المقدمّة
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والحمدُ حقّه كما يستحقّه حمداً كثيراً، والصّلاة والسّلام على جميع أنبياء الله وأوصيائه.
اللّهُمّ صلّ على مُحمدٍ كما حمل وحيك، وبلّغ رسالاتك، وصلّ على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أخي نبيّك، ووليّه وصفيّه، ووزيره ومستودع علمه، وموضع سرّه، وباب حكمته، والناطق بحجّته، والداعي إلى شريعته، وخليفته في أُمّته.
وصلّ على الصدّيقة فاطمة الزكيّة، حبيبة حبيبك ونبيّك، وأُمّ أحبائك وأصفيائك التي انتجبتها وفضّلتها واخترتها على نساء العالمين. اللّهمّ كُن الطالب لها ممّن ظلمها، واستخفّ بحقّها، وكن الثائر اللّهمّ بدم أولادها.
وصلّ على الحسن والحسين عبديك وولييّك، وابني رسولك، وسبطي الرّحمة، وسيّدي شباب أهل الجنّة.
وصلّ على علي بن الحسين سيّد العابدين الذي استخلصته لنفسك، وجعلت منه أئمّة الهدى، ومحمد بن علي باقر العلم وإمام الهدى، وجعفر بن محمد الصادق خازن العلم، والأمين المؤتمن موسى بن جعفر، البرّ الوفيّ، الطاهر الزكّي، وعلي بن موسى الذي ارتضيته ورضّيت به مَنْ شئت مِن خلقك، ومحمد بن علي بن موسى، علم التُقى، ونور الهدى، وعلي بن
محمد، وصي الأوصياء، وإمام الأتقياء، والحسن بن علي بن محمد، البرّ التقي، والصادق الوفّي.
اللّهمّ صلّ على وليك وابن أوليائك، الذين فرضت طاعتهم، وأوجبت حقّهم، وأذهبت عنهم الرّجس وطهرّتهم تطهيراً(1) .
يا سادتي ومواليَّ، إنّي توجهّت بكم أئمّتي وعدّتي ليوم فقري وحاجتي إلى الله، وتوسّلت بكم إلى الله، واستشفعت بكم إلى الله، فاشفعوا لي عند الله، واستنقذوني من ذنوبي عند الله؛ فإنّكم وسيلتي إلى الله(2) .
اللّهمّ إنّي لو وجدتُ شفعاء أقرب إليك من محمد وأهل بيته الأخيار، الأئمّة الأبرار لجعلتهم شفعائي.
فبحقّهم الذي أوجبت لهم عليك، أسألك أن تُدخلني في جملة العارفين بهم وبحقّهم، وفي زمرة المرحومين بشفاعتهم، إنّك أرحم الراحمين(3) .
اللّهم إنّي أبرأ إليك ممّن أبغضهم وعاداهم، وأنكر فضائلهم، وشكّك في مناقبهم مِن الأوّلين والآخرين.
أمّا بعد، فهذه مجموعة متواضعة من مجالس ومحاضرات، وفقني الله تبارك
____________________
1- مقاطع من ذكر الصلوات على الحجج الطاهرينعليهمالسلام ، انظر مصباح المتهجّد / 399 - 405.
2- مقطع من دعاء التوسّل، انظر بحار الأنوار 99 / 249.
3- مقطع من الزيارة الجامعة الكبيرة، انظر بحار الأنوار 99 / 133.
وتعالى لكتابتها وقراءتها، فنالت إعجاب ثلّة طيّبة من المؤمنين المخلصين، فالتمسوني أن أنشرها فاستجبت لهم، فما كان فيها من نفع وفائدة فالفضل يرجع إلى مَنْ تعلّمت منه، وتربّيت على يديه، وفي مقدمّتهم والديّ وإخوتي وأساتذتي وأصدقائي.
وما كان فيها من عثرةٍ أو زلّة فهو دليل نقصي، وقصور باعي، وقلّة اطّلاعي.
فأشكره (عزّ وجلّ) في السّراء والضرّاء، وسمّيتها (مجالس المؤمنين في الأربعة عشر المعصومينعليهمالسلام ).
وأسأله تبارك وتعالى أن يتقبّلها بقبول حسنٍ، ويجعلها في ميزان حسناتي، وذخراً لي يوم ألقاه، يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنون إلاّ مَنْ أتى الله بقلب سليمٍ.
كاظم البهادلي
قم المقدّسة مدينة العلم والعلماء
صفر 1429هـ ق
المجلس الأوّل
في الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله
المجلس الأوّل: في الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله
مَن ذا الفقيدُ علا عليه عويلُ |
فعرى جميعَ العالمين ذُهولُ |
|
ولفقده جبريلُ نادى في السّما |
صوتاً وجبريلٌ به مثكولُ |
|
يا خاتمَ الرُسلِ الكرامِ ومَنْ إلى |
هَدي الأنامِ من الآلهِ رسولُ |
|
إنَّ البسيطةَ أظلمت أرجاؤُها |
من بعدِ شخصكَ فالخصيبُ محيلُ |
|
قد كنتَ يا خيرَ البريةِ حاجتي |
فيها فما لي مُذ رحلتَ نزولُ |
|
بينا أسايلُ إذ سمعتُ بأنَّ ذا |
الهادي وهذا نعشُهُ محمولُ |
|
يا من تُسايلُ أيَّ خطبٍ قد عرى |
وتكادُ منهُ الراسياتُ تزولُ |
|
وتحنُّ من قلبٍ مليءٍ بالأسى |
طوراً وطوراً تنثني فتقولُ |
|
حزني لفقدكَ سرمدٌ لا تنقضي |
أيامُهُ حتى يحينَ رحيلُ |
|
أبتاهً بعدكَ لا يطيبُ لي الكَرَى |
كلاّ ولا عيني إليهِ تميلُ |
|
أبتاهُ تنعاكَ الصلاةُ وفرضُها |
وكذلك التكبيرُ والتهليلُ(1) |
* * *
____________________
(1) القصيدة لشيخنا الأستاذ محمد سعيد المنصوري (رحمه الله)، وهو الخطيب الكبير، وشيخنا وأستاذنا محمد سعيد ابن الشيخ موسى المنصوري. ولد في النجف الأشرف عام 1350هـ ق (في حدود 1931م)، درس المقدّمات والسطوح في مسقط رأسه النجف الأشرف، ثمّ هاجر إلى إيران في حدود الستينيات وسكن مدينة عبادان، وبقي ينتقل بينها وبين البصرة وبقيّة محافظات العراق إلى زمان مجيء زمرة البعثيين المجرمة، ثمّ انتقل إلى مدينة قم المقدّسة في سنة 1980م.
تتلمذ على يد مجموعة من فطاحل الخطابة، أمثال أستاذه المرحوم السيّد محمد سعيد العدناني الغريفي.
لأستاذنا المنصوري حسّ شعري رائع، وخطابة حسينية فريدة، ونغمة حنين نادرة، وعبرات وآهات تبكي صمّ الصخور قبل رقائق القلوب.
انتقل إلى رحمة الله وإلى جوار مَنْ أحبّهم وندبهم، ورثاهم وبكى عليهم ليلاً ونهاراً، إلى جوار رسول الله وآله
=
(نصّاري)
يا هو يلومني لو بچت عيناي |
أوگمت اصفج يميني فوك يسراي |
|
يبويه امصاب فگدك گطّع احشاي |
ابسيف الحزن واگليبي ايتمرّد |
|
يبويه اشلون أتحمّل اغيابك |
واتسلّه أو سهم البين صابك |
|
إلمكانك من تصد وتشاهد العين |
خالي أوبيه يبچي الحسن واحسين |
____________________
=
الأطهار إن شاء الله تعالى، وذلك في يوم الأربعاء السابع والعشرين من شهر جمادي الأوّل عام 1428هـ ق، فشيّع تشييعاً مهيباً من قبل العلماء وطلاب العلم وطلابه، ودفن في مثواه الأخير بجنب ولده الخطيب المرحوم الشيخ عبد الحسين المنصوري الذي سبقه إلى القضاء، فتركه بحسرةٍ شديدة وألمٍ لطالما قرأتُه على صفحات محيّاه، وذلك في قم المقدّسة في مقبرة (باغ بهشت).
للشيخ المنصوري (رحمه الله) أسفار تبليغية في شتّى بقاع العالم الإسلامي، فقد سافر إلى الكويت والبحرين، وقطر وعمان، والإمارات وسوريا ولبنان، فضلاً عن العراق وإيران وغيرها من الدول الأُخرى.
ترك آثاراً خالدة، وصدقات جارية، منها تدريسه ثلّة من الخطباء، وخدمة المنبر الحسيني.
وترك مؤلّفات قيّمة في الشعر والأدب منها:
مفاتيح الدموع، وميراث المنبر، ومصابيح المنبر، وديوان السعيد، وتحفة الفنّ، وخلاصة مقتل الحسين.
فسلامٌ عليه يوم ولد، ويوم مات يلهج بذكر أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ، ويوم يُبعثُ حيّاً.
ذيچ السا أگوم اعتب على البين |
المثل الليل خلّه نهاري أسود |
|
شگلّك عن حزن گلبي والآلآم |
اعليك الما تزول ابشهر وابعام |
|
ما غمّض جفن عيني ولا نام |
لحظة أو لا ونيني اعليك هوّد |
* * *
قال تعالى:( فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ) (1) .
أرسل الله تبارك وتعالى النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وبعثه إلى مجتمع انغمس في الرذيلة إلى أُمِّ رأسه إلاّ مَنْ ندر منهم، من آباء النبيّ وأُمّهاته، من الذين أيّدهم الله بتأييداته، فنُقِلصلىاللهعليهوآله من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكيّة، فقد جاء عنهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: «نُقِلْتُ من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكيّة
____________________
1- سورة القصص / 48.
نكاحاً لا سفاحاً»(1) .
وقال الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام : « وأشهدُ أنَّ مُحَمّداً عبدُه ورسولُه، وسيّد عبادِه، كلّما نسخ الله الخلق فرقتين جعله في خيرِهما، لم يُسهِم فيه عاهر، ولا ضرب فيه فاجر»(2) .
وأشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى:( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) (3) ، والذي رُوي عن الإمام الصادقعليهالسلام في تفسير الآية أنَّه: « في أصلاب النبيّين، نبيٌّ بعد نبيٍّ، حتى أخرجه من صلب أبيه، من نكاح غير سفاح، من لدن آدم عليه السّلام»(4) .
وقد شاعت في المجتمع الذي بُعِث إليه الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله عادات وتقاليد، كان أبرزها الشرك بالله، عن طريق عبادة الأصنام والأوثان، والنجوم وإنكار المعاد، وهيمنة الخرافات، والتي كانت تُكبّل عقولَ الناس في المجتمع، فكانت من الأسباب القويّة المانعة عن تقدّمهم، وسبباً كبيراً في
____________________
1- كنز الفوائد / 70 مع تغيير كلمة الزكيّة بالطاهرة، شرح نهج البلاغة 7 / 63. والحديث مستفيض المضمون انظر مثلاً: الأمالي - للشيخ الصدوق / 723، ومعاني الأخبار / 55، وكمال الدين وتمام النعمة / 275، وكنز العمال 11 / 428، و12 / 427، والشفا بتعريف حقوق المصطفى 1 / 167، والأحتجاج 1 / 212، بحار الأنوار 35 / 56، و 74 / 299.
2- نهج البلاغة 2 / 195، عنه بحار الأنوار 16 / 382 ح96، و31 / 100، و66 / 311.
3- سورة الشعراء / 219.
4- تفسير فرات الكوفي / 304، مجمع البيان 7 / 358، تنبيه الغافلين / 121، وبحار الأنوار 15 / 3 ح2، و16 / 204، نور البراهين 1 / 444.
تخلّفهم، والفساد الأخلاقي، مثل انتشار القمار والخمر، والزنا والنهب والسلب.
هذه هي أبرز العادات والتقاليد التي كانت منتشرة في المجتمع الذي بُعِث إليه النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله .
وأمّا عن الجانب العلمي والثقافي، فقد ذكر بعض أرباب السير والتواريخ أنّ مجموع الذين عرفوا القراءة والكتابة في قريش قبل الإسلام، هم سبعة عشر شخصاً في مكة، وأحد عشر شخصاً في المدينة، فيكون مجموع المتعلّمين ثمانية وعشرين نفراً في الحجاز كُلِّها(1) .
ويمكنك التعرّف على صورة المجتمع الجاهلي أكثر عندما تسمع كلام الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، حيث يصفهم ويصف أحوالهم في أكثر من خطبة، منها ما قاله عليهالسلام : « إنّ الله بعث مُحَمّداًصلىاللهعليهوآله نذيراً للعالمين، وأميناً على التنزيل، وأنتم معشر العرب على شرّ دينٍ، وفي شرّ دارٍ، منيخون بين حجارةٍ خشنٍ، وحيّاتٍ صمّ، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة، والآثام فيكم معصوبة»(2) .
إلى غير ذلك من أوصاف اقتصرنا على ذكر أهمّها.
فبعثه الله تعالى إلى هؤلاء الذين هم في ضلالٍ وحيرة على شرّ دين. فكم
____________________
1- السيرة المحمدية / 17.
2- نهج البلاغة 1 / 66، عنه بحار الأنوار 18 / 226 ح68.
يحتاج النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله إلى جهد وتعب حتى يُغيّر هذا المجتمع إلى مجتمع آخر على طرف نقيض، ويغيّره من التخلّف والانحطاط إلى المعرفة والرقي؟
وهنا تكمن عظمة شخصيّة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله .
وبالإضافة إلى كلّ ما ذكرناه عن المجتمع العربي الجاهلي، فإنّ هناك مَنْ هو أكثر إنكاراً لنبوّة النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وهم اليهود والنصارى، والذين ترسّخت عندهم عقائد باطلة، وانحرافات عن دين موسى وعيسىعليهماالسلام ، فقد مضى على التوراة ما يُقارب...(1) سنة، وعلى الإنجيل ما يُقارب...(2) سنة.
من بعد هذا البيان نعود للآية المباركة.
قال تعالى:( فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا... ) .
لمّا بعث الله الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله إلى هكذا مجتمع خليط من العرب واليهود والنصارى، أوّل مَنْ فزع واعترضهم اليهود، وقالوا: لم يكن هذا نبيّاً؛ فلو كان حقّاً كما يقول فأين عصا موسى؟ ولِمَ لا تكون يده بيضاء (كيد موسى)؟ ولِمَ لا ينشقّ البحر له كما انشقّ لموسى؟
إلى غير ذلك من الاعتراضات التي حاولوا عن طريقها زعزعة النفوس، وتشكيك كلّ مَنْ يريد الإصغاء والانضواء تحت راية النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله ، مع أنّهم هم الذين طلبوا بعثة النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله كما تشير إليه الآية السابقة لهذه الآية المباركة،
____________________
1، 2- ذكر المؤلّف رقماً إمّا سهواً منه، أو خطأ مطبعي؛ لذا حذفناه وتركنا مكانه هذه العلامة (...).[معهد الإمامين الحسنين عليهماالسلام للخطابة]
حيث تقول:( وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (1) ، فقال تعالى هذه الآية المباركة:( فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ) .
فاعترضوا بهذه الاعتراضات التافهة؛ لأنّ هذه الاعتراضات غير لازمة، لأنّه لا يجب في معجزات الأنبياءعليهالسلام أن تكون واحدة، ولا فيما ينزل إليهم من الكتب أن يكون على وجهٍ واحد؛ إذ المصلحة تختلف من زمان إلى زمان.
وقد أجاب الباري (عزّ وجلّ) عن شبهتهم هذه بقوله:( أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ) .
يعني هم يريدون من الله تبارك وتعالى أن يُرسل إليهم رسولاً، ولكن لا يقبلونه إلاّ إذا أتى بمعاجز، أو بكتاب يشبه ما جاء به موسىعليهالسلام ، والحال أنّ الكثير من اليهود لم يؤمن بما جاء به موسىعليهالسلام ، بل اتّهموه وأخاه هارون بأنّهما ساحران، كما أشار الباري (عزّ وجلّ) إلى ذلك:( أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا (يعني اليهود وأتباعهم):سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ) .
وقد يُقال: لماذا عبّر القرآن بـ (سحران) بدلاً عن (ساحران)؟
والجواب: هو لشدّة التوكيد؛ لأنّ العرب حين تريد التأكيد على شخص في خصلة ما
____________________
1- سورة القصص / 67.
تقول: هو العدل بعينه، أو السحر، وهكذا.
وإذا قيل: ما علاقة هذا الإنكار بمشركي مكة، فهذه الأمور متعلّقة بفرعون وقومه السابقين؟
فالجواب: هو أنّ التذرّع بالحجج الواهية ليس أمراً جديداً، فجميعهم من نسيج واحدٍ، وكلامهم يشبه كلام السابقين تماماً، وخطّتهم وطريقتهم ومنهجهم على شاكلةٍ واحدة.
ثمّ قال تعالى على لسانهم:( وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ) .
أي بما أُنزل على مُحَمّدصلىاللهعليهوآله ، وموسىعليهالسلام ، وسائر الأنبياءعليهمالسلام .
إذاً، كما إنَّ قوم موسى من قبل كذّبوه كذلك قوم النبيّ الخاتمصلىاللهعليهوآله ، وكما وصفوهعليهالسلام بأنّه وأخاه ساحران كذلك وصفوا النبيّ الخاتمصلىاللهعليهوآله .
ومن هنا ذهب بعض المفسرين إلى أنّ المقصود بقوله تعالى:( سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ) هو النبيّ موسى ونبيّ الإسلام العظيم مُحَمّدصلىاللهعليهوآله ؛ لأنّ مشركي العرب كانوا يقولون: إنّ كليهما ساحران، وإنّا بكلٍّ كافرون(1) .
وهذا هو جزاؤهم للنبيّ بما أتعب نفسه الشريفة من أجل إخراج الناس من الظلمات إلى النور بأن يعدّوه ساحراَ، وهذا هو السّلاح الذي اعتمده مشركو قريش؛ للحيلولة دون انتشار الإسلام، واتّساع رقعته، وقطع علاقته بالمجتمع العربي، وهو سلاح الدعاية ضدّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وقد أقرّوا
____________________
1- تفسير الأمثل 12 / 247.
استخدامها في دار الندوة، حين طرحوا فكرتها على (الوليد بن المغيرة)، والد سيف الشيطان المشلول (خالد بن الوليد).
والوليد هذا، كان ذا مكانة عظيمة ومميَّزة عندهم، فقال: يا معشر قريش، إنّه قد حضر هذا الموسم، وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضاَ، ويردّ قولكم بعضه بعضاً.
ورأى ألاّ يقولوا عنه كاهن أو مجنون أو ساحر. وهكذا تحيّروا في ما ينسبون إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتى اتّفقوا على أن يقولوا: إنّه ساحر، جاء بقول هو سحر، يُفرّق بين المرء وأبيه وأخيه، وزوجته وعشيرته، والدليل على ذلك ما أوجده من انشقاق وخلاف، وتفرّق بين أهل مكة الذين عُرِفوا بالوحدة والاتفاق.
وقد استمرّ أسلوبهم في الاتّهام والتشويش على شخصيّة النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله ، والرسالة التي جاء بها بكلّ الصور والمظاهر، فوصفوه بالكاهن تارةً، والساحر أُخرى، والمجنون ثالثة، وأنّه تعلّم من قِبَلِ رَجُلٍ نصراني يُدعى (بحيرا).
كما تمسّك بها الكثير من المستشرقين إلى يومنا هذا، فقالوا: إنّ الراهب بحيرا علّم النبيّصلىاللهعليهوآله أمور دينه التي درسها من كتابي الإنجيل والتوراة.
وهذه الاتّهامات في غاية التفاهة؛ وذلك لعدّة نقاط:
أوّلاً: أنّ النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله لم يمكث في رحلته التي التقى فيها هذا الراهب مرّةً أو مرّتين إلاّ أربعة أشهر، وهي فترة قصيرة لا يتمكّن أيّ إنسان
مهما كانت إمكانيّته من الإتيان بكلّ هذه العلوم التي حملها النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله .
وثانياً: لماذا لم يقم هذا الراهب بطرح هذه المعلومات التي ادّعوا أنّه علّمها للنبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله بنفسه حتى ينال شهرتها.
وثالثاً: لماذا اختار شخص النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله دون غيره؛ ليعرض عليه تلك المعلومات، بالرغم من كثرة الوفود في كلّ عام إلى الشام التي كان بحيرا فيها؟
ورابعاً: أنّ الراهب بحيرا نفسه هو الذي قال لأبي طالبعليهالسلام في شأن ابن أخيه النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله : إنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا، هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربّ العالمين، يبعثه رحمة للعالمين، احذر عليه اليهود؛ لئن رأوه وعرفوا ما أعرف ليقصدون قتله.
وخامساً: أنّه لو كان الذي علّم النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله (بحيرا الراهب) كما يدّعون، فلماذا لم يشرح النبيّ تلك العلوم منذ ذلك الوقت الذي كان النبيّصلىاللهعليهوآله في الثانية عشر من عمره إلى أن هبط عليه الوحي، كما يشير القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حيث يقول:( قُل لَّوْ شَاء اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) (1) .
فالآية تؤكّد على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لبث في قومه فترة طويلة لم يتلُ فيها
____________________
1- سورة يونس / 16.
سورة من القرآن ولا آية من آياته، فكلّ ما أخبر به هو ممّا أوحى به الله تعالى إليه بعد أن بعثه بالرسالة(1) .
وهكذا يتجرّأ القوم قديماً وحديثاً على النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وقد تظاهر عليه المشركون من قريش واليهود، والنصارى والمنافقون الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم قطّ، فجرّعوا النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله الغصص والآلام حتى قال: « ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت»(2) .
وهكذا هو حاله إلى أن دُسّ إليه السمّ، فمضى النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله مسموماً شهيداً؛ ولذا قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كتاب الاعتقادات: اعتقادنا في النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه سُمّ في غزاة خيبر، فما زالت هذه الأكلة تعاوده حتى قطعت أبهره فمات منها(3) .
وفي بصائر الدرجات أنّه قال عند وفاته: « اليوم قطعت مطاياي الأكلة التي أكلت بخيبر، وما من نبيّ ولا وصيّ إلاّ شهيد»(4) .
وفي رواية العيّاشي عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال يوماً لأصحابه: « تدرون مات النبيّ أو قتل؟ إنّ الله يقول: (أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)(5) فسُمّ قبل الموت، إنّهما سَمّتاه».
وفي رواية أُخرى عنهعليهالسلام :
____________________
1- انظر كتاب السيرة المحمديّة - للشيخ جعفر السبحاني / 38 - 39.
2- مناقب آل أبي طالب 3 - 42، كشف الغمة 3 / 346، جواهر المطالب 2 / 320، بحار الأنوار 39 / 56.
3- الاعتقادات في دين الإمامية / 72، عنه بحار الأنوار 27 / 214 ح17.
4- بصائر الدرجات / 523 ح5، مختصر بصائر الدرجات / 15، بحار الأنوار 17 / 405، و22 / 516.
5- سورة آل عمران / 144.
» إنّهما سقتاه - قبل الموت -».
فقلنا: أنّهما وأبوهما شرّ مَنْ خلق الله(1) .
ويمكن تفسير المرأة اليهودية بأحدهما، فلمّا دنت منه الوفاةصلىاللهعليهوآله ، واشتدّ به المرض، ونُعيت إليه نفسه بكى بكاءً شديداً.
فقيل: يا رسول الله أَوَ تبكي من الموت وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟
فقال: « أين هول المطّلع، وأين ضيق القبر، وظلمة اللحد، وأين القيامة والأهوال؟».
ثُمَّ نزل جبرئيل، وقال: السّلام عليك يا أبا القاسم.
فقال: « وعليك السّلام يا جبرئيل، ادنُ منّي».
فدنا منه، فقال النبي: « عند الشدائد لا تخذلني».
ثمّ نزل ملك الموت، وأقبل حتى وقف بين يديه وقال: يا أحمد، إنّ الله أرسلني إليك، وأمرني أن أطيعك فيما تأمرني، أتأمرني بقبض نفسك قبضتها، وإن كرهت كرهتها.
فقال النبيصلىاللهعليهوآله : « يا جبرئيل فما الذي ترى؟ فقد خيّرني ربّي بين لقائه والرجوع إلى الدنيا؟».
فقال جبرئيل:( وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) (2) ، إنّ الله اشتاق إلى لقائك.
فقال النبيّ: « يا ملك الموت، امضِ لما أُمرت به».
ثُمَّ جلس جبرئيل عن يمين رسول الله، وميكائيل عن يساره، وملك الموت بين يديه، وجعل يقبض روحه.
فقال جبرئيل: يا ملك الموت، احفظ وصيّة الله في روح مُحَمّد.
ثمّ مدّ النبيّ يده إلى علي وقال: « ادنُ منّي يا علي، فقد جاء أمر ربّي».
ثُمَّ جذب علياً تحت ثوبه وتحت فراشه، ووضع فاه على فيه، وجعل يناجيه مناجاةً طويلة، حتى فارقت روحُهُ الشريفة جسدَه، فانسلّ علي من تحت
____________________
1- تفسير العياشي 1 / 200 ح152، عنه بحار الأنوار 22 / 516 ح23.
2- سورة الضحى / 4 - 5.
الفراش باكياً حزيناً، ويقول: « عظّم الله أجوركم في نبيّكم».
فارتفعت الأصوات بالضجّة والبكاء، وضجّ أهل المدينة وجعلوا يحثون التراب على رؤوسهم، وينادون:
وا سيداه، وا نبيّاه، وا محمداه، وأبا القاسماه(1) :
وگع فوگه الحسن ويصيح يا جد |
گلبي من الحزن لجلك تمرّد |
|
ابعيني الكون يا جد صار أسود |
أعيش ايتيم جدّي بين عدوان |
|
شهيد الطفّ وگع ويلي اعله صدره |
يشمّه أو يندبه والعين عبرة |
|
يجدي امصابك المرمر يفسره |
حزني عليك منّه يسيخ نهلان |
ثمّ قام الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام بتجهيزهصلىاللهعليهوآله ، وبقي يوماً وليلة لم يوارَ الثرى؛ ليصلّي عليه أهل المدينة وضواحيها، وسُمِع هاتف في السماء ينادي ذلك اليوم: يا معشر المسلمين صلّوا على نبيّكم، فصلّى عليه الناس يوم الاثنين وليلة الثلاثاء حتى الصباح. صلّى عليه الكبير والصغير، والرجل والمرأة من أهل المدينة ومَنْ حولها، ثُمَّ دفن(2) .
وعن أنس بن مالك قال: لمّا فرغنا من دفن رسول الله أقبلت عليَّ فاطمة وقالت: يا أنس، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على وجه رسول الله التراب؟! ثُمَّ بكت وقالت: يا أبتاه(3) .
وكأّني بها تلتفت إلى أمير المؤمنينعليهالسلام قائلة:
____________________
1- الكوكب الدرّي 1 / 114 - 115.
2- انظر إعلام الورى 1 / 270.
3- سنن الدارمي 1 / 40 - 41، مسند أبي يعلي 6 / 110 - 111، المعجم الكبير 22 / 416.
غمّض اعيونه المصطفى خير البريه |
واسبل ايديه حين الدنت منه المنيه |
|
الزهره تنادي وتصفج ابراحٍ على راح |
تنادي يبويه اليوم عزّي گوّض او راح |
|
من بعد عينك يا ولينه اشلون نرتاح |
عگبك فلا يهنه الشرب والعيش ليه |
|
تنادي يبو الحسنين يا حلو الجهامه |
غَمّضْ اعيونه وشيل عن راسه العمامه |
|
سافر أو خلانه عگب عينه يتامه |
اشلون الصبر من بعد عينك يا شفيه |
|
چانت زهيه بنور ابو ابراهيم الاوطان |
وحلّت علينه من عگب عينه الاحزان |
|
إفراگك صعب يلمصطفى يا نور الأكوان |
هاي الخلگ نصبت على إمصابك عزيه |
|
نصبت على إمصابك عزيه أو تهمل العين |
تبچي او تحن وتنوح يا خير النبيين |
بس إبنك المظلوم ظل ابكربله اطعين |
مرمي ثلث تيام برض الغاضريه(1) |
(نصّاري)
ثلث تيام برض الغاضريه |
أبو السجاد ظل جسمه رميه |
|
أو راسه منگطع چبد الزچيه |
وابدمه عزيز امّه معفّر |
* * *
(تخميس)
صبروا يا كربلا ما جزعوا |
وعن الماء جميعاً مُنعوا |
|
آل طه أيَّ جُرمٍ صنعوا |
كم على تُربِكَ لما صُرّعوا |
من دمٍ سال ومن دمعٍ جرى
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،
وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون
والعاقبة للمتقين.
____________________
1- مجمع المصائب 4 / 37 - 39.
المجلس الثاني
في الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام
المجلس الثاني: في الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام
قُل لِشهرِ اللهِ قدْ أفجعْتَنْا |
بأبي السّبطين والصبرُ نفَدْ |
|
لستُ أنساهُ يُناجي ربَّه |
والدُجى مدَّ رواقاً وعقدْ |
|
يرقُبُ النّجمَ ويدعو قائلاً |
إنَّ هذا ما بهِ الهادي وعدْ |
|
ثُمّ لمّا أنْ قضى ليلتَه |
ساهرَ الجفنِ بطرْفٍ ما رقدْ |
|
جاء يسعى والقضا يرصُدهُ |
إنَّ للموتِ عيوناً ورصدْ |
|
وتراءى الموتُ بالبابِ لهُ |
حِينَ للميزر عِندَ البابِ شَدْ |
|
وأتى المسجدَ مقتولاً وفي |
وجههِ ضوءُ القناديلِ خمدْ |
|
وابتدى الفرض فصلّى السيفُ في |
رأسه يهوي على جرح ابن ودْ |
|
ونعاه جبرئيلُ قائلاً |
هُدّمتْ واللهِ أركانُ الرَّشدْ(1) |
* * *
____________________
1- القصيدة للمرحوم السيد مهدي الأعرجي (رحمه الله)، قال عنه السيّد جواد شبّر (رحمه الله) في أدب الطف:
السيّد مهدي الأعرجي ابن السيّد راضي ابن السيّد حسين ابن السيّد علي الحسيني الأعرجي البغدادي، ولد السيّد مهدي في النجف الأشرف سنة 1322 هـ ق، درس فنّ الخطابة على خاله الخطيب الشهير الشيخ قاسم الحلّي، زاول نظم الشعر وعمره أربعة عشر سنة، وأوّل قصيدة نظمها هي قصيدة في رثاء الإمام الحسن السبطعليهالسلام :
قضى الزكي فنوحوا يا محبيه |
وأبكو عليه فذي الأملاك تبكيه |
درس العربية والعروض على العلاّمة الكبير شيخ الأدب السيّد رضا الهندي (رحمه الله)، توفّي السيّد مهدي سنة 1359 هـ ق غريقاً بشط الفرات في الحلّة يوم الخامس من شهر رجب، جمع ديوانه شقيقه الخطيب السيّد حبيب.
وللسيد الأعرجي ظرف وخفّة روح، بالرغم من الجهمة التي لا تُفارق محيّاه، فلا تكاد تفوته النادرة والنكتة.
وأمّا ولاؤه لأهل البيتعليهمالسلام وتفانيه في حبّهم فهو من ألمع ميزاته، ولا زلت أتمثّله في المآتم الحسينية
=
(موشّح)
سيف الله انطبر بالسيف |
واتخضّب ابمحرابه |
|
وأظلم كونها الفرگاه |
أوماج العرش لمصابه |
|
يا موت الزلم يا ليث |
يلمنّك يهاب الموت |
|
يا جاذب أرواح إعداك |
إبيوم الحرب يا لاهوت |
|
إشلون إجدام المرادي |
لعد حدّك تصل واتفوت |
وانته البالحرب فتّاك***حتى الگدر ما يدناك***تشهد لك مواضي اعداك
يوم الجدّلت بن ود |
أو سيفك شتّت أحزابه |
(أبوذية)
علي يا آية الباري وسمها |
يمَنْ سيفك العدوانك وسمها |
|
تضهدك طبرة الطاغي وسمها |
عجب وانته الفحل حامي الحميه |
* * *
____________________
=
يجهش بالبكاء، وقد أفنى عمره في خدمة المنبر الحسيني.(أدب الطفّ 9 / 193 - 198).
روى ابن عباس عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال لعليعليهالسلام : « لو أنَّ البحرَ مدادٌ، والغياضَ أقلامٌ، والإنسَ كتّابٌ، والجِنَّ حُسّابٌ، ما أحصَوا فضائِلَكَ يا أبا الحسن»(1) .
من المسلَّم عندنا نحن الإمامية نزاهة المعصوم عن الكذب جِدّه وهزله، بل وحتى المبالغة في الكلام، وإنّما المراد من قولهمعليهمالسلام دائماً هو الحقيقة، إلاّ إذا دلّت دلائل قطعية أنّهمعليهمالسلام في مقام التقيّة أو ما شاكل ذلك.
وإذا أراد المتكلّم الحديث عن فضائل ومناقب الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام يجد نفسه حائراً من أين يبدأ وإلى أين يسير ومتى ينتهي، ولكن ما أن يعثر على هذا الحديث الذي نقلته مصادر متعدّدة حتى يثلج صدره؛ لكونه وجد عذراً، وهو العجز.
والحقّ إنّنا عاجزون عن الإلمام والإحصاء لفضائلهعليهالسلام ، بعد هذا التصريح من النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) في عدم إمكان ذلك.
فالنبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله كشف عن هذه الحقيقة الراسخة في أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ لكونه أعرف الناس به بعد الله سبحانه وتعالى.
والإمامعليهالسلام هو كعيسى بن مريمعليهالسلام الذي هو كلمة الله، كما أشارت إلى ذلك بعض
____________________
1- مناقب الخوارزمي / 328، ينابيع المودّة 2 / 285 مع تبديل غياض بـ(رياض) والمراد واحد، بحار الأنوار 40 / 75 ح113.
الروايات في تفسير قوله تعالى:( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) (1) .
وقد روي عنهعليهالسلام أنّها نزلت فيه، كما روى ربيعة بن ناجد عنهعليهالسلام ذلك(2) .
وكلمات الله لا تنفد، فكذلك فضائل عليعليهالسلام لا تنفد؛ لأنّه من تلك الكلمات التي قال تبارك وتعالى فيها:( قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ) (3) ، وقوله تعالى:( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ) (4) .
(والمقصود من ذلك: أنّ هذا البحر مع بحار متكثّرة منضمّة إليه لو صارت مواد، وصارت الأشجار كلّها أقلاماً لا يفي بكلمات الله وآياته وعلومه. إنّ الله عزيز، غالب قاهر على جميع ما سواه، فلا يعجز عن شيءٍ، حكيم يفعل ما يشاء وعلى وفق الحكمة فلا يشك عمّا يفعل، ومن جملته إفاضة العلوم الغير المحصورة على الوجه المذكور إلى وليّ الأمر)(5) .
____________________
1- سورة الزخرف / 57.
2- النور المشتعل / 220.
3- سورة الكهف / 109.
4- سورة لقمان / 27.
5- شرح أصول الكافي 6 / 9.
فهذا العالم الجليل يصرّح بأنّه من مقتضى حكمته إفاضة العلوم غير المحصورة على الإمامعليهالسلام ، وهذا منه عين الصواب؛ لأنّ إفاضة العلوم غير المحصورة هي من أمّهات الفضائل التي يشملها الحديث الذي افتتحنا به الكلام.
ولكن مع هذا كلّه، لا يمكن لنا أن نمرّ بمثل الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام من دون أن نطلعك على بعض فضائله ومناقبه؛ لأنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه أو جلّه.
فنحن وإن عجزنا عن الإحصاء، كعجز الغياض والجنّ والبحار، فهذا لا يعني أنّنا لا نعرف شيئاً من هذه الفضائل؛ فقد حدّثنا التاريخ والسير عن فضائله من دون أن يدّعي أحد الإحصاء.
وفضائله عجيبة غريبة متضادّة؛ ولذا قال صفي الدين الحلّي:
جُمِعتْ في صفاتِك الأضدادُ |
فلهذا عزَّت لك الأندادُ |
|
زاهدٌ حاكمٌ حليمٌ شجاعٌ |
فاتكٌ ناسكٌ فقيرٌ جوادُ |
|
شِيَمٌ ما جُمعْنَ في بشرٍ قطْ |
ولا حاز مثلَهنَّ العبادُ |
|
خُلُقٌ يُخجِلُ النسيم من اللطف |
وبأسٌ يذوبُ منه الجمادُ(1) |
____________________
1- منتهى الآمال 1 / 304.
الفضيلة الأولى: سبقه في الإسلام
وأوّل تلك الفضائل والمفاخر لهعليهالسلام سبقه في الإسلام وتقدّمه، أو بعبارة أصح تجاهره بالإسلام القديم؛ لأنّهعليهالسلام كان موحّداً منذ نعومة أظفاره، ولم يتلوّث بالوثنية بتاتاً؛ حتى يكون إسلامه عبارة عن الرجوع عن عبادة الأصنام، كما هو الحال عند أكثر الصحابة.
إنّ للسبق في الإسلام قيمة عوّل عليها القرآن الكريم وأشادَ بها، وقد أعلن صراحة بأنّ للسابقين في الإسلام منزلة وقيمة هناك، حيث يقول:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (1) .
إنّ اهتمام القرآن الخاص بموضوع السبق في الإسلام، والتقدّم فيه بقدر من الأهمية حتى أنّه عدّ الذين آمنوا قبل فتح مكة، وقدّموا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله أفضل من الذين آمنوا وجاهدوا بعد الفتح، حيث يقول الباري (عزّ وجلّ):( لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ) (2) ، فكيف بالذين آمنوا وأسلموا قبل الهجرة، وفي السنين الأولى من ظهور الإسلام؟
والسبب في أفضلية إيمان المسلمين قبل فتح مكة في العام الثامن من الهجرة، هو أنّهم آمنوا في الوقت الذي لم يبلغ الإسلام ذروة عظمته في
____________________
1- سورة الواقعة / 10 - 11.
2- سورة الحديد / 10.
جزيرة العرب، ولم يزل مركز الوثنيين وعَبَدة الأصنام قائماً كقلعة صامدة، والأخطار تهدّد نفوس وأموال المسلمين من كلّ حدب وصوب...، وبهذا يتّضح جيّداً مدى قيمة الإيمان في تلك الفترة.
وقد يسأل سائل ما هي أدلّة سبق الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام وتقدّمه في الإسلام؟
الجواب: هناك أدلّة عديدة نذكر بعضاً منها على سبيل المثال:
أوّلاً: قد صرّح نبيّ الإسلام، وقبل الكلّ بتقدّم الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام وسبقه، حيث قالصلىاللهعليهوآله : « أوّلكم وروداً عليّ الحوض أوّلكم إسلاماً، علي بن أبي طالب»(1) .
ثانياً: ما ذكره الإمام نفسه حيث قال: «اللّهمّ إنّي أوّل مَنْ أناب وسمع وأجاب، ولم يسبقني إلاّ رسول الله بالصلاة»(2) .
وثالثاً: قالعليهالسلام أيضاً: « أنا عبد الله، وأخو رسوله، وأنا الصِّدِّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلاّ كاذب مفتري، صلّيت مع رسول الله قبل الناس سبع سنين»(3) .
إلى غير ذلك من الأدلّة.
____________________
1- المستدرك على الصحيحين 3 / 136، كنز العمّال 11 / 616 ح32991، الكامل 4 / 291، الفصول المختارة / 262، المسترشد / 354، بحار الأنوار 38 / 256.
2- نهج البلاغة 2 / 13 - 14، بحار الأنوار 74 / 295، النزاع والتخاصم / 43.
3- الاحتجاج 1 / 206، نهج الأيمان / 515 - 516، تنبيه الغافلين / 83.
كان جهادهعليهالسلام ، وعظيم بلائه في الحروب والغزوات أكثر من جميع المسلمين، ولم يصل أحد إلى درجته ومرتبته، فقد قتل في غزوة بدر الكبرى - وهي أوّل غزوة امتحن الله تعالى بها المؤمنين - الوليد وشيبة، والعاص وحنظلة، وطعمة ونوفل وغيرهم من صناديد العرب، وشجعان المشركين وفرسانهم حتى قتل نصف المشركين في تلك المعركة بيدهعليهالسلام ، والنصف الآخر بيد المسلمين والملائكة التي نزلت لنصرتهم(1) .
وثبت في غزوة أحد، ولم يفرّ، وبقي محامياً عن الرسولصلىاللهعليهوآله يردّ عنه الأعداء حتى أُثخِنَ بالجراح، وقتل أبطال المشركين وصناديدهم، فنادى جبرئيلعليهالسلام بين الأرض والسماء: (لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي)(2) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حقّه يوم الأحزاب الذي قتلعليهالسلام فيه عمرو بن عبد ود، فوقع الفتح والظفر للمسلمين: « ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين»(3) .
وفي غزوة خيبر قتل مرحباً اليهودي، وأخذ باب الحصن فقلعها بيده
____________________
1- انظر شرح الأخبار1 / 262 - 266.
2- شرح الأزهار 4 / 526، الكافي 8 / 110، علل الشرائع 1 / 7، نهج الأيمان / 530، مناقب الخوارزمي / 37، ذكره في معركة بدر، ومثله في البداية والنهاية 7 / 372.
3- شرح أصول الكافي 12 / 412، ينابيع المودة 1 / 412 مع تغيير الثقلين بـ (أعمال أُمّتي إلى يوم القيامة).
الشريفة، وقذفها مسافة أربعين ذراعاً فلم يقدر على رفعها أربعون نفراً، حتى قال ابن أبي الحديد ما دحاً إيّاهعليهالسلام :
يا قالعَ البابَ الذي عن هزّها |
عجزت أكفٌ أربعونَ وأربعُ(1) |
وفي غزوة حنين خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله في عشرة آلاف مقاتل، فتعجّب أبو بكر من كثرتهم فحسدهم، فانهزموا كلّهم، ولم يبقَ مع الرسولصلىاللهعليهوآله إلاّ نفر كان على رأسهم علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فقتل أبا جرول، فانهزم المشركون ورجع المسلمون المنهزمون(2) .
وقس على هذا باقي الغزوات والحروب التي ضبطها أرباب السير والتاريخ، فالمتتبّع لها يعلم كثرة جهادهعليهالسلام ، وشجاعته وعظيم بلائه في تلك الغزوات(3) .
التي عجز عن وصفها الواصفون، فقد كانعليهالسلام أعبد الناس، بل هو سيّد العابدين ومصباح المتهجّدين، كثير الصلاة، دائم الصوم، وقد تعلّم الأولياء منهعليهالسلام إقامة الليل، والتهجّد وصلاة الليل والنوافل، وقد أوقدوا شمعة اليقين في الدين من مشعله الوضّاء، قد كَثُرت ثفنات جبينه النوراني من
____________________
1- القصائد السبع العلويات / 65، القصيدة السادسة البيت (40).
2- انظر إعلام الورى1 / 387، كشف الغمّة 1 / 222، الإرشاد 1 / 143.
3- منتهى الآمال 1 / 285 - 286.
كثرة السجود، وقد بلغ في محافظته على النوافل - خصوصاً صلاة الليل - مبلَغاً لم يكن يتركها أبداً، حتى إنّه في حرب صفين في ليلة الهرير فرش نطعاً وأخذ يصلّي، والسهام تتساقط عن يمينه وشماله، لكنّه لم يتزلزل ولم يحصل في نفسه شيء منها، وبقي يداوم على الصلاة آنذاك حتى أتمّها(1) .
ولمّا أصابه سهم في رجله وأرادوا إخراجه صبروا حتى انشغلعليهالسلام بالصلاة، ثُمَّ أخرجوه حتى لا يحسّ بالألم؛ لأنّه كان إذا صلّى ووقف بين يدي خالقه لم يلتفت إلى غيره أبداً، وقد ثبت أنّهعليهالسلام كان يصلّي في كلّ ليلة ألف ركعة، ولقد كان يُغشَى عليه بعض الليالي خوفاً من الله وخشيته(2) .
وفي أمالي الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير قال: كنّا جلوساً في مجلس في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: يا قوم، ألا أخبركم بأقلّ القوم مالاً، وأكثرهم ورعاً، وأشدّهم اجتهاداً في العبادة؟
قالوا: مَنْ؟
قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام .
ثمّ انتدب له رجل من الأنصار، فقال له: يا عويمر، لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها.
فقال أبو الدرداء: يا قوم، إنّي قائل ما رأيت، وليقل كلّ قومٍ منكم ما رأوا، شهدتُ علي بن أبي طالب بشويحطات النجار وقد اعتزل عن مواليه، واختفى ممّن
____________________
1- انظر مناقب آل أبي طالب 1 / 388، حلية الأبرار 2 / 178 ح11، بحار الأنوار 41 / 17، وسائل الشيعة 4 / 246 - 247 ح2.
2- منتهى الآمال 1 / 295.
يليه، واستتر بمغيلات النخيل، فافتقدته وبَعُد عليَّ مكانه، فقلت: لَحِقَ بمنزله، فإذا بصوت حزين، ونغمة مشجي، وهو يقول: « إلهي، كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنقمتك، وكم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك. إلهي، إن طال في عصيانِك عُمري، وعَظُمَ في الصحف ذنبي، فما أنا مُؤمِّل غيرَ غفرانِك، ولا أنا براجٍ غيرَ رضوانك».
يقول أبو الدرداء: فشغلني الصوت، واقتفيت الأثر، فإذا هو علي بن أبي طالبعليهالسلام بعينه، فاستترت له، وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغاير، ثمّ فرغ إلى الدعاء والبكاء، والبث والشكوى، فكان ممّا به الله ناجه أن قال: « إلهي، أفكّرُ في عفوك فتهون عليّ خطيئتي، ثُمَّ أذكر العظيمَ من أخذِك فتعظُمُ عليّ بليّتي».
ثُمَّ قال: « آهٍ إن أنا قرأتُ في الصحف سيئةً أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول: خذوه، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرتُهُ، ولا تنفعه قبيلتُه، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء».
ثُمَّ قال: « آهٍ من نار تنضج الأكباد والكلى، آهٍ من نار نزّاعة للشوى، آهٍ من غمرة من ملهبات لظى».
قال: ثُمَّ أنعم في البكاء، فلم أسمع له حسّاً ولا حركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، أوقظه لصلاة الفجر.
قال أبو الدرداء: فأتيته، فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحرّكته فلم يتحرّك، وزويته فلم ينزوِ، فقلت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، مات واللهِ عليُ بن أبي طالب.
قال: فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم، فقالت فاطمةعليهاالسلام : « يا أبا الدرداء، ما كان من شأنه ومن قصته؟».
فأخبرتها الخبر، فقالت: « هي واللهِ يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله».
ثُمَّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق، ونظر إليّ وأنا أبكي، فقال: « ممّ بكاؤك يا أبا الدرداء؟».
فقلت: ممّا أراه مُنزِلَهُ بنفسك.
فقال: « يا أبا الدرداء، فكيف لو رأيتني ودُعِيَ بي إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ، وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبّار، قد أسلمني الأحبّاء، ورحمني أهل الدنيا لكنتَ أشدّ رحمة لي بين يدي مَنْ لا تخفى عليه خافية».
فقال أبو الدرداء: فو اللهِ ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله (1) .
نعم، هكذا كانت عبادتهعليهالسلام أذهلت العقول وحيّرتها، وعلى طريقته التي دأب عليها خرج الإمام أمير المؤمنين في الليلة التاسعة عشرة متوجّهاً إلى المسجد، وكان عدوّ الله ابن ملجم الخارجي متخفّياً في بيوت الخوارج يتحيّن الفرصة بأمير المؤمنينعليهالسلام ، فجاء ابن ملجم إلى المسجد ونام مع الناس مُخْفِياً سيفه تحت إزاره.
