الوثائق الرسميّة لثورة الإمام الحسينعليهالسلام
المؤلّف
السيد عبد الكريم الحسيني القزويني
الوثائق الرسميّة لثورة الإمام الحسينعليهالسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْء مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْص مِنَ الاَمْوالِ وَالاَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إليه راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِم ْوَرَحْمَة ٌوَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )
سورة البقرة / 154 - 157
الإهداء
إليك يا أبا عبد الله..
أهديك يا مولاي الطبعة السادسة من كتابي هذا؛ لأنّك أوّل الثائرين من أجل الإسلام ورسالته، وتطبيق حكومته، ونشر معالمه، وإلى جميع الشهداء الذين ثاروا من أجل هدفك، وخُطى هديك وشهادتك في كلّ زمان ومكان، ولاسيما شهداء الحوزة العلمية من مراجع العلم وطلابه، وأبنائنا المؤمنين الذين قُتلوا ظلماً وعدواناً، وعلى رأسهم المرجع الشهيد السيد محمّد باقر الصدر.
مولاي... راجياً بذلك شفاعة جدّك وأبيك، وأمّك وأخيك، وشفاعتك وشفاعة بنيك الأئمّة الطاهرين لي ولزوجتي العلوية الشهيدة، ولوالديّ اللذين علّماني مودّتكم والسير على نهجكم أهل البيت الذي فرضه الله بقرآنه:( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) .
وطابت شفاه مَنْ قال:
لا عـذبَ اللهُ أمّـي إنّـها شربتْ |
حـبّ الـوصي وغـذتنيه باللبنِ |
|
وكـان لـي والـدٌ يهوى أبا حسنٍ |
فصرتُ من ذي وذا أهوى أبا حسنِ |
سيدي أبا الشهداء.. إنّا بحبّكم غُذّينا، وبطينتكم عُجّنا، وعلى دربكم مشينا، وبنهجكم سرنا، فامنُن علينا بحفظ أوطاننا، ومرجعنا الصامد الصابر المجاهد، حفيدك ونائبك الإمام السيد السيستاني، واحرسه من عاديات الزمن الداخلية والخارجية، واجعله سنداً للإسلام وذخراً للمسلمين، فتقبل يا سيدي من ولدك.
1 ذي الحجّة الحرام 1424
مقدّمة الطبعة الرابعة والسادسة
حمداً لك يا ربّ على ما أنعمت علينا بالإسلام ديناً، وبمحمّدصلىاللهعليهوآله نبياً وهادياً، وبآله أئمّة وسادة وقادة.
قارئي العزيز: الكتاب الذي بين يديك (الوثائق الرسميّة لثورة الإمام الحسين)، فكرة سنحت لي في أيّام محرّم من سنة 1391 هـ، وهي أيّام ذكرى استشهادهعليهالسلام ، فأحببت أن أكتب بحثاً عن أبيّ الضيم، سبط الرسول الأعظم وريحانته، وحبيب قلبه، فعزمت على الأمر - بعد التوكّل على الله - وأخذت أبحث في بطون كتب التواريخ، وأسجّل ما يتعلّق بثورة الإمام الحسينعليهالسلام ، وثيقة إثر وثيقة، وبينما كنت أدوّن تلك الوثائق، كانت دموعي تسبق قلمي حين يكتب حروف كلماتها؛ لِما في ذلك من المصائب والمحن والآلام التي حلّت بالسبط الشهيد وعترته وأصحابه.
وفي ليلة من تلكم الليالي التي كنت مشغولاً بتسطير
الوثائق، دبّ النعاس إلى جفوني فغلبني النوم، إذ أرى نفسي في عالم الرؤيا وكأنّ الكتاب قد طُبع، وأنا أهدي نسخة منه للإمام الحسين الشهيدعليهالسلام ، في حين أنّ الكتاب لم يزل في مرحلة التأليف.
وحين أفقت من النوم انتابتني فرحة ممزوجة بالبكاء في نفس الوقت؛ لما قد علمت أنّه قد يكون موضع قبول ورضا الله تعالى ورسوله والسبط العظيم، فزادتني هذه الرؤيا عزماً على إكمال تأليفه وكتابة وثائقه، ومن ثمّ طبعه فوراً في العراق في تلك السنة، وهي الطبعة الأولى.
وبعد إكمال تأليفه، حيث طبع الكتاب ولم يوزّع للمكتبات بعد، أخذت نسخةً منه وذهبت بها إلى كربلاء المقدّسة لحرم ريحانة رسول الله، مخاطباً إيّاه أن يتقبّل هذه الهدية، وقد تمّ تسجيلها في مكتبة حرمه الشريف.
فكانت هذه الرؤيا السلوة والمحفّز لي على إكمال هذا الجهد المتواضع الذي قمت به؛ لأنّه سيكون إن شاء الله شفيع لي في ذلك اليوم الذي( لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم ) .
وقد طُبع الكتاب طبعات عديدة وهي:
الطبعة الأولى: في العراق سنة 1391 هـ.
الطبعة الثانية: في بيروت سنة 1980 م.
الطبعة الثالثة: في مدينة قم المقدّسة سنة 1404 هـ.
الطبعة الرابعة: وهي التي بين يديك، وتمتاز عن طبعاته السابقة بإضافة 14 وثيقة تتعلّق بثورة الإمام الحسينعليهالسلام ، ومخاطباته لمعاوية، مع زيادة تعليقات جديدة وطباعة أنيقة، ثمّ أيضاً طُبعت الطبعة الخامسة والسادسة.
نسأل الله العلي القدير أن يسدّد خطانا، وأن يثبّت أقدامنا على صراطه المستقيم، وأقول: «ربّ واجعلني ممّن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري».
عبد الكريم الحسيني القزويني
تقديم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمّد وآله الأئمّة الأطهار المجاهدين.
قارئي العزيز: بين يديك القسم الأوّل من هذا الكتاب الذي يضمّ بين دفتيه جميع الوثائق الرسميّة التي تتعلّق بثورة الإمام الحسينعليهالسلام ، من الكتب والخطب والبيانات التي ترتبط بهذه الثورة؛ سواء كانت صادرة عن الحسينعليهالسلام ، أو أصحابه، أو عن المسؤولين في الحكم آنذاك منذ أن أعلن ثورته في المدينة إلى يوم مصرعه في كربلاء.
وقد بذلت جهد إمكاني في ضبطها وتنظيمها مع المحافظة على الترتيب الزمني لهذه الرسائل والخطب والبيانات. وقد عشت بعض أيامي مواكباً لهذه الوثائق بين الكتب والمصادر التاريخية؛ لأدقّق في حرفيتها ونصّها وزمنها، وقد وفّقت إلى حدّ ما في ضبطها النصّي والزمني.
وهي - بحسب اعتقادي - أوّل محاولة دراسية في بابها، يستفيد منها الثائر، والفدائي، والكاتب، والأديب، والخطيب، والناقد الاجتماعي؛ لأنّها تعطي صوراً ونماذج عن الذهنية والعقلية التي عاشت وعاصرت فترة الثورة المقدّسة.
أخي القارئ: إنّ فكرة جمع هذه الوثائق ما هي إلاّ فكرة طارئة حدثت في أيام ذكرى ثورة الإمام الحسينعليهالسلام من شهر محرّم من هذه السنة (1391هـ)، حيث أحببت أن اُلمّ ببعض خطبهعليهالسلام ، فراجعت بعض المصادر، وإذا أنا أمام ثروة كبيرة تتعلّق بالثورة الحسينيّة، ففكّرت في جمعها ونشرها في كتاب مختصر لتستفيد الأمّة من تراثها، ويطلّع الرأي العام عليها، ونحقّق بذلك الأهداف التالية:
1 - اطلاع الأمّة على بعض معالم دينها وعقيدتها؛ لِما في هذه الوثائق من الحقائق الدينية التي لا بدّ للأمّة من الاطّلاع
عليها وفهمها.
2 - اطلاع الأمّة على التراث الأدبي واللغوي لرجالها الثائرين، والذي يتجلّى في خطب الإمام الحسينعليهالسلام ورسائله بشكل خاص.
3 - التركيز على الوعي الحسيني في النفوس، وعياً كاملاً بخطوطه وأبعاده حتّى يكون واضحاً لدى الجميع ماذا أراد الحسينعليهالسلام من ثورته؟ وما هي الغاية منها؟
4 - الاستفادة من التضحيات والقرابين التي قدّمها أبو الشهداء ظهيرة يوم العاشر من محرّم في سبيل رسالته وعقيدته؛ لنستمد من تضحياته جذوة تنير لنا الدرب في المحافظة على ديننا، وتحرير بلادنا من رجس الصهيونية والاستكبار العالمي، ولنصمد في وجه تياراتها وأفكارها كما صمدعليهالسلام هو والصفوة الطاهرة من أصحابه في وجه ذلك الزخم العسكري الهائل من أجل دينه ومقدّساته.
فأقدّم هدف أبي عبد اللهعليهالسلام «من جديد إلى ضمائر فريق كبير من بني الإنسانية؛ لعلّهم يقدّمون رسالته خطوة واحدة أو خطوات في سبيل اليقين والعمل الخالص لوجه الحقّ
والكمال»(1) .
وأخيراً: فإنّي حاولت أن أتبسط، وابتعد عن مجال الخيال الأدبي، والترف اللفظي في هذا الكتاب؛ من أجل أن يقرأه ويفهمه الجميع؛ ليكون موضعاً للعناية والدراسة.
وختاماً: وكلّي أمل يا سيدي ويا مولاي، يا أبا الشهداء، أن تكون هذه الوريقات موضع قبول عندك؛ حتّى تكون شفيعاً لي ولوالدي عند جدّك رسول الله محمّدصلىاللهعليهوآله يوم القيامة؛ حتّى ننضوي تحت لوائه، يوم لا لواء إلاّ لواءه( يَومَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم ) (2) .
عبد الكريم الحسيني القزويني
____________________
(1) أبو الشهداء - عباس العقّاد / 6.
(2) سورة الشعراء / 89.
عرض وتمهيد
ثورة الإمام الحسينعليهالسلام هي من أهم الثورات التي شغلت فكر الإنسانية، وأخذت مجالا كبيراً من التاريخ الإسلامي؛ لأنّها حدث غير عادي ومهم جدّاً.
فكان لا بدّ للمؤرّخ مهما كانت ميوله ومعتقداته أن يشير إليها بإيجاز أو بإسهاب؛ وذلك - طبعاً - من وجهة نظره الخاصة، وحسب سعة اطلاعه الفكري وضيقه.
ولو نظرنا إلى جُلّ مَنْ أرّخ لثورة الحسينعليهالسلام لرأيناه يتصاغر أمام عظمتها وواقعيتها إلاّ نفراً يسيراً ممّن اُشبعت نفوسهم ببغض آل البيت (عليهم السلام)، واستُميلت ضمائُرهم بالمال أو الجاه.
والذي عليه آراء الأمّة منذ ثورة الإمام الحسينعليهالسلام حتّى يومنا هذا، أنّها الثورة الحقيقية التي قدّمت للإسلام القرابين والضحايا من آل الرسولصلىاللهعليهوآله ، فأعادت إليه هيبته المنهارة كرامته المفقودة؛ وذلك بسبب تلاعب المتسلّطين آنذاك بمقدّساته وأحكامه.
ثورة الإمام الحسين (ع) ومعطياتها
إنّ الزخم العطائي لثورة الإمام الحسينعليهالسلام عطاء مستمر ودائم على مختلف العصور والدهور والأجيال؛ فهي بمثابة المشعل الذي ينير الدرب للثائرين في سبيل رسالة الحقّ، الرسالة الإسلاميّة الخالدة. وفي نفس الوقت تحرق الهياكل الوهمية المزيّفة التي بنت دعائهما على عروش وكراسي من الشمع، سرعان ما تذوب بحرارة الثورة الحسينيّة المقدّسة.
وهذا العطاء الدائم المستمر للثورة، طالما غذّى الغصون الإسلاميّة حتّى نمت وترعرعت ببركة ثورة أبي الشهداء الحسين الخالدعليهالسلام . فهي كانت ولا تزال وستكون نبراساً لكلّ إنسان معذّب ومضطهد على وجه هذه الأرض، وهي الأمل المنشود لكلّ الناس الخيّرين، الذين يدافعون عن حقّهم في العيش بسلام وأمان.
فهذه القرون تأتي وتذوب قرناً بعد قرن كما تذوب حبّة الملح في المحيط. وهذا الحسين اسمه باق في القلوب وفي الأفكار والضمائر، فهو أكبر من القرون وأكبر من الزمن؛ لأنّه عاش لله، وجاهد في سبيله، وقتل في رضوانه. فهو مع
الله والله معه، ومَنْ كان الله معه فهو باق. وإنّ ثورة الإمام الحسينعليهالسلام قد تمخّضت وكشفت عن جانبين مهمّين هما:
وهي الثورة الوحيدة في العالم التي لو تسنّى لكلّ فرد مهما كان معتقده وفكرته أن يقرأ مسرحيتها بكلّ أبعادها وتفاصيلها لما تمكّن من أن يملك دمعته وعبرته. وكما هو المعروف الآن في البلاد غير الإسلاميّة كالهند وبعض الدول في أفريقيا حيث يقرأ بعض أبنائها ملحمة واقعة الطفّ في كربلاء، فإنّهم لا يملكون إلاّ أن يجهشوا بالبكاء، وقد يؤدّي أحياناً إلى ضرب الصدور لا شعورياً؛ لأنّها مأساة أليمة تتصدّع القلوب لهولها ومصابها.
وذلك كما وصفها المؤرخ الإنكليزي الشهير [جيبون] بقوله: «إنّ مأساة الحسين المروّعة، بالرغم من تقادم عهدها، وتباين موطنها، لا بدّ أن تثير العطف والحنان في نفس أقل القرّاء إحساساً وأقساهم قلباً»(1) .
____________________
(1) تاريخ العرب - السيد مير علي - ترجمة رياض رأفت / 74، طبع مصر، سنة 1938 م.
وأكثر من هذا، إنّه قد روي إنّ الذين قاتلوا رجال الثورة لم يملكوا أنفسهم من البكاء، فهذا (عمر بن سعد) قائد الجيش الأموي في كربلاء يبكي عندما نادته زينب بنت علي (عليها السلام) قائلة له: يابن سعد، أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟! فصرف وجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته(1) .
وقيل أيضاً: إنّ الأعداء بعد قتل الحسينعليهالسلام هجموا على عياله يسلبونهم وهم يبكون، فجاء رجل إلى فاطمة بنت الحسين وأراد سلبها وهو يبكي، فقالت له: لماذا تسلبني إذن؟! فقال لها: أخاف أن يأخذه غيري(2) .
وكيف لا تكون كذلك وهي المأساة التي أدمت قلب الإنسانية، وأقرحت جفونها تألّماً وتأثّراً؛ لأنّ فيها قُتل الشيخ الطاعن في السنّ الذي جاوز السبعين، وقُتل فيها الكهل، وهم الغالبية من أصحاب الحسين، وفيها الفتي الذي جاوز الحلم أو لمّا من بني هاشم وأقمارهم وفتيان أصحابهم، وفيها الطفل الرضيع والمرأة العجوز، وفيها التمثيل بأجساد الشهداء، ورضّها بحوافر الخيل، وقطع
____________________
(1) انظر الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 295، تاريخ الطبري 4 / 245.
(2) سير أعلام النبلاء - الذهبي 3 / 204.
رؤوسها، وحرمان النساء والأطفال من الماء، ونهب الخيام وحرقها، وسَوْق بنات رسول الله سبايا من بلد إلى بلد، يتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد... وإلى ما هنالك من المآسي والآلام التي حلّت بشهداء هذه الثورة؟!
إذا أردنا دراسة هذا الجانب فلم نعرف أنّ ثورة في التاريخ عُرفت بعقائديتها بهذا اللون من الاعتقاد والتفاني من أجله كثورة الحسينعليهالسلام . والإنسان لا يمكن له أن يعرف المستوى العقائدي لثورة من الثورات إلاّ أن يدرس النصوص والوثائق لقادة هذه الثورات وأنصارها.
وثورة الإمام الحسينعليهالسلام بلغت في عقائديتها الذروة العليا في الوعي والعمق لدى قائدها وأتباعه وأنصاره؛ فهي لم تختلف وعياً في جميع أدوراها منذ أن اُعلنت حتّى آخر نفس من حياة رجالها، على مختلف المستويات الثقافية والإدراكية لرجالها.
فهذا الشيخ الكبير يحمل نفس الوعي للثورة الحسينيّة الذي يحمله الكهل والفتى، وحتى الذي لم يبلغ الحلم يحمل
نفس الروح لدى رجالها وأبطالها.
فلو تصفّحنا الوثائق الأولى لقائد هذه الثورة الحسينعليهالسلام ، لرأيناها تحمل نفس روح الوثائق التي قالها الحسينعليهالسلام في آخر حياته، فهي:
أ - الثورة على حكم يزيد بن معاوية
ب - إقامة الشريعة الإسلاميّة وتطبيقها مقام المخالفات التي أشاعها الحاكم آنذاك.
فثورة الإمام الحسينعليهالسلام هدفت في قيامها هذين الخطّين؛ تغيير الجهاز الحاكم، وتطبيق الشريعة الإسلاميّة.
فالإمام الحسينعليهالسلام لم يقصد من ثورته على الحكم تغيير يزيد بالذات؛ لأنّه هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي، فتكون ثورته ثورة قبلية كما يصوّرها البعض، ويعتقد بأنّ الخصومة بين الهاشميين والاُمويِّين كانت مستمرة منذ قرون قبل الإسلام وبعده؛ ولهذا خرج الحسينعليهالسلام على يزيد بل الإمام الحسينعليهالسلام علّل ثورته على حكم يزيد في بعض خطبه وبياناته.
ويتّضح ذلك جليّاً ممّا جاء في الوثيقة التي خطبها
الحسينعليهالسلام أمام أوّل كتيبة للجيش الأموي: «أيّها الناس، إنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: مَنْ رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهده، مخالفاً لسنة رسوله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر ما عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله»(1) .
حيث علّلعليهالسلام خروجه على سلطان يزيد؛ لأنّه سلطان جائر، يحكم الناس بالإثم والعدوان، وذلك مخالف للشريعة الإسلاميّة، ولسنّة النبي محمّدصلىاللهعليهوآله ؛ فلهذا خرج عليه.
صحيح أنّ هناك بعض الوثائق تصرّح باسم يزيد، كما في وثيقة رقم (12) الوثيقة التي قالها لمّا طلب منه والي يزيد على المدينة مبايعة يزيد، فأجابهعليهالسلام : «أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوّة إلى قوله: ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن للفسق، ومثلي لا يبايع مثله»(2) .
فهكذا نجد الإمامعليهالسلام يعلّل ثورته على يزيد؛ لأنّه رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن للفسق.
____________________
(1) انظر الوثيقة رقم 58 من هذا الكتاب.
(2) انظر الوثيقة رقم 12 من هذا الكتاب.
وهذه الصفات لا تتّفق مع شروط الخلافة؛ فلهذا أعلن الحسينعليهالسلام ثورته على حكمه، فثورته ليست ثورة قبلية ولا عنصرية، كما يتوهّم البعض.
وهذا هو من أهم أهداف الحسينعليهالسلام من ثورته على الحكم، حيث عرض نفسه وأهل بيته وأصحابه للقتل والسلب والنهب من أجل هذا الهدف المقدّس؛ فالحسين لم تكن غايته الرئيسية من خروجه تَسلُّم زمام الحكم فحسب، بل إنّما هو يعتبر الاستيلاء على الحكم وسيلة لتطبيق أحكام الشريعة لا غاية بذاتها.
ولا أيضاً بدافع العامل الاقتصادي كما يذهب إليه البعض من أنّها نتيجة لظروف اقتصادية معينة دفعت بالحسين إلى ثورته، وليس أيضاً بصحيح ما يقوله البعض من أنّها نتيجة مرحلة زمنية اقتضتها التطوّرات التاريخية آنذاك، بل الدافع الرئيس الوحيد للإمام الحسينعليهالسلام هو تطبيق الشريعة الإسلاميّة والمحافظة عليها وإن أدّى ذلك إلى سفك دمه.
ويسند قولنا هذا ما جاء في بعض نصوص خطبه
ورسائله مثل:
1 - «ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرموا حلاله»(1) .
2 - «وقد بعثت إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه؛ فإنّ السنّة قد اُميتت، والبدعة قد اُحييت»(2) .
3 - «ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟»(3) .
4 - «وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّيصلىاللهعليهوآله ؛ اُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي»(4) .
فإنّ هذه المقتطفات من خطب ورسائل الإمام الحسينعليهالسلام لهي نصوص صريحة واضحة، لا شبهة ولا غموض فيها؛ لبيان غرضه وهدفهعليهالسلام .
____________________
(1) انظر الوثيقة رقم 58 من هذا الكتاب.
(2) انظر الوثيقة رقم 24 من هذا الكتاب.
(3) انظر الوثيقة رقم 63 من هذا الكتاب.
(4) انظر الوثيقة رقم 17 من هذا الكتاب.
فإنّها جميعاً تدل على أنّ الحكم القائم آنذاك كان يعمل بكل قواه على تقويض الشريعة الإسلاميّة من جذورها بإشاعة المنكر والباطل، ومخالفة الكتاب والسنة، «فإنّ السنّة قد اُميتت، والبدعة قد اُحييت».
والحسينعليهالسلام لم يخرج لغيّر مقاومة المنكر والباطل، وإحياء السنّة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يطلب الحكم والمنصب قط؛ لأنّه من أهل بيت النبوة الذين لم يأتوا للملك إلاّ أن يقوّموا المعوّج، ويدعوا إلى الحق، ويدفعوا الباطل.
فهذا جدّه رسول الله محمّدصلىاللهعليهوآله في بداية دعوته، عَرضت عليه رجالات قريش الملك والسيادة والمال على أن يترك دعوته وقول الحقّ، فأبىصلىاللهعليهوآله وقال لعمّه أبي طالب(رض): «يا عمّاه، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته»(1) .
وهذا أبوه علي بن أبي طالبعليهالسلام القائل: «اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنردّ المعالم من دينك، ونظهر
____________________
(1) انظر تاريخ الكامل - ابن الأثير 2 / 43.
الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتُقام المعطلة من حدودك»(1) .
وقد عرضت عليه الخلافة في قضية الشورى بشروط فأبىعليهالسلام ؛ لئلاّ يخالف الشروط التي لا يرتضيها. في حين أنّ الخلافة الإسلاميّة في وقتها كانت الدنيا بأسرها، وخصوصاً بعد أن انهارت دولة الروم والفرس. فعليعليهالسلام أبى أن يقبلها مع أهمّيتها في مقابل أن لا يخالف شرطاً، فرفض الدنيا بأسرها في رفضه إياها إزاء عدم مخالفة شرط واحد.
وهذا أيضاً سفير الحسينعليهالسلام مسلم بن عقيل، بعثهعليهالسلام إلى الكوفة لأخذ البيعة من أهلها، وجاء عبيد الله بن زياد ودخل الكوفة، فذهب مسلم إلى دار هاني بن عروة، وكان في داره شريك بن الأعور مريضاً، فأراد ابن زياد عيادة شريك في دار هاني، فاتفق شريك مع مسلم أن يقتل عبيد الله عندما يأتي لعيادته، والإشارة بينهما رفع شريك عمامته.
ثمّ جاء ابن زياد ودخل على شريك ومسلم مختبئ في
____________________
(1) نهج البلاغة - محمد عبده 2 / 19.
الخزانة، فأخذ شريك يرفع عمامته مراراً فلم يخرج مسلم، وقال: اسقنيها ولو كان فيها حتفي. فقال ابن زياد: إنّه يخلط في علّته. ثمّ خرج من دار هاني، فخرج مسلم، وقال له شريك: ما منعك منه؟! فقال مسلم: تذكّرت حديث عليعليهالسلام ، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «إنّ الإيمان قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن»(1) .
فلو كان مسلم يريد الإمارة والملك لخرج وفتك بابن زياد وأراح الأمّة من شرّه، ولكنّه يخشى على إيمانه وعقيدته؛ لأنّ الإيمان قيد الفتك، والمؤمن لا يفتك.
وهكذا لو أردنا أن نستعرض أهل البيت (عليهم السلام)، لرأيناهم لا ينشدون ملكاً ولا سلطاناً بالذات، وإنّما غايتهم من الحكم هي تطبيق أحكام الشريعة الإسلاميّة وتركيز دعائمها؛ فلهذا نرى الإمام الحسينعليهالسلام يقول: «وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّيصلىاللهعليهوآله ؛ اُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي»(2) .
فهذه هي سيرة جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وسيرة أبيه علي بن أبي طالبعليهالسلام .
____________________
(1) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 246، الكامل - ابن الأثير 3 / 270.
(2) انظر الوثيقة رقم 17 من هذا الكتاب.
الإسلام والخلافة
اهتم الإسلام بالخلافة اهتماماً كبيراً؛ لأنّ عليها يقوم بنيانه ويبني مجتمعه، وإنّها القاعدة الأساسية لحفظ شريعته، وصيانة مجتمعه من الانهيار والتشتت والتفرّق، وبدونها لا تقوم للإسلام قائمة، «فهي ضرورة من ضروريات الحياة الإسلاميّة لا يمكن الاستغناء عنها؛ فبها يُقام ما اعوجّ من نظام الدين، وبها تتحقّق العدالة الكبرى التي ينشدها الله في الأرض»(1) .
فلهذا نرى أنّ الرسول الأعظم قرنها ببداية التشريع الإسلامي، وبدء نزول الوحي، حيث أمرصلىاللهعليهوآله بإبلاغ دعوته أهله وعشيرته كما جاء في تاريخ الكامل لابن الأثير، حين نزلت هذه الآية:( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (2) ، فجمع النبي عشيرته على وليمة، وخطب خطبته المشهورة: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلاّ هو إنّي
____________________
(1) نظام الحكم - باقر القرشي / 212.
(2) سورة الشعراء / 214.
رسول الله إليكم خاصّة، وإلى الناس عامّة، إلى أن قال: يا بني عبد المطلب، إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟»(1) .
فأحجم القوم عن الجواب إلاّ علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فقام وقال: «أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه». فأخذصلىاللهعليهوآله برقبة الإمام علي وقال: «هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا»(2) .
ولأهميتها أيضاً أمر الله العباد بإطاعة مَنْ تسلّم قيادتها إذا كان كامل الأهلية، حيث قال تعالى:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ) (3) . فجعل الله طاعة الخليفة الذي يتقلّد زمام أمرها من طاعته وطاعة رسوله.
وقد أوجبها الفقهاء على اختلاف مذاهبهم شيعة وسنّة، ولا نستطيع أن نستعرض هنا الآراء بشكل مفصّل في هذه الوريقات، وإنّما نلمح إليها برأي واحد لكلّ من المذهبين.
____________________
(1) انظر تفصيل ذلك في تاريخ الكامل - ابن الأثير 2 / 42.
(2) المصدر نفسه.
(3) سورة النساء / 59.
الخلافة في رأي الشيعة
فالذي عليه إجماع الشيعة، أنّ الخلافة أو الإمامة هي منصب إلهي بنصّ من الرسولصلىاللهعليهوآله وبوحي من الله. يقول الإمام محمّد حسين كاشف الغطاء: «نحن الشيعة نعتقد أنّ الإمامة منصب إلهي كالنبوّة، فكما أنّ الله سبحانه وتعالى يختار مَنْ يشاء من عباده للنبوّة والرسالة، ويؤيّده بالمعجزة التي هي كالنصّ من الله عليه، فكذلك يختار للإمامة مَنْ يشاء، ويأمر نبيّه بالنصّ عليه، وأن ينصّبه إماماً للناس من بعده؛ للقيام بالوظائف التي كان على النبي أن يقوم بها، سوى أنّ الإمام لا يوحى إليه كالنبي، وإنّما يتلقى الأحكام من النبي»(1) .
الخلافة في نظر أهل السنّة
والذي عليه إجماع المذاهب السنّية، من أنّها ضرورة من ضروريات الدين إلاّ مَنْ شذّ منها، فيقول الماوردي: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوّة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها ممّن يقوم بها واجب بالإجماع»(2) .
____________________
(1) أصل الشيعة - الإمام محمد حسين كاشف الغطاء / 75.
(2) الأحكام السلطانية / 3، راجع نظام الحكم - باقر القرشي / 213.
أهلية الخلافة
بعد أن عرفنا أهمية الخلافة في الإسلام، بقي الآن أن نعرف هل هناك شروط فيمَنْ يتقلّد زمامها وأمرها حتّى نرى أنّ يزيد بن معاوية كان أهلاً لها أم لا؟ فالمذاهب الإسلاميّة على اختلاف آرائها وأفكارها تشترط في الخليفة شروطاً معينة لا مجال هنا لذكرها جميعاً، ولكنّها قد اتفقت على شرطين أساسيين؛ الإيمان والعدالة.
الخليفة ورأي الشيعة
تعتبر الشيعة في الخليفة أن يكون منصوصاً عليه من الله تعالى عن طريق النبيصلىاللهعليهوآله كما ذكرنا، وأنّها تشترط في الخليفة شروطاً بالإضافة إلى إيمانه وعصمته «أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال؛ من شجاعة وكرم، وعفّة وصدق وعدل، ومن تدبير عقل وحكمة وخلق»(1) .
وإنّ النبيصلىاللهعليهوآله أوصى لعلي بن أبي طالب بالخلافة في عودته من حجّة الوداع في مكان يُقال له:(غدير خم) ، ولهم أدلّة على ذلك في كتبهم.
____________________
(1) عقائد الإماميّة - الشيخ محمد رضا المظفر / 66.
فعلى هذا، فالشيعة لا ترى ليزيد ولا لأبيه معاوية أيّ حقّ بالخلافة، بالإضافة إلى عدم توفّره على أهليتها؛ لفسقه وفجوره، وعدم إيمانه كما سنذكره.
الخليفة في رأي أهل السنة
أمّا أهل السنّة فالذي عليه الرأي العام منهم، أنّ الخليفة يجب أن تتوفّر فيه العدالة. يقول ابن حزم الأندلسي: «اتّفق جميع أهل السنّة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأنّ الأمّة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يُقيم فيها أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي جاء بها رسول الله»(1) .
واشترطوا في الخليفة أيضاً: البلوغ، والعقل، والذكورة، والإسلام، والعلم بفرائض الدين، والتقوى، وعدم الضعف والسفاهة.
ثمّ يقول ابن حزم شارحاً معنى ما تقدّم:
1 - على الخليفة أن يكون عالماً بما يخصّه من أمور الدين؛ من العبادات والسياسة والأحكام.
____________________
(1) الملل والأهواء 4 / 87.
2 - أن يكون مؤدياً للفرائض كلّها، لا يخلّ بشيء منها.
3 - أن يجتنب جميع الكبائر سرّاً وجهراً.
4 - أن يتستر بالصغائر، إن كانت تصدر منه(1) .
يزيد وأهلية الخلافة
هذه هي أهم الصفات التي يجب أن يتحلّى بها الخليفة الإسلامي، فأين (يزيد) منها؟ وهل فيه من هذه الصفات التي ذُكرت وقد أجمع معاصروه ومَن بعدهم على خلوّه منها، وأنّه ليست له هذه الأهلية؛ لأنّه متّصف بجميع الصفات القبيحة، كشرب الخمر، ولعب القمار، وضرب الملاهي، واللعب بالكلاب الهراش، وإلى ما هنالك من صفات منافية؟
فلنستمع إلى ما يذكره المؤرّخون عنه:
1 - هذا ابن قتيبة ينقل ردّ الحسين على معاوية عندما جاء إلى المدينة المنوّرة لأخذ البيعة لابنه يزيد من بعده من رجالات المدينة، فبعد أن خطب فيهم وأثنى على ولده يزيد، قام إليه الحسينعليهالسلام وأجابه بعد كلام طويل قائلاً لمعاوية: «كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عمّا
____________________
(1) نظام الحكم - باقر القرشي / 220.
كان ممّا احتويته بعلم خاصّ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه؛ من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي، تجده باصراً، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه»(1) .
2 - ذكر الطبري أنّ عثمان بن محمّد بن أبي سفيان، والي يزيد على المدينة آنذاك، بعث بجماعة من أهل المدينة إلى يزيد وفيهم عبد الله بن حنظلة والمنذر بن الزبير وآخرون من أشراف المدينة، فقدموا على يزيد، فأكرمهم وأحسن إليهم، وأعظم جوائزهم، ثمّ رجعوا إلى المدينة وهم على رأي واحد، فقالوا: «إنّا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الحراب والفتيان، وإنّا نشهدكم أنّا قد خلعناه. فتابعهم الناس»(2) .
____________________
(1) الإمامة والسياسة - ابن قتيبة 1 / 186.
(2) تاريخ الطبري 4 / 368.
3 - ويقول الشوكاني في ردّه على بعض وعّاظ السلاطين: «لقد أفرط بعض أهل العلم فحكموا بأنّ الحسين السبط (رضي الله عنه وأرضاه) باغٍ على الخمير السكير، الهاتك لحرمة الشريعة المطهّرة، يزيد بن معاوية (لعنهما الله). فيا للعجب من مقالات تقشعرّ منها الجلود!»(1) .
هذا بعض ما قيل في يزيد بن معاوية، بل ذهب بعض العلماء إلى كفره والتشكيك في إيمانه، وجواز لعنه، «وقد جزم بكفره وصرّح بلعنه جماعة من العلماء، منهم القاضي أبو يعلى، والحافظ ابن الجوزي، والتفتازاني، والسيوطي»(2) .
وقال التفتازاني: «الحقّ إنّ رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره به، وإهانته أهل بيت النبي ممّا تواتر معناه وإن كان تفاصيله آحاد، فنحن لا نتوقّف في شأنه بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه»(3) .
وقد بلغت الوقاحة والاستهتار بيزيد إلى درجة لا
____________________
(1) نيل الأوطار 7 / 147.
(2) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 10.
(3) شرح العقائد النسفية / 181، طبع الاستانة.
يتصوّرها إنسان، وذلك أنّ معاوية أرسله إلى الحجّ في حياته، فلمّا بلغ يزيد المدينة المنوّرة جلس على مائدة الخمر، فاستأذن عليه ابن عباس فأذن له، وكان مكفوف البصر، فقيل له: إنّ ابن عباس إن وجد ريح الشراب عرفه. فحجبه عنه(1) .
إلى ما هنالك من عشرات أقوال الصحابة والتابعين والعلماء في يزيد بن معاوية، ولو توسّعنا لاحتجنا إلى مجلّدات.
وبعد هذا العرض، فهل يجد إنسان ما في يزيد أهلية الخلافة؟ اللّهمّ إلاّ بعض الحاقدين من أعوان السلطان، وتجّار المادة الذين لا يخلو زمان ومكان منهم.
إنّ جميع ما تقدّم هو نزر يسير ممّا فعله يزيد بن معاوية، وما ارتكبه الحكم الأموي من هتك حرمة الإسلام، والتعدّي على الشريعة المقدّسة، وتقويض أركانها، ومن ثمّ الإجهاض عليها من جذورها(2) .
فلم تجد منقذاً ولا مخلّصاً لها إلاّ الحسينعليهالسلام ابن بنت
____________________
(1) الكامل - ابن الأثير 3 / 417.
(2) انظر تفصيل الجرائم الاُمويّة في كتابنا (الوثائق الرسميّة لنتائج ثورة الحسينعليهالسلام القسم الثاني)، لم يطبع حتّى الآن.
صاحب الرسالة، فقامعليهالسلام مغيثاً لها بثورته المقدّسة، في اليوم العاشر من محرّم سنة 61 هجرية، وأنقذها من الحكم الأموي الجائر قائلاً: «فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً».
وقد أبدع في تصوير هذا الموقف الشاعر، حينما يرثي الحسينعليهالسلام في قصيدة طويلة تضمّ عشرات الأبيات، منها:
يـومٌ بحاميةِ الإسلامِ قد نهضتْ |
بـهِ حـميّةُ ديـنِ اللهِ إذ تُـركا |
|
رأى بـأنّ سـبيلَ الـغي متّبعٌ |
والـرشدُ لـم تـدرِ قومٌ أيه سلكا |
|
والـناسُ عـادت إليهم جاهليتُهم |
كـأنّ مَـنْ شرّعَ الإسلامَ قد أفكا |
|
وقـد تـحكّمَ بـالإيمانِ طـاغيةٌ |
يُـمسي ويُصبحُ بالفحشاءِ مُنهمكا |
|
لم أدرِ أينَ رجالُ المسلمينَ مضوا |
وكـيفَ صـارَ يزيدٌ بينهم ملكا |
|
الـعاصرُ الخمرِ من لؤمٍ بعنصره |
ومـن خساسةِ طبعٍ يعصرُ الودكا |
|
أم كـيفَ يسلمُ من شركٍ ووالده |
مـا نزّهت حملهُ هندٌ عن الشركا |
|
لئن جرت لفظةُ التوحيدِ في فمِه |
فـسيفهُ بـسوى التوحيدِ ما فتكا |
|
قـد أصبحَ الدينُ منهُ شاكياً سقماً |
ومـا إلى أحدٍ غير الحسينِ شكا |
|
فما رأى السبطُ للدينِ الحنيفِ شفاً |
إلاّ إذا دمـهُ فـي نـصرهِ سُفكا |
|
ومـا سـمعنا عليلاً لا علاجَ له |
إلاّ بـنـفسِ مـداويهِ إذا هـلكا |
|
بـقتلهِ فـاحَ للإسلامِ طيبُ هدىً |
فـكلّما ذكـرتهُ الـمسلمونَ ذكا(1) |
____________________
(1) انظر ديوان سحر بابل وسجع البلابل - السيد جعفر الحلّي / 350.
هل انتصر الحسين؟ ولمَنْ النصر؟
الإمام الحسينعليهالسلام إنسان عقائدي، وصاحب مبدأ، وحامل رسالة، والإنسان الذي يتّصف بهذه الصفة هو إنسان فدائي لعقيدته ومبدئه ورسالته، ويكون لديه الاستعداد الكامل للتضحية والبذل والفداء؛ فهو لا يفكّر في البقاء والحياة إلاّ إذا كانت الحياة تكسب نصراً لعقيدته ورسالته، وإذا كان الموت والفداء يحقّقان النصر للمعتقد وللهدف المنشود، فالموت لديه أفضل من الحياة، التي لا تقدّم نصراً للعقيدة والرسالة.
وهذا المفهوم تجسّد في الحسينعليهالسلام والحسين تجسّد فيه، فهو سبط الرسول الأكرم محمّدصلىاللهعليهوآله الذي عرض عليه المشركون الدنيا بأبعادها، قائلين لأبي طالب عمّه وناصره، ومؤمن قريش: قل لابن أخيك: إن كان يريد مالاً أعطيناه مالاً لم يكن لأحد من قريش، وإن كان يريد ملكاً توّجناه على العرب... إلخ.
فجاء إلى النبيّصلىاللهعليهوآله فأخبره بمقالة القوم، فاستعبر النبيّ قائلاً: «يا عمّاه، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك فيه
ما تركته»(1) .
وهذا أبوه علي بن أبي طالبعليهالسلام الفدائي الأوّل للإسلام، ولنبيّه محمدصلىاللهعليهوآله في كلّ الحروب والمواطن، وهذا عمّه حمزة سيد الشهداء، وهذا أيضاً عمّه جعفر الطيار (رضوان الله عليهما)، نصروا الإسلام بكلّ ما يملكون، فالموت في مفهوم هؤلاء الأبرار الشهداء حياة إذا نصروا المبدأ والعقيدة، والحياة ممات إذا كانت بلا هدف ولا عقيدة.
فالحسينعليهالسلام ينطلق من مفهوم جدّه وأبيه وأعمامه الخيّرين، فرأى لا بدّ أن يمزّق الخناق الذي فرضه يزيد على الإسلام، ويغذّي شجرة الشريعة التي كادت أن تنضب وتجفّ في ظل الحكم الأموي وإن كان ذلك يسبب له إزهاق الأرواح، وقتل الأنفس، وجريان الدماء على وجه الأرض لترتوي الغصون الذابلة للشجرة الإسلاميّة من هذه الدماء الزكية؛ دم الحسين وأهل بيته وأنصاره.
ولأنّه أيضاً جهاد في سبيل الله ونصرة دينه، فاستجاب أبو الفداء الحسين لذلك، ووقف في صبيحة عاشوراء يقدّم فتيانه من آله وأنصاره ضحية بعد ضحية، وقرباناً بعد قربان، قائلاً:
____________________
(1) انظر تاريخ الكامل - ابن الأثير 2 / 43.
«اللّهمّ إن كان هذا يرضيك فخذ حتّى ترضى»؛ ولأنّه يرى أنّ النصر لا يتمّ إلاّ بهذه القرابين وبهذه الضحايا. وأخيراً نرى الإمام الحسينعليهالسلام انتصر على عدوّه بعد استشهاده من ناحيتين:
إنّ ثورة الإمام الحسينعليهالسلام كانت العامل الرئيسي الذي لعب دوراً هامّاً في كشف أباطيل الحكّام المنحرفين عن الخطّ الإسلامي السليم، وانتزاع السلطة التشريعية من أيديهم بعد أن كان الخليفة يحكم ويشرّع كما يحبّ ويرغب وفق ميوله وأهوائه، فيحرّم ما أحلّه الله ورسوله، ويحلّل ما حرّم الله ورسوله.
فالإمام الحسينعليهالسلام استطاع بثورته الخالدة أن ينتزع تلكم السلطة من يد الخليفة المنحرف بأفكاره وسلوكه آنذاك، وأفهم الرأي العام الإسلامي بأنّ الخليفة ليس له حقّ في تشريع أيّ حكم، وإنّما التشريع منحصر في الكتاب والسنّة وما يؤدي إليهما، كما قال تعالى:( وَما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ) (1) .
ولولا ثورة الإمام الحسينعليهالسلام لرأينا كثيراً من الأحكام الإسلاميّة قد غُيرت وبُدلت كما هو الحال في المسيحيّة وتحريف ديانتها.
