مستقبل الخطابة الحسينية وسبل تحديثها
الدكتور أحمد بن محمد بن ابراهيم اللويمي
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ المنبر الحسيني كأيّ ظاهرة لا بدّ أن تتّخذ أشكالاً مختلفة في نشأتها وتطورها، فهناك بداية الدعوة إليها، ثمّ غرس بذرتها الأولى، ثمّ تأخذ في النمو وذلك خلال ما تمرّ به من ظروف النمو.
فالمنبر الحسيني كانت بداية الدعوة إليه من خلال فعل النبي صلىاللهعليهوآله بالبكاء على الحسين عليهالسلام والحث عليه؛ ففي مسند أحمد بن حنبل 2 / 85، عن علي عليهالسلام قال: «دخلت على النبي صلىاللهعليهوآله ذات مرّة وعيناه تفيضان، قلت: يا نبي الله، أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟! قال صلىاللهعليهوآله : بل قام من عندي جبرائيل فحدّثني أنّ الحسين يُقتل بشط الفرات».
قال: «فقال: هل لك أن أشمّك من تربته؟». قال: «قلت: نعم، فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عينيَّ أن فاضتا».
نرى من خلال فعل النبي صلىاللهعليهوآله وأقواله حثّ على البكاء على الحسين عليهالسلام ، وانطلق الأئمّة عليهمالسلام يدعون إلى ذلك ويؤكّدون على إحيائه بوسائل مختلفة، ومنها الرثاء النثري والرثاء الشعري، أو ربط بعض الحوادث والصور المعبّرة عن الحزن والأسى بمصاب الحسين عليهالسلام .
كلّ هذا يُعطينا أنّ الأئمّة عليهمالسلام يدعون إلى اتّخاذ كلّ الوسائل المباحة للوصول إلى هذه الغاية، ولا شك إنّ المنبر له هذا الدور الكبير، وبالتالي فهو يحتلّ مكانة قدسية من خلال ربطه باسم الحسين عليهالسلام .
أمّا مَنْ هو أوّل مَنْ اتّخذ المنبر لرثاء الحسين عليهالسلام ابنه السجّاد عليهالسلام ، حيث بذر البذرة الأولى عندما خطب من على منبر الشام، وفي مجلس يزيد وأمام الحشود من الناس حتى ضجّوا بالبكاء عند سماعهم لخطبته، حيث قال عليهالسلام فيما قال: «أنا ابن المزمّل بالدماء، أنا ابن ذبيح كربلاء، أنا ابن من بكى عليه الجن في الظلماء، وناحت عليه الطير في الهواء».
نرى في خطبة الإمام السجاد عليهالسلام فصولاً أخرى غير الرثاء، وأتى أهمّها التعريف بأهل الحقّ، وهم أهل البيت عليهمالسلام ودورهم في الدعوة الإسلامية وبالأخص الإمام علي عليهالسلام ، ممّا يجعله يحتلّ المكانة الأولى من بين الصحابة على الإطلاق، ولا أريد الخوض في تفاصيل هذه الخطبة، ولكن الشيء الذي يمكن أن نشير إليه هو أنّ الدعوة إلى البكاء على الحسين عليهالسلام كما إنّها دعوة للتعبير عمّا يختلج في النفس من الحزن والأسى، وتعبير عن الولاء العاطفي للحسين عليهالسلام ، وكذلك عن رفض الظلم، بالإضافة إلى ذلك نعرف أنّ المنبر الحسيني لا بدّ أن يكون وسيلة من وسائل بيان الحقّ والدعوة إليه، وبيان الباطل والتحذير منه، ووسيلة لتربية الأجيال على أساس الفكر السليم والسلوك الطاهر، ووسيلة أساسية لبيان أهداف الحسين عليهالسلام من ثورته وما تحمله من قيم.
ولهذا وبعد أن بذر الإمام السجّاد عليهالسلام البذرة الأولى للمنبر الحسيني، أخذ هذا المنبر يمرّ بمراحل عديدة من التطور شكلاً ومضموناً، إلى أن وصل إلى ما نراه عليه اليوم، من احتوائه على الرثاء نثراً وشعراً، واحتوائه على الخطبة التي تبدأ عادةً بآية أو كلام لأحد المعصومين عليهمالسلام ، ينطلق بذلك الخطيب في طرح الموضوع المناسب ليربطه في نهاية الأمر بمصيبة الحسين عليهالسلام ، وهذا الذي يميّز المنبر الحسيني عن غيره من المنابر والخطب الأحرى، بحيث سُميت هذه الخطابة بالخطابة الحسينية.
وهذا يدعونا إلى أن ننظر إلى هذه الخطابة نظرةً خاصّة متميّزة عن غيرها من أنواع الخطابة، وبحيث أن تكون جامعة بين العبرة والعِبرة، بين الدمعة والفكرة، وننظر إلى دور الخطابة الحسينية في الحفاظ على ثقافة عاشوراء، وهو تنقل أقوى الصلات عن طريق مزج الفكر والمحبّة والبرهان العاطفي الذي تجسد في كربلاء، ومنها البكاء على مظلوميّة الحسين عليهالسلام ، ومن خلالها أيضاً نفهم أهداف الإمام من ثورته، بل يمكن أن نجعل هذا المنبر منطلقاً لإيصال صوت الإسلام إلى كلّ مكان.
وكما يُنقل عن أحد المسيحيين إنّه قال: لو كان عندنا الحسين لجعلنا له على كلّ شبر من الأرض منبراً.
وما دامت الخطابة الحسينية أصبحت واقعاً لا غنى عنه ومنذ قرون طويلة، فلا بد أن تكون موضع اهتمام كبير من قِبَل العلماء والباحثين لصيانته [مما يلي]:
أولاً : من عوامل الضعف؛ وذلك من قبيل التحذير من ذكر ما لا ينسجم مع طبيعة الثورة الحسينية في أهدافها وفكرها وسلوكيات شخصياتها؛ حتى لا تكون الخطابة عامل تشويه لها، ولتصل هذه الثورة نقية إلى كلّ الأجيال.
وثانياً : للأخذ بوسائل تطويرها حتى تكون الخطابة الحسينية بمستوى تطلّعات الثورة وتطلّعات المستمع، فلا بد من النظر إلى مادة الخطابة، وكذلك منهجيتها، وأيضاً إلى مادة الرثاء شعراً ونثراً ومضموناً وصوتاً؛ حتى تكون هي وغيرها وسائل تطويرية تجعل من هذه الخطابة المتميزة تحافظ على أصالتها وتواكب العصر؛ لتؤدي رسالة الحسين إلى كلّ جيل.
ولا شك إنّ هذا بحاجة إلى تظافر الجهود في هذا الطريق، من إقامة المعاهد وكتابة الدراسات والبحوث؛ لتأهيل الخطيب ليقوم بدوره على أكمل وجه ممكن، بدلاً من فتح المجال أمام الارتجال الذي له آثار سيئة على واقعة الطفّ، كثورة إصلاحية أريد لها أن تكون مدرسة خالدة عبر العصور.
هذا وقد انبرى الأخ الكريم سعادة الدكتور اللويمي (أيده الله)، ومن خلال هذه الدراسة بتسليط الضوء على جوانب كثيرة ومهمّة، ممّا يرتبط بالخطابة الحسينية وسبل تطويرها، ومما يعكس اهتمامه الكبير بالمنبر الحسيني، وقد وُفِّق في هذه الدراسة للتبويب الجيد للموضوع، وكذلك في ربط النظرية بالتطبيق، وفي تشخص المشاكل التي ذكرها والحلول لها، وفي الأفكار والمقترحات فجزاه الله على عمله، وأسأله تعالى أن يوفقه للمزيد من ذلك وهو ولي التوفيق.
محمد العباد
ربيع الآخر 1422 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة الاُستاذ الخطيب الشيخ نجيب الحرز
ثورة كربلاء جزء من الثورات التي حدثت في تاريخ العالم الإسلامي، بوصفها ثورة تجاوزت مشروطية الثورات الاُخرى، ورغم ما يختزنه التاريخ الإسلامي من ثورات ذات طبيعة بنيوية متماثلة مع ثورة كربلاء، بل بعضها يمكن أن تكون أكثر مأساوية من كربلاء، إلا إنّ قضية كربلاء لها خصوصية تطبعها بطابع الاستثناء والتميّز.
فالظروف التي واكبتها تاريخياً وجغرافياً دفعتها إلى السطح، بحيث أصبحت تشكّل بؤرة تتحرّك فوقها الأحداث والمواقف التي شكّلت الفكر الإسلامي بشكل عام، ولا سيما الفكر الشيعي التي رزحت في أعماقه، وساهمت في تشكيل رؤاه وتصوراته، وتحكمت في مشاعره وهيمنت على عواطفه.
وبسبب وفرة الجانب العاطفي الذي تفرزه تفاصيل كربلاء والملحمة الحسينية، تداخلت الحقائق بغيرها بسبب المبالغات والتصوّرات والتعبيرات غير الموضوعية التي تقوم بإبرازها العواطف الملتهبة، ممّا يؤدي أحياناً إلى إفراغ الفكرة الحسينية من مضمونها الحقيقي ووضعها في مساحات بعيدة عن الحقيقة والواقع.
وبما أنّ لكلّ حقبة زمنية المستوى الثقافي والوعي الجماعي هو الذي يحدّد الآليات والأدوات التعبيرية التي يعتمد عليها في بلورة الأهداف الحسينية وإظهار المضامين الجوهرية لهذه النهضة، وكلّما ارتقت العقلية البشرية وتطوّرت الحياة المدنية يتطلّب قدرة ثقافية وأدوات معرفية كافية لإحداث التفاعل المناسب؛ لتحقيق التوازن بين الإمكانيات المتاحة والعقلية المتوفّرة المسؤولة عن ترجمة مبادئ كربلاء.
فنوعية الذهنية، ونمط التفكير لهما دور كبير في رسم الصورة الواقعية لمأساة كربلاء، وبما أنّ الثورة الحسينية هي إحدى الثورات التي تشرّبت بمشاعر الشيعة، وخُصَّت بحضور مكثّف وقوي في عواطفهم، وأصبحت الثقافة الحسينية جزءاً من هويتهم، ومنعكسة على تفكيرهم وسلوكياتهم المتمثّلة في الشعائر الدينية والمآتم العزائية، والتعبير عنها من خلال ممارسة الخطابة الحسينية، والمنبر الحسيني هو أحد الآليات والأدوات الإعلامية والمقدّسة عند الشيعة الذي يقوم بوظيفة إظهار أدقّ التفصيلات في قضية الحسين وأصحابه عليهمالسلام .
فهذا المنبر يحتاج إلى نقلة تطويرية لعرض الملحمة الحسينية بطريقة وأسلوب يتلاءم مع التقدّم الإعلامي، والتوسّع الثقافي والانفتاح العالمي الذي هو موضوع هذا الكتاب، الذي يعرض مشروعاً جبّاراً وراقياً من حيث تدشين بعض العلوم والفنون في منهجية عرض الفكرة وتوسيع دائرة الطرح لها، وعرض مبادئ الثورة الحسينية بطريقة تساعد على مجاراة التطوّرات اليومية، مع الأخذ بعين الاعتبار الأصالة والقداسة التي يتميّز بها المنبر الحسيني، بالإضافة إلى تسليط الضوء على بعض المعوّقات العرفية التي تؤثّر سلباً على صورة كربلاء.
وهذه الدراسة تكشف عن مدى الرؤية المستقبلية والحضارية التي يتمتّع بها الدكتور أحمد اللويمي، ومدى الحس الاجتماعي والهمّ التربوي الذي يصاحب تفكير صاحب هذا الكتاب من خلال الاقتراحات التي رسمها لهذا المشروع، حيث طرح هذا المشروع بمستوى قادر على أن يضاهي المشاريع البنائية التربوية التي طُبِّقت على الصعيد العالمي.
ونحن شاكرين للمؤلّف هذا الجهد التوعوي، طالبين من المولى العلي القدير أن يسدد خطاه؛ لاهتمامه بقضايا الإنسانية، وهذا ليس بغريب على شخص مثل الدكتور أحمد أن يتميّز بشعور يقظ وحس إنساني راصد؛ لأنّه مارس الخطابة الحسينية وتلمَّس معاناة المنبر عن قرب، وشعر بالحاجة الماسَّة لهذا التطوير.
نجيب حسين الحرز
جمادى الاولى1421 هـ
مستقبل الخطابة الحسينية وسبل تحديثها
المقدّمة
«الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع، ولا لعطائه مانع، ولا كصنعه صنع صانع، وهو الجواد الواسع، فطر أجناس البدائع، وأتقن بحكمته الصنائع.
الحمد لله حمداً يعادل حمد ملائكته المقرّبين، وأنبيائه المرسلين، وصلّى الله على خيرته محمد خاتم النبيين وآله الطيّبين الطاهرين المخلصين وسلّم»(1).