ولمّا وصل الإمامعليهالسلام إلى المسجد صلّى ركعتين، ثُمَّ صعد المأذنة فأذّن، ثُمَّ نزل وهو يسبّح الله ويكثر من الصلاة على النبيّ وآله.
وكان من عادتهعليهالسلام يتفقّد النائمين في المسجد وهو يقول: « الصلاة يرحمك الله، إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ».
حتى وصل إلى ابن ملجم وهو نائم على وجهه، فقال له: « يا هذا، قم من نومتك؛ فإنّها نومة يمقتها الله، وهي نومة الشيطان».
ثُمَّ اتّجه نحو المحراب يصلّي، وكان يطيل
____________________
1- أمالي الشيخ الصدوق / 137 - 139 ح9، روضة الواعظين / 111 - 112، مناقب آل أبي طالب 1 / 389، بحار الأنوار 41 / 11 ح1 عن الأمالي.
الركوع والسجود في صلاته، فقام الشقيُّ ابن ملجم حتى وقف بإزاء الأسطوانة التي يصلّي عندها الإمام، فأمهله حتى ركع وسجد السجدة الأولى ورفع رأسه منها، فتقدّم اللعين وأخذ السيف وهزّه، ثُمَّ ضرب الإمام على رأسه الشريف، فوقع الإمام على وجهه يخور بدمه قائلاً: « بسم الله وبالله، وعلى ملّة رسول الله، فزتُ وربِّ الكعبة، قتلني ابن اليهودية، لا يفوتنكم الرجل»(1) .
بالمحراب أويلي طاح أبو حسين |
أو دم الراس يتفايض على العين |
|
يومٍ طاح أبو الحسنين مجروح |
ثار اصياح لهل العرش بالنوح |
|
طبره اشلون طبره تشعب الروح |
تشوف السم أو دم الراس لونين |
ثمّ حملوهعليهالسلام ببساط إلى منزله، وكأنّي به لمّا قاربوا البيت التفتعليهالسلام إلى أولاده، وقال: أنزلوني، ودعوني أمشي على قدمي.
قالوا: لماذا يا أمير المؤمنين؟
قال: أخشى أن تراني ابنتي زينب بهذه الحالة فيتصدّع قلبها.
أقول: يا أمير المؤمنين، لقد انصدع قلب زينب بعدك، وذلك عندما رأت رأس أخيها على رمح طويل، وكأنّي بها تخاطب حامل الرأس:
يشايل راس حامينه أو ولينه |
ريّض خلّي اتودعه اسكينه |
|
ليش احسين ساكت عن ونينه |
گلي تعب يو جرحه تخدّر |
____________________
1- انظر مناقب آل أبي طالب 3 / 95، بحار الأنوار 42 / 239، أنساب الأشراف / 487 - 488، الإمامة والسياسة 1 / 180.
يا شيّال راسه لا تلوحه |
أو هبّط عن بگايا الروس رمحه |
|
أخاف ايفوت ريح الهوه ابجرحه |
وأصوابه عليه ايگوم يسعر |
هذا حال رأسِه، وأمّا حال جسدِه الشريف، فأخاطب أمير المؤمنين أقول له سيّدي:
على احسين ما خلّوا تره اثياب |
وساده الرمل واكفانه احراب |
|
واعتب وأكثّرلك بالاعتاب |
بناتك سبوهن گوم الأجناب |
لا خدر ظل أولا بگه احجاب
* * *
هذهِ زينبٌ ومن قبلُ كانت |
بحمى دارها تحطُّ الرحالُ |
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،
وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون
والعاقبة للمتقين.
المجلس الثالث
في الصدّيقة فاطمة الزهراءعليهاالسلام
المجلس الثالث: في الصدّيقة فاطمة الزهراءعليهاالسلام
الواثبينَ لظُلمِ آلِ مُحَمّد |
ومُحمّدٌ ملقىً بِلا تكفينِ |
|
والقائلينَ لفاطمٍ آذيتِنا |
في طُولِ نوحٍ دائمٍ وحنينِ |
|
والقاطعينَ أراكةً كي ما تقيل |
بظلِّ أوراقٍ لها وغُصونِ |
|
ومجمّعي حطبٍ على البيت الذّي |
لم يجتمع لولاه شملُ الدينِ |
|
والداخلينَ على البتولةِ بيتَها |
والمُسقطينَ لها أعزَّ جنينِ |
|
والقائدينَ إمامَهم بنجادهِ |
والطُّهرُ تعدو خلفَهم برنينِ |
|
خلّوا ابن عمّي أو لأكشفَ للدُعا |
رأسي وأشكو للإلهِ شُجوني |
|
ما كان ناقةُ صالحٍ وفصيلُها |
بالفضلِ عِندَ اللهِ إلاّ دوني |
|
ورنت إلى القبرِ الشريفِ بمُقلةٍ |
عبرى وقلبٍ مُكمَدٍ محزونِ |
|
قالت وأظفارُ المُصاب بقلبِها |
غوثاه قلَّ على العِداةِ مُعيني |
|
أيُّ الرزايا اتّقي بتجلُّدي |
هي في النوائب ما حَييِتُ قريني |
|
فقدي أبي أم غصبَ بعلي حقَّه |
أم كسرَ ضلَعي أم سقوطَ جنيني |
|
أم أخذَهم إرثي وفاضلَ نِحلتي |
أم جهلَهم حقّي وقدْ عرفوني(1) |
* * *
____________________
1- القصيدة للشيخ صالح الكواز الحلّي (رحمه الله)، قال عنه السيّد جواد شبّر (رحمه الله) في أدب الطفّ:
الشيخ صالح الكواز هو أبو المهدي ابن الحاج حمزة عربي المحتد، يرجع في الأصل إلى قبيلة (الخضيرات) إحدى عشائر شمّر المعروفة في نجد والعراق، ولد سنة 1233 هـ وتوفّي في شوال سنة 1290هـ، فيكون عمره 57 سنة، ودفن في النجف الاشرف.
كان على جانبٍ عظيمٍ من الفضل والتضلّع في علمي النحو والأدب. كان يتعاطى مهنة أبيه، وهي بيع (الكيزان) والجرار والأواني الخزفية؛ ولذلك اشتهر بالكواز.
ومع رقّة حاله، وضعف ذات يده يترفّع عن التكسّب بشعره
=
(بحراني)
يا ليت عينك شاهدتني وشافت الصار |
يا والدي من اختارك الواحّد القّهار |
|
هجموا عليَّ ونبّتوا بالصدر مسمار |
وسياط قنفذ سوّت بمتني الرسوم |
* * *
يبويه الگوم بعدك لوعوني |
إجو للباب بويه أوروعوني |
|
وره الباب يا بويه اعصروني |
وطحت بويه وتجري منّي العين |
* * *
____________________
=
سُئل الحاج جواد بَذقت - أبرع شعراء كربلاء المشهورين في عصر الكواز - عن أشعر من رثى الإمام الحسينعليهالسلام .
فقال: أشعرهم مَنْ شبّه الحسين بنبيّين من أولى العزم في بيت واحد، وهو الشيخ صالح الكواز بقوله:
كأنَّ جسمَك موسى مذ هوى صعقا |
وأنَّ رأسك روح الله مذ رُفعا |
(أدب الطفّ 7 / 214 - 217).
قال تعالى في محكم كتابه الكريم:( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ) (1) .
السبب المذكور في نزول هذه الآية المباركة هو: أنّ نفراً من اليهود ومعهم (حي بن أخطب) وأخوه جاؤوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله واحتجّوا بالحروف المقطّعة (الم) وقالوا: بموجب حساب الحروف الأبجدية، فإنّ الألف في الحساب الأبجدي تساوي الواحد، واللام تساوي الثلاثين، والميم تساوي الأربعين، وبهذه فإنّ فترة بقاء أُمّتك لا تزيد على إحدى وسبعين سنة.
ومن أجل أن يلجمهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله تسائل، وقال ما معناه: لماذا حسبتم (ألم) وحدها؟ ألم تروا أنّ في القرآن (المص) و (الر) ونظائرها من الحروف المقطّعة، فإذا كانت هذه الحروف تدلّ على مدّة بقاء أُمّتي فلماذا لا تحسبونها؟ وعندئذٍ نزلت هذه الآية تردّ عليهم(2) .
والخطاب موجّه للنبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله ، فتقول الآية:( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ ) أي آيات صريحة وواضحة، والتي تعتبر الأساس والأصل لهذا الكتاب السماوي( هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ) ، ثُمَّ إنّ هناك آيات أُخرى غامضة بسبب علوّ مفاهيمها وعمق معارفها، أو جهات أُخرى
____________________
1- سورة آل عمران / 7.
2- معاني الأخبار / 23 - 24. عنه تفسير الأمثل 2 / 385 - 395.
( وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) .
والمُلفت للنظر أنَّ هناك آية قرآنية دلّت على أنَّ القُرآنَ بكلّيته محكم، وأُخرى دلّت على أنّه بكلّيته متشابه، وثالثة دلّت على أنَّ بعضَه مُحكم وبعضَه مُتشابه.
أمّا التي دلّت على أنَّ القُرآنَ بكلّيته مُحكم فهي قوله تعالى:( الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ) (1) ، وهو ظاهر في أنّ جميعه محكم.
وأمّا التي دلّت على أنَّ جميع القرآن متشابه، فهي قوله تعالى:( كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ ) (2) ، وهي ظاهرة في كون القُرآن الكريم متشابهاً يشبه بعضه بعضاً.
أمّا الآية التي دلّت على أن بعضه محكم، وبعضه متشابه فهي الآية محلّ البحث.
وللجمع بين الآيتين والآية محلّ البحث يُقال: أنّ الآية التي بيّنت أنّ القرآن جميعه محكم، معناها أنّ القرآن فصيح الألفاظ، صحيح المعاني، ولا يتمكّن أحد من الإتيان بكلام يُساويه مهما بلغت رتبته، فهذا معنى وصفه جميعاً بأنّه محكم.
والآية التي ذكرت أنّ القرآن متشابه، أنّه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والصدق، وإليه الإشارة بقوله تعالى:( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيه
____________________
1- سورة هود / 1.
2- سورة الزمر / 23.
اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) (1) ، أي لكان بعضه وارداً على نقض الآخر، ولتفاوت نسق الكلام في الفصاحة والركاكة(2) .
المحكم: من الإحكام وهو المنع؛ ولهذا يُقال للمواضع الثابتة القويّة: (محكمة)، أي أنّها تمنع عن نفسها عوامل الزوال، كما أنّ كلّ قولٍ واضح وصريح لا يعتريه أيّ احتمال للخلاف يُقال له (قول محكم).
وعليه فالآيات المحكمات هي الآيات ذات المفاهيم الواضحة التي لا مجال للجدل والخلاف بشأنها، كآية:( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) وغيرها.
وهذه الآيات المحكمات تسمّى في القرآن الكريم (أُمّ الكتاب)، أي هي الأصل والمرجع، والمفسِّرة والموضِّحة للآيات الأُخرى.
(والمتشابه): هو ما تشابهت أجزاؤه المختلفة؛ ولذلك فالجُمَل والكلمات التي تكون معانيها معقّدة، وتنطوي على احتمالات مختلفة توصف بأنّها (متشابهة)، وهذا هو المقصود من وصف بعض آيات القرآن بأنّها (متشابهات)، أي الآيات التي تبدو معانيها لأوّل وهلة معقّدة، وذات احتمالات متعدّدة، ولكنّها تتّضح معانيها بعرضها على الآيات المحكمات،
____________________
1- سورة النساء / 82.
2- التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) 7 / 179.
ومن أمثلة الآيات المتشابهة قوله تبارك وتعالى:( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (1) .
وتعتبر الآيات المحكمات بمثابة الطريق الرئيسي، والمتشابهات أشبه بالشوارع الفرعية، ولا شك أنّ الإنسان إذا ضلّ في طريق فرعي يسعى جاهداً للوصول إلى الطريق الرئيسي؛ ليتبيّن طريقه الصحيح فيسلكه.
ومن هنا عبّر القرآن عن المحكمات بـ (أُمّ الكتاب)؛ إذ أنّ لفظة (أُمّ) في اللغة تعني الأصل والأساس، وإطلاق الكلمة على (الأُمّ) أي الوالدة؛ لأنّها أصل الأسرة والعائلة، والملجأ الذي يفزع إليه أبناؤها لحلّ مشاكلهم، وعلى هذا فالمحكمات هي الأساس الجذر، والأُمّ بالنسبة للآيات الأُخرى(2) .
إنّ القرآن جاء نوراً لهداية عموم الناس، فما سبب احتوائه على آيات متشابهات فيها إبهام وتعقيد بحيث يستغلها المفسدون لإثارة الفتنة؟
ويمكن الجواب عن هذا التساؤل بالوجوه التالية:
أوّلاً: أنّ الألفاظ والكلمات التي يستعملها الإنسان للحوار هي لرفع حاجته اليومية في التفاهم، ولكن ما إن نخرج من نطاق حياتنا المادية وحدودها، كأن نتحدث عن الخالق الذي لا يحدّه أيّ لون من الحدود، نجد
____________________
1- سورة الفتح / 10.
2- تفسير الأمثل 2 / 396 - 398. باختصار وتصرّفٍ يسير جدّاً.
بوضوح أنّ ألفاظنا تلك لا تستوعب هذه المعاني، فنضطر إلى استخدام ألفاظ أُخرى، وإن كانت قاصرة لا تفي بالغرض تماماً من مختلف الجهات، وهذا القصور في الألفاظ عندنا هو منشأ الكثير من متشابهات القرآن.
ثانياً: أنّ كثيراً من الحقائق تختصّ بالعالَم الآخر، أو بعالَم ما وراء الطبيعة ممّا هو بعيد عن أفق تفكيرنا، وإنّنا بحكم وجودنا ضمن حدود سجن الزمان والمكان غير قادرين على إدراك كُنهها العميق؛ لقصور أفق تفكيرنا من جهة، وسموّ تلك المعاني من جهة أُخرى.
وهذا سبب آخر من أسباب التشابه في بعض الآيات كالتي تتعلّق بيوم القيامة مثلاً.
وهذا أشبه بالذي يريد أن يشرح لجنين في بطن أُمّه مسائل هذا العالم الذي لم يره بعد، فهو إذا لم يقل شيئاً يكون مقصِّراً، وإذا قال كان لا بدّ له أن يتحدّث بأسلوب يتناسب مع إدراكه.
ثالثاً: من أسرار وجود المتشابهات في القرآن إثارة الحركة في الأذهان والعقول، وإيجاد نهضة فكرية بين الناس.
وهذا أشبه بالمسائل الفكرية المعقّدة التي يعالجها العلماء؛ لتقوية أفكارهم، ولتعميق دقتهم في المسائل.
رابعاً: النقطة الأُخرى التي ترد بشأن وجود المتشابهات في القرآن وتؤيّدها أخبار أهل البيتعليهمالسلام هي: أنّ وجود هذه الآيات في القرآن يُصوّر حاجة الناس إلى القادة الإلهيين والنبيّصلىاللهعليهوآله والأوصياء، فتكون سبباً يدعو الناس إلى البحث عن هؤلاء، واعتراف بقيادتهم عملياً، والاستفادة من
علومهم الأُخرى أيضاً، وهذا أشبه ببعض الكتب المدرسية التي أُنِيطَ فيها شرح بعض المواضيع إلى المدرّس نفسه؛ لكي لا تنقطع علاقة التلاميذ بأستاذهم، ولكن يستمروا بسبب حاجاتهم هذه في التزوّد منه على مختلف الأصعدة.
وهذا أيضاً مصداق وصية رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، حيث قال: « إنّي تارك فيكم الثقلين؛ كتاب الله وأهل بيتي، وأنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»(1) .
ثمّ انتقلت الآية المباركة بعد هذا التفصيل للآيات بأنّ منها محكم ومنها متشابه، فذكرت أنّ الذين في قلوبهم زيغ لا يتّبعون الآيات المحكمة؛ لوضوحها وعدم انطلائها على الناس، فيتّخذون أسلوباً آخر وهو ما أشارت إليه الآية، حيث قالت:( فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ) .
فهذه الآيات المتشابهة إنّما ذُكِرت لاختبار العلماء الحقيقيين، وتميّزهم عن الأشخاص المعاندين اللجوجين، الذين يطلبون الفتنة؛ فلذا يفسّرون هذه الآيات المتشابهة وفقاً لأهوائهم، ويضلّون الناس ويشبّهون عليهم، بسبب الانحراف عن الخطّ المستقيم والتمايل إلى جهة.
والزيغ في القلب: بمعنى الانحراف العقائدي عن الصراط المستقيم.
____________________
1- الإرشاد 1 / 176، كنز الفوائد / 152، أمالي الشيخ الطوسي / 255 ح52، الطبقات الكبرى 2 / 194، الكامل 6 / 67، تاريخ مدينة دمشق 54 / 92، سير أعلام النبلاء 9 / 365، مناقب الخوارزمي / 154، فضائل الصحابة / 15، مسند أحمد 5 / 182، والحديث متواتر، وانظر تفسير الأمثل 2 / 398 - 400.
فهم بعقولهم المنحرفة يحاولون أن يؤوّلوا الآيات بصورة تخالف حقيقتها، وكما ذكرنا في سبب نزول هذه الآية أنّ بعض اليهود أوّلوا تلك الحروف المقطّعة في القرآن تأويلاً لا يتّفق مع الحقيقة، فقالوا إنّها تحدّد عمر الإسلام.
وما هذا التأويل إلاّ لأجل إثارة الفتنة بين الناس، غير أنّ الله تبارك وتعالى والراسخين في العلم - وهم خلفاء الله في الأرض - يعرفون أسرار هذه الآيات ويشرحونها للناس، فهم بعلمهم الواسع يفهمون المتشابهات، كما يفهمون المحكمات؛ ولذ انتقلت الآية وقالت:( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ) .
وهناك نقاش بين المفسّرين والعلماء حول الواو في هذه الآية في قوله (والراسخون) هل هي حرف عطف، أم حرف استئناف وتكون الجملة مستقلة؟
ولكلِّ واحد من الفريقين أدلّته وشواهده، غير أنَّ الروايات المروية عن أهل بيت العصمة والطهارة ذكرت أنّ الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وأوضحت مصداقهم وأنّهم مُحَمّد وآلُ مُحَمّدعليهمالسلام ، كما في رواية أبي الصباح الكناني قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : « نحن قوم فرض الله (عزّ وجلّ) طاعتنا، لنا الأنفال، ولنا صفو المال، ونحن الراسخون في العلم».
وفي رواية أُخرى أنّهعليهالسلام قال: « آل مُحَمّد الراسخون في العلم»(1) .
____________________
1- انظر تفسير البرهان 2 / 8 - 9 ح5 وح7، تفسير كنز الدقائق 2 / 17.
ويمكن الاستدلال على ذلك:
أوّلاً: يستبعد كثيراً أن تكون في القرآن آيات لا يعلم أسرارها إلاّ الله وحده، ألم تنزل هذه الآيات لهداية البشر وتربيتهم؟ فكيف يمكن أن لا يعلم بمعانيها وتأويلها حتى النبيّ الذي نزلت عليه؟
وثانياً: إذا كان القصد هو أنّ الراسخين في العلم يسلّمون لما لا يعرفونه، لكان الأولى أن يُقال: والراسخون في الإيمان يقولون آمنّا به؛ لأنّ الرسوخ في العلم يتناسب مع العلم بتأويل القرآن، ولا يتناسب مع عدم العلم به والتسليم له.
ثمّ انتقلت الآية وختمت ذلك بقوله تعالى:( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ) تشير هذه الجملة في ختام الآية إلى أنّ هذه الحقائق يعرفها المفكّرون وحدهم، فهم الذين يدركون لماذا ينبغي أن يكون في القرآن (محكمات) و (متشابهات)، وهم الذين يعلمون أنّه يجب وضع المتشابهات إلى جانب المحكمات لكشفها؛ لذلك روي عن الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام أنّه قال: « مَنْ ردّ متشابه القرآن إلى محكمه هُدِيَ إلى صراط مستقيم».
ثمّ قال: « إنّ في أخبارنا متشابهاً كتشابه القرآن فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتّبعوا متشابهها فتضلّوا»(1) .
لكن للأسف ترى بعض مَنْ يدّعي
____________________
1- عيون أخبار الرضاعليهالسلام 2 / 261 ح39، وسائل الشيعة 27 / 115 ح22، الاحتجاج 2 / 192، بحار الأنوار 2 / 185 ح9.
الصحبة للنبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله سلك هذه المسالك، ومسالك أُخرى؛ لأجل التعمية على عوام الناس بحجج واهية، كما فعل الأوّل في حديث: « نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة»(1) ؛ لأجل أخذ فدك من الزهراءعليهاالسلام .
وروى هذا مدّعياً أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قاله، والنبيّ منه بريء؛ إذ كيف يخالف رسولُ الله كتابَ الله (عزّ وجلّ) أيعقل ذلك؟
ولذا جاءت الزهراءعليهاالسلام - وهي من الراسخين في العلم - وبيّنت له مواريث الأنبياء من كتاب الله، كقوله تعالى:( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) (2) ، وغيرها فلم يحر جواباً، وكيف يستطيع الجواب وقد أوقع نفسه في التهافت؛ إذ النبيّصلىاللهعليهوآله قال: (ونحن معاشر الأنبياء نورّث العلم)(3) ، والزهراء قد ورثت ذلك العلم فهي أعلم بموارد الإرث من هذا المدّعي، وأمّا الإرث بما هو مال فقد ورثت نساؤهصلىاللهعليهوآله منه، ولم يُحرِّم الله تبارك وتعالى عليهنّ ذلك.
نعم، ورثت الزهراءعليهاالسلام من أبيها الآلام والأحزان من بعض مَنْ يدّعي الصحبة؛ ولذا يقول ابن عباس: لمّا حضرت رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله الوفاة بكى حتى بلّت دموعُهُ لحَيَته، فقيل له: يا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ما يبكيك؟
فقال: « أبكي لذريّتي، وما تصنع بهم شرارُ أُمّتي من بعدي! كأنّي بفاطمة بنتي وقد ظُلِمتْ بعدي، وهي تنادي: يا أبتاه، فلا يعينها أحد من أُمّتي».
فسمعت ذلك فاطمةعليهاالسلام
____________________
1- التعجب / 51، انظر رسالة الشيخ المفيد حول الحديث / 4 - 30 ففيها الكفاية والهداية.
2- سورة النمل / 16.
3- انظر الاحتجاج 1 / 142، بحار الأنوار 29 / 231 وما في المتن مضمون الحديث.
فبكت، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « لا تبكيَنَّ يا بُنية «.
فقالت: لست أبكي لما يُصنَعُ بي من بعدِك، ولكنّي أبكي لفراقك يا رسول الله.
فقال لها: « ابشري يا بنت مُحَمّدصلىاللهعليهوآله ، بسرعة اللحاق بي؛ فإنّك أوّل مَنْ يلحق بي من أهل بيتي»(1) .
وفعلاً كانت مولاتنا فاطمة الزهراءعليهاالسلام أوّل مَنْ مات شهيداً من أهل بيت مُحَمّدصلىاللهعليهوآله ، بعد أن كانت دائمة الحزن والبكاء على فقد خير الأنبياء؛ ولذا روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال: « غَسَّلتُ النبيّصلىاللهعليهوآله في قميصه، فكانت فاطمةعليهاالسلام تقول: أرني القميص، فإذا شمّته غُشِيَ عليها، فلمّا رأيتُ ذلك غيَّبتُه»(2) .
وروي أنّه لمّا قُبِض النبيّصلىاللهعليهوآله امتنع بلال من الأذان، قال: لا أُأَذّن لأحد بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وإن فاطمةعليهاالسلام قالت ذات يوم: « إنّي أشتهي أن أسمع صوت مؤذن أبيصلىاللهعليهوآله بالأذان».
فبلغ ذلك بلالاً فأخذ في الأذان، فلمّا قال: الله أكبر الله أكبر، ذكرتعليهاالسلام أباها وأيّامه، فلم تتمالك من البكاء، فلمّا بلغ إلى قوله: أشهد أنّ مُحَمّداً رسول الله، شهقت فاطمةعليهاالسلام وسقطت لوجهها وغُشِيَ عليها.
فقال الناس لبلال: أمسك يا بلال(3) .
وهكذا بقيت بنت رسول الله إلى أن دنت منها الوفاة، ولكن بأيِّ حالٍ رحلت من هذه الدنيا؟
يصف ذلك الشيخ الأصفهاني (رحمه الله)، حيث يقول:
____________________
1- أمالي الشيخ الطوسي / 188 ح18، عنه بحار الأنوار 28 / 41 ح4، 31 / 620 - 621 ح103، 43 / 156 ح2.
2- بحار الأنوار 43 / 157 ح6.
3- من لا يحضره الفقيه 1 / 297 - 298 ح907، عنه بحار الأنوار 43 / 157 ح7، الدرجات الرفيعة / 365.
وللسياط رنةٌ صداها |
في مَسمَعِ الدهرِ فما أشجاها |
|
والأثرُ الباقي كمثلِ الدُمْلُجِ |
في عَضُدِ الزهراءِ أقوى الحججِ |
|
ومن سوادِ متنها اسودَّ الفضا |
يا ساعَدَ اللهُ الإمامَ المرتضى |
|
ووكزُ نعلَ السيف في جنبيها |
أتى بكلِّ ما أتى عليها |
إلى أن يقول أكثر من ذلك:
وجاوزوا الحدَّ بلطمِ الخدِّ |
شُلَّتْ يدُ الطغيانِ والتعدّي |
|
فاحمرّتِ العينُ وعينُ المعرفه |
تذرفُ بالدمعِ على تلك الصفه |
|
ولا يُزيلُ حمرةَ العينِ سوى |
بيضُ السيوفِ يومَ يُنشَرُ اللوى(1) |
يا مولاي يا فرج الله اظهر لتأخذ بثارات جدّك وجدّتك.
يا بدر آل المصطفى عجّل بالظهور |
عجّل تره الدنيا امتلت بالظلم والجور |
|
عجّل ولا تنسه غريب الغاضريه |
والصدر اللي رضرضتَه الأعوجيه |
|
والشيخه اللي دخلت المجلس هديه |
مجلس يزيد بن الخنه شراب الخمور |
|
متى يشع إعله العوالم نور طيبه |
يمحو الظلم والجور نور الله وحبيبه |
|
عجّل يبو صالح تره طالت الغيبه |
عجّل وأخذ ثار اللي انذبح بالغاضريه |
* * *
____________________
1- الأنوار القدسية / 21 - 22.
أفاطمُ لو خلتِ الحسينَ مُجدّلا |
وقد ماتَ عُطشاناً بشطِ فراتِ |
|
إذن للطمتِ الخدَ فاطمُ عنده |
وأجريتِ دمعَ العينِ بالوجناتِ |
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،
وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون
والعاقبة للمتقين.
المجلس الرابع
في الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام
المجلس الرابع: في الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام
جَحدوا ولاءَ المُرتضى ولَكَم وعَى |
منهم له قلبٌ وأصغى مسمعُ |
|
وبما جَرى من حِقدِهم ونفاقِهم |
في بيتهِ كُسِرَتْ لِفاطمَ أضلُعُ |
|
وعَدوا على الحَسن الزكّي بسالفِ الـ |
أحقادِ حِينَ تألّبوا وتجمّعوا |
|
ما زال مُضطَهداً يُقاسِي مِنهُمُ |
غُصصاً بها كأسُ الرّدى يتجرّعُ |
|
حتّى إذا نفذَ القَضاءُ مُحتّماً |
أضحى يُدسُّ إليه سُمٌ مُنقعُ |
|
وتفتّتَ بالسُّمِ مِن أحشائِه |
كَبِدٌ لها حتّى الصفا يتصدّعُ |
|
وقضى بعينِ اللهِ يَقذِفُ قلبَه |
قِطعَاً غدتْ ممّا بها تتقطّعُ |
|
للهِ أيّ رزيةٍ كادتْ لَها |
أركانُ شامخةِ الهُدى تَتَضَعضَعُ |
|
رُزءٌ بكتْ عينُ الحُسينِ لهُ ومِنْ |
ذَوبِ الحشا عبراتُه تتدَفّعُ |
|
يومَ انثنى يدعو ولكنْ قلبُهُ |
ذاوٍ ومُقلتُه تفيضُ وتدمعُ |
|
أترى يطيفُ بيَ السّلُو وناظري |
مِنْ بعدِ فقدِك بالكَرى لا يُجمَعُ |
|
خلفّتني مرمَى النوائبِ ليس لي |
عَضُدٌ أردُّ به الخُطوبَ وأدفعُ |
|
وتركتني أسفاً أردَّدُ بالشجى |
نَفَساً تُصعِّده الدموعُ الهُمّعُ(1) |
* * *
____________________
1- القصيدة للسيّد محمد حسين الشهير بالكيشوان، قال عنه السيّد جواد شبّر (رحمه الله) في أدب الطفّ: السيّد محمد حسين ابن السيّد كاظم ابن السيّد علي بن أحمد الموسوي القزويني، الشهير بالكيشوان النجفي. ولد في النجف عام 1295 هـ. مشهور بعلمه وتحقيقه، ذو نظر صائب وفكر وقّاد، أديب له الصدارة في المجالس، والمكانة السامية عند العلماء وأهل الدين.
ذكره صاحب (الحصون المنيعة) فقال: فاضل مشارك في العلوم، سابق في المنثور والمنظوم، له فكرة تخرق الحجب، وهمّة دونها الشهب، وشعر يسيل رقّة، وخطّ يشبه العذار دقّة، إلى حسن أخلاق وطيب أعراق، وحلو محاضرة مع الرفاق، ونسك وتُقى بعيد عن الرياء والنفاق، وله شعر كثير بديع التركيب.
=
(فائزي)
واحسين نادى عيشتي گشره بلياك |
خذني يخويه للگبر روحي فداياك |
|
ايذوب گلبي لو بچت حولي يتاماك |
ما أوحش الدنيا عگب عينك يمسموم |
|
ويلاه يوم احسين ودّع للشفيه |
أونادى يخويه اتشمت العدوان بيه |
|
انته بأرض طيبه وأنا في الغاضريه |
جسمي امجدّل والغسل من فيض الدموم |
|
خويه بهوادي الليل تنعاك المحاريب |
خويه المنابر عگب عينك شگت الجيب |
|
يا خويه عيشي من بعد عينك فلا يطيب |
أو عيني عگب عينك أبد ما تگبل النوم |
* * *
____________________
=
أمّا رسائله وأدبه النثري، ونوادره وملحه: فمنها يتألّف مؤلّف قائم بنفسه. توفّي ليلة الأحد 28 ذي القعدة الحرام سنة 1356 هـ. ودُفن في الصحن العلوي في الجهة الغربية الشمالية (رحمه الله رحمة واسعة) وبقيت روائعه تردّدها ألسنة الخطباء. (أدب الطفّ 9 / 164 - 166).
قال تعالى:( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (1) .
لقد حاول أعداء الإسلام محاولات عديدة لإطفاء نور الله وإخفاض كلمته، وجعل يده تحت أيديهم، متغافلين أنّ نورَه (عزّ وجلّ) لا يُطفَأ، وكلمتُه هي العليا، ويده فوقَ أيديهم.
لقد حاول هؤلاء مرّات عديدة، وبأشكال مختلفة من عهد النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله إلى يومنا هذا، ومن أوّل معصوم وحُجّة إلى آخر معصوم وحُجّة.
فحاولوا إطفاءَ نور الإسلام المحمّدي الأصيل، فوجّهوا للنبيّ الخاتم مُحَمّدصلىاللهعليهوآله اتّهامات عديدة.
منها: أنّه ساحر، وأنّه كذَّاب، وأنّه مُعلَّم، وأنّه مجنون - نستعيذ بالله من كلّ ما قالوه - إلى غير ذلك.
وهكذا اعترضوا على القرآن الكريم باعتراضات متعدّدة.
منها: أنّه يُكذِّب بعضه بعضاً، وأنّه يمكن أن يُؤتَى بمثله، وليس بمعجز، وإلى يومنا هذا يُقال هذا الكلام، بل يقول البعض من المعاصرين: إنّ الإتيان بآية من القرآن الكريم، أو سورة قصيرة في تناول الفضلاء فضلاً عن
____________________
1- سورة التوبة / 32.
العلماء(1) .
إذاً، المشكلة ليست قديمة وانتهت، بل هي مستمرة إلى يوم القيامة، فالمحاولات كانت ولا زالت قائمة على إطفاء النور.
وهذه المحاولات البائسة الواهية، منشؤها الأوّل هو اليهود، ومَنْ حام حولهم، ووضع يده بأيديهم.
وهذه الآية التي افتتحنا بها المجلس جاءت ضمن آيات عديدة تتحدّث عن أسلوب اليهود والنصارى، ومَنْ معهم في التضليل والإضلال، فلو رجعنا إلى الآيات التي قبل هذه الآية من سورة التوبة نجد أنَّ الباري (عزّ وجلّ) يذكر ذلك، حيث قال تعالى في الآيتين الثلاثين والحادية والثلاثين من سورة التوبة:( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) .
ثمّ قال تعالى:( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ) .
نعود للآية المباركة فقد عبرّت بـ (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم).
وهذا المعنى موجود في آية أُخرى من القرآن بتغيير يسير يأتي التعرّض له لاحقاً.
____________________
1- مشرعة بحار الأنوار 1 / 323.
تعرّضت الآية - محلّ البحث - إلى أسلوب اليهود والنصارى، أو سعي جميع مخالفي الإسلام حتى المشركين، وجِدُّهم واجتهادهم المستمر الذي لا يعود عليهم بالنفع أبداً كما ذكرنا.
وهنا بعض التنبيهات:
الأوَّل: شبّه المولى تبارك وتعالى الدينَ - دين الله - في هذه الآية وفي القرآن، وتعاليم الإسلام بالنّور، ونحن نعرف أنَّ النّور أساس الحياة والحركة، والنمو والعمران على الأرض، ومنشأ كلّ جمال.
والإسلام دين يحرّك كلّ مجتمع إنساني نحو التكامل، وهو أساس كلّ خير وبركة.
كما شبّه اجتهاد الكافر بالنفخ بالأفواه، وكم هو مثير للضحك أن يحاول الإنسان إطفاء نور عظيم، كنور الشمس بنفخةٍ؟
ولا تعبير أبلغ من تعبير القرآن؛ لتجسيد هذه المحاولات اليائسة.
وفي الواقع فإنّ محاولات مخلوق ضعيف إزاء قدرة الله التي لا نهاية لها، لا تكون أحسن حالاً ممّا ذكرته الآية.
الثاني: ورد موضوع محاولة إطفاء نور الله في القرآن في موردين:
أحدهما: في الآية محلّ البحث.
والآخر: في الآية (8) من سورة الصف.
وفي الآيتين انتقاد للكفّار، ومحاولات أعداء الله اليائسة، إلاّ أنّ بين تعبيرَي الآيتين تفاوتاً يسيراً؛ إذ جاء التعبير في الآية محلّ البحث بـ (يريدون أن
يطفئوا)، أمّا في الآية (8) من سورة الصف جاء فيها التعبير بـ (يريدون ليطفئوا).
وممّا لا شك فيه أنّ هذا التفاوت، أو الاختلاف اليسير في التعبير القرآني إنّما هو لغاية بلاغية.
ومن هنا قال الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن موضّحاً الفرق بين (أن يطفئوا) و(ليطفئوا): إنّ الآية الأولى تشير إلى محاولة إطفاء نور الله بدون مقدمات، أمّا الآية الأخرى فتشير إلى محاولة إطفائه بالتوسّل بالأسباب والمقدمات.
فالقرآن يريد أن يقول: سواء توسّلوا بالأسباب، أم لم يتوسّلوا، فلن يُفلحوا أبداً، وعاقبتهم الهزيمة والخسران(1) .
الثالث: كلمة (يأبى) مأخوذة من الإباء، ومعناه شدّة الامتناع، وعدم المطاوعة.
وهذا التعبير يثبت إرادة الله ومشيئته الحتمية لإكمال دينه وازدهاره، كما أنّ التعبير مدعاة لاطمئنان جميع المسلمين - إنْ كانوا مسلمين حقّاً - أنَّ مستقبل دينهم لا بأس عليه، بل هو مؤيّد بأمر الله(2) .
الرابع: ما هو المقصود من هذا النور الذي يريدون إطفاءه؟
لقد اختلف المفسرون في حقيقة هذا النور الذي يريد أعداء الله إطفاءه ما هو.
____________________
1- مفردات القرآن / 522.
2- انظر تفسير الأمثل 6 / 12 - 13.
ذهب البعض إلى أنّ المقصود من النور هو القرآن والإسلام، كما نسبه الطبرسي في مجمع البيان لأكثر المفسرين(1) .
وذهب البعض الآخر إلى كونه الدلالة والبرهان(2) .
وذهب ثالث إلى كونه أمر النبيّصلىاللهعليهوآله ، والدلائل الدالة على صحّة نبوّته مثل المعجزات(3) .
وقال بعض المفسرين: مثّل حالهم (أي أعداء الله) في طلبهم أن يبطلوا نبوّة مُحَمّدصلىاللهعليهوآله بالتكذيب، حال مَنْ يريد أن ينفخ في نور عظيم منبثّ في الأفاق يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى في الإشراق والإضاءة؛ ليطفئه بنفخة ويطمسه(4) .
وأمّا ما رُوِيَ عن أهل البيتعليهمالسلام فهو لا يتعارض مع بعض هذه الأقوال.
فقد رُوِيَ عن مُحَمّد بن الفضيل عن أبي الحسنعليهالسلام أنّه قال: سألته عن قول الله (عزّ وجلّ):( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ) .
قال: « يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين بأفواههم».
قلت: قوله تعالى:( وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِه ) .
قال: يقول: « والله مُتّم الإمامة،
____________________
1- تفسير مجمع البيان 5 / 38.
2- تفسير التبيان 5 / 207، ونسبه إلى الجبائي.
3- التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) 16 / 38.
4- تفسير جوامع الجامع 2 / 59 - 60، تفسير الكشاف 2 / 265.
والإمامة هي النور، وذلك قوله: «( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ) (1) ».
قال: « النور هو الإمام»(2) .
وكون الإمامعليهالسلام هو النور الذي يريدون إطفاءه لا يتنافى مع بعض التفاسير المتقدّمة، مثل كون النور الدلالة والبرهان، أو كونه الإسلام؛ لكونهمعليهمالسلام الأعلام المنصوبة لهداية الناس، والدلائل الواضحة، والبراهين الساطعة، وبهم وبجدّهم المصطفىصلىاللهعليهوآله حُفِظ الإسلام.
وهكذا جرت سنّة إطفاء النور، تبعاً لليهود والنصارى والمخالفين للإسلام الأصيل، وتبعهم على ذلك معاوية بن أبي سفيان، فقد روى سليم بن قيس الهلالي في كتابه: أنّ معاوية مرّ بحلقة من قريش، فلمّا رأوه قاموا إليه غير عبد الله بن عباس، فقال له: يابن عباس، ما منعك من القيام كما قام أصحابُك إلاّ لموجدة عَلَيَّ بقتالي إيّاكم يوم صفين. يابن عباس، إنّ ابن عمّي عثمان قُتِل مظلوماً.
فقال ابن عباس: فعُمر بن الخطاب قد قُتِل مظلوماً، فسَلَّم الأمر إلى وِلْدِه، وهذا ابنه (ولما تنهض بدمه).
قال: إنّ عُمَر قتله مشرك.
قال ابن عباس: فمَنْ قتل عثمان؟
قال: قتله المسلمون.
قال: فذلك أدحض لحجّتك، وأحلّ لدمه، إن كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلاّ بحقّ.
____________________
1- سور ة التغابن / 8.
2- الكافي 1 / 195 - 196 باب أنّ الأئمّة نور الله ح6، عنه التفسير الصافي 5 / 183، تفسير نور الثقلين 5 / 317 ح27، ينابيع المودّة 1 / 353.
قال (معاوية): فإنّا كتبنا في الآفاق ننهي عن ذكر مناقب عليٍ وأهل بيته، فكفّ لسانك يابن عباس، وأربع على نفسك (أي أرفق بنفسك ولا تعجل).
قال: فتنهانا عن قراءة القرآن؟
قال: لا.
قال(ابن عباس): فتنهانا عن تأويله؟
قال: نعم.
قال: فنقرأه ولا نسأل عمّا عنى الله به؟
قال: نعم.
قال: فأيّما أوجب علينا قرأته أو العمل به؟
قال: العمل به.
قال (ابن عباس): فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟
قال: سل عن ذلك مَنْ يتأوّله على غير مَنْ تتأوّله أنت وأهل بيتك.
قال: إنّما أُنزِل القرآن على أهل بيتي، فأسأل عنه آل أبي سفيان، وآل أبي معيط، واليهود والنصارى والمجوس؟
قال معاوية: فقد عدلتني بهؤلاء.
قال (ابن عباس): ما أعدلك بهم إلاّ إذا نهيت الأُمّة أن يعبدوا الله بالقرآن، وبما فيه من أمر ونهي، أو حلال أو حرام، أو ناسخ أو منسوخ، أو عام أو خاص، أو محكم أو متشابه، وإن لم تسأل الأُمّةُ عن ذلك هلكوا واختلفوا وتاهوا.
قال معاوية: فأقرؤوا القرآن، ولا ترووا شيئاً ممّا أنزل الله فيكم، وما قال رسول الله، وارووا ما سوى ذلك.
قال ابن عباس: قال الله تعالى في القرآن:( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ
بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) .
قال معاوية: يابن عباس، اكفني نفسك، وكُفَّ عنّي لسانك، وإن كنت لا بدّ فاعلاً فليكن سرّاً، ولا تسمعه أحداً علانية...(1) .
فهكذا كان حال معاوية مع أهل بيت العصمة والطهارة، وانظر إلى ما صنعه مع أمير المؤمنينعليهالسلام ، وابنه السبط الحسن المجتبىعليهالسلام من تأويلات وتشويشات راجياً من ورائها إطفاء نور الله (عزّ وجلّ) حتى وصل الحال بمعاوية من التزييف والخداع والمكر مع السبط المجتبىعليهالسلام ما صنعه في الصلح والمهادنة التي قَبِلَها الإمامعليهالسلام لحفظ الشيعة.
وأخذ الخلف تبعاً للسلف بأبواقهم من هنا وهناك، مع أنّ الإمامعليهالسلام بيّن علّة صلحه في أكثر من موطن.
ويكفيك أن تطَّلع على ما في كتاب علل الشرايع عن أبي سعيد قال: قلت للحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام : يابن رسول الله، لِمَ داهنت معاوية وصالحته، وقد علمت أنَّ الحقَّ لك دونه، وأنّ معاوية ضال باغ؟
فقال: « يا أبا سعيد، ألستُ حُجّة الله - تعالى ذكرُهُ - على خلقه، وإماماً عليهم بعد أبيعليهالسلام ؟».
قلت: بلى.
قال: « ألستُ الذي قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ «.
قلت: بلى.
قال: « فأنا إذن إمام لو قمت، وأنا إمام لو قعدت. يا أبا سعيد، علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول اللهصلىاللهعليهوآله لبني ضُمْرة، وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من
____________________
1- كتاب سليم بن قيس الهلالي / 315 - 316، بحار الأنوار 33 / 178 - 179.
الحديبية، أولئك كفّار بالتنزيل، ومعاوية وأصحابه كفّار بالتأويل. يا أبا سعيد، إذا كنتُ إماماً من قِبَلِ الله - تعالى ذكرُهُ - لم يجبْ أن يُسفَّه رأيي فيما أتيتُه من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجه الحِكمة فيما أتيتُهُ ملتبساً، ألا ترى الخضرعليهالسلام لمّا خرق السفينة، وقتل الغلام، وأقام الجدار سخط موسىعليهالسلام فعله؛ لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرَضِيَ، هكذا أنا سخطتم عَلَيَّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه، ولولا ما أتيتُ لما تُرِك من شيعتنا على وجه الأرض أحدٌ إلاّ قُتِل»(1) .
ولم يكتفِ معاوية بحملات الإطفاء الفاشلة لنور الإمامة بفمه، بل وصل الحال إلى أن يخترق داره عن طريق أعداء الإمام، ويُمنّي زوجته جِعدَة بنت الأشعث بن قيس، قائلاً لها: إنّي مُزوِّجك يزيد ابني على أن تَسُمّي الحسن، وبعث إليها مئة ألف درهم، ففعلت وسَمَّت الحسنعليهالسلام ، فسوَّغها المال، ولم يزوَّجها من يزيد، فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها، فكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيّروهم، وقالوا: يا بني مُسِمَّة الأزواج(2) .
____________________
1- علل الشرايع 1 / 211 ح2، عنه بحار الأنوار 44 / 1 - 2 ح2، الطرائف / 196، تفسير نور الثقلين 3 / 290 ح192.
2- الإرشاد 2 / 16، روضة الواعظين / 167، مقاتل الطالبين / 48، شرح الأخبار 3 / 127 - 128 ح1067، مناقب آل أبي طالب 3 / 202، شرح نهج البلاغة 16 / 49، كشف الغمة 2 / 208، بحار الأنوار 44 / 156 ح25 عن الإرشاد.
وروي أنَّ الإمامعليهالسلام سُقِيَ السمَّ ست مرّات، وفي السادسة وهي الأخيرة اشتدّ على الإمام المرض، ولمّا حضرته الوفاة قال لأخيه الحسينعليهالسلام : « أحضِرْ لي يا أخي أولادي وأهلي».
فأحضرهم الحسينعليهالسلام عنده فأدار عينيه فيهم، وقال لهم: « أيّها الحاضرون، اسمعوا وأنصتوا ما أقول لكم، هذا الحسين إمام بعدي، فلا إمام غيره، ألا فليبلِّغ الحاضرُ الغائبَ، والوالد الولد، والحّر العبد، والذكر الأنثى، وهو خليفتي عليكم، لا أحد يخالفه منكم».
ثُمَّ التفت إلى الحسينعليهالسلام وإلى إخوته وحرمه وأولاده وقال: « حفظكم الله، استودعكم الله، الله خليفتي عليكم، وكفى به خليفة، وإنّي منصرف عنكم، ولاحق بجدّي وأبي وأُمّي وأعمامي».
ثُمَّ قال: « عليكم السّلام يا ملائكة ربّي ورحمة الله وبركاته».
ثُمَّ وجّه وجهه إلى القبلة، وغمّض عينيه، ومدّ رجليه ويديه بنفسه، مستلقياً مُصَرِّحاً بشهادة أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأنَّ مُحَمّداً عبدُه ورَسُولُه، وأنَّ الخليفة من بعده بلا فصل علي بن أبي طالب، ثُمَّ قضى نحبه، ولقى ربّه، وفاضت روحه المقدّسة.
فقام الحسين معولاً، ونادى: وا أخاه! وا حسناه! وا قلّة ناصراه! مَنْ لي عون بعدك يا أخي؟!
حن حسين أويلي وصفك بيده |
أوون ونّات المفارج عضيده |
|
يگلّه العمر من بعدك مريده |
يخويه اليوم عدوانك معيدين |
|
أبو مُحَمّد ضعف حيله أبونينه |
وظل يرشح عرك منّه جبينه |
|
تشاهد ويل گلبي أوغمض عينه |
وبالسم خلص عزّ الهاشميين |
فضجّ الناس كلّهم بالبكاء والنحيب، وارتجّت المدينة بأسرها، وضجّت عليه ضجّة واحدة، وعلا نحيب أولاده ونسائه وإخوانه.
فصاحت أُمّ كلثوم، ولطمت خدّها، ونشرت شعرها، ونادت: وا حسناه! وا مُحَمّداه! وا علياه! وا فاطمتاه!
وصاحت زينب: وا أخاه! وا حسناه! وا سنداه! وا لهفتاه! وا قلة ناصراه! يا أخي! مَن ألوذ به بعدك؟! وحزني لا ينقطع عليك طوال دهري!
