لمعات الحسينعليهالسلام
تأليف: السيد محمّد حسين الحسيني (قُدّس سرّه)
القسم الأوّل:
- خطب ومواعظ سيد الشهداءعليهالسلام
- مناشدتهعليهالسلام للأصحاب
- أشعاره في جواب الفرزدق
- کلامهعليهالسلام عند مو...
المقدّمة
بسم الله الرّحمن الرّحيم
والحمدُ للَّه ربّ العالَمين، ولا حولَ ولا قوّةَ إلاّ باللَه العَليِّ العظيم
صلاةً وسلاماً لا حدّ له على الروح الطاهرة المطهّرة لخاتم الأنبياء محمّد المصطفى، ووصيّه ذي المحتد الكريم عليٍّ المرتضي، وأولاده الأماجد الأحد عشر، وخاصّة وليِّ دائرة عالم الإمكان، إمام الزمان محمّد بن الحسن قائم آل محمّد الذين يقودون قافلة عالم الوجود بالمحبّة والجاذبيّة في الحركة إلى عالم الإطلاق والتوحيد لحضرة الحقّ (جلّ وعلا):( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (1) .
ونظراً لأنّ فترة إمامة الإمامين الحسن المجتبى وسيّد الشهداءعليهماالسلام من أصعب الفترات وأحلكها؛ من جهة تسلّط وضغط الحكم الاُمويّ الجائر؛ بحيث وصل الاختناق والمدالسة والتزييف، والجهل والرياء، والكذب والخداع إلى أقصاه كما هو مشهود من خطبة الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام أواخر عمره الشريف؛ حيث يقول: «وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمُ اللَهُ - أَنَّكُمْ فِي زَمَانٍ الْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ، وَاللِسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ، واللاَزِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ. أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ، مُصْطَلِحُونَ عَلَى الإدْهَانِ. فَتَاهُمْ عَارِمٌ، وَشَائِبُهُمْ آثِمٌ، وَعَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ، وَقَارِئُهُمْ مُمَاذِقٌ. لاَ يُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَلاَ يَعُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ»(2) .
وبالرغم من طول مدّة حياة هذين الإمامَين الهمامين، وعلاوة على أنّ مدّة إمامة وولاية كلّ منهما قد دامت لوحدها حدود عشر سنوات؛ بحيث كان ينبغي بالطبع أن يكون قد وصلنا منهما آلاف الروايات والأحاديث، والخطب والمواعظ في تفسير القرآن وغير ذلك، إلاّ أنّه لم يصلنا منهما أكثر من حديث أو حديثَين في الفقه، وعدّة أحاديث في التفسير.
وكانت خطبهما ومواعظهما وكلماتهما هي الاُخرى في غاية الاختصار والإيجاز والقلّة؛ وذلك على الرغم من أنّ آلاف الأحاديث المختلقة والكاذبة من تجّار الحديث من أمثال أبي هريرة وغيره التي يحكي مضمونها عن مسايرة سياسة ذلك الوقت، قد ملأت الكتب والدفاتر وصفحات التاريخ.
ومن الجليّ أنّه مع وجود تلك الظلمة والإبهام والضغط فإنّه لم يكن ليُرجع - أُصولاً - إلى أُولئك الأجلّة، أو يُستفاد من بحر علومهم الموّاج الزاخر، أو أنّ الروايات المرويّة عنهم قد أُصيبت بالزوال والاضمحلال نتيجة رعب وخوف واضطراب الرواة؛ فلم تنتقل إلى الطبقات التالية منهم.
وقد وصل من سيّد الشهداءعليهالسلام القليل من الخطب والمواعظ، الذي هو معلّم درس الحريّة والحكمة، والإيمان والإيقان، وجليّ أنّها رشحت من مصدر الولاية: «وَإِنَّا لاَمَرَاءُ الْكَلاَمِ، وَفِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَعَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ»(3) .
وتبعاً لذلك فإنّهم هم الذين يمتلكون أصل الكلام وفرعه، الممثّلينِ لاُصول المعاني والحقائق وفروعها.
وكم كان جميلاً أن تُكتب كلماتهعليهالسلام الحاوية لعالمٍ من العزّة والشرف، والشموخ والاستقلال، والإيمان والإيقان، والصبر والثبات والفتوّة في اللوحات واللافتات، وتُنصب في مجالس العزاء كما يُفعل بأشعار المحتشم (القاساني)؛ ليفيد الواردون إلى تلك المجالس، والمشاركون فيها استفادة بصريّة مقترنة بالاستفادة السمعيّة من الخطباء والمتكلّمين ذوي الصدق والاستقامة؛ فيحفظوا نصوص تلك الكلمات ويجعلوها أُنموذج حياتهم وعملهم.
والكرّاسة التي يطالعها القرّاء الأعزّاء فعلاً هي نصوص بعض كلمات الإمام سيّد الشهداءعليهالسلام ، نقلها هذا الحقير عن الكتب المعتبرة مع ذكر تلك المصادر، متجنّباً شرحها وبسطها؛ ليمكّن الإيجاز والاختصار من كتابتها على اللوحات واللافتات، ووضعها في المجالس والمحافل بمرأى من الحاضرين، ولتكون في الوقت نفسه قابلةً ببساطتها لاستفادة عموم الإخوة في الدين.
والمنتظَر من طلاّب العلوم الدينيّة وطلبة الجامعات الملتزمين أن يحفظوا نصوص هذه الكلمات والخطب، ويُنيروا أذهان عامّة الناس في خطبهم وأحاديثهم باللمعات الوهّاجة للأنوار الساطعة للحسينعليهالسلام ، وينقلوا إلى الأجيال اللاحقة هذا الميراث الثمين الذي وصلنا من مداد العلماء ودماء الشهداء السَّلَف.
شَكَرَ اللهُ مَساعِيَهُمُ الْجَميلَةَ، وَزادَهُمْ إيماناً وتقوى، وعِلْماً وعَمَلاً. والسَّلام عَلينا وعَليهم وعلى عِباد الله الصَّالحين ورحمة الله وبركاته.
السيِّد محمّد الحُسين الحُسينيّ الطهرانيّ
أذان ظهر يوم عاشوراء / 1402 هجريّة قمريّة
في مشهد الرضويّة المقدّسة (على ساكنها السّلام)
لَمَعاتُ الحُسَيْنِعليهالسلام
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلَّى اللهُ على محمّد وآله الطّاهرينَ، ولعنةُ الله على أَعدائهم أجمعين من الآن إلى يَوْمِ الدين، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاّ باللهِ العليِّ العَظِيمِ
كلام سيّد الشهداءعليهالسلام في لزوم معرفة الله
* من كلامٍ للإمام سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهمالسلام خطب به أصحابه يوماً: «أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ اللَهَ مَا خَلَقَ خَلْقَ اللَهِ إلاَّ لِيَعْرِفُوهُ، فَإذَا عَرَفُوهُ عَبَدُوهُ، وَاسْتَغْنَوْا بِعِبَادَتِهِ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِواهُ».
فَقَالَ رَجُلٌ: يَابْنَ رَسُولِ اللَهِ، فَمَا مَعْرِفَةُ اللَهِ (عَزّ وَجَلَّ)؟
فَقَالَ: «مَعْرِفَةُ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ إمَامَهُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ»(4) .
خطبتهعليهالسلام لإصلاح الناس
* وقال في نهاية الخطبة التي أنشأهاعليهالسلام وتطرّق فيها إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى الثورة على الظَّلَمة وحكّام الجور، وتحدّث فيها مفصّلاً عن محروميّة المظلومين والتفرّق عن الحقّ، وذكّر ضمناً بأنّ مَجَارِي الاُمورِ وَالأحكَامِ عَلَى أَيدِي العُلَمَاءِ بِاللَهِ، الاُمَنَاءِ عَلَى حَلاَلِهِ وَحَرَامِهِ.
قال: «اللَهُمَّ إنَّكَ تَعلَمُ أَنَّهُ لَم يَكُن مَا كَانَ مِنَّا(5) تَنَافُساً فِي سُلطَانٍ، وَلاَ التِمَاساً مِن فُضُولِ الحُطَامِ، وَلَكِنْ لِنَرَى الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ الإصْلاَحَ فِي بِلاَدِكَ، وَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَيُعْمَلَ بِفَرَائِضِكَ وَسُنَنِكَ وَأَحْكَامِكَ. فَإنْ لَمْ تَنْصُرُونَا(6) وَتُنْصِفُونَا قَوِيَ الظَّلَمَةُ عَلَيْكُمْ، وَعَمِلُوا فِي إطْفَاءِ نُورِ نَبِيِّكُمْ؛ وَحَسْبُنَا اللَهُ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا، وَإلَيْهِ أَنَبْنَا وَإلَيْهِ الْمَصِيرُ»(7) .
وصيّتهعليهالسلام إلى محمّد بن الحنفيّة
* وحين عَزَمعليهالسلام على الخروج من المدينة المنوّرة إلى مكّة المكرّمة، كتب وصيّةً وطواها، وختمها بخاتمه، ودفعها إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة، ثمّ ودّعه وسار في جوف الليل بجميع أهل بيته إلى مكّة ليلة الثالث من شعبان لسنة ستّين هجريّة.
وتلك الوصيّة هي: «بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إلى أَخِيهِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ: إنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداًصلىاللهعليهوآله عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ الْحَقِّ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ.
إنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلاَ بَطِراً، وَلاَ مُفْسِداً وَلاَ ظَالِماً، وَإنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاَحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي مُحَمَّدٍصلىاللهعليهوآله ؛ أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَسِيرَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍعليهالسلام ؛ فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُولِ الْحَقِّ فَاللَهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ هَذَا أَصْبِرُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَهُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْقَوْمِ بِالْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ.
وَهَذِهِ وَصِيَّتِي إلَيْكَ يَا أَخِي، وَمَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. وَالسَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ»(8) .
الحثّ على المكارم
* ومن جملة خطبهعليهالسلام التي أوردها عليّ بن عيسى الإربلي:
خَطَبَ الْحُسَيْنُعليهالسلام فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، نَافِسُوا فِي الْمَكَارِمِ، وَسَارِعُوا فِي الْمَغَانِمِ، وَلاَ تَحْتَسِبُوا بِمَعْرُوفٍ لَمْ تَعْجَلُوا، وَاكْسِبُوا الْحَمْدَ بِالنُّجْحِ، وَلاَ تَكْتَسِبُوا بِالْمَطْلِ ذَمّاً؛ فَمَهْمَا يَكُنْ لأحَدٍ عِنْدَ أَحَدٍ صَنِيعَةٌ لَهُ رَأَى أَنَّهُ لاَ يَقُومُ بِشُكْرِهَا فَاللَهُ لَهُ بِمُكَافَأَتِهِ؛ فَإنَّهُ أَجْزَلُ عَطَاءً وَأَعْظَمُ أَجْراً(9) .
وَاعْلَمُوا أَنَّ حَوَائِجَ النَّاسِ إلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِ اللَهِ عَلَيْكُمْ؛ فَلاَ تَمَلُّوا النِّعَمَ فَتَحُورَ نِقَماً(10) . وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمَعْرُوفَ مُكْسِبٌ حَمْداً، وَمُعْقِبٌ أَجْراً. فَلَوْ رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ رَجُلاً رَأَيْتُمُوهُ حَسَناً جَمِيلاً يَسُرُّ النَّاظِرِينَ، وَلَوْ رَأَيْتُمُ اللُؤْمَ رَأَيْتُمُوهُ سَمِجاً مُشَوَّهاً تَنَفَّرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ، وَتَغُضُّ دُونَهُ الأبْصَارُ(11) .
أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ جَادَ سَادَ، وَ مَنْ بَخِلَ رَذِلَ. وَإنَّ أَجْوَدَ النَّاسِ مَنْ أَعْطَى مَنْ لاَ يَرْجُوهُ، وَإنَّ أَعْفَى النَّاسِ مَنْ عَفَا عَنْ قُدْرَةٍ، وَإنَّ أَوْصَلَ النَّاسِ مَنْ وَصَلَ مَنْ قَطَعَهُ. وَالاُصُولُ عَلَى مَغَارِسِهَا بِفُرُوعِهَا تَسْمُو؛ فَمَنْ تَعَجَّلَ لأخِيهِ خَيْراً وَجَدَهُ إذَا قَدِمَ عَلَيْهِ غَداً، وَمَنْ أَرَادَ اللَهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالصَّنِيعَةِ إلى أَخِيهِ كَافَأَهُ بِهَا فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ، وَصَرَفَ عَنْهُ مِنْ بَلاَءِ الدُّنْيَا مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَمَنْ نَفَّسَ كُرْبَةَ مُؤْمِنٍ فَرَّجَ اللَهُ عَنْهُ كُرَبَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ أَحْسَنَ أَحْسَنَ اللَهُ إلَيْهِ، وَاللَهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»(12) .
اُسلوب اجتناب المعاصي
* و من جملة مواعظهعليهالسلام :
رُوِيَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّعليهماالسلام جَاءَهُ رَجُلٌ وَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ عَاصٍ، وَلاَ أَصْبِرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، فَعِظْنِي بِمَوْعِظَةٍ.
فَقَالَعليهالسلام : «افْعَلْ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ. فَأَوَّلُ ذَلِكَ: لاَ تَأْكُلْ رِزْقَ اللَهِ، وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ. وَالثَّانِي: اخْرُجْ مِنْ وِلاَيَةِ اللَهِ، وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ. وَالثَّالِثُ: اطْلُبْ مَوْضِعاً لاَ يَرَاكَ اللَهُ، وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ. وَالرَّابِعُ: إذَا جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَكَ فَادْفَعْهُ عَنْ نَفْسِكَ، وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ. وَالْخَامِسُ: إِذَا أَدْخَلَكَ مَالِكٌ فِي النَّارِ فَلاَ تَدْخُلْ فِي النَّارِ، وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ»(13) .
مواعظ سيّد الشهداءعليهالسلام
* وورد عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال: «حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِعليهماالسلام أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ كَتَبَ إلى أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّعليهماالسلام : يَا سَيِّدِي، أَخْبِرْنِي بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. فَكَتَبَ (صَلَوَاتُ اللَهِ عَلَيْهِ): بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَمَّا بَعْدُ، فَإنَّ مَنْ طَلَبَ رِضَا اللَهِ بِسَخَطِ النَّاسِ، كَفَاهُ اللَهُ أُمُورَ النَّاسِ، وَمَنْ طَلَبَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَهِ، وَكَلَهُ اللَهُ إلى النَّاسِ. وَالسَّلاَمُ»(14) .
* ورُوي عن كتاب «أعلام الدين»: قَالَعليهالسلام : «دِرَاسَةُ الْعِلْمِ لِقَاحُ الْمَعْرِفَةِ، وَطُولُ التَّجَارِبِ زِيَادَةٌ فِي الْعَقْلِ، وَالشَّرَفُ التَّقْوَى، والْقُنُوعُ رَاحَةُ الاْبْدَانِ. وَمَنْ أَحَبَّكَ نَهَاكَ، وَمَنْ أَبْغَضَكَ أَغْرَاكَ»(15) .
* ومن مواعظهعليهالسلام : وَقَالَعليهالسلام : «إيَّاكَ وَمَا تَعْتَذِرُ مِنْهُ؛ فَإنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يُسِيءُ وَلاَ يَعْتَذِرُ، وَالْمُنَافِقُ كُلَّ يَوْمٍ يُسِيءُ وَيَعْتَذِرُ»(16) .
* ومن مواعظهعليهالسلام : وَقَالَ لاِبْنِهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِعليهماالسلام : «أَيْ بُنَيَّ، إيَّاكَ وَظُلْمَ مَنْ لاَ يَجِدُ عَلَيْكَ نَاصِراً إلاَّ اللَهَ (جَلَّ وَعَزَّ)»(17).
خطبتهعليهالسلام بمنى، وتنوير الأذهان في زمن معاوية
* وفي كتاب سليم بن قيس: لمّا مات الحسن بن عليّعليهماالسلام (استشهد الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام بالسمّ في سنة (49) هجريّة على يد زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، بإيعاز من معاوية(18) ) لم تزل الفتنة والبلاء يعظمان ويشتدّان (على الشيعة)، فلم يبقَ وليّ للّه إلاّ خائفاً على دمه، (وفي رواية أُخرى: إلاّ خائفاً على دمه أنّه مقتول)، وإلاّ طريداً، وإلاّ شريداً، ولم يبق عدوّ للّه إلاّ مظهراً حجّته، غير مستتر ببدعته وضلالته.
فلمّا كان قبل موت معاوية بسنة(19) حجّ الحسينُ بنُ عليّ (صلوات الله عليه)، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن جعفر معه، فجمع الحسينُعليهالسلام بني هاشم؛ رجالهم ونساءهم ومواليهم، ومن الأنصار ممّن يعرفه الحسينعليهالسلام وأهل بيته، ثمّ أرسل رسلاً: «لا تَدَعوا أحداً ممّن حجّ العام من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، المعروفين بالصلاح والنسك إلاّ اجمعهم(20) لي».
فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمئة رجل، وهم في سرادقه، عامّتهم من التابعين، ونحو من مئتي رجل من أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآله . فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيباً، فَحَمِدَ اللَهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإنَّ هَذَا الطَّاغِيَةَ(21) قَدْ فَعَلَ بِنَا وَبِشِيعَتِنَا مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، وَعَلِمْتُمْ وَشَهِدْتُمْ، وَإنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكُمْ عَنْ شَيْءٍ؛ فَإِنْ صَدَقْتُ فَصَدِّقُونِي، وَإِنْ كَذَبْتُ فَكَذِّبُونِي.
وَأَسْأَلُكُمْ بِحَقِّ اللَهِ عَلَيْكُمْ، وَحَقِّ رَسُولِ اللَهِصلىاللهعليهوآله وَقَرَابَتِي مِنْ نَبِيِّكُمْ لَمَّا سَيَّرْتُمْ مَقَامِي هَذَا، وَوَصَفْتُمْ مَقَالَتِي، وَدَعَوْتُمْ أَجْمَعِينَ فِي أَمْصَارِكُمْ مِنْ قَبَائِلِكُمْ مَنْ آمَنْتُمْ مِنَ النَّاسِ (وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بَعْدَ قَوْلِهِ: فَكَذِّبُونِي: اسْمَعُوا مَقَالَتِي وَاكْتُبُوا قَوْلِي، ثُمَّ ارْجِعُوا إلى أَمْصَارِكُمْ وَقَبَائِلِكُمْ؛ فَمَنْ آمَنْتُمْ مِنَ النَّاسِ)، وَوَثِقْتُمْ بِهِ فَادْعُوهُمْ إلى مَا تَعْلَمُونَ مِنْ حَقِّنَا؛ فَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ يَدْرُسَ هَذَا الاْمْرُ، وَيَذْهَبَ الْحَقُّ وَيُغْلَبَ،( وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) ».
وَمَا تَرَكَ شَيْئاً مِمَّا أَنْزَلَ اللَهُ فِيهِمْ مِنَ الْقُرآنِ إلاَّ تَلاَهُ وَفَسَّرَهُ، وَلاَ شَيْئاً مِمَّا قَالَهُ رَسُولُ اللَهِصلىاللهعليهوآله فِي أَبِيهِ وَأَخِيهِ وَأُمِّهِ، وَفِي نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِعليهمالسلام إلاَّ رَوَاهُ. وَكُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ أَصْحَابُهُ: اللَهُمَّ نَعَمْ، وَقَدْ سَمِعْنَا وَشَهِدْنَا. وَيَقُولُ التَّابِعِيُّ: اللَهُمَّ قَدْ حَدَّثَنِي بِهِ مَنْ أُصَدِّقُهُ وَأَئْتَمِنُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ.
مناشدتهعليهالسلام للأصحاب والتابعين
فَقَالَ: «أَنْشُدُكُمُ اللَهَ إلاَّ حَدَّثْتُمْ بِهِ مَنْ تَثِقُونَ بِهِ وَبِدِينِهِ».
قَالَ سُلَيْمٌ: فَكَانَ فِيمَا نَاشَدَهُمُ الْحُسَيْنُعليهالسلام وَذَكَّرَهُمْ أَنْ قَالَ: «أَنْشُدُكُمُ اللَهَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ أَخَا رَسُولِ اللَهِصلىاللهعليهوآله حِينَ آخَى بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَآخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، وَقَالَ: أَنْتَ أَخِي وَأَنَا أَخُوكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟».
قَالُوا: اللَهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: «أَنْشُدُكُمُ اللَهَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَهِصلىاللهعليهوآله نَصَبَهُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ فَنَادَى لَهُ بِالْوِلاَيَةِ، وَقَالَ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ؟».
قَالُوا: اللَهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: «أَنْشُدُكُمُ اللَهَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَهِصلىاللهعليهوآله قَالَ فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا: إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ؛ كِتَابَ اللَهِ وَأَهْلَ بَيْتِي، فَتَمَسَّكُوا بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا؟».
قَالُوا: اللَهُمَّ نَعَمْ.
وبعد نقل فِقْرات كثيرة من هذه المناشدة، قال: ثُمَّ نَاشَدَهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ سَمِعُوهُ يَقُولُ: «مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي وَيُبْغِضُ عَلِيّاً فَقَدْ كَذَبَ، لَيْسَ يُحِبُّنِي وَيُبْغِضُ عَلِيّاً. فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَهِ، وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لأنَّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ؛ مَنْ أَحَبَّهُ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَهَ، وَمَنْ أَبْغَضَهُ فَقَدْ أَبْغَضَنِي، وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ اللَهَ؟».
فَقَالُوا: اللَهُمَّ نَعَمْ، قَدْ سَمِعْنَا. وَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلَكَ(22) .
خطبتهعليهالسلام عند خروجه من مكّة
* خطبتهعليهالسلام في مكّة المكرّمة حين عزم على الخروج إلى كربلاء: وَرُوِيَ أَنَّهُعليهالسلام لَمَّا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ إلى الْعِرَاقِ قَامَ خَطِيباً، فَقَال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا شَاءَ اللَهُ، وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَهِ، وَصَلَّى اللَهُ عَلَى رَسُولِهِ. خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلاَدَةِ على جِيدِ الْفَتَاةِ. وَمَا أَوْلَهَنِي إلى أَسْلاَفِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ. وَخُيِّرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لاَقِيهِ؛ كَأَنِّي بَأَوْصَالِي تَتَقَطَّعُهَا عُسْلاَنُ الْفَلَوَاتِ بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلاَءَ؛ فَيَمْلاَنَ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً، وَأَجْرِبَةً سُغْباً.
لاَ مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ. رِضَا اللَهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ؛ نَصْبِرُ على بَلاَئِهِ وَيُوَفِّينَا أُجُورَ الصَّابِرِينَ. لَنْ تَشُذَّ عَنْ رَسُولِ اللَهِصلىاللهعليهوآله لُحْمَتُهُ، وَهِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ؛ تَقِرُّ بِهِمْ عَيْنُهُ، وَيُنْجَزُ لَهُمْ وَعْدُهُ. مَنْ كَانَ فِينَا بَاذِلاً مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّناً على لِقَاءِ اللَهِ نَفْسَهُ، فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا؛ فَإنَّنِي رَاحِلٌ مُصْبِحاً إنْ شَاءَ اللَهُ تَعَالَى»(23) .
أشعارهعليهالسلام في جواب الفرزدق ومحادثته معه
* وقد التقاهعليهالسلام وهو متوجّه إلى الكوفة الفرزدقُ بن غالب (الشاعر المعروف في ذلك العصر)، وقال له: يابنَ رسولِ الله، كيفَ تَركَنُ إلى أهل الكوفةِ وهم الذين قَتلوا ابنَ عَمِّك مسلمَ بنَ عقيل وشيعته؟
فترحّمَ (الحسينُ) على مُسلمٍ وقال: «صار إلى رَوْحِ اللَهِ ورِضوانِهِ. أما إنَّهُ قَضَى مَا عَلَيهِ وبَقِي مَا عَلَيْنَا».
وأنشده:
وَإنْ تَكُنِ الدُّنْيَا تُعَدُّ نَفِيسَةً |
فَدَارُ ثَوَابِ اللَهِ أَعْلى وَأَنْبَلُ |
|
وَإنْ تَكُنِ الاْبْدَانُ لِلْمَوْتِ أُنْشِئَتْ |
فَقَتْلُ امْرِئٍ بِالسَّيْفِ فِي اللَهِ أَفْضَلُ |
|
وَإنْ تَكُنِ الاْرْزَاقُ قِسْماً مُقَدَّر |
فَقِلَّةُ حِرْصِ الْمَرْءِ فِي الْكَسْبِ أَجْمَلُ |
|
وَإنْ تَكُنِ الأمْوَالُ لِلتَّرْكِ جَمْعُهَ |
فَمَا بَالُ مَتْرُوكٍ بِهِ الْمَرْءُ يَبْخَلُ(24) |
وقال الكثير من أصحاب المقاتل؛ مثل المحدّث القمّي في «نفسالمهموم»، والشيخ سليمان القندوزي في «ينابيع المودّة»(25) : إنّهعليهالسلام كان يرتجز يوم عاشوراء ويقاتل بسيفه، ويتمثّل في رجزه بهذه الأشعار.
* يقول عليّ بن عيسى الإربِلي: قَالَ الْفَرَزْدَقُ: لَقِيَنِي الْحُسَيْنُعليهالسلام فِي مُنْصَرَفِي مِنَ الْكُوفَةِ، فَقَالَ: «مَا وَرَاكَ يَا أَبَا فِرَاسٍ؟».
قُلْتُ: أَصْدُقُكَ؟
قَالَعليهالسلام : «الصِّدْقَ أُرِيدُ».
قُلْتُ: أَمَّا الْقُلُوبُ فَمَعَكَ؛ وَأَمَّا السُّيُوفُ فَمَعَ بَنِي أُمَيَّةَ؛ وَالنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَهِ.
قَالَ: «مَا أَرَاكَ إلاَّ صَدَقْتَ؛ النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا وَالدِّينُ لَغْوٌ على أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ بِهِ مَعَايِشُهُمْ، فَإذَا مُحِّصُوا بِالْبَلاَءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ»(26) .
خطبة الإمامعليهالسلام عند ممانعة الحرّ إيّاه
* وحين اعترض الحرُّ بن يزيد الرياحيّ الإمامَعليهالسلام ومنعه بشدّة من التوجّه إلى الكوفة أو الرجوع إلى المدينة، فقامعليهالسلام في «ذي حَسَم» - وفق رواية الطبريّ في تأريخه عن عَقَبة بن أبي العيزار -، فَحَمِدَ اللَهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، إنَّهُ قَدْ نَزَلَ مِنَ الأمْرِ مَا قَدْ تَرَوْنَ، وَإنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَتَنَكَّرَتْ، وَأَدْبَرَ مَعْرُوفُهَا، وَاسْتَمَرَّتْ حَذَّاءَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإنَاءِ، وَخَسِيسُ عَيْشٍ كَالْمَرْعَى الْوَبِيلِ.
أَلاَ تَرَوْنَ أَنَّ الْحَقَّ لاَ يُعْمَلُ بِهِ، وَأَنَّ الْبَاطِلَ لاَ يُتَنَاهَي عَنْهُ؟! لِيَرْغَبِ الْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ اللَهِ مُحِقّاً؛ فَإنِّي لاَ أَرَى المَوتَ إلاَّ سَعَادَةً، وَلاَ الْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إلاَّ بَرَماً»(27) .
وزاد في كتاب «تحف العقول» هذه الجملة بعد ذكره لهذه الجملات من الخطبة: قالعليهالسلام : «إنَّ النَّاسَ عَبِيدُ الدُّنيَا، وَالدِّينُ لَعْقٌ على أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ، فَإذَا مُحِّصُوا بِالْبَلاَءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ»(28) .
فقام آنذاك زُهَيْر بن القَيْن، ونافِع بن هِلال، وبُرَيْر بن خُضير، كلاً بدوره، فتكلّموا وأظهروا موالاتهم ومساندتهم للإمامعليهالسلام .
* وأقبل الحرّ بن يزيد يُساير الإمامعليهالسلام ولا يُفارقه، وهو يقول له: يَا حسين، إنّي أُذكِّركَ اللهَ في نفسكَ؛ فإنّي أشهَد لَئن قاتلتَ لَتُقْتَلَنَّ.
كلامهعليهالسلام في جواب تهديد الحرّ
فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُعليهالسلام : «أَفَبِالْمَوْتِ تُخَوِّفُنِي؟! وَهَلْ يَعْدُو بِكُمُ الْخَطْبُ إنْ تَقْتُلُونِي(29) ؟! وَسَأَقُولُ كَمَا قَالَ أَخُو الأوْسِ لاِبْنِ عَمِّهِ وَهُوَ يُرِيدُ نُصْرَةَ رَسُولِ اللَهِصلىاللهعليهوآله ، فَخَوَّفَهُ ابْنُ عَمِّهِ وَقَالَ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ فَإنَّكَ مَقْتُولٌ.
فَقَالَ:
سَأَمْضِي وَمَا بِالْمَوْتِ عَارٌ على الْفَتَى |
إذَا مَا نَوى حَقّاً وَجَاهَدَ مُسْلِمَا |
|
وَوَاسَى الرِّجَالَ الصَّالِحِينَ بِنَفْسِهِ |
و فَارَقَ مَثْبُوراً وَخَالَفَ مُجْرِمَا |
|
فَإنْ عِشْتُ لَمْ أَنْدَمْ وَ إنْ مِتُّ لَمْ أُلَمْ |
كَفَى بِكَ ذُلاً أَنْ تَعِيشَ وَ تُرْغَمَا»(30) |
كلام سيّد الشهداءعليهالسلام في استعداده للشهادة
* وربّما كانت تلك الكلمات القيّمة كالدرر التي أوردها العلاّمة المعاصر توفيق أبو علم في كتابه الموسوم بـ «أهل البيت»، كانت إجابة سيّد الشهداءعليهالسلام في هذا المكان للحرّ بن يزيد الرياحيّ، حيث يقول: «لَيْسَ شَأْنِي شَأْنَ مَنْ يَخَافُ الْمَوْتَ. مَا أَهْوَنَ الْمَوْتَ على سَبِيلِ نَيْلِ الْعِزِّ وَإحْيَاءِ الْحَقِّ! لَيْسَ الْمَوْتُ فِي سَبِيلِ الْعِزِّ إلاَّ حَيَاةً خَالِدَةً، وَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ مَعَ الذُّلِّ إلاَّ الْمَوْتَ الَّذِي لاَ حَيَاةَ مَعَهُ.
أَفَبِالْمَوْتِ تُخَوِّفُنِي؟! هَيْهَاتَ! طَاشَ سَهْمُكَ، وَخَابَ ظَنُّكَ، لَسْتُ أَخَافُ الْمَوْتَ؛ إنَّ نَفْسِي لأكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَهِمَّتِي لأعْلَى مِنْ أَنْ أَحْمِلَ الضَّيْمَ خَوْفاً مِنَ الْمَوتِ. وَهَلْ تَقْدِرُونَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ قَتْلِي؟! مَرْحَباً بِالْقَتْلِ فِي سَبيلِ اللَهِ، وَلَكِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ على هَدْمِ مَجْدِي وَمَحْوِ عِزَّتِي وَشَرَفِي؛ فَإذاً لاَ أُبَالِي مِنَ الْقَتْلِ»(31) .
* وسيّد الشهداء هو القائل: «مَوْتٌ فِي عِزٍّ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي ذُلٍّ»(32) .
* وهو الذي كان يرتجز في الحرب حين يحمل على جيش الأعداء فيقول:
الْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْعَارِ |
وَالْعَارُ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ النَّارِ(33)(34) |
خطبتهعليهالسلام في أصحابه وأصحاب الحرّ
* ونُقل عن الطبري أنّ أبا مخنف روى عن عَقَبَة بن أبي العيزار أنّ الحسينعليهالسلام خطب أصحابه وأصحاب الحرّ في «البَيْضَة»، فَحَمِدَ اللَهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّرَسُولَ اللَهِصلىاللهعليهوآله قَالَ: مَنْ رَأَى سُلْطَاناً جَائِراً، مُسْتَحِلاً لِحُرَمِ اللَهِ، نَاكِثاً لِعَهْدِ اللَهِ، مُخَالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَهِصلىاللهعليهوآله ، يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللَهِ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَلَمْ يُعَيِّرْ [يُغَيِّرْ] عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلاَقَوْلٍ، كَانَ حَقّاً على اللَهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ.
أَلاَ وَإنَّ هَؤُلاَءِ(35) قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ، وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ، وَأَحَلُّوا حَرَامَ اللَهِ، وَحَرَّمُوا حَلاَلَهُ؛ وَأَنَا أَحَقُّ مِنْ غَيْرٍ(36) [مَنْ غَيَّرَ، مَنْ عَيَّرَ].
وَقَدْ أَتَتْنِي كُتُبُكُمْ، وَقَدِمَتْ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ بِبَيْعَتِكُمْ أَنَّكُمْ لاَ تُسَلِّمُونِي وَلاَ تَخْذُلُونِي؛ فَإنْ تَمَمْتُمْ على بَيْعَتِكُمْ تُصِيبُوا رُشْدَكُمْ؛ فَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَهِصلىاللهعليهوآله ، نَفْسِي مَعَ أَنْفُسِكُمْ، وَأَهْلِي مَعَ أَهْلِيكُمْ(37) ؛ فَلَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ(38) .
وإنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَنَقَضْتُمْ عَهْدَكُمْ، وَخَلَعْتُمْ بَيْعَتِي مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، فَلَعَمْرِي مَا هِيَ لَكُمْ بِنُكْرٍ؛ لَقَدْ فَعَلْتُمُوهَا بِأَبِي وَأَخِي وَابْنِ عَمِّي مُسْلِمٍ. وَالْمَغْرُورُ مَنِ اغْتَرَّ بِكُمْ، فَحَظَّكُمْ أَخْطَأْتُمْ، وَنَصِيبَكُمْ ضَيَّعْتُمْ، وَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَسَيُغْنِي اللَهُ عَنْكُمْ. وَالسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَهِ وَبَرَكَاتُهُ»(39) .
* وحين نزل سيّد الشهداءعليهالسلام كربلاء دعا بدواة وبياض، وكتب نظير هذه الخطبة التي ذُكرت إلى أشراف الكوفة ممّن يُظَنّ أنّه على رأيه(40) ، ثمّ طوى الكتاب وختمه بخاتمه الشريف ودفعه إلى قَيْس بن مُسْهر الصَّيداويّ، وأمره أن يسير إلى الكوفة.
خطبة الإمامعليهالسلام ليلة عاشوراء في أصحابه
* جمع سيّد الشهداءعليهالسلام أصحابه عند قرب المساء ليوم تاسوعاء. قال عليُّ بن الحسين زين العابدينعليهماالسلام : «فدنوتُ منه لأسمع ما يقول لهم، وكنتُ إذ ذاك مريضاً، فسمعتُ أبي يقول لأصحابه: أُثْنِي على اللَهِ أَحْسَنَ الثَّنَاءِ، وَأَحْمَدُهُ عَلَى السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ. اللَهُمَّ إنِّي أَحْمَدُكَ على أَنْ أَكْرَمْتَنَا بِالنُّبُوَّةِ، وَعَلَّمْتَنَا الْقُرْآنَ، وَفَقَّهْتَنَا فِي الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإنِّي لاَ أَعْلَمُ أَصْحَاباً أَوفَى وَلاَ خَيْراً مِنْ أَصْحَابِي، وَلاَ أَهْلَ بَيْتٍ أَبَرَّ وَلاَ أَوْصَلَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَجَزَاكُمُ اللَهُ عَنِّي خَيْرَ الْجَزَاءِ. أَلاَ وَإنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ فَانْطَلِقُوا جَمِيعاً فِي حِلٍّ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنِّي ذِمَامٌ. هَذَا اللَيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلاً»(41).
فنهض إخوته وأبناؤه، وأبناء إخوته وأبناء عبد الله بن جعفر، ومسلم بن عوسجة، وزهير بن القين وجماعة آخرون من الأصحاب، فتكلّم كلٌّ منهم معتذراً كلاماً معناه: لا بقينا بعدك، لا أبقانا الله بعدك، لن يكون ذلك منّا أبداً، لوددنا لو كان لدينا عدّة أرواح لنفديك بها جميعاً.
دعاؤهعليهالسلام صبيحة يوم عاشوراء
* ويُروى عن سيّد الساجدين وزين العابدينعليهالسلام أنّه قال: «لَمَّا صَبَّحَتِ الْخَيْلُ الْحُسَيْنَعليهالسلام ، رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كَرْبٍ، وَأَنْتَ رَجَائِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ، وَأَنْتَ لِي فِي كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَعُدَّةٌ.
كَمْ مِنْ هَمٍّ يَضْعُفُ فِيهِ الْفُؤَادُ، وَتَقِلُّ فِيهِ الْحِيلَةُ، وَيَخْذُلُ فِيهِ الصَّدِيقُ، وَيَشْمَتُ فِيهِ الْعَدُوُّ، أَنْزَلْتُهُ بِكَ وَشَكَوْتُهُ إلَيْكَ؛ رَغْبَةً مِنِّي إلَيْكَ عَمَّنْ سِوَاكَ؛ فَفَرَّجْتَهُ عَنِّي، وَكَشَفْتَهُ وَكَفَيْتَهُ؛ فَأَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ نِعْمَةٍ، وَصَاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ، وَمُنْتَهَى كُلِّ رَغْبَةٍ»(42) .
____________________
(1) سورة الأنبياء / 73.
(2) نهج البلاغة - الخطبة 231، ومن شرح عبده، طبع مصر 1 / 462.
(3) نهج البلاغة - الخطبة 231، ومن شرح عبده، طبع مصر 1 / 461.
(4) روي كلامَ الإمامعليهالسلام في «ملحقات إحقاق الحقّ 11 / 594» عن العلاّمة الشهير بابن حسنويه في كتاب «درّ بحر المناقب / 128»(مخطوط)، عن الإمام الصادقعليهالسلام أنه قال: «خرج الحسين بن عليّعليهالسلام إلى أصحابه ليخطبهم، فقال:...» الحديث.
(5) أي من الرغبة في النهوض والإقدام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصرة المظلومين وقمع الظالمين.
(6) جاء ضبط هذه العبارة في الطبعة الاُولى لكتاب «لمعات الحسين»عليهالسلام ، والذي كان فيه «زنكوغراف» ذات خطّ الحقير، وذلك طبق النسخة الوحيدة الموجودة بحوزتي من كتاب «تحف العقول» المطبوع في مكتبة الصدوق، والمصحَّح على يد المحقّق المحترم جناب الحاجّ عليّ أكبر الغفّاري (أمدّ الله في عمره الشريف)، بتعبير (فإنّكم تنصرونا). وقد نقلنا العبارة وترجمناها بهذه الكيفيّة، إلاّ أنّ المعنى - كما هو ظاهر - غير سلس، وفيه تعقيد معنوي، ويحتاج إلى تقدير محذوف ليوافق المراد.
وبعد طباعة الكتاب راجعنا عدّة نسخ خطّيّة، فكانت تحمل نفس العبارة المذكورة (فإنّكم تنصرونا)، ولمّا كان لمصحّح الكتاب علاقة معرفة وصداقة قديمة مع الحقير، ونظراً لمعرفتي بهمّته العالية في أمر مراجعة المصادر والدقّة في تصحيحها، فقد أوكلتُ إليه مهمّة إيضاح هذا المطلب.
وقد أجاب بما يلي: لقد راجعتُ عند طبع كتاب «تُحف العقول» عدّة مصادر خطّيّة، فكانت هذه العبارة في جميعها على هذا النحو: (فإنّكم تنصرونا)، وقد التفتّ إلى عدم سلاسة المعنى، ولكن لمّا كان التصرّف في عبارة مؤلّف الكتاب أمراً غير مقبول، فقد جرى طبع الكتاب بذلك اللفظ، ثمّ اتّضح فيما بعد بصورة يقينيّة تدعهما مجموعة من الشواهد أنّ أصل تلك العبارة كان (فإن لم تنصرونا).
ثمّ إنّ النسّاخ ألحقوا اللام بالنون (فإنْلَم تنصرونا)، ولمّا كانت هذه الكيفيّة من الكتابة غير مألوفة، فقد تصوّر النسّاخ اللاحقون أنّ العبارة هي (فإنّكم تنصرونا)، فحوّلوا اللام كافاً، فحصل هذا التغيير في مسار التحريفات والتصحيفات الكتابيّة؛ ومن هنا فإنّ أصل العبارة كان على نحو القطع واليقين (فإنْ لَمْ تنصرونا).
انتهى كلام الحاجّ الغفّاريّ.
وبما أنّ هذه الإجابة وقعت موقع قبول الحقير وتوقيعه؛ فتمّ ضبطها بصورة (فإنْ لَمْ تنصرونا) في الطبعات اللاحقة الحروفيّة، كما ترجمت بهذه الصورة.
(7) تُحف العقول / 239، من الطبعة الحروفيّة.
(8) أورد المحدّث القمّي هذه الوصيّة في «نَفَس المهموم / 45» عن العلاّمة المجلسيّ في «بحار الأنوار» عن محمّد بن أبي طالب الموسويّ، وأوردها كذلك في «ملحقات إحقاق الحقّ 11 / 602» عن الخوارزميّ في كتاب «مقتل الحسين 1 / 188»، طبع النجف.
وجاء في «مناقب ابن شهر آشوب 2 / 208»، الطبعة الحجريّة، أنّ هذه الجملات (إنّي لَم أخرُج إلى الحاكِمين) قالها الإمامعليهالسلام في جوابه لعبد الله بن عبّاس.
(9) أورد الحاجّ النوريّ (قدّس سرّه) في «مستدرك الوسائل 2 / 396» في باب استحباب مكافأة المعروف بمثله، أو ضعفه، أو بالدعاء له، وكراهة طلب المكافأة، من كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - الحديث رقم 6، من كلمة مهما يكن إلى هذا الموضع، نقلاً عن «كشف الغمّة».
(10) نقل المرحوم النوريّ في «المستدرك 2 / 399»، الرقم 1 - باب وجوب حسن جوار النعم بالشكر وأداء الحقوق، من كتاب الأمر بالمعروف، الفقرة التي تبدأ من: اعلموا أنّ حوائج الناس إلى هذا الموضع، نقلاً عن «كشف الغمّة»، وفي آخرها: فَتَحولَ نِقماً. ونقلها عن «بحار الأنوار» عن «أعلام الدين» للديلمي بعبارة: فَتتحوَّلَ إلى غيرِكم.
(11) نقلها المرحوم الحاجّ النوريّ (قدّس سرّه) في «المستدرك 2 / 394»، الرقم 18، باب استحباب المعروف وكراهة تركه، من كتاب الأمر بالمعروف، من عبارة: واعلَموا أنّ المعروف إلى هذا الموضع، نقلاً عن «بحار الأنوار» عن «أعلام الدين» للديلميّ، وزاد فيها في موضعين:
أوّلهما: بعد يَسُرُّ النّاظِرين، حيث زاد عبارة: ويَفُوقُ العالَمين.
وثانيهما: بعد كلمة سَمِجاً، حيث زاد كلمة قَبيحاً.
(12) كشف الغمّة / 184، الطبعة الحجريّة.
(13) رواه في «بحار الأنوار 78 / 126»، الطبعة الحروفيّة، المكتبة الإسلاميّة، عن «جامع الأخبار»، أمّا في «جامع الأخبار / 152»، الفصل 89، طبع مصطفوي، فقد روى هذه الرواية عن عليّ بن الحسينعليهماالسلام .
(14) وردت هذه الرواية في كتاب «الاختصاص» للشيخ المفيد / 225، الطبعة الحروفيّة، ونقلها المجلسيّ (رضوان الله عليه) فيالمجلّد السابع عشر للبحار، من طبعة الكمباني، في باب مواعظ سيّد الشهداءعليهالسلام (ج78 / 126 من الطبعة الحروفيّة)، وفي المجلّد الخامس عشر، في باب أداء الفرائض واجتناب المحارم (ج71 / 208) عن «الاختصاص»، وفي باب الذكر الجميل...، ومن طلب رضا الله بسخط الناس (ج71 / 371) عن «أمالي الصدوق».
(15) أورد المجلسيّ هذه الرواية في «بحار الأنوار 78 / 128» من الطبعة الحروفيّة عن كتاب «أعلام الدين».
(16) تحف العقول / 248، وعنه بحار الأنوار 78 / 120.
(17) تحف العقول / 246 من الطبعة الحروفيّة، وبحارالأنوار 78 / 118 من الطبعة الحروفيّة.
(18) أورد ابن الأثير الجزريّ في «الكامل في التاريخ 3 / 460»، في حوادث السنة التاسعة والأربعين للهجرة: في هذه السنة توفّي الحسن بن عليّعليهالسلام ، سمّته زوجته جُعْدَة بنت الأشعث بن قيس الكنديّ.
(19) وفي بعض النسخ «بسنتين».
(20) لعلّه تصحيف، والأولى «اجمعوهم» - [م].
(21) يقصد معاوية بن أبي سفيان.
(22) كتاب سليم بن قيس الهلاليّ الكوفيّ / 206 - 209.
(23) نظراً لاستعمال مفردات في هذه الخطبة الشريفة تختلف فيالضبط، فقد ارتأى الحقير أن يذكر بعض المفردات عن الطريق الصحيح والمعاني المناسبة:
القلادة: ما يُجعل في العنق من حُليّ وغيره.
خُيّر (مجهول باب التفعيل): اختير.
عُسْلان (بضمّ الفاء): جمع عاسل، وهو الذئب؛ مثل راكب ورُكبان، وفارس وفُرسان.
أكراش: جمع كِرْش، وهو لكلّ مجترّ بمنزلة المعدة للإنسان.
جُوف: جمع أجوف، وهو من خلا جوفه واتّسع؛ مثل حُمْر وأحمر، وصُفْر وأصفر.
أجربة: جمع جِراب، وهو وعاء يُحفظ فيه الزاد ونحوه؛ مثل أَنظمة ونِظام.
سُغْب: جمع أسغب، أي الجائع؛ مثل حُمْر وأَحْمَر.
لُحْمَة (بالضمّ): خيوط النسيج مقابل السدي، كناية عن القرابة.
حظيرة: بمعنى المكان المحدود والمحصور بجدار، وحظيرة القُدس بمعنى الجنّة.
وقد نُقلت هذه الخطبة في الكثير من الكتب، ومن جملتها «اللهوف / 53»، وكتاب «نفس المهموم / 100»، كما وردت في «مقتل الخوارزميّ 2 / 5، 6»، ولكن ورد فيه: (وما أولعني بالشوق إلي أسلافي)، وأيضاً: (كأنّي أنظر إلى أوصالي تقطّعها وحوش الفلوات، غُبْراً وعَفْراً)، ولم يرد في هذا النقل جملة: (مَنْ كَانَ فِينَا بَاذِلاً مُهْجَتَهُ) إلى آخر الخطبة.
كما وردت في «كشف الغمّة / 148» طبقاً لعبارة «اللهوف»، ورواها في «ملحقات إحقاق الحقّ 11 / 598» عن «مقتل الخوارزميّ» إلى جملة: (وَيُنْجَزُ لَهُمْ وَعْدُهُ)، كما أوردها عن العلاّمة المدوخ في كتاب «العدل الشاهد / 95» طبقاً لعبارة «اللهوف».
(24) كشف الغمّة / 183، 184، البداية والنهاية 8 / 209.
(25) نَفَس المهموم / 219، وملحقات إحقاق الحقّ 11 / 647 عن «ينابيع المودّة / 346، 347.
وقال المرحوم المحدّث القمّي: قال محمّد بن أبي طالب: وذكر أبو عليّ السلاميّ في تأريخه أنّ هذه الأبيات للحسينعليهالسلام من إنشائه، وقال: ليس لأحدٍ مثلها.
(26) كشف الغمّة / 185.
(27) نقل هذه الخطبة رجال الحديث والتاريخ، وأعاظمهم من الشيعة والسنّة؛ ومن جملتهم ابن طاووس في «اللهوف / 69»، والمحدّث القمّيّ في «نَفَس المهموم / 116»، وعليّ بن عيسى الإربليّ في «كشف الغمّة / 185»، وابن شعبة الحرّاني في كتاب «تحف العقول / 245»، والمجلسيّ في «بحار الأنوار 78 / 116، 117» من الطبعة الحروفيّة، نقلاً عن «تحف العقول»، وفي «ملحقات إحقاق الحقّ 11 / 596» عن العلاّمة المعاصر توفيق أبي علم في كتاب «أهل البيت / 438»، وكذلك في نفس المجلّد من «ملحقات إحقاق الحقّ / 605»، عن محمّد بن جرير الطبريّ في «تاريخ الاُمم والملوك 4 / 305»، طبع مطبعة الاستقامة في مصر، وعن ابن عبد ربّه الأندلسيّ في «العقد الفريد 2 / 218»، طبع المطبعة الشرقيّة في مصر، وعن الطبرانيّ في كتاب «المعجم الكبير / 146»، النسخة الخطيّة، وعن أبي نعيم الإصبهانيّ في «حلية الأولياء 2 / 39»، طبع مطبعة السعادة في مصر، وعن العلاّمة الخوارزميّ في المقتل ج2، طبع النجف الأشرف، وعن ابن عساكر الدمشقيّ في «تاريخ دمشق» حسبما ذُكر في منتخب هذا التاريخ 4 / 333، طبع مطبعة روضة الشام، وكذلك عنالذهبيّ في «تاريخ الإسلام 2 / 345»، طبع مصر، وعن الذهبيّ أيضاً في «سير أعلام النبلاء 3 / 209»، طبع مصر، وعن محبّ الدين الطبريّ في «ذخائر العقبى / 149»، طبع قدسي - القاهرة، وعن العلاّمة باكثير الحضرميّ في كتاب «وسيلة المآل / 198»، النسخة الخطيّة - المكتبة الظاهريّة بدمشق، وعن الزبيديّ في«الإتحاف 10 / 320»، طبع المطبعة السمينيّة في مصر.
(28) تحف العقول / 245، ومقتل الخوارزميّ 1 / 237.
(29) أي وهل تنجون من عواقبه الكريهة إن تقتلوني؟!
قد فسّرنا في الطبعة الاُولى للكتاب هذه العبارة: (وهل يعدو بكم الخطب إن تقتلوني)، بـ «وهل يتجاوز عنكم الموت إن تقتلوني»، وفي الطبعة الثانية الحروفيّة فسّرناها بـ «وهل تنحلّ مشكلتكم ويسهل خطبكم إن تقتلوني».
ولكنّ الآن نرى أنّها لو فُسّرت بهذه العبارة: «وهل تنجون من عواقبه الكريهة إن تقتلوني» لكان أحسن؛ لأنّ الخطب غالباً يستعمل في الأمر المكروه. وعدا يعدو: بمعنى تجاوز، وهو فعل لازم، ولا بدّ أن نقول: إنّ الباء في (بكم) للتعدية؛ وعلى هذا يصبح المعنى هكذا: وهل تجتاز بكم عواقبه الكريهة إن تقتلوني؟ أم لا بل تتورّطون في نتائجه الكريهة وتبعاته الشنيعة ولا تستطيعون اجتيازها؟ أي إنّ عواقبه ستصيبكم.
(30) إرشاد المفيد / 243، وإعلام الورى / 230، ونَفَس المهموم / 116.
(31) توفيق أبو علم في كتاب «أهل البيت / 448»، مطبعة السعادة - مصر، حسب نقل «مُلحقات إحقاق الحقّ 11 / 601».
(32) الكتاب السابق حسب النقل نفسه.
(33) «نَفَس المهموم / 219»، وحكاه في «بحار الأنوار 78 / 128» من الطبعة الحروفيّة، عن «أعلام الدين»، وأورده في «ملحقات إحقاق الحقّ 11 / 634» عن «البيان والتبيين 3 / 255»، وعن «أهل البيت / 448»، و«كشف الغمّة / 185».
(34) أي إنّ ما تأمرونني به من التسليم إلى حكم يزيد وعبيد الله بن زياد عارٌ لي، والموت خيرٌ لي من ارتكاب العار؛ كما أنَّ عدم ترككم لقتالي وزعمكم أنّ ذلك عارٌ، أمرٌ خاطئ؛ لأنّ ارتكاب العار خيرٌ من دخول نار جهنّم.
وكلام الإمامعليهالسلام هذا مقابل كلام عمر الذي قال له أمير المؤمنينعليهالسلام عند موته: «اعترفْ بغصب الخلافة».
فردّ عليه: النار ولا العار؛ فهذا الاعتراف عارٌ عليّ، وأنا أرضى بدخول نار جهنّم ولا أرضى باعترافٍ كهذا يُلحق العار بي.
(35) أي الطائفة الظالمة وحكّام بني أُميّة الجائرين.
(36) بالوقوف في وجه هذه الاُمور والنهي عنها، وبالإمساك بزمام أمر المسلمين؛ ليُصار إلى العمل بأحكام القرآن وسُنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
(37) لم اُميّز نفسي من جهة التعيّن وتشخّص الحياة، ولم أستأثر بشيء لنفسي من المال والجاه؛ بل أنا وأهلي مثلكم ومثل أهليكم.
(38) أنْ تَتّبعوني وتعدّوني إمامكم ومُقتداكم، وتتأسّوا بي في تجنّب الرفاهيّة وترك التبذير والإسراف، وفي عدم المسّ بالفيء والغنائم.
(39) «نَفَس المهموم / 115»، «تاريخ الطبريّ 4 / 304» طبعة 1358، وفي الطبعة الثانية تحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم 5 / 405، وأوردها في «ملحقات إحقاق الحقّ 11 / 609»، عن الطبريّ في تاريخه 4 / 304، وابن الأثير في الكامل 3 / 280.
وأورد المجلسي (رحمه الله) هذه الخطبة باعتبارها رسالة الإمامعليهالسلام في بداية قدومه إلى كربلاء، كتبها إلى أشراف الكوفة، في «بحار الأنوار 10 / 188، 189» طبع الكمبانيّ، نقلاً عن «المناقب»، «مقتل الخوارزميّ» - صح، وجاءت في نسخة الطبريّ والمجلسيّ وملحقات إحقاق الحقّ بلفظ، فَلَمْ يُغَيِّرْ (بالغين المعجمة).
(40) مقتل الخوارزميّ 1 / 234، وملحقات إحقاق الحقّ 11 / 603 عن مقتل الخوارزميّ.
(41) الإرشاد - للمفيد / 250، وإعلام الورى / 234، ونَفَس المهموم / 137، ومقتل المقرّم / 233 عن الطبريّ 6 / 238 و 239، وعن كامل ابن الأثير 4 / 24، وملحقات إحقاق الحقّ 11 / 611 عن كامل ابن الأثير والطبريّ، وعن الخوارزميّ في المقتل 1 / 246، وعنالقندوزيّ في ينابيع المودّة / 239، طبع إسلامبول.
(42) الإرشاد - للمفيد / 253، ونَفَس المهموم / 144، وملحقات إحقاق الحقّ 11 / 613 عن الطبري في تاريخه 4 / 321، وابن كثير في البداية والنهاية 8 / 199، ومقتل المقرّم / 253 عن ابن الأثير في الكامل 4 / 25، وعن تاريخ ابن عساكر 4 / 333.
وذكر الكفعميّ في المصباح / 158، طبع الهند، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله دعا بهذا الدعاء يوم بدر - انتهى. وروى الشيخ الطوسيّ (رحمه الله) في الأمالي 1 / 33، طبع النجف، بإسناده عنالريّان بن الصلت أنّه قال: سمعتُ الرضا عليّ بن موسىعليهالسلام يدعو بكلمات فحفظتُها عنه، فما دعوتُ بها في شدّة إلاّ فرّج اللهُ عنّي، وهي: ثم ينقل نفس الدعاء، وأضاف في آخره: «فَلَكَ الْحمْدُ كَثيراً، وَلَكَ المَنُّ فاضِلاً؛ بنِعمَتك تَتِمّ الصَّالحاتُ. يا مَعروفاً بالمَعروفِ مَعروفٌ، يا مَن هُو بالمعروف مَوْصُوفٌ، أنِلني مِن مَعروفِكَ مَعروفاً تُغْنِني به عن مَعروفِ مَنْ سِواكَ، بِرَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الراحمين».
وذكر المحدّث القمّيّ هذا الدعاء إلى فقرة (وَلَكَ المَنُّ فاضِلاً) بأدنى اختلاف في اللفظ عن الإمام الصادقعليهالسلام في «الباقيات الصالحات» المطبوعة في هامش «مفاتيح الجنان / 381»، ورواه أيضاً السيّد في «مهج الدعوات / 97» إلى هذا الموضع عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه دعا به يوم بدر، وكذلك أورده إلى هذا الموضع في «مهج الدعوات / 269» عن الإمام الصادقعليهالسلام ، وأورده إلى آخر الدعاء في ص 270 عن الإمام الرضاعليهالسلام .
خطبتهعليهالسلام صبيحة يوم عاشوراء
* ثمّ دعا الحسينُعليهالسلام براحلته فركبها، ونادى بأعلى صوته بحيث يسمعه الجميع، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، وَلاَ تَعْجَلُوا حَتَّى أَعِظَكُمْ بِمَا يَحِقُّ عَلَيَّ لَكُمْ، وَحَتَّى أُعْذِرَ إلَيْكُمْ؛ فَإنْ أَعْطَيْتُمُونِي النِّصْفَ كُنْتُمْ بِذَلِكَ أَسْعَدَ، وَإنْ لَمْ تُعْطُونِي النِّصْفَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَأَجْمِعُوا رَأْيَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ، إنَّ وَليَّ اللَهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّي الصَّالِحِينَ».
ثُمَّ حمد الله وأثنى عليه، وذكر الله تعالى بما هو أهله، وصلّى على النبيّ وآله، وعلى ملائكته وأنبيائه، فلم يُسمَع متكلّم قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه. ثمّ قال: «أمّا بعد، فانسبوني فانظروا مَن أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟!
ألستُ ابن بنت نبيّكم وابن وصيّه وابن عمّه، وأوّل المؤمنين، المصدّق لرسول اللهصلىاللهعليهوآله بما جاء به من عند ربّه؟! أو ليس حمزة سيّد الشهداء عمّي؟ أو ليس جعفر الطيّار في الجنّة بجناحين عمّي؟! أولم يبلغكم ما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لي ولأخي: هَذَانِ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟
فإن صدّقتموني بما أقول - وهو الحقّ - واللهِ ماتعمّدتُ كذباً منذ علمتُ أنَّ اللَه يمقت عليه أهله، وإنْ كذّبتموني فإنّ فيكم من إنْ سألتُموه عن ذلك أخبركم. سَلوا جابر بن عبد الله الأنصاريّ، وأبا سعيد الخدريّ، وسهل بن سعد الساعديّ، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله لي ولاخي. أما في هذا حاجزٌ لكم عن سفك دمي؟!».
فقال له شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد اللهَ على حَرْفٍ إنْ كان يدري ما تقول.
فقال له حبيب بن مظاهر: واللهِ، إنّي لأراك تعبدُ اللهَ على سبعين حرف، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول؛ قد طبع اللهُ على قلبك. ثمّ قال لهم الحسينعليهالسلام : «فإنْ كنتم في شكٍّ من هذا أفتشكّون أَنّي ابن بنت نبيّكم؟ فواللهِ ما بينَ المشرقِ والمغربِ ابنُ بنتِ نَبيٍّ غَيري فيكم ولا في غيركم. وَيْحَكُمْ! أتطلبوني بقتيلٍ منكمْ قتلتُه؟ أو مالٍ لكم استهلكتُه؟ أو بقصاصِ جراحةٍ؟».
فأخذوا لا يكلّمونه، فنادى: «يا شبث بن ربعيّ، ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليّ: أنْ قدْ أينعت الثمارُ واخضرَّ الجنابُ، وإنّما تَقْدَمُ عَلى جُندٍ لَكَ مُجَنَّدَةٍ؟!».
فقال له قيسُ بن الأشعثِ: ما ندري ما تقول! ولكن انْزِل على حُكم بَني عمّكَ؛ فَإنّهم لن يُرُوك إلاّ ما تحبّ.
فَقَالَ الْحُسَيْنُعليهالسلام : «لاَ وَاللَهِ لاَ أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إعْطَاءَ الذَّلِيلِ، وَلاَ أُقِرُّ لَكُمْ إقْرَارَ الْعَبِيدِ»(1)، ثُمَّ نَادَى: «يَا عِبَادَ اللَهِ، إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ، وَأَعُوذُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَاب»(2) .
خطبة الإمام الغرّاء يوم عاشوراء
* وروى ابن طاووس الخطبة الغرّاء التالية عن سيّد الشهداءعليهالسلام ، خطبها يوم عاشوراء بهذا المضمون:
قالَ الرَّاوي: وَرَكِبَ أَصْحَابُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ (لَعَنَهُمُ اللَهُ)، فَبَعَثَ الْحُسَيْنُعليهالسلام بُرَيْرَ بْنَ خُضَيْرٍ فَوَعَظَهُمْ فَلَمْ يَسْتَمِعُوا، وَذَكَّرَهُمْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا. فَرَكِبَ الْحُسَيْنُعليهالسلام نَاقَتَهُ - وَقِيلَ: فَرَسَهُ -، فَاسْتَنْصَتَهُمْ فَأَنْصَتُوا؛ فَحَمِدَ اللَهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَصَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى الْمَلاَئِكَةِ وَالأنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَأَبْلَغَ فِي الْمَقَالِ، ثُمَّ قَالَ: «تَبّاً لَكُمْ أَيَّتُهَا الْجَمَاعَةُ وَتَرَحاً! حِينَ اسْتَصْرَخْتُمُونَا وَالِهِينَ، فَأَصْرَخْنَاكُمْ مُوجِفِينَ، سَلَلْتُمْ عَلَيْنَا سَيْفاً لَنَا فِي أَيْمَانِكُمْ، وَحَشَشْتُمْ عَلَيْنَا نَاراً اقْتَدَحْنَاهَا عَلَى عَدُوِّنَا وَعَدُوِّكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ ألْباً لأعْدَائِكُمْ عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ، بِغَيْرِ عَدْلٍ أَفْشَوْهُ فِيكُمْ، وَلاَ أَمَلٍ أَصْبَحَ لَكُمْ فِيهِمْ!
فَهَلاَّ - لَكُمُ الْوَيْلاَتُ! - تَرَكْتُمُونَا، وَالسَّيْفُ مَشِيمٌ، وَالجَأْشُ طَامِنٌ، وَالرَّأْيُ لَمَّا يُسْتَحْصَفْ؟! وَلكِنْ أَسْرَعْتُمْ إلَيْهَا كَطَيْرَةِ الدَّبَى، وَتَدَاعَيْتُمْ إلَيْهَا كَتَهَافُتِ الْفَرَاشِ! فَسُحْقاً لَكُمْ يَا عَبِيدَ الاُمَّةِ، وَشُذَّاذَ الأحْزَابِ، وَنَبَذَةَ الْكِتَابِ، وَمُحَرِّفِي الْكَلِمِ، وعُصْبَةَ الآثَامِ، وَنَفَثَةَ الشَّيْطَانِ، وَمُطْفِئِي السُّنَنِ! أَهَؤُلاَءِ تَعْضُدُونَ، وَعَنَّا تَتَخَاذَلُونَ؟!
أَجَلْ وَاللَهِ غَدْرٌ فِيكُمْ قَدِيمٌ، وَشَجَتْ إلَيْهِ أُصُولُكُمْ، وَتَأَزَّرَتْ عَلَيْهِ فُرُوعُكُمْ، فَكُنْتُمْ أَخْبَثَ ثَمَرٍ شَجاً لِلنَّاظِرِ وَأُكْلَةً لِلْغَاصِبِ!
أَلاَ وَإنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ(3) قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ؛ بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ؛ يَأْبَي اللَهُ ذَلِكَ لَنَا وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِئَامِ عَلَى مَصَارِعِ الْكِرَامِ.
أَلاَ وَإنِّي زَاحِفٌ بِهَذِهِ الاُسْرَةِ مَعَ قِلَّةِ الْعَدَدِ وَخَذْلَةِ النَّاصِرِ».
ثُمَّ أَوصَلَ كَلاَمَهُ بِأَبْيَاتِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيِّ:
فَإنْ نَهْزِمْ فَهَزَّامُونَ قِدْماً |
وَإنْ نُغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلَّبِينَا(4) |
|
وَمَا إنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ |
مَنَايَانَا وَدَوْلَةُ آخَرِينَا(5) |
|
إذَا مَا الْمَوْتُ رَفَّعَ عَنْ أُنَاسٍ |
كَلاَكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا |
|
فَأَفْنَى ذَلِكُمْ سُرَوَاءَ قَوْمِي |
كَمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الأوَّلِينَا |
|
فَلَوْ خَلَدَ الْمُلُوكُ إذاً خَلَدْنَا |
وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إذاً بَقِينَا |
|
فَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا |
سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا |
«ثُمَّ أَيْمُ اللَهِ، لاَ تَلْبَثُونَ بَعْدَهَا إلاَّ كَرَيْثِمَا يُرْكَبُ الْفَرَسُ حَتَّى تَدُورَ بِكُمْ دَوْرَ الرَّحَى، وتَقْلَقَ بِكُمْ قَلَقَ الْمِحْوَرِ؛ عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ أَبِي عَنْ جَدِّي؛ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
اللَهُمَّ احْبِسْ عَنْهُمْ قَطْرَ السَّمَاءِ، وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنيِّ يُوسُفَ، وَسلِّطْ عَلَيْهِمْ غُلاَمَ ثَقِيفٍ فَيَسُومَهُمْ كَأْساً مُصَبَّرَةً؛ فإنَّهُمْ كَذَّبُونَا وَخَذَلُونَا، وَأَنْتَ رَبُّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإلَيْكَ أَنَبْنَا وَإلَيْكَ الْمَصِيرُ»(6) .
أشعاره الرجزيّة يوم عاشوراء
* وجاء في كتاب «كشف الغمّة» عن كتاب «الفتوح» أنّهعليهالسلام لمّا أحاطت به جموع ابن زياد وقتلوا مَن قتلوا من أصحابه، ومنعوهم الماء، كان لهعليهالسلام ولدٌ صغير، فجاءه سهمٌ منهم فقتله، فزمّله الحسينعليهالسلام وحفر له بسيفه وصلّى عليه ودفنه. (ووقف أمام جيش الأعداء وَحمل عليهم مرتجزاً):
غَدَرَ(7) الْقَوْمُ وَ قِدْماً رَغِبُوا |
عَنْ ثَوابِ اللَهِ رَبِّ الثَّقَلَيْن |
|
قَتَلُوا قِدْماً(8) عَلِيّاً وَابْنَهُ |
حَسَنَ الْخَيْرِ كَرِيمَ الطَّرَفَيْن |
|
حَسَداً مِنْهُمْ وَقَالُوا أَجْمِعُوا |
نُقْبِلِ الآنَ جَمِيعاً بِالْحُسَيْن |
|
يَا لَقَوْمٍ لِاُنَاسٍ رُذَّلٍ |
جَمَعُوا الْجَمْعَ لأهْلِ الْحَرَمَيْن(9) |
|
ثُمَّ سَارُوا وَتَوَاصَوْا كُلُّهُمْ |
لاِجْتِيَاحِي لِلرِّضَا بِالْمُلْحِدَيْن(10) |
|
لَمْ يَخَافُوا اللَهَ فِي سَفْكِ دَمِي |
لِعُبَيْدِ اللَهِ نَسْلِ الْفَاجِرَيْن |
|
وَابْنُ سَعْدٍ قَدْ رَمَانِي عَنْوَةً |
بِجُنُودٍ كَوُكُوفِ الْهَاطِلَيْن |
|
لاَ لِشَيْءٍ كَانَ مِنِّي قَبْلَ ذَا |
غَيْرِ فَخْرِي بِضِيَاءِ الْفَرْقَدَيْن |
|
بِعَلِيٍّ خَيْرِ مَنْ بَعْدَ النَّبِيّ |
وَالنَّبِيِّ الْقُرَشِيِّ الْوَالِدَيْن |
|
خَيْرَةُ اللَهِ مِنَ الْخَلْقِ أَبِي |
ثُمَّ أُمِّي فَأَنَا ابْنُ الْخَيْرَتَيْن |
|
فِضَّةٌ قَدْ صُفِيَتْ مِنْ ذَهَبٍ |
فَأَنَا الْفِضَّةُ وَابْنُ الذَّهَبَيْن |
|
مَنْ لَهُ جَدٌّ كَجَدِّي فِي الْوَرَى |
أَوْ كَشَيْخِي فَأَنَا ابْنُ الْقَمَرَيْن |
|
فَاطِمُ الزَّهْرَاءِ أُمِّي وَأَبِي |
قَاصِمُ الْكُفْرِ بِبَدْرٍ وَ حُنَيْن |
|
وَ لَهُ فِي يَوْمِ أُحْدٍ وَقْعَةٌ |
شَفَتِ الغِلَّ بِفَضِّ الْعَسْكَرَيْن |
|
ثُمَّ بِالأحْزَابِ وَالْفَتْحِ مَع |
كَانَ فِيهَا حَتْفُ أَهْلِ الْقِبْلَتَيْن |
|
فِي سَبِيلِ اللَهِ مَاذَا صَنَعَتْ |
أُمَّةُ السَّوْءِ مَعاً بِالْعِتْرَتَيْن |
|
عِتْرَةِ الْبَرِّ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى |
وعَلِيِّ الْوَرْدِ(11) بَيْنَ الْجَحْفَلَيْن(12) |
* قال عبد الله بن عَمّار بن يَغوث: ما رأيتُ مكثوراً قَطّ قد قُتلَ ولده وأهلُ بيته وصحبُهُ أربط جَأشاً منهُ، ولا أمْضى جناناً ولا أجرأ مقدماً! ولقد كانت الرجال تنكشف بين يديه إذا شدّ فيها، ولم يثبتْ له أحد(13) .
فصاح عُمر بن سَعد بالجمع: هذا ابنُ الأنْزَعِ البطين(14) ، هذا ابنُ قتّالِ العرب، احملوا عليه من كلّ جانب.
فأتته أربعةُ آلاف نبلة(15) ، وحال الرجال بينه وبين رحله، فصاح بهم سيّد الشهداءعليهالسلام :
نداؤهعليهالسلام في أتباع آل أبي سفيان
«يَا شِيعَةَ آلِ أَبِي سُفْيَانَ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ دِينٌ، وَكُنْتُمْ لاَ تَخَافُونَ الْمَعَادَ، فَكُونُوا أَحْرَاراً فِيدُنْيَاكُمْ، وَارْجِعُوا إلَى أَحْسَابِكُمْ إنْ كُنْتُمْ عُرْباً كَمَا تَزْعُمُونَ».
فناداه شمر: ما تقولُ يابنَ فاطمة؟
قال: «أنا الذي اُقاتلكم، والنِّساءُ ليس عليهنّ جُناح؛ فامنعوا عُتاتكم عن التعرّض لحرمي ما دمتُ حيّاً».
قَالَ اقْصُدُونِي بِنَفْسِي وَاتْرُكُوا حَرَمِي |
قَدْ حَانَ حِينِي وَقَدْ لاَحَتْ لَوَائِحُهُ |
فقال شمر: لك ذلك.
وقصده القوم، واشتدّ القتال وقد اشتدّ به العطش(16) .
ثمّ إنّهعليهالسلام رجع إلى الخيمة وودّع عياله ثانياً، فحملوا عليه يرمونه بالسهام، فحمل عليهم كالليث الغضبان، ورجع إلى مركزه يُكثر من قول: «لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَهِ»(17) .
* ورماه أبو الحُتوف الجُعْفي بسهم في جبهته، فنزعه وسالت الدماء على وجهه، فقال:
دعاؤهعليهالسلام على أهل الكوفة ومخاطبته لهم
«اللَهُمَّ إنَّكَ تَرَى مَا أَنَا فِيهِ مِنْ عِبَادِكَ هَؤُلاَءِ الْعُصَاةِ! اللَهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَداً، وَاقْتُلْهُمْ بَدَداً، وَلاَ تَذَرْ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ مِنْهُمْ أَحَداً، وَلاَ تَغْفِرْ لَهُمْ أَبَداً».
وصاح بصوت عالٍ: «يَا أُمَّةَ السَّوْءِ بِئْسَمَا خَلَّفْتُمْ مُحَمَّداً فِي عِتْرَتِهِ! أَمَا إنَّكُمْ لاَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً بَعْدِي فَتَهَابُونَ قَتْلَهُ، بَلْ يَهُونُ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ عِنْدَ قَتْلِكُمْ إيَّايَ. وَأَيْمُ اللَهِ إنِّي لأرْجُو أَنْ يُكْرِمَنِيَ اللَهُ بِالشَّهَادَةِ، ثُمَّ يَنْتَقِمَ لِي مِنْكُمْ مِنْ حَيْثُ لاَتَشْعُرُونَ».
فقال الحُصَيْن: وبماذا ينتقم لك منّا يابن فاطمة؟
قالعليهالسلام : «يُلقي بأسَكم بينكم، ويسفك دماءَكُم، ثُمّ يصبّ عليكم العذابَ صَبّاً»(18) .
كيفيّة استشهادهعليهالسلام
ولمّا ضعف عن القتال وقف يستريح؛ فرماه رجلٌ بحجر على جبهته، فسال الدم على وجهه، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن عينيه (فـ) رماه آخر بسهمٍ مُحدَّد له ثلاث شعب وقع على قلبه، فقال: «بِسْمِ اللَهِ وَبِاللَهِ، وَعلى مِلَّةِ رَسُولِ اللَهِ». وَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: «إلَهِي، إنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَ رَجُلاً لَيْسَ على وَجْهِ الأرْضِ ابْنُ نَبِيٍّ غَيْرُهُ».
ثمّ أخرج السهم من قفاه، وانبعث الدم كالميزاب(19) ؛ فوضع يده تحت الجرح، فلمّا امتلات رمى به نحو السماء وقال: «هَوَّنَ عَلَيَّ ما نَزَلَ بي أنَّهُ بِعَيْنِ اللَهِ». فلم يسقط من ذلك الدمِ قطرةٌ إلى الأرضِ. ثُمّ وَضَعها ثانياً، فلمّا امتلات لطّخ به رأسَه ووجهَه ولحيته، وقال: «هكذا أكونُ حتّى أَلقى اللهَ وَجدِّي رَسُولَ اللهِ»(20) .
* وأعياه نزفُ الدمِ؛ فجلسَ على الأرض ينوءُ برقبته، فانتهى إليه في هذا الحالِ مالكُ بنُ النسر؛ فشتمه ثُمَّ ضربه بالسَّيفِ على رأسه، وكان عليه بُرْنُسٌ فامتلأ البرنس دماً، فألقى البرنسَ واعتمَّ على القَلَنسُوَةِ(21) . وروى البعض أنّه استدعى بخرقةٍ فشَدَّ بها رأسَهُ.
وضربه زُرعة بن شَريك على كتفه اليُسرى(22) ، ورماه الحُصين(23) في حلقه، وضربه آخرُ على عاتِقه، وطعنه سِنان بن أنس في ترقوته، ثُمّ في بواني صدرهِ، ثُمّ رماه بسهم في نَحْره(24) ، وطعَنَه صالح بن وهب فيجنبه(25) .
قال هلال بن نافع: كنتُ واقفاً نحوَ الحسينِ وهو يجودُ بنفسه، فواللهِ ما رأيتُ قتيلاً قطّ مُضمَّخاً بدمه أحسنَ منه وجهاً ولا أنور! ولقد شغلني نورُ وجهه عنالفكرة في قتله(26) .
ولمّا اشتدّ به الحالُ رفعَ طرفَهُ إلى السماء، وتضرَّع إلى ساحة الربِّ ذي الجلال قائلاً: «صَبْراً على قَضَائِكَ يَارَبِّ، لاَ إلَهَ سِوَاكَ، يَا غِيَاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ»(27) .
وأقبل فرسُه يدور حوله ويمرّغ ناصيتَه بدمه، ويشمّه ويصهَل صهيلاً عالياً(28) . ورُوي عن الإمام أبي جعفر محمّد الباقرعليهالسلام أنّه كان يقول: الظَّلِيمَةَ الظَّلِيمَةَ مِنْ أُمَّةٍ قَتَلَتِ ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّهَا(29) ! وتوجّه نحو المخيّم.
ونادت اُمّ كلثوم: وَا مُحَمَّدَاهْ! وَا أَبَتَاهْ! وَا عَلِيَّاهْ! وَا جَعْفَرَاهْ! وَا حَمْزَتَاهْ! هَذَا حُسَيْنٌ بِالعَرَاءِ، صَرِيعٌ بِكَرْبَلاءَ(30) .
ونادت زينب: وَا أَخَاهْ! وَا سَيِّدَاهْ! وَا أَهْلَ بَيْتَاهْ! لَيْتَ السَّمَاءَ أَطْبَقَتْ على الأرْضِ، وَلَيْتَ الْجِبَالَ تَدَكْدَكَتْ عَلَى السَّهْلِ(31) .
وانتهت نحو الحسينعليهالسلام ، وقد دنا منه عمر بن سعد في جماعة من أصحابه، والحُسين يجود بنفسه، فصاحت: أَيْ عُمَر! أَيُقْتَلُ أَبُو عَبْدِ اللَهِ وَأَنْتَ تَنْظُرُ إلَيْهِ؟!
فصرفَ بوجهه عنها ودموعُه تسيلُ على لحيته(32) .
فصاحت: وَيْحَكُمْ! أَمَا فِيكُمْ مُسْلِمٌ؟!
فلم يجبها أحد(33) ، ثمّ صاح عمر بن سعد بالناس: انزلوا إليه وأريحوه.
فبدر إليه شمر فرفسه برجله، وجلس على صدره، وقبض على شيبته المقدّسة، وضربه بالسيف اثنتي عشرة ضربة(34) ، واحتزّ رأسه المقدّس.
أشعار في تصوير حالات سيّد الشهداءعليهالسلام وحال جميع المخلوقات
وما أروع ما جسّد المرحوم حجّة الإسلام نيّر التبريزيّ حال الموجودات عند شهادة الإمام، كلاً بدوره وبقدر سعته واستعداده، حيث يقول:
جان فداي تو كه از حالتِ جانبازي تو |
در طفِ ماريه از ياد بشد شور نُشور |
|
قُدسيان سر بگريبان بحجاب مَلكوت |
حُوريان دست بگيسوي پريشان ز قُصور |
|
گوش خَضرا همه پُر غُلغُلة ديو و پَري |
سَطح غَبْرا همه پُر ولولة وحش و طُيور |
|
غرق درياي تحيّر زلب خشك تو نوح |
دست حسرت بدل ازصبر توأيّوب صَبور |
|
مرتضي با دل افروخته لا حَوْل كنان |
مصطفى با جگر سوخته حيران وحَصور |
|
كوفيان دست بتاراج حرم كرده دراز |
آهوانِ حَرَم از واهمه در شيوَن و شُور |
|
أنبياء محو تماشا و ملائك مَبهوت |
شمر سرشار تمنّا و تو سرگرم حُضور(35) |
وما أروع وأبلغ ما حكى آية الله الشعرانيّ (رحمه الله) في «دَمع السُّجوم» عن حقيقة شهادة ذلك الإمامعليهالسلام :
شاهان همه بخاك فكندند تاجها |
تا زيب نيزه شد سر شاه جهان عشق |
|
بر پاي دوست سر نتوان سود جز كسي |
كو را بلند گشت سر اندر سِنان عشق |
|
از لا مكان گذشت بيك لحظه بي بُراق |
اين مصطفي كه رفت سوي آسمان عشق |
|
شاهجهانعشقكهجانانش ازأَلَسْت گفت |
اي جهان حُسْن، فداي تو جان عشق |
|
تو كشتة منيّ و منم خون بَهايِ تو |
بادا فداي خون تو كَوْن ومكان عشق(36) |
وللّهِ الحمدُ ولهُ المِنّة؛ فقد استغرقت كتابة هذه الرسالة أُسبوعاً واحداً، وحُرّرت أيّام إقامة مراسم العزاء عليه (سلام الله عليه)، أي في الأيّام العشرة الاُولى منالمحرّم لسنة ألف وأربعمئة واثنين هجريّة قمريّة، واختتمت بعد شروع ليلة تاسوعاء الحسينعليهالسلام بساعتين وربع الساعة، بمَنّه وَجودِه وكرمِه إنّه أرحمُ الراحمين.
رَبَّنَا احْشُرْنَا مَعَ الْحُسَيْنِ وَالْمُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ، رَبَّنَا وَتَقَبَّلِ الدُّعَاءَ.
محفل انس است دو عالم ولي |
شمع دل افروز حسين است و بس |
|
آنكه سُرود اين دُرَرِ پاك را |
خاك ره كوي حسين است و بس |
كتبه بيُمناه الداثرةِ، العاشقُ المسكين، والفاني المُستكين، السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ فيالبلدةِ الطيِّبةِ لِلمشهدِ الرضَويِّ المـُقدَّسِ على مُقدِّسِها آلافُ التحيّةِ والإكرامِ، بجاهِ محمّدٍ وآلهِ البَررَةِ الكِرام.
أشعار المؤلّف في مدح سيّد الشهداءعليهالسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَهِ، وَعَلَى الْمُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَهِ وَبَرَكَاتُهُ
الثالث من شعبان المعظّم لسنة 1378 هجريّة قمريّة
العيد السعيد لميلاد سيِّد الشُّهداءِ أَرواحُنا وأرواحُ العالمين له الفِداءُ
ربّنا احشُرنا مع الحسينعليهالسلام ، وأدخلنا في زمرته، ربّنا وتقبّل الدّعاء
إنّ نور الإله و مرآة تجلّي الحقّ ونور الهدى نور الحسين لا سواه
وسرّ الولاء ولؤلؤ الحقّ المتوهّج ومظهر الواهب المعطي إنّما هو الحسين
ولقد كان سرّ الهويّة الذي تجلّى هو الضوء الساطع لنور الحسين
وروح المشيّة التي ظهر منها الكون والمكان هي الحسين لا سواه
كان تجلّي الذات الأحديّة بلا نقاب هو نور تجلّي الحسين
ولقد كانت السجدة التي سجدتها جمهرة الملائكة لآدم الترابيّ إنّما هي من أجل الحسين لا سواه
وإنّ سلسلة الأنبياء المستمرّة ليست إلاّ طلائع جيش الحسين
وهو لا سواه ثمرة الخلقة منذ الأزل إلى الأبد، وهدف الخلقة والإيجاد
ومع أنّ العالمين محفلٌ للاُنس، لكن الشمع الـذي يُـنير القلوب الحسين لا سواه
ولـيـست الـنفحة الـمنعشة لـنسيم الـجنّة إلاّ شـمّة وعـبيراً مـن رائـحة الـحسين
ومـن سـجيّة الـحسين ولأجـله صـارت نـار نـمرود عـلى الـخليل بـرداً وسـلاماً
وسـفـينة نوح في طـوفان الـيمّ لـم تـكن إلاّ كـزورق فـي جـدولٍ لـلحسين
لـقـد ذهـب مـوسى بـن عـمران لـلميقات حـين ذهـب، لأجـل مـيقات الـحسين
ولـقـد كـان نـور الـوادي الأيـمن عـلى الـدوام شـعشعة مُـحيّا الـحسين لا سـواه
والـنـار الـمـشتعلة فـي جـبل الـطور لـم تـكن إلاّ ضـوءاً مـن نـور الـحسين
والـنفخة الـتي نـفخها عـيسى فـي الـجسد فأحياه إنّما كانت من أنفاس ورائحة الحسين
وهذه الـقـبّة الـمرتفعة الـمنشورة إنّـما تـدور عـلى اسـتدارة حـاجب الـحسين
فـمـا الذي أقول؟ إذ إنّ كلّ مـا فـي الـعالم إنّـما يـبحث عـن الـحسين
والـذي سـطع هـذه الـليلة كـالشمس إنّـما هـو رايـة الـتوحيد، الـحسين لا سـواه
ذلك الذي قـبّل الـرسول عـنقه عـطفاً وحـبّاً فـبكى، هـو الـحسين لا سـواه
إنّ شـمعة مـحفل سـرور حـريم الـلقاء إنّما هو الرأس الطافح بالأنوار للحسين لا سواه
ولـقـد أحرق الـحـسين لا سواه فـراشـة الـروح فـي حـرم الـعشق شـوقاً
فـالقتيل الـذي فـدى بـروحه في سبيل الحبيب، وذو الجسد المـُقطَّع إرباً إنّما هو الحسين
والـذي نـصـب خـيـمته خارج الـعـالمينِ كـلـيهما لـيـس إلاّ الـحـسين
ومَـن قـال فـي مـوضع تـقديم القرابين للحبيب: رضىً ربِّ، إنّما هو الحسين لا سواه
والذي ضُـمِّـخَ بدم الـعـنق إنّـمـا هو نـاصية ذؤابـة الـحسين لا سـواه
إنّ بـاب الـخلاص مـن الـغمّ ومـن بحر البلاء هي سفينة الحسين المنجية دونما سواها
والـيد الـتي تـشفع لـلجميع يـوم الـحشر هـي مـن كـرم الـحسين وجـوده لا سواه
فـإن رُمـتَ الفـوز والـفـلاح فـالـسبيل لـيـس إلاّ ولاية الـحـسين
وإنّ مُـنـشد هذه الدرر الـطـاهرة ترابٌ في مـسـير درب الـحـسين
السيِّد محمّد الحُسين الحُسينيّ الطهرانيّ
____________________
(1) - وَلا أُقِرُّ لَكُم إقْرَارَ العَبيد: أي لا أعترف بعبوديّتكم ولا أمكّنكم من نفسي كالعبيد؛ وعلى ذلك فإنّ لفظ أُقرّ ولفظ إقرار كلاهما بالقاف؛ لكنّ المرحوم الميرزا محمّد تقيّ سبهر أوردهما كليهما بالفاء في «ناسخ التواريخ» المجلّد الخاصّ بسيّد الشهداءعليهالسلام (الطبعة الحروفيّة 2 / 234)، أي وَلا أَفرّ لَكُم فِرار العبيد. وترجمها بهذا المعنى، وليس ذلك صحيحاً؛ لأنّ لفظ (لَكم) غلط وينبغي أن يحلّ محلّه لفظ (منكم)، بينما نعلم أنّه أورده بلفظ لكم.
وقد أورده المرحوم السيّد عبد الرزّاق المقرّم في مقتله ص 256 بالفاء الموحّدة وبدون لفظ «لكم»، هكذا: ولا أَفِرُّ فِرارَ العَبيد. وقال: إنّ ابن نما أورده على هذا النحو في «مثير الحزان / 26»، ثمّ قال: وهذا أصحّ ممّا يمضي على الألسن ويوجد في بعض المقاتل بالقاف من الإقرار؛ لأنّه على هذا تكون الجملة الثانية غير مفيدة إلاّ ما أفادته التي قبلها، أي قوله: لا أُعْطيكم بيدي إعطاء الذليل، بخلافه على قراءة «الفرار»؛ فإنّ الجملة الثانية تفيد أنّه لا يفرّ من الشدّة والقتل كما يصنعه العبيد.
أقول: لا يمكننا تجاهل ورود لفظ لكم في بعض المقاتل والاكتفاء برواية ابن نما؛ على أنّنا لو لفظناه بالقاف لما كان ذلك تكراراً للمعنى الأوّل؛ بل إنّه سينفي عن نفسه تلك الحالة من تمكين العبوديّة. وعلى كلّ تقدير فباعتبار ورود اللفظ في بعض المقاتل بالقاف، ومع وجود لفظ (لكم) في بعضها فإنّ من الأفضل أن يؤخذ بالمعنى الذي اخترناه، أي أنّني لا أمكّنكم من نفسي تمكين العبيد، ولا أتحمّل ثقل ظلمكم.
(2) - أورد هذه الخطبة إلى هذا الحدّ: المفيد في «الإرشاد / 253 - 255»، والمحدّث القمّيّ في «نفس المهموم / 144 - 146»، والخوارزميّ في «مقتل الحسين 1 / 253»، والسيّد عبد الرزّاق المقرّم في المقتل / 254 - 257، عن الطبريّ 6 / 242، وعن مقتل محمّد بن أبي طالب، وعن «مثير الأجزان / 26» لابن نما، كما أورده الشيخ الطبرسيّ في «إعلام الورى / 237 و 238»، وفي «ملحقات إحقاق الحقّ 11 / 615 و 616» عن ابن كثير في «البداية والنهاية 8 / 178» طبع مصر، وفي ص 621 عن الشيبانيّ: ابن الأثير في«الكامل 3 / 287»، طبع المنيريّة - مصر.
(3) - يقصد عُبيد الله بن زياد.
(4) - لأنّ نيّتنا وإرادتنا على الصلاح والتقوى، وهذا أمرٌ لا يُغلب.
(5) - لذا فلم نأتِ للحرب بداعٍ من حبّنا لأنفسنا، بل إنّنا تهيّأنا للحرب لِرفضنا سيطرة العدوّ الدنس اللئيم علينا؛ ذلك لأنّ منالمحال أن يتغلّب علينا ما دمنا على قيد الحياة؛ لذا فإنّ دولتهم وحكومتهم لن تكون إلاّ بموتنا.
(6) - وردت هذه الخطبة في «اللهوف / 85 - 88»، وفي «نفس المهموم / 149 و 150»، وفي «مقتل المقرّم / 262 - 264»، وفي «مقتل الخوارزميّ 2 / 6 و 7»، وفي «ملحقات إحقاق الحقّ 11 / 624 و 625». وأوردها في «الملحقات» عن الخوارزميّ بهذه العبارات التي نقلناها بأدنى اختلاف، وعن العلاّمة ابنعساكر الدمشقيّ في تاريخه (حسب ما جاء في منتخبه 4 / 333) بأدنى اختلاف في اللفظ، كما أورد مختصر هذه الخطبة في «كشف الغمّة / 181»، وذكرها في «تحف العقول / 240 - 242»، تحت عنوان رسالتهعليهالسلام لأهل الكوفة، وأوردها الشيخ الطبرسيّ في «الاحتجاج 2 / 24 و 25» من طبع النجف، عن مصعب بن عبد الله إلى آخر الأشعار التي تمثّل بها الإمامعليهالسلام .
(7) - جاء في «الاحتجاج» و«نفس المهموم» و«دمع السجوم» بلفظ كفر القوم.
(8) - ضبطها آية الله الشعرانيّ في «دمع السجوم / 187» بلفظ قَتَلوا القَرْمَ؛ والقرم هو السيّد والعظيم.
(9) - أي مكّة و المدينة.
(10) - يزيد وعُبيد الله بن زياد.
(11) - والوَرْد هو الورد الأحمر المعروف، ويمكن أن يكون هنا بمعنى الشجاع الجريء.
(12) - «كشف الغمّة / 183»، و«احتجاج الطبرسيّ 2 / 25 و 26 »، طبع النجف الأشرف، و«نفس المهموم / 218»، وذكر في «ملحقات إحقاق الحقّ 11 / 644» تسعة أبيات من هذه الأشعار، وهي الأوّل والثاني والثالث والعاشر إلى الخامس عشر، عند شهادة طفله الصغير عن «وسيلة المآل / 178»، وعن «أهلالبيت / 444»، وأورد خمسةً وعشرين بيتاً ملفّقةً من بعض هذه الأشعار ومن غيرها عند رجوع الإمامعليهالسلام إلى خيام الحرم، عن «ينابيع المودّة / 346 - 347»، وخمسة عشر بيتاً عن عبد الغفّار الهاشميّ الأفغانيّ في كتاب «أئمّة الهدى / 104».
(13) - مقتل المقرّم / 320، عن تاريخ الطبريّ «6 / 259»، و«اللهوف / 105».
(14) - أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
(15) - مقتل المقرّم / 320، عن «مناقب ابن شهر آشوب 2 / 223».
(16) - اللهوف / 105 و 106، و «مقتل الخوارزميّ 2 / 33»، و «مقتل المقرّم / 320 و 321» عن «اللهوف».
(17) - اللهوف / 105، و «مقتل المقرّم / 324».
(18) - مقتل المقرّم / 324 و 325 عن «مقتل العوالم»، وعن «نَفَس المهموم»، وعن «مقتل الخوارزميّ».
(19) - اللهوف / 106 و 107، و«مقتل المقرّم» عن «نَفَس المهموم»، وعن «مقتل الخوارزميّ»، وعن «اللهوف».
(20) - مقتل المقرّم عن «مقتل الخوارزميّ»، وعن «اللهوف».
(21) - اللهوف / 107، و«مقتل المقرّم / 326» عن «كامل ابن الأثير 4 / 31»، وعن «مقتل الخوارزميّ 2/35».
(22) - اللهوف / 110.
(23) - مقتل المقرّم / 329 عن «الإتحاف بحبّ الاشراف / 16».
(24) - اللهوف / 110 و 111، و«مقتل المقرّم / 329» عن «اللهوف».
(25) - مقتل المقرّم / 329 عن «مقتل العوالم»، وعن «مقتل الخوارزميّ».
(26) - مقتل المقرّم / 329 عن ابن نما / 39، و«المجالس السنيّة» - المجلس 69.
(27) - مقتل المقرّم / 331 عن «أسرار الشهادة / 423».
(28) - مقتل المقرّم / 332 عن «تظلّم الزهراء / 129»، وعن «بحار الأنوار 10 / 205».
(29) - مقتل المقرّم / 332 عن «مقتل الخوارزميّ 2 / 37».
(30) - مقتل المقرّم / 332 عن «بحار الأنوار 10 / 206، و45 / 60 من الطبعة الحروفيّة»، و«مقتل الخوارزميّ / 37».
(31) - اللهوف / 110، و «مقتل المقرّم / 332» عن «اللهوف»، و«بحار الأنوار 45 / 54» الطبعة الحروفيّة.
(32) - مقتل المقرّم / 333 عن «كامل ابن الأثير 4 / 32».
(33) - مقتل المقرّم / 333 عن «إرشاد المفيد».
(34) - مقتل المقرّم / 333 عن «مقتل العوالم / 100»، وعن «مقتل الخوارزميّ 2 / 73».
(35) - آتشكده نيّر / 121و 122.
يقول: بنفسي أنت! فقد أنسى فداك في طفّ مارية اضطراب القيامة والنشور؛ فالملائكة تجلس ساهمة واجمة بحجاب الملكوت، والحور تنشر ذوائبها المشوّشة في القصور. غوغاء الجنّ والشياطين يملأ سمع السماء الزرقاء، وسطح الغبراء يَضجّ بولولة الوحش والطيور. لقد غرق نوح في بحر الحيرة والدهشة من شفتك اليابسة الظمأى، وتحسّر - حيثُ صبرتَ - أيّوبُ الصبور.
يُتَمتِم المرتضى بـ «لاحَوْل...» بقلبٍ مستعر، والمصطفى حيران بفؤاد مغموم مسجور. لقد تطاول أهل كوفان لنهب الحرم، بينما ضجَّ كلُّ ظبيٍ منهنّ وهو ناحبٌ مذعور. كان الأنبياء غارقين في التطلّع، والملائكةُ مبهوتين، وكان الشمر طافحاً بالأماني، وكنتَ منهمكاً مشغولاً في الحضور.
(36) - دمع السجوم - هامش / 196.
يقول: لقد ألقى الملوك جميعاً بتيجانهم إلى الأرض حين زيّن الرمحَ رأسُ ملك عالم العشق. فلن يمكن لأحد أن يُمرّغ جبهته على قدم الحبيب إلاّ ذلك الذي رفعوا رأسه على سنان العشق. لقد تخطّى اللامكان بلحظةٍ واحدة دونما بُراق، هذا المصطفى الذاهب إلى سماء العشق. وملِكُ عالم العشق الذي قال له خالقُه منذ (أَلَسْت...): يا عالم الحُسن، فِداك روح العشق. أنت قتيلي، وأنا ديةُ دمك، ولْيكُن فداء دمك كَوْن وعالم العشق.
فهرس المنابع والمصادر
- القرآن الكريم: المدينة المنوّرة (بخطّ عثمان طه).
- نهج البلاغة: السيّد محمّد بن الحسين (السيّد الرضي)، علّق عليه الشيخ محمّد عبده، مطبعة عيسى البابيّ الحلبيّ - مصر.
* * *
- آتشكده (ديوان حجة الإسلام نيّر): حجّة الإسلام الميرزا محمّد تقيّ نيّر التبريزيّ، «مركز نشر كتاب» - طهران / 1328 هـ ش، الطبعة الرابعة.
- إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل: القاضي السيّد نور الله الحسينيّ المرعشيّ التُّستَريّ الشهيد، علّق عليه آية الله السيّد شهاب الدين المرعشيّ النجفيّ، وملحقات إحقاق الحقّ: آية الله السيّد شهابالدين المرعشيّ النجفيّ، المطبعة الإسلاميّة - طهران / 1381 - 1395 هـ ق (من ج 1 إلى ج 12)، ومكتبة آية الله المرعشيّ النجفيّ / 1396 قم، 1409 هـ ق (من ج 13 - 30) وهو 30 مجلّداً.
- إعلام الورى بأعلام الهُدى: الفضل بن الحسن الطبرسيّ (أمين الإسلام)، حقّقه عليّ أكبر الغفّاريّ، المكتبة الإسلاميّة - طهران / 1379 - 1338هـ ش.
- الاحتجاج: أبو منصور أحمد بن عليّ الطبرسيّ، مكتبة النعمان - النجف / 1386 هـ ق - 1966 م (مجلّدان).
-الاختصاص: محمّد بن محمّد بن النعمان العكبريّ البغداديّ (الشيخ المفيد)، صحّحه وعلّق عليه عليّ أكبر الغفّاريّ، مكتبة الصدوق - طهران / 1379 هـ ق.
-الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: محمّد بن محمّد بن النعمان العكبريّ البغداديّ (الشيخ المفيد)، (الطبعة الحجريّة، تاريخ الكتابة / 1285 هـ ق).
-الأمالي: أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسيّ (الشيخ الطوسيّ)، مطبعة النعمان - النجف / 1384 هـ ق.
-الباقيات الصّالحات: الحاجّ الشيخ عبّاس القمّيّ (في هامش كتاب مفاتيح الجنان)، «كتابفروشي إسلاميّه» - طهران / 1397 هـ ق (بخطّ طاهر خوشنويس).
-البداية والنهاية (في التاريخ): أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقيّ، مطبعة السعادة - مصر / 1351 هـ ق - 1932 م، (13) مجلداً.
-الكامل في التاريخ: عليّ بن محمّد الشيبانيّ (ابن الأثير الجزريّ)، صحّحه وعلّق عليه الشيخ عبد الوهّاب النجّار، إدارة الطباعة المنيريّة - مصر / 1348 - 1353 هـ ق، (10) مجلّدات.
-اللهوف على قتلَى الطُّفوف: السيّد رضيّ الدّين عليّ بن موسى بن طاووس الحسينيّ (الطبعة الحجريّة، تاريخ الكتابة / 1317 هـ ق).
-المجالس السنيّة: السيّد محسن الأمين، الطبعة الخامسة - بيروت، دار التعارف للمطبوعات / 1394 هـ ق.
-بحار الأنوار الجامعة لِدُرَر أخبار الأئمّة الأطهار: العلاّمة المولى محمّد باقر بن محمّد تقيّ المجلسيّ، دار الكتب الإسلاميّة، والمكتبة الإسلاميّة - طهران / 1394 - 1376 هـ ق، (110) مجلّدات.
-تاريخ الاُمم و الملوك (تاريخ الطبريّ): أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ، مطبعة الاستقامة - القاهرة / 1357 - 1358 هـ ق - 1939 م، (8) ج بانضمام 1 - صلة تاريخ الطبريّ: عريب بن سعد القرطبيّ 2 - المنتخب من كتاب ذيل المزيل: أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ.
-تحف العقول عن آل الرّسول: أبو محمّد الحسن بن عليّ بن شعبة الحرّانيّ، صحّحه وعلّق عليه عليّ أكبر الغفّاريّ، مكتبة الصدوق - طهران / 1376 هـ ق.
-جامع الأخبار: الشيخ محمّد بن محمّد السبزواريّ أو...، منشورات «نشر كتاب» - طهران / 1382 هـ ق.
-جُنّة الأمان الواقية وجَنّة الإيمان الباقية (مصباح الكَفعَميّ): الشيخ إبراهيم الكفعميّ اللوزيّ، المطبعة الفخريّة - طهران.
-دَمع السُّجوم في ترجمة نفَس المَهموم: آية الله الحاجّ الميرزا أبو الحسن الشعرانيّ، «كتابفروشي علميّة إسلاميّه» - طهران / 1374 هـ ق.
-كتاب سُلَيم بن قيس (كتاب السقيفة): سليم بن قيس الكوفيّ الهلاليّ العامريّ، قدّم له وحقّقه العلويّ الحسنيّ النجفيّ - النجف، الطبعة الثالثة.
-كشف الغُمّة عن معرفة أحوال الأئمّة: عليّ بن عيسى بن أبي الفتح الإربليّ، دار الطباعة الكربلائيّ محمّد حسين الطهرانيّ / 1294 هـ ق (الطبعة الحجريّة).
-مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: الميرزا حسين بن محمّد بن تقيّ (المحدّث النوريّ)، مطبعة «آقا ميرزا محمود تاجر كتابفروش خوانساري» / 1318 هـ ق، (3) ج (الطبعة الحجريّة).
-مصباح الكفعميّ: جُنّة الأمان الواقية وجَنّة الإيمان الباقية.
-مقتل الحسينعليهالسلام (مقتل الخوارزميّ): أبو المؤيّد الموفّق بن أحمد الخوارزميّ، مطبعة الزهراء - النجف / 1361 هـ ق، جزآن في مجلّد واحد.
-مقتل الحسينعليهالسلام (مقتل المقرّم): عبد الرزّاق الموسويّ المقرّم، دار الكتب الإسلاميّة، ومخزن الأمينيّ - النجف، الطبعة الثانية / 1376 هـ ق - 1956م.
-ملحقات إحقاق الحقّ: إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل.
-مهج الدعوات ومنهج العبادات: السيّد رضيّ الدين عليّ بن موسى بن طاووس الحسينيّ (الطبعة الحجريّة).
-ناسخ التواريخ (در أحوالات حضرت سيّد الشهداءعليهالسلام = سيرة سيّد الشهداء (عليه السّلام»: الميرزا محمّد تقيّ سپهر، «كتابفروشي إسلاميّة» - طهران / 1398 هـ ق، (4) أجزاء في مجلّدين.
-نَفَس المهموم في مصيبة سيّدنا الحسين المظلومعليهالسلام : الحاجّ الشيخ عبّاس القمّيّ، «كتابفروشي إسلاميّة» - طهران / 1374هـ ق.
الفهرس
المقدّمة3
كلام سيّد الشهداء عليهالسلام في لزوم معرفة الله 5
خطبته عليهالسلام لإصلاح الناس 5
وصيّته عليهالسلام إلى محمّد بن الحنفيّة5
الحثّ على المكارم6
اُسلوب اجتناب المعاصي 7
مواعظ سيّد الشهداء عليهالسلام 7
خطبته عليهالسلام بمنى، وتنوير الأذهان في زمن معاوية7
مناشدته عليهالسلام للأصحاب والتابعين 8
خطبته عليهالسلام عند خروجه من مكّة9
أشعاره عليهالسلام في جواب الفرزدق ومحادثته معه9
خطبة الإمام عليهالسلام عند ممانعة الحرّ إيّاه10
كلامه عليهالسلام في جواب تهديد الحرّ11
كلام سيّد الشهداء عليهالسلام في استعداده للشهادة11
خطبته عليهالسلام في أصحابه وأصحاب الحرّ11
خطبة الإمام عليهالسلام ليلة عاشوراء في أصحابه12
دعاؤه عليهالسلام صبيحة يوم عاشوراء13
خطبته عليهالسلام صبيحة يوم عاشوراء19
خطبة الإمام الغرّاء يوم عاشوراء20
أشعاره الرجزيّة يوم عاشوراء21
نداؤه عليهالسلام في أتباع آل أبي سفيان 22
دعاؤه عليهالسلام على أهل الكوفة ومخاطبته لهم23
كيفيّة استشهاده عليهالسلام 23
أشعار في تصوير حالات سيّد الشهداء عليهالسلام وحال جميع المخلوقات 24
أشعار المؤلّف في مدح سيّد الشهداء عليهالسلام 25
فهرس المنابع والمصادر30