____________________
(1) من دعاء الإمام الحسينعليهالسلام في يوم عرفة.
إنّ تأليف هذا الكتاب يندرج في ضمن الجهود المبذولة لتصحيح مسيرة المنبر الحسيني - هذه الأداة المباركة المقدّسة التي يتسابق ويتزاحم في الانتساب إليها أهل العلم والمثقفون، المنتمون لمدرسة أهل البيت (صلوات الله عليهم) - نحو إعطاء هذه القناة الإعلامية الجماهيرية المهمّة دورها الحقيقي؛ للمساهمة مع سائر الوسائل الإصلاحية الاُخرى في تقويم الإنسان في فكره وانتمائه الديني ومنهجه الحياتي المادي، وتصحيح طموحه وآماله؛ لبناء مجتمع مدني إسلامي متطلّع لمستقبل وادع مزهر.
تتمتع الخطابة الحسينية بقاعدة شعبية من مختلف طبقات المجتمع، يزيد في أهميتها أنّها اللسان المعبّر لفكر وتراث أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم).
إنّ إيلاء هذه القناة الرعاية والعناية أمر ضروري وحيوي؛ وذلك من خلال إثارة حركة إصلاحية بنيوية تكسب هذه الأداة القوّة والمتانة والكفاءة، وذلك ممكن من خلال دعوة الخطباء الأعزاء في منطقة الإحساء بشكل خاصّ، وفي جميع العالم بشكل عام؛ للاهتمام بالتأليف والتدوين لتجاربهم الشخصية في الخطابة الحسينية.
كما إنّ هناك حاجة ماسة للتأليف في تاريخ المنبر الحسيني وأطواره، والمدارس الفنيّة والأصوات الرثائية التي ساهمت مساهمة فعالة وكبيرة في تبلور المنبر الحسيني المعاصر.
إنّ الحركة الإصلاحية للمنبر يجب أن لا تغفل عن تدوين تاريخ أشهر الخطباء الذين تركوا بصماتهم على المنبر الحسيني المعاصر.
ومن أهم المشاريع الإصلاحية في تطوير المنبر الحسيني هو تربية أجيال جديدة من الخطباء الأكفّاء للخروج من حالة الارتجال والعفوية - التي ما زالت قائمة في الوقت الحاضر - في الانخراط في سلك الخطابة الحسينية.
إنّ رعاية هذه القناة لا تتسنى إلاّ من خلال تأسيس معاهد علمية متخصّصة لتربية كوادر كفوءة. إنّ حركة التصحيح والتكامل والتطوّر للمنبر الحسيني لا يمكن أن تتصاعد إلاّ من خلال تبنّي هذه المقوّمات الإصلاحية المهمّة.
هذا الكتاب يتناول ألوان الخطابة الحسينية، وسماتها المميّزة عن أنواع الخطابة الاُخرى، والمناهج التي تميّز الخطباء السائرين على المنهج التراثي المائل للتركيز على الرثاء عن الخطباء الحداثيين، الداعين إلى تحديث المنبر الحسيني بمفاهيم العصر وأساليبه.
يتناول هذا الكتاب أيضاً مستقبل المنبر الحسيني خصوصاً ما يمت وسائل التحديث والمناهج التي في تبنّيها تضفي على المنبر ثوباً عصرياً، دون أن يمسّ روحه الأصيلة خدش أو تغيير.
ولا يفوتني أن أقدّم شكري وتقديري للأخوة الخطباء الشيخ حبيب الهديبي، الشيخ محمد العباد والشيخ نجيب الحرز لما بذلوه من جهد مشكور في مراجعة النصوص، وإبداء الرأي والنقاش البنّاء في جعل هذا الكتاب أفضل حالاً، وأكثر ملائمة لأغراض التطوير والتحديث الذي يمثّل صلبه وجمجمته.
في الختام هذا الكتاب مساهمة متواضعة تضاف للمساهمات الجبّارة والحيوية التي تعمل بكلّ جدّ ومثابرة لانتشال المنبر الحسيني من حالة الركود والرتابة التي يعاني منها لمستقبل أفضل. والله ولي التوفيق والنجاح والحمد لله ربّ العالمين.
الدكتور أحمد محمد اللويمي
في شهر صفر 1420هـ
تمهيد الخطابة
1 - ما هي الخطابة؟
الخطابة هي القابلية على صياغة الكلام باُسلوب يمكِّن الخطيب من التأثير على نفس المخاطب، وقد عرّفها أرسطو بأنّها (قوّة تتكلّف الإقناع الممكن)(1) ، وقال ابن رشد: (الخطابة هي قوّة تتكلّف الإقناع الممكن في كلّ واحد من الأشياء المفردة)(2) .
____________________
(1) نقلاً عن الخطابة، تاريخها، قواعدها وآدابها - للشيخ حسين جمعة العاملي.
(2) المصدر نفسه.
وتعريف أرسطو وابن رشد صحيح إذا كان الخطيب قد بلغ البراعة في الخطابة وفن الإقناع، ولكن الخطابة بشكل عام كلام يقوم على أسس وقواعد يقصد به الإقناع.
والخطابة مصدر فعله خطب، يتعدى بنفسه بحرف الجر، قال الجوهري: خطب على المنبر خطبة بضم الخاء، ويُقال: فلان خطيب القوم، إذا كان هو المتكلّم عنهم، والجمع خطباء.
وقال ابن منظور في لسان العرب: والخطبة مثل الرسالة التي لها أوّل وآخر(1) .
____________________
(1) الخطابة وإعداد الخطيب - د. توفيق الواعي.
وللخطابة مقوّمات أساسية تتصل بالخطيب بشكل مباشر، هي الفكرة والاُسلوب والإلقاء المحكم.
أمّا الفكرة فتتشخّص فيما يمتلك الخطيب من عمق وإدراك، وفهم للحياة ومدى سبره لغورها وفهمه لأحوالها.
أمّا الاُسلوب فيشير إلى قابليته على صياغة الكلام باُسلوب جامع لقواعد اللغة من نحو وبلاغة، وشامل لأصول المعالجة المنطقية والعلمية للأمور.
والإلقاء المحكم يمثّل لبّ الخطابة، والأداة التي تمكّن الخطيب من تقديم ما أعدّه من أفكار بأحسن الأساليب إلى المخاطب، وذلك من خلال تقمّصه لكلّ فنون الخطابة من رفع الصوت وقت الضرورة وخفضه عند الحاجة، وتنميق اُسلوبه بالتعابير العاطفية من الغضب والحبّ، والسرور والسخرية، والإعجاب وإثارة الحماس والاستنفار، وروح التفكّر والتدبّر وغيره، ويبتعد عن التأتأة والتردد والتكرار الممل.
2 - تطوّر فن الخطابة
يعود الفضل الأول في إرساء الخطابة واستنباط فنونها إلى اليونانيين قبل الميلاد، ويعود اهتمام اليونانيّين بالخطابة لارتباطها بطبيعة الحياة اليونانية التي غلبت عليها المجادلات الفلسفية والسياسية، وشيوع حالة الحرية الفردية والتعبير عن الرأي.
وقد كان لظهور مجموعة من المتكلّمين الذين عُرفوا بالسفسطائيّين؛ لتميّزهم بالقدرة على الخطابة المؤثّرة والإلقاء المحكم الدور الكبير في تطوّر الخطابة اليونانية، ممّا جعل الخطابة مهنة يسعى إليها مَنْ يريد البلوغ إلى المراتب العُليا من طبقات المجتمع، ويُعد مؤلَّف الخطابة لأرسطو أوّل مؤلَّف جامع ومنظِّر لعلم الخطابة.
وقد بلغت الخطابة شأوها في العهد الروماني، حيث برز خطباء مشهورون، مثل: شيشرون، وافتتحت العديد من المدارس الخاصّة بتعليم الخطابة(1) .
____________________
(1) الخطابة وإعداد الخطيب - د / توفيق الواعي.
أمّا الخطابة في العصر الجاهلي فكان لها حظّ وافر عند العرب؛ لتمتّع اللغة العربية بالفصاحة والبيان التي مثّلت الجانب الأهم فيما ورد من خطب ذلك العصر.
من خطباء ذلك العصر: قس بن ساعدة الإيادي، وخارجة بن سنان خطيب داحس والغبراء، وخويلد بن عمرو الغطفاني خطيب يوم الفجار، وأكثم بن صيفي.
وبطلوع فجر الإسلام على الجزيرة العربية نشطت الخطابة واشتدت الحاجة إليها؛ لاحتياج الدين الجديد للتبليغ في نشر وإقناع الناس في دعمه، كما كان للخطابة الأثر البالغ في جميع مراحل تطوّر الدعوة من استنفار الهمم للجهاد، والدفاع عن الدين ضدّ الكائدين والمتربّصين به، وتبليغ أحكامه وتعاليمه للمسلمين.
وأصبحت للخطابة في ظلّ الإسلام مواسم وأوقات، كخطبتي العيدين وخطبة الجمعة والخطابة الحسينية، التي لها أعظم الأثر في إحياء النهضة الحسينية والذبّ عن حمى الدين.
وتُعدّ خطب الإمام علي بن أبي طالب الأثر الخالد، والتراث الغني في الحضارة الإسلامية، وتُعدّ خطبته الأشباح من جلائل خطبهعليهمالسلام ، والذي جاء فيها: «واعلم أنّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السّدد المضروبة دون الغيوب الإقرارُ بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب؛ فمدح الله تعالى اعترافهم بالعجز عن ما تناول ما لم يحيطوا به علماً...»(1).
____________________
(1) نهج البلاغة / خطبة 9.
وأخذت الخطابة منذ ذلك الوقت سيرها التكاملي حتى بلغت أعلى ما يمكن أن يصل إليه علم من اهتمام ورعاية وإنتاج في العصر العباسي، حيث لم يكتفِ بما توفّر من تجارب عند العرب، بل ترجموا ما كان عند غيرهم من آداب الخطابة وفنونها إلى العربية.
ومن الكتب المهمّة التي ترجمت في هذا العصر (كتاب الخطابة لأرسطو) الذي ترجمه إسحاق بن حنين وعلّق عليه الفارابي.
وكان لظهور الفرق الكلامية خصوصاً المعتزلة أكبر الأثر في ازدياد رونق الخطابة في هذا العصر؛ لاستغلالهم لها في المحاورات الفكرية والمجادلات الكلامية.
بالرغم من تطوّر وسائل الاتصال الجماهيري، وتنوع أشكالها في العصر الحديث لم تفقد الخطابة رونقها، بل ازدادت أهميةً؛ لقدرة وسائل الاتصال الجديدة، من أجهزة التلفاز والمذياع المرتبطة بالأقمار الصناعية من تعميم الخطاب على عدد هائل من سكّان المعمورة.
والخطابة اليوم، خصوصاً الخطابة السياسية والدينية، تُعد من أكثر أنواع الخطابة تأثيراً في الجماهير.
3 - قواعد الخطابة العامة
قواعد الخطابة تستند إلى عنصرين مهمين هما: الخطيب والخطبة؛ أمّا القواعد التي يجب أن يتحلّى بها الخطيب الجامع للشرائط، قد أسلفنا الحديث عنها؛ وأمّا القواعد المهمّة للخطبة فيمكن إجمالها في القواعد التالية:
أ - المقدمة
ب - الإثبات
ج - الخاتمة
أ - المقدمة: هي الجزء الذي يتصدّر الخطبة، وتحتوي المقدّمة على ثلاثة عناصر أساسية مهمّة هي: الافتتاح، والمقصد، وبيان محتويات الخطبة.
الافتتاح يتمثّل في قول، أو استشهاد، أو ذكر به يشدّ الخطيب الناس. وللافتتاح أثر في إظهار منطق الخطيب وقوّة التعبير.
أمّا المقصد ففيه يجمل الخطيب أهداف خطبته وطبيعتها؛ فبالمقصد يتّضح حقل الخطبة، هل هي دينية أم سياسية، أم وعظية أم فلسفية وغير ذلك من الحقول، وأيضاً بالمقصد تتّضح الزاوية التي يريد الخطيب منها علاج الموضوع.
ومن أبلغ المقدّمات التي كان للمقصد فيها أثر عميق قول الإمام أمير المؤمنينعليهمالسلام : «أمّا بعد، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة، فمَنْ تركه رغبةً عنه ألبسه الله ثوب الذلّ، وشمله البلاء، ولزمه الصغار، وسيم الخسف، ومُنع النصف»(1) .
____________________
(1) المعجم المفهرس لنهج البلاغة - لكاظم محمدي ومحمد دشتي.
وقد يتراءى للخطيب إخفاء مقصد خطبته إذا كان ينوي مفاجأة الجمهور؛ وذلك بإسماعهم قولاً يغاير ما يريدون.
وأمّا بيان المحتويات فيعتبر ملخّص محتويات الخطبة، والخطوط العريضة للمواضيع التي يريد الخطيب معالجتها في الإثبات.
ب) الإثبات: وهو قلب الخطبة وقوامها، وفي الإثبات يطنب الخطيب في بيان تفاصيل الموضوع، ويستعرض غايتها، متّخذاً ممّا يملك من فنون الخطابة والبيان وسيلة لإقناع المستمعين والتأثير فيهم.
وفي استعراض الإثبات مناهج وطرق يمكن تلخيصها فيما يُعرف بالتبيان والتفنيديّة؛ فتناول الإثبات بالتبيان يعتمد على توضيح القضية وسرد تفاصيلها، ودعمها بالأدلة والاستشهادات المنطقية والعلمية والأدبية، والتمثيل بالأمثال، والقصص، والمأثور من الحكم والأقوال، والآيات القرآنية.
وأمّا منهج التفنيد فيعتمد على اُسلوب الاحتجاج على الخصم من خلال نقض دعاويه وحججه بالحجة والدليل. وأهم ما يعطي للإثبات تناسقه وانسجامه، وحدة موضوعه، والابتعاد عن كثرة التشعّب فيه.
ج) الخاتمة: وفيها يختم الخطيب كلامه، والانتقال من الإثبات إلى الخاتمة يتطلّب كثيراً من المرونة، والتدرُّج الذي لا يخلّ بالإثبات من ترك موضوع ناقص، أو التخلّف عن بيان قضية بوضوح.
وفي الخاتمة يوجز الخطيب ما بيّنه في الإثبات ويوضح أهم الغايات والفوائد التي أراد توضيحها، ثمّ يختم بعبارة فيها يترك الانطباع الطيّب للخطيب وللخطبة في النفوس.
والانطباع إمّا أن يكون عاطفياً رقيقاً، أو مثيراً للتأمّل والتفكُّر، أو محرِّكاً لمواطن الشجاعة والهمّة والحماس، أو مخوِّفاً من غضب الله وسخطه، أو مهيِّئاً لقبول رحمته وعطفه وغير ذلك من الآثار النفسية.
4 - أنواع الخطابة
أ) الخطب السياسية
ب) الخطب القضائية
ج) الخطب الدينية
د) الخطب الاجتماعية
هـ) الخطب العسكرية
و) الخطابة الحسينية
إنّ تصنيف الخطابة تحت هذه العناوين قد يفيد التخصيص، وضبط المواضيع المعالجة، إلاّ إنّ حصر ما يمتّ لقضايا الإنسان المسلم تحت الخطب الدينية أمر بعيد عن الواقع.
إنّ الإسلام بطبيعته منهج لقيادة الحياة، ومبدأ لبناء الإنسان، حيث معالجة كلّ أمر من اُمور الحياة، والإنسان يمكن أن يكون إسلامياً دينياً.
فمن الصحيح بمكان أن تُقرَن المواضيع التي صُنِّفت على أساسها الخطب أعلاه بالمفاهيم الإسلامية في الحقل الذي تمتُّ إليه الخطبة.
فالخطب السياسية التي تعالج قضايا الساعة لا يمكن أن تطرح بمعزل عن ما للإسلام من نظر في حقل السياسة وإدارة الرعية، وهكذا الحال بالنسبة للخطبة العسكرية، حيث يُفترض من الخطيب الذي يريد استثارة حماس الجند أن لا يحرِّض على تعدّي الحدود التي افترضها الشرع المقدَّس في آداب القتال؛ مثل: النهي عن قتل الأسير، أو الإجهاز على الجريح، أو تدمير البيئة الطبيعية، والاعتداء على النساء والأطفال، وغيره من الآداب التي تستهدف جعل القتال في الإسلام أمراً يُقصد به إحقاق الحقّ وقطع دابر المعتدين.
إلاّ إنّ ما تسمّى بالخطب الدينية قد تصدق في أمور تبليغ الأحكام والوعظ والإرشاد والدروس المتعلّقة بالعقيدة، وهكذا الحال بالنسبة للأقسام الاُخرى من الخطابة.
وأمّا السبب في إفراد الخطابة الحسينية كصنف من أصناف الخطابة، فيعود لتفرّد هذا الصنف من الخطابة بمنهج متميّز من جانب الخطابة التي تشتمل على دمج مواضيع الخطابة السياسية والدينية والاجتماعية في موضوع واحد، ومن جانب آخر لقابلية الخطيب على ربط الموضوع بالنهضة الحسينية من خلال ذكر الجوانب العاطفية والتراجيدية التي وقعت في يوم عاشوراء، والتعبير عن ذلك نثراً وشعراً بصوت موسيقي رثائي متميّز. (للمزيد من التفاصيل راجع الفصل الثاني).
الفصل الأوّل الخطابة الحسينيّة
الثورة التي فجّرها سيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليعليهمالسلام في عام ستين للهجرة بوجه الخنوع والذلّ الذي أُصيبت به الأمّة، والذي تمثّل في أشنع صورة وذلك بوجه بتسلط يزيد بن معاوية على رقاب الأمّة.
وقد وظّف أئمّة أهل البيتعليهمالسلام هذه النهضة المباركة لبثّ الوعي والعزّة في الأمّة؛ منعاً من انحدارها وتهاويها في مراتب الذلّ، فكانت الخطابة الحسينيّة الأداة الفاعلة، واللسان الناطق لهذه الحركة والتوعية.
وقد كتب للنهضة الحسينيّة النجاح في إفراز مفاهيم فكرية وثقافية في المجتمع الإسلامي، استهدفت إفاقة الأمّة الإسلامية وتحصينها بصحوة يتعذّر بها على المتربصين والكائدين بالشريعة المقدّسة من تمرير مخطّطاتهم.
وقد تكفّل المنبر الحسيني - هذا المنهج الخطابي المتميّز والفريد الذي وضع أساسه أئمّة أهل البيتعليهمالسلام - على مدى التاريخ المحافظة على جذوة النهضة الحسينيّة حيّةً متّقدة.
والخطابة الحسينيّة التي نحظى ببركاتها اليوم هي وليدة جهد حثيث، وتطوير دائم على مدى القرون الماضية، ولعلي لا أبالغ أن أقول إنّ المنبر الحسيني في منهجه الخطابي المثالي الذي يتبنّاه مشاهير خطباء هذا العصر، مثل سماحة الدكتور أحمد الوائلي، وسماحة الشيخ فاضل المالكي، هو أفضل وأرقى ما وصل إليه المنبر من تطوّر ومنزلة، ولكن هذا لا يعني أن تجمد القرائح عن المزيد من التطوير والإفاضة على المنبر؛ كي يكون هذا الرافد الحسيني الدافق ملائماً لكلّ عصر وزمان.
وأمّا توجّهات المنبر الحسيني في العالم الإسلامي وحاله ووضعه، وسبل تطويره وتحسينه فقد أُفرد له الفصل الثاني، والحديث عن المنبر الحسيني وما طرأ عليه من تطوّر أمر يضيق عنه هذا الفصل.
وأهم الجوانب التي نريد معالجتها هنا هو تحديد الهيئة العامّة، والنمط التقليدي الذي أعطى الخطابة الحسينيّة التفرّد والتمييز، ومن ثمّ الحديث عن الجوانب الفنيّة الخطابية التي جعلت الخطابة الحسينيّة منهجاً متفرّداً عن سائر النماذج الخطابية الاُخرى.
أوّلاً: النمط العام للخطابة الحسينيّة
تتفرّد الخطابة الحسينيّة بمنهج متميّز عمّا هو متعارف ودارج من الخطابة، حيث تتكوّن من ثلاثة أجزاء متميّزة تختصّ بالخطابة الحسينيّة، ويتميّز أداء الجزء الأول والأخير من الخطابة الحسينيّة باتّباع اُسلوب فنّي يؤدّي فيها الخطيب الجزء المطلوب بصوت موسيقي يغلب عليه الجانب الرثائي؛ لاستثارة وإعداد روح الحزن والأسى في المستمع.
ويتطلّب أداء هذين الجزأين امتلاك الخطيب صوتاً رقيقاً موسيقياً، يتميّز بقدرته على تطويع الكلمات الرثائية للحن الرثائي، الذي يمثّل العمود الأساسي للجزء الأول والأخير من الخطابة الحسينيّة.
أمّا أهم صفات أجزاء الخطابة الحسينيّة فهي:
1) المقدّمة
المقدمة للخطابة الحسينيّة تتكوّن من جزأين رئيسيين متباينين، ويتطلَّب أداء المقدّمة بجزأيها تمكّن الخطيب من صوت رقيق وموسيقي يستند إلى أطوار متعارفة في الوسط الشيعي.
والجزء الأول من المقدّمة يركز على اُمور ثلاثة مهمّة هي:
أ) الصلاة على الرسولصلىاللهعليهوآله وأهل بيتهعليهمالسلام .
ب) الصلاة على الإمام الحسين، وبيان أهم جوانب ظلامته؛ كنعته بالمظلوم أو العطشان.
ج) التمنّي لنيل المقام الرفيع بالتأسي بنهضة الحسينعليهمالسلام .
أمّا الصيّغ التي عادةً ما يفتتح بها الخطباء الحسينيون مقدّمة خطابتهم، والتي تمثّل الجزء الأوّل من المقدّمة هي:
الصيغة الأولى:
صلّى الله عليك يا مولاي يا أبا عبد الله، صلّى الله عليك يابن رسول الله، ما خاب مَنْ تمسك بكم، وأمن مَنْ لجأ إليكم، يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزاً عظيماً.
الصيغة الثانية:
صلّى الله عليك يا مولاي يابن رسول الله، صلّى الله عليك يا مولاي يا أبا عبد الله، ما خاب مَنْ تمسك بحبلكم، وأمن مَنْ لجأ إلى حصنكم، يا ليتنا نهتدي بهداكم، فنفوز فوزاً عظيماً.
الصيغة الثالثة:
صلّى الله عليك يا مولاي يا أبا عبد الله، صلّى الله عليك يابن رسول الله، لعن الله الظالمين لكم إلى يوم القيامة، يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزاً عظيماً.
وعند فراغ الخطيب من الجزء الأول من المقدّمة يشرع بالجزء الآخر، حيث يقرأ الخطيب قصيدة رثائية باللغة الفصحى تلائم المناسبة بصوت شجي.
وقد نظم عدد كبير من الشعراء المعاصرين قصائد ساهمت في رسم المعاني التي سطرتها واقعة كربلاء ويغلب عليها الطابع الوصفي الرثائي.
وقد جمعت هذه القصائد في كتب كثيرة منها: المجالس السنية للعلامة السيّد محسن الأمين، وكتاب رياض المدح والرثاء للطريحي، ونفائس مختارة من منظوم ومنثور من إصدارات مؤسسة أهل البيتعليهمالسلام .
وتمثّل قصائد الشعراء: الكعبي، والكوّاز، والقزويني، والحلّيَّين (السيّد حيدر والسيّد جعفر)، والشريف الرضي الأساس الذي لا تكتمل مؤهلات الخطيب دونها.
في هذه القصائد التي يغلب عليها الطابع الوصفي، يعكس الشاعر الوقائع الميدانية بشكل رثائي تصويري؛ قاصداً من وراء ذلك حشد ما يستطيع من مشاعر الأسى والحزن عند المتلقّي.
ونظراً لغلبة طابع الحزن والرثاء في المنبر الحسيني، أصبحت قراءة هذه القصائد في مقدّمة الخطابة الحسينيّة العرف السائد عند الخطباء.
وكما أسلفت، فإنّ القراءة تتم بأداء رثائي يُنشد بصوت موسيقي، وسوف نذكر الأصوات المتعارفة في وسط الخطابة الحسينيّة في نهاية هذا الفصل.
2) الخطبة أو الموضوع
موضوع الخطابة الحسينيّة يعتمد بالدرجة الأولى على نظرة الخطيب لدور هذا المنهج الخطابي. فالنظرة التقليدية للخطابة الحسينيّة تحصر الموضوع في جوانب ضيّقة من المواعظ التقليدية، وجملة من الحكايات والفضائل غير الموثقة.
وسوف يكون الفصل الثاني مكاناً لمعالجة اهتمامات المنبر الحاضر، والأولويات في المواضيع التي يجب أن ينظر إليها في حركته التصحيحية.
أمّا الجوانب الفنية، وأساليب المعالجة في موضوع الخطابة الحسينيّة سوف نوضّحه في النقطة (ثالثاً).
3) الخاتمة أو المصيبة
هذا الجزء من الخطبة الحسينيّة يشتمل على جوانب وصفية نثرية وشعرية لواقعة عاشوراء، وذلك ببيان تفاصيل بعض الحوادث التي شاء الخطيب انتقاءها لإنهاء خطبته.