ولكن الله تعالى حيث قد ضمن حفظ التشريع الإسلامي من الانحراف والضياع بقوله تعالى:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (2) ؛ ولهذا ثار الحسين ليضع حدّاً للتلاعب بأحكام الشريعة الإسلاميّة الغرّاء من قبل المستهترين والحاقدين، وبهذا انتصر الإمام الحسينعليهالسلام بثورته المباركة.
إنّه قد يتبادر لذهن القارئ كيف انتصر الإمام الحسين مع أنّه قُتل؟
والجواب قد يكون غريباً وغير مألوف لذهن السائل؛ لأنّه على خلاف المفهوم المادي للنصر، ولكن نقول: هناك معركة بين إرادتين:
____________________
(1) سورة الأحزاب / 36.
(2) سورة الحجر / 9.
1 - الإرادة الحسينيّة : وهي التي لم تملك إلاّ اليسير من العدّة والعدد، مع الالتزام الكامل بالوسائل التي أباحها الإسلام.
2 - الإرادة الاُمويّة : وهي التي تتمتّع بالملك والسيطرة والمال، والكثرة في العدد والعدّة، مع إباحة جميع وسائل الإغراء والتمويه والتضليل؛ لأنّها تبرّر وسائلها بغايتها، والغاية تبرّر الوسيلة.
واصطدمت الإرادتان في مواقف عديدة فلم تُفلح الإرادة الاُمويّة بنجاح، واستعملت كلّ طاقاتها وإمكانيّاتها لكي تُثني الإرادة الحسينيّة عن المُضي والاستمرار في هدفها وغايتها، ولكنّها مُنيت بالفشل والخسران والهزيمة، وبقيت الإرادة الحسينيّة صامدة أمام تحدّيات الإرادة الاُمويّة، ولكنّ الإرادة الاُمويّة جاءت لتجبر هزيمتها وخسارتها، فاستعملت سلاحها وقوتها بكلّ حقد وضعة ووحشية؛ فقتلت الرجال ومثّلت بهم حقداً وتشفيّاً.
ومع هذا كلّه بقيت إرادة الحسينعليهالسلام وشهدائه حيّة صامدة تهزأ بالعرش الأموي وجبروته، وتُضعضع أركانه بين حين
وآخر حتّى قضت على معنويته ووجوده وإرادته.
وهكذا كان النصر والفتح للحسين كما تنبّأ هوعليهالسلام في كتابه إلى بني هاشم قائلاً: «أمّا بعد، فإنّه مَنْ لحق بي منكم استشهد، ومَنْ تخلّف لم يبلغ مبلغ الفتح، والسّلام»(1) .
وقال تعالى:( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ) (2) .
وأخيراً يا سيدي يا أبا عبد الله، سلام الله عليك يوم ولدت، ويوم استُشهدت من أجل الحقّ، ويوم تُبعث حياً، وسلام الله على المستشهدين بين يديك من أهلك وأصحابك.
____________________
(1) انظر الوثيقة رقم 18 من هذا الكتاب.
(2) سورة البقرة / 154.
رسائل وكتب متبادلة بين معاوية والإمام الحسينعليهالسلام
الإمام الحسينعليهالسلام له شخصية جذّابة، ومقام شامخ في وجدان الأمّة الإسلاميّة؛ ولهذا كانت الشخصيات والوفود في العالم الإسلامي تفد عليه، وتنهل من فيض علمه؛ لأنّه سبط الرسول وريحانته، ووريث علمه، ممّا أوجب حقد السلطة الاُمويّة عليه، والخوف منه ومن نشاطه؛ ولهذا رُفعت التقارير السرية من قبل عيون وجواسيس معاوية في المدينة المنوّرة حول الإمام الحسينعليهالسلام إلى معاوية في الشام.
ومن جملة العيون والجواسيس التي عيّنها معاوية لمراقبة الإمام الحسينعليهالسلام هو مروان بن الحكم، وكان عامل معاوية على المدينة فكتب إليه هذا التقرير: أمّا بعد، فإنّ عمرو بن عثمان ذكر أنّ رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي، وذكر أنّه لا يأمن وثوبه، وقد بحثت عن ذلك فبلغني أنّه لا يريد الخلافة
يومه هذا، ولست آمن أن يكون هذا أيضاً لمَنْ بعده، فاكتب إليّ برأيك في هذا والسلام(1) .
فلمّا وصل هذا التقرير لمعاوية كتب إليه ما يلي: أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين، فإياك أن تتعرّض للحسين في شيء، واترك حسيناً ما تركك، فإنّا لا نريد أن نتعرّض له في شيء ما وفى ببيعتنا، ولم ينازعنا سلطاننا، فاكمن عنه ما لم يبد لك صفحته، والسّلام(2) .
ثمّ إنّ معاوية كتب رسالة إلى الإمام الحسينعليهالسلام يحذره فيها من الخروج عن طاعته، وهذه نصها: أمّا بعد، فقد انتهت إليّ أمور عنك، إن كانت حقّاً فقد أظنّك تركتها رغبة فدعها، ولعمر الله إنّ مَنْ أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء، وإن كان الذي بلغني عنّك باطلاً، فإنّك أعزل
____________________
(1) انظر ناسخ التواريخ م6 ج1 / 254.
(2) المصدر نفسه.
الناس لذلك وعظ نفسك، فاذكر وبعهد الله أوف، فإنّك متى ما تنكرني أنكرك، ومتى ما تكدني أكدك، فاتق شقّ عصا هذه الأمّة، وأن يوردهم الله على يديك في فتنة، فقد عرفت الناس وبلوتهم، فانظر لنفسك ولدينك ولأمّة محمّد، ولا يستخفنّك السفهاء الذين لا يعلمون(1) .
ولمّا وصل كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى الإمام الحسينعليهالسلام ، أجابه الإمام بجواب لاذع، يكشف فيه أعمال معاوية المنافية للإسلام وتعاليمه، وإليك نصّه: «أمّا بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أنّه قد بلغك عنّي اُمور أنت لي عنها راغب، وأنا بغيرها عندك جدير، فإنّ الحسنات لا يهدي لها، ولا يسدّد إليها إلاّ الله.
وأمّا ما ذكرت أنّه انتهى إليك عنّي، فإنّه إنّما رقاه إليك الملاّقون المشّاؤون بالنميم، وما أريد لك حرباً، ولا عليك خلافاً، وأيم الله إنّي لخائف لله في ترك ذلك، وما أظنّ الله راضياً بترك ذلك، ولا عاذراً بدون الإعذار فيه إليك، وفي اُولئك
____________________
(1) المصدر نفسه / 255.
القاسطين الملحدين حزب الظلمة، وأولياء الشياطين.
ألستَ القاتل حجراً أخا كندة، والمصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، وَلا يَخافُونَ في الله لَوْمَةَ لائِم، ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلّظة، والمواثيق المؤكّدة، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بإحنة تجدها في نفسك؟
أولستَ قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه، واصفرّ لونه، بعدما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل، ثمّ قتلته جرأةً على ربّك، واستخفافاً بذلك العهد؟
أولستَ المدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنّه ابن أبيك، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، فتركت سنّة رسول الله تعمّداً، وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثمّ سلّطته على العراقين يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمل أعينهم، ويصلبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الاُأمّة، وليسوا منك؟
أولستَ صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سميّة
أنّهم كانوا على دين علي صلوات الله عليه، فكتبت إليه أن اقتل كلّ مَنْ كان على دين علي، فقتلهم ومثّل بهم بأمرك، ودين عليعليهالسلام واللهِ الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلستَ مجلسك الذي جلستَ، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين؟
وقلت فيما قلت: «انظر لنفسك ولدينك ولأمّة محمّد، واتّقِ شقّ عصا هذه الأمّة، وأن تردهم إلى فتنة»، وإنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمّة من ولايتك عليها، ولا أعلم نظراً لنفسي ولديني ولأمّة محمّدصلىاللهعليهوآله علينا أفضل من أن أجاهدك، فإن فعلتُ فإنّه قربة إلى الله، وإن تركتُه فإنّي استغفر الله لذنبي، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري.
وقلت فيما قلت: «إنّي إن أنكرتك تنكرني، وإن أكدك تكدني»، فكدني ما بدا لك؛ فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك فيّ، وأن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك؛ لأنّك قد ركبت جهلك، وتحرّصت على نقض عهدك. ولعمري ما وفيتَ بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان، والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقُتلوا، ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلنا،
وتعظيمهم حقّنا، فقتلتهم مخافة أمر لعلّك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا.
فابشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أنّ لله تعالى كتاباً( لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها ) (1) ، وليس الله بناس لأخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على التهمة، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك الناس ببيعة ابنك غلام حَدَث، يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب، لا أعلمك إلاّ وقد خسرت نفسك، وبترت دينك، وغششت رعيتك، وأخزيت أمانتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت الورع التقي لأجلهم، والسلام»(2) .
جواسيس معاوية وعيونه يرفعون التقارير إلى معاوية حول الإمام الحسينعليهالسلام ، واتصالات الناس به واجتماعه معهم، ممّا يزيد في غيظ معاوية وحقده على الإمام الحسينعليهالسلام ، فبعث للإمام بهذه الرسالة: إنّ مَنْ أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء، وقد
____________________
(1) سورة الكهف / 49.
(2) انظر ناسخ التواريخ م ج1 / 257 - 258.
اُنبئت أنّ قوماً من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهل العراق مَن قد جربت؛ قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتق الله واذكر الميثاق؛ فإنّك متى تكدني أكدك، وإنّي لأظنّ أنّ في رأسك فروة، فوددت أنّي أدركتها فافغرها لك.
فلمّا وصل كتاب معاوية الثاني إلى الإمام الحسينعليهالسلام فتأثّر منه، وكتب إليه رادّاً عليه بقوله: «أتاني كتابك، وأنا بغير الذي بلغك عنّي جدير، والحسنات لا يهدي لها إلاّ الله، وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافاً، وما أظنّ أنّ لي عند الله عذراً في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمّة.
ثمّ إنّك ولّيت عليهم ابنك وهو غلام يشرب الشراب، ويلهو بالكلاب، فخنت أمانتك، وأخربت رعيتك، ولم تؤدّ نصيحة ربّك، فكيف تولّي على أمّة محمّد مَن يشرب المسكر وشارب المسكر من الفاسقين، وشارب المسكر من الأشرار؟ وليس شارب المسكر بأمين على درهم فكيف على الأمّة؟ فعن قليل ترد على عملك حين تطوى صحائف الاستغفار»(1) .
____________________
تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 197، دعائم الإسلام 2 / 132، 468، موسوعة كلمات الحسينعليهالسلام / 258، تحقيق منظمة الإعلام الإسلامي.
المدينة المنوّرة تشهد اجتماعاً بين معاوية، والإمام الحسينعليهالسلام وعبد الله بن عباس، حينما جاء معاوية إلى المدينة؛ لأخذ البيعة لولده يزيد، واجتمع مع الإمام الحسين وابن عباس، وذكر فضائل ولده، وطلب منهما البيعة له، فأراد ابن عباس ردّه، فأشار الإمام الحسينعليهالسلام إليه قائلاً: «على رسلك فأنا المراد، ونصيبي في التهمة أوفر».
فأمسك ابن عباس، فقام الإمام الحسين رادّاً عليه، وبعد أن حمد الله وصلّى على رسوله قال: «أمّا بعد يا معاوية، فلن يؤدّي القائل وإن أطنب في صفة الرسولصلىاللهعليهوآله من جميع جزءاً، وقد فهمتُ ما لبستَ به الخلف بعد رسول الله من إيجاز الصفة، والتنكّب عن استبلاغ البيعة، وهيهات هيهات يا معاوية! فضح الصبحُ فحمةَ الدُجى، وبهرت الشمس أنوار السُّرج، ولقد فضلتَ حتّى أفرطتَ، واستأثرتَ حتّى أجحفت، ومنعتَ حتّى بخلتَ، وجِرتَ حتّى جاوزتَ، ما بذلت لذي حقّ من أتمّ حقّه بنصيب حتّى أخذ
الشيطان حظّه الأوفر، ونصيبه الأكمل.
وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد من اكتماله، وسياسته لأمّة محمّد، تريد أن توهم الناس في يزيد كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تُخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاصّ، وقد دلّ يزيد من نفسه على مواقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش، والحمام السبق لأترابهنّ، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي تجده ناصراً، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق، بأكثر ممّا أنت لاقيه.
فوالله ما برحت تقدر باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم حتّى ملأتَ الأسقية، وما بينك وبين الموت إلاّ غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص!
ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا، ولقد لعمر الله أورثنا الرسولصلىاللهعليهوآله ولادةً، وجئت لنا بها ما حججتم به القائم عند موت الرسول، فأذعن للحجّة بذلك، وردّه الإيمان إلى النصف، فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل، وقلتم كان ويكون، حتّى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا اُولي الأبصار.
وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وتأميره
له، وقد كان ذلك ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له، وما صار لعمرو يومئذ حتّى أنف القوم إمرته، وكرهوا تقديمه، وعدّوا عليه أفعاله، فقالصلىاللهعليهوآله : لا جرم معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري.
فكيف يُحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحوال وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابع وحولك مَنْ لا يؤمن في صحبته ولا يعتمد في دينه وقرابته؟ وتتخطّاهم إلى مسرف مفتون تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى بها في آخرتك، إنّ هذا لهو الخسران المبين، واستغفر الله لي ولكم»(1) .
أخذ معاوية يمهّد الجو لخلافة ولده يزيد، وأخذ البيعة له عن طريق الإغراء والإكراه، وجاء إلى مكّة المكرّمة لهذا الغرض، واجتمع اجتماعاً خاصّاً مع الإمام الحسينعليهالسلام ، قائلاً له:
____________________
(1) الإمامة والسياسة 1 / 186، أعيان الشيعة 1 / 583، الغدير 10 / 248، تأريخ اليعقوبي 2 / 228.
يا أبا عبد الله، اعلم أنّي ما تركت بلداً إلاّ وقد بعثت إلى أهله فأخذت عليهم البيعة ليزيد، وإنّما أخّرت المدينة؛ لأنّي قلت هم أصله وقومه وعشيرته، ومَنْ لا أخافهم عليه، ثمّ إنّي بعثت إلى المدينة بعد ذلك فأبى بيعته مَنْ لا أعلم أحداً هو أشدّ بها منهم، ولو علمت أنّ لأمّة محمّدصلىاللهعليهوآله خير من ولدي يزيد لما بعثت له.
فقال له الحسينعليهالسلام : «مهلا يا معاوية! لا تقل هكذا، أنا والله أحقّ بها منه؛ فإنّ أبي خيرٌ من أبيه، وجدّي خير من جدّه، واُمّي خير من اُمّه، وأنا خير منه».
فقال معاوية: أمّا ما ذكرت أنّ جدّك خير من جدّه فصدقت، رسول اللهصلىاللهعليهوآله خير من أبي سفيان؛ وأمّا ما ذكرت أنّ أمّك خير من اُمّه فصدقت، فاطمة بنت رسول الله خير من بنت بحدل؛ وأمّا ما ذكرت أنّ أباك خير من أبيه، فله سابقة وفضل وقرابة من الرسول ليست لغيره من الناس، ولكن قارع أبوك أباه فقضى الله لأبيه على أبيك؛ وأمّا ما ذكرت أنّك خير منه، فهو والله خير لأمّة محمّدصلىاللهعليهوآله منك.
فقال الحسينعليهالسلام : «مَن خير لاُمّة محمّد؟ يزيد الخمور والفجور؟!».
فقال معاوية: مهلاً أبا عبد الله! فإنّك لو ذُكرتَ عنده لما ذَكر منك إلاّ حسناً.
فقال الحسينعليهالسلام : «إنْ علم منّي ما أعلمه منه أنا فليقل فيّ ما أقول فيه».
فقال له معاوية مهدّداً: أبا عبد الله، انصرف إلى أهلك راشداً، واتق الله في نفسك، واحذر أهل الشام أن يسمعوا منك ما قد سمعتُه؛ فإنّهم أعداؤك وأعداء أبيك.
فانصرف الحسينعليهالسلام إلى منزله(1) .
عزل معاوية مروان بن الحكم من ولايته على المدينة المنوّرة واستبدل به سعيد بن العاص؛ لكي يحكم البيعة لولده يزيد، وإجبار شخصيات أهل المدينة على ذلك.
وبعد أن استلم الولاية على المدينة، كتب إلى معاوية هذه الرسالة: أمّا بعد، فإنّك أمرتني أن أدعو الناس لبيعة يزيد ابن أمير المؤمنين، وأن أكتب إليك بمَنْ سارع ممّن أبطأ، وإنّي
____________________
(1) انظر مجمل ذلك في كتاب الإمامة والسياسة 1 / 189، والغدير 10 / 250، ومجمع الزوائد 5 / 198.
أخبرك أن الناس عن ذلك بطاء، لاسيما أهل البيت من بني هاشم؛ فإنّه لم يجبني منهم أحد، وبلغني عنهم ما أكره، وأمّا الذي جاهر بعداوته وإبائه لهذا الأمر فعبد الله بن الزبير، ولست أقوى عليهم إلاّ بالخيل والرجال، أو تقدم بنفسك فترى رأيك في ذلك، والسّلام(1) .
اجتمع معاوية في مكة المكرّمة مع المعارضين لبيعة ولده يزيد، وهم: الإمام الحسينعليهالسلام ، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمان ابن أبي بكر، فهدّدهم وأنذرهم بالقتل، وجعل على رأس كلّ واحد منهم رجلين من حرّاسه يحملان السيف، قائلاً: إن تكلّموا هؤلاء بكلمة أو تعقيباً على كلامه، فاضربوا أعناقهم جميعاً، ثمّ قال معاوية للحسين والنفر المعارض معه: فإنّي قد أحببت أن أتقدّم إليكم؛ إنّه قد أعذر مَنْ أنذر، إنّي كنت أخطب فيكم فيقوم إليّ القائم منكم فيكذّبني على رؤوس الناس فأحتمل ذلك وأصفح، وإنّي قائم بمقالة، فأقسم
____________________
(1) الغدير 10 / 239، موسوعة كلمات الإمام الحسين / 252.
بالله لئن ردّ عليّ أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتّى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقينّ رجل إلاّ على نفسه.
حرّاس معاوية يمتثلون أوامره
ثمّ تكلّم حرّاس معاوية بعد أن وضعوا أيديهم على سيوفهم، قائلين له: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي تعظّمه من أمر هؤلاء الأربعة؟ ائذن لنا أن نضرب أعناقهم؛ فإنّا لا نرضى أن يبايعوا سرّاً، ولكن يبايعوا جهراً حتّى يسمع الناس أجمعون.
فأجابهم معاوية قائلاً: سبحان الله! ما أسرع الناس بالشرّ، وما أحلى بقاءهم عندهم! اتقوا الله يا أهل الشام ولا تسرعوا إلى الفتنة؛ فإنّ القتل له مطالبة وقصاص.
معاوية يخطب أمام الناس مخادعاً
ثمّ إنّ معاوية قام ورقى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا يبتزّ أمر دونهم، ولا يُقضى إلاّ عن مشورتهم، وإنّهم قد رضوا وبايعوا
ليزيد، فبايعوا على اسم الله. فبايع الناس، وكانوا يتربّصون بيعة هؤلاء النفر، ثمّ ركب رواحله وانصرف إلى الشام.
وجاء أهل مكة إلى هؤلاء الأربعة وقالوا لهم: لماذا رضيتم وبايعتم؟ فأجابهم الإمام الحسينعليهالسلام بقوله: «لا والله ما بايعنا، ولكنّ معاوية خدعنا وكادنا ببعض ما كادكم به». ثمّ صعد المنبر وتكلّم بكلام: «وخشينا إن رددنا مقالته عليه أن تعود الفتنة جذعاً، ولا ندري إلى ما يؤول أمرنا، فهذه قصّتنا معه»(1) .
في سنة 57 هجرية أعلن معاوية ولاية العهد لولده، وأخذ البيعة له، وأراد بهذا الإعلان أن يمهّد لإمبراطورية اُمويّة لأسرته وعشيرته، ممّا حدى بالمؤمنين الملتزمين بخطّ الشريعة الإسلاميّة أن يعلنوا معارضتهم لهذا التعيين والتنصيب.
وفي طليعتهم الإمام الحسينعليهالسلام ، فأخذ يمهّد
____________________
(1) الفتوح - ابن أعثم 4 / 348، موسوعة كلمات الإمام الحسين / 269.
الجو للمعارضة بمختلف الطرق السلمية وغيرها، فجاء إلى مكة؛ لأداء فريضة العمرة والحجّ، وعقد مؤتمراً عاماً في منى، وحضره ما يُقارب ألف نفر، وكان هذا الجمع يمثّل كافة الطبقات من صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والتابعين، ومن بني هاشم، وشيعته، ومواليه.
فقامعليهالسلام خطيباً فيهم، معلناً جرائم الحكم الاُموي المغاير للكتاب والسنّة، وفي نفس الوقت مبيناً فضائله وفضائل أهل البيت (عليهم السلام)، وأحقيتهم بالحكم والخلافة، وإليك نصّه: «أمّا بعد، فإنّ هذا الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم، ورأيتم وشهدتم وبلغكم، وإنّي أريد أن أسألكم عن أشياء، فإن صدقت فصدّقوني، وإن كذبت فكذّبوني، اسمعوا مقالتي، واكتموا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم مَنْ آمنتموه ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون؛ فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحقّ ويذهب، والله متم نوره ولو كره الكافرون».
قال سُليم: فكان فيما ناشدهم الحسينعليهالسلام وذكّرهم أنّ قال: «اُنشدكم الله أتعلمون أنّ علي بن أبي طالب كان أخا رسول اللهصلىاللهعليهوآله حين آخى بين أصحابه، فآخى بينه وبين نفسه وقال: أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة؟
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: «اُنشدكم الله هل تعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله اشترى موضع مسجده ومنازله فابتناه، ثمّ ابتنى فيه عشرة منازل تسعة له وجعل عاشرها في وسطها لأبي، ثمّ سدّ كلّ باب شارع إلى المسجد غير بابه، فتكلّم في ذلك مَنْ تكلّم فقالصلىاللهعليهوآله : ما أنا سددت أبوابكم وفتحت بابه، ولكنّ الله أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه. ثمّ نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره، ومنزله في منزل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فولد لرسول اللهصلىاللهعليهوآله وله فيه أولاد؟».
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: «أفتعلمون أنّ عمر بن الخطّاب حرص على كوة قدر عينه يدعها من منزله إلى المسجد فأبى عليه، ثمّ خطبصلىاللهعليهوآله فقال: إنّ الله أمرني أن أبني مسجداً طاهراً لا يسكنه غيري وغير أخي وابنيه؟».
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: «اُنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نصّبه يوم غدير خم، فنادى له بالولاية وقال: ليبلّغ الشاهد الغائب؟».
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: «اُنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال له في غزوة تبوك: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وأنت ولي كلّ
مؤمن بعدي؟».
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: «اُنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله حين دعا النصارى من أهل نجران إلى المباهلة، لم يأت إلاّ به وبصاحبته وابنيه؟».
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: «اُنشدكم الله أتعلمون أنّه دفع إليه اللواء يوم خيبر، ثمّ قال: لأدفعه إلى رجل يحبّه الله ورسوله، ويحبّ الله ورسوله، كرّار غير فرّار، يفتحها الله على يديه؟».
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: «أتعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعثه ببراءة، وقال: لا يبلّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي؟».
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: «أتعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم تنزل به شدّة قط إلاّ قدّمه لها؛ ثقة به، وأنّه لم يدعه باسمه قطّ إلاّ أن يقول: يا أخي، وادعو لي أخي؟».
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: «أتعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قضى بينه وبين جعفر وزيد، فقال له: يا علي أنت منّي وأنا منك، وأنت وليّ كلّ مؤمن بعدي؟».
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: «أتعلمون أنّه كانت له من رسول اللهصلىاللهعليهوآله كلّ يوم خلوة، وكلّ ليلة دخلة، إذا سأله أعطاه، وإذا سكت أبداه؟».
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: «أتعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله فضّله على جعفر وحمزة، حين قال لفاطمة (عليها السلام): زوجتك خير أهل بيتي، أقدمهم سلماً، وأعظمهم حلماً، وأكثرهم علما؟».
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: «أتعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: أنا سيد ولد آدم، وأخي علي سيد العرب، وفاطمة سيدة نساء أهل الجنّة، وابناي الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة؟».
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: «أتعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمره بغسله، وأخبره أن جبرئيل يعينه عليه؟».
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: «أتعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال في آخر خطبة خطبها: إنّي تركت فيكم الثقلين؛ كتاب الله وأهل بيتي، فتمسكوا بهما لن تضلوا؟».
قالوا: اللّهمّ نعم.
فلم يدع شيئاً أنزله الله في علي بن أبي طالبعليهالسلام خاصّة، وفي أهل بيته من القرآن وعلى لسان نبيهصلىاللهعليهوآله إلاّ ناشدهم فيه، فيقول الصحابة: اللّهمّ نعم، قد سمعنا. ويقول التابعي: اللّهم قد حدّثنيه مَن أثق به فلان وفلان. ثمّ ناشدهم أنّهم قد سمعوهصلىاللهعليهوآله يقول: «مَنْ زعم أنّه يحبّني ويبغض علياً فقد كذب، ليس يحبّني وهو يبغض
علياً». فقال له قائل: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ قال: «لأنّه منّي وأنا منه، مَنْ أحبّه فقد أحبني، ومَن أحبّني فقد أحب الله، ومَنْ أبغضه فقد أبغضني، ومَنْ أبغضني فقد أبغض الله». فقالوا: اللّهمّ نعم، قد سمعنا. وتفرقوا على ذلك(1) .
فلمّا امتنع الحسينعليهالسلام عن مبايعة يزيد بن معاوية، كتب واليه على المدينة الوليد بن عتبة كتاباً جاء فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. إلى عبد الله يزيد أمير المؤمنين، من الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. أما بعد، فإنّ الحسين بن علي ليس يرى لك خلافةً ولا بيعة فما رأيك في أمره، والسلام.
فلمّا وصل الكتاب إلى يزيد بن معاوية، أرسل إليه جوابه: أمّا بعد، فإذا أتاك كتابي هذا، فعجّل عليّ بجوابه، وبيّن لي في كتابك كلّ مَنْ في طاعتي، أو خرج عنها، ولكن مع الجواب رأس الحسين بن علي، والسلام(2) .
____________________
(1) انظر ناسخ التواريخ م6 ج1 / 11 - 12، الغدير 1 / 198، وكتاب سليم بن قيس / 6.
(2) ناسخ التواريخ م6 ج1 / 391.
الإمام الحسينعليهالسلام يعلن معارضته للحكم الاُموي
وهو أوّل بيان للحسينعليهالسلام للثورة على يزيد بن معاوية، وذلك عندما طلب منه والي يزيد على المدينة - الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - مبايعة يزيد بالخلافة بعد هلاك معاوية، فقال له الحسينعليهالسلام : «أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا ختم. ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن للفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة»(1) .
لما أبى الحسينعليهالسلام مبايعة يزيد، قال مروان للوليد احبس حسيناً، ولا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه. فوثب الحسينعليهالسلام قائلاً: «يابن الزرقاء، أنت تقتلني أم هو؟! كذبت والله وأثمت». ثمّ خرجعليهالسلام ، فقال مروان للوليد:
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 23.
عصيتني! لا والله لا يمكنك من مثلها من نفسه أبداً.
فقال الوليد: وبخ غيري يا مروان، إنّك اخترت لي التي فيها هلاك ديني، والله ما أحبّ أنّ لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وإنّي قتلت حسيناً. سبحان الله! أقتل حسيناً أن قال: لا اُبايع؟! والله إنّي لا أظنّ امرأً يحاسب بدم حسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة، ولا ينظر الله إليه، ولا يزكيه وله عذابٌ أليم(1) .
ولما كان اليوم الثاني واجه مروان الحسينعليهالسلام في الطريق، وقال لأبي عبد الله: إنّي لك ناصح فأطعني ترشد وتسدّد.
فقال الحسينعليهالسلام : «وما ذاك؟ قل حتّى أسمع».
فقال مروان: أرشدك لبيعة يزيد بن معاوية؛ فإنّها خير لك في دينك وفي دنياك.
قال: فاسترجع الحسينعليهالسلام وقال: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السّلام إذا بليت الأمّة براع مثل يزيد». ثم قال: «يا مروان، أترشدني لبيعة يزيد ويزيد رجل فاسق؟ لقد قلت شططاً من القول وزللاً، ولا ألومك؛ فإنّك
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 252.
اللعين الذي لعنك رسول الله وأنت في صلب أبيك الحكم بن العاص، ومَنْ لعنه رسول الله فلا ينكر منه أن يدعو لبيعة يزيد.
إليك عنّي يا عدوّ الله، فإنّا أهل بيت رسول الله، الحقّ فينا ينطق على ألستنا، وقد سمعت جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان الطلقاء، وأبناء الطلقاء. وقال: فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه». قالعليهالسلام : «ولقد رآه أهل المدينة على منبر رسول الله فلم يفعلوا به ما اُمروا، فابتلاهم بابنه يزيد»(1) الحديث.
قبل أن يهمّ بالخروج من المدينة ذهب الإمام الحسينعليهالسلام لوداع قبر جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فانحنى على القبر باكياً، فأخذته خفقة نوم وإذا بجدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله يأتيه في عالم الرؤيا، قائلاً له: «حبيبي يا حسين، كأنّي أراك عن قريب مرملاً
____________________
(1) أخرج الخطيب موفق بن أحمد المالكي الخوارزمي الحنفي في كتابه مقتل الحسين 1 / 184، طبع النجف الأشرف، 1367 هـ، وناسخ التواريخ م6 ج1 / 387، وكتاب المهدي الموعود المنتظر عند علماء أهل السنة / 304.
بدمائك، مذبوحاً بأرض كرب وبلاء، من عصابة من اُمّتي، وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقى، وظمآن لا تُروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة. حبيبي يا حسين، إنّ أباك واُمّك وأخاك قدموا عليّ، وهم مشتاقون إليك، وإنّ لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلاّ بالشهادة».
فأجابه الحسينعليهالسلام في عالم الرؤيا أيضاً قائلاً: «يا جدّاه، لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا، فخذني إليك، وأدخلني معك في قبرك». فقال له رسول الله: «لا بدّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتّى تُرزق الشهادة، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم؛ فإنّك وأباك وأخاك وعمّك وعمّ أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتّى تدخلوا الجنّة»(1) .
وكان خروجهعليهالسلام من المدينة ليلة الأحد، ليومين بقيا من رجب سنة 60هـ(2) ، فإنّهعليهالسلام جاء إلى قبر جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله فصلّى ركعات،
____________________
(1) انظر ناسخ التواريخ م6 ج2 / 4 و5.
(2) تاريخ الطبري 4 / 220.
وقال: «اللّهمّ هذا قبر نبيك محمّدصلىاللهعليهوآله ، وأنا ابن بنت نبيّك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت. اللّهمّ إنّي أحبّ المعروف وأنكر المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ القبر ومَنْ فيه إلاّ ما اخترت لي ما هو لك رضاً، ولرسولك رضاً».
وفي حديث عمّار، أنّه قال: «بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، لقد خرجتُ من جوارك كرهاً، وفُرّق بيني وبينك، واُخذت قهراً أن اُبايع يزيد، شارب الخمور، وراكب الفجور، وإن فعلت كفرت، وإن أبيت قُتلت، فها أنا خارج من جوارك كُرهاً، فعليك منّي السلام يا رسول الله»(1) .
وكتبعليهالسلام وصية إلى أخيه محمّد بن الحنفية: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمّد المعروف بابن الحنفية: إنّ الحسين يشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عند الحقّ، وأنّ الجنّة والنار حقّ، وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها، وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي
____________________
(1) مقتل أبي مخنف / 15.
القُبُورِ، وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّيصلىاللهعليهوآله ؛ اُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب، فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومَنْ ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِين. وهذه وصيتي يا أخي إليك، وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ اُنِيبُ»(1) . وختمها بخاتمه الشريف.
ولما سار الحسينعليهالسلام بإخوته وبني أخيه، وجلّ أهل بيته إلى مكة، وجّه كتاباً إلى بني هاشم، هذا نصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم، أمّا بعد، فإنّه مَنْ لحق بي منكم استشهد، ومَنْ تخلّف لم يبلغ مبلغ الفتح، والسّلام»(2) .
لما خرج الإمامعليهالسلام من المدينة سلك الطريق الأعظم، فقيل
____________________
(1) بحار الأنوار 44 / 330، مقتل الحسين - الخوارزمي 1 / 88، الفصل التاسع.
(2) انظر عبرة المؤمنين - جواد شبّر / 17.
له: لو تنكّبت عن الطريق الأعظم، كما فعل ابن الزبير، فقال: «لا والله لا أفارقه حتّى يقضي الله ما هو قاض». ثمّ تلا قوله تعالى:( فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ ) (1) . ودخل مكّة وهو يتلو:( وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ) (2) .
فوصل إليها ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان، وأقامعليهالسلام باقي شعبان وشهر رمضان، وشوال وذي القعدة، وثمان ليالي من ذي الحجّة(3) .
ثمّ إنّ الإمام الحسينعليهالسلام اجتمع في مكة المكرّمة مع عبد الله بن عباس حينما طلب منه عدم الخروج، فقال له الحسينعليهالسلام : «هل أنا أبايع يزيد وادخل في صلحه وقد قال النبيصلىاللهعليهوآله فيه وفي أبيه ما قال؟!».
____________________
(1) سورة القصص / 21.
(2) سورة القصص / 22.
(3) تاريخ الطبري 4 / 261.
فقال ابن عباس: صدقت أبا عبد الله، قال النبيصلىاللهعليهوآله في حياته: «ما لي وليزيد، لا بارك الله في يزيد، وإنّه يقتل ولدي وولد ابنتي الحسين. والذي نفسي بيده، لا يقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه إلاّ خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم».
وبكى ابن عباس والحسين، والتفت إليه قائلاً: «يابن عباس، أتعلم أنّي ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟».
فقال ابن عباس: اللّهمّ نعم، نعلم ما في الدنيا أحد هو ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله غيرك، وأنّ نصرك لفرض على هذه الأمّة كفريضة الصلاة والزكاة التي لا تُقبل إحداهما دون الاُخرى.
فقال الحسينعليهالسلام : «يابن عباس، ما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله من داره وقراره، ومولده وحرم رسوله، ومجاورة قبره ومسجده، وموضع مهاجره، فتركوه خائفاً مرعوباً لا يستقر في قرار، ولا يأوي في موطن، يريدون في ذلك قتله وسفك دمه، وهو لم يشرك بالله شيئاً، ولا اتّخذ من دونه ولياً، ولم يغيّر عمّا كان عليه رسول الله؟».
فأجابه ابن عباس مصدّقاً قوله وكلامه بقوله: ما أقول
فيهم إلاّ أنّهم كفروا بالله ورسوله، ولا يأتون الصلاة إلاّ وهم( كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) (1) . وعلى مثل هؤلاء تنزل البطشة الكبرى. وأمّا أنت يابن بنت رسول الله، فإنّك رأس الفخار برسول الله، فلا تظنّ يابن بنت رسول الله أن الله غافل عمّا يعمل الظالمون. وأنا أشهد أنّ مَنْ رغب عن مجاورتك، وطمع في محاربتك ومحاربة نبيّك محمّد فما له من خلاق.
ثمّ إنّ عبد الله بن عباس أبدى استعداده لمناصرة الحسينعليهالسلام قائلاً: جعلت فداك يابن بنت رسول الله، كأنّك تريدني إلى نفسك، وتريد منّي أن أنصرك. والله الذي لا إله إلاّ هو، أن لو ضربت بين يديك بسيفي هذا بيدي حتّى انخلعا جميعاً من كفّي لما كنت ممّن أوفى من حقّك عشر العشر، وها أنا بين يديك مرني بأمرك.
وأقبل الحسينعليهالسلام على ابن عباس فعهد إليه بهذه الوصية قائلاً: «وأنت يابن عباس ابن عمّ أبي، لم تزل تأمر بالخير منذ عرفتك، وكنت مع أبي تشير عليه بما فيه الرشاد
____________________
(1) سورة النساء / 142 - 143.
والسداد، وقد كان أبي يستصحبك ويستنصحك ويستشيرك، وتشير عليه بالصواب، فامضِ إلى المدينة في حفظ الله، ولا تخفِ عليّ شيئاً من أخبارك؛ فإنّي مستوطن هذا الحرم ومقيم به ما رأيت أهله يحبّوني وينصروني، فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم، واستعصمت بالكلمة التي قالها إبراهيم يوم اُلقي في النار:( حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) ، فكانت النار عليه برداً وسلاماً»(1) .
ولمّا وصل إلى أهل الكوفة نبأ هلاك معاوية، ومعارضة الإمام الحسينعليهالسلام لحكم يزيد، ومجيئه إلى مكة، اجتمع نفر منهم في دار سليمان بن صرد الخزاعي(2) ، ولمّا استقر بهم المجلس قام سليمان فيهم خطيباً، وقال في آخر خطبته: يا معشر الشيعة، إنّكم قد علمتم بأنّ معاوية قد هلك وصار إلى ربّه، وقدم على عمله، وقد قعد في موضعه ابنه
____________________
(1) مقتل الحسين - الخوارزمي 1 / 193، حياة الإمام الحسين 2 / 319 - 321.
(2) المصدران نفساهما.
يزيد، وهذا الحسين بن عليعليهماالسلام قد خالفه، وصار إلى مكة هارباً من طواغيت آل أبي سفيان، وأنتم شيعته وشيعة أبيه من قبله، وقد احتاج إلى نصرتكم اليوم؛ فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغرّوا الرجل من نفسه(1) .
قال المجتمعون: بل نقاتل عدوّه، ونقتل أنفسنا دونه. ثمّ أرسلوا وفداً منهم أبو عبد الله الجدلي يحمل كتاباً إلى الحسينعليهالسلام ، وهذا نصّه:
بسم الله الرحمن الرحيم. للحسين بن عليعليهماالسلام ، من سليمان بن صرد، والمسيّب بن نجية، ورفاعة بن شداد البجلي، وحبيب بن مظاهر، وشيعته من المؤمنين المسلمين، سلام عليك.
أمّا بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوّك وعدوّ أبيك من قِبل الجبّار، العنيد الغشوم الظلوم، الذي انتزى على هذه الأمّة فابتزّها أمرها، وغصبها فيئها، وتأمّر عليها بغير رضاً منها، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وعتاتها، فبعداً له كما بعُدت ثمود!
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 30، تاريخ الطبري 4 / 261.
وإنّه ليس علينا إمام غيرك، فاقبِل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ. والنعمان بن بشير في قصر الإمارة، ولسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنّك قد أقبلت أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته يابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعلى أبيك من قبلك، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم(1) .
فوصل الكتاب إلى الحسينعليهالسلام لعشر من شهر رمضان وهو في مكة، ثمّ بعثوا إليه كتباً اُخرى بيد هاني بن هاني السبيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وهذا نصّها: بسم الله الرحمن الرحيم. للحسين بن عليعليهماالسلام ، من شيعته من المؤمنين والمسلمين. أمّا بعد، فحيهلا، فإنّ الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل، والسّلام(2) .
ثمّ أرسل معهما شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعروة بن قيس، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، ومحمّد بن عمير التميمي كتاباً أيضاً إلى
____________________
(1) انظر مقتل الحسين - محسن الأمين / 30، تاريخ الطبري 4 / 262.
(2) تاريخ الطبري 4 / 262، مقتل الحسين - محسن الأمين / 31.
الحسينعليهالسلام ، وهذا نصّه: أمّا بعد، فقد أخضر الجناب، وأينعت الثمار، وطمث الجمام، فإذا شئت فأقدم على جند لك مجنّدة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وعلى أبيك من قبل(1) .
ثمّ توالت الكتب والرسائل على الحسينعليهالسلام حتّى بلغت اثني عشر ألف كتاب.
والإمامعليهالسلام لم يجب على تلكم الرسائل والكتب التي وصلته إلاّ بعد أن صلّى ركعتين بين الركن والمقام، وسأل الله الخيرة في ذلك، ثمّ كتب كتاباً إلى أهل الكوفة، وهو جواب على كتبهم، وأرسله مع هاني بن عروة وسعيد بن عبد الله، وهذا نصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين.
أمّا بعد، فإنّ هانئاً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم، وكانا آخر من قدِم عليّ من رسلكم، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم
____________________
(1) المصدران نفساهما.
وذكرتم، ومقالة جلكم: أنّه ليس علينا إمام، فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ والهدى.
وأنا باعث إليكم أخي وابن عمّي، وثقتي من أهل بيتي مسلم ابن عقيل، وأمرته أن يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إليّ بأنّه قد أجمع رأي ملئكم، وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم، وقرأت في كتبكم، فإنّي أقدم إليكم وشيكاً إن شاء الله، فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحقّ، الحابس نفسه على ذلك لله، والسّلام»(1) .
وقيل: ثمّ نادى مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) وأمره بالتقوى، وكتمان أمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجّل إليه.
ولمّا وصل مسلمعليهالسلام الكوفة نزل دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وأقبل الناس يختلفون إليه بالبيعة
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 33، تاريخ الطبري 4 / 262.
(2) تاريخ الطبري 4 / 263 - 264.
للحسينعليهالسلام جماعة جماعة، وهو يقرأ عليهم كتاب الحسين فيبكون، ثمّ قام عابس بن أبي شبيب الشاكري (رضوان الله عليه) فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّي لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم وما أغرّك منهم. والله اُحدّثك عمّا أنا موطّن نفسي عليه، والله لأجيبنّكم إذا دعوتم، ولأقاتلنّ معكم عدوّكم، ولأضربنّ بسيفي دونكم حتّى ألقى الله، لا اُريد بذلك إلاّ ما عند الله.