ثُمَّ إنّها بكت على أخيها، وهي تلثم خدّيه، وتتمرّغ عليه(1) .
ثم حُمِلت جنازته نحو البقيع بعد الأخذ والردّ الذي حصل بين القوم حتى أُصيب النعش بسبعين سهماً.
ولمّا جاء الحسينعليهالسلام بأخيه أبي مُحَمّد الحسنعليهالسلام لمواراته صنع عدّة أشياء؛ تعبيراً عن فجيعته بأخيه، وأهمّها لمّا وضع الجنازة على الأرض، وقد سَلَّ منها سبعين نبلاً، فلمّا واراه في لحده، وأهال
____________________
1- مجمع المصائب 4 / 166 - 167.
التراب عليه، أخذ العمامة من رأسه، وهي أشرف شيء يرفع للحزن، ورمى بها إلى الأرض، وألقى بنفسه على القبر، ثُمَّ أنشأ قائلاً:
أأدهُنُ رأسي أم تطيبُ محاسني |
وخدُّك معفورٌ وأنت سليبُ |
|
بُكائي طويلٌ والدموعُ غزيرةٌ |
وأنت بعيدٌ والمزارُ قريبُ |
* * *
مدري اشگال من نزّله ابگبره |
فوگ الوجن ظل يسچب العبره |
|
عَفَه گلب الحسين اشكثر صبره |
لونّه من صخر چا صار نصين |
هذا حال الحسين مع أخيه عندما أنزله في ملحودة قبره، ولكن سلني ما حال الإمام زين العابدينعليهالسلام عندما جاء لدفن الجثث الطواهر الزواكي؟
نعم، جاء الإمامعليهالسلام وقد سبقه بنو أسد للمكان، ما إنْ رأوه حتى خافوا منه، وظنّوا أنّه من الأعداء، كأنّي به يخاطبهم:
(هجري)
گلهم لتخافون أنا ابن احسين اجيت بمهجتي |
گصدي أدفن والدي وأدفن عمامي واخوتي |
|
گوموا حفروا گبور عنّي المرض نحّل گوّتي |
وگام يا ويلي يتوچّه وزاد منّه اتوجِّعه |
إِحفَرَوا گبر حسين عنّه وگام محنّي الظهر |
وضع يد يَمّ الرجل والثانية جريب النحر |
|
عاد كلما رفع جانب جانب الثاني انحدر |
گلّه يا بويه شيلمّك والأعضاء موزعه |
* * *
(تخميس)
لهفي على الشَّيب المخضَّب بالدما |
والصدر يا سبطَ الرسولِ مهشَّما |
|
والقوم بعد حُماتِه هتكوا الحمى |
ويكبّرون بأن قُتلتَ وإنّما |
قتلوا بك التكبير والتهليلا
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،
وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون
والعاقبة للمتقين.
المجلس الخامس
في الإمام أبي عبد الله الحسينعليهالسلام
المجلس الخامس: في الإمام أبي عبد الله الحسينعليهالسلام
لا خبتْ مُرهفاتُ آلِ عليٍّ |
فهي النارُ والأعادي وَقُودُ |
|
عقَدُوا بينها وبينَ المنايا |
ودعوا هاهنا تُوفّى العُقودُ |
|
مَلؤوا بالعدى جهنّم حتّى |
قَنِعَت ما تقولُ هَلْ لِي مَزيدُ |
|
ومُذِ اللهُ جلَّ نادى هلمُّوا |
وهُمُ المسرِعونَ مَهما نُودُوا |
|
نزلوا عن خيولِهم للمنايا |
وقُصارى هذا النُزولِ صُعودُ |
|
فقضوا والصُدُور منهم تَلظّى |
بضَرامٍ وما أُبِيحَ الورودُ |
|
تركوهم على الصّعيدِ ثَلاثا |
يا بنفسي ماذا يَقلُّ الصّعيدُ |
|
فوقَه لو درى هياكلُ قُدسٍ |
هُوَ للحشرِ فِيهُمُ مَحسُودُ |
|
وعلى العيسِ من بنات عليٍّ |
نُوَّحٌ كُلُّ لفظهِا تَعديدُ |
|
سلبتها أيدي الجُناةِ حُلاها |
فخلا مِعصمٌ وعُطِّلَ جِيدُ |
|
وعليها السّياط لما تلوَّت |
خَلَفَتها أساورٌ وعقُودُ(1) |
* * *
____________________
1- القصيدة للسيد جعفر الحلّي (رحمه الله)، قال عنه السيّد جواد شبّر (رحمه الله) في أدب الطفّ: السيد جعفر كمال الدين الحلّي النجفي. عُرفت هذه الأسرة بالانتماء إلى الجدّ السادس لصاحب هذه الترجمة، وهو السيد كمال الدين بن منصور فهو جدّ الأسرة الكمالية المنتشرة في الحلّة وضواحيها، والنجف والكوفة.
وقد كتب عنها مفصّلاً الخطيب اليعقوبي في (البابليات)، كما أقام الشواهد على شاعريته، وسرعة البديهة عنده.
وديوانه أصدق شاهد على سموّ شعوره، وكان من حقّه أن يُطلق اسم (سحر بابل وسجع البلابل) على ديوانه قبل أن يُجمع، والذي جمعه أخوه السيد هاشم بعد وفاة الشاعر.
توفّي فجأة في شعبان لسبع بقين من سنة 1315 هـ، ودُفن في وادي السّلام بالنجف الأشرف عند قبر والده على مقربة من مقام الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)
=
من حين راح حسين منّي |
وعباس راح وبعد عنّي |
|
كلّ المصايب گاربنّي |
وحده بأثر وحده إجنّي |
|
من هل جره ما چان ظنّي |
الشمر بلسانه يسبني |
|
وسياط أُميّه فوگ متني |
وأعظم مصاب اللّي ضهدني |
رضّ الضلوع الزاد ونّي
* * *
____________________
=
نشأ السيد جعفر فاستطرف قدر حاجته من مبادئ النحو والصرف، والمنطق والمعاني والبيان.
وصار يختلف إلى مدارس العلماء وحوازتها الحافلة بالفقه، وهو في كلّ ذلك حلو المحاضرة، سريع البداهة، حسن الجواب، نبيه الخاطر، متوقّد القريحة، جريّ اللسان.
برع في نظم الشعر وهو دون الثلاثين، وأصبح من الشعراء المعدودين الذين تلهج الألسن بذكرهم، وتتغنى بشعرهم.
وأشهر قصيدة له، رائعته التي مطلعها:
وجه الصباح عليّ ليل مظلم |
وربيع أيامي عليّ محرّم |
وهذه القصيدة التي تزيد على السبعين بيتاً كلّها من الشعر المنسجم. (أدب الطفّ 8 / 99 - 110).
من وصيّة الإمام الحسينعليهالسلام لأخيه مُحَمّد بن الحنفية قال فيها: « إنّي لم أَخرجْ أَشِراً ولا بَطِراً، ولا مُفسِداً ولا ظَالِماً، وإنّما خَرجْتُ لِطَلَبِ الإصلاحِ في أُمّةِ جدّي وأبي، أريدُ أن آمرَ بالمعروفِ، وأنهى عن المُنكَرِ، وأَسيرَ بسيرةِ جدّي وأبي علي بنِ أبي طالبٍعليهالسلام ، فَمَن قَبِلَني بِقَبولِ الحقِّ، فاللهُ أولى بالحقِّ، ومَنْ ردَّ عليَّ هذا أَصبرُ حتى يَقضيَ اللهُ بيني وبينَ القَومِ بالحقِّ وهو خَيرُ الحاكمينَ»(1) .
لقد حثَّ القرآن الكريم والسنة المُطهَّرة على إتيان الوصيّة بحدودها وشروطها ومستحبّاتها إلى غير ذلك.
وهذا هو معنى الحُسْن في الوصيّة التي ذكرها النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله للإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، حيث قال له: « يا علي، مَنْ لم يُحسِنْ وصيّته عند موته كان نقصاً في مروءته»(2) .
فاللازم على الإنسان أن يوصي ويُحسِن، ويجعل أحد المؤمنين الثقات وصيّاً له، بل الأولى أن يجعل وصيّه ثقتينِ، أو يجعل أحدَهما وصياً والآخر ناظراً على تنفيذ الوصية(3) .
وهذا شاهد على جدارة مُحَمّد بن الحنفية ووثاقته واستقامته عند الإمام الحسينعليهالسلام ، فلا قيمة لاعتراض المعترضين في عدم خروجه معهعليهالسلام .
____________________
1- بحار الأنوار 44 / 329، عوالم الإمام الحسينعليهالسلام / 179.
2- الكافي 7 / 2 ح1، دعائم الإسلام 2 / 346 ح1294، من لا يحضره الفقيه 4 / 187 ح7، تهذيب الأحكام 9 / 174 ح11، وسائل الشيعة 19 / 26 ح1، بحار الأنوار 74 / 46، تفسير القمّي 2 / 55، وفي بعضها بدون (يا علي).
3- وصايا الرسول لزوج البتول / 14.
ونلاحظ أنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد بيّن في وصيته لأخيه مُحَمّد بن الحنفية دوافع ثورته، وأسباب خروجه، وأنّه لا يخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً.
ثُمَّ حصر أسباب ودوافع خروجه بأمور أربعة:
1- إصلاح الأُمّة.
2- الأمر بالمعروف.
3- النهي عن المنكر.
4- السير على سيرة جدّهصلىاللهعليهوآله وأبيه عليعليهالسلام وإحياء سنّتيهما.
هذه هي دواعي ودوافع خروج الإمام الحسينعليهالسلام الأربعة، وقد نفى أن تكون دوافع أربعة أُخرى وهي:
1- الأشر: ومعناه كالبطر(1) .
2- البطر، وهو: سوء احتمال الغِنَى والطغيان عند النعمة، والتجبّر وشدّة النشاط(2) .
3- المفسد: وهو الذي يقوم بالمفسدة، والتي هي خلاف المصلحة.
4- الظالم: وهو المعتدي على الغير بشتى أنواع الاعتداء، ويقابله العادل أحياناً.
____________________
1- مجمع البحرين 1 / 77، تاج العروس 2 / 196 و 3 / 14.
2- مجمع البحرين 1 / 211.
لقد ذكر الإمام الحسينعليهالسلام أنّ من دواعي خروجهعليهالسلام على حكومة يزيد (لعنه الله) هو طلب الإصلاح في أُمّة النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله ، فما هو الشيء الذي فسد حتى يصلحه أبو عبد اللهعليهالسلام بخروجه ونهضتهعليهالسلام ؟
الجواب: إنّ الذي فسد في هذه الأُمّة هو أعزّ شيء وأنفسه، أَلا وهو دينهم وعقائدهم، فلم يبقَ من القرآن إلاّ رسمه، ومن الإسلام إلاّ اسمه؛ ولذا لمّا أرسل الإمام الحسينعليهالسلام رسالة إلى رؤساء قبائل البصرة جاء فيها: «... أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّهصلىاللهعليهوآله ؛ فإنّ السنّة قد أُمِيتَت، وإنّ البِدْعة قد أُحْيِيت، وإن تسمعوا قولي، وتطيعوا أمري، أهدكم سبيل الرشاد، والسّلام عليكم وحمة الله وبركاته»(1) .
وهكذا كان خطابهعليهالسلام عندما سار إلى العراق، ووصل إلى (ذي حسم) خطب بأصحابه، قائلاً: « إنّ هذه الدُنيا قد تغيّرت وأدبر معروفها، فلم يبقَ منها إلاّ صُبابة كصُبابة الإناء، وخسيس العيش كالمرعى الوبيل.
ألا ترون الحقّ لا يُعمَلُ به، وأنّ الباطلَ لا يُنتهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله مُحِقّاً؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، ولا الحياة مع الظالمين إلاّ برماً.
إنّ الناس عبيد الدنيا، والدين لَعِقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا
____________________
1- تاريخ الطبري 4 / 266، البداية والنهاية 8 / 170.
مُحِصُّوا بالبلاء قَلَّ الديانون»(1) .
إضافة إلى كلّ ذلك - من النصوص المصرّحة بأنّ الأُمّة في عهد يزيد وأمثاله من بني أُميّة أصبحت فاسدة، ولا بدّ من إصلاحها - أنَّ سيرة يزيد كانت قائمة - وتبعاً لأبيه - على الفساد، فلم يكن ليؤمن بالدين الإسلامي، ولم يكن له ذلك النضج الفكري، بل كان شاباً شهوانيّاً أنانيّاً، ومن أبعد الناس عن الحيطة والتروّي، وكان صغير العقل، متهوّراً ماجناً، لا يهمّ بشيء إلاّ ركبه.
هكذا جاءت سيرته في كتب التواريخ والسير.
ويكفيك معرفةً بسيرته وسلوكه هذا البيت من الشعر له:
لَعِبَتْ هاشِمُ بالملكِ فلا |
خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل(2) |
أو شعره الذي قاله بعد قتله للإمام الحسينعليهالسلام ، والذي ينصّ فيه على أنّ دم الحسين بدل دم أشياخه في بدر، حيث يقول:
ليت أشياخي ببدرٍ شَهِدوا |
جَزَعَ الخزرجِ من وقعِ الأسل |
|
لأهلّوا واستهلّوا فرحا |
ثمّ قالوا يا يزيدُ لا تُشل(3) |
ومن هنا قال المؤرّخ الشهير المسعودي: سار يزيد في الناس بسيرة
____________________
1- تحف العقول / 245، بحار الأنوار 75 / 117 ح1.
2- تاريخ الطبري 8 / 188.
3 - المصدر نفسه.
فرعون، بل كان فرعون أعدل منه(1) .
وما هو بغريب عن يزيد بعد أن كان أبوه معاوية سيئ الصيت، وجدّه أبو سفيان الذي يقول يوم بُويع عثمان أوّل خليفة أُموي، وقد اجتمع في داره بنو أُميّة وأغلقوها عليهم: أعندكم أحد من غيركم؟
قالوا: لا.
قال: يا بني أُميّة تلقّفوها تلقّف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب، ولا جنّة ولا نار، ولا بعث ولا قيامة(2) .
وهكذا عندما مرّ على قبر حمزة بن عبد المطلب وركله بقدمه، قال: إنّ الدين الذي قاتلتمونا أمس عليه بالسيف أصبح اليوم كرة بيد صبياننا يلعبون بها(3) .
إذن الفساد في أعلى مراتبه، فلا بدّ من مصلح له.
لقد انطلق الإمام الحسينعليهالسلام ومنذ اليوم الأوّل من المدينة حاملاً شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والواقع أنّ القضية لم تكن قضية عرض البيعة عليه، ورفضه لها، ثُمَّ القيام بالثورة لذلك، بل إنّهعليهالسلام كان يرى
____________________
1- مروج الذهب 3 / 81.
2- الاحتجاج 1 / 349، السقيفة وفدك / 87.
3- انظر شرح نهج البلاغة 16 / 136.
أنّ الثورة ضرورية حتى لو لم يطالبوه بالبيعة.
وهكذا بالنسبة إلى دعوة الكوفيين، فإنّهعليهالسلام لم يثر لدعوة الكوفيين له، حيث إنّ دعوتهم ومراسلتهم له قد تأخّرت عن امتناعه عن البيعة حوالي شهر ونصف الشهر، ومن هذه الزاوية كان منطق الإمام الحسين منطق الشَجْب والاعتراض، ومهاجمة الحكومة اللا إسلامية، وكان منطقه أنّه لمَّا كان العالم الإسلامي قد سار فيه المنكر والفساد، وتلّوث بهما، وكانت السلطة الحاكمة هي مصدر ذلك كلّه، كان من الضروري أن يثور انطلاقاً من مسؤوليته الدينية، وواجبه الإلهي.
فإنّ هناك أسباباً ثلاثة اجتمعت، كان منها: طلب البيعة من الإمام الحسينعليهالسلام ليزيد، ودعوت أهالي الكوفة لهعليهالسلام ، والثالث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذا هو الشعار المهم الذي انطلق به من المدينة منذ اليوم الأوّل، وهو الدافع الثاني والثالث الذي أشار إليه في وصيّته الشريفة لأخيه مُحَمّد بن الحنفية (رضوان الله تعالى عليه).
وكما أشرنا كان للأسباب الثلاثة (طلب البيعة، ورسائل أهل الكوفة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) دور كبير في ثورة الإمام الحسينعليهالسلام العظيمة، وأوجب كلّ واحد منها نوعاً خاصاً من المسؤولية بالنسبة إليه، فكان موقفهعليهالسلام يختلف إزاء كلّ واحدٍ منها.
فكان موقفهعليهالسلام دفاعياً بالنسبة إلى الدافع الأوّل؛ لأنّهم أرادوا إجباره
على البيعة، وكان هو يُحجِم عن ذلك.
وكان موقفه إزاء الباعث الثاني موقفاً تعاطفياً؛ لأنّهم طلبوا منه أن يتجاوب معهم فأجابهم.
وأمّا الثالث: فقد كان موقف الإمام إزاءه موقفاً هجومياً تحرّشياً؛ وذلك أنّه حتى لو لم يطالبوه بالبيعة كان عليه أن يهاجم السلطة، ويعتبرها سلطة غير إسلامية ولا شرعية(1) .
وقد يسأل سائل: إذا كان يزيد قد سار على نفس نهج أبيه وجدّه وأمثالهما في طمس الحقائق، وحرّف الدين الإسلامي عن خطّه الصحيح، فلماذا لم ينتفض الإمام الحسينعليهالسلام على معاوية نفسه؟ مع أنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد عاصر معاوية ما يُقارب عشر سنوات، ومنصب الإمامة للإمام الحسينعليهالسلام بعد أخيه الإمام الحسنعليهالسلام الذي استشهد في عام خمسين هجرية على يد معاوية.
والجواب: هناك عاملان أساسيان، يُعدّان من الموانع الأساسية لثورة الإمام الحسينعليهالسلام في عهد معاوية:
1- معاهدة صلح الإمام الحسنعليهالسلام مع معاوية:
المانع الأوّل من قيام الإمام الحسينعليهالسلام بالثورة على معاوية كان هو صلح الإمام الحسنعليهالسلام مع معاوية.
فلو كان الحسينعليهالسلام يثور في عهد
____________________
1- سيرة الأئمّةعليهمالسلام للبيشوائي / 146 - 150 (بتصرفٍ).
معاوية كان بإمكان معاوية أن يستغل ذلك في سبيل تشويه ثورته؛ لأنّ الناس كانوا يعرفون أنّ الحسن والحسينعليهماالسلام قد عاهدا معاوية على الصلح بشروطه المذكورة في محلّها ما دام حيّاً، وإن كان هو قد نقض ذلك، لكن هذا لا يبرّر نقض الإمام الحسينعليهالسلام لها بمقتضى شرفه وجلالته، مع أنّهعليهالسلام لا يرى في عهده لمعاوية عهداً حقيقاً بالرعاية والوفاء؛ فقد كان عهداً بغير رضى واختيار، وقد كان عهداً تمّ في ظروف لا يد للمرء في تغييرها، ولقد نقض معاوية هذا العهد، ولم يعرف له حرمة، ولم يحمّل نفسه مؤونة الوفاء به، فلو كان عهداً صحيحاً لكان الحسين في حِلّ منه؛ لأنّ معاوية نفسه قد تحلّل منه، ولم يألُ جهداً في نقضه، فيمكن أن تكون معاهدة الصلح ذريعة لإعلام معاوية ودعايته ضدّ ثورة الحسينعليهالسلام المحتملة.
2- تظاهر معاوية الديني:
والعامل الثاني هو تظاهر معاوية الديني، وسرّ ذلك يكمن في دهاء ومكر معاوية، وأسلوبه الخاص في معالجة الأمور.
ومع أنّ معاوية قد حرّف الإسلام عمليّاً، واستبدل الخلافة الإسلامية البسيطة المتواضعة بالحكم الملكي، وحوّل المجتمع إلى مجتمع غير إسلامي، غير أنّه كان يُدرِك جيّداً أنّه ليس ينبغي له، وهو يحكم الناس بسلطان الدين أن يرتكب من الأعمال ما يراه العامة تحدّياً للدين الذي يحكم باسمه، بل عليه أن يضفي على
أعماله طابعاً دينياً لتنسجم هذه الأعمال مع ما يتمتّع به من المنصب، وأمّا ما لا يمكن تغطيته وتمويهه من التصرّفات فليرتكبه في السرّ.
هذا وقد استغلّ معاوية ظروفه جيداً لإضفاء الطابع الديني على منصبه، تارة بدعواه أنّه يطالب بدم عثمان، وأُخرى بما مَوّه به على الرأي العام بعد أمر التحكيم وصلحه مع الإمام الحسنعليهالسلام .
وعليه فلو كان الإمام الحسينعليهالسلام يثور في عهده لكان من السهل عليه أن يقدّم ثورته إلى الرأي العام على أنّها تعبير عن نزاع سياسي على السلطة، وليس ثورة للحقّ على الباطل.
وليس معنى هذا سكوت الإمام الحسينعليهالسلام إزاء ظلم معاوية وانحرافه، بل كان يبذل قصارى جهده في الوقوف ضدّ كلّ التصرّفات الظالمة التي قام بها معاوية في تلك الأجواء المفعمة بالظلم والاضطهاد، وذلك عن طريق الخطب والرسائل الاعتراضية في فترة عشرة أعوام من إمامة الإمام الحسينعليهالسلام ، والخطب الدامغة والفاضحة في اجتماع الحجّ العظيم، واستيلاء الإمام الحسينعليهالسلام على الأموال الحكومية حينما مرّت واجتازت يثرب تحمل أموالاً من اليمن إلى دمشق، تعمّد الإمام الحسينعليهالسلام الاستيلاء عليها، ووزّعها على المحتاجين من بني هاشم وغيرهم، وقد استاء معاوية جدّاً من هذا العمل(1) .
____________________
1- سيرة الأئمّةعليهمالسلام للبشوائي / 135 - 146، بتصرف واختصار.
وكلا هذين العاملين مفقودان في فترة يزيد (لعنه الله).
والأمر الرابع الذي ذكره الإمام الحسينعليهالسلام في وصيّته، هو السير بسيرة جدّه المصطفى وأبيه علي المرتضىعليهماالسلام ؛ لكونّها السيرة الأصيلة، والمثال الحيّ للإسلام دون بقيّة السِيَر، ممّا يدلّ وبوضوح على انحراف ما عداهما.
يريد أن ينصفَ المظلوم، ويقسّمَ بالسوية، وينظرَ في الرعية، ويحييَ السنن، ويُميتَ البدع.
يريد الإمام الحسينعليهالسلام كلّ ذلك، يريد الرجوع إلى صلب الدين الإسلامي الذي تلقّفه بنو أُميّة وأمثالهم تلقّف الكرة - كما صرّح به أبو سفيان -، يريد أن يذكّر الناس بكلام النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله : « مَنْ رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيِّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخلَه مدخله. ألا وإنّ هؤلاء قد لَزِموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله»(1) .
وهكذا شاء الله أن يخرج الحسينعليهالسلام وهو يحمل في قلبه همّ هذه
____________________
1- تحف العقول / 505، أمالي الشيخ المفيد / 122، تاريخ الطبري 4 / 304، مقتل الحسين - أبو مخنف / 85، بحار الأنوار 44 / 382.
الأُمّة.
وقبل خروجه دخلت عليه أُمُّ سلمة وهي باكية، فقالت له: يا حسين، لا تُحزنّي بخروجك إلى العراق؛ فإنّي سمعت جدَّك رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « يُقتَل ولدي الحسين بأرض العراق، في أرض يُقال لها كربلاء»، وعندي تربة منها في قارورة، دفعها إليَّ النبيّصلىاللهعليهوآله .
وفي اليوم العاشر من المحرّم، في آخر النهار، نظرت أمُّ سلمة إلى القارورة فإذا هي تفور دماً(1) ، وكأنّي بها تخاطبه:
يحسين هذي سفرتك تصعب عليّ |
خوفي يذبحونك براضي الغاضريه |
|
كلها الذبح معلوم إلنه إبوادي الطفوف |
أوفوگ الذبح تنگطع منّه حتى الچفوف |
|
والحرم تغدي ضايعه ما بين الصفوف |
لا خِيمَ عدها لا ولي عند العشيه |
|
وخيامهم بالنار ويلي يحرگوها |
وأطفالهم بالبر يويلي إيشتتوها |
|
واعله الهزل من بعد عزها ايركبوها |
تصرخ صريخ ايفسّر أصخور القويه |
____________________
1- روضة الواعضين / 193، الإرشاد 2 / 129 - 130، مناقب آل أبي طالب 3 / 213، مدينة المعاجز 4 / 193 و196، بحار الأنوار 44 / 239.
واشلون من تنظر الجسمي إمسلبينه |
أوفوگ السلب بالسيف هم إموزعينه |
|
زينب تنادي هذا اخونه أبو سكينه |
مطروح عاري ويل گلبي أبن الزكيه |
* * *
نعم، لقد ترك الإمام الحسينعليهالسلام مدينة جدّه رسول الله إلى الأبد حيث لم يعد إليها؛ فإنّه لمّا وصل إلى كربلاء رأى هناك ثلاثين ألف سيف ورمح عدا السهام والحجارةٍ والخشب، والكلّ يريد تمزيق جسده الشريف؛ تقرّباً لطاغيتهم الذي أمرهم أن لا يكتفوا بقتل الحسينعليهالسلام وسلبه وتقطيعه إرباً إرباً، بل أن يطؤوا صدره وظهره بحوافر الخيل، وقد نفّذ القوم ذلك أدقّ تنفيذ(1) .
وكأنّي بالحوراء زينبعليهاالسلام تخاطب جدّها رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
يجدي حسينك من الماي منعوه |
ولا حنّوا يجدي اعليه أورحموه |
|
ضامي ابنك يجدي إعداك كتلوه |
أوعگب الچتل بالخيل داسوه |
أوثلث تيام عاري حسين خلّوه
____________________
1- مجمع المصائب 1 / 212.
أوراسه اعلى راس الرمح شالوه |
أورضيعه اعلى صدره الگوم ذبحوه(1) |
* * *
(تخميس)
لقد برزت ولهى تنوح عميدها |
وقد خدَّ فاني الدمع بالحزن خدّها |
|
فواحدة تشكوا إلى الجدِّ وجدها |
وأُخرى بفيض النحر تصبغُ وجهها |
وأُخرى تفَدّيه وأُخرى تقَّبل
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،
وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون
والعاقبة للمتقين.
المجلس السادس
في الإمام علي السجّادعليهالسلام
المجلس السادس: في الإمام علي السجّادعليهالسلام
ما لِلِهمُومِ تراكمتْ بفؤُادي |
أظعونُ مَنْ أهوى حَداها الحادي |
|
وديارُهم ظلّتْ غواسقَ بعَدَما |
كانتْ شوارقَ مِن سنَاها الوادي |
|
فكأنّها أبياتُ آلِ المُصطفى |
لمّا خَلتْ عَنْ أهلِها الأمجادِ |
|
حَيرانَ حرّانَ الحَشى ممّا لَقِي |
مِنْ مِحنةٍ هَارتْ ذُرى الأطوادِ |
|
أعني بهِ زينَ العبادِ ومَنْ دُعِي |
دُونَ الوَرى بالسّيِّدِ السّجّادِ |
|
هُوَ حُجّةُ اللهِ ارتضاهُ لخلقهِ |
وأبُو الأئمّةِ عِلّةِ الإيجادِ |
|
ومَنْ الذّي عاشتْ بنيلِ أكفّهِ |
أهلُ الرجا من عاكفٍ أو بادي |
|
ويُنيلُها الأقواتَ لا يدرونها |
من أيّ بيتٍ قدْ أتَتْ أو نَادي |
|
حتّى سقتْه السُمَّ آلُ أُميّةٍ |
فقضى سَميمَ الضّغنِ والأحقادِ(1) |
* * *
____________________
1- من قصيدة للشيخ محمد رضا الغراوي النجفي (رحمه الله)، قال عنه السيّد جواد شبّر (رحمه الله) في أدب الطفّ: هو الشيخ محمد رضا بن قاسم ابن الشيخ محمد بن أحمد بن عيسى بن أحمد بن محمد الغرّاوي النجفي.
ولد في النجف الأشرف سنة 1303هـ، ترجم له الشيخ محمد حرز الدين في (معارف الرّجال) فقال: عالم فقيه أصولي، عارف بأخبار أهل البيتعليهمالسلام وسيرهم، تقي صالح ثقة.
كانت له ندوة علمية وأدبية تجمع فيها نخبة من أهل الفضل في أيام التعطيل للمذاكرات العلمية، وكان أديباً شاعراً، ويعدّ من الطبقة المتوسّطة في متانة شعره ورقّته.
له ولعٌ في التأليف والتصنيف، وكان محيطه وبيئته لا يقدران له ولأمثاله من المؤلّفين جهودهم.
حضر المترجم له دروس أعلام عصره، منهم الشيخ محمد جواد الحولاوي، والسيّد كاظم الطباطبائي اليزدي وغيرهم.
ألّف كُتباً كثيرة تنوف على الخمسين مؤلّفاً ومصنّفاً منها: (أدلّة الأحكام في شرح كتاب شرائع الإسلام)، لم يتم وغيرها الكثير.
له ديوان شعر اسمه (محاسن الكواكب). توفّي في يوم الأثنين 19 ربيع الأوّل سنة 1385هـ. (أدب الطفّ 10 / 188 - 189).
(موشّح)
هم مصايب كربله أوهم علّته |
وفگد إخوته أوذبح أبوه أو غربته |
|
وگطَّعوا بالسّم يويلي چبدته |
ليش إبن حامي الحمه يسمّونه |
|
يا علي السجّاد تبگه امصيبتك |
أوكل وكت تنصب مناحه شيعتك |
|
سيدي أولازم نشيّد حضرتك |
أونوصلك رغم الذي ايمنعونه |
|
بعد يا جرح البقيع انزف أوجور |
أشوكت يخمد غضب حسرات الصدور |
|
يا وسافه موحشه أربع اگبور |
ابحكم زمره حاقده أوملعونه |
* * *
روى ابن عباس عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: « إذا كان يومُ القيامةِ يُنادي منادٍ: أينَ زينُ العابدينَ؟ فكأنّي انظرُ إلى ولدي عليِ بنِ الحُسينِ بنِ عليِ بنِ أبي طالبٍ يخطرُ بينَ الصّفوفِ»(1) .
الكلام عن حياة الإمام زينِ العابدين وسيّدِ الساجدينعليهالسلام كلام ذو أبعاد عديدة، منوّعة بسبب تنوّع الأحداث التي عاشها الإمامعليهالسلام ، فقد عاصر الإمام السجّادعليهالسلام ستة من أئمّة الجور والطغيان من حكّام بني أُميّة وهم:
1- يزيد بن معاوية (61 - 64) هـ.
2- عبد الله بن الزبير (61 - 73) هـ.
3- معاوية بن يزيد (بضعة أشهر من عام64) هـ.
4- مروان بن الحكم (تسعة أشهر من عام65) هـ.
5- عبد الملك بن مروان (65 - 86) هـ.
6- الوليد بن عبد الملك (86 - 96) هـ.
وكلّ واحد من هؤلاء الستة - ما عدا ابن الزبير الذي يتظاهر بالخروج على بني أُميّة - له سياسته الخاصّة تجاه الإمامعليهالسلام ، مع الحفاظ على الخطّ العام لسياستهم الطاغوتية.
وأمّا عبد الله بن الزبير فقد كان من أولئك الذين لم يبايعوا يزيد، وليس
____________________
1- علل الشرايع 1 / 229 - 230 ح1، مدينة المعاجز 4 / 241 ح17، مناقب آل أبي طالب 3 / 304، بحار الأنوار 46 / 2 - 3 ح1 عن علل الشرايع.
ذلك إلاّ لكونه يرى نفسه خليفة قائماً بنفسه، وقد هرب إلى مكّة بعد موت معاوية، وقبل انطلاق الإمام الحسينعليهالسلام بقليل نشط سياسيّاً هناك، وبعد استشهاد الإمام الحسينعليهالسلام ؛ ولعدم وجود مَنْ ينافسه هناك حصل على بعض الأنصار، وادّعى لنفسه الخلافة، ولم يتمكّن يزيد حتى أواخر حكمه من القضاء عليه، وظلّ رافعاً راية خلافته حتى عام ثلاث وسبعين للهجرة حيث أخضع عبد الله الحجاز والعراق ومصر وبعضاً من الشرق الإسلامي لحكمه.
وانحصر حكم الأُمويين داخل حدود الشام وبعض المناطق، فقد كان يحكم من عام 61 - 73 خليفتان في منطقتين من العالم الإسلامي، ولكن خضعت جميع البلاد الإسلامية بعد هزيمة عبد الله بن الزبير على يد قوّات عبد الملك عام 73 لحكم المروانيين؛ فعادت إلى الشام مركزيتها مرّة أُخرى(1) .
فلأجل هذه الأحداث التاريخية صارت حياة الإمام زين العابدينعليهالسلام مليئة بالتنوّع والتشكّل بأشكال متعدّدة.
ولو تأمّلنا في الكلمة المأثورة عن نبيّ الرحمةصلىاللهعليهوآله لوجدنا الشيء العجيب، فالنبيّ يُخبِر عن الإمام علي بن الحسينعليهالسلام أنّه (ينادي منادٍ يوم القيامة: أين زين العابدين؟)، ثُمَّ بيّن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّ زين العابدين هذا هو علي بن الحسينعليهالسلام .
هذا والحسين لازال في عمر الصبا، ولم يتزوّج، ولم يولَد
____________________
1- سيرة الأئمّةعليهمالسلام للبيشوائي / 210، الأصل والهامش مع تصرّف يسير.
له ولد بعدُ، ولم يعرف الناس لهذا الولد الذي سيُرزق به الإمام الحسينعليهالسلام صفة من صفات العبودية أبداً.
ولكن بعد ما يعرف السامع أنّ القائل هو النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله يصدّق؛ لأنّ المُخبَر عنه هو الله تعالى، والمُخبِر هو النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله .
وأمّا السبب في تسميتهعليهالسلام بزين العبدين وسيّد الساجدين وذي الثَّفِنَات فهو راجع لما ذكره ولدُه الإمامُ الباقرعليهالسلام .
حيث قالعليهالسلام : « إنّ أبي علي بنَ الحسينعليهالسلام ما ذكر نعمة الله عليه إلاّ سجد، ولا قرأ آية من كتاب الله (عزّ وجلّ) فيها سجود إلاّ سجد، ولا دفع الله تعالى عنه سوء يخشاه أو كيد كايد إلاّ سجد، ولا فَرِغ من صلاة مفروضة إلاّ سجد، ولا وُفِّق لإصلاح بين اثنين إلاّ سجد، وكان أثر السجود في جميع مواضع سجوده، فسُمِّي السّجّاد لذلك».
وقالعليهالسلام أيضاً: « كان لأبيعليهالسلام في موضع سجوده آثار ناتئة، وكان يقطعها في السنة مرّتين في كلِّ مرّة خمس ثفنات، فسُمِّي ذا الثفنات لذلك»(1) .
وفي كشف الغمّة: أنّ سبب لقبه بزين العابدين أنّه كان ليلة في محرابه قائماً في تهجّده، فتمثّل له الشيطان في صورة ثعبان؛ ليشغله عن عبادته، فلم يلتفت إليه، فجاء إلى إبهام رجله فالتقمها، فلم يلتفت إليه فآلمه، فلم يقطع
____________________
1- علل الشرايع 1 / 232 - 233 ح1 وح2، مناقب آل أبي طالب 3 / 304.
صلاته، فلمّا فَرِغ منها، وقد كشف الله له، فعَلِم أنّه شيطان، فسبّه ولطمه، وقال له: « اخسأ يا ملعون»، فذهب وقام إلى تمام وِرْدِه، فسُمِع صوتٌ لا يُرى قائله وهو يقول: (أنت زين العابدين حقّاً) ثلاثاً فظهرت هذه الكلمة، واشتهرت لقباً لهعليهالسلام (1) .
أمّا الزهري وهو من أكابر علماء العامّة فكان إذا حدّث عن الإمام علي بن الحسينعليهالسلام قال: حدّثني زين العابدين علي بن الحسين.
فقال له سفيان بن عيينه: ولِمَ تقول له زين العابدين؟
قال: لأنّي سمعت سعيد بن المسيّب يحدّث عن ابن عباس أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: « إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ: أين زين العابدين؟».وذكر الحديث المتقدّم.
والمهم في المقام أنّ عبادتهعليهالسلام كانت مَضرَباً للمثل، وأشهر من أن تُذكر أو تسطّر؛ فإنّهعليهالسلام أمير أهل زمانه، ويكفي في ذلك عدم تمكّن أحد من الناس على مضاهاة أمير المؤمنينعليهالسلام في العبادة إلاّ هو؛ فإنّه كان يصلّي في كلّ يوم وليلة ألف ركعة، فإذا دخل وقت الصلاة ارتعش جسمه الشريف، واصفرّ لونه، وإذا شرع فيها كان كجذع الشجرة لا يتحرّك إلاّ ما حرّكت منه الريح، وإذا وصل في القراءة إلى (مالك يوم الدين) ظلَّ يكرّرها إلى أن يوشك على الموت، وإذا سجد لم يرفع رأسه الشريف حتى يتصبّب عرقاً، وإذا أصبح أصبح صائماً، وإذا أمسى أمسى عابداً، وكان يستمر في صلاته ليلاً حتى يصيبه التعب إلى درجة أنّه لا يقدر على
____________________
1- كشف الغمّة 2 / 286.
النهوض إلى الفراش، فكان يذهب إليه كهيئة الأطفال الذين لا يقدرون على المشي، وإذا دخل شهر رمضان لم يتكلّم إلاّ بالدعاء والتسبيح والاستغفار، وكانت لديه صُرّة فيها تراب قبر الحسينعليهالسلام ، فإذا أراد السجود سجد عليها(1) .
وأمّا قراءته للقرآن، فكان السقّاؤون يمرّون فيقفون ببابه يستمعون قراءته(2) .
وعن سفيان بن عيينة قال: حجّ علي بن الحسين، فلمّا أراد الإحرام وقفت راحلته، واصفرّ لونه، وأخذته رعشة، ولم يقدر على التلبية، فقلت: لِمَ لا تلبّي؟
فأجابني بأنّه يخاف أن يقول له الله تعالى لا لبيك ولا سعديك، فلمّا لبّى أُغمِيَ عليه، وسقط عن راحلته، وكان هذا حاله إلى أن فرغ من الحجّ(3) .
وقال طاووس اليماني: دخلت حجر إسماعيل ليلة، فرأيت علي بن الحسينعليهالسلام في السجود وهو يكرّر كلاماً، فأصغيت جيداً، فإذا هو يقول: « إلهي، عُبيدُك بفنائك، مسكينُك بفنائك، فقيرك بفنائك».
فما أصابني بلاء، أو
____________________
1- منتهى الآمال 2 / 17.
2- الكافي 2 / 616 باب ترتيل القرآن بصوتٍ حسن ح11، التفسير الصافي 1 / 71، وسائل الشيعة 6 / 211 ح4، بحار الأنوار 46 / 70 ح45، عن الكافي.
3- تاريخ مدينة دمشق 41 / 378، مناقب آل أبي طالب 4 / 35 ح121، عوالي اللئالي 4 / 35 ح121.
مرض أو ألم، فصلّيت وسجدت وقلتها إلاّ كشف عنّي وفرّج بي(1) .
وممّا روي عن حالهعليهالسلام في العبادة أنّه سقط بعض ولده في بعض الليالي فانكسرت يده، فصاح أهل الدار، وأتاهم الجيران، وجِيءَ بالمجبِّر، فجبَّر الصبي وهو يصيح من الألم، وكلّ ذلك لا يسمعه، فلمّا أصبح رأى الصبي يده مربوطة إلى عنقه فقال: « ما هذا؟».فأخبروه.
ووقع حريق في بيت هو فيه ساجد، فجعلوا يقولون: يابن رسول الله النار النار، فما رفع رأسه حتى أُطْفِئَتْ، فقيل له بعد قعوده: ما الذي ألهاك عنها؟
قال: « ألهتني عنها النار الكبرى»(2) .
وهناك شواهد كثيرة من هذا القبيل في عبادته وكثرة دعائه، ويكفي دليلاً على ذلك ما سطّره الإمام في أدعيته المباركة في الصحيفة السجّادية، زبور آل مُحَمّدصلىاللهعليهوآله ، وأخت القرآن، وما اشتهر بين الناس وعُرف به فضلاً وكرامة عند الله تعالى.
ولذا ترى الناس قد انفرجت له في استلام الحجر الأسود، مع أنّه لا سلطان له، ولا سيف ولا نطع، فانفرجت له لا لشيء إلاّ لكونه أقرب الناس إلى الله تعالى، مع أنّ هشام بن عبد الملك يملك هذه الأمور، ولم يقدر على استلام الحجر الأسود؛ لشدّة الزّحام، فما كان من الشاميّين إلاّ أن ينصبوا
____________________
1- الإرشاد 2 / 143، سير أعلام النبلاء 4 / 393، البداية والنهاية 9 / 123، إعلام الورى 1 / 489، روضة الواعظين / 198.
2- مناقب آل أبي طالب 3 / 290، بحار الأنوار 46 / 80.
لهشام منبراً، فجلس عليه وأطافوا به، ولكنّ الإمام زين العابدينعليهالسلام عندما جاء بتلك الهيبة الإلهية، وبذلك النور الربّاني، وطاف إلى أن بلغ إلى موضع الحَجَر تنحّى الناس حتى يتسلّمه هيبة له.
فقال الشامي: مَنْ هذا يا أمير المؤمنين؟
فقال: لا أعرفه؛ لئلاّ يرغب فيه أهل الشام.
فقال الفرزدق وكان حاضراً: لكنّي أعرفه.
فقال الشامي: مَنْ هو يا أبا فراس؟
فأنشأ الفرزدق:
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَه |
والبيتُ يعرفُه والحِلُّ والحَرَمُ |
|
هذا ابنُ خيرِ عبادِ الله كلِّهم |
هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العَلَمُ |
إلى أن يقول:
وليس قولُكَ مَنْ هذا؟ بضائرِهِ |
العربُ تعرفُ مَنْ أنكرتَ والعجمُ |
|
هذا ابنُ فاطمةٍ إنْ كنتَ جاهلَهُ |
بجدِّه أنبياءُ اللهِ قد خُتِمُوا |
|
إن عُدَّ أهلُ التقى كانوا أئمَّتَهُم |
أو قيلَ مَنْ خيرُ أهلِ الأرضِ؟ قيل هُمُ |
|
ما قالَ لا قطُّ إلاّ في تشهدّهِ |
لولا التشهدُ كانت لاؤهُ نَعَمُ |
فغضب هشام ومنع جائزته، فحبسوه بعسفان بين مكة والمدينة، فبلغ ذلك الإمام علي بن الحسينعليهالسلام فبعث إليه باثني عشر ألف درهم، وقال: « اعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به».
فَردَّها وقال: يابن رسول الله، ما قلت الذي قلت إلاّ غضباً لله ولرسوله، وما كنت لأرزأ(1) عليه
____________________
1- أرزأ: أصاب منه خيراً.
شيئاً.
فردَّها إليه، وقال: « بحقّي عليك لما قبلتها، فقد رأى الله مكانك وعلم نيّتك».
فقبلها(1) .
وفي رواية أنّه لمّا طال الحبس عليه، وكان هشام يوعده بالقتل، شكا إلى الإمام علي بن الحسينعليهالسلام ، فدعا له فخلّصه الله، فجاء إليه وقال: يابن رسول الله، إنّه محا اسمي من الديوان.
فقال: « كم كان عطاؤك؟».
قال: كذا، فأعطاه لأربعين سنة، وقالعليهالسلام : « لو علمت أنّك تحتاج إلى أكثر من هذا لأعطيتك».
فمات الفرزدق بعد أن مضى أربعون سنة(2) .
قال الشيخ القمّي في منتهى الآمال: اسم الفرزدق همام بن غالب بن صعصعة التميمي المجاشعي، وكنيته أبو فراس، ولقبه الفرزدق، وهو من أعيان شيعة أمير المؤمنينعليهالسلام ، ومدّاح أهل البيت، وله سلف صالح ذو مفاخر باهرة.
وفي الإصابة: أنّه وفَدَ غالب - أبو الفرزدق، وكان من كرماء عصره، ولديه من الإبل ما لا يُحصى - على الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام وهو في البصرة، ومعه ابنه الفرزدق، قالعليهالسلام : « مَنْ هذا الفتى معك؟».
قال: ابني الفرزدق، وهو شاعر.
فقال: « علّمه القرآن، فإنّه خير له من الشعر».
فكان ذلك في نفس الفرزدق حتى قيد نفسه، وآلى أن يحلّ نفسه حتى يحفظ القرآن.
وبملاحظة هذه القصيدة التي تبلغ أربعين بيتاً، يُعلَم مدى تسلّطه على فنّ
____________________
1- الاختصاص / 193 - 194، أمالي السيد المرتضى 1 / 49، تاريخ مدينة دمشق 41 / 403، تهذيب الكمال 20 / 402، بحار الأنوار 46 / 127.
2- الخرائج والجرائح 1 / 267 ح1، مدينة المعاجز 4 / 394، بحار الأنوار 46 / 141.
الشعر والأدب، وتبحّره فيهما، سيّما إذا كان على نحو الارتجال.
ونقل المحقّق البهباني عن جدّه تقي المجلسي (رضوان الله عليهما) أنّ عبد الرحمن الجامي - وهو سنّي المذهب - نظم هذه القصيدة بالفارسية في سلسلة الذهب، وذكر أنّ امرأة رأت الفرزدق في المنام بعد موته، فسألته عن صنع الله به، فقال: قد غفر الله لي بسبب تلك القصيدة التي أنشأتها في مدح علي بن الحسينعليهالسلام .
ثُمَّ قال الجامي: من الجدير أن يغفر الله لجميع المخلوقات بسبب تلك القصيدة الغرّاء(1) .
لكنّ البعض لا يستطيع أن يتحمّل ذلك ويصبر عليه أمثال الحجّاج (لعنه الله) الذي كان والياً على الحجاز، حيث كتب إلى عبد الملك بن مروان: إذا أردت أن تثبت ملكك، فاقتل علي بن الحسين.
فكتب إليه عبد الملك: أمّا بعد، جنبّني دماء بني هاشم واحقنها؛ فإنّي رأيت آل أبي سفيان لمّا أولغوا فيها لم يلبثوا إلى أن أزال الله الملك(2) .
فلمّا هلك عبد الملك، وجلس ابنه الوليد على سرير الخلافة جعل يحتال في قتل إمامنا زين العابدينعليهالسلام ؛ ولذلك بعث سمّاً قاتلاً إلى والي المدينة، وأمره أن يقتله بالسُمّ سرّاً، ففعل الوالي.
فلمّا سُقي إمامنا زين العابدين من السُمّ مَرِض مرضاً شديداً، وصار يُغشى عليه ساعة بعد ساعة حتى كانت ليلة
____________________
1- منتهى الأمال 2 / 48 - 49.
2- بصائر الدرجات / 417، الثاقب في المناقب / 361، الخرائج والجرائح 1 / 256، بحار الأنوار 46 / 28، 44، 119.
وفاته - الليلة الخامسة والعشرون من شهر محرّم الحرام سنة 95هـ - غُشِيَ عليه في تلك الليلة ثلاث مرّات، فلمّا أفاق من غشيته الأخيرة تلا هذه الآية:( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (1) .
ثمّ دعا ولده الإمام الباقرعليهالسلام وأوصى إليه بوصاياه، فأوّل ما أوصاه كما قال الإمام الباقرعليهالسلام : « ضمّني أبي إلى صدره الشريف وقال: يا بُني، أوصيك بما أوصاني به أبي الحسين حين حضرته الوفاة، وقال: إنّ أباه أوصاه به قال: يا بُني إيّاك وظلم مَنْ لا يجد عليك ناصراً إلاّ الله(2) ، وقال: يا بُني، إذا مِتُّ فلا يلي غسلي غيرك؛ فإنّ الإمام لا يلي غُسله إلاّ إمام مثله يكون بعده».
وكان في تلك الليلة يقول لولده الباقرعليهالسلام : « هذه الليلة هي التي وعدتها، فإذا قضيتُ نحبي، فغسّلني وحنّطني وادفني».
ثُمَّ مَدّوا عليه الثوب، وفاضت روحه الطاهرة، رحم الله مَنْ نادى: وا إماماه! وا مسموماه! وا سيّداه!
____________________
1- سورة الزمر / 74.
2- الكافي 2 / 331 ح5، الخصال / 16 ح59، أمالي الشيخ الصدوق / 249 ح10، بحار الأنوار 46 / 153 ح16 عن الكافي.
طول الليل ما فتّر ونينه |
بعد ما صد لبو جعفر ابعينه |
|
يبويه أمودّعين الله گضينه |
بچوا حنّوا حنين افراگ شفجين |
|
أويلي من گظه السجّاد يومه |
حنّ أمحمّد أوهاجت اهمومه |
|
يحگله لوبچه اومنهو اليلومه |
فارگ طود عز اوعَلَم للدين |
وبالفعل قام إمامنا الباقرعليهالسلام فغسّل والده، بينما هو كذلك إذ تنحّى الإمام جانباً وأخذ في البكاء، فقيل له: ما يبكيك يابن رسول الله؟
قالعليهالسلام : « أبكي لما أرى من آثار الجامعة التي وضِعت على صدره، والغِلّ الذي في يديه».
ساعد الله قلبك يا مولاي، ثُمَّ حُمِلتْ جنازة الإمام للصلاة عليها فصلّى عليه الإمام الباقرعليهالسلام ، وصلّى الناس عليه، البرّ والفاجر، الصالح والطالح، وانهال الناس يتّبعون الجنازة حتى لم يبقَ أحد إلاّ وشارك في تشييعه، ودُفن في البقيع مع عمّه الحسنعليهالسلام .
أويلي:
شاله للبقيع أوحفر گبره |
يم عمّه الحسن وأمّه الزهره |
|
ظل إعليه يجري الدمه عبره |
لمن سمّه هشام أومات بالسم |
|
عليه صاحت الوادم فرد صيحه |
أوگام أوغسّله أوحطه إبضريحه |
|
بس جثة السبط ظلت طريحه |
اوبالخيل الصدر منّه تهشم |
وكأنّي بالحوراء زينبعليهاالسلام :
هوت يمّه تشم كسر البضلعه |
اخوي الما طبع يشبه الطبعه |
|
غابت روحها أوفزّت تودعه |
أولن راسه إبراس الرمح يزهر |
(أبوذية)
إلك شيعه بچت يحسين ورثت |
او نارك بالگلب يحسين ورثت |
|
يخويه داركم للحزن ورثت |
اوعليك النوح كل صبح أومسيه(1) |
* * *
(تخميس)
وقفتُ على خيرِ الديار مسلّما |
ونفلي بها بعد الفروض متمّما |
|
وقد صار غسلي دون ماءٍ تيمّما |
فإنّي بوادي الطفّ أصبحتُ مُحرما |
أطوف ببيتٍ والحسين ذبيحُه
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،
وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون
والعاقبة للمتقين.
____________________
1- مجمع المصائب 4 / 186 - 189.
المجلس السابع
في الإمام مُحَمَّد الباقرعليهالسلام
المجلس السابع: في الإمام مُحَمَّد الباقرعليهالسلام
يا راكباً يقطعُ جَورَ الفلا |
على أمونٍ حسرة خامرِ |
|
عرّج على طيبةَ وانزل بها |
وقفْ مقامَ الضّارعِ الصّاغِر |
|
وقبّلِ الأرضَ وسِفْ تُربَها |
واسجُدْ على ذاك الثّرى الطّاهِر |
|
وعُجْ على أرضِ البقيعِ الذّي |
تُرابُه يجلو قذى النّاظرِ(1) |
|
واذرِ دمُوعَ العَينِ فيها دما |
على ضريح السّيّد الباقرِ |
|
على إمامٍ ما جرى ذكرُه |
في خاطري إلاّ جرى ناظري |
|
على إمامٍ لم يدعْ رزُؤهُ |
صَبراً لجلدٍ في الورى صابرِ |
|
على إمامٍ هدَّ أركانَ الهُدى |
مُصابُه بالقاسمِ الفاخرِ(2) |
____________________
1- هذه الأبيات الأربعة الأولى للشيخ الأربلي (رحمه الله): وهو بهاء الدين أبو الحسن علي بن عيسى فخر الدين بن أبي الفتح الأربلي، و(الأربلي) نسبة إلى إرْبِل - بكسر الهمزة وسكون الراء المهملة وكسر الباء الموحدّة - وهي مدينة معروفة بشمال العراق أكثر أهلها أكراد قد استعربوا، وهي الآن اسم لأحدى محافظات العراق مركزها هذه المدينة المسمّاة بنفس الاسم.
ولد ما بين سنتي 620 - 625 هـ، نشأ الشيخ الأربلي نشأة علمية صالحة، فكان عالماً وأديباً، وشاعراًَ بديعاً في شعره وأدبه.
له مؤلّفات عديدة أشهرها كتابه (كشف الغُّمة في معرفة الأئمّةعليهمالسلام ).
توفي سنة 692هـ ببغداد ودُفن فيها بداره المطلّة على نهر دجلة. (انظر مقدّمة كتابه كشف الغُمّة 1 / 5 - 22).
2- هذه الأبيات الأربعة الأخيرة للسيد محسن الأمين (رحمه الله): وهو أبو محمد الباقر محسن بن الصالح العابد السيد عبد الكريم، المنتهي نسبه إلى الحسين ذي الدمعة ابن زيد الشهيد ابن الإمام زين العابدين ابن الإمام الحسين الشهيدعليهماالسلام .
ولد في قرية شقراء من بلاد جبل عامل سنة 1284هـ، وأصل هذه العائلة من الحلّة، جاء أحد الأجداد منها إلى جبل عامل بطلب من أهلها؛ ليكون مرجعاً دينياً ومرشداً.
كان لأبويه الفضل الأكبر في تربيته وتفريغه لطلب العلم. عاصر السيّد الأمين مجموعة من مشاهير العلماء في العراق أيام كان في
(قطيفي)
بطَّل ونينه واغمّض الباقر العينين |
أوضجّت عليه أهل المدينه أوزاد الحنين |
|
أرض المدينه إعليه ضجّت كلّ أهلها |
أوبعده الهواشم مظلمه أو موحش نزلها |
|
الزلم تبچي والنسه اتحيّر بونها |
والكلّ ينادي سدّوا أبواب الميادين |
|
شالوه الگبره أوگامت اتنوح النوايح |
أوكلّ البلاد ارتجّت بكثر الصوايح |
|
وَسِّده الصادق بگه على الترب طايح |
مثل السبط جدّه وأهل بيته الميامين |
____________________
=
النجف الأشرف منهم الشيخ محمد كاظم الخراساني، والشيخ آقا رضا الهمداني.
للسيد الأمين من المؤلّفات ما يربو على الثلاثين من أشهرها (أعيان الشيعة)، وله أشعار عديدة ومؤلّفات في المراثي والمدح منه هذه الأبيات التي ذكرناها أعلاه.
توفّي السيّد محسن الأمين (رحمه الله) في رجب سنة 1371هـ في بيروت، ونُقل جثمانه بتشييع عظيم إلى دمشق حيث دُفن هناك. (من مقدّمة كتابه إقناع اللائم / 22 - 28).
وَسّد الصادق والده الباقر ابلحده |
إبيومه أونصب ماتم إبداره خلاف فگده |
|
لاچن إنشدني عن أبو السجّاد جدّه |
يمته اندفن والماتم إعليه إنصب وين |
* * *
عليه صاحت الوادم فرد صيحه |
الصادق غسّله أوحطّه بضريحه |
|
بس جثة السبط ظلّت طريحه |
أوبالخيل الصدر منّه تهشّم |
* * *
روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: « إذا فَارَقَ الحُسينُ الدُّنيا، فالقائِمُ بالأمرِ بعدَهُ عليٌ ابنُه، وهو الحُجّةُ والإمامُ، وسَيُخرِجُ اللهُ مِن صُلبِ علي ابناً، اسمُهُ اسمِي، وعِلمُهُ عِلمِي، وحُكمُهُ حُكمِي، وهو أشبهُ الناسِ إليَّ، وهو الإمام والحُجّةُ بعدَ أبيه»(1) .
حياة الأئمّة الأطهار (عليهم صلوات الملك الجبّار) طافحة بالعلم والحِكَم، والعبادة والأدب مع الله، ومع رسولهصلىاللهعليهوآله ومع الناس؛ الصديق منهم والعدوّ على حدّ سواء.
ومن هذه الشجرة المباركة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، الإمام الباقرعليهالسلام وهو الإمام الخامس من الأئمّة الاثني عشر،
____________________
1- كفاية الأثر / 164.
الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، والمعصوم السابع من المعصومين الأربعة عشر.
ويكفينا معرفة بهعليهالسلام الرواية التي صدّرنا بها المجلس، والتي جاء فيها عن النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله : أنّ اسمه اسمي، وعلمه علمي، وحكمه حكمي، وهو أشبه الناس إليّ، وهو الإمام والحجّة بعد أبيه.
ولا يمكن لنا في ساعة، بل ولا حتى ساعات أن نحيط علماً بهكذا معصوم، ولكن لا بأس أن نتعرّف على شخصيّة هذا الإمامعليهالسلام عن طريق ما وصلنا من أخبار شريفة، وآثار تاريخيّة نفيسة، من ولادته وحتى شهادتهعليهالسلام .
وُلِدَ الإمام أبو جعفر الباقرعليهالسلام في الثالث من شهر صفر سنة 57هـ، أو أوّل شهر رجب بالمدينة المنوّرة، وكانعليهالسلام حاضراً في وقعة الطفّ وعمره أربع سنين.
أُمّه الماجدة فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام ، وقيل لها: أُمّ عبد الله، فأصبحعليهالسلام ابن الخيرتين، وعلويّاً من علويّين، ويكفي في فضلها ما رواه في الكافي عن الإمام الباقرعليهالسلام أنّه قال: « كانت أُمّي قاعدة عند جدار، فتصدّع الجدار وسمعنا هدّة شديدة، فقالت بيدها: لا وحقّ المصطفى ما أَذِن الله لك في السقوط، فبقي معلّقاً حتى جازته، فتصدّق عنها أبيعليهالسلام بمئة دينار»(1) .
____________________
1- الكافي 1 / 469 ح1، دعوات الراوندي / 68 ح165، مناقب آل أبي طالب 3 / 323، بحار الأنوار 46 / 215 ح14 عن الدعوات.
وذكرها الإمام الصّادقعليهالسلام يوماً، فقال: « كانت صدّيقة، لم يُدرَك في آل الحسنعليهالسلام امرأة مثلها»(1) .
اسمه الشريف: مُحَمّد. وكنيته: أبو جعفر. وألقابه: الشريف، والباقر، والشاكر، والهادي. وأشهر ألقابهعليهالسلام الباقر. وقد لقبّه به رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، كما ورد في رواية سفينة عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « يوشك أن تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسينعليهالسلام ، يُقال له: مُحَمّد، يبقر علم الدين بقراً، فإذا لقيته فاقرأه منّي السّلام»(2) .
وروى الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن عمرو بن شمر قال: سألت جابر بن يزيد الجعفي، فقلت له: ولِمَ سُمِّي الباقر باقراً؟
قال: لأنّه بقر العلم بقراً، أي شقّه شقّاً، وأظهره إظهاراً، ولقد حدّثني جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه سَمِع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « يا جابر، إنّك ستبقى حتى تلقى ولدي مُحَمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف في التوراة بباقر، فإذا لقيته فاقرأه منّي السّلام».
فلقيه جابر بن عبد الله الأنصاري في بعض سكك المدينة، فقال له: يا غلام مَنْ أنت؟
قال: « أنا مُحَمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب».
____________________
1- الكافي 1 / 469، باب مولد أبي جعفر الباقرعليهالسلام ح1، مناقب آل أبي طالب 46، 215 ح14، دعوات الراوندي / 69 ضمن ح165، عنه بحار الأنوار 46 / 215 ح14.
2- الإرشاد 2 / 159، روضة الواعظين / 202، إعلام الورى 1 / 505، كشف الغمّة 2 / 336، بحار الأنوار 46 / 222 ح6.
فقال له جابر: يا بني، أقبل فأقبل، ثُمَّ قال: أدبر فأدبر، فقال: شمائل رسول اللهصلىاللهعليهوآله وربّ الكعبة، ثُمَّ قال: يا بُنِي، رسول اللهصلىاللهعليهوآله يُقرئك السّلام.
فقال: « على رسول الله السّلام ما دامت السماوات والأرض، وعليك يا جابر بما بلّغت السّلام».
فقال له جابر: يا باقر، يا باقر، أنت الباقر حقّاً، أنت الذي تبقر العلم بقراً.
ثمّ كان جابر يأتيه فيجلس بين يديه فيعلِّمه، فربما غلط جابر فيما يحدّث به عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فيردّ عليه ويذكّره، فيقبل ذلك منه، ويرجع إلى قوله وكان يقول: يا باقر، يا باقر، يا باقر، أشهد بالله إنّك قد أوتيت الحكم صبيّاً(1) .
وكان جابر قد التقى بالإمامعليهالسلام أكثر من مرّة، وهذا ما أشارت إليه الرواية المتقدّمة التي ذكرت أنّ جابر قال له: أقبل فأقبل... إلى أخره؛ فأنّها دالّة على أنّ جابراً كان يبصر.
وفي بعض النصوص أنّ جابراً فقد البصر كما في زيارته لقبر المولى أبي عبد اللهعليهالسلام ، فالرواية السابقة متعلّقة بما قبل فقده للبصر، والتقاه بعدها بعدما فقد بصره، كما ذكر ذلك الشيخ المفيد (رحمه الله) عن الإمام الباقرعليهالسلام أنّه قال: « دخلت على جابر بن عبد الله فسلّمت عليه، فردّ عليَّ السّلام، وقال لي: مَنْ أنت؟ وذلك بعد ما كفّ بصره»(2) .
____________________
1- علل الشرائع 1 / 233 - 234، عنه بحار الأنوار 46 / 225 ح4.
2- الإرشاد 2 / 158.
ولو تأمّلنا في مكارم أخلاقه وفضائله ومناقبهعليهالسلام ، لعرفنا حقيقة مقال الصادق الأمين، والرسول الكريمصلىاللهعليهوآله .
فقد روى الشيخ المفيد وغيره عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال: « إنّ مُحَمّد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى مثل علي بن الحسينعليهالسلام يدع خلفاً؛ لفضل علي بن الحسينعليهالسلام حتى رأيت ابنه مُحَمّد بن علي، فأردت أن أعظه فوعظني.
فقال له أصحابه: بأيّ شيء وعظك؟
قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة فلقيت مُحَمّد بن عليعليهالسلام ، وكان رجلاً بديناً، وهو متكئ على غلامين له أسودين أو موليين له، فقلت في نفسي: شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة، على هذه الحال في طلب الدنيا لأعظنّه، فدنوت منه فسلّمت عليه، فسلّم عليَّ بنهر وقد تصبّب عرقاً.
فقلت: أصلحك الله! شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال؟
قال: فخلى عن الغلامين من يده ثُمَّ تساند، وقال: لو جاءني والله الموت وأنا في هذه الحال، جاءني وأنا في طاعةٍ من طاعات الله، أكفّ بها نفسي عنك وعن الناس، وإنّما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله.
فقلت: يرحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني»(1) .
____________________
1- الكافي 5 / 73 - 74 باب ما يجب بالاقتداء بالأئمّةعليهمالسلام ح1، تهذيب الأحكام 6 / 325 ح15، الإرشاد 2 / 161 - 162، إعلام الورى 1 / 507 - 508، كشف الغمة 2 / 337، وسائل الشيعة 17 / 19 ح1، بحار الأنوار 46 / 287 ح5.
فانظروا إلى تواضعه في طلب الرزق مع أنّه كان بإمكانه الاعتماد على غيره فيكفيه أمره.
وقال له نصراني: أنت بقر؟
قال: « لا، أنا باقر».
قال: أنت ابن الطبّاخة؟
قال: « ذاك حرفتها».
قال: أنت ابن السوداء الزنجية البذيّة(1) ؟
قال: « إن كنت صدقت غفر الله لها، وإن كنت كذبت غفر الله لك».
قال: فأسلم النصراني(2) .
وأمّا معاجزهعليهالسلام فقد حيّرت العقول، وأذهلت الألباب، نكتفي بذكر بعضها:
روى القطب الراوندي بسنده عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام أنا مولاك، ومن شيعتك، ضعيف ضرير، اضمن لي الجنّة.
قال: « وتحبّ ذلك؟».
قلت: كيف لا أحبّ، فما زاد أن مسح على بصري، فأبصرت جميع الأئمّةعليهمالسلام عنده.
قال: « يا أبا مُحَمّد، مُدّ بصرك فانظر ماذا ترى بعينك؟».
قال: فو الله، ما أبصرت إلاّ كلباً وخنزيراً وقرداً، قلت: ما هذا الخلق الممسوخ؟
قال: « هذا الذي ترى، هذا السواد الأعظم، لو كشف الغطاء للناس ما نظر الشيعة إلى مَنْ خالفهم إلاّ في هذه الصورة».
ثُمَّ قال: « يا أبا مُحَمّد، إن أحببت
____________________
1- ولا يخفى على اللبيب أنّ هذا النصراني كان همّه شتم الإمام والنيل منه، وإلاّ فما ذكره ليس سديداً؛ فأُمّ الإمام ليست من الجواري؛ لأنّها من بنات الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام ، ولا هي سوداء، ولكن ديدن الذين يريدون الانتقاص من الآخرين هو إطلاق ما يشتهون، فيصفون الجميل بالقبيح، والعالم بالجاهل وهكذا.
2- مناقب آل أبي طالب 3 / 337، بحار الأنوار 46 / 289.
تركتك على حالك هكذا وحسابك على الله، وإن أحببت ضمنت لك على الله الجنّة ورددتك إلى حالتك الأولى».
قلت: لا حاجة لي إلى النظر إلى هذا الخلق المنكوس، ردّني ردّني، فما للجنّة عوض، فمسح على عيني فرجعت كما كنت(1) .
وفي مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني (رحمه الله): عن جابر بن يزيد الجعفي قال: خرجت مع أبي جعفرعليهالسلام وهو يريد الحيرة، فلمّا أشرفنا على كربلاء، قال لي: « يا جابر، هذه روضة من رياض الجنّة لنا ولشيعتنا، وحفرة من حفر جهنم لأعدائنا».
ثُمَّ قضى ما أراد، والتفت إليّ وقال: « يا جابر».
قلت: لبيك.
قال لي: « تأكل شيئاً؟».
قلت: نعم، فأدخل يده بين الحجارة فأخرج لي تفاحة لم أشمّ قطّ رائحة مثلها، لا تشبه فاكهة الدنيا، فعلمت أنّها من الجنّة فأكلتها، فعصمتني عن الطعام أربعين يوماً لم آكل ولم أحدث(2) .
فهكذا كانت حياته الشريفة مملوءة بالعلم والمعرفة، والفضائل والمعاجز، والكرامات الباهرة والآيات الظاهرة، لكن بما أنّ هذا لا يتماشى مع سياسة الظالمين وحسد الحاسدين، فأخذوا يتحينّون له الفرصة المؤاتية لقتله والقضاء عليهعليهالسلام .
فقد روى السيد ابن طاووس (رحمه الله) بسنده عن الإمام الصادقعليهالسلام قال: حجّ
____________________
1- الخرائج والجرائح 2 / 821 - 822 ح35، مختصر بصائر الدرجات / 112، مدينة المعاجز 5 / 187 ح138، بحار الأنوار 27 / 30 ح1 و46 / 284 - 285 ح88.
2- مدينة المعاجز 5 / 12 ح10، دلائل الإمامة / 221 ح9، نوادر المعجزات / 135 - 136 ح6.
هشام بن عبد الملك بن مروان سنة من السنين، وكان قد حجّ في تلك السنة مُحَمّد بن علي الباقر وابنه جعفر بن مُحَمّدعليهماالسلام ، فقال جعفر بن مُحَمّدعليهالسلام : « الحمد لله الذي بعث مُحَمّداً بالحقِّ نبيّاً، وأكرمنا به، فنحن صفوة الله، وخلفاؤه على خلقه، وخيرته من عباده، فالسعيد مَنْ اتّبعنا، والشقيّ مَنْ عادانا وخالفنا».
ثُمَّ قال: « فأخبر مسلمة أخاه (هشام) بما سمع، فلم يُعرض لنا حتى انصرف إلى دمشق وانصرفنا إلى المدينة، فأنفذ بريداً إلى عامل المدينة بإشخاص أبي وإشخاصي، فأشخصنا، فلمّا وردنا مدينة دمشق حجبنا ثلاثاً، ثُمَّ أذن لنا في اليوم الرابع، فدخلنا وإذا قد قعد على سرير الملك، وجنده وخاصته وقوف على أرجلهم سماطان متسلحان»(1) ... الخبر.
فأخذ يتحين للإمامعليهالسلام الفرصة المناسبة لقتله، والتخلّص منه حسداً وحقداً؛ لأنّه من تلك الشجرة الطاهرة، وهشام من الشجرة الملعونة، وقد حاججه الإمامعليهالسلام وناظره، وكشف حقائق كثيرة.
فمن هذا كلّه تولّدت عند هذا الظالم الكافر فكرة قتل الإمامعليهالسلام والقضاء عليه، وفي شهر ذي الحجّة الحرام سنة (114) هـ دسّ الظالم هشام بن عبد الملك إليه السّم، قيل: في طعامه، وقيل: في شرابه، وقيل: في سرج دابته، كما يُروَى عن الإمام الصادقعليهالسلام ، فوقع من ذلك السّم في فراشه
____________________
1- الأمان من أخطار الأسفار / 66، دلائل الإمامة / 233 ح26، مدينة المعاجز 5 / 66 ح66، بحار الأنوار 46 / 306 ح1، وج69 / 181 ح9 عن دلائل الإمامة.
متورّم الجسد، ثُمَّ عاش بعد ذلك ثلاثة أيام، فلمّا كانت ليلة وفاته جعل يناجي ربّه، وأمر بأكفان له، وكان فيه ثوب أحرم فيه قال: « اجعلوه في أكفاني»(1) .
قال الإمام الصادقعليهالسلام : « ناداني بعد فراغه من مناجاته، وقال: يا بني، إنّ هذه الليلة التي أُقبض فيها».
وفي بعض المقاتل: إنّه لمّا حان حينه، وتيقّن وفاته أوصى إلى ابنه أبي عبد الله الصادقعليهالسلام بجميع ما يحتاج إليه الناس، وسلّم إليه ما كان عنده من مواريث الأنبياء وسلاح رسول اللهصلىاللهعليهوآله (2) .
ورُوِي عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال: « كنت عند أبيعليهالسلام في اليوم الذي قُبِض فيه، فأوصاني بأشياء في غسله وكفنه، وفي إدخاله قبره، قلت: جعلت فداك! والله يا أبتاه ما رأيتك منذ اشتكيت أحسن هيئة من اليوم، وما أرى عليك أثر الموت»(3) .
وبعد ما أكمل أمامنا وصيته، وكان يوم السابع من شهر ذي الحجّة الحرام، تهيّأ للقاء ربّه، فغمّض عينيه، ومدّد يديه ورجليه، وعرق جبينه، وسكن أنينه، وفاضت روحه الطاهرة. وا إماماه! وا سيّداه!
____________________
1- الخرائج والجرائح 2 / 604، مدينة المعاجز 5 / 168، بحار الأنوار 46 / 331.
2- وفيّات الأئمّة / 215.
3- كشف الغمّة 2 / 352.
سره السّم إبّدن راعي الحميه |
طول الليل ما نام الشفيه |
|
يون إيلوج لوجات المنيه |
حن ابنه عليه أو هملت العين |
|
حن ابنه او وضع ليه الوصيه |
گام إيودّعه أوداع المنيه |
|
يوم المات إبن سيد البريه |
دوت بالنوح دور الهاشميين |
يقول بعض أرباب العزاء: ومن وصايا الإمام الباقرعليهالسلام لولده أبي عبد الله الصادقعليهالسلام ، والتي أوصاه أن يعمل بها بعد شهادته: أن يسرج ضياء.
قال: « بني وأسرج في داري ضياءً؛ فإنّ الروح تعود إلى الدار، فإنّ كانت مضيئة استأنست، وإن كانت مظلمة استوحشت».
فأسرج الإمام الصادقعليهالسلام ضياءً في دار أبيه ليلة الدفن التي تُسمّى ليلة الوحشة.
لست أدري هل أعطوا لزينبعليهاالسلام فرصة في كربلاء حتى تُسرِج الضياء في خيام الهاشميين؟!
لا والله، وإنّما نهبوا ما في الخيام، وأضرموا فيها النار، وجعلوا العيال في خوف وذعر.
من شبّوا النيران فرّت كلّ العيال |
بس العقيلة اتحيّرت والدمع همّال |
|
ناده عدوها شحيّرچ يربات الادلال |
نادت ومثل المطر يهمل مدمع العين |
عدنه عليل من المرض ما يگدر يگوم |
نايم طريح أوسادته بالخيم ياگوم |
|
هو البجيه من نسل هاشم ومخزوم |
وهو الشريده اللي بگه من نسل الحسين |
هذا هو حال الخيام والعيال، ولكن سلني عن حال الحوراء زينبعليهالسلام لمّا نظرت إلى جسد المولى أبي عبد اللهعليهالسلام على رمضاء كربلاء، وكأنّي بها تخاطبه:
نايم إخوي إشلون نومه |
أوحر الشمس غيّر ارسومه |
|
أوعگب الذبح سلبوا هدومه |
والغسل صارت له دمومه |
(أبوذية)
لون بيدي اطر گبرك وسكنه |
واضمّد جرحك اليسعر وسكنه |
|
يبو السجّاد أنه إختك وسكنه |
عليك إدموعنه انصبها سويه |
* * *
(تخميس)
منه دنت تهمي الدموع بثغره |
وتضّج باكيةً تنوء بصبره |
|
لمّا رأت رضَّ الجياد لصدره |
وقعت عليه تشمُّ موضع نحره |
وعيونُها تنهلُّ في عبراتها
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،
وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون
والعاقبة للمتقين.
المجلس الثامن
في الإمام جعفر الصادقعليهالسلام
المجلس الثامن: في الإمام جعفر الصادقعليهالسلام
تبكي العُيونُ بدمعِها المتوّرد |
حُزناً لثاوٍ في بَقيع الغرقدِ |
|
تبكي العُيونُ دَماً لفقدِ مُبرّز |
مِنْ آلِ أحمَد مثلُه لم يُفقدِ |
|
أيُّ النواظرِ لا تفيضُ دُموعُها |
حُزناً لمأتمِ جَعفرِ بنِ مُحَمّد |
|
رُزءٌ لهُ أركانُ دِينِ مُحَمّد |
هُدّتْ ونَابَ الحُزنُ قَلبَ مُحَمّدِ |
|
رُزءٌ له تَبكي شريعةُ أحمد |
وتنوحُ مُعولةً بقلبٍ مُكمدِ |
|
رُزءٌ بقلبِ الدينِ أثبَتَ سَهَمهُ |
ورمى حَشاشَةَ قَلبِ كُلِّ موحّدِ |
|
ماذا جنت آلُ الطّليقِ وما الذي |
جرّتْ على الإسلامِ مِن صُنعٍ ردي |
|
كمْ أنْزَلتْ مُرَّ البلاءِ بجعفرٍ |
نجمِ الهُدى مأمونِ شرعةِ أحمدِ |
|
كم شرّدته عن مدينة جدّهِ |
ظلماً تجشّمه السُرى في فدفِدِ |
|
لم يحفظوا المختار في أولاده |
وسواهم من أحمدٍ لم يولدِ(1) |
* * *
حنّ الكاظم أو صبّ دمعة العين |
ونينك صدّع اگلوب الخواتين |
|
تحن إتلوج تتگلب أو تنهت |
تراني الونتك گلبي تفتت |
|
صد ليه إبرفج والعين حسّت |
يبويه اوداعة الله اليوم ماشين |
____________________
1- القصيدة للسيد محسن الأمين العاملي (رحمه الله) (تقدّمت ترجمته راجع المجلس السابع).
مدّ إيده على إبنه وجذب حسره |
يشم خدّه أويحبه أو يگت عبره |
|
حنّ الكاظم أوطاح إعلى صدره |
إشلون أوداع محزن بين الأثنين(1) |
* * *
على المسموم يا گلبي تفطّر |
أو ذوب امن الهظم لاجله أو تحسّر |
|
تفطّر يا گلب لمصاب جعفر |
وانته يا جفن هل دمعتك دم |
|
ابد ما عفه المنصور عنّه |
لمن بالسم تگاضه النذل منّه |
|
گعد عنده أوليده أو جذب ونّه |
أوسالت دمعته والدمع عندم |
(أبوذية)
يالصادق يسمونك وتنصاب |
أو مآتم شيعتك تبني وتنصاب |
|
أوعليك ادموع تتجاره اوتنصاب |
أوبسمك كل بلد نصبوا عزيه |
* * *
____________________
1- مجمع المصائب 4 / 218.
عن أبي الصباح الكناني قال: نظر أبو جعفرعليهالسلام إلى أبي عبد اللهعليهالسلام يمشي فقال: « ترى هذا؟ هذا من الذين قال الله (عزّ وجلّ):( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (1) ».
من المعروف بين العلماء، وخصوصاً المفسّرين منهم، أنّ القرآن، أعني آياته أو بعض آياته، لو نزلت في حادثة معينة، أو فسّرها المعصومعليهالسلام لحادثة معينة، فهذا لا يمنع من سريانها وشمولها إلى مصاديق أُخرى، أو حوادث أُخرى دلّت القرائن على الشمول والسريان لها.
ومحلّ الكلام هذه الآية المباركة التي طبّقها الإمام الباقرعليهالسلام على ولده الإمام جعفر الصادقعليهالسلام ؛ فإنّ كلّ مَنْ له أدنى اطّلاع بأساليب لغة العرب يعرف أنّ قول الإمام الباقرعليهالسلام : « هذا من الذين قال الله (عزّ وجلّ):( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) »، أنّ الإمام الصادقعليهالسلام مصداقٌ للآية الشريفة، وهناك مصاديق أُخرى غيرهعليهالسلام تشملهم الآية المباركة، والقرينة على ذلك حرف التبعيض (من).
وممّا يدلّ على ذلك أنّ هذه الآية طُبِّقت على بعض الأئمّة الآخرينعليهمالسلام ، ويكفيك أن تُراجع بعض الروايات التي ذكرها العلاّمة السيّد
____________________
1- الكافي 1 / 306، باب النصّ على الإمام الصادقعليهالسلام ح1، الإرشاد 2 / 180، إعلام الورى 1 / 517، كشف الغمّة 2 / 380، الصراط المستقيم 2 / 162، بحار الأنوار 47 / 13 ح4، عن الإرشاد، والآية 5 من سورة القصص.
هاشم البحراني (رحمه الله) في تفسيره البرهان(1) ، فقد ذكر هناك مجموعة مهمّة من الروايات تنفع في المقام، أذكر بعضاً منها على سبيل المثال؛ لتتّضح لك حقيقة الحال.
منها: ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن المفضّل بن عمر قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: « إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نظر إلى علي والحسن والحسينعليهمالسلام فبكى، وقال: أنتم المستضعفون بعدي».
قال المفضل: فقلت له: ما معنى ذلك، يابن رسول الله؟
قال: « معناه أنتم الأئمّة بعدي؛ إنّ الله (عزّ وجلّ) يقول:( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) ، فهذه الآية فينا جارية إلى يوم القيامة»(2) .
ومنها: ما رُوِي عن الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، أنّه قرأ هذه الآية، وقال: « لتعطفنّ هذه الدنيا على أهل البيت، كما تعطف الضروس على ولدها»(3) .
فالخلاصة: الإمام أبو عبد الله الصّادقعليهالسلام صاحب الذكرى هو من الذين طُبِّقت فيهم هذه الآية الشريفة، ولكن لا يمكن لنا التعرّف على كيفية ذلك إلاّ بعد المرور سريعاً ببعض المظاهر من حياته الشريفةعليهالسلام .
____________________
1- تفسير البرهان 6 / 53 - 60.
2- تفسير البرهان 6 / 53 ح2، معاني الأخبار / 79 ح1، شواهد التنزيل 1 / 555 ح589، بحار الأنوار 24 / 168 ح1، تفسير نور الثقلين 4 / 110 ح14.
3- نهج البلاغة 4 / 47 ح209، تفسير البرهان 6 / 53 ح2 وص58 ح11، تأويل الآيات 1 / 413 - 414 ح1، بحار الأنوار 24 / 170 ح5.
هو الإمام السادس من أئمّة أهل البيتعليهمالسلام اسمه جعفر، وكنيته أبو عبد الله، ولقبه الصادق، وأبوه الإمام الباقرعليهالسلام ، وأمُّه أمُّ فروة.
وُلِد في السابع عشر من شهر ربيع الأوّل عام 83 في المدينة، ورحل في عام 148 هجرية عن عمر 65 عاماً، ودُفِن في المقبرة المعروفة بالبقيع بجانب أبيه العظيم، وكانت وفاته في شهر شوال في الخامس والعشرين منه.
عاصر الإمام الصادقعليهالسلام سبعة من خلفاء الظلم والجور، وسلاطين السيف والسوط، خمسة منهم من خلفاء بني أُميّة، وهم: (هشام بن عبد الملك، والوليد بن يزيد بن عبد الملك، ويزيد بن الوليد بن عبد الملك، وإبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، ومروان بن مُحَمّد المعروف بمروان الحمار، وكان الأخير هو آخر خلفاء بني أُميّة المنتهية ولايته سنة 132هـ)، واثنين من خلفاء بني العباس وهم: (عبد الله بن مُحَمّد المعروف بالسفّاح، وأبو جعفر المعروف بالمنصور الدوانيقي).
وأبرز مَعْلَم في حياته الشريفةعليهالسلام هو العظمة العلمية، والنهضة التعليمية التي كان يعمل الإمام الصادقعليهالسلام على تطويرها، ونشرها وإكمال مسيرتها التي بذر بذورها الأئمّة الذين سبقوه، خصوصاً الإمام الباقرعليهالسلام حتى أصبح الفقهاء والعلماء والكبار يتواضعون أمام عظمته العلمية، ويمدحون تفوّقه العلمي.
فأبو حنيفة إمام المذهب الحنفي المعروف، كان يقول: ما رأيت أعلم
من جعفر بن مُحَمّد.
ويقول: بعث إليّ المنصور، فقال: يا أبا حنيفة، إنّ الناس قد فُتِنوا بجعفر بن مُحَمّد؛ فهيّئ له من مسائلك الشداد، فهيّأتُ له أربعين مسألة، ثُمَّ بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصُرتُ به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور، فسلّمت عليه، فأومأ إليَّ فجلست.
ثُمَّ التفت إليه، فقال: يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة.
قالعليهالسلام : « نعم أعرفه».
ثُمَّ التفت إليّ، فقال: يا أبا حنيفة، ألقِ على أبي عبد الله من مسائلك، فجعلت أُلقِي عليه فيجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعنا وربما تابعهم وربما خالفنا جميعاً، حتى أتيت على الأربعين مسألة، فما أخلّ منها بشيء.
ثمّ قال أبو حنيفة - وبعد ما بلغ إلى هذا الموضع - أليس إنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟(1) .
وقال مالك إمام المذهب المالكي: اختلفت إلى جعفر بن مُحَمّد زماناً، فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال؛ إمّا مصلياً، وإمّا صائماً، وإمّا يقرأ القرآن، وما رأيته قطّ يحدّث عن رسول الله إلاّ على طهارة، ولا يتكلّم بما لا يعنيه، وكان من العلماء والعبّاد والزهاد الذين يخشون الله، وما رأت
____________________
1- مناقب آل طالب 3 / 379، الكامل 2 / 132، تهذيب الكمال 5 / 79 - 80، سير أعلام النبلاء 6 / 257 - 258، العدد القوية / 154 ح80، بحار الأنوار 47 / 217 - 218.
وقال الشيخ المفيد (رحمه الله): ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، ولم يُنقَل عن أحدٍ من أهل بيته ما نُقل عنه من العلوم(1) .
ويكفيك ما يذكره المؤرّخون وأهل السير من أنّ عدد مَنْ تربّى وتعلّم في جامعة الإمام الصادقعليهالسلام قد ناهز الأربعة آلاف، كان من هؤلاء بعض أئمّة المذاهب الأربعة وعلمائهم(2) .
ويكفيك أيضاً هشام بن الحكم، العالم والمتكلّم الذي طبّق صيته الخافقين، فقد كان هشام حاذقاً جدّاً في المناظرة، وكان يعدّ من أكبر تلامذة الإمامين الصادق والكاظمعليهماالسلام (3) .
ومن المعالم البارزة في حياته الشريفة أيضاً اعتراف المخالف قبل الموافق بكثرة فضائله ومكارم مناقبه، وعلى نحو الاختصار نذكر بعضاً من ذلك:
منها: ما رُوِي عن الشقراني مولى رسولصلىاللهعليهوآله ، قال: خرج العطاء أيام المنصور، وما لي شفيع، فوقفت على الباب متحيّراً، وإذا بجعفر بن مُحَمّد قد أقبل، فذكرت له حاجتي، فدخل وخرج وإذا بعطائي في كُمِّه، فناولني
____________________
1- الإرشاد 2 / 179.
2- انظر الإرشاد 2 / 179، مناقب آل أبي طالب 3 / 372، كشف الغمة 2 / 379 - 380، بحار الأنوار 47 / 27، وانظر كتاب الإمام الصادقعليهالسلام والمذاهب الأربعة 1 / 67 - 73.
3- انظر سيرة الأئمّةعليهمالسلام - للبيشوائي / 307 - 325.
إيّاه، وقال: « إنّ الحسن من كلّ أحد حسن، وأنّه منك أحسن؛ لمكانك منّا، وأنّ القبيح من كلّ أحد قبيح، وأنّه منك أقبح؛ لمكانك منّا».
وإنّما قال له الإمام جعفرعليهالسلام ذلك؛ لأنّ الشقراني كان يشرب الشراب، فمن مكارم أخلاق جعفرعليهالسلام أنّه رحّب به، وقضى حاجته مع علمه بحاله، ووعظه على وجه التعريض، وهذا من أخلاق الأنبياء(1) .
ومنها: ما رُوِي من أنّ رجلاً أتى أبا عبد اللهعليهالسلام ، فقال: إنّ فلاناً ابن عمّك ذكرك، فما ترك شيئاً من الوقيعة والشتيمة إلاّ قاله فيك.
فقال أبو عبد اللهعليهالسلام للجارية: « آتيني بوضوء».
فتوضأ ودخل، فقلت في نفسي: يدعو عليه فصلّى ركعتين، فقال: « يا ربّ، هو حقّي قد وهبته، وأنت أجود منّي وأكرم فهبه لي، ولا تواخذه بي، ولا تقايسه».
ثُمَّ رقّ، فلم يزل يدعو، فجعلت أتعجّب(2) .
ومنها: ما روي عن أبي بصير قال: كان لي جار يتّبع السلطان، فأصاب مالاً، فاتّخذ قياناً، وكان يجمع الجموع، ويشرب المسكر ويؤذيني، فشكوته إلى نفسه غير مرّة فلم ينته، فلمّا ألحَحْت عليه قال: يا هذا، أنا رجل مُبتلى، وأنت رجل مُعافى، فلو عرّفتني لصاحبك رجوت أن يستنقذني الله بك.
فوقع ذلك في قلبي، فلمّا صرت إلى أبي عبد اللهعليهالسلام ذكرت له حاله،
____________________
1- العدد القوية / 152 - 153، مناقب آل أبي طالب 3 / 362، شرح نهج البلاغة 18 / 205، بحار الأنوار 47 / 349 - 350 ح50.
2- مشكاة الأنوار / 380، عنه بحار الأنوار 88 / 385 ضمن ح 16.
فقال لي: « إذا رجعت إلى الكوفة فإنّه سيأتيك، فقل له: يقول لك جعفر بن مُحَمّد: دع ما أنت عليه، وأضمن لك على الله الجنّة».
قال: فلمّا رجعت إلى الكوفة أتاني فيمَنْ أتى فاحتبسته حتى خلا منزلي، فقلت: يا هذا، إنّي ذكرتك لأبي عبد اللهعليهالسلام فقال: « اقرأه السّلام، وقل له: يترك ما هو عليه وأضمن له على الله الجنّة».
فبكى ثُمَّ قال: الله، قال لك جعفر هذا؟
قال: فحلفت له أنّه قال لي ما قلت لك.
فقال لي: حسبك ومضى، فلمّا كان بعد أيام بعث إليّ ودعاني، فإذا هو خلف باب داره عريان، فقال: يا أبا بصير، ما بقي في منزلي شيء إلاّ وخرجت عنه، وأنا كما ترى.
فمشيت إلى إخواني فجمعت له ما كسوته به، ثُمَّ لم يأت عليه إلاّ أيام يسيرة حتى بعث إليّ أنّي عليل فأتني، فجعلت اختلف إليه وأعالجه حتى نزل به الموت، فكنت عنده جالساً، وهو يجود بنفسه، ثُمَّ غُشِيَ عليه غشية ثُمَّ أفاق، فقال: يا أبا بصير، قد وفى صاحبُك لنا ثُمَّ مات.
فحججت، فأتيت أبا عبد اللهعليهالسلام فاستأذنت عليه، فلمّا دخلت قال مبتدئاً من داخل البيت، وإحدى رجلي في الصحن والأُخرى في دهليز داره: « يا أبا بصير، قد وفينا لصاحبك»(1) .
ومن المعالم البارزة في حياته الشريفة كثرة المعاجز الباهرة، والدلائل الظاهرة التي جرت على يديه، نذكر قطرة من هذا البحر المتلاطم:
____________________
1- الكافي 1 / 474 - 475 باب مولد أبي عبد الله الصادقعليهالسلام ح5، كشف الغمّة 2 / 410 - 411، مدينة المعاجز 5 / 309 - 310 ح47، بحار الأنوار 47 / 145 - 146 ضمن ح 99 عن كشف الغمّة.
منها: ما رواه ابن شهر آشوب عن أبي حازم عبد الغفار بن الحسن أنّه قال: قَدِم إبراهيم بن أدهم الكوفة وأنا معه، وذلك على عهد المنصور، وقَدِمها جعفر بن مُحَمّد العلويعليهالسلام ، فخرج جعفرعليهالسلام يريد الرجوع إلى المدينة، فشيّعه العلماء وأهل الفضل من الكوفة.
وكان فيمَنْ شيّعه سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم، فتقدّم المشيّعون له، فإذا هم بأسد على الطريق، فقال لهم إبراهيم بن أدهم: قفوا حتى يأتي جعفر، فننظر ما يصنع.
فجاء جعفرعليهالسلام فذكروا له الأسد، فأقبل حتى دنا من الأسد، فأخذ بأذنه فنحاه عن الطريق، ثُمَّ أقبل عليهم، فقال: « أما إنّ الناس لو أطاعوا الله حقَّ طاعته لحملوا عليه أثقالهم»(1) .
ومنها: ما رواه ابن شهر آشوب أيضاً، والقطب الراوندي عن الحسين بن أبي العلاء أنّه قال: كنت عند أبي عبد اللهعليهالسلام ، إذ جاءه رجل أو مولى له، يشكو زوجته وسوء خلقها، قال: « فأتني بها».
فأتاه بها، فقال لها: « ما لزوجك يشكوك؟».
قالت: فعل الله به وفعل.
فقال لها: « إن ثبتّ على هذا لم تعيشي إلاّ ثلاثة أيام».
فقالت: لا أبالي أن لا أراه أبداً.
فقال له: « خذ بيد زوجتك، فليس بينك وبينها إلاّ ثلاثة أيام».
فلمّا كان اليوم الثالث دخل عليه الرجل، فقالعليهالسلام : « ما فعلت زوجتك؟».
قال: قد والله دفنتها
____________________
1- مناقب آل أبي طالب 3 / 366 - 367، مدينة المعاجز 6 / 120 ح326، بحار الأنوار 47 / 139 ضمن ح 188 عن المناقب.
الساعة.
قلت: ما كان حالها؟
قال: « كانت معتدية فبتر الله عمرها وأراحه منها»(1) .
وغيرها من المعاجز الباهرة والكرامات الظاهرة.
ذكرنا في أوّل حديثنا أنّ الإمام الصادقعليهالسلام عاصر سبعة من أئمّة الظلم والجور، وكان آخر مَنْ عاصره المنصور الدوانيقي العباسي، وكان شديد العداوة لأهل البيتعليهمالسلام ، فقد تتّبع آثارهم، وقتل منهم وبنى آخرين منهم في الاسطوانات، لمّا بنى عاصمته بغداد، وأباد كثيراً من أبناء الحسن من الذين استضعفوا.
وكان يقول: لقد هلك من أولاد فاطمةعليهاالسلام مقدار مئة، وقد بقي سيّدهم وإمامهم.
فقيل له: مَنْ ذلك؟
قال: جعفر بن مُحَمّد الصادق.
وكان يبعث جلاوزته على الإمام فيُؤتَى به إلى العراق، وفي كلّ مرّة يهمّ بقتله، ولكنّ الله كان يحول بينه وبين قتل الإمامعليهالسلام (2) .
وبلغ من حقده أنّه أمر عامله على المدينة مُحَمّد بن سليمان أن يحرق على أبي عبد الله الصادق داره، فجاء هو وجماعته بالحطب الجزل ووضعوه على باب الدار وأضرموه بالنار، فلمّا أخذت النار ما في الدهليز تصايحت العلويات داخل الدار، وارتفعت أصواتهنّ، وتذكّر ما جرى على سيّد
____________________
1- مناقب آل أبي طالب 3 / 351، دلائل الإمامة / 275 - 276 ح46، الخرائج والجرائح 2 / 610 - 611 ح6، مدينة المعاجز 5 / 446 - 447 ح211، بحار الأنوار 47 / 97 ح112 عن المناقب والخرائج.
2- انظر بحار الأنوار 47 / 201 - 202، ضمن ح 42.
الشهداءعليهالسلام (1) ، وهكذا أصبح الإمامعليهالسلام مضايقاً ومشدّداً عليه من قبل الدوانيقي.
وهكذا بقي اللعين يُرسِل خلف الإمام الصادقعليهالسلام ، وفي كلّ مرّة يريد قتله، ولكن لم يتمكّن من قتله بنفسه؛ لذا بعث سمّاً قاتلاً إلى والي المدينة مُحَمّد بن سليمان، وأمره أن يعطيه السمّ بواسطة العنب، فأخذ عنباً ووضعه في السمّ حتى صار مسموماً، فقدّمه للإمام.
وفعلاً سُمَّ الإمامعليهالسلام بذلك العنب المسموم، ومرض مرضاً شديداً، ووقع في فراشه.
قيل: فدخل عليه أحد أصحابه، فلمّا رأى الإمام مسجّى على فراش الموت، وقد ذبل فبكى، فقالعليهالسلام : « لأيّ شيء تبكي؟».
فقال: لا أبكي، وأنا أراك على هذه الحالة؟
فقال: « لا تفعل، فإنّ المؤمن يعرض عليه كلّ خير إن قُطِّعت أعضاؤه كان خيراً له، وإن ملك ما بين المشرق والمغرب كان خيراً له»(2) .
ثمّ عرق جبينه، وسكن أنينه، وقضى نحبه، ولقي ربّه مسموماً شهيداً، صابراً محتسباً، أي وا إماماه! وا سيّداه! وا صادقاه!
ردّه اليثرب أو آمر بسمّه |
عگب ذيچ الهظيمه أوفوگ همّه |
|
گظه مسموم وابنه اينوح يمّه |
أو نصب له للعزه ابفرگاه ماتم |
ثمّ غسّله ولده الإمام الكاظم وحنّطه، وكفّنه في خمسة أثواب وصلّى
____________________
1- مجمع المصائب 1 / 47 - 48.
2- مشكاة الأنوار / 75.
عليه، ثُمَّ دفنه عند والده وجدّه في البقيع، وكان يوماً عظيماً على المسلمين.
أقول وقد راحوا به يحملونه |
على كاهلٍ من حامليه وعاتق |
|
أتدرون ماذا تحملون إلى الثرى |
ثبيراً ثوى من رأس علياء شاهق |
|
غداة حثا الحاثون فوق ضريحه |
تراباً وأولى كان فوق المفارق(1) |
يقول الراثي:
أيّها المشيعون أتحثون التراب على إمامكم وملاذكم وسيّدكم، لقد كان الأحرى بكم أن تحثوا التراب على رؤوسكم؛ لأنّكم دفنتم إمامكم بأيديكم، وواريتموه تحت أطباق الثرى.
يجفن العين هل إدموعك أبدم |
على الصادق المات اليوم بالسم |
|
ما أدري الرجس چان اشيطلبه |
ابسمه آمر أولا خاف ربه |
|
أويلي وأنمرد چبده وگلبه |
إنحمس لمَنْ گرب ليه المحتم |
|
خلص عمره ابحزن والآم وهموم |
أورگد حيله أوغده ما يگدر يگوم |
|
لمن مات هذا اليوم مسموم |
اوركن الدين لفراگه تهدّم |
|
ارتجّت بالبچه لجله المدينه |
ولا ظل واحد الما بچت عينه |
____________________
1- شرح الأخبار 3 / 308، مقتضب الأثر / 52، مناقب آل أبي طالب 3 / 398، بحار الأنوار 47 / 332 - 333 ح23 عن مقتضب الأثر.
والأبيات لأبي هريرة الآبار العجلي من أصحاب الإمام الصادقعليهالسلام ، ومن شعراء أهل البيتعليهمالسلام المجاهرين، انظر هامش مقتضب الأثر / 52.
وابنه الكاظم اينادي ابونينه |
الجرح فرگاك أبد ما يصح بلسم |
|
إبلحده وَسّده والگلب مكسور |
اونيران الحزن چانونها إيفور |
|
بس احسين جدّه بيوم عاشور |
بعد الچتل عاري على الترب تم(1) |
(أبوذية)
الچتل احسين دوم الدمع ينسل |
أوكل شيعي يحگله اعليه ينسل |
|
متى سيفك يشبل الحسن ينسل |
أوتاخذ ثارك امن اعلوج اميه |
* * *
(تخميس)
أحسينُ يا بحرَ الفضائلِ والندى |
أبكيتَ يومَ وُلدتَ جدَّكَ أحمدا |
|
واليوم تنعاكَ الملائكُ والهدى |
لهفي لجسمكَ في الصعيدِ مجرّدا |
عريان تكسوهُ الدماءُ ثيابا
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،
وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون
والعاقبة للمتقين.
____________________
1- الأبيات لأستاذنا الشيخ محمد سعيد المنصوري (رحمه الله) في مفاتيح الدموع / 413.
المجلس التاسع
في الإمام موسى الكاظمعليهالسلام
المجلس التاسع: في الإمام موسى الكاظمعليهالسلام
يا مَنْ على جِسر الرُصّافة تُشرِفُ |
هلاّ بربِّكَ بُرهةً تَتَوقّفُ |
|
متذكّراً عَلَماً لآلِ مُحَمّد |
وعلى ذُرى بغداد راح يُرفْرِفُ |
|
ذاك ابنُ جعفر والحوائجُ بابُها |
أكرمْ بمولىً للحوائجِ يُعرَفُ |
|
أخذوه من حَرمِ النبيّ وليتَهُم |
عن هتكِ حُرمةِ جدّهِ يتعففّوا |
|
عن أهلهِ قدْ أبعدُوه وصحِبه |
وعَنِ الهدايةِ والصوابِ تخلفّوا |
|
أغريبَ بغداد وذي عين السّما |
دمعاً على ما قد أصابك تَذرِفُ |
|
لهفي على ذاك الغريبِ مُعانياً |
قَيدَ السّجونِ وظُلمَ مَنْ لا يُنصفُ |
|
في السّمِ يقضي حيثُ لا مِنْ راحمٍ |
أومُشفقٍ أو مَنْ بهِ يتلطّفُ |
|
فبكى له الرّوحُ الأمينُ كما غدا |
محرابُه يَبكي ويَبكي المُصحَفُ(1) |
* * *
____________________
1- القصيدة للشاعر الحاج معين السبّاك (رحمه الله)، هو الحاج معين ابن الحاج عبد الرضا ابن الحاج حبيب المعروف بالسبّاك، وهو من قبيلة بني كعب الشهيرة.
ولد المترجم له سنة 1927م في مدينة النجف الأشرف، وقد ترعرع على يد والده المرحوم الحاج عبد الرضا، ونشأ نشأة طيّبة اتّصفت بالمحبّة الصادقة لأهل البيتعليهمالسلام .
وقد عاصر المرحوم السبّاك جمعاً من كبار أدباء العراق وأعلامهم، منهم عميد المنبر الحسيني آنذاك العلاّمة الشيخ محمد علي اليعقوبي (رحمه الله)، وكان أستاذاً له في الشعر والأدب، وغيرهم الكثير.
كان المترجم له شاعراً وأديباً وخطيباً حسينياً منذ السبعينيات في داخل العراق وخارجه. لبّى نداء ربّه في ليلة 21 ذي الحجّة سنة 1423 هـ.
وجرى له تشييع مهيب في النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة، ودُفن في وادي السّلام. (انظر مقدّمة ديوانه المطبوع سبائك السبّاك / 9 - 13).
(نصّاري)
على الكاظم ينوح ويبچي الدين |
وگع بالحبس وحده وماله امعين |
|
بس ما طاح سدّوا بابه اعليه |
ظل وحده ولا واحد گرب ليه |
|
تگبّل مدد أيده وعدل رجليه |
گضت روحه يويلي او فرّگ البين |
|
نهض نهضة فرح من تالي الليل |
لعد باب الحوايج عازم ايشيل |
|
شال اجنازته اعله اربع حماميل |
فوگ الجسر تتفرّج الصوبين |
(أبوذية)
يسمونك يابن جعفر علامه |
الكتل والسّم صبح بيكم علامه |
|
عليك انشد عزه ونرفع علامه |
اونشيع اجنازتك يابن الزچيه |
* * *
ذكر السيّد ابن طاووس (رحمه الله) زيارة للإمام الكاظمعليهالسلام جاء فيها: (اللّهُمَّ صَلِّ على مُحَمّدٍ وأَهلِ بَيتِهِ الطاهرينَ، وصَلِّ على مُوسى بنِ جَعفرٍ وَصِيِّ الأبْرارِ، وإمامِ الأخْيَارِ، وَعَيْبَةِ الأنوارِ، وَوَارِثِ السَّكَينةِ والوَقَارِ، والحِكَم والآثَارِ الذي كَانَ يُحْيِي الليلَ بالسَّهرِ إلى السَّحَرِ بِمُواصَلَةِ الاستِغفَارِ، حَليفِ السَّجدَةِ الطويلةِ، والدُّمُوعِ الغَزيرَةِ، والمُناجَاةِ الكَثِيرَةِ، والضَّرَاعَةِ المتّصلة...)(1) .
من الحَسَن بمكان أن نذكر بعض ما رُوي عن أهل بيت العصمة والطهارةعليهمالسلام في فضل زيارة الإمام باب الحوائج إلى الله مولانا موسى بن جعفرعليهالسلام ؛ ليزداد المؤمن إيماناً وشوقاً ولهفةً للتحرّك نحو هذا المرقد الطاهر، أو يتحسّر إذا لم يُدركه، فيحصل على ثواب المهموم لظلمهمعليهالسلام ، وهو ثواب التسبيح أو أكثر(2) .
فمن هذه الروايات: ما رواه ابن سنان عن الإمام الرضاعليهالسلام قال: قلت للرضاعليهالسلام : ما لِمَنْ زار أباك؟
قال: « له الجنّة، فزره»(3) .
وعنهعليهالسلام برواية الحسين بن يسار أنّه قال: « كفضل زيارة والده»، يعني
____________________
1- مصباح الزائر / 382، بحار الأنوار 99 / 17.
2- الكافي 2 / 226، باب الكتمان ح16، أمالي الشيخ المفيد / 338 ح3، أمالي الشيخ الطوسي / 115 ح32، بشارة المصطفى / 168، بحار الأنوار 2 / 64 ح1 وص147 ح16، و44 / 278 ح4.
3- مناقب آل أبي طالب 3 / 442.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله (1) .
وهذا المقطع من هذه الزيارة الشريفة يشتمل على بعض ما للإمام الكاظمعليهالسلام من مقام ومنزلة، وقد اشتمل على مناقب خمس، ينبغي الالتفات إليها:
الأولى: وصيّ الأبرار: وهو من الوضوح بمكانٍ بعد القطع بكونهعليهالسلام أحد الأئمّة المعصومينعليهمالسلام ، الذين نصَّ عليهم جدُّهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ إمّا بالصراحة واحداً تلو الآخر، كما هو مقتضى حديث اللوح، أو نصّ على مَنْ نصّ على الوصيِّ من بعده، كما هو معروف مشهور بين علماء الطائفة.
فمن النصوص الواردة في إمامتهعليهالسلام ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال له معاذ بن كثير: أسأل الله الذي رزق أباك منك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك قبل الممات مثلها.
فقال: « قد فعل الله ذلك».
قلت: مَنْ هو جعلت فداك؟
فأشار إلى العبد الصالح وهو راقد، فقال: « هذا الراقد».وهو يومئذ غلام(2) .
____________________
1- كامل الزيارات / 498، المزار - للشيخ المفيد / 191، المزار - لابن المشهدي / 40 ح18، بحار الأنوار 99 / 4 ح17 عن كامل الزيارات.
2- الكافي 1 / 308 باب النصّ على الإمام الكاظمعليهالسلام ح2، الإرشاد 2 / 217، إعلام الورى 2 / 9، كشف الغمّة 3 / 10، بحار الأنوار 48 / 17 ح15 عن الإرشاد.
وكذا روى الشيخ الكليني (أعلى الله مقامه) عن عيسى بن عبد الله عن أبي عبد الله الصادقعليهالسلام ، قال: قلت له: إن كان كون، ولا أراني الله ذلك، فيمَنْ أئتم؟
قال: فأومأ إلى ابنه موسى.
قلت: فإن حدث بموسى حدث، فبمَنْ أئتم؟
قال: « بولده».
قلت: فإن حدث بولده، وترك أخاً كبيراً وابناً صغيراً؟
قال: « بولده، ثُمَّ هكذا أبداً»(1) الخبر.
وذيل الخبر جواب على مَنْ أنكر إمامة الإمام الجوادعليهالسلام لصغر سنّه، وقد رُوِي عن إمامنا الرضاعليهالسلام أنّه قال - ردّاً على هذه الشبهة -: « إنّ الله بعث عيسى بن مريم رسولاً نبيّاً، صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السنّ الذي هو فيه»(2) .
والخلاصة: إنّ أوّل مقام من مقاماتهعليهالسلام أنّه وصيّ الأبرار الذي نصّ عليه الأئمّة الأطهار، وهو دليل قاطع على صحة ما يذهب إليه الإمامية، ويكفينا فخراً أن يكون إمامنا السابع هو باب الحوائج إلى الله موسى بن جعفرعليهالسلام .
____________________
1- الكافي 1 / 308 باب النصّ على الإمام الكاظمعليهالسلام ح2 و309 ح7، الإرشاد 2 / 217، إعلام الورى 2 / 9، كشف الغمّة 3 / 10، بحار الأنوار 48 / 17 ح15 عن الإرشاد.
2- الكافي 1 / 322 باب النصّ على الإمام الجوادعليهالسلام ح13، وص384 ح6، الإرشاد 2 / 279، إعلام الورى 2 / 94، كشف الغمّة 3 / 145، بحار الأنوار 14 / 257 - 258 ح53 عن الكافي و50 / 23 - 24 ح15 عن إعلام الورى والإرشاد.
الثانية: إمام الأخيار، الإمام بالكسر - في اللغة - الذي يؤتم به، وجمعه أئمّة.
والإمامة: هي الرئاسة العامة على جميع الناس(1) .
وفي معاني الأخبار: سُمِّي الإمام إماماً؛ لأنّه قدوة للناس منصوبٌ من قِبَلِ الله تعالى، مفترض الطاعة على العباد(2) .
وقد قسَّم الباري (عزّ وجلّ) الأئمّة إلى قسمين: أئمّة كفر، وأئمّة حقّ وهداية، حيث يقول تبارك وتعالى:( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) (3) ، وفي سورة أُخرى قال (عزّ وجلّ):( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (4) .
وإمامنا الكاظمعليهالسلام هو مَنْ يقتدي به شيعتُه؛ لما عنده من مقام سامٍ في الهداية إلى الله تبارك وتعالى، فهو من أئمّة الهداية الذين جعلهم الله تبارك وتعالى أدلاّء عليه (سبحانه وتعالى)، يهدون بأمره من فعل الخيرات، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكانوا من العابدين في أعلى درجات العبادة، كما ستأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى.
فقد رُوِي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: « إنّ الأئمّة في كتاب الله (عزّ وجلّ) إمامان؛ قال الله تعالى:( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ
____________________
1- مجمع البحرين 6 / 14 - 15.
2- معاني الأخبار / 65.
3- سورة القصص / 41.
4- سورة الأنبياء / 73.
بِأَمْرِنَا ) (1) لا بأمر الناس، يُقدِّمون أمر الله قبل أمرهم، وحكم الله قبل حكمهم، وقال:( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) (2) يُقدِّمون أمرهم قبل أمر الله، وحكمهم قبل حكم الله، ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله عزّ وجلّ»(3) .
فإمام الأخيار الإمام الذي أوصى به الأخيار، أو مَنْ اقتدى به الأخيار، كما هو الظاهر على غرار قول الناس: فلان إمام الجور، أو إمام الأشرار، يعني يقتدي به الأشرار.
والجملة ظاهرة إذا لم تكن صريحة في مدح مَنْ اقتدى بهعليهالسلام وهم شيعته.
والمقصود من الأخيار واضح، فالخير خلاف الشرّ، وجمعه خيور، والأخيار خلاف الأشرار(4) .
وورد في الزيارة الجامعة الكبيرة أنّ أهل البيتعليهمالسلام : دعائم الأخيار.
الثالثة: وعيبة الأنوار، والمقصود من العَيْبَة مستودع الثياب، أو مستودع
____________________
1- سورة الأنبياء / 73.
2- سورة القصص / 41.
3- تفسير البرهان 5 / 237 ح2، بصائر الدرجات / 52 ح2، الكافي 1 / 216 باب أنّ الأئمّة في كتاب الله إمامان ح2، الاختصاص / 21، تفسير القمّي 2 / 170 - 171، تفسير نور الثقلين 4 / 130 ح75، بحار الأنوار 24 / 155 - 156 ح13 عن تفسير القمّي.
4- مجمع البحرين 3 / 294 - 295.
أفضل الثياب، وعَيْبة العلم على الاستعارة، ومنه (الأنصار كرشي وعيبة علمي)(1) .
وقد تكرّرت هذه الكلمة في كلام أهل البيتعليهمالسلام في عدّة موارد، منها ما ورد في الزيارة الجامعة: (السّلامُ على الأئمّةِ الدُّعاةِ، والقادةِ الهُداةِ، والسَّادَةِ الوُلاةِ، والذَّادةِ الحُماةِ، وأهلِ الذّكرِ، وأُولي الأمرِ، وبقيّةِ اللهِ وخِيرَتِهِ، وحزبِهِ وعَيْبَة عِلْمِهِ).
فيمكن أن يكون المقصود من عَيْبة الأنوار أنّ الإمامعليهالسلام صندوقاً لأسرار الله التي لا يحتملها ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولا يجوز إفشائها، كما جاء في جملة (وحفظة سرِّ الله) في الزيارة نفسها(2) .
الرابعة: ووراث السكينة والوقار، والحكم والآثار، تشير هذه الفقرة من الزيارة إلى الكمالات الخارجية، والصفات النفسّانية.
فالمقطع الأوّل (وارث السكينة والوقار) فيه إشارة إلى أنّ أهل البيت (عليهم وعلى أبيهم رسول الله آلاف التحية والسّلام)، يتوارثون الكمالات بعضهم من بعض( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ) (3) .
فهكذا كان إمامنا الكاظمعليهالسلام قد ورث من آبائه الطيّبين، وأجداده المطهَّرين السَّكينة والوقار، والهيبة والاقتدار، حتى أنّه كان يهيمن على أشدّ
____________________
1- مجمع البحرين 2 / 130.
2- انظر الأنوار اللاّمعة في شرح الزيارة الجامعة / 64 و92.
3- سورة آل عمران / 34.
أعدائه فيهيبوه.
ومن هنا روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) أنّه لمّا جاء الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام ذات مرّة إلى قصر الرشيد في حادثة ليس هذا محلّ تفصيلها، فما أن رآه الرشيد حتى رمى بنفسه عن دابته إجلالاً وهيبة له، وأخذوا ينظرون للإمامعليهالسلام بالهيبة والإعظام والإكبار.
ولذا اعترض بعض حاشية الرشيد عليه قائلين: يا أمير المؤمنين، مَنْ هذا الرجل الذي قد عظّمته وأجللته، وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته، وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه ثُمَّ أمرتنا بأخذ الركاب له؟
قال: هذا إمام الناس، وحجّة الله على خلقه، وخليفته على عباده.
فقلت: يا أمير المؤمنين، أوَ ليست هذه الصفات كلّها لك وفيك؟
فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حقّ، والله يا بُني إنّه لأحقّ بمقام رسول اللهصلىاللهعليهوآله منّي ومن الخلق جميعاً، ووالله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك؛ فإنّ الملك عقيم(1) .
وأمّا الفقرة الثانية من هذه الجملة فتشير إلى الكمالات النفسية والعلمية التي كان يحملها الإمام الكاظمعليهالسلام ، من حِكَم وعلوم لا يمكن لأحد أن يتصّف بها إلاّ مَنْ كان على شاكلتهمعليهمالسلام .
فمن حِكَمه البليغة ومواعظه العظيمة، ما قاله عند قبرٍ حَضَرَه: « إنّ شيئاً هذا
____________________
1- عيون أخبار الرضاعليهالسلام 2 / 85 - 86، مدينة المعاجز 6 / 337، الاحتجاج 2 / 166، بحار الأنوار 48 / 131.
قال في مجمع البحرين 3 / 227، وقولهم: (الملك عقيم)، أي لا ينفع في طلبه نسب ولا صداقة؛ فإنّ الرجل يقتل أباه وابنه على الملك، فكأنّه سدّ باب الرعاية والمحافظة.
آخره لحقيقٌ أن يُزهَدَ في أوّله، وإنّ شيئاً هذا أوّله لحقيقٌ أن يُخافَ آخرُه»(1) .
ومنها: أنّه قالعليهالسلام : « كلّما أحدث الناس من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعدون»(2) .
ومن آثارهعليهالسلام اشتهاره بالإخبار بالمغيّبات.
فمنها: ما رواه إسحاق بن عمار أنّه قال: سمعت العبد الصالح ينعى إلى رجل نفسَه، فقلت في نفسي: وإنّه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته؟
فالتفت إليّ شبه مغضب، فقال: « يا إسحاق، قد كان رُشَيد الهجري يعلم علم المنايا والبلايا، والإمام أولى بعلم ذلك».
ثُمَّ قال: « يا إسحاق، اصنع ما أنت صانع؛ فإنّ عمرك قد فُنِي، وإنّك تموت إلى سنتين، وإخوُتك وأهلُ بيتِك لا يلبثون بعدك إلاّ يسيراً حتى تتفرّق كلمتهم، ويخون بعضهم بعضاً حتى يشمت به عدوّهم، فكان هذا في نفسك؟».
فقلت: إنّي استغفر الله بما عرض في صدري، فلم يلبث إسحاق بعد هذا المجلس إلاّ يسيراً حتى مات، فما أتى إلاّ قليل حتى قام بنو عمّار بأموال الناس فأفلسوا(3) .
الخامسة: الذي كان يُحيِي الليلَ بالسهرِ إلى السحرِ بمواصلةِ الاستغفارِ،
____________________
1- تحف العقول / 408، معاني الأخبار / 343 عنه بحار الأنوار 70 / 103 ح91 و75 / 320 ح9.
2- علل الشرائع 2 / 522، تحف العقول / 410، بحار الأنوار 75 / 322 ح21.
3- الكافي 1 / 484، باب مولد أبي الحسن موسى بن جعفرعليهماالسلام ح7، كشف الغمّة 3 / 35 - 36، مدينة المعاجز 6 / 215 ح23، بحار الأنوار 42 / 139 ح20 عن كشف الغمّة، و48 / 69 ح91 عن الكافي.
حَليفِ السجدةِ الطويلةِ، والدموعِ الغزيرةِ، والمناجاتِ الكثيرةِ، والضراعةِ المتّصلةِ.
وهذه هي الفقرة الأخيرة من المقطع الذي اقتطعناه من الزيارة، والفقرة بكاملها تشير إلى الكم والكيف الذي كان عليه الإمام في عبادتهعليهالسلام لله جلّ جلالُه، حتى قال عنه الخطيب البغدادي: كان موسى بن جعفر يُدعى العبد الصالح من عبادته واجتهاده.
وروى أصحابنا أنّه دخل مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله فسجد سجدة في أوّل الليل، وسُمِع وهو يقول في سجوده: « عَظُمَ الذنبُ عندي، فليَحْسُنِ العفوُ عندك، يا أهلَ التقوى ويا أهل المغفرة».
فجعل يردّدها حتى أصبح(1) .
وروى الشيخ الصدوق عن عبد الله القروي أنّه قال: دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح، فقال لي: ادْنُ، فدنوتُ حتى حاذيته.
ثُمَّ قال لي: اشرفُ على البيت في الدار، فأشرفت.
فقال: ما ترى في البيت؟
قلت: ثوباً مطروحاً.
فقال: انظر حسناً.
فتأمّلت ونظرت، فتيقّنت فقلت: رجلاً ساجداً.
فقال لي: تعرفُه؟
قلت: لا.
قال: هذا مولاك.
قلت: ومَنْ مولاي؟
فقال: تتجاهل عليَّ؟
فقلت: ما أتجاهل، ولكنّي لا أعرف لي مولى.
فقال: هذا أبو الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام ، إنّي أتفقّده الليل والنهار، فلم أجده في وقت
____________________
1- تاريخ بغداد 13 / 29.
من الأوقات إلاّ على الحال التي أخبرك بها.
إنّه يصلّي الفجر، فيعقّب ساعة في دبر صلاته إلى أن تطلع الشمس، ثُمَّ يسجد سجدة فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس، وقد وَكّل مَنْ يترصّد له الزوال، فلست أدري متى يقول الغلام: قد زالت الشمس إذ يثب، فيبتدي بالصلاة من غير أن يجدّد وضوءاً، فأعلمُ أنّه لم ينم في سجوده ولا أغفى.
فلا يزال كذلك إلى أن يفرغ من صلاة العصر، فإذا صلّى العصر سجد سجدة، فلا يزال ساجداً إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت الشمس وثب من سجدته فصلّى المغرب من غير أن يحدث حدثاً، ولا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلّي العتمة، فإذا صلّى العتمة أفطر على شوي يُؤتَى به، ثُمَّ يجدّد الوضوء، ثُمَّ يسجد، ثُمَّ يرفع رأسه، فينام نومة خفيفة.
ثُمَّ يقوم فيجدد الوضوء، ثُمَّ يقوم فلا يزال يصلّي في جوف الليل حتى يطلع الفجر، فلست أدري متى يقول الغلام: إنّ الفجر قد طلع، إذ قد وثب هو لصلاة الفجر، فهذا دأبه منذ حُوِّل لي.
فقلت: اتقّ الله ولا تُحدِثَنَّ في أمره حدثاً يكون منه زوال النعمة، فقد تعلم أنّه لم يفعل أحدٌ بأحدٍ منهم سوءاً إلاّ كانت نعمته زائلة(1) .
وهكذا كان ديدنه في السجن، ويدعو كثيراً بهذا الدعاء: « عظم
____________________
1- عيون أخبار الرضاعليهالسلام 2 / 98 - 99 ح15، روضة الواعظين / 216 - 217، مناقب آل أبي طالب 3 / 433، مدينة المعاجز 6 / 360 - 361 ح117، بحار الأنوار 48 / 107 و48 / 210 ح9 عن العيون و79 / 363 - 364 ح50، و82 / 317 - 318 ح1.
الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك»(1) .
وكانت ضراعته متصلة إلى الله بأن يفرّج عنه بما يحبّه الباري (عزّ وجلّ) بعد أن اعتاد على السجن والتنقّل فيه.
ولم يزل يُنقَل من سجن إلى سجن، فقد نُقِل من سجن الفضل بن الربيع إلى سجن الفضل بن يحيى، وفي كلِّ مرّةٍ كان الطاغية يأمر جلاوزته أن يضيّقوا على الإمام، ثُمَّ نُقِل إلى سجن أشدّ وأظلم، وهو سجن السندي، وقد عانى الإمام في هذا السجن أشدّ الآلام والأذى، وكان إذا ضاق نفس الإمام لضيق الطامورة يأتي إلى بابها، وكان فيها فتحة؛ ليستنشق الهواء منها، فإذا رآه السندي لطم الإمام على وجهه، وأرجعه إلى داخل الطامورة.
أفي أيِّ كفٍّ يلطمُ الرجسُ وجهَهُ |
وما هي إلاّ فرعُ لطمةِ فاطم |
وكتب الإمام من تلك الطامورة إلى علي بن سويد، وكان ابن سويد قد سأل الإمام عن مسائل كثيرة، فكتب إليه الإمام بعد ما أجابه عن مسائله: « إنّي أنعى إليك نفسي في الليالي هذه غير جازعٍ ولا نادم، ولا شاكّ فيما هو كائن من قضاء الله (جلّ وعزّ) وحتم، فاستمسك بعروة الدين آل مُحَمّد»(2) .
فما مضت تلك الليالي حتى بعث الطاغية هارون إلى السندي رطباً مسموماً؛
____________________
1- الإرشاد 2 / 231، كشف الغمة 3 / 20، بحار الأنوار 48 / 101.
2- مدينة المعاجز 6 / 283 ح8، بحار الأنوار 48 / 229 ح34.
لكي يُقدِّمه للإمام موسى بن جعفرعليهالسلام ، فامتثل اللعين أمر طاغيته وقدّم الرطب إلى الإمام، وأجبره على أكله.
فرفع باب الحوائج يده إلى السماء وقال: « يا ربّ، إنّك تعلم أنّي لو أكلتُ قبل اليوم كنت قد أعنتُ على نفسي».
ثُمَّ تناول رطبات فأكلها ثُمَّ أمتنع، فقال له السندي: زد على ذلك.
فرمقه الإمام بطرفه وقال: « حسبك قد بلغت ما تحتاج إليه».
فأخذ السّم يسري في بدن الإمام، وأخذ يعاني أشدّ الآلام في تلك الطامورة، وأحاط به الأسى والحزن؛ حيث لا أحد من أولاده وأهله وأحبّته عنده، وبقي على هذهِ الحال إلى أن فارقت روحُه الدنيا.
أي وا سيداه! وا إماماه! وا مسموماه!
عليه ضاگ الهوه ومل من حياته |
ولا يعرف وكت بيه الصلاته |
|
لمن سمّوه أوبيه صارت وفاته |
عگب ما ذاب چبده وخلص بالسّم |
|
ثلث تيام ظل من غير تغسيل |
ما عنده عشيره النعشه اتشيل |
|
شالوه للجسر أربع حماميل |
أو بيه سمعت الناس أوغدت تلتم |
|
اشحال ابنه الرضا لمّن گصد ليه |
أوعاين للحديد أوشاف رجليه |
|
ظل يبچي اعله حاله أوينحني اعليه |
حتى انچتل بخريسان بالسّم |
ثمّ جاؤوا بجنازته، فنادوا عليها بذلّ الاستخفاف: هذا إمام الرافضة.
ووضعوها على جسر الرصافة، وجاؤوا بالطبيب النصراني فأخبرهم أنّه مسموم:
ألف يا حيف ألف وأكثر وسافه |
يظل نعشك على جسر الرصافه |
|
وطبيب الگلّب ابچفك وشافه |
ايگول أولا عشيره الهاذا تظهر |
(أبوذية)
ابسجن يالكاظم العدوان سمّوك |
وأنته قاضي الحاجات سمّوك |
|
بالله يالتشيل النعش ساموك |
صدگ ظل ابحديده ابن الزچيه |
لكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله؛ ولذا يقول الشاعر:
يصرخ الناعي بگلب مالوم |
ينده ودمع العين مسجوم |
|
موسى بن جعفر مات مسموم |
أو ودّع الدنيه مثل ها ليوم |
|
لاچن أكول اتخفّ الهموم |
مامات ومن الماي محروم |
|
ولا سلبوا من عنده الهدوم |
أولا بالحوافر سحگته الگوم |
|
أويلاه يبو اليمه يمظلوم |
العگبه انسبت زينب وچلثوم(1) |
* * *
____________________
1- الأبيات للحاج معين السبّاك (رحمه الله) (وقد تقدّمت ترجمته).
بعضٌ بطيبةَ مدفونٌ وبعضُهُمُ |
بكربلاءَ وبعضٌ بالغريّينِ |
|
وأرضُ طوسٍ وسامرا وقد ضَمِنَتْ |
بغدادُ بدرينِ حلاّ وسطَ قبرينِ |
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،
وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون
والعاقبة للمتقين.
المجلس العاشر
في الإمام علي الرضاعليهالسلام
المجلس العاشر: في الإمام علي الرضاعليهالسلام
لِلهِ رُزءٌ هدَّ أركانَ الهُدى |
من بعدِه قُل للرّزايا هُوني |
|
حُطِمَتْ قَناةُ الشّرعِ حُزناً بعدَه |
وبكتْ بِقَاني الدّمعِ عينُ الدّينِ |
|
لِلهِ يومٌ لابنِ مُوسى زَلْزَلَ السّـ |
بعَ الطِّباقَ فأعولَتْ بِرَنينِ |
|
يومٌ بهِ أضحى الرّضا متجرِّعا |
سُمّاً بكأسِ عَداوةٍ وظُغونِ |
|
جَعلُوه في عِنَبٍ ورُمّانٍ لكي |
يَخفى على علاّمِ كُلِّ مَصونِ |
|
أَوما دروا أنَّ الخلائقَ طَوعُه |
في عالمِ التكوينِ والتّدوينِ |
|
لكنَّهُ لمّا دعاهُ مَن ارتضى |
مثوىً له في دارِ عليّيِّنِ |
|
فقضى عليه المجدُ حُزناً إذ قضى |
والدّينُ ناحَ ومُحكمُ التبيينِ |
|
فَمَنِ الـمُعزِّي في نَزارٍ أُسرةً |
أَلِفَتْ شَبا بيضٍ وقبّ بُطونِ |
|
هُبَّوا مِنَ الأجداثِ أنَّ عِداكُم |
سَخِطَتْ لكم ضيماً على العِرنينِ |
|
تركتْ بني طهِ وهُمْ أُمراؤُكم |
قد غيبّتْ منكُم شُموسَ الدّينِ |
|
وبطوسَ قبرٌ ضمَّ أيَّ مُعظّمٍ |
أبكى الأمينَ عليه أيُّ خَئونِ(1) |
* * *
____________________
1- القصيدة للشيخ عبد الحسين شكر (رحمه الله)، قال عنه السيّد جواد شبّر (رحمه الله) في أدب الطفّ: الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ أحمد بن شكر النجفي ابن الشيخ أحمد ابن الحسن بن محمد بن شكر الجباوي النجفي.
توفّي بطهران سنة 1285، وكان والده الشيخ أحمد من العلماء المصنّفين.
رثى أهل البيتعليهمالسلام بقصائد كثيرة تزيد على الخمسين، منها روضة مرتّبة على الحروف، وشعره يرويه رجال المنبر الحسيني في المحافل الحسينية.
وقد تصدّى الخطيب الشهير الشيخ محمد علي اليعقوبي لجمع ما نظمه الشاعر في أهل البيتعليهمالسلام من القصائد والمقاطيع من مديح ورثاء، فنشره في كراسة تناهز المئة
=
(نصّاري)
يعيني اعلى الرضا صبِّي الدمع دم |
عزيز الروح بفراش المرض تم |
|
خلص گلبه ابونينه أو مرّده السّم |
وگع من ساعته او مدّد الرجلين |
|
وگع من ساعته الله وكبر |
على افراش المرض گلبه تفسّر |
|
ونّ ونين طرّ گلب الصخر طر |
على صوب المدينه مدّ اليمين |
|
شبح عينه اونظر صوب المدينه |
چنّه يومي إعليها ابيمينه |
|
لن إبنه دخل ليه ابونينه |
هو فوگه يحبّه على الخدين |
|
شبك فوگه الجواد ابگلب ملهوف |
اوعاين حالته واللون مخطوف |
|
يبويه موتكم بسموم واسيوف |
او لا بد ما نواسيكم العِدْلِين |
* * *
____________________
صفحة.
وآل شكر أسرة قديمة من الأسر العربية الشهيرة بالنجف، عرفت باسم (شكر) أحد أجدادها الأقدمين، وأصلهم من عرب الحجاز. (أدب الطفّ 7 / 187 - 188).
قال الله تبارك وتعالى:( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) (1) .
يُبَشِّر الله تبارك وتعالى عبادَه الذين ابتعدوا عنه بالمغفرة، ويشترط عليهم شروطاً أربعة إذا جاؤوا بها حقّق لهم ما وعدهم به من المغفرة.
وهذه الآية المباركة فريدة من نوعها؛ والسبب في ذلك أنّها ذكرت شرطاً لم تتعرّض لهُ الآيات التي تناولت موضوع المغفرة والتوبة إطلاقاً.
والشروط الأربعة هي: (التوبة، والإيمان، والعمل الصالح، والاهتداء).
والثلاثة الأُوَل تعرّضت لها بعض الآيات المباركة، إمّا على نحو شرطين معاً، أو ثلاثة متفرّقة، أو غير ذلك.
والخلاصة: إنّها ليست جديدة في بحث المغفرة.
أمّا الشرط الأخير: فهو شرط لم تتعرّض له الآيات المباركة في القرآن الكريم سوى هذه الآية المباركة، وسيأتي الكلام فيه على نحو مفصّل إن شاء الله تعالى في آخر الحديث.
وقد وقع الكلام بين العلماء الأعلام في تحقيق حرف (ثُمَّ) في هذه الآية المباركة، هل هو على نحو الترتيب والتراخي، أو أنّها حرف عطف لا يفيد أكثر من ذلك؟
والسبب في هذا الاختلاف هو أنّ (ثُمَّ) لو كانت حرف ترتيب لما تمّ معنى الآية المباركة في نظر البعض؛ لأنّ الاهتداء قبل التوبة
____________________
1- سورة طه / 82.
والإيمان والعمل الصالح؛ لأنّ الإنسان إذا هداه الله تبارك وتعالى أخذ بيده إلى أن يتوب، ويؤمن ويعمل صالحاً.
فالآية ليس فيها أكثر من بيان أنّ الاهتداء مع الشروط الثلاثة يحقّق ما وعده الله تبارك وتعالى من المغفرة الكبيرة للعبد، فالآية المباركة على وِزان قوله تعالى:( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) (1) ، فإنّ خلق العرش قبل خلق السماوات والأرض، فهكذا الاهتداء قبل التوبة وما إليها(2) .
وذهب الأكثر إلى أنّ الآية المباركة في صدد بيان أهمّية الشرط الرابع وهو (الاهتداء)، فذكرت أنّ الله تبارك وتعالى غفّار لِمَنْ تاب وآمن وعمل صالحاً، لكن هذا مشروط بشرط أن يهتدي، ويستمر بهدايته إلى ما يريده الله تبارك وتعالى.
وبعبارة أوضح: إنّ الإنسان لا تتحقّق منه التوبة والإيمان والعمل الصالح إلاّ أن يكون قد اهتدى، وأمّا بدون الاهتداء فالله تبارك وتعالى لا يغفر له، فضلاً عن أن يكون غفّاراً، والذي هو بمعنى كثير المغفرة.
والبحث الروائي من الفريقين يؤيد هذا المعنى.
فقد روى الحاكم الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل عن الإمام أبي جعفر الباقرعليهالسلام أنّه سُئِل عن قوله تعالى:( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ
____________________
1- سورة الأعراف / 54.
2- ذهب إليه المحقق الآبي في كشف الرموز 2 / 480.
صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) قال: « تاب من ظلمه، وآمن من كفره، وعمل صالحاً بعد إساءته، ثُمَّ اهتدى إلى ولايتنا أهل البيت»(1) .
فالظاهر: هو أنّ الإنسان يتوب من ظلمه، ويؤمن ويعمل صالحاً، ولكن لا يكتفي بذلك، بل لا بدّ أن يهتدي بهذه الأعمال إلى ولاية أهل البيتعليهمالسلام .
ويؤيّده، بل يدلّ عليه ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله تعالى:( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) قال الإمامعليهالسلام : « ألا ترى كيف اشترط، ولم تنفعه التوبة والإيمان والعمل الصالح حتى اهتدى؟! واللهِ، لو جهد أن يعملَ ما قُبِلَ منه حتى يهتدي».
قال: قلت: إلى مَنْ جعلني الله فداك؟
قال: « إلينا»(2) .
وهناك عشرات الروايات التي دلّت على ذلك، بعضها ذكرت الاهتداء إلينا، وأُخرى إلى ولايتنا، وثالثة إلى ولاية عليعليهالسلام وأهل بيته الطيبين الطاهرينعليهمالسلام .
لكنّ أعداء أهل البيتعليهمالسلام لم يتركوا الناس وشأنهم، بل يقفون في طُرقاتِهم يصدّونهم عن الهدى.
ومن هنا روى الشيخ الكليني (رحمه الله) في أصول الكافي عن سدير عن الإمام أبي جعفر الباقرعليهالسلام ، قال سدير: سمعت أبا جعفرٍعليهالسلام ، وهو داخل وأنا
____________________
1- شواهد التنزيل 1 / 492، الكامل 3 / 190.
2- تفسير القمّي 2 / 61، التفسير الصافي 3 / 314، تفسير نور الثقلين 3 / 387 ح93، بحار الأنوار 27 / 168 - 169 ح7 عن تفسير القمّي.
خارج وأخذ بيدي ثُمَّ استقبل البيت فقال: « يا سدير، إنّما أُمِر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها، ثُمَّ يأتونا فيُعلِمُونا ولايتَهم لنا، وهو قول الله تعالى:( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) - ثُمَّ أومأ بيده إلى صدره - إلى ولايتنا».
ثمّ قال: « يا سدير، فأريك الصادّين عن دين الله؟».
ثُمَّ نظر إلى أبي حنيفة، وسفيان الثوري في ذلك الزمان، وهم خلق في المسجد، فقال: « هؤلاء الصادّون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب منير. إنّ هؤلاء الأخابيث لو جلسوا في بيوتهم فجال الناس، فلم يجدوا أحداً يخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتى يأتونا، فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله »(1) .
وروى الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل عن الإمام الباقرعليهالسلام أنّه قال: «... ثمّ اهتدى إلى ولايتنا أهل البيت. فوَ اللهِ، لو أنّ رجلاً عَبَدَ اللهَ عمرَه ما بين الركنِ والمقامِ، ثُمَّ مات ولم يجئ بولايتنا لأكبّه الله في النار على وجهه»(2) .
ثمّ إنّ الآية ذكرت (غفّار) بدلاً عن التعبيرات الأُخرى، وكلمة (غفّار) صيغة مبالغة تُوحِي إلى أنّ الله سبحانه وتعالى لا يقبل هؤلاء التائبين
____________________
1- الكافي 1 / 392 - 393 باب وجوب الإتيان إلى الإمام ح3، عنه بحار الأنوار 47 / 364 - 365 ح81، تفسير نور الثقلين 3 / 386 - 387 ح92.
2- شواهد التنزيل 1 / 492، تأويل الآيات 1 / 315 ح8، تفسير نور الثقلين 3 / 387 ح95، تفسير مجمع البيان 7 / 45، التفسير الصافي 3 / 314، بحار الأنوار 24 / 149.
ويشملهم برحمته مرّة واحدة فقط، بل سيعمّهم عفوه ومغفرته مرّات ومرّات.
والملفت للنظر أنّ الآية المباركة رتّبت الشروط، بحيث ابتدأت بالتوبة وترك المعصية، وبعد أن تتطهّر روح الإنسان من هذه التلوثات، فإنّ الشرط الثاني هو أن يغمرها نور الإيمان بالله والتوحيد، وفي المرحلة الثالثة يجب أن تَظهَرَ براعم الإيمان والتوحيد - والتي هي الأعمال الصالحة والمناسبة - على أغصان وجود الإنسان(1) .
فانظروا إلى أهمّية ولاية الأئمّةعليهمالسلام ، بحيث جعلها الباري (عزّ وجلّ) من شروط المغفرة، وبدونها لا يُقبَل العبد بأيّ حال من الأحوال.
وكم ذكر الأئمّةعليهمالسلام هذا الشرط في حلِّهم وترحالهم، وقاسَوا ما قاسَوا من أجلها، ورحّلوهم من بلادهم إلى البلدان الأُخرى التي تعتبر دار غربة ومضيعة بالنسبة لهم.
فهذا هو إمامنا الرضاعليهالسلام يُرسِل إليه سلطان زمانه المأمون، ويأتي به من مدينة جدِّه الأكرمصلىاللهعليهوآله ، ومحلّ ولادته وولادة آبائه الطاهرين إلى خراسان.
قال السيد عبد الكريم بن طاووس (رحمه الله): إنّ الرضاعليهالسلام لمّا طلبه المأمون من خراسان توجّهعليهالسلام من المدينة إلى البصرة، ولم يصل الكوفة، ومنها توجّه على طريق الكوفة إلى بغداد، ثُمَّ إلى قم ودخلها، وتلقّاه أهلها وتخاصموا فيمَنْ يكون ضيفُه منهم، فذكرعليهالسلام أنّ الناقة مأمورة، فما زالت حتى بركت على باب، وصاحب ذلك الباب رأى في منامه أنّ الرضاعليهالسلام
____________________
1- تفسير الأمثل 10 / 48.
يكون ضيفه في غدٍ، فما مضى إلاّ يسيراً حتى صار ذلك الموضع مقاماً شامخاً(1) .
ثمّ تحرّكت قافلة ابن رسول الله وبضعته متوجّهاً نحو خراسان.
وروى الشيخ الصدوق (رحمه الله) أنّه لمّا وافى أبو الحسن الرضاعليهالسلام نيسابور، وأراد أن يرحل منها إلى المأمون اجتمع إليه أصحاب الحديث فقالوا له: يابن رسول الله، ترحل عنّا ولا تحدّثنا بحديث فنستفيده منك؟
وقد كان قعد في العامرية، فأطلع رأسه وقال: « سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن مُحَمّد يقول: سمعت أبي مُحَمّد بن علي يقول: سمعت أبي علي بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين بن علي يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام يقول: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: سمعت جبرئيلعليهالسلام يقول: سمعت الله (عزّ وجلّ) يقول: لا إله إلاّ الله حصني، فمَنْ دخل حصني أمن عذابي».
قال: فلمّا مرّت الراحلة نادانا: « بشروطها، وأنا من شروطها»(2) .
فالتوحيد الحقيقي الذي يريده الله تبارك وتعالى لا يتمّ إلاّ بولاية الأئمّةعليهمالسلام التي هي الامتداد الطبيعي لولاية النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله .
____________________
1- فرحة الغري / 130 - 131، الغارات 2 / 857 - 858.
2- عيون أخبار الرضاعليهالسلام 1 / 144 - 145 ح4، أمالي الشيخ الصدوق / 305 - 306 ح8، التوحيد / 25 ح23، ثواب الأعمال / 6، معاني الأخبار / 370 - 371 ح1، بشارة المصطفى / 413 ح12، تفسير نور الثقلين 5 / 39 ح49، بحار الأنوار 3 / 7 ح16 و49 / 123 ح4 عن الأمالي.
وصريح قوله تعالى:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (1) .
ولكن للأسف الشديد الكثير من أعداء أهل البيتعليهمالسلام أصرّوا على عزلهم من مناصبهم الإلهية، وإذا لم ينفع ذلك هجّروهم من بلادهم، ومن ثُمَّ يقتلونهم.
وإلاّ ما صنعه الأعداء مع إمامنا الرضاعليهالسلام من تهجير، وعناء السفر لا يصنعه إلاّ أعداء الله وأعداء رسولهصلىاللهعليهوآله ؛ لأنّ النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله يعبّر عن الإمام الرضاعليهالسلام بأنّه بضعة(2) ، والبضعة هي القطعة من اللحم، وأذيتها أذية للنبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله ، والذي يؤذي النبيَّ مصيره إلى جهنم وبئس المهاد.
قال الشيخ الحائري (رحمه الله) في نور الأبصار: رأى النبيصلىاللهعليهوآله رَجُلٌ من أهل خراسان، فلمّا انتبه من نومه جاء إلى الرضاعليهالسلام ، وقال: يابن رسول الله، رأيت رسول الله في المنام كأنّه يقول لي: « كيف أنتم إذا دُفن في أرضكم بضعتي، واستحفظكم وديعتي، وغُيِّب في ثراكم نجمي؟».
فقال له الإمام الرضاعليهالسلام : « أنا المدفون في أرضكم، وأنا بضعة نبيِّكم، وأنا الوديعة والنجم، ألا فمَنْ زارني وهو يعرف ما أوجب الله تبارك وتعالى من حقّي وطاعتي، فأنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة، ومَنْ كنّا شفعاؤه يوم القيامة
____________________
1- سورة المائدة / 55.
2- إشارة إلى قولهصلىاللهعليهوآله : « ستدفن بضعة منّي بخراسان، ما زارها مؤمن إلاّ أوجب الله له الجنّة، وحرّم جسده على النار»، وغيره.
نجا، ولو كان عليه وزر الثقلين - الإنس والجن -».
وقالعليهالسلام : « واللهِ ما منّا إلاّ مقتول شهيد».
فقيل: فمَنْ يقتلك يابن رسول الله؟
قال: « شرّ خلق الله في زماني يقتلني بالسّم، ثُمَّ يدفنني في دار مضيعة، وبلاد غربةٍ، ألا فمَنْ زارني في غربتي كتب الله (عزّ وجلّ) له أجر مئة ألف شهيد، ومئة ألف حاج ومعتمر، ومئة ألف مجاهد، وحُشِر في زمرتِنا، وجُعِل في الدرجات العُلى رفيقنا»(1) .
يا أرضَ طوسٍ سَقاكِ اللهُ رحمتَهُ |
ماذا جَنيتِ مِنَ الخيراتِ يا طوسُ |
|
طابتْ بِقَاعُكِ في الدّنُيا وطَيِّبها |
شخصٌ ثوى بِسَناآباد مرموسُ |
|
شَخصٌ عَزيزٌ على الإسلامِ مَصرعُهُ |
في رحمةِ اللهِ مغمورٌ ومغموسُ(2) |
بلى والله، ما مرّت الأيام حتى أرسل اللعين ابن اللعين لإمامنا الرضاعليهالسلام ، فلمّا أتاه وثب اللعين إلى الإمامعليهالسلام وعانقه، وقبّله ما بين عينيه، وأجلسه معه، وناوله عنقود عنب كان بيده قد أكل بعضَهُ، وقال: يابن رسول الله، ما رأيتُ عنباً أحسن من هذا.
قال الإمامعليهالسلام : « ربما كان عنباً حسناً فيكون في الجنّة».
فقال له: كُلْ منه.
فقال: « تعفيني منه».
قال: لا بدّ من ذلك، ما يمنعك منه؟
____________________
1- نور الأبصار / 238. والأحاديث بهذا المضمون كثيرة. منها ما رواه في من لا يحضره الفقيه 2 / 585 ح3192، عيون أخبار الرضاعليهالسلام 1 / 287 ح9، أمالي الشيخ الصدوق / 120 ح8، مدينة المعاجز 7 / 181 - 182 ح153، بحار الأنوار 49 / 283 ح2.
2- عيون أخبار الرضاعليهالسلام 1 / 280 - 281، مقتضب الأثر / 47، مناقب آل أبي طالب 3 / 468 - 469، بحار الأنوار 49 / 317.
والأبيات لعلي بن محمد الخوافي، رثى بها مولانا الرضاعليهالسلام ، وكان من أصحابهعليهالسلام .
لعلّك تتّهمنا بشيء؟
فتناولعليهالسلام العنقود، فأكل منه ثلاث حبّات، ثُمَّ رمى به وقام، فقال المأمون: إلى أين؟
قال: « إلى حيث وجّهتني».
وخرج حتى دخل الدار، وأمر أن تُغلَق الباب، ونام على فراشه.
يقول أبو الصلت الهروي: فمكثتُ واقفاً في صحن الدار، مهموماً محزوناً والإمام بين قائم وقاعد من شدّة السّم، إذ دخل عليَّ شابٌ حَسَنُ الوجه، أشبه الناس بالرضا، فقلت له: من أين دخلت، والباب مغلق؟
قال: « الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت، هو الذي أدخلني الدار».
فقلت: ومَنْ أنت؟
قال: « أنا حُجّةُ الله عليك. يا أبا الصلت، أنا مُحَمّد بن علي».
ثُمَّ مضى نحو أبيه فدخل، وأمرني بالدخول معه، فلمّا نظر إليه الرضاعليهالسلام ، وثب إليه فعانقه، وضمّه إلى صدره، وقَبّل ما بين عينيه، ثُمَّ سحبه سحباً في فراشه، وجعل يكلّمه شيئاً لم أفهمه(1) .
وبينما ولده الجواد عنده، وإذا بإمامنا الرضا قد غمّض عينيه، وأسبل يديه، ومدّ رجليه، وعرق جبينُه، وسكن أنينُه، وفاضت روحه الطاهرة، رَحِمَ الله مَنْ نادى: وا إماماه! وا سيّداه! وا مسموماه!
أويلي اعلى الرضا من عدل رجليه |
تشاهد ويل گلبي واسبل ايديه |
|
روحه خلّصت أوما ظل نفس بيه |
أثاري مات أويلي اوفرّگَ البين |
____________________
1- انظر عيون أخبار الرضاعليهالسلام 1 / 272 - 273، أمالي الشيخ الصدوق / 769 - 770 ح17، مناقب آل أبي طالب 3 / 482، مدينة المعاجز 7 / 329 - 330 ح58، بحار الأنوار 49 / 300 - 301 ح10.
نهض عنّه الجواد اوجذب ونّه |
حزين اوعگب ابوه النوح فنّه |
|
بعد ما كفّنه أومن فرغ منه |
اجوه أهل البلد كلهم محزنين |
|
يويلي شلون ضجّه صارت ابطوس |
اجتّ الناس بس تلطم على الروس |
|
الله أوياك آيا شمس الشموس |
رحت واحنه بعد نورك مظلمين |
|
تگول من العزه انگلبت إخريسان |
لفت له للگبر بثياب الأحزان |
|
بس حسين ظل مطروح عريان |
ظل إبكربله واهله مظعنين |
(موشّح)
اسأل امن الناس من شالوا النعش |
للگبر ما شين كل خده خمش |
|
بالدمع گبره ابدال الماي رش |
اورش ضريح احسين سجاد ابدموع |
|
إسأل اعله احسين منهو الغسّله |
من حفر گبره اوياهو النزّله |
|
لو بگه مطروح عاري ابكربله |
والعوادي هشّمت منّه الضلوع |
* * *
نعم، بقى أبو عبد الله مطروحاً عارياً في كربلاء، والعوادي هشّمت منه الأضلع والصدر، أسفي عليك يا أبا عبد الله، لا ناعي عليك سوى الحوراء زينب، كأنّي بها وقفت مع حرمك قرب مصرعك:
وگفت عالچفيل الحرم وهوان |
ما تدري اشعملنه هظم وهوان |
|
يخويه اسهل علينه الموت وهوان |
من افراگك امطبر عالوطيه |
(تخميس)
وشهيداً فم الزمان قبّلته |
وحواس الرسول قد رضَّعته |
|
كيف تلك السيوف قد فرّقته |
حرَّ قلبي لزينب مذ رأته |
ترب الجسم مثخناً بالجراح(1)
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،
وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون
والعاقبة للمتقين.
____________________
1- مجمع المصائب 4 / 274.
المجلس الحادي عشر
في الإمام محمد الجوادعليهالسلام
المجلس الحادي عشر: في الإمام محمد الجوادعليهالسلام
يا تاسعَ الأُمناء الغرِّ قد وَفِدتْ |
إليكَ شيعةُ أهلِ البيت تَبتَدِرُ |
|
فأنتَ مفزَعُها دُنياً وآخرةً |
وفيك يُكْشَفُ عنها الضُرّ والضررُ |
|
ألستَ أنتَ الذّي بانت معاجِزُهُ |
كالشّمسِ آمنَ فيها البدوُ والحضرُ |
|
أمسى ابنُ أكثمَ مذهولاً بما سَمِعَتْ |
أُذُناه منَكَ وأعيى نُطقَه الحصرُ |
|
لقد عَلِمتُم علومَ الأنبياءِ وما |
تَظُمُّ في سرّها الآياتُ والسّورُ |
|
منْ أينَ يُدرَكُ مَن كانت معارفُهُ |
محدودةً عالِماً بالغيب يستَتِرُ |
|
قد رامَ إطفاءَ نورَ اللهِ مُعتَصمُ |
بمنهجٍ شقّه آباؤُه الغُدُرُ |
|
فدسَّ سُمَّ الرّدى في كفِّ غاويةٍ |
إليك كي تختفي آياتُك الغُررُ |
|
لا عافتِ النارُ أُمَّ الفضلِ حيثُ بما |
قامتْ بهِ يلتظي في رُوحِنا شَرَرُ |
|
سمّتْ إمامَ الهُدى فالأرضُ راجفةٌ |
منه ووجْهُ السّما من ذاك معتكرُ |
|
يبقى ثلاثاً بلا غسلٍ ولا كفنٍ |
كجدّه فهو فوقَ السّطحِ منعفِرُ(1) |
* * *
(موشّح)
بالعنب سم الجواد المعتصم |
والمجد شال أو نشف بحر العلم |
____________________
1- القصيدة للسيد محمد جمال الهاشمي (رحمه الله)، ولد آية الله السيّد محمد جمال الهاشمي عام 1332هـ في النجف الأشرف، وتوفّي فيها عام 1397هـ في شهر ربيع الأوّل.
والده آية الله العظمى السيّد جمال الهاشمي. درس المترجم له الفقه والأصول وغيرهما من العلوم الإسلامية في النجف الأشرف.
ومن أساتذته الكبار والده، والشيخ ضياء الدين العراقي، والسيد أبو الحسن الأصفهاني وغيرهم.
له من الشعر ما يأخذ بالعقول، ويهيج القلوب، منها القصيدة أعلاه في الإمام الجوادعليهالسلام .
نشف بحر الجود من مات الجواد |
بأرض بغداد أو عليه سبع شداد |
|
ناحت أولبست الإسلام السواد |
والسمّه أظلم أو كِسف ضي النجم |
|
اظلمت ونور البدر لاجله انخسف |
يوم گوّض والشمس ضيها انكسف |
|
والانس والجن غدت تصفج وسف |
عگب أبو الهادي دمعهم منسجم |
* * *
يعيني على الجواد ابچي ابدمع دم |
يگلبي على ابو الهادي تلچّم |
|
شباب اوصايم اويفطر على السّم |
وحيد ابدار غربه مثل الحسين |
|
يصيح الماي والسّم مرد چبده |
طلعت من وكت ما بگت عنده |
|
ظل نايم ابسطح الدار وحده |
على افراش المرض يصفج الكفين |
|
ثلث تيام ظل ميت إبداره |
على افراشه بگه ليله او نهاره |
|
مثل احسين ظل وسط المعاره |
على الرمضه او محّد ينشد امنين |
* * *
قال تعالى في محكم كتابه الكريم:( مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) (1) .
من السُّنَنِ الإلهية المؤثِّرة في حركة الإنسان ووجوده هي سُنّة الابتلاء والامتحان، وهي سُنّة عامّة وشاملة، أشار إليها الباري (عزّ وجلّ) في قوله تعالى:( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (2) .
وقال تعالى:( إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) (3) .
وتختلف هذه السُّنَّة (سُّنَّة الابتلاء والامتحان) بالكيفيات التي تتبلور بها، ومدى طول وقتها وسعته، فقد تكون هذه السُنّة عن طريق الابتلاء بالفقر أو القتال أو الشكوك وما شابه ذلك، وهكذا.
فالامتحان يسير مع الإنسان في حركته التكاملية، وعندما يصبح الإنسان مؤمناً أو مجاهداً يُبتَلى ويُمتحَن من أجل التمحيص والتمييز، كما أشارت إليه الآية التي افتتحنا بها المجلس.
وقد يسأل سائل: ما هي غاية الباري (عزّ وجلّ) من وراء الابتلاء والامتحان؟
والجواب: إنّ العلماء ذكروا بعض الغايات من وراء سُّنَّة الابتلاء
____________________
1- سورة آل عمران / 179.
2- سورة الملك / 2.
3- سورة الإنسان / 2.
والامتحان التي يبتلي بها الباري (عزّ وجلّ) عبادَه، استفادوها من الآيات القرآنية، والأحاديث المروّية عن أهل بيت العصمة والطهارةعليهمالسلام .
نذكر بعضها:
منها: الكمال والتربية، أي لأجل أن يرقى الإنسان إلى أعلى مراتب الكمال، ويخلص كما يخلص الذهب من التراب والرمل.
ومنها: العقوبة والتذكير، وأشار إليها الباري (عزّ وجلّ) بقوله:( وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (1) .
وغيرها من الأسباب(2) .
ولنعود للآية الشريفة، فالآية جاءت لتبيّن سُّنّة من السُّنَن الإلهية، وهي سُّنّة التمييز على طول التأريخ، بلا زمان ولا مكان خاص.
ولذا رُوي عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال: « لا تمضي الأيام والليالي حتى ينادي منادٍ من السماء: يا أهل الحقّ اعتزلوا، يا أهل الباطل اعتزلوا، فيعزل هؤلاء من هؤلاء، ويعزل هؤلاء من هؤلاء».
قال: قلت: أصلحك الله، يخالط هؤلاء بهؤلاء بعد ذلك النداء؟
قال: « كلا، إنّه يقول في الكتاب:( مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) »(3) .
وهكذا كانت المسيرة ابتداء من أوّل الخلقة، والمهم فيما نحن فيه هو
____________________
1- سورة الأعراف / 130.
2- انظر كتاب القصص القرآني / 51 - 56.
3- تفسير البرهان 2 / 122 ح1، تفسير العياشي 1 / 207 ح157، عنه تفسير كنز الدقائق 2 / 294 - 295، بحار الأنوار 52 / 222 ح86 عن تفسير العياشي.
ابتداءً من عهد النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله إلى يومنا هذا، وما كان في ضمن عهد الأئمّة المعصومينعليهمالسلام سُنَّة الابتلاء ليس بأقل من عصر جدّهم المصطفىصلىاللهعليهوآله ، فابتدأت الفتن والابتلاءات تتراً، وتأتي بألوان مختلفة في الغالب.
وبما أنّ مجلسنا معقود للإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام ، فنشير في المقام إلى الفتنة التي صاحبت عصرهعليهالسلام ، بعد أن نعرّف قليلاً بهويته (سلام الله عليه).
الإمام مُحَمّد بن علي بن موسى الرّضا، تاسع أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، كُنيته أبو جعفر، ولقبه التقيّ والجواد.
ولد في شهر رجب، أو شهر رمضان من سنة 195هـ، أُمّه سبيكه(1) من آل مارية القبطية، وكانت تتمتّع بفضائل أخلاقية سامية، وكانت أفضل نساء عصرها، حتى قال عنها الإمام الرضاعليهالسلام : « قُدِّست أُمٌّ ولدته، قد خُلِقت طاهرة مطهّرة»(2) .
ولما استشهد أبوه الإمام الرضاعليهالسلام كانت سِنُّهُ ثمانية أعوام تقريباً، واستشهد وله خمس وعشرون سَنَة، ودُفِن في مقابر قريش في بغداد إلى جانب جدّه موسى بن جعفرعليهمالسلام .
وقد عاصر إمامنا الجوادعليهالسلام في كلّ فترة إمامته خليفتين من خلفاء
____________________
1- وقيل أيضاً إنّ اسمها خيزران، الكافي 1 / 492.
2- عيون المعجزات / 107 - 108 عنه بحار الأنوار 50 / 15 ضمن ح 19، مدينة المعاجز 7 / 399 - 400 ح100.
الظلم والجور، والنطع والسيف من ظلمة بني العباس، هما: المأمون والمعتصم.
وقد أجبراه كلاهما على القدوم إلى بغداد، ووضعاه تحت الرقابة، كما صنع المأمون بأبيه الرضاعليهالسلام .
وقد تعرّض المؤمنون في عهد الإمام الرضاعليهالسلام إلى سُّنّة الابتلاء والامتحان؛ والسبب في هذه السُّنَّة يعود إلى أنّ الإمام الرضاعليهالسلام بلغ من العمر أربع وأربعين سَنَة، ولم يُولَد له ولد، وكانت الروايات المنقولة عن النبيّصلىاللهعليهوآله تقول: بأنّ الأئمّة اثنا عشر من ولد الإمام الحسينعليهالسلام ، فأصبح عدم وجود الخليفة الابن للإمام، وإمامته وامتدادها مثاراً للتشكيك؛ فراحت تتّخذ الواقفية ذلك ذريعة لإنكار إمامة الإمام الرضاعليهالسلام .
بالإضافة إلى الدوافع المادية في أخذ الأموال التي كانت بأيدي وكلاء الإمام الكاظمعليهالسلام ، والاستيلاء عليها.
وممّا يدلّ على ذلك اعتراض حسين بن قياما الواسطي على الإمام الرضاعليهالسلام في ذلك، فقد كتب ابن قياما (وهو من رؤساء الواقفية) رسالة إلى الإمام الرضاعليهالسلام يتّهمه فيها بالعُقم.
فكتب الإمام في جوابه: « وما علمُك أنّه لا يكون لي ولد، واللهِ لا تمضي الأيام والليالي حتى يرزقني اللهُ ولداً ذكراً يفرّق بين الحقّ والباطل»(1) .
____________________
1- الكافي 1 / 320، باب النصّ على الإمام الجوادعليهالسلام ح4، مدينة المعاجز 7 / 274 ح6، بحار الأنوار 50 / 22 ح10.
ولم ينحصر أسلوب ابن قياما الإعلامي هذا في هذه المرّة، بل راح يكرّر ذلك في مناسبات مختلفة، وكان الإمام يردّ عليه، ويدحض حُجَجه دائماً إلى أن قَطَعت ولادةُ الإمام الجوادعليهالسلام دابر الفتنة.
ووصل بهم الحال أنّهم أنكروا كون الإمام الجواد ابناً للإمام الرضا، كلّ ذلك حسداً وجهلاً، وكان دليلهم الواهي هو عدم التشابه بين الإمام الجوادعليهالسلام والإمام الرضاعليهالسلام ويقولون: ما كان فينا إمام قطّ حائل اللون.
فقال لهم الرضاعليهالسلام هو ابني، ولكن لم يقنعوا ثُمَّ عمدوا إلى القيافة المحرّمة وأرسلوا إلى القافة، وأظهر اللهُ الحقَّ، وفَشِلت دسائس ومؤامرات أعداء الدين الذين يرومون من كلّ ذلك إطفاء نور الله مرّة أُخرى؛ لاتهامهم الإمام الرضاعليهالسلام بالعُقم.
وبعد ظهور الحقّ، وفشل المؤامرات في هذين الاعتراضين (العقم وعدم التشابه) جاؤوا بطريق آخر للتشكيك، وهو صغر عمر الإمام الجوادعليهالسلام ؛ حيث إنّه (سلام الله عليه) كان أوّل إمام يبلغ الإمامةَ في طفولته(1) ، فمن الطبيعي أن يكون أوّل سؤال يخطر بالبال عند دراسة حياته هو أنّه كيف يمكن لحَدِثٍ أن يتحمّل مسؤوليّة، ومهمّة إمامة، وقيادة المسلمين الحسّاسة والكبيرة؟
____________________
1- وإن لم يكنعليهالسلام هو الأخير، فقد بلغها ابنه الإمام الهاديعليهالسلام بهذا السِنّ، أو أصغر، وتقلّدها الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وهو لم يبلغ الست سنوات.
وتبيّن من خلال دراسة حياة الإمام الجوادعليهالسلام أنّ هذا التشكيك وصل به الأمر إلى أن يُطرَح كسؤال رسمي على الإمام الرضاعليهالسلام ، وهنا نشير إلى بعض تلك الأسئلة.
منها: ما ذكره بعض أصحاب الإمام الرضاعليهالسلام قال: كنت واقفاً بين يدي أبي الحسن الرضا بخراسان، فقال له قائل: يا سيدي، إن كان كون فإلى مَنْ؟
قال: « إلى أبي جعفر ابني».
فكأنّ القائل استصغر سِنّ أبي جعفر، فقال أبو الحسنعليهالسلام : « إنّ الله تبارك وتعالى بعث عيسى بن مريم رسولاً نبيّاً، صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السِنّ الذي فيه أبو جعفر»(1) .
ومنها: بنفس المضمون مع إشارة الإمام الرضاعليهالسلام إلى قوله تعالى في يوسفعليهالسلام :( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ) (2) ، وفي يحيىعليهالسلام :( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً ) (3)(4) .
وعلى الرغم من كلّ ما قيل حول إمكانية الوصول إلى المناصب الإلهية الكبيرة في حَدَاثة السِنّ، كانت مشكلة حَدَاثة سِنّ الإمام الجواد لا تزال غير محلولة، ليس لكثير من عوامّ الشيعة، بل أصبحت مثاراً للجدل لدى بعض
____________________
1- الكافي 1 / 322 باب النصّ على الإمام الجوادعليهالسلام ح13، وص384 ح6، الإرشاد 2 / 279، إعلام الورى 2 / 94، روضة الواعظين / 237، كشف الغمة 3 / 145، تفسير نور الثقلين 3 / 334 ح68، مدينة المعاجز 7 / 277 ح11، بحار الأنوار 14 / 256 - 257 ح53 عن الكافي، و50 / 23 - 24 ح15 عن الإرشاد وإعلام الورى.
2- سورة يوسف / 22.
3- سورة مريم / 12.
4- الكافي 1 / 384، باب حالات الأئمّةعليهمالسلام في السن ح7.
المقرّبين من الإمام أبي الحسن الرضاعليهالسلام ، حتى كتب الطبري الإمامي من علماء القرن الرابع الهجري: ولمّا بلغ سِنّه (الإمام الجواد) ست سنوات وبضعة شهور قتل المأمون أباه، فحار الشيعة، ووقع الخلاف بين الناس، واستصغروا سِنّ أبي جعفر، واحتارت الشيعة في البلاد(1) .
وقَرُب موسم الحجّ، واجتمع من فقهاء بغداد والأمصار، وعلمائهم ثمانون رجلاً، وقصدوا الحجّ والمدينة؛ ليشاهدوا أبا جعفر(2) ، فلمّا وافوا أتوا دار أبي عبد الله الصادقعليهالسلام فدخلوها، وأُجلسوا على بساطٍ كبير أحمر، وخرج إليهم عبد الله بن موسى عمّ الإمام الجوادعليهالسلام ، فجلس في صدر المجلس، وقام منادٍ فنادى: هذا ابن رسول الله، فمَنْ أراد السؤال فليسأله.
فسُئل عن أشياء أجاب عنها بغير الواجب، فورد على الشيعة ما حيّرهم وغمّهم، واضطرب الفقهاء للقيام والانصراف، وقالوا: لو كان أبو جعفر يَكمُلُ لجواب المسائل لَمَا كان من عبد الله ما كان من الجواب بغير الواجب (أي الخطأ).
ففُتِح عليهم باب من صدر المجلس، ودخل مُوفّق وقال: هذا أبو جعفر، فقاموا إليه بأجمعهم، واستقبلوه وسلّموا عليه، فدخلعليهالسلام فأجاب عنها بالحقّ، ففرحوا ودعوا له، وأثنوا عليه، وقالوا له: إنّ عمّك عبد الله أفتى
____________________
1- دلائل الإمامة / 204.
2- كنية الإمام الجوادعليهالسلام ، وقد يُقال: أبو جعفر الثاني احترازاً عن الإمام الباقرعليهالسلام .
بكيت وكيت، فقال: «... يا عمّ، إنّه عظيم عند الله أن تقف غداً بين يديه، فيقول لك: لِمَ تُفتِي عبادي بما لم تَعْلَم، وفي الأُمّة مَنْ هو أعلم منك»(1) .
وقال إسحاق بن إسماعيل - الذي كان يُرافق تلك الجماعة في هذه المسألة -: فأعددتُ له (للإمام الجواد) في رُقعة عشرَ مسائل، وكان لي حَمْلٌ، فقلت: إن أجابني عن مسائلي سألته أن يدعوَ الله أن يجعله ذكراً.
فلمّا سأله الناس قمت والرقعة معي؛ لأسأله، فلمّا نظر إليّ قال: « يا أبا يعقوب سمِّه أحمد»، فوُلِد لي ذكر فسمَّيتُهُ أحمد(2) .
تسبّب هذا اللقاء والحوار، واللقاءات المماثلة الأُخرى مع الإمام الجوادعليهالسلام في اطمئنان الشيعة، واعتقادهم وإيمانهم التام بإمامته، وانقشعت سُحُب الغموض والشكّ من سماء فكرِهِم، وطلعت شمسُ الحقيقية.
وهكذا عندما قَدِم المأمون من طوس إلى بغداد، بَعَثَ برسالة إلى الإمام الجوادعليهالسلام يدعوه بالقدوم إلى بغداد كوالده (سلام الله عليهما)، واقترح المأمون أن يزوّج ابنته أُمّ الفضل من الإمام الجوادعليهالسلام ، فسكت الإمام.
فاعتبر المأمون أنّ هذا السكوت علامة لرضاهعليهالسلام ، ونوى أن يُقيم حفلاً بهذه المناسبة ممّا أحدث ضجّة في أوساط العائلة العباسية؛ خوفاً من خروج دفّة الحكم، وأخذوا يُنقصون قدرَ الإمام الجوادعليهالسلام ، بأنّه صبيّ لا معرفة له،
____________________
1- عيون المعجزات / 109 - 110، عنه بحار الأنوار 50 / 99 - 100 ح12، مدينة المعاجز 7 / 288 - 290 ح21.
2- دلائل الإمامة / 401 ح20، بحار الأنوار50 / 58 - 59 ح34، مدينة المعاجز 7 / 340 ح61.
فقال المأمون: هذا من أهل البيت، وعلمهم من الله، وإن شئتم فاختبروا وامتحنوا؛ لتعرفوا الحقيقة.
فاختار بنو العباس يحيى بن أكثم من بين العلماء؛ لشهرته العلمية، وأعدّ المأمون مجلساً لذلك، وقال ابن أكثم: أيأذنُ لي الأمير أن أسأل هذا الفتى؟
فأَذِن له المأمون، فقال يحيى للإمامعليهالسلام : ما تقول في محرم قتل صيداً؟
وابتدأ الإمام يفصّل المسألة على جميع الفروض الممكنة لها حتى ذكر ما يُقارب عشرة فروع أو أكثر، ثُمَّ طلب بعض مَنْ بقي في المجلس مع المأمون وفي مقدمتهم ابن أكثم أجوبة الفروع، فأجابها عن بكرة أبيها.
ثمّ طلب المأمون من الإمام أن يسأل ابن أكثم، فسأله الإمامعليهالسلام فَلَمْ يُجبْه، بل اكتفى بأن قال: ذلك إليك جُعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه، وإلاّ استفدته منك(1) .
وبعد أن ظهر للناس خصوصاً العباسيين منهم فضل ومقام الإمام الجوادعليهالسلام زوّج المأمون ابنته أُمّ الفضل من الإمامعليهالسلام ، وانتقلت إلى دار الإمام سنة 215 هـ.
ومن الواضح أنّ هناك دوافع سياسية، وأغراض شيطانية وراء هذا الزواج يعود نتاجها على المأمون نفسه، نذكر بعضها:
1- وضع الإمام تحت سيطرته ومراقبته؛ ليعرف الصغيرة والكبيرة من
____________________
1- انظر تحف العقول / 415 - 453، بحار الأنوار 50 / 74 - 79 ح3، تفسير القمّي 1 / 182 - 184، إعلام الورى 2 / 101 - 103، كشف الغمة 3 / 145 - 150، الثاقب في المناقب / 505 - 507 ح1، مناقب آل أبي طالب 3 / 488 - 489، دلائل الإمامة / 391 ح5، الإرشاد 2 / 281 - 284، الاختصاص / 98 - 99، عيون المعجزات / 110 - 113.
أفعاله، وذلك عن طريق ابنته الخبيثة أُمّ الفضل.
2- إنّه أراد من هذا الزواج أن يربط - وحسب تصورّه الساذج - الإمام ببلاطه الذي يسوده المجون والخلاعة، ويجرّه إلى اللهو واللعب والفسوق، وبذلك يشوّه قداسة الإمام، ولِتسقط مكانته وعصمته.
3- إنّه أراد أن يرضي العلويين، ويضع حدّاً لمعارضتهم وثوراتهم، ويتظاهر بميوله إليهم.
4- إنّه أراد خداع عامّة الناس بأنّه سوف يكون جَدّاً لمولودٍ وَلَدَهُ رسولُ الله وعليُ بنُ أبي طالب، كما نقل المؤرّخون تصريحاً له بذلك.
لكن فشلت جميع المخطّطات، وشاء الله أن يكون أولاد الإمام الجوادعليهالسلام جميعُهم من غير أُمّ الفضل الخبيثة بنت الخبيث.
وبعد هذا الزواج بثلاث سنوات هلك المأمون، أي في سنة 218 هـ، فأصبح المعتصم أخوه هو الخليفة بعده، وعلى القاعدة أرسل هذا الخبيث أن يأتوا بالإمام الجوادعليهالسلام من المدينة إلى بغداد حتى يراقبه عن قرب.
وذات يوم من الأيام انعقد مجلس ضمّ مجموعة من علماء البلاط، ودار الحديث في تحديد قَطْع يدِ السارق، وكان في المجلس قاضي بغداد ابن أبي داود وفقهاء آخرون، وكان الإمام من ضمن الجالسين، وعندما طُرِحت المسألة على بساط النقاش فَنَّد الإمام الجوادعليهالسلام جميع التحديدات التي ذكرها القوم بما فيهم القاضي ابن أبي داود، ثُمَّ ذكرعليهالسلام الرأي الصحيح؛ ممّا
أخجل قاضي بغداد، وأخذه الحسد الشديد عليه، فجاء الخبيث بعد بضعة أيام للمعتصم محرِّضاً له على قتل الإمام، فتأثّر المعتصم - الذي كان يحمل العداء للإمام في داخله - بكلام ابن أبي داود فقرّر قتل الإمامعليهالسلام (1) .
وهكذا احتال اللعين بقتل الإمامعليهالسلام ، فأرسل إلى زوجته أُمّ الفضل ابنة المأمون، وأشار إليها بأن تسقيه السّم، وكانت هذه الخبيثة منحرفة عن الإمام شديدة العداوة له، وكان الإمامعليهالسلام يميل لسمانة المغربية والدة الإمام الهاديعليهالسلام ، والتي كانت عارفة بحقّ الإمام الجوادعليهالسلام ، فوافقت أُمّ الفضل على سمّ الإمام، فأرسل إليها اللعين سمّاً قاتلاً، فأخذت السّم وجعلته في عنب رازقي(2) .
وكان الإمام صائماً، فلمّا تناول شيئاً تغيّر حاله وأحسّ بذلك، فقالعليهالسلام : « ويلكِ! قتلتيني قاتلك الله».
ثُمَّ أخذ إمامنا يتقلّب على الأرض يميناً وشمالاً من شدّة الوجع، ويجود بنفسه، ويطلب جرعة من الماء، ويقول بصوت ضعيف: « ويلكِ! إذا قتلتيني فاسقيني شربة من الماء».
فما سقت الإمامعليهالسلام الماء، بل أغلقت الباب وخرجت من الدار، فبقي الإمام يوماً وليلةً يعالج سكرات الموت حتى قَضى نحبه، ولقي ربّه(3) .
رحم الله منْ نادى:
____________________
1- اعتمدنا في هذا البحث اعتماداً شبه كلّي على كتاب سيرة الأئمّة - للبيشوائي (حياة الإمام الجوادعليهالسلام ) / 473 - 502.
2- عيون المعجزات / 118، عنه مدينة المعاجز 7 / 406 ح105، بحار الأنوار 50 / 16 - 17 ح26.
3- نور الأبصار / 269 - 278.
وا سيّداه! وا إماماه! وا مسموماه!
ظل نايم طريح اشلون محتار |
طول الليل وحده ايون على الدار |
|
بس صلّى الفجر واتگبل أو دار |
راسه وسّده او مدّد الرجلين |
|
أويلي سمّته او طلعت من الدار |
اوظل وحده يعالج ليل وانهار |
|
عگب موته اليهل ادموعنه اعمار |
ثلث تيام جسمه ابلا دفن تم |
وبعد أن قضى نحبه أمر المعتصم بأن يرموا جسده الشريف من أعلى السطح إلى الأرض، ومنع الناس أن يحملوه ويشيّعوه ويدفنوه ويدنوا منه، وبقي جسده على الأرض أياماً بلا غسل ولا كفن ولا دفن، فاجتمعت الشيعة، وحلفوا على أن يُقتَلُوا دونه أو يدفنوه.
فقال المعتصم: دعوهم وما يريدون، فعملوا له شأناً عظيماً حتى دفنوه في الظاهر، والفعل كان في الواقع من الإمام الهاديعليهالسلام ، حيث جاء من المدينة بطيّ الأرض إلى بغداد.
اجو يمّه ابحنين ولطم على الراس |
طلعوا بالجواد اوفزعت الناس |
|
لمن غسّلوا صاحب النوماس |
حفوا بالگبر كلهم محزنين |
* * *
(موشّح)
منجسم وينوح لمصابه العرش |
والملايك تحن واينوح الوحش |
|
آه يوم الحفّت ابذاك النعش |
اوضجّت اتصيح النسه أوتبچي الزلم |
|
بچت كلها اوحفّت اطيور الفله |
أو علي الهادي اتعنّه ليه أوغسّله |
|
بس أبو السجّاد ظل ابكربله |
أو بالشمس مطروح من عنده الجسم |
وكأنّي بالحوارء زينبعليهاالسلام تقول بلسان الحال:
يا ناس ضيّعت البصيره |
او مثل حيرتي ما جرت حيره |
|
ابن والدي ماله عشيره |
يغسلونه اويچفنونه اويدفنون |
* * *
قد قُطعت أوصالُه يا للهُدى |
بشبا الأعادي أيّما تبديد |
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،
وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون
والعاقبة للمتقين.
المجلس الثاني عشر
في الإمام علي الهاديعليهالسلام
المجلس الثاني عشر: في الإمام علي الهاديعليهالسلام
عُجْ على سُرّ مَن رأى تلقَ فيها |
عَلَماً تهتدي بهِ ومنَارا |
|
قُلْ لهُ أيُّها الإمام سَلاماً |
لك منّي الولا سِرّاً جِهارا |
|
يا أبا العسكريِّ حَقِّقْ رجائي |
وأقلني يا ابنَ الجوادِ العِثارا |
|
كُنْ شَفيعي عندَ الإلهِ إذا ما |
جئتُ في الحشر أحملُ الأوزارا |
|
لذتُ فيكُم إذ ليسَ يخشى مِنَ |
الأهوالِ مَنْ لاذ فيكُم واستجارا |
|
سادتي مَنْ لنا سواكم وإنّا |
نَرتجيكُم جِدّاً إذا الدهرُ جارا |
|
ولنا أنتم هُداةٌ كِرامٌ |
وبكُم في المَعادِ نُكفَى النّارا |
|
كيف عانيتم الأذى من عِداكُم |
أبعدَ اللهُ تلكُمُ الأشرارا |
|
يا حفيدَ الرّضا عليَّ الهادي |
قدْ ذكرَناك ليلنَا والنّهارا |
|
عَزَّ يا سّيدي أساكَ علينا |
حيثُ أجرى دُموعَنا مِدرارا(1) |
* * *
____________________
1- الأبيات الأربعة الأولى للشاعر المرحوم محمد علي اليعقوبي (رحمه الله)، وبقية الأبيات للشيخ الأستاذ محسن الفاضلي (حفظه الله).
الشيخ محمد علي اليعقوبي قال عنه السيّد جواد شبّر (رحمه الله) في أدب الطفّ: الشيخ محمد علي ابن الشيخ يعقوب أديب خطيب، وباحث كبير، علم من أعلام الأدب، وسند المنبر الحسيني، له اليد الطولى في توجيه الناس وإرشادهم، ولا زالت مواعظه حديثاً معطّراً لا يكاد يملّه جليسه، فمن أشهى الأحاديث حديثه، وما جلس إلاّ وتجمّع الناس حوله من الأدباء وأهل الذوق الأدبي، يتوقعون منه نوادره ومِلَحه وأحاديثه الشهيّة.
ولد في النجف الأشرف في شهر رمضان 1313هـ، ونشأ برعاية والده الخطيب التقي، والواعظ الشهير، وهاجر والده إلى الحلّة الفيحاء فنشأ المترجم له في منهل صباه، ومطلع شبابه في مدينة الأدب والشعر، وكان عندما يختار له والده القصيدة ويحفظها ينشدها في الجامع الذي يصلّي فيه العلاّمة السيّد محمد القزويني، بمحضر من المصلّين هناك، وبعد أداء الفريضة....
اليعقوبي في كلّ ما يقول من نظمٍ ونثر سهلٌ ممتنع لا تكاد تفوته مناسبة من المناسبات إلاّ ونظم البيتين والثلاث، أو القطعة المسكوكة كسبيكة الذهب....
من مؤلّفاته ديوان شعره (الذخائر)، يحتوي على خمسين قصيدة ومقطوعة، نظمها في أهل البيتعليهمالسلام مدحاً ورثاءً، وقد طُبعت سنة 1369هـ، وأوصى (رحمه الله) أن يكون معه في قبره.
ومنها البابليات وغيرها.
في فجر يوم الأحد 21 جمادي
=
امصايب هلك يا لمحجوب |
من عدها تشوغ الروح |
|
وحده اتزود عن وحده |
البالسّم مات والمذبوح |
|
مثل هظمة علي الهادي |
الخلّت كل گلب مجروح |
من يثرب يجيبونه***ابخان الذلّ يحطّونه***مگصدهم يهينونه
إيخَسُون، الله رفع شانه |
أو شع للعالم ابنوره |
|
ظهرت له معاجز كون |
بأمر الله فلا تنعد |
|
اِحْسِدَه خصمه اِحبَسَاه اوليه |
ما خلّه يطب أحد |
|
حتى الرجس جار اعليه |
سمّه اوچبده اتمرّد |
مات ابديرة الغربه***والغربه تره صعبه***أوفگده أفجع الحَبَّه
____________________
=
الثانية 1385هـ الموافق 17/10/1965م، سكت هذا اللسان وأنطفأ هذا الضوء؛ فقد ودّع الحياة عن 73 عاماً.
فنعته الجمعيات في النجف، وفي مقدّمتها جمعية الرابطة الأدبية؛ إذ فقدت عميدها، وأُقيمت له الفواتح في كثير من البلدان العراقية وغيرها. (أدب الطفّ 10 / 194 - 197).
قال تعالى في محكم كتابه الكريم:( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ) (1) .
هاتانِ الآيتانِ من سورة الأنبياءعليهمالسلام تتحدّثان عن أمرٍ قضاه الله تبارك وتعالى، وأخبر به نبيَّه الأكرم مُحَمّداًصلىاللهعليهوآله ، وجعل هذا الأمر فيه كمال التبليغ لخصوص العابدين من عباده (عزّ وجلّ).
أمّا ما هو الأمر، وما هي حقيقته؟
فالجواب: هو وراثة الأرض للعباد الصالحين.
ومن هنا وقع الكلام في أمور عديدة:
أوّلاً: ما هو المقصود من الزبور والذكر؟
اختلف العلماء والمفسّرون اختلافاً كبيراً في بيان المقصود من الزبور والذكر في الآية المباركة، فذهب البعض إلى أنّ المقصود من الزبور هو زبور داودعليهالسلام مستدّلاً بقوله تعالى:( وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ) (2)(3) .
وقال البعض الآخر: أنّ الزبور هو مطلق الكتب السماوية؛ لأنّ كلمة الزبور معناها الكتاب.
____________________
1- سورة الأنبياء / 105 - 107.
2- سورة النساء / 163.
3- وقد وردت في الزبور بعض العبارات التي فيها الإشارة إلى هذا المعنى، مثل: أمّا الودعاء فيرثون الأرض ويتلذّذون في كثرة السلامة. ومثل: لأنّ المتبرّكين بالله سيرثون الأرض، أمّا الملعونون فسينقطع أثرهم. انظر تفسير الأمثل 10 / 258.
وذهب قوم آخرون إلى أنّ المقصود من الزبور هو خصوص القرآن الكريم.
وأمّا المقصود من الذكر، فهو لا يقلّ اختلافاً عن الزبور، فقد ذهب البعض إلى أنّ المقصود بالذكر هو التوراة، وذهب البعض الآخر إلى أنّ المقصود هو اللوح المحفوظ، والثالث أنّه القرآن الكريم.
وتُذكر في المقام قرينة على أنّ المقصود هو القرآن؛ وذلك لتسميته الذكر في أكثر من موضع، مثل قوله تعالى:( إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ) (1) .
وقد واجه هذا الرأي مشكلة تفسيرية، وهو أنّ التعبير (من بعد) في الآية يشعر بتقدّم الذكر على الزبور، فكيف يمكن الجمع بين تفسير الذكر بالقرآن، وأنّ الزبور نزل بعده؟
وهذا الإشكال قد يُدفَع بأن يكون المقصود من البعدية هي البعدية الرتبية، وأنّ مقام القرآن يحتل المرتبة الأولى بين الكتب السماوية، لا أنّ المقصود هو الرتبة الزمانية(2) ، أو أن يكون القرآن هو أقدم كتاب سماوي، قِدَمُه بقِدَمِ صاحبهصلىاللهعليهوآله .
ثانياً: ما هو المقصود من وراثة الأرض؟
أمّا المقصود من الوراثة: فهي - على ما نصّ عليه الراغب الأصفهاني في
____________________
1- سورة التكوير / 27.
2- انظر تفسير الرازي 22 / 229، تفسير الميزان 14 / 329 - 330.
مفردات القرآن - انتقال قُنْية إليك عن غيرك من غير عقد، ولا ما يجري مجرى العقد.
وسُمِّي بذلك المُنتقِل عن الميِّت، فيقال للقُنْية الموروثة ميراث وإرث(1) .
وأمّا المقصود من وراثة الأرض فهو انتقال التسلّط على منافعها إلى العباد الصالحين، واستقرار بركات الحياة بها فيهم.
وهذه البركات إمّا دنيوية راجعة إلى الحياة الدنيا، كالتمتّع الصالح بأمتعتها وزينتها، فيكون مؤدّى الآية أنّ الأرض ستطهُرُ من الشرك والمعصية، ويسكنها مجتمع بشري صالح، يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً، كما يشير إليه قوله تعالى:( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ ) (2) .
وأمّا بركات أُخروية، وهي مقامات القرب التي اكتسبوها في حياتهم الدنيا، فإنّها من بركات الحياة الأرضية، وهي نعيم الآخرة، كما يشير إليه قوله تعالى حكاية عن أهل الجنّة:( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء ) (3) ، وقوله تعالى:( أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ ) (4) .
____________________
1- مفردات القرآن / 863.
2- سورة النور / 55.
3- سورة الزمر / 74.
4- سورة المؤمنون / 11.
وبما أنّ الوراثة يمكن حملُها على المعنيين من الدنيوية والأخروية، فلا مبرّر لحصرها بأحدهما دون الأخرى؛ لأنّ الإطلاق يدفع التقييد(1) .
وثالثاً: مَنْ هم العباد الصالحون الذين يرثون الأرض؟
وقبل الجواب عن هذا السؤال ينبغي الالتفات إلى أنّ إضافة العباد إليه (عزّ وجلّ) فيها مزيد من العناية، وبملاحظة كلمة الصالحين يتّضح أنّ هؤلاء العباد لهم كلّ المؤهّلات، كالمؤهّلات العلمية والعبادية والاجتماعية، وليسوا أناساً من عامّة العباد.
ومن هنا ورد عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام بعض الروايات تشير إلى العباد الصالحين، ويمكن تصنيفها إلى صنفين:
الصنف الأوّل: إنّ المقصود من العباد الصالحين هم أهل البيت عموماً، يعني مُحَمّداً وآلَ مُحَمّدعليهمالسلام ، كما رُوِيَ ذلك عن الإمام أبي جعفر الباقرعليهالسلام قال: « قوله (عزّ وجلّ):( أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) هم آلُ مُحَمّدٍصلىاللهعليهوآله »(2) .
الصنف الثاني: هم المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وأصحابه (رضوان الله تعالى عليهم)، كما رُوِيَ عن أبي جعفرعليهالسلام أيضاً(3) .
____________________
1- انظر تفسير الميزان 14 / 330.
2- تفسير البرهان 5 / 256 ح2، تأويل الآيات 1 / 332 ح19 و21، بحار الأنوار 24 / 358 ح78.
3- تفسير البرهان 5 / 257 ح5 و6، تفسير القمّي 2 / 77، التفسير الصافي 3 / 357، تفسير نور الثقلين 3 / 464 ح189، تأويل الآيات 1 / 332 ح22، بحار الأنوار 14 / 37 ح12 عن تفسير القمّي.
ولا منافاة بين الصنفين لإمكان الجمع في البين، كما هو واضح جدّاً.
وقد دلّت بعض الروايات على أنّ أهل البيتعليهمالسلام عندهم مواريث ما عند جميع الأنبياء؛ لكونهم خاتمة الأوصياء، وكلّ نبيّ يُورِّث ما عنده لوصيه، وهكذا يصل إلى النبيّ الذي بعده، وبما أنّ خاتم النبيّين هو نبيّنا الأكرم مُحَمّدصلىاللهعليهوآله ، وخاتم الأوصياء هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمّة من ذريّته بعدد نُقباء بني إسرائيل؛ فلذا يقتضي أن يكون عندهم جميع ما عند الأنبياء والأوصياء من علوم وأسرار ممّا وهبه الباري (عزّ وجلّ) لهم؛ لأنّهم عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
ومن هذه الروايات الشريفة ما رُوِيَ عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال: « قال النبيصلىاللهعليهوآله : أنا سيّد النبييّن، ووصييّ سيّدُ الوصييّن، وأوصياؤُهُ سادة الأوصياء»(1) .
ومنها: حديث اللوح المصرِّح بأسمائهمعليهمالسلام (2) .
ومنها: ما رُوِيَ عن إمامنا الهاديعليهالسلام في الزيارة الجامعة الكبيرة (وورثة الأنبياء)، فقد فسّرها بعض العلماء بما ذكرناه آنفاً من أنّهمعليهمالسلام ورثوا علوم
____________________
1- الإمامة والتبصرة /21 ح1، من لا يحضره الفقيه 4 / 174 - 175 ح5402، أمالي الشيخ الصدوق / 486 - 487 ح3، كمال الدين وتمام النعمة / 311 - 312 ح1، أمالي الشيخ الطوسي / 442 ح48، بشارة المصطفى / 136 ح87، بحار الأنوار 23 / 57 ح1.
2- الإمامة والتبصرة / 12 ح18 و 103 ح27، الكافي 1 / 527 باب النصّ على الأئمّةعليهمالسلام ح3، عيون أخبار الرضاعليهالسلام 2 / 48 - 49 ح2، كمال الدين وتمام النعمة / 308 ح1.
جميع الأنبياء وآثارهم، حتى التابوت والألواح، وعصى موسى، وخاتم سليمان، وعمامة هارون(1) .
فعن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: « قال لي: يا أبا مُحَمّد، إنّ الله (عزّ وجلّ) لم يُعطِ الأنبياء شيئاً إلاّ وقد أعطاه مُحَمّداًصلىاللهعليهوآله ، وقد أعطى مُحَمّداً جميع ما أعطى الأنبياء، وعندنا الصحف التي قال تعالى:( صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) ».
قلت: جعلت فداك هي الألواح؟
قال: « نعم»(2) .
وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه سأله عن قول الله (عزّ وجلّ):( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ) ما الزبور، وما الذكر؟
قال: « الذكر عند الله، والزبور الذي أُنزِل على داود وكلّ كتاب نزل فهو عند أهل العلم ونحن هم»(3) .
وعندما نمرّ بحياة الإمام أبي الحسن الهاديعليهالسلام ، نجده المثال الجلي لعباد الله الصالحين الذين كتب الله وراثتهم للأرض، وجعل هيبته تسيطر على كلّ أحد يراه، ولو كان من أعدائه المعاندين له.
ومن هنا رُوي عن مُحَمّد بن الحسن الأشتر العلوي أنّه قال: كنت مع أبي على باب المتوكّل وأنا صبيّ في جمع من الناس ما بين طالبي إلى عباسي وجعفري، ونحن وقوف إذ جاء أبو الحسن فترجّل الناس كلّهم حتى دخل،
____________________
1- الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة / 55 - 58.
2- بصائر الدرجات / 156 ح5، الكافي 1 / 225 ح5، عنه بحار الأنوار 17 / 133 ح9 و 26 / 184 ح14 عن البصائر.
3- الكافي 1 / 225 - 226 ح6، التفسير الصافي 3 / 357، تفسير نور الثقلين 3 / 464 ح192 عن الكافي.
قال بعضهم لبعض: لِمَ نترجّل لهذا الغلام، وما هو بأشرفنا، ولا بأكرمنا، ولا بأسنّنا، ولا بأعلمنا؟ والله لا ترجّلنا له.
فقال أبو هاشم الجعفري: والله لتترجَّلُنَّ له صَغَرة إذا رأيتموه، فما هو إلاّ أن أقبل، وبصروا به حتى ترجّل الناس كلّهم.
فقال لهم أبو هاشم الجعفري: أليس زعمتم أنّكم لا تترجّلون له؟
فقالوا له: والله ما ملكنا أنفسنا حتى ترجّلنا(1) .
بل الأمر تعدّى إلى أكثر من هيبته في قلوب الآدميين، وتعدّى إلى أنّ الطيور لا تتحرّك من مكانها إذا رأته، وتقف عن فرحها ولعبها، كما رُوي ذلك عن أبي هاشم الجعفري أنّه قال: كان للمتوكِّل مجلس بشبابيك؛ كيما تدور الشمس في حيطانه، قد جعل فيها الطيور التي تصوّت، فإذا كان يوم السّلام جلس في ذلك المجلس فلا يُسمَعُ ما يُقال له، ولا يُسمَعُ ما يقول من اختلاف أصوات تلك الطيور، فإذا وافاه علي بن مُحَمّد بن الرضاعليهالسلام سكنت الطيور، فلا يُسمَعُ منها صوتٌ واحد إلى أن يخرج من عنده، فإذا خرج من باب المجلس عادت الطيور في أصواتها.
قال: وكان عنده عدّة من القوابج تقتتل، وهو ينظر إليها، ويضحك منها، فإذا وافى علي بن مُحَمّدعليهالسلام إليه في ذلك المجلس لصقت تلك القوابج بالحيطان، فلا
____________________
1- إعلام الورى 2 / 118 - 119، الثاقب في المناقب / 542 - 543 ح2، الخرائج والجرائح 2 / 675 - 676 ح7، مناقب آل أبي طالب 3 / 511، مدينة المعاجز 7 / 453 - 454 ح36، كشف الغمّة 3 / 192، بحار الأنوار 50 / 137 ح20 عن الخرائج.
تتحرّك من موضعها حتى ينصرف، فإذا انصرف عادت في القتال(1) .
ونفس هذه المنزلة هي التي جعلت بعض بطانة وخواص المتوكّل وبوّابيه يتشيّعون، كما روى ذلك الصقر بن أبي دلف، قال: لمّا حمل المتوكّل سيّدنا أبا الحسن العسكريعليهالسلام ، جئتُ أسأل عن خبره، قال: فنظر إليَّ الرازقي، وكان حاجباً للمتوكّل، فأمر أن أدخل إليه، فأُدخلت إليه، فقال: يا صقر ما شأنك؟
فقلت: خير أيّها الأستاذ.
فقال: اقعد، فأخذني ما تقدّم وما تأخّر، وقلت: أخطأت في المجيء.
قال: فوحى الناس عنه، ثُمَّ قال لي: ما شأنك وفيم جئت؟
قلت: لخير ما.
فقال: لعلّك تسأل عن خبر مولاك؟
فقلت: ومَنْ مولاي؟ مولاي أمير المؤمنين.
فقال: اسكت مولاك هو الحقّ، فلا تحتشمني؛ فإنّي على مذهبك.
فقلت: الحمد لله.
قال: أتحبّ أن تراه؟
قلت: نعم.
قال: اجلس حتى يخرج صاحب البريد من عنده.
قال: فجلستُ، فلمّا خرج قال لغلام له: خذ بيد الصقر، وأدخله إلى الحجرة التي فيها العلوي المحبوس، وخلّ بينه وبينه.
قال: فأدخلني إلى الحجرة، وأومأ إلى بيت فدخلت، فإذا هو جالس على صدر حصير، وبحذاه قبر محفور.
قال: فسلَّمتُ عليه، فردّ عليَّ، ثُمَّ أمرني بالجلوس.
ثُمَّ قال لي: « يا صقر، ما أتى بك؟».
قلت: سيّدي جئتُ أتعرّف خبرك؟
قال: ثُمَّ نظرت إلى القبر فبكيت، فنظر إليَّ، فقال: « يا صقرُ، لا عليك لن يصلوا إلينا بسوء الآن».
فقلت: الحمد
____________________
1- الخرائج والجرائح 1 / 404 ح1، عنه بحار الأنوار 50 / 148 - 149 ح34.
لله(1) الخبر.
وهذه المعاجز لعباد الله الصالحين هي أقوى برهان، وأحسن بلاغ وبيان لقوم عابدين الذي أشارت إليه الآية المباركة:( إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ) ، المفسَّرة بالشيعة كما رُوِي ذلك عن إمامنا الباقرعليهالسلام أنّه قال: « هم شيعتنا»(2) .
وفي نفس الوقت ما تزيد الظالمين إلاّ عتوّاً وعناداً وقسوة:
قستِ القلوبُ فلم تَمِل لهداية |
تبّاً لهاتيك القلوبِ القاسيه |
ومن هؤلاء الظالمين المتوكّل، فإنّ الأذى والجور الذي لاقاه الإمام علي الهاديعليهالسلام من المتوكّل، وما لَقِيَ الشيعة المحبّون والعلويّون من أولاد فاطمةعليهاالسلام منه، وما فعل (لعنه الله) بقبر الإمام الحسينعليهالسلام وزوّاره كثيرة جدّاً؛ لأنّه أكفر بني العباس، كما رُوي هذا المضمون عن الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام (3) ، وكان رجلاً خبيثاً حقيراً معادياً لآل أبي طالب.
وقد عاصر الإمام الهاديعليهالسلام ستة من خلفاء الظلم والجور، كلّهم على
____________________
1- كمال الدين وتمام النعمة / 382 ح9، جمال الأسبوع / 35، إعلام الورى 2 / 245 - 246، بحار الأنوار 36 / 413 ح3، و50 / 194 ح7.
2- تفسير البرهان 5 / 256 ح3، تأويل الآيات 1 / 332 ح20، بحار الأنوار 24 / 358 - 359 ح79.
3- بحار الأنوار 41 / 322. ورد فيها» وعاشرهم أكفرهم»، وقد فسّرها العلاّمة المجلسي (رحمه الله) بالمتوكّل (لعنه الله).
هذا المنوال، كان أوّلهم المعتصم، ومن بعده ابنه الواثق، وآخرهم المعتز بن المتوكّل، واستشهد الإمام على يد الأخير مسموماً.
وكانت الفترة التي عاشها الإمام الهاديعليهالسلام قد تميّزت بمجالس اللهو والشرب الليلية، وأصبح الجهاز الحكومي غاصّاً في الفساد والمعصية، وازدياد الظلم والاستبداد، والبذخ والعيث ببيت المال، وصرفه في اللهو والمجون.
وعلى طريقة أجداد المتوكّل الخبيثة؛ ولأجل مراقبة الإمام الهاديعليهالسلام عن قرب ودراية، أرسل رسالة للإمام الهاديعليهالسلام يبيّن فيها منزلة الإمام عنده وقدره، وعَزَل واليه على المدينة، ويخبره بمحّبته لرؤيته، والتزوّد منه والمسير إليه، إلى غير ذلك من كلمات المدح والثناء، ولكنّ الإمام على اطّلاع كامل بما بيّته له المتوكّل من سُوء نيّة.
فاستجاب الإمام الهاديعليهالسلام للمتوكّل؛ لأنّه يعلم بأنّه مكره لا محالة على الخروج، وهذا هو إكراه لكن بأسلوب سياسي؛ والدليل كلمة الإمام الهاديعليهالسلام نفسه التي قال فيها: « أخرجت إلى سُرّ مَنْ رأى كُرهاً»(1) .
وبعد هلاك المتوكّل الذي جرّع الإمام الغصص طيلة أربعة عشر عاماً، عاش الإمام بقيّة عمره مع حكّام عُرِفوا بالظلم فقد أجبروه على البقاء في
____________________
1- أمالي الشيخ الطوسي / 281 ح83، مناقب آل أبي طالب / 519، مدينة المعاجز 7 / 508 ح82، بحار الأنوار 53 / 200 - 201 الأصل والهامش، انظر سيرة الأئمّة - للبيشواني / 505 - 515، حياة الإمام الهاديعليهالسلام .
سامراء، فعاش سبعة أعوام مع المنتصر والمستعين والمعتز في سامراء.
بقي ملازماً بيته، كاظماً غيظه، صابراً على ما مسّه من الأذى من حكّام زمانه حتى قضى نحبه، ولقي ربّه شهيداً مسموماً.
رحم الله مَنْ نادى: وا إماماه! وا سيّداه! وا مسموماه!
وكانت وفاته في يوم الاثنين لثلاث خلت من شهر رجب سنة 254هـ بعد أن نيّف على الأربعين سنة، متأثّراً بسمّ دسّه إليه المعتز بنفسه أو أخوه المعتمد، وسُمِعت جارية تقول - أثناء تشييعه -: ماذا لقينا من يوم الاثنين قديماً وحديثاً.
وقد اجتمع في دار أبي الحسن الهاديعليهالسلام جُلّ بني هاشم من الطالبيِّين والعباسييِّن، واجتمع خلق كثير من الشيعة، ثُمَّ فُتِح من صدر الرواق باب وخرج خادم أسود ثُمَّ خرج من بعده أبو مُحَمّدعليهالسلام حاسراً، مكشوف الرأس مشقوق الثياب، وكأنّي به ينادي: وا أبتاه! وا علياه! وا مسموماه!
فأجابته الشيعة: وا إماماه! وا عُظْمَ مصيبتاه!
سگاه السّم يويلي أو مرد چبده |
أولا راقب الباري أوهاب جدّه |
|
ظل ابنه الحسن يبچي عله فگده |
اشيفيد النوح لو يجري الدمع دم |
ثمّ أُخرجتْ الجنازة، وخرج الإمام العسكريعليهالسلام يمشي خلفها والناس من خلفه، وكان الإمام صلّى عليه قبل أن يخرج إلى الناس، وصلّى عليه لمّا خرج المعتمد، ثُمَّ دُفِنعليهالسلام في دارٍ من دوره بسُرَّ مَنْ رأى(1) .
(أبوذية)
على الهادي مياتم حزن تنصب |
الدموع ادموم على المسموم تنصب |
|
المرد چبدك چبدته ريت تنصب |
ولا اشوفك تلوج اعله الوطيه |
* * *
گظه الهادي او منّه الچبد مسموم |
وأهل بيته تنوح بگلب مالوم |
|
وهاذي شيعته والدمع مسجوم |
أونار العسكري بالچبد تسعر |
* * *
گام أوغسّله بيده |
اوشاله أونزلّه ابگبره |
|
ماظل بالفله مطروح |
ثلث اليال عالغبره |
|
لاچن سلوة الهادي |
ومهجة آيته الكبره |
جثته رميه على الثرى *** اويجري الدمه من منحره *** وبفيض دمها امعفرّه
____________________
1- انظر مجمع المصائب 4 / 313 - 318، والشعر الشعبي منه أيضاً.
وكأنّي بزينبعليهاالسلام تخاطب أخاها الحسين وتقول:
يخويه بحليب أمّي عليك |
بَطِّل الونّه اورفس رجليك |
|
يا ماي عيني اشبيدي اعليك |
خواتك تريد المعتنه ليك |
|
اولو جتك ابيا حال تلگيك |
عريان عدوانك مسلبيك |
* * *
(تخميس)
يا ميتاً تركَ الألبابَ حائرة |
تناوشته سهام البغي داميه |
|
وأعظم الخطب في الإسلام داهية |
عارٍ تجول عليه الخيل عاريه |
حاكت له الريح طافي مئزرٍ وردا
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،
وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون
والعاقبة للمتقين.
المجلس الثالث عشر
في الإمام الحسن العسكريعليهالسلام
المجلس الثالث عشر: في الإمام الحسن العسكريعليهالسلام
يا صاحبَ العصر أحسنَ اللهُ العزا |
لك في أبيكَ سليلِ طه الأطهرِ |
|
قد جرّعوه القومُ كاساتِ الردى |
فقضى شهيداً والأنامُ بمنظَرِ |
|
ولئن صبرتَ لهذهِ ونظيرِها |
فأنا وحقِّك جفَّ بحرُ تصبّري |
|
فإلى متَى يا ابنَ النبيّ أما ترى |
كُلَّ ابنِ افّاكٍ عليكم يجتري |
|
أفلا يُهيجُك أنَّ أهلَكَ قد مَضَوا |
ما بينَ مسمومٍ وبينَ مُعفّرِ |
|
ومجدّلٍ فوقَ البسيطةِ عاريا |
ملقىً ثلاثاً بالعرا لم يُقبَرِ |
|
يا ابنَ النبيّ الـمُصطفى حُزني لكم |
أجرى عِتابي في دوامِ الأعصُرِ |
|
عُذراً إليك ففي فؤادي قُرحةٌ |
قد أوهنتْ كَبِدي وأدمت مِحجَري(1) |
* * *
أوّل ثار غصبوا نحلة الزهره |
والثاني بحيدر رادوا الغدره |
|
والثالث يبو صالح صعب ذكره |
ما شفنه ظلع گبله مكسرينه |
|
ما شفنه ظلع گبله انكسر بالباب |
ولا شفنه تمزّق گبل صكها كتاب |
|
يبن الحسن يوصل ليك منّي إعتاب |
چي تنسه جنين اللي إمسگطينه |
____________________
(1) الأبيات للشيخ حسين الشبيب القطيفي (رحمه الله) المتوفّي سنة 1369هـ، مرجعه إلى قبيلة بني تميم، تعلّم القراءة والكتابة على يد المرحوم يوسف المعلّم المتوفّى سنة 1325هـ، قال الشعر في سنّ مبكرة حتى أصبح من الشعراء المشهورين والمفعمين في حبّ أهل البيتعليهمالسلام .
لم يكن يبارح مجلس سيد الشهداءعليهالسلام حتى إنّه كان يعقد مجلساً في بيته في كلّ ليلة.
له جزءان في الشعر؛ أحدهما في القريض، والثاني في الشعر الدارج.
انتقل إلى رحمة الله عن عمر يناهز السبعين. (انظر كتاب جذوة من شعراء أُمّ الحمام / 55 - 56).
يبن الحسن ما تنهض يوالينه |
ما تدري عدانه اتشمّتت بينه |
|
يبن الحسن ما تنهض يراعي الثار |
چي تصبر اوللسّا مغمّد البتار |
|
اخبرك وانته تدري بالجره والصار |
حگكم ليش للساعة امخلينه |
(أبوذية)
ابفگد العسكري اتيتّم شرعها |
سفينه چان ما ينصه شرعها |
|
يا ظالم چتل نفسها شرعها |
أوهدم ركن الشريعه الأحمديه |
* * *
عن الإمام الهاديعليهالسلام قال: « أبو مُحَمّدٍ ابني أصحُّ آلِ مُحَمّد غريزةً، وأوثقُهم حُجَّةً، وهو الأكبر من ولدي، وهو الخَلَفُ وإليهِ تَنتَهِي عُرَى الإمامة وأحكامِها، فما كُنتَ سائلي عَنْهُ فاسألهُ عنه، فَعِندَهُ ما تحتاج إليه، ومعه آلة الإمامة»(1) .
كان ديدن الشيعة - خصوصاً القريبين من الأئمّةعليهمالسلام - هو كثرة السؤال عن الحُجَّةِ بعد كلّ إمام، فما أن يقع بصرُهُم على تدهور حال الإمام المعصومعليهالسلام إلاّ ويَهرَعُون بكيل الأسئلة على الحُجَّةِ من بعده.
ومن ضمن تلك الأسئلة التي طُرِحت على الأئمّة الذين تقدّموا الإمام الهاديعليهالسلام ، وطُرِحت عليه (سلام الله عليه) وعلى ولده من بعده، هو هذا السؤال الذي جاء بمضامين مُتَّحدة المعاني، ومختلفة شيئاً ما في الأسلوب: إذا كان بك كونٌ فمَنْ الحُجَّةُ مِن بعدك؟.
أو أنّ الإمام يَعرِف أنّ الشيعة بحاجة إلى تأكيد هذا المعنى، فيبادر الإمام بنفسه فيعيّن الحُجَّة والإمام مِن بعده؛ تأكيداً للعهود والمواثيق، كما صنع إمامُنا الهاديعليهالسلام في هذه الكلمة التي بَيّن فيها مقام ومنزلة الإمام أبي مُحَمّد الحسن العسكريعليهالسلام ، وأنّه الأكبر من ولده، وهو الخَلَف، وعنده مواريث العلم وأحكامه، ويحتاج إليه الناس، وهو الإمام من بعده.
____________________
1- إعلام الورى 2 / 135 - 136، الإرشاد 2 / 319، الكافي 1 / 327 - 328 باب النصّ على الإمام العسكريعليهالسلام ح11، الصراط المستقيم 2 / 169، كشف الغمة 3 / 201، بحار الأنوار 50 / 245ح19 بدون كلمة (ومعه آلة الإمامة) عن الإرشاد.
وأراد الإمام الهاديعليهالسلام بذكر هذه الصفات والقيود أن يقطع دابر الفتنة، ولا يجعل احتمالاً - ولو ضعيفاً - للاختلاف في الحُجَّةِ من بعده؛ لما هو معلوم من أنّ القيود كُلّما ازدادت ندر المقيَّد.
فكون الإمام أبي مُحَمّد هو الأكبر يدفع شبهات عديدة؛ لأنّ الأكبر لا يكون إلاّ واحداً، فإمامنا العسكريعليهالسلام وإن كان بعد أخيه السيد مُحَمّد المدفون في مدينة بلد، إلاّ أنّ السيّد مُحَمّد تُوفِي قَبل أبيه الهاديعليهالسلام ؛ ممّا جعل الأمر منحصراً بأبي مُحَمّد الحسن العسكريعليهالسلام ؛ ولذا ورد عن إمامنا الهاديعليهالسلام في وفاة السيّد مُحَمّد أنّه قال للإمام العسكريعليهالسلام : « يا بُني، أحدِثْ لله شكراً؛ فقد أَحدَثَ فيك أمراً»(1) .
فإنّ فيه إشارة إلى هذا المعنى، وهو أنّ عامّة الناس يتوقعّون الإمامة دائماً في الولد الأكبر، ممّا يعرقل السير في اللجوء إلى الإمام، ولا أقلّ من حدوث فتنة.
ومن بعد هذه المقدّمة نقف قليلاً للتعرّف على ملامح شخصية الإمام أبي مُحَمّد الحسن العسكريعليهالسلام :
وُلِد الإمام العسكريعليهالسلام - إمام الشيعة الحادي عشر والمعصوم الثالث عشر - عام 232هـ بالمدينة، أبوه - كما تقدّم - هو الإمام الهاديعليهالسلام ، وأمّه المرأة الزاهدة والعابدة، حديثة أو سوسن، وقد كانت من العارفات الصالحات، وكفى في فضلها أنّها كانت مفزع الشيعة بعد وفاة أبي مُحَمّد
____________________
1- بصائر الدرجات / 492 - 493 ح13، عنه بحار الأنوار 50 / 240ح6، إعلام الورى 2 / 133، كشف الغمة 3 / 200، الإرشاد 2 / 315.
العسكريعليهالسلام وفي تلك الظروف الحرجة(1) .
كان عمره 22 عاماً عندما استشهد أبوه الإمام الهاديعليهالسلام ، وكانت إمامته ستة أعوام، وعاش 28 سنة؛ حيث كانت شهادته سنة 260هـ(2) .
وقد عاصر الإمام الحسن العسكريعليهالسلام ثلاثة من خلفاء الظلم والجور من بني العباس، وهم: المعتز بالله بن المتوكِّل العباسي، والمهتدي بالله الذي استولى على الكرسي بعد مقتل أخيه المعتز، والثالث هو المعتمد بالله.
وقد قاسى الإمام أبو مُحَمّدعليهالسلام من هؤلاء أشدّ المتاعب والمعاناة.
وقد وصف إمامنا الهاديعليهالسلام ولده الإمام الحسن العسكريعليهالسلام بأوصافه اللائقة به؛ لأنّ الإمام لا يحيط بكنهه إلاّ مَنْ كان على شاكلته.
وأنا أحبّ أن أركّز على الكلمة الأخيرة من هذا الحديث الشريف، والكلمة هي: « فعنده ما تحتاج إليه ومعه آلة الإمامة»؛ ففيها كلّ التفاصيل التي يراد لها أن تُقال عن الإمامعليهالسلام .
أمّا المقطع الأوّل» فعنده ما تحتاج إليه»: فالخطاب فيها موجّه لِمَنْ سأل عن الحُجَّةِ من بعد الإمام الهاديعليهالسلام ، فأجابه الإمام أبو الحسن الهاديعليهالسلام :
____________________
1- وعن المسعودي عن العالمعليهالسلام أنّه قال: لمّا أُدخلت سليل أُمّ أبي محمدعليهالسلام على أبي الحسن قال: « سليل مسلولة من الآفات والعاهات والأرجاس والأنجاس» منتهى الآمال 2 / 650، عن إثبات الوصية / 207.
2- في الثامن من شهر ربيع الأوّل، كما في الكافي 1 / 503.
بأنّ ما كنت تسأل عنه سابقاً إيّاي، سل عنه أبا مُحَمّد الحسن العسكريعليهالسلام من بعدي،» فعنده ما تحتاج إليه».
يعني يجيبك عن كلّ ما تحتاج إليه من مسائل الأحكام، وهذا المقطع يكشف عن العلم الذي كان يحمله الأئمّةعليهمالسلام ، ومنهم أبو مُحَمّد الحسن العسكريعليهالسلام ، وهو من أهم عناصر التفضيل عند الله تبارك وتعالى، حيث قال (عزّ وجلّ):( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (1) ، وقال أيضاً:( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) (2) .
وقد اشتهر عن الإمام الحسن العسكريعليهالسلام علمه بالمغيّبات كثيراً، فمن ذلك ما رواه إسماعيل بن مُحَمّد من حفدة عبد الله بن عباس بن عبد المطلب قال: قعدت لأبي مُحَمّدعليهالسلام على ظهر الطريق، فلمّا مَرَّ بي شكوتُ إليه الحاجة، وحلفت له أنّه ليس عندي درهم فما فوقها، ولا غداء ولا عشاء، قال: فقال: « تحلف بالله كاذباً، وقد دفنتَ مئتي دينار، وليس قولي هذا دفعاً لك عن العطية. يا غلام، ما معك؟».
فأعطاني غلامه مئة دينار، ثُمَّ أقبل عليَّ، فقال: « إنّك تُحرَم الدنانير التي دفنتَها أحوج ما تكون إليها».
وصدقعليهالسلام وكان كما قال: دفنتُ مئتي دينار وقلت: يكون ظهراً وكهفاً لنا، فاضطررت ضرورة شديدة إلى شيء أنفقه، وانغلقت عليّ أبواب الرزق، فنبشت عنها فإذا ابن لي قد عرف موضعها فأخذها وهرب، فما قدرت منها
____________________
1- سورة الزمر / 9.
2- سورة المجادلة / 11.
على شيءٍ(1) .
وأنت إذا لاحظت هذه الرواية عرفت معنى العلم الذي وهبه الله للأئمّةعليهمالسلام ، وكيف يخبرون بما كان وما هو كائن، وكيف تعامل الإمام مع هذا الرجل مع أنّه أراد إخفاء الحقيقة على الإمام، ومع هذا أعطاه الإمامعليهالسلام ؛ لأنّه من تلك الشجرة المباركة، والذي ورد عن أبيه أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال: « إنّي لأعجبُ من أقوام يشترون المماليك بأموالِهِم، ولا يشترون الأحرار بمعروفهم»(2) .
ولذا تكرّرت هذه المواقف من أكثر الأئمّةعليهمالسلام مع الأعداء والمنحرفين والكذّابين، حتى اشتهرت عن هؤلاء هذه الجملة بكثرة بحقِّ الأئمّةعليهمالسلام :( اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) .
وأمّا المقطع الثاني فهو» ومعه آلة الإمامة»: وهذه الكلمة تستوجب الوقوف قليلاً؛ لتحديد ما هو المقصود من آلة الإمامة حتى نعرف بعد ذلك توفّر الإمامعليهالسلام عليها وعدمه.
أمّا الآلة لغةً: فهي الأداة، وجَمْعها آل وآلات(3) ، وعليه يصير المعنى أنّ الإمامعليهالسلام عنده أداة الإمامة، فحينئذ هو لا يحتاج إلى هذه الأداة من أحد،
____________________
1- الكافي 1 / 509 - 510 باب مولد الإمام العسكريعليهالسلام ح14، عنه مدينة المعاجز 7 / 551 ح17، الإرشاد 2 / 332، مناقب آل أبي طالب 3، 531 - 532، إعلام الورى 2 / 137، كشف الغمة 3 / 209، بحار الأنوار 50 / 280 - 281 ح55، عن الإرشاد.
2- أمالي الشيخ الصدوق / 348، روضة الواعظين / 357، بحار الأنوار 41 / 35 و71 / 408.
3- المنجد 21 / مادة الآلة، حرف (أ).
بل لا يتمكّن أن يعطيها أيَّ واحد لهعليهالسلام إلاّ الذي خلقه، ولكن ما هي أداة الإمامة؟
الظاهر: أنّ المقصود بهذه الأداة هو كلّ ما يتقوّم به هذا المنصب العظيم من صفات، أمثال: العلم، والتقوى، ومكارم الأخلاق، ومعاجز ومناقب، بحيث يكون بمرتبة لا يرقى إليها أحد إلاّ مَنْ كان على شاكلتهعليهالسلام .
وهكذا كان إمامنا أبو مُحَمّد العسكريعليهالسلام ، فقد جاء بمناقب ومعاجز حيّرت العقول، وأذهلت الألباب، نذكر بعضها:
منها: ما عن أبي هاشم الجعفري قال: دخلت على أبي مُحَمّد العسكريعليهالسلام وكان يكتُبُ كتاباً، فحان وقت الصلاة الأولى، فوضع الكتاب من يده، وقامعليهالسلام إلى الصلاة، فرأيت القلم يمرّ على باقي القرطاس من الكتاب ويكتب حتى انتهى إلى آخره فخررت ساجداً.
فلمّا انصرف من الصلاة أخذ القلم، وأذن للناس بالدخول(1) .
ومنها: ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) عن ابن الكردي عن مُحَمّد بن علي قال: ضاق بنا الأمر، فقال لي أبي: امضِ بنا حتى نصير إلى هذا الرجل، يعني أبا مُحَمّد؛ فإنّه قد وُصِفَ عنه سماحتُهُ.
فقلت: تَعرِفه؟
فقال: ما أَعرِفه، ولا رأيتُه قطّ.
قال: فقصدناه، فقال لي (أبي) وهو في طريقه: ما أحوجنا إلى أن يأمر لنا بخمسمئة درهم، مئتا درهم للكسوة، ومئة درهم للدين، ومئة
____________________
1- عيون المعجزات / 123، عنه بحار الأنوار 50 / 304 ح80.
للنفقة.
فقلت في نفسي: ليته أمر لي بثلاثمئة درهم، مئة أشتري بها حماراً، ومئة للنفقة، ومئة للكسوة، وأخرج إلى الجبل.
قال: فلمّا وافينا الباب خرج إلينا غلامُه، فقال: يدخل علي بن إبراهيم ومُحَمَّد ابنه، فلمّا دخلنا عليه وسلّمنا، قال لأبي: « يا علي، ما خَلّفك عنّا إلى هذا الوقت؟».
فقال: يا سيدي، استحييت أن ألقاك على هذه الحال.
فلمّا خرجنا من عنده جاءنا غلامُه فناول أبي صُرّة، فقال: هذه خمسمئة درهم؛ مئتان للكسوة، ومئتان للدين، ومئة للنفقة، وأعطاني صُرَّة فقال: هذه ثلاثمئة درهم، اجعل مئة في ثمن حمار، ومئة للكسوة، ومئة للنفقة، ولا تخرج إلى الجبل، وصُر إلى سوراء.
فصار إلى سوراء، وتزوّج بامرأة، فدخله اليوم ألف دينار، ومع هذا يقول بالوقف.
فقال مُحَمّد بن إبراهيم: فقلت له: ويحك! أتريد أمراً أبين من هذا؟
قال: فقال: هذا أمر قد جرينا عليه(1) .
ولأجل المعاجز والمناقب، ومكارم الأخلاق التي كان يحملها الإمام أبو مُحَمّد الحسن العسكريعليهالسلام ، ولالتفاف الشيعة إليه ومعرفتهم بحقّه ومنزلته؛ لأجل كلّ ذلك وغيره صار أعداء الله يتحيّنون الفرصة لتجريع الإمامعليهالسلام الغصّة.
قال في نور الأبصار: وكان المعتمد يؤذيه كثيراً حتى سقاه السّم، ولمّا سُقِي السّم مرض مرضاً شديداً، فبلغ ذلك المعتمد في مرضه، قيل له:
____________________
1- الكافي 1 / 506 باب معاجز الإمام العسكري (عليه الّسلام) ح3، روضة الواعظين / 247، الإرشاد 2 / 326، مناقب آل أبي طالب 3 / 537، مدينة المعاجز 7 / 540 - 541 ح3، كشف الغمة 3 / 205 - 206، بحار الأنوار 50 / 278 ح52، وفي معجم البلدان 3 / 278 (سوراء) موضع يُقال هو إلى جنب بغداد، وقيل: هو بغداد نفسها.
إنّ ابن الرضا قد اعتلّ ومرض، فأمر الرجل نفراً من المتطبِّبين بالاختلاف إليه، وتعاهده صباحاً ومساءً، وبعث خمسة نفر كلّهم من ثقاته وخاصّته، وأمرهم بلزوم دار أبي مُحَمّد العسكريعليهالسلام وتَعرُّف خبره وحاله.
فلمّا كان بعد ذلك بيومين جاء مَنْ أخبره بأنّ العسكري قد ضَعُف، فركب المعتمد حتى بكّر إليه، ثُمَّ أمر المتطبِّبين بلزومه، وبعث إلى قاضي القضاة وعشرة من أصحابه ممّن يثق به، وأرسلهم إلى الحسن العسكريعليهالسلام ، وأمرهم بلزومه ليلاً ونهاراً، فلم يزالوا هناك حتى كانت الليلة التي قُبِض فيها، فرأوه وقد اشتدّ به المرض، يُغشَى عليه ساعة بعد ساعة؛ فعَلِموا أنّه قد قَرُب به الموت، فتفرّقوا عنه.
فلم يكن عنده في تلك الليلة إلاّ جاريته صيقل وعقيد الخادم، وولده الحُجَّة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وقد مضى من عُمُر الحُجَّة في ذلك الوقت خمس سنين، وكتب الإمام بيده الشريفة في تلك الليلة كتباً كثيرة إلى المدينة.
قال عقيد: فدعاعليهالسلام بماءٍ قد أُغلي بالمصطكي(1) ، فجئنا به إليه، فقالعليهالسلام : « أبدأ بالصلاة، فجيئوني بماء لأتوضّأ به».
فجئنا به وبسط في حجره المنديل، وتوضّأ ثُمَّ صلّى صلاة الغَدَاة في فراشه، وأخذ القَدَح ليشرب، فأقبل القدح يضرب ثناياه ويده ترتعد، فشرب منه جرعة، وأخذت صيقل القدح من
____________________
1- المصطكي: شجر له ثمر يميل طعمه إلى المرارة، ويستخرج منه صُمغ يعلك، وهو دواء، ويُسمّى العلك الرومي، انظر المنجد / 764، مادة (مصط).
يده، ثُمَّ أخذ ولدَهُ الحُجَّة وضمّه إلى صدره الشريف وجعل يقبّله ويودّعه، ويبكي ويوصيه بوصاياه، وسلّمه ودائع الإمامة، ثُمَّ سكن أنينُه، وعرق جبينُه، وغمّض عينيه، ومدّ يديه ورجليه، ومضى من ساعته، وهو يوم الجمعة مع صلاة الغداة(1) .
أين المنادي: أي وا سيداه! أي وا إماماه!
أين المنادي: وا مسموماه!
اعله العسكري المسلم تلتهب ناره |
سمّه المعتمد وامست تحن داره |
|
امست تحن والصايح عليه گبّر |
گلبه من المصايب ذاب واتفطّر |
|
لو هم البگلبه ابطود چان انطر |
منّ الأرض چان اندرست اثاره |
ثمّ قام إمامنا الحُجَّة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) فجهَّز أباه وصلّى عليه، ولم تره العيون(2) ، ودُفِنعليهالسلام في الدار التي دُفِن فيها أبوه الإمام الهاديعليهالسلام .
وكأنّي بالشيعة والموالين يندبون صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
____________________
1- نور الأبصار - للمازندراني / 334 - 335، وانظر الكافي 1 / 505، كمال الدين وتمام النعمة / 473 - 474، الإرشاد 2 / 323 - 324، إعلام الورى 2 / 149، كشف الغمة 3 / 204، بحار الأنوار 50 / 328 و 331 ح3.
2 - هذا خلاف ما هو وارد في كتب الحديث وغيرها من أنّه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) قد جذب عمّه جعفر بن علي من ردائه عندما همّ بالتكبير ليصلّي على الإمامعليهالسلام فقال له: « تأخّر يا عم، فأنا أحقّ بالصلاة على أبي»، فتأخّر جعفر، وقد أربد وجهه واصفر، أي تغيّر. (راجع كمال الدين وتمام النعمة - للشيخ الصدوق / 475 ب43 مَنْ شاهد القائمعليهالسلام ورآه وكلمه).[ معهد الإمامين الحسنين عليهماالسلام للخطابة ]
يبو صالح جزاك العتب واللوم |
تظل صابر على اخذ الثار لليوم |
|
يا هو المن هلك ما راح مظلوم |
يو مذبوح يو مچتول بالسّم |
|
عجب كل العجب منّك يمحجوب |
ما تنهض تجيم اعليها الحروب |
|
نسيت اللّي سبوها وگطعت ادروب |
يو ناسي الضلع لمّن تهشّم(1) |
* * *
أدرك تراتِك أيُّها الموتور |
فلكم بكلِّ يدٍ دمٌ مهدورُ |
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،
وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون
والعاقبة للمتقين.
____________________
1- مجمع المصائب 4 / 330 - 338.
المجلس الرابع عشر
في الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)
المجلس الرابع عشر: في الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)
إن ضاع وتُرك يا ابنَ حامي الدّينِ |
لا قال سيفُك للمنايا كُوني |
|
أولمْ تُناهِضْ آلَ حَربٍ هاشمٌ |
لا بُشِّرتْ علويةٌ بجنينِ |
|
طال انتظار السُّمرِ طَعنَتَك التّي |
تَلِدُ المنون بنفسِ كلِّ طعينِ |
|
عجباً لسيفِكَ كيفَ يألفُ غِمْده |
وشَباه كافلُ وترِهِ المضمونِ |
|
لا مثلَ يومِكُمُ بعرصةِ كربلاء |
في سالفاتِ الدهرِ يومَ شُجونِ |
|
قد أرهفوا فيه لجدِّكَ أنصُلا |
تركتْ وجوهَكُمُ بلا عِرنينِ |
|
يومٌ أبيُّ الضّيم صابَرَ مِحنَةً |
غَضِبَ الإلهُ لوقعهِا في الدّينِ |
|
وأجلُّ يومٍ بعدَ يومِكَ حلَّ في |
الإسلام مِنه يشيبُ كُلُّ جنينِ |
|
يومٌ سَرَتْ أسرى كما شاء العدى |
فيه الفواطِمُ من بني ياسينِ |
|
أُبْرِزْنَ من حَرمِ النبيّ وأنَّه |
حرمُ الإلهِ بواضح التبيين |
|
من كُلِّ مُحصَنةٍ هناك بزعمها |
أضحتْ بِلا خِدرٍ ولا تحصينِ(1) |
____________________
1- من قصيدة للسيد حيدر الحلّي (رحمه الله)، قال عنه السيّد جواد شبّر (رحمه الله) في أدب الطفّ: ولد السيد حيدر في الحلّة، وينتهي نسبه إلى الإمام أبي عبد الله الحسينعليهالسلام . كان مولده (15) شعبان سنة 1246 هـ الموافق سنة (1830 م)، وقبل أن يكمل عامه الثاني من عمره فقد والده فعاش يتيماً وتولّى تربيته عمّه السيد مهدي.
كان شاعراً مجيداً، من أشهر شعراء العراق، أديباً ناثراً، جيّد الخطّ، نظم فأكثر، ولاسيما في رثاء الحسينعليهالسلام .
وقال عنه الزركلي في (الاعلام): السيد حيدر شاعر أهل البيت في العراق، أديب إمامي، شعره حسن، وكان مترفّعاً عن المدح والاستجداء، موصوفاً بالسخاء.
له ديوان شعر سماه (الدر اليتيم) وأشهر شعره حولياته في رثاء الحسينعليهالسلام .
ولا تظنّ أنّ إبداعه يقتصر على مراثي أهل البيتعليهمالسلام ؛ فإنّ شعره في شتى النواحي مزدان بالإبداع، مرصوص الجوانب، كالسلاسل الذهبية.
ومن آثاره الأدبية: (كتاب دمية القصر في شعراء العصر) وغيرها.
توفي السيد حيدر في مسقط رأسه الحلّة عشية الأربعاء في الليلة التاسعة من ربيع الثاني وعمره 59.
وكأنّي بزينبعليهاالسلام تخاطب أُمّها الصدّيقة الشهيدة فاطمة الزهراءعليهاالسلام :
(الكاشي)
يمّه يزهره يم الاطياب |
هجمت علينا اِخيول الاذناب |
|
وحرگوا علينا يمه الاطناب |
وآنه اطلعت والگلب مرتاب |
|
اصرخ واصيح بصوت يا ياب |
لحّگ علينه راح الاحجاب |
(عاشوري)
يا فاطمه يم الميامين |
يالگبرچ خفي ما يندره وين |
|
أخبرچ بالجره والصار بحسين |
ظل علثره من غير تكفين |
|
وعباس البطل مگطوع الايدين |
وتسلّبت كل النساوين |
وآنه أدخلت يمّه الدواوين
رُوِيَ عن إمامنا الصادقعليهالسلام أنّه قال: « واللهِ لَيَغيبَنَّ إمامُكم سِنيناً من دَهرِكُمْ، وَلَتُمَحَّصُنَّ حتى يُقال: مَاتَ أو هَلَكَ، بِأَيِّ وادٍ سَلَكَ، وَلَتَدْمَعَنَّ عَلَيهِ عُيونُ المُؤمِنينَ»(1) .
وُلِد الإمامُ المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في (سامراء) في ليلة النصف من شعبان، سنة خمس وخمسين ومئتين.
أُمّهعليهاالسلام مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، وأُمُّها من ولد الحواريين، تُنسَب إلى شمعون وصيِّ المسيحعليهالسلام ، ولمّا أُسِرَت سَمَّت نفسها نرجس؛ لئلاّ يَعرِفَها الشيخ الذي وقعت إليه، وسُمِّيت صقيلاً أيضاً لما اعتراها من النور الجلاء بسبب الحمل المنوّر(2) .
نقل أرباب التراجم والسير عن السيّدة حكيمة بنت الإمام الجوادعليهالسلام ، وعمّة الإمام العسكريعليهالسلام أنّها قالت: بَعَث إليّ أبو مُحَمّد الحسن بن عليعليهماالسلام ، فقال: « يا عمّة، اجعلي إفطارك الليلة عندنا؛ فإنّها ليلة النصف من شعبان، فإنّ الله تبارك وتعالى سيُظهِرُ في هذه الليلة الحُجَّة، وهو حُجَّتُه في أرضه».
____________________
1- كمال الدين وتمام النعمة 2 / 347 ضمن ح35، الإمامة والتبصرة / 125 ح125، الكافي 1 / 336، باب نادر في حال الغيبة ح3، دلائل الإمامة / 532 ح116، بحار الأنوار 52 / 281 ح9 عن كمال الدين.
2- انظر بحار الأنوار 51 / 15 ح15.
قالت: فقلت له: ومَنْ أمُّه؟
قال لي: « نرجس».
قلت له: جعلني الله فداك، ما بها أثر.
فقال: « هو ما أقول لكِ».
قالت: فجئتُ، فلمّا سلّمت وجلست، جاءت تَنزِعُ خُفِّي، وقالت لي: يا سيدتي كيف أمسيتِ؟
فقلت: بل أنتِ سيّدتي وسيّدةُ أهلي.
قالت: فأنكرت قولي، وقالت: ما هذا يا عمّة؟
قالت: فقلت لها: يا بُنَيَّة، إنّ الله تبارك وتعالى سيهبُ لك في ليلتِكِ هذه غُلاماً سيّداً في الدُّّنيا والآخرة.
قالت: فجلسَتْ واستحَتْ، فلمّا أن فرغتُ من صلاة العشاء الآخرة، أفطرتُ وأخذتُ مضجعي فرقدت.
فلمّا أن كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة، ففرغت من صلاتي، وهي قائمة ليس بها حادث، ثُمَّ جلستُ مُعقِّبة ثُمَّ اضطجعت، ثُمَّ انتبهتُ فَزِعة، وهي راقدة، ثُمَّ قامت فصلّت ونامت.
قالت السيدة حكيمة: وخرجت أتفقّد الفجر، فإذا أنا بالفجر الأوّل كذنب السرحان وهي نائمة، فدخلتني الشكوك، فصاح بي أبو مُحَمّدعليهالسلام : « لا تعجلي يا عَمّة، فإنّ الأمر قد قَرُب».
قالت: فجلستُ وقرأتُ (آلم والسجدة ويس) فبينما أنا كذلك إذ انتَبهَتْ فَزِعة، فوثبْتُ إليها، فقلتُ: اسم الله عليك، ثُمَّ قلتُ لها: أتحسِّينَ شيئاً؟
قالت: نعم يا عمّة.
فقلت لها: اجمعي نفسَكِ، واجمعي قلبك، فهو ما قلتُ لكِ.
قالت السيدة حكيمة: ثُمَّ أخذتني فترة، وأخذتْها فترة، فانتبهتُ بحسِّ سيّدي، فكشفت الثوب عنه، فإذا أنا بهعليهالسلام ساجداً يتلقّى الأرض بمساجده، فضممته إليّ، فإذا أنا به نظيف منظَّف.
فصاح بي أبو مُحَمّدعليهالسلام : « هَلمِّي إليّ ابني يا عمّة».
فجئتُ به إليه، فوضع يديه تحت إليتيه، وظهره ووضع قدميه على صدره، ثُمَّ أدلى لسانه في فيه، وأمَرَّ يده على عينيه وسمعه ومفاصله، ثُمَّ قال: « تكلّم يا بُني».
فقال: « أَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاّ اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمّداًصلىاللهعليهوآله رَسُولُ اللهِ»، ثُمَّ صلّى على أمير المؤمنين وعلى الأئمّةعليهمالسلام إلى أن وقف على أبيه ثُمَّ أحجم، قال أبو مُحَمّدعليهالسلام : « يا عمّة، اذهبي به إلى أمُِّه ليسلِّمَ عليها، وائتني به».
فذهبْتُ به فسلّم عليها، ورددتُهُ ووضعتُهُ في المجلِس، ثُمَّ قال: « يا عمّة، إذا كان يوم السابع فأتينا».
قالت السيدة حكيمة: فلمّا أصبحت جئتُ لأسلِّمَ على أبي مُحَمّدعليهالسلام ، فكشفت السترَ لأتفقّدَ سيّديعليهالسلام فلم أره، فقلت له: جُعِلتُ فِداك، ما فعل سيّدي؟
فقال: « يا عمّة، استودعناه الذي استودعَتْهُ أُمُّ موسى عليه السّلام».
قالت السيدة حكيمة: فلمّا كان في اليوم السابع جئتُ وسلَّمت وجلستُ.
فقال: « هَلمِّي إليّ ابني».
فجئتُ بسيّديعليهالسلام في الخِرقة، ففعل به كفعلَتِه الأولى، ثُمَّ أدلى لسانه في فيه كأنّه يغذّيه لبناً، أو عسلاً، ثُمَّ قال: « تكلّم يا بُني».
فقال: « أَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاّ اللهُ» وثنّى بالصلاة على مُحَمّد وعلى أمير المؤمنين والأئمّة (صلوات الله عليهم أجمعين) حتى وقف على أبيهعليهالسلام ، ثُمَّ
تلا هذه الآية، بسم الله الرحمن الرحيم( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (1) .
وفي رواية أُخرى: فلمّا كان بعد أربعين يوماً، دخلتُ على أبي مُحَمّدعليهالسلام فإذا مولانا الصاحبعليهالسلام يمشي في الدار، فلم أرَ وجهاً أحسن من وجهه، ولا لغة أفصح من لغته.
فقال أبو مُحَمّدعليهالسلام : « هذا المولود الكريم على الله عزّ وجلّ».
فقلت: سيّدي أرى من أمره ما أرى وله أربعون يوماً؟!
فتبسَّم، وقال: « يا عمّتي، أما علمتِ إنّا معاشر الأئمّة ننشأ في اليوم ما ينشأ غيُرنا في السنة».
فقمت فقبّلتُ رأسه وانصرفت، ثُمَّ عدت وتفقّدته فلم أره، فقلت لأبي مُحَمّدعليهالسلام : ما فعل مولانا؟
فقال: « يا عمّة، استودعناه الذي استودعَتْ أُمُّ موسى»(2) .
وهناك دلائل وروايات عديدة في ولادتهعليهالسلام تركناها للاختصار.
تبدأ الغيبة الصغرى للإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بعد شهادة والده الإمام الحسن
____________________
1- كمال الدين وتمام النعمة / 424 - 426 ح1، روضة الواعظين / 256 - 257، مدينة المعاجز 8 / 10 - 12 ح4، إعلام الورى 2 / 214 - 217، بحار الأنوار 51 / 2 - 4 ح3 عن كمال الدين، والآيتان من القصص / 5 - 6.
2- دلائل الإمامة / 500 - 501، الهداية الكبرى / 356 - 357، الغيبة - للشيخ الطوسي / 239، مدينة المعاجز 8 / 25 و35، بحار الأنوار 51 / 20 و27.
العسكريعليهالسلام ، وذلك في الثامن من ربيع الأوّل عند الصباح من سنة260 هـ.
وتَولّى الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) الإمامة، وبدأ غيبته بالإيعاز بنصب وكيله الأوّل، وهو الشيخ الموثوق الوجيه عثمان بن سعيد العمري - نسبة إلى جدّه - عند التقائه بوفد القمِّيين قَبل الظهر من نفس يوم شهادةِ الإمام العسكريعليهالسلام .
وانتهت هذه الغيبة بوفاة السفير الرابع والوكيل الموثوق أبي الحسن علي بن مُحَمّد السمري في النصف من شعبان سنة 329هـ، وهي سبعون عاماً حافلة بالأحداث الجسام، انتقل فيها التاريخ الإسلامي من عقده الثالث إلى عقده الرابع.
وانتقلت الوكالة الخاصّة، أو السفارة عن الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بين أربعة من خيار خلق الله وخاصّته، هم:
عثمان بن سعيد العمري وابنه مُحَمّد بن عثمان، والحسين بن روح، وعلي بن مُحَمّد السمري (رضي الله عنهم جميعاً).
وانتقلت الخلافة في هذه الفترة بين ستة من خلفاء بني العباس، بينهم المعتمد الذي عاصر وفاة الإمام العسكريعليهالسلام ، ومبدأ الغيبة الصغرى حتى عام279، حيث آلت الخلافة إلى المعتضد إلى عام 289، فاستخلف المكتفي إلى عام 295، وبعده المقتدر إلى عام 320، ثُمَّ القاهر بالله حتى سنة 322، ثُمَّ الراضي بالله حتى عام 329، وهو عام وفاة النائب الرابع
السمري (رحمه الله).
وأمّا سبب غيبتهعليهالسلام فيجيبنا عنها الإمام الصادقعليهالسلام حيث يقول: « إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدّ منها، يرتاب فيها كلّ مبطل».
فقلت له: ولِمَ جُعلتُ فِداك؟
قال: « لأمرٍ لم يُؤذَنْ لنا في كشفِهِ لكم».
قلت: فما وجه الحِكمَةِ في غيبته؟
قال: « وجه الحكمة في غيبته وجهُ الحِكمَةَ في غيبات مَنْ تقدّمه من حُجَج الله تعالى ذكره، إنّ وجهَ الحكمةِ في ذلك لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره، كما لم ينكشفْ وجهُ الحكمةِ فيما أتاه الخضرعليهالسلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسىعليهالسلام إلاّ وقت افتراقهما. يابن الفضل، إنّ هذا الأمر أمر من أمر الله، وسرّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى عَلِمنا أنّه (عزّ وجلّ) حكيم صدّقنا بأنّ أفعالَه كلّها حِكمةٌ، وإنْ كان وجهُها غيرَ منكشف لنا»(1) .
إذاً، الحكمة من غيبته غير معلومة لنا، وهذا سرّ من سرّ الله (عزّ وجلّ).
وبعد انتهاء غيبته الصغرى، وذلك بوفاة النائب الرابع السمري (رحمه الله) ابتدأ تاريخ الغيبة الكبرى وذلك سنة 329.
____________________
1- علل الشرائع 1 / 245 - 246 ح8، كمال الدين وتمام النعمة / 481 - 482 ح11، الاحتجاج 2 / 140، الصراط المستقيم 2 / 237، تفسير نور الثقلين 3 / 290 - 291 ح193، بحار الأنوار 52 / 91 ح4، عن العلل وكمال الدين.
ابتدأ تاريخ الغيبة الكبرى للإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بانتهاء الغيبة الصغرى، بالإعلان الذي أعلنه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) عام 329 للهجرة بانتهاء السفارة، وبِدْء الغيبة التامّة، وأنّه لا ظهور إلاّ بإذن الله تعالى.
وهذا الزمان مُمتّد إلى يومنا هذا، فنحن إلى الآن نعيش هذا الزمان المُرّ، وهو زمان الغيبة الكبرى الذي ينتهي بظهور الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وأسباب الغيبة مجهولة لا يعلمها إلاّ الله تبارك وتعالى، والراسخون في العلم كما تقدّم ذكره.
قد جاءت الأخبار متواترة بذكر علامات لزمان ظهور الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وحوادث تسبق وقت ظهوره (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ونحن نذكرها هنا على نحو ما ذكره المؤرّخون من علمائنا (قُدِّس سرّهم).
فمنها: خروج السفياني، وقتل الحسني، واختلاف بني العباس في الملك الدنيوي، وكسوف الشمس في النصف من شهر رمضان، وخسوف القمر في آخره على خلاف العادات، وخسفٌ بالبيداء، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بالمشرق، وركودُ الشمس من عند الزوال إلى وسط أوقات العصر، وطلوعها من المغرب، وقتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين، وذبح رجل هاشميّ بين الركن والمقام، وهدم سور الكوفة،
وإقبال رايات سود من قِبَلِ خراسان، وخروج اليماني، وظهور المغربي بمصر وتملّكه للشامات، ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة، وطلوع نجم بالمشرق يضيء كما يضيء القمر، ثُمَّ ينعطف حتى يكاد يلتقي طرفاه، وحمرة تظهر في السماء وتنتشر في آفاقها، ونار تظهر بالمشرق طولاً وتبقى في الجوّ ثلاثة أيّام، أو سبعة أيّام، وخلع العرب أعنّتها، وتملكها البلاد، وخروجها عن سلطان العجم، وقتل أهل مصر أميرهم، وخراب الشام، واختلاف ثلاثة رايات منه، ودخول رايات قيس والعرب إلى مصر، ورايات كندة إلى خراسان، وورود خيل من قبل المغرب حتى تربط بفناء الحيرة، وإقبال رايات سود من المشرق نحوها، وبثق في الفرات حتى يدخل الماء أزقة الكوفة، وخروج ستين كذّاباً كلّهم يدّعي النبوّة، وخروج اثني عشر من آل أبي طالب كلّهم يدّعي الإمامة لنفسه، وإحراق رجل عظيم القدر من شيعة بني العباس بين جلولاء وخانقين، وعقد الجسر ممّا يلي الكرخ بمدينة السّلام، وارتفاع ريح سوداء بها في أوّل النهار، وزلزلة حتى ينخسف كثير منها، وخوف يشمل أهل العراق، وموت ذريع فيه، ونقص من الأنفس والأموال والثمرات، وجراد يظهر في أوانه وفي غير أوانه حتى يأتي على الزرع والغلاّت، وقلّة ريعٍ لما يزرعه الناس، واختلاف صنفين من العجم، وسفك دماءٍ كثيرة فيما بينهم، وخروج العبيد عن طاعة ساداتهم، وقتلهم مواليهم، أو مسخ لقوم من أهل البدع حتى يصيروا قردةً وخنازير، وغلبة
العبيد على بلاد السادات، ونداء من السماء حتى يسمعه أهل الأرض كلّ أهل لغة بلغتهم، ووجه وصدر يظهران من السماء للناس في عين الشمس، وأموات يُنشَرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا، فيتعارفون فيها ويتزاورون، ثُمَّ يُختَم ذلك بأربع وعشرين مطرة تتصل فتَحيَى بها الأرض من بعد موتها، وتعرف بركاتها، وتزول بعد ذلك كلّ عاهة عن معتقدي الحقّ من شيعة المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة فيتوجّهون نحوه لنصرتِه(1) .
وهذه العلامات بعضها من المحتوم والبعض الآخر من المشروط.
ذكر بعض الأكابر أنّ السَّنَة التي يقوم فيها الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، واليوم الذي يقوم فيه قد جاءت فيه آثار عن الصادقينعليهمالسلام .
فعن الإمام الصادقعليهالسلام قال: « لا يخرج القائم (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) إلاّ في وتر من السنين؛ سنة إحدى، أو ثلاث، أو خمس، أو سبع، أو تسع»(2) .
وعنهعليهالسلام أيضاً قال: « يُنادى باسم القائمعليهالسلام في ليلة ثلاث وعشرين، ويقوم في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قُتِل فيه الحسين
____________________
1- روضة الواعظين / 262 - 266، انظر غيبة النعماني / 300، الإرشاد 2 / 368 - 370، الصراط المستقيم 2 / 248 - 250، بحار الأنوار 52 / 219 - 221 ح82 عن الإرشاد.
2- الإرشاد 2 / 378 - 379، والغيبة - للشيخ الطوسي / 453 - 454 ح460، بحار الأنوار 52 / 291 ح36.
بن عليعليهماالسلام ، لكأنّي به في يوم السبت العاشر من المحرّم قائماً بين الركن والمقام، جبرئيلعليهالسلام على يده اليمنى ينادي: البيعةُ للهِ، فتصير إليه شيعتُهُ من أطراف الأرض تُطوَى لهم طيّاً حتى يبايعوه، فيملأُ اللهُ به الأرض عدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(1) .
وقد جاء في الأثر أنّه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يسير من مكة حتى يأتي الكوفة فينزل على نجفها، ثُمَّ يفرّق الجنود منها في الأمصار(2) .
ورُوِي عن الإمام الباقرعليهالسلام قال: « كأنّي بالقائمعليهالسلام على نجف الكوفة، قد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرّق الجنود في البلاد»(3) .
وفي رواية أُخرى عنهعليهالسلام قال: « يدخل الكوفة وبها ثلاث رايات قد اضطربت، فتصغوا (فتصفو) له، ويدخل حتى يأتي المنبر فيخطب، فلا يدري الناس ما يقول من البكاء، فإذا كانت الجمعة الثانية سأله الناس أن يصلّي بهم الجمعة، فيأمر أن يخطّ له مسجد على الغربي ويصلّي بهم هناك، ثُمَّ يأمر مَنْ يحفر من ظهر مشهد الحسينعليهالسلام نهراً يجري إلى الغربيين حتى ينزل الماء في النجف، ويعمل على فوهة القناطير والأرجاء، فكأنّي بالعجوز
____________________
1- الإرشاد 2 / 379، الغيبة - للشيخ الطوسي / 453 ح459، كشف الغمة 3 / 261، بحار الأنوار 52 / 290 ح30.
2- الإرشاد 2 / 379، إعلام الورى 2 / 287، كشف الغمة 3 / 261، بحار الأنوار 52 / 336 - 337 ح75.
3- المستجاد من الإرشاد / 263.
على رأسها مكتل فيه بر تأتي تلك الأرجاء فتطحنه بلا كراء»(1) .
وعن الإمام الصادقعليهالسلام قال: « إذا قام قائمُ آل مُحَمّدعليهالسلام بنى في ظهر الكوفة مسجداً له ألفُ باب، واتّصلت بيوت أهل الكوفة بنهري كربلاء»(2) .
قد وردت الأخبار بمدّة ملك الإمام وحكمه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وأيّامه.
فقد روى عبد الكريم الخثعمي قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : كم يملك القائمعليهالسلام ؟
قال: « سبع سنين، تطول له الأيام والليالي حتى تكون السنة من سنيّه مقدار عشر سنين من سنيّكم، فيكون سنو ملكه سبعين سنة من سنيّكم هذه، وإذا آن قيامه مطر الناس جمادي الآخرة وعشرة أيام من رجب مطراً لم يرَ الخلائق مثله، فيُنبِتُ اللهُ به لحومَ المؤمنين وأبدانهم في قبورهم، فكأنّي انظر إليهم مقبلين من قِبَلِ جهته ينفضون شعورهم من التراب»(3) .
وفي رواية أُخرى رواها المفضّل بن عمر قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: « إنّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربِّّها، واستغنى الناس عن ضوء الشمس، وذهبت الظلمة، ويعمر الرجل في ملكه حتى يولد له ألف ذكر لا
____________________
(1) إعلام الورى 2: 287.
(2) الإرشاد 2: 380، كشف الغمة 3: 262.
(3) الإرشاد 2: 381، روضة الواعظين: 264، الصراط المستقيم 2: 251، كشف الغمة 3: 262، إعلام الورى 2: 290.
يولد فيهم أنثى، وتُظهِر الأرضُ كنوزها حتى يراها الناس على وجهها، ويطلب الرجل منكم من يصله بماله، ويأخذ منه زكاته فلا يجد أحداً يقبل منه ذلك، استغنى الناس بما رزقهم الله من فضله»(1) .
وأمّا سيرته (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) عند قيامه وطريقة أحكامه فقد جاء في ذلك أكثر من أثر.
منها: ما رواه المفضّل بن عمر الجعفي قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: « إذا أذن الله (عزّ اسمه) للقائم في الخروج صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه، وناشدهم بالله ودعاهم إلى حقّه، وأن يسير فيهم بسيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ويعمل فيهم بعمله، فيبعث الله (جلّ جلاله) جبرئيلعليهالسلام حتى يأتيه، فينزل على الحطيم يقول له: إلى أيِّ شيء تدعو؟ فيخبره القائمعليهالسلام ، فيقول جبرئيل: أنا أوّل مَنْ يبايعك أبسط يدك، فيمسح على يده، وقد وافاه ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً فيبايعونه، ويقيم بمكة حتى يتمّ أصحابه عشرة آلاف نفس، ثُمَّ يسير منها إلى المدينة»(2) .
ورُوِيَ أنّه إذا قام القائم (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) حكم بالعدل، وارتفع في أيّامه الجور،
____________________
1- الإرشاد 2 / 381، إعلام الورى 2 / 293، كشف الغمة 3 / 262 - 263، بحار الأنوار 52 / 337.
2- الإرشاد 2 / 382 - 383، إعلام الورى 2 / 293، كشف الغمة 3 / 263، بحار الأنوار 52 / 337 - 338 ح78.
وأمنت به السبل، وأخرجت الأرضُ بركاتِها، ورَدَّ كلّ حقّ إلى أهله، ولم يبقَ أهلُ دينٍ حتى يُظهِروا الإسلام، ويعترفوا بالإيمان، أَمَا سمعت الله تعالى يقول:( وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) (1) ، وحكم بين الناس بحكم داود وحكم مُحَمّدعليهماالسلام ، فحينئذ تُظهِر الأرض كنوزها، وتبدي بركاتها، فلا يجد الرجل منكم يومئذ موضعاً لصدقته، ولا لبره لشمول الغنى جميع المؤمنين(2) .
ورُوِيَ أنّه ليس بعد دولة القائم (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لأحد دولة، إلاّ ما جاءت به الرواية من قيام وُلدِهِ إن شاء الله ذلك، ولم ترد به على القطع والثبات، وأكثر الروايات أنّه لن يمضي مهديُّ هذه الأُمّة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) إلاّ قبل القيامة بأربعين يوماً يكون فيها الهرج، وعلامة خروج الأموات، وقيام الساعة للحساب والجزاء(3) .
هناك عدّة وظائف ينبغي للشيعة مراعاتها في زمن غيبته (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) حتى يحضوا بقبوله ورضاه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، نذكر بعضها على سبيل الاختصار، منها:
____________________
1- سورة آل عمران / 83.
2- الإرشاد 2 / 384 - 385، كشف الغمة 3 / 264 - 265، بحار الأنوار 52 / 338 - 339 ح83.
3- إعلام الورى 2 / 295، الصراط المستقيم 2 / 254، بحار الأنوار 53 / 145 - 146 ح4.
التسليم والانقياد، وترك الاستعجال في ظهوره (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وأن نصله بأموالنا، ونتصدّق عنه بقصد سلامته (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ومعرفة صفاته، والعزم على نصرته، والتألّم لفراقه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وطلب معرفته (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) من الله تعالى، وإعطاء القرابين نيابة عنه بقدر الاستطاعة، وعدم ذكر اسمه وهو نفس اسم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والقيام احتراماً عند ذكر اسمه، وخصوصاً لقب (القائم)، وإعداد السّلاح للجهاد بين يديه، والتوسّل به(عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في المهمّات، وإرسال رسائل الاستغاثة له (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، والصلاة عليه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وذكر فضائله ومناقبه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ودعوة الناس لمعرفته، وخدمته وخدمة آبائه الطاهرين، والاهتمام بأداء حقوقه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، والدعاء لأنصاره وخدّامه، ولعن أعدائه، والتوسّل بالله تعالى لأن يجعلنا من أنصاره، ورفع الصوت بالدعاء له (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وخصوصاً في المجالس والمحافل العامّة، والطواف حول الكعبة المشرّفة نيابة عنه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، والحجّ عنه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وتجديد العهد والبيعة له (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في كلّ يوم أو في كلّ وقت ممكن، وزيارة مراقد الأئمّة الأطهار عنه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وتكذيب مَنْ يدّعي النيابة الخاصّة عنه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في هذا الزمان - زمان الغيبة الكبرى -، وعدم تعيين وقت لظهوره (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، والتقيّة من الأعداء، والتوبة الحقيقية من الذنوب، وعدم قسوة القلب بسبب طول غيبته (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، والاهتمام في اكتساب الصفات الحميدة، والأخلاق الكريمة، وأداء الطاعات والعبادات الشرعية، واجتناب المعاصي والذنوب التي نُهِيَ عنها في الشرع
المقدّس، وقراءة دعاء الندبة المتعلّق به (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في يوم الجمعة، وعيد الغدير وعيد الفطر وعيد الأضحى، وزيارته خصوصاً في يوم الجمعة المخصّص له (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)(1) .
والبكاء على فراقه ومصيبته (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؛ لِمَا ذكرناه في أوّل الكلام من حديث الإمام الصادقعليهالسلام ، حيث قال: « واللهِ لَيَغيبَنَّ إمامُكم سِنيناً من دَهرِكُمْ، وَلَتُمَحَّصُنَّ حتى يُقال: مَاتَ أو هَلَكَ بِأَيِّ وادٍ سَلَكَ، وَلَتَدْمَعَنَّ عَلَيهِ عُيونُ المُؤمِنينَ».
بلى والله، وقد دمعت عيون الكثير من المؤمنين: « ليت شعري أين استقرت بك النوى، أم أيّ أرض تُقلّك أو ثرى، أبرضوى أم غيرِها أم ذي طُوى؟ عزيزٌ عليَّ أن أرى الخلق ولا تُرَى، ولا أسمعُ لك حسيساً ولا نجوى»(2) .
يا بقية الله، متى نراك وأنت تؤمّ الملأ، تزور بهم كربلاء، وتقف على وادي الطفوف؛ لترى وتطوف يا مولاي:
____________________
1- انظر وظيفة الأنام في زمن غيبة الأمامعليهالسلام / 5 - 65.
2- مقطع من دعاء الندبة انظر إقبال الأعمال 1 / 504 - 510، بحار الأنوار 99 / 87.
اشلون حالك من تصل وادي الطفوف |
وللمصارع ذيچ بعيونك تشوف |
|
أوشفت عباس مگطوع الچفوف |
على النهر مطروح وبعينه السهم |
|
عمّك العباس يا راعي الشيم |
أوحاله يالمهدي يذوّب مهجتك |
|
اچفوفه يمّه امگطّعه أو يمّه العلم |
والعمود ابراس أبو فاضل فتك |
|
هاي صوره اتشوفها أو صوره بعد |
أكثر أو أكثر يبو صالح واشد |
|
فوگ صدر حسين طفل البالمهد |
اتشوفه مذبوح اويزوّد ونتك |
|
واليزيدك سيدي اهموم وقهر |
من تشوف حسين مگطوع النحر |
|
او جالت الخيل اعلى صدره والظهر |
هالمصيبه اعليها تسچب دمعتك |
|
والمصيبه المنها يلتاع الگلب |
من مشت زينب يسيره ويه الغرب |
|
ريت كون اتشوفها بذاك الدرب |
أبولية العدوان راحت عمّتك(1) |
* * *
____________________
1- نفحات الولاء / 147.
يا صاحب العصرِ أدركنا فليس لنا |
وردٌ هنيءٌ ولا عيشٌ لنا رغدُ |
|
طالت علينا ليالي الانتظار فهل |
يا ابن الزكّي لليل الانتظار غدُ |
|
فاكحل بطلعتك الغرّاء لنا مُقلاً |
يكادُ يأتي على إنسانها الرمدُ |
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،
وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون
والعاقبة للمتقين.
تمّ الكتاب
والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على مُحَمّد وأهل بيته الطيبين الطّاهرين،
والحمد لله على التوفيق لإكمال هذه المجالس في سادتي الأطهارعليهمالسلام .
السبت في الأوّل من شهر صفر 1429 هـ ق
قم المقدّسة، في جوار كريمة أهل البيتعليهمالسلام فاطمة المعصومةعليهاالسلام
وأنا الفقير كاظم البهادلي
فهرس مصادر التحقيق
القرآن الكريم.
نهج البلاغة، خطب الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، المستشهد سنة 40 للهجرة، تحقيق الشيخ محمد عبده، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
- أ -
1- الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي، المتوفّى سنة 560هـ، تحقيق السيد محمد باقر الخرسان، طباعة ونشر دار النعمان.
2- الاختصاص، الشيخ المفيد محمد بن النعمان البغدادي، المتوفّى سنة 413هـ، تحقيق علي اكبر غفاري، انتشارات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية في قم المقدّسة.
3- أدب الطفّ، السيّد جواد شبّر، الطبعة الأولى 1398هـ 1978م، دار المرتضى، بيروت، لبنان.
4- الإرشاد الشيخ المفيد محمد بن النعمان البغدادي، المتوفّى سنة 413هـ، تحقيق مؤسسة آل البيتعليهمالسلام ، قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1417هـ.
5- الاعتقادات في دين الإمامية، الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي، المتوفّى سنة 318هـ، نشر وتحقيق غلام رضا
المازندراني، المطبعة العلمية، قم 1412هـ.
6- إعلام الورى، الفضل بن الحسن الطبرسي، المتوفّى سنة 548هـ، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيتعليهمالسلام ، قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1417هـ.
7- إقبال الأعمال، السيد رضي الدين بن طاووس، المتوفّى سنة 664هـ، تحقيق محمد جواد القيومي، الطبعة الأولى رجب 1414هـ، المطبعة والناشر مكتب الإعلام الإسلامي.
8- إقناع اللائم، السيد محسن الأمين، المتوفّى سنة 1371هـ، تحقيق محمود البدري، الطبعة الأولى سنة 1418هـ، المطبعة پاسدار إسلام، انتشارات مؤسسة المعارف الإسلامية.
9- أمالي السيد المرتضى، علي بن الحسين الموسوي البغدادي، المتوفّى سنة 436هـ، تحقيق السيد محمد بدر الدين الحلبي، الطبعة الأولى 1325هـ 1907م، منشورات المرعشي النجفي.
10- أمالي الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي، المتوفي سنة 381 هـ، الناشر مؤسسة البعثة، الطبعة الأولى 1417هـ، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة، قم.
11- أمالي الشيخ الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، المتوفي سنة 460هـ، الطبعة الأولى 1414هـ، تحقيق مؤسسة البعثة، الناشر
دار الثقافة.
12- أمالي الشيخ المفيد، محمد بن النعمان البغدادي، المتوفي سنة 413هـ، تحقيق الحسين استاد ولي، علي اكبر غفاري، المطبعة الإسلامية، جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية، قم المقدّسة.
13- الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، الشيخ أسد حيدر، الطبعة الرابعة 1413هـ، منشورات مكتبة الصدر، طهران.
14- الإمامة والتبصرة، ابن بابويه القمي والد الشيخ الصدوق، المتوفّى سنة 329هـ، تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، قم المقدّسة.
15- الإمامة والسياسة، أبو محمد عبد الله بن قتيبة الدينوري، المتوفّى سنة 276هـ، تحقيق الأستاذ علي شيري، الطبعة الأولى 1413هـ، انتشارات الشريف الرضي، قم.
16- الأمان من أخطار الأسفار، السيد ابن طاووس علي بن موسى بن طاووس، المتوفّى سنة 664هـ، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيتعليهمالسلام ، الطبعة الأولى 1409هـ، قم المقدّسة.
17- أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، المتوفّى في القرن الثالث، تحقيق محمد باقر المحمودي، الطبعة الأولى 1394هـ، مؤسسة الأعلمي، بيروت.
18- الأنوار القدسية، الشيخ محمد حسين الأصفهاني، المتوفّى سنة
1361هـ، تحقيق الشيخ علي النهاوندي، منشورات مؤسسة المعارف الإسلامية.
19. الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة، السيد عبد الله شبّر، تحقيق فاضل الفراتي وعلاء الكاظمي، مكتبة الأمين للطباعة والنشر، قم المقدّسة.
- ب -
20- بحار الأنوار، الشيخ محمد باقر المجلسي، المتوفّى سنة 1111هـ، الطبعة الثانية المصحّحة سنة 1403هـ، مؤسسة الوفاء، بيروت، لبنان.
21- البداية والنهاية، الحافظ أبو الفداء ابن كثير الدمشقي، المتوفّى سنة 774هـ، الطبعة الأولى 1408هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
22- بشارة المصطفى، عماد الدين أبو جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري، المتوفّى سنة 525هـ، تحقيق جواد القيومي، الطبعة الأولى 1420هـ، مؤسسة النشر الإسلامي، قم المقدّسة.
23- بصائر الدرجات، الشيخ محمد بن الحسن الصفار، المتوفّى سنة 290هـ، تحقيق ميرزا محسن كوچه باغي، الطبعة 1362ش، 1404هـ، منشورات مؤسسة الأعلمي، طهران.
- ت -
24- تاج العروس، محمد مرتضى الزبيدي، المتوفّى سنة 1205هـ، الناشر مكتبة الحياة، بيروت.
25- تاريخ الطبري، ابن جرير الطبري، المتوفّى سنة 310هـ، تحقيق نخبة من العلماء، منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت.
26- تاريخ بغداد، أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، المتوفّى سنة 463هـ، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الأولى سنة 1417هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، الناشر محمد علي بيضون.
27- تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، المتوفّى سنة 571هـ، تحقيق علي شيري، الطبعة الأولى سنة 1415هـ، دار الفكر، بيروت.
28- تأويل الآيات، السيد شرف الدين الحسيني الأسترابادي النجفي، المتوفّى نحو 965هـ، تحقيق مدرسة الإمام المهديعليهالسلام ، الطبعة الأولى 1407هـ.
29- تحف العقول، ابن شعبة الحراني، المتوفّى في القرن الرابع، تحقيق علي أكبر غفّاري، الطبعة الثانية 1363 ش، 1404هـ، منشورات النشر الإسلامي، جماعة المدرّسين، قم المقدّسة.
30- التعجُّب، أبو الفتح الكراجكي، المتوفّى سنة 449هـ، الطبعة الثانية
1410هـ، مكتبة المصطفوي، قم المقدّسة.
31- تفسير الأمثل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، الطبعة الأولى المنقحّة 1412هـ، المطبعة والنشر مدرسة الإمام علي بن أبي طالب، قم المقدّسة.
32- تفسير البرهان، العلاّمة السيد هاشم البحراني، المتوفّى سنة 1107هـ، الطبعة الأولى 1419هـ، منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان.
33- تفسير التبيان، الشيخ الطوسي أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، المتوفّى سنة 460هـ، تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي، الطبعة الأولى 1409هـ، مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي.
34- التفسير الصافي، المولى محسن الفيض الكاشاني، المتوفّى سنة 1091هـ، تحقيق الشيخ حسين الأعلمي، الطبعة الثالثة 1416هـ، مطبعة مؤسسة الهادي، قم المقدّسة، منشورات مكتبة الصدر، طهران.
35- تفسير العيّاشي، أبو النضر محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي، المتوفّى سنة 320هـ، تحقيق الحاج السيد هاشم الرسولي المحلاّتي، المكتبة العلمية الإسلامية، طهران.
36- تفسير القمّي، أبو الحسن علي بن إبراهيم القمّي، المتوفّى سنة
329هـ، المصحح السيد طيب الجزائري، الطبعة الثالثة 1404هـ، مؤسسة دار الكتب، قم.
37- التفسير الكبير (الفخر الرازي)، للإمام فخر الدين الرازي، المتوفّى سنة 606هـ، الطبعة الثالثة، المطبعة البهيّة المصرية.
38- تفسير الكشّاف، الإمام محمود بن عمر الزمخشري، المتوفّى سنة 528هـ، الطبعة الثالثة 1407 هـ 1987م، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.
39- تفسير الميزان، العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، المتوفّى سنة 1402هـ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة.
40- تفسير جوامع الجامع، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، المتوفّى سنة 560هـ، الطبعة الأولى 1418هـ، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي، جماعة المدرّسين، قم المقدّسة.
41- تفسير فرات الكوفي، أبو القاسم فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي، المتوفّى سنة 352هـ، تحقيق محمد الكاظم، الطبعة الأولى 1410هـ، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
42- تفسير كنز الدقائق، الميرزا محمد المشهدي القمّي، المتوفّى سنة 1125هـ، تحقيق مجتبى العراقي، الطبعة الأولى 1407هـ، مؤسسة
النشر الإسلامي، جماعة المدرّسين، قم المقدّسة.
43- تفسير مجمع البيان، أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، المتوفّى سنة 560هـ، تحقيق لجنة، الطبعة الأولى 1415هـ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.
44- تفسير نور الثقلين، الشيخ عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي، المتوفّى سنة 1112هـ، تحقيق السيد هاشم الرسولي المحلاّتي، الطبعة الرابعة 1412هـ، مؤسسة إسماعيليان، قم المقدّسة.
45- تنبيه الغافلين، شرف الإسلام بن سعيد المحسن بن كرامة، المتوفّى سنة 494هـ، تحقيق السيد تحسين آل شبيب، الطبعة الأولى 1420هـ، منشورات مركز الغدير.
46- تهذيب الأحكام، الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، المتوفّى سنة 460هـ، المطبعة خورشيد، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة 1365 ش.
47- تهذيب الكمال، أبو الحجاج يوسف المزني، المتوفّى سنة 472هـ، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، الطبعة الرابعة 1406هـ، مؤسسة الرسالة.
48- التوحيد، الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمّي، المتوفّى سنة 381هـ، تحقيق السيد هاشم الحسيني الطهراني، الطبعة 1387هـ،
من منشورات جماعة المدرّسين، قم المقدّسة.
- ث -
49- الثاقب في المناقب، الشيخ ابن حمزة الطوسي، المتوفّى سنة 560هـ، تحقيق الأستاذ نبيل رضا علوان، المطبعة الصدر، قم المقدّسة، الطبعة الثانية 1412هـ، نشر مؤسسة أنصاريان، قم المقدّسة.
50- ثواب الأعمال، الشيخ الصدوق، المتوفّى سنة 381هـ، المطبعة أمير، قم، المطبعة الثانية 1368 ش، منشورات الشريف الرضي.
- ج -
51- جذوة من شعراء أمّ الحمام، الشيخ عبد الحميد المرهون، معاصر، الطبعة الأولى 1421 هـ، مطبعة دار المصطفى لإحياء التراث.
52- جمال الأسبوع، السيد علي بن موسى بن طاووس، المتوفّى سنة 664هـ، تحقيق جواد القيومي، الطبعة الأولى 1371 ش، المطبعة أختر شمال.
53- جواهر المطالب، محمد بن أحمد الدمشقي الشافعي، المتوفّى سنة 871هـ، تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي، الطبعة الأولى
1415هـ، منشورات مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، قم المقدّسة.
- ح -
54- حلية الأبرار، السيد هاشم البحراني، المتوفّى سنة 1107هـ، تحقيق الشيخ غلام رضا البحراني، الطبعة الأولى بهمن 1411 من منشورات مؤسسة المعارف الإسلامية.
- خ -
55- الخرائج والجرائح، قطب الدين الراوندي، المتوفّى سنة 573هـ، تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهديعليهالسلام ، قم المقدّسة.
- د -
56- الدرجات الرفيعة، السيد صدر الدين علي خان المدني الشيرازي الحسيني، المتوفّى سنة 1120هـ، الطبعة الثانية 1397هـ، مكتبة بصيرتي، قم المقدّسة.
57- دعائم الإسلام، القاضي نعمان بن محمد المغربي، المتوفّى سنة 363هـ، تحقيق آصف بن علي أصغر فيضي، منشورات دار
المعارف 1383ش، 1963م.
58- دعوات الراوندي، قطب الدين الراوندي، المتوفّى سنة 573هـ، الطبعة الأولى 1407هـ، تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهديعليهالسلام ، قم المقدّسة.
59- دلائل الإمامة، الشيخ الطبري الإمامي، المتوفّى أوائل القرن الرابع هجري، الطبعة الأولى 1413هـ مؤسسة البعثة، قم.
- ر -
60- رسالة الشيخ المفيد حول حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، الشيخ المفيد محمد بن النعمان البغدادي، المتوفّى سنة 413هـ، الطبعة الثانية 1414هـ، 1993م، دار المفيد، بيروت، لبنان.
61- روضة الواعظين، محمد بن الفتّال النيسابوري، المتوفّى سنة 508هـ، تحقيق السيد محمد مهدي الخرسان، منشورات الشريف الرضي، قم، إيران.
- س -
62- سبائك السبَّاك، الحاج معين السبّاك، المتوفّى سنة 1423هـ، الطبعة
الأولى 1425هـ، المطبعة مُحَمَّد.
63- السقيفة وفدك، أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري البصري البغدادي، المتوفّى سنة 323هـ، تحقيق الدكتور محمد هادي الأميني، الطبعة الثانية 1413هـ، بيروت.
64- سنن الدارمي، عبد الله بن بهرام الدارمي، المتوفّى سنة 255هـ، مطبعة الاعتدال، دمشق.
65- سير أعلام النبلاء، الذهبي، المتوفّى سنة 748هـ، تحقيق العرقسوسي، ثامون صاغرجي، الطبعة التاسعة 1413هـ، منشورات الرسالة، بيروت.
66- سيرة الأئمّة، الشيخ مهدي البيشوائي، تعريب حسين الواسطي، طباعة ونشر مؤسسة الإمام الصادقعليهالسلام ، تقديم الشيخ جعفر السبحاني.
67- السيرة المحمدية، الشيخ جعفر السبحاني، تعريب جعفر الهادي، الطبعة الثانية 1425هـ، المطبعة والناشر مؤسسة الإمام الصادقعليهالسلام ، قم المقدّسة.
- ش -
68- شرح أصول الكافي، المولى محمد صالح المازندراني، المتوفّى سنة 1081 هـ.
69- شرح الأخبار، النعمان بن محمد التميمي، المتوفّى سنة 363هـ، تحقيق السيد محمد الحسيني الجلالي، طباعة ونشر مؤسسة النشر الإسلامي، جماعة المدرّسين، قم المقدّسة.
70- شرح الأزهار، أحمد المرتضى، المتوفّى سنة 840هـ، منشورات غمضان، صنعاء 1400هـ.
71- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، المتوفّى سنة 656هـ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، المطبعة منشورات المرعشي النجفي، انتشارات دار أحياء الكتب العربية.
72- الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي أبو الفضل عياض اليحصبي، المتوفّى سنة 544هـ، سنة الطبعة 1409هـ، دار الفكر، بيروت.
73- شواهد التنزيل، عبد الله بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني، المتوفّى في القرن الخامس، تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي، الطبعة الأولى 1411هـ، منشورات مجمع أحياء الثقافة الإسلامية.
- ص -
74- الصراط المستقيم، الشيخ زين الدين أبي محمد علي بن يونس العاملي النباطي البياضي، المتوفّى سنة 877هـ، تحقيق محمد الباقر البهبودي، المطبعة الحيدري، منشورات المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
- ط -
75- الطبقات الكبرى، لابن سعد، المتوفّى سنة 230هـ، دار الصادر، بيروت، لبنان.
76- الطرائف، السيد ابن طاووس علي بن موسى بن طاووس، المتوفّى سنة 664هـ، الطبعة الأولى 1371هـ، المطبعة خيام، قم المقدّسة.
- ع -
77- العدد القويّة، العلاّمة الحلّي، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي، المتوفّى سنة 726هـ، تحقيق السيد مهدي الرجائي، الطبعة الأولى 1408هـ، منشورات المرعشي النجفي.
78- علل الشرائع، الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمّي، المتوفّى سنة 381هـ، طباعة ونشر المطبعة الحيدرية في النجف
الأشرف، 1386هـ، 1966م.
79- عوالم الإمام الحسينعليهالسلام ، الشيخ عبد الله البحراني، المتوفّى سنة 1130هـ، الطبعة الأولى 1407هـ، تحقيق مدرسة الإمام المهديعليهالسلام ، المطبعة أمير، قم.
80- عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الإحسائي، المتوفّى سنة 880هـ، تحقيق السيد المرعشي والشيخ مجتبى العراقي، الطبعة الأولى 1403هـ، 1983م، مطبعة سيد الشهداء، قم.
81- عيون أخبار الرضاعليهالسلام ، الشيخ الصدوق، المتوفّى سنة 382هـ، تحقيق الشيخ حسين الأعلمي، الطبعة الأولى 1404هـ، طباعة ونشر مؤسسة الأعلمي، بيروت.
82- عيون المعجزات، الشيخ حسين بن عبد الوهّاب، المتوفّى في القرن الخامس، الطبعة 1369هـ المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.
- غ -
83- الغارات، إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي، المتوفّى سنة 283هـ، تحقيق السيد جلال الدين المحدّث، المطبعة بهمن.
84. غيبة النعماني، الشيخ محمد بن إبراهيم النعماني، المتوفّى سنة
380هـ، تحقيق علي أكبر غفاري، طبع ونشر مكتبة الصدوق، طهران.
85- الغيبة للشيخ الطوسي، الشيخ الطوسي محمد بن الحسن، المتوفّى سنة 460هـ، تحقيق عباد الله الطهراني والشيخ علي أحمد الناصح، المطبعة بهمن، الطبعة الأولى 1411هـ، منشورات مؤسسة المعارف الإسلامية، قم المقدّسة.
- ف -
86- فرحة الغري، السيد عبد الكريم بن طاووس الحسيني، المتوفّى سنة 693هـ، تحقيق السيد تحسين آل شبيب الموسوي، الطبعة الأولى 1419هـ، مركز الغدير للدراسات الإسلامية.
87- الفصول المختارة، الشيخ المفيد محمد بن النعمان العكبري البغدادي، الطبعة الثانية 1414هـ، 1993م، تحقيق السيد أمير علي شريفي، منشورات دار المفيد، بيروت، لبنان.
88- فضائل الصحابة، أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب المعروف بالنسائي، المتوفّى سنة 1303هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
- ق -
89- القصائد السبع العلويات، عبد الحميد ابن ابي الحديد المعتزلي، المتوفّى سنة 655هـ، المطبعة أمير، قم 1418هـ، منشورات دفتر تبليغات المهديعليهالسلام ، أصفهان.
90- القصص القرآني، السيد محمد باقر الحكيم، الطبعة الثانية 1425هـ، انتشارات المجمع العالمي لأهل البيتعليهمالسلام .
- ك -
91- الكافي، الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، المتوفّى سنة 329هـ، تحقيق علي أكبر غفاري، الطبعة الرابعة، مطبعة الحيدري، دار الكتب الإسلامية 1365هـ.
92- الكامل، أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، المتوفّى سنة 365هـ، تحقيق الدكتور سهيل زكار، الطبعة الثالثة 1409هـ، دار الفكر بيروت.
93- كامل الزيارات، الشيخ جعفر بن محمد بن قولويه القمّي، المتوفّى سنة 368هـ تحقيق الشيخ جواد القيومي، الطبعة الأولى 1417هـ، من منشورات نشر الفقاهة.
94- كتاب سليم بن قيس، أبو صادق، سليم بن قيس الهلالي، المتوفّى
في القرن الأول الهجري، تحقيق الشيخ محمد باقر الأنصاري الزنجاني.
95- كشف الرموز، زين الدين أبو علي المعروف بالفاضل الآبي، المتوفّى سنة 690هـ، الطبعة الأولى 1408هـ، تحقيق الإشتهاردي واليزدي، جماعة المدرّسين.
96- كشف الغُمّة، الشيخ علي بن عيسى الأربلي، المتوفّى سنة 693هـ، الطبعة الثانية 1405هـ، 1985م، دار الأضواء، بيروت، لبنان.
97- كفاية الأثر، الخزاز القمّي الرازي، المتوفّى سنة 400هـ، تحقيق السيد عبد اللطيف الحسيني الكوهكمري الخوئي، مطبعة خيام، قم 1401هـ، انتشارات بيدار، قم.
98- كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمّي، المتوفّى سنة 381هـ، الطبعة 1405هـ، تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري، مؤسسة النشر الإسلامي جماعة المدرّسين، قم المقدّسة.
99- كنز العمال، المتّقي الهندي، المتوفّى سنة 975هـ، تحقيق الشيخ بكري حياني والشيخ صفوة السفا، مطبعة مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.
100- كنز الفوائد، أبو الفتح الكراجكي، المتوفّى سنة 449هـ، الطبعة
الثانية 1410هـ، منشورات مكتبة المصطفوي، قم المقدّسة.
101- الكوكب الدرّي، الشيخ مهدي المازندراني، انتشارات المكتبة الحيدرية، الطبعة الأولى 1374هـ.
- م -
102- مجمع البحرين، الشيخ فخر الدين الطريحي، المتوفّى سنة 1085هـ، تحقيق السيد أحمد الحسيني، الطبعة الثانية 1408، منشورات مكتبة نشر الثقافة الإسلامية.
103- مجمع المصائب، الخطيب الشيخ محمد الهنداوي، انتشارات المكتبة الحيدرية، الطبعة الأولى 1425هـ.
104- مختصر بصائر الدرجات، الشيخ الحسن بن سليمان الحلّي، المتوفّى في القرن التاسع، الطبعة الأولى 1370هـ، 1950م، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.
105- مدينة المعاجز، السيد هاشم البحراني، المتوفّى سنة 1107هـ، تحقيق الشيخ عزة الله المولائي، الطبعة الأولى بهمن 1413هـ، من منشورات مؤسسة المعارف الإسلامية.
106- مروج الذهب، الشيخ أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي،
المتوفّى سنة 346هـ، تحقيق أمير مهنا، الطبعة الأولى المحققة 1421هـ، منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان.
107- المزار الكبير، الشيخ محمد بن المشهدي، المتوفّى سنة 610هـ، تحقيق جواد القيومي، الطبعة الأولى 1419هـ، منشورات نشر القيّوم.
108- المزار للشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان البغدادي، المتوفّى سنة 413هـ، تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهديعليهالسلام ، قم المقدّسة، الطبعة الأولى.
109- المستجاد من الإرشاد (المجموعة)، العلاّمة جمال الحقّ والدين الحسن بن المطهر العلامة الحلّي، المتوفّى سنة 726هـ، الطبعة 1406هـ، مطبعة الصدر، منشورات المرعشي النجفي، قم المقدّسة.
110- المستدرك على الصحيحين، الحافظ محمد بن محمد الحاكم النيسابوري، المتوفّى سنة 405هـ، تحقيق الدكتور يوسف المرعشلي، انتشارات دار المعرفة، بيروت 1406هـ.
111- المسترشد، محمد بن جرير الطبري، المتوفّى أوائل القرن الرابع، تحقيق الشيخ أحمد المحمودي، الطبعة الأولى المحققة، مطبعة سلمان الفارسي، الناشر مؤسسة الثقافة الإسلامية.
112- مسند أبي يعلي، أبو يعلي الموصلي، أحمد بن علي بن المثنى
التميمي، المتوفّى سنة 307هـ، تحقيق حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث.
113- مسند أحمد، الإمام أحمد بن حنبل، المتوفّى سنة 241هـ، المطبعة والناشر، دار الصادر بيروت، لبنان.
114- مشرعة بحار الأنوار، الشيخ محمد آصف محسني، انتشارات مكتبة العزيزي، قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1423هـ.
115- مشكاة الأنوار، الشيخ أبو الفضل علي الطبرسي، المتوفّى في القرن السابع، الطبعة الثانية، المطبعة الحيدرية في النجف 1385هـ، 1965م.
116- مصباح الزائر، السيد علي بن موسى بن طاووس، المتوفّى سنة 664هـ، الطبعة الأولى 1417هـ، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيتعليهمالسلام .
117- معاني الأخبار، الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمّي، المتوفّى سنة 381هـ، تحقيق علي أكبر غفاري، الطبعة 1361ش، انتشارات إسلامي.
118- معجم البلدان، شهاب الدين ياقوت الحموي الرومي البغدادي، المتوفّى سنة 626هـ، الطبعة الثانية 1995م، منشورات دار الصادر، بيروت، لبنان.
119- المعجم الكبير، سليمان بن أحمد الطبراني، المتوفّى سنة 360هـ، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، مطبعة دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، مكتبة أبن تيمية، القاهرة.
120- مفاتيح الدموع، الشيخ محمد سعيد المنصوري، المتوفّى سنة 1428هـ، الطبعة الأولى 1410هـ، الناشر ولده المرحوم عبد الحسين المنصوري.
121- مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، المتوفّى حدود سنة 425هـ، تحقيق صفوان عدنان داوودي، الطبعة الخامسة 1426هـ، انتشارات ذوي القربى.
122- مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني، المتوفّى سنة356، تحقيق كاظم المظفر، المطبعة الحيدرية في النجف، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة دار الكتب، قم.
123- مقتضب الأثر، الشيخ أحمد بن محمد عبيد الله بن عيّاش الجوهري، المتوفّى سنة 401هـ، المطبعة العلمية، قم، منشورات مكتبة الطباطبائي، قم المقدّسة.
124- مقتل الحسين (أبو مخنف)، لوط بن يحيى، المتوفّى سنة 157هـ، تحقيق الحاج حسن الغفاري، المطبعة العلمية، قم 1398هـ، منشورات المرعشي النجفي.
125- من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمّي، المتوفّى سنة 381هـ، تحقيق علي أكبر غفاري، الطبعة الثانية، سنة 1404هـ، الناشر جماعة المدرّسين.
126- مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب، المتوفّى سنة 588هـ، تحقيق لجنة من اساتذة النجف الأشرف، الطبعة 1376هـ، المطبعة الحيدرية النجف الأشرف.
127- مناقب الخوارزمي، الموفّق أحمد بن محمد المكّي الخوارزمي، المتوفّى سنة 568هـ، تحقيق الشيخ مالك المحمودي، الطبعة الثانية 1411هـ، مؤسسة النشر الإسلامي، قم المقدّسة.
128- منتهى الآمال، الشيخ عباس القمّي، المتوفّى سنة 1359هـ، ترجمة السيد هاشم الميلاني، منشورات مؤسسة النشر الإسلامي، جماعة المدرّسين، قم المقدّسة.
129- المنجد في اللغة، لويس معلوف، الطبعة السابعة والثلاثون1998م، دار المشرق، بيروت.
- ن -
130- النزاع والتخاصم، تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، المتوفّى سنة 845هـ، تحقيق السيد علي عاشور.
131- نفحات الولاء، السيد جاسم الكربلائي الطويرجاوي، الطبعة الأولى 1426هـ، المطبعة محمد.
132- نهج الإيمان، زين الدين علي بن يوسف بن جبر، المتوفّى في القرن السابع، تحقيق السيد أحمد الحسيني، الطبعة الأولى 1418هـ، منشورات مجتمع الإمام الهاديعليهالسلام ، مشهد المقدّسة.
133- نوادر المعجزات، الطبري، محمد بن جرير الإمامي، تحقيق وطباعة ونشر مؤسسة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، الطبعة الأولى 1410هـ، قم المقدّسة.
134- نور الأبصار، الشيخ محمد مهدي المازندراني، الطبعة الأولى 1420هـ، انتشارات الشريف الرضي، قم المقدّسة.
135- نور البراهين، السيد نعمة الله الجزائري، المتوفّى سنة 1112هـ، تحقيق السيد مهدي الرجائي، الطبعة الأولى 1417هـ، مطبعة ونشر مؤسسة النشر الإسلامي، جماعة المدرّسين.
136- النور المشتعل، الحافظ أحمد بن عبد الله المعروف بأبي نعيم الأصفهاني، المتوفّى سنة 430هـ، تقديم محمد باقر المحمودي، الطبعة الأولى 1406هـ، منشورات وزارة الإرشاد.
- هـ -
137- الهداية الكبرى، أبو عبد الله الحسيني بن حمدان الخصيبي، المتوفّى سنة 334هـ، الطبعة الرابعة، 1411هـ، 1991م، الناشر مؤسسة البلاغ، بيروت.
- و -
138- وسائل الشيعة، الحر العاملي، المتوفّى سنة 1104هـ، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث، قم المقدّسة، الطبعة الثانية 1414هـ، المطبعة مهر، قم.
139- وصايا الرسول لزوج البتول، السيد علي الحسيني الصدر، الطبعة الأولى 1421هـ، انتشارات دار الإمام الرضاعليهالسلام .
140- وظيفة الأنام، آية الله الميرزا محمد تقي الأصفهاني، الطبعة الأولى 1422هـ، 2001م، رابطة أهل البيتعليهمالسلام الإسلامية العالمية.
141- وفيات الأئمّةعليهمالسلام ، مجموعة علماء معاصرين، الطبعة الأولى 1412هـ، منشورات دار البلاغة، بيروت.
- ي -
142- ينابيع المودّة، الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي، المتوفّى
سنة 1294هـ، الطبعة الأولى 1416هـ، منشورات دار الأسوة.
الفهرس
المقدمّة1
المجلس الأوّل: في الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله 5
المجلس الثاني: في الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام 23
الفضيلة الأولى: سبقه في الإسلام30
الفضيلة الثانية: جهاده عليهالسلام 32
الفضيلة الثالثة: عبادته عليهالسلام 33
المجلس الثالث: في الصدّيقة فاطمة الزهراء عليهاالسلام 39
ما المقصود بالآيات المحكمة والمتشابهة؟45
لماذا تشابهت بعض آيات القرآن؟46
المجلس الرابع: في الإمام الحسن المجتبى عليهالسلام 55
المجلس الخامس: في الإمام أبي عبد الله الحسين عليهالسلام 73
الإصلاح يقابل الفساد:79
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واهتمام الإمام الحسين عليهالسلام به:81
السير بسيرة المصطفى والمرتضى (عليهما وآلهما السّلام):86
المجلس السادس: في الإمام علي السجّاد عليهالسلام 91
المجلس السابع: في الإمام مُحَمَّد الباقر عليهالسلام 107
المجلس الثامن: في الإمام جعفر الصادق عليهالسلام 123
المجلس التاسع: في الإمام موسى الكاظم عليهالسلام 139
المجلس العاشر: في الإمام علي الرضا عليهالسلام 157
المجلس الحادي عشر: في الإمام محمد الجواد عليهالسلام 173
المجلس الثاني عشر: في الإمام علي الهادي عليهالسلام 191
المجلس الثالث عشر: في الإمام الحسن العسكري عليهالسلام 209
المجلس الرابع عشر: في الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)223
كيفية ولادته عليهالسلام:227
ابتداء غيبته الصغرى وأسبابها:230
ابتداء الغيبة الكبرى:233
علامات ظهوره (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)233
زمان ظهوره (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)235
فترة حكم الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)237
سيرته (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) عند قيامه:238
وظيفة شيعته في زمن غيبته (عجّل الله تعالى فرجه الشريف):239
فهرس مصادر التحقيق 245