مفهوم البداء في الفكر الاسلامي

تأليف:

السيد هاشم الموسوي



مفهوم البداء في الفكر الاسلامي



مفهوم البداء في الفكر الاسلامي

تأليف:

السيد هاشم الموسوي



بسم الله الرحمن الرحیم



تصدير

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.

( يَمحُواْ اللهُ مَا يَشَآءُ وَ يُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتابِ ) .

التوحيد قاعدة الإسلام والأساس الّذي تشاد عليه أبنية الفكر والمعرفة والتشريع وقيم الحياة؛ لذا كانت معرفة التوحيد ودراسة مفرداته من أهم مباحث المعرفة في الفكر الإسلامي، ومن أُولى واجبات الإنسان المسلم.

ومن الواضح أن الأساس التوحيدي يتلخص في الإيمان بأن الله واحد أحد له الأسماء الحسنى، منزّه عن النقص متّصف بصفات الكمال من العلم، والقدرة،


والإرادة، وغيرها من صفاته المقدسة.

ومن المباحث ذات العلاقة بالفكر التوحيدي هو مفهوم البَداء.

ولقد كثر الجدل والحوار حول هذا المفهوم وأُسيء فهمه كمصطلح، ووظِّفت إساءة الفهم كأداة مستَغَلة لإحداث الفرقة والخلاف بين المسلمين، فأصبح من اللازم تجليته للقرّاء، وإيضاح أصله ومحتواه وازالة ما لابسه من غموض وتشويه.

ومركز الغدير للدراسات الإسلامية إذ يقدّم هذه الدراسة لقرائه الأعزاء عن (مفهوم البَداء في الفكر الإسلامي) للمؤلف الفاضل السيد هاشم الموسوي، يأمل أن يجدها القرّاء محققة لهذا الهدف، وأن ينفع الله (عزّ وجلّ) بها( الّذين يَستمعونَ القولَ فيتّبعونَ أحسنه ) والله من وراء القصد وهو ولي التوفيق.

مركز الغدير للدراسات الإسلامية


تقديم

إنّ من المسائل الفكريّة التي أُثير حولها الجدل والحوار بين الفكر الإسلامي الأصيل، والفكر الهيودي المحرّف هي مسألة إمكانية حدوث النسخ في الشرائع الإلهية، سواء باستبدال شريعة مكان شريعة اُخرى، أو باستبدال حكم مكان حكم آخر في الشريعة ذاتها.

وكما وقع الخلاف في مسألة النسخ والتبديل في التشريع والأحكام، وقع الجدال أيضاً في قدرة الله تعالى على التغيير والتبديل في عالم التكوين والخلائق.

فهاتان مسألتان عقيديتان، مسألة النسخ التشريعي والنسخ التكويني (البَداء)، قد دار الحوار والجدل فيهما


بين الفكر اليهودي المحرّف، وبين ما جاء به القرآن ونطق به الرسول الأمينصلى‌الله‌عليه‌وآله من أن النسخ في الشرائع هو سنّة إلهية، وأنّ التغيير والتبديل في الأحكام ظاهرة طبيعية في الشرائع، كما أنّ التغيير والتبديل كائن في عالم الخلق والتكوين الذي سمي ب (البَداء).

إستُعمل مصطلح (البَداء) في مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام للدفاع عن الفهم الإسلامي مقابل الفهم اليهودي، والفكر الفلسفي المتأثر بالفلسفة اليونانية وبعض المدارس الكلامية كمدرسة المعتزلة.

أثار هذا المصطلح شبهة فكرية عقيدية لدى البعض من الكتّاب، وأصحاب الآراء والمذاهب العقيدية في الصف الإسلامي، ولم تقف حدود هذه الشبهة عند الاستفهام والمناقشة والرد العلمي، بل أُسيء فهم المصطلح، واُضيفت إلى إساءة الفهم تصورات ناشئة عن روح الخلاف والمواجهة القَبْلية


بين هذه المدرسة وبين مدارس فكريّة اُخرى.

ففُهِم القول بالبداء بأنه قول بتغيّر علم الله لخفاء المصالح عليه، وبالتالي نسبة الجهل إليه سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

وهكذا تدخّل النزاع والخلاف في تشويه الحقيقة، وتحويل الموقف من خلاف بين الفكر الإسلامي الذي قاده أئمة أهل البيتعليهم‌السلام وبين الفهم اليهودي المحرّف وبعض الاتجاهات الفلسفية والكلامية المنحرفة إلى تهمة فكريّة تلصق بأتباع مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام وفهمها لهذه المسألة.

ولإيضاح هذه المفردة العقيدية، وبيان الفهم التوحيدي في مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام . نعرّف، ولو بإيجاز، بمعنى البَداء ونشأته كمصطلح ونتتبّع نسبته الى الله في مصادر الفكر الإسلامي ودراسات العلماء الإسلاميين.



البَداء لغةً واصطلاحاً



البَداء في اللغة:

بدا الشيء بَدْواً: أي ظهر ظهوراً، قال الله تعالى:( ... وَبَدا لَهم مِّنَ اللهِ مَا لَم يَكُونُواْ يَحتسِبُونَ ) (1) .

«البَداء: ظهور الرأي بعد أن لم يكن، واستصواب شيء عُلِمَ بعد أن لم يعلم. ويقال بَدا لي في هذا الأمر بَداء، أي ظَهر لي فيه رأي آخر»(2) .

البَداء في الاصطلاح:

لقد نقل الشارع المقدس ألفاظاً لغوية كثيرة من

____________________

(1) سورة الزمر: آية 47.

(2) المعجم الوسيط.


معانيها المستعملة فيها عند العرب الى معانٍ اُخر تدل علي مسميات اُخرى، كلفظ الصلاة الذي يدل في لغة العرب على مطلق الدعاء، فاستعمله الشارع في معنى خاص كاسم للعبادة الإسلامية المعروفة، فصار يدل عند الاطلاق على تلك العبادة دون المعنى الّذي وضع له. ومثله لفظ الزكاة الذي يعني في اللغة الطهارة والنماء فاستعمله الشارع اسماً للفريضة المالية المعروفة لما فيها من الطهارة والنماء للمال والنفس.

ولفظ البداء هو أحد هذه المصطلحات الشرعية الّتي استعملها الرسول الكريم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله لتدلّ على معنى معبر عن مقصود إسلامي خاص يختلف في بعض جوانبه عن الاستعمال اللغوي لهذا اللفظ، وسيتضح لدينا ذلك من خلال قراءتنا للحديثين النبويّين الشريفين اللذين أوردناهما في هذا البحث.

وتأسيساً على الاستعمال النبويّ لمصطلح البداء ولما


استفيد من معانٍ قرآنية نبوية كثيرة دخل مصطلح البداء في الفكر الإسلامي، وكثر استعماله وتداوله فيما ورد عن أئمة أهل البيت وعلماء مدرستهم.

ولنقرأ بياناً للشيخ المفيد وهو يوضح المعنى الاصطلاحي للبداء ومسوغات استعماله كمصطلح للفكر التوحيدي.

قال: «أقول في معنى البَداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النّسخ وأمثاله من الإِفقار بعد الإغناء والإِمراض بعد الإِعفاء والإِماتة بعد الإِحياء وما يذهب إليه أهل العدل خاصة من الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال. فأما إطلاق لفظ البداء فإنما صرت إليه بالسمع الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله (عزّ وجلّ)، ولو لم يرد به سمع أعلم صحته ما استجزت اطلاقه كما أنه لو لم يرد عليّ سمع بأنّ الله تعالى يغضب ويرضى ويحب ويعجب لما أطلقت ذلك


عليه سبحانه، ولكنه لمّا جاء السمع به صرت إليه على المعاني التي لا تأباها العقول، وليس بيني وبين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف، وإنما خالف من خالفهم في اللفظ دون ما سواه، وقد أوضحت من علّتي في إطلاقه بما يقصر معه الكلام، وهذا مذهب الإمامية بأسرها، وكل من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من الاسم دون المعنى ولا يرضاه»(1) .

____________________

(1) الشيخ المفيد / أوائل المقالات: ص 92 - 93.



البَداء في القرآن الكريم


لقد تحدث القرآن عن البَداء كمعنى ومفهوم دون أن يستعمل لفظه في موارد كثيرة من آيه وبياناته، كقوله تعالى:( ...لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ * يَمحُواْ اللهُ مَا يَشَاءُ ويُثبِتُ وَعِندَهُ اُمُّ الكِتَابِ ) (1) .

وكقوله تعالى:( ما نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أو نُنسِهَا نأتِ بخَيرٍ مِّنَهآ أو مِثلِهَا ألَم تَعلمْ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ ) (2) .

وقوله تعالى:( يَسْئَلُهُ مَنْ في السَّمواتِ وَالأرضِ كُلَّ يَومٍ هُوَ في شَأنٍ ) (3) .

____________________

(1) سورة الرعد: آية 38، 39.

(2) سورة البقرة: آية 106.

(3) سورة الرحمن: آية 29.


وقوله تعالى:( وَقَالتِ اليهُودُ يَدُ اللهِ مغلُولةٌ غُلّتْ أيديهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَل يَداهُ مَبسُوطتَانِ يُنْفِقُ كيفَ يَشَآءُ... ) (1) .

وقوله تعالى:( هُوَ الّذي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمَّى عِنْدَهُ ثمَّ أنتُمْ تَمترُونَ ) (2) .

وقوله تعالى:( فَلَمَّا بَلَغَ معهُ السَّعيَ قَالَ يابُنَيَّ إنِّي أرَى في المنَامِ أنّي أذبَحُكَ فَانظُرْ مَاذا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ أفعَلْ ما تُؤمَرُ سَتَجِدُني إنْ شَآءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرينَ * فَلَمّا أسْلَما وَتَلَّهُ لِلجَبينِ * وَنَادينَاهُ أنْ يَا إبراهيمُ * قَدْ صَدَّقتَ الرُّءْيَآ إنّا كَذلِكَ نَجزِي المُحسِنينَ* إنَّ هَذا لهُوَ البَلاءُ المُبِينُ* وفديناهُ بِذِبحٍ عَظِيم ) (3) .

( ...إنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرواْ مَا

____________________

(1) سورة المائدة: آية 64.

(2) سورة الأنعام: آية 2.

(3) سورة الصافات: آية 102 - 107.


بأنفُسِهمْ... ) (1) .

( ... للهِ الأمرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ... ) (2) .

( وَأيُّوبَ إذ نَادَى رَبَّهُ أنّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأنتَ أرحَمُ الرَّاحمينَ* فاستَجَبنَا لَهُ فكشَفنَا مَا بَهِ مِن ضُرٍّ وَءَآتَينَاهُ أهلَهُ وَمِثْلَهُمْ معهم رحمةً من عِنْدِنَا وَذِكْرى لِلعابِدينَ ) (3) .

( وَزكريَّا إذ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْني فرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الوارِثينَ* فَاستَجَبنَا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيَى وَأصلَحنَا لهُ زَوجَهُ إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ في الخَيراتِ وَيَدْعُونَنَا رَغباً وَرَهَبَاً وكَانُوا لَنَا خَاشَعينَ ) (4) .

( أَمَّنْ يُجيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعَاهُ وَيَكشِفُ السُّوءَ... ) (5) .

____________________

(1) سورة الرعد: آية 11.

(2) سورة الروم: آية 4.

(3) سورة الأنبياء: آية 83، 84.

(4) سورة النبياء: آية 89، 90.

(5) سورة النمل: آية 62.


( يَا أيُّهَا النَّبيُّ حَرِّضِ المؤمِنينَ عَلَى القتَالِ إنْ يَكُنْ مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئتَينِ وَإنْ يَكُنْ مِّنكُمْ مِّاْئةٌ يَغلِبُواْ ألفاً مِّنَ الّذِينَ كفَرُواْ بأنَّهُمْ قَومٌ لاَّ يَفقَهُونَ* الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُم ضَعفاً فَإِنْ يَكُنْ مِّنْكُمْ مِّائةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِاْئتينِ وَإنْ يَكُنْ مِّنْكُمْ ألفٌ يَغْلِبُوا ألفَيِن بإذنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (1) .

وهكذا يتحدث القرآن عن التغيير والتدبيل بسبب الدعاء المخلص لله، أو بسبب ضعف المؤمنين الصادقين ورحمته بهم وعلمه بضعفهم الّذي انكشف فيهم بعد التكليف الأول، وهو سبحانه عالم بكل ذلك قبل أن يكلف المقاتلين المؤمنين بمقاتلة الكافرين الّذين يفوقونهم عشرة أضعاف عددهم.

وقد فسّر الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام وأوضح معنى البَداء الّذي ورد في الآيات، فقد فسّر قوله الله تعالى:

____________________

(1) سورة الأنفال: آية 65، 66.


( هُوَ الّذِي خَلَقكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أجَلاً وَأجَلٌ مُّسمّىً عِندَهُ ) (1) «قال: الأجل المقضي، هو المحتوم الّذي قضاه الله وحتمه، والمسمى هو الّذي فيه البَداء، يُقدّم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء والمحتوم ليس فيه تقديم ولا تأخير»(2) .

وفسّر الصادقعليه‌السلام قول الله (عزّ وجلّ):( وَقَالتِ اليهُودُ يَدُ اللهِ مَغلُولَةٌ... ) «فقال: لم يعنوا أنّه هكذا، ولكنهم قالوا: قد فرغ من الأمر، فلا يزيد ولا ينقص.

فقال الله (جلّ جلاله) تكذيباً لهم:( غُلَّتْ أَيديِهمْ وَلُعِنُوا بما قَالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كيفَ يَشَآءُ... ) (4) .

ألم تسمع الله (عزّ وجلّ) يقول:( يَمحُوا اللهُ مَا يَشَآءُ

____________________

(1) سورة الأنعام: آية 2.

(2) علي بن ابراهيم / تفسير القمي 1: 194.

(3) سورة المائدة: آية 64.

(4) سورة المائدة: آية 64.


وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ اُمَّ الِكتَابِ ) (1) ؟

وفسّر قوله تعالى:( يَمحُواْ اللهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ... ) بقوله: «وهل يمحو الله إلاّ ما كان؟ وهل يثبت إلاّ ما لم يكن؟» (2) .

وفسّر قصة أمر الله لإبراهيم بأن يذبح ولده إسماعيل، وتبديل ذلك الأمر وفديه بذبح عظيم، فسّره بأنه من أوضح مصاديق البداء بقوله، «ما بدا لله بداء كما بدا له في إسماعيل أبي، إذ أمر أباه بذبحه، ثمّ فداه بذبح عظيم»(3) .

وبذا يتضح مفهوم البداء في القرآن الكريم، ويتحدّد معناه كما أوضحه أئمة أهل البيت وبيّنوا حقيقته.

____________________

(1) سورة الرعد: آية 39.

انظر المجلسي / بحار الأنوار 4: 104 ط - مؤسسة الوفاء - بيروت.

(2) الشيخ الصدوق / التوحيد: ص 333 «باب البَداء».

(3) المصدر السابق: ص 336.



البَداء في الحديث النبوي الشريف


وإذا شئنا مثل هذا التحقيق فسنجد أنّ الرسول الكريم محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله هو أول من نسب (البَداء) إلى الله سبحانه، في الحديث الآتي الوارد في البخاري:

«عن أبي هُرَيْرَة رضَي اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رسُول اللهِصلى‌الله‌عليه‌وآله يَقُولُ: إِنَّ ثَلاَثَةً في بَني إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمى، بَدَا للهِ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكاً، فَأَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيك؟ قالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، فَأُعْطِيَ لَوْناً حَسَناً، وَجِلْداً


حَسَناً، فَقَالَ: أَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: الإْبِلُ - أَو قَالَ: الْبَقَرُ، هو شَكِّ في ذلك: أَنّ الأبرص والأقرع: قال أحدهما الإبل، وقال الآخر البقر - فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: يُبَارَكَ لَكُ فِيهَا.

وَأَتَى الأَقْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحبُّ إلَيكَ؟ قالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هذَا، قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ، وَأُعْطِيَ شَعراً حَسَناً، قالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إليكَ؟ قالَ: الْبَقَرُ، قالَ: فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حامِلاً، وَقالَ: يُبارَكُ لَكَ فِيهَا.

وَأَتى الأَعْمى فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إلَيْكَ؟ قالَ: يَرُدُّ اللهُ إلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللهُ إلَيهِ بَصَرهُ، قالَ: فَأيُّ المَالِ أَحَبُّ إلَيكَ؟ قالَ: الغَنَمُ، فَأَعطَاهُ شَاةً وَالِداً، فأُنتِجَ هذَانِ وَوَلَّدَ هذَا، فَكانَ لِهذَا وَادٍ مِن إبِلٍ، وَلِهذَا وَادٍ مَنْ بَقَرٍ، وَلِهذَا وَادٍ


مِنَ الغَنَمِ.

ثُمَّ إنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ في صُورَتِهِ وهيئتة ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِين، تَقَطَّعَتْ بِيَ الجِبَالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاغَ اليَومَ إلاَّ بِاللهِ ثُمَّ بِكَ، أَسأَلُلكَ بِالَّذِي أَعطَاكَ اللَّونَ الحَسَنَ وَالجِلدَ الحَسنَ وَالمَالَ، بَعِيراً أَتَبلَّغُ عَلَيهِ في سَفَرِي. فَقَالَ لَهَ: إنَّ الحقُوقَ كَثِيرَةٌ، فَقَال لَهُ: كَأنِّي أَعرِفُكَ، أَلَم تَكُن أَبرَص يَقذَرُكَ النَّاسُ فَقِيراً فَأَعطَاكَ اللهُ ؟ فَقَالَ: لَقَد وَرِثتُ لِكابِرٍ عِن كابِرٍ، فَقَالَ: إن كُنتَ كاذِباً فَصَيَّرَكَ اللهُ إلىَ ما كُنتَ.

وَأتَى الأَقرَعَ في صُورَتِهِ وَهَيئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثلَ ما قالَ لِهذَا، فَرَدَّ عَلَيهِ مِثلَ ما رَدَّ عَلَيهِ هذَا، فَقَالَ: إن كُنتَ كاذِباً فَصَيَّركَ اللهُ إلىَ ما كُنتَ.

وأَتَى الأعمى في صُورَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسكِينٌ وَابنُ سَبِيلٍ، وَتَقَطَّعَت بِيَ الجِبَالُ في سَفَرِي، فلا بلاغَ


اليومَ إلاّ باللهِ ثُمَّ بِكَ، أَسأَلُكَ بالَّذِي رَدَّ عَليكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتبلَّغُ بِها في سَفَري، فَقَالَ: كُنتُ أَعمى فَرَدَّ الله بَصَرِي، وَفَقِيراً فَقَد أَغنَاني، فَخُذ ما شِئتَ، فَوَاللهِ لاَ أَجهَدُكَ اليَومَ بِشَيءٍ أَخَذتَهُ للهِ، فَقَالَ: أَمسِك مالَكَ، فَإنَّمَا ابتُلِيتُم، فَقَد رَضِيَ اللهُ عَنكَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيكَ»(1) .

وروي عن أبي موسى الأشعري أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «يجمع الله (عزّ وجلّ) الاُمم في صعيد يوم القيامة، فإذا بدا لله (عزّ وجلّ) أن يصدع بين خلقه، مثّل لكل قوم ما كانوا يعبدون...»(2) .

____________________

(1) صحيح البخاري 3: 1276 - 64 - كتاب الأنبياء / باب: 51 / ح: 3277.

(2) مسند الإمام أحمد بن حنبل4: 407.



البَداء عند أئمة أهل البيت «عليهم السلام»


ولبيان مفهوم البَداء عند أئمة أهل البيتعليهم‌السلام وتفسيرهم للآيات التّي تحدثت عنه فلنقرأ بعضاً مما ورد عنهمعليهم‌السلام من هذه الإيضاحات والتفاسير. منها ما جاء عن منصور بن حازم قال:

«سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله تعالى بالأمس؟

قال : لا، من قال هذا فأخزاه الله.

قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم الله؟

قال: بلى، قبل أن يخلق الخلق»(1) .

وروي عنه قولهعليه‌السلام : «من زعم أنّ الله (عزّ وجلّ)

____________________

(1) الشيخ الصدوق / التوحيد «باب البداء».


يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرؤوا منه»(1) .

وعن عبد الله بن سنان أنّ الإمام الصادقعليه‌السلام قال: «ما بدا لله في شيء إلاّ كان في علمه قبل أن يبدو له»(2) .

وعنهعليه‌السلام أنّه قال: «من زعم أنّ الله بدا له في شيء بداء ندامة، فهو عندنا كافر بالله العظيم»(3) .

وعن ميسّر بن عبد العزيز قال:

قال لي أبو عبد الله الصادق: « يا ميسّر ادع، ولا تقل إنّ الأمر قد فرغ منه...»(4) .

وقالعليه‌السلام : «إنّ الله (عزّ وجلّ) لَيدفع بالدعاء الأمر الّذي علمه إن يدعى(5) له فيستجيب، ولولا ما وفّق العبد من ذلك الدعاء، لأصابه منه ما يجثّه من جديد

____________________

(1) المجلسي / بحار الأنوار 4: 111.

(2) الكليني / الأصول من الكافي 1: 148 / ح 9 «باب البداء».

(3) الشيخ الصدوق / الاعتقادات في دين الإمامية: ص 20.

(4) الكليني / الأصول من الكافي 2: 466 / ح 3.

(5) كذا في المصدر.


الأرض»(1) .

وتقرأ في حديث آخر بياناً محدداً لمعنى البَداء فقد جاء فيه : «ما بعث الله (عزّ وجلّ) نبياً حتى أخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار بالعبودية: وخلع الأنداد؛ وأن الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء»(2) .

لذلك يقولعليه‌السلام : «ما عُبِدَ الله (عزّ وجلّ) بشيء مثل البَداء»(3) .

وبذا يتضح أنّ البَداء مرادف للمحو والنسخ والتغيير الذي نطق به القرآن ونسبه إلى الله سبحانه، وليس معناه تغيّر علم الله سبحانه أو نسبة الجهل إليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً. وتجد هذا الإيضاح محدّداً في قول الصادقعليه‌السلام : «إنّ الله لم يبدُ له من جهل»(4) .

____________________

(1) الكليني / الأصول من الكافي 2: ص 470 / 9.

(2) الصدوق / التوحيد: ص 233.

(3) المصدر السابق: ص 232.

(4) الكليني / الاُصول من الكافي 1: 148 / ح 10.



البَداء في تحليل العلماء



وقد تناول علماء أهل البيتعليهم‌السلام مفهوم البداء بالدراسة والتحليل فكشفوا غوامضه العقيدية، وأوضحوا محتوى الفكرة ومضمون المصطلح.

نذكر من ذلك البيان حديث الشيخ الصدوق عن البَداء، الذي أوضح لنا معناه كما أوضح أنّ البداء هو رد على الفهم اليهودي المحرّف فقالرحمه‌الله : «ليس البَداء كما يظنّه جهّال النّاس بأنّه بداء ندامة، تعالى الله عن ذلك، ولكن يجب علينا أن نقرَّ لله (عزّ وجلّ) بأنَّ له البداء، معناه أنَّ له أن يبدأ بشيء من خلقه فيخلقه قبل شيء ثمَّ يعدم ذلك الشيء ويبدأ بخلق غيره، أو يأمر بأمر، ثمَّ ينهى عن مثله، أو ينهى عن شيء ثمَّ


يأمر بمثل ما نهى عنه، وذلك مثل نسخ الشرايع، وتحويل القبلة، وعدَّة المتوفّى عنها زوجها، ولا يأمر الله عباده بأمر في وقت ما إلاّ وهو يعلم أنَّ الصلاح لهم في ذلك الوقت في أن يأمرهم بذلك، ويعلم أنَّ في وقت آخر الصلاح لهم في أن ينهاهم عن مثل ما أمرهم به، فإذا كان ذلك الوقت أمرهم بما يصلحهم، فمن أقرَّ لله (عزّ وجلّ) بأنَّ له أن يفعل ما يشاء، ويعدم ما يشاء، ويخلق مكانه ما يشاء، ويقدِّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، ويأمر بما شاء، كيف شاء فقد أقرَّ بالبداء، وما عُظِّم الله (عزّ وجلّ) بشيء أفضل من الإقرار بأنَّ له الخلق والأمر، والتقديم، والتأخير، وإثبات ما لم يكن ومحو ما قد كان.

والبداء هو ردٌّ على اليهود لأنهم قالوا: إنَّ الله قد فرغ من الأمر فقلنا: إنَّ الله كلَّ يوم هو في شأن، يحيي ويميت ويرزق ويفعل ما يشاء. والبداء ليس من ندامة، وإنّما هو ظهور أمر، يقول العرب: بدا لي


شخص في طريقي، أي ظهر، قال الله (عزّ وجلّ):( ... وَبَدا لَهُم مِّنَ اللهِ مَا لَم يَكُونُواْ يَحتَسِبُونَ ) (1) أي ظهر لهم، ومتى ظهر لله (تعالى ذكره) من عبد صلة لرحمه زاد في عمره، ومتى ظهر له منه قطيعة لرحمة نقَّص من عمره، ومتى ظهر له من عبد إتيان الزِّنا نقَّص من رزقه وعمره، ومتى ظهر له منه التعفّف عن الزِّنا زاد في رزقه وعمره»(2) .

وتحدث السيد الداماد في نبراس الضياء، وهو من فلاسفة الشيعة وعلمائهم البارزين في القرن الحادي عشر، تحدث عن البداء فقال: «البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع، فما في الأمر التشريعي والأحكام التكليفية نسخ فهو في الأمر التكويني والمكوّنات الزمانية بَداء، فالنسخ كأنه بَداء تشريعي، والبداء كأنّه نسخ تكويني.

____________________

(1) سورة الزمر: آية 47.

(2) الشيخ الصدوق / التوحيد: ص 335 «باب البَداء».


ولا بداء في القضاء(1) ، ولا بالنسبة إلى جناب القدس الحق... وإنما البداء في القدر(2) ، وفي امتداد الزمان الذي هو اُفق التقضّي والتجدّد...

وكما حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي وانقطاع استمراره، لا رفعه وارتفاعه من وعاء الواقع، فكذا حقيقة البَداء عند الفحص البالغ انبتات(3) استمرار الأمر التكويني وانتهاء اتصال الإفاضة.

ومرجعه إلى تحديد زمان الكون، وتخصيص وقت الإفاضة، لا أنه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه وبطلانه في حد حصوله»(4) .

وتحدث العلاّمة المجلسي عن البداء وعن أصالة

____________________

(1) القضاء: ابرام الشيء والحكم بإيجاده.

(2) القدر: هو تقدير الشيء: من الشكل والصورة والبقاء والفناء... الخ.

(3) الانبتات: الانقطاع.

(4) المجلسي / بحار الأنوار 4: 126 - 128.


الفكر الإمامي ودفاعه عن عقيدة التوحيد بتثبيت مفهوم البداء فقال: «فنقول - وبالله التوفيق -: إنهم إنما بالغوا في البداء ردّاً على اليهود الذين يقولون: إنّ الله قد فرغ من الأمر، وعلى النظّام وبعض المعتزلة الذين يقولون: إن الله خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن: معادن ونباتاً وحيواناً وإنساناً، ولم يتقدّم خلق آدم على خلق أولاده، والتقدم إنما يقع في ظهورها، لا في حدوثها ووجودها، وإنما أخذوا هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور من الفلاسفة وعلى بعض الفلاسفة القائلين بالعقول والنفوس الفلكية، وبأن الله تعالى لم يُؤثَّر حقيقةً إلاّ في العقل الأول، فهم يعزلونه تعالى عن ملكه، وينسبون الحوادث إلى هؤلاء، فنفوا ذلك(1) ، وأثبتوا أنه تعالى كل يوم في شأن، من إعدام شيء، وإحداث شيء آخر، وإماتة شخص، وإحياء آخر إلى غير ذلك، لئلا يترك العباد

____________________

(1) يعني الشيعة الإمامية.


التضرع إلى الله ومسألته وطاعته، والتقريب إليه بما يصلح اُمور دنياهم وعقباهم، وليرجوا عند التصدق على الفقراء وصلة الأرحام وبرّ الوالدين والمعروف والإحسان ما وُعدوا عليها من طول العمر وزيادة الرزق وغير ذلك»(1) .

وتحدث المرجع الديني السيد أبو القاسم الخوئيقدس‌سره عن البداء وعن قدرة الله ومشيئته وعلمه سبحانه فقال: «لا ريب في أنّ العالم بأجمعه تحت سلطان الله وقدرته وأنّ وجود أيّ شيء من الممكنات منوط بمشيئته تعالى، فان شاء أوجده، وإن لم يشأ لم يوجده، ولا ريب أيضاً في أنّ علم الله سبحانه قد تعلق بالأشياء كلها منذ الأزل، وأنّ الأشياء بأجمعها كان لها تعيّن علمي في علم الله الأزلي، وهذا التعين يُعبّر عنه ب (تقدير الله) تارة وب (قضائه) تارة اُخرى... فمعنى

____________________

(1) المصدر السابق ص 129 - 130.


تقدير الله تعالى للأشياء وقضائه بها: أن الأشياء جميعها كانت متعينة في العلم الإلهي مند الأزل على ما هي عليه من أنّ وجودها معلّق على أن تتعلق المشيئة بها، حسب اقتضاء المصالح والمفاسد التي تختلف باختلاف الظروف والتي يحيط بها العلم الإلهي»(1) .

ثمّ أوضح بعد ذلك موقف الفكر اليهودي المنحرف من قدرة الله تعالى فقال: «وذهب اليهود إلى أنّ قلم التقدير والقضاء حينما جرى على الأشياء في الأزل استحال أن تتعلق المشيئة بخلافه، ومن أجل ذلك قالوا: يد الله مغلولة عن القبض والبسط والأخذ والإعطاء، فقد جرى فيها قلم التقدير، ولا يمكن فيها التغيير»(2) .

وهذا القسم هو الّذي يقع فيه البَداء:( يَمحُو اللهُ

____________________

(1) السيد الخوئي / البيان في تفسير القرآن: ص 407 - 408.

(2) المصدر السابق: ص 408.


مَا يَشَآءُ ويُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ ) (1) .

( ... للهِ الأمرُ مِنْ قَبلُ وَمِنْ بَعدُ... ) (2) .

ثمّ أوضح رأي الشيعة الإمامية في البداء بقوله: «ثمّ إنّ البداء الذي تقول به الشيعة الإمامية إنما يقع في القضاء غير المحتوم، أما المحتوم منه فلا يتخلّف، ولابد من أن تتعلق المشيئة بما تعلق به القضاء»(3) .

ثمّ استدل لذلك بتفسير أئمة أهل البيت الباقر والصادق والكاظمعليهم‌السلام لقول الله (عزّ وجلّ):( فِيَها يُفرَقُ كُلُّ أمرٍ حَكِيمٍ ) (4) «أي يقدِّر الله كلّ أمر من الحق ومن الباطل، وما يكون في تلك السنةً، وله فيه البداء والمشيئة، يقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء من الآجال والأرزاق والبلايا والأعراض والأمراض،

____________________

(1) سورة الرعد: آية 39.

(2) سورة الروم: آية 4.

(3) السيد الخوئي / البيان في تفسير القرآن: ص 409.

(4) سورة الدخان: آية 4.


ويزيد فيها ما يشاء وينقص ما يشاء...»(1) .

ثمّ يلخص رأي الشيعة الإمامية بقوله: «وخلاصة القول: إنّ القضاء الحتمي المعبّر عنه باللوح المحفوظ وبأُمّ الكتاب، والعلم المخزون عند الله يستحيل أن يقع فيه البداء، وكيف يتصوّر فيه البداء؟ وأن الله سبحانه عالم بجميع الأشياء منذ الأزل، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

روى الصدوق في (كمال الدين) بإسناده عن أبي بصير وسماعة عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال:

«من زعم أنّ الله (عزّ وجلّ) يبدو له في شيء لم يعلمه فابرؤوا منه».

وروى العياشي عن ابن سنان عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : أنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده اُمّ الكتاب. وقال: فكلّ أمر

____________________

(1) السيد الخوئي / البيان في تفسير القرآن: ص 411.


يريده الله فهو في علمه قبل أن يصنعه، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه. إنّ الله لا يبدو له من جهل»(1) .

ثمّ أوضح بعد ذلك سبب البحث في مسألة البداء فقال: «فالقول في بالبداء: هو الاعتراف الصريح بأنّ العالم تحت سلطانه وقدرته في حدوثه وبقائه، وأنّ إرداة الله نافذة في الأشياء أزلاً وأبداً...

والقول بالبداء يوجب انقطاع العبد إلى الله وطلبه إجابة دعائه منه، وكفاية مهماته وتوفيقه للطاعة وإبعاده عن المعصية، فإن إنكار البداء والالتزام بأنّ ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة - دون استثناء - يلزمه يأس المُعتِقد بهذه العقيدة عن اجابة دعائه...

والسِّر في هذا الاهتمام: أنّ إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول بأنّ الله غير قادر على أن يغيِّر ما

____________________

(1) السيد الخوئي / البيان في تفسير القرآن: ص 412 - 413.


جرى عليه قلم التقدير. تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً»(1) .

وجرياً على هذه القاعدة ناقش الخواجة نصير الدين الطوسي الفلاسفة الّذين نفوا علم الله بالجزئيات بقوله: «وتغيّر الإضافات ممكن».

وعلّق الشارح العلاّمة الحلّي على ذلك بقوله:

«أقول: هذا جواب عن اعتراض الحكماء القائلين بنفي علمه تعالى بالجزئيات الزمانية وتقرير الاعتراض: ان العلم يجب تغيّره عند تغيّر المعلوم وإلاّ لانتفت المطابقة، لكن الجزئيات الزمانية متغيّرة، فلو كانت معلومة عند الله تعالى لزم تغيّر علمه تعالى، والتغيّر في علم الله تعالى محال، وتقرير الجواب أنّ التغيّر هذا إنما هو في الإضافات لا في الذات، ولا في الصفات الحقيقية...»(2) .

____________________

(1) المصدر السابق: ص 414 - 415.

(2) العلاّمة الحلي / كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 312.



الخلاصة



وهكذا يتضح الرأي الإمامي في مفهوم البداء وتتحدّد معالمه الأساسية من خلال ما بيّنه أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، وعرضه وناقشه علماء ومتكلّمو الإمامية.

فهو لا يعني تغيّر علم الله تعالى ولا نقض إرادته، بل إنّ علمه سابق لما سيكون وسيحدث من تغيير موقوف على تغيير المصالح والأوضاع البشرية، كأن يغيّر الإنسان ما بنفسه من سوء أو خير فيغيّر الله ويحدث له وضعاً آخر، أو يحدث الإنسان طاعة كالدعاء أو الصدقة أو البر والإحسان فيدفع الله عنه السوء والمكروه وينجز له طلبته.


فإنَّ الأمر لا يخرج من يد الله ومشيئته، واستدلوا لذلك بقوله تعالى:( يَمحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثِبتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَاب ) (1) ،( ما ننسخْ من ءَآيَةٍ أو نُنسِهَا نَأتِ بخَيرٍ مِّنهَا أو مِثلِهَا... ) (2) .

وبقوله:( ... للهِ الأمرُ مِنْ قَبلُ وَمِنْ بَعدُ... ) (3) ، ( ... إنَّ اللهَ لاَ يُغيّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغيِّرواْ مَا بِأنفُسِهِمْ... ) (4) .

وبعد قراءة بيان الفكر الإمامي لمفهوم البَداء في العقيدة الإسلامية نلخّص أبرز ما جاء في هذا الفهم والبيان، هو:

1 - إنّ أول من استعمل مصطلح البَداء هو الرسول الكريم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

____________________

(1) سورة الرعد: آية 39.

(2) سورة البقرة: آية 106.

(3) سورة الروم: آية 4.

(4) سورة الرعد: آية 11.


2 - إنّ البَداء في عالم التكوين كالنسخ في عالم التشريع.

3 - إنّ المسلمين جميعاً يقولون بالبَداء كمعنى، ويختلفون في إطلاق المصطلح على هذا المعنى، وبعد أن ثبت استعمال الرسول لهذا اللفظ، يكون الإشكال اللفظي قد حُلّ، ولم تعد هناك مشكلة عقيدية في استعمال المصطلح.

4 - إنّ إبراز عقيدة البَداء من جانب الفكر الشيعي بهذا الشكل المكثف جاء ردّاً على الفكر اليهودي المنحرف الذي ادّعى بأنّ الله سبحانه قد خلق الخلق، وفرغ منه، وهو غير قادر على أنْ يُحدث فيه شيئاً آخر، أو يغيّر في الخلق ما يشاء.

كما جاء ردّاً على أصحاب الفكر المنحرف من الفلاسفة المتأثرين بالفكر اليوناني وبعض متكلمي المعتزلة الذين شطّ بهم الفهم عن الرؤية التوحيدية الأصيلة.


5 - إنّ البَداء لا يعني تغيّر علم الله سبحانه، بل إنّ الله عالم بما يحدث ويتغيّر في الخلق علماً أزلياً.

6 - إنّ ما جاء في القرآن الكريم من إجابة دعاء الأنبياء والمضطرّين وتغيير ما بهم، وما تحدثت به السنّة المطهّرة من حثٍّ على الصدقة والبرّ وصلة الأرحام، وتأثير ذلك في إطالة العمر، ورفع البلاء، وتغيير ما بالإنسان، إنْ هو إلاّ مصداق لمفهوم البداء. ولا يُقصد بالبداء إلاّ هذا التغيير وأمثاله.

7 - إنّ ما يثبت في اُمّ الكتاب - اللوح المحفوظ - أي العلم المخزون الذي لم يطلع الله سبحانه عليه أحداً من ملائكته أو رسله، هو الأصل الثابت الذي لا تغيير فيه ولا تبديل، إنما يقع التبديل والتغيير فيما يجري تنفيذه في عالم الخلائق الّذي عبّر عنه القرآن الكريم بقوله:( إنّا أنزَلْناه في لَيلَةِ القَدرِ * وَمَا أدرَاكَ مَا لَيلَةُ القَدرِ* لَيلَةُ القَدرِ خَيرٌ مِّنْ ألْفِ


شَهرٍ * تَنَزَّلُ الملائكةُ وَالرُّوحُ فيهَا بإذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمرٍ* سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطلَعِ الفَجرِ ) (1) .

وقوله سبحانه:«إنَّا أنزَلْنَاهُ في لَيلَةٍ مُّباركةٍ إنَّا كُنَّا مُنذِرينَ* فيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِم* أمْراً مِّنْ عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلينَ* رَحمَةً مِّن رَّبِّكَ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَليمُ ) (2) .

فقد ورد في تفسير وبيان أهل البيتعليهم‌السلام أنّ في ليلة القدر تُقدَّر اُمور الخلائق من بداية تلك الليلة وحتى الليلة الآتية من العام الذي يتلوها.

____________________

(1) سورة القدر: آية 1 - 5.

(2) سورة الدخان: آية 3 - 6.



خاتمة البحث

وبعد هذا العرض الموجز لمفهوم (البَداء) يتضح لدى القارئ الكريم جانب من مشاكل الفكر الإسلامي التي انعكست آثارها على فهم المسلمين بعضهم لبعض وتشخيص الحقيقة الموضوعية والتعريف بها، فقد وَضُحَ لدينا أنّ مشكلة الخلاف التي دارت وما زالت تدور حول الإيمان بالبداء هي مشكلة غياب الموضوعية في البحث العلمي، وتدخّل الخلاف السياسي. بعد أن عرفنا أنّ الخلاف حول مفهوم البداء هو خلاف في الشكل لا في المضمون، وفي المصطلح


الفني لا في المعتقد.

لذا فإننا مدعوون إلى دراسة أسباب نشوء الخلاف في الفكر العقيدي ومعرفة حقيقته قبل إصدار الحكم على المؤمنين به. فإن دراسة تاريخ القضية وتطوّرها تشكل أداة مهمة من أدوات الفهم وتحديد الموقف.

وخير ما نختم به هذا البحث هو قول الله الحق:

( وَالَّذِينَ اجْتَنبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُواْ إلىَ اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبعُونَ أَحْسَنَهُ اُوْلئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَاُوْلئِكَ هُمْ اُوْلُواْ الأَلبَابِ ) (1) .

____________________

(1) سورة الزمر: 17 - 18.


الفهرس

تصدير9

تقديم 11

البَداء لغةً واصطلاحاً15

البَداء في اللغة:17

البَداء في الاصطلاح:17

البَداء في القرآن الكريم 22

البَداء في الحديث النبوي الشريف 30

البَداء عند أئمة أهل البيت «عليهم السلام» 36

البَداء في تحليل العلماء41

الخلاصة55

خاتمة البحث 63