حديث عن:
- التشكيك والمشكّكين
- ليلى في كربلاء بين الواقع والخرافة
- دفاع عن الشهيد مطهري
السيد جعفر مرتضى العاملي
المركز الإسلامي للدراسات
حقوق الطبع محفوظة
1420 هـ. ق - 2000 م
بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسّلام على محمّد وآله.
إلى سيدي ومولاي حجّة الله على خلقه، وبقيّته في أرضه.
إلى الذي لولاه لساخت الأرض بأهلها.
إلى الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً.
إلى نور الإمامة وعبق النبوّة أرفع هذا الجهد المتواضع، واُقدّم هذه البضاعة المزجاة.
جعفر مرتضى العاملي
غرّة ذي الحجّة 1420هجري
تذكير وتحذير
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، والصلاة والسّلام على محمّد وآله
1 - إنّ الهدف من هذا الكتاب هو إلقاء الضوء على مدى صحة الأدلّة والشواهد التي وردت في كتاب (الملحمة الحسينيّة) المنسوب للعلاّمة الشهيد مطهريرحمهالله ، والتي تحدّثت عن وجود خرافات وأكاذيب في تاريخ الحركة الجهاديّة المباركة للإمام الحسينعليهالسلام ، وتبيان أنّ أكثر ما ذكروه لا يدخل في دائرة الاُسطورة أو الخرافة أو الاُكذوبة.
2 - لقد تمّ التركيز على قضية حضور ليلى في كربلاء، وإثبات عدم صحة ما ذكروه سنداً ومعتمداً في ادّعائها بأنّها كذب أو اُسطورة.
3 - لو سلّمنا أنّ البحث في قضية حضور ليلى في كربلاء ليس بذي قيمة في حدّ ذاته، فإنّ القيمة تكمن فيما تجسّده من عِبرة، أو تثيره من عَبرة، وتصبّ في حفظ أهداف حركة الإمام الحسينعليهالسلام الجهاديّة.
ومن هنا فإنّنا تصدينا لبحث هذه القضية بالذّات؛ لأجل أنّها أصبحت تمثّل مدخلاً للطعن في قضايا عاشوراء، فأردنا إسقاط العنوان العريض المتجسّد بها، أعني به عنوان: (الاُكذوبة والاُسطورة).
نعم، لقد أصبحت مدخلاً للطعن في صدقية أحداث كربلاء، ومدخلاً للبعض للتشكيك والهجوم الشرس على كلّ ما يورده قرّاء العزاء من أحداث كربلائية، وما يعرضونه من مواقف الجهاد والتضحية والفداء.
4 - قد تحدّثنا أيضاً عن مدى إمكانية الاعتماد على كتاب (الملحمة الحسينيّة) المنسوب إلى الشهيد العلاّمة المطهري، ومدى صحة نسبة الكتاب المذكور إليه، وإمكانية نسبة ما فيه من آراء إلى ذلك الشهيد السعيد.
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، من الأوّلين والآخرين إلى قيام يوم الدين.
إنّ التاريخ يحدّثنا أنّ شيعة أهل البيتعليهمالسلام كانوا في الأحقاب السالفة يواجهون في بعض البلاد متاعب ومصاعب وتحدّيات حتّى على مستوى الأمن في مناسبة عاشوراء.
ولكنّ هذه الظاهرة قد انحسرت - ولله الحمد - على وجه العموم، وإن كنّا نجد بعض الإثارة لهذه الأجواء في بعض البلدان حتّى في أيامنا هذه. ولكنّها أصبحت مرفوضة، ومحاصرة، وممجوجة لا يرضى بها الإنسان في القرن العشرين؛ فكان أن استبدلوها بما هو أخطر منها حينما حوّلوا المعركة إلى الجانب الإعلامي الذكي، والهادف إلى إسقاط عاشوراء عن طريق إسقاط مضمونها؛ وذلك بزرع بذور الشك والريب فيها.
فأصبحنا في كلّ سنة، وفي حلول موسم عاشوراء على وجه الخصوص، نواجه حملة شرسة من هذا الإعلام المركّز والمدروس الذي يهدف إلى النيل من كربلاء من نواحٍ مختلفة؛ وذلك عندما تبدأ التحذيرات، ثمّ الاعتراضات، ثمّ التشنيع القوي والتجريح الحاقد، تتوالى وتنهمر إلى درجة أنّ الإنسان الشيعي يجدها ويسمعها ويقرأها، ويواجهها في كلّ اتجاه، وفي أيّ موقع، وفي مختلف المناسبات.
وتصدر البيانات، وتُلقى الخطب والمحاضرات، وتلهج الإذاعات، وتكتب الصحف والمجلاّت، وتُبذل جميع الطاقات في هذا السبيل.
وأكثر الاهتمام ينصبّ على ثلاثة اُمور:
الأوّل: الطعن في خطباء المنبر الحسيني، ورميهم بالجهل والأُميّة، وقذفهم بتهم الكذب والتزوير، وقلّة الدين، والتصنّع والتمثيل، والاستعراض والتخلّف، وما إلى ذلك ممّا تحويه مجاميعهم اللغوية من شتائم مقذعة وتعبيرات جارحة.
الثاني: التشكيك في مضمون المنبر الحسيني، وأنّه يعتمد الخرافات، ويروّج للأساطير، وينشر الأباطيل، وما إلى ذلك ممّا يحويه قاموسهم الغني بهذا النوع من التعابير التي تؤدّي إلى عجز المنبر الحسيني عن أداء دوره الرسالي في تثقيف الناس، وتربيتهم وتثبيتهم على خط الإيمان والجهاد.
الثالث: العمل على التخفيف من قيمة الارتباط العاطفي بعاشوراء، ومضامينها العاطفيّة؛ وذلك بازدراء حالات البكاء، والتشنيع على مواكب العزاء، وإدانة اللطم على الصدور، ورمي هذه المواكب بالتخلّف والتحجّر، والإساءة إلى الدين، وأنّها توجب احتقار العالم المتحضر للمسلمين، وانتقادهم لهم.
والدعوة في مقابل ذلك إلى اللطم الحضاري الهادئ، والتوجّه أيضاً إلى العمل المسرحي والثقافي، واختزال المشاهد العاطفيّة البكائيّة مهما أمكن؛ لتصبح عاشوراء منبراً ثقافياً تُنشأ فيه المحاضرات، وتُعقد ندوات تُدار من قبل متخصصين، ثمّ(ما وراء عبادان قرية) .
والملفت للنظر هنا أنّنا قد نجد من بعض المخلصين ما يوحي بموافقتهم على هذا الأمر، بل وبمشاركتهم فيه بنحو أو بآخر. ولو صح ما يُنسب إلى بعض المخلصين في هذا الاتجاه فإنّ إخلاصهم يكون هو الشافع لهم؛ لأنّ ممّا لا ريب فيه أنّهم لو التفتوا إلى واقع الحال لكان موقفهم في خلاف هذا الاتجاه قطعاً.
وربما يذكر اسم الشهيد مطهري في ضمن هؤلاء لو صحت نسبة كتاب (الملحمة الحسينيّة) إليه، ونحن لا نشكّ فقط، بل نجزم بعدم صحة النسبة.
كما إنّنا في مجال التفريق بين المخلص والحاقد، وبين ما يُرمي إليه الشهيد مطهري - لو صح أنّه قال ما ذكروه عنه - نجد لزاماً علينا التفريق بين نوعين من الناس، وما أسهل التفريق والتمييز بينهما.
وهما:
نوع قضى حياته في البحث والتمحيص، ونصرة هذا الدين، والذّب عن حياضه وتأييده، وتسديده بالدليل العلمي القاطع، والبرهان الساطع، وهو ملتزم بالطريق الوسطى التي هي الجادة، لا يكاد يحيد أو يشذ عنها حتّى يعود إليها...
ولا نشكّ في أنّ الشهيد مطهري هو من هذا الرعيل، وقد استحقرحمهالله نتيجة لهذا الجهد الصادق والجهاد النقي أن ينال وسام الثناء العاطر من قِبل ذلك الرجل العظيم آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني (قدّس سرّه الشريف).
فإنّهرحمهالله حين وجد حالة من الضياع لدى الشباب في قراءاتهم، وجَّههم لقراءة مؤلّفات الشهيد مطهريرحمهالله ، وكان توجيهاً صحيحاً وسديداً كما عوّدنا (رضوان الله تعالى عليه).
ولكنّ ذلك لا يعني أن يكون الشهيد مطهريرحمهالله معصوماً عن الخطأ، مُبرّأً من الزلل، ولا أنّه قد أصاب كبد الحقيقة في كلّ كلمة قالها أو كتبها، ولا أن تكون كتبه هي والقرآن الكريم على حدّ سواء، أو أن تكون على حدّ كلام الأنبياء والأئمّة الأصفياء (عليهم الصلاة والسّلام).
بل قد يُخطئ المطهري في الاُمور العلمية كما يُخطئ غيره فيها، خصوصاً في أوائل حياته العلمية، ولأسباب عديدة اُخرى قد نُشير إلى بعضها.
ولكنّ المسار العام لهذا الشهيد السعيد هو مسار الصدق والاستقامة على جادة الحقّ، والاهتمام بالبحث والتمحيص، كما أنّ سمته العامة هي اعتماد الدليل والبرهان سنداً ومعتمداً في معظم أطواره، وفي اختيار الأعم الأغلب من أفكاره.
وذلك يفيدنا أنّه حين يُخطئ؛ فإنّ ذلك لا يكون منه عن سوء نيّة، ولا عن خبث طويّة، ولا لدوافع شخصانيّة، ولا لعُقد نفسيّة.
وثمّة نوع آخر من الناس قد عوّدنا على إثارة الاُمور بطريقة خطابيّة تعتمد التعميمات، وتنحو نحو الغموض، بل إنّك لا تكاد تعثر له في كلّ حياته العلميّة ولو على مورد واحد استقل ببحثه وتمحيصه، استناداً إلى الدليل العلمي.
رغم كثرة ما يُكتب ويُنشر، ويُنظم ويُنثر، غير أنّه يتميّز بسمات ثلاث:
الاُولى: تصيُّد شواذ الأقوال من هنا وهناك، وقد يعثر على بعض أدلّتها الواهية فيبادر إلى اختلاسها، ثمّ هو يجمع بين متفرّقات تلك الأقوال، ويؤلّف بين مختلفاتها، مضيفاً لها ما جال في خواطره ممّا يسانخه أو يشاطره حالة الشذوذ، والبعد عن الحقيقة، وظهور الزيف والبطلان.
وقد يمتد به المدى إلى درجة أن يجتمع لديه ركام هائل يضم العشرات والمئات، بل وربما الآلاف من هذه المزاعم، ولا يدري هو ولا غيره أين سينتهي به المطاف في نهاية الأمر.
الثانية: إنّك لا تجد عند هذا النوع من الناس إلاّ ادّعاءات عريضة، وخطابات رنّانة، وشعارات فضفاضة، وآراء تعدّ بالعشرات والمئات في مختلف شؤون الدين، قد شذّ فيها عن طريقة علمائنا الأبرار، وعن ثوابت المذهب وقطعياته، وحاول من خلالها أن يقتحم المسلّمات على حدّ تعبيره.
إلى جانبه سيل من التجريح، وطوفان من الإهانات، والسباب الممنهج والمميّز في عمل إرهابي قوي مدمّر، وصاعق ماحق، يختار مفرداته من قاموس مصطلحات خاص به، ويا ليتك تراه وهو يتألّق ويتأنّق عندما يصف مخالفيه بالتخلّف والعقدة، وبالحمار يحمل أسفاراً، وبالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، وينسبهم إلى المخابرات الأمريكيّة والموساد، ويصفهم بأنّهم يكذبون، ويحرفون الكلام عن مواضعه، وأنّهم - حتّى مراجع الدين منهم - بلا تقوى، وبلا دين، وهلمّ جرّا...
ولكنّ الأمر بالنسبة إليه يختلف تماماً؛ حيث إنّه هو وحده المنفتح المتوازن، العاقل المفكر المجدّد، ورجل الحوار، وسطَّر ما شاءت لك قريحتك، واجترحه وهمك، ولامسه خيالك، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وما أروع وما أحلى كلمة الحوار وهو يديرها في فمه، وكأنّها قطعة حلوى، وما أرقاه من حوار!
قرأت آنفاً بعض مفرداته، وتلك هي حالاته، يرفض فيه مدّعيه أن يكتب حرفاً واحداً، ثمّ يرفض مناقشة أيّ من أفكاره أمام ثلّة من العلماء؛ ليكونوا الحكم والمرجع، ويصرّ على أن يكون حواراً في بيته، وخلف الجدران، ممهّداً له بتلك الأوصاف وبغيرها ممّا يطلقه على مخالفيه وناصحيه. فبورك من حوار، وحيهلا بداعيته، وحامل لوائه، ومطلق شعاراته!
ثمّ هو يشفع ذلك بالظهور، بلباس الصفح والتسامح، وبالمواعظ الرقيقة، إلى أن ينتهي الأمر بقراءته للآية الشريفة التي تجعل حاله مع مَنْ يخالفه الرأي كحال رسول اللهصلىاللهعليهوآله مع المشركين، حيث يقول بصوت رقيق وأنيق، وبالإنصات له حقيق: «اللّهمّ اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون».
الثالثة: إنّ هذا النوع من الناس الذي ربما لم يمارس أيّ عمل علمي تحقيقي، اللّهمّ إلاّ ما حاول أن يتخفّى خلفه ممّا يختلسه من هنا وهناك من أدلّة واهية لأقوال وأفكار خاطئة وشاذة، يستخدمها للتغطية على واقع لا نحبّ توصيفه، كما يستخدم اُسلوب إغراق الساحة بأسرها بسيل من الأوامر، وبطوفان من الزواجر والتوجيهات الفوقية التي تعني غيره فقط، ولا تعنيه هو بشيء؛ فتجده في مناسبة وبلا مناسبة لا يزال يردّد قوله:
إنّ علينا أن...
ويجب علينا أن...
ولا بدّ لنا من... وهلمّ جرّا
وتأتي هذه الأوامر والزواجر بعد هجمات ساحقة، وحملات ماحقة على هذا الشرق المتخلّف، وعلى المجتمع المسلم الجاهل والمعقد، إلى آخر مفردات قاموسه التي أصبحت معروفة ومألوفة.
والدليل على ما نقول: ما سوف نواجهه من لوم وتقريع واتهام من قبل محبّيه؛ لأجل نفس هذه الكلمات التي سيعتبرونها موجّهة إليه دون سواه، مع أنّنا لم نصرّح باسمه، ولا أشرنا إلى كتابه، ولا إلى غير ذلك ممّا يرتبط به.
والغريب في الأمر أنّه يهاجم المنبر الحسيني وخطباءه بنفس الحدّة والشدّة، ويتهمهم بالكذب والتزوير وما إلى ذلك ممّا تقدم، مع أنّه يقول - ويا لسوء هذا القول وسوء آثاره -: إنّ الغاية تبرّر الوسيلة، أو الواسطة، لا بل تنظّفها!
بل هو يسجّل هذه القاعدة للناس في كتبه ومؤلّفاته.
وهي قاعدة خطيرة بما تمثّله من دعوة للناس - وخطباء المنبر منهم - إلى أن يمارسوا حتّى الكذب والتزوير والتحريف، وأيّ اُسلوب آخر، ويتقرّبوا بذلك إلى الله سبحانه وتعالى؛ ما دام أنّ الغاية شريفة ونبيلة ومقدّسة، وما دام الشرع يريدها كما هو الحال في إحياء ذكرى عاشوراء.
غير أنّنا رأينا أخيراً أنّه قد ألمح إلى تراجعه عن هذه القاعدة حين تحدّث عن إثبات الحقّ بأساليب الباطل، فقال: (إنّ الدعوة إلى الحقّ تُفترض أن تعتبر الحقّ هو العنصر الأساس في الوسيلة، والعنصر الأساس في النتيجة).
وإن كنا لا نستطيع أن نطمئن إلى أنّه قد تراجع حقّاً؛ وذلك لكثرة التناقضات التي اعتدنا صدورها منه، مع إصراره على إلزام الآخرين بكلّ أطرافها مع وضوحها لدى الجميع.
ومهما يكن من أمر فقد أُثيرت حول كربلاء وأحداثها، وما سبق ولحق ممّا له ارتباط بها - أُثيرت - ولا تزال عاصفة من التشويه المتعمّد، المستند إلى زعم تسلل عنصر الخرافة والكذب إلى ما ينقل من أحداثها، وقد نُسب إلى الشهيد مطهري مساهمة قويّة في هذا الاتجاه.
وقد أحببنا أن نسجّل موقفاً ممّا يجري، لعلّ الإمام الحسينعليهالسلام ينظر إلينا نظرة الرحمة في يوم الشفاعة.
ولكنّنا قبل أن نبدأ الحديث عمّا قيل إنّه مكذوب وخرافة في حديث كربلاء، وقبل أن نناقش ما نُسب إلى الشهيد العلاّمة المطهّري حول الخرافات في عاشوراء، ولا سيّما حول قصة حضور ليلى في كربلاء التي أصبحت عنواناً ومفتاحاً ومدخلاً، ومناسبة ومبرّراً لإطلاق الاتهامات بالكذب والدجل لخطباء المنبر الحسيني، ثمّ رمي حديث كربلاء ومنبر عاشوراء بالاُسطورة والخرافة وما إلى ذلك.
نعم، إنّنا قبل أن نبدأ بالحديث عن ذلك نقدّم تمهيداً لعلّه يفيد في إيضاح مقصودنا، وذلك فيما يلي من صفحات.
والحمد لله، والصلاة والسّلام على عباده الذين اصطفى محمّد وآله الطاهرين.
2 ذي الحجة 1420هجري
جعفر مرتضى العاملي
الفصل الأوّل:
للتمهيد وللإعداد فقط
إنّنا قبل أن ندخل في موضوع البحث الذي نحن بصدده، نودّ التأكيد على عدّة اُمور ترتبط بشكل أو بآخر بموقفنا من أحداث كربلاء، وبطريقة تعاملنا مع ما يُنقل لنا من أحداث عاشورائية أو غيرها، وذلك ضمن النقاط التالية:
بديهي أنّ استهجان أمرٍ من الاُمور لا يصلح دائماً أساساً لردّه والحكم عليه بالبطلان إلاّ إذا نشأ هذا الاستهجان من آفة حقيقية يُعاني منها النصّ في مدلوله، توجب إثارة حالة من الشك والريب فيه.
أمّا إذا كان منشأ هذا الاستهجان هو عدم وجود تهيؤ نفسي وذهني لقبول أمرٍ ما، بسبب فقد الركائز والمنطلقات التي تساعد على توفّر مناخ الوعي والاستيعاب للحقائق العالية، والمعاني الدقيقة، فإنّ هذا الاستهجان لا يصلح أساساً لإيجاد ولو ذرّة من الشك والريب والتردّد في صدقية النصّ، أو في أيّ شيء ممّا يرتبط به.
ولنأخذ مثالاً على ذلك تلك الاُمور التي ترتبط بمقامات الأولياء والأصفياء التي يحتاج وعيها وإدراك آثارها بعمق إلى سبق المعرفة اليقينية بمناشئها ومكوّناتها. وكذلك الحال فيما لو استند هذا الاستهجان إلى افتراضات غير واقعية، فيما يرتبط بالمؤثرات والبواعث والحوافز لنشوء حدث تاريخي مّا.
وفي كلتا هاتين الحالتين فإنّ المطلوب هو الإعداد الصحيح، والتشبث بالمعرفة اليقينية لكلّ العناصر المؤثّرة في تكوين التصوّر السليم، بعيداً عن أسر التصوّرات الارتجالية والخاطئة التي تدفع إلى الاستهجان غير المسؤول، ثمّ إلى الرفض غير المنطقي ولا المقبول.
وإنّ الإعداد القوي والرصين لإنجاز عمل معرفي، وتربية إيمانيّة وروحية، وإعداد نفسي يهيّئ لتحقيق درجة من الانسجام بين المعارف الإيمانيّة ويقينياتها، وبين ما ينشأ عنها من آثار وتجلّيات في حركة الواقع، وفي الوعي الرسالي للأحداث. نعم، إنّ الإعداد لإنجاز هذا المهمّ يعتبر أمراً ضرورياً ولازماً، وله مقام الأفضلية والتقدّم بالقياس إلى ما عداه من مهام.
وبدون ذلك فإنّنا سنبقى نواجه حالة العجز عن التعبير الصادق والصريح عن تجلّيات الواقع، واستجلاء آفاقه الرحبة.
وإذا أردنا أن نقترب قليلاً من أحداث كربلاء الدامية فإنّنا نشعر أنّها مستهدفة من فئات شتى، ولأهداف شريرة متنوّعة؛ بإثارتهم أجواء مسمومة حولها، الأمر الذي يدعونا إلى المزيد من اليقظة والحذر، ونحن نواجه هذه الموجة الحاقدة التي ترفع في أحيان كثيرة شعارات خادعة، وعناوين طنّانة ورنّانة، وتتّخذ - أحياناً - لبوس الإخلاص والغيرة؛ للتستر على تآمرها القذر على هذا التراث الإيماني الزاخر بالعطاء الإلهي السني والمبارك.
ولكن، ورغم كيد الخائنين ومكر أخدان الأبالسة والشياطين، فإنّ عاشوراء ستبقى الشوكة الجارحة التي تنغرس في أحداق عيونهم التي أعماها كيدهم اللئيم، وطمسها حقدهم الخبيث.
ونحن في نفس الوقت الذي نرفض فيه كلّ هذا المكر الشيطاني والحقد الإبليسي، وكلّ هذا التجنّي على هذا الدين وأحكامه، ورسومه وأعلامه، فإنّنا نهيب بكلّ المخلصين من أبنائه أن يتحمّلوا مسؤولياتهم في الدفاع عنه بصدق وبوعي، والعمل على قطع الطريق على كلّ اُولئك الحاقدين والمتآمرين؛ وذلك عن طريق نشر المعارف الصحيحة، وكشف زيف الشبهات التي يثيرونها بالاُسلوب العلمي الهادئ والرصين، وبالكلمة الرضيّة والمسؤولة.
وذلك يحتاج إلى التشمير عن ساعد الجدّ، والعمل الدائب في مجالات البحث العلمي، وتوفير وسائله وأدواته، وإفساح المجال لأصحاب الأقلام الواعية والنزيهة والمخلصة للمشاركة في إنجاز هذا الواجب الذي هو في الحقيقة جهاد في سبيل الله سبحانه، وما أشرفه وأجلّه من جهاد مبارك وميمون!
ولقد تفطّن أعداء عاشوراء في وقت مبكر جدّاً إلى أنّ أنجع الأساليب وأقواها فتكاً في محاربة عاشوراء الإمام الحسينعليهالسلام ، هو: هدم المنبر الحسيني المبارك؛ لأنّهم أدركوا أنّ المنبر الحسيني هو الذي يربّي الناس أخلاقياً، وإيمانياً، وسلوكياً، وعاطفياً، وعقائدياً، وهو الذي يمدّهم بالثقافات المتنوّعة، ويثير فيهم درجات من الوعي الرسالي، ويعمّق مبادئ عاشوراء في وجدانهم، ويعيدهم إلى رحاب الفطرة الصافية، وينشر فيهم أحكام الله، ويربّي وجدانهم وضميرهم الإنساني، ويصقل مشاعرهم، وينميّها ويغذيها بالمشاعر الجيّاشة والصادقة.
فإذا ما تمّ لهم تدمير المنبر الحسيني فإنّهم يكونون قد حرموا الناس من ذلك كلّه وسواه، وكذلك حرموهم من ثواب إقامة هذه الشعيرة الإلهية. وما أعظمه من ثواب، وأجلّها من كرامة إلهية سنيّة! وكان التشكيك بهذا المنبر الشريف وبما يُقال فيه من أبسط وسائل التدمير، وأقلّها مؤونةً، وأعظمها أثراً، وأشدّها فتكاً.
ولقد كان الأنكى من ذلك كلّه والأدهى هو أنّ بعض مَنْ يُفترض فيهم أن يكونوا حماة هذا الدين، والذابين عن حريمه، والمدافعين عن حياضه من العلماء الذين محضهم الناس حبّهم وثقتهم، وأخلصوا لهم لا لأجل أشخاصهم، وإنّما حبّاً وإخلاصاً منهم لدينهم ومعتقداتهم التي يرون أنّهم الأمناء عليها، والحريصون على حفظها ونشرها، إنّ هذا البعض قد أسهم عن غير عمد - وبعضهم عن عمد وقصد - في صنع هذه الكارثة التي من شأنها أن تأتي على كلّ شيء، كالنار في الهشيم.
فعملوا على إثارة شكوك الناس بخطباء هذا المنبر المقدّس، وفيما يقدّمونه من ثقافة عاشورائية، واتّهموهم بالكذب وبالتحريف، وبالافتعال المتعمّد للأحداث، كلّ ذلك ملفّع بأحكام عامة، وبمطلقات غائمة، وشعارات رنّانة، يغدقونها بلا حساب؛ إسهاماً منهم في زعزعة ثقة الناس بهذه المجالس؛ الأمر الذي لا يمكن أن يصبّ إلاّ في خانة الخيانة للدين، والاعتداء على عاشوراء وعلى الإمام الحسينعليهالسلام في رسالته، وفي أهدافه الجهاديّة والإيمانيّة الكبرى.
إنّ الطريقة التي توجه فيها التهم إلى قرّاء العزاء توحي للناس بأنّهم - وحدهم - تجسيد للأُمّيّة والجهل، ولقلّة الدين، ومثال حيّ لأناس يعانون من الخواء من الأخلاق النبيلة، ومن الدين، ومن الفضيلة، ومن كلّ المعاني الإنسانيّة، وإنّ كلّ همّهم يتّجه إلى تزييف الحقائق، وتزيين الخرافات والأباطيل، واجتراح الأساطير للناس بلا كلل ولا ملل.
ولنفترض وجود بعض الهنات فيما يقرؤونه، ولسنا نجد من ذلك ما يستحق الذكر؛ فإنّ ذلك لا يبرّر لنا اتهامهم بوضع الأساطير والأباطيل؛ لأنّهم ينقلون ما وجدوه، ويتلون علينا ما قرؤوه، فإن كان ثمة من ذنب فإنّما يقع على غيرهم دونهم.
وفي حين إنّنا لا ننكر وجود شاذّ نادر حاول أن يزوّر، أو يحرّف، أو يختلق أمراً، أو أن ينسج من خياله تصويراً لمشهد بعينه، لكنّنا نقول: إنّ هذا النوع من الناس في ندرته، وفي قلّته، وفي حجم محاولاته، وفي تأثيره أشبه بالشعرة البيضاء في الثور الأسود، فلا يمكن أن يبرّر ذلك إطلاق تلك الأحكام العامّة والشاملة الهادفة إلى نسف الثقة بكلّ شيء.
نقول هذا، وكلّنا شموخ واعتزاز لإدراكنا أنّ عاشوراء حدث هائل، بدأت إرهاصاته منذ ولد وحتّى قبل أن يولد الإمام الحسينعليهالسلام ، واستمرت الارتجاجات التي أحداثها تتوالى عبر القرون والأحقاب، ولسوف تبقى إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها.
وقد اشتمل هذا الحدث نفسه بالإضافة إلى إرهاصاته وتردداته وآثاره على مئات الحوادث والتفصيلات والخصوصيات، الصغيرة والكبيرة، والمؤثّرة على أكثر من صعيد، وفي أكثر من مجال.
ولكن، وبرغم هذا الاتّساع والشمول فإنّ أحداً لم يستطع، ولن يستطيع - مهما بلغ به الجد - أن يُثبت علميّاً أيّاً من حالات التزوير أو الخرافة، إلاّ الشاذّ النادر الذي يكاد لا يشعر به أحد بالقياس إلى حجم ما هو صحيح وسليم، رغم رغبة جهات مختلفة بالتلاعب بالحقيقة، وبالتعتيم عليها؛ وذلك لشدّة حساسية هذا الحدث، وتنوّع مراميه، وتشعّب مجالاته، واختلاف حالاته وتأثيراته.
وحتّى الذين يُنسب إليهم أنّهم أسهموا في إثارة هذه الحملة الشعواء يسجّلون هذه الحقيقة بوضوح ويعتزّون بها.
فيذكر الكتاب المنسوب إلى الشهيد المطهّري عن المرحوم الدكتور آيتي قوله: (إنّ تأريخ أبي عبد الله الحسينعليهالسلام يعتبر نسبة إلى كثير من التواريخ الأُخرى تاريخاً محفوظاً من التحريف، ومصاناً منه). وذلك إن دلّ على شيء فهو يدلّ على أنّ الله سبحانه قد حفظ هذا الدم الزاكي؛ ليكون هو الحافظ لهذا الدين، فأراد له أن يبقى مصوناً صافياً نقيّاً إلى درجة ملفتة وظاهرة.
ويتجلّى هذا اللطف الإلهيّ والعناية الربانيّة حين تُفاجِئُنا الحقيقة المذهلة، وهي أنّه حتّى تلك الموارد النادرة جدّاً التي يدّعيها هذا البعض لم تدخل في تاريخ كربلاء؛ لأنّها قد جاءت مفضوحة إلى درجة أنّها تُضحك الثكلى، وتدعو إلى الاشمئزاز والقرف.
وذلك من قبيل قولهم - كما سيأتي -: إنّ عدد جيش يزيد في عاشوراء كان مليوناً وستمئة ألف مقاتل، وإنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد قتل منهم بيده ثلاث مئة ألف، وأنّ طول رمح سنان بن أنس الذي يُقال: إنّه احتزّ رأس الحسينعليهالسلام ، كان ستين ذراعاً، وإنّ الله قد بعثه إليه من الجنة، وكذلك الحال بالنسبة لعرس القاسم.
وظهر بذلك مصداق قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الحسينعليهالسلام إنّه: «مصباح هدى، وسفينة نجاة».
فصدق الله، وصدق رسوله، وصدق أولياؤه الأبرار الطاهرون، والأئمّة المعصومون.
ويا ليت هذا الجهد الذي يصرفه ذلك البعض في سياق تشكيك الناس بالمنبر الحسيني قد صرفه ويصرفه باتّجاه توطيد ثقة الناس بهذا المنبر، ومضاعفة إقبالهم عليه!
ويا ليته يهتمّ أو يُسهم ولو لمرّة واحدة بعمل تحقيقي علمي يستند إلى الأرقام والدلائل والبراهين، ويكفّ عن ممارسة النقد العشوائي والتجريح والقمع!
ويا ليته أيضاً ولو لمرّة واحدة مارس عمليّاً تطوير أساليب المنبر الحسيني، وعمل على رفع مستوى العطاء فيه، وأسهم في تحاشيهم الوقوع في بعض السلبيات أو الأخطاء التي لم يزل يشنّع بها على جميع أهل هذا المنبر، والتي ربما تصدر عن قلّةٍ من خطبائه، ممّن لم تتوفّر فيهم شروطه، ولا بلغوا مستويات العطاء فيه.
وإنّ من أبده البديهيات أنّ المجرم هو الذي يُعاقب، ولا يؤخذ غيره بجرمه. فلو افترضنا أنّ أحداً من الخطباء قد أساء إلى هذا المنبر، وارتكب من الأخطاء ما يفرض موقفاً بعينه، فإنّ المسؤولية الشرعيّة والإنسانيّة تقضي بحصر الأمر بخصوص ذلك الذي ارتكب هذا الأمر، ولا يجوز بأيّ حال من الأحوال إطلاق الكلام بنحو يثير أيّة علامة استفهام على مَنْ عداه. فإن كان ثمّة مَنْ كَذَبَ وزوّر فليُذكَر لنا اسمه، وإن كان ثمّة مَنْ اجترح الأساطير والخرافات فليُحدَّد للناس شخصه.
وفي سياق آخر فقد نجد لدى اُولئك الذين لا يمتلكون قدرة وجلداً على البحث والتحليل، والتتبّع والتمحيص توجّهاً نحو اُسلوب الاستنساب والمزاجية في اختيار النصوص، ثمّ في عرض الأحداث وترصيفها، وربط بعضها ببعض، فضلاً عن تحديد مناشئها والتكهّن بآثارها.
يُصاحب ذلك سعي للتحصّن خلف الادعاءات العريضة والشعارات، والتعميمات غير المسؤولة، من خلال تنميق العبارات، واختيار المصطلحات الباهرة والرنّانة.
وقد يستعملون إلى جانب ذلك اُسلوب التهويل والتعظيم، والتضخيم والتفخيم لاُمور جزئية وصغيرة، وربما تكون خارجة عن الموضوع الأساس، ثمّ تكون النتيجة هي استبعاد كثير من النصوص الصريحة والصحيحة، والتشكيك بأحداث أو بخصوصيات لم يكن من الإنصاف التشكيك فيها، ثمّ استنساب نصّ بعينه هنا، وعدم استنساب نصّ آخر هناك؛ الأمر الذي ينتهي بجريمة - ولا أعظم منها - في حقّ دين الله، وفي حقّ أصفيائه وأوليائه، وبالتالي في حقّ عباده أيّاً كانوا، وحيثما وجدوا.
وبالنسبة لقضية كربلاء بالذّات، فإنّ الجريمة ستكون أكثر فظاعة وهولاً حتّى من جريمة يزيد؛ لأنّ يزيد (لعنه الله) إنّما قتل الإمام الحسينعليهالسلام ، وهؤلاء إنّما يحاولون قتل إمامة الحسينعليهالسلام ، والقضاء على كلّ نبضات الحياة في حركته الجهاديّة؛ ليكونوا بذلك قد أحرقوا سفينة النجاة، وأطفؤوا مصباح الهدى، أو هكذا زيّن لهم.
أمّا بالنسبة للبكاء على الإمام الحسين (عليه الصلاة والسّلام) فما هو إلاّ للتعبير عن توفّر حالة من الإثارة العاطفيّة التي تعني استجابة المشاعر والأحاسيس ليقظة وجدانية، وحياة ضميرية، أثارتها مأساة لا يجد أحد في فطرته، ولا في عقله، ولا في وجدانه أيّ مبرّر لها.
إذاً فحياة الوجدان ويقظة الضمير تجعل المنبر الحسيني قادراً على الإسهام الحقيقي في صنع المشاعر، وفي صقلها وبلورتها؛ باعتبارها الرافد الأساس للإيمان، والحافظ له من أن يتأثّر بالهزّات، أو أن ينهار أمام الكوارث والأزمات.
هذا الإيمان الذي يفترض فيه أن يكون مرتكزاً إلى الرؤية اليقينيّة، وإلى الوضوح والواقعية؛ لأنّ الفكر الذي لا يحتضنه القلب ولا ترفده المشاعر لن يتحوّل إلى إيمان راسخ، ولن يكون قادراً على أن يفتح أمام هذا الإنسان آفاق التضحية والفداء، والإيثار والجهاد، وسائر المعاني والقيم الكبرى التي يريد الله للإنسان أن يقتحم آفاقها بقوّة وعزيمة، وبوعي وثبات.
وذلك يحتّم علينا - إذا كنّا نشعر بالمسؤولية - أن نخطّط لهذا البكاء الذي يُحيي الضمير ويُطلق الوجدان من أسر الهوى، ومن عقال الغفلات، ويبعده عن دائرة الهروب واللامبالاة، كما خطّط الأئمّةعليهمالسلام لذلك حين أقاموا مجالس العزاء هذه، بل لقد روي أنّ الإمام الرضاعليهالسلام قد شارك دعبلاً ببيتين من الشعر يكون بهما تمام قصيدته، بما لها من المضمون الحزين المثير للبكاء.
ولتكن قصّة ذبح إبراهيم لإسماعيلعليهماالسلام ، وقصّة حجر بن عدي الذي عمل على أن يقتل ولده قبله، وكذلك الإمام الحسين وأصحابه وأهل بيتهعليهمالسلام في كثير من مفردات كربلاء، ثمّ ما جرى على سيّدة النساء، وعلى أمير المؤمنين، وعلى الإمام الحسنعليهمالسلام ، وسائر مواقف الجهاد والتحدّي. نعم، ليكن ذلك كلّه وسواه هو تلك الوسائل والمفردات التي أراد الله لها أن تخدم ذلك الهدف السامي والنبيل.
وبعد، فإنّ علينا أن نرتفع بالناس إلى مستوى الخطاب الحسيني من خلال تبنّي مناهج تربويّة وتثقيفية في مجالات العقيدة والإيمان، تهتم بتعريف الناس على المعايير والضوابط المعرفية والإيمانيّة، وتقدّم لهم ثقافة تجعلهم يطلّون من خلالها على مختلف حقائق هذا الدين، وعلى آفاقه الرحبة، وليميّزوا من خلال هذه الثقافة بالذّات بين الأصيل والدخيل، وبين الخالص والزائف في كلّ ما يُعرض عليهم أو يواجههم في مختلف شؤون الدين والتاريخ والحياة.
وليخرجوا بذلك عن أسر هذا الذي اُدخل في وعيهم عن طريق التلقين الذكي: إنّ الإسلام مجرّد سياسة واقتصاد، وعبادة وأخلاق، وعلاقات اجتماعيّة، فهو أشبه بالقانون منه بالدين الإلهي؛ لأنّ هذا الفهم يهيِّئ لعملية فصل خطيرة للشريعة عن واقع المعارف الشاملة والمتنوّعة التي ترفد ذلك كلّه وسواه، وتشكّل - بمجموعها - قاعدة إيمانيّة صلبة، تفتح أمام هذا الإنسان آفاقاً يشتاق إلى اقتحامها، وتعطيه مزيداً من الإحساس بالغيب، والمزيد من الأهلية والقدرة على التعامل معه، وإدخاله إلى الحياة ما دام إنّ الإنسان لن يسعد ولن يذوق طعم الحياة الحقيقية بدونه.
وإنّ أبسط ما يفرضه علينا هذا الأمر هو أن لا نقدّم الأئمّةعليهمالسلام للناس على أنّهم مجرّد شخصيات تتميّز بالذكاء الخارق، والعبقرية النادرة، قد عاشت في التاريخ، وكانت لها سياساتها، وعباداتها، وأخلاقها، وعلاقاتها الاجتماعيّة، ثمّ(ما وراء عبادان قرية) .
بل علينا أن نعرّفهم لهم بأنّهم فوق ذلك كلّه؛ إنّهم أُناس إلهيون بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى، وأن نلخّص لهم - وفق تلك البرامج التثقيفية والتربويّة التي أشرنا إليها - كلّ المعارف التي وردت في كتاب الكافي الشريف، وفي كتاب البحار على سبيل المثال، ولو على سبيل الفهرسة الإجمالية للمضامين لتمرّ على مسامعهم أكثر من مرّة إن أمكن؛ لأنّ المعصومينعليهمالسلام ما قالوا شيئاً ليبقى مغيّباً في بطون الكتب والموسوعات، بل أرادوا له أن يصل إلينا، وأن يدخل في حياتنا ويُصبح جزءاً من وجودنا كلّه.
فلا بدّ إذاً من إعداد ذهنيّة الإنسان المسلم، وروحه وعقله، لتقبّل هذه المعارف، وللتعامل معها من خلال معاييرها ومنطلقاتها الإيمانيّة والعلمية الصحيحة.
كما إنّ ذلك يُعطي الفرصة للإنسان المؤمن ليستمع أو يطّلع على الكثير ممّا قاله قرآنه وأنبياؤه وأئمّته المعصومون عن السماء والعالم، وعن الخلق والتكوين، وعن الآخرة والدنيا، وعن كلّ شيء. نعم كلّ شيء. ولسوف يجد في ذلك كلّه ما يحفّزه للسؤال عن المزيد، ويفتح أمام عينيه آفاقاً رحبة، يجد نفسه ملزماً باستكناه كثير من جوانبها، واكتشاف ما أمكنه اكتشافه من حقائقها.
وغني عن القول: إنّ انتهاج اُسلوب الانتقاء والاستنساب العشوائي الذي قد يكون خاضعاً لظرف سياسي أو نفسي، أو لقصور في الوعي الديني، أو لغير ذلك من اُمور، إنّ انتهاج هذا الاُسلوب من شأنه أن يُعطي الانطباع السيِّئ عن كثير من مفردات الثقافة الإيمانيّة الصحيحة من خلال ما يستبطنه من إدانة، أو اتّهام لكلّ نصّ لم يقع في دائرة الاستنساب هذه؛ الأمر الذي ينتهي بحرمان الآخرين من فرصة التفكير المنطقي في شأن التراث بالاستناد إلى المبرّرات العلمية، والتزام الضوابط والمعايير المقبولة والمعقولة، بعيداً عن أيّ إيحاء يهيّئ لحالة نفرة غير منطقية من كثير من النصوص التي تواجهنا ونواجهها في سيرتنا الثقافية والإيمانيّة.
وكذلك بعيداً عن كلّ أساليب التهويل والتضخيم حتّى ولو بالصوت الرنّان، والنبرات الحادة، وعن تهويلات وإيحاءات اليد في إشاراتها وحركاتها، والوجه في تقبّضاته وتجهّماته، فضلاً عن اللسان ولذعاته، وما إلى ذلك من اُمور؛ فإنّ ذلك لن يفيد شيئاً في تأكيد حقّانية أمر وفرض الالتزام به، ولا في استبعاد ما عداه والتنكّر له. بل تبقى الكلمة الفصل للفكر الأصيل، وللبحث الموضوعي، وللدلائل والشواهد القوية والحاسمة.
الفصل الثاني:
الخرافات والأساطير في عاشوراء
قد نُسب إلى الشهيد السعيد العلاّمة الشيخ مرتضى مطهّري أنّه ساق طائفة من الموارد التي اعتبرها مصنوعة وموضوعة اُضيفت إلى تاريخ عاشوراء بعد أن لم تكن. وحين تتبّعناها وجدنا أنّ القسم الأعظم منها لا يمكن قبول هذا الحكم القاسي عليه.
ونستطيع أن نُقسّم ما نُسب إليهرحمهالله إلى أقسام ثلاثة، هي:
1 - ما هو مكذوب بالفعل ممّا يرتبط بالسيرة الحسينيّة، ويتحدّث عن أحداث كربلاء، أو عن ما يتّصل بها من المبدأ إلى المنتهى.
2 - ما لا يصح الحكم عليه بأنّه مكذوب من تلك الأحداث العاشورائية، أو ما يتّصل بها، ممّا سبقها ولحقها.
3 - ما لا يرتبط بأحداث عاشوراء، ولا يتعرّض لما سبقها ولحقها في شيء، وإنّما هو اُمور يدّعى أنّها حصلت بعد عشرات السنين، قد يكون منها السليم والسقيم؛ سواء أكان يدخل في نطاق الكرامات، أو المنامات، أو الأحداث، أو غيرها، مثل قصّة قاطع الطريق ومنامه حول غبار زوار الإمام الحسينعليهالسلام ، وما أشبهها من قصص وحكايات.
ولا يعنينا هنا هذا القسم الأخير في شيء، ولا يهمّنا تمييز الصحيح منه من غير الصحيح، والحقيقة من الاُسطورة فيه.
أمّا القسمان الأوّلان فنحن نختصر الحديث عن كلّ واحد منهما بطريقة واضحة وصريحة تضع النقاط على الحروف، فنقول:
القسم الأوّل: المكذوب والمختلق
إنّ عدداً من تلك الموارد التي أشار إليها الشهيد المطهّريرحمهالله - على ما نُسب إليه في الملحمة الحسينيّة - هي أشبه بالقصص التي تنتجها أوهام الكذّابين حينما يتبارون فيما بينهم في مجال اجتراح حكايا التضخيم والتهويل؛ لغرض التسلية والتباهي الفارغ.
وهي قصص قاصرة عن أن تصبح تاريخاً يألفه العقلاء، أو يُدخِلها الكتّاب والمؤلّفون ولو في دائرة الاحتمالات البعيدة لتشكلات عناصر الحدث التاريخي.
وقد نُسب إلى الشهيد السعيد أنّه ذكر طائفة من هذا القسم، وأنّه قد أقام الدنيا ولم يكد يقعدها في هجمات صاعقة ماحقة تُثير رياحاً عاصفة هوجاء، وأجواء محمومة ومخيفة.
مع أنّ الأمر أبسط من ذلك؛ فإنّ أكثر هذه الأكاذيب لا يمكن أن يدخل في وجدان أو في عقل أيّ إنسان مهما كان أُمّيّاً وجاهلاً، وحتّى ساذجاً أيضاً. وبعضها الآخر يكتشِف زيفه أيّ كان من الناس بأدنى مراجعة للكتب الحديثيّة والتاريخيّة.
وهذه الموارد هي التالية:
1 - إنّ طول رمح سنان بن أنس (لعنه الله) - والذي يُقال: إنّه هو الذي احتز رأس الإمام الحسينعليهالسلام - ستون ذراعاً، وإنّ هذا الرمح قد بعثه الله إليه من الجنة.
2 - إنّ عدد الذين حاربوا الإمام الحسينعليهالسلام كان ستمئة ألف من الخيّالة، ومليوناً من المشاة، أو إنّ عددهم ثمانمئة ألف، وإنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد قتل منهم ثلاثمئة ألف، وقتل العباس منهم خمسة وعشرين ألفاً.
وفي حديث آخر لهم أنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد قام بعدّة حملات، يقتل في كلّ حملة منها عشرة آلاف.
مع أنّ النصّ التاريخي المعتمد يقول: إنّ عدد جيش يزيد (لعنه الله) كان ثلاثين ألفاً أو ثمانين، أو مئة ألف في أكثر الروايات.
كما إنّ المسعودي في إثبات الوصية يقول: إنّ مَنْ قتلهم الإمام الحسينعليهالسلام بيده هم 1800رجلاً، وذكر محمّد بن أبي طالب أنّ عددهم هو 1950رجلاً.
3 - إنّ هاشم المرقال قد حضر واقعة كربلاء.
ومن الواضح: إنّ هاشماًرحمهالله قد استشهد في حرب صفين التي سبقت واقعة كربلاء بنيف وعشرين سنة.
وإن كنّا نحتمل أن يكون ثمة سقط من الرواية بحيث يكون الحاضر في كربلاء هو أحد أبنائه؛ فسقط المضاف وبقي المضاف إليه، والإسقاط في الروايات يحصل بكثرة، ولكنّ قولهم: إنّ لحربته ثمانية عشر شقاً يبقى بلا معنى مفهوم.
4 - عرس القاسم: فإنّه أيضاً من الاُمور التي قد لا نجد لها مبرّراً مقبولاً أو معقولاً.
5 - إنّ طول يوم عاشوراء (70) ساعة، حيث يمكن عدّ هذا الأمر من هذا القسم أيضاً.
6 - وقد تكون قصّة ترتيب الإمام السجادعليهالسلام لأحذية الحاضرين في مأتم الإمام الحسينعليهالسلام من هذا القبيل كذلك.
فتلاحظ قارئي العزيز أنّ عدد ما يصح اعتباره مكذوباً ممّا يتّصل بأحداث عاشوراء، وما سبقها وما لحقها ممّا يرتبط بهذا الحدث العظيم لم يتجاوز الستة موارد، بل هو قد لا يصل إليها ما دام إنّ بعضها لا يستحيل ثبوته وإثباته إذا توفّرت المرونة العلمية اللازمة لذلك.
القسم الثاني: ما لا مبرّر لتكذيبه
وأمّا ما لا نجد مبرّراً مقبولاً للحكم عليه بأنّه مكذوب ومفتعل، سوى مجرّد الاستبعاد الذي لا يستند إلى دليل، أو إنّ دليله ضعيف ومردود، أو إنّه يحتاج إلى المزيد من التقصِّي والتتبّع والشواهد والدلائل، فهو الموارد التالية:
1 - ما نُسب إلى الشهيد المطهّري من أنّه قال: (ليس صحيحاً بأنّهم لم يذوقوا طعم الماء لثلاثة أيام متوالية كما يدّعي أصحاب الأساطير).
وحجّته على ذلك: إنّهم وإن كانوا قد مُنِعوا عن الوصول إلى الشريعة، لكنّهم بفضل العباس استطاعوا الوصول إلى الشريعة وجلب الماء، لا سيّما ليلة العاشر من المحرّم؛ حيث استطاعوا الاغتسال في تلك الليلة.
ونقول:
أوّلاً: لا ندري كيف اغتسلوا في تلك الليلة، وصرفوا جميع ما عندهم من ماء، وهم يعلمون أنّهم محاصرون ممنوعون من الماء؟! فلماذا لم يحسبوا لهذا الأمر أيَّ حسابٍ وهم يعرفون أنّ معهم أطفالاً ونساءً وشيوخاً؟!
ثانياً: قد عرفنا أنّ سبب استشهاد العباسعليهالسلام هو محاولته جلب الماء من الشريعة، فخرقوا قربته وقطعوا يديه... إلى آخر ما هناك ممّا هو معروف ومشهور، وفي كتب التاريخ مسطور، وقد ذكره أيضاً نفس مؤلّف كتاب الملحمة في نفس الجزء والصفحة.
وواضح أنّه لو كان العباس (رضوان الله تعالى عليه) قد بذل أيّة محاولة قبل ذلك الوقت لكان قد تعرّض للممانعة الشديدة من قبل أربعة آلاف فارس، كان ابن سعد قد وكّلهم بالشريعة؛ لمنعه عن الاستقاء منها، ولكانت القربة خُرقت، والجريمة في حقّه ارتُكبت.
2 - دعوى قدوم السيدة زينب ووقوعها على جسد أبي عبد الله وهو يحتضر، وقيل: فرمقها بطرفه، وقال لها أخوها: «ارجعي إلى الخيمة؛ فقد كسرتِ قلبي، وزدتِ كربي».
ولا ندري لماذا تُجعل هذه الحادثة من الوقائع الكاذبة والمحرّفة، إلاّ إذا كان الكاتب ومَنْ سبقه يعتبر أنّ كلام الإمامعليهالسلام الموجه لها يدلّ على أنّها قد أساءت في مجيئها إليه؟!
والحقيقة هي: إنّه لا يدلّ على أكثر من أنّهعليهالسلام قد رثى لحالها، وتألّم لما يجري لها.
كما إنّ نفس مؤلّف كتاب الملحمة الحسينيّة سيقول لنا: إنّ الإمامعليهالسلام كان يتعمد صنع مشاهد كربلائيّة دمويّة وغيرها؛ من أجل الإعلام للحركة الجهاديّة المباركة التي يخوضها.
3 - قصّة زيارة الأربعين، حيث عرج الأسرى على كربلاء في العشرين من صفر، أي بعد أربعين يوماً من الوقعة. فإنّ هذا الأمر لم يذكره إلاّ السيد ابن طاووس في اللهوف، ونقله من بعده ابن نما في كتابه مثير الأحزان، وقد تمّ تأليفه بعد وفاة ابن طاووس بأربعة وعشرين عاماً.
بالإضافة إلى أنّه ليس هناك أي دليل عقلي على حصولها، وأنّ الطريق إلى المدينة لا يمرّ عبر كربلاء، بل يفترق عنه من الشام نفسها.
ونقول:
أوّلاً: إنّ اعتبار هذا الأمر من جملة المكذوب والمحرّف؛ لمجرّد عدم وجدانه في كتب من عدا ابن طاووس، لا يدلّ على عدم الوجود، فلعلّ السيد ابن طاووس قد نقل ذلك عن كتب لم تصل إلينا.
ثانياً: إنّ شأن السيد ابن طاووس أجلّ من أن يُتّهم باختراع الأكاذيب.
ثالثاً: هل الحدث التاريخي يحتاج إلى دليل عقلي يدلّ على حصوله؟
رابعاً: هل الطريق إلى كربلاء الذي يفترق عن طريق المدينة من الشام هو نفسه الذي كان يسلكه أهل ذلك الزمان؟! وهل كان هو الطريق الوحيد الذي يسلكه المسافرون إلى هذين البلدين؟!
خامساً: لقد روى الشيخ الصدوق (رحمه الله تعالى) بسنده عن فاطمة بنت علي (صلوات الله وسلامه عليهما) نصاً يقول: (ثمّ إنّ يزيد (لعنه الله) أمر بنساء الحسينعليهالسلام فحُبسنَ مع علي بن الحسين في محبس لا يكنّهم من حرّ ولا قرّ حتّى تقشرت وجوههم إلى أن تقول: إلى أن خرج علي بن الحسينعليهالسلام بالنسوة، وردّ رأس الحسين إلى كربلاء).
وصرّح البيروني - المتوفّى سنة 420 هـ - أنّ الرأس رُدّ في العشرين من صفر، وكذا قال غيره؛ كابن حجر، والقزويني المتوفّى سنة 682 هـ.
فالقزويني معاصر لابن طاووس تقريباً، والبيروني متقدّم عليه بحوالي 250 سنة.
ومن الواضح أنّ الأسرى لم يبقوا في الشام إلى السنة الثانية، بل عادوا في نفس السنة، بل عن مصباح المتهجّد أنّهم وصلوا إلى المدينة في يوم العشرين من صفر، فكيف ينسبون إلى الشهيد أنّه قال قوله: إنّ أوّل مَنْ تحدّث عن ذلك هو ابن طاووس.
4 - حكاية حامل الرسالة إلى الإمام الحسينعليهالسلام بالمدينة، حيث إنّه حين مجيئه إليه صادف أن رأى خروجه إلى مكة، وحوله بنو هاشم، وحولهم الرجال والحراس، والأحصنة المزيّنة المحمّلة بالأمتعة وأنواع الديباج والحرير.
ونقول: إن كانرحمهالله قد حكم على هذه الرواية بالوضع والتحريف لجهة أنّ الإمامعليهالسلام لم يخرج معلناً كما يُفهم من هذه الرواية، وإنّما خرج خائفاً يترقّب، فإنّ حديث هذا الرسول لا ينافي سرّية الخروج؛ لأنّ اجتماع بني هاشم حول الإمامعليهالسلام حين خروجه بعياله لا يمنع من كون الاجتماع سرّياً بالنسبة للهيئة الحاكمة.
وإن كان حكمه عليها بذلك بسبب ذكر الديباج والحرير، فذلك لا يعني أنّ الإمامعليهالسلام قد لبس ذلك الحرير وارتكب بذلك محرّماً، بل هو لا يعني أنّ ذلك الديباج والحرير كان ملكاً لهعليهالسلام ، فلعلّه لبعض مَنْ معه من الرجال أو النساء.
5 - دعوى أنّ الحوراء زينب قد خرجت ليلة العاشر فاطّلعت على اجتماعين: أحدهما لبني هاشم، والآخر للأصحاب، يظهرون فيهما استعدادهم للحرب؛ فأخبرت أخاها الحسينعليهالسلام بذلك.
ولا ندري لماذا يحكون على هذه القضية بأنّها مكذوبة أو محرّفة؟!
6 - مجيء زينب إلى أخيها الحسينعليهالسلام وهو صريع يجود بنفسه، فرمت بنفسها عليه، وهي تقول: أنت أخي! أنت رجاؤنا! أنت كهفنا! أنت حمانا!
ولا نعلم سبب عدّهم هذه القضية أيضاً من الأكاذيب؛ فإنّ الإمام الحسينعليهالسلام كان يهتم برسم المشاهد العاطفيّة؛ انسجاماً مع رسالته الإعلاميّة حسبما ذكره الكتاب المنسوب إلى الشهيد المطهّري، والمسمّى باسم (الملحمة الحسينيّة).
7 - دعوى أنّ الإمامعليهالسلام قد دخل على ولده السجّادعليهالسلام بعد استشهاد أهل بيته وأصحابه، وصار الإمام السجّادعليهالسلام يسأله عمّا جرى وعن الأصحاب فرداً فرداً، وجواب الإمامعليهالسلام له بأنّ الحرب قد وقعت، وأنّه لم يبقَ من الرجال غيرهما، ممّا يوحي بأنّ الإمام السجّادعليهالسلام لم يكن واعياً لِما كان يجري.
وما المانع من حدوث هذه الأسئلة بهدف إظهار حجم المأساة، وتقرير وقائعها، ولغير ذلك من أهداف؟ فإنّ ذلك لا يستدعي الحكم على الإمامعليهالسلام أنّه كان فاقداً لوعيه.
8 - دعوى عدم وجود أحد من أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام ليقدّم له جواده، فقامت السيدة زينب بذلك، وكذلك الحوار الذي جرى له معهاعليهماالسلام .
والحديث عن هذه القضية أيضاً يُعلم ممّا قدّمناه في سابقاتها.
9 - إنّ زينب أثناء وداعها لأخيها تذكّرت وصية أُمّها بأن تقبّلهعليهالسلام في هذا الموقف في عنقه، فقبّلته في هذا الموضع نيابة عنها، مع أنّ عمر العقيلة لدى وفاة أُمّها الزهراء لم يكن يتجاوز الخمس سنوات.
ونقول: إنّنا لا نرى مانعاً من أن تعي العقيلة وصيّة أُمّها وهي في هذا السن المبكّر، وهي التي شهد لها الإمام السجّادعليهالسلام بتميّزها العظيم حين قال لها: «أنتِ بحمد الله عالمة غير معلّمة، فهمة غير مفهمّة».
والطفل يتذكّر أشياء كثيرة، خصوصاً ما له جهة عاطفية، فكيف إذا كان هذا الطفل هو السيدة زينبعليهاالسلام ؟!
10 - حكاية عدم انطلاق الفرس مع الإمام الحسينعليهالسلام إلاّ بعد وصول أحد أطفال أهل البيت، ولقائه بالحسينعليهالسلام .
وما المانع من ذلك إذا كان الله يريد إظهار هذا الجانب العاطفي بواسطة هذه الكرامة في هذه اللحظات الحرجة؟!
11 - قدوم أبي حمزة الثمالي إلى بيت الإمام السجّادعليهالسلام ، ففتحت له الجارية التي فرحت بقدومه؛ لأنّه سيسلّي الإمام المضطرب، والغائب عن الوعي، فدخل على الإمامعليهالسلام وصار يواسيه، فأخبره الإمام بحال الأسرى من النساء والأهل والأطفال.
ونقول: ما المانع من صحة هذه الرواية، وما هو السبب في اعتبارها خرافة؟! اللّهمّ إلاّ عبارة (المضطرب والغائب عن الوعي) التي نحتمل احتمالاً قوياً أن يكون ذلك سوء تعبير من الراوي.
كما إنّه قد يكون تعبيراً منها عن شدّة الأسى الذي كان يظهر على الإمام إلى درجة أنّه كان لا يهتمّ بما تهتمّ به تلك الجارية، ولا يدير له بالاً.
12 - حكاية حضور هشام بن الحكم لمجلس عزاء، ثمّ أخبر الإمام الصادقعليهالسلام بالأمر، فأعلمهعليهالسلام أنّه كان حاضراً في ذلك المجلس دون أن يراه أحد. وذكر له الإمامعليهالسلام كشاهد على ذلك أنّ رداءه قد وقع عن كتفه عند الباب في حال خروجهم من ذلك المجلس؛ فعرف هشام صحة ذلك.
ولا ندري أيضاً سبب الحكم على هذه الرواية بأنّها مكذوبة! وما المانع من صحتها؛ فإنّ للأئمّةعليهمالسلام كرامات أعظم من ذلك؟!
13 - اختلاق بنات من الذرّيّة الطاهرة، لا سيّما لأبي عبد اللهعليهالسلام ، ومنهنّ مَنْ قالوا: إنّها بقيت في المدينة، وأُخرى زوّجوها في كربلاء، وثالثة أماتوها من العطش؛ تصديقاً لكلام جبرائيل صغيرهم يميتهم العطش، وأُخرى قُتلت في ساحة الوغى مثل عبد الله بن الحسن.
ونقول: إنّ مراجعة التواريخ التي هي في أعلى درجات الاعتبار عند هؤلاء تظهر لكلّ أحد إلى أيّ حدّ بلغت الاختلافات والأقوال المتهافتة وغير المتهافتة في مثل هذه الاُمور التي يقع الرواة في الوهم والخطأ والخلط فيها، وفيما بينها لأكثر من سبب.
كما إنّ الوهم والخلط قد يقع في أزمنة متأخّرة عن عصر الرواة؛ بسبب خطأ النسّاخ، وما يقع من سقط وتصحيف وذهول أثناء نسخهم الكتب وما إلى ذلك. ولو كان هذا سبباً للحكم على المؤلّفين بالكذب لم يبقَ لنا كتاب نعتمد عليه.
14 - قصّة الطفل الذي كان لأبي عبد الله الحسينعليهالسلام في الشام، وكيف أنّه أراد رؤية أبيه، فجاؤوه برأس الحسينعليهالسلام ومات هناك كما عن (نَفَس المهموم).
ونقول: لعلّ سبب حكمهم على هذه القضية بالكذب أنّهم يعتقدون أنّه لم يبقَ للإمام الحسينعليهالسلام ولد بعد واقعة عاشوراء إلاّ الإمام السجّادعليهالسلام .
وجوابنا: إنّ ذلك لا يوجب ردّ هذه الرواية والحكم عليها بالاختلاق؛ لاحتمال وجود تحريف أو إسقاط فيها بحيث يكون الطفل المذكور ليس من أولادهعليهالسلام ، بل يكون أحد أبناء الشهداء من أهل بيته (صلوات الله وسلامه عليه)، وما أكثر ما يحصل من هذا القبيل.
15 - الطفل الأسير الذي سحله (أي سحبه) أحد الفرسان بواسطة الخيل حتّى خُنق ومات.
ولا ندري ما هو المانع من أن تكون هذه القصّة صحيحة أيضاً؛ فإنّ الحديث فيها لا يبعد عن الحديث في سابقاتها.
16 - قصّة الفتاة اليهوديّة المشلولة التي شُفيت بتزريق الطير نقطة من دم الحسينعليهالسلام في بدنها.
17 - قصّة بقاء فاطمة الصغرى في المدينة، وإبلاغ الطير الأخبار لها.
فإنّ هاتين الحادثتين ربما يكون لهما نصيب من الصحة حتّى لو أمكنت المناقشة في بعض الخصوصيات المذكورة فيهما.
18 - بعض القراءات أو العبارات التي ترد في المآتم، التي تظهر أهل البيت أو أصحاب الحسينعليهمالسلام يلتمسون شربة الماء بكلّ ذلّ من الأعداء.
وقد تقدّم أنّ الإمام الحسينعليهالسلام كان يهتمّ بإظهار الحالة المأساوية، ومستوى الإجرام لدى اُولئك المجرمين الحاقدين، وكذلك بإظهار مقامات الصبر والتحدّي، والتحمّل واليقين والمعرفة بالله لدى أصحابه.
وهذه هي الحقيقة التي أكّدها الكتاب المنسوب للشهيد المطهّري نفسه؛ حيث قال: التكتيك الخامس كان في خلقه وإيجاده لمشاهد أكثر مساعدة لإيصال رسالته التبليغية؛ وذلك من خلال صبغ المشاهد الحساسة للمعركة بلون الدم القاني؛ كرمي دم الرضيع نحو السماء، وقولهعليهالسلام : «عند الله أحتسبه»، ومن ثمّ تخضيب وجهه ورأسه بذلك الدم، وقوله: إنّه يريد لقاء الله بتلك الحالة، وإلى جانب ذلك يمكن ذكر مشاهد عناق الإمام للقاسم، ولحبيب بن مظاهر.
وقد تكرّر هذا المعنى أكثر من مرّة في هذا الكتاب فراجع.
بل يقول: إنّ واقعة الإمام الحسينعليهالسلام يبدو أنّها جاءت لتعبّر عن عرض مسرحي حماسي ونهضوي، ومأساوي وعظي، وتبلور للعشق الإلهي، والمساواة الإسلاميّة، والعواطف الإنسانيّة، وكلّ ذلك في أعلى أوج ممكن... إلخ.
19 - حديث وجود ليلى في كربلاء، وسيأتي الحديث عن ذلك بشيء من التفصيل إن شاء الله تعالى.
ونعود إلى التذكير هنا بعدّة أمور:
أوّلها: إنّ من الواضح أنّه إن كان ثمة من مكذوب في حديث كربلاء فهو الشاذّ النادر جدّاً، والقليل الذي لم يستطيعوا رغم كلّ ما بذلوه من جهد وعناء أن يبلغوا به إلى عدد أصابع اليدين، بل هو ربما لا يصل إلى ستة موارد في قضية تزيد أحداثها، وما سبقها ولحقها ممّا يتّصل بها على العشرات والمئات، خصوصاً فيما يرتبط بالجزئيات والتفاصيل.
وقد جاء هذا المكذوب مفضوحاً مقبوحاً، شواهد الكذب ظاهرة عليه ظهور الشمس في رابعة النهار، ولا يكاد يخفى ذلك على ذي مسكة.
كما إنّه لم يدخل في ثقافة الناس، ولن يتسنّى له الدخول، ولن يكون جزءاً من تاريخ عاشوراء في أيّ وقت؛ فلا يستحق كلّ هذا الصخب والضجيج والعجيج، والتهويل والتطويل، والتهديد والوعيد والتحذير، والهتك والفضيحة والتشكيك وما إلى ذلك.
الثاني: إنّ هنا طائفة من الأحداث قد توهّموا أنّها مكذوبة ومختلقة، وليس ثمّة ما يُشير أو ما يصلح للإشارة أو للدلالة على ذلك؛ ومجرد الدعوى لا تصلح دليلاً على نفسها.
وما اعتقدوه شاهداً لذلك لا يصلح شاهداً عليه، وبإمكان أيّ إنسان عاقل أن يلتفت إلى وجه الخلل في الاستدلال به. هذا على الرغم من أنّنا لا نمانع من أن تكون بعض التشويهات أو التصحيفات، أو السقطات أو الأخطاء قد لحقت ببعض النصوص لأسباب مختلفة، قد تكون لدى الراوي بسبب نسيانه، أو اختلاط الاُمور عليه، أو بسبب تكرّر نسخ المؤلّفات وتداولها وما إلى ذلك.
ولكنّ ذلك لا يسقط هذا النصوص عن أن تكون ذات قيمة علمية؛ فإنّ هذا الأمر حاصل في مختلف المصنّفات والمؤلّفات حتّى في تلك التي هي في أعلى درجات الاعتبار.
الثالث: إنّ وجود نصّ يُعلم بأنّه مكذوب أو غير صحيح في كتاب ما لا يُسقط ذلك الكتاب ولا مؤلّفه عن الاعتبار، وإلاّ لكان اللازم إسقاط أوثق الكتب، وأعظم المؤلّفين عن درجة الاعتبار؛ إذ ربما لا يخلو كتاب من أمثال هذه الاُمور باستثناء كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
الرابع: إنّ الحديث الذي يُعلم أنّه مكذوب إذا وجد في كتاب فإنّ ذلك لا يعني أنّ مؤلّف ذلك الكتاب هو الذي اختلقه ووضعه ما دام إنّ من الممكن أن يكون قد نقله عن غيره ممّن يثق بنقله، أو إنّه وضعه في كتابه وهو يشك فيه؛ لأنّ هدفه الاستقصاء لكلّ شيء، ثمّ ترك الحكم بالصحة والفساد للعلماء والباحثين، أو لأيّ سبب آخر.
ولأجل ذلك فنحن لا نوافق على ما يُنسب إلى الشهيد مطهّري من تجريح في علماء عُرفوا بالاستقامة وبالدين، والتقوى والورع، من أمثال الدربندي والطريحي وغيرهما.
الفصل الثالث:
الملحمة الحسينيّة والشهيد المطهّري
إنّ الكثيرين يعتقدون أنّ كتاب (الملحمة الحسينيّة) هو من تأليف الشهيد السعيد العلاّمة الشيخ مرتضى المطهّري (رحمه الله تعالى)؛ ولأجل ذلك فهم يطمئنون إليه ويثقون به ويعتمدون عليه.
ولكنّ الحقيقة هي أنّ هذا الكتاب المكوّن من ثلاثة أجزاء ليس من تأليف هذا الشهيد السعيد، وإن كان - ربما - يشتمل على كثير من أفكاره التي يتبنّاها ويلتزم بها.
وإنّما هو من تأليف رجل آخر، وقد صرّح مؤلّفه في مقدّماته لأجزاء الكتاب المطبوعة باللغة الفارسية بأنّه قد جمعه وطبعه بعد استشهاد الشهيد المطهّري بزمان؛ فإنّ تاريخ استشهادهرحمهالله هو سنة 1358 هجري شمسي، أمّا تاريخ الطبعة الأولى للكتاب فهو سنة 1361 هجري شمسي، ونحن الآن في أواخر سنة 1378 من هذا التاريخ. والتاريخ الشمسي الهجري هو الذي يتداوله الإيرانيون ويؤرّخون به.
والملفت للنظر أنّ الطبعة العربية قد حُذفت هذه المقدّمات من أجزائها، ولا ندري لماذا؟!
ومهما يكن من أمرٍ فإنّ هذا الكتاب لا يصح نسبته إلى هذا الشهيد السعيد، وهو لا يرضى أيضاً بنسبته إليه. وحتّى لو كنّا نطمئن إلى أنّ المؤلّف قد أخذ مطالب الكتاب من هذا الشهيد السعيد، فإنّنا لا نستطيع الجزم بأنّ المكتوب في هذا الكتاب يُمثل رأيه النهائي بكلّ دقائقه وتفاصيله.
ونحن نوضّح هنا هذا الأمر، طالبين من القارئ الكريم أن يتحلّى بالصبر إلى آخر الفصل؛ لأنّ ما فيه إنّما يُعطي النتيجة التي أشرنا إليها من حيث هو مجموع ومنضمّ بعضه إلى بعض، لا بما هو جزيئات متفرّقة ومتناثرة فليلحظ ذلك؛ فإنّه مهمّ جدّاً في تحصيل ما نرمي إليه.
فنقول:
يوجد عندي من المطبوع باللغة الفارسية لهذا الكتاب (الملحمة الحسينيّة) جزءان فقط، لهما مقدّمتان شرحتا عمل المؤلّف فيهما، وأنا أورد بعض ما أشار إليه فيهما فيما يلي:
1 - قد صرّح المؤلّف في المقدّمة بأنّه استخرج من أشرطة التسجيل محاضرات للشهيد مطهّري كانرحمهالله قد ألقاها في مناسبات مختلفة، فجعل المؤلّف هذه المحاضرات في ضمن الكتاب المعروف باسم (الملحمة الحسينيّة)، وهو المنشور والمتداول.
2 - إنّه يقول: إنّ قسماً ممّا نشره في هذا الكتاب مأخوذ من أشرطة مسجلة لم يطّلع مؤلّف الكتاب عليها، وإنّما اطّلع على متون مستخرجة منها فقط.
3 - ويقول: إنّ بعض مطالب الكتاب هي أنصاف محاضرات كان الشهيد قد ألقاها في بعض المناسبات، أو في جلسات في بعض البيوت كانرحمهالله يُلقي فيها دروساً، فصادف بعضها أيام عاشوراء، فاستطرد في طائفة من حديثه ومحاضراته إلى شؤون كربلائية وعاشورائية؛ احتراماً منه للمناسبة واحتفاءً بها.
4 - قد صرّح المؤلّف أيضاً بأنّه قد أتمّ الجمل الناقصة، وأصلح منها ما يحتاج إلى إصلاح.
أضف إلى ما تقدّم أنّ كتاب الملحمة الحسينيّة نفسه يشهد على نفسه بأنّه ليس من تأليف هذا الشهيد السعيد، ونذكر هنا بعضاً من ذلك، فنقول:
1 - إنّه في حين يقول: إنّه لم يتصرّف في كلام الشهيد إلاّ في موارد يسيرة تمّم فيها عبارة ناقصة، أو أصلح خطأ ما، فإنّه يصرّح في بعض الموارد في الكتاب بأنّه قد لخّص خطبة بأكملها، فهو يقول:
2 - خلاصة خطاب للمؤلّف الشهيد بعنوان (الحماسة الدينيّة).
والتلخيص يستبطن درجة عالية من التصرّف المباشر الذي يحتاج إلى درجة أعلى من الاستعداد العقلي؛ من حيث اعتماده على مستوى من الإدراك للمطالب، وعلى القدرة على جمع شتات الأفكار، وتحقيق قدر من التلاحم والانسجام فيما بين متفرّقاتها في نطاق الصياغة والأداء.
3 - ثمّ هو يقول ويصرّح في بعض الموارد بأنّه ينقل عن أوراق كانت للشهيد، قال في بعض الهوامش: (سيتم نشر موضوع هذه الأوراق في سلسلة مذكّرات الشهيد).
4 - ويقول أيضاً عن القسم العاشر من الكتاب: إنّ هذا القسم عبارة عن (حواش نقدية حول كتاب الشهيد الخالد).
5 - ويقول في بعض الهوامش: (هكذا ورد في النسخة الخطّية للأستاذ الشهيد).
6 - ويقول: (وقد أوردت في هذا الكتاب في فصل: ملاحظات حول النهضة الحسينيّة، مزيداً من الأدلّة بهذا الاتجاه، أرجو مراجعة الملاحظتين (10 – 11) بهذا الخصوص).
7 - ويقول: (ونحن بدورنا نشير إلى تلك الاستعدادات في أوراقنا التي سيأتي ذكرها في فصل: ملاحظات حول النهضة الحسينيّة، تحت الرقم 38).
فأين كلّ هذه النصوص من تصريح مؤلّف الكتاب في جزئيه الأوّلين بأنّهما عبارة عن محاضرات استخرجت من أشرطة التسجيل، وتصريحه في بعض موارد الجزء الثالث: أنّه قد لخّص بعض خطاباتهرحمهالله .
أ - انظر إلى كلمة (أوراقنا)، وكلمة (في فصل)، وقوله: (تحت الرقم 38)؛ فإنّ كلّ ذلك يشير إلى أنّ الأوراق هي لهذا الذي جمع الكتاب، وإلى أنّه هو الذي يفصّل الفصول، وهو الذي يضع الأرقام للفقرات.
ولكن تصريحاته السالفة التي ذكرناها تشير إلى أنّه ملتزم بدقّة النقل عن نسخة الشهيد الخطية! فكيف نوفّق بين الأمرين؟!
ب - وانظر أيضاً إلى قوله: (نشير إلى تلك الاستعدادات)؛ فإنّ سياق الكلام يدلّ على أنّ الذي يورد المطلب هو نفسه الذي يقوم بجمع مادة الكتاب ويؤلّف بين متفرّقاته، ويجعل له فصولاً وأرقام فقرات.
ج - وأوضح من ذلك قوله في رقم 5 الآنف الذكر: (وقد أوردت في هذا الكتاب في فصل: ملاحظات حول النهضة الحسينيّة، مزيداً من الأدلّة).
فهذا يدلّ على أنّ المؤلّف هو الذي يأتي بالأدلّة، وهو الذي يوردها في هذا الفصل أو في ذاك.
وهذا المؤلّف نفسه ملتزم بدقّة النقل عن النسخة الخطّية! وهو نفسه يلخص هذا الخطاب أو ذاك! فتبارك الله أحسن الخالقين!
ثمّ إنّ مَنْ يراجع كتاب الملحمة يخرج بحقيقة: أنّ الكتاب لا يمكن أن يكون من تأليف الشهيد مطهّريرحمهالله ؛ إذ لا يمكن لمفكّر يحترم نفسه، وقد بلغ هذا المقام الرفيع من المعرفة، والخبرة بالشأن الثقافي، وفنّ التأليف أن يقدّم للناس كتاباً بمواصفات كتاب الملحمة الحسينيّة.
ونستطيع أن نلخّص بعض ما نرمي إليه ضمن النقاط التالية:
أولاً: إنّ طائفة من النصوص قد جاءت بطريقة غير مألوفة؛ فقد وردت في الكتاب على ثلاثة أنحاء:
أحدها: إنّه أورد كلاماً كثيراً للعقّاد وللصالحي ولغيرهما، بالإضافة إلى نصوص كثيرة هنا وهناك أيضاً، ولكنّه لم يعلّق عليها بشيء، فلماذا؟!
الثاني: إنّه يورد أحياناً نصوصاً ويعلّق عليها، ولكنّها تعليقات مجتزأة وموجزة جدّاً، وقد جاءت على شكل نتف متناثرة، أو تعليقات تحتاج إلى مزيد من المعالجة؛ لإنضاج نتائجها بشكل حاسم وقوي. وهذا كثير أيضاً.
الثالث: إنّه يفيض في تحليل نصوص اُخرى أيضاً، ويوفيها البحث والمناقشة بما لا مزيد عليه. فلماذا هذا التفاوت والاختلاف في المعالجة ومستوياتها؟!
ثانياً: إنّ المعروف عن الشهيد السعيد العلاّمة المطهّري أنّه حين يطرح الشبهة فإنّه يلاحقها بالنقد القوي، وبالنقض والإبرام، ويشحن ذهن القارئ أو السامع بالشواهد والدلائل. ولكنّنا نرى في بعض فصول هذا الكتاب كمَّاً كبيراً جدّاً من التساؤلات، والشبهات الحساسة إلى درجة كبيرة قد طُرحت من دون أن يقدّم أيّة إجابة عليها.
وقد سُردت على القارئ بطريقة تجعله يستفظع الأمر، وينبهر أمام عددها الكبير، ويسقط في مواجهتها، ويأخذ عليه إتقانها وتفريعاتها الحاصرة كلّ المهارب والمسارب حتّى يقع فريسة الحيرة القاتلة، ولتلج الشكوك - من ثمّ - في عقله وفكره دونما سدود أو حدود؛ فتفتك في يقينياته، وتعيث فساداً فيما لديه من مسلّمات إيمانيّة فطرية، وعقلية ووجدانية.
ثالثاً: إنّ الكتاب يعاني من خلل كبير في سبك وترصيف مطالبه؛ فتارة تظهر المطالب فيه بمثابة كشكول؛ حيث تذكر الفكرة القصيرة والصغيرة إلى جانب المفصّلة والكبيرة مع عدم وجود أيّ ربط بينهما، وأُخرى تظهر الفكرة في حلة الخطابة والخطابيات، وثالثة يظهر عليها اُسلوب تأليف وتصنيف له منهجيته وأهدافه، يتميز بالموضوعية والرصانة.
وبعبارة أُخرى: تأتي المطالب تارةً على شكل نتف وتعليقات، وأُخرى على شكل بحوث وتحقيقات، وثالثة على شكل خطابة وخطابيات.
ثمّ إنّك تارة تراه يورد نصوصاً مختلفة ومن دون تعليق، وأُخرى يوردها مع تعليقات، وتارة تأتي التعليقات موجزة، وتارة تأتي مطولة مسهبة.
وبينما هو يوجز إلى درجة الإخلال تجده يطنب ويسهب إلى حدّ الإملال.
كما إنّه تارة يجيب على كلّ سؤال يثيره مهما كان بسيطاً أو غير بسيط، بل ولو كان في غاية التعقيد، وأُخرى يطرح عشرات الأسئلة الهامة جدّاً ولا يجيب على شيء منها.
رابعاً: أضف إلى ذلك كلّه أنّ هذا الكتاب يُعاني من مشكلة التكرار لبعض مطالبه بكلّ تفصيلاتها، وبمختلف نصوصها وتقسيماتها - تقريباً - رغم أنّها تستغرق صفحات كثيرة.
قد اتّضح ممّا قدّمناه وفصّلناه أنّ المؤلّف حسبما قال وصرّح، وكذلك حسبما أظهره لنا فعله ووضَّح، قد جرت طريقته وفق ما يلي:
1 - إنّه قد أخذ بعض المحاضرات عن أشرطة التسجيل.
2 - قد أخذ بعض أنصاف المحاضرات أيضاً كذلك عن الأشرطة المسجّلة.
3 - قد حصل على بعض المحاضرات من أناس هم استخرجوها من أشرطة التسجيل، ولم يرَ هو تلك الأشرطة.
4 - قد لخّص بعض خطابات الشهيد.
5 - قد حصل على بعض الأوراق التي كتب عليها الشهيد نتفاً من الأفكار.
6 - إنّ المؤلّف قد أدخل في كتابه مضمون قصّاصات كتب عليها مقاطع لأُناس آخرين، وربما يكون الشهيد نفسه قد جمعها؛ إمّا بهدف تفنيدها، أو بهدف تأييدها، أو لأجل الاستشهاد والتأييد بها، ولكنّهرحمهالله لم يعلّق عليها بشيء.
7 - قد حصل على أوراق كتب عليها الشهيد مقاطع لبعض المؤلّفين، وعلّق عليها باختصار، وأدخلها في الكتاب أيضاً.
8 - قد حصل على أوراق كتب عليها الشهيد أسئلة، ربما كان يعدّها للإجابة عليها في محاضراته، أو في كتاباته، وجعلها أيضاً في ضمن الكتاب.
9 - قد أضاف المؤلّف عناوين وفصل، وقسّم فصولاً وأقساماً.
10 - قد أنشأ المؤلّف كلاماً كثيراً من عند نفسه وأدخله في ضمن المطالب التي سجّلها.
11 - قد صحح العبارات الواردة في ما حصل عليه من محاضرات التي رأى أنّها بحاجة إلى التصحيح، وأتمّ العبارات التي رأى أنّها تحتاج إلى تتميم.
وبعد ما تقدّم نقول: إنّنا نكاد نطمئن إلى أنّ كتاباً هذه حالاته، وتلك هي ميزاته ومواصفاته لا يمكن أن يرضى الشهيد السعيد العلاّمة المطهّري بأن يُنسب إليه، خصوصاً إذا قيس بسائر مؤلّفاته التي تتميّز بالإحكام وبالانسجام.
ولو أنّه كانرحمهالله على قيد الحياة لم يرضَ بنشره وعليه اسمه؛ لأنّه - وهو بهذه الحال - يحطّ من مقامه العلمي الرفيع، ويسيء إلى موقعه الثقافي المميّز، ولكانرحمهالله قد زاد عليه وحذف منه، وقلّم وطعّم وغيّر وبدّل الشيء الكثير.
وكيف يمكن أن يرضىرحمهالله بأن يعمد أحد إلى أشرطة سُجّلت عليها محاضرات كان قد ألقاها قبل وفاته بسنوات كثيرة، ويستخرج ما فيها وينشره بعجره وبجره وعلى ما هو عليه؟!
ولعلّه وهو يرتجل كلامه (وارتجال الكلام يختزن في داخله فوات فرص التأمّل والتدقيق) قد عمم في مورد التخصيص، وأطلق فيما يحتاج إلى التقييد، ولعلّه أطنب في موضع الاختصار، وقدّم ما يستحق التأخير، وغفل عمّا كان ينبغي الالتفات والإلفات إليه؟!
وكيف يرضىرحمهالله أن يُضمّن كتابه أسئلة تشكيكية خطيرة دون أن يشير إلى الإجابة عنها، وهو الذي كان قد أخذ على نفسه الذبّ عن حياض هذا الدين، والحفاظ على حقائقه وحراسته من كلّ سوء يُراد به؟!
وكيف يمكن أن يرضى بعرض أخطر وأعظم القضايا، وأكثرها حساسية، وأبعدها أثراً في حياة وبقاء الإسلام والإيمان من خلال قصاصات تركها كان قد كتبها لأغراض مختلفة، وفي حالات متفاوتة؟!
فهل يرضى أن ترتهن أخطر قضية وأغلاها، وأعظمها وأسماها بهذه القصاصات التي قد لا تُمثّل الرأي النهائي لكاتبها؟! بل قد يكون ما كتبه عليها هو الرأي الآخر لمَنْ كان يهيِّئ للردّ عليهم وتفنيد أقوالهم.
ولعلّه أشار إلى جزء أو بعض الفكرة، ولم يشر إلى البعض أو الجزء الآخر منها؛ اعتماداً منه على ذاكرته، أو على بداهة الأمر في عمق وعيه.
ولعلّه قد سجّل عليها تحفّظات افتراضية، ولم يسجّل عليها سائر ما يدور في خلده من أجوبة أو من حيثيات، وخصوصيات وشروحات ومؤيّدات.
وكلّ ذلك يوضّح أنّه لا يمكن أخذ رأي الشهيد من كتابٍ هذه حاله، وإلى ذلك كان مآله. فلعلّه كان يريد العودة إلى مضامين محاضراته وخطاباته وإلى قصّاصاته؛ ليقلِّم ويطعّم، وينقّح ويصحّح، ويقدّم ويؤخّر، ويتأمّل ويتدبّر، ويضيف إليها ما استجدّ له من دلائل وشواهد.
ولعلّه يريد تخصيص بعض عموماتها، وتقييد بعض مطلقاتها، خصوصاً فيما جاء على سبيل الخطابة والارتجال فضلاً عن غيره.
ومن جهة أُخرى: لعلّهرحمهالله لا يرضيه تلخيص هذا أو ذاك لكلامه، ويجد أنّه لم يستوعب ما يرمي إليه، وأنّه قد أخلّ بمقاصده.
وربما لا ترضيه العناوين التي أدخلها الآخرون، ولا التقسيمات التي مارسها المقسّمون، ولا التصحيحات التي أعملوها، ولا الإضافات التي قاموا بها لإكمال عبارة هنا أو نصّ هناك، إلى غير ذلك من اُمور لا يصعب ملاحظتها على الكتاب المذكور.
وأخيراً نقول: لقد عوّدنا علماؤنا الأبرار أن لا ينسبوا بصورة القطع والحتم ما يورده حتّى أعلام الأُمّة في تقريرات دروس أساتذتهم إلى اُولئك الأساتذة، فلا ينسبون ما جاء في أجود التقريرات مثلاً إلى الشيخ النائيني بالقطع والحتم، بل يقولون: نُقل أو حُكي عن الشيخ النائيني، أو نُسب إليه قوله؛ وذلك لمراعاة احتمال ضئيل جدّاً وهو أن يكون ثمّة أدنى خلل في تلقّي العبارة عنه، ممّا قد يوجب تغييراً في مفاد الكلام.
فكيف يجوز لنا أن ننسب للشهيد المطهّري كتاباً قد ظهرت هناته، وتلك هي حالاته وميزاته؟! مع أنّ الدرس مبني على توخّي الدقّة في التعبير من قِبَل الاُستاذ، أمّا القصاصة والمحاضرة والخطاب فإنّ الحديث فيه مبني على التسامح والارتجال والعفوية كما قلنا.
وفي ختام هذا الفصل اُوجّه الدعوة إلى كلّ المخلصين الذين يحملون همّ حمل الإسلام الصافي والطاهر، والنقي والدقيق والعميق إلى الناس بأمانة وإخلاص، ويجهدون في هذا السبيل، أدعوهم إلى أن يوجّهوا بعضاً من اهتمامهم إلى تراث هذا الشهيد السعيد، وإلى أن يعقدوا المؤتمرات التي يحضرها المتخصّصون والعارفون لتقييم مؤلّفاتهرحمهالله ، وتحديد ما كتبه منها بخطّ يده، واعتباره هو الذي يمثّل آراءه النهائية التي يمكن الاعتماد عليها في مقام التأييد أو التفنيد.
والاهتمام إلى جانب ذلك بالمؤلّفات التي استُخرجت من أشرطة التسجيل؛ ببذل المحاولة الجادّة للتعرّف على قيمتها الحقيقية، وقدرتها على إعطاء رأيه العلمي والنهائي المستند إلى الأدلّة والبراهين المعقولة والمقبولة.
ولعلّ من المفيد هنا القيام بمقارنات فيما بينها وبين المؤلّفات التي تصدّى هو بنفسه لإنجازها، بعد تأمّل وتروٍّ وتفكير وتدبّر؛ ليكون هذا القسم الثاني هو الذي يُعطي الانطباع الحقيقي عن واقع آرائه وتوجّهاته.
كما إنّه قد يكون من المفيد أيضاً التعرّف على معايير التفكير التي كانرحمهالله يرتضيها حكماً، ويمارسها عملاً في مختلف الميادين؛ لتكون هي المرجع في الأخذ أو في الردِّ لِما كان قد ألقاه على الناس بطريقة الارتجال التي تسلب معها فرصة التأمّل والتدقيق، ويقلّ معها الالتفات إلى ضرورة تخصيص لعام هنا، أو تقييد لمطلق هناك، وتسجيل تحفّظ على هذه القضية ورفضها، أو الالتزام بتلك القضية وتأكيدها وتأييدها من دون أيّ تحفّظ.
إلى غير ذلك من حالات تعتري حالة الارتجال والخطابة، وتقلل من درجة الدقّة لدى الخطيب، ولينعكس ذلك من ثَمّ على درجة التلقّي والأخذ منه.
وكذلك لا بدّ من دراسة ما نُسب إليه اعتماداً على قصّاصات، أو كتابات مذكراتية تامّة أو ناقصة.
وفي جميع الأحوال نقول: إنّ المؤلّفات التي تصدّى هو للتخطيط، ثمّ الإنجاز لها تبقى هي الفيصل، وهي الأساس في الحكم، ولا بدّ من الانتهاء إليها في الردّ أو في القبول.
نعم، إنّ لفكر الشهيد العلاّمة مرتضى المطهّري، ولكتبه تأثيراً عظيماً في المجال الثقافي؛ وذلك يفرض علينا توثيقها، والتأكد من أنّها تعكس آراءه الحقيقية بدقّة بالغة، فلا بدّ من ملاحظة كلّ خصوصية تدخل في نطاق بلورة الرأي الذي ينتمي إليه.
فالخطابات والمحاضرات لا تمتلك نفس القدرة التي تتوفّر للكتاب الذي توفّرت لمؤلّفه حال إنجازه أجواء التأمّل والهدوء، والتروّي والتدبّر.
نقول هذا مع تأكيدنا على أنّ كتاب (الملحمة الحسينيّة) الذي عرفنا جانباً من إشكالاته، واطّلعنا على بعض هناته ليس قادراً أبداً أن يعكس رأي الشهيد السعيد العلاّمة المطهّري في شؤون عاشوراء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
الفصل الرابع:
المؤرّخون، وليلى في كربلاء
إنّ الحديث عن حضور ليلى اُمّ علي الأكبر (رضوان الله عليه) قد كثر وفشا بطريقة غير سليمة ولا مألوفة؛ بسبب ما اُثير حول هذه القضية من شبهات أنشأت علاقة ذهنيّة ونفسيّة تكاد تكون راسخة فيما بين هذه القضية وبين الاُسطورة والخيال، والاختلاق والدسّ في سيرة عاشوراء المباركة.
ولعلّنا لا نبعد إذا قلنا: إنّ هذه القضية قد أصبحت عنواناً ومفتاحاً ومدخلاً، ومناسبة للحديث عن الاُسطورة في عاشوراء بكلّ عفوية وراحة بال، وهي المقال المناسب لمثل هذه الحال.
ولا نبعد إذا قلنا أيضاً: إنّه لو صح ما نُسب إلى الشهيد السعيد العلاّمة الشيخ مرتضى المطهّري (رحمه الله، وأعلى مقامه ودرجته في جنات الفردوس) الذي يُعتبر علماً من أعلام الثقافة الإسلاميّة، ورائداً من روّاد المعرفة الحيّة والأصيلة في هذا العصر. نعم، لو صحّت النسبة إليه فإنّ ذلك لا يمنع من أن تجد - وفقاً للقول المعروف - لكلّ جواد كبوة، ولكل عالم هفوة.
وربما تكون هذه الهفوة قد حصلت قبل أن تتقوّى ملكاته الفكرية، وتنضج آراؤه العلمية، ويتصلّب عوده، ويشتدّ ساعده، ويتألّق في سماء المعارف نجمه.
ولعلّ ما نُسب إليه من رأي حول حضور ليلى في كربلاء هو في هذا الاتجاه بالذّات؛ حيث إنّهرحمهالله يكون هو الذي أثار هذا الجو التشكيكي بقوّة وحماس، وتبعه على ذلك كثير من الناس الذين لم يرجعوا إلى المصادر، ولم يراجعوا النصوص؛ ليتدبّروا أقواله وحججه، ليقفوا على مدى صحتها وصدقيتها وقوّتها في إثبات ما يرمي إلى إثباته؛ وذلك ثقة منهم بحسن تصرّف هذا الرجل الجليل فيما يتوفّر لديه من معارف، وبقوّة عارضته في الاستدلال، وسلامة وصحة مقدّماته التي تؤدّي به إلى الاستنتاج وفقاً للمعايير المعقولة والمقبولة.
ولم يدر في خلدهم أن العصمة هي لله سبحانه وحده، ولأوليائه الأنبياء والأئمة الطاهرينعليهمالسلام ، ولعل الشهيد لم يكن حين تصدى لهذا الامر قد استجمع الوسائل، ولا استفاد من التجارب، ولا حصل على المؤهلات التي تكفيه لإصدار أحكام في مثل هذه الاُمور التي ليست من اختصاصه، وبالأخص إذا عالجها في أجواء تهيمن عليها المشاعر المحكومة بمسبقات ذهنية، ترتكز إلى نظرة تشاؤمية ترشح من سوء الظن.
بل يظهر لنا أنهرحمهالله حين كتب ما كتب، أو حين قال ما قال عن وقوع التحريف في قضايا كربلاء وعاشوراء لم يكن في أجواء تأمّل وتدقيق علمي هادئ، وإنما كان يطلق ذلك في أجواء جماهيرية استدرجته إلى القسوة في التعبير، وإلى إطلاق الأحكام والدعاوى الكبيرة بطريقة التعميم الذي لا يستند إلى قاعدة مقبولة أو معقولة؛ فانتهى - من ثَمَّ - إلى استنتاجات لا تحتملها ولا تتحملها المقدمات، ولا تقوم بها الركائز التي استندت إليها.
وإنّ مراجعة دقيقة للمحاضرات المنسوبة إليهرحمهالله في كتاب الملحمة الحسينيّة لكفيلة بأن توضّح إلى أي مدى ذهب به الاسترسال أحياناً حتّى كأنك لا تقرأ الشهيد المطهري، بل تقرأ رجلاً آخر لم يمارس البرهنة العلمية الدقيقة، ولا اطّلع على فنون الاستدلال وعناصره، وأركانه وشرائطه.
وقد تقدم أنهرحمهالله قد أخفق في كثير من الموارد التي سجّل فيها تحفظاته من حيث الوثوق بثبوتها التاريخي؛ فإنّ الحق في كثير منها كان في خلاف الاتجاه الذي نحا إليه واختاره، أو على الأقل لم يستطع أن يثبت ما يرمي إلى إثباته، بل كان دليله هو مجرد الدعوى، والدعوى هي نفس الدليل، مع الكثير من التهويلات والتعميمات الجريئة التي لا تقبل إلاّ بدليل حاسم وقوي، وبالبرهان العلمي.
ومهما يكن من أمر فإننا هنا لسنا في صدد محاكمة جميع ما جاء به، وما رسمه في هذا الكتاب الآنف الذكر، وإنما أردنا مجرد الإشارة والإلماح إلى هذا الأمر، على أن نكتفي في هذه العجالة بالحديث عن هذا الشاهد الأبعد صيتاً، والأكثر تداولاً، والأشد استفزازاً، وهو قصة حضور ليلى اُمّ علي الأكبر في كربلاء، خصوصاً حينما يرغب أيّ من قرّاء العزاء بالإشارة إلى هذه القصة؛ حيث يتكهرب الجو وتبدأ الهمسات تعلو وتعلو، وتنطلق الحناجر لتسجّل تهمة الاُسطورة والخيال، ثم الكذب والاختلاق والدجل، وينتهي الأمر بإطلاق هجومات تستوعب سائر ما يقرؤه خطيب المنبر الحسيني بمختلف مفردات السيرة الحسينيّة، ولينتهي الأمر بحرمان المستمع الطيّب القلب من استفادة العبرة والاُمثولة، ومن التفاعل مع أحداث كربلاء بصورة أو باُخرى.
وهكذا تكون النتيجة هي أن لا يبقى ثمة من ثقة في أي شيء يقوله قرّاء العزاء، حتّى ذلك الذي ينقلونه من الكتب التي هي في أعلى درجات الاعتبار والصحة حتّى عند هؤلاء أنفسهم.
ومن يدري، فلربما يأتي يوم يشكك فيه هواة التشكيك حتّى في أصل استشهاد الإمام الحسينعليهالسلام أو في أصل وجوده! أعاذنا الله من الزلل في الفكر والقول وفي العمل، إنه ولي قدير، وبالإجابة حري وجدير.
ويقول الشهيد السعيد العلامة الشيخ مرتضى المطهري فيما ينسب إليه: هناك نموذج آخر للتحريف في وقائع عاشوراء، وهو القصة التي أصبحت معروفة جدّاً في القراءات الحسينيّة والمآتم، وهي قصة ليلى اُمّ علي الأكبر. هذه القصة لا يوجد في الحقيقة دليل تاريخي واحد يؤكد وقوعها. نعم فاُمّ علي الأكبر موجودة في التاريخ، واسمها ليلى بالفعل، ولكن ليس هناك مؤرخ واحد يشير إلى حضورها لمعركة كربلاء، ومع ذلك فما أكثر المآتم التي تقرأ لنا قصة احتضان ليلى لابنها علي الأكبر في ساحة الوغى، والمشهد العاطفي والخيالي المحض.
ويقول المحقق التستري: ولم يذكر أحد في السير المعتبرة حياة اُمّها (الصحيح: اُمّه) يوم الطفِّ، فضلاً عن شهودها، وإنما ذكروا شهود الرباب اُم الرضيع وسكينة.
ويقول الشيخ عباس القمي: لم أظفر بشيء يدل على مجيء ليلى إلى كربلاء.
ونقول: إننا نسجل ملاحظاتنا على هذه الفقرات ضمن الاُمور التالية:
سيأتي في الفصل الأخير من هذا الكتاب أنّ حضور اُمّ علي الأكبر في كربلاء مذكور في الكتب المعتبرة، وأنّ هناك من أشار بل صرّح بهذا الحضور.
إنّ من الواضح أنّ من يريد نفي وجود شيء ما لا بدّ له أن يقرأ جميع كتب التاريخ، بل كل كتاب يمكن أن يشير إلى الأمر الذي هو محط النظر.
ولا نظن أنّ العلاّمة المطهري المنسوب إليه هذا الكلام - ولا غير المطهري أيضاً - قد قرأ جميع كتب التاريخ؛ فإنّ ذلك متعسراً، بل هو متعذر بلا شك على كل أحد.
كما أنّ ذكر حضور ليلى في كربلاء لا يختص بكتب التاريخ؛ فقد تشير إلى ذلك أيضاً كتب الأنساب، والجغرافيا، والحديث، والتراجم، وكتب الأدب، وما إلى ذلك. والكثير من كتب التراث لا يزال يرزح تحت وطأة الغبار، ويئن في زنزانات الإهمال، ويعاني حتّى من الجهل بأماكن وجوده.
بل إننا لا نزال نجهل حتّى ما في طيّات فهارس خزانات الكتب الخاصة والعامة، فضلاً عن أن نكون قد اطّلعنا على محتويات تلك المكتبات من مؤلّفات في مختلف العلوم والمعارف، فهل يمكن والحالة هذه أن يدعي أحد منا أنه قد رصد حركة ليلى في حياتها وتنقّلاتها؟ وهل يصحّ أيضاً من هذا الشهيد السعيد - إن كان قد قال ذلك حقاً - أن يحصر هذا الأمر بالمؤرّخين دون سواهم؟
وهل قرأرحمهالله كل هذا الكم الهائل من هذه الأنواع المختلفة من كتب التراث، المخطوط منها والمطبوع، حتّى جاز له أن يصدر هذا الحكم القاطع بنفي حصول هذا الأمر من الأساس؟
ولا يجهل أحد أنّ هناك كمّاً هائلاً لا مجال لتصوره قد تلف وضاع عبر الأحقاب التاريخيّة المتعاقبة. وقد تجد ذكراً للكثير من المصادر التي كانت متداولة في أيدي المؤلّفين والمصنّفين الذين سبقونا، وقد نقلوا لنا عنها أشياء لم تذكر فيما وصل إلينا ونتداوله نحن الآن من مؤلّفات القدماء، وقد أشار بعضهم - كصاحب البحار وسواه - إلى العديد منها، ونقلوا عنها الكثير، لكنها قد تلفت قبل أن تصل إلينا.
فهل نستطيع أن نتّهم هؤلاء العلماء الأعلام، الأطياب الأخيار، بممارسة الكذب والاختلاق فيما ينقلونه عن تلك المصادر والمؤلّفات المفقودة؟! وهل يصح للشهيد مطهري وسواه أن ينفي أمراً يحتمل أن يكون ناقله قد أخذه من مصادر لم تصل إلينا.. وما أكثرها؟
ومن الواضح أن المعصوم قد عاش بين الناس حوالي مئتين وثلاث وسبعين سنة، ثم بقي بالقرب منهم - بالإضافة إلى ذلك - تسعاً وستّين سنة - يدبر اُمورهم، ويعطيهم توجيهاته من خلال السفراء، ثم كانت الغيبة الكبرى.
وقد كان المعصومعليهالسلام يقوم بواجبه على أكمل وجه، ولا يدع فرصة - مهما كانت ضئيلة - إلاّ وينشر فيها علمه ومعارفه بالقول والفعل، وبكل وسيلة ممكنة، بل إنّ كل حالة من حالاته وكل لفتة من لفتاته تشير إلى حكم إلهي، وإلى تشريع رباني، وهو حجة وبلاغ.
فلو أنّ أحداً حاول أن يرصد ويسجّل ذلك كله، ألا ترى معي أنه سيسجّل مئات الصفحات في كلِّ يوم، وألاّ يوضح ذلك لنا حقيقة أنّ كل ما عندنا من أحاديث لا يعدل ما يصدر عنهعليهالسلام في مدة شهر واحد أو شهرين، وحتّى لو كانوا ثلاثة أشهر أو أزيد؟ فإن ذلك يؤكد لنا حجم الكارثة التي لا نزال نعاني من أثارها، وهي أن ما ضاع عنا - لأسباب مختلفة - لا يمكن أن يقدّر بقدر، ولا يقاس بما نعرف من أحجام.
وأين يقع ما أورده صاحب كتاب البحار، وهو أضخم موسوعة حديثية، مما فقدناه وأضعناه؟!
وها نحن لا نزال نجد الكثير الكثير من أحوال وأقوال أئمتنا متناثراً في ثنايا الكتب، في كل ما يُطبع وينشر من كتب التراث، فهل يصح لأحد بعد هذا أن يبادر إلى نفي قضية ما لمجرد أنه لم يجد في عدد يسير من كتب التاريخ التي راجعها ذكراً لما يبحث له عن ذكر أو سند؟!
وإذا رجعنا إلى اُمّهات الكتب واُصولها، وهي كتب موثوقة ومعتمدة بلا ريب، فسوف نجد فيها الأحاديث المتعارضة التي لا شك في صحة أحد أطرافها وكذب الطرف الآخر، وكذلك سنجد الأحاديث التي ثبت وقوع الاشتباه والغلط فيها من قبل الرواة، أو ثبت وقوع التصحيف والإسقاط والغلط فيها من قبل نساخها الذين تعاقبوا على نقلها عبر العصور والدهور. فهل ذلك يعني سقوط الكتاب ومؤلّفه عن الاعتبار، بحيث يسوّغ لنا اتهام المؤلّف بالوضع والاختلاق وارتجال الأحداث؟
وهل يصح هجر ذلك الكتاب وتجاهله، وعدم الاكتراث به؛ بحجة أنه كتاب محرّف مشتمل على الدجل والتزوير؟
إنّ ذلك سينتهي بنا - ولا شك - إلى التخلّي عن كل ما سوى القرآن من كتب وتآليف، والتخلّي بالتالي عن كل السّنّة النبوية والإماميّة التي سجلتها تلك المؤلّفات بأمانة وإخلاص وبحرص بالغ. وذلك يلغي دور العلماء العاملين الذين لا بدّ أن يضطلعوا بدور الحامي والحافظ لهذا الدين، وأن يعملوا على تنقية كلّ هذا الإرث الجليل من الشوائب، وإبعاد كل ما هو مدسوس، ومعالجة ما هو مريض، وتصحيح ما هو محرّف.
وقد تجد في كتاب من عُرف بانحرافه وكذبه الكثير مما هو صحيح بلا ريب، مما نقله لنا الأثبات، واستفاض نقله في كتب الثقات. بل قد تجده فيه تصريحات واعترافات لم يستطع غيره الاعتراف بها، بل هو عن ذلك أحجم، وفي كلامه غمغم وجمجم، لكن قد ضاق صدر هذا المعروف بالكذب وبالانحراف فباح واعترف بها، كما يعترف المجرم بجرمه، ويقرّ المذنب ببوائقه، ويعلن بما أسر من إثمه.
فهل يصح لنا أن نقول له: لا قيمة لاعترافك، بل أنت بريء من جرمك، منزّه عمّا اعترفت به من إثمك، ولا يجوز مؤاخذتك بما اقترفت، ولا أخذك بما به أقررت؟
وعدا ذلك كله فإنّ خلط الحق بالباطل قد يكون هدفاً لدعاة الباطل؛ فقد روي عن الإمام الباقرعليهالسلام أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام قال في خطبة له: «فلو أنّ الباطل خلص، لم يخف على ذي حجى، ولو أنّ الحق خلص لم يكن اختلاف، ولكن يُؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث، فيخرجان فيجيئان معاً؛ فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى».
إنّ الإنصاف يفرض علينا القول: بأنّ فلاناً من الناس إذا كذب في قضية هنا، أو في قول هناك، فإنّ ذلك لا يسوّغ لنا إطلاق الحكم بالكذب والاختلاق على كل أقواله، وإن كان يفرض علينا درجة عالية من الحيطة والحذر في التعامل مع كلِّ ما يصدر عنه.
وإنّ عدم وجدان مضمون بعض الروايات فيما توفّر لدينا من مصادر لا يبرّر لنا الحكم القاطع بنفي وجودها من الأساس، مع إمكانية أن يكون ذلك النص مأخوذاً من تأليفات لم تصل إلينا، فكيف ومن أين ثبت للشهيد مطهريرحمهالله - لو صح ما نسب إليه -: (أنّ ما يذكره البعض عن ليلى في كربلاء مجرد مشهد عاطفي خيالي محض)؟!
وهكذا يتضح أن نفس هذه المنقولات التي يريد الشهيد العلامة المطهري - على ما حكوه عنه - تكذيبها صالحة لادّعاء وجود ليلى في كربلاء، ما دام الحكم عليها بالكذب والاختلاق غير متيسّر لأحد، مع عدم وجود آية قرآنية تشير إلى ضد ذلك، ولغير ذلك من أسباب ذكرنا قسماً منها، وسنذكر الباقي فيما سيأتي من صفحات، مع ملاحظة عدم وجود أيِّ مبرر لاتّهام مؤلّفي الكتب التي أوردت ذلك بأنهم كذابون ووضاعون، فضلاً عن اتّهامهم بالتصدي لاختلاق ووضع خصوص هذه القضية.
وقد رأينا الشهيد العلامة المطهري - حسب ما نُسب إليه - يهاجم من يتهمهم برواية ما اعتقد أنه مكذوب؛ مثل الكاشفي، والدربندي، والطريحي، وصاحب الخزائن (رحمهم الله تعالى) بصورة قاسية وحادة؛ حيث يتّهمهم بالتزوير، والكذب، والخرافة، وغير ذلك.
ولكنه يمتدح ويطري من شاركوه في آرائه هذه، وهاجموا اُولئك كما هاجمهم، واتّهموهم كما اتّهمهم، ويعتمد على أقوالهم. فراجع ما وصف به الشيخ النوري الذي يوافقه في الرأي هنا؛ فإنه اعتبره رجلاً عظيماً، متبحراً في العلوم بشكل فريد، إلى غير ذلك من أوصاف فضفاضة أفرغها عليه.
رغم أنّ الشيخ النوريرحمهالله هو الذي ألّف كتاب (فصل الخطاب) الذي يتحدّث فيه عن تحريف كتاب الله؛ حيث خدعته أحاديث أهل السنة الواردة في هذا الخصوص. فراجع ما ذكرناه في أواخر كتابنا: حقائق هامة حول القرآن الكريم.
ورغم أنّ العلماء قد أثنوا ثناء عاطراً على هؤلاء الذين ذمهم المطهري - كما قيل - فقد أثنوا على الدربندي والطريحي وغيرهما، ووصفوهم بالدين والورع، والتقوى والاستقامة، وهم قد عاشوا معهم وعاشروهم. ولكنه هو يتهمهم بالكذب والاختلاق، والتزوير والجهل، وكأن القرآن هو الذي صرّح له بأنهم قد قاموا هم بأعيانهم بممارسة هذا الاختلاق والجعل الذي يدّعيه عليهم، وباختراع ما رأى أنه هو من الأساطير!
والملفت هنا: أننا نجد أن نفس الدربندي الذي يتعرّض للاتهام والتجريح ينكر على بعض القرّاء ذكرهم لبعض الغرائب دون أن يسندوها إلى كتاب، ولا إلى ثقة من الرواة!
والملفت أيضاً: أنهرحمهالله قد ذكر ذلك وهو يتحدّث عن اُمور ترتبط بعلي الأكبرعليهالسلام بالذات، ثم هو يفندها، أو يذكر ما يحل الإشكال فيها، فراجع.
والغريب في الأمر هنا أن الشهيد العلاّمة المطهري - فيما ينسبه إليه مؤلّف الملحمة الحسينيّة - يذكر: أنّ ثمة قصة تتحدث عن احتضان ليلى لابنها علي الأكبر في ساحة الوغى، والمشهد الخيالي المحض. وقد تحدث عن كثرة المآتم التي حضرها وقرأ فيها قراء العزاء هذه القصة بالذات.
ونقول:
1 - إننا على كثرة مجالس العزاء التي حضرناها وسمعناها لم نسمع ولا مرة واحدة أنّ ليلى قد احتضنت ابنها في ساحة الوغى، ولا نقله لنا أحد، ولا قرأناه في كتاب، وذلك يفيد أنّ ما سمعهرحمهالله إنما كان حالة خاصة محصورة بأشخاص بأعيانهم، ولم يصبح جزءاً من تاريخ كربلاء يتداوله الناس أينما كانوا، وحيثما وجدوا.
2 - كما أننا لم نسمع أي شيء عن ليلى مما يدخل في دائرة الخيال المحض، لا بالنسبة لليلى وهي في فسطاطها، ولا بالنسبة لها حين كانت تلاحظ ولدها من بعيد وهو في ساحة الوغى، فنحن نستغرب هذه الأقوال كما يستغربها، ونرفضها كما يرفضها.
3 - البحث العلمي، والدراسة والاستدلال، والحديث ينبغي أن يتجه لمعالجة ما أصبح تاريخاً متداولاً يتلقّاه الناس بالقبول والرضا، لا أن يكون عن نزوات أشخاص منحرفين أو يعانون من عقدة؛ فإنّ معالجة هذا النوع من الأمراض له مجالات وسبل اُخرى تربويّة وغيرها.
ولنفترض جدلاً أنّ ما قدّمناه، وكذلك ما سيأتي من دلائل وشواهد، لا يكفي للقول بأن التاريخ قد صرّح بحضور ليلى في كربلاء يوم العاشر من المحرم، رغم أنّ أقل القليل منه يكفي للإشارة إلى وجود هذا القول.
غير أننا نقول: إنّ عدم ذكر التاريخ لذلك - لو صح - فإنه لا يكون سنداً للنفي من الأساس؛ إذ إنّ التاريخ قد سجّل لنا أسماء عدد من الذين حضروا تلك الواقعة نساء ورجالاً وأطفالاً، ولكنه عجز عن ذكر أسماء الكثيرين الآخرين منهم، بل أهمل ذكر أسماء الأكثرية الساحقة في وقائع مختلفة؛ كحنين، وخيبر، وصفّين، والجمل، والنهروان...
فهل ذلك يعني أنّ من لم يصرّح التاريخ باسمه لم يكن حاضراً في تلك الوقائع، بحيث يجوز لنا نفي حضوره بشكل بات، وقاطع، ونهائي؟
إننا لا نظن أنّ أحداً يستطيع أن يلتزم بهذا الأمر، وهو يعلم أنّ ذلك يستبطن فتح المجال لإنكار مختلف حقائق التاريخ، وارتكاب جريمة تزوير كبرى لا يجازف عاقل بالإقدام عليها في أي من الظروف والأحوال.
الفصل الخامس:
التضحية والجهاد، ودعاء ليلى لولدها
ويُنسب إلى الشهيد السعيد العلاّمة الشيخ مرتضى مطهريرحمهالله ، وهو يعدد التحريفات التي لحقت بواقعة كربلاء، قوله: (... قضية حضور ليلى في كربلاء، والادّعاء بأن الحسينعليهالسلام قد أمرها أن ترجع إلى إحدى الخيم، وتنشر شعرها بعد أن خرجت من المخيم...).
ويقولرحمهالله : إنه حضر مجلساً حسينياً سمع فيه أنّ علياً الأكبر نزل إلى ساحة الوغى، وإذا بالحسينعليهالسلام يتوجّه إلى اُمّه ليلى، ويطلب منها الدخول إلى إحدى الخيم، ونثر شعرها، والتوجّه إلى ربها بالدعاء ليرجع ابنها سالماً إليها؛ فإني سمعت جدي رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: بأن دعاء الاُم بحق ابنها مستجاب. فهل هناك تحريف أكثر من هذا؟!
أولاً: ليس هناك ليلى في كربلاء حتّى يحدثها الإمامعليهالسلام .
ومن ثمّ ثانياً: هل هذا هو منطق الحسينعليهالسلام في المعركة؟ أبداً؛ فمنطق الحسينعليهالسلام يوم عاشوراء كان منطق التضحية والجهاد.
ثمّ إنّ كلّ المؤرّخين متّفقون على أن الحسينعليهالسلام كان يجد الأعذار لكلِّ من يطلب التوجّه إلى المبارزة، ما عدا ابنه علي الأكبر؛ فإنه لما استأذنه بالقتال أذن له كما تذكر كل الروايات، (فاستأذن في القتال أباه فأذن له).
ولكن رغم ذلك: (ما أكثر الأشعار التي نظموها بحق ليلى وابنها في خيم كربلاء!).
ونقول: إنّ لنا على ما يُنسب إلى هذا الشهيد السعيد عدة ملاحظات، نشير إليها فيما يلي:
قد ورد أنّ الزهراءعليهاالسلام قد هددت الذين اعتدوا على مقام أمير المؤمنينعليهالسلام ، وحملوه إليهم رغماً عنه ليبايع، هددت بأن تكشف رأسها وتدعو عليهم. ومن الواضح أنّ كشف رأسها لن يكون أمام الرجال الأجانب، بل في بيتها وفي داخل خدرها.
ليس في الرواية أنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد طلب من ليلى أن تدخل إلى الفسطاط وتنشر شعرها وتدعو، بل فيها أنهعليهالسلام قد أمرها بالدعاء، وأخبرها بقول النبيصلىاللهعليهوآله حول أن دعاء الاُمّ مستجاب في حق ولدها، فجرّدت رأسها - وهي في الفسطاط - ودعت له.
ويستنكر الشهيد المطهري ذلك حسبما نُسب إليه، فيقول: فهل هناك تحريف أكثر من هذا؟!
ونحن بعد أن ظهر أنه لم يلتفت إلى السياق السليم للرواية، ولم يوردها على سياقها الحقيقي، نقول له نفس هذا القول: فهل هناك تحريف أكثر من هذا؟! اللهمّ إلا أن يبرئ مؤلف هذا الكتاب نفسه من هذه المؤاخذة، على أساس أنه لا يتحدّث عما ورد في الرواية، وإنما هو يتحدث عن تحريف ذلك الخطيب لها.
وغني عن القول: إنّ استجابة الله سبحانه دعاء اُمّ علي الأكبر، بعد أن أمرها الإمام الحسينعليهالسلام بالدعاء لولدها، وإرجاع ولدها إليها لا يتنافى مع التضحية والجهاد كما يريد الشهيد السعيد العلاّمة المطهريرحمهالله أن يقوله وفقاً لما نُسب إليه؛ وذلك لأنّ استجابته (سبحانه وتعالى) لها بإرجاع ولدها إليها لفترة وجيزة، ثمّ عودته بعد ذلك لمواصلة كفاحه، ثمّ استشهاده، لا يدل على أنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد رغب في بقاء ولده حياً من بعده، وأنه قد ضنّ به على الموت في ساحة الجهاد؛ فإنّ تأخير استشهاده ساعة من نهار إنما هو من أجل أن يثلج بذلك صدر والدته بعودته إليها سالماً من إحدى جولاته ومعاركه، وليكون استشهاده بعد ذلك أهون عليها؛ لما تمثّله استجابة دعائها من دلالة يقينيّة على عناية الله سبحانه بهم، وما يعطيه ذلك لها من ثقة بالله، وطمأنينة ورضا بقضائه، وما يهيِّئه للصبر الجميل على تحمل بلائه (جلّ وعلا).
وليكن توجيهها الحسيني نحو الدعاء لطلب عودة ولدها منسجماً مع مسارعتهعليهالسلام للإذن لولده باقتحام ساحة الجهاد دون أدنى تعلل أو تردد في ذلك.
1 - لا ندري كيف استطاع العلاّمة الشهيد أن يتبيّن وجود إجماع واتّفاق من كل المؤرّخين على أنهعليهالسلام لم يحاول أن يجد أي عذر لولده علي الأكبر حينما استأذنه بالبراز إن صح نسبة ذلك إليه؟ فإنّ مجرد عدم ذكر المؤرّخين لذلك، واكتفاءهم بعبارة: (استأذن فأذن له) ليست صريحة في إجماعهم على أن شيئاً من ذلك لم يحصل؛ فإنّ عدم ذكر الشيء لا يدل على عدم حصوله.
وها نحن نرى كيف أنّ المؤرّخين يختلفون في إيراد الخصوصيات المختلفة للوقائع التي يسجّلونها؛ فيذكر أحدهم خصوصية يهملها الآخر، وبالعكس، وما ذلك إلاّ لأجل ما ذكرناه.
2 - هل استطاع الشهيد مطهري - المنسوب إليه هذا الكلام - أن يسبر كل ما كتبه العلماء والمحدثون والمؤرّخون عن أحداث عاشوراء؟
3 - لربما يكون الناقل لهذه الخصوصية من المشاهدين للأحداث من بعيد، ولم يتسنَ له أن يسمع الكلمات التي دارت بين الوالد وولده بدقة؛ فنقل ذلك على سبيل الإجمال.
ونجد أنّ ما نقلهرحمهالله عن قارئ العزاء في ذكره لتفاصيل هذه القضية يختلف عمّا سجّله المؤلّفون في كتبهم. ولعل العلامة الشهيد (رحمه الله تعالى) - لو صحت نسبة هذا الكلام إليه - لم يراجع تلك المؤلّفات؛ ليطّلع على النص الدقيق للقضية، أو لعلّه قد ذهل - وهو ينقل عن حفظه - عن بعض الخصوصيات؛ فقد ذكروا أنّ الحسينعليهالسلام كان يراقب جهاد ولده، وكانت اُمّه ليلى تنظر في وجه الحسينعليهالسلام ، فبرز إليه رجل اسمه بكر بن غانم، فتغير وجههعليهالسلام ، فرأته ليلى، فبادرت إلى سؤاله عن سبب ذلك، وهل أن ولدها أصابه شيء؟
فأجابها: «لا، ولكن قد برز إليه من يُخاف عليه منه، فادعي لولدك علي؛ فإني قد سمعت من جدي رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّ دعاء الاُمّ يُستجاب في حق ولدها».
فجرّدت رأسها وهي في الفسطاط، ودعت له إلى الله (عزّ وجلّ) بالنصر عليه.
وقال: وجرى بينهما حرب شديد حتّى انخرق درع بكر بن غانم من تحت إبطه، فعاجله علي بن الحسينعليهالسلام بضربة قسمه نصفين.
الفصل السادس:
لأزرعنّ طريق الطفِّ ريحانا
ويقول الشهيد العلامة المطهريرحمهالله ، حسبما نُسب إليه وهو يتحدّث عمّا سمعه في مجلس آخر في طهران: إن القارئ أضاف إلى مقولة: إنّ ليلى توجّهت إلى الخيمة ونثرت شعرها، بناء على طلب الحسينعليهالسلام ، أنها نذرت أيضاً زرع الطريق من كربلاء إلى المدينة بالريحان إذا ما استجاب الله تعالى دعاءها، وأرجع لها ابنها سالماً من المعركة! أي أنها ستزرع طريقاً طوله ثلاثمئة فرسخ بالريحان!
قال القارئ ذلك ثم راح ينشد ويقول:
نذرٌ عليَّ لئن عادوا وإن رجعوا |
لأزرعنّ طريقَ التفت ريحانا |
لقد ذهلت لمّا سمعت، وزاد تعجبي من هذا البيت من الشعر العربي، وصرت أسأل نفسي: من أين جاء وسط هذه التعزية؟! ثم ذهبت أبحث في بطون الكتب، وإذا بي أجد بأن (التفت) هي منطقة غير منطقة كربلاء أولاً. ثمّ إنّ بيت الشعر كله لا علاقة له بحادثة عاشوراء، لا من قريب ولا من بعيد، بل أنه نُظم على لسان مجنون ليلى العامري وهو ينتظر ليلاه التي كانت تقيم في هذه الناحية.
وإذا بقرّاء التعزية صاروا يقرؤونه على لسان ليلى اُمّ علي الأكبر، وحُرّفت (التفت) إلى طفِّ كربلاء وواقعة عاشوراء.
تصوروا لو أنّ مسيحيّاً أو يهوديّاً أو ملحداً كان حاضراً في مثل هذا المجلس، ألا تنتظرون منه أن يقول: ما هذه الترّهات التي تشوب تاريخ هؤلاء القوم؟!
إنه لن يقول بأنّ قرّاء التعزية قد اختلقوا مثل هذه القصص من عنديّاتهم، بل إنه سيقول - والعياذ بالله -: ما أحمق نساءهم اللواتي ينذرن زرع الريحان من كربلاء إلى المدينة! فما هو معنى هذا الكلام؟!
ويقول أيضاً وهو يتحدث عن ليلى في كربلاء: والشعر المختلق على لسانها:
نذرٌ عليَّ لئن عادوا وإن رجعوا |
لأزرعنَّ طريقَ الطفِّ ريحانا |
ونقول: إنّ لنا مع ما نُسب إليهرحمهالله هنا وقفات نوردها ضمن النقاط التالية:
إن من الواضح أنّ من أهم مظاهر الشعر وميزاته هو استخدام اُسلوب المبالغة فيه، وإطلاق عنان الخيال للتجوال في الآفاق الرحبة، وليقتنص من هنا وهناك صوراً جمالية فاتنة رائعة.
ولنأخذ مثالاً توضيحياً على ما نقول: موضوع التشبيه، وهو أبسط ما ينحو إليه الشاعر والناثر على حد سواء، فإذا وجدنا الشاعر يشبّه رجلاً بالأسد في قوته وشجاعته وإقدامه، أو يشبّهه بالجبل الأشم في ثباته وشموخه وعظمته، فإنه يفعل ذلك دون أن يخطر له على بال ما للأسد من أنياب، ولبد، وهيئات، وحالات، أو ما في الجبل، من شجر، وحجر، وتراب، ومسارب، وشعاب.
وهذا يوضّح أنّ القصد من ذكر زراعة طريق الطفِّ بالريحان ليس هو إنشاء نذر شرعي بالقيام بزراعة حقيقية لهذا الطريق، وإنما المراد تصوير مدى الحرص على رجوع ذلك الولد الحبيب والغالي إلى أحضان والدته، ومدى تلهّفها لرؤيته، وحقيقة الأسى الذي تعاني منه جراء فراقه. وهو أمر تستحق لأجله الاحترام والإكبار بلا شك.
وإنّ من مظاهر كمال المرأة أن تملك هذه العاطفة النبيلة والجيّاشة، ولن يستطيع أحد أن يصفها بالحمق ولا بغيره من أوصاف السوء، مهما كان انتماؤه الديني، وأيّاً كانت نظرته الإيمانيّة والعقائدية.
ويا ليت الشهيد السعيد - لو صحّت النسبة إليه - ذكر لنا المصدر الذي اعتمد عليه حين قال: إنّ (التفت) هو اسم المكان الذي كان يقيم فيه بنو عامر بن صعصعة؛ فإن كلمة (التفت) لم نجدها فيما بأيدينا من كتب الجغرافيا، والبلدان، واللغة، والتاريخ، والأدب التي تحدّثت عن بني عامر ومساكنهم ومنازلهم.
ولا ندعي أننا قد استقرأناها جميعاً، بل إننا نقول: إنّ اطّلاعنا على المصدر يعطينا الفرصة لمحاكمة هذه المقولة وللبحث في مدى صحة الاعتماد عليها، وبدون ذلك فإنها تكون دعوى تبقى عهدتها على مدّعيها، وهي حجّة عليه، ولا تلزم الآخرين بشيء، خصوصاً مع احتمال أن يكونرحمهالله قد استفاد ذلك بطريقة اجتهاديّة ممّا يذكره المؤرّخون حول مساكن بني عامر بن صعصعة، وهم قوم قيس بن الملوّح.
فقد قال عمر رضا كحالة: كانوا كلهم بنجد، ثم نزلوا ناحية من الطائف، مجاورين لعدوان أصهارهم، فنزلوا حولهم... إلى أن قال: فكانت بنو عامر يتصيّفون الطائف؛ لطيبها وثمارها، ويتشتّون بلادهم من أرض نجد؛ لسعتها، وكثرة مراعيها، وإمراء كلئها، ويختارونها على الطائف...
وفي نصوص اُخرى: إنهم كانوا بذي سلم، وهو واد منحدر على الذنائب. والذنائب في أرض بني البكاء على طريق البصرة إلى مكة؛ وذلك لقول مجنون بني عامر:
أيا حرجات الحيِّ حيث تحمّلوا |
بذي سُلمٍ لا جادكنّ ربيعُ |
|
وخيماتُك اللاتي بمنعرج اللوى |
بُلين بلىً لم تبلهنَّ رُبوعُ |
وقيل: إنّ ليلى تزوّجت في ثقيف. وقيل: بل تزوّجها ورد العقيلي.
وذكروا أيضاً أنّ ليلى كانت تنزل بجبَلَي نعمان، وهما جبلان قرب مكة، وقد قال قيس بن الملوّح في ذلك:
أيا جَبَلَي نعمان بالله خليَّ |
سبيلَ الصبا يخلص إليَّ نسيمُها |
ونحتمل أن يكون الشهيد مطهري - لو صحت نسبة الكلام إليه - قد أخذ كلمة (التفت) من كلمة (التوباد)، على أن يكون قد قسّم هذه الكلمة إلى قسمين:
أحدهما كلمة (التو)، والفارسي يلفظ الواو كالفاء؛ فتصير (التف).
والاُخرى كلمة (باد) التي تعني بالفارسيّة (الهواء)، وكلمة (تو) بمعنى داخل.
لكن إضافة التاء الثانية تبعد هذا الاحتمال وتقرّب احتمالاً آخر؛ وهو أن يكون الأصل: (تفت باد)، فكلمة (تفت) تعني بالفارسيّة الحرارة، فلعلهرحمهالله قد اعتبر أن المراد من الكلمتين هو (الهواء الحار)، في إشارة إلى حرارة تلك المنطقة التي سمّيت بهذا الاسم، وأن تركيب الكلمتين (تفت باد) مع بعضهما البعض، وإعطائهما طابع اللغة العربية قد اقتضى إسقاط التاء الثانية، فصارت الكلمة هكذا (التوباد).
نقول ذلك على أساس أن بني عامر كانوا يسكنون قرب جبل التوباد في نجد، وقد قال مجنون بني عامر قيس بن الملوح: فقال: مضوا... إلخ.
ولنفترض أنّ هذا الشعر قد جاء للتعبير عن حالة مجنون بني عامر مع ليلاه، فما المانع من أن يكون قد استعاره من ليلى اُمِّ علي الأكبر على سبيل التمثّل به؛ لمطابقته لحاله، وانسجامه مع تطلعاته، وتعبيره عن آلامه وآماله؟
ولعله لأجل هذا الغرض بالذات تصرّف في كلمة من الشعر فأبدلها باُخرى لو صحّ ما ذكروه من إبدال كلمة (الطفّ) بكلمة (التفت). فكما يمكن أن يكون قرّاء العزاء هم الذين أبدلوا هذه الكلمة، كذلك يمكن أن يكون الذي أبدلها هو مجنون بني عامر نفسه، خصوصاً إذا علمنا أنّ قيس بن الملوح كان معاصراً لليلى اُمّ علي الأكبر؛ حيث كان يعيش في زمن يزيد (لعنه الله) وابن الزبير.
وعند ابن الجوزي أنّه توفي سنة سبعين للهجرة، وعند ابن تغري بردى أنه توفي في حدود سنة 65، وقيل: في سنة 68 هـ.
وقد يكون قيس بن الملوح أو غيره قد أورد هذا البيت في قصيدته على سبيل التضمين؛ سواء قصد به الإيداع أو الاستعانة. والإيداع: هو أن يودع الناظم شعره بيتاً من شعر غيره، أو نصف بيت، وبعد أن يوطّئ له توطئةً تناسبه بحيث يظن السامع أنه جزء من شعره. فلعل قيس بن الملوّح قد أدخله في شعره على سبيل الاستعانة أو الإيداع؛ فإن ذلك شائع في شعر العرب.
بل ما الذي يمنع من أن يكون قرّاء العزاء الحسيني قد أوردوا هذا الشعر على طريقة (لسان حال ليلى)، لكن بعض من سمعه قد ظنّ أنه ينسبه إليها على سبيل الحقيقة، وأنها هي التي قالته أو نظمته؟
والملفت للنظر هنا أمران، كل واحد منهما يجعلنا نرجّح أنّ هذا الشعر قد نُسب إلى مجنون ليلى أو مجنون بني عامر على سبيل الادّعاء والتزوير، وهذان الأمران هما:
الأوّل: إنّ أصل وجود المجنون موضع شك.
الثاني: إنّ شعره المنسوب إليه كلّه مولّد عليه، أو أكثره. وللتدليل على ذلك نشير إلى روايات عديدة دلت على ذلك، ونقتصر على ما ورد في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، ومن أراد المزيد من المصادر فعليه بمراجعة كتب الأدب والتراجم وغيرها.
والنصوص التي اخترناها هي التالية:
1 - أيوب بن عبابة يقول: سألت بني عامر بطناً بطناً عن مجنون بني عامر فما وجدت أحداً يعرفه.
2 - وعن ابن دأب أنه سأل أحد بني عامر عن وجود المجنون فأنكر وجوده، وقال: هيهات! بنو عامر أغلظ أكباداً من ذاك، إنما يكون هذا في اليمانيّة الضعاف قلوبها... إلخ.
3 - وعن الأصمعي: رجلان ما عُرفا في الدنيا قط إلاّ بالاسم؛ مجنون بني عامر، وابن القرية، وإنما وضعهما الرواة.
4 - وهناك اختلاف كثير في اسم المجنون ونسبته، فراجع.
5 - وعن عوانة أنه قال: المجنون اسم مستعار لا حقيقة له، وليس له في بني عامر أصل ولا نسب. فسُئل: من قال هذه الأشعار؟ قال: فتى من بني اُميّة.
6 - عن ابن الأعرابي أنه ذكر عن جماعة من بني عامر أنهم سُئلوا عن المجنون فلم يعرفوه، وذكروا أنّ هذا الشعر كلّه مولّد عليه.
7 - عن ابن الكلبي قال: حدّثت أنّ حديث المجنون وشعره وضعه فتى من بني اُميّة كان يهوى ابنة عمٍّ له، وكان يكره أن يظهر ما بينه وبينها، فوضع حديث المجنون، وقال الأشعار التي يرويها الناس للمجنون ونسبها إليه.
8 - وعن أيوب بن عباية أنّ فتى من بني مراون كان يهوى أمرأة منهم، فيقول فيها الشعر وينسبه إلى المجنون، وأنه عمل له أخباراً وأضاف إليها ذلك الشعر، فحمله الناس وزادوا فيه.
9 - وقال الجاحظ: ما ترك الناس شعراً مجهولَ القائل في ليلى إلاّ نسبوه إلى المجنون.
10 - عن عوانة قال: ثلاثة لم يكونوا قط، ولا عُرفوا: ابن أبي العقب صاحب قصيدة الملاحم، وابن القرية، ومجنون بني عامر.
11 - الأصمعي: الذي اُلقي على المجنون من الشعر واُضيف إليه أكثر من ما قاله هو.
ويقول أبو الفرج: إنّ أكثر الأشعار المذكورة في أخباره نسبها بعض الرواة إلى غيره، وينسبها من حكيت عنه إليه، وإذا قدّمت هذه الشريطة برئت من عيب طاعن ومتتبع للعيوب.
وكل ذلك يرجّح أن تكون نسبة هذا الشعر إلى المجنون قد جاءت على سبيل التزوير والافتعال كما هو الحال في كثير مما نُسب إليه.
وإنّ الأرجح هو سرقة هذا البيت من صاحبه الأصلي، وهو اُمّ علي الأكبر (رحمها الله)، ثمّ التصرف فيه، ثمّ نسبته إلى آخر هو المجنون أو شخص آخر رأوه أولى به؛ لما يتضمّن من حكايته لحاله أو لحالهم إن كان المجنون شخصية وهمية صنعها رجل من بني اُميّة للتستر وراءها.
الفصل السابع:
شواهد تضاف إلى ما سبق
وأخيراً فإننا نجد في النصوص الواردة في الكتب المعتبرة ما يفيد حضور ليلى في كربلاء، فيقول البعض: ورد في بعض الكتب المعتبرة: فقاتل علي بن الحسينعليهالسلام حتّى قُتل، وكانت اُمّه واقفة بباب الفسطاط تنظر إليه.
ويقول ابن شهر اشوبرحمهالله : ثمّ تقدّم علي بن الحسين الأكبر، وهو ابن ثماني عشرة سنة، ويقال: ابن خمس وعشرين، وكان يشبّه برسول اللهصلىاللهعليهوآله خَلقاً وخُلقاً ونطقاً، وهو يرتجز ويقول:
أنا عليُّ بنُ الحسين بن علي |
من عصبةٍ جدُّ أبيهمُ النبي |
|
نحن وبيت الله أولى بالوصي |
واللهِ لا يحكم فينا ابن الدعي |
|
أضربكم بالسيف أحمي عن أبي |
أطعنكم بالرمح حتّى ينثني |
فقتل سبعين مبارزاً، ثم رجع إلى أبيه، وقد أصابته جراحات، فقال: يا أبه، العطش!
فقال الحسينعليهالسلام : «يسقيك جدك».
فكرّ عليهم أيضاً وهو يقول:
الحربُ قد بانت لها حقائقْ |
وظهرت من بعدها مصادقْ |
|
واللهِ ربِّ العرش لا نفارقْ |
جمعكمُ أو تُغمد البوارقْ |
فطعنه مرة بن منفذ العبدي على ظهره غدراً، فضربوه بالسيف.
فقال الحسينعليهالسلام : «على الدنيا بعدك العفا». وضمّه إلى صدره، وأتى به إلى باب الفسطاط، فصارت اُمّه شهر بانويه ولهى تنظر إليه ولا تتكلم، فبقي الحسينعليهالسلام وحيداً، وفي حجره علي الأصغر، فرمي إليه بسهم فأصاب حلقه... إلخ.
لكن الملاحظ هو أنّ هذا النص يذكر أنّ اُمّ علي الأكبر الشهيد في كربلاء ليست هي ليلى بنت أبي مرة، وإنما هي اُم ولد اسمها شهربانويه.
وهذا يتوافق مع ما رواه أبو الفرج حيث قال: وقال يحيى بن الحسن العلوي: وأصحابنا الطالبيون يذكرون أنّ المقتول لاُمّ ولد، وأنّ الذي اُمّه ليلى هو جدهم. حدثني بذلك أحمد بن سعيد عنه.
والمراد بجد الطالبيين هو الإمام السجادعليهالسلام كما هو واضح.
وفي نص آخر: اُمّه آمنة، أو ليلى بنت أبي مرة.
وفي نص آخر: اسمها برة بنت عروة بن مسعود.
وهذا الاختلاف لا يضر في المقصود من أنها (رحمها الله) كانت حاضرة في كربلاء؛ وفقاً لهذا النص الذي أوردناه، أو أنّ ذلك هو الظاهر منه على أقل تقدير.
فما يُنسب إلى الشهيد مطهري من نفي حضورها في كربلاء بشدة وبحدة يصبح في غير محلّه، ولا يساعد عليه الدليل، ولا يعضده البرهان.
ويقولون: إنه لمّا قُتل علي الأكبر قال حميد بن مسلم: فكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة، تنادي بالويل والثبور، وتقول: يا حبيباه! يا ثمرة فؤاداه! يا نور عيناه!
فسألت عنها، فقيل: هي زينب بنت علي. وجاءت وانكبّت عليه، فجاء الحسينعليهالسلام فأخذ بيدها فردّها إلى الفسطاط.
فالتعبير بـ (وا ثمرة فؤاداه) يشير إلى أنها إنما تندب ولدها وليس ابن أخيها؛ لأنّ هذا التعبير إنما يستعمل للتعبير عن النسل. قال الزبيدي:... ومن المجاز (الولد) ثمرة القلب. وفي الحديث: إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: «قبضتم ثمرة فؤاده؟». فيقولون: نعم.
قيل للولد: ثمرة؛ لأنّ الثمرة ما ينتجه الشجر، والولد نتيجة الأب.
وقال بعض المفسرين في قوله تعالى:( ... وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ... ) : أي الأولاد والأحفاد، كذا في البصائر.
وقد تكرر هذا التعبير في العديد من النصوص التي أوردها نَقَلة هذا الخبر، فراجع.
1 - وبعد ما تقدّم كله فإننا نجد نصّاً يكاد يكون صريحاً في حضور والدة علي الأكبر لواقعة الطفِّ، لولا وجود حالة اشتباه في الأشخاص، لعلها ناشئة عن عدم معرفة من حضر الوقعة بهم على نحو التحديد.
فقد أورد الطريحيرحمهالله نصاً يقول: قال من شهد الوقعة: كأني أنظر إلى امرأة خرجت من فسطاط الحسينعليهالسلام ، وهي كالشمس الزاهرة، تنادي: وا ولداه! وا قرّة عيناه!
فقلت: من هذه؟
قالوا: زينب بنت علي.
2 - وذكر الشيخ مهدي المازندراني عن محمّد الأشرفي المازندراني أنه لمّا قُتل علي الأكبر خرجت ليلى حافرة (الصحيح: حافية أو حاسرة) حائرة، مكشوفة الرأس، تنادي: وا ولداه! وا ولداه!
3 - وروي أنّ زينب خرجت مسرعة تنادي بالويل والثبور، وتقول: يا حبيباه! يا ثمرة فؤاداه! يا نور عيناه! وا ولداه! وا قتيلاه! وا قلّة ناصراه! وا غربتاه! وا مهجة قلباه! ليتني كنت قبل اليوم عمياء! وليتني وُسّدت الثرى!
فجاءت وانكبّت عليه، فبكى الحسينعليهالسلام ؛ رحمة لبكائها، وقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون». وجاء وأخذ بيدها فردّها إلى الفسطاط.
4 - روى أبو مخنف عن عمارة بن راقد، قال: إنّي نظرت إلى إمرأة قد خرجت من فسطاط الحسينعليهالسلام ، كأنها البدر الطالع، وهي تنادي: وا ولداه! وا مهجة قلباه! يا ليتني كنت هذا اليوم عمياء، وكنت وسّدت تحت أطباق الثرى.
5 - وفي رواية عن عبد الملك قال: كنت أسمعه، وإذا قد خرجت من خيمة الحسينعليهالسلام امرأة كسفت الشمس من حياها، وتنادي من غير شعور: وا حبيباه! وابن أخاه! حتّى وصلت إليه، فانكبّت عليه، فجاءها الحسينعليهالسلام فستر وجهها بعباءة حتّى أدخلها الخيمة، فقلت لكوفي: من هذه؟ أتعرفها؟
قال: نعم، هذه زينب أخت الحسينعليهالسلام .
ولنا مع الروايات الآنفة الذكر وقفات:
قد صرّحت الروايات التي ذكرناها آنفاً، وجميع الروايات التي لم نذكرها، وهي التي تقول: إنها خرجت وهي تقول: وا ابن أخاه!
نعم، إنّها جميعاً - تقريباً - صريحة بأنّ التي خرجت من الخيمة قد كانت مكشوفة الوجه، وأنها كالشمس...
ومن الواضح: أنّ زينب العقيلة لم تكن لتكشف وجهها، وهي التي نعت على يزيد في خطبتها الشهيرة سوقَه بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآله من بلد إلى بلد، قد أبديت وجوههن، فهي تقول: أمن العدل يابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآله سبايا؛ قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدوا بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد، يستشرفهنّ أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف...؟!
كما أنّ ابن الجوزي قد تعجّب من أفاعيل يزيد التي منها ضربه ثنايا الحسينعليهالسلام بالقضيب، وحمله آل الرسولصلىاللهعليهوآله سبايا على أقتاب الجمال، موثّقين في الحبال، والنساء مكشّفات الوجوه والرؤوس. وذكر أشياء من قبيح ما اشتهر عنه.
إنّ الرواية تصرّح بأنّ حميد بن مسلم لم يكن يعرف زينب العقيلة، فسأل عن المرأة التي رآها، فأخبروه أنها زينب.
والظاهر أنّ المجيبين كانوا أيضاً لا يعرفون زينب العقيلة، فأطلقوا كلامهم، وقبله منهم حميد بن مسلم ذاهلاً هو الآخر عن حقيقة الأمر، أو غير مصدّق له، لكنه لم يشأ الاعتراض عليه.
والدليل على ما نقوله هو أنّ زينب الحوراء كانت مخدّرة ومحجوبة عن نظر الناس إليها، فكيف يمكن أن يعرفها أفراد ذلك الجيش المشؤوم من مجرّد رؤية وجهها إن كان قد انكشف؛ فإنّ وجوه المخدّرات لم تُكشف إلاّ بعد استشهاد الإمام الحسينعليهالسلام ، وسبي العيال و الأطفال، مع أنها لم تكن لتكشف وجهها باختيارها أمام ذلك الجيش في أي من الظروف والأحوال.
ولعل إطلاق اسم زينب في الجواب إنما هو بسبب أنّ اسمها كان هو المعروف المتداول لدى الجميع.
غير أنّ سؤالاً آخر قد يلح بطلب الإجابة عليه هنا، هو: إنه إذا كان ذلك هو معنى كلمة: (وا ثمرة فؤاداه)، وكذلك الحال إذا كانت قد قالت: وا ولداه، فكيف توهّم ذلك المسؤول أنها زينب، وكيف قبل منه سائله هذا الجواب وهما يعلمان أنّ المقتول هو ابن الحسينعليهالسلام ، وأن زينب هي أخت الحسينعليهالسلام ، فلا يعقل أن يكون المقتول ولدها؟!
ويمكن أن يجاب عن ذلك:
أوّلاً: إنه ليس في كلامه ما يدل على قبوله ورضاه بذلك الجواب، وإن كان قد سكت عنه فلعلّه أهمل الاعتراض عليه؛ لعلمه من خلال هذه الإجابة بالذات بجهله بتلك المرأة، وأنه إنما يردّد اسماً سمعه كالببغاء، ولم يكن المقام مقام جدال وأخذ ورد؛ فإنّ الأمر أعجل من ذلك.
ثانياً: لعلّ المجيب لم يسمع ما قالته تلك المرأة في ندبها لقتيلها، فأرسل كلامه على عواهنه؛ لأنه - ربما - لم يكن يُعرف في حرم الحسين إلاّ من اسمها زينب اُختهعليهالسلام .
وبالنسبة لكشف وجهها فلا يبعد أنه لم يكن يعرف أنّ شأن السيدة زينب يُجلّ عن أن تكشف وجهها أمام الملاء، وربما كان يقيس الاُمور على نفسه وعلى أمثاله من الفسقة والفجرة الذين لا يرجعون إلى دين ولا ينتهون إلى وجدان.
هذا كله إن لم نسوّغ لأنفسنا احتمال التحريف والسهو من قِبل نقلة هذه الأخبار، وقديماً قيل:ما آفة الأخبار إلاّ رواتها .
وقد يقال: إنّ نص هذه الرواية مضطرب بحسب نَقَلَته؛ فتارة تجد النص يقول: إنها قالت: وا ابن أخاه! وآخر يقول: إنها كانت تقول: وا ولداه! وا ثمرة فؤاداه! مع تصريح ابن شهر آشوب بأن اُمّ علي الأكبر كانت واقفة بباب الخيمة حين استشهاد ولدها.
والجواب:
إننا إذا أردنا الجمع بين نصوص هذه الرواية، فمن الممكن لنا أن نقول: إنّ زينبعليهاالسلام قد خرجت، وكانت تصيح: وا ابن اُخيّاه! وإن اُمّ علي الأكبر أيضاً قد خرجت وهي تصيح: وا ولداه! وا ثمرة فؤاداه!
فلعلّ هذا الراوي تحدّث عن هذه، وذاك تحدّث عن تلك، ولعله أيضاً قد خلط في حديثه بين المرأتين؛ فنسب كشف الوجه إلى الحوراء زينب، مع أنّ التي كشفت وجهها هي الأخرى قد خرجت مثلها، وإنما كشفت تلك وجهها بسبب فقد السيطرة على نفسها؛ لهول الكارثة.
وقد يقال: قد وجدنا نصاً يثبت هذه الرواية بصورة مفصّلة، وآخر يثبتها بصورة مختصرة، وذلك يعني وجود كذب في الرواية فلا يمكن الاعتماد عليها.
والجواب:
إنّ من الواضح أنّ اختلاف النص في زيادة بعض الكلمات لا يضر؛ فإنّ النصّين المثبتين لا يدخلان في دائرة التعارض، أو أنّ أحدهما قد تعلّق غرضه بالاختصار، أو النقل بالمعنى وما إلى ذلك، وتعلّق غرض الآخر بالتفصيل والتطويل.
قد تقدّم أنّ المحقق التستري يقول: لم يذكر أحد من أهل السير المعتبرة حياة اُمّه يوم الطفِّ فضلاً عن شهودها.
ويُفهم من المجلسي أيضاً أنه ينفي أن تكون اُمّه يوم عاشوراء على قيد الحياة، ويقول: إنّ ذلك قد ظهر له من الروايات المعتبرة، فراجع كلامه.
ونقول:
ألف: إنّ جميع ما تقدّم يدلّ على أنها كانت لا تزال على قيد الحياة، بل لقد حكى بعض بأنه قال الراوي: كنت أطوف في سكك المدينة وأنا على ناقة لي، حتّى أتيت دور بني هاشم، فسمعت من دارٍ رنةً شجية وبكاء حنين، فعرفت أنها امرأة، وهي تبكي وتنوح، وتبكي كالمرأة الثكلى.
ثم يذكر أنه سأل جارية عن الدار وصاحبها، فأخبرته أنها دار الحسينعليهالسلام ، وأن الباكية هي ليلى اُمّ علي الأكبر لم تزل تبكي ابنها ليلاً ونهاراً.
وفي المقابل لا توجد فيما بين أيدينا أية رواية تدل على أنها قد ماتت؛ ولذلك لم يستطع النافون لحضورها في كربلاء التشبت بشيء من ذلك، ولم يكن أمامهم سوى الاستدلال بعدم وجدانهم ما يدل على حضورها، وقد عرفت أنه دليل قاصر.
كما أن الصحيح هو وجود ما يدل على حضورها حسبما تقدم.
باء: إنه إذا كانت على قيد الحياة كما دلّت عليه الروايات التي ذكرناها وذكرها الآخرون، فلا بدّ لمن ينفي حضورها في كربلاء من الإجابة على السؤال عن سبب تركها المسير إلى كربلاء، فهل مُنعت؟ أم كرهت ورفضت؟ ولماذا؟
أمّا ما نُسب إلى المجلسي في كتابه جلاء العيون (الفارسي المطبوع) فلم نجده في ترجمته العربية التي هي بقلم العلاّمة الجليل السيد عبد الله شبر (رحمه الله تعالى)، مع أنه يصرح بقوله: ناقلاً لتحقيقاته الشافية، وتنبيهاته اللطيفة الوافية.
كما أننا لم نجد أثراً لتلك الروايات التي أشارت إليها العبارة الفارسيّة للكتاب المنسوب إليه. نعم لم نجد لها أثراً في أي من مؤلّفات العلاّمة المجلسي، لا في موسوعاته الحديثية كالبحار، ولا في غيره.
جيم: قال ابن قولويهرحمهالله في كامل الزيارات: حدّثني حكم بن داود، عن سلمة قال: حدّثني أيوب بن سليمان بن أيوب الفزاري، عن علي بن الحزوّر، قال: سمعت ليلى وهي تقول: سمعت نوح الجن على الحسين بن عليعليهالسلام ، وهي تقول:
يا عينُ جودي بالدموع فإنما |
يبكي الحزينُ بحرقةٍ وتفجّعِ |
|
يا عينُ ألهاك الرقاد بطيبه |
من ذكر آل محمّد و توجّعِ |
|
باتت ثلاثاً بالصعيد جسومُهمْ |
بين الوحوشِ وكلُّهم في مصرعِ |
راجع: كامل الزيارات / 95.
وذلك يدل على بقائها قيد الحياة إلى ما بعد استشهاد الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).
وبعد هذه الجولة المحدودة التي قمنا بها لا يسعنا إلاّ أن نشكر القارئ الكريم الذي أعطى وقتاً، وبذل جهداً في متابعته لما أوردناه في هذا البحث المقتضب الذي تحدّث فيما تحدث عنه: عن إمكانية الاعتماد على كتاب (الملحمة الحسينيّة) ونسبة مطالبه إلى الشهيد مطهريرحمهالله .
وكذلك تحدّث عن قيمة الرأي الذي ينسب طائفة من الأحداث إلى الكذب والخرافة، ثم تطرّقنا باقتضابٍ واختصار إلى مناقشة الأدلّة التي استند إليها النافون لحضور اُمّ علي الأكبر في كربلاء، ثمّ اتخذ البعض من هذا النفي عنواناً للاُسطورة والخيال العاشورائي بزعمه، واعتبره مدخلاً مناسباً للطعن في قرّاء العزاء ورميهم بمختلف أنواع الأفائك، ومواجهتهم بشتّى أنواع التهم، وتصغير شأنهم، وتحقير أمرهم؛ وذلك بهدف تشكيك الناس بكل ما يقولونه عن عاشوراء وكربلاء، وإفراغها من محتواها الثقافي والعاطفي والتربوي، وما إلى ذلك.
وإذ قد ظهر عدم صحة ما استندوا إليه، وبطلان ما اعتمدوا عليه، فما علينا إلاّ أن نترك الخيار في أن يراجعوا ضميرهم، ويعملوا على إصلاح ما أفسدوه، مع إسدائنا النصح لهم بأن لا تأخذهم العزة بالإثم فيلجؤوا إلى المكابرة، ثم ّإلى المنافرة، وأن يقلعوا عن الاستمرار برمي الآخرين بمختلف أنواع التهم، ويرتدعوا عن إشاعة الأباطيل ونشر الأضاليل.
كما أننا لا نحبّ لهم أن يتابعوا أساليبهم المعهودة التي تعتمد على كيل السباب والشتائم، وقواذع القول للتوصّل إلى التشكيك إن لم يكن النفي للحقائق الدامغة والثابتة.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على عباده الذين اصطفى محمّد وآله.
حُرّر بتاريخ 11 ذي الحجة 1420 هـ.
عيتا الجبل - جبل عامل - لبنان
المصادر والمراجع
(ألف)
1 - الآثار الباقية - للبيروني.
2 - الاحتجاج - للطبرسي - ط سنة 1413 هـ ق - انتشارات أسوة - قم - إيران.
3 - إحقاق الحق (الملحقات) المرعشي النجفي - ط 1409هـ. ق - قم - إيران.
4 - الأغاني - لأبي الفرج الأصبهاني - ط دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان.
5 - إقبال الأعمال - للسيد ابن طاووس - ط دار الكتب الإسلاميّة - طهران - إيران.
6 - الأمالي - للشيخ الصدوق - ط 1980م - مؤسسة الأعلمي - بيروت - لبنان.
7 - إكسير العبادات - للفاضل الدربندي - ط سنة 1415 هـ. ق - المنامة - البحرين.
8 - الإيقاد - للسيد محمّد علي عبد العظيمي - منشورات الفيروز آبادي - قم - إيران.
(ب)
9 - بحار الأنوار - للعلامة المجلسي - ط سنة 1403 هـ. ق - مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان.
10 - بلاغات النساء - لطيفور - ط سنة 1972 م - دار النهضة الحديثة - بيروت - ومنشورات مكتبة بصيرتي - قم - إيران.
(ت)
11 - تاج العروس - للزبيدي - ط سنة 1306 هـ. ق - المطبعة الخيرية - مصر.
12 - تاريخ الإسلام للذهبي - ط سنة 1410 هـ. ق - دار الكتاب العربي - بيروت.
13 - تاريخ اليعقوبي - لابن واضح - ط دار صادر - بيروت - لبنان.
(ج)
14 - جلاء العيون - للسيد عبد الله شبر - منشورات مكتبة بصيرتي.
15 - جلاء العيون - (فارسي) - للمجلسي - ط إيران.
(ح)
16 - حقائق هامة حول القرآن الكريم - للسيد جعفر مرتضى - ط سنة 1410 هـ. ق - مؤسسة النشر الإسلامي - قم - إيران - ودار الصفوة - بيروت - لبنان.
(خ)
17 - خزانة الأدب - لابن حجة الحموي.
(ذ)
18 - ذم الهوى.
(ز)
19 - زيارة الأربعين - لكمال زهر - ط دار الإسلام - سنة 1998 م - بيروت - لبنان.
(س)
20 - سير أعلام النبلاء - للذهبي - ط سنة 1406 هـ. ق - مؤسسة الرسالة - بيروت.
(ش)
21 - شذرات الذهب - لابن عماد الحنبلي - ط المكتب التجاري - بيروت - لبنان.
عليهالسلام
22 - عجائب المخلوقات - للقزويني - مطبوع بهامش كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري.
23 - عوالم العلوم - للشيخ البرحاني - ط سنة 1405 هـ. ق - مدرسة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) - قم - إيران.
24 - عيون أخبار الرضاعليهالسلام - للشيخ الصدوق - ط سنة 1377 هـ. ق - قم - إيران.
(ف)
25 - فرائد السمطين - للجويني - ط سنة 1400هـ - مؤسسة المحمودي - بيروت - لبنان.
26 - فصل الخطاب - للمحدّث النوري - ط حجرية سنة 1298 هـ. ق.
(ق)
27 - قاموس الرجال - للعلامة التستري - ط سنة 1415 هـ. ق - مؤسسة النشر الإسلامي - قم - إيران.
(ك)
28 - الكافي - للكليني - ط سنة 1388 هـ. ق - المطبعة الإسلاميّة - طهران - إيران.
29 - كمال الدين وتمام النعنة - للشيخ الصدوق - ط 1395 هـ. ق - دار الكتب الإسلاميّة - طهران - إيران.
(ل)
30 - اللهوف في قتلى الطفوف - لابن طاووس - منشورات مكتبة الداوري - قم - إيران.
(م)
31 - مثير الأحزان - لابن نما الحلي - منشورات مكتبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) - قم - إيران.
32 - المجالس السنية - للسيد الأمين - ط دار التعارف - بيروت - لبنان.
33 - معجم البلدان - للحموي - ط سنة 1410 هـ. ق - دار الكتب العلميّة - بيروت.
34 - معجم قبائل العرب - لعمر رضا كحالة - ط سنة 1949 م - المطبعة الهاشمية - دمشق.
35 - مقاتل الطالبيِّين - لأبي الفرج الأصبهاني - ط سنة 1970 م - ط مؤسسة إسماعيليان - طهران - إيران.
36 - مقتل الإمام الحسينعليهالسلام - المقرم.
37 - مقتل الحسينعليهالسلام - للخوارزمي - منشورات مكتبة المفيد - قم - إيران.
38 - الملحمة الحسينيّة - للشهيد مطهري - ط سنة 1413 هـ. ق - الدار الإسلاميّة - بيروت - لبنان.
39 - مناقب آل أبي طالب - لابن شهر آشوب - ط سنة 1412 هـ. ق - دار الأضواء - بيروت - لبنان.
40 - المنتخب - للطريحي - منشورات مؤسسة الأعلمي - بيروت.
41 - المنتظم - لابن الجوزي - ط سنة 1359 هـ. ق - حيدر آباد - الدكن - الهند.
42 - موسوعة كلمات الإمام الحسينعليهالسلام - ط سنة 1415 هـ. ق - مؤسسة الهادي - قم.
(ن)
43 - النجوم الزاهرة - لابن تغري بردى - ط وزارة الثقافة والإرشاد - مصر.
44 - نسب قريش - لمصعب الزبيري - ط دار المعارف - مصر.
45 - نشوار المحاضرات - للتنوخي - ط سنة 1391 هـ. ق.
(و)
46 - وسيلة الدارين في أنصار الحسينعليهالسلام - للزنجاني - ط سنة 1395 هـ. ق - مؤسسة الأعلمي - بيروت - لبنان.
الفهرس
الإهداء2
تذكير وتحذير3
تقديم 4
حملات التشكيك 4
وداؤك فيك وما تشعر:5
النوع الأوّل:5
النوع الثاني:6
الغاية تبرّر الواسطة عنده:8
التوطئة والتمهيد 8
الفصل الأوّل:10
للتمهيد وللإعداد فقط 10
بداية:10
الاستهجان لا يصلح أساساً للرفض:10
الحقد والتآمر على عاشوراء:11
لا بدّ من تحمّل المسؤولية:11
الحاقدون وهدم المنبر الحسيني:11
حجم التزوير:12
تمنّيات:14
لا يؤخذ البريء بالمسيء:14
التهويل والاستنساب:14
علينا أن نخطط للبكاء في عاشوراء:15
الارتفاع إلى مستوى الخطاب الحسيني:16
اُسلوب الانتقاء إدانة مُبطّنة:17
الفصل الثاني:18
الخرافات والأساطير في عاشوراء18
الأساطير والحقائق في عاشوراء:18
القسم الأوّل: المكذوب والمختلق 18
النتيجة:20
القسم الثاني: ما لا مبرّر لتكذيبه20
خلاصة وبيان:25
الفصل الثالث:27
الملحمة الحسينيّة والشهيد المطهّري 27
الملحمة الحسينيّة لمَنْ؟27
شواهد من المقدّمة:27
تصريحات الكتاب تشهد:28
تعليقنا على النصّين الأخيرين:29
شواهد اُخرى من الكتاب:29
طريقة عمل مؤلّف الكتاب:31
الشهيد لا يرضى بنسبة الكتاب إليه:31
دعوة إلى كلّ المخلصين:33
الفصل الرابع:35
المؤرّخون، وليلى في كربلاء35
مع ما يُنسب إلى الشهيد مطهّري:35
الشاهد الأبعد صيتاً:36
لا يذكر المؤرّخون ليلى في كربلاء:37
أوّلاً: ليلى حضرت في كربلاء37
ثانياً: لا بدّ من شمولية الاطّلاع 37
ثالثاً: الأمر لا يختص بكتب التاريخ 37
رابعاً: التالف من كتب التراث 38
خامساً: الوثاقة لا تعني الصحة39
سادساً: الصحة لا تعني الوثاقة39
خلطُ الحقِّ بالباطل هدف المبطلين:40
سابعاً: ما ينكرونه كاف في الاحتمال 40
ثامناً: المهتمّون ينكرون 40
تاسعاً: احتضان ليلى ابنها في ساحة الوغى 41
عاشراً: حتّى لو كتم التاريخ 42
الفصل الخامس:43
التضحية والجهاد، ودعاء ليلى لولدها43
ليلى تنشر شعرها للدعاء:43
أولاً: الزهراء عليهاالسلام وكشف الرأس للدعاء43
ثانياً: الحسين عليهالسلام لم يطلب من ليلى شيئاً44
ثالثاً: استجابة دعاء ليلى والتضحية والجهاد44
رابعاً: الإجماع التاريخي المزعوم44
خامساً: التفاوت والاختلاف في النقل 45
الفصل السادس:46
لأزرعنّ طريق الطفِّ ريحانا 46
الشعر المختلق:46
أوّلاً: الشعر والمبالغة47
ثانياً: (التفت) اسم مكان 47
ثالثاً: التمثّل بالشعر48
رابعاً: الاستعانة أو الإيداع 49
خامساً: لسان الحال طريقة تعبير مألوفة49
سادساً: الشكّ في المجنون وفي شعره49
الفصل السابع:51
شواهد تضاف إلى ما سبق 51
ليلى واقفة بباب الفسطاط:51
مناقشة وردّها:51
وا ثمرة فؤاداه!52
وا ولداه!52
وقفات:53
الوقفة الأولى: كالبدر الطالع 53
الوقفة الثانية: احتمال اشتباه الراوي 54
سؤال وجوابه:54
الوقفة الثالثة: الجمع بين الروايات 55
الوقفة الرابعة: الزيادة والنقيصة لا تضر55
كانت ليلى على قيد الحياة:56
كلمة أخيرة:57
المصادر والمراجع 59