وتتميّز الخاتمة للخطبة الحسينيّة بقابلية الخطيب على نقل المستمع والمتلقّي من حالة التلقّي الفكري إلى حالة التلقّي القلبي العاطفي، حيث يبدأ الخطيب عند شروعه بالخاتمة باُسلوب نثري تشوبه كثير من حالة الوصف الرثائي؛ لإعداد المستمع لحالة التعاطف والتفاعل مع الحادثة المنقولة من واقع النهضة الحسينيّة.
وقد يحاول الخطيب أن يخلط في الخاتمة بين النثر والشعر، وينتقي من الشعر المنظوم باللهجة العامية أو الفصيح. ويكمن الجانب الفنّي للخطابة الحسينيّة في قدرة الخطيب على تطويع الموضوع بشكل حتّى تكون عملية الانتقال من الموضوع إلى الخاتمة التي يطلق عليها (المصيبة) سلسة وطبيعية، لا تُشعر المستمع بحالة القفز والتخلّي الفجائي عن الموضوع والدخول بالمصيبة.
إنّ مسألة الانتقال من الموضوع إلى المصيبة أو الخاتمة تتطلّب الكثير من التجربة، والفطنة والذكاء من الخطيب في انتقاء ما يناسب من أحداث النهضة الحسينيّة للخاتمة.
ثانياً: الشعر في الخطابة الحسينيّة
ويتميّز المنبر الحسيني بميزة فنّية يتفرّد بها، وهي انتشار الأشعار المنظومة باللهجة العامية في الخاتمة باُسلوب يعتمد على طور موسيقي خاص.
أمّا الأطوار التي يحرص الخطيب على إنشادها، فتعتمد على عدّة اُمور تخصّ الشعر والشاعر:
أ) بحر الشعر.
ب) المنطقة التي ينتمي إليها الشاعر.
ج) المنطقة التي يُنشد بها الشعر.
يتميّز شعراء البحرين؛ كشعر ملا عطية الجمري، وشعر الفايز، باحتوائه على البحر القصير والطويل؛ ممّا يتيح الفرصة للخطباء لإنشاده بطورين مختلفين، حيث يعتمد كلا الطورين على الانتهاء بمد في نهاية الصدر والعجز في كلّ بيت، بشكل يثير بها الخطيب المستمعين لمتابعة المد بصوت مرتفع؛ ليشبه بذلك نوعاً من الأنين.
وأمّا الشعر المنظوم في العراق؛ كشعر ابن نصّار، وعبد الأمير الفتلاوي، وعلى غراره شعر شعراء أهل البيتعليهمالسلام في خوزستان (جنوب إيران) يعتمد على البحر القصير.
والشعر العراقي وشبيهه بشكل عام يُنشد باُسلوب يعتمد على الصوت العذب الخالص، الذي يُنشد بصوت رثائي حزين تتخلّله وقفات؛ لكسب نغمة موسيقية، ولا يتطلّب في أغلب الأحيان مجاراة المستمع له كما في الطور البحريني.
ويشترك الشعر العراقي والبحريني باُسلوب الأبوذية في النظم، والذي يتطلّب من المستمع الردّ بأنين خافت عندما يمد الخطيب الكلمة الأخيرة من عجز البيت الأخير.
وختام الخاتمة في بعض الأحيان يكون بقراءة بيت أو بيتين من قصيدة فصحى، ومن ثمّ الدعاء والدعوة لقراءة سورة الفاتحة لأرواح المؤمنين والمؤمنات.
وقد جُمعت هذه الأشعار التي تمثّل تراثاً مهمّاً وثميناً في الخطابة الحسينيّة في عدّة مؤلّفات، مثل كتاب الجمرات الودّية للشاعر البحريني الخطيب ملاّ عطية الجمري، وكتاب الفائزيات للشاعر البحريني ابن فايز، وكتاب الفتلاوي الذي جمع الكثير من شعر الشاعر العراقي ابن نصار.
ويتميّز هذا التراث الشعري الحسيني بغلبة طابع الوصف الرثائي، حيث يركز الشاعر على نظم الشعر بصياغة الحادثة من الزوايا العاطفية المختلفة؛ لغرض استثارة الحزن والأسى عند المستمع، كصياغة حادثة خروج علي الأكبر على سبيل المثال من زاوية الابن لأبيه، أو زاوية فراق الولد لأمّه، أو زاوية دفاعه المستميت في سبيل عقيدته ودينه.
وما يجدر ذكره هنا هو استمرار اعتماد المنبر الحسيني على هذا الشعر بالرغم من اعتماده على لهجة عامية فقدت كثيراً من مفرداتها في الوقت الحاضر؛ ممّا خفّف من تفاعل الجيل الحاضر مع هذا اللون من الشعر، والدعوة قائمة بكلّ إلحاح إلى تبنّي شعراؤنا المشهود لهم بنظم هذا اللون من الشعر إلى المشاركة في تحديث المنبر الحسيني، وذلك بنظم الشعر الجامع للمواصفات الفنّية للمنبر الحسيني، ومعبّراً للقضايا الملحّة التي أغفلها الشعر المنبري التقليدي.
ثالثاً: المزايا الفنّية للخطابة الحسينيّة
تستهدف الخطابة الحسينيّة التأكيد على العلاقة المتينة للنهضة الحسينيّة بالمنهج التصحيحي للمفاهيم الفكرية في الإسلام، خصوصاً تلك المتعلّقة بدور الإسلام في صناعة الحياة، وإقامتها على أسس التوحيد والإخلاص لله.
والعلاقة التي يؤكّد عليها المنبر تنبع من الأساليب والمناهج التي اختطَّتها النهضة، كالإثارة والتنبيه والتضحية والفداء.
أمّا المنهج الخطابي للمنبر الحسيني تتّضح معالمه من خلال الألوان الخطابية السائدة، والتي يمكن حصرها في ثلاثة مناهج يسود فيها الأول والثاني على المنبر الحسيني، ويُعدّ المنهج الثالث من المناهج الحديثة العهد بالمنبر الحسيني:
1) المنهج الخطابي التراثي
2) المنهج الخطابي الحداثي
3) المنهج الخطابي العام
1) المنهج الخطابي التراثي
يعتمد المنهج الخطابي التراثي على اُسلوب الوعظ والإرشاد، ونقل الأحاديث والأقوال المشهورة، والقصص والأساطير التي يُقصد بها محاولة إثارة المجتمع للتمسّك بمكارم الأخلاق والاقتداء بأهل البيتعليهمالسلام . كما يشغل الرثاء حيّزاً كبيراً من هذا المنبر يبلغ في كثير من الأحيان ثلثي الزمن المخصص للخطبة.
2) المنهج الخطابي الحداثي
يمثل هذا المنهج امتداداً للمنبر التراثي بعد إدخال كثير من التحسينات على محتويات الخطبة مع البقاء على الاُسلوب التراثي في الرثاء، وقد شمل التحديث:
أ) الاُسلوب في المعالجة والطرح: اعتماد الاُسلوب المتكامل في معالجة موضوع محدّد من خلال دراسة الجوانب المختلفة للموضوع المطروح، والاعتماد على الكثير من الحقول العلمية في شرحه وتوضيحه.
ب) المواضيع المعالَجة: المواضيع التي تُعالَج لها ضرورة قصوى في بناء المجتمع المسلم، كالمواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ج) اعتماد المناهج العلمية في المعالجة: تحرّي الحرص الشديد للأمانة العلمية في نقل النصوص والتحقق من سلامتها وصحتها، مع بذل الجهد في نقل المفاهيم الدقيقة والصحيحة السليمة للنصوص المراد الاستشهاد بها، من خلال الاعتماد على المراجع العلمية الموثقة والمشهورة.
3) المنهج الخطابي العام
يعتمد هذا المنهج على الاُسلوب الخطابي العام الذي لا يشمل جانب الرثاء المتّبع في المنهجين السابقين. وعلاقة المنهج الخطابي هذا بالخطابة الحسينيّة يرجع إلى استغلاله مناسبة عاشوراء ورمضان التي يشهد فيها الإقبال الجماهيري الشديد على المنبر الحسيني. فهو منهج يستغلّ المناسبة فقط؛ لتبليغ المفاهيم الإسلامية، ومعالجة القضايا العقدية والفكرية.
والمنهج المذكور رائج في البلدان الإسلامية غير الناطقة باللغة العربية، حيث يتبنّى جملة من ذوي الأصوات العذبة الجانب الرثائي، ويقوم العلماء والخطباء بدور الخطابة.
فالراثي يكمل دور الخطيب من خلال توزيع الأدوار بينهما، ويعتمد هذا الاُسلوب تراثاً ضارباً في القِدم في تاريخ إحياء النهضة الحسينيّة في هذه البلدان؛ وذلك للتطوّر التاريخي المختلف الذي شاهده المنبر الحسيني في هذه البلدان عن البلدان الناطقة باللغة العربية، بالإضافة إلى القدرة التطويعيّة للشعر المنظوم بالعربية
الفصحى والعامية للأطوار الرثائية التي تُستخدم في المنبر الحسيني، وصعوبة تطويع ذلك على اللغات الاُخرى؛ لطبيعتها المختلفة ومفرداتها التي لا تستجيب للطور الرثائي الخاص.
رابعاً: تقييم المناهج الخطابية للمنبر الحسيني
في معرض المقارنة بين هذه المناهج نجد إنّ المنهج الخطابي التراثي يشوبه الاُسلوب اللاعلمي في نقل الأحاديث والروايات والقصص، ولا يعتمد اُسلوب التحقيق والتثبّت في الاعتماد على الكثير من المفاهيم الإسلاميّة المغلوطة في الفهم والنقل.
ويُشجّع هذا النوع من المنهج الخطابي للمنبر الحسيني طبقة المحافظين على التراث، والمتخوّفين من الانفتاح على الأساليب والمناهج الجديدة؛ ويعود إصرار المتمسّكين بهذا المنهج بالدرجة الأولى إلى سلاسة طرقه، وبساطة وسذاجة أفكاره، ومعالجاته المباشرة للقضايا المحلية.
أمّا المنهج الخطابي الحداثي، فهو في طور التحديث والتطوير. وقد شهد قفزات واضحة في العقدين الماضيين من خلال ظهور جملة من الرواد لهذه الحركة التحديثية.
والحركة التحديثية للمنهج التراثي هي استجابة لمتطلّبات العصر التي تتميّز بانتشار الحركة التعليمية والتربوية الشاملة بين طبقات المجتمع، وأهم من ذلك كلّه تلبية لمتطلّبات الصحوة الإسلاميّة التي شهدتها معظم المجتمعات الإسلاميّة في العقود الماضية.
وتتحمّل النظرة المجدّدة للخطابة الحسينيّة أعباء ثقيلة في جعل موضوع الخطابة الحسينيّة مشروعاً يلامس الحياة بكلّ أبعادها؛ فموضوع الخطابة الحسينيّة عند النظرة المجدّدة هو التركيز على جعل النهضة الحسينيّة مشروعاً تصحيحياً، ومنبعاً لاشتقاق البرامج والأنظمة التي تساهم في انتشال الإنسان المسلم من عثراته المزمنة.
وأهم العقبات التي تواجه هذا المنهج، هي عدم وجود المعاهد العلمية المتخصّصة الواسعة الانتشار، التي تتكفّل بتربية أجيال جديدة يحملون على كاهلهم الاستمرار في هذه النهضة التحديثية للمنبر الحسيني، وانعدام التنسيق العلمي والمنظّم على شكل مؤتمرات وندوات وورش عمل بين رواد هذا المنبر؛ لرسم المناهج والأساليب التطويرية لهذا المنهج التحديثي.
وأمّا المنهج الخطابي العام فيواجه صعوبة في نقله إلى الأماكن غير الرائج فيها؛ لعدم استساغة الجمهور توزيع أداء الرثاء والخطبة على شخصين، إلاّ إنّ هذا المنهج قد يُكتب له النجاح إذا ما تصدّى له علماء ومثقفون يُشهد لهم بالعلمية، والقدرة الخطابية الفائقة في طرح المفاهيم والقضايا الحساسة، وإعادة علاج القضايا العالقة من زوايا جديدة ومبتكرة.
كما للمنهج المذكور فرص نجاح أكبر إذا استطاع أن يعالج كثيراً من مفاهيم النهضة الحسينيّة، التي طالما أُهملت من قِبَل المنهج التراثي، خصوصاً المسائل الفلسفية والعرفانيّة في النهضة الحسينيّة.
والمنهج المذكور يمثّل نافذة واسعة لكثير من القدرات العلمية والثقافية التي ينقصها الملكات الفنّية في أداء الرثاء، إلاّ إنّها تتمتّع بالقدرات العلمية الواسعة، والإحاطة الثقافية المتنوّعة القادرة على إثراء الخطبة الحسينيّة.
إنّ انفتاح الباب لهذه القدرات على مصراعيه كفيل بتنويع المصادر التي تعالج النهضة الحسينيّة، وإخراجها من الاحتكار الذي تعاني منه الخطابة الحسينيّة من خلال إقصارها على رواد المنهجين السابقين.
الفصل الثاني الآفاق المستقبليّة للخطابة الحسينيّة
قطعت الخطابة الحسينيّة مراحل الإنشاء والتأسيس، واجتازت بنجاح مرحلة الفتوّة والصبا إلى البلوغ والرشد، وأمّا بلوغ الشيخوخة والهرم فهي أشدّ المراحل خطراً وتهديداً عليها؛ فإذا ما حلَّت بها حلَّ بها الجمود والخمول، والتخلُّف والموت البطيء.
والسير للشيخوخة في المناهج الفكرية لا يماثل ذلك السير الطبيعي الذي تشاهده في الحياة الطبيعية للإنسان والمخلوقات الحيّة الذي يمثل أمراً قسرياً لا مفرّ منه؛ فالمناهج الفكرية الشيخوخة عرض ناتج من التخلُّف عن الأخذ بأدوات التحديث والتجديد لمحتويات المنهج وأساليبه وأهدافه، والحركة المستقبلية الضامنة لدوام فتوَّة الخطابة الحسينيّة.
ومتانتها تكمن في تحديد هيئة الحركة التحديثية والتطويرية لهذا المنهج الفكري المهم، وحراجة هذا الأمر تزداد في هذه السنين الأخيرة للقرن العشرين والتي انطبعت بطابع العولمة؛ هذا المدّ الجارف الذي يكتسح هوية الأمم والشعوب ليستبدلها بهوية اُمميّة شعارها نظام السوق.
والعولمة توظّف أغنى وأدق وأبلغ أدواتها تأثيراً في إجراء عملية مسخ هوية الأمم، ألا وهو (الإعلام).
إنّ قوّة الممانعة في هوية كلّ أمّة تُقاس اليوم بمقدار امتصاصها لضربات إعلام العولمة، والقوّة التحديثية الكامنة فيها؛ لضمان حركتها بثبات ورسوخ في مهبّ أعاصير العولمة العاتية.
إنّ مستقبل الخطابة الحسينيّة مرهون بقدرتها على شحن الذخيرة المعنوية لهوية الإنسان المسلم، وتقويم قدرات هذه الهوية لمنع استلابها من قبل الهوية الأممية للعولمة.
إنّ حجم الآمال المعقودة بالخطابة الحسينيّة في المساهمة في صيانة الهوية الإسلاميّة حرجة وملحّة لدرجة تتطلّب سرعة استغلال جميع قدرات الجيل الحاضر، وطاقاته العلمية والفنية والمالية؛ لرسم هيئة المنبر الحسيني القادر على الإبحار بالجيل الحاضر في عباب بحر التحدّيات الضاغطة والمهدّدة لهويتنا الإسلاميّة.
في السطور القادمة نحاول رسم الأولويات الملحّة التي تساهم في بناء المنبر الحسيني المستقبلي.
أولاً: الحركة التحديثية للخطابة الحسينيّة، ومسألة التوازن بين الأصالة والحداثة
المنبر الحسيني المستقبلي
(الأصالة)
تحديد معالم الأصالة في المنبر الحسيني وتثبيتها وصيانتها
(الحداثة)
حديث الاُمور المسبّبة لوهن الأصالة وضعفها فيالمنبر الحسيني
يتّحدد شكل العملية التحديثية للخطابة الحسينيّة، وتشخيص معالمها وأدواتها من خلال رسم معالم أصالتها، والعملية التحديثية التي تضمن سلامة هذه الأصالة تستلزم حركة أفقية تتمثّل في تحديث الأساليب الفنيّة والتقنية والعلمية للخطابة دون المساس بالإطار العام لها، وحركة عمودية تستهدف تثبيت وصيانة وحماية تراثها الضخم الذي حقّقته في مسيرتها الطويلة.
الحركتان الأفقية والعمودية للعملية التحديثيّة للخطابة الحسينيّة تستهدف في النهاية جعل أصالة الخطابة الحسينيّة تتمظهر بمظهر العصر. إنّ سبل التحديث وأدواته تتشخّص كما أسلفنا من خلال رسم معالم الأصالة للخطابة الحسينيّة، فما هي هذه المعالم؟
معالم الأصالة للخطابة الحسينيّة
النسيج الأصيل للخطابة الحسينيّة محاك من:
أ) التداخل العضوي للنهضة الحسينيّة بالهوية الإسلاميّة.
ب) الرثاء وعلاقته البنيويّة للخطابة الحسينيّة.
أ) التداخل العضوي للنهضة الحسينيّة بالهوية الإسلاميّة
من السمات الأصيلة للنهضة الحسينيّة تداخلها العضوي بالهوية الإسلاميّة، بل هي النبض الدافق لها، والمجسّمة لمثلها وقيمها.
فالنهضة تجسّد الإسلام فكراً حيّاً يعيش الحياة، وهي شعار المسلم الذي يلتمس فيها دروساً لحياته التي يرنو بناءها على أسس التوحيد.
والاُستاذ مرتضى المطهّري يشير إلى هذا الدور المهم للنهضة في تجسيد الفكر الإسلامي [ بقوله: ] الحادثة بتمامها وكمالها، تجسّم الإسلام في كافة أبعاده ونواحيه، ومعنى ذلك إنّ سرّ كون هذه الحادثة قابلة للتمثيل والعرض المسرحي يكمن في كونها تجسيماً لفكر الإسلام المتعدّد الأبعاد والجوانب.
فكلّ المبادئ الإسلاميّة وجوانب العقيدة قد تجسّمت عملياً في هذه الحادثة؛ إنّك تجد الإسلام في السياق الفكري وفي العمل، وفي مرحلة التحقق والتطبيق(1) .
____________________
(1) واقعة كربلاء تجسيم عملي للإسلام، الملحمة الحسينيّة 1 / 220.
فالنهضة تصيّر الفكر الإسلامي مثالاً نابضاً بالحياة، وذلك بعرض جامعيته وشموليته. فهي إذن مرجع مجسّد لهذه الخصّيصة التي يتميّز بها الإسلام (فعندما نريد البحث في جامعية الإسلام وكليته لا بدّ لنا من مراجعة ومطالعة النهضة الحسينيّة؛ حيث نرى أنّ الإمام الحسينعليهمالسلام قد طبّق كلّيات الإسلام عملياً في واقعة كربلاء، وجسّمها تجسيماً حيّاً حقيقياً وواقعياً، وليس تجسيماً لا روح فيه)(1) .
____________________
(1) المصدر نفسه / 232.
والتجسيد الواقعي للفكر الإسلامي بجامعيته وشموليته يتمثّل في هذه النهضة من خلال توزيع الأدوار، وتحديد المهام لكلّ مَنْ ساهم في ملحمته؛ لتحقيق النهضة وأهدافها المرسومة والمشار إليها سلفاً من خلال توزيع الأدوار بين المساهمين فيها.
(وهكذا ترانا نعيش في حادثة عاشوراء كلّ جوانب الإسلام الأخلاقية والاجتماعية، بالإضافة إلى جوانب الموعظة والحكمة والتمرّد، والتوحيد والعرفان، والعقيدة مجسّمةً ومبلورةً في الحسين وأصحاب الحسين وأهل بيته، حيث ترى أنّ كلّ واحد من أفراد المجتمع قد أخذ دوره، من الطفل الرضيع حتى الشيخ الجليل الذي يناهز عمره الثمانين عاماً، والمرأة العجوز)(1) .
____________________
(1) المصدر نفسه / 234.
والخطابة الحسينيّة التي تمثّل القناة الإعلامية لهذه النهضة، لا مناص لها إلاّ إبراز هذا التلاحم والتداخل بين النهضة الحسينيّة والهوية الإسلاميّة.
إنّ الدور الأصيل والمتميّز للخطابة الحسينيّة يتطلب استعداداً عميقاً، وإحاطة شاملة من الخطيب؛ لضمان هذه الأصالة.
والإحاطة الشاملة تعني: الإدراك العميق لمصادر الإسلام المنقولة والمعقولة، والدراية التامّة لتاريخ وفلسفة وفقه النهضة الحسينيّة، والإحاطة الكافية لأحداث العصر وعلومه، والخبرة العميقة بطبقات المجتمع وأطباعه وعاداته، ومستواه الفكري والروحي.
اشتراط الجمع لهذه العلوم والمعارف والخبرات ضمان لكفاءة الخطيب؛ لصيانة أصالة الخطابة الحسينيّة التي تبرز دور النهضة الحسينيّة المجدّدة لروح الإسلام في كلّ زمان ومكان.
ب) الرثاء وعلاقته البنيويّة بالخطابة الحسينيّة
الرثاء والحزن والبكاء نسيج متداخل بالنهضة الحسينيّة، يكسبها بعدها العاطفي والروحي والنفسي الذي يمثّل الوجه الثاني للنهضة الحسينيّة بعد الوجه الفكري والفلسفي.
ومنذ اللحظة الأولى بعد انتهاء حادثة الطفّ، وعلى مرّ العصور، حرص أهل البيتعليهمالسلام على إرساء وتثبيت هذا الوجه الأصيل والمشخّص للنهضة الحسينيّة، حيث وردت العشرات من الأحاديث التي تحثّ وتشجّع الرثاء والحزن والبكاء على مصائب أهل البيت بشكل عام، ومصيبة الطفّ بشكل خاص.
وإليك طائفة من الروايات الواردة في هذا الخصوص:
1) أحمد بن يحيى الأودي بسنده عن المنذر، عن الإمام الحسينعليهمالسلام : «ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة، أو دمعت عيناه فينا دمعة، إلاّ بوّأه الله تعالى بها في الجنّة حقباً»(1) .
2) الإمام الصادقعليهمالسلام : «مَنْ دمعت عينه دمعة لدم سُفك لنا، أو حقّ لنا أُنقصناه، أو عرض انتُهك لنا، أو لأحد من شيعتنا بوّأه الله بها في الجنّة حقباً»(2) .
3) بكر بن محمد الأزدي، عن الصادقعليهمالسلام : «تجلسون وتتحدثون؟». قال: قلت: جعلت فداك! نعم. قال: «إنّ تلك المجالس اُحبّها؛ فأحيوا أمرنا، إنّه مَنْ ذكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر»(3) .
4) الإمام الصادقعليهمالسلام : «مَنْ ذُكرنا عنده ففاضت عيناه حرم الله وجهه على النار»(4) .
5) دعبل الخزاعي: دخلت على سيّدي ومولاي علي بن موسى الرضاعليهمالسلام في مثل هذه الأيام فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب، وأصحابه من حوله، فلما رآني مقبلاً قال لي: «مرحباً بك يا دعبل، مرحباً بناصرنا بيده ولسانه».
ثمّ إنّه وسع لي في مجلسه وأجلسني إلى جانبه، ثمّ قال لي: «يا دعبل، أحبّ أن تنشدني شعراً؛ فإنّ هذه الأيام أيام حزن كانت علينا أهل البيت، وأيام سرور كانت على أعدائنا، خصوصاً بني اُميّة.
يا دعبل، مَنْ بكى وأبكى على مصابنا ولو واحداً كان أجره على الله. يا دعبل، مَنْ ذرفت عيناه على مصابنا وبكى لما أصابنا من أعدائنا حشره الله معنا في زمرتنا. يا دعبل، مَنْ بكى على مصاب جدّي الحسين غفر الله له ذنوبه البتة»(5) .
____________________
5،4،3،2،1 أهل البيت في الكتاب والسنة، محمد الري شهري - مؤسسة دار الحديث الثقافية، الطبعة الأولى.
وتطبيقاً وتشجيعاً لما دعوا إليه، أقاموا هم مجالس العزاء والرثاء؛ فقد كان الشاعر العربي الكميت بن زياد الأسدي، المتوفّى سنة 126هـ، من شعراء العصر الأموي، رائداً في قصائده النارية التي ضيّقت الدنيا على أعداء أهل البيت من جهة، وأججت نار الحزن والوجد في قلوب الشيعة والموالين من جهة أخرى.
وقد أنشد الكميت قصائده المعروفة بالهاشميات في مجالس الأئمّة: السجّاد والباقر والصادقعليهمالسلام . ومن قصائده المشهورة في ذكر مصائب أهل البيتعليهمالسلام في الطفّ:
مَنْ لقلبٍ متيّمٍ مستهامِ |
غير ما صبوةٍ ولا أحلامِ |
|
وقتيلٍ بالطفِّ غُودِرَ عنهُ |
بين غوغاء أُمَّةٍ وطَغامِ |
|
قتلوا يومَ ذاكَ إذْ قتلوهُ |
حاكماً لا كسائرِ الحُكّامِ |
|
قتلَ الأدعياءُ إذْ قتلوهُ |
أكرمَ الشاربينَ صوبَ الغمامِ |
|
وَلِهَتْ نفسيَ الطروبُ إليهمْ |
ولهاً حالَ دونَ طعمِ الطعامِ |
فلمّا فرغ منها قال له الإمام السجّادعليهمالسلام : «ثوابك نعجز عنه، ولكنّ الله لا يعجز عن مكافأتك».
وفي قصيدة للشاعر الكبير الحميري الذي قرأها في حضرة الإمام الصادقعليهمالسلام يقول:
اُمرُرْ على جَدَثِ الحسيـ |
ـنِ وقُلْ لأعظُمِهِ الزكيّهْ |
|
يا أعظماً ما زلْتِ مِنْ |
وطفاءَ ساكبةٍ رويَّهْ |
|
وإذا مرَرْتَ بقبرهِ |
فأَطِلْ بِهِ وَقْفَ المطِيَّهْ |
|
وابكِ المطهَّرَ للمطهّـ |
ـرِ والمطهَّرَةِ النقيَّهْ |
|
كبكاءِ مُعْوِلَةٍ أَتَتْ |
يوماً لواحِدِها المنيَّهْ |
فما بلغ هذا حتى أخذت الدموع تنهمر على خديه، وارتفع الصراخ من داره.
ويُعتبر دعبل من الرواد في تأسيس الرثاء على واقعة الطفّ، والذي له بصمات واضحة؛ حيث قصيدته التائية المشهورة التي أنشدها في حضرة الإمام الرضاعليهمالسلام ، والتي مطلعها:
مدارسُ أياتٍ خلتْ منْ تلاوةٍ |
ومنزلِ وحيٍ مُقْفرِ العرصاتِ |
والذي أثار بها شجن ابن النبي الرضا وأهل بيته، وألهب حزنه على جدّه الحسينعليهمالسلام .
وقد تمكّن أهل البيتعليهمالسلام بمنهج محكم واُسلوب دقيق ضمان البقاء والديمومة للنهضة الحسينيّة، من خلال توظيف الحزن والبكاء الذي يمثّل أقوى العواطف الإنسانية أثراً في جذب ولفت الانتباه وإثارة فضول الغير، وقد عُرف البكاء سلاحاً قوياً ومؤثراً في بيان ظلامة الشعوب.
ومن هنا يتّضح عمق أصالة الرثاء في الخطابة الحسينيّة، الذي هو موقع الرأس من الجسد، أو الروح من الجسم.
إنّ إصرار أهل البيت على جعل الرثاء جزءاً مهمّاً وأساسياً في مراسم إحياء النهضة الحسينيّة والمنبر الحسيني؛ يعود بالدرجة الأولى لدور الرثاء لتحقيق الكثير من المفاهيم.
ويمكن رصد أهم المعطيات التي يحقّقها الرثاء في النقاط التالية:
الأوّل: الرثاء ودوره في ربط الوعي الفكري بالاستعداد النفسي
للعواطف الدور المهم في نضج الفكر وإثرائه، والدراسات النفسية الحديثة تشير إلى دور العواطف الأساسي في التفكير السليم.
إنّ التفكير الناضج المبني على أُسس المنطق السليم لا يتسنّى إلاّ عبر العواطف المتّزنة، وقد ذهبت الدراسات الحديثة إلى أكثر من ذلك في اعتبار وجود عقلين هما: العقل المفكّر والعقل العاطفي؛ حيث إنّ سلوك الإنسان ومواقفه في الحياة هي مزيج من التفكير العقلي والعاطفي.
فإذكاء العواطف والعناية بها من حيث حسن استخدامها وتوجيهها وتوظيفها في الحياة له شديد العلاقة والأثر في نمو الوعي الفكري للإنسان(1) .
____________________
(1) عدس، محمد عبد الرحيم، دور العاطفة في حياة الإنسان.
الحزن والبكاء اللذان يمثّلان أهم العواطف الإنسانية أثراً في تنقية النفس وإذكاء الوجدان، يعبّران عن أهم عناصر التزاوج بين الوعي الفكري والحضور الوجداني.
من هذا الاستطراد يتّضح ما للعاطفة بشكل عام من أثر على إنضاج الوعي الفكري وصقله، والدور الوجداني العاطفي للحزن والبكاء بشكل خاصّ من أثر على عمق التفكير وسعته، وهكذا تتّضح فلسفة أهل البيت في استغلال العلاقة الهامة بين العاطفة والفكر في النهضة الحسينيّة.
وبهذا المنهج النفسي المتميّز خطّ أهل البيت درباً للنهضة الحسينيّة؛ لتصنع وعياً فكرياً يمثّل حالة الحضور والدراية، والإحاطة بالقضية الحسينيّة، وهي لا تعني شيئاً إلاّ إذا اقترنت بالقدرة النفسية، والاستعداد الروحي لتقمص القيم والمفاهيم التي تندب لها النهضة.
الخطابة الحسينيّة تتحمّل عبئاً ثقيلاً في الاحتفاظ بعاطفة البكاء والحزن في ضمن دائرة الأحداث التي اختطّها أهل البيتعليهمالسلام ، وهو إذكاء الوعي الفكري والعقل العاطفي.
إنّ الفشل الذي نراه واضحاً جلياً في الوقت الحاضر في الوصول للغاية التي أرادها أهل البيت من البكاء والحزن في خلق الحضور النفسي والفكري، يرجع بالدرجة الأولى إلى توظيف عاطفة الحزن والبكاء كمتنفّس للهروب من الشعور بالإحباط والتخلّف الذي تعاني منه الأمّة.
وساعد في هذا التدهور - في الابتعاد عن دور المنبر الحسيني في إذكاء البكاء وعاطفة الحزن؛ لتقويم العقل العاطفي - جهل وتدنّي مستوى وعي الناس وبعض الخطباء.
إنّ التوظيف اللاواعي لعاطفة الحزن والبكاء سلب هذه العاطفة كفاءتها في خلق حالة التواصل والتبادل بين العقل العاطفي والعقل الفكري، وأحال هذا السلاح الذي انتقاه أهل البيت بكلّ دقة وعناية إلى أنغام تدغدغ غفوتنا، وتحرس نومنا الوديع المفعم بالأحلام الجميلة، وكما يقول الشيخ الدكتور أحمد الوائلي(1) :
____________________
(1) من قصيدته العينيّة في مهرجان الشعر العربي في بغداد.
كنّا نهبُّ على الزعيقِ ومذ طغى |
صرنا ننامُ على الزعيقِ ونهجعُ |
الثاني: استغلال البكاء لتأجيج الوجدان؛ لضمان ديمومة وحيوية النهضة الحسينيّة
من أهداف النهضة الحسينيّة دوام الحركة التجديدية والتصحيحية لمفاهيم الإسلام؛ لضمان تجسيد مفهوم التوحيد في كافة مناحي الحياة.
إنّ النهضة الحسينيّة ليست حقلاً مهنياً شخصياً يمتهنه خطيب ليرتزق منها فحسب، ومستمع يجتر دموعه ليجني ثواباً بها؛ إنّ النهضة الحسينيّة توظّف البكاء والحزن لضمان دوام الوجدان الواعي، والأهداف السامية للنهضة الحسينيّة، ولكي تضمن النهضة قدرتها على جعل شعار(كلّ يوم عاشوراء، وكلّ أرض كربلاء) واقعاً ملموساً بمشاريع تصنع الحياة وتقودها في كلّ ميادينها وحقولها.
ثانياً: مناهج التحديث للخطابة الحسينيّة وآفاقها
التحديث ينصبّ على عرض الأصالة بلغة العصر، والاحتفاظ بالإطار العام للخطابة الحسينيّة، والأخذ بكلّ ما يتيح العصر من وسائل لإبراز هذه الأصالة، ويمكن الإشارة إلى جانبين مهمين للتحديث في المنبر الحسيني:
الأول: الجانب النظري الفكري
الثاني: الجانب الفني الخطابي
يركز الجانب النظري من الخطابة الحسينيّة على طبيعة المواضيع التي يتناولها المنبر الحسيني، وبشكل أدقّ الحقول التي يجب أن يلمّ بها الخطيب؛ لإثراء الموضوع المطروح في ظلّ ثورة المعلومات التي تشهدها حقول المعرفة المختلفة.
في العصر الحاضر أصبح من المتعذّر على الفرد الإلمام التام بحقل واحد من حقول المعرفة ناهيك عن الحقول المختلفة، وبناءً على هذه الحقيقة من المتعذّر إرساء قاعدة التحديث للجانب النظري الفكري في الخطابة الحسينيّة على أساس الإلمام الموسوعي للخطيب لحقول المعرفة المختلفة.
تحديث الجانب النظري الفكري للخطابة الحسينيّة يجب أن يرتكّز على الأخذ بمفهوم التخصّص، وذلك بتحديد الحقول المهمّة التي لها صلة مهمّة وحيوية بالخطابة الحسينيّة، والتي تمكّن الخطباء من الانكباب التام على حقل من هذه الحقول المعينة، متمكّناً بذلك من الإلمام التام والإحاطة الكافية التي تؤهّله لمعالجة مواضيع هذا الحقل بكفاءة وجدارة.
إنّ مفهوم التخصّص له كثير من الفوائد، أهمّها توسيع دائرة المعارف التي يمكن للمنبر الحسيني معالجتها بدقة وموضوعية وكفاءة. وتنويع الخطباء على أساس مفهوم التخصّص يعطي للمستمع فرص أكبر للاستفادة من المنبر الحسيني، من خلال توسيع دائرة الاختيار والتفاعل مع المنبر حسب رغبة المستمع للاستفادة من التخصّصات المتاحة.
إنّ عملية التحديث بناءً على مفهوم التخصّص لا ترمي إلى تمكين الخطباء من تحويل الخطابة الحسينيّة إلى ميدان تنافس الغرض منه حشو المواضيع المعالجة بالكلمات الرنانة، وإبهار المستمع بالاستشهادات الغريبة والمعقّدة لقضايا العلم والمعرفة.
إنّ أهم أهداف التحديث على أساس مفهوم التخصّص تتمثّل في الأمور التالية:
1 - المساهمة في خلق فضاء الوعي الفكري للمجتمع الذي يمكّنه من معالجة قضاياه العالقة ومشاكله الشائكة بجدارة وموضوعية، من خلال توظيف قدراته المادية والمعنوية بكفاءة وفاعلية، ويساهم المنبر أيضاً مع سائر الوسائل الثقافية الاُخرى فيما يسمّى بـ (التنشئة الاجتماعية) التي تعمل على صيانة المجتمع من الغزو الفكري والانحطاط الحضاري(1) .
____________________
(1) التنشئة الاجتماعية تعمل على بناء شخصية الفرد المتماثلة مع قيم واتجاهات وعادات المجتمع الذي يعيش فيه، أي إنّ فرداً يشرب ثقافة مجتمعه بواسطة عملية التنشئة الاجتماعية - الغزوي، فهمي سليم وغيره، المدخل إلى علم الاجتماع.
2 - رفع مستوى الطرح للنهضة الحسينيّة إلى مستوى يمكن من خلاله صياغة مشاريع لمعالجة مشاكل الإنسان في هذا العصر، وبهذا يساهم المنبر في تحصين المجتمع من حالة الإفلاس الفكري، والمعالجة الواقعية لمشاكله اليومية الخانقة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.
3 - ربط المستمع بقضايا الساعة، وبيان مدى أثرها، ووقعها على حياته اليومية.
4 - إثارة روح الحوار البنّاء من خلال استشارة المستمع لمناقشة ونقد وتحليل المفاهيم المطروحة مع الخطيب بشكل أوسع؛ حيث يساعد هذا المنهج على تخليص المنبر من ظاهرة الطرح الأُحادي الاتّجاه الذي يُمارَس من قِبل غالبية الخطباء في الوقت الحاضر، وكأن المنبر جزيرة منعزلة لا دور للمستمع فيما يُطرح ويعالج.
الثاني: الجانب الفني الخطابي
تشمل الجوانب الفنيّة في الخطابة الحسينيّة فنون الرثاء وطرق الإنشاد، والأمور الفنيّة المتعلّقة بأساليب الخطابة، خصوصاً ما يتعلّق بقدرات الخطيب في إدارة الناس والتأثير عليهم.
هذه الجوانب الفنيّة للخطابة الحسينيّة يمكن أن تنال الكثير من التطوير والتحسين إذا ما استفادت من بعض العلوم ذات الصلة بهذا الفن.
ومن أهم هذه العلوم التي لها التأثير الكثير في تطوير الجوانب الفنيّة في الخطابة الحسينيّة هي:
أ - علم الموسيقى
(تبنى الموسيقى في كافة صورها وألوانها على عنصرين أساسيين هما؛ الإيقاع والنغم. فالإيقاع: هو علاقة الأصوات بالنسبة إلى بعضها من حيث استغراق كلّ منها زمناً معيناً يختلف طولاً وقصراً. والنغم: هو علاقة الأصوات ببعضها من حيث الحدّة والغلظ)(1) .
____________________
(1) القواعد والنظريات الموسيقية - حمزة محمد البشير.
ويتّضح في تركيب الموسيقى أنّ هذا العلم ذو صلة مباشرة بأساليب أداء الرثاء وطرقه. فالرثاء في الخطابة الحسينيّة يعتمد في كافة مناهج أدائه النغم والإيقاع. والخطيب الذي يمتلك القدرة والكفاءة العالية في استغلال مواهبه الموسيقية عند أداء النصّ الرثائي يحقّق أحد أهم المقاصد المطلوبة في أداء الرثاء، وهو استثارة الحزن والبكاء.
من أهم مبرّرات الاستعانة بعلم الموسيقى لتحديث فنون الرثاء هي:
1 - إنّ علم الموسيقى له قواعد وضوابط تنظّم النغم والإيقاع، والاستعانة بقواعده يوثق ويخضع النغم والإيقاع في الرثاء لنظام واضح، ويخرجه من العفوية والارتجالية.
2 - بناء الرثاء على قواعد علمية يفسح المجال لتطويره، وإدخال الكثير من التعديل على أطواره وأساليبه على ضوء قواعد العلم وضوابطه.
3 - قيام الرثاء على أساس علم الموسيقى يمكِّن القائمين على تطوير المنبر الحسيني وتحديثه من وضع الضوابط والقوانين؛ لتحديد قدرة أصوات المتطوعين لخدمة المنبر الحسيني، وسبل تطويرها وتحسينها.
4 - استعانة الرثاء بعلم الموسيقى يجعل من الرثاء كمقرّر دراسي يمكن تدريسه في المعاهد العلمية المقترحة لتدريس الخطابة الحسينيّة.
ب - علم الاتصال الجماهيري
(الاتصال الجماهيري باقة رسائل تُبثّ عبر وسيلة اتصال جماهيرية إلى عدد كبير من الناس)(1) .
____________________
(1) الاتصال الجماهيري - جون بشير.
(يعنى الاتصال بدراسة تبادل المعاني بين الأفراد في المجتمع عبر نظام مشترك من الرموز)(1) . (الرموز تمثّل المعاني المتعارف عليها اجتماعياً، والتي يتبادلها الناس لدى ممارسة الاتصال؛ لتحقيق التفاهم بينهم)(2) .
وعرّف الاتصال الجماهيري أيضاً بأنه: (يكون من مصدر واحد، شخص أو مؤسسة إلى جماهير غفيرة ومتنوعة، مثل أجهزة الاتصال الجماهيرية)(3).
____________________
(1)، (2) المدخل في الاتصال الجماهيري - د. عصام سليمان موسى.
(3) مقدمة في علم الإعلام والاتصال بالناس - محمود عبد الرؤوف كامل.
يتكوّن الاتصال الجماهيري من أربعة عناصر أساسية هي: المرسل، الرسالة، الوسيلة، والمستقبل. وتدخل عناصر أخرى من أهمها: رجع الصدى، أو ترجيع الأثر، وهو رد الفعل على الرسالة التي تبثّها وسائل الاتصال الجماهيري.
لا يشذّ المنبر الحسيني في مهامّه ورسالته عن أيّ من الوسائل التي تنطوي تحت الاتصال الجماهيري بالرغم من محدوديته واعتماده على الطرق التقليدية في إبلاغ رسالته.
المنبر الحسيني يستطيع أن يحقّق الكثير من التحديث والتطوير لقدراته وكفاءاته باستغلاله علم الاتصال الجماهيري؛ ليحقق إبلاغ رسالته في التأثير النفسي لسعة ما حققته وسائل الاتصال الجماهيري اليوم.
ويمكن للخطابة الحسينيّة من تحقيق ذلك على صعيدين:
1 - إلمام الخطيب بتقنيات ووسائل الاتصال الجماهيري، خصوصاً مفهوم (حارس البوابة)(1) الذي يمثّل أحد أهم المفاهيم في علم الاتصال الجماهيري، والذي يعتبر الخطيب عنصره الأساسي في الخطابة الحسينيّة.
____________________
(1) يعرّف مفهوم حارس البوابة بأنّه: (أيّ شخص أو مجموعة منظّمة بشكل رسمي، ومتصلة مباشرة بعملية ترحيل، أو نقل المعلومات من فرد لآخر عبر وسيلة اتصال). علم الاتصال الجماهيري - جون بشير.
إنّ إلمام الخطيب بعلم الاتصال الجماهيري يمكّن من إعادة الترتيب لأساليبه الخطابية؛ لرفع أدائها في مجابهة الهجمة الثقافية التي يشهدها عالمنا الإسلامي اليوم. إلاّ إنّ ما يجب التأكيد عليه أنّ نجاح الخطيب في رفع كفاءته الخطابية بعلم الاتصال الجماهيري لا تتسنى إلاّ عبر معاهد أكاديمية للخطابة الحسينيّة، تتبنّى تدريس منهج مشتق من علم الاتصال الجماهيري، ويناسب حاجة الخطيب، ويوافق منهج الخطابة الحسينيّة.
2 - نقل تقنيات الاتصال الجماهيري إلى الخطابة الحسينيّة.
يمكن للخطابة الحسينيّة أن تحدّث من قدراتها، وتوسّع من دائرة تأثيرها بكثير من تقنيات الاتصال الجماهيري، ويمكن الإشارة إلى جانب منها.
يمكن للخطابة الحسينيّة أن توسّع من دائرة المستمعين لها باستغلال وسائل الاتصال الجماهيري، وقد أسهمت بعض الوسائل في توسيع دائرة المستمعين للمنبر مثل الراديو والتلفزيون والإنترنت، وقد ساعدت هذه الوسائل بالإضافة إلى دورها في توسيع دائرة المستمعين للمنبر إلى توثيق وحفظ كثير من الخطب الحسينيّة للخطباء المشهورين وإعادة بثها، إلاّ إنّ المنبر الحسيني ما زال بعيداً عن الاستفادة القصوى من وسائل الاتصال الجماهيري؛ خصوصاً وسائل البثّ المباشر عبر الراديو أو التلفزيون، أو من خلال استغلال القنوات الفضائية لذلك.
ويمكن بلورة شكل الفائدة التي يقدّمها البثّ المباشر عبر الأقمار الصناعية للمنبر الحسيني، عن طريق اقتراح محطّة فضائية مخصّصة تهتم بالمنبر الحسيني، تُبثّ فيها الخطب الحسينيّة، وتخصّص فيها برامج حوارية ووثائقية لمهام المنبر الحسيني، وسبل تحديثه وكلّ ما يمتّ له بعلاقة.
وقد قدّمت القنوات الفضائية للجمهورية الإسلاميّة الإيرانية صورة لا بأس بها لقيمة هذه الأدوات في دعم، وتحديث المنبر من خلال تبنيها لكثير من مواد المنبر الحسيني. وتعتبر التجربة الرائدة التي قدّمها تلفزيون المنار في إعداد خطب حسينية خاصّة لمحرم (1422 هـ) للخطيب البارع الشيخ الدكتور أحمد الوائلي أثراً بالغاً، وخطوة مهمّة في توسيع دائرة المستمعين للمنبر الحسيني، وإضافة بُعد ومهمّة جديدة لدور القنوات الفضائية في هذا المضمار، إلاّ إنّ انحصار ذلك في محرّم وصفر، والمناسبات الاُخرى يحدّ من الاستفادة القصوى من هذه الوسائل، بالإضافة إلى محدودية المادة الإعلامية التي تبثّها هذه الوسائل.
تعتبر الصحف والمجلات والدوريات المتخصّصة من أهم وسائل الاتصال الجماهيري التي تغطّي مساحة واسعة من الجمهور، وبها يستطيع المنبر الحسيني استغلال هذه الوسائل في تحديث وتطوير مناهجه وقدراته.
ومن أهم ما يمكن اقتراحه في استغلال هذه الوسائل هو إنشاء دورية علمية متخصّصة للمنبر الحسيني، يستطيع رواد المنبر والمهتمون بنشر بحوثهم العلمية، واقتراحاتهم في تطوير المنبر في هذه الدورية العلمية.
إنّ هذه الدورية العلمية، وسيلة مهمّة لتبادل الآراء، ونقل التجارب العلمية والخبرات الخطابية بين الخطباء والمهتمين، كما تعتبر نافذة مهمّة لمستوى التحديث الذي يناله المنبر؛ سواء في محتوى الأفكار المطروحة، أو في سرعة الحركة التحديثية وتوجهاتها.
مبررات الاستعانة بوسائل الاتصال الجماهيري لتطوير المنبر الحسيني
1 - رفع مستوى أداء المنبر؛ ليكون بمستوى الوسائل الحديثة في التأثير على الجمهور والساحة التي يغطّيها.
2 - توسيع دائرة المستفيدين من المنبر خارج الدائرة التقليدية من المستمعين.
3 - فسح المجال للأدوات العلمية؛ لتقوم بدورها في تحديث المنبر وتطويره على الأسس العلمية.
ثالثاً: منبر حسيني للطفل ضمان لحفظ الهوية ورعايتها
تولي الأمم والحضارات اهتماماً بالغاً بالطفل، وتخصّص له ساحة واسعة من أدبياتها وفنونها ونتاجها الفكري والحضاري؛ لحساسية الطفل المستفيضة من التأثر والتقمّص لما حوله.
وبرز شعراء وأدباء ومفكّرون خصّصوا جلّ نتاجهم للطفل، مثل أمير الشعراء أحمد شوقي، وطاغور شاعر الهند الكبير.
وقد أولى الإسلام اهتماماً بالغاً بالطفل، وشدّد على ضرورة المبادرة إلى رعايته منذ انعقاد النطفة في رحم الأم، وينعكس هذا الاهتمام والحرص بالطفل جلياً في تراث أهل البيت النظري والتطبيقي.
والتاريخ حافل بالمآثر والمواقف المتميّزة لأطفال أهل البيت، الذين يعكسون أثر التربية والرعاية المبكّرة للطفل في الكشف عن مواهبه وقدراته المبكرة، ممّا يجعل دراسة أساليب أهل البيت في رعاية وتربية الأطفال مادة غنية للبحث العلمي لعلم النفس الحديث.
والمنبر الحسيني هذه القناة الإعلامية للنهضة الحسينيّة، التي تتصدّر مناهج التحديث والإحياء للفكر الإسلامي على مرّ العصور يتحمّل العبء الأكبر في رعاية الطفل وحمايته، لا سيما في هذا الوقت من التاريخ الذي تشهد فيه الأمّة الإسلاميّة هجمة ثقافية تسلّطية للسيطرة على أرض الحدث المسلم، واستغلالها كقاعدة انطلاق هجومها الشامل.
إنّ تأسيس منبر حسيني للطفل يُعدّ أحد الوسائل المهمّة في تسخير وحشد ما تملك من طاقات وذخائر؛ [ لا ] لصد الهجمة الثقافية فحسب، بل لإرساء القاعدة الصلبة التي منها تلتقط الأمّة أنفاسها لاسترداد دورها الاستشهادي على الناس.
يستطيع هذا المنبر أن يقدّم القيم المعنوية والمفاهيم والمبادئ التي تختزنها النهضة الحسينيّة للطفل باُسلوب سلس ومشوّق، من خلال ربط الطفل الحاضر بأطفال النهضة: القاسم بن الحسن، وعبد الله بن مسلم، وعبد الله بن الحسين، وغيرهم، ويتقمّص إخلاصهم ووعيهم، وإدراكهم لمبدئهم، وجلدهم وهممهم الوثّابة.
[ إن وجود ] منبر حسيني للطفل [ هو ] أداة ضرورية في تقديم النهضة الحسينيّة للطفل على هيئة مشاريع، ونظم للحياة التي يجب أن يصنعها الجيل الصاعد.
إنّ إحالة مفاهيم النهضة الحسينيّة إلى نظم وقواعد موضوعية في حياة الطفل هو الهدف الأساسي لهذا المنبر المقترح.
أهم الإعدادات الأساسيّة لتحقيق منبر حسيني للطفل
1 - إعداد خطباء شباب يتمتّعون بقدرة على محاكاة الطفل، وإدراك احتياجاته من خلال العرض السلس والمتين للنهضة الحسينيّة.
2 - ضرورة توفّر نتاج ثقافي للنهضة الحسينيّة موجه للأطفال من حيث الصيغة والاُسلوب والمنهج، ويتسنّى ذلك من خلال دعوة المثقفين والشعراء والأدباء والعلماء؛ لتخصيص نتاج أدبي ثقافي نستطيع أن نطلق عليه بـ (أدب النهضة الحسينيّة للطفل). هذا النتاج الثقافي يمثّل عوناً ومدداً ضرورياً لخطباء المنبر الحسيني للطفل.
رابعاً: توسيع دائرة المخاطَبين والممارسين للمنبر الحسيني؛ لتفعيل دوره الإسلامي والإنساني
الأول: توسيع دائرة المخاطبين من قِبَل المنبر الحسيني.
نقصد بتوسيع دائرة المخاطبين من قبل المنبر الحسيني، تعريض قاعدة المستمعين خارج نطاق الموالين والتابعين لمدرسة أهل البيتعليهمالسلام من المسلمين وغير المسلمين، مع التأكيد على تطويع المنبر الحسيني لإيصال رسالته عبر اللغات المختلفة غير اللغة العربية.
وأمّا الهدف الرئيس والمهم من الدعوة لهذا التوسيع يتمثّل في النقاط التالية:
1 - أنّ النهضة الحسينيّة حركة إصلاحية تستهدف إقامة الحياة على أسس الإسلام، وتفعيل منهج التوحيد في إدارتها وبنائها؛ فتوسيع دائرة المستمعين لرسالة النهضة الحسينيّة التي يتعهّد المنبر الحسيني بإبلاغها، هو الأمر الذي يجب أن يتحقّق؛ لإخراج انحصار المستمعين له من دائرة التشيع إلى دائرة الإسلام والعالم؛ كي تمدّ النهضة الأمّة والإنسانية بمفاهيمها وقيمها التي هي بأمسِّ الحاجة إليها للخروج من كبوتها الكؤود في هذا العصر.
2 - توسيع دائرة المستمعين للمنبر يجعل منه أداة فاعلة ونشطة في تحديد المسار الثقافي للأمّة، ومنافساً قويّاً لوسائل الإعلام، والمصادر الثقافية المختلفة التي تحدّد طبيعة الزاد الثقافي وعمقه للجيل الحاضر.
المنبر الحسيني في توسّعه المرجو يتحوّل من أداة سلبية متقوقعة في دائرة ضيقة من الجماهير المسلمة إلى أداء إيجابية تساهم وتشارك في صناعة القرار، وذلك أمر لا يتحقّق إلاّ من خلال إشراك كافة الطوائف الإسلاميّة وغير الإسلاميّة.
3 - تعاني الأمّة الإسلاميّة معاناة مزمنة وحافلة بالآلام من الفرقة والتناحر والصدود بين مختلف طوائفها وفرقها، وللمنبر القدرة على المساهمة في علاج هذا الداء العضال من خلال توسيع دائرة مستمعيه.
إنّ الحوار بين الطوائف الإسلاميّة وغير الإسلاميّة هو الحلّ الناجع لمعضلة العصبية والطائفية، والمنبر الحسيني إذا ما تمكّن من إبلاغ رسالته إلى أسماع جميع المسلمين وغير المسلمين، ساهم في إرساء التفاهم والتعارف الذي يعتبر أهم خطوة من خطوات الحوار.
إنّ توسيع دائرة المستمعين والمستفيدين من المنبر الحسيني أمر تعترضه كثير من العقبات والصعوبات، إلاّ إنّ تحقيق ذلك يمكن من خلال التخطيط المتقن، والإعداد الجيد مع حسن الاختيار للوسائل الفاعلة والناجحة، ومن أهم ما يمكن اقتراحه في هذا الصدد هو:
1 - وسائل الإعلام
تلعب وسائل الإعلام خصوصاً التلفزيون والراديو الإنترنت دوراً بارزاً في إيصال رسالة المنبر الحسيني للجماهير غير التقليدية، كما تلعب الصحف والمجلات دوراً مسانداً في إعداد ذهنية المستمع غير التقليدي للمنبر الحسيني، من خلال إزالة العوائق النفسية والصدود الناتج من الأفكار السلبية العالقة في ذهنه عن النهضة الحسينيّة ووسائل إحيائها.
2 - لغة الخطابة
إنّ لغة الحوار والانفتاح على الغير هو السبيل لإشاعة روح التقريب بين الطوائف الإسلاميّة المختلفة، أو بين المسلمين أو غير المسلمين. فإذا ما تمكّن المنبر من تقمّص خطاب يدعو إلى إشاعة روح الألفة والتعارف والتعاون بين المسلمين وغير المسلمين، والدعوى إلى شعار الوحدة الإسلاميّة والإنسانية، والحوار بين المسلمين وغير المسلمين يصبح ممكنا للمنبر أن يخترق الحواجز والحدود التقليدية من الجماهير التي ألف مخاطبتها.
3 - التخطيط والبرمجة
إنّ التخطيط والإعداد للنجاح في توسيع دائرة المستمعين للمنبر الحسيني لا يتمّ إلاّ من خلال هيئة ترعى المنبر وتتكفّل بإصلاحه، وذلك ميسور من خلال إقامة رابطة لخطباء المنبر على غرار ما هو شائع في أوساط التخصّصات العلمية، كرابطة الأطباء والمهندسين وغيرهم.
إنّ الرابطة المقترحة لخطباء المنبر تمثّل المقود الذي يتكفّل بهداية حركة التحديث للمنبر بشكل عام، وعملية توسيع دائرة المستمعين للمنبر بشكل خاص.
الثاني: توسيع دائرة الممارسين للمنبر الحسيني
وضّحنا في معرض حديثنا عن الجوانب الفنيّة للخطابة الحسينيّة في الفصل الثاني عن المنهج الخطابي العام، وبيّنا إنّ هذا المنهج يمثّل باباً لمساهمة التخصّصات المختلفة لخدمة المنبر الحسيني.
إنّ المنهج الخطابي العام لا يقصر خدمة النهضة الحسينيّة على خطباء المنبر، بل يفسح المجال لذوي التخصّصات ذات العلاقة بالعلوم الإنسانية والإسلاميّة لإثراء المنبر الحسيني.
إنّ توسيع هذه القاعدة المهمّة في خدمة المنبر تتسنى من خلال مراعاة الأمور التالية:
1 - ضرورة الجمع بين الرثاء والموضوع لا يشترط في أدائهما من قبل شخص واحد، بل يمكن لصاحب الاختصاص من القيام بدوره، وصاحب الصوت العذب من أداء دوره.
إنّ توسيع دائرة الممارسين للمنبر الحسيني يجب - وبأيّ شكل من الأشكال - أن لا يكون على حساب الرثاء في المنبر الحسيني.
2 - ضرورة إلمام المتخصّص المتصدّي للخطابة بالقواعد والمفاهيم الإسلاميّة العامّة من فقه واُصول وفلسفة وتفسير، مع الإحاطة الجيدة بعلم المنطق واللغة العربية.
ويمكن إعداد الخطيب من خلال اجتيازه لدورة خاصّة تُعدّ من قبل المعاهد المتخصّصة للخطابة الحسينيّة أو المعاهد الإسلاميّة.
3 - أهمية المعرفة التامّة للمتخصّص الخطيب للتاريخ الإسلامي والتاريخ العالمي في مراحله المختلفة.
الخاتمة
استهدف هذا الكتاب التعريف بالخطابة الحسينيّة في الأوساط التي لم تألف هذا اللون من الخطابة الدارجة في المجتمعات الشيعية؛ في العراق، والخليج، وجنوب إيران.
إنّ التأكيد على هيئة الخطابة الحسينيّة في شكل أدائها، وتدرّج الخطيب فيها من المقدّمة للموضوع، وربطه بالرثاء يُقصد به إثبات هذا اللون الخطابي وتدوينه حتى يكون مرجعاً مفيداً للدارسين والباحثين، وحتّى لا يكون هذا اللون الخطابي تتناقله الألسن فحسب.
كما إنّ تحديد هيئة المناهج التي يتبنّاها خطباء المنبر الحسيني هو تحديد لمعالم التيارات التي تتجاذب المنبر.
فالفصل المخصّص لدراسة مستقبل الخطابة الحسينيّة يُعتبر نافذة أطللنا منها على مستقبل هذه الأداة، ومحاولة رسمنا فيها الأشكال والنماذج التحديثية لها.
إنّ الآراء المطروحة حول سبل تطوير المنبر، مع التأكيد على الاحتفاظ بهيئته الأصيلة مثلت إثارات وخواطر لتحريك القرائح نحو المزيد والمزيد من التطوير، حتّى يصبح أداة فاعلة على أكبر رقعة ممكنة من الجماهير في العالم.
إنّ الأمل معقود في أصحاب القرار من الخطباء والمفكّرين والعلماء، وأصحاب رؤوس الأموال، وولاة الأوقاف الحسينيّة في تبنّي مفهوم التحديث للمنبر الحسيني، لا سيما إرساء المؤسسات والمعاهد التي تتكفّل بذلك.
ونظراً لأهمية المكان من حيث تصميمه المعماري الهندسي على نفس المستمع، فالدعوة مفتوحة لأهل الاختصاص والمهتمّين لتناول سبل تطوير هندسة بناء الحسينيات، وإدخال التعديلات المعمارية والوسائل التقنية التي تضفي على هذا المكان الطاهر جوّاً معنوياً يؤهل المستمع للتلقّي الأفضل، دون المساس بروح وأصالة الرسالة التي أنشئت من أجلها الحسينيّة.
وترتبط النهضة الحسينيّة أيضاً بطرق وأساليب أخرى؛ لأحياء النهضة الحسينيّة لا تقل أهمية عن الخطابة الحسينيّة في التعريف بالنهضة؛ وهي الأناشيد، والأهازيج، والعزاء.
والدعوة مفتوحة للدارسين والباحثين لدراسة هذه الوسائل، وبيان قيمتها المعنوية والتاريخية، وتأثيراتها الثقافية، واقتراح المناهج التطويرية والتحديثية التي تضمن لها العطاء.
هذا الكتاب محاولة متواضعة لضبط وتدوين ظاهرة الخطابة الحسينيّة، مع التأكيد المستفيض لمستقبلها وسبل تطويرها، يُرجى من ورائه إثارة الهمم لضرورة التأليف في الخطابة الحسينيّة في كلّ جوانبها وحقولها، والعمل على تأسيس المرتكزات الصلبة لتطويرها وتحديثها.
ما نطمح أن ينال هذا الكتاب هو الاهتمام والرعاية بالنقد الموضوعي، والتقويم الصحيح.
والله ولي التوفيق
المراجع
1 - كارنيغي، دايل. فن الخطابة (كيف تكسب الثقة وتؤثر بالناس). دار مكتبة الهلال - بيروت 1982.
2 - الواعي، د. توفيق. الخطابة وإعداد الخطيب. مكتبة الفلاح - الكويت 1987.
3 - العاملي، شيخ حسين جمعة. الخطابة تاريخها قواعدها وآدابها. مطبعة وزنكوغراف الفكر - بيروت 1983.
4 - الريشهري، محمد. أهل البيت في الكتاب والسنة. مؤسسة دار الحديث الثقافية 1987.
5 - المطهري، مرتضى. الملحمة الحسينيّة. الدار الإسلاميّة للطباعة والنشر والتوزيع 1992.
6 - محمدي، كاظم ودشتي، محمد. المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة. دار الأضواء - بيروت 1986.
7 - العيسوي، عبد الرحمن. الوعي السيكولوجي. دار الراتب الجامعية - بيروت - لبنان.
8 - البشير، حمزة محمد. القواعد والنظريات الموسيقية. الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون.
9 - البشير، جون. ترجمة د. محمد الخطيب. الاتصال الجماهيري مدخل. المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت.
10 - كامل، محمود عبد الرؤوف. مقدمة في علم الإعلام والاتصال بالناس. مكتبة نهضة الشرق القاهرة 1995.
11 - موسى، عصام سليمان. المدخل في الاتصال الجماهيري. مكتبة الكناني - أربد - الأردن 1986.
12 - الشهرستاني، هبة الدين الحسيني. نهضة الحسين. دار الكتاب العربي - بيروت.
13 - عدس، محمد عبد الرحيم. دور العاطفة في حياة الإنسان. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - الأردن.
14 - الغزوي، فهمي سليم - خزاعلة، عبد العزيز علي - عمر، معن خليل - النبوي، نايف عودة - والطاهر، جنان كامل. المدخل إلى علم الاجتماع. دار الشروق للنشر والتوزيع - عمان - الأردن 1992.
والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين
الفهرس
مقدّمة الخطيب البارع سماحة الشيخ محمد العباد2
مقدّمة الاُستاذ الخطيب الشيخ نجيب الحرز5
مستقبل الخطابة الحسينية وسبل تحديثها7
المقدّمة7
تمهيد الخطابة10
الفصل الأوّل الخطابة الحسينيّة17
الفصل الثاني الآفاق المستقبليّة للخطابة الحسينيّة25
الخاتمة45
المراجع 47