ثمّ قام حبيب بن مظاهر (رحمة الله عليه) وقال: رحمك الله، قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك. ثمّ قال: وأنا والله الذي لا إله إلاّ هو على مثل ما هذا عليه. ثمّ تكلّم الحاضرون بمثل ذلك.
ولمّا رأى مسلم إقبال الناس عليه ومبايعتهم للحسينعليهالسلام ، كتب كتاباً للحسينعليهالسلام يقول فيه: أمّا بعد، فإنّ الرائد لا يكذب أهله، وإنّ جميع أهل الكوفة معك، وقد بايعني منهم ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين تقرأ كتابي هذا، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته(1) . وبعثه مع قيس بن مسهر الصيداوي.
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 281.
ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام وجّه كتاباً آخر إلى رؤساء البصرة وزعمائها، وأرسله مع مولى له (سليمان) يُكنّى أبا رزين، أو مع ذراع السدوسي إلى كلّ من مالك بن مسمع البكري، والأحنف بن قيس، والمنذر بن الجارود العبدي، وقيس بن الهيثم، ويزيد بن مسعود النهشلي وغيرهم، جاء فيه:
«أمّا بعد، فإنّ الله اصطفى محمّداًصلىاللهعليهوآله على خلقه، وأكرمه بنبوّته، واختاره لرسالته، ثمّ قبضه الله إليه وقد نصح لعباده، وبلغ ما أرسل بهصلىاللهعليهوآله ، وكنّا أهله وأولياءه، وأوصياءه وورثته، وأحقّ الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنّا أحق بذلك الحقّ المستحق علينا ممّن تولاّه.
وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّهصلىاللهعليهوآله ؛ فإنّ السنّة قد اُميتت، وإنّ البدعة قد اُحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري، أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله»(1) .
____________________
(1) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 159، تاريخ الطبري 4 / 266.
ولمّا وصل الكتاب إلى يزيد بن مسعود النهشلي، جمع قبائل بني تميم، وبني حنظلة، وبني سعد، وقال لهم: كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم؟
فقالوا: بخ بخ! أنت والله فقرة الظهر، ورأس الفخر، حللت في الشرف وسطاً، وتقدّمت فيه فرطاً.
قال: فإنّي قد جمعتكم لأمر أريد أن أشاوركم فيه، وأستعين بكم عليه. فقالوا: إنّا والله نمنحك النصيحة، ونجهد لك الرأي، فقل حتّى نسمع.
فقال (رضوان الله عليه): «إنّ معاوية مات، فأهون به والله هالكاً ومفقوداً، ألا وإنّه قد انكسر باب الجور والإثم، وتضعضعت أركان الظلم، وكان قد أحدث بيعة عقد بها أمراً ظنّ أنّه قد أحكمه، وهيهات الذي أراد! اجتهد والله ففشل، وشاور فخذل.
وقد قام ابنه يزيد شارب الخمور، ورأس الفجور، يدّعي الخلافة على المسلمين، ويتأمّر عليهم بغير رضاً منهم، مع قصر حلم وقلّة علم، لا يعرف من الحقّ موطئ قدميه، فأقسم بالله قسماً مبروراً، لجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين.
وهذا الحسين بن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذو الشرف الأصيل، والرأي الأثيل، له فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا الأمر؛ لسابقته، وسنّه، وقدمه، وقرابته. يعطف على الصغير ويحنوا على الكبير، فأكرم به راعي رعية، وإمام قوم، وجبت لله به الحجّة، وبلغت به الموعظة؛ فلا تعشوا عن نور الحقّ، ولا تسكعوا في وهد الباطل، فقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ونصرته.
والله، لا يقصّر أحد عن نصرته إلاّ أورثه الله تعالى الذلّ في ولده، والقلّة في عشيرته. وها أنا ذا قد لبست للحرب لامتها، وأدرعت لها بدرعها. مَنْ لم يُقتل يمت، ومَنْ يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم الله ردّ الجواب»(1) .
فأجابته بنو حنظلة بقولها: «يا أبا خالد، نحن نبل كنانتك، وفرسان عشيرتك، إن رميت بنا أصبت، وإن غزوت بنا فتحت، لا تخوض والله غمرة إلاّ خضناها، ولا تلقى والله شدّة إلاّ لقيناها، ننصرك والله بأسيافنا، ونقيك بأبداننا إذا شئت».
ثم تكلّم بنو سعد بن يزيد، فقالوا: «يا أبا خالد، إنّ أبغض
____________________
(1) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 161.
الأشياء إلينا خلافك والخروج من رأيك، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال، فحمدنا رأيه، وبقي عزّنا فينا، فأمهلنا نراجع الرأي ونحسن المشهورة».
فقال يزيد بن مسعود: «والله يا بني سعد، لئن فعلتموها لا رفع الله السيف عنكم أبداً، ولا زال سيفكم فيكم.
ثمّ قالت بنو عامر بن تميم: يا أبا خالد، نحن بنو أبيك وحلفاؤك، لا نرضى إن غضبت، ولا نقطن إن ظعنت، والأمر إليك، فادعنا نجبك، وأمرنا نطعك، والأمر لك إذا شئت».
ثمّ إنّ يزيد بن مسعود (رضوان الله عليه) كتب جواباً على رسالة الحسينعليهالسلام جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد، فقد وصل كتابك، وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له من الأخذ بحظّي من طاعتك، والفوز بنصيبي من نصرتك، وإنّ الله لم يخل الأرض قطّ من عامل عليها بخير، أو دليل على سبيل نجاة.
وأنتم حجّة الله على خلقه، ووديعته في أرضه، تفرّعتم من زيتونة أحمدية هو أصلها وأنتم فرعها، فأقدم سُعدتَ بأسعد طائر؛ فقد ذلّلتُ لك أعناقَ بني تميم، وتركتهم أشدّ تتابعاً في طاعتك من الإبل الظماء لورود الماء يوم
خمسها، وقد ذلّلت لك رقاب بني سعد، وغسلت درن صدورها بماء سحابة مزن حين استهلّ برقها، والسّلام»(1) .
ووصل كتابه هذا إلى الحسينعليهالسلام في اليوم العاشر من محرّم كما هو المعروف، فقالعليهالسلام : «ما لك! آمنك الله يوم الخوف، وأعزّك وأرواك يوم العطش الأكبر».
ثمّ إنّه أراد الخروج لنصرة الحسينعليهالسلام وإذا بالخبر يفاجئه بقتله، فجزع ومات من وقته (رضوان الله عليه).
وأمّا بقيّة الزعماء، فإنّ بعضهم أجاب الإمامعليهالسلام جواباً بارداً لا خير فيه، وأمّا المنذر بن الجارود، فإنّه سلّم الكتاب والرسول إلى عبيد الله بن زياد، فصلب الرسول، وهو أوّل رسول يُقتل في الإسلام(2) .
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 38.
(2) تاريخ الطبري 4 / 266.
الحزب الاُموي وموقفـه مـن الثـورة
الحزب الاُموي وموقفه من الثورة
لمّا وصلت أنباء إعلان الإمام الحسين ثورته على الحكم الاُموي إلى كوادر الحزب الاُموي، كانت ردود الفعل مختلفة بحسب وجهات نظر أعضاء الكوادر الحزبية الاُمويّة، وهي في اتّجاهين:
وهو الذي يمثل جانب اللين والفتور؛ لأنّ بعض الكوادر الحزبية الاُمويّة كانت تمثّل الجانب المعتدل في الحزب؛ لأنّها تعلم في قرارة نفسها أنّ يزيد لا يستحق الخلافة وغير جدير بها؛ ولذا نراها غير متحمّسة لحكمه، من أمثال النعمان بن بشير واليه على الكوفة؛ فإنّه بعد أن سمع بثورة الإمام الحسين (ع) قام خطيباً، وخطب خطبة لم ترضِ الحزب الاُموي، فقام إليه أحد كوادر الحزب الاُموي قائلاً: إنّه لا يصلح ما ترى إلاّ الغشم، إنّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوّك رأي المستضعفين.
فأجابه النعمان قائلاً: أن أكون من المستضعفين في طاعة الله، أحبّ إليّ من أن أكون من الأعزّين في معصية الله(1) .
____________________
(1) انظر الوثيقة 27 من هذا الكتاب، تاريخ الطبري 4 / 265.
وهو الاتّجاه المتطرّف المتعصّب، الذي يسير وراء مصالح الاُمويِّين، وليس لديه أيّ واقعية أو الإحساس بها، فنرى ردّ فعله عنيفاً جدّاً؛ لأنّه اتّخذ موقفاً صارماً ضدّ الثورة؛ ولهذا نرى هذا الكادر الاُموي سارع بالكتابة إلى يزيد بن معاوية عندما دخل الكوفة رسول الثورة الحسينيّة مسلم بن عقيل، وأقبل الناس عليه لمبايعة الحسين، ويتزعّم هذا الكادر الحزبي الاُموي رجل اسمه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي.
بلغ ذلك النعمان بن بشير والي يزيد على الكوفة، فجاء إلى المسجد وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد، فاتّقوا الله عباد الله، ولا تُسارعوا إلى الفتنة والفرقة؛ فإنّ فيهما يهلك رجال، وتُسفك الدماء، وتُغصب الأموال. إنّي لم اُقاتل مَنْ لم يُقاتلني، ولا أثب على مَنْ لا يثب عليّ، ولا اُشاتمكم، ولا أتحرّش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا الظنّة ولا التهمة، ولكنّكم إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم،
وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره، لأضربنّكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولو لم يكن لي منكم ناصر؛ أما إنّي أرجو أن يكون مَنْ يعرف الحقّ منكم أكثر ممّن يرديه الباطل(1) .
فقام إليه أحد أعوان الحزب الاُموي، واسمه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي، وقال: إنّه لا يصلح ما ترى إلاّ الغشم، إنّ هذا الذي أنت عليه، فيما بينك وبين عدوّك رأي المستضعفين.
فأجابه النعمان قائلاً: أن أكون من المستضعفين في طاعة الله، أحبّ إليّ من أن أكون من الأعزّين في معصية الله.
فكتب عبد الله بن مسلم الحضرمي كتاباً إلى يزيد بن معاوية جاء فيه: أمّا بعد، فإنّ مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة فبايعته الشيعة للحسين بن علي، فإن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياً ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوّك؛ فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف.
ثمّ كتب آخرون إلى يزيد بن معاوية كتباً أخرى بهذا
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 264.
المضمون، مثل: عمارة بن عقبة، وعمر بن سعد، وغيرهما من أنصار الحزب الأموي(1) .
وعندما وصلت الكتب إلى يزيد بن معاوية وقرأها وفهم محتواها، دعا سرجون مولى معاوية وأقرأه الكتب، وقال: هذا الحسين قد توجّه إلى الكوفة، وهذا مسلم بن عقيل يبايع للحسين، وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيء، فما ترى؟
فقال له سرجون: أرأيت لو نشر معاوية لك، أكنت آخذاً برأيه؟ قال: نعم. [ قال: فأخرج سرجون عهد عبيد الله بن زياد على الكوفة وقال: هذا رأي ](2) أبيك، فأخذ يزيد بهذا الرأي، وكان عبيد الله والياً على البصرة فضمّ إليه الكوفة، وبعث إليه بعهده على الكوفة، مع مسلم بن عمرو الباهلي، وكتب إليه كتاباً: أمّا بعد، فإنّه كتب إليّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أنّ ابن عقيل بالكوفة يجمع الجمع لشقّ عصا المسلمين، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتّى تأتي أهل الكوفة فتطلب ابن
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 265.
(2) أضفنا ما بين المعقوفتين من كتاب الإرشاد للشيخ المفيد 2 / 42؛ وذلك لأنّ عبارة الأصل لم تكن واضحة.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
عقيل كطلب الخرزة حتّى تثقفه فتوثقه، أو تقتله، أو تفنيه، والسّلام(1) .
فأقبل مسلم بن عمرو الباهلي بالعهد والكتاب إلى عبيد الله بن زياد بالبصرة، فلمّا قرأ عبيد الله الكتاب، أمر بالجهاز والتهيؤ، والمسير إلى الكوفة من الغد(2) .
ولمّا كان الغداة، استخلف أخاه عثمان بن زياد على البصرة، بعد أن خطبهم بالوعد والوعيد. وأقبل إلى الكوفة مسرعاً لا يلوي على شيء حتّى دخلها ومعه بضعة عشر رجلاً، متنكّراً بزيّ أهل الحجاز، فظنّ الناس أنّه الحسينعليهالسلام ؛ لأنّهم ينتظرون قدومه.
فأخذ لا يمرّ على أحد من الناس إلاّ وسلّموا عليه، وقالوا: مرحباً بك يابن رسول الله، قدمت خير مقدم، وهو لا يكلّمهم، حتّى جاء القصر فسمع النعمان بن بشير فأغلق باب القصر عليه، ولمّا أنتهى إلى القصر أطلّ النعمان بن بشير من بين شرفتي القصر قائلاً: «اُنشدك الله إلاّ تنحيت عنّي، ما أنا بمسلّم لك أمانتي، وما لي في قتلك من إرب» ظانّاً أنّه الحسينعليهالسلام .
فأزال عبيد الله
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 265.
(2) المصدر نفسه.
اللثام عن وجهه وقال: «افتح لا فتحت، فقد طال ليلك، وشيّدت قصرك، وضيعت مصرك»(1) .
عندها عرف النعمان والناس أنّه عبيد الله بن زياد، ففتح النعمان باب القصر ودخل، ثمّ نودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس، فخرج إليهم وصعد المنبر.
«فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أمّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين أصلحه الله ولاّني مصركم وثغركم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدّة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متّبع فيكم أمره، ومنفّذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البر، وسوطي وسيفي على مَنْ ترك أمري وخالف عهدي، فليبق امرؤ على نفسه الصدق ينبي عنك لا الوعيد».
ثمّ نزل، فأخذ العرفاء والناس أخذاً شديداً، وقال لهم: «اكتبوا إليّ الغرباء، ومَنْ فيكم من طلبة أمير المؤمنين، ومَنْ فيكم من الحرورية، وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 268.
والشقاق، فمَنْ كتبهم لنا فبرئ، ومَنْ لم يكتب لنا أحد فيضمن لنا ما في عرافته أن لا يخالفنا منهم مخالف، ولا يبغي علينا منهم باغ، فمَنْ لم يفعل برئت منه الذمة، وحلال لنا ماله وسفك دمه. وأيّما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا طلب على باب داره، واُلغيت تلك العرافة من العطاء، وسيّر إلى موضع بعمان الزارة»(1) .
ثمّ تطوّر الموقف عندما اعتقل عبيدُ الله هاني بن عروة، وطلب منه أن يسلّمه مسلم بن عقيل فأبى هاني، فضربه عبيد الله بالسياط على وجهه فسال الدم على لحيته، فتناول سيفاً بيد أحد أعوان عبيد الله فأراد أن ينتزعه فلم يستطع، فعندها أمر عبيد الله به أن يغلّ، ويحبس في غرفة، ويوضع عليها الحرس. وإذا بجمع مذحج على باب القصر؛ لأنّهم سمعوا أنّ عبيد الله يروم قتله فجاؤوا لاستنقاذه.
فأمر عبيد الله شريح القاضي بأن يخرج للناس ويعلمهم بأنّ
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 267.
صاحبهم حيّ، فخرج شريح إليهم وقال لهم: إنّي قد رأيت صاحبكم حيّاً، وإنّ الذي بلغكم من قتله كان باطلاً. فقالوا: إذاً لم يُقتل فالحمد لله. ثمّ تفرّقوا(1) .
ثمّ إنّ عبيد الله جمع بعض زعماء القبائل، وشرطته وحاشيته، فخرج بهم وصعد المنبر، فخطب خطبة موجزة: «أمّا بعد، أيّها الناس، فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمّتكم، ولا تخلفوا، ولا تفرقوا فتهلكوا، وتذلّوا وتقتلوا، وتجفوا وتحرموا، إنّ أخاك مَنْ صدقك، وقد أعذر من أنذر»(2) .
ثم إنّ الموقف قد تدهور، وخذل الناس مسلم بن عقيل؛ وذلك بعد أن اشترى عبيد الله ذمم وضمائر بعض الزعماء، فأخذوا يخذلون الناس عن مسلم ويمنونهم بالمال، ويخوّفونهم بجنود أهل الشام.
ثمّ أشرف على الناس بعض رؤساء القبائل، وتكلّم كثير بن شهاب وقال: «أيّها الناس الحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 269.
(2) المصدر نفسه / 274.
الشرّ، ولا تعرضوا أنفسكم للقتل؛ فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى الله الأمير عهداً لئن أتممتم على حربه، ولم تنصرفوا من عشيّتكم أن يحرم ذريّتكم من العطاء، ويفرّق مقاتلتكم في مغازي أهل الشام على غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب حتّى لا يبقى له فيكم بقيّة من أهل المعصية إلاّ أذاقها وبال ما جرت أيديها»(1) .
وتكلّم بقيّة الرؤساء بنحوه، فأخذ الناس يتفرّقون أفراداً وجماعات حتّى كانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها فتقول: انصرف الناس يكفونك، ويجيء الرجل إلى ابنه أو أخيه فيقول: غداً يأتيك أهل الشام فما تصنع؟ فخذل الناس مسلم، وبقي وحده يسير في الطريق فلا يرى أين يذهب حتّى دخل في دار امرأة يُقال لها: طوعة، فآوته إلى الصباح.
وكان عبيد الله قد علم بتفرّق الناس عن مسلم، فأمر عمرو بن نافع فنادى: ألا برئت الذمّة من رجل من الشرطة
____________________
(1) المصدر نفسه / 277.
والعرفاء، أو المناكب، أو المقاتلة صلّى العتمة إلاّ في المسجد. فما كانت إلاّ ساعة وامتلأ المسجد بالناس، ثمّ أمر عبيد الله الحرس أن يحرسونه من جانب، فدخل المسجد وصعد المنبر، وقال: «أمّا بعد، فإنّ ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمّة الله من رجل وجدناه في داره، ومَنْ جاء به فله ديّته. اتقوا الله عباد الله، وألزموا طاعتكم وبيعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً»(1) .
ثمّ نادى: يا حصين بن نمير - وكان صاحب شرطته - ثكلتك اُمّك! إن [ضاع] باب سكّة من سكك الكوفة، أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به. وقد سلّطتك على دور أهل الكوفة؛ فابعث مراصدة على أفواه السكك، وأصبح غداً، واستبر الدور، وجس خلال الدور حتّى تأتيني بهذا الرجل.
ولمّا كان الغداة علم بمكان مسلم، فبعث إليه عبيد الله بسبعين فارس مع محمّد بن الأشعث، فأحاطوا بمسلم من
____________________
تاريخ الطبري 4 / 279.
كلّ جانب. فقاتلهم مسلم وحده مقاتلة الشجعان، وكافحهم مكافحة الأبطال حتّى أكثر فيهم القتل، واستنجدوا بعبيد الله أن يبعث إليهم بالخيل والرجال فأنجدهم، وأخذوا يرمونه بالنار والحجارة من فوق الدور(1) .
وعمدوا إلى مكيدة؛ فحفروا له حفيرة ووضعوا عليها الحطب والتراب، وبينما هو يهجم عليهم وهم يفرون من بين يديه إذ سقط مسلمعليهالسلام في تلك الحفيرة، فهجموا عليه وضربوه بالسيف على شفته العليا، وأخذوا السيف منه وكتّفوه، وأخذوه إلى عبيد الله بن زياد.
فقال مسلم: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. ثمّ بكى، فقيل له: إنّ مَنْ يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك.
فقال مسلم: «إنّي والله ما لنفسي أبكي، ولا لها من القتل أرثي وإن كنت لم أحبّ لها طرفة عين تلفاً، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إليّ؛ أبكي لحسين وآل حسين»(2) .
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه / 280.
ثمّ إنّ مسلم أقبل على محمّد بن الأشعث وقال له: «هل عندك خير؟ تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً على لساني يبلغ حسيناً؛ فإنّي لا أراه إلاّ وقد خرج إليكم اليوم مقبلاً، أو هو خارج غداً هو وأهل بيته، وإنّ ما ترى من جزعي لذلك، فيقول: إنّ ابن عقيل بعثني إليك، وهو في أيدي القوم أسير، لا يرى أن تمشي حتّى تُقتل، وهو يقول: ارجع بأهل بيتك، ولا يغرّك أهل الكوفة؛ فإنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل. إنّ أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني، وليس لمكذوب رأي(1) ؟
فقال الأشعث: لأفعلن، ولأعلمن ابن زياد. ثمّ بعث الأشعث أياس بن العثل الطائي بهذه الرسالة الشفوية إلى الحسين في منطقة الزُّبالة.
ثمّ إنّ مسلم اُدخل على عبيد الله بن زياد فلم يسلّم
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 281.
عليه، فقال الحرس: سلّم على الأمير.
فقال مسلم: اسكت ويحك! والله ما هو لي بأمير.
فقال عبيد الله: لا عليك، سلّمت أم لم تسلّم فإنّك مقتول.
فقال مسلم: إن قتلتني، فلقد قتل مَنْ هو شر منك مَنْ هو خير منّي.
عبيد الله: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام.
مسلم: أمّا إنّك أحقّ مَنْ أحدث في الإسلام ما لم يكن، وإنّك لا تدع سوء القتلة، وقبح المثلة، وخبث السريرة، ولؤم الغلبة لأحد أولى بها منك.
عبيد الله: يا عاق! يا شاق! خرجت على إمامك وشققت عصا المسلمين، وألقحت الفتنة؟!
مسلم: كذبت، إنّما شقّ عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد؛ وأمّا الفتنة فإنّما ألقحتها أنت وأبوك زياد بن عبيد ابن بني علاج من ثقيف، وأنا أرجو أن يرزقني الله الشهادة على يدي شرّ بريته.
عبيد الله: منّتك نفسك أمراً حال الله دونه وجعله لأهله.
مسلم: ومَنْ أهله يابن مرجانة إذا لم نكن نحن أهله؟
عبيد الله: أهلهُ أمير المؤمنين يزيد بن معاوية.
مسلم: الحمد لله على كلّ حال، رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم.
عبيد الله: أتظنّ أنّ لك في الأمر شيئاً؟
مسلم: والله ما هو الظنّ، ولكنّه اليقين.
عبيد الله: إيه ابن عقيل! أتيت الناس وهم جمع وأمرهم ملتئم فشتت أمرهم بينهم، وفرّقت كلمتهم وحملت بعضهم على بعض.
مسلم: كلاّ لست لذلك أتيت، ولكنّكم أظهرتم المنكر، ودفعتم المعروف، وتأمّرتم على الناس بغير رضاً منهم، وحملتموهم على غير ما أمركم الله به، وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر فيهم بالمعروف، وننهى عن المنكر، وندعوهم إلى حكم الكتاب والسنّة، وكنّا أهلاً لذلك.
عبيد الله: وما أنت وذلك يا فاسق؟! لِم لم تعمل بذلك إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر؟!
مسلم: أنا أشرب الخمر! أما والله إنّ الله ليعلم أنّك تعلم غير صادق، وإنّ أحقّ بشرب الخمر منّي وأولى بها مَنْ يلغ في دماء المسلمين ولغاً، فيقتل النفس التي حرّم الله قتلها،
ويسفك الدم الذي حرّم الله على الغضب، والعداوة وسوء الظن، وهو يلهو ويلعب كأن لم يصنع شيئاً(1) .
عبيد الله: فأخذ يشتمه ويشتم علياً، والحسن والحسين، وعقيلاً.
مسلم: أنت وأبوك أحقّ بالشتيمة، فاقض ما أنت قاض يا عدوّ الله.
عبيد الله: أين بكر بن حمران فليصعد به إلى أعلى القصر ويضرب عنقه، ويرمي بجثمانه من أعلى القصر(2) .
مسلم: يُصعد به إلى أعلى القصر وهو يكبّر ويستغفر الله ويسبّحه، ويصلّي على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ويقول: اللّهمّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذّبونا وخذلونا. ثم صلّى ركعتين وضُرب عنقه، ورمي بجسده من أعلى القصر(3) . وكان خروج مسلم بن عقيل يوم الإثنين، وقُتل عليهالسلام يوم الثلاثاء لثماني ليال مضين من ذي الحجّة من يوم عرفة
____________________
(1) الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 274، تاريخ الطبري 4 / 283.
(2) انظر تفصيل ذلك في تاريخ الطبري 4 / 266 - 283، مقتل الحسين - محسن الأمين / 57 - 59.
(3) المصدر نفسه.
سنة 60 هجرية، وهو اليوم الذي خرج فيه الحسين من مكّة قاصداً العراق.
ثمّ أخرج هاني إلى سوق الجزارين وهو يقول: «وا مذحجاه! ولا مذحج لي اليوم، إلى الله المعاد. اللّهمّ إلى رحمتك ورضوانك». ثمّ ضرب عنقه تركي مولى لعبيد الله بن زياد. وربط رجليهما بحبل، وسحبوهما في السوق.
فرثاهما الشاعر بقوله:
إذا كنتِ لا تدرين ما الموتُ فانظري |
إلى هانئٍ في السوقِ وابنِ عقيلِ |
|
إلـى بطـلٍ قد هشّمَ السيفُ وجهَه |
وآخـر يـهوي مـن طمارِ قتيلِ(1) |
ولمّا قتل هاني بن عروة ومسلم بن عقيل، حزّ رأسيهما وبعثهما إلى يزيد بن معاوية مع هاني بن أبي حيّة الوداعي، والزبير بن الأروح التميمي، وزوّدهما بكتاب، وهذا نصّه(2) : «أمّا بعد، فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقّه، وكفاه
____________________
(1) انظر تفصيل ذلك في تاريخ الطبري 4 / 284 - 285، ومقتل الحسين - محسن الأمين / 57 - 59.
(2) المصدران نفساهما.
مؤونة عدوّه، أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أنّ مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هاني بن عروة المرادي، وإنّي جعلت عليهما العيون، ودسست إليهما الرجال، وكدتهما حتّى استخرجتهما وأمكن الله منهما، فقدّمتهما فضربت أعناقهما، وقد بعثت إليك برأسيهما مع هاني بن أبي حيّة الهمداني والزبير بن الأروح التميمي، وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة، فليسألهما أمير المؤمنين عمّا أحبّ من أمر؛ فإنّ عندهما علماً وصدقاً، وفهماً وورعاً، والسّلام»(1) .
ولمّا وصل الكتاب إلى يزيد بن معاوية وقرأه، كتب إليه جواباً: «أمّا بعد، فإنّك لم تعد إن كنت كما أحبّ، عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، فقد أغنيت وكفيت، وصدقت ظنّي بك، ورأيي فيك. وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت، فاستوص بهما خيراً.
وإنّه قد بلغني أنّ الحسين بن علي قد
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 285.
توجّه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس على الظنّ، وخذ على التهمة، غير أن لا تقتل إلاّ مَنْ قاتلك، واكتب إليّ في كلّ ما يحدث من الخبر، والسلام عليك ورحمة الله»(1) .
اُخبر الإمام الحسينعليهالسلام بأنّ يزيد بن معاوية قد زوّد عمرو بن سعيد بن العاص بخيل ورجال، وأمره أن يقبض على الحسين، ولو أبى لناجزه. ودس أيضاً ثلاثين رجلاً من شياطين بني اُميّة مع الحاج أن يغتالوا الحسين على أيّ حال اتفق ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة.
فخافعليهالسلام أن يُغتال في الحرم فتهتك حرمة المسجد، وحرمة الشهر الحرام، فقال: «والله لئن اُقتل خارجاً منها بشبر أحبّ إليّ من أن اُقتل داخلاً فيها بشبر. وأيم الله، لو كنت في ثقب هامّة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا فيّ حاجتهم، ووالله ليعتدنّ عليّ كما اعتدت اليهود في السبت»(2) .
____________________
(1) المصدر نفسه / 286.
(2) المصدر نفسه / 289.
فعجّلعليهالسلام بالخروج من مكّة لهذا السبب قاصداً العراق، وخصوصاً بعد أن وصلته كتبهم، فعندما عزم تهيّأ للخروج، ثمّ قام فخطب قائلاً: «الحمد لله، وما شاء الله، ولا قوّة إلاّ بالله، وصلّى الله على رسوله، خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني(1) إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف. وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات(2) بين النواويس وكربلاء، فيملأنّ منّي أكراشاً جوفاً، وأجربةً سغباً، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين.
لن تشذّ عن رسول الله لحمته، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس، تقرّ بهم عينه، وينجز بهم وعده. ألا ومَنْ كان فينا باذلاً مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا؛ فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى»(3) .
وكانعليهالسلام قد أحرم للحج، وأراد الإحلال من إحرامه،
____________________
(1) الوله: الحنين.
(2) عسلان الفلاة: الذئاب، والعسلان: الرماح.
(3) مقتل الحسين - محسن الأمين / 63.
فجعلها عمرة مفردة؛ لأنّه لم يتمكن من إكمال حجّه، مخافة أن يُقبض عليه، فطاف بالبيت وصلّى، وسعى بين الصفا والمروة، وقصّر من شعره، وأحلّ إحرامه.
عندما علم الناس بعزم الحسينعليهالسلام على الخروج من مكّة قاصداً العراق، جاءه نفر من إخوته وأبناء عمومته وأقربائه، ومن الصحابة وأبنائهم يشيرون عليه بعدم الذهاب إلى العراق، ويرجونه البقاء بالحجاز؛ لأنّه سيدهم وزعيمهم، كعمر بن عبد الرحمان المخزومي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر الطيار، وعبد الله بن عمر، ومحمّد بن الحنفية وغيرهم(1) .
وكانعليهالسلام يجيب كلاً من هؤلاء بجواب، مثل: «استخير الله وانظر ما يكون»(2) . وقال لآخر: «إنّ أبي حدّثني أنّ بها كبشاً يستحلّ حرمتها، فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش»(3) . أو مثل
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 288.
(2) مقتل الحسين - محسن الأمين / 63 - 64.
(3) المصدر نفسه.
قوله لآخر: «أتاني رسول الله بعد مفارقتك، فقال: يا حسين، اخرج؛ فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً»(1) .
قيل له: فما حملك هذه النسوة معك؟ فقالعليهالسلام : «إنّ الله شاء أن يراهن سبايا»(2) . وقالعليهالسلام لبعضهم: «وأيم الله، لو كنت في ثقب هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقتلوني. والله ليعتدنّ عليّ كما اعتدت اليهود في يوم السبت. والله لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم مَنْ يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من فرام(3) المرأة».
ثم جاءه عبد الله بن عمر وأشار عليه بصلح أهل الضلال، وحذّره من القتل والقتال، فقال له الحسينعليهالسلام : «هيهات يابن عمر! إنّ القوم لا يتركوني وإن أصابوني، وإن لم يصيبوني فلا يزالون حتّى اُبايع وأنا كاره أو يقتلوني. أما تعلم يا عبد الله أنّ من هوان الدنيا على الله تعالى أنّه اُتي برأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل؟! أما تعلم يا أبا عبد الرحمان أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
(3) الفارم: خرقة الحيض.
الشمس سبعين نبيّاً ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كلّهم كأنّهم لم يصنعوا شيئاً، فلم يعجّل الله عليهم، بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر؟! اتق الله يا أبا عبد الرحمان ولا تدعن نصرتي»(1) .
ثمّ إنّهعليهالسلام أمر إخوته وأولاده وبني أعمامه وأصحابه أن يسيروا بالظعائن والحريم، وذلك في يوم الثلاثاء أو الأربعاء، يوم التروية لثمان مضين من ذي الحجّة سنة 60 هـ، فاعترضته رسل عمرو بن سعيد أمير الحجاز من قبل يزيد ليردّوه ويمنعونه من المسير إلى العراق، فتدافع الفريقان وتضاربا بالسياط، وامتنع الحسين وأصحابه فنادوه: يا حسين، ألا تتقي الله تخرج من الجماعة وتفرّق بين هذه الأمّة؟
فتلا الحسينعليهالسلام قول الله تعالى: «لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ »(2) . ثمّ سار الحسينعليهالسلام ومعه ركبه، وهو يذكر يحيى بن زكريا وقتله،
____________________
(1) أعيان الشيعة 4 / 212، القسم الأول، كتاب الفتوح 5 / 38، 42، حياة الإمام الحسينعليهالسلام / 320.
(2) سورة يونس / 41.
ويقول: «من هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريا اُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل».
حتّى مرّ بالتنعيم، فوجد فيها عيراً تحمل هدايا من الورس والحلل إلى يزيد بن معاوية، بعث بها عامله على اليمن، فأخذها وقال لأصحاب الجمال: «مَنْ أحبّ أن ينطلق معنا وفّيناه كراه وأحسنّا صحبته، ومَنْ أحبّ أن يفارقنا أعطيناه كراه». فبقي بعضهم مع الحسينعليهالسلام وذهب آخرون(1) .
ثمّ أقبل الحسينعليهالسلام حتّى انتهى إلى منطقة الصفاح، فلقيه الفرزدق بن غالب الشاعر، فواقف حسيناً وقال له: أعطاك الله سؤلك، وأملك فيما تحبّ، بأبي أنت وأمّي يابن رسول الله!
فقال له الحسينعليهالسلام : «ما خلفت الناس؟».
فقال له الفرزدق: من خبير سألت؛ قلوبهم معك، وسيوفهم مع بني اُميّة، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء.
فقال له الحسينعليهالسلام : «صدقت، لله الأمر، والله يفعل ما يشاء، وكلّ يوم ربّنا في شأن. إن نزل القضاء بما نحبّ فنحمد الله على
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 290.
نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يعتد مَنْ كان الحق نيّته، والتقوى سريرته، والسلام عليك»(1) . ثمّ حرّك دابته وسار.
ولمّا وصل نبأ خروج الحسينعليهالسلام من مكّة إلى عبد الله بن جعفر الطيار، كتب كتاباً للحسينعليهالسلام ، وبعثه مع ابنيه عون ومحمّد، جاء فيه: «أمّا بعد، فإنّي أسألك بالله لما انصرفت حتّى تنظر في كتابي؛ فإني مشفق عليك من الوجه الذي توجّهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك. إن هلكت اليوم طفئ نور الأرض؛ فإنّك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير؛ فإنّي في أثر الكتاب، والسّلام»(2) .
42 - جواب الحسينعليهالسلام له
فأجابه الإمامعليهالسلام قائلاً: «إنّي رأيت رؤيا فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، واُمرت فيها بأمر أنا ماضٍ له، عليّ كان أو لي». فسُئل
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) تاريخ الطبري 4 / 291.
ما هي تلك الرؤيا؟ قالعليهالسلام : «ما حدّثت أحداً بها، وما أنا محدّث بها حتّى ألقى ربّي»(1) .
ثمّ إنّ عبد الله بن جعفر الطيار واصل سعيه وجهده، لدى عمرو بن سعيد والي يزيد على مكّة؛ كي يأخذ منه الأمان للحسينعليهالسلام حتّى يرجع عن عزمه وخروجه إلى العراق، فطلب من عمرو بن سعيد أن يكتب كتاباً للحسين يمنّيه فيه بالأمان والإحسان والصلة، فاستجاب عمرو بن سعيد إلى عبد الله بن جعفر، وكتب كتاباً هذا نصّه:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي. أمّا بعد، فإنّي أسأل الله أن يصرفك عمّا يوبقك، وأن يهديك لما يرشدك. بلغني أنّك قد توجّهت إلى العراق، وإنّي أعيذك بالله من الشقاق؛ فإنّي أخاف عليك فيه الهلاك، وقد بعثت إليك عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد، فأقبل إليّ معهما؛ فإنّ لك عندي الأمان والصلة والبرّ وحسن الجوار، لك
____________________
(1) المصدر نفسه / 292.
الله عليّ بذلك شهيد وكفيل، ومراع ووكيل. والسلام عليك»(1) ، وبعثه مع عبد الله بن جعفر وأخيه يحيى بن سعيد ليكون أكثر اطمئناناً وثقة.
ثمّ إنّ عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد جاءا بالكتاب إلى الحسين، وهو في طريقه إلى العراق، وألحّا أن ينثني عن عزمه ورجوعه إلى بلده آمناً مكرماً، فأبى الحسينعليهالسلام واعتذر إليهما بما قاله في جواب عبد الله بن جعفر: «إنّي رأيت رؤيا فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، واُمرت فيها بأمر أنا ماضٍ له، عليّ كان أو لي».
فقالا: فما تلك الرؤيا؟
قالعليهالسلام : «ما حدّثت أحداً بها، وما أنا محدّث أحداً حتّى ألقى ربّي».
ثمّ إنّهعليهالسلام كتب جواباً لكتاب عمرو بن سعيد والي يزيد على مكّة، جاء فيه: «أمّا بعد، فإنّه لم يشاقق الله ورسوله مَنْ دعا إلى الله عزّ وجلّ، وعمل صالحاً، وقال إنّني من المسلمين. وقد دعوتَ إلى الأمان والبرّ والصلة، فخير الأمان أمان الله،
____________________
(1) المصدر نفسه / 252.
ولن يؤمن الله يوم القيامة مَنْ لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافةً في الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة، فإن كنت نويت بالكتاب صلتي وبرّي فجزيت خيراً في الدنيا والآخرة، والسّلام»(1) .
ثمّ إنّ الإمام الحسينعليهالسلام واصل سيره حتّى مرّ بوادي العقيق، فلقي رجلاً من بني أسد، يُسمّى بشر بن غالب قادماً من العراق فسأله عن أهلها. فقال: «خلفت القلوب معك، والسيوف مع بني اُميّة». فقالعليهالسلام : «صدق أخو بني أسد، إنّ الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد».
ثمّ أقبل الحسينعليهالسلام سائراً حتّى بلغ منطقة الحاجر من بطن الرمة، كتب كتاباً إلى جماعة من أهل الكوفة، منهم: سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيّب بن نجية، ورفاعة بن شداد وغيرهم، وهو ثاني كتاب يرسله الحسينعليهالسلام إليهم، وهذا نصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من الحسين بن علي، إلى إخوانه
____________________
(1) المصدر نفسه / 292.
من المؤمنين والمسلمين. سلام عليكم. فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعـد، فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملئكم على نصرنا، والطلب بحقّنا، فسألت الله أن يحسن لنا الصنع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر.
وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء، لثمان مضين من ذي الحجّة، يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمركم وجدّوا؛ فإنّي قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»(1) . وختمه، وأرسله مع قيس بن مسهر الصيداوي (عليه الرحمة).
لمّا وصل نبأ سير الحسين إلى العراق إلى عبيد الله بن زياد، أخذ استعداده العسكري الكامل، ووضع رجاله على الطرق الرئيسية. وكان الحصين بن تميم صاحب شرطته قد نزل في القادسية، ونظم خيله ورجاله ما بين القادسية ومنطقة خفان، إلى منطقة القطقطانة، إلى جبل لعلع، إلى البصرة.
ولمّا انتهى رسول الحسين قيس بن مسهر
____________________
(1) المصدر نفسه / 297.
الصيداوي إلى القادسية اعترضه الحصين بن تميم ليفتّشه، أخرج قيس الكتاب وخرقه، فأخذه الحصين إلى عبيد الله بن زياد، فلمّا مثل بين يديه قال له عبيد الله: مَنْ أنت؟
قال قيس: أنا رجل من شيعة علي والحسينعليهماالسلام .
عبيد الله: لماذا خرقت الكتاب؟
قيس: لئلا تعلم ما فيه.
عبيد الله: وممّن الكتاب؟ وإلى مَنْ؟
قيس: من الحسينعليهالسلام إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم.
عبيد الله غضب قائلاً: والله لا تفارقني حتّى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم، أو تصعد المنبر فتسبّ الحسين بن علي وأباه وأخاه، وإلاّ قطعتك إرباً إرباً.
قيس: أمّا القوم فلا أخبرك بأسمائهم، وأمّا سبّ الحسين وأبيه وأخيه فأفعل.
قيس يصعد إلى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيصلىاللهعليهوآله وأكثر من الترحم على علي والحسن الحسين، ولعن عبيد الله بن زياد وأباه وعتاة بني اُميّة، ثمّ قال: «أيّها الناس، هذا الحسين بن علي خير خلق الله، ابن
فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأنا رسوله إليكم، وقد خلفته بالحاجر فأجيبوه»(1) .
عبيد الله: أمر به فرمي من أعلى القصر، فتقطّع ومات (رضوان الله عليه).
فبلغ الحسينعليهالسلام قتله، فاسترجع واستعبر بالبكاء، ثمّ قرأ: «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً »(2) .
ثم قالعليهالسلام : «جعل الله له الجنة ثواباً، اللّهمّ اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك، وغائب مذخور ثوابك، إنّك على كلّ شيء قدير»(3) .
ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام سار حتّى انتهى إلى ماء من مياه العرب وعليه عبد الله بن مطيع العدوي، فاستقبل الحسين
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 297، مقتل الحسين - محسن الأمين / 17.
(2) سورة الأحزاب / 23.
(3) انظر تفصيل ذلك في تاريخ الطبري 4 / 298، مقتل الحسين - محسن الأمين / 71.
وناشده عن عدم الذهاب إلى الكوفة، قائلاً له: «يابن رسول الله، أذكرك الله في حرمة الإسلام أن تنتهك، أنشدك الله في حرمة قريش وذمّة العرب، والله لئن طلبت ما في يدي بني اُميّة ليقتلوك، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً، والله إنّها لحرمة الإسلام وحرمة قريش، فالله الله لا تفعل، ولا تأتِ الكوفة، وتعرض نفسك لبني اُميّة»، فأبى الحسين، ثمّ ودّعه وانصرف(1) .
ثمّ لقي أعراباً فسألهمعليهالسلام فقالوا: والله لا نعلم غير أننا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج؛ لأنّ عبيد الله أمر أن لا يخرج ولا يلج أحد من واقصة إلى طريق الشام، إلى البصرة(2) .
وسار حتّى أقبل إلى ما فوق منطقة زرود فصادف زهير بن القين ومعه جماعة من فزارة وبجيلة، وكان من
____________________
(1) ذكر مجمل ذلك تاريخ ابن عساكر 3 / 68، حياة الإمام الحسين - القرشي 3 / 29، تأريخ الطبري 4 / 298.
(2) تاريخ الطبري 4 / 295.
أبغض الأشياء إليه مقابلة الحسين؛ لأنّه عثماني العقيدة، فبعث الحسينعليهالسلام خلفه وكان يتغذّى مع جماعته، فأسقط ما في أيديهم كأنّ على رؤوسهم الطير. فقالت له زوجته: سبحان الله! ابن رسول الله يدعوك فلا تجيبه؟! فأتاه زهير على كره، ثمّ رجع إلى أصحابه مستبشراً، وأمر بفسطاطه وثقله ورحله فحوّل إلى الحسينعليهالسلام ، وقال لأصحابه: «مَنْ أحبّ منكم أن يتبعني، وإلاّ فهو آخر عهد منّي».
ثمّ قال: «سأحدثكم حديثاً؛ إنّا غزونا بلنجر، وهي بلدة في بلاد الخزر، ففتح الله علينا وأصبنا غنائم ففرحنا، فقال لنا سلمان الباهلي: إذا أدركتم قتال شباب آل محمّد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم بما أصبتم من الغنائم»(1) .
ثمّ قال لزوجته: أنت طالق، الحقي بأهلك؛ فإنّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلاّ خيراً؛ لأنّي أفديه بروحي، وأقيه بنفسي. وسلّمها إلى بني عمومتها، فقالت له: خار الله لك! أسألك أن تذكرني يوم القيامة عند جدّ الحسين. فلزم الحسينعليهالسلام حتّى قُتل.
____________________
(1) المصدر نفسه / 299.
ثمّ إنّهعليهالسلام أخذ يسير بركبه حتّى مرّ بمنطقة الخزيمية، فأقام بها يوماً وليلة، فجاءته أخته زينبعليهالسلام وقالت له: سمعت هاتفاً يهتف ويقول:
ألا يـا عـينُ فاحتفلي بجهدِ |
ومَنْ يبكي على الشهداءِ بعدي |
|
عـلى قـومٍ تـسوقهمُ المنايا |
بـمقدارٍ إلـى إنـجازِ وعدِ |
فقال الحسينعليهالسلام : «يا اُختاه، كلّ الذي قُضي فهو كائن». ثمّ سار الحسينعليهالسلام فوصل منطقة الثعلبية ممسياً.
فوضع الإمامعليهالسلام رأسه بين ركبتيه، فأخذته سِنة نوم، ثمّ أفاق فقال: «رأيت هاتفاً يقول: أنتم تسرعون والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة».
علي الأكبر: يا أبه، أفلسنا على الحقّ؟
الحسينعليهالسلام : «بلى يا بني والذي إليه مرجع العباد».
علي الأكبر: يا أبه، إذاً لا نبالي بالموت.
الحسينعليهالسلام : «جزاك الله يا بني ما جزى ولداً عن والده».
ولمّا أصبح وإذا برجل من أهل الكوفة يُكنّى بأبي هرّة الأزدي، فسلّم على الحسين وقال: يابن رسول الله، مَنْ أخرجك من حرم الله وحرم جدّك محمّدصلىاللهعليهوآله ؟
فقال له الحسين: «ويحك يا أبا هرّة! إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت. وأيم الله، لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليسلطنّ الله عليهم مَنْ يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ»(1) .
ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام سار حتّى انتهى إلى منطقة زبالة، فسقط إليه خبر مسلم بن عقيل، وعبد الله بن يقطر، أخيه من الرضاعة، وكان قد بعثه من الطريق إلى مسلم، فأخذه رجال الحصين بن نمير بالقادسية، وجيء به إلى عبيد الله بن زياد، فقال له: اصعد فوق القصر والعن الكذّاب ابن الكذّاب حتّى أرى فيك رأيي.
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 74.
فصعد عبد الله بن يقطر القصر، وأشرف على الناس وقال: «أيّها الناس، إنّي رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول الله، لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة وابن سميّة الدّعي». فأمر عبيد الله برميه من أعلى القصر فرمي، ثمّ حزّ رأسه(1) .
ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام ترحّم على مسلم بن عقيل مراراً، ثمّ استعبر وقال: «رحم الله مسلماً، فلقد صار إلى روح الله وريحانه، وتحياته ورضوانه. أما إنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا، ولا خير في العيش بعد هؤلاء»(2) .
ثمّ أخرج كتاباً وقرأه على الناس، والأعراب الذين جاؤوا معه طلباً للرزق والعافية، وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد، فإنّه قد أتاني خبر فظيع؛ قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلتنا شيعتنا، فمَنْ أحبّ منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج، وليس عليه
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 300.
(2) مقتل الحسين - محسن الأمين / 76.
ذمام»(1) .
فتفرّق عنه نفر كثير؛ لأنّهم جاؤوا معه ظنّاً منهم أنّه قد استقامت له الأمور، وصفا له الجو، فأحبّعليهالسلام أن يخبرهم بذلك ليكونوا على بيّنة من أمرهم ومصيرهم؛ لئلاّ يُقال: إنّهعليهالسلام غرّر بهم، وضلّل عليهم الأمر؛ لأنّهم اتّبعوه طلباً للرزق، فاستغل هذا الجانب لتكثير جمعه وزيادة أصحابه كما يستغلّ الكثير من أصحاب الثورات التي اندلعت بعد ثورة الحسينعليهالسلام حاملين بعض الشعارات لتضليل بسطاء الناس وإغوائهم؛ وذلك زيادة في الجمع والعدد.
ولكن الحسينعليهالسلام شريف في ثورته، ونبيل في استعمال وسائلها؛ فلهذا أخبرهم بذلك حتّى لا يبقى معه إلاّ مَنْ كان موطّناً نفسه على لقاء الله(2) .
ولمّا كان وقت السحر أمرعليهالسلام غلمانه وفتيانه، فاستقوا الماء وأكثروا، ثمّ سارعليهالسلام حتّى مرّ بمنطقة بطن العقبة، فلقيه
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 77، تاريخ الطبري 4 / 300.
(2) مقتل الحسين - محسن الأمين / 78، تاريخ الطبري 4 / 301.
عمر بن لوذان شيخ من بني عكرمة فسأله عن مقصده، ثمّ ناشد الحسينعليهالسلام أن لا يذهب إلى الكوفة؛ لأنّه لا يقدم إلاّ على الأسنّة وحدّ السيوف.
فقال الحسينعليهالسلام : «يا عبد الله، إنّه ليس يخفى عليّ، الرأي ما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره. والله لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم مَنْ يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فرق الأمم»(1) .
ثمّ ارتحلعليهالسلام من بطن العقبة سائراً حتّى نزل بمنطقة شراف، ولمّا مضى من الليل شطره أمر فتيانه بالتزوّد من الماء والإكثار منه، ثمّ سار حتّى انتصف النهار(2) .
وبينما هم سائرون، وإذا برجل من أصحاب الحسين كبّر، فقال الحسينعليهالسلام : «الله أكبر، لِمَ كبّرت؟». فقال: رأيت النخلة. فقيل له: ما رأينا به نخلة قطّ، والله ما هي إلاّ أسنّة
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) تاريخ الطبري 4 / 302.
الرماح وهوادي الخيل.
فقال الحسينعليهالسلام : «وأنا والله أرى ذلك، فهل لنا ملجأ نجعله خلف ظهورنا ونستقبل القوم؟». فقالوا: ذو حسم عن يسارك. فأسرع الحسين إليه، وضرب ابنيته وخيامه.
وإذا بمقدّمة الجيش الاُموي تعدّ بألف فارس وعلى رأسها الحرّ بن يزيد التميمي اليربوعي، وهم على أتمّ الاستعداد الحربي، متقلّدين سيوفهم ورماحهم، ولكنّ العطش قد أضرّ بهم، وكان وقت الظهيرة.
فقال الحسينعليهالسلام لفتيانه: «اسقوا القوم وارووهم من الماء، وارشفوا الخيل ترشيفاً». فقام فتيانه وأرشفوا الخيل، وسقوا القوم حتّى أرووهم، وأقبلوا يملؤون القصاع والأنوار والطساس من الماء، ثمّ يدنونها من الفرس حتّى سقوا الخيل كلّها. وكان الحسينعليهالسلام يروي القوم بيده أيضاً(1) .
ثمّ قال الحسينعليهالسلام للحرّ بن يزيد: «ألنا أم علينا؟».
فقال الحرّ: بل عليك يا أبا عبد الله.
فقال الحسينعليهالسلام : «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم».
____________________
(1) انظر تفصيل ذلك في تاريخ الطبري 4 / 302.
ثمّ حان وقت صلاة الظهر، فأمر الحسينعليهالسلام الحجّاج بن مسروق الجعفي أن يؤذّن فأذّن، ثمّ خرجعليهالسلام إليهم في إزار ورداء ونعلين، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أيّها الناس، إنّها معذرة إلى الله عزّ وجلّ وإليكم، إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم: أن أقدم علينا؛ فإنّه ليس لنا إمام، لعلّ الله يجمعنا بك على الهدى. فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه إليكم»(1) .
فسكتوا عنه، وقيل للمؤذن: أقم للصلاة. فقال الحسينعليهالسلام للحرّ: «صلِّ أنت بأصحابك». فقال الحرّ: «لا بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك». فصلّى بهم الحسين عليهالسلام وانصرف إلى خيامه (2) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 303.
(2) مقتل الحسين - محسن الأمين / 81، تاريخ الطبري 4 / 303.
ولمّا دخل وقت صلاة العصر أمر الحسينعليهالسلام فنودي لصلاة العصر وأقام، فجاءعليهالسلام وصلّى بهم صلاة العصر، ثمّ توجّه إليهم فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «أمّا بعد، أيّها الناس، فإنّكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمّد أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وإن أبيتم إلاّ الكراهية لنا، والجهل بحقّنا، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم، وقدمت به عليّ رسلكم، انصرفت عنكم»(1) .
فأجابه الحرّ بن يزيد: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل. فقال الحسينعليهالسلام لعقبة بن سمعان: «اخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليّ».
فأخرج خرجين مملوءين صحفاً فنثرت بين يديه، فقال الحرّ: إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد اُمرنا أن لا نفارقك حتّى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد(2) .
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) تاريخ الطبري 4 / 303، مقتل الحسين - محسن الأمين / 81.
فقال الحسينعليهالسلام : «الموت أدنى إليك من ذلك». ثمّ قال لأصحابه: «قوموا فاركبوا». واُركبت النسوة، فقال: «انصرفوا». فحال الجيش الاُموي دونهم.
الحسينعليهالسلام قال للحرّ: «ثكلتك اُمّك! ما تريد؟».
الحرّ: لو غيرك من العرب يقولها لي، وهو على مثل هذا الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمّه بالثكل كائناً مَنْ كان، ولكن ما لي إلى ذكر أمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما نقدر عليه.
الحسينعليهالسلام للحرّ: «فما تريد؟».
الحرّ: اُريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله بن زياد.
الحسينعليهالسلام : «إذاً والله لا أتبعك».
الحرّ: إذاً والله لا أدعك.
فترادّا بالقول ثلاث مرّات، وكثر الكلام بينهما(1) .
الحرّ للحسين: إنّي لم أؤمر بقتالك، وإنّما اُمرت أن لا أفارقك حتّى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة حتّى أكتب إلى الأمير عبيد الله؛ فلعل الله أن يرزقني العافية من أن اُبتلى بشيء من أمرك.
____________________
(1) المصدر نفسه / 304.
فخذ هنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية. الحسينعليهالسلام أمر أصحابه بالسير والتياسر، والحرّ يسايره(1) .
وبينما هم على هذا الحال يسيرون حتّى وصلوا إلى منطقة البيضة، فوقف الحسينعليهالسلام وخطب في كتيبة الحرّ بن يزيد التميمي قائلاً، بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أيّها الناس، إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: مَنْ رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله.
ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيري. وقد أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم أنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن تمّمتم عليّ بيعتكم تصيبوا رشدكم، فأنا
____________________
(1) المصدر نفسه.
الحسين بن علي، وابن فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم فيّ اُسوة. وإن لم تفعلوا، ونقضتم عهدكم، وخلعتم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ما هي لكم بنكر؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم بن عقيل، والمغرور مَنْ اغتر بكم؛ فحظّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيّعتم، ومَنْ نكث فإنّما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»(1) .
ثمّ سار الحسينعليهالسلام والحرّ يسايره أيضاً، وهو يشدّد ويضيّق الخناق عليه في سيره، ثمّ قال للحسين: إنّي أذكرك الله في نفسك؛ فإنّي أشهد لئن قاتلت لتُقتلن، ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى.
فقال له الحسينعليهالسلام : «أفبالموت تخوّفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟! ما أدري ما أقول لك، ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه عندما أراد نصرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال: تذهب فإنّك مقتول. فقال:
سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى |
إذا مـا نـوى حقّاً وجاهدَ مسلما |
____________________
(1) الكامل في التاريخ 3 / 280، تاريخ الطبري 4 / 304.
وآسـى رجالَ الصالحينَ بنفسه |
وفـارقَ مـثبوراً وودّعَ مجرما |
|
اُقـدّم نـفسي لا اُريـدُ بـقاءها |
لتلقى خميساً في الوغى وعرمرما |
|
فإن عشتُ لم أندم وإن متّ لم أُلمْ |
كـفى بكَ ذلاً أن تعيش وترغما» |
فلمّا سمع الحرّ ذلك من الحسينعليهالسلام تنحّى عنه، فصار يسير في ناحية والحرّ يسير في ناحية اُخرى(1) .
وبينما هما على هذا الحال يسيران حتّى انتهيا إلى منطقة عذيب الهجانات، وإذا بأربعة أنفار جاؤوا لنصرة الحسينعليهالسلام ، وهم: نافع بن هلال الجملي، والطرماح بن عدي، ومجمع بن عبد الله العائذي، وعمرو بن خالد الصيداوي، فمنعهم الحرّ وأراد حبسهم، فقال الحسينعليهالسلام : «هؤلاء أنصاري وأعواني، لأمنعنّهم ممّا أمنع منه نفسي، فهم أصحابي، وهم بمنزلة مَنْ جاء معي. وقد كنتَ أعطيتني أن لا تعرض لي بشيء حتّى يأتيك كتاب من ابن زياد، فإن تمّمت عليّ ما كان بيني وبينك وإلاّ ناجزتك»(2) .
فخلى الحرّ
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 305، مقتل الحسين - محسن الأمين / 84، الكامل في التاريخ - ابن الأثير 4 / 280.
(2) تاريخ الطبري 4 / 306.
سبيلهم وكفّ عنهم.
فسألهم الحسينعليهالسلام عن الناس وما وراءهم، فقال له مجمع بن عبد الله العائذي: أمّا أشراف الناس فقد اُعظمت رشوتهم، وملئت غرائزهم، ويُستمال ودّهم، ويُستخلص به نصيحتهم، فهم ألب واحد عليك؛ وأمّا سائر الناس بعد، فإنّ أفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غداً مشهورة عليك(1) .
مقتل رسول الحسينعليهالسلام
ثمّ اُخبر بمقتل رسوله قيس بن مسهر الصيداوي، فترقرقت عينا الحسين ولم يملك دمعه، وقال: «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (2) »(3) .
ثمّ إنّ الطرماح بن عدي ناشد الحسينعليهالسلام أن يذهب معه إلى قومه (طي) وينزل بين أجا وسلمى، وهما جبلان بطي، وتكفّل له بعشرين ألف طائي يضربون بين يديه بأسيافهم.
فجزاه الحسينعليهالسلام وقومه خيراً، وقال له: «إنّ بيننا وبين
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) سورة الأحزاب / 23.
(3) انظر رسول الحسين مع عبيد الله بن زياد في هذا الكتاب.
القوم قولاً لا نقدر معه على الانصراف، فإن يدفع الله عنّا فقديماً ما أنعم علينا وكفى، وإن يكن ما لا بدّ منه ففوز وشهادة إن شاء الله»(1) .
الطرماح يحدو بالركب الحسيني
ثمّ قال الحسينعليهالسلام لأصحابه: «هل فيكم مَنْ يعرف الطريق على غير الجادة؟». فأجابه الطرماح بن عدي: أنا يابن رسول الله. فقال الحسين: «سر بين أيدينا». فسار الطرماح أمامه وهو يرتجز:
يا ناقتي لا تذعري من زجرِ |
وامضِ بنا قبلَ طلوع الفجرِ |
|
بـخيرِ فـتيانٍ وخيرِ سفرِ |
آلِ رسـولِ اللهِ آلِ الـفخرِ |
إلى أن يقول:
أيّـد حسيناً سيدي بالنصرِ |
على الطغاةِ من بقايا الكفرِ |
|
على اللعينينِ سليلي صخرِ |
يزيدَ لا زال حليف الخمرِ |
وابنِ زياد العهر وابن العهرِ(2)
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 85، وانظر تفصيل ذلك في تاريخ الطبري 4 / 307.
(2) انظر معنى هذا في تاريخ الطبري 4 / 305.
في قصر بني مقاتل
ولم يزل الحسينعليهالسلام سائراً حتّى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل ورأى فسطاطاً مضروباً فسأل عنه، فقيل: لعبيد الله بن الحرّ الجعفي، وهو من شجعان الكوفة. فأرسل الحسين خلفه فاسترجع وقال: والله ما خرجت من الكوفة إلاّ كراهية أن يدخلها الحسين وأنا بها.
فجاءه الحسين ودعاه إلى نصرته فاستعفاه، فقال الحسين: «فو الله لا يسمع واعيتنا أحد ثمّ لا ينصرنا إلاّ هلك».
ثمّ إنّ عبيد الله الجعفي قال للحسين: خذ فرسي هذه فإنّها من جياد الخيل. فأعرض الحسين بوجهه عنه، وقال: «لا حاجة لنا فيك ولا في فرسك»(1) ، ثمّ تلا قوله تعالى: «وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً »(2) .
ولمّا كان الليل أمر الحسينعليهالسلام التزود بالماء والرحيل، وبينما هم سائرون إذ خفق الحسين خفقة وهو على ظهر
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 307.
(2) سورة الكهف / 52.
جواده، فانتبه قائلاً: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين» مردداً ذلك ثلاثاً.
علي الأكبرعليهالسلام : يا أبتِ جُعلت فداك! ممّ حمدت الله واسترجعت؟
الحسينعليهالسلام : «يا بني، إنّي خفقت برأسي خفقة، فعنّ لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمت أنّها أنفسنا نُعيت إلينا».
علي الأكبرعليهالسلام : يا أبتِ لا أراك الله سوءاً، ألسنا على الحقّ؟
الحسينعليهالسلام : «بلى والذي إليه مرجع العباد».
علي الأكبرعليهالسلام : يا أبتِ، إذاً لا نبالي نموت محقّين.
الحسينعليهالسلام : «جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده»(1) .
ثمّ سارعليهالسلام ، ولمّا أصبح نزل وصلّى الغداة، ثمّ عجّل بالسير، وأخذ يتياسر والحرّ يمانعه، وإذا برسول عبيد الله بن زياد يسلّم على الحرّ ويدفع إليه بكتاب عبيد الله بن زياد،
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 308، الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 282.
وهذا نصّه: «أمّا بعد، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي، ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلاّ بالعراء، في غير حصن وعلى غير ماء. وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري، والسّلام»(1) .
فعندها قال الحرّ للحسينعليهالسلام وأصحابه: هذا كتاب عبيد الله يأمرني فيه أن اُجعجع بكم في المكان الذي يصل كتابه إليّ، وهذا رسوله لا يفارقني حتّى أنفذ أمره.
فقال المهاصر أبو الشعثاء الكندي - أحد أصحاب الحسينعليهالسلام - إلى رسول عبيد الله بن زياد: أمالك بن النسير البدي؟
قال: نعم.
فقال أبو الشعثاء: ماذا جئت فيه؟
قال رسول عبيد الله: وما جئت فيه! أطعت إمامي، ووفيت ببيعتي.
فقال له أبو الشعثاء: عصيت ربّك، وأطعت إمامك في هلاك نفسك، كسبت العار والنار. قال الله عزّ وجلّ:( وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْـصَرُونَ ) (2) فهو إمامك(3) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 308، الكامل في التاريخ 3 / 282.
(2) سورة القصص / 41.
(3) تاريخ الطبري 4 / 308.
وكلّما أراد الحسينعليهالسلام أن يسير بركبه، الحرّ وأصحابه يمنعونه ويحولون دونه، فترافعا، فقال له الحسينعليهالسلام : «ألم تأمرنا بالعدول عن الطريق؟».
قال: بلى، ولكن كتاب الأمير عبيد الله أمرني بالتضييق عليك، وجعل عليّ عيناً.
فقال زهير بن القين للحسينعليهالسلام : إنّي والله لا أرى أن يكون بعد الذي ترون إلاّ أشدّ يابن رسول الله، وإنّ قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال مَنْ يأتينا بعدهم.
فأجابه الحسينعليهالسلام : «ما كنت لأبدأهم بالقتال»(1) .
فقال زهير: فسر بنا يابن رسول الله حتّى ننزل كربلاء(2) ؛ فإنّها على شاطئ الفرات فنكون هناك، فإن قاتلونا قاتلناهم واستعنا الله عليهم.
فقال الحسينعليهالسلام : «اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء».
ثمّ سار والحرّ يضيّق ويشدّد الخناق على سير الحسينعليهالسلام حتّى وصل كربلاء يوم الخميس، وهو اليوم الثاني من
____________________
(1) المصدر نفسه / 309.
(2) كربلاء: تحوير لكلمة: (كرب إيلا) أي معبد الإله، وهو المعبد الكبير في تلك الأرض قديماً قبل الإسلام.
محرّم سنة 61هـ، وقال: «أهذه كربلاء؟». قالوا: نعم يابن رسول الله.
قالعليهالسلام : «هذا موضع كرب وبلا، انزلوا، ها هنا مناخ ركبانا، ومحطّ رحالنا، ومقتل رجالنا، ومسفك دمائنا»(1) .
فنزلوا جميعاً في جانب، ونزل الحرّ وأصحابه في جانب آخر.
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 309.
الركب الحسيني وكربـلاء
«انـزلوا، هـاهنا منـاخ ركبانـا، ومحـطّ رحالنا، ومقتل رجالنا، ومسفك دمائنا»
وهي أوّل خطبة للحسينعليهالسلام في مدينة كربلاء بعد وصوله إليها؛ فإنّهعليهالسلام أقبل على أصحابه؛ ليرى رأيهم، وما هي عليه ضمائرهم، فقالعليهالسلام : «الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معائشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون»(1) .
ثمّ حمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي وآله، وقال: «أمّا بعد، فقد نزل بنا من الأمر ما قد ترون، ألا وإن الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، ولم يبقَ منها إلاّ صبابة(2) كصبابة الإناء، وخسيس(3) عيش كالمرعى الوبيل(4) .
ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 90.
(2) الصبابة: البقية من الماء ونحوه في الإناء.
(3) الخسيس: الحقير.
(4) الوبيل: الوخيم. والمرعى الوبيل: المرعى الوخيم.
ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً(1) »(2) .
وعندما انتهى الحسينعليهالسلام من خطبته التفّ حوله أصحابه، والفدائيون عنه.
فقال زهير بن القين (رضوان الله عليه): «قد سمعنا هداك الله يابن رسول الله مقالتك، والله لو كانت الدنيا باقية، وكنّا فيها مخلدين، إلاّ أنّ فراقها في نصرك ومواساتك لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها»(3) .
وتكلّم برير بن خضيررحمهالله : «والله يابن رسول الله، لقد منّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك، وتُقطّع فيك أعضاؤنا، ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة»(4) .
وقام نافع بن هلال (رضوان الله عليه)، وقال: «سر بنا
____________________
(1) البرم: السأم والضجر.
(2) تاريخ الطبري 4 / 305، مقتل الحسين - محسن الأمين / 90.
(3) المصدر نفسه.
(4) المصدر نفسه.
راشداً معافى، مشرقاً إن شئت أو مغرباً، فوالله ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربّنا، وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا، نوالي مَنْ والاك، ونعادي مَنْ عاداك»(1) .
فدعا الحسينعليهالسلام لهم خيراً، ثمّ نظر إلى أهل بيته وإخوته وبني عمومته، وقال:
«اللّهمّ إنّا عترة نبيّك محمدصلىاللهعليهوآله ، وقد اُزعجنا وطُردنا، واُخرجنا عن حرم جدّنا، وتعدّت بنو اُميّة علينا، اللّهمّ فخذ لنا بحقّنا، وانصرنا على القوم الظالمين»(2) .
ولمّا استقر المكان بالحسينعليهالسلام وركبه الثائر، كتب الحرّ بن يزيد التميمي قائد الكتيبة الأولى إلى عبيد الله بن زياد يخبره بقدوم الحسينعليهالسلام ، ونزوله بعرصات كربلاء.
ولمّا وصل كتاب الحرّ إلى عبيد الله بن زياد، وجّه كتاباً إلى الحسينعليهالسلام جاء فيه:
____________________
(1) ثورة الحسين - محمد مهدي شمس الدين / 193.
(2) مقتل الحسين - محسن الأمين / 92.
«أمّا بعد، فلقد بلغني يا حسين نزولك بكربلاء، وقد كتب إليّ أمير المؤمنين يزيد بن معاوية أن لا أتوسّد الوثير، ولا أشبع من الخمير، أو ألحقك باللطيف الخبير، أو أن ترجع إلى حكمي، وحكم يزيد، والسلام»(1) .
ولمّا وصل الكتاب إلى الحسينعليهالسلام وقرأه ألقاه من يده، وقال: «لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق».
فقال الرسول: الجواب يا أبا عبد الله. فقالعليهالسلام : «ما له عندي جواب؛ لأنّه قد حقّت عليه كلمة العذاب»(2) .
فرجع الرسول إلى عبيد الله وأخبره بما قال الحسينعليهالسلام عنه، فازداد غضباً وحقداً.
ثمّ إنّ ابن زياد جمع الرجال والكتائب لحرب الحسينعليهالسلام ، وبعث خلف عمر بن سعد بن أبي وقاص وكان قد كتب له عهداً على الري، ولمّا كان من أمر الحسينعليهالسلام ،
____________________
(1) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 236.
(2) مقتل الحسين - محسن الأمين / 92.
قال له عبيد الله: سرّ إلى الحسين، فإذا فرغنا منه، رجعت إلى عملك. فقال له عمر بن سعد: إن رأيت أن تعفيني. فقال عبيد الله: نعم، على أن تردّ عهدنا. فقال عمر بن سعد: أمهلني اليوم حتّى أنظر.
وانصرف يستشير نصحاءه، فنهوه عن الخروج إلى حرب الحسينعليهالسلام . وجاء إليه ابن اُخته حمزة بن المغيرة بن شعبة، فقال: «اُنشدك الله يا خال أن تسير إلى الحسين فتأثم بربّك، وتقطع رحمك، فوالله لئن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلّها لو كان لك، خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين».
فقال له عمر بن سعد: فإنّي أفعل إن شاء الله(1) .
وبات ليلته قلقاً مضطرباً؛ لأنّ نفسه في صراع بين الدنيا وقتل الحسين، وسُمع يقول:
فـوالله مـا أدري وإنّي لحائرٌ |
اُفـكّر في أمري على خطرينِ |
|
أأترك ملك الرّي والرّي منيتي |
أم أرجـع مـأثوماً بقتلِ حسينِ |
|
وفي قتلهِ النار التي ليس دونها |
حجابٌ وملكُ الرّي قرّة عيني(2) |
فجاء إلى عبيد الله وقال له: إنّك ولّيتني الرّي، وتسامع
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 310.
(2) الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 283، مقتل أبي مخنف / 51.
الناس به، فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل، وابعث إلى الحسين من أشراف الكوفة مَنْ لست بأغنى ولا أجزأ عنك في الحرب. وسمّى له أشخاصاً، فقال له ابن زياد: لا تعلّمني بأشراف الكوفة، [ ولست أستأمرك فيمن اُريد أن أبعث، إن سرت بجندنا ](*) وإلاّ فابعث إلينا بعهدنا. فلمّا رآه قد أصرّ على رأيه قال: إنّي سائر(1) .
فسار إلى الحسينعليهالسلام ومعه أربعة آلاف فارس حتّى نزل كربلاء في اليوم الثالث من محرّم سنة 61 هـ(2) .
ثمّ طلب من عزرة بن قيس الأحمسي، وكان من جيشه، أن يذهب إلى الحسينعليهالسلام ويسأله عمّا جاء به، وماذا يريد؟ فاستحى من أن يأتيه؛ لأنّه ممّن كاتبوا الحسينعليهالسلام بالمجيء. ثمّ طلب أيضاً من الرؤساء أن يذهبوا إلى الحسينعليهالسلام ويسألوه عن مقدمه، فأبوا وكرهوا؛ لأنّهم أيضاً ممّن كاتبوه(3) بالتوجّه إليهم.
فقال لقرة بن قيس الحنظلي: ويحك! القَ حسيناً
____________________
(*) أثبتنا ما بين المعقوفتين من أصل كتاب الطبري؛ وذلك لأنّ العبارة التي ذكرها المؤلّف كانت خالية منها ممّا أربك السياق.(موقع معهد الإمامين الحسنين)
(1) تاريخ الطبري 4 / 310.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
واسأله ما جاء به، وماذا يريد؟
فجاء إلى الحسينعليهالسلام وسلّم عليه، وأبلغه رسالة عمر بن سعد، فقال الحسينعليهالسلام : «كتب إليّ أهل مصركم هذا أن اقدم؛ فأمّا إذ كرهوني فأنا أنصرف عنهم»(1) .
ثمّ قال حبيب بن مظاهر: ويحك يا قرة بن قيس! أنّى ترجع إلى القوم الظالمين! انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيّدك الله بالكرامة وإيّانا معك.
فقال له قرة: أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته، وأرى رأيي(2) .
فانصرف إلى عمر بن سعد وأخبره بما قال الحسينعليهالسلام ، فقال عمر بن سعد: إني لأرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله.
ثمّ إنّ عمر بن سعد كتب كتاباً إلى عبيد الله بن زياد، جاء فيه(3) :
____________________
(1) المصدر نفسه / 311.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
«بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد، فإنّي حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي، فسألته عمّا أقدمه، وماذا يطلب ويسأل، فقال: كتب إليّ أهل هذا البلاد وأتتني رسلهم، فسألوني القدوم ففعلت؛ فأمّا إذ كرهوني، وبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم، فأنا منصرف عنهم»(1) .
فلمّا قُرئ الكتاب على ابن زياد، استشهد بهذا البيت:
الآن إذ علقت مخالبنا به |
يرجو النجاةَ ولاتَ حين مناصِ |
ثمّ إنّ ابن زياد كتب إلى عمر بن سعد ردّاً على كتابه، وهذا نصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأيْنا رأيَنا، والسّلام»(2) .
فلمّا قرأ عمر بن سعد الكتاب قال: قد حسبت أن لا يقبل ابن زياد العافية.
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
ثمّ إنّ ابن زياد أخذ الناس بالشدّة، فكان يقتل على الظنّة والتهمة، فهابه الناس وصاروا لأمره مطيعين ومنقادين، فجمعهم في مسجد الكوفة ليمنّيهم بالمال ويغريهم به، فقام فيهم خطيباً وقال: «أيها الناس، إنّكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبّون، وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه، حسن السيرة، محمود الطريقة، محسناً إلى الرعية، يُعطي العطاء في حقّه، وقد أمنت السبل على عهده، وكذلك كان أبوه معاوية في عصره، وهذا ابنه يزيد يُكرم العباد، ويُغنيهم بالأموال، وقد زادكم في أرزاقكم مئة مئة، وأمرني أن أوفرها عليكم، وأخرجكم إلى حرب عدوّه الحسين، فاسمعوا له وأطيعوا»(1) .
ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد أخذ يرسل الكتيبة تلو الكتيبة، والفوج تلو الفوج إلى عمر بن سعد، ويحثّ الناس على
____________________
(1) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 239، تاريخ الطبري 4 / 311.
الخروج لحرب الحسين، وزاد في عطائهم مئة مئة(1) .
ثمّ نودي في شوارع وسكك وأزقة الكوفة: «ألا برئت الذمّة ممّن وجد في الكوفة ولم يخرج لحرب الحسين».
واُدخل رجل على ابن زياد، فسأله: من أين الرجل؟ فقال: إنّي رجل من أهل الشام، جئت لدَين لي في ذمّة رجل من أهل العراق. فقال ابن زياد: اقتلوه؛ ففي قتله تأديب لمَنْ لم يخرج بعد. فقُتل(2) .
فتأثر الرأي العام بالجو اللاشعوري، أو ما يُسمّى بالسلوك الجمعي، وإذا بالغوغائية جماعات وجماعات تخرج لحرب ابن بنت نبيّها محمّدصلىاللهعليهوآله ، غير ملتفتة إلى ما ينتج من هذا المصير الوخيم الذي أقبلت إليه مسرعة. وفقد الفرد سيطرته على نفسه وعقله، وأصبح يعيش في حالة هستيرية، لا يعي ولا يشعر؛ لأنّه تأثّر بالعقل الجمعي وسلوكه، وخصوصاً بعد أن قتل جماعة من النخبة الواعية
____________________
(1) ثورة الإمام الحسين - عبد الهادي الفضلي / 16، وانظر الوثيقة (71) من هذا الكتاب.
(2) إبصار العين ي أنصار الحسين - محمد السماوي / 10.
أمثال ميثم التمار وغيره، واعتقل البقيّة مثل: المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وسليمان بن صرد الخزاعي، والمسيّب بن نجية وغيرهم.
فقد ذكر الشيخ المظفررحمهالله ما نصّه: ولمّا دخل عبيد الله بن زياد الكوفة، وظفر بمسلم بن عقيل، رسول الحسين وداعيته، فأخذ يقتل مَنْ يظنّ ولاءه لأمير المؤمنينعليهالسلام ويحبس مَنْ يتّهمه به حتّى ملأ السجون منهم؛ خشية أن يتسللوا لنصرة الحسينعليهالسلام ، ومن ثم تجد قلّة في أنصاره مع كثرة الشيعة بالكوفة، ولقد كان في حبسه اثنا عشر ألفاً كما قيل، وما أكثر الوجوه والزعماء فيهم، أمثال: المختار، وسليمان بن صرد، والمسيّب بن نجيّة، ورفاعة بن شدّاد، وإبراهيم بن مالك الأشتر(1) .
وقد اختفى الآخرون، وصفا الجو إلى ابن زياد، حيث أخذ يلعب بالطبقة التي سمّاها أمير المؤمنين عليعليهالسلام بـ «الهمج الرعاع، اتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لم يستنيروا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق»(2) .
____________________
(1) تاريخ الشيعة - محمد حسين المظفر / 34.
(2) نهج البلاغة - محمد عبده 3 / 172.
الإحصائيات التي يرويها أرباب المقاتل وبعض الكتب التاريخية عن عدد الجيش الاُموي الذي أرسله عبيد الله بن زياد إلى كربلاء لحرب الحسينعليهالسلام ؛ وللقضاء على ثورته المقدّسة، وهي على حسب الترتيب الزمني.
اسم القائدعددها
كتيبة الحرّ بن يزيد التميمي1000 مقاتل
كتيبة عمر بن سعد قائد الجيش4000 مقاتل
كتيبة شمر بن ذي الجوشن4000 مقاتل
كتيبة يزيد بن ركاب الكلبي2000 مقاتل
كتيبة الحصين بن نمير التميمي4000 مقاتل
كتيبة مغاير بن رهينة المازني3000 مقاتل
كتيبة نصر بن حرشة2000 مقاتل
كتيبة كعب بن طلحة3000 مقاتل
كتيبة شبث بن ربعي الرياحي1000 فارس
كتيبة حجّار بن أبجر1000 فارس
المجموع:25000 مقاتل وفارس
وما زال عبيد الله بن زياد يرسل إليه الخيل والرجال حتّى
تكامل عنده ثلاثون ألفاً ما بين فارس وراجل(1) ، على رواية الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام (2) .
وفي رواية الإمام علي بن الحسينعليهالسلام : «ما من يوم أشدّ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله من يوم اُحد؛ قُتل فيه عمّه حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم مؤتة قُتل فيه ابن عمّه جعفر بن أبي طالب». ثمّ قال: «ولا يوم كيوم الحسين؛ ازدلف إليه ثلاثون ألفاً يزعمون أنّهم من هذه الاُمّة، كلّ يتقرّب إلى الله عزّ وجلّ بدمه، وهو والله يذكّرهم فلا يتّعظون حتّى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً»(3) .
كما أنّ بقية الجيوش الاُمويّة كانت في حالة إنذار واستنفار عام كما يُقال.
____________________
(1) انظر، تفصيل ذلك في مقتل الحسين - محسن الأمين / 94 - 95، ومقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 241، تاريخ الطبري 4 / 309.
(2) مقتل الحسين - للإمام كاشف الغطاء / 14.
(3) بحار الأنوار 9 / 147.
ذكر البلاذري (المتوفّى 379 هـ) في كتابه أنساب الأشراف(1) أنّ عبيد الله بن زياد سرّح إلى الحسين في كربلاء 1000 فارس بقيادة الحرّ، و4000 فارس بقيادة عمر بن سعد، و4000 مقاتل بقيادة حصين بن تميم، و1000 مقاتل بقيادة حجّار بن أبجر العجلي، و1000 مقاتل بقيادة شبث بن ربعي.
ثمّ جعل ابن زياد يرسل العشرين والثلاثين والخمسين، فلم يبقَ بالكوفة محتلم إلاّ خرج إلى المعسكر بالنخيلة، يمدّ بهم عمر بن سعد في كربلاء(2) .
____________________
(1) انظر تفصيل ذلك في كتاب أنساب الأشراف - البلاذري - المجلد الأوّل، النسخة الخطية الموجودة في مكتبة رئيس الكتاب في المكتبة السليمانية في استنابول، برقم 597.
(2) راجع الوثيقة 73 من هذا الكتاب.
ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد أرسل كتاباً إلى عمر بن سعد جاء فيه: «أمّا بعد، إنّي لم أجعل لك علّة في كثرة الخيل والرجال، فانظر لا أصبح ولا أمسي إلاّ وخبرك عندي غدوة وعشية»(1) . وكان يستحثّه لستة أيام مضين من المحرّم سنة 61 هجرية.
ثمّ إنّ حبيب بن مظاهر الأسدي لمّا رأى كثرة الأعداء وقد أحاطوا بالحسينعليهالسلام من كلّ جانب، جاء إلى الحسينعليهالسلام قائلاً: يابن رسول الله، ها هنا حي من بني أسد بالقرب منّا، فأذن لي بالمسير إليهم لأدعوهم إلى نصرتك، فعسى الله أن يدفع عنك.
فأذن له الحسينعليهالسلام ، فخرج إليهم حبيب في جوف الليل، وعرّفهم بنفسه، وقال: «إنّي قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قوم؛ أتيتكم أدعوكم إلى نصر ابن بنت نبيّكم، فإنّه في عصابة من المؤمنين، الرجل منهم خير من ألف رجل، لن
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 95.
يخذلوه ولن يسلموه أبداً.
وهذا عمر بن سعد قد أحاط به، وأنتم قومي وعشيرتي، وقد أتيتكم بهذه النصيحة، فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا بها شرف الدنيا والآخرة؛ فإنّي أقسم بالله، لا يُقتل أحد منكم في سبيل الله مع ابن بنت رسول الله صابراً محتسباً إلاّ كان رفيقاً لمحمّدصلىاللهعليهوآله في عليّين»(1) . فقام إليه عبد الله بن بشر وقال: أنا أوّل مَنْ يجيب إلى هذه الدعوة. ثمّ تبادر رجال الحي حتّى أكملوا التسعين، وأقبلوا إلى الحسينعليهالسلام .
وخرج رجل إلى ابن سعد وأخبره بهم، فبعث عمر بن سعد أربعمئة فارس مع الأزرق فالتقوا معهم قبل وصولهم إلى الحسينعليهالسلام ، فتناوشوا واقتتلوا، ثمّ انهزموا إلى حيّهم؛ لأنّهم علموا أن لا طاقة لهم بالقوم(2) .
فرجع حبيب إلى الحسين وأخبره بخبرهم، فقال الحسين: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله».
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه / 96.
وأمّا التعداد الكمّي للجيش الحسيني الذي قاتل مع الحسينعليهالسلام أعداءه، فقد اختلف الرواة وأرباب المقاتل في تحديده الكمّي؛ فقد ذكر الشيخ المفيد في الإرشاد، وابن الأثير في تاريخه الكامل(1) وغيرهم، أنّهم اثنان وثلاثون فارساً، وأربعون راجلاً، وبعضهم قال بأكثر من هذا العدد، وآخرون قالوا بأقل.
ولكنّي قمت بعملية جرد لإحصاء جميع أسماء أصحاب الحسينعليهالسلام وأهل بيته الذين حاربوا معه في يوم العاشر من محرّم، وقد ذكرهم بأسمائهم المرحوم الشيخ محمّد السماوي(2) ، فكان عددهم لا يتجاوز المئة وعشرة أنفار؛ راجلاً وفارساً.
وسنذكر أسماءهم جميعاً في القسم الثاني من كتابنا(3) . وهم على طائفتين:
____________________
(1) انظر: الإرشاد - الشيخ المفيد، الكامل - ابن الأثير 3 / 286، مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 275.
(2) انظر التفصيل مع الترجمة في كتابه إبصار العين في أنصار الحسين.
(3) الوثائق الرسميّة لنتائج ثورة الحسين لم يطبع.
1 - من بني هاشم وعددهم ستة عشر (16) نفراً.
2 - من الأنصار، وهم من مختلف القبائل والأجناس، وعددهم أربعة وتسعون (94) نفراً.
ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام صفّ رجاله وفرسانه إلى جبهات ثلاث:
جبهة الميمنة: وعليها زهير بن القين ومعه عشرون رجلاً.
جبهة الميسرة: وعليها حبيب بن مظاهر، وقيل: هلال بن نافع البجلي، ومعه عشرون فارساً.
جبهة القلب: ووقف فيه هوعليهالسلام وأهل بيته وبقيّة أصحابه، وأعطى رايته بيد أخيه أبي الفضل العباسعليهالسلام (1) .
ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد أخذ يرسل الكتاب تلو الكتاب والرسل يحثّ عمر بن سعد على مقاتلة الحسينعليهالسلام ، فبعث إليه كتابا آخر جاء فيه: «أمّا بعد، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة كما صُنع بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان»(2) .
____________________
(1) مقتل أبي مخنف / 63، مقتل الحسين - للمقرّم / 275، الطبري 4 / 320.
(2) تاريخ الطبري 4 / 311.
ولمّا وصل الكتاب إلى عمر بن سعد، أمر عمرو بن الحجاج ومعه خمسمئة فارس، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ولم يسقوا منه قطرة، وذلك في اليوم السابع من محرّم.
ثمّ إنّ عبد الله بن أبي الحصين الأزدي نادى في لؤم وخسة نفس، وخبث سريرة: يا حسين، أما تنظر إلى الماء كأنّه كبد السماء، والله لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشاً.
فتأثّر الحسينعليهالسلام من كلامه وقال: «اللّهمّ اقتله عطشاً، ولا تغفر له أبداً». فمرض فجُعل يُسقى ماء فلا يرتوي حتّى مات على هذا الحال عطشاً(1) .
وفي رواية الطبري: وبعد دعاء الحسين عليه قال حميد بن مسلم: والله لعُدته بعد ذلك في مرضه، فوالله الذي لا إله إلاّ هو، لقد رأيته يشرب حتّى بغِر، ثمّ يقيء، ثمّ يعود فيشرب حتّى يبغر فما يروى. فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ
____________________
(1) الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 283، تاريخ الطبري 4 / 312.
غُصته، يعني نفسه(1) .
ولمّا اشتدّ العطش بالحسينعليهالسلام ومَنْ معه، دعا أخاه العباسعليهالسلام فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً معهم القرب، فجاؤوا إلى النهر وملؤوا القرب بالماء، وجاؤوا بها إلى الحسينعليهالسلام بعد أن حمل العباسعليهالسلام وأصحابه على الموكّلين بالشريعة وأزاحوهم عنه(2) .
ولمّا تأزّم الموقف وتدهور، أرسل الحسينعليهالسلام عمر بن قرضة الأنصاري إلى عمر بن سعد يستدعيه للقائه، وقالعليهالسلام له: «أن ألقني هذه الليلة بين عسكري وعسكرك». فجاء الحسين وعمر بن سعد وجلسا بين العسكرين(3) ، فقال له الحسين: «ويلك يابن سعد! أما تتقي الله الذي إليه معادك؟! أتقاتلني وأنا ابن مَنْ علمت؟! ذر هؤلاء القوم وكن
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
(3) تاريخ الطبري 4 / 312، الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 283، مقتل الحسين - محسن الأمين / 100.
معي، فإنّه أقرب لك إلى الله».
عمر بن سعد: أخاف أن يهدم داري.
الحسين: «أنا أبنيها لك».
عمر بن سعد: أخاف أن تؤخذ ضيعتي.
الحسين: «اُخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز».
عمر بن سعد: لي عيال وأخاف عليهم. ثمّ سكت عنه ولم يجبه، فانصرف عنه الحسينعليهالسلام وهو يقول: «ما لك! ذبحك الله على فراشك عاجلاً، ولا غفر لك يوم حشرك. فوالله إنّي لأرجو أن لا تأكل من برّ العراق إلاّ يسيراً».
فقال عمر بن سعد مستهزئاً: في الشعير كفاية عن البرّ.
وقيل: إنّ عمر بن سعد اجتمع مرّة أخرى مع الحسينعليهالسلام ، وأسفر اجتماعهما عن كتاب أرسله عمر بن سعد إلى ابن زياد يفتري فيه على الحسينعليهالسلام ؛ وذلك ظنّاً منه أن لا يصطدم بقتال مع الحسينعليهالسلام مع محافظته على ولاية الرّي.
فقد حاول أن يجمع بين الاثنين؛ عدم التورّط بدم الحسينعليهالسلام ، مع التقرّب
إلى عبيد الله بن زياد ليؤمّره على الرّي؛ فلهذا افترى هذه الفرية على الحسينعليهالسلام بإرساله هذا الكتاب إلى ابن زياد، وهذا نصّه: «أمّا بعد، فإنّ الله قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمّة. هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن نسيّره إلى أيّ ثغر من ثغور المسلمين شئنا فيكون رجلاً من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لكم رضاً، وللأمّة صلاح»(1) .
وكيف يتفق هذا الكتاب مع (الوثيقة 12) للحسينعليهالسلام ، عندما قال لوالي يزيد على المدينة، الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: «أيها الأمير، إنّا أهل بيت النبوّة - إلى أن يقول: ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن للفسق، ومثلي لا يبايع مثله»(2) .
ثمّ إنّ خبر هذا الكتاب أشاعه الاُمويّون، وأرادوا أن يوهموا به الناس أنّ الحسين خشع وخضع، وحنى رأسه
____________________
(1) الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 284، تاريخ الطبري 4 / 313.
(2) انظر الوثيقة (12) من هذا الكتاب.
لسلطان يزيد؛ ليشوهوا بذلك الموقف البطولي الذي وقفه هو وأصحابه.
وقد حرص الاُمويّون وأعوانهم على إخفاء كثير من ملامح ثورة الحسينعليهالسلام وملابساتها، وأذاعوا كثيراً من الأخبار المكذوبة عنها؛ ليوقفوا عملها التدميري في ملكهم وسلطانهم، ولكن لم يفلحوا(1) .
وقد تصدّى لتكذيب هذا الكتاب أحد أصحاب الحسين (ع)، وهو: عقبة بن سمعان كما جاء في تاريخ الطبري. قال: صحبت حسيناً، فخرجت معه من المدينة إلى مكّة، ومن مكّة إلى العراق، ولم اُفارقه حتّى قُتل. وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة، ولا في الطريق، ولا بالعراق، ولا في عسكر، إلى يوم مقتلهعليهالسلام إلاّ وقد سمعتها. لا والله، ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنّه قال: «دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر ما يصير أمر الناس»(2) .
____________________
(1) ثورة الحسين - محمد مهدي شمس الدين / 170.
(2) تاريخ الطبري 4 / 313، الكامل في التأريخ - ابن الأثير 3 / 284.
ولمّا وصل كتاب عمر بن سعد هذا إلى عبيد الله بن زياد فرح به، وقال: هذا كتاب رجل ناصح، ومشفق على قومه، ولكن شمر بن ذي الجوشن فاجأه قائلاً: أترضى منه وقد نزل بأرضك إلى جنبك؟ والله لئن رحل من بلدك ولم يضع يده في يدك ليكوننّ أولى بالقوّة والعزّ، ولتكوننّ أولى بالضعف والعجز؛ فلا تعطه هذه المنزلة فإنّها من الوهن، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه؛ فإن عاقبت فأنت ولي العقوبة، وإن غفرت كان لك. والله بلغني أنّ حسيناً وعمر بن سعد يجلسان ويتحدّثان عامّة الليل(1) .
فقال له عبيد الله: نِعمَ ما رأيت، الرأي رأيك.
ثمّ كتب كتاباً إلى عمر بن سعد، شديد اللهجة، وهذا نصّه: «أمّا بعد، فإنّي لم أبعثك إلى حسين لتكفّ عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنّيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعاً. انظر، فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إليّ سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم
____________________
تاريخ الطبري 4 / 314، الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 284.
حتّى تقتلهم وتمثّل بهم؛ فإنّهم لذلك مستحقون. فإن قُتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره؛ فإنّه عاق شاق قاطع ظلوم، وليس دهري في هذا أن يضرّ بعد الموت شيئاً، ولكن عليّ قول لو قد قتلته فعلت هذا به. إن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أنت أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخلِّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر؛ فإنّا قد أمرناه بأمرنا، والسّلام»(1) .
وأرسله بيد شمر بن ذي الجوشن، وأقبل شمر به إلى عمر بن سعد، ولمّا قرأه قال لشمر: «ويلك! ما لك لا قرّب الله دارك، وقبّح الله ما قدمت به عليّ. والله إنّي لأظنّك أن ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه، أفسدت علينا أمراً كنّا رجونا أن يصلح، لا يستسلم والله الحسين؛ إنّ نفساً أبية لبين جنبيه»(2) .
فقال له الشمر: ما أنت صانع؟ أتمضي لأمر أميرك وتقتل عدوّه، وإلاّ فخلِّ بيني وبين الجند والعسكر.
فقال عمر بن سعد: لا، ولا كرامة لك! أنا أتولى ذلك، وكن
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 314.
(2) المصدر نفسه / 315.
أنت على الرجّالة(1) .
ثمّ إنّ شمراً أقبل على أصحاب الحسين وقال: أين بنو اُختنا؟ ويعني بهم: العباس وإخوته من اُمّ البنين بنت حزام الكلابيةعليهمالسلام .
فخرج إليه العباس وإخوته جعفر وعثمانعليهمالسلام وقالوا: ما تريد؟ قال: أنتم يا بني اُختنا آمنون. قال له العباس وإخوتهعليهمالسلام : لعنك الله ولعن أمانك لئن كنت خالنا! أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له(2) ؟!
وعندما ضيقوا الخناق على النهر لكي لا يتسرّب الماء إلى الحسين وأصحابه ولو قطرة، ونال العطش من الحسين وأهله وأصحابه، قال برير بن خضير الهمداني للحسينعليهالسلام : يابن رسول الله، أتأذن لي أن أخطب بالقوم؟ فأذنعليهالسلام له، فخرج برير (رضوان الله عليه) ونادى بالجيش الاُموي قائلاً: «يا معشر الناس، إنّ الله عزّ وجلّ بعث محمّداًصلىاللهعليهوآله بالحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
وسراجاً منيراً. وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابه، وقد حيل بينه وبين ابنه».
فأجابوه: يا برير، قد أكثرت الكلام فاكفف، والله ليعطش الحسين كما عطش مَنْ كان قبله(1) .
ولمّا سمع الحسينعليهالسلام جواب القوم إلى برير، ورأى عنادهم وإصرارهم على الغي والضلال، أراد أن يثير عاطفتهم الدينية علّهم يرجعون إلى صوابهم ورشدهم، فقال لبرير: «اقعد». وقام متكئاً على سيفه، وخاطبهم مناشداً إيّاهم بأسلوب عاطفي مثير، قائلاً: «اُنشدكم الله هل تعرفوني؟».
الجيش الاُموي قالوا: نعم، أنت ابن رسول الله وسبطه.
الحسينعليهالسلام : «اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ جدّي رسول الله؟».
الجيش الاُموي: اللّهم نعم.
الحسينعليهالسلام : «اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ اُمّي فاطمة بنت محمّدصلىاللهعليهوآله ؟».
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 98.
الجيش الاُموي: اللّهم نعم.
الحسينعليهالسلام : «اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ أبي علي بن أبي طالبعليهالسلام ؟».
الجيش الاُموي: اللّهم نعم.
الحسينعليهالسلام : «اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ جدّتي خديجة بنت خويلد أوّل نساء هذه الأمّة إسلاماً؟».
الجيش الاُموي: اللّهم نعم.
الحسينعليهالسلام : «اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ سيّد الشهداء حمزة عمّ أبي؟».
الجيش الاُموي: اللّهم نعم.
الحسينعليهالسلام : «اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ جعفر الطيار في الجنّة عمّي؟».
الجيش الاُموي: اللّهم نعم.
الحسينعليهالسلام : «اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ هذا سيف رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنا متقلّده؟».
الجيش الاُموي: اللّهم نعم.
الحسينعليهالسلام : «اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ هذه عمامة رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنا لابسها؟».
الجيش الاُموي: اللّهم نعم.
الحسينعليهالسلام : «اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ علياً كان أوّل القوم إسلاماً، وأعلمهم علماً، وأعظمهم حلماً، وأنّه ولي كلّ مؤمن ومؤمنة؟».
الجيش الاُموي: اللّهم نعم.
الحسينعليهالسلام : «فبِمَ تستحلّون دمي وأبي الذائد عن الحوض يذود عنه رجالاً كما يُذاد البعير الصاد عن الماء، ولواء الحمد في يد أبي يوم القيامة؟!».
الجيش الاُموي: قد علمنا ذلك كلّه، ونحن غير تاركيك حتّى تذوق الموت عطشاً(1) .
شعر عمر بن سعد أنّ الجو غير صاف له بعد أن وصله كتاب ابن زياد بيد شمر بن ذي الجوشن، وكان فيه شيء من التلميح بعزله وتخلّيه عن قيادة الجيش كمّا ورد في بعض فقرات الكتاب: «وإن أنت أبيت فاعتزل عملنا وجندنا،
____________________
(1) المجالس الفاخرة - شرف الدين / 99، مقتل الحسين - محسن الأمين / 99.
وخلِّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر»(1) .
فخشى أن تفوته الفرصة وتذهب منه قيادة الجيش، ويُحرم من عهد ولاية الرّي؛ فلهذا نراه أخيراً أخذ يتحمّس كثيراً لقتال الحسينعليهالسلام (2) .
بينما الحسينعليهالسلام جالس عصر يوم التاسع من محرّم بعد صلاة العصر أمام خبائه، ومحتبياً بسيفه وقد وضع رأسه بين ركبتيه، وإذا بعمر بن سعد ينادي: يا خيل الله اركبي وابشري. وركب الناس معه وزحفوا نحو خيام الحسينعليهالسلام (3) .
وبينما الحسينعليهالسلام واضع رأسه بين ركبتيه، سمعت الحوراء زينب بنت علي وأخت الحسين الصيحة وضجّة الخيل، فدنت من أخيها وقالت: يا أخي، أما تسمع الأصوات قد اقتربت؟
فنهض الحسين (ع) قائماً، وقال لها: «إنّي رأيت رسول
____________________
(1) انظر الوثيقة (80) من هذا الكتاب.
(2) تاريخ الطبري 4 / 315.
(3) المصدر نفسه.
اللهصلىاللهعليهوآله في المنام فقال لي: إنّك تروح إلينا».
فلطمت اُخته وجهها وقالت: يا ويلتا!
فقال الحسينعليهالسلام : «ليس لك الويل يا اُخيتي، اسكني رحمك الرحمان»(1) .
وجاء العباس بن علي إلى أخيه الحسينعليهمالسلام قائلاً: يا أخي أتاك القوم. فقال له الحسينعليهالسلام : «يا عباس، اركب بنفسي أنت يا أخي حتّى تلقاهم، وتقول لهم ما لكم، وما بدا لكم؟ تسألهم عمّا جاء بهم».
فاستقبلهم العباسعليهالسلام في عشرين فارساً، فيهم زهير بن القين، وحبيب بن مظاهر (رضوان الله عليهما)، قائلاً: ما بدا لكم؟ وما تريدون؟
الجيش الاُموي: جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم (أي نقاتلكم).
العباس بن عليعليهماالسلام : لا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم.
وجاء إلى أخيه الحسين مسرعاً(2) .
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه / 306.
واغتنم حبيب بن مظاهر فرصة عودة العباس إلى أخيه الحسينعليهماالسلام ليخبره بما قال القوم، فالتفت إلى زهير بن القين قائلاً: كلّم القوم إن شئت، وإن شئت كلّمتهم.
زهير بن القين قال لحبيب: أنت بدأت بهذا، فكن أنت تكلّمهم.
أما والله، لبئس القوم عند الله غداً قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذريّة نبيّهصلىاللهعليهوآله وأهل بيته، وكبار أهل هذا المصر، المجتهدين بالأسحار، والذاكرين الله كثيراً(1) !
فقال له عزرة بن قيس: إنّك لتزكّي نفسك بما استطعت.
فأجابه زهير بن القين: يا عزرة، إنّ الله قد زكّاها وهداها، فاتق الله يا عزرة فإنّي لك من الناصحين. أنشدك الله يا عزرة أن لا تكون ممّن يعين الضلاّل على قتل النفوس الزكية.
____________________
(1) المصدر نفسه.
قال عزرة لزهير: ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنّما كنت عثمانياً.
قال زهير لعزرة: أفلست تستدل بموقفي هذا إنّي منهم؟ أما والله، ما كتبت إليه كتاباً قطّ، ولا أرسلت إليه رسولاً قطّ، ولا وعدته نصرتي قطّ، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلمّا رأيته ذكرت به رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومكانه منه، وعرفت ما يقوم عليه من عدوّه وحزبكم، فرأيت أن أنصره، وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه؛ حفظاً لما ضيّعتم من حقّ الله وحقّ رسولهصلىاللهعليهوآله (1) .
ولمّا أخبر العباس أخاه الحسينعليهماالسلام بما ذكر القوم، قال له الحسينعليهالسلام : «يا أخي، ارجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا هذه العشية؛ لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أنّي كنت أحبّ الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار»(2) .
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) مقتل الحسين - محسن الأمين / 104، تاريخ الطبري 4 / 316.
رجع العباسعليهالسلام إلى الجيش الاُموي، وقال لعمر بن سعد ما قاله الحسين (ع)، فتوقّف عمر بن سعد عن إعطاء هذه المهلة، وسأل شمر قائلاً: ما ترى أنت؟ قال شمر: أنت الأمير والرأي رأيك. ثمّ توجّه إلى زعماء الجيش الاُموي قائلاً: ماذا ترون؟
فأجابه الحجّاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله! والله لو كانوا من الديلم ثمّ سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي لك أن تجيبهم، فكيف وهم آل محمّد؟
وقال قيس بن الأشعث: أجبهم، لعمري لنصبحنّك بالقتال. فأجابوهم إلى ذلك(1) .
وعندما أيقنعليهالسلام أنّ هؤلاء القوم الذين احتوشوه مصرّون على قتاله، وأنّه لا بدّ من أن يدافع عن دينه وأهله بكلّ ما يملك، أجرى عملية اختبار وامتحان على أصحابه وأهل بيته من أبناء إخوته وعمومته؛ ليطمئن قلبه أنّهم يصمدون عند الوثبة واصطكاك الأسنّة، وأنّهم لن يخذلوه ولن يتركوه وحده.
فألقى خطاباً فيهم بعد أن جمعهم في
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 316.
مساء يوم التاسع قائلاً: «اُثني على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء، وأحمده على السرّاء والضرّاء. اللّهمّ إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ولم تجعلنا من المشركين.
أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ وأوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي جميعاً خيراً. ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً. ألا وإنّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، ثمّ ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثمّ تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتّى يفرّج الله؛ فإنّ القوم إنّما يطلبوني، ولو قد أصابوني لهو عن طلب غيري»(1) .
ولمّا سمع إخوة الحسين وأبناؤه وأبناء عبد الله بن جعفرعليهمالسلام هذه الخطبة من الحسينعليهالسلام ، وعرفوا فحواها، قاموا
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 317، مقتل الحسين - محسن الأمين / 105.
وشمروا عن سيوفهم يتقدّمهم أبو الفضل العباسعليهالسلام ، وقالوا بلسان واحد: «لِمَ نفعل ذلك! لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبداً»(1) .
ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام التفت إلى آل عقيل وقال: «حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم، اذهبوا فقد أذنت لكم».
فأجابوه: سبحان الله! فما يقول الناس لنا؟! وما نقول لهم؟! إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا، وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرمِ معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا؟! لا والله ما نفعل، ولكنّنا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونقاتل معك حتّى نرد موردك، فقبح الله العيش بعدك(2) .
ولمّا سمع أصحاب الحسينعليهالسلام خطبته هذه وعرفوا مقصده، فإنّهم أبوا إلاّ الفوز بالشهادة بين يديه، فقاموا يتسابقون في إجابتهعليهالسلام .
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 318، مقتل الحسين - محسن الأمين / 105.
(2) الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 285، تاريخ الطبري 4 / 318.
فقام إليه مسلم بن عوسجة (رضوان الله عليه) وقال: أنحن نخلي عنك وقد أحاط بك هذا العدو، ولمّا نُعذر إلى الله في أداء حقّك؟! [لا] والله حتّى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولا اُفارقك، ولو لم يكن معي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتّى أموت معك(1) .
ثمّ إنّ سعد بن عبد الله الحنفي أجاب الحسينعليهالسلام بقوله: لا والله يابن رسول الله لا نخليك حتّى يعلم الله أنا قد حفظنا عيبة رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيك. والله، لو علمت أنّي اُقتل ثمّ اُحيا ثمّ اُحرق حيّاً ثمّ اُذرى يفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حِمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً(2) ؟
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 318، مقتل الحسين - محسن الأمين / 105.
(2) المصدران نفساهما.
وقام زهير بن القين (رضوان الله عليه) وقال: والله يابن رسول الله، لوددت أنّي قُتلت ثمّ نشرت ثمّ قُتلت حتّى اُقتل كذي ألف قتلة، وأنّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك(1) .
ثمّ إنّ بقيّة صحابة الحسينعليهالسلام قاموا وقالوا بلسان يشبه بعضه بعضاً: والله لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء؛ نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قُتلنا بين يديك، وفيّنا لربّنا وقضينا ما علينا(2) .
ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام أمر أصحابه أن يقرّبوا بعض بيوتهم من بعض، وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا هم بين البيوت، إلاّ الوجه الذي يأتيه منه عدوّهم.
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 318، مقتل الحسين - محسن الأمين / 106.
(2) المصدر نفسه.
ثمّ إنّهعليهالسلام خرج ليلاً وحده؛ ليختبر الثنايا والعقبات، والأكمات المشرفة على المنزل، وإذا بنافع خلفه، فقال له الحسينعليهالسلام : «مَن الرجل؟ نافع؟».
نافع: نعم جُعلت فداك يابن رسول الله.
الحسينعليهالسلام : «نافع، ما أخرجك في هذا الليل؟».
نافع: سيدي أزعجني خروجك ليلاً إلى جهة هذا الباغي.
الحسينعليهالسلام : «خرجت أتفقّد هذه التلعات؛ مخافة أن تكون مكمناً لهجوم الخيل على مخيّمنا يوم يحملون وتحملون».
ثمّ إنّه رجع وهو قابض على يساري وهو يقول: «هي هي والله وعد لا خلف فيه». ثمّ قال لنافع: «يا نافع، ألا تسلك بين هذين الجبلين [وتنجو](*) بنفسك؟».
نافع: سيدي إذاً ثكلت نافعاً اُمّه! إنّ سيفي بألف، وفرسي بمثله، فوالله الذي منّ عليّ بك في هذا المكان، لن اُفارقك أبا عبد الله حتّى يكلاّ عن فريّ وجريّ(1) .
____________________
(*) وردت المفردة في الأصل (وانجُ)، والتغيير من بعض المصادر الاُخرى.(موقع معهد الإمامين الحسنين)
(1) المجالس الفاخرة - الإمام شرف الدين / 92.
ثمّ إنّهعليهالسلام فارق نافع، ودخل خيمة أخته زينبعليهاالسلام ، فوضعت له متكأ وجلس يحدّثها سرّاً، ونافع واقف ينتظر خروج الحسينعليهالسلام .
زينب تقول لأخيها الحسينعليهالسلام : يابن اُمّي، هل استعلمت من أصحابك نيّاتهم فإنّي أخاف أن يسلموك عند الوثبة واصطكاك الأسنّة؟
الحسينعليهالسلام : «يا اُخيّة، أما والله لقد بلوتهم، فما رأيت فيهم إلاّ الأشوس، يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطفل بلبن اُمّه»(1) .
فلمّا سمع نافع حديث زينبعليهاالسلام لأخيها الحسينعليهالسلام ، وجواب الحسينعليهالسلام لها، أقبل مسرعاً إلى حبيب بن مظاهر الأسدي وأخبره بما سمع، إلى قول الحسينعليهالسلام «يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطفل بلبن اُمّه».
قال حبيب: أي والله، لولا انتظار أمره لعاجلتهم
____________________
(1) المصدر نفسه / 93.
وعالجتهم بسيفي هذا، ما ثبت قائمه بيدي.
نافع يقول لحبيب: يا أخي، تركت بنات رسول الله في وجل ورهب، فهلاّ نمضي جميعاً لنسكن قلوبهنّ، ونذهب رعبهنّ.
حبيب: سمعاً وطاعة. ونادى بأصحاب الحسينعليهالسلام : أين أنصار الله؟ أين أنصار رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ أين أنصار فاطمة؟ أين أنصار الحسين؟ أين أنصار الإسلام؟
فتطالعوا من منازلهم كالليوث الضارية، ومعهم العباس بن عليعليهماالسلام .
حبيب قال لبني هاشم: ارجعوا إلى منازلكم لا سهرت عيونكم.
وبقي حبيب ومعه الأصحاب، فخطب فيهم قائلاً: يا أصحاب الحمية، وليوث الكريهة، هذا نافع بن هلال يخبرني الساعة بكذا وكذا، فأخبروني عن نيّاتكم.
الأصحاب جرّدوا صوارمهم، ورموا عمائمهم، وقالوا: أما والله يابن مظاهر، لئن زحف القوم إلينا لنحصدنّ رؤوسهم، ولنلحقهم بأشياخهم، ولنحفظنّ رسول الله في عترته وذرّيّته.
حبيب: معي معي إلى حرم رسول الله؛ لنهدئنّ رعبهنّ.
فسار حبيب ومعه الأصحاب حتّى وقفوا بين أطناب المخيّم، ونادى: السلام عليكم يا ساداتنا، السلام عليكم يا معشر حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، هذه صوارم فتيانكم آلوا أن لا يغمدوها إلاّ في رقاب مَنْ يبتغي السوء فيكم، وهذه أسنّة غلمانكم آلوا أن لا يركزوها إلاّ في صدور مَنْ يفرّق ناديكم(1) .
فخرج الحسينعليهالسلام إليهم وقال: «أصحابي، جزاكم الله عن أهل بيت نبيكم خيراً».
لمّا أيقن الإمام الحسينعليهالسلام بأنّ القوم ليسوا بتاريكه، وأنّه مقتول لا محالة؛ لكثرة عددهم(2) ، وقد استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، وقلّة ناصريه وأعوانه، أتىعليهالسلام يخبر اُخته زينب تدريجيّاً بالمصير الذي سيؤول إليه؛ من قتله وقتل جميع أهل بيته وأصحابه من الرجال؛ لئلاّ يكون إخبارها صدمة مفاجئة قد تودّي
____________________
(1) المصدر نفسه / 94.
(2) انظر التعداد الكمّي للجيش الاُموي في كربلاء من هذا الكتاب.
بحياتها، وهي المسؤولة الوحيدة في حفظ عياله وأطفاله، وتكميل رسالته المقدّسة، وبيان أحقّيتها وواقعيتها؛ لئلاّ يشوّهوا واقعها الاُمويّون وأنصارهم. فجلسعليهالسلام بإزاء خيمتها وهو يصلح سيفه ويقول:
يـا دهرُ أفٍ لكَ من خليلِ |
كم لكَ بالإشراقِ والأصيلِ |
|
من صاحبٍ أو طالبٍ قتيلِ |
والـدهرُ لا يـقنعُ بالبديلِ |
|
وإنّـما الأمرُ إلى الجليلِ |
وكـلّ حـيّ سالكٌ سبيلِ(1) |
فأعادها مرتين أو ثلاثاً، فسمعتها اُخته زينبعليهاالسلام وأقبلت عليه حاسرة، وهي تقول: وا ثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت فاطمة اُمّي، وعلي أبي، وحسن أخي، يا خليفة الماضي وثمال الباقي(2) !
الحسينعليهالسلام : «يا اُخيّة، لا يذهبنّ حلمك الشيطان».
زينبعليهاالسلام : بأبي أنت واُمّي يا أبا عبد الله! أستقتلت نفسي فداك؟!
الحسينعليهالسلام ردّ غصته وترقرت عيناه، وقال: «لو تُرك القطا ليلاً لنام».
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 319.
(2) المصدر نفسه.
زينبعليهاالسلام : يا ويلتا! أفتغصب نفسك اغتصاباً؟! فذلك أقرح لقلبي، وأشدّ على نفسي. ولطمت وجهها، وأهوت إلى جيبها وشقته، وخرّت مغشياً عليها.
الحسينعليهالسلام قام إليها وصبّ الماء على وجهها فأفاقت. قال لها: «يا اُخيّة، اتقي الله، وتعزي بعزاء الله، واعلمي أنّ أهل الأرض يموتون، وأنّ أهل السماء لا يبقون، وأنّ كل شيء هالك إلاّ وجهه، الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون، وهو فرد وحده. أبي خير منّي، واُمّي خير منّي، وأخي خير منّي، ولي ولهم ولكلّ مسلم برسول الله أسوة».
فعزّاها بهذا وقال لها: «يا اُخيّة، إنّي اُقسم عليك فأبرّي قسمي؛ لا تشقي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي بالويل والثبور إذا أنا هلكت»(1) .
بينما الإمام الحسينعليهالسلام جالس في عرصات كربلاء، إذ أخذته سِنة نوم، فاستيقظ منها وقال لأصحابه وأهل بيته
____________________
(1) المصدر نفسه.
الذين من حوله: «رأيت رؤيا».
فقالوا: ما هي يابن رسول الله؟
فقال: «رأيت كأن كلاباً قد شدّت عليّ تنهشني، وفيها كلب أبقع أشدّها عليّ، وأظنّ الذي يتولّى قتلي رجل أبرص من هؤلاء القوم.
ثمّ إنّي رأيت جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومعه جماعة من أصحابه، وهو يقول لي: يا بُني، أنت شهيد آل محمّد، وقد استبشرتْ بك أهل السماوات وأهل الصفيح الأعلى، فليكن إفطارك عندي الليلة، عجّل ولا تؤخّر.
هذا ما رأيت، وقد أزف الأمر، واقترب الرحيل من هذه الدنيا»(1) .
بات الحسينعليهالسلام وأصحابه معه هذه الليلة، وهي الليلة العاشرة من محرّم، وهم على يقين أنّهم ملاقوا ربّهم غدوة هذه العشية؛ فلذا نراهم طلّقوا حرائرهم ودنياهم بما فيها، وأقبلوا على الله بقلوب طاهرة ونيّات صافية أن يرزقهم الله الشهادة بين يدي ابن بنت نبيّهم محمّدصلىاللهعليهوآله ، يستأنسون
____________________
(1) الفتوح 5 / 181، مقتل الحسين - محسن الأمين / 107.
بالمنيّة دونه استئناس الطفل بلبن اُمّه كما وصفهم الحسينعليهالسلام .
وباتوا ليلتهم هذه فرحين مسرورين، غير وجلين ولا خائفين بما يلاقون في صبيحتهم هذه، مقبلين على الله بكلّ مشاعرهم وأفكارهم، فهم بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، وبين تال للقرآن ومستغفر، ولهم دوي كدوي النحل(1) .
فتأثر بهذا الجو الواقعي نفر من الجيش الاُموي من ذوي الضمائر الحيّة التي كانت عليها غشاوة ضلال، فانجلت بهذا الجو المشحون إيماناً وتقىً وهدى.
وبينما الحسينعليهالسلام وأصحابه وهم على هذا الحال، وإذا بسرية من الجيش الاُموي عليها عزرة بن قيس الأحمسي تراقب عن كثب حركات الحسينعليهالسلام وأصحابه، فتلا الحسينعليهالسلام هذه الآية الشريفة: «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ * ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ »(2) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 316، مقتل الحسين - محسن الأمين / 106.
(2) سورة آل عمران / 178 - 179.
وكان في الجيش الاُموي عبد الله بن شهر المكنّى بأبي حرب السبيعي، فسمع تلاوة الحسينعليهالسلام فقال: نحن وربّ الكعبة الطيّبون، ميّزنا منكم.
فأجابه برير بن خضير وقد عرفه: يا فاسق! أنت يجعلك في الطيّبين؟
فقال أبو حرب: مَنْ أنت؟
برير: أنا برير بن خضير.
قال أبو حرب: إنّا لله، عزّ عليّ! هلكت والله، هلكت يا برير.
برير: أبا حرب، هل لك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام؟ فوالله إنّا لنحن الطيّبون، ولكنّكم لأنتم الخبيثون.
أبو حرب: وأنا على ذلك من الشاهدين.
برير: ويلك! أفلا تنفعك معرفتك؟
أبو حرب: جعلت فداك! فمَنْ ينادم يزيد بن عذرة العنزي من عنز بن وائل، ها هو معي.
برير: قبّح الله رأيك على كلّ حال، أنت سفيه(1) . وكان سفيهاً مضحاكاً.
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 320.
ثمّ إنّهعليهالسلام أمر أصحابه أن يحفروا خندقاً وراء البيوت، ويضعوا فيه الحطب ويضرموا فيه النار في الغداة؛ لئلاّ يهجم القوم من وراء الخيام(1) .
____________________
(1) المصدر نفسه.
عاشوراء.. يوم الفداء والتضحية في سبيل الله
وطلع فجر اليوم العاشر من المحرّم. صلّى الحسينعليهالسلام بأصحابه صلاة الغداة، وقام فيهم قائلاً بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «إنّ الله تعالى أذن في قتلكم وقتلي في هذا اليوم، فعليكم بالصبر والقتال»(1) .
فتباشر أصحابه بلقاء ربّهم، وأنّهم سيقدمون على روح وريحان وجنّة عرضها السماوات والأرض خالدين فيها أبداً. وإذا بهم فرحين بعضهم يداعب الآخر، فهذا برير بن خضير يمازح عبد الرحمان، أحد أصحاب الحسينعليهالسلام .
عبد الرحمان: يا برير، دعنا فوالله ما هذه بساعة باطل.
برير: والله، لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً، ولكن والله إنّي لمستبشر بما نحن لاقون؛ والله إنّ ما بيننا وبين الحور العين إلاّ أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، ولوددت أنّهم قد مالوا علينا بأسيافهم(2) .
وكيف لا يكونوا فرحين مستبشرين ما داموا يدافعون عن الحقّ وأهله؛ لأنّهم علموا أنّ الحقّ لا يُعمل به، والباطل لا
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 320.
(2) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 275، تاريخ الطبري 4 / 321.
يُتناهى عنه، ما دام الحكم الاُموي موجوداً فإنّ الحياة في ظلّه سأم وضجر، والموت في مكافحته حياة وسعادة؛ فلهذا نراهم يتسابقون في التضحية والفداء عن الإسلام ومقدّساته التي حاول الاُمويّون تشويهها وتغييرها.
ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام نظر إلى أعوانه وأنصاره فرآهم على قلّة في العدد، ولكنّهم كثيرون في إيمانهم وعقيدتهم، وأنّ الرجل منهم يعدّ بعشرات من هؤلاء الجبناء في نفوسهم وضمائرهم.
وإذا بجيش الحسينعليهالسلام يبلغ في كمّه العددي المئة وعشر أنفار (110)، فقسّمه إلى ثلاث جبهات:
جبهة اليمين: عليها زهير بن القين.
جبهة اليسار: عليها حبيب بن مظاهر الأسدي.
القلب: وقف هو وأهل بيته وبقية أصحابه.
والراية تخفق عليهم بيد أخيه أبي الفضل العباس؛ لأنّه أثبت طعّاناً، وأربط جأشاً، وأشدّ مراساً(1) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 320.
ثمّ إنّ عمر بن سعد أمر بتنظيم صفوف جيشه الذي يتكوّن من ثلاثين ألف فارس وراجل؛ فجعل عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي على ربع أهل المدينة، وعبد الرحمان بن أبي سبرة الحنفي على ربع مذحج وأسد، وقيس بن الأشعث على ربع ربيعة وكندة، والحرّ بن يزيد الرياحي على ربع تميم وهمدان. ثمّ قسّم هؤلاء على جبهتين:
جبهة اليمين: أميرها عمرو بن الحجّاج الزبيدي.
جبهة اليسار: على رأسها شمر بن ذي الجوشن.
ثمّ صف الجيش إلى خيّالة ورجّالة:
الرجّالة: يرأسها شبث بن ربعي.
الخيّالة: أميرها عزرة بن قيس الأحمسي.
وأعطى الراية إلى مولاه ذويداً(1) .
وقسم من هؤلاء الرؤساء الذين اُعطوا مناصب في الجيش كانوا ممّن كاتبوا الحسينعليهالسلام بالمجيء إلى الكوفة، ثمّ خانوا الله في عترة نبيّه وخرجوا لقتالهم، وهم: قيس بن
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 320.
الأشعث، وشبث بن ربعي.
وشهد هؤلاء الرؤساء كلّهم مقتل الحسينعليهالسلام ، وساعدوا على قتله إلاّ الحرّ بن يزيد الرياحي (رضوان الله عليه)(1) .
ثمّ إنّ عمر بن سعد بعد أن نظّم جيشه، زحف بجيشه نحو معسكر الحسينعليهالسلام ، وأخذوا يجولون حول خيام الحسينعليهالسلام ، وقد أمرعليهالسلام أن تُضرم النار في الخندق لئلاّ يهجموا من خلف الخيام، وليُقابل العدو من جهة واحدة.
قال شمر بن ذي الجوشن: يا حسين، استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة؟
فقال الحسينعليهالسلام : «مَنْ هذا؟ كأنّه شمر بن ذي الجوشن؟».
فقالوا: نعم هو.
فقالعليهالسلام : «يابن راعية المعزى! أنت أولى بها صليّاً».
فقال مسلم بن عوسجة: يابن رسول الله، جعلت فداك! ألا أرميه بسهم؛ فإنّه قد أمكنني، وليس يسقط سهم، فالفاسق من أعظم الجبّارين؟
فقال الحسينعليهالسلام : «لا ترمه؛ فإنّي أكره أن أبدأهم بقتال»(2) .
____________________
(1) المصدر نفسه / 321.
(2) المصدر نفسه / 322.
ولمّا سرّح الحسينعليهالسلام بنظرة إلى الجيش الاُموي وإذا هو كالسيل، كلّ منهم يروم قتله وسلبه ونهبه. فتوجهعليهالسلام متضرّعاً إلى الله القدير بالدعاء، رافعاً يديه قائلاً: «اللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة.
كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، أنزلته بك وشكوته إليك؛ رغبة لي إليك عمّن سواك، فكشفته وفرّجته، فأنت ولي كلّ نعمة، وصاحب كلّ حسنة، ومنتهى كلّ رغبة»(1) .
لمّا رأى الإمام الحسينعليهالسلام هذا الجمع الحاشد، الضال في أمره، والحائر في مصيره، أراد أن يوقظ ضمائرهم الميّتة، ويرشد جمعهم نحو الهدى والحقّ؛ فوقف فيهم واعظاً، خطب الخطبة الأولى في صبيحة اليوم العاشر من محرّم، فدعاعليهالسلام براحلته فركبها، ونادى بصوت يسمعه جلّهم:
____________________
(1) الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 286.
«أيّها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتّى أعظكم بما يحقّ لكم عليّ، وحتّى اعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري، وصدّقتم قولي، وأعطيتموني النَّصف من أنفسكم، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا منّي العذر، ولم تُعطوا النَّصف من أنفسكم،( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ) (1) ،( إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) (2) ».
فسمعن النساء صوته، فبكين وارتفعت أصواتهن، فقال الحسين لأخيه العباس وابنه علي الأكبرعليهمالسلام : «سكّتوهنّ، فلعمري ليكثر بكاؤهنّ».
ولمّا سكتن، حمد الله وأثنى عليه، وصلّى على محمّد وعلى الملائكة والأنبياء، فذكر ما لا يُحصى ذكره، فما سمع متكلّم قبله ولا بعده أبلغ منه(3) ، ثمّ قال: «الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور مَنْ غرّته،
____________________
(1) سورة يونس / 71.
(2) سورة الأعراف / 196.
(3) تاريخ الطبري 4 / 322، الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 287.
والشقي مَنْ فتنته، فلا تغرّنّكم هذه الدنيا؛ فإنّها تقطع رجاء مَنْ ركن إليها، وتُخيب طمع مَنْ طمع فيها. وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنّبكم رحمته، فنعم الربّ ربّنا، وبئس العبيد أنتم! أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمّدصلىاللهعليهوآله ، ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذرّيّته وعترته تريدون قتلهم! لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتباً لكم ولما تريدون! إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين(1) !
أيّها الناس، انسبوني مَنْ أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألستُ ابن بنت نبيّكم، وابن وصيه، وابن عمّه، وأوّل المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربّه؟ أوَ ليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي؟ أوَ ليس جعفر الطيار ذو الجناحين عمّي؟ أوَلم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟
____________________
(1) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 279.
فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ، والله ما تعمدت الكذب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّ بمَنْ اختلقه. وإن كذّبتموني فإنّ فيكم مَنْ إن سألتموه عن ذلك أخبركم؛ سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، أو أبا سعيد الخدري، أو سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك يخبرونكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي. أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟»(1) .
شمر يقاطع خطبة الحسينعليهالسلام
ثمّ إنّ شمر بن ذي الجوشن قاطع كلام الحسينعليهالسلام بقوله: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول.
حبيب بن مظاهر يردّ عليه
وإذا بحبيب بن مظاهر الأسدي، يجيب شمراً بقوله: والله إنّي لأراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول؛ قد طبع الله على قلبك(2) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 322 - 323.
(2) الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 287، تاريخ الطبري 4 / 323.
الحسينعليهالسلام يتمّ خطبته
ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام واصل خطبته قائلاً: «فإن كنتم في شكّ من هذا القول، أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري فيكم ولا في غيركم، أنا ابن بنت نبيّكم خاصة.
أخبروني، أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص جراحة؟». فأخذوا لا يكلمونه(1) .
فنادىعليهالسلام : «يا شبث بن ربعي، ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أن اقدم قد أينعت الثمار، وطمّت الجمام، واخضرّ الجناب، وإنّما تقدم على جند لك مجندة؟»(2) .
فقالوا: لم نفعل.
قالعليهالسلام : «سبحان الله! بلى والله لقد فعلتم». ثمّ قال: «أيّها الناس، إذا كرهتموني فدعوني انصرف عنكم إلى مأمن من الأرض».
فقال قيس بن الأشعث: أوَ لا تنزل على حكم بني عمّك؛ فإنّهم لن يروك إلاّ ما تحبّ، ولن يصل إليك منهم مكروه؟
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 323.
(2) المصدر نفسه.
فقال الحسينعليهالسلام : «أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟
لا والله، لا اُعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ إقرار العبيد. عباد الله،( وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ) (1) ،( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّر لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ) (2) »(3) .
ثمّ إنّ زهير بن القين (رضوان الله عليه)، رأى أنّ القوم لم يستجيبوا لخطبة الإمام الحسينعليهالسلام ، ولم ينصاعوا إليها، فخرج إليهم على فرس له وهو شاك في السلاح؛ ليحذرهم ناصحاً لهم، ومنذراً ممّا يرتكبون، قائلاً: يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب الله نذار، إنّ حقاً على المسلم نصحية أخيه المسلم، ونحن حتّى الآن إخوة، وعلى
____________________
(1) سورة الدخان / 20.
(2) سورة غافر / 27.
(3) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 280، تاريخ الطبري 4 / 330، الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 287.
دين واحد، وملّة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم للنصيحة منّا أهل، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنّا أمّة وأنتم أمّة.
إنّ الله قد ابتلانا وإياكم بذريّة نبيّه محمّدصلىاللهعليهوآله ؛ لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنّا ندعوكم إلى نصرهم، وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد؛ فإنّكم لا تدركون منهما إلاّ بسوء عمر سلطانهما كلّه؛ لَيسملان أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثّلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم وقرّائكم، أمثال: حجر بن عدي وأصحابه، وهاني بن عروة وأشباهه(1) .
ثمّ إنّ جماعة من زعماء الجيش الاُموي قاطعوا كلام زهير بسبّه، وأثنوا على عبيد الله بن زياد، ودعوا له قائلين: لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومَنْ معه، أو نبعث به وبأصحابه إلى عبيد الله بن زياد سلماً.
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 323، الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 288.
جواب زهير
فأجابهم زهير قائلاً: عباد الله، إنّ ولد فاطمةعليهاالسلام أحقّ بالودّ والنصر من ابن سمية، فإن كنتم لم تنصروهم فاُعيذكم بالله أن تقتلوهم، فخلّوا بين هذا الرجل وبين يزيد؛ فلعمري إنّه ليرضى بطاعتكم من دون قتل الحسين(1) .
شمر يرميه بسهم
ثمّ إنّ شمر بن ذي الجوشن رماه بسهم، وقال له: اسكت أسكت الله نأمتك، أبرمتنا بكثرة كلامك.
فقال زهير: يابن البوّال على عقبيه! ما إيّاك اُخاطب، إنّما أنت بهيمة، والله ما أظنّك تحكم من كتاب الله آيتين، فابشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم.
فقال شمر: إنّ الله قاتلُك وصاحبُك عن ساعة.
فقال زهير: أفبالموت تخوفني؟! فوالله لَلموت معه أحبّ إليّ من الخلد معكم.
ثمّ أقبل على القوم رافعاً صوته وقال: عباد الله، لا يغرّنّكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه، فوالله لا تنال شفاعة
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 324، الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 288.
محمّدصلىاللهعليهوآله قوماً هرقوا دماء ذريته وأهل بيته، وقتلوا مَنْ نصرهم وذبّ عن حريمهم.
فأمره الحسين بالرجوع فرجع، وقال لهعليهالسلام : «لعمري، لئن كان مؤمن فرعون نصح قومه وأبلغ في الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ»(1) .
ولمّا رأى برير بن خضير إصرار القوم على الباطل، ومعاندتهم للحقّ وأهله، أراد أن يعظهم وينصحهم، ويدعوهم إلى قول الحقّ والصراط المستقيم، فاستأذن من الحسينعليهالسلام فأذن له، فجاء ووقف فيهم، وكلّ منهم يعرفه أنّه من التابعين، ومن شيوخ القرّاء، عابداً ناسكاً.
فنادى بأعلى صوته: يا معشر الناس، إنّ الله بعث محمّداً بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابه، وقد حيل بينه وبين ابن بنت رسول الله، أفجزاء محمّد هذا؟! فأجابوه قائلين: يا برير، قد أكثرت الكلام، فاكفف عنّا،
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 324.
فوالله ليعطش الحسين كما عطش مَنْ كان قبله.
فقال برير: يا قوم، إنّ ثقل محمّد قد أصبح بين أظهركم، وهؤلاء ذرّيّته وعترته، وبناته وحرمه، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم.
فقالوا له: نريد أن نمكّن منهم الأمير عبيد الله بن زياد، فيرى فيهم رأيه.
برير: أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤوا منه؟! ويلكم يا أهل الكوفة! أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها؟! ويلكم! أدعوتم أهل بيت نبيّكم وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم حتّى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، وحلأتموهم عن ماء الفرات؟! بئسما خلفتم نبيّكم في ذرّيّته! ما لكم لا سقاكم الله يوم القيامة؟! فبئس القوم أنتم!
فقيل له: يا هذا، ما ندري ما تقول يا برير.
برير: الحمد لله الذي زادني فيهم بصيرة. اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم. اللّهم ألقِ بأسهم بينهم حتّى يلقوك وأنت عليهم غضبان.
فجعلوا يرمونه بالسهام فتقهقر(1) .
____________________
(1) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 286.
كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله نبي هدىً ورحمة لبني الإنسان، وهكذا أهل بيتهعليهمالسلام ، فهم فرع من ذلك الغصن المبارك؛ لأنّهم أهل بيت النبوّة، بيت هداية ورشاد.
والحسينعليهالسلام وليد هذا البيت، وحفيد جدّه محمّدصلىاللهعليهوآله ، فهو شعاع هدىً ورحمة. لما رأى القوم في اليوم العاشر من المحرّم، لم تهدهم خطب، ولم تأثّر فيهم موعظة، وهم مصرون على جهلهم وغيّهم، فأرادعليهالسلام أن يعيد النصح عليهم ثانياً، علّهم ينصاعون إلى صوت حق، وكلمة خير، وهو حريص على إنقاذهم من الضلال والغي؛ لأنّه وليد نبي الهدى والرحمة.
فوقفعليهالسلام أمام ذلك الزخم الجاهلي، بأفكاره ومشاعره، حاملاً بيده قرآن هداية ونور، مندداً بموقفهم هذا، وموبّخاً لإصرارهم وعنادهم قائلاً: «تباً لكم أيتها الجماعة وترحاً(1) ! أحين استصرختمونا والهين(2) ، فأصرخناكم موجفين(3) ، سللتم علينا سيفاً لنا في
____________________
(1) الترح: الحزن.
(2) الوله: الحزن الذي يكاد أن يذهب بالعقل.
(3) الوجيف: الاضطراب.
أيمانكم، وحششتم(1) علينا ناراً اقتدحناها(2) على عدوّنا وعدوكم، فأصبحتم ألباً(3) لأعدائكم على أوليائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم؟ فهلاّ - لكم الويلات! - تركتمونا والسيف مشيم(4) ، والجأش(5) طامن(6) ، والرأي لمّا يستصحف(7) ؟ ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدّبا، وتداعيتم عليها كتهافت الفراش، ثمّ نقضتموها.
فسحقاً لكم(8) يا عبيد الأمة! وشذّاذ الأحزاب، ونَبَذَة الكتاب، ومحرّفي الكَلِم، وعصبة الإثم، ونفثة الشيطان، ومطفئي السنن.
ويحكم! أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون؟!
____________________
(1) حششتم: أوقدتم.
(2) اقتدح: حاول إخراج النار.
(3) الألب: القوم تجمعهم عداوة واحدة.
(4) مشيم: من شأم، جر الشؤم.
(5) الجأش: القلب.
(6) ساكن.
(7) يستصحف: يستحكم.
(8) أبعدكم الله عن رحمته.
أجل والله، غدر فيكم قديم، وَشِجَتْ(1) عليه اُصولكم، وتأزّرت(2) عليه فروعكم، فكنتم أخبث ثمر شجاً للناظر، وأكلة للغاصب.
ألا وإنّ الدّعي(3) ابن الدّعي قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة(4) والذلّة، وهيهات منّا الذلّة؛ يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، واُنوف حمية، ونفوس أبيّة من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام.
ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد وخذلان الناصر». ثمّ أوصل كلامه بأبيات فروة بن مسيك المرادي:
فـإنْ نُـهزم فهزّامونَ قُدماً |
وإنْ نُـغلب فـغير مُغلّبينا |
|
ومـا إن طبّنا جبنٌ ولكنْ |
مـنايانا ودولـةُ آخـرينا |
|
إذا ما الموتُ رفّع عن اُناسٍ |
كـلاكـلَهُ أنـاخَ بـآخرينا |
|
فـأفنى ذلـكم سروات قومي |
كـما أفنى القرونَ الأوّلينا |
|
فـلو خلدَ الملوكُ إذن خلدنا |
ولـو بقي الكرامُ إذن بقينا |
____________________
(1) وشجت: اشتبكت.
(2) تأزّرت: هاجت.
(3) المتهم في نسبه.
(4) السلّة: سلة السيف.
فـقل لـلشامتينَ بنا أفيقوا |
سـيلقى الشامتونَ كما لقينا(1) |
«ثمّ وأيم الله، لا تلبثوا بعدها إلاّ كريثما يُركب الفرس حتّى تدور بكم دور الرحى، وتقلق بكم قلق المحور؛ عهد عهده إليّ أبي عن جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة، ثمّ اقضوا إليّ ولا تنظرون.إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّة إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراط مُسْتَقِيم »(2) .
ثمّ رفععليهالسلام يديه نحو السماء وقال: «اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسني يوسف، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبّرة؛ فإنّهم كذّبونا وخذلونا، وأنت ربّنا وإليك المصير، عليك توكّلنا.
والله لا يدع أحداً منهم إلاّ انتقم لي منه؛ قتلة بقتلة، وضربة بضربة، وإنّه لينتصر لي ولأهل بيتي وأشياعي»(3) .
____________________
(1) انظر، الاحتجاج - الطبرسي 2 / 24.
(2) سورة هود / 56.
(3) اللهوف في قتلى الطفوف - ابن طاووس / 97 - 99، مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 289.
إنّ بعض النفوس، مهما كان عليها غشاوة ضلال وانحراف إلاّ إنّها تبقى توّاقة إلى الخير والكمال، فمهما وجدت نوراً تسترشد به طريق الحقّ أسرعت إليه؛ لأنّ الضلال لم يخيّم على جميع منافذها، فتتّخذ من ذلك البصيص المنفتح على عالم الخير والحقّ طريق هداية وكمال كما هي نفسية الحرّ بن يزيد الرياحي؛ فإنّه لمّا سمع الحسينعليهالسلام يخطب في ذلك الجيش الضال، انشرح قلبه إلى الإيمان والخير، وأشرقت نفسه بالنور والهداية، فأسرع إلى قائد الضلال عمر بن سعد قائلاً: أمقاتل أنت هذا الرجل؟
فأجابة عمر بن سعد: أي والله، قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي.
فأقبل الحرّ ووقف بين أصحابه وهو يفكّر في مصيره، فأخذته مثل العرواء (أي الرعدة)، فقال له المهاجر بن أوس: يابن يزيد، والله إنّ أمرك لمريب! ولو قيل: مَنْ أشجع أهل الكوفة لما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك؟!
فقال له الحرّ: إنّي والله أخير نفسي بين الجنّة والنار،
ووالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قطّعت وحُرّقت. ثمّ ضرب فرسه ولحق بالحسينعليهالسلام .
ولمّا قرب منه قال له: جعلني الله فداك يابن رسول الله! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان. والله الذي لا إله إلاّ هو، ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة. وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منّي إلى ربّي، ومواسياً لك بنفسي حتّى أموت بين يديك، أفترى لي توبة؟
فقال الحسينعليهالسلام له: «نعم، يتوب الله عليك ويغفر لك. ما اسمك؟».
قال: أنا الحرّ بن يزيد الرياحي.
قال الحسين: «أنت الحر كما سمّتك اُمّك، أنت الحرّ إن شاء الله في الدنيا والآخرة. انزل».
فقال له الحرّ: أنا لك فارساً خير منّي راجلاً.
ثمّ جاء ووقف إزاء جيش العدو صارخاً فيهم: يا أهل الكوفة، لأمّكم الهبل والعبر! أدعوتموه حتّى إذا أتاكم أسلمتموه؟! وزعمتم أنكم قاتلي أنفسكم دونه ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه! أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه، وأحطتم به من كلّ جانب،
فمنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة حتّى يأمن ويأمن أهل بيته، وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع ضرّاً، وحلأتموه ونساءه وصبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني، وتُمرّغ فيه خنازير السواد وكلابه. وهاهم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمّداً في ذريته! لا سقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عمّا أنتم عليه من يومكم هذا، في ساعتكم هذه.
فرموه بالنبل، فرجع ووقف أمام الحسينعليهالسلام (1) .
وهذا يزيد بن زياد بن المهاصر، فإنّه خرج مع عمر بن سعد إلى قتال الحسينعليهالسلام ، فلمّا ردّوا الشروط على الحسينعليهالسلام مال إليه، فقاتل معه حتّى قُتل(2) .
ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام فكّر أن يجتمع مرّة أخرى مع عمر بن سعد قائد جيش الضلال؛ ليلقي عليه الحجّة النهائية، لكي لا
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 325 - 326 و40.
(2) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 298، مقتل الخوارزمي 2 / 8.
تبقى له معذورية في موقفه هذا، فاستدعاهعليهالسلام واجتمع معه قائلاً بعد أن يئس منه: «أي عمر! أتزعم أنّك تقتلني ويولّيك الدّعي بلاد الرّي وجرجان، والله لا تتهنأ بذلك، عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع؛ فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، وكأنّي برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة، ويتخذونه غرضاً بينهم».
هناك بعض النفوس كلّما تنفتح لها سبل الهداية والرشاد تزداد بعداً وإصراراً وعناداً في غيّها وضلالها، وكلّما أراد القول الطيّب أن يجد إليها منفذاً أوصدت دونه المنافذ، فتبقى شريرة سابحة في ضلالها وانحرافها، لم تنفعها المواعظ ولا المؤثرات الإصلاحية الاُخرى، فتكون مصداقاً للآية الكريمة:( وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً ) (1) ، كما هي عليه نفس عمر بن سعد.
فإنّ الحسينعليهالسلام استعمل معه مختلف الأساليب الخيّرة
____________________
(1) سورة الأعراف / 58.
لإصلاحه وهديه، إلاّ أنّه أبى واستكبر وكان من الظالمين؛ فوقف بكلّ وقاحة وشقاوة، متحدّياً في صبيحة يوم العاشر من محرّم، واضعاً سهمه في كبد قوسه ورمى به نحو معسكر الحسينعليهالسلام قائلاً: اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَنْ رمى(1) .
وأقبلت السهام من الجيش الاُموي نحو الحسينعليهالسلام كأنّها المطر.
استعمل الحسينعليهالسلام مختلف الوسائل الممكنة لهديهم وإرشادهم إلى الطريق الأقوم، وبذل جهده عسى أن يتجنّب القتال؛ لأنّه صاحب دعوة خير وسلام، دعوة الإسلام.
وكانعليهالسلام يبغض القتل والقتال ما دام هناك طريقة بالتي هي أحسن؛ ولهذا كان يكره أن يبدأهم بقتال كما قالعليهالسلام لأصحابه في مواطن عديدة: «إنّي أكره أن أبدأهم بقتال»(2) .
____________________
(1) اللهوف في قتلى الطفوف / 42، تاريخ الطبري 4 / 326، الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 289.
(2) اللهوف في قتلى الطفوف / 42، تاريخ الطبري 4 / 309.
مقتدياً بسيرة جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأبيه علي بن أبي طالب في دعوتهما إلى الله.
ولكنّهعليهالسلام خاب ظنّه فيهم؛ لأنّ الشيطان استحوذ عليهم فأنساهم ذكر الله، وذلك عندما رشقوا معسكره بالسهام وكأنّها المطر، فعندئذ لم ير بُداً من قتالهم حتّى يفيئوا إلى أمر الله، فأذن لأصحابه بالقتال قائلاً لهم: «قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه؛ فإنّ هذه رسل القوم إليكم».
ذكرنا فيما سبق، أنّه قد تصل الشقاوة لدى بعض النفوس إلى مستوى الحضيض فتنغمس في الرذيلة والشقاوة انغماساً من الرأس إلى القدم. فتتقمص شخصية الشقي بكلّ معناها، فيصبح إنساناً شرّيراً شقيّاً كشقاوة عبد الله بن حوزة، أحد أفراد الجيش الاُموي؛ فإنّه تقدّم من الحسينعليهالسلام متحدّياً وقال: يا حسين، أبشر بالنار، قالها ثلاثاً.
فأجابه الحسينعليهالسلام قائلاً: «كذبت، بل أقدم على ربّ غفور، وشفيع مطاع». ثمّ رفع يديه إلى السماء وقال: «اللّهمّ حزه إلى النار».
فغضب ابن حوزة من دعاء الحسينعليهالسلام ، فذهب ليقتحم إليه الفرس، وكان بين الحسينعليهالسلام وبينه نهر، فعلقت قدمه بالركاب، وجالت به الفرس فسقط عنها، فانقطعت قدمه وساقه وفخذه، وبقي جانبه الآخر متعلّقاً بالركاب حتّى هلك - كما جاء في تاريخ الطبري والكامل(1) - فرآه أحد المتحمسين لابن زياد وهو مسروق بن وائل، فاهتدى وترك الجيش قائلاً: لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئاً لا اُقاتلهم أبداً.
وانتهت هذه الواقعة بشقاوة ابن حوزة، وكرامة للحسينعليهالسلام ، وهداية لابن وائل، ولكنّها هداية بلا توفيق، فهي شقاوة وكرامة وهداية.
لمّا يئس الحسينعليهالسلام من هدي القوم واستنصاحهم بعد أن بذل جهده ونصحه، فلم يزدهم إلاّ فراراً، ومَثَله فيهم كمثل نوح - نبي الله - في قومه حينما دعاهم إلى الإيمان والهدى فلم يزدهم إلاّ فراراً،
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 328، الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 289.
( قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِراراً * وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ) (1) .
فهكذا توحي لنا هذه الآيات البيّنات وجه الشبه بين دعوة الحسينعليهالسلام وبين دعوة نبي الله نوح، وبين الذين عارضوا الحسينعليهالسلام وبين الذين عارضوا نوحاً، إلاّ أنّ هناك فارقاً بين هؤلاء القوم وبين أولئك؛ فإنّ الذين عارضوا الحسينعليهالسلام لم يكتفوا بمعارضته البيانية كما فعل قوم نوح، بل حملوا السلاح في وجهه، ومن ثمّ قتله وقتل أهل بيته وأصحابه. وهذا ما لم يفعله قوم نوح بل اكتفوا بمعارضته وعدم الانصياع لأمره.
ولمّا رشقوا معسكر الحسينعليهالسلام بالسهام كأنّها المطر، فأذنعليهالسلام عندئذ لأصحابه بالقتال قائلاً: «قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه؛ فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم».
فسمع الأصحاب مقالة الحسينعليهالسلام ، ففرحوا واستبشروا بما
____________________
(1) سورة نوح / 5 - 10.
سيلاقون من النعيم الأبدي، ومن رضا الله ورضوانه ونعمائه كما كان أصحاب جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله يتمنّون الشهادة في سبيله، فحملوا بقلّتهم على العدو بكثرته.
ولمّا حمل أصحاب الحسينعليهالسلام بقلّة عددهم وقوّة إيمانهم على الجيش الاُموي الكثير في عدده وعدّته، والجبان في ضميره ونفسه، فقاتلوا قتال الأبطال حتّى أكثروا القتل في معسكر عمر بن سعد، وما حملوا على جانب من جوانب الجيش الاُموي إلاّ وكشفوه؛ ممّا دعا عزرة بن قيس - آمر الخيّالة - أن يستنجد بقائد الجيش عمر بن سعد ليمده بالرجال والرماة، قائلاً له: أما ترى ما تلقى خيلي منذ اليوم من هذه العدّة اليسيرة؟! ابعث إليهم الرجّالة والرماة(1) .
فدعا عمر بن سعد الحصين بن تميم، فبعث معه المجففة والرجّالة وخمسمئة من الرماة(2) ،
____________________
(1) انظر تفصيل ذلك في تاريخ الطبري 4 / 332، الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 290.
(2) المصدر نفسه.
فحملوا على جيش الحسينعليهالسلام واقتتلوا حتّى انتصف النهار، وما انجلت الغبرة إلاّ وقد فقد الحسينعليهالسلام خمسين رجلاً من جيشه، وقد بانت القلّة في معسكره.
ثمّ أخذ أصحابه يخرج منهم الرجلان والثلاثة والأربعة، ويستأذنون منه للمبارزة والدفاع عن ذرية الرسولصلىاللهعليهوآله ؛ فخرج سيف بن حارث بن مريع، ومالك بن عبد مريع الجابريان وهما يبكيان، فقال الحسينعليهالسلام لهما: «ما يبكيكما؟ إنّي لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين».
قالا: جعلنا الله فداك! ما على أنفسنا نبكي، ولكن نبكي عليك؛ نراك قد اُحيط بك ولا نقدر أن ننفعك بأكثر من أنفسنا.
فقالعليهالسلام : «جزاكما الله يابنَي أخي بوجدكما من ذلك ومواساتكما بأنفسكما أحسن جزاء المتّقين»(1) .
ولمّا نظر الحسينعليهالسلام إلى كثرة أعدائه وقلّة أصحابه، وكثرة مَنْ قُتل منهم، قبض على شيبته المباركة قائلاً: «اشتدّ غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولداً، واشتدّ غضبه على
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 337.
النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، واشتدّ غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه، واشتدّ غضبه على قوم اتّفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيّهم.
أما والله لا أجيبهم إلى شيء ممّا يريدون حتّى ألقى الله وأنا مخضّب بدمي». ثمّ صاح: «أما من مغيث يغيثنا، أما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله». فبكت النسوة وكثر صراخهنّ.
سمع نفر من جيش العدو كلامه فهزّت كلماته مشاعرهم، وأيقظت ضمائرهم، فاندفعوا نحو الحسينعليهالسلام ينصرونه ويدافعون عنه، كسعد بن الحارث وأخيه الأنصاريين حتّى قتلا.
لمّا بان النقص في جيش الحسين؛ وذلك لعدم وجود الإمداد البشري والعسكري، وللحصار المطوّق به جيشهعليهالسلام من كلّ جوانبه، أخذ رجاله يخرج الرجل تلو الرجل، فأكثروا القتل في الجيش الاُموي، وقاتلوا قتال الأبطال، أمثال: الحرّ بن يزيد، ونافع بن هلال الجملي وغيرهما،
حتّى ضجر جند اُميّة وتصايح قواده، فنادى عمر بن الحجّاج بالناس: أتدرون مَنْ تقاتلون؟ [تقاتلون] فرسان المصر، قوماً مستميتين، لا يبرز إليهم منكم أحد فإنّهم قليل، وقلّما يبقون. والله لو لم ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم(1) .
فقاتلوهم حتّى انتصف النهار أشدّ قتال خلقه الله - كما وصفهم الطبري -، وقابلوا جيش العدو من وجه واحد؛ لتقارب خيامهم وأبنيتهم، وهي خطّة عسكرية ناجحة.
فأمر ابن سعد أن تقوّض هذه الخيام عن أيمانهم وشمائلهم؛ ليحيطوا بهم ويسيطروا عليهم، فجاؤوا بالنار وأحرقوها، فقال الحسينعليهالسلام : «دعوهم فليحرقوها؛ فإنّهم لو قد حرقوها لم يستطيعوا أن يجوزوا إليكم منها». وكان كذلك(2) .
فحمل شمر بن ذي الجوشن حتّى طعن فسطاط الحسينعليهالسلام ، ونادى: عليّ بالنار حتّى أحرق هذا البيت على أهله. فصحن النساء وخرجن من الفسطاط، فانبرى له الحسين قائلاً: «يابن ذي الجوشن، أنت تدعو بالنار لتحرق
____________________
(1) الكامل في التاريخ - لابن الأثير 3 / 290، تاريخ الطبري 4 / 331.
(2) تاريخ الطبري 4 / 333.
بيتي على أهلي؟! حرقك الله بالنار».
وتصدى لتوبيخه جماعة من جيش العدو بينهم حميد بن مسلم، وشبث بن ربعي، فإنّه قال له: ما رأيت مقالاً أسوأ من قولك، ولا موقفاً أقبح من موقفك، أمرعباً للنساء صرت؟!
ثمّ إنّ زهير بن القين حمل في رجال من أصحابه على شمر بن ذي الجوشن وأصحابه فكشفوهم عن البيوت، وقتلوا جماعة، منهم أبو عزّة الضبابي وغيره(1) .
دعوة الحسينعليهالسلام دعوة حقّ وهداية، لبّتها قلوب صافية طاهرة من رجال ونساء. وها هي المرأة تساهم في نصرة الحسينعليهالسلام في صراعه مع الباطل والمنكر، وهي على درجة من الوعي لدينها ورسالتها، ونذكر هنا نموذجاً لهذا الوعي على سبيل المثال.
فقد ذكر المؤرّخون وأرباب المقاتل عدّة نسوة كنّ مع الحسينعليهالسلام في واقعة كربلاء، منهنّ زوجة عبد الله بن عمير من
____________________
(1) المصدر نفسه / 334.
بني عليم، ويُقال لها: أمّ وهب بنت عبد بن نمر بن قاسط، وذلك لمّا رأى زوجها قوماً يعرضون ويسرحون إلى قتال الحسين بن فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال: والله لقد كنت على جهاد أهل الشرك حريصاً، لأرجو ألاّ يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيّهم أيسر ثواباً عند الله من ثوابه إيّاي في جهاد المشركين.
ثمّ دخل على زوجته وأخبرها بما يريد، فقالت: أصبت، أصاب الله بك أرشد اُمورك، افعل وأخرجني معك. فخرج بها ليلاً حتّى أتى الحسينعليهالسلام في كربلاء، ثمّ برز إلى القتال، وخرجت خلفه زوجته وبيدها عمود تقول لزوجها: فداك أبي واُمّي! قاتل دون الطيّبين ذريّة محمّد.
فأقبل إليها يردّها نحو النساء، فأخذت تجاذب ثوبه، ثمّ قالت: إنّي لن أدعك دون أن أموت معك. فناداها الحسينعليهالسلام قائلاً: «جزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي رحمك الله إلى النساء فاجلسي معهنّ؛ فإنّه ليس على النساء قتال». فانصرفت إليهنّ.
وقيل: إنّها قُتلت بعد أن وقفت على زوجها وهو قتيل، قائلة: أسأل الله الذي رزقك الجنّة، أن يصحبني
معك. وقاتلها هو رستم غلام شمر؛ فإنّه ضربها بعمود(1) .
إلى ما هناك من بطولات وتضحيات النسوة اللاتي كنّ مع الحسينعليهالسلام في كربلاء، أمثال عقيلة بني هاشم زينب بنت الإمام عليعليهالسلام التي ساهمت في ثورة أخيها مساهمة فعالة، كما سنذكرها تفصيلاً في القسم الثاني بإذن الله(2) .
وجاء حنظلة بن أسعد الشامي، أحد الفدائيين الحسينيين، ووقف بين يدي الحسينعليهالسلام منادياً وصارخاً بالقوم بكلّ إيمان وصلابة، قائلاً بأعلى صوته:( يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ * وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِم وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هاد ) (3) .
____________________
(1) الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 291، تاريخ الطبري 4 / 317.
(2) القسم الثاني من كتابنا (النتائج الرسميّة لثورة الإمام الحسين).
(3) سورة غافر / 30 - 33.
يا قوم، لا تقتلوا حسيناً( فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذاب وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى ) (1) .
الحسينعليهالسلام قائلاً له: «يابن أسعد، رحمك الله، إنّهم قد استوجبوا العذاب حين ردّوا عليك ما دعوتهم إليه من الحقّ، ونهضوا إليك ليستبيحوك وأصحابك، فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين؟!».
حنظلة بن أسعد: صدقت جعلت فداك! أنت أفقه منّي وأحقّ بذلك، أفلا نروح إلى الآخرة ونلحق بإخواننا؟!
الحسينعليهالسلام : «رح إلى خير من الدنيا وما فيها، وإلى مُلك لا يبلى».
حنظلة بن أسعد: السلام عليك يا أبا عبدالله، صلّى الله عليك وعلى أهل بيتك، وعرّف بيننا وبينك في جنته.
الحسينعليهالسلام : «آمين آمين».
حنظلة بن أسعد يقتحم المعركة فيقتِل ويُقتل(2) .
____________________
(1) سورة طه / 61.
(2) تاريخ الطبري 4 / 337.
عابس بن شبيب الشاكري أحد أبطال المعركة الحسينيّة، ومن المؤمنين الواعين لثورة الإمام الحسينعليهالسلام ، فنراه يكشف عن إيمانه ومعتقده بتصريحاته بعد أن تقدّم يوم عاشوراء نحو الحسينعليهالسلام ، ومعه شوذب مولى شاكر.
عابس قائلاً لشوذب: يا شوذب، ما في نفسك أن تصنع؟
شوذب: ما أصنع؟ اُقاتل معك دون ابن بنت رسول الله حتّى اُقتل.
عابس: ذلك الظنّ بك، أمّا الآن فتقدّم بين يدي أبي عبد الله حتّى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه، وحتّى احتسبك أنا؛ فإنّه لو كان معي الساعة أحد وأنا أولى به منّي بك لسرّني أن يتقدّم بين يدي حتّى أحتسبه؛ فإنّ هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب الأجر فيه بكلّ ما قدرنا عليه؛ فإنّه لا عمل بعد اليوم، وإنّما هو الحساب.
شوذب تقدّم نحو الحسينعليهالسلام وسلّم عليه، وهجم على الأعداء وقاتل حتّى قُتل.
عابس يتقدّم نحو الحسينعليهالسلام قائلاً: ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعزّ عليّ ولا أحبّ إليّ منك يا أبا
عبد الله. أما والله، لو قدرت على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعزّ عليّ من نفسي ودمي لفعلته. السّلام عليك يا أبا عبد الله، اُشهد الله أنّي على هديك وهدي أبيك(1) .
ثمّ هجم على الأعداء كأنّه الليث. كان أشجع الناس، فنادى رجل من جيش العدو: أيّها الناس، هذا أسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب، لا يخرجنّ إليه أحد منكم.
عابس ينادي: ألا رجل لرجل؟ فتحاشى الرجال عن مبارزته، فنادى عمر بن سعد: ارضخوه بالحجارة. فرمي بالحجارة من كلّ جانب، ثمّ شدّ على القوم وهو يكرد(2) أكثر من مئتين حتّى قُتل، وتنازعوا في قتله، وكلّ يقول: أنا قتلته. فقال عمر بن سعد: هذا لم يقتله سنان واحد.
جون مولى أبي ذرّ الغفاري، كان من الأشخاص الذين اتّبعوا الحسينعليهالسلام طلباً للرزق والعافية، ولكنّه لمّا رأى
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 338.
(2) الكرد: هو الطرد.
(3) تاريخ الطبري 4 / 338، مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 312.
الحسين بهذا الحال، تقدّم يستأذنه في الدفاع عنه، فعطف عليه الحسينعليهالسلام قائلاً: «يا جون، إنّما تبعتنا طلباً للعافية، فأنت في إذن منّي».
جون قائلاً: سيدي، أنا في الرخاء ألحس قصاعكم، وفي الشدّة أخذلكم! إنّ ريحي لنتن، وحسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفس عليّ بالجنّة؛ ليطيب ريحي، ويشرف حسبي، ويبيضّ لوني. لا والله، لا اُفارقكم حتّى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم.
فأذن له الحسينعليهالسلام ، فهجم على جيش الضلال والانحراف، وقتل منهم خمساً وعشرين ثمّ قُتل.
الحسين يقف عليه قائلاً: «اللّهمّ بيّض وجهه، وطيّب ريحه، واحشره مع محمّد، وعرّف بينه وبين آل محمّد (صلّى الله عليه وآله»).
فكان لا يمرّ عليه أحد في المعركة إلاّ ويشمّ منه رائحة طيّبة أزكى من المسك(1) . فهكذا كان الوفاء في ساحة المعركة من جون، والعطف من الحسينعليهالسلام .
____________________
(1) مقتل العوالم / 88.
نافع بن هلال الجملي كان من الفدائيين الحسينيين الذين يجيدون الرمي بالسهام، وقد كتب عليها اسمه، فأخذ يرمي الأعداء بها، وهو يقول:
أنا الهزبرُ الجملي |
أنا على دينِ علي |
ودينهُ دينُ النبي
حتى قتل منهم اثني عشر سوى مَنْ جرح، ولمّا نفذت سهامه جرّد سيفه وهجم على القوم، فأحاطوا به من كلّ جانب حتّى كُسرت عضداه واُخذ أسيراً إلى عمر بن سعد، فقال له: ويحك يا نافع! ما حملك على ما صنعت بنفسك؟! وكانت الدماء تسيل على لحيته.
نافع: إنّ ربّي يعلم ما أردت. والله، لقد قتلت منكم اثني عشر سوى مَنْ جرحت، وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بقيت لي عضد وساعد ما أسرتموني.
شمر مخاطباً عمر بن سعد: اقتله أصلحك الله.
عمر بن سعد: أنت جئت به، فإن شئت فاقتله.
شمر يشهر سيفه على نافع يروم قتله.
نافع قائلاً لشمر: أما والله، لو كنت من المسلمين لعظم
عليك أن تلقى الله بدمائنا، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه. ثمّ قتله شمر(1) .
الأراجيز: هي إحدى أنواع الشعر العمودي، وكان العرب يستخدمونها في حروبهم، فهي لون من ألوان التعبير عمّا يحتوي الإنسان المقاتل من آراء وعقائد.
وهي تعتبر نصوصاً ووثائق تاريخية نستطيع أن نحكم من خلالها على نفسيّة الراجز، ومدى تفهّمه لواقع معركته ومبادئها التي ثار وحارب من أجلها، بل هي من أهم الوثائق؛ لأنّها الوثيقة الحقيقية التي تحكي عن نفسية قائلها في أشدّ الظروف وأقساها. وهي أيضاً الرأي النهائي القاطع لعقيدة المقاتل الذي لا يشوبه التشكيك أو التردد.
ومن أجل ذلك كلّه، فهي جديرة بالبحث والدراسة لمَنْ أراد أن يبحث عن ثورة الحسينعليهالسلام ويستخلص عقائديتها ومبادئها، والمستوى الثوري لدى رجالها.
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 336، إبصار العين في أنصار الحسين / 105.
أراجيز الأصحاب
* عبد الله بن عمر الكلبي: فإنّه حمل على القوم قائلاً:
إن تـنكروني فـأنا ابنُ الكلبِي |
حسبي ببيتي في عليمٍ حسبي |
|
إنّـي امرؤٌ ذو مُرّةٍ وعصبِ |
ولـستُ بالخوّار عند النكبِ |
|
إنّـي زعـيمٌ لـكِ أمَّ وهبِ |
بالطعنِ فيهم مُقدماً والضربِ |
ضـربَ غلامٍ مؤمنٍ بالربِّ(1)
* عمرو بن قرظة الأنصاري: بعد أن هجم على الأعداء قائلاً:
قـد عـلمت كـتيبةُ الأنصارِ |
إنّـي سـأحمي حوزةَ الذمّارِ |
|
ضربَ غلامٍ غير نكسٍ شاري |
دونَ حـسين مهجتي وداري(2) |
* وهب بن حباب الكلبي: وكان نصرانياً فأسلم على يدي الحسينعليهالسلام ، وجاهد أعداءه بين يديه بقوله:
إن تـنكروني فأنا ابن الكلبي |
سوفَ تروني وترونَ ضربي |
|
وحملتي وصولتي في الحربِ |
أدرك ثـاري بعد ثار صحبي |
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 327.
(2) المصدر نفسه / 330.
وأدفـعُ الـكربَ أمامَ الكربِ |
ليس جهادي في الوغى باللعبِ(1) |
* الحرّ بن يزيد الرياحي: لما يأس الحرّ من يقظة ضمير قومه، وأنّهم مصرّون على قتل ابن بنت نبيّهمصلىاللهعليهوآله ، هجم عليهم قائلاً:
إنـي أنا الحرّ ومأوى الضيفِ |
أضـربُ في أعراضكم بالسيفِ |
عن خيرِ مَنْ حلَّ بأرضِ الخيفِ(2)
ثمّ أخذ يكيل الضربات للعدو المضلل قائلاً:
آلـيتُ لا اُقـتل حتّى أقتلا |
ولـن اُصـاب اليوم إلاّ مُقبلا |
|
أضربهم بالسيفِ ضرباً معضلا |
لا نـاكلاً عـنهم ولا مُـهللا |
|
لا عـاجزاً عـنهم ولا مُـبدلا |
أحـمي الحسين الماجدَ المؤمّلا |
* مسلم بن عوسجة: برز وهو يرتجز:
إن تـسألوا عنّي فإنّي ذو لبدْ |
من فرعِ قومٍ من ذرى بني أسدْ |
|
فـمَنْ بـغانا حائدٌ عن الرشدْ |
وكـافرٌ بـدينِ جـبّارٍ صمد(3) |
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 127.
(2) إبصار العين في أنصار الحسين - محمد السماوي / 145، مقتل الحسين - محسن الأمين / 129.
(3) مقتل الحسين - محسن الأمين / 134، 145.
* حبيب بن مظاهر الأسدي: فإنّه حمل على جيش العدو وهو مرتجز:
أنـا حـبيبٌ وأبي مظاهرُ |
فارسُ هيجاءٍ وحربٌ تسعرُ |
|
أنـتم أعـدّ عـدّة وأكـثرُ |
ونـحن أوفى منكمُ وأصبرُ |
|
ونـحنُ أعلى حجّة وأظهرُ |
حـقّاً وأتقى منكمُ وأعذرُ |
ثمّ أخذ يقول وهو يُقاتل:
أُقسم لو كنّا لكم أعدادا |
أو شطركم ولّيتم أكتادا(1) |
* زهير بن القين: استأذن الحسينعليهالسلام بقوله:
أقـدِم هُديت هادياً مهديا |
الـيوم نـلقى جدّك النبيّا |
|
وحـسناً والمرتضى عليا |
وذا الجناحينِ الفتى الكميا |
وأسـدَ اللهِ الشهيد الحيّا
ثمّ هجم على الأعداء مقاتلاً ومرتجزاً:
أنـا زهيرٌ وأنا ابنُ القينِ |
أذودكم بالسيفِ عن حسينِ |
|
إنّ حـسيناً أحـدُ السبطينِ |
من عترةِ البرِّ التقي الزينِ |
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 335، مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 306، مقتل الحسين - محسن الأمين / 140. والأكتاد: مجتمع الكتفين من الإنسان، أي وليتم ظهوركم.
ذاكَ رسولُ الله غيرُ المينِ |
أضربكم ولا أرى من شينِ |
يا ليت نفسي قسّمت قسمينِ(1)
* نافع بن هلال الجملي: فإنّه حمل على القوم قائلاً:
إن تـنكروني فأنا ابنُ الجملي |
ديني على دينِ حسينِ بن علي |
ثمّ إنّه كانت معه نبال، وكان رامياً، وقد كتب اسمه عليها، فجعل يرمي بها ويقول:
أرمـي بها مُعلَمة أفواقُها |
مسمومة تجري بها أخفاقُها |
|
لـيملأنّ أرضـها رشاقُها |
والـنفسُ لا ينفعها إشفاقُها |
ولما نفذت نباله، جرّد سيفه وهجم على الأعداء مرتجزاً:
أنا الهزبر الجملي |
أنا على دينِ علي |
ودينهُ دينُ النبي(2)
ويقول أيضاً:
أنـا الـغلامُ اليمني الجملي |
ديني على دينِ حسينٍ وعلي |
|
إن أُقـتلَ الـيوم فهذا أملي |
فذاك رأيي واُلاقي عملي(3) |
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 130، تاريخ الطبري 4 / 36.
(2) انظر: إبصار العين في أنصار الحسين - محمد السماوي / 105، مقتل الحسين - محسن الأمين / 130، 138، تاريخ الطبري 4 / 336.
(3) المصدر نفسه.
* سويد بن عمر بن أبي المطاع: فإنّه قاتل بين يدي الحسينعليهالسلام مرتجزاً:
أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا |
وشيخَك الحبر علياً ذا الندى |
|
وحسناً كالبدر وافى الأسعدا |
وعمَّك القرم الهمام الأرشدا |
|
حـمزة ليث الله يُدعى أسداً |
وذا الـجناحين تـبوّا مقعدا |
في جنّة الفردوسِ يعلو صعدا(1)
* اُمّ عمرو بن جنادة الخزرجي: قُتل زوجها جنادة بن كعب يوم الطفّ، فجاءت بولدها، وهو غلام له من العمر أحد عشر سنة، وقدّمته بين يدي الحسينعليهالسلام ، فلم يأذن له قائلاً: «هذا غلام قُتل أبوه في المعركة، ولعل اُمّه تكره ذلك».
الغلام: سيدي، إنّ اُمّي هي أمرتني.
فأذن له الحسينعليهالسلام وهجم على القوم قائلاً:
أمـيري حسينٌ ونعم الأميرْ |
سـرورُ فؤادِ البشيرِ النذيرْ |
|
عـلـيٌ وفـاطمةٌ والـداهْ |
فـهل تعلمون لهُ من نظيرْ |
|
لهُ طلعةٌ مثلُ شمسِ الضحى |
لـهُ غـرةٌ مـثلُ بدرٍ منيرْ(2) |
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 315، مقتل الحسين - الأمين / 145.
ولما قُتل أخذت اُمّه عموداً من الخيمة، وهجمت على الأعداء قائلة:
إنّي عجوزٌ في النسا ضعيفهْ |
خـاويـةٌ بـالـيةٌ نـحيفهْ |
|
أضـربكم بـضربةٍ عنيفهْ |
دونَ بـني فاطمةَ الشريفهْ(1) |
* الحجّاج بن مسروق الجعفي: فإنّه قاتل حتّى خُضّب بدمه من كثرة جراحاته، وعاد إلى الحسينعليهالسلام قائلاً:
فدتك نفسي هادياً مهديا |
الـيوم ألقى جدّك النبيّا |
|
ثـمّ أباك ذا الندى عليّا |
ذاك الذي نعرفه الوصيّا(2) |
فقال له الحسينعليهالسلام : «وأنا ألقاهما على أثرك».
* أبو الشعثاء: وهو يزيد بن زياد الكندي، وكان رامياً، فجثا بين يدي الحسينعليهالسلام يرمي بسهامه، والحسينعليهالسلام يقول: «اللّهمّ سدّد رميته، واجعل الجنّة ثوابه».
ولمّا نفذت هجم على الأعداء مرتجزاً:
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) إبصار العين في أنصار الحسين - محمد السماوي / 109.
أنـا يـزيدٌ وأبي مهاصرُ |
أشجعُ من ليثٍ بغيل خادرُ |
|
يا ربِّ إنّي للحسينِ ناصرُ |
ولابنِ سعدٍ تاركٌ وهاجرُ(1) |
* جون مولى أبي ذر الغفاري: كان مع الحسينعليهالسلام ، ولمّا رأى وحدته وقلّة ناصريه، طلب الإذن من الحسينعليهالسلام ، وهجم قائلاً:
كيف ترى الفجارُ ضربَ الأسودِ |
بـالـمشرفيِّ والـقنا الـمسدّدِ |
يـذبُّ عـن آل الـنبي أحـمدِ(2)
* عمرو بن خالد الأزدي: فإنّه برز إلى الأعداء بقوله:
إلـيكِ يـا نـفس إلى الرحمان |
فـأبشري بالروح والريحان |
|
اليوم تُجزين على الإحسان |
قـد كانَ منكِ غابر الأزمان |
|
ما خُطّ في اللوح لدى الديّان |
لا تـجزعي فكلّ حيّ فان |
|
والصبر أحظى لك بالإيمان |
يا معشر الأزد بني قحطان(3) |
* خالد بن عمرو الأزدي: طلب الإذن بالقتال من الحسينعليهالسلام فأذن لهعليهالسلام ، فخرج قائلاً:
صبراً على الموتِ بني قحطانِ |
كيما تكونوا في رضا الرحمانِ |
____________________
(1) المصدر نفسه / 127، تاريخ الطبري 4 / 340.
(2) مقتل الحسين - محسن الأمين / 142.
(3) المصدر نفسه.
ذي الـمجدِ والـعزّةِ والبرهانِ |
وذي العُلا والطَّولِ والإحسانِ |
|
يـا أبتا قد صرت في الجنانِ |
فـي قـصرِ درٍّ حَسَن البنيانِ(1) |
* سعد بن حنظلة التميمي: فإنّه برز قائلاً:
صبراً على الأسيافِ والأسنّهْ |
صـبراً عليها لدخول الجنّهْ |
|
وحـورِ عـينٍ ناعماتٍ هنَّ |
لـمَنْ يريدُ الفوزَ لا بالظنّهْ |
|
يـا نـفسُ للراحةِ فاجهدنّهْ |
وفـي طلابِ الخيرِ فارغبنّهْ |
* عمير بن عبد الله المذحجي: هجم على القوم بقوله:
قـد علمت سعدٌ وحيُّ مذحجِ |
أنّي لدى الهيجاءِ ليثٌ محرجِ |
|
أعـلو بسيفي هامةَ المدجّجِ |
واتـركُ القرنَ لدى التعرّجِ |
فريسةَ الضبعِ الأذلّ الأعرجِ
* عبد الرحمن بن عبد الله اليزني: خرج مرتجزاً بقوله:
أنـا ابنُ عبد الله من آلِ يزنْ |
ديني على دينِ حسينٍ وحسنْ |
|
أضربكم ضربَ فتىً من اليمنْ |
أرجو بذاك الفوزَ عند المؤتمنْ |
* يحيى بن سليم المازني: خرج مرتجزاً بقوله:
لأضربنّ القومَ ضرباً فيصلا |
ضرباً شديداً في العدا معجّلا |
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
لا عـاجزاً فـيهِ ولا مولولا |
ولا أخـافُ اليوم موتاً مقبلا |
لـكنّني كالليث أحمي أشبلا(1)
* أنس بن حارث الكاهلي: برز إلى المعركة وهو يرتجز ويقول:
قـد عـلمت مالكُ والذودانْ |
والـخندفيّون وقيسُ عيلانْ |
|
بـأنّ قـومي آفـةُ الأقرانْ |
لدى الوغى وسادةُ الفرسانْ |
|
مـباشرُ الـموتِ بطعنٍ آنْ |
لسنا نرى العجزَ عن الطعانْ |
|
آلُ عـلي شـيعةُ الرحمانْ |
آلُ زيـادٍ شـيعةُ الشيطانْ(2) |
* عمرو بن مطاع الجعفي: فهو عندما برز إلى الأعداء جعل يرتجز قائلاً:
أنـا ابـنُ جعفٍ وأبي مطاعْ |
وفـي يـميني مرهفٌ قطّاعْ |
|
وأسـمر فـي رأسـه لـمّاعْ |
يُـرى لـه من ضوئه شعاعْ |
|
الـيوم قـد طـابَ لنا القراعْ |
دون حسينِ الضرب والمصاعْ |
|
يـرجى بـذاك الفوز والدفاعْ |
مـن حـرّ نارٍ حين لا انتفاعْ(3) |
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 143 - 144.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
* أنيس بن معقل الأصبحي: فإنّه هجم على الأعداء مرتجزاً:
أنـا أنـيسٌ وأنـا ابنُ معقلْ |
وفي يميني نصلُ سيفٍ مصقلْ |
|
أأعلو به الهامات وسطَ القسطلْ |
عـن الحسينِ الماجدِ المفضّلْ |
ابـنِ رسـول الله خيرِ مُرسلْ(1)
* عمرو بن جنادة: برز إلى الأعداء مرتجزاً بقوله:
أضـقِ الـخناقَ مـن ابن سعد |
واُمّه من عامه بفوارس الأنصارِ |
|
ومـهاجرينَ مخضّبينَ رماحهم |
تـحتَ الـعجاجةِ من دمِ الكفارِ |
|
خـضبت على عهد النبي محمّد |
فـاليومَ تُـخضبُ من دمِ الفجّارِ(2) |
* أبو عمر النهشلي: فإنّه توجّه نحو الحسينعليهالسلام قائلاً:
أبشر هُديت الرشدَ تلقى أحمدا |
في جنّةِ الفردوسِ تعلو صعدا(3) |
* مالك بن ذودان: هجم على الأعداء راجزاً بقوله:
إلـيكمُ مـن مالكِ الضرغامِ |
ضربَ فتىً يحمي عن الكرامِ |
يـرجو ثوابَ اللهِ ذي الإنعامِ(4)
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 145 - 146.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
(4) المصدر نفسه / 150.
أهل البيتعليهمالسلام والأراجيز
لمّا قُتل جميع أصحاب الحسينعليهالسلام ولم يبقَ منهم أحد، أخذ أهل البيتعليهمالسلام يتسابقون إلى الجهاد، ويبذلون الأنفس في سبيل شريعة جدّهم محمّدصلىاللهعليهوآله ، فهذا هو نجل الحسينعليهالسلام صاحب الثورة يتقدّم في طليعة بني هاشم، وهو أوّل قتيل، واسمه:
* علي الأكبر بن الحسينعليهماالسلام
هو علي الأكبر بن الحسينعليهماالسلام ، واُمّه ليلى ابنة أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي، أوّل قتيل من أهل البيتعليهمالسلام ؛ فإنّه بعد أن أذن له أبوه الحسينعليهالسلام بالقتال، هجم على الأعداء قائلاً:
أنـا عليُّ بنُ الحسين بن علي |
نـحنُ وبـيتِ اللهِ أولى بالنبي |
|
تاللهِ لا يـحكمُ فـينا ابن الدّعي(1) |
أضربُ بالسيفِ اُحامي عن أبي |
ضـربَ غـلامٍ هاشمي علوي(2)
* عبد الله بن مسلم بن عقيل
هو عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب، واُمّه رقية بنت علي بن أبي طالب، برز إلى الأعداء مرتجزاً بقوله:
____________________
(1) هو عبيد الله بن زياد، كان أبوه مجهول الأب؛ ولذا يُقال له: زياد بن أبيه.
(2) تاريخ الطبري 5 / 440، مقتل الحسين - محسن الأمين / 150.
الـيوم ألـقى مسلماً وهو أبي |
وفـتيةً بـادوا على دين النبي |
|
لـيسوا بـقومٍ عُرفوا بالكذبِ |
لـكن خـيارٌ وكـرامُ النسبِ |
من هاشمِ السادات أهل الحسبِ(1)
* جعفر بن عقيل
جعفر بن عقيل بن أبي طالب، وهو غلام برز راجزاً:
أنا الغلام الأبطحي الطالبي |
من معشرٍ من هاشمٍ وغالبِ |
|
ونـحن حقّاً سادةُ الذوائبِ |
هذا حسينٌ أطيبُ الأطائبِ |
من عترةِ البرِّ التقي الغالبِ(2)
* عبد الرحمن بن عقيل
ثمّ برز أخوه عبد الرحمان بن عقيل بن أبي طالب قائلاً:
أبي عقيل فاعرفوا مكاني |
من هاشمٍ وهاشمٌ إخواني |
|
كهول صدقٍ سادةُ الأقران |
هذا حسينٌ شامخُ البنيانِ |
وسـيّدُ الشيبِ مع الشبانِ(3)
* محمّد بن عبد الله بن جعفر الطيّار
محمّد بن عبد الله بن جعفر الطيّار، واُمّه زينب الكبرى بنت
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 152 - 153.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
الإمام عليعليهالسلام ، برز إلى الأعداء مرتجزاً بقوله:
أشـكو إلى اللهِ مـن الـعدوانِ |
قتال قومٍ في الردى عميان |
|
قـد تـركوا معالمَ القرآنِ |
ومـحكمَ التنزيلِ والتبيانِ |
وأظهروا الكفرَ مع الطغيانِ(1)
* عون بن عبد الله بن جعفر الطيّار
عون بن عبد الله بن جعفر الطيّار، واُمّه أيضاً زينب الكبرى بنت الإمام عليعليهالسلام ، فإنّه برز بعدما قُتل أخوه قائلاً:
إن تـنكروني فأنا ابنُ جعفرْ |
شهيدُ صدقٍ في الجنانِ أزهرْ |
|
يـطيرُ فـيها بجناحٍ أخضرْ |
كـفى بهذا شرفاً في المحشرْ(2) |
* القاسم بن الحسن بن علي
القاسم هو ابن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، غلام لم يبلغ الحلم، برز راجلاً وراجزاً بقوله:
إن تـنكروني فـأنا ابنُ الحسنْ |
سبطُ النبيِّ المصطفى والمؤتمنْ |
|
هـذا حـسينٌ كالأسيرِ المرتهنْ |
بين اُناسٍ لا سُقوا صوبَ الـمُزنْ |
ثمّ شدّ عليهم ثانياً بقوله:
____________________
(1) مقتل الحسين - محسن الأمين / 154.
(2) المصدر نفسه.
لا تجزعي نفسي فكلٌ فاني |
الـيوم تلقين ذوي الجنانِ(1) |
* أبو بكر بن علي بن أبي طالب
ثمّ تقدّم إخوة الحسينعليهالسلام من أبيه، وعددهم ستة، طالبين الإذن بالمبارزة، فأذنعليهالسلام لهم؛ فتقدّم أبو بكر ابن الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام قائلاً:
شـيخي عليٌّ ذو الفخارِ الأطولِ |
من هاشمِ الصدقِ الكريمِ المفضلِ |
|
هـذا حسينُ ابن النبيِّ المُرسَلِ |
عـنه نـحامي بالحسامِ المصقلِ |
تـفديهِ نـفسي مـن أخٍ مبجّلِ(2)
* عمر بن علي بن أبي طالب
فإنّه خرج بعد مقتل أخيه، وهجم على الأعداء مرتجزاً:
أضربكم ولا أرى فيكم زجرْ |
ذاك الـشقي بـالنبي قد كفر |
|
يازجر يازجر تدانى من عمرْ |
لـعلّكَ الـيومَ تبوءَ من سقر |
|
شـرّ مكانٍ في حريقٍ وسعرْ |
لأنّـك الـجاحدُ يا شرّ البشرْ |
فقتل زجر قاتل أخيه، ثمّ شدّ على الأعداء قائلاً:
خـلّو عـداةَ اللهِ خلّو عن عمرْ |
خلّو عن الليثِ الهصورِ المكفهرْ |
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) مقتل الحسين - محسن الأمين / 156.
يـضـربكم بـسيفهِ ولا يـفرْ |
ولـيس فيها كالجبانِ المنجحر(1) |
* عبد الله بن علي بن أبي طالب
واُمّه اُمّ البنين، تقدّم نحو المعركة راجزاً بقوله:
أنا ابنُ ذي النجدةِ والأفضالِ |
ذاك عـليُّ الخيرِ ذو الفعالِ |
|
سيفُ رسولِ اللهِ ذو النكالِ |
في كلِّ يومٍ ظاهرُ الأهوالِ(2) |
* جعفر بن علي بن أبي طالب
اُمّه اُمّ البنين، مشى نحو المعركة راجزاً:
إنّي أنا جعفرُ ذو المعالي |
ابنُ عليِّ الخيرِ ذو النوالِ |
حسبي بعمّي شرفاً وخالي(3)
* عثمان بن علي بن أبي طالب
اُمّه أيضاً اُمّ البنين، هجم بعد مقتل أخويه قائلاً:
إنّـي أنـا عثمانُ ذو المفاخرِ |
شيخي علي ذو الفعالِ الطاهرِ |
|
هـذا حـسينٌ خيرةُ الأخايرِ |
وسـيّدُ الـصغارِ والأكـابرِ |
بعد الرسولِ والوصيِّ الناصرِ(4)
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه / 158.
(3) المصدر نفسه.
(4) المصدر نفسه.
* العباس بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام
فإنّهعليهالسلام بعدما قدّم إخوته الثلاثة وقُتلوا، خرج طالباً قليلاً من الماء لحرم رسول الله؛ لأنّ الظمأ أخذ منهم مأخذاً عظيماً بعد أن منعوهم من شربه، فإنّهعليهالسلام اتّجه نحو القوم قائلاً:
لا أرهبُ الموتَ إذا الموتُ رقى |
حـتّى اُوارى في المصاليتِ لَقى |
|
نفسي لسبطِ المصطفى الطهرِ وقا |
إنّـي أنـا الـعباسُ أغدو بالسقا |
ولا أخـافُ الـشرَّ يوم الملتقى
ففرّقهم تفريقاً، ولكن قطعوا يمينه، فأخذ السيف بشماله وهو يرتجز بقوله:
والله إن قـطعتموا يميني |
إنّي اُحامي أبداً عن ديني |
|
وعـن إمامٍ صادقِ اليقينِ |
نجلِ النبيِّ الطاهرِ الأمينِ |
|
نـبيِّ صدقٍ جاءنا بالدينِ |
مـصدّقاً بالواحدِ الأمينِ |
ثمّ تكاثروا عليه وقطعوا شماله، فقالعليهالسلام :
يا نفس لا تخشَي من الكفّارِ |
وأبـشري بـرحمةِ الجبّارِ |
|
مـع الـنبيِّ السيّدِ المختارِ |
قـد قطعوا ببغيهم يساري |
فـأصلهم يا ربِّ حرَّ النارِ(1)
____________________
(1) مقتل الحسين - الأمين / 159، مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 238، مقتل أبي مخنف / 58.
* الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام
نظرعليهالسلام إلى معسكره فلم يجد له ولياً ولا نصيراً؛ إذ أنّ أصحابه ورجال أهل بيته صرعتهم يد المنون، وكلّما أمعن النظر فلم يجد سوى أطفال وحريم يتصارخون من شدّة الظمأ، قد أثكلهم هول المصاب، وقد تكاثر عليه أعداؤه من كلّ صوب وحدب، فبرز إليهم مرتجزاً بقوله:
الموتُ أولى من ركوبِ العارِ |
والعارُ أولى من دخولِ النارِ |
واللهِ ما هذا وهذا جاري
ثمّ شدّ عليهم كالليث الغضبان قائلاً:
أنـا الحسينُ بن علي |
آلـيت أن لا أنـثني |
|
أحـمي عـيالاتِ أبي |
أمضي على دينِ النبي(1) |
هذه نخبة من الأراجيز التي تضمّ في طيّاتها كلّ معاني الخير والكمال، وقد كشفت لنا عن نفسيّة ثوريّة خيّرة أبت أن تخضع لواقع يتنافى مع عقيدتها وإيمانها.
تاركة في سبيل ذلك كلّ غالٍ وثمين، ولم تبخل بأيّ عطاء في سبيلها والدفاع عنها، ولم تؤثّر فيها الأطماع والأهواء،
____________________
(1) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 345، مقتل الحسين - الأمين / 162.
ولم يغرّها سلطان ولا جاه ولا مال، بل آثرت نعيم الآخرة على نعيم الدنيا الفاني؛ فهي دائماً وأبداً تنشد رضا الله تعالى، وتبغي طاعته ورضوانه، مدافعة عن شرعة الحقّ والخير؛ لأنّ أصحابها هم ذوو مبدأ، ورائدو رسالة، وتلاميذ مدرسة، أشاد بنيانها أبو الشهداء الحسينعليهالسلام ، فهي مدرسة لها أسسها وتعاليمها ومنهجيتها في الفكر والسلوك.
وهي تماماً على نقيض المدرسة الاُمويّة بكلّ مفاهيمها وأبعادها، والتي قد تخرّج منها الجيش الاُموي الذي حضر واقعة كربلاء؛ فهو يحمل خصائص وروحية وطابع تلك المدرسة، وهو خير مصداق لتجسيد أفكارها وتعاليمها؛ فتلاميذها هم شذّاذ الآفاق، ومحرّفو الكلم عن مواضعه، ومطفئو السنن، وأتباعها عبدة المادة، وإيمانهم الجاه والسلطان.
فهذا رأس الجيش الاُموي في كربلاء عمر بن سعد، وأحد أقطاب هذه المدرسة يُعطينا نموذجاً لمفاهيمها وأفكارها، وذلك لمّا طلب منه عبيد الله بن زياد أن يخرج لحرب الحسينعليهالسلام فبقي ليلته مفكّراً قلقاً حائراً، يخيّر نفسه بين
نعيم الآخرة وبين ملك الدنيا، حتّى سُمع يقول كما جاء في تاريخ ابن الأثير:
أأتركُ ملكَ الرّي والرّي منيتي |
أم أرجـعُ مـأثوماً بقتلِ حسينِ |
|
وفي قتلهِ النارُ التي ليس دونها |
حجابٌ وملكُ الرّي قرّة عيني(1) |
فبهذه الوثيقة يتبيّن لنا عقلية قائد الجيش الاُموي، ومدى إيمانه وتأثّره بالإسلام. فهو يقدم على قتل ابن بنت رسول الله في حين يعلم أنّ مصيره النار، وكما صرّح هو بقوله: «وفي قتله النارُ التي ليس دونها» ويكون الثمن على ذلك ولاية ملك الرّي؛ فإنّها قرّة عينه.
وكيف لا يقدم على مثل هذه الجريمة ما دام مفهومه ومقياسه في هذه الحياة المادة واللذة؟!
هذا نموذج واحد من أقطاب هذه المدرسة، وهناك مئات من النماذج الأخرى التي لا يسعنا ذكرها بتفاصيلها وأبعادها؛ خشية الإطالة والخروج عن الموضوع. ولكنّني أودّ أن أذكر نموذجاً آخر يُمثل مفهوم وعقلية هذه المدرسة أيضاً ليكون برهاناً ساطعاً لمَنْ يريد أن يعرف الحقّ وأهله؛
____________________
(1) الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 283.
فقد ذكر الطبري وابن الأثير أنّ سنان بن أنس النخعي قاتل الحسينعليهالسلام ، جاء إلى عمر بن سعد يطلب الجزاء المادي على قتله لابن بنت نبيّه محمّدصلىاللهعليهوآله قائلاً:
أوقر ركابي فضةً وذهبا |
إنّي قتلتُ السيدَ المحجّبا |
|
قتلتُ خيرَ الناسِ اُمّاً وأبا |
وخيرهم إذ ينسبونَ نسبا(1) |
وما أدري كيف نستطيع أن نحكم على مثل قائل هذين البيتين أنّه مسلم ويدين بالشريعة المقدّسة مع أنّه يعترف بأنّه قتل خير الناس اُمّاً وأباً؟!
ولو قارنّا هذين البيتين مع الأراجيز التي قيلت في المعركة من قِبل الذين قُتلوا مع الحسينعليهالسلام في كربلاء؛ فمثلاً محمّد بن عبد الله بن جعفر الطيّار يقول:
أشـكو إلى اللهِ مـن الـعدوانِ |
قتالَ قومٍ في الردى عميانِ |
|
قـد تـركوا معالمَ القرآنِ |
ومـحكمَ التنزيلِ والتبيانِ |
وأظهروا الكفرَ مع الطغيانِ(2)
لرأينا بوضوح الفرق الشاسع بين قوى الإيمان الخيّرة، وبين قوى الضلال والانحراف والردّة.
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 347، الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 296.
(2) الكامل في التاريخ - ابن الأثير 3 / 296.
وبهذا العرض الوجيز يتبيّن لنا الفرق الكبير بين اتجاه المدرستين؛ المدرسة الحسينيّة، والمدرسة الاُمويّة، «وكلّ إناء بالذي فيه ينضح».
الصلاة لا تترك بحال من الأحوال؛ لأنّها الرابطة الروحية بين العبد وخالقه، وهي من أهم الفرائض الإسلاميّة التي لا يمكن التواني أو التردّد فيها، والتي عبّر عنها الحديث الشريف بـ: «عمود الدين، إن قُبلت قُبل ما سواها، وإن ردت ردّ ما سواها» و «إنّ المستخف بها مستخف بأحكام الله» و «لن ينال شفاعتنا أهل البيت مَنْ كان مستخفاً بصلاته» على حدّ تعبير الإمام الصادقعليهالسلام .
كما إنّها صلة بين الإنسان وخالقه، ومعراج المؤمن وقربانه؛ ولهذا نرى الإمام الحسينعليهالسلام مكثراً لها في جميع أدوار حياته حتّى في أيام عاشوراء؛ لأنّهعليهالسلام كان يحبّها كما قال ذلك عندما زحف إليه عمر بن سعد بجيشه الجرّار في عشية يوم التاسع من محرّم، فطلبعليهالسلام منهم إمهاله هذه العشية قائلاً: «لعلنا نصلّي لربّنا الليلة ونستغفره، فهو يعلم أنّي أحبّ الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار».
ولمّا حان وقت صلاة الظهر من يوم العاشر من محرّم وهم في ساحة المعركة، التفت إليه أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي قائلاً: يا أبا عبد الله، نفسي لك الفداء، إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تُقتل حتّى اُقتل دونك إن شاء الله، وأحبّ أن ألقى ربّي وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها.
الحسينعليهالسلام يرفع رأسه إلى السماء قائلاً: «ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلّين الذاكرين. نعم هذا أوّل وقتها. سلوهم أن يكفّوا عنّا حتّى نصلّي».
الحصين بن تميم يستهزئ بصلاة الحسينعليهالسلام قائلاً: إنّها لا تُقبل.
حبيب بن مظاهر يردّ عليه بقوله: زعمت لا تُقبل الصلاة من آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتُقبل منك يا حمار(1) !
وهكذا نرى الحسينعليهالسلام يهتمّ بالصلاة حتّى في أصعب الظروف وأشدّها، فيصلّي بأصحابه صلاة الظهر؛ فالصلاة هي قربان روحي للمؤمن، وجهاد الحسينعليهالسلام قربان مادي، وقدّمعليهالسلام القرابين في ساحة القتال لله، فهو مع
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 334.
الله روحاً وجسداً.
وتقدّم أمامه زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي؛ ليحرسانه ويقيانه من السهام. فما أتمّ صلاته إلاّ وسعيد بن عبد الله قد اُثخن بالجراح فسقط إلى الأرض، وهو يقول: اللّهمّ العنهم لعن عاد وثمود، وأبلغ نبيّك منّي السلام، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح؛ فإنّي أردت بذلك ثوابك في نصرة ذرّيّة نبيّكصلىاللهعليهوآله . ثمّ التفت إلى الحسينعليهالسلام قائلاً: أوفيت يابن رسول الله؟
الحسينعليهالسلام : «أنت أمامي في الجنّة».
ثمّ يلتفت الحسينعليهالسلام إلى أصحابه قائلاً: «يا كرام، هذه الجنّة قد فتحت أبوابها، واتّصلت أنهارها، وأينعت ثمارها. وهذا رسول الله والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله يتوقّعون قدومكم، ويتباشرون بكم، فحاموا عن دين الله ودين نبيّه، وذبّوا عن حرم الرسول».
فأجابه الأصحاب بلسان واحد: «نفوسنا لنفسك الفداء، ودماؤنا لدمك الوقاء، فوالله لا يصل إليك وإلى حرمك سوء وفينا عرق يضرب»(1) .
____________________
(1) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 305.
* مسلم بن عوسجة الأسدي
كان صحابياً ممّن رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما صرح ابن سعد في طبقاته، وهو من أشراف قومه وشجعانهم. وكان متعبّداً وناسكاً ومن القرّاء، ولمّا اُخبر الحسينعليهالسلام بمصرعه مشى إليه ومعه حبيب بن مظاهر فإذا به رمق.
الحسينعليهالسلام : «رحمك ربّك يا مسلم بن عوسجة». ثمّ قرأ قوله تعالى: «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً »(1) .
حبيب بن مظاهر دنا من مسلم قائلاً: عزّ عليّ مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنّة.
فأجابه مسلم بصوت ضعيف: بشّرك الله بخير.
حبيب: لولا أنّي أعلم أنّي في أثرك، ولاحق بك من ساعتي هذه لأحببت أن توصيني بكلّ ما أهمّك؛ حتّى أحفظك في كلّ ذلك بما أنت أهل له في القرابة والدين.
مسلم: بل أنا اُوصيك بهذا رحمك الله (وأشار إلى الحسين) أن تموت دونه.
____________________
(1) سورة الأحزاب / 23.
حبيب: أفعل وربّ الكعبة. ثمّ فاضت روحه الطاهرة، وصاحت جارية له: يابن عوسجتاه! يا سيداه!
فتنادي جند اُميّة: قتلنا مسلم بن عوسجة.
فقال شبث بن ربعي، شاهداً بحقّه: ثكلتكم اُمهاتكم! إنّما تقتلون أنفسكم بأيديكم، تذللون أنفسكم لغيركم، تفرحون أن يقتل مثل مسلم بن عوسجة! أما والذي أسلمت له، لرُبّ موقف له قد رأيته في المسلمين كريم! لقد رأيته يوم سلق آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل تتام خيول المسلمين، أفيقتل منكم مثله وتفرحون(1) ؟!
* حبيب بن مظاهر
حبيب بن مظاهر الأسدي كان صاحبياً، رأى النبيصلىاللهعليهوآله وقاتل مع أمير المؤمنين عليعليهالسلام في جميع حروبه، وهو من خواصّه وحملة علومه.
وقد تحدّث أرباب السير والرجال كثيراً عنه؛ فنقل الكشي عن فضيل بن الزبير، قال: مرّ ميثم التمّار على فرس له فاستقبله حبيب بن مظاهر الأسدي عند مجلس بني أسد، فتحادثا حتّى اختلفت عنقا فرسيهما، فقال حبيب: لكأنّي بشيخ أصلع، ضخم البطن، يبيع البطيخ عند
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 332، مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 297.
دار الرزق، قد صلب في حبّ أهل بيت نبيّه فتبقر بطنه على الخشبة.
فقال ميثم: وإنّي لأعرف رجلاً أحمر، له ضفيرتان، يخرج لنصرة ابن بنت نبيّه فيُقتل ويُجال برأسه في الكوفة. ثمّ افترقا.
فقال أهل المجلس: ما رأينا أكذب من هذين، فلم يتفرّق أهل المجلس حتّى أقبل رشيد الهجري فطلبهما. فقالوا: افترقا، وسمعناهما يقولان: كذا وكذا.
فقال رشيد: رحم الله ميثماً، نسي: ويزاد في عطاء الذي يجيء بالرأس مئة درهم. ثمّ أدبر(1) .
فقال القوم: هذا والله أكذبهم.
قال: فما ذهبت الأيام والليالي حتّى رأينا ميثماً مصلوباً على باب عمرو بن حريث. وجيء برأس حبيب وقد قُتل مع الحسينعليهالسلام ، ورأينا كلّ ما قالوا(2) .
وتظهر منزلته وعلو شأنه من هذا الكلام؛ ولهذا اختاره
____________________
(1) انظر تفصيل ذلك في إبصار العين في أنصار الحسين - محمد السماوي / 65، تاريخ الطبري 4 / 335.
(2) المصدر نفسه.
الحسينعليهالسلام قائداً لمسيرة جيشه.
وله خطب ومواعظ ومواقف في واقعة كربلاء. وهو أيضاً من شجعان العرب وفرسانهم، قتل على كبر سنه اثنين وستين رجلاً كما يقول المقرّم(1) .
ولمّا سمع الحسينعليهالسلام بمقتله هدّه ذلك وقال: «عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي». واسترجع كثيراً(2) .
* الحرّ بن يزيد الرياحي
الحرّ بن يزيد الرياحي التميمي أحد قوّاد الجيش الاُموي، أدركته الهداية فترك قيادة الجيش وجاء إلى الحسينعليهالسلام منكسّاً رأسه؛ حياءً من آل الرسول (ص)؛ لأنّه هو الذي جعجع بهم في هذا المكان على غير ماء ولا كلأ، قائلاً: اللّهمّ إليك اُنيب فتب عليّ؛ فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيّك. يا أبا عبد الله، إنّي تائب، فهل لي من توبة؟
فقال الحسين: «نعم، يتوب الله عليك».
ثمّ طلب الإذن بالقتال، فهجم على القوم ومعه زهير بن القين فقاتلا قتالاً شديداً، فكان إذا شدّ أحدهما فاستلحم
____________________
(1) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 301.
(2) تاريخ الطبري 4 / 336.
شدّ الآخر حتّى يخلّصه، ففعلا ذلك ساعة فشدّت الرجال على الحرّ فقتلته(1) .
فجاء إليه الحسينعليهالسلام ووقف عليه قائلاً: «أنت كما سمّتك اُمّك، حرّ في الدنيا وسعيد في الآخرة».
كلمة موجزة أبّنعليهالسلام بها الحرّ، فكانت المصداق الواقعي للحرية التي تحرّر بها الحرّ من القيود التي تكبّل إرادة الإنسان الخيّرة. قيود المادة بمفهومها وسلطانها المهيمن على النفوس الضعيفة التي سرعان ما تخضع وتركع أمام جبروتها ومغرياتها.
وما أكثر هذه النفوس في كلّ عصر وزمان، إلاّ أنّ هناك بعض النفوس استطاعت أن تُتحرّر من هذه القيود، وتنطلق من رواسبها وآثارها فلم تؤثّر فيها مغريات الحياة ولا غرور المنصب، ولا طغيان الجاه والزعامة ولا حبّ المال.
من أمثال: الحرّ بن يزيد الرياحي؛ فإنّه ترك المنصب والوظيفة والزعامة؛ لأنّها تقيّد نفسه الحرّة التي أبت أن تكون أسيرة وخاضعة؛ فلهذا انطلق مع ركب الشهداء الأحرار واستشهد في صبيحة عاشوراء.
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 325.
فوقف أبو الشهداءعليهالسلام عليه قائلاً: «أنت كما سمّتك اُمّك، حرّ في الدنيا وسعيد في الآخرة»(1) .
* زهير بن القين
زهير بن القين البجلي له مواقف مشهورة، وشهد بعض المغازي، وكان عثماني العقيدة، فالتقى بالحسينعليهالسلام في طريق عودته من الحجّ فصار علوياً، وقاتل بين يدي الحسينعليهالسلام قتال الأبطال حتّى قُتل.
فوقف الحسين على جثمانه قائلاً: «لا يُبعدنك الله يا زهير، ولعن قاتليك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير»(2) .
* عمرو بن قرظة
وجاء عمرو بن قرظة الأنصاري ووقف أمام الحسينعليهالسلام يتلقى سهام الأعداء بصدره ونحره؛ ليقي الحسينعليهالسلام بنفسه حتّى اُثخن بالجراح فسقط قائلاً للحسينعليهالسلام : أوفيت يابن رسول الله؟
____________________
(1) إبصار العين في أنصار الحسين - محمد السماوي / 145.
(2) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 306، تاريخ الطبري 4 / 336.
الحسينعليهالسلام : «نعم، أنت أمامي في الجنّة، فاقرأ رسول الله عنّي السلام، واعلمه أنّي في الأثر»(1) .
* واضح التركي
واضح التركي مولى للحرث المذحجي، فإنّه لمّا صرع جاءه الحسين واعتنقه. واضح فتح عينيه بوجه الحسينعليهالسلام قائلاً: مَنْ مثلي وابن رسول الله واضعاً خدّه على خدّي(2) ؟!
* جون مولى أبي ذر
جون مولى أبي ذرّ الغفاري، عبد أسود خرج إلى الأعداء بعد أن أذن له الحسينعليهالسلام بالقتال، وهجم على القوم فقَتل وقُتل، فمشى إليه الحسينعليهالسلام ووقف على مصرعه قائلاً: «اللّهمّ بيّض وجهه، وطيّب ريحه، واحشره مع محمّد، وعرّف بينه وبين آل محمّد (صلّى الله عليه وآله»).
فكان لا يمرّ عليه أحد في المعركة إلاّ ويشمّ منه رائحة طيّبة أزكى من المسك(3) .
____________________
(1) المصدر نفسه / 307 - 308.
(2) المصدر نفسه.
(3) انظر تفصيل ذلك في الوثيقة (120) من هذا الكتاب.
* علي الأكبرعليهالسلام
هو نجل الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام ، واُمّه ليلى بنت ميمونة بنت أبي سفيان. فإنّه عندما خرج للقتال ناداه رجل من الأعداء: يا علي، إنّ لك رحماً بأمير المؤمنين (يزيد) ونريد أن نرعى الرحم، فإن شئت آمنّاك.
علي الأكبر يردّ عليه قائلاً: إنّ قرابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله أحقّ أن تُرعى.
وكانعليهالسلام ، أشبه الناس خلقاً وخلقاً ومنطقاً برسول اللهصلىاللهعليهوآله . ولمّا خرج للمبارزة لم يتمالك الحسينعليهالسلام دون أن أرخى عينيه بالدموع، وقال مخاطباً عمر بن سعد: «ما لك! قطع الله رحمك كما قطعت رحمي، ولم تحفظ قرابتي من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وسلّط عليك مَنْ يذبحك على فراشك»(1) .
ثمّ رفع شيبته المباركة نحو السماء قائلاً: «اللّهمّ اشهد على هؤلاء فقد برز إليهم أشبه الناس برسولك محمّد؛ خلقاً وخلقاً ومنطقاً، وكنّا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيّك نظرنا إليه. اللّهمّ فامنعهم بركات الأرض، وفرّقهم تفريقاً، ومزّقهم
____________________
(1) مقتل الحسين - الخوارزمي 2 / 30.
تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضي الولاة عنهم أبداً؛ فإنّهم دعونا لينصرونا ثمّ عدوا علينا يقاتلوننا»، ثمّ تلا قوله تعالى: «إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْض وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »(1) .
وجاء يطلب الماء من أبيه بعد أن اشتدّ به العطش، فقال له الحسين (ع): «يا بُني، ما أسرع الملتقى بجدّك فيسقيك بكأسه شربةً لا تظمأ بعدها أبداً».
ثمّ هجم على القوم في عدّة صولات قتل فيها منهم تمام المئتين(2) ، ولمّا أكثر فيهم القتل، أحاطوا به من كلّ جانب حتّى طعنه مرّة بن منقذ العبدي بالرمح في ظهره، وضربه آخر بالسيف على هامته، فنادى رافعاً صوته: «عليك منّي السلام يا أبا عبد الله، هذا جدّي قد سقاني بكأسه شربةً لا أظمأ بعدها، ويقول: إنّ لك كأساً مذخورة»(3) .
وقد احتوشه الناس من كلّ جانب فقطّعوه بأسيافهم،
____________________
(1) سورة آل عمران / 33 - 34.
(2) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 322.
(3) مقتل الحسين - الخوارزمي 2 / 21.
فأتاه الحسينعليهالسلام وانكبّ عليه قائلاً: «قتل الله قوماً قتلوك يا بُني! ما أجرأهم على الرحمان وعلى انتهاك حرمة الرسول! على الدنيا بعدك العفا»(1) .
* القاسم بن الحسنعليهماالسلام
القاسم هو ابن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام ، واُمّه رملة، وهو غلام لم يبلغ الحلم، وقد خرج إلى الأعداء ووجهه كأنّه شقّة قمر، وفي يده السيف وعليه قميص وأزار ونعلان.
فأذن له الحسينعليهالسلام بالقتال بعد إلحاح وإصرار منه، فجعلعليهالسلام يُقاتل القوم، وانقطع شسع نعله اليسرى، فأنف أن يُقاتل في الميدان على هذا الحال، فوقف يشدّ شسع نعله وإذا بعمرو بن نفيل الأزدي يضربه بالسيف على رأسه، فصرخ منادياً: يا عماه!
فجلى الحسينعليهالسلام كما يجلي الصقر، ثمّ شدّ شدّة ليث غضب؛ فضرب عمراً بالسيف فاتقاها بالساعد فأطنّها من المرفق، فصاح ثمّ تنحّى عنه.
وحملت خيل لأهل الكوفة ليستنقذوه من الحسينعليهالسلام
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 34.
فوطأته حتّى مات.
وانجلت الغبرة وإذا بالحسينعليهالسلام واقف على رأس القاسم وهو يفحص برجليه، فقالعليهالسلام : «بعداً لقوم قتلوك! ومَن خصمهم يوم القيامة جدّك! عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثمّ لا ينفعك. يوم والله كثر واتره وقلّ ناصره»(1) .
ثمّ قالعليهالسلام : «اللّهمّ أحصهم عدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً. اللّهمّ إن كنت حبست عنّا النصر في الدنيا فاجعل ذلك لنا في الآخرة، وانتقم لنا من القوم الظالمين».
ثمّ التفت إلى أهل بيته وبني عمومته قائلاً: «صبراً يا بني عمومتي، صبراً يا أهل بيتي، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم»(2) .
* العباس بن عليعليهماالسلام
العباس ابن أمير المؤمنينعليهالسلام ، واُمّه فاطمة بنت حزام الكلابية، وتُكنّى باُمّ البنين. ولدعليهالسلام في سنة ست وعشرين هجرية، وقُتل في معركة كربلاء سنة 61 هـ، ويُكنّى بأبي الفضل، ويلقّب بقمر بني هاشم، ولقّب أيضاً بعد مقتله بساقي العطاشى. وكان شجاعاً، فارساً، وسيماً، جسيماً،
____________________
(1) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 322، تاريخ الطبري 4 / 341.
(2) المصدر نفسه.
يركب الفرس المطّهم ورجلاه تخطّان في الأرض.
وقال عنه الإمام الصادقعليهالسلام : «كان عمّنا العباس بن علي نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبد اللهعليهالسلام وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً»(1) .
وحمل لواء أخيه الحسينعليهالسلام في المعركة. ولمّا قُتل جميع الذين كانوا مع الحسينعليهالسلام في المعركة من فرسان أهل بيته وأنصاره، ولم يبق له ولي ولا نصير، وانقطع عنه المدد، ونال الظمأ من النساء والأطفال بعد أن منعوهم من الماء ثلاثة أيام.
ولمّا سمع العباسعليهالسلام عويل النساء وصراخ الأطفال من شدّة العطش، لم يطق صبراً، ولم تسمح له نفسه بما يرى، فلم يتمالك إلاّ أن جاء إلى أخيه الحسينعليهالسلام طالباً منه الإذن بقتال الأعداء، فقال لهعليهالسلام : «يا أخي، أنت صاحب لوائي». فأعاد الطلب ثانياً وثالثاً، قائلاً: «قد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين، واُريد أن آخذ بثأري منهم». فأذن له الحسين.
فخرج إلى القوم واعظاً ومحذّراً، فلم تنفعهم موعظة ولا
____________________
(1) إبصار العين في أنصار الحسين - محمد السماوي / 30.
تحذير، فنادى بصوت عال: «يا عمر بن سعد، هذا الحسين ابن بنت رسول الله، قد قتلتم أصحابه وأهل بيته، وهؤلاء عياله وأولاده عطشى فاسقوهم من الماء، قد أحرق الظمأ قلوبهم».
شمر يردّ عليه قائلاً: يابن أبي تراب، لو كان وجه الأرض كلّه ماء وهو تحت أيدينا لما سقيناكم منه قطرة إلاّ أن تدخلوا في بيعة يزيد(1) .
ولمّا سمع مقالة الشمر لم يتمالك، فهجم على الفرات، فأحاط به أربعة آلاف فارس وراجل، ورموه بالنبال فلم يَرُعْهُ جمعهم وعددهم فكشفهم عن الماء، ونزل إلى الفرات بعد أن اشتدّ به العطش، فاغترف منه بيده ليشرب فتذكّر عطش الحسينعليهالسلام وأطفاله وعياله وصراخهم من شدّة الظمأ، فرمى الماء من يده؛ وفاءً ومواساةً لآل البيتعليهمالسلام ، وقال:
يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني |
وبـعدهُ لا كـنتِ أن تكوني |
|
هـذا الـحسينُ واردُ المنونِ |
وتـشـربينَ بـاردَ الـمعينِ |
تاللهِ مـا هـذا فِـعالُ ديـني
____________________
(1) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 334 و336.
(2) المصدر نفسه.
وهكذا يجب أن تكون المواساة الحقيقية في الأخوّة الصادقة، حيث إنّ العباسعليهالسلام أبى أن يرتوي هو وحده والحسينعليهالسلام وأهل بيته يتلظّون عطشاً. فهذا هو العطف الأخوي الصادق، والوفاء النبيل في أشدّ الظروف وأقساها.
ولمّا رمى الماء من يده ملأ القربة وركب جواده، وكرّ راجعاً نحو مخيّم آل البيتعليهمالسلام ؛ ليروي عطشهم، فتكاثر عليه الأعداء من كلّ حدب وصوب، وسدّوا عليه الطريق حتّى لا يوصل الماء إلى الحسين وآلهعليهمالسلام ، فكشفهم عن الطريق قائلاً:
لا أرهبُ الموتَ إذا الموتُ رقا |
حتى أُوارى في المصاليتِ لقى(1) |
وبينما هو يُقاتل كمن له حكيم بن الطفيل من وراء نخلة وضربه على يمينه فبراها، فقال:
واللهِ إن قـعطتمُ يميني |
إنّي اُحامي أبداً عن ديني(2) |
فأخذ السيف بشماله وهمّه الوحيد إيصال الماء إلى أطفال الحسينعليهالسلام ، وإذا بزيد بن ورقاء الجهني وقد ضربه من وراء نخلة على شماله فقطعها، وتكاثروا عليه، وأتته السهام من كلّ جانب كأنّها المطر، فأصاب القربة سهم وأريق
____________________
(1) انظر تفصيل ذلك في الوثيقة رقم (122) من هذا الكتاب.
(2) انظر تفصيل ذلك في الوثيقة رقم (122) من هذا الكتاب.
ماؤها، وضربه رجل بالعمود على رأسه، فهوىعليهالسلام إلى الأرض منادياً: عليك منّي السلام أبا عبد الله.
فانقضّ عليه الحسينعليهالسلام كالصقر، فرآه مقطوع اليدين، مرضوخ الجبين، مشكوك بسهم في العين، مطروحاً على الصعيد قد غشيته الدماء، وجلّلته السهام، فرثاه قائلاً: «الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوي».
ولمّا سمعن النسوة بمقتله أصابهن الهلع والخوف، وفقدن الأمل والاطمئنان.
ورجع الحسينعليهالسلام إلى مخيّمه حزيناً منكسراً وقد تدافعت الأعداء على مخيّمه، فنادى بأعلى صوته: «أما من مغيث يغيثنا! أما من مجير يجيرنا! أما من طالب حقّ ينصرنا! أما من خائف من النار فيذبّ عنّا!»(1) .
فصاحت اُخته زينب: «وا أخاه! وا عباساه! وا ضيعتنا بعدك!».
وهذه الصيحة تكشف مدى تأثّر حرم أهل البيت بمقتلهعليهالسلام ، واضطرابهنّ وخوفهنّ ووجلهنّ بعد فقده ومقتله؛ لأنّه كان عماد أخبيتهنّ، ومسكن روعهنّ، ولواؤه كان يرفرف على رؤوسهنّ، فكنّ ينَمنَ قريرات مطمئنات.
____________________
(1) المنتخب - الطريحي / 313.
بعكس الأعداء فقد كانت عيونهم ساهرة؛ خوفاً من سطوته وبطشه، وبعد مقتله انعكس الأمر وصارت بنات الرسالة قلقات على مصيرهنّ وأمرهنّ كما قال الشاعر:
اليوم نامت أعينٌ بكَ لم تنمْ |
وتسهّدت اُخرى فعزّ منامها |
ولمّا قُتل جميع فرسانه ورجاله، وبقي وحيداً لا ناصر له ولا معين، أخذ يجول بنظره يميناً وشمالاً؛ علّه يجد أنصاراً وأعواناً، فلم يرَ إلاّ أجساماً مجزّرة ومضرّجة كالأضاحي، قد صافحها التراب، وأحرقها هجيرُ الشمس، فنادى أهل بيته وأصحابه وأنصاره بهذه النداء: «يا مسلم بن عقيل، ويا هاني بن عروة، ويا حبيب بن مظاهر، ويا زهير بن القين، ويا يزيد بن مهاصر، ويا فلان ويا فلان.
يا أبطال الصفا، ويا فرسان الهيجا، ما لي اُناديكم فلا تسمعون؟ وأدعوكم فلا تجيبون؟ أنتم نيام أرجوكم تنتبهون، أم حالت مودّتكم عن إمامكم فلا تنصروه؟ هذه نساء الرسولصلىاللهعليهوآله لفقدكم قد علاهنّ النحول، فقوموا عن نومتكم أيّها الكرام، وادفعوا عن حرم الرسول الطغام اللئام، ولكن صرعكم والله ريب المنون، وغدر بكم الدهر الخؤون، وإلاّ لما كنتم عن
نصرتي تقصّرون، ولا عن دعوتي تحتجبون؛ فها نحن عليكم مفجوعون، وبكم لاحقون، فإنا لله وإنا إليه راجعون»(1) .
ثمّ صاح بأعلى صوته: «هل من ذاب عن حرم رسول الله؟ هل من موحّد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟».
فلمّا سمع زين العابدين السجّادعليهالسلام استغاثة أبيه نهض يتوكّأ على عصا، ويجر سيفاً؛ لأنّه مريض لا يستطيع الحركة، فقال الحسينعليهالسلام لأخته اُمّ كلثوم: «احبسيه؛ لئلا تخلو الأرض من نسل آل محمّد». فأرجعته إلى فراشه(2) .
كان الحسينعليهالسلام يوم العاشر من محرّم يقدّم رجاله قرباناً بعد قربان، وضحية تلو ضحية في سبيل إعلاء كلمة الإسلام، وتحطيم كلمة الانحراف والضلال، وهو يقول: «اللّهمّ إن كان هذا يرضيك فخذ حتّى ترضى».
____________________
(1) مقتل أبي مخنف: 85.
(2) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 340.
ولمّا لم يبقَ في خيامه سوى أطفاله ونسائه؛ فإنّه عندئذ دعا بولده الرضيع عبد الله، واُمّه الرباب بعد أن جفّ اللبن في ثدييها من شدّة الظمأ، فأخذهعليهالسلام وجاء به إلى القوم طالباً منهم أن يسقوه جرعة من الماء، ومخاطباً إيّاهم بقوله: «إن كان هناك ذنب للكبار فما ذنب الصغار؟ ألم تروه كيف يتلظى عطشاً؟».
فاختلف العسكر فيما بينهم، بعضهم يقول: اسقوه؛ فإنّه لا ذنب له، والآخر يقول: لا تسقوه أبداً، ولا تبقوا من أهل هذا البيت باقية.
عمر بن سعد: يلتفت إلى حرملة بن كاهل الأسدي قائلاً له: اقطع نزاع القوم يا حرملة.
حرملة: رمى الطفل بسهم فذبحه من الوريد إلى الوريد.
الحسينعليهالسلام : تلقّى دم طفله المذبوح بكفه ورمى به إلى السماء قائلاً: «هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله تعالى. اللّهمّ لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة صالح. إلهي إن كنت حبست عنّا النصر، فاجعله لما هو خير منه، وانتقم لنا من
الظالمين(1) ، واجعل ما حلّ بنا في العاجل ذخيرة لنا في الآجل. اللّهمّ أنت الشاهد على قوم قتلوا أشبه الناس برسولك محمّدصلىاللهعليهوآله ، فإنّهم نذروا أن لا يتركوا أحداً من ذريّة نبيّك محمّد»(2) .
وسمععليهالسلام قائلاً يقول: «دعه يا حسين؛ فإنّ له مرضعاً في الجنّة». ثمّ نزلعليهالسلام وحفر له بجفن سيفه وصلّى عليه ودفنه.
ولمّا لم يجد الحسينعليهالسلام بداً إلاّ الدفاع عن دين جدّه محمّد، والمحاماة عن حرمه وعياله بعد أن فقد الناصر والمعين، فإنّهعليهالسلام برز إلى الأعداء مصلتاً سيفه، وداعياً الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كلّ مَنْ برز إليه حتّى قتل جمعاً كثيراً(3) ، ثمّ حمل على الميمنة والميسرة.
قال عبد الله بن عمّار: إنّه حمل على مَنْ عن يمينه حتّى
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 342.
(2) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 344، مقتل أبي مخنف / 83، تاريخ الطبري 4 / 342.
(3) مقتل الحسين - الخوارزمي 2 / 33.
انذعروا، وعلى مَنْ عن شماله حتّى انذعروا، وعليه قميص له من خز، ومعتمّ بعمامة، فوالله ما رأيت مكثوراً(1) قط، قد قُتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً، ولا أمضى جناناً، ولا أجرأ مقدماً منه. والله، ما رأيت قبله ولا بعده مثله! إن كانت الرجّالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب(2) .
فأكثرعليهالسلام فيهم القتل حتّى خشي عمر بن سعد أن يفنى جيشه إن بقي الحسين على حاله، فصاح بجيشه: هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب، احملوا عليه من كلّ جانب. فأتته أربعة آلاف(3) .
وحال الرجال بينه وبين حرمه وأرادوا التعرّض لها، فصرخ فيهم الحسينعليهالسلام مندّداً بقبح أفعالهم هذه قائلاً لهم: «يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون
____________________
(1) المكثور: المغلوب، وهو الذي كثر عليه الناس فقهروه.
(2) تاريخ الطبري 4 / 245.
(3) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 223.
المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون. امنعوا رحلي وأهلي من طغاتكم وجهّالكم».
شمر: ما تقول يابن فاطمة؟
الحسينعليهالسلام : «أنا الذي اُقاتلكم، والنساء ليس عليهنّ جناح، فامنعوا عتاتكم عن التعرض لحرمي ما دمت حيّاً».
شمر: ذلك لك يابن فاطمة(1) .
فعندئذ قصده القوم بنفسه واشتدّ القتال بينه وبينهم وقد نال العطش منهعليهالسلام ، فحمل على الفرات وكشفهم عنه وأقحم الفرس في الماء وأراد أن يشرب منه، فناداه رجل من القوم: أتلتذّ بالماء يا حسين وقد هُتكت حرمُك؟ فرمى الماء من يده وقصد خيامه وحرمه.
ورجع إلى خيامه وحرمه ليرعاها ويحميها ما دام على قيد الحياة؛ لأنّه يعلم أنّه بعد سويعات ستبقى من دون حمي ولا نصير، فنادى نداء وداع وفراق لا أمل فيه بلقاء
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 344، مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 346.
وعودة، وناداهنّ بقلب محزون مفجوع: «يا اُمّ كلثوم، و يا زينب، ويا سكينة،، ويا رُقية، ويا عاتكة، ويا صفية، عليكنّ منّي السلام؛ فهذا آخر الاجتماع، وقد قرب منكنّ الافتجاع».
فأحطن به بنات الرسالة من كلّ جانب، هذهِ تشمّه، واُخرى تأخذ بردائه، وثالثة تستنجد به، ورابعة تقول: يا أخي، ردّنا إلى حرم جدّنا.
فقال لها الحسينعليهالسلام : «يا اُختاه، هيهات هيهات! لو تُرك القطا لنام».
فقالت اُمّ كلثوم: يا أخي، كأنّك استسلمت للموت!
الحسينعليهالسلام : «يا اُخيّة، كيف لا يستسلم مَنْ لا ناصر له ولا معين؟»(1) .
ثمّ سألعليهالسلام عن عزيزته سكينة؛ لأنّه لم يرَ شخصها، ولم يسمع صوتها، فقيل له: إنّها في خيمتها تبكي. فجاء إليها وضمّها إلى صدره قائلاً:
سيطولُ بعدي يا سكينةَ فاعلمي |
مـنكِ البكاءُ إذا الحمامُ دهاني |
|
لا تُـحرقي قلبي بدمعكِ حسرةً |
ما دام منّي الروح في جثماني |
____________________
(1) مقتل أبي مخنف / 84.
فـإذا قُتلت فأنتِ أولى بالذي |
تـأتينهُ يـا خـيرةَ الـنسوانِ |
ثمّ إنّهعليهالسلام ودّع عياله ونساءه، وأمرهم بالصبر قائلاً: «استعدوا للبلاء، واعلموا أنّ الله تعالى حاميكم وحافظكم، وسينجيكم من شرّ الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويُعذّب عدوّكم بأنواع العذاب، ويعوّضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة؛ فلا تشكّوا، ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم»(1) .
ثمّ رفع طرفه إلى السماء وقال: «اللّهم امسك عنهم قطر السماء، وامنعهم بركات الأرض. اللّهمّ فإن متّعتهم إلى حين ففرّقهم فرقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا تُرضِ الولاة عنهم أبداً؛ فإنّهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا»(2) .
ثمّ إنّهعليهالسلام دعا بسروال يماني محكم النسج يلمع فيه البصر، فخرقه وفزره حتّى لا يطمع فيه أحد؛ لأنّهعليهالسلام يعلم أنّه يُسلب بعد مقتله، فقيل له: لو لبست تحته تبّاناً، وهو
____________________
(1) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 348.
(2) تاريخ الطبري 4 / 344 - 345.
سروال صغير. فقالعليهالسلام : «ذلك ثوب مذلّة، ولا ينبغي لي أن ألبسه»(1) .
ثمّ حمل على القوم وهو يُقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع، يتّقي الرمية، ويفترص العورة، ويشدّ على الخيل قائلاً: «أعلى قتلي تحاثّون؟! أما والله، لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله، والله أسخط عليكم لقتله منّي. وأيم الله، إنّي لأرجو أن يُكرمني الله بهوانكم، ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون. أما والله، إن لو قد قتلتموني لألقى الله بأسكم بينكم، وسفك دماءكم، ثمّ لا يرضى لكم حتّى يُضاعف لكم العذاب الأليم»(2) .
ثمّ أخذ يُقاتل القوم قتالاً شديداً، وبينما هو يُقاتل إذ أخذ العطش منه مأخذاً عظيماً، فاتّجه نحو الفرات يريد أن يروّي عطشه؛ ليستعين على قتال أعدائه، فنادى رجل من بني أبان بن دارم: ويلكم! حولوا بينه
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) تاريخ الطبري 4 / 346.
وبين الماء، لا تتام إليه شيعته(1) .
فتكاثروا عليه وأحاطوا به، فشدّعليهالسلام عليهم حتّى كشفهم، فجاءه سهمان؛ فوقع أحدهما في عنقه، والآخر في فمه، فانتزعهما، وبسط كفيه فامتلأتا دماً، ثمّ قال: «اللّهمّ إنّي أشكو إليك ما يُفعل بابن بنت نبيّك. اللّهمّ أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على الأرض منهم أحداً»(2) .
ثمّ جاءعليهالسلام إلى حرمه ليسكن روعهنّ، ويطمئن نفوسهنّ. وبينما هو مشغول بنفسه وحرمه، صاح عمر بن سعد: ويحكم اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه، والله إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم.
فحملوا عليه يرمونه بالسهام حتّى تخالفت السهام بين أطناب المخيّم. وشكّ سهم ببعض اُزر النساء فدهشنَ واُرعبنَ، وصحنَ ودخلنَ الخيمة وهنّ ينظرنَ إلى الحسينعليهالسلام كيف يصنع.
فحملعليهالسلام كالليث الغضبان، فلا يلحق أحداً إلاّ بعجه
____________________
(1) المصدر نفسه / 343.
(2) المصدر نفسه.
بسيفه فقتله، والسهام تأخذه من كلّ ناحية، وهو يتقيها بصدره ونحره(1) حتّى اُثخن بالجراح من كثرة ما اُصيب، والدماء تنزف منه؛ فرماه أبو الحتوف الجعفي بسهم في جبهته فنزعه، وسالت الدماء على وجهه الشريف، فقال: «اللّهمّ إنّك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة. اللّهمّ أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً».
ثمّ توالوا عليه ضرباً بالسيوف، وطعناً بالرماح، ورمياً بالسهام، ورضخاً بالحجارة، فلم يتمالكعليهالسلام ، وضعف عن القتال؛ فوقف ليستريح علّه يجد قوّة، ويزداد نشاطاً ليحامي عن رسالته ومقدّساته، فرضخه رجل بحجر على جبهته فسال الدم على وجهه، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن عينيه فرماه آخر بسهم ذي ثلاثة شعب فوقع في صدره، فأخرج السهم من قفاه، وانبعث الدم كالميزاب(2) ،
____________________
(1) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 350.
(2) مقتل الحسين - الخوارزمي 2 / 34، مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 351 - 352.
فقال: «بسم الله وبالله، وعلى ملّة رسول الله. إلهي إنّك تعلم أنّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن بنت نبيٍّ غيره. هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين الله».
ثمّ إنّهعليهالسلام لطّخ به رأسه ووجهه ولحيته، وقال: «هكذا أكون حتّى ألقى الله وجدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأنا مخضب بدمي، وأقول: يا جدّ، قتلني فلان وفلان»(1) .
ثمّ صاحعليهالسلام بأعلى صوته: «يا اُمّة السوء! بئسما خلفتم محمّداً في عترته! أما إنّكم لا تقتلون رجلاً بعدي فتهابون قتله، بل يهون عليكم ذلك عند قتلكم إيّاي. وأيم الله، إنّي لأرجو أن يُكرمني الله بالشهادة ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون».
فقال الحصين: بماذا ينتقم لك منّا يابن فاطمة؟
الحسينعليهالسلام : «يُلقي بأسكم بينكم، ويسفك دماءكم، ثمّ يصبّ عليكم العذاب صبّاً»(2) .
____________________
(1) مقتل الحسين - الخوارزمي 2 / 34، مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 351 - 352.
(2) تاريخ الطبري 4 / 346.
لمّا اُثخن الحسينعليهالسلام بالجراح، وأعياه نزف الدم واضعف قواه، ولم يتمالك الوقوف من كثرة الجراحات، وشدّة النزف. بقيعليهالسلام جالساً يرعى أطفاله وحرمه بقلبه وبصره، وقد أحاط به الأعداء من كلّ صوب، وأحدقوا به من كلّ جانب وهو مع هذا لا يستطيع النهوض.
فنظر عبد الله بن الحسن (وهو غلام) إلى عمّه الحسينعليهالسلام بهذا الحال فلم يتمالك دون أن أقبل مسرعاً إلى عمّه، وأرادت زينبعليهاالسلام حبسه فأفلت منها، وجاء فوقف عند عمّه، وإذا ببحر بن كعب يريد أن يضرب الحسينعليهالسلام بالسيف.
الغلام صاح به: يابن الخبيثة! أتضرب عمّي؟!
فأجابه ابن كعب بضربة، فاتّقاها الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد، فإذا هي معلّقة، فصاح الغلام: يا عمّاه! ويا اُمّاه! ووقع في حجر عمّه الحسينعليهالسلام ، فضمّه إلى صدره قائلاً: «يابن أخي، اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير؛ فإنّ الله يلحقك بآبائك الصالحين، برسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعلي بن أبي طالب، وحمزة،
وجعفر، والحسن بن علي، صلّى الله عليهم أجمعين»(1) .
ثمّ دعاعليهالسلام عليهم قائلاً: «اللّهم أمسك عنهم قطر السماء، وامنعهم بركات الأرض. اللّهمّ إن متّعتهم إلى حين ففرّقهم تفريقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا تُرضي الولاة عنهم أبداً؛ فإنهم دعونا لينصرونا ثمّ عدوا علينا يقاتلونا»(2) .
ورمى حرملة بن كاهل الغلام بسهم فذبحه وهو في حجر عمّه(3) .
وبقي الحسينعليهالسلام على حاله لا يستطيع الجلوس، وأخذ ينوء برقبته، وقد جالت الخيل حوله وتصعصعت(4) كما يقول هاني بن ثبيت الحضرمي، وإذا بغلام آخر من آل الحسين يخرج مسرعاً نحوه وهو ممسك بعمود من تلك الأبنية؛ عليه إزار وقميص، وهو مذعور، يتلفت يميناً وشمالاً.
فكأني أنظر إلى درّتين في اُذنيه تذبذبان كلّما التفت، إذ أقبل
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 344، مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 354.
(2) تاريخ الطبري 4 / 345، مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 354.
(3) اللهوف في قتلى الطفوف - ابن طاووس / 68، تاريخ الطبري 4 / 343.
(4) صعصع: تفرّق، صعصعت: تفرّقت.
رجل يركض حتّى إذا دنا منه مال عن فرسه ثمّ اقتصد الغلام فقطعه بالسيف. والغلام هو محمّد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالبعليهمالسلام (1) . وهناك كثير من الأطفال الذين انتصروا للحسينعليهالسلام ، وسوف نتعرّض لهم في القسم الثاني من هذا الكتاب.
وهكذا ملكت ثورة الحسينعليهالسلام قلوب الناس، كبيرهم وصغيرهم؛ لأنّها قضية الإنسان العادلة.
ولقد مكث الحسينعليهالسلام على هذا الحال زمناً طويلاً من النهار لا يجرأ أحد من القوم على قتله؛ لِما له في نفوسهم من القدسية والرهبة. وكان بعضهم يتّقي ويتحاشى من قتله ويودّ أن يكفيه غيره.
فنادى شمر فيهم: ويحكم! ماذا تنتظرون بالرجل وقد أثخنته السهام؟! احملوا عليه واقتلوه ثكلتكم اُمّهاتكم! فحملوا عليه من كلّ جانب وصوب، فضربه زرعة بن شريك التميمي على كتفه الأيسر، ورماه الحصين في حلقه،
____________________
(1) اللهوف في قتلى الطفوف - ابن طاووس / 68، تاريخ الطبري 4 / 345.
وضربه على عاتقه، وطعنه سنان بن أنس بن عمر بالرمح على صدره فوقع، ثمّ رماه بسهم في نحره، وطعنه صالح في جنبه، والحسينعليهالسلام ينوء برقبته ويكبو(1) .
قال هلال بن نافع: كنت واقفاً نحو الحسين وهو يجود بنفسه، فوالله ما رأيت قتيلاً قط مضمّخاً بدمه أحسن منه وجهاً ولا أنور، ولقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله. فاستقى الماء في هذا الحال فأبوا أن يسقوه(2) ، وقال له رجل من الأعداء: لا تذوق الماء حتّى ترد الحامية فتشرب من حميمها.
الحسينعليهالسلام يجيبه: «أنا أرد الحامية! وإنّما أرد على جدّي رسول الله، وأسكن معه في داره في مقعد صدق عند مليك مقتدر، أشكو إليه ما ارتكبتم منّي وفعلتم بي».
فغضبوا بأجمعهم حتّى كأنّ الله لم يجعل في قلب أحدهم من الرحمة شيئاً(3) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 346.
(2) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 356.
(3) مقتل ابن نما / 49، مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 359.
الحسينعليهالسلام لم يترك شيئاً إلاّ وبذله في طاعة الله ورضوانه، ولم يبخل بمال، أو جاه، أو نفس، أو ولد في سبيله تعالى.
وأخيراً: إنّه لم يملك إلاّ أنفاساً تصعد وتنزل وهي في طريقها إلى لقاء ربّها، وهو طريح على الرمضاء قد كلّلته قطع السيوف والرماح والحجارة، وأثخنته الجراح وأعياه النزف، وجهد الحرب والعطش.
ومع هذا الحال، وإذا به يسبّح في روح الله وروحانيته، فيناجي ربّه بكلّ مشاعر قلبه، بهذه الأنفاس المتقطّعة التي ستعيش معه لحظات ثمّ تهدأ. فهو حريص عليها أن لا تذهب سُدىً، وأن لا تذهب إلاّ في سبيل الله، رافعاً طرفه نحو السماء قائلاً بضعيف صوت: «اللّهم متعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال، غني عن الخلايق، عريض الكبرياء، قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء، قريب إذا دُعيت، محيط بما خلقت، قابل التوبة لمَنْ تاب إليك، قادر على ما أردت، تُدرك ما طلبت، شكور إذا شُكرت، ذكور إذا ذُكرت،
أدعوك محتاجاً، وأرغب إليك فقيراً، وأفزع إليك خائفاً، وأبكي مكروباً، واستعين بك ضعيفاً، وأتوكّل عليك كافياً.
اللّهمّ احكم بيننا وبين قومنا؛ فإنّهم غرّونا وخذلونا، وغدروا بنا وقتلونا، ونحن عترة نبيّك، وولد حبيبك محمّدصلىاللهعليهوآله ، الذي اصطفيته بالرسالة، وائتمنته على الوحي، فاجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً، يا أرحم الراحمين(1) .
صبراً على قضائك يا ربّ، لا إله سواك، يا غياث المستغيثين، ما لي ربّ سواك، ولا معبود غيرك، صبراً على حكمك، يا غياث مَنْ لا غياث له، يا دائماً لا نفاذ له، يا محيي الموتى، يا قائماً على كلّ نفس بما كسبت، احكم بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين»(2) .
ثم جاء إليه الخولّى بن يزيد الأصبحي ليحتز رأسه، فأرعد وضعف، فقال له سنان بن أنس: فتَّ الله في عضديك، وأبان يديك. ثمّ نزل إلى الحسينعليهالسلام فذبحه واحتز رأسه(3) .
____________________
(1) مصباح المتهجّد، والإقبال - مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرّم / 357.
(2) أسرار الشهادة / 423، رياض المصائب / 33.
(3) تاريخ الطبري 4 / 346.
قال إمامنا جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : «وجد بالحسينعليهالسلام حين قُتل ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة». ثمّ هجموا عليه يسلبون ما عليه من اللباس، وبعدها هجم الجيش على خيامه وحرمه يسلبونهم وهم يبكون(1) .
____________________
(1) المصدر نفسه.
وختاماً يا قرّائي
وبهذه الوريقات عشنا مع هذه الوثائق التي صورت لنا عظمة ثورة الإمام الحسينعليهالسلام وأهميتها التاريخية والعقائدية، والتي كانت العامل الرئيس الذي لعب دوراً هاماً في كشف أباطيل الحكام المنحرفين، وانتزاع السلطة التشريعية من أيديهم بعد أن كان الخليفة يحكم ويشرّع كما يحبّ ويشاء حسب هواه، فيحرّم ما أحلّه الله ورسوله، ويحلّل ما حرّمه الله ورسوله.
إلاّ إنّ الحسينعليهالسلام بثورته المباركة استطاع أن ينتزع تلك السلطة من يد الخليفة الحاكم المنحرف آنذاك، وأفهم الرأي العامّ بأنّ الخليفة ليس له حقّ في تشريع أيّ حكم، وإنّما التشريع منحصر في الكتاب والسنّة النبوية وما يؤدّي إليهما.
وكفاها انتصاراً أن وضعت حدّاً للتلاعب بأحكام الشريعة من قبل المستهترين والمنحرفين. وهكذا انتصرت ثورة الحسينعليهالسلام إرادياً وتشريعياً.
وبقي علينا أن نتفهّم معالم هذه الثورة المقدّسة؛ لنسير على هديها، ونستمد منها روحاً من الخير، ومشاعر من الحقّ، وهدياً من الفضيلة، وقبساً من الجهاد والنضال؛ لنقود قافلة الاُمّة في سبيل تحرير أراضيها، وطرد أعدائها الصهاينة وأتباعهم.
وإلى اللقاء في القسم الثاني من هذا الكتاب.
مصادر الكتاب
1 - القرآن الكريم.
2 - نهج البلاغة للإمام أمير المؤمنينعليهالسلام .
3 - إبصار العين في أنصار الحسين، الشيخ محمّد السماوي.
4 - الأحكام السلطانية.
5 - أصل الشيعة وأصولها، الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء.
6 - الاحتجاج، الطبرسي.
7 - الإرشاد، الشيخ المفيد.
8 - الإمامة والسياسة، ابن قتيبة.
9 - المجالس الفاخرة، السيد عبد الحسين شرف الدين.
10 - الملل والنحل، الشهرستاني.
11 - المناقب، ابن شهر آشوب.
12 - المنتخب، الشيخ الطريحي.
13 - أبو الشهداء، عباس محمود العقاد.
14 - أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين.
15 - تاريخ الإمبراطورية العربية.
16 - تاريخ الطبري، طبع ليدن، وطبع دار المعارف، ودار الأعلمي.
17 - ثورة الحسين، الشيخ عبد الهادي الفضلي.
18 - ثورة الحسين، الشيخ محمّد مهدي شمس الدين.
19 - ديوان سحر بابل وسجع البلابل، السيد جعفر الحلّي.
20 - سير أعلام النبلاء، الذهبي.
21 - شرح العقائد النسفية، طبع الأستانة.
22 - عبرة المؤمنين، السيد جواد شبر.
23 - عقائد الإماميّة، الشيخ محمّد رضا المظفر.
24 - الكامل في التاريخ، ابن الأثير.
25 - اللهوف في قتلى الطفوف، السيد ابن طاووس.
26 - مقتل الحسين، أبي مخنف.
27 - مقتل الحسين، الخوارزمي.
28 - مقتل الحسين، السيد عبد الرزاق المقرّم.
29 - مقتل الحسين، السيد محسن الأمين.
30 - مقتل الحسين، الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.
31 - مقتل العوالم، السيد عبد الله البحراني.
32 - نظام الحكم، الشيخ محمّد باقر القريشي.
33 - نيل الأوطار، الشوكاني.
دليل الكتاب
الإهداء7
مقدّمة الطبعة الرابعة والسادسة9
تقديم 13
عرض وتمهيد 17
ثورة الإمام الحسين (ع) ومعطياتها18
الجانب العاطفي للثورة19
الجانب العقائدي للثورة21
تغيير الجهاز الحاكم22
تطبيق الشريعة الإسلاميّة24
الإسلام والخلافة29
الخلافة في رأي الشيعة31
الخلافة في نظر أهل السنّة31
أهلية الخلافة32
الخليفة ورأي الشيعة32
الخليفة في رأي أهل السنة33
يزيد وأهلية الخلافة34
هل انتصر الحسين؟ ولمَنْ النصر؟39
الناحية الاُولى 41
الناحية الثانية42
الإرادة الحسينيّة43
الإرادة الاُمويّة43
رسائل وكتب متبادلة بين معاوية والإمام الحسينعليهالسلام 45
جواسيس الاُمويِّين على الإمام الحسينعليهالسلام .... 47
تقرير مروان بن الحكم إلى معاوية47
جواب معاوية لمروان 48
رسالة معاوية إلى الإمام الحسين (ع)48
جواب الإمام الحسين (ع) لمعاوية49
رسالة معاوية الثانية للإمام الحسينعليهالسلام .... 52
الإمام الحسين (ع) يردّ على معاوية53
الاجتماع الأوّل بين معاوية والحسينعليهالسلام وعبد الله بن عباس في المدينة54
الاجتماع الثاني بين معاوية والإمام الحسينعليهالسلام في مكة المكرّمة56
بين معاوية وواليه على المدينة سعيد بن العاص 58
معاوية يخدع ويمكر59
حرّاس معاوية يمتثلون أوامره60
معاوية يخطب أمام الناس مخادعاً60
الإمام الحسينعليهالسلام يمهّد لثورته في أيام معاوية61
بين يزيد بن معاوية وواليه على المدينة66
الإمام الحسينعليهالسلام يعلن معارضته للحكم الاُموي67
إعلان الحسينعليهالسلام لثورته69
بين مروان ووالي يزيد 69
مروان بن الحكم والحسينعليهالسلام .... 70
الإمام الحسينعليهالسلام يودّع قبر جدّه رسول الله.. 71
خروج الحسينعليهالسلام من المدينة إلى مكة72
وصية الحسينعليهالسلام .... 73
كتاب الحسينعليهالسلام إلى بني هاشم74
دخول الحسينعليهالسلام إلى مكة74
الحسينعليهالسلام مع عبد الله بن عباس. 75
وصية الحسينعليهالسلام لابن عباس. 77
كتب ورسل أهل الكوفة إلى الحسينعليهالسلام .... 78
جواب الإمام الحسينعليهالسلام إلى أهل الكوفة81
كتاب مسلم إلى الحسينعليهالسلام .... 82
كتاب الحسينعليهالسلام إلى رؤساء الأخماس والأشراف بالبصرة84
جواب أهل البصرة للحسينعليهالسلام .... 85
جواب ابن مسعود إلى الحسينعليهالسلام .... 87
الحزب الاُموي وموقفـه مـن الثـورة89
الاتّجاه الأوّل 91
الاتجاه الثاني 92
خطبة النعمان والي يزيد على الكوفة92
رجال الحزب الاُموي وخطورة الموقف 93
يزيد يعزل النعمان وينصب عبيد الله 94
الخطبة الأولى لابن زياد في الكوفة96
اعتقال هاني بن عروة97
الخطبة الثانية لابن زياد98
الخطبة الثالثة لابن زياد99
محاصرة مسلم بن عقيل 100
رسالة شفوية من مسلم إلى الحسينعليهالسلام .... 102
محاورة بين مسلم وابن زياد، دخول مسلم على عبيد الله بن زياد102
كتاب ابن زياد إلى يزيد بن معاوية106
كتاب يزيد إلى عبيد الله 107
خطبة الإمام الحسينعليهالسلام في مكة108
الحسينعليهالسلام مع رجالات مكة110
الحسينعليهالسلام والفرزدق. 113
كتاب عبد الله بن جعفر الطيار إلى الحسينعليهالسلام .... 114
كتاب عمرو والي يزيد على مكّة إلى الحسينعليهالسلام .... 115
جواب الحسينعليهالسلام لعمرو بن سعيد والي يزيد على مكة116
كتاب الحسينعليهالسلام الثاني لأهل الكوفة117
رسول الحسينعليهالسلام مع ابن زياد118
الحسين يؤبّن قيساً120
الحسين وعبد الله بن مطيع 120
عبيد الله ومنع التجول 121
الحسينعليهالسلام وزهير بن القين. 121
منطقة الثعلبية123
الحسينعليهالسلام مع ابنه علي الأكبر. 123
الحسينعليهالسلام مع أحد الأعراب.. 124
الحسينعليهالسلام يُخبر بقتل مسلم وعبد الله بن يقطر124
الحسينعليهالسلام يؤبّن مسلم بن عقيل. 125
منطقة بطن العقبة126
منطقة (شراف)127
التقاء الحسينعليهالسلام بأوّل كتيبة للجيش الأموي. 127
الحرّ والحسينعليهالسلام .... 128
خطبة الحسينعليهالسلام الأولى على مسامع الجيش الاُموي. 129
الخطبة الثانية للحسينعليهالسلام أمام كتيبة الحرّ130
الحسينعليهالسلام يخطب ثالثاً أمام كتيبة الحرّ132
الحسينعليهالسلام يستشهد بأبيات.. 133
في منطقة عذيب الهجانات 134
مقتل رسول الحسينعليهالسلام .... 135
الطرماح يحدو بالركب الحسيني 136
في قصر بني مقاتل 137
الحسينعليهالسلام وابنه علي الأكبر. 137
كتاب ابن زياد إلى الحرّ138
الحسينعليهالسلام وكربلاء140
الركب الحسيني وكربـلاء143
خطبة الحسينعليهالسلام في كربلاء145
الحسينعليهالسلام وأصحابه146
كتاب الحرّ إلى ابن زياد147
كتاب ابن زياد إلى الحسينعليهالسلام .... 147
خروج عمر بن سعد وبإمرته أربعة آلاف فارس لحرب الحسينعليهالسلام .... 148
رسول عمر بن سعد إلى الحسينعليهالسلام .... 150
كتاب عمر بن سعد إلى ابن زياد151
كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد(1) 152
ابن زياد يمني الناس بالخروج لحرب الحسينعليهالسلام .... 153
القوات الاُمويّة تزحف إلى كربلاء153
التعداد الكمي للجيش الاُموي في كربلاء156
كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد 159
حبيب بن مظاهر الأسدي 159
التعداد الكمّي للجيش الحسيني 161
كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد 162
نذالة عبد الله بن أبي الحصين الأزدي 163
محاورة بين الحسين وعمر بن سعد في كربلاء164
كتاب عمر بن سعد إلى ابن زياد يفتري فيه على الحسينعليهالسلام .... 165
كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد 168
برير بن خضير يصرخ بالجيش الاُموي 170
الحسينعليهالسلام يناشد الجيش الاُموي في كربلاء171
الجيش الاُموي يزحف لقتال الحسينعليهالسلام .... 173
زينبعليهاالسلام توقظ الحسينعليهالسلام .... 174
العباسعليهالسلام يُقابل الجيش الاُموي. 175
حبيب بن مظاهر وزهير بن القين يكلمان الجيش الاُموي 176
حبيب بن مظاهر يخاطب الجيش الاُموي 176
العباسعليهالسلام يعود بالجواب إلى الجيش الاُموي. 177
الحسينعليهالسلام يختبر أصحابه وأهله178
أهل البيت يجيبون الحسينعليهالسلام .... 179
أصحاب الحسينعليهالسلام يجيبونه180
جواب مسلم بن عوسجة181
جواب سعد بن عبد الله الحنفي 181
جواب زهير بن القين 182
جواب بقية الصحابة182
الحسينعليهالسلام ونافع بن هلال (رضوان الله عليه)183
شهادة الحسينعليهالسلام بأصحابه184
الأصحاب يقفون عند خيام حرم رسول الله (ص)184
الحسينعليهالسلام واُخته زينبعليهاالسلام .... 186
الإمام الحسينعليهالسلام وتفسيره لرؤياه188
ليلة الوداع.. ليلة صلاة وتلاوة189
محاورة بين برير وأبي حرب السبيعي 191
حفر خندق 192
عاشوراء.. يوم الفداء والتضحية في سبيل الله 193
يوم اللقاء بين العسكرين 195
الحسين ينظم جيشه الصغير 196
الجيش الاُموي ينظّم صفوفه197
شمر وخبث سريرته198
نظرة ودعاء199
الحسين (ع) يخطب أمام الجيش الاُموي في كربلاء199
شمر يقاطع خطبة الحسينعليهالسلام .... 202
حبيب بن مظاهر يردّ عليه202
الحسينعليهالسلام يتمّ خطبته203
زهير بن القين يحذّر وينذر الجيش الاُموي 204
الجيش الاُموي يردّ على كلام زهير بن القين 205
جواب زهير 206
شمر يرميه بسهم206
برير بن خضير واعظاً وناصحاً207
الحسينعليهالسلام يخطب مرّة اُخرى أمام الجيش الاُموي في كربلاء209
النفوس الخيّرة تستيقظ 213
الحسينعليهالسلام يلقي الحجّة النهائية على عمر بن سعد. 215
شقاوة عمر بن سعد وضلاله216
الحسينعليهالسلام يأذن لأصحابه بالقتال. 217
شقاوة وكرامة وهداية218
الاصطدام المسلح بين الحقّ والباطل 219
العدو يطلب الإمداد لشجاعة أصحاب الحسينعليهالسلام .... 221
الحسينعليهالسلام يستغيث.. 222
هداية223
جيش العدو يستنجد 223
المرأة وثورة الحسينعليهالسلام .... 225
حنظلة بن أسعد الشامي يصرخ بالجيش الاُموي 227
شهامة عابس وإيمانه229
وفاء وعطف في معركة230
شجاعة أسير 232
أراجيز في معركة233
أراجيز الأصحاب 234
أهل البيتعليهمالسلام والأراجيز244
صلاة في معركة254
الحسينعليهالسلام يقف على قتلاه257
الحسينعليهالسلام وقتلى أهل بيته (عليهم السلام)264
الحسينعليهالسلام ينادي قتلاه272
الحسينعليهالسلام وطفله273
الحسينعليهالسلام يحمل على الأعداء275
الحسينعليهالسلام يصرخ بالجيش مندداً بنذالتهم276
الوداع الأخير 277
الحسينعليهالسلام يعيد كرة الهجوم279
الأطفال ينتصرون للحسينعليهالسلام .... 284
مع الحسينعليهالسلام في لحظاته الأخيرة286
الحسينعليهالسلام يناجي ربه288
وختاماً يا قرّائي 291
مصادر الكتاب 293
دليل الكتاب 295
كتب للمؤلّف
1 - الصوم.. بحث ودراسة.
2 - عليعليهالسلام .. ومواقفه البطولية.
3 - عليعليهالسلام .. ومدرسته الحربية.
4 - مدرسة علم الأخلاق النظري.
5 - الشركة في الفقه الإسلامي.
6 - كتاب الأسئلة والأجوبة الإسلاميّة، صدر منها حتّى الآن 6 أعداد.
7 - واقعة بدر الكبرى.
8 - نظرية النبوة والإمامة والخلافة في الإسلام.
9 - الصلاة واجباتها وأحكامها.
10 - أحكام المسافر في الشريعة الإسلاميّة.
11 - مفاهيمنا.
12 - مفهوم الشعائر الحسينيّة.
13 - تاريخ المدارس الأخلاقية قديماً وحديثاً.
14 - التشيع هو النبع الصافي في الإسلام.
15 - مذهب أهل البيتعليهمالسلام هو المذهب الرسمي للإسلام.
16 - أوهام أحمد الكاتب وأساطيره.
17 - خرافات عثمان خميس وأوهامه.
18 - ثلاث مناظرات في مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين