الوهمي والحقيقي في سيرة عمر بن الخطاب
التجميع مناظرات وردود
الکاتب عبدالباقي قرنة الجزائري
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

بسم الله الرحمن الرحيم



الوهمي والحقيقي

في

سيرة عمر بن الخطاب

تأليف عبد الباقي قرنة الجزائري



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمّد وآله الطاهرين؛

تتعالى بين الحين والحين أصوات تنادي بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي، وكأنّ المسألة تحتاج إلى إذن من أمين الجامعة العربيّة أو الأمين العامّ للأمم المتّحدة؛ والحقّ أنّه لا ينبغي التّشكيك في تلك الأصوات، لأنّه لا حجر على الفكر ولا احتكار، لكن يبقى لها أن تمرّ بالامتحان، والامتحان وحده هو الذي يميّز الخبيث من الطيّب والصادق من الكاذب. وعليه، فلابدّ من عرض أفكار وأعمال أصحاب تلك الأصوات على المفاهيم والقيم المعنويّة التي لا تختلف فيها المجتمعات البشريّة على اختلاف ثقافاتها ومعتقداتها. حينها يمكن لنا أن نقول: "إنّ في العالم الإسلامي دعاة يطالبون جادّين بإعادة كتابة التّاريخ الإسلامي من منطلق إيمان شخصيّ يهدف إلى إرضاء ضمير صاحبه، وإرضاء الضّمير يختلف بين شخص وآخر، وقد يصل عند بعض إلى حدّ التّضحية بالنّفس.

إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، والتاريخ الإسلامي يبدأ بسيرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛

لماذا تأخّرت كتابة سيرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى القرن الثاني؟

من كتب التّاريخ الإسلامي؟ وكيف كانت بداية كتابته؟ وهل كان المؤرّخ موضوعيّا نزيها حين يكتب عن مخالفيه؟

لماذا تجاهل المؤرّخون موسى بن جعفرعليه‌السلام والسّنوات الّتي قضاها في غياهب السّجن بينما كان هارون بن المهدي غارقا في عالم النّساء والكأس والعود، ولم يكتفوا بذلك بل راحوا يقولون عن هارون "يحجّ عاما ويغزو عاما"؟

ألم يمجّدوا أبا جعفر المنصور العبّاسي الذي أخاف ذرّية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونكّل بهم وشرّدهم في كلّ صوب؟ ومع ذلك تسرّب إلينا وصفه المناسب والتّعريف بحقيقته، فقد قال المقدسي في البدء والتّاريخ في وصف المنصور: «كان أكبر من أبي العبّاس بثماني عشرة سنة وذكروا أنّه كان رجلا أسمر، نحيفا، طويل القامة، قبيح


الوجه، دميم الصّورة، ذميم الخلق، أشحّ خلق الله واشدّه حبّا للدّينار والدّراهم، سفّاكا للدّماء، ختّارا بالعهود، غدّارا بالمواثيق، كفورا بالنّعم، قليل الرّحمة. وكان جال في الأرض وتعرّض للناس، وكتب الحديث وحدّث في المساجد، وتصرّف في الأعمال الدّنيذة والحرف الشّائنة، وقاد القود لأهلها ن وضربه سليمان بن حبيب بالسّياط. وفي الجملة والتّفصيل كان رجلا دنيئا، خسيسا، كريها شرّيرا..» الخ(1) . هذه صفات الخليفة الذي يدعي أنه ينوب عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الأمة!

لماذا وقف المؤرّخون إلى جنب الحاكم ودافعوا عنه حتى حين يخالف الشّريعة الإسلاميّة؟

ما هو موقف الفقهاء من خلفاء زمانهم الذين كانوا يبيتون يستمعون إلى أنغام النّاي والعود وأصوات الغلمان والجواري حتى مطلع الفجر؟

هل كانت حرّيّة الفكر والتّعبير محفوظة للمسلم في دولتي بني أميّة وبني العبّاس المنتسبتين إلى الإسلام؟

لماذا قال المؤرّخون عن أبي لؤلؤة قاتل عمر بن الخطاب (مجوسي) وهو الذي كان في الصّفّ الأوّل بعد تكبيرة الإحرام(2) وقالوا عن قاتل عليعليه‌السلام مجتهد(3) ، وهو الذي سمّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشقاها؟!

لماذا لم يتوقّف المؤرّخون عند قضيّة دفن عثمان، فإنّه دفن في مقبرة اليهود ولم يعترض على ذلك أحد من الصّحابة، بل اعترضوا على دفنه مع المسلمين؟ أليس من عادة الأصوليّين أن يعتبروا سكوت الصّحابة وإمضاءهم من الأدلّة التي يعتبرونها شرعيّة وبنون عليها الأحكام؟

مثل هذه الأسئلة هي التي يحقّ لنا طرحها إذا كنّا نرغب فعلا في إعادة كتابة

____________________

(1) البدء والتاريخ، المطهر بن طاهر المقدسي، ج 6 ص 90، مكتبة الثّقافة الدينية، بور سعيد، مصر.

(2) لم يكن يسمح لغير المسلم بدخول المسجد على عهد عمر بن الخطاب، ويتضح ذلك من خلال قصة النصراني كاتب أبي موسى الأشعري التي تأتي لاحقا. وإسلام بنت أبي لؤلؤة ثابت.

(3) علما أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سمّى قاتل علي عليه السلام أشقى الآخرين!


التّاريخ بصورة نزيهة لا تمجّد الحاكم، فلقد لعب الحاكم دورا مهمّا في كتمان الحقائق ونشر الأباطيل، وقد بقي ذلك سنّة متوارثة تنتقل من جيل إلى جيل حتّى رأينا العجب في أيّامنا؛ فهذا صدّام حسين زعيم حزب البعث في العراق، الذي حكم شعبه بالحديد والنّار ثلث قرن من الزّمان، مارس فيه أبشع أنواع القتل والتّعذيب، واعتدى على دولتين من دول الجوار فأيتم مئات الآلاف من الأولاد، ورمّل مئات الآلاف من النّساء، وهدم آلاف البيوت ومدنا بمؤسّساتها وبناها التّحتية.. ثمّ فرّ فرار العبيد، وألقي عليه القبض في حفرة ضيّقة لا تصلح إلاّ للجرذان، واستخرج من هناك وقد تغيّرت سحنته ورائحته حتى كان الطّبيب الأمريكيّ الذي فحصه ساعتها يضع قماشا واقيا على أنفه من شدّة ما كان ينبعث من الزّعيم العربي - أقول -: هذا الهارب المختبئ في حفرة تحوّل بعد إعدامه إلى بطل مظلوم يثير ذكره المشاعر، وصار إضافة إلى ذلك (رمزا دينيّا)، وهو الذي كان أيّام حكمه يكفر بالمذاهب كلّها والأديان كلّها طالما سلم له دين البعث ونبيّه ميشيل عفلق! تحوّل هذا الشّخص بجرائمه إلى بطل يبكي عليه الخطباء في المساجد!

إذا كان هذا شأن ما جرى أمام أعيننا، فكيف نثق بما وصل إلينا عن طريق مؤرّخين تهتزّ قلوبهم للدّينار ولا تبالي بالمأثم والعار؟

ألم يكن جعفر المتوكّل العبّاسي مدمنا على الخمر ليله ونهاره وهو على سدّة الخلافة، حتى قتل وهو على مائدة الخمر سكران لا يعقل؟! ومع ذلك قالوا عنه (مظهر السّنّة)(1) !

ألم يقل أحمد بن حنبل (إني لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره على إسماعيل ابن علية فإنّه أدخل عليه فقال له: يا ابن الفاعلة أنت الذي تقول كلام الله مخلوق)(2) ؟

____________________

(1) قال السيوطي في وصف المتوكّل العباسي:

وذو التوكل ما أزكاه من خلف

ومظهر السنّة الغرّاء إذ نصرا

في عام سبع يليها أربعون قضى

قتلا حباه ابنه المدعوّ منتصرا

فلم يقم بعده إلا اليسير كما

قد سنّه الله فيمن بعضه غدرا

(2) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 303.


علما أنّ الأمين هذا كان لا يصحو من السّكر حتّى قال شاعرهم عند قتله:

لم نبكيك لماذا للطرب

يا أبا موسى وترويج اللّعب

ولترك الخمس في أوقاتها

حرصا منك على ماء العنب(1)

لم تبدأ كتابة سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ في دولة العبّاسيين، لماذا؟ هل كان هناك رقابة شديدة، أم أنّ المسلمين لم يكونوا يهتمّون بسيرة نبيّهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي أخرجهم الله به من الظّلمات إلى النّور؟ لعلّ جواب ذلك يكمن في قول ابن هشام الحميريّ مهذّب سيرة ابن إسحاق حيث قال: (وأنا إن شاء الله مبتدئ هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم، ومن ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ولده، وأولادهم لأصلابهم، الأوّل فالأوّل، من إسماعيل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما يعرض من حديثهم، وتارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل على هذه الجهة للاختصار، إلى حديث سيرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتارك بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب، ممّا ليس لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه ذكر، ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سببا لشيء من هذا الكتاب ولا تفسيرا له ولا شاهدا عليه لما ذكرت من الاختصار، وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشّعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض النّاس ذكره، وبعض لم يقرّ لنا البكّائيّ بروايته، ومستقص إن شاء الله تعالى ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له، والعلم به(2) .

إذاً، هناك في تاريخ المسلمين أشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض النّاس ذكره ولأجل أن يبدو التّاريخ رائقا رائعا لابدّ من كتمانها وإخفائها عن النّاس! لابدّ من حذفها من الكتب والرّوايات أو تحريفها بطريقة تجعل أصحاب اليمين على الشّمال وأصحاب الشّمال في اليمين! لابدّ من وأدها حيّة تتنفّس حتى لا تعرّض صور الخلفاء والزّعماء للتّشويه فتصبح قاتمة بعد أن كانت برّاقة لماعة.

____________________

(1) تاريخ الطبري، ج 5 ص 105 و تاريخ الإسلام، ج 13 ص 64 وتاريخ الخلفاء، ج 1 ص 301 وسمط النجوم العوالي ج 3 ص 435.

(2) السيرة النبوية، ابن هشام، ج 1، ص 5.


هذا الكلام كرّره الذهبيّ بعد قرون من رحل ابن هشام، في عبارة يبدو فيها الذّهبي بشكل الحريص على وحدة المسلمين وسلامة قلوبهم. قال الذّهبي في معرض الحديث عن طعن الأقران: قال: (وما زال يمرّ بي الرّجل الثّبت وفيه مقال من لا يعبأ به، ولو فتحنا هذا الباب على نفوسنا لدخل فيه عدّة من الصّحابة والتّابعين والأئمّة [!]، فبعض الصّحابة كفّر بعضهم بتأويل ما، والله يرضى عن الكلّ ويغفر لهم، فما هم بمعصومين، و ما اختلافهم ومحاربتهم بالتي تلينهم عندنا أصلا، وبتكفير الخوارج لهم انحطت رواياتهم بل صار كلام الخوارج والشيعة فيهم جرحا في الطاعنين، فانظر إلى حكمة ربك نسأل الله السلامة، وهذا كثير من كلام الأقران بعضهم في بعض ينبغي أن يطوى ولا يروى ويطرح ولا يجعل طعنا ويعامل الرجل بالعدل والقسط(1) .

قال: (فأما الصحابة رضي الله عنهم فبساطهم مطوي وإن جرى ما جرى وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات فما يكاد يسلم أحد من الغلط لكنّه غلط نادر لا يضرّ أبدا إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل، وبه ندين الله تعالى)(2) .

ولا أدري من هو الذي طوى بساط الصّحابة، ومتى وأين كان ذلك؟ وليت الذهبيّ بيّن ذلك، فإنّ القرآن الكريم يهتف:( وَأَمّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى‏ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ) .

وقال: (كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية لا يلتفت إليه بل يطوى ولا يروى كما تقرر عن الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهمرضي‌الله‌عنه أجمعين. وما زال يمرّ بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا؛ فينبغي طيّه وإخفاؤه، بل إعدامه [!] لتصفو القلوب وتتوفّر على حبّ الصّحابة والتّرضّي عنهم،

____________________

(1) الثقات المتكلم فيهم، الذهبي، ج 1 ص 24.

(2) الرواة الثقات المتكلم فيهم، الذهبي، ج 1 ص 24.


وكتمان ذلك متعيّن عن العامّة وآحاد العلماء، وقد يرخّص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العريّ من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله تعالى(1) .

يقول الذهبيّ: يجب أن يكتم ما جرى بين الصّحابة عن النّاس! بل عن العلماء أيضاً! بل ويجب أن يعدم من الوجود!! فالله وحده يعلم كيف تصرّف الذهبي مع الروايات، وكم دفن من الحقائق باسم الإسلام والحفاظ على سلامة منزلة الصّحابة في قلوب الأجيال؟!! والله أعلم إن كان الإسلام يجيز هذا الذي يدعو إليه الذهبي.

وهو يقول: (كما علّمنا الله تعالى)، ولا شكّ أنّ الله تعالى قد علّمنا الاستغفار، ولكن حاشا لله أن يكون علّمنا كتمان الحقّ لأجل تبييض وجوه سوّدتها المعاصي وتسويد وجوه نوّرتها الطاعات، وهو القائل في كتابه الكريم:( وَلاَ تَكْتُمُوا الشّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) .

في تاريخنا أحداث ووقائع ثابتة تلاعبت بها أيدي المتأوّلين والمصوّبين وأهل الأهواء ن الذين يدّعون أنّهم أشدّ حرصا على الإسلام من الإسلام نفسه، ومن حرصهم على الإسلام منحوا الصّحابة حصانة دبلوماسيّة تجعلهم فوق كل اعتبار دنيا وآخرة ن وأدخلوهم الجنّة قبل أن تفتّح أبوابها ح فهم لا يسألون عمّا يفعلون، وليس في أعمالهم إلاّ الحسنات، و (اعملوا ما شئتم فإنّي قد غفرت لكم)(2) . وعلى هذا تكون كلّ أعمالهم خيرا، حتّى لو كان الشرّ يقطر منها وكنّا ندفع ضريبة ذلك الشّرّ في كلّ دقيقة من حياتنا.

فالخليفة عمر بن الخطّاب العدويّ كان همّه الفرار في المعارك التي شهدها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والفرار من الزّحف معدود من الكبائر في الإسلام، ومن الفقهاء من لا يجيز شهادة من فرّ من الزّحف(3) ؛ ولكن كي يبقى عمر بن الخطّاب فوق كلّ

____________________

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج 10 ص 92.

(2) صحيح البخاري، ج 5 ص 2264 والمستدرك على الصحيحين، ج 4 ص 87 وفيض القدير، ج 2 ص 212 ومجموع الفتاوى، ج 4 ص 460 وقطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر، ج 1، ص 97 وشعب الإيمان، ج 7 ص 39.

(3) قال القرافي في الذخيرة ج 3، ص 411 (قال ابن القاسم: لا تجوز شهادة الفارّ من الزّحف وإن فرّ إمامه، وإن بلغ


اعتبار ينبغي تجاوز فراراته المتكرّرة، ومنع الحديث عنها، والصّرامة في معاقبة كلّ من تسوّل له نفسه فتح ذلك الملفّ! فعمر بن الخطّاب القرشيّ رغم أنّه فرّ أكثر من مرّة من ساحة الحرب يبقى شجاعا! ورغم خذلانه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتخلّيه عنه وتركه إيّاه بين الأعداء يبقى وفيّا! ورغم تهديده بتحريق بيت فاطمة عليها السلام يبقى معظّما لحرمة أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ولهذا توقّف ابن هشام عند وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يفصّل بصورة نزيهة فيما حدث بين الصّحابة في ذلك اليوم والأيّام التي أعقبته. وما يصدق في حقّ عمر بن الخطّاب يصدق في حقّ أبي بكر بن أبي قحافة أيضا، فإنّهما كانا على موجة واحدة.

وللصّحابة حرمتهم ما داموا في ركاب الدّولة القرشيّة الحاكمة. أمّا من لم يكن متناغما معها فلا حرمة له. فهذا مالك بن نويرة الصّحابي الذي شهد له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه من أهل الجنّة وعيّنه على صدقات قومه لم يرض بلعبة السّقيفة ولم يدخل فيها، فحكم عليه المؤرخون بالرّدة عن الإسلام، وعتّموا على شهادة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له، ونام خالد بن الوليد في فراش مالك بن نويرة في نفس اللّيلة التي قتله فيها، وتقلب بين أحضان الأرملة التي كانت في عدّتها إن كانت مسلمة، وقالوا عن ذلك إنه اجتهاد وتأويل! (ارفع لسانك عن خالد فإنه تأوّل فأخطأ)!

وكذلك شأن الصّحابي الجليل أبي ذرّ الغفاريرضي‌الله‌عنه ، فإنه لم يكن منسجما مع الدّولة الحاكمة في أيّامه، خصوصا بعدما رأى يهوديا اسمه كعب الأحبار يعتلي منصب المفتي والمستشار الأوّل في الدّولة بعد إزاحة عبد الرحمن بن عوف قبيل وفاته(1) . لم يتحمّل أبو ذرّرضي‌الله‌عنه ذلك الوضع فأعلن ثورته على الانحراف بشتّى

____________________

عدد المسلمين اثني عشر ألفا لا يجوز التولّي وإن كان العدوّ زائدا على الضّعف لقوله لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلّة؛ فهذا الحديث مخصّص للآية عند أكثر العلماء). وفي منح الجليل (والفرار المحرّم من الكبائر فتسقط العدالة به فلا تقبل شهادة الفار إلا أن يتوب) منح الجليل شرح على مختصر سيد خليل. تأليف: محمد عليش ج 3 ص 153: دار الفكر، بيروت 1409 هـ - 1989 م.

(1) قال أبو ذرّ لمن حضر وفاته: (... أتسمعون؟ لو كان لي ثوب يسعني كفنا لم أكفن به إلا في ثوب هو لي او ثوب يسعني كفنا غلا في ثوبها؛ فأشدكم الله والإسلام أن يكفّنني رجل منكم أميرا أو عريفا أو نقيبا أو بريد!) فكلّ


أقسامه ن ولم تنفعه سابقته في الإسلام ولا طول صحبته لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكان مصيره النّفي إلى صحراء الرّبذة حيث مات منفيّا، وجاء المؤرّخون الحريصون على سمعة الصّحابيّ الحاكم فقالوا: اختار أبو ذرّ الانتقال إلى الرّبذة من تلقاء نفسه غير مكره!! ويبقى الباثح متحيّرا في شأن رجل يختار على كبر سنّه مكانا قاحلا مثل الرّبذة، فيكون بذلك أشبه بالمتعرّب بعد الهجرة إن لم يكنه فعلا؛ لكن أخبارا تسرّبت رغم الرّقابة الشّديدةتكشف بوضوح أنّ أبا ذررضي‌الله‌عنه كان قد أكره على الانتقال إلى الرّبذة، وأن الإبعاد من المدينة كان سيرة الدّولة وسياستها مع كل من تسوّل له نفسه المعارضة وقول (لا).

في أيّامنا تمارس عمليّة تزييف التّاريخ بطريقة مشابهة من حيث المضمون مختلفة من حيث الشّكل، وتتبنّى ذلك قنوات فضائيّة وشبكات الكترونيّة وإذاعات وجرائد ومجلاّت و..! إنّها تختلف عمّا كان يجري أيّام الخلفاء إذ لا خليفة ولا خلافةاليوم؛ لكنّها تقتفي أثر أولئك في تمجيد الحاكم واستهجان المعارض. وما يثير اشمئزاز النّفوس الحرّة هو إشراك المشاهد والمستمع في عمليّة التّحريف. يتّصل أشخاص متّفقون سابقا مع مقدّمي البرامج ليستعرضوا عضلاتهم ويوهموا المتابعين أنّ الأمر كما يقولون، وأنّ كل رواية تخالف روايتهم فهي إمّا وهم أو تحريف. تماما كما زعم الكرخيّ الحنفيّ في قوله المشهور كلّ ما ليس عليه أصحابنا من آية أو حديث فهو إمّا منسوخ او مؤوّل(1) .

تلكم القنوات والإذاعات والمواقع الإلكترونيّة تطرح القضايا والوقائع كأنّها مسلّمات، ثمّ تبدأ في نقاش الحيثيّات والنتائج والآثار، وقد أعفت نفسها من مسؤولية

____________________

القوم قد كان قارف بعض ذلك إلاّ فتى قال أنا أكفّنك فغنّي لم أصب مما ذكرت شيئاً، أكفّنك في ردائي هذا الذي علي وفي عيبتي من غزل أمّي حاكتهما لي قال: (انت فكفّني). قال فكفّنه الأنصاري والنّفر الّذين شهدوه فيهم جحش بن الأدبر ومالك بن الأشتر في نفر كلّهم يمان. (المنتظم، ابن الجوزي، ج 4 ص 347). وهذا يعني أنّ أبا ذرّ لم يكن يستحلّ الكفن من دولة عثمان، أي أنّه لم يكن يعتبرها دولة إسلاميّة.

(1) أزمة الفكر السياسي في الإسلام، د. عبد الحميد متولي: ص 36، وفقه السنة، سيد سابق: ج 1، ص 10. وعبارة سيد سابق في فقه السنة كما يلي: وقد بلغ الغلوّ في الثقة بهؤلاء الأئمّة حتى قال الكرخي وهو حنفي: كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ.


البحث؛ وهذا خطأ علميّ كبير، لأنّ ما يختلف فيه النّاس لا يصحّ اعتباره مسلّما، والتّسليم في هذه الحال يكون في صالح طرف لكنّه يضرّ بجهود كلّ باحث ومحقّق مخالف لذلك الطّرف؛ وهذا النّوع من اعتبار ما يطرحه المتحدّث صحيحا وفرضه على الطّرف المقابل هو ما يعبّرون عنه بالتّحكّم، وهو باطل في نظر العقلاء. وعليه ينبغي لكلّ من ينشد الحقيقة أن يبتعد عن مثل تلك الطّريقة في الطّرح، بل عليه ألا يقدّم شيئا إلاّ بعد التأكّد من قبول الطرف الآخر له واعتباره إيّاه صحيحا، حتى يكون البحث موضوعيّا نزيها مثمرا مفيدا. ومع بالغ الأسف فإنّ المغالطة صارت هي القاعدة في خطاب الفضائيّات، ولم يعد يسلم من ذلك إلا ما يورده المعارضون من ضيوف البرامج أو المتّصلين من بعيد. ويمكن القول إنّ بعض الفضائيات (النفطيّة) صارت تمارس التملّق علنا من خلال ما تعرضه على المشاهد من أمور وقضايا تهدف قبل كل شيء إلى النّفخ في الحاكم ليظهر بصورة البطل وتشويه المعارض ليظهر بصورة الخائن! ولله في خلقه شؤون.

السيرة مأخوذة من السير(1) ، وعليه فسيرة الرّجل تعني كلّ ما أثر عنه وما جرى له في حياته، خيرا كان أو غيره؛ وقد اهتمّت الأمم بسير ملوكها وعلمائها وكلّ من له تأثير في تاريخها ن وكان العرب قبل الإسلام يحفظون سير الملوك والصّعاليك والشعراء وغيرهم، لكن الرّواية لم تكن تسلم من الإضافة والحذف لعوامل تعود إلى طبيعة التّقليد الموروث في بيئة العرب، وهو ما يمتزج بالعداوات والإحن والتّنافس بين القبائل، وقد يصل أحيانا إلى الافتراء على الطّرف الآخر مع القطع ببراءته، لأنّ الكذب وإن كان قبيحا إلاّ أنه لم يكن بمنزلة الحرام والإثم في الدّين، وبين الاعتبارين فرق كبير؛ وقد يرسخ أقوام في الدّناءة بحيث لا يضرّهم تعاطي الكذب باستمرار..

____________________

(1) قال الرازي: (قال صاحب الكشاف: السيرة من السير كالركبة من الركوب، يقال سار فلان سيرة حسنة، ثمّ اتّسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة). (التفسير الكبير، فخر الدين الرازي، ج 22 ص 26).


جاء الإسلام وجاءت معه مادّة للسّيرة والتّاريخ، تتجاوز التّرف الفكري وسمر الليل وتفاخر القبائل إلى طلب التأسّي والاقتداء بالنّبي الجديد الذي نشأ في بلاد العرب، وأسّس دولةلم يعرف العرب مثلها في بلادهم فيما سبق، ودعا إلى قيم ومثل تتنافس الحضارات الإنسانيّة في ادّعاء ما هو دونها. لكن مع بالغ الأسف لم تكتب سيرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ بعد رحيله بأكثر من قرن، كما وقع للمسيحيّين تماما، وتداولت الأيدي تلك السّيرة فتعرّضت للمبضع والمقصّ، وجرى عليها من التّشريح ما جرى، فحذف منها ما حذف وأضيف إليها ما أضيف، ووصلت إلينا مخيطة حسب الطّلب، حسب ذوق العامة ومواج الحاكمين.

وقد ارتأى علماء المسلمين أن يقرنوا سيرة الصّحابة بسيرة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنّها في نظرهم مفسّرةلها، وكاشفة لكثير مما قد يخفى بدونها، ولأنّ الصّحابة هم الذين بلّغوا الدّين بعد وفاة خاتم النّبيين (!)، فزعموا أنّهم جيمعا عدول، وأنّ الله تعالى لن يحاسبهم على ما يحاسب عليه غيرهم من أهل القبلة، وأنّ أهل بدر مغفور لهم الكبير والصّغير، وأن الله تعالى قال لهم: اعملوا ما شئتم فإنّي قد غفرت لكم!

غير أنّ تلك المزاعم يفنّدها القرآن الكريم بآيات محكمات تضع الصّحابة في المواضع اللاّئقة بهم على قدر معتقداتهم وأعمالهم، فمنهم مؤمن، ومنهم منافق، ومنهم من خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا، ومنهم الذين في قلوبهم مرض، ومنهم من شهد عليه النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه يموت على غير ملّة الإسلام..

لأجل هذا التّضارب بين ما يقوله القرآن الكريم، وبين ما ارتآه قسم كبير من علماء المسلمين، تعيّن البحث في أحوال الصّحابة فردا فردا، والنّظر في معتقداتهم وأعمالهم، ليلحق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من آمن وبقي على الإيمان إلى أن خرج من الدّنيا، ويفصل من انحرف وبدّل ومات مصرّا على الانحراف والتّبديل. هذا هو الموقف الذي ينسجم مع القرآن الكريم، فإنّ المؤمن بالقرآن الكريم لا يفرّق بين أحد من رسل الله تعالى، ولم يذكر القرآن الكريم أنّ صحابة أحد الأنبياء فيما سبق


كانوا جميعا عدولا مغفورا لهم كل ما يأتون، بل إنّ النبوّة والزّوجيّة وهما أولى وأقرب من الصّحبة لم تنفعنا أبناء وأزواج الأنبياء(1) ، لأنّ العبرة بالإيمان والعمل الصّالح لا بالأنساب والأسباب. وقد ثبتت في التّراث الإسلاميّ روايات وأخبار تفيد أنّ عددا كبيرا ممّن عاصروا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تؤول خاتمتهم إلى خير، بل يكونون من أهل النّار ويتبرّأ منهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنّهم بدّلوا وارتدّوا على أدبارهم القهقرى. روى البخاريّ عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه كان يحدّث أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول: يا ربّ أصحابي؛ فيقول: غنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى. وعن ابن شهاب عن ابن المسيب أنّه كان يحدّث عن أصحاب النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلؤون عنه، فأقول: يا ربّ أصحابي؛ فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، غنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى. وعن الزهري، كان أبو هريرة يحدّث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيجلون، وقال: عقيل فيحلؤون. وعن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: بينا أنا نائم إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمّ! فقلت: أين؟ قال إلى النّار والله؛ قلت: وما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثمّ إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمّ! قلت: أين؟ قال: إلى النّار والله! قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى! فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النّعم(1) ؛ وفي رواية مسلم (فإيّاي لا يأتينّ أحدكم فيذبّ عنّي كما يذبّ البعير الضّال فأقول فيم هذا؟فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك؛ فأقول سحقا)(2) .

فهذا يفيد أنّ من الصّحابة من يدخل النّار، وقوله (ارتدّوا على أدبارهم) صريح في إثبات ردّتهم، وقوله لا يخلص منهم إلاّ مثل همل النّعم جدير بالتّأمل والتدبّر

____________________

(1) إشارة إلى امرأة نوح وامرأة لوط، وابن آدم الذي قتل آخاه، وابن نوح الذي كان من المغرقين.

(2) صحيح البخاريّ، ج 5، ص 2407. الأحاديث: 6213 و 6214 و 621.


لكلّ باحث عن الحقّ. والذي يحسم المسألة هو البحث في أحوال الأشخاص وسيرتهم أيّام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعده، فإنّ من كان مستقيما في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستمرّ على استقامته حقيق بحسن الخاتمة ولا يخلف الله وعده؛ أمّا من حاد عن الطّريق، وجانب الصّواب، ومات مصرّا على مخالفة أقوال وأفعال وتقريرات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّه لا ينفعه أن يزكّيه من يزكّيه، لأنّ العبرة بالمعايير القرآنية لا بالأمزجة والأذواق، والقرآن الكريم يقول:( فَمَن نَكَثَ فَإِنّمَا يَنكُثُ عَلَى‏ نَفْسِهِ ) .

وقد اختلف المسلمون في قضيّة الصّحابة إلى تيّارين متقابلين يختلفان في مسألة الصّحبة وما يترتّب عليها؛ وأصل الاختلاف ناشئ عن تدخّل السّلطات الحاكمة عبر تاريخ الأمّة في كلّ صغير وكبير من شؤون الحياة، وإن كانت تلك السّلطات من ناحية الالتزام بعيدة كلّ البعد عن احترام الشّريعة والتقيّد بأحكامها. كان أولئك الحكّام يشجّعون ويوقّرون ويظّمون كلّ من يحارب المعارضة نيابة عنهم، فيضفون عليه من الألقاب ما لا يناله بكدّ، ويبسطون إليه أيديهم بالعطاء والشّفاعة، فلا يردّ له طلب، ولا يعلو صوته صوت. أمّا من يشكّك في صلاحيّتهم للحكم، ولو بالأدلّة التي لا تقبل الجدل، فإنّما هو زنديق مارق من الدّين، يريد شقّ عصا المسلمين وتفريق الجموع وتشتيت الصّفوف، قد اتّبع غير سبيل المؤمنين، وحكم من يتّبع غير سبيل المؤمنين معلوم!

اختلف المسلمون في مسألة الصّحابة لأنّ قسما كبيرا من الصّحابة نكثوا عهدهم مع الله ورسوله بخصوص أهل البيت عليهم السلام، فقد ورد الأمر بالصّلاة عليهم في كلّ صلاة، فريضة أو نافلة؛ ونزل قرآن يؤكّد طهارتهم ويخبر أنّ الأمّة مسئولة عنهم يوم القيامة( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى‏ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنّ اللّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) (1) . وبما أنّ شهوة الحكم غلبت على النّفوس، وبما أنّ الملك عقيم، فقد ضيّعت منزلة وحرمة أهل البيت عليهم السلام وأوذوا بدل أن يحترموا، وسبّوا

____________________

(1) الشورى: 23.


بدل أن يصلّى عليهم، وافتري عليهم بدل أن يقتدى بهم، وكانت أحداث ووقائع ضمن الله تعالى وصولها إلينا رغم الرّقابة الشّديدة والكتمان المتعمّد؛ ومن أنصف نفسه ولزم الحياء من ربّه لم يخف عليه عودة النّفوس إلى الجاهليّة واكتفاؤها بالطّقوس والرّسوم التي لا تضرّ المصالح ولا تزعج الحاكمين.

نعم، لقد ضمن الله تعالى وصول كثير من الأحداث والوقائع إلينا ليكون ذلك حجّة علينا يوم القيامة، فإنّ أهل القبلة كلّهم مأمورون بمودّة قربى النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا فرق بين حاكم ومحكوم، ولا بين غنيّ وفقير، ولا بين عربيّ وأعجميّ؛ وليس أحد في ذلك بمعذور. كلّ من شهد الشّهادتين صار في ذمّته أن يحبّ أهل البيت عليه السلام أكثر ممّا يحبّ نفسه وأهله وماله، ولازم ذلك أن يحبّ من يحبّهم ويبغض من يبغضهم، ولا يفرّق بينهم وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد أن قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصريح العبارة (حسين مني وأنا من حسين) وقال (فاطمة بضعة منّي) وقال لعليّ عليه السلام (أت منّي بمنزلة هارون من موسى). فإذا كان المسلم صادقا في حبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّه لا يتردّد في حبّ أهل بيته عليهم السلام؛ ولو كان هذا الأمر مما يشقّ على النّفوس لما كلّف الله تعالى به أحدا، فإنّ التّكليف بغير المقدور قبيح من المخلوق فكيف بالخالق جلّ وعلا! فمحبّة أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذاً من صميم الدّين، نزل بها قرآن يتلى، وقضى النّبيّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مدّة من عمره الشّريف يدعو إليها ويرسّخها في فنسو المؤمنين؛ وإذا كانت محبّتهم من الدّين فإنّ بغضهم ليس من الدّين في شيء، بل إن مبغضهم يكون مارقا من الدّين لأنّه يكون مبغضا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبغضهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مخرج من الدّين باتّفاق، وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّ أهل بيته عليهم السلام كلاما كثيرا مؤكدا لقول الله تعالى:( ذلِكَ الّذِي يُبَشّرُ اللّهُ عِبَادَهُ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى‏ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنّ اللّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) (1) ، لكن النفوس المريضة أبت إلاّ أن تختلق أحاديث تحاول من خلالها الحطّ من

____________________

(1) الشورى: 23.


شأنهم عليهم السلام وإلباس غيرهم ما أنعم الله به عليهم(1) ، ونسوا أو تناسوا أنّه( لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ) (2) . وقد قطع النّبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الطّريق على المتأوّلين والمتفيهقين إذ قال في حقّ عليّ عليه السلام قولته الثّابتة في الصّحاح (يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله). فعليّ إذا حبيب الله ورسوله، أفترى الله تعالى يرضى عمّن يبغض حبيبه؟ ولينظر امرؤ إلى نفسه إن غاب عنه فهم ذلك، أتراه هو نفسه يحبّ من يبغض حبيبه؟!

لقد كان ولا يزال لعليّ عليه السلام محبّون يتقرّبون إلى الله تعالى بحبّه، كما كان ولا يزال له أعداء يبغضونه ويلهجون بسبّه؛ وحسب محبّيه أنّهم يحبّون من يحبّه الله تعالى ويحبّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهم في عبادة دائمة، لا يشكّون أنّهم محقّون، إذ يستحيل أن يكون الله تعالى على غير الحقّ، وهو الحقّ جلّ شأنه. أمّا مبغض عليّ فحجّته منقطعة داحضة، ويكفيه شناعة سوء أدبه مع الله تعالى إذ يجاهر ببغض حبيبه، وفي ذلك من سوء المعتقد ما فيه، إذ لو كان يعتقد أنّ الله تعالى حكيم لراجع وتاب وأناب، سوء المعتقد ما فيه، إذ لو كان يعتقد أنّ الله تعالى حكيم لراجع نفسه وتاب وأناب، وبحث في باطنه عن سبب بغض حبيب الله، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.

ضيّعت منزلة عليّ عليه السلام وحصل تهميشه عن عمد، من طرف أناس يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ن ويشهدون له بالفضل والسّبق والقرابة، وجاء بعدهم أناس يحدوهم الدّينار والمنصب، وقضوا أعمارهم في محاولة سلب عليّ عليه السلام محاسنه وإضفاءها على غيره، وتبرير أعمارهم في محاولة سلب عليّ عليه السلام محاسنه وإضفاءها على غيره، وتبرير أعمال مناوئيه، ثمّ خرجوا من الدّنيا، وبقي عليّ عليه السلام شامخا شموخ الزّمن، يعطّر ذكر اسمه مجالس محبّيه، ويعلو منهجه على كلّ منهج، لأنّه مع الحقّ والحقّ معه يدور معه حيث دار، ومن كان ذلك شأنه مع الحقّ، فلا ريب أن يفوز في النّهاية، ولا عجب أن يقول فيه بعض محبّيه:

____________________

(1) وضعت قبال آية المودة أحاديث منها: (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي) و (الأنصار محنة فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم) و (من أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم) , وهي كلها كما ترى. ولا يفوتك أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخاطب أصحابه فيقول لهم (الله الله في أصحابي)!

(2) يونس: 64.


تلك العظام أعزّ ربك شأنها

وتكاد لو لا خوف ربك تعبد(1)

أراد أعداء عليّ عليه السلام أن يغيّبوه فلم يفلحوا، لأنّ الشّمس لا تستر بالغربال، فعمدوا إلى أساليب من شأنها أن تنطلي على السّذّج والمغفّلين، واختلقوا بطولات وفضائل وأمجادا وهميّة، ووزّعوها بين خصوم عليّ عليه السلام، وجنّدوا لذلك الوضّاعين ووعّاظ السلاطين، واعتقدوا أنّهم دفنوا الحقيقة إلى الأبد، ومكروا ومكر الله.

قال ابن أبي الحديد: روى الزبير بن بكار في (الموفقيات) - وهو غير متّهم على معاوية، ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة، لما هو معلوم من حاله من مجانبة عليّ عليه السلام، والانحراف عنه -: قال: قال المطرف بن المغيرة بن شعبة: دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه، فيتحدّث معه، ثمّ ينصرف إليّ ويذكر معاوية وعقله ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ورأيته مغتمّا! فانتظرته ساعة وظننت أنّه لأمرٍ حدث فينا، فقلت: مالي أراك مغتمّا منذ اللّيلة؟ فقال: يا بنيّ جئت من عند أكفر النّاس وأخبثهم [!] قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنّك قد بلغت سنّا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا وبسطت خيرا فقد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فو الله ما عندهم اليوم شيء تخافه. وإنّ ذلك ممّا يبقى لك ذكره وثوابه. فقال: هيهات! هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه؟ ملك أخوتيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره إلاّ أن يقول قائل أبو بكر. ثمّ ملك أخو عديّ فأجتهد وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره إلاّ أن يقول قائل عمر. وإنّ ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرات أشهد أنّ محمّدا رسول الله، فأيّ عمل يبقى وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك؟ لا والله إلاّ دفنا، دفنا(2) .

نعم، (ثمّ ملك أخو عديّ فأجتهد وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتّى هلك

____________________

(1) البيت من قصيدة للشاعر العراقي المرحوم محمد المجذوب.

(2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 5، ص 129 - 130.


ذكره إلاّ أن يقول قائل عمر)!

هذه شهادة معاوية بن أبي سفيان، وقد توفي معاوية آخر سنة 60، وهذا يعني أنّها قبل مرور أربعين سنة على وفاة عمر، فيها اعتراف أنّ عمر هلك ذكره مع موته إلاّ أن يقول قائل (عمر)! فمن الذي بعثه بعد ذلك ورسم حوله هالة القدسيّة التي توسّعها الفضائيّات في أيّامنا؟! على الباحثين أن يتأمّلوا ويدقّقوا.

تاريخ المسلمين حافل بالمآسي، وأشدّ ما فيها المآسي المعنويّة، التي تخنق الأرواح وتسجن الأفكار. أليس هو التّاريخ الذي يسمّي جعفر المتوكّل (مظهر السنّة ومميت البدعة) مع أنّه قتل على مائدة الشّراب سكران لا يعقل؟! أوليس هو التّاريخ الذي يسمّي المنصور الدّوانيقي (باني بغداد ومؤسس الدّولة العباسيّة) ويتغافل عن تفنّنه في تعذيب وقتل وتشريد تلك الأعداد الهائلة من ذرّيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

حينما نتحدّث عن عظيم ترك بصماته في تاريخ أمّة، وينبغي أن نتحدّث عن عظيم لا عن مستبدّ، والفرق بين الصّفتين كبير. العظيم شخص ذو لياقات وفضائل وملكات ميّزته عن غيره، وأحسن الاستفادة منها وإعمال فكره في ما ينفع الناس، إذ ديننا يقول: (خير النّاس أنفعهم للنّاس). وأمّا المستبدّ فهو عاجز يخفي ضعفه وراء القسوة والعنف، لأنّه في منصب يسمح له باستخدام العنف. وعلامة ذلك أنّه إذا جدّ الجدّ كان همّه الفرار كما يفرّ العبيد؛ وقد تابع سكّان العالم مشهد إلقاء القبض على الرّئيس المخلوع صدّام حسين وهو يستخرج من حفرة كما تستخرج الضّباع، بعد أن كان الإعلام العربيّ الواسع يسميّه بطل القادسيّة وحارس البوّابة الشرقيّة! وما أكثر الذين تطفّلوا على السّاحات واستغلّوا الظروف والمناسبات وقفزوا على حواجز رسّختها الفطرة في النّفوس، ثمّ وجدوا لهم أقلاما وحناجر تمجّد من خلالهم الباطل، وتهمّش أهل الحقّ والشرعيّة؛ لكنّ ذلك لا يغيّر من الحقيقة شيئاً، لأنّ الحقائق لاتتبدّل بالاعتبارات، والحقائق سنن إلهيّة، ولن تجد لسنّة الله تبديلا؛

ومع أنّ أمّتنا تمتلك رصيدا لم يسبق لأمّة أن امتلكته، إذ منها أشرف الأنبياء،


وعليه نزل الكتاب المهيمن على الكتب كلّها، وله شرعت أفضل وأوسع شريعة، ونصبت أشرف قبلة؛ إلاّ أنّنا مع ذلك نراوح في أتعس وضعيّة، حيث يحلم كثير من أبنائنا باسترجاع ماض بعيد، إثمه أكبر من نفعه، ويتّهمون كلّ صوت يشخّص الدّاء ويرشد إلى أنجع الدّواء. يرسمون حول ذلك الماضي أسوارا من الجمود والتطرّف تجعل الحديث عنه مساسا بالمقدّسات، ويطفّفون الكيل فيكتالون بمكيالين، ويحكمون في شريعة واحدة للأمثال بحكمين مختلفين. فهذا قاتل عمر بن الخطّاب مجوسيّ مع أنّ عمر نفسه شهد للعجم المقيمين بالمدينة أنّهم صلّوا صلاتهم وتكلّموا لسانهم! وذاك ابن ملجم قاتل عليّ بن أبي طالب عليه السلام مجتهد متأوّل مأجور.

والخارج عن أبي بكر مرتدّ حلال الدّم، بينما الخارج عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام مجتهد مأجور مبشّر بالجنّة! ومن انتقد سلوك صحابيّ ما بموضوعيّة وإنصاف فهو زنديق، وأما من سبّ وشتم ولعن عليّ بن أبي طالب عليه السلام فهو ثقة صدوق لا نزاع فيه! تلك ثمار ثقافة الكرسيّ؛ وبالمناسبة إنّه لمن المؤسف حقّا أن يتجاهل المسلمون جيلا بعد جيل أقوال وأفعال ومواقف فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لكونها لا تسير في ظلّ ثقافة الكرسيّ، وهم في نفس الوقت يصلّون عليها يوميّا في كلّ صلواتهم فرضا ونفلا!

أضع بين يدي القارئ أخبارا وأحاديث تتعلّق بسيرة عمر بن الخطّاب، وأحاول تحليلها والتّعليق عليها بما يبدو لي منسجما مع المقاييس والمعايير التي دعا إليها القرآن الكريم، وعلى رأسها قول الله تعالى( إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ ) ، وقوله تعالى( وَأَن لّيْسَ لِلْاِنسَانِ إِلّا مَا سَعَى ) . وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.

تنبيه:

ابن أبي الحديد يشترط على نفسه أن ينقل من كتب السنة لا من كتب الشيعة.

قال ابن أبي الحديد: (الفصل الأوّل: فيما ورد من الأخبار والسّير المنقولة من


أفواه أهل الحديث وكتبهم، لا من كتب الشّيعة ورجالهم. لأنّا مشترطون على أنفسنا ألاّ نحفل بذلك، وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ في السقيفة وفدك وما وقع من الاختلاف والاضطراب عقب وفاةالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأبو بكر الجوهري هذا عالم محدّث كثير الأدب، ثقة ورع، أثنى عليه المحدثون ورووا عنه مصنفاته)(1) .

وإنّما نبّهت إلى هذا لأنّ في المحدّثين والمؤرّخين من ينسب ابن أبي الحديد إلى التّشيّع، وذلك يؤدّي إلى نقض ما يورده مما يشكل به على مخالفي أهل البيت عليهم السّلام. قال إدوارد فنيك في معرض ذكر ابن أبي الحديد: أما ابن أبي الحديد فهو عبد الحميد بن هبة الله المدائني الشيعي المعتزليّ الكاتب المحسن الشّاعر المجيد؛ له كتاب الفلك الدائر على المثل السائر، قيل إنّه صنّفه في ثلاثة عشر يوما، وله أيضا ديوان شعر وغيرهما كثير(2) .

أقول: ولا يلام إدورد فنيك على هذا الخطا إذ كان شائعا بين المحدّثين والرّجاليّين والمؤرّخين؛ وفي اعتقادي أنّه خطأ متعمّد يرمي إلى سلب الحجّيّة عن كلّ ما يستدلّ به ابن أبي الحديد عند مناقشة الأحاديث والوقائع، وإلاّ فإنّه هو نفسه يردّ على علماء الشّيعة في أكثر من موطن في شرح نهج البلاغة، ويتتبّع عبارات الشّريف المرتضى واحدة واحدة قصد تفنيد مضمونها. وهذا الخلط المتعمّد منهم إنّما يقدح في نزاهتهم وأمانتهم، ويلب عنهم صفة الموضوعيّة. فالاختلاف بين الشّيعة والمعتزلة واضح في كلّ شيء، في العقائد والفقه والأصول وغيرها. وترى المعتزلة في الفقه يقلّدون أصحاب المذاهب، وليس شأن الشّيعة الإمامية كذلك. وللمعتزلة رأيهم في قضيّة الإمامة وهو مخالف لما عليه الشّيعة الإماميّة.

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: ج 16 ص 210 باب ذكر ما ورد من السير والأخبار في أمر فدك. دار أحياء الكتب العربية ط، 1962 م.

(2) اكتفاء القنوع، ج 1 ص 344، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع، إدوارد فنديك، صححه السيد محمد علي البيلاوي، دار صادر، بيروت، 1896 م.


وقد تردّدت عبارة (شيعي معتزلي) في كتاب المغني في الضّعفاء (ج 1 ص 54 وج 2 ص 462) و كتاب ميزان الاعتدال في نقد الرّجال (ج 1 ص 280 وج 1 ص 369 وج 5 ص 217 وج 6 ص 502) وكتاب لسان الميزان (ج 5 ص 72 وج 4 ص 280 وج 1 ص 262 وج 6 ص 82) وكتاب تاريخ الإسلام للذهبيّ (ج 27 ص 398) وكتاب إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون (ج 3 ص 181).



الفصل الأول

نسب عمر بن الخطّاب



نسب عمر

عمر بن الخطّاب عدويّ من قبيلة عديّ، وهي قبيلة شهد عليها أبو سفيان صخر بن حرب أنّها وقبيلة تيم أذلّ حيّ قريش(1) !، وقد اختلفوا في سنّه حين وفاته، وهو ما ينتج الاختلاف في سنة مولده، وسيأتي ذلك مفصّلا في فصل (وفاة عمر).

قال ابن قتيبة: كان الخطّاب بن نفيل من رجال قريش، وأمّه امرأة من فهم، وكانت تحتنفيل فتزوّجها عمرو بن نفيل بعد أبيه (!) فولدت له زيدا، فأمّه أمّ الخطاب، وزيد هذا هوأبو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة الذين بشّرهم رسول الله بالجنّة. فولد الخطّاب زيد بن الخطّاب وعمر بن الخطّاب(2) .

إذاً فقد تزوج عمّ عمر بن الخطّاب زوجة أبيه بعد هلاكه، وهو أمر تشمئزّ منه النّفوس بمقتضى الفطرة؛ ويشهد لذلك الوجدان في كلّ الثّقافات والملل دون الرّجوع إلى دين ما. فلا معنى لقول من يقول (كان ذلك في الجاهلية).

قال ابن قتيبة: (وأمّا عمر بن الخطّاب فيكنى أبا حفص وأمّه حنتمة بنت هشام بن المغيرة المخزومي)(3) . وبنو مخزوم هم الذين نزل فيهم قرآن بشهادة عمر نفسه. قال السّيوطي: (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه أنه قال لعمررضي‌الله‌عنه : يا أمير المؤمنين، هذه الآية( الّذِينَ بَدّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً ) قال: هم الأفجران من قريش، أخوالي وأعمامك؛ فأمّا أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، وأمّا أعمامك فأملى الله لهم إلى حين(4) .

والمقصود بالأخوال أبو جهل والوليد بن المغيرة وغيرهما من صناديد بني مخزوم.

وقد شهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بني مخزوم أنّهم يبغضونه ويبغضون أهل بيته. روى

____________________

(1) قال ابن عبد ربه في العقد الفريد ج 3 ص 271: فلما قدم [أبو سفيان] المدينة جعل يطوف في أزقتها ويقول:

بني هاشم لا تطمع الناس فيكم

ولا سيما تيم بن مرة أو عدي

فما الأمر إلا فيكم وإليكم

وليس لها إلا أبو حسن علي

فقال عمر لأبي بكر: إنّ هذا قد قدم، وهو فاعل شرّا، وقد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستألفه على الإسلام، فدع له ما بيده من الصدقة. ففعل، فرضي أبو سفيان.

(2) المعارف، ابن قتيبة، ج 1 ص 179.

(3) المعارف، ابن قتيبة، ج 1 ص 180.

(4) تفسير الطبري، ج 13 ص 219، وتفسير ابن كثير، ج 2 ص 540 وتفسير البحر المحيط، ج 5 ص 413. والدر المنثور، السيوطي، ج 5 ص 41.


الحاكم حديثا يكشف حقيقة بني أميّة وبني مخزوم فقال: أخبرني محمّد بن المؤمل [..] عن أبي نضرة قال: قال أبو سعيد الخدريّرضي‌الله‌عنه قال النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ أهلبيتي سيلقون من بعدي من أمّتي قتلا وتشريدا، وإنّ أشدّ قومنا لنا بغضنا بنو أميّة وبنو المغيرة وبنو مخزوم. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(1) . ونفس الحديث في فتن نعيم(2) . وفي هذا تصريح من النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ بني أميّة وبني مخزوم يبغضونه، فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال (وإنّ أشدّ قومنا لنا بغضا) ولم يقل (وإنّ أشدّ قومنا بغضا لأهل بيتي) كيما يتأوّل متأوّل. ومعلوم أنّ بغض النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخرج صاحبه من دائرة الإيمان.

وأم عمر حنتمة بنت هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أخت أبي جهل(3) . فتحصّل ممّا سبق أنّه ليس في نسب عمر ما يفتخر به لا من جهة الأب ولا من جهة الأمّ!

قال ابن أبي الحديد: قدم عمرو بن العاص على عمر وكان واليا لمصر، فقال له: في كم سرت؟ قال: في عشرين، قال عمر: لقد سرت سير عاشق. فقال عمرو: إنّي والله ما تأبّطتني الإماء ولا حملتني في غبرات المآلي، فقال عمر: والله ما هذا بجواب الكلام الذي سألتك عنه! وإنّ الدّجاجة لتفحص في الرّماد فتضع لغير الفحل، وإنّما تنسب البيضة إلى طرقها. فقام عمرو مربد الوجه. قلت: المآلي: خرق سود يحملها النوائح ويسرن بها بأيديهنّ عند اللّطم، وأراد خرق الحيض هاهنا وشبّهها بتلك، وأنكر عمر فخره بالأمّهات وقال: إنّ الفخر للأب الذي إليه النّسب. وسألت النّقيب أبا جعفر عن هذا الحديث في عمر فقال: إنّ عمرا فخر على عمر لأنّ أمّ الخطّاب زنجيّة، وترعف بباطحلى، تسمّى سهاك، فقلت له: وأمّ عمرو النّابغة أمة من سبايا العرب، فقال: أمة عربيّة من عنزة سبيت في بعض الغارات فليس يلحقها من النّقص عندهم ما يلحق الإماء

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين ج 4، ص 534 والفتن لنعيم بن حماد ج 1، ص 131.

(2) ولعلّ الصواب بنو المغيرة من بني مخزوم، فإنّ الحديث وارد بهذا اللفظ في رواية أخرى لنعيم بن حماد في كتاب الفتن، ص 131 تحت رقم 319.

(3) مشاهير علماء الأمصار ن ج 1 ص 5.


الزنجيات. فقلت له: أكان عمرو يقدم على عمر بمثل ما قلت؟ قال: قد يكون بلغه عنه قول قدح في نفسه فلم يحتمله له ونفث بما في صدره منه، وإن لم يكن جوابا مطابقا للسؤال(1) .

إذاً، فأمّ الخطّاب جدّة عمر بن الخطّاب زنجية، وقد عرض عمرو بن العاص به في قوله (ما تأبّطتني الإماء).

وقد كانت تبدر من عمر عبارات تشير إلى طفولته وعلاقته بأبيه، وهي علاقة تركت في نفس عمر مرارة بقي يتجرّع غصّتها حتّى في شيخوخته! وفي القصّة التّالية عبرة للمتدبّرين.

قال ابن كثير في المختصر: وعن أبي هريرة قال: خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو غضبان محمرّ وجهه حتّى جلس على المنبر فقام إليه رجل فقال: أين أبي؟ قال: في النّار. فقام آخر فقال: من أبي؟ فقال: أبوك حذافة. فقام عمر بن الخطّاب فقال: رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبيّا وبالقرآن إماما؛ إنّا يا رسول الله حديثو عهد بجاهليّة وشرك، والله أعلم من آباؤنا. قال: فسكن غضبه ونزلت هذه الآية:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) الآية؛ إسناده جيد. وقد ذكر هذه القصّة مرسلة غير واحد من السّلف منهم السديّ(2) . فعمر بن الخطّاب في القصّة يعترف صريحا أنّه لا يدري من هو أبوه! وهو لم يقل (إنّ النّاس حديثو عهد بالجاهليّة ولا يعرفون من هم آباؤهم) وإنّما قال: (إنّا حديثو عهد بالجاهلية ولا ندري من هم آباؤنا)، فاستعمل ضمير المتكلّم وبذلك أدخل نفسه في المعنيّين.

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 12 ص 39.

(2) مختصر ابن كثير، ج 1 ص 385 وانظر القصة في تفسير السمعاني ج 2 ص 71 وتفسير الثعلبي، ج 4 ص 113، والدر المنثور ج 3 ص 206 وتفسير أبي السعود ج 3 ص 85 وتفير ابن كثير، ج 2 ص 106 وتفسير البغوي ج 2 ص 69 وتفسير الطبري ج 7 ص 82 وزاد المسير ج 2 ص 433 وأحكام القرآن للجصاص، ج 4 ص 150 وتفسير الثعلبي، ج 4 ص 113 وفتح الباري، ج 8 ص 281 ومعتصر المختصر ج 2 ص 155 وجامع العلوم والحكم ج 1 ص 90 وتذكرة الأريب في تفسير الغريب، ج 1 ص 150.


صفة عمر

قالوا في وصف عمر بن الخطّاب: كان طويلا آدم، أصلع، أعسر أيسر، يعني يعمل بيديه، وكان لطوله كأنه راكب، وقيل: كان أبيض أبهق يعني شديد البياض تعلوه حمزة طوالا أصلع أشيب، وكان يصفر لحيته ويرجّل رأسه، وكان مولده قبل الفجار بأربع سنين؛ وكان عمره خمسا وخمسين سنة، وقيل: ابن ستّين سنة، وقيل: ابن ثلاث وستّين سنة وأشهر. وهو الصّحيح، وقيل: ابن إحدى وستين(1) .

وفي تاريخ دمشق: كان رجلا طوالا أصلع آدم أعسر أيسر، ومات حين شارف الستّين، وقد اختلفوا في سنّه(2) .

قال الواقديّ: لا يعرف عندنا أنّ عمر كان آدم إلاّ أن يكون رآه عام الرّمادة فإنّه كان تغيّر لونه حين أكل الزيت(3) .

أقول: ولم لا يكون آدم ما دامت جدّته زنجيّة؟!

وأخرج ابن عساكر عن أبي رجاء العطاردي قال: كان عمر رجلا طويلا جسيما، أصلع شديد الصّلع، أبيض شديد الحمرة، في عارضيه خفّة، سبلته كبيرة وفي أطرافها صهبة(4) .

وفي الآحاد والمثاني: حدّثنا ابن مصفى حدّثنا سويد بن عبد العزيز عن حميد عن أنس قال: كان عمررضي‌الله‌عنه يخضب بالحنّاء(5) .

وقال الزمخشري: كان عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه أضبط يعمل بكلتا يديه، وكان يخرج الضّاد من جانبي لسانه وهي أحد الأحرف الشّجريّة أخت الجيم والشين(6) .

____________________

(1) الكامل في التاريخ، ابن الأثير،ج 3 ص 53.

(2) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 44 ص 478.

(3) تاريخ الخلفاء ج 1 ص 130.

(4) تاريخ الخلفاء ج 1 ص 131.

(5) الآحاد والمثاني ج 1 ص 99 تحت رقم 75.

(6) الكشاف، الزمخشري ن ج 1 ص 1345.


أقول:

ماذا كان عمر يعمل بكلتا يديه؟ هل كان يصنع الدّروع أو يصقل السّيوف؟ هل كان حدّادا أو نجّارا أو ملاّحا؟! إنّما كان دلاّلا يجمع بين من يريد أن يبيع جملا ومن يريد أن يشتري جملا، وهذا عمل لا حاجة فيه لليدين! بل في تسميته عملا تجوّز.

وقال ابن حبيب البغدادي في تسمية الحول(1) من قريش: عمر بن الخطّاب، الفاروقرضي‌الله‌عنه ، وأبو لهب بن عبد المطّلب، وأبو جهل بن هشام، وزياد بن أبيه، وهشام بن عبد الملك بن مروان، وأبان بن عثمان بن عفان..(2) . وقال نفس الشيء في المحبّر(3) .

وإلى ذلك أشار المأمون فيما ذكره المزي في تهذيب الكمال قال:

قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي حدثنا أبو العيناء [..] واللّفظ لأبي العيناء قال: كنّا مع المأمون في طريق الشّام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال لنا يحيى بن أكثم: بكّرا غدا إليه، فإن رأيتما للقول وجها فقولا، وإلاّ فأمسكا إلى أن أدخل. قال: فدخلنا إليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: (متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى عهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما) ومن أنت يا أحول حتى تنهى عما فعله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبوبكر؟! فأومأت إلى محمد بن منصور أن أمسك! رجل يقول في عمر بن الخطّاب ما يقول نكلمه نحن؟ فأمسكنا(4) !

أقول: ولم يكن المأمون ليستعمل عبارة الأحول في غير ملحّها وهو خليفة فيعاب عليه ذلك.

وعن عاصم عن زرّ قال: خرجتمع أهل المدينة في يوم عيد فرأيت عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه يمشي حافيا، شيخا أصلع، آدم أعسر أيسر طوالا، مشرفا على النّاس كأنّه على دابّة، ببرد قطريّ، يقول: عباد الله هاجروا، ولا تهجروا وليتّق أحدكم الأرنب

____________________

(1) الحول جمع أحول وهو من مالت إحدى عينيه، وهذا يعني أن عمر بن الخطّاب كان أحول.

(2) المنمق، محمد بن حبيب البغدادي، ص 405.

(3) كتاب المحبر، محمد بن حبيب البغدادي 245.

(4) تهذيب الكمال، المزي، ج 31 ص 213 و 214.


يخذفها بالحصى أو يرميها بالحجر فياكلها، ولكن ليذكّ لكم الأسل، الرّماح والنّبل(1) .

وقال ابن أبي الحديد: كان [عمر] إذا غضب على واحد منهم لا يسكن غضبه حتى يعضّ على يديه عضّا شديدا فيدميها.

أقول: هذا فعل من لا يملك نفسه عند الغضب.

عن شعبة عن سماك أحسب عن رجل من قومه يقال له هلال بن عبد الله قال كان عمر يسرع يعني في مشيته، وكان رجلا آدم كأنه من رجال بني سدوس وكان في رجليه روح. و [..] عن نافع بن جبير بن مطعم قال صلع عمر فاشتد صلعه. وعن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أسلم قال: رايت عمر إذا غضب أخذ بهذا واشار إلى سبلته فقال بها إلى فمه ونفخ فيه. و [..] عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن عمر بن الخطّاب أتاه رجل من أهل البادية فقال يا أمير المؤمنين بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام ثم تحمى علينا؟ فجعل عمر ينفخ ويفتل شاربه(2) .

وفي مصنّف عبد الرّزاق عن زياد بن حدير الأسدي قال: ما رأيت رجلا أدأب للسّواك من عمر بن الخطّاب وهو صائم، ولكن بعود قد ذوي يعني يابس(3) .

وعن مالك عن زيد بن أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: كان عمررضي‌الله‌عنه إذا غضب فتل شاربه(4) .

أقول:

ليس من السنّة إطالة الشّارب؛ ففي صحيح البخاري عن ابن عمررضي‌الله‌عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من الفطرة قصّ الشارب(5) . وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال أنس وقتلنا في قصّ الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك

____________________

(1) المستدرك، الحاكم النيسابوري، ج 3 ص 81.

(2) الطبقات الكبرى، ج 3 ص 326.

(3) مصنف عبد الرزاق ج 4 ص 201 تحت رقم 7485.

(4) الآحاد والمثاني ج 1 ص 100 تحت رقم 78.

(5) صحيح البخاري ج 5 ص 2208 رقم 5549.


أكثر من أربعين ليلة. وعن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحية.

وعن ابن عمر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى. وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جزّوا الشّوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس(1) . وفي سنن النسائي الكبرى عن زيد بن أرقم قال سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول من لم يأخذ من شاربه فليس منا(2) . وعن عبد الله بن عمر قال: ذكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المجوس فقال: إنّهم يوفّرون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم. [قال] وكان ابن عمر يستعرض سبلته فجزها كما تجز الشاة أو يجز البعير(3) . عن أبي هريرة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال الفطرة خمس الاختتان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط(4) .

أقول: ثمّ أنت ترى معظم الروايات تجنّبت ذكر الحول؛ حتى الجاحظ الذي ألّف كتابا في الحولان والعميان والعرجان والبرصان من الأشراف والأعيان لم يذكر ذلك علما أنّه كان معاصرا لمحمد بن حبيب البغدادي(5) . ولو لا ما ذكره ابن حبيب البغدادي وما جرى على لسان المأمون لما وصل إلينا شيء من ذلك.

____________________

(1) صحيح مسلم، ج 1 ص 222.

(2) سنن النسائي الكبرى، ج 5 ص 406 تحت رقم 9293.

(3) سنن البيهقي الكبرى ج 1 ص 151.

(4) سنن النسائي الكبرى ج 1 ص 65. وحديث قص الشارب في المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 293 والمسند المستخرج على صحيح مسلم ج 1 ص 315 ج 1 ص 316 ج 1 ص 318 وصحيح ابن حبان ج 12 ص 291 وصحيح ابن خزيمة ج 1 ص 47 والجمع بين الصحيحين ج 2 ص 200 ج 2 ص 653 والجمع بين الصحيحين ج 4 ص 204 وسنن أبي داود ج 1 ص 14 وسنن ابن ماجه ج 1 ص 94 ومسند أبي عوانة ج 1 ص 163 ومصنف ابن أبي شيبة ج 1 ص 178 ومصنف عبد الرزاق ج 1 ص 126 ومسند أبي يعلى ج 7 ص 198 ومسند إسحاق بن راهويه ج 2 ص 79 ومسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 229 ومجمع الزوائد ج 5 ص 168.

(5) قال ابن خلكان: وكانت وفاة الجاحظ في المحرم سنة خمس وخمسين ومائتين بالبصرة. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ج 3 ص 474. وأما ابن حبيب البغدادي فتوفي سنة 245 هـ.


تلكم كانت صفةعمر، ولا يصعب على رسّام ماهر أن يتتبّع العبارات ويترجمها على لوحته ليقدّم للنّاس صورة عمر بن الخطّاب؛ والذي لا شكّ فيه أن الصّلع والحول والرّوح والشارب الطّويل إذا اجتمعت لم تشر إلى الوسامة لا من قريب ولا من بعيد.

تربية عمر

لم يحظ عمر بن الخطّاب بطفولة هادئة، بل كانت طفولته كابوسا ظلّ يطارده حتّى الشيخوخة، فقد كان الخطاب يعامله بغلظة ويذهب معه إلى أبعد حدود العنف؛ وقد اعترف هو بنفسه بذلك أمام جمع كبير من النّاس. قال ابن المسيب: وحجّ عمر، فلمّا كان بضجنان قال: لا إله إلا الله العظيم العليّ المعطي ما شاء من شاء(1) ؛ كنت أرعى إبل الخطّاب في هذا الوادي في مدرعة صوف، وكان فظّا يتعبني إذا عملت ويضربني إذا قصّرت، وقد أمسيت وليس بيني وبين الله أحد(2) .

ومع أنّ عمر يصف أباه بالفظاظة إلاّ أنّه لا يتورّع أن يقسم به وهو يعلم أنّه مات على الشّرك. فعن نافع عن ابن عمر أنّه أدرك عمر بن الخطّاب في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألا إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله وإلا فليصمت(3) .

وقد أثبت التجارب والنظريات العلمية الحديثة أنّ للطّفولة دورا مهمّا في تكوين شخصيّة الإنسان، وأنّ الطفولة التّعيسة تترك آثارا عميقة في نفوس أصحابها، وقد تدفعهم إلى العنف حتى مع أقرب المقرّبين؛ وذلك ما يدفع الباحث إلى محاولة الإطلال على طفولة عمر بن الخطّاب رغم قلّة النّصوص وحدّة مقصّ الرّقابة الذي

____________________

(1) هذه مغالطة من عمر، فإن الذي أعطاه الخلافة هو أبو بكر بن أبي قحافة، وهو ينسب ذلك إلى الله تعالى.

(2) الكامل في التاريخ، ج 2 ص 456 وتاريخ الطبري، ج 2 ص 575 وحجّة الله البالغة ج 1 ص 615 والاكتفاء ج 4 ص 399.

(3) صحيح البخاريّ ج 5 ص 2265 وصحيح البخاريّ وصحيح البخاريّ ج 5 ص 2265 وج 6 ص 2449 وج 6 ص 2450 وج 6 ص 2693، وصحيح مسلم ج 3 ص 1266 وصحيح مسلم ج 3 ص 1267.


فرضته ثقافة الكرسيّ.

قال عمرو بن العاص لمحمّد بن مسلمة حين بعثه إليه عمر ليأخذ شطر ماله: لعن الله زمانا صرت فيه عاملا لعمر، والله لقد رأيت عمر وأباه على كلّ واحد منهما عباءة قطوانيّة لا تجاوز مأبض ركبتيه، وعلى عنقه حزمة حطب، والعاص بن وائل في مزرّرات الديباج(1) . وهذا يشير إلى مستوى الفقر الذي كان يكابده. فبالإضافة إلى العنف الذي يلاقيه من أبيه، كان هناك فقر مدقع بقي في ذاكرة عمرو بن العاص لشدّة ما كان عليه. وليس الفقر في ذاته عيبا، لكن إذا انضمّ إليه العنف والجهل كانت آثاره وخيمة. أضف إلى ذلك ظاهرة عامّة لم يستثن منها عمر، تتمثّل في عبادة الأصنام؛ وعليه تكون طفولة عمر بن الخطّاب عنفا وفقرا وعبادة أصنام، وهو مزيج لا يثبت له كهل في الأربعين، فكيف بصبيّ يعيش تحت سقف الخطّاب!

ومن حقّ الباحث أن يتساءل عن سبب العنف الذي كان الخطّاب يعامل به ابنه عمر، فقد كان للخطّاب ولد آخر اسمه زيد لم يؤثر عنه من التّشكّي ما أثر عن عمر، وقد بقي عمر يتجرّع الذكريات المريرة وهو في شيخوخته. ولعلّ الخطّاب تفرّس في ابنه عمر ما لم يبلغنا، ولعلّه كان يكره من عمر أمورا لم تصلنا، المهمّ أنّه ليس طبيعيّا أن يعامل رجل ولده بتلك الطّريقة ويخصّه بذلك دون سائر إخوته. ولعلّ ذلك أيضا ممّا يفسّر لنا تعامل عمر مع أبنائه، فقد كان خشنا معهم خشونة تأباها الفطرة ويأباها الذّوق السليم. روى عبد الرزاق في مصنفه عن عكرمة بن خالد قال: دخل ابن لعمر بن الخطّاب عليه، وقد ترجّل ولبس ثيابا حسانا، فضربه عمر بالدّرّة حتى أبكاه فقالت له حفصة: لم يكن فاحشا لم ضربته؟ فقال: رايته قد أعجبته نفسه فأحببت أن أصغّرها إليه(2) . فهل يعقل أن يضرب ولد صغير من طرف أبيه لأنّه أعجبته نفسه؟ لم لا يكون أمر آخر يستشفّ من وراء سلوك عمر وله علاقة بطفولة عمر؟ فهذا الولد على خلاف

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 1 ص 175.

(2) مصنف عبد الرزاق، ج 10 ص 416 تحت رقم 19548.


عمر تماما، فهو ابن الخليفة وعمر كان أبوه رجلا مغمورا لا في العير ولا في النّفير؛ وهو يلبس الثّياب الحسان، ويرجّل شعره، ويسمع الأذان وليس هناك أصنام تعبد، وأمامه مستقبل في ظلّ الإسلام، وعمر كان عليه عباءة قطوانية لا تجاوز مأبض ركبتيه، وعلى عنقه حزمة حطب. ألا يكون عمر بن الخطّاب قد حسد الولد على هذه النّعمة التي لم يحظ بها هو يوما واحداً؟! لقد كان حريّا بعمر أن يفرح لرؤية ولده في نعمة العافية، وكان حريّا به أن يحمد الله الذي وقى ولده شؤم الشّرك والجاهليّة والفقر، لكنّه تصرّف عكس ذلك تماماً، وحاسبه كما لو كان بالغا مكلّفا قد أتى جرما! ومثل هذا التّصرّف صدر من عمر مع ابن الزّبير؛ قال ابن تيمية: ولذلك لمّا رأى عمر بن الخطّاب على ابن الزّبير ثوبا من حرير مزّقه عليه فقال الزّبير: أفزعت الصّبيّ! فقال: لا تكسوهم الحرير(1) . وكان الزبير يدلّل ولده عبد الله.

ولعمر قصّة مماثلة مع كهل شريف في قومه؛ فعن الحسن قال: كان عمر قاعدا ومعه الدّرّة والنّاس حوله إذ أقبل الجارود فقال رجل: هذا سيّد ربيعة! فسمعه عمر ومن حوله وسمعه الجارود، فلما دنا منه خفقه بالدّرة، فقال: مالي ولك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ما لي ولك! أما لقد سمعتها! قال: سمعتها فمه؟ قال: خشيت أن يخالط قلبك منها شيء فأحببت أن أطأطئ منك(2) .

أقول: حينما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوموا إلى سيّدكم لم يستطع عمر أن يفعل شيئا بما أنّ الأمر يتعلّق بالزّعيم في قومه سعد بن معاذ، الذي استشهد فيما بعد، وحتى لو لم يكن سعد بن معاذ زعيما في قومه فإنّه ليس في وسع عمر أن يمعن في العنف بحضرة النّبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فاكتفى بقوله (سيدنا الله) وغفل عن أنّ في قوله هذا ردّا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي ما ينطق عن الهوى؛ وقد أضفى القرآن صفة السّيادة على المؤمن وغير

____________________

(1) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 28 ص 114.

(2) كنز العمال، ج 3 ص 325 تحت رقم 8830.


المؤمن، فقال عن يحي بن زكريا عليهما السلام (سيّدا وحصوا) وقال عن عزيز مصر (وألفيا سيّدها لدى الباب)، فكلام عمر بن الخطاب في هذا المقام مردود عليه. لكنّه لا يتحمّل أن يرى رجلا من الأنصار يشهد له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنفسه أنّه سيّد، فقال ما قال من باب الحسد لا أكثر. أما ههنا فإن عمر بن الخطاب هو الحاكم، وسمع قول أحدهم للجارود (هذا سيّد ربيعة)، ولا ذنب للجارود في ذلك القول، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ومع ذلك خفقه بالدرّة ولم يتعرّض للقائل!

وكما كان عمر قاسيا مع ولده الصغير كان قاسيا مع أولاده الكبار أيضا، فهذا ابنه عبد الرحمن الذي يقال له أبو شحمة شرب الخمر في مصر، وأقام عليه عمرو بن العاص الحدّ، لكنّ عمر أبى إلاّ أن يضيف إليه حدّا ثانيا لأنّه شوّه صورة آل الخطاب. ومع أنّ عبد الرحمن كان مريضا، ومع أنّه لا ينبغي إقامة حدّ الخمر على المريض حتى يبرأ خشية التّلف، إلاّ أنّ عمر أقام عليه الحدّ وكانت وفاته بعد ذلك بقليل، فكانوا يرون أنه مات بسبب ذلك.

قال ابن عبد البرّ: والحديث بذلك عند الزهريّ عن سالم عن أبيه رواه معمر وابن جريج عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: شرب عبد الرحمن بن عمر بمصر خمرا قال كذا قال معمر - وقال ابن جريج شرابا مسكرا - في فتية منهم أبو سروعة عقبة بن الحارث فحدّهم عمرو بن العاص؛ وبلغ ذلك عمر فكتب إلى عمرو أن أبعث إلي بابني عبد الرحمن على قتب. فلمّا قدم عليه جلده عمر بيده الحدّ. قال ابن عمر: فزعم النّاس أنّه مات من ضرب عمر ولم يمت من ضربه. قال أبو عمر: جاء عن الشعبي عن يحيى بن أبي كثير وهو شيء منقطع أنّ عمر ضرب ابنه حدّا فأتاه وهو يموت فقال: يا أبت قتلتني! فقال له: إذا لاقيت ربك فأخبره أنّ عمر يقيم الحدود! وليس في هذا الخبر ما يقطع به على موته لو صحّ وحديث ابن عمر أصح(1) .

____________________

(1) الاستذكار، ابن عبد البر، ج 8 ص 6.


أقول:

يقول ابن عمر (فزعم النّاس أنّه مات من ضرب عمر)، والنّاس في عهد ابن عمر إمّا صحابة وإمّا تابعون، ويبدو أنّ هذا القول منهم كان شائعاً، وأنّ القائلين به كانوا كثيرين، والدّليل على صحّة ما يذهبون إليه قول عبد الرحمن بن عمر (يا أبت قتلتني)، وهو ما يعني: (يا ابت إنّي مريض، وإقامة الحدّ على المريض قد تقتله؛ فلو تركتني حتى أتعافى). وجواب عمر له (إذا لاقيت ربّك فأخبره أنّ عمر يقيم الحدود!) ومعناه: (إذا متّ من أثر هذا الحدّ ولاقيت ربّك فأخبره أنّ عمر بن الخطاب يقيم الحدود، فلا لوم عليه إذا مات رجل من أثر الحدّ). فعبد الله بن عمر لا يقبل هذا، لأنّه يعزّ عليه أن يكون عمر قتل ابنه بتلك الطريقة المحرجة لآل الخطاب جميعا.

وقال ابن كثير: وفي هذه السّنة (سنة 14) ضرب عمر بن الخطّاب ابنه عبيد الله في الشّراب هو وجماعة معه(1) . وقال ابن الأثير: وفيها أعني سنة أربع عشرة ضرب عمر ابنه عبيد الله وأصحابه في شراب شربوه(2) .

أقول: وعبيدالله غير عبد الرحمن، وقد عاش عبيد الله وأدرك صفين وبها قتل، ومات عبد الرحمن بن عمر في حياة أبيه كما مرّ بك. وهذا يفيد أنّه كان لآل الخطاب ولع بالخمر بعد تحريمها، كما يفيد أنّه لم يبارك لعمر في أولاده.

آل عمر

فاقد الشّيء لا يعطيه، وعمر بن الخطّاب فاقد للمقوّمات الأساسيّة للتّربية الصّحيحة، وعلى رأسها الرّحمة. وإذا لم يكن المربّي رحيما فإنّه يحرم من يتربّى على يديه من أفضل شيء يتحلّى به آدميّ. ولأنّ الرّحمة ليس لها بديل، ولأنّها أهمّ ما يعدّ الإنسان للتّمسك بالقيم ورفض الأنانيّة والأثرة، ولأنّها العمدة في تقريب النّاس إلى الخير

____________________

(1) البداية والنهاية، ابن كثير، ج 7 ص 48.

(2) الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج 2 ص 336.


وإبعادهم عن الشرّ، فإنّ الإسلام لم يفتأ يدعو إليها ويحثّ عليها ويرغّب فيها؛ ويكفي لذلك أن الله تعالى يفتتح سور كتابه الكريم ببسملة تتضمّن الرحمة مكرّرة، فهو الرحمن الرحيم. ومع أنّه العزيز الجبّار، المنتقم، المقتدر المتكبّر، شديد العقاب، ذو الطّول، إلاّ أنّه يخاطب عباده بـ (الرّحمن الرّحيم). ويصعب علينا أن نصف أمثال عمر بن الخطّاب بالرّحمة وهو الذي يذكر عنه أنه وأد ابنته، أي دفنها حية تتنفّس!! حتّى البهائم ترحم صغارها، حتّى الوحوش ترحم صغرها وتدافع عنها حتى الموت، لكنّ الآدميّ الذي خلا قلبه من الرّحمة لا يستنكف أن يدفن صغيرته حيّة ويهيل عليها التراب من دون جرم أتته. ويصعب علينا أن ندّعي أن عمر بن الخطّاب اكتسب الرّحمة بعد إسلامه، ولو حاولنا أن ندّعي له ذلك لهجمت علينا صور كثيرة ومشاهد عديدة من مشاهد العنف أحدها مشهده وهو يجمع الحطب ويهدّد بتحريق بيت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي البيت حسن وحسين وزينب وأم كلثوم! لم يغيّر الإسلام من عمر بن الخطّاب إلاّ المظهر، أمّا باطنه فبقي هو هو؛ هو الذي دفن ابنته حيّة، وهو الذي أراد أن يحرّق بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبناءها وهم أحياء.هذا الرّجل بهذه القسوة هو والد كلّ من عبد الله بن عمر وعبيد الله بن عمر وعبد الرحمن بن عمر وعاصم بن عمر وحفصة بنت عمر.. ويجمع هؤلاء جميعا بغض آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال زيني دحلان في السيرة الحلبية: وأما فضل التّسمية بهذا الاسم أعني محمدا فقد جاء في أحاديث كثيرة وأخبار شهيرة أي منها أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: قال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أعذب أحدا تسمّى باسمك في النّار أي باسمك المشهور وهي محمد أو أحمد. ومنها: ما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه أحمد ومحمّد، وفي رواية فيها اسمي إلاّ قدّس الله ذلك المنزل كلّ يوم مرّتين. ومنها: يوقف عبدان اسم أحدهما أحمد والآخر محمد بين يدي الله تعالى فيؤمر بهما إلى الجنة فيقولان ربّنا بم استأهلنا الجنة لوم نعمل عملا تجازينا به الجنّة؟ فيقول الله تعالى: ادخلا الجنّة فإنّي آليت على نفسي أن لا يدخل النّار من اسمه أحمد أو محمّد. لكن قال بعضهم: ولم يصحّ في


فضل التّسمية بمحمّد حديث، وكلّ ما ورد فيه فهو موضوع! قال بعض الحفّاظ: وأصحّها أي أقربها للصحّة من ولد له مولود فسمّاه محمّدا حبّا لي وتبرّكا باسمي كان هو ومولوده في الجنة(1) .

أقول: ولم يثبت أنّ عمر بن الخطاب سمّى أحد أبنائه أحمد أو محمّدا.

عبد الله بن عمر:

كان هذا الرّجل ممن يصطاد الدّنيا بالدّين، فكان يتعبّد حتى تنهكه العبادة، لكنّه في نفس الوقت لا يأنف أن يركن إلى الذين ظلموا ويعتبر حكمهم شرعيّا مسئولا عنه أمام الله تعالى، وموقفه من أهل المدينة في واقعة الحرّة معلوم، وهو موقف لا ينمّ إلاّ عن خنوع واستكانة ورضا بالباطل. وله مع ذلك أخبار تكشف عن حقيقته ومدى فهمه للإسلام. وقد كان يحدث نفسه بالخلافة أيام الفتنة وهو الذي لم يحسن طلاق امرأته، وبقي يحلم بذلك إلى أن قطع أمله معاوية ببيعة يزيد وواجهه بما لا يصبر عنه أبيّ شريف. وهو أيضا صاحب الرّوايات العجيبة في تفضيل أبيه على المطهّرين بنصّ كتاب الله الكريم، وحاشا لذي العرش أن يفضّل من عبد الصّنم عشرات السنين على من تربّى في حجر النّبي الأمين ولم يشرك بالله طرفة عين. ولا يرتاب كاتب هذه السّطور في أنّ عبد الله بن عمر من النّواصب الذين يبغضون علي بن أبي طالب عليه السلام، فإنّه لم يكن يعدّه من الخلفاء، مع أنّه كان لا يتردّد في شرعيّة حكم يزيد بن معاوية، وهذا ما لا يقول به إلاّ من انتكست فطرته وعميت بصيرته وأضلّه الله على علم.

عن نافع قال: دخل ابن عمررضي‌الله‌عنه الكعبة فسمعته وهو ساجد يقول: (قد تعلم ما يمنعني من مزاحمة قريش على هذه الدّنيا إلاّ خوفك(2) .

أقول: يرد عليه قول أبيه عمر في حقّه، وهو أعلم به من غيره، (إنّه لا يصلح للخلافة) وقد عاب عليه أنّه لم يحسن طلاق امرأته. ولقد كانت له مواقف خزي مع بني أميّة

____________________

(1) السيرة الحلبية، ج 1 ص 135.

(2) حلية الأولياء، ج 1 ص 292.


حاول أن يجرّ إليها سيّد شباب أهل الجنّة عليه السلام. فلا معنى لمزاحمته قريشا على الدّنيا.

وعن عبيد الله بن عمرو عن نافع قال: قال ابن عمر يا ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر يملؤها عدلا كما ملئت ظلما وجورا(1) .

أقول: لم يقنع ابن عمر أن يكون أحد أولاد عمر خليفة، بل هو يرى أن من ولد عمر من يملأ الأرض عدلا. ومعلوم أن هذا منكلام ابن عمر إن صحّ وليس من كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . والحديث الصحيح المتفق عليه عند الطائفتين هو حديث المهدي عليه السلام وهو من ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأتى رجلان في فتنة ابن الزّبير إلى ابن عمر فقالا: إنّ النّاس قد صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر بن الخطّاب، وأنت صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني الله أن حرّم عليّ دم المسلم قالوا: أو لم يقل الله:( وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى‏ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ ) قال: قد قاتلنا حتّى لم تكن فتنة وكان الدّين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدّين لغير الله(2) .

أقول:

لم يقل عبد الله بن عمر هذا الكلام حين خرج يخذّل عن عليّ عليه السلام، ورفض أن يبايع يد علي عليه السلام وبايع رجل الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ، أحد أركان الظّلم في دولة بني أميّة!

ولعليّ بن أبي طالب عليه السلام كلمة في عبد الله بن عمر قالها له أمام النّاس يوم تخلف عن بيعته؛ فقد جاؤوا به فقالوا: بايع. قال: لا حتّى يبايع النّاس. قال ائتني بكفيل. قال: لا أرى كفيلا. قال الأشتر: دعني أضرب عنقه. قال عليّ عليه السلام: دعوه أنا كفيله! إنّك ما علمت لسيّء الخلق صغيرا وكبيرا(3) .

____________________

(1) سير أعلام النبلاء، ج 5 ص 116.

(2) مختصر ابن كثير، ج 2 ص 126.

(3) الكامل في التاريخ ابن الأثير ج 3 ص 82.


هذه إذا شهادة علي بن أبي طالب عليه السلام المطهّر بنصّ القرءان الكريم، يشهد فيها على عبد الله بن عمر أنّه (سيء الخلق صغيرا وكبيرا)، وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على خلق عظيم؛ فلا أدري بأيّ وجه يقال عن ابن عمر متمسّك بالسنّة بينما سيرته وسيرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطّان متوزيان لا يلتقيان!

عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: قال ابن عمررضي‌الله‌عنه : سافرت مع سعد فبال وتوضّأ ومسح على خفيه، ثمّ أمّ النّاس، فعبت ذلك عليه فقال: أترضى بأبيك؟ قلت: نعم. فاجتمعنا عند أمير المؤمنين فقال له سعد: إنّي بلت ثمّ توضّأت فمسحت على خفّي، ثمّ صلّيت. فقال: أحسنت وأصبت السنّة. قال: إنّ ابنك عبد الله عاب ذلك عليّ! فقال: يا سعد، أنت كنت أكبر منه وأعلم(1) .

وروى مسلم أنّ ابن عمر لقيه رجل بطريق مكّة فسلّم عليه ابن عمر، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه. قال ابن دينار فقلت له: أصلحك الله تعالى إنّهم الأعراب، وهم يرضون باليسير فقال: إنّ أبا هذا كان ودّا لعمر بن الخطّاب، وإنّي سمعت رسول الله يقول: إنّ أبرّ البرّ صلة الولد أهل ودّ أبيه(2) .

أقول:

لم يلتزم ابن عمر بهذا مع عليّ بن أبي طالب ودّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والتزم به مع بعض الأعراب.

وعن ربيع بن عبد الله أنّه سمع رجلا سأل ابن عمر: إنّ لي جارا يأكل الرّبا أو قال خبيث الكسب وربّما دعاني لطعامه، أفأجيبه؟ قال: نعم(3) !

وفي حديث ابن عمر: أنّه اكتوى من اللّقوة(4) . واللّقوة مرض يعرض للوجه فيميله

____________________

(1) المعجم الكبير، الطبري، ج 1 ص 73 (رقم 86).

(2) روح المعاني، الآلوسي، ج 15 ص 58.

(3) السنن الكبرى، البيهقي، ج 5 ص 335.

(4) موطأ مالك ج 2 ص 944 ج 10 ص 139 وسنن البيهقي الكبرى ج 9 ص 343 ومصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 52 ومصنف عبد الرزاق ج 10 ص 407 والجامع في الحديث ج 2 ص 782 والجامع، ج 10 ص 407


إلى أحد جانبيه.

أقول: عاقبة عبد الله بن عمر وعاقبة معاوية واحدة، كلاهما ابتلي باللّقوة.

عن معاوية بن قرة بواسط عن أشياخ الحي قال: صلّى عثمان الظّهر بمنى أربعا فبلغ ذلك عبد الله فعاب عليه ثمّ صلّى بأصحابه العصر في رحله أربعا فقلت (وقال ابن خليد فقيل له): عبت على عثمان وصلّيت أربعا. قال: إنّي أكره الخلاف(1) .

أقول:

إذا كان صادقا في قوله (أكره الخلاف) فلماذا خالف عليّ بن أبي طالب عليه السلام وخرج يخذّل عنه؟! لأنّ الإنسان إمّا أن يكره الخلاف على الجميع وإمّا ألاّ يكرهه ح أمّا إن كان يكرهه مع عمرو ويشجّع عليه مع زيد فإنّ هذا يسمّى ازدواجيّة، وهي ممقوتة شرعا وعقلا وعرفا، وذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها.

قال القرطبيّ: (وقد روى عن الحجّاج أنّه دفع أسيرا إلى عبد الله بن عمر ليقتله فأبى وقال: ليس بهذا أمرنا الله، وقرأ( حَتّى‏ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدّوا الْوَثَاقَ ) . قلنا: قد قاله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفعله، وليس في تفسير الله للمنّ والفداء منع من غيره، فقد بيّن الله في الزّنا حكم الجلد، وبيّن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حكم الرّجم. ولعلّ ابن عمر كره ذلك من يد الحجّاج فاعتذر بما قال، وربّك أعلم)(2) .

وعن حمزة بن عبدالله بن عمر عن ابن عمر قال: (كان عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه يقول وهو في المسجد بأعلى صوته: اجتنبوا اللّغو في المسجد. قال ابن عمر وكنت أبيت في المسجد في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكنت فتى شابّا عزبا، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشّون من ذلك شيئاً * رواه

____________________

والتمهيد لابن عبد البر ج 5 ص 277 وشرح الزرقاني ج 4 ص 419 وأطراف الغرائب والأفراد ج 3 ص 456 والاستذكار ج 8 ص 415 وشرح معاني الآثار ج 4 ص 323 والآداب الشرعية ج 2 ص 336 والنهاية في غريب الأثر ج 4 ص 268 ولسان العرب ج 15 ص 253.

(1) تاريخ دمشق، ابن عساكر، ج 39 ص 255.

(2) تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)، ج 15 ص 229.


البخاريّ في الصحيح. وقال أحمد بن شبيب حدثني أبي فذكر الحديث المسند مختصرا وقال في لفظ الحديث فلم يكونوا يرشّون شيئاً من ذلك، وليس في بعض النّسخ عن أبي عبد الله البخاريّ كلمة البول(1) .

أقول:

هذه روايات ابن عمر، وطالما خطّأته عائشة زوج النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقالت بوضوح: (غلط ابن عمر) أو (يرحم الله أبا عبد الرحمن..). ثمّ انظر إلى عمر بن الخطّاب يرفع صوته عاليا في المسجد وينهى الآخرين عن ذلك.

وعن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه أنّه طلّق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتغيّظ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قال: مره فليراجعها ثمّ ليمسكها حتى تطهر ثمّ تحيض ثمّ تطهر ثمذ تطهر ثمّ إن شاء طلّها طاهرا قبل أن يمسّ، فذلك الطّلاق للعدّة كما أمر الله. فذكر سالم في رواية الزّهري عنه ونافع عن ابن عمر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمره أن يراجعها ثمّ يدعها حتى تطهر ثمّ تحيض ثمّ تطهر ثمّ إن شاء طلّق أو أمسك(2) .

أقول:

تغيّظ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من فعل عبد الله بن عمر، وليس من شأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يتغيّظ من أمر بسيط. وقد كان أولى بعبد الله بن عمر أن يستشير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل أن يقدم على ذلك الطّلاق بتلك الطريقة ويسجّل في سيرته ما بقي يتداوله الفقهاء والمحدّثون.

وعن زيد بن أسلم عن أبيه أنّه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطّاب في جيش إلى العراق، فلمّا قفلا مرّا على أبي موسى الأشعريّ فرحبّ بهما وسهّل وهو أمير البصرة، فقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت. ثمّ قال: بلى ن ههنا مال من مال لله عزّ وجلّ أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع

____________________

(1) السنن الكبرى، البيهقي، ج 2 ص 429.

(2) أحكام القرآن للجصاص ج 2، ص 76.


العراق فتبيعانه بالمدينة فتؤدّيان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون لكما الرّبح. فقالا: وددنا ذلك، ففعل فكتب إلى عمر أن خذ منهما المال. فلمّا قدما المدينة باعا وربحا، فلمّا رفعا ذلك إلى عمر قال: أكلّ الجيش أسلفه كما أسلفكما؟ فقالا: لا، فقال عمر: أبنا أمير المؤمنين فأسلفكما! أدّيا المال وربحه. فأمّا عبد الله فسكت وأمّا عبيد الله فقال: لا ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو هلك المال أو نقص لضمنّاه. قال: أدّياه؛ فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله فقال رجل من جلساء عمر بن الخطّاب: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا، قال: قد جعلته قراضا! فأخذ عمر المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال(1) .

أقول: لكن عمر لا يرى بأسا بعمل مشابه لما قام به ولداه. ففي مصنف ابن أبي شيبة عن داود عن الشّعبيّ أنّ عمر بن الخطّاب كان عنده مال يتيم فأعطاه مضاربة في البحر(2) . هذا إضافة إلى أنّ المضاربة في البحر أشبه بالمغامرة لاحتمال الغرق.

وعن ابن شهاب قال: حدّثني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمررضي‌الله‌عنه قال: كان عمررضي‌الله‌عنه إذا نهى النّاس عن أمر دعا أهله فقال: لهم قد نهيت النّاس عن كذا وكذا، وإنّما ينظر النّاس إليكم نظر الطّير إلى اللحم، فإن هبتم هاب النّاس، وإن وقعتم وقع النّاس، وإنّه والله لا يقع أحد منكم في أمر قد نهيت النّاس عنه إلا ضاعفت له العذاب لمكانكم منّي(3) .

أقول:

ليس من حقّ عمر ولا غيره أن يضاعف أيّ شيء، وإنّما ىل عمر من المسلمين، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وليس هناك شريعة خاصّة بآل الخطاب. وينبغي على المحقّقين أن ينكبوا على قضيّة إعادة إقامة الحدّ على ابنه عبد الرحمن أبي شحمة الذي مات بعد ذلك. فليس في الإسلام إقامة حدّين على

____________________

(1) السنن الصغرى، البيهقي (نسخة الأعظمى)، ج 5 ص 397.

(2) مصنف ابن أبي شيبة، ج 4 ص 390 تحت رقم 21369.

(3) أخبار المدينة، ابن شبة النميري، ج 1 ص 399.


جريمة واحدة. وأمّا ما ذكره بعضهم من أدب الوالد فإنّما يصلح في حقّ من هو دون سنّ التكليف.

اغتيال عبد الله ابن عمر:

عن إسحاق بن سعيد بن عمرو الأموي عن أبيه عن ابن عمر أنه قام إلى الحجاج وهو يخطب فقال يا عدو الله استحلّ حرم الله وخرّب بيت الله؛ فقال: يا شيخا قد خرف! فلمّا صدر النّاس أمر الحجّاج بعض مسوّدته فأخذ حربة مسمومة وضرب بها رجل ابن عمر فمرض ومات منها؛ ودخل عليه الحجّاج عائدا، فسلّم فلم يردّ عليه، وكلّمه فلم يجبه(1) .

وعن عطيّة قال: ثمّ قلت لمولى لابن عمر كيف كان موت ابن عمر؟ قال: إنّه أنكر على الحجّاج أفاعيله في قتل ابن الزّبير وقام إليه فأسمعه، فقال الحجّاج: اسكت يا شيخ قد خرفت؛ فلما تفرّقوا أمر الحجّاج رجلاً من أهل الشّام فضربه بحربته في رجله ثمّ دخل عليه الحجّاج يعوده فقال: لو أعلم الذي أصابك لضربت عنقه! فقال: أنت الذي أصبتني. قال: كيف؟ قال: يوم أدخلت حرم الله السّلاح. وعن عمارة بن زاذان عن مكحول [..] فأنكر عبد الله بن عمر ذلك وتكلّم بما ساء سماعه، فأمر الحجّاج بقتله فضربه رجل من أهل الشّام في قدمه ضربة، فلما بلغ الحجّاج قصده عائدا فقال له ابن عمر: أنت قتلتني والآن تجيئني عائدا! كف بالله حكما بيني وبينك(2) .

وفي رواية قال له: حملت السلاح في حرم الله فأصابني بعض أصحابك. فلمّا حضرت ابن عمر الوفاة أوصى أن لا يدفن في الحرم وأن يدفن خارجا من الحرم، فغلب، فدفن في الحرم وصلّى عليه الحجّاج(3) .

وعن نافع قال: كان زجّ رمح رجل من أصحاب الحجّاج قد اصاب رجل ابن عمر

____________________

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي ن ج 3 ص 230.

(2) المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري، ج 3 ص 642.

(3) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ج 4 ص 187.


فاندمل الجرح، فلمّا صدر انتقض عليه، فدخل الحجّاج يعوده فقال: من أصابك؟ قال: أنت قتلتني! قال: وفيم؟ قال: حملت السّلاح في حرم الله فأصابني بعض أصحابك(1) .

وقد أثر عن ابن عمر أنّه قوله حين احتضر (ما آسي على شيء إلاّ أنّي لم أقاتل مع عليّرضي‌الله‌عنه الفئة الباغية)(2) .

أقول:

مثل هذا الكلام جوابه في الآية 91 من سورة يونس عليه السلام. وقد كان في وسع عبد الله بن عمر أن يتدارك ذلك ويخرج مع الحسين عليه السلام إلى كربلاء، فإنّه لم يكن أكبر سنّا من حبيب بن مظاهر، ويكفيه أن يختم حياته بالشّهادة التي لا شك فيها ولا تردّد، لكنّه بدل ذلك بايع بن معاوية وهو بحاله عالم، وزعم أنّ الوفاء ببيعة يزيد أمر لازم، فسفّه بذلك سيرة سيد شباب أهل الجنّة وصوّب فعل ابن آكلة الأكباد؛ وختم حياته في غاية الذلّ بعد أن أهانه الحجاج بن يوسف في قصّة بيعته المشهورة.

وعن أبي إسحاق قال سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: كان ابن عمر في زمانه أفضل من عمر في زمانه(3) .

وعن مجاهد قال: ما رأيت ابن عمر يتوضأ من طعام قطّ ن وكان يلعق أصابعه الثّلاث ثمّ يمسح يده بالتّراب(4) .

أقول: هذا شيء لم يفعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّما كان يفعله عمر بن الخطّاب، وقد أشاعوا عن عبدالله بن عمر أنّه كان دقيقا في التّشبّه برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أفعاله، فهل كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعق أصابعه الثّلاث ثمّ يمسح يده بالتراب؟! وأنت ترى أنّه ترك فعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفعل أبيه. وماذا لو تخيّلنا سفير دولة من الدول يحضر مأدبة غداء مع كثير من الوزراء والسفراء والدبلوماسيين، ثمّ يقوم بما قام به عمر وعبدالله بن عمر،

____________________

(1) صفة الصفوة، ج 1 ص 581.

(2) سير أعلام النبلاء، ج 3 ص 232، والمستدرك على الصحيحين، الحاكم، ج 3 ص 643.

(3) المستدرك على الصحيحين، ج 3 ص 644.

(4) مصنف ابن أبي شيبة، ج 5 ص 133 تحت رقم 24452.


ما هو موقف دولته الرسميّ منه؟

وفي مستدرك الحاكم عن قتادة عن سعيد بن المسيّب قال: لو شهدت على أحد أنّه من أهل الجنة لشهدت على ابن عمر(1) .

أقول: لكن الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة بشهادة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومع ذلك لا يشهد لهما اب المسيّب بذلك، فإنّه يقول (لو شهدت على أحد) ولا يستثني أحدا!

حفصة بنت عمر:

عن محمد بن عمر أن أسامة بن زيد بن أسلم حدّثه عن أبيه عن جده عن عمررضي‌الله‌عنه قال: ولدت حفصة وقريش تبني البيت قبل مبعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخمس سنين قال ابن عمر وحدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن حسن بن أبي حسن قال: تزوج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حفصة في شعبان على رأس ثلاثين شهرا قبل أحد. قال ابن عمر حدّثنا معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: توفيت حفصة في شعبان سنة خمس وأربعين فصلى عليها مروان بن الحكم وهو يومئذ عامل بالمدينة. قال ابن عمر: فحدّثني عليّ بن مسلم المقبري عن أبيه قال: رأيت مروان حمل بين عمودي سرير حفصة من عند دار آل حزم إلى دار المغيرة بن شعبة، وحملها أبو هريرة من دار المغيرة إلى قبرها. قال ابن عمر: وحدثني عبد الله بن نافع قال: نزل في قبر حفصة عبد الله وعاصم ابنا عمر وسالم وعبد الله وحمزة بنو عبد الله بن عمر(2) .

أقول:

مروان بن الحكم جرى لعنه على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (3) ، وكان يسمّى خيط باطل،

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين، ج 3 ص 644.

(2) المستدرك على الصحيحين، ج 4 ص 16 تحت رقم 6752.

(3) المستدرك على الصحيحين، ج 4 ص 526، وتاريخ مدينة دمشق، ج 27 ص 430، والطبقات الكبرى ج 5 ص 67، والسّيرة الحلبيّة، ج 1 ص 509، وخزانة الأدب ج 4 ص 62.


وكانت أعماله من أهمّ العوامل في اشتعال الفتنة التي انتهت بقتل عثمان، وكان يلعن علي بن أبي طالب عليه السلام بعد أن علم قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّه (يحبّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)؛ فمن المؤسف حقّا أن يكون مروان هذا هو الذي يصلّي على إحدى أزواج النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأمّ حفصة زينب بنت مطعون. قال ابن شبّة في أخبار المدينة: خاصم [أبو هريرة] قدامة في بيت عمر، وعند عمررضي‌الله‌عنه زينب بنت مطعون وهي أمّ حفصة وعبد الله ابني عمر، فتراجعا، فكان أبو هريرةرضي‌الله‌عنه أطولهما لسانا، ففزعت بنت مطعون فقالت: لعنك الله من شيخ طويل اللّسان ظالم؛ فقال أبو هريرة: بل لعنك الله من عجوز حمراء رمضاء بذيء لسانها فاحشة في بيتها(1) .

وعن معمر عن الزهري أن حفصة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاءت إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكتاب من قصص يوسف في كتف، فجعلت تقرأ عليه والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتلوّن وجهه! فقال: والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا فيكم فاتّبعتموه وتركتموني لضللتم(2) .

أقول: ما الذي كانت تقصده حفصة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي تقرأ من التّوراة على من أنزل عليه كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟

إن كان فعلها هذا قبل فعل أبيها، فقد أساء عمر الأدب مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين قرأ عليه من التّوراة! وإن كان بعده فقد أساءت هي الأدب مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستخفّت بحرمته، باعتبار أنّ نهيه لعمر كان على مرأى ومسمع من الناس وشاع أمره في المدينة. وإن كان في فعلهما في زمن متقارب فهو يدعو إلى العجب!

قال الزهري وأخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر قال: يرحم الله حفصة، إن كانت لممّن شجع عبيد الله عل قتل الهرمان وجفينة(3) . والرواية في المحلى وتاريخ الإسلام

____________________

(1) أخبار المدينة، ابن شبة النميري، ج 2 ص 38.

(2) مصنف عبد الرزاق، ج 6 ص 113 تحت رقم 10165.

(3) مصنف عبد الرزاق، ج 5 ص 480.


كالتالي: قال الزهري وأخبرني حمزة بن عبد الله بن عمرو بن الخطاب أن أباه قال: يرحم الله حفصة، إن كانت لمن شيع عبيد الله على قتل الهرمزان وجفينة(1) .

أقول:

نعم، يرحم الله المشجّعين على قتل الأبرياء!

وعن ابن عباس قال: لم أزل حريصا أن أسأل عمر بن الخطّاب عن المرأتين من أزواج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اللتين قال الله لهما إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما، وساق الحديث وقال فيه: فاعتزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعا وعشرين ليلة. قالت عائشة وكان قال: ما أنا بداخل عليهن شهرا من شدّة موجدته عليهنّ حين حدّثه الله عزّ وجلّ حديثهنّ، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها فقالت له عائشة: إنّك قد كنت آليت يا رسول الله أن لا تدخل علينا شهرا، وإنّا أصبحنا من تسع وعشرين ليلة نعدّها عددا. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الشّهر تسع و عشرون ليلة(2) .

أقول:

هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صاحب الخلق العظيم والصّبر الجميل، ضاق ببعض نسائه ذرعا، ومنهنّ حفصة بنت عمر، وهي تعلم أنّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم , وأنّ من آذاه فقد آذى الله تعالى.

عن عمر بن رافع مولى عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه قال: كنت أكتب المصاحف في زمان أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستكتبتني حفصة بنت عمر مصحفا لها فقالت لي: أي بني، إذا انتهيت إلى هذه الآية( حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى ) فلا تكتبها حتى تأتيني فأمليها عليك كما حفظتها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلما انتهيت إليها حملت الورقة والدّواة حتى جئتها فقالت: اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى هي صلاة

____________________

(1) المحلى، ابن حزم، ج 11 ص 115 وتاريخ الإسلام، الذهبي، ج 3 ص 297.

(2) سنن النسائي، ج 4 ص 137 - 138.


العصر(1) .

وفي السنن الصغرى للبيهقي: روينا عن عمر بن الخطّاب أنه كتب أن أقتلوا كل ساحر وساحرة. وعن حفصة أنّها سحرتها جارية لها فقتلتها(2) .

أقول: غن كان قتلها من باب إقامة الحدّ فهو من حقّ الإمام (الحاكم) ولا يحقّ لأحد أن يلي إقامة الحدّ بنفسه دون إذن من الإمام.

عن معمر عن الزّهري أنّ حفصة زوج النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاءت إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكتاب من قصص يوسف في كتف، فجعلت تقرأ عليه والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتلوّن وجهه فقال: والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا فيكم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم(3) .

أقول:

يبدو أن لآل الخطّاب شغفا بالتّوراة، فهذه حفصة تقوم بنفس ما قام به أبوها عمر بن الخطّاب! إن تكن قد فعلت ذلك قبل أبيها فقد كان في تصرّف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معها رادع، ومع ذلك لم يتّعظ عمر! وإن تكن قد فعلت بعد أبيها فالأمر أصعب. ثمّ هل كان فعلها عن تنسيق من أبيها أم مبادرة منها؟ الله أعلم.

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طلّق حفصة ثمّ راجعها(4) . وروى قتادة عن أنس قال: طلّق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حفصة فأتت أهلها فأنزل الله تعالى عليه( يَا أَيّهَا النّبِيّ إِذَا طَلّقْتُمُ النّسَاءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ ) وقيل له: راجعها فإنّها قوّامة صوّامة، وهي من أزواجك في الجنّة. ذكره الماوردي والقشيريّ والثعلبي، زاد القشيري: ونزل في خروجها إلى أهلها قوله تعالى( لاَ تُخْرِجُوهُنّ مِن

____________________

(1) السنن الكبرى، البيهقي، ج 1 ص 462 - 463.

(2) سنن البيهقي الصغرى نسخة الأعظمي ج 7 ص 164 تحت رقم 3195.

(3) مصنف عبد الرزاق، ج 6 ص 113 تحت رقم 10165.

(4) صحيح ابن حبان، ج 10 ص 100 وموارد الظمآن ج 1 ص 321 وسنن النسائي الكبرى ج 3 ص 403 وسنن أبي داود ج 2 ص 285 وسنن ابن ماجه ج 1 ص 650 وسنن البيهقي الكبرى ج 7 ص 32 وسنن الدارمي ج 2 ص 214 وسنن النسائي (المجتبى) ج 6 ص 213 والسنن الصغرى للبيهقي (نسخة الأعظمي) ج 6 ص 314 والآحاد والمثاني ج 5 ص 408 والمعجم الكبير ج 23 ص 187 ومسند أبي يعلى ج 1 ص 160 ومسند البزار ج 1 ص 294 ومسند عبد بن حميد ج 1 ص 45.


بُيُوتِهِنّ ) . وقال الكلبيّ: سبب نزول هذه الآية غضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حفصة لما أسرّ إليها حديثا فأظهرته لعائشة فطلّقها تطليقة فنزلت الآية(1) .

وعن أبي عمران الجوني عن قيس بن زيد أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طلّق حفصة فجاء خالاها قدامة وعثمان ابنا مظعون فبكت وقالت: أما والله ما طلّقني عن شبع، فجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتجلببت فقال: إنّ جبريل قال لي راجع حفصة فإنّها صوّامة قوّامة وإنّها زوجتك في الجنّة(2) .

أقول: طلّقها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو صاحب الخلق العظيم، والطّلاق أبغض الحلال إلى الله تعالى. وانظر إلى قولهم صوّامة، وهي التي جمعت الجواري في بيت من بيوت رسول الله يضر بن الدفّ ويغنّين بخصوص واقعة الجمل، ظنّا منها أنّ الغلبة تكو لحليفتها! نقل ابن أبي الحديد عن أبي مخنف قصّة تشمئزّ لها نفس كلّ مسلم غيور على حرمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحرمة بيوته أن تكون فيها مجالس غناء لبنات الطّلقاء، تحت إشراف حفصة بنت عمر إحدى أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: لمّا نزل عليّ عليه السلام ذا قار، كتبت عائشة إلى حفصة بنت عمر، أمّا بعد فإنّي أخبرك أنّ عليّا قد نزل ذا قار، وأقام بها مرعوبا خائفا لما بلغه من عدّتنا وجماعتنا [!] فهو بمنزلة الأشقر، إن تقدّم عقر، وإن تأخّر نحر؛ فدعت حفصة جواري لها يتغنّين ويضر بن بالدّفوف، فأمرتهنّ أن يقلن في غنائهنّ: ما الخبر، ما الخبر، على في السّفر كالفرس الأشقر، إن تقدّم عقر، وإن تأخّر نحر. وجعلت بنات الطّلقاء يدخلن على حفصة ويجتمعن لسماع ذلك الغناء. فبلغ أمّ كلثوم بنت عليّ عليه السلام، فلبست جلابيبها، ودخلت عليهنّ في نسوة متنكّرات، ثمّ أسفرت عن وجهها، فلما عرفتها حفصة خجلت واسترجعت(3) ، فقالت أمّ كلثوم: لئن تظاهرتما عليه منذ اليوم، لقد تظاهرتما على أخيه من قبل، فأنزل الله فيكما ما أنزل. فقالت حفصة:

____________________

(1) تفسير القرطبي، ج 18 ص 132.

(2) بغية الباحث، الحارث بن أبي أسامة ص 299 تحت رقم 1004.

(3) الصّوّامة القوّامة تخجل لرؤية امرأة مسلمة، أمّا رؤية الله تعالى إيّاها فليست بذلك القدر من الأهمية!


كفى رحمك الله! وأمرت بالكتاب فمزّق، واستغفرت الله. قال أبو مخنف: روى هذا جرير بن يزيد عن الحكم، ورواه الحسن بن دينار عن الحسن البصري. وذكر الواقدي مثل ذلك وذكر المدائني أيضاً مثله(1) .

أقول:

أليس قبيحا أن يقولوا بعد هذا: (إنّ آية التّطهير نزلت في نساء النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيا له من تطهير!

قال الفاضل ابن عاشور: الحديث هو ما حصل من اختلاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بجاريته مارية، وما دار بينه وبين حفصة، وقوله لحفصة (هي عليّ حرام ولا تخبري عائشة)، وكانتا متصافيتين(2) ؛ وأطلع الله نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أنّ حفصة أخبرت عائشة بما أسرّ إليها(3) .

قال ابن عاشور: وقال: (بعض أزواجه) هي حفصة بنت عمر بن الخطّاب. وعدل عن ذكر اسمها ترفّها عن أن يكون القصد معرفة الأعيان، وإنّما المراد العلم بمغزى القصّة وما فيها مما يجتنب مثله أو يقتدى به. وكذلك طيّ تعيين المنبّأة بالحديث وهي عائشة، وذكرت حفصة بعنوان أزواجه للإشارة إلى أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وضع سرّه في موضعه، لأنّ أولى النّاس بمعرفة سرّ الرجل زوجه. وفي ذلك تعريض بملامها على إفشاء سرّه لأنّ واجب المرأة أن تحفظ سرّ زوجها إذا أمرها بحفظه أو كان مثله مما يحبّ حفظه، وهذا المعنى الأول من المعاني التهذيبية التي ذكرناها آنفا(4) .

أقول:

في قول ابن عاشور (أولى النّاس بمعرفة سرّ الرجل زوجه) مبالغة، فإنّ الله تعالى يقول:( إِنّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ) ، ولا يودع العاقل أسراره عند من يحتمل أن يكون عدوّه يوما من الأيتام.

____________________

(1) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد، ج 14 ص 13 - 14.

(2) ما معنى متصافيتين؟ وما هي حال الباقيات من أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ هل هنّ غير متصافيات؟

(3) التحرير والتنوير، ج 1، ص 4475.

(4) التحرير والتنوير، ج 1 ص 4476.


عن زيد بن أسلم عن عمرو بن رافع أنه قال: كنت أكتب مصحفا لحفصة أمّ المؤمنين فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنّي( حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى ) قال فلما بلغتها آذنتها قالت حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين(1) .

عبيد الله بن عمر:

قال ابن كثير: وفي هذه السّنة ضرب عمر بن الخطّاب ابنه عبيد الله في الشّراب هو وجماعة معه، وفيها ضرب أبا محجن الثّقفي في الشّراب أيضا سبع مرات وضرب معه ربيعة بن أمية بن خلف(2) .

وعبيد الله هذا هو الذي قتل الهرمزان متوهّما أنّه بذلك ينتقم من قاتل أبيه، وقد كان في فعله ذاك ظالما قاتلا متعمّدا ح ولذلك قال علي بن أبي طالب عليه السلام: إن وليت من هذا الأمر شيئا قتلت عبيد الله بالهرمزان(3) .

قال (عمار بن ياسر) لعبيد الله بن عمر بن الخطّاب (في صفين): صرعك الله، بعت دينك من عدوّ الإسلام وابن عدوّه، قال: لا، ولكن أطلب بدم عثمان بن عفانرضي‌الله‌عنه ! قال له: أشهد على علمي فيك أنّك لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله عزّ وجل، وأنّك إن لم تقتل اليوم تمت غدا، فانظر إذا أعطي النّاس على قدر نيّاتهم ما نيّتك(4) .

أقول: هذا رأي عمار بن ياسر في عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وهذه شهادته عليه صريحة لا تقبل التّأويل، يقول له: (لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله عزوجل)، فإذا كان لا يطلب وجه الله تعالى فماذا يطلب؟

قالوا: وأما أوّل حكومة حكم فيها فقضية عبيد الله بن عمر وذلك أنّه غدا على ابنة

____________________

(1) تهذيب الكمال، المزي، ج 22 ص 22.

(2) البداية والنهاية، ج 7 ص 48.

(3) الثقات، ابن حبان، ج 2 ص 240.

(4) تاريخ الطبري، ج 4 ص 27 - 28.


أبي لؤلؤة قاتل عمر فقتلها، وضرب رجلا نصرانيّا يقال له جفينة بالسيف فقتله، وضرب الهرمزان الذي كان صاحب تستر فقتله، وكان قد قيل إنهما مالآ أبا لؤلؤة على قتل عمر، فالله اعلم. وكان عمر قد أمر بسجنه ليحكم فيه الخليفة من بعده، فلمّا ولي عثمان وجلس للناس كان أوّل ما تحوكم إليه في شأن عبيد الله فقال عليّ: ما من العدل تركه، وأمر بقتله. وقال بعض المهاجرين: أيقتل أبوه بالأمس ويقتل هو اليوم؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين قد برأك الله من ذلك(1) .

أقول:

ما علاقة قتل الوالد بالحدود؟ وليتهم بيّنوا من هو هذا الـ بعض المهاجرين ومدى فهمه للشّريعة ليهلك من هلك عن بيّنة. فإنّ مستحق الحدّ لا يشفع له أن يموت أحد أفراد أسرته أو تموت الأسرة كلّها، إذ لا دخل لذلك في الحدّ.. وهؤلاء الذين يلهجون بمثل هذه المغالطات هم أنفسهم لا يرون بأسا بقتل أولاد فاطمة وعلي عليهما السلام جميعا في يوم واحد هو أشدّ يوم على قلب رسول الله، وترى صدورهم تزورّ وأعينهم تحولّ وأوجههم تغشاها تغشاها ظلل من الليل إذا ذكر ذاكر أمامهم يوم كربلاء. يستعظمون قتل رجلين من آل الخطاب في أسبوع واحد، ولا يستعظمون قتل سيّد شباب أهل الجنّة وإخوته وأولاده وأولاد أخيه وأولاد أخته وأصحابه جميعا في ضحوة واحدة! ولم يوافقهم علي بن أبي طالب عليه السلام وهو باب مدينة العلم وأقضاهم جميعا، بل حكم بوجوب إقامة الحدّ على عبيد الله بن عمر لأنّه قاتل النفس البريئة، ولا علاقة للؤلؤة بما جرى يومها وهي صبيّة صغيرة لا تعرف شيئاً ممّا يجري بين الرجال. وهذه وصية عمر لم يحترموها في إقامة الحدّ لكنهم احترموها في مسألة الخلافة: عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال لما طعن عمررضي‌الله‌عنه وثب عبيد الله بن عمر على الهرمزان فقتله فقيل لعمر إن عبيد الله بن عمر قتل الهرمزان قال: ولم

____________________

(1) البداية والنهاية، ابن كثير، ج 7 ص 148.


قتله؟ قيل: قال إنه قتل أبي. قيل: وكيف ذاك؟ قال رأيته قبل ذلك مستخليا بأبي لؤلؤة وهو أمره بقتل أبي. قال عمر: ما أدري ما هذا انظروا إذا أنا مت فاسألوا عبيد الله البينة على الهرمزان هو قتلني، فإن أقام البيّنة فدمه بدمي وإن لم يقم البيّنة فأقيدوا عبيد الله من الهرمزان. فلمّا ولي عثمانرضي‌الله‌عنه قيل له ألا تمضي وصية عمررضي‌الله‌عنه في عبيد الله قال ومن وليّ الهرمزان؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين فقال فقد عفوت عن عبيد الله بن عمر(1) . أقول: ولو أنّ الهرمزان كان من بني أميّة أو بني مخزوم لقطّعه عثمان إربا إربا، لكنّه رجل فارسي ليس له قبيلة في المدينة تطالب بدمه، وإنّما طالب بدمه المؤمنون الذين لا يفرقون بين العربي والأعجمي. وعلى فرض صحّة ما ادعاه عبيد الله بن عمر، ما دخل ابنة أبي لؤلؤة في قضية القتل؟ هل شاركت هي أيضا في المؤامرة المزعومة؟ فقد ذكروا أن عبيد الله بن عمر (أتى ابنة أبي لؤلؤة جارية صغيرة تدعي بالإسلام فقتلها، فأظلمت المدينة يومئذ على أهلها ثلاثا)(2) .

وعن الحسن بن محمد بن علي عن أبيه قال: قيل لعلي هذا عبيد الله بن عمر عليه جبة خز وفي يده سواك وهو يقول سيعلم غدا علي إذا التقينا فقال عليّ: دعوه فإنّما دمه دم عصفور(3) .

عن زيد بن أسلم أنّ عبيد الله بن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه قتل بصفّين وأنّ رجلا ضرب أطناب فسطاطه بأوتاد فعجز منها وتد، فأخذ رجل عبيد الله بن عمر فربطه حتى أصبح(4) .

____________________

(1) سنن البيهقي الكبرى، ج 8 ص 61.

(2) مصنف عبد الرزاق، ج 5 ص 479 والإصابة في تمييز الصحابة ج 5 ص 54 وتاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 38 ص 62.

(3) الاستيعاب، ابن عبد البر، ج 3 ص 1011 والوافي بالوفيات، ج 19 ص 261.

(4) الاستيعاب، ابن عبد البر، ج 3 ص 1012.


عبد الرحمن بن عمر:

قال ابن الأثير: عبد الرحمن الأكبر بن عمر بن الخطّاب. أخو عبد الله وحفصة أمّهم زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون الجمحي. أدرك النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يحفظ عنه، وعبد الرحمن بن عمر الأوسط أبو شحمة وهو الذي ضربه عمرو بن العاص بمصر في الخمر.. ثمّ حمله إلى المدينة فضربه أبوه عمر بن الخطّاب أدب الوالد ثمّ مرض فمات بعد شهر. كذا يرويه معمر عن الزّهري عن سالم عن أبيه. أما أهل العراق فيقولون: (إنّه مات تحت السّياط)، وذلك غلط(1) .

أقول:

أوّلا: لا معنى لأدب الوالد ولده بعد البلوغ بالضّرب، فإنّ دخول عالم التّكليف يشعر الإنسان بالمسؤوليّة فيغدو يعدّ نفسه من الكبار، ويطالب ضمنا بمعاملته كما يعامل الكبار. والضّرب يستبطن خلاف ذلك، فيكون فيه نقض للغرض؛ وسواء كان الضّرب خاليا أم أمام الملإ فإنّ ضرره أكبر من نفعه.

ثم إنّ ممّا يلاحظ أنّ عمر بن الخطاب لم يكتف بـ عبد الرّحمن واحد، بل سمّى ثلاثة من أولاده بهذا الاسم، وأحد أحفاده أيضا اسمه عبد الرّحمن بن عبد الرّحمن، فما أشدّ شغف عمر بن الخطّاب باسم عبد الرّحمن وإن كان الاسم في نفسه جميلا. وليس في ولد عمر بن الخطّاب من اسمه محمّد أو عليّ أو حسن أو حسين، مع أنّهم سادة أهل الجنّة بلا ريب! وقد كان لعمر من الولد ثمانية ذكور وأربع بنات. وممّا يصادفه الباحث أنّ عددا ممن أبغضوا عليّا عليه السلام اسم كل واحد منهم عبد الرّحمن، منهم عبد الرّحمن بن ملجم، وعبد الرّحمن بن عوف، وعبد الرّحمن بن أبي بكر، وعبد الرّحمن بن خلدون، وفي زماننا أيضا آخرون.

وبخصوص ابنه أبي شحمة الذي حدّه في شرب الخمر قال ابن حجر العسقلاني:

____________________

(1) أسد الغابة، ابن الأثير، ج 1 ص 707.


وقد ورد عن عمر في قصة ولده أبي شحمة لما شرب بمصر فحدّه عمرو بن العاص في البيت أنّ عمر أنكر عليه وأحضره إلى المدينة وضربه الحدّ جهرا. روى ذلك ابن سعد، واشار إليه الزّبير، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عمر مطوّلا؛ وجمهور أهل العلم على الاكتفاء(1) ، وحملوا صنيع عمر على المبالغة في تأديب ولده لا أنّ إقامة الحدّ لا تصحّ إلاّ جهرا(2) .

وفي الإصابة: قال أبو عمر: كان لعمر ثلاثة كلّهم عبد الرحمن هذا أكبرهم لا تحفظ له رواية، كذا قال. والثاني يكنى أبا شحمة، وهو الذي ضربه أبوه الحدّ في الخمر لما شرب بمصر، والثّالث والد المجبر بالجيم والموحدة المثقلة وقال ابن منده كناه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا عيسى فأراد عمر أن يغيّرها فقال والله إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كنّاني بها. وتعقّبه أبو نعيم بأنّ الذي قال لعمر ذلك إنّما هو المغيرة بن شعبة، وأمّا عبد الرّحمن فقال لأبيه: قد اكتنى بها المغيرة، فقال المغيرة: كناني بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (3) .

أقول: غيّر عمر كنية الرّجل، وكان المفروض أن يكون فعل عمر تابعا لفعل النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليكون على هداه، لكنّه أبى إلاّ مخالفته، وزعم أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غفر له، وهو بقوله (إنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غفر له) يوهم أنّ فعل النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس حجّة ولا أسوة حسنة! فهل كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفعل ما لا يجوز؟

قال ابن كثير: قلت: وقد حسن إسلام الهرمزان وكان لا يفارق عمر حتى قتل عمر، فاتّهمه بعض النّاس بمملاة أبي لؤلؤة هو وجفينة، فقتله عبيد الله على ما سيأتي تفصيله. وقد روينا أن الهرمزان لما علاه عبيد الله بالسيف قال لا إله إلا الله، وأمّا جفينة فصلب على وجهه(4) .

____________________

(1) أي بالحدّ الأوّل الذي أقامه عمرو بن العاص.

(2) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ج 12 ص 65. دار المعرفة بيروت 1379.

(3) الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر، ج 4 ص 339.

(4) البداية والنهاية، ج 7 ص 88.


وباختصار، لم يبارك لعمر في أولاده.

من صفات وأذواق عمر

قالوا في وصف عمر:

كان طويلا آدم، أصلع، أعسر، يسر يعني يعمل بيديه، وكان لطوله كأنه راكب، وقيل: كان أبيض أبهق يعني شديد البياض تعلوه حمرة طوالا أصلع أشيب وكان يصفر لحيته ويرجل رأسه وكان مولده قبل الفجار بأربع سنين؛ وكان عمره خمسا وخمسين سنة، وقيل: ابن ستين سنة، وقيل: ابن ثلاث وستين سنة وأشهر. وهو الصحيح، وقيل: ابن إحدى وستين(1) .

وفي تاريخ دمشق: كان رجلا طوالا أصلع آدم أعسر يسرا ومات حين شارف الستين وقد اختلفوا في سنه(2) .

وقال الزمخشري: كان عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه أضبط يعمل بكلتا يديه، وكان يخرج الضّاد من جانبي لسانه وهي أحد الأحرف الشجرية أخت الجيم والشين(3) .

أقول:

ماذا كان عمر يعمل بكلتا يديه؟ هل كان حدّادا أو نجّارا أو ملاّحا؟! إنّما كان دلاّلا يجمع بين من يريد أن يبيع جملا ومن يريد أن يشتري جملا، وهذا عمل لا حاجة فيه لليدين! بل في تسميته عملا تجوّز.

وقال ابن حبيب البغدادي في تسمية الحول(4) من قريش: عمر بن الخطّاب، الفاروقرضي‌الله‌عنه ، وأبو لهب بن عبد المطلب، وأبو جهل بن هشام وزياد بن أبيه، وهشام بن عبد الملك بن مروان، وأبان بن عثمان بن عفان، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد

____________________

(1) الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج 3 ص 53.

(2) تاريخ مدينة ج 44 ص 478.

(3) الكشاف، الزمخشري، ج 1 ص 1345.

(4) الحول جمع أحول وهو من مالت إحدى عينيه، وهذا يعني أن عمر بن الخطّاب كان أحول.


شمس،..(1) .

وعن عاصم عن زرّ قال: خرجت مع أهل المدينة في يوم عيد فرأيت عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه يمشي حافيا شيخ أصلع آدم أعسر يسر طوالا مشرفا على الناس كأنه على دابة ببرد قطري يقول: عباد الله هاجروا ولا تهجروا وليتّق أحدكم الأرنب يخذفها بالحصى أو يرميها بالحجر فيأكلها، ولكن ليذك لكم الأسل الرّماح والنبل(2) .

وفي مصنف عبد الرزاق عن الثوري عن أبي نهيك عن زياد بن حدير الأسدي قال: ما رأيت رجلا أدأب للسّواك من عمر بن الخطّاب وهو صائم، ولكن بعود قد ذوي يعني يابس(3) .

قال السيوطي: وأخرج ابن عساكر عن أبي رجاء العطاردي قال: كان عمر رجلا طويلا، جسيما، أصلع شديد الصلع، أبيض شديد الحمرة، في عارضيه خفة سبلته كبيرة وفي أطرافها صهبة(4) .

يحب الإمرة

ومن صفات عمر أنّه كان يحبّ الإمرة، ويحرص على الظّهور في كلّ مواطن الاختلاف!

قال ابن كثير في المختصر: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لوفد نجران: (ائتوني العشيّة أبعث معكم القوي الأمين) فكان عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه يقول: ما أحببت الإمارة قطّ حبّي إيّاها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها. فرحت إلى الظّهر مهجّرا، فلمّا صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الظّهر سلّم ثمّ نظر عن يمينه وشماله، فجعلت أتطاول له ليراني [!] فلم يزل يلتمسببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح فدعاه فقال: (أخرج معهم فاقض بينهم

____________________

(1) المنمق، محمد بن حبيب البغدادي، ص 405.

(2) المستدرك، الحاكم النيسابوري، ج 3 ص 81.

(3) مصنف عبد الرزاق ج 4 ص 201 تحت رقم 7485.

(4) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 118.


بالحقّ في ما اختلفوا فيه). قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة(1) .

أقول:

عمر يشهد على نفسه بحبّ الإمارة يومها، ويوم خيبر أيضا يقول: ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذ، فما أكثر التّناقض في كلام عمر مع شهادته على نفسه بحبّ الإمارة، وقد رووا أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: (إنّا والله لا نولّي هذا الأمر من يحبّه أو من يحرص عليه) وعليه يكون عمر في نظر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير أهل لأن يؤمّر على النّاس لأنّه يحبّ الإمارة ويحرص عليها، وقد بلغ به حبّه إيّاها وحرصه عليها أن هدّد بتحريق البيت على المطهّرين بنصّ الكتاب العزيز!.

وعن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر: ضبّ أحبّ إليّ من دجاجة(2) .

أقول: لا تعليق!

وعن يزيد بن هارون قال حدثنا داود عن أبي نضرة قال: قال عمر إن الله لينفع بالضّبّ فإنّه لطعام عامّة الرّعاء، ولو كان عندي لطعمت منه(3) .

وقال مسدد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن عبد الرحمن قال: سألت محمد بن سيرين عن دخول الحمام فقال: كان عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه يكرهه(4) .

وعن عبد الله بن محمد بن قنفد عن ابن أخي ابن هشام عن عمّه قال: كان عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه يأمر برواية قصيدة لبيد بن ربيعة التي يقول فيها: إن تقوى ربنا خير نفل * وبإذن الله ريثى والعجل(5) ..

أقول: يحذف حيّ على خير العمل ويأمر برواية الشّعر!

____________________

(1) مختصر ابن كثير، ج 1 ص 223.

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 125 تحت رقم 24356.

(3) مصنف ابن أبي شيبة، ج 5 ص 124 تحت رقم 24354.

(4) المطالب العالية ج 2 ص 464 تحت رقم 175.

(5) حلية الأولياء ج 3 ص 369.


وعن أبي إسحاق الشيباني عن خناس بن سحيم قال: أقبلت مع زياد بن جرير من الكناسة فقلت في كلامي: لا والأمانة فجعل زياد يبكي ويبكي حتّى ظننت أنّي أتيت أمرا عظيما فقلت له: أكان يكره ما قلت؟ قال: نعم، كان عمر بن الخطّاب أمير المؤمنينرضي‌الله‌عنه ينهى عن الحلف بالأمانة أشدّ النهي(1) .

قال عمر بن الخطّاب: الحجّ أشهر معلومات قال: شوّال وذو القعدة وذو الحجّة، فمن فرض فيهن الحجّ قال عمر بن الخطّاب: لا عمرة في أشهر الحجّ، فكلّم في ذلك فقال: إنّي أحبّ أن يزار البيت، إذا جعلت العمرة في أشهر الحجّ لم يفد الرّجل إذا حجّ البيت أبدا(2) .

أقول: وما شأن النّاس؟ إذا كان عمر يحبّ أن يزار البيت أو لا يزار فهذه مشكلته هو، فلماذا يمنع النّاس من العمرة في أشهر الحجّ؟! لماذا يمنع النّاس من شيء أحلّه الله موافقة لمزاجه هو؟!

كان شديدا على النساء

كان عمر بن الخطّاب شديدا على النّساء، ولهذا لقي الرّد السّلبي أكثر من مرة. ذكروا أنه خطب أم كلثوم ابنة أبي بكر الصديق إلى عائشة فقالت أمّ كلثوم: (لا حاجة لي فيه، إنه خشن العيش شديد على النساء)(3) .

يحب الضرب بالدرّة

روى الهيثمي من طريق جابر وابن عباس أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال قبل وفاته بأقلّ من شهر: (معاشر المسلمين أناشدكم بالله وبحقي عليكم من كانت له قبلي مظلمة فليقم فليقتصّ منّي قبل القصاص في القيامة؛ فقام من بين المسلمين شيخ كبير يقال له عكاشة فتخطّى المسلمين حتّى وقف بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: فداك أبي وأمّي لو لا أنّك

____________________

(1) حلية الأولياء، ج 4 ص 196.

(2) شرح العمدة، ج 2 ص 382.

(3) الكامل في التاريخ، ج 2 ص 450.


نشدتنا بالله مرة بعد أخرى ما كنت بالذي أتقدم على شيء من هذا. كنت معك في غزاة فلما فتح الله عزوجل علينا ونصر نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان في الانصراف حاذت ناقتي ناقتك فنزلت عن الناقة ودنوت منك لأقبل فخذك فرفعت القضيب فضربت خاصرتي، ولا أدري أكان عمدا منك أم أردت ضرب النّاقة، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أعيذك بجلال الله أن يتعمّدك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالضّرب؛ يا بلال، انطلق إلى بيت فاطمة فائتني بالقضيب الممشوق ح فخرج بلال من المسجد ويده على أمّ رأسه وهو ينادي: هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعطي القصاص من نفسه، فقرع الباب على فاطمة فقال: يا بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ناوليني القضيب الممشوق. فقالت له فاطمة: يا بلال، وما يصنع أبي بالقضيب وليس هذا يوم حج ولا يوم غزاة؟ فقال: يا فاطمة، ما أغفلك عمّا فيه أبوك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يودّع النّاس ويفارق الدّنيا ويعطي القصاص من نفسه، فقالت فاطمة عليها السلام: ومن ذا الذي تطيب نفسه أن يقتصّ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فرجع بلال إلى المسجد ودفع القضيب إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القضيب إلى عكاشه؛ فلمّا نظر أبوبكر وعمررضي‌الله‌عنه إلى ذلك قاما وقالا: يا عكاشة هذا نحن بين يديك فاقتصّ منا ولا تقتصّ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقال لهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : امض يا أبا بكر، وأنت يا عمر فامض، فقد عرف الله مكانكما ومقامكما. فقام علي بن أبي طالب فقال: يا عكاشة، أنا في الحياة بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا تطيب نفسي أن تضرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهذا ظهري وبطني فاقتصّ منّي بيدك واجلدني مائة ولا تقتصّ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عليّ، اقعد فقد عرف الله لك مقامك ونيّتك. وقام الحسن والحسين فقالا: يا عكاشة أليس تعلم أنّا سبطا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والقصاص منّا كالقصاص من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال لهما النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اقعدا يا قرة عيني لا نسي الله لكما هذا المقام. ثم قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عكاشة، اضرب إن كنت ضاربا. قال: يا رسول الله ضربتني وأنا حاسر عن بطني. فكشف عن بطنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصاح المسلمون بالبكاء وقالوا: أترى عكاشة ضارب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فلمّا نظر عكاشة إلى بطن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كأنّه القباطي لم يملك أن أكبّ عليه فقبّل بطنه وهو يقول: فداك أبي وأمّي ومن تطيب نفسه أن


يقتصّ منك؟ فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إمّا أن تضرب وإمّا أن تعفو. قال: قد عفوت عنك يا رسول الله رجاء أن يعفو الله عنّي في يوم القيامة. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من سرّه أن ينظر إلى رفيقي في الجنّة فلينظر إلى هذا الشّيخ. فقام المسلمون فجعلوا يقبّلون ما بين عيني عكاشة ويقولون: طوباك! طوباك! نلت درجات العلا ومرافقة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (1) .

أقول: هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرى في ضربة بقضيب لأحد أفراد جيشه في غزوة من غزواته القصاص، ويطلب من المضروب أن يقتصّ منه في الدّنيا قبل الآخرة كي يلقى الله تعالى وليس في ذمته حقّ لإنسان. وقد كان عمر بن الخطّاب حاضرا كما تشير إليه القصّة، بل إنّه اقترح على المضروب أن يقتصّ منه بدل أن يقتصّ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومثل هذا الموقف لا ينسى، فهل فهم عمر بن الخطاب الدّرس؟ أو بعبارة أخرى إذا كانت هذه هي الحال مع قضيب مشوق فكيف يكون الموقف مع الدّرّة؟! وهذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضرب شخصا واحدا بالقضيب غير متعمّد، ورأى في ذلك قصاصا، فما هو عدد المسلمين الذين ضربهم عمر بالدّرّة على رؤوسهم وأمام أقاربهم ولم يعتذر إلى أحد منهم؟ وإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم لم يستجز ضرب رجل واحد ضربة واحدة فمن أين جاز لعمر أن يضرب المسلمين عشر سنين بدرّته التي لا تفارقه، لا يفرّق في ذلك بين الرجال والنّساء؟!

قال ابن تيمية: كان عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه يؤدب بالدّرّة فإذا جاءت الحدود دعا بالسّوط(2) .

وإليك بعض ما حفل به ملفّ درّة عمر:

قال الرازي: وأما الأثر فما روي أنّ عمر أمر أنساً أن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين فأبى فرفع عليه الدرة وضربه وقال فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا، وحلف عليه ليكاتبنه؛ ولو لم يكن ذلك واجباً لكان ضربه بالدّرّة ظلما، وما أنكر على عمر أحد من

____________________

(1) مجمع الزوائد، الهيثمي ج 9 ص 27 - 28.

(2) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 28 ص 348.


الصّحابة فجرى ذلك مجرى الإجماع. وقال أكثر الفقهاء إنّه أمر استحباب وهو ظاهر قول ابن عباس والحسن والشعبي، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري واحتجوا عليه بقوله عليه الصلاة والسلام (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه) وأنّه لا فرق أن يطلب الكتابة أو يطلب بيعه ممّن يعتقه في الكفّارة، فكما لا يجب ذلك فكذا الكتابة وهذه طرقة المعارضات أجمع(1) .

أقول: وأنت ترى أنّه جعل من سكوت الصّحابة حجّة شرعيّة وكأنّ الأحكام تدور مدار مزاج الصّحابة، والحال أنّ النّاس مسلّطون على أموالهم وأملاكهم، يتصرّفون فيها بما يرون، ولا يحلّ لعمر ولا لغيره أن يجبرهم على تصرّف معيّن، اللّهمّ إلاّ أن يتعلّق ذلك بأمر مهمّ في حياة المسلمين فيتصرّف ساعتها بالعنوان الثّانويّ. وانظر إلى قوله (ولو لم يكن ذلك واجبا لكان ضربه بالدّرّة ظلما) وكأنّه ليس بظلم! بل هو ظلم مضاعف لأنّه صدر من رجل يتخذّ من منصبه منطلقا لإذلال النّاس وإجبارهم على فعل ما لا يحبون فعله. لكنّ محدّثي الأمّة ومفسّريها ابتلوا بما ابتلي به اليهود من قبل من مؤاخذة الضّعفاء دون الأقوياء، فالتّدخّل في الأمور الشخصيّة ممقوت، وإكراه النّاس على فعل ما لا يحبون فعله ممقوت، لكن حينما يصدر الممقوت من شخص يشغل منصب الخلافة يصبح قبوله محلّ إجماع، في لمح البصر أو هو أقرب!

وفي مصنف عبد الرزاق في قصّة من ذهب يستفتي عمر: (... فأتيت عمر بن الخطّاب أسأله فوجدت معه لمّا جئته رجلا أبيض رقيق الوجه وإذا هو عبد الرحمن بن عوف، قال: فسألت عمر، فالتفت إلى عبد الرحمن فقال: ترى شاة تكفيه؟ قال: نعم؛ فأمرني أن اذبح شاة، فقمنا من عنده فقال صاحب لي: إن أمير المؤمنين لم يحسن أن يفتيك حتى سأل الرجل. فسمع عمر كلامه فعلاه عمر بالدّرّة ضربا ثمّ أقبل عليّ عمر ليضربني فقلت: يا أمير المؤمنين لم أقل شيئا، إنّما هو قاله..)(2) .

____________________

(1) التفسير الكبير، الرازي، ج 23 ص 189. والقصة أيضا في تفسير السمرقندي ج 2 ص 511 وتفسير السمعاني ج 3 ص 527 وتفسير القرطبي ج 12 ص 245 وأحكام القرآن للجصاص ج 5 ص 180.

(2) مصنف عبد الرزاق ج 4 ص 406.


قال قبيصة: (وما أذكر الآية في سورة المائدة يحكم به ذوا عدل منكم قال فبلغ عمر مقالتي فلم يفجأنا إلا ومعه الدّرة فعلا صاحبي ضربا بها وهو يقول أقتلت الصيد في الحرم وسفهت الفتيا؟ ثمّ أقبل عليّ يضربني فقلت: يا أمير المؤمنين لا أحلّ لك منّي شيئاً مما حرّم الله عليك)(1) ..

وعن أبي وائل أنّ ابن مسعود رأى رجلا قد أسبل إزاره فقال له: ارفع فقال له الرجل: وأنت يا ابن مسعود فارفع إزارك! فقال عبد الله: إني لست مثلك، إنّ لساقي حموشة وأنا أؤمّ النّاس. فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب فاقبل على الرّجل ضربا بالدّرّة وقال: أتردّ على ابن مسعود! أتردّ على ابن مسعود!(2) !

قال ابن تيمية: (صحّ أن عمر بن الخطّاب كان يضرب أيدي النّاس ليضعوا أيديهم في الطّعام في رجب ويقول (لا تشبّهوه برمضان)(3) .

أقول: وهذا مخالف لقوله تعالى( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ ) .

وروي عن عمر أنه رأى شابّا يمشي رويدا فقال: ما بالك أأنت مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين؛ فعلاه بالدّرة وأمره أن يمشي بقوّة(4) .

أقول: هل كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتدخّل في الحياة الشخصيّة بهذا الشكل؟ وما يضرّ الناس أن يمشي المرء كما شاء طالما لم يتعدّ حدود الله تعالى ولم يشكّل خطرا أو ضررا على حياة المسلمين؟! وهل كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعلو أحدا بالدّرّة على مرأى من النّاس؟ أليس في ذلك انتهاك لحرمة المسلم؟ من زعم أنّ هذه السّيرة تنسجم مع سنّة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورحمة الإسلام فقد ضلّ ضلالا مبينا.

وعن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال رأى عمر بن الخطاب يزيد بن أبي سفيان كاشفا عن بطنه فرأى جلده نقية فرفع عليه الدرّة وقال: أجلدة كافر؟ فقيل له إنّ أرض

____________________

(1) الدر المنثور، السيوطي، ج 3 ص 191.

(2) شرح العمدة، ج 4 ص 366.

(3) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 25 ص 291.

(4) تفسير ابن كثير، ج 3 ص 433 ومختصر ابن كثير، ج 2 ص 844، واستشهد به الألبانيّ في مناقشة حديث (سرعة المشي تذهب ببهاء المؤمن) انظر السّلسلة الضعيفة ج 1 ص 132.


الشّام أرض طيبة العيش فكست(1) .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن الضريس عن إبراهيم النخعيرضي‌الله‌عنه قال: كان بالكوفة رجل يطلب كتب دانيال وذلك الضّرب فجاء فيه كتاب من عمر بن الخطاب أن يرفع إليه فقال الرجل: ما أدري فيما رفعت! فلما قدم على عمر علاه بالدرّة ثم جعل يقرأ عليه( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ) (حتى بلغ) (الغافلين) قال فعرفت ما يريد فقلت: يا أمير المؤمنين، دعني فو الله ما أدع عندي شيئا من تلك الكتب إلا حرقته، قال ثمّ تركه(2) .

وعن وبرة، قال: رأى عمر تميماً الداري يصلي بعد العصر، فضربه بدرته على رأسه. فقال له تميم: يا عمر تضربني على صلاة صليتها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! قال: يا تميم، ليس كل الناس يعلم ما تعلم(3) .

قالوا: أتى عمر سائل فقال اعطوه ثم نظر فإذا تحت ابطه مخلاة مملوأة خبزا فقال لست بسائل بل تاجر، ثم علاه بالدرة ضربا(4) .

قدم سعيد بن عامر بن حذيم على عمر بن الخطاب فلمّا أتاه علاه بالدرة فقال سعيد: سبق سيلك مطرك، إن تعاقب نصبر وإن تعف نشكر وإن تستعتب نعتب. فقال ما على المسلم إلا هذا قال: ما لك تبطئ بالخراج؟ قال: أمرتنا أن لا نزيد الفلاّحين على أربع الدنانير فلسنا نزيدهم على ذلك ولكنّا نؤخرّهم إلى غلاّتهم. فقال عمر: لا عزلتك على ما حييت(5) .

قالوا: إنّ عمير بن سعد كان يعجب عمر بن الخطّاب فكان من عجبه به يسميه نسيج وحده وبعثه مرّة على جيش من قبل الشّام فقدم مرة وافدا فقال: يا أمير المؤمنين إنّ بيننا وبين عدوّنا مدينة يقال لها غرب السوس يطلعون عدونا على عوراتنا ويفعلون و

____________________

(1) الجامع ج 11 ص 86 تحت رقم 19995.

(2) الدر المنثور ج 4 ص 497.

(3) سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج 2 ص 448.

(4) التيسير بشرح الجامع الصغير ج 2 ص 421 (حم م ه عن أبي هريرة).

(5) تاريخ مدينة دمشق ج 21 ص 164.


يفعلون فقال عمر: إذا أتيتهم فخيّرهم بين أن ينقلوا من مدينتهم إلى كذا وكذا وتعطيهم مكان كلّ شاة شاتين ومكان كل بقرة بقرتين ومكان كل شيء شيئين فإن فعلوا فأعطهم ذلك وإن أبوا فانبذ إليهم ثم أجّلهم سنة فقال: يا أمير المؤمنين اكتب لي عهدك بذلك فكتب له عهده فأرسل إليهم فعرض عليهم ما أمره به أمير المؤمنين فأبوا فأجّلهم سنة ثم نابذهم فقيل لعمر إنّ عميرا قد خرب غرب السوس وفعل وفعل فتغيّظ عليه عمر؛ ثمّ إنّه قدم بعد ذلك وافدا ومعه رهط من أصحابه فلمّا قدم عليه علاه بالدّرّة قائلا: خربت غرب السوس وهو ساكت لا يقول له شيئا. ثمّ قال لأصحابه مبرنسين مبرنسين ضعوا برانسكم؛ فقال عمر ضعوا برانسكم ثكلتكم أمّهاتكم، إنّكم والله ما أنتم بهم، فوضعوا برانسهم؛ فقال عمير: معمّمين، معمّمين ضعوا عمائمكم، فقال عمير ضعوا عمائمكم فإنا والله ما نحن بهم فقال مكممين، مكممين ضعوا أكمامكم. فقال عمير: ضعوا أكمامكم ثكلتكم أمّهاتكم فإنّا والله ما نحن بهم، قال فوضعوا أكمامهم فإذا عليهم حمام؛ فقال عمر: أما والله الذي لا إله إلا هو لو وجدتكم محلّقين لرفعت بكم الخشب! ثمّ إنّ عمر دخل على أهله فاستأذن عليه عمير فدخل فقال: يا أمير المؤمنين أقرأ إليّ عهدك في غرب السوس. فقال عمر: رحمك الله فهلا قلت لي وأنا أضربك! فقال: كرهت أن أوبّخك يا أمير المؤمنين. فقال عمر: غفر الله لك ولكن غيرك لو كان(1) .

قال ابن سعد في ترجمة سليم بن عبد العزيز بن عبيد السلمي: أبو شجرة أمّه الخنساء الشّاعرة، أسلم مع أمّه ثمّ ارتدّ في زمن أبي بكر، وقاتل المسلمين. قال المبرد في الكامل: كان من فتّاك العرب، واشتهر عنه في زمن الردّة قوله في قصيدة:

ألا أيّها المدلى بكثرة قومه

وحظّك منهم أن تذلّ وتقهرا

سل النّاس عنّا كلّ يوم كريهة

إذا ما التقينا دار عين وحسّرا

ويقول فيها:

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 46 ص 488، وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 560.


فروّيت رمحي من كتيبة خالد

وإنّي لأرجو بعدها أن أعمّرا

ثمّ أسلم وقدم على عمر فقال له: أنا أبو شجرة السلمي فأعطني فقال: ألست القائل فروّيت رمحي، ثمّ علاه بالدرّة فسبقه عدوا وركب راحلته فنجا وهو يقول

قد ضنّ عنّا أبو حفص بنائله

وكلّ مختبط يوما له ورق

ما زال يضربني حت جذيت له

وحال من دون بعض الرّعيّة الشّفق(1) .

قال السّرخسي:.. وإنّ عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه لمّا رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا بعد إحرامه علاه بالدرّة فقال: لا تعجل يا أمير المؤمنين فإنّما هو بمشق؛ فقال: نعم، ولكن من ينظر إليك من بعد لا يعرف ذلك، فيرجع إلى قبيلته ويقول: رأيت على طلحة في إحرامه ثوبا مصبوغا فيعيّرك الناس بذلك(2) .

وحكى محمد رحمه الله أن إجماع الصحابةرضي‌الله‌عنه على ما هو عليه مذهبنا فكان عمررضي‌الله‌عنه لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلاّ علاه بالدرّة(3) .

حدثنا خلف بن هشام نا حماد بن زيد عن عبد الله بن المختار عن هشام بن عروة أن كلابا بن أمية غزا في خلافة عمررضي‌الله‌عنه فأنشأ أبوه يقول

إذا بكت الحمامة ساق حر

علي بيضاتها دعوا كلابا

تركت أباك مرعشة يداه

وأمّك ما تسيغ لها شرابا

فبلغ ذلك عمررضي‌الله‌عنه فكتب فجيء به، فلمّا أن دخل عليه علاه بالدرّة ضربا وقال: أجهاد أفضل من أبويك! أجهاد أفضل من أبويك(4) !

ولم تكن درّة عمر تهدّد أبشار الناس فقط، بل كان لها سلطان غيبي وولاية تكوينية تحقّق ما لم تحقّقه عصا موسى بن عمران عليه السلام. قال الرّازي في تفسيره: وقعت الزّلزلة في المدينة فضرب عمر الدّرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله، فسكنت وما حدثت

____________________

(1) الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر، ج 3 ص 168 رقم 3443.

(2) المبسوط السرخسي ج 4 ص 8.

(3) الغرة المنيفة، ج 1 ص 154 وإيثار الإنصاف ج 1 ص 168.

(4) مكارم الأخلاق ج 1 ص 82 رقم 242.


الزلزلة بالمدينة بعد ذلك(1) .

أقول: ومع ذلك يبقى المتتبع متحيّرا، فإنّ عمر بن الخطّاب الذي يوقف الزّلزلة بضربة واحدة بدرّته لا يستطيع أن يثبت أمام المشركين لحظة واحدة، إذ لم ينقل لنا التّاريخ إلاّ فراره المتكرّر!

وعن حميد بن هلال قال دخل عبيد الله بن عمر على أخيه عبد الله فقرب له ثريدا عليه لحم فقال عبيد الله: ما أنا بآكله حتى تجعلوا فيه سمنا! فقال عبد الله أما علمت أنّ أباك قد نهى عن ذلك؟ فقال القوم: أطعم أخاك. قال: فصنع فيه سمنا، فبينا هم على ذلك دخل عمر فأهوى بيده فأكل لقمة، ثمّ رفع رأسه فنظر في وجوه القوم، ثمّ رفع الدرّة فضرب عبيد الله، ثمّ أراد أن يضرب الجارية فقالت: ما ذنبي؟ أنا مأمورة؛ فخرج ولم يقل لعبد الله شيئا(2) .

____________________

(1) التفسير الكبير، الفخر الرازي، ج 21 ص 75.

(2) الجامع، ج 11 ص 87 تحت رقم 19998.


الفصل الثاني

روايات في فضائل عمر



روايات في فضائل عمر

من المحدّثين من يرى قتل من يقدح في عمر.

عن سعيد بن عبد الرّحمن بن أبزى قال: (قلت لأبي: يا أبه، أرأيت لو أنّك رايت رجلا يسبّ أبابكر ما كنت فاعلا؟ قال: كنت أضرب عنقه! قال: قلت فعمر؟ قال: كنت أضرب عنقه! قال: قلت فعثمان؟ قال: أمر قد اختلف فيه). وعن ابن عيينة عن خلف بن حوشب عن ابن أبزي نحوه(1) .

أقول:

وأنت ترى كيف توقّف السّائل عند عثمان، ولم يتعدّه إلى عليّ عليه السلام مخافة أن يتورّط ويصدر حكما قاسيا في حقّ كثير من الصّحابة والتّابعين الذين كانوا يسبّون عليا عليه السلام ويشتمونه ويلعنونه. ويكفيك هذا لمعرفة مدى النّزاهة والأمانة لدى من تولّوا الإشراف على التّراث! ومجرّد التّوقّف عند عثمان يعني أنّ عليّا عليه السلام مستباح العرض، فإذا سبّه شخص فإنّه يكون قد ارتكب أمرا مختلفا فيه، والمختلف فيه لا يصحّ الاحتجاج به! وهكذا غدا من يسبّ عمر بن الخطّاب يستحقّ القتل في الإسلام مع أنّ عمر قضى أكثر من ثلاثين سنة يعبد الأصنام، بينما يرفع الحرج والملام عمّن يسب عليا عليه السلام مع أنّه لم يسجد لصنم طرفة عين! فاين قيمة التّوحيد إذاً؟! على أنّ أبابكر نفسه لا يقبل أن يقتل رجل سبّه. قال السّبكي: وفي حديث أبي برزة (كنت يوما عند أبي بكر فغضب على رجل - وحكى القاضي إسماعيل وغيره في هذا الحديث أنه سبّ أبابكر، ورواه النسائي أتيت أبابكر وقد أغلظ لرجل - فردّ عليه فقلت: يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه. قال: اجلس فليس ذلك لأحد إلاّ لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (2) .

ورووا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: أتاني جبريل آنفا فقلت له: يا جبريل حدّثني بفضائل عمر بن الخطّاب في السّماء! فقال: يا محمّد، لو حدّثتك بفضائل عمر في

____________________

(1) مسند إسحاق بن راهويه، ج 3 ص 729 تحت رقم 1334.

(2) فتاوى السبكي، ج 2 ص 582.


السّماء ما لبث نوح في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاما ما نفذت فضائل عمر، وإنّ عمر حسنة من حسنات أبي بكر(1) .

أقول:

على فرض أنّ حياة عمر كلّها كانت حسنات، لحظة لحظة، فإنّه يكفي لبيانها مدّة مساوية لعمره، فكيف غدا ما لبث نوح في قومه غير كاف لبيانها؟! والحال أنّ عمر بن الخطّاب قضى معظم عمره ينحني للأصنام، وقد قال الله تعالى( إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) ، فهل كان عمر أيّام كان من المشركين أيضا على فضيلة؟ أم أنّه يستثنى من القاعدة كما تقتضيه ثقافة الكرسيّ، فيقال: كلّ المشركين نجس باستثناء عمر بن الخطّاب؟! ولأنّ قوله تعالى( إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) يعني أنّ كلّ مشرك نجس حال شركه، والقائل هو الله جلّ شأنه، فلا مزايدة! وعليه يكون عمر بن الخطّاب أيّام كان على الشّرك نجسا، وهذا لا يقبل الجدل؛ وبما أنّ شركه دام أكثر من ثلاثين سنة، فإنّه لا يعقل أن يكون له في ذلك فضل. وأمّا بعد إسلامه، فإنّ هناك مواطن ينبغي التوقف عندها، وفيها تساؤلات مشروعة. هل يمكن أن يعدّ من فضائل عمر أنّه فرّ يوم أحد؟ هل يمكن أن يعدّ من فضائله أنّ فرّ يوم حنين؟ هل يمكن أن يعدّ من فضائل أنّه فرّ يوم خيبر يجبّن أصحابه ويجبّنوه(2) ؟ هل يمكن أن يعدّ من فضائل عمر أنّه جبن يوم الأحزاب ترتعد فرائصه لزئير عمرو بن عبد ودّ؟ وأنّه كان سريعا إلى المساءة كثير الجبه والشّتم والسّبّ(3) ، وهذا عين سوء الخلق؟ وأنّه همّ بتحريق بيت فطمة عليها السلام؟ وأمور أخرى نتعرّض لها فيما يأتي من الكتاب إن شاء الله تعالى. وقد كفى الله المؤمنين القتال بأحمد بن حنبل، فقد قال ابنه عبد الله: (قال ابي: هذا حديث باطل موضوع اضرب عنه)(4) . وفي الفوائد: (حديث أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لجبريل حدثني بفضائل

____________________

(1) الفواكه الدواني للنفراوي المالكي، ج 1 ص 103، دار الفكر، بيروت 1415 هـ.

(2) معنى يجبّنونه أي ينسبون إليه الجبن فيقولون له يا جبان أو جبنت..، والجبن نقيض الشّجاعة.

(3) ذكره ابن أبي الحديد كما يأتي لاحقا.

(4) علل الحديث، ج 2 ص 385.


عمر في السّماء فقال: يا محمد، لو حدّثتك بفضائل عمر في السّماء ما لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ما نفدت فضائل عمر وإنّ عمر حسنة من حسنات أبي بكر. رواه الحسن بن عرفة عن عمّار مرفوعا. قال أحمد بن حنبل: إنّه موضوع. قال في اللآلئ: إنّه أخرجه أبو نعيم في فضائل الصحابة قلت: أخرجه أبو نعيم فكان ماذا؟ فليس بمثل هذا يتعقب قول من قال إنه موضوع)(1) . وفي اللآليء. قال أحمد بن حنبل موضوع ولا أعرف إسماعيل وقال الأزدي هو ضعيف وقال ابن حبان يروي المناكير التي لا يشك أنها موضوعة)(2) وفي العلل المتناهية (قال أبو الفتح الأزدي إسماعيل ضعيف. قال أبو حاتم: الوليد مجهول؛ وقال ابن حبّان: كان يروي المناكير التي لا يشكّ أنها موضوعة)(3) .

وعن شفي الأصبحي قال: سمعت عبد الله بن عمرورضي‌الله‌عنه يقول سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: (سيكون بعدي اثنا عشر خليفة، أبو بكر الصّدّيق لا يلبث بعدي إلاّ قليلا، وصاحب رحى دائرة العرب يعيش حميدا ويموت شهيدا؛ قيل: من هو يا رسول الله؟ فقال: عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه (4) .

أقول:

إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يستشهد الرّجلان بهذا يوم السّقيفة؟ وكيف خفي هذا الكلام على عليّ وفاطمة عليهما السّلام؟

قال السّيوطي: (وأخرج التّرمذي والحاكم وصحّحه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو كان بعدي نبيّ لكان عمر بن الخطّاب. وأخرجه الطبرانيّ عن أبي سيد الخدريّ وعصمة بن مالك. وأخرجه ابن عساكر من حديث ابن عمر)(5) .

____________________

(1) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ج 1 ص 337.

(2) اللآليء المصنوعة، ج 1 ص 277.

(3) العلل المتناهية ج 1 ص 195.

(4) الآحاد والمثاني، ج 1 ص 96 تحت رقم 67.

(5) سنن الترمذي ج 5 ص 619 والمستدرك على الصحيحين ج 3 ص 92 تاريخ الخلفاء، والمعجم الكبير


أقول:

إن صحّ هذا فإنّه يجوز على الأنبياء عبادة الأصنام عشرات السّنين، لأنّ عمر عبد الأصنام عشرات السّنين، وهو مع ذلك يستحق النّبوّة. لكنّ عبادة الأصنام من النّجس بدليل قوله تعالى( إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) ، فيكون المرشّح للنّبوّة سبق له أن كان نجسا! وقد يوجد في نفس الوقت من لا يعبد الأصنام بل يوحّد الله تعالى ويجتنب الأصنام، وهو غير مرشح للنّبوّة، فيكون غير المرشّح للنّبوّة طاهرا والمرشّح للنّبوّة نجسا، وهذا ما لا يرتضيه الفلاّح في الصّعيد، ولا الملاّح في البحرين؛ فيا خيبة الرّاوي ويا خيبة من يصدّقه! ثم كيف يصنعون بما رووا في الصّحاح وغيرها من قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه السلام: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي)(1) . ففي ظل هذا الحديث من يكون نبيا بعده لو كان باب النبوة مفتوحا؟!

ونسب إلى النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: (لما أسلم عمر بن الخطّاب أتاني جبريل فقال: قد استبشر أهل السّماء بإسلام عمر)(2) ، قال المناويّ: وذلك لأنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: اللّهمّ أعزّ الإسلام بأبي جهل أو بعمر، فأصبح عمر فأسلم، فأتى جبريل فذكره. وفي علل التّرمذيّ عن الحبر رأى النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عمر ثوبا أبيض فقال: البس جديدا وعش حميدا ومت شهيدا. في فضائل الصّحابة (عن ابن عبّاس) قال الحاكم: صحيح. وردّه الذّهبيّ في التّلخيص بأن عبد الله بن خراش أحد رجاله ضعّفه الدّار قطنيّ وقال في الميزان: قال أبو زرعة: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث، وقال البخاريّ:

____________________

ج 17 ص 310.

(1) صحيح البخاري ج 4 ص 1602 وصحيح مسلم ج 4 ص 1870 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 15 والمستدرك على الصحيحين ج 3 ص 143 وسنن النسائي الكبرى ج 5 ص 44 وسنن النسائي الكبرى ج 5 ص 125 وسنن البيهقي الكبرى ج 9 ص 40 والمعجم الأوسط ج 8 ص 40 والمعجم الكبير ج 11 ص 75 والمعجم الكبير ج 23 ص 377 ومسند أبي يعلى ج 2 ص 99 ومسند أحمد بن حنبل ج 3 ص 338 ومسند أحمد بن حنبل ج 6 ص 369 ومسند أحمد بن حنبل ج 6 ص 438 ومجمع الزوائد ج 9 ص 109.

(2) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوى ج 5 ص 381 الحديث رقم 7377.


منكر الحديث، ثمّ ساقر ومن مناكيره هذا الخبر)(1) .

وحديث (لو لم أبعث فيكم لبعث عمر). قال السّيوطيّ: (في إسناده وضّاع)(2) .

أقول:

وكفى الله المؤمنين القتال.

وعن ابن عبّاس قال: وضع عمر بن الخطّاب على سريره فتكنّفه النّاس يدعون ويصلّون قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلاّ رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفتّ فإذا هو عليّ بن أبي طالب فترحّم على عمر وقال: ما خلّفت أحدا أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظنّ ليجعلك الله مع صاحبيك، وذاك أنّي كنت أكثر أن أسمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول ذهبت أنا وأبوبكر وعمر، ودخلت أنا وابو بكر وعمر ن وخرجت أنا وأبوبكر وعمر فإن كنت لأظنّ ليجعلك الله معهما(3) .

أقول:

ينسبون مثل هذه الرّوايات إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام، والصّحاح تشهد بخلافها، وكيف يقول علي عليه السلام مثل هذا وخطبته الشّقسقيّة تهتف بما ينسفه! ولكن من خلت قلوبهم من النزاهة والأمانة لا يبالون ما يأتون، فتراهم يتحوّلون فجأة إلى علي بن أبي طالب عليه السلام وينسبون إليه ما يحاولون أن يشوّشوا به على شيعته، وغاب عنهم أنّ أتباعه عليه السلام لا يأخذون معالم دينهم هم إلا من رسول الله وعترته المصطفين الذين أخبر

____________________

(1) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوى، ج 5 ص 381 الحديث رقم 7377.

(2) في كنز العمال ج 11 ص 266: الحديث رقم 32762 - لو كان بعدي نبي لكنته - قاله لعمر [الخطيب في رواة مالك وابن عساكر - عن ابن عمر وقال منكر]. الحديث رقم 32763 - لو لم أبعث فيكم لبعث عمر [عد وقال غريب كر - عن عقبة بن عامر عد كر - عن بلال بن رباح وقال عد غير محفوظ وأوردهما ابن الجوزي في الموضوعات]. وفي المغني عن حمل الأسفار، ج 2 ص 833: 3061 حديث لو لم أبعث لبعثت يا عمر 1573 أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة وهو منكر والمعروف من حديث عقبة بن عارم لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب. رواه الترمذي وحسنه وأخرجه ابن عدي بلفظ لولم أبعث فيكم لبعث عمر فيكم، رواه من طريقين في أحدهما عبد الله بن واقد الحراني وهو متروك وفي الآخر رشدين بن سعد وقال قلب رشدين متنه ورواه أيضاً من حديث بلال وفيه زكريا بن يحي وهو كذاب.

(3) مسند ابن المبارك، عبد الله بن المبارك، ص 157.


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّهم أعلم الأمّة، وأنّ من تمسّك بهم لا يضلّ أبدا. ولم يرد من طريق عليّ عليه السلام في كتب شيعته ما يضفى رائحة الشرعية على جماعة السقيفة، بل إنّه ظلّ يشكو إلى الله تعالى ظلم قريش إياه، وخرج من الدّنيا ولم يتراجع عن موقفه قيد أنملة. فهذا الحديث (وأمثاله) ردّ على أصحابه.

وعن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتاني جبريل عليه السلام فقال: أقرئ عمر السلام وقل له إنّ: رضاه حكم وإنّ غضبه عز)(1) . وهو في المعجم الأوسط أيضا، وقال الطّبراني بخصوصه هناك: (لم يرو هذا الحديث عن زيد العمي إلاّ جرير بن حازم تفرّد به خالد بن يزيد العمي)(2) .

أقول:

لقد رضي أن يفرّ من الزّحف أكثر من مرّة، فهل يصبح الفرار حكما؟ ولقد كان هائجا حين الهجوم على بيت فاطمة، فهل هذا عزّ، وقد أخبر الله تعالى نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه جلّ وعلا يغضب لغضب فاطمة عليها السلام ويرضى لرضاها(3) . وأعمل الفكر جيّدا وتأمّل وتمعّن كي ترى كيف سلب الحديث من فاطمة عليها السلام وأضفي على عمر بن الخطّاب!

وأخرج أبن سعد عن بسطام بن مسلم قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي بكر وعمر لا يتأمّر عليكما أحد بعدي(4) .

أقول:

إن كان هذا صحيحا فلم أمّر عليهما أسامة بن زيد في آخر عمره الشّريف؟

أيعقل هذا؟ أيعقل أن يقول لهما النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمام النّاس هذا الكلام ثمّ يؤمّر عليهما أسامة بن زيد، كما هو في القصّة المشهورة؛ روى البخاري عن [..] مسدد حدثنا يحيى

____________________

(1) المعجم الكبير، الطبراني، ج 21 ص 48.

(2) المعجم الأوسط، الطبراني، ج 6 ص 242.

(3) تهذيب التهذيب ج 12 ص 468 وتهذيب الكمال، ج 35 ص 250 والإصابة في تمييز الصحابة، ج 8 ص 56.

(4) الطبقات الكبرى، ج 3 ص 211 ومصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 351.


بن سعيد حدثنا سفيان بن سعيد حدثنا عبد الله بن دينار عن بن عمررضي‌الله‌عنه قال أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسامة على قوم فطعنوا في إمارته فقال: إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله لقد كان خليقا للإمارة وإن كان من أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده(1) . ثم أعمل الفكر في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : 0 إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله) يتبين لك أنّهم كانوا لا يرون حرجا في الطّعن في أقوال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأفعاله بعد نزول قوله تعالى( فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّى‏ يُحَكّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيماً ) !

وعن عروة عن عائشة قالت: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالسا فسمعنا لغطا وصوت الصبيان، فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإذا حبشية تزفن والصبيان حولها فقال: يا عائشة تعالي فانظري. فجئت فوضعت ذقني على منكب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: أما شبعت فجعلت أقول لا، لأنظر منزلتي عنده إذ طلع عمر فارفضّ الناس عنها فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فرّوا من عمر. قال: فرجعت.

أقول:

لكنّ شياطين قريش لم يفرّوا منه يوم أحد ويوم حنين، وعمرو بن عبد ودّ لم يفرّ منه يوم الأحزاب، وشياطين اليهود لم يفرّوا منه يوم خيبر، وتلك أمّها المعارك في تاريخ الإسلام. وانظر إلى قلّة ورع الرّاوي يزعم أنّ رسول الله يشارك الشّياطين في التفرّج على الباطل، ولا تبالي الشّياطين بوجوده الشّريف وإنّما تهتمّ لحضور عمر، وكأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقلّ شأنا من رجل كان انحنى للأصنام عشرات السنين! وانظر إليهم يزعمون أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يشجّع إحدى أزواجه على التفرّج على الرقص

____________________

(1) صحيح البخاري، ج 4 ص 1551 رقم 4004، والحديث أيضا في صحيح مسلم ج 4 ص 1884.


والغناء، ولو قيل لهم إن عمر بن الخطاب جلس يتفرج على الغناء والرّقص مع إحدى أزواجه لقالوا( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) ، فما أجرأهم على الله تعالى.

قال السيوطي: وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشّيخ عن زيد بن أسلم في قوله( أَوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ فِي الظّلُمَاتِ ) قال: أنزلت في عمر بن الخطّاب وابي جهل بن هشام كانا ميتين في ضلالتهما فأحيى الله عمر بالإسلام وأعزّه وأقرّ ابا جهل في ضلالته وموته، وذلك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا فقال: اللّهم أعزّ الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطّاب(1) .

أقول:

أين هذا العزّ في حياة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!. وأين كان عمر بن الخطّاب حين كان عمرو بن عبد ودّ يزمجر ويتحدّى؟!

قال ابن عاشور: وفي الحديث: قد يكون في الأمم محدّثون فإن يكن في أمّتي أحد فعمر بن الخطّاب(2) .

قال الآلوسيّ: أخرج ابن جرير عن محمّد بن إسحاق أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال عند نزول هذه الآية: لو أنزل من السماء عذاب لما نجا منه غير عمر بن الخطّاب وسعد بن معاذ لقوله كان الإثخان في القتل أحبّ إلي. وأخرجه ابن مردويه عن ابن عمر لكن لم يذكر فيه سعد بن معاذ(3) .

أقول:

لكن القرآن يقول( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ولم يقل وما كان الله ليعذّبهم وعمر فيهم، فدلّ هذا على وضع الرّواية. ثمّ عن أيّ إثخان يتكلّمون؟ ومتى أثخن عمر في القتل؟ هل في وسعهم أن يأتوا بمحارب واحد قتله عمر بن الخطاب في

____________________

(1) الدر المنثور، ج 3 ص 352.

(2) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 1 ص 1940.

(3) روح المعاني، الآلوسي، ج 10 ص 35.


معركة؟

قال الثّعالبي: وأكثر الرّوايات في سبب نزول الآية أنّ عبد الرّحمن بن عوف تصدّق بأربعة آلاف وأمسك مثلها وقيل هو عمر بن الخطّاب تصدّق بنصف ماله(1) .

أقول:

شهد على عمر بن الخطّاب صحابة وصحابيّات ببخله ومنعه الخير. ولو كان صاحب جود في الجاهليّة أو الإسلام لذكر في الأجواد. وقد سمّى محمد بن حبيب البغدادي أجواد العرب في الجاهليّة والإسلام فلم يذكر فيهم عدويّا واحدا، لا عمر ولا غيره.

قال ابن كثير: روى قيس بن حجّاج قال: لما فتحت مصر أتى أهلها (عمرو بن العاص) وكان أميرا بها فقالوا: أيّها الأمير، إنّ لنيلنا هذا سنّة لا يجري إلاّ بها! قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت اثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشّهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثّياب أفضل ما يكون، ثمّ ألقيناها في هذا النّيل؛ فقال لهم عمرو: إنّ هذا لا يكون في الإسلام، إنّ الإسلام يهدم ما كان قبله. فأقاموا والنّيل لا يجري حتّى همّوا بالجلاء فكتب (عمرو) إلى (عمر بن الخطّاب) بذلك فكتب إليه عمر: إنّك قد أصبت بالذي فعلت، قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا فألقها في النّيل. فلمّا قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر أما بعد: فإنّك إن كنت إنّما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهّار هو الذي يجريك فنسأل الله أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النّيل فأصبحوا يوم السّبت وقد أجرى الله النيل ستّة عشر ذراعا في ليلة واحدة وقد قطع الله تلك السّنّة عن أهل مصر إلى اليوم. (رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنّة)(2) .

____________________

(1) تفسير الثعالبي، ج 2 ص 144.

(2) مختصر ابن كثير، ج 3 ص 104.


أقول:

يبدو أنّ عمر بن الخطّاب علّم منطق الأنهار، كما يبدو أنّ النّيل يفهم اللّغة العربيّة الحجازيّة، ويعرف خطّ عمر، ولا يحتاج إلى ترجمان! لكنّ سنيّ عمر كانت سنيّ قحط بالمدينة، ومن تلك السنيّ عام الرّمادة. فلماذا لم يتوجّه إلى السّماء ليقول لها: إن كنت إنّما تمطرين من قبلك فأمسكي وإن كان الله الواحد القهّار هو الذي يرسلك فأمطري!

ويبقى السؤال كما يلي: هذا السّلوك من النّيل هل هو لكلّ أنهار الدّنيا أم أنّه خاصّ بالنيل؟ وما أشدّ ولع النّيل بالجواري الأبكار في الليلة الثانية عشرة بالضبط! لا قبل ولا بعد! وقبل ابتكار السّاعة بزمان! لكن يبدو أنّ ثورة المصريّين على عثمان كان لها على بني أميّة أثر بالغ لا يكاد يوصف، وهو ما دعاهم وأتباعهم إلى الافتراء على أهل مصر ووسمهم بصفات لا تنسجم مع روح الإسلام الحنيف؛ ولا تزال آثار تلك الافتراءات بادية في كتب الأدب، شعرها ونثرها؛ وإنّما المصريّون شعب من شعوب الدّنيا، فيه من كل الأصناف، فيه الظالم لنفسه وفيه المقتصد وفيه السابق بالخيرات، وفيه المسلمون وغير المسلمين.

قال ابن كثير: ومما يدلّ على ذلك ما قاله البخاريّ في صحيحه عن عبد الله بن عمررضي‌الله‌عنه ما قال: ما سمعت عمررضي‌الله‌عنه يقول لشيء قطّ إني لأظنّه هكذا إلا كان كما يظن. بينما عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه جالس إذ مرّ به رجل جميل فقال: لقد أخطأ ظنّي أو أنّ هذا على دينه في الجاهليّة، أو لقد كان كاهنهم. عليّ بالرّجل! فدعي له فقال له ذلك فقال: ما رأيت كاليوم أستقبل به رجل مسلم. قال: فإنّي أعزم عليك إلاّ ما أخبرتني. قال: كنت كاهنهم في الجاهليّة. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنّيتك؟ قال: بينما أنا يوما في السّوق جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم تر الجنّ وإبلاسها... ويأسها من بعد إنكاسها... ولحوقها بالقلاص وأحلاسها. قال عمررضي‌الله‌عنه : صدق؛ بينما أنا نائم عند آلهتهم [!] إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخا قطّ أشدّ صوتا


منه يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله. قال: فوثب القوم فقلت: لا أبرح حتّى أعلم ما وراء هذا. ثمّ نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله. فقمت، فما نشبنا أن قيل: هذا نبي (هذا لفظ البخاريّ وقد رواه البيهقي بنحوه)(1) .

أقول:

هذه القصّة تفيد أنّ عمر بن الخطاب كان يعلم ببعثة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلماذا أصرّ على البقاء على الشّرك طوال تلك السنين؟ ولماذا كان يعذّب الإماء اللاتي كنّ يعتنقن الإسلام؟! ثم لا يغب عنك أنّ الراوي هو عبد الله بن عمر! عبد الله بن عمر بن الخطّاب يروي بخصوص عمر بن الخطاب.

وعن الزّهري عن ابن المسيّب في قوله تعالى( وَمَا يُعَمّرُ مِن مُعَمّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ) قال: لما طعن عمر بن الخطّاب قال كعب: لو أنّ عمر دعا الله لأخّر في أجله. فقال الناس: سبحان الله! أليس قد قال الله( فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَستَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) ؟ فقال كعب: أو ليس قد قال الله:( وَمَا يُعَمّرُ مِن مُعَمّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلّا فِي كِتَابٍ ) ؟ قال الزّهري فنرى أنّ ذلك يؤخّر ما لم يحضر الأجل، فإذا حضر لم يؤخّر(2) .

أقول:

هكذا يضحك كعب الأحبار اليهوديّ على المسلمين، لو أنّ عمر دعا الله لأخّر في أجله يقول هذا الكلام عن عمر بعد أن قال له: أعهد فإنّك مقتول بعد ثلاث. وما يدري كعب الأحبار متى يقتل عمر لو لم يكن مطّلعا على مؤامرة قتله؟!

قال البغويّ في تفسير قوله( وَالّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ .. ) الصدّيق: الكثير الصّدق قال مجاهد: كلّ من آمن بالله ورسوله فهو صدّيق وتلا هذه

____________________

(1) مختصر ابن كثير، ج 3 ص 369.

(2) تفسير الصنعاني، ج 3 ص 137.


الآية. قال الضّحاك: هم ثمانية نفر من هذه الأمّة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطّاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته(1) .

أقول:

بعد أن عبد الصّنم أكثر من ثلاثين سنة، ووأد ابنته، وآذى المسلمين في بداية الدّعوة في مكّة، والنّساء بشكل خاصّ، وفرّ من الزّحف مرّة بعد مرّة، تاركا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين أيدي الأعداء، وتردّد كثيرا على مدارس اليهود أيّام السّبت حتى قال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أمتهوّكون يا ابن الخطّاب؟! بعد هذا كلّه نال مرتبة الصّدّيقية فجأة كما تقضي به ثقافة الكرسيّ. والذي لا يشكّ فيه من قرأ القرآن الكريم وتدبّر معانيه أنه لا يجد عبارة الصدّيق واردة إلاّ في حقّ معصوم. فقد جاء وصف مريم عليها السلام بـ الصدّيقة بعد أن خاطبتها الملائكة( إِنّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى‏ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) ، فهي مصطفاة مطهّرة؛ وكذلك وصف يوسف عليه السلام بالصدّيق في قوله تعالى( يُوسُفُ أَيّهَا الصّدّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ... ) وقبل ذلك قول أبيه يعقوب عليه السلام له كما حكى القرآن الكريم( وَكَذلِكَ يَجْتَبيكَ رَبّكَ وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى‏ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمّهَا عَلَى‏ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ... ) . فهو مجتبى من قبل الله تعالى. فمرتبة الصّديقية لا تجتمع مع عبادة الأصنام لحظة فما فوقها.

قال ابن عاشور: وقد قال النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدّثون فإن يكن في أمّتي منهم أحد فعمر بن الخطّاب). قال ابن وهب: محدثون: ملهمون(2) .

أقول:

أين كان التّحديث يوم وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أنكرها الرّجل، والقرآن الكريم

____________________

(1) تفسير البغوي، ج 1 ص 38.

(2) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 1 ص 3892.


يهتف( إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُم مَيّتُونَ ) . وأين كان التّحديث في مسألة الكلالة؛ ثمّ هو رجل كثير السّبّ والشّتم فهل كان السّبّ والشّتم من التّحديث، وهل كان قوله حسبنا كتاب الله ونسبته الهجر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الإلهام أيضا؟

وجاء في تفسير الصّنعاني ما يلي: فانطلق سليمان يوما إلى الحمّام وكان قد قارف بعض نسائه في بعض المأثم، قال معمر لا أظنّه إلاّ قال حائضا [!](1) ، فدخل الحمّام فوضع خاتمه ومعه ذلك الشّيطان، فلمّا دخل أخذ ذلك الشّيطان خاتمه فألقاه في البحر، وألقي على الشّيطان شبه سليمان فخرج سليمان وقد ذهب ملكه وكان الشّيطان يجلس على سرير سليمان أربعين يوما، فاستنكره صحابة سليمان وقالوا: لقد افتتن سليمان من تهاونه بالصّلاة، وكان ذلك الشّيطان يتهاون بالصّلاة وبأشياء من أمر الدّين، وكان معه من صحابة سليمان رجل يشبّه بعمر بن الخطّاب في الجلد والقوّة فقال: إني سائله لكم. فجاء فقال: يا نبي الله ما تقول في أحدنا يصيب من امرأته في اللّيلة الباردة ثمّ ينام حتى تطلع الشمس، لا يغتسل ولا يصلّي، هل ترى عليه في ذلك بأسا؟ قال: لا بأس عليه! فرجع إلى أصحابه فقال: قد افتتن سليمان؛ قال فبينا سليمان ذاهب في الأرض إذ أوى إلى امرأة فصنعت له حوتا أو قال فجاءته بحوت، فشقّت بطنه فرأى سليمان خاتمه في بطن الحوت فعرفه فأخذه فلبسه فسجد له كل شيء لقيه من طير أو دابّة أو شيء، وردّ الله إليه ملكه فقال عند ذلك: ربّ اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدى قال قتادة يقول له تسلبنيه مرة أخرى(2) .

صحابة الأنبياء السّابقين يشبّهون بعمر، وحظّ عمر من القصّة الشدّة والجلد، وحظّ سليمان عليه السلام مقارفة الحائض؛ وطالما ضحك كعب الأحبار وأصحابه على المسلمين.

____________________

(1) كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلاّ كذبا؛ كيف يسمح مسلم لنفسه أن يقول عن نبي من أنبياء الله تعالى إنّه قارف بعض نسائه وهي حائض؟! إلى هذه الدرجة بلغ الاستخفاف بأنبياء الله تعالى في كتب التّفسير! وما أكثر الإسرائيليات في كتب التفسير والحديث.

(2) تفسير الصنعاني، ج 3 ص 164.


قال أبو سعيد (في قصّة الدجّال): ما كنت أدري ما النّحاس قبل يومئذ فذهب ليذبحه فلم يستطع ولم يسلّط عليه بعد قتله إيّاه، قال: فإنّ نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال فأخذ بيديه ورجليه فألقاه في الجنّة وهي غبراء ذات دخان يحسبها النّار، فذلك الرّجل أقرب أمّتي منّي درجة. قال: فقال أبو سعيد: ما كان أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحسبون ذلك الرّجل إلاّ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه حتى سلك عمر سبيله(1) .

وروى الطبراني عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتاني جبريل عليه السلام فقال أقرئ عمر السّلام وقل له إنّ رضاه حكم وإنّ غضبه عزّ(2) .

وفي المعجم الأوسط: عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أتاني جبريل عليه السلام فقال أقرئ عمر السّلام (وقل له) إنّ رضاه حكم وإنّ غضبه عزّ. لم يرو هذا الحديث عن زيد العمي إلاّ جرير بن حازم تفرّد به خالد بن يزيد العمريّ(3) .

أقول:

لقد رضي أن يفرّ من الزّحف، في أحد حنين وخيبر، وفي الفقهاء من لا يجيز شهادة من فرّ من الزحف. فهل يصبح الفرار حكما؟

ولقد كان هائجا حين الهجوم على بيت فاطمة؛ فهل هذا عزّ؟

وعن ابن عبّاس: لمّا أسلم عمر أتاني جبريل فقال: قد استبشر أهل السّماء بإسلام عمر(4) .

وعن صالح بن كيسان قال: قال ابن شهاب: بلغنا أنّ أهل الكتاب كانوا أوّل من قال لعمر (الفاروق)، وكان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم، ولم يبلغنا أنّ رسول

____________________

(1) المستدرك، الحاكم النيسابوري، ج 4، ص 539.

(2) المعجم الكبير، الطبرانيّ، ج 21 ص 48.

(3) المعجم الأوسط، الطبراني، ج 6 ص 242.

(4) كنز العمال، المتقي الهندي ج 11 ص 577 الحديث رقم 32738.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكر من ذلك شيئا(1) .

أقول:

وهذا يبطل ما أخرجه ابن سعد عن ذكوان قال (قلت لعائشة من سمّى عمر الفاروق قالت: النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(2) . وإنّما يدخل هذا وأمثاله في حرب عائشة على عليّ عليه السلام، فإنّها حاربته بالرّجال والكلمة، ولم تأل جهدا في محاولة سلب صفاته وألقابه وإضفائها على خصومه. وقد ثبت أن عليّا عليه السلام قال: أنا الصّدّيق الأكبر والفاروق الأكبر، لا يقولها بعدي إلاّ كاذب(3) .

قال السيوطي: (وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشّيطان عن ابن مسعود قال: خرج رجل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلقيه الشّيطان فاتخذا فاسطرعا فصرعه الذي من أصحاب محمد فقال الشيطان: أرسلني أحدّثك حديثا فأرسله قال: لا. فاتّخذ الثّانية فاصطرعا فصرعه الذي من أصحاب محمّد، فقال: أرسلني فلأحدّثنّك حديثا يعجبك، فأرسله فقال: حدثني! قال: لا. فأتّخذ الثّالثة فصرعه الذي من أصحاب محمّد، ثمّ جلس على صدره وأخذ بإبهامه يلوكها، فقال: أرسلني؛ فقال: لا أرسلك حتى تحدّثني. قال: سورة البقرة، فإنّه ليس من آية منها تقرأ في وسط الشّياطين إلا تفرّقوا، ولا تقرأ في بيت فيدخل ذلك البيت شيطان. قالوا: يا أبا عبد الرحمن، فمن ذلك الرّجل؟ قال: فمن ترونه إلاّ عمر بن الخطّاب)(4) !

____________________

(1) في تاريخ الطبري، ج 3 ص 267.

(2) تاريخ الخلفاء، ج 1 ص 114.

(3) المستدرك، الحاكم النيسابوري، ج 3 ص 112 وخصائص أمير المؤمنين عليه السلام - النسائي، ص 46 وشرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 13 ص 200، ونظم درر السمطين، الزرندي الحنفي ص 95، وكنز العمال، المتقي الهندي، ج 13 ص 129، وفيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي، ج 1 ص 69 وتاريخ الطبري، الطبري، ج 2 ص 56 و، الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج 2 ص 57 والبداية والنهاية، ابن كثير، ج 3 ص 36.

(4) الدر المنثور ج 1 ص 52.


أقول:

ما أسهل دعوى مصارعة الجنّ، وأنّى للجنّ أن تدفع عن نفسها ما اتّهمتها به كتب الحديث والتّاريخ. ويكفي لذلك أن يعلم أنّ قتل سعد بن عبادة الصّحابي المعارض لبيعة السّقيفة قتلته الجنّ بالشّام وقالت في ذلك شعرا(1) .

قد قتلنا سيد الخرزج سعد بن عباده

ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده

وأعجب ما في القصّة السابقة حرص الصّحابي على التعلّم من شيطان من الجنّ. فهل يتوقّع هذا الصّحابي أن يكون عند الجنّي ما لا يكون عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

وفي تفسير الآلوسيّ: قال عبد الوهاب الشعراني:... واعلم أنّ حديث الحقّ سبحانه للخلق لا يزال أبدا، غير أنّ من النّاس من يفهم أنّه حديث كعمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه ومن ورثه من الأولياء، ومنهم من لا يعرف ذلك ويقول: ظهر لي كذا وكذا ولا يعرف أنّ ذلك من حديث الحقّ سبحانه معه؛ وكان شيخنا يقول: كان عمر من أهل سماع المطلق الذين يحدّثهم الله تعالى في كل شيء(2) .

أقول:

لا يخفى أنّه لو كان عمر محدّثا لفهم كلام الحقّ الموجّه إليه مباشرة في القرآن الكريم قبل الحديث عن المناجاة الباطنيّة؛ فالله تعالى قد خاطب عمر بن الخطّاب ومن معه في سورة الحجرات بقوله تعالى( لاَ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرسُولِهِ وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (3) ومع ذلك بقي يقدّم ويتدخّل في شؤون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما لو كان شريكه

____________________

(1) البداية والنهاية ج 7 ص 33 والعبر في خبر من غبر ج 1 ص 19 والمنتظم ج 4 ص 200 وتاريخ ابن خلدون ج 2 ص 352 وتاريخ ابن خلدون ج 2 ص 489 وشذرات الذهب ج 1 ص 28 ومرآة الجنان ج 1 ص 71 وتاريخ الإسلام ج 3 ص 149 والوافي بالوفيات ج 15 ص 95 وصفة الصفوة ج 1 ص 505 تلقيح فهوم أهل الأثر ج 1 ص 96.

(2) روح المعاني، ج 25 ص 62.

(3) الحجرات: 1.


في الرّسالة! وقد بقي يعارض رسول الله غير ملتفت إلى ما تضمنته الآية. ولو كان محدثا كما قيل لعرفت له فاطمة عليها السلام ذلك، ولما ماتت غاضبة عليه. وكيف يكون محدّثا من آذى فاطمة عليها السلام بعد أن قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من آذاها فقد آذاني؟!

قال الثعالبيّ: وروي أنّ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه قرأ مرّة إنّ عذاب ربّك لواقع ما له من دافع فأنّ أنّة عيد منها عشرين يوما(1) .

أقول: إن صحّ هذا فهو يعني أنّ عمر بن الخطاب تخلف عن الجمعة والجماعة ثلاثة أسابيع متوالية، ومثل هذا لا يعقل أن يتجاهله المؤرّخون! ثمّ كيف تجتمع هذه الدّرجة من الخشية مع الهجوم على بيت المطهّرين من آل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقصد إحراقه؟!.

ويروى أنّ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه سمع قارئا يقرأ( وَالطّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) قال هذا قسم حقّ، فلما بلغ القارئ إلى قوله عزّ وجلّ( إِنّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ ) ظنّ أنّ العذاب قد وقع به فغشي عليه(2) .

أقول:

إلى هذا المستوى وصل تدبّره للقرآن ومع ذلك يتعامل مع آية( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ ) حين قرأها أبوبكر بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كأنّما يسمعها لأوّل مرّة! وأبعد من ذلك: يسأل أبابكر أفي كتاب الله هذا؟.

وروى ابن جرير عن أمّ عطيّة قالت: لمّا قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جمع نساء الأنصار في بيت ثمّ أرسل إلينا عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه فقام على الباب وسلّم علينا فرددن أو فرددنا عليه السّلام ثمّ قال: أنا رسول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليكنّ، قال فقلنا: مرحبا برسول الله وبرسول رسول الله، فقال: تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن ولا تزنين قالت: فقلنا: نعم، قالت فمدّ يده من خارج الباب أو البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت

____________________

(1) تفسير الثعالبي، ج 1 ص 8.

(2) تفسير الثعالبي، ج 4 ص 215.


ثمّ قال: اللّهم اشهد(1) .

أقول:

هذا بعيد، فإنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعرف غلظة عمر وجفاءه، وموقفه من النّساء وموقف النّساء منه، والرّحماء اللّطفاء كثيرون، فلماذا يرسله هو في هذه المهمّة الحسّاسة، مبايعة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ على أنّه قد وردت روايات تفيد أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي بايعهنّ، والقرآن الكريم يقول (يبايعنك) ولا يقول يبايعن عمر!.

قال ابن عاشور: وأمّا السّفارة بكسر السّين وفتحها فهي السّعي بالصّلح بين القبائل، والقائم بها يسمّى سفيرا. وكانت لبني عديّ بن كعب أبناء عمّ لقصي، وجاء الإسلام وهي بيد عمر بن الخطّاب(2) .

أقول:

السّفارة مهمّة حسّاسة تحتاج إلى سعة صدر ومداراة وصبر ولياقة. وهو ما يسمّى في أيّامنا بالدّبلوماسيّة؛ وقد ذكروا أنّ عمر بن الخطّاب كان سريعا إلى المساءة كثير الجبه والشّتم والسّبّ(3) . فهل تصلح أخلاق عمر لهذه الوظيفة؟!.

وروى الطبريّ أنّ المغيرة بن شعبة قال: لمّا دفن عمر أتيت عليّا وأنا أحبّ أن أسمع منه في عمر شيئا، فخرج ينفض رأسه ولحيته وقد اغتسل وهو ملتحف بثوب لا يشكّ أنّ الأمر يصير إليه فقال: يرحم الله ابن الخطّاب، لقد صدقت ابنة أبي حثمة، لقد ذهب بخيرها ونجا من شرّها، أما والله ما قالت ولكن قوّلت!

أقول:

كيف يقول أمير المؤمنين عليه السلام في عمر مثل هذا القول وهو القائل فيه في نهج البلاغة ما قال! وكيف تقبل رواية المغيرة بخصوص عليّ عليه السلام وهو الذي لم يكتف بسبّه

____________________

(1) مختصر ابن كثير، ج 3 ص 508.

(2) التحرير والتنوير، ج 1 ص 1826.

(3) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 4 ص 457.


وشتمه ولعنه عليه السلام، بل وظّف لذلك الخطباء. روى أحمد في الفضائل عن سفيان بن منصور عن هلال عن عبد الله بن ظالم وذكر سفيان رجلا فيما بينه وبين عبد الله بن ظالم قال: سمعت سعيد بن زيد قال: لما قدم معاوية الكوفة أقام المغيرة بن شعبة خطباء يتناولون عليّا فأخذ بيدي سعيد بن زيد فقال: ألا ترى هذا الظالم الذي يأمر بلعن رجل من أهل الجنة(1) . فإذا كان المغيرة لا يتورّع أن يسبّ ويلعن عليّا عليه السلام ويوظّف لسبّه ولعنه، فإنّ أهون شيء لديه أن يفتري عليه.

وعن محمد بن إسحاق قال: حدّثني عمّي عبد الرحمن بن يسار قال: شهدت موت عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه فانكسفت الشمس يومئذ(2) .

أقول:

هذا كلام يردّه حديث (إنّ الشّمس والقمر آيتان لا تنكسفان لموت أحد..). ولو كان كذلك لكان أولى أن تنكسف لموت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ومن الممكن التّحقّق من المدّعى لدى الفلكيّن في أيّامنا، إن كان حدث كسوف في المدينة في الأسبوع الذي قتل فيه عمر.

وعن عقيل بن خالد عن ابن شهاب قال: أوّل من حيي عمر بن الخطّاب بأمير المؤمنين المغيرة بن شعبة فسكت عمر(3) .

أقول:

بل هو أمير جماعة السّقيفة، والدّليل على ذلك قول سعد بن أبي وقاص لمعاوية فنحن المؤمنون ولم نؤمّرك علينا. وكيف يكون أميرا للمؤمنين وفاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي لا يشكّ في إيمانها إلاّ خارج من الملّة ترفض أن يصلّي عليها أو يقف على قبرها، وتخرج من الدّنيا ساخطة عليه، وقد علم المسلمون قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إنّ الله

____________________

(1) فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل، ص 32.

(2) المعجم الكبير، الطبراني، ج 1 ص 71 تحت رقم 79.

(3) التاريخ الأوسط، ج 1 ص 54 تحت رقم 202.


ليرضى لرضاها ويغضب لغضبها).

وعن سلمة بن كهيل عن عبد خير قال: سمعت عليّا يقول: خيركم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبوبكر وخيركم بعد أبي بكر عمر، ولو شئت أخبرتكم بالثّالث قال سلمة وكأنه ينحو نفسه(1) .

أقول: على فرض صحّة الحديث فإنّ القول المنسوب إلى عليّ عليه السلام هو أفضلكم ولم يقل أفضلنا، فليس هو داخلا في المفضولين؛ وفي الخطبة الشقشقية ما يؤيد ذلك، وهو قوله عليه السلام: متى اعترض الرّيب فيّ مع الأوّل منهم حتّى أصبحت أقرن إلى هذه النظائر(2) .

وعن معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن أنّ عمر بن الخطّاب خطب إلى قوم من قريش بالمدينة فردّوه، وخطب إليهم المغيرة بن شعبة فزوّجوه، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لقد ردّوا رجلا ما في الأرض رجل خير منه(3) . والقصّة نفسها في تاريخ جرجان: عن معتمر بن سليمان عن يونس عن الحسين قال: خطب المغيرة بن شعبة وعمر بن الخطّاب امرأة فزوّج المغيرة ومنع عمر، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقد ردّوا خير هذه الأمّة(4) .

يقول الحديث: ما في الأرض رجل خير منه، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سيّد الكائنات في الأرض! وعلي بن أبي طالب عليه السلام المطهّر بنصّ الكتاب الكريم في الأرض! وإذا لم يكن في الأرض أفضل منه فلماذا ردّه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين جاء يخطب فاطمة عليها السلام؟! أيعقل أن يذمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوما بشيء فعلوه ثمّ يفعله هو؟!. كلّ هذا الطّعن في شخص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمرّ بسلام وبدون أدنى تعليق، لأنّه لا بأس بالتّضحية بكرامة ومقام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأجل الحفاظ على صورة حزب السّقيفة في أذهان العوامّ وأشباه العوامّ،

____________________

(1) الكامل في ضعفاء الرجال، ج 6 ص 250.

(2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 1 ص 184.

(3) أسد الغابة، ابن الأثير، ج 1 ص 823.

(4) تاريخ جرجان، ج 1 ص 294.


ولعلّ هذا وأمثاله مما يفسّر قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت قطّ. والواضح هو أنّ معاصري عمر كانوا أعلم به ممّن اختلق الرّواية، خصوصا إذا علم أنّ الذين ردّوا عمر هم من قريش، أي مكّة، عرفوه صغيرا وكبيرا!

وعن حيد بن منهب قال: زرت الحسن بن أبي الحسن فخلوت به فقلت له: يا أبا سعيد أما ترى ما النّاس فيه من الاختلاف؟ فقال لي: يا أبا يحيى، أصلح أمر النّاس أربعة وأفسده اثنان. أمّا الذين أصلحوا أمر النّاس فعمر بن الخطّاب يوم سقيفة بني ساعدة حيث قالت قريش منّا أمير وقالت الأنصار منّا أمير فقال لهم عمر: ألستم تعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال الأئمّة من قريش؟ قالوا: بلى. قال: أو لستم تعلمون أنّه أمر أبابكر يصلّي بالناس؟ قالوا: بلى. قال: فأيّكم يتقدّم أبابكر؟ قالوا: لا أحد! فسلّمت لهم الأنصار. ولو لا ما احتجّ به عمر من ذلك لتنازع النّاس هذه الخلافة إلى يوم القيامة..(1) .

أقول:

هذه شهادات المصوّبين وهم يعلمون أنّ تقدّم أبي بكر للصّلاة لم يكن بأمر من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بل كان بأمر من عائشة بنت أبي بكر من غير إذن من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولو كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي أمر بذلك لما خرج يجرّ رجليه وأزاح أبابكر وصلّى بالناس من جلوس. وكيف يأمره بالصّلاة بالنّاس وهو الذي تعجب من وجوه بالمدينة بعد أن جعله واحدا من جند أسامة؟! كان المفروض أن يكون أبوبكر في طريقه إلى مؤتة لا في المدينة. وهذا الكلام من عمر إن صحّ إنّما هو يحلب به حلبا له شطره، يشدّ له أمره اليوم ليردّه إليه غدا. وهو ما حدث فعلا.

عن محمّد بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه قال: استأذن عمر بن الخطّاب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعنده نساء من نساء الأنصار يكلّمنه ويستكثرنه عالية أصواتهنّ، فلمّا استأذن عمر تبادرن الحجاب فدخل عمر ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يضحك فقال: أضحك الله سنّك يا

____________________

(1) تاريخ دمشق، ج 30 ص 286.


رسول الله. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عجبت من هؤلاء اللائي كنّ عندي فلمّا سمعن صوتك تبادرن الحجاب. فقال عمر وأنت أحقّ أن يهبن. ثمّ قال عمر: أي عدوّات أنفسهنّ أتهبنني ولم تهبن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قلن: نعم، أنت أفظّ وأغلظ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : والذي نفسي بيده ما لقيك الشّيطان قط سالكا فجّا إلاّ سلك غيره(1) .

أقول: نسي واضع هذا الحديث أنّ الله تعالى يقول:( وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ ) وبما أنّهم لم ينفضّوا من حوله فلا فظاظة في خلقه الكريم، بل هو على خلق عظيم. بينما كلام الجواري المزعومات فيه (أنت أفظّ وأغلظ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )، وهذا يقتضي المشاركة وفضل أحد الطريفين! لأنّنا إذا قلنا زيد أعلم من سعيد فهذا يعني أنّ زيدا عالم وسعيدا أيضا عالم، لكنّ علم زيد أكثر من علم سعيد، وهذا شأن كلّ ما فيه صيغة التفضيل أفعل و من. وعليه يكون في كلامهنّ إثبات صفة الفظاظة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا يتأتّى مثل هذا الكلام إلاّ ممن أعمى الله بصيرته وأضلّه على علم. وأمّا بخصوص الهيبة فسيمرّ بك لاحقا حوار بين زينب بنت مظعون زوجة عمر بن الخطّاب وبين أبي هريرة بخصوص شرب قدامة بين مظعون الخمر، وفيه تلعن زينب بنت مظعون أبا هريرة بمحضر زوجها عمر بن الخطاب! فأين الهيبة وهي تجلس مع الرّجال في مناقشة أمر لا دخل لها فيها، ولتعن صحابيّا اسمه أبو هريرة؟!

عن حميد عن أنس أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: دخلت الجنّة فإذا أنا بقصر من ذهب قلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشابّ من قريش. فظننت أنّي أنا هو، فقلت: ومن هو؟ قالوا عمر بن الخطّاب(2) .

عن مكحول عن غضيف بن الحارث رجل من أيلة عن أبي ذرّ قال: سمعت رسول

____________________

(1) فضائل الصحابة، النسائي، ص 10 - 11.

(2) فضائل الصحابة، النسائي، ص 10.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إن الله وضع الحقّ على لسان عمر(1) .

وعن سيار أبي الحكم أنّ أبا بكر لما ثقل أطلع راسه إلى النّاس من كوّة فقال: يا أيّها الناس إنّي قد عهدت عهدا فترضون به؟ فقام النّاس فقالوا: قد رضينا. فقام عليّ فقال: (لا نرضى إلاّ أن يكون عمر بن الخطّاب؛ فكان عمر(2) .

أقول:

كيف يقول عليعليه‌السلام مثل هذا وهو القائل:.. إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشدّ ما تشطرا ضرعيها فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلامها ويخشن مسها. ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصّعبة إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحّم! فمني النّاس لعمر الله بخبط وشماس وتلوّن واعتراض؛ فصبرت على طول المدّة وشدّة المحنة. حتّى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم! فيا لله وللشّورى، متى اعترض الرّيب فيّ مع الأوّل منهم حتّى صرت أقرن إلى هذه النظائر(3) ؟!

وعن عبد الله بن شقيق عن عمرو بن العاص قال: قيل يا رسول الله أيّ النّاس أحبّ إليك؟ قال: عائشة! قيل: من الرجال؟ قال: أبو بكر قيل: ثمّ من؟ قال: عمر. قيل ثمّ من؟ قال: أبو عبيدة بن الجراح(4) .

أقول:

هذا الحديث يبطله الحديث الصحيح المتفق عليه في حقّ عليّ عليه السلام: (يحبّ الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)، ولا يتوقّع من عمرو بن العاص الذي كان يلعن عليّا عليه السلام أن يذكره بخير، وكيف لا يمجّد عائشة وهي شريكته في عداوة أهل البيت عليهم السلام؟! على أنّ رواية عمرو بن العاص ههنا ينسفها فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع عائشة بنت أبي بكر، فإنّ معظم روايات فضائل خديجة واردة من طريقها، والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أدرى النّاس بما يثيره

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 353 تحت رقم 31968.

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 359 تحت رقم 32020.

(3) نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام ج 1 ص 33.

(4) صحيح ابن حبان، ج 15 ص 459 رقم 6998.


تمجيد زوجة سابقة على الزّوجة الحاليّة، فلو كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحبّ عائشة كما يدّعي عمرو بن العاص لما أسمعها ذلك التمجيد لخديجة عليها السلام؛ ثمّ إنّ من الأحاديث المفيدة كون علي وفاطمة عليهما السلام أحبّ الخلق إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما هو مروي من طريق عائشة نفسها؛ فعن جميع بن عمير قال: دخلت مع أمي على عائشة فسمعتها من وراء الحجاب وهي تسألها عن علي فقالت: تسألني عن رجل والله ما أعلم رجلا كان أحب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عليّ ولا في الأرض امرأة كانت أحب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من امرأته(1) .

وهذا الحديث رواه الحاكم أيضا في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(2) . وفي نفس المعنى حديث لعمر بن الخطاب يشهد فيه بنفس ما شهدت به عائشة. فعن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمررضي‌الله‌عنه أنّه دخل على فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: (يا فاطمة، والله ما رأيت أحدا أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منك والله ما كان أحد من النّاس بعد أبيكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحبّ إليّ منك. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه(3) . بل إنّ عمر بن الخطّاب نفسه يشهد أنّ زيد بن حارثةرضي‌الله‌عنه كان أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منه. فقد رووا أنّ عمر كان يفرض لأسامة في العطاء خمسة آلاف ولابنه عبد الله ألفين فقال له عبد الله: فضّلت عليّ أسامة، وقد شهدت ما لم يشهد! فقال: إنّ أسامة كان أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منك وأباه كان أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أبيك(4) . قال القرطبي بعد ذكر القصّة: ففضّلرضي‌الله‌عنه

____________________

(1) سنن النسائي الكبرى ج 5 ص 139. وج 5 ص 140. وسنن الترمذي ج 5 ص 701 والمعجم الكبير ج 22 ص 403 ومسند أبي يعلى ج 8 ص 270 ومعجم أبي يعلى ج 1 ص 128 وخصائص علي، النسائي ج 1 ص 127 وج 1 ص 128.

(2) المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري، ج 3 ص 167 رقم 4731. وج 3 ص 171.

(3) المستدرك على الصحيحين، ج 3 ص 168 رقم 4736.

(4) مجمع الزوائد، الهيثمي، ج 6 ص 4 وسنن البيقهي الكبرى ج 6 ص 350 وسنن الترمذي ج 5 ص 675 ومصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 453 وج 6 ص 455 والمعجم الأوسط ج 6 ص 356 ومسند أبي يعلى ج 1 ص 148 ومسند أسامة بن زيد ج 1 ص 47 وج 1 ص 49 ومسند البزار ج 1 ص 255 وج 1 ص 409.


محبوب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على محبوبه(1) .

قال السّيوطي: أخرج البزّار عن ابن عمر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمر سراج أهل الجنّة. وأخرجه ابن عساكر من حديث أبي هريرة والصّعب بن جثامة(2) .

أقول:

ليس سراجها إبراهيمولا موسى ولا عيسى ولا زكريا ولا داوود ولا الحسن والحسين.. سلام الله عليهم أجمعين، وإنّما سراجها رجل عبد الصّنم أكثر من ثلاثين سنة، وخرجت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الدنيا غاضبة عليه وهي التي يغضب الله لغضبها! ولا يغب عنك أنّ معظم روايات فضائل عمر مروية عن ابن عمر!

عن حمزة بن عبد الله بن عمر أن ابن عمر قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال (بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الرّيّ يخرج في أظفاري، ثمّ أعطيت فضلي عمر بن الخطّاب) قالوا فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: العلم(3) .

أقول:

ولذلك مات لا يعرف الكلالة وقال عن نفسه: كلّ النّاس أفقه من عمر!

وأخرج الترمذي عن ابن عمر أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: (إنّ الله جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه). قال ابن عمر: وما نزل بالنّاس أمر قطّ فقالوا وقال إلاّ نزل القرآن على نحو ما قال عمر(4) .

أقول: وكلّ رواية في فضل عمر من طريق ابن عمر إنّما هي شهادة ولد لأبيه.

____________________

(1) تفسير القرطبي، ج 14 ص 239. والقصة موجودة أيضا في المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 645 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 517. وأقول: وهذا القول من عمر محلّ تأمّل، فإنّ فاطمة عليها السلام كانت أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أسامة وابيه ومع ذلك عاملها عمر بما عاملها به!

(2) تاريخ الخلفاء، ج 1 ص 118.

(3) صحيح البخاري، ج 1 ص 43. وج 6 ص 2571 وج 6 ص 2577 و، ج 6 ص 2579 وسنن النسائي الكبرى ج 3 ص 425 وسنن الترمذي ج 5 ص 619 ومسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 108.

(4) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 117.


وأخرج الطبراني والديلمي عن الفضل بن العباس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحقّ بعدي مع عمر حيث كان(1) .

أقول:

فلماذا هجرته فاطمة عليها السلام؟ وهي التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها؟! ولماذا خالفه علي بن أبي طالب عليه السلام. أليس عمر نفسه هو الذي يقول: والله ما يدري عمر أصاب أم أخطأ؟! فكيف يقول مثل هذا لو صحّ الحديث؟

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (من أبغض عمر فقد أبغضني، ومن أحبّ عمر فقد أحبّني، وإنّ الله باهي بالنّاس عشيّة عرفة عامّة وباهى بعمر خاصّة! وإنّه لم يبعث الله نبيا إلا كان في أمّته محدّث، وإن يكن في أمّتي منهم أحد فهو عمر! قالوا يا رسول الله كيف محدّث؟ قال: تتكلم الملائكة على لسانه(2) .

أقول:

لكنّ الطبرانيّ نفسه روى عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن علي بن الحسين عن فاطمة الصغرى عن حسين بن علي عن أمّه فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: (خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشيّة عرفة فقال إنّ الله باهى بكم وغفر لكم عامّة ولعلي خاصّة، وإنّي رسول الله إليكم غير محاب لقرابتي. هذا جبريل يخبرني أن السّعيد حق السّعيد من أحبّ عليّا في حياته وبعد موته وإن الشّقيّ كل الشّقيّ من أبغض عليّا في حياته وبعد موته)(3) . كما أورد المتّقي الهندي حديثا فيه أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: (وما لي لا أضحك وهذا جبريل يخبرني عن الله عزوجل أنّ الله باهى بي وبعمّي العبّاس وبأخي عليّ بن أبي طالب سكّان الهواء وحملة العرش وأرواح النّبيين وملائكة ستّ سموات

____________________

(1) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 119.

(2) المعجم الأوسط، الطبراني، ج 7 ص 18 ومجمع الزوائد ج 9 ص 69.

(3) المعجم الكبير ج 22 ص 415 رقم 1026.


وباهى بأمّتي أهل سماء الدنيا)(1) . وعن ابن عبّاس قال: أمر النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المهاجرين والأنصار أن يصفّوا صفّين، ثمّ أخذ بيد عليّ وبيد العبّاس، ثمّ مشى بينهم، ثمّ ضحك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال له عليّ: ممّ ضحكت يا رسول الله؟ قال: إنّ جبريل أخبرني أنّ الله باهى بالمهاجرين والأنصار أهل السّماوات السبع وباهى بك يا عليّ، وبك يا عبّاس حملة العرش(2) . وبما أنّه لا يمكن الجمع بين الحديثين فلابدّ من توجيه السّهام إلى حديث المباهاة بعليّ عليه السلام ووصمه بأنّه موضوع وتصحيح حديث المباهاة بعمر، وقيل الحمد لله رب العالمين. لكنّ ذلك لا يحلّ المشكلة، لأنّ في سجلّ عليّ عليه السلام ما يباهى به، كالتّوحيد المحض مثلا، فإنّ عليّا عليه السلام لم يشرك بالله طرفة عين، بينما انحنى عمر للأصنام عشرات السّنين، فلا يعقل من العليّ الحكيم أن يباهي من أخلص له العبادة بمن أشرك به الأوثان. وكذلك القول في الجهاد، فإنّ لعليّ عليه السلام صولات وجولات في بدر وأحد وخيبر وحنين، ولعمر بن الخطاب فرار في بعضها وجبن في بعضها الآخر! فلا يعقل أن يباهي الله تعالى الشّجاع الكرّار بالجبان الفرّار بعد أن قال جلّ اسمه( إِنّ اللّهَ يُحِبّ الّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) (3) وقال( وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّا مُتَحَرّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلى‏ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (4) .

ولقد كانت فاطمة عليها السلام لا تحبّ عمر بن الخطّاب ولا ترتاح إليه، وأخبرت أنّها ستشكوه إلى أبيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي مع ذلك قطعا في الجنّة، بل سيّدة نساء أهل الجنّة، ولا يدخل الجنّة من يبغضه الله تعالى. فلو كان بغض عمر بغضا للنّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما دخلت فاطمة الجنّة وتربّعت على كرسيّ السّيادة فيها. ولقد كان علي عليه السلام لا يخفى

____________________

(1) كنز العمال، ج 11 ص 205 رقم 32133 (ابن عساكر عن علي).

(2) كنز العمال، ج 13 ص 220 رقم 37317. وكتاب العرش ج 1 ص 91 وسمط النجوم العوالي ج 3 ص 58.

(3) الصّف: 4.

(4) الأنفال: 16.


موقفه من عمر، وأقواله فيه معلومة في خطبته الشّقشقيّة، وهو مع ذلك يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، يشهد بذلك أولياؤه وأعداؤه كما في الصّحيحين وغيرهما(1) .

وعن ابن عمر أنه قال: ما رأيت أحدا قطّ بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حين قبض أحد ولا أجود من عمر(2) .

أقول:

لقد كان من بين الأمور التي برّرت بها بنت عتبة بن ربيعة رفضها الزّواج من عمر أنّه يمنع خيره(3) . وقد اعترف هو بنفسه على المنبر أنّه كان بخيلا. أخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن شدّاد قال: كان أوّل كلام تكلّم به عمر حين صعد المنبر أن قال: اللّهم إنّي شديد فليّنّي، وإنّي ضعيف فقوّني، وإنّي بخيل فسخّني(4) . فعمر بن الخطاب يقول عن نفسه (إنّي بخيل)، وعبد الله بن عمر يقول عنه (أجود الناس بعد رسول الله)، ولا ريب أنّ أحد القولين مخالف للواقع. وعمر أدرى بنفسه من ابنه.

____________________

(1) حديث أنّ عليا يحبه الله ورسوله في: صحيح البخاري ج 3 ص 1096 وج 4 ص 1542 وصحيح مسلم ج 4 ص 1871 وج 4 ص 1872 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 382، والجمع بين الصحيحين، ج 1 ص 197 وج 1 ص 550، والمستدرك على الصحيحين، ج 3 ص 143، وج 3 ص 494، وسنن النسائي الكبرى ج 5 ص 46 وج 5 ص 107 وج 5 ص 108 وص 109 وج 5 ص 112 وج 5 ص 144 وج 5 ص 173 وج 5 ص 178 وسنن ابن ماجه ج 1 ص 43 وسنن البيهقي الكبرى ج 9 ص 131 وسن الترمذي ج 4 ص 106 وج 4 ص 310 ومصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 59 والمعجم الكبير ج 7 ص 13 و، ج 7 ص 17، وج 7 ص 77 وج 18 ص 238 ومسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 99، وج 1 ص 185 وج 5 ص 333 وج 5 ص 358 ومسند البزار ج 2 ص 136 وج 3 ص 22 و ج 3 ص 281 ومسند ابن أبي شيبة، ج 1 ص 96.

(2) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 44 ص 273 وتاريخ الإسلام، الذهبي، ج 3 ص 266 والصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي، ج 1 ص 283 وتاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 120.

(3) خطب [عمر] أمّ أبان بنت عتبة بن ربيعة فكرهته وقالت يغلق بابه ويمنع خيره يدخل عابسا ويخرج عابسا. [الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج 3 ص 55 وتاريخ الطبري ج 5 ص 17].

(4) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ج 3 ص 274 ومصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 65 وج 7 ص 256 تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 139، وكنز العمال، ج 5 ص 273 والصواعق المحرقة، ج 1 ص 256 وسمط النجوم العوالي، ج 2 ص 468 وصفة الصفوة، ج 1 ص 280.


وأخرج الطّبراني وغيره أنّ عمر بن الخطّاب قال لكعب الأحبار: كيف تجد نعتي؟ قال: أجد نعتك قرنا من حديد! قال: وما قرن من حديد؟ قال: أمير شديد، لا تأخذه في الله لومة لائم. قال: ثمّ مه؟ قال: ثمّ يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة، قال: ثمّ مه؟ قال: ثمّ يكون البلاء(1) .

أقول:

لطالما ضحك كعب الأحبار على المسلمين! أين يجد نعت عمر؟! وفي أيّ كتاب؟ ثمّ انظر إلى قوله يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة! فلماذا لم يدافع عنه الصّحابة ضدّ الفئة الظّالمة؟ ولماذا تركوه يقتل أمامهم. ولقد كان في الفئة الظّالمة طلحة والزّبير وعبد الرّحمن بن عديس البلوي، وكلّهم ممّن بايع تحت الشّجرة! فهل يكون الذين بايعوا تحت الشجرة فئة ظالمة؟ أم أنّهم خير القرون؟!

وعن واصل عن مجاهد قال: كنّا نحدّث أو كنّا نتحدّث أنّ الشّياطين كانت مصفّدة في زمان عمر فلما أصيب بثّت(2) .

أقول:

انظر أيّدك الله إلى مبلغ جهل الرّواة - إن لم يكن استخفافا بالدّين - وهم يذكرون هذا وأمثاله ولا يجدون من يردعهم! أيعقل أن تصفّد الشّياطين في إمارة عمر ولا تصفّد في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

عن سالم بن عبد الله قال: أبطأ عمر على أبي موسى الأشعري فأتى امرأة في بطنها شيطان فسألها عنه فقالت: حتى يجيء شيطاني! فجاء فسألته عنه فقال: تركته مؤتزراً وذاك رجل لا يراه شيطان إلاّ خرّ لمنخريه، الملك بين عينيه، وروح القدس ينطق

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 356 والمعجم الكبير، ج 1 ص 84 والإصابة في تمييز الصحابة، ج 1 ص 208 والخصائص الكبرى، ج 1 ص 54 وتاريخ الطبري، ج 1 ص 272 وتاريخ الخلفاء ج 1 ص 121 و الآحاد والمثاني، ج 1 ص 126 والفتن لنعيم بن حماد، ج 1 ص 123.

(2) مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 354 تحت رقم 31982.


بلسانه(1) .

أقول:

أين أبو موسى الأشعري من قول الله تعالى( شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) ، وهو يزور امرأة في بطنها شيطان يستعلم منها! وقد رووا أنّ (من أتى عرّافا أو كاهنا فصدّقه فقد كفر بما أنزل على محمد)(2) ؛ وإذاً يكون أبو موسى قد كفر بما أنزل على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فعلى السّلفيين أن يصدروا عكمهم على أبي موسى الأشعريّ وفق ما جرى عليه أسلافهم. وإن تعجب فعجب قوله وروح القدس ينطق بلسانه بعد أن قالوا عنه فظّ غليظ. وقد قال شيطان المرأة: (وذاك رجل لا يراه شيطان إلاّ خرّ لمنخريه، الملك بين عينيه، وروح القدس ينطق بلسانه)، فلماذا لم يفرّ منه مرحب يوم خيبر، ولماذا لم يفرّ منه عمرو بن عبدود ويوم الأحزاب، وهما من مردة شياطين الإنس؟

قال السيوطي: ويضمّ إلى هذا ما أخرجه عثمان بن سعيد الدّارمي في كتاب الردّ على الجهميّة من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أنّ كعب الأحبار قال: (ويل لملك الأرض من ملك السّماء)، فقال عمر: (إلاّ من حاسب نفسه). فقال كعب: (والذي نفسي بيده إنّها في التّوراة لتابعتها). فخرّ عمر ساجدا!(3) .

أقول: والذي نفس كعب بيده إنّ كعب الأحبار لكذّاب، وإلا فهذه التّوراة متداولة بين النّاس مترجمة إلى كثير من اللّغات، فهل يوجد فيها شيء ممّا ضحك به كعب

____________________

(1) تاريخ الإسلام، الذهبي، ج 3 ص 259.

(2) مجمع الزوائد ج 5 ص 118 وسنن ابن ماجه ج 1 ص 209 وسنن البيهقي الكبرى ج 8 ص 135 وسنن البيهقي الكبرى ج 8 ص 136 وسنن الدارمي ج 1 ص 275 ومصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 42 ومصنف عبد الرزاق ج 11 ص 210 والمستدرك على الصحيحين ج 1 ص 49 والمعجم الأوسط ج 2 ص 123 ومسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 429 ومسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 476 ومسند ابي يعلى ج 9 ص 280 ومسند إسحاق بن راهويه ج 1 ص 434 ومسند ابن الجعد ج 1 ص 77 ومسند البزار ج 5 ص 256 ومسند البزار ج 5 ص 315 ومسند البزار ج 9 ص 52 ومسند الطيالسي ج 1 ص 50.

(3) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 125.


أحبار على عقول المسلمين؟! وإذا كان كعب الأحبار قد فارق اليهوديّة واعتنق الإسلام فلماذا بقي يقرأ من التّوراة المحرّفة؟! ولماذا يصدّقه عمر في كلّ ما يقول، ولا يصدّق زيد بن ثابت وأبا موسى وغيرهما إلا بضمّ شهادة صحابي آخر؟!

وقال الحسن: كان عمر يمرّ بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد منها أياما(1) .

أقول:

فكيف غاب عنه إذاً( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ.. ) حتّى قال لأبي بكر: أفي كتاب الله هذا؟. وإذا كان كثير التدبّر للقرآن ويسقط حتى يعاد فما أطول غياباته!

وقال ابن عمر: ما رأيت عمر غضب قطّ فذكر الله عنده أو خوّف أو قرأ عنده إنسان آية من القرآن إلا وقف عمّا كان يريد(2) .

أقول:

هل كان كذلك يوم هجم على بيت فاطمة عليها السلام؟! أليس لفاطمة حرمة في كتاب الله تعالى؟ أوليس فيه تطهيرها! أليست من أهل بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه؟ ألم تقرأ عليه وعلى جماعة السقيفة آيات فيها عبرة؟

وحتى لا ينفرد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن عمر بأيّ شيء، وحتى يكون شريكه في كلّ شيء حتّى في خصائصه، هذه رواية تزيد المؤمن بصيرة في دينه. فعن عبد الله قال: ركب عمر فرسا فانكشف ثوبه عن فخذه فرأى أهل نجران بفخذه شامة سوداء فقالوا هذا الذي نجد في كتابنا أنّه يخرجنا من أرضنا(3) .

أقول:

لقد كان في وسع ابن مسعود أن يقول لهم: (كيف عرفتم هذا بشامة في فخذه ولم

____________________

(1) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 129.

(2) تاريخ الخلفاء، السيوطي ج 1 ص 130.

(3) الطبقات الكبرى، ابن سعد، ج 3 ص 326 والخصائص الكبرى ج 1 ص 53.


تعرفوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي بشّرت به الأنبياء والرّسل وهو مكتوب عندكم في التّوراة ( النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّورَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ..)(1) ؟ وما أكثر ذكر عمر في كتب أهل الكتاب! أراد العمريّون أن يبرّروا أخراجه أهل نجران من ديارهم فلم يكتفوا باختلاق أحاديث حتى اختلقوا آيات زعموا أنّها في التّوراة والإنجيل. وبما أنّ لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علامة بين كتفيه فلابدّ لعمر ايضا من علامة! لكنّها على فخذه لا بين كتفيه! والمعلوم أنّ العلامة إنّما تكون حيث ترى لا حيث لا يراها أحد إلاّ عند انكشاف الثّوب. ومن الفقهاء من يرى أنّ الفخذ عورة(2) . قال الشّوكانيّ: (.. والحديث يدلّ على أن الفخذ عورة وقد ذهب إلى ذلك العترة والشافعي وأبو حنيفة. قال النوويّ: ذهب أكثر العلماء إلى أنّ الفخذ عورة وقد ذهب إلى ذلك العترة والشافعي وأبو حنيفة. قال النوويّ: ذهب أكثر العلماء إلى أنّ الفخذ عورة. وعن أحمد ومالك في رواية العورة القبل والدبر فقط وبه قال أهل الظّاهر وابن جرير الإصطخري. قال الحافظ: في ثبوت ذلك عن ابن جرير نظر، فقد ذكر المسألة في تهذيبه وردّ على من زعم أنّ الفخذ ليست بعورة واحتجّوا بما سيأتي في الباب الذي بعد هذا. والحقّ أن الفخذ من العورة..(3) .

وعن الأسود بن سريع قال أتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت: قد حمدت ربّي بمحامد ومدح وإيّاك فقال: إنّ ربّك عزّ وجلّ يحبّ الحمد؛ فجعلت أنشده فاستأذن رجل طويل أصلع فقال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أسكت! فدخل، فتكلّم ساعة ثمّ خرج، فأنشدته ثمّ جاء فسكّتني

____________________

(1) الأعراف: 15.

(2) سنن الدار قطني ج 1 ص 225 ومجمع الزوائد ج 2 ص 52 ومصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 340 ومصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 341 والمستدرك على الصحيحين ج 4 ص 200 ومعرفة السنن والآثار ج 2 ص 96 والآحاد والمثاني ج 4 ص 341 ومسند أبي يعلى ج 2 ص 229 وكنز العمال ج 7 ص 137 وج 8 ص 10 و ج 8 ص 14 وآمالي المحاملي ج 1 ص 152 وفتح الباري ج 1 ص 476 وعمدة القاري ج 4 ص 74 وتحفة الأحوذي ج 8 ص 66 وعون المعبود ج 11 ص 37 ومرقاة المفاتيح ج 2 ص 437 وتهذيب الكمال ومسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله ج 1 ص 62 وإعانة الطالبين ج 1 ص 114 والمجموع ج 3 ص 167 أسنى المطالب في شرح روض الطالب ج 1 ص 176.

(3) نيل الأوطار، الشوكاني، ج 2 ص 49.


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتكلّم ثمّ خرج، ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثا، فقلت: يا رسول الله من هذا الذي أسكتّني له؟ فقال: هذا عمر، رجل لا يحب الباطل(1) !

أقول:

نعم، لا يحبّ عمر بن الخطّاب الباطل، أمّا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يبالي أن يكون أحد أطراف الباطل - والعياذ بالله تعالى - يغيّر سلوكه حين يدخل عمر فيتوقّف عن سماع الشّعر، حتى إذا خرج عمر استأنف سماع الشّعر! فرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يستشعر حضور الله تعالى في كلّ حركاته وسكناته وإنّما يستشعر حضور عمر بن الخطّاب. يستمع إلى الباطل حتى إذا دخل عمر توقّف عن الاستماع إلى الباطل، فإذا خرج عمر عاد يستمع إلى الباطل. كأنّ حسابه على عمر! هذا مبلغ تقديرهم لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتلك حرمته عندهم. لأجل أن يرفعوا قدر ابن الخطّاب أهانوا سيّد الكائنات.

وانظر إلى كلام أبي نعيم بعد ذكره القصّة: (فالاستدعاء من النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منه رخصة وإباحة لاستماع المحامد والمدائح، فقد كان نشيده والثّناء على ربّه عزّ وجلّ والمدح لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإخباره عليه الصّلاة والسلام أنّ عمررضي‌الله‌عنه لا يحبّ الباطل أي من اتّخذ التّمدّح حرفة واكتسابا فيحمله الطّمع في الممدوحين على أن يهيم في الأودية، ويشين بفريته المحافل والأندية، فيمدح من لا يستحقّه ويضع من شأن من لا يستوجبه إذا حرمه نائله، فيكون رافعا لمن وضعه الله عزّ وجلّ لطمعه أو واضعا لمن رفعه الله عزّوجلّ لغضبه، فهذا الاكتساب والاحتراف باطل؛ فلهذا قال النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّه لا يحبّ الباطل؛ فأمّا الشّعر المحكم الموزون فهو من الحكم)(2) .

أقول:

كان الرّجل ينشده، وهذا معناه أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يستمع إليه، فلمّا استأذن عمر قال

____________________

(1) حلية الأولياء، ج 1 ص 46.

(2) حلية الأولياء، أبو نعيم، ج 1 ص 46.


له: (اسكت، هذا عمر رجل لا يحبّ الباطل)؛ وتحصّل من ذلك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحبّ الباطل وعمر رجل لا يحبّ الباطل! هكذا ينظرون إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وأمّا ما ذكره الشيخ من التبرير والتأويل فعذر اقبح من ذنب، لأن الباطل إما أن يكون باطلا على الجميع وإما لا يكون باطلا على أحد.

قال ابن كثير: وقيل إنه [أي عمر] كان إذا حدثه الرجل بالحديث فيكذب فيه الكلمة والكلمتين فيقول عمر: أحبس هذه، احبس هذه) فيقول الرجل: والله كلما حدثتك به حق غير ما أمرتني أن أحبسه(1) .

أقول: إن صحّ فمعناه أن الصحابة والتابعين كانوا يتعاطون الكذب، وكان عند عمر بن الخطاب آلة كاشفة يعرف بها الكلمة الصادقة من الكلمة الكاذبة؛ واعترافهم بالكذب واضح في قول الواحد منهم لعمر: (والله كل ما حدّثتك به حقّ غير ما أمرتني أن أحبسه).

أشعار في مدح عمر:

قال ابن حجر: روى عمر بن شبة هذا الحديث عن سليمان بن داود الهاشمي عن إبراهيم بن سعد بإسناد آخر فقال: عن الزهري عن إبراهيم عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة عن أم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة أن عمر أذن لأزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحججن في آخر حجّة حجّها عمر، فلما ارتحل عمر من الحصبة من آخر الليل أقبل رجل فسلم وقال: أينء كان أمير المؤمنين ينزل؟ فقال له قائل وأنا أسمع: هذا كان منزله. فأناخ في منزل عمر ثمّ رفع عقيرته يتغنى: عليك سلام من أمير وباركت * يد الله في ذاك الأديم الممزق.. الأبيات. قالت عائشة: فقلت لهم اعلموا لي علم هذا الرّجل؛ فذهبوا فلم يروا أحدا، فكانت عائشة تقول إنّي لأحسبه من الجنّ.

____________________

(1) البداية والنهاية، ابن كثير، ج 7 ص 134.


أقول:

يبدو أنّ الجنّ مع دولة السقيفة على طول الخطّ، في السراء والضراء! ولابد من إضفاء لمسات غيبية على وفاة عمر ونسبة ذلك إلى الجنّ، وما من معرتض، لأنّ الجنّ ليس لهم من يدافع عنهم لا من المحدّثين ولا من المفسّرين ولا من المؤرّخين. لكن غاب عن هؤلاء أن الجنّ ليسوا من بني آدم، فلا هم من العرب ولا هم من العجم. وقد صرح القرآن أنّ فيهم مسلمين. وإذاً فقد حضر منهم من حضر يوم الغدير، وشائع بين العلماء أن الجنّ يعمّرون حتى أنّ فيهم من يعيش مئات السّنين. فمسألة (أوس) و (خزرج) و (قريش) , (ثقيف) لا تعنيهم، وباعتبار طول أعمارهم لا يحتاجون إلى (إسناد) و (علم رجال)؛ فهل آن لبني آدم (المسلمين) أن يتركوا الجنّ وشأنهم ويجتبوا توريطهم في أمور لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟

قال ابن شهاب: أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة أن أمّه أم كلثوم بنت أبي بكر حدّثته عن عائشة قالت: لما كان آخر حجّة حجّها عمر بأمّهات المؤمنين، إذ صدرنا عن عرفة مررت بالمحصّب سمعت رجلا على راحلته يقول: أين كان عمر أمير المؤمنين؟ فسمعت رجلا آخر يقول: هاهنا كان أمير المؤمنين. قال فأناخ راحلته ثم رفع عقيرته فقال:

عليك سلام من إمام وباركت

يد الله في ذاك الأديم الممزق

فمن يسع أن يركب جناحي نعامة

ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق

قضيت أمورا ثم غادرت بعدها

بوائق في أكمامها لم تفتق(1)

وأخرج الحاكم عن مالك بن دينار قال سمع صوت بجبل تبالة حين قتل عمررضي‌الله‌عنه :

لبيك على الإسلام من كان باكيا

فقد أوشكوا صرعى وما قدم العهد

____________________

(1) الطبقات الكبرى، ج 3 ص 333.


وأدبرت الدّنيا وأدبر خيرها

وقد ملّها من كان يوقن بالوعد(1)

وعن الحكم بن أبان عن عكرمة( وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) قال: كان عمر من أولي الأمر(2) .

وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو كان بعدي نبيّ كان عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه (3) .

أقول:

ومادام عمر قد عبد الصّنم عشرات السّنين ووأد ابنته في الجاهلية فهذا يعني أنه يجوز على الأنبياء الشرك ووأد بناتهم قبل نبوّتهم! أي يجوز أن يتحوّل الشّخص من عابد صنم إلى نبيّ! ما شاء الله!

وعن عبد الملك بن ميسرة عن مصعب بن سعد عن معاذ قال: إن كان عمر لمن أهل الجنّة. إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان ما رأى في يقظته أو نومه فهو حقّ، وإنّه قال: بينما أنا في الجنّة إذ رأيت فيها دارا فقلت لمن هذه فقيل لعمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه (4) .

أقول:

لكن هناك أحاديث يقول فيها عمر إنّه لا يشهد لأحد بالنّجاة باستثناء رسول الله؛ فعن ابن شهاب أنّ مالك بن أوس بن الحدثان كان يحدّث أنّ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه خرج في مجلس وهو في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم يذكرون سريّة من السرايا هلكت في سبيل الله فيقول قائل منهم هم عمال الله هلكوا في سبيله وقد وجب لهم أجرهم عليه، ويقول قائل الله أعلم بهم لهم ما احتسبوا، فلما رأوا عمر مقبلا متوكّئا على عصاه سكتوا، فأقبل عمر حتى سلّم عليهم فقال: ما كنتم تتحدّثون؟ قالوا: كنّا نذكر هذه

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 100 حلية الأولياء ج 2 ص 376 تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 145.

(2) تفسير ابن أبي حاتم، ج 3 ص 989.

(3) المعجم الكبير ج 17 ص 310 تحت رقم 857.

(4) مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ص 245 تحت رقم 22173.


السّريّة التي هلكت في سبيل الله، يقول قائل منا هم عمّال الله هلكوا في سبيله وقد وجب لهم أجرهم عليه، ويقول قائل الله أعلم بهم لهم ما احتسبوا، فقال عمر: الله أعلم؛ إنّ من النّاس ناسا يقاتلون وإن همّهم القتال فلا يستطيعون إلا إيّاه، وإنّ من النّاس ناسا يقاتلون رياء وسمعة، وغنّ من النّاس ناسا يقاتلون ابتغاء وجه الله، فأولئك الشّهداء وكل امرئ منهم يبعث على الذي يموت عليه. والله ما تدري نفس ماذا مفعول بها ليس هذا الرّجل الذي قد بيّن لنا أنّه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّرصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاريّ ولم يخرجاه، إنّما اتّفقا من هذا الباب على حديث أبي موسىرضي‌الله‌عنه من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله(1) .

أقول:

لو كان حديث العشرة المبشّرين يومها معروفا لما قال عمر هذا الكلام، وهذا يعني أنّ حديث العشرة اختلق بعد جيل الصّحابة بزمان.

وعن هشام بن الحسن قال: كان عمر يمرّ بالآية في ورده فتخنقه فيبكي حتى يسقط، ثمّ يلزم بيته حتّى يعاد يحسبونه مريضا(2) .

أقول:

لقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتقى خلق الله وأعبدهم وأورعهم وأخشاهم لله وأعلمهم به، وعليه أنزل القرآن، ولم يكن يظهر عليه شيء من هذه الأمور التي روّج لها الوعّاظ والقصّاص، وامتلأت بها كتب الصّوفية؛ ثمّ فكيف يكون عمر بهذا الصورة من الرقّة ورهافة الحس ثمّ يداوم على شرب النّبيذ إلى آخر لحظة من عمره.

أقوال في عمر

قال ابن عبد البرّ: كان إسلامه عزّا ظهر به الإسلام بدعوة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فروى التّرمذي

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين، ج 2 ص 119، والجهاد لابن المبارك، ج 1 ص 33.

(2) حلية الأولياء، أبو نعيم، ج 1 ص 51.


من حديث ابن عمر أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: اللهمّ أعزّ الإسلام بأحبّ هذين الرّجلين إليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطّاب؛ قال وكان أحبّهما إليه عمر. قال: هذا حديث حسن صحيح(1) .

وفي صحيح البخاريّ عن ابن مسعود قال: مازلنا أعزّة منذ أسلم عمر.

وفي الصّحيحين من حديث سعد بن أبي وقّاص أن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال ايها يا ابن الخطّاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجّا إلاّ سلك فجّا غير فجّك. ولهما من ديث أبي هريرة: لقد كان فمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال مكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمّتي أحد فعمر. ورأى له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قصرا في الجنّة، ورأى أنه سقاه فضله، قالوا: فما أوّلته؟ قال: العلم. ورأى عليه قميصا يجرّه قالوا: فما أوّلته؟ قال: الدّين. ورأى أنّه ينزع على قليب ثمّ نزع أبوبكر ذنوبا أو ذنوبين ثم نزع حتى روي الناس فكان ذلك إشارة للخلافة! وكلّ هذه الأحاديث في الصّحيحين ورؤيا الأنبياء وحي(2) . وللتّرمذي وصحّحه من حديث ابن عمر مرفوعا: إنّ الله جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه.

أقول:

إذاً فقوله الذي أتّهم فيه النّبيّ بالهجر حقّ لا شكّ فيه، وساعتها يغدو قوله تعالى( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى‏ * إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحَى ) مما يطعن به أعداء الإسلام في القرآن الكريم، لأنّ الذي يهجر ينطق عن الهوى.

قالوا: ومناقبه كثيرة وأوصى إليه أبوبكر بالخلافة فاقام فيها عشر سنين ونصفا واستشهد يوم الأربعاء لأربع أو ثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح الذي جزم ابن إسحاق والجمهور، وصحّ ذلك عن معاوية وأنس، وقيل خمس وستّون وقيل ستّ وستون وقيل واحد وستّون وقيل ستّون

____________________

(1) طرح التثريب في شرح التقريب، ج 1 ص 76.

(2) إذا فلماذا يقول عمر عن بيعة أبي بكر فلته إن كانت وحيا؟!


وقيل تسع وخسمون وقيل سبع وخسمون وقيل ست وخمسون وقيل خمس وخمسون [!]. والذي طعنه أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة فاستجاب الله دعاءه لأنّه كان يدعو اللّهم ارزقني شهادة في سبيلك وموتا في بلد نبيّك كما رواه البخاريّ في صحيحه(1) .

أقول:

قد عرض الله عليه الشهادة في مواطنها في بدر وأحد وحنين وخيبر، ففضّل العيش مع الفرار على الشّهادة! ولو كان صادقا في طلبها لفعل فعل حمزة وجعفر! وقد كان بينه وبين أبي بكر كلام فقال له أبو بكر: (أجبّار في الجاهليّة خوّار في الإسلام)(2) .

وعن نافع عن ابن عمر أنّه أدرك عمر بن الخطّاب في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله وإلاّ فليصمت(3) ..:

خطب (عمر) أم أبان بنت عتبة بن ربيعة فكرهته وقالت: يغلق بابه ويمنع خيره، يدخل عابسا ويخرج عابسا(4) .

أقول:

هذه أخت هند بنت عتبة آكلة الأكباد، كرهت أن يكون عمر زوجاً لها، وذكرت أسباب كراهيتها ذلك فقالت: يغلق بابه ويمنع خيره، وإغلاق الباب يعني أنّه لم يكن يأتيه ضيوف، ومعنى يمنع خيره فيه إشارة إلى البخل. وقولها يدخل عابسا ويخرج عابسا فيه إشارة إلى مواج لا يتحمّل، لأنّ المؤمن طلق الوجه، بشره في وجهه وحزنه

____________________

(1) طرح التثريب في شرح التقريب ج 1 ص 76.

(2) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 73.

(3) صحيح البخاريّ ج 5 ص 2265 وصحيح البخاريّ وصحيح البخاريّ ج 5 ص 2265: ج 6 ص 2449 وصحيح البخاريّ ج 6 ص 2450 وصحيح البخاريّ ج 6 ص 2693 وصحيح مسلم ج 3 ص 1266 و صحيح مسلم ج 3 ص 1267.

(4) ابن الأثير في الكامل في التاريخ ج 3 ص 55، والطبري في تاريخ الطبري ج 5 ص 17..


في قلبه.

وذكر ابن الأثير أنّ عمر بن الخطّاب خطب إلى قوم من قريش بالمدينة فردّوه وخطب إليهم المغيرة بن شعبة فزوّجوه(1) .

وهذا معناه أنّهم فضلوا عليه المغيرة بن شعبة، ومنه يستشفّ أن قضيّة تفضيل عمر على كلّ من سوى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر لم تكن رائجة في زمان عمر!

وقال ابن أبي الحديد: كان في أخلاق عمر وألفاظه جفاء وعنجهيّة ظاهرة(2) .

وعن ابن عبّاس في حديث طويل بينه وبين عمر، قال عمر: ثمّ خرجت حتّى دخلت على أمّ سلمة لقرابتي منها فكلّمتها فقالت أمّ سلمة: عجبا لك يا ابن الخطّاب! دخلت في كلّ شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله وأزواجه؛ فأخذتني والله أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد(3) ..

تقول المرأة الصّالحة أمّ سلمة زوج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمر بن الخطّاب: (دخلت في كلّ شيء) وهذا يعني أنّ الرّجل كان فضوليّا يتدخّل في شؤون غيره؛ وقد رووا أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.

وروي عن عامر الشّعبيّ أنّه قال: ما قتل عمر حتّى ملّته قريش واستطالت خلافته(4) .

أقول:

ومعنى ملّته قريش ههنا واضح، أي لم تعد تتحمّل وجوده في الحكم، ويفسّره المعطوف بعده وهو قوله: استطالت خلافته. وهذا أمر يدعو إلى التساؤل، فإنّ الرّجل لم يزل يعنى بقريش حتّى جعل الرّعاة منها ولاة في الأمصار، وكان حريصا على تفضيل قريش على من سواها، كما كان الناطق الرّسمي بلسانها، فلماذا ملّته قريش؟ هل

____________________

(1) أسد الغابة ابن الأثير، ج 4 ص 65.

(2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد ج 1 ص 183.

(3) صحيح البخاريّ، ج 4 ص 1867. وصحيح مسلم، ج 2 ص 1109 والمسند المستخرج على صحيح مسلم، ج 4 ص 161 وعمدة القاري ج 19 ص 250.

(4) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد ج 1 ص 58.


كان بينه وبين قريش عقد خرم - هو - بعض بنوده؟ أم أنّه وعد قريشا وعودا ثمّ لم يف بها؟

وقال طلحة بن عبيد الله لأبي بكر في مرضه الذي مات فيه: (يا خليفة رسول الله، إنّا كنّا لا نحتمل شراسته وأنت حيّ تأخذ على يديه، فكيف يكون حالنا معه وأنت ميت)(1) ؟

ويرد على قول طلحة يا خليفة رسول الله إشكال كبير، لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يستخلف أبابكر، وإنّما صار حاكما ببيعة جماعة إثر خلاف كبير بين المهاجرين والأنصار كاد يتحوّل إلى فتنة؛ بايعه أبو عبيدة بن الجراح وعمر بن الخطّاب وبشير بن سعد. فإن يكن خليفة فهو خليفة هؤلاء لا خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج: كان عمر سريعا إلى المساءة كثير الجبه والشّتم والسّبّ(2) .

يقول ابن أبي الحديد عن عمر كثير الجبه والسبّ!! وهذا يعني أنّ سوء الخلق صار ملكة عنده، لأنّه لم يكن يسبّ بين الحين والحين، وإنما كان كثير الجبه والشّتم والسبّ. والجبه مواجهة النّاس بما يكرهون. والشّتم معلوم والسّبّ معلوم. وقد رووا أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: سباب المؤمن فوسق وقتاله كفر. وأنّه قال أيضا (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)(3) ، على العموم فإنّ الغلظة أمر تمجّه الفطرة والعقول السّليمة، لا يكاد يختلف في ذلك اثنان. وليست من الأخلاق المقبولة في الإسلام، وقد قال الله تعالى لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، ج 2 ص 120 (طبعة مصر 1329 هـ).

(2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 4 ص 457.

(3) صحيح ابن حبان ج 1 ص 421 والمستدرك على الصحيحين ج 1 ص 57 وسنن البيهقي الكبرى ج 10 ص 193 وسنن البيهقي الكبرى ج 10 ص 243 وسنن الترمذي ج 4 ص 350 والسنن الصغرى للبيهقي (نسخة الأعظمي) ج 9 ص 211 ومعرفة السنن والآثار ج 7 ص 447 والمعجم الأوسط ج 2 ص 225 و المعجم الكبير ج 10 ص 207 ومسند أبي يعلى ج 9 ص 20 ومسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 404 ومسند البزار ج 4 ص 330 ومسند ابن أبي شيبة ج 1 ص 239 ومجمع الزوائد ج 1 ص 97.


غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ ) . فالغلظة تقابل الرّحمة، والنّفوس بفطرتها ميّالة إلى صاحب الرّحمة نافرة من الغليظ؛ وإنّما تحمد اللغلظة إذا كانت على الكفّار( يَا أَيّهَا النّبِيّ جَاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ... ) .

وقال الطّبريّ (عن عليّ بن محمد عن الذين سمّيت) قال بعضهم: جعل أبوبكر عمر قاضيا في خلافته فمكث سنة لم يخاصم إليه أحد قال: وقالوا كان يكتب له زيد بن ثابت(1) .

أقول:

من تتبّع تلك الأحداث بعين سليمة من الهوى لم يخف عليه أنّ النّاس لا يطلبون الأمر عادة إلاّ حيث يتوقّعون وجوده، وكيف يتوقّعون الحقّ والعدل عند من كذّب فاطمة المطهّرة عليها السّلام؟ أضف إلى ذلك أنّ عمر بن الخطّاب ليس أهلا للقضاء، فإنّه مات يجهل الكلالة، وقال في مسألة واحدة بأقوال متعدّدة مختلفة كما يأتي بيانه لاحقا.

وعن محمد بن منصور قال: كنّا مع المأمون في طريق الشّام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال لنا يحيى بن أكثم: بكّرا غدا إليه، فإن رأيتما للقول وجها فقولا، وإلاّ فاسكتا إلى أن أدخل؛ قال: فدخلنا إليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى عهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما! ومن أنت يا أحول حتّى تنهى عما فعله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبوبكر؟!(2)

قال ابن أبي الحديد: واعلم أنّ هذه اللّفظة من عمر مناسبة للفظات كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جبله الله تعالى عليه من غلظ الطّينة وجفاء الطّبيعة: ولا حيلة له فيها، لأنّه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها [!](3) ، ولا ريب عندنا أنّه كان يتعاطى أن يتلطّف، وأن

____________________

(1) تاريخ الطبري ج 2 ص 617.

(2) وتهذيب الكمال للمزي ج 31 ص 214 وتاريخ بغداد ج 14 ص 203 وتاريخ مدينة دمشق ج 64 ص 71.

(3) هذه العبارة يشتمّ منها رائحة الجبر.


يخرج ألفاظه مخارج حسنة لطيفة، فينزع به الطّبع الجاسي، والغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللّفظات، ولا يقصد بها سوءا، ولا يريد بها ذمّا ولا تخطئة، كما قدّمنا من قبل في اللّفظة التي قالها في مرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكاللّفظات التي قالها عام الحديبية وغير ذلك والله تعالى لا يجازى المكلّف إلاّ بما نواه، ولقد كانت نيته من أطهر النيّات وأخلصها لله سبحانه وللمسلمين. ومن أنصف علم أن هذا الكلام حقّ، وأنّه يغني عن تأويل شيخنا أبي عليّ(2) .

أقول:

هذا كلام يشتمّ منه رائحة الجبر، خصوصا عند قوله بمقتضى ما جبله الله تعالى عليه من غلظ الطّينة وجفاء الطّبيعة، إذ يكون الله تعالى قد جبل عمر على الغلظة، ثمّ هو يطلب منه اللّين والرّفق، وهذا مخالف تماما لما عليه يعتقده ابن أبي الحديد وأصحابه من المعتزلة بخصوص العدل الإلهي؛ ومن العجيب أنّ هناك من ينسب ابن أبي الحديد إلى التّشيّع وهو يقرأ له هذا وأمثاله من الدّفاع عن عمر بن الخطّاب.

قال ابن عاشور: ولذلك تجد من يصحب الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد يكون قبل الإيمان جلفا، فإذا آمن انقلب حكيما مثل عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه (3) .

أقول:

هذا الفاضل ابن عاشور يضرب بعمر المثل للجلف، ومن حقّ المطّلع على سيرة عمر أن يوافق ابن عاشور في قوله كان جلفا ويخالفه في قوله انقلب حكيما.

وفي أصول أحمد بن حنبل: خير هذه الأمّة بعد نبيّها أبو بكر الصدّيق، ثمّ عمر بن الخطّاب، ثمّ عثمان بن عفان، نقدّم هؤلاء الثّلاثة كما قدّمهم أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يختلفوا في ذلك(4) .

____________________

(1) هذا اعتراف من ابن أبي الحديد أنّ عمر بن الخطاب قال كلمة كبيرة في مرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 2 ص 27.

(3) التحرير والتنوير، ج 1 ص 2795.

(4) أصول السنة، أحمد بن حنبل، ج 1 ص 35.


أقول:

يتبخّر هذا التّقديم أمام الحديث الصّحيح أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، فمنزلة عليّ في أمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عين منزلة هارون عليه السلام في أمّة موسى عليه السلام، وهارون يأتي في التّرتيب مباشرة بعد موسى عليه السلام. ثمّ إنّ الصحابة أنفسهم لم يكونوا يعتقدون بهذا التّرتيب، حتى أنّهم رفضوا أن يدفن عثمان في مقابر المسلمين!

قالوا: كتب عمرو بن العاص إلى أبي بكر يذكر له أمر الروم ويستمده فكتب أبوبكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يمدّ أهل الشام فيمن معه من أهل القوة ويستخلف على ضعفة الناس رجلا منهم فلما أتاه كتاب أبي بكر قال خالد: هذا عمل الأعيسر ابن أم شملة يعنى عمر بن الخطاب حسدني أن يكون فتح العراق على يدي(1) .

ومن كلام الحسن بن عليّ عليه السلام في جمهرة خطب العرب يردّ على المغيرة بن شعبة في مجلس معاوية: وإنّ حدّ الله في الزّنا لثابت عليك. ولقد درأ عمر عنك حقّا الله سائله عنه، ولقد سألت النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هل ينظر الرّجل إلى المرأة يريد أن يتزوّجها فقال: لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزّنا لعلمه بأنّك زان(2) !

فهذه شهادة من سيّد شباب أهل الجنّة على عمر بن الخطّاب أنّه درأ الحدّ عن المغيرة بغير حقّ. ومن كان هذا شأنه يكون من المحدّثين الذين يحدّثهم الحقّ تعالى في كلّ الأحوال؟! هل يحدّث الحق تعالى عباده بتعطيل الحدود؟

قال محمّد بن عقيل الشّافعيّ: وأخرج الزّبير بن بكّار في الموفّقيّات عن المطرف بن المغيرة بن شعبة قال: دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه فيتحدّث معه، ثمّ ينصرف إليّ ويذكر معاوية وعقله ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ورأيته مغتمّا! فانتظرته ساعة وظننت أنّه لأمرٍ حدث فينا، فقلت مالي أراك مغتمّا منذ اللّيلة؟ فقال يا بنيّ جئت من عند أكفر النّاس وأخبثهم (!) قلت: وما ذاك؟ قال:

____________________

(1) ثقات ابن حبان، ج 2 ص 185.

(2) جمهرة خطب العرب، ج 2 ص 22.


قلت له وقد خلوت به: إنّك قد بلغت سنّا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا وبسطت خيرا فقد كبرت. ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإنّ ذلك ممّا يبقى لك ذكره وثوابه. فقال: هيهات! هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه؟ ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره إلاّ أن يقول قائل أبوبكر. ثمّ ملك أخو عديّ فأجتهد وشمّر عشر سنين فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره إلاّ أن يقول قائل عمر. وإنّ ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرات أشهد أنّ محمّدا رسول الله، فأيّ عمل يبقى وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك؟ لا والله إلا دفنا، دفنا(1) .

أقول:

هذا معاوية بن أبي سفيان يشهد في ايّام حكمه أنّ عمر بن الخطّاب هلك ذكره، وهذا يعني أنّ النّاس كانوا قد نسوه ولم يعودوا يذكرونه بشيء. فكيف عاد إلى السّاحة إذاً، وبهذا الحجم الهائل؟!

وعن عاصم عن أبي عثمان أنّه كانت في يده قناة يمشي عليها وكان يكثر أن يقول والله لو أشاء أن تنطق قناتي هذه لنطقت. لو كان عمر بن الخطّاب ميزانا ما كان فيه ميط شعرة(2) .

وعن محمد بن عمرو قال حدثنا أبو سلمة قال: قال سعد: أما والله ماكان بأقدمنا إسلاما ولكن قد عرفت بأيّ شيء فضلنا. كان أزهدنا في الدنيا، يعني عمر بن الخطّاب(3) .

أقول:

الزّهد في الدّنيا يتمّ خقيقة حين يزهد المرء في المنصب والمقام والجاه، حيث

____________________

(1) النصائح الكافية، محمّد بن عقيل الشّافعيّ، ص 123.

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 357 تحت رقم 32008.

(3) مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 358 تحت رقم 32012.


تغدو الخلافة المرغوب فيها عند النّاس أهون لديه من عفطة عنز. أمّا حين كيون مستعدّا لتحريق البيت على بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعلها وأولادها لأجل أن يصبح حاكما فإنّ بينه وبين الزّهد بعد المشرقين. وقد تظاهر بالزّهد في المطعم والملبس كثير من الناس أيّام بني أمية وبني العباس ولم ينفعهم ذلك لأن التّاريخ لا يرحم.

وعن إسماعيل عن زبيد قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة أرسل إلى عمر ليستخلفه قال فقال النّاس: أتستخلف علينا فظّا غليظا؟ فلو ملكنا كان أفظّ وأغلظ. ماذا تقول لربّك إذا أتيته وقد استخلفته علينا؟ قال: تخوّفونني بربّي؟ أقول: اللّهم أمّرت عليهم خير أهلك(1) .

أقول:

انظر إلى قوله فقال النّاس وكلمة (النّاس) لا تطلق على فرد أو اثنين، ومع ذلك يقولون كانت خلافة عمر موضع القبول من جميع الصحابة! وعبارة أتستخلف علينا فظّا غليظا شهادة من صحابة يعترضون على أبي بكر في فعله، ويؤكّدون أنّ عمر بن الخطّاب فظّ غليظ! ثمّ انظر إلى الخليفة أبي بكر يدّعي أنّه سيقول لله تعالى (اللّهم أمّرت عليهم خير أهلك) فيقطع أنّ خير أهل الله تعالى عمر بن الخطّاب! وتحسبونه هيّنا وهو عند الله عظيم. بأي شيء يكون عمر بن الخطاب خير أهل الله تعالى؟! ولماذا لم يعرف له بقيّة الصّحابة ذلك وقالوا عنه (فظّ غليظ)؟ هل يكون الفظّ الغليظ خير أهل الله تعالى؟ لكن هنالك قصّة وقعت لأبي بكر في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تتعلق بهذا الباب، ذكرها مسلم وأحمد وغيرهما. فعن عائذ بن عمرو أنّ أبا سفيان أتىعلى سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله ما خذها! قال فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟! فأتى النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبره، فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك. فأتاهم أبو بكر

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 358 تحت رقم 32013.


فقال: يا أخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي(1) . فما أبعد ما بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبلال وسلمان وصهيب من جهة، وبين أبي بكر بن أبي قحافة من جهة أخرى. رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه يرون في أبي سفيان عدوّا لله تعالى، بينما يرى فيه أبوبكر بن أبي قحافة شيخ قريش وسيّدهم، ولا يستحي من الله تعالى أن يقول هذا ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّ يرزق! فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قريش. ورغم هذا فقد بقي أبوبكر على هذا الموقف من أبي سفيان، والدّليل على ذلك أنه ترك بيده الصّدقات بعد بيعة السقيفة مع أنّها أموال المسلمين، وأخذ من فاطمة عليها السلام ما كان تحت يدها زعما منه أنّه مال المسلمين!! فمال المسلمين إذا كان بيد أبي سفيان لا بأس أن يحتفظ به أبو سفيان، أمّا ما يكون بيد فاطمة عليها السلام فلا! وولّى أبوبكر يزيد بن أبي سفيان على جيش كبير متوجّه إلى الشّام. ثمّ انظر إلى أبي بكر يشكو صحابة من خيرة المؤمنين دفاعا عن رجل جرى لعنه على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقد بان في هذه القصّة على الأقلّ أنّ المعايير والموازين التي يعتمدها أبوبكر في اعتبار مراتب الرّجال جاهلية محضة، ولهذا قال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكلّ صرامة: (لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك)؛ فرجل يرى أبا سفيان سيّد قريش في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كيف لا يرى عمر بن الخطّاب خير أهل الله؟!

قال زين الدّين العراقيّ في طرح التّثريب: قال ابن عبد البرّ كان إسلامه عزّا ظهر به الإسلام بدعوة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فروى التّرمذي من حديث ابن عمر أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: اللّهمّ أعزّ الإسلام بأحبّ هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطّاب قال وكان أحبّهما إليه عمر قال: هذا حديث حسن صحيح(2) .

أقول:

لكن يبقى السؤال مطروحا متى أعزّ الله الإسلام بعمر في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،

____________________

(1) صحيح مسلم ج 4 ص 1947 (الحديث 2504) وتفسير القرطبي ج 6 ص 435 والجمع بين الصحيحين ج 1 ص 377 وتفسير القرطبي ج 6 ص 435 ومسند أحمد بن حنبل ج 5 ص 64 والاستيعاب ج 2 ص 637 وج 2 ص 733 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 25 وتاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 463.

(2) طرح التثريب في شرح التقريب ج 1 ص 76.


وبم كان ذلك؟ بفراره يوم أحد؟ أم بفراره يوم حنين؟ أم بفراره يوم خيبر؟ أم بجبنه وخوره يوم راح عمرو بن عبد ود يتحدّاه ويعرض عليه الذّهاب إلى الجنّة وهو الزّاهد في الدّنيا كما يقولون؟! وأشدّ ما في ذلك كلّه أنّه كان يفرّ من المعركة ويترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين الأعداء عرضة للقتل! المهمّ أن ينجو هو بجلده، أمّا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا بأس أن يقتل ويسلم عمر بن الخطّاب، لأنّه هو أيضا نبيّ بالقوّة! فقد رووا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لو لم أبعث لبعث عمر(1) !

وفي صحيح البخاريّ عن ابن مسعود قال: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر.

وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقّاص أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إيها يا ابن الخطّاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشّيطان سالكا فجّا إلاّ سلك فجّا غير فجّك. ولهما من حديث أبي هريرة لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال مكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمّتي أحد فعمر. ورأى له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قصرا في الجنّة، ورأى أنّه سقاه فضله قالوا فما أوّلته؟ قال: العلم. ورأى عليه قميصا يجرّه قالوا فما أوّلته؟ قال: الدّين. ورأى أنّه ينزع على قليب ثمّ نزع أبو بكر ذنوبا أو ذنوبين ثمّ نزع حتى روي النّاس، فكان ذلك إشارة للخلافة. وكلّ هذه الأحاديث في الصّحيحين، ورؤيا الأنبياء وحي. وللتّرمذي وصحّحه من حديث ابن عمر مرفوعا إنّ الله جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه.

____________________

(1) هذا الحديث فيه كلام كثير، ورد في فضائل الصحابة لابن حنبل ج 1 ص 428 التفسير الكبير ج 16 ص 121 وكنز العمال ج 11 ص 266 وفيض القدير ج 5 ص 325 ومرقاة المفاتيح ج 11 ص 194 و الكامل في ضعفاء الرجال ج 3 ص 155 وج 3 ص 216 والكامل في ضعفاء الرجال ج 4 ص 194 وميزان الاعتدال في نقد الرجال ج 3 ص 76 وج 4 ص 221 وتاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 114 وج 44 ص 116 و المغني عن حمل الأسفار ج 2 ص 833 والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ج 1 ص 336 واللآلئ المصنوعة ج 1 ص 277 والموضوعات ج 1 ص 238 وتلخيص كتاب الموضوعات ج 1 ص 99 تلخيص كتاب الموضوعات ج 1 ص 100 وتنزيه الشريعة ج 1 ص 373 والفردوس بمأثور الخطاب ج 3 ص 372 وذخيرة الحفاظ ج 4 ص 2003 وأسنى المطالب ج 1 ص 236 وكتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج 35 ص 384 ومجموع الفتاوى ج 11 ص 204 وج 35 ص 384 والفتاوى الكبرى ج 1 ص 468 وإعلام الموقعين ج 4 ص 142 ومنهاج السنة النبوية ج 6 ص 55 وشذرات الذهب ج 1 ص 33 وتاريخ الخلفاء ج 1 ص 92.


أقول: إذا فقوله إنّ النّبيّ غلب عليه الوجع حقّ لا شكّ فيه، وساعتها يغدو قوله تعالى( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى‏ * إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحَى ) عرضة لطعن أعداء الإسلام في القرآن الكريم، لأنّ الذي يهجر ينطق عن الهوى، وأيّ هوى!

وأمّا زعمهم أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لعمر: ما لقيك الشّيطان سالكا فجّا إلاّ سلك فجّا غير فجّك فيردّه ما وقع يوم خيبر ويوم أحد ويوم حنين ويوم الأحزاب.

( وَإِذْ زَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَغَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنّي بَرِي‏ءٌ مِنكُمْ إِنّي أَرَى‏ مَالاَتَرَوْنَ إِنّي أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ )(1) . وكذلك فعل عمر بن الخطاب كما شهد به على نفسه، ونكص على عقبيه، ولابد والحال هذه أن يكونا في فجّ واحد.

قالوا: ومناقبه كثيرة، وأوصى إليه أبوبكر بالخلافة فأقام فيها عشر سنين ونصفا واستشهد يوم الأربعاء لأربع أو ثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وهو ابن ثلاث وستّين سنة على الصحيح الذي جزم ابن إسحاق والجمهور، وصحّ ذلك عن معاوية وأنس. وقيل خمس وستّون، وقيل ستّ وستّون، وقيل واحد وستّون، وقيل ستّون وقيل تسع وخمسون، وقيل سبع وخمسون، وقيل ستّ وخمسون، وقيل خمس وخمسون. والذي طعنه أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة فاستجاب الله دعاءه لأنّه كان يدعو (اللهم ارزقني شهادة في سبيلك وموتا في بلد نبيّك) كما رواه البخاريّ في صحيحه.

أقول:

بغضّ النظر عن اختلافهم في سنّه يوم وفاته، فقد عرض الله عليه الشّهادة في مواطنها في بدر وأحد وحنين وخيبر ففضّل الفرار بجلده! ولو كان صادقا في طلبها لفعل فعل حمزة وجعفر! وقد كان بينه وبين أبي بكر كلام فقال له أبوبكر بالحرف الواحد:

____________________

(1) الأنفال: 48.


أجبّار في الجاهليّة خوّار في الإسلام).

وعن أبي إسحاق قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول كان ابن عمر في زمانه أفضل من عمر في زمانه(1) .

وعن هشام عن محمّد قال: كان الرّجل يقول للرّجل غضب الله عليك كما غضب أمير المؤمنين على المغيرة عزله عن البصرة واستعمله على الكوفة(2) !

أقول:

هكذا كان يتفكّه النّاس بسيرة عمر مع المغيرة بن شعبة.

عمر في عالم الرؤيا

أخرج ابن عساكر عن ابن عباس أنّ العبّاس قال: سألت الله حولا بعد ما مات عمر أن يرينيه في المنام، فرأيته بعد حول وهو يسلت العرق عن جبينه، فقلت: بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين ما شأنك؟ فقال: هذا أوان فرغت وإن كاد عرش عمر ليهدّ لو لا أنّي لقيت رؤوفا رحيما(3) .

أقول:

من يعرف طبيعة العلاقة بين العباس بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب لا تخفى عليه معالم الوضع في هذا الخبر.

وقال عمرو بن العاص لمعاوية: رأيت في منامي أبابكر حزينا فسألته عن شأنه فقال: وكلّ بي هذان لمحاسبتي، وإذا صحف يسيرة. ورأيت عمر كذلك وإذا صحف مثل الحزورة(4) . ورأيت عثمان كذلك وإذا صحف مثل الخندمة، ورأيتك يا معاوية وصحفك مثل أحد وثبير. فقال له معاوية: أرأيت ثمّ دنانير مصر؟(5) .

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين، ج 3 ص 644.

(2) تاريخ دمشق، ابن عساكر، ج 60 ص 41.

(3) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 146.

(4) الحزورة والخندمة وثبير مواضع بمكة المكرمة، كما في تاج العروس.

(5) معجم ما استعجم، ج 1 ص 445.


قال السّيوطي: وأخرج (ابن عساكر) أيضا عن زيد بن أسلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص رأى عمر في المنام فقال كيف صنعت؟ قال: متى فارقتكم؟ قال: منذ اثنتي عشرة سنة. قال: إنّما أنفلت الآن من الحساب(1) .

وعن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر أنّه قال: (ما كان شيء أحبّ إليّ أن أعلمه من أمر عمر، فرأيت في المنام قصرا فقلت لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطّاب، فخرج من القصر عليه ملحفة كأنّه قد اغتسل فقلت كيف صنعت؟ قال: خيرا؛ كاد عرشي يهوي بي لو لا أنّي لقيت ربّا غفورا! فقال: منذ كم فارقتكم؟ فقلت: منذ اثنتي عشرة سنة، فقال: إنّما انفلت الآن من الحساب.

أقول:

مرّ بك هذا الكلام رواية عن العباس، وهو ههنا عن ابن عمر، بلا زيادة ولا نقص، والمقصود به الشّهادة لعمر بن الخطّاب بالنّجاة؛ وقد كان عمر بن الخطّاب نفسه يقول أنّه لا يشهد لأحد بالنّجاة باستثناء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر! ثمّ ما هو هذا الحساب الذي يتحدّث عنه؟ هل هو حساب يعفيه من خصومة فاطمة وعليّ عليه السلام؟ وهل يعفيه من خصومة صبيغ بن عسل ونصر بن حجاج وغيرهما؟ ولا أدري ما الذي أقوله بخصوص بارة (فخرج من القصر عليه ملحفة كأنّه قد اغتسل..)!

إنّه لمن السّهل توزيع القصور والجنان في عالم المنامات، لكنّ الواقع لا يخضع لذلك، ولا يقبل به، وإنما يخضع لقوانين وسنن حدّدها القرآن الكريم لئلاّ يكون للنّاس على الله حجّة بعد الرسل( لِيَجْزِيَ اللّهُ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ إِنّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (2) ، والذي يغفل عنه كثير من المدافعين عن جيل الصّحابة هو أنّ الصّحابة لن يكونوا يوم القيامة صحابة ولا خلفاء، وإنّما يكونون ناسا كبقية النّاس تجري عليهم أحكام الإسلام

____________________

(1) تاريخ الخلفاء ج 1 ص 146.

(2) إبراهيم: 51.


بتفاصيلها؛ وقد مرّ بك الحديث الذي يقول: (لا أراه ينجو منهم إلا مثل همل النّعم)، فما هو هذا العمل الذي يقلّل نسبة النّاجين منهم إلى ذاك المستوى؟


الفصل الثالث

إسلام عمر بن الخطّاب



إسلام عمر

هذه قصّة جديرة بالتأمّل تتعلّق بعمر بن الخطاب قبل الإسلام. قال الماوردي الشافعي: ومن بشائر هتوفهم: ما رواه إبراهيم [..] عن ابن عبّاس أنّ عمر بن الخطّاب حدّث يوما في مجلس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: خرجنا قبل مظهر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشهرين إلى الأبطح بمكة معنا عجل نريد ذبحه ونحن نفر، فلمّا ذبحناه وتصابّ دمه ومات، إذ صاح من جوفه صائح يا زريح، صائح يصيح، بصوت فصيح، نبيّ يظهر الحقّ يفيح، يقول لا إله إلا الله؛ فصاح كذلك ثلاث مرّات ثمّ هدأ صوته وتفرّقنا ورعبنا منه فلم يلبث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن ظهر(1) .

أقول:

هذه القصّة تفيد أنّ عمر بن الخطّاب كان يعلم ببعثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل أن يبعث، فكان المفروض أن يكون من المنتظرين لبعثته والمسارعين إليها حين تحقّقها. لكن التّاريخ يحدّثنا بعكس ذلك، فقد تأخّر إسلام عمر وأسلم قبله ابنه(2) وأخته وختنه وناس كثير، فما الذي أبطأ به؟!

وقال ابن عاشور في تفسيره: كان الوليد بن المغيرة وعمر بن الخطّاب كافرين، وكان كلاهما يدفع النّاس من اتّباع الإسلام، ولكنّ الوليد كان يختلق المعاذير والمطاعن في القرآن، وذلك من الكيد؛ وعمر كان يصرف النّاس بالغلظة علنا دون اختلاق(3) .

أقول: وهذا صريح في أنّه كان يصرف النّاس عن الإسلام بالغلظة وهو يعلم ببعثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما سبق بيانه. وفرق كبير بين من يعلم ومن لا يعلم. فكيف يصبح أفضل من الذين لم يصدوا عن سبيل الله لحظة واحدة لمجرّد أنه أسلم. فإنّ الإسلام الذي

____________________

(1) أعلام النبوة، الماوردي الشافعي، ج 1 ص 186.

(2) مستدرك، الحاكم، ج 3 ص 647 رقم 6377: وعند عبد الجبّار بن عمر عن ابن شهاب قال: أسلم عبد الله بن عمر قبل أبيه.

(3) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 1 ص 2400.


يجبّ ما قبله لا يبخس الناس أشياءهم. فيكون عمر ساوى من عذّبهم في الإسلام لكنهم فضلوه بأنهم لم يتلبسوا بفعل المضلين عن سبيل الله الذين يفتنون الناس في دينهم.

وقال أيضا: كان المشركون يحاولون ارتداد بعض قرابتهم أو من لهم به صلة، كما ورد في خبر سعيد بن زيد وما لقي من عمر بن الخطّاب(1) .

قال محمد بن سعد في خبر إسلام عمر:... قال [عمر] فلعلّكما قد صبوتما؟ قال: فقال له ختنه: أرأيت يا عمر إن كان الحقّ في غير دينك؟ قال: فوثب عمر على ختنه فوطئه وطئا شديدا، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها بيده نفحة فدمي وجهها، فقالت وهي غضبى: يا عمر! إن كان الحقّ في غير دينك؛ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمّدا رسول الله! فلمّا يئس عمر قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه. قال: وكان عمر يقرأ الكتب! فقالت أخته إنّك رجس ولا يمسّه إلا المطهّرون فقم فاغتسل(2) .

أقول:

إن صحّ قولهم كان عمر يقرأ الكتب فهذه حجّة أخرى في ذمّته، لأنّه ليس من علم كمن لم يعلم، فإن يكن قد قرأ بعض الكتب فقد قرأ في ما قرأ أخبارا وإخبارا بخصوص بعثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فهو يختلف عن غيره من المشركين الذين لم يكن لديهم خبر عن ذلك.

قال البغوي: قوله تعالى( يَا أَيّهَا النّبِيّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) قال سعيد بن جبير: أسلم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وستّ نسوة، ثمّ أسلم عمر بن الخطّاب فتمّ به الأربعون فنزلت هذه الآية(3) .

قال ابن عاشور: وهذه الجملة تفيد بيان مزيّة المؤمنين الذين تحمّلوا الأذى من

____________________

(1) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 1 ص 1327.

(2) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ج 3 ص 268.

(3) تفسير البغوي، ج 1، ص 374.


المشركين وصبروا عليه ولم يؤاخذوا به من آمن ممّن آذوهم مثل أخت عمر بن الخطّاب قبل إسلامه، ومثل صهره سعيد بن زيد، فقد قال (لقد رايتني وإنّ عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر) فكان في صبر سعيد خير دخل به عمر في الإسلام(1) .

أقول:

فأين الأذى الذي تحمّله عمر في سبيل الإسلام؟ وهل كان من الممتحنين في شعب أبي طالب؟!

قال [ابن عاشور]: والمؤمنات المفتونات منهنّ: حمامة أمّ بلال أمة أميّة بن خلف، وزنيرة، وأمّ عنيس كانت أمة للأسود بن عبد يغوث، والنّهديّة وابنتها كانتا للوليد بن المغيرة، ولطيفة , ولبينة بنت فهيرة كانت لعمر بن الخطّاب قبل أن يسلم، كان عمر يضربها، وسميّة أمّ عمار بن ياسر كانت لعمّ أبي جهل(2) .

أقول:

ومع ذلك تقضي ثقافة الكرسيّ أن يكون من عذّب المسلمين لأجل الإسلام أفضل عند الله من المسلمين الذين تعذبوا على يديه! بأيّ دليل؟ وبأيّ معيار؟ بدليل واحد هو أنّه تربّع على كرسي الحكم ولم يتربّعوا!

قال ابن الأثير: ومنهم: لبينة جارية بني مؤمل بن حبيب بن عدي بن كعب أسلمت قبل إسلام عمر بن الخطّاب، وكان عمر يعذّبها حتى تفتن ثمّ يدعها ويقول: إني لم أدعك إلا سآمة! فتقول: كذلك يفعل الله بك إن لم تسلم؛ فاشتراها أبوبكر فأعتقها. ومنهم: زنيرة وكانت لبني عديّ، وكان عمر يعذّبها؛ وقيل كانت لبني مخزوم وكان أبو جهل يعذّبها حتى عميت فقال لها: إنّ اللات والعزّى فعلا بك، فقالت: وما يدري اللاّت والعزّى من يعبدهما، ولكن هذا أمر من السّماء وربّي قادر على ردّ بصري، فأصبحت من الغد وقد ردّ الله بصرها فقالت قريش: هذا من سحر محمّد! فاشتراها أبو

____________________

(1) التحرير والتنوير، ج 1 ص 3883.

(2) التحرير والتنوير، ج 1 ص 4784.


بكر فأعتقها(1) .

وفي لباب النّقول عن الضّحّاك عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية( أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) حيث قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهمّ أعزّ دينك بعمر بن الخطّاب أو بأبي جهل بن هشام، فهدى الله عمر وأضلّ أبا جهل ففيهما أنزلت(2) .

أقول:

أما أبو جهل فقد كانوا يقولون عنه: (مصفّر استه)(3) ، ولا يمكن أن يكون مثل هذا مصدرا للعزّ، وعلى وجه الخصوص عزّ الإسلام! وأما عمر بن الخطّاب فيبقى الحكم للقارئ بعد إنهاء قراءة هذا الكتاب.

وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمّه أم عبد الله بنت أبي حثمة قالت: والله إنّا لنرحل إلى أرض الحبشة فقد ذهب عامر في بعض حاجتنا إذ أقبل عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه حتّى وقف عليّ وهو على شركه، وكنّا نلقى منه البلاء والشّدّة علينا (!) فقال: إنّه الانطلاق يا أمّ عبد الله؟ فقلت: نعم والله، لخرجنّ في أرض الله آذيتمونا وقهرتمونا حتّى يجعل الله لنا مخرجا. فقال: صحبكم الله؛ ورأيت له رقّة لم أكن أراها، ثمّ انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا، قالت: فجاء عامر بن ربيعة من حاجته تلك فقلت: يا أبا عبد الله، لو رأيت عمر آنفا ورقّته وحزنه علينا! قال: فتطمعين في إسلامه؟ قلت: نعم. قال: لا يسلم الذي رأيت حتّى يسلم جمل الخطّاب! قال يائسا منه، ممّا كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام(4) .

وعن حصين عن هلال بن يساف قال: أسلم عمر بن الخطّاب بعد أربعين رجلا

____________________

(1) الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج 2 ص 69.

(2) لباب النقول، السيوطي، ج 1 ص 181.

(3) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ج 8 ص 44، ومجمع الزوائد، ج 6 ص 71 ومجمع الزوائد، ج 6 ص 7، وتفسير الصنعاني، ج 2 ص 253، ومصنف عبد الرزاق، ج 5 ص 351 ومسند البزار ج 2 ص 279 وتاريخ مدينة دمشق ج 38 ص 241 ج 38 ص 249 وج 38 ص 254.

(4) المستدرك، الحاكم النيسابوري، ج 4 ص 58 و 59.


وإحدى عشرة امرأة(1) .

وقالوا في ترجمة زيد بن الخطّاب: أخو عمر، كان قديم الإسلام، وشهد بدرا، واستشهد باليمامة سنة اثنتي عشرة(2) .

أقول:

وهذا يعني أنّ زيدا أسلم قبل أخيه عمر. وبناء على ما سبق من كون أخته وابنه أسلما قبله يكون عمر بن الخطّاب هو آخر آل الخطّاب إسلاما! وشهد زيد بن الخطّاب بدرا في قلب الهجوم وشهدها عمر على كرسيّ الاحتياط.

وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمّه ليلى قالت: كان عمر بن الخطّاب من أشدّ النّاس علينا في إسلامنا(3) .

وعن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول قد أسكنهم الغرف قبل أن يطيعوه وأدخلهم النّار قبل أن يعصوه، وقد كان عمر بن الخطّاب يحمل الطّعام إلى الأصنام والله تعالى يحبّه [!] ما ضرّه ذلك عند الله طرفة عين(4) .

أقول:

( وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ ) ، انظر إلى أي مستوى بلغ بهم سوء الأدب مع الله تعالى، وإلاّ فكيف يقبل عاقل موحّد أن يكون الله تعالى محبّا للمشرك حال شركه؟! أوليس هو الذي قال في الكتاب الكريم( إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) ؟! فكيف يصف الله تعالى المشرك أنّه (نجس) ويحبّه حال شركه؟ وهل هناك عاقل يحبّ النّجس؟ وعلى كل حال لم يدّع عمر بن الخطّاب يوما أنّ الل تعالى يحبّه. وقد رووا عن علي عليه السلام أنّ رسول الله قال: (يا فاطمة، إنّ الله عز وجلّ يغضب لغضبك ويرضى لرضاك) أخرجه أبو سعد في (شرف النّبوة) والإمام عليّ بن موسى الرضا في مسنده وابن المثنّى

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة، ج 7 ص 12 تحت رقم 33866 وتهذيب التهذيب، ج 7 ص 386.

(2) تقريب التهذيب ج 1: ص 223 تحت رقم 2134.

(3) مجمع الزوائد، الهيثمي، ج 6 ص 23 والمعجم الكبير، الطبراني، ج 25 ص 29.

(4) حلية الأولياء، ج 9 ص 257.


في معجمه(1) . وعليه تغدو محبّة الله تعالى لعمر حال شركه أو إسلامه صعبة الإثبات، لأنّ فاطمة عليها السلام خرجت من الدّنيا غاضبة عليه. وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضا: (من أغضبها فقد أغضبني)(2) . وقد أغضبها عمر بن الخطاب فتحقّق منه الأذى لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قالوا: استدلّ به السّهيلى على أنّ من سبّها(3) كفر وأنّها أفضل من الشّيخين. قال ابن حجر فيه نظر(4) .

أقول:

كلّ ما من شأنه أن يشكّك في منزلة الشّيخين ففيه نظر عند ابن حجر وأتباع مدرسته، حتّى لو كان قرآنا فإنّه يجب تأويله بما ينسجم مع نظريّة أفضليّة الأربعة على التّرتيب والعشرة المبشّرين بالجنّة. وإلاّ فلماذا لم يخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالشّيخين إلى المباهلة يوم وفد نجران؟!

سوء الأدب بمحضر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

لعلّ بعض القرّاء يصدمون إذا اكتشفوا أنّ بعض الصّحابة كانوا يقولون الكلام الفاحش البذيء أمام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا يعتذرون من ذلك إلاّ إذا رأوا منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إعراضا يخشون أن يسقطهم نهائيّا من أعين النّاس.

قال ابن إسحاق: حتى إذا كان [رسول الله] بعرق الظبية - قال ابن هشام الظبية عن غير ابن إسحاق - لقوا رجلا من الأعراب، فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له النّاس سلّم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: أوفيكم رسول الله؟ قالوا: نعم. فسلّم عليه ثم قال:

____________________

(1) ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، ج 1 ص 39.

(2) صحيح البخاري ج 3 ص 1361 وصحيح البخاري ج 3 ص 1374 والجمع بين الصحيحين ج 3 ص 372 وسنن النسائي الكبرى ج 5 ص 97 وسنن النسائي الكبرى ج 5 ص 148 ومصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 388 والآحاد والمثاني ج 5 ص 361 والمعجم الكبير ج 22 ص 404 وخصائص علي ج 1 ص 147 وفضائل الصحابة للنسائي ج 1 ص 78 وفيض القدير ج 4 ص 421.

(3) أي فاطمة عليها السلام.

(4) فيض القدير ج 4 ص 421.


إن كنت رسول الله فأخبرني عمّا في بطن ناقتي هذه، فقال له سلمة بن سلامة بن وقش: لا تسأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأقبل عليّ فأنا أجيبك عن ذلك، نزوت عيها ففي بطنها منك سخلة! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مه، أفحشت على الرّجل، ثمّ أعرض عن سلمة(1) ..

أقول: وقد تصرّفوا في نقل القصّة وفق ما تقتضيه عدالة جميع الصّحابة، فحذف كلّ ناقل ما استبشعه، لكن لم يمكنهم حذف الكلام البذيء الذي تفوّه به سلامة بن وقش، لاستلزامه حذف كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولعلّ ذلك مما دعاهم إلى عدّ سلمة بن سلامة بن وقش ضمن المنافقين في ما بعد(2) .

وروى البخاري وغيره (بخصوص صلح الحديبية) قال: قال عروة عند ذلك: (أي محمّد أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإنّي والله لا أرى وجوها، وإنّي لأرى أشوابا من النّاس خليقا أن يفرّوا ويدعوك. فقال له أبو بكررضي‌الله‌عنه : امصص ببظر اللاّت أنحن نفرّ عنه وندعه؟! فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لو لا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك)(3) .

أقول:

وإن تعجب فعجب قول الشّوكاني (وفيه جواز النّطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحقّ به ذلك)! لكنّ ابن الجوزي استبشع العبارة فأبهم ولم يصرّح بأبي بكر بل قال: قال رجل من الصّحابة لبعض الكفّار (امصص ببظر اللاّت)، والبظر ما

____________________

(1) السيرة النبوية، ابن هشام، ج 3 ص 160.

(2) وقال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 531 - 532: (وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن أعرابيا وقف على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر على ناقة له عشراء فقال يا محمد ما في بطن ناقتي هذه؟ فقال له رجل من الأنصار: دع عنك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهلم إليّ حتى أخبرك وقعت أنت عليها وفي بطنها ولد منك فأعرض عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم قال إن الله يحب كل حي كريم متكرم ويبغض كل لئيم متفحّش). والقصة أيضا في المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 472 ودلائل النبوة ج 3 ص 106 والسيرة الحلبية ج 2 ص 385 وسمط النجوم العوالي ج 2 ص 47 و تاريخ الإسلام ج 2 ص 106.

(3) صحيح البخاري، ج 3 ص 975، وصحيح ابن حبان، ج 11 ص 220 والنهاية في غريب الأثر ج 1 ص 138، ونيل الأوطار، ج 8 ص 197.


عند القطع(1) . وفي النّهاية في حديث الحديبية (امصص ببظر اللاّت البظر بفتح الباء الهنة التي تقطعها الخافضة من فرج المرأة عند الختان)(2) .

فهل يستطيع عاقل تفسير هذه العبارة لأحد أولاده أو أقاربه؟ وهل يستطيع شرح ذلك للتّلاميذ إن كان مدرّسا؟!

لا شكّ بعد هذا أنّ المعاصرين لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكونوا يعرفون له حرمته؛ والكلام السّابق ومحلّ التّلفّظ به - بحضرة النبيّ الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - خير دليل على ذلك.فمن زعم أنّ الأمر كان على خلاف ذلك فليبيّن!

في تفسير البغوي: عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عبّاس عن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه أنّه قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليصلّي عليه فلما قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلّي على ابن أبيّ بن سلول وقد قال يوم كذا وكذا وكذا؟ أعدّد عليه قوله فتبسّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: أخّر عنّي يا عمر؛ فلمّا أكثرت عليه قال: إنّي خيّرت فاخترت، لو أعلم أنّي إن زدت على السّبعين يغفر له لزددت عليها. قال: فصلّى عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ انصرف فلم يمكث إلاّ يسيرا حتّى نزلت الآيتان من براءة:( وَلاَ تُصَلّ عَلَى‏ أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً وَلاَتَقُمْ عَلَى‏ قَبْرِهِ ) إلى قوله:( وَهُمْ فَاسِقُونَ ) قال فعجبت بعد من جرأتي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومئذ والله ورسوله أعلم(3) .

أقول:

الحديث وارد في صحيح البخاريّ(4) ومضمونه أنّه لما أراد النّبيّ الصّلاة على جنازة عبد الله بن أبيّ قال له عمر: أتصلّي عليه وقد قال كذا وكذا؟ أليس قد نهاك الله أن تصلّي على المنافقين؟ ويدلّ مضمون الحديث على أنّ النّهي عن الصّلاة على

____________________

(1) غريب الحديث لابن الجوزي ج 1 ص 77. وصحيح ابن حبان ج 11 ص 220.

(2) النهاية في غريب الأثر ج 1 ص 138.

(3) تفسير البغوي، ج 1 ص 81.

(4) صحيح البخاريّ، ج 7 ص 36، دار الفكر بيروت 1401 هـ.


المنافقين الذي ورد في( وَلاَ تُصَلّ عَلَى‏ أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ ) نزل بعد هذه القصّة التي دارت بين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين عمر. وقد أثبتوا - من باب الموافقات - في الحديث أنّ الآية( وَلاَ تُصَلّ عَلَى‏ أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً ) نزلت بعد هذه الواقعة... فإذا كان ذلك كذلك، فمن أين اطّلع عمر على النهي قبل أن يطّلع عليه من يتنزّل عليه الوحي؟ كيف علم عمر أنّ الله تعالى نهى نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والآية المشتملة على النّهي لم تكن قد نزلت بعد؟! ومن أين أتى عمر بهذا النّهي؟ ومثل هذا النّهي حكم شرعيّ وإنّما تتنزّل الأحكام على صاحب الشّريعة؛ والذين ذهبوا إلى الاستدلال بقوله تعالى( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ... ) (1) يعلمون أنّه لا يليق بمن هو رحمة للعالمين إلاّ أن يكون بالمستوى اللاّئق لذلك، وهو إنّما يتألّف الآخرين بسلوكه تلك الطّريقة مع عبد الله بن أبيّ بن السّلول، عسى أن تلين قلوبهم لما يرون من رحمة من خلال تلك الصّلاة.

وعن أبي عطيّة أنّ رجلا توفّي على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال بعضهم يا رسول الله لا تصلّ عليه فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هل منكم من أحد رآه على شيء من أعمال الخير؟ فقال رجل: حرس معنا يا رسول الله ليلة كذا وكذا. فصلّى عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومشى إلى قبره فجعل يحثو عليه التّراب ويقول: إنّ أصحابك يظنّون أنّك من أهل النّار، وأنا أشهد أنّك من أهل الجنّة ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لعمررضي‌الله‌عنه : إنّك لا تسأل عن أعمال النّاس، وإنما تسأل عن الغيبة(2) .

أقول:

هذه واقعة ينبغي التوقف عندها والتّأمل بعين البصيرة واستحضار عظمة الله تعالى حين الحكم، فإنّ من أبغض الأمور إلى الله تعالى الحكم بالهوى، وهو الأمر الذي جلب لبني إسرائيل اللعن على لسان داوود وعيسى بن مريم. لدينا في هذه القصة شهادة

____________________

(1) التوبة: 80.

(2) الاستيعاب، ابن عبد البر، ج 4 ص 1716.


من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للصّحابي المتوفّى يشهد له فيها بالجنة والنّجاة، ولدينا في نفس الواقعة شهادة عمر عليه بخلاف ذلك؛ وشهادة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مستندة إلى ما يريه الله تعالى وإلى ارتباطه الدائم بعالم الغيب. فإلام تستند شهادة عمر؟ وقد أمر النّاس في الإسلام بحسن الظّن، كما أمروا أن يذكروا موتاهم بخير. والاختلاف بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين عمر بن الخطاب في هذه القضية واضح لا يحتاج إلى بيان، ولا يمكن بحال من الأحوال الجمع بين السلوكين، فمن شاء فليقتد برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن شاء فليقتد بعمر؛ وأقول مرة أخرى: الجمع بينهما لا يستقيم في العقول. ثمّ ما أعظمها وأنفعها كلمة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ يقول لعمر: (إنّك لا تسأل عن أعمال النّاس). وانظر إلى ابن عبد البرّ يقول: (فقال بعضهم يا رسول الله لا تصلّ عليه) ثمّ يقولفي ذيل الحديث: (ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمررضي‌الله‌عنه : إنّك لا تسأل عن أعمال النّاس)، ومن حقّ العاقل أن يتساءل لماذا يوجّه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلامه إلى عمر ويترك (بعضهم) القائل؟! اللّهمّ إلاّ أن يكون (بعضهم) القائل هو عمر نفسه وذلك به أشبه، لأنّ له مثل هذا السّلوك يوم وفاة عبد الله بن أبيّ بن السّلول؛ لكنّه يعزّ على ابن عبد البرّ أن يقرّ بذلك ويعترف بالحقيقة خشية أن يتزعزع في الرّاشدين والعشرة المبشرين، وتتسرب تلك الزعزعة إلى تلامذته وأتباعه.

قال الزّهري في حديثه عن عروة عن (مروان) والمسور، ورواه أبو وائل عن سهل بن حنيف قال عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه : فأتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت: ألست نبيّ الله حقّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النّار؟ قال: بلى؛ قلت: فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذن؟ قال: إنّي رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أوليس كنت تحدّثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنّا نأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنّك آتيه ومطوّف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر ن أليس هذا نبيّ الله حقّا؟ قال: بلى؛ قلت: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى؛ قلت: أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النّار؟ قال: بلى. قلت:


فلم نعطي الدنيّة في ديننا إذا؟ قال: أيّها الرّجل! إنّه رسول الله ليس يعصي ربّه ن وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فو الله إنّه على الحقّ. قلت: أليس كان يحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنّك تأتيه العام؟ قلت لا. قال: فإنّك آتيه ومطوّف به. قال الزّهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا(1) .

يخيّل للسّامع أنّ الكلام في محلّه، والحال أنه خلاف الواقع. وفي المغرب العربي مثل يقول: يمدد المرء رجليه على قدر فراشه. نعم، إنّما يدّعي الإباء الأبيّ فعلا، أمّا من لا يتحلّى بذلك ثمّ يدّعيه فإنّه كلابس ثوبي زور. كيف سمح عمر بن الخطّاب لنفسه بترديد تلك العبارة أمام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكأنّه لم يعط الدّنيّة في دينه؟! أوليس هو الذي فرّ مرّة بعد مرّة تاركا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين يدي الأعداء عرضة للقتل؟ أليس هذا من الدّنيّة؟ وهل هناك دنيّة على المسلم أعظم من فراره من المشرك؟ ألم يشهد على نفسه بالفرار يوم أحد؟ ألم يشبه نفسه بالأروى في قوله: (أنزو كأنني أروى)؟ فكيف صار لا يعطي الدنية في دينه؟ إنّ الذي لا يعطي الدّنيّة في دينه لا يسلم نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للقتل، ولا يفكّر في نجاة نفسه قبل نجاة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي هو أولى به من نفسه! وما أقبح بالمسلم أن يفرّ من المشرك بعد أن وعده الله تعالى إحدى الحسنين. وما أقبح به ذلك بعد أن عاهد الله تعالى ألا يفرّ من الزّحف( وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْؤُولاً ) (2) .

ورووا أنّ رسول الله (لما كان دوين بدر(3) أتاه الخبر بمسير قريش فأخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمسيرهم واستشار الناس، فقام أبوبكر فقال فأحسن! ثمّ قام عمر فقال فاحسن ثمّ قال: يا رسول الله، إنّها قريش وعزّها! والله ما ذلّت منذ عزّت، ولا آمنت منذ كفرت، والله لا تسلم عزّها أبدا، ولتقاتلنّك، فاتّهب لذلك أهبته وأعد عدته)(4) ..

____________________

(1) تفسير البغوي، ج 1 ص 313.

(2) الأحزاب: 15.

(3) أي دون بدر بقليل.

(4) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ج 14 ص 112.


أقول:

ما هو القول الحسن الذي قاله أبوبكر ولم يحفظه الرّواة؟ وما هو القول الحسن الذي قاله عمر قبل أن يبدأ بتخويف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتثبيط العزائم وتعظيم شأن قريش؟! حقيقة ذلك نجدها في صحيح مسلم ومسند أحمد بن حنبل: عن ثابت عن أنس أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث بلغه إقبال أبي سفيان قال فتكلّم أبوبكر فأعرض عنه! ثم تكلّم عمر فأعرض عنه! فقام سعد بن عبادة فقال: إيّانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لأخضناها)(1) . وليس في الرواية (فقام أبوبكر فقال فأحسن! ثمّ قام عمر فقال فأحسن)، وإنّما فيها أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعرض عنهما جميعا، عن أبي بكر أوّلا ثم عن عمر بعد ذلك. وانطلاقا من هذه الرواية أقول:

إذا كان كلام أبي بكر حسنا فلماذا أعرض عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! ومتى أعرض بسطاء المتخلّقين عن الحديث الحسن فضلا عن صاحب الخلق العظيم؟! وقد نقلوا كلام عمر لكون الكلمات النّابية كثيرة في حديثه، لكنهم حذفوا كلام أبي بكر خشية أن يختلّ الترتيب المعلوم فتسقط ورقة التّوت!

ويوم بدر كان لعمر موقف مشابه، وكان يريد قتل العبّاس بن عبد المطلب، والعباس لم يحارب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مكّة لا بيد ولا بلسان. فقد استشار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم النّاس في الأسرى يوم بدر فقال: إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس. فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم فأعرض عنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ عاد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال للنّاس مثل ذلك فقام أبو بكر الصديقرضي‌الله‌عنه فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء. قال:

____________________

(1) صحيح مسلم، ج 5 ص 170، ومسند أحمد، ج 3 ص 219 و 220 وص 243 و 257 ومستدرك الحاكم، ج 3 ص 253 والبداية والنهاية ج 3 ص 263 والدر المنثور ج 4 ص 20 ودلائل النبوة ج 3 ص 107 وتاريخ الإسلام ج 2 ص 106.


فذهب عن وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما كان فيه من الغم..(1) .

فالحديث يصرّح أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعرض عنه مرّتين ويصرّح أيضا أنّ فعل عمر بن الخطاب تسبّب في ظهور الغمّ على وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا يعني أنه آذاه!

قال ابن تيمية: وكلّ من كان عالما بالصّحابة يعلم أنّ عمررضي‌الله‌عنه كان متأدّبا معظّما بقلبه لأبي بكررضي‌الله‌عنه شاهدا أنّه أعلى منه إيمانا ويقينا، فكيف يكون حال عمر وغيره مع النبيّرضي‌الله‌عنه ، وإذا كان هذا حال أفضل المحدّثين المخاطبين فكيف حال سائرهم(2) .

أقول:

لابن تيمية الحقّ في أن يقول ما شاء، لكن ليس ل الحقّ أن يفرض على النّاس ما لا دليل على صحّته، ويكفي لبيان سوء أدب من ذكرهم بحضرة الرّسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما جرى يوم الحديبية بين أبي بكر وعروة بن مسعود الثّقفي، وتلك الكلمة القبيحة المستهجنة التي قالها أبوبكر بمحضر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يرع له حرمته، إضافة إلى كلمة سلمة بن وقش قبله يوم بدر.

قال ابن القيّم: وذكر ابن الهادي عن محمّد بن إبراهيم التّيمي قال: قال عمر بن الخطّاب: (إياكم والرّأي فإنّ أصحاب الرّأي أعداء السّنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلّتت منهم أن يحفظوها فقالوا في الدّين برأيهم). وقال الشّعبي عن عمرو بن حريث قال: قال عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه : (إيّاكم وأصحاب الرّأي فإنّهم أعداء السّنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرّأي، فضلّوا وأضلّوا)(3) . وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصّحّة. وروى محمّد بن عبد السّلام الخشني عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: (أيّها النّاس اتّهموا الرّأي في الدّين فلقد

____________________

(1) مسند أحمد بن حنبل ج 3 ص 243 ومجمع الزوائد الهيثمي ج 6 ص 87 والسيرة الحلبية ج 2 ص 448 والبداية والنهاية ج 3 ص 296 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 326. وتفسير ابن كثير ج 2 ص 326 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 326.

(2) العقيدة الاصفهانية، ابن تيمية، ج 1 ص 157.

(3) سنن الدارقطني ج 4 ص 146، وفتح الباري ج 13 ص 289، وجامع بيان العلم وفضله ج 2 ص 135 والاحكام لابن حزم ج 6 ص 213 والمدخل إلى السنن الكبرى ج 1 ص 190.


رأيتني وإنّي لأردّ أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برأيي فأجتهد ولا آلو وذلك يوم أبي جندل والكتاب يكتب وقال: أكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا: يكتب باسمك اللهمّ فرضي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبيت فقال: يا عمر تراني قد رضيت وتأبى(1) ..؟!

يقول عمر بن الخطّاب رضي رسول اللهرضي‌الله‌عنه وأبيت، وكأنّه شريك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رسالته! ويقول القرآن الكريم.( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً ) . فكأنّ عمر بن الخطاب لا يعلم أنّ من يخالف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ضلال مبين. وانظر إلى قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تراني رضيت وتأبى وتدبّر!! فإن يكن هذا وقع بعد نزول سورة الحجرات فهو تمرّد من جهة عمر، لقوله تعالى( لاَ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرسُولِهِ ) (3) وإلاّ فهو سوء أدب.. ولا يفوت المتتبع أنّ عمر أوّل من فتح باب الرّأي بشهادة الصحابة. روى البخاري في صحيحه.

عن عمران رضي الله عنه قال تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل القرآن قال رجل برأيه ما شاء(4) . والحديث موجود أيضا في صحيح مسلم وسنن النسائي وغيرهما.

وعن عبد الله بن سلام قال: لما أراد الله تعالى هدي زيد بن سعنة قال زيد بن سعنة: ما من علامات النبوة شيء إلاّ وقد عرفتها في وجه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه يسبق حلمه جهله ولا يزيده شدّة الجهل عليه إلاّ حلما؛ فكنت ألطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه من جهله. قال زيد بن سعنة: فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوما من الحجرات ومعه علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه عنه فأتاه رجل على راحلته

____________________

(1) إعلام الموقعين، ابن القيم، ج 1 ص 55.

(2) الأحزاب: 36.

(3) الحجرات: 1.

(4) صحيح البخاري، ج 2 ص 569 رقم 1496. وصحيح البخاري ج 4 ص 1642 وصحيح مسلم ج 2 ص 900 وسنن النسائي الكبرى ج 6 ص 300 وسنن الدارمي ج 2 ص 55 ومسند أحمد بن حنبل ج 4 ص 429 والمعجم الكبير ج 18 ص 123 وتهذيب الكمال ج 26 ص 581.


كالبدوي فقال: يا رسول الله إنّ قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإسلام وكنت حدّثتهم إن أسلموا أتاهم الرّزق وأصابتهم سنة وشدّة وقحط من الغيث، فأنا أخشى يا رسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعا كما دخلوا فيه طمعا؛ فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تعينهم به فعلت. فنظر إلى رجل إلى جانبه أراه عليّا فقال: يا رسول الله، ما بقي منه شيء. قال زيد بن سعنة: فدنوت إليه فقلت: يا محمّد هل لك أن تبيعني تمرا معلوما من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا؟ فقال: لا يا يهودي، ولكنّي أبيعك تمرا معلوما إلى أجل كذا وكذا ولا يسمي حائط بني فلان قلت: نعم. فبايعني فأطلقت همياني فأعطيته ثمانين مثقالا من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا فأعطاها الرّجل فقال: أعجل عليهم وأعنهم بها. قال زيد بن سعنة: فلمّا كان قبل محلّ الأجل بيومين أو ثلاثة أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ فقلت له: ألا تقضيني يا محمّد حقّي؟ فو الله ما علمتكم يا بني عبد المطّلب لمطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم، ونظرت إلى عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه وإذا عيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير ثمّ رماني ببصره وقال: يا عدوّ الله! تقول لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما أسمع وتصنع به ما أرى؟ فو الذي بعثه بالحقّ لو لا ما أحاذر قوّته لضربت بسيفي رأسك، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسّم ثمّ قال: يا عمر، أنا وهو كنّا أحوج إلى غير هذا، أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التّباعة. اذهب يا عمر فأعطه حقّه وزده عشرين صاعا من تمر مكان ما رعته)(1) .

أقول:

قول النبيرضي‌الله‌عنه رعته صريح في أنّ عمر عنّف الرّجل بمحضره الشّريف، وهذا أمر غير مقبول، ولو كان مقبولا لما نزل قرآن يقول( لاَ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرسُولِهِ ) ، غير أنّ عمر لم يلتفت إلى هذه الآية أبدا، وقد بقي يقدم بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى كان ما كان في رزية الخميس. والمغزى الثاني يستشفّ من قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (أنا وهو

____________________

(1) الأحاديث الطوال، الطبراني ص 23.


كنّا أحوج إلى غير هذا) وهذا يعني أنّ عمر جانب الصواب وتسكّع في الخطإ! ثمّ انظر إليه يقول: (لضربت بسيفي رأسك) وسائل نفسك أين كان هذا السّيف يوم أحد ويوم خيبر ويوم حنين ويوم الأحزاب؟!!

وفي تفسير الزمخشري: كتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف: لا يعشرون ولا يحشرون فقالوا: ولا يجبون. فسكت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم قالوا للكاتب: اكتب: ولا يجبون، والكاتب ينظر إلى رسول الله فقام عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه فسلّ سيفه وقال: أسعرتم قلب نبيّنا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم نارا! فقالوا: لسنا نكلّم إيّاك، إنّما نكلّم محمّد!. فنزلت( وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) (1) .

أقول:

وأنت ترى كيف تعاملوا معه ببرود بعد أن سلّ سيفه لعلمهم أنّ سيفه وسيفا من خشب بمنزلة واحدة. وقالوا له ببساطة ووضوح: (لسنا نكلّم إيّاك)، لأنّ ثقافة الكرسيّ لم تكن يومها قد أحاطت به تلك الهالة! ثمّ ما أسهل سلّ السيوف خارج ميدان الحرب!

قال ابن عاشور: وفي كلام عمر بن الخطّاب في صحيح البخاريّ أنّه قال للنّسوة اللاتي كنّ بحضرة النّبيّ فلمّا دخل عمر ابتدرن الحجاب لما رأينه يا عدوّات أنفسهن(2) .

وفي حديث عمر بن الخطّاب أن رجلا جاء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسأله أن يعطيه فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما عندي شيء ولكن ابتع عليّ فإذا جاءني شيء قضيته، فقال عمر: يا رسول الله ما كلّفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قول عمر. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا. فتبسّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعرف في وجهه البشر لقول الأنصاري ثمّ قال: بهذا أمرت. رواه الترمذي في كتاب الشمائل(3) .

____________________

(1) الكشاف، الزمخشري، ج 1 ص 692 والتفسير الكبير، الرازي، ج 21 ص 17.

(2) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 1 ص 1005.

(3) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 1 ص 4430.


أقول:

النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي يبيّن للنّاس ما كلّفهم الله تعالى وما لم يكلّفهم، لأنّه أعلم بذلك، وليس لهم أن يبيّنوا له شيئا، لأنّهم بين يديه بمنزلة الأعمى بين يدي البصير. لكنّ عمر لا يكتفي بالتدخّل في ما لا يعنيه مع الآخرين، بل يسمح لنفسه أن يشير على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما لا يليق، وذلك واضح في قول الراوي فكره النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قول عمر. وهذه الواقعة دليل على بعد عمر بن الخطّاب من الكرم والسّخاء. وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذا أمرت يعني أنه خلاف ما ذهب إليه عمر بن الخطاب المحدّث، فيبدو أن خطّ الاتصال هذه المرة كان منقطعا، فانتهزها الشيطان وقذف على سان عمر ما قذف.

وفي معجم الطبراني عن نافع عن ابن عمر عن عمررضي‌الله‌عنه أنّه قال: يا أيّها النّاس اتّهموا الرّأي على الدّين، فلقد رأيتني أردّ أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برأيي اجتهاد فو الله ما آلو عن الحقّ وذلك يوم أبي جندل والكتاب بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل مكّة فقال اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا ترانا قد صدّقناك بما تقول؟ ولكنّك تكتب باسمك اللّهمّ، فرضي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبيت حت قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تراني أرضى وتأبى أنت؟ قال: فرضيت(1) .

أقول:

تأمّل قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (تراني أرضى وتأبى أنت) يتبيّن لك أنّ الرجل يتصرّف وكأن له وصاية على الإسلام، بل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضا، وإلاّ فأي معنى لاعتراضه بعد أن رضي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن هو؟ ومن الذي أذن الله أن يتكلم باسم المسلمين ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حي يرزق في هذه الدنيا؟

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمر إذ نهى النّساء عن البكاء: دعهنّ يا عمر، فإنّ النّفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب.

____________________

(1) المعجم الكبير، الطبراني، ج 1 ص 72 رقم 82.


أقول:

انظر كيف يتصرّف بحضرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دون استئذان(1) . وفي قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (النّفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب) إشارة إلى أن عمر غافل عن الإحساس بهذه الأمور، ولهذا هجم فيما بعد على بيت فاطمة عليها السلام والنّفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب!

قال ابن حبان: فلما طلع (سعد بن معاذ) على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قوموا إلى سيدكم فأنزلوه. قال عمر: سيدنا الله! قال أنزلوه فأنزلوه فقال له: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم احكم فيهم قال: فإنّي أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم وتقسم أموالهم. قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لقد حكمت فيهم بحكم الله ورسوله(2) .

أقول:

إنّما قال عمر سيدنا حسدا لسعد بن معاذ، فإنّ سيادة يشهد بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير مدفوعة، وقول عمر سيدنا الله يوهم أنّ غير الله لا يوصف بالسّيادة وهو اعتقاد غير صحيح بدليل قوله تعالى:( وَسَيّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصّالِحِينَ ) (3) وقوله تعالى( وَأَلْفَيَا سَيّدَهَا لَدَى الْبَابِ ) (4) . على أنّهم نسبوا إلى عمر قوله (أبوبكر سيّدنا أعتق بلالا سيدنا)(5) . فكيف ينفرد الله تعالى بالسيادة حينما تنسب السيادة إلى سعد بن معاذ ثم يشاركه فيها أبوبكر وبلال وصاحب القولين واحد؟! لكن الذي لا شك فيه هو أنّ عمر بن الخطاب لم تطب نفسه للأنصار يوما من الأيام ولا أدلّ على ذلك من قصة غلامه والغلام الأنصاري والهتاف المفرّق يومها حتى تدخّل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنفسه وقال قولته الشّهيرة: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم)؟!

____________________

(1) الاستذكار، ج 3 ص 71.

(2) صحيح ابن حبان، ج 15 ص 500.

(3) آل عمران: 39.

(4) يوسف: 25.

(5) سير أعلام النبلاء الذهبي ج 1 ص 349 والرياض النضرة محب الدين الطبري ج 2 ص 24 والصواعق المحرقة ابن حجر الهيتمي ج 1 ص 196.


قال السيوطي: وأخرج ابن جرير والطبراني من طريق ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير أنّ الأقرع بن حابس قدم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال أبوبكر: يا رسول الله استعمله على قومه! فقال عمر: لا تستعمله يا رسول الله! فتكلّما عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى ارتفعت أصواتهما، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلاّ خلافي، قال: ما أردت خلافك! فنزلت هذه الآية( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ ) (1) فكان عمر بعد ذلك إذا تكلّم عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه.

أقول:

بل رفع صوته يوم كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لى فراش الموت بقوله (غلبه الوجع) و (إنّه يهجر) على رواية أخرى، وقد تفنّن المدافعون عنه في محاولة التبرير والتوجيه، واختاروا أن يكونوا في صفّه على أن يكونوا في صف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ..

وعن نافع يعنى ابن عمر عن بن أبي مليكة قال ابن الزبير فما كان عمر يسمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه يعنى قوله تعالى( لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ ) (2) .

قال ابن كثير: ثمّ أتى [عمر] رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: بلى. قال: أو لسنا مسلمين؟ قال: بلى. قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام تعطي الدّنيّة في ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيّعني؛ وكان عمررضي‌الله‌عنه يقول: ما زلت أصوم وأتصدّق وأصلّي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافةكلامي الذي تكلّمته يومئذ حتّى رجوت أن يكون خيرا(3) .

أقول:

هذا اعتراف منه أنّه كان يومها على خطإ لكنّه - مع بالغ الأسف - بقي يخالف

____________________

(1) الحجرات: 2.

(2) مسند أحمد بن حنبل ج 4 ص 4 تحت رقم 16151.

(3) البداية والنهاية، ج 4 ص 168.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته كما خالفه بعد وفاته، وخرج من الدّنيا مصرّا على مخالفته!

وتعجّب عمر من فصاحة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال له: يا رسول الله مالك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: كانت لغة إسماعيل قد درست فجاء بها جبريل عليه السلام فحفّظنيها فحفظتها(1) .

أقول:

أين عمر بن الخطّاب من تدبّر قوله تعالى( وَعَلّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) ؟ وما أيسر لغة إسماعيل في جنب ما علّم تعالى الله نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وروى النسائي وفي خصائص أمير المؤمنين عليه السلام أنّه كان لنفر من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوما: سدّوا هذه الأبواب إلا باب عليّ. فتكلّم في ذلك النّاس، فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّي أمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب عليّ، وقال فيه قائلكم، والله ما سددته ولا فتحته ولكنّي أمرت فاتّبعته(2) .

أقول:

ما معنى تكلّم الناس؟ ومن هؤلاء الناس الذين تكلموا؟ قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال فيه قائلكم صريح في أنّ أفعاله وتصرّفاته التي يفترض أنّها أقسام السّنّة (القول والفعل والتّقرير) كانت محلّ انتقاد بعض الصّحابة، فمن هم بالذّات؟ الرّواية لا تسمّيهم بأسمائهم، لكنّ القرائن المنفصلة تشخّصهم لكلّ من تتّبع سيرة من كثرت اعتراضاتهم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وقد كان النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يردّ عليهم ويخطّئهم، ويبيّن لهم وجه الخطإ، ومع ذلك فقد استمرّوا في انتقاد تصرّفاته بدليل قول قائلهم أو قائليهم في تأميره أسامة بن زيد على جيش فيه جلّة المهاجرين والأنصار، وهناك أيضا خرج

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق ج 53 ص 103 والخصائص الكبرى ج 1 ص 108 وج 2 ص 308 جزء ابن غطريف ج 1 ص 94 والشمائل الشريفة ج 1 ص 45.

(2) خصائص أمير المؤمنين، ص 73.


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجرّ رجليه إلى المسجد وخطب فيهم وخطّأهم في ما ذهبوا إليه، ولكن ما تغني الآيات والنّذر...

أشرف أبو سفيان (يوم أحد) فقال(1) : أفي القوم محمّد؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تجيبوه فقال: أفي القومابن أبي قحافة؟ قال: لا تجيبوه فقال: أفي القومابن الخطّاب؟ فقال: إنّ هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخزيك قال أبو سفيان: أعل هبل...(2) .

أقول:

قوله لم يملك عمر نفسه يعني غلبته نفسه وهذا يعني أنّ رصيده في جهاد النفس قريب من الصّفر خصوصا بعد أن قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تجيبوه ولا خلاف بين المسلمين في وجوب العمل بقوله تعالى( وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) فعمر بن الخطاب في المقام مخالف لله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

نماذج من اعتراضات عمر على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

اعتراضات عمر بن الخطّاب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كثيرة، اعترض عليه في حياته، وخالفه بعد وفاته، ويبقى المسلم متحيّرا في مبرّرات تلك الاعتراضات؛ هل كان عمر بن الخطاب شريكا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رسالته؟ هل كان لعمر بن الخطاب اتّصال بالسّماء أقوى من اتّصال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ هل كان عمر أحرص على الإسلام والمسلمين من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد قول الله تعالى( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ

____________________

(1) صحيح البخاريّ ج 4 ص 1486.

(2) وقد ورد بخصوص هذه القصّة ما يخالف ما جاء في البخاريّ وذلك في المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 324: فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل أعل هبل أعل هبل! يعني آلهته. أينبن أبي كبشة أين بن أبي قحافة أين بن الخطّاب فقال عمر يا رسول الله ألا أجيبه قال: بلى فلما قال أعل هبل قال عمر: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: يا ابن الخطّاب، إنّه يوم الصّمت. فعاد فقال: أين ابن كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين بن الخطّاب؟ فقال عمر: هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهذا أبو بكر وها أنا ذا عمر! فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دول والحرب سجال. فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النّار. قال: إنّكم لتزمون ذلك، لقد خبنا إذا وخسرنا. ثمّ قال أبو سفيان: أما إنّكم سوف تجدون في قتلاكم مثلة، ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. ثم أدركته حميّة الجاهليّة فقال: أما إنه إذا كان ذلك لم نكرهه. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.


عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) ؟ ومن حقّ الباحث المسلم - أو الباحث غير المسلم إن كان الإسلام يحرّم البحث في أحوال عمر - أقول: من حقّه أن يتوقّف عند هذا ويتأمّل. ومع أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يغضب من تصرّفات عمر ويخطّئه في تلك الوقائع والأحداث إلاّ أنّ عمر تمادى في الاعتراضات حتى آخر لحظة من عمر النبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكأنّه لم يقرأ قوله تعالى( لاَ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرسُولِهِ ) ولا قوله تعالى( مَن يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ ) (1) ولا قوله تعالى( فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (2) ولا قوله تعالى( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً ) (3) وآيات كثيرة في هذا الباب؛ لابدّ أنّ عمر بن الخطّاب قرأها ولو مرّة، لكنّ الذي لا شكّ فيه أنّه لم يتدبّر الآيات ولم يفهم معانيها. ولو أنّه فهمها لأثمر ذلك الفهم طاع بدل المخالفة، وانقيادا بدل الاعتراض، وتسليما تامّا بدل الجدال.

ولم يترك عمر مخالفته للنبي بعد وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهذا القوشجيّ الحنفيّ يذكر في شرح التّجريد في مبحث الإمامة ما نصّه أنّ عمر قال وهو على المنبر: أيّها النّاس ثلاث كنّ على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا أنهى عنهنّ وأحرّمهنّ وأعاقب عليهنّ: متعة النّساء. ومتعة الحجّ. وحيّ على خير العمل. ثمّ راح القوشجيّ يبرّر فعل عمر ويلتمس له العذر إذ يعتبره في ذلك مجتهدا فقال: إن ذلك ليس مما يوجب قدحا فيه فإن مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع(4) .

يقول القوشجي: (مخالفة المجتهد لمثله)! وإذا، فرسول الله وعمر مثلان! هذا رأي متكلّمين من أهل القبلة في رجلين أحدهما بشّرت به الأنبياء والكتب السماوية(5) ،

____________________

(1) النساء: 80.

(2) النور: 63.

(3) الأحزاب: 36.

(4) شرح تجريد الاعتقاد، القوشجي، ص 484.

(5) في قوله تعالى:( إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنّ بِهِ وَلَتَنصُرُنّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِنَ الشّاهِدِينَ * فَمَن تَوَلّى‏ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (آل عمران 81 - 82).


والثاني عبد الصّنم أكثر من ثلاثين سنة، يقولون عنهما (مثلان)!

وروى البخاريّ في صحيحه عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس قال: لما اشتدّ بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه قال ائتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده قال عمر: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غلبه الوجع [!](1) وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللّغط قال: قوموا عنّى ولا ينبغي عندي التّنازع فخرج ابن عبّاس يقول: إنّ الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين كتابه الكتاب(2) .

وفي رواية بكى ابن عبّاس حتى خضب دمعه الحصباء فقال: اشتدّ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه فقال: أتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا. فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي التّنازع فقالوا: هجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (3) .

أقول:

من هم الذين قالوا؟ وهل يجوزلهم أن يقولوا مثل هذا؟ ولماذا لم يردّ عليهم أحد؟

قال ابن إسحاق: وحدّثني الزّهري، قال حدّثني أنس بن مالك قال: لمّا بويع أبوبكر في السّقيفة وكان الغد، جلس أبوبكر على المنبر، فقام عمر فتكلّم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال: أيّها النّاس، إنّي كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت ممّا وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكنّي قد كنت أرى [!] أن رسول الله سيدبّر أمرنا، يقول: يكون آخرنا، وإنّ الله قد أبقى في كم كتاب الذي به هدى الله رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإنّ الله قد جمع أمركم على خيركم(4) صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثاني اثنين إذ هما في

____________________

(1) ما دخل الوجع بعد قوله تعالى:( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ) ، وهل يريد عمر أن يقول: إن الوجع بلغ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحيث لم يعد يدري ما يقول؟

(2) صحيح البخاري، ج 1 ص 36 - 37 كتاب العلم، باب كتابة العلم.

(3) صحيح البخاريّ، ج 5 ص 137. ورواه مسلم أيضا في كتاب الوصية - باب ترك الوصية.

(4) هذا كلام باطل بدليل قول جبريل لرسول الله في تبليغ براءةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يبلغ عنك إلا أنت أو رجل منك، فلو كان أبوبكر خير الناس بعد رسول الله لما قال جبريل ذلك القول؛ فأبو بكر ليس من رسول الله فضلا عن أن يكون أفضل =


الغار فقوموا فبايعوه، فبايع النّاس أبابكر بيعة العامّة، بعد بيعة السّقيفة(1) .

أقول: إذا كان عمر يرى أن رسول الله سيدبّر أمرهم، فلماذا يقول: (حسبنا كتاب الله)، ما معنى (حسبنا كتاب الله) حين يكون رسول الله بين أظهرهم يدبّر أمرهم؟!

قال ابن كثير: وروى الإمام أحمد عن زهرة بن معبد عن جدّه قال: كنّا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطّاب فقال: والله يا رسول الله لأنت أحبّ إليّ من كلّ شيء إلاّ من نفسي! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه). فقال عمر: فأنت الآن والله أحبّ إلي من نفسي فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (الآن يا عمر)(2) .

نفس عمر أحبّ إليه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإذا كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أصبح أحبّ إليه من نفسه فكيف طابت نفسه بالفرار عنه في المعارك وتركه بين أيدي الأعداء؟! وانظر إلى قولهم وهو آخذ بيد عمر بن الخطّاب يتبين لك بعد مكرهم في ما يرومون من اختلاق حميمية تمكّنهم من التّلاعب بمشاعر النّاس. ولنفرض أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقل في ذلك المقام (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه)، هل كان عمر بن الخطاب و غير رأيه ويقول: (بل أنت أحب إلي من نفسي يا رسول الله)؟

وههنا عبارة لابن حزم تستحقّ أن يتوقّف عندها الباحثون، فإنّه ذكر رواية يصعب العثور عليها في أيّامنا، ولأنّ الراوي موثّق عند غير ابن حزم فإنّ المرء يبقى متحيذرا في المسألة. قال ابن حزم: وأمّا حديث حذيفة فساقط لأنّه من طريق الوليد بن جميع وهو هالك، ولا نراه يعلم من وضع الحديث، فإنّه قد روى أخبارا فيها أنّ أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاصرضي‌الله‌عنه أراوا قتل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلقاءه من العقبة

____________________

= الخلق بعده!

(1) سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ابن هشام الحميري، ج 4 ص 1074.

(2) مختصر ابن كثير، ج 2 ص 159.


في تبوك وهذا هو الكذب الموضوع الذي يطعن الله تعالى واضعه فسقط التعلق به(1) .

والكلام حول الرواية أين ذهبت، لأنّها كانت موجودة على عهد ابن حزم، وليس رواية واحدة، فإنّه يقول روى أخبارا!

وقد ختم عمر بن الخطاب سيرته مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشيء يخالف قوله فأنت الآن والله أحبّ إلي مننفسي. فعن عائشة قالت: ما علمنا بدفن رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى سمعنا صوت المساحي من جوف اللّيل ليلة الأربعاء، وصلّى عليه علي والعبّاسرضي‌الله‌عنه وبنو هاشم، ثم خرجوا ثم دخل المهاجرون ثم الأنصار ثمّ النّاس يصلّون عليه(2) . والمتتبع للروايات التي تتحدث عن دفنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يجد أثرا لعمر بن الخطاب، فأين كان عمر؟ وإذا كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحبّ إليه من نفسه فكيف غاب عن دفنه؟

مع أهل البيت عليهم السلام

قال أبو الفداء: فأقبل عمر بشيء من نار على أن يضرم الدّار فلقيته فاطمة وقالت: (غلى أين يا ابن الخطّاب؟ أجئت لتحرق دارنا؟). قال: نعم أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمّة! فخرج عليّ حتّى أتى أبابكر فبايعه. كذا نقله القاضي جمال الدّين بن واصل وأسنده إلى ابن عبد ربّه المغربيّ(3) .

أقول: ابن عبد ربّه المغربيّ (الأندلسي) صاحب منظومة في تاريخ الخلفاء حذف فيها من قائمة الخلفاء الرّاشدين علي بن أبي طالب عليه السلام وجعل مكانه معاوية(4) ، فهل

____________________

(1) المحلى، ابن حزم، ج 11 ص 224.

(2) سنن البيقهي الكبرى ج 3 ص 409 ومصنف ابن أبي شيبة ج 3 ص 32 ومسند إسحاق بن راهويه، ج 2 ص 429 ومسند أحمد بن حنبل ج 6 ص 62 وج 6 ص 274 والتمهيد لابن عبد البر، ج 24 ص 396 والتمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 401 وشرح الزرقاني ج 2 ص 93 والاستيعاب، ج 1 ص 47 والطبقات الكبرى، ج 2 ص 305 ونصب الراية، ج 2 ص 305 والمبدع ج 2 ص 271 والاستذكار، ج 3 ص 56 وشرح معاني الآثار ج 1 ص 514 ونيل الأوطار ج 4 ص 137 وتاريخ الطبري ج 2 ص 239.

(3) تاريخ أبي الفداء، ج 18 ص 87.

(4) قال المقري التلمساني في ترجمة خلف بن فتح الجبيريّ: (وعليه نزل القاضي منذر بن سعيد بطرطوشة وهو يومئذ يتولى القضاء في الثغور الشّرقيّة قبل أن يلي قضاء الجماعة بقرطبة فأنزله في بيته الذي كان يسكنه فكان إذا تفرّغ نظر في كتاب أبي على يديه كتاب فيه أرجوزة ابن عبد ربّه يذكر فيها الخلفاء ويجعل معاوية رابعهم ولم يذكر عليّا فيهم ثمّ وصل ذلك بذكر الخلفاء من بني مروان إلى عبد الرحمن بن محمد فلما رأى =


يتوقّع منه غير أن يدخل في القصّة ما ليس منها ويدّعي أنّ عليّا عليه السلام بايع أبابكر؟ 1

قال ابن قتيبة في ترجمة عقيل ابن أبي طالب: له دار بالبقيع واسعة كثيرة الأهل، وكان عقيل قذف رجلا من قريش فحدّه عمر بن الخطّاب(1) .

أقول:

من هو الرجل من قريش الذي قذفه عقيل بن أبي طالب؟

معلوم أنّ عقيلا كان نسّابة، عالما بأنساب العرب وقريش خاصّة وهذا ما يسمح له أن يميّز الصريح من اللّصيق، فلا عجب أن تكون لديه قوائم!!

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السديّ في قوله تعالى( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ .. ) الآية قال: غضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوما من الأيّام فقام خطيبا فقال: سلوني فإنّكم لا تسألوني عن شيء إلاّ أنبأتكم به فقام غليه رجل من قريش من بني سهم يقال له عبد الله بن حذافة - وكان يطعن فيه - فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال: أبوك فلا فدعاه لأبيه. وقام إليه عمر فقبّل رجله [!] وقال: يا رسول الله، رضينا بالله ربّا، وبك نبيّا، وبالقرآن إماما، فاعف عنّا عفا الله عنك؛ فلم يزل به حتّى رضي. فيومئذ قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر وأنزل عليه( قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ ) (2) .

أقول: يوما يقبّل رجله ويوما يلبّبه بتلابيبه! وتلك الأمثال نضربها للناس..، وهو تصرّف عجيب من عمر بن الخطّاب، ومن حقّ كل من يطّلع على هذا الخبر أن يتساءل عن مسارعة عمر إلى تقبيل رجل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! هل كان عمر يخشى أن يقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا يتعلّق بعمر ممّا لا يحبّ عمر أن يطّلع عليه النّاس؟ ولعلّ ذلك ما تشير إليه القصّة كما وردت في مصنّف ابن أبي شيبة فقد ذكر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: سلوني،

____________________

= ذلك منذر غضب وسبّ ابن عبد ربّه وكتب في حاشية الكتاب:

أو ما عليّ - لا برحت ملعّنا - يا ابن الخبيثة عندكم بإمام

ربّ الكساء وخير آل محمّد داني الولاء مقدّم الإسلام

قال أبو عبيد والأبيات بخطّه في حاشية كتاب أبي إلى السّاعة. (نفح الطيب المقري، ج 2 ص 984).

(1) المعارف، ابن قتيبة، ص 204.

(2) الدر المنثور، ج 3 ص 205.


فو الله لا تسألوني عن شيء إلاّ أنبأتكم به؛ قال فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله أفي الجنّة أنا أم في النّار؟ قال: لا، بل في النّار. قال: فقام إليه آخر فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال: أبوك حذافة. قال فقام إليه آخر فقال: أعلينا الحجّ في كل عام؟ قال: لو قلتها لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ولو لم تقوموا بها لهلكتم. قال فقام عمر بن الخطّاب فقال: رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رسولا. يا رسول الله، كنّا حديثي عهد بجاهليّة، فلا تبد سوءاتنا ولا تفضحنا لسرائرنا، واعف عنّا عفا الله عنك قال فسري عنه(1) .

لكنّ ابن أبي شيبة حذف من القصّة تقبيل رجل النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما حذف غيره عبارة سوءاتنا، ومثل هذا كثير في تراثنا الذّهبي، تراث ثقافة الكرسي.

ثمّ ههنا كلام وهو أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لهم: (فإنّكم لا تسألونني عن شيء إلاّ أنبأتكم به) فلماذا لم يسألوه عن الخليفة الشّرعيّ من بعده؟! أم أنّ هذه القضيّة لم تكن مهمّة في نظرهم؟!

وعن أمّ الفضل أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام ليلة بمكّة فقال: هل بلّغت؟ يقولها ثلاثا، فقام عمر بن الخطّاب - وكان أوّاها - فقال: اللّهمّ نعم، وحرصت وجهدت ونصحت فاصبر(2) .

وكان بين عمر بن الخطّاب وبين العبّاس قول فأسرع إليه العبّاس، فجاء عمر النّبيّ فقال: يا نبيّ الله، ألم تر عبّاسا فعل بي وفعل بي، فأردت أن أجيبه فذكرت مكانه منك فكففت عنه! فقال: يرحمك الله إنّ عمّ الرجل صنو أبيه(3) .

أقول: قد عرف العبّاس برجاحة العقل والتّأنّي والتّروّي كما عرف عمر بالتّسرّع والغلظة والجفاء؛ فإن كان عمر صادقا في عرفانه مكان العبّاس من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فما باله لم يعرف مكان فاطمة عليها السلام يوم هجم على بيتها وهدّد بتحريق البيت عليها؟! وما باله

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 323.

(2) مختصر ابن كثير، ج 1 ص 203.

(3) تفسير الصنعاني، ج 2 ص 331.


لم يعرف مكان علي عليه السلام أيضا؟! وليس العبّاس أقرب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهما. وليت عمر شرح ما حصل بدل قوله: (ألم تر عبّاسا فعل بي وفعل بي)، اللّهم إلا أن يكون الإبهام والتّعتيم من الرّواة. ثمّ لا يخفى على القارئ ما في كلام عمر من المنّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ولعلّ ما حدث في هذه القصّة سبّب موقف عمر من العباس في ما بعد يوم جاءه يكلّمه عن البحرين(1) .

قال النّحّاس (بخصوص صلح الحديبية): وفيه من المشكل أنّه قاضاهم على أنّه من جاءه منهم مسلما ردّه إليهم، حتى نفر جماعة من الصّحابة من هذا منهم عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه حتّى ثبّته أبوبكررضي‌الله‌عنه ؛ وتكلّم العلماء في هذا الفعل، فمنهم من قال فعل النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا لقلّة أصحابه وكثرة المشركين وأنّه أراد أن يشتغل بغير قريش حتى يقوى أصحابه(2) .

أقول: لا يسلّم لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من لم يفهم قوله تعالى( فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّى‏ يُحَكّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيماً ) (3) . وما أكبر حرج عمر في الواقعة السّابقة ووقائع أخرى!.

وعن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطّاب قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليصلّى عليه، فلما قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثبت إليه فقلت: يا رسول تصلّي على ابن أبيّ وقد قام يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ أعدّد عليه فتبسّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال أخّر عنّى يا عمر؛ فلمّا أكثرت عليه قال: إنّي قد خيّرت فاخترت فلو علمت أنّى لو زدت على السّبعين غفر له لزدت عليها؛ فصلّى عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ انصرف؛ فلم يمكث إلاّ يسيرا حتى نزلت الآيتان من

____________________

(1) في طبقات ابن سعد الكبرى، ج 4 ص 22: عن أبي جعفر محمد بن علي أن العباس جاء إلى عمر فقال له: إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقطعني البحرين. قال: من يعلم ذلك؟ قال: المغيرة بن شعبة. فجاء به فشهد له، قال لم يمض له عمر ذلك كأنّه لم يقبل شهادته، فأغلظ العبّاس لعمر؛ فقال عمر: يا عبد الله خذ بيد أبيك! وقال سفيان عن غير عمرو: قال عمر والله يا أبا الفضل لأنا بإسلامك كنت أسرّ منّي بإسلام الخطاب لو أسلم لمرضاة رسول الله.

(2) الناسخ والمنسوخ، النحاس، ج 1 ص 732.

(3) النساء: 65.


براءة( وَلاَ تُصَلّ عَلَى‏ أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً وَلاَتَقُمْ عَلَى‏ قَبْرِهِ إِنّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ) (1) ، فعجبت بعد من جرأتي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومئذ(2) .

وعن سالم بن عبيد الأشجعيّ قال: لما مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان من أجزع النّاس كلّهم عليه عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه .

أقول: لأجل ذلك لم يحضر لا غسله ولا دفنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! ولم يمنعه جزعه عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يهجم على بيت ابنته فاطمة عليها السلام ويهدّد بتحريقه بالنّار!

وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطّاب يقول أرسل إليّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمال فرددته، فلمّا جئته به قال ما حملك أن تردّ ما أرسلت به إليك؟ قال قلت: يا رسول الله أليس قد أخبرتنا أن خيرا لك ألاّ تأخذ من النّاس؟ قال: إنّما ذاك أن تسأل النّاس، وما جاءك من غير مسألة فإنّما رزق رزقه الله(3) .

أقول:

يتردّد هذا السؤال دائما في حوار عمر بن الخطّاب مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، (أليس قد قلت لنا؟ أليس قد قلت لنا؟ ومن يسمع هذا يتصوّر أنّه من دقّة عمر في اتّباع أوامر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونواهيه، والأمر على خلاف ذلك تماما. فإنّ الله تعالى أمر عمر بن الخطّاب وغيره من المسلمين أن يطيعوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دون أي قيد أو شرط ولم يفعل أكثرهم ذلك. ونهاه الله تعالى في سورة الحجرات أن يقدّم بين يدي الله ورسوله، ومع ذلك بقي يعترض على النبي حتى آخر عمره الشّريف ن كما مرّ بك في قصّة رزيّة الخميس التي منع فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كتابة كتاب يضمن للمسلمين ألاّ يضلّوا أبدا! وأمره الله تعالى بمودّة قربى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستبدل المودّة بالإرهاب وهدّد بتحريق أفضل بيت على الأرض. ونهاه الله تعالى أن يكون في صدره حرج مما يقضي به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومع ذلك

____________________

(1) التوبة: 84.

(2) سنن النسائي، ج 4 ص 67 و 68.

(3) مصنف ابن أبي شيبة، ج 4 ص 446 رقم 21975 وكنز العمال ج 6 ص 198 والتمهيد لابن عبد البر ج 4 ص 105 والتمهيد لابن عبد البر ج 5 ص 85 وشعب الإيمان ج 3 ص 280.


كان الحرج ظاهرا في أقواله وأفعاله. وأمور أخرى كثيرة.

قالوا: ثمّ قال [النبي] أشيروا عليّ، فقال عمر بن الخطّاب يا رسول الله، إنّها قريش وعزّها! والله ما ذلّت منذ عزّت ولا آمنت منذ كفرت! والله لتقاتلنّك فتأهّب لذلك أهبته وأعدد له عدّته(1) !.

أقول:

يأتي التّعليق على هذا وأمثاله لاحقا في فصل شجاعة عمر.

قال أنس: مرّت بعمر بن الخطّاب جارية متقنعة فعلاها بالدّرّة وقال: يا لكاع، أتتشبهين بالحرائر؟ ألقي القناع(2) .

أقول: أين الضّرر في أن تتقنّع جارية؟! وهل العفّة محصورة في الحرائر؟ وهل تستحقّ الجارية أن يعلوها بالدّرّة لمجرّد أنّها تقنّعت؟ كان يكفيه أن يقول لها: ألقي القناع، وتفهم إن لم تكن صمّاء! فما الحاجة إلى الضرب؟ إضافة غلى ما تشعر به فتاة تضرب أمام الرّجال.

قالوا: أرسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غلى حاطب فأتاه فقال: هل تعرف الكتاب؟ قال: نعم. قال: فما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، والله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلاّ وله بمكّة من يمنع عشيرته(3) ، وكنت غريبا في هم، وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي فأردت أن أتّخذ عندهم يدا! وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه وأنّ كتابي لا يغني عنهم شيئا! فصدّقه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعذره. فقام عمر بن الخطّاب فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق؛ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطّلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم(4) .

____________________

(1) تاريخ الإسلام ج 2 ص 106 ودلائل النبوّة ج 3 ص 107 والدرّ المنثور ج 4 ص 20.

(2) تفسير البغوي، ج 1 ص 376.

(3) هذا يعارض قول عمر السابق (وليس بمكّة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني).

(4) تفسير البغوي، ج 1 ص 91.


وهذه قصة تبين بوضوح الفرق الكبير بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين عمر بن الخطاب في معالجة الأزمات السياسية والاجتماعية؛ قالوا:

فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له جهجاه بن سعيد يقود له فرسه فازدحهم جهجاه وسنان الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الأنصار وصرخ جهجاه يا معشر المهاجرين! فغضب عبد الله بن أبي بن سلول وعنده رهط من قومه في هم زيد بن أرقم غلام حديث السن فقال قد فعلوها قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما أعدنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منه الأذل ثم أقبل على من حضر من قومه فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله وذلك عند فراغ رسول الله من غزوه فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله مر به عباد بن بشر بن وقش فليقتله فقال رسول الله فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه لا ولكن أذن بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله يرتحل فيها فارتحل الناس وقد مشى عبد الله بن أبي إلى رسول الله حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به وكان عبد الله بن أبي في قومه شريفا عظيما فقال من حضر رسول الله من أصحابه من الأنصار يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل حدبا على عبد الله بن أبي ودفعا عنه فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ثم قال يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها فقال له رسول الله أو ما بلغك ما قال صاحبكم قال فاي صاحب يا رسول الله قال عبد الله بن أبي قال: وما قال؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدية اخرج الأعز منها الأذل قال أسيد: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز


ثم قال: يا رسول الله ارفق به فو الله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى انك قد استلبته ملكا. ثم مشى رسول الله بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يكن إلا أن وجدوا مس الأرض وقعوا نياما وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي ثم راح بالناس وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع يقال له نقعاء فلما راح رسول الله هبت على الناس ريح شديدة آذتهم وتخوفوها فقال رسول الله لا تخافوا فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قينقاع وكان من عظماء يهود وكهفا للمنافقين قد مات ذلك اليوم فنزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبد الله بن أبي بن سلول ومن كان معه على مثل أمره فقال إذا جاءك المنافقون فلما نزلت هذه السورة أخذ رسول الله بأذن زيد فقال هذا الذي أوفى الله بأذنه وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي الذي كان من أبيه [حدثنا ابن حميد..] أن عبد الله بن عبد الله بن أبي أتى رسول الله فقال يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي في ما بلغك عنه فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فو الله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالده مني وإني أخشى أن تأمر به غيره في قتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر بأدخل النار فقال رسول الله بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا. وجعل بعد ذلك اليوم إذا أحدث الحدث كان قمه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه ويتوعدونه فقال رسول الله لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم من شأنهم: كيف ترى يا عمر أما والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته قال فقال عمر قد والله علمت لأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعظم بركة من أمري(1) .

أقول: هذا الكلام من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكشف عن قصور عمر بن الخطاب في

____________________

(1) تفسير الطبري ج 28 ص 115 وزاد المسير ج 8 ص 271 وفتح الباري ج 8 ص 650.


سياسة الرعية، فإنّه لا يفكّر إلا في ضرب العنق، مع أنه في حالة الحرب أبعد الناس من ضرب الأعناق أو الأذناب، وهذا أمر جدير بالتّأمّل. وقد قال عمر كما في آخر القصة: (قد والله علمت لأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعظم بركة من أمري)! فإذا كان صادقا في ذلك فلماذا لم يستفد من بركة أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم رزية الخميس، ولماذا جبهه بتلك الكلمة التي لا تزال تفرّق المسلمين جيلا بعد جيل، فزعم أنّ حسبه ومن معه كتاب الله، وكأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجنبي عن كتاب الله، وكأنّ رسول الله يريد أن يخلط بكتاب الله ما يعارضه! وكأنه هو أعلم بكتاب الله من رسول الله الذي أنزل عليه!

شجاعة عمر

قالوا: دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمر بن الخطّاب ليبعثه إلى مكّة فقال: يا رسول الله إنّي أخاف قريشا على نفسي وليس بمكّة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها وغلظتي عليها، ولكن أدلّك على رجل هو أعزّ بها منّي: عثمان بن عفّان فدعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عثمان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنّه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظّما لحرمته(1) .

أقول:

هذا عمر يخاف على نفسه من القتل وهو الذي قال: والله لو أمرنا الله قتل أنفسنا لفعلنا!. وانظر إلى قوله: أدلّك وكأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حاجة إلى دلالته. والعجيب أنّهم رووا أنّه في هجرته إلى المدينة هاجر نهارا متحدّيا قريشا!

وفي المستدرك: اقبل عليّرضي‌الله‌عنه نحو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووجهه يتهلّل فقال عمر بن الخطّاب: هلا سلبته درعه فليس للعرب درع خيرا منها؟ فقال: ضربته فاتّقاني بسوءته،

____________________

(1) مسند أحمد بن حنبل ج 4 ص 324 والسيرة الحلبية ج 2 ص 700 والسيرة النبوية ج 4 ص 282 والبداية والنهاية ج 4 ص 167 وتاريخ الطبري ج 2 ص 121 ومعتصر المختصر ج 2 ص 369 وشرح مشكل الآثار، ج 14 ص 478، والاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والخلفاء، ج 2 ص 176 وتفسير الطبري، ج 26 ص 86، وتفسير ابن كثير، ج 4 ص 197، وتفسير البغوي، ج 4 ص 193، وتفسير الثعلبي، ج 9 ص 47.


واستحييت ابن عمّي أن أستلبه. وخرجت خيله منهزمة حتى أقحمت من الخندق(1) .

أقول: وأنت ترى الفارق بين الهمّتين، همّة رجل مشغول بالدّفاع عن دين الله تعالى فلا يلتفت إلى حطام الدّنيا، وهمّة رجل مشغول بدرع لم يقاتل عليها! وفي جواب الإمام علي عليه السلام درس تربويّ عالي المضامين.

وقال [عمر]: فما زلت أضرب الناس ويضربونني حتى أعزّ الله بنا الإسلام(2) .

إذا فهو يضرب ويضرب، وهذا شأن كل واحد في الدّفاع عن نفسه، لا يتميّز فيه عمر بن الخطّاب عن غيره، ولم نسمع أنّ رجلا ضرب عليّا أو حمزة عليهما السّلام؛ فأين إعزاز الله الإسلام بعمر؟!

موقف عمر من المتحيّزين

عن سفيان بن عوف قال بعثني أبو عبيدة بن الجراح ليلة غدا من حمص إلى أرض دمشق فقال: أئت عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين وأبلغه مني السّلام، وأخبره بما قد رأيت وعاينت، وبما قد حدّثتنا العيون، وبما استقرّ عندك من كثرة العدوّ والذي رأى المسلمون من الرأي من التنحي؛ وكتب معه: بسم الله الرحمن الرحيم.. فذكر الكتاب. قال سفيان بن عوف: فلمّا أتيت عمر فسلّمت عليه قال: أخبرني بخبر النّاس؛ فأخبرته بصلاحهم ودفع الله عزّ وجل عنهم، قال فأخذ الكتاب فقال لي: ويحك ما فعل المسلمون؟ فقلت: أصلحك الله خرجت من عندهم ليلا بحمص وتركتهم وهم يقولون نصلّي الصّبح ونرتحل إلى دمشق، وقد أجمع رأيهم على ذلك؛ قال فكأنّه كرهه ورأيت ذلك في وجهه، فقال لي: وما رجوعهم عن عوهم وقد أظفرهم الله بهم في غير موطن! وما تركهم أرضا قد حووها وفتحها الله عليهم فصارت في أيديهم؟! إنّي لأخاف أن يكونوا قد أساءوا الرّأي وجاءوا بالعجز وجرّوا عليهم العدوّ. قال فقلت له:

____________________

(1) المستدرك، الحاكم النيسابوري، ج 3، ص 33.

(2) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 44 ص 33.


أصلحك الله إنّ الشّاهد يرى مالا يرى الغائب، إنّ صاحب الرّوم قد جمع لنا جموعا لم يجمعها هو ولا أحد كان قبله لأحد كان قبلنا، ولقد جاء بعض عيوننا إلى عسكر واحد من عساكرهم أمر بالعسكر في أصل الجبل فهبطوا من الثّنية نصف النّهار إلى عسكرهم فما تكاملوا فيها حتى أمسوا، ثمّ تكاملوا حين ذهب أوّل الليل، هذا عسكر واحد من عساكرهم، فما ظنك بمن قد بقي؟ فقال عمر: لو لا أنّي ربّما كرهت الشّيء من أمرهم يصنعونه فإذا الله يخير لهم في عواقبه لكان هذا رأيا أنا له كاره. أخبرني أجمع رأي جماعتهم على التّحوّل؟ قال قلت: نعم؛ قال: فإنّ الله إن شاء الله لم يكن يجمع رأيهم إلاّ على ما هو خير لهم(1) .

وعن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطّاب يذكر له جموعا من الروموما يتخوف منهم فكتب إليه عمر: أما بعد فإنّه مهما ينزل بعبد مؤمن من شدّة يجعل الله بعدها فرجا وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإنّ الله يقول في كتابه:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتّقُوا اللّهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (2) .

أقول:

ههنا يأمر غيره بالصّبر في الجهاد، لكنّه لا يلتزم بذلك حين يكون هو على رأس الجيش، وقصّة يجبّنهم ويجبّنونه أشهر من نار على علم. هذا مع أنّ الإسلام قد أجاز للجيش أن يناور وينسحب إذا كان عدد العدوّ يفوق بأضعاف كثيرة عدد المسلمين.

على أنّهم قد رووا في قضية مشابهة ما يخالف ما سبق ذكره. قال الجصّاص: قال عمر بن الخطّاب لمّا بلغه أنّ أبا عبيد بن مسعود استقتل يوم الجيش حتى قتل ولم

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ج 21 ص 347.

(2) موطأ مالك، ج 2 ص 446، ومصنف ابن أبي شيبة، ج 4 ص 222 وتفسير القرطبي، ج 4 ص 323 وتفسير الطبري، ج 4 ص 221 والجهاد لابن المبارك، ج 1 ص 164 والدرّ المنثور، ج 2 ص 418 وتاريخ مدينة دمشق، ج 2 ص 143 وج 25 ص 477 وتخريج الأحاديث والآثار، ج 4 ص 236 والمقاصد الحسنة، ج 1 ص 539 وكشف الخفاء، ج 2 ص 196 والاستذكار، ج 5 ص 18 وشعب الإيمان، ج 7 ص 205 وشرح الزرقاني، ج 3 ص 13 والفائق، ج 4 ص 127 والنّهاية في غريب الأثر، ج 3 ص 235.


ينهزم: رحم الله أبا عبيد، لو انحاز إليّ لكنت له فئة؛ فلمّا رجع إليه أصحاب أبي عبيد قال: أنا فئة لكم ولم يعنّفهم(1) .

قال الشّوكانيّ: وأخرج ابن المنذر عن كليب قال: خطبنا عمر بن الخطّاب فكان يقرأ على المنبر آل عمران ويقول: إنها أحديّة ثمّ قال: تفرّقنا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم أحد فصعدت الجبل(2) فسمعت يهوديّا يقول: قتل محمّد فقلت: لا أسمع أحدا يقول قتل محمّد إلاّ ضربت عنقه، فنظرت فإذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والنّاس يتراجعون إليه فنزلت هذه الآية( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ ) (3) .

أقول:

هذا عمر يعترف بفراره وصعوده الجبل وتركه رسول الله بين سيوف الأعداء.!

وأجرج ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر بن أبي شيبة [..] عن ابن عبّاس عن عمر بن الخطّاب قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون وفرّ أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنه، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدّم على وجهه، فأنزل الله عزوجل:( أَوَلَمّا أَصَابَتْكُم مُصِيبَةٌ ) الآية(4) ..

أقول:

يتحدّث عمر عن الصّحابة يوم أحد ولا يدخل نفسه في الفارّين مع أنه كان أوّلهم فرارا، وقد شهد عليه بذلك قتادة وشهد هو على نفسه كما في صحيح البخاريّ. ومع ذلك فقد أدخل نفسه في الفارين يوما من الأيام وهو يخطب. أخرج ابن جرير عن كليب قال خطب عمر يوم الجمعة فقرأ آل عمران وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها فلما انتهى إلى قوله( إِنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ) قال: لما كان يوم أحد

____________________

(1) أحكام القرآن، للجصاص، ج 4 ص 227.

(2) فيه شهادة عمر على نفسه بالفرار وترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين الأعداء.

(3) فتح القدير، ج 1 ص 583. والدر المنثور، ج 2 ص 334 وكنز العمال، ج 2 ص 162.

(4) فتح القدير، ج 1 ص 598.


هزمنا ففررت حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى(1) والناس يقولون قتل محمد فقلت: لا أجد أحدا يقول قتل محمد إلا قتلته، حتى اجتمعنا على الجبل.(2) ..

أقول:

كالأروى، أي كتيس الجبل، هكذا يصف عمر بن الخطاب نفسه وهو في حالة الفرار؛ ومن حق كل من يقرأ هذا الكلام أن يتخيل شيخا في حدود الخمسين يطارده مشرك وهو ينزو كما ين زو تيس الجبل! إلى أين كان ذاهبا في فراره ذاك؟ أليس في القرآن الكريم (ففروا إلى الله..)؟

ولقد تفرّس عروة بن مسعود الثقفي في وجوه جماعة كانوا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الحديبية وصدقت فراسته: قال عروة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (3) : أي محمّد أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فو الله إنّي لأرى وجوها وأرى وأرى أوباشا من النّاس خليقا أن يفرّوا ويدعوك! فقال له أبوبكر: امصص بظر اللاّت! أنحن نفرّ عنه وندعه؟ قال: من ذا؟ قال: أبو بكر؛ قال: أما والذي نفسي بيده لو لا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك وجعل يكلّم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . والحقّ أنّ فراسة عروة بن مسعود الثّقفي كانت إذ فرّ أبوبكر وفريقه يوم حنين وتركوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين أيدي الأعداء. فلم.

قال ابن قتيبة: وكانت قريش يومئذ ثلاثة آلاف ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سبعمائة وظاهر يومئذ بين در عين وأخذ سيفا فهزه وقال: من يأخذه بحقّه؟ فقال عمر بن الخطّاب: أنا! فأعرض عنه. وقال الزبير: أنا. فأعرض عنه؛ فوجدا في أنفسهما، فقام أبو

____________________

(1) الأروى بفتح الهموة تيس الجبل البري (المصباح المنير، ج 1 ص 247).

(2) الدر المنثور، ج 2، ص 355. وقصة تشبيه عمر نفسه بالأروى أثناء فراره موجودة أيضا في المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج 1 ص 529 وتفسير الطبري، ج 4 ص 144 وتفسير البحر المحيط، ج 3 ص 97 وكنز العمال، ج 2 ص 162.

(3) تفسير السعدي، ج 1 ص 797.


دجانة سماك بن خرشة فقال: وما حقّه يا رسول الله؟ قال: تضرب به حتّى ينثني، فقال: أنا آخذه بحقه فأعطاه إياه(1) .

أقول:

وأنت ترى كيف أعرض النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن عمر حين قال: أنا، والإعراض ضدّ الإقبال؛ وفي وسع النبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير ذلك وهو صاحب الخلق العظيم؟ لم يعرض عنه؟ نعم، لابدّ من التّذكير انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حكيم في أفعاله ولا يحبّ المجاملات على حساب الحقّ. والمقام مقام جدّ وشجاعة، وليس في سجلّ عمر بطولات يستحقّ بموجبها هذا السيف في مثل هذا اليوم. لذلك كان موقف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حاسما.

قال الشّوكانيّ: وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطّاب قال: لا تغرنكم هذه الآية فإنما كانت يوم بدر وأنا فئة لكل مسلم(2) .

الفرار من الزحف

قال محمد بن الحسن الشيباني في باب الفرار من الزّحف: لا أحبّ لرجل من المسلمين به قوّة أن يفرّ من رجلين من المشركين. وهذا لقوله تعالى( وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّا مُتَحَرّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلى‏ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) . وفيها تقديم وتأخير معناه: ومن يولّم يومئذ دبره فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير إلاّ متحرّفا لقتال أو متحيّزا إلى فئة، أي سريّة، للقتال بالكرّة على العدوّ من جانب آخر(3) .

قال السيوطي: وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن زيد بن أسلم قال كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطّاب يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف منهم فكتب إليه عمر: أما بعد فإنه مهما

____________________

(1) المعارف، ابن قتيبة، ص 159.

(2) فتح القدير، ج 2 ص 429.

(3) السير الكبير، محمد بن الحسن الشيباني، ج 1 ص 123.


ينزل بعبد مؤمن من شدّة يجعل الله بعدها فرجا، وإنّه لن يغلب عسر يسرين، وإنّ الله يقول في كتابه يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلّكم تفلحون(1) .

أقول:

هذا رأي عمر في الصّبر على لقاء العدو حين يكون هو بعيدا عن ساحة القتال، ولم يعمل به حين كان في المواجهة، والدّليل على ذلك تكرّر الفرار منه حتّى أعرض عنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال الآلوسيّ: وفي كلام الأمير كرم الله تعالى وجهه ما يقتضي بسوقه خلاف ما عليه الشيعة ففي نهج البلاغة أنّ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه لمّا استشار الأمير كرّم الله تعالى وجهه لانطلاقه لقتال أهل فارس حين تجمّعوا للحرب قال له: إنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلّة، وهو دين الله تعالى الذي أظهره، وجنده الذي أعزّه وأيّده حتّى بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله تعالى حيث قال عزّ اسمه( وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَى‏ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنّهُم مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ) والله تعالى منجز وعده وناصر جنده؛ ومكان القيّم في الإسلام مكان النّظام من الخرز فإن انقطع النّظام تفرّق وربّ متفرّق لم يجتمع والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب، فإنّك إن شخصت من هذه الأرض تنقّضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهمّ إليك ممّا بين يديك، وكأن قد آن للأعاجم أن ينظروا إليك غدا يقولون هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم، في كون ذلك أشدّ لكلبهم عليك وطعمهم في ك؛ فأمّا ما ذكرت من عددهم فإنّا لم نقاتل في ما مضى بالكثرة وإنّما نقاتل بالنّصر والمعونة(2) .

____________________

(1) الدر المنثور، السيوطي، ج 2 ص 418 والحديث في موطأ مالك ج 2 ص 446 وكنز العمال ج 3 ص 301 وشرح الزرقاني ج 3 ص 13 والاستذكار ج 5 ص 18.

(2) روح المعاني، الآلوسيّ، ج 18 ص 207.


أقول:

كلام الإمام عليّ عليه السلام مبنيّ على علمه بجبن الرّجل وتكرّر فراره من المعارك، وإلاّ فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان دائما على رأس الجيش، وكذلك الإمام عليّ عليه السلام في ما بعد في النهروان والجمل وصفين، ولا شكّ أن الكفّار أشدّ رغبة في قتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهم في قتل عمر. ولا يعقل أن ينهى علي بن أبي طالب عليه السلام عن شيء ثم يكون أول المقدمين عليه.

وعن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه عنه أمة أسلمت قبله يقال لها زنيرة فكانرضي‌الله‌عنه يضربها على إسلامها، وكان كفّار قريش يقولون: لو كان خيرا ما سبقتنا إليه زنيرة، فأنزل الله تعالى في شأنها (وقال الذين كفروا... الآية) ولعلهم لم يريدوا زنيرة بخصوصها بل من شابهها أيضا، وفي الآية تغليب المذكر على المؤنث(1) .

وجاء في تفسير الثعالبي أنّ أبا الفضل الله الجوهري سمع على المنبر يقول وقد سئل أن يتكلّم في شيء من فضائل الصّحابة فأطرق ثمّ رفع رأسه وأنشد:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

فكل قرين بالمقارن مقتد

ماذا تريد من قوم قرنهم الله بنبيّه وخصّهم بمشاهدة وحيه، وقد أثنى الله تعالى على رجل مؤمن ومن آل فرعون كتم إيمانه وأسرّه فجعله تعالى في كتابه وأثبت ذكره في المصاحف لكلام قاله في مجلس الكفر، وأين هو من عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه إذ جرّد سيفه بمكّة وقال والله لا أعبد الله سرّا بعد اليوم(2) .

أقول:

أين كان هذا السيف في بدر وأحد وخيبر وحنين...، فلعلّه أصابه الصّدأ فلم يعد يصلح للقتال! مثل هذه الروايات إن دلت على شيء فإنّما تدّل على تفاهة عقول

____________________

(1) روح المعاني، الآلوسيّ، ج 26 ص 14.

(2) تفسير الثعالبي ج 4 ص 73.


أصحابها! وإلاّ فإنّ الثعالبيّ نفسه روى أنّ النّبيّ أراد بعث عمر بن الخطّاب إلى مكّة فقال له عمر: يا رسول الله إنّي أخاف قريشا على نفسي وليس بمكّة من بني عديّ أحد يحميني(1) ! فكيف انتقل من الشّجاع الذي يتحدّى قريشا في بطن مكّة إلى الشّخص الذي يخاف قريشا على نفسه وهو خارج مكّة، وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.

قال السيوطي: وأخرج وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن المغيرة بن شعبة قال: كنا في غزاة فتقدّم رجل فقاتل حتّى قتل فقالوا: ألقى بيده إلى التّهلكة فكتب فيه غلى عمر فكتب عمر ليس كما قالوا هو من الذين قال الله في هم( وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) (2) .

أقول: هذه الآية لم يعمل بها عمر مرة واحدة في حياته.

ولأنّ سجلّ عمر الحربي خال من البطولات فإنّه تعيّن على محبيه أن يبحثوا له عن بطولات مع الملائكة والجنّ. أخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشّيطان عن ابن مسعود قال: خرج رجل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقيه الشّيطان فاتّخذا فاصطرعا فصرعه الذي من أصحاب محمّد، فقال الشيطان أرسلني أحدّثك حديثا فأرسله، قال: لا. فاتّخذ الثّانية فاصطرعا فصرعه الذي من أصحاب محمّد فقال: أرسلني فلأحدّثنّك حديثا يعجبك فأرسله فقال: حدّثني، قال: لا. فاتّخذ الثّالثة فصرعه الذي من أصحاب محمّد ثمّ جلس على صدره وأخذ بإبهامه يلوكها فقال أرسلني فقال: لا أرسلك حتّى تحدّثني، قال سورة البقرة فإنّه ليس من آية منها تقرأ في وسط الشّياطين إلاّ تفرّقوا، أو لا تقرأ في بيت في دخل ذلك البيت شيطان. قالوا: يا أبا عبد الرحمن فمن ذلك الرّجل؟ قال: فمن ترونه إلاّ عمر بن الخطّاب(3) .

____________________

(1) تفسير الثعالبيّ، ج 4، ص 176 وتفسير البغوي ج 1، ص 304.

(2) الدر المنثور، السيوطي، ج 1 ص 576.

(3) الدر المنثور، السيوطي، ج 1 ص 52.


أقول:

هذا عمر يصارع الجنّي ويتغلب عليه، ويتعلّم منه حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخصوص سور القرآن، وعليه فقد بدأت رواية الحديث في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وروادها من الجنّ!

وعن أبي غطفان عن ابن عباس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كيف أنت يا عمر إذا انتهى بك إلى الأرض فحفر لك ثلاثة أذرع وشبر ثم أتاك منكر ونكير أسودان يجران أشعارهما كأن أصواتهما الرعد القاصف، وكأن أعينهما البرق الخاطف، يحفران الأرض بانيابهما، فأجلساك فزعا فتلتلاك وتوهّلاك؟ قال: يا رسول الله وأنا يومئذ على ما أنا عليه؟ قال: نعم؛ قال أكفيكهما بإذن الله يا رسول الله(1) .!

أقول:

لقد كان على ما هو عليه آنذاك ومع ذلك فرّ من مرحب ورجع مع أصحابه يجبّنهم ويجبّنونه، وكان على ما هو عليه وفرّ يوم أحد ويوم حنين! يخشى اليهود الذين هم أحرص الناس على حياة، ويخشى المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث والنّشور ولا يخشى ملائكة غلاظا شدادا لا يعصون الله ما أمرهم! لعل منكرا ونكيرا أهون شأنا من مرحب والمشركين في نظر عمر بن الخطاب؟!. والعجيب أنّ عمر بن الخطّاب نفسه يروي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يتعوذ من عذاب القبر؛ فقد روى البيهقي عن عمرو بن ميمون الأودي عن عمر بن الخطّاب أنه قال: سمعت رسول الله فوق المنبر يتعوذ من خمس اللهم إنّي أعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من سوء العمر وأعوذ بك فتنة الصدر وأعوذ بك من عذاب القبر(2) .

وعن محمد بن إسحاق عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال قلت لأبي: من الرّجل الذي خلّصك من المشركين يوم ضربوك؟ قال: ذاك العاص بن وائل السهمي(3) .

____________________

(1) إثبات عذاب القبر، البيقهي ج 1 ص 81 حديث رقم 104.

(2) إثبات عذاب القبر، البيقهي، ج 1 ص 114.

(3) المعجم الكبير، الطبراني، ج 1 ص 72 رقم 83.


أقول:

كيف يصحّ أن يكون أعزّ الله به الإسلام وهو لا يخلص نفسه من ضرب المشركين إيّاه إلاّ بواسطة العاص بن وائل السّهميّ الذي سمّاه القرآن الكريم الأبتر؟

وعن عدي بن سهيل قال: لما استمدّ أهل الشّام عمر على أهل فلسطين استخلف عليّا وخرج ممدّا لهم فقال له علي: أين تخرج بنفسك؟ إنّك تريد عدوّا كلبا. فقال: إنّي أبادر بجهاد العدوّ موت العبّاس. إنّكم لو قد فقدتم العباس لا نتقض بكم الشرّ كما يتنقض الحبل. فمات العبّاس لستّ سنين خلت من إمارة عثمان فانتقض والله بالنّاس الشّرّ(1) .

أقول:

لا يخفى على من تتبّع سيرة عمر بن الخطّاب أن الإمام عليا عليه السلام إنّما نصحه بعدم الخروج لأنه يعرف سوابقه في أحد وحنين وخيبر، وجبنه يوم الأحزاب، وقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم خيبر في حقّ علي عليه السلام كرّار غير فرّار بعد فرار الرّجلين وبعد أن قيل في عمر يجبّهم ويجبّنونه. وأمّا قولهم انتقض بالنّاس الشرّ بعد وفاة العباس فتعتيم على الحقيقة، لأن الشّرّ انتقض بالنّاس يوم السّقيفة بشهادة فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وروى الحاكم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطّاب لما فرض للناس فرض لعبد الله بن حنظلة ألفي درهم فأتاه حنظلة بابن أخ له ففرض له دون ذلك فقال له: يا أمير المؤمنين فضلت هذا الأنصاري على ابن أخي؟ فقال: نعم، لأني رأيت أباه يوم أحد يستن بسيفه كما يستن الجمل(2) .

أقول:

رآه عمر، ولكن على أية حال كان عمر حين رأى الرّجل يستنّ بسيفه كما يستنّ

____________________

(1) تاريخ دمشق، ابن عساكر، ج 26 ص 372.

(2) المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري، ج 3 ص 205.


الجمل؟ محاربا أم متفرّجا؟! أمّا الشّواهد فتثبت أن عمر فر يوم أحد.

وعن أسامة بن زيد الليثي عن نافع أنه كان في سيف عمر بن الخطّاب الذي شهد به بدرا سبيكة أو سبيكتان من ذهب(1) .

أقول: لا عجب، لأنه سيف تحفة لا سيف جلاد.

وعن الشعبي عن مسروق قال: إنّ الشهداء ذكروا عند عمر بن الخطّاب قال فقال عمر للقوم: ما ترون الشهداء؟ قال القوم: يا أمير المؤمنين هم ممّن يقتل في هذه المغازي. قال فقال عمر عند ذلك: إن شهداء كم إذن لكثير إني أخبركم عن ذلك، إنّ الشّجاعة والجبن غرائز في النّاس يضعها الله حيث يشاء، فالشّجاع يقاتل من وراء لا يبالي أن لا يؤوب إلى أهله والجبان فارّ عن خليلته، ولكنّ الشّهيد من احتسب بنفسه والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده(2) .

أقول:

في قوله يضعها الله حيث يشاء مغالطة لا تخفى، ويستشعر منها سلب الإرادة عن المكلّف، وقد أمر الله تعالى عباده بالقتال والغلظة على الكفّار، ومدح الذين يقاتلون في سبيله صفّا كأنّهم بنيان مرصوص، وذمّ الجبناء الذين يولّون الأدبار وتوعّدهم بالنّار، ولو لا أن الشّجاعة والجبن أمور قابلة للتّحوّل والتّغيّر شدّة وضعفا لما كان ذلك المدح وجيها ولا ذلك الذّم مقبولا. وكيف يضع الله غريزة الجبن في شخص ثم يذمّه عليها؟! أهكذا يكون فعل الحكيم؟

قال الطبري: ثمّ دعا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمر بن الخطّاب ليبعثه إلى مكة في بلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إنّي أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدى بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها (!) ولكنّي أدلّك على رجل هو أعزّ بها منّي عثمان بن عفان فدعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عثمان فبعثه إلى

____________________

(1) الجامع في الحديث، عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، ج 2 ص 698 رقم 602..

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج 4 ص 226 رقم 19519.


أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنّه لم يأت لحرب وإنّما جاء زائرا لهذا البيت معظّما لحرمته(1) .

أقول:

هذا عمر بن الخطاب نفسه يقول: (أدلّك على رجل هو أعزّ بها منّي عثمان بن عفان)، وهو اعتراف منه أن عثمان كان أعز منه، وعثمان فرّ من المعركة مسير ثلاثة أيام حتى قال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولمن معه: (لقد ذهبتم بها عريضة)، فكيف يقال بعد هذا إنّ عمر أعزّ الله به الإسلام، ولماذا لم يظهر عزّه حين دعاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليرسله إلى مكة؟

وعن أبي محمد مولى أبي قتادة أو أبا قتادة قال: لما كان يوم حنين... وانهزم المسلمون وانهزمت معهم فإذا بعمر بن الخطّاب في الناس فقلت له: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله. ثم تراجع الناس إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (2) .

أقول: ينهزم عمر يوم حنين ويدّعي أنه أمر الله وهو يعلم أنّ الله تعالى أمر بالثّبات ولم يأمر بالانهزام!

قال السيوطي: أخرج ابن عساكر عن عليّ قال: ما علمت أحدا هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطّاب فإنّه لما هم بالهجرة تقلّد سيفه وتنكّب قوسه وانتضى في يده أسهما وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها فطاف سبعا، ثمّ صلّى ركعتين عند المقام، ثمّ أتى حلقهم واحدة واحدة فقال: شاهت الوجوه من أراد أن تثكله أمّه وييتم ولده وترمّل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد(3) !

أقول:

قد مرّ بك سابقا قوله يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي، وهو ما لا ينسجم مع ما أخرجه ابن عساكر؛ وحتى يقوّوا القصّة ويمرّروها بسلام نسبوا الرّواية إلى علي عليه السلام وهو أعلم الناس بجبن عمر.

____________________

(1) تاريخ الطبري، ج 2 ص 278.

(2) صحيح البخاريّ، ج 4 ص 1570. والبداية والنهاية، ج 4 ص 329.

(3) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 115.


قال محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة: كان عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه يقدّم درجة الكسب على درجة الجهاد في قول: لأن أموت بين شعبتي رحلي أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله أحبّ إليّ من أن أقتل مجاهدا في سبيل الله، لأنّ الله تعالى قدّم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضله على المجاهدين بقوله تعالى( وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ ) (1) .

أقول:

هذا استنباط سقيم، لأنّ الله تعالى حثّ على الجهاد وفضّل المجاهدين على القاعدين، وأخبر أنّه يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، وحسم المسألة في سورة التّوبة بقوله جلّ ذكره( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبّصُوا حَتّى‏ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (2) . فمن كانت التّجارة أحبّ إليه من الجهاد فليتربّص.

قال ابن تيمية: كما أنّ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه كتب إليه أبو عبيدة بن الجراح عام اليرموك يستنصره على الكفّار ويخبره أنّه قد نزل بهم جموع لا طاقة لهم بها، فلمّا وصل كتابه بكى النّاس وكان من أشدّهم عبد الرّحمن بن عوف وأشار علي عمر أن يخرج بالنّاس، فرأى عمر أنّ ذلك لا يمكن، وكتب إلى أبي عبيدة: مهما ينزل بامرئ مسلم من شدّة في نزلها بالله يجعل الله له فرجا ومخرجا؛ فإذا جاءك كتابي هذا فاستعن بالله وقاتلهم بأخبره أنه لا يمكنه أن يعاونه في هذه(3) .

قال تعالى:( الآنَ خَفّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَينِ وَإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ ) (4) . وليت

____________________

(1) الكسب، محمد بن الحسن الشيباني، ج 1 ص 33.

(2) التوبة: 24.

(3) الرد على البكري، ابن تيمية، ج 1 ص 393.

(4) الأنفال: 66.


عمر بن الخطّاب أنزل شدّته بالله يوم خيبر ليجعل له فرجا ومخرجا!

قال ابن تيمية: ذكر أحمد أنّه كان لعمر بن الخطّاب سيف فيه سبائك من ذهب(1) .

أقول:

وما هي إنجازات السيف المذهّب؟!

قال ابن هشام: وكان ضرار بن الخطّاب لحق عمر بن الخطّاب يوم أحد فجعل يضربه بعرض الرّمح ويقول: انج يا ابن الخطّاب لا أقتلك! فكان عمر يعرفها له بعد الإسلام(2) !

أقول:

ومعنى هذا أنّ ضرار بن الخطّاب كان يلاحق عمر بن الخطّاب وعمر بن الخطّاب في حالة فرار، وبدل أن يقتله كما هو شأن غيره من المقاتلين سمح له بالنجاة! فكيف يقال بعد هذا إن الله تعالى أعزّ الإسلام بعمر؟ وأي عز يأتي على يد الفرّار؟! وللقارئ أن يتخيّل كهلا في سنّ عمر وطوله وهو يفرّ من عدوّ مشرك ولا يلوي على شيء! وانظر إلى هذا المؤرخ العظيم كيف هوّن من شأن الحادثة واكتفى بقوله فكان عمر يعرفها له بعد الإسلامرضي‌الله‌عنه ما! ومن يدري ما الذي كان يحدث بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لو أن ضرار بن الخطاب قتل عمر بن الخطاب يومها.

عقائد عمر

أوّل ما ينبغي أن يلتفت إليه في مسألة العقائد هو ماضي الشّخص قبل إسلامه، فإنّ الماضي يلعب دورا مهمّا في تقبّل العقائد وترسيخها وهضمها على الوجه الصّحيح. ويكفينا لفهم ذلك تذكّر ما جرى للصّحابة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قصّة ذات أنواط؛ فقد جاء في سيرة ابن هشام أنّ الصّحابة خرجوا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى حنين وكانت

____________________

(1) شرح العمدة، ج 4 ص 311.

(2) سيرة ابن هشام، ج 2 ص 258.


لكفّار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط يأتونها كلّ سنة يعلّقون عليها أسلحتهم ويذبحون عندها يعكفون عندها يوما. يقول الصحابي الراوي: فرأينا يوما ونحن نسير مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شجرة عظيمة خضراء فسترتنا من جانب الطريق فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الله أكبر.. الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنّكم قوم تجهلون(1) .

أقول:

هذه الواقعة كانت في الطّريق إلى حنين، وغزوة حنين كانت بعد فتح مكة في السنّة الثامنة للهجرة، وقد كان مرّ على بعثة النّبيّ وابتداء نزول الوحي يومها عشرون سنة! وهذا يعني أن الذين كانوا حول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإن كانوا قد قاتلوا كثيرا وغيروا أسلوب حياتهم الشكلي إلا أنهم من ناحية المعتقد لم يحققوا تقدما يستحق الذّكر، بل أسوأ من ذلك أنهم راحوا يطلبون من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يشاركهم في التّشبّه بالمشركين. ومن هؤلاء الذين كانوا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمر بن الخطّاب العدوي. ولا أحد يستطيع أن ينكر أنّ عمر بن الخطاب عبد الأصنام مدة طويلة من حياته، حتى إنّه هو نفسه يحدّث بذلك؛ ومع الأسف فإن المحدّثين والمفسرين كأنّما أخذوا على أنفسهم أن يئدوا الأخبار الواردة في ذلك كما وأد عمر ابنته. ومع ذلك فقد أفلتت منهم قصص ووقائع تسمح باستشفاف ما كان يجري هناك. أورد العقّاد في كتابه عبقرية عمر أنّ عمر قال: (كنّا في الجاهلية، نصنع صنما من العجوة فنعبده، ثمّ نأكله). ولأنّ الشّرك أمر عظيم فقد وصف الله تعالى المتلبسين به بأبشع الأوصاف فقال( إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) ، فالمشرك حال شركه نجس، وهذا هو المعروف لدى الفقهاء، وعليه يكون عمر بن الخطّاب أيام شركه نجسا، ثمّ طهره الإسلام في ما بعد؛ فالذين

____________________

(1) السيرة النبوية، ابن هشام، ج 4 ص 86.


ينسبون إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال (لو لم أبعث في كم لبعث عمر) إنّما يفترون على الله الكذب، ويسيئون معه الأدب، لأنهم يعنون بذلك أنّ الله تعالى قد يبعث نبيّا من قضى عشرات السّنين في نجاسة الجاهليّة وكان هو نفسه نجسا كما يقتضي سياق الآية( إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) !

قال السيوطي: أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عمر بن الخطّاب: أنّه خطب بالجابية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له فقال له فتى بين يديه كلمة بالفارسية فقال عمر لمترجم يترجم له: ما يقول؟ قال: يزعم أن الله لا يضلّ أحدا. فقال عمر: كذبت يا عدوّ الله! بل الله خلقك وهو أضلّك وهو يدخلك النّار إن شاء الله، ولو لا ولث عقد لضربت عنقك! فتفرّق الناس وما يختلفون في القدر والله أعلم(1) .

أقول:

إن صحّ الخبر فإنّ الفتى ذهب إلى غير ما يذهب إليه عمر، فإنّ الإضلال ابتداء لا يجوز على الله سبحانه وتعالى، وفي سورة الفاتحة قوله تعالى غير المغضوب عليهم ولا الضّالين ولم يقل المضلّلين. وأما الإضلال بمعنى الجزاء فلا إشكال فيه، ومجرّد خذلانه إيّاهم إضلال لهم هو عدل لا ظلم فيه. وقد قال تعالى( وَمَا كُنتُ مُتّخِذَ الْمُضِلّينَ عَضُداً ) فكيف يكون مضلاّ. ومن أسمائه تعالى الهادي، وفي كلام عمر سوء أدب عند قوله يدخلك النّار إن شاء الله، وموقف عمر ممّن يتكلم بالفارسيّة معلوم، فقد قال في ما قال: وددت أن بيني وبين هذه الحمراء جبلا من نار. وقد أكمل الراوي وضع اللمسات الأخير على روايته بقوله: فتفرّق الناس وما يختلفون في القدر!

قال الشّوكانيّ: وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشّعب عنه نحوه بأطول منه وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطّاب أنه قال وهو يطوف بالبيت: اللهمّ إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه فإنّك تمحو ما تشاء

____________________

(1) الدر المنثور، السيوطي، ج 3 ص 619.


وتثبت وعندك أم الكتاب فاجعله سعادة ومغفرة(1) .

أقول:

وهذا حين يقول بمثله أتباع أهل البيت عليهم السلام ينسبون بسببه إلى الكفر، ويقال عنهم إنّهم ينسبون الجهل إلى الله سبحانه وتعالى، لكن عندما يقوله عمر يصبح دينا غير قابل للنّقاش، مع أنّ المقول واحد وحكم الأمثال واحد!

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطّاب أنه قال: اللّهم اغفر لي ظلمي وكفري فقال قائل: يا أمير المؤمنين هذا الظّلم فما بال الكفر؟ قال: إنّ الإنسان لظلوم كفار(2) .

أقول:

لا شك أنّ عمر بن الخطّاب يعلم أنّ الله لا يغفر الكفر حال التلبّس به، وأما بعد تركه فالإسلام يجبّ ما قبله ولا معنى حينئذ لطلب المغفرة بخصوصه!.

وأخرج ابن المنذر والبيهقي من طريق ابن عبّاس أن عمر بن الخطّاب قال: كنت أتأوّل هذه الآية( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (3) فو الله إن كنت لأظنّ أنّه سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها وأنّه هو الّذي حملني على أن قلت ما قلت(4) .

هذا مبلغ فهم عمر بن الخطّاب للقرآن الكريم، وهذا معتقده في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والقرآن الكريم يهتف:( كُلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) .

ألم يقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم عرفة يوشك أن أدعى فأجيب؟ ألم يقل يومها لعلّي لا ألقاكم بعد يومي هذا؟ ألم يقل إنه لم يكن نبي إلاّ عمّر...؟).

ورووا أن عمر بن الخطّاب لما سمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يناديهم فقال: يا رسول الله تناديهم بعد ثلاث وهل يسمعون؟ يقول الله إنك لا تسمع الموتى فقال: والذي نفسي بيده ما

____________________

(1) فتح القدير، الشّوكانيّ، ج 3 ص 126.

(2) فتح القدير، الشّوكانيّ، ج 3 ص 157.

(3) البقرة: 143.

(4) قاله السيوطي في الدر المنثور، ج 2 ص 337.


أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يطيقون أن يجيبوا(1) . وأمّا البخاري فقد روى القصة عن ابن عمر بالبناء للمجهول، مع أن البقية صرّحوا باسم عمر وأنه هو القائل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وفي هذا تفنيد لمزاعم الوهابية الذين يدّعون أن كل من خرج من هذه الدنيا حجب عن السمع والمشاهدة.

وفي هذا الباب أيضا أورد الصنعاني في تفسيره أن عمر بن الخطّاب قال للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كيف يسمع يا نبي الله قوم أموات؟ قال النبي: ما أنتم بأعلم بما أقول منهم. أي أنّهم قد رأوا أمالهم(2) .

وعن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أدرك عمر بن الخطّاب وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت(3) .

أقول:

يحلف بالخطّاب وهو يعلم أنّه مات على الكفر.

وقال عمر - في قصة صلح الحديبية -: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ(4) .

أقول:

هذا عمر يشهد على نفسه بالشك. فإمّا أن يكون شكّ في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإما أن يكون شكّ في وعد الله تعالى. وهو في كلا الأمرين على خطر عظيم.

____________________

(1) مسند أحم بن حنبل ج 3 ص 287. ومسند الطيالسي ج 1 ص 9 ودلائل النبوة ج 3 ص 48 والدر المنثور ج 6 ص 500 وفتح القدير، ج 4 ص 331.

(2) تفسير الصنعاني، ج 2 ص 254.

(3) صحيح البخاري ج 5 ص 2265 وصحيح البخاري ج 6 ص 2449 وصحيح مسلم ج 3 ص 1266 وصحيح مسلم ج 3 ص 1267 وصحيح ابن حبان ج 10 ص 201.

(4) صحيح ابن حبان ج 11 ص 224 ومصنف عبد الرزاق ج 5 ص 339 والمعجم الكبير ج 20 ص 14 وتاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 229 وتاريخ الإسلام ج 2 ص 371.


مع أهل الكتاب

هل أعرض عمر عن التّوراة وعن أهل الكتاب بعد أن نهاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما هو مذكور في صحيح البخاري وغيره؟

الواقع يوقفنا على خلاف ذلك. فإنّه بعد وصول عمر إلى الخلافة، وجد أهل الكتاب منفذا إلى شؤون المسلمين عن طريق كعب الأحبار خاصّة، وآخرين من أمثال وهب بن منبه وتميم الدّاريّ وزيد بن ثابت..

جاء في تاريخ المدينة: عن ابن شهاب قال: أوّل من قصّ في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تميم الدّاريّ: استأذن عمررضي‌الله‌عنه أن يذكر الله مرّة فأبى عليه، ثمّ استأذن أخرى، فأبى عليه، حتّى كان آخر ولايته، فأذن له أن يذكر يوم الجمعة قبل أن يخرج عمر. فاستأذن تميم في ذلك عثمان بن عفان فأذن له أن يذكر يومين من جمعة(1) .

هذا في ما يخصّ الدّاريّ. أمّا كعب الأحبار فقد كان حرّا مطلق اليد يتحدّث بما شاء متى شاء ولا أحد يعترض عليه، لأنّه كان محميّا من طرف الدّولة - حصانة دبلوماسيّة باللّسان المعاصر - وإن كان عمر قد تنبّه إلى خطورة ذلك في وقت معيّن حينما بالغ كعب وتجاوز الحدّ المسموح به، فنهاه عن الإكثار من الحديث عن الأوّل الكتاب الأوّل والواقع أنّه حدث ذلك بعد أن بثّ كعب ما أراد من الخرافات والأساطير، وأعانه في ذلك آخرون اصبحوا تلامذة له، من أمثال أبي هريرة، وعبد اللهبن عمرو بن العاص، في وقت كانت الدّولة قد منعت كتابة ورواية الحديث النبويّ الشّريف!! ولقد كان كعب ذكيّا في تمرير افتراءاته حتّى قال بعض أهل العلم ممن أخذ عن أبي هريرة كما ينقل ابن كثير: اتّقوا الله وتحفّظوا في الحديث فو الله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة في حدّث عن رسول الله ويحدّث عن كعب الأحبار، ثمّ يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن كعب وحديث كعب عن

____________________

(1) تاريخ المدينة ابن شبّة النّميريّ، ج 1 ص 11.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وفي لفظ يجعل ما قاله كعب عن رسول الله وما قاله رسول الله عن كعب. فاتّقوا الله وتحفّظوا في الحديث(1) .

لم يكن كعب الأحبار قد رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو سمع منه، لكنّه مع ذلك أصبح من أكثر النّاس رواية، ومن طبقة عالية بحيث يروي عنه صحابة من أمثال أبي هريرة وعبدالله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر. وقد صار في ما بعد المستشار أن يشير إليه بتهمة على الدّين، لأنّ إشاراته وتوجيهاته كانت دائما متناغمة مع هوى الموجودين في السّلطة، المدعومين من طرف حاربوا الإسلام بكلّ ما استطاعوا ولم يدخلوا فيه إلاّ مكرهين؛ والذين تبرّموا بأبي ذرّ حينما صدع بفضح كعب على مرأى ومسمع من الملإ قائلا له في مجلس عثمان: يا بن اليهوديّين...، فو الله ما خرجت اليهودية من قلبك! ووقفت السّلطة إلى جنب كعب الأحبار، ودفع أبوذرّ ثمن ذلك. إنّ كعب الأحبار لم يكن ليصل غلى هذا المقام لو لا ما كان له من الوجاهة في حياة عمر، مع أنّه لم يكن أحد من المسلمين يجهل يهوديّته، ولو كان قد اعتنق الإسلام فعلا كما كان يزعم لتخلّى عن التّوراة المحرّفة، لكنّه لم يكتف بالبقاء عليها، بل فتح على النّاس منها سيلا لا تزال آثاره إلى اليوم. وهل نال كعب ذلك المقام إلاّ بدعواه العلم بما في الكتاب الأوّل؟ هذا مع العلم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صدع فيهم قائلا: أنا مدينة العلم وعليّ بابها. عليّ الذي أشير غليه في القرءان الكريم بقوله تعالى( مَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) ، ألم يكن لديه ما يغني عن إسرائيليات كعب؟ إنّهم لم يكونوا يتوجّهون إلى باب مدينة العلم إلاّ عند الضّرورة الملحّة حيث لا يغني عنهم كعبهم شيئا!!

لم يتخلّ عمر عن اعتقاده بالتّوراة الموجودة عند اليهود، وقد أخبره كعب يوما أنّه يجده فيها، فسأله عمر: تجدني فيها باسمي؟ فقال لا ولكن بصفتك. ولعلّه بهذا القول يريد أن يوهم بشرعيّة خلافة عمر. وبما أنّ القرءان الكريم يصرّح بوجود اسم

____________________

(1) البداية والنهاية ابن كثير، ج 8 ص 109.


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصفاته:( النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّورَاةِ... ) فلم تأخّر كعب ولم يسلم على عهد رسول الله؟ ألا يكون كلام كعب منطويا على شيء من الكيد اليهودي؟

ومن حقّ المسلم أن يتساءل عن سرّ موافقة اعتقادات المسلمين لاعتقادات أهل الكتاب في ما يخصّ التّوحيد بأقسامه، وعصمة الأنبياء والقيامة، وأشياء من هذا القبيل ممّا يتعارض قطعا مع ما جاء به القرءان الكريم. ومن المهمّ أيضا أن يدرك كيف تسرّب التيّار المشكّك الذي يستند إلى الآيات المتشابهات، ونقل أخبار الكتاب الأوّل على لسان أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر، ويتساءل عن مدى شرعيّة وجود تميم الدّاريّ وكعب الأحبار في حاضرة الخلافة الإسلاميّة وهما يرويان من الإسرائيليّات ما يروق لهما في المسجد النّبوي نفسه، بينما كان الحصار الفكريّ مضروبا على أهل بدر وأحد يمنعهم من رواية الحديث. وعلى كلّ حال هذا أمر لا يتمّ إلاّ في ظل تحرّر فكريّ من التعصّب المقيت، وصمود في وجه المتلبّسين بالدّين الذين يدافعون عن اليهوديّة المحرّفة المتستّرة بلباس الإسلام.

وقد فضح العلم كثيرا من مرويّات كعب الأحبار، وهذا وحده كاف للتّنبّه لخطر هذا اليهوديّ على تراث المسلمين، وكفيل بتوجيه الباحثين والمحققين إلى إعادة النّظر فيه بصورة موضوعيّة نزيهة.

لقد كان كعب يحضر مجالس يكون فيها تلميذه أبو هريرة، فربّما حدّث أبو هريرة بشيء ينفرد به، فيسارع كعب الأحبار غلى تصديقه ولا ينكر عليه أحد، وليس بأيدينا اليوم استنكارات صارمة متوجّهة إليه سوى ما كان من أبي ذرّ الذي لا تأخذه في الله لومة لائم بشهادة الفريقين. ولو كان كعب مؤتمنا على الدّين لما واجهه أبو ذرّ رضي الله تعالى عنه بتلك الطّريقة. والمتمعّن في الموقف يفهم من سلوك أبي ذرّرضي‌الله‌عنه خطابا تحذيريّا موجّها إلى المسلمين ينبّههم فيه إلى مسألتين اثنتين، أولاهما انحراف الدّولة حيث أصبح اليهوديّ لديها مكينا أمينا، والثّانية تتمثّل في وجود تيّار تخريبيّ


يعمل على تحريف القرءان تفسيرا وتأويلا بإذن من الدّولة! لأنّ كعبا لم يشهد نزول آية واحدة من الذّكر الحكيم، ولم يكن له صلة بعترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - عدل القرآن - لا من قريب ولا من بعيد. فمن أين له التّفسير والفتوى؟! وقد غضب عثمان على أبي ذرّ لأنّه وقف ضدّ التّحريف، وكان أولى به أن ينتهر كعبا، لتقوّله بلا علم وتقدّمه على أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لكنّ ذلك لا يتناسب مع سياسته الطّبقة الحاكمة وأهدافها.

إنّ مجرّد وصول هذه الحادثة إلينا عن طريق كتب المخالفين لأهل البيت عليهم السلام هو بنفسه آية لمن تدبّر، فإنّ السّلطة الحاكمة آنذاك كانت تمارس التّرغيب والتّرهيب، ولا تتردّد في معاقبة من تسوّل له نفسه إبداء رأي مخالف للرّأي الرّسميّ ولو كان قد تلقّاه من فم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد تطوّرت المسألة أكثر في زمن معاوية بحيث مورست رقابة لم يسبق لها مثيل ووضعت أحاديث وأخبار قصد من ورائها إفراغ الدّين من محتواه، حتّى وصلت الخلافة إلى المستهترين والمعربدين، وحكم في الأمّة أراذلها وأوباشها وهي نتيجة منطقيّة لسلوك الدّولة تجاه السّنّة النّبويّة في ظلّ حكم عثمان وقبله وبعده، باستثناء فترة حكم الإمام علي عليه السلام التي تميّزت بالاضطرابات والقلاقل.

عاش كعب الأحبار اليهوديّ عمرا طويلا لم ير فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا قدّم للإسلام والمسلمين شيئا غير المؤامرات والدّسّ، وقد فرّ إلى حمص لأنّه كان متّهما بالمشاركة في مؤامرة قتل عمر، وبقي بها حتى هدأت الأمور ثمّ رجع ليكون من أصحاب عثمان المقرّبين، ثمّ عاد ثانية إلى حمص عندما بدأت الفتنة، وبقي إلى أن مات، كما في هامش الكامل لابن عدي(1) . ومع ذلك لم يتلقّ أذى ولا ضيّق عليه؛ بل كان ينعم بمقام عند الخلفاء لا يحلم به كثير من المهاجرين والأنصار. وعاش أبو ذرّ - وهو من أوائل المسلمين - مسيرا من بلد إلى بلد، وانتهى به الأمر إلى أن يموت منفيّا بالرّبذة.

____________________

(1) الكامل ابن عديّ، ج 1 ص 48.


صحابي شهد مع رسول الله المشاهد كلّها على ضعف بدنه، وشبّهه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعيسى بن مريم في ورعه، كان مثالا في الورع والتّقوى والدّفاع عن حقوق المظلومين والمستضعفين ينتهي به الأمر إلى النّفي، لأنّه رفض أن يملي اليهود على المسلمين دينهم، ولأنّه لم يهب أن يقول للحاكم (لا) عندما انحرف الحاكم محييا سيرة الجاهليّة. مثل هذا الصّحابيّ هو الذي يستحقّ أن يدافع عنه، ويغار على حرمته، ويتأسّى به في فعل الخيرات. فهل أنصفه المسلمون حينما همّشوه ورضوا له ما لقيه من عنت الحكّام، والتمسوا لليهوديّ ومقرّبيه المعاذير في تصويب أعمالهم وتوجيهها؟

وعن أم بكر بنت المسور أن عمر بن الخطّاب قال لو كان مسجد قباء في أفق من الآفاق لضربنا إليه أكباد الإبل(1) .

أقول:

هذا موقف عمر بن الخطاب من التبرّك، فعلى ابن تيمية وابن عبد الوهاب أن يحدّدا موقفهما منه ولا ينبغي أن تأخذهما في الله لومة لائم. فإنّ مسجد قباء ليس من المساجد التي تشد لها الرحال وتضرب لها آباط الإبل. وقد قال عمر (لو كان مسجد قباء في أفق من الآفاق..) ولا يخفى ما في هذه العبارات من إرادة بعد المسافة.

قال السيوطي: أخرج الطبراني في المعجم الصغير والحاكم وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما أذنب آدم بالذنب الذي أذنبه رفع رأسه إلى السماء فقال أسألك بحقّ محمّد إلا غفرت لي، فأوحى الله إليه ومن محمّد؟ فقال تبارك اسمك لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنّه ليس أحد أعظم عندك قدرا ممن جعلت اسمه مع اسمك. فأوحى الله إليه يا آدم إنه آخر النبيين من ذريتك ولو لا هو ما خلقتك(2) .

____________________

(1) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ج 1 ص 245.

(2) الدر المنثور، السيوطي، ج 1 ص 142.


أقول:

مادام عمر بن الخطاب نفسه يروي هذا فهل تعامل مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هذا المنطلق؟

قالوا: وقد جاء أنه لما ماتصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنكر عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه موته حتى احتج عليه أبوبكر الصديق بهذه الآية (إنك ميت..) فرجع إليها(1) .

أقول:

ومع ذلك يعدّونه في المفسّرين.

قال السيوطي: وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وهناد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطّاب أنّه انقطع شسعه فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون فقيل له مالك؟ فقال: انقطع شسعي فساءني، وما ساءك فهو لك مصيبة(2) .

أقول:

هذا معنى المصيبة عند عمر بن الخطّاب. إذا انقطع شسع النعل فهي مصيبة، وإذا انكسر القلم فهي مصيبة أيضا، وإذا انثقبت عجلة السيارة السيارة فهي مصيبة، وكذلك الشأن بالنسبة لأزرار القميص..، فنحن بحمد الله تعالى في مصائب متجدّدة حسب رأي عمر بن الخطاب.

قال الآلوسيّ: أخرج عبد بن حميد وغيره عن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه أنه سمع رجلا يقرأ هل أتى على الإنسان شيء من الدهر لم يكن شيئا مذكورا فقال: (ليتها تمّت)(3) .

أقول:

وهذا معناه أنّ عمر يتمنّى لو لم يكن هناك رسالات ولا عبادة ولا جنّة ولا نار،

____________________

(1) التسهيل لعلوم التنزيل، الغرناطي الكلبي، ج 3 ص 195.

(2) الدر المنثور، السيوطي، ج 1 ص 380.

(3) روح المعاني، الآلوسيّ، ج 29 ص 151.


وهذا لا ينسجم مع قوله تعالى( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالْإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ ) . ولا يختلف العقلاء في أنّ الوجود خير من العدم، لكنّ عمر يرى غير ذلك! وإذا أضيف هذا القول إلى أقوال عمر الأخرى (ليتني كنت كبش أهلي، وليتني كنت هذه التّبنة! يتبيّن أنّ عمر بن الخطّاب لم يسمع بحديث العشرة المبشّرين، وأن هذا الحديث قد اختلق بعده بزمان.

قال ابن الجوزي: وعن عبد الله بن مغفل قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت الشّجرة يبايع النّاس وإنّي لأرفع أغصانها عن رأسه وقال بكير بن الأشج كانت الشجرة بفجّ نحو مكّة. قال نافع: كان النّاس يأتون تلك الشّجرة فيصلّون عندها، فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت(1) .

أقول:

هل خاف عمر على الصّحابة الشّرك لأنّهم كانوا يتّبركون بالصّلاة عند الشّجرة التي بايعوا رسول الله تحتها؟

المقطع الأخير من الكلام ليس لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنما هو من استنباط الصنعاني ولا دليل عليه من كلام رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ورسول الله أجلّ من أن يجيب بما لا علاقة له بالسؤال، ورؤية الأعمال لا تحتاج إلى سؤال عند من قرأ قوله تعالى( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) .

قال النّحاس: وقال خالد: سمع عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه رجلا يقول:

(يا ذا القرنين)، فقال عمر: اللهمّ غفرا أما رضيتم أن تسمّوا بالنبيين حتّى تسمّيتم بالملائكة(2) .

أقول:

المعلوم أنّ ذا القرنين المذكور في سورة الكهف بشر ولم يكن من الملائكة. ولعلّ

____________________

(1) زاد المسير، ابن الجوزي، ج 7 ص 434.

(2) معاني القرآن، ج 4 ص 284.


قراءة عمر لتوراة أثّرت عليه

وروى عبادة بن نسي عن غضيف بن الحارث أن عاملا لعمر بن الخطّاب كتب إليه أن ناسا من السامرة يقرؤون التوراة ويسبتون السبت ولا يؤمنون بالبعث فما ترى فكتب إليه عمر أنهم طائفة من أهل الكتاب(1) .

وفي كتاب الناسخ والمنسوخ: قال عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ فأتيت النبي فقلت ألست نبي الله حقا قال بلى قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطي الدنية في ديننا إذن قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري قلت أوليس كنت قد وعدتنا أنا سنأتي البيت فنطوف به قال بلى أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال لا! قال فإنك تأتيه وتطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال بلى قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال بلى قلت فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيّها الرّجل إنّه رسول الله وليس يعصي ربّه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فو الله إنّه لعلى الحقّ. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال بلى؛ أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قال لا! قال فإنّك آتيه وتطوف به. قال الزّهريّ: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا(2) .

ههنا لا يقتنع بكلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى يمضي إلى أبي بكر، ثم هو بقوله والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ يعترف ويقرّ أنّه شكّ في الإسلام.

وهذه قصة رويت بصيغ متعددة تكشف عنة موقف عمر من التسمي بأسماء الأنبياء. عن زيد بن أسلم عن أبيه قال جاءت أم ولد لابن عمر بن الخطّاب إلى عمر فقالت: أكسني! فقال: من سيدك لا يكسوك؟! قالت: أبو عيسى. قال: أبو عيسى؟! قال أسلم فقيل لي اذهب وادعه ولا تخبره لم تدعوه وقد كان يقول لنا إذا أرسلتكم إلى أحد تدعونه فلا تخبروه لم أدعوه فإنّ الشيطان يعلّمه كذبة فيأتيني بها. فجئته فدعوته فقال:

____________________

(1) أحكام القرآن، الجصاص، ج 3 ص 321.

(2) الناسخ والمنسوخ، النحاس، ج 1 ص 723.


لم تدعوني؟ قال: لا أدري. قال: فأقبل معي وجعل يسألني وأنا أخبره حتى جئنا الباب وقد وجدت له دجاجا عظيما قال وأعطاني منهنّ دجاجة على أن أخبره فأخبرته؛ قال: ودخلت ودخل في أثري قال: أخبرك لم أرسلت إليك؟ قال: نعم. قال: ودعاني فجمع يدي في يده اليسرى ثم جعل يضربني بالدّرّة وجعلت أنزوي! قال أسلم ويقول إنه لحديد. قال ثم أرسلني وقال: والله إنّكم تحملوني على أنفسكم وأنا كاره ثم قام إلى ابنه فلوا أراده في عنقه ثم جعل يضربه بالدرة حتى فتر فقال هل تدري ما أسماء العرب لا أمّ لك؟ عامر وعويمر ومالك وصرما ومويلك وسررة ومرّة! ثمّ جعل يضربه ويقول له ذلك هل تدري ما أسماء العرب؟ ثمّ يردّد عليه ذلك مثل مقالته الأولى مرتين أو ثلاثا ثم قال دع عنك عيسى فإنّا والله ما نعلم لعيسى أبا(1) .

وقال الحافظ ضياء الدين المقدسي في (المختارة): وعن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه ضرب ابنا له تكنى أبا عيسى وأنّ المغيرة بن شعبة تكنّى بأبي عيسى فقال له عمر: أما يكفيك أن تكنّى بأبي عبد الله؟ فقال: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كنّاني. فقال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (!) وإنّا في جلجتنا! فلم يزل يكنى بأبي عبد الله حتى هلك. كذا رواه أبو داود في سننه وهو بمسند المغيرة بن شعبة أشبه لكن بعضهم أخرجه في مسند عمر بن الخطّاب وقد رواه حبيب الشهيد عن زبد بن أسلم إسناده صحيح(2) .

وروى الحاكم القصّة نفسها عن حاد بن سلمة عن زيد بن أسلم أن رجلا جاء فنادى يستأذن أبو عيسى على أمير المؤمنين عمر. فقال عمر: ومن أبو عيسى؟ قال المغيرة بن شعبة: أنا. فقال عمر: وهل لعيسى من أب؟ أما في كنى العرب ما تكتنون بها أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن؟ فقال رجل: أشهد لقد سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كنى بها المغيرة. فقال عمر: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإنا في خلج ما

____________________

(1) الجامع في الحديث، عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، ج 1 ص 112.

(2) الأحاديث المختارة، ضياء الدين المقدسي، ج 1 ص 178.


ندري ما يفعل بنا فكنّاه بأبي عبد الله(1) .

أقول:

ماذا يقصد عمر بقوله (إنّ النّبيّ قد غفر له ما تقدّم من ذنبه)؟ هل يقصد أنّه ما كان ينبغي للنّبيّ أن يسمّي أحدا بأسماء الأنبياء؟ إذا فعمر يعلّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما ينبغي وما لا ينبغي في الإسلام! ولماذا لم يقله للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته؟ لماذا لم يقل له. (لا ينبغي لك يا رسول الله أن تسمي الناس بأسماء الأنبياء)؟! أوليس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أول من سنّ للمسلمين هذه السنّة حين سمى ابنه عليه السلام إبراهيم؟! ألا تكون فكرة عمر هذه من وحي كعب الأحبار اليهودي؟!.

وروى ابن عساكر عن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عمر بن الخطّاب قال لابنه عبد الرحمن: ما أبو عيسى؟ قال: يا أمير المؤمنين اكتنى بها المغيرة بن شعبة على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (2) .

قال ابن الأثير: ومنه حديث أسلم أنّ المغيرة بن شعبة تكنّى أبا عيسى فقال له عمر: أما يكفيك أن تكنّى بأبي عبد الله؟ فقال: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كنّاني أبا عيسى فقال إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وإنا بعد في جلجتنا! فلم يزل يكنى بأبي عبد الله حتى هلك(3) .

نسخ عمر فعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال كلاما لا يصحّ في مقابل قوله تعالى ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً)

وروى الطبراني عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس أن عمر خرج يستسقي وخرج بالعباس معه يستسقي فيقول اللهم إنا كنا إذا قحطنا على عهد نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توسلنا إليك بنبينا عليه السلام وإنا نتوسل إليك بعم نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (4) .

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري، ج 3 ص 509 رقم 5896.

(2) تاريخ دمشق، ابن عساكر، ج 60 ص 20.

(3) النهاية في غريب الأثر، ابن الاثير، ج 1 ص 785 ولسان العرب ج 2 ص 224.

(4) المعجم الكبير، الطبراني، ج 1 ص 72 رقم 84.


أقول:

يوهم عمر بن الخطّاب المسلمين أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد فقد مقامه بخروجه من الدّنيا، والحال عكس ما يقول، فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخروجه من الدّنيا تخلّص من كدوراتها، وخسر المسلمون وجوده بدليل قوله تعالى( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، ولعلّ عقائد ابن تيمية ومحمّد بن عبد الوهاب مبنيّة على تصرفات عمر. وقد كان الصّحابة يخالفون عمر في مسألة التّبرّك والتّوسّل بشهادة أحاديث رواها كل من أبي أيوب الأنصاري وعائشة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغيرهما. ومن زعم أنّ مقام العباس بن عبد المطّلب في دار الدّنيا أعظم لدى الله تعالى من مقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند مليك مقتدر فقد ضلّ سواء السبيل. ثمّ ما دام عمر أفضل من العبّاس في التّرتيب - ثاني الخلفاء وثاني المبشرين بالجنة - فلماذا لا يتوسّلون به هو؟

والحقّ أنّ عمر يعلم أنّ للعبّاس جاهليّة وربا، وأنه ليس من المطهّرين بنص الكتاب الكريم، ويعلم أيضا أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأهل بعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ولم يباهل بالعبّاس، ومع ذلك يستسقي بالعبّاس لأنّه يريد أن يغيّب عصمة وطهارة أهل البيت عليهم السّلام. ومع هذا فإنّني لا أستبعد أن يكون هذا الحديث ممّا وضع في أيّام الدّولة العباسية، فإنّ الحكّام العبّاسيّين يهتمّون لكلّ رواية في فضل جدّهم العباس يعتّمون بها على أهل البيت عليهم السلام وحقّهم الشرعيّ.

وعن محمد بن جعفر قال أخبرني زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه قال للركن: أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولو لا أني رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استلمك ما استلمتك فاستلمه ثم قال: فما لنا والرمل؟ إنما كنا راءينا به المشركين وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا نحبّ أن نتركه(1) .

____________________

(1) صحيح البخاريّ، ج 2 ص 161.


أقول:

قوله للركن أما والله إني لأعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع لو قاله للصّنم أيّام كان ينحني له لكان أبلغ وأصوب.

عن طاووس قال كان عمر يقبل الحجر ثم يسجد عليه ثلاث مرات ويقول لو لا أني رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقبلك ما قبلت(1) .

أقول:

هذا شأن كل المسلمين؛ كل مسلم يقبل الحجر لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبله، وكل مسلم يصلي الظّهر أربعا لأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلاها كذلك، فأين الخصوصية لعمر في قوله لو لا أني....

وفي سنن البيهقيّ عن محمّد بن مسلم بن خباب قال: جاء أنس بن مالك فقعد مكانك فقال: تدرون ما هذا العود؟ قلنا: لا. قال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا قام إلى الصّلاة أخذه بيمينه فقال: اعتدلوا سووا صفوفكم فلمّا هدم المسجد فقد، فالتمسه عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه فوجده قد أخذه بنو عمرو بن عوف فجعلوه في مسجدهم فأخذه فأعاده.

لماذا أخذه بنو عمرو بن عوف؟ ولماذا أعاده عمر؟ وإذا كان الركن لا يضرّ ولا ينفع فمن باب أولى أن يكون العود المذكور لا يضر ولا ينفع، فلماذا حرص عمر على إعادته؟

قال السّيوطي: وأخرج (ابن سعد) عن معمر عن ليث بن أبي سليم أن عمر بن الخطّاب قال لا تسمّوا الحكم ولا أبا الحكم فإن الله هو الحكم ولا تسموا الطّريق السكة.

____________________

(1) كنز العمال ج 5 ص 69 رقم 12515.


أقول:

فإن الله تعالى يقول( فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا .. ) (1) . وهو يتحدّث عن بشر لا غير! وكان في معاصري رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجل من بني أمية اسمه الحكم، وهو والد مروان بن الحكم، وقد لعنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وطرده من المدينة ولم يأمر بتغيير اسمه، فكيف يلعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صاحب هذا الاسم إن صحّ ما يقوله عمر؟ ولا زالت إيحاءات كعب الأحبار تؤثر على عقائد عمر حتى انفرد بأمور تدعو إلى العجب.

وقال الرازي في ترجمة مسروق بن الأجدع بن مالك: يقال إن عمر بن الخطّاب غيّر اسم أبيه وسمّاه عبد الرحمن(2) .

أقول:

إنّ عمر مولع باسم عبد الرحمن ولذلك سمى ثلاثة من أولاده عبد الرّحمن ولم يسمّ أحدا منهم محمّدا ولا عليّا، وكان أمين سرّه عبد الرحمن بن عوف، وأوصى عمرو بن العاص بعبد الرحمن بن ملجم..

قال البخاريّ: عاصم بن عدي أخي بني العجلان سمع عبد الرحمن بن يزيد بن جارية أخا بني عمرو بن عوف وكان إمام مسجد قومه كان عمر يأتي مسجدنا هذا وكان أدركه وعقل زمانه كلّه وقال: اعمروا مسجدكم فو الذي نفس عمر بيده لو كان ببعض الآفاق لضربنا إليه أكباد الإبل(3) .

أقول:

يعني بمسجد قومه مسجد قباء كما أشار إليه المفسرون، وكلام عمر السّابق يعارض ما استنبطه ابن تيمية من حديث (شدّ الرحال)، فإنّ مسجد قباء ليس من المساجد

____________________

(1) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 142.

(2) التعديل والتجريح، الرازي، ج 2، ص 747 رقم 685.

(3) التاريخ الكبير، البخاريّ، ج 1 ص 401.


الثلاثة التي تشدّ إليها الرحال، وقد عبّر عمر بن الخطّاب بعبارة شديدة الوقع على سمع ابن تيمية حيث قال لضربنا إليه أكباد الإبل.

قال ابن تيمية:

وأما ما فعله بحكم الاتّفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان ويصلّي فيه لكونه نزله لا قصدا لتخصيصه به بالصّلاة والنّزول فيه فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصّلاة فيه أو النّزول لم نكن متّبعين بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطّاب، كما ثبت بالإسناد الصّحيح من حديث شعبة عن سليمان التّيمي عن المعروف بن سويد قال: كان عمر بن الخطّاب في سفر فصلى الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون: صلّى فيه النّبيّ، فقال عمر: إنّما هلك أهل الكتاب أنّهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتّخذوها كنائس وبيعا فمن عرضت له الصّلاة فليصلّ وإلاّ فليمض(1) .

أقول: مكان صلى فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حقّ النّاس أن يعتبروه مباركا ويصلّوا فيه تبرّكا وتيمّنا؛ وإذا كان عمر بن الخطّاب صادقا في قوله فلماذا أصرّ على أن يدفن في نفس المكان الذي دفن فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو الذي يشنّع على الناس أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم؟ كان المفروض أن يدفن في البقيع أو في بيته لا أن يتبع لا أن يتبع أثر نبيّه. على أن الله تعالى يقول:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً ) ولم يقل (لقد كان لكم في عمر بن الخطاب...).

قال ابن تيمية: ولما ظهر قبر دانيال بتستر كتب فيه أبو موسى إلى عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه ، فكتب إليه عمر: (إذا كان بالنّهار فاحفر ثلاثة عشر قبرا ثم أدفنه بالليل في واحد منها وعفّر قبره لئلا يفتتن به الناس)(2) .

أقول:

ذهب عمر بن الخطاب وبقي دانيال، والقبر موجود إلى يومنا هذا في المدينة

____________________

(1) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 1 ص 280.

(2) مجموع الفتاوى، ج 15 ص 154.


المذكورة في إيران، والنّاس يزورونه ويدعون الله تعالى عنده غير فاتنين ولا مفتونين. ولئن استكثر عمر بن الخطاب الزيارة في نبي الله دانيال عليه السلام فإنّ المسلمين عبر العصور أعيانهم وعوامّهم كانوا ولا زالوا يزورون الصالحين الذين صحّ عندهم أنّهم خدموا الإسلام، غير ملتفتين إلى قول عمر وفعله. فهذا الشافعي ولد سنة 150 هـ، في اليوم الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة وتوفي بمصر - بعد العصر - يوم الجمعة سنة 204 هـ ودفن بالقرافة الصغرى وقبره يزار بها(1) . وهذا مسلم بن الحجاج النيسابوري صاحب الصحيح مات في رجب سنة إحدى وستين ومائتين وقبره يزار(2) . وذاك إبراهيم الهروي - بقزوين - قبره يزار ويتبرك به(3) ، وأحمد بن عمر بن سريج الشافعي قبره يزار(4) ، وخلق كثير من أهل العلم والعبادة(5) .

قال ابن تيمية: وقد بلغ عمر بن الخطّاب أن قوما يقصدون الصلاة عند الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان التي بايع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحتها فأمر بتلك الشجرة فقطعت(6) .

أقول: وأنت ترى أن بقيّة الصحابة يخالفون عمر، وإنّما يخالفهم هو باعتباره حاكما صاحب نفوذ لا لأنّ لديه دليلا شرعيّا على فعله، وإذا جاز لكلّ من كان حاكما أن يستند على منصبه في قبول الأمور وردّها فعلى شريعة الإسلام السّلام!

وروى الحاكم: عن موسى بن عليّ بن رباح اللحمي عن أبيه أنّ عمر بن الخطّاب خطب النّاس فقال من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيّ بن كعب! ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأت معاذ بن جبل! ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني! فإنّ الله تعالى جعلني خازنا.

____________________

(1) كنز العمال، ج 2 ص 260 ومرآة الجنان ج 2 ص 25.

(2) تذكرة الحفاظ، ج 2 ص 588.

(3) التدوين في أخبار قزوين ج 2 ص 133.

(4) البداية والنهاية ج 11 ص 129.

(5) ذكر ابن حبان في كتابه الثقات عددا من العلماء والصالحين الذين زارقبورهم.

(6) الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، ج 2 ص 440.


أقول:

هناك تشابه كبير بين عقائد معاوية وعقائد عمر، فمعاوية يقول: قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون، وعمر يقول: إن الله جعلني خازنا! ولعل الرجلين ينهلان من معين واحد ساقيه هو كعب الأحبار. إذ متى نصبه الله خازنا؟! فالمعلوم أنّ أبابكر هو الذي نصبه على المسلمين، ولم يدّع أبوبكر أن الله تعالى أوحى إليه أن ينصّب عمر. وهناك قولة مشهورة لعلي بن أبي طالب عليه السلام تكشف حقيقة الأمر لمن خفي عليه ذلك وهي قوله له يوم السّقيفة: (احلب حلبا لك شطره يا عمر! اشدد له أمره اليوم يردده إليك غدا! لشدّ ما تشطّرتم ضرعيها)!

ثمّ لينظر النّاظر إليه كيف غيّب باب مدينة العلم وجعل مكانه أبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وهو يعلم أنّهما فاتهما قرآن كثير! أمّا أبي بن كعب فمدنيّ فاته القرآن المكي كله، وأمّا معاذ بن جبل فقد كان من المقربين عند عمر لموقفه من علي عليه السلام. ومع ذلك فإن عمر كان يقول: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن(1) . فمادام القرآن عند أبي بن كعب، والحلال والحرام عند معاذ فإنه ينبغي لعمر أن يقول: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا معاذ أو أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا معاذ أو أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبي بن كعب.

وقال ابن تيمية في مناهجه: كان عمر بن الخطّاب إذا رآهم يتناوبون مكانا يصلون فيه لكونه موضع نبيّ ينهاهم عن ذلك ويقول إنّما هلك من كان قبلكم باتّخاذ آثار أنبيائهم مساجد من أدركته الصلاة فيه فليصلّ وإلا فليذهب(2) .

وقال أيضا: روى محمد بن وضّاح وغيره أن عمر بن الخطّاب أمر بقطع الشّجرة التي بويع تحتها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيعة الرّضوان لأنّ النّاس كانوا يذهبون تحتها فخاف عمر الفتنة

____________________

(1) روح المعاني ج 9 ص 109 والتفسير الكبير، الرازي، ج 32 ص 11 و كنز العمال ج 5 ص 69 وكنز العمال ج 5 ص 330 وعمدة القاري ج 9 ص 240 وشرح فتح القدير ج 2 ص 449 وسبل السلام ج 2 ص 206 والسيرة الحلبية ج 1 ص 257 وسمط النجوم العوالي ج 3 ص 69.

(2) منهاج السنة النبوية [ج 1، ص 481].


عليهم(1) .

أقول:

ههنا تمت الحجة على عمر بن الخطاب، فإنه هو نفسه يقول: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو بوادي العقيق يقول أتاني الليلة آت من ربي عزّ وجلّ فقال صلّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجّة. رواه أحمد والبخاريّ وأبو داود وابن ماجة وفي لفظ للبخاري وقل عمرة وحجة(2) . وإذا فلا مانع أن يكون مكان ما مباركا. وقد ذكر القرآن الكريم (البقعة المباركة)، وذكر المسجد الأقصى( الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) ، وذكر القرى التي( بَارَكْنَا فِيهَا ) ولكن تناقضات عمر بن الخطّاب لا تكاد تنتهي.

وقال ابن تيمية: وأيضا فلما فتح المسلمون تستر وجدوا فيها قبر دانيال عليه السلام وكان أهل البلد يستسقون به فكيف في ذلك أبو موسى إلى عمر بن الخطّاب فكتب إليه أن احفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا وادفنه في الليل في واحد منها لئلا يفتتن به الناس فيستسقون به(3) .

عمرو القرآن الكريم

قال السيوطي: وأخرج الطبراني عن عمر بن الخطّاب مرفوعا: القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه صابرا محتسبا كان له بكل حرف زوجة من الحور العين. رجاله ثقات إلاّ شيخ الطبراني محمد بن عبيد بن آدم أبي إياس تكلّم فيه الذهبي لهذا الحديث. وقد حمل ذلك على ما نسخ رسمه من القرآن أيضا إذ

____________________

(1) اقتضاء الصراط، ابن تيمية، ج 1 ص 386.

(2) صحيح البخاريّ ج 2 ص 556 وصحيح البخاريّ ج 6 ص 2673 وصحيح ابن خزيمة ج 4 ص 169 والجمع بين الصحيحين ج 1 ص 126 وسنن أبي داود ج 2 ص 159 وسنن ابن ماجه ج 2 ص 991 وسنن البيهقي الكبرى ج 5 ص 13 ومسند عبد بن حميد ج 1 ص 34 ومسند عمر بن الخطّاب ج 1 ص 66 ومشكاة المصابيح ج 2 ص 841 وفتح الباري ج 5 ص 21 شرح العمدة، ج 2 ص 484 وفتح الباري ج 13 ص 311 وتحفة الأحوذي ج 3 ص 468 وتنوير الحوالك ج 1 ص 250 وشرح الزرقاني ج 2 ص 323 وفيض القدير ج 3 ص 235 وميزان الاعتدال في نقد الرجال ج 5 ص 290 ونيل الأوطار ج 5 ص 45 و.

(3) الرد على البكري، ابن تيمية، ج 2 ص 528.


الموجود الآن لا يبلغ هذا العدد(1) .

أقول:

تكلم فيه الذهبي دفاعا عن عمر، لكن تبقى مشكلة منسوخ التلاوة!

قال الزرقاني: وروى الدارمي وغيره بأسانيدهم عن عمر بن الخطّاب (أنه كان يقول لأبي موسى الأشعري ذكرنا ربنا فيقرأ عنده القرآن(2) .

عن محمد بن المنتشر قال: قال رجل لعمر بن الخطّاب إني لأعرف أشد آية في كتاب الله تعالى فأهوى عمر فضربه بالدرة وقال: مالك نقبت عنها حتى علمتها؟ ما هي؟ قال: من يعمل سوءا يجز به فما منا أحد يعمل سوءا إلا جزي به. فقال عمر: لبثنا حين نزلت ما ينفعنا طعام ولا شراب حتى أنزل الله بعد ذلك ورخص ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما(3) .

أقول:

هو كما ترى، ضرب الرجل لأنّه تدبّر القرآن وأعمل فكره لمعرفة أشد آية. وتدبر القرآن أمر مرغّب فيه، ولا يرغب عنه إلا من على قلوبهم أقفالها.

روى البخاريّ عن ابن عبّاس قال: قال عمر بن الخطّاب يوما لأصحاب النبي: في من ترون هذه الآية نزلت أيودّ أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب قالوا الله أعلم فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عبّاس: في نفسي منها شيء. فقال: يابن أخي قل ولا تحقر نفسك. قال: ابن عبّاس: ضربت مثلا لعمل قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عبّاس: لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله(4) .

____________________

(1) الإتقان، السيوطي، ج 1 ص 190.

(2) مناهل العرفان، الزرقاني، ج 1 ص 222.

(3) الإتقان ج 2 ص 430.

(4) الإتقان، ج 2 ص 346.


وفي الإتقان: أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال كان عمر بن الخطّاب إذا ذكر له سورة براءة فقيل سورة التوبة قال هي إلى العذاب أقرب، ما كادت تقلع عن الناس حتى ما كادت تبقي منهم أحدا(1) .

وأخرج نصر في الحجة عن أبي هريرة قال: كنا عند عمر بن الخطّاب إذ جاءه رجل يسأله عن القرآن أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فقام عمر فأخذ بمجامع ثوبه حتى قاده إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أبا الحسن أما تسمع ما يقول هذا؟ قال: وما يقول؟ قال: جاءني يسألني عن القرآن أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فقال: علي هذه كلمة وسيكون لها ثمرة، لو وليت من الأمر ما وليت ضربت عنقه(2) .

أقول: معاذ الله أن يضرب علي عليه السلام عنق سائل، وهو الذي كان يهتف سلوني قبل أن تفقدوني.

وعن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: قرأت الليلة آية أسهرتني( أَيَوَدّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مِن نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ) ما عنى؟ فقال بعض القوم: الله أعلم. فقال: إني أعلم أن الله أعلم، ولكن إنما سألت إن كان عند أحد منكم علم وسمع فيها بشيء أن يخبر بما سمع. فسكتوا. فرآني وأنا أهمس قال: قل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك. قلت عنى بها العمل. قال: وما عنى بها العمل؟ قلت: شيء ألقي في روعي فقلته. فتركني وأقبل وهو يفسرها قال: صدقت يا ابن أخي، عنى بها العمل. ابن آدم أفقر ما يكون إلى جنته إذا كبر سنه وكثرت عياله وابن آدم أفقر ما يكون إلى عمله يوم القيامة صدقت يا ابن أخي(3) .

عبد بن حميد وابن المنذر قال السيوطي: وأخرج ابن مردويه والشيرازي في الألقاب والهروي في فضائله عن ابن عمر أن عمر بن الخطّاب خرج ذات يوم إلى الناس فقال

____________________

(1) الإتقان في علوم القرآن، ج 1 ص 152.

(2) الدر المنثور، السيوطي، ج 2 ص 154.

(3) كنز العمال، المتقي الهندي، ج 2 ص 154.


أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن وأعدلها وأخوفها وأرجاها؟ فسكت القوم. فقال ابن مسعود: على الخبير سقطت سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول أعظم آية في القرآن( اللّهُ لاَ إِلهَ إِلّا هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ ) وأعدل آية في القرآن( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) النحل الآية 90 إلى آخرها. وأخوف آية في القرآن( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) الزلزلة الآيتان 7 و 8 وأرجى آية في القرآن( قُلْ يَا عِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللّهِ ) الزمر الآية 53(1) .

قصة صبيغ

قصّة صبيغ بن عسل التّميمي مع عمر بن الخطّاب تستحقّ أن يفرد لها كتاب، وذلك لما حوته من التّناقضات والمفارقات التي تكشف عن التوجّه الفكريّ أيّامها، وسيطرة الحكم على الثّقافة والتّفكير بقبضة من حديد. هذه القصّة تبيّن بوضوح كيف كان الخليفة يحاسب النّاس على السّؤال والجواب ويتدخّل في كل صغيرة وكبيرة تدخّلا لا يمتّ إلى الإسلام بصلة. والعجيب أنّ الفقهاء والأصوليّين في ما بعد أخذوا بسلوك الخليفة وجعلوه تشريعا في مقابل شريعة السّماء رغم كونه سلوكا مزاجيّا صادرا من شخص غير معصوم، معروف بكثرة التعثر والتراجع!

زعم أولئك الفقهاء والأصوليون والمفسرون أن في سلوك عمر مع صبيغ التميمي حفاظا على عقائد الناس من التزلزل والاضطراب، لكنهم تجاهلوا فعل الخليفة عمر حين صدر منه نفس ما صدر من صبيغ مرات ومرات، وبذلك قامت عليهم الحجة عند الله تعالى وفقدوا مصداقيتهم عند أولي الألباب، فإنّ حكم الأمثال واحد لا يتغيّر ولا يتبدّل.

أول ما يلفت نظر الباحث هو إصرارهم على تسمية التميمي صبيغا بالفتح، وهو ما جعل الرّجل ينفرد بهذه التسمية بين أبناء عصره ومن جاء بعدهم! ويبدو أن تصرفهم

____________________

(1) الدر المنثور، السيوطي، ج 2 ص 7.


هذا متعمد لأنّ المشتقّ إذا كان على وزن (فعيل) يقصد به عادة (مفعول) كقولهم سجين يقصد به مسجون وطحين يقصد به مطحون و عليل يقصد به معلول وعجين يقصد به معجون ودقيق يقصد به مدقوق وهكذا. فقولهم صبيغ يقصد به مصبوغ. لكنّ ذلك لم يسلم لهم من المعارضة، فإن ابن حجر نفسه يقول في ترجمته في الإصابة: صبيغ بوزن عظيم وآخره معجمة بن عسل بمهملتين الأولى مكسورة والثانية ساكنة ويقال بالتصغير ويقال بن سهل الحنظلي له إدراك وقصته مع عمر مشهورة(1) . ويقول أيضا في ترجمة سويد بن صبيع:

سويد بن صبيع وقع ذكره في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري بما يوهم أن له صحبة وليس كذلك، فقال أبو العلاء ما نصّه: ولو أدرك سويد بن صبيع لشاغبه أيام الربيع وسويد هو الذي يقول إذا طلبوا مني اليمين منحتهم يمينا كبرد الأتحمي الممزق وإن أحلفوني بالطلاق أتيتها على خير ما كنا ولم نتفرق(2) . وابن منظور يقول في لسان العرب: صبيغ وأصبغ وصبيغ أسماء وصبغ اسم رجل كان يتعنّت النّاس بسؤالات في مشكل القرآن فأمر عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه بضربه ونفاه إلى البصرة ونهى عن مجالسته(3) . ويذكر في مقدمة فتح الباري الرباب بنت صبيع بضم الصاد المهملة مصغّرا(4) . في قول: تابعية لها حديث في العقيقة... وهذا يعني أن العرب تسمّي بالمهملة. ويترجم البخاريّ في تاريخه الكبير لربيع بن صبيع بالمهملة أيضا في قول: أبو حفص البصري، سمع الحسن وعطاء، روى عنه الثّوري ووكيع وابن مهديّ، وكان يحيى القطّان لا يحدّث عنه(5) . ويستشهد ياقوت الحموي في معرض حديثه عن الأقيصر(6) . ببيت شعر لربيع بن ضبيع الفزاري وهو قوله:

____________________

(1) الإصابة، ابن حجر العسقلاني، ج 3 ص 458 (تحت رقم 4127) دار الجيل بيروت 1412.

(2) الإصابة، ابن حجر، ج 3 ص 306 رقم 3823. دار الجيل بيروت 1412..

(3) لسان العرب، ابن منظور، ج 8 ص 439.

(4) مقدمة فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ص 207.

(5) التاريخ الكبير، البخاريّ ج 3 ص 278 رقم 952.

(6) قال ياقوت: كان لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان صنم في مشارف الشام يقال له الأقيصر.


فإنني والذي نعم الأنام له حول الأقيصر تسبيح وتهليل(1)

وتردّد الزّرقاني بين صبغ وصبيغ فقال (.. الأمر الذي نهانا القرآن عنه والذي جعل عمر يفعل ما يفعل بصبغ أو بابن صبيغ وجعل مالكا يقول ما يقول ويفعل ما يفعل بالذي سأله عن الاستواء(2) .

هذا في ما يخصّ التّسمية.

وأما مضمون القصّة فإنّ صبيغا هذا كان يسأل عن تفسير القرآن الكريم، ومعلوم أن فهم القرآن يتوقّف على فهم عباراته، وقد أمر المسلمون بتدبّر القرآن، والتدبّر فرع فهم العبارات، لا يختلف في ذاك عاقلان. لكن الدّولة كانت قد منعت رواية الحديث النبويّ الشّريف وتفسير القرآن الكريم وذكر أسباب النزول، وسمحت بتلاوة وإقراء القرآن لا غير، ومن سوّلت له نفسه تجاوز ما خطّته الدّولة عرّض نفسه للنّكال. وفعلا تعرّض صبيغ المذكور لتنكيل ليس بعده تنكيل حين سأل عن معنى قوله تعالى( وَالذّارِيَاتِ ذَرْواً ) .

تجرّأ صبيغ وسأل عن قوله تعالى( وَالذّارِيَاتِ ذَرْواً ) ، وبلغ خبره الخليفة عمر بن الخطّاب، فتهيأ لمواجهة الخطر الذي يهدّد أمن الدّولة.

ولأنّ الدّولة سخطت على صبيغ فقد تفنّن المؤرّخون وكتاب السّير والتّراجم في وصفه بالحماقة وتبنّي معتقدات الخوارج والمشاركة في الفتن، مبرّرين ما تعرّض له من الأذى. قال السيوطي: وأخرج ابن عساكر عن محمّد بن سيرين قال: كتب عمر بن الخطّاب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالس صبيغا وأن يحرم عطاءه ورزقه(3) . وأشار النّووي إلى مثل ذلك فقال في شرح مسلم: وقد اتّفق أصحابنا وغيرهم من المحقّقين على أنّه يستحيل أن يتكلّم الله تعالى بما لا يفيد، والله اعلم. وفي هذا

____________________

(1) معجم البلدان، ياقوت الحموي، ج 1 ص 238، دار الفكر، بيروت.

(2) مناهل العرفان، ج 10 ص 222.

(3) الدر المنثور، السيوطي، ج 2 ص 153.


الحديث التّحذير من مخالطة أهل الزّيغ وأهل البدع ومن يتّبع المشكلات للفتنة، فأمّا من سأل عمّا أشكل عليه منها للاسترشاد وتلطّف في ذلك فلا بأس عليه، وجوابه واجب. وأمّا الأوّل فلا يجاب بل يزجر ويعزّر كما عزّر عمر بن الخطّاب صبيع بن عسل حين كان يتبع المتشابه، والله اعلم(1) .

قال ابن حجر: صبيغ بوزن عظيم وآخره معجمة بن عسل بمهملتين الأولى مكسورة والثّانية ساكنة ويقال بالتّصغير، ويقال ابن سهل الحنظلي. له إدراك، وقصّته مع عمر مشهورة؛ روى الدّارمي من طريق سليمان بن يسار قال: قدم المدينة رجل يقال له صبيغ بوزن عظيم وآخره مهملة [كذا] بن عسل فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر فأعدّ له عراجين النّخل، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. قال: وأنا عبد الله عمر. فضربه حتى أدمى رأسه فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، قد ذهب الذي كنت أجده في رأسي. وأخرجه من طريق نافع أتمّ منه قال: ثمّ نفاه إلى البصرة. وأخرجه الخطيب وابن عساكر من طريق أنس والسّائب بن زيد وأبي عثمان النّهدي مطوّلا ومختصرا؛ وفي رواية أبي عثمان وكتب إلينا عمر: لا تجالسوه. قال: فلو جاء ونحن مائة لتفرّقنا. وروى إسماعيل القاضي في الأحكام من طريق هشام عن محمّد بن سيرين قال: كتب عمر بن الخطّاب إلى أبي موسى لا تجالس صبيغا واحرمه عطاءه. وروى الدارمي في حديث نافع أنّ أبا موسى كتب إلى عمر أنّه صلح حاله فعفا عنه. وذكر ابن دريد في كتاب الاشتقاق أنه كان يحمّق (!) وأنّه وفد على معاوية. وروى الخطيب من طريق عسل بن عبد الله بن عسيل التميمي عن عطاء بن أبي رباح عن عمه صبيغ بن عسل قال جئت عمر فذكر قصّة. ومن طريق يحيى بن معين قال: صبيغ بن شريك. قلت: ظاهر السّياق أنّه عمّ عطاء وليس كذلك بل الضمير في قوله عن عمّه يعود على عسل، وذكره بن ماكولا في عسل بكسر أوله وسكون ثانيه والمهملتين وقال مرة عسيل مصغرا؛ وقال الدار قطني في الأفراد بعد رواية سعيد بالإجماع (..) عن أبي بكر بن أبي سبرة عن

____________________

(1) شرح مسلم، النووى، ج 16 ص.


يحيى عن سعيد بن المسيب قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر فسأله عن الذاريات الحديث، وفيه فأمر به عمر فضرب مائة سوط فلما برئ دعاه فضربه مائة أخرى ثمّ حمله على قتب وكتب إلى أبي موسى حرّم على النّاس مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له أنّه لا يجد في نفسه شيئا، فكتب إلى عمر فكتب إليه خلّ بينه وبين النّاس. غريب تفرّد به ابن أبي سبرة. قلت: وهو ضعيف والراوي عنه أضعف منه ولكن أخرجه ابن السكن من وجه آخر عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عن عمر بسند صحيح، وفيه فلم يزل صبيغ وضيعا في قومه بعد أن كان سيّدا فيهم. قلت وهذا يدلّ على أنّه كان في زمن عمر رجلا كبيرا. وأخرجه الإسماعيلي في حديث يحيى بن سعيد من هذا الوجه وأخرجه أبو زرعة الدمشقي من وجه آخر من رواية سليمان التميمي عن أبي عثمان ألنهدي به وأخرجه الدار قطني في الأفراد مطولا قال أبو أحمد العسكري أتّهمه عمر برأي الخوارج(1) .

هذا ما ذكره ابن حجر، وقد تناول القصّة كثيرون غيره بين مفصّل ومختصر(2) ، وقد اعتمد عليها الفقهاء والمفسّرون وغيرهم في استنباط أحكام يتوقّعون أن تكون مقبولة عند الله تعالى لأنها تستند إلى شخص حاكم، حجته الوحيدة فيما يقوم به هي أنه حاكم. قال السمعاني في معرض ذكر عبد الرحمن بن ملجم المرادي: ويقال هو أي عبد الرحمن بن ملجم الذي كان أرسل صبيغ بن عسل التّميمي إلى عمر بن الخطاب فسأله عما سأله من معجم القرآن، وقيل إن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه كتب إلى عمرو بن العاص أن قرّب دار عبد الرّحمن بن ملجم من المسجد ليعلّم الناس القرآن والفقه، فوسّع له مكان داره التي في الرّاية في الزيارتين إلى جانب دار ابن عديس البلوي قاتل

____________________

(1) الإصابة، ابن حجر، ج 3 ص 458، رقم 4127، دار الجيل بيروت 1412 هـ.

(2) إكمال الكمال لابن ماكولا، ج 5 ص 221: دار الكتاب الإسلامي القاهرة، و وج 6 ص 206، وهامش سير أعلام النبلاء الذهبي ج 10 ص 29 تحقيق شعيب الأرنؤط ومحمد نعيم العرقسوسي: والإصابة، 2 ج ص 198 ومعجم البلدان، ياقوت الحموي ج 4 ص 124 وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 23 ص 408 والاشتقاق لابن دريد ص 228 والوافي بالوفيات ج 16 ص 283 والدر المنثور للسيوطي، ج 2 ص 152 ومسائل الإمام أحمد ج 1 ص 477.


عثمان(1) .

واستفاد المفسّرون من الواقعة على طريقة من يقدّس الحاكم، فأثنوا على عمر بن الخطّاب مبلغ ما استطاعوا، وتهجّموا على صبيغ جهد ما استطاعوا. قال الزرقاني بعد أن أورد قصة صبيغ: والدّبرة بفتحات ثلاث هي قرحة الدّابّة في أصل الوضع اللّغويّ والمراد هنا أنه صيّر في ظهره من الضّرب جرحا داميا كأنّه قرحة في دابّة [!]، ورضي الله عن عمر فإنّ هذا الأثر يدلّ على أن ابن صبيغ فتح أو حاول أن يفتح باب فتنة بتتبعه متشابهات القرآن يكثر الكلام فيها ويسأل الناس عنها(2) . وقال في مناهل العرفان أيضا: ثم إن كلامهم بهذه الصورة (الكلام في متشابه الصفات) فيه تلبيس على العامّة وفتنة لهم فكيف يواجهونهم به ويحملونهم عليه وفي ذلك ما فيه من الإضلال وتمزيق وحدة الأمّة الأمر الذي نهانا القرآن عنه والذي جعل عمر يفعل ما يفعل بصبغ أو بابن صبيغ وجعل مالكا يقول ما يقول ويفعل ما يفعل بالذي سأله عن الاستواء(3) . وقال السيوطي في الإتقان: وأخرج الدارمي عن عمر بن الخطّاب قال إنه سيأتيكم ناس يجادلونكم بمشتبهات القرآن فخذوهم بالسّنن فإنّ اصحاب السّنن أعلم بكتاب الله. فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن المتشابه مما لا يعلمه إلا الله وأن الخوض فيه مذموم(4) .

وقال الآلوسيّ بعد أن أورد قصة صبيغ مع عمر: ويدلّ هذا أنّ الرّجل لم يكن سليم القلب، وأنّ سؤاله لم يكن طلبا للعلم وإلاّ لم يصنع به عمررضي‌الله‌عنه ما صنع(5) .

وأقول: بناء على قول الآلوسيّ يحق للمسلمين أن يحمدوا الله تعالى على أن أشرك معه عمر بن الخطّاب في علم النيّات والاطّلاع على القلوب! فقد اطلع عمر على قلب صبيغ وعلم أن نيّته لم تكن سليمة.

____________________

(1) الأنساب، السمعاني، ج 1 ص 451.

(2) مناهل العرفان في علوم القرآن، الزرقاني، ج 2 ص 207.

(3) مناهل العرفان ج 2 ص 210.

(4) الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، ج 2 ص 9.

(5) روح المعاني، الآلوسيّ، ج 27 ص 2.


وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى( أَمّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ) : وهذه الآية تعمّ كلّ طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران. وقال قتادة في تفسير قوله تعالى:( فَأَمّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ) إن لم يكونوا الحروريّة وأنواع الخوارج فلا أدرى من هم. قلت: قد مرّ هذا التّفسير عن أبي أمامة مرفوعا وحسبك. السّادسة قوله تعالى( فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ) قال شيخنا أبو العبّاس رحمة الله عليه: متبعو المتشابه لا يخلو أن يتّبعوه ويجمعوه طلبا للتّشكيك في القرآن وإضلال العوامّ كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن، أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك، أو يتّبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها أو كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال. فهذه أربعة أقسام.. (إلى أن قال).. أن صبيغ بن عسل قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء فبلغ ذلك عمررضي‌الله‌عنه فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعدّ له عراجين من عراجين النّخل، فلمّا حضر قال له عمر: من أنت قال أنا عبد الله صبيغ فقال عمررضي‌الله‌عنه : وأنا عبد الله عمر. ثمّ قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه ثمّ تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه فقال حسبك يا أمير المؤمنين فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي قد اختلفت الروايات في أدبه وسيأتي ذكرها في الذّاريات ثمّ إن الله تعالى ألهمه التّوبة وقذفها في قلبه فتاب وحسنت توبته(1) .

هذا مع أنهم قد رووا أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يسأل عن تفسير الآية فيفسرها، ومن السائلين عمر بن الخطّاب نفسه! قال السيوطي: وأخرج مالك في الموطأ وأحمد وعبد بن حميد والبخاريّ في تاريخه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن

____________________

(1) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ج 4 ص 13.


المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والآجري في (الشريعة) وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه واللالكائي والبيهقي في (الأسماء والصفات) عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطّاب سئل عن هذه الآية( وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ ) .. الآية، فقال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سئل عنها فقال: إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال الرجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال: إنّ الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنّة حتّى يموت على عمل من أعمال أهل الجنّة فيدخله الله الجنة، وإذا خلق العبد للنّار استعمله بعمل أهل النّار حتّى يموت على عمل من أعمال أهل النّار فيدخله الله النار(1) .

إذا، سئل عنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمحضر عمر ولم يعنف السائل ولا جلده بجريد النخل!

قال السيوطي: وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في الإيمان عن عمر بن الخطّاب قال: الجبت السّاحر والطّاغوت الشّيطان(2) .

وهذه بعض أخبار عمر وهو يجيب السائلين عن آيات القرآن بغير ما أجاب به صبيغ بن عسل التميمي:

نقل السيوطي عن الطبري عن أبي محمد رجل من أهل المدينة قال سألت عمر بن الخطّاب عن قوله( وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ ) قال: سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما سألتني فقال: خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه ثم أجلسه

____________________

(1) الدر المنثور، ج 3 ص 601.

(2) الدر المنثور ج 2 ص 564.


فمسح ظهره بيده اليمنى فأخرج ذرا فقال: ذرء ذرأتهم للجنة. ثم مسح ظهره بيده الأخرى - وكلتا يديه يمين - فقال ذرء ذرأتهم للنار يعملون فيما شئت من عمل ثم أختم بأسوأ أعمالهم فأدخلهم النار(1) . وهذا يعني أن عمر نفسه سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنها ولم يضربه بجريد النخل؟!).

وفي تفسير الطبري: قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث عن ابن شهاب أنّ أنس بن مالك حدّثه أنّه سمع عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه يقول: قال الله( وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ) كلّ هذا قد علمناه فما الأب؟ ثم ضرب بيده ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف. اتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب قال عمر: وما يتبين فعليكم به وما لا فدعوه. وقال آخرون: الأبّ الثّمار الرطبة(2) ..

قال الشّوكانيّ: وقد أخرج مالك في الموطّأ وأحمد في المسند وعبد بن حميد والبخاريّ في تاريخه وأبو داود والتّرمذي وحسه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه وأبو الشّيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في (الأسماء والصفات) والضياء في (المختارة): أنّ عمر بن الخطّاب سئل عن هذه الآية( وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ ) الآية فقال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسأل عنها فقال: إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله النار(3) .

____________________

(1) الدر المنثور، ج 3 ص 600.

(2) تفسير الطبري ج 12 ص 451.

(3) فتح القدير، الشوكانيّ، ج 2 ص 383.


قال الشّوكانيّ في تفسير قوله تعالى( وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ) : قرأ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه :( الّذِينَ اتّبَعُوهُم ) محذوف الواو وصفا للأنصار على قراءته برفع الأنصار فراجعه في ذلك زيد بن ثابت فسأل أبي بن كعب فصدق زيدا فرجع عمر عن القراءة المذكورة(1) .

أقول:

أليس هو القائل كما في تفسير القرطبي: من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت(2) ؟!

قال الشّوكانيّ: وأخرج وكيع وأبو سعيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطّاب أنّه كان يقرأ - صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالّين(3) .

قال السيوطي في الدّرّ المنثور(4) : وأخرج ابن جرير وأبو الشّيخ عن محمّد بن كعب القرظيّ قال مرّ عمر (برجل يقرأ: السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار، فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ قال أبيّ بن كعب. قال: لا تفارقني حتّى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال نعم. قال وسمعتها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال نعم. قال: لقد كنت أرى أنّا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا!! فقال أبيّ: تصديق ذلك في أوّل سورة الجمعة( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) ، وفي سورة الحشر( وَالّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ) ، وفي الأنفال( وَالّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنكُمْ ) . وأخرج أبو الشّيخ عن أبي أسامة ومحمّد بن إبراهيم التيميّ قالا: مرّ عمر بن الخطّاب برجل وهو يقرأ والسابقون الأوّلون... وأورد رواية الحاكم!

____________________

(1) فتح القدير، الشّوكانيّ، ج 2 ص 577.

(2) تفسير القرطبي، ج 18 ص 20.

(3) فتح القدير، الشوكانيّ، ج 1 ص 38.

(4) الدر المنثور السيوطي، ج 3 ص 269.


آيات منسوخة التلاوة!!

قالوا: لم يبين هنا هل جعل لهن سبيلا أو لا ولكنه بين في مواضع أخر أنه جعل لهن السبيل بالحد كقوله في البكر الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما وقوله في الثّيب الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم، لأن هذه الآية باقية الحكم كما صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه وأرضاه وإن كانت منسوخة التلاوة(1) .

أقول:

ومنسوخ التّلاوة من أعجب ما يلاقيه الباحثون؛ وههنا كلام آخر في هذا المعنى، أوردوه تصحيحا منهم لما يذهب إليه عمر من نسخ التلاوة. قال القرطبي في تفسيره: فقد كان الكلام مباحا في الصلاة وقد روي في هذه القصة أنه كان مما يقرأ أفرأيتم اللاّت والعزى ومناة الثالثة الأخرى والغرانقة العلا وإنّ شفاعتهن لترتجى. روي معناه عن مجاهد. وقال الحسن أراد بالغرانيق العلا الملائكة، وبهذا فسر الكلبي الغرانقة أنّها الملائكة، وذلك أنّ الكفّار كانوا يعتقدون أن الأوثان والملائكة بنات الله كما حكى الله تعالى عنهم وردّ عليهم في هذه السورة بقوله( أَلَكُمُ الذّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى ) فأنكر الله كل هذا من قولهم ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح. فلما تأوله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم ولبس عليهم الشيطان بذلك نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما سبيلا للتلبيس كما نسخ كثير من القرآن ورفعت تلاوته(2) .

قال الشّوكانيّ: وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: قرأ عمر بن الخطّاب هذه الآية( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ثم قال لي:

____________________

(1) أضواء البيان، ج 1 ص 229.

(2) تفسير القرطبي، ج 12، ص 85.


ادع لي رجلا من بني مدلج قال عمر: ما الحرج فيكم؟ قال: الضيق(1) .

وقال: أخرج مالك والشافعي والبخاريّ ومسلم وابن حبّان والبيهقيّ في سننه عن عمر بن الخطّاب قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستمتعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكدت أساوره في الصلاة! فتصبّرت حتّى سلّم فلبّبته بردائه(2) فقلت: من أقرأك هذه السّورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت: كذبت فإن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أرسله، أقرئنا هشام. فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كذلك أنزلت، ثم قال: أقرئنا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كذلك أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه(3) .

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن المغيرة قال: سئل عمر بن الخطّاب عن (نسبا وصهرا) فقال: ما أراكم إلا وقد عرفتم النّسب وأما الصّهر: فالأختان والصّحابة(4) .

وعن ابن عبّاس أنّ عمر بن الخطّاب قام فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد أيّها الناس إنّ الله بعث محمّدا بالحقّ وأنزل عليه الكتاب فكان في ما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. ورجم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجمنا بعده فأخشى أن يطول بالنّاس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله(5) .

____________________

(1) فتح القدير، الشّوكانيّ، ج 3 ص 673.

(2) قال ابن منظور في لسان العرب (ج 1 ص 734) يقال لببت الرجل ولببته إذا جعلت في عنقه ثوبا أو غيره وجررته به والتلبيب مجمع ما في موضع اللبب من ثياب الرجل وفي الحديث أنه أمر بإخراج المنافقين من المسجد فقام أبو أيوب إلى رافع بن وديعة فلببه بردائه ثم نتره نترا شديداً.

(3) فتح القدير الشّوكانيّ، ج 4 ص 86.

(4) فتح القدير، الشّوكانيّ، ج 4 ص 118.

(5) صحيح البخاريّ ج 6 ص 2504، وصحيح مسلم ج 3 ص 1317 وصحيح ابن حبان ج 2 ص 154 وج 10 ص 273 وسنن النسائي الكبرى ج 4 ص 273 وج 4 ص 274 وسنن ابن ماجه ج 2 ص 853 وسنن البيهقي الكبرى ج 8 ص 210


وعن مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: قال عمر إيّاكم أن تهلكوا عن آية الرّجم أن يقول قائل لا أجد حدين في كتاب الله فقد رجم رسول الله ورجمنا والذي نفسي بيده لو لا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فإنا قد قرأناها(1) .

عن حذيفة قال: قال لي عمر بن الخطّاب: كم تعدون سورة الأحزاب؟ قلت: اثنتين أو ثلاث وسبعين قال: إن كانت لتقارب سورة البقرة [!] وإن كان فيها لآية الرجم(2) .

وأخرج البخاريّ في تاريخه عن حذيفة قال: قرأت سورة الأحزاب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنسيت منها سبعين آية ما وجدتها(3) . وأخرج أبو بعيد في الفضائل وابن الأنباري وابن مردويه عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مائتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم يقرّر منها إلا على ما هو الآن(4) .

قال الرازي: أما قوله تعالى( فَجاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) فقوله على استحياء في موضع الحال أي مستحيية قال عمر بن الخطّاب قد استترت بكم قميصها(5) .

قال الشّوكانيّ: وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وإسحاق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي في دلائله عن بجالة قال: مرّ عمر بن الخطّاب بغلام وهو يقرأ في المصحف النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم فقال يا غلام حكّها فقال: هذا مصحف أبي؛ فذهب إليه فسأله فقال: إنّه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق في الأسواق(6) .

____________________

وج 8 ص 212 وتلخيص الحبير ج 4 ص 51 وسنن الدارمي ج 2 ص 234 وسنن أبي داود ج 4 ص 144 ومسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 40.

(1) اختلاف الحديث، ج 1 ص 533.

(2) فتح القدير ج 4 ص 259 وكنز العمال ج 2 ص 203.

(3) التاريخ الكبير ج 4 ص 241.

(4) فتح القدير ج 4 ص 259.

(5) التفسير الكبير، الرازي، ج 24 ص 206.

(6) فتح القدير، الشّوكانيّ، ج 4 ص 372.


أقول: ومع ذلك فإنّ قوله وهو أب لهم لا توجد في مصحف القرآن الكريم الذي بين أيدي النّاس اليوم!

قال البغويّ: روى هارون بن عنترة عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية بكى عمررضي‌الله‌عنه فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما يبكيك يا عمر؟ فقال: أبكاني أنّا كنّا في زيادة من ديننا فأما إذا كمل فإنّه لم يكمل شيء قطّ إلاّ نقص قال: صدقت(1) .

أقول:

عجبا لهؤلاء المفسّرين أعماهم اسم عمر بن الخطّاب حتى غدوا يمجّدون الضّلال، وإلاّ فكيف يمكن أن ينقص شيء أكمله الله تعالى؟ وما هي هذه القوّة التي تتجاوز قوّة الله تعالى وقدرته وتنقص ما أكمله؟ وكيف يحتجّ الله تعالى على الخلائق يوم القيامة بدين ناقص؟!

قال الآلوسيّ: وأخرج مالك في الموطّأ وأحمد وعبد بن حميد والبخاريّ في التاريخ وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وخلق كثير عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه سئل عن هذه الآية( وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ.. ) الخ فقال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سئل عنها فقال: إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرّيّة فقال: خلقت هؤلاء للجنّة وبعمل أهل الجنّة يعملون ثمّ مسح ظهره فاستخرج منه ذريّة فقال: خلقت هؤلاء للنّار وبعمل أهل النّار يعملون فقال الرّجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال: إذا خلق العبد للجنّة استعمله بعمل أهل الجنّة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنّة فيدخله الله الجنّة؛ وإذا خلق العبد للنّاراستعمله بعمل أهل النّار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النّار، فيدخله الله تعالى النّار(2) ..

أقول:

هذا هو الأدب النبوي الشريف في إجابة السائلين، وكان على عمر أن يجيب صبيغا

____________________

(1) تفسير البغوي، ج 1 ص 10.

(2) روح المعاني، الآلوسيّ، ج 9 ص 103.


كما أجاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا السائل؛ بل كما أجاب عمر في هذه المرّة.

قال الآلوسيّ: ولا يأبى هذه الإشارة عند التأمل ما أخرجه الترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن مردويه وغيرهم عن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه قال لما نزلت( فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ ) قلت: يا رسول الله فعلام نعمل؟ على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كلّ ميسّر لما خلق له(1) .

قال الرازي: المسألة الثالثة روي أن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه كان يقرأ( وَالسّابِقُونَ الْأَوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ) فكان يعطف قوله الأنصار على قوله رحيم والسّابقون وكان يحذف الواو من قوله( وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ) ويجعله وصفا للأنصار. وروي أن عمر كان يقرأ هذه الآية على هذا الوجه، قال أبي: والله لقد أقرأنيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على هذا الوجه وإنك لتبيع القرظ يومئذ ببقيع المدينة، فقال عمررضي‌الله‌عنه : صدقت؛ شهدتم وغبنا وفرغتم وشغلنا ولئن شئت لتقولن نحن أوينا ونصرنا. وروي أنه جرت هذه المناظرة بين عمر وبين زيد بن ثابت واستشهد زيد بأبي بن كعب والتفاوت أن على قراءة عمر يكون التعظيم الحاصل من قوله والسّابقون الأولون مختصا بالمهاجرين ولا يشاركهم الأنصار فيها فوجب مزيد التعظيم للمهاجرين والله أعلم وروي أن أبيّا احتجّ على صحّة القراءة المشهورة بآخر الأنفال وهو قوله( وَالّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا ) بعد تقدّم ذكر المهاجرين والأنصار في الآية الأولى وبأواسط سورة الحشر وهو قوله( وَالّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ) وبأوّل سورة الجمعة وهو قوله( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) (2) .

وقال الغرناطيّ في التّسهيل: وقرأ عمر بن الخطّاب فامضوا إلى ذكر الله، وهذا تفسير للسعي فهو بخلاف السعي في قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا نودي للصلاة فلا تأتونها وأنتم

____________________

(1) روح المعاني، الآلوسيّ، ج 12 ص 147.

(2) التفسير الكبير، الرازي، ج 16 ص 136.


تسعون(1) . وقال: سأل عمر بن الخطّاب جماعة من الصّحابةرضي‌الله‌عنه عن معنى هذه السّورة فقالوا إن الله أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتسبيح والاستغفار عند النّصر والفتح وذلك على ظاهر لفظها، فقال لابن عبّاس بمحضرهم: يا عبد الله ما تقول أنت؟ قال: هو أجل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعلمه الله بقربه إذا رأى النصر والفتح. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما علمت(2) .

أقول: هذا حجّة على عمر بخصوص ما جرى بينه وبين صبيغ، فإنّه لا يمكن أن يجوز لعمر ما لا يجوز لصبيغ وهما تابعان لدين واحد؛ فكما جاز لعمر أن يسأل عن معنى الآية يجوز لغير عمر ذلك أيضا، والمسلمون سواسية كأسنان المشط. وفي هذا وأمثاله لا تنفع عمر بن الخطاب تأويلات المتأوّلين وتعديلات المعدّلين.

وينفرد عمر بن الخطاب في قراءة الفاتحة أيضا، علما أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقرؤها مرات كل يوم، فمهما اختلف المسلمون لا يعقل أن يختلفوا في شيء يسمعونه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ست مرّات كل يوم(3) . أخرج وكيع وأبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي داود وابن الأنباري كلاهما في المصاحف من طرق عمر بن الخطّاب أنّه كان يقرأ: (صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين)(4) .

قال السّيوطيّ: وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن حبان عن عمر بن الخطّاب قال إن الله بعث محمّدا بالحقّ وأنزل معه الكتاب فكان في ما أنزل عليه آية الرّجم فرجم ورجمنا بعده؛ ثمّ قال: قد كنا نقرأ ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم وأخرج الطيالسي وأبو عبيد والطبراني عن عمر بن الخطّاب قال كنا نقرأ في ما نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم ثم قال لزيد بن ثابت أكذلك يا زيد؟ قال نعم.

____________________

(1) التسهيل لعلوم التنزيل، ج 4 ص 119.

(2) التسهيل لعلوم التنزيل، ج 4 ص 221.

(3) ست مرات هي مواضع الجهر بالفاتحة يوميا، صلاة الصبح وصلاة المغرب وصلاة العشاء.

(4) قاله السيوطي في الدر المنثور، ج 1 ص 40..


وأخرج ابن عبد البر في التمهيد من طريق عدي بن عدي بن عمير بن قزوة عن أبيه عن جده عمير بن قزوة أن عمر بن الخطّاب قال لأبي: أوليس كنا نقرأ في ما نقرأ من كتاب الله غن انتفاءكم من آبائكم كفر بكم؟ فقال: بلى؛ ثم قال: أوليس كنا نقرأ الولد للفراش وللعاهر الحجر في ما فقدنا من كتاب الله؟ فقال أبي: بلى! وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن الأنباري عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر لعبد الرّحمن بن عوف: ألم تجد في ما أنزل علينا أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة؟ فإنّا لا نجدها! قال: أسقطت من القرآن. وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عمر قال: لا يقولنّ أحدكم قد أخذت القرآن كلّه ما يدريه ما كلّه؟ قد ذهب منه قرآن كثير! ولكن ليقل قد أخذت ما ظهر منه(1) .

أقول:

اختلط على عمر ما كان يقرأه من التّوراة وما كان يسمعه من التّنزيل فانفرد بآيات لا هي قرآن محض ولا هي توراة صرفة، ولو صحّ شيء مما يقوله لما غاب ذلك عن باب مدينة العلم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عمر بن الخطّاب أنه خطب فقال: إنّ من آخر القرآن نزولا آية الربا، وإنّه قد مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يبيّنه لنا! فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم(2) .

أقول: قال الله تعالى( أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ ) وقال عمر بن الخطّاب: مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يبيّنه لنا.

قال الآلوسي: قال عمر بن الخطّاب: قلت: يا رسول الله أي جمع يهزم؟ فلمّا كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول الله في آثارهم مصلتا بالسّيف وهو يقول: سيهزم الجمع ويولّون الدّبر، فكانت ليوم بدر(3) .

____________________

(1) الدر المنثور، السيوطي، ج 1 ص 258.

(2) الدر المنثور، السيوطي، ج 2 ص 104.

(3) روح المعاني، الآلوسي، ج 27 ص 73.


أقول:

إن صحّ كلام عمر فهو يعني أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن في العريش!

قالوا: واختلف في معنى الطاغوت فقال عمر بن الخطّاب وغيره: هو الشيطان وقيل هو الساحر وقيل الكاهن وقيل الأصنام(1) .

أقول: يحتاج قول عمر إلى مزيد من الدقّة في البيان، فغن الله تعالى يقول:( شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) .

وكان (أي عمر) لا يفهم معنى قوله تعالى( أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى‏ تَخَوّفٍ ) فوقف به فتى فقال: إنّ أبي يتخوّفني حقّي؛ فقال عمر: الله أكبر(2) .

لماذا ينتظر عمر حتى يأتي هذا الفتى ويفهمه معنى التّخوف؟ لماذا لم يسأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ لعلّه كان مشغولا عن ذلك بالصّفق في الأسواق كما شهد به هو على نفسه. وقد ذكر الثعالبي القصّة مرّة أخرى في موطن آخر من تفسيره فقال: روي أنّ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه خفي عليه معنى التخوف في هذه الآية وأراد الكتب إلى الأمصار يسأل عن ذلك فيروى أنه جاءه فتى من العرب فقال: يا أمير المؤمنين إنّ أبي يتخوفنى مالي فقال عمر الله اكبر.

وأنت ترى أنّه يريد أن يكتب إلى الأمصار في معنى التخوف ويحاسب صبيغا على سؤاله الصّحابة عن قوله تعالى والذّاريات ذروا.

قال الداودي: بينما عمر بن الخطّاب بطريق مكّة ليلا إذا ركب مقبلين من جهة فقال لبعض من معه: سلهم من أين اقبلوا؛ فقال له أحدهم: من الفجّ العميق يريد البلد العتيق. فأخبر عمر بذلك فقال: أوقعوا في هذا قل لهم: فما أعظم آية في كتاب الله وأحكم آية في كتاب الله وأعدل آية في كتاب الله وأرجى آية في كتاب الله وأخوف آية في كتاب الله؟ فقال له قائلهم: أعظم آية في كتاب الله آية الكرسي، وأحكم آية في كتاب الله (إن

____________________

(1) تفسير الثعالبي، ج 1 ص 203.

(2) تفسير الثعالبي، ج 1 ص 16.


الله يأمر بالعدل والإحسان، وأعدل آية في كتاب الله (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) وأرجى آية في كتاب الله( إِنّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ) وأخوف آية في كتاب الله (من يعمل سواء يجز به) فأخبر عمر بذلك فقال لهم عمر: أفيكم ابن أمّ عبد؟ فقالوا: نعم، وهو الذي كلّمك. قال عمر كنيف(1) ملئ علما آثرنا به أهل القادسية على أنفسنا(2) !

يقول عمر بن الخطاب عن عبد الله بن مسعود كنيف والكنيف في لغة العربية معلوم(3) !!.

قال الثعالبي: قرأ عمر بن الخطّاب وغيره قل هو الله الواحد الصمد(4) .

وقال ابن كثير: وروى أنس عن عمر بن الخطّاب أنه قرأ على المنبر (وفاكهة وأبا) فقال: هذا الفاكهة قد عرفناها فما الأبّ؟ ثمّ رجع إلى نفسه فقال: إنّ هذا لهو التّكلّف يا عمر(5) .

هكذا تساءل صبيغ بن عسل فقال: ما هي الذاريات؟ تماما كما تساءل عمر بن الخطّاب فقال ما هو الأب؟ وما على عمر من بأس أن يتساءل ثم يتراجع عن تساؤله ويصفه بالتكلّف، أمّا صبيغ فيكلّفه تساؤله مائتا سوط بجريد النخل على القدر المتيقن وفق ما ذكرته الرّوايات.

قال البخاري: قال عمر بن الخطّاب يوما لأصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في من ترون هذه

____________________

(1) لفظ الكنيف في لغة العرب يدل على مكان مستقذر، ولا يحقّ لمن يدافع عن عدالة جميع الصّحابة أن يسكت ههنا لمجرّد أن القائل هو عمر.

(2) تفسير الثعالبي، ج 4 ص 434.

(3) في المغرب في ترتيب المعرب ج 2 ص 235، الكنيف المستراح، وفي المعجم الوسيط ج 1 ص 381 المستراح: الكنيف أو بيت الخلاء. وفي تاج العروس ج 24 ص 336: ومنه سمّي المرحاض كنيفا وهو الذي تقضى فيه حاجة الإنسان كأنّه كنف في أستر النواحي. وفي المطلع على أبواب المقنع ج 1 ص 11: الخلاء ممدودا المكان الذي تقضي فيه الحاجة عن الجوهري وسمي بذلك لأنه يتخلى فيه أي ينفرد وقال أبو عبيد يقال لموضع الغائط الخلاء والمذهب والمرفق والمرحاض ويقال له أيضا الكنيف للاستشار فيه وكل ما ستر من بناء وغيره فهو كنيف وفي المصباح المنير ج 2 ص 542) والكنف الساتر ويسمى الترس كنيفا لأنه يستر قاضي الحاجة والجمع كنف.

(4) تفسير الثعالبي، ج 4 ص 450.

(5) مختصر ابن كثير، ج 1 ص 5.


الآية نزلت( أَيَوَدّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مِن نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ) ؟ قالوا: الله أعلم فغضب عمر فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم! فقال ابن عبّاس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك. فقال ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه : ضربت مثلا بعمل قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عبّاس: لرجل غني يعمل(1) ..

وعن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا عمر بن الخطّاب (فقال: إني لعلّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم(2) ..

أقول: نعم الآمر الناهي من كان كذلك!

ويكفي ألاّ يعجب السؤال عمر كيما يضرب السائل بالدرة. فعن ابن سيرين قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطّاب فسأله عن آية فكرهه فضربه بالدرة فسأله آخر عن هذه الآية:( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً ) ثم قال: مثل هذا فاسألوا ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنّها في تزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز(3) .

وعن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطّاب سئل عن هذه الآية:( وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى‏ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُوا بَلَى‏ ) الآية فقال عمر بن الخطّاب: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سئل عنها فقال: إن الله خلق آدم عليه السلام ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية(4) ..

لماذا لم يضرب عمر الرّجل السائل كما ضرب صبيغا؟ أليسا على دين واحد لهما

____________________

(1) صحيح البخاري ج 4 ص 1650 والمستدرك على الصحيحين ج 3 ص 625 وإعلام الموقعين ج 1 ص 185 و تفسير ابن كثير ج 1 ص 320 وتفسير البغوي ج 1 ص 253 وتفسير السمعاني ج 1 ص 271 وتفسير الطبري ج 3 ص 76 وتفسير القرطبي ج 3 ص 318 وروح المعاني ج 3 ص 38 ومعاني القرآن ج 1 ص 294 والإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 346.

(2) مختصر ابن كثير، ج 1 ص 191.

(3) مختصر ابن كثير، ج 1 ص 322.

(4) سنن أبي داود ج 4 ص 226 وصحيح ابن حبان ج 14 ص 37 وسنن الترمذي ج 5 ص 266 وسنن النسائي الكبرى ج 6 ص 347 والأحاديث المختارة ج 1 ص 407 والتفسير الكبير ج 15 ص 39 والدر المنثور ج 3 ص 601 وموارد الظمآن ج 1 ص 447.


نفس الحقوق وعليهما نفس الواجبات؟!

وقال سفيان الثوري عن عمر بن الخطّاب في قوله:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ بَدّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً ) قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. وكذا رواه حمزة الزيات عن عمرو بن مرة قال: قال ابن عبّاس لعمر بن الخطّاب: يا أمير المؤمنين هذه الآية:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ بَدّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: هم الأفجران من قريش أخوالي وأعمامك. فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر وأما أعمامك فأملى الله لهم(1) .

قال ابن عاشور: وقد سأل عمر بن الخطّاب أهل العلم عن معاني آيات كثيرة ولم يشترط عليهم أن يرووا له ما بلغهم في تفسيرها عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (2) .

وفي صحيح البخاريّ وغيره أن عمر بن الخطاب قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ في الصلاة سورة الفرقان في حياة رسول الله، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله، فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم فلبّبته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله. فقلت: كذبت فإن رسول الله أقرأنيها على غير ما قرأت(3) !

أقول:

كاد عمر يساوره في الصّلاة، وقال له كذبت، وتبيّن فيما بعد أن الرجل كان صادقا ولم يثبت أنّ عمر اعتذر إليه! وتراه يلبّب كلّ من يخالفه حتى لو كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويتصور أنّ كلّ ما غاب عنه باطل لا أصل له، ويتّهم الصّحابة في القرآن الكريم وكأنّه قيّم عليه، ومع ذلك فهو أحد الذين تنتهي إليهم القراءات العشر.

____________________

(1) مختصر ابن كثير، ج 2 ص 425.

(2) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 1 ص 14.

(3) صحيح البخاري ج 4 ص 1923 وصحيح البخاري ج 6 ص 2744 وصحيح مسلم ج 1 ص 561 وسنن الترمذي ج 5 ص 193 وسنن النسائي المجتبى ج 2 ص 151 والتمهيد لابن عبد البر ج 8 ص 272.


وفي صحيح البخاري وموطإ مالك وغيرهما عن عمر أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يسير في بعض أسفاره أي منصرفه من الحديبية ليلا وعمر بن الخطّاب يسير معه فسأله عمر بن الخطّاب عن شيء فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه فقال: عمر ثكلت أمّ عمر نزرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك. قال عمر: فحركت بعيري وتقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في القرآن فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن فجئت رسول الله فسلمت عليه فقال: لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ( إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ) (1) .

هذا مبلغ ظن عمر بنفسه، يخشى أن ينزل فيه قرآن، وفيه إفحام لمن يحبّون أن يظهروا عمريّين أكثر من عمر نفسه.

في الصحيح عن ابن عبّاس قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطّاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجا فخرجت معه فلما رجع ببعض الطريق قلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على رسول الله من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة وساق القصة بطولها(2) .

وروى عبدالرزاق عن ابن سيرين قال: كان عمر بن الخطّاب إذا قرأ (يبين الله لكم أن تضلوا) قال من بينت له في الكلاله فلم تبين لي(3) .

قال النحاس: وقرأ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه القيّام(4) .

وقال الزركشي: وقوى هذا الوجه عن الشعبي عن قرظة بن كعب قال لما

____________________

(1) صحيح البخاري ج 4 ص 1531 وصحيح البخاري ج 4 ص 1829 وصحيح البخاري ج 4 ص 1915 و موطأ مالك ج 1 ص 203 وصحيح ابن حبان ج 14 ص 320 وسنن الترمذي ج 5 ص 385 ومسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 31 والتمهيد لابن عبد البر ج 3 ص 263 والاستذكار ج 2 ص 495.

(2) التحرير والتنوير، ج 1 ص 4475.

(3) تفسير الصنعاني، ج 1 ص 178.

(4) معاني القرآن، النحاس، ج 1 ص 260.


خرجنا إلى العراق خرج معنا عمر بن الخطّاب يشيعنا فقال إنكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل فلا تشغلوهم بالأحاديث فتصدوهم جرّدوا القرآن. قال فهذا معناه أي لا تخلطوا معه غيره(1) .

أقول:

أين الضّرر في أن يتعلم المسلمون حديث نبيّهم ويسجّلوه قبل أن يقدم العهد ويموت من المحدّثين من يموت وينسى من ينسى. وكيف يكون فقيها من يعرف القرآن الكريم ولا يعرف من الحديث شيئا؟! ولو أنّ الصّحابة رووا وحدّثوا كلّ ما سمعوا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا نسدّت الأبواب في وجوه الوضّاعين؛ لكن عمر بن الخطاب له نظرته الخاصة في كل شيء وهو دائما على حقّ.

قال المقري في الناسخ والمنسوخ: وأما ما نسخ خطّه وبقي حكمه فمثل ما روي عن عمر بن الخطّاب (أنّه قال لو لا أن أخشى أن يقول النّاس قد زاد عمر في القرآن ما ليس فيه لكتبت آية الرّجم وأثبتّها في المصحف و والله لقد قرأناها على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا ترغبوا عن آبائكم فانّ ذلك كفر بكم الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من الله والله عزيز حكيم(2) .

العجيب في هذه القصة هو إجماع الصحابة على ترك آية قرأوها على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا بناء على قول عمر لقد قرأناها على عهد رسول الله؛ فإنّ يكونوا تركوها بأمر من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا معنى لكلام عمر، وإن يكونوا تركوها بدون أمر من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينفتح عليهم باب واسع للنقد بخصوص نقل القرآن الكريم.

قال المقري: وأما ما نسخ خطه وبقي حكمه فمثل ما روي عن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه أنه قال لو لا أن أخشى أن يقول الناس قد زاد عمر في القرآن ما ليس فيه لكتبت آية الرجم وأثبتها في المصحف ووالله لقد قرأناها على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا ترغبوا

____________________

(1) البرهان في علوم القرآن، الزركشي، ج 1 ص 480.

(2) الناسخ والمنسوخ، المقري، ج 1 ص 21.


عن آبائكم فان ذلك كفر بكم الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم فهذا منسوخ الخط ثابت الحكم(1) .

وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه سمع عبد الله بن عباس يقول: قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الله قد بعث محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف(2) .

قال السيوطي: وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن الأنباري عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف ألم تجد فيما أنزل علينا إن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة فإنا لا نجدها قال أسقطت من القرآن(3) . وهذا يعني أن قرآن قريش أسقط منه شيء كثير؟ والخبر نفسه يرويه ابن عساكر بزيادة؛ قال: أخبرناه أعلى من هذا بأربع درجات أبوبكر بن المزرفي (نا) أبو الحسين بن المهتدي (نا) عيسى بن علي (أنا) عبد الله بن محمد نا دواد بن عمرو (نا) نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر بن الخطاب لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد في ما أنزل الله جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة؟ قال: بلى. قال: فإنّا لا نجدها. قال: أسقطت في ما أسقط من القرآن. قال: أتخشى أن يرجع الناس كفارا؟ قال: ما شاء الله! قال: لئن رجع الناس كفارا ليكوننّ أمراؤهم بني فلان ووزراؤهم بني فلان!

قالوا (في رواية عن عائشة): ثم جاء أبوبكر يستأذن فقال ما لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يا عائشة؟ فقلت: أغمي عليه منذ ساعة. فكشف عن وجهه فوضع فمه بين عينيه ووضع

____________________

(1) الناسخ والمنسوخ للمقري ج 1 ص 21.

(2) صحيح مسلم، ج 3 ص 1317.

(3) الدر المنثور، السيوطي، ج 1 ص 258. والإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 68 وكنز العمال ج 2 ص 240.


يديه على صدغيه وقال: وانبياه! واخليلاه! صدق الله ورسوله قال الله تعالى (إنك ميت وإنهم ميتون) وقال (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون) (كل نفس ذائقة الموت) ثم غطّاه وخرج فقال: ألا من كان يعبد محمّدا فإن محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت قال الله عزوجل (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون كل نفس ذائقة الموت) فقال عمر: يا أبا بكر أفي كتاب الله هذا؟! قال: نعم(1) .

يسأل عمر بن الخطاب أبابكر بن أبي قحافة: يا أبا بكر أفي كتاب الله هذا؟!.

قال عمر بن الخطاب فيما يرويه ابن حبان: إنما أتخوف أحد رجلين إما رجل يرى أنه أحق بالملك من صاحبه فيقاتله أو رجل يتأول القرآن. في كتاب الله الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم. ألا فلا تهلكوا عن آية الرجم فقد رجم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجمنا معه، ولو لا أنيقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي، فقد قرأناها بكتاب الله(2) .

أقول:

ولا تنقضي عجائب قرآن عمر بن الخطاب.

قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن شيبان حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال ما سمعت عمر بن الخطاب يقرؤها إلاّ فامضوا إلى ذكر الله(3) .

إذا سمع عمر بن الخطاب قراءة تخالف قراءته يتّهم القارئ، ويلبّبه ويعنّفه؛ لكنه لا يبالي أن يخالف هو جميع الصحابة بقراءة لا توجد في أي مصحف!

وعن ابن أبي مليكة أنّ عمر بن الخطّاب (تلا هذه الآية (أيود أحدكم أن تكون له

____________________

(1) مسند إسحاق بن راهويه، ج 3 ص 727.

(2) الثقات، ابن حبان، ج 2 ص 239.

(3) السنن الكبرى، البيهقي، ج 3 ص 227.


جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات إلى هاهنا فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت) فسأل عنها القوم وقال: فيم ترون أنزلت أيود أحدكم أن تكون له جنة؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم؛ فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم! فقال: ابن عباس: في نفسيشيء منها يا أمير المؤمنين..(1) .

أقول:

حينما يسأل صبيغ عن معنى آية قرآنيّة يستحقّ الجلد بجريد النّخل، وينكّل به بما يفوق حدّ الزّاني ح لكن حينما يسأل عمر لا حرج ولا تثريب، لأنّ ثقافة الكرسي قضت أن يكون للدّين حكمان في واقعة واحدة، حكم خاصّ بالسّلطان وحكم لبقية المسلمين!.

وروى عبد الرزاق عن معمر بن جدعان عن يوسف بن مهران أنه سمع بن عباس يقول: أمر عمر بن الخطّاب مناديا فنادى أن الصلاة جامعة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيّها الناس لا تخدعنّ عن آية الرّجم فإنّها قد نزلت في كتاب الله عزّ وجلّ وقرأناها ولكنّها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وآية ذلك أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد رجم وأنّ أبا بكر قد رجم ورجمت بعدهما؛ وإنّه سيجيء قوم من هذه الأمّة يكذّبون بالرّجم ويكذّبون بطلوع الشّمس من مغربها، ويكذّبون بالشّفاعة، ويكذّبون بالحوض، ويكذبون بالدّجال، ويكذّبون بعذاب القبر، ويكذبون بقوم يخرجون من النّار بعد ما أدخلوها(2) .

أقول: ههنا كلمة خطيرة هي قوله: قرآن كثير ذهب مع محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ثمّ إنّ في هذا الكلام ما يفنّد مزاعم السّلفيين الذين يكذّبون بالشّفاعة.

وأخرج سفيان وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن

____________________

(1) المستدرك، الحاكم النيسابوري، ج 3 ص 542 و 543.

(2) مصنف عبد الرزاق ج 7 ص 330 رقم 13364.


المنذر والبيهقي عن عكرمة قال كان عمر بن الخطّاب يقرؤها ولا يضارر كاتب ولا شهيد يعني بالبناء للمفعول(1) .

عن سالم بن عبد الله قال كان عمر (يقرؤها فامضوا إلى ذكر الله(2) .

قال ابن حجر: وفي الموطّأ عن مالك أنّه سأل ابن شهاب عن هذه الآية فقال كان عمر يقرؤها إذا نودي للصلاة فامضوا وكأنّه فسّر السّعي بالذّهاب. قال مالك: وإنّما السّعي العمل لقول الله تعالى (وإذا تولى سعى في الأرض) وقال (وأما من جاءك يسعى) قال مالك: وليس السّعي الاشتداد(3) .

وفي نفس الباب قال ابن تيمية: وقد قرأ عمر بن الخطّاب فامضوا إلى ذكر الله فالسّعي المأمور به إلى الجمعة هو المضيّ إليها والذّهاب إليها(4) .

قال ابن تيمية: وعن ابن عبّاس أنّ عمر بن الخطّاب كان إذا أدخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه، فدخل ذات يوم فقرأ، فأتى على هذه الآية (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) إلى آخر الآية فانتعل وأخذ رداءه ثم أتى إلى أبي بن كعب فقال: يا أبا المنذر أتيت قبل على هذه الآية الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وقد نرى أنا نظلم ونفعل! فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا ليس بذلك يقول الله (أنّ الشّرك لظلم عظيم) إنّما ذلك الشّرك(5) .

أليس هو أحد المفسرين الكبار؟ فلم يذهب إلى أبيّ بن كعب وهو أعلم منه وأفضل؟

ومرّ (عمر) يوما بشاب من فتيان الأنصار وهو ظمآن، فاستسقاه، فجدح له ماء بعسل فلم يشربه، وقال: إن الله تعالى يقول (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) فقال له الفتى:

____________________

(1) الدر المنثور، السيوطي، ج 2 ص 122.

(2) تفسير الطبري ج 28 ص 100.

(3) فتح الباري، ابن حجر، ج 2 ص 390.

(4) مجموع الفتاوى، ج 22 ص 260.

(5) مجموع الفتاوى، ج 7، ص 328.


يا أمير المؤمنين، إنها ليست لك ولا لأحد من هذه القبيلة، اقرأ ما قبلها (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) فقال عمر: كل النّاس أفقه من عمر(1) .

عمر والتوراة

قال الرّازيّ: روي أنّ عمر بن الخطّاب قال يا رسول الله إن أناسا من أهل الكتاب يحدّثوننا بما يعجبنا فلو كتبناه فغضب النبي وقال أمتهوّكون أنتم يا ابن الخطّاب كما تهوّكت اليهود؟! قال الحسن متحيّرون متردّدون. أما والذي نفسي بيده لقد أتيتكم بها بيضاء نقيّة. وفي رواية أخرى قال عند ذلك إنّكم لم تكلّفوا أن تعملوا بما في التّوراة والإنجيل وإنّما أمرتم أن تؤمنوا بهما وتفوّضوا علمهما إلى الله تعالى وكلّفتم أن تؤمنوا بما أنزل عليّ في هذا الوحي غدوة وعشيا. والذي نفس محمّد بيده لو أدركني إبراهيم وموسى وعيسى لآمنوا بي واتّبعوني. فهذا الخبر يدلّ على أنّ الثّبات على هذا الدّين واجب وعدم التّعلّق بغيره واجب، فلا جرم مدحهم الله في هذه الآية بذلك فقال من أهل الكتاب أمّة قائمة(2) .

وفي الطبقات: أخرج الدّارمي عن جابر انّه قال: إنّ عمر بن الخطّاب أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنسخة من التّوراة فقال يا رسول الله هذه نسخة من التّوراة فسكت، فجعل يقرأ ووجه رسول الله يتغيّر فقال له أبو بكر: ثكلتك الثّواكل، ما ترى ما بوجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فنظر عمر إلى وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: أعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّد نبيّا. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : والذي نفسي بيده لو بدا لكم موسى فاتّبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السّبيل، ولو كان حيّا وأدرك نبوّتي لاتّبعني(3) .

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 1 ص 182.

(2) لتفسير الكبير، الرازي، ج 8 ص 164 - 165.

(3) طبقات ابن سعد، ج 2 ص 41.


وفي مصنف ابن أبي شيبة: أخرج عبد الرزّاق عن الشعبي عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر فقال يا رسول الله إنّي مررت بأخ لي من يهود من قريظة (فكتب لي) وكتب لي جوامع من التّوراة قال أفلا أعرضها عليك؟ قال فتغيّر وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال عبد الله: مسخ الله عقلك! أما ترى ما بوجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال عمر: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمّد رسولا. قال: فسري عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قال: والذي نفسي بيده لو أصبح في كم موسى فاتّبعتموه وتركتموني لضللتم، إنّكم حظّي من الأمم وأنا حظّكم من النبيّين(1) .

مثل هذا الحديث في النّهاية في غريب الحديث، وفي مجمع الزوائد وجمع الفوائد من جامع الأصول، ومجمع الزوائد، ودلائل النّبوّة(2) . فالذي لا شك فيه أنّ الصّحابيّ عمر بن الخطّاب كان له أخ من يهود، كما صرّح به هو نفسه غير مكره، وكان يهتمّ بالتّوراة الموجودة عند اليهود وهو الذي مات ولم يحفظ القرآن، مع أنّه قد تنزّل الوحي مرارا يخبر مؤكّدا بتحريف أهل الكتاب لكتابهم، ولو أنّ عمر استشار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل أن يفعل لكان معذورا، لكن يبدو أنّه لم يكن يرى أنّ عليه أن يستشير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى في ما يتعلق بالدّين، فكيف يكون حينما يخلو له الجوّ وما من معترض!

هذا عمر يقول عن اليهودي أخ لي من قريظة.. والقرءان الكريم يهتف:( لاَ يَتّخِدِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِيْ شَيْ‏ءٍ إِلّا أَنْ تَتّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ) (آل عمران 28).

ألم ينه القرءان الكريم عن اتخاذهم أولياء؟ وعمر يصرح بأنه أخ له من يهود:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنّصَارَى‏ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلّهُم

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة ج 10 ص 313 - 314.

(2) النّهاية في غريب الحديث رقم 2825 ومجمع الزوائد ج 1 ص 174 الطبعة 2 القاهرة 1967) جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد 1 42 رقم الحديث 150 ط مؤسسة علوم القرءان بيروت) ودلائل النّبوّة ج 1 ص 50 نشر مكتبة التّراث الإسلامي حلب 1970).


مِنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ ) (المائدة 51).

ألم ينه القرءان الكريم عن اتخاذ بطانة منهم؟( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتّخِذُوا بِطَانَةً مِن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدّوا مَا عَنِتّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِن أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِيْ صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبّونَهُمْ وَلاَ يُحِبّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنّا وَإِذَا خَلَوْا عَضّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبُروا وَتَتّقُوا لاَ يَضُرّكُمْ كَيْدُكُمْ شَيْئاً إِنّ اللّهَ بِمَا يَعْلَمُونَ مُحِيطٌ ) (1) .

وقال تعالى:( وَدّت طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلّونَكُمْ وَمَا يُضِلّونَ إِلّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) (آل عمران 69).

ألم يخبر القرءان الكريم أن اليهود أعداء المؤمنين؟( لَتَجِدَنّ أَشَدّ النّاسِ عَدَاوَةً لِلّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالّذِينَ أَشْرَكُوا ) المائدة 82.

ألم يخبر أنهم يحرّفون الكلم عن مواضعه، بل أخبر سبحانه وتعالى أنّهم ماهرون في فنّ التّحريف ولبس الحقّ بالباطل.

( وإِنّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى‏ اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران 78)

( فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمّا ذُكّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطّلِعُ عَلَى‏ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ ) (المائدة 13)

يتوالى نزول القرءان الكريم يحذّر من كيد اليهود في الدّين، ولكنّ ذلك كلّه لا

____________________

(1) آل عمران 118 - 120.


يمنع الصّحابيّ عمر من البقاء معهم وحضور مجالسهم التي لم تكن تخلو من المؤامرات على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين.( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتّخِذُوا الّذِينَ اتّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوا وَلَعِباً مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ) . (المائدة 57).

والقرءان الكريم قد وجّه من المطاعن والتّأنيب والتّوبيخ إلى اليهود ما لم يوجّهه إلى أحد من الأمم المذكورة فيه، وليس ذلك إلاّ لأنّ الكفر قد رسخ في هم حتّى أصبح دينهم. وماذا يتوقّع عمر من التّوراة الموجودة عند اليهود؟ أليس في القرءان قوله تعالى( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمّا جَاءَكَ مِنَ الحَقّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَلكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) (المائدة 48)؟

وفي شعب الإيمان عن الزّهريّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عبّاس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله عزّ وجلّ على نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحدث الأخبار تقرؤونه محضا لم يشب؟ ثمّ يخبركم الله في كتابه أنّهم قد غيّروا كتاب الله وبدّلوه وكتبوا الكتاب بأيديهم ثمّ قالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا! ألا ينهاكم العلم الذي جاءكم عن مسألتهم؟ والله ما رأينا رجلا منهم قطّ سألكم عمّا أنزل الله إليكم. وعن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس قال يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم أحدث الأخبار بالله تقرؤونه فذكر نحوه. رواه البخاريّ في الصحيح عن يحيى بن بكير وعن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد وقد روينا عن مجالد عن الشّعبيّ عن جابر بن عبد الله عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن عمر أتاه فقال: إنا نسمع أحاديث من اليهود تعجبنا أفترى أن نكتب بعضها فقال أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنّصارى؟! لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة ولو كان موسى حيّا ما وسعه إلاّ اتّباعي. قال أبو عبيد وحدّثنا معاذ


عن ابن عون عن الحسن يرفعه نحو ذلك. وقال قال ابن عون فقلت للحسن: متهوكون قال متحيّرون. وعن الشّعبيّ عن جابر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنّهم لن يهدوكم وقد ضلّوا. زاد القاضي في روايته والله لو كان موسى عليه السّلام حيّا ما حلّ له إلاّ أن يتّبعني. وروي عن جبير بن نفير عن عمر بن الخطّاب عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في محو ما كتب من قول اليهود بريقه والنّهي عن ذلك(1) .

أقول:

إنّ هذا السّلوك قد انفرد به عمر، ومع أنّ سلمان الفارسيّ قد عرف أحبار اليهود ورهبانهم من قريب، واطّلع على كثير من أخبارهم المتعلّقة بالتّوراة وغيرها إلا أنّنا لا نراه يحضر مجالسهم، ولا يهتمّ بتوراتهم ولا يذكر للنّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ ما يعود على المسلمين بالفائدة. نعم إنّه يسأل، لكن يسأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال السيوطي في الخصائص: أخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال أتى رسول الله بيت المدراس فقال أخرجوا إليّ أعلمكم فقالوا عبد الله بن صوريا فخلا به رسول الله فناشده بدينه وبما أنعم الله به عليهم وأطعمهم من المنّ والسّلوى وظلّلهم به من الغمام أتعلم أنّي رسول الله قال اللّهم نعم وإنّ القوم ليعرفون ما أعرف وإنّ صفتك ونعتك لمبيّن في التّوراة ولكنّهم حسدوك. قال فما يمنعك أنت؟ قال: أكره خلاف قومي وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم(2) .

وبعد هذا، هل توقّف الأمر عند هذا الحدّ بحيث أعرض عمر عن التّوراة المحرّفة وأهل الكتاب؟

عمر والصلاة

قال الرازي: المسألة الرابعة عشرة إذا ثبت أن قراءة الفاتحة شرط من شرائط الصلاة فله

____________________

(1) شعب الإيمان، البيهقي، ج 1 ص 200 / رقم 175. دار الكتب العلمية بيروت 1410 هـ.

(2) الخصائص الكبرى، السيوطي، ج 1 ص 29.


فروع. الفرع الأول: قد بينا أنه لو ترك قراءة الفاتحة أو ترك حرفا من حروفها عمدا بطلت صلاته، أمّا لو تركها سهوا قال الشافعي في القديم: لا تفسد صلاته؛ واحتج بما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن قال صلّى بنا عمر بن الخطّاب (المغرب فترك القراءة [!] فلمّا انقضت الصلاة قيل له: تركت القراءة. قال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا حسنا! قال فلا باس. قال الشّافعيّ فلما وقعت هذه الواقعة بمحضر من الصّحابة كان ذلك إجماعا (!)(1) ح ورجع الشّافعيّ عنه في الجديد وقال: تفسد صلاته لأن الدّلائل المذكورة عامّة في العمد والسّهو، ثم أجاب عن قصّة عمر من وجهين: الأوّل أنّ الشعبيّ روى أن عمر أعاد الصلاة، والثاني أنّه لعلّه ترك الجهر بالقراءة لا نفس القراءة. قال الشافعي: هذا هو الظن بعمر(2) !

أقول:

لكنّ الصّحابة المعترضين على عمر لم يقولوا له تركت الجهر بالقراءة وإنما قالوا تركت القراءة! فتكلموا عن أصل القراءة لا عن الجهر. ولو كان عمر أسرّ القراءة لقال لهم بكلّ بساطة: إنّي قرأت وإنّما تركت الجهر بالقراءة لكنّه أقرّهم على ما قالوا، فدلّ هذا على موافقته عليه؛ غير أنّ الشّافعيّ ومن على نهجه من مدرسة المصوّبين مولعون بتبرير أعمال عمر مهما بلغت.

وفي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله قال: جاء عمر يوم الخندق فجعل يسبّ كفّار قريش ويقول: يا رسول الله ما صلّيت العصر حتى كادت الشّمس أن تغيب فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وأنا والله ما صلّيتها بعد؛ قال: فنزل إلى بطحان فتوضأ وصلّى العصر بعد ما غابت الشّمس، ثمّ صلّى المغرب بعدها(3) .

أقول:

وأنت ترى أنّ عمر في هذه القصّة كان أحرص على الصّلاة في وقتها من رسول

____________________

(1) [كأنّ الصحابة جميعا يوحى إليهم فردا فردا].

(2) التفسير الكبير، فخر الدين، ج 1 ص 177.

(3) صحيح البخاري ج 1 ص 321. الحديث رقم 903.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإن عمر صلّى العصر قبل أن تغيب الشّمس، وصلاّها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد ما غابت الشمس!

وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى قال كنا عند عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه فأتاه رجل فقال يا أمير المؤمنين إنا نمكث الشّهر والشّهرين لا نجد الماء. فقال عمر: أمّا أنا فلو لم أجد الماء لم أكن لأصلّي حتّى أجد الماء؛ فقال عمار بن ياسر: أتذكر يا أمير المؤمنين حيث كنا بمكان كذا وكذا ونحن نرعى الإبل فتعلمأنا أجنبنا؟ قال: نعم. فأما أنا فتمرغت في التراب فأتينا النبي فقال إن كان الصعيد لكافيك وضرب بكفيه الأرض ثم نفخ فيهما ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه فقال اتق الله يا عمار فقال يا أمير المؤمنين إن شئت لم أذكره فقال: لا ولكن نوليك من ذلك ما توليت(1) .

وإلى ذلك أشار الغرناطي في التسهيل قال: ولا يجوز التيمم للجنب وقد قال بذلك عمر بن الخطّاب(2) ، والثعالبي حيث قال في تفسيره: قال عمر بن الخطّاب وغيره لا يتيمّم الجنب البتّة بل يدع الصّلاة حتى يجد الماء(3) .

أقول: هذا مع أن القرآن الكريم يقول: فتيمّموا، وآية التيمم واضحة ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى‏ حَتّى‏ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتّى‏ تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَرْضَى‏ أَوْ عَلَى‏ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمّمُوا صَعِيداً طَيّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً )(4) . وليت الثعالبي جاء باسم واحد حين قال وغيره.

وقال ابن كثير: قال سفيان الثوري: قرأ عمر بن الخطّاب سورة مريم فسجد وقال: هذا السجود فأين البكي؟ يريد البكاء(5) .

____________________

(1) تفسير الطبري ج 5 ص 113 وسنن النسائي الكبرى ج 1 ص 133 وسنن النسائي المجتبى) ج 1 ص 168.

(2) التسهيل لعلوم التنزيل ج 1 ص 143.

(3) تفسير الثعالبي ج 1 ص 449.

(4) النساء: 3.

(5) مختصر ابن كثير، ج 2 ص 648. قال ابن كثير: رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.


أقول: إنّما يكون البكاء حين تخشع القلوب.

قال الزمخشري: وروي أن مجمع بن حارثة كان إمامهم في مسجد الضرار فكلّم بنو عمرو بن عوف أصحاب مسجد قباء عمر بن الخطّاب في خلافته أن يأذن لمجمع فيؤمّهم في مسجدهم فقال: لا ولا نعمة عين، أليس بإمام مسجد الضّرار؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا تعجل علي فو الله لقد صلّيت بهم والله يعلم أنّي لا أعلم ما أضمروا فيه، ولو علمت ما صلّيت معهم فيه؛ كنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا شيوخا لا يقرؤون من القرآن شيئا! فعذره وصدّقه وأمره بالصلاة بقومه(1) .

أقول: يعذر إمام مسجد الضّرار الذي نزل قرآن بذمّه ولا يعذر صبيغ بن عسل الذي كان سيدا شريفاً في قومه قبل أن يعامله بتلك الطريقة.

وقال ابن عاشور في تفسيره: روي أنّ عمر بن الخطّاب أطال صلاة الضّحى يوما فقيل له: صنعت شيئاً لم تكن تصنعه؟ فقال: إنّه بقي عليّ من وردي شيء فأحببت أن أقضيه وتلا قوله تعالى( وَهُوَ الّذِي جَعَلَ الّيْلَ وَالنّهَارَ خِلْفَةً ) الآية(2) .

وفي صلاة الضحى هذه كلام. ففي الجمع بين الصحيحين عن مورق العجلي قال: قلت لابن عمر تصلّي الضحى؟ قال: لا. قلت: فعمر؟ قال لا. قلت: فأبوبكر؟ قال: لا. قلت: فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال: لا أخاله. وليس لمورق العجلي في صحيح البخاريّ عن ابن عمر غير هذا الحديث(3) . وهناك بحث مفصّل عند وللسّيوطي بحث مفصل بعنوان جزء في صلاة الضحى(4) .

وعن محمد بن سيرين قال: كان عمر بن الخطاب قد اعتراه نسيان في الصلاة، فجعل رجل خلفه يلقّنه فإذا أومأ إليه أن يسجد أن يقوم فعل(5) .

____________________

(1) الكشّاف، الزمخشري، ج 1 ص 504.

(2) التحرير والتنوير، ج 1 ص 2984.

(3) الجمع بين الصحيحين، الحميدي، ج 2 ص 294 رقم 1490.

(4) طالع الحاوي للفتاوي، ج 1 ص 59 إلى 73.

(5) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ج 3 ص 286.


أقول:

لقد كان أولى به في هذه الحال أن ينيب غيره يصلّي بالناس. ويبقى تصوّر المشهد محيّرا، لأنّه إذا كان الرّجل خلفه فكيف يومئ إليه وعمر ينظر أمامه؟!

وعن يحيى بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمر بن الخطّاب أنّه صلّى صلاة العشاء فاستفتح آل عمران فقرأ الم الله لا اله إلاّ هو الحيّ القيّوم فقرأ في ركعة بمائة آية، وفي الثانية بالمائة الباقية(1) .

أقول:

أهل العلم من شتى المذاهب على خلاف هذا، فقد رووا أنّ معاذ بن جبل قام فصلّى العشاء فطوّل فقال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفتان أنت يا معاذ!(2) . بل إنّ عمر نفسه يقول لا تبغضوا الله إلى عباده يكون أحدكم إماما في طوّل عليهم ما هم فيه(3) .

وأخرج البيهقيّ من طريق سفيان الثوريّ عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير أنّ عمر بن الخطّاب قنت بعد الركوع فقال بسم الله الرحمن الرحيم اللهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك. بسم الله الرحمن الرحيم اللّهمّ إيّاك نعبد، ولك نصلّي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى نقمتك إن عذابك بالكافرين ملحق(4) .

وعن عمر بن الخطّاب أنه قرأ في صلاة المغرب بمكة والتين والزيتون وطور سينين ثم رفع صوته فقال: وهذا البلد الأمين(5) .

قال الزرقاني: وقد قرأ عمر بن الخطّاب في الركعة الأولى من الصبح بالكهف وفي

____________________

(1) معاني القرآن، ج 1 ص 340.

(2) صحيح ابن حبان ج 6 ص 160 وصحيح ابن خزيمة ج 3 ص 51 وسنن البيهقي الصغرى ج 1 ص 323 وسنن البيهقي الكبرى ج 3 ص 85 ومسند الشافعي ج 1 ص 56 ومصنف ابن أبي شيبة ج 1 ص 315 ومسند الحميدي ج 2 ص 524.

(3) مصنف ابن أبي شيبة، ج 5 ص 321.

(4) الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، ج 1 ص 178.

(5) الإتقان في علوم القرآن، ج 1 ص 298.


الثانية بيوسف(1) .

وفي كتاب الصلاة من صحيح البخاري باب عنوانه: باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وما يكره من الصلاة في القبور ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال: القبر القبر. ولم يأمره بالإعادة(2) .

وفي سنن البيهقي الكبرى عن قابوس بن أبي ظبيان أن أباه حدّثه قال: مر عمر بن الخطاب في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فركع ركعة واحدة ثم انطلق فلحقه رجل فقال يا أمير المؤمنين ما ركعت إلا ركعة واحدة! قال: هو التطوّع، فمن شاء زاد ومن شاء نقص. رواه الشّافعيّ عن بعض أصحابه عن سفيان الثوري عن قابوس(3) . قال الجصّاص بخصوص هذه القصّة مدافعا عن عمر: فإن قيل قد روي عن أبي الدّرداء وجابر أنّهما كانا لا يريان بالإفطار في صيام التّطوع بأسا وأنّ عمر بن الخطّاب دخل المسجد فصلّى ركعة ثمّ انصرف فتبعه رجل فقال: يا أمير المؤمنين صلّيت ركعة واحدة! فقال: هو التّطوّع فمن شاء زاد ومن شاء نقص، قيل له: قد روينا عن ابن عبّاس وابن عمر إيجاب القضاء على من أفطر في صيام التّطوّع، وأمّا ما روي عن أبي الدّرداء وجابر فليس فيه نفي القضاء وإنّما فيه إباحة الإفطار، وحديث عمر يحتمل أن يريد به من دخل في صلاة يظنّ أنّها عليه ثمّ ذكر أنّها ليست عليه أنّها تكون تطوّعا وجائز أن يقطعها ولم يجب عليه القضاء(4) .

أقول:

انظر - رحمك الله - إلى هذا الفقيه الفاضل يتكلّم على لسان عمر بما لم يخطر على بال عمر. فكلام عمر صريح في أنّه لا فرق بين الواحدة والاثنتين والثلاث.. في التّطوّع،

____________________

(1) مناهل العرفان، الزرقاني، ج 1 ص 248.

(2) صحيح البخاري ج 1 ص 165.

(3) السنن الكبرى، البيهقي، ج 3، ص 24.

(4) أحكام القرآن، الجصاص، ج 1 ص 298.


ولم يقل إنّي كنت دخلت في الصّلاة وأنا أظنّ أنّها عليّ - أي واجبة - ثمّ ذكرت أن ليس عليّ صلاة فقطعتها. لم يقل عمر شيئا من هذا، لكنّ الفقيه الفاضل قوّله حتى لا ينسب إلى عمر التّسامح في قضيّة الصلاة؛ وهنا يقال له: هل صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّة واحدة ركعة واحدة على النحو الذي قام به عمر؟ وعلى فرض أن صلاة عمر تشبه صلاة الوتر، هل صلّى الوتر منفردة بحيث لم يصلّ قبلها شيئا؟!

قال النووي: وقد قرأ عمر بن الخطّاب في الركعة الأولى من الصبح بالكهف وفي الثانية بيوسف وقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف(1) .

أقول:

يهتمّون بما في صلاة عمر من رعاية ترتيب المصحف ولا يهتمّون بما فيه من المشقّة والحرج، فإنّ قراءة الكهف ويوسف جميعا في الصّلاة تأخذ أكثر من نصف ساعة، وفي المأمومين الكبير والمريض والمرضع..، وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على خلاف هذا؛ ففي صحيح البخاريّ عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري عن أبيه قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي لأقوم إلى الصّلاة وأنا أريد أن أطوّل فيها فأسمع بكاء الصّبيّ فأتجوّز في صلاتي كراهية أن أشقّ على أمّه(2) . وقد مرّ بك قول عمر نفسه لا تبغضوا الله إلى عباده يكون أحدكم إماما في طوّل عليهم ما هم فيه(3) . وروى الطبراني عن محمد بن سعيد بن عبد الملك عن المغيرة بن شعبة قال: قال عثمان بن أبي العاص وكان شابّا: وفدنا على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوجدني أفضلهم أخذا للقرآن وقد فضلتهم بسورة البقرة فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قد أمّرتك على أصحابك وأنت أصغرهم، فإذا أممت قوما فأمّهم بأضعفهم، فإنّ وراءك الكبير والصّغير والضّعيف وذا الحاجة؛ وإذا كنت مصدّقا فلا تأخذ الشّافع وهي الماخض ولا الرّبى ولا فحل الغنم وحزرة الرجل هو أحقّ بها منك.

____________________

(1) التبيان في آداب حملة القرآن، النووي، ج 1 ص 37.

(2) صحيح البخاريّ، ج 1 ص 296 الحديث رقم 830.

(3) مصنف ابن أبي شيبة، ج 5 ص 321.


ولا تمسّ القرآن إلاّ وأنت طاهر، وأعلم أنّ العمرة هي الحجّ الأصغر، وأنّ عمرة خير من الدّنيا وما فيها وحجّة خير من عمرة(1) . ومع ذلك يصرّ عمر بن الخطاب على الإطالة في القراءة، ويخالف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قول في كتاب كتبه إلى عامله أبي موسى الأشعري صل الظهر حتى تزول الشمس وصل العصر والشمس حية بيضاء نقية وصل المغرب حتى تغيب الشمس أو حين تغرب الشمس وصل العشاء حين يغيب الشفق إلى نصف الليل الأوّل وإن ذلك سنّة. وأقم الفجر بسواد أو بغلس أو بسواد وأطل القراءة(2) . عبد الرزاق عن بن جريج قال أخبرني سليمان بن عتيق أن عمر بن الخطّاب قرأ في الصبح سورة آل عمران(3) .

أقول: وهو بهذا متعمد مخالفة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: فإذا أممت قوما فأمّهم بأضعفهم فإنّ وراءك الكبير والصّغير وذا الحاجة(4) ، وعمر يقول وأطل القراءة.

وعن ربيعة بن دراج أن علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه سبح بعد العصر ركعتين في طريق مكة فرآه عمررضي‌الله‌عنه فتغيظ عليه ثم قال أما والله لقد علمت أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عنها(5) .

وعن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطّاب (كان يعلم النّاس التّشهّد في الصّلاة وهو يخطب النّاس على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قول إذا تشهّد أحدكم فليقل بسم الله خير الأسماء التّحيات الزّاكيات الصّلوات الطّيبات لله السّلام عليك أيّها النّبي ورحمة الله وبركاته السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله. قال عمر: (ابدؤوا بأنفسكم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

(1) المعجم الكبير، الطبراني، ج 9 ص 44 رقم 8336.

(2) مسند الحارث زوائد الهيثمي، ج 1 ص 242 رقم 113.

(3) مصنف عبد الرزاق، ج 2 ص 115 رقم 2718.

(4) مجمع الزوائد، الهيثمي، ج 3 ص 74 والمعجم الكبير ج 9 ص 44 رقم 8336.

(5) مسند أحمد، ج 1، ص 17.


وسلّموا على عباد الله الصالحين). رواه محمد بن إسحاق بن يسار عن الزّهريّ وهشام بن عروة عن عروة عن عبد الرّحمن بن عبد القاري عن عمرو، ذكر فيه التّسمية وزاد وقدّم وأخر(1) .

أقول:

لاحظ في الرّواية حذف الصّلاة على محمّد وآل محمّد. ولا ينقضي العجب من قولهم يعلم الناس التّشهد في الصّلاة! أي يعلّمهم شيئا كانوا يمارسونه مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكثر من مرة في كل يوم. ونسي الراوي أن في ما يروي طعنا في الصّحابة ومدى قابليتهم لنقل الأمور البسيطة مما كانوا يفعلونه يوميا في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ لا يعقل أن يتشهد الناس في صلواتهم تسع مرّات كل يوم مدّة عشر سنين في الفرض دون النافلة، فيكون عدد التشهد الذي تلفظوا به 31860 مرة! ثمّ إذا بهم ينسون ذلك فجأة ويحتاجون إلى أن يعلّمهم إيّاه عمر بن الخطاب الذي لا ينسى! هذا مع أنّ التشهّد كلّه لا يتجاوز ثلاثة أسطر.

وعن يزيد بن شريك أنّه سأل عمر عن القراءة خلف الإمام فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب. قلت: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قلت: وإن جهرت؟ قال: وإن جهرت(2) .

وعن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أنّ عمر بن الخطّاب صلى الصبح بالناس ثم غدا إلى أرضه بالجرف فوجد في ثوبه احتلاما فقال: إنا لما أصبنا الودك لانت العروق فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه من الاحتلام وأعاد الصلاة(3) .

وعن أبي الزبير عن مكحول عن عمر بن الخطّاب أنه أوتر بثلاث ركعات لم يفصل بينهن بسلام(4) .

____________________

(1) السنن الكبرى، البيهقي، ج 2 ص 142.

(2) السنن الكبرى، البيهقي، ج 2 ص 167.

(3) السنن الكبرى، البيهقي، ج 1 ص 170.

(4) مصنف ابن أبي شيبة، ج 2 ص 90 رقم 6831.


وعن يحيى بن غسان المرادي عن عمرو بن ميمون أن عمر بن الخطّاب لم يقنت في الفجر(1) . وعن أبي الضحى عن سعيد بن جبير أن عمر كان لا يقنتفي الفجر. وعن وكيع قال حدثنا الأعمش عن إبراهيم أن عمر بن الخطّاب كان لا يقنت في الفجر(2) .

أقول:

مرة يقنت بسورة اسمها سورة الحفد لا وجود لها في المصحف

ومرة لا يقنت أصلا. ولهذا رووا في ما بعد عن وكيع قال سمعت سفيان يقول: من قنت فحسن ومن لم يقنت فحسن ومن قنت فإنما القنوت على الإمام وليس على من وراءه قنوت(3) . وإليك بعض روايات القنوت:

عن يحيى بن سعيد عن العوام بن حمزة قال سألت أبا عثمان عن القنوت فقال بعد الركوع فقلت عمن فقال عن أبي بكر وعثمان. وعن عوف عن أبي رجاء قال صليت مع بن عباس في مسجد البصرة صلاة الغداة فقنت بنا قبل الركوع. وعن مروان بن معاوية عن عوف قال ذكرت ذلك لأبي المنهال فحدثني عن أبي العالية عن بن عباس بمثله. وعن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان قال قنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعين صباحا في صلاة الصبح بعد الركوع. وعن عياش العامري عن ابن مغفل أن عمر وعليا وأبا موسى قنتوا في الفجر قبل الركوع. وعن مطرف عن أبي الجهم عن البراء أنه كان يقنت قبل الركعة. وعن يزيد بن أبي زياد قال حدثنا زيد بن وهب أن عمر بن الخطّاب قنت في صلاة الصبح قبل الرّكوع. وأبو عثمان النهدي قال صليت خلف عمر بن الخطّاب صلاة الصبح فقنت قبل الركوع.

وعن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عليا كان يقنت في صلاة

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة، ج 2 ص 101 تحت رقم 6962.

(2) مصنف ابن أبي شيبة، ج 2 ص 102 رقم 6972 و 6973.

(3) مصنف ابن أبي شيبة، ج 2 ص 105، رقم 7011.


الصبح قبل الركوع. وعن عطاء عن عبيد بن عمير قال صليت خلف عمر الغداة قال فقنت فيها قبل الركوع. وعن عطاء عن عبيد بن عمير عن عمر مثله. وعن سفيان عن نسير بن ذعلوق قال صليت خلف ربيع بن خثيم فقنت قبل الركعة. وعن وكيع قال حدثنا سفيان عن النعمان بن قيس قال صليت خلف عبيدة الفجر فقنت قبل الرّكعة(1) .

وعن وكيع بن الجراح قال حدثنا سفيان عن مخارق عن طارق بن شهاب أنه صلى خلف عمر بن الخطّاب الفجر فلما فرغ من القراءة كبر ثم قنت ثم كبر ثم ركع(2) .

حدثنا إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن الأسود قال كان عمر بن الخطّاب يقتل القملة في الصلاة حتى يظهر دمها على يده(3) .

عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر قال حدثنا محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطّاب صلى صلاة فلم يقرأ فيها فقيل له ذلك فقال أتممت الركوع والسجود قالوا نعم قال فلم يعد تلك الصلاة(4) .

أقول:

لم يعد عمر بن الخطاب الصلاة لأن الركوع في نظره يغني عن القراءة.

وروى عبد الرزاق عن بن جريج قال أخبرني عكرمة بن خالد أن عمر بن الخطّاب صلى العشاء الآخرة بالجابية فلم يقرأ فيها حتى فرغ فلما فرغ دخل فأطاف به عبد الرحمن بن عوف وتنحنح له حتى سمع عمر بن الخطّاب حسّه وعلم أنّه ذو حاجة فقال من هذا؟ قال: عبد الرحمن بن عوف. قال ألك حاجة؟ قال: نعم. قال: فادخل؛ فدخل فقال: أرأيت ما صنعت آنفا عهده إليك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم رأيته يصنعه؟ قال: وما هو؟ قال: لم تقرأ في العشاء. قال: أو فعلت؟ قال: نعم. قال فإني سهوت جهزت عيرا من الشام حتى قدمت المدينة قال من المؤذن فأقام الصلاة ثم عاد فصلى العشاء للناس فلما

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة، ج 2 ص 105 و 106. الأحاديث: 7012. إلى 7024.

(2) مصنف ابن أبي شيبة، ج 2 ص 107 رقم 7033.

(3) مصنف ابن أبي شيبة ج 2 ص 144 رقم 7478.

(4) مصنف عبد الرزاق ج 2 ص 122 رقم 2748.


فرغ خطب قال لا صلاة لمن لم يقرأ فيها. إن الذي صنعت آنفا إني سهوت إني جهزت عيرا من الشّام حتى قدمت المدينة فقسمتها(1) .

وعن جابر وابن عون عن الشعبي أنّ عمر صلى المغرب فلم يقرأ فأمر المؤذّن فأعاد الأذان والإقامة ثمّ أعاد الصلاة.

أقول:

أما إعادة الصّلاة فلا كلام فيها، وأما إعادة الأذان فما هو الوجه فيها؟! هل بطل الأذان الأول؟!

وروى عبد الرزاق أيضا عن مجاهد قال: مرّ عمر بن الخطّاب على ابن له وهو يصلّي ورأسه معقوص فجبذه حتى صرعه(2) .

أقول:

هذا مبلغ احترامه للصّلاة، لم ينتظره حتّى يفرغ من صلاته، بل عامله بعنف وهو في الصلاة وقد كان يكفيه أن يحدثه.

أمهم وهو جنب

وعن جابر عن القاسم بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطّاب أمّهم وهو جنب أو على غير وضوء فأعاد الصلاة ولم يعد من وراءه(3) .

أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا بن عيينة عن مسعر عن عمران بن موسى عن أبي الصعبة أن عمر بن الخطّاب قال لرجل وهو على المنبر يوم الجمعة هل اشتريت لنا وهل أتيت لنا بهذا وأشار بأنملة من أصابعه يعني حبا(4) .

وعن الأعمش عن مسيب بن رافع أنّ عمر بن الخطّاب قال: من اشتد عليه الحر

____________________

(1) مصنف عبد الرزاق، ج 2 ص 123 رقم 2752.

(2) مصنف عبد الرزاق ج 2 ص 184 رقم 2992.

(3) مصنف عبد الرزاق، ج 2 ص 348 رقم 3649.

(4) مصنف عبد الرزاق، ج 3 ص 216 رقم 5388.


يوم الجمعة في المسجد فليصلّ على ثوبه، ومن زحمه النّاس فليسجد على ظهر أخيه(1) .

لم يبيّن عمر إن كان سمع هذا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم أنه من اجتهاداته!

وعن يحيى بن سعيد قال اخبرني يوسف بن عبد الله بن سلام قال: أوّل من بدأ بالخطبة قبل الصّلاة يوم الفطر عمر بن الخطّاب لما رأى النّاس ينقصون فلما صلّى حبسهم في الخطبة(2) . ولم يثبت أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قدم الخطبة في العيد على الصلاة؛ ففي شرح الزركشي قوله: قد تضمن هذا الكلام أنّ خطبة العيد تكون بعد الصّلاة وهذا كالإجماع، وقد استفاضت به الأحاديث عن صاحب الشرّع وعن خلفائه الراشدين(3) .

وقال ابن مفلح: ويبدأ بالصلاة قبل الخطبة قال ابن عمر كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبوبكر وعمر وعثمان يصلون العيدين قبل الخطبة متفق عليه. فلو قدم الخطبة عليها لم يعتد بها قول الأكثر وكما لو خطب في الجمعة(4) . وفي المجموع.

ويستحب للناس استماع الخطبةوليست الخطبة ولا استماعها شرطا لصحة صلاة العيد لكن قال الشافعي لو ترك استماع خطبة العيد او الكسوف أو الاستسقاء أو خطب الحج أو تكلم فيها أو انصرف وتركها كرهته ولا إعادة عليه(5) . وفي روضة الطالبين: ولو خطب الإمام قبل الصلاة فقد أساء وفي الاعتداد بخطبته احتمال لإمام الحرمين. قلت الصواب وظاهر نصه في الأم أنه لا يعتد بها كالسنة الراتبة بعد الفريضة إذا قدمها والله أعلم.(6)

وثبت أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خيّر الناس بين البقاء والانصراف بعد الصّلاة.

وعن ضمرة بن سعيد قال سمعت عبيد الله بن عتبة يقول خرج عمر بن الخطّاب في

____________________

(1) مصنف عبد الرزاق، ج 3 ص 234 رقم 5469.

(2) مصنف عبد الرزاق، ج 3 ص 283 رقم 5644.

(3) شرح الزركشي، ج 1 ص 289.

(4) المبدع، ابن مفلح، ج 2 ص 183.

(5) المجموع، ج 5 ص 29.

(6) روضة الطالبين، ج 2 ص 74.


يوم عيد فسأل أبا واقد الليثي بأي شيء كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأ في الصلاة يوم العيد؟ فقال: بقاف واقتربت.

أقول: هذا مع أنّ عمر بن الخطاب صلى مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلاة العيد عشر سنين!!

وعن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه حضر عمر بن الخطّاب يوم الجمعة قرأ على المنبر سورة النّحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد النّاس معه حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى إذا جاء السجدة قال يا أيّها النّاس إنّما نمرّ بالسّجدة فمن سجد فقد أصاب وأحسن ومن لم يسجد فلا إثم عليه. قال: ولم يسجد عمر. قال بن جريج: وزادني نافع عن ابن عمر إنه قال لم يفرض السجود علينا إلا أن نشاء(1) .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عاصم بن كليب عن أبيه قال كان عمر يعجبه أن يقرأ سورة آل عمران في الجمعة إذا خطب(2) .

أقول:

سواء كانت القراءة على المنبر أم في الصلاة فإن سورة آل عمران تستغرق وقتا ليس بالقصير، وهو ما يشقّ على المصلّين، وعمر نفسه هو القائل لا تبغضوا الله إلى عباده..!

قال أبو رافع كان عمر كثيرا ما يقرأ سورة يوسف وسورة الأحزاب في الصبح فكان إذا بلغ يا نساء النبي رفع بها صوته فقيل له فقال أذكرهن العهد(3) .

قال ابن عبد البر: وبقول عائشة قال ابن عمر وغيره وهو مذهب زيد بن خالد الجهني أيضا لأنه رآه عمر بن الخطّاب يركع بعد العصر ركعتين فمشى إليه وضربه بالدرة فقال له زيد يا أمير المؤمنين اضرب فو الله لا أدعها بعد أن رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

(1) مصنف عبد الرزاق، ج 3 ص 341 رقم 5889.

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج 1 ص 450.

(3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 4 ص 381.


يصليهما فقال له عمر يا زيد لو لا أني أخشى أن يتخذها الناس سلما إلى الصّلاة حتى الليل لم أضرب في هما(1) .

أقول:

ولم يكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يضرب أحدا لا في مثل هذه الأمور ولا في غيرها، لعلمه بحرمة المسلم، وقصة كشفه بطنه للصّحابي في الحرب معلومة، وكذلك قصّة الأعرابي الذي بال في المسجد؛ ولو أنّ ذلك الأعرابي بال في المسجد على عهد عمر لنكّل به!

قال ابن حجر العسقلاني: قوله وقرأ عمر الخ وصله بن أبي شيبة من طريق أبي رافع قال: كان عمر يقرأ في الصّبح بمائة من البقرة ويتبعها بسورة من المثاني. والمثاني قيل ما لم يبلغ مائة آية أو بلغها(2) .

قال ابن تيمية:

وكان عمر بن الخطاب يقرأ في الفجر بسورة يونس ويوسف والنحل فمر بهذه الآية في قراءته فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف(3) .

وقد ذكروا أنّ علي بن أبي طالب عليه السلام كان أشبه الناس صلاة برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يكن يطول في الصلاة لا أصبح ولا غيرها؛ روى ابن أبي شيبة عن أبي إدريس قال صليت خلف على الصبح فقرأ بـ سبح اسم ربك الأعلى(4) .

وقال ابن حجر: كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة فإن مشى معه وإلا لم يصل عليه(5) .

وقال ابن تيمية: ويروى أنّ عمر بن الخطّاب لم يكن يصلّي على أحد حتى يصلي عليه حذيفة لئلا يكون من المنافقين الذين نهي عن الصّلاة عليهم(6) .

____________________

(1) الإجابة لما استدركت عائشة، ج 1 ص 84.

(2) فتح الباري ج 2 ص 256.

(3) مجموع الفتاوى ج 10، ص 184.

(4) مصنف ابن أبي شيبة، ج 1 ص 311 رقم 3558.

(5) فتح الباري ج 8 ص 338.

(6) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 7، ص 470.


الفصل الرابع

علم عمر بن الخطّاب



علم عمر

يفترض في عمر بن الخطاب أن يكون من أشدّ الناس اهتماما بالعلم، لأنه هو نفسه يروي في فضله ما يروي. فعنه أنه قال: إنّ الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبل تهامة فإذا سمع العلم وخاف واسترجع على ذنوبه انصرف إلى منزله وليس عليه ذنب، فلا تفارقوا مجالس العلماء فإنّ الله لم يخلق تربة على وجه الأرض أكرم من مجالس العلماء)(1) . لكنه اعترف هو نفسه أنّه شغله عن العلم الصفق بالأسواق! ومع ذلك فقد قالوا عن عمر بن الخطّاب عبقريّ، وقالوا أعلم الأمّة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر، مع أنه هو نفسه يخالفهم في ما يذهبون إليه ويصرّح أنّ كلّ النّاس أفقه منه. قال السّيوطي: وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى بسند جيد عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطّاب المنبر ثمّ قال: أيّها النّاس، ما إكثار كم في صداق النّساء وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه وإنّما الصّدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو مكرمة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم؛ ثمّ نزل فاعترضه امرأة من قريش فقالت له: يا أمير المؤمنين نهيت النّاس أن يزيدوا النّساء في صدقاتهنّ على أربعمائة درهم؟ قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل الله يقول( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنّ قِنطَاراً ) ؟ فقال: اللّهمّ غفرانك(2) . ويذكر الغرناطي في التّسهيل تتمّة الكلام فيقول: وقد استدلّت به المرأة على جواز المغالاة في المهور حين نهى عمر بن الخطّاب عن ذلك فقال عمررضي‌الله‌عنه امرأة أصابت ورجل أخطأ، كلّ النّاس أفقه منك يا عمر(3) .

أقول:

هذا رأي عمر في علمه وفقهه، وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز.

____________________

(1) تفسير الرازي، ج 1 ص 472.

(2) الدر المنثور، السيوطي، ج 2 ص 466.

(3) التسهيل لعلوم التنزيل، ج 1 ص 135.


قصة الكلالة

وقد رووا أنّه لما نزلت يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مسير له وإلى جنبه حذيفة بن اليمان فبلغها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حذيفة وبلّغها حذيفة عمر بن الخطّاب وهو يسير خلفه، فلما استخلف عمر سأل عنها حذيفة ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: والله إنّك لعاجز إن ظننت أنّ إمارتك تحملني أن أحدّثك ما لم أحدّثك يومئذ فقال عمر: لم أرد هذا رحمك الله(1) . وهذا الكلام من طرف حذيفة يكشف عن تقوى وورع لا يملك عمر إلاّ أن يتراجع أمامهما، فقد قال له حذيفة بالحرف إن ظننت أنّ إمارتك تحملني أن أحدّثك. وترجمته بلغة أصرح: إنّك عندي أميرا أو مأمورا بمنزلة سواء. وأخرج ابن جرير عن عمر قال: لأن أكون أعلم الكلالة أحبّ غلي من أن يكون لي جزية قصور الشّام. وأخرج ابن جرير عن الحسن بن مسروق عن أبيه قال: سألت عمر وهو يخطب النّاس عن ذي قرابة لي ورث كلالة فقال الكلالة، الكلالة، الكلالة، وأخذ بلحيته ثمّ قال: والله لأن أعلمها أحبّ إليّ من أن يكون لي ما على الأرض من شيء، سألت عنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصّيف، فأعادها ثلاث مرات(2) .

أقول:

وهذا يعني أنّ عمر بن الخطاب من الدنيا وهو يجهل الكلالة. فعن ابن سيرين قال: كان عمر بن الخطّاب إذا قرأ( يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلّوا ) قال اللّهمّ من بيّنت له الكلالة فلم تتبين لي(3) .

____________________

(1) تفسير الطبري ج 6 ص 42 والدر المنثور ج 2 ص 757.

(2) الدر المنثور، السيوطي، ج 2 ص 759.

(3) مصنف عبد الرزاق ج 10 ص 305 وتفسير الطبري ج 6 ص 45 وتفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1127 وفتح القدير ج 1 ص 544 والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 142 وكنز العمال ج 11 ص 36. وفي فتح القدير، ج 1 ص 820. وأخرج عبد الرّزاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن سيرين قال كان عمر بن الخطّاب إذا قرأ (يبين الله لكم أن تضلوا) قال: اللهم من بينت له الكلالة فلم تبين لي.


أقول:

يقول الله تعالى( وَلَقَدْ يَسّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُدّكِرٍ ) ، فالقرآن بلسان عربيّ مبين، ولا بيان أوضح من بيان الله تعالى، ولهذا لم يذكروا أنّ أشخاصا آخرين عجزوا عن فهم الكلالة؛ الوحيد الذي لم يفهمها ولم تتبيّن له هو عمر بن الخطّاب، وهو القرشيّ الفصيح، فما هو السرّ في ذلك؟! هذا الرّجل الذي يستشفّ الوحي قبل نزوله وينزل القرآن موافقا له إذا به يحجب عن السّماء ويعجز عن فهم أبسط قضيّة في المواريث.

قال الشنقيطي: وعمر لم يكن عنده علم بقضاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في دية الجنين حتى أخبره المذكوران قبل، ولم يكن عنده علم من أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجزية من مجوس هجر حتى أخبره عبد الرحمان بن عوف، ولا من الاستئذان ثلاثا حتى أخبره أبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري(1) .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن قبيصة بن جابر قال: حججنا زمن عمر فرأينا ظبيا فقال أحدنا لصاحبه أتراني أبلغه فرمى بحجر فما أخطأ حشاه فقتله، فأتينا عمر بن الخطّاب فسألناه عن ذلك وإذا إلى جنبه رجل يعني عبد الرحمن بن عوف فالتفت إليه فكلّمه، ثمّ أقبل على صاحبنا فقال: أعمدا قتله أم خطأ؟ قال الرجل: لقد تعمّدت رميه وما أردت قتله. قال عمر: ما أراك إلاّ قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدّق بلحمها وأسق إهابها يعني ادفعه إلى مسكين يجعله سقاء؛ فقمنا من عنده فقلت لصاحبي: أيّها الرجل، أعظم شعائر الله، والله ما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتّى شاور صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها فلعلّ ذلك؛ قال قبيصة وما أذكر الآية في سورة المائدة يحكم به ذوا عدل منكم، قال فبلغ عمر مقالتي فلم يفجأنا إلاّ ومعه الدرّة فعلا صاحبي ضرباً بها وهو يقول أقتلت الصّيد في الحرم وسفّهت الفتيا؟ ثم أقبل علي يضربني فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحلّ

____________________

(1) أضواء البيان، الشنقيطي، ج 1 ص 125.


لك منّي شيئا مما حرّم الله عليك. قال: يا قبيصة إنّي أراك شابّاً حديث السنّ فصيح اللّسان فسيح الصدر، وإنه قد يكون في الرجل تسعة أخلاق صالحة وخلق سيء فيغلب خلقه السيّء أخلاقه الصّالحة فإياك وعثرات الشّباب(1) .

أقول: إن يكن عمر صادقا في قوله (يغلب خلقه السيّء أخلاقه الصّالحة) فإنّه هو أوّل الضّحايا في ذلك، وقد شهد عليه من شهد من الصّحابة بسوء الخلق والغلظة والفظاظة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن أنّ عمر بن الخطّاب لم يكن يرى بأسا بلحم الصّيد للمحرم إذا صيد لغيره وكرهه علي بن أبي طالب(2) .

أقول: والنّاس أحرار في اختيار أحد القولين لكن عليهم ألاّ ينسوا أن أحد الرّجلين هو باب مدينة العلم والحقّ معه يدور معه حيث دار، وأنّ الثّاني مات ولم يعرف الكلالة!).

قال السّيوطي: وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشّيخ عن أبي الصّلت الثّقفي أنّ عمر بن الخطّاب قرأ هذه الآية( وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً ) بنصب الرّاء وقرأها بعض من عنده من أصحاب رسول الله حرجا بالخفض فقال عمر: ابغوني رجلا من كنانة واجعلوه راعيا ولكن مدلجيا؛ فأتوه به فقال له عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشّجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشيّة ولا شيء. فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير(3) .

قال الشّوكانيّ: وقد اختلف أهل العلم في ذلك إذا كان معلوم القدر يمكن الوقوف على حقيقته، وكلامهم مدوّن في كتب الفروع، والظّاهر من قوله (والسنّ بالسنّ) أنّه لا

____________________

(1) عمدة القاري ج 10 ص 162 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 100 والمحلى ج 7 ص 214 وتفسير الطبري ج 7 ص 48 والدر المنثور، ج 3 ص 191..

(2) الدر المنثور، ج 3 ص 200 وتفسير الطبري، ج 7 ص 71 وكنز العمال، ج 5 ص 101.

(3) الدرّ المنثور، السيوطي، ج 3 ص 356.


فرق بين الثّنايا والأنياب والأضراس والرّباعيّات وأنّه يؤخذ بعضها ببعض ولا فضل لبعض على بعض وإليه ذهب أكثر أهل العلم كما قال ابن المنذر وخالف في ذلك عمر بن الخطّاب ومن تبعه(1) .

قالوا: وكتب عمر بن الخطّاب إلى أبي عبيدة: أمّا بعد فإنّه بلغني أنّ نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمّامات مع نساء أهل الشّرك، فانه من قبلك عن ذلك، فإنّه لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلاّ أهل ملّتها(2) .

وعن ابن شهاب عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنّ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه خرج إلى الشّام فلمّا جاء سرغ بلغه أن الوباء قد وقع بالشّام فأخبره عبد الرّحمن بن عوف أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه)، فرجع عمر من سرغ(3) .

أقول: وهو حديث آخر من الأحاديث التي غابت عن عمر أو غاب عنها عمر.

وعن معدان بن أبي طلحة قال: خطب عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه فقال: إنّي لا أدع بعدي شيئا أهمّ عندي من الكلالة، ما راجعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي في الكلالة حتّى طعن بأصبعه في صدري وقال: (يا عمر، ألا تكفيك آية الصّيف التي في آخر سورة النساء؟) وإني إن أعش أقض فيها بقضيّة يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن(4) !

أقول:

في قوله (إنّي لا أدع بعدي شيئا أهمّ عندي من الكلالة) ما يدعو إلى العجب، فإنّ مسألة الكلالة قضية جزئية لم يقل أحد أنّها بلغت ذلك المستوى من الأهمّيّة! ولا

____________________

(1) فتح القدير، ج 2 ص 68.

(2) سنن البيهقي الكبرى، ج 7 ص 95 وتفسير ابن كثير، ج 3 ص 285 وروح المعاني، ج 18 ص 143 وفتح القدير، ج 4 ص 26 وكنز العمال، ج 16 ص 253 وحسن الأسوة، ج 1 ص 155 والدر المنثور ج 6 ص 183.

(3) تفسير البغوي، ج 1 ص 292.

(4) صحيح مسلم ج 1 ص 396 وج 3 ص 1236 ومسند الطياليسي ج 1 ص 11 ومسند أبي يعلى ج 1 ص 165 ومسند البزار ج 1 ص 444 والطبقات الكبرى ج 3 ص 336 وتفسير البغوي، ج 1 ص 178 ومختصر تاريخ دمشق ج 1 ص 2550 والتمهيد ج 5 ص 194.


خلاف بين المسلمين أنّ مسألة الخلافة أهمّ منها ومن غيرها، وهو نفسه يعلم ذلك.

ومن الأحاديث التي غابت عن عمر حديث عن أبي مصعب عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أنّ عمر بن الخطّاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرّحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب(1) .

قال البغوي: روي أنّ عمر بن الخطّاب قال لكعب الأحبار: خوّفنا! قال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبيّا لأتت عليك ساعات وأنت لا تهمّك إلاّ نفسك، وإنّ لجهنّم زفرة لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل منتخب إلاّ وقع جاثيا على ركبتيه حتّى إبراهيم خليل الرحمن يقول: يا رب لا أسألك إلاّ نفسي وإن تصديق ذلك: الذي أنزل الله عليكم( يَوْمَ تَأْتِي كُلّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نّفْسِهَا ) (2) .

أقول:

هذا الذي تحار له العقول، رجل صحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مكّة والمدينة وسمع الوحي فورا إثر نزوله، يسأل رجلا لم ير رسول الله طرفة عين، ولا زال ينهل من توراة شهد عليها القرآن الكريم بالتّحريف! وقد كان في وسع عمر بن الخطّاب أن يقول لكعب الأحبار: فأين أنت عن قوله تعالى( إِنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِنّا الْحُسْنَى‏ أُولئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ هذَا يَوْمُكُمُ الّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ.. ) (3) . لا يحزنهم الفزع الأكبر يا كعب، دع عنك التّوراة المحرّفة إن كنت أسلمت يا كعب.

____________________

(1) الموطأ، ج 1 ص 278 ومسند الشافعي، ج 1 ص 209 وتفسير البغوي ج 1 ص 33 ومسند عبد الرحمن بن عوف، ج 1 ص 80 ونصب الراية، ج 3 ص 174 وإرواء الغليل، ج 5 ص 88 والتمهيد، ج 2 ص 114 والاستذكار، ج 3 ص 241 وتنوير الحوالك، ج 1 ص 208 ومختصر المزني، ج 1 ص 446 والروضة الندية، ج 2 ص 345 وسبل السلام، ج 1 ص 202 وأحكام أهل الذّمة، ج 1، ص 81.

(2) تفسير البغوي، ج 1 ص 48.

(3) الأنبياء: 101 - 102، 103.


وأخرج الطّبراني وأبو نعيم في الحلية عن مغيث الأوزاعيّ أنّ عمر بن الخطّاب قال لكعب الأحبار: كيف تجد نعتي في التّوراة؟ قال: خليفة قرن من حديد أمير شديد لا يخاف في الله لومة لائم، ثمّ يكون من بعدك خليفة تقتله أمّة ظالمين له، ثمّ يقع البلاء بعده(1) .

أقول:

المقصود من هذا الحوار هو تصوير خلافة السّقيفة أنّها شرعيّة، وأنّ أبطالها مذكورون في التّوراة! وإلاّ فكيف خفي هذا عن كل اليهود الذين قرأوا التوراة واكتشفه كعب؟

وعن قتادة أن عمر بن الخطّاب قال لكعب: ألا تتحوّل إلى المدينة فيها مهاجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقبره فقال كعب: إنّي وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين أن الشام كنز الله من أرضه وبها كنزه من عباده(2) .

أقول:

فيه دعوة كعب إلى زيارة قبر النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو قول مفحم لأتباع ابن تيمية. وانظر إلى جواب كعب الأحبار ليس فيه ذرّة احترام لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إضافة إلى مخالفته للقرآن الكريم، فإنّ القرآن الكريم يقول عن الكعبة( إِنّ أَوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ ) (3) فمكّة قبل بيت المقدس، وليست المدينة دون مكّة فضلا وبركة، بما لها من دور في إيواء النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن معه، وترسيخ الإسلام والدّفاع عنه، كما أنّه قد نزل فيها قرآن كثير. ثمّ لاحظ إصرار كعب على الاستشهاد بكتاب الله المنزل! وسائل نفسك عن أيّ كتاب يتحدّث؟ إن كان يتحدّث عن القرآن فإنّ القرآن لا يصف الشّام بمثل حديث كعب، وقد ثبت أنّ حبيب الله ورسوله سبّ وشتم ولعن

____________________

(1) الخصائص الكبرى، ج 1 ص 54 وتاريخ الخلفاء، ج 1 ص 121.

(2) مصنف عبد الرزاق ج 11 ص 251 تفسير الطبري ج 9 ص 44 وتفسير البغوي ج 1 ص 35 وج 1 ص 329 والدر المنثور ج 3 ص 527 وكنز العمال ج 14 ص 145 وتاريخ دمشق ج 1 ص 121 وص 122 وص 123.

(3) آل عمران: 96.


على منابر الشّام ما يقرب من قرن من الزّمان. أمّا إن كان يتحدّث عن التّوراة - وهو على زعمهم قد أسلم - فإنّه ينبغي عليه نسيانها لأنّ القرآن شهد عليها بالتّحريف، ولو كان موسى بن عمران حيّا لما وسعه إلاّ أن يتّبع النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !

وعن أبي سعيد الخدري قال: سلّم عبد الله بن قيس(1) على عمر بن الخطّاب ثلاث مرات فلم يأذن له فرجع فأرسل عمر في أثره فقال: لم رجعت؟ قال: إنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إذا سلّم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع. قال عمر: لتأتينّ على ما تقول ببيّنة وإلاّ لأفعلنّ بك كذا وكذا غير أنّه قد أوعده قال: فجاء أبو موسى الأشعري ممتقعا لونه وأنا في حلقة جالس فقلنا: ما شأنك؟ فقال: سلّمت على عمر فأخبرنا خبره فهل سمع أحد منكم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قالوا: نعم، كلّنا قد سمعه قال فأرسلوا معه رجلا منهم حتّى أتى عمر فأخبره بذلك. ورواه بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري وفيه: قال أبو موسى الأشعري: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع(2) .

أقول:

ما هي الأمور الخطيرة التي تترتّب على هذا الحديث حتى يتصرّف عمر بذلك الشكل؟

قال ابن القيم: والذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مائة ونيف وثلاثون نفسا ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أمّ المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن عمر؛ قال أبو محمد بن حزم ويمكن ان يجمع من فتوى كلّ واحد منهم سفر ضخم. قال: وقد جمع أبوبكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن عبّاسرضي‌الله‌عنه في عشرين كتابا، وأبوبكر محمّد

____________________

(1) عبد الله بن قيس هو أبو موسى الأشعري.

(2) سنن البيهقي الكبرى، ج 7 ص 97 وتفسير البغوي، ج 1 ص 29.


المذكور أحد أئمّة الإسلام في العلم والحديث(1) .

أقول:

ينبغي لمن أراد أن يتصدّى للفتوى أن يعرض نفسه على قول الله عزّ وجلّ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ الْسّمْعَ وَالْبَصَرَ كُلّ أُوْلئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) . وليس عمر بن الخطّاب من أهل الفتوى لأنّه غاب عنه قرآن كثير و حديث كثير، ويكفي لتأكيد ذلك أنّه مات لا يعرف الكلالة، وكان له يرى التّيمّم لمن لم يجد الماء، وقضايا كثيرة من هذا القبيل.

وقال الشّعبي: من سرّه أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخذ بقول عمر. وقال مجاهد: إذا اختلف النّاس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به. وقال بن المسيّب: ما أعلم أحدا بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعلم من عمر بن الخطّاب. وقال أيضا: كان عبد الله يقول لو سلك النّاس واديا وشعبا وسلك عمر واديا وشعبا لسلكت وادي عمر وشعبه. وقال بعض التّابعين: دفعت إلى عمر فإذا الفقهاء عنده مثل الصّبيان قد استعلى عليهم في فقهه وعلمه. وقال محمد بن جرير: لم يكن أحد له أصحاب معروفون حرّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر. وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه ويرجع من قوله إلى قوله. وقال الشّعبي كان عبد الله لا يقنت. وقال: ولو قنت عمر لقنت عبد الله(2) .

أقول:

لا داعي إلى التعليق على كلّ الأقوال السّابقة، وإنّما تعليقي على بعضها، أحدها قول عبد الله الذي لو سلك النّاس واديا وشعبا وسلك عمر واديا وشعبا لسلكت وادي عمر وشعبه، فإنّ عمر سلك يوم أحد ويوم خيبر ويوم الأحزاب ويوم حنين واديا مربعا اسمه وادي الجبناء. والثّاني كلام التّابعي المجهول، فإنّ قوله: دفعت إلى عمر فإذا

____________________

(1) إعلام الموقعين، ابن قيم الجوزية، ج 1 ص 12.

(2) إعلام الموقعين، ابن القيم، ج 1 ص 20.


الفقهاء عنده مثل الصّبيان قد استعلى عليهم في فقهه وعلمه (يكذّبه الواقع، وقد كان عمر نفسه يقول: (كلّ الناس أفقه من عمر) ولو كان التّابعي المجهول صادقا لقال: (قد استعلى عليهم بدرّته)، فإن درّة عمر نسخت وخصّصت وقيّدت إلى ما شاء الله. والثّالث قول مجاهد (إذا اختلف النّاس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به فإنّ عمر بن الخطّاب خالف رسول الله في مسائل كثيرة ولا يحلّ لمسلم أن يخالف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متعمّدا؛ فمجاهد بقوله هذا يدعو النّاس إلى مخالفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال ابن القيم: ومن هذا لمّا كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب حكما حكم به فقال: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال: لا تقل هكذا ولكن قل: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب(1) .

أقول:

وهذا يعني بكل وضوح أنّ عمر يشهد على نفسه أنّ حكمه ليس بإلهام من الله رغم تملّق الكاتب، وهذه القصّة كافية لنسف دعوى التّحديث والتّكليم.

وقال ابن قيّم الجوزيّة في نفس المعنى: قال ابن وهب حدّثنا يونس بن يزيد عن بن شهاب أن عمر بن الخطّاب قال وهو على المنبر: (يا أيّها النّاس إنّ الرّأي إنّما كان من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مصيبا أنّ الله كان يريه، وإنّما هو منّا الظّنّ والتّكلّف)(2) . فهو يشهد أنّ رأيه ليس إراءة من الله، بل يشهد أنّ رأيه ظنّ وتكلّف.

ولطالما تناقض عمر في الأحكام الشّرعيّة وغيرها؛ فعن وهب بن منبه عن الحكم بن مسعود الثّقفيّ قال: (قضى عمربن الخطّاب في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمّها وأخويها لأبيها وأمّها وأخويها لأمّها فأشرك عمر بين الإخوة للأم والأب والإخوة للأمّ في الثّلث فقال له: رجل إنّك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا، قال عمر: تلك على ما قضينا يومئذ وهذه على ما قضينا اليوم(3) !

____________________

(1) إعلام الموقعين، ابن القيم، ج 1 ص 39.

(2) إعلام الموقعين ابن القيم، ج 1 ص 54.

(3) سنن البيهقي الكبرى ج 6 ص 255 ومصنف عبد الرزاق ج 10 ص 249 وكنز العمال ج 11 ص 12 و


أقول: كلّ عام هو في شأن.

وعن عطاء أنّ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه قال: آية من كتاب الله تعالى ما وجدت أحدا يشفيني عنها، قوله تعالى( أَيَحبّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ ) الخ، فقال ابن عبّاس: يا أمير المؤمنين إنّي أجد في نفسي منها فقال له عمر: فلم تحقر نفسك! فقال: يا أمير المؤمنين هذا مثل ضربه الله تعالى فقال أيحب أحدكم أن يكون عمره يعمل بعمل أهل الخير وأهل السّعادة حتى إذا كبر سنّه وقرب أجله ورقّ عظمه وكان أحوج ما يكون إلى أن يختم عمله بخير عمل بعمل أهل الشّقاء فأفسد عمله فأحرقه قال: فوقعت على قلب عمر وأعجبته(1) .

عمر يسأل كعبا:

وسأل عمر كعبا فقال: أخبرني عن هذا البيت! فقال: (إنّ هذا البيت أنزله الله تعالى من السّماء ياقوته مجوّفة مع آدم عليه السّلام فقال: يا آدم، إنّ هذا بيتي فطف حوله وصلّ حوله كما رأيت ملائكتي تطوف حول عرشي وتصلّي ونزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة فوضع البيت على القواعد، فلمّا أغرق الله قوم نوح رفعه الله وبقيت قواعده(2) .

أقول: لماذا يسأل كعبا الذي تأخّر إسلامه، ويترك من عاشوا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منذ بعثته إلى وفاته؟ وما قيمة جواب كعب بعد أن أخبر القرآن الكريم بتحريف التّوراة والإنجيل؟!

مسائل عمر

قال الرّازيّ في تفسيره: روى الواحدي عن أبي الصّلت الثقفيّ قال: قرأ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه هذه الآية ثمّ قال: ائتوني برجل من كنانة جعلوه راعيا، فأتوا به فقال له

____________________

إعلام الموقعين ج 1 ص 111.

(1) الدر المنثور ج 2 ص 49. وروح المعاني ج 3 ص 38.

(2) التفسير الكبير، فخر الدين الرازي ج 4 ص 47.


عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشّجرة تحدق بها الأشجار فلا يصل إليها راعية ولا وحشيّة. فقال عمر: كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير(1) !

أقول:

قال الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله...

من حقّ المسلم أن يتساءل: لماذا يعاقب عمر صبيغا على سؤاله حول الذّاريات ولا يعاقب نفسه هو على سؤاله عن الحرجة؟ اللّهمّ إلاّ أن تكون باؤه تجرّ وباء غيره لا تجرّ!

وفي التّسهيل في تفسير قوله تعالى( يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ ) : قال ابن عبّاس: الجبت هو حييّ بن أخطب والطّاغوت كعب بن الأشرف، وقال عمر بن الخطّاب: الجبت السّحر والطّاغوت الشّيطان. وقيل الجبت الكاهن والطّاغوت السّاحر، وبالجملة هما كلّ ما عبد وأطيع من دون الله)(2) .

ورووا عن عمر بن الخطّاب أنه قال: (أنا فئة لكل مسلم)(3) . قال الغرناطي: (وهذا إباحة لذلك والفرار من الذّنوب الكبائر)(4) .

أقول: لكنّ عمر لام المسلمين المتحيزين في أكثر من موطن.

قالوا: (وقد كان عمر بن الخطّاب أشكل عليه معنى التخوّف في الآية حتّى قال له رجل من هذيل التخوّف التنقّص في لغتنا)(5) .

وذكر ابن الجوزي أنّ سعيد بن المسيب قال: سأل عمر بن الخطّاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كيف نورث الكلالة؟ فقال: أوليس قد بين الله تعالى ذلك؟ ثمّ قرأ( إِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً ) فأنزل الله عزّ وجلّ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ ) .

أقول: ومات عمر بن الخطّاب ولم يعرف الكلالة، وهو المحدّث الذي يحدّثه الحقّ جلّ وعلا مباشرة.

____________________

(1) التفسير الكبير، ج 13 ص 150.

(2) التسهيل لعلوم التنزيل، ج 1 ص 145.

(3) تلخيص الحبير، ج 4 ص 114 وخلاصة البدر المنير، ج 2 ص 352 والتسهيل لعلوم التنزيل ج 2 ص 63.

(4) التسهيل لعلوم التنزيل، ج 2 ص 63.

(5) التسهيل لعلوم التنزيل، ج 2 ص 154.


وعن عبيد الله بن عبد الله أنّ عمر بن الخطّاب سأل أبا واقد اللّيثيّ ما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأ في العيد قال: بقاف واقتربت. رواه مسلم وأهل السّنن الأربعة من حديث مالك به. وفي رواية لمسلم عن فليح عن ضمرة عن عبيد الله عن أبي واقد قال سألني عمررضي‌الله‌عنه فذكره(1) .

أقول: ألم يصلّ عمر مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلاة العيد أعواما عديدة، وهو الذي لم يفارق المدينة، وليس أبو واقد أقدم صحبة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منه!

قال ابن عاشور: وأمّا الجهة الثالثة من جهات الإعجاز وهي ما أودعه من المعاني الحكميّة والإشارات العلميّة فاعلموا أنّ العرب لم يكن لهم علم سوى الشّعر وما تضمّنه من الأخبار؛ قال عمر بن الخطّاب: كان الشّعر علم القوم، ولم يكن لهم علم أصحّ منه(2) .

أقول: قصّة الحطيئة والزّبرقان بن بدر وتحكيم حسّان بن ثابت وقوله (نعم، وسلح عليه) تكشف مدى جهل عمر بن الخطّاب بالشّعر.

وقد عدّ الصحابة معنى الكلالة هنا من مشكل القرآن حتى قال عمر بن الخطّاب: ثلاث لأن يكون رسول الله بينهم أحبّ إليّ من الدّنيا: الكلالة والرّبا والخلافة. وقال أبوبكر: أقول فيه برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنّي ومن الشيطان، والله منه بريء. الكلالة ما خلا الولد والوالد(3) .

وكان أمر الكلالة عند عمر بن الخطّاب مشكلا فقال: ما راجعت رسول الله في شيء مراجعتي إياه في الكلالة ولوددت أنّ رسول الله لم يمت حتى يبيّنها. وقال على المنبر: ثلاث لو بيّنها رسول الله كان أحبّ إليّ من الدّنيا، الجدّ والكلالة

____________________

(1) تفسير ابن كثير، ج 4 ص 221. وسنن ابن ماجه ج 1 ص 408 وسنن النسائي المجبتبى) ج 3 ص 183 ومصنف ابن أبي شيبة ج 7 ص 319 ومصنف عبد الرزاق ج 3 ص 298 ومسند الحميدي ج 2 ص 375 ومسند أحمد بن حنبل ج 5 ص 217 وشرح السيوطي لسنن النسائي ج 3 ص 184 وتنقيح تحقيق أحاديث التعليق ج 2 ص 95 ومختصر اختلاف العلماء ج 1 ص 374.

(2) التحرير والتنوير، ج 1 ص 70.

(3) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 1 ص 907.


والخلافة وأبواب من الربا. وروي عنهرضي‌الله‌عنه أنّه كتب فيها كتابا فمكث يستخير الله فيه ويقول: اللهمّ إن علمت فيه خيرا فأمضه! فلمّا طعن دعا بالكتاب فمحي فلم يدر أحد ما كان فيه. وروى الأعمش عن إبراهيم وسائر شيوخه قال ذكروا أنّ عمررضي‌الله‌عنه قال: لأن أكون أعلم الكلالة أحبّ إلي من جزية قصور الشّام. وقال طارق بن شهاب: أخذ عمر بن الخطّاب كتفا وجمع أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم قال: لأقضينّ في الكلالة قضاء تحدّث به النّساء في خدورها، وفخرجت عليهم حيّة من البيت فتفرّقوا، فقال عمر: لو أراد الله أن يتمّ هذا الأمر لأتمّه(1) .

واختلف السّلف في الكلالة فروى جرير [..] عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطّاب سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كيف يورث الكلالة؟ قال: أوليس قد بين الله تعالى ذلك؟ ثم قرأ (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة) إلى آخر الآية، فأنزل الله تعالى (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) إلى آخرها؛ قال: فكأنّ عمر لم يفهم فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله طيب نفس فسليه عنها. فرأت منه طيب نفس فسألته عنها فقال: أبوك كتب لك هذا؟ ما أرى أباك يعلمها أبدا! قال: فكان عمر يقول ما أراني أعلمها أبدا وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال(2) .

أقول: هو ذاك، لم يعلمها عمر، وخرج من الدّنيا ولم يعلمها. والرّواية السّابقة تخالف رواية القول ما قلت.

قالوا: ولم يعلم عمر بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قضى في دية الجنين بغرة عبد أو وليدة حتى أخبره المذكوران قبل، ولم يعلم عمررضي‌الله‌عنه بأنّ المرأة ترث من دية زوجها حتّى أخبره الضحّاك بن سفيان أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضّبابيّ من دية زوجها، ولم يعلم أيضا بأخذ الجزية من المجوسيّ حتّى أخبره عبد الرّحمن بن عوف بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، ولم يعلم بحكم الاستئذان ثلاثا

____________________

(1) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج 2 ص 141. وقصة محو الكتاب مذكورة في مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 268 والمبسوط للسرخسي ج 29 ص 152 والذخيرة ج 13 ص 35.

(2) أحكام القرآن، الجصاص، ج 3 ص 18.


حتى أخبره أبوموسى الأشعريّ وأبو سعيد الخدريّرضي‌الله‌عنه . ولم يعلم عثمانرضي‌الله‌عنه بوجوب السّكنى للمتوفّى عنها حتّى أخبرته قريعة بنت مالك أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألزمها بالسّكنى في المحلّ الذي مات عنها زوجها فيه حتى تنقضي عدّتها، وأمثال هذا أكثر من أن تحصر(1) .

أقول:

هذه مسائل غابت عن عمر، وفي قول الشنقيطيّ وأمثال هذا أكثر من أن تحصر اعتراف بكثرة أخطاء عمر.

قالوا: وقال عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه : أبيّ أعلمنا بالمنسوخ(2) ..

أقول:

هذا عمر يعترف بأنّ أبيّا أعلم منه بالمنسوخ، علما أنّ من فاته العلم بالمنسوخ فقد فاته علم كثير.

قصة عمر بن الخطّاب مع العشّار:

روى هشام بن محمّد الكلبي عن أبيه أنّ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه خرج في الجاهليّة تاجرا إلى الشّام، فمرّ بزنباع بن روح - وكان عشّارا - فأساء إليه في اجتيازه وأخذ مكسه فقال عمر بعد انفصاله:

متى ألف زنباع بن روح ببلدة

إلى النّصف منها يقرع السنّ بالنّدم

ويعلم أنّي من لؤي بن غالب

مطاعين في الهيجا مضاريب في التّهم

فبلغ ذلك زنباعا فجهّز جيشا لغزو مكّة فقيل له: إنّها حرم الله ما أرادها أحد بسوء إلاّ هلك كأصحاب الفيل، فكفّ زنباع فقال:

تمنى أخو فهر لقاي و دونه

قراطبة مثل اللّيوث الحواظر

فو الله لو لا الله لا شيء غيره

وكعبته راقت إليكم معاشري

____________________

(1) أضواء البيان، ج 7 ص 343.

(2) نواسخ القرآن، ج 1 ص 19.


لأقتل منكم كلّ كهل معمّم

وأسبي نساء بين جمع الأباعر

فبلغ ذلك عمررضي‌الله‌عنه فأجابه وقال:

ألم تر أنّ الله أهلك من بغى

علينا قديما في قديم المعاشر

إلى قوله:

فدونك زرنا تلق مثل الذي لقوا

جميعهم من دراعين وحاسر(1) .

أقول:

شاعريّة عمر غير ثابتة، خلافا لما في القصة السابقة، فقد روى ابن سعد عن ابن أبي عوف وعبد العزيز بن يعقوب الماجشون قالا: قال عمر بن الخطّاب لمتمّم بن نويرة يرحم الله زيد بن الخطّاب، لو كنت أقدر أن أقول الشّعر لبكيته كما بكيت أخاك(2) . وهذا يعني أنه لم يكن يقدر أن يقول الشعر، ومن كان شاعرا لا يقول: لو كنت أقدر أن أقول الشعر. وقيل لابن أبي عوف: ما كان عمر يقول الشّعر؟ فقال: لا، ولا بيتا واحدا(3) .

ولا بيتا واحدا معناه أنّه لا يقول الشعر أصلالا قليلا ولا كثيرا.

ثمّ إذا كان عمر بن الخطّاب شاعرا فكيف غاب عنه هجاء الحطيئة الزّبرقان بن بدر؟

عن الشعبي أنّ الزّبرقان بن بدر أتي عمر بن الخطاب وكان سيد قومه فقال يا أمير المؤمنين إن جرولا هجاني - يعني الحطيئة - فقال عمر بم هجاك فقال بقوله دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي.

فقال عمر: ما أسمع هجاء إنما هي معاتبة فقال الزبرقان يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده ما هجي أحد بمثل ما هجيت به فخذ لي ممن هجاني. فقال عمر: علي بابن الفريعة يعني حسان بن ثابت؛ فلما أتي به قال له: يا حسان إن الزبرقان يزعم أن جرولا هجاه

____________________

(1) أعلام النبوة، ج 1 ص 240.

(2) كنز العمال ج 4 ص 252 تحت رقم 11735.

(3) نفس المصدر السابق.


فقال حسان: بم؟ قال بقوله دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطّاعم الكاسي. فقال حسان: ما هجاه يا أمير المؤمنين. قال: فماذا صنع به؟ قال: سلح عليه! فقال عمر: علي بجرول فلما جيء به قال له يا عدوّ نفسه تهجو المسلمين فأمر به فسجن(1) .

وقد كان حذيفة راوي هذا الحديث مرجعا للصّحابة في معرفة أحوال الفتن ومعرفة أهل النّفاق وتمييز أهل الحقّ من أهل الباطل لما حفظ في هذا المقام الذي قامه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ومن ذلك سؤال عمر بن الخطّاب له عن الفتن فقال إنّ بينك وبينها بابا. فقال: هل يفتح أو يكسر؟ فقال: بل يكسر. فعرف عمر أنّه الباب، وأنّه يقتل كما أخبر حذيفة من سأله عن ذلك هل علم عمر ذلك فقال نعم، كما يعلم أنّ دون غد اللّيلة، فإنّي حدّثته بحديث ليس بالأغاليط، وهذا ثابت في الصحيح.

هذا عمر يسأل حذيفة عن الفتن، وما أكثر سؤالات عمر لمن يفترض أنّه أعلم منهم!.

قال الشنقيطي: (فأبو بكر لم يكن عالما بقضاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ميراث الجدّة حتّى أخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة، وعمر لم يكن عنده علم بقضاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في دية الجنين حتّى أخبره المذكوران قبل، ولم يكن عنده علم من أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجزية من مجوس هجر حتّى أخبره عبد الرّحمان بن عوف، ولا من الاستئذان ثلاثا حتّى أخبره أبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري)(2) .

تلك أمور غابت عن عمر، ومع ذلك يقولون إنّه كان من القضاة.

قال الألباني: وأخرج أبو يعلى والحسن بن سفيان بإسناد حسن عن المغيرة بن شعبة أنّ زرارة بن جري قال لعمر بن الخطّاب: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتب إلى الضحّاك بن سفيان أن يورّث امرأة اشيم الضّبابي من دية زوجها، فقضى بذلك عمر بن الخطّاب بعد رواية الضحّاك وزرارة والمغيرة ذلك له عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما علم، لا لأنّه لا يقبل خبر الواحد

____________________

(1) كنز العمال، المتقي الهندي، ج 3 ص 339 رقم 8919.

(2) أضواء البيان، ج 1 ص 125.


بل لإشاعة الخبر وإشهاره بالموسم، وردّ ما كان رآه أنّ الدّية إنّما هي للعصبة لأنّهم يعقلون عنه، لأنّه لا قياس مع النّص(1) .

روى الشّعبي أنّ كعب بن سور كان جالسا عند عمر بن الخطّاب فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلا قطّ أفضل من زوجي، والله إنّه ليبيت ليله قائما ويظلّ نهاره صائما، فاستغفر لها وأثنى عليها، واستحيت المرأة وقامت راجعة. فقال كعب: يا أمير المؤمنين هلاّ أعديت المرأة على زوجها؟ فلقد أبلغت إليك في الشّكوى! فقال لكعب: اقض بينهما فإنّك فهمت من أمرها ما لم أفهم. قال: فإنّي أرى كأنّها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهنّ، فأقضي بثلاثة أيّام ولياليهنّ يتعبّد فيهنّ ولها يوم وليلة. فقال عمر: والله ما رأيك الأوّل بأعجب من الآخر، اذهب فأنت قاض على البصرة، نعم القاضي أنت. رواه سعيد. صحيح. أورده الحافظ في (الإصابة) في ترجمة كعب هذا وذكر عن ابن عبد البرّ أنّه خبر عجيب مشهور، وأنّه قال: رواه أبو بكر بن أبي شيبة في (مصنّفه) من طريق محمد بن سيرين، ورواه الشعبي أيضا. قال الحافظ: وأورده ابن دريد في (الأخبار المنثورة عن أبي حاتم السجستاني عن أبي عبيدة وله طرق)(2) .

قال ابن عبد البرّ وأخبار الآحاد عند العلماء من علم الخاصّة لا ينكر على أحد جهل بعضها ن والإحاطة بها ممتنعة، وما أعلم أحدا من أئمّة الأمصار مع بحثهم وجمعهم إلاّ وقد فاته شيء من السّنن المرويّة من طريق الآحاد؛ وحسبك بعمر بن الخطّاب فقد فاته من هذا الضّرب أحاديث فيها سنن ذوات عدد من رواية مالك في الموطّإ ومن رواية غيره أيضا، وليس ذلك بضارّ له ولا ناقص من منزلته(3) .

____________________

(1) إرواء الغليل، ج 7 ص 80. تحت رقم 2016.

(2) المبدع ج 7 ص 196 والمغني ج 7 ص 230 والمغني ج 10 ص 100 وشرح منتهى الإرادات ج 3 ص 45 وشرح منتهى الإرادات ج 3 ص 45 وكشاف القناع ج 5 ص 191 ومطالب أولي النهى ج 5 ص 265 ومنار السبيل ج 2 ص 198 وأخبار القضاة ج 1 ص 276.

(3) التمهيد، ابن عبد البر، ج 8 ص 68.


أقول:

فكيف يدّعون إذا أنّه أعلم الأمّة بعد رسول الله وأبي بكر؟.

قال ابن حزم: وهذا عمر يقول في حديث الاستئذان أخفي علي هذا من أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ألهاني الصّفق في الأسواق. وقد جهل أيضا أمر إملاص المرأة وعرفه غيره، وغضب على عيينة بن حصن حتى ذكره الحرّ بن قيس بن حصن بقوله تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) وخفي عليه أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإجلاء اليهود والنّصارى من جزيرة العرب إلى آخر خلافته، وخفي على أبي بكر قبله أيضا طول مدّة خلافته، فلمّا بلغ ذلك عمر أمر بإجلائهم فلم يترك بها منهم أحدا. وخفي على عمر أيضا أمره عليه السلام بترك الإقدام على الوباء وعرف عبد الرحمن بن عوف، وسأل عمر أبا واقد الليثي عما كان يقرأ به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صلاتي الفطر والأضحى، هذا وقد صلاّهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعواما كثيرة، ولم يدر ما يصنع بالمجوس حتّى ذكّره عبد الرّحمن بأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم، ونسي قبوله عليه السلام الجزية من مجوس البحرين وهو أمر مشهور ولعلّهرضي‌الله‌عنه قد أخذ من ذلك المال حظّا، كما أخذ غيره منه. ونسي أمره عليه السلام بأن يتيمّم الجنب فقال: لا يتيمّم أبدا ولا يصلّي ما لم يجد الماء. وذكّره بذلك عمّار، وأراد قسمة مال الكعبة حتى احتجّ عليه أبي بن كعب بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يفعل ذلك فأمسك. وكان يردّ النّساء اللواتي حضن ونفرن قبل أن يودّعن البيت حتّى أخبر بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أذن في ذلك فأمسك عن ردّهن. وكان يفاضل بين ديات الأصابع حتّى بلغه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمره بالمساواة بينها فترك قوله وأخذ بالمساواة؛ وكان يرى الدية للعصبة فقط حتى أخبره الضحّاك بن سفيان بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورّث المرأة من الدّية، فانصرف عمر إلى ذلك. ونهى عن المغالاة في مهور النساء استدلالا بمهور النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى ذكّرته امرأة فرجع عن نهيه. وأراد رجم مجنونة حتى أعلم بقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى ذكّرته امرأة فرجع عن نهيه. وأراد رجم مجنونة حتى أعلم بقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رفع القلم عن ثلاثة فأمر ألا ترجم وأمر برجم مولاة حاطب حتى ذكره عثمان بأن الجاهل لا حد عليه فأمسك عن رجمها وأنكر على


حسان الإنشاد في المسجد فأخبره هو وأبو هريرة أنه قد أنشد فيه بحضرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسكت عمر(1) .

قال ابن القيم: (وخفي على عمر تيمم جنب فقال لو بقي شهرا لم يصل حتى يغتسل وخفي عليه دية الأصابع فقضى في الإبهام والتي تليها بخمس وعشرين حتى أخبر أن كتاب آل عمرو بن حزم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - قضى فيها بعشر عشر فترك قوله ورجع غليه وخفي عليه شأن الاستئذان حتى أخبره به أبو موسى وأبو سعيد الخدري وخفي عليه توريث المرأة من دية زوجها حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان الكلابي وهو أعرابي من أهل البادية أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمره أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها وخفي عليه حكم إملاص المرأة حتى سأل عنه فوجده عند المغيرة بن شعبة وخفي عليه أمر المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذها من مجوس هجر وخفي عليه سقوط طواف الوداع عن الحائض فكان يردهن حتى يطهرن ثم يطفن حتى بلغه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خلاف ذلك فرجع عن قوله وخفي عليه التسوية بين دية الأصابع وكان يفاضل بينها حتى بلغته السنة في التسوية فرجع إليها وخفي عليه شأن متعة الحج وكان ينهى عنها حتى وقف على أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر بها فترك قوله وأمر بها وخفي عليه جواز التسمي بأسماء الأنبياء فنهى عنه حتى أخبره به طلحة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كناه أبا محمد فأمسك ولم يتماد على النهي هذا وأبو موسى ومحمد بن مسلمة وأبو أيوب من أشهر الصحابة ولكن لم يمر بباله (أمر هو بين يديه حتى نهى عنه وكما خفي عليه قوله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون وقوله وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم حتى قال والله كأني ما سمعتها قط قبل وقتي هذا وكما خفي عليه حكم الزيادة في المهر على مهر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبناته حتى ذكرته تلك المرأة بقوله تعالى وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا فقال كل أحد أفقه من عمر حتى النساء وكما خفي عليه أمر الجد

____________________

(1) الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم الأندلسي، ج 2 ص 151 و 152.


والكلالة وبعض أبواب الربا فتمنى أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عهد إليهم فيها عهدا وكما خفي عليه يوم الحديبية أن وعد الله لنبيه وأصحابه بدخول مكة مطلق لا يتعين لذاك العام حتى بينه له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكما خفي عليه جواز استدامة الطيب للمحرم وتطيبه بعد النحر وقبل طواف الإفاضة وقد صحت السنة بذلك وكما خفي عليه أمر القدوم على محل الطاعون والفرار منه حتى أخبر بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها فإن وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه هذا وهو أعلم الأمة بعد الصديق على الإطلاق وهو كما قال ابن مسعود لو وضع علم عمر في كفة ميزان وجعل علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر قال الأعمش فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال والله إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم(1) .

عن ذر عن ابن عبد الرحمان بن أبزى عن أبيه أن رجلا سأل عمر بن الخطّاب عن التيمم فلم يدر ما يقول فقال عمار أتذكر حيث كنا في سرية فأجنبت فتمعكت في التراب فأتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال إنما يكفيك هكذا وضرب شعبة بيديه على ركبتيه ونفخ في يديه ومسح بهما وجهه وكفيه.

أقول:

انظر إلى قوله لم يدر ما يقول. ولماذا يسأل الناس عمر؟ لأنه مرتكز في أذهانهم أن الذي يخلف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنما يخلفه ليبين للنّاس معالم دينهم.

عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله قال: خرج عمر يوم عيد فسأل أبا واقد الليثي بأي شيء كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأ في هذا اليوم فقال بقاف واقتربت(2) .

قال مالك رحمه الله تعالى تشهد عمر بن الخطاب الموقوف عليه أفضل لأنه علمه الناس على المنبر ولم ينازعه أحد فدل على تفضيله وهو التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله سلام عليك أيها النبي إلى آخره(3) .

____________________

(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم، ج 2 ص 270. ادار الجيل - بيروت، 1973 تحقيق: طه عبد الرءوف سعد.

(2) سنن النسائي، ج 3 ص 183 - 184.

(3) شرح مسلم، النووي، ج 4 ص 116.


أقول: كيف يتعلم الناس شيئا مارسوه مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوميا طيلة عشر سنين؟! وأين الفرق بين تعليمهم التّشهّد وتعليمهم الفاتحة؟!

وعن ابن إدريس عن جعفر عن أبيه أن عمر بن الخطّاب سأل عن جزية المجوس فقال عبدالرحمن بن عوف سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول سنوابهم سنة أهل الكتاب. حدثنا وكيع قال ثنا سفيان ومالك بن أنس عن جعفر عن أبيه أن عمر بن الخطّاب استشار الناس في المجوس في الجزية فقال عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول سنّوا بهم سنة أهل الكتاب(1) .

قال الشنقيطي: ومنه قول الحطيئة أو النجاشي قبيلة لا يخفرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل فإنه يروى أن عمر لما سمع هذا الهجاء حمله على المدح وقال ليت آل الخطاب كانوا كذلك ولمّا قال الشاعر بعد ذلك فإنه يروى أن عمر لما سمع هذا الهجاء حمله على المدح وقال ليت آل الخطاب كانوا كذلك ولمّا قال الشاعر بعد ذلك ولا يردون الماء إلا عشيّة وإذا صدر الوارد عن كل منهل، قال عمر أيضا ليت آل الخطاب كانوا كذلك، فظاهر هذا الشعر يشبه المدح ولذا ذكروا أن عمر تمنّى ما فيه من الهجاء لأهل بيته لأنّه عنده مدح وصاحبه يريد الذم بلا نزاع.

أقول: لا شكّ أنّ الشاعر يقصد الذّمّ، والشاعر هو الحطيئة أهجى أهل زمانه، وقد شكّوا حين موته إن كان مات على الإسلام. وإنّما فهم عمر من كلامه المدح لقلّة علمه بالشّعر، ويدلّ على ذلك ما قاله حسان بن ثابت لعمر في قصّة الحطيئة والزبرقان بن بدر.

وفي التسهيل: (وقد كان عمر بن الخطّاب أشكل عليه معنى التخوف في الآية حتى قال له رجل من هذيل التخوف التنقّص في لغتنا)(2) .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن سيرين قال كان عمر بن الخطّاب إذا قرأ يبين الله لكم أن تضلوا قال اللهم من بينت له الكلالة فلم تتبين لي(3) .

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 304، الحديث رقم 32650 والحديث رقم 32651.

(2) التسهيل لعلوم التنزيل، ج 2 ص 154.

(3) الدر المنثور، السيوطي، ج 2 ص 759.


قال السرخس: وقد كان عمر يقول لا ميراث للزوج والزوجة من الدية ثم رجع إلى هذا الحديث(1) .

وقال عبد بن حميد حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال كنا عند عمر بن الخطّاب وفي ظهر قميصه أربع رقاع فقرأ وفاكهة وأبا فقال ما الأب ثم قال إن هذا لهو التكلف فما عليك أن لا تدريه.

وقال ابن تيمية: وكذلك لم يأمر عمر بن الخطّاب أن يقضي ما تركه من الصلاة لأجل الجنابة لأنّه لم يكن يعرف أنّه يجوز الصّلاة بالتيمم.

أقول: أعلم الأمة بعد رسول الله وأبي بكر في سلم ترتيب ثقافة السقيفة لا يعرف أنه يجوز الصلاة بالتيمم.

روى عبد الرحمن بن أذينة عن أبيه قال أتيت عمر بن الخطاب فسألته عن تمام العمرة فقال ائت عليا فسله فعدت فسألته فقال ائت عليا عليه السلام فسله فأتيت عليا فقلت إني قد ركبت الخيل والإبل والسفن فأخبرني عن تمام العمرة فقال تمامها أن تنشئها من بلادك فعدت إلى عمر فسألته فقال ألم أقل لك ائت عليا فسله فقلت قد سألته فقال تمامها أن تنشئها من بلادك قال هو كما قال(2) .

وقال هشيم أنا عمر بن أبي زائدة عن الشعبي قال كان أبوبكر يقول الشعر وكان عمر يقول الشعر وكان على يقول الشعر وكان على اشعر الثلاثة(3) .

الموافقات

قالوا عن عمر بن الخطّاب إنه محدث، ورووا في ذلك أحاديث منها ما ذكره الرازي في التفسير الكبير قال:

وروى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطّاب

____________________

(1) المبسوط للسرخسي، ج 26 ص 157.

(2) شرح العمدة، ج 2 ص 370.

(3) البداية والنهاية، ج 8 ص 8.


فتبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هكذا نزلت يا عمر وكان عمر يقول وافقني ربي في أربع في الصلاة خلف المقام وفي ضرب الحجاب على النسوة وقولي لهن لتنتهنّ أو ليبدلنّه الله خيرا منكنّ، فنزل قوله تعالى( عَسَى‏ رَبّهُ إِن طَلّقَكُنّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنكُنّ ) . والرابع قلت فتبارك الله أحسن الخالقين فقال هكذا نزلت قال العارفون هذه الواقعة كانت سبب السعادة لعمر وسبب الشقاوة لعبد الله كما قال تعالى يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضلّ به إلاّ الفاسقين [البقرة: 26](1) .

عن إبراهيم بن المهاجر عن مجاهد قال كان عمر إذا رأى الرأي نزل به القرآن(2) .

وقال الآلوسيّ: قال عبد الوهاب الشعراني:... واعلم أنّ حديث الحقّ سبحانه للخلق لا يزال أبدا غير أنّ من الناس من يفهم أنّه حديث كعمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه ومن ورثه من الأولياء ومنهم من لا يعرف ذلك ويقول: ظهر لي كذا وكذا ولا يعرف أنّ ذلك من حديث الحقّ سبحانه معه وكان شيخنا يقول: كان عمر من أهل سماع المطلق الذين يحدثهم الله تعالى في كل شيء(3) .

هذا ما يقوله الشعراني! عمر يحدثه الله تعالى في كل شيء؛ لكنّه لم يحدّثه في الكلالة حتى مات وهو يجهلها؛ ولم يحدّثه في كثير من القضايا التي خالف فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا في باقي القضايا التي أخطأ فيها باجتهاده! بل إنّهم ذكروا أيضا أنّ عمر بن الخطّاب كان يخطئ في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال ابن تيمية: فان سيد المحدثين والمخاطبين الملهمين من هذه الأمّة هو عمر بن الخطّاب، وقد كانت تقع له وقائع فيردها عليه رسول الله أو صديقه التّابع له الآخذ عنه الذي هو أكمل من المحدّث الذي يحدّثه قلبه عن ربّه(4) .

وقال أيضا: وقد ثبت في الصّحيح تعيين عمر بأنّه محدّث في هذه الأمّة فأي محدّث

____________________

(1) التفسير الكبير، ج 23 ص 76.

(2) مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 354 تحت رقم 31980.

(3) روح المعاني، الآلوسيّ، ج 25 ص 62.

(4) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 11، ص 65.


ومخاطب فرض في أمّة محمد فعمر أفضل منه! ومع هذا فكان عمررضي‌الله‌عنه يفعل ما هو الواجب عليه فيعرض ما يقع له على ما جاء به الرسول فتارة يوافقه فيكون ذلك من فضائل عمر كما نزل القرآن بموافقته غير مرة وتارة يخالفه فيرجع عمر عن ذلك كما رجع يوم الحديبية لما كان قد رأى محاربة المشركين والحديث معروف في البخاريّ وغيره(1) .

أقول: هل يعني ابن تيمية بقوله (فأي محدّث ومخاطب فرض في أمّة محمد فعمر أفضل منه) أنّ عمر بن الخطّاب أفضل من عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام؟! سبحانك هذا بهتان عظيم. لو كان الأمر كذلك لخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم المباهلة يباهل بعمر بن الخطّاب؛ وما أكثر ما أعرض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن عمر.

وقال [ابن تيمية] أيضا: والمحدّث يأخذ عن قلبه أشياء وقلبه ليس بمعصوم فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبي ولهذا كان عمررضي‌الله‌عنه يشاور الصحابة رضي الله عنهم ويناظرهم ويرجع إليهم في بعض الأمور وينازعونه في أشياء فيحتج عليهم ويحتجون عليه بالكتاب والسنة ويقرّرهم على منازعته، ولا يقول لهم أنا محدّث ملهم مخاطب فينبغي لكم أن تقبلوا منى ولا تعارضوني(2) .

نعم، لم يكن يقول لهم ذلك لأنّ حديث المحدّث لم يكن قد وضعه الوضاعون بعد! لكنه قال: (متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما) وهذه أشدّ من تلك بكثير.

وقال في مجموع الفتاوى: حتى أن المحدث منهم كعمر بن الخطّاب إنما يؤخذ منه ما وافق الكتاب والسنّة، وإذا حدّث شيئاً في قلبه لم يكن له أن يقبله حتى يعرضه على الكتاب والسنّة، وكذلك لا يقبله إلاّ أن وافق الكتاب والسنّة، وهذا باب واسع في فضائل القرآن على ما سواه(3) .

____________________

(1) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 11 ص 205.

(2) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 11 ص 207.

(3) مجموع الفتاوى، ج 17 ص 46..


وقال: وكذلك عمر بن الخطّاب كان يقرّ على نفسه في مواضع بمثل هذه فيرجع عن أقوال كثيرة إذا تبين له الحق في خلاف ما قال، ويسأل الصحابة عن بعض السنة حتى يستفيدها منهم، ويقول في مواضع والله ما يدرى عمر أصاب الحق أو أخطأه، ويقول أمرأة أصابت ورجل اخطأ(1) .

اقتراحات عمر على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

يقول الله تعالى في سورة الحجرات ( لاَ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرسُولِهِ )...

عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قال حدثني أبي قال كنّا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غزاة فأصاب النّاس مخمصة فاستأذن الناس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نحر بعض ظهورهم وقالوا أيبلغنا هذه فلما رأى عمر بن الخطّاب أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لن يأذن لهم في نحر بعض ظهورهم قال: يا رسول الله وكيف بنا إذا نحن لقينا القوم غدا جياعا أرجالا، إن رأيت يا رسول الله أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم فتجمعها ثمّ تدعو الله بالبركة فيها، فإنّ الله سيبلغنا بدعوتك أو قال سيبارك لنا في دعوتك. فدعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببقايا أزوادهم فجعل النّاس يجيئون بالحثية من الطّعام وفوق ذلك، فكان أعلاهم من جاء بصاع من تمر فجمعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قام فدعا بما شاء الله أن يدعو، ثمّ دعا الجيش بأوعيته وأمرهم أن يحتثوا، فما بقي في الجيش وعاء إلاّ ملأه وبقي مثله فضحك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى بدت نواجذه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد إنّي رسول الله، لا يلقى الله عبد يؤمن بهما إلا حجبت عنه النّار يوم القيامة(2) .

قال السيوطي: وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال مشى عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وقرظة بن عبد عمر وبن نوفل والحارث بن عامر بن نوفل ومطعم بن

____________________

(1) مجموع الفتاوى ج 35 ص 123.

(2) سنن النسائي الكبرى ج 5 ص 244 وسنن النسائي الكبرى ج 6 ص 279 والآحاد والمثاني ج 4 ص 59 والمعجم الأوسط ج 1 ص 26 والمعجم الكبير ج 1 ص 211 ومسند ابن المبارك ج 1 ص 24 ومسند الشاميين ج 1 ص 439 وكنز العمال ج 12 ص 191 وتهذيب الكمال ج 34 ص 138 الطبقات الكبرى ج 1 ص 180 ومعجم الصحابة ج 1 ص 123 والخصائص الكبرى ج 1 ص 407.


عدي بن الخيار بن نوفل في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد فإنهم عبيدنا وعسفاؤنا كان أعظم له في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتّباعنا إيّاه وتصديقه فذكر ذلك أبوطالب للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال عمر بن الخطّاب لو فعلت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم وما يصيرون إليه من أمرهم فأنزل الله وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم إلى قوله أليس الله بأعلم بالشاكرين قالوا وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبحا مولى أسيد ومن الحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمر وذوالشمالين ومرثد بن أبي مرثد وأشباههم ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا الآية فلما نزلت أقبل عمر بن الخطّاب فاعتذر من مقالته فأنزل الله وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا الآية(1) .

أقول:

هذه المرة خالف عمر ربّه في أمر خطير وهو طرد المؤمنين من حول رسول الله! وإذا كان رضاه حكما وغضبه عزّا كما جاء في معجم الطبراني(2) ، فإن القضيّة تصبح عويصة!

وقال الغرناطي في التّسهيل: في الصحيح إن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش إنّ رحمتي سبقت غضبي أنه من عمل منكم سوءا الآية وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأصلح وهو خطاب للقوم المذكورين قبل وحكمها عام فيهم وفي غيرهم والجهالة قد ذكرت في النساء وقيل نزلت بسبب أن عمر بن الخطّاب أشار على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يطرد الضعفاء عسى أن يسلم الكفار فلما نزلت لا تطرد ندم عمر على قوله وتاب منه فنزلت الآية(3) .

____________________

(1) الدر المنثور، ج 3 ص 272.

(2) الحديث في المعجم الكبير للطبراني [ج 21 ص 48].

(3) التسهيل لعلوم التنزيل، ج 2 ص 10.


وعن عبيد بن حنين أنه سمع ابن عبّاس يقول: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطّاب عن المتظاهرتين فما أجد له موضعا أسأله فيه حتى خرج حاجا وصحبته حتى إذا كان بمر الظهران ذهب لحاجته وقال: أدركني بإداوة من ماء فلما قضى حاجته ورجع أتيته بالإداوة أصبها عليه فرأيت موضعا فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان المتظاهرتين على رسول الله؟ فما قضيت كلامي حتى قال: عائشة وحفصة.

وعن عبد الله بن عبّاس قال: حدثني عمر بن الخطّاب قال: لما اعتزل نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نساءه دخلت عليه وأنا أرى في وجهه الغضب فقلت: يا رسول الله ما شقّ عليك من شأن النساء فلئن كنت طلقتهن فإن الله وملائكته وجبرائيل وميكائيل وأنا وأبوبكر معك وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله مصدق قولي فنزلت هذه الآية آية التخيير( عَسَى‏ رَبّهُ إِن طَلّقَكُنّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنكُنّ ) ( وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنّ اللّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) الآية وكانت عائشة ابنة أبي بكر وحفصة تتظاهران على سائر نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (1) .

قال الشوكاني: وأخرج ابن عبد الحكم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ وعن عمر بن الخطّاب أنه سمع رجلا ينادي بمنى يا ذا القرنين فقال عمر: ها أنتم قد سمعتم بأسماء الأنبياء فما بالكم وأسماء الملائكة(2) ؟

أقول:

علما أنّ ذا القرنين لم يكن من الملائكة! وعمر بن الخطاب يقول عنه (فما بالكم وأسماء الملائكة)؟

وعن ابن عبّاس قال: قال عمر بن الخطّاب فهوي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال أبوبكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد جئت فإذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبوبكر قاعدين (يبكيان) قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء

____________________

(1) تفسير الطبري، ج 12 ص 152.

(2) فتح القدير، ج 3 ص 442 وأيضا في فتح الباري ج 6 ص 383 ومعاني القرآن ج 4 ص 285 وفتح القدير ج 3 ص 310.


بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنزل الله تعالى:( مَا كَانَ لِنَبِيّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى‏ حَتّى‏ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ) إلى قوله:( فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيّباً ) (1) .

قال ابن إسحاق: لم يكن من المؤمنين أحد ممن حضر إلا أحب الغنائم إلا عمر بن الخطّاب فإنه أشار على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتل الأسرى وسعد بن معاذ قال: يا رسول الله كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه غير عمر بن الخطّاب وسعد بن معاذ(2) .

لكنهم رووا أيضا عن ابن إسحاق ما يلي: (وسعد بن معاذ واقف عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رجال من الأنصار في العريش - رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في وجه سعد الكراهية فقال كأنك تكره ما يصنع الناس قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله في المشركين وكان الإثخان في القتل أحبّ إليّ من استبقاء الرجال..(3) . ورووا قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ لقوله يا نبي الله كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال)(4) .

وبما أن الجمع متعذر لحصر النّجاة في رجل واحد كما هو واضح في الروايات السابقة، فقد تصدى من تصدى وتبرّع بالنجاة للرجلين جميعا بضم أحدهما إلى الآخر، وهكذا وجدت أحاديث تقول (ولو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ)(5) . ولكن كفة عمر بن الخطاب تبقى دائما أرجح فإنّه قرشي ولي الخلافة،

____________________

(1) تفسير البغوي، ج 1 ص 375.

(2) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 552 وتفسير الطبري ج 10 ص 48 وأحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 436 وتفسير الثعلبي ج 4 ص 373 وتخريج الأحاديث والآثار ج 2 ص 39 وزاد المعاد ج 3 ص 185. تأويل مختلف الحديث ج 1 ص 158 وأصول البزدوي ج 1 ص 280 والتوضيح في حل عوامض التنقيح ج 2 ص 35 وتيسير التحرير ج 4 ص 186 وكشف الأسرار ج 3 ص 311 وكشف الأسرار ج 4 ص 40.

(3) مختصر السيرة، ابن كثير، ج 1 ص 155 والبداية والنهاية ج 3 ص 284 وتاريخ الطبري ج 2 ص 47.

(4) تفسير الطبري ج 10 ص 48 وأحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 436.

(5) التفسير الكبير ج 15 ص 158 والكشاف ج 2 ص 225 وتفسير أبي السعود ج 4 ص 36 وتفسير البيضاوي


وتملّق السّلطان في تاريخ العرب أمر معلوم فيما سبق من الأزمان، مشهود في أيّامنا بالوجدان.

ولذلك فإنّ سعد بن معاذ رغم استشهاده في أيّام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحضور جموع كثيرة من الملائكة في جنازته، وكونه صاحب مناديل في الجنّة، فإنّه لن يكون من بين العشرة المبشّرين بالجنّة، لأنّه ليس قرشيا، هذا مع أنّه لم يثبت له فرار من الزّحف، بخلاف الخلفاء الثّلاثة القرشيّين، فإنّ لهم في الفرار بصمات لا تمحى. والفرار من الزحف من الكبائر! وعليه يكون القرشيّ محظيّا عند الله تعالى حتّى لو كان غارقا في الذّنوب إلى ذقنه.

قالوا: وهذه الآية نزلت في احتجاب أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسببها ما رواه أنس من قعود القوم يوم الوليمة في بيت زينب وقيل سببها أن عمر بن الخطّاب أشار على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يحجب نساءه فنزلت الآية موافقة لقول عمر(1) .

أقول:

أي أنّه لو لم يشر عمر بن الخطّاب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما نزل قرآن بخصوص الحجاب!

وروى سعيد بن جبير قال: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلّي فمرّ رجل من المسلمين على رجل من المنافقين فقال له: رسول الله يصلّي وأنت جالس لا تصلّي؟ فقال له: امض إلى عملك إن كان لك عمل! فقال: ما أظنّ إلاّ سيمرّ بك من ينكر عليك؛ فمرّ عليه عمر بن الخطّاب قال: يا فلان، إنّ رسول الله يصلّي وأنت جالس؟ فقال له مثلها، فوثب عليه فضربه وقال: هذا من عملي. ثمّ دخل المسجد وصلّى مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلمّا فرغ رسول الله من صلاته قام إليه عمر فقال: يا نبي الله مررت آنفا على فلان وأنت تصلّي وهو جالس فقلت له: نبيّ الله يصلّي وأنت جالس؟ فقال لي: مرّ إلى عملك فقال عليه

____________________

ج 3 ص 122 وتفسير النسفي ج 2 ص 74 ومرقاة المفاتيح ج 7 ص 481 والفتح السماوي ج 2 ص 660 وشرح فتح القدير ج 5 ص 475.

(1) التسهيل لعلوم التنزيل، ج 3 ص 143.


الصلاة والسلام: هلاّ ضربت عنقه؟ فقام عمر مسرعا ليلحقه فيقتله فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يا عمر، ارجع فإنّ غضبك عزّ ورضاك حكم. إن لله في السموات ملائكة له غنى بصلاتهم عن صلاة فلان. فقال عمر: يا رسول الله وما صلاتهم فلم يردّ عليه شيئا فأتاه جبريل فقال: يا نبي الله سألك عمر عن صلاة أهل السّماء؟ قال: نعم. قال: أقرئه منّي السّلام وأخبره بأن أهل سماء الدّنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون سبحان ذي الملك والملكوت وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون سبحان ذي العزّة والجبروت وأهل السّماء الثالثة ركوع إلى يوم القيامة يقولون سبحان الحيّ الذي لا يموت فهذا هو تسبيح الملائكة(1) .

أقول:

هناك منافقون قاموا بأعمال لا يمكن أن يقرن بها عمل هذا الرجل ومع ذلك قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يسمع النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه، فكيف يخالف فجأة ويأمر بضرب عنق متخلف عن صلاة الجماعة؟ ولم يقل أحد من الفقهاء بضرب عنق من تخلّف عن صلاة الجماعة. ولا يخفى ههنا تقريرهم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصحّح فعل عمر ويؤيّده.

وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهوديا لقي عمر فقال (إنّ جبريل الذي يذكر صاحبكم عدوّ لنا) فقال عمر: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) قال: فنزلت على لسان عمر! وقد نقل ابن جرير الإجماع على أن سبب نزول الآية ذلك(2) .

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والعدني والدارمي والبخاريّ والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والطحاويّ وابن حبان والدار قطني في الأفراد البيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطّاب وافقت ربي في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث: قلت يا رسول الله

____________________

(1) التفسير الكبير، الرازي، ج 2 ص 159.

(2) الدر المنثور، السيوطي، ج 1 ص 224 عن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.


لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى؛ وقلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهم البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب؛ واجتمع على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن التحريم الآية فنزلت كذلك(1) .

قال السيوطي: وأخرج مسلم وابن أبي داود وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن جابر أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ثم قرأ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. وأخرج ابن ماجه وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر قال لما وقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم قال له عمر يا رسول الله هذا مقام إبراهيم الذي قال الله واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى قال نعم. وأخرج الطبراني والخطيب في تاريخه عن ابن عمر أن عمر قال يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. وأخرج عبد بن حميد والترمذي عن أنس أن عمر قال يا رسول الله لو صلّينا خلف المقام فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وأخرج ابن أبي داود عن مجاهد قال كان المقام إلى لزق البيت فقال عمر بن الخطّاب يا رسول الله لو نحيته إلى البيت ليصلي إليه الناس ففعل ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأنزل الله واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وأخرج ابن أبي داود وابن مردويه عن مجاهد قال: قال عمر (يا رسول الله لو صلّينا خلف المقام فأنزل الله واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى فكان المقام عند البيت فحوله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى موضعه هذا قال مجاهد وقد كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن

____________________

(1) صحيح البخاري ج 1 ص 157 وصحيح مسلم ج 4 ص 1865 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 319 والجمع بين الصحيحين ج 1 ص 112 وسنن الدارمي ج 2 ص 67 وسنن سعيد بن منصور ج 2 ص 607 والمعجم الأوسط ج 6 ص 92 والمعجم الأوسط ج 6 ص 207 والمعجم الصغير الروض الداني) ج 2 ص 110 ومسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 339 وكنز العمال ج 12 ص 248 ومشكاة المصابيح ج 3 ص 1706 وأخبار المدينة ج 2 ص 45 وأخبار مكة للفاكهي ج 1 ص 441 والموافقات ج 2 ص 251 وشرح مذاهب أهل السنة ج 1 ص 148 ومنهاج السنة النبوية ج 6 ص 22 وتاريخ الإسلام ج 3 ص 261 وتاريخ الخلفاء ج 1 ص 122.


وأخرج ابن مردويه من طريق عمر بن ميمون عن عمر أنه مرّ بمقام إبراهيم فقال يا رسول الله أليس نقوم مقام إبراهيم خليل ربّنا؟ قال: بلى. قال: أفلا نتخذه مصلّى؟ فلم يلبث إلا يسيرا حتى نزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده والدار قطني في الأفراد عن أبي ميسرة قال قال عمر يا رسول الله هذا مقام خليل ربنا أفلا نتخذه مصلى فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى(1) .

أقول:

لا شغل للسماء إلا موافقة عمر!

قال السيوطي: وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم بسند حسن عن كعب بن مالك قال كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر بن الخطّاب من عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده فوجد امرأته قد نامت فأيقظها وأرادها فقالت إني قد نمت فقال ما نمت ثم وقع بها وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر بن الخطّاب إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبره فأنزل الله( عَلِمَ اللّهُ أَنّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ ) (2) .

قال الآلوسي: أخرج ابن جرير عن عائشة أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام كن يخرجن باللّيل إذ برزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح وكان عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه عنه يقول للنبي: أحجب نساءك فلم يكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفعل فخرجت سودة بنت زمعةرضي‌الله‌عنه ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر رضي الله تعالى عنه بصوته الأعلى قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب فأنزل الله تعالى الحجاب وذلك أحد موافقات عمررضي‌الله‌عنه وهي مشهودة(3) .

فعمر بن الخطاب إذا أحرص من الله تعالى ورسوله على الأحكام التي فيها مصالح المسلمين!! وقوله حرصا يعني قطعا أنّ هذا الحرص لم يكن عند الله والرّسول، لأنّه إن

____________________

(1) الدر المنثور، ج 1 ص 289 - 290.

(2) الدر المنثور، ج 1 ص 475.

(3) روح المعاني، ج 22 ص 72.


كان فلماذا يتأخّر أثره حتى يضجر عمر ويضيق ذرعا بالواقع؟!.

قال الآلوسي: أخرج الإمام أحمد عن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه قال خرجت أتعرض لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فوقفت خلفه فاستفتح سورة الحاقّة فجعلت أعجب من تأليف القرآن فقلت هذا والله شاعر فقال (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون) قلت كاهن فقال لا (ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل..) إلى آخر السورة، فوقع الإسلام في قلبي كل موقع(1) .

أقول: وربّما لو قال عمر: (هذا فيلسوف) لنزل ولا بقول فيلسوف..! فوا عجبا لأمّة هذا مبلغ علمها وهذه حرمة كتاب ربّها عندها، أن جعلت الآي الحكيم تابعا في نزوله لهوى رجل وهو على حال الشّرك، ويشهد على نفسه أنّه كان أضلّ من بعير أهله!!

قال ابن الجوزي: قوله تعالى يسألونك عن الخمر والميسر في سبب نزولها قولان أحدهما أن عمر بن الخطّاب قال اللهمّ بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت هذه الآية والثاني أن جماعة من الأنصار جاؤوا إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفيهم عمر ومعاذ فقالوا: أفتنا في الخمر فإنّها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فنزلت هذه الآية(2) .

قال: والرابع أن عمر بن الخطّاب كان أشار على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تأخير الفقراء استمالة للرؤساء إلى الإسلام فلما نزلت ولا تطرد الذين يدعون ربهم جاء عمر يعتذر من مقالته ويستغفر منها فنزلت فيه هذه الآية قاله ابن السائب(3) .

وروي عن ابن عمر قال: لما أشار عمر بقتلهم وفاداهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنزل الله تعالى ما كان لنبي إلى قوله حلالا طيبا فلقي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمر فقال كاد يصيبنا في خلافك بلاء(4) .

____________________

(1) روح المعاني، ج 29 ص 39.

(2) زاد المسير، ابن الجوزي، ج 1 ص 239.

(3) زاد المسير، ابن الجوزي، ج 3 ص 48.

(4) زاد المسير، ج 3 ص 380.


أقول: لا يدري ما هو الواجب طاعة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم طاعة عمر؟! وكيف يصحّ هذا بعد قوله تعالى( فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (1) . كان الأولى أن ينزل فليحذر الذين يخالفون عن أمر عمر أن تصيبهم فتنة...

قال ابن الجوزي: قوله تعالى ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم في سبب نزولها قولان أحدهما أن رسول الله ص وجه غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطّاب وقت الظهيرة ليدعوه فدخل فرأى عمر على حالة كره عمر رؤيته عليها فقال يا رسول الله وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان فنزلت هذه الآية قاله ابن عبّاس(2) .

الاستئذان سلوك حضاري يدرك بالوجدان. لكن لابدّ أن يكون عمر بن الخطّاب وراء كل تشريع!.

قال: والثالث أنّ عمر بن الخطّاب قال: قلت (يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب). أخرجه البخاريّ من حديث أنس وأخرجه مسلم من حديث ابن عمر، كلاهما عن عمر(3) .

قال: أحدها أنّ عمر بن الخطّاب رأى جارية متبرّجة فضربها وكفّ ما رأى من زينتها فذهبت إلى أهلها تشكو، فخرجوا إليه فآذوه فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عبّاس(4) .

قال ابن الجوزي في زاد المسير: وعن أنس عن عمر بن الخطّاب قال: (بلغني بعض ما آذى به رسول الله نساؤه فدخلت عليهنّ فجعلت أستقرئهنّ واحدة واحدة! فقلت والله لتنتهنّ أو ليبدلنّه الله أزواجا خيرا منكنّ. فنزلت هذه الآية والمعنى واجب من الله إن

____________________

(1) النور: 63.

(2) زاد المسير، ج 6 ص 60.

(3) زاد المسير، ج 6 ص 413.

(4) وقال: زاد المسير، ج 6 ص 421.


طلقكنّ رسوله أن يبدله أزواجا خيرا منكنّ مسلمات أي خاضعات لله)(1) .

لكن هذه القصّة تقابلها قصّة أخرى في صحيح البخاريّ تشبهها إلى حدّ بعيد. ففي البخاريّ: قال عمر: ثمّ خرجت حتّى دخلت على أمّ سلمة لقرابتي منها فكلّمتها فقالت أمّ سلمة: عجبا لك يا ابن الخطّاب دخلت في كلّ شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله وأزواجه فأخذتني والله أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد(2) .

قال ابن عاشور: وفي حديث آخر في الصحيح عن أنس أيضا أن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه قال له: يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر فلو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب(3) .

وفيه اعتراف أنّ عمر لا يعتقد بعدالة جميع الصحابة، وظاهر ما ذكروه أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يعلّق على كلام عمر، ومثل هذا السّكوت يعدّ تقريرا لقول عمر.

أقول: هل كان نزل قوله تعالى (وأزواجه أمهاتهم) حتى يقول عمر فلو أمرت أمّهات المؤمنين(4) !

قال السيوطي: وأخرج ابن مردويه من طريق عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطّاب أنه مر بمقام إبراهيم فقال يا رسول الله أليس نقوم مقام خليل ربنا قال بلى قال أفلا نتخذه مصلى فلم يلبث إلا يسيرا حتى نزلت(5) .

وأخرج عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهوديا لقي عمر بن الخطّاب فقال إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدوّ لنا فقال عمر: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) قال فنزلت على لسان عمر.

يقولون: (على لسان عمر)، وفيه إشكال كبير على الذين يقولون إنّ القرآن ليس بمخلوق.

____________________

(1) زاد المسير، ج 8 ص 311.

(2) صحيح البخاريّ ج 3 ص 206 بحاشية السندي.

(3) التحرير والتنوير، ج 1 ص 384.

(4) (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) الآية 6 من سورة الأحزاب.

(5) الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، ج 1 ص 59.


وأخرج ابن مردويه من طريق عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطّاب أنه مرّ من مقام إبراهيم فقال: يا رسول الله أليس نقوم مقام خليل ربّنا؟ قال: بلى قال: أفلا نتخذه مصلّى فلم نلبث إلا يسيرا حتى نزلت: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)(1) .

قال: (وما كان لنبي..) الآية روى أحمد وغيره عن أنس قال استشار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الأسرى يوم بدر فقال: إن الله قد أمكنكم منهم فقال عمر بن الخطّاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم فأعرض عنه فقال أبوبكر: نري أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء فعفا عنهم وقبل منهم الفداء فأنزل الله (لو لا كتاب من الله سبق) الآية.

ههنا إعراض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن عمر، والذين يجعلون هذا من الموافقات لا يفقهون كلام الله تعالى، فإنّه سبحانه عزّ وجلّ يقول (وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم) ولم يقل وما كان الله ليعذّبهم وعمر فيهم!.

أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف حدثنا سوار بن عبد الله العنبري حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا خارجة بن عبد الله الأنصاري عن نافع عن بن عمر أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وقال بن عمر ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال عمر بن الخطّاب إلا نزل القرآن على نحو مما قال عمر(2) .

قلت: نعم؛ ابن عمر يروي في فضائل أبيه عمر، ويجرّ النّار إلى قرصه، وعندنا في المغرب العربي مثل يقول: لا يمدح العروس إلا أمّها أو فمها!).

ورووا أنّ عمر بن الخطّاب شتمه أعرابيّ من المشركين فشتمه عمر وهمّ بقتله فكاد أن يثير فتنة فنزلت هذه الآية (قل للذين آمنوا يغفروا...)(3) .

أقول: حتّى حين يشتم عمر ينزل قرآن يؤيّده.

____________________

(1) لباب النقول، في أسباب النزول، السيوطي، ج 1 ص 17.

(2) صحيح ابن حبان، ج 15 ص 318 تحت رقم 6895.

(3) تفسير مقاتل بن سليمان، ج 2 ص 261 وتفسير السمعاني ج 3 ص 249 وتفسير البغوي ج 3 ص 119 وتفسير النسفي ج 4 ص 130 والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج 3 ص 464 وتفسير العز بن عبد السلام، ج 2 ص 221 وتفسير القرطبي ن ج 10 ص 276 وتفسير القرطبي ج 16 ص 156 وتفسير البيضاوي، ج 5 ص 170 والتحرير والتنوير، ج 1 ص 2470.


وقال مجاهد: (وقد كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن)(1) .

قال مقاتل والزجاج: (كان عمر عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ أنزلت عليه هذه الآية فقال عمر: فتبارك الله أحسن الخالقين. فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (هكذا أنزلت عليّ)؛ فكأنه أجرى على لسانه هذه الآية قبل قراءة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (2) .

وعن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة قالت: (كان عمر بن الخطّاب يقول لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حجب نساءك، قالت فلم يفعل، قالت وكان أزواج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخرجن ليلا إلى ليل قبل المناصع؛ فخرجت سودة بنت زمعة وكانت امرأة طويلة فرآها عمر وهو في المسجد فقال: قد عرفتك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب قالت فانزل الله عزوجل الحجاب(3) .

أقول: وكأن نزول القرآن الكريم قضية إلحاح وإصرار!

قال ابن حجر: وقد كان عمر يعدّ نزول آية الحجاب من موافقاته(4) .

وقال ابن تيمية: (وليس في أولياء هذه الأمّة من يأخذ عن الله سبحانه شيئا بلا واسطة نبيّ أفضل من عمر، ومع هذا فكلّ ما يرد عليه بدون واسطة النبيّ عليه أن يعتبره بما جاء به النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإن وافقه قبله وإن خالفه ردّه، كما كان عمر بن الخطّاب يفعل فإنّه كان إذا وقع له شيء وجاءت السنّة بخلافه ترك ما عنده لما جاءت به السنّة حت كانت المرأة إذا نازعته فيما قاله بآية من كتاب الله ترك ما رآه لما دلّ عليه النّص، وهذا هو الواجب عليه وعلى كل من آمن بالله ورسوله؛ فإنّ ما جاء به الرّسول معصوم أن يستقرّ فيه خطأ قد فرض الله على خلقه تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر. وأمّا ما يرد على قلوب الأولياء فليس معصوما وليس عليهم تصديقه بل وليس لهم العمل بشيء منه إذا خالف الكتاب والسنة(5) .

____________________

(1) الدر المنثور، السيوطي، ج 1 ص 290.

(2) تفسير السمرقندي، ج 2 ص 476..

(3) مسند أحمد بن حنبل ج 6 ص 271 تحت رقم 26374.

(4) فتح الباري ج 1 ص 249.

(5) الصفدية، ابن تيمية، ج 1 ص 253.


مواقف متناقضة

كثرت تناقضات عمر بن الخطاب في الفتوى وغيرها حتى قال الإمام علي عليه السلام في حقه: فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلامها ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصّعبة إن أشنق لها خرم، وإن أسلس أن من يكون خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكون أشبه الناس به هديا، وهو ما لم يوفق إليه عمر، فإن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يتناقض، لا في أقواله ولا في أفعاله، وكان عمر بن الخطّاب على خلاف ذلك تماما. بل يمكن أن يقال إن النّسبة بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين عمر بن الخطّاب هي النّسبة بين المتوازيين لا يلتقيان أبدا؛ وهذه نماذج من تلك التّناقضات التي وقع فيها الخليفة ولم يراجع عنها حتى خرج من الدنيا.

عن إسماعيل عن قيس قال رأيت عمر بن الخطّاب وهو يجلس والنّاس معه وبيده جريدة وهو يقول: (أيّها النّاس اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّه يقول إنّي لم آلكم نصحا. قال ومعه مولى لأبي بكر يقال له شديد معه الصّحيفة التي فيها استخلاف عمر)(2)

هذا في ما يخصّ كتاب أبي بكر، لكن موقفه من كتاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان على خلاف ذلك تماما، علما أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوحى إليه وأبوبكر لا يوحى إليه.

قال القرطبيّ وفي البخاريّ عن عبد الله بن عبّاس قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فينزل على ابن أخيه الحر بن قيس بت حصن وكان من النفر الذين يدنيهم عمر وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبابا الحديث وقد مضى في آخر الأعراف وفي صحيح مسلم أن نافع بن عبد الحرث لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملته على أهل الوادي؟ فقال:

____________________

(1) نهج البلاغة، ج 1 ص 30 - 31.

(2) تاريخ الطبري ج 2 ص 618.


ابن أبزى فقال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا قال: فاستخلفت عليهم مولى! قال: إنه قارئ لكتاب الله وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قال: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين(1) .

أقول: تناقض عمر ههنا في كونه كان ينوي أن يستخلف سالم مولى أبي حذيفة - وهو مولى - على كلّ المسبلمين، وهو هنا يتعجّب من استخلاف مولى على أهل مكّة خاصة!

وروى البغويّ عن الزّهريّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنّ أبا هريرة قال: لما توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب فقال عمر بن الخطّاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (أمرت أن أقاتل النّاس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلاّ الله عصم منّي ماله ونفسه إلا بحقّه وحسابه على الله)؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرق بين الصّلاة والزّكاة فإنّ الزّكاة حقّ المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدّونها إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فو الله ما هو إلاّ أن قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنّه الحق(2) .

أقول هذا اعتقاد عمر: إذا شرح صدر أبي بكر لشيء فهو الحقّ، أمّا حينما ينشرح صدر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو يهجر والعياذ بالله تعالى.

وعن النّعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أسقي الحاجّ وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أعمر المسجد الحرام، وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتما فزجرهم عمر بن الخطّاب وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهويوم الجمعة ولكن إذا صلّيت دخلت فاستفتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما اختلفتم فيه ففعل فأنزل الله عزوجل: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام) إلى قوله: (والله لا يهدي القوم

____________________

(1) تفسير القرطبي، ج 17 ص 251.

(2) تفسير البغوي، ج 1 ص 16.


الظالمين).(1)

أقول: عمر بن الخطاب ينهى النّاس عن رفع الصّوت عند منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكنه لا يلتزم بذلك، ولا يبالي أن يرفع الصّوت عند رسول الله نفسه في آخر حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!.

وعن الزّهري أنّ عمر بن الخطّاب قال: إن وليت شيئا من أمر النّاس فلا تبال لومة لائم(2) .

أقول: لكنّ عمر تعلّل في دفع الخلافة عن عليّ عليه السلام بقوله: (والله لو وليها لانتقضت عليه من أقطار الأرض)! وكان أولى به ألا تأخذه في الله لومة لائم.

قال الآلوسي: وأخرج ابن المنذر عن عمر بن الخطّاب أنه قال: لو وجدت فيه (أي الحرم) قاتل الخطّاب ما مسسته حتى يخرج منه(3) .

هذا كلام فيه نطر فإن المسلمين يرون عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة ولم يرع حرمة فاطمة عليها السلام يوم السّقيفة، وبيتها أعظم حرمة من الكعبة، لأنّه كان يؤوي أربعة مطهّرين بنصّ الكتاب العزيز، وعمر بن الخطّاب نفسه يصلّي عليهم يوميّا في كلّ صلواته حين يقول (اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد).

وأخرج عبد بنحميد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطّاب أنه سئل عن الذين ينامون في المسجد فقال: هم العاكفون(4) .

هذا رأي عمر في من ينام في المسجد، ومن يطالع كتب الفقه الإسلامي يجد فيها كلاما مخالفا لما يذهب إليه عمر.

وقد ردّ عمر كثيرا مما حكم به أبوبكر كما هو معلوم في شأن السّبي وغيره، بل ذهب إلى الطعن في نفس خلافة أبي بكر فقال عنها (فلتة).

____________________

(1) تفسير البغوي، ج 1 ص 22.

(2) التاريخ الكبير، البخاري، ج 4 ص 19 وتاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 22 ص 317. والدر المنثور، السيوطي، ج 3 ص 104.

(3) روح المعاني، الآلوسي، ج 4 ص 6.

(4) فتح القدير، الشوكاني، ج 1 ص 221.


قال عمر بعد أن طعن: (إن أقام هؤلاء النفر الستة أكثر من ثلاثة أيام لم ينصبوا لهم رجلا منهم ويسمعوا له ويطيعوا فاضربوا أعناقهم. وإن اختلفوا وأجمع منهم ثلاثة ولم يجمع معهم الباقون، فاضربوا أعناق الثّلاثة الذين ليس فيهم عبد الرّحمن بن عوف. وإن اجتمع أربعة وخالف اثنان فاضربوا أعناق الاثنين)!!

ذلك ما قاله بعدما شهد للستة المعنيين بالإيمان، وأشعر في كلامه أنّهم أفضل من الباقين، وهو ما اعتمدت عليه مدرسة الخلفاء في ترتيب الأفضليّة. وذكر عمر فيما ذكر أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توفّي وهو عنهم راض! فهل يحلّ قتل من توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو عنه راض؟ ومن أين جاء عمر بالأجل (ثلاثة أيام)؟ ولو فرضنا أنّهم لم يصلوا إلى نتيجة في ثلاثة أيّام، ولو فرضنا أن النّزاع بينهم طال أكثر من ثلاثة أيّام، أكان أبو طلحة يضرب رؤوسهم؟ وهل كان يحلّ له ذلك؟ ولو فرضنا أنّه ضرب أعناقهم، ما يكون حكمهم عند الله تعالى وفي المقتولين خمسة من أهل بدر ومن المبشّرين بالجنّة؟!

أقول: في رأيي أنّ تلك كانت مسرحيّة لتمرير المؤامرة بسلام، فإنّ عبد الرّحمن بن عوف كان أمين سرّ عمر، وكان كثير الخلوات به، وكان متزوّجا من ثلاث نسوة من بني أميّة. وحينما أغمي على أبي بكر أثناء كتابة الوصيّة (وأذكّر أنّه لم يسمح لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكتابته الوصيّة) كتب عثمان بن عفان من تلقاء نفسه (إنّي استخلفت عليكم عمر...) فهل كان عثمان يقرأ في قلب أبي بكر؟

رأي عمر في من يستحق الولاية

ولعمر بن الخطّاب أيضا كلام في هذا المعنى رواه ابن عساكر عن عثمان بن مقسم قال: قال المغيرة بن شعبة لعمر أدلّك على القويّ الأمين؟ قال بلى! قال: عبد الله بن عمر. قال: ما أردت بقولك هذا؟ والله لأن يموت فاكفّنه بيديّ أحبّ إليّ من أن أولّيه وأنا أعلم أنّ في النّاس من هو خير منه(1) .

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 31 ص 178.


عمر يعلم بخاتمة عثمان

قال ابن أبي الحديد: ثم أقبل (عمر) على عثمان، فقال: هيها إليك! كأنّي بك قد قلّد تك قريش هذا الأمر لحبّها إيّاك، فحملت بني أميّة وبنى أبى معيط على رقاب النّاس، وآثرتهم بالفيء، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب، فذبحوك على فراشك ذبحا. والله لئن فعلوا لتفعلنّ، ولئن فعلت ليفعلنّ، ثمّ أخذ بناصيته، فقال: فإذا كان ذلك فاذكر قولي، فإنّه كائن. ذكر هذا الخبر كلّه شيخنا أبو عثمان في كتاب السّفيانية وذكره جماعة غيره في باب فراسة عمر، وذكر ابو عثمان في هذا الكتاب عقب رواية هذا الخبر قال: وروى معمر بن سليمان التّيميّ عن أبيه عن سعيد بن المسيّب عن ابن عبّاس، قال: سمعت عمر ابن الخطّاب يقول لأهل الشورى: إنّكم إن تعاونتم وتوازرتم وتناصحتم أكلتموها وأولادكم، وإن تحاسدتم وتقاعدتم وتدابرتم وتباغضتم، غلبكم على هذا الأمر معاوية بن أبي سفيان، وكان معاوية حينئذ أمير الشام(1) !

أقول: انظر إلى قوله: (كأنّي بك قد قلّدتك قريش هذا الأمر) يتبيّن لك أنّ قريشا لم تكن تنظر إلى الخلافة أنّها مسألة شرعيّة ومنصب إلهيّ، وإنّما كانت تراها قضيّة قرشيّة بحتة، ولقريش ان تولّي من تشاء، وأنت تعلم أنّ قريشا قد حاربت الإسلام بكل ما أوتيت، ولم تدخل فيه إلاّ مكرهة بعد فتح مكّة، فمن أين صارت الخلافة قضيّة قرشيّة؟!! وأمّا عبارة الأئمّة من قريش التي يرفعونها ورقة فيتو كلّما جرى حديث عن الخلافة فهي محرّفة تعارضها أحاديث متواترة منها حديث الغدير وحديث الثّقلين. والأئمّة من عترة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاصّة لا ينازعهم إلا هالك، ولو كان عمر بن الخطّاب يعتقد فعلا أنّ الأئمّة من قريش لما قال أمام النّاس (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته)! لكنها السّياسة، والسّذّج من المسلمين يعزون الكلام السّابق وما جرى مجراه إلى فراسة عمر وينسون دوره في حياكته!.

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 1 ص 186.


اعتراف عمر بحق علي عليه السلام في الخلافة

عن ابن عباس: قال كنت أسير مع عمر بن الخطّاب في ليلة وعمر على بغل وأنا على فرس فقرأ آية فيها ذكر عليّ بن أبي طالب فقال: أما والله يا بني عبد المطّلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر منّي ومن أبي بكر، فقلت في نفسي لا أقالني الله إن أقلته فقلت: أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين وأنت وصاحبك وثبتما وافترعتما الأمر منّا دون النّاس! فقال إليكم يا بني عبد المطلب أما إنّكم أصحاب عمر بن الخطّاب! فتأخّرت وتقدّم هنيهة فقال: سر لا سرت، وقال: أعد عليّ كلامك، فقلت: إنّما ذكرت شيئا فرددت عليك جوابه ولو سكتّ سكتنا؛ فقال: إنّا والله ما فعلنا الذي فعلنا عن عداوة ولكن استصغرناه وخشينا أن لا تجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها! قال: فأردت أن أقول كان رسول الله يبعثه فينطح كبشها فلم يستصغره ن أفتستصغره أنت وصاحبك؟ فقال: لا جرم فكيف ترى، والله ما نقطع أمرا دونه ولا نعمل شيئا حت نستأذنه(1) .

وعن محمّد بن كعب عن ابن عمر قال: قال عمر لأصحاب الشورى: لله درهم لو ولّوها الأصيلع كيف يحملهم على الحقّ وإن حمل علي عنقه بالسّيف قال: فقلت تعلم ذلك منه ولا تولّيه؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منّي، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني(2) ...

مواقف محرجة

قال الحسن بن عليّ يوما لعمر بن الخطّاب: (انزل عن منبر أبي)، فقال عمر: (هذا منبر أبيك)(3) .

وقد ثبت أنّ عمر بن الخطّاب كان يكبّر في قبّته فيكبّر أهل السّوق بتكبيره حتى ترتج منى تكبيرا(4) .

____________________

(1) محاضرات الأدباء، الراغب الأصفهاني، ج 2 ص 495 و 496.

(2) المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري، ج 3 ص 101 تحت رقم 4526.

(3) ترجمة عليّ من تاريخ دمشق لابن عساكر، ج 4 ص 321.

(4) مختصر ابن كثير، ج 1 ص 143.


أقول: يرفع صوته بالتّكبير وينهى غيره عن ذلك.

قال ابن كثير في ذكر قصة وفد نصارى نجران: فأتوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك ونتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا فإنّكم عندنا رضا. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ائتوني العشيّة أبعث معكم القويّ الأمين فكان عمر بن الخطّاب يقول: ما أحببت الإمارة قطّ حبّي إيّاها يومئذ رجاء أن أكون صاحبها! فرحت إلى الظّهر مهجرا فلمّا صلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الظّهر سلّم ثمّ نظر عن يمينه وشماله فجعلت أتطاول له ليراني فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح فدعاه فقال: (أخرج معهم فاقض بينهم بالحقّ فيما اختلفوا فيه) قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة)(1) .

أقول: هذا عمر بن الخطّاب يشهد على نفسه بحبّ الإمارة يومها، ويوم خيبر أيضا يقول: (ما أحببت الإمارة إلا يومئذ) فما أكثر التّناقض في كلام عمر مع شهادته على نفسه بحبّ الإمارة، وقد رووا أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: (إنّا والله لا نولّي هذا الأمر من يحبّه أو من يحرص عليه) فعمر في نظر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يستحقّ أن يكون على النّاس، لأنّه يحبّ الإمارة ويحرص عليها، وقد بلغ به حرصه عليها أن أراد تحريق البيت على المطهّرين بنص الكتاب العزيز!..

قال ابن عاشور: أمّا قول عمر بن الخطّاب لا ندع كتاب الله وسنّة نبيّنا لقول امرأة أحفظت أم نسيت. فهو دحض لرواية فاطمة ابنة قيس... فلا تكون معارضة لآية حتى يصار إلى الجمع بالتّخصيص والتّرخيص(2) .

ههنا يقول عمر: كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا، لكنّه يوم الرزيّة قال: حسبنا كتاب الله، وهذا معناه أنّ الاعتقاد بالكتاب والسنّة تابع للمصلحة عند عمر؛ فحينما تكون السنّة منطوية على خلاف ما يهوى عمر يهتف قائلا: حسبنا كتاب الله! ولا يبقى للسنّة مكان.

____________________

(1) مختصر ابن كثير، ج 1 ص 223.

(2) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 1 ص 4454.


وأخرج الدارمي عن عمر بن الخطّاب قال إنه سيأتيكم ناس يجادلونكم بمشتبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله(1) .

تارة حسبنا كتاب الله، وتارة حسبنا السّنن!

قال الجصّاص: وروى معمر عن سماك بن الفضل عن وهب بن منبه عن الحكم بن مسعود الثّقفيّ قال: شهدت عمر بن الخطّاب أشرك الإخوة من الأب والأمّ مع الإخوة من الأمّ في الثّلث فقال له رجل: قضيت عام أوّل بخلاف هذا. قال كيف قضيت؟ قال جعلته للأخوة من الأمّ ولم تعط الإخوة من الأب والأمّ شيئا! قال: (تلك على ما قضينا وهذه على ما قضينا)(2) .

أقول: على أيّ أساس كان القضاء الأوّل وعلى أيّ أساس كان القضاء الثّاني؟ أم أنّ الأمر فوضى؟ وكيف اختلف القضاء والموضوع واحد؟!

قال النّحّاس: ومما يحتج به لهذا القول ما قرئ على أحمد بن محمد بن الحجاج عن يحيى بن سليمان قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن أبيه قال سمعت عمر بن الخطّاب يقول لعجوز نصرانيّة: (أسلمي أيّتها العجوز تسلمي، إنّ الله بعث محمّدا بالحقّ). قالت العجوز: أنا عجوز كبيرة وأموت إلى قريب. فقال عمر: اللهمّ اشهد! ثمّ قال: لا إكراه في الدّين(3) .

أقول: إذا كان (لا إكراه في الدين)، فلماذا هدّد عمر فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتحريق بيتها عليها وعلى أولادها وزوجها؟ أفلا كانت عنده فاطمة عليها السّلام بمنزلة هذه العجوز النّصرانيّة فيعاملهما جميعا في ضوء (لا إكراه في الدّين)؟!).

____________________

(1) الدر المنثور ج 2 ص 153 والإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 9 وسنن الدارمي ج 1 ص 62 وكنز العمال ج 1 ص 194 وكنز العمال ج 1 ص 196 والانتصار لأصحاب الحديث ج 1 ص 6 وتاريخ بغداد ج 14 ص 286 وقواعد التّحديث ج 1 ص 50 ومفتاح الجنّة ج 1 ص 59 والموافقات ج 4 ص 17 والفقيه والمتفقه ج 1 ص 560 واعتقاد أهل السنة ج 1 ص 123 وذم الكلام وأهله ج 2 ص 32 وجامع بيان العلم وفضله ج 2 ص 123.

(2) أحكام القرآن للجصاص، ج 3 ص 24.

(3) الناسخ والمنسوخ للنحاس، ج 1 ص 259.


وروى ابن عساكر أنّ المغيرة بن شعبة لعمر أدلّك على القويّ الأمين؟ قال: بلى! قال: عبد الله بن عمر؛ قال: ما أردت بقولك هذا؟ والله لأن يموت فأكفنه بيديّ أحبّ إليّ من أن أوليّه وأنا أعلم أنّ في النّاس من هو خير منه(1) .

فعلى فرض ضعف الحديث الذي رواه الحاكم وغيره، فإنّ لقول عمر عند من يأتمّ به شأن وأيّ شان! وهو عند العامّة (أهل السّنّة والجماعة) قطعا أفضل من معاوية بحيث لا وجه للمقايسة، وابنه عبد الله بن عمر أيضا أفضل من يزيد بن معاوية بحيث لا سبيل إلى المقايسة، ومع ذلك لم يرض عمر أن يولّي ابنه مع وجود من هو خير منه؛ لكنّه عيّن أعداء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الأمصار وهو ما سمح لهم بنشر ثقافة معادية لأهل البيت عليهم السلام، وقد تجلّت آثار ذلك فيما بعد في حرب الجمل وحرب صفّين، وبشكل خاص في فاجعة كربلاء.

لماذا ولّى الطّلقاء على المسلمين في جميع الأمصار، والطّلقاء - قطعا - دون المهاجرين والأنصار؟! وهو القائل على ما نقله ابن تيمية في مجموع فتاواه) من ولي من أمر المسلمين شيئا فولّى رجلا لمودّة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين)(2) . وسيأتي لاحقا أنه هو نفسه ولّى قدامة بن مظعون لقرابته لا غير، وندم على ذلك وقال بصريح العبارة) لم يبارك لي فيه).

وقال المغيرة بن شعبة أخبرنا نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن رسالة ربّنا من قتل منّا صار إلى الجنّة. قال عمر للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النّار؟! قال بلى(3) .

أقول: ويوم أحد أيضا كان قتلانا في الجنّة وقتلى المشركين في النّار فما بال عمر يفضل الفرار بنفسه وترك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين أيدي الأعداء على الثّبات في وجه الأعداء؟! وهل هناك دنية أكبر من الفرار من الزّحف بعد تجاوز الأربعين من العمر؟!

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر - ج 31 ص 178.

(2) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 28، ص 247.

(3) صحيح البخاريّ، ج 3 ص 1037. باب الجنة تحت بارقة السيوف.


قال ابن عبد البرّ في ترجمة أبي بكرة: (وكان من فضلاء الصّحابة، وهو الذي شهد على لمغيرة بن شعبة فبتّ الشّهادة، وجلده عمر حدّ القذف إذ لم تتمّ الشّهادة ثمّ قال له عمر: تب تقبل شهادتك. فقال له: إنّما تستتيبني لتقبل شهادتي؟ قال: أجل. قال: لا جرم، إنّي لا أشهد بين اثنين أبدا ما بقيت في الدّنيا)(1) .

أقول: إذا كان عمر يعتقد أنّ أبا بكرة لم يكذب على المغيرة بن شعبة في شهادته عليه بالزّنّا فكيف يطلب منه أن يكذب نفسه؟ وفي أيّ دين يطلب من الصّادق أن يكذب نفسه؟! وقد تصوّر عمر أنّ أبا بكرة سيحرص على العدالة الشّكلية التي لا علاقة لها بالتّقوى والورع، تصوّر عمر أنّ أبا بكرة سيتخلّى عن عدالته الحقيقيّة مقابل عدالة تمضيها الدّولة، فطلب منه أن يكذب نفسه، وكان جواب أبي بكرة قاسيا حيث أعلمه أنّ الشّهادة ليست مهمّة عنده، وأنه لا يهمّه أن تكذّبه السّلطة الحاكمة طالما هو صادق عند الله تعالى. وقد أصرّ أبو بكرة على موقفه هذا إلى درجة أن سجّله في وصيّته وهو يودّع الدنيا، فشهد أن المغيرة زنى بجارية بني فلان، وأن عمر فرح حين درأ الحدّ عنه. ولو كان أبو بكرة شاكّا في أمر المغيرة لما كتبه في وصيّته، فقد ذكروا أنّه كان مثل النصل من العبادة(2) ، ولا يعقل أن يتعمّد عابد بذاك المستوى ختم عمره بقذف رجل بريء. وأمّا فيما يخصّ الشّهادة التي لم تتمّ، فينبغي أن يقال أنّ عمر بن الخطّاب منع من إتمامها حين لقّن الشاهد الرّابع من طرف خفيّ، وقد ظهر ذلك الشّاهد فيما بعد على حقيقته مجرما سفّاحا لا أثر للرّحمة في قلبه. وقد دفع ثمن تفسيق مسلم لحماية فاجر فشهد على أمّه سميّة بالزّنا وعلى أبيه بالدّياثة(3) .

قال الزّبير: حدّثني محمّد بن سلام قال: أرسل عمر بن الخطّاب إلى الشّفّاء بنت عبد الله العدويّة أن أغدي عليّ. قالت: فغدوت عليه فوجدت عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص ببابه فدخلنا فتحدّثنا ساعة فدعا بنمط فأعطاها إيّاه ودعا بنمط دونه فأعطانيه قالت: فقلت تربت يداك يا عمر أنا قبلها إسلاما وأنا بنت عمّك دونها وأرسلت إليّ

____________________

(1) الاستيعاب، ابن عبد البر، ج 1 ص 514.

(2) قال ابن عبد البر: أبي أبو بكرة أن يتوب، وكان مثل النصل من العبادة حتى مات. الاستيعاب ج 1 ص 514.

(3) الشّاهد الرّابع هو زياد بن سعيد الرّومي الذي استلحقه معاوية بن أبي سفيان بأبيه، لكنّ المسلمين أبوا أن يدخلوا مع معاوية في إثمه وقالوا: (زياد بن أبيه).


وجاءتك من قبل نفسها! فقال: ما كنت رفعت ذلك إلاّ لك، فلما اجتمعتما ذكرت أنّها أقرب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منك(1) .

أقول: هل كانت عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص أقرب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة عليه السلام، ومع ذلك فقد بالغ في أذاها حتّى خرجت من الدّنيا ساخطة عليه؟!).

قال ابن حبّان: ثمّ اعتمر عمر وساق معه عشر بدنات ونحرها في منحر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعه من الصّحابة عبادة بن الصّامت، وأبو ذرّ، وأبو أيّوب، وشدّاد بن أوس، وكان نافع بن عبد الحارث عامله على مكّة فتلقّاه نافع فقال عمر: من خلّف على أهل الوادي فقال: ابن رجل من الموالي. قال عمر: أمولى أيضا؟ قال: يا أمير المؤمنين إنّه قارئ للقرآن عالم بالفرائض. فقال عمر: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول إن الله عز وجل يرفع بهذا القرآن أقواما ويضع به آخرين(2) .

أقول: لماذا يتعجّب عمر من تولية نافع رجلا من الموالي على أهل الوادي وهو نفسه قال: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّا لاستخلفته؟ كيف يتعجّب من تولية مولى على محلّة ولا يتعجّب من تولية مولى على المسلمين كافّة؟!

وذكر ابن حبّان أيضا أنّ عمر بن الخطّاب قال: إنما أتخوّف أحد رجلين إمّا رجل يرى أنّه أحقّ بالملك من صاحبه فيقاتله أو رجل يتأوّل القرآن. في كتاب الله الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من الله والله عزيز حكيم. ألا فلا تهلكوا عن آية الرجم فقد رجم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجمنا معه، ولو لا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي فقد قرأناها بكتاب الله(3) .

ألم يقل عمر (إذا وليت شيئا من أمر النّاس فلا تبال لومة لائم)(4) ، فما باله يبالي بلوم

____________________

(1) الاستيعاب، ابن عبد البر، ج 1 ص 606.

(2) الثقات، ابن حبان، ج 2 ص 235.

(3) الثقات، ابن حبان، ج 2 ص 239.

(4) التاريخ الكبير، البخاريّ، ج 4 ص 19.


اللاّئمين ويخشى أقوالهم أن يقولوا زاد في كتاب الله.

قال ابن حبّان: أرسل عمر إلى عائشة يستأذنها في أن يدفع مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبى بكر فأذنت له، فقال عمر: أنا أخشى أن يكون ذلك لمكان السّلطان منّى! فإذا متّ فاغسلوني، فكفّنوني، ثمّ قفوا بي على بيت عائشة وقولوا: أيلج عمر؟ فان قالت نعم فأدخلوني، وإن أبت فادفنوني بالبقيع(1) .

أقول: يستأذن عند بيت عائشة إحدى أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يستأذن عند بيت فاطمة سيدة نساء العالمين وبنت خير الخلق أجمعين، وقد أمر في القرآن الكريم بمودة آل رسول الله لا بمودة آل أبي قحافة، والله سائله عن هذا التصرّف المتناقض، ولا يؤذن لأحد من أرباب التّبرير أن يدافع عنه يومها. والنقطة الأخرى هي أنّهم رووا أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يورث، وبموجب ذلك حرموا فاطمة عليها السلام ميراثها، وإذا كان الأمر كذلك فمن أين حصلت عائشة على البيت؟! إن كان بالميراث فإن فاطمة أولى؛ وإن كان بالنحلة فلم أخذوا من فاطمة عليها السلام ماكان تحت يدها في حياة أبيهاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! وعلى فرض أن عائشة ورثت فإنها لا ترث إلا التسع من الثّمن، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توفي عن تسع نساء، والمرأة لا ترث إلا الثّمن مع وجود الولد كما هو مفصّل بدقّة في سورة النساء الشّريفة. وتبقى المسألة محلّ تدبّر.

قال ابن حزم: وقد جاء ما قلناه عن عمررضي‌الله‌عنه نصّا دون تأويل كما أنبأ عبد الله بن ربيع (...) عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ أنّ عمر بن الخطّاب قال: (سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسّنن فإنّ أصحاب السّنة أعلم بكتاب الله عز وجل)(2) .

إذا فلماذا قال يوم الرّزيّة حسبنا كتاب الله وها هو ذا يرجع إلى السّنن؟ وهل السّنن إلاّ قول وفعل وتقرير النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! ماذا يقول المدافعون عن عمر في هذا وأمثاله؟).

____________________

(1) الثقات، ابن حبان، ج 2 ص 240 وقريب منه في تاريخ الإسلام للذهبي، ج 1 ص 414.

(2) الإحكام، لابن حزم، ج 2 ص 257.


في حديث ابن عمر عند بن أبي شيبة أنّ أبابكر مرّ بعمر وهو يقول: (ما مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين وكانوا اظهروا الاستبشار ورفعوا رؤوسهم فقال: أيّها الرّجل إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد مات ألم تسمع الله تعالى يقول إنك ميّت وإنّهم ميّتون، وقال تعالى: وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد(1) .

إذا، لماذا يقول حسبنا كتاب الله؟! ما معنى حسبنا كتاب الله في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ ولماذا عسكر بالجرف ولم يبتعد عن المدينة حين كان في جيش أسامة؟! وأين كانت الملائكة التي تحدّثه عادة وتصوّب قوله وفعله مقابل قول وفعل النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!).

عن يعلى بن أميةرضي‌الله‌عنه قال طفت مع عمررضي‌الله‌عنه فلما كنت عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحجر أخذت بيده ليستلم فقال ما طفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت بلى قال فهل رأيته يستلمه قلت لا قال ما بعد عنك فان لك في رسول الله أسوة حسنة(2) .

أقول: من يسمع هذا الكلام يتصوّر أنّ عمر بن الخطّاب كان مقتديا بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كلّ أقواله وأفعاله، متأسيا به في هديه، والحال غير ذلك، فإنّه كان يخالفه في حياته، وتوسّع في مخالفته بعد وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتفاصيل ذلك موزّعة في كتب الفرقين.

وعن ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار أن عبد الله بن أبي سلمة حدثه أن سليمان بن يسار أخبره أن التّوأمة بنت أميّة بن خلف طلّقت البتّة فجعلها عمر بن الخطّاب واحدة. قال وأخبرنا معمر وبن جريج عن عمرو بن دينار عن محمد بن عباد بن جعفر أن عمر بن الخطّاب سئل عن رجل طلّق امرأته البتّة فقال الواحدة تبتّ، راجع امرأتك فهي واحدة.

____________________

(1) فتح الباري، ابن حجر العسقلانيّ، ج 8 ص 146.

(2) سنن البيهقي الكبرى ج 5 ص 77 ومصنف عبد الرزاق ج 5 ص 45 ومسند أبي يعلى ج 1 ص 163 ومسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 37 ومجمع الزوائد ج 3 ص 240 وكنز العمال ج 5 ص 68 والمعرفة والتاريخ ج 2 ص 121 ومجمع الزوائد ج 3 ص 240 وإعلام الموقعين ج 2 ص 293 والدر المنثور، ج 6 ص 584 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 97 والأحاديث المختارة ج 1 ص 418 وج 1 ص 419.


مرة يجعل الواحدة ثلاثا ومرة يجعل الثلاث واحدة!

قال أبو بكر: (من كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت، ومن كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات وقال: إنك ميت وإنهم ميتون فقال عمر: أفي كتاب الله هذا يا أبابكر قال: نعم قال عمر: هذا أبوبكر صاحب رسول الله في الغار وثاني اثنين فبايعوه فحينئذ بايعوه(1) !

وعن الحكم بن عتيبة أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث عمر بن الخطّاب على الصدقة فأتى العباس يسأله صدقة ماله قال قد عجلت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صدقة سنتين فرافعه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صدق عمّي قد تعجلنا منه صدقة سنتين(2) .

في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يثق في العباس!. قال أخبرنا الفضل بن دكين قال حدثنا أبو إسرائيل عن الحكم قال بعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمر على السعاية فأتى العباس يطلب منه صدقة ماله فأغلظ له فأتى عليا فاستعان به على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تربت يداك أما علمت أن عمّ الرجل صنو أبيه إن العباس، سلفنا زكاة العام عاما أول.

أقول:

هذا ما جرى بين عمر والعباس بن عبد المطلب، يوما يكذّبه ويوما يستسقي به!

قال نافع بن الحارث بخصوص قصة المغيرة: رأيته على بطن المرأة يحتفز عليها، ورأيته يدخل ما معه ويخرجه كالميل في المكحلة. ثم شهد شبل بن معبد على شهادته، ثم أبو بكرة، ثم أقبل زياد رابعا. فلما نظر إليه عمر قال: أما إني أرى وجه رجل أرجو أن لا يرجم رجل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على يده ولا يخزى بشهادته. وكان المغيرة قدم من مصر فأسلم وشهد الحديبية مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقال زياد: رايت منظرا قبيحا وسمعت نفسا عاليا. وما أدرى أخالطها أم لا؟ ويقال لم يشهد بشيء. فأمر عمر بالثّلاثة فجلدوا(3) .

____________________

(1) تاريخ الإسلام، الذهبي، ج 1 ص 155.

(2) مصنف ابن أبي شيبة، ج 2 ص 377 تحت رقم 10098 وإرواء الغليل [ج 3 - ص 348] و الطبقات الكبرى [ج 4 - ص 26].

(3) فتوح البلدان، البلاذري ج 2 ص 423.


يقول عمر: أرجو ألاّ يرجم رجل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على يده ولا يخزى بشهادته، فلماذا أخزى رجلا من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اسمه أبو بكرة وجلده وسلبه عدالته وأبطل شهادته؟! ماذا يقول المنصفون في مثل هذا المقام من الكيل بمكيالين؟.

وعن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان عن عمه أنه سمع عمر بن الخطّاب يقول قيّدوا العلم بالكتاب(1) .

أقول:

وهذا عجيب منه وهو الذي منع من تدوين السنّة فبقي المسلمون إلى زمن متأخّر ليس لهم كتاب في حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (2) .

وعن إسماعيل بن خالد عن قيس أنّ عمر بن الخطّاب فرض لأهل بدر لقريبهم ومولاهم في خمسة آلاف خمسة آلاف وقال لأفضّلنّهم على من سواهم.

أقول:

ليته فضّل أهل بدر فيما هو أهمّ من ذلك، وأقصد به المناصب الحسّاسة التي تتعلق بمستقبل دولة الإسلام يومها؛ لكن الذي حصل هو العكس تماما، فقد عيّن عمر على البدريّين طلقاء لا همّ لهم إلا مصالحهم الشخصية والعائلية والقبليّة، وقد بدت نتائج ذلك وآثاره فيما بعد في حرب الجمل وحرب صفّين والانقسام الذي حصل بين المسلمين والذي لم يلتئم إلى يومنا هذا!

قالوا: فأرسل عمر إلى أبي ذر وإلى سلمان فقال لأبي ذر أنت سمعت هذا الحديث من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال نعم والله وبعد الوادي واد آخر من نار قال وسأل سلمان فكره أن يخبر بشيء فقال عمر: من يأخذها بما فيها؟ فقال: أبو ذر من سلت الله أنفه وعينيه وأصدع خدّه إلى الأرض(3) .

____________________

(1) مصنّف ابن أبي شيبة، ج 5 ص 313 تحت رقم 26427.

(2) المعروف أن كتاب موطأ مالك هو أقدم كتاب في الحديث النبوي.

(3) مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 420 تحت رقم 32546.


أقول: بعد هذا يجتهد في صرف الأمر عن عليّ عليه السلام حتّى وهو على فراش الموت. ويقول: لا أتحمّلها حيّا وميتا، وهو قد تحمّلها تمام التّحمّل لأنه حسم قضيتها بطريقته، فحدّد المهلة وعدد المرشّحين والحكم الفصل فيها، وهل هناك تحمّل أكبر من هذا؟!

وعن موسى بن علي بن رباح عن أبيه أن عمر بن الخطّاب خطب الناس في الجابية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال من أحبّ أن يسأل عن القرآن فليأت أبيّ بن كعب، ومن أحبّ أ يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أحب أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أحبّ أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله جعلني خازنا وقاسما.

أقول:

لا يدرى أين تصنف هذه المغالطات وما شابهها، فإنّ عمر يقول (لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو حسن)، وطالما استخرج له علي عليه السلام الحلول بعد أن يئس غيره! فالرجل عن عمد يلبّس على نفسه وعلى المسلمين وهو يعرف باب مدينة العلم كما يعرف أبناءه.

فوثب عمر بن العاص فقال يا أمير المؤمنين أرأيت إن كان رجل من المسلمين على رعية فأدب بعض رعيته إنّك لمقصّه منه؟ قال: أي والذي نفس عمر بيده لأقصنه منه، أنا لا أقصه منه وقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقص من نفسه؟ ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تمنعوهم من حقوقهم فتكفروهم ولا تجمروهم فتفتنوهم ولا تنزلوهم الغياض فتيعوهم(1) !

أقول:

يقول هذا وهو صاحب الدرة يضرب النساء والرجال على حد سواء!.

وروى عبد الرزاق عن الثوري عن يونس بن عبيد عن ابن سيرين قال: قال عمر بن

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 461.


الخطّاب: (ما في شيء من أمر الجاهلية غير شيئين غير أني لست أبالي أي المسلمين أنكحت وأيّهن نكحت)(1) . وروى أيضا عن ابن جريج قال (أخبرني إبراهيم بن أبي بكر أن عمر بن الخطّاب كان يشدد في الأكفاء)(2) . والجمع بين القولين كما ترى! فهو يشدّد من جهة، ولا يبالي من جهة.

قالوا: قال عمر: (ألا وإنّه بلغني أنّ فلانا قال لو قد مات عمر بايعت فلانا! فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنّه لا بيعة له ولا للذي بايعه)(3) .

أقول:

فهل كانت بيعته لأبي بكر عن مشورة من المسلمين؟!

قال ابن حبان: انقلب عبد الرحمن بن عوف إلى منزله بمنى في آخر حجّة حجّها عمر بن الخطّاب فقال: إن فلانا يقول لو قد مات عمر بايعت فلانا قال عمر إني قائم العشيّة في النّاس وأحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم.

أقول:

أليس ذلك ما فعله عمر وأبو عبيدة؟ بايعا أبوبكر من دون مشورة من المسلمين؟!

وفي صحيح ابن حبان: قال أبو حاتم: (قول عمر إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ولكن الله وقى شرها يريد أن بيعة أبي بكر كان ابتداؤها من غير ملأ والشيء الذي يكون عن غير ملأ يقال له الفلتة وقد يتوقع فيما لا يجتمع عليه الملأ الشرّ)(4) .

وعن معمر عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: قال عمر لا تبغضوا الله إلى عباده يكون أحدكم إماما فيطول عليهم ما هم فيه ويكون أحدكم قاصا ويطول عليهم ما هم فيه(5) .

يقول هذا وهو الذي يصلّي بهم الصبح فيقرآ سورة يوسف وسورة الكهف!!

____________________

(1) مصنف عبد الرزاق ج 6 ص 152 تحت رقم 10321.

(2) مصنف عبد الرزاق ج 6 ص 152 تحت رقم 10322.

(3) صحيح ابن حبان، ج 2 ص 148.

(4) صحيح ابن حبان، ج 2 ص 157.

(5) مصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 321 تحت رقم 26517.


روايات عمر

قال السيوطي: (روى له عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثا روى عنه عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وأبوذر وعمرو بن عنبسة وابنه عبد الله وابن عباس وابن الزبير وأنس وأبو هريرة وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري والبراء بن عازب وأبو سعيد الخدري وخلائق آخرون من الصحابة وغيرهم)(1) .

وعن ابن علية عن رجاء بن أبي سلمة قال بلغني أنّ معاوية كان يقول عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر فإنّه كان قد أخاف النّاس في الحديث عن النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (2) .

لا تعليق!

وعن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطّاب قال: حدثت أن موسى أو عيسى قال يا ربّ ما علامة رضاك عن خلقك؟ قال أن أنزل عليهم الغيث إبان زرعهم، وأحبسه إبان حصادهم، وأجعل أمورهم إلى حلمائهم وفيئهم في أيدي سمحائهم. قال: يا ربّ فما علامة السّخط؟ قال: أن أنزل عليهم الغيث إبّان حصادهم وأحبسه إبّان زرعهم واجعل أمورهم إلى سفهائهم وفيئهم في أيدي بخلائهم(3) . والله تعالى أعلم.

يقول عمر بن الخطّاب: (حدّثت) بالمبنيّ للمجهول، ولا يبعد أن يكون المحدّث كعب الأحبار! وقد امتنع القطر حتى أجدبت الأرض في خلافة عمر، وعام الرّمادة هو عام الرّمادة، فإن يكن ما حدّثه عمر صحيحا فقد كان الله ساخطا على أهل المدينة في خلافته، وهو من أهل المدينة! وإذا كان الأمر كذلك فإنّه لا يخفى مقتضى عبارة (واجعل أمورهم إلى سفهائهم)، وقد كانت الأمور عام الرمادة وقبله وبعده بيد عمر!

____________________

(1) تاريخ الخلفاء ج 1 ص 109.

(2) تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 7.

(3) الدر المنثور ج 3 ص 359.


وعن يحيى بن سعيد الأنصاري قال أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنّه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول سمعت عمر بن الخطّاب على المنبر قال (سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكلّ امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)(1) .

وعن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنّ عمر بن الخطّاب خطب بالجابية فقال قام فينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قيامي فيكم فقال استوصوا بأصحابي خيرا ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى إن الرجل ليسبق بالشهادة قبل أن يسألها فمن أراد منكم بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ولا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما ومن سرته حسنة وساءته سيئة فهو مؤمن(2) .

يقوم رسول الله في أصحابه ويقول لأصحابه (استوصوا بأصحابي خيرا).

هكذا يقول الحديث، وهذا يورد إشكالا كبيرا على علماء الرجال في تعريفهم للصحابي!

عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عبد الله بن معبد عن أبي قتادة قال جاء أعرابي إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسأله كيف صيامك فأعرض عنه وكان إذا سئل عن شيء يكرهه عرف ذلك في وجهه فسكت حتى ذهب غضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم قال له عمر كيف تقول يا رسول الله في صيام الدهر قال لا صام ولا أفطر أو قال ما صام وما أفطر قال فما تقول في صيام يومين وفطر يوم قال ومن يطيق ذلك قال فصيام يوم وفطر يومين قال وددت أن أطيق ذلك قال فصيام يوم وفطر يوم قال ذلك صيام داود. قال: فما تقول في صيام ثلاثة أيام من كل شهر؟ قال: ذلك صيام الدّهر قال: فصيام يوم الاثنين؟ قال: ذلك يوم ولدت فيه ويوم أنزل عليّ فيه قال فصيام عاشوراء؟ قال: كفّارة سنة. قال فصيام يوم عرفة؟ قال: كفّارة سنة وما قبلها(3) .

____________________

(1) صحيح البخاريّ، ج 1 ص 3.

(2) مسند ابن المبارك، ص 148.

(3) مصنف عبد الرزاق، ج 4 ص 295، تحت رقم 7865.


وفي كتاب الجهاد عن معمر عن الزهري أنّ عمر بن الخطّاب خرج على مجلس في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم يتذاكرون سريّة هلكت في سبيل الله فيقول بعضهم هم عمّال الله هلكوا في سبيله فقد وجب أو وقع أجرهم على الله، ويقول قائل الله أعلم بهم لهم ما احتسبوا؛ فلمّا رآهم عمر قال لهم ما كنتم تتحدّثون قالوا كنّا نتحدث في هذه السريّة فيقول قائل كذا ويقول قائل كذا فقال عمر: والله إن من النّاس ناسا يقاتلون ابتغاء الدنيا وإن من الناس ناسا يقاتلون رياء وسمعة وإن من النّاس ناسا يقاتلون إن دهمهم القتال ولا يستطيعون إلاّ إياه وإن من النّاس ناسا يقاتلون ابتغاء وجه الله أولئك الشّهداء وكلّ امرئ منهم يبعث على الذي يموت عليه، وإنّها والله ما تدري نفس ما هو مفعول بها ليس هذا الرّجل الذي قد تبيّن لنا أنّه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر(1) .

أقول: أخطأ عمر ههنا، لأنّه غفل أو تغافل عن أمر لم يكن ينبغي له أن يغفل عنه، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شهد بمحضره لعليّ وفاطمة والحسن والحسين بالجنّة، وشهد لجعفر بن أبي طالب أنه يطير مع الملائكة في الجنّة. هؤلاء قطعا في الجنّة لا يشكّ في ذلك إلا مكذّب لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ومع ذلك لا يستثنيهم عمر بن الخطّاب ويقول بكل بساطة (ليس هذا الرّجل الذي قد تبيّن لنا أنّه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر)(2) . فإن كان لا يعتقد بنجاتهم فقد كذّب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! وإن كان تجاهلهم فقد أساء الأدب مع الله تعالى في حقّ من يصلّي عليهم يوميا في كل صلواته فرضا ونفلا!

قال الرّازيّ: عن عمر بن الخطّاب (إن الرّجل ليخرج من منزله وعليه من الذّنوب مثل جبل تهامة، فإذا سمع العلم وخاف واسترجع على ذنوبه انصرف إلى منزله وليس عليه ذنب، فلا تفارقوا مجالس العلماء فإن الله لم يخلق تربة على وجه الأرض أكرم من مجالس العلماء(3) .

____________________

(1) الجهاد، عبد الله بن المبارك، ص 65.

(2) ليس هنا للاستثناء بمعن سوى، فكأنه قال سوى هذا الرجل أو غير هذا الرجل، وللنحاة في الاستثناء بليس ولا يكون كلام يطلب في كتب النحو.

(3) التفسير الكبير، الرازي ن ج 2 ص 177.


أقول: لكن عمر شهد على نفسه أنه ألهاه الصفق في الأسواق عن العلم.

قال الرازي: وقال ابن عبّاس إني لأرجو كما لا ينفع مع الشّرك عمل كذلك لا يضرّ مع التوحيد ذنب. ذكر ذلك عند عمر بن الخطّاب فسكت عمر(1) .

وعن محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول سمعت عمر بن الخطّاب يقول على المنبر سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فهذا أيضا عموم لكل عمل ولا يجوز أن يخص به بعض الأعمال دون بعض بالدعوى(2) .

وعن عمر بن الخطّاب قال: (كنت جالسا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: أنبئوني بأفضل أهل الإيمان إيمانا قالوا: يا رسول الله الملائكة. قال: هم كذلك ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها. قالوا: يا رسول الله الأنبياء الذين أكرمهم الله برسالاته والنبوّة. قال: هم كذلك ويحقّ لهم وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها. قالوا: يا رسول الله الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء. قال: هم كذلك ويحقّ لهم وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشّهادة مع الأنبياء بل غيرهم؛ قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: أقوام في أصلاب الرّجال يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ويصدّقونني ولم يروني يجدون الورق المعلّق فيعملون بما فيه فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا(3) .

أقول: إن صحّ الحديث فإنّه ينسف حديث القرن الأوّل ودعوى أنّ إيمان الصّحابة ليس فوقه ولا مثله إيمان، لأنّ الحديث المذكور أعلاه يقول: فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا، وبالإيمان يتفاضل النّاس عند الله تعالى.

قال ابن الجوزيّ: قوله تعالى (إذ تستغيثون ربكم) سبب نزولها ما روى عمر بن الخطّاب: لمّا كان يوم بدر نظر النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف ونظر إلى المشركين وهم ألف وزيادة فاستقبل القبلة ثم مدّ يديه وعليه رداؤه وإزاره ثم قال:

____________________

(1) التفسير الكبير، الرازي، ج 10 ص 101.

(2) المحلى، ابن حزم، ج 1 ص 73.

(3) الدر المنثور ج 1 ص 65، أخرجه البزار وأبو يعلى والمرهبي في فضل العلم والحاكم وصححه.


اللهمّ أنجز ما وعدتني، اللهمّ أنجز ما وعدتني، اللهمّ إنّك إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا، فما زال يستغيث ربّه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبوبكر الصديق فأخذ رداءه فرداه به ثمّ التزمه من ورائه وقال: يا نبيّ الله كفاك مناشدتك ربّك فإنّه سينجز لك ما وعدك! وأنزل الله تعالى هذه الآية.

أقول: إذا كان أبوبكر بهذه الدّرجة من الثّقة بالله والطمأنينة بحيث يطمئن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فما باله لم يطمئن نفسه في الغار على فرض كونه صاحبه في الغار؟.

وفي الصّحيح أنّ عمر بن الخطّاب قال له يهودي آية في كتابكم تقرءونها لو علينا نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيدا اليوم عيدا فقال له عمر أي آية هي فقال اليوم أكملت لكم دينكم فقال له عمر قد علمنا ذلك اليوم نزلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو واقف بعرفة يوم الجمعة(1) .

أقول: هذه الرواية معارضة بروايات نزول الآية يوم الغدير.

وعن عمر بن الخطّاب أيضا أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال من دخل السّوق فقال لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف الف سيئة ورفع له ألف ألف درجة(2) .

أقول: إذا علم أن عمر كان يلهيه الصفق بالأسواق على حضور مجالس رسول الله تبيّن سبب اهتمامه بهذه الرواية وما تعد به من الأجر الكبير. فهنيئا للتّجار والمتسوّقين.

قال ابن كثير: وعن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إني ممسك بحجزكم هلمّ عن النّار هلمّ عن النار وتغلبونني، تتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب فأوشك أن أرسل حجزكم وأنا فرطكم على الحوض فتردون علي معا وأشتاتا أعرفكم بسيماكم وأسمائكم كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله

____________________

(1) صحيح البخاري ج 6 ص 2653، وصحيح مسلم ج 4 ص 2313.

(2) تفسير الثعالبي، ج 3 ص 132. قال الثعالبي رواه الترمذي وابن ماجة وهذا لفظ الترمذي وزاد في رواية أخرى وبنى له بيتا في الجنة ورواه الحاكم في المستدرك من عدة طرق.


فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال فأناشد فيكم رب العالمين أي ربّ قومي أي رب أمتي، فيقال: يا محمد إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم كانوا بعدك يمشون القهقرى على أعقابهم(1) .

وعن عمر بن الخطّاب عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن الله أن ينفضح عليهم فيكفه الله عز وجل(2) .

أقول: تكلّموا في هذا الحديث من جهة الإسناد، ويكفي لردّه أنّه تعارضه أحاديث أن الله تعالى آمن هذه الأمة من الخسف والغرق و...، فإذا كان الله تعالى قد آمن الأمّة من الغرق فما معنى أن يستأذن البحر كلّ ليلة؟!

وأخرج الطبراني وغيره بسنده جيد عن عمر بن الخطّاب أن رسول الله قال لعائشة إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء(3) .

أقول: إن تكن البدع المستحسنة أيضا منها يضق الخناق على الخليفة، فإنّ بدعه المستحسنة عديدة، وقد شهد على نفسه بذلك حين قال: (نعمت البدعة)(4) .

قال الجصّاص: وروى يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عبّاس سمعت عمر بن الخطّاب يقول سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول وهو بوادي العقيق أتاني الليلة آت من ربّي فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك وقل حجّة وعمرة. وروي عمرة في حجة(5) .

وفيه رد على منكري التبرّك.

وأخرج الحاكم وصحّحه عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتّى تقوم السّاعة)(6) .

____________________

(1) مختصر ابن كثير، ج 2 ص 780. قال ابن كثير: أخرجه الحافظ الموصلي وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن الإسناد.

(2) مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 43 وتفسير ابن كثير ج 4 ص 241 ومختصر ابن كثير، ج 3 ص 425 وكنز العمال ج 16 ص 4 والعلل المتناهية ج 1 ص 52.

(3) الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، ج 2 ص 509.

(4) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج 1 ص 201 وتفسير ابن كثير ج 1 ص 162، وتفسير القرطبي ج 2 ص 87 وروح المعاني ج 27 ص 193 وتفسير البحر المحيط ج 1 ص 534 والجمع بين الصحيحين، ج 1 ص 131

(5) أحكام القرآن، الجصاص، ج 1 ص 357.

(6) الدر المنثور، ج 1 ص 767.


الحديث يقول (طائفة من أمتي) ولا يقول كلّ أمّتي، وعلامة كون الأمّة على الحقّ كونها تحت راية علي بن أبي طالب عليه السلام، لأنّه مع الحق والحقّ معه يدور معه حيث دار، ويوم السّقيفة لم يكن عليّ عليه السلام مع جماعة السّقيفة، ولم تكن جماعة السقيفة تحت راية عليّ، بل كانت في مواجهته، وبما أنّ القرآن الكريم يقول بصراحة (فماذا بعد الحقّ إلاّ الضّلال)، فقد كانت جماعة السّقيفة تحت راية الضّلال، وقد أجرى الله تعالى على لسان عمر اعترافا بذلك حين قال (إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة)، فشهد عليها أنّها فلتة ن وأنّ صاحب مثلها يستحقّ القتل فمن عاد لمثلها فاقتلوه، وإذا كان صاحب مثلها يستحقّ القتل فإنّ صاحبها أيضا يستحقّ القتل، لأنّ حكم الأمثال واحد، ولا تبديل لكلمات الله.

قال السيوطي: وأخرج الحاكم وصحّحه عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ حتّى تقوم السّاعة(1) .

الحديث يقول طائفة من أمّتي ولا يقول كل أمّتي، وعلامة كون الأمّة على الحقّ كونها تحت راية عليّ بن أبي طالب عليه السلام، لأنّه مع الحقّ والحقّ معه يدور معه حيث دار، ويوم السّقيفة لم يكن عليّ عليه السلام مع جماعة السقيفة، ولم تكن جماعة السقيفة تحت راية عليّ، بل كانت في مواجهته، وبما أنّ القرآن الكريم يقول بصراحة (فماذا بعد الحقّ إلاّ الضّلال)، فقد كانت جماعة السّقيفة تحت راية الضّلال، وقد أجرى الله تعالى على لسان عمر اعترافا بذلك حين قال (إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة)، فشهد عليها أنّها فلتة، وأنّ صاحب مثلها يستحقّ القتل (فمن عاد لمثلها فاقتلوه)، وإذا كان صاحب مثلها يستحقّ القتل فإنّ صاحبها أيضا يستحقّ القتل، لأنّ حكم الأمثال واحد، ولا تبديل لكلمات الله.

وعن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطّاب عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال (إنّ الميت ليعذّب في قبره بالنياحة) رواه البخاريّ في الصحيح عن عبدان عن أبيه عن

____________________

(1) الدر المنثور، السيوطي، ج 1 ص 767.


شعبة(1) . (روايات عمر).

وعن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال توفيت ابنة لعثمانرضي‌الله‌عنه بمكة وجئنا لنشهدها وحضرها بن عمر وبن عباس رضي الله عنهم وإني لجالس بينهما أو قال جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي فقال عبد الله بن عمر (لعمر بن عثمان ألا تنهى عن البكاء فإن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال إنّ الميت ليعذّب ببكاء أهله عليه، فقال ابن عبّاس (قد كان عمر (يقول بعض ذلك ثم حدث قال صدرت مع عمر (من مكّة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظلّ سمرة فقال اذهب فانظر من هؤلاء الرّكب قال فنظرت فإذا صهيب فأخبرته فقال: ادعه لي فرجعت إلى صهيب فقلت ارتحل فالحق أميرالمؤمنين فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول وا أخاه، وا صاحباه! فقال عمر: (يا صهيب أتبكي عليّ وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّ الميت يعذّب ببعض بكاء أهله عليه؟ قال ابن عباس: (فلما مات عمر (ذكرت ذلك لعائشة) فقالت: رحم الله عمر والله ما حدّث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه) ولكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه وقالت حسبكم القرآن (ولا تزر وازرة أخرى). قال ابن عباس (عند ذلك والله هو أضحك وأبكى قال بن أبي مليكة والله ما قال ابن عمر شيئا)(2) .

أقول: ما قال ابن عمر شيئا معناه أنّه يسلّم بما ذكره ابن عباس، وما ذكره ابن عباس يبطل ما قاله ابن عمر؛ وحسبك قول عائشة (والله ما حدّث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه) فإنّها تقسم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقل ما نقله ابن عمر وأبوه. وقد ثبت أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكى لوفاة ولده إبراهيم وعمّه أبي طالب وزوجته خديجة وشهادة عمه حمزة وشهادة جعفر بن أبي طالب.

قال الرازي: روى ابن عمر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال إن الميت ليعذب ببكاء أهله

____________________

(1) إثبات عذاب القبر، ج 1 ص 91.

(2) صحيح البخاري ج 1 ص 432.


فعائشة طعنت في صحّة هذا الخبر واحتجّت على صحة ذلك الطّعن بقوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فإنّ تعذيب الميت بسبب بكاء أهله أخذ للإنسان بجرم غيره وذلك خلاف هذه الآية(1) .

وعن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، ويتوضّأ وضوءه للصّلاة(2) .

وفي فتح القدير ايضا: أخرج البخاريّ في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عمر بن الخطّاب في قوله (ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفرا) قال: هما الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أميّة، فأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر وأمّا بنو أميّة فمتّعوا إلى حين(3) .

أقول: فلماذا كان يولّيهم على الأمصار على رؤوس المهاجرين والأنصار ما دام يعلم أنهم كذلك؟

وعن نافع عن عبد الله بن عمر قال رأى عمر بن الخطّاب حلة سيراء عند باب المسجد فقال يا رسول الله لو اشتريتها فلبستها يوم الجمعة وللوفد؟ قال: إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة. ثمّ جاءت حلل فأعطى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمر منها حلّة وقال: أكسوتنيها وقلت في حلة عطارد ما قلت؟ فقال: إني لم أكسكها لتلبسها، فكسا عمر أخا له بمكّة مشركا(4) .

عن علقمة بن وقّاص عن عمر بن الخطّاب وفي حديث الحرث أنه سمع عمر يقول قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه(5) .

____________________

(1) التفسير الكبير، الرازي، ج 20 ص 137.

(2) المعجم الكبير ج 1 ص 71 تحت رقم 80.

(3) فتح القدير، الشوكانيّ، ج 3 ص 110 - 111.

(4) صحيح البخاريّ، ج 3 ص 140.

(5) سنن النسائي، ج 6 ص 158 و 159.


أقول: فما هو الظّنّ إذا بمن ناوروا وتمرّدوا على أوامر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتخلّفوا عن جيش أسامة واحتلّوا المدينة احتلالا، ثمّ هجموا على أشرف بيت وهدّدوا بتحريقه إذا هو لم يدخل فيما دخل فيه الناس؟! صار آل رسول الله من الناس، وصارت قريش ملوك الناس! وتلك الأمثال نضربها للناس.

وعن يحيى بن هانئ عن نعيم بن دجاجة قال سمعت عمر بن الخطّاب يقول لا هجرة بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (1) .

وعن قيس ابن مسلم عن طارق بن شهاب قال جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطّاب فقال يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيدا قال أي آية قال اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا فقال عمر إني لأعلم المكان الذي نزلت فيه واليوم الذي نزلت فيه نزلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عرفات في يوم جمعة(2) .

وعن شعبة قال حدثنا خليفة قال سمعت عبد الله بن الزبير قال لا تلبسوا نساءكم الحرير فاني سمعت عمر بن الخطّاب يقول قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة(3) .

وعن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال يوم خيبر لأدفعنّ اليوم اللواء إلى رجل يحب الله ورسوله يفتح الله عليه قال عمر فما أحببت الإمارة إلا يومئذ فتطاولت لها فقال لعلي قم فدفع اللواء إليه ثم قال له اذهب ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك فمشى هنيهة ثم قام ولم يلتفت للعزمة فقال على ما أقاتل الناس...(4) .

فيها اعتراف عمر بحب الإمارة، واعترافه بأن علياعليه‌السلام دقيق في تطبيق طاعة

____________________

(1) سنن النسائي، ج 7 ص 146.

(2) سنن النسائي، ج 8 ص 114.

(3) سنن النسائي، ج 8 ص 200.

(4) صحيح ابن حبان، ج 15 ص 379 تحت رقم 6934.


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ أنه لم يلتفت بعد أن قال له اذهب ولا تلتفت.

وعن عمر بن الخطّاب أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة خرجه الترمذي(1) .

مخالفات عمر للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

بدأ عمر بن الخطّاب إسلامه بمخالفة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر: (قال كان أول إسلام عمر أن عمر قال ضرب أختي المخاض ليلا فخرجت من البيت فدخلت في أستار الكعبة فجاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدخل الحجر وعليه تبان، وصلى لله ما شاء الله ثمّ انصرف، فسمعت شيئا لم أسمع مثله فخرج فاتبعته فقال: من هذا؟ فقلت: عمر! فقال: يا عمر ما تدعني لا ليلا ولا نهارا؟ فخشيت أن يدعو علي فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله! فقال: يا عمر أسرّه. قلت: لا والذي بعثك بالحقّ لأعلننه كما أعلنت الشّرك(2) .

ولم يترك عمر مخالفته للنّبيّ بعد وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهذا القوشجيّ الحنفيّ يذكر في شرح التّجريد في مبحث الإمامة ما نصّه أنّ عمر قال وهو على المنبر أيها النّاس ثلاث كنّ على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا أنهى عنهنّ وأحرّمهن وأعاقب عليهنّ: متعة النّساء. ومتعة الحجّ. وحيّ على خير العمل. ثمّ راح القوشجيّ يبرّر فعل عمر ويلتمس له العذر إذ يعتبره مجتهدا فقال: إنّ ذلك ليس ممّا يوجب قدحا فيه فإنّ مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع.

يقول القوشجي مخالفة المجتهد لمثله! وإذاً، فرسول الله وعمر مثلان!!

____________________

(1) الكلم الطيب، ج 1 ص 99.

(2) تاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 29 وتاريخ الإسلام ج 1 ص 173 تاريخ الخلفاء ج 1 ص 110..


ويقول القوشجيّ في المسائل الاجتهادية، فهل يكون الأذان ومتعة الحجّ ومتعة النّساء الواردتان في القرآن الكريم من المسائل الاجتهاديّة؟!

وروى البخاريّ في صحيحه عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس قال: لما اشتدّ بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه قال ائتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده قال عمر إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط قال قوموا عنى ولا ينبغي عندي التنازع فخرج ابن عبّاس يقول إنّ الرّزيئة كلّ الرّزيئة(1) ما حال بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين كتابه الكتاب(2) .

وفي رواية بكى ابن عبّاس حتى خضب دمعه الحصباء فقال: اشتدّ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه فقال: أتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا. فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ التّنازع فقالوا: هجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !(3) .

قال الآلوسيّ: روي أن عيينة والأقرع جاءا يطلبان أرضا من أبي بكر فكتب بذلك خطا فمزقه عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه وقال: هذا شيء يعطيكموه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تأليفا لكم فأمّا اليوم فقد أعزّ الله تعالى الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتّم على الإسلام وإلاّ فبيننا وبينكم السّيف فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ بذلت لنا الخطّ ومزّقه عمر! فقال: (هو إن شاء! ووافقه ولم ينكر عليه أحد من الصّحابةرضي‌الله‌عنه مع احتمال أنّ فيه مفسدة كارتداد بعض منهم وإثارة ثائرة(4) .

أقول: في هذه القصّة لم يخالف عمر أبابكر فقط بل خالف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخالف الله تعالى، وسهم المؤلّفة قلوبهم ثابت في القرآن الكريم ولم ينزل قرآن ينسخه. وأما قوله (ولم ينكر عليه أحد من الصّحابة) فإنّه لا معنى لا لأن الأمور الشرعية لم تبن يوما من الأيام على إنكار الصحابة وعدم إنكارهم، والمتأمّل في قول الله تعالى

____________________

(1) الرزية: المصيبة الكبيرة.

(2) صحيح البخاريّ ج 1 ص 36، 37: كتاب العلم - باب كتابة العلم.

(3) صحيح البخاريّ ج 5 ص 137. ورواه مسلم أيضا في كتاب الوصية، باب ترك الوصية.

(4) روح المعاني، ج 10 ص 122.


(لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتّم) يستشفّ أمورا كثيرة، ويكفي أنّ الصحابة لم يستنكروا الهجوم على بيت فاطمة عليها السلام والتهديد بتحريقه، وهذا مما يصدق عليه قول الله تعالى (وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم).

روى عبد الرزاق عن بن جريج قال أخبرني بن أبي الحسين أن ابن شهاب أخبره أنّ عثمان كان يصدق الخيل وأنّ السّائب بن يزيد أخبره أنّه كان يأتي عمر بن الخطّاب بصدقة الخيل قال أبن أبي حسين: وقال ابن شهاب (لم أعلم أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سن صدقة الخيل)(1) .

ورووا أنّ عمر بن الخطاب خرج ليلة ومعه عبد الرحمن بن عوف وذلك في رمضان والنّاس أوزاع متفرقون يصلّي الرجل لنفسه، ويصلّي الرّجل فيصلّي بصلاته النّفر، فقال عمر بن الخطّاب: إنّي لأظنّ أن لو جمعنا هؤلاء على قارئ واحد كان أفضل؛ فعزم أن يجمعهم على قارئ واحد فأمر أبيّ بن كعب فأمّهم، فخرج ليلة والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال نعم البدعة هذه والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون يريد آخر الليل وكانوا يقومون في أول الليل(2) .

وعن محمد بن إسحاق عن الزهري عن محمد بن عبد الله بن نوفل قال: سمعت الضحاك بن قيس عام حجّ معاوية يسأل سعدا عن متعة الحجّ فقال كان عمر ينهى عنها؛ فقال سعد: بل من هو خير من عمر قد فعلها، رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (3) .

أقول: وهذا يعني أن موقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وموقف عمر بن الخطاب من متعة الحج متباينان تماما، ولا يمكن أن يكون عمر والحال هذه مقتديا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مستنّا بهديه.

وعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: كان عمر يقول: لا يصلّى الجنب

____________________

(1) مصنف عبد الرزاق، ج 4 ص 35 تحت رقم 6888.

(2) صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 155 ومصنف ابن أبي شيبة ج 2 ص 165 ومصنف عبد الرزاق ج 4 ص 259 وأخبار المدينة ج 1 ص 379 والصيام للفريابي) ج 1 ص 125 وص 128.

(3) مسند البزار ج 4 ص 65 تحت رقم 1232.


حتّى يجد الماء، فقال له عمار: ألم تعلم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعثني أنا وأنت فأجنبت فتمعّكت بالصّعيد فأتينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبرناه فقال: (إنما كان يكفيك وضرب بيديه الأرض ضربة فمسح وجهه وكفيه) فقال عمر لعمّار: اتّق الله! فقال: أما والله لئن شئت لا أذكره ما عشت(1) .

قال الطيبي (بخصوص قصة عمر وأبي هريرة): ليس فعل عمر ومراجعته النّبيّ اعتراضا عليه وردّا لأمره، إذ ليس ما بعث به أبا هريرة إلاّ لتطييب قلوب الأمّة وبشراهم فرأى عمر إن كتمه هذا أصلح لئلا يتكلوا(2) ! والحاصل أنه عليه الصلاة والسلام لكونه رحمة للعالمين ورحيما بالمؤمنين ومظهرا للجمال على وجه الكمال وطبيبا لأمّته على كل حال لما بلغه خوفهم وفزعهم واضطرابهم أراد معالجتهم بإشارة البشارة لإزالة الخوف والنذارة فإن المعالجة بالأضداد ولما كان عمر مظهرا للجلال وعلم أنّ الغالب على الخلق التّكاسل والاتّكال فرأى أنّ الأصلح لأكثر الخلق المعجون المركّب بل غلبة الخوف بالنسبة إليهم أنسب فوافقه وهذه مرتبة علية ومزية جلية لعمر. وأمّا قول ابن حجر وكان وجه استباحة عمر لذلك أنّه لأبي هريرة بمنزلة الشيخ والمعلم وللشّيخ والمعلّم أن يؤدب المتعلم بمثل ذلك إذا رأى منه خلاف الأدب وهو هنا المبادرة إلى إشاعة هذا الخبر قبل تفهّم المراد من النّبي مع إشكاله وما يترتّب عليه من اتّكال النّاس وإعراضهم عن الأعمال وكان حقّه إذا أمر بتبليغه أن يتفهّم المراد به ليورده في موارده دون غيرها، فاقتضى اجتهاد عمر أنّ إخلاله بذلك مقتض لتأديبه فأدّبه بذلك(3) .

أقول: ليس لعمر بن الخطاب ولاية على أبي هريرة في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا في هذه القضية ولا في غيرها، ويبدو أنّ الآلوسي وابن حجر يريان عمر بن الخطاب شريكا

____________________

(1) مسند الشاشي، ج 2 ص 429 تحت رقم 1035.

(2) انظر إلى هذا المفسّر الفقيه يزعم أن عمر أعلم بالأصلح! وأشدّ حرصا على الدين وعلى مصلحة المسلمين كيلا يتّكلوا، والقرآن الكريم يقول (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) ولم يقل إنّ عمر حريص عليكم.

(3) مرقاة المفاتيح، ج 1 ص 193.


لرسول الله، بل أكثر من شريك، لأن الشريك يستشير شريكه قبل الحسم في قضية ما، وعمر ههنا لم يستشر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل أن يتصرف مع أبي هريرة بتلك الطريقة المشينة؛ والذين يدافعون عادة عن أبي هريرة يتخلّون عن الدفاع عنه ههنا، كي لا يلزم من ذلك الطعن في سلوك عمر!

قال التوربشتي (في مسألة بيع أمّهات الأولاد): يحتمل أن النسخ لم يبلغ العموم في عهد الرسالة، ويحتمل أن بيعهم في زمان النبي كان قبل النسخ، وهذا أولى التّأويلين؛ وأما بيعهم في خلافة أبي بكر فلعلّ ذلك كان في فرد قضيّة فلم يعلم به أبوبكررضي‌الله‌عنه ولا من كان عنده علم بذلك، فحسب جابر أنّ النّاس كانوا على تجويزه فحدث ما تقرر عنده في أوّل الأمر، فلمّا اشتهر نسخه في زمان عمر عاد إلى قول الجماعة يدل عليه قوله فلما كان عمر نهانا عنه فانتهينا. وقوله هذا من أقوى الدّلائل على بطلان بيع أمّهات الأولاد، وذلك أنّ الصّحابة لو لم يعلموا أنّ الحقّ مع عمر لم يتابعوه عليه، ولم يسكتوا عنه أيضا! ولو علموا أنّه يقول ذلك عن رأي واجتهاد لجوّزوا خلافه لا سيما الفقهاء منهم وإن وافقه بعضهم خالفه آخرون(1) .

أقول: انظر إلى هذه الفقيه العمري الذي ثبتت عنده مخالفة عمر بن الخطّاب للنّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فراح يتمحل في التّأويل وكأنّ عمر أولى بالطّاعة من صاحب الشريعةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون لله. ثم أعجب ولا ينقضي العجب من قوله (وذلك أن الصحابة لو لم يعلموا أنّ الحقّ مع عمر لم يتابعوه عليه ولم يسكتوا عنه أيضا)، وهو يعلم أنّ الصّحابة خالفوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الحديبية(2) وكان زعيم المعارضة يومها عمر بن الخطاب نفسه، وقد اعترف أنّه شكّ يومها حين قال: (ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتّى

____________________

(1) مرقاة المفاتيح، ج 6 ص 516.

(2) قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا فو الله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد. صحيح البخاري ج 2 ص 978 وصحيح ابن حبان ج 11 ص 225 وسنن البيهقي الكبرى ج 9 ص 220 ومصنف ابن أبي شيبة ج 7 ص 389 ومصنف عبد الرزاق ج 5 ص 340 والمعجم الكبير ج 20 ص 14 ومسند أحمد بن حنبل ج 4 ص 330 و).


رجوت أن يكون خيرا)(1) .

قال الألباني: حديث جابر بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعهد أبي بكر فلما كان عمر نهانا فانتهينا رواه أبو داود(2) .

وقال: حديث جابر: بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعهد أبي بكر فلما كان عمر نهانا فانتهينا رواه أبو داود) 1312 صحيح. أخرجه أبو داود (3954) وكذا ابن حبان (1216) والحاكم (128 - 19) والبيهقي (34710) من طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء بن أبي رباح عنه. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذّهبيّ، وهو كما قالا(3) .

أخطاء في سجل عمر

هل يجوز ذكر أخطاء عمر؟

هذا موقف الذهبيّ من أبي بكر بن أبي دارم الكوفي محدّث توفي في القرن الرابع يقول فيه: مات أبوبكر (بن أبي دارم) في المحرّم سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة وقيل سنة إحدى وخمسين. قال الحاكم: (هو رافضيّ غير ثقة). وقال محمّد بن حمّاد الحافظ: (كان مستقيم الأمر عامّة دهره، ثمّ في آخر أيّامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب؛ حضرته ورجل يقرأ عليه أنّ عمر رفس فاطمة حتّى أسقطت محسنا، وفي خبر آخر قوله تعالى (وجاء فرعون) عمر (ومن قبله) أبو بكر (والمؤتفكات) عائشة وحفصة فوافقته وتركت حديثه. قلت(4) شيخ ضالّ معثر(5) .

إذا، لم يعد للرجل حرمة لأنه سمح لنفسه أن ينظر إلى عمر بن الخطاب بغير العين التي ينظر بها غيره، وإن كانت قصّة الهجوم على بيت فاطمةعليه‌السلام من طرف عمر بن

____________________

(1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 197.

(2) مختصر إرواء الغليل، ج 1 ص 351.

(3) إرواء الغليل، الألباني: ج 6 ص 189 تحت رقم 1777.

(4) القائل هو الذّهبي. والمعثر كثير العثرات.

(5) سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج 15 ص 578.


الخطاب وجماعته وتهديد من في البيت بالتّحريق ثابتة منذ القرون الأولى، لكنّ ثقافة الكرسي تقول: (إنّ الحاكم المتربّع على كرسي الحكم دائما على صواب حتّى حين يخالف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ وهذه الثقافة لا تزال سائدة في عالمنا العربيّ، وهي التي تمجّد الحاكم حين يقصف شعبه جوّا وبرّا، أو يقتل الحجّاج في الشّهر الحرام في البلد الحرام.

قال ابن تيمية: وكان عمر بن الخطّاب يشاور الصّحابة فتارة يرجع إليهم، وتارة يرجعون إليه، وربما قال القول فتردّ عليه امرأة من المسلمين قوله وتبيّن له الحقّ فيرجع إليها ويدع قوله كما قدر الصّداق، وربما يرى رأيا فيذكر له حديث عن النّبيّ فيعمل به ويدع رأيه! وكان يأخذ بعض السّنّة عمّن هو دونه في قضايا متعدّدة، وكان يقول القول فيقال له أصبت فيقول والله ما يدري عمر أصاب الحقّ أم أخطأه(1) .

أقول: ولا يصحّ أن يكون العمريّون أشدّ عمريّة من عمر نفسه.

قال الرّازيّ: ولو كذّبنا معاوية لكذّبنا أصحاب صفّين كالمغيرة وغيره على أنّ معاوية لو كان كذّابا لما ولاّه عمر وعثمان على النّاس(2) !.

هذا قول الرازي، وهو نفسه يذكر أنّ الوليد بن عقبة بن أبي معيط ولاّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الصّدقات ونزل فيه قرآن يصفه بـ الفاسق. وقبلها اختار موسى قومه سبعين رجلا وكان منهم ما كان! أوليس معاوية الطّليق الذي ولاه عمر على المسلمين هو من أحدث في جسم الأمة شرخا لا يزال إلى اليوم يفعل من داخل الأمة ما لا يقوى على فعله الأعداء من الخارج؟ ألم يولّ عمر نسيبة قدامة بن مظعون فشرب الخمر؟

بلى! ولكنّ تقديس الحاكم قضية لا تقبل الجدل، ولهذا فإنه لا مجال لاحتمال الخطإ في سلوك لخليفة عمر.

قال السيوطي: وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي الأسود الدؤلي أن عمر بن

____________________

(1) مجموع الفتاوى، ج 2 ص 226.

(2) المحصول، الرازيّ، ج 4 ص 320.


الخطّاب رفعت إليه امرأة ولدت لستة أشهر فهمّ برجمها، فبلغ ذلك عليّا فقال: ليس عليها رجم، قال الله تعالى( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) وستة أشهر فذلك ثلاثون شهرا(1) .

وعدّ الشّنقيطيّ بعض أخطاء عمر فقال: ولم يعلم عمر بأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قضى في دية الجنين بغرّة عبد أو وليدة حتى أخبره المذكوران قبل، ولم يعلم عمر بأنّ المرأة ترث من دية زوجها حتّى أخبره الضّحّاك بن سفيان أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتب إليه أن يورّث امرأة أشيم الضّبابيّ من دية زوجها، ولم يعلم أيضا بأخذ الجزية من المجوسيّ حتّى أخبره عبد الرّحمن بن عوف بأنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر. ولم يعلم بحكم الاستئذان ثلاثا حتى أخبره أبو موسى الأشعريّ وأبو سعيد الخدريّ، ولم يعلم عثمان بوجوب السكنى للمتوفّى عنها حتّى أخبرته قريعة بنت مالك أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألزمها بالسّكنى في المحلّ الذي مات عنها زوجها فيه حتى تنقضي عدّتها، وأمثال هذا أكثر من أن تحصر(2) .

هذه مسائل غابت عن عمر، وفي قول الشنقيطيّ (وأمثال هذا أكثر من أن تحصر) اعتراف بكثرة أخطاء عمر.

قال الشنقيطي: روى الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة قال شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة نفر أنّه زان، فبلغ ذلك عمر فكبّر عليه وقال شاط ثلاثة أرباع المغيرة بن شعبة؛ وجاء زياد فقال: ما عندك؟ فلم يثبت، فأمر بجلدهم فجلدوا وقال شهود زور! فقال ابو بكرة: أليس ترضى إن أتاك رجل عندك يشهد رجمه؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده؛ فقال أبو بكرة: وأنا أشهد أنّه زان! فاراد أن يعيد عليه الحدّ فقال عليّ: يا أمير المؤمنين إنّك إن أعدت عليه الحدّ اوجبت عليه الرّجم. وفي حديث آخر فلا يعاد فيه فرية جلد مرّتين قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: قول عليّ إن جلدته فارجم صاحبك؟

____________________

(1) الدر المنثور ج 1 ص 688.

(2) أضواء البيان، الشنقيطي، ج 7 ص 343.


قال: كأنه جعل شهادته شهادة رجلين. قال أبو عبد الله: وكنت أنا أفسّره على هذا حتى رأيته في هذا الحديث فأعجبني ثم قال: يقول إذا جلدته ثانية فكأنّك جعلته شاهدا آخر.(1)

وعن أبي العباس ثعلب قال لما أن قال أبو بكرة أشهد أنه لزان قال عمر اجلده! قال له عليّ: إذا فارجم صاحبك، لانك قد اعتددت بشهادته فصارت شهادتين وإنما هي شهادة واحد أعادها(2) .

قال ابن طيفور: وذكر ابن الأعرابي أنّ عمر بن الخطّاب قال أيها الناس ما هذه الصّدقات (جمع صداق وهو مهر الزّوجة) التي قد مددتم إليها أيديكم لا يبلغني أن أحدا جاوز بصداقه صداق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ قال فقامت امرأة برزة فقالت: ما جعل الله لك ذلك يابن الخطّاب، وقد قال الله عز وجل( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ) (3) فقال عمر: ألا تعجبون أمير أخطأ وامرأة أصابت ناضل أميركم فنضل.

أقول: لم يسمّ الراوي المرأة التي اعترضت على عمر مع أنه ليس في وسع كلّ امرأة فعل ذلك، وانظر إليها تخاطبه فتقول: (يا ابن الخطاب) ولا تقول: (يا أمير المؤمنين)!

مسائل انفرد بها عمر

قال السّيوطيّ: أخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن عمر بن الخطّاب قال: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جدة ولم يحجّ فيضربوا عليهم الجزية. ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين(4) .

وقال اليعقوبيّ: وتوفّي عمرو ليلة الفطر سنة 43 فأقرّ معاوية ابنه عبد الله بن عمرو، ثمّ استصفى مال عمرو، فكان أوّل من استصفى مال عاملٍ. ولم يكن يموت لمعاوية عامل

____________________

(1) أضواء البيان، ج 5 ص 444 وفي سنن البيهقي الكبرى، ج 8 ص 234 مثله.

(2) بلاغات النساء، ابن طيفور، ص 132.

(3) تمام الآية: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا [النساء: 20]

(4) الدر المنثور ج 2 ص 275.


إلاّ شاطر ورثته ماله، فكان يكلّم في ذلك فيقول: هذه سنّها عمر بن الخطّاب(1) .

ولما توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام عمر بن الخطّاب فقال إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توفي! وإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - والله - ما مات، ولكن ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثمّ رجع إليهم بعد وأرجلهم زعموا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات فخرج أبوبكر فقال: على رسلك يا عمر، أنصت، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيّها النّاس، إنّه من كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت ثمّ تلا هذه الآية( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ .. ) الآية فو الله لكأنّ النّاس لم يعلموا أنّ هذه الآية نزلت حتى تلاها أبوبكر يومئذ وأخذ النّاس عن أبي بكر، فإنّما هي في أفواههم؛ قال عمر: فو الله ما هو إلاّ أن سمعت أبابكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد مات(2) .

أقول:

لم يمت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نظر عمر، مع أن القرآن الكريم يصرّح بذلك أكثر من مرة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُم مَيّتُونَ * ثُمّ إِنّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) ،( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مّتّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ) ،( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ.. ) ، هذا مع أنّ الاعتقاد بحتميّة الموت لا يحتاج إلى الالتزام بدين، فإنّ الدّهري والمادّي الشيوعي والملحد والزّنديق، كلّ هؤلاء يعتقدون بحتمية الموت مع أنهم ليسوا على دين!

وأخرج البيهقيّ عن ابن عائذ قال: خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جنازة رجل فلما وضع

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 221 دار صادر بيروت.

(2) تاريخ الطبري ج 2 ص 233 وتفسير أبي السعود ج 2 ص 93 وروح المعاني ج 4 ص 74 وتفسير الثعلبي ج 3 ص 178 ومناهل العرفان في علوم القرآن ج 1 ص 194 ومختصر السيرة ج 1 ص 250 والكامل في التاريخ ج 2 ص 187 والسيرة الحلبية ج 3 ص 475 والدر المنثور ج 2 ص 337.


قال عمر بن الخطّاب لا تصلّ عليه يا رسول الله فإنّه رجل فاجر (!) فالتفت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الناس قال هل رآه أحد منكم على الإسلام فقال رجل نعم يا رسول الله حرس ليلة في سبيل الله فصلى عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحثا عليه التراب وقال: (أصحابك يظنون أنك من أهل النار وأنا أشهد أنك من أهل الجنة وقال يا عمر إنك لا تسأل عن أعمال الناس ولكن تسأل عن الفطرة(1) .

وهذا صحابي آخر يتعرض لسلوك مماثل من طرف عمر بن الخطاب في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال ابن الجوزي في ترجمة الحكم بن كيسان مولى لبني مخزوم: (وكان في عير قريش التي أصابها عبد الله بن جحش بنخلة فاسره المقداد وأراد عبد الله بن جحش ضرب عنقه فقال له المقداد دعه حتى نقدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدموا به جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام وأطال دعاءه فقال عمر علام تكلم هذا يا رسول الله والله لا يسلم هذا آخر الأبد دعني أضرب عنقه ويقدم إلى أمه الهاوية فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت إلى عمر وأسلم الحكم وجاهد وقتل ببئر معونة ورسول الله صلى الله عليه وسلم راض عنقه(2) .

أقول: لا يزال أناس من المدافعين عن الصّحابة - كلّ الصحابة - يتنازلون عن متبنّياتهم ويتراجعون عمّا ألزموا به أنفسهم كلّما تعلّق الأمر بعمر بن الخطاب؛ فهذان صحابيان يقضى نحبه على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويشهد له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالجنّة، لكنّ عمر بن الخطّاب يأبى إلاّ أن يشهد عليه بالفجور، ومصير من يموت على الفجور معلوم( إِنّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) ، والثاني قتل ببئر معونة ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنه راض، والمقتولون ببئر معونة شهداء كما هو مقرّر في محلّه، ومع ذلك حرص عمر على ضرب عنقه وزعم أنّه.

____________________

(1) الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني، ج 7 ص 277 وحلية الأولياء، أبو نعيم، ج 1 ص 55 وشعب الإيمان، البيهقي، ج 4 ص 43 والدر المنثور، السيوطي، ج 2 ص 421 ومرقاة المفاتيح، ج 7 ص 388 ومشكاة المصابيح، الخطيب التبريزي، ج 2 ص 1134.

(2) المنتظم، ابن الجوزي، ج 3 ص 209.


لا يسلم آخر الأبد، وأنّه يعجّل به إلى أمّه الهاوية. وقد تبيّن أنّ الرجلين من أهل الجن، وأحدهما شهيد! فأين الملائكة التي تحدّث عمر وأين الموافقة الإلهيّة؟! ولم يرد في القصّة ما يشير إلى أنّ عمر بن الخطّاب اعتذر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من سوء الظّنّ بمؤمن من أهل الجنّة. ومن تدبّر قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (أصحابك يظنّون أنّك من أهل النّار وأنا أشهد أنّك من أهل الجنّة) يتبيّن له أنّ من الصّحابة - وعلى رأسهم عمر - من كان يتّهم الصّحابة في الدّين ويشهد عليهم بالفجور دون الرّجوع في ذلك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فإذا كان هذا شأنهم في حياته فكيف تكون الحال بعد وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

قال القرطبي: (وروي أن عمر بن الخطّاب خطب بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله تعالى جعلني له خازنا وقاسما)(1) .

أقول: يعتقد عمر بن الخطاب أنّ معاذا وزيد بن ثابت أفقه وأعلم من علي عليه السلام بعد أن سمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: (أنا مدينة العلم وعلي بابها).

ويزعم أنّ الله تعالى جعله خازنا وقاسما للمال، والواقع أنّ أبابكر بن أبي قحافة هو الذي جعله كذلك.

وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطّاب أنّه قال لرجل: أتزوّجت؟ قال: لا. قال: إمّا أن تكون أحمق وإمّا أن تكون فاجرا(2) .

هذا رأي عمر في من لم يتزوّج دون أن يسأل عن عذره، وهذا القول من عمر مفحم لأتباع ابن تيمية الذي تجاوز السّتين ومات عزبا.

ورووا أنّ عن عمر بن الخطّاب قال إنّي أحلف لا أعطي أقواما، ثمّ يبدو لي أن أعطيهم فأطعم عشرة مساكين، كل مسكين صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو نصف صاع من قمح(3) .

____________________

(1) تفسير القرطبي ج 18 ص 20.

(2) مصنف عبد الرزاق ج 6 ص 170.

(3) مصنف ابن أبي شيبة ج 3 ص 70 وقال السيوطي الدر المنثور ج 3 ص 151): (أخرجه عبد الرزاق وابن


وأخرج سعيد بن منصور والبخاريّ في تاريخه وابن المنذر عن عمر بن الخطّاب قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم(1) .

قال السيوطي: وأخرج البيهقي في سننه عن عائشة: (إنّ المقام كان في زمن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وزمان أبي بكر ملتصقا بالبيت ثم أخّره عمر بن الخطّاب)(2) .

وقال الشوكاني في نفس الموضوع: وفي مقام إبراهيم عليه السلام أحاديث كثيرة مستوخاة في الأمّهات وغيرها، والأحاديث الصّحيحة تدلّ على أنّ مقام إبراهيم هو الحجر الذي كان إبراهيم يقوم عليه لبناء الكعبة لمّا ارتفع الجدار أتاه إسماعيل به ليقوم فوقه كما في البخاريّ من حديث ابن عبّاس وهو الذي كان ملصقابجدار الكعبة، وأوّل من نقله عمر بن الخطّاب كما أخرجه عبد الرزاق والبيهقيّ بإسناد صحيح وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة(3) .

قلت: لأجل ذلك كانت هناك مشكلة في الطّواف، فعند بعض المسلمين يصحّ الطّواف خارج مقام إبراهيم، وعند بعضهم لا يصحّ إلاّ بين البيت والمقام. ولم تكن هذه المشكلة على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وعن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عبّاس قال كان الطلاق على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطّاب إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم في أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم(4) .

وعن مجالد عن الشعبي قال: كتب أبو موسى إلى عمر أنه يأتينا كتب ما نعرف تأريخها فأرّخ، فاستشار أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال بعضهم: أرّخ لمبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال بعضهم: أرخ لموت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال عمر: أرخ لمهاجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإن

____________________

أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ).

(1) قال الشوكاني: فتح القدير، الشوكاني، ج 3 ص 642.

(2) الدر المنثور ج 1 ص 293.

(3) فتح القدير ج 1 ص 215.

(4) أضواء البيان، الشنقيطي، ج 1 ص 120.


مهاجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرق بين الحق والباطل فأرخ(1) .

قالوا: وكان الذي جعل المحرّم أوّل شهر من العام عمر بن الخطّاب(2) .

قال ابن عاشور: وعليه فلما روي عن عمر بن الخطّاب أنه كتب إلى عمرو بن العاص أن لا يحمل جيش المسلمين في البحر مؤول على الاحتياط وترك التغرير وأنا أحسبه قد قصد منه خشية تأخر نجدات المسلمين في غزواتهم لأن السّفن قد يتأخر وصولها إذا لم تساعفها الرياح التي تجري بما لا تشتهي السفن، ولأن ركوب العدد الكثير في سفن ذلك العصر مظنّة وقوع الغرق ولأنّ عدد المسلمين يومئذ قليل بالنسبة للعدوّ فلا ينبغي تعريضه للخطر، فذلك من النظر في المصلحة العامة(3) .

أقول:

ليس العرب أوّل من ركب البحر للغزو أو التّجارة أو غيرها، والقرآن حافل بذكر الجواري في البحر وجعلها من الآيات! وقد اختار الله تعالى لنبيه نوح عليه السلام الفلك، وضرب بحمل النّاس في الفلك أمثلة كثيرة في القرآن الكريم، وجعلها من الآيات. ولو استلزم احتمال وقوع الخطر المنع من الإقدام لتوجّب على النّاس أن يبقوا في بيوتهم. وقد حملت السّفن والبواخر عبر القرون ما لا يحصى من الألوف المؤلفة لحج بيت الله الحرام. كما أثبت التّاريخ أن كبريات المعارك الحاسمة إنّما حسمت في البحر، ولذلك تسارعت الدّول إلى تأسيس الأساطيل ح وعليه فلا معنى لكلام عمر، ويبقى كلام الفاضل بن عاشور في الدّفاع عن عمر في هذه المسألة من رواسب ثقافة الكرسيّ.

وقال الجصّاص: روي عن جماعة من الصحابة إباحة التجارة في البحر وقد كان عمر بن الخطّاب منع الغزو في البحر إشفاقا على المسلمين(4) .

وعن أيوب عن ابن سيرين أن عمر بن الخطّاب أراد أن يضرب من جلود الإبل

____________________

(1) المصنف، ابن أبي شيبة الكوفي، ج 8 ص 64.

(2) التسهيل لعلوم التنزيل ن ج 2 ص 75.

(3) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 1 ص 473.

(4) أحكام القرآن للجصاص، ص 1 ص 131.


دراهم فقالوا إذا يفنى الإبل فتركها(1) . (أوائل عمر)

ما رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وأبو سعيد الأشجّ ومحمد بن المثنى العنزي واللفظ لابن نمير قالوا حدثنا ابن إدريس عن أبيه عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال لما قدمت نجران سألوني فقالوا إنكم تقرؤون يا أخت هارون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا فلما قدمت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سألته عن ذلك فقال إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم(2) . هذا لفظ مسلم في الصحيح وهو دليل على أنه رجل آخر غير هارون أخي موسى ومعلوم أن هارون أخا موسى قبل مريم بزمن طويل. (عمر وأسماء الأنبياء).

وفي جامع الترمذي ((1168)) (2 / 107)، عن عائشة قالت: كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يغير لااسم القبيح.

وقد اعترض قوم من أهل الأهواء فقالوا قد أجلى عمر بن الخطّاب أهل نجران إلى الشام بعد أن أمنهم رسول الله وكتب لهم كتابا ان لا يحشروا وأرادوا بهذا الطعن على عمر؛ وهذا جهل ممن قاله أو عناد لأن الأعمش روى عن سالم بن أبي الجعد قال أمن رسول الله أهل نجران وكتب لهم أن لا يحشروا ثم كتب لهم بذلك أبوبكر الصديق (بعد رسول الله ثم كتب لهم ذلك عمر بن الخطاب فكثروا حتى صاروا أربعين ألف مقاتل فكره عمر أن يميلوا على المسلمين فيفرقوا بيهم وقالوا لعمر نريد أن نتفرق ونخرج إلى الشام فاغتنم ذلك منهم وقال نعم ثم ندموا فلم يقلهم(3) ...

وعن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال لما قدمت نجران سألوني فقالوا إنكم تقرؤون يا أخت هارون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا فلما قدمت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سألته عن ذلك فقال إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم اه هذا لفظ

____________________

(1) تفسير الصنعاني ن ج 3 ص 93.

(2) أضواء البيان، ج 3 ص 414.

(3) الناسخ والمنسوخ للحاس، ج 1 ص 489.


مسلم في الصحيح وهو دليل على أنه رجل آخر غير هارون أخي موسى ومعلوم أن هارون أخا موسى قبل مريم بزمن طويل(1) . وهذا معناه أن التسمي بأسماء الأنبياء كان موجودا بعد موسى عليه السلام، فليس العرب أول من ابتدعه.

حدثنا عبيد الله بن معاذ ثنا أبي عن حبيب بن الشهيد عن يزيد بن أسلم عن أبيه قال دعا عمر ابنه عبد الرحمن ليغير كنيته وكانت كنيته أبو عيسى فقال يا أمير المؤمنين والله إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كنى المغيرة بن شعبة بها قال بن أبي عاصم وكان للمغيرة بن شعبة كنيتان أبو عبد الله وأبو عيسى(2) . وعبد الرحمن هذا مات في حدّ الخمر.

نهي الخليفة عن التسمية باسم النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأمره المسلمين به بتغيير أسمائهم، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما رووا: (من ولد له ثلاثة أولاد فلم يسم احدهم محمدا فقد جهل)، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إذا سميتم محمدا فلا تضربوه ولا تحرموه).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه، وأوسعوا له في المجلس، ولا تقبحوا له وجها)(3) .

وعن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه قال لصهيب: إنّي لأحبّك لو لا خصال فيك! قال فقال: وما هي؟ قال اكتناؤك بأبي يحيى وليس لك ولد وادعاؤك إلى النمر بن قاسط ولست منهم، قال فقال صهيب: أمّا اكتنائي بأبي يحيى فإنّ رسول الله كنّاني بأبي يحي فما كنت لأدعها. وأمّا قولك انتمائي إلى النّمر بن قاسط ولست منهم فأنا من النّمر بن قاسط ولو لم أكن منهم ما ادعيت إليهم وأما عجمتي فإنّي استرضعت بالأبلة فالعجمة في لساني منه(4) .

أقول:

يلاحظ أنّ عمر أنكر على صهيب اكتناءه بأبي يحي وذكر علّة ذلك فقال: (ولا ولد

____________________

(1) أضواء البيان، ج 3 ص 414.

(2) الآحاد والمثاني، ج 2 ص 60 تحت رقم 755.

(3) تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، ج 3 ص 91.

(4) مسند البزار، ج 6 ص 12 تحت رقم 2086.


لك) فالعلّة إذاً كونه لا ولد له. ولم يذكر شيئاً عن كون يحي من أسماء الأنبياء. لكنّه أنكر أسماء الأنبياء على ولده عبد الرحمن والمغيرة بن شعبة. فإن كانت العلّة لا ولد فقد كان للمغيرة بن شعبة وعبد الرحمن أولاد؛ وإن كانت العلّة اسم النبيّ فلم غض الطرف عنها في حديثه مع صهيب؟!

قال اليعقوبيّ:. وتوفّي عمرو ليلة الفطر سنة 43 فأقرّ معاوية ابنه عبد الله بن عمرو، ثمّ استصفى مال عمرو، فكان أوّل من استصفى مال عاملٍ. ولم يكن يموت لمعاوية عامل إلاّ شاطر ورثته ماله، فكان يكلّم في ذلك فيقول: هذه سنّة سنّها عمر بن الخطّاب(1) .

وقال حماد عن زيد بن أسلم أن رجلا جاء فنادى يستأذن أبو عيسى على أمير المؤمنين. فقال عمر: من أبو عيسى؟ قال المغيرة بن شعبة: أنا! فقال عمر: وهل لعيسى من أب فكنّاه بأبي عبد الله(2) .

عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن جده أنس بن مالك قال: كنّ إماء عمر يخدمننا كاشفات عن شعورهنّ تضطرب ثديّهن. قلت: وإسناده جيد، رجاله كلّهم ثقات غير شيخ البيهقي أبي القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحربيّ وهو صدوق كما قال الخطيب. وقال البيهقي عقبه: والآثار عن عمر بن الخطّاب في ذلك صحيحة(3) .

أقول:

انظر إلى قوله تضطرب تديّهن! وتخيل المشهد بمحضر عمر.

قالوا: وهو أوّل من سمّي أمير المؤمنين لما توفّي أبوبكر قال عمر: (قيل لأبي بكر خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكيف يقال لي خليفة خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ هذا يطول! فقال له المغيرة بن شعبة: أنت أميرنا ونحن المؤمنون، وأنت أمير المؤمنين! قال: فذاك(4) .

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي، ج 2 ص 221 دار صادر بيروت.

(2) المعرفة والتاريخ، ج 3 ص 173.

(3) إرواء الغليل، ج 6 ص 204.

(4) تاريخ دمشق، ج 44 ص 9.


أقول: تعدّدت الروايات حول هذه المسألة.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال كان عمر بن الخطّاب لا يترك أحدا من العجم(1) .. (إلام يستند هذا القرار؟!).

عن سفيان عن ثور بن يزيد عن عطاء بن دينار قال: قال عمر لا تعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم(2) .

وأخرج السلفي في الطيوريات بسند صحيح عن ابن عمر عن عمر أنه أراد أن يكتب السنن فاستخار الله شهرا فأصبح وقد عزم له ثم قال إني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله(3) .

أقول: من الذي عزم له؟!

وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أنّ عمر أمر عماله فكتبوا أموالهم منهم سعد ابن أبي وقاص فشاطرهم عمر في أموالهم فأخذ نصفا وأعطاهم نصفا(4) .

أقول:

كان معاوية فيما بعد يشاطر عماله أموالهم فإذا كلّهم في ذلك قال: هذه سنّة سنّها عمر بن الخطّاب.

قال ابن تيمية بخصوص صلاة التراويح جماعة: وعمر بن الخطّاب الذي أمر بذلك وإن سمّاه بدعة فإنّما ذلك لأنّه بدعة في اللّغة، إذ كلّ أمر فعل على غير مثال متقدّم وإن سمّاه بدعة فإنّما ذلك لأنّه بدعة في اللّغة، إذ كلّ أمر فعل على غير مثال متقدّم يسمّى في اللّغة بدعة، وليس مما تسمّيه الشّريعة بدعة وينهى عنه(5) !!

قال ابن تيمية: وكذلك محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة

____________________

(1) مصنف عبد الرزاق ن ج 5 ص 474 تحت رقم 9775.

(2) سنن البيهقي الكبرى، ج 9 ص 234 تحت رقم 18640.

(3) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 138.

(4) تاريخ الخلفاء، ج 1 ص 141.

(5) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 31 ص 36.


والمساقاة والمزارعة ونحو ذلك من الهدايا، ولهذا شاطر عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه من عماله من كان له فضل ودين لا يتّهم بخيانة وإنّما شاطرهم لما كانوا خصّوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها(1) .

من أقوال عمر

وعن الحسن: أوّل خطبة خطبها حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال أمّا بعد فإنّي ابتليت بكم وابتليتم بي، فما كان بحضرتنا باشرنا ن ومهما غاب عنا وليناه أهل القوّة والأمانة؛ فمن يحسن نزده حسنى، ومن يسيء نعاقبه. ثمّ قال: بلغني أنّ النّاس قد هابوا شدّتي وخافوا غلطتي وقالوا قد كان عمر يشدّد علينا ورسول الله بين أظهرنا، فكيف الآن وقد صارت الأمور إليه! ولعمري من قال ذلك فقد صدق؛ كنت مع رسول الله فكنت عبده وخادمه حتّى قبضه الله وهو راض عنّي ولله الحمد وأنا أسعد النّاس بذلك، ثمّ ولي أبوبكر فكنت خادمه وعونه أخلط شدّتي بلينه فأكون سيفا مسلولا حتّى يغمدني (!)(2) فما زلت معه كذلك حتى قبضه الله تعالى وهو عني راض ولله الحمد، وأنا أسعد النّاس بذلك. ثمّ إنّي وليت الآن أموركم! اعلموا أن تّلك الشدّة قد تضاعفت ولكنّها إنّما تكون على أهل الظّلم والتّعدّي على المسلمين. وأمّا أهل السّلامة في الدّين والقصد فإنّما اللّين لهم من بعضهم لبعض ولست أدع أحدا يظلمه أحد أو يتعدّى عليه حتى أضع خدّه بالأرض وأضع قدمي على الخدّ الآخر حتى يذعن للحقّ! ولكم عليّ أيّها النّاس ألا أخبأ عنكم شيئا من خراجكم، وإذا وقع عندي ألاّ يخرج إلاّ بحقّه، ولكم عليّ ألاّ ألقيكم في المهالك، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتّى ترجعوا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم(3) .

____________________

(1) السياسة الشرعية، ابن تيمية، ج 1 ص 66.

(2) متى كان سيفا مسلوكا؟ ومن هم قتلاه وجرحاه؟ إن سيفا لا يقتل ولا يجرح لا يصلح إلا للمتحف.

(3) سمط النجوم العوالي، ج 2 ص 468، وحياة الحيوان الكبرى، الدميري، ج 1 ص 49.


أقول:

قوله قبضه الله تعالى وهو عنّي راض غير صحيح، لأنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لهم بعد أن تنازعوا عنده ورفعوا أصواتهم: قوموا عنّي وقد غضب من كلمة عمر يومها ن فكيف يكون راضيا عنه؟! ولو كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم راضيا عنه عند وفاته لعرفت له فاطمة عليها السلام ذلك، لأنّها بضعة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومطهّرة بنصّ الكتاب العزيز. فعبارة قبضه الله تعالى وهو عني راض من وضع الرّواة بلا أدنى شكّ، لأنّ فاطمة عليها السلام ماتت ساخطة على عمر بن الخطّاب، وقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنها: إنّ الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها وما ذلك إلاّ لأنّ نفسها قدسية، فأراد العمريّون أن يجدوا لعمر مخرجا فأدرجوا عبارات يرومون من ورائها أن يقولوا: إنه لا يضرّ عمر وحزبه أن تسخط عليهم فاطمة عليها السلام مادام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم راضيا عنهم وهو غير صحيح، لأنّ رضا فاطمة عليها السلام في طول رضا الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكيف تكون فاطمة ساخطة عليهم ويكون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم راضيا عنهم؟!

قال ابن القيم: وذكر ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم التيمي قال: قال عمر بن الخطّاب: إياكم والرأي فإن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلّتت منهم أن يحفظوها فقالوا في الدين برأيهم).(1) ..

أقول: هذا موقفه من الرّأي وهو أوّل من أسّس له وعمل في الدين برأيه، حتى شهد عليه من الصّحابة من شهد في حكم شرعيّ أنّه قال رجل برأيه.

قال السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر بن الخطّاب قال النساء ثلاث امرأة عفيفة، مسلمة، هيّنة، ليّنة، ودود، ولود تعين أهلها على الدهر ولا تعين الدّهر على أهلها، وقليل ما تجدها وامرأة وعاء لم تزد على أن تلد الولد، وثالثة غلّ قمل يجعلها الله في عنق من يشاء، وإذا أراد ان ينزعه نزعه(2) .

____________________

(1) إعلام الموقعين، ابن القيم، ج 1 ص 55.

(2) الدر المنثور ج 2 ص 518.


عن إبراهيم بن مرة عن محمد بن شهاب قال: قال عمر بن الخطاب: لا تعترض فيما لا يعنيك، واعتزل عدوّك، واحتفظ من خليلك إلاّ الأمين فإنّ الأمين من القوم لا يعادله شيء؛ ولا تصحب الفاجر فيعلمك من فجوره، ولا تفش إليه سرّك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله عزوجل. حدثنا الحسن [..] عن ابن الزبير قال: قال عمر بن الخطاب: (إن لله عبادا يميتون الباطل بهجره، ويحيون الحقّ بذكره رغّبوا فرغبوا، ورهّبوا فرهبوا، خافوا فلا يأمنون، أبصروا من اليقين ما لم يعاينوا فخلطوه بما لم يزايلوه، أخلصهم الخوف فكانوا يهجرون ما ينقطع عنهم لما يبقى لهم؛ الحياة عليهم نعمة، والموت لهم كرامة فزوّجوا الحور العين، وأخدموا الولدان المخلّدين(1) .

وروي أنّ عمر بن الخطّاب وصف زهيرا فقال: كان لا يمدح الرّجل إلا بما فيه(2) .

وأخرج البخاريّ في تاريخه من طريق الزهري إنّ عمر بن الخطّاب قال إن وليت شيئا من أمر النّاس فلا تبال لومة لائم(3) .

قال المقدسي في أحسن التقاسيم: وما ذهبوا إليه يسمّى اختلاء لا التقاء، فان قيل لهم جعلت بحار الأعاجم من السبعة بعد ما قلت إن الله خاطبهم بما يعرفونه فالجواب فيه من وجهين أحدهما أن العرب قد كانت تسافر إلى فارس ألا ترى أن عمر بن الخطّاب قال: (إنّي تعلّمت العدل من كسرى وذكر خشيته وسيرته)(4) .

حدثنا عبد الله قال حدثنا داود بن عمرو الضبي قال حدثنا محمد بن مسلم عن عمرو يعني ابن دينار قال سمعت أبان بن عثمان قال دخلت على عمر بن الخطاب حين طعن ورأسه في التراب فذهبت أرفعه فقال دعني ويلي ويل امي إن لم يغفر لي ويلي ويل أمي إن لم يغفر لي(5) .

____________________

(1) حلية الأولياء، أبو نعيم، ج 1 ص 55.

(2) إعجاز القرآن، ج 1 ص 114.

(3) الدر المنثور، ج 3 ص 104.

(4) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، محمد بن أحمد مقدسي، ص 18 مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الثالثة، 14111991.

(5) كتاب المحتضرين ج 1 ص 56. تحت رقم 45.


وأخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطّاب قال لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح إيمان أبي بكر(1) .

أقول:

نعم، بفضل إيمان أبي بكر نال الخلافة، وأبو بكر لم ينفعه إيمانه الراجح في اثنتين وثمانين غزوة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عمّه في أكثرها أن يفرّ بجلده ويسلم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للأعداء عرضة للقتل.

وأخرج الخطيب عن عمر بن الخطّاب قال: والله لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن(2) .

وسمع عمر بن الخطّاب إنسانا يقرأ هذه( وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل(3) .

وقال عمر: كفى سرفا أن لا يشتهي الرجل شيئا إلا اشتراه فأكله(4) .

عن أبي غرزة أنه أخذ بيد ابن الأرقم فأدخله على امرأته فقال أتبغضينني قالت: نعم. قال له ابن الأرقم: ما حملك على ما فعلت؟ قال: كثرت عليّ مقالة الناس. فأتى ابن الأرقم عمر ابن الخطاب فأخبره، فأرسل إلى أبي غرزة فقال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: كثرت علي مقالة النّاس. فأرسل إلى امرأته فجاءته ومعها عمّة منكرة فقالت: إن سألك فقولي: استحلفني فكرهت أن أكذب. فقال لها عمر: ما حملك على ما قلت؟ قالت: إنه استحلفني فكرهت أن أكذب، فقال عمر: بلى، فلتكذب إحداكن ولتجمل فليس كل البيوت تبنى على الحبّ ولكن معاشرة على الأحساب والإسلام(5) .

قال ابن القيم: وقال عبيد الله بن عبد الله: بن عتبة: ما رأيت أحدا أعلم بالسّنّة ولا

____________________

(1) الدر المنثور، ج 4 ص 12.

(2) فتح القدير، الشوكاني، ج 3 ص 363.

(3) تفسير البغوي، ج 1 ص 236.

(4) تفسير البغوي، ج 1 ص 94.

(5) المعرفة والتاريخ ج 1 ص 200 وكنز العمال ج 16 ص 233 رقم 45859.


أجلد رأيا ولا أثقب نظرا حين ينظر مثل ابن عبّاس، وإن كان عمر بن الخطّاب ليقول له قد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها ولأمثالها(1) .

كلمات عمر بن الخطاب

عن عثمان بن عفان قال أنا آخركم عهدا بعمر دخلت عليه ورأسه في حجر ابنه عبد الله بن عمر فقال له ضع خدي بالأرض قال فهل فخذي والأرض إلا سواء قال ضع خذي بالأرض لا أم لك في الثانية أو في الثالثة ثم شبك بين رجليه فسمعته يقول ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي حتى فاضت نفسه. قال أخبرنا قبيصة بن عقبة قال أخبرنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله قال حدثني أبان بن عثمان عن عثمان قال آخر كلمة قالها عمر حتى قضي ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي ويلي وويل امي إن لم يغفر الله لي قال أخبرنا أبوبكر بن عبد الله بن أبي أويس قال أخبرنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر عن عاصم بن عبيد الله عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطّاب قال ليتنى لم أكن شيئا قط ليتنى كنت نسيا منسيا قال ثم أخذ كالتبنة أو كالعود عن ثوبه فقال ليتني كنت مثل هذا(2) .

وقال عمر أيضا [بعدما طعن]: أما والله على ما يقولون وددت أنّي خرجت منها كفافا لا عليّ ولا لي وأنّ صحبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد سلمت لي. فتكلّم عبد الله بن عبّاس وكان عند رأسه وكان خليطه كأنّه من أهله، وكان ابن عبّاس يقرأ القرآن، فتكلّم عبد الله بن عبّاس فقال: والله لا تخرج منها كفافا لقد صحبت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فصحبته بخير ما صحبه خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكنت تنفّذ أمره وكنت له ن وكنت له وكنت، ثمّ وليتها يا أمير المؤمنين ات فوليتها بخير ما وليها وال كنت تفعل وكنت تفعل، فكان عمر يستريح إلى حديث ابن عبّاس فقال عمر: يا ابن عبّاس كرّر عليّ حديثك فكرّر عليه، وقال ابن المقرئ كرّ علي حديثك فكرّ عليه، فقال عمر: أما والله على ما تقولون

____________________

(1) إعلام الموقعين، ابن القيم، ج 1 ص 19.

(2) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ج 3 ص 360.


لو أنّ لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به اليوم من هول المطّلع..(1) .

وعن سماك عن ابن عبّاس قال دخلت على عمر حين طعن فقلت: أبشر يا أمير المؤمنين، والله لقد مصّر الله بك الأمصار وأوسع بك الرزق وأظهر بك الحق فقال عمر قبلها أو بعدها فقلت بعدها وقبلها قال فو الله وددت أني أنجو منها كفافا لا أؤجر ولا أؤزر(2) .

وفي طبقات ابن سعد عن سماك قال سمعت بن عبّاس قال دخلت على عمر حين طعن فجعلت أثني عليه فقال بأيّ شيء تثني عليّ بالإمرة أو بغيرها؟ قال قلت: بكلّ. قال ليتني أخرج منها كفافا لا أجر ولا وزر ز قال أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسيّ وعبيد الله بن موسى عن مسعر عن سماك الحنفيّ قال: سمعت ابن عبّاس يقول قلت لعمر: مصّر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل بك وفعل، فقال: لوددت أنّي أنجو منه لا أجر ولا وزر(3) .

وفي طبقات ابن سعد عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال رأيت عمر بن الخطّاب أخذ تبنة من الأرض فقال ليتني كنت هذه التبنة، ليتني لم أخلق، ليت أمي لم تلدني، ليتني لم أك شيئا، ليتني كنت نسيا منسيا(4) .

وفيه أيضا:

وفي الإمامة والسياسة: قال (عمر): ومن أين لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب؟ ثم جعل الناس يثنون عليه، ويذكرون فضله. فقال: إنّ من غررتموه لمغرور، إني والله وددت أن أخرج منها كفافا كما دخلت فيها، والله لو كان لي اليوم ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع، فقالوا: يا أمير المؤمنين لا بأس عليك، فقال: إن يكن القتل بأسا، فقد قتلني أبو لؤلؤة، قالوا ك فإن يكن ذلك فجزاك الله عنا خيرا. فقال: لا

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر ج 44 ص 411.

(2) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر، ج 44 ص 423.

(3) الطبقات الكبرى - محمد بن سعد، ج 3 ص 351.

(4) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ج 3 ص 360.


أراكم تغبطونني بها، فو الذي نفس عمر بيده، ما أدري علام أهجم، ولوددت أنّي نجوت منها كفافا لا لي ولا عليّ، فيكون خيرها بشرها، ويسلم لي ما كان قبلها من الخير(1) .

وفي الإمامة والسياسة: قال: والله لا أحملكم حيا وميتا، ثم قال: إن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني، يعني أبابكر، وإن أدع فقد ودع من هو خير مني يعني النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين، فقال: ما شاء الله راغبا، وددت أن أنجو منها لا لي ولا علي. فلما أحس بالموت قال لابنه: اذهب إلى عائشة، وأقرئها مني السلام، واستأذنها أن أقبر في بيتها مع رسول الله ومع أبي بكر، فأتاها عبد الله بن عمر، فأعلمها، فقالت: نعم وكرامة ثم قالت: يا بني أبلغ عمر سلامي، وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راع ن استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فإني أخشى عليهم الفتنة، فأتى عبد الله فأعلمه، فقال: ومن تأمرني أن أستخلف؟ لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح باقيا الستخلفته ووليته، فإذا قدمت علي ربى فسألني وقال لي: من وليت علي أمة محمد؟ قلت إي ربى، سمعت عبدك ونبيك يقول: لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته، فإذا قدمت علي ربى فسألني: من وليت على أمة محمد؟ قلت: إي ربى: سمعت عبدك ونبيك يقول: إن معاذ ابن جبل يأتي بين يدي العلماء يوم القيامة. ولو أدركت خالد بن الوليد لوليته، فإذا قدمت علي ربى فسألني: من وليت علي أمة محمد؟ قلت إي ربى، سمعت عبدك ونبيك يقول: خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سلّه على المشركين(2) .

هذا كلام جدير بأن يفحص، والتمعّن فيه كفيل بتبديد بعض الشبهات التي يتمسك بها المدافعون عن الباطل. فالمرشّحون للخلافة حسب اقتراح الخليفة عمر بن الخطّاب ثلاثة: أبو عبيدة بن الجراح ثم معاذ بن جبل، ثم خالد بن الوليد. هؤلاء هم الذين

____________________

(1) الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري تحقيق الشيري ج 1 ص 40.

(2) الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري، تحقيق الزيني ج 1 ص 28.


يستحقون أن يقودوا الأمّة. لكن قبل الشّروع في مناقشة ذلك تجدر الإشارة إلى أنّ هؤلاء جميعا شاركوا في الهجوم على بيت كان جبريل يستأذن قبل دخوله! وقد برّر الخليفة مقاله بكلمات يحسبها فضائل وهي أوه من بيت العنكبوت إذا قيست بغيرها مما ورد في حق يعسوب الدين وسيد الوصيين. ولو لم يكن إلا حديث المنزلة الذي يقول فيه رسول الله لعلي عليه السلام: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) - لو لم يكن إلا ذلك - لكفى، فكيف وقد صنّفت في فضائله عليه السلام كتب مستقلة، منها كتاب خصائص أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب للحافظ النسائي وكتاب فضل آل البيت للمقريزي، والرجلان من كبار علماء مدرسة الخلفاء لا سبيل للتّشكيك في منزلتهما العلمية واستقامتهما وصحّة معتقدهما عندهم. ألم ير الخليفة في واحدة من تلك الفضائل ما يجعله في مصاف من سماهم؟ ليت الخليفة ذكر آية واحدة نازلة في فضل واحد ممن ذكر! لكن القرءان حافل بالآي النازل في فضل علي وأهل بيته عليهم السلام، وهو المولود في الكعبة الذي تربى في حجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخديجة، وهو كفؤ فاطمة عليها السلام، وأبو سيدي شباب أهل الجنة..

إنّ عمر بن الخطّاب نفسه يشهد لعلي عليه السلام أنه مولاه ومولى كلى مؤمن ومؤمنة، وقد قال له يومها: (بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة)، فإن يكن أبو عبيدة وخالد ومعاذ من المؤمنين فعلي عليه السلام مولاهم ومولى زعمائهم ومرشحيهم وليس أحد منهم مولى له وكفى بذلك دليلا للباحث عن الحق.

وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يولي عليا عليه السلام عليهم في السرايا ولم يولّ أحدا منهم عليه. وقد خطب زعماؤهم ومقدموهم فاطمة عليها السلام وردّهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو القائل: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه إلاّ تفعلوا تكن في الأرض وفساد كبير. وزوجها عليا عليه السلام.


وفي كنز العمال: عن عمر أنه سمع رجلا يقرأ ( هَلْ أَتَى‏ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَذْكُوراً ) فقال عمر: يا ليتها تمّت(1) .

وهذا معناه أنّ عمر يتمنى لو أن الإنسان لم يخرج إلى الوجود! ويبقى السؤال مطروحا: لماذا يفضل عمر بن الخطاب العدم على الوجود؟

قال القاضي عياض: (ولمّا فرض عمر بن الخطّاب لابنه عبد الله في ثلاثة آلاف ولأسامة بن زيد في ثلاثة آلاف وخمسمائة قال عبد الله لأبيه: لم فضّلته؟ فو الله ما سبقني إلى مشهد! فقال له: لأنّ زيدا كان أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أبيك، وأسامة أحبّ إليه منك، فآثرت حبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حبي(2) .

أقول: هل كان أسامة بن زيد أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من فاطمة عليها السلام؟ هل قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوما من الأيّام أسامة بضعة منّي؟! وأعجب منه قوله آثرت حبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حبّي!!

قال صاحب أبي حنيفة: واستدلّ عليه بحديث سعد بن أبي وقّاص، فإنّه حين افتتح العراق باع من المسور بن مخرمة طستا بألف درهم، فباعها المسور بألفي درهم. فقال له سعد: لا تتّهمني، وردّ الطّست. فإنّي أخشى أن يسمع ذلك عمر فيرى أنّى قد حابيتك، فردّه. ثم ذُكر ذلك لعمر فقال: الحمد لله الذي جعل رعيتي تخافني في آفاق الأرض، وما زادني على ذلك شيئا. ولو كان هذا البيع جائزا لأمر عمر بردّ الطّست عليه(3) .

يحمد الله تعالى أنّ رعيّة عمر تخاف عمر في آفاق الأرض، ولا يهمّه إنّ كانت تخاف الله تعالى! وسعد بن ابي وقاص لم يقل للمسور بن مخرمة (إني أستحي من الله تعالى أن يراني حابيتك..، وإنما قال: (فإنّي أخشى أن يسمع ذلك عمر فيرى أنّى قد حابيتك).

____________________

(1) كنز العمال، المتقي الهندي، ج 12 ص 563 تحت رقم 35764.

(2) الشفا بتعريف حقوق المصطفى - القاضي عياض - ج 2 ص 50.

(3) السير الكبير، الشيباني، ج 3 ص 1091.


قال السيوطي في فصل خاصّ بما ورد من كلام والسّلف الصّالح في فضل أبي بكر: أخرج البخاريّ عن جابر قال: قال عمر بن الخطّاب (أبوبكر سيدنا). وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عمر قال: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم). وأخرج ابن أبي خيثمة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عمر قال: (إنّ أبا بكر كان سابقا مبرزا). وقال عمر (لوددت أنّي شعرة في صدر أبي بكر) أخرجه مسدّد في مسنده. وقال (وددت أنّي من الجنّة حيث أرى أبا بكر). أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عساكر. وقال: (لقد كان ريح أبي بكر أطيب من ريح المسك!) أخرجه أبو نعيم. وأخرج ابن عساكر عن عليّ أنه دخل على أبي بكر وهو مسجى فقال: (ما أحد لقي الله بصحيفته أحبّ إليّ من هذا المسجّى). وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدّيق قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (حدثني عمر بن الخطاب أنّه ما سبق أبابكر إلى خير قطّ إلا سبقه به). وأخرج الطبراني في الأوسط عن عليّ قال: والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قطّ إلا سبقنا إليه أبوبكر. وأخرج في الأوسط أيضا عن جحيفة قال: قال علي خير الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبوبكر وعمر لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن(1) .

أقول:

من علامات وضع هذا الحديث أنّ فاطمة عليها السلام لم تكن تحب أبابكر وعمر، وكان عليّ عليه السلام أحبّ الناس إليها بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وفي مسند الشاميّين عن جبير بن نفير أنّ نفرا قالوا لعمر بن الخطّاب والله ما رأينا رجلا أقضى بالقسط ولا أقول بالحقّ ولا أشدّ على المنافقين منك يا أمير المؤمنين! فأنت خير النّاس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! فقال عوف بن مالك كذبتم، والله لقد رأينا خيرا منه بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقال: من هذا يا عوف؟ فقال: أبوبكر. فقال عمر: صدق عوف وكذبتم! والله لقد كان أبوبكر أطيب من ريح المسك وأنا أضلّ من بعير أهلي(2) .

____________________

(1) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 59.

(2) مسند الشاميين، الطبراني ج 2 ص 182 تحت رقم 1151.


هذه شهادة عمر على نفسه أنّه أضلّ من بعير أهله!

قال الرازي: وعن عمر بن الخطّاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يأمرنا بذلك(1) .

في كتاب الجهاد:... قال عمر والله إنّ من النّاس ناسا يقاتلون ابتغاء الدّنيا، وإنّ من النّاس ناسا يقاتلون رياء وسمعة، وإنّ من النّاس ناسا يقاتلون إن دهمهم القتال ولا يستطيعون إلا إيّاه، وإنّ من الناس ناسا يقاتلون ابتغاء وجه الله، أولئك الشّهداء وكلّ امرئ منهم يبعث على الذي يموت عليه؛ وإنّها والله ما تدري نفس ما هو مفعول بها ليس هذا الرّجل الذي قد تبين لنا أنه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر(2) .

وهذا يدلّ بوضوح على أن عمر بن الخطّاب لم يكن يعتقد بالعشرة المبشرين فضلا عن عدالة جميع الصّحابة، فهو لم يجزم بالنّجاة لغير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا لأبي بكر ولا غيره.

وفي التسهيل: (قال عمر بن الخطّاب التوبة النّصوح هي أن تتوب من الذنب ثم لا تعود إليه أبدا ولا تريد أن تعود(3) .

قالوا: كان عمر بن الخطّاب يقول حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ لا تخفى منكم خافية فيقول هاؤم(4) .

أقول: هل حاسب عمر نفسه حينما قيل له (إنّ في البيت فاطمة) فقال: (وإن)؟ هل تدبّر في عواقب هذه الكلمة؟.

قال عمر بن الخطّاب: (كفى بالمرء سرفا أن لا يشتهى شيئا إلاّ اشتراه فأكله)(5) .

أقول: يرد عليه إشكالات منها قوله تعالى( قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ.. ) ، وإذا كان المرء يشترى من حلال بدراهم حلال يتقوّى به على

____________________

(1) التفسير الكبير ج 10 ص 134.

(2) الجهاد عبد الله بن المبارك ص 65.

(3) التسهيل لعلوم التنزيل ج 4 ص 132.

(4) زاد المسير، ج 8 ص 351.

(5) تفسير الثعالبي، ج 3 ص 141.


عبادة ربّه فأين المشكلة؟

وقال ابن جرير عن الحسن قال: قال عمر بن الخطّاب: لقد هممت أن لا أدع أحدا أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوّج محصنة. فقال له أبي بن كعب: يا أمير المؤمنين، الشّرك أعظم من ذلك وقد يقبل منه إذا تاب(1) .

وروى الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطّاب: (لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا إلى كل من كان عنده جدة (أي سعة) فلم يحجّ فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين(2) .

هذا رأي عمر في من أخّر الحجّ، وهل تنحصر الجدة في المال والرّاحلة دون مراعاة الموانع الأخرى التي قد يكون الحرج في التّصريح بها. ذلك ما لا يلتفت إليه عمر.

وعن أبي عثمان النّهدي أنّ عمر بن الخطّاب قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: اللهمّ إن كنت كتبت عليّ شقوة أو دنبا فامحه فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أمّ الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة(3) .

أقول: هذا عمر يخشى على نفسه الشّقاء وهو المبشّر بالجنة!

وروي أنّ المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطّاب مرّات فقال عمر: أحدثتم والله! لئن عادت لأفعلنّ ولأفعلن(4) .

أقول: لماذا يخرج عمر نفسه من المحدثين؟ أليس درء الحدّ عن المغيرة بن شعبة من أكبر ما ارتكب على عهده؟ أو لم يقل هو نفسه للمغيرة بن شعبة: (والله ما رأيتك إلا خشيت أن أرامى بحجارة من السماء)؟!

____________________

(1) مختصر ابن كثير، ج 1 ص 349.

(2) مختصر ابن كثير، ج 1 ص 237.

(3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 520 وتفسير الطبري ج 13 ص 167 وروح المعاني ج 13 ص 170 وفتح القدير ج 3 ص 89.

(4) مختصر ابن كثير، ج 2 ص 786.


قال ابن كثير: وقد ذكرنا في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب من طرق متعدّدة عنه أنه لما تزوج (أمّ كلثوم) بنت علي بن أبي طالب قال: أما والله ما بي إلا أنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: كل سبب ونسب فإنّه منقطع يوم القيامة إلا سبي ونسبي (رواه الطبراني والبزار والبيهقي والحافظ الضياء في المختارة وذكر أنه أصدقها أربعين ألفا إعظاما وإكراما)(1) .

أقول:

بغض النظر عن صحة القصة أو بطلانها فإنّ في هذا الكلام مغالطة كبيرة، وشر المغالطة ما كان يغالط به المولى عزوجل، هل يعتقد عمر بن الخطاب أن نسب أم كلثوم أقرب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من نسب فاطمة عليها السلام؟ وحتى أم كلثوم - في حال ثبوت القصّة وهو غير مسلّم - أقول: أيّ تعظيم وأيّ تكريم بعد أن همّ بإحراقها وإحراق أمّها وأبيها وأخويها يوم السّقيفة. والعجيب أنّه خطب أمّها من قبل، ثمّ خطبها هي وتزوّجها على زعمهم، وهذا من أشنع ما يشنّع به النّاس عرفا! فهو قد خطب إلى أهل بيت ردّوه، ومع ذلك رجع إلى نفس البيت يخطب بنت المرأة التي خطبها وردّوه!! وعلى كلّ حال إنّ له وقفة مع فاطمة يوم العرض الأكبر، فإن اتّصل سببه هناك لم يضرّه شيء، وإن انقطع سببه هناك لم ينفعه شيء. وقد خرجت فاطمة عليها السلام من الدّنيا ساخطة عليه، ولا شيء يدلّ على أنّها غيّرت رأيها منه في عالم البرزخ، ولا ينقض يقين بشكّ.

وفي مختصر ابن كثير، قال قتادة: ذكر لنا أنّ أبا الدّرداء قال: لا إسلام إلا بطاعة الله ولا خير إلا في جماعة والنّصيحة لله ولرسوله وللخليفة وللمؤمنين عامّة قال: وقد ذكر لنا أنّ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه كان يقول: عروة الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة لمن ولاّه الله أمر المسلمين (رواه ابن أبي حاتم)(2) . (من

____________________

(1) تفسير ابن كثير، ج 3 ص 257.

(2) مختصر ابن كثير، ج 2 ص 816.


أقوال عمر).

نعم! الطّاعة لمن ولاّه الله أمور المسلمين لا من ولّته السّقيفة، وبين الأمرين فرق كبير! ولوجاز ما يروّجون له لكان يزيد بن معاوية أيضا ممّن ولاه الله أمور المسلمين. ومن أعجب ما في هذه المسألة أنّهم من جهة يقولون إن الله تعالى ترك الأمر شورى للمسلمين، ولم يعين شخصا بذاته لا يوم الغدير ولا قبله ولا بعده، وفي نفس الوقت يقولون (من ولاّه الله أمور المسلمين)!

قالوا: وكان عمر بن الخطّاب إذا اجتهد في اليمين قال: والذي تقوم السماء والأرض بأمره أي هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها(1) . (من أخبار عمر).

وقال عمر بن الخطّاب للعبّاس: والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، لأنّ إسلامك كان أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من إسلام الخطاب(2) . (من أقوال عمر).

أقول: فاطمة أحب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عمّه العبّاس، ومع ذلك فقد هدّد عمر بتحريق البيت عليها!.

وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا قال لعمر بن الخطّاب: يا أمير المؤمنين قحط المطر وقنط النّاس فقال عمر: (مطرتم، ثم قرأ:( أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا ) (4) . (تناقضات عمر - أليس هو الذي يعزو كثرة احتلامه إلى كثرة أكل الدسم؟!).

____________________

(1) مختصر ابن كثير، ج 3 ص 64.

(2) مختصر ابن كثير، ج 3 ص 321.

(3) مختصر ابن كثير، ج 3 ص 322.

(4) مختصر ابن كثير [ج 3 - ص 366].


وعن عمر بن الخطّاب: (أنه قال: ما عاقبت أحدا عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله تبارك وتعالى وفيه(1) . (من أقوال عمر - لقد أطاع الله تعالى في تهديد فاطمة وأولادها بالتحريق بالنار!).

قال عمر بن الخطاب حين قيل له ألا تستخلف: لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته ولو كان معاذ حياً لاستخلفته ولو كان سالم حياً لاستخلفته فإني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول أبو عبيدة أمين هذه الأمّة ومعاذ أمّة قانت لله ليس بينه وبين الله يوم الكشاف القيامة إلا المرسلون وسالم شديد الحب لله لو كان لا يخاف الله لم يعصه(2) . (من أقوال عمر).

أقول: ليت عمر بن الخطاب بيّن للمسلمين أمانة أبي عبيدة في أي يوم وفي أية واقعة؟! وأما سالم مولى أبي حذيفة فإنه كان حاضرا يوم خيبر، وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومها (لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله.. (ولم يكن ذلك الحبيب غير علي عليه السلام، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في علي عليه السلام كلاما كثيرا، كما نزل في فضائله أيضا قرآن كثير، ولكن ذلك كلّه لا يعني للخليفة عمر شيئا لأن الأمر كان محسوما، ولم تكن تلك المقالة إلا لذرّ الرماد في العيون، وإلا فأين إنجازات من سمّاهم؟! ولماذا لم يظهر لهم أثر يوم خيبر ولا يوم الخندق ولا غير ذلك من الأيّام التي يتميّز فيها الصّادق بصدقه والأمين بأمانته. ولعلّ الخليفة عمر بن الخطّاب إنّما كان يورد تلك الأسماء وتلك المقالات لينزل من مقام علي عليه السلام في نفوس الأجيال القادمة، لأنّ حسد معاصريه له عليه السلام كان أوضح من نار على علم.

وروي عن عمر بن الخطّاب قوله: لا تظنّنّ بكلمة خرجت من في أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا(3) . (من أقوال عمر).

____________________

(1) مختصر ابن كثير [ج 3 - ص 384].

(2) الكامل في التاريخ ج 2 ص 459 والكشاف ج 2 ص 599 وتاريخ مدينة دمشق ج 58 ص 404 وتخريج الأحاديث والآثار ج 2 ص 250 ومختصر ابن كثير، ج 3 ص 493.

(3) الكشاف، الزمخشري، ج 1 ص 234.


أقول: لماذا لم يحمل سؤال صبيغ بن عسل التميمي على محمل الخير؟

قال الزمخشري: وروى عن عمر بن الخطّاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك(1) . (من أقوال عمر).

أقول: لقد أمره الله بمثل ذلك: ألاّ يولّي دبره من الزّحف وألا يرغب بنفسه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومع ذلك ولّى دبره من الزحف وفرّط في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ تركه بين الأعداء.

قال الزمخشري: وروي أن عمر بن الخطّاب كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر فإن كانت جميلة غنيّة قال: زوّجها غيرك والتمس لها من هو خير منك وإن كانت دميمة ولا مال لها قال: تزوّجها فأنت أحقّ بها(2) . (من أقوال عمر).!

أقول: لم لم يقل ذلك لعبد الرحمن بن عوف والمغيرة بن شعبة، وقد فعل كل واحد منهما خلاف ما تشتهي نفس عمر؟!).

وفي صحيح ابن حبان أنّ عمر بن الخطّاب قال كنا معشر المهاجرين قوما نغلب نساءنا فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم فأخذ نساؤنا يتأدّبن بأدب نساء الأنصار..(3) . (أقول لعمر)

أقول: مهاجرون يغلبون نساءهم لكنّهم ساعة الجدّ لا يفكّرون إلاّ في الفرار، بينما الأنصار تغلبهم نساؤهم - على حدّ قول عمر - لكنّهم ساعة الجدّ قلّما يفرّون. وما أسهل أن يغلب المرء زوجته، وليس من شأن أهل المروءة مغالبة النساء.

وعن عبيد بن رفاعة الأنصاري قال تذاكر أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه العزل فاختلفوا فيه فقال عمر رضي الله عنه: قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الخيار فكيف بالنّاس بعدكم إذ تناجى رجلان فقال عمر: ما هذه المناجاة؟ قال: إنّ اليهود تزعم أنّها الموءودة الصغرى. فقال عليّ رضي الله عنه: إنّها لا تكون موءودة

____________________

(1) الكشاف، الزمخشري، ج 1 ص 262.

(2) الكشاف، الزمخشري، ج 1 ص 285.

(3) صحيح ابن حبان ج 9 ص 494.


حتى تمرّ بالتّارات السّبع،( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِن طِينٍ.. ) إلى آخر الآية، فعجب عمررضي‌الله‌عنه من قوله وقال: جزاك الله خيرا(1) . وفي شرح الزرقاني قال عمر لعلي: صدقت أطال الله بقاك، فقيل إنّه أوّل من قالها في الإسلام(2) . وفي الاستذكار فقال له عمر صدقت أطال الله بقاءك، وهذه أيضا رواية زيد بن أبي الورقاء عن ابن لهيعة. وقيل إنّ أوّل من قال في الإسلام أطال الله بقاءك عمر لعلي - رضي الله عنهما - في هذا الخبر، وروى المقرئ عن ابن لهيعة مثله بإسناده وقال في آخره عمر جزاك الله خيرا(3) . (أوائل عمر).

وروى الحاكم من طريق ابن شهاب قال: خرج عمر بن الخطّاب إلى الشّام ومعه أبو عبيدة بن الجراح فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! أأنت تفعل هذا؟! تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟! ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك! فقال عمر: أوه! لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالا لأمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! إنّا كنا أذلّ قوم فأعزّنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزّ بغير ما أعزّنا الله به أذلّنا الله. قال الألباني: (صحيح) وفي رواية له: يا أمير المؤمنين! تلقاك الجنود وبطارقة الشّام وأنت على حالك هذه؟ فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نبتغي العز بغيره(4) .

أقول: كيف أعزّ الله تعالى العرب بالإسلام؟ ألم يكن ذلك بمحمد وآل بيته عليهم السلام؟ الم يستشهد أبو عبيدة بن الحارث في بدر وحمزة في أحد وجعفر في مؤتة؟ ألم يقض نبي الرحمةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمره الشريف مجاهدا حتى أتاه اليقين؟ فكيف كان جزاء عمر وحزبه لرسول الله وأهل بيته عليهم السلام؟! أليس هو الذي حمل النّار وهمّ بتحريق بيت كان

____________________

(1) شرح مشكل الآثار ج 5 ص 174 والتحرير والتنوير، ج 1 ص 282.

(2) شرح الزرقاني ج 3 ص 295.

(3) الاستذكار، ج 6 ص 227.

(4) السلسلة الصحيحة، ناصر الدين الألباني، ج 1 ص 117.


جبريل يستأذن لدخوله؟!

ورووا عن عمر بن الخطّاب أنه قال أشكو إلى الله ضعف الأمين وخيانة القويّ(1) .

يريد أسأله أن يؤيّدني بقويّ امين أستعين به. وفيه شهادة منه على قلّة الأمناء في حاشيته وعمّاله. (من أقوال عمر).

ومُدح رجل عند عمر بن الخطّاب بالخير فقال عمر: هل أريتموه الأبيض والأصفر؟ يعني الدّراهم والدّنانير(2) .

وروى الحسن عن الأحنف بن قيس أنه سمع عمر بن الخطّاب يقول: لأنا أعلم بخفض العيش، ولو شئت لجعلت أكبادا وصلائق وصنابا وكراكر وأسنمة، ولكني رأيت الله نعى على قوم فقال:( أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا ) . وإنما أراد عمر بذلك الخشية من أن يشغله ذلك عن واجبه من تدبير أمور الأمّة فيقع في التّفريط ويؤاخذ عليه(3) . (من أقوال عمر).

وفي تفسير الصنعاني عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن عمر بن الخطّاب قال ليس المسكين بالذي لا مال له ولكن المسكين الأخلق الكسب(4) . (من أقوال عمر).

عبد الرزاق قال أنا ابن عيينة عن رجل عن الحسن في قوله لم يسرفوا ولم يقتروا أن عمر بن الخطّاب قال كفى سرفا ألاّ يشتهي رجل شيئا إلا اشتراه فأكله (من أقوال عمر - قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق(5) .

أقول: إذا كان ماله حلالا وكانت نيته التقوّي على العبادة فما المانع، على أنّ ما عناه لا يكاد يوجد، فمن هذا الذي لا ينفكّ يتشهّى؟!

وسمع عمر بن الخطّاب رجلا يقول اللهمّ اغفر لي خطاياي فقال: استغفر الله للعمد،

____________________

(1) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 1 ص 3132.

(2) التحرير والتنوير، ج 1 ص 3647.

(3) التحرير والتنوير، ج 1 ص 4011.

(4) تفسير الصنعاني، ج 2 ص 280.

(5) تفسير الصنعاني، ج 3 ص 71.


فأما الخطأ تجوّز عنه(1) .

القتل الخطأ مثلا في نظر عمر لا يحتاج إلى استغفار، وموسى بن عمران قضى على الذي هو من عدوّه دون تعمّد القتل، ومع ذلك استغفر؟! ولقد رووا أن رسول الله كان يستغفر في اليوم أكثر من سبعين مرة، وهو المعصوم.

عن هشام بن عروة في قوله تعالى أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا أن عمر بن الخطّاب قال لو شئت أن أذهب طيباتي في حياتي الدنيا لأمرت بجدي سمين فطبخ باللبن(2) .

طيباتكم لدى عمر بن الخطاب تنحصر في كبش مطبوخ باللبن!.

وعن زيد بن وهبقال: إني لجالس مع عمر بن الخطّاب إذ جاء ابن مسعود فكان الجلوس يوارونه من قصره فضحك عمر حين رآه فجعل عمر يكلّمه ويهلل وجهه ويضاحكه وهو قائم عليه ثم ولى فأتبعه عمر بصره حتى توارى فقال: كنيف ملئ علما(3) . انظر: سير أعلام النبلاء، ج 1 ص 491 وطبقات ابن سعد، ج 1 ص 110 والحلية، ج 1 ص 129.

وقال السيوطي في الإتقان: أخرج ابو عبيد في فضائله عن عمر بن الخطّاب قال تعلّموا اللّحن والفرائض والسّنن كما تعلّمون القرآن(4) .

أقول: وكيف يتعلّمونها وقد نهى هو نفسه عن روايتها، وضرب بعض الرواة، وجلد بعضا، ونكّل ببعض؟!

قال ابن القاسم وأخبرني مالك أنّ عمر بن الخطّاب نهى عن رطانة الأعاجم وقال: إنها خب أي خبث وغش(5) .

____________________

(1) تفسير الصنعاني، ج 3 ص 111.

(2) تفسير الصنعاني، ج 3 ص 217.

(3) مفردات القرآن، ج 1 ص 175.

(4) الإتقان، ج 1 ص 528.

(5) مناهل العرفان، ج 2 - ص 116.


أقول:

هذا كلام لا يمت إلى الإسلام بصلة، فإن الله تعالى قد جعل اختلاف الألسنة من آياته في الأرض. وأئمة أهل البيت عليهم السلام كانوا يتحدثون الفارسية مع أبناء فارس وهم مطهّرون بنص الكتاب العزيز، ويصلى عليهم في كل فريضة ونافلة!؛ وإنّما شرفت العربيّة بالقرآن الكريم، وشرف العرب برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكتاب الله الكريم، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.

وقال عمر بن الخطّاب: من خاف الله لم يشف غيظه ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون(1) . (من أقوال عمر).

قال السيوطي: وأخرج وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن المغيرة بن شعبة قال كنا في غزاة فتقدّم رجل فقاتل حتّى قتل فقالوا ألقى بيده إلى التّهلكة فكتب فيه إلى عمر فكتب عمر ليس كما قالوا، هو من الذين قال الله فيهم (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله)(2) .

وقال عمر بن الخطّاب ما رأيت مثل من يجلس أيما بعد هذه الآية وأنكحوا الأيامى منكم التسموا الغنى في الباه(3) . (من أقوال عمر - وإنّما أوردت هذا القول لعر تعجبا من ابن تيمية الذي بقي أعزب حتى خرج من الدنيا.

ومن أقوال عمر بن الخطّاب: (تفقهوا قبل أن تسودوا). قال السيوطي: معناه اجتهدوا في كمال أهليتكم وأنتم أتباع قبل أن تصيروا سادة فإنكم إذا صرتم ساد متبوعين امتنعتم من التعلم لارتفاع منزلتكم وكثرة شغلكم(4) . (من أقوال عمر).

وقد حكى أحمد بن محمد بن الحجاج أن أحمد بن صالح سئل عن السّكران فقال أنا آخذ فيه بما رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار عن يعلى بن منية عن أبيه قال سألت

____________________

(1) أحكام القرآن للجصاص، ج 2 ص 325.

(2) الدر المنثور، ج 1 ص 576.

(3) أحكام القرآن للجصاص، ج 5 - ص 179.

(4) التبيان في آداب حملة القرآن، ج 1 - ص 13.


عمر بن الخطّاب عن حدّ السّكران فقال هو الذي إذا استقرأته سورة لم يقرأها وإذا خلطت ثوبه مع ثياب لم يخرجه(1) .

وعن الشعبي عن ابن عمر قال سمعت عمر بن الخطّاب يخطب على منبر المدينة قال أيها الناس ألا إنّه نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة من العنب والتّمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل(2) .

قال النّحاس: وقد يجوز أن يتمنّى الموت من له عمل صالح متخلّصا به من الكبائر، فهذا عمر بن الخطّاب لما استقامت أموره وفتح الله على يديه الفتوح وأسلم ببركته من لا يحصى عدده تمنّى الموت فقال اللهمّ كبرت سنّي ورقّ عظمي وانتشرت رعيّتي فاقبضني إليك غير مفرّط ولا مضيّع(3) . (من أقوال عمر).

يقول النّحّاس: (له عمل صالح متخلصا به من الكبائر). أقول: هيهات! تلك أمانيهم! وتحسبونه هيّنا وهو عند الله عظيم! إذا لم يكن ذلك التّعامل مع فاطمة من الكبائر فليس هناك كبيرة يحاسب عليها إنسان! ومن زعم أنّه يفهم الإسلام أفضل مما تفهمه فاطمة عليها السلام فليراجع نفسه وليتثبت إن كان فعلا على دين أبيهاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وعن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطّاب قال أيّها الناس قد سننت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتكم على الواضحة أن لا تضلوا بالناس يمينا وشمالا وآية الرجم لا تضلوا عنها فإن رسول الله قد رجم ورجمنا وأنها قد أنزلت وقرأناها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة ولو لا أن يقال زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي(4) .

عمر بن الخطّاب يتحدث عن نفسه ويخبر أنّه هو الذي سن السنن وفرض الفرائض، فماذا فعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا؟.

____________________

(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس، ج 1 - ص 152.

(2) الناسخ والمنسوخ للحاس، ج 1 - ص 163.

(3) الناسخ والمنسوخ للنحاس، ج 1 - ص 533.

(4) نواسخ القرآن، ج 1 - ص 35.


وروى مالك في الموطأ عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: (أيّها النّاس، قد سنت لكم السّنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتكم على السّنّة الواضحة ليلها كنهارها إلا أن تضلّوا بالنّاس يمينا وشمالا(1) .

أقول:

عمر يتحدث عن نفسه فيدّعي أنه هو الذي سنّ السّنّن وفرض الفرائض، فماذا فعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذاً؟ ثم هو يقول: ليلها كنهارها؟!

عن ابن عباس قال: دخلت على عمر بن الخطّاب حين طعن فقلت أبشر بالجنة يا أمير المؤمنين أسلمت حين كفر الناس وجاهدت مع رسول الله حين خذله الناس وقبض رسول الله وهو عنك راض ولم يختلف في خلافتك اثنان وقتلت شهيدا فقال أعد علي فأعدت عليه فقال والله الذي لا اله غيره لو أن لي ما على الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع!(2)

أقول: فأين قوله أكفيكهما يا رسول الله؟ وأين حديث البشارة بالجنّة؟ وحديث أفضل الأمّة بعد اثنين؟! لقد كان عمر بن الخطّاب أعلم بنفسه من العمريّين حين جاءت سكرة الموت بالحقّ..

وعن مكحول قال: قال عمر بن الخطّاب احضروا موتاكم وذكروهم فإنهم يرون ما لا ترون ولقنوهم شهادة أن لا إله إلا الله(3) .

وعن الأعمش عن أبي الضحى قال حدثني من سمع عمر يقول إذا رأى المغيرة بن شعبة ويحك يا مغيرة والله ما رأيتك قط إلا خشيت أن تنزل علي حجارة من السماء(4) .

نعم، كان عمر يقول هذا القول كلّما رأى المغيرة بن شعبة لأنه هو الذي درأ عنه

____________________

(1) أضواء البيان ج 5 ص 369، وموطأ مالك ج 2 ص 824 وفتح الباري ج 12 ص 143 والتمهيد لابن عبد البر ج 23 ص 92 والتمهيد لابن عبد البر ج 23 ص 92 والاستذكار ج 7 ص 487 والاعتصام ج 1 ص 77 والاعتصام ج 2 ص 155 وجامع بيان العلم وفضله ج 2 ص 187 و

(2) إثبات عذاب القبر، ج 1 ص 131.

(3) كتاب المحتضرين، ابن أبي الدنيا ج 1 ص 22.

(4) مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 201 تحت رقم 30666.


الحد، وهو أعلم الناس بفسقه، فإنه هو الذي قال له (أنت رجل فاسق)(1) !

وقال المغيرة (لعمر): يا أمير المؤمنين إنك والله ما تدري ما قدر أجلك فلو حددت لناس حدّاً أو علمت لهم علما يبهتون إليه قال فاستوى عمر جالسا ثم قال: هيه! اجتمعتم فقلتم من ترون أمير المؤمنين مستخلفا؟ فقال قائل (عليا) وقال قائل (عبد الله بن عمر فإن فيه خلفا) قال فلا يأمنوا يسأل عنها رجلان من آل عمر؟ فقلت: أنا لا أعلم لك ذلك. قال: قلت فاستخلف. قال: من؟ قلت: عثمان! قال: أخشى عقده وأثرته. قال قلت: عبد الرحمن بن عوف قال مؤمن ضعيف. قال قلت: فالزبير؟ قال: ضرس. قال قلت: طلحة بن عبيد الله قال رضاؤه رضاء مؤمن وغضبه غضب كافر! أما إنّي لو ولّيتها إيّاه لجعل خاتمه في يد امرأته! قال قلت: فعليّ؟ قال: أما إنّه أحراهم إن كان أن يقيمهم على سنّة نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد كنّا نعيب عليه مزاحة كانت فيه(2) .

أقول:

عمر يعترف بأفضليّة عليّ عليه السلام على بقية السّتّة، وإن كان ذلك من تحصيل الحاصل، لكنه يزعم أنّ في عليّ عليه السلام دعابة، فهل منعت الدّعابة عليّا عليه السلام من مواجهة عمرو بن عبد ودّ؟! وهل نفع عمر بن الخطاب جدّه وعبوسه يومها؟!

وعن نافع أنّ عمر قال لرجل من ثقيف قال غير أيّوب وهو المغيرة بن شعبة قال فقال له عمر ما فعل غلامك المولد؟ قال فذلك حين دعاه عمر فسأله عنه فقال: خيرا يا أمير المؤمنين، وقد أنكحته. قال: فلعلّك تخالفه إلى امرأته إذا غاب؟! فقال: لا يا أمير المؤمنين. فقال: لو أخبرتني أنّك تفعل لجعلتك نكالا قال وبلغني أن عليا أشار إليه أن لا يعترف(3) .

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 155.

(2) مصنف عبد الرزاق، ج 5 ص 447.

(3) مصنف عبد الرزاق، ج 7 ص 217 تحت رقم 12859.


أقول:

هذه القصة تحمل في طياتها ما يمكن أن يمثل منطلقا لبحث موضوعي في مسألة أبي لؤلؤة.

وعن سفيان بن عيينة حدثني الصعب بن حكيم بن شريك بن نملة عن أبيه عن جده قال ضفت عمر بن الخطابليلة فأطعمني كسورا من رأس بعير بارد وأطعمنا زيتا وقال هذا الزيت المبارك الذي قال الله عزوجل لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (1) .

وعن(2) عن عبد الكريم بن رشيد أنّ عمر بن الخطّاب قال: (يا أصحاب رسول الله، تناصحوا فإنّكم إن لا تفعلوا غلبكم عليها يعني الخلافة مثل عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان (!).

قال ابن حجر: ويقال إنّ عمر قال لأهل الشّورى لا تختلفوا فإنّكم إن اختلفتم جاءكم معاوية من الشّام وعبد الله بن أبي ربيعة من اليمن فلا يريان لكم فضلا لسابقتكم؛ وإنّ هذا الأمر لا يصلح للطّلقاء ولا لأبناء الطّلقاء فهذا يقتضي أن يكون عبد الله من مسلمة الفتح (اهـ)(3) . (من أقوال عمر).

عمر بن الخطّاب أيضا كلام في هذا المعنى رواه ابن عساكر (..) عن عثمان بن مقسم قال: قال المغيرة بن شعبة لعمر: أدلّك على القويّ الأمين؟ قال: بلى قال: عبد الله بن عمر! قال: ما أردت بقولك هذا؟ والله لأن يموت فأكفنه بيديّ أحبّ إليّ من أن أوليّه وأنا أعلم أنّ في النّاس من هو خير منه(4) .

لكن ابن حجر يقول في فتح الباري: والذي يظهر من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد انه كان لا يراعي الأفضل في الدّين فقط، بل يضمّ إليه مزيد المعرفة بالسّياسة مع اجتناب ما يخالف الشّرع منها، فلأجل هذا استخلف معاوية

____________________

(1) المعجم الكبير، ج 1 ص 74 تحت رقم 89.

(2) كتاب الفتن ص 128 تحت رقم 306.

(3) الإصابة، ابن حجر العسقلاني، ج 4 ص 79.

(4) فتح الباري - ابن حجر، ج 13 - ص 198.


والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص مع وجود من هو أفضل من كل منهم في أمر الدين والعلم(1) .

قلت: رووا أن من ولي من أمور المسلمين شيئا فأمّر عليهم رجلا وهو يرى أنّ فيهم من هو خير منه فقد خانهم. وعليه يكون عمر قد خان المسلمين في توليته الطّلقاء وأبناء الطّلقاء على المهاجرين والأنصار.

قالوا: وكان عمر يسمي معاوية (كسرى العرب).(2)

قال رسول الله عن معاوية صعلوك، وقال عنه عمر كسرى العرب، ولا يمكن الجمع بين القولين، والمرء حرّ في اختيار ما يبدو له أصحّ القولين.

وقد سأل عمر أبابكر: أفي كتاب الله هذا؟ وأقول: لعل عمر تشابه عليه ما في القرآن وما في التوراة، والعجيب أن أبابكر قرأ أكثر من آية. ويلاحظ وجود المغيرة دائما إلى جنب أحد الرجلين أو كليهما، وهذا معناه أن المغيرة من أساطين حزب السقيفة.

قال عمر: والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبا بكسر أوله أي ما يملؤها ذهبا حتى يطلع ويسيل لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه أي الله أو عذابه وإنما قال ذلك لغلبة الخوف الذي وقع له في ذلك الوقت من خشية التقصير فيما يجب من حقوق الله أو من الفتنة بمدحهم كذا في فتح الباري وقال الطّيبيّ كأنّه رجح جانب الخوف على الرّجاء لما أشعر من فتن تقع بعده في أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجزع جزعا عليهم وترحما لهم ومن استغناء الله تعالى عن العالمين كما قال عيسى عليه السلام( إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنّهُمْ عِبَادُكَ ) (3)

____________________

(1) فتح الباري - ابن حجر، ج 13 - ص 198.

(2) الإصابة في تمييز الصحابة، ج 6 ص 153، والاستيعاب، ج 3 ص 1417 والبداية والنهاية، ج 8 ص 125 وتاريخ الإسلام، ج 4 ص 311 وسير أعلام النبلاء، ج 3 ص 134، وتاريخ الخلفاء، ج 1 ص 195 وشرح الزرقاني ج 2 ص 318 وتاريخ مدينة دمشق، ج 59 ص 114 وجص 115 والفواكه الدواني، ج 1 ص 105 ونزهة الألباب في الألقاب، ج 2 ص 122 وثمار القلوب في المضاف والمنسوب، ج 1 ص 161 وتهذيب الأسماء، ج 2 ص 407 والأمالي في لغة العرب، ج 2 ص 122.

(3) المائدة 118.


وكان جانب الخوف عليه غالبا فاستمر على ذلك هضما لنفسه وانكسارا ولذلك نسب ما حصل له من الفضيلة إلى منة الله تعالى وإفضاله. وفي الاستيعاب أنّ عمر حين احتضر قال ورأسه في حجر ابنه عبد الله ظلوم لنفسي غير أني مسلم أصلي صلاتي كلها وأصوم.

أقول: تلك أقوال عمر عند الوفاة وهذه تمحّلات المتأوّلين.

وذكر تمام الخبر في الشورى وتقديمه لصهيب في الصلاة وقوله في علي عليه السلام: إن ولّوها الأجلح سلك بهم الطّريق الأجلح المستقيم يعني عليّا. وقوله في عثمان وغيره. فقال له ابن عمر: ما يمنعك أن تقدّم عليا قال: أكره أن أحملها حيا و ميتا(1) .

قلت: إذا كان فعلا يكره أن يتحمّلها حيّا وميتا فلماذا فصّلها على مزاجه وجعل عدد المرشّحين ستة لا أكثر، وأدار إدارتها كما لو كان حيّا بحيث يكون القرار النّهائي بيد عبد الرحمن بن عوف المتزوّج من أربع أمويات؟! أليس قد تحمّلها تمام التحمّل وهو مع ذلك يزعم أنّه لا يتحمّلها؛ هيهات هيهات أن تنفع المغالطات يوم تبلى السرائر. ولو كان عمر يريد للمسلمين الخير لما عدل عن اليقين إلى الظّنّ، ألم يقل أبوبكر ولّيتهم خيرهم في نفسي وقبلها عمر؟! لماذا يقبل نفس المبدأ حينما كان أول منتفع منه ويرفضه حينما يتعلّق بغيره؟ ألا يدخل بذلك في قوله تعالى( وَإِن يَكُن لَهُمُ الْحَقّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ) .

قالوا: وكان (زياد) أحد الشهود على المغيرة بن شعبة مع أخويه أبي بكرة ونافع وشبل من معبد فلم يقطع بالشّهادة فحدّهم عمر ولم يحدّه وعزله فقال: يا أمير المؤمنين أخبر النّاس أنّك لم تعزلني لخزية. ما عزلتك لخزية ولكن كرهت أن أحمل على النّاس فضل عقلك(2) .

____________________

(1) الاستيعاب، ج 1 ص 357.

(2) أسد الغابة، ج 1 ص 389.


يريد عمر بقوله هذا أن يوهم النّاس أنّ زيادا كان أعقل أهل زمانه، ولا شكّ أن زيادا كان من الدّهاة لا الأذكياء، فإن الذكاء يعبر به عن القدرات الفكرية المستعملة في الخير وما ينفع، وأما الدهاء فإنه من الشيطنة. وإنما قال عمر ذاك الكلام لزياد لأنّه كان أسرع إلى فهم عبارة عمر من السّيل إلى منتهاه، وبفضله نجا المغيرة بن شعبة في هذه الدنيا؛ وزياد هذا هو الذي شهد على أمّه بالزّنا وعلى أبيه بالدّياثة!

وقال عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر أيضا أن عمر بن الخطّاب قال له في قصّة ذكرها: (يا قبيصة، إنّي أراك شابّا فصيح اللّسان فسيح الصّدر وإنّ الرجل قد يكون فيه عشر خصال، تسع منها حسنة وواحدة سيئة فتفسد الواحدة التّسع؛ فإيّاك وعثرات اللّسان). وفي رواية (وعثرات الشباب)(1) . (من أقوال عمر).

وأخرج البخاريّ في تاريخه من طريق الزهري أنّ عمر بن الخطّاب قال: إذا وليت شيئا من أمر النّاس فلا تبال لومة لائم(2) .

قال أبو عبيدة معمر بن المثّنى: قال رجل في مجلس يونس: قال عمر بن الخطّاب ذات يوم: لئن بقيت لأمنعنّ فروج العربيّات إلاّ من الأكفاء. فقال يونس: رحم الله عمر لو أدرك تلاعب زياد وبنيه لساءه ذلك(3) .

قلت: لقد تقدم لخطبة فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو الذي كان ينحني للصنم طيلة ثلاثين سنة، وتكررت منه كبيرة الفرار من الزحف، وكان يضرب بغلظته المثل حتى قيل لا يسلم حتّى يسلم حمار الخطاب، فهل كان يرى نفسه كفؤا لفاطمة عليها السلام. ثم هو نفسه يقول: ما أبالي أي الناس نكحت وأيّهم أنكحت!

وعن عمر قال: ما بلت قائما منذ أسلمت.

أقول: والسياق يدلّ على أنّ عمر يستقبح البول قائما.

____________________

(1) تهذيب الكمال، ج 23 - ص 474.

(2) التاريخ الكبير، البخاريّ، ج 4 ص 19.

(3) مختصر تاريخ دمشق، ج 1 ص 1211.


وعن أحمد بن بشير عن عوانة قال: ذكر عمر شيئا فقال المغيرة: الرأي فيه كذا وكذا. فقال: وما أنت والرأي؟! إذا جاء الرّأي غلبك عليه عمرو ومعاوية(1) .

وقال أبو سليمان في حديث عمر أن المغيرة بن شعبة ذكر له عثمان للخلافة فقال أخشى حفده وأثرته(2) .

أقول: هذا رأي عمر في عثمان ومع ذلك رشحه للخلافة.

عن سماك قال سمعت بن عباس قال دخلت على عمر حين طعن فجعلت أثني عليه فقال بأي شيء تثني علي بالإمرة أو بغيرها قال قلت بكل قال ليتني أخرج منها كفافا لا أجر ولا وزر. وعن مسعر عن سماك الحنفي قال سمعت بن عباس يقول قلت لعمر مصر الله بك الأمصار وفتح بك الفتوح وفعل بك وفعل فقال لوددت أني أنجو منه لا أجر ولا وزر. وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال لما حضرت عمر بن الخطّاب الوفاة قال بالإمارة تغبطونني فو الله لوددت أني أنجو كفافا لا علي ولا لي(3) .

وعن ابن عباس قال: أنا أول من أتى عمر بن الخطّاب حين طعن فقال احفظ مني ثلاثا فإني أخاف أن لا يدركني الناس. أما أنا فلم أقض في الكلالة قضاء ولم أستخلف على الناس خليفة، وكل مملوك لي عتيق. قال فقال له الناس: استخلف. فقال: أي ذلك ما أفعل فقد فعله من هو خير مني؛ إن أترك للناس أمرهم فقد تركه نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبوبكر، فقلت: أبشر بالجنة صاحبت رسول الله فو الله الذي لا إله إلا هو لو أن لي الدنيا وما فيها لافتديت به من هول ما أمامي قبل أن أعلم الخبر! وأما قولك في إمرة المؤمنين فو الله لوددت أن ذلك كفاف لا لي ولا علي وأما ما ذكرت من صحبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذاك(4) .

____________________

(1) تاريخ دمشق، ج 60 ص 49.

(2) غريب الحديث، الخطابي، ج 2 ص 111.

(3) الطبقات الكبرى، ابن سعد، ج 3 ص 351.

(4) الطبقات الكبرى، ابن سعد، ج 3 ص 353.


أقول:

لو كان حديث العشرة المبشرين بالجنة صحيحا لكان عمر بكلامه هذا مكذبا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وعن أبي هلال عن ابن بريدة أن الذي قتل زيد بن الخطّاب سلمة بن صبيح أخو أبي مريم وكان خالد أوفد عشرة إلى أبي بكر فيهم أبو مريم فحسن إسلامه بعد ذلك ويقال إن عمر قال له أقتلت زيدا لا أحبك حتى تحب الأرض الدم. قال: أو يمنعني ذاك حقي عندك؟ قال لا. قال: فلا ضير إذا(1) .

قالوا: كان الترجمان يوم الهرمزان المغيرة بن شعبة إلى أن جاء المترجم وكان المغيرة يفقه شيئا من الفارسية فقال عمر للمغيرة: قل له من أي أرض أنت فقال المغيرة: أز كدام أرضي فقال: مهرجاني فقال: تكلم بحجتك قال: كلام حي أو ميت قال بل كلام حي: قال قد آمنتني قال: خدعتني إن للمخدوع في الحرب حكمه لا والله لا أؤمنك حتى تسلم فأيقن أنه القتل أو الإسلام فأسلم ففرض له على ألفين وأنزله المدينة وقال للمغيرة ما أراك بها حاذقا ما أحسنها منكم أحد إلا خبّ وما خبّ إلا دقّ، إيّاكم وإيّاها فإنّها تنقض الإعراب(2) .

وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عمر بن الخطّاب أخذ تبنة من الأرض فقال: (ليتني كنت هذه التبنة ليتني لم أخلق ليت أمي لم تلدني ليتني لم أك شيئا ليتني كنت نسيا منسيا(3) .

عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال كان عمر بن الخطّاب يدنى ابن عباس فقال له عبد الرحمن بن عوف إن لنا أبناء مثله فقال إنه من حيث تعلم فسأل عمر ابن عباس عن هذه الآية إذا جاء نصر الله والفتح فقال أجل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اعلمه إياه قال ما اعلم منها إلا ما تعلم(4) .

____________________

(1) أخبار القضاة ن ج 1 ص 271.

(2) تاريخ الطبري، ج 2 ص 502.

(3) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ج 3 ص 360.

(4) صحيح البخاري، ج 4 ص 183 - 184.


عن الحسن بن الخليل أن عمر بن الخطّاب قال لو يعلم أحدكم في قوله لأخيه جزاك الله خيرا لاستكثر منها(1) .

وعن عبد الرحمن الحجري المصري أن عمر بن الخطّاب كان يقول يصفي لك ود أخيك ثلاث أن تبدأه بالسلام وأن تدعوه بأحب أسمائه إليه وأن توسع له في المجلس وكفى بالمرء عيا أن يجد على الناس فيما يأتي وأن يبدوا لهم فيهم ما يخفى عليه من نفسه وأن يؤذيه في المجلس بما لا يعنيه(2) .

وعن عمر بن عبد الرحمن بن عطية أبي دلاف عن عمر بن الخطّاب أنه قال: لا تنظروا إلى صوم امرئ ولا إلى صلاته ولكن انظروا إلى من إذا حدث صدق وإذا أؤتمن أدى وإذا أشفى ورع(3) .

وعن زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب قال سمعت عمر بن الخطّاب يقول النساء ثلاثة امرأة هينة لينة عفيفة مسلمة ودود ولود تعين أهلها على الدهر ولا تعين الدهر على أهلها وقل ما تجدها. والثانية امرأة عفيفة مسلمة إنما هي وعاء للولد ليس عندها غير ذلك. والثالثة غل قمل يجعلها الله في عنق من يشاء ولا ينزعها غيره. والرجال ثلاثة: رجل عفيف مسلم عاقل يأتمر في الأمور إذا أقبلت ويسهب فإذا وقعت يخرج منها برأيه. ورجل عفيف مسلم ليس له رأي فإذا وقع الأمر أتى ذا الرأي والمشورة فشاوره واستأمره ثم نزل عند أمره. ورجل جائر حائر لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا(2) .

وعن محمد بن سيرين قال: قال عمر بن الخطّاب ما بقي من أخلاق الجاهلية شيء ألا إني لست أبالي أي المسلمين نكحت وأيهم أنكحت(4) .

عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطّاب أو قال أبي: لقد أوتي علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم زوجه ابنته فولدت

____________________

(1) الجامع في الحديث، ج 1 ص 260 تحت رقم 174.

(2) الجامع في الحديث، ج 1 ص 324 تحت رقم 222.

(3) الجامع في الحديث، ج 2 ص 623 تحت رقم 526.

(4) مصنف ابن أبي شيبة ج 3 ص 559 تحت رقم 17147.

(5) مصنف ابن أبي شيبة، ج 4 ص 26 تحت رقم 17435.


له وسدّ الأبواب إلا بابه وأعطاه الحربة يوم خيبر(1) .

وعن حصين المزني قال: قال عمر بن الخطّاب إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائده فلينظر قائده حيث يقود فأما أنا فورب الكعبة لأحملنّهم على الطريق(2) .

عمر يزكّي نفسه والقرآن الكريم يقول: ( لاَ تُزَكّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتّقَى)(3) .

عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر قال رأيت عمر بن الخطّاب أخذ تبنة من الأرض فقال ليتني هذه التبنة ليتني لم أك شيئا ليت أمي لم تلدني ليتني كنت نسيا منسيا(4) .

رأي عمر في علي عليه السلام

قال عمر بن الخطاب بعد أن عين أصحاب الشورى: إن ولّوها الأجلح سلك بهم الطّريق الأجلح المستقيم يعني عليّا. وقوله في عثمان وغيره. فقال له ابن عمر: ما يمنعك أن تقدّم عليا قال: أكره أن أحملها حيا وميتا(5) .

وعن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن القارئ عن أبيه أن عمر بن الخطّاب ورجلا من الأنصار كانا جالسين فجاء عبد الرحمن بن عبد القارئ فجلس إليهما فقال عمر: إنّا لا نحب أن يجالسنا من يرفع حديثنا! فقال له عبد الرحمن: لست أجالس أولئك يا أمير المؤمنين. فقال عمر: بلى، فجالس هؤلاء وهؤلاء ولا ترفع حديثنا. ثم قال عمر للأنصاري: من ترى النّاس يقولون يكون الخليفة بعدي؟ قال فعدّد رجالا من المهاجرين ولم يسمّ عليا! فقال عمر: فما لهم من أبي الحسن، فو الله إنّه لأحراهم إن كان عليهم أن يقيهم على طريقة من الحق(6) ..

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 369 تحت رقم 32099.

(2) مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 410 تحت رقم 32473.

(3) النجم: 32.

(4) مصنف ابن أبي شيبة، ج 7 ص 98 تحت رقم 34480.

(5) الاستيعاب، ج 1 ص 357.

(6) مصنف عبد الرزاق، ج 5 ص 446 تحت رقم 8761.


وعن البراء بن عازب وزيد بن أرقم أنّ رسول الله لمّا نزل بغدير خمّ أخذ بيد عليّ فقال ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا بلى قال ألستم تعلمون أني أولى بكلّ مؤمن من نفسه قالوا بلى قال اللهمّ من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه فلقيه عمر بعد ذلك فقالك له هنيئا يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة(1) . رواه أحمد.

قالوا: قال عمر بن الخطّاب (ردوا الجهالات إلى السنة)(2) .

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال عمر أقرؤنا أبيّ وأقضانا علي وإنا لندع من قول أبي.. (أقول هذا القول من عمر وإن كان فيه اعتراف بأعلمية علي عليه السلام فإنه يوهم أن أبيا أقرأ من علي عليه السلام، والحال أن أبيّا فاته كثير من القرآن المكي وأسباب نزوله. وكيف يكون علي عليه السلام أقضاهم إذا لم يكن أعلمهم بالنّاسخ والمنسوخ والمطلق والمقيّد والعامّ والخاصّ؟!).

قال عمر: (حصير في البيت خير من امرأة لا تلد)(3) .

(أقول: ولم يستثن عمر ابنته حفصة بنت عمر ولا ابنة حليفه عائشة بنت أبي بكر) ولا ندري ما كان ردّ كل واحدة منهما عندما سمعتا هذا عن عمر.

حدثنا علي بن محمد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا ثنا وكيع ثنا سفيان ثنا عمرو بن مرة

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 372 وذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ج 1 ص 67 وكنز العمال ج 13 ص 58 ومشكاة المصابيح ج 3 ص 1723 ومرقاة المفاتيح ج 11 ص 258 وقول عمر لعلي مذكور في تحفة الأحوذي ج 10 ص 148 وتحفة الأحوذي ج 10 ص 148 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 238 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 238 وسير أعلام النبلاء ج 19 ص 328 والنهاية في غريب الأثر ج 5 ص 227 والنهاية في غريب الأثر ج 5 ص 227.

(2) أضواء البيان، ج 1 ص 172 والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 1 ص 318 وتفسير القرطبي ج 3 ص 195 وسنن البيهقي الكبرى ج 7 ص 442 وسنن سعيد بن منصور 1) ج 1 ص 355 والسنن الصغرى للبيهقي نسخة الأعظمي) ج 6 ص 477 والتمهيد لابن عبد البر ج 9 ص 91 والكافي في فقه ابن حنبل ج 3 ص 318 والكافي في فقه ابن حنبل ج 4 ص 451 والمغني ج 8 ص 102 وكتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج 31 ص 39 ومنار السبيل ج 2 ص 253 وشرح الزركشي ج 3 ص 373 والمهذب ج 2 ص 151.

والمبسوط للسرخسي ج 16 ص 84 والاستذكار ج 5 ص 476 وذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ج 1 ص 81 وجامع بيان العلم وفضله ج 2 ص 187.

(3) سنن النسائي الكبرى ج 6 ص 289 تحت رقم 10995.


عن مرة بن شراحيل قال: قال عمر بن الخطّاب ثلاث لأن يكون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينهن أحب إلي من الدنيا وما فيها الكلالة والربا والخلافة(1) .

(وهذا القول ينطبق على ابن تيمية تمام الانطباق).

أقول: فمن الذي منعه أن يسأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وعن إبراهيم بن ميسرة قال قال لي طاوس لتنكحن أو لأقولن لك ما قال عمر لأبي الزوائد ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور(2) .

وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال عمر لا تكرهوا فتياتكم على الرجل الدّميم فإنهن يحببن من ذلك ما تحبون(4) .

(للتذكير فإنّ عمر كان آدم أحول أعسر أروح.).

حدثنا أبوبكر قال حدثنا وكيع عن مطيع بن عبد الله قال سمعت الشعبي يحدث عن بن عمر قال: قال عمر لعن اله فلانا فإنه أول من أذن في بيع الخمر فإن التجارة لا تصلح فيما لا يحل أكله وشربه(3) .

أقول من هو فلان؟! ولماذا لم يصرّحوا باسمه؟!).

وعن إسماعيل عن قيس قال: قال عمر لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام(2) .

عن أبي عثمان قال: قال عمر إن في المعاريض ما يكف أو يعف الرجل عن الكذب(3) .

(أقوال نسبت إلى عمر).

____________________

(1) سنن ابن ماجه ج 2 ص 911 تحت رقم 2727.

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج 3 ص 453 تحت رقم 15910.

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج 3 ص 550 تحت رقم 17054.

(2)مصنف ابن أبي شيبة ج 4 ص 196 تحت رقم 19262.

(3) مصنف ابن أبي شيبة، ج 4 ص 412 تحت رقم 21620.

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 216 تحت رقم 25376.

(3) مصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 282 تحت رقم 26095.

(4) مصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 299 تحت رقم 26280.


وعن أبي هلال عن بن بريدة قال: قال عمر: ما تعلّم الرجل الفارسية إلا خبث ولا خبث إلا نقصت مروءته(4) .

أقول: لقد كان الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام يتكلّم الفارسية وهو أشرف أهل زمانه باعتراف علماء الرّجال والمؤرّخين. وقد كان خلفاء بني العباس السّفاح فمن بعده يتكلّمون الفارسيّة وكان حجّابهم وكتّابهم من الفرس، ولم يقل عنهم إنّهم كانوا خبثاء! لكن يبدو أنّ عمر صار يتأدّى من كل ما هو فارسي من يوم سمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: لو كان الدّين في الثّريّا لنا له رجال من فارس.

وعن عبد الرحمن بن عوف قال: دخلت على عمر فقال: يا عبد الرحمن بن عوف أتخشى أن يترك الناس الإسلام ويخرجون منه قلت لا إن شاء الله وكيف يتركونه وفيهم كتاب الله وسنن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: لئن كان من ذلك شيء ليكونن بنو فلان. رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح(1) .

أقول: من هم بنو فلان؟

وعن الحسن عن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه أنه ذكر الكعبة فقال والله ما هي إلا أحجار نصبها الله قبلة لأحيائنا ونوجه إليها موتانا(2) .

عن علقمة قال: بينما نحن مع ابن الخطاب في أحفل ما يكون المجلس إذ نهض وبيده الدرة فمر بأبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صانع يضرب بمطرقته فقال عمر يا أبا رافع أقول ثلاث مرار فقال أبو رافع يا أمير المؤمنين قل ثلاث مرار، فقال: ويل للصّانع وويل للتّاجر من لا والله وبلى والله! يا معشر التّجار، إنّ التّجارة يحضرها الأيمان فشوبوها بالصّدقة. إلا إنّ كل يمين فاجرة تذهب بالبركة وتثبت الذنب فاتقوا لا والله وبلى والله فإنهن يمين سخطة(3) .

____________________

(1) مجمع الزوائد ج 1 ص 113.

(2) سنن البيهقي الكبرى، ج 3 ص 409.

(3) تهذيب الآثار، ج 3 ص 52.


ومن أقوال عمر كما في تفسير الطبري: أخشوشنوا، وتمعددوا، وانزوا على الخيل نزوا، واقطعوا الرّكب، وامشوا حفاة. قال الطبري: يأمرهم في ذلك بالتّخشّن في عيشهم لئلا يتنعّموا فيركنوا إلى خفض العيش ويميلوا إلى الدّعة فيجبنواويحتملوا عن أعدائهم(1) .

أقول: لكن الله تعالى يقول ك ( قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ.. ).

وعن عاصم الأحول قال حدثنا الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله هو ما دون الولد والوالد قال فلما كان عمر قال إني لأستحيي من الله أن أخالف أبابكر(2) !

أقول: يستحي أن يخالف أبابكر ولا يستحي أن يخالف الله ورسوله. بل قد خالف أبابكر في كثير من المسائل كما أشير إليه في المحصول، فقدع زوا إلى النظام أنه قال: ثم رويتم أن عمررضي‌الله‌عنه قال إني لأستحيي أن أخالف أبابكر قال النظام فإن كان عمر استقبح مخالفة أبي بكر فلم خالفه في سائر المسائل فإنه قد خالفه في الجد وفي أهل الردة وقسمة الغنائم(3) . وقد فصل في ذلك ابن القيم فقال: الوجه الثاني أن خلاف عمر لأبي بكر أشهر من أن يذكر كما خالفه في سبي أهل الردة فسباهم أبوبكر وخالفه عمر وبلغ خلافه إلى أن ردهن حرائر إلى أهلهن إلا من ولدت لسيدها منهن ونقض حكمه

____________________

(1) تفسير الطبري، ج 2 ص 178.

(2) تفسير الطبري ج 4 ص 284. وأضواء البيان ج 7 ص 316 وأضواء البيان ج 7 ص 325 والتفسير الكبير ج 9 ص 179 والدر المنثور ج 2 ص 756 وتفسير ابن كثير ج 1 ص 461 وتفسير الطبري ج 4 ص 284 وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 17 وتفسير الثعلبي ج 3 ص 269 وتفسير الثعلبي ج 3 ص 421 وسنن البيهقي الكبرى ج 6 ص 224 ومصنف عبد الرزاق ج 10 ص 304 ومعرفة السنن والآثار ج 5 ص 49 وكنز العمال ج 11 ص 36 والتمهيد لابن عبد البر ج 5 ص 195 وتخريج الأحاديث والآثار ج 1 ص 291 والمحلى ج 9 ص 298 وإعلام الموقعين ج 2 ص 202 و

(2) فتح الباري ج 7 ص 99 تحت رقم 3544.

(3) فتح الباري ج 8 ص 635.

(0) شرح فتح القدير ج 4 ص 406.

(5) المحصول، الرازي، ج 4 ص 479.


ومن جملتهن خولة الحنفية أم محمد بن علي فأين هذا من فعل المقلدين بمتبوعهم وخالفه في أرض العنوة فقسمها أبوبكر ووقفها عمر وخالفه في المفاضلة في العطاء فرأي أبوبكر التسوية ورأي عمر المفاضلة ومن ذلك مخالفته له في الاستخلاف وصرح بذلك فقال إن أستخلف فقد استخلف أبوبكر وإن لم أستخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف... وخلافه له في الجد والإخوة معلوم أيضا(1) .

قال ابن حجر: قوله كان عمر يقول أبوبكر سيدنا واعتق سيدنا يعني بلالا. قال ابن التين يعني أنّ بلالا من السّادة ولم يرد أنّه أفضل من عمر. وقال غيره: السيّد الأوّل حقيقة والثّاني قاله تواضعا على سبيل المجاز، أو أنّ السيادة لا تثبت الأفضلية فقد قال بن عمر: ما رأيت اسود من معاوية مع أنه رأى أبابكر وعمر(2) .

جاء في فتح الباري قوله: ويبطله أن القوم خافوا من العقوبة بعد حتى كان عمر يقول يا حذيفة بالله هل أنا منهم(3) .

وعن الأعمش عن إبراهيم قال كان عمر إذا ذكر عنده حديث فاطمة قال ما كنا نغير في ديننا بشهادة امرأة فهذا شاهد على انه كان الدين المعروف المشهور وجوب النفقة والسكنى فينزل حديث فاطمة من ذلك منزلة الشاذ والثقة إذا شذ لا يقبل ما شذ فيه(4) .

أقول: لكنه قبل ما شذ به أبوبكر في ميراث الأنبياء مع خلافته لصريح القرآن (وورث سليمان داوود)!

وفي فيض القدير: قال عمر فيما رواه الحاكم إنكم تؤنسون مني شدة وغلظة إني كنت مع رسول الله عبده وخادمه فكان كما قال الله تعالى بالمؤمنين رؤوف رحيم (التوبة 128) فكنت بين يديه كالسيف المسلول إلا أن يغمدني لمكان لينه. قال

____________________

(1) إعلام الموقعين ج 2 ص 235.

(2 فتح الباري ج 7 ص 99.

(3) فتح الباري ج 8 ص 635.

(4) مرقاة المفاتيح ج 6 ص 448 وشرح فتح القدير ج 4 ص 406.


الحاكم صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي(1) .

أقول:

أين كان السّيف المسلول يوم الأحزاب حين كان عمرو بن عبد ودّ يزأر فيهم ويزمجر؟! ولماذا كان السّيف المسلول يعدو يوم أحد كالأروى هاربا من الشّهادة في سبيل الله؟!!

وعن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عمررضي‌الله‌عنه قال: اللّهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وقال ابن زريع عن روح بن القاسم عن زيد بن أسلم عن أبيه عن حفصة بنت عمررضي‌الله‌عنه قالت سمعت عمر نحوه وقال هشام عن زيد عن أبيه عن حفصة سمعت عمر رضي الله عنه(2) .

أقول:

قد رزقه الله فرصة الشّهادة في أحد ففرّ ينزو كالأروى، ورزقه إيّاها يوم حنين فتولّى، ورزقه إيّاها يوم خيبر فرجع يجبّن أصحابه ويجبّنونه(3) ، ورزقه إياها يوم الأحزاب حين كان عمرو بن عبد ود ينادي هل من مبارز فتجاهل النداء..

قال جابر كان عمر يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالا(4) .

أقول:

فلماذا قال (سيّدنا الله) حينما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للأنصار: (قوموا إلى سيدكم)؟!

وقال عمر: علي أقضانا وأبي أقرؤنا وقال يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن(5) .

قالوا: كان عمر بن الخطّاب إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه قال خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد(6) .

____________________

(1) فيض القدير ج 6 ص 207.

(2) صحيح البخاري، ج 2 ص 668 تحت رقم 1791.

(3) يجبّنونه: أي يقولون له: يا جبان أو أنت جبان.

(4) مرقاة المفاتيح، ج 11 ص 344.

(5) تهذيب التهذيب، ج 7 ص 296.

(6) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 73.


وقال ابن تيمية في السّياسة الشّرعية: قال عمر بن الخطّاب: من ولى من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا لمودّة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين وهذا واجب عليه، فيجب عليه البحث عن المستحقّين للولايات من نوّابه على الأمصار من الأمراء الذين هم نواب ذي السلّطان والقضاة، ومن أمراء الأجناد ومقدّمي العساكر والصّغار والكبار وولاة الأموال من الوزراء والكتاب والشّادين والسّعاة على الخراج والصّدقات وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين وعلى كلّ واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده(1) .

أقول:

لكنّ أكثر ولاته كانوا من الطلقاء ومن تأخّر إسلامهم، وقد أمّر قدامة بن مطعون الذي كان أخا زوجته زينب بنت مظعون، ثمّ تبيّن أنه شرب الخمر واعترف عمر أنّه ولاّه محاباة!

وقال أيضا: قال عمر بن الخطّاب: احترسوا في الناس بسوء الظن فهذا أمر عمر مع أنه لا يجوز عقوبة المسلم بسوء الظن(2) .

قال ابن كثير: وقد ثبت عن عمر انه كان يقول: (عليّ أقضانا وأبي أقرؤنا للقرآن وكان عمر يقول أعوذ بالله من معضلة ولا أبو حسن لها)(3) .

قال ابن أبي الحديد: أخبرنا أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا محمد بن حاتم، عن رجاله، عن ابن عباس، قال: مر عمر بعلي، وأنا معه بفناء داره فسلم عليه، فقال له على. أي تريد؟ قال: البقيع، قال: أفلا تصل صاحبك، ويقوم معك؟ قال: بلى، فقال لي على: قم معه، فقمت فمشيت إلى جانبه، فشبك أصابعه في أصابعي، ومشينا قليلا، حتى إذا خلفنا البقيع قال لي يابن عباس ما والله إن صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلا أنا خفناه على اثنين، قال ابن عباس: فجاء بكلام لم

____________________

(1) السياسة الشرعية، ابن تيمية، ج 1 ص 17.

(2) السياسة الشرعية، ج 1 ص 159.

(3) البداية والنهاية، ج 7 ص 360.


أجد بدا من مسألته عنه، فقلت: ما هما يا أمير المؤمنين؟ قال: خفناه على حداثة سنه، وحبه بنى عبد المطلب(1) .

أقول:

لقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضا يحبّ بني عبد المطلب، ولم يخرجه حبّهم من رضي ولم يدخله في سخط، لأنّه كان من حيث المعاملة يساوي بينهم وبين سائر الناس، وكان علي عليه السلام على منهاجه. ولبني عبد المطلب في ذمم الناس حقوق، وليس لأحد عليهم حقّ.

عن محمد بن سيرين قال: لما طعن عمر جعل الناس يدخلون عليه فقال لرجل انظر فأدخل يده فنظر فقال ما وجدت فقال إني أجده قد بقي لك من وتينك ما تقضي فيه حاجتك قال أنت خيرهم وأصدقهم قال فقال رجل والله غني لأرجو أن لا تمس النار جلدك قال فنظر إليه حتى رثينا أو أوينا له ثم قال إن علمك بذلك يا ابن فلان لقليل لو أن لي ما في الأرض لي لافتديت به من هول المطلع(2) .

قال السيوطي: أخرج ابن سعد عن الأحنف بن قيس قال: كنا جلوسا بباب عمر فمرت جارية فقالوا: سرية أمير المؤمنين فقال: ما هي لأمير المؤمنين بسرية ولا تحل له إنها من مال الله فقلنا: فماذا يحل له من مال الله تعالى؟ قال: إنه لا يحلّ لعمر من مال الله إلا حلّتان: حلّة للشتاء وحلّة للصّيف، وما أحجّ به وأعتمر، وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم! ثم أنا بعد رجل من المسلمين. وقال خزيمة ابن ثابت: كان عمر إذا استعمل عاملاً كتب له واشترط عليه أن لا يركب برذونا ولا يأكل نقيا ولا يلبس رقيقا ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات فإن فعل فقد حلّت عليه العقوبة. وقال أسلم: قال عمر: لقد خطر على قلبي شهوة السّمك الطّريّ، قال: فرحل يرفأ راحلته وسار أربعا مقبلا وأربعا مدبرا واشترى مكتلا، فجاء به وعمد إلى

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 6 ص 50 - 51.

(2) تاريخ مدينة دمشق ابن عساكر، ج 44 ص 430.


الراحلة فغسلها فأتى عمر فقال: انطلق حتى أنظر إلى الرّاحلة فنظر وقال: أنسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنيها؟ عذّبت بهيمة في شهوة عمر؟! لا والله، لا يذوق عمر مكتلك. وقال عبد الله بن عيسى: كان في وجه عمر بن الخطّاب خطان أسودان من البكاء! وقال أنس: دخلت حائطا فسمعت عمر يقول وبيني وبينه جدار: عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين بخ! والله لتتّقينّ الله يا ابن الخطّاب أو ليعذّبنّك الله. وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر أخذ تبنة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه التّبنة يا ليتني لم أكن شيئا، ليت أمّي لم تلدني! وقال عبيد الله بن عمر بن حفص: حمل عمر بن الخطّاب قربة على عنقه فقيل له في ذلك فقال: إنّ نفسي أعجبتني فأردت أن أذلّها. وقال محمد سيرين: قدم صهر لعمر عليه فطلب أن يعطيه من بيت المال فانتهره عمر وقال: أردت أن ألقى الله ملكا خائنا؟ ثمّ أعطاه من صلب ماله عشرة آلاف درهم. وقال سفيان بن عيينة: قال عمر بن الخطّاب: أحبّ الناس إليّ من رفع إلي عيوبي(1) .

____________________

(1) تاريخ الخلفاء، ج 1 ص 116.



الفصل الخامس

عمر والنساء



عمر والنساء

ماذا تمثّل المرأة في نظر عمر بن الخطّاب؟

روى ابن شبّة النّميريّ في أخبار المدينة عن هلال بن أميّة قصّة فيها أنّ امرأة عمر قال لعمر: يا أمير المؤمنين فيم وجدت على عياض؟ قال: يا عدوّة الله، وفيم أنت وهذا؟ ومتى كنت تدخلين بيني وبين المسلمين؟ إنّما أنت لعبة يلعب بك ثمّ تتركين(1) !

هذه هي المرأة في نظر عمر؛ لعبة يلعب بها ثمّ تترك. لكنّ الله تعالى ضرب بالمرأة المثل في الإيمان فقال جل شأنه ( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنّةِ وَنَجّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا وَصَدّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ )(2) . ثمّ ما رأي من يطّلع على عبارة عمر هذه من غير المسلمين؟ وكأنّي بقائل يقول: (نحن لا نبالي برأي غير المسلمين)، ولا شكّ أنّه يكون صادقا في قوله، لأنّ هناك فعلا من لا يبالون بشيء وهم يشوّهون صورة الإسلام عند غير المسلمين.

ونظرا لأوصاف عمر الخلقيّة والخلقيّة فإنّه يصعب القول إنّه كان له شيء من المحبوبية لدى النّساء، سواء في ذلك الحرائر والإماء! ولا يلام النّساء في ذلك، فإنّ المرأة إما أن تحبّ الرجل لخلقه وإما أن تحبّه لخلقه، وقد يكون من حسن حظّها أن يجتمع الأمران؛ أمّا حين يكون رصيد الرجل خاليا ممّا ذكر فإنّه ليس من الإنصاف أن يطلب منها أن ترضى بحياة قاسية خالية مما تتوق إليه النساء! وقد كان عمر على علم بذلك، ومن هذا المنظور قولته للرّجل الذي همّ بالطّلاق، في قصّة سجّلها الأدباء وأهملها المحدثون والمفسرون في كثير مما أهملوا أو كلّ البيوت بنيت على الحبّ؟(3) .

____________________

(1) أخبار المدينة، ابن شبة النميري ج 2 ص 21.

(2) التحريم: 11 و 12.

(3) قال عمر لرجل همّ بطلاق امرأته لم تطلّقها؟ قال: لا أحبها قال: أو كل البيوت بنيت على الحب؟! فأين الرعاية والذمّم؟! البيان والتبيين ج 1 ص 257 ومحاضرات الأدباء ج 2 ص 33.


وقصّة عنف عمر مع النّساء لم تبدأ بعد إسلامه، فإنّ المعروف في تراث العرب أنّ عمر بن الخطّاب ممّن وأدوا بناتهم في الجاهليّة، وهذا أمر فظيع شنيع تشمئزّ النّفوس لمجرّد سماعه فكيف بالإقدام عليه؛ لكنّ عمر بن الخطّاب أقدم عليه بكلّ برودة دم! دفن ابنته في التّراب حيّة تتنفّس كما لو كان يدفن عظام بعير! قال العقّاد: لقد كان عمر شديدا على النّساء فقد قالوا: إنّهرضي‌الله‌عنه كان جالسا مع بعض الصّحابة إذ ضحك قليلا ثمّ بكى، فسأله من حضر، فقال: كنّا في الجاهليّة، نصنع صنما من العجوة فنعبده، ثمّ نأكله، وهذا سبب ضحكي؛ أمّا بكائي فلأنّه كانت لي ابنة، فأردت وأدها، فأخذتها معي، وحفرت لها حفرة فصارت تنفض التراب عن لحيتي، فدفنتها حية(1) .

وقد استبشع الإسلام هذا الفعل الشنيع الذي يكشف عن قسوة قلب لا تكاد توصف(2) .

وبما أنّ الأوضاع في المدينة تختلف عنها في مكّة، وأنّ الأوس والخزرج ومن حولهم من اليهود وغيرهم لم يكونوا يئدون البنات، أو على الأقل ليس بذلك الشّكل الذي تمارسه قريش - في حال ثبوته وهوما لم يثبت -، فإنّ عمر بن الخطّاب لم يكن مرتاحا إلى اختلاط نساء الأنصار بنساء المهاجرين، لأنّ مثل هذا الاختلاط يسمح لنساء المهاجرين بالاطّلاع على عيش آخر للنّساء في جزيرة العرب، فيه شيء من الفسحة

____________________

(1) عبقرية عمر، عباس محمود العقاد ص 214.

(2) قال القرطبي: وروي أن رجلا من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كان لا يزال مغتما بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مالك تكون محزونا؟ فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنبا في الجاهلية فأخاف ألا يغفره الله لي وإن أسلمت. فقال له: أخبرني عن ذنبك، فقال: يا رسول الله، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنت فتشفعت إلى امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت، وصارت من أجمل النساء فخطبوها، فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زواج، فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب غلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلي، وأخذت على المواثيق بألا أخونها. فذهبت إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر فالتزمتني، وجعلت تبكي وتقول: يا أبت إي شيء تريد أن تفعل بي؟ فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمي ن فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة، وهي تنادي في البئر: يا أبت، قتلتني. فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت. فبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه، وقال: لو أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك (22) القرطبي، تفسير سورة التكوير، الآية الثامنة، ج 19 ص 232 - 234.


وشيء من الاحترام، وهما الأمران الضروريان لاستمرار حياة زوجيّة متوازنة؛ وقد مرّ بك قول عمر لإحدى نسائه (إنّما أنت لعبة يلعب بك ثمّ تتركين)، وهذا يعني أن المرأة لا تعني عنده شيئا، بل هي بعض ما في البيت من متاع وانتهى الكلام، ومن كانت هذه نظرته إلى المرأة كيف يتوقّع منه أن يحترمها ويراعي حقوقها؟ حتّى لو كانت بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنها تبقى امرأة في نظره، ولذلك استحلّ الهجوم على بيتها لإرغامها على القبول في ما دخلت فيه جماعته.

دخل عمر على حفصة فلمّا رأت عاتكة عمر قامت فاستترت، فنظر إليها عمر فإذا امرأة بارعة ذات خلق وجمال، فقال عمر لحفصة: من هذه؟ فقالت: هذه عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نفيل. فقال عمر اخطبيها عليّ؛ قال: فذكرت حفصة لها ذلك، فقالت: إنّ عبد الله بن أبي بكر جعل لي جعلا على أن لا أتزوّج بعده، فقالت ذلك حفصة لعمر، فقال لها عمر: مريها فلتردّي ذلك على ورثته وتزوّجي! قال فذكرت ذلك لها حفصة فقالت لها عاتكة: أنا اشترط عليه ثلاثا، ألاّ يضربني ولا يمنعني من الحقّ، ولا يمنعني عن الصّلاة في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العشاء الآخرة فقالت حفصة لعمر ذلك فتزوّجها، فلمّا دخل عليها أولم عليها ودعا أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودعا فيهم علي بن أبي طالب...

أقول:

يأتي لاحقا بخصوص هذه القصّة أنّه غلبها على نفسها، ولم تكن راضية بالزّواج منه؛ وليس من المروءة أن يغلب الرّجل المرأة على نفسها. ثمّ انظر إلى شروطها وفق هذه الرّواية يتبيّن لك أنّها كانت على علم بسوء معاملته للنّساء وإلاّ فما معنى أن تشترط عليه ألاّ يضربها؟! ولو لم يكن الأمر كذلك لقالت لها حفصة: (إنه لا يضرب النساء)؛ وتأمّل قولها (ولا يمنعني من الحقّ)! ثمّ ما دخل الورثة وما اتفق عليه الزوجان عبد الله بن أبي بكر وعاتكة بنت زيد؟!

من أجل أن يطفئ عمر بن الخطاب حرارة شهوته دفع امرأة إلى نقض عهد أرملة


مع زوجها، وللتّذكير فإنّ عبد الله بن أبي بكر توفي في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أثر جرح أصابه في حصار الطّائف. فأين هذا من الزّهد المدّعى؟ وفي المدينة نساء كثير ثيبات وأبكار في وسع عمر أن يختار منهنّ، لكنّه لا يريد إلا عاتكة بنت زيد لأنّه وجدها في بيته تتحدّث مع ابنته حفصة فأعجبته.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال: (كان عمر بن الخطّاب لا يدع في خلافته أمة تقنّع، ويقول إنّما القناع للحرائر لكيلا يؤذين)(1) .

أقول:

هل يعني ذلك جواز أن تؤذى الإماء؟ وإذا كانت الأمة عفيفة متديّنة راغبة في الخير معرضة عن الشرّ، ألا يشفع لها ذلك؟ لقد كانت هند بنت عتبة تدّعي أنها حرّة، وقالت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الفتح: (أو تزني الحرّة)؟! وضحك عمر حين سمع قولها حتّى استلقى، هكذا تقول الرواية! استلقى أمام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من شدّة الضّحك. ومن حقّه أن يضحك فإنّ حال هند بنت عتبة الحرّة أشهر من أن تخفى.

وعن سالم بن عبد الله قال: (كان عمر رجلا غيورا فكان إذا خرج إلى الصّلاة اتبعته عاتكة ابنة زيد، فكان يكره خروجها ويكره منعها وكان يحدّث أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إذا استأذنتكم نساؤكم إلى الصّلاة فلا تمنعوهنّ(2) .

أقول:

لا يغب عنك أنها اشترطت عليه في زواجها منه (ألاّ يمنعها عن صلاة العشاء الآخرة في المسجد)، وهذا يعني أنّه حقّها المشروع لا أنّه تبرّع من عمر كما قد يوهم به ذيل الخبر.

وعن ابن سيرين قال: إن كان عمر بن الخطّاب ليستشير في الأمر حتّى إن كان ليستشير المرأة فربّما أبصر في قولها الشّيء يستحسنه فيأخذ به(3) .

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة ج 2 ص 42.

(2) مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 40 ومجمع الزوائد ج 2 ص 33.

(3) كنز العمال ج 3 ص 317.


أقول:

وهذا من العجب، لأنّ عمر لم يكن يتورّع أن يخالف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته وبعد وفاته، والذي يخالف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما يفعل ذلك لأنّه يحتمل صدور الخطإ منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مع أنّ القرآن الكريم يهتف( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ) ؛ وهل هناك أعجب من احتمال الخطإ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واحتمال السّداد من عجوز قضت معظم عمرها في الشّرك؟!

قال ابن تيمية: قال عمر بن الخطّاب احترسوا من النّاس بسوء الظنّ فهذا أمر عمر مع أنه لا تجوز عقوبة المسلم بسوء الظنّ(1) .

أقول:

والنّساء من النّاس، وهذا يعني الاحتراس من النساء بسوء الظّنّ، والعاقل لا يخفى عليه كيف تخرب البيوت إذا أساء الناس الظنّ بنسائهم. وقبل ذلك فإن القرآن الكريم يقول بصريح العبارة( اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظّنّ ) ثم يردف بعدها مباشرة( إِنّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ ) ، ومع ذلك يقول قائلهم (فهذا أمر عمر)؛ والتّعارض بين كلام الله تعالى وكلام عمر بن الخطاب واضح لا يخفى منه شيء، لكنّه عمر، فعلى النّاس أن يتركوا كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إلى كلام رجل يقول برأيه ما يشاء، ولا مجال للنّقاش. ولأن كلام عمر هذا معارض صراحة للقرآن الكريم، فقد سارع المفسرون والمحدثون كعادتهم إلى نسبة الكلام نفسه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كي تكتمل الفاجعة ويغدو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متناقضا في تبليغه، فبعد أن تلا على الناس قوله تعالى( اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظّنّ إِنّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ ) ، إذا به يدعوهم علنا إلى سوء الظنّ، وهكذا يتعذر السلوك المناسب لأن الناس إن عملوا في هذه الحالة بالقرآن الكريم خالفوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي أمروا بطاعته بلا قيد أو شرط؛ وإن عملوا بالحديث خالفوا القرآن الكريم ووقعوا في العصيان الذي هو محض الضلال. الحديث المزعوم

____________________

(1) مجموع الفتاوى ج 28 ص 372.


رواه الطبراني في المعجم الأوسط قال: حدثنا أحمد [..] عن سليمان بن مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: (احترسوا من الناس بسوء الظن). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد تفرد به بقية(1) . لكنه في سنن البيهقي الكبرى منسوب إلى مطرف بن عبد الله؛ قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان [..] عن غيلان بن جرير قال: قال مطرف بن عبد الله احترسوا من الناس بسوء الظن. قال الشيخ رحمه الله وروي ذلك عن أنس بن مالك مرفوعا والحذر من أمثاله سنة متبعة(2) . وكذلك الشأن في كتاب الزهد لأحمد بن حنبل(3) وحلية الأولياء لأبي نعيم(4) وتاريخ مدينة دمشق(5) . وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه بقية بن الوليد وهو مدلس وبقية رجاله ثقات(6) . وقال ابن حجر العسقلاني: احترسوا من الناس بسوء الظن أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق أنس وهو من رواية بقية بالعنعنة عن معاوية بن يحيى وهو ضعيف فله علتان وصح من قول مطرف التابعي الكبير أخرجه مسدد(7) . وأما عند ابن سعد فهو من كلام الحسن البصري(8) .

حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر استعينوا على النساء بالعري إن إحداهن إذا كثرت ثيابها وحسنت زينتها أعجبها الخروج(9) .

لكن رواية جاءت أيضا عن قتادة عن أنس أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال استعينوا على النساء بالعري(10) . وأيضا عن مسلمة بن مخلد قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعروا النساء يلزمن الحجال رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه مجمع بن كعب ولم

____________________

(1) المعجم الأوسط، الطبراني، ج 1 ص 189.

(2) سنن البيهقي الكبرى، ج 10 ص 129 رقم 20203.

(3) الزهد لابن حنبل ج 1 ص 242.

(4) حلية الأولياء ج 2 ص 210.

(5) تاريخ مدينة دمشق، ج 58 ص 330.

(6) مجمع الزوائد، الهيثمي، ج 8 ص 89.

(7) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ج 10 ص 531.

(8) الطبقات الكبرى، ج 7 ص 177.

(9) مصنف ابن أبي شيبة، ج 4 ص 53. رقم 17711.

(10) المعجم الأوسط، الطبراني، ج 8 ص 165 رقم 8287. قال في ذيل الحديث: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا سعيد ولا عن سعيد إلا إسماعيل تفرد به ذكريا بن يحيى الخزاز.


اعرفه وبقية رجاله ثقات(1) .

وعن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال استعينوا على النّساء بالعرى. قال الشّيخ: وهذا الحديث بهذا الإسناد منكر لا يرويه عن سعيد غير إسماعيل هذا ولإسماعيل عن سعيد غير ما ذكرت من الحديث بما ينفرد به عنه، وإسماعيل ليس بذلك المعروف(2) .

لكن الشّوكاني يقول: حديث (أجيعوا النّساء جوعا غير مضرّ وأعروهن عريا غير مبرح.. إلخ) لا أصل له، وكذا (أعروا النّساء يلزمن الحجال) لا أصل له، وكذا (استعينوا على النّساء بالعري)(3) . وأما الذهبي فيقول: هذه الأحاديث من وضع محمد بن داود ولا يدرى من شيخه ولا من شيخ شيخه(4) . ونفس العبارة في لسان الميزان(5) . وفيه كلام كثير أكتفي منه بهذا القدر، وعليه يغدو صعبا إثبات صدور ذاك الكلام من نبي الرحمةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلاّ أنه بسيرة وسلوك عمر بن الخطاب أشبه.

أقول:

وهذا يعني أنّه من قول عمر بن الخطّاب وليس من حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفي مصنف ابن أبي شيبة: عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر استعينوا على النساء بالعري إن إحداهن إذا كثرت ثيابها وحسنت زينتها أعجبها الخروج(6) .

وفي الإشراف عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال عمر بن الخطّاب (استعينوا على النساء بالعري فإن المرأة إذا عريت لزمت بيتها)(7) .

لكن الدّيلمي نسب هذا القول في الفردوس إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: عن علي: (استعينوا على النّساء بالعرى فإنّ المرأة إذا عريت لزمت بيتها.

____________________

(1) مجمع الزوائد، الهيثمي، ج 5 ص 138.

(2) الكامل في ضعفاء الرجال، ج 1 ص 312.

(3) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ج 1 ص 135.

(4) ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ج 5 ص 14.

(5) لسان الميزان، ج 4 ص 106.

(6) مصنف ابن أبي شيبة ج 4 ص 53.

(7) الإشراف في منازل الاشراف ج 1 ص 177.


وعليه يكون هذا الكلام منسوبا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّة وإلى علي عليه السلام أخرى وإلى عمر ثالثة! فهل ينسجم سلوك رسول الله وعلي صلوات الله عليهما مع هذا القول؟ أم أنّ سلوك عمر مع النّساء وضربه إيّاهن بالدّرة هو الذي ينسجم معه؟! وكيف يقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل ذلك بعد أن رووا أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: (استوصوا بالنساء خيرا)؟!

قالوا: حديث استعينوا على النساء بالعري رواه إسماعيل عن عباد المزني السعدي عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس وهذا بهذا الإسناد منكر لا يرويه عنه غير إسماعيل هذا وليس بذلك المعروف قال المقدسي والصحيح أنه من كلام عمر رضي الله عنه ثا أحمد بن محمد البزار أنبأ أبو طاهر المخلص ثنا أبو القاسم البغوي ثنا أبو فروة محمد بن زياد البلدي حدثنا أبو الأحوص - يعني سلام بن سليم - عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر استعينوا على النساء بالعري فإن إحداهن إذا كثرت ثيابها وحسنت زينتها أعجتبها الخروج(1) .

وفي أسنى المطالب: (أستعينوا على النّساء بالعري فإنّ إحداهنّ إذا كثرت ثيابها واستحسنت زينتها أعجبها الخروج) أورده ابن الجوزيّ في الموضوع وفيه يحيى بن زكريا الجزّار وإسماعيل بن عباد الكوفي متروكان. وقال الهيثمي ضعيف(2) .

ضرب النساء

ضرب النساء وتعنيفهنّ أمر ممقوت في كل الثقافات وليس هناك رجل يرضاه لابنته ولا امرأة ترضاه لابنتها بل إنّ من الناس من يشترط على من يطلب يد ابنته ألاّ يضربها. وقد كان ضرب النّساء عادة جارية في مكّة، وكان من المتخصّصين فيه عمر بن الخطاب، فقد كان يعذّب بعض الجواري اللاتي اعتنقن الإسلام، وبقي عنيفا مع النّساء والرّجال بعد إسلامه أيضا ح روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أنّ عمر بن الخطّاب كان يضرب النساء والخدم(3) . وعن ابن جريج عن ابن شهاب عن عمر مثله.

____________________

(1) ذخيرة الحفاظ، ج 1 ص 396.

(2) أسنى المطالب، ج 1 ص 53.

(3) مصنف عبد الرزاق، ج 9 ص 441 رقم 17938 و 17939.


وعلى سيرة عمر سار ابنه عبد الله. فعن معمر عن أيّوب قال: سئل نافع هل كان ابن عمر يضرب رقيقه؟ قال: نعم ويعتق في الساعة الواحدة كذا وكذا(1) .

وتقول أسماء بنت أبي بكر بخصوص كيفية الضرب: (كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير ابن العوامرضي‌الله‌عنه ، فإذا غضب على واحدة منّا ضربها بود المشجب(2) حتى يكسّره عليها)(3) ، والمشجب خشبة توثق في الأرض تنشر عليها الثياب، ولا يبدو في كلام أسماء بنت الخليفة ما يظهر الاستنكار، أو الاستغراب، مما يفعله زوجها بهنّ، لأنّ نساء قريش تعوّدن الضرب، ولكن في المدينة حديث التغيير لما رأينه من حسن معاملة رجال الأنصار لزوجاتهم. يقول عمر بن الخطاب: كنّا معشر المهاجرين قوما نغلب نساءنا فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم فأخذت نساؤنا تتأدّب بأدب نساء الأنصار. المتمعّن في هذا الكلام يستشف من ورائه استياء جدّيّا ينغص الأجواء على عمر، ويشير إلى بوادر حركة للتّغيير ورفض الواقع المرّ الذي كانت تعيشه المهاجرات. ولئن كان نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يتعرضن للضرب فإنّ وشائج القرابة والنسب كفيلة أن تجعلهن يشاركن بقية المهاجرات. فليس بعيدا أن يكنّ قد أوصلن شكاوى النساء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يصلنا ذلك.

وقد كان موقف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّن يضربون النّساء ويشدّدون عليهنّ واضحا حتى إنّ امرأة من قريش ذهبت إليه تستشيره في الزّواج من أحد رجلين فلم يشر عليها بأيّ منهما؛ قالت فاطمة بنت قيس: لما انقضت عدتي خطبني أبو الجهم رجل من قريش ومعاوية بن أبي سفيان فأتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذكرت ذلك له فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أما أبو الجهم فهو رجل شديد على النساء وأما معاوية فرجل لا مال له(4) .

____________________

(1) نفس المصدر الحديث رقم 17940.

(2) المشجب وهو بكسر الميم عيدان يضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها وتوضع عليها الثياب وقد تعلق عليها الأسقية لتبريد الماء وهو من تشاجب الأمر إذا اختلط (لسان العرب، ابن منظور ج 1 ص 484).

(3) الكشاف ج 1 ص 539 وتفسير البحر المحيط ج 3 ص 252 وتفسير الثعلبي ج 3 ص 303 وروح المعاني ج 5 ص 25.

(4) سنن البيهقي الكبرى ج 7 ص 181 وسنن الترمذي ج 3 ص 441 وسنن سعيد بن منصور، ج 1 ص 190 ومسند أبي عوانة ج 3 ص 155، ومسند الطيالسي، ج 1 ص 228 والتمهيد لابن عبد البر، ج 19 ص 139، وتحفة الأحوذي، ج 4 ص 241، وتهذيب الكمال ج 33 ص 100.


وقد كان عمر أيضا شديدا على النّساء ولهذا لقي الرّد السلبي أكثر من مرة. ذكروا أنه خطب أمّ كلثوم ابنة أبي بكر بن أبي قحافة إلى عائشة فقالت أمّ كلثوم لا حاجة لي فيه، إنّه خشن العيش شديد على النّساء. فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فقال: أنا اكفيك؛ فأتى عمر فقال بلغني خبر أعيذك بالله منه! قال: ما هو؟ قال: خطبت أمّ كلثوم بنت أبي بكر؟ قال: نعم، أفرغبت بي عنها أم رغبت بها عنّي؟ قال: ولا واحدة ولكنّها حدثة نشأت تحت كنف أمير المؤمنين في لين ورفق وفيك غلظة ونحن نهابك وما نقدر أن نرك عن خلق من أخلاقك فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها كنت قد خلفت أبابكر في ولده بغير ما يحق عليك. قال: فكيف بعائشة وقد كلمتها؟ قال: أنا لك بها وأدلّك على خير منها، أمّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب تعلق منها بنسب من رسول الله(1) . وخطب أم أبان بنت عتبة بن ربيعة فكرهته وقالت يغلق بابه ويمنع خيره ويدخل عابسا ويخرج عابسا(2) .

روى النسائي، والبيهقي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي، وابن حبان والحاكم وغيرهم، عن إياس بن عبد اللهبن أبي ذباب قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تضربوا إماء الله، فجاء عمر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا رسول الله ذئرن النّساء على أزواجهنّ، فرخّص في ضربهنّ، فأطاف بآل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن [!] فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لقد طاف بآل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن، ليس أولائك بخياركم!(3) .

____________________

(1) تاريخ الطبري ج 2 ص 564.

(2) الكامل في التاريخ ج 2 ص 450 وتاريخ الطبري ج 2 ص 564.

(3) سنن النسائي الكبرى ج 5 ص 371 وسنن البيهقي الكبرى ج 7 ص 304 و ج 7 ص 305 والسنن الصغرى للبيهقي (نسخة الأعظمي) ج 6 ص 291، وسنن أبي داود، ج 2 ص 245، وسنن ابن ماجه، ج 1 ص 638، وصحيح ابن حبان، ج 9 ص 499، والمستدرك على الصحيحين، ج 2 ص 205 وج 2 ص 208 والمعجم الكبير، ج 1 ص 270، ومصنف عبد الرزاق، ج 9 ص 442، وموارد الظمآن، ج 1 ص 319 وسنن الدارمي، ج 2 ص 198، ومسند الشافعي، ج 1 ص 261، ومعرفة السنن والآثار، ج 5 ص 434 والآحاد والمثاني ج 5 ص 184 ومسند الحميدي ج 2 ص 386.


هذه القصّة تكشف عن العنف عند العرب في تعاملهم مع النّساء حتى بعد الإسلام، والمؤسف بالغ الأسف أنّ هذه الظاهرة لا تزال سارية المفعول في أيّامنا(1) ، تنشر الرّعب في البيوت وتفرّق بين المرء وزوجه، وتشوّه صورة الأب لدى ولده، وتسمّم الأجواء بين العوائل المتصاهرة، حتى في بيوت تتمتّع فيها الزوجة بمستوى ثقافي رفيع , وتشغل منصبا لا يقلّ رتبة عن مناصب الشخصيّات المرموقة من الرجال. ذكرت جريدة الأطلسي النّاطقة بالفرنسيّة في عدد السّبت 11/11/2006 قصّة الوزيرة الموريتانيّة أميانة صو محمد دينا التي أشبعها زوجها ضربا إثر خلاف عائلي. وقالت المصادر التي سربّت الخبر للصّحيفة: (إن السيّدة تعرّضت لضرب شديد، وإنّ جيرانها أنقذوها من هلاك محقق)، بينما أوضحت وكالة أنباء الأخبار الموريتانيّة المستقلّة أنّ مصدرا مقرّبا من مدير تحرير الصحيفة أكّد لها (أنّ المدير تعرّض لضغوط كبيرة لتقديم اعتذار عن نشر القصّة التي تمثّل حرجا للحكومة الانتقالية)(2) .

ولعلّ كثيرا من الذين يضربون نساءهم إنّما ينفّسون على أنفسهم من شدّة ما يلقون في حياتهم المهنيّة أو علاقاتهم الاجتماعيّة خارج البيت؛ وإلاّ فإنّ أولى النّاس باستدرار رحمة الرّجل وشفقته وحنانه زوجته وأولاده، فإنّهم لا يتوقّعون منه مجرّد الإعالة

____________________

(1) الترخيص بالضرب الخفيف أساء فهمه أقوام فانتقلوا من الترخيص إلى التحريض، ومارسوا ذلك في دول الغرب باسم الإسلام فقدموا دليلا ملموسا لمن يتهم المسلمين بالعنف. جاء في جريدة الشرق الأوسط ليوم الثلاثاء 24 ذو الحجة 1426 هـ 24 يناير 2006 العدد 9919 ما يلي: طالب أحد القياديين الحزبيين في هولندا بضرورة الملاحقة القضائية لكل شخص يحرض الرجال على ضرب النساء، وطالب بتعديل القوانين حتى تسمح بتحقيق ذلك. جاء ذلك على لسان ما كسيم فيرهاخن، رئيس المجموعة البرلمانية للحزب الديمقطراطي المسيحي، اكبر الأحزاب الهولندية والذي يقود الائتلاف الحكومي الحالي برئاسة بيتر بالكينيند. وأضاف المسئول الحزبي في تصريحات لصحيفة (تراو) الهولندية على موقعها بالإنترنت، أنه يرد بذلك على الدعوات، التي تضمنتها تصريحات وخطب عدد من الأئمة المسلمين في المساجد والتي تضمنت إعطاء الحق للرجل بضرب زوجته إذا أخطأت. وقال (إن القوانين الحالية تقف عائقا إمام النيابة العامة لملاحقة هؤلاء الأشخاص، ومن أجل إزالة تلك العوائق لابد من إجراء تعديل في القانون الحالي، الذي ينصّ على حرية العقيدة وحرية التعبير، وهي أمور يستغلها البعض في التحريض على أشياء ويقف القانون عاجزا على محاكمة هؤلاء الأشخاص.

(2) باعتبار أن المجتمع الموريتاني أيضا مجتمع قبليّ، فإنّه لا يبعد أن تكون قبيلة الزّوج الضّارب أكثر ما لا وأعزّ نفرا من قبيلة الزوجة المضروبة، ولهذا تمّ دفن القضيّة بهدوء. والعرف يقضي أنّ الوزراء يتمتّعون بحصانة دبلوماسية، وأنّ التعدّي على أحدهم بالضّرب مما يعاقب عليه القانون.


الماديّة من تغذية وكسوة وعلاج،وإنّما يهفون إلى مزيد من العناية العاطفيّة والرّعاية المعنويّة، وذلك هو ما يقوّي العلاقات بين أفراد الأسرة، ويعطي الطّفولة الطّعم الذي ينشده كلّ طفل.

والذي لا يقبل كثرة الجدال، باعتباره أمرا وجدانيا، هو أنّ صورة الأمّ في نفوس وقلوب أطفالها تتكسّر إذا ضربها شخص ما أمامهم، فكيف إذا كان الضّارب هو الأب نفسه، الذي يفترض فيه حمايتها ورعاية حرمتها وطلب راحتها. هذه النّقطة التي لا يلتفت إليها كثير من الآباء هي وراء عنف الشّوارع والملاعب، كما أنّ أثرها واضح في تقهقر وانحطاط مستويات التّلاميذ في المدراس!

قصّة ضرب النساء بطلها عمر بن الخطاب، فهو الذي ذهب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخبره بالسّلوك الجديد للنّساء، وحصل بذلك على رخصة لضرب النّساء بما يضمن عودة حقوق الرّجال، وهو إنجاز حضاري كبير يسجّل لعمر، لأنّه استطاع أن يعيد النّساء إلى وضعهنّ الذي كنّ عليه في الجاهليّة، ولهذا نراه فيما بعد حين أصبح على سدة الحكم يقول: (لا يسأل الرجل فيم يضرب زوجته) أو بعبارة قرآنية (لا يسأل عما يفعل)؛ وقد جاء ردّ فعل الرجال سريعا وبشكل جماعيّ، وهو ما يطرح علامة استفهام بخصوص العلاقات في بيوت الصّحابة، والموقف من الضرب، لأنّ سلوكا جماعيا بهذا الانسجام لا يحدث غالبا بهذه السّرعة، إذ بمجرّد أن صدر التّرخيص بالضرب كثرت ضحايا العنف من النّساء، ولا يعقل كون النّساء قد أسأن المعاملة مباشرة بعد التّرخيص، لأنّ ذلك ليس في مصلحتهنّ، لكن يبدو أنّ هناك من كان ينتظر هذا التّرخيص لإعادة الجاهلية في معاملة النساء.

تصرّح بعض الرّوايات أنّ النساء اللاتي طفن بآل محمد يومها كنّ سبعين امرأة، وهذا عدد كاف للفت انتباه كل من يراهنّ مجتمعات أمام بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو بيت فاطمة وعلي عليهما السلام، لأنّ الرواية تقول: (لقد طاف بآل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن)، وهو مشهد محزن تنفلق له الأكباد، ولا شكّ أنّ الضّرب كان قد


بلغ الحدّ الذي يدفع إلى التّشكّي، وإلاّ فإنّ المرأة تحرص عادة على إخفاء الضّرب الخفيف، ولا تعتبره شيئا يستحقّ أن يطلّع عليه الأجانب عن العائلة، لأنّ في إظهار ذلك حطّا من شأنها قبل كل شيء، وإظهارا لسوء العلاقة بينها وبين زوجها، فإنّ الرّجل الذي يحبّ امرأته لا يضربها؛ فالمرأة تحرص على أن تبدو الأمور طبيعية لا عنف فيها، لكن إذا بلغت الأمور الحدّ الذي لا يطاق، فإنّها تشكو ما تلقى ولو بحثا عن المواساة لتخفيف الألم، وقد يكون ذلك نقطة التّحول للتفكير الجدّي في طلب الطلاق.

نقطة أخرى ينبغي الإشارة إليها، وهي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال بخصوص الذين ضربوا النساء (ليس أولئك بخياركم)، فنفى عنهم أن يكونوا خيار الأمّة؛ ولأنّ عمر بن الخطاب منهم فإنّه بمقتضى قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يكون من خيار الصّحابة فضلا عن أن يكون خيرهم بعد أبي بكر كما يروّج له منذ قرون طويلة. قال الطيبي في شرح العبارة: (ليس أولئك أي الرجال الذي يضربون نساءهم ضربا مبرحا أي مطلقا بخياركم، بل خياركم من لا يضربهنّ ويتحمّل عنهنّ أو يؤدّبهن ولا يضربهن ضربا شديدا يؤدي إلى شكايتهن)(1) . ومع ذلك، ومع نفي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكون من يضرب النساء من خيار المؤمنين إلاّ أنّ ثقافة الكرسي تأبى أن تدخل عمر بن الخطاب في إطار من يشملهم خطاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد بقي عمر بعد هذه الواقعة يضرب النساء وكأنّ الكلام لا يعنيه. ووجد أقوام في فعله ما ينهض لفعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فاستدلّوا بعنفه على جواز الضرب!

ولأن الضرب يشوّه قطعا العلاقة بين الزوجين على كل مستوياتها فقد أشار النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى ذلك بتعبير دقيق لا يرتاب فيه أهل المروءة أيّا كان الدين الذي ينتمون إليه؛ قال السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاريّ ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن زمعة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد ثمّ يجامعها في آخر اليوم؟ وأخرج عبد الرزاق عن عائشة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال أما

____________________

(1) عون المعبود، ج 6 ص 130.


يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد، يضربها أول النهار ثم يضاجعها آخره(1) ؟!

وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أما يستحيي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد يضربها أوّل النّهار ثمّ يضاجعها آخره، أما يستحيي(2) ؟!

وعن هشام بن عروة عن أبيه عن الزّبير قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألا عسى أحدكم أن يضرب امرأته ضرب الأمة، ألا خيركم خيركم لأهله(3) .

أقول:

وليس خير النّاس لأهله من يضربهم. والضّرب يورث التّباغض والكراهية بين الضارب والمضروب، ويكفي أنّ عمر بن الخطّاب نفسه يتألّم في شيخوخته لمجرّد تذكّر الضّرب الذي كان يتلقّاه من أبيه في الصغر، ويقول عنه (كان فظا غليظا)!

وعن الأشعث بن قيس قال: تضيّفت عمر، فلمّا كان في بعض الليل قام إلى امرأته يضربها فحجزت بينهما فلمّا رجع إلى فراشه وأخذ مضجعه قال: يا أشعث احفظ عنّي شيئا سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول (لا يسأل الرّجل فيما يضرب امرأته).

وفي الطبقات الكبرى عن أبي سفيان عن أيوب قال جاءت امرأة إلى رسول الله قد ضربها زوجها ضربا شديدا فقام رسول الله فأنكر ذلك وقال: (يظل أحدكم يضرب امرأته ضرب العبد ثم يظل يعانقها ولا يستحيي)(4) .

أقول:

قد أنكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضرب المرأة في هذه القصة، ولو كان الحديث المنسوب إليه من طريق عمر صحيحا لقال لها (هذا شأن بينك وبين زوجك، ولا يسأل الرّجل فيما يضرب امرأته) لكنه لم يفعل، بل أنكرصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأفعال النبي وتقريراته ونواهيه

____________________

(1) الدر المنثور، ج 2 ص 523.

(2) مصنف عبد الرزاق، ج 9 ص 442 تحت رقم 17943.

(3) مسند البزار ج 3 ص 197.

(4) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد ج 8 ص 205.


واستنكاراته تكشف عن الموقف الشرعي، وعليه ينبغي على المسلم أن يستنكر ضرب النساء. وكيف ينهى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ضرب النّساء ويقول (استوصوا بالنساء خيرا) ثمّ يعطي الرّجال رخصة موسّعة لضربهنّ ويمنع من مجرّد محاولة معرفة السبب الذي أدّى إلى الضرب؟

قال ابن تيمية: (.. فإن الله قد أباح للرجل في كتابه أن يضرب امرأته إذا نشزت فامتنعت من الحقّ الواجب عليها حتى تؤدّيه(1) .

وعن أبي هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال خيركم خيركم لنسائهم. رواه البزار وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وقد وثق وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات(2) .

عن عبدالرحمن بن عبد الله المكي عن الأشعث بن قيس قال: تضيّفت عمر بن الخطّاب فقام في بعض الليل فتناول امرأته فضربها ثم ناداني يا أشعث قلت لبيك قال أحفظ عني ثلاثا حفظتهن عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تسأل الرجل فيم يضرب امرأته ولا تسأله عمن يعتمد من إخوانه ولا يعتمدهم ولا تنم إلا على وتر هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(3) .

أقول:

وأنت ترى أنه هتك سترها أمام أجنبي..

والقصة في سنن ابن ماجه كما يلي: عن عبد الرحمن المسلمي عن الأشعث بن قيس قال ضفت عمر ليلة فلما كان في جوف الليل قام إلى امرأته يضربها فحجزت بينهما فلما أوى إلى فراشه قال لي يا أشعث احفظ عني شيئا سمعته عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يسأل الرجل فيم يضرب امرأته ولا تنم إلا على وتر ونسيت الثالثة(4) .

____________________

(1) دقائق التفسير، ج 2 ص 40.

(2) مجمع الزوائد ج 4 ص 303.

(3) المستدرك على الصحيحين، ج 4 ص 194.

(4) سنن ابن ماجه ج 1 ص 639 تحت رقم 1986. ومسند عبد بن حميد ج 1 ص 43 تحت رقم 37.


أقول:

قام إلى امرأته يضربها في جوف الليل مع حضور شخص أجنبي في البيت. وقد اضطرّ الضيف إلى التّدخّل ليحجز بينهما. ولعلّ السّبب الذي ضربها لأجله لم يكن وجيها، لهذا فقد حسم المسألة بقوله ما قال.

وعن الأوزاعي عن الزهري قال مضت السّنة في الرّجل يضرب امرأته فيجرحها أن لا تقصّ منه ويعقل لها(1) .

أقول:

أية سنة هذه التي يتّحدثون عنها؟!

قال أحمد في الرجل يضرب امرأته لا ينبغي لأحد أن يسأله ولا أبوها لم ضربتها والأصل في هذا ما روى الأشعث عن عمر أنه قال يا أشعث احفظ عني شيئا سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تسألن رجلا فيما ضرب امرأته رواه أبو داود ولأنه قد يضربها لأجل الفراش فإن أخبر بذلك استحيي وإن أخبر بغيره كذب(2) .

قال الشافعي: وفي قوله لن يضرب خياركم دلالة على أن ضربهنّ مباح لا فرض أن يضربن ونختار له من ذلك ما اختار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنحب للرّجل أن لا يضرب امرأته في انبساط لسانها عليه وما أشبه ذلك(3) .

قال ابن كثير: واشترى (أبوبكر) جارية بني مؤمل حي من بني عدي كان عمر يضربها على الإسلام(4) .

قال (عمر): بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجّها! فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك فلما

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة، ج 5 ص 411 رقم 27489.

(2) المغني، ج 7 ص 243.

(3) كتاب الأمّ، الشّافعي، ج 5 ص 194.

(4) البداية والنهاية، ابن كثير، ج 3 ص 58.


رأى عمر ما بأخته من الدّم ندم على ما صنع(1) .

أقول:

وأنت ترى أنه يضرب أخته أمام زوجها، ويضرب الرّجل أمام زوجته، وفي هذا من انتهاك حرمتهما ما فيه.

وعن ابن شهاب قال: حدّثني سعيد بن المسيّب قال: لمّا توفّي أبوبكر رحمه الله أقامت عليه عائشة النّوح فأقبل عمر بن الخطّاب حتى قام ببابها فنهاهنّ عن البكاء على أبي بكر فأبين أن ينتهين؛ فقال عمر لهشام بن الوليد: ادخل فأخرج إلى ابنة أبى قحافة أخت أبي بكر! فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر: إني أحرّج عليك بيتي! فقام عمر لهشام: ادخل فقد أذنت لك! فدخل هشام فأخرج أمّ فروة أخت أبي بكر إلى عمر فعلاها بالدّرّة فضربها ضربات فتفرّق النّوح حين سمعوا ذلك(2) .

أقول:

يبدو أنّ الخليفة مولع بالهجوم على أهل الحداد وعلى النّساء منهم خصوصا هذا مع أنّهم فقدوا أعزّاءهم وتيقّنوا أنّهم لن يروهم قبل يوم القيامة إلاّ في عالم الرّؤيا؛ فكما هجم على بيت فاطمة عليها السلام هجم على بيت عائشة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي هي في نفس الوقت بمنزلة أمّه باعتبارها أمّ المؤمنين وزوجة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وابنة صديقه وحليفه الأوّل فلم يرع لا هذه ولا تلك ولا الأخرى وهجم على بيت عائشة الذي هو أحد بيوت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا إشكال. وقد قالت لهشام بن الوليد بعبارة صريحة إني أحرّج عليك بيتي. فإذا كان القرءان الكريم قد نهى عن دخول بيوت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من دون إذن منه فكيف بالهجوم عليه؟ ثمّ هو يقول للرّجل: ادخل فقد أذنت لك! فمتى أعطاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكالة كي يأذن بذلك. وهل ينسخ كلام عمر كلام الله تعالى الذي لا معقب لحكمه؟ وتبقى المسألة محلّ تأمّل.

____________________

(1) البداية والنهاية، ابن كثير، ج 3 ص 80.

(2) تاريخ الطبري، ج 2 ص 614. والقصّة أيضا في شرح نهج البلاغة، ج 1 ص 181.


قال [ابن الجوزي]: أحدها أنّ عمر بن الخطّاب رأى جارية متبرّجة فضربها وكفّ ما رأى من زينتها فذهبت إلى أهلها تشكو، فخرجوا إليه فآذوه فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عبّاس(1) .

قصّة أم كلثوم

في البداية لابدّ من التّذكير بالأساليب التي اتّبعها أعداء أهل البيت عليهم السلام للحطّ من شأنهم، وتقديمهم بصورة من لا تهمّهم المعالي ولا تحرّكهم الهمم، وهذا واضح في تكفير أبي طالب ونسبة والدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الشّرك بالله تعالى، وقصة الغرانيق، وأمور كثيرة لا تخفى على الباحث النّزيه. والإسلام يدعونا إلى التّدبّر والتّأمّل والتّفكّر كي نكون على بصيرة من أمرنا ونتجنّب التقليد الأعمى الذي كان يتمسّك به المشركون(2) . فهل يقرّ لنا التّدبّر قبول كلّ ما وجدناه في كتب تمجّد الحاكم وإن كان فاسقا وتستهجن المعارض وإن كان ابن نبيّ؟!

من القصص التي روتها الصّحاح دون حياء من الله تعالى ولا رعاية لحرمة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قصّة خطبة علي بن أبي طالب عليه السلام ابنة أبي جهل! ولم يأتوا باسمها ولا بصفاتها لأنّ الذين اختلقوا القصّة كان يهمّهم الطّعن في علي بن أبي طالب عليه السلام فكان كل اهتمامهم منصبّا على الخطبة وصاحب الخطبة، وأمّا التّفاصيل الخاصّة بالمخطوبة فلم يكن لها محلّ من الإعراب.

لماذ يخطب علي بن أبي طالب عليه السلام ابنة أبي جهل المزعومة بالذات؟ ومع ذلك رواها البخاري وغيره من طريق أعداء علي عليه السلام الذين حاربوه وسبّوه وشتموه ولعنوه! هذا مبلغ الإنصاف عند المحدّثين الذين يتلون قوله تعالى( وَلا يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتّقْوَى ) . ولقد أشار القرآن الكريم إلى علي عليه السلام

____________________

(1) زاد المسير، ابن الجوزي ج 6 ص 421.

(2) إشارة إلى قول المشركين ( حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) المائدة 104، وقولهم ( بَلْ نَتّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) لقمان 21، وقولهم ( إِنّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى‏ أُمّةٍ وَإِنّا عَلَى‏ آثَارِهِم مُهْتَدُونَ) الزخرف 23.


بـ نفس رسول الله في آية المباهلة من سورة المائدة، فهو إذاً نفس رسول الله، فيه كل ما في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باستثناء النبوة لكونها مختومة لا أنّ عليا عليه السلام لا يكون أهلا لها، كما أنّه يأتي بعده مباشرة في الترتيب باعتباره لم يشرك بالله طرفة عين، وقد سمّى القرآن الكريم المشركين نجسا في قوله تعالى( إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) ، فمن أشرك ساعة فقد كان نجسا ساعة، ومن أشرك أربعين سنة فقد كان نجسا أربعين سنة، والله تعالى أجلّ شأنا من أن يساوي بين من طهّرهم بنفسه ومن تنجس بأنجاس الجاهلية، فكيف بالتفضيل؟!

نعم، يروون أنّ علي بن أبي طالب عليه السلام المطهّر بنص الكتاب العزيز، والذي هو من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمنزلة هارون من موسى، والذي يحبّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله لم يكتف بسيدة نساء العالمين جمالا وشرفا وعلما وفهما وعبادة... وذهب يخطب بنت أبي جهل! من هو الرجل الذي تكون في بيته امرأة مثل فاطمة عليها السلام ثمّ يذهب يخطب مثل بنت أبي جهل عدوّ الله؟! ولأيّ شيء يخطبها؟ ولماذا هي دون غيرها؟ ولماذا لم تذكر بنت أبي جهل في شريفات نساء قريش؟

هؤلاء الذين رووا هذا الإفك همالذين يروون أيضا أنّ أم كلثوم بنت علي عليه السلام تزوجت عمر بن الخطاب! وهي تعلم أنّ أمهاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ماتت ساخط عليه غاضبة عليه، وقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (يا فاطمة إنّ الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك)(1) . أضف إلى

____________________

(1) كنز العمال، ج 12 ص 51 رقم 34237. الديلمي عن علي بلفظ (إن الله عزوجل ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها) وباللفظ المذكور أعلاه رقم 34238 ع طب ك وتعقب. أخرجه الحاكم في المستدرك، ج 3 ص 154، وقال الذهبي: فيه حسين بن زيد منكر الحديث لا يحلّ أن يحتجّ به، وأبو نعيم في فضائل الصحابة وابن عساكر عن علي. اهـ. وأقول: مذهب الذهبي في الجرح معلوم، وكل ما فيه فضيلة لأهل البيت عليهم السلام لا ينالها غيرهم فهو باطل. وكيف لا يكون الذّهبيّ كذلك وهو القائل في حديث (أتاني جبريل بسفرجلة من الجنّة فأكلتها ليلة أسريبي فعلقت خديجة بفاطمة فكنت إذا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رقبة فاطمة): هو كذب جليّ من وضع مسلم بن عيسى الصّفّار لأنّ فاطمة ولدت قبل النبوة فضلا عن الإسراء. وهو [الذهبي] بهذا الكلام يرمي غلى غاية خبيثة لا يمكن أن ينطوي عليها قلب يحبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهو يريد أن يقول: إنّ فاطمة وإن كان أبوها سيّد الأنبياء فإنّ أمّها لم تكن مسلمة حيث لم يكن في مكة من قريش مسلم قبل البعثة كما هو مذهب الذهبي وأشباهه، فتكون فاطمة حال انعقاد نطفتها من رسول الله وامرأة غير مسلمة!! بينما يصرّ الذهبي على أنّ عائشة بنت أبي بكر ولدت بعد البعثة أي من أبوين مسلمين! هذا مبلغ حبّ


ذلك أنّ عمر بن الخطّاب خطب أمّها فاطمة وردّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو الذي قال للمسلمين (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)! وفي تقاليد العرب يستهجنون أن يخطب الرجل المرأة ثم يخطب ابنتها بعد ذلك، ويعتبرونه ساقط الهمة ح بل في تقاليدهم أن الرجل إذا خطب إلى أهل بيت وردّوه لم يعد إلى ذلك البيت أبداً. كلّ ما في المسألة أنّ الحاقدين على علي عليه السلام قرّروا أن يستبيحوا منه كلّ شيء، دماء أولاده وأعراض بناته، وكرامته الشخصية! وإلى يومنا هذا لا يزال بغض علي ساري المفعول تحت إشراف حاخامات وأموال نفطية، وإلاّ فإن أم كلثوم بنت علي عليه السلام أجلّ في نفسها من أن تعقّ أمّها فتتزوّج أبغض الناس إليها.

ولأنّ هذا الكتاب لم يوضع لمناقشة هذه القضية، ولأن الفضلاء قد كتبوا في الموضوع وأشبعوه بحثا دفاعا منهم عن كرائم بيت النبوة، فإنني لا أملك إلا أن أتوقف عند هذا الحدّ.

الهجوم على بيت فاطمة

كثر الحديث في أيّامنا حول التّشكيك في الهجوم على بيت فاطمة عليها السلام، مع أنّ أبابكر بن أبي قحافة اعترف شخصيّا أنّه كشف بيت فاطمة، وقال ذلك في آخر حياته كالنّادم على فعلته، وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز. قال أبوبكر بن أبي قحافة: (فأما الثلاث اللاتي وددت أنّي لم أفعلهنّ فوددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وأن أغلق علي الحرب ووددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر.. الخ الحديث)(1) . لكن المشكّكين أشدّ بكريّة من أبي

____________________

الذهبي لرسول الله وآله. وكأنّ في ولادة فاطمة عليها السلام بعد البعثة خطرا على الإسلام! كنزل العمال، ج 12 ص 51.

(1) مجمع الزوائد، ج 5 ص 203 والمعجم الكبير، الطبراني، ج 1 ص 62 وكنز العمال، ج 5 ص 252 ولسان الميزان، ج 4 ص 189، وميزان الاعتدال في نقد الرجال، ج 5 ص 135، وتاريخ مدينة دمشق، ج 30 ص 418 وج 30 ص 418، وج 30 ص 420، وج 30 ص 421، وج 30 ص 422 ومنهاج السنة النبوية، ج 8 ص 290 وتاريخ الطبري، ج 2 ص 353، وتاريخ اليعقوبي، ج 2 ص 137، وسمط النجوم العوالي، ج 2 ص 465 وتاريخ الإسلام، ج 3 ص 118.


بكر نفسه، لذلك تراهم يوردون الإشكال بعد الإشكال، ويزعمون أنّ في ذلك قدحا في علي بن أبي طالب عليه السلام وحطّا من شأنه! لأنّه شجاع، ولا ينبغي أن يحدث مثل ذلك أمامه ولا يستعمل شجاعته! يفسّرون الشّجاعة بالتّهوّر، بعيدا عن الحكمة، وهم يعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي هو أشجع وأشرف من علي عليه السلام كان يمرّ على المؤمنين يعذّبون في مكّة فلا يملك إلا أن يقول (صبرا آل ياسر فإنّ موعدكم الجنّة).

قال المفكر الإسلامي حسن بن فرحان المالكي في كتابه قراءة في كتب العقائد: (.. ولكن حزب عليّ كان أقل عند بيعة عمر منه عند بيعة أبي بكر الصديق نظرا لتفرقهم الأوّل عن عليّ بسبب مداهمة بيت فاطمة في أوّل عهد أبي بكر وإكراه بعض الصّحابة الذين كانوا مع عليّ على بيعة أبي بكر، فكانت لهذه الخصومة والمداهمة (وهي ثابتة بأسانيد صحيحة) ذكرى مؤلمة لا يحبون تكرارها)(1) . وقال بهامش الصفحة نفسها: (كنت أظن المداهمة مكذوبة لا تصح حتى وجدتلها أسانيد قوية منها ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، لكن ليس كما يبالغ غلاة الشيعة وليس كما ينفي غلاة الحنابلة). وقال ابن تيمية: ونحن نعلم يقينا أن أبابكر لم يقدم على عليّ والزبير بشيء من الأذى بل ولا على سعد بن عبادة المتخلف عن بيعته أوّلا وآخرا. وغاية ما يقال إنه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه وأن يعطيه لمستحقه ثم رأى أنه لو تركه لهم لجاز فإنه يجوز أن يعطيهم من مال الفيء. وأما إقدامه عليهم أنفسهم بأذى فهذا ما وقع فيه قط باتفاق أهل العلم والدين وإنما ينقل مثل هذا جهال الكذابين ويصدقه حمقى العالمين الذين يقولون إنّ الصحابة هدموا بيت فاطمة وضربوا بطنها حتى أسقطت(2) . أقول: وهذا يعني أنّ المداهمة وقعت فعلا، ولا مجال إلى إنكارها، لكن ابن تيمية تعلّل بمسألة المال! وكأنّ فاطمة عليها السلام تخفي في بيتها مال المسلمين! فابن تيمية وإن كان لا يصرّح بما يعتلج في صدره إلاّ أنه يتّهم فاطمة عليها

____________________

(1) قراءة في كتب العقائد، حسن بن فرحان المالكي، ص 52.

(2) منهاج السنة النبوية، ج 8 ص 291.


السلام بالسّرقة أو الغلول أو شيئا من ذاك القبيل. ومتى دخل بيت فاطمة شيء من مال المسلمين. وعلى فرض أن يكون فيه شيء من مال المسلمين فإنّه لا يكون بدون إذن من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وهنا ينبغي على ابن تيمية أن يوجّه الإشكال إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويتّهمه بما اتّهم به فاطمة عليها السلام، لأنّ فاطمة لم تخرج من بيتها ولم تجلب شيئا. وقد كان في وسع أبي بكر وحزبه أن ينظروا - إن كان هناك مال أو لم يكن - بالطّرق المعهودة عرفا وعقلا بأن يرسلوا امرأة أو شيخا من شيوخ قريش، لا أن يداهموا. بل المداهمة كانت بقصد الإرهاب. وكاتب هذه السطور يعتقد فيما بينه وبين الله تعالى أنّ الإرهاب في حياة المسلمين سنّ في ذلك اليوم، وأنّه لا يزال يمارس إلى هذا اليوم.

المهم هو أنّ الذي تزعّم المداهمة - أو الهجوم أو الكبس أو سمّه ما شئت - هو عمر بن الخطاب، الذي كان هائجا يومها وزعم أنه أولى برسول الله من فاطمةوعلي عليهما السلام.


الفصل السادس

عمر الحاكم



كيف استخلف عمر؟

قبل الدخول في بيان كيفية استخلاف عمر، يجدر التذكير بكيفية وصول أبي بكر إلى الخلافة، لأنّ خلافة عمر فرع خلافة أبي بكر، مع سابقة ليس عليها دليل، لا من القرآن ولا من السنة الشريفة، وإذا بطل الأصل بطل الفرع؛ وقد كفانا عمر بن الخطاب نفسه مؤونة البحث في صحّة خلافة أبي بكر حين حكم عليها هو نفسه أنّها كانت (فلتة وقى الله المؤمنين شرّها)، والمقطع الأوّل من عبارته صحيح، أمّا المقطع الثّاني فغير مسلّم، لأن شرّ بيعة السقيفة لا يزال إلى اليوم يفعل فعله.

قالوا:... فلما سمع القوم صوتها(1) وبكاءها انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع، وأكبادهم تنفطر، وبقى عمر ومعه قوم(2) ، فأخرجوا عليّا، فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، فقال: إن أنا لم أفعل فمه؟ قالوا: إذاً والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك [!]، فقال: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله، قال عمر: أمّا عبد الله فنعم، وأما أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت)(3) . وهنا ينبغي للمتأمّل أن يتوقّف. هذان صحابيّان من أصحاب رسول الله يكذب أحدهما الآخر، وهما من الخلفاء الرّاشدين، ومن المبشرين بالحنة؛ وقد لقّنونا منذ الصغر أنّ الراشدين فوق كلّ اعتبار، فلماذا يكذّب الراشدون بعضهم بعضا، ولماذا يهدّد بعضهم بعضا بالقتل؟!

هكذا مهّد عمر بن الخطاب لدولته. تماما كما قال علي بن أبي طالب عليه السلام: (احلب يا عمر حلبا لك شطره، اشدد له اليوم أمره ليردّ عليك غدا). يقول حزب السّقيفة لعلي بن أبي طالب عليه السلام إمّا أن تبايع وإمّا (والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك)! أليس هذا إرهابا؟ وإذا لم يكن هذا إرهابا فما هو الإرهاب؟ أين هم من قول الله تعالى( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ ) ؟ وهل هناك إكراه اكبر من أن يخيّر

____________________

(1) أي صوت فاطمة عليها السلام.

(2) عمر والقوم الذين معه ليس لهم قلوب تنصدع أو أكباد تنفطر. وهذا التصرف يكشف أنهم كانوا مستعدين لذلك اليوم.

(3) الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري، ج 1 ص 20.


بيعة لا يؤمن بها وبين القتل؟ هذا عبد الله بن عمر بن الخطاب يمتنع من مبايعة علي بن أبي طالب عليه السلام الذي بايعه المسلمون في بيته المهاجرون منهم والأنصار، ولا يرى في ذلك أدنى حرج! بل يزعم أنّه أحسن التعامل مع الفتنة!! لكن بمقتضى سيرة عمر بن الخطّاب، فإنّ عبد الله بن عمر يستحقّ القتل، لأنّه رفض أن يدخل في ما دخلت فيه الأمّة! وأيّة أمّة؟! أمّة عبدت الصّنم أكثر من أربعين سنة وهي مع ذلك تدّعي أنها أعلم بدين الله تعالى من نبيّه وأهل بيت نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! وخرج أبو بكر بن أبي قحافة من الدنيا، وبتعه عمر، وبقيت بيعة السّقيفة مختلفا فيها، يؤمن بها أصحاب ثقافة الكرسيّ ويرفضها أهل الضمائر الحيّة. أي أنّها بقيت غير شرعيّة،ولو كانت شرعيّة لما جاز لفاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن تتبرّأ منها ومن أهلها، حتى أنّها لم ترهم أهلا ليحضروا الصّلاة عليها! ومن خطّأ فاطمة عليها السلام فقد خطّأ الله تعالى ورسوله وجبريل والملائكة وصالح المؤمنين.

إذاً فالقضية قضية (اشدد لي اليوم اردد إليك غدا)، ولا أثر فيها لما يذكره المؤرّخون من أمثال ابن خلدون والمتكلّمون من أمثال الإيجي والتفتازاني الماوردي وغيرهم من المنظّرين المصوّبين. ولا يستطيع أحد من هؤلاء أن يوجد انسجاما بين سيرة رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين سيرة قريش يوم السّقيفة.

عن عائشة قالت: كتب أبي في وصيته سطرين: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما وصّى به أبوبكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا، حين يؤمن الكافر وينتهي الفاجر ويصدق الكاذب. إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطّاب، فإن يعدل فذاك ظنّي به ورجائي فيه، وإن يجر ويبدّل فلا أعلم الغيب( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (1) .

وعنها أيضا قالت: كان عثمان يكتب وصية أبي بكر قالت فأغمي عليه، فعجل وكتب عمر بن الخطّاب، فلمّا أفاق قال له أبوبكر: من كتبت؟ قال: عمر بن الخطّاب.

____________________

(1) مختصر ابن كثير، ج 2 ص 879.


قال كتبت الذي أردت أن آمرك به، ولو كتبت نفسك كنت لها أهلا(1) .

أقول: الرّوايتان عن عائشة، والموضوع واحد، لكنّ طريقة كتابة الوصيّة تختلف، فمرّة كتب أبوبكر، ومرّة كتب عثمان.

ولا يبعد أن يكون قلب عثمان قد التهب حسرة عند قول أبي بكر: (ولو كتبت نفسك كنت لها أهلا)، لكن هل يوافق على ذلك عمر؟!

عمال عمر

كان لعمر بن الخطاب طريقته في تعيين الولاة، وهي طريقة لم تكن تختلف كثيرا عن طريقة أبي بكر بن أبي قحافة التي ترى أولويّة تثبيت سلطان قريش. ولا يحمي سلطان قريش إلاّ أبناء قريش نفسها، لكن أيّ قريش؟ لأنّ هناك تكتّلا يحمل هذا الاسم ومن أولوياته تهميش بني هاشم والتّضييق عليهم، ومنع تدوين الحديث النّبوي وتفسير القرآن الكريم. أما بنو هاشم فهم على عكس ذلك تماما، همّهم إحياء سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والعدل في توزيع المال والحقوق، وإنزال الناس منازلهم. وإذا كان لأبي بكر حاشيته التي يأتي في مقدمتها خالد بن الوليد ومن معه، فإنّ لعمر أيضا حاشيته، وله أيضا جهاز أمن سرّي لا يكاد يفوته شيء، ينقل إليه أخبار الليل وأخبار النّهار من المشرق والمغرب حتى ليكاد يقع في خلد المتتبع أنّ عمر بن الخطاب لم يكن يثق في أحد، لا من البدريّين ولا من غيرهم! وقد كانت له في ذلك أيضا تناقضات صارخة بعضها يدعو إلى التعجّب. من ذلك أنهم رووا أنّ عمر بن الخطاب قال من استعمل فاجرا وهو يعلم أنّه فاجر فهو مثله)(2) . وقال أيضا: (لا يستعمل الفاجر إلا الفاجر)(3) . وعن ابن عمر: 0 لا يولّي الخائن إلا الخائن)(4) . وفي نفس الوقت شهد

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 361.

(2) كنز العمال ج 5 ص 303 وأخبار القضاة ج 3 ص 209.

(3) أخبار القضاة، ج 1 ص 69.

(4) أخبار القضاة، ج 1 ص 69.


على المغيرة بن شعبة أنّه فاسق ثمّ ولاّه في نفس المجلس! قال اليعقوبي: ثمّ إن أهل الكوفة شكوا سعدا وقالوا لا يحسن يصلي، فعزله عمر عنهم، فدعا عليهم سعد ألا يرضيهم الله عزوجل عن أمير ولا يرضي أميرا منهم. وولّى عمر مكان سعد بن أبي وقاص عمار بن ياسر ثمّ قدم عليه أهل الكوفة فقال: كيف خلفتم عمار بن ياسر أميركم؟ قالوا: مسلم ضعيف. فعزله ووجّه جبير بن مطعم فمكر به المغيرة وحمل عنه خبرا إلى عمر وقال له: ولّني يا أمير المؤمنين. قال: أنت رجل فاسق! قال: وما عليك مني، كفايتي ورجولتي لك، وفسقي على نفسي! فولاّه الكوفة. فسألهم عن المغيرة فقالوا: (أنت أعلم به وبفسقه). فقال: ما لقيت منكم يا أهل الكوفة، إن وليتكم مسلما تقيّا قلتم هو ضعيف، وإن ولّيتكم مجرما قلتم هو فاسق. فيقال: إنّه ردّ سعد بن أبي وقّاص(1) .

وقد قيل له: إنك استعملت يزيد بن أبي سفيان وسعيد بن العاص، وفلانا، وفلانا من المؤلفة قلوبهم من الطلقاء وأبناء الطلقاء، وتركت أن تستعمل عليّاً والعباس والزبير وطلحة؟!! فقال: (أما عليّ فأنبه من ذلك، وأمّا هؤلاء النّفر من قريش، فإني أخاف أن ينتشروا في البلاد فيكثروا فيها الفساد). وعلّق ابن أبي الحديد على كلامه هذا بقوله: فمن يخاف من تأميرهم لئلاّ يطمعوا في الملك، ويدّعيه كل واحد منهم لنفسه، كيف لم يخف من جعلهم ستّة متساويين في الشّورى، مرشّحين للخلافة! وهل شيء أقرب إلى الفساد من هذا..؟ وفي هذا المعنى ما نقله ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد قال: قال معاوية لابن أبي الحصين: ما الذي شتت أمر المسلمين وجماعتهم وفرق ملأهم وخالف بينهم؟ فقال: قتل عثمان. قال: ما صنعت شيئا. قال: فسير عليّ إليك. قال: ما صنعت شيئا. قال: ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين. فقال: فانا أخبرك أنّه لم يشتّت بين المسلمين ولا فرّق أهواءهم إلاّ الشّورى التي جعلها عمر في ستة، فلم يكن من الستّة رجل إلاّ رجاها لنفسه ورجاها لقومه، وتطلّعت إلى ذلك أنفسهم. ولو أنّ عمر

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي، ج 2 ص 155.


استخلف كما استخلف أبوبكر ما كان في ذلك الاختلاف(1) .

ورووا عن عمر أنه قال: من استعمل فاجرا وهو يعلم أنّه فاجر فهو مثله(2) .

كان عامل عمر بن الخطّاب في السّنة التي قتل فيها وهي سنة ثلاث وعشرين على مكّة نافع بن عبد الحارث الخزاعيّ، وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثّقفي، وعلى صنعاء يعلى بن منية حليف بني نوفل بن عبد مناف وعلى الجند عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة أبو موسى الأشعريّ، وعلى مصر عمرو بن العاص، وعلى حمص عمير بن سعد، وعلى دمشق معاوية بن أبي سفيان، وعلى البحرين وما والاهما عثمان بن أبي العاص الثّقفي، وفي هذه السّنة أعني سة ثلاث وعشرين توفّي فيما زعم الواقديّ قتادة بن النّعمان الظّفري وصلّى عليه عمر بن الخطّاب، وفيها غزا معاوية الصّائفة حتى بلغ عمورية ومعه من أصحاب رسول الله عبادة عسقلان على صلح. وقيل كان على قضاء الكوفة في السّنة التي توفّي فيها عمر بن الخطّاب شريح وعلى البصرة كعب بن سور، وأما مصعب بن عبد الله فإنّه ذكر أن مالك بن أنس روى عن ابن شهاب أنّ أبابكر وعمر ما لم يكن لهما قاض.

أقول:

وأنت ترى أنّه ليس فيهم هاشميّ واحد مع أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بني هاشم، كما أنّه ليس فيهم بدري واحد! لكن فيهم ابن آكلة الأكباد، وابن رأس الأحزاب، وفيه ابن من نزل في حقّه قوله تعالى( إِنّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) ، ومن هجا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسبعين بيتا من الشّعر فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهم إني لا أقول الشعر فالعنه بكل بيت لعنة(3) ! وفيهم من كان عليّ عليه السلام يقنت بلعنه في الصّلوات. وبالجملة، فيهم أعداء علي بن أبي طالب عليه السلام

____________________

(1) العقد الفريد، ابن عبد ربه، ج 3 ص 75.

(2) كنز العمال، ج 5 ص 303 رقم 14306.

(3) وهو عمرو بن العاص.


الذين حاربوه فيما بعد، وسبّوه وشتموه ولعنوه، ولا زالوا إلى هذه اللحظة يتمتّعون بحصانة لا تقبل النقاش.

عن مجالد عن الشعبي قال: بعث عمر بن الخطّاب أول ما بعث إلى الكوفة أبا عبيد الثقفي أبا المختار فقتل فبعث سعد بن أبي وقاص فمكث خمس سنين ثم نزعه ثم بعث عمار بن ياسر فمكث سنة ثم نزعه وبعث المغيرة بن شعبة فمكث سنة ثم قتل عمر فلما ولي عثمان بعث سعدا إلى الكوفة فمكث سنة(1) .

قال ابن قتيبة: وقال ابن الكلبي كان أميّة بن عبد شمس خرج إلى الشّام فأقام بها عشر سنين فوقع على أمة للخم يهوديّة من أهل صفوريّة يقال لها ترنا وكان لها زوج من أهل صفورية يهوديّ فولدت له ذكوان فادعاه أميّة واستلحقه وكناه أبا عمرو، ثمّ قدم به مكة، فلذلك قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعقبة يوم أمر بقتله: إنّما أنت يهوديّ من أهل صفورية. و (الوليد بن عقبة) ولاّه عمر على صدقات بني تغلب وولاّه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقّاص فصلّى بأهلها وهو سكران وقال أزيدكم؟ فشهدوا عليه بشرب الخمر عند عثمان فعزله وحدّه(2) .

أقول: ولاّه عمر بن الخطّاب بعد أن شهد عليه القرآن الكريم أنه فاسق(3) ، فانظر مدى احترام عمر بن الخطاب للقرآن الكريم.

قال السيوطي: وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والنحاس في ناسخه وابن المنذر والبيهقي في سننه من طرق عن عمر بن الخطّاب قال إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت أخذت منه بالمعروف فإذا أيسرت قضيت(4) .

____________________

(1) المعجم الكبير، الطبراني، ج 20 ص 367: رقم 857.

(2) المعارف، ابن قتيبة، ج 1 ص 319.

(3) أجمع المفسرون على أن قول الله تعالى( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا ) نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط.

(4) الدر المنثور، السيوطي، ج 2 ص 436.


أقول:

وهذا الذي رفضه الإمام علي عليه السلام حين جاءه أخوه ابن أمّه وأبيه عقيل بن أبي طالب يلتمس منه تقديم العطاء، ويذكرون في هذا الباب أنّه وضع في كفّه جمرة. وإنّما على القيم على بيت المال أن يكون أسوة لغيره في الصّبر، إذا احتاج صبر أو اقترض من الموسرين، لا أن يمدّ يده إلى بيت المال.

قال الآلوسي: صحّ ان عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه غرّب نصر بن حجاج إلى البصرة بسبب أنّه لجماله افتتن بعض النّساء به فسمع قائلة يقال: إنّها أمّ الحجّاج الثّقفيّ ولذا قال له عبدالملك يوما: يا ابن المتمنّية تقول هل من سبيل إلى خمر فأشربها * أو هل سبيل إلى نصر بن حجاج * إلى فتى ماجد الأعراق (...) سهل المحيّا كريم غير ملجاج(1) .

أقول:

هل نفاه إلى مدينة ليس بها نساء؟ أم أنّه نقل المشكلة من المدينة المنوّرة إلى غيرها من مدن الإسلام؟ وهل كان بقية الصحابة والتّابعين جميعا من الدّمامة بحيث لا يجري عليهم هذا الحكم؟ ألم يقولوا عن دحية الكلبي أنّه كان جميلا؟! ألم يذكروا أن جبريل تمثّل بصورته؟ وما ذنب نصر بن حجاج إذا ذكرته امرأة في أبيات من الشّعر وديننا يقول( لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ؟! على كل حال فإنّ الإسلام لا ينفي شخصا لجماله ولا لدمامته، وليس في النّاس من خلق نفسه حتى يلام على شيء من ذلك؛ وقد كان عمر أحول أعسر أروح، فلعلّه حسد نصر بن حجّاج؟! وقد ذكر القصّة أيضا الشّاعر المصريّ حافظ إبراهيم في قصيدته التي يمجّد فيها عمر بن الخطاب!

وأخرج ابن أبي شيبة عن قلابة قال: كان عمر بن الخطّاب لا يدع في خلافته أمة تتقنّع ويقول: القناع للحرائر بكيلا يؤذين. وأخرج هو (أي ابن أبي شيبة) وعبد بن حميد عن أنسرضي‌الله‌عنه قال: رأى عمررضي‌الله‌عنه جارية مقنّعة فضربها بدرّته وقال: القي

____________________

(1) روح المعاني، الآلوسي، ج 18 ص 81.


القناع لا تتشبّهي بالحرائر. وجاء في بعض الرّوايات أنّهرضي‌الله‌عنه قال لأمة رآها مقنّعة: يالكعاء أتشبّهين بالحرائر. وقال أبو حيان: نساء المؤمنين يشمل الحرائر والإماء والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرّفهن بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهنّ من عموم النّساء إلى دليل واضح انتهى. وأنت تعلم أنّ وجه الحرّة عندنا ليس بعورة فلا يجب ستره، ويجوز النّظر من الأجنبيّ إليه إن أمن الشّهوة مطلقا وإلا فيحرم. وقال القهستاني: منع النظر من الشّابة في زماننا ولو بلا شهوة وأمّا حكم أمة الغير ولو مدبّرة أو أمّ ولد فكحكم المحرم، فيحلّ النّظر إلى رأسها ووجهها وساقها وصدرها وعضدها إن أمن شهوته وشهوتها. وظاهر الآية لا يساعد على ما ذكر في الحرائر، فلعلّها محمولة على طلب تستر تمتاز به الحرائر عن الإماء أو العفائف مطلقا عن غيرهنّ فتأمل(1) .

هكذا تنفتح أبواب التأويل لتبرير أعمال عمر، لكن قول أبي حيان نساء المؤمنين يشمل الحرائر والإماء والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرّفهن بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهنّ من عموم النّساء إلى دليل واضح يدلّ على أنّه لا يأخذ الأحكام من عمر ولا يبالي بقوله حين يعارض القرآن الكريم.

وقال ابن عاشور: كان عمر بن الخطّاب مدة خلافته يمنع الإماء من التقنّع كي لا يلتّبسن بالحرائر ويضرب من تتقنّع منهنّ بالدّرّة ثمّ زال ذلك بعده(2) .

أقول:

ما معنى زال ذلك بعده؟ هل يعني أنّ المسلمين تركوا سنّة الرّاشدين؟

قال ابن عقيل: وقد لعن النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أحدث حدثا أو آوى محدثا ولعن من ضارّ بمسلم أو مكر به، ولعن من سبّ أصحابه ولعن الرّاشي والمرتشي والرائش، ولعن من غيّر منار الأرض، ولعن السّارق ولعن شارب الخمر ومشتريها وحاملها والمحمولة إليه. وقال (من يلعن عمّارا لعنه الله)، ولعن من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمّر عليهم أحدا

____________________

(1) روح المعاني، ج 22 ص 89.

(2) التحرير والتنوير، ج 1 ص 3396.


محاباة ولعن من أخاف أهل المدينة ظلما.(1)

أقول: إذا كان عمر يعلم هذا الذي ذكره ابن عقيل فلماذا ولّى قدامة بن مظعون محاباة وهو يعلم أنّ في الأمّة من هو خير منه.

قالوا: وقد كان [عمر] أصاب من مال الله بضعة وثمانين ألفا فكسر لها رباعه وكره بها كفالة أولاده فأدّاها إلى الخليفة من بعده، وفارق الدّنيا تقيّا نقيّا على منهاج صاحبيه(2) .

عن عمران بن مسلم عن سويد بن غفلة قال: قال عمر إن شئت فامسح على العمامة وإن شئت فانزعها(3) .

عن المغيرة بن شعبة قال: قال رجل أصلح الله الأمير إن آذنك يعرف رجالا فيؤثرهم بالإذن قال عذره الله والله إن المعرفة لتنفع عند الكلب العقور والجمل الصؤول قال بله من الرجل الحر ذي الحسب، والله إن كنّا لنصانع في إذن عمر بن الخطّاب(4) .

أقول: لم يكن الناس يصانعون في إذن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا في إذن علي بن أبي طالب عليه السلام.

وكان له من العمال وقت ما توفى على الكوفة المغيرة بن شعبة وعلى البصرة أبو موسى وعلى حمص أعمالها عمير بن سعد الضمري وعلى دمشق معاوية بن أبي سفيان وعلى صنعاء يعلى بن منية وعلى الجند عبد الله بن أبى ربيعة وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثقفي وعلى مكة نافع بن عبد الحارث وعلى مصر عمرو بن العاص...(5) .

وقال بن أبي عاصم (..) عن يونس عن ابن شهاب قال لما توفّي يزيد بن أبي سفيان أمّر عمر مكانه معاوية ثمّ نعاه عمر لأبي سفيان فقال: يا أبا سفيان احتسب يزيدا. فقال: من أمّرت مكانه؟ قال: معاوية. قال: وصلتك رحم(6) !

____________________

(1) النصائح الكافية، محمد بن عقيل الشافعي - ص 25.

(2) سنن الدارمي، ج 1 ص 55.

(3) مصنف ابن أبي شيبة، ج 1 ص 29.

(4) المعرفة والتاريخ، ج 1 ص 245.

(5) الثقات، ج 2 ص 241.

(6) الآحاد والمثاني، ابن أبي عاصم ج 1 ص 382.


أقول:

ما هو الضابط الذي اعتمده عمر في هذا الاستخلاف؟ أوليس عجيبا أنه يحقّ ليزيد بن أبي سفيان الطّليق بن الطّليق أن يستخلف أخاه الطّليق وهو يودّع الدنيا، ولا يحق لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يستخلف أحدا؟! هذا هو دين السقيفة، يجوز فيه للطّلقاء ما لا يجوز لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قالوا: هاجر عتبة بن غزوان إلى أرض الحبشة وهو ابن أربعين سنة، ثم عاد إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو بمكة فأقام معه حتى هاجر إلى المدينة مع المقداد، وكان من السابقين... ثم شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم , وسيّره عمر بن الخطّاب إلى أرض البصرة ليقاتل من بالأبلة من فارس... ثم خرج حاجا وخلف مجاشع بن مسعود وأمره أن يسير إلى الفرات، وأمر المغيرة بن شعبة أن يصلّي بالناس، فلمّا وصل عتبة إلى عمر استعفاه عن ولاية البصرة فأبى أن يعفيه فقال: اللهم لا تردّني إليها! فسقط عن راحلته فمات سنة سبع عشرة وهو منصرف من مكة إلى البصرة بموضع يقال له: معدن بني سليم. قاله ابن سعد. وقال المدايني: مات بالربذة سنة سبع عشرة وقيل: سنة خمس عشرة وهو ابن سبع وخمسين سنة وكان طوالا جميلاً(1) .

ويفصّل ابن عساكر ما دار بين عمر وعتبة فيقول: كان سعد بن أبي وقّاص يكتب إلى عتبة بن غزوان كتاب الأمير عليه، فأنف من ذلك عتبة وكتب إلى عمر أن يقدم عليه فأذن له، واستخلف المغيرة بن شعبة وخرج حتى أتى عمر فشكا إليه تسليط سعد بن أبي وقّاص عليه فسكت عمر عنه، فأعاد ذلك مرارا حتى إذا أكثر عليه فقال: وما عليك يا عتبة أن تقرّ بالإمارة لرجل من قريش له صحبة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشرف! فلمّا قضى حاجته أمره عمر أن يرجع إلى عمله فأبى أن يفعل وحلف أن لا يرجع إليه أبدا ولا يلي عملا(2) .

____________________

(1) الاستيعاب، ج 3 ص 1026.

(2) تاريخ دمشق، ابن عساكر، ج 60 - ص 34.


أقول:

هذا حرص من عمر على إذلال النّاس لكبراء قريش، ولو كان عتبة بن غزوان عاملا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستعفاه لأعفاه، لأنه لا إكراه في الدين. ومع ذلك فإنّ في ما استدل به حجة على عمر نفسه، فإن كل ما أثبته عمر لسعد بن أبي وقاص ثابت لعتبة بن غزوان، وقد مرّ بك قولهم هاجر عتبة بن غزوان إلى أرض الحبشة وهو ابن أربعين سنة، ثم عاد إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو بمكة فأقام معه حتى هاجر إلى المدينة مع المقداد، وكان من السابقين. وهذا يعني أنّ له هجرتين، هجرة إلى الحبشة وهجرة إلى المدينة، وليس سعد بن أبي وقاص من المهاجرين إلى الحبشة. وقد ذكر عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص عيوبا حين رشحه ضمن من رشّح لخلافة فقال له: إنما أنت صاحب مقنب من هذه المقانب، تقاتل به، وصاحب قنص وقوس وأسهم، وما زهرة، والخلافة وأمور الناس! ونقل ابن أبي الحديد عن الجوهري أن عثمان أقبل على الناس [في المسجد]، وقال: إن هاتين [يعني عائشة وحفصة] لفتّانتان، يحلّ لي سبّهما، وأنا بأصلهما عالم. فقال له سعد بن أبي وقاص: أتقول هذا لحبائب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! فقال: وفيم أنت! وما هاهنا! ثم أقبل نحو سعد عامدا ليضربه، فانسل سعد. فخرج من المسجد، فاتبعه عثمان، فلقي عليا عليه السلام بباب المسجد، فقال له عليه السلام: أين تريد؟ قال: أريد هذا الذي كذا وكذا - يعني سعدا يشتمه - فقال له علي عليه السلام: أيها الرجل، دع عنك هذا. قال فلم يزل بينهما كلام، حتى غضبا..(1) . فإذا كان سعد بن أبي وقاص شريفا بالقدر الذي يصوّره عمر فلم يعامله عثمان بهذه الطريقة المهينة، ويهمّ بضربه لو لا أنّه انسل؟ وهل يضرب الأشراف؟

وقد مات عتبة بن غزوان بعد ذلك بمدة قصيرة، ويبقى موته بهذه الطريقة لغزا للباحثين يشبه إلى حدّ بعيد موت سعد بن عبادة الذي ادّعوا أن الجنّ قتلته، وهذا معناه أن الجنّ صارت جهاز مخابرات في دولة السّقيفة.

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد، ج 9 ص 5.


وعن الشّعبي عن قرظة قال بعثنا عمر إلى الكوفة فشيعنا على ميلين فقال أتدرون لم شيّعتكم قالوا: (نحن أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ). قال: (إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدوي النّحل فلا تحدّثوهم فتشغلوهم! جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ). قال قرظة فأتوني بعد فقلت: (إنّ عمر قد نهانا أن نحدّث)(1) . رواه بن ماجة عن أحمد بن عبدة عن حماد بن زيد عن مجالد.

أقول:

هذا موقف عمر من رواية الحديث الشريف! والواقع يكذّب ذلك، فإنّ علماء الحديث هم من حفظة القرآن الكريم، ومنهم من تضلّع في التّفسير والأصول أيضا، ولم كن رواية الحديث شاغلة عن القرآن الكريم إلاّ في ذهن عمر بن الخطاب.

قالوا: وكان له من العمال وقت ما توفى على الكوفة المغيرة بن شعبة وعلى البصرة أبو موسى وعلى حمص أعمالها عمير بن سعد الضميري وعلى دمشق معاوية بن أبي سفيان وعلى صنعاء يعلى بن منية وعلى الجند عبد الله بن أبي ربيعة وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثقفي وعلى مكة نافع بن عبد الحارث وعلى مصر عمرو بن العاص..(2) .

أقول: وأنت ترى أسماء أعداء علي بن أبي طالب عليه السلام بارزة على القائمة، هل كان ذلك بمحض الصدفة؟!

عن ابن شهاب عن سليمان بن أبي حثمة عن جدّته الشفّاء وكانت من المهاجرات الأول وكان عمر بن الخطّاب إذا دخل السوق أتاها قال: سألتها من أول من كتب عمر أميرالمؤمنين فقالت: كتب عمر أمير المؤمنين إلى عامله على العراقين أن ابعث إليّ برجلين جلدين نبيلين أسألهما عن أمر الناس قال فبعث إليه بعديّ بن حاتم طيء ولبيد بن ربيعة فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد فاستقبلا عمرو بن العاص

____________________

(1) تهذيب الكمال، المزي، ج 23 ص 565.

(2) التقات، ابن حبان، ج 2 ص 241.


فقالا: استأذن لنا على أميرالمؤمنين. فقلت أنتما والله أصبتما اسمه هو الأمير ونحن المؤمنون.. وكان قبل ذلك يكتب من عمر خليفة خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجرى الكتاب من عمر أميرالمؤمنين من ذلك(1) .

أقول:

هذه القصة تبطل قصة المغيرة بن شعبة - وقد زعموا أنه خليفة رسول الله، وقالوا في نفس الوقت إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات ولم يستخلف أحدا، فكيف صار خليفته إذا؟.

عن حبيب بن أبي ثابت أن عمر بن الخطّاب قال ما تقولون في تولية ضعيف مسلم أو قويّ فاجر؟ فقال له المغيرة: المسلم الضّعيف إسلامه له وضعفه عليك وعلى رعيتك، وأما القوي الفاجر ففجوره عليه وقوّته لك ولرعيتك! فقال له عمر: فأنت وأنا باعثك يا مغيرة.. الفاجر القوي أحب إلى عمر من المسلم الضعيف، ونسي عمر الطرف الثالث الذي أشار إليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو المؤمن القويّ، فهل نفد المؤمنون الأقوياء في عهد عمر في زمن كل أهله عدول؟!.

وأنت ترى أنه شهد على المغيرة بالفجور، وقد مرّ بك قول عمر من استعمل فاجرا وهو يعلم أنّه فاجر فهو مثله)(2) . وقوله أيضاً: (لا يستعمل الفاجر إلاّ الفاجر)(3) . وعن ابن عمر: (لا يولّي الخائن إلا الخائن)(4) . وللمغيرة بن شعبة قصة معروفة في كتب التاريخ والفقه. وهي قصّة تناولها المؤرّخون والرّجاليّون والفقهاء والأصوليّون؛ وفيها شهد ثلاثة من المسلمين على المغيرة بن شعبة أنّه زنى، وتخلّف الشّاهد الرابع وتراجع عن شهادته، وهو الذي شهد فيما بعد على أمّه بالزّنا وعلى أبيه بالدّياثة. وسبب تراجعه عن الشّهادة هو تلقين الخليفة عمر بن الخطّاب إيّاه من طرف خفيّ، فكان نتيجة ذلك أن جلد الشّهود ونجا المغيرة، وقد بقي أبو بكرة(5) مصرّا على موقفه من عمر والمغيرة،

____________________

(1) تاريخ دمشق، ج 44 ص 260.

(2) كنز العمال ج 5 ص 303 وأخبار القضاة ج 3 ص 209.

(3) أخبار القضاة، ج 1 ص 69.

(4) أخبار القضاة، ج 1 ص 69.

(5) أحد الشهود.


وأصرّ على شهادته حتى جعلها في وصيته عند الوفاة. وبقي المغيرة بعد فعلته يتقلّب في مناصب الدولة إلى أن توفي في سنة 50 في حكم معاوية.

عن هشام عن محمد قال كان الرجل يقول للرجل غضب الله عليك كما غضب أمير المؤمنين على المغيرة عزله عن البصرة واستعمله على الكوفة(1) .

عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبي موسى أن عمر بن الخطّاب بعث على البصرة المغيرة بن شعبة ثم عزله عنها حينكان من أمر أبي بكرة ما كان وبعث عليها أبا موسى ثم بعث المغيرة على اليمن ثم عزله عنها وبعثه إلى الكوفة فقتل عمر وهو على الكوفة(2) .

أقول:

طالما تقلّب المغيرة في المناصب على عهد عمر، وكان يعزله ويوليه؛ إن كان أهلا للولاية فلماذا يعزله؟! وإن كان عزله بحقّ فلماذا يوليه بعد ذلك؟!

ويقال إن أول من ارتشى في الإسلام يرفأ غلام عمر بن الخطّاب رشاه المغيرة ابن شعبة ليقدّمه في الإذن بالدّخول إلى عمر؛ لأنّ يرفأ لماكان هو الواسطة في الإذن للنّاس وكان الحقّ في التّقديم في الإذن للأسبق إذ لم يكن مضطرّا غيره إلى التّقديم كان تقديم غير الأسبق اعتداء على حق الأسبق فكان جورا وكان بذل المال لأجل تحصيله إرشاء ولا أحسب هذا إلا من أكاذيب أصحاب الأهواء للغض من عدالة بعض الصّحابة فإن صحّ ولا إخاله: فالمغيرة لم ير في ذلك بأسا؛ لأن الضرّ اللاحق بالغير غير معتدّ به أو لعلّه رآه إحسانا ولم يقصد التّقديم ففعله يرفأ إكراما له لأجل نواله أما يرفأ فلعلّه لم يهتد إلى دقيق هذا الحكم(3) .

أقول: هكذا يدافع المفسرون عن الباطل حينما يتعلّق الأمر بالصحابة، ومن حقّ كل

____________________

(1) تاريخ دمشق، ابن عساكر ج 60 ص 41.

(2) تاريخ دمشق ج 60 ص 42.

(3) التحرير والتنوير، ج 1 ص 533.


موحّد أن يتساءل: إن كان ربّ الصحابة هو ربّ بقيّة العالمين، فإنّه يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر، والرّشوة من المنكر، فلا يعقل أن يقبلها حين تأتي من صحابي، بل على عكس ذلك تماما يكون الأمر المنكر أشدّ قبحا حين يأتي من صحابي؛ وإن كان رب الصحابة غير رب بقية العالمين فالقضيّة لا تعنينا.

قال أبو الحسن المدايني: كانت الطواعين المشهورة العظام في الإسلام خمسة طاعون شيرويه بالمدائن على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سنة ست من الهجرة، ثم طاعون عمواس في زمن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه وكان بالشام مات فيه خمسة وعشرون ألفا ()..

أقول:

الطاعون على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات فيه الكفار، وأمّا على عهد عمر فكان على المسلمين! ومات فيه كثير من المسلمين.

وعن أبي حصين يرفعه إلى عمر أنه حين وجه الناس إلى العراق قال جردوا القرآن وأقلوا الراوية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا شريككم(2) .

أقول:

ينهى عمر المسلمين عن رواية حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويعدّ ذلك من خدمة الإسلام، ويتوقع عليه الأجر!

قال ابن حزم: وروي عنه أيضارضي‌الله‌عنه أنّه حبس ابن مسعود من أجل الحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما روينا بالسند المذكور إلى بندار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: قال عمر لابن مسعود ولأبي الدرداء وأبي ذرّ ما هذا الحديث على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال وأحسبه أنه لم يدعهم أن يخرجوا

____________________

(1) شرح النووي على مسلم، ج 1 ص 106 دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الثانية، 1392.

(2) الإحكام لابن حزم ج 2 ص 256.


من المدينة حتى مات. قال عليّ(1) : هذا مرسل ومشكوك فيه من شعبة فلا يصح ولا يجوز الاحتجاج به. ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة وفي هذا ما فيه أو يكون نهى عن نفس الحديث وعن تبليغ سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين وألزمهم كتمانها وجحدها وأن لا يذكروها لأحد فهذا خروج عن الإسلاموقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك ولئن كان سائر الصحابة متهمين في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم فما عمر إلا واحد منهم وهذا قول لا يقوله مسلم أصلا(2) .

أقول:

لا يقوله من هو على دين السقيفة، أمّا من كان على بينة من ربّه فإنّه يسمّي الأمور بأسمائها، ولا يرى حرجا في أن يثبت لعمر ما أثبته عمر لنفسه. وخير دليل على صحّة نهي عمر عن رواية حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ أوّل كتاب في الحديث النّبويّ الشّريف هو كتاب موطإ مالك في بداية الدولة العبّاسيّة بعد مرور أكثر من 120 سنة من وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قالوا: وفعل ذلك عمرفي الاستئذان ثلاثا حتى قال له أبيّ بن كعب يا عمر لا تكن عذابا على أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .. فقال عمر: سبحان الله إنّما سمعت شيئا فأردت أن أتثّبت(3) .

أقول:

لا يلزم من إرادة التثبت إلحاق الضرر المعنوي بالصحابة والتابعين، ولشدة الضرر سمّاه أبي بن كعب عذابا.

وقال الذّهبيّ: توفّي يزيد في الطّاعون سنة ثماني عشرة، ولمّا احتضر استعمل أخاه

____________________

(1) ابن حزم.

(2) الاحكام ابن حزم ج 2 ص 256.

(3) الاحكام لابن حزم ج 6 ص 249.


معاوية على عمله، فأقرّه عمر على ذلك احتراما ليزيد، وتنفيذا لتوليته(1) !

أقول:

وهذا معناه أن يزيد بن أبي سفيان أعظم حرمة عند عمر من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنه احترم وصية يزيد الطليق ولم يحترم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أراد أن يكتب الكتاب.

أورد الذّهبيّ عن ابن علية عن رجاء بن أبي سلمة قال: بلغني أنّ معاوية كان يقول عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر فإنّه كان قد أخاف النّاس في الحديث عن النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (2) .

أقول:

عليكم من الحديث بما كان على عهد عمر! وأين عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

قال الزيعلي (توفي سة 762)

الحديث الثاني قال عليه السلام من قلّد إنسانا عملا وفي رعيّته منهوأولى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين. قلت روى من حديث ابن عباس ومن حديث حذيفة فحديث ابن عباس أخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب الأحكام عن حسين بن قيس الحربيّ عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من استعمل رجلا على عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه خان الله ورسوله وجماعة المسلمين (انتهى). وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقّبه شيخنا شمس الدّين الذهبيّ في مختصره وقال حسين بن قيس ضعيف (انتهى). قلت رواه بن عدي في الكامل وضعف حسين بنقيس عن النّسائيّ وأحمد بن حنبل ورواه العقيلي أيضا في كتابه وأعلّه بحسين بن قيس وقال إنّما يعرف هذا من كلام عمر بن الخطّاب (انتهى). وأخرجه الطبراني في معجمه عن حمزة النصيبيني عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: قال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تولّى من أمر المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا وهو

____________________

(1) سير أعلام النبلاء، ج 1 ص 330.

(2) تذكرة الحفاظ، الذهبي، ج 1 ص 7.


يعلم أنّ فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنّة رسوله فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين، مختصرا. وأخرجه الخطيب البغداديّ في تاريخ بغداد عن إبراهيم بنزياد القرشي عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا بلفظ الطبراني قال الخطيب وإبراهيم بن زياد في حديثه نكرة وقال ابن معين لا أعرفه (اهـ). وأما حديث حذيفة فرواه أبو يعلى الموصلي في مسنده حديثنا أبو وائل خالد بن محمد البصري حدثنا عبد الله بن بكر السهمي حدّثنا خلف بن خلف عن إبراهيم بن سالم عن عمرو بن ضرار عن حذيفة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال أيّما رجل استعمل رجلا على عشرة أنفس وعلم أنّ في العشرة من هو أفضل منه فقد غشّ الله ورسوله وجماعة المسلمين(1) .

أقول:

وقد اعترف عمر بالمحاباة في قضية قدامة بن مظعون.

وروى ابن عساكر عن عثمان بن مقسم قال: قال المغيرة بن شعبة لعمر أدلّك على القويّ الأمين؟ قال: بلى! قال: عبد الله بن عمر! قال: ما أردت بقولك هذ؟ والله لأن يموت فأكفنه بيديّ أحبّ إليّ من أن أوليّه وأنا أعلم أنّ في النّاس من هو خير منه(2) .

أقول: فلماذا استعمل قدامة بن مظعون إذاً؟ولماذا استعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط.

تاريخ الطبري، ج 2 ص 590:

وأما الواقدي فإنه ذكر أن أسامة بن زيد بن أسلم حدثه عن أبيه أن عمر أوصى أن يقرّ عمّاله سنة، فلما ولي عثمان أقرّ المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة ثمّ عزله، واستعمل سعد بن أبي وقّاص، ثمّ عزله واستعمل الوليد بن عقبة فإن كان صحيحا ما رواه الواقدي من ذلك فولاية سعد الكوفة من قبل عثمان كانت سنة خمس وعشرين.

____________________

(1) نصب الراية، الزيعلي، ج 5 ص 37.

(2) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 31 ص 178.


أقول:

وصايا عمر - نافذة حتى بعد موته، وأما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا حاجة إلى وصيته وحسبنا كتاب الله.

قال له أبو عبيدة بن الجراح: يا أمير المؤمنين! أفرارا من قدر الله؟ قال: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! أرأيت لوأن رجلا هبط واديا له عدوتان: إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس يرعى من يرعى الجدبة بقدر الله ويرعى من يرعى الخصبة بقدر الله؟ ثم خلا به بناحية دون الناس(1) !

أقول: خلوات عمر بأبي عبيدة كثيرة، ولم يرشح منها إلى المسلمين شيء، ذهب عمر بأسراره إلى قبره، وذهب أبو عبيدة بأسراره إلى قبره، وبقي تاريخ المسلمين مليئا بالثغرات.

وكان له من العمال وقت ما توفي: على الكوفة المغيرة بن شعبة وعلى البصرة أبو موسى وعلى حمص وأعمالها عمير بن سعد الضمري وعلى دمشق معاوية بن أبي سفيان وعلى صنعاء يعلى بن منية وعلى الجند عبد الله بن أبي ربيعة وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثقفي وعلى مكة نافع بن عبد الحارث وعلى مصر عمرو بن العاص..(2) !

أقول:

ما أقل البدريين فيهم، وهومع ذلك يفضل في العطاء حسب السبق إلى الإسلام كما يدّعي، والمناصب أهم من العطاء!

قال [أبو بكر]: من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات وقال: إنك ميت وإنهم ميتون فقال عمر: أفي كتاب الله هذا يا أبا بكر قال: نعم قال عمر: هذا أبو بكر صاحب رسول الله في الغار وثاني اثنين فبايعوه فحينئذ

____________________

(1) السيرة لابن حبان، ج 1 ص 452.

(2) السيرة لابن حبان، ج 1 - ص 476.


بايعوه(1) !

وقيل:

إنّ عمر كتب إلى عمرو بن العاص أن قرّب دار عبد الرحمن بن ملجم من المسجد ليعلّم الناس القرآن والفقه فوسع له مكان داره وكانت إلى جانب دار عبد المسجد ليعلّم الناس القرآن والفقه فوسع له مكان داره وكانت إلى جانب دار عبد الرحمن بن عديس البلوي يعني أحد من أعان على قتل عثمان(2) .

أقول:

هذا رأي عمر بن الخطاب في عبد الرحمن بن ملجم؛ يراه أهلا لأن يعلّم النّاس القرآن والفقه! وهذا يستلزم معرفة الناسخ من المنسوخ، فكم آية حضر نزولها ابن ملجم؟!

قال الصفدي: سكن أبو بكرة البصرة وبها مات سنة إحدى وخمسين للهجرة وكان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم يقاتل مع أحدٍ من الفريقين، وكان أحد فضلاء الصحابة. قال الحسن: لم يسكن البصرة أحد من الصّحابة أفضل من عمران بن حصين وأبي بكرة وله عقب كثير كان لهموجاهة وسؤدد بالبصرة، وكان ممّن شهد على المغيرة بن شعبة بالزناء فبتّ الشهادة وجلده عمر حدّ القذف إذ لم تتمّ الشّهادة ثمّ قال له: تب لتقل شهادتك فقال: لا جرم لا أشهد بين اثنين أبدا ما بقيت في الدنيا! وكان أبو بكرة يقول: أنا مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويأبى أن ينتسب، وكان مثل النّصل من العبادة حتى مات، وأوصى أن يصلّي عليه أبو برزة الأسلمي. فصلّى عليه وقد روى له الجماعة كلّهم(3) .

وكان معاوية يقول: عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر فإنّه كان قد أخاف النّاس في الحديث عن النّبيّ(4) .

____________________

(1) تاريخ الإسلام، الذهبي، ج 1 - ص 155.

(2) تاريخ الإسلام، ج 1 ص 490.

(3) الوافي في الوفيات، ج 1 ص 3359.

(4) تذكرة الحفاظ، الذهبي، ج 1 ص 7.


قال الزيعلي: الحديث الثاني: قال عليه السلام من قلّد إنسانا عملا وفي رعيّته من هو أولى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين قلت روى من حديث ابن عباس ومن حديث حذيفة فحديث ابن عباس أخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب الأحكام عن حسين بن قيس الحربيّ عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم من استعمل رجلا على عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين (انتهى). وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقبه شيخنا شمس الدّين الذهبيّ في مختصره وقال حسين بن قيس ضعيف (انتهى). قلت(1) : رواه بن عدي في الكامل وضعف حسين بن قيس عن النّسائيّ وأحمد بن حنبل ورواه العقيلي أيضا في كتابه وأعلّه بحسين بن قيس وقال إنّما يعرف هذا من كلام عمر بن الخطّاب (انتهى). وأخرجه الطبراني في معجمه عن حمزة النصيبيني عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: قال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تولّى من أمر المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا وهو يعلم أنّ فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنّة رسوله فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين، مختصرا. وأخرجه الخطيب البغداديّ في تاريخ بغداد عن إبراهيم بن زياد القرشي عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا بلفظ الطبراني قال الخطيب وإبراهيم بن زياد في حديثه نكرة وقال ابن معين لا أعرفه (انتهى). وأما حديث حذيفة فرواه أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا أبو وائل خالد بن محمد البصري حدثنا عبد الله بن بكر السهمي حدّثنا خلف بن خلف عن إبراهيم بن سالم عن عمرو بن ضرار عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيّما رجل استعمل رجلا على عشرة أنفس وعلم أنّ في العشرة من هو أفضل منه فقد غشّ الله ورسوله وجماعة المسلمين(2) .

____________________

(1) القائل هو الزيعلي.

(2) نصب الراية، ج 5 ص 37.


أقول:

وقد اعترف عمر بالمحاباة في قضية قدامة بن مطعون، ورشح عثمان بن عفان للخلافة وهو يعرف كل نقائصه ويعلم أنّ في الأمّة من هو خير منه، وأن في توليه الخلافة خطرا كبيرا على الأمة الإسلامية، فقد روى ابن عساكر عن عثمان بن مقسم قال: قال المغيرة بن شعبة لعمر أدلّك على القويّ الأمين؟ قال: بلى قال: عبد الله بن عمر! قال: ما أردت بقولك هذا؟ والله لأن يموت فأكفنه بيديّ أحبّ إليّ من أن أوليّه وأنا أعلم أنّ في النّاس من هو خير منه(1) .

وقال أبو سليمان في حديث عمر أن المغيرة بن شعبة ذكر له عثمان للخلافة فقال أخشى حفده وأثرته(2) .

أقول:

هذا رأي عمر في عثمان، يخشى حفده وأثرته.

وقال النووي في تهذيبه [بخصوص تسمية عمر أمير المؤمنين]: سماه بهذا الاسم عدي بن حاتم و لبيد بن ربيعة حين وفدا عليه من العراق وقيل: سماه به المغيرة بن شعبة وقيل: إنّ عمر قال للناس: أنتم المؤمنين وأنا أميركم فسمّي أمير المؤمنين وكان قبل ذلك يقال له: خليفة خليفة رسول الله، فعدلوا عن تلك العبارة لطولها(3) .

وكان عامل عمر بن الخطّاب في السنة التي قتل فيها وهي سنة ثلاث وعشرين على مكة نافع بن عبد الحارث الخزاعي وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثقفي وعلى صنعاء يعلى بن منية حليف بني نوفل بن عبد مناف وعلى الجند عبد الله بن أبي ربيعة وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة وعلى البصرة أبو موسى الأشعري وعلى مصر عمرو بن العاص وعلى حمص عمير بن سعد وعلى دمشق معاوية بن أبي سفيان وعلى البحرين

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 31 ص 178.

(2) غريب الحديث، الخطابي، ج 2 ص 111.

(3) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 124.


وما والاهما عثمان بن أبي العاص الثقفي(1) .

أقول:

هؤلاء هم الذين اختارهم عمر لقيادة الأمة.

قال أبو نعيم: أبو موسى الأشعري ومنهم العامل المعلم صاحب القراءة والمزمار الرابض نفسه بالسياحة في المضمار الأشعري أبو موسى عبد الله بن قيس بن حضار كان بالأحكام والأقضية عالما وفي أودية المحبة والمشاهدة هائما وبقراءة القرآن في الحنادس مترنما وقائما وفي طول الأيام والحرور طاويا وصائما وقد قيل إن التصوف رتوع القلب الهائم في مرتع العز الدائم حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا ابن نمير عن طلحة بن يحيى أخبرني أبو بردة عن أبي موسىرضي‌الله‌عنه أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث معاذا وأبا موسىرضي‌الله‌عنه إلى اليمن وأمرهما أن يعلما الناس القرآن. حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب ثنا إبراهيم بن سعدان ثنا بكر بن بكار ثنا قرة بن خالد ثنا أبو رجاء العطاردي قال كان أبو موسى الأشعري يطوف علينا في هذا المسجد مسجد البصرة يقعد حلقا فكأني أنظر إليه بين بردين أبيضين يقرئني القرآن ومنه أخذت هذه السورة اقرأ باسم ربك الذي خلق قال أبو رجاء فكانت أول سورة أنزلت على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (2) . وقال الذهبي: وقال ابن سعد حدثنا الهيثم بن عدي قال أسلم أبو موسى بمكة وهاجر إلى الحبشة وأوّل مشاهده خيبر، ومات سنة اثنتين وأربعين. قال أبو أحمد الحاكم أسلم بمكة ثم قدم مع أهل السفينتين بعد فتح خيبر بثلاث فقسم لهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولي البصرة لعمر وعثمان وولي الكوفة وبها مات(3) .

قالوا: في ذي الحجة من سنة 44 توفي أبو موسى الأشعري اليمني الأمير نسب إلى الأشعر أخي حمير بن سبأ، وكان من أهل السابقة والسبق في الإسلام، هاجر من بلده

____________________

(1) تاريخ الطبري، ج 2 ص 587.

(2) حلية الأولياء، أبو نعيم، ج 1 ص 256.

(3) سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج 2 ص 383.


زبيد في نحو اثنين وخمسين رجلا ورجع فركب البحر ألقتهم الريح إلى النجاشي بالحبشة فوقف مع جعفر وأصحاب حتى قدم معهم في سفينته وجعفر وأصحابه في سفينة أخرى وأسهم رسول الله جاء معهم ولم يسهم لمن غاب غيرهم، واستعمله النبي على عدم واستعمله عمر على الكوفة والبصرة وفتحت علي يده عدة أمصار وقال عليّ فيه صبغ بالعلم صبغة(1) .

أقول:

في العبارة الأخيرة تحريف وتزوير، فقد قال ابن أبي الحديد: روى عنه عليه السلام انه كان يقول في أبى موسى صبغ بالعلم صبغا وسلخ منه سلخا(2) . وهذا يعني أنهم حذفوا المقطع الثاني من كلام أمير المؤمنين عليه السلام لأن بقاءه يعني كون أبي موسى مصداقا لقوله تعالى( فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ) (3) .

وقال ابن أبي الحديد بعد أن أورد كلاما لابن متويه: انتهى كلام ابن متويه وذكرته لك لتعلم انه عند المعتزلة من أرباب الكبائر، وحكمه حكم أمثاله ممن واقع كبيرة ومات عليها(4) .

أقول:

صادف أن كان يوم مجيئهم إلى المدينة هو نفس يوم مجيء جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فظن كثير من الناس أنهم ممن هاجر إلى الحبشة، وأبو موسى هذا لحذيفة بن اليمان فيه كلام كره ذكره ابن عبد البرّ وغيره، فحرموا من معرفة الحقائق حفاظا منهم على مكانة الشيوخ في قلوب العامة. قال ابن أبي الحديد: وروى أن عمارا سئل عن أبي موسى، فقال لقد سمعت فيه من حذيفة قولا عظيما، سمعته يقول صاحب البرنس الأسود، ثم كلح كلوحا علمت منه أنه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط(5) .

____________________

(1) شذرات الذهب، ج 1 ص 53.

(2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، ج 13 ص 315.

(3) الأعراف: 175.

(4) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 13 ص 316.

(5) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، ج 13 ص 351.


أقول:

يقصد الرهط الذين حاولوا اغتيال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة العقبة، ولماذا لم تصلنا قائمة الباقي من الرهط؟ هذا سؤال لا يحبّ المحدّثون والمؤرّخون إثارته، لكنه بدأ يثار وسوف يثار أكثر وبإلحاح في المستقبل. وهذا الرجل الذي يعدّه حذيفة بن اليمان ممنّ حاولوا اغتيال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة العقبة يقول عنه الذّهبيّ: أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب الإمام الكبير التميمي الفقيه المقري ويزعم أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في حقّه: اللّهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما(1) ، ومن حقّ كل مسلم أن يسائل الذّهبيّ فيقول له: إذا كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد دعا لأبي موسى الأشعري فلماذا كان علي بن أبي طالب عليه السلام يقنت بلعنه؟! هل يجوزلعلي بن أبي طالب عليه السلام أن يقنت بلعن رجل دعا له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يدخله الله يوم القيامة مدخلا كريما؟! وعلى كل حال، فقد دخل أبو موسى الأشعري يوم دومة الجندل مدخل غير كريم!

عن سليمان [..] عن الحسن عن أبي موسى قال: (إن أمير المؤمنين عمر بعثني إليكم أعلمكم كتاب ربكم عزوجل وسنة نبيكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنظف لكم طرقكم). وعن محمد بن جعفر [..] عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي عن أبيه قال: جمع أبو موسى القراء فقال: لا تدخلوا عليّ إلا من جمع القرآن! قال: فدخلنا عليه زهاء ثلاثمائة فوعظنا وقال: أنتم قرّاء أهل البلد فلا يطولنّ عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب أهل الكتاب، ثم قال: لقد أنزلت سورة كنّا نشبّهها ببراءة طولا وتشديدا حفظت منها آية لو كان لابن آدم واديان من ذهب لالتمس إليهما واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب! وأنزلت سورة كنا نشبّهها بالمسبّحات أوّلها سبح الله حفظت آية كانت فيها يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم ثم تسألون عنها يوم القيامة! حدثنا أبو أحمد [..] عن أبي كنانة عن أبي موسى الأشعريرضي‌الله‌عنه أنه جمع

____________________

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج 2 ص 380.


الذين قرؤوا القرآن فاذا هم قريب من ثلاثمائة فعظم القرآن وقال: إن هذا القرآن كائن لكم أجرا وكائن عليكم وزرا فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن فانه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة ومن تبعه القرآن زخّ في قفاه فقذفه في النار. رواه شعبة وعن زياد مثله(1) . وعن ابن عون عن ابن سيرين قال: كتب أبو موسى الأشعري إلى عامر بن عبد الله بن عبد قيس الذي كان يدعى عامر بن عبد قيس: أما بعد فإني عهدتك على أمر وبلغني أنك تغيرت فاتق الله وعد(2) .

عن مسلم بن صبيح عن مسروق قال كنا مع أبي موسى الأشعريرضي‌الله‌عنه في سفر فآوانا الليل إلى بستان حرث فنزلنا فيه فقام أبو موسى من الليل يصلّي فذكر من حسن صوته ومن حسن قراءته قال وجعل لا يمرّ بشيء إلاّ قاله ثمّ قال: اللّهمّ أنت السّلام ومنك السّلام وأنت المؤمن تحبّ المؤمن، وأنت المهيمن تحبّ المهيمن، وأنت الصّادق تحبّ الصّادق.(3)

أقول:

هذا حسن الصّوت، فأين حسن التّدبّر؟ وأين كان من قوله تعالى ( يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ للّهِ‏ِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى‏ أَلّا تَعْدِلُوا إِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَى‏ وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )(4) . عن قسامة بن زهير قال خطبنا أبو موسىرضي‌الله‌عنه بالبصرة فقال يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت(5) .

قالوا: صلى أبو موسى الأشعريرضي‌الله‌عنه في كنيسة يوحنا بحمص ثم خرج فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: يا أيّها النّاس إنّكم اليوم في زمان للعامل فيه لله تعالى أجر،

____________________

(1) حلية الأولياء، ج 1 ص 257.

(2) حلية الأولياء ج 2 ص 94.

(3) وفي حلية الأولياء، ج 2 ص 258.

(4) المائدة: 8.

(5) حلية الأولياء، أبو نعيم، ج 1 ص 261.


وسيكون بعدكم زمان يكون للعامل لله تعالى فيه أجران(1) .

أقول:

فأين حديث خير القرون إذاً؟

وعن أبي عمران الجوني قال: أهدى أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه هدية فيها سلال فاستفتح عمر سلّة منها فذاقها وقال: ردّوه ردوه لا تراه أو لا تذوقه قريش فتذابح عليه(2) .

أقول:

هذا مبلغ قريش من التديّن في نظر عمر، تذابح على الحلاوة.

عن خارجة بن زيد؛ قال: كان عمر بن الخطّاب كثيرا ما يستخلف زيد بن ثابت إذا خرج إلى شيء من الأسفار، وقلما رجع من سفر إلا أقطع زيد بن ثابت حديقة من نخل(3) .

أقول:

كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كثيرا ما يستخلف إذا خرج لغزو أو غيره، فإذا رجع عادت الأجواء إلى ما كانت عليه قبل سفره، ولا حدائق نغل ولا هم يحزنون.

وعن الشعبي: أنّ عمر بن الخطّاب أخذ من رجل فرسا على سوم يحمل عليه رجلا فعطب الفرس فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلا فقال الرّجل: صاحب بيني وبينك شريحا العراقيّ، فأتيا شريحا فقال: يا أمير المؤمنين أخذته صحيحا سليما على سوم فعليك أن تردّه سليما كما أخذته قال: فأعجبه ما قال، ثمّ بعثه قاضيا، ثم قال: ما وجدت في كتاب الله فالزم السّنّة، فإن لم يك في السّنّة فاجتهد رأي(4) .

____________________

(1) حلية الأولياء، ج 1 ص 264.

(2) في حلية الأولياء، ج 2 ص 314.

(3) أخبار القضاة، محمد بن خلف بن حيان، ج 1 ص 108.

(4) أخبار القضاة، محمد بن خلف بن حيان، ج 2 ص 189.


أقول:

وهذا يعني أنّ عمر بن الخطّاب كان يرى أنّه ليس على القاضي أن يرجع إلى من هو أعلم منه فيما أشكل عليه، وهذا مخالف لكتاب الله تعالى( فَسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ ) .

وعن عبد الملك بن عمير عمّن سمع ابن عباس أنّ عمر بن الخطّاب قال: عويمل لنا بالعراق خلط في فيء المسلمين أثمان الخمر وأثمان الخنازير! ألم يعلم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم أن يأكلوها فجملوها فباعوها وأكلوها أثمانها(1) .

هذه شهادة من عمر ابن الخطاب أن في عماله من لا يبالي ما الحلال وما الحرام.

قالوا: ولما نقب بيت مال المسلمين قال عمر بن الخطاب لعامله هناك: انقله إلى المسجد فلا يزال المسجد فيه مصلّى(2) أي ليتولى حراسته ومقيلا للعزّاب ومبيتا للغرباء..

أقول:

قولهم (نقب بيت مال المسلمين) يعني أنّ السطو على البنوك كان موجودا على عهد عمر. وعهد عمر هو عهد الصحابة والتابعين، أو عهد خير القرون! على أن في قوله ومبيتا للغرباء لا يمنع أن يكون الغرباء أيضا من المنقبين.

وعن أبي وائل عن يسار بن نمير قال: قال عمر بن الخطّاب: إنّ الرّجل لياتيني فيسألني فأحلف أن لا أعطيه [!] ثمّ يبدو لي فأعطيه، فاذا أمرتك أن تكفّر عنّي فأطعم عشرة مساكين، لكلّ مسكين نصف صاع من القمح أو صاع من شعير أو تمر. سنده صحيح(3) .

ويسار بن نمير هذا مولى عمر بن الخطّاب القرشي، وهو خازن عمر. روى عنه أبو

____________________

(1) السنن الصغرى للبيهقي (نسخة الأعظمي) ج 5 ص 382 رقم 2114.

(2) أضواء البيان، ج 8 ص 327.

(3) سنن سعيد بن منصور، ج 4 ص 1535 رقم 785.


وائل شقيق بن سلمة وأبو عاصم الغطفاني.

قالوا في ترجمة هنيّ: هنيّ مولى عمر بن الخطاب، وكان عامل عمر على الحمى. روى عنمولاه عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وشهد معه صفين [!] وعن أبي بكر الصديق. روى عنه ابنه عمير بن هنيّ وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين وقيل إن الذي يروي عن عمرو بن العاص ويروي عنه أبو جعفر رجل آخر مولى لعمرو بن العاص فالله أعلم له ذكر في صحيح البخاري في حديث زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى.. الحديث(1) .

أقول:

نعم، هذا عامل عمر على الحمى يشهد صفين مع الفئة الباغية! وانظر إلى قوله: (روى عنه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين)، يقصدون الإمام الباقر عليه السلام، وكأنّ الإمام عليه السلام بحاجة إلى أن يروي عن الأجانب! وكيف يستسيغ الإمام المطهّر الرّواية عمّن حضر صفّين مع أعداء عليّ عليه السلام؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! وإنّما جاء في طبقات ابن سعد ما يلي: أخبرنا خالد بن مخلد قال حدثني سليمان بن بلال قال حدثني جعفر بن محمد قال: سمعت رجلا من الأنصار يحدّث أبي عن هنيّ مولى عمر بن الخطاب قال: كنت أوّل شيء مع معاوية على عليّ، فكان أصحاب معاوية يقولون: لا والله لا نقتل عمّارا أبدا، إن قتلناه فنحن كما يقولون؛ فلمّا كان يوم صفّين ذهبت أنظر في القتلى فإذا عمّار بن ياسر مقتول، قال هني: فجئت إلى عمرو بن العاص وهو على سريره فقلت: أبا عبد الله، قال: ما تشاء؟ قلت: انظر أكلّمك. فقام إليّ فقلت: عمار بن ياسر ما سمعت فيه؟ فقال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تقتله الفئة الباغية. فقلت: هو ذا والله مقتول. فقال: هذا باطل! فقلت: بصر به عيني مقتول. قال: فانطلق فأرنيه؛ فذهبت به فأوقفته عليه فساعة رآه انتقع لونه ثمّ أعرض في شقّ وقال: إنّما قتله الذي خرج به(2) .

____________________

(1) تهذيب الكمال، ج 30 ص 319 رقم 6608.

(2) الطبقات الكبرى ج 3 ص 253.


وأنت تراه يقول: (سمعت رجلا من الأنصار يحدّث أبي عن عني)، فالمحدّث رجل من الأنصار، والمحدّث هو الإمام الباقر عليه السلام، وموضوع الحديث قتل عمار بن ياسررضي‌الله‌عنه . وليس هذا ممّا يقال فيه (روى عنه) لأنّهم إنّما يقولون ذلك فيما يخصّ حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وعن ابن سيرين قال: كان عمر إذا استعمل رجلا كتب في عهده: اسمعوا له وأطيعوا ما عدل فيكم قال: فلما استعمل حذيفة كتب في عهده أن اسمعوا له وأطيعوا وأعطوه ما سألكم(1) .

أقول:

لماذا هذا التخصيص؟ وكلّهم عدول، وكلّهم كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم.

قال ابن تيمية: وأما سائر المساجد فبين العلماء نزاع في جواز تغييرها للمصلحة وجعلها غير مسجد، كما فعل عمر بن الخطّاب بمسجد الكوفة لما بدّله وجعل المسجد مكانا آخر وصار الأوّل حوانيت التّمارين وهذا مذهب الإمام أحمد وغيره(2) .

وقد مثّل ابن تيمية لتولية الفاجر بفعل عمر بن الخطّاب فقال: إلاّ أن يمكن الجمع بين الأمرين فيفعل حينئذ تمام الواجب كما كان عمر بن الخطّاب يستعمل من فيه فجور لرجحان المصحلة في عمله، ثمّ يزيل فجوره بقوّته وعدله(3) .

ومع أن الله تعالى يقول: ( أَمْ نَجْعَلُ الْمُتّقِينَ كَالْفُجّارِ) ، ويقول: ( إِنّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) ويقول ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ) إلا أنّ عمر بن الخطّاب لا يتردّد في تولية من يعجبه! واعجب لابن تيمية يقول عن عمر: يزيل الفجور!

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 544 رقم 33716، وتاريخ مدينة دمشق ج 12 ص 286.

(2) مجموع الفتاوى، ابن تيمية ج 27 ص 54.

(3) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 35 ص 31.


قالوا: كان عمر بن الخطّاب يأمر الناس عقب الحجّ أن يذهبوا إلى بلادهم لئلاّ يضيقوا على أهل مكة(1) .

أقول:

ولكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن يأمر بذلك، فإن يكن هذا اجتهادا من عمر فإنّ الله تعالى لن يحاسب الناس وفق اجتهادات عمر، لأنه سبحانه وتعالى يقول:( وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) . وأما الاستشهاد بقوله تعالى( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (2) . فيحتاج إلى إثبات أنّ الحاكم هو وليّ الأمر سواء جاءت به السّقيفة أو الدّبّابة أو الانقلاب العسكري، وساعتها يغدو واجبا على المسلمين طاعة (أبو رقيبة) و (السّادات) و (جعفر النّميري) و (معاوية ولد الطايع) وآخرين.

وقال السيوطي (تاريخ الخلفاء، ج 1 ص 116): وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال عمر: هان شيء أصلح به قوما أن أبدلهم أميرا مكان أمير.

قال ابن أبي الحديد: ومحمد بن مسلمة بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حادثة ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي المتوفى 43 بالمدينة، من أنصار عمر بن الخطّاب ومن ملازميه واعتزل الخروج مع الإمام علي عليه السلام فلم يشهد الجمل ولا صفّين، ولاّه عمر على صدقات جهينة، وكان عند عمر معدّاً لكشف الأمور المعضلة في البلاد، وهو كان رسوله في الكشف عن سعد بن أبي وقّاص حين بنا القصر بالكوفة(3) .

____________________

(1) دقائق التفسير، ابن تيمية، ج 2 ص 48.

(2) النساء: 59.

(3) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 6 ص 48.


أقول:

وذكر ابن أبي الحديد أيضا أن سعد بن إبراهيم روى أنّ عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر ذلك اليوم، وأن محمد بن مسلمة كان معهم، وأنّه هو الذي كسر سيف الزبير(1) . ويفهم من ذلك أنّ محمّد بن مسلمة كان المدير العامّ لجهاز المخابرات في عهد عمر بن الخطاب.

وعن تميم بن سلمة قال: قدم عمر بن الخطّاب من سفر فقبّل يده أبو عبيدة بن الجرّاح ثمّ خلوا يتناجيان حتى بكيا جميعا(2) .

أقول:

ما هو الحديث الذي أبكى الرجلين، ولماذا يبكيهما دون غيرهما؟!.

عن أبي بكرة بن أبي موسى ان أبا موسى أتى عمر بن الخطّاب بعد العشاء قال فقال له عمر بن الخطّاب ما جاء بك؟ قال: جئت أتحدّث إليك. قال: هذه الساعة؟ قال: إنّه فقه! فجلس عمر فتحدّثا ليلا طويلا حسبته قال ثمّ إنّ أبا موسى قال الصلاة يا أمير المؤمنين قال إنّا في صلاة(3) .

مع بيت المال

وعن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كان عمر يحلف على أيمان ثلاث يقول: والله ما أحد أحقّ بهذا المال من أحد، وما أنا بأحقّ به من أحد، والله ما من المسلمين أحد إلاّ وله في هذا المال نصيب إلا عبدا مملوكا ولكنّا على منازلنا من كتاب الله تعالى وقسمنا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فالرّجل وبلاؤه في الإسلام والرّجل وقدمه في الإسلام والرّجل وغناؤه في الإسلام والرّجل وحاجته، ووالله لئن بقيت لهم ليأتينّ الرّاعي بجبل صنعاء حظّه من هذا المال وهو يرعى مكانه(4) .

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 6 ص 48.

(2) الجامع في الحديث، ج 1 ص 259 رقم 173.

(3) مصنف ابن أبي شيبة ج 2 ص 79 رقم 6693.

(4) مسند أحمد بن حنبل جص 42 رقم 292.


أقول:

هذا التقسيم مخالف لما كانت عليه سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكأنّ عمر لا يدري ما يقول حين يصرّح أنه والله ما أحد أحقّ بهذا المال من أحد ثم يقول بعد ذلك ولكنّا على منازلنا من كتاب الله تعالى وقسمنا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فالرّجل وبلاؤه في الإسلام..؛ وهذه المنازل التي يتحدث عنها تتعلق بالآخرة لا بالدنيا. ولو كانت تتعلق بالدنيا لكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أول من يعمل بذلك، ولم يفعل، بل عامل الناس على أساس العدل، وأما الأجر والثواب فمسألة أخرى. ومن جهة ثانية فإن ذيل كلام عمر هذا يفيد أنّ عمر كان ينوي تغيير سياسته المالية إن بقي، لكنّه لم يبق، فلم يغيّر، ولعلّ هذا الكلام هو الذي عجّل بقتله بغضّ النظر عمّا نسبوه إلى أبي لؤلؤة.

وعن الزّهريّ عن يزيد بن هرمز أن نجدة الحروري حين خرج من فتنة بن الزّبير أرسل إلى ابن عبّاس يسأله عن سهم ذي القربى لمن تراه؟ قال: هو لنا لقربى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قسمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم وقد كان عمر عرض علينا منه شيئا رأيناه دون حقّنا فرددناه عليه وأبينا أن نقبله وكان الذي عرض عليهم أن يعين ناكحهم وأن يقضي عن غارمهم وأن يعطي فقيرهم وأبى أن يزيدهم على ذلك(1) .

عن زيد بن ثابت قال: كان عمر يستخلفني على المدينة فو الله ما رجع من مغيب قطّ إلاّ قطع لي حديقة من نخل(2) .

و كان من آثار سيرة عمر مع بيت المال أن تخبّط أقوام في الفقر إلى درجة خطيرة، وتقلب أقوام في الثراء حتى بطروا. فقد ذكروا أنّ الحطيئة هجا الزّبرقان بن بدر فشكاه إلى عمر بن الخطاب، فدعاه عمر ثم أمر بسجنه، فكتب إليه الحطيئة من السّجن أبياتا من الشعر يستعطفه فيها، وأخبر عمر برقّة حاله وقلّة نصرة قومه له فدعاه وجرى بينهما حوار؛ قال عرم للحطيئة: ويحك يا جرول لم تهجو المسلمين؟ قال: لخصال احتوتني،

____________________

(1) مسند أحمد بن حنبل، جص 320.

(2) كنز العمال ج 4 ص 243 تحت رقم 11677.


إحداهنّ إنّما هي نملة تدب على لساني، وأخرى إنما هي كسب عيالي بعد، وثالثة أنّ الزبرقان ذو يسار في قومي وقد عرف رقة حالي وكثرة عيالي فلم يعطف عليّ وأحوجني إلى المسألة، فلمّا سألته حرمني يا أمير المؤمنين، والسّؤال ثمن لكلّ نوال، وكنت أراه يتمرّغ في مال الله ورسوله وأنا أتشحّط في الفقر والعيلة، وكنت أراه يتجشأ جشاء البعير وأنا أتقفّر فتات خبز الشّعير في رحلي مع عيالي، ويا أمير المؤمنين، من عجز عن القوت كان أعجز منه عن السكوت. فدمعت عينا عمر وقال: كم رأس مالك من العيال؟ فعدّهم عليه، فأمر لهم بطعام وكسوة ونفقة ما يكفيه سنة وقال له إذا احتجت فعد إلينا فلك عندنا مثلها فقال جرول: جزاك الله(1) .

وفي مصنّف ابن أبي شيبة: قال (عمر): يا عتبة، إنّا ننحر كلّ يوم جزورا، فأمّا ودكها وأطايبها فلمن حضر من آفاق المسلمين، وأمّا عنقها فلآل عمر(2) .

أقول:

كلّ يوم عنق جزور لآل عمر من بيت المال!

____________________

(1) كنز العمال ج 3 ص 339.

(2) مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 460.


الفصل السابع

أحوال عمر مع معاصريه



كيف تعامل عمر مع الصحابة والتابعين؟

هذا سؤال يجيب عنه الخليفة بعده عثمان بن عفان الأموي، فقد قال عثمان يوما: لقد وطئكم ابن الخطاب برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم(1) .. وعليه، فإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) فإن عمر بن الخطّاب شديد عليهم عنيف إلى درجة أن عثمان يشهد أنه وطئهم برجله، وهذه كلمة عظيمة، لأنّه لا يحلّ لأحد أن يطأ برجله أقواما انطوت صدورهم على كلمة لا إله إلا الله، ولم يذكر التاريخ أنّ عمر بن الخطّاب وطئ الكفار في ساحات الحرب، ولا بد من مناقشة هذا وإن رغمت أنوف. فالإسلام لم يكن يوما من الأيام دين قريش، وإنما هو دين الله تعالى يريد به إنقاذ البشرية من الضلال والهلاك، والناس فيه على قدر إيمانهم وأعمالهم. والإيمان كلّ الإيمان في طاعة النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من غير قيد أو شرط، والعمل الصالح طرقه وشعبه كثيرة، ومن أعلاها وأعظمها عند الله تعالى الجهاد في سبيل الله. وحتى لا يشكّ أحد في ذلك أخبر الله تعالى عباده أنّه يحبّ الذين يقاتلون في سبيله ويفضّلهم على غيرهم. فمن ذاك قوله تعالى( إِنّ اللّهَ يُحِبّ الّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) (2) ، وقوله تعالى( لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى‏ وَفَضّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى‏ الْقَاعِدِينَ أَجْرَاً عَظِيماً ) (3) . ومن صفات المؤمنين الذين يحبهم الله تعالى ويحبونه أنهم أذلة على المؤمنين:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ

____________________

(1) تاريخ الطبري، ج 3 ص 377 والكامل في التاريخ، ج 2 ص 8 والمنتظم، ج 2 ص 80 وتاريخ الرسل والملوك، ج 2 ص 469 والبداية والنهاية، ج 7 ص 189 ونهاية الأرب في فنون الأدب، ج 5 ص 311.

(2) الصف: 4.

(3) النساء: 95.


عَلِيمٌ ) (1) . فأين عمر من هذا إذا كان يطأ المؤمنين برجله لأنه حاكمن بينما كان يفرّ من المشركين في الحرب بسرعة الأروى كما يشهد به هو نفسه. إن الذي يطأ المؤمنين برجله ويفرّ من المشركين بكلتا رجليه هو على العكس تماما من قوله تعالى( أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ ) .

عن حمزة بن صهيب عن أبيه عن عمر بن الخطّاب أنه قال لصهيب: إنّك لرجل لو لا خصال ثلاثة قال: وما هنّ؟ قال: اكتنيت وليس لك ولد، وانتميت إلى العرب وأنت رجل من الروم، وفيك سرف في الطّعام. قال: يا أمير المؤمنين، أمّا قولك اكتنيت وليس لك ولد فان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كنّاني أبا يحيى. وأمّا قولك أنتميت إلى العرب وأنت رجل من الروم فإنّي رجل من النّمر بن قاسط استبيت من الموصل بعد أن كنت غلاما قد عرفت أهلي ونسبي، وأما قولك فيك سرف في الطعام فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول إنّ خيركم من أطعم الطّعام. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(2) .

أقول:

لا يقصد عمر أنّ صهيبا كثير الأكل، وإنّما يقصد أنّه كثير الإطعام، ولهذا ردّ عليه بالحديث الذي سمعه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وليست هذه أوّل مرة فإنّ له مثلها مع سعد بن قيس بن عبادة.

وعن الأوزاعيّ أنه بلغه أنّ عمر بن الخطّاب كان له يلقى عكرمة بن أبي جهل إلا شتم أبا جهل، فأتى عكرمة رسول الله عليه السلام فذكر ذلك له فقال رسول الله عليه السلام لا يسبّنّ الهالك يؤذى به الحيّ(3) .

أقول:

كان في وسع عكرمة أن يسبّ الخطّاب، فإن الخطّاب أيضا مات على الشّرك،

____________________

(1) المائدة: 54.

(2) المستدرك، الحاكم النيسابوري، ج 4 ص 278.

(3) الجامع في الحديث ج 2 ص 481 تحت رقم 365.


و ( مَنِ اعْتَدَى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى‏ عَلَيْكُمْ) ، ولكن كل إناء بالذي فيه ينضح.

وعن أسامة بن زيد قال: سمعت مكحول الدمشقي يقول: دخل عوف بن مالك الأشجعي على عمر بن الخطّاب وعليه خاتم من ذهب فضرب عمر يده وقال: ارم بهذا! فرمى به. فقال عمر: ما أرانا إلا قد أوجعناك وأهلكنا خاتمك. ثمّ جاء الغد وعليه خاتم من حديد فقال استبدلت حلية أهل النّار، قال فرمى به. ثم جاء الغد وعليه خاتم من ورق فسكت عنه(1) .

أقول: عوف بن مالك فيه كلام.

وعن نافع قال: بلغ عمر بن الخطّاب أن أناسا يأتون الشّجرة التي بويع تحتها قال فأمر بها فقطعت(2) .

أقول:

هذا يعني أنّه كان هناك خلاف بين عمر وبين كثير من الصّحابة في مسائل ترتبط بالعقيدة.

عن إياس بن دغفل قال: سئل الحسن عن امرأة جعلت عليها أن أخرج زوجها من السجن أن تصلي في كل مسجد تجمع فيه الصلاة بالبصرة ركعتين، فقال الحسن تصلي في مسجد قومها فإنها لا تطيق ذلك، لو أدركها عمر بن الخطّاب لأوجع رأسها(3) .

أقول:

ما أقواه وأقدره على ضرب النساء، وما أسهل ضرب النساء.

وعن محمّد بن السائب عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطّاب رأى رجلا يقود بامرأته على بعير ترمي الجمرة قال فعلاها بالدرة إنكارا لركوبها(4) .

____________________

(1) الجامع في الحديث ج 2 ص 690 تحت رقم 594.

(2) مصنف ابن أبي شيبة: ج 2 ص 150 تحت رقم 7545.

(3) مصنف ابن أبي شيبة، ج 2 ص 157 تحت رقم 7618.

(4) مصنف ابن أبي شيبة، ج 3 ص 232 تحت رقم 13744..


أقول:

حتى المحرم في الشهر الحرام في البلد الحرام لا يسلم من درّة عمر.

انظر إلى ذلك الأدب، فهو يضرب المرأة أمام زوجها ويضرب الرجل أمام زوجته فيهتك حرمتهما جميعا وهما في حال أداء شعيرة من شعائر الحجّ!

وعن هلال بن أمية أن عمررضي‌الله‌عنه استعمل عياض بن غنم على الشّام فبلغه أنه اتخذ حماما واتخذ نوابا، فكتب إليه أن يقدم عليه فقدم، فحجبه ثلاثا ثم أذن له ودعا بجبة صوف فقال: البس هذه، وأعطاه كنف الراعي وثلاثمائة شاة وقال: انعق بها! فنعق بها، فلما جاوز هنيهة قال: أقبل. فأقبل يعسى حتى أتاه فقال: اصنع بها كذا وكذا، اذهب. فذهب حتى إذا تباعد ناداه يا عياض أقبل. فلم يزل يردّده حتى عرقه في جبته قال: أوردها علي يوم كذا وكذا؛ فأوردها لذلك اليوم، فخرج عمررضي‌الله‌عنه إليه فقال: انزع عليها؛ فاستقى حتى ملأ الحوض فسقاها، ثم قال: انعق بها، فإذا كان يوم كذا فأوردها فلم يزل يعمل به حت مضى شهران؛ قال: فاندسّ إلى امرأة عمررضي‌الله‌عنه وكان بينه وبينها قرابة فقال: سلي أمير المؤمنين فيم وجد علي فلما دخل عليها قالت: يا أميرالمؤمنين فيم وجدت على عياض؟ قال: يا عدوّة الله وفيم أنت وهذا ومى كنت تدخلين بيني وبين المسلمين؟ إنما أنت لعبة يلعب بك ثم تتركين. قال: فأرسل إليها عياض ما صنعت؟ فقالت: وددت إني لم أعرفك ما زل يوبّخني حتّى تمنيت أنّ الأرض انشقّت فدخلت فيها. قال: فمكث ما شاء الله ثم اندسّ إلى عثمانرضي‌الله‌عنه فقال: سله فيم وجد عليّ، فقال: يا أمير المؤمنين فيم وجدت على عياض؟ فقال: إنّه مرّ إليك عياض. فقال: شيخ من شيوخ قريش. قال: فتركه بعد ذلك شهرين أو ثلاثة ثمّ دعاه فقال: هيه اتّخذت نوّابا واتّخذت حمّاما، أتعود؟ قال: لا. قال: ارجع إلى عملك.

عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر قال لما قدم جعفر من أرض الحبشة لقي عمر بن الخطّاب أسماء بنت عميس فقال لها: سبقناكم بالهجرة ونحن أفضل منكم! فقالت: لا أرجع حتى آتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله لقيت عمر فزعم


أنّه أفضل منّا، وأنّهم سبقونا بالهجرة؛ فقال نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بل أنت، هاجرتم مرتين. قال إسماعيل فحدثني سعيد بن أبي بردة قال قالت يومئذ لعمر: ما هو كذلك، كنا مطرودين بأرض البغضاء والبعداء وأنتم عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعظ جاهلكم ويطعم جائعكم(1) .

أقول: يقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأسماء بنت عميس: (بل أنت..) جوابا عن سؤالها الذي تضمن قولها عن عمر (زعم أنه أفضل منا)، فيكون معنى الكلام: (أنت ومن معك من مهاجري الحبشة أفضل من عمر..)، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا ينطق عن الهوى، لكنّ ثقافة الكرسي تردّ كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتجعل عمر الذي تعددت فراراته من المعارك أفضل ممن يصلي عليهم عمر في صلاته حين يقول: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)! فأين يكون محل ثقافة الكرسي من الإعراب في الإسلام؟!

وعن سلمة بن كهيل عن حبّة العرني أن عمر بن الخطّاب قال: يا أهل الكوفة، أنتم رأس العرب وجمجمتها، وسهمي الذي أرمي به إن أتاني شيء من ها هنا و ها هنا، وإنّي بعثت إليكم بعبد الله بن مسعود واخترته لكم وآثرتكم به على نفسي إثرة(2) .

أقول:

ومع ذلك يقول عنه كنيف ملئ علما، و الكنيف في لغة العرب معلوم.

وفي مصنف ابن أبي شيبة: عمل عمر بن الخطّاب ففتح الفتوح وجاءته الأموال فقال إن: أبا بكر رأى في هذا الأمر رأيا ولي فيه رأي آخر، لا أجعل من قاتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كمن قاتل معه، ففرض للمهاجرين والأنصار ممّن شهد بدرا خمسة آلاف خمسة آلاف وفرض لمن كان له الإسلام كإسلام أهل بدر ولم يشهد بدرا أربعة آلاف أربعة آلاف وفرض لأزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اثني عشر ألفا اثني عشرة ألفا إلا صفية وجويرية فرض لهما ستة آلاف ستة آلاف فأبتا أن تقبلا فقال لهما إنما فرضت لهنّ للهجرة فقالتا: إنما فرضت لهنّ لمكانهنّ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولنا مثله؛ فعرف ذلك عمر

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 380 تحت رقم 32198.

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 408 تحت رقم 32445.


ففرض لهما اثني عشرة ألفا اثني عشرة ألفا، وفرض للعباس اثني عشر ألفا، وفرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف، وفرض لعبد الله بن عمر ثلاثة آلاف فقال: يا أبت لم زدته علي ألفا؟ ما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لأبي، وما كان له ما لم يكن لي؟ فقال ك إنّ أبا أسامة كان أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أبيك وكان أسامة أحبّ إلي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منك! وفرض لحسن وحسين خمسة آلاف خمسة آلاف وألحقهما بأبيهما لمكانهما من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار ألفين ألفين، فمر به عمر بن أبي سلمة فقال: زيدوه ألفا فقال له محمد بن عبد الله بن جحش: ما كان لأبيه ما لم يكن لآبائنا وما كان له ما لم يكن لنا! فقال: إني فرضت له بأبيه أبي سلمة ألفين وزدته بأمه أم سلمة ألفا فإن كانت لك أم مثل أمه زدتك ألفا. وفرض لأهل مكة وللناس ثمانمائة، ثمانمائة، فجاءه طلحة بن عبيد الله بأخيه عثمان ففرض له ثمانمائة فمر به النضر بن أنس فقال عمر: افرضوا له ألفين. فقال طلحة: جئتك بمثله ففرضت له ثمانمائة درهم وفرضت لهذا ألفين، فقال: إن أبا هذا لقيني يوم أحد فقال لي ما فعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت: ما أراه إلا قد قتل! فسلّ سيفه فكسر غمده وقال إن كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قتل فإن الله حيّ لا يموت فقاتل حتى قُتل، وهذا يرعى الشّاء في مكان كذا وكذا(1) ...

أقول:

هذا كان يرعى الشاء، وماذا فعل عمر؟! ألم يفرّ ويترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين الأعداء عرضة للقتل. ولأن يرعى المرء الشاء أعذر له عند الله من أن يسلم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للأعداء ويفرّ فرار العبيد. ثمّ هو يقول: لا أجعل من قاتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كمن قاتل معه! فإن كان صادقا في ما يقول، فما باله يؤمّر من قاتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على من قاتل معه، والعطاء دون الإمرة بكثير؟!

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 453.


قال ابن تيمية: وكذلك أبو بكر الصديق قال لعمر بن الخطّاب لما قال له يا خليفة رسول الله تألّف الناس فأخذ بلحيته وقال: (يا ابن الخطّاب أجبارا في الجاهلية خوّارا في الإسلام؟ علام أتألّفهم؟ أعلى حديث مفترى أم على شعر مفتعل(1) ؟!

وأخرج ابن سعد عن الواقدي بسنده إلى ثعلبة بن أبي مالك قال: مات الحكم بن أبي العاص في خلافة عثمان فضرب على قبره فسطاط في يوم صائف فتكلم الناس في ذلك فقال عثمان: قد ضرب في عهد عمر على زينب بنت جحش فسطاط فهل رأيتم عائبا عاب ذلك(2) .

وقال ابن تيمية: وقد قالوا لعمر بن الخطّاب في أهل الشورى أمّر فلانا وفلانا فجعل يذكر في حقّ كل واحد من الستّة وهم أفضل الأمّة أمرا جعله مانعا له من تعيينه(3) .

أقول:

نعم، لأنه هو نفسه لم يكن فيه أيّ عيب يمنع من تعيينه، بل كان طاهرا مطهّرا معصوما! ثمّ ما هو الأمر المانع في علي عليه السلام؟ زعموا أنّه فيه دعابة، لأن وجهه كان طلقا وفق وصف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمؤمن بقوله (المؤمن بشره في وجهه)، ولم يكن وجهه عبوسا قمطريرا يوهم بالجدّ، حتى إذا جدّ الجدّ كان همّه الفرار!

قال ابن تيمية: وعمر بن الخطّاب أمر برجل فضّله على أبي بكر أن يجلد لذلك(4) .

أقول:

بناء عليه ينبغي جلد بعض مثقفي عصرنا الذين فضّلوا عمر على أبي بكر وصرحوا بذلك على الفضائيات.

ودخل أبو موسى الأشعري على عمر بن الخطّاب فعرض عليه حساب العراق فأعجبه ذلك قال: أدع كاتبك يقرؤه عليّ. فقال: إنّه لا يدخل المسجد! قال: ولم؟ قال:

____________________

(1) مجموع الفتاوى، ج 2 ص 42.

(2) الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر، ج 2 ص 105.

(3) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، جزء 28 ص 231.

(4) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 28 ص 474.


لأنّه نصرانيّ. فضربه عمر بالدرّة فلو أصابته لأوجعته(1) .

قال ابن تيمية: كان سعد بن أبى وقاص قد بنى له بالكوفة قصرا وقال أقطع عنى النّاس. فأرسل إليه عمر بن الخطّاب محمّد بن مسلمة وأمره أن يحرّقه، فاشترى من نبطيّ حزمة حطب وشرط عليه حملها إلى قصره فحرّقه(2) !

وبلغ عمر بن الخطّاب أنّ قوما يقصدون الصّلاة عند الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان التي بايع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحتها فأمر بتلك الشجرة فقطعت(3) .

قال ابن تيمية: وقد ضرب عمر بن الخطّاب أبي بن كعب بالدّرّة لما رأى الناس يمشون خلفه فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا ذلّة للتّابع وفتنة للمتبوع(4) .

أقول:

إذا كان الله تعالى يرفع الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات فإن عمر بن الخطّاب لا يرى حرجا في ضرب العلماء بالدرة على مرأى من الناس، وكل ذلك باسم الإسلام!

وروى أبو سعيد مولى الأنصار قال: كان عمر لا يدع سامرا بعد العشاء يقول: ارجعوا لعلّ الله يرزقكم صلاة أو تهجّدا، فانتهى إلينا وأنا قاعد مع ابن مسعود وأبيّ بن كعب وأبي ذر فقال: ما يقعدكم؟قلنا: أردنا أن نذكر الله، فقعد معهم(5) .

وعن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري أنّ جيشا من الأنصار كانوا بأرض فارس مع أميرهم، وكان عمر يعقب الجيوش في كلّ عام فشغل عنهم عمر، فلما مرّ الأجل قفل أهل ذلك الثّغر فاشتدّ عليهم وتوعّدهم وهم أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: يا عمر، إنّك غفلت عنّا وتركت فينا الذي أمر به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من إعقاب بعض الغزية

____________________

(1) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 28 ص 643.

(2) مجموع الفتاوى، ابن تيمية ج 35 ص 40.

(3) الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، ج 2 ص 440.

(4) منهاج السنة النبوية، ج 6 ص 256.

(5) الثمر المستطاب، ج 1 ص 76.


بعضا(1) .

قالوا: عزل عمر خالدا عن إمارة حمص في سنة سبع عشرة، وأقامه للناس، وعقله بعمامته، ونزع قلنسوته عن رأسه وقال: أعلمني، من أين لك هذا المال؟ وذلك أنه أجاز الأشعث ابن قيس بعشرة آلاف درهم، فقال: من الأنفال والسّهمان؟ فقال: لا والله، لا تعمل لي عملا بعد اليوم، وشاطره ماله، وكتب إلى الأمصار بعزله، وقال: إنّ النّاس فتنوا به، فخفت أن يوكلوا إليه، وأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع(2) .

أقول:

بخصوص هذه القضية اتّهم بعض أقارب خالد(3) عمر بن الخطّاب بالحسد.

قال عمر [لأصحاب الشورى]: أفلا أخبركم عن أنفسكم! قال: قل، فإنّا لو استعفيناك لم تعفنا. فقال: أما أنت يا زبير فوعق لقس، مؤمن الرضا، كافر الغضب، يوما إنسان ويوما شيطان، ولعلّها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مدّ من شعير! أفرأيت إن أفضت إليك، فليت شعري، من يكون للنّاس يوم تكون شيطانا، ومن يكون يوم تغضب! وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الأمّة، وأنت على هذه الصّفة. ثم أقبل على طلحة وكان له مبغضا منذ قال لأبي بكر يوم وفاته ما قال في عمر فقال له: أقول أم أسكت: قال: قل، فإنّك لا تقول من الخير شيئا، قال: أما إنّي أعرفك منذ أصيبت إصبعك يوم أحد وائيا بالذي حدث لك، ولقد مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ساخطا عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب. - يقول ابن أبي الحديد - قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ رحمه الله تعالى. الكلمة المذكورة أنّ طلحة لما أنزلت آية الحجاب قال بمحضر ممن نقل عنه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما الذي يعنيه حجابهنّ اليوم، وسيموت غدا فننكحهنّ! قال أبو عثمان أيضا: لو قال لعمر قائل: أنت قلت: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

(1) صحيح أبي داود ج 2 ص 571 * (صحيح الإسناد).

(2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 1 ص 180.

(3) هو أبو عمرو بن حفص بن المغيرة.


مات وهو راض عن الستة، فكيف تقول الآن لطلحة أنه مات عليه السلام ساخطا عليك للكلمة التي قلتها لكان قد رماه بمشاقصه! ولكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا، فكيف هذا! قال: ثم أقبل على سعد بن أبي وقاص فقال: إنما أنت صاحب مقنب من هذه المقانب، تقاتل به، وصاحب قنص وقوس وأسهم، وما زهرة والخلافة وأمور الناس! ثم أقبل على عبد الرّحمن بن عوف، فقال: وأما أنت يا عبد الرّحمن فلو وزن نصف إيمان المسلمين بغيمانك لرجح إيمانك به، ولكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك، وما زهرة وهذا الأمر! ثم أقبل على عليّ عليه السلام، فقال: لله أنت لو لا دعابة فيك! أما والله لئن وليتهم لتحملنّهم على الحقّ الواضح، والمحجّة البيضاء. ثم أقبل على عثمان، فقال: هيها إليك! كأنّي بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبّها إيّاك(1) ، فحملت بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفيء، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب، فذبحوك على فراشك ذبحا. والله لئن فعلوا لتفعلنّ ن ولئن فعلت ليفعلنّ، ثم أخذ بناصيته، فقال: فإذا كان ذلك فاذكر قولي، فإنه كائن. ذكر هذا الخبر كله شيخنا أبو عثمان في كتاب السفيانية وذكره جماعة غيره في باب فراسة عمر(2) .

أقول:

قول عمر فإذا كان ذلك فاذكر قولي، فإنّه كائن يدلّ على أن عمر يعلم بما تؤول إليه الأمور لو وليها عثمان، ومع ذلك رشّحه، والأمر - كما يقول - لقريش، وقريش تحبّ عثمان، فالمسألة محسومة؛ فأين النّصيحة للمسلمين وهو يفتح باب فتنة لا زال مفتوحا إلى هذه السّاعة؟!

وعن ناشرة بن سمي اليزني قال: سمعت عمر بن الخطّاب وهو يخطب الناس فقال:

____________________

(1) لحبها إياه وليس لتقوى أو جهاد أو علم أو صدق.. هذه معايير قريش. قريش التي لم تحبب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحبّت عثمان!

(2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 1 ص 185 - 186.


إني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس وذا الشّرف وذا اللّسان فنزعته وأمرت أبا عبيدة بن الجراح. فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: لقد نزعت عاملا استعمله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأغمدت سيفا سلّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووضعت لواء نصبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولقد قطعت الرّحم وحسدت ابن العمّ فقال عمر: إنك قريب القرابة حديث السنّ مغضب في ابن عمّك(1) .

وعن نصر بن عاصم أن عمر بن الخطّاب سمع نواحة بالمدينة ليلا فأتى عليها فدخل ففرّق النّساء فأدرك النّائحة فجعل يضربها بالدرّة فوقع خمارها فقالوا: شعرها يا أمير المؤمنين، فقال: أجل، فلا حرمة لها(2) .

وعن أبي عمرو الشيباني قال: كنّا عند عمر بن الخطّاب فأتي بطعام له فاعتزل رجل من القوم فقال: ما له؟ قالوا: إنّه صائم. قال: وما صومه؟ قالوا: الدهر. قال: فجعل يقرع راسه بقناة معه ويقول: كل يا دهر، كل يا دهر(3) .

أقول:

أوّلا: قد رووا أنّه قيل لعائشة: تصومين الدهر وقد نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن صيام الدهر؟ قالت: (نعم، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينهى عن صيام الدهر، ولكن من افطر يوم الفطر ويوم النحر فلم يصم الدهر)(4) . ورووا أيضا عن عامر بن جشيب أنّه سمع زرعة بن ثوب يقول: سألت عبد الله بن عمر عن صيام الدّهر فقال: كنّا نعدّ أولئك فينا من السّابقين(5) . وقال النووي في شرحه على مسلم: (واختلف العلماء فيه؛ فذهب أهل

____________________

(1) فضائل الصحابة، النسائي، ص 553.

(2) مصنف عبد الرزاق، ج 3 ص 557.

(3) مصنف عبد الرزاق، ج 4 ص 298.

(4) تهذيب الآثار للطبري، ج 1 ص 491 رقم 802، والمجموع، ج 3 ص 388.

(5) السنن الكبرى للبيهقي، ج 4 ص 301. وصحيح ابن خزيمة، ج 8 ص 49 رقم 1977. والمجموع ج 6 ص 390.


الظّاهر إلى منع صيام الدّهر نظرا لظواهر هذه الأحاديث، قال القاضي وغيره: وذهب جماهير العلماء إلى جوازه إذا لم يصم الأيّام المنهيّ عنها وهي العيدان والتّشريق، ومذهب الشّافعيّ وأصحابه: أنّ سرد الصّيام إذا أفطر العيدين والتّشريق لا كراهة فيه، بل هو مستحبّ بشرط ألاّ يلحقه به ضرر، ولا يفوّت حقّا، فإن تضرّر أو فوّت حقّا فمكروه، واستدلّوا بحديث حمزة بن عمرو، وقد رواه البخاريّ ومسلم أنّه قال: يا رسول الله: إنّي أسرد الصّوم أفأصوم في السّفر؟ فقال: إن شئت فصم. ولفظ رواية مسلم: فأقرّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على سرد الصّيام، ولو كان مكروها لم يقرّه، لا سيّما في السّفر، وقد ثبت عن ابن عمر بن الخطّاب أنّه كان يسرد الصّيام، وكذلك أبو طلحة وعائشة وخلائق من السّلف، قد ذكرت منهم جماعة في شرح المهذّب في باب صوم التّطوّع، وأجابوا عن حديث لا صام من صام الأبد بأجوبة أحدها: أنّه محمول على حقيقته بأن يصوم معه العيدين والتّشريق، وبهذا أجاب عائشةرضي‌الله‌عنه (1) . هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإنّه ليس من حق أيّ أحد أن يرغم غيره على الإفطار في الصوم المباح، عمر بن الخطّاب أو غيره. بل إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قصّة كراع الغميم عزم على الصّحابة أن يفطروا وبقي قوم على صيامهم فلم يجبرهم على الإفطار ولا عاقبهم، وإنّما اكتفى بقوله (أولئك العصاة)، هذا مع أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وليس عمر بن الخطّاب كذلك، وإنّما هو أحدهم لا أكثر؛ لكنّه كان مولعا بهتك حرمة الصّحابة إذ يضربهم أمام النّاس بدرّته أو قناة تكون معه، ومعلوم أنّ الرجل لا يتحمّل أن يضرب أمام النّاس حتى لو كان الضارب أباه. وقد كان عمر بن الخطّاب يرى أنّ ضرب الناس مقام يستوجب حمد الله تعالى. فعن عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال كنت مع عمر بن الخطّاب بضجنان فقال كنت ارعى للخطّاب بهذا المكان فكان فظا غليظا فكنت أرعى أحيانا وأحتطب أحيانا فأصبحت أضرب النّاس ليس فوقي أحد إلا

____________________

(1) شرح النووي على مسلم، ج 4 ص 168.


الله رب العالمين(1) .

وعن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطّاب خرجت امرأة على عهده متطيبة فوجد ريحها فعلاها بالدرّة ثمّ قال: تخرجن متطيّبات فيجد الرّجال ريحكنّ وإنّما قلوب الرّجال عند أنوفهم! أخرجن تفلات(2) .

وعن إبراهيم قال: طاف عمر بن الخطّاب في صفوف النساء فوجد ريحا طيّبة من رأس امرأة فقال لو أعلم أيّتكن هي لفعلت ولفعلت. لتطّيب إحداكن لزوجها، فإذا خرجت لبست أطمار وليدتها. قال: فبلغني أن المرأة التي كانت تطيبت بالت في ثيابها من الفرق(3) .

أقول:

لم يكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يطوف في صفوف النساء؛ ويا ليت عمر بن الخطّاب كان يصنع في ساحات الحرب ما صنعه هنا في صفوف النساء حتى بالت المرأة في ثيابها! يا ليته كان يبوّل الرجال في ساحات القتال بدل أن يبوّل النّساء في المسجد!

وروى عبد الرزاق عن معمر عن ليث أنّ امرأة خرجت متزيّنة أذن لها زوجها فأخبر بها عمر بن الخطّاب فطلبها فلم يقدر عليها، فقام خطيبا فقال: هذه الخارجة وهذا المرسلها لو قدرت عليهما لشترت بهما؛ ثمّ قال تخرج المرأة إلى أبيها يكيد بنفسه وغلى أخيها يكيد بنفسه فإذا خرجت فلتلبس معاوزها فإذا رجعت فلتأخذ زينتها في بيتها ولتتزيّن لزوجها. قال عبد الرزاق يعني شترت سمّعت بهما والمعاوز خلق الثياب(4) .

وعن عطاء قال بينما عمر بن الخطّاب يطوف بالكعبة إذ سمع رجلين خلفه يرطنان فالتفت إليهما فقال لهما: ابتغيا إلى العربية سبيلا(5) .

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 315.

(2) مصنف عبد الرزاق ج 4 ص 370 تحت رقم 8103.

(3) مصنف عبد الرزاق، ج 4 ص 373 تحت رقم 8117.

(4) مصنف عبد الرزاق، ج 4 ص 371 تحت رقم 8111.

(5) مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 496 رقم 9793.


ورووا أن امرأة جاءت تسأله عن أمر ن وكانت حاملاً، ولشدة خوفها منه أجهضت حملها.

وقصّته مع جبلة الغسّاني تدلّ على مدى صرامته وشدّته، فقد أسلم جبلة وأسلم من كان معه، وفرح المسلمون بذلك، وحضر جبلة الموسم، وبينما يطوف حول البيت إذ وطأ إزاره رجل من فزارة فحلّه فأنف جبلة وسارع إلى الفزاري فلطمه، فبلغ ذلك عمر فاستدعى الفزاري وأمر جبلة أن يقيده من نفسه أو يرضيه، وضيّق عليه في ذلك غاية التّضييق، فارتدّ جبلة وخرج عن الإسلام وولّى إلى هرقل فاحتفى به وأضفى عليه النعم، إلا أن جبلة كان يبكي أمر البكاء على ما فاته من شرف الإسلام وقد أعرب عن حزنه وأساه بقوله:

تنصرت الأشراف من أجل لطمة وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنّفني منها لجاج ونخوة وبعت لها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أمي لم تلدني وليتني رجعت إلى القول الذي قال لي عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة وكنت أسيراً في ربيعة أو مضر

أقول:

قد أراد عمر أن يذلّه حتى لا يكون هناك ملكان في موسم، وإلا فإنّه كان هناك حلول كثيرة للقضيّة، لكن عمر لجأ إلى الحل الصعب من البداية! ولا يستبعد أن يكون الرّجل المضروب أراد أن يسقط الثّوب نهائيّا فيبقى جبلة عاريا عند الكعبة وتحدّث العرب بذلك، وهو أمر عظيم في حقّ ملك توارث آباؤه الملك أيّام كان الخطّاب يحمل الحطب على عاتقه في جبّة لا تتجاوز مأبض ركبتيه!

عن إبراهيم النخعي قال: كان يقول بالكوفة رجل يطلب كتب دانيال وذاك الضرب فجاء فيه كتاب من عمر بن الخطّاب أن يرفع إليه فقال الرّجل ما أدري فيما رفعت؟ فلما قدم على عمر علاه بالدّرة ثم جعل يقرأ عليه( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ. . )


حتى بلغ الغافلين. قال: فعرفت ما يريد فقلت: يا أمير المؤمنين دعني، فو الله ما أدع عندي شيئا من تلك الكتب إلا حرّقته. قال: ثم تركه(1) .

أقول:

لكن عمر حين جاء بشيء من التّوراة لم يضربه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يقرأ عليه( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ) مع أنّها عليه أنزلت.

وعن أبي موسى قال: دخلت أسماء بنت عميس على حفصة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه البحرية؟ فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منكم! فغضبت وقالت كلا والله، كنتم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنّا في دار أو في أرض العدى البغضاء في الحبشة، وذلك في كتاب الله وفي رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتّى أذكر ما قلت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونحن كنا نؤذى ونخاف فسأذكر ذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والله لا أكذب ولا أزيد على ذلك فلما جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت: يا نبي الله إنّ عمر قال كذا وكذا، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما قلت؟ قالت: قلت كذا وكذا. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليس بأحقّ بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أهل السفينة هجرتان. قالت: فلقد رأيت أبا موسىرضي‌الله‌عنه وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا يسألون عن هذا الحديث ما من الدنيا شيء أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال أبو بردة: قالت أسماء فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد مني هذا الحديث(2) .

أقول:

ومع أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالها فإنّ أبا موسى لن يجرؤ أن يقولها لعمر، وإنّما يستطيع أن

____________________

(1) مصنف عبد الرزاق ج 6 ص 114، تحت رقم 10166.

(2) سنن النسائي الكبرى ج 5 ص 103 تحت رقم 8389.


يستعيد الحديث من أسماء بنت عميس. ثم إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لأسماء: ليس عمر بأحقّ بي منكم، وهذا كلام جدير بالتّدبّر، فإنّه صادر ممن لا ينطق عن الهوى.

وروى أبو حفص العكبري عن جعدة بن هبيرة قال: رأى عمر بن الخطّاب رجلا يصلي وقد أقتعط بعمامته فقال: ما هذه العمامة الفاسقية؟ ثمّ دنا منه فحلّ لوثا من عمامته فحنكة بها ومضى(1) .

قال ابن كثير: كان عمر بن الخطّاب لا يلقى أسامة إلا قال له (السّلام عليك أيها الأمير)(2) .

أقول:

وتوفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأسامة أمير على عمر، لم يغيّر رسول الله من ذلك شيئا؛ فكيف أصبح عمر أميرا على أسامة؟

قالوا: كان عثمان قد سمح لكثير من كبار الصّحابة في المسير حيث شاءوا من البلاد، وكان عمر يحجر عليهم في ذلك حتى ولا في الغزو، ويقول: إني أخاف أن تروا الدنيا وأن يراكم أبناؤها(3) .

قال عمر [فيما ذكر ابن أبي الحديد] لأصحاب الشّورى بعد أن شهد لهم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات وهو راض عنهم: (أفلا أخبركم عن أنفسكم! قال: قل، فإنّا لو استعفيناك لم تعفنا. فقال: أمّا أنت يا زبير [وشرع يعدد أخطاءهم ونقائصهم على حد زعمه]. قال ابن أبي الحديد: ذكر هذا الخبر كله شيخنا أبو عثمان في كتاب السفيانية وذكره جماعة غيره في باب فراسة عمر، وذكر أبو عثمان في هذا الكتاب عقيب رواية هذا الخبر قال: وروى معمر بن سليمان التيمي عن أبيه عن سعيد بن المسيّب عن ابن عباس، قال: سمعت عمر ابن الخطاب يقول لأهل الشورى: إنّكم إن تعاونتم وتوازرتم

____________________

(1) شرح العمدة، ج 1 ص 268. واقتعط العمامة إذا لم يجعلها تحت حنكه (أساس البلاغة، ج 1 ص 386).

(2) البداية والنهاية، ج 5 ص 312.

(3) البداية والنهاية، ابن كثير، ج 7 ص 219.


وتناصحتم أكلتموها وأولادكم، وإن تحاسدتم وتقاعدتم وتدابرتم وتباغضتم، غلبكم على هذا الأمر معاوية بن أبي سفيان، وكان معاوية حينئذ أمير الشام(1) .

أقول:

هذا رأي عمر في المبشّرين بالجنّة، وما يحيّر اللبيب هو قوله لعثمان فإذا كان ذلك فاذكر قولي، فإنّه كائن، وهذا يعني أنّه كان يعلم ما تؤول إليه الأمور إذا وليها عثمان، ومع ذلك رشّحه، وترشيحه يضمن وصوله للخلافة، لأنّ عبد الرحمن بن عوف تزوّج أربع أمويّات، إحداهنّ أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أخت الوليد بن عقبة، وأمّ سعد بن أبي وقّاص أخت أبي سفيان صخر بن حرب، وطلحة يريد الخلافة لنفسه...

قال الشعبي: كان جرير هو وجماعة مع عمر في بيت فاشتمّ عمر من بعضهم ريحا فقال: عزمت على صاحب هذه الرّيح لما قام فتوضأ. فقال جرير: أو نقوم كلنا فنتوضّأ يا أمير المؤمنين. فقال عمر: نعم السيّد كنت في الجاهليّة، ونعم السيّد أنت في الإسلام(2) .

عن هشام بن محمد عن أبى عبد الرحمن المدني قال: كان عمر بن الخطّاب إذا رأى معاوية قال: هذا كسرى العرب. وهكذا حكى المدائني عن عمر أنّه قال ذلك. وقال عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جدّه قال: دخل معاوية على عمر وعليه حلّة خضراء فنظر إليها الصّحابة، فلمّا رأى ذلك عمر وثب إليه بالدرّة فجعل يضربه بها وجعل معاوية يقول: يا أمير المؤمنين الله الله فيّ! فرجع عمر إلى مجلسه فقال له القوم: لم ضربته يا أمير المؤمنين وما في قومك مثله؟ فقال: والله ما رأيت إلاّ خيرا وما بلغني إلاّ خير، ولو بلغني غير ذلك لكان منى إليه غير ما رأيتم ولكن رأيته وأشار بيده فأحببت أن أضع منه ما شمخ(3) .

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 1 ص 185 - 187.

(2) البداية والنهاية ج 8 ص 56.

(3) البداية والنهاية ج 8 ص 125.


مع أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

رووا أنّ عمر بن الخطّاب (بعث إلى أزواج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمال فقالت عائشةرضي‌الله‌عنه : أإلى كلّ أزواج رسول الله بعث عمر مثل هذا؟ قالوا: لا، بعث إلى القرشيّات بمثل هذا، وإلى غيرهنّ بغيره. فقالت: ارفع رأسك فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه. فرجع الرّسول فأخبره فأتمّ لهنّ جميعا(1) .

واستعمل عمر على الحج بالنّاس أوّل سنة استخلف وهي سنة ثلاث عشرة عبد الرحمن بن عوف فحجّ بالنّاس تلك السنة ثم لم يزل عمر بن الخطّاب يحج بالناس في كل سنة خلافته كلها، فحجّ بهم عشر سنين ولاء، وحجّ بأزواج النبي عليه السلام في آخر حجّة حجّها بالنّاس سنة ثلاث وعشرين واعتمر عمر في خلافته ثلاث مرات عمرة في رجب سنة سبع عشرة وعمرة في رجب سنة إحدى وعشرين(2) .

وعن محمد بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: كان بين عثمان وطلحة تلاح في مسجد رسول الله فبلغ عمررضي‌الله‌عنه فأتاهم وقد ذهب عثمان وبقي طلحة فقال: أفي مسجد رسول الله تقولان الهجر وما لا يصلح من القول؟ ما أنت مني بناج فقال: الله الله يا أمير المؤمنين! فو الله إني لأنا المظلوم المشتوم. فقالت أم سلمة من حجرتها: والله إن طلحة لهو المظلوم المشتوم. قال فكفّ عمررضي‌الله‌عنه ثمّ أقبل إلى أمّ سلمةرضي‌الله‌عنه فقال: ما تقولين يا هنتاه! إن ابن الخطّاب لحديث العهد ولو سبّ طلحة لسبّه طلحة، ولو ضرب طلحة لضربه طلحة، ولكن الله جعل لعمر درّة يضرب بها الناس عن عرض(3) .

أقول:

هذا هو الأدب مع أمّهات المؤمنين؛ يكلّم إحدى أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي هي بمنزلة أمه بمقتضى قوله تعالى( النّبِيّ أَوْلَى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمّهَاتُهُمْ .. )

____________________

(1) الكشاف، الزمخشري، ج 1 ص 287.

(2) الطبقات الكبرى، تبن سعد، ج 3 ص 283.

(3) أخبار المدينة، ابن شبة النميري، ج 1 ص 26.


فيقول لها: (يا هنتاه..) وهي عبارة قبيحة جدّا في لغة العرب. قال النووي: (الهن والهنة بتخفيف نونهما هو كناية عن كل شيء وأكثر ما يستعمل كناية عن الفرج والذكر)(1) . ففي سلوكه هذا إهانة لإحدى أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ثم هو يقول: (ولكن الله جعل لعمر درّة يضرب بها الناس عن عرض)، وهذا غير صحيح، لأنّه لو كان الله تعالى هو الذي شرع الدرّة لكان شرعها للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يحدث شيء من ذاك، فهذه الدرّة درّة السّقيفة ولا علاقة لها بالإسلام، وفي نسبتها إلى الله تعالى ما لا يخفى على أولي الألباب.

قال [عمر]: يا عبد الله، اذهب إلى عائشة أم المؤمنين فقل لها يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل اميرالمؤمنين، فإني لست لهم اليوم بأمير، يقول تأذنين له أن يدفن مع صاحبيه، فأتاها بن عمر فوجدها قاعدة تبكي فسلم عليها ثم قال: يستأذن عمر بن الخطّاب أن يدفن مع صاحبيه(2) ..

أقول:

إذا كان الأمر كما يقول عمر، وأنه لم يعد أمير المؤمنين، فبأيّ حقّ تصرّف في الخلافة بتلك الطريقة وحدّد العدد، وحدّد مكان الاجتماع، وحدّد صاحب القول الفصل إذا اختلفوا، وحدّد مدة التّشاور ثلاثة أيّام؟! فبأي عنوان تصرّف وهو لم يعد اميرالمؤمنين؟! ثمّ هو يستأذن من عائشة وليس بيت النبي ملكا لها، وقد زعموا أنّ النبي لا يورث!

عن نافع أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعطى أزواجه من خيبر كل امرأة منهن ثمانين وسقا من

____________________

(1) شرح النووي على صحيح مسلم، ج 16 ص 29. وقال الأصبهاني في (دلائل النبوة ج 1 ص 149) الهن: كناية عن الفرج. وفي خزانة الأدب ج 4 ص 443 والهن كناية عن كلّ ما يقبح ذكره وأراد به هنا الفرج. وأيضا في خزانة الأدب ج 7 ص 246) وقال الشنواتي في حاشية الأوضح: الهن يطلق ويراد به الحقير. وفي (المعجم الوسيط ج 2 ص 998) الهن: الشيء وكناية عن الشيء يستقبح ذكره وكناية عن الرجل يقال يا هن أقبل لا يستعمل إلا في النداء. وفي (تاج العروس ج 40 ص 316) وظاهر المصنّف أنّ الهن إنّما يطلق على فرج المرأة فقط والصّحيح الإطلاق ومنه الحديث أعوذ بك من شرّ هني يعني الفرج.

(2) الطبقات الكبرى ج 3 ص 338.


تمر وعشرين وسقا من شعير، فلمّا كان عمر بن الخطّاب خيرهن أن يضمن لهنّ ما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعطاهنّ فاختارت عائشة وحفصة أن يقطع لهما من الأرض والماء فصار ميراثا لمن ورثهن(1) .

قالوا: ولم يعلم عمر بأن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قضى في دية الجنين بغرّة عبد أو وليدة حتى أخبره المذكوران قبل، ولم يعلم عمر بأنّ المرأة ترث من دية زوجها حتّى أخبره الضّحّاك بن سفيان أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضّبابيّ من دية زوجها، ولم يعلم عثمان بوجوب السكنى للمتوفّى عنها حتّى أخبرته قريعة بنت مالك أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألزمها بالسّكنى في المحلّ الذي مات عنها زوجها فيه حتى تنقضي عدّتها، وأمثال هذا أكثر من أن تحصر(2) .

أقول:

تلك مسائل غابت عن عمر وفي قول الشنقيطي وأمثال هذا أكثر من أن تحصر اعتراف بكثرة أخطاء عمر.

وروى الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة قال: شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة نفر أنّه زان فبلغ ذلك عمر فكبّر عليه وقال شاط ثلاثة أرباع المغيرة بن شعبة؛ وجاء زياد فقال: ما عندك؟ فلم يثبت، فأمر بجلدهم فجلدوا وقال: شهود زور. فقال أبو بكرة: أليس ترضى إن أتاك رجل عندك يشهد رجمه؟ قال: نعم،والذي نفسي بيده؛ فقال أبو بكرة: وأنا أشهد أنه زان، فأراد أن يعيد عليه الحدّ فقال عليّ يا أمير المؤمنين إنك إن أعدت عليه الحدّ أوجبت عليه الرجم. وفي حديث آخر فلا يعاد فيه فرية جلد مرتين. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله قول عليّ إن جلدته فارجم صاحبك؟ قال: كأنه جعل

____________________

(1) كنز العمال ج 4 ص 248 تحت رقم 11708.

(2) أضواء البيان، الشنقيطي، ج 7 ص 343.


شهادته شهادة رجلين. قال أبو عبد الله: وكنت أنا أفسّره على هذا حتى رأيته في هذا الحديث فأعجبني. ثم قال: يقول إذا جلدته ثانية فكأنك جعلته شاهدا آخر(1) ..

وعن أبي العباس ثعلب قال: لما أن قال أبو بكرة: أشهد أنّه لزان! قال عمر: اجلده! فقال له عليّ: إذاً فارجم صاحبك، لأنّك قد اعتددت بشهادته فصارت شهادتين وإنّما هي شهادة واحد أعادها(2) .

أقول:

لقد كان عمر بن الخطّاب حريصا على تأديب الصحابي أبي بكرة الذي سولت له نفسه الشهادة على أحد رجال الدولة الذين هجموا على بيت فاطمة عليها السلام في نفس الأسبوع الذي توفي فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وقد كان عمر يعلم أنّ المغيرة فعلها، وأنّ أبا بكرة لم يرمه بباطل بدليل قوله له كما في مصنّف ابن أبي شيبة: (ويحك يا مغيرة والله ما رأيتك قط إلا خشيت أن أرمى بحجارة من السماء)(3) .

مع بني أمية

قال العباس بن عبد المطلب [بخصوص فتح مكة]: فكنت إذا مررت بنار المسلمين قالوا من هذا؟ فإذا نظروا قالوا: عمّ رسول الله، حتّى مررت بنار عمر بن الخطّاب فقال: من هذا؟وقام إليّ ورآه في عجز البغلة فقال: أبو سفيان عدو الله؟ قد أمكن الله منك! ومرّ يشتدّ إلى رسول الله فركضت البغلة فسبقت كما تسبق الدّابّة الرجل البطيء، ثمّ اقتحمت فدخلت على رسول الله ثمّ جاء عمر فدخل فقال: يا رسول الله - صلى الله عليك - هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بلا عهد ولا ميثاق فدعني أضرب عنقه. فقلت: يا رسول الله إنّي قد أمّنته. قال أبو جعفر: فهذا عمر بن الخطّاب أراد قتل أبي سفيان وهو

____________________

(1) أضواء البيان، ج 5 ص 444.

(2) تاريخ دمشق ج 60 ص 33.

(3) حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا شيبان عن الأعمش عن أبي الضحى قال حدثني من سمع عمر يقول إذا رأى المغيرة بن شعبة ويحك يا مغيرة والله ما رأيتك قط إلا خشيت أن أرمى بحجارة من السماء. (مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص 201 رقم 30666.


أسير فلم يقل له رسول الله لا يجوز قتل الأسير، ولا أنكر عليه ما قاله من همّه بقتله ففي هذا بيان أن الآية محكمة(1) .

أقول:

كلام أبي جعفر هذا في غير محلّه، فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان قد أهدر دم أبي سفيان، ولم يتراجع عن ذلك. وأما عبارة دعني أضرب عنقه فهي عبارة اعتاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سماعها من عمر، ولذلك لا يرتّب عليها أثرا. وإذا كان عمر صادقا في ما يقول بخصوص أبي سفيان فما باله يتعامل معه بكلّ خشية حين رجوعه بأموال الصدقة بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقول لأبي بكر: إنّ هذا فاعل شرّا فدع له ما بيده، وترك بيده أموال الصدقة التي هي أموال المسلمين، ونزع من فاطمة فدكا بزعمه أنّها من أموال المسلمين؟! - فالقضية إذا ليست قضية أموال المسلمين، وإنّما هي قضيّة عشائر يخافها عمر، وعشائر يستضعفها لقلّة عددها! وقد وصف أبو سفيان يومها قبيلة عمر بأنّها أذلّ حي في قريش، فما باله أعطى الدّنيّة في دينه ورضي أن يقال عنه أذل حي في قريش؟

وعن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبيد بن حنين عن حسين بن علي قال صعدت إلى عمر بن الخطّاب فقلت له: انزل عن منبر أبي واصعد منبر أبيك. قال فقال: إنّ أبي لم يكن له منبر. قال: فأقعدني معه فلما نزل ذهب بي إلى منزله فقال: أي بني من علّمك هذا؟ قال: قلت: ما علمنيه أحد. قال: أي بنيّ لو جعلت تأتينا وتغشانا. قال فجئت يوما وهو خال بمعاوية وابن عمر بالباب ولم يؤذن له فرجعت فلقيني بعد فقال لي: يا بني لم أرك تأتينا؟ فقال: قد جئت وأنت خال بمعاوية ورأيت ابن عمر رجع فرجعت؛ فقال: أنت أحقّ بالإذن من عبد الله بن عمر، إنّما أنبت في رؤوسنا ما ترى الله ثمّ أنتم. قال ووضع يده على رأسه(2) .

أقول: ما الذي كان يجري في الخلوات بين عمر بن الخطّاب ومعاوية بن أبي

____________________

(1) الناسخ والمنسوخ، للنحاس ج 1 ص 495.

(2) تاريخ دمشق ج 14 ص 175.


سفيان؟! ومعاوية آخر قرشي دخل الإسلام، وعمر بن الخطاب يقول: لا أجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه، فقد جعل من قاتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل ممن قاتل معه، وطاه الشام. ولعلّ في صفّين وثمانين سنة من حكم الأمويين ما يشير إلى تلك الخلوات من طرف خفي.

وعن يونس عن ابن شهاب قال لما توفّي يزيد بن أبي سفيان أمّر عمر مكانه معاوية ثمّ نعاه عمر لأبي سفيان فقال: يا أبا سفيان احتسب يزيد!. فقال: من أمّرت مكانه؟ قال: معاوية. قال: وصلتك رحم(1) .

قالوا: ثمّ وقع طاعون عمواس فمات أبو عبيدة واستخلف أخاه معاذا، فمات معاذ. واستخلف يزيد بن أبي سفيان، فمات واستخلف أخاه معاوية فأقره عمر (!!). وولّى عمر عمرو بن العاص فلسطين والأردن، ومعاوية دمشق وبعلبك والبلقاء، وسعيد بن عامر بن حذيم حِمصا، ثم جمع الشّام كلها لمعاوية بن أبي سفيان(2) .

قال الشوكاني: أخرج البخاريّ في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عمر بن الخطّاب في قوله( أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ بَدّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً ) قال: هما الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أميّة، فأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر وأمّا بنو أميّة فمتّعوا إلى حين(3) .

أقول:

فلماذا كان يوليهم على الأمصار ما دام يعلم أنّهم كذلك؟

وجرى كلام بين معاوية وأبي الدرداء وكان ذلك في زمن عمر بن الخطّاب، فأخذ أبو الدرداء على نفسه أن لا يساكن معاوية في أرض هو فيها، فلما بلغ عمر ذلك لم يزد على أن أرسل إلى معاوية ينهاه عن فعل ذلك، ولكنه لم يعنفه على ما صدر منه، ولا

____________________

(1) أسد الغابة، ج 3 ص 26. وتاريخ الرسل والملوك، ج 2 ص 447 ومختصر تاريخ دمشق، ج 8 ص 236 وتاريخ المدينة، ج 3 ص 837.

(2) تاريخ خليفة بن خياط العصفريّ، ص 112.

(3) فتح القدير، الشّوكانيّ، ج 3 ص 110 - 111.


عاقبه، ولا عزله عن عمله. وقد كان بإمكان معاوية أن يقول لعمر: أنت أيضا لم تر بأسا بالنهي عن متعتين كانتا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال الذّهبيّ في ترجمة يزيد بن أبي سفيان: أخو معاوية من أبيه ويقال له يزيد الخير، وأمّه هي زينب بنت نوفل الكنانيّة وهو أخو أمّ المؤمنين أمّ حبيبة. كان من العقلاء الألبّاء والشّجعان المذكورين؛ أسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه وشهد حنينا فقيل إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعطاه من غنائم حنين مئة من الإبل وأربعين أوقية فضّة وهو أحد الأمراء الأربعة الذين ندبهم أبو بكر لغزو الرّوم، عقد له أبو بكر ومشى معه تحت ركابه يسايره ويودّعه ويوصيه وما ذاك إلاّ لشرفه وكمال دينه ولما فتحت دمشق أمّره عمر عليها(1) .

أقول:

انظر إلى الذهبي يقول عن أحد أفراد الشجرة الملعونة في القرآن وما ذاك إلاّ لشرفه وكمال دينه. وسائل نفسك كيف يجتمع اللّعن وكمال الدّين!

مع أهل الكتاب

قال السيوطي: وأخرج سفيان بن عينية عن عكرمة قال: كان عمر يأتي يهود يكلّمهم فقالوا: إنه ليس من أصحابك أحد أكثر إتيانا إلينا منك [!] فأخبرنا من صاحب صاحبك الذي يأتيه بالوحي؟ فقال: جبريل. قالوا: ذاك عدوّنا من الملائكة، ولو أنّ صاحبه صاحب صاحبنا لأتّبعناه. فقال عمر: ومن صاحب صاحبكم؟ قالوا: ميكائيل. قال: وما هما؟ قالوا: أمّا جبريل فينزل بالعذاب والنقمة وأمّا ميكائيل فينزل بالغيث والرحمة، وأحدهما عدوّ لصاحبه. فقال عمر: وما منزلتهما؟ قالوا: إنّهما من أقرب الملائكة منه، أحدهما عن يمينه وكلتا يديه يمين، والآخر على الشقّ الآخر. فقال عمر لئن كانا كما تقولون ما هما بعدوين ثم خرج من عندهم فمر بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدعاه فقرأ عليه( مَنْ كَانَ عَدُوّا لِجِبْرِيلَ ) .. الآية. فقال عمر: والذي بعثك بالحق إنه الذي

____________________

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج 1 ص 329.


خاصمتهم به آنفا. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال ذكر لنا أنّ عمر بن الخطّاب انطلق ذات يوم إلى اليهود فلما أبصروه رحبوا به فقال عمر: والله ما جئت لحبّكم ولا للرغبة فيكم ولكني جئت لأسمع منكم، وسألوه فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال لهم جبريل قالوا: ذاك عدونا من الملائكة يطلع محمدا على سرّنا، وإذا جاء جاء بالحرب والسّنة ولكن صاحبنا ميكائيل وإذا جاء جاء بالخصب والسلم فتوجه نحو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليحدّثه حديثهم فوجده قد أنزل هذه الآية( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّا لِجِبْرِيلَ ) .. الآية. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: كان لعمر أرض بأعلى المدينة يأتيها، وكان ممرّه على مدارس اليهود وكان كلما مرّ دخل عليهم فسمع منهم وإنّه دخل عليهم ذات يوم فقال لهم: أنشدكم بالرّحمن الذي أنزل التّوراة على موسى بطور سيناء أتجدون محمّدا عندكم؟ قالوا: نعم، إنّا نجده مكتوبا عندنا ولكن صاحبه من الملائكة الذي يأتيه بالوحي جبريل وجبريل عدوّنا وهو صاحب كل عذاب وقتال وخصف، ولو كان وليّه ميكائيل لآمنا به، فإن ميكائيل صاحب كلّ رحمة وكلّ غيث. قال عمر: فاين مكان جبريل من الله؟ قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره قال: عمر فأشهدكم أن الذي عدوّ للذي عن يمينه عدوّ للذي هو عن يساره، والذي عدوّ للذي عن يساره عدوّ للذي هو عن يمينه، وأنّه من كان عدوّهما فإنّه عدوّ لله، ثمّ رجع عمر ليخبر النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فدعاه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقرأ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّا لِجِبْرِيلَ ) .. الآية فقال عمر والذي بعثك بالحقّ لقد جئت وما أريد إلا أن أخبرك(1) .

أقول:

لم يثبت أن غير عمر كان يتردّد على اليهود ويحضر مجالسهم. وانظرإلى من رووا هذا الكلام كيف يستخفّون بجلال الله تعالى فيجعلون قرآنه الشريف تكرارا للقول المزعوم من عمر لليهود. أضف إلى ذلك ما تسرّب من العقائد اليهودية وما يشتم من التّجسيم في قولهم عن يمينه وعن يساره.

____________________

(1) الدرّ المنثور، ج 1، ص 223.


وأخرج ابن عساكر عن سليمان بن يسار قال: كتب عمر بن الخطّاب إلى كعب الأحبار أن اختر لي المنازل فكتب إليه يا أمير المؤمنين إنّه بلغنا أنّ الأشياء اجتمعت فقال السّخاء: أريد اليمن فقال حسن الخلق: أنا معك وقال الجفاء: أريد الحجاز فقال الفقر: أنا معك. قال البأس: أريد الشام. فقال السيف: أنا معك. وقال العلم: أريد العراق فقال العقل: أنا معك. وقال الغنى: أريد مصر. فقال الذّلّ: أنا معك، فاختر لنفسك يا أميرالمؤمنين فلما ورد الكتاب على عمر قال العراق إذن فالعراق إذن(1) .

أقول:

يكتب إلى كعب الأحبار اليهودي وعنده في المدينة باب مدينة العلم، ومن هو كعب الأحبار حتى يتعلّم منه المسلمون؟! وانظر إلى قوله وقال الغنى أريد مصر فقال الذّلّ أنا معك وما فيه من التجنّي على كرامة المصريّين.

وقد روي عن عمر بن الخطّاب أنه قال لكعب الأحبار يا كعب خوّفنا! فقال: إنّ لجهنم زفرة ما يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلاّ وقع جاثيا على ركبتيه حتى إنّ إبراهيم خليل الرحمن ليدلي بالخلّة فيقول: يا ربّ أنا خليلك إبراهيم لا أسألك إلاّ نفسي، وإن تصديق ذلك في كتاب الله يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها(2) .

أقول:

لا يزال عمر يسأل كعبا ويأخذ منه تعاليم دينه.

وعن ابن علية عن داود عن الشعبي قال: قال عمر كنت رجلا يغشى اليهود في يوم مدراسهم ثم ذكر نحو حديث ربعي(3) .

أقول:

معنى كلامه أن عمر بن الخطّاب كان يداوم على الدّرس في مدارس اليهود بدون إذن من النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

____________________

(1) الدر المنثور، ج 1 ص 237.

(2) زاد المسير، ج 4 ص 499.

(3) تفسير الطبري، ج 1 ص 476.


قال الجصّاص: ثم قال تعالى( وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّماوَاتُ وَالْأَرْضُ ) في هذا قولان أحدهما أنّه العرض بعينه وروى طارق بن شهاب أنّ اليهود قالت لعمر بن الخطّاب: تقولون جنّة عرضها السموات والأرض فأين تكون النّار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم إذا جاء النّهار فأين يكون الليل وإذا جاء الليل فأين يكون النّهار؟ قالوا: لقد نزعت ما في التوراة(1) .

أقول:

إن صحت القصّة فإنها لا تخلو من إشكال لأنّ اليهود سألوا عن ذاتين لا عن عرضين؛ فالليل والنّهار يتعاقبان على مكان واحد، بينما الجنّة والنّار لا تتعاقبان على مكان واحد وهما ذاتان منفصلتان موجودتان في زمان واحد في مكانين مختلفين. يقول سبحانه وتعالى:( فَاطّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ) ويقول جلّ ذكره( إِنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِنّا الْحُسْنَى‏ أُولئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا.. ) . لكن يبدو أن الذين يروون هذا النّوع من الرّوايات يريدون أن يقلّدوا عمر بن الخطّاب وسام الدّفاع عن العقيدة الإسلاميّة، وينسون أو يتناسون أنّه هو الذي فسح لأهل الكتاب المجال ليغرقوا التّراث الإسلامي بالإسرائيليّات التي أنتجت التّجسيم والجبر والإرجاء. وخير دليل على ذلك سؤالاته الكثيرة لكعب الأحبار الذي لم يشهد نزول سورة واحدة من القرآن الكريم.

ورووا أن عمر بن الخطّاب قال لكعب الأحبار ما جنات عدن قال قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون والصدّيقون والشهداء وأئمة العدل(2) .

وبفضل تقريب عمر إياه صار كعب الأحبار اليهودي مرجعا للمسلمين في العقائد والمسائل الغيبية. علما أن أباذر الغفاري رضي الله عنه شهد على كعب الأحبار أنّ اليهودية لم تخرج من قلبه. وصار كعب يروي كأنما سمع من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مباشرة، وهو الذي لم يره. من ذلك عن عبد الله بن عياش عن يزيد بن قوذر عن كعب الأحبار

____________________

(1) معاني القرآن، ج 1 ص 476.

(2) معاني القرآن، ج 6 ص 205.


قال من قرأ (قل هو الله أحد) حرم لحمه على النار(1) .

أقول: عمّن يروي كعب هذا الكلام؟ وهل هناك سورة في التّوراة اسمها (قل هو الله أحد).

وقيل إن ابن عباس سمع معاوية يقرأ حامية فقال حمئة فبعث معاوية إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب قال في ماء وطين كذلك نجده في التوراة(2) .

أقول:

ألم يجد كعب في التوراة( النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّورَاةِ ) ؟! فما باله تأخر إسلامه حتى توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

وقد روي عن كعب الأحبار أن أول حائط وضع في الأرض بعد الطوفان حائط دمشق وحران وفي الأخبار القديمة عن شيوخ دمشق الأوائل أن دار شداد بن عاد بدمشق في سوق التين..(3) .

وعن كعب الأحبار أنه قال لعمر: يا أمير المؤمنين اعهد بأنك ميت إلى ثلاثة أيام، فلما قضى ثلاثة أيام طعنه أبو لؤلؤة فدخل عليه النّاس ودخل كعب في جملتهم فقال: القول ما قال كعب. وروى أن عيينة بن حصن الفزاري قال لعمر: احترس أو أخرج العجم من المدينة فإني لا آمن أن يطعنك رجل منهم في هذا الموضع. ووضع يده في الموضع الذي طعنه فيه أبو لؤلؤة(4) .

وكعب الأحبار إنما أسلم على أبي بكر عهد عمر بن الخطّاب لم يدرك النبي واسمه كعب بن مانع(5) . قال أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي الزرقاني المالكي المصري المتوفى 1122 في شرح المواهب: قد كانت زيارته مشهورة في زمن كبار

____________________

(1) من فضائل سورة الإخلاص ج 1 ص 55 الحسن الخلال البغدادي. مصر 1412.

(2) تفسير البيضاوي، ج 3 ص 520. دار الفكر بيروت 1996.

(3) معجم البلدان، ياقوت الحموي، ج 2 ص 464.

(4) الرياض النضرة، ج 2 ص 75.

(5) الجواب الصحيح، ج 3، ص 45.


الصحابة معروفة بينهم، ولما صالح عمر بن الخطّاب أهل بيت المقدس جاءه كعب الأحبار فأسلم ففرح به وقال: هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتتمتع بزيارته؟ قال: نعم(1) .

أقول:

وهنا يشكل الأمر على ابن تيمية ومن يدور في فلكه، فإنّ عمر ابن الخطاب يدعو صراحة إلى زيارة قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويصرّح أنّ زيارته ممتعة.

وعن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أنّه سمع معاوية يحدّث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب(2) .

وقال عثمان يوما: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك. فقال أبو ذر: يا ابن اليهوديّين، أتعلّمنا ديننا؟ فقال عثمان: ما أكثر أذاك لي وأولعك بأصحابي؟ الحق بمكتبك وكان مكتبه بالشّام(3) .

أقول:

الخلاف بين أبي ذر من جهة وبين بني أمية وكعب الأحبار من جهة معلوم مبسوط في كتب التاريخ. وإلى جنب كعب الأحبار كان تميم الداري أيضا يسرب إسرائيلياته في تراث المسلمين في غفلة منهم. ولا ينبغي للمسلمين أن يضيّعوا حرمة أبي ذرّ الذي شهد له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق منه من أجل يهودي اسمه كعب الأحبار تظاهر بالإسلام ولم يفارق اليهودية. فإن تكذيب أبي ذر بعد أن شهد له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما شهد به فيه ردّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

عن عطاء عن بن عباس قال: رأيت تميما الداري يقصّ في عهد عمر بن الخطّاب

____________________

(1) شرح المواهب، الزرقاني، ج 8 ص 299.

(2) صحيح البخاري ج 6 ص 2679 وتهذيب التهذيب ج 8 ص 393 وتهذيب الكمال ج 24 ص 193 والإصابة في تمييز الصحابة ج 5 ص 650.

(3) أنساب الأشراف، البلاذري، ج 6 ص 166.


رضي‌الله‌عنه . وعن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت قال رأيت محمد بن كعب القرظي يقصّ(1) .

أقول:

القرظي نسبة إلى بني قريظة إحدى القبائل اليهودية التي نقضت عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحاربها كما هو مسطور في كتب السّيرة والتاريخ. وتميم الداري معروف، فكلا الرجلين من أهل الكتاب، وهما يقصّان أساطير بني إسرائيل التي لا تخلو من القدح في أنبياء الله تعالى عليهم السّلام، وهذا في المسجد النبوي الشريف وبكل حرّية بعد أن أذن لهم عمر بن الخطّاب الذي منع المسلمين من رواية حديث نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . هذا هو الفهم الصحيح للإسلام: سدّ باب رواية أحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن طريق الصحابة، وفتح روافد الإسرائيليات..

وعن الشعبي عن جابر أن عمر بن الخطّاب أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقال: يا رسول الله إنّي أصبت كتابا حسنا من بعض أهل الكتاب! قال: فغضب وقال: أمتهوّكون فيها يا ابن الخطّاب؟ فو الذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية. لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحقّ فتكذّبوا به أو بباطل فتصدّقوا به والذي نفسي بيده لو كان موسى حيّا ما وسعه إلا أن يتبعني(2) .

أقول:

كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واضح حينما يقول: لا تسألوهم عن شيء، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، لكن عمر بن الخطّاب قى مدّة من حكمه يسأل كعب الأحبار إن كان بالمدينة مشافهة، ويكتب إليه إن كان بعيدا عنه المدينة، وقد مرّ بك سابقا قول معاوية في حق كعب وإن كنا لنبلو عليه الكذب.

وعن أقرع مؤذن عمر بن الخطّاب قال: بعثني عمر إلى الأسقف فدعوته فقال له

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة، ج 5 ص 290 تحت رقم 26188 و 26189.

(2) مصنف ابن أبي شيبة، ج 5 ص 312 تحت رقم 26421.


عمر هل تجدني في الكتاب قال نعم(1) .

أقول:

إنّ المعلوم من الدين في كتاب الله الكريم هو أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم موجود في التوراة ( الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّورَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(2) ، لكن يبدو أنّ عمر بن الخطّاب يهمّه اسمه أكثر ممّا يهمّه اسم رسول الله! فإن زعم الأسقف وأتباع الأسقف أنّ اسم عمر موجود في الكتاب وأنّ اسم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير موجود ومع ذلك صدّقه عمر وتابعه عليه، فإنّا لله وإنا إليه راجعون؛ وإن قال إنّ اسم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم موجود في التّوراة والإنجيل كما شهد به القرآن فما باله باق على ديانة منسوخة؟! ثمّ إنّ مجرّد وجود اسم شخص في كتاب سماويّ غير محرّف فضلا عن المحرّف لا يعني شيئا كبيرا، فهذا شرّ المخلوقات إبليس مذكور في القرآن الكريم والقرآن أفضل الكتب ومهيمن عليها جميعا، وهذا فرعون وهامان وقارون وأبو لهب أيضا، وقوم لوط وقوم نوح وقوم تبّع وأصحاب الأيكة كلّ كذب الرّسل، فهل يعني وجودهم في القرآن الكريم فضلا يذكر؟! لكنّ عمر يهدف إلى أمر يعرفه الأسقف كما يعرفه كعب الأحبار أيضا؛ نعم، يريد عمر بن الخطّاب أن يوهم الناس أنّ خلافته شرعيّة موجودة في الكتب السماويّة، لكنّ الله تعالى أجرى على لسانه عبارة الفلتة فنقض كلامه بعضه بعضا، و ( مَحَوْنَا آيَةَ اللّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النّهَارِ مُبْصِرَةً ). وعلى كل حال يبدو أنّ عمر بن الخطّاب بقي متأثّرا بالتوراة حتى آخر أيّامه.

وروي عن كعب الأحبار أنّه قال: تزفر جهنّم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب

____________________

(1) تهذيب الكمال، ج 3، ص 327 تحت رقم 551.

(2) الأعراف: 157.


ولا نبيّ مرسل إلا خرّ وجثا على ركبتيه ويقول نفسي، نفسي، حتّى إبراهيم خليل الرحمن فيقول: ربي، لا أريد إلاّ نجاة نفسي. قال كعب: وهو في كتاب الله تعالى( يَوْمَ تَأْتِي كُلّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نّفْسِهَا ) (1) .

أقول:

فأين قوله تعالى: ( إِنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِنّا الْحُسْنَى‏ أُولئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) !

وقد ذكروا أنّ عمر بن الخطّاب كان يذهب إلى العوالي كلّ سبت، فإذا وجد عبدا في عمل لا يطيقه وضع عنه منه(2) .

أقول:

كلّ سبت، والسبت لا غير، لأنه يوم المدراس!

قال ابن تيمية: وكان على الصّخرة زبالة عظيمة لأنّ النّصارى كانوا يقصدون إهانتها مقابلة لليهود الذين يصلّون إليها، فأمر عمررضي‌الله‌عنه بإزالة النّجاسة عنها، وقال لكعب الأحبار: أين ترى أن نبني مصلّى المسلمين؟ فقال: خلف الصخرة! فقال: يا ابن اليهوديّة، خالطتك يهوديّة، بل أبنيه أمامها فإن لنا صدور المساجد. ولهذا كان أئمة الأمّة إذا دخلوا المسجد قصدوا الصّلاة في المصلّى الذي بناه عمر. وقد روى عمررضي‌الله‌عنه أنّه صلّى في محراب داود(3) .

أقول:

أبو ذررضي‌الله‌عنه يقول لكعب الأحبار (ما فارقت اليهوديّة قلبك)، وعمر بن الخطّاب يقول له: (خالطتك يهودية)، وفي النهاية سواء (خالطت) أم (لم تفارق) فإن اصحابيّين متّفقان على أنّ إسلام كعب الأحبار لم يكن محضا، بل كان مزيجا من اليهودية العميقة الرّاسخة والإسلام الشّكلي. ومن حق كلّ مسلم أن يتساءل ما دام عمر يقول لكعب: خالطتك يهودية إن كانت خالطته يهودية في هذه القضيّة فقط أم في كثير

____________________

(1) تفسير السمعاني ج 3 ص 205.

(2) فيض القدير، ج 5 ص 443 والتيسير بشرح الجامع الصغير ج 2 ص 349.

(3) مجموع الفتاوى ج 27 ص 12.


من القضايا التي غابت عن عمر؟

قال ابن تيمية: وعمر بن الخطّاب لما رأى بيد كعب الأحبار نسخة من التّوراة قال (يا كعب إن كنت تعلم أنّ هذه هي التّوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها)، فعلّق الأمر على ما يمتنع العلم به ولم يجزم عمررضي‌الله‌عنه بأنّ ألفاظ تلك مبدّلة لما لم يتأمّل كل ما فيه(1) .

أقول:

ماذا يفعل كعب الأحبار بنسخة من التّوراة بعد ان أسلم؟!

قال ابن كثير: وهذا كعب الأحبار من أجود من ينقل عنهم وقد أسلم في زمن عمر وكان ينقل شيئا عن أهل الكتاب فكان عمررضي‌الله‌عنه يستحسن بعض ما ينقله لما يصدّقه من الحقّ وتأليفا لقلبه، فتوسّع كثير من النّاس في أخذ ما عنده، وبالغ أيضا هو في نقل تلك الأشياء التي كثير منها ما يساوي مداده، ومنها ما هو باطل لا محالة، ومنها ما هو صحيح لما يشهد له الحقّ الذي بأيدينا. وقد قال البخاريّ وقال أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدّثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وان كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب. يعني من غير قصد منه(2) .

أقول:

من غير قصد منه يقلها معاوية، وإنما أضافها ابن كثير تزكية منه لليهوديّ.

مع بني هاشم

عن أبي جعفر محمد بن عليّ أن العباس جاء إلى عمر فقال له: إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقطعني البحرين. قال: من يعلم ذلك؟ قال: المغيرة بن شعبة. فجاء به فشهد له. قال: فلم

____________________

(1) الجواب الصحيح، ج 2،ص 448.

(2) البداية والنهاية، ج 2 ص 134.


يمض له عمر ذلك كأنّه لم يقبل شهادته، فأغلظ العباس لعمر، فقال عمر: يا عبد الله خذ بيد أبيك. وقال سفيان عن غير عمرو قال عمر: والله يا أبا الفضل لأنا بإسلامك كنت أسرّ مني بإسلام الخطّاب لو اسلم لمرضاة رسول الله(1) .

أقول:

هذا الذي لا يكاد يصدق! يوماً يستسقي به، ويوماً يكذّبه في وعد وعده إياه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قالوا: فدخلا المسجد فإذا ميزاب للعباس شارعة في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال عمر بيده فقلع الميزاب، فقال: هذا الميزاب لا يسيل في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقال له العباس: قلعته؟ والذي بعث محمّدا بالحقّ هو الذي وضعه في هذا المكان ونزعته أنت يا عمر! قال: فبكى عمر ثم قال: لتضعنّ رجليك على عنقي ولتردّنه إلى ما كانه. ففعل ذلك العباس ثم قال له: قد أعطيتك الدار تزيدها في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فزادها عمر في المسجد ثمّ قطع للعبّاس دارا أوسع منها بالزوراء(2) .

أقول:

كان على عمر أن يسأل العباس أوّلا من وضع الميزاب ومتى، لكنّه عجول يصدر الأمر أوّلا ثمّ يتبيّن له الحقّ في خلاف ما ذهب إليه، فيتصرّف حسب المزاج، تارة يلجّ وتارة ينصاع.

وعن سالم أبي النّضر قال: لمّا كثر المسلمون في عهد عمر ضاق بهم المسجد فاشترى عمر ما حول المسجد من الدّور إلاّ دار العباس بن عبد المطّلب وحجر أمّهات المؤمنين، فقال عمر للعبّاس: يا أبا الفضل، إنّ مسجد المسلمين قد ضاق بهم، وقد ابتعت ما حوله من المنازل أوسّع به على المسلمين في مسجدهم إلاّ دارك وحجر أمهات المؤمنين؛ فأمّا حجر أمّهات المؤمنين فلا سبيل إليها، وأمّا دارك فبعنيها بما شئت

____________________

(1) الطبقات الكبرى، ج 4 ص 22.

(2) تاريخ دمشق، ج 26 ص 370.


من بيت مال المسلمين أوسّع بها في مسجدهم. فقال العباس: ما كنت لأفعل. قال فقال له عمر: اختر منّي إحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، وإمّا أن أخطّك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإمّا أن تصدّق بها على المسلمين فتوسّع بها في مسجدهم. فقال: لا، ولا واحد منها. فقال عمر: اجعل بيني وبينك من شئت. فقال: أبيّ بن كعب. فانطلقا إلى أبيّ فقصّا عليه القصّة، فقال أبيّ: إن شئتما حدّثتكما بحديث سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقالا: حدّثنا. فقال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: أوحى الله إلى داود أن ابن لي بيتا أذكر فيه، فخطّ له هذه الخطّة خطّة بيت المقدس، فإذا تربيعها يزويه بيت رجل من بني إسرائيل، فسأله داود أن يبيعه إيّاه فأبى. فحدّث داود نفسه أن يأخذه منه، فأوحى الله إليه أن يا داود: أمرتك ان تبني لي بيتا أذكر فيه، فأردت أن تدخل بيتي الغصب وليس من شأني الغصب، وإنّ عقوبتك أن لا تبنيه. قال: يا رب فمن ولدي. قال: فأخذ عمر بمجامع ثياب أبيّ بن كعب وقال: جئتك بشيء فجئت بما هو أشدّ منه، لتخرجنّ ممّا قلت! فجاء يقوده حتى أدخله المسجد فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم أبوذرّ فقال: إني نشدت الله رجلا سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يذكر حديث بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلاّ ذكره؛ فقال أبو ذر: أنا سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وقال آخر: أنا سمعته يعني من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال فأرسل أبيّا قال: فأقبل أبيّ على عمر فقال: يا عمر، أتتّهمني على حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال عمر: يا أبا المنذر، لا والله ما اتّهمتك عليه، ولكنّي كرهت أن يكون الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ظاهرا. قال وقال عمر للعباس: اذهب فلا أعرض لك في دارك. فقال العباس: أمّا إذا فعلت هذا فإنّي قد تصدّقت بها على المسلمين أوسّع بها عليهم في مسجدهم وأما وأنت تخاصمني فلا. قال: فخطّ عمر له داره التي هي اليوم وبناها من بيت مال المسلمين(1) .

____________________

(1) تاريخ دمشق، ج 26 ص 370.


أقول:

وانظر إلى قول أبي: أتتهمني؟! - والفرق بين القصتين واضح، فإن عمر أراد أن يأخذ دار العباس كيفما كان، ولم يرض العباس بذلك، وتطوّع بها بعد أن يئس منها عمر. ولعل العباس أراد أن يفهم عمر أنّه ليس وليّ أمره، وأنّه لا حقّ له عليه شرعا، فإنّ العباس لم يعتقد لحظة واحدة بشرعية حكم السقيفة. ولو كان العباس يرى طاعة عمر واجبة لما تردّد لحظة في إجابته لما طلب. وانظر إلى قول عمر لأبي بن كعب: أبا المنذر، لا والله ما اتّهمتك عليه، ولكنّي كرهت أن يكون الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ظاهرا. فكلّما كره عمر شيئا ألزم الناس به كما لو كان وحيا نازلا من السماء.

قال السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من وجه آخر عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه أن نجدة الحروري أرسل إليه يسأله عن سهم ذي القربى الذي ذكر الله فكتب إليه إنا كنا نرى أنّا هم فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا ويقول لمن تراه قال ابن عباسرضي‌الله‌عنه هو لقربى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قسمه لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد كان عمررضي‌الله‌عنه عرض علينا من ذلك عرضا رأينا دون حقنا فرددناه عليه وأبينا أن نقبله، وكان عرض عليهم أن يعين ناكحهم وأن يقضي عن غارمهم، وأن يعطي فقيرهم وأبى أن يزيدهم على ذلك(1) .

وعن عاصم بن كليب قال أخبرني أبي أنه سمع ابن عباس يقول: كان عمر بن الخطّاب إذا صلّى صلاة جلس للنّاس فمن كانت له حاجة كلّمه، وإن لم يكن لأحد حاجة قام فدخل. قال فصلّى صلوات لا يجلس للناس فيهنّ، قال ابن عباس: فحضرت الباب فقلت: يا يرفأ أبأمير المؤمنين شكاة؟ فقال: ما بأمير المؤمنين من شكوى. فجلست، فجاء عثمان بن عفان فجلس، فخرج يرفأ فقال: قم يا ابن عفان، قم يا ابن عباس، فدخلنا لى عمر فإذا بين يديه صبر من مال على كل صبرة منها كنف، فقال

____________________

(1) والدر المنثور، ج 4 ص 68. والحديث أيضا في المعجم الكبير، ج 10 ص 334.


عمر: إنّي نظرت في أهل المدينة وجدتكما من أكثر أهلها عشيرة فخذا هذا المال فاقتسماه، فما كان من فضل فردّا. فأمّا عثمان فحثا، وأمّا أنا فجثوت لركبتي وقلت: وإنكان نقصان رددت علينا؟ فقال عمر: نشنشة من أخشن - يعني حجرا من جبل - أما كان هذا عند الله إذ محمد وأصحابه يأكلون القدّ؟ فقلت: بلى والله، لقد كان هذا عند الله ومحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّ، ولو عليه فتح لصنع فيه غير الذي تصنع! قال فغضب عمر وقال: أو صنع ماذا؟ قلت: إذا لأكل وأطعمنا. قال: فنشج عمر حتى اختلفت أضلاعه ثم قال: وددت أنّي خرجت منها كفافا لا لي ولا عليّ(1) .

أقول:

هذه شهادة من الصّحابي ابن عباس أنّه لو كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لصنع خلاف ما يصنع عمر بن الخطّاب! وهذا معناه أن سلوك عمر بن الخطّاب مخالف لسيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ومع ذلك فقد رووا روايات عزوها إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ترسم لعمر سلوكا آخر. رووا عن علي عليه السلام قال: ولاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خمس الخمس فوضعته مواضعه حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحياة أبي بكر وحياة عمر، فأتي بمال فدعاني فقال: خذه. فقلت: لا أريده. قال: خذه فأنتم أحقّ به! قلت: قد استغنيت؛ فجعله في بيت المال(2) .

قال يزيد: فأنا كتبت لابن عباس كتابه [إلى نجدة الحروري] فكتب إليه: كتبت تسألني عن سهم ذي القربى لمن هو؟ هو لنا أهل البيت، وقد كان عمر بن الخطّاب دعانا إلى أن ينكح منه أيّمنا ويخدم منه عائلنا ويقضي منه عن غارمنا فأبينا إلا أن يسلمه إلينا وأبى ذلك فتركناه(3) .

وأخرج البغوي في معجم الصحابة من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر كان عمر يدعو ابن عباس ويقربه ويقول: إنّي رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعاك يوما فمسح رأسك

____________________

(1) مسند الحميدي، ج 1 ص 18.

(2) كنز العمال، ج 4 ص 222.

(3) مسند أبي يعلى، ج 4 ص 424 ومسند أبي يعلى، ج 5 ص 123 وصحيح أبي داود ج 2 ص 577 (قال الألباني: صحيح). فتح الباري، ابن حجر، ج 6 ص 245.


وقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل(1) .

أقول:

ما فعل في حقّ عليّ وقد رأى من رسول الله فيه أضعاف ما رأى في ابن عبّاس؟!

قال ابن كثير: كان عمر إذا استشار أحدا لا يبرم أمرا حتّى يشاور العباس.

مع غير العرب

يذكر أنّ عمر بن الخطّاب كان شديد الحساسيّة بالنّسبة للعجم وكل ما يتصل بهم. قال ابن تيمية: وقد روى السّلفي من حديث سعيد بن العلاء البرذعي [..] عن نافع عن ابن عمررضي‌الله‌عنه قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (من يحسن أن يتكلّم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية فإنّه يورث النفاق). ورواه أيضا بإسناد آخر معروف إلى أبي سهيل محمود بن عمر العكبري [..] عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (من كان يحسن أن يتكلّم بالعربية فلا يتكلّم بالفارسية فإنّه يورث النفاق)(2) .

أقول:

إلى هذا الحدّ بلغ بهم الافتراء على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لم يكتفوا أن ينسبوا إليه السفاسف حتى اتّهموه بالعنصريّة! فاللّغة الفارسية إذاً - وفق الحديث السابق - تورث النّفاق! وهل يختصّ هذا باللّغة الفارسيّة أم يتعدّاها إلى كلّ لغات العجم، تبقى المسألة مطروحة. لكن الذي لا شكّ فيه أن اختلاف اللّغات من آيات الله تعالى( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السّماوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ الْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ .. ) ؛ وفي القرآن الكريم كلمات عربية من أصل فارسي(3) ، ولم يكن داوود وسليمان وموسى وعيسى وهارون و..

____________________

(1) فتح الباري ج 1 ص 170.

(2) اقتضاء الصراط ج 1 ص 205.

(3) كقوله تعالى( أَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ ) فإن الأريق جمع إبريق وهو معرب من الفارسي آبريز. قد أفرد السيوطي في هذا النوع كتاباً سمّاه المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب، كما عقد في كتابه الإتقان بابا للكلمات غير العربية في القرآن الكريم.


و.. يتكلّمون العربية، لا دليل على ذلك، فأين العلاقة بين اللّغة الفارسيّة والنّفاق؟ وهل كان عبد الله بن أبيّ بن السّلول وثلث الجيش الذي رجع معه يوم أحد يتكلّمون الفارسية؟!



الفصل الثامن

عمر والخمر



عمر والخمر

قال ابن خلدون: وقد كانت حالة الأشراف العرب في الجاهليّة في اجتناب الخمر معلومة، ولم يكن الكرم شجرتهم، وكان شربها مذمّة عند الكثير منهم(1) .

وكتب ابن أبي الدنيا في ذمّ المسكر كتابا أورد فيه بإسناده أحاديث منها:

حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة قال حدثنا عاصم بن عمارة قال حدثنا الأوزاعي عن محمد بن أبي موسى عن القاسم بن مخيمرة عن أبي موسى الأشعري أنه جاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنبيذ ينش فقال: اضرب بهذا الحائط فإنّه لا يشربه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر(2) .

وقال ابن كثير: ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطّاب أنه قال في خطبته على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أيها النّاس، إنّه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب والتّمر والعسل والحنطة والشّعير. والخمر ما خامر العقل(3) . وقال أيضا: أمّا الخمر فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه : إنّه كل ما خامر العقل. والميسر: وهو القمار(4) .

لكن عمر بن الخطاب وآخرين من الصّحابة كانوا يشربون النّبيذ، وقد اختلفوا واختلف من بعدهم في حكمه؛ لازال ذلك الاختلاف ساريا إلى اليوم. وكان عمر بن الخطاب يبرّر شربه النّبيذ أنّه كان يعاني من عسر في الهضم، فقد كان معسارا. وفي هذا المعنى روى البيهقي عن عمرو بن ميمون قال: قال عمررضي‌الله‌عنه : إنا لنشرب من النّبيذ نبيذا يقطع لحوم الإبل في بطوننا من أن تؤذينا(5) .

أقول:

ولعلّهم لأجل ذلك رووا أحاديث نسبوا فيها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شرب النبيذ. وقد تفطّن لعاقبة ذلك جماعة منهم وأوردوا أقوالا جديرة بالتّأمّل. قال الشّنقيطي: قال أبو المظفر

____________________

(1) مقدمة ابن خلدون ج 1 ص 18.

(2) ذم المسكر ابن أبي الدنيا ج 1 ص 55.

(3) مختصر ابن كثير، ج 1 ص 382.

(4) مختصر ابن كثير، ج 1 ص 153.

(5) سنن البيهقي الكبرى، ج 8 ص 299 تحت رقم 17193.


بن السمعاني - وكان حنفيّا فتحوّل شافعيّا -: ثبتت الأخبار عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تحريم المسكر؛ ثمّ ساق كثيرا منها ثمّ قال: والأخبار في ذلك كثيرة ولا مساغ لأحد في العدول عنها والقول بخلافه، فإنّها حجج قواطع. قال: وقد زلّ الكوفيّون في هذا الباب ورووا فيه أخبارا معلولة لا تعارض هذه الأخبار بحال؛ ومن ظنّ أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شرب مسكرا فقد دخل في أمر عظيم وباء بإثم كبير، وإنّما الذي شربه كان حلوا ولم يكن مسكرا. وقد روى ثمامة بن حزن القشيري أنّه سأل عائشة عن النّبيذ فدعت جارية حبشيّة فقالت: سل هذه فإنّها كانت تنبذ لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالت الحبشيّة: كنت أنبذ له في سقاء من الليل وأوكئه وأعلّقه فإذا أصبح شرب منه؛ أخرجه مسلم(1) .

وهناك أحاديث متعلّقة بهذا الباب يحسن الاطلاع عليها(2) . ثم هذه أخبار تتعلق بشرب الخمر على عهد عمر بن الخطاب.

قالوا: شرب أعرابيّ من شراب عمر فسكر، فأمر به فجلد، فقال: إنّي شربت نبيذا من أداوتك! فقال عمررضي‌الله‌عنه : إنّما نجلدك على السّكر(3) . والقصّة عند ابن أبي شيبة كالتالي [..] عن حسان بن مخارق قال: بلغني أنّ عمر بن الخطّاب ساير رجلا في سفر وكان صائما، فلما أفطر أهوى إلى قربة لعمر معلّقة فيها نبيذ قد خضخضها البعير فشرب منها فسكر، فضربه عمر الحدّ، فقال له: إنما شربت من قربتك. فقال له عمر: إنّما جلدناك لسكرك(4) . والإنصاف يقضي أن يقال إنّ عمر شرب شرابا سكر منه غيره، بدليل سكر الأعرابيّ الذي شرب من إداوته حتى فقد وعيه؛ فالشّراب شراب واحد،

____________________

(1) أضواء البيان، الشنقيطي، ج 2 ص 408.

(2) وفي صحيح مسلم ج 3 ص 1590 دار إحياء التراث العربي بيروت. وفي المبدع ابن مفلح الحنبلي، ج 9 ص 107 المكتب الإسلامي بيروت 1400 هو في الكافي في فقه ابن حنبل، المقدسي، ج 4 ص 232 المكتب الإسلامي بيروت 1408 هـ، والمغني ابن قدامة ج 9 ص 145 دار الفكر بيروت 1405 هـ. ومصنف عبد الرزاق، ج 9 ص 224، المكتب الإسلامي بيروت 1402، وفي مسند أبي عوانة، ج 5 ص 112 دار المعرفة بيروت 1998 وشرح الزرقاني، ج 4 ص 209 دار الكتب العلمية بيروت 1411.

(3) أحكام القرآن للجصاص، ج 4 ص 126 والناسخ والمنسوخ، النحاس، ج 1 ص 178 وضعفاء العقيلي ج 2 ص 104 وتنقيح تحقيق أحاديث التعليق، ج 3 ص 477 والتحقيق في أحاديث الخلاف ج 2 ص 375 وتنقيح التحقيق في أحاديث التعليق ج 2 ص 306.

(4) مصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 502 تحت رقم 28401.


يشرب منه الأعرابيّ فيفقد وعيه ويجلد بسبب ذلك، ويشرب منه عمر فلا يسكر، لأنّه متعوّد على الشراب القوي، فليس عليه أيّ حرج. والدّين دين واحد، والشّريعة شريعة واحدة! على أنّ سكر الأعرابي لم يكن متعمّدا، وإنّما هو ناشئ عن قوّة شراب عمر. والرجل كان صائما وطالما ردّد عمر ومعاصروه ادرءوا الحدود بالشّبهات، وما أكثر الشّبهات في هذه القصّة، فلماذا حرص عمر بن الخطّاب على إقامة الحدّ على رجل كان طول يومه صائما؟!

وفي سنن النسائي: عن ابن شهاب عن السّائب بن يزيد أنّه أخبره أنّ عمر بن الخطّاب خرج عليهم فقال: إنّي وجدت من فلان ريح شراب فزعم أنّه شراب الطّلاء، وأنا سائل عمّا شرب، فإن كان مسكرا جلدته. فجلده عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه الحدّ تامّا(1) .

أقول:

فقد كان شراب عمر الذي شرب منه الأعرابيّ مسكرا قطعا، فلماذا يتعرّض الأعرابيّ للجلد ويتعامل عمر مع القضيّة كما لو كان أجنبيّا عنها، والشّراب شرابه؟!.

وقد دافع الجصّاص عن عمر بن الخطّاب كما تقتضيه عدالة جميع الصّحابة وأفضليّة العشرة المبشّرين الذين ليس بينهم أنصاريّ واحد! ولا يتوقّع المرء ممّن دافعوا عنه في مخالفته لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألاّ يدافعوا عنه فيما هو دون ذلك. بل إنّهم تهجّموا على من حدّث أنّه شاهد عمر يشرب، ونسبوه إلى الدّجل. قال ابن حبّان: سعيد بن ذي على من حدّث أنّه شاهد عمر يشرب، ونسبوه إلى الدّجل. قال ابن حبّان: سعيد بن ذي لعوة شيخ دجّال يزعم أنّه راى عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه يشرب المسكر. روى عنه الشّعبي ولم يرو في الدّنيا إلاّ هذا الحديث وحديثا آخر لا يحلّ ذكره في الكتب! ومن زعم أنّه سعيد بن ذي حدان فقد وهم؛ وكيف يشرب عمر بن الخطّاب رحمه الله المسكر وهو الذي خطب النّاس بالمدينة وقال في خطبته سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: (الخمر من خمسة أشياء، والخمر ما خامر العقل). ولم يكن عمر ممّن

____________________

(1) سنن النسائي، ج 8 ص 326.


كان يشربها في أوّل الإسلام حيث كان شربها حلالا، بل حرّمها على نفسه وقال لا أشرب شيئا يذهب عقلي(1) .

أقول:

هكذا أصبح الرّجل دجّالا لأنّه رأى عمر بن الخطاب يشرب المسكر، فأصبحت معاينته زعما، وشهادته دجلا، وكأنّ عمر بن الخطّاب في مقام شيث بن آدم، مع أنّه هو الذي طلب النّبيذ وهو على فراش الموت! وشرب أعرابيّ من إداوته فسكر! كيف سكر الإعرابي إذا لم يكن ما في إداوة عمر مسكرا؟!

وعن همّام قال: أتي عمر بنبيذ زبيب من نبيذ زبيب الطّائف قال فلمّا ذاقه قطب فقال: إنّ لنبيذ زبيب الطائف لعراما. ثم دعا بماء فصبّه عليه فشرب وقال: إذا اشتدّ عليكم فصبّوا عليه الماء واشربوا(2) .

وقد أورد ابن حزم القصّة في المحلّى وقال: وهذا خبر صحيح، إلاّ أنّه لا حجّة لهم فيه، لأنّه ليس فيه أنّ ذلك النّبيذ كان مسكرا، ولا أنّه كان قد اشتدّ، وإنّما فيه إخبار عمر بأنّ نبيذ الطّائف له عرام وشدّة وأنّه كسر هذا بالماء ثمّ شربه! فالأظهر فيه أنّ عمر خشي أن يعرم ويشتدّ فتعجّل كسره بالماء، وهذا موافق لقولنا لا لقولهم أصلا، ولا يصحّ لهم ممّا ذكرنا إلاّ هذان الخبران فقط(3) .

أقول:

يقول ابن حزم في وصف الشراب: (ليس فيه أنّ ذلك النّيذ كان مسكرا، ولا أنّه كان قد اشتد)، وقوله هذا من أعجب العجب، وإلاّ فلماذا قطب عمر حين ذاقه إذا لم يكن شديدا؟! ولماذا كسره بالماء؟! وما حاجة الشراب العادي إلى الكسر؟! والدليل على فساد ما يذهب إليه ابن حزم قول علقمة بن الأسود: (كنا ندخل على عبد الله بن

____________________

(1) كتاب المجروحين، ابن حبّان، ج 1، ص 316 تحت رقم 384.

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 79 تحت رقم 23877. والمبسوط للسرخسي ج 24 ص 8.

(3) المحلى، ابن حزم، ج 7 ص 487.


مسعودرضي‌الله‌عنه فيسقينا النبيذ الشّديد)(1) .

وعن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة قال: أتي عمر بشراب وهو بالموقف عشيّة عرفة فشرب، ثمّ ناول سيّد أهل اليمن وهو عن يمينه فقال: إنّي صائم. قال: عزمت عليك إلاّ أفطرت وأمرت أصحابك أن يفطروا(2) .

أقول:

الخبر يقول: (أتي عمر بشراب) والشّراب في عرفهم غير الماء واللّبن.وهذا يعني أنّ عمر بن الخطّاب لم يكتف بحملهم على الإفطار عشيّة - أي بعد العصر - بل جعلهم يفطرون على الشّراب!

وعن ابن شهاب عن السّائب بن يزيد أنّه أخبره أنّ عمر بن الخطّاب خرج عليهم فقال: إنّي وجدت من فلان ريح شراب وزعم أنّه شرب الطّلاء، وأنا سائل عمّا شرب، فإن كان يسكر جلدته، فجلده عمر الحدّ تاما(3) .

وأنت ترى أنّه يجلد غيره لمجرّد وجود الرّائحة، ويتغاضى عن شرب نبيذ شديد أسكر الأعرابي الذي كان معه. وفي هذا المقام بالذات أنكر على أبي هريرة في قضية قدامة حين قال: (لم أره يشرب ولكنّي رأيته سكران يقيء) وقال له: (لقد تنطعت في الشهادة)(4) ! وهذا الاستنباط من طرف أبي هريرة معقول إذ لا يصحّ أن يقيء المرء شيئا لم يشربه؛ بينما عمر بن الخطاب يقطع بالظّنّ، فإنّ الرّائحة تنبعث من كل مختمر وليست بالضرورة رائحة الخمر عينها. وبين القيء والرائحة فرق كبير وأي فرق. وإذا كان فلان الذي يتحدّث عنه عمر غير سكران فعلى أي شيء يجلده؟ ألم يقل للأعرابي

____________________

(1) أحكام القرآن، الجصاص، ج 4 ص 126.

(2) مصنف ابن أبي شيبة، ج 5 ص 108 رقم 24194.

(3) تفسير البغوي، ج 1 ص 249.

(4) الإصابة في تمييز الصحابة ج 5 ص 425 وسنن البيهقي الكبرى ج 8 ص 315 ومصنف عبد الرزاق ج 9 ص 241 وأخبار المدينة ج 2 ص 36 والوافي بالوفيات ج 24 ص 152 والكافي في فقه ابن حنبل ج 4 ص 234 والمغني ج 9 ص 139، والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج 2 ص 235 وتفسير القرطبي ن ج 6 ص 398 وأحكام القرآن لابن العربي، ج 2 ص 168.


إنّما جلدتك لسكرك؟! وإنّما تفيد الحصر. وفلان هذا زعم أنّه شرب الطلاء، والحدود تدرأ بالشّبهات، فكان على عمر أن يصدّقه ويكل أمره إلى الله تعالى؛ لكنّ عمر مولع بالضرب، ويبحث عن أدنى سبب ليضرب، ولا يهمّ أن يكون المضروب رجلا أو امرأة، كما لا يهمّ أن يضربه أمام أقاربه ومحارمه، غير مراع لشيء؛ المهمّ هو الضّرب لمعالجة آثار وذكريات المعاناة التي سبّبها الخطّاب أيام الطفولة.

وعن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمررضي‌الله‌عنه حين طعن فجاءه الطّبيب فقال: أيّ الشّراب أحب إليك؟ قال: النبيذ! قال: فأتي بنبيذ فشربه فخرج من إحدى طعناته؛ وكان يقول: (إنّا نشرب من هذا النّبيذ شرابا يقطع لحوم الإبل). قال: وشربت من نبيذه فكان كأشد النبيذ(1) . وفي مصنّف ابن أبي شيبة عن نافع بن عبد الحارث قال: قال عمر اشربوا هذا النّبيذ في هذه الأسقية فإنّه يقيم الصّلب ويهضم ما في البطن وإنّه لن يغلبكم ما وجدتم الماء(2) .

أقول:

هذا عمر بن الخطّاب يدعو النّاس إلى شرب النبيذ، ويتبرّع بوصايا ونصائح طبّيّة تفيد أنّ شرب النبيذ يسهّل عملية هضم الطعام. وفي هذا المعنى قال ابن أبي الدنيا: حدثني أبي رحمه الله قال: قال بعض الحكماء لابنه: يا بني، ما يدعوك إلى النبيذ؟ قال: يهضم طعامي. قال: هو والله يا بني لدينك أهضم(3) .

وقد كان عمر يبرّر شربه النّبيذ الشّديد بأنّه معسار البطن يابس الطبيعة، يشرب النّبيذ ليسهل هضم الطعام. لكن يرد عليه أنّ تسهيل البطن وتليينه لا ينحصر في النّبيذ، وقد بقي يشربه حتى خرج من الدّنيا، فقد ذكر المؤرّخون وأصحاب التّراجم والسّير أنّه أتي بنبيذ بعد ما طعن وشربه فخرج من الجرح. وعن عمرو بن ميمون قال: شهدت

____________________

(1) الناسخ والمنسوخ، النحاس، ج 1 ص 175.

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 110 تحت رقم 24213.

(3) ذم المسكر، ابن أبي الدنيا ج 1 ص 74.


عمررضي‌الله‌عنه حين طعن فجاءه الطبيب فقال: أيّ الشّراب أحبّ إليك؟ قال: النبيذ! قال فأتي بنبيذ فشربه فخرج من إحدى طعناته. وكان يقول: إنّا نشرب من هذا النّبيذ شرابا يقطع لحوم الإبل. قال: وشربت من نبيذه فكان كأشدّ النبيذ(1) .

أقول: في قولهم أشدّ النّبيذ إشارة إلى قوّة النبيذ التي جعلت الأعرابيّ يسكر إلى أن يفقد وعيه، وهذا خلاف زعموا في قولهم عن الأداوة (خضخضها البعير).

وعن عمرو بن ميمون الأودي قال: شهدت عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه حين طعن - قال - أتاه أبو لؤلؤة وهو لعلّه يسوّي الصّفوف فطعنه وطعن اثني عشر رجلا، قال: فأنا رأيت عمررضي‌الله‌عنه باسطا يده وهو يقول أدركوا الكلب فقد قتلني. فأتاه رجل من ورائه فأخذه. قال: فحمل عمر إلى منزله فأتاه الطّبيب فقال: أيّ الشّراب أحبّ إليك؟ فقال: النّبيذ [!] قال فدعي بالنبيذ فشرب منه فخرج من إحدى طعناته فقال: إنّما هذا الصّديد صديد الدّم. قال: فدعي بلبن فشرب فقال: أوص يا أميرالمؤمنين بما كنت موصيا به، فو الله ما أراك تمسي(2) .

أقول:

النبيذ أحبّ الشّراب إليه، وهذا غير ما ذكره من الضّرورة لعسر الهضم، فإنّه يكون بمنزلة الدّواء للعلاج، ولا يقال فيه عادة: أي الدّواء أحبّ إليك؟

وقد أقام عمر بن الخطّاب حدّ الخمر على ابنه عبد الرحمن بن عمر بن الخطّاب الذي كان يقال له أبو شحمة، كما أقام حدّ الخمر على قدامة بن مظعون أخي زوجته زينب بنت مظعون بن حبيب.

أخرج عبد بن حميد عن يزيد بن الأصمّ أنّ رجلا كان ذا بأس وكان من أهل الشّام، وأنّ عمررضي‌الله‌عنه فقده فسأل عنه فقيل له: تتابع في الشّراب! فدعا عمر كاتبه فقال له: اكتب من عمر بن الخطّاب إلى فلان بن فلان، سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله

____________________

(1) الناسخ والمنسوخ، النحاس ج 1 ص 175.

(2) سنن البيهقي الكبرى، ج 3 ص 113 والطبقات الكبرى، ج 3 ص 362 وشرح معاني الآثار، ج 4 ص 218.


الذي لا إله إلاّ هو (بسم الله الرحمن الرحيم حم..) إلى قوله تعالى (إليه المصير)، وختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتّى تجده صاحيا، ثمّ أمر من عنده بالدّعاء له بالتّوبة؛ فلمّا أتته الصّحيفة جعل يقرأها ويقول: (قد وعدني ربّي أن يغفر لي وحذّرني عقابه)، فلم يبرح يردّدها على نفسه حتى بكى، ثمّ نزع فأحسن النّزوع. فلمّا بلغ عمر توبته قال: هكذا فافعلوا، إذا رأيتم أخاكم قد زلّ زلّة فسدّدوه ووقفوه وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشّياطين عليه(1) .

أقول:

لماذا لم يتعامل عمر معه ابنه عبد الرحمن بما تعامل به مع هذا الرّجل! وكيف يدعو الآخرين إلى مثل هذه الطّريقة ويقوم بإضافة حدّ لا دليل عليه من كتاب أو سنّة أدّى إلى قتل ولده. سلو كان مختلفان تماما في واقعة واحدة. لكن يبدو أنّ في شرب عبد الرحمن بن عمر الخمر هتكا لآل الخطاب، وهذا ما لا يتحمّله عمر! ثمّ هو يقول: (إذا رأيتم أخاكم قد زلّ زلّة فسدّدوه وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشّياطين عليه)، لكنّه نكّل بصبيغ بن عسل فيما هو دون هذا، وجعل منه رجلا يتحاشى النّاس مجالسته بعد أن كان شريفا في قومه. وقد جعل الإسلام حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة.

وقال عبد الله بن عبّاس: بلغ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه أنّ سمرة باع خمرا فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: (لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشّحوم فجملوها فباعوها)(2) ؟

____________________

(1) روح المعاني، ج 24 ص 43 وتفسير مجاهد، ج 2 ص 563 باختلاف يسير.

(2) صحيح مسلم، ج 3 ص 1207 وسنن النسائي الكبرى، ج 3 ص 87 وسنن النسائي الكبرى، ج 6 ص 342 والسنن المأثورة، ج 1 ص 283 وسنن ابن ماجه، ج 2 ص 1122 وسنن الدارمي، ج 2 ص 156 وسنن النسائي (المجتبى)، ج 7 ص 177 ومسند أبي عوانة، ج 3 ص 371، ومصنف عبد الرزاق، ج 6 ص 75، ومصنّف عبد الرزاق، ج 8 ص 195، ومعرفة السنن والآثار، ج 4 ص 399، ومسند الحميدي، ج 1 ص 9، ومسند أحمد بن حنبل، ج 1 ص 25، ومسند البزار، ج 1 ص 219، ومسند عمر بن الخطاب، ج 1 ص 46 وج 1 ص 47 وفتح الباري ج 4 ص 414، وفتح الباري، ج 4 ص 414، وعمدة القاري، ج 12 ص 36 التمهيد لابن عبد البر


قصّة قدامة بن مظعون

استعمل عمر بن الخطّاب قدامة بن مظعون على البحرين فقدم الجارود العبدي من البحرين على عمر بن الخطّاب فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ قدامة شرب فسكر، وإنّي رأيت حدّا من حدود الله حقّا عليّ أن أرفعه إليك. قال عمر: من شهد معك؟ قال: أبو هريرة. فدعا أبا هريرة فقال: بم تشهد؟ فقال: لم أره يشرب ولكنّي رأيته سكران يقيء. فقال عمر: لقد تنطّعت في الشّهادة. ثم كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين. فقدم فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله. فقال عمر: أخصم أنت أم شهيد؟ فقال: شهيد. قال: قد أدّيت شهادتك! فسكت الجارود. ثمّ غدا على عمر فقال: أقم على هذا حدّ الله عزّ وجلّ. فقال عرم: لتمسكنّ لسانك أو لأسوءنّك! فقال: يا عمر، والله ما ذلك بالحقّ ن يشرب ابن عمّك الخمر وتسوءني! فقال أبو هريرة: إن كنت تشكّ في شهادتنا فارسل إلى ابنة الوليد - امرأة قدامة - فسلها. فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها فأقامت الشّهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة: إنّي حادّك. قال: لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن تحدّوني فقال عمر: لم؟ قال قدامة: قال الله عزوجل:( لَيْسَ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيَما طَعِمُوا إِذَا مَا اتّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ ) ، فقال عمر: أخطأت التّأويل، لو اتّقيت لله اجتنبت ما حرّم الله. ثمّ أقبل عمر على النّاس فقال: ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما كان مريضا. فسكت على ذلك أيّاما، ثمّ أصبح يوما وقد عزم على جلده فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ فقالوا لا نرى أن تجلده ما كان مريضا. فقال عمر: لأن يلقى الله تحت السّياط أحبّ إليّ من أن ألقاه وهو في عنقي. ائتوني بسوط تامّ. فأمر عمر بقدامة فجلد فغاضب عمر وهجره، فحجّ عمر وقدامة معه مغاضب له، فلما قفلا من حجّهما نزل عمر بالسّقيا فنام، فلمّا استيقظ من نومه قال: عجّلوا عليّ بقدامة، فو الله لقد أتاني آت في منامي فقال: سالم قدامة فإنّه أخوك، فعجلوا عليّ به! فلمّا أتوه أبى أن يأتي، فأمر به

____________________

ج 4 ص 143 ومقدمة فتح الباري ج 1 ص 360.


عمر إن أبى أن يجرّوه إليه [!] فكلّمه عمر واستغفر له، فكان ذلك أوّل صلحهما. روى ابن جريج عن أيوب السختياني قال: لم يحدّ أحد من أهل بدر في الخمر إلاّ قدامة بن مظعون. توفي قدامة سنة ستّ وثلاثين وهو ابن ثمان وستّين سنة(1) .

قال ابن عاشور بخصوص هذه القصّة: وقد يكون المرويّ في سبب النّزول مبيّنا ومؤوّلا لظاهر غير مقصود، فقد توهّم قدامة بن مظعون من قوله تعالى( لَيْسَ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيَما طَعِمُوا ) فاعتذر بها لعمر بن الخطّاب في شرب قدامة خمرا. روي أنّ عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين فقدم الجارود على عمر فقال: إنّ قدامة شرب فسكر؛ فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟ قال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول، وذكر الحديث، فقال عمر: يا قدامة، إنّي جالدك. قال: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني! قال عمر: ولم؟ قال لأن الله يقول( لَيْسَ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ جُنَاحٌ ) الخ.. فقال عمر: إنّك أخطأت التّأويل يا قدامة، إذا اتّقيت الله اجتنبت ما حرّم الله. وفي رواية فقال: لم تجلدني! بيني وبينك كتاب الله؛ فقال عمر: وأيّ كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ قال: إن الله يقول في كتابه( لَيْسَ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا ) إلى آخر الآية، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصّالحات ثمّ اتّقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله بدرا، وأحدا والخندق والمشاهد. فقال عمر: ألا تردّون عليه قوله! فقال ابن عبّاس: إنّ هؤلاء الآيات أنزلن عذرا للماضين وحجّة على الباقين، فعذر الماضين بأنّهم لقوا الله قبل أن تحرّم عليهم الخمر وحجّة على الباقين لأنّ الله يقول:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ .. ) ثمّ قرأ إلى آخر الآية الأخرى، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصّالحات ثمّ اتّقوا وآمنوا وأحسنوا فإنّ الله قد نهى أن يشرب الخمر. قال عمر: صدقت... الحديث(2) .

____________________

(1) أسد الغابة، ج 1 ص 908، والمحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج 2 ص 235 والوافي بالوفيات، ج 24 ص 153.

(2) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 1 ص 10.


وعن الزهري عن السائب بن يزيد قال: قال عمر بن الخطّاب: (ذكر لي أنّ عبيد الله وأصحابه شربوا شرابا بالشّام، وأنا سائل عنه، فإن كان مسكرا جلدتهم)(1) .

أقول:

لكنّ شراب عمر الذي شرب منه الأعرابي مسكر بدليل سكر الأعرابي، ولا أحد يؤاخذ عمر، وهو مع ذلك يقول هذا الكلام.

وهذه صورة الحوار الذي جرى بين عمر بن الخطاب والجارود في قصّة قدامة يذكرها ابن عطيّة الأندلسيّ في تفسيره، قال: وقد تأوّل هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصّحابةرضي‌الله‌عنه وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا، وكان ختن عمر بن الخطّاب، خال عبد الله وحفصة، ولاّه عمر بن الخطّاب على البحرين ثمّ عزله لأنّ الجارود سيّد عبد القيس قدم على عمر بن الخطّاب فشهد عليه بشرب الخمر، فقال له عمر: ومن يشهد معك؟ فقال: أبو هريرة. فجاء أبو هريرة فقال له عمر: بم تشهد؟ قال: لم أره يشرب ولكن رأيته سكران يقيء! فقال له عمر: لقد تنطّعت في الشّهادة. ثمّ كتب عمر إلى قدامة أن يقدم عليه فقدم؛ فقال الجارود لعمر: أقم علي هذا كتاب الله! فقال له عمر: أخصم أنت أم شهيد؟ قال: بل شهيد. قال: قد أدّيت شهادتك! فصمت الجارود. ثمّ غدا على عمر فقال: أقم على قدامة كتاب الله. فقال له عمر: ما أراك إلاّ خصما، وما شهد معك إلاّ رجل واحد. قال الجارود: إنّي أنشدك الله! قال عمر: لتمسكنّ لسانك أو لأسوأنّك! فقال الجارود: ما هذا والله يا عمر بالحقّ، أن يشرب ابن عمّك الخمر وتسوءني! فقال أبو هريرة: إن كنت تشكّ في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها، وهي امرأة قدامة، فبعث عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها الله فأقامت الشّهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة: إنّي حادّك فقال: لو شربت كما يقولون لم يكن لك أن تحدّني. قال عمر: لم؟ قال لأنّ الله

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 68 تحت رقم 23756.


تعالى يقول( لَيْسَ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ جُنَاحٌ ) الآية. فقال له عمر: أخطأت التّأويل، إنّك إذا اتّقيت الله اجتنبت ما حرّم عليك. ثمّ حدّه عمر، وكان مريضا فقال له قوم من الصحابة (لا نرى أن تجلده ما دام مريضا). فأصبح يوما وقد عزم على جلده فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ قالوا: (لا نرى ذلك ما دام وجعا)، فقال عمر: لأن يلقى الله وهو تحت السّياط أحبّ إليّ من أن ألقاه وهو في عنقي، وأمر بقدامة فجلد؛ فغاضب قدامة عمر وهجره إلى أن حجّ عمر وحج معه قدامة مغاضبا له، فلما كان عمر بالسّقيا نام ثمّ استيقظ فقال: عجّلوا عليّ بقدامة، فقد أتاني آت في النّوم فقال (سالم قدامة فإنه أخوك) فبعث في قدامة فأبى أن يأتي، فقال عمر: جروه إن أبى! فلمّا جاء كلّمه عمر واستغفر له، فاصطلحا. قال أيّوب بن أبي تميمة: لم يحدّ أحد من أهل بدر في الخمر غيره(1) .

تلكم كانت القصّة التي اختارها المحدّثون والمؤرخون، وكتموا منها ما يكشف عن أمور تسيء إلى سمعة عمر أو يشنع الحديث به على حدّ تعبير ابن هشام. فقد ذكر ابن شبّة في أخبار المدينة تفاصيل تكشف جوانب خفيّة من شخصيّة عمر وإليك تفصيل ذلك. قال ابن شبّة: حدثنا محمد بن يحيى عن محمد بن جعفر قال: لما توفّي العلاء بن الحضرمي وهو عامل البحرين لعمررضي‌الله‌عنه ، استعمل عمررضي‌الله‌عنه قدامة بن مظعون عليها، فخرج يغزو بعض بلاد الأعاجم فأصابهم في مسيرهم نصب وعذر، فمرّوا ببيت مفتوح فدخله قدامة والأرقم بن أبي الأرقم وعياش بن أبي ربيعة المخزومي وابن حنظلة الرزقي الأنصاري، فوجدوا فيه طعاما كثيرا وخمرا في جرار، فأكل قدامة وبعض من معه وشربوا من تلك الخمر، ثمّ لحقهم أبو هريرةرضي‌الله‌عنه فمرّ بالبيت فدخله فوجدهم فأنكر عليهم ما صنعوا، فقال: ما لك ولهذا يا ابن أبيه؟ وقال عياش: إنّي والله ما كنت من أمرهم بسبيل، ولا شربت ما شربوا! قال: فما لك معهم؟ قال: استظللت بظلّهم؛ واستقاء فقاء كسرا أكلها وشرب عليها ماء. فركب الجارود

____________________

(1) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي، ج 2 ص 235.


العبدي ورجل من بني رياح بن يربوع بن حنظلة كان خصيّا في الجاهليّة، فكان يقال له خصيّ بني رياح في نفر من أهل البحرين حتّى قدموا على عمررضي‌الله‌عنه فذكروا له أمر قدامة، وشهدوا عليه بشرب الخمر، فسبّهم وغضب عليهم غضبا شديدا، وأبى أن ينزلهم ومنع الناس أن ينزلوهم [!] ومرّ الجارود بمنزل عمررضي‌الله‌عنه وابنة له تطلع وهي ابنة أخت قدامة فقالت: والله لأرجو أن يخزيك الله! فقال: إنما يخزي الله العينين اللتين تشبهان عينيك أو يأثم أبوك! ورجا عمررضي‌الله‌عنه أن ينزعوا عن شهادتهم، وأعظم ما قالوا، وأرسل إلى الجارود: لقد هممت أن أقتلك أو أحبسك بالمدينة فلا تخرج منها أبدا أو أمحوك من العطاء فلا تأخذ مع المسلمين عطاء أبدا! فأرسل إليه الجارود: إن قتلتني فأنت أشقى بذاك ن وإن حبستني بالمدينة فما بلد أحبّ إليّ من بلد فيه قبر رسول الله ومنبره ومهاجره، وإن محوتني من العطاء ففي مالي سعة ويكون عليك مأثم ذاك وتباعته. فلما رأى عمررضي‌الله‌عنه أنّهم لا ينزعون ولا يزدادون إلا شدّة أرسل إليهم وسمع منهم، وقال: والله ما استعملت عاملا قطّ لهوى لي فيه إلاّ قدامة، ثمّ والله ما بارك الله لي فيه. ثمّ كتب إلى أبي هريرةرضي‌الله‌عنه إن كان ما شهدوا حقّا فاجلد قدامة الحدّ واعدل. فلمّا جاء كتاب عمر أبا هريرةرضي‌الله‌عنه جلد قدامة الحدّ؛ فقدم قدامة على عمررضي‌الله‌عنه فتظلّم من أبي هريرة فقدم أبو هريرةرضي‌الله‌عنه فأرسل إليه عمررضي‌الله‌عنه خاصم قدامة فإنّه قد تظلّم منك. فقال: لا، حتّى يرجع إليّ عقلي ويذهب عنّي نصب السّفر وأنام، فإنّي قد سهدت في سفري. فلبث ثلاثا ثمّ خاصم قدامة في بيت عمر، وعند عمررضي‌الله‌عنه زينب بنت مظعون وهي أمّ حفصة وعبد الله ابني عمر، فتراجعا، فكان أبو هريرةرضي‌الله‌عنه أطولهما لسانا، ففزعت بنت مظعون فقالت: لعنك الله من شيخ طويل اللّسان ظالم! فقال أبو هريرة: بل لعنك الله من عجوز حمراء رمضاء بذيء لسانها فاحشة في بيتها(1) ! فقال قدامة: يا أمير المؤمنين سله لم جلدني؟ قال: جلدتك بالذي رأيت منك! قال: هل رأيتني أشرب الخمر؟ قال: لا. قال عمررضي‌الله‌عنه : الله أكبر! قال أبو هريرةرضي‌الله‌عنه :

____________________

(1) كل هذا السّبّ والشّتم بحضور الخليفة عمر ذي الهيبة! وما يلفت انتباه المتتبّع هو سلوك عمر مع بنت مظعون على خلاف عادته، فإنّه يضرب النّساء لأمور أقلّ بكثير مما أتت به هي!


يرحم الله أبا بكر، تشتمني زوجتك وتقضي بيني وبين ختنك في بيتك وتعين عليّ بالتّكبير! فقال عمررضي‌الله‌عنه : فقوموا؛ فقاموا جميعا حتّى جلسنا في المسجد، واجتمع عليهم النّاس فقال قدامة: أنشدك الله هل رأيتني أشرب الخمر؟ قال: لا. قال: فهل رأيتني أشتريها؟ قال: لا. قال فهل رايتني أحملها؟ قال: لا. قال: فهل رأيتها تحمل إليّ؟ قال لا. قال: الله أكبر، ففيم جلدتني؟ قال: جلدتك أنّي رأيتك تقيئها تخرجها من بطنك، فمن أين أدخلتها؟ قال قدامة: وإنّك بالخمر لعالم؟ قال: نعم والله، ولقد كنت أشربها ثمّ ما شربتها بعدما بايعت رسول الله. قال عمررضي‌الله‌عنه : تب إلى الله يا قدامة! اللّهمّ صدق وكذبت، وبرّ وفجرت، تب إلى الله(1) .

هذه هي القصّة كما رواها ابن شبّة، وأنت ترى أنّ فيها كثيرا من التفاصيل التي تعمّد الآخرون كتمانها حفاظا منهم على صورة الخليفة في الأذهان، لأنّ المسلم حين يطلع على تصرّف عمر بن الخطّاب مع من شهدوا على أخي زوجته بشرب الخمر يتعجّب من ذلك التّصرّف الجاهلي الذي لا علاقة له بالإسلام (فسبّهم، وغضب عليهم غضبا شديدا، وأبى أن ينزلهم، ومنع الناس أن ينزلوهم [!]!! وأبعد من ذلك أنه قال للجارود: لقد هممت أن أقتلك أو أحبسك بالمدينة فلا تخرج منها أبدا أو أمحوك من العطاء فلا تأخذ مع المسلمين عطاء أبدا.

لماذا فعل بهم كل هذا؟! ألأنّهم شهدوا على أحد أقارب زوجته، وهو الذي لم يتزعزع حين شهدوا على ولده وأقام عليه حدّا ثانيا؟ أم لأنّ لعمر ضعفا وأي ضعف أمام زوجته؟ هذه الزّوجة التي لا ترعى حرمة زوجها وتحضر مجلس رجال وتقول لأبي هريرة أمام زوجها المهيب الذي يهابه الولاة وقادة الجيوش: (لعنك الله من شيخ طويل اللّسان ظالم) فتلعن أمام زوجها صحابيّا يتفانى سلفيّة زماننا في الدّفاع عنه! وانظر إلى أبي هريرة يجيبها: (بل لعنك الله من عجوز حمراء رمضاء بذيء لسانها فاحشة في بيتها) فيشهد عليها بالبذاءة والفحش في بيتها، وهو في بيتها! هذا الحوار الساخن المفعم

____________________

(1) أخبار المدينة، ابن شبة النميري، ج 2 ص 38.


بـ اللعن والفاحشة والبذيئة اللسان يجري بمحضر عمر بن الخطّاب ولا أثر لهيبته ولا لدرّته!! وفي القصّة تأمّلات وعبر غير ما ذكرنا لمن أراد أن يدّبّر.



الفصل التاسع

من أخبار عمر



من أخبار عمر

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عبّاس في قوله:( وَمِمّنْ حَوْلَكُم مِنَ الْأَعْرَابِ ) الآية قال: قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم جمعة خطيبا فقال: قم يا فلان فاخرج فإنّك منافق، اخرج يا فلان فإنّك منافق، فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم، ولم يكن عمر بن الخطّاب يشهد تلك الجمعة لحاجة كانت له، فلقيهم عمر وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم استحياء أنّه لم يشهد الجمعة، وظنّ النّاس قد انصرفوا واختبأوا هم من عمر وظنّوا أنه قد علم بأمرهم، فدخل عمر المسجد فإذا النّاس لم ينصرفوا فقال له رجل: أبشر يا عمر، فقد فضح الله المنافقين اليوم، فهو العذاب الأوّل والعذاب الثّاني عذاب القبر(1) .

أقول:

في روايات أنّهم كانوا ستّة وثلاثين منافقا، لكنّ كتب الرّجال خالية من أسمائهم، كلّ ما في الأمر فلان وفلان. وقد أورد الطبراني اثني عشر اسما أصحابها لا هم في العير ولا هم في النفير. ولم يذكر المصدر الذي نقل الأسماء منه فزاد القضية غموضا.

وعن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائما في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا هو عمر بن الخطّاب فقال: اذهب فائتني بهذين فجئته بهما فقال: من أنتما؟ ومن أين أنتما؟ قالا: من أهل الطّائف قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (2) .

وسمع عمر صوت رجل في المسجد فقال: أتدري أين أنت(3) ؟

____________________

(1) صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 208، وصحيح ابن حبان ج 8 ص 230، والدر المنثور ج 4 ص 273، وتفسير ابن كثير ج 4 ص 181، وزاد المسير ج 6 ص 423، وفتح القدير ج 2 ص 401، والمعجم الأوسط ج 1 ص 242، ومسند أحمد بن حنبل ج 5 ص 273، ومجمع الزوائد ج 1 ص 112، مجمع الزوائد ج 7 ص 34، وتخريج الأحاديث والآثار ج 2 ص 97، والمحلى ج 11 ص 221، ودلائل النبوة ج 5 ص 283، والبداية والنهاية ج 5 ص 27.

(2) صحيح البخاري ج 1 ص 179 والجمع بين الصحيحين ج 1 ص 133 وسنن البيهقي الكبرى ج 2 ص 447 ومرقاة المفاتيح ج 2 ص 418 وتفسير ابن كثير ج 3 ص 294.

(3) تفسير ابن كثير ج 3 ص 294 وتفسير القرطبي ج 2 ص 115.


أقول:

يقول هذا وهو الذي ودّع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برفع الصّوت في وجهه وتهمته أنّه يهجر حتى غضب النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وطرده ومن كان معه.

وعن يحيى بن سعيد عن عبيد بن حنين أنّه سمع ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه قال: قال عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه : جئت فإذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مشربة، وإنّه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإنّ عند رجليه قرظا مصبورا، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله إنّ كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله؟ فقال: أما ترضى أن تكون لهم الدّنيا ولنا الآخرة؟

أقول:

عمر يبكي شفقة على رسول الله! ويهجم في نفس الأسبوع الذي توفي فيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بيت بضعته عليه السلام باسم الإسلام!

قال المدائني: كتب عمر إلى عدي في كتابه: (إن الله جعل لأهل الخير أعوانا عليه، ولأهل الشرّ أصحابا مزيّنين له، وقد نهيتك عن كاتبك فلم أرك متحاشيا لذلك، ولا زاجرا له عن ظلم الرّعيّة وانتقاص حقوقهم، وإنّك حين تفعل ذلك يا عدي لمغترّ بي، تارك حظّك من الله، فاطرد عنك هذا الشّائن، ولا تشركه في أمانتك، وأخرجه عن المصر، فإنّي لو أشركت أحدا من حزب الشّيطان في أمانتي لاستعنت بابن أبي مسلم، فاكفني نفسك يا عدي، ولا تحملني على مكروهك، إن شاء الله، والسّلام)(1) .

أقول:

من يسمع قول عمر (لو أشركت أحدا من حزب الشّيطان في أمانتي لاستعنت بابن أبي مسلم) يتصوّر أنّ عمر بن الخطّاب لم يشرك في أمانته إلاّ حزب الرّحمن، والحال

____________________

(1) أنساب الأشراف، البلاذري، ج 8، ص 193.


خلاف ذلك تماما، فإنّه قد همّش البدريّين والسابقين إلى الإسلام، وقدّم الطّلقاء الذين حاربوا الإسلام إلى آخر لحظة ممكنة، ولم يدخلوا فيه إلا مكرهين حقنا لدمائهم. ومن الطلقاء يزيد بن أبي سفيان وقد عيّنه أبوبكر وأقرّه عمر. ومنهم معاوية بن أبي سفيان الذي جرى لعنه على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي ما ينطق عن الهوى، ولم يكتف عمر باستعماله بل كان يقول عنه: (هذا كسرى العرب). ومن المستخفّين بالدّين الوليد بن عقبة بن أبي معيط الذي سمّاه القرآن الكريم فاسقا، ومع ذلك استعمله عمر بن الخطاب! ومنهم قنفذ التيمي الذي لطم وجه فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم هجموا على بيتها، وقد استعمله عمر واليا على مكّة، ومات في حياته فصلّى عليه ونزل في قبره.

وروي أن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء أتوا عمر بن الخطّاب في خلافته ليأذن لمجمع بن حارثة فيؤمّهم في مسجدهم فقال: لا ولا نعمة عين، أليس بإمام مسجد الضّرار؟ فقال له مجمع: يا أمير المؤمنين: لا تعجل عليّ، فو الله لقد صلّيت فيه وإنّي لا أعلم ما أضمروا عليه، ولو علمت ما صلّيت معهم فيه. كنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا شيوخا لا يقرؤون القرآن فصلّيت ولا أحسب إلاّ أنّهم يتقرّبون إلى الله تعالى ولم أعلم ما في أنفسهم؛ فعذره عمر وصدّقه وأمره بالصّلاة في مسجد قباء(1) .

وقال جابر بن عبد الله: رأى عمر بن الخطّاب لحما معلقا في يدي فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت: اشتهيت لحما فاشتريته فقال عمر: أو كلما اشتهيت شيئا يا جابر اشتريت؟ أما تخاف هذه الآية:( أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدّنْيَا ) ؟(2) .

قال البيهقي: وروينا عن أبي حريز أن رجلا كان يهدي إلى عمر بن الخطاب كلّ سنة فخذ جزور، قال فجاء يخاصم إلى عمر فقال يا أمير المؤمنين اقض بيننا قضاء فصلا كما تفصل الفخذ من الجزور قال فكتب عمر إلى عماله لا تقبلوا الهدايا فإنها رشوة(3) .

____________________

(1) تفسير البغوي، ج 1 ص 93.

(2) تفسير البغوي، ج 1 ص 260.

(3) السنن الصغرى للبيهقي، نسخة الأعظمي) ج 9 ص 51 تحت رقم 4186 وسنن البيهقي الكبرى، ج 10


ويبدو أن البهقي قد حذف مقطعا من القصة، فقد رواها ابن أبي الدنيا كما يلي: عن أبي جرير الأزدي قال كان رجل لا يزال يهدي لعمر فخذ جزور قال إلى أن جاء إليه ذات يوم بخصم فقال له يا أمير المؤمنين اقض بيننا قضاء فصلا كما تفصل الفخذ من سائر الجذور. قال عمر: فما زال يردّدها عليّ حتى خفت على نفسي، فقضى عليه عمر ثمّ كتب إلى عماله: أما بعد، فإيّاكم والهدايا فإنها من الرشا(1) .

ومن حقّ الرجل أن يرددها لأنه أهدى مرّات ومرّات، فالرواية تقول: (لا يزال يهدي).

وعن أنس انّ عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعبّاس بن عبد المطّلب فقال: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل غليك بعم نبينا فاسقنا)، قال: فيسقون(2) .

أقول:

إذا كان ثالث ثلاثة، وأفضل الخلق بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر، فلماذا لا يستسقي بنفسه، فإنّ الاستسقاء بالمفضول مع وجود الفاضل قبيح في نظر العقلاء؟!. وإذا كان العبّاس - على جلالة قدره - أفضل من علي بن أبي طالب عليه السلام فلم لم يباهل به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم وفد نجران؟! نعم، كان عمر بن الخطاب يعلم أنّ القرشيين - إلاّ من رحم ربّك - يبغضون عليّا عليه السلام، ولو استسقى به لدحضت حجّتهم وافتضحت خباياهم وظهر فضله ومقامه لمن كان يجهله، وقريش إنّما كانت تجتهد في صرف الأمر عن أهل البيت عليهم السلام بكل الوسائل.

وعن ابن شهاب قال حدثني سعيد بن المسيب قال: لمّا توفّي أبوبكر رحمه الله أقامت عليه عائشة النّوح(3) ، فأقبل عمر بن الخطّاب حتى قام ببابها فنهاهن عن البكاء

____________________

ص 138 والإشراف في منازل الأشراف، ج 1 ص 295 وكنز العمال، ج 5 ص 327.

(1) الإشراف في منازل الأشراف ج 1 ص 251.

(2) صحيح البخاري، ج 1 ص 342 الحديث رقم 964.

(3) وهذا يعني أن عائشة زوج النبيص) وهي التي يؤخذ عنها نصف الدين كانت ترى جواز النوح على الميت.


على أبى بكر، فأبين أن ينتهين، فقال عمر لهشام بن الوليد: (ادخل فأخرج إليّ ابنة أبي قحافة أخت أبي بكر) فقالت عائشة: لهشام حين سمعت ذلك من عمر إني أحرّج عليك بيتي فقال عمر لهشان ادخل فقد أذنت لك فدخل هشام فأخرج أم فروة أخت أبي بكر إلى عمر فعلاها الدّرّة فضربها ضربات فتفرّق النّوح حين سمعوا ذلك(1) .

يبدو أن الخليفة مولع بالهجوم على أهل الحداد الذين فقدوا أعزاءهم وتيقّنوا أنهم لن يروهم قبل يوم القيامة إلاّ في عالم الرؤيا؛ فكما هجم على بيت فاطمة عليها السلام، هجم على بيت عائشة زوج النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي هي في نفس الوقت بمنزلة أمّه، باعتبارها إحدى أمّهات المؤمنين، وزوجة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وابنة صديقه وحليفه الأوّل، فلم يرع لا هذه ولا تلك ولا الأخرى، وهجم على بيت عائشة الذي هو أحد بيوت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا إشكال. فإذا كان القرءان الكريم قد نهى عن دخول بيوت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من دون إذن منه فكيف بالهجوم عليه؟ ثم هو يقول للرّجل: ادخل فقد أذنت لك، فمتى أعطاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكالة كي يأذن بذلك. هذه المسألة محلّ تأمل.

وقال الطبري في تاريخه: قال عليّ بن محمد عن الذين سميت قال بعضهم: جعل أبوبكر عمر قاضيا في خلافته فمكث سنة لم يخاصم إليه أحد قال وقالوا: كان يكتب له زيد بن ثابت(2) .

أقول:

إمّا وإمّا؛ إما أنّ الناس عاشوا ملائكة على الأرض يمشون سنة كاملة، ثمّ عادت إليهم الشّيطنة أو عادوا إليها..

وإمّا أن النّاس يئسوا من حقوقهم بعد أن رأوا حكم الرّجلين بخصوص فاطمة وعليّ عليه السلام، فإنّ الذي يكذّب مطهّرين بنصّ الكتاب ويردّ شهادتهما قد ردّ شهادة الحقّ لهما بالطّهارة. وبعد كلّ ذلك، في تولية القضاء من لا يعرف الكلالة وكثيرا من

____________________

(1) تاريخ الطبري، ج 2 ص 614.

(2) تاريخ الطبري، ج 2 ص 617.


شبيهاتها نظر، اللّهمّ إلاّ أن يكون منصب القضاء لا علاقة له بالعلم والاجتهاد!

وعن المسور بن مخرمة عن عبد الرحمنبن عوف أنّه حرس ليلة مع عمر بن الخطّاب بالمدينة فبينما هم يمشون شب لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمونه حتى إذا دنوا منه إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة، فقال عمر وأخذ بيد عبد الرحمن: أتدري بيت من هذا؟ قال: لا. قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن شرب فما ترى؟ فقال عبد الرحمن: أرى قد أتينا ما نهى الله عنه نهانا الله عزوجل فقال (ولا تجسسوا) فقد تجسنا، فانصرف عمر عنهم وتركهم. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(1) .

عن حرام بن هشام عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطّاب عام الرّمادة مرّ على امرأة وهي تعصد عصيدة لها فقال: ليس هكذا تعصدين ثمّ أخذ المسوط فقال: هكذا، فأراها(2) .

أقول:

ليس من عادة الرّجال في ثقافة العرب الدّخول في تفاصيل شؤون النّساء. وهذا الذي قام به عمر بن الخطّاب يذكّر ببرنامج إذاعيّ كان يبثّ على الإذاعة التّونسية أيّام الرئيس بورقيبة تحت عنوان (من توجيهات الرئيس)، كان الرئيس التّونسي (المجاهد الأكبر) يومها يتوجّه إلى المواطنين التّونسيين بنصائح وإرشادات تساعدهم في حياتهم اليوميّة - على زعمه - وكأنّه لم يكن في تونس يومها عقل سوى عقل المجاهد الأكبر.

عن محمد بن عمر المخزومي عن أبيه قال: نادى عمر بن الخطّاب: الصلاة جامعة! فلما اجتمع النّاس وكثروا صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلّى على نبيّه ثمّ قال: أيّها الناس! لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم فيقبضن لي القبضة من التّمر أو الزّبيب فأظلّ يومي وأيّ يوم؟ ثمّ نزل فقال له عبدالرحمن بن

____________________

(1) في المستدرك على الصحيحين، الحاكم، ج 4 ص 419 تحت رقم 8136.

(2) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ج 3 ص 314 كنز العمال ج 12 ص 291..


عوف: ما زدت على أن قمّأت نفسك، يعني عبت، قال: ويحك يا ابن عوف! إنّي خلوت فحدّثتني نفسي فقالت: أنت أمير المؤمنين فمن ذا أفضل منك؟ فأردت أن أعرفها نفسها(1) .

أقول:

ملك ذو القرنين أرضا واسعة بين المشرق والمغرب ولم يقم بالحركة التي قام بها عمر؛ ويقول عمر: (خلوت فحدّثتني نفسي..) فلماذا لم يحدّثها خاليا كما حدّثته خاليا؟ ومادام الحديث بينه وبين نفسه فلماذا أقحم فيه الناس؟! أين هو عن المناجاة كأن يقول: (وأنا عبدك الذليل الحقير المسكين المستكين)؟! وهذا أقرب مقرّبيه وأمين سرّه عبدالرحمن بن عوف استهجن الحركة وعدّها إذلالا للنّفس في ما لا طائل تحته. وأمّا قوله (فأردت أن أعرّفها نفسها) فقد عرفت نفسه نفسها يوم أحد حين كان يصعد الجبل كالأروى لا يلوي على شيء فرارا من الشّهادة، ويوم خيبر إذ فرّ لمجرّد رؤية مرحب اليهوديّ ورجع بأصحابه يجبّنهم ويجبّنونه، ويوم الأحزاب إذ كان يرتجف بينما كان عمرو بن عبد ودّ يتحدّاه ويتحدّى بقيّة مشايخ قريش الذين تأخرت شجاعتهم إلى يوم السّقيفة، يوم هجموا على أشرف بيت!

وفي مصنف ابن أبي شيبة: عن عبد الله بن عمر أنّ عاتكة بنت زيد امرأة عمر بن الخطّاب قبّلته وهو صائم فلم ينهها(2) .

قال السيوطي: وأخرج مالك عن عبد الله بن دينار قال خرج عمر بن الخطّاب من الليل يسمع امرأة تقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني أن لا خليل ألاعبه * فو الله لو لا الله أني أراقبه * لحرّك من هذا السّرير جوانبه * فسأل عمر ابنته حفصة كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستّة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر: لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك(3) .

____________________

(1) كنز العمال، المتقي الهندي، ج 12 ص 291.

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج 2 ص 315 الحديث رقم 9408.

(3) الدر المنثور، ج 1 ص 652.


أقول:

يسأل ابنته هذا السؤال مع إمكان سؤال غيرها، وله أكثر من زوجة وجارية، وفيه من ترك الحشمة ما فيه بين الأب وابنته! لم لم يسأل إحدى أزواجه؟! لأنّ الذين رووا هذا الخبر أرادوا أن يجعلوا من ذلك إنجازا لآل الخطّاب، فحصروا القضيّة بين عمر وابنته، وغفلوا عمّا في ذلك من ترك الحياء والحشمة.

قالوا: أتت امرأة إلى عمر بن الخطّاب فقالت: يا أمير المؤمنين، إنّ زوجي يصوم النّهار، ويقوم اللّيل، وأنا أكره أن أشكوه إليك وهو يقوم بطاعة الله! فقال لها: جزاك الله خيرا من مثنية على زوجها، فجعلت تكرّر عليه القول وهو يكرّر عليها الجواب، وكان كعب بن سوار الأسدي حاضرا فقال له: اقض يا أميرالمؤمنين بينها وبين زوجها. فقال: وهل فيما ذكرت قضاء؟ فقال: إنّها تشكو مباعدة زوجها لها عن فراشها، وتطلب حقها في ذلك فقال له عمر: أما لأن فهمت ذلك فأقض بينهما(1) .

أقول:

هذا الذي ظنّه أفضل من يقين غيره، ويوافقه ربّه فينزل القرآن منسجما مع خطرات نفسه، لم يفهم كلام المرأة لأنّها ألبسته الحشمة والحياء، على خلاف طريقته هو الذي جبه ابنته بذاك السؤال. أين ذهب التّحديث والملائكة والموافقة السّماوية؟!

وأخرج البيهقي في سننه عن عمر بن الخطّاب قال والله إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبّح(2) .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن زيد بن أسلم قال: بلغني أنّه جاءت امرأة إلى عمر بن الخطّاب فقالت إن زوجها لا يصيبها فأرسل إليه فقال كبرت وذهبت قوتي فقال له عمر: أتصيبها في كل شهر مرّة؟ قال: اكثر من ذلك! قال عمر: في كم تصيبها؟

____________________

(1) تفسير القرطبي ج 5 ص 19 والدر المنثور ج 1 ص 653 وعمدة القاري ج 20 ص 188 والمنتظم ج 5 ص 115 والمبسوط للسرخسي ج 5 ص 220 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 5 ص 2445 وصفة الصفوة ج 1 ص 452 والأذكياء ج 1 ص 208.

(2) سنن البيهقي الكبرى ج 7 ص 79 وكنز العمال ج 16 ص 203 والإفصاح ج 1 ص 57.


قال: في كل طهر مرّة. فقال عمر: اذهبي فإنّ فيه ما يكفي المرأة(1) .

أقول:

هذا رأي عمر، وهو بهذا يجهل أو يتجاهل التّفاوت بين النّاس رجالا ونساء في هذه المسألة، والحال أنّ المرأة إذا لم يكفها زوجها ويحصنها فتح لها الشّيطان أبوابا يصعب سدّها. وإذا كان عمر بن الخطاب خبيرا في هذا الميدان بحيث يعلم أنّ في ذاك القدر ما يكفي المرأة كما يقول، فلماذا سأل ابنته كم تصبر المرأة عن زوجها وهو الخبير؟

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبيد بن عمير قال: ائتمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه كيف يجعلون شيئا إذا أرادوا جمع الصّلاة اجتمعوا لها به، فائتمروا بالنّاقوس؛ فبينا عمر بن الخطّاب يريد أن يشتري خشبتين للنّاقوس إذ رأى في المنام أن لا تجعلوا النّاقوس بل أذنوا بالصّلاة فذهب عمر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليخبره بالذي رأى وقد جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوحي بذلك فما راع عمر إلا بلال يؤذن فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد سبقك بذلك الوحي حين أخبره بذلك عمر(2) .

أقول:

هما وحيان، وحي إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووحي إلى عمر! لكنّ الرواية تذكر أنّ عمر رأى في المنام أن (لا تجعلوا النّاقوس بل أذّنوا بالصّلاة) ولا تذكر ألفاظ الأذان، وهذا محلّ تأمّل.

أخرج أحمد والبخاريّ والترمذي والنسائي وابن حبان وابن مردويه عن عمر بن الخطّاب قال: كنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سفر فسألته عن شيء ثلاث مرّات فلم يردّ عليّ، فحرّكت بعيري ثمّ تقدّمت أمام النّاس، وخشيت أن ينزل فيّ القرآن [!] فما نشبت

____________________

(1) مصنف عبد الرزاق ج 6 ص 257 والدر المنثور ج 1 ص 655.

(2) مصنف عبد الرزاق ج 1 ص 456 الدر المنثور ج 3 ص 108 وفتح الباري ج 2 ص 82 وعمدة القاري ج 5 ص 107 وص 109 وتنوير الحوالك ج 1 ص 66 وشرح الزرقاني ج 1 ص 198 وشرح سنن ابن ماجه ج 1 ص 51 وعون المعبود ج 2 ص 119 والمراسيل لابي داود ج 1 ص 81 وإعانة الطالبين ج 1 ص 229 والسيرة النبوية ج 3 ص 42 والبداية والنهاية ج 3 ص 233.


إذ سمعت صارخا يصرخ بي فوجفت وأنا أظن أنّه نزل فيّ شيء، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لقد أنزلت علي اللّيلة سورة أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها، إنّا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر(1) .

أقول:

لماذا يخاف أن ينزل فيه قرآن وهو صاحب الموافقات يحدّثه الحقّ تعالى في كلّ شيء، والمبشّر بالجنة في درجة النبيين والصّدّيقين والشهداء والصالحين؟!

قال الآلوسي: أخرج الخرائطيّ في مكارم الأخلاق عن ثور الكندي أن عمررضي‌الله‌عنه كان يعسّ بالمدينة فسمع صوت رجل في بيت يتغنّى، فتسوّر عليه(2) فوجد عنده امرأة وعنده خمر فقال: يا عدوّ الل أظننت أنّ الله تعالى يسترك وأنت على معصية؟ فقال: وأنت يا أميرالمؤمنين لا تعجل عليّ، إن كنت عصيت الله تعالى واحدة فقد عصيت الله تعالى في ثلاث قال سبحانه: ولا تجسّسوا وقد تجسّست. وقال الله تعالى: (وأتوا البيوت من أبوابها) وقد تسوّرت وقال جل شأنه:( لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى‏ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلّمُوا عَلَى‏ أَهْلِهَا ) ودخلت عليّ بغير إذن. قال عمررضي‌الله‌عنه : فهل عندكم من خير إن عفوت عنك؟ قال: نعم؛ فعفا عنه وخرج وتركه(3) .

أقول:

(تسوّر عليه) معناه في اللّغة تسلّق السّور، ولك أن تتخيّل مشهد خليفة المسلمين يتسلّق السّور وقد تجاوز الخمسين من عمره! فإن كانت هذه أوّل مرّة يتسلّق فيها الأسوار فإنّه عمل عجيب وبئس العمل هو في آخر مراحل عمره! وإن كان قد تسلّق

____________________

(1) صحيح البخاري، ج 4 ص 1531 وج 4 ص 1829 وج 4 ص 1915 سنن النسائي الكبرى ج 6 ص 461 ومسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 31 وكنز العمال ج 2 ص 134 والجمع بين الصحيحين، ج 1 ص 135 وموطأ مالك ج 1 ص 203 وشرح الزرقاني ج 2 ص 23 والاستذكار، ج 2 ص 495 وشعب الإيمان، ج 2 ص 487 ودلائل النبوة ج 4 ص 154 وتاريخ الإسلام ج 2 ص 395.

(2) هل يقبل الإعلام الرسمي اليوم تصوير أحد الملوك أو الرؤساء العرب وهو يتسلّق سور بيت على أهله؟ طبعا لا؛ بل يرون في ذلك مساسا بالذات الملكية أو الأميرية أو الرئاسية! لكن حينما يكون المتسوّر المتسلّق هو عمر بن الخطاب، ينقلب ذلك المساس فجأة إلى فضيلة لا يلقّاها إلاّ ذو حظّ عظيم!

(3) روح المعاني، ج 26 ص 157.


قبل ذلك فلا كلام.

وفي رواية سعيد بن منصور عن الحسن أنّه قال رجل لعمررضي‌الله‌عنه : إنّ فلانا لا يصحو(1) فقال: انظر إلى السّاعة التي يضع فيها شرابه فأتني! فأتاه فقال: قد وضع شرابه! فانطلقا حتى استأذنا عليه، فعزل شرابه ثمّ دخلا فقال عمر: والله إنّي لأجد ريح شراب يا فلان أنت بهذا؟ فقال: يا ابن الخطّاب وأنت بهذا؟ ألم ينهك الله تعالى أن تتجسّس؟ فعرفها عمر فانطلق وتركه.

أقول:

خليفة المسلمين لا يكتفي بالسّماع إلى السّاعي بجاره، بل يدخل معه في الصّفقة ويستعمله في التجسّس وينطلق معه على طريقة الأمن العسكري وأجهزة المخابرات في البلدان العربية ليفاجئ الرّجل، ثمّ يكتشف أنّه خالف نهي الله تعالى وفعل ما لا يحقّ له، فيخرج!

قالوا: لقيت امرأة عمر يقال لها (خولة بنت ثعلبة) وهو يسير مع النّاس، فاستوقفته فوقف لها، ودنا منها وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت؛ فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست رجالات قريش على هذه العجوز؟ قال: ويحك وتدري من هذه؟ قال لا. قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عنّي إلى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضي حاجتها إلاّ أن تحضر صلاة فأصلّيها، ثمّ أرجع إليها حتّى تقضي حاجتها(2) .

أقول:

هذا يدلّ على أنّ هذه المرأة عند عمر بن الخطّاب أفضل من فاطمة عليها السلام، لكن الذي

____________________

(1) يريد أن يقول إنّه سكران معظم أوقاته.

(2) أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 185 وكنز العمال ج 2 ص 220 وحاشية ابن القيم ج 13 ص 17 ومختصر ابن كثير، ج 3 ص 486 وتفسير ابن كثير ج 4 ص 319 والرد على الجهمية للدارمي ج 1 ص 54. وقال ابن كثير وهو منقطع بين أبي يزيد وعمر بن الخطّاب كما.


في نفس الأمر أنّ فاطمة سيّدة النّساء من حوّاء إلى آخر امرأة تقوم عليها السّاعة، فشتّان ما بين ميزان عمر وميزان الإسلام، نعم، هذه المرأة لا تشكّل خطرا على طموح عمر!.

وعن أبي عمران الجوني قال: مرّ عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه بدير راهب قال فناداه: يا راهب! فأشرف. قال: فجعل عمر ينظر إليه ويبكي؛ فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله عزّ وجلّ في كتابه: (عاملة ناصبة... تصلى نارا حامية) فذاك الذي أبكاني(1) .

وفي الموطأ أنّ رجلا خطب إلى رجل أخته فذكر الأخ أنّها قد كانت أحدثت، فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب فضربه أو كاد يضربه ثم قال: ما لك وللخبر(2) .

أقول:

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه)، فهل يرضى عمر بن الخطاب لنفسه أن يتزوّج امرأة أحدثت؟ ولماذا يلوم الرّجل على صدقه وتجنّبه التّدليس.

وفي صحيحة الألبانيّ: قال عمر لصهيب: أيّ رجل أنت؛ لو لا خصال ثلاث فيك! قال: وما هنّ: قال اكتنيت وليس لك ولد وانتميت إلى العرب وأنت من الروم وفيك سرف في الطّعام. قال: أمّا قولك: اكتنيت ولم يولد لك؛ فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كنّاني أبا يحيى. وأمّا قولك: انتميت إلى العرب ولست منهم وأنت رجل من الرّوم؛ فإنّي رجل من النّمر بن قاسط فسبتني الرّوم من الموصل بعد إذ أنا غلام عرفت نسبي. وأما قولك: فيك سرف في الطّعام؛ فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ي قول: (فذكره) قال الألباني: صحيح(3) .

____________________

(1) مختصر ابن كثير، ج 3 - ص 654.

(2) موطأ مالك ج 2 ص 547 والمحلى ج 10 ص 28.

(3) السلسلة الصحيحة، الألباني، ج 1 ص 109.


أقول:

يلاحظ هنا أنّ عمر بن الخطّاب لم يؤاخذ صهيبا على وجود اسم نبيّ في كنيته، وإنّما لامه على الكنية نفسها وليس له ولد! ولو كان التسمّي والتكنّي بأسماء الأنبياء وكناهم ممنوعا لما أجازه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فضلا عن أن يقوم هو نفسه بالإشراف عليه، فإنّ صهيبا يقول: (كنّاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )! فرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سمّى ابنه إبراهيم، وكنّى أكثر من واحد مستعملا أسماء الأنبياء، ومع ذلك خالفه عمر وزعم أنّه لا يجوز التّسمّى والتّكنّي بأسماء الأنبياء، مرجّحا فكرة كعب الأحبار على فعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وروي أنّ النعمان بن عدي بن نضلة كان عاملا لعمر بن الخطّاب فقال شعرا: فمن مبلغ الحسناء أنّ حليلها * بميسان يسقى في زجاج وحنتم إلى أن قال: لعل أميرالمؤمنين يسوءه * تنادمنا بالجوسق المتهدم فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه بالقدوم عليه وقال له: أي والله إني ليسوءني ذلك وقد وجب عليك الحدّ فقال: يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا ممّا قلت وإنّما كان فضلة من القول وقد قال الله تعالى (وأنّهم يقولون ما لا يفعلون) فقال له عمر: أمّا عذرك فقد درأ عنك الحدّ، ولكن لا تعمل لي عملا أبدا وقد قلت ما قلت(1) .

وعن المسور بن مخرمة عن عبد الرحمن بن عوف أنّه حرس ليلة مع عمر بن الخطّاب المدينة فبينا هم يمشون شبّ لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمّونه فلما دنوا منه إذا باب مجاف على قوم لهم أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر وأخذ بيد عبد الرحمن: أتدري بيت من هذا؟ قال قلت: لا. قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب فما ترى؟ فقال عبد الرحمن: أرى أن قد أتينا ما نهانا الله عنه، قال (ولا تجسّسوا 9 فقد تجسّسنا، فانصرف عمر عنهم وتركهم(2) .

____________________

(1) الإصابة في تمييز الصحابة، ج 6 ص 447 وج 6 ص 454، والاستيعاب ج 4 ص 1502، والطبقات الكبرى ج 4 ص 140، والسيرة النبوية، ج 5 ص 13، وفتوح البلدان ج 1 ص 378، والوافي بالوفيات، ج 27 ص 84 لسان العرب ج 10 ص 35 ومعجم البلدان ج 5 ص 243.

(2) تفسير الصنعاني، ج 3 ص 232.


أقول:

لماذا يسأل عن صاحب البيت ما دام الجرم حاصلا. وقد تبيّن أنّ البيت بيت ربيعة بن أميّة بن خلف وهو عزيز منيع وراءه عشيرة قويّة، ولو كان رجلا مستضعفا لقال عبد الرحمن غير هذا القول، ولتصرّف عمر غير هذا التّصرّف!

وعن أبي قلابة أن عمر بن الخطّاب حُدّث أنّ أبا محجن الثّقفي شرب الخمر في بيته هو وأصحابه، فانطلق عمر حتّى دخل عليه فإذا ليس عنده إلاّ رجل! فقال أبو محجن: يا أمير المؤمنين إن هذا لا يحلّ لك؛ قد نهاك الله عن التجسّس. فقال عمر: ما يقول هذا؟ فقال زيد بن ثابت وعبد الله بن الأرقم: صدق يا أمير المؤمنين، هذا التّجسّس. قال: فخرج عمر(1) .

أقول:

هذه القصّة تشبه القصّة السّابقة، فإن كانت وقعت قبلها لم يكن لعمر أن يقف عند بيت ربيعة بن أميّة، وإن كانت بعدها فسلوكه من باب الإصرار على التجسّس.

عن قيس قال: قال عمر: ألا تخبروني بمنزلتكم هذين ومع هذا إني لا أسألكما وإني لأتبين في وجوهكما أي المنزلتين خير قال فقال له جرير: أنا أخبرك يا أمير المؤمنين، أمّا إحدى المنزلتين فأدنى نخلة بالسّواد إلى أرض العرب، وأمّا المنزل الآخر فأرض فارس وعليها وحرها ولعها يعني المدائن، قال فكذّبني عمّار فقال: كذبت! فقال عمر: أنت أكذب! ثمّ قال عمر: ألا تخبرونني عن أميركم هذا أهجري هو؟ قلت: والله لا هو بهجري ولا كان، ولا عالم بالسياسة فعزله فبعث المغيرة بن شعبة(2) .

أقول:

سلوكه مع عمّار بن ياسر في هذه الواقعة قاس وخال من الأدب، وقد حذّر النبي من أذى عمار.

____________________

(1) تفسير الصنعاني، ج 3 ص 233.

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 203. تحت رقم 30680.


ودعا عمر جبير بن مطعم خاليا ليولّيه الكوفة وقال له: (لا تذكره لأحد)، فبلغ المغيرة بن شعبة أنّ عمر قد خلا بجبير بن مطعم فرجع إلى امرأته وقال لها اذهبي إلى امرأة جبير بن مطعم فاعرضي عليها متاع السفر فأتتها فعرضت عليها فاستعجمت عليها ثم قالت ائتيني به فلما استيقن المغيرة بذلك جاء إلى عمر وقال بارك الله لك فيمن وليت وأخبره أنه ولى جبير بن مطعم فقال عمر: لا أدرى ما أصنع. فولى المغيرة بن شعبة الكوفة فلم يزل عليها إلى أن مات عمر(1) .

وروى أبو الفرج الأصبهاني بإسناده إلى الشعبي قال كتب عمر إلى المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة أن استنشد من قبلك من الشعراء عما قالوه في الإسلام قال فانطلق لبيد فكتب سورة البقرة في صحيفة وقال قد أبدلني الله بهذه في الإسلام مكان الشّعر وجاء الأغلب إلى المغيرة فقال له... أرجزا تريد أم قصيدا... لقد طلبت هيّنا موجودا. فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه انقص من عطاء الأغلب خمسمائة فزدها في عطاء لبيد. ورواه ابن دريد في الأخبار المنثورة عن الرياشي عن أبي معمر عن عبد الوارث عن أبي عمرو بن العلاء نحوه(2) .

أقول:

ماذنب الرجل إذا كان الخليفة هو نفسه الذي كتب إلى عامله أن يستنشد الشّعراء؟ هل زاد على أن فعل ما طلب منه الوالي الذي يمثّل الخليفة؟ وإذا كان الخليفة وعامله غير جادّين في ما طلبا فإنّ عليهما أن يذكرا ذلك من البداية. ثمّ أين الإساءة في قوله: أرجزا تريد أم قصيدا... لقد طلبت هيّنا موجودا. هل يحتوي هذا الشّعر على هجاء أو تشبيب بالنّساء أو انتهاك للأعراض؟!

عن إبراهيم بن ميمون مولى بني عدي بن كعب قال: دخل عمر على دهقان فقال هل أصبت بشيء قطّ من مالك؟ قال: لا. فأبى أن يأكل من ماله. رواه جرير عن مغيرة

____________________

(1) الثقات، ج 2 ص 234.

(2) الإصابة في تمييز الصحابة، ج 1 ص 98.


عن إبراهيم بن يمون حديثه في الكوفيين(1) .

أقول:

لم يكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسأل مثل هذه الأسئلة، و ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ..).

قالوا: دعا عمر جبير بن مطعم خاليا ليولّيه الكوفة وقال له: لا تذكره لأحد. فبلغ المغيرة بن شعبة أنّ عمر قد خلا بجبير بن مطعم فرجع إلى امرأته وقال لها: اذهبي إلى امرأة جبير بن مطعم فاعرضي عليها متاع السّفر فأتتها فعرضت عليها فاستعجمت عليها ثمّ قالت: ائتيني به! فلمّا استيقن المغيرة بذلك جاء إلى عرم وقال: بارك الله لك فيمن ولّيت، وأخبره أنّه ولّى جبير بن مطعم. فقال عمر: لا أدري ما أصنع! فولّى المغيرة بن شعبة الكوفة، فلم يزل عليها إلى أن مات عمر(2) .

أقول:

المغيرة - حسب ما جاء في القصّة - يمكر بعمر. هذا مع أنّ عمر يقول لست بالخبّ ولا الخبّ يخدعني، وقد خدعه المغيرة فانخدع له! وفي الحقيقة قد تخادع له، لأنّه هو نفسه يقول له: إنك رجل فاسق، ولا يمنعه فسقه من توليته على الصّحابة، علما أنّ من ولّى على النّاس رجلا وهو يعلم أنّ فيهم من هو خير منه فقد خان الله ورسوله. وقد تكرّر ذلك من عمر، فقد ولّى على النّاس قدامة بن مطعون لأنّه أخو زوجته، واعترف أنّه ولاه للقرابة فلم يببارك له فيه، وشرب قدامة الخمر، وأقام عليه الحدّ وتغاضبا...

قال ابن عيينة: رأى عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه مع أبيّ جماعة فعلاه بالدّرة فقال أبيّ: أعلم ما تصنع يرحمك الله! فقال عمر: أما علمت أنّها فتنة للمتبوع مذلّة للتّابع(3) .

____________________

(1) التاريخ الكبير، البخاري، ج 1 ص 324.

(2) الثقات، ابن حبان، ج 2 ص 234.

(3) تذكرة الحفاظ، ج 1 ص 8.


أقول:

لا يحلّ لعمر ولا لغيره أن يهين مسلما بهذا الشّكل أمام النّاس؛ فالذين كانوا مع أبيّ إنما كانوا معه لعلمه، ولا يزال هذا المشهد يرى يوميّا في مكّة والمدينة والنّجف وقمّ والأزهر وغيرها من حواضر العلم. وقد كان بعض طلبة العلم يقدّمون لأبي بكر جابر الجزائريّ نعاله حين ينتهي من درسه، ولم ينكر عليهم لا الشّيخ أبو بكر ولا غيره! لكن يبدو أنّ عمر بن الخطاب حسد أبيّا على ذلك الاحترام والتّوقير الذي لا يحظى هو بمثله. فالذين يأتون إلى عمر بن الخطاب من أمثال المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص ومعاوية إنّما يريدون المناصب والمال، وهذا هو الطّمع بعينه؛ ولو لم يكن عمر على بيت المال وتولية المناصب لما جاءه أحد. وأمّا أبيّ بن كعب فلم يكن يشغل منصبا رسميّا، ومع ذلك لا تخلو مجالسه من المستفتين والمستفسرين، وشتّان بين من يقصده النّاس لعلمه، ومن يقصده النّاس لمنصبه!

قالوا: كان نصر بن الحجّاج من بني سليم، وكان جميلا رائعا، فمرّ عمر بن الخطّاب ذات ليلة وهذه المرأة تقول: * ألا سبيل إلى خمر فأشربها * فدعا بنصر بن الحجاج فسيّر إلى البصرة، فأتى مجاشع بن مسعود السّلميّ وعنده امرأته شميلة، وكان مجاشع أمّيا، فكتب نصر على الأرض (أحبّك حبّا لو كان فوقك لأظلّك ولو كان تحتك لأقلّك) فكتبت المرأة (وأنا والله)، فلبث مجاشع آنا، ثمّ أدخل كاتبا فقرأه فأخرج نصرا وطلّقها(1) .

أقول:

ما زاد عمر على أن نقل مشكلة المدينة إلى البصرة، وتسبّب في تخريب بيت مجاشع بن مسعود السّلمي!

عن نافع عن ابن عمر بن الخطّاب أنّه قال: كتب عمر بن الخطّاب إلى أمراء الجيوش يأمرهم أن يقتلوا من الكفّار كلذ من قد جرت عليهم المواسي ولا تسبوا إلينا

____________________

(1) تاريخ دمشق، ج 40 ص 275 والوافي في الوفيات ج 1 ص 3320.


من علوجهم أحدا، وكان يقول: لا يحمل إلى المدينة من علوجهم أحد! فلمّا أصيب عمر بن الخطّاب قال: من أصابني؟ قالوا: غلام المغيرة بن شعبة فقال: نهيتكم أن تحملوا إلينا من هؤلاء الأعلاج أحدا فعصيتموني(1) .

أقول:

المعروف أنّ المغيرة استأذن عرم في إدخال أبي لؤلؤة إلى المدينة، فلماذا يلوم الناس على أمر إذن فيه؟ لماذا لا يلوم نفسه؟!

قالوا: كانت وقعة نهاوند سنة إحدى وعشرين، وكان قتل النعمان بن مقرن يوم جمعة، ولما جاء نعيه عمر بن الخطّاب خرج فنعاه إلى النّاس على المنبر ووضع يده على رأسه يبكي(2) .

أقول:

هذا عمر يبكي لمقتل النّعمان بن مقرّن ولم يبك لمقتل حمزة ولا لمقتل جعفر، ولا حتّى لوفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو يعلم منزلة حمزة وجعفر عليهما السلام من قلب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد بكاهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين استشهدا، ومن هو النّعمان بن مقرن في جنب حمزة وجعفر؟!

قال النّوويّ: وقد روى في النّهى عن البول قائما أحاديث لا تثبت ولكنّ حديث عائشة هذا ثابت، فلهذا قال العلماء يكره البول قائما إلاّ لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم. قال ابن المنذر في الإشراق: (اختلفوا في البول قائما فثبت عن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل ابن سعد أنّهم بالوا قياما. قال: وروى ذلك عن أنس وعليّ وأبي هريرةرضي‌الله‌عنه ، وفعل ذلك ابن سيرين وعروة بن الزّبير، وكرهه ابن مسعود والشّعبي وإبراهيم بن سعد. وكان إبراهيم بن سعد لا يجيز شهادة من بال قائما(3) . وعن أبي النضر أنّ عمر بن الخطّاب سمع ضحك ثقفيّين بعد العتمة فأقبل

____________________

(1) المدونة الكبرى، ج 1 ص 499.

(2) تهذيب الكمال، ج 29 ص 460.

(3) شرح مسلم، النووي، ج 3 ص 166.


إليهما فقال: من أنتما؟ فقالا: من ثقيف. قال: أمن أهلها؟ قالا: لا. قال: لو أنبأتماني أنّكما من أهلها لبلغت منكما، يريد العقوبة(1) .

وعن مجالد عن الشعبيّ أنّ أبابكر قى بعاصم بن عمر لأمّه وقضى على عمر بالنّفقة. وعن سعيد بن المسيب أنّ عمر بن الخطّاب طلّق أمّ عاصم ثمّ أتاها وفي حجرها عاصم فأراد أن يأخذه منها فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام، فانطلقا إلى أبي بكر فقال له أبو بكر: يا عمر مسحها وحجرها وريحها خير له منك حتى يشب الصبيّ فيختار(2) .

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم فتح مكة (ولا يسرقن) فقالت هند: إنّ أبا سفيان رجل شحّيح، وإنّي أصبت من ماله هنات فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال فضحك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعرفها فقال لها: وإنّك لهند بنت عتبة؟ قالت: نعم، فاعف عمّا سلف عفا الله عنك. فقال: (ولا يزنين) فقالت هند: أو تزني الحرّة؟ فقال: (ولا يقتلن أولادهنّ) فقالت هند ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا فأنتم وهو أعلم وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر فضحك عمررضي‌الله‌عنه حتى استلقى وتبسّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (3) .

أقول:

ليس في عمر بن الخطاب دعابة! إلا أنّه يضحك حتّى يستلقي! أو بعبارة أخرى لم يعد يملك نفسه، كل ذلك أمام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ثمّ، ممّ ضحك عمر؟ ليس في قولها ربّيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا ما يضحك! لكنّه ضحك من قولها أو تزني الحرّة! وهو يعرفها على حقيقتها في الجاهليّة. فقد نقل ابن أبي الحديد عن الزمخشري قوله في كتاب ربيع الأبرار: (كان معاوية يعزى إلى أربعة: إلى مسافر بن أبي عمرو، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة، وإلى العبّاس بن عبد المطلب، وإلى الصّبّاح، مغنّ كان لعمارة بن الوليد. قال: وقد كان أبو سفيان دميما قصيرا، وكان الصّبّاح عسيفا لأبي

____________________

(1) الجامع في الحديث، ج 2 ص 478.

(2) مصنف ابن أبي شيبة، ج 4 ص 180 الحديث رقم 19122 والحديث 19123.

(3) تفسير البغوي، ج 1 ص 100.


سفيان، شابّا وسيما فدعته هند إلى نفسها فغشيها. وقالوا: إنّ عتبة بن أبي سفيان من الصّبّاح أيضا..(1) .

وفي مصنّف ابن أبي شيبة: عن عمرو بن دينار قال: مرّ عمر بن الخطّاب بكاتب يكتب بين النّاس وهو يشهد أكثر من اثنين فنهاه، ثمّ مر بعده فقال: ألم أنهك؟ فقال الرجل: (أطعت الله وعصيتك) وكان في صدقة عمر شهد عبد الله بن الأرقم ومعيقيب، وكان في صدقة عليّ شهد فلان وفلان كتب(2) .

وعن هشام عن أبيه قال: خرج عمر بن الخطّاب من الخلاء وأتي بطعام فقالوا: ندعو بوضوء فقال: إنما آكل بيميني وأستطيب بشمالي، فأكل ولم يمسّ ماء(3) .

أقول:

لأجل أن يصحّحوا هذا العمل رووا أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعل مثله(4) ، والوجدان يشهد بتقزّز النّفس واشمئزازها لمجرّد التفكير فيه من طرف العوامّ البسطاء، فكيف بالإقدام عليه من طرف صاحب الخلق العظيم. وقد عني الإسلام بالطّهارة والنّظافة عناية كبيرة يدرك عمقها ذوو الذّوق السليم. قال النّووي في شرح مسلم في معرض حديثه عن آداب الطعام: (لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه بيان هذا الأدب وهو أنه يبدأ الكبير والفاضل في غسل اليد للطعام وفي الأكل)(5) . وفي عون المعبود: (قال الخلال: وأخبرنا أبوبكر المروزي قال رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وإن كان على وضوء)(6) .. والقواعد الصحّية الثّابتة في كلّ لمجتمعات المتحضّرة

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 1 ص 336.

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج 4 ص 434 تحت رقم 21843.

(3) مصنف ابن أبي شيبة، ج 5 ص 134 تحت رقم 24462.

(4) رووا عن ابن عباس قال: كنا عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجاء من الغائط فأتى بطعام فقالوا له ألا تتوضأ فقال لم أصل فأتوضأ. وعن ابن عباس أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج من الخلاء وقرب إليه الطعام وعرضوا عليه الوضوء فقال إنما أمرت بالوضوء إذا أقيمت الصلاة. وعن ابن عباس قال كنا عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتى الخلاء ثم إنه رجع فأتى بطعام فقيل يا رسول الله ألا تتوضأ فقال لم أصل فأتوضأ. كنز العمال ج 15 ص 180 الأحاديث 41679 و 41680 و 41681.

(5) شرح النووي على صحيح مسلم، ج 13 ص 188.

(6) عون المعبود، ج 10 ص 169.


والمتمدّنة، ووصايا الأطباء والحكماء كلها تذهب إلى خلاف سلوك عمر.

وعن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة أن رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الحيرة فكتب فيه إلى عمر بن الخطّاب فكتب عمر أن اقتلوه به؛ فقيل لأخيه حنين: (اقتله) قال: (حتى يجيء الغضب) قال فبلغ عمر أنه من فرسان المسلمين، قال فكتب عمر: (أن لا تقيدوه) قال: فجاءه الكتاب وقد قتل(1) .

عمر يعرّض بعلي عليه السلام:

قالوا: رأى عمر بن الخطّاب سعيد بن العاص وقال له: مالي أراك معرضا أتظنّ أني قتلت أباك؟ ولوددت أنّي قتلته ولا أعتذر إلى الله من قتل مشرك، لكني بصرت به وهو يبحث للقتال كما يبحث الثور، والزبد يرغو على شدقيه فناداني هلمّ إليّ يابن الخطّاب، فحدت عنه وصمد له عليّ فقتله! وفي رواية غير ابن إسحاق والواقديّ: وكان عليّ جالسا فقال: اللّهم غفرا، ذهب الشّرك بما فيه، ومحا الإسلام ما قبله! فعلام تهاج القلوب؟! فسكت عمر! فقال سعيد: ما وددت أن قتل أبي غير ابن عمي(2) .

أقول:

في كلام عمر بن الخطّاب تضارب عجيب، فهو من جهة يقول (ولوددت أنّي قتلته) وقد أتيح له قتاله فلم يفعل، وقال: (فناداني هلمّ إلي يابن الخطّاب، فحدت عنه)، وهذا معناه أنّ عمر نكل عن المبارزة، وهو أمر قبيح عند العرب مسلمهم وكافرهم. ثمّ هو يعرّض بعلي بن أبي طالب عليه السلام، وقد جاء الرّدّ قويّا من طرف سعيد بن العاص.

وعن سيف عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير قال بعث عمر بن الخطّاب إلى حذيفة بعد ما ولاه المدائن وكثر المسلمات أنه بلغني أنّك تزوّجت امرأة

____________________

(1) وفي مصنف ابن أبي شيبة، ج 5 ص 409 تحت رقم 27470.

(2) الطبقات الكبرى، ج 5 ص 31 والسيرة النبوية، ج 3 ص 185 وتاريخ مدينة دمشق ج 21 ص 114، سمط النجوم العوالي ج 2 ص 67.


من أهل المدائن من أهل الكتاب فطلّقها فكتب إليه: لا أفعل حتى تخبرني أحلال أم حرام وما أردت بذلك. فكتب إليه: لا بل حلال ولكن في نساء الأعاجم خلابة فان أقبلتم عليهنّ غلبنكم على نسائكم. فقال: الآن فطلّقها.

أقول:

هذه هي العنصريّة المحضة، ولا يدافع عن عمر في هذا المقام إلاّ مكابر. إضافة إلى أنّ عمر بفعله هذا يتدخّل في شؤون النّاس الخاصّة، وقد كانت إحدى نساء الإمام الحسين عليه السلام فارسيّة وأنجبت سيّد السّاجدين عليّ بن الحسين زين العابدين الذي كان آية في العلم والتّقوى والورع. على أنّ المسلمين لم يعملوا براي عمر في زمن عمر نفسه وتزوّجوا من نساء الأعاجم.

وعن محارب بن دثار قال: لما استخلف أبوبكر قال له عمر بن الخطّاب: أنا أكفيك القضاء، فمكث عمر سنة لا يختلف إليه أحد(1) .

ورووا عن عمر أنه قال لمتمم بن نويرة: لو كنت أقول الشّعر كما تقول لرثيت أخي كما رثيت أخاك(2) .

أقول:

عمر بن الخطاب يقول: (لو كنت أقول الشعر..) لكن المحدّثين والمؤرّخين لا يروق لهم ذلك، فتراهم ينسبون إليه القصائد الطّوال.

وعن محمد بن عبد الله الثقفي أنّ أباه عبد الله بن قارب اشترى جارية بأربعة آلاف قد أسقطت لرجل سقطا فسمع عبد الله عمر بن الخطّاب فأرسل إليه قال وكان أبي عبد الله بن قارب صديقا لعمر بن الخطّاب فلامه لوما شديدا وقال: والله إني كنت لأنزهك عن هذا أو عن مثل هذا! قال: وأقبل على الرّجل ضربا بالدّرّة وقال: الآن حين اختلطت لحومكم ولحومهنّ ودماؤكم ودماؤهنّ تبيعونهن تأكلون أثمانهن؟ قاتل الله يهود

____________________

(1) التنبيه والإشراف، المسعودي، ص 254.

(2) وفيات الأعيان، ابن خلكان، ج 6 ص 16.


حرمت عليهم الشحوم أو قال حرموا شحومها فباعوها وأكلوا أثمانها، ارددها! قال: فرددتها، وأدركت من مالي ثلاثة آلاف درهم(1) .

أقول:

لا يكتفي عمر بن الخطاب بلوم صديقه عبد الله بن قارب لوما شديدا يضرب صديقه بالدّرة

وعن هشام بن عروة عن أبيه قال خرجت سودة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذات ليلة فرآها عمر بن الخطّاب فقال: إنّك لن تخفي علينا وكان طويلة، فذكر ذلك للنّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يأكل عرقا فما وضعه حتى أوحي إليه أن قد رخصتنّ أن تخرجنّ في حوائجكنّ ليلا(2) .

أقول:

ما معني قول عمر: إنك لن تخفي علينا؟

حدثنا هشام بن خالد الأزرق ثنا الحسن بن يحيى الخشني ثنا زيد بن واقد عن بسر بن عبيدالله عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدّرداء قال خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورأسه يقطر ماء فصلى بنا في ثوب واحد متوشّحا به قد خالف بين طرفيه فلما انصرف قال عمر بن الخطّاب يا رسول الله تصلى بنا في ثوب واحد؟ قال: نعم، أصلى فيه وفيه. أي قد جامعت فيه(3) [!].

أقول:

حاشا لرسول الله أن يجيب عما لم يسأل عنه، وحاشاه أن يتحدّث عن الأمور الحميمية بينه وبين أزواجه لأحد أحمائه، فإنّ حفصة بنت عمر في بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وعن ابن قتيبة أنّ أعرابيّا سأل عمر بن الخطّاب أن يحمله على راحلة وشكا دبر

____________________

(1) مصنف عبد الرزاق ج 7 ص 296، 13248.

(2) مصنف عبد الرزاق، ج 4 ص 361 تحت رقم 8067.

(3) سنن ابن ماجه، ج 1 ص 180 تحت رقم 541.


راحلته فاتّهمه عمر فقال الأعرابيّ: ما مسّها من نقب ولا دبر... أقسم بالله أبو حفص عمر * فاغفر له اللهم إن كان فجر * قال: يعني إن كان نسبني إلى الكذب(1) .

أخلاق عمر - سوء الظن بالآخرين.

وعن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطّاب لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة. قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب. قال: ممن؟ قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟ قال: الحرّة. قال: بأيّها؟ قال: بذات لظى. فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا! فرجع الرجل، فوجد أهله قد احترقوا(2) .

أقول:

فإنّ معاوية بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس شرّ من جمرة بن شهاب ومع ذلك ولاّه عمر على الشّام كله، ولم ير في اسمه وأسماء آبائه شيئا! ثم لماذا احترق أهل الرجل؟! إن كان ذلك لأجل أسمائهم وأسماء مساكنهم فلماذا تأخّر الاحتراق إلى يوم لقاء الرّجل بعمر؟! فإنّ أسماءهم لم تزل معهم منذ ولدوا. وإن كان لسبب آخر فما هو؟ وكيف اطّلع عمر على ذلك دون غيره..

وعن جابر بن عبد الله أنه جاء إلى عمر يشكو إليه ما يلقى من النّساء فقال عمر: إنا لنجد ذلك حتى إني لأريد الحاجة فتقول لي: ما تذهب إلاّ إلى فتيات بني فلان تنظر إليهن(3) .

أقول:

هذا رأي زوجة عمر في عمر، والمرأة أدرى بزوجها.

قال ابن تيمية: كان عند أبي موسى الأشعري مال للمسلمين يريد أن يرسله إلى عمر فمرّ به ابنا عمر فقال: إني لا أستطيع أن أعطيكما شيئا ولكن عندي مال أريد حمله إليه

____________________

(1) التحرير والتنوير، ج 1 ص 4637.

(2) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 126.

(3) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 142.


فخذاه اتجرا به وأعطوه مثل المال، فتكونان قد انتفعتما والمال حصل عنده مع ضمانكما له. فاشتريا به بضاعة فلما قدما إلى عمر قال: أكلّ العسكر أقرّهم مثل ما أقرّكما فقالا: لا. فقال: ضعا الرّبح كلّه في بيت المال؛ فسكت عبد الله وقال له عبيد الله: أرأيت لو ذهب هذا المال أما كان علينا مانه؟ فقال: بلى. قال: فكيف يكون الربّح للمسلمين والضمان علينا؟ فوقف عمر! فقال له الصحابة: اجعله مضاربة بينهما وبين المسلمين، لهما نصف الرّبح وللمسلمين النّصف، فعمل عمر بذلك(1) .

أقول:

هذا عمر بن الخطاب الذي يحدّثه الحقّ في كلّ حين اشتبه عليه الأمر.

قال ابن تيمية: ومما يبين أن مثل ذلك قد يقع فيه التباس ما رواه سعيد في سننه عن جرير عن مغيرة قال قلت لإبراهيم هل كان عمر بن الخطّاب حلّل بين رجل وامرأته؟ فقال: لا، إنما كانت لرجل امرأة ذات حسب ومال فطلقها زوجها تطليقة أو اثنتين فبانت منه ثم إنّ عمر تزوجها فهنئ به، او قالوا لو لا أنها امرأة ليس بها ولد، فقال عمر: وما بركتهن إلاّ أولادهن فطلّقها قبل أن يتزوّجها فتزوّجها زوجها الأوّل. قال مغيرة عن أبي معشر كان زوجها الأوّل الحرث بن أبي ربيعة فهذا مغيرة قد بلغه إمّا عن أبي معشر أو غيره أنّ عمر حلّل امرأة حتى أخبره إبراهيم أنّه إنما كان نكاح رغبة لا أنّه تزوجها للتحلّل، لكن لأنّه طلّقها عقب الدّخول بها أو عقب العقد توّهم من لم يعلم حقيقة الأمر أنّه كان تحليلا(2) .

وقد روى حرب عن عبد الحميد بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه أتى جارية له فقالت: إنّي حائض! فكذّبها فوقع عليها فوجدها حائضا! فأتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذكر ذلك له فقال له يغفر الله لك أبا حفص تصدّق بنصف دينار(3) .

أقول: أول ما يدعو إلى التّعجّب في القصّة هو أنّ عمر بن الخطّاب كان لديه أكثر

____________________

(1) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 30 ص 130. مختصر الفتاوى المصرية ج 1 ص 379.

(2) الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، ج 6 ص 242.

(3) شرح العمدة، ابنة تيمية، 1 ص 468.


من زوجة وأكثر من جارية، فلماذا أصرّ على هذه بالذات؟ وأما ما نسبوه إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذه القصّة فإنّه محلّ للنّقاش، لأنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يخالف القرآن الكريم حال كون عمر أقدم على ما أقدم عليه بعد نزول قوله تعالى( فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنّ حَتّى‏ يَطْهُرْنَ ) وإنّما الكلام في ما قام به عمر، فإن النساء مؤتمنات على فروجهن في مثل هذه القضيّة، لأنها وجدانية، ولا أحد يستطيع أن يعلم الناس عن امرأة ما إن كانت حائضا أو لا؛ لكن المرأة نفسها تعلم ذلك وجدانا، إضافة إلى علمها بوقت عادتها؛ وهذا ابن حجر يقول: (قلت: فعلى هذا يكون [عمر] يوم مات ابن 58 أو تسع وخمسين. وهذا الإسناد على شرط الصحيح، وهو يرجح من الأول بأنّه عن عمر نفسه، وهو أخبر بنفسه من غيره، وبأنه عن آل بيته وآل الرجل أتقن لأمره من غيرهم)(1) . لكن عمر بن الخطاب لم يصدّقها، ولو أن امرأة قالت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قالت جارية عمر لعمر لصدّقها. والعجيب أنّه تبيّن لعمر أن الجارية كانت صادقة، ولم يرد في القصة أنه اعتذر إليها، ولعلّه يرى نفسه أكبر من أن يعتذر إلى جارية! ولسائل أن يسأل: (من أين لعمر أن يعلم إن كانت الجارية حائضا أو لا؟).

وعن أبي جعفر محمد بن علي: أبصر عمر بن الخطّاب على عبد الله ابن جعفر ثوبين مضرجين يعني موردين وهو محرم فقال: ما هذا؟ فقال عليّ: ما أخال أحدا يعلمنا بالسنة(2) .

وعن ابن عباس قال ربما قال لي عمر بن الخطّاب ونحن بالمجحفة تعال أباقيك أينا أطول نفسا وفي رواية ربما رامست عمر بن الخطّاب بالجحفة ونحن محرمون(3) .

كان عمررضي‌الله‌عنه يأمر في خطبته بذبح الحمام وقتل الكلاب(4) .

____________________

(1) تهذيب التهذيب، ابن حجر، ج 7 ص 386.

(2) شرح العمدة، ابن تيمية، ج 3 ص 98.

(3) شرح العمدة، ابن تيمية، ج 3 ص 113.

(4) البداية والنهاية، ابن كثير، ج 14 ص 227.


وقال النّخعيّ: كان عمر يتّجر وهو خليفة(1) .

أقول:

لم يثبت أن عمر بن الخطاب كان تاجرا، وإنّما ثبت أنّه كان دلاّلا، وبين الأمرين فرق كبير.

عن سليمان بن حنظلة قال أتينا أبي بن كعب لنحدث إليه فلما قام قمنا ونحن نمشي خلفه فرهقنا عمر فتبعه فربه عمر بالدرة قال فاتقاه بذراعيه فقال يا أمير المؤمنين ما نصنع قال أو ما ترى فتنة للمتبوع مذلة للتابع(2) !!

وقال سعيد الجريري عن أبي نضرة العبدي: قال رجل منا يقال له: جابر أو جويبر طلبت حاجة إلى عمر في خلافته فانتهيت إلى المدينة ليلاً، فغدوت عليه وقد أعطيت فطنة ولساناً أو قال منطقاً فأخذت في الدنيا فصغرتها، فتركتها لا تسوى شيئاً، وإلى جنبه رجل أبيض الشعر أبيض الثياب، فقال لما فرغت كل قولك كان مقارباً إلا وقوعك في الدنيا، وهل تدري ما الدنيا؟ إن الدنيا فيها بلاغنا، أو قال: زادنا إلى الآخرة، وفيها أعمالنا التي نجزى بها في الآخرة، قال: فأخذ في الدنيا رجل وأعلم بها مني. فقلت يا أميرالمؤمنين من هذا الرجل الذي إلى جنبك؟ قال سيد المسلمين أبي بن كعب(3) .

.. ونظر عمررضي‌الله‌عنه إلى أبي بن كعب وقد تبعه قوم، فعلاه بالدرة وقال: إنها فتنة للمتبوع ومذلة للتابع(4) .

ضربهم وحبسهم لأنهم ينشرون أحاديث النبي!

عمر حبس ابن مسعود وأبا مسعود الأنصاري وأبا الدرداء لأنهم يحدثون عن رسول الله وغيره.. وغيره(5) . (راجع منعه رواية حديث النبي!!)

____________________

(1) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ج 1 ص 116.

(2) سنن الدارمي ج: 1 ص: 132.

(3) تهذيب الكمال، ج: 2 ص: 269.

(4) محاضرات الأدباء، ج: 1 ص: 133.

(5) مجمع الزوائد ج: 1 ص: 372 و 376.


وضرب أنس بن مالك!

ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنساً المكاتبة وكان كثير المال فأبى فانطلق إلى عمررضي‌الله‌عنه فقال كاتبه فأبى فضربه بالدرة ويتلو عمر فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً فكاتبه(1) .

سنن البيهقي / ج 10 ص 319.

(أخبرنا) أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا يحيى بن أبي طالب أنبأ يزيد بن هارون أنبأ سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال أرادني سيرين عن المكاتبة فأبيت عليه فأتى عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه فذكر ذلك له أقبل على عمررضي‌الله‌عنه يعنى بالدرة فقال كاتبه.

ومعالم التنزيل للبغوي ج 3 ص 343.

وضرب شخصية من الأنصار بحجة أنه اشترى لحماً...!!

كنز العمال ج 5 ص 522.

13797 - عن ميمون بن مهران أن رجلاً من الأنصار مر بعمر بن الخطاب وقد تعلق لحماً، فقال له عمر: ما هذا؟ قال: لحمة أهلي يا أمير المؤمنين، قال: حسن، ثم مر به من الغد ومعه لحم فقال: ما هذا؟ قال: لحمة أهلي قال: حسن، ثم مر به اليوم الثالث ومعه لحم، فقال: ما هذا؟ قال: لحمة أهلي يا أميرالمؤمنين، فعلا رأسه بالدرة، ثم سعد المنبر فقال: إياكم والأحمرين اللحم والنبيذ فإنهما مفسدة للدين متلفة للمال. (أبو نعيم في حديث عبد الملك بن حسن السقطي)..

وضرب صديقه المخلص تميم الداري!

(كنز العمال ج 8 ص 183.

22480 - (مسند تميم الداريرضي‌الله‌عنه عن عروة بن الزبير قال: أخبرني تميم الداري

____________________

(1) البخاري ج 3 ص 126.


أنه ركع ركعتين بعد العصر بعد نهي عمر بن الخطاب، فأتاه فضربه بالدرة، فأشار إليه تميم أن اجلس وهو في الصلاة، فجلس عمر حتى فرغ تميم، فقال لعمر: لم ضربتني؟

قال: لأنك ركعت هاتين الركعتين وقد نهيت عنهما، قال: فإني صليتهما مع من هو خير منك مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال عمر: إنه ليس بي إياكم أيها الرهط ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يصلوا فيها، كما وصلوا ما بين الظهر والعصر، ثم يقولون قد رأينا فلاناً وفلاناً يصلون بعد العصر.

تاريخ المدينة، ابن شبة النميري، ج 3 ص 833.

قالوا: وكان الناس إذا كان الصيف تفرقوا في المغازي، وإذا كان الشتاء اجتمعوا في الشتاء فصلى بهم أبو الدرداءرضي‌الله‌عنه ، فأتاهم عمررضي‌الله‌عنه وقد اجتمعوا في الشتاء، فلما كان قريباً منهم أقام حتى أمسى، فلما جنه الليل قال: يا يرفأ انطلق بنا إلى يزيد ابن أبي سفيان أبصره عنده سمار ومصباح مفترشاً ديباجاً وحريراً من فيء المسلمين، تسلم عليه لا يرد عليك وتستأذن عليه فلا يأذن لك حتى يعلم من أنت، فإذا علم من أنت - فذكر جويرية كراهيته، ولم يحفظ أبو محمد لفظه - قال: فانطلقنا حتى انتهينا إلى بابه، فقال: السلام عليكم، قال: وعليك، قال: أدخل، قال ومن أنت؟ قال يرفأ هذا من يسوؤك، هذا أميرالمؤمنين. ففتح الباب فإذا سمار ومصباح وإذا هو مفترش ديباجاً وحريراً من فيء المسلمين. فقال عمررضي‌الله‌عنه : يا يرفأ: الباب الباب، ووضع الدرة بين أذنيه ضرباً، ثم كور المتاع فوضعه في وسط البيت، ثم قال للقوم: لا يبرحن منكم أحد حتى أرجع إليكم، ثم خرجنا من عنده فقال:

يا يرفأ انطلق إلى عمرو بن العاص أبصره عنده سمار ومصباح مفترشاً ديباجاً وحريراً من فيء المسلمين؟ تسلم عليه فيرد عليك وتستأذن عليه فلا يأذن لك حتى يعلم من أنت، فإذا علم - ذكر جويرية: مشقة ذلك على عمرورضي‌الله‌عنه وذكر حلفه


واعتذاره، قال عمررضي‌الله‌عنه : والله يعلم إنه على غير ذلك - قال: فانتهينا إلى بابه، فقال عمررضي‌الله‌عنه : السلام عليكم، قال: وعليك، قال: أدخل؟ قال: ومن أنت؟ قال: يرفأ: هذا من يسوؤك، هذا أمير المؤمنين، ففتح الباب، فلما دخل إذا سمار ومصباح وإذا هو مفترش ديباجاً وحريراً من فيء المسلمين، فقال عمررضي‌الله‌عنه : يا يرفأ: الباب، الباب، ووضع الدرة بين أذنيه ضرباً، وجعل عمرورضي‌الله‌عنه يحلف ثم كور المتاع فوضعه في وسط البيت، ثم قال للقوم لا يبرحن منكم أحد حتى أعود إليكم، ثم خرجا من عنده فقال عمررضي‌الله‌عنه : يا يرفأ انطلق بنا إلى أبي موسى أبصره عنده سمار ومصباح مفترشاً صوفاً من فيء المسلمين، فتسلم عليه فيرد عليك، وتستأذن عليه فلا يأذن لك حتى يعلم من أنت، فإذا علم من أنت قال: إن أهل البلد زعموا أن خيراً له أن يلبس، فانطلقنا حتى إذا قمنا على بابه قال: السلام عليك، قال: وعليك، قال: أدخل؟ قال: ومن أنت؟ قال يرفأ: هذا من يسوؤك، هذا أمير المؤمنين، ففتح الباب فإذا سمار ومصباح وإذا هو مفترش صوفاً من فيء المسلمين فقال يا يرفأ: الباب، ثم وضع الدرة بين أذنيه ضرباً وقال: وأنت أياً يا أبا موسى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أو قد رأيت ما صنع أصحابي، أما والله لقد أصبت مثل الذي أصابوا، قال: فما هذا؟ قال: زعم أهل البلد أن خيراً له أن يلبس، قال فكور المتاع ووضعه وسط البيت...!!

وفي مصنف عبد الرزاق أن عثمان بن حنيف كان عاملاً لعمر فكلمه وأغضبه، فأخذ عمر من البطحاء قبضة فرجمه بها(1) !!

وعن ربيعة بن دراج أن علياً صلى بعد العصر ركعتين فتغيظ عليه عمر وقال: أما علمت أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عنهما(2) !

... فضربه بحجر على وجهه، فسأل الدم على لحيته(3) !!

____________________

(1) مصنف عبد الرزاق ج 11 ص 233 ح 20691.

(2) كنز العمال: ج 8 ص 46 رقم 21797.

(3) مجمع الزوائد ج 9 ص 620.


وتغيظ من علي بن أبي طالب... ولم يتجرأ أن يضربه!

وعنه الزهري ذكره ابن حبان في الثقات روى الزهري عن رجل عنه. قلت في روايته في المسند من طريق معمر عن الزهري عنه أن علياً صلى بعد العصر فتغيظ عليه عمر الحديث(1) .

(مسند عمررضي‌الله‌عنه عن ربيعة بن دراج أن علياً صلى بعد العصر ركعتين فتغيظ عليه عمر وقال: أما علمت أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عنهما)(2) .

____________________

(1) تعجيل المنفعة: 127.

(2) كنز العمال: ج 8 ص 46 رقم 21797.



الفصل العاشر

وفاة عمر بن الخطّاب



وفاة عمر

لا خلاف بين المسلمين أنّ عمر بن الخطاب قتل في المدينة على يد رجل كنيته أبو لؤلؤة، وإنّما الاختلاف في قاتله: هل هو مسلم قتل مسلما؟ أم هو غير مسلم قتل مسلما؟ وأقول بعد الفحص والتّحقيق في المسألة، وتتّبع الرّوايات والأقوال: إنّ هناك جناية كبيرة على تابعيّ اسمه فيروز وكنيته أبو لؤلؤة؛ كلّ ما في المسألة أنّه قتل رجلا يدّعون أنّه أهل للنّبوة، وأنّه لو لم يبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبعث هو! ولو أنّ أبا لؤلؤة كان مكان عبد الرحمن بن ملجم وقتل عليّ بن أبي طالب عليه السلام لكان مجتهدا مأجورا ترجى له النّجاة، وتقبل روايته! ولو أنّه قتل الحسين بن علي عليه السلام سيّد شباب أهل الجنّة وأحبّ النّاس إلى قلب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكان صدوقا مقبول الرّواية حسن الخاتمة. إنّما قتل رجلا حمل قريشا على أعناق بني هاشم، وهو وإن كان قد هجم على بيت فاطمة عليها السلام وآذاها حتى ماتت ساخطة عليه، فإنّه يبقى أفضل هذه الأمة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجل من قريش، ولا يهمّ أن تسخط عليه فاطمة ما دامت قريش معه، ولا يضرّه أن يسخط الله عليه ما دامت قريش راضية عنه، وقد حقّق آمالها وهمّش بني هاشم وأقصاهم وقرّب وقدّم أعداءهم.

إذا كان أبو لؤلؤة مجوسيّا كما ادّعى المؤرّخون، فماذا كان يفعل في الصّف الأوّل بعد تكبيرة الإحرام؟ وقد رووا أنّهم لم يكونوا يسمحون لغير المسلم بدخول المسجد، وقصّة كاتب أبي موسى الأشعري أكبر دليل على ذلك؛ كما رووا أنّ عمر بن الخطّاب لم يكن يدخل في الصّلاة إلاّ بعد أن يسوّي الصّفوف بنفسه. فعن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر بن الخطّاب غداة طعن، فكنت في الصّفّ الثّاني، وما يمنعني أن أكون في الصّفّ الأوّل إلاّ هيبته! كان يستقبل الصّفّ إذا أقيمت الصّلاة فإذا رأى إنسانا متقدّما أو متأخّرا أصابه بالدّرّة، فذلك الذي منعني أن أكون في الصّفّ الأوّل(1) .

____________________

(1) مسند الحارث، زوائد الهيثمي، ج 2 ص 622 تحت رقم 594.


وقد ذكروا أنّ أبا لؤلؤة وعمر تناجيا طويلا في المسجد، لا خارج المسجد، فبأيّ لغة تكلّما وعمر لا يعرف الفارسية، بل ينهى عن تعلّمها ويزعم أنّها تورث النّفاق؟ إن قلنا إنّهما تناجيا باللّغة العربية فهذا يعني أنّ أبا لؤلؤة يعرف العربيّة، وليست العربيّة باللّغة التي يسهل تعلّمها في أسابيع أو شهور!

قال ابن الأثير بخصوص أبي لؤلؤة: كان من نهاوند فأسرته الرّوم أيّام فارس وأسره المسلمون من الرّوم(1) .

متى أسره المسلمون من الرّوم؟

وقال ابن كثير: (قلت: المشهور أن فتح نهاوند إنّما وقع في سنة إحدى وعشرين كما سيأتي فيها بيان ذلك وهي وقعة عظيمة وفتح كبير)(2) .

وهذا يعقّد الأمور أكثر، لأنّ قتل عمر كان سنة ثلاث وعشرين، يعني بعد عامين فقط. وقد كان لأبي لؤلؤة بنت صغيرة (جارية) قالوا عنها (تدّعي الإسلام)، فهل هي جارية جاءت مع السّبي أم أنّ لؤلؤة تزوّج في المدينة وولدت له لؤلؤة؟ أم أنه كان متزوجا وسبي يوم سبي مع أهله؟ ثم ههنا إشكال كبير، فإنّه لا يقال عن طفلة عمرها سنتان (تدّعي الإسلام)! كما أنّ في عبارة (تدّعي الإسلام) سوء أدب مع الله تعالى، لأنّ الإنسان إمّا أن يكون مسلما وإمّا ألاّ يكون. لكن بما أنّ لؤلؤة بنت قاتل عمر، فقد حاولوا حرمانها من وصف لم يحرم منه عبد الله بن أبيّ بن السّلول وأتباعه. وقد فاتهم أنّ الأرض لا تخلو من آذان واعية، وصدور نقيّة تستنكر الباطل أيّا كان مصدره. واستنكر المسلمون قتل لؤلؤة بنت فيروز ورأوا فيه القصاص الذي لا يقبل الجدل؛ وقد كان موقف علي بن أبي طالب عليه السلام من هذه الواقعة واضحا صريحا، فقد أخبر أنّه إن آل الأمر إليه يوما من الأيّام فإنّه لن يتخلّى عن الاقتصاص من عبيد الله بن عمر بن الخطاب

____________________

(1) الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج 2 ص 419.

(2) البداية والنهاية، ابن كثير، ج 7 ص 89.


للؤلؤة المقتولة ظلما وعدوانا. وهذا الموقف من علي عليه السلام ذكره المؤرخون وكتّاب السير والتّراجم ولكنهم لم يؤيدوه، ولا يلامون في ذلك لأنها ليست أول مرة يخذلون فيها عليا عليه السلام وذرّيته، وستبقى هذه الواقعة عارا على جبين قريش لا يرحضه شيء، لأنّ قتل الصّغار عمل دنيء لا يقدم عليه إلا التّافه الذي لا همّة له، كما تبقى عارا على المؤرّخين والمحدّثين الذين وقفوا مع الظّالم لأنّه ابن الخليفة! وليس في ما بين أيدينا من التّراث كلمة قدح في أبي لؤلؤة من طرف علي بن أبي طالب عليه السلام أو أحد من ولده، وهم الذين أمرنا الله تعالى بالتمسّك بهم على حدّ التمسّك بكتاب الله تعالى. وهذه روايات في وفاة عمر وسنّه يوم قبر.

قال [عمر]: فمن قتلني؟ قال: أبو لؤلؤة المجوسي، عبد المغيرة بن شعبة. قال: فرأينا البشر في وجهه وقال: الحمد لله الذي لم يقتلني رجل يحاجني بلا إله إلا الله يوم القيامة(1) .

أقول:

هذا التّكفير بهذه البساطة ليس مسلّما، ومن غير دليل لا يكون إلاّ من جهة المتعصّبين، لأنّ من المعلوم أنّ المسلمين لم يكونوا يسمحون لغير المسلم أن يدخل إلى المسجد ويقف في الصّفّ الأوّل! والدّليل على ذلك ما قاله أبو موسى لعمر في حوار جرى بينهما بخصوص كاتب نصرانيّ كان يكتب لأبي موسى طلب منه عمر أن يقرأ كتابه على النّاس، فقال أبو موسى (إنّه لا يدخل المسجد) فانتهره عمره وقال: (لا تأتمنوهم وقد خوّتهم الله تعالى، ولا تقرّبوهم وقد أبعدهم الله تعالى، ولا تعزّوهم وقد أذلّهم الله تعالى). قال ابن قدامة المقدسي بخصوص هذه الواقعة: (وفيه دليل على شهرة ذلك بينهم وتقرّره عندهم، ولأنّ حدث الجنابة والحيض والنّفاس يمنع المقام في

____________________

(1) الآحاد والمثاني، ج 1 ص 108.


المسجد، فحدث الشّرك أولى)(1) .

أقول:

وقد كان أبو لؤلؤة في المسجد بعد تكبيرة الإحرام، وقد ذكروا أيضا أنّه وعمر تناجيا طويلا في المسجد، وقد ذكروا أيضا أنّ بنت أبي لؤلؤة كانت مسلمة؛ وبعضهم قال: (تدّعي الإسلام)، ولو لا أنّها كانت مسلمة لما قال علي بن أبي طالب عليه السلام في عبيد الله بن عمر ما قال. فدعوى أنّ أبا لؤلؤة لم يكن مسلما تحتاج إلى مجهود كبير وإلاّ بقيت دعوى بلا بيّنة، وويل لأوّل من قالها. ومن عجيب ما في تراثنا أنّ قاتل عمر مجوسيّ، وقاتل عثمان لاحظّ له في الإسلام، وأمّا قاتل علي بن أبي طالب عليه السلام فمجتهد مأجور! وقاتل الحسين بن علي عليه السلام صدوق مقبول الرواية، لا يضرّه قتل الحسين شيئا! وقد رأينا في أياّمنا كتبا تصف أتباع أهل البيت عليهم السلام بـ المجوس، وتربطهم بالصّهيونية تارة وبالماسونيّة أخرى! كما أنّ هناك مواقع إلكترونية كثيرة وفضائيات وإذاعات ومجلات تجتهد ليل نهار لإطفاء نور الله، فتتّهم الموالين لأهل البيت عليهم السلام بمختلف التّهم، وتقول عنهم بكل وقاحة وصلافة أعداء الإسلام لا لشيء إلا لأنهم يرفضون مفاوضات أوسلو و كامب دافيد والتطبيع مع إسرائيل، بل ويعتبرون الأخيرة غدّة سرطانيّة لابد من استئصالها! كما أنّهم يعتبرون الجلوس إلى طاولة واحدة مع الإسرائيليين خيانة في حق الشعب الفلسطيني المظلوم. فإذا كانت هذه هي الحال، وأتباع أهل البيت عليهم السّلام يصلّون ويصومون ويحجّون بمئات الآلاف، ويحاربون إسرائيل وأذناب إسرائيل، ومع ذلك لا يشفع لهم شيء، بل يعنون كتاب يفتري عليهم بعنوان وجاء دور المجوس وتطبع منه الألوف المؤلفة ببركة أموال النفط المتدفّق، فكيف تكون حال فارسي غريب يعيش في المدينة، على بعد آلاف الأميال من موطنه

____________________

(1) المغني، ابن قدامة المقدسي، ج 9 ص 287.


الأصليّ؛ ليس له قبيلة تمنعه، ولا قانون يحميه، سوى قانون قريش الذي كتم قائمة أسماء الذين حاولوا اغتيال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في العقبة إلى يومنا هذا؟!

إنّني أسلخ هذه الكلمات من صدري سلخا، وأتجرّع معها ما لا يمكن أن يصفه شاعر أو خطيب، لأنّه يفترض فينا أن نكون أحرارا بالإسلام نقول الحق ولا نخشى في الله لومة لائم؛ غير أنّ الواقع خلاف ذلك، وكثير من أبناء أمّتنا الإسلاميّة يعبدون شيوخا انحنوا أمام اللاّت والعزّى ومناة الثالثة الأخرى، لأنّ الأسلاف عبدوهم على طريقتهم، ولم يكتفوا بذلك ولم يقرّ لهم قرار حتى أدخلوا الله تعالى في لعبتهم، وجعلوه هو أيضا في هوى قريش، فما يخطر ببال أولئك المشايخ شيء إلاّ وينزل قرآن موافق له، وهكذا كان! بدل أن يوافق العباد خالقهم، أوجب دين قريش أن يتّبع الخالق عباده، مع أنّه هو الذي قال بكل وضوح وبلغة يفهمها الصغير والكبير:( وَلَوِ اتّبَعَ الْحَقّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السّماوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عن ذِكْرِهِم مُعْرِضُونَ ) (1) .

عن ابن عمر في حديث طويل عن مقتل عمر قال: قال [عمر]: أما إنّي كنت قد نهيتكم أن تجلبوا إلينا من العلوج(2) أحدا فعصيتموني! ثمّ قال: ادعوا لي إخواني. قالوا: ومن؟ قال: عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص. فأرسل إليهم ثمّ وضع رأسه في حجري فلما جاؤوا قلت: هؤلاء قد حضروا فقال: نعم، نظرت في أمر المسلمين فوجدتكم أيّها السّتة رؤوس النّاس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلاّ فيكم(3) ما استقمتم يستقيم أمر النّاس وإن يكن اختلاف يكن فيكم فلما سمعت ذكر الاختلاف والشّقاق ظننت أنّه كائن لأنّه قلّ ما قال شيئا إلاّ رأيته، ثمّ نزف

____________________

(1) المؤمنون: 71.

(2) جمع علج، وهم الرّجل من كفّار العجم والقويّ الضّخم منهم. [تاج العروس ج 6 ص 108].

(3) هذا كلام يردّه قول علي عليه السلام: (حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنى أحدهم، فيا لله وللشورى! متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر) شرح النهج، ابن أبي الحديد، ج 1 ص 184.


الدّم فهمسوا بينهم حتّى خشيت أن يبايعوا رجلا منهم فقلت: إنّ أمير المؤمنين حيّ بعد ولا يكون خليفتان ينظر أحدهما إلى الأخر، فقال: احملوني؛ فحملناه فقال: تشاوروا ثلاثا ويصلّي بالنّاس صهيب، قال من نشاور يا أمير المؤمنين؟ فقال: شاوروا المهاجرين والأنصار وسراة من هنا من الأجناد. ثمّ دعا بشربة من لبن فشرب فخرج بياض اللّبن من الجرحين فعرف أنّه الموت فقال: (الآن لو أنّ لي الدّنيا كلّها لافتديت بها من هول المطّلع)(1) ، وما ذاك والحمد لله إن أكون رأيت إلاّ خيرا؛ فقال ابن عباس: وإن قلت ذلك فجزاك الله خيرا. أليس قد دعا رسول الله أن يعزّ الله بك الدّين والمسلمين إذ يخافون بمكّة، فلمّا أسلمت كان إسلامك عزّا، وظهر بك الإسلام ورسول الله وأصحابه، وهاجرت إلى المدينة فكانت هجرