاني، المتوفى سنة 1115 هـ، مكتبة الصدوق طهران -.
ابن عثمان العمري) و (مسائل أبي محمد وتوقيعات) وألف علي بن جعفر الهمّاني مسائل لأبي الحسن عليهالسلام .
ويتبين للمتتبع لتلك المكاتبات حجم دورها في تعميق الوعي الاسلامي الأصيل، وتعزيز مبادئ مدرسة أهل البيت عليهمالسلام ، والتمهيد لغيبة الامام الحجة عليهالسلام خاتم الأوصياء، هذا فضلاً عن المزيد من المكاتبات المتعلقة بالأبواب الفقهية والمسائل الشرعية المبثوثة في كتب الفقه والمجاميع الحديثية، وكان للوكلاء دور رئيسي في إيصالها من وإلى الإمام عليهالسلام .
من بين وكلاء الإمام عليهالسلام المنصوص عليهم في كتب الرجال:
1 - إبراهيم بن عبدة النيسابوري: ثقة جليل من أصحاب الامام الهادي والعسكري عليهماالسلام ووكيله، وردت فيه توقيعات ثلاثة رواها الكشي تدل على مدحه وجلالته، وقد رأى مولانا الحجة المنتظر عليهالسلام على الصفا وقبض عليهالسلام على كتاب مناسكه، وحدثه بأشياء (1) .
2 - أيوب بن نوح بن دراج النخعي: مولاهم، من أصحاب الامام الرضا والجواد والهادي عليهمالسلام ، ممدوح، كوفي، كان وكيلاً لأبي الحسن الهادي ولأبي محمد الحسن العسكري عليهماالسلام ، عظيماً، ورعاً، ثقة، وكان أبوه قاضياً بالكوفة، صحيح الاعتقاد، وأخوه جميل بن نوح بن دراج لقي الهادي عليهالسلام ، وله كتاب وروايات ومسائل من أبي الحسن الثالث (2) .
__________________
(1) رجال الطوسي: 410، مستدركات علم الرجال / النمازي 1: 173 / 332.
(2) رجال البرقي: 57، رجال الطوسي: 410، الفهرست: 16 / 49، الخلاصة / العلامة: 54.
3 - جعفر بن سهيل الصيقل: عده ابن شهرآشوب من وكلائه (1) .
4 - الحسن بن راشد: عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الهادي عليهالسلام ، وقال: يكنى أبا علي، بغدادي (2)، وعده الشيخ المفيد من الفقهاء الأعلام والرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام، الذين لا يطعن عليهم بشيء، ولا طريق لذم واحد منهم، وقد نصبه الامام عليهالسلام وكيلاً، وبعث إليه بعدة رسائل، وكانت له مكانة مرموقة عند الامام الهادي عليهالسلام ، ولما توفي ترحم عليه الامام عليهالسلام ودعا له بالمغفرة والرضوان.
5 - زنكان، أبو سليم: عده ابن شهرآشوب في المناقب من وكلاء الامام الهادي عليهالسلام (3) .
6 - علي بن جعفر الهمداني: عده شيخ الطائفة الطوسيوالبرقي من أصحاب الامام الهادي عليهالسلام ، وزاد الشيخ الطوسي: وكيله، ثقة. وفي رجال ابن داود: كان في حبس المتوكل وخاف القتل والشك في دينه، فوعده أن يقصد الله فيه، فحمّ المتوكل، وأمر بتخلية من في السجن مطلقاً وتخليته بالتخصيص (4) .
7 - علي بن الريان بن الصلت الأشعري القمي: ثقة، عده شيخ الطائفة الطوسيوالبرقي من أصحاب الامام الهادي عليهالسلام ، وكان وكيله، وله عنه نسخة،
__________________
(1) المناقب 4: 402.
(2) رجال الطوسي: 413.
(3) المناقب 4: 402.
(4) رجال البرقي: 59، رجال الطوسي: 418، رجال ابن داود: 135.
وله كتاب منثور الأحاديث (1) .
طاردت السلطة شيعة الإمام وقصدتهم بالأذى، ولاحقت أصحابه ورواد مدرسته باعتبارهم قاعدته وعمقه القادر على التأثير والاستقطاب، فتعرضوا للسجن والتشريد والقتل، وكانوا يعرضون على السيف لمجرد اعتقادهم بامامته، ففي ربيع الأول سنة 254 هـ قتلوا الكثير من أصحاب الأئمّة وشيعتهم في قم التي تشكل قاعدة مهمة من قواعد الإمام عليهالسلام ، فقد نقل المؤرخون أنّ مفلحا وباجور أوقعا بأهل قم في هذه السنة فقتلا منهم مقتلة عظيمة (2) .
ويمكن تلخيص موقف الامام عليهالسلام مما يجري على أصحابه وشيعته، في ثلاثة إتجاهات:
كان الأصحاب يهرعون في كل ما ينوبهم الى امامهم عليهالسلام ليعينهم بالدعاء.
قال أيوب بن نوح: « كتبت إلى أبي الحسن عليهالسلام وقد تعرض لي جعفر بن عبد الواحد القاضي، وكان يؤذيني بالكوفة، أشكو إليه ما ينالني منه من الأذى. فكتب إلي: تكفى أمره إلى شهرين . فعزل عن الكوفة في الشهرين واسترحت منه » (3) .
__________________
(1) رجال البرقي: 58، رجال النجاشي: 278 / 731، رجال الطوسي: 419، الخلاصة / العلامة: 99، رجال ابن داود: 138.
(2) تاريخ الطبري 9: 381، الكامل في التاريخ 6: 196 - حوادث سنة 254 هـ.
(3) الخرائج والجرائح / قطب الدين الراوندي 1: 399.
وعن عبداللّه بن سليمان الخلال، قال: « كتبت إليه عليهالسلام أسأله الدعاء أن يفرّج اللّه عنّا في أسباب من قبل السلطان كنا نغتم بها من غلماننا، فرجع الجواب بالدعاء، ورد علينا الغلمان... » (1) .
وروى ابن شهرآشوب بإسناده عن أبي الحسن محمد بن أحمد، قال: حدثني عمّ أبي أبو موسى، قال: « قصدت الامام يوماً فقلت: إن المتوكل قطع رزقي، وما أتهم في ذلك إلا علمه بملازمتي لك، فينبغي أن تتفضل علي بمسألته. فقال: تكفى إن شاء الله. فلما كان في الليل طرقني رسل المتوكل رسول يتلو رسولاً، فجئت إليه فوجدته في فراشه، فقال: يا أبا موسى، تشغل شغلي عنك وتنسينا نفسك، أي شيء لك عندي؟ فقلت: الصلة الفلانية، وذكرت أشياء، فأمر لي بها وبضعفها، فقلت للفتح: وافى علي بن محمد إلى ها هنا وكتب رقعة؟ قال: لا. قال: فدخلت على الامام عليهالسلام ، فقال لي: يا أبا موسى، هذا وجه الرضا. قلت: يا سيدي، ولكن قالوا إنك ما مضيت إليه ولا سألت؟ قال: إن الله تعالى علم منا أنا لا نلجأ في المهمات إلا إليه، ولا نتوكل في الملمات إلا عليه، وعودنا إذا سألناه الاجابة، ونخاف أن نعدل فيعدل » (2) .
وروى السيد ابن طاوس بالاسناد عن اليسع بن حمزة القمي، قال: « أخبرني عمرو بن مسعدة وزير المعتصم الخليفة أنه جاء علي بالمكروه الفظيع حتى تخوفته على إراقة دمي وفقر عقبي، فكتبت إلى سيدي أبي الحسن العسكري عليهالسلام أشكو إليه ما حلّ بي، فكتب إلي: لا روع إليك ولا بأس، فادع
__________________
(1) الثاقب في المناقب: 548 / 490.
(2) المناقب / ابن شهرآشوب 4: 442.
الله بهذه الكلمات، يخلصك الله وشيكاً مما وقعت فيه، ويجعل لك فرجاً، فإن آل محمد يدعون بها عند إشراف البلاء وظهور الأعداء، وعند تخوف الفقر وضيق الصدر.
قال اليسع بن حمزة: فدعوت الله بالكلمات التي كتب إلي سيدي بها في صدر النهار، فوالله ما مضى شطره حتى جاءني رسول عمرو بن مسعدة فقال لي: أجب الوزير، فنهضت ودخلت عليه، فلما بصر بي تبسّم إلي، وأمر بالحديد ففك عني وبالأغلال فحلّت مني، وأمر لي بخلعة من فاخر ثيابه، وأتحفني بطيب، ثم أدناني وقربني، وجعل يحدثني ويعتذر إلي، وردّ علي جميع ما كان استخرجه مني، وأحسن رفدي، وردني إلى الناحية التي كنت أتقلدها، وأضاف إليها الكورة التي تليها.
قال، وكان الدعاء، يا من تحل بأسمائه عقد المكاره، ويا من يفل بذكره حد الشدائد، ويا من يدعى بأسمائه العظام من ضيق المخرج إلى محل الفرج، ذلت لقدرتك الصعاب، وتسببت بلطفك الأسباب، وجرى بطاعتك القضاء، ومضت على ذكرك الأشياء، فهي بمشيئتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون وحيك منزجرة.
أنت المرجو للمهمات، وأنت المفزع للملمات، لا يندفع منها إلا ما دفعت، ولا ينكشف منها إلا ما كشفت، وقد نزل بي من الأمر ما فدحني ثقله، وحل بي منه ما بهضني حمله، وبقدرتك أوردت على ذلك، وبسلطانك وجهته إلي، فلا مصدر لما أوردت، ولا ميسر لما عسرت، ولا صارف لما وجهت، ولا فاتح لما أغلقت، ولا مغلق لما فتحت، ولا ناصر لمن خذلت إلا أنت.
صل على محمد وآل محمد، وافتح لي باب الفرج بطولك، واصرف عني سلطان الهم بحولك، وأنلني حسن النظر فيما شكوت، وارزقني حلاوة الصنع فيما سألتك، وهب لي من لدنك فرجاً وحيّاً، واجعل لي من عندك مخرجاً هنيّاً، ولا تشغلني بالاهتمام عن تعاهد فرائضك، واستعمال سنتك، فقد ضقت بما نزل بي ذرعاً، وامتلات بحمل ما حدث على جزعاً، وأنت القادر على كشف ما بليت به، ودفع ما وقعت فيه، فافعل ذلك بي، وإن كنت غير مستوجبه منك، يا ذا العرش العظيم، وذا المن الكريم، فأنت قادر يا أرحم الراحمين، آمين رب العالمين » (1) .
وعن يوسف بن السخت قال: « كان علي بن جعفر وكيلاً لأبي الحسن صلوات الله عليه، وكان رجلاً من أهل همينيا - قرية من قرى سواد بغداد - فسعي به إلى المتوكل، فحبسه فطال حبسه، واحتال من قبل عبد الرحمن بن خاقان بمال ضمنه عنه ثلاثة آلاف دينار، وكلمه عبيد الله، فعرض حاله على المتوكل فقال: يا عبيد الله، لو شككت فيك لقلت إنك رافضي، هذا وكيل فلان وأنا على قتله. قال: فتأدّى الخبر إلى علي بن جعفر، فكتب إلى أبي الحسن عليهالسلام : يا سيدي، الله الله في، فقد والله خفت أن أرتاب. فوقّع في رقعته: أما إذا بلغ بك الأمر ما أرى فسأقصد الله فيك. وكان هذا في ليلة الجمعة، فأصبح المتوكل محموماً فازدادت عليه حتى صرخ عليه يوم الاثنين، فأمر بتخلية كل محبوس عرض عليه اسمه حتى ذكر هو علي بن جعفر، وقال لعبيد الله: لِم لَم تعرض علي أمره؟ فقال: لا أعود إلى ذكره أبداً. قال: خل سبيله الساعة، وسله أن يجعلني في
__________________
(1) مهج الدعوات: 271.
حلّ، فخلى سبيله وصار إلى مكة بأمر أبي الحسن عليهالسلام مجاوراً بها، وبرأ المتوكل من علته » (1) .
كان الامام الهادي عليهالسلام يأمر قوامه ووكلاءه بالتخفيف من وطأة الفقر عن أصحاب الفاقة والمعوزين من أصحابه، وامدادهم بما يرفع عنهم أسباب العوز والحاجة والدين، وممن شملهم بره وإحسانه: أبوهاشم الجعفري، وأبو عمرو عثمان بن سعيد، وأحمد بن إسحاق الأشعري، وعلي بن جعفر الهمداني، ورجل من أعراب الكوفة وغيرهم (2) .
كان الامام عليهالسلام يمارس دوره كقائد لمواليه وأصحابه وراعٍ لمصالحهم ومدافع عن قضاياهم في حدود فسحة ضيقة محكومة بالرقابة والضغط، وعلى هذا الصعيد كان عليهالسلام يحذرهم الأخطار والفتن المحدقة بهم، ومن الوقوع في أحابيل السلطة، ويساعدهم في إخفاء نشاطهم بحسب الإمكان.
عن علي بن محمد النوفلي قال: قال لي محمد بن الفرج: « إن أبا الحسن عليهالسلام كتب إليه: يا محمد، اجمع أمرك وخذ حذرك. قال: فأنا في جمع أمري ليس أدري ما كتب إلي حتى ورد علي رسول حملني من مصر مقيداً وضرب على كل
__________________
(1) رجال الكشي 2: 866 / 1129.
(2) راجع: المناقب / ابن شهر آشوب 4: 409، كشف الغمة 3: 166، بحار الأنوار 50: 129 / 7 و 132 / 14.
ما أملك وكنت في السجن ثمان سنين... » (1) .
وحذر الامام عليهالسلام أخاه موسى من الوقوع في فخ المتوكل الذي حاول هتكه والحطّ من منزلته، روى ثقة الاسلام الشيخ الكليني والشيخ المفيد بالاسناد عن أبي الطيب يعقوب بن ياسر قال: « كان المتوكل يقول: ويحكم قد أعياني أمر ابن الرضا، وجهدت أن يشرب معي وأن ينادمني فامتنع، وجهدت أن أجد منه فرصة في هذا فلم أجدها. فقالوا له: فإن لم تجد منه فهذا أخوه موسى قصاف عزاف يأكل ويشرب ويتعشق، قال: ابعثوا إليه فجيئوا به حتى نموّه به على الناس ونقول ابن الرضا، فكتب إليه واشخص مكرماً وتلقاه جميع بني هاشم والقواد والناس، على أنه إذا وافى أقطعه قطيعة وبنى له فيها وحول الخمارين والقيان إليه ووصله وبره وجعل له منزلاً سرياً حتى يزوره هو فيه، فلما وافى موسى تلقاه أبو الحسن عليهالسلام في قنطرة وصيف - وهو موضع يُتلقى فيه القادمون - فسلم عليه ووفاه حقه، ثم قال له: إن هذا الرجل قد أحضرك ليهتكك ويضع منك فلا تقر له أنك شربت نبيذاً قط . فقال له موسى: فإذا كان دعاني لهذا فما حيلتي؟ قال: فلا تضع من قدرك ولا تفعل فإنما أراد هتكك . فأبى عليه فكرر عيله، فلما رأى أنه لا يجيب قال: أما إن هذا مجلس لا تجمع أنت وهو عليه أبداً . فأقام ثلاث سنين يبكر كل يوم فيقال له: قد تشاغل اليوم فرح فيروح، فيقال: قد سكر فبكّر فيبكر فيقال: شرب دواء، فما زال على هذا
__________________
(1) أصول الكافي1: 500 - باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهماالسلام من كتاب الحجة.
ثلاث سنين حتى قتل المتوكل ولم يجتمع معه عليه » (1) .
سجلت لنا كتب الحديث بعض آثار الامام الهادي عليهالسلام في دعوته إلى الاصلاح والارشاد في أوساط الامة المختلفة، سواء من خلال التأثر بسيرته العملية المتمثلة بمكارم أخلاقه وتواضعه وإحسانه وهديه وزهده وعبادته وصلاحه، أو من خلال وعظه وإرشاده وبركة تفوقه العلمي وكراماته التي حباها الله له، وكان من أبرز آثار ذلك أنه استطاع أن ينقذ جماعة ممن أغرتهم الدنيا فانحرفوا عن جادة الطريق، فجعلهم يتركون ما هم فيه ويهتدون إلى ساحل الأمان ويخرجون من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم وصراط الهداية.
وكان من بين من أرشدهم الامام عليهالسلام بعد انحرافهم عن خط الامامة، أبو الحسن سعيد بن سهل البصري المعروف بالملاح، الذي كان يقول بالوقف، فالتقى به الامام الهادي عليهالسلام في بعض الطرق فقال له: « إلى كم هذه النومة؟ أما آن لك أن تنتبه منها؟ » فأثرت هذه الكلمة في نفسه ورجع إلى الحق (2) .
ومنهم الفتح بن يزيد الجرجاني، وقد كان من الغلاة، وضمه وأبا الحسن عليهالسلام الطريق حين منصرفه من مكة إلى خراسان، والامام عليهالسلام صائر إلى العراق، ففرج عنه الامام عليهالسلام وكشف ما لبسوا عليه وأوقعوا في خلده من أن
__________________
(1) أصول الكافي1: 501 / 8 - باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهماالسلام من كتاب الحجة، الارشاد / الشيخ المفيد 2: 307، المناقب / ابن شهر آشوب 4: 409.
(2) المناقب / ابن شهر آشوب 4: 407.
الأئمة أرباب ولا ينبغي أن يأكلوا ويشربوا، ومما قال له أبو الحسن عليهالسلام : « معاذ الله، إنهم مخلوقون مربوبون مطيعون لله، داخرون راغبون ». ثم سجد أبو الحسن عليهالسلام وهو يقول في سجوده: « راغماً لك يا خالقي، داخراً خاضعاً ».
قال: فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، ثم قال: « يا فتح، كدت أن تَهلك وتُهلك، وما ضرّ عيسى إذا هلك من هلك، فاذهب إذا شئت رحمك الله ». فخرج وهو مسرور بما كشف الله عنه من اللبس، وحمد الله على ما قدر عليه.
وقال له أبو الحسن عليهالسلام وكان بين يديه حنطة مقلوّة: « اجلس يا فتح، فإن لنا بالرسل أسوة، كانوا يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق، وكل جسم مغذو بهذا إلا الخالق الرازق، لأنه جسّم الأجسام، وهو لم يُجسّم ولم يُجزّأ بتناه، ولم يتزايد ولم يتناقص، مبرء من ذاته، ما ركب في ذات من جسمه، الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، منشئ الأشياء، مجسّم الأجسام، وهو السميع العليم، اللطيف الخبير، الرؤوف الرحيم، تبارك وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. لو كان كما وصف لم يعرف الرب من المربوب، ولا الخالق من المخلوق، ولا المنشئ من المنشأ، ولكنه فرق بينه وبين من جسمه، وشيأ الأشياء، إذ كان لا يشبهه شيء يرى، ولا يشبه شيئاً » (1) .
ولم يتردد الامام عليهالسلام عن أسماع الموعظة والارشاد حتى لألّد أعدائه وهو المتوكل العباسي، وذلك حين استنشده الشعر فأنشده عليهالسلام :
باتوا على قُلل الأجبال تحرسهم |
غلب الرجال فما أغنتهم القللُ |
__________________
(1) كشف الغمة 3: 179.
القصيدة، فجعل المتوكل يبكي بكاءً طويلاً حتى بلّت دموعه لحيته، وبكى معه ندماؤه وهم في نشوة السكر والتكبر والزهو، ثمّ أمر برفع الشراب (1) .
واهتدى به عليهالسلام بعض رجال السلطة ومنهم يحيى بن هرثمة الذي كان على رأس الوفد الذي أشخص الامام عليهالسلام من المدينة المنورة الى سامراء، وقد كان حشوياً، ولما رأى كرامات الامام عليهالسلام وسيرته في بعض مراحل تلك الرحلة، رمى بنفسه عن دابته، وعدا إلى الامام عليهالسلام فقبّل ركابه ورجله، وقال: أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنكم خلفاء الله في أرضه، فتشيع ولزم خدمة الامام عليهالسلام إلى أن مضى (2) .
ورجل آخر من رجال الدولة كان ضمن الوفد الذين أرسلهم المتوكل لاشخاص الامام عليهالسلام من المدينة الى سامراء، وهو أبو العباس خال شبل كاتب إبراهيم بن محمد، تأثر بهدي الامام عليهالسلامعليهالسلام حينما شاهد احدى معاجزه في الطريق الى العراق وسمع كلامه، ولم يكن في شيء من هذا الأمر، وكان يعيب على أخيه وعلى أهل هذا القول عيباً شديداً بالذمّ والشتم، ولما شاهد بعض كرامات الامام الهادي عليهالسلام أثناء الطريق تعجب من ذلك، ورفع يديه إلى السماء، فسأل الله الثبات على المحبة والايمان والمعرفة، قال: لقد كنت شاكاً وأصبحت وأنا عند
__________________
(1) راجع: مروج الذهب 4: 367، تذكرة الخواص: 322، البداية والنهاية 11: 15، وفيات الأعيان 3: 272.
(2) الثاقب في المناقب: 551، الخرائج والجرائح 1: 393 الباب الحادي عشر، كشف الغمة 3: 180.
نفسي من أغنى الناس في الدنيا والآخرة (1) .
ومنهم زرافة الحاجب الذي تولى الامام عليهالسلام بعد أن سمع منه في يوم الفطر من سنة 247 أن المتوكل يهلك بعد ثلاث، وتحقق ذلك، قال زرافة: أراد المتوكل أن يمشي علي بن محمد بن الرضا عليهمالسلام يوم السلام، فقال له وزيره: إن في هذا شناعة عليك وسوء مقالة فلا تفعل. قال: لا بدّ من هذا. قال: فإن لم يكن بدّ من هذا فتقدم بأن يمشي القواد والأشراف كلهم حتى لا يظنّ الناس أنك قصدته بهذا دون غيره، ففعل ومشى عليهالسلام وكان الصيف، فوافى الدهليز وقد عرق. قال: فلقيته فأجلسته في الدهليز، ومسحت وجهه بمنديل، وقلت: إن ابن عمك لم يقصدك بهذا دون غيرك، فلا تجد عليه في قلبك. فقال: إيهاً عنك ( تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) (2) .
قال زرافة: وكان عندي معلم يتشيع، وكنت كثيراً أمازحه بالرافضي، فانصرفت إلى منزلي وقت العشاء، وقلت: تعال يا رافضي حتى أحدثك بشيء سمعته اليوم من إمامكم. قال: وما سمعت؟ فأخبرته بما قال. فقال: يا حاجب، أنت سمعت هذا من علي بن محمد؟ قلت: نعم. قال: فحقك علي واجب بحق خدمتي لك فاقبل نصيحتي. قلت: هاتها. قال: إن كان علي بن محمد قد قال ما قلت فاحترز، واخزن كل ما تملكه، فإن المتوكل يموت أو يقتل بعد ثلاثة أيام، فغضبت عليه وشتمته وطردته من بين يدي، فخرج. فلما خلوت بنفسي تفكرت وقلت: ما يضرني أن آخذ بالحزم، فإن كان من هذا شيء كنت قد
__________________
(1) الخرائج والجرائح 1: 415 / 20.
(2) سورة هود: 11 / 65.
أخذت بالحزم، وإن لم يكن لم يضرني ذلك. قال: فركبت إلى دار المتوكل، فأخرجت كل ما كان لي فيها، وفرقت كل ما كان في داري إلى عند أقوام أثق بهم، ولم أترك في داري إلا حصيراً أقعد عليه. فلما كانت الليلة الرابعة قتل المتوكل، وسلمت أنا ومالي، فتشيعت عند ذلك وصرت إليه، ولزمت خدمته، وسألته أن يدعو لي وتوليته حق الولاية (1) .
ومن رجال السلطة أيضاً سعيد الصغير الحاجب، وقد عهد اليه المتوكل تفتيش دار الامام عليهالسلام ، فتأثر بهدي الامام عليهالسلام وشخصيته وهيبته وصدقه فقال بأمامته.
عن الحسن بن محمد بن جمهور العمي، قال: « سمعت من سعيد الصغير الحاجب قال: دخلت على سعيد بن صالح الحاجب فقلت: يا أبا عثمان، قد صرت من أصحابك - وكان سعيد يتشيع - فقال: هيهات، قلت: بلى والله. فقال: وكيف ذلك؟ قلت: بعثني المتوكل وأمرني أن أكبس على علي بن محمد بن الرضا فأنظر ما فعل، ففعلت ذلك، فوجدته يصلي، فبقيت قائماً حتى فرغ، فلما انفتل من صلاته أقبل علي وقال: يا سعيد، لا يكف عني جعفر - أي المتوكل - حتى يقطع إرباً ! اذهب واعزب، وأشار بيده الشريفة، فخرجت مرعوباً، ودخلني من هيبته ما لا أحسن أن أصفه، فلما رجعت إلى المتوكل سمعت الصيحة والواعية، فسألت عنه فقيل: قتل المتوكل، فرجعنا وقلت به » (2) .
__________________
(1) مهج الدعوات: 330 - 337 إثبات الوصية: 240 نحوه. الخرائج 1: 402 / 8 نحوه
(2) الثاقب في المناقب: 539.
ورجل آخر من البلاط هو يزداد النصراني تلميذ بختيشوع طبيب البلاط، أسلم عند موته حينما شاهد احدى معاجز الامام عليهالسلام ، روى ذلك الطبري بالاسناد عن أبي الحسين محمد بن إسماعيل بن أحمد الفهقلي الكاتب بسر من رأى، عن أبيه قال: لما اعتل يزداد بعث إلي فحضرت عنده، فقال: إن قلبي قد ابيض بعد سواده، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن علي ابن محمد حجة الله على خلقه وناموسه الأعلم، ثم مات في مرضه ذلك (1) .
وأبو عبد الله الجنيدي الذي عهد إليه عمر بن الفرج الرخجي أن يعلم الامام عليهالسلام بأمر المعتصم، وكان معروفاً بعداء أهل البيت عليهمالسلام ، وقد ذهل من حدّة ذكاء الامام عليهالسلام وغزارة علمه، الأمر الذي جعله ينزع نفسه عن النصب والعداء لأهل البيت عليهمالسلام ، ويدين بالولاء لهم ويعتقد بالامامة ويهتدي إلى سواء السبيل (2) .
ورجل آخر من ديار ربيعة، وكان نصرانياً، من أهل كفرتوثا، يسمى يوسف بن يعقوب، أسلم ابنه ببركة الامام الهادي عليهالسلام وحسن اسلامه بعد أن لاحظ بعض دلائل الامام عليهالسلام (3) .
وكان الامام عليهالسلام سبباً في هداية أحد القياصرة الذي أعجب بتفوقه
__________________
(1) دلائل الإمامة / الطبري: 419 / 382 - مؤسسة البعثة - قم - 1413 هـ، نوادر المعجزات / الطبري: 188 / 7 - مؤسسة الإمام المهدي عليهالسلام - قم - 1410 هـ، فرج المهموم: 233.
(2) إثبات الوصية / المسعودي: 222.
(3) الخرائج والجرائح 1: 396 / 3.
العلمي، كما جاء عن ابن أمير الحاج في شرح شافية أبي فراس، قال: ومما نقل أن قيصراً ملك الروم كتب إلى خليفة من خلفاء بني العباس كتاباً يذكر فيه: إنا وجدنا في الانجيل أنه من قرأ سورة خالية من سبعة أحرف حرم الله تعالى جسده على النار، وهي: الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء، فإنا طلبنا هذه السورة في التوراة فلم نجدها، وطلبناها في الزبور فلم نجدها، فهل تجدونها في كتبكم؟
فجمع العلماء وسألهم في ذلك، فلم يجب منهم أحد عن ذلك إلا النقي علي ابن محمد بن الرضا عليهمالسلام ، فقال: « إنها سورة الحمد، فإنها خالية من هذه السبعة أحرف ».... فلما وصل الجواب إلى قيصر وقرأه فرح بذلك فرحاً شديداً وأسلم لوقته ومات على الاسلام (1) .
هذه هي بعض آثار الإمام الهادي عليهالسلام في مخالفيه ومناوئيه، فعلينا أن ننفتح عليها لنزداد هديا من هديه، وعلما من علمه، ووعيا ممّا يعطينا من عناصر الوعي.
* * *
__________________
(1) شرح شافية أبي فراس / ابن أمير الحاج: 563 - مؤسسة الطباعة والنشرـ وزارة الثقافة والارشاد - ايران.
الفصل الثّالث
الهوية الشخصية للإمام الهادي عليه السلام
هو أبو الحسن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق بن محمد باقر العلم بن علي زين العابدين بن الحسين السبط الشهيد بن علي أمير المؤمنين وسيد الوصيين صلوات اللّه عليهم أجمعين.
أشهر ألقاب الإمام أبي الحسن عليهالسلام هو النقي والهادي، وقيل: بل أشهرها المتوكل، لكنه عليهالسلام كان يخفي ذلك ويأمر أصحابه أن يعرضوا عن هذا اللقب، لكونه يومئذ لقباً لجعفر المتوكل بن المعتصم العباسي.
وعرف عليهالسلام بالعسكري، وكذلك ابنه الحسن عليهالسلام الامام بعده، نسبة إلى محلة العسكر التي كان يسكنها عليهالسلام في سامراء، وهو عسكر المعتصم الذي بناه لجيشه (1) .
قال الشيخ الصدوق: سمعت مشايخنا رضي اللّه عنهم يقولون: إنّ المحلّة التي
__________________
(1) راجع: الانساب / للسمعاني 4: 194، معجم البلدان - المجلد الثالث: 328، الأئمّة الاثناعشر / لابن طولون: 113.
يسكنها الإمامان علي بن محمد والحسن بن علي عليهماالسلام بسرّ من رأى كانت تسمّى عسكر، فلذلك قيل لكلّ واحدٍ منهما العسكري (1) .
وقيل: هو اسم سرّ من رأى، قال الفيروزآبادي: وعسكر اسم سر من رأى، وإليه نسب العسكريان أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر، وولده الحسن، وماتا بها (2) .
وكان هو وولده العسكري وجده الجواد عليهمالسلام يعرف كلّ منهم في زمانه بابن الرضا (3) .
وهناك ألقاب اُخرى تطلق على الإمام الهادي عليهالسلام وفي كلّ منها دلالة على كمال من كمالاته أو مظهر من مظاهر شخصيته، منها: المرتضى، والعالم، والدليل، والموضح، والرشيد، والشهيد، والوفي، والنجيب، والمتقي، والخالص، والناصح، والفتاح، والفقيه، والأمين، والطيب (4) .
قال الشاعر:
هو النقي لم يزل نقيا |
وكان عند ربه مرضيا |
|
وسره بكل معناه نقي |
فإنه سر الوجود المطلق |
__________________
(1) علل الشرائع / الشيخ الصدوق 1: 230 - باب 176، معاني الأخبار / الشيخ الصدوق: 65 / 17 باب معاني أسماء محمد وعلي وفاطمة والأئمّة عليهمالسلام ، بحار الأنوار 50: 113 / 1 و 235 / 1.
(2) القاموس المحيط / الفيروزآبادي - عسكر - 2: 92 - دار الجيل - بيروت.
(3) المناقب لابن شهرآشوب 4: 455، الفصول المهمة 2: 1080، إعلام الورى 2: 131.
(4) الهداية الكبرى / الخصيبي: 313، المناقب / ابن شهرآشوب 4: 401، الفصول المهمة 2: 1080، دلائل الامامة: 411، إعلام الورى 2: 109 و 131.
فهو نقي السر والسريره |
وسر جده بحكم السيره |
|
وكيف لا وهو ابن من تدلى |
في قربه من العلي الأعلى |
|
ما كذب الفؤاد ما رآه |
مذ بلغ الشهود منتهاه |
|
مرآته نقية من الكدر |
فما طغى قط وما زاغ البصر (1) |
اشتهر الإمام الهادي عليهالسلام بكنية واحدة عرف بها عند المؤرخين والمحدثين، هي أبو الحسن، وقد يخصص فيقال له عليهالسلام أبو الحسن الثالث، اذ أن المشهور بين المحدثين في التعبير عنهم بأبي الحسن ثلاثة: موسى الكاظم، وعلي الرضا، وعلي الهادي عليهمالسلام ، وإن شاركهم بعض باقي الأئمّة عليهمالسلام في هذه الكنية، فإذا ورد حديث عن أبي الحسن وأطلق أو خصص بالماضي فهو موسى الكاظم عليهالسلام ، وإذا قيد بالثاني فهو علي الرضا عليهالسلام ، وإذا قيد بالثالث فهو علي الهادي عليهالسلام (2) .
ولد الامام علي الهادي عليهالسلام في بصريا (3) من أعمال المدينة، للنصف من ذي الحجة سنة 212 هـ (4)، وعن شيخ الطائفة الطوسيفي المصباح، قال: وروي أنه
__________________
(1) الأنوار القدسية / محمد حسين الأصفهاني: 96.
(2) التتمة في تواريخ الأئمّة عليهمالسلام / السيد تاج الدين العاملي: 137.
(3) وهي قرية بناها الامام موسى بن جعفر عليهالسلام على ثلاثة أميال من المدينة. مناقب ابن شهر آشوب 4: 328.
(4) الارشاد 2: 297، أصول الكافي1: 497، كشف الغمة 3: 166.
ولد عليهالسلام يوم 27 من ذي الحجة (1)، وقيل: في رجب سنة 214 في ملك المأمون (2)، واختلف في اليوم من شهر رجب فقيل: انه ولد في الثاني منه (3)، وقيل: في الثالث منه (4)، وقيل: في الخامس منه (5) .
وصف الامام الهادي عليهالسلام بأنه شديد السمرة، أدعج العينين، شثن الكفين، عريض الصدر، أقنى الأنف، أفلج الأسنان، حسن الوجه، طيب الريح، جسيم البدن، ولم يكن بالقصير المتردد ولا بالطويل الممغط، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس (6)، معتدل القامة (7) .
قال الشاعر:
ووجهه في مصحف الامكان |
فاتحة الكتاب في القرآن |
__________________
(1) في رحاب أئمة أهل البيت عليهمالسلام / السيد محسن الأمين 4: 173.
(2) تذكرة الخواص: 362، التتمة في تواريخ الأئمّة عليهمالسلام : 135، تاريخ بغداد 12: 57 / 6440 عن سهل بن زياد، الأنساب / السمعاني 4: 194 دون ذكر الشهر.
(3) مصباح الكفعمي: 523.
(4) دلائل الامامة: 409 برواية عن الامام الحسن العسكري عليهالسلام .
(5) إعلام الورى 2: 131.
(6) الدعج: شدة سواد العين مع سعتها. الشثن: الغليظ الخشن. القصير المتردد: المفرط في القصر. الطويل الممغط: المفرط في الطول.
(7) راجع: المناقب / ابن شهر آشوب 4: 402، حياة الامام الهادي عليهالسلام / جعفر شريف القرشي: 21 عن مآثر الكبراء في تاريخ سامراء 3: 20 وجوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام: 151.
بل وجهه عنوان حسن الذات |
ديباجة الأسماء والصفات |
|
طلعته مطلع نور النور |
ومشرق الشموس والبدور |
|
غرته في أفق الامامه |
بارقة العزة والكرامه |
|
نور الهدى والرشد في جبينه |
بحر الندى والجود في يمينه |
|
بل هي بيضاء سماء المعرفه |
بها أضاء كل اسم وصفه |
|
كلتا يديه مبدأ الأيادي |
وفيهما آية المراد |
|
ففي اليمين قلم العنايه |
وفي الشمال علم الهدايه |
|
واليمن والأمان في يمناه |
واليسر واليسار في يسراه |
|
وعينه باصرة البصائر |
ونورها النافذ في الضمائر |
|
بل عينه في النور والشعاع |
إنسان عين عالم الابداع |
|
بل هي في الضياء والبهاء |
قرة عين عالم الأسماء (1) |
كان له عليهالسلام خاتم نقش فصه ثلاثة أسطر: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، أستغفر الله. وروي أن نقش خاتمه عليهالسلام : هو الله ربي وهو عصمني من خلقه.
وفي مصباح الكفعمي: أن نقش خاتمه: حفظ العهود من أخلاق المعبود. وقيل في معناه: أن حفظ الامور التي عهد الله بها إلينا من فعل أو ترك من الأخلاق التي يحبها الله (2) .
__________________
(1) الأنوار القدسية / الشيخ محمد حسين الاصفهاني: 96.
(2) دلائل الامامة 4: 411، الفصول المهمة 2: 1080، نور الأبصار: 334، مصباح الكفعمي: 325، التتمة في تواريخ الأئمّة عليهمالسلام : 136.
بوابه عليهالسلام : عثمان بن سعيد العمري. وعن ابن شهرآشوب: بوابه محمد بن عثمان العمري (1) .
أهم وكلاؤه عليهالسلام المذكورين في مصادر الرجال: إبراهيم بن عبدة النيسابوري، أيوب بن نوح بن دراج النخعي، جعفر بن سهيل الصيقل، الحسن ابن راشد، زنكان أبو سليم، علي بن جعفر الهمداني، علي بن الريان بن الصلت الأشعري.
شعراؤه عليهالسلام : العوفي والديلمي ومحمد بن إسماعيل بن صالح الصيمري (2) .
عمره يوم وافاه الأجل احدى وأربعون سنة وستة أشهر أو أربعون سنة، بحسب الاختلاف الذي مضى في ولادته عليهالسلام ، فقد ولد في ذى الحجة سنة 212 هـ، أو رجب سنة 214 هـ، واستشهد عليهالسلام في رجب أو جمادى الآخرة سنة 254 هـ، وعاش نحو ثمانية أعوام في ظلّ أبيه الإمام الجواد عليهالسلام الذي استشهد سنة 220 هـ، ومدّة إمامته بعد أبيه نحو أربع وثلاثين سنة (3) .
__________________
(1) تأريخ الأئمّة / ابن أبي الثلج: 33، الفصول المهمة 2: 1080، نور الأبصار: 334، المناقب / ابن شهر آشوب 4: 403، دلائل الامامة: 411.
(2) الفصول المهمة 2: 1080، في رحاب أئمة أهل البيت عليهمالسلام 4: 174.
(3) راجع: أصول الكافي1: 497 - باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهالسلام من
أمه عليهالسلام أم ولد اسمها سُمانة، ويقال لها أيضاً: سُمانة المغربية، وقيل: متفرشة المغربية، ومن أسمائها الأخرى: سوسن، وجمانة. وكنيتها: أُم الفضل. ولقبها: السيدة (1) .
وقد ورد في حقها ما يستفاد منه أنها كانت على درجة كبيرة من الفضائل والصفات الحميدة، فضلاً عن معرفة حق الامام عليهالسلام والتسليم بامامته وغير ذلك من المزايا التي بوأتها درجات أمهات الصديقين والصالحين.
روى أبو جعفر الطبري الامامي وغيره بالاسناد عن محمد بن الفرج بن إبراهيم بن عبد الله بن جعفر، قال: دعاني أبو جعفر محمد بن علي بن موسى عليهمالسلام ، فأعلمني أن قافلة قد قدمت وفيها نخاس معه جوارٍ، ودفع إلي سبعين ديناراً، وأمرني بابتياع جارية وصفها لي، فمضيت وعملت بما أمرني به،
__________________
كتاب الحجة، الارشاد 2: 297 و 313، تاج المواليد / الطبرسي: 134، المناقب / ابن شهرآشوب 4: 401، دلائل الإمامة: 409، كشف الغمة 3: 174 و 195، إعلام الورى 2: 131، التتمة في تواريخ الأئمّة عليهمالسلام : 142، بحار الأنوار 50: 236 و 238.
(1) أصول الكافي1: 498 - باب مولد أبي الحسن علي بن محمّد عليهماالسلام من كتاب الحجّة، إكمال الدين 1: 307 - باب 27 - خبر اللوح، الإرشاد 2: 297، إثبات الوصية: 220، دلائل الإمامة: 411، المناقب / ابن شهرآشوب 4: 401، كشف الغمة 3: 164، الهداية الكبرى / الخصيبي: 313، روضة الواعظين: 246، إعلام الورى 2: 131 و 109، نور الأبصار: 181، الفصول المهمة: 2: 1080، بحار الأنوار 50: 114.
فكانت تلك الجارية أم أبي الحسن عليهالسلام (1) .
وعن محمد بن الفرج وعلي بن مهزيار، عن الامام الهادي عليهالسلام ، أنه قال: « أمي عارفة بحقي، وهي من أهل الجنة، لا يقربها شيطان مارد، ولا ينالها كيد جبار عنيد، وهي مكلوءة بعين الله التي لا تنام، ولا تتخلف عن أمهات الصديقين والصالحين » (2) .
نقل عن بعض التواريخ أنه عليهالسلام كانت له سرية لا غير (3) . وجاء في أغلب التواريخ أن زوجته عليهالسلام اُمّ ولد، يقال لها سوسن، وتكنى اُمّ الحسن، وأُم أبي محمّد، وتعرف بالجدّة، أي جدّة الإمام صاحب الزمان عليهالسلام .
ولها أسماء اُخرى، فيقال لها: حُديث، وحُديثة، وسليل، وسمانة، وشكل النوبية، وعسفان، وقيل: ان سبب تعدد أسمائها لأنه قد جرت العادة على تغيير اسم الجواري عند شرائها. غير أن أشهر أسمائها: سوسن، وحديث (4) .
__________________
(1) دلائل الإمامة: 410 / 368.
(2) دلائل الامامة: 410 / 369، إثبات الوصية: 193.
(3) مصباح الكفعمي: 523، التتمة في تواريخ الأئمّة عليهمالسلام : 138.
(4) راجع: أصول الكافي1: 503 - باب مولد أبي محمد الحسن بن علي عليهالسلام من كتاب الحجة، التهذيب / الشيخ الطوسي 6: 92 - باب 42 من كتاب المزار، الإرشاد 2: 313، إكمال الدين: 307 آخر الباب 27 خبر اللوح، إثبات الوصية: 244، دلائل الإمامة: 424، المناقب / ابن شهرآشوب 4: 455، روضة الواعظين: 251، تاريخ مواليد الأئمة عليهمالسلام / ابن الخشاب: 199 - مطبوع ضمن مجموعة نفيسة - مكتبة السيد المرعشي - قم، الفصول المهمة 2: 1080، تذكرة
ورجح صاحب عيون المعجزات أن اسمها سليل حيث قال: ان اسمها على ما رواه أصحاب الحديث سليل، وقيل: حديث، والصحيح سليل، وكانت من العارفات الصالحات (1) .
ولعلّ ذلك مبني على الحديث الوارد عن المعصوم، وهو يشيد بفضلها وعفتها وصلاحها، رواه المسعودي عن العالم عليهالسلام أنه قال: « لمّا اُدخلت سليل اُمّ أبي محمد على أبي الحسن عليهالسلام ، قال: سليل مسلولة من الآفات والعاهات والأرجاس والأنجاس » (2) .
وبعثها ولدها الإمام العسكري عليهالسلام إلى الديار المقدسة سنة 259 هـ، وأخبرها عما يناله سنة 60، فأظهرت الجزع وبكت، فقال عليهالسلام : « لابد من وقوع أمر اللّه فلا تجزعي » (3) .
وفي صفر سنة 260 هـ كانت في المدينة المنورة، فجعلت تخرج إلى خارجها تتجسّس الأخبار وقد أخذها الحزن والقلق (4)، وحينما اتصل بها خبر شهادة الإمام عليهالسلام عادت إلى سامراء، فكانت لها أقاصيص يطول شرحها مع ولدها جعفر المعروف بالكذاب لمطالبته إياها بالميراث، وسعايته بها إلى السلطان، وكشف ما أمر اللّه ستره، فضلاً عن أن بني العباس هجموا على دار الامام
__________________
الخواص: 324، كشف الغمة 3: 271، إعلام الورى 2: 131، تاج المواليد: 133، بحار الأنوار 50: 235 و 236 و 238.
(1) بحار الأنوار 50: 238 / 11.
(2) إثبات الوصية: 244.
(3) إثبات الوصية: 217.
(4) إثبات الوصية: 253، مهج الدعوات: 343، بحار الأنوار 50: 313 و 330.
وفتّشوها وعرّضوا أهل بيته ومنهم السيدة سوسن الى أشدّ المضايقات والتنكيل (1) .
وتوفيت السيدة سوسن في سامراء وكانت قد أوصت أن تدفن في الدار إلى جنب زوجها وولدها الإمامين العسكريين عليهماالسلام ، فنازعهم جعفر وقال: الدار داري لا تدفن فيها (2) .
روى الشيخ الصدوق بالاسناد عن محمّد بن صالح قال: لمّا ماتت الجدَّة - أم الحسن العسكري - أمرت أن تُدفن في الدار؟ فنازعهم جعفر وقال: لي الدار لا تُدفن فيها. فخرج الحجّة المنتظر عليهالسلام فقال: « يا جعفر أدارك هي؟ » ثمّ غاب عنه ولم يره بعد ذلك (3) . ودفنت بجنب ولدها العسكري عليهالسلام (4) .
وجاء في رواية أحمد بن عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان: أنّ أمّ العسكري عليهالسلام ادّعت وصيته، فقسم ميراثه بينها وبين أخيه جعفر، وثبت ذلك عند القاضي (5) .
ذكر المؤرخون أن له أربعة اولاد، وهم: الحسن عليهالسلام ، وهو الامام بعده، ومحمد المتوفّى في حياة أبيه عليهالسلام ، والحسين، وجعفر المعروف بالكذاب. وقيل: إن له من الأولاد ثلاثة وهم: الحسن عليهالسلام ، وجعفر، وإبراهيم. وله بنت واحدة
__________________
(1) إكمال الدين: 474 / 25، بحار الأنوار 50: 331 / 3.
(2) إكمال الدين: 442 / 15.
(3) إكمال الدين وإتمام النعمة / الشيخ الصدوق 2: 442 / 15.
(4) إثبات الوصية: 217.
(5) إكمال الدين وإتمام النعمة / الشيخ الصدوق 1: 43 المقدّمة.
مختلف في اسمها، فقيل: حكيمة، أو عائشة، أو علية، أو عالية.
وعن الطبري: له بنتان وهما: عائشة، ودلالة (1) .
وفيما يلي نترجم لسيرة بعض أولاده عليهالسلام .
وهو أبوجعفر محمد بن الإمام أبي الحسن الهادي، المتوفى نحو سنة 252 هـ (2)، وكان من سادات أهل البيت عليهمالسلام ، جليل القدر، عظيم المنزلة، قال السيد محسن الأمين: جليل القدر، عظيم الشأن، كانت الشيعة تظنّ أنه الإمام بعد أبيه عليهالسلام ، فلمّا توفي نصّ أبوه على أخيه أبي محمد الحسن الزكي عليهالسلام ، وكان أبوه خلّفه بالمدينة طفلاً لما اُتي به إلى العراق، ثم قدم عليه في سامراء، ثمّ أراد الرجوع إلى الحجاز، فلمّا بلغ القرية التي يقال لها (بلد) على تسعة فراسخ من سامراء، مرض وتوفّي ودفن قريبا منها، ومشهده هناك معروف مزور، ولمّا توفي شقّ أخوه أبو محمد عليهالسلام ثوبه، وقال في جواب من لامه على ذلك: « قد شق موسى على أخيه هارون ». وسعى المحدث العلامة الشيخ ميرزا حسين النوري
__________________
(1) راجع: الارشاد 2: 312، المناقب لابن شهرآشوب 4: 433، دلائل الإمامة: 412، اعلام الورى 2: 127، الفصول المهمة 2: 1076، التتمة في تواريخ الأئمّة عليهمالسلام : 138.
(2) ورد في حديث أن عمر الإمام العسكري عليهالسلام يوم وفاة أخيه السيد محمد نحو عشرين سنة، وبما أن الامام العسكري عليهالسلام ولد سنة 232، فتكون وفاة السيد محمد نحو سنة 252 هـ. راجع: اصول الكافي 1: 327 / 8 - باب الاشارة والنص على أبي محمد عليهالسلام من كتاب الحجة.
في تشييد مشهده وتعميره، وكان له فيه اعتقاد عظيم (1) .
وجاء في الرواية: « أن أبا الحسن عليهالسلام قد بسط له في صحن دار، يوم توفي محمد ابنه، والناس جلوس حوله يعزّونه، من آل أبي طالب وبني هاشم وقريش ومواليه ومن سائر الناس » (2) .
نُقل عن كتاب شجرة الأولياء: أن الحسين كان زاهداً عابداً معترفاً بإمامة أخيه أبي محمد الحسن العسكري عليهالسلام ، وكان صوت الامام المهدي عليهالسلام يشبه صوت عمه الحسين. وكان الناس يعبرون عنه وعن أخيه الامام الحسن العسكري بالسبطين تشبيهاً لهما بالامامين الحسن والحسين عليهماالسلام . وكان له من الأولاد أربعة، وقد رحلوا بعد وفاة أبيهم عن سامراء إلى مدينة لار من بلاد فارس في إيران، فقتلوا بعد وصولهم إليها (3) .
وكان صاحب فتنة وضلالة، وقد أخبر أئمة أهل البيت عليهمالسلام عنه قبل ولادته، وحذّروا شيعتهم من فتنته، ففي حديث عن أبي خالد الكابلي: « أنه سأل الإمام علي بن الحسين صلوات اللّه عليه: من الحجة والإمام بعدك؟ فقال:
__________________
(1) أعيان الشيعة 14: 291 - دار التعارف للمطبوعات.
(2) أصول الكافي1: 326 / 8 باب الاشارة والنص على أبي محمد عليهالسلام من كتاب الحجة.
(3) الامام الهادي من المهد إلى اللحد / محمد كاظم القزويني: 139 - مركز نشر آثار الشيعة - قم.
« ابني محمد، واسمه في التوراة الباقر يبقر العلم بقرا، وهو الحجة والإمام بعدي، ومن بعد محمد ابنه جعفر، واسمه عند أهل السماء الصادق.
فقلت له: يا سيدي، كيف صار اسمه الصادق وكلكم صادقون؟ فقال: حدّثني أبي عن أبيه عليهالسلام أن رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبيطالب، فسمّوه الصادق، فإنّ للخامس من ولده ولدا اسمه جعفر يدّعي الامامة اجتراءً على اللّه وكذبا عليه، فهو عند اللّه جعفر الكذاب المفتري على اللّه والمدّعي لما ليس له بأهل، المخالف على أبيه، والحاسد لأخيه، ذلك الذي يروم كشف ستر اللّه عند غيبة ولي اللّه عز وجلّ...
ثمّ قال: كاني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي اللّه، والمغيب في حفظ اللّه، والتوكيل بحرم أبيه جهلاً منه بولادته، وحرصا على قتله إن ظفر به، طمعا في ميراث أبيه حتى يأخذه بغير حقّه... » (1) .
وحينما ولد جعفر فرح أهل الدار بولادته، ولم يروا أثرا للسرور على أبي الحسن عليهالسلام ، روى الشيخ الصدوق بالاسناد عن صالح بن محمد بن عبد الله، عن أمه فاطمة بنت محمد بن الهيثم، قالت: كنت في دار أبي الحسن علي بن محمد العسكري عليهالسلام في الوقت الذي ولد فيه جعفر، فرأيت أهل الدار قد سروا به، فصرت إلى أبي الحسن عليهالسلام ، فلم أره مسروراً بذلك. فقلت له: يا سيدي، ما لي
__________________
(1) علل الشرائع / الشيخ الصدوق 1: 234 / 1 - المطبعة الحيدرية - النجف - 1385 هـ، إكمال الدين: 319 / 2 باب 31.
أراك غير مسرور بهذا المولود؟ فقال عليهالسلام : « هون عليك أمره، فإنّه سيضلّ خلقا كثيرا » (1) .
وقد تحقق ما قاله أهل البيت عليهمالسلام عن فتنته وضلالته، حيث كانت له بعد شهادة أخيه الإمام الحسن العسكري عليهالسلام ثلاثة أدوار سيئة:
1 - الايعاز إلى الدولة باحتمال وجود الإمام المهدي عليهالسلام ، فبدأت سلسلة من المطاردات والاعتقالات لعيال الإمام عليهالسلام ، ولم يتمكنوا من العثور على الإمام المهدي عليهالسلام ، وبذلك يكون جعفر قد كشف ما أوجب اللّه تعالى ستره وكتمانه.
وقد أجمل الشيخ المفيد رحمهالله جملة هذه الأدوار المشينة وغيرها التي قام بها جعفر الكذاب بعد شهادة أخيه الحسن عليهالسلام بقوله: « تولّى جعفر بن علي أخو أبي محمد عليهالسلام أخذ تركته، وسعى في حبس جواري أبي محمد عليهالسلام واعتقال حلائله، وشنّع على أصحابه بانتظارهم ولده وقطعهم بوجوده والقول بامامته، وأغرى بالقوم حتى أخافهم وشرّدهم، وجرى على مخلّفي أبي محمد عليهالسلام بسبب ذلك كلّ عظيمة، من اعتقال وحبس وتهديد وتصغير واستخفاف وذلّ، ولم يظفر السلطان منهم بطائل.
وحاز جعفر ظاهر تركة أخيه أبي محمد عليهالسلام ، واجتهد في القيام عند الشيعة مقامه، فلم يقبل أحد منهم ذلك، ولا اعتقده فيه، فصار إلى سلطان الوقت يلتمس مرتبة أخيه، وبذل مالاً جليلاً، وتقرّب بكلّ ما ظنّ أنه يتقرّب به، فلم
__________________
(1) إكمال الدين: 321 / آخر الحديث 2 باب 31، الغيبة / الشيخ الطوسي: 226 / 193.
ينتفع بشيءٍ من ذلك » (1) .
2 - ادعاء الإمامة بعد أخيه الحسن عليهالسلام كذبا وزورا، فأضلّ خلقا كثيرا، فخرجت عن الإمام المهدي عليهالسلام عدّة تواقيع تنبّه الشيعة على بطلان ادعائه وكذبه وعصيانه وظلمه، وجهله بالأحكام وتركه الواجبات، منها على يد أحمد ابن إسحاق الأشعري، وعلى يد محمد بن عثمان العمري (2)، فجفته الشيعة بعد أن بان كذبه وافتراؤه، ممّا اضطره إلى التوسل برجال الدولة ومنهم الوزير عبيداللّه ابن يحيى بن خاقان في أن يجعلوا له مرتبة أخيه فزبره بالقول: يا أحمق، السلطان جرّد سيفه في الذين زعموا أن أباك وأخاك أئمة ليردّهم عن ذلك فلم يتهيأ له ذلك، فإن كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماما فلا حاجة لك إلى السلطان ليرتّبك مراتبهم ولا غير السلطان، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا... (3) .
وحمل جعفر عشرين ألف دينار إلى المعتمد، طالبا منه أن يجعل له مرتبة أخيه ومنزلته. فأجابه بنحو جواب ابن خاقان (4) .
3 - ادعاؤه استحاق التركة وبالتالي حيازته إياها مناصفة مع اُم
__________________
(1) الارشاد 2: 336 - 337، ونحوه في المناقب لابن شهرآشوب 4: 455، إعلام الورى 2: 151 - 152، الفصول المهمة 2: 1093.
(2) راجع: إكمال الدين: 483 / 4 - باب 45، الغيبة / للشيخ الطوسي: 290 / 247.
(3) اُصول الكافي 1: 505 / 1 باب مولد أبي محمد الحسن بن علي عليهالسلام من كتاب الحجة، الإرشاد 2: 324.
(4) إكمال الدين: 479، الخرائج والجرائح 3: 1109.
العسكري عليهالسلام بإذن من السلطات الحاكمة.
للامام الهادي عليهالسلام أخ واحد هو موسى المبرقع، وقيل اثنان: موسى والحسن. وله من الأخوات ست: زينب، وأم محمد، وميمونة، وخديجة، وحكيمة، وأم كلثوم.
وقيل خمس: فاطمة، وأمامة، وحكيمة، وخديجة، وأم كلثوم.
وقيل أربع: حكيمة، وبريهة، وأُمامة، وفاطمة.
وقيل ثلاث: زينب، وأم محمد، وميمونة. وقيل: خديجة، وحكيمة، وأم كلثوم.
وقيل اثنان: فاطمة، وأُمامة (1) .
ولد موسى المبرقع ونشأ في المدينة مع أبيه الجواد عليهالسلام ، وبعد شهادة أبيه انتقل إلى الكوفة فتوطن فيها مدة، ثم هاجر إلى قم، فوردها سنة 256 هـ فتوطن فيها، وكان من أهل الحديث والدراية، وإليه ينتهي نسب السادة الرضويين، توفي في ربيع الآخر سنة 296 هـ ودفن في بيته.
قال أبو علي الحسين بن محمد بن نصر بن سالم: إن أول من ورد قماً من السادات الرضوية هو موسى بن الامام محمد الجواد عليهالسلام ، جاء إليها من الكوفة،
__________________
(1) الإرشاد 2: 295، دلائل الامامة: 397، مناقب ابن شهر آشوب 4: 380، إعلام الورى 2: 106، تاج المواليد: 130، تذكرة الخواص: 359، الفصول المهمة 2: 1080، عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 199.
ثم أخرجه أهلها لأمور صدرت منه، فذهب إلى كاشان، فأكرمه أحمد ابن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي، وخلع عليه، وقرر له في كل سنة ألف دينار، فلما ورد الحسين بن علي بن آدم وشخص آخر من الكوفة إلى قم وبّخا أهلها على إخراجه، فأرسلوا وراءه وأرجعوه إلى قم مكرماً، ثم قصد عبد العزيز ابن أبي دلف فأكرمه، وعين له وظيفة سنوية، ثم طلب أخواته: زينب وأم محمد وميمونة بنات الامام محمد بن علي الجواد عليهالسلام من الكوفة إلى قم، فأقمن عنده حتى توفين في قم، ودفن بقرب قبر السيدة فاطمة بنت موسى بن جعفر عليهمالسلام ، وأقام موسى المبرقع في قم حتى توفى بها، فصلى عليه أميرها عباس بن عمرو الغنوي.
وكان موسى يلقي على وجهه برقعاً، ولذلك قيل له المبرقع لجمال وجهه الباهر، ولعل ذلك هو السبب في إخراجه من قم، لأنّ أهلها لم يعرفوه، فكانوا في شك وريبة من أمره، لكن عندما عرفوه أكرموه، وقبره اليوم معروف يزوره الكثيرون، ولموسى المبرقع ولدان: محمد وأحمد، واختلف النسابون في بقاء عقب لمحمد، فاختار الدينوري أن بني الخشاب من أولاد محمد، وأكثر النسابين على خلافه، أي إنه لا عقب له، وأما بقية ذرية الامام محمد الجواد عليهالسلام فهم جميعاً بإجماع النسابين من أحمد بن موسى المبرقع (1) .
وكانت جليلة القدر، عالية الشأن، أوكل إليها أخوها الإمام الهادي عليهالسلام جاريته نرجس كي تعلمها معالم الدين وأحكام الشريعة وتؤدّبها بالآداب
__________________
(1) أعيان الشيعة 10: 194.
الإلهية. ثم ان الإمام الهادي عليهالسلام زوج نرجس من ولده الإمام العسكري عليهالسلام فكانت أم الإمام المهدي المنتظر لاقامة دولة الحق عليهالسلام ، وقامت حكيمة بمهمّة القابلة لاُمّه ليلة ولادته، واضطلعت بدور مهم بعد شهادة أخيها الحسن العسكري عليهالسلام حيث كانت تستلم الكتب والرسائل وتوصلها إلى الإمام عليهالسلام ، ثم تستلم منه الأجوبة والتوقيعات وتوصلها إلى شيعته.
توفيت السيدة حكيمة في مدينة سامراء، ودفنت عند رجلي الإمامين العسكريين عليهماالسلام ، وقبرها مشهور مزور (1) .
* * *
__________________
(1) أصول الكافي1: 330 / 3، اكمال الدين 2: 424 و 433، الإرشاد 2: 351، الغيبة / الشيخ الطوسي: 234 / 204، بحار الأنوار 102: 79.
الفصل الرّابع
إمامته عليه السلام
قال الشيخ المفيد: كان الامام بعد أبي جعفر عليهالسلام ابنه أبا الحسن علي بن محمد عليهماالسلام ، لاجتماع خصال الامامة فيه، وتكامل فضله، وأنه لا وارث لمقام أبيه سواه، وثبوت النص عليه بالامامة، والاشارة إليه من أبيه بالخلافة (1) .
وقال المسعودي: لما حضرت الامام الجواد عليهالسلام الوفاة نص على أبي الحسن وأوصى إليه، وكان سلم المواريث والسلاح إليه بالمدينة، ومضى في سنة عشرين ومئتين من الهجرة في يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي الحجة (2) .
وفيما يلي نذكر أهم الأدلة الواردة في إمامته عليهالسلام وكما يلي:
وردت المزيد من النصوص عن النبي والآل المعصومين عليهمالسلام تصرح بتعيين أوصياء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وخلفائه من عترته واحدا بعد واحد باسمائهم وأوصافهم، بشكل يجلو العمى عن البصائر وينفي الشك عن القلوب، وسنذكر هنا ثلاثة أحاديث عن آبائه المعصومين عليهمالسلام كنموذج على تلك النصوص، ونحيل القارئ
__________________
(1) الإرشاد 2: 297.
(2) اثبات الوصية: 192.
إلى مظانّ بقيتها (1) .
1 - عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سمعت جابر بن عبداللّه الأنصاري يقول: قال لي رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم : « يا جابر، إن أوصيائي وأئمة المسلمين من بعدي أوّلهم عليّ، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد ابن علي المعروف بالباقر، ستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم القائم، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، محمد بن الحسن بن علي... » (2) .
2 - وروى ابن شاذان بالاسناد عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن سلامة عن أبي سلمى راعي أبل رسول اللّه، قال: سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: « ليلة أُسري بي إلى السماء قال لي الجليل جلّ وعلا: « آمن الرسول بما اُنزل إليه من ربّه ». قلت: والمؤمنون؟ قال: صدقت يا محمد، من خلفت في أمتك؟ قلت: خيرها. قال: علي بن أبي طالب؟ قلت: نعم يا رب. قال: يا محمد، إنّي اطّلعت إلى الأرض اطلاّعة فاخترتك منها، فشققت لك اسما من أسمائي، فلا اذكر في موضع إلاّ ذكرت معي، فأنا المحمود وأنت محمد، ثم اطّلعت الثانية فاخترت عليّا، وشققت له اسما من أسمائي، فأنا الأعلى وهو علي.
__________________
(1) راجع: اُصول الكافي 1: 286 - 292 - باب ما نص اللّه ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم على الأئمّة عليهمالسلام واحدا فواحدا، إكمال الدين: 250 - 378 - الأبواب 23 - 36، بحار الأنوار 36: 192 - 418 - باب 40 - 48.
(2) ينابيع المودة 3: 398 الباب 94، كشف الغمة / الإربلي 3: 314.
يا محمد، اني خلقتك وخلقت عليا وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من ولده من سنخ نور من نوري وعرضت ولايتكم على أهل السماوات وأهل الأرض، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان عندي من الكافرين.
يا محمد، لو أن عبدا من عبيدي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي، ثم أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتى يقرّ بولايتكم.
يا محمد، أتحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم يارب. فقال لي: التفت عن يمين العرش، فالتفت فإذا أنا بعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والمهدي، في ضحضاح من نور قياما يصلّون وهو في وسطهم - يعني المهدي - كأنّه كوكب دري.
قال: يا محمد، هؤلاء الحجج، وهو الثائر من عترتك، وعزتي وجلالي انه الحجة الواجبة لأوليائي، والمنتقم من أعدائي » (1) .
3 - عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: « سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول: أنشدت مولاي الرضا علي بن موسى عليهالسلام قصيدتي التي أولها:
مدارس آيات خلت من تلاوة |
ومنزل وحي مقفر العرصات |
فلما انتهيت إلى قولي:
خروج إمام لا محالة خارج |
يقوم على اسم اللّه والبركات |
|
يميز فينا كل حقّ وباطل |
ويجزي على النعماء والنقمات |
__________________
(1) مقتل الحسين / الخوارزمي 1: 95 - 96، فرائد السمطين 2: 319 / 571.
بكى الرضا عليهالسلام بكاءً شديدا، ثم رفع رأسه إليّ فقال لي: يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام، ومتى يقوم؟ فقلت: لا يا مولاي، إلاّ أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد، ويملأها عدلاً كما ملئت جورا.
فقال: يا دعبل، الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره... » (1) .
فيما يلي نعرض أهم النصوص الواردة عن أبيه عليهالسلام في النص عليه والإشارة إليه بالإمامة من بعده.
1 - عن إسماعيل بن مهران، قال « لما خرج أبو جعفر عليهالسلام من المدينة إلى بغداد في الدفعة الاولى من خرجتيه، قلت له عند خروجه: جعلت فداك، إني أخاف عليك في هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك؟ فكر بوجهه إلى ضاحكاً وقال: ليس الغيبة حيث ظننت في هذه السنة. فلما اخرج به الثانية إلى المعتصم صرت إليه فقلت له: جعلت فداك، أنت خارج فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم التفت إلي فقال: عند هذه يخاف علي، الأمر من بعدي إلى ابني علي » (2) .
__________________
(1) إكمال الدين: 372 / 6 باب 35، عيون أخبار الرضا 2: 296 / 35 الباب 66، ينابيع المودة 3: 348 الباب 86، فرائد السمطين 2: 337 / 591.
(2) اُصول الكافي 1: 323 / 1 باب الاشارة والنص على أبي الحسن الثالث عليهالسلام ، الارشاد 2: 298.
2 - وعن الحسين بن محمد، عن الخيراني، عن أبيه، أنه قال: « كان يلزم باب أبي جعفر عليهالسلام للخدمة التي كان وكل بها، وكان أحمد بن محمد بن عيسى يجيئ في السحر في كل ليلة، ليعرف خبر علّة أبي جعفر عليهالسلام ، وكان الرسول الذي يختلف بين أبي جعفر عليهالسلام وبين أبي إذا حضر قام أحمد وخلا به أبي، فخرج ذات ليله وقام أحمد عن المجلس وخلا أبي بالرسول، واستدار أحمد فوقف حيث يسمع الكلام، فقال الرسول لأبي: إن مولاك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إني ماضٍ والأمر صائر إلى ابني علي، وله عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي.
ثم مضى الرسول ورجع أحمد إلى موضعه، وقال لأبي: ما الذي قد قال لك؟ قال: خيراً. قال: قد سمعت ما قال، فلم تكتمه؟ وأعاد ما سمع فقال له أبي: قد حرم الله عليك ما فعلت، لأنّ الله تعالى يقول: ( وَلَا تَجَسَّسُوا ) (1) فاحفظ الشهادة لعلنا نحتاج إليها يوماً ما، وإياك أن تظهرها إلى وقتها.
فلما أصبح أبي كتب نسخة الرسالة في عشر رقاع، وختمها ودفعها إلى عشرة من وجوه العصابة، وقال: إن حدث بي حدث الموت قبل أن اطالبكم بها فافتحوها واعملوا بما فيها.
فلما مضى أبو جعفر عليهالسلام ذكر أبي أنه لم يخرج من منزله حتى قطع على يديه نحو من أربعمائة إنسان، واجتمع رؤساء العصابة عند محمد بن الفرج يتفاوضون هذا الأمر، فكتب محمد بن الفرج إلى أبي يعلمه باجتماعهم عنده، وأنه لولا مخافة الشهرة لصار معهم إليه، ويسأله أن يأتيه، فركب أبي وصار إليه، فوجد القوم مجتمعين عنده، فقالوا لأبي: ما تقول في هذا الأمر؟ فقال أبي لمن عنده الرقاع:
__________________
(1) سورة الحجرات 49: 12.
احضروا الرقاع، فأحضروها، فقال لهم: هذا ما أُمرت به.
فقال بعضهم: قد كنا نحب أن يكون معك في هذا الأمر شاهد آخر؟ فقال لهم: قد آتاكم الله عزوجل به، هذا أبو جعفر الأشعري يشهد لي بسماع هذه الرسالة، وسأله أن يشهد بما عنده، فأنكر أحمد أن يكون سمع من هذا شيئاً، فدعاه أبي إلى المباهلة، فقال لما حقق عليه: قد سمعت ذلك، وهذه مكرمة كنت أحب أن تكون لرجل من العرب لا لرجل من العجم، فلم يبرح القوم حتى قالوا بالحق جميعاً » (1) .
3 - وعن محمد بن الحسين الواسطي: أنه سمع أحمد بن أبي خالد مولى أبي جعفر يحكي أنه أشهده على هذه الوصية المنسوخة: « شهد أحمد بن أبي خالد مولى أبي جعفر أن أبا جعفر محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام أشهده أنه أوصى إلى علي ابنه بنفسه وأخواته، وجعل أمر موسى إذا بلغ إليه، وجعل عبد الله بن المساور قائماً على تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق وغير ذلك إلى أن يبلغ علي بن محمد (2)، صير عبد الله بن المساور ذلك اليوم إليه، يقوم بأمر نفسه واخوانه،
__________________
(1) اُصول الكافي 1: 323 / 2 باب الاشارة والنص على أبي الحسن الثالث عليهالسلام ، الارشاد 2: 300.
(2) في بيان للعلامة المجلسي قال: لعله للتقية من المخالفين الجاهلين بقدر الامام عليهالسلام ومنزلته وكماله في صغره وكبره، اعتبر بلوغه في كونه وصياً، وفوض الأمر ظاهراً قبل بلوغه إلى عبد الله، لئلا يكون لقضاتهم مدخلاً في ذلك، فقوله عليهالسلام : (إذا بلغ) يعني أبا الحسن عليهالسلام . وقوله عليهالسلام : (صير) أي بعد بلوغ الامام عليهالسلام صيره عبد الله مستقلاً في امور نفسه ووكل امور أخواته إليه عليهالسلام . قوله: (ويصيّر) بتشديد الياء، أي عبد الله أو الامام عليهالسلام (أمر موسى إليه) أي إلى موسى (بعدهما) أي بعد فوت
ويصير أمر موسى إليه، يقوم لنفسه بعدهما على شرط أبيهما في صدقاته التي تصدق بها، وذلك يوم الأحد لثلاث ليال خلون من ذي الحجة سنة عشرين ومائتين.
وكتب أحمد بن أبي خالد شهادته بخطه، وشهد الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام - وهو الجواني - على مثل شهادة أحمد بن أبي خالد في صدر هذا الكتاب، وكتب شهادته بيده، وشهد نصر الخادم وكتب شهادته بيده » (1) .
4 - وعن الصقر ابن أبي دلف قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا عليهماالسلام يقول: « إن الامام بعدي إبني علي، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والامام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه، ثم سكت، فقلت له: يا ابن رسول الله، فمن الامام بعد الحسن؟ فبكى عليهالسلام بكاءً شديداً، ثم قال: إن من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر. فقلت له: يا ابن رسول الله، لم سمي القائم؟ قال: لأنه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته. فقلت له: ولم سمي المنتظر؟ قال: لأن له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب فيها الوقاتون، ويهلك فيها
__________________
عبد الله والامام عليهالسلام ، ويحتمل التخفيف أيضاً. وقوله: (على شرط أبيهما) متعلق بيقوم في الموضعين. بحار الأنوار 50: 123.
(1) أصول الكافي 1: 325 / 3 باب الاشارة والنص على أبي الحسن الثالث عليهالسلام .
المستعجلون، وينجو فيها المسلّمون » (1) .
5 - وعن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه: « أن أبا جعفر عليهالسلام لما أراد الخروج من المدينة إلى العراق ومعاودتها، أجلس أبا الحسن عليهالسلام في حجره بعد النص عليه، وقال له: ما الذي تحب أن أهدي إليك من طرائف العراق؟ فقال عليهالسلام : سيفاً كأنه شعلة نار. ثم التفت إلى موسى ابنه وقال له: ما تحب أنت؟ فقال: فرساً. فقال عليهالسلام : أشبهني أبو الحسن، وأشبه هذا أمه » (2) .
6 - وعن أحمد بن هلال، عن أمية بن علي القيسي، قال: « قلت لأبي جعفر الثاني عليهالسلام : من الخلف من بعدك؟ قال: ابني علي » (3) .
وعنه، قال: « أخبرني محمد بن إسماعيل بن بزيع أنه حضر أمية بن علي وهو يسأل أبا جعفر الثاني عليهالسلام عن ذلك، فأجاب بمثل ذلك الجواب » (4) .
نقل الاجماع على امامة أبي الحسن الهادي عليهالسلام جملة من أعلام الامامية المعروفين ومنهم:
1 - قال الشيخ المفيد بعد ايراده النص على أبي الحسن عليهالسلام من أبيه: والأخبار في هذه الباب كثيرة جداً، إن عملنا على إثباتها طال بها الكتاب، وفي إجماع العصابة على إمامة أبي الحسن عليهالسلام وعدم من يدعيها سواه في وقته ممن
__________________
(1) إكمال الدين: 378 / 3 باب 36.
(2) عيون المعجزات: 119، بحار الأنوار 50: 123 / 5.
(3) كفاية الأثر: 280.
(4) كفاية الأثر: 280.
يلتبس الأمر فيه، غنىً عن إيراد الأخبار بالنصوص على التفصيل (1) .
وقال في موضع آخر: ثم ثبتت الامامية القائلون بإمامة أبي جعفر عليهالسلام بأسرها على القول بامامة أبي الحسن علي بن محمد من بعد أبيه عليهماالسلام ونقل النص عليه إلا فرقة قليلة العدد شذوا عن جماعتهم، فقالوا بإمامة موسى بن محمد أخي أبي الحسن علي بن محمد عليهماالسلام ، ثم إنهم لم يثبتوا على هذا القول إلا قليلاً حتى رجعوا إلى الحق ودانوا بإمامة علي بن محمد عليهماالسلام ورفضوا القول بإمامة موسى بن محمد، وأقاموا جميعاً على إمامة أبي الحسن عليهالسلام (2) .
2 - وقال ابن شهرآشوب: رواة النص على إمامة أبي الحسن علي بن محمد النقي عليهالسلام جماعة منهم: إسماعيل بن مهران، وأبو جعفر الأشعري، والخيراني، والدليل على إمامته إجماع الامامية على ذلك وطريق النصوص والعصمة، والطريقان المختلفان من العامة والخاصة من نص النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم على إمامة الاثني عشر، وطريق الشيعة النصوص على إمامته عليهالسلام عن آبائه عليهمالسلام (3) .
وهناك شهادات نوردها وان كنا في غنى عنها، لكون أغلبها وارد عن مخالفي مذهب أهل البيت عليهمالسلام ، ولكننا نعتقد أنها تؤكد شهرة النص حتى عند المخالفين، سيما وأنها توكد امامته عليهالسلام وكونه أحد الأئمة أو عاشرهم. وفيما يلي نذكر بعضها.
1 - قال الذهبي: علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن
__________________
(1) الارشاد 2: 300.
(2) الفصول المختارة: 317.
(3) المناقب / ابن شهرآشوب 4: 402.
زين العابدين، السيد الشريف، أبو الحسن العلوي الحسيني الفقيه، أحد الاثني عشر، وتلقبه الامامية الهادي (1) .
2 - وقال ابن حجر الهيتمي: علي العسكري، سمي بذلك لأنه لما وجه المتوكل لاشخاصه من المدينة المنورة إلى سر من رأى، أسكنه بها، وكانت تسمى العسكر، فعرف بالعسكري، وكان وارث أبيه علماً وسخاء... (2) .
3 - ويقول ابن العماد الحنبلي: أبو الحسن علي بن الجواد محمد بن الرضا علي بن الكاظم موسى بن جعفر الصادق العلوي الحسيني المعروف بالهادي، كان فقيهاً إماماً متعبداً، وهو أحد الأئمّة الاثني عشر (3) .
4 - وقال اليافعي: أبو الحسن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا ابن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني، عاش أربعين سنة، وكان متعبداً فقيهاً إماماً (4) .
5 - وقال الخطيب البغدادي: علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن الهاشمي، أشخصه جعفر المتوكل على الله من مدينة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى بغداد ثم إلى سر من رأى، فقدمها وأقام بها عشرين سنة وتسعة اشهر إلى ان توفي ودفن بها في أيام المعتز بالله، وهو أحد من يعتقد الشيعة والامامية فيه (5)، ويعرف بأبي الحسن العسكري (6) .
__________________
(1) تاريخ الاسلام / الذهبي: 218 وفيات سنة 251 - 260.
(2) الصواعق المحرقة: 207.
(3) شذرات الذهب 2: 128.
(4) مرآة الجنان 2: 119.
(5) الظاهر: الامامة فيه، بلا حرف العطف.
(6) تاريخ بغداد 12: 56 / 6440.
6 - وقال السمعاني: أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بالعسكري، من عسكر سر من رأى، أشخصه جعفر المتوكل على الله من مدينة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى بغداد، ثم إلى سر من رأى، فقدمها وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر، إلى أن توفي بها في أيام المعتز بالله، وهو أحد من يعتقد الشيعة فيه الامامية (1)، ويعرف بأبي الحسن العسكري (2) .
7 - وقال خير الدين الزركلي: أبو الحسن العسكري، علي الملقب بالهادي ابن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر الحسيني الطالبي، عاشر الأئمّة الاثني عشر عند الامامية، وأحد الأتقياء الصلحاء (3) .
8 - وأذعن أبو عبد الله الجنيدي بأن الامام الهادي عليهالسلام أعلم منه، وأنه تعلم منه ضروباً من العلم، وأنه خير أهل الأرض، وأنه يحفظ القرآن من أوله إلى آخره ويعلم تأويله وتنزيله، والجنيدي هو الذي عهد إليه عمر بن الفرج الرخجي أن يعلم الامام عليهالسلام بأمر المعتصم، وكان معروفاً بعداء أهل البيت عليهمالسلام ، فذهل من حدّة ذكاء الامام عليهالسلام وغزارة علمه مع كون الامام عليهالسلام صبياً لم يبلغ الثامنة، الأمر الذي جعل الجنيدي ينتهي عن النصب والعداء لأهل البيت عليهمالسلام ، ويدين بالولاء لهم ويعتقد بالامامة ويهتدي إلى سواء السبيل (4) .
* * *
__________________
(1) الظاهر: الامامة.
(2) الأنساب 4: 194.
(3) الأعلام 5: 140.
(4) إثبات الوصية / المسعودي: 222.
الفصل الخامس
مكارم أخلاقه ومنزلته عليه السلام
يتحلّى أئمة أهل البيت عليهمالسلام بصفات الكمال ومعالي الأخلاق التي ميزت شخصياتهم العظيمة عن سائر من عاصرهم في العبادة والعلم والحلم والزهد والكرم والشجاعة وغيرها من مظاهر العظمة، ذلك لأنّهم استوحوا من جدهم المصطفى صلىاللهعليهوآله رساليته وروحانيته وأخلاقيته، وتجسدت فيهم شخصيته، فكانوا اختصارا لجميع عناصرها الأخلاقية والروحية والانسانية، وصاروا رمزا للفضيلة والمروءة وقدوةً صالحة للانسانية.
ولقد أوتي الامام الهادي عليهالسلام كسائر آبائه الطاهرين من الفضائل ومكارم الأخلاق مالم يؤت أحد من معاصريه، فلم ير مثله في عبادته وتهجّده وطاعته لربه، فضلاً عن زهده وتقواه وحسن سيرته وعلمه الجم وحكمته وبلاغته.
قال الشاعر:
ولست أحصي مكرمات الهادي |
فإنها في العدّ كالأعداد (1) |
من هنا نال الامام عليهالسلام إعجاب كبار العلماء والمؤرخين ممن عاصره وغيرهم، على اختلاف نزعاتهم وميولهم، فأشادوا بشخصيته الفذة وصفاته الرفيعة وسجاياه الحميدة ومعالي أخلاقه وتفوقه على سائر المعاصرين له.
__________________
(1) الأنوار القدسية / الشيخ محمد حسين الأصفهاني: 101.
وشهد له عليهالسلام من رجال البلاط وزير المعتمد عبيداللّه بن يحيى بن خاقان ت 263 هـ الذي وصفه بالفضل والنبل والجزالة لابنه أحمد بن عبيداللّه، وكان قد سأله عن الامام العسكري عليهالسلام ، فقال له: « يا أبه من الرجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الاجلال والكرامة والتبجيل وفديته بنفسك وأبيك؟ فقال عبيداللّه بن خاقان: يابني ذاك إمام الرافضة، ذاك الحسن بن علي المعروف بابن الرضا. فسكت ساعة، ثم قال:... ولو رأيت أباه رأيت رجلاً جزلاً نبيلاً فاضلاً » (1) .
وذكر ابن أبي الحديد عن أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ت 255 هـ في تعداد صفاته وصفات آبائه المعصومين عليهمالسلام قوله: من الذي يعدّ من قريش أو من غيرهم ما يعدّه الطالبيون عشرة في نسق، كل واحد منهم عالم زاهد ناسك شجاع جواد طاهر زاكٍ؟ فمنهم خلفاء، ومنهم مرشّحون: ابن ابن ابن ابن، هكذا إلى عشرة، وهم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي عليهمالسلام ، وهذا لم يتّفق لبيتٍ من بيوت العرب ولا من بيوت العجم » (2) .
وقال ابن شهرآشوب: كان عليهالسلام أطيب الناس مهجة، وأصدقهم لهجة، وأملحهم من قريب، وأكملهم من بعيد، إذا صمت عليه هيبة الوقار، وإذا تكلم عليه سيماء البهاء، وهو من بيت الرسالة والامامة، ومقر الوصية والخلافة، شعبة من دوحة النبوة منتضاة مرتضاة، وثمرة من شجرة الرسالة مجتناة
__________________
(1) اصول الكافي1: 504 / 1 باب مولد أبي محمد الحسن بن علي عليهالسلام من كتاب الحجة، إكمال الدين: 42 مقدمة المؤلف، الارشاد2: 322، روضة الواعظين: 250، إعلام الورى 2: 147.
(2) شرح نهج البلاغة 15: 278.
مجتباة (1) .
وقال الشيخ علي بن عيسى الاربلي: إذا قال بذّ الفصحاء، وحير البلغاء، وأسكت العلماء، إن جاد بخل الغيث، وإن صال جبن الليث، وإن فخر أذعن كل مساجل، وسلم إليه كل مناضل، وأقر لشرفه كل شريف،... وإن ذكرت العلوم فهو موضح إشكالها، وفارس جلادها وجدالها، وابن نجدتها وصاحب أقوالها، واطلاع نجادها وناصب أعلام عقالها (2) .
ولسنا نريد من خلال كلمات هؤلاء الأعلام أن ندخل في تقييم الإمام عليهالسلام لمجرد أنهم شهدوا له، لأنّه عليهالسلام يختصّ من موقع إمامته بالدرجة الرفيعة عند اللّه، ويتمتّع بملكات قدسية في جميع جوانب المعرفة والروحانية والصلاح والخلق الرفيع، وهي التي جعلت هؤلاء العلماء وآخرين غيرهم يذعنون لعظم شخصيته ويظهرون له الإكبار والاحترام والثناء.
من هنا نأتي إلى ذكر نبذة من معالي الفضيلة وعناصر العظمة والملكات القدسية والخصال الروحانية التي تحلى بها الامام الهادي عليهالسلام من العلم والعبادة والزهد والكرم والشجاعة وغيرها من مناقبه الفذّة وخصاله الفريدة التي ورثها عن آبائه المعصومين وكما يلي:
بدت على الامام الهادي عليهالسلام مظاهر العلم والمعرفة منذ حداثة سنه، فقد تميز كأبيه بالإمامة المبكرة، لأنه أسند إليه منصب الامامة بكل ما تتطلبه من علم كامل بالشريعة وأحكامها وهو في سن الثامنة من عمره الشريف، وتلك
__________________
(1) المناقب 4: 401.
(2) كشف الغمة 3: 164.
ظاهرة نلاحظها لأول مرّة في تاريخ أهل البيت عليهمالسلام متمثلة بالامام الجواد وثانياً بولده الامام الهادي عليهماالسلام ، وهو أمر لا يصدق على سائر الناس، ولا يقع في دائرة الإمكان الا أن يكون المعني محاطاً بالعناية الالهية وواقعاً ضمن دائرة الاصطفاء الالهي الذي جعل عيسى بن مريم عليهماالسلام يتكلم في المهد ويتولى مهام النبوة وهو في السابعة من عمره، وجعلت يحيى بن زكريا عليهماالسلام نبياً وهو في بواكير الصبا.
روى الصفار بالاسناد عن علي بن محمد النوفلي، قال: « سمعت أبا الحسن العسكري عليهالسلام يقول: اسم الله الأعظم ثلاثة وسبعون حرفاً، وإنما كان عند آصف حرف واحد فتكلم به فانخرقت له الأرض فيما بينه وبين سبأ، فتناول عرش بلقيس حتى صيره إلى سليمان عليهالسلام ، ثم انبسطت له الأرض في أقل من طرفة عين، وعندنا منه اثنان وسبعون حرفاً، وحرف واحد عند الله تعالى مستأثر به في علم الغيب » (1) .
وكان الامام الهادي عليهالسلام أبرز المعاصرين له في العلم والمعرفة والتقوى والعبادة والوجاهة والقيادة والريادة، ولقد تسالم العلماء والفقهاء على الرجوع إلى رأيه المشرق في المسائل المعقدة والغامضة من أحكام الشريعة الاسلامية ومسائل العقائد المختلفة، حتى ان المتوكل العباسي وهو ألدّ أعدائه كان يرجع إلى رأي الامام عليهالسلام في المسائل التي اختلف فيها علماء عصره، مقدماً رأيه عليهالسلام على آرائهم، وكانوا يرجعون إليه في كل معضلة، ويلجأون إليه في كل مأزق، وأمرهم في ذلك مشتهر حتى أذعن سائر العلماء المعاصرين له ممن ناظرهم بتفوقه العلمي، ولو رأوا أدنى قصور في ذلك لأظهروه سيما وان من حوله يحاولون الكيد له ويتربّصون به وبأصحابه، ولذلك شواهد كثيرة تدل
__________________
(1) بصائر الدرجات: 231 / 3.
بمجموعها على أنه عليهالسلام كان أعلم أهل زمانه وأرجحهم كفة بلا خلاف.
ذكر الرواة بوادر كثيرة من ذكائه، كان منها أن المعتصم بعد شهادة الامام الجواد عليهالسلام عهد إلى عمر بن الفرج الرخجي أن يشخص إلى يثرب ليختار معلماً لأبي الحسن الهادي عليهالسلام ، وقد عهد إليه أن يكون المعلم معروفاً بالنصب والانحراف عن أهل البيت عليهمالسلام ليميل به عن نهجهم حسب اعتقاده، فاختار أبا عبد الله الجنيدي الذي وقف ذاهلاً أمام نبوغه وتفوقه، حيث كان يملي على المعلم بما فيه استفاده له، وأذعن المعلم بأنه يتعلم منه ولا يعلمه كما يظن الناس، وانه عليهالسلام خير أهل الأرض وأفضل من خلق الله تعالى، وأخيراً قال بإمامته وعرف الحق وقال به.
روى المسعودي بإسناده عن الحميري، عن محمد بن سعيد مولى لولد جعفر بن محمد، قال: « قدم عمر بن الفرج الرخجي المدينة حاجاً بعد مضي أبي جعفر الجواد عليهالسلام فأحضر جماعة من أهل المدينة والمخالفين المعادين لأهل بيت رسول الله عليهمالسلام ، فقال لهم: ابغوا لي رجلاً من أهل الأدب والقرآن والعلم، لا يوالي أهل هذا البيت، لأضمّه إلى هذا الغلام وأوكله بتعليمه، وأتقدم إليه بأن يمنع منه الرافضة الذين يقصدونه. فأسموا له رجلاً من أهل الأدب يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالجنيدي، وكان متقدماً عند أهل المدينة في الأدب والفهم، ظاهر الغضب والعداوة.
فأحضره عمر بن الفرج وأسنى له الجاري من مال السلطان، وتقدم إليه بما أراد، وعرفه أن السلطان أمره باختيار مثله وتوكيله بهذا الغلام، قال: فكان الجنيدي يلزم أبا الحسن عليهالسلام في القصر بصريا، فإذا كان الليل أغلق الباب
وأقفله، وأخذ المفاتيح إليه، فمكث على هذا مدة، وانقطعت الشيعة عنه وعن الاستماع منه والقراءة عليه.
ثم إني لقيته في يوم جمعة فسلمت عليه، وقلت له: ما حال هذا الغلام الهاشمي الذي تؤدبه؟ فقال منكراً علي: تقول الغلام ولا تقول الشيخ الهاشمي! أنشدك الله هل تعلم بالمدينة أعلم مني؟ قلت: لا. قال: فإني والله أذكر له الحزب من الأدب أظن أني قد بالغت فيه، فيملي علي بما فيه أستفيده منه، ويظن الناس أني أعلمه وأنا والله أتعلم منه.
قال: فتجاوزت عن كلامه هذا كأني ما سمعته منه، ثم لقيته بعد ذلك، فسلمت عليه، وسألته عن خبره وحاله، ثم قلت: ما حال الفتى الهاشمي؟ فقال لي: دع هذا القول عنك، هذا والله خير أهل الأرض، وأفضل من خلق الله تعالى، وإنه لربما همّ بالدخول فأقول له: تنظر حتى تقرأ عشرك. فيقول لي: أي السور تحب أن أقرأها ؟ وأنا أذكر له من السور الطوال ما لم يبلغ إليه، فيهذّها بقراءة لم أسمع أصح منها من أحد قط، بأطيب من مزامير داود النبي التي بها من قراءته يضرب المثل.
قال: ثم قال: هذا مات أبوه بالعراق وهو صغير بالمدينة، ونشأ بين هذه الجواري السود، فمن أين علم هذا؟ قال: ثم ما مرت به الأيام والليالي حتى لقيته فوجدته قد قال بإمامته وعرف الحق وقال به » (1) .
قال الشاعر:
حار فيه فكر الجنيدي مذ |
شاهد فيه ما حير الأفكارا |
|
جاء يملي له العلوم صغيراً |
فإذا بالصغار تهدي الكبارا (2) |
__________________
(1) إثبات الوصية / المسعودي: 222.
(2) الذخائر / اليعقوبي: 63.
ان أهم صفات الامامة بعد ثبوت النص على الامام، هي السبق في العلم والحكمة، لكونها ضرورة لازمة في الامام لأجل أن يكون أهلاً لهذه المنزلة، وكفؤاً لهذه المسؤولية، وقطباً تلتف حوله الناس، وتطمئن إلى سبقه في العلم والحكمة والمعرفة، وقدرته الفائقة في مواجهة ما تبتلى به الاُمّة والدولة، فلا يحتاج إلى غيره ممن هم محتاجون إلى إمام يهديهم ويرشدهم، اذ لا يصح أن يلتف الناس حول رجل ويسلمون إليه قيادهم، وهم يجدون من هو أعلم منه أو أرجح فهماً وحكمةً ومعرفةً في شؤون الدين والدنيا، وهذه الناحية تكاد تكون بديهية لازمت جميع الأنبياء والأوصياء بين أقوامهم، وهي أشد ما تكون بروزاً وظهوراً في حياة خاتم الأنبياء وأوصيائه عليهمالسلام .
روى الشيخ الصدوق بالاسناد عن أحمد بن علي الأنصاري، عن الحسن ابن الجهم، قال: « حضرت مجلس المأمون يوماً وعنده علي بن موسى الرضا عليهالسلام ، وقد اجتمع الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة، فسأله بعضهم فقال له: يا بن رسول الله، بأي شيء تصحّ الامامة لمدعيها؟ قال: بالنص والدليل. قال له: فدلالة الامام فيما هي؟ قال: في العلم واستجابة الدعوة.... » (1) .
وهكذا كان أئمة الهدى عليهمالسلام ، فلم يعرف عن أحدهم أنه تلكأ يوماً في مسألة، أو أفحمه أحد في حجة، بل كان سبقهم نوعاً من الاعجاز، وأظهر ما يكون ذلك مع الامام محمد الجواد وولده الامام الهادي عليهماالسلام ، فقد أوتيا العلم والحكمة وفصل الخطاب ولما يبلغا الحلم، وسبقا علماء ومتكلمي عصرهما،
__________________
(1) عيون أخبار الرضا / الشيخ الصدوق 1: 216.
وشهدوا لهما بالفضل والتقدم والسبق.
وللامام الهادي جملة احتجاجات ومناظرات وأجوبة على مسائل شتى ناظر وأجاب خلالها كثيراً من المناوئين وغيرهم، باسلوب هادئ متين مدعم بالحجة والمنطق والبرهان الساطع، ولم يجتمع إليه أحد من أولئك المناظرين إلا وأذعن بتفوقه العلمي وسبقه المعرفي، وفيما يلي نورد بعض الروايات الدالة على غزارة علمه وتفوقه ورجحان كفته.
في شرح شافية أبي فراس، قال: ومما نقل أن قيصر ملك الروم كتب إلى خليفة من خلفاء بني العباس كتاباً يذكر فيه: إنا وجدنا في الانجيل أنه من قرأ سورة خالية من سبعة أحرف حرّم الله تعالى جسده على النار. وهي: الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء، فإنا طلبنا هذه السورة في التوراة فلم نجدها، وطلبناها في الزبور فلم نجدها، فهل تجدونها في كتبكم؟
فجمع الخليفة العلماء وسألهم في ذلك، فلم يجب منهم أحد عن ذلك إلا النقي علي بن محمد بن الرضا عليهالسلام ، فقال: إنها سورة الحمد، فإنها خالية من هذه السبعة أحرف. فقيل: الحكمة في ذلك أن الثاء من الثبور، والجيم من الجحيم، والخاء من الخيبة، والزاي من الزقوم، والشين من الشقاوة، والظاء من الظلمة، والفاء من الفرقة أو من الآفة. فلما وصل إلى قيصر وقرأه فرح بذلك فرحاً شديداً، وأسلم لوقته، ومات على الاسلام، والحمد لله رب العالمين (1) .
روى السمعاني والخطيب البغدادي بالاسناد عن الحسين بن يحيى، قال:
__________________
(1) شرح شافية أبي فراس / ابن أمير الحاج: 563.
« اعتل المتوكل في أول خلافته، فقال: لئن برئت لأتصدقن بدنانير كثيرة، فلما برئ جمع الفقهاء فسألهم عن ذلك فاختلفوا، فبعث إلى علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر، فسأله فقال: يتصدق بثلاث وثمانين ديناراً. فعجب قوم من ذلك، وتعصب قوم عليه وقالوا: تسأله يا أمير المؤمنين من أين له هذا؟ فرد الرسول إليه، فقال له: قل لأمير المؤمنين: في هذا الوفاء بالنذر، لأن الله تعالى قال: « لقد نصركم الله في مواطن كثيرة » (1) . فروى أهلنا جميعاً أن المواطن في الوقائع والسرايا والغزوات كانت ثلاثة وثمانين موطناً، وأن يوم حنين كان الرابع والثمانين، وكلما زاد أمير المؤمنين في فعل الخير كان أنفع له وأجرى (2) عليه في الدنيا والآخرة » (3) .
عن كتاب الاستدراك: « نادى المتوكل يوماً كاتباً نصرانياً: أبا نوح، فأنكروا كنى الكتابيين، فاستفتى فاختلف عليه، فبعث إلى أبي الحسن عليهالسلام ، فوقع عليهالسلام : ( بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) (4)، فعلم المتوكل أنه يحل ذلك، لأن الله قد كنى الكافر » (5) .
روى الخطيب البغدادي بالاسناد عن محمد بن يحيى المعاذي، قال: « قال
__________________
(1) سورة التوبة: 9 / 24.
(2) في تاريخ بغداد: وآجر.
(3) تاريخ بغداد 12: 57 / 6440، الأنساب / السمعاني 4: 194.
(4) سورة المسد: 111 / 1.
(5) بحار الأنوار 10: 391 / 4.
يحيى بن أكثم في مجلس الواثق والفقهاء بحضرته: من حلق رأس آدم حين حج؟ فتعايى القوم عن الجواب. فقال الواثق: أنا احضركم من ينبئكم بالخبر، فبعث إلى علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب فأحضر. فقال: يا أبا الحسن، من حلق رأس آدم؟ فقال: سألتك بالله يا أمير المؤمنين الا أعفيتني . قال: أقسمت عليك لتقولن. قال: اما إذا أبيت فان أبي حدثني عن جدي عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : أُمر جبريل أن ينزل بياقوتة من الجنة، فهبط بها، فمسح بها رأس آدم، فتناثر الشعر منه، فحيث بلغ نورها صار حرماً » (1) .
روى الطبرسي بإسناده عن جعفر بن رزق الله، قال: « قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فقال يحيى ابن أكثم: قد هدم إيمانه شركه وفعله. وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا، فأمر المتوكل بالكتابة إلى أبي الحسن العسكري عليهالسلام وسؤاله عن ذلك، فلما قرأ الكتاب كتب عليهالسلام : يضرب حتى يموت . فأنكر يحيى وأنكر فقهاء العسكر ذلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين، سله عن ذلك، فإنه شيء لم ينطق به كتاب ولم تجيء به سنة. فكتب إليه: إن الفقهاء قد أنكروا هذا، وقالوا: لم تجيء به سنة ولم ينطق به كتاب، فبين لنا لم أوجبت عليه الضرب حتى يموت؟ فكتب عليهالسلام : ( بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّـهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴿84﴾ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا )
__________________
(1) تاريخ بغداد 12: 56 / 6440.
الآية (1)، فأمر به المتوكل فضرب حتى مات » (2) .
طلب المتوكل من يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت أن يتقدم الى الامام عليهالسلام بمسائل غامضة معقدة، لعله لا يهتدي لجوابها، فيتخذها وسيلة للتشهير به، فأملى الامام عليهالسلام على ابن السكيت أجوبة تلك المسائل الدقيقة، مسقطاً ما في يد المتوكل مفوتاً الفرصة عليه، معرباً عن طاقاته العلمية الهائلة. ورفع يحيى بن أكثم أسئلة إلى الامام عليهالسلام ، وكان قد أعدها من قبل للامتحان، وندد بابن السكيت وبإمكانيته في المناظرة، فأخذ الامام عليهالسلام أسئلة ابن أكثم فأجاب عنها أملاءً على ابن السكيت.
قال ابن شهرآشوب: « قال المتوكل لابن السكيت: اسأل ابن الرضا مسألة عوصاء بحضرتي، فسأله فقال: لم بعث الله موسى عليهالسلام بالعصا، وبعث عيسى عليهالسلام بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وبعث محمداً صلىاللهعليهوآلهوسلم بالقرآن والسيف؟
فقال أبو الحسن عليهالسلام : بعث الله موسى عليهالسلام بالعصا واليد البيضاء في زمان الغالب على أهله السحر، فأتاهم من ذلك ما قهر سحرهم وبهرهم وأثبت الحجة عليهم، وبعث عيسى عليهالسلام بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله في زمان الغالب على أهله الطب، فأتاهم من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله فقهرهم وبهرهم، وبعث محمداً صلىاللهعليهوآلهوسلم بالقرآن والسيف في زمان الغالب على أهله السيف والشعر، فأتاهم من القرآن
__________________
(1) سورة غافر: 40 / 84 - 85.
(2) الاحتجاج: 258.
الزاهر والسيف القاهر ما بهر به شعرهم وقهر سيفهم وأثبت الحجة عليهم.
فقال ابن السكيت: فما الحجة الآن؟ قال: العقل، يعرف به الكاذب على الله فيكذب.
فقال يحيى بن أكثم: ما لابن السكيت ومناظراته، وإنما هو صاحب نحو وشعر ولغة، ورفع قرطاساً فيه مسائل، فأملى علي بن محمد عليهالسلام على ابن السكيت جوابها ». وأورد بعدها مسائل ابن أكثم وأجوبتها (1) .
روي أن المسائل الآتية رفعها ابن أكثم الى الامام عليهالسلام مباشرة في مجلس ضمّه مع المتوكل وابن السكيت، وان الامام عليهالسلام أملى أجوبة تلك المسائل الى ابن السكيت (2) .
وروي أن ابن أكثم تقدم بتلك المسائل الى السيد موسى المبرقع أخي الامام الهادي عليهالسلام ، ورفعها موسى الى الامام عليهالسلام لعدم معرفته بها، ومهما يكن الأمر فأننا نعرض المسائل وأجوبتها لأهميتها في معرفة سبق الامام عليهالسلام وتفوقه في العلم.
ففي رواية عن موسى بن محمد بن الرضا عليهماالسلام قال: « لقيت يحيى بن أكثم في دار العامة، فسألني عن مسائل، فجئت إلى أخي علي بن محمد، فدار بيني وبينه من المواعظ ما حملني وبصرني طاعته، فقلت له: جعلت فداك، إن ابن أكثم كتب يسألني عن مسائل لأفتيه فيها؛ فضحك، ثم قال: فهل أفتيته؟ قلت: لا لم أعرفها.
__________________
(1) المناقب / ابن شهر آشوب 4: 403.
(2) المناقب / ابن شهر آشوب 4: 403.
قال عليهالسلام : وما هي؟ قلت: كتب يسألني عن قول الله: ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) (1) نبي الله كان محتاجاً إلى علم آصف؟
وعن قوله: ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ) (2) سجد يعقوب وولده ليوسف وهم أنبياء؟
وعن قوله: ( فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ ) (3) من المخاطب بالآية؟ فإن كان المخاطب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فقد شك، وإن كان المخاطب غيره فعلى من إذا أنزل الكتاب؟
وعن قوله: ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّـهِ ) (4) ما هذه الأبحر، وأين هي؟
وعن قوله: ( وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ) (5) فاشتهت نفس آدم عليهالسلام أكل البُرّ فأكل وأطعم، وفيها ما تشتهي الأنفس، فكيف عوقب؟
وعن قوله: ( أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ) (6) يزوج الله عباده الذكران، وقد عاقب قوماً فعلوا ذلك؟
وعن شهادة المرأة جازت وحدها، وقد قال الله: ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ
__________________
(1) سورة النمل: 27 / 40.
(2) سورة يوسف: 12 / 100.
(3) سورة يونس: 10 / 94.
(4) سورة لقمان: 31 / 27.
(5) سورة الزخرف: 43 / 71.
(6) سورة الشورى: 42 / 50.
مِّنكُمْ ) (1) ؟
وعن الخنثى وقول علي عليهالسلام : يورث من المال. فمن ينظر إذا بال إليه؟ مع أنه عسى أن يكون امرأة وقد نظر إليه الرجال، أو عسى أن يكون رجلاً وقد نظرت إليه النساء، وهذا ما لا يحل، وشهادة الجار إلى نفسه لا تقبل.
وعن رجل أتى إلى قطيع غنم، فرأى الراعي ينزو على شاة منها، فلما أبصر بصاحبها خلى سبيلها، فدخلت بين الغنم، كيف تذبح، وهل يجوز أكلها أم لا؟
وعن صلاة الفجر لم يجهر فيها بالقراءة وهي من صلاة النهار، وإنما يجهر في صلاة الليل؟
وعن قول علي عليهالسلام لابن جرموز: بشر قاتل ابن صفية بالنار. فلم يقتله وهو إمام؟
وأخبرني عن علي عليهالسلام لم قتل أهل صفين، وأمر بذلك مقبلين ومدبرين، وأجاز على الجرحى، وكان حكمه يوم الجمل أنه لم يقتل مولياً، ولم يجز على جريح، ولم يأمر بذلك، وقال: من دخل داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، لم فعل ذلك؟ فإن كان الحكم الأول صواباً فالثاني خطأ.
وأخبرني عن رجل أقر باللواط على نفسه أيحدّ، أم يدرأ عنه الحد؟
قال عليهالسلام : اكتب إليه . قلت: وما أكتب؟ قال عليهالسلام : اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، وأنت - فألهمك الله الرشد - أتاني كتابك، فامتحنتنا به من تعنتك لتجد إلى الطعن سبيلاً إن قصرنا فيها، والله يكافيك على نيتك،
__________________
(1) سورة الطلاق: 65 / 2.
وقد شرحنا مسائلك، فأصغ إليها سمعك، وذلل لها فهمك، واشغل بها قلبك، فقد لزمتك الحجة والسلام.
سألت عن قول الله جل وعز: « قال الذي عنده علم من الكتاب » فهو آصف بن برخيا، ولم يعجز سليمان عليهالسلام عن معرفة ما عرف آصف، لكنه صلوات الله عليه أحب أن يعرف أمته من الجن والانس أنه الحجة من بعده، وذلك من علم سليمان عليهالسلام أودعه عند آصف بأمر الله، ففهمه ذلك لئلا يختلف عليه في إمامته ودلالته، كما فهم سليمان عليهالسلام في حياة داود عليهالسلام لتعرف نبوته وإمامته من بعده لتؤكد الحجة على الخلق.
وأما سجود يعقوب عليهالسلام وولده فكان طاعة لله ومحبة ليوسف عليهالسلام ، كما أن السجود من الملائكة لآدم عليهالسلام لم يكن لآدم عليهالسلام ، وإنما كان ذلك طاعة لله ومحبة منهم لآدم عليهالسلام ، فسجود يعقوب عليهالسلام وولده ويوسف عليهالسلام معهم كان شكراً لله باجتماع شملهم، ألم تره يقول في شكره ذلك الوقت: ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ) (1) إلى آخر الآية.
وأما قوله: « فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب » فإن المخاطب به رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم يكن فى شك مما أنزل إليه، ولكن قالت الجهلة: كيف لم يبعث الله نبياً من الملائكة، إذ لم يفرق بين نبيه وبيننا في الاستغناء عن المآكل والمشارب والمشي في الأسواق، فأوحى الله إلى نبيه: « فاسأل الذين يقرؤون الكتاب » بمحضر الجهلة، هل بعث الله رسولاً قبلك إلا وهو يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ولك بهم أسوة، وإنما قال: « فإن كنت في شك » ولم يكن شك ولكن للنصفة، كما
__________________
(1) سورة يوسف: 12 / 101.
قال: ( تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّـهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (1)، ولو قال: عليكم، لم يجيبوا إلى المباهلة، وقد علم الله أن نبيه يؤدي عنه رسالاته، وما هو من الكاذبين، فكذلك عرف النبي أنه صادق في ما يقول، ولكن أحب أن ينصف من نفسه.
وأما قوله: ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّـهِ ) فهو كذلك، لو أن أشجار الدنيا أقلام والبحر يمده سبعة أبحر وانفجرت الأرض عيوناً، لنفدت قبل أن تنفد كلمات الله، وهي: عين الكبريت، وعين التمر (2)، وعين برهوت، وعين طبرية، وحمة (3) ماسبذان (4)، وحمة إفريقية، تدعى لسنان (5)، وعين بحرون (6)، ونحن كلمات الله التي لا تنفد ولا تدرك فضائلنا.
وأما الجنة فإن فيها من المآكل والمشارب والملاهي ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وأباح الله ذلك كله لآدم عليهالسلام ، والشجرة التي نهى الله عنها آدم عليهالسلام وزوجته أن يأكلا منها شجرة الحسد، عهد إليهما أن لا ينظرا إلى من فضل الله على خلائقه بعين الحسد، فنسى ونظر بعين الحسد، ولم يجد له عزماً.
__________________
(1) سورة آل عمران: 3 / 61.
(2) في المناقب: عين اليمن.
(3) الحمة: العين الحارة.
(4) في المناقب: ماسيدان.
(5) في المناقب: بسيلان.
(6) في المناقب: باحوران.
وأما قوله: ( أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ) أي يولد له ذكور، ويولد له إناث، يقال لكل اثنين مقرنين زوجان، كل واحد منهما زوج، ومعاذ الله أن يكون عنى الجليل ما لبست به على نفسك تطلب الرخص لارتكاب المآثم ( وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴿68﴾ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) (1) إن لم يتب.
وأما شهادة المرأة وحدها التي جازت، فهى القابلة، جازت شهادتها مع الرضا، فإن لم يكن رضا فلا أقل من امرأتين تقوم المرأتان بدل الرجل للضرورة، لأن الرجل لا يمكنه أن يقوم مقامها، فإن كانت وحدها قبل قولها مع يمينها.
وأما قول علي عليهالسلام في الخنثى فهي كما قال: ينظر قوم عدول يأخذ كل واحد منهم مرآة، وتقوم الخنثى خلفهم عريانة، وينظرون في المرايا، فيرون الشبح فيحكمون عليه.
وأما الرجل الناظر إلى الراعي وقد نزا على شاة، فإن عرفها ذبحها وأحرقها، وإن لم يعرفها قسم الغنم نصفين، وساهم بينهما، فإذا وقع على أحد النصفين فقد نجا النصف الآخر، ثم يفرق النصف الآخر، فلا يزال كذلك حتى تبقى شاتان، فيقرع بينهما، فأيتها وقع السهم بها ذبحت وأحرقت، ونجا سائر الغنم.
وأما صلاة الفجر، فالجهر فيها بالقراءة، لأن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يغلس بها فقراءتها من الليل.
وأما قول علي عليهالسلام : بشر قاتل ابن صفية بالنار، فهو لقول رسول
__________________
(1) سورة الفرقان: 25 / 68 و 69.
الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان ممن خرج يوم النهروان، فلم يقتله أمير المؤمنين عليهالسلام بالبصرة، لأنه علم أنه يقتل في فتنة النهروان.
وأما قولك: إن علياً عليهالسلام قتل أهل صفين مقبلين ومدبرين، وأجاز على جريحهم، وإنه يوم الجمل لم يتبع مولياً، ولم يجز على جريح، ومن ألقى سلاحه آمنه، ومن دخل داره آمنه، فإن أهل الجمل قتل إمامهم، ولم تكن لهم فئة يرجعون إليها، وإنما رجع القوم إلى منازلهم غير محاربين ولا مخالفين ولا منابذين، رضوا بالكف عنهم، فكان الحكم فيهم رفع السيف عنهم، والكف عن أذاهم، إذ لم يطلبوا عليه أعواناً، وأهل صفين كانوا يرجعون إلى فئة مستعدة وإمام يجمع لهم السلاح: الدروع والرماح والسيوف، ويسني لهم العطاء، ويهيئ لهم الأنزال، ويعود مريضهم، ويجبر كسيرهم، ويداوي جريحهم، ويحمل راجلهم، ويكسو حاسرهم، ويردهم فيرجعون إلى محاربتهم وقتالهم، فلم يساو بين الفريقين في الحكم، لما عرف من الحكم في قتال أهل التوحيد، لكنه شرح ذلك لهم، فمن رغب عرض على السيف، أو يتوب من ذلك.
وأما الرجل الذي اعترف باللواط، فإنه لم تقم عليه بينة، وإنما تطوع بالاقرار من نفسه، وإذا كان للامام الذي من الله أن يعاقب عن الله، كان له أن يمن عن الله، أما سمعت قول الله: ( هَـٰذَا عَطَاؤُنَا ) (1) الآية.
قد أنبأناك بجميع ما سألتنا عنه، فاعلم ذلك، والحمد لله رب العالمين » (2) .
__________________
(1) سورة صآ: 38 / 39.
(2) الاختصاص / الشيخ المفيد: 91، تحف العقول / الحراني: 476، المناقب / ابن شهر آشوب 4: 404.
كان الامام الهادي عليهالسلام يسير على نهج آبائه المعصومين عليهمالسلام في التوجّه إلى اللّه تعالى والانقطاع إليه، فقد كان يحيي الأيام بالصيام والصلاة وتلاوة القرآن رغم شدة الظروف المحيطة به.
قال القطب الراوندي: وأما علي بن محمد الهادي عليهالسلام فقد اجتمعت فيه خصال الامامة، وتكامل فضله وعلمه وخصاله الخيرة، وكانت أخلاقه كلها خارقة للعادة كأخلاق آبائه عليهمالسلام ، وكان بالليل مقبلاً على القبلة لا يفتر ساعة، وعليه جبة صوف وسجادته على حصير (1) .
فحينما أمر المتوكل بتفتيش داره في سامراء، اقتحم سعيد الحاجب دار الامام فوجد عليه جبة صوف وقلنسوة منها، وسجادته على حصير بين يديه، وهو مقبل على القبلة (2)، وفي مرة أخرى دوهمت دار الامام في الليل غفلة من قبل جند المتوكل الأتراك، فوجدوه في بيت وحده مغلق عليه، وعليه مدرعة من شعر، ولابساط في البيت إلا الرمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة من الصوف متوجها إلى ربه، يترنّم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد (3) .
__________________
(1) الأنوار البهية / عباس القمي: 246.
(2) اصول الكافي 1: 499 / 4 باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهالسلام من كتاب الحجة، الارشاد 2: 303، الخرائج والجرائح 1: 676 / 8.
(3) مروج الذهب 4: 367 - 368، تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي 322، البداية والنهاية 11: 15، وفيات الأعيان / ابن خلكان 3: 272، الأئمّة الاثنا عشر / ابن طولون: 107.
وورد في سيرة الامام الهادي عليهالسلام أنه لم يترك نافلة من النوافل المستحبة وصلوات التطوع إلا أتى بها، وكان عليهالسلام يقرأ في الركعة الثالثة من نافلة المغرب سورة الحمد وأول سورة الحديد إلى قوله تعالى: ( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) ، ويقرأ في الركعة الرابعة سورة الحمد وآخر سورة الحشر، ونسبت إليه صلاة نافلة كان عليهالسلام يصلي فيها ركعتين، يقرأ في الاولى الفاتحة ويـس، وفي الثانية سورة الفاتحة والرحمن (1) .
وأُثرت عنه عليهالسلام أذكار وقنوتات وتعقيبات طويلة ومفعمة بمعاني التوحيد وشتى دروس العقيدة، يدعو بها في الصلاة، فكان عليهالسلام يعقب بدعاء طويل بعد صلاة الفجر ولا ينام، ويدعو عقيب صلاة العصر بدعاء طويل آخر، وروي عنه دعاء الفرج عند شدة البلاء وظهور الأعداء، وأدعية أُخرى في أغراض شتى، ومناجاة يناجي بها ربه في غلس الليل بقلب خاشع ونفس مطمئنة (2) .
وكان يقول في تسبيحه: سبحان من هو دائم لا يسهو، سبحان من هو قائم لا يلهو، سبحان من هو غني لا يفتقر، سبحان الله وبحمده (3) .
وكان يستجير بالحائر الحسيني اذا ألمّ به مرض أو تعرض لشدة ويبعث أحد مواليه ليدعو له، وحين سئل عن ذلك قال عليهالسلام : « كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أفضل من البيت والحجر، وكان يطوف بالبيت ويستلم الحجر، وإن لله بقاعاً يحبّ أن يدعى فيها فيستجيب لمن دعاه، والحائر منها » (4) .
__________________
(1) راجع: وسائل الشيعة 6: 64 / 7357 و 8: 185 / 10374.
(2) مهج الدعوات: 60 و 61 و 271، البلد الأمين: 60، مصباح المتهجد: 556.
(3) بحار الأنوار 94: 207 / 3.
(4) كامل الزيارات: 287 / 1 باب 90.
وكان عليهالسلام حين يسجد سجدة الشكر يفترش ذراعيه ويلصق جؤجؤه وبطنه بالأرض، وحين سئل عن ذلك قال: « كذا نحبّ » (1) .
الزهد والورع من المظاهر البارزة في سيرة الامام الهادي عليهالسلام ، مثله في ذلك مثل آبائه المعصومين عليهمالسلام ، فكان عليهالسلام مثالاً للزهد والاعراض عن زخارف الدنيا وحطامها، والرغبة فيما أعدّه اللّه له في دار الخلود من النعيم والكرامة.
ولم يحفل بمظاهر الحياة الفانية ونعيمها الزائل ومتعها الزائفة، بل اتجه إلى الله تعالى ورغب فيما أعده له في دار الخلود من النعيم والكرامة، وآثر طاعة الله تعالى على كل شيء.
نقل ابن أبي الحديد عن المفاخرة بين بني هاشم وبني أمية للجاحظ، قال: وأين أنتم عن علي بن محمد الرضا، لابس الصوف طول عمره مع سعة أمواله وكثرة ضياعه وغلاته (2) .
وداهمت قوات السلطة العباسية في زمان المتوكل داره عليهالسلام في المدينة المنورة، ففتشوها فلم يجدوا فيها شيئاً من متاع الدنيا وزخرفها.
قال يحيى بن هرثمة، وهو الموكل بإشخاص الامام عليهالسلام من المدينة إلى سامراء بأمر المتوكل: كان ملازماً للمسجد، ولم يكن عنده ميل إلى الدنيا، وقد فتشت منزله فلم أجد فيه إلا مصاحف وأدعية وكتب العلم (3) .
وفي سامراء اقتحم داره ليلاً جماعة من الأتراك من جند المتوكل، فوجدوه
__________________
(1) الكافي3: 324 / 15 كتاب الصلاة باب25، التهذيب2: 85 / 312 / 80 باب8. وفيه: كذا يجب.
(2) شرح ابن أبي الحديد 15: 273.
(3) تذكرة الخواص: 322، مروج الذهب 4: 422.
في بيت مغلق عليه، وعليه مدرعة من صوف، وهو جالس على الرمل والحصى، ليس تحته فراش، وهو متوجه إلى الله تعالى يتلو آيات من القرآن (1) .
عرف الإمام الهادي عليهالسلام بالسماحة والبذل والعطاء، وهي خصلة بارزة في سيرته وسيرة آبائه المعصومين عليهمالسلام ، فقد كان عليهالسلام من أندى الناس كفا وأسمحهم يداً، وكان له دور بارز في تحمل الديون عن ذوي الحاجة، والانفاق والبذل لسدّ حاجة ذوي الفاقة من أبناء المجتمع الاسلامي، وقد روى المؤرخون بوادر كثيرة تدل على بره وإحسانه إلى البائسين والمحرومين، وكان من بين من شملهم بره واحسانه أبو عمرو عثمان بن سعيد، وعلي بن جعفر الهمداني، وأحمد بن إسحاق الأشعري وكان عليه دين، ورجل من أعراب الكوفة قد ركبه دين فادح أثقل حمله، وأبو هاشم الجعفري الذي أصابته ضيقة شديدة (2) .
ومن مظاهر كرمه وبذله وصلته ذوي القربى ما رواه إسحاق الجلاب، قال: اشتريت لأبي الحسن الهادي عليهالسلام غنماً كثيرة يوم التروية، فقسمها عليهالسلام في أقاربه (3) .
قال الشاعر:
يا أيهذا الرائح الغادي |
عرج على سيدنا الهادي |
__________________
(1) مروج الذهب 4: 367 - 368، تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي 322، البداية والنهاية 11: 15، وفيات الأعيان / ابن خلكان 3: 272.
(2) راجع: المناقب / ابن شهر آشوب 4: 409، كشف الغمة 3: 166، بحار الأنوار 50: 129 / 7 و 132 / 14.
(3) بحار الأنوار 50: 132 / 14.
يفوق في المعروف صوب الحيا |
الساري بإبراق وإرعاد |
|
في البأس يردي شأفة المعتدي |
بصولة كالأسد العادي |
|
وفي الندى يجري إلى غاية |
بنفس مولى العرف معتاد |
|
يعفو عن الجاني ويعطي المنى |
في حالتي وعد وإيعاد |
|
كأن ما يحويه من ماله |
دراهم في كفّ نقّاد |
|
مبارك الطلعة ميمونها |
وماجد من نسل أمجاد |
|
من معشر شادوا بناه العلى |
كبيرهم والناشي الشادي |
|
كأنما جودهم واقف |
لمبتغى الجود بمرصاد |
|
عمت عطاياهم وإحسانهم |
طلاع أغوار وأنجاد (1) |
ضرب الامام الهادي عليهالسلام أمثلة واضحة في العفو والصفح عن المسيئين، ومقابلة الاساءة بالاحسان، والصبر على كيد الأعداء والمناوئين، ويكفي مثالاً على سعة حلمه موقفه من بريحة عامل المتوكل على المدينة الذي كان يقصد الامام عليهالسلام بالاساءة والوشاية والتهديد، ومع ذلك فإنه عليهالسلام قابل ذلك بالعفو وكظم الغيظ.
ذكر المسعودي أن أبا الحسن عليهالسلام حين توجه الى العراق، وصار في بعض الطريق، قال له بريحة: قد علمت وقوفك على أني كنت السبب في حملك، وعليَّ حلف بأيمان مغلظة لئن شكوتني إلى أمير المؤمنين أو إلى أحد من خاصّته وأبنائه، لأجمرنّ عيون ضيعتك، ولأفعلن وأصنعن.
__________________
(1) كشف الغمة / الشيخ علي بن عيسى الاربلي 3: 190.
فالتفت إليه أبو الحسن عليهالسلام فقال له: « إن أقرب عَرضي إياك على اللّه البارحة، وما كنت لأعرضنك عليه ثم لأشكونك إلى غيره من خلقه . فانكبّ عليه بريحة وضرع إليه واستعفاه. فقال له: قد عفوت عنك » (1) . وهكذا تجد بريحة لا يعبأ بشكوى الامام الى الله سبحانه، ويتهدده اذا هو اشتكى عند المتوكل، ورغم ذلك تجد الامام عليهالسلام يعفو عنه ويسامحه رغم دوره السيئ في الوشاية والافتراء على الامام عليهالسلام ، وهذا هو خلق أهل البيت عليهمالسلام وسماحتهم لمن ساء إليهم.
روى ثقة الاسلام الشيخ الكليني بالاسناد عن أبي هاشم الجعفري، قال: « دخلت على أبي الحسن صاحب العسكر عليهالسلام ، فجاء صبي من صبيانه فناوله وردة، فقبّلها ووضعها على عينيه ثم ناولنيها، وقال عليهالسلام : يا أبا هاشم، من تناول وردة أو ريحانة فقبلها ووضعها على عينيه، ثم صلى على محمد وآل محمد، كتب الله له الحسنات مثل رمل عالج، ومحا عنه من السيئات مثل ذلك » (2) .
حظي الإمام الهادي عليهالسلام بمنزلة رفيعة ومكانة اجتماعية مرموقة، تتمثّل بوافرٍ من التعظيم الذي يكنّه له غالب من عاصره، ولو استعرضنا ما نقله كتّاب سيرته عليهالسلام يتبيّن لنا سموّ مكانته في المجتمع الاسلامي آنذاك، وأنّ أعداءه
__________________
(1) إثبات الوصية: 233.
(2) الكافي 6: 525 / 5 كتاب الزي والتجمل باب 63.
وأصدقاءه أجمعوا على تعظيمه وتقديره وإكباره.
وتلك المنزلة لم تكن مفروضة بقوة السلاح وصولة السلطان، ولا هي وليدة التعاطف الجماهيري العفوي مع الإمام عليهالسلام ، بل هي هيبة حقيقية ومنزلة واقعية ناشئة من إحسانه إلى الناس ورعاية اُمورهم، وطاعته لله تعالى وزهده في الدنيا واجتماع الملكات الروحانية ومقومات الصلاح والخلق الرفيع، ممّا جعله في موقع محبة الناس كلهم.
ومن مصاديق تلك المنزلة أنه عندما أرسل المتوكل يحيى بن هرثمة إلى المدينة لاشخاص الامام الهادي عليهالسلام إلى سامراء، فدخل المدينة، ضجّ أهلها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله خوفاً على الامام عليهالسلام ، قال يحيى: وقامت الدنيا على ساق، لأنه كان محسناً إليهم ملازماً للمسجد، ولم يكن عنده ميل إلى الدنيا (1) .
وهذا يدلّ على الموقع الذي يشغله الإمام عليهالسلام في نفوس الناس وكسب ثقتهم ومحبتهم على اختلاف توجهاتهم، لذلك هرعوا في مظاهرة احتجاجية صاخبة خوفا على حياة إمامهم عليهالسلام من بطش المتوكل الذي يعرفون توجهاته وممارساته.
وتتجلّى مظاهر التعظيم أيضا في تشوّق الناس من أهالي بغداد إلى الإمام عليهالسلام واجتماعهم لرؤيته وهو في طريقه الى سامراء، مما اضطر آمر الركب إلى دخول البلد ومغادرته في الليل، فقد جاء في التاريخ أنه لما كان في موضع يقال له الياسرية نزل هناك، وركب والي بغداد إسحاق بن إبراهيم الطاهري لتلقيه، فرأى تشوق الناس إليه واجتماعهم لرؤيته، فأقام إلى الليل، ودخل به
__________________
(1) تذكرة الخواص: 322، مروج الذهب 4: 422.
في الليل، فأقام ببغداد بعض تلك الليلة ثم نفذ إلى سرّ من رأى (1) .
وامتدت محبة الإمام عليهالسلام وتعظيمه خلال تلك الرحلة إلى حاشية المتوكل وعماله، فقد تأثّر ابن هرثمة بهيبة الإمام عليهالسلام وعظم في عينه، فتولّى خدمته بنفسه وأحسن عشرته، وتلقاه اسحاق بن إبراهيم الطاهري وأوصى به ابن هرثمة، وحذّر وصيف التركي يحيى قائلاً: واللّه لئن سقط منه شعره لايطالب بها سواك (2) .
وفرض الامام عليهالسلام هيبته حتى على رجال البلاط من وزراء وأولاد خلفاء وغيرهم، فبلغ من عظيم هيبة الناس له أنه كان إذا دخل على المتوكل لا يبقى أحد في القصر إلا تسابق إلى خدمته في رفع الستائر وفتح الأبواب، ولا يكلفونه بشيء من ذلك (3) .
وعن سعيد بن سهل البصري الملقب بالملاح، قال: حدث لبعض أولاد الخلفاء وليمة، فدعانا مع أبي الحسن عليهالسلام فدخلنا، فلما رأوه أنصتوا إجلالاً له (4) .
وعن أبي يعقوب، قال: رأيت أبا الحسن عليهالسلام مع أحمد بن الخصيب يتسايران، وقد قصّر أبو الحسن عليهالسلام عنه، فقال له ابن الخصيب: سر جعلت فداك (5) .
ومن رجال السلطة الذين تأثروا بهيبة الامام عليهالسلام سعيد الصغير الحاجب الذي أمره أن يكبس دارالامام عليهالسلام ، فوجده يصلي، فلما انفتل من صلاته أقبل
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 484.
(2) تذكرة الخواص: 322، مروج الذهب 4: 422 نحوه.
(3) مناقب ابن شهرآشوب 4: 406.
(4) المناقب / ابن شهرآشوب 4: 414، الثاقب في المناقب: 537.
(5) الارشاد 2: 306.
عليه وقال: « يا سعيد، لا يكفّ عني جعفر حتى يقطع إرباً! اذهب واعزب »، قال سعيد: فخرجت مرعوباً، ودخلني من هيبته ما لا أحسن أن أصفه... » (1) .
وتأثر بهيبة الامام عليهالسلام حتى الخزر الذين أحضرهم الفتح بن خاقان بأمر المتوكل، وأمرهم أن يقتلوه، فلما بصر به الخزر خروا سجداً مذعنين، ورمى المتوكل بنفسه من السرير إليه، وانكب عليه يقبّل بين عينيه، وهو يقول: ما جاء بك يا سيدي في هذا الوقت؟ قال: جاءني رسولك. فقال المتوكل: كذب ابن الفاعلة، ارجع يا سيدي من حيث جئت. فلما خرج أبو الحسن عليهالسلام دعا المتوكل الخزر، ثم أمر الترجمان أن يخبره بما يقولون، ثم قال لهم: لِمَ لا تفعلوا ما أمرتكم به؟ قالوا: لشدة هيبته (2) .
ومن عظيم هيبته عليهالسلام أن جميع السادة العلويين والطالبيين وغيرهم من المعاصرين له، قد أجمعوا على تعظيمه وتقديمه والترجل له والاعتراف له بالزعامة والفضل مع كونهم من المشايخ الكبار والسادة المقدمين، أمثال عم أبيه زيد بن الامام موسى بن جعفر عليهماالسلام .
روى ابن جمهور عن سعيد بن عيسى، قال: « رفع زيد بن موسى إلى عمر ابن الفرج مراراً يسأله أن يقدمه على ابن أخيه، ويقول: إنه حدث وأنا عم أبيه. فقال عمر ذلك لأبي الحسن عليهالسلام ، فقال عليهالسلام : إفعل واحدة، أقعدني غداً قبله، ثم انظر. فلما كان من الغد أحضر عمر أبا الحسن عليهالسلام فجلس في صدر المجلس، ثم أذن لزيد بن موسى فدخل فجلس بين يدي أبي الحسن عليهالسلام ، فلما كان يوم
__________________
(1) الثاقب في المناقب: 539.
(2) الثاقب في المناقب: 556، الخرائج والجرائح 1: 417 / 21، كشف الغمة 3: 185.
الخميس أذن لزيد بن موسى قبله فجلس في صدر المجلس، ثم أذن لأبي الحسن عليهالسلام فدخل فلما رآه زيد قام من مجلسه وأقعده في مجلسه، وجلس بين يديه » (1) .
وعن محمد بن الحسن الأشتر العلوي الحسيني، قال: كنت مع أبي علي باب المتوكل، وأنا صبي، في جمع من الناس في ما بين طالبي إلى عباسي إلى جعفري إلى غير ذلك، إذ جاء أبو الحسن علي بن محمد عليهماالسلام ، فترجل الناس كلهم، حتى دخل فقال بعضهم لبعض: لم نترجل لهذا الغلام؟ فما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا سناً ولا بأعلمنا! فقالوا: والله لا ترجلنا له. فقال أبو هاشم الجعفري: والله لتترجلن له على صغره إذا رأيتموه. فما هو إلا أن طلع وبصروا به حتى ترجل له الناس كلهم، فقال لهم أبو هاشم: ألستم زعمتم أنكم لا تترجلون له؟ فقالوا: ما ملكنا أنفسنا حتى ترجلنا » (2) .
وشاهده رجل من اصفهان يقال له عبد الرحمن، أخرجه أهل اصفهان مع قوم آخرين إلى باب المتوكل متظلمين، فكان بباب المتوكل يوماً إذ خرج الأمر بإحضارالامام عليهالسلام ، قال عبد الرحمن: فأقبل راكباً على فرس، وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرته صفين ينظرون إليه، فلما رأيته وقع حبه في قلبي فجعلت أدعو له في نفسي بأن يدفع الله عنه شر المتوكل، فأقبل يسير بين الناس وهو ينظر إلى عرف دابته لا ينظر يمنة ولا يسرة، قال: فارتعدت من هيبته ووقعت بين أصحابي (3) .
__________________
(1) المناقب / ابن شهر آشوب 4: 401، اعلام الورى 2: 125.
(2) المناقب / ابن شهرآشوب 4: 407، الخرائج والجرائح 2: 675 / 7، الثاقب في المناقب: 542.
(3) الخرائج والجرائح 1: 392.
ومن مظاهر تعظيم الامام عليهالسلام من قبل سائر الناس أنه لما أقيمت الصلاة عليه بعد استشهاده عليهالسلام كثر الناس واجتمعوا وكثر بكاؤهم وضجتهم، فرد النعش إلى داره فدفن فيها (1) .
وامتدت آثار هيبته عليهالسلام إلى البهائم والطير، كما ورد في أخبار كثيرة، وليس ذلك ببعيد عن المؤمن المخلص، فكيف إذا كان إماما معصوما وحجةً على الخلق؟
فقد جاء في الحديث عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: « المؤمن يخشع له كلّ شيء، ويهابه كلّ شيء » وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا كان مخلصا أخاف اللّه منه كلّ شيء حتى هوام الأرض والسباع وطير الهواء » (2) .
عن أبي هاشم الجعفري، قال: « أنه كان للمتوكل مجلس بشبابيك كيما تدور الشمس في حيطانه، قد جعل فيها الطيور التي تصوت، فإذا كان يوم السلام جلس في ذلك المجلس، فلا يسمع ما يقال له، ولا يسمع ما يقول، لاختلاف أصوات تلك الطيور، فإذا وافاه علي بن محمد بن الرضا عليهمالسلام سكتت الطيور، فلا يسمع منها صوت واحد إلى أن يخرج، فإذا خرج من باب المجلس عادت الطيور في أصواتها. قال: وكان عنده عدة من القوابج في الحيطان، فكان يجلس في مجلس له عال، ويرسل تلك القوابج تقتتل وهو ينظر إليها ويضحك منها، فإذا وافى علي بن محمد عليهالسلام ذلك المجلس لصقت القوابج بالحيطان فلا تتحرك عن مواضعها حتى ينصرف، فإذا انصرف عادت في القتال » (3) .
* * *
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 503.
(2) الدعوات / الراوندي: 227.
(3) بحار الأنوار 50: 148 / 34.
الفصل السادس
عطاؤه العلمي
سجل الإمام الهادي عليهالسلام رصيداً علمياً وعطاءً معرفياً واسعاً، حيث واصل نشاط مدرسة آبائه المعصومين عليهمالسلام من حيث المنهج والمصدر والمادة، ومهّد لمدرسة الفقهاء والمحدثين من أصحابه التي سارت على خطاها حتى اكتملت في زمان ولده الامام العسكري عليهالسلام ، فكان للإمام الهادي عليهالسلام دور كبير في إغناء تلك المدرسة ورفدها بروح الشريعة الغراء وسنة المصطفى السمحاء، فقد نسبت إليه كثيراً من الآثار في هذا الاتجاه، كما أعدّ جيلاً من الجماعة الصالحة أسهموا في رفد المكتبة الشيعية بمصادر يستقى منها العلم ومناهل تؤخذ منها المعرفة، وتصدى الإمام عليهالسلام لبعض الفرق التي رفعت راية الدعوات المنحرفة والشبهات الباطلة التي تموج بها الساحة الاسلامية آنذاك وبيّن زيفها وبطلانها، فأسهم في إنقاذ الفكر الاسلامي من حالة الضلال والانحراف. وفيما يلي نقف عند بعض العطاءات العلمية للإمام الهادي عليهالسلام في المباحث التالية:
ترك الامام الهادي عليهالسلام بحوثاً كلامية وعقائدية عديدة انبرى فيهالخدمة مبادئ الاسلام الحقة والدفاع عن أصوله ونشر فروعه ودفع شبهات المخالفين وأهل البدع والأهواء، انطلاقاً من مسؤوليته الرسالية في الدفاع عن العقيدة
الإسلامية المقدسة ومبادئها السامية ومكافحة الكفر والالحاد، ونحاول هنا إثارة بعض الكلمات التي وردت عن الإمام الهادي عليهالسلام في شؤون العقيدة والكلام، وما يتصل بذلك من ردود على بعض الفرق الضالة والأفكار المنحرفة، وكما يلي:
يختلف الرأي في الذات الإلهية بين طائفتين من المسلمين وهم المشبهة والمعطلة، فيضفي المُشبّهة أو المجسمة الصفات البشرية على الذات الإلهية، ويعتقدون أن له تعالى ما للإنسان من لحم ودم وعظم وشعر ورأس وعين، وأنه ينتقل من مكان إلى مكان، وما الى ذلك من صفات الانسان.
ويذهب المُعطّلة إلى استحالة معرفة اللّه تعالى على العقول وإلى تعطيل العقول عن المعرفة إلاّ بقدر ما يظهر من النصوص الشرعية.
والاتجاه المقابل لهذين الاتجاهين المتعاكسين، هو ما دعا إليه أهل البيت عليهمالسلام ويقوم على أساس نفي التشبيه والتجسيم والتعطيل جميعاً، والقول إن الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء، خارج عن الحدين؛ حد الابطال، وحد التشبيه، وإنه ليس بجسم ولا صورة، ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجسم الأجسام ومصور الصور وخالق الاعراض والجواهر، رب كل شيء ومالكه وجاعله ومحدثه، وفيما يلي نستعرض بعض الروايات الواردة عن الإمام الهادي عليهالسلام في هذا الاتجاه:
عن حمزة بن محمد، قال: « كتبت إلى أبي الحسن عليهالسلام أسأله عن الجسم
والصورة، فكتب عليهالسلام : سبحان من ليس كمثله شيء، لا جسم ولا صورة » (1) .
وعن إبراهيم بن محمد الهمداني، قال: كتبت إلى الرجل عليهالسلام : ان من قبلنا من مواليك قد اختلفوا في التوحيد، فمنهم من يقول جسم، ومنهم من يقول صورة؟ فكتب عليهالسلام بخطه: سبحان من لا يحدّ ولا يوصف، ليس كمثله شيء وهو السميع العليم » (2) .
وعن محمد بن الفرج الرخجي، قال: كتبت إلى أبي الحسن عليهالسلام أسأله عما قال هشام بن الحكم في الجسم، وهشام بن سالم في الصورة، فكتب عليهالسلام : دع عنك حيرة الحيران، واستعذ بالله من الشيطان، ليس القول ما قال الهشامان » (3) .
وعن الصقر بن أبي دلف، قال: « سألت أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا عليهمالسلام عن التوحيد، وقلت له: إني أقول بقول هشام بن الحكم، فغضب ثم قال عليهالسلام : ما لكم ولقول هشام، إنه ليس منا من زعم أن الله جسم، نحن منه براء في الدنيا والآخرة. يا بن دلف، إن الجسم محدث، والله محدثه ومجسمه » (4) .
وعن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن الهادي عليهالسلام ، قال: « سألته عن أدنى المعرفة، فقال عليهالسلام : الاقرار بأنه لا إله غيره، ولا شبه له ولا نظير، وأنه قديم مثبت موجود غير فقيد، وأنه ليس كمثله شيء » (5) .
__________________
(1) التوحيد / الصدوق: 102 / 16.
(2) التوحيد / الصدوق: 100 / 9.
(3) الأمالي / الصدوق: 351 / 424 / 1 المجلس 47.
(4) الأمالي / الصدوق: 351 / 425 / 1 المجلس 47.
(5) التوحيد / الصدوق: 283 / 1.
وعن محمد بن عيسى، قال: « كتبت إلى أبي الحسن علي بن محمد عليهماالسلام : جعلني الله فداك يا سيدي، قد روي لنا أن الله في موضع دون موضع على العرش استوى، وأنه ينزل كل ليلة في النصف الأخير من الليل إلى السماء الدنيا، وروي أنه ينزل عشية عرفة ثم يرجع إلى موضعه. فقال بعض مواليك في ذلك: إذا كان في موضع دون موضع، فقد يلاقيه الهواء، ويتكنف عليه، والهواء جسم رقيق يتكنف علي كل شيء بقدره، فكيف يتكنف عليه جل ثناؤه على هذا المثال؟
فوقع عليهالسلام : « علم ذلك عنده، وهو المقدر له بما هو أحسن تقديراً، واعلم أنه إذا كان في السماء الدنيا فهو كما هو على العرش، والأشياء كلها له سواء علماً وقدرة وملكاً وإحاطة » (1) .
وعن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: « دخلت على سيدي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام ، فلما بصر بي قال لي: مرحبا بك يا أبا القاسم، أنت ولينا حقاً. قال: فقلت له: يا بن رسول الله، إني أريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضياً أثبت عليه حتى ألقى الله عز وجل. فقال عليهالسلام : هات يا أبا القاسم. فقلت: إني أقول: إن الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء، خارج عن الحدين؛ حد الابطال، وحد التشبيه، وإنه ليس بجسم ولا صورة، ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجسم الأجسام ومصور الصور وخالق الاعراض والجواهر، رب كل شيء ومالكه وجاعله ومحدثه... إلى أن قال: فقال علي بن محمد عليهالسلام : يا أبا القاسم، هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه، ثبتك الله
__________________
(1) اصول الكافي 1: 126 / 4 كتاب التوحيد باب 19.
بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة » (1) .
وعن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن عليهالسلام ، قال: سمعته يقول: وهو اللطيف الخبير، السميع البصير، الواحد الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، لو كان كما يقول المشبهة لم يعرف الخالق من المخلوق، ولا المنشئ من المنشأ، لكنه المنشئ، فرق بين من جسمه وصوره وأنشأه، إذ كان لا يشبهه شيء، ولا يشبه هو شيئاً.
قلت: أجل جعلني الله فداك، لكنك قلت: الأحد الصمد، وقلت: لا يشبهه شيء، والله واحد، والانسان واحد، أليس قد تشابهت الوحدانية؟
قال: يا فتح، أحلت ثبتك الله، إنما التشبيه في المعاني، فأما في الأسماء فهي واحدة، وهي دالة على المسمى، وذلك أن الانسان وإن قيل واحد فإنه يخبر أنه جثة واحدة، وليس باثنين، والانسان نفسه ليس بواحد، لأن أعضاءه مختلفة، وألوانه مختلفة غير واحدة، وهو أجزاء مجزأة ليست بسواء، دمه غير لحمه، ولحمه غير دمه، وعصبه غير عروقه، وشعره غير بشره، وسواده غير بياضه، وكذلك سائر جميع الخلق، فالانسان واحد في الاسم لا واحد في المعنى، والله جل جلاله هو واحد في المعنى لا واحد غيره، لا اختلاف فيه ولا تفاوت ولا زيادة ولا نقصان، فأما الانسان المخلوق المصنوع المؤلف من أجزاء مختلفة وجواهر شتى ففيه اختلاف وتفاوت وزيادة ونقصان غير أنه بالاجتماع شيء واحد.
قلت: جعلت فداك، فرجت عني فرج الله عنك، فقولك اللطيف الخبير فسّره لي كما فسرت الواحد، فإني أعلم أن لطفه على خلاف لطف خلقه
__________________
(1) إكمال الدين: 379 / 1 - باب 37، التوحيد: 81 / 37.
المفصل، غير أني أحب أن تشرح ذلك لي.
فقال: يا فتح، إنما قلنا اللطيف للخلق اللطيف، ولعلمه بالشيء اللطيف، أو لا ترى - وفقك الله وثبتك - إلى أثر صنعه في النبات اللطيف وغير اللطيف؟ ومن الخلق اللطيف، ومن الحيوان الصغار، ومن البعوض والجرجس، وما هو أصغر منها، ما لا يكاد تستبينه العيون، بل لا يكاد يستبان لصغره؛ الذكر من الانثى، والحدث المولود من القديم، فلما رأينا صغر ذلك في لطفه واهتدائه للسفاد، والهرب من الموت، والجمع لما يصلحه، وما في لجج البحار، وما في لحاء الأشجار والمفاوز والقفار، وإفهام بعضها عن بعض منطقها، وما تفهم به أولادها عنها، ونقلها الغذاء إليها، ثم تأليف ألوانها حمرة مع صفرة، وبياض مع حمرة، وإنه ما لا تكاد عيوننا تستبينه لدمامة خلقها، لا تراه عيوننا، ولا تلمسه أيدينا، علمنا أن خالق هذا الخلق لطيف، لطف بخلق ما سميناه بلا علاج ولا أداة ولا آلة، وأن كل صانع شيء فمن شيء صنع، والله الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع لا من شيء » (1) .
وأمر الامام الهادي عليهالسلام شيعته بمقاطعة المجسمة وعدم الصلاة خلفهم، روى الشيخ الصدوق بالاسناد عن علي بن محمد الهادي ومحمد بن علي الجواد عليهماالسلام ، قالا: « من قال بالجسم فلا تعطوه شيئاً من الزكاة، ولا تصلوا خلفه » (2) .
يذهب أهل الحديث والأشاعرة إلى إمكان روءية اللّه تعالى في الآخرة
__________________
(1) التوحيد / الصدوق: 185 / 1.
(2) من لايحضره الفقيه / الصدوق1: 379 / 1111، التوحيد / الصدوق: 101 / 11.
بالأبصار، ويرون أنّ اللّه تعالى يظهر للناس يوم القيامة كما يظهر البدر ليلة تمامه، واستظهروا ذلك من طائفة من آيات القرآن الكريم والروايات (1) .
وفي مقابل هذا الاتجاه يرى أئمّة أهل البيت عليهمالسلام استحالة روءية اللّه تعالى، وفسّروا الروايات والآيات التي استظهر منها أهل الحديث والأشاعرة إمكانية الروءية بمعانٍ مناسبة لفهم الآيات والروايات.
وفي هذا الاتجاه روى الشيخ الصدوق وثقة الاسلام الشيخ الكليني بالاسناد عن أحمد بن إسحاق، قال: « كتبت إلى أبي الحسن الثالث عليهالسلام أسأله عن الرؤية وما اختلف فيه الناس؟ فكتب: لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فإذا انقطع الهواء عن الرائي والمرئي لم تصح الرؤية، وكان في ذلك الاشتباه، لأن الرائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه، وكان في ذلك التشبيه، لأن الأسباب لا بد من اتصالها بالمسببات » (2) .
عن الفتح بن يزيد الجرجاني، قال: « ضمني وأبا الحسن الهادي عليهالسلام الطريق حين منصرفي من مكة إلى خراسان، وهو صائر إلى العراق، فسمعته وهو يقول: من اتقى الله يتقى، ومن أطاع الله يطاع.
قال: فتلطفت في الوصول إليه، فسلمت عليه، فرد علي السلام، وأمرني بالجلوس، وأول ما ابتدأني به أن قال: يا فتح، من أطاع الخالق لم يبال بسخط المخلوق، ومن أسخط الخالق، فأيقن أن يحل به الخالق سخط
__________________
(1) راجع الإبانة / الأشعري: 21، شرح التجريد / القوشجي: 334.
(2) التوحيد: 109 / 7، أصول الكافي 1: 97 / 4 كتاب التوحيد باب 9.
المخلوق، وإن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأنى يوصف الخالق الذي تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحده، والأبصار عن الاحاطة به، جل عما يصفه الواصفون، وتعالى عما ينعته الناعتون، نأى في قربه، وقرب في نأيه، فهو في نأيه قريب، وفي قربه بعيد، كيّف الكيف فلا يقال كيف، وأين الأين فلا يقال أين، إذ هو منقطع الكيفية والأينية، هو الواحد الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فجل جلاله... الحديث » (1) .
وعن سهل بن زياد، عن أبي الحسن علي بن محمد عليهمالسلام أنه قال: « إلهي تاهت أوهام المتوهمين، وقصر طرف الطارفين، وتلاشت أوصاف الواصفين، واضمحلت أقاويل المبطلين عن الدرك لعجيب شأنك، أو الوقوع بالبلوغ إلى علوك، فأنت في المكان الذي لا يتناهى، ولم تقع عليك عيون بإشارة ولا عبارة، هيهات ثم هيهات، يا أولي، يا وحداني، يا فرداني، شمخت في العلو بعز الكبر، وارتفعت من وراء كل غورة ونهاية بجبروت الفخر » (2) .
وعن أبي منصور الطبرسي، قال: « سئل أبو الحسن الهادي عليهالسلام عن التوحيد، فقيل له: لم يزل الله وحده لا شيء معه، ثم خلق الأشياء بديعاً، واختار لنفسه الأسماء، ولم تزل الأسماء والحروف له معه قديمة؟
فكتب عليهالسلام : لم يزل الله موجوداً، ثم كوّن ما أراد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، تاهت أوهام المتوهمين، وقصر طرف الطارفين، وتلاشت
__________________
(1) كشف الغمة 3: 179.
(2) التوحيد: 66 / 19.
أوصاف الواصفين، واضمحلت أقاويل المبطلين عن الدرك لعجيب شأنه، أو الوقوع بالبلوغ على علو مكانه، فهو بالموضع الذي لا يتناهى، وبالمكان الذي لم يقع عليه عيون بإشارة ولا عبارة، هيهات هيهات! » (1) .
عن أيوب بن نوح، قال: قال لي أبو الحسن العسكري عليهالسلام وأنا واقف بين يديه بالمدينة ابتداءً من غير مسألة: يا أيوب، إنه ما نبأ الله من نبي إلا بعد أن يأخذ عليه ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلا الله، وخلع الأنداد من دون الله، وأن لله المشيئة يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، أما إنه إذا جرى الاختلاف بينهم لم يزل الاختلاف بينهم إلى أن يقوم صاحب هذا الأمر » (2) .
عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن عليهالسلام قال: إن لله إرادتين ومشيئتين؛ إرادة حتم، وإرادة عزم، ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء. أما رأيت أنه نهى آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة، وشاء ذلك، ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالى، وأمر إبراهيم أن يذبح إسحاق، ولم يشأ أن يذبحه، ولو شاء لما غلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله تعالى » (3) .
عن معلى بن محمد، قال: « سئل عليهالسلام كيف علم الله تعالى؟
__________________
(1) الاحتجاج: 449.
(2) تفسير العياشي 2: 394 / 2235.
(3) اصول الكافي 1: 151 / 4.
قال عليهالسلام : علم وشاء وأراد وقدر وقضى، وأبدى فأمضى ما قضى، وقضى ما قدر، وقدر ما أراد، فبعلمه كانت المشية، وبمشيته كانت الارادة، وبإرادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الامضاء، فالعلم متقدم المشية، والمشية ثانية، والارادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالامضاء، فلله تبارك وتعالى البداء في ما علم متى شاء، وفي ما أراد لتقدير الأشياء، فإذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء، فالعلم بالمعلوم قبل كونه، والمشية في المنشأ قبل عينه، والارادة في المراد قبل قيامه، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عياناً وقياماً، والقضاء بالامضاء هو المبرم من المفعولات ذوات الأجسام المدركات بالحواس من ذي لون وريح ووزن وكيل، وما دبّ ودرج من إنس وجن وطير وسباع وغير ذلك مما يدرك بالحواس، فلله تبارك وتعالى فيه البداء مما لا عين له، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء، والله يفعل ما يشاء، وبالعلم علم الأشياء قبل كونها، وبالمشية عرف صفاتها وحدودها وأنشأها قبل إظهارها، وبالارادة ميز أنفسها في ألوانها وصفاتها وحدودها، وبالتقدير قدر أوقاتها وعرف أولها وآخرها، وبالقضاء أبان للناس أماكنها، ودلهم عليها، وبالامضاء شرح عللها، وأبان أمرها، وذلك تقدير العزيز العليم » (1) .
وعن أيوب بن نوح: « أنه كتب إلى أبي الحسن عليهالسلام يسأله عن الله عز وجل، أكان يعلم الأشياء قبل أن خلق الأشياء وكونها، أو لم يعلم ذلك حتى خلقها وأراد خلقها وتكوينها، فعلم ما خلق عندما خلق، وما كون عندما كون؟ فوقع عليهالسلام بخطه: لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء،
__________________
(1) التوحيد / الصدوق: 334 / 9.
كعلمه بالأشياء بعدما خلق الأشياء » (1) .
روى المسعودي بالاسناد عن أبي دعامة، قال: « أتيت علي بن محمد بن علي بن موسى عائداً في علته التي كانت وفاته منها في هذه السنة - وهي سنة 254 - فلما هممت بالانصراف قال لي: يا أبا دعامة، قد وجب حقك، أفلا أحدثك بحديث تسرّ به؟قال: فقلت له: ما أحوجني إلى ذلك يا بن رسول الله!
قال عليهالسلام : حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن موسى ابن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني محمد بن علي، قال: حدثني علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب عليهمالسلام قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : اكتب، قال: قلت: وما أكتب؟ قال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، الايمان ما وقرته القلوب، وصدقته الأعمال، والاسلام ما جرى به اللسان، وحلت به المناكحة .
قال أبو دعامة: فقلت: يا بن رسول الله، ما أدري والله أيهما أحسن، الحديث أم الاسناد؟ فقال عليهالسلام : إنها لصحيفة بخط علي بن أبي طالب عليهالسلام بإملاء رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم نتوارثها صاغراً عن كابر » (2) .
الجبر هو الاعتقاد بنسبة أفعال العباد إلى الله تعالى، ويقول المجبرة: ليس
__________________
(1) التوحيد / الصدوق: 145 / 13.
(2) مروج الذهب / المسعودي 4: 85.
لنا صنع، أي لسنا مخيرين في أفعالنا التي نفعلها، بل إننا مجبورون بإرادته ومشيئته تعالى، ويتبنى هذا الرأي الأشاعرة. والمفوضة يعتقدون أن الله سبحانه لا صنع له ولا دخل في أفعال العباد، سوى أنه خلقهم وأقدرهم، ثم فوض أمر أفعالهم إلى سلطانهم وإرادتهم، ولا دخل لأي إرادة أو سلطان عليهم، ويتبنى هذا الرأي المعتزلة. ويذهب أهل البيت عليهمالسلام مذهباً وسطاً بين الجبر والتفويض لا يتّصل بالجبر ولا بالتفويض، وهو الأمر بين الأمرين، أو المنزلة بين منزلتين.
قال الشيخ المفيد: « روي عن أبي الحسن الثالث عليهالسلام أنه سئل عن أفعال العباد، فقيل له: هل هي مخلوقة لله تعالى؟ فقال عليهالسلام : لو كان خالقاً لها لما تبرأ منها، وقد قال سبحانه: ( أَنَّ اللَّـهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْـرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) (1) ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم، وإنما تبرأ من شركهم وقبائحهم » (2) .
لعل أهم ما ورد عن الامام أبي الحسن الهادي عليهالسلام في هذا السياق رسالته عليهالسلام إلى أهل الأهواز التي تعرض فيها للرد على فكرة الجبر والتفويض، باعتبارها من المسائل التي اُثيرت بقوة في ذلك الوقت، بحيث كانت سبباً للاختلاف بين أصحابه عليهالسلام الى حدّ الفرقة والتقاطع والعداوة، فوضع الامام عليهالسلام النقاط على الحروف في هذه المسألة الحساسة، والرسالة طويلة نأخذ منهافيما يلي بعض ما يتعلق بالموضوع.
بيّن أولاً السبب الباعث لارسالها، فكتب: « بسم الله الرحمن الرحيم.
__________________
(1) سورة التوبة: 9 / 3.
(2) تصحيح الأعتقاد: 29.
من علي بن محمد: سلام عليكم وعلى من اتّبع الهدى ورحمة الله وبركاته، فإنه ورد على كتابكم، وفهمت ما ذكرتم من اختلافكم في دينكم، وخوضكم في القدر، ومقالة من يقول منكم بالجبر، ومن يقول بالتفويض، وتفرقكم في ذلك وتقاطعكم، وما ظهر من العداوة بينكم، ثم سألتموني عنه وبيانه لكم، وفهمت ذلك كله ».
ثم أنه عليهالسلام بيّن أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرق المسلمين، ولا اختلاف بينهم في تنزيله وتصديقه، وذكر شرط تلقي الأحاديث والأخبار بالقبول، وهو أنه إذا شهد القرآن بتصديق خبر وتحقيقه، لزم أفراد الاُمّة الاقرار به ضرورة لأنهم اجتمعوا في الأصل على تصديق الكتاب، فإن هم جحدوا وأنكروا لزمهم الخروج من الملة.
ثم ذكر حديث الثقلين باعتباره أول خبر ورد عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يعرف تحقيقه وتصديقه والتماس الشهادة عليه من الكتاب والسنة، لذلك صار الاقتداء بمثل هذه الأخبار فرضاً واجباً على كل مؤمن ومؤمنة، وبدلالة صحة حديث الثقلين وتلقيه بالقبول، يكون التصديق بالأخبار الواردة عن الصادقين عليهمالسلام ونقلها قوم ثقات معروفون فرضاً واجباً أيضاً.
ثم كتب عليهالسلام : « وإنما قدمنا هذا الشرح والبيان دليلاً على ما أردنا، وقوة لما نحن مبينوه من أمر الجبر والتفويض والمنزلة بين المنزلتين، وبالله العون والقوة، وعليه نتوكل في جميع أمورنا.
فإنا نبدأ من ذلك بقول الصادق عليهالسلام : لا جبر ولا تفويض، ولكن منزلة بين المنزلتين، وهي صحة الخلقة، وتخلية السرب، والمهلة في الوقت،
والزاد مثل الراحلة، والسبب المهيج للفاعل على فعله.
فهذه خمسة أشياء جمع بها الصادق عليهالسلام جوامع الفضل، فإذا نقص العبد منها خلة كان العمل عنه مطروحاً بحسبه، فأخبر الصادق عليهالسلام بأصل ما يجب على الناس من طلب معرفته، ونطق الكتاب بتصديقه، فشهد بذلك محكمات آيات رسوله، لأن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وآله عليهمالسلام لا يعدون شيئاً من قوله وأقاويلهم حدود القرآن، فإذا وردت حقائق الأخبار والتمست شواهدها من التنزيل، فوجد لها موافقاً وعليها دليلاً، كان الاقتداء بها فرضاً لا يتعداه إلا أهل العناد، كما ذكرنا في أول الكتاب.
ولما التمسنا تحقيق ما قاله الصادق عليهالسلام من المنزلة بين المنزلتين، وإنكاره الجبر والتفويض، وجدنا الكتاب قد شهد له، وصدق مقالته في هذا، وخبر عنه أيضاً موافق لهذا، أن الصادق عليهالسلام سئل: هل أجبر الله العباد على المعاصي؟ فقال الصادق عليهالسلام : هو أعدل من ذلك. فقيل له: فهل فوض إليهم؟ فقال عليهالسلام : هو أعز وأقهر لهم من ذلك.
وروي عنه أنه قال: الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أن الأمر مفوض إليه، فقد وهن الله في سلطانه فهو هالك، ورجل يزعم أن الله جل وعز أجبر العباد على المعاصي وكلفهم ما لا يطيقون، فقد ظلم الله في حكمه فهو هالك، ورجل يزعم أن الله كلف العباد ما يطيقون ولم يكلفهم ما لا يطيقون، فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله، فهذا مسلم بالغ.
فأخبر عليهالسلام أن من تقلد الجبر والتفويض ودان بهما، فهو على خلاف الحق. فقد شرحت الجبر الذي من دان به يلزمه الخطأ، وأن الذي يتقلد التفويض يلزمه الباطل، فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما.
ثم قال عليهالسلام : وأضرب لكل باب من هذه الأبواب مثلاً يقرب المعنى للطالب، ويسهل له البحث عن شرحه، تشهد به محكمات آيات الكتاب، وتحقق تصديقه عند ذوي الألباب، وبالله التوفيق والعصمة.
فأما الجبر الذي يلزم من دان به الخطأ، فهو قول من زعم أن الله جل وعز أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها، ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله في حكمه وكذبه ورد عليه قوله: ( وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) (1)، وقوله: ( ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّـهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ) (2)، وقوله: ( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (3) مع آي كثيرة في ذكر هذا.
فمن زعم أنه مجبر على المعاصي، فقد أحال بذنبه على الله، وقد ظلمه في عقوبته، ومن ظلم الله فقد كذب كتابه، ومن كذب كتابه فقد لزمه الكفر باجتماع الاُمّة.
ومثل ذلك مثل رجل ملك عبداً مملوكاً، لا يملك نفسه، ولا يملك عرضاً من عرض الدنيا، ويعلم مولاه ذلك منه، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها، ولم يملكه ثمن ما يأتيه به من حاجته، وعلم
__________________
(1) سورة الكهف: 18 / 49.
(2) سورة الحج: 22 / 10.
(3) سورة يونس: 10 / 44.
المالك أن على الحاجة رقيباً لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور، وأوعد عبده إن لم يأته بحاجته أن يعاقبه على علم منه بالرقيب الذي على حاجته أنه سيمنعه، وعلم أن المملوك لا يملك ثمنها ولم يملكه ذلك، فلما صار العبد إلى السوق، وجاء ليأخذ حاجته التي بعثه المولى لها، وجد عليها مانعاً يمنع منها إلا بشراء، وليس يملك العبد ثمنها، فانصرف إلى مولاه خائباً بغير قضاء حاجته، فاغتاظ مولاه من ذلك وعاقبه عليه، أليس يجب في عدله وحكمه أن لا يعاقبه، وهو يعلم أن عبده لا يملك عرضاً من عروض الدنيا، ولم يملكه ثمن حاجته، فإن عاقبه عاقبه ظالماً متعدياً عليه مبطلاً لما وصف من عدله وحكمته ونصفته، وإن لم يعاقبه كذب نفسه في وعيده إياه حين أوعده بالكذب والظلم اللذين ينفيان العدل والحكمة، تعالى عما يقولون علواً كبيراً.
فمن دان بالجبر أو بما يدعو إلى الجبر فقد ظلم الله، ونسبه إلى الجور والعدوان، إذ أوجب على من أجبره العقوبة، ومن زعم أن الله أجبر العباد فقد أوجب على قياس قوله إن الله يدفع عنهم العقوبة، ومن زعم أن الله يدفع عن أهل المعاصي العذاب، فقد كذب الله في وعيده حيث يقول: ( بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (1)، وقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) (2)، وقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ
__________________
(1) سورة البقرة: 2 / 81.
(2) سورة النساء: 4 / 10.
نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ) (1) مع آي كثيرة في هذا الفن ممن كذب وعيد الله. ويلزمه في تكذيبه آية من كتاب الله الكفر، وهو ممن قال الله: ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (2) .
بل نقول: إن الله جل وعز جازى العباد على أعمالهم، ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملكهم إياها، فأمرهم ونهاهم بذلك ونطق كتابه: ( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (3)، وقال جل ذكره ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ ) (4)، وقال: ( الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) (5) فهذه آيات محكمات تنفي الجبر ومن دان به، ومثلها في القرآن كثير، اختصرنا ذلك لئلا يطول الكتاب، وبالله التوفيق.
وأما التفويض الذي أبطله الصادق عليهالسلام وخطأ من دان به وتقلده، فهو قول القائل: إن الله جل ذكره فوض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم،
__________________
(1) سورة النساء: 4 / 56.
(2) سورة البقرة: 2 / 85.
(3) سورة الأنعام: 6 / 160.
(4) سورة آل عمران: 3 / 30.
(5) سورة غافر: 40 / 17.
وفي هذا كلام دقيق لمن يذهب إلى تحريره ودقته، وإلى هذا ذهبت الأئمّة المهتدية من عترة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنهم قالوا: لو فوض إليهم على جهة الاهمال لكان لازماً له رضا ما اختاروه، واستوجبوا منه الثواب ولم يكن عليهم فيما جنوه العقاب إذا كان الاهمال واقعاً.
وتنصرف هذه المقالة على معنيين: إما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة، كره ذلك أم أحب، فقد لزمه الوهن، أو يكون جل وعز عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي على إرادته كرهوا أو أحبوا، ففوض أمره ونهيه إليهم، وأجراهما على محبتهم، إذ عجز عن تعبدهم بإرادته، فجعل الاختيار إليهم في الكفر والايمان.
ومثل ذلك مثل رجل ملك عبداً ابتاعه ليخدمه، ويعرف له فضل ولايته، ويقف عند أمره ونهيه، وأدعى مالك العبد أنه قاهر عزيز حكيم، فأمر عبده ونهاه ووعده على اتباع أمره عظيم الثواب، وأوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه، ولم يقف عند أمره ونهيه، فأي أمر أمره، وأي نهي نهاه عنه، لم يأته على إرادة المولى، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه واتباع هواه، ولا يطيق المولى أن يرده إلى اتباع أمره ونهيه والوقوف على إرادته، ففوض اختيار أمره ونهيه إليه، ورضى منه بكل ما فعله على إرادة العبد لا على إرادة المالك، وبعثه في بعض حوائجه، وسمى له الحاجة، فخالف على مولاه، وقصد لارادة نفسه واتبع هواه، فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه به، فإذا هو خلاف ما أمره به، فقال له: لم أتيتني بخلاف ما أمرتك؟ فقال العبد: اتكلت على تفويضك الأمر إلي، فاتبعت
هواي وإرادتي، لأن المفوض إليه غير محظور عليه، فاستحال التفويض.
أو ليس يجب على هذا السبب إما أن يكون المالك للعبد قادراً، يأمر عبده باتباع أمره ونهيه على إرادته لا على إرادة العبد، ويملكه من الطاقة بقدر ما يأمره به وينهاه عنه، فإذا أمره بأمر ونهاه عن نهي عرفه الثواب والعقاب عليهما، وحذره ورغبه بصفة ثوابه وعقابه، ليعرف العبد قدرة مولاه بما ملكه من الطاقة لأمره ونهيه وترغيبه وترهيبه، فيكون عدله وإنصافه شاملاً له وحجته واضحة عليه للاعذار والانذار، فإذا اتبع العبد أمر مولاه جازاه، وإذا لم يزدجر عن نهيه عاقبه، أو يكون عاجزاً غير قادر، ففوض أمره إليه، أحسن أم أساء، أطاع أم عصى، عاجز عن عقوبته ورده إلى اتباع أمره.
وفي إثبات العجز نفي القدرة والتأله وإبطال الأمر والنهي والثواب والعقاب ومخالفة الكتاب إذ يقول: ( وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) (1)، وقوله عز وجل: ( اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (2)، وقوله: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿56﴾ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ) (3)، وقوله: ( وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) (4)، وقوله: ( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ) (5) .
__________________
(1) سورة الزمر: 39 / 7.
(2) سورة آل عمران: 3 / 102.
(3) سورة الذاريات: 51 / 56 و 57.
(4) سورة النساء: 4 / 36.
(5) سورة الأنفال: 8 / 20.
فمن زعم أن الله تعالى فوض أمره ونهيه إلى عباده، فقد أثبت عليه العجز، وأوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير وشر، وأبطل أمر الله ونهيه ووعده ووعيده، لعلة ما زعم أن الله فوضها إليه، لأن المفوض إليه يعمل بمشيئته، فإن شدة الكفر أو الايمان كان غير مردود عليه ولا محظور، فمن دان بالتفويض على هذا المعنى، فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده ووعيده وأمره ونهيه، وهو من أهل هذه الآية: ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (1) تعالى الله عما يدين به أهل التفويض علواً كبيراً.
لكن نقول: إن الله جل وعز خلق الخلق بقدرته، وملكهم استطاعة تعبدهم بها، فأمرهم ونهاهم بما أراد، فقبل منهم اتباع أمره، ورضي بذلك لهم، ونهاهم عن معصيته، وذم من عصاه وعاقبه عليها، ولله الخيرة في الأمر والنهي، يختار ما يريد ويأمر به، وينهى عما يكره ويعاقب عليه بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره واجتناب معاصيه، لأنه ظاهر العدل والنصفة والحكمة البالغة، بالغ الحجة بالاعذار والانذار، وإليه الصفوة يصطفي من عباده من يشاء لتبليغ رسالته واحتجاجه على عباده، اصطفى محمداً صلىاللهعليهوآلهوسلم وبعثه برسالاته إلى خلقه، فقال من قال من كفار قومه حسداً واستكباراً: ( لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) (2) يعني بذلك أمية بن
__________________
(1) سورة البقرة: 2 / 85.
(2) سورة الزخرف: 43 / 31.
أبي الصلت وأبا مسعود الثقفي، فأبطل الله اختيارهم، ولم يجز لهم آراءهم حيث يقول: ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) (1) ولذلك اختار من الامور ما أحب، ونهى عما كره، فمن أطاعه أثابه، ومن عصاه عاقبه، ولو فوض اختيار أمره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أمية بن أبي الصلت وأبي مسعود الثقفي، إذ كانا عندهم أفضل من محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلما أدب الله المؤمنين بقوله: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (2)، فلم يجز لهم الاختيار بأهوائهم، ولم يقبل منهم إلا اتباع أمره واجتناب نهيه على يدي من اصطفاه، فمن أطاعه رشد، ومن عصاه ضل وغوى، ولزمته الحجة بما ملكه من الاستطاعة لاتباع أمره واجتناب نهيه، فمن أجل ذلك حرمه ثوابه، وأنزل به عقابه.
وهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض، وبذلك أخبر أمير المؤمنين صلوات الله عليه عباية بن ربعي الأسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل. فقال له أمير المؤمنين عليهالسلام : سألت عن الاستطاعة تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية، فقال له أمير المؤمنين عليهالسلام : قل يا عباية. قال: وما أقول؟ قال عليهالسلام : إن قلت إنك تملكها مع الله قتلتك، وإن قلت تملكها دون الله قتلتك.
__________________
(1) سورة الزخرف: 43 / 32.
(2) سورة الأحزاب: 33 / 36.
قال عباية: فما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: تقول إنك تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن يملكها إياك كان ذلك من عطائه، وإن يسلبكها كان ذلك من بلائه، هو المالك لما ملكك، والقادر على ما عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون الحول والقوة حين يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله؟
قال عباية: وما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال: لا حول عن معاصي الله إلا بعصمة الله، ولا قوة لنا على طاعة الله إلا بعون الله، قال: فوثب عباية فقبل يديه ورجليه.
وروي عن أمير المؤمنين عليهالسلام حين أتاه نجدة (1) يسأله عن معرفة الله، قال: يا أمير المؤمنين، بماذا عرفت ربك؟ قال عليهالسلام : بالتمييز الذي خولني، والعقل الذي دلني. قال: أفمجبول أنت عليه؟ قال: لو كنت مجبولاً ما كنت محموداً على إحسان، ولا مذموماً على إساءة، وكان المحسن أولى بالملامة من المسيء، فعلمت أن الله قائم باق، وما دونه حدث حائل زائل، وليس القديم الباقي كالحدث الزائل.
قال نجدة: أجدك أصبحت حكيماً يا أمير المؤمنين. قال عليهالسلام : أصبحت مخيراً، فإن أتيت السيئة بمكان الحسنة فأنا المعاقب عليها.
وروي عن أمير المؤمنين عليهالسلام أنه قال لرجل سأله بعد انصرافه من الشام فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن خروجنا إلى الشام بقضاء وقدر؟ قال عليهالسلام : نعم يا شيخ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم وادياً إلا بقضاء وقدر من الله. فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين. فقال: مه يا شيخ، فإن الله قد عظم أجركم في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم
__________________
(1) وهو المعروف بنجدة الحروري، لأنه صار من الخوارج الحرورية.
وأنتم مقيمون، وفي انصرافكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من أموركم مكرهين، ولا إليه مضطرين، لعلك ظننت أنه قضاء حتم وقدر لازم، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، ولسقط الوعد والوعيد، ولما ألزمت الأشياء (1) أهلها على الحقائق، ذلك مقالة عبدة الأوثان وأولياء الشيطان، إن الله جل وعز أمر تخييراً ونهى تحذيراً، ولم يطع مكرهاً، ولم يعص مغلوباً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً « ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار » (2) . فقام الشيخ فقبل رأس أمير المؤمنين عليهالسلام ، وأنشأ يقول:
أنت الامام الذي نرجو بطاعته |
يوم النجاة من الرحمن غفرانا |
|
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا |
جزاك ربك عنا فيه رضوانا |
|
فليس معذرة في فعل فاحشة |
قد كنت راكبها ظلما وعصيانا |
فقد دلّ أمير المؤمنين عليهالسلام على موافقة الكتاب، ونفى الجبر والتفويض اللذين يلزمان من دان بهما وتقلدهما الباطل والكفر وتكذيب الكتاب، ونعوذ بالله من الضلالة والكفر، ولسنا ندين بجبر ولا تفويض، لكنا نقول بمنزلة بين المنزلتين، وهو الامتحان والاختيار بالاستطاعة التي ملكنا الله وتعبدنا بها، على ما شهد به الكتاب، ودان به الأئمّة الأبرار من آل الرسول صلوات الله عليهم.
ومثل الاختبار بالاستطاعة مثل رجل ملك عبداً، وملك مالاً كثيراً،
__________________
(1) في نسخة من المصدر: الأسماء.
(2) سورة صآ: 38 / 27.
أحب أن يختبر عبده على علم منه بما يؤول إليه، فملكه من ماله بعض ما أحب، ووقفه على أمور عرفها العبد، فأمره أن يصرف ذلك المال فيها، ونهاه عن أسباب لم يحبها، وتقدم إليه أن يجتنبها ولا ينفق من ماله فيها، والمال يتصرف في أي الوجهين، فصرف المال أحدهما في اتباع أمر المولى ورضاه، والآخر صرفه في اتباع نهيه وسخطه.
وأسكنه دار اختبار، أعلمه أنه غير دائم له السكنى في الدار، وأن له داراً غيرها، وهو مخرجه إليها، فيها ثواب وعقاب دائمان، فإن أنفذ العبد المال الذي ملكه مولاه في الوجه الذي أمره به، جعل له ذلك الثواب الدائم في تلك الدار التي أعلمه أنه مخرجه إليها، وإن أنفق المال في الوجه الذي نهاه عن إنفاقه فيه، جعل له ذلك العقاب الدائم في دار الخلود.
وقد حد المولى في ذلك حداً معروفاً وهو المسكن الذي أسكنه في الدار الاولى، فإذا بلغ الحد استبدل المولى بالمال وبالعبد، على أنه لم يزل مالكاً للمال والعبد في الأوقات كلها، إلا أنه وعد أن لا يسلبه ذلك المال ما كان في تلك الدار الاولى إلى أن يستتم سكناه فيها، فوفى له، لأن من صفات المولى العدل والوفاء والنصفة والحكمة، أو ليس يجب إن كان ذلك العبد صرف ذلك المال في الوجه المأمور به أن يفي له بما وعده من الثواب؟ وتفضل عليه بأن استعمله في دار فانية وأثابه على طاعته فيها نعيماً دائماً في دار باقية دائمة.
وإن صرف العبد المال الذي ملكه مولاه أيام سكناه تلك الدار الاولى في الوجه المنهي عنه، وخالف أمر مولاه، كذلك تجب عليه العقوبة الدائمة التي حذره إياها، غير ظالم له لما تقدم إليه وأعلمه وعرفه وأوجب له الوفاء
بوعده ووعيده، بذلك يوصف القادر القاهر.
وأما المولى فهو الله جل وعز، وأما العبد فهو ابن آدم المخلوق، والمال قدرة الله الواسعة، ومحنته إظهار الحكمة والقدرة، والدار الفانية هي الدنيا، وبعض المال الذي ملكه مولاه هو الاستطاعة التي ملك ابن آدم، والامور التي أمر الله بصرف المال إليها هو الاستطاعة لاتباع الأنبياء والاقرار بما أوردوه عن الله جل وعز، واجتناب الأسباب التي نهى عنها هي طرق إبليس. وأما وعده فالنعيم الدائم وهي الجنة، وأما الدار الفانية فهي الدنيا، وأما الدار الاخرى فهي الدار الباقية وهي الآخرة.
والقول بين الجبر والتفويض هو الاختبار والامتحان والبلوى بالاستطاعة التي ملك العبد، وشرحها في الخمسة الأمثال التي ذكرها الصادق عليهالسلام أنها جمعت جوامع الفضل، وأنا مفسرها بشواهد من القرآن والبيان إن شاء الله.
1 - صحة الخلقة:
أما قول الصادق عليهالسلام ( وهي صحة الخلقة ) فإن معناه كمال الخلق للانسان وكمال الحواس وثبات العقل والتمييز وإطلاق اللسان بالنطق، وذلك قول الله: ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) (1) فقد أخبر عز وجل عن تفضيله بني آدم على سائر خلقه من البهائم والسباع ودواب البحر والطير وكل ذي حركة تدركه حواس بني آدم بتمييز العقل والنطق، وذلك
__________________
(1) سورة الأسراء: 17 / 70.
قوله: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) (1)، وقوله ( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴿6﴾ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴿7﴾ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ) (2) وفي آيات كثيرة.
فأول نعمة الله على الانسان صحة عقله وتفضيله على كثير من خلقه بكمال العقل وتمييز البيان، وذلك أن كل ذي حركة على بسيط الأرض هو قائم بنفسه بحواسه مستكمل في ذاته، ففضل بني آدم بالنطق الذي ليس في غيره من الخلق المدرك بالحواس، فمن أجل النطق ملك الله ابن آدم غيره من الخلق حتى صار آمراً ناهياً، وغيره مسخر له، كما قال الله: ( كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ) (3)، وقال: ( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ) (4)، وقال: ( وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿5﴾ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿6﴾ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ ) (5) .
فمن أجل ذلك دعا الله الانسان إلى اتباع أمره وإلى طاعته، بتفضيله إياه باستواء الخلق وكمال النطق والمعرفة بعد أن ملكهم استطاعة ما كان تعبدهم به بقوله: ( فَاتَّقُوا اللَّـهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ) (6) وقوله: ( لَا
__________________
(1) سورة التين: 95 / 4.
(2) سورة الانفطار: 82 / 6 - 8.
(3) سورة الحج: 22 / 37.
(4) سورة النحل: 16 / 14.
(5) سورة النحل: 16 / 5 - 7.
(6) سورة التغابن: 64 / 16.
يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) (1)، وقوله: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ) (2) وفي آيات كثيرة.
فإذا سلب من العبد حاسة من حواسه رفع العمل عنه بحاسته، كقوله: ( لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ ) (3) الآية، فقد رفع عن كل من كان بهذه الصفة الجهاد وجميع الأعمال التي لا يقوم بها. وكذلك أوجب على ذي اليسار الحج والزكاة لما ملكه من استطاعة ذلك، ولم يوجب على الفقير الزكاة والحج، قوله: ( وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) (4)، وقوله في الظهار: ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ - إلى قوله - فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) (5) كل ذلك دليل على أن الله تبارك وتعالى لم يكلف عباده إلا ما ملكهم استطاعته بقوة العمل به، ونهاهم عن مثل ذلك، فهذه صحة الخلقة.
2 - تخلية السرب:
وأما قوله: ( تخلية السرب ) فهو الذي ليس عليه رقيب يحظر عليه ويمنعه العمل بما أمره الله به، وذلك قوله في من استضعف وحظر عليه العمل فلم يجد حيلة ولا يهتدي سبيلاً، كما قال الله تعالى: ( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ
__________________
(1) سورة البقرة: 2 / 286.
(2) سورة الطلاق: 65 / 7.
(3) سورة النور: 24 / 61.
(4) سورة آل عمران: 3 / 97.
(5) سورة المجادلة: 58 / 3 و 4.
سَبِيلًا ) (1)، فأخبر أن المستضعف لم يخل سربه وليس عليه من القول شيء إذا كان مطمئن القلب بالايمان.
3 - المهلة في الوقت:
وأما المهلة في الوقت، فهو العمر الذي يمنع الانسان من حد ما تجب عليه المعرفة إلى أجل الوقت، وذلك من وقت تمييزه وبلوغ الحلم إلى أن يأتيه أجله، فمن مات على طلب الحق ولم يدرك كماله فهو على خير، وذلك قوله: ( وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّـهِ وَرَسُولِهِ ) (2) الآية، وإن كان لم يعمل بكمال شرائعه لعلة ما لم يمهله في الوقت إلى استتمام أمره، وقد حظر على البالغ ما لم يحظر على الطفل إذا لم يبلغ الحلم في قوله: ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ) (3) الآية، فلم يجعل عليهن حرجاً في إبداء الزينة للطفل، وكذلك لا تجري عليه الأحكام.
4 - الزاد:
وأما قوله: (الزاد) فمعناه الجِدة (4) والبلغة التي يستعين بها العبد على ما أمره الله به، وذلك قوله: ( مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ) (5) الآية، ألا ترى أنه قبل عذر من لم يجد ما ينفق؟ وألزم الحجة كل من أمكنته البلغة والراحلة للحج والجهاد وأشباه ذلك، وكذلك قبل عذر الفقراء وأوجب لهم
__________________
(1) سورة النساء: 4 / 98.
(2) سورة النساء: 4 / 100.
(3) سورة النور: 24 / 31.
(4) أي الاستطاعة والغنى.
(5) سورة التوبة: 9 / 91.
حقاً في مال الأغنياء بقوله: ( لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ) (1) الآية، فأمر بإعفائهم ولم يكلفهم الاعداد لما لا يستطيعون ولا يملكون.
5 - السبب المهيج للفاعل على فعله:
وأما قوله: (والسبب المهيج) فهو النية التي هي داعية الانسان إلى جميع الأفعال، وحاستها القلب، فمن فعل فعلاً وكان بدين لم يعقد قلبه على ذلك لم يقبل الله منه عملاً إلا بصدق النية، ولذلك أخبر عن المنافقين بقوله: ( يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ) (2)، ثم أنزل على نبيه صلىاللهعليهوآلهوسلم توبيخاً للمؤمنين: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ) (3) الآية، فإذا قال الرجل قولاً واعتقد في قوله، دعته النية إلى تصديق القول بإظهار الفعل، وإذا لم يعتقد القول لم تتبين حقيقته.
وقد أجاز الله صدق النية وإن كان الفعل غير موافق لها. لعلة مانع يمنع إظهار الفعل، في قوله: ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) (4)، وقوله: ( لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّـهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ) (5)، فدل القرآن وأخبار الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم أن القلب مالك لجميع الحواس يصحح أفعالها، ولا يبطل ما يصحح القلب شيء.
فهذا شرح جميع الخمسة الأمثال التي ذكرها الصادق عليهالسلام أنها تجمع المنزلة بين المنزلتين، وهما الجبر والتفويض، فإذا اجتمع في الانسان كمال هذه الخمسة الأمثال، وجب عليه العمل كمالاً لما أمر الله عز وجل به
__________________
(1) سورة البقرة: 2 / 273.
(2) سورة آل عمران: 3 / 167.
(3) سورة الصف: 61 / 2.
(4) سورة النحل: 16 / 106.
(5) سورة البقرة: 2 / 225.
ورسوله، وإذا نقص العبد منها خلة كان العمل عنها مطروحاً بحسب ذلك ».
وأخيراً ختم الامام عليهالسلام رسالته بايراد المزيد من الشواهد القرآنية على الفتنة والبلوى التي بمعنى الاختبار، مبيناً أن الله جل وعز لم يخلق الخلق عبثاً، ولا أهملهم سدى، ولا أظهر حكمته لعباً، فالاختبار من الله بالاستطاعة التي ملكها عبده، وهو القول بين الجبر والتفويض، وبهذا نطق القرآن، وجرت الأخبار عن الأئمّة من آل الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثم كتب عليهالسلام : « فإن قال قائل: فلم يعلم الله ما يكون من العباد حتى اختبرهم؟ قلنا: بلى، قد علم ما يكون منهم قبل كونه، وذلك لقوله: ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ) (1)، وإنما اختبرهم ليعلمهم عدله ولا يعذبهم إلا بحجة بعد الفعل، وقد أخبر بقوله: ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا ) (2)، وقوله: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ) (3)، وقوله: ( رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ) (4)، فالاختبار من الله بالاستطاعة التي ملكها عبده، وهو القول بين الجبر والتفويض، وبهذا نطق القرآن، وجرت الأخبار عن الأئمّة من آل الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم .
فإن قالوا: ما الحجة فى قول الله: ( يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) (5) وما أشبهها؟ قيل: مجاز هذه الآيات كلها على معنيين: أما
__________________
(1) سورة الأنعام: 6 / 28.
(2) سورة طه: 20 / 134.
(3) سورة الاسراء: 17 / 15.
(4) سورة النساء 4: 165.
(5) سورة النحل: 16 / 93.
أحدهما فإخبار عن قدرته، أي إنه قادر على هداية من يشاء وضلال من يشاء، وإذا أجبرهم بقدرته على أحدهما لم يجب لهم ثواب ولا عليهم عقاب، على نحو ما شرحنا في الكتاب. والمعنى الآخر أن الهداية منه، تعريفه كقوله: ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ - أي عرفناهم - فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ ) (1)، فلو أجبرهم على الهدى لم يقدروا أن يضلوا.
وليس كلما وردت آية مشتبهة كانت الآية حجة على محكم الآيات اللواتي أمرنا بالأخذ بها، من ذلك قوله: ( مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ ) (2) الآية، وقال: ( فَبَشـِّرْ عِبَادِ ﴿17﴾ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّـهُ وَأُولَـٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (3) .
وفقنا الله وإياكم إلى القول والعمل لما يحب ويرضى، وجنبنا وإياكم معاصيه بمنه وفضله، والحمد لله كثيراً كما هو أهله، وصلى الله على محمد وآله الطيبين، وحسبنا الله ونعم الوكيل » (4) .
ثانياً - كلماته في حقيقة الموت والمعاد:
بيّن الامام عليهالسلام في عدة أحاديث واقع الموت وحقيقته، وأنه ينبغي للمؤمن إذا نزل بساحته أن لا يحزن ولا يجزع لأن الجهل بحقيقة الموت هو سبب ذلك
__________________
(1) سورة فصلت: 41 / 17.
(2) سورة آل عمران: 3 / 7.
(3) سورة الزمر: 39 / 17 و 18.
(4) تحف العقول / الحراني: 458.
الحزن والجزع، ومنها ما رواه الشيخ الصدوق بالاسناد عن الامام أبي الحسن الهادي عليهالسلام ، قال: « قيل لمحمد بن علي بن موسى صلوات الله عليه: ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت؟ فقال: لأنهم جهلوه فكرهوه، ولو عرفوه وكانوا من أولياء الله عز وجل لأحبوه، ولعلموا أن الآخرة خير من الدنيا.
ثم قال عليهالسلام : ما بال الصبي والمجنون يمتنعان عن الدواء المنقي لبدنهما، والنافي للألم عنهما؟ قال: لجهلهما بنفع الدواء. ثم قال عليهالسلام : والذي بعث محمداً بالحق نبياً، إن من استعد للموت حق الاستعداد فهو أنفع له من هذا الدواء لهذا المتعالج، أما إنهم لو عرفوا ما يؤدي إليه الموت من النعيم لاستدعوه وأحبوه أشد ما يستدعي العاقل الحازم الدواء لدفع الآفات وجلب السلامات » (1) .
وروى الشيخ الصدوق بالاسناد عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهالسلام ، قال: دخل علي بن محمد عليهالسلام على مريض من أصحابه، وهو يبكي ويجزع من الموت، فقال عليهالسلام له: « يا عبد الله، تخاف من الموت لأنك لا تعرفه، أرأيتك إذا اتسخت وتقذرت وتأذيت من كثرة القذر والوسخ عليك، وأصابك قروح وجرب، وعلمت أن الغسل في حمام يزيل ذلك كله، أما تريد أن تدخله فتغسل ذلك عنك، أو تكره أن تدخله فيبقى ذلك عليك؟ فقال: بلى يا ابن رسول الله. قال الامام عليهالسلام : فذلك الموت هو ذلك الحمام، وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك وتنقيتك من سيئاتك، فإذا أنت وردت عليه وجاورته، فقد نجوت من كل هم وغم وأذى، ووصلت إلى كل
__________________
(1) معاني الأخبار: 290 / 8، الاعتقادات / الصدوق: 34.
سرور وفرح. فسكن الرجل ونشط واستسلم، وغمض عين نفسه، ومضى لسبيله » (1) .
وقال عليهالسلام في العلاقة بين الأجل وصلة الرحم: « إن الرجل ليكون قد بقي من أجله ثلاثون سنة، فيكون وصولاً لقرابته وصولاً لرحمه، فيجعلها الله ثلاثة وثلاثين سنة، وإنه ليكون قد بقي من أجله ثلاث وثلاثون سنة فيكون عاقاً لقرابته قاطعاً لرحمه، فيجعلها الله ثلاث سنين » (2) .
وكان الامام عليهالسلام يستعرض عقائد أصحابه ويصححها، ومما جاء في باب الموت والمعاد ما روي عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: « دخلت على سيدي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام ، فلما بصر بي قال لي: مرحباً بك يا أبا القاسم، أنت ولينا حقاً.
قال: فقلت له: يا ابن رسول الله، إني أريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضياً أثبت عليه حتى ألقى الله عز وجل؟ فقال: هات يا أبا القاسم.
الى أن قال: وأقول: إن المعراج حق، والمساءلة في القبر حق، وإن الجنة حق، وإن النار حق، والصراط حق، والميزان حق، وإن الساعة آتية لا ريب فيها، وإن الله يبعث من في القبور، فقال علي بن محمد: يا أبا القاسم، هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه ثبّتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة » (3) .
__________________
(1) معاني الأخبار: 290 / 9 باب معنى الموت، تصحيح الاعتقاد / المفيد: 56.
(2) بحار الأنوار 74: 103.
(3) إكمال الدين: 379 / 1 - باب 37، التوحيد: 81 / 37.
ثالثاً - كلماته في القرآن وتفسيره:
عن يعقوب بن السكيت النحوي، قال: « سألت أبا الحسن علي بن محمد بن الرضا عليهمالسلام : ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة؟ قال: إن الله تعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة » (1) .
ذكر الامام الهادي عليهالسلام في أول رسالته الى أهل الأهواز أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق ولا اختلاف بينهم في تنزيله وتصديقه.
فكتب عليهالسلام : « اعلموا - رحمكم الله - أنا نظرنا في الآثار، وكثرة ما جاءت به الأخبار، فوجدناها عند جميع من ينتحل الاسلام ممن يعقل عن الله جل وعز، لا تخلو عن معنيين: إما حق فيتبع، وإما باطل فيجتنب.
وقد اجتمعت الاُمّة قاطبة لا اختلاف بينهم أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق، وفي حال اجتماعهم مقرون بتصديق الكتاب وتحقيقه، مصيبون، مهتدون، وذلك بقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تجتمع أمتي على ضلالة. فأخبر أن جميع ما اجتمعت عليه الاُمّة كلها حق، هذا إذا لم يخالف بعض بعضاً. والقرآن حق لا اختلاف بينهم في تنزيله وتصديقه، فإذا شهد القرآن بتصديق خبر وتحقيقه، وأنكر الخبر طائفة من الاُمّة، لزمهم الاقرار به ضرورة حين اجتمعت في الأصل على تصديق الكتاب، فإن
__________________
(1) أعلام الدين / الديلمي: 211، مجموعة ورام 2: 72.
هي جحدت وأنكرت لزمها الخروج من الملة » (1) .
لقد اُثيرث مسألة خلق القرآن منذ زمان المأمون، فقد ابتدعها الحكم العباسي، وأثاروها للقضاء على خصومهم، وقد قتل خلق كثيرون من جرائها، وانتشرت الأحقاد والأضغان بين المسلمين.
وانقسم العلماء فيها إلى قسمين؛ فمنهم من قال بقدم كلام اللّه سبحانه، ومنهم من قال بحدوثه، مما أدّى إلى خلق فتنة ومحنة راح ضحيتها الكثير من الأعلام، وكان جواب الأئمّة عليهمالسلام المعاصرين لتلك المحنة واضحا، يقوم على اعتبار الجدال في القرآن بدعة مع التفريق بين كلام اللّه تعالى وبين علمه، فكلامه تعالى محدث وليس بقديم، قال تعالى: ( مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ ) (2)، وأما علمه فقديم قدم ذاته المقدسة، وهو من الصفات التي هي عين ذاته.
روى الشيخ الصدوق بالاسناد عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، قال: « كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا عليهمالسلام إلى بعض شيعته ببغداد: بسم الله الرحمن الرحيم، عصمنا الله وإياك من الفتنة، فإن يفعل فأعظم بها نعمة، وإن لا يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أن الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب، فيتعاطى السائل ما ليس له، ويتكلف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلا الله عز وجل، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالين، جعلنا الله
__________________
(1) تحف العقول / الحراني: 459.
(2) سورة الأنبياء: 21 / 2.
وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون » (1) .
ليس من شك أن حديث أهل البيت عليهمالسلام من أهم مفاتيح معرفة كتاب الله، ولا يمكن لأي مفسر يريد أن يفهم كتاب الله تعالى أن يستغني عما أثر عنهم عليهمالسلام في هذا الميدان، وإذا لم يضع نصب عينيه الخطوط الأساسية التي رسموها لفهم القرآن الكريم، فإن الفشل سيكون نصيبه.
ومن تتبع التفسير الأثري الوارد عن أهل البيت عليهمالسلام يجد أن لهم منهجاً خاصاً ومعروفاً في تفسير القرآن الكريم، والخطوط الرئيسية لهذا المنهج تتمثل في تفسير القرآن بالقرآن، وقولهم بسلامة الكتاب الكريم من التحريف، هذا مضافاً إلى جملة عقائدهم المعروفة في كتب الكلام والعقائد كتنزيه الخالق عن التجسيم والوصف والرؤية وتنزيه الأنبياء عن المعاصي، وفسّروا الروايات والآيات التي قد يستظهر منها ما يخالف هذه المعاني بمعانٍ مناسبة لجوّ الآيات والروايات، وأمامنا تراث ضخم وفذ من تفسير أهل البيت عليهمالسلام جمعه السيد هاشم البحراني المتوفى سنة 1107 في كتابه (البرهان في تفسير القرآن) والشيخ عبد علي بن جمعة العروسي المتوفى سنة 1112 في تفسيره (نور الثقلين) فضلاً عن تفاسير المتقدمين الواصلة الينا مثل تفسير فرات الكوفي والعياشي وعلي بن إبراهيم القمي رحمهم الله. وللامام الهادي عليهالسلام نصيب وافر في هذا الاتجاه جمع بعضه في مسنده.
أكد الإمام الهادي عليهالسلام في الكثير من كلماته على علم الامام وصفاته،
__________________
(1) التوحيد / الصدوق: 224 / 4.
وفرض الولاية لأهل البيت عليهمالسلام ، وضرورة معرفتهم والتصديق بهم والتمسك بهديهم وأداء حقوقهم التي جعلها اللّه لهم سيما المودة لهم، وما لذلك من معطيات جمة في الدنيا والآخرة.
وذكر الوصية لأمير المؤمنين عليهالسلام والأحاديث الدالة على امامته بعد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم كحديث الثقلين، وبين أنه خبر صحيح مجمع عليه ولا اختلاف فيه عند جميع المسلمين، لأنه موافق للكتاب، والكتاب يشهد بتصديقه، من هنا لزم على الاُمّة الاقرار به ضرورة، وذكر آيات وأحاديث أُخرى تشهد وتدل على ذلك، منها التصدق بخاتمه وهو راكع ونزول آية في ذلك تدل على ولايته وخلافته، ومنها حديث الغدير وحديث المنزلة.
وذكر موضوع الغيبة، مؤكداً النص على امامة الخلف من بعد ولده الحسن العسكري عليهماالسلام وكونه صاحب غيبة طويلة يخرج بعدها فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: « دخلت على سيدي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام ، فلما بصر بي قال لي: مرحباً بك يا أبا القاسم، أنت ولينا حقاً.
قال: فقلت له: يا ابن رسول الله، إني أريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضياً أثبت عليه حتى ألقي الله عز وجل؟ فقال: هات يا أبا القاسم.
فقلت: إني أقول.... أن محمداً صلىاللهعليهوآلهوسلم عبده ورسوله خاتم النبيين، فلا نبي بعده إلى يوم القيامة، وأقول إن الإمام والخليفة وولي الأمر من بعده أمير الموءمنين علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي،
ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم أنت يا مولاي.
فقال عليهالسلام : ومن بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف من بعده ؟ قال: فقلت: وكيف ذاك يا مولاي؟ قال: لأنه لا يرى شخصه، ولا يحلّ ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
قال: فقلت: أقررت. وأقول: إن وليهم ولي الله، وعدوهم عدو الله، وطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله....
فقال علي بن محمد عليهماالسلام : يا أبا القاسم، هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه ثبّتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة » (1) .
وروى الامام أبو الحسن الهادي عليهالسلام عن آبائه عليهمالسلام ، عن جده الامام أمير المؤمنين عليهالسلام : « أن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: من سره أن يلقى الله عز وجل آمناً مطهراً لا يحزنه الفزع الأكبر، فليتولك يا علي وليتول ابنيك الحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي، ثم المهدي وهو خاتمهم، وليكونن في آخر الزمان قوم يتولونك يا علي، يشنأهم الناس، ولو أحبوهم كان خيراً لهم لو كانوا يعلمون، يؤثرونك وولدك على الآباء والاُمهات والاخوة والأخوات، وعلى عشائرهم والقرابات، صلوات الله عليهم أفضل الصلوات، أولئك يحشرون تحت لواء
__________________
(1) اكمال الدين: 379 / 1 - باب 37، التوحيد: 81 / 37.
الحمد، يتجاوز عن سيئاتهم، ويرفع درجاتهم جزاء بما كانوا يعملون » (1) .
ذكر الامام الهادي عليهالسلام في رسالته الى أهل الأهواز حديث الثقلين وشواهده باعتباره أول خبر ورد عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يعرف تحقيقه وتصديقه والتماس الشهادة عليه من الكتاب والسنة، من هنا صار الاقتداء بأمثاله من الأخبار فرضاً واجباً على كل مؤمن ومؤمنة، ولزم أفراد الاُمّة الاقرار به ضرورة لأنهم اجتمعوا في الأصل على تصديق الكتاب، فإن هم جحدوا وأنكروا لزمهم الخروج من الملة.
فكتب: « فأول خبر يعرف تحقيقه من الكتاب وتصديقه والتماس شهادته عليه، خبر ورد عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ووجد بموافقة الكتاب وتصديقه بحيث لا تخالفه أقاويلهم، حيث قال: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض. فلما وجدنا شواهد هذا الحديث في كتاب الله نصاً، مثل قوله جل وعز : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴿55﴾ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (2) .
وروت العامة في ذلك أخباراً لأمير المؤمنين عليهالسلام أنه تصدق بخاتمه وهو راكع فشكر الله ذلك له وأنزل الآية فيه. فوجدنا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قد أتى بقوله: من كنت مولاه فعلي مولاه. وبقوله: أنت مني بمنزلة هارون من
__________________
(1) الغيبة / الطوسي: 136 / 100.
(2) سورة المائدة5: 55 - 56.
موسى، إلا أنه لا نبى بعدي. ووجدناه يقول: علي يقضي ديني، وينجز موعدي، وهو خليفتي عليكم من بعدي. فالخبر الأول الذي استنبطت منه هذه الأخبار خبر صحيح مجمع عليه، لا اختلاف فيه عندهم، وهو أيضاً موافق للكتاب، فلما شهد الكتاب بتصديق الخبر وهذه الشواهد الاُخر لزم على الاُمّة الاقرار بها ضرورة، إذ كانت هذه الأخبار شواهدها من القرآن ناطقة، ووافقت القرآن، والقرآن وافقها.
ثم وردت حقائق الأخبار من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عن الصادقين عليهمالسلام ونقلها قوم ثقات معروفون، فصار الاقتداء بهذه الأخبار فرضاً واجباً على كل مؤمن ومؤمنة لا يتعداه إلا أهل العناد؛ وذلك أن أقاويل آل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم متصلة بقول الله، وذلك مثل قوله في محكم كتابه: ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) (1) .
وجدنا نظير هذه الآية قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : من آذى علياً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن ينتقم منه. وكذلك قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : من أحب علياً فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله. ومثل قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في بني وليعة: لأبعثن إليهم رجلاً كنفسي، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قم يا علي فسر إليهم. وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم خيبر: لأبعثن إليهم غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كراراً غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله عليه. فقضى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بالفتح قبل التوجيه، فاستشرف لكلامه أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلما كان من الغد دعا علياً عليهالسلام فبعثه إليهم، فاصطفاه بهذه المنقبة، وسماه كراراً غير فرار، فسماه الله محباً لله ولرسوله،
__________________
(1) سورة الأحزاب: 33 / 57.
فأخبر أن الله ورسوله يحبانه » (1) .
روى الشيخ الطوسي بالاسناد عن أبي موسى عيسى بن أحمد بن عيسى المنصوري، عن الامام الهادي عليهالسلام ، عن آبائه المعصومين، عن جده الامام أمير المؤمنين عليهالسلام ، عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: « يا علي، خلقني الله وأنت من نوره حين خلق آدم، فأفرغ ذلك النور في صلبه، فأفضى به إلى عبد المطلب، ثم افترق من عبد المطلب، فصرت أنا في عبد الله، وأنت في أبي طالب، لا تصلح النبوة إلا لي، ولا تصلح الوصية إلا لك، فمن جحد وصيتك جحد نبوتي، ومن جحد نبوتي أكبه الله على منخريه في النار » (2) .
روى الشيخ الطوسي بالاسناد عن أبي موسى عيسى بن أحمد بن عيسى المنصوري، عن الامام الهادي عليهالسلام ، عن آبائه المعصومين، عن جده الامام الباقر عليهالسلام ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: « كنت عند النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنا من جانب، وعلي أمير المؤمنين عليهالسلام من جانب، إذ أقبل عمر بن الخطاب ومعه رجل قد تلبب به، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : ما باله؟ قال: حكى عنك يا رسول الله أنك قلت: من قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله دخل الجنة، وهذا إذا سمعه الناس فرطوا في الأعمال، أفأنت قلت ذلك؟ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : نعم، إذا
__________________
(1) تحف العقول / الحراني: 459.
(2) الأمالي / الشيخ الطوسي: 294 / 577 - المجلس / 11، بشارة المصطفى / الطبري: 185.
تمسك بمحبة هذا وولايته. يعني الامام أمير المؤمنين عليهالسلام » (1) .
وبنفس الاسناد عن الامام الهادي عليهالسلام ، عن آبائه المعصومين، عن جده الامام أمير المؤمنين عليهالسلام ، أنه قال: « قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لي والا صمّتا: ياعلي، محبك محبي ومبغضك مبغضي » (2) .
وبالاسناد عن الامام الهادي عليهالسلام ، عن آبائه المعصومين، عن جده الامام أمير المؤمنين عليهالسلام ، أنه قال: « قال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي » (3) .
روى ثقة الاسلام الشيخ الكليني وغيره بالاسناد عن علي بن محمد النوفلي، عن أبي الحسن صاحب العسكر عليهالسلام ، قال: سمعته يقول: « اسم الله الأعظم ثلاثة وسبعون حرفاً، كان عند آصف حرف فتكلم به، فانخرقت له الأرض في ما بينه وبين سبأ، فتناول عرش بلقيس حتى صيره إلى سليمان، ثم انبسطت الأرض في أقل من طرفة عين، وعندنا منه اثنان وسبعون حرفاً، وحرف عند الله مستأثر به في علم الغيب » (4) .
أهم ما أثر عن الامام الهادي عليهالسلام في هذا الاتجاه هو الزيارة الجامعة التي
__________________
(1) الأمالي / الشيخ الطوسي: 282 / 547 - المجلس / 10.
(2) الأمالي / الشيخ الطوسي: 278 / 530 - المجلس / 10.
(3) الأمالي / الشيخ الطوسي: 278 / 531 - المجلس / 10.
(4) الكافي 1: 286 / 1، بصائر الدرجات: 211 / 3، اثبات الوصية: 202، دلائل الامامة: 414 / 377.
تعتبر مدرسة لتلقين مبادئ العقيدة الاسلامية والانفتاح على جميع مفرداتها، ومما جاء فيها عن صفات الامام قوله عليهالسلام : « السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي، ومعدن الرسالة، وخزّان العلم، ومنتهى الحلم، وأصول الكرم، وقادة الامم، وأولياء النعم، وعناصر الأبرار، ودعائم الأخيار، وساسة العباد، وأركان البلاد، وأبواب الايمان، وأمناء الرحمن، وسلالة النبيين، وصفوة المرسلين، وعترة خيرة رب العالمين، ورحمة الله وبركاته.
السلام على أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأعلام التقى، وذوي النهى، وأولي الحجى، وكهف الورى، وورثة الأنبياء، والمثل الأعلى، والدعوة الحسنى، وحجج الله على أهل الآخرة والاولى، ورحمة الله وبركاته.
السلام على محالّ معرفة الله، ومساكن بركة الله، ومعادن حكمة الله، وحفظة سر الله، وحملة كتاب الله، وأوصياء نبي الله، وذرية رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ورحمة الله وبركاته.
أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، كما شهد الله لنفسه، وشهدت له ملائكته، وأولوا العلم من خلقه، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ورسوله المرتضى، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وأشهد أنكم الأئمّة الراشدون، المهديون المعصومون، المكرمون المقربون، المتقون الصادقون، المصطفون المطيعون لله، القوامون بأمره، العاملون بإرادته، الفائزون بكرامته، اصطفاكم بعلمه، وارتضاكم لدينه، واختاركم لسره،
واجتباكم بقدرته، وأعزكم بهداه، وخصكم ببرهانه، وانتجبكم لنوره، وأيدكم بروحه، ورضيكم خلفاء في أرضه، وحججاً على بريته، وأنصاراً لدينه، وحفظة لسره، وخزنة لعلمه، ومستودعاً لحكمته، وتراجمة لوحيه، وأركاناً لتوحيده، وشهداء على خلقه، وأعلاماً لعباده، ومناراً في بلاده، وأدلاء على صراطه » (1)، الى آخر الزيارة وهي طويلة.
في حديث الفتح بن يزيد الجرجاني، عن الامام الهادي عليهالسلام : « أم كيف يوصف بكنهه محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم وقد قرنه الجليل باسمه وشركه فى عطائه، وأوجب لمن أطاعه جزاء طاعته، إذ يقول: ( وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ) (2)، وقال يحكي قول من ترك طاعته وهو يعذبه بين أطباق نيرانها وسرابيل قطرانها: ( يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّـهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ) (3)، أم كيف يوصف بكنهه من قرن الجليل طاعتهم بطاعة رسوله حيث قال: ( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (4)، وقال: ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ) (5)، وقال: ( إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ) (6)، وقال: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا
__________________
(1) عيون أخبار الرضا 2: 272 / 1، الفقيه / الصدوق 2: 370 / 1625، التهذيب 6: 95 / 177، البلد الأمين / الكفعمي: 297.
(2) سورة التوبة: 9 / 74.
(3) سورة الأحزاب: 33 / 66.
(4) سورة النساء: 4 / 59.
(5) سورة النساء: 4 / 83.
(6) سورة النساء: 4 / 58.
تَعْلَمُونَ ) (1) .
يا فتح، كما لا يوصف الجليل جل جلاله والرسول والخليل وولد البتول، فكذلك لا يوصف المؤمن المسلم لأمرنا، فنبينا صلىاللهعليهوآلهوسلم أفضل الأنبياء، وخليلنا أفضل الأخلاء، ووصيه أكرم الأوصياء، اسمهما أفضل الأسماء، وكنيتهما أفضل الكنى وأجلاها، لو لم يجالسنا إلا كفؤ لم يجالسنا أحد، ولو لم يزوجنا إلا كفؤ لم يزوجنا أحد، أشد الناس تواضعاً أعظمهم حلماً، وأنداهم كفاً، وأمنعهم كنفاً، ورث عنهما أوصياؤهما علمهما، فاردد إليهم الأمر وسلم إليهم، أماتك الله مماتهم، وأحياك حياتهم، إذا شئت رحمك الله » (2) .
كان الإمام الهادي عليهالسلام كابائه المعصومين بصدد التخطيط لمستقبل الإمامة والتحضير لزمان الغيبة التي اقترب وقتها، فعمل على تهيئة المقدمات الضرورية للانتقال من مرحلة الإمامة الظاهرة إلى الإمامة الغائبة بعد ولده الحسن العسكري عليهالسلام ، فكان أول ذلك النص على امامة الخلف من بعد الحسن عليهالسلام ، وكونه الامام الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وتحذير الشيعة من الاختلاف لأنهم لا يرون شخصه ولا يحل لهم ذكر اسمه، وتوقع الفرج بعد غيبة الصاحب عليهالسلام من دار الظالمين.
عن علي بن عبد الغفار، قال: « لما مات أبوجعفر الثاني عليهالسلام كتبت الشيعة إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليهالسلام يسألونه عن الأمر، فكتب عليهالسلام : الأمر لي
__________________
(1) سورة النحل: 16 / 43.
(2) كشف الغمة 3: 179.
مادمت حيا، فإذا نزلت بي مقادير اللّه آتاكم اللّه الخلف مني، وأنّى لكم بالخلف بعد الخلف؟ » (1) .
وعن أبي هاشم داود بن القاسم، قال: « سمعت أبا الحسن عليهالسلام يقول: الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ فقلت: ولم جعلني اللّه فداك؟ فقال: إنكم لاترون شخصه ولايحلّ لكم ذكره باسمه » (2) .
وعن علي بن مهزيار، قال: « كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليهالسلام أسأله عن الفرج، فكتب إلي: إذا غاب صاحبكم عن دار الظالمينفتوقعوا الفرج » (3) .
وعن أيوب بن نوح، عن أبي الحسن الثالث عليهالسلام ، قال: « إذا رفع علمكم من بين أظهركم، فتوقعوا الفرج من تحت أقدامكم » (4) .
وعن الصقر بن أبي دلف قال: « سمعت علي بن محمد بن علي الرضا عليهالسلام يقول: إنّ الإمام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطا وعدلاً كما ملئت جورا وظلما » (5) .
وعن إسحاق بن محمد بن أيوب، قال: « سمعت أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى عليهمالسلام يقول: صاحب هذا الأمر من يقول الناس: لم يولد
__________________
(1) إكمال الدين: 382 / 8 - باب 37.
(2) اصول الكافي 1: 328 / 13.
(3) اكمال الدين: 380 / 2.
(4) الامامة والتبصرة من الحيرة / ابن بابويه القمي: 130 / 137، الكافي 1: 341 / 24، اكمال الدين: 381 / 4.
(5) إكمال الدين: 383 / 10 - باب 37.
بعد » (1) .
أكد الامام الهادي عليهالسلام على فضل العلماء في زمان الغيبة وأشاد بدورهم في حفظ الدين، فقد روي عنه عليهالسلام قوله: « لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الداعين إليه، والدالين عليه، والذابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة، كما يمسك صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل » (2) .
هناك الكثير من الأخبار التي تدلّ على أن الإمام الهادي عليهالسلام كان يتابع ما يجري على الساحة الفكرية، فيلاحق الأفكار المنحرفة والشبهات التي تطرح هنا وهناك في مواجهة الفكر الاسلامي الأصيل.
فتصدّى الإمام الهادي عليهالسلام لبعض الاتجاهات العقائدية المنحرفة والفرق الضالة ومنهم الغلاة الذين كانوا في زمانه، وهم الذين خرجوا عن الجادة ووصفوا الأئمّة عليهمالسلام بصفات الالوهية، فتبرأ أهل البيت عليهمالسلام منهم ولعنوهم وحاربوا مقالاتهم الباطلة، وتصدى كذلك للفرق التي توقفت على بعض الأئمّة عليهمالسلام كالواقفة والفطحية والصوفية وغيرهم.
__________________
(1) الامامة والتبصرة من الحيرة: 109 / 137، اكمال الدين: 381 / 6 و 382 / 7.
(2) الاحتجاج / الطبرسي: 455.
حركة الغلو من المعاول الهدامة التي تشكل خطورة بالغة على الفكر الاسلامي، لذلك اتخذ الأئمّة الأطهار من أهل البيت عليهمالسلام وشيعتهم مواقف شديدة من الغلو والغلاة، فأعلنوا عن كفرهم وإلحادهم والبراءة منهم، لحرصهم على تنزيه تعاليم الاسلام من التشويه والتحريف والافتراء، ولتصحيح المسار الاسلامي بكل ما حوى من علوم ومعارف واتجاهات، ولم يدخروا في هذا السبيل وسعاً.
وظهر في زمان امامة الهادي عليهالسلام بعض المفترين من أمثال القاسم بن يقطين، وعلي بن حسكة، والحسن بن محمد بن بابا القمي، ومحمد بن نصير الفهري النميري، وفارس بن حاتم بن ماهويه القزويني.
وعانى الامام الهادي عليهالسلام من هؤلاء الغلاه ومقالاتهم الباطلة، فقد ادعوا أن الامام الهادي عليهالسلام هو الرب الخالق والمدبر للكون، وأنه بعث ابن حسكة ومحمد بن نصير الفهري وابن بابا وغيرهم أنبياء يدعون الناس إليه ويهدونهم، ووضع هؤلاء بعض الأحاديث على لسان الأئمّة عليهمالسلام وهي تزخر بأنواع البدع التي منها ادعاؤهم أن الصلاة والزكاة والصيام وسائر الفرائض جميعها رجل، فاستهتروا بسائر السنن الالهية، وأسقطوا الفرائض عمن دان بمذهبهم، بل أباحوا كل ما حرمه الاسلام ونهى عنه كنكاح المحارم واللواط وقالوا بالتناسخ وما إلى ذلك من المحرمات، وكان هدفهم الاساس هو الاجهاز على الاسلام والطمع بأموال الناس وأخذها بالباطل والاستحواذ على الحقوق والوجوه الشرعية التي تحمل إلى الامام عليهالسلام .
وانطلاقاً من المسؤولية الشرعية والعلمية المناطة بالامام عليهالسلام ، فقد سعى
الى الحفاظ على الخط الرسالي الذي دافع عنه آباؤه الأئمّة عليهمالسلام ، وتصدى الامام عليهالسلام ومن ورائه أصحابه لهذه الحركة الهدامة، ووقفوا لجميع رموزها بالمرصاد، على الرغم مما تعرض له في حياته من ظلم الحكام واضطهادهم، وفي هذا الاتجاه صرح بأن الأئمة عليهمالسلام عبيد الله لا يشركون به شيئاً، إن أطاعوه رحمهم، وإن عصوه عذبهم، وما لهم على الله من حجة، بل الحجة لله عليهم وعلى جميع خلقه فلا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم ضراً، ولا أن يجلبوا لها خيراً إلا بمشيئة الله، وان لهم بالرسل أسوة، فقد كانوا يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق، كما لعن عليهالسلام المغالين وتبرأ منهم، وأعلن للناس ضلالهم وجحودهم، ودعا إلى نبذ أتباعهم، وحذر شيعته وسائر المسلمين من الاتصال بهم أو الانخداع بمفترياتهم، بل وأمرهم بهجرانهم والجائهم الى ضيق الطريق والتعرض لهم بالضرب، وأهدر دم زعيم الغلاة في وقته فارس بن حاتم، وأمر محبيه بالاعتدال، فكان أهم ما ترتب على المواقف التي أعلنها الامام عليهالسلام ضد الغلاه هو اهتداء بعض أصحابه الذين دخلت عليهم مثل هذه الشبهة، وذلك لأجل سوقهم إلى شاطئ الهداية والسلام، ومنهم الفتح بن يزيد الجرجاني،
وفيما يلى نستعرض مواقفه عليهالسلام من الغلاة على ضوء الأخبار الواردة في هذا المضمار.
عن سهل بن محمد أنه كتب إليه عليهالسلام : « قد اشتبه يا سيدي على جماعة من مواليك أمر الحسن بن محمد بن بابا، فما الذي تأمرنا يا سيدي في أمره نتولاه أم نتبرأ منه، أم نمسك عنه، فقد كثر القول فيه؟ فكتب بخطه وقرأته: ملعون هو
وفارس، تبرأوا منهما، لعنهما الله، ضاعف ذلك على فارس » (1) .
وعن محمد بن عيسى، قال: « كتب إلي أبو الحسن العسكري عليهالسلام ابتداءً منه: لعن الله القاسم اليقطيني، ولعن الله على ابن حسكة القمي، إن شيطاناً يتراءى للقاسم فيوحي إليه زخرف القول غروراً » (2) .
وعن أبي محمد الرازي، قال: « ورد علينا رسول من قبل الرجل (3): أما القزويني فارس فإنه فاسق منحرف، ويتكلم بكلام خبيث، فلعنه الله » (4) .
وعن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: كتب أبو الحسن العسكري عليهالسلام إلى علي بن عمرو القزويني بخطه: « اعتقد فيما تدين الله به أن الباطن عندي حسب ما أظهرت لك فيمن استنبأت عنه، وهو فارس لعنه الله، فإنه ليس يسعك إلا الاجتهاد في لعنه وقصده ومعاداته، والمبالغة في ذلك بأكثر ما تجد السبيل إليه، ما كنت آمر أن يدان الله بأمر غير صحيح، فجد وشد في لعنه وهتكه وقطع أسبابه، وصد أصحابنا عنه، وإبطال أمره، وأبلغهم ذلك مني، واحكه لهم عني، وإني سائلكم بين يدي الله عن هذا الأمر المؤكد، فويل للعاصي وللجاحد. وكتبت بخطي ليلة الثلاثاء لتسع ليال من شهر ربيع الأول سنة 250 هـ، وأنا أتوكل على الله وأحمده كثيراً » (5) .
عن إبراهيم بن داود اليعقوبي، قال: « كتبت إليه - يعني إلى أبي
__________________
(1) رجال الكشي: 528 / 1011.
(2) رجال الكشي: 518 / 996.
(3) الرجل: من ألقاب الامام الهادي عليهالسلام .
(4) رجال الكشي: 526 / 1009.
(5) الغيبة / الطوسي: 352 / 312.
الحسن عليهالسلام - أعلمه أمر فارس بن حاتم، فكتب: لا تحفلن به، وإن أتاك فاستخف به » (1) .
وعن إبراهيم بن محمد أنه قال: « كتبت إليه عليهالسلام : جعلت فداك، قبلنا أشياء تحكى عن فارس، والخلاف بينه وبين علي بن جعفر، حتى صار يبرأ بعضهم من بعض، فإن رأيت أن تمن علي بما عندك فيهما، وأيهما يتولى حوائجي قبلك حتى لا أعدوه إلى غيره، فقد احتجت إلى ذلك، فعلت متفضلاً إن شاء الله؟ فكتب عليهالسلام : ليس عن مثل هذا يسأل، ولا في مثله يشك، قد عظم الله قدر علي بن جعفر - متعنا الله تعالى به - من أن يقايس إليه، فاقصد علي بن جعفر بحوائجك، واخشوا فارساً وامتنعوا من إدخاله في شيء من أموركم، تفعل ذلك أنت ومن أطاعك من أهل بلادك، فإنه قد بلغني ما يموه به على الناس، فلا تلتفتوا إليه إن شاء الله » (2) .
عن موسى بن جعفر بن وهب، قال: « كتب عروة إلى أبي الحسن عليهالسلام في أمر فارس بن حاتم، فكتب: كذبوه واهتكوه، أبعده الله وأخزاه، فهو كاذب في جميع ما يدعي ويصف، ولكن صونوا أنفسكم عن الخوض والكلام في ذلك، وتوقوا مشاورته، ولا تجعلوا له السبيل إلى طلب الشر، فكفانا الله مؤونته ومؤونة من كان مثله » (3) .
وعن أحمد بن محمد بن عيسى، قال: « كتبت إليه عليهالسلام في قوم يتكلمون
__________________
(1) رجال الكشي: 522 / 1003.
(2) رجال الكشي: 523 / 1005.
(3) رجال الكشي: 522 / 1004.
ويقرأون أحاديث ينسبونها إليك وإلى آبائك، فيها ما تشمئز منها القلوب، ولا يجوز لنا ردها، إذ كانوا يروون عن آبائك عليهمالسلام ، ولا قبولها لما فيها، وينسبون الأرض إلى قوم يذكرون أنهم من مواليك، وهو رجل يقال له علي بن حسكة، وآخر يقال له القاسم اليقطيني. ومن أقاويلهم: إنهم يقولون: إن قول الله تعالى ( إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ) (1) معناها رجل، لا سجود ولا ركوع، وكذلك الزكاة معناها ذلك الرجل لا عدد دراهم ولا إخراج مال، وأشياء من الفرائض والسنن والمعاصي فأولوها وصيروها على هذا الحد الذي ذكرت لك، فإن رأيت أن تبين لنا وأن تمن على مواليك بما فيه سلامتهم ونجاتهم من هذه الأقاويل التي تخرجهم إلى الهلاك؟ فكتب عليهالسلام : ليس هذا ديننا فاعتزله » (2) .
وعن سهل بن زياد الآدمي، قال: « كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن العسكري عليهالسلام : جعلت فداك يا سيدي، إن علي بن حسكة يدعي أنه من أوليائك وأنك أنت الأول القديم، وأنه بابك ونبيك، أمرته أن يدعو إلى ذلك، ويزعم أن الصلاة والزكاة والحج والصوم كل ذلك معرفتك ومعرفة من كان في مثل حال ابن حسكة فيما يدعي من البابية والنبوة، فهو مؤمن كامل سقط عنه الاستعباد بالصلاة والصوم والحج، وذكر جميع شرائع الدين أن معنى ذلك كله ما ثبت لك، ومال الناس إليه كثيراً، فإن رأيت أن تمن على مواليك بجواب في ذلك تنجيهم من الهلكة.
قال: فكتب عليهالسلام : كذب ابن حسكة عليه لعنة الله، وبحسبك أني لا
__________________
(1) سورة العنكبوت: 29 / 45.
(2) رجال الكشي: 517 / 994.
أعرفه في موالي، ما له لعنة الله، فوالله ما بعث الله محمداً والأنبياء قبله إلا بالحنيفية والصلاة والزكاة والصيام والحج والولاية، وما دعا محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم إلا إلى الله وحده لا شريك له، وكذلك نحن الأوصياء من ولده عبيد الله لا نشرك به شيئاً، إن أطعناه رحمنا، وإن عصيناه عذبنا، ما لنا على الله من حجة، بل الحجة لله علينا وعلى جميع خلقه، أبرأ إلى الله ممن يقول ذلك، وأنتفي إلى الله من هذا القول، فاهجروهم لعنهم الله، والجؤوهم إلى ضيق الطريق، فإن وجدت أحداً منهم خلوة فاشدخ رأسه بالصخر » (1) .
وروى الكشي بالاسناد عن العبيدي، قال: « كتب إلي العسكري عليهالسلام ابتداءً منه: أبرأ إلى الله من الفهري، والحسن بن محمد بن بابا القمي، فابرأ منهما، فإني محذرك وجميع موالي، وإني ألعنهما عليهما لعنة الله مستأفكين يأكلان بنا الناس، فتانين مؤذيين آذاهما الله، أركسهما في الفتنة ركساً، يزعم ابن بابا أني بعثته نبياً، وأنه باب، عليه لعنة الله، سخر منه الشيطان فأغواه، فلعن الله من قبل منه ذلك. يا محمد، إن قدرت أن تشدخ رأسه بالحجر فافعل، فإنه قد آذاني، آذاه الله في الدنيا والآخرة » (2) .
عن محمد بن عيسى بن عبيد: « أن أبا الحسن العسكري عليهالسلام أمر بقتل فارس بن حاتم وضمن لمن قتله الجنة، فقتله جنيد، وكان فارس فتاناً يفتن الناس ويدعوهم إلى البدعة، فخرج من أبي الحسن عليهالسلام : هذا فارس لعنه الله يعمل من قبلي فتاناً داعياً إلى البدعة، ودمه هدر لكل من قتله، فمن هذا
__________________
(1) رجال الكشي: 518 / 997.
(2) رجال الكشي: 520 / 999.
الذي يريحني منه ويقتله، وأنا ضامن له على الله الجنة » (1) .
وعن جنيد، قال: « أرسل إلي أبو الحسن العسكري عليهالسلام يأمرني بقتل فارس بن حاتم لعنه الله، قال: فبعث إلي فدعاني، فصرت إليه، فقال: آمرك بقتل فارس بن حاتم. فناولني دراهم من عنده وقال: اشتر بهذه سلاحاً فاعرضه علي. فاشتريت سيفاً فعرضته عليه، فقال: رد هذا وخذ غيره. قال: فرددته وأخذت مكانه ساطوراً فعرضته عليه، فقال: هذا نعم. فجئت إلى فارس، وقد خرج من المسجد بين الصلاتين المغرب والعشاء، فضربت على رأسه فصرعته، فثنيت عليه فسقط ميتاً، ووقعت الضجة، فرميت الساطور من يدي واجتمع الناس، وأخذت إذ لم يوجد هناك أحد غيري، فلم يروا معي سلاحاً ولا سكيناً، وطلبوا الزقاق والدور فلم يجدوا شيئاً، ولم يروا أثر الساطور بعد ذلك » (2) .
كان للإمام الهادي عليهالسلام موقف حازم تجاه بعض الفرق التي وقفت على بعض الأئمّة عليهمالسلام ، ومن هؤلاء الذين وقفوا على الإمام الكاظم عليهالسلام بعد شهادته في سجون الظالمين، فادعوا أنه حي يرزق، وأنه هو القائم من آل محمد عليهمالسلام ، وأن غيبته كغيبة موسى بن عمران عن قومه، ويلزم من ذلك عدم انتقال الامامة إلى ولده الامام الرضا عليهالسلام وفق اعتقادهم.
وقد روج لهذه الفكرة بعض أصحاب الامام الكاظم عليهالسلام كعلي بن أبي حمزة البطائني، وزياد بن مروان القندي، وعثمان بن عيسى الرواسي وغيرهم بسبب
__________________
(1) رجال الكشي: 524 / 1006.
(2) رجال الكشي: 524 / 1006.
رغبات مادية كان لها الأثر في نفوسهم الضعيفة، حيث تجمعت لديهم أموال طائلة من الحقوق المالية، لأنهم كانوا من وكلاء الامام الكاظم عليهالسلام وخزنة أمواله في وقتٍ كان فيه الإمام عليهالسلام مودعاً السجن، وبعد شهادة الامام عليهالسلام أبوا عن تسليم تلك الأموال لولده القائم بعده، وتذرعوا بإنكار موته، وادعوا أنه حيّ لم يمت، وأصبح الوقف تيارا فكريا يتبناه بعض من لم تترسخ لديه مبادئ العقيدة الحقة، فيقف على بعض الأئمّة عليهمالسلام ، وقد استغرقت هذه الفرقة مدة من الزمن تخللها المنازعات والخلافات حتى عدلوا عن مذهب الوقف إلى قول الحق، فاعترف أكثرهم بإمامة الرضا عليهالسلام بعد أبيه الكاظم عليهالسلام ، وأخيراً انقرضت الواقفة ولم يبق لها أدنى أثر، وقد صرح الامام الهادي عليهالسلام بكونهم كالنصاب ودعا أصحابه الى البراءة منهم.
روى الكشي عن محمد بن الحسن، قال: حدثني أبو علي الفارسي، قال: حكى منصور عن الصادق علي بن محمد بن الرضا عليهمالسلام : « أن الزيدية والواقفة والممطورة والنصاب بمنزلة عنده سواء » (1) .
واهتدى كثير منهم على يد الامام الهادي عليهالسلام فتركوا الوقف وقالوا بامامته متأثرين بهديه وارشاده وكراماته، ومنهم: صالح بن الحكم بياع السابري، وأبو الحسن سعيد بن سهل البصري المعروف بالملاح، وإدريس بن زياد (2) .
وهم الذين قالوا بإمامة عبد الله الأفطح بن جعفر الصادق عليهالسلام بعد أبيه، وتذرعوا بأن عبد الله كان أكبر ولد أبي عبد الله عليهالسلام ، وقد رجع أكثرهم بعد
__________________
(1) رجال الكشي: 229 / 410.
(2) راجع: المناقب / ابن شهر آشوب 4: 407، اثبات الوصية / المسعودي: 229.
ذلك إلى القول بإمامة موسى بن جعفر الكاظم عليهالسلام ، لما شاهدوا براهين إمامته.
ولا ريب أن مقولة الفطحية واضحة البطلان والتهافت، ذلك لأنهم ادعوا أن الامامة تكون في الأكبر، واذا صح هذا فإنما تكون الامامة في الأكبر ما لم تكن به عاهة، وكان عبد الله يعاني من عاهة البدن وسوء العقيدة، فقد كان أفطح الرأس أو الرجلين، وكان يقول بقول المرجئة الذين يقعون في أمير المؤمنين علي عليهالسلام ، كما لم يرد عنه شيء من الفتيا في الحلال والحرام، ولا كان بمنزلة من يستفتى في الأحكام، وقد سئل عن مسائل صغار فلم يجب عنها.
وقد اهتدى بعض الفطحية الباقين الى زمان الامام الهادي عليهالسلام الى سواء السبيل متأثرين بأرشاداته عليهالسلام وكراماته، ومنهم عبد الله بن هليل ورجل آخر من أهل الكوفة (1) .
وهم الذين يظهرون التقشف والزهد لاغراء عامة الناس وبسطائهم، وقد نهى الامام الهادي عليهالسلام أصحابه وسائر المسلمين عن التواصل مع الصوفية والاختلاط بهم، لأن زهدهم لم يكن حقيقياً وإنما لاراحة أبدانهم، وأن تهجدهم في الليل لم يكن نسكاً وإخلاصاً في طاعة الله تعالى، وإنما هو وسيلة لصيد أموال الناس وإغوائهم، وأن أورادهم ليست عبادة خالصة لله بل هي رقص وغناء، وأن أتباعهم هم الحمقى والسفهاء.
قال الحسين بن أبي الخطاب: « كنت مع أبي الحسن الهادي عليهالسلام في مسجد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأتاه جماعة من أصحابه منهم أبو هاشم الجعفري، وكان بليغاً وله
__________________
(1) راجع: أصول الكافي1: 355 / 14 - باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الامامة من كتاب الحجة، دلائل الامامة: 416 / 380 / 13.
منزلة مرموقة عند الامام عليهالسلام ، وبينما نحن وقوف إذ دخل جماعة من الصوفية المسجد فجلسوا في جانب منه، وأخذوا بالتهليل، فالتفت الامام عليهالسلام إلى أصحابه فقال لهم: لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخداعين، فإنهم حلفاء الشياطين، ومخربوا قواعد الدين، يتزهدون لاراحة الأجسام، ويتهجدون لصيد الأنعام، يتجوعون عمراً حتى يديخوا للايكاف حمراً، لا يهللون إلا لغرور الناس، ولا يقللون الغذاء إلا لملا العساس واختلاس قلب الدفناس، يكلمون الناس بإملائهم في الحب، ويطرحونهم بإدلائهم في الجب، أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم الترنم والتغنية، فلا يتبعهم إلا السفهاء، ولا يعتقد بهم إلا الحمقى، فمن ذهب إلى زيارة أحدهم حياً أو ميتاً فكأنما ذهب إلى زيارة الشيطان وعبادة الأوثان، ومن أعان واحداً منهم فكأنما أعان معاوية ويزيد وأبا سفيان.
فقال له رجل من أصحابه: وإن كان معترفا بحقوقكم؟ قال: فنظر إليه شبه المغضب وقال: دع ذا عنك، من اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا، أما تدري أنهم أخس طوائف الصوفية؟ والصوفية كلهم من مخالفينا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإن هم إلا نصارى ومجوس هذه الاُمّة، أولئك الذين يجتهدون في إطفاء نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون » (1) .
نسب إلى الإمام الهادي عليهالسلام عدّة كتب ورسائل ومسائل في مجال الأحكام
__________________
(1) حديقة الشيعة / الأردبيلي: 603، الاثناعشرية / الحر العاملي: 29.
والشرائع والتفسير والأدعية والحكم والمواعظ والوصايا التربوية والبيانات التفصيلية في تفسير القرآن وغيرها، وقد وصلنا العديد منها مدونة في مصادر الحديث والرجال، وفيما يلي نذكر اسهاماته في هذا الاتجاه:
1 - أجوبته ليحيى بن أكثم عن مسائله (1) .
2 - كتاب المقنعة، المشتمل على أكثر الأحكام ومسائل الحلال والحرام، وهو منسوب الى الامام العسكري عليهالسلام غير أنه يبدو من رجال النجاشيأنّه للإمام الهادي عليهالسلام (2) .
3 - رسالته الى أهل الأهواز في الرد على أهل الجبر والتفويض وإثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين بالأدلة العلمية الواضحة، وهي تحتوي على أخصب الدراسات العلمية في المسائل العقائدية التي كانت مدار الجدل والكلام في ذلك الزمان (3) .
4 - قطعة من أحكام الدين ذكرها ابن شهرآشوب في المناقب عن الخيبري أو الحميري في كتاب مكاتبات الرجال عن العسكريين عليهماالسلام .
5 - وروي عنه عليهالسلام أجوبة كثيرة في المسائل الفقهية والعقائدية وغيرها من العلوم، وقد تكفلت بنقلها مجاميع الحديث والرجال.
6 - وروي عنه المزيد من الأدعية والتعقيبات.
7 - الزيارة الجامعة الكبيرة، وهي من أشهر زيارات الأئمّة
__________________
(1) راجع: الاختصاص / الشيخ المفيد: 91، تحف العقول / الحراني: 476، المناقب / ابن شهر آشوب 4: 404.
(2) راجع: رجال النجاشي: 166 / 439 ترجمة رجاء بن يحيى العبرتائي.
(3) راجع: تحف العقول / الحراني: 458.
الطاهرين عليهمالسلام وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً، لذلك حظيت بأهمية خاصة وموقع متميز عند علماء الطائفة من بين مثيلاتها من الأدعية والزيارات، وهي مروية باسناد صحيح عن الامام الهادي عليهالسلام ، وتتضمن كلاماً فريداً يزخر بالمعارف الالهية السامية، ويبين حقيقة الامام الذي يمثل حجة الله على الخلق، ومحور كائنات الوجود، وواسطة الفيض بين الخالق والمخلوق، والجامع لكل الخير والمحاسن، والقدوة المثلى للانسان، وقد جاء كل ذلك في أرقى مراتب البلاغة والفصاحة (1) .
وقد اهتم علماء الشيعة بهذه الزيارة واعتبروها أفضل الزيارات الجامعة سنداً ومحتوى. قال العلامة المجلسي: إن هذه الزيارة من أصح الزيارات سنداً، وأعمها مورداً، وأفصحها لفظاً، وأبلغها معنىً، وأعلاها شأناً (2) .
من هنا تعرض كثير من العلماء لشرحها وتفسير مضامينها، ومن تلك الشروح:
أ - الأعلام اللامعة في شرح الزيارة الجامعة، للسيد محمد بن عبد الكريم الطباطبائي البروجردي، جد السيد مهدي بحر العلوم النجفي.
ب - الالهامات الرضوية في شرح الزيارة الجامعة، للسيد محمد بن السيد محمود الحسيني اللواساني الطهراني، الشهير بالسيد محمد العصار، والمتوفى سنة 1355، والشرح فارسي.
جـ الأنوار الساطعة في شرح الزيارة الجامعة، للشيخ محمد رضا بن القاسم
__________________
(1) راجع: عيون أخبار الرضا 2: 272 / 1، الفقيه / الصدوق 2: 370 / 1625، التهذيب 6: 95 / 177، البلد الأمين / الكفعمي: 297.
(2) بحارالأنوار 102: 144.
الغراوي، فرغ منه سنة1361.
د - الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة، للسيد عبد الله بن محمد رضا شبر الحسيني الكاظمي، المتوفى سنة 1242، مفسر مجتهد، له مؤلفات كبيرة وكثيرة، وكان ينعت بالمجلسي الثاني، وهذا الشرح مطبوع.
هـ - البروق اللامعة في شرح الزيارة الجامعة، لعلي بن محمد جعفر الاسترابادي، المتوفى سنة 1315، كان عالماً مشاركاً في الفقه وأصوله وعلم الهيئة وغيرها.
و - شرح الزيارة الجامعة، للعلامة الميرزا علي نقي بن السيد حسين المعروف بالحاج آغا ابن السيد المجاهد الطباطبائي الحائري، المتوفى سنة 1289، وهو شرح كبير لكنه لم يتم.
ز - شرح الزيارة الجامعة، للشيخ الميرزا محمد علي بن المولى محمد نصير الرشتي النجفي، المتوفى سنة1334، والشرح فارسي كبير.
ح - شرح الزيارة الجامعة، للسيد بهاء الدين محمد بن مير محمد باقر الحسيني النائيني المختاري، المعاصر للشيخ الحر، كان فاضلاً عارفاً بالرجال.
ط - شرح الزيارة الجامعة، للمولى محمد تقى بن مقصود علي الاصفهاني المجلسي، والد العلامة المجلسي صاحب بحار الأنوار، والمتوفى سنة 1070.
ي - شرح الزيارة الجامعة الكبيرة، للشيخ أحمد بن زين الدين بن ابراهيم ابن صفر بن ابراهيم بن داغر الأحسائي، الذي تنسب إليه الطائفة الشيخية والكشفية، المتوفى قرب المدينة المنورة سنة 1243. والشرح مطبوع متداول.
ك - شمس طالعة في شرح الزيارة الجامعة، للميرزا محمد بن أبي القاسم ناصر حكمت طبيب زاده الأصفهاني، مطبوع.
ل - شمس طالعة في شرح الزيارة الجامعة، للسيد عبد الله بن أبي القاسم الموسوي البلادي، بالفارسية.
م - الشموس الطالعة في شرح الزيارة الجامعة، فارسي، للعلامة السيد حسين بن السيد محمد تقي الهمداني المتوفى سنة 1344، وهو من نفائس الشروح الفارسية ويتضمن تحقيقات عالية.
ن - الشموس الطالعة في شرح الزيارة الجامعة، للسيد الجليل الآقا ريحان الله ابن السيد جعفر الدارابي البروجردي، المتوفى سنة 1328.
س - مشارق الشموس الطالعة في شرح الزيارة الجامعة، للميرزا ابراهيم ابن الحاج عبد المجيد الشيرازي الحائري تلميذ السيد كاظم الرشتي (1) .
8 - قصار الحكم والمواعظ، ورد عن الإمام الهادي عليهالسلام المزيد من الحكم والمواعظ القصيرة، وهي تتصف بجزالة ألفاظها ومتانة اُسلوبها وعمق محتواها، وتختزن الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة والتعاليم السامية والعقائد الحقّة، وفي ما يلي مختار من كلماته القصار:
قال: « إن من الغرة بالله أن يصرّ العبد على المعصية ويتمنى على الله المغفرة. أورع الناس من وقف عند الشبهة، وأعبد الناس من أقام الفرائض، وأزهد الناس من ترك الحرام. إن الله جعل الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، وجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً، وثواب الآخرة
__________________
(1) راجع: الذريعة 13: 305 ومواضع أخرى متفرقة، إجازات الحديث / المجلسي: 135، كشف الحجب والاستار / السيد إعجاز حسين: 337، معجم المطبوعات العربية / اليان سركيس 1: 369، الأعلام / الزركلي 4: 131، معجم المؤلفين / كحالة 7: 188 و 11: 197.
من بلوى الدنيا عوضاً. اذكر مصرعك بين يدي أهلك فلا طبيب يمنعك ولا حبيب ينفعك. إذا كنتم في زمان العدل فيه أغلب من الجور فحرام أن يظن أحد بأحد سوءاً حتى يعلم ذلك منه، وإذا كنتم في زمان الجور فيه أغلب من العدل فليس لأحد أن يظن بأحد خيراً ما لم يعلم ذلك منه. اذكر حسرات التفريط بأخذ تقديم الحزم. حسن الصورة جمال ظاهر، وحسن العقل جمال باطن. خير من الخير فاعله، وأجمل من الجميل قائله، وأرجح من العلم حامله، وشر من الشر جالبه، وأهول من الهول راكبه. الدنيا سوق ربح فيها قوم وخسر آخرون. راكب الحرون أسير نفسه، والجاهل أسير لسانه. السهر ألذ للمنام، والجوع يزيد في طيب الطعام. البخل أذم الأخلاق، والطمع سجية سيئة. بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه شاهداً، ويأكله غائباً. الجهل والبخل أذم الأخلاق. الجاهل أسير لسانه. الحسد ماحق الحسنات، والزهو جالب المقت، والعجب صارف عن طلب العلم، داع إلى الغمط. الحلم أن تملك نفسك وتكظم غيظك مع القدرة عليه. الحكمة لا تنجع في الطباع الفاسدة. من لم يحسن أن يمنع لم يحسن أن يعطي. من جمع لك وده ورأيه فاجمع له طاعتك. من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه. من كان على بينة من ربه هانت عليه مصائب الدنيا ولو قرض ونشر. من هانت عليه نفسه فلا تأمن شره. شر الرزية سوء الخلق. الشاكر أسعد بالشكر منه بالنعمة التي أوجبت الشكر، لأن النعم متاع، والشكر نعم وعقبى. اعلموا أن النفس أقبل شيء لما أعطيت، وأمنع شيء لما منعت. أبقوا النعم بحسن مجاورتها، والتمسوا الزيادة فيها بالشكر عليها. إن الظالم الحالم يكاد أن يعفي على ظلمه
بحلمه، وإن المحق السفيه يكاد أن يطفئ نور حقه بسفهه. إياكم والحسد، فإنه يبين فيكم ولا يعمل في عدوكم. صلاح من جهل الكرامة هوانه. العقوق يعقب القلة، ويؤدي إلى الذلة. العجب صارف عن طلب العلم وتهذيب النفس، ويجعله يرتطم في الجهل. من سأل فوق قدر حقه فهو أولى بالحرمان. من اتقى الله يتقى، ومن أطاع الله يطاع، ومن أطاع الخالق لم يبال بسخط المخلوقين، ومن أسخط الخالق فلييقن أن يحل به سخط المخلوقين. المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحلل العقدة الوثيقة، وأقل ما فيه أن تكون فيه المغالبة، والمغالبة أس أسباب القطيعة. المقادير تريك ما لم يخطر ببالك. من أمن مكر الله أخذه تكبر حتى يحل به قضاؤه ونافذ أمره. الناس في الدنيا بالأموال وفي الآخرة بالأعمال. الهزل فكاهة السفهاء وصناعة الجهال. العتاب مفتاح التقالي والعتاب خير من الحقد. الغضب على من تملك لؤم. الفقر شره النفس وشدة القنوط. الغنى قلة تمنيك والرضا بمايكفيك. الكفر للنعم أمارة البطر وسبب للتغيير. اللجاجة مسلبة للسلامة ومؤدية للندامة. لا نجع في الطبائع الفاسدة. المصيبة للصابر واحدة، وللجازع اثنتان. ما استراح ذو الحرص والحكمة. مخالطة الأشرار تدل على شر من يخالطهم » (1) .
وقال الامام أبو الحسن العسكري عليهالسلام لرجل وقد أكثر من إفراط الثناء عليه: « أقبل على شأنك فإن كثرة الملق يهجم على الظنة، وإذا حللت من أخيك في محل الثقة، فاعدل عن الملق إلى حسن النية » (2) .
__________________
(1) راجع: تحف العقول: 482، بحار الأنوار 78: 368.
(2) بحار الأنوار 73: 295.
وقال عليهالسلام لبعض مواليه: « عاتب فلاناً وقل له: إن الله إذا أراد بعبد خيراً إذا عوتب قبل » (1) .
وعن سهل بن زياد، قال: « كتب إليه عليهالسلام بعض أصحابنا يسأله أن يعلمه دعوة جامعة للدنيا والآخرة، فكتب إليه: أكثر من الاستغفار والحمد فإنك تدرك بذلك الخير كله » (2) .
وقال عليهالسلام للمتوكل في حوار جرى بينهما: « لا تطلب الصفاء ممن كدرت عليه عيشه، ولا الوفاء ممن غدرت به، ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك إليه، فإنما قلب غيرك لك كقلبك له » (3) .
وعن أحمد بن هلال، قال: « سألت أبا الحسن الأخير عليهالسلام عن التوبة النصوح ما هي؟ فكتب عليهالسلام : أن يكون الباطن كالظاهر، وأفضل من ذلك » (4) .
وعن أبي هاشم الجعفري، قال: « أصابتني ضيقة شديدة فصرت إلى أبي الحسن علي بن محمد عليهالسلام فأذن لي، فلما جلست قال: يا أبا هاشم، أي نعم الله عز وجل عليك تريد أن تؤدي شكرها؟ قال أبو هاشم: فوجمت فلم أدر ما أقول له، فابتدأ عليهالسلام فقال: رزقك الايمان فحرم به بدنك على النار، ورزقك العافية فأعانتك على الطاعة، ورزقك القنوع فصانك عن التبذل. يا أبا هاشم، إنما ابتدأتك بهذا لأني ظننت أنك تريد أن تشكو إلى من فعل بك
__________________
(1) تحف العقول: 481.
(2) الأنوار البهية / عباس القمي: 237.
(3) بحار الأنوار 74: 182 و 78: 370.
(4) معاني الأخبار: 174.
هذا، وقد أمرت لك بمائة دينار فخذها » (1) .
استطاع إمامنا الهادي عليهالسلام أن يسهم في أداء دوره الرسالي ويقدّم عطاءات جادة على طريق الدفاع عن أصول الدين ونشر فروعه، رغم شدة الظروف وقسوة الحكام وحالات الاقصاء والتغييب، وذلك عن طريق ثلّة من أصحابه ووكلائه وطلاب مدرسته الفقهاء الرواة المنتشرين في طول البلاد وعرضها، وكان لاسلوب الاتصال بأصحابه عن طريق الكتابة والمراسلة الأثر البالغ في اتصال الامام عليهالسلام بالاُمّة، ويمكن أن نتلمس دور الإمام عليهالسلام في تبليغ أحكام الشريعة من خلال النقاط التالية:
1 - الرسائل والمسائل التي رواها عنه عليهالسلام أصحابه أو أخرجها إليهم، سيما التي تخصّ أحكام الدين وعلم الحلال والحرام.
2 - ما روي عنه عليهالسلام مكاتبة أو مشافهة في مجال الأحكام والسنن، وهي موزّعة على أبواب الفقه ومسائله المختلفة، وبمجموعها تعكس بشكل جلي الدور المشرق للامام عليهالسلام وأصحابه في التشريع ومساهمتهم في الحفاظ على خط الاسلام الأصيل ومبادئه السمحة في أحلك الظروف وأقساها.
3 - مايعرض عليه من أحاديث الأئمّة عليهمالسلام فيقوم بتصحيحها، ومن ذلك ما رواه شيخ الطائفة بالاسناد عن أبي السري سهل بن يعقوب بن إسحاق، عن الامام الهادي عليهالسلام ، قال: « قلت له ذات يوم: يا سيدي، قد وقع لي اختيار الأيام عن سيدنا الصادق عليهالسلام مما حدثني به الحسن بن عبد الله بن مطهر، عن
__________________
(1) الأمالي / الصدوق: 498 / 682.
محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، عن سيدنا الصادق عليهالسلام في كل شهر فأعرضه عليك؟ فقال لي: افعل. فلما عرضته عليه وصححته، قلت له: يا سيدي، في أكثر هذه الأيام قواطع عن المقاصد، لما ذكر فيها من النحس والمخاوف، فتدلني على الاحتراز من المخاوف فيها، فإنما تدعوني الضرورة إلى التوجه في الحوائج فيها؟ » الى آخر الحديث (1) .
4 - مساعدة أصحابه في فهم الأحكام الشرعية المختلف فيها، ومن ذلك ما روي عن إسحاق بن عبد الله العلوي العريضي، قال: « ركب أبي وعمومتي إلى أبي الحسن علي بن محمد عليهالسلام ، وقد اختلفوا فى الأربعة أيام التي تصام في السنة، وهو مقيم بصريا قبل مصيره إلى سر من رأى، فقال: جئتم تسألوني عن الأيام التي تصام في السنة . فقالوا: ما جئنا إلا لهذا. فقال: اليوم السابع عشر من ربيع الأول، وهو اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، واليوم السابع والعشرون من رجب، وهو اليوم الذي بعث فيه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، واليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة، وهو اليوم الذي دحيت فيه الأرض، واليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وهو يوم الغدير » (2) .
وعن خيران الخادم، قال: « كتبت إلى الرجل صلوات الله عليه أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صل فيه فإن الله إنما حرم شربها، وقال بعضهم: لا تصل فيه؟ فكتب عليهالسلام : لا تصل فيه فإنه رجس » (3) .
__________________
(1) الأمالي / الطوسي: 276 / 529.
(2) المناقب / ابن شهرآشوب 4: 417.
(3) الكافي 3: 405 / 5.
وعن جعفر بن إبراهيم بن محمد الهمداني، وكان معنا حاجا، قال:: « كتبت إلى أبي الحسن عليهالسلام على يدي أبي: جعلت فداك، إن أصحابنا اختلفوا في الصاع، بعضهم يقول: الفطرة بصاع المدني، وبعضهم يقول: بصاع العراقي؟ فكتب إلي: الصاع ستة أرطال بالمدني، وتسعة أرطال بالعراقي، قال: وأخبرني أنه يكون بالوزن ألفاً ومائة وسبعين وزنة » (1) .
وعن حمدان بن إسحاق الخراساني قال: « كان لي ابن، وكان تصيبه الحصاة، فقيل لي: ليس له علاج إلا أن تبطه، فبططته فمات، فقالت الشيعة: شركت في دم ابنك. قال: فكتبت إلى أبي الحسن العسكري عليهالسلام ، فوقع: ليس عليك فيما فعلت شيء، إنما التمست الدواء وكان أجله فيما فعلت » (2) .
5 - سيرة الامام الهادي عليهالسلام وسننه، هي نماذج من سيرة عترة المصطفى صلوات الله عليهم، وبمجموعها تعتبر مصاديق ناطقة عن سيرة جدهم المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم التي تجسد مبادئ الاسلام وشريعة السماء تجسيداً حياً، وفيما يلي نماذج منها.
أ - تسبيحه: كان عليهالسلام يقول فيه: « سبحان من هو دائم لا يسهو، سبحان من هو قائم لا يلهو، سبحان من هو غني لا يفتقر، سبحان الله وبحمده » (3) .
ب - سجدة الشكر: عن حفص الجوهري، قال: « صلى بنا أبو الحسن علي ابن محمد عليهالسلام صلاة المغرب، فسجد سجدة الشكر بعد السابعة، فقلت له عليهالسلام : كان آباؤك يسجدون بعد الثلاثة؟ فقال عليهالسلام : ما كان أحد من آبائي يسجد إلا
__________________
(1) الكافي 4: 172 / 9.
(2) الكافي 6: 53 / 6.
(3) الدعوات / الراوندي: 94.
بعد السابعة » (1) .
وعن يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان، قال: « رأيت أبا الحسن الثالث عليهالسلام سجد سجدة الشكر فافترش ذراعيه وألصق جؤجؤه وبطنه بالأرض، فسألته عن ذلك، فقال: كذا يجب » (2) .
ج - قنوته: كان عليهالسلام يقنت في صلاته بهذا الدعاء: « يا من تفرد بالربوبية، وتوحد بالوحدانية، يا من أضاء باسمه النهار، وأشرقت به الأنوار، وأظلم بأمره حندس الليل، وهطل بغيثه وابل السيل.
يا من دعاه المضطرون فأجابهم، ولجأ إليه الخائفون فأمنهم، وعبده الطائعون فشكرهم، وحمده الشاكرون فأثابهم، ما أجل شأنك، وأعلى سلطانك، وأنفذ أحكامك، أنت الخالق بغير تكلف، والقاضي بغير تحيف حجتك البالغة، وكلمتك الدامغة » (3)، إلى آخر الدعاء.
وله قنوت آخر يقول فيه: « مناهل كراماتك بجزيل عطياتك مترعة، وأبواب مناجاتك لمن أمك مشرعة، وعطوف لحظاتك لمن ضرع إليك غير منقطعة، وقد ألجم الحذار، واشتد الاضطرار، وعجز عن الاصطبار أهل الانتظار، وأنت اللهم بالمرصد من المكار، اللهم وغير مهمل مع الامهال، واللائذ بك آمن، والراغب إلك غانم، والقاصد اللهم لبابك سالم، اللهم فعاجل من قد استن في طغيانه، واستمر على جهالته لعقباه في كفرانه، وأطمعه حلمك عنه في نيل إرادته، فهو يتسرع إلى أوليائك بمكارهه،
__________________
(1) التهذيب 2: 114 / 426.
(2) الكافي 3: 324 - 325 / 15.
(3) مهج الدعوات: 61.
ويواصلهم بقبائح مراصده، ويقصدهم في مظانهم بأذيته.
اللهم اكشف العذاب عن المؤمنين، وابعثه جهرة على الظالمين، اللهم اكفف العذاب عن المستجيرين، واصببه على المغترين، اللهم بادر عصبة الحق بالعون، وبادر أعوان الظلم بالقصم، اللهم أسعدنا بالشكر، وامنحنا النصر، وأعذنا من سوء البداء والعاقبة والختر » (1) .
د - احتجامه: عن يعقوب بن يزيد، عن بعض أصحابنا، قال: « دخلت على أبي الحسن علي بن محمد العسكري عليهالسلام يوم الاربعاء وهو يحتجم، فقلت له: إن أهل الحرمين يروون عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: من احتجم يوم الاربعاء فأصابه بياض فلا يلومن إلا نفسه. فقال عليهالسلام : كذبوا إنما يصيب ذلك من حملته أمه في طمث » (2) .
هـ - الأطعمة: عن محمد بن عيسى، عن أبي الحسن الثالث عليهالسلام ، قال: « كان يقول: ما أكلت طعاماً أبقى ولا أهيج للداء من اللحم اليابس - يعني القديدـ » (3) .
وعن محمد بن عيسى، عن أبي الحسن عليهالسلام ، أنه كان يقول: « القديد لحم سوء، لأنه يسترخي في المعدة، ويهيج كل داء، ولا ينفع من شيء بل يضره » (4) .
وعن أبي علي بن راشد، قال: « سمعت أبا الحسن الثالث عليهالسلام يقول: أكل
__________________
(1) مهج الدعوات: 60.
(2) الخصال: 386 / 70 باب السبعة.
(3) الكافي 6: 314 / 3.
(4) الكافي 6: 314 / 4.
العسل حكمة » (1) .
وعن سهل بن زياد، عن بعض أصحابنا، قا: قال أبو الحسن الثالث عليهالسلام لبعض قهارمته: « استكثروا لنا من الباذنجان، فإنه حار في وقت الحرارة، وبارد في وقت البرودة، معتدل في الأوقات كلها، جيد على كل حال » (2) .
و - التجمل: عن أبي هاشم الجعفري، قال: « دخلت على أبي الحسن صاحب العسكر عليهالسلام ، فجاء صبي من صبيانه فناوله وردة، فقبّلها ووضعها على عينيه ثم ناولنيها، وقال عليهالسلام : يا أبا هاشم، من تناول وردة أو ريحانة فقبلها ووضعها على عينيه، ثم صلى على محمد وآل محمد، كتب الله له الحسنات مثل رمل عالج، ومحا عنه من السيئات مثل ذلك » (3) .
ز - الاستجارة بالحائر الحسيني: كان الامام الهادي عليهالسلام اذا ألمّ به مرض أو أصابته علّة استجار بالحائر الحسيني، وهو مرقد سيد شباب أهل الجنة وسبط الرحمة الامام الحسين عليهالسلام ، وقد روى أبو هاشم الجعفري روايات عديدة في هذا الخصوص منها:
قال أبو هاشم الجعفري: « دخلت على أبي الحسن علي بن محمد عليهالسلام وهو محموم عليل، فقال لي: يا أبا هاشم، ابعث رجلاً من موالينا إلى الحائر يدعو الله لي، فخرجت من عنده، فاستقبلني علي بن بلال، فأعلمته ما قال لي، وسألته أن يكون الرجل الذي يخرج، فقال: السمع والطاعة، ولكنني أقول إنه أفضل من الحائر، إذا كان بمنزلة من في الحائر، ودعاؤه لنفسه أفضل من دعائي
__________________
(1) المحاسن / البرقي2: 526 / 759.
(2) الكافي 6: 373.
(3) الكافي 6: 525.
له بالحائر. فأعلمته عليهالسلام ما قال، فقال لي: قل له: كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أفضل من البيت والحجر، وكان يطوف بالبيت ويستلم الحجر، وإن لله بقاعاً يحب أن يدعى فيها فيستجيب لمن دعاه، والحائر منها » (1) .
وفي رواية قال: « إن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يطوف بالبيت ويقبل الحجر، وحرمة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والمؤمن أعظم من حرمة البيت، وأمره الله أن يقف بعرفة، إنما هي مواطن يحبّ الله أن يذكر فيها، فأنا أحبّ أن يدعى لي حيث يحبّ الله أن يدعى فيها، والحائر من تلك المواضع » (2) .
ح - وله عليهالسلام أدعية وتعقيبات كثيرة: فقد كان عليهالسلام يعقب بعد صلاة الفجر ولا ينام، وكان يدعو بدعاء طويل عقيب صلاة العصر، وروي عنه دعاء الفرج وأدعية ومناجيات أخرى في أغراض شتى، ولو أوردناها جميعاً لطال بنا المقام وخرجنا عن غرض الكتاب (3) .
27 - تربية نخبة صالحة من أصحابه الرواة والفقهاء والمؤلفين، ولاريب أن العطاءات العلمية للإمام عليهالسلام تنكشف من خلال عمل أصحابه المعتمدين، وهم يشكّلون الامتداد الروحي والفكري للإمام في أوساط الاُمّة، وتزداد الحاجة الى مثل هؤلاء الأتباع في زمان الامام الهادي عليهالسلام بسبب الظروف الداعية إلى السرية والاحتجاب نتيجة سياسة القهر والاقصاء والمراقبة المفروضة على الامام عليهالسلام من قبل السلطة.
__________________
(1) كامل الزيارات: 288 / 3 باب 90.
(2) كامل الزيارات: 287 / 1 باب 90.
(3) راجع: مهج الدعوات: 60 و 61 و 271، البلد الأمين: 60، مصباح المتهجد: 556.
ومارس الامام الهادي عليهالسلام دور التربية والتوجيه والاعداد لخاصة أصحابه وقاعدته المؤمنة بمرجعيته الفكرية والروحية، لتحصينهم من موجات الانحراف العقائدي والفكري، وتسليحهم بالفقه والمعرفة، فجعل منهم دعاة حق وخير، ومراجع تهرع اليهم الاُمّة عند الأزمات، وتنهل شتى أنواع المعارف.
قال أبو حماد الرازي: « دخلت على الامام علي بن محمد عليهالسلام بسر من رأى، فسألته عن أشياء من الحلال والحرام فأجابني عنها، فلما ودعته قال لي: يا حماد إذا أشكل عليك شيء من أمر دينك بناحيتك، فسل عنه عبد العظيم الحسني، واقرأه مني السلام » (1) .
وكان من نتائج ذلك الاشراف والتواصل بين الإمام عليهالسلام وقاعدته أن اكتملت في عصره عليهالسلام معالم مدرسة الفقهاء الرواة الذين كانوا يعيشون في أوساط الناس، وينقلون إليهم الأحكام والسنن والعقائد، واستوفت تلك المدرسة كل متطلبات المدرسة العلمية من حيث المنهج والمصدر والمادة، ومهّدت بذلك لعهد الغيبة الصغرى حيث انبثقت عنها مدرسة الفقهاء المحدثين (2) .
ولغرض الاطلاع على سعة تلك المدرسة وامتداد مرجعية الإمام الهادي عليهالسلام ومكانته العلمية ودوره في التشريع، نذكر بعض أقطاب تلك المدرسة الثقات والمؤلفين وكما يلي.
__________________
(1) معجم رجال الحديث / السيد الخوئي 10: 53.
(2) راجع: تاريخ التشريع الاسلامي / د. عبد الهادي الفضلي: 194 ومابعدها - دار الكتاب الاسلامي - 1414 هـ.
استطاعت ثلة واسعة من رواد مدرسة أهل البيت عليهمالسلام التواصل مع الإمام الهادي عليهالسلام عن طريق المكاتبة والمراسلة وشتى الوسائل، وكان فيهم الفقهاء والمؤلفون والمفسرون والعلماء في مختلف الفنون والمعارف، وقد أسهموا في نشر مبادئ تلك المدرسة في مختلف ديار الاسلام.
وبلغ عدد الرواة الذين أخذوا عنه العلم ورووا الحديث أو كاتبوه فأجابهم عن مسائلهم نحو (187) كما في رجال الشيخ الطوسي (1)، وإذا ضممنا إليهم ما ورد في رجال البرقي ومناقب ابن شهرآشوب ومسند الإمام الهادي، والذين وقعوا في إسناد الأخبار والتواقيع والمكاتبات الواردة عنه، يكون العدد (263) من غير تكرار، وهو عدد كبير يدلّ على سعة الدور العلمي البارز الذي اضطلع به أصحاب الإمام الهادي عليهالسلام مع شدة الظروف المحيطة بعملهم، ويدلّ على سموّ المقام المعرفي والمكانة العلمية التي يمثلها الإمام الهادي عليهالسلام . وفيما يلي نقتصر على ذكر الثقات من أصحابه عليهالسلام .
إبراهيم بن عبدة النيسابوري، إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، أحمد بن أبي عبد الله البرقي، أحمد بن إسحاق الرازي، أحمد بن إسحاق بن عبد الله، أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، أحمد بن محمد بن عبيد الله الأشعري القمي، أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي، أيوب بن نوح بن دراج النخعي، الحسن بن راشد أبو علي البغدادي، الحسن بن ظريف، الحسين بن أسد البصري، الحسين ابن سعيد بن حماد الأهوازي، الحسين بن مالك القمي، حمدان بن سليمان بن عميرة المعروف بابن التاجر، خيران الخادم القراطيسي، داود بن أبي زيد، داود بن القاسم الجعفري، الريان بن الصلت البغدادي، سهل بن زياد الآدمي،
__________________
(1) رجال الشيخ: 395 - 403.
صالح بن محمد الهمداني، عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عثمان بن سعيد العمري أبو عمرو السمان، علي بن جعفر الهمداني، علي بن الحسين الهمداني، علي بن الريان بن الصلت الأشعري القمي، علي بن شيرة، علي بن محمد المنقري، علي بن مهزيار الأهوازي أبو الحسن، الفضل بن شاذان النيسابوري، محمد بن أبي الصهبان أبو محمد، محمد بن جزك الجمال، محمد بن الحسين بن أبي الخطاب أبو جعفر الزيات، محمد بن الريان بن الصلت الأشعري القمي، محمد بن عثمان العمري، النضر بن محمد الهمداني، هارون بن مسلم بن سعدان الكاتب السر من رائي، يعقوب بن إسحاق بن السكيت، يعقوب بن يزيد الكاتب، أبو الحسين بن الحصين، أبو الحسين بن هلال، أبو الحصين بن الحصين الحصيني.
هؤلاء هم الذين ورد فيهم التوثيق من علماء الرجال، ولو أردنا أن نذكر كلّ من ورد فيه مدح من أصحاب الإمام الهادي عليهالسلام لكانت القائمة أكبر.
ومن بين الرواة والفقهاء والعلماء من أصحابه عليهالسلام من اشتغل بالتصنيف والتأليف في مجال الأحكام والسنن والعقائد وغيرها، وقد صارت كتبهم منذ ذلك الوقت مصادر يُستقى منها العلم، ومناهل تؤخذ منها المعرفة، واُصولاً لمجاميع الحديث التالية لها، ولايزال بعضها متداولاً إلى اليوم كالمحاسن لأحمد بن محمد بن خالد البرقي.
وفيما يلي نذكر أسماء المؤلفين من أصحاب الإمام الهادي عليهالسلام ، ومن أراد التوسّع في معرفة تفاصيل تراجمهم فليرجع إلى كتب الرجال:
1 - إبراهيم بن عبدة النيسابوري، له كتاب مناسك الحج.
2 - إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، له كتاب البشارات ونوادر الحكمة، وهو من أصحاب الاصول التي استخرج منها الشيخ الصدوق أحاديث كتابه
الفقيه وحكم بصحتها وأن عليها المعول وإليها المرجع.
3 - أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون الكاتب، أبو عبد الله النديم، شيخ أهل اللغة ووجههم، أستاذ أبي العباس، وله كتب، ولد سنة 207 ومات سنة 309.
4 - أحمد بن محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي، أبو جعفر البرقي، مؤلف كتاب المحاسن وكتاب النجوم وغيرهما، توفي سنة 274 أو 280.
5 - أحمد بن إسحاق بن عبد الله بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري، أبو علي القمي، قال أبو الحسن علي بن عبد الواحد الخمري وأحمد ابن الحسين: رأيت من كتبه كتاب علل الصوم كبير، مسائل الرجال لأبي الحسن الثالث عليهالسلام جمعه.
6 - أحمد بن الحسن بن علي بن محمد بن فضال، مات سنة 260، وهو معدود من المصنفين.
7 - أحمد بن محمد بن عبيد الله الأشعري القمي، له كتاب نوادر.
8 - أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي، يظهر من النجاشي والشيخ أن كتبه في الفقه منحصرة بكتاب المتعة أو كتاب النوادر، وكان غير مبوب فبوبه داود بن كورة، وله كتاب الحج، وبالجملة كانت كتبه عند المشايخ الثلاثة يأخذون منها الأحاديث ويثبتونها في الكتب الأربعة.
9 - أحمد بن مطهر صاحب كتاب معتمد، وهو من أصحاب الاصول التي اعتمد عليها الشيخ الصدوق وحكم بصحتها، واستخرج أحاديث كتابه الفقيه منها.
10 - أيوب بن نوح بن دراج النخعي، له كتاب وروايات ومسائل من أبي الحسن الثالث عليهالسلام .
11 - جعفر بن محمد بن يونس الأحول الصيرفي، مولى بجيلة، له كتاب.
12 - الحسن بن خرزاد القمي، له كتاب أسماء رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم وكتاب المتعة.
13 - الحسن بن ظريف، له نوادر.
14 - الحسين بن سعيد بن حماد الأهوازي، له ثلاثون كتاباً.
15 - حمدان بن إسحاق الخراساني، له كتاب علل الوضوء.
16 - داود بن أبي زيد، له كتب ذكرها الكشي وابن النديم في كتابيهما.
17 - داود بن القاسم الجعفري، له كتاب.
18 - رجاء بن يحيى العبرتائي، له رسالة تسمى المقنعة في أبواب الشريعة، رواها عنه أبو المفضل الشيباني.
19 - السري بن سلامة الاصفهاني، له كتاب.
20 - علي بن بلال، بغدادي، يكنى أبا الحسن، له كتاب.
21 - علي بن الريان بن الصلت الأشعري القمي، له عنه نسخة وله كتاب منثور الأحاديث.
22 - علي بن معبد، بغدادي، له كتاب.
23 - علي بن مهزيار الأهوازي، يكنى أبا الحسن، له ثلاثة وثلاثون كتاباً.
24 - الفضل بن شاذان النيسابوري، له كتاب.
25 - محمد بن أورمة، له كتب منها: كتاب الوضوء، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، كتاب تفسير القرآن، كتاب الرد على الغلاة، كتاب الدعاء، كتاب الزهد، كتاب ما نزل من القرآن في علي.
26 - محمد بن الريان بن الصلت الأشعري القمي، له عنه عليهالسلام مسائل.
27 - محمد بن علي بن عيسى الأشعري القمي، له مسائل لأبي محمد العسكري عليهالسلام .
28 - هارون بن مسلم بن سعدان الكاتب السر من رائي، له كتاب التوحيد، وكتاب الفضائل، وكتاب الخطب، وكتاب المغازي، وكتاب الدعاء، وله مسائل لأبي الحسن الثالث عليهالسلام .
29 - يعقوب بن إسحاق بن السكيت، له كتاب إصلاح المنطق، وكتاب الألفاظ، وكتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه، وكتاب الأضداد، وكتاب المذكر والمؤنث، كتاب المقصور والممدود، وكتاب الطير، وكتاب النبات، وكتاب الوحش وغيرها.
اضطلعت شريحة اُخرى من الأصحاب بتأمين التواصل بين الامام عليهالسلام والاُمّة، فكانوا قيّمين ووكلاء له في طول البلاد وعرضها، ومنهم: إبراهيم بن عبدة النيسابوري، أيوب بن نوح بن دراج النخعي، جعفر بن سهيل الصيقل، الحسن بن راشد، زنكان أبو سليم، علي بن جعفر الهمداني، علي بن الريان بن الصلت الأشعري.
للامام الهادي عليهالسلام اسهامات في علوم أخرى يأتي على رأسها ارشاداته التي تنضوي تحت علم الطب، وفيما يلي بعض الروايات في هذا الاتجاه:
روى الحسين وأبو عتاب ابنا بسطام بالاسناد عن أحمد بن العباس بن المفضل، عن أخيه عبد الله، قال: « لدغتني العقرب فكادت شوكته حين ضربتني تبلغ بطني من شدة ما ضربتني، وكان أبو الحسن العسكري عليهالسلام جارنا فصرت إليه، فقلت: إن ابني عبد الله لدغته العقرب، وهو ذا يتخوف عليه؟ فقال: اسقوه من دواء الجامع، فإنه دواء الرضا عليهالسلام . فقلت: وما هو؟ قال:
دواء معروف. قلت: مولاي فإني لا أعرفه. قال: خذ سنبل وزعفران وقاقلة وعاقر قرحا وخربق أبيض وبنج وفلفل أبيض - أجزاء سواء بالسوية - وأبرفيون جزءين، يدق دقاً ناعماً، وينخل بحريرة، ويعجن بعسل منزوع الرغوة، ويسقى منه للسعة الحية والعقرب حبة بماء الحلتيت، فإنه يبرأ من ساعته. قال: فعالجناه به وسقيناه فبرأ من ساعته، ونحن نتخذه ونعطيه للناس إلى يومنا هذا » (1) .
ولم يتردد الامام الهادي عليهالسلام عن وصف العلاج حتى لألدّ أعدائه، وهو المتوكل العباسي، فقد روي بالاسناد عن إبراهيم بن محمد الطاهري أنه قال: « مرض المتوكل من خراج خرج به وأشرف منه على الهلاك، فلم يجسر أحد أن يمسه بحديدة، فنذرت أمه إن عوفي أن تحمل إلى أبي الحسن علي بن محمد مالاً جليلاً من مالها، وقال له الفتح بن خاقان: لو بعثت إلى هذا الرجل فسألته فإنه لا يخلو أن يكون عنده صفة يفرج بها عنك، فبعث إليه ووصف له علته، فرد إليه الرسول بأن يؤخذ كسب الشاة، فيداف بماء ورد فيوضع عليه. فلما رجع الرسول فأخبرهم أقبلوا يهزؤون من قوله، فقال له الفتح: هو والله أعلم بما قال. وأحضر الكسب، وعمل كما قال، ووضع عليه، فغلبه النوم وسكن، ثم انفتح وخرج منه ما كان فيه وبشرت أمه بعافيته، فحملت إليه عشرة آلاف دينار تحت خاتمها، ثم استقلّ من علّته (2) الى آخر الحديث. وأمثلة هذه العلاجات المروية عنه كثيرة ».
* * *
__________________
(1) طب الأئمة: 88.
(2) اصول الكافي 1: 499 / 4 باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهالسلام من كتاب الحجة، الارشاد 2: 303، الخرائج والجرائح 1: 676 / 8.
الفصل السابع
شهادة الإمام الهادي عليه السلام
بعد أكثر من عشرين سنة من حالات التغييب والاقصاء والمراقبة التي عاناها الامام الهادي عليهالسلام خلال اقامته في سامراء، توفي عليهالسلام في يوم الاثنين الثالث من رجب سنة 254، وقيل: لثلاث أو أربع أو خمس بقين من جمادى الآخرة سنة 254، والأول أشهر نص عليه أغلب محدثي الطائفة ومؤرخيهم (1) .
واكتظّ الناس في موكب التشييع، وصلى عليه ابنه الإمام أبو محمد الحسن العسكري عليهالسلام (2)، وروي أنه عليهالسلام خرج في جنازته مشقوق القميص، فقيل له في ذلك، فقال: « قد شقّ موسى على هارون » (3) .
__________________
(1) راجع: أصول الكافي 1: 497 باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهالسلام من كتاب الحجة، دلائل الإمامة: 409، تاج المواليد / الطبرسي: 132 - ضمن مجموعة نفيسة - مكتبة السيد المرعشي - قم، المناقب لابن شهرآشوب 4: 433، كشف الغمة 3: 165 و 174، تاريخ بغداد 12: 57 / 6440، البداية والنهاية 11: 14 - 15، الفصول المهمة 2: 1074، اعلام الورى 2: 109، تاريخ اليعقوبي 2: 503، تاج الموليد 132، نور الأبصار: 83، بحار الأنوار 50: 117.
(2) أصول الكافي 1: 326 / 3 - باب الاشارة والنص على أبي محمد عليهالسلام من كتاب الحجة، الارشاد 2: 315، إعلام الورى 2: 133.
(3) رجال الكشي بشرح الداماد: 842 - 843، المناقب / ابن شهرآشوب 4: 467، وسائل الشيعة 3: 274 / 3634 - 3636.
وعن اليعقوبي: « أن المعتز بعث بأخيه أحمد بن المتوكل، فصلّى عليه في الشارع المعروف بشارع أبي أحمد، فلما كثر الناس واجتمعوا كثر بكاؤهم وضجتهم، فرُدّ النعش إلى داره فدفن فيها » (1) .
استشهد الإمام الهادي عليهالسلام وكان له من العمر يوم شهادته 41 عاماً وستة أشهر، وقيل: 40 عاماً، بحسب الاختلاف في تاريخ ولادته عليهالسلام .
قال ثقة الاسلام الشيخ الكليني: روي أنه قبض عليهالسلام في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين وله أحد وأربعون سنة وستة أشهر، وأربعون سنة على المولد الآخر الذي روي، وكان المتوكل أشخصه مع يحيى بن هرثمة بن أعين من المدينة إلى سر من رأى، فتوفي بها عليهالسلام ودفن في داره (2) . وهذه الدار كان الامام عليهالسلام قد ابتاعها من دليل النصراني.
روى الخطيب البغدادي بالاسناد عن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: وفي هذه السنة - يعني سنة أربع وخمسين ومائتين - توفي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بسر من رأى في داره التي ابتاعها من دليل بن يعقوب النصراني (3) .
نقل كثير من المؤرخين والمحدثين أنّ الإمام الهادي عليهالسلام مات مسموما،
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 503.
(2) راجع: أصول الكافي 1: 497 باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهالسلام من كتاب الحجة، الارشاد 2: 313، الفصول المهمة 2: 1080، اعلام الورى 2: 109، دلائل الامامة: 409.
(3) تاريخ بغداد 12: 57 / 6440.
منهم: المسعودي، وسبط ابن الجوزي، والشبلنجي، وابن الصباغ المالكي، والشيخ أبوجعفر الطبري (1)، وصرح الشيخ الكفعمي بأن الذي سمّه هو المعتز (2)، ونقل عن ابن بابويه أنّ الذي سمّه هو المعتمد العباسي (3)، لكن المعتمد بويع بالخلافة في النصف من رجب سنة 256 بعد قتل المهتدي، فإمّا أن يكون مصحفا، أو أن المعتمد هو الذي دسّ السمّ بايعازٍ من المعتز، فيكون ذلك جمعاً بين قول الشيخ الصدوق والشيخ الكفعمي.
وليس بعيدا عن مثل المعتز اقتراف مثل هذه الجريمة النكراء، لأنه كان شابا نزقاً لم يتحرج عن سفك الدماء، ففي سنة 252 خلع أخاه المؤيد من ولاية العهد وعذّبه بضربه أربعين مقرعة ثم حبسه ودبّر قتله في السجن بعد ذلك بخمسة عشر يوما، كما حبس أخاه أبا أحمد بن المتوكل سنة 253 ونفاه إلى واسط ثم إلى البصرة ثم ردّه إلى بغداد، وكتب أماناً لابن عمه المستعين بعد أن خلع نفسه عن الخلافة وبايع للمعتز وسكن واسط، فبعث إليه سعيد بن صالح الحاجب فأدخله سعيد في منزله وضربه حتى مات، وقيل: جعل في رجله حجراً وألقاه في دجلة، وحمل رأسه إلى المعتز وهو يلعب الشطرنج، فقيل له: هذا رأس المخلوع. فقال: ضعوه حتى أفرغ من الدست. فلما نظر إليه وأمر بدفنه، أعطى سعيداً خمسين ألف درهم وولاه معونة البصرة. وأبعد ابن عمه المهتدي إلى بغداد خوفاً من أن ينصبه الاتراك خليفة من بعده (4) .
__________________
(1) مروج الذهب 4: 423، تذكرة الخواص: 324، نور الأبصار / الشبلنجي: 337 - دار الجيل - بيروت، الفصول المهمة 2: 1076، دلائل الإمامة: 409.
(2) بحار الأنوار 50: 117 عن مصباح الكفعمي.
(3) المناقب لابن شهرآشوب 4: 433، عن ابن بابويه.
(4) راجع: الكامل في التاريخ 6: 185 و 192، تاريخ الخلفاء / للسيوطي: 279 وما
هذه كانت أفعال المعتز مع إخوته وأبناء عمومته، أما مع الطالبيين، فكانت أشد وأقسى، وهي تتوزع بين الابعاد والتشريد والحبس والقتل، ففي أيام المعتز قتل عبد الرحمن خليفة أبي الساج أحمد بن عبد الله بن موسى بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي، وتوفي في الحبس عيسى بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكان أبو الساج حمله فحبس بالكوفة فمات هناك، وقتل بالري جعفر بن محمد بن جعفر بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين، وقتل إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن عبيد الله بن الحسن بن عبد الله بن العباس بن علي، وحبس أحمد بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي في دار مروان، حبسه الحارث بن أسد عامل أبي الساج في المدينة فمات في محبسه (1) .
مما تقدم يتبين أن واقع الحال يشير إلى أن المعتز متّهم بقتل الإمام عليهالسلام ، وقد ورد التصريح بموت الإمام عليهالسلام مسموما كما تقدم، ويقوّي هذا الاحتمال كون الإمام عليهالسلام مات وهو في أوج الصحة والقوة والعنفوان.
قال أمين الاسلام الطبرسي: « ذهب كثير من أصحابنا إلى أنه عليهالسلام مضى مسموما، وكذلك أبوه وجده وجميع الأئمّة عليهمالسلام خرجوا من الدنيا بالشهادة، واستدلوا على ذلك بما روي عن الصادق عليهالسلام من قوله: مامنا إلاّ مقتول شهيد. واللّه أعلم بحقيقة ذلك » (2) .
__________________
بعدها، البداية والنهاية 11: 11 و 12.
(1) مقاتل الطالبيين: 433.
(2) أعلام الورى 2: 131.
بناءً على ذلك فإنّ جميع الأئمّة عليهمالسلام خرجوا من الدنيا بالقتل، وليس فيهم من يموت حتف أنفه، وقاتلهم دائما هو الحاكم الذي يحذر نشاطهم ويتوجس منهم خيفة، لأنّهم يمثلون جبهة المعارضة ضد الانحراف الذي يمثله الحاكم (1) .
وصرّح بعض أعلام الشيعة في بعض أشعارهم بموت الإمام عليهالسلام مسموما من قبل المعتز.
يقول الشيخ محمد حسين الاصفهاني في ارجوزته:
قاسى الامام من بني العباس |
ما ليس في الوهم وفي القياس |
|
كم مرة من بعد مرة حبس |
وهو بما يراه منهم محتبس |
|
حتى قضى بالغم عمراً كاملا |
فسمه المعتز سما قاتلا |
|
قضى شهيداً في ديار الغربه |
في شدة ومحنة وكربه (2) |
ويقول الشيخ حسين الدرازي:
فيا قلبي المضنا أدم في صبابة |
إلى أن تقوم الناس في الحشر والنشر |
|
فإن علياً خير من وطأ الثرى |
وصي رسول الله في العلم والسر |
|
قضى وهو مسموماً فوالهفتي له |
ويا طول حزني ما بقيت من الدهر |
__________________
(1) راجع بحثا مفصلاً حول هذا الموضوع في تاريخ الغيبة الصغرى / للسيد محمد محمدصادق الصدر: 229.
(2) الأنوار القدسية / الشيخ محمد حسين الاصفهاني: 101.
لقد أصبح الدين الحنيفي ثاوياً |
على الأرض ملحوداً وقد ضم في القبر |
|
على الدار من بعد الوصى عليها |
سلام مدى الأيام في منتهى العمر |
|
أيقتل مسموماً على غير جرمه |
وتهتك أسرار الشرائع والأمر (1) |
ويقول السيد صالح النجفي:
بنفسي مسموماً قضى وهو نازح |
عن الأهل والأوطان جمّ المهاضم (2) |
ويقول الشيخ محمد علي اليعقوبي:
ثم نال المعتز ما شاء منه |
إذ سقاه السم النقيع جهارا |
|
فاستشاطت له البلاد وصارت |
صيحة طبقت بها الأقطارا |
|
أتراها درت عشية أودى |
أن فيها نور الهدى قد توارى (3) |
ويقول آخر:
بنفسي مسجوناً غريباً مشاهداً |
ضريحاً له شقته أيدي الغواشم |
__________________
(1) مجموعة وفيات الأئمة عليهمالسلام : 387.
(2) المجالس السنية / السيد الأمين 5: 656.
(3) الذخائر / ديوان شعر اليعقوبي: 64.
بنفسي موتوراً عن الوتر مغضياً |
يسالم أعداء له لم تسالم |
|
بنفسي مسموماً قضى وهو نازح |
عن الأهل والأوطان جم المهاضم (1) |
عن الحسين بن روح، قال: « قال أبو الحسن عليهالسلام : قبري بسرّ من رأى أمانٌ لأهل الخافقين » (2) .
وعن أبي هاشم الجعفري، قال: « قال لي أبو محمد الحسن بن علي عليهالسلام : قبري بسرّ من رأى أمانٌ لأهل الجانبين » (3) .
وقال العلامة المجلسي في زيارة الامامين العسكريين عليهمالسلام : اعلم أن زيارتهما صلوات الله عليهمافي الأوقات والأيام الشريفة والأزمان المختصة بهما أفضل وأنسب، كيوم ولادة الامام الهادي عليهالسلام ، وهو في النصف من ذي الحجة، وبرواية ابن عياش ثاني رجب، أو خامسه، وبرواية إبراهيم بن هاشم ثالث عشر رجب، والأول أشهر، ولكن كونه في رجب قد ورد به الخبر. ويوم وفاته وهو ثالث رجب برواية إبراهيم بن هاشم وغيره، أو ثانيه أوخامسه على بعض الأقوال، أو لأربع بقين من جمادى الآخرة برواية ثقة الاسلام الشيخ الكليني،
__________________
(1) المجالس السنية 5: 656.
(2) المناقب لابن شهر آشوب 4: 459.
(3) التهذيب 6: 93 - كتاب المزار باب 43 فضل زيارة أبي الحسن وأبي محمد عليهماالسلام .
ويوم إمامته وهو آخر ذي القعدة أو الحادي عشر منه.
ويوم ولادة الامام العسكري عليهالسلام ، وهو عاشر ربيع الثاني على قول الشيخ المفيد والشيخ، أو ثامنه على قول الطبرسي، أو رابعه على قول الشهيد. ويوم وفاته وهو ثامن ربيع الأول على قول ثقة الاسلام الشيخ الكليني وشيخ الطائفة الطوسي في التهذيب والطبرسي والشهيد رحمهم الله، أو أوله على قول شيخ الطائفة الطوسي في المصباح. ويوم انتقال الخلافة إليه، وهو يوم وفاة والده صلوات الله عليهما (1) .
1 - روى شيخ الطائفة الطوسي بالاسناد عن المنصوري، عن عم أبيه، في حديث طويل، قال: « قلت للامام الهادي عليهالسلام : يا سيدي، تعلمني دعاء أختص به من الأدعية؟ فقال عليهالسلام : هذا الدعاء كثيراً ما أدعو الله به، وقد سألت الله أن لا يخيب من دعا به في مشهدي بعدي، وهو: يا عدتي عند العدد، ويا رجائي والمعتمد، ويا كهفي والسند، ويا واحد يا أحد، يا قل هو الله أحد، أسألك اللهم بحق من خلقته من خلقك، ولم تجعل في خلقك مثلهم أحداً، أن تصلي عليهم وتفعل بي كيت وكيت » (2) .
2 - ذكر محمد بن الحسن بن الوليد الزيارة التالية للامامين العسكريين عليهماالسلام فقال: « إذا أردت زيارة قبريهما تغتسل وتتنظف، والبس ثوبيك الطاهرين، فإنّ وصلت إليها وإلاّ أومأت من الباب الذي على الشارع وتقول: السلام عليكما يا وليي اللّه، السلام عليكما يا حجتي اللّه، السلام عليكما يا نوري اللّه
__________________
(1) بحار الأنوار 102: 78.
(2) بحار الأنوار 50: 127.
في ظلمات الأرض، السلام عليكما يا من بدا للّه فيكما، أتيتكما عارفا بحقكما، معاديا لأعدائكما، مواليا لأوليائكما، مؤمنا بما آمنتما به، كافرا بما كفرتما به، محققا لما حققتما، مبطلاً لما أبطلتما، أسأل اللّه ربي وربكما أن يجعل حظي من زيارتكما الصلاة على محمد وأهل بيته، وأن يرزقني مرافقتكما في الجنان مع آبائكما الصالحين، وأسأله أن يعتق رقبتي من النار، ويرزقني شفاعتكما ومصاحبتكما، ولايفرق بيني وبينكما، ولايسلبني حبكما وحب آبائكما الصالحين، ولايجعله آخر العهد منكما ومن زيارتكما، وأن يحشرني معكما في الجنة برحمته.
اللهم ارزقني حبهما، وتوفّني على ملّتهما، والعن ظالمي آل محمد حقهم وانتقم منهم، اللهم العن الأولين منهم والآخرين، وضاعف عليهم العذاب الأليم إنّك على كل شيءٍ قدير، اللهم عجل فرج وليك وابن نبيك، واجعل فرجنا مع فرجهم يا أرحم الراحمين. وتجتهد أن تصلي عند قبريهما ركعتين، وإلاّ دخلت بعض المساجد وصليت ودعوت بما أحببت إنّ اللّه قريب مجيب » (1) .
والحمدُ للّه ربِّ العالمين
وسلامٌ على عباده
الذين اصطفى
محمد وآله
الطاهرين
__________________
(1) التهذيب 6: 94 - 95 / باب 44 - زيارتهما عليهماالسلام .
الفهرس
كلمة المركز 5
المقدمة 7
الفصل الأوّل: الحياة السياسية في عصر الإمام الهادي عليه السلام 212 - 254 هـ 13
من عاصره الإمام من بني العباس: 13
أهم سمات هذا العصر: 14
أوّلاً - ميل رجال السلطة إلى البذخ واللهو: 14
ثانيا - استحواذ رجال السلطة على الأموال العامة: 19
ثالثا - تدخل الأتراك في مقاليد الحكم: 22
رابعا - تردي الحالة الاقتصادية والاجتماعية: 25
خامسا - عدم الاستقرار: 27
1 - أعمال التمرد والشغب: 27
2 - استقلال الأطراف وكثرة المتغلّبين: 30
3 - غزو الثغور الإسلامية: 33
4 - الحركات المتطرّفة والثورات الشعبية: 34
الفصل الثّاني: موقف السلطة من الإمام عليه السلام 47
1 - المعتصم: 48
أولاً - موقفه من الامام الجواد عليهالسلام : 48
أ - استدعاؤه الى بغداد: 48
ب - شهادته عليهالسلام : 49
ثانياً - موقفه من الامام الهادي عليهالسلام : 52
ثالثاً - موقفه من الشيعة: 53
رابعاً - موقفه من الطالبيين: 55
2 - الواثق: 56
3 - المتوكل: 57
أولاً - موقفه من أهل البيت عليهمالسلام : 58
1 - بغضه (لعنه اللّه ) عليّا عليهالسلام : 58
2 - هدم قبر الحسين عليهالسلام : 60
ثانياً - موقفه من آل أبي طالب: 62
ثالثاً - موقفه من شيعة الامام عليهالسلام : 66
قتل ابن السكّيت: 67
رابعاً - موقفه من الامام الهادي عليهالسلام : 68
1 - اشخاص الامام عليهالسلام إلى سامراء: 68
أسباب الاشخاص: 68
كتاب الاستدعاء: 71
المتوكل ينقض وعوده: 74
تاريخ الاشخاص: 74
من المدينة إلى سامراء: 76
في سامراء: 80
2 - تفتيش دار الامام: 83
3 - موارد من الاساءة: 84
4 - امتحانه بمسائل عويصة: 90
5 - محاولة تصفية الامام عليهالسلام : 91
دعاء المظلوم على الظالم: 93
مقتل المتوكل: 97
4 - المنتصر: 98
5 - المستعين: 100
مقتل المستعين: 101
6 - المعتز: 102
شهادة الإمام الهادي عليهالسلام : 103
خلع المعتز وقتله: 105
مواقف الامام عليهالسلام ازاء تصرفات السلطة: 106
أولاً: تفعيل عمل الوكلاء: 106
وكلاء الامام الهادي عليهالسلام : 108
ثانيا: دعم أصحابه ومواليه: 110
1 - رفدهم بالدعاء: 110
2 - الإحسان إليهم: 114
3 - تحذيرهم من الفتن: 114
رابعاً - هداية الخلق إلى الخالق: 116
الفصل الثّالث: الهوية الشخصية للإمام الهادي عليه السلام 123
نسبه الشريف: 123
ألقابه: 123
كنيته: 125
ولادته: 125
حليته: 126
نقش خاتمه: 127
بوابه: 128
وكلاؤه: 128
شاعره: 128
عمره ومدة إمامته: 128
أمه: 129
زوجته: 130
ولده: 132
1 - السيد محمد: 133
2 - الحسين: 134
3 - جعفر الكذاب: 134
اخوته: 138
موسى المبرقع: 138
السيدة حكيمة: 139
الفصل الرّابع: إمامته عليه السلام 141
أولاً - نص آبائه عليه عليهالسلام : 141
ثانيا - نص أبيه عليه عليهالسلام : 144
ثالثاً - اجماع الامامية: 148
رابعاً - شواهد اخرى: 149
الفصل الخامس: مكارم أخلاقه ومنزلته عليه السلام 152
أولاً - العلم: 154
نبوغه المبكر: 156
روايات عن مقامه العلمي: 158
1 - سورة تخلو من سبعة أحرف: 159
2 - معنى المال الكثير: 159
3 - جواز تكنية الكافر: 160
4 - من حلق رأس آدم؟: 160
5 - حدّ النصراني يفجر بمسلمة: 161
6 - مسائل ابن السكيت: 162
7 - مسائل يحيى بن أكثم: 163
جواب الامام الهادي عليهالسلام : 165
ثانياً - العبادة: 170
ثالثا - الزهد: 172
رابعاً - الجود والكرم: 173
خامساً - السماحة والحلم: 174
سادساً - الرقّة والشفافية: 175
سابعاً - الهيبة والمنزلة الرفيعة: 175
الفصل السادس: عطاؤه العلمي 181
المبحث الأول: دوره عليهالسلام في ترسيخ مبادئ العقيدة: 181
أولاًـ كلماته في التوحيد والصفات: 182
1 - تنزيه اللّه تعالى عن التجسيم: 182
2 - استحالة الرؤية: 186
3 - لا يوصف الا بما وصف به نفسه: 187
4 - الارادة والمشيئة: 189
5 - علمه سبحانه: 189
6 - حقيقة الايمان: 191
7 - الجبر والتفويض: 191
رسالته الى أهل الأهواز: 192
استشهادته بحديث الصادق: 193
ابطال الجبر: 195
مثال على الجبر: 195
ابطال التفويض: 197
مثال على التفويض: 198
المنزلة بين المنزلتين: 200
أدلة المنزلة بين المنزلتين: 201
مثل الاختبار بالاستطاعة: 203
تفسير الأمثال الخمسة للإمام الصادق عليهالسلام : 205
خاتمة الرسالة: 210
غضاضة القرآن: 214
اجماع الاُمّة على أن القرآن حق: 214
خلق القرآن: 215
تفسير القرآن: 216
رابعاً - كلماته في الإمامة والولاية: 216
1 - ولاية أهل البيت: 217
2 - حديث الثقلين وشواهده: 219
3 - الوصية: 221
4 - مودة أهل البيت: 221
5 - علم الامام: 222
6 - صفات الامام: 222
7 - معرفة كنه النبي والامام: 224
8 - الغيبة: 225
9 - فضل العلماء: 227
خامساً - التصدي لأهل البدع والشبهات: 227
1 - الغلاة: 228
لعنهم والبراءة منهم: 229
مقاطعتهم والاستخفاف بهم: 230
تكذيب مقالاتهم الباطلة: 231
اهدار دمهم: 233
2 - الواقفة: 234
3 - الفطحية: 235
4 - الصوفية: 236
المبحث الثاني - دوره عليهالسلام في التصنيف والتشريع والسنن: 237
أولاً - المصنفات المنسوبة إليه عليهالسلام : 237
ثانيا - دوره عليهالسلام في بيان الشريعة: 245
أولاً - الثقات من أصحابه عليهالسلام : 253
ثانيا - المؤلفون من أصحابه عليهالسلام : 254
ثالثا - الوكلاء من أصحابه عليهالسلام : 257
المبحث الثالث - اسهاماته عليهالسلام في علم الطب: 257
الفصل السابع: شهادة الإمام الهادي عليه السلام 259
مقدار عمره عليهالسلام : 260
سبب شهادته عليهالسلام : 260
فضل بقعته وزيارته: 265
أفضل أيام الزيارة: 265
الدعاء والزيارة الماثوران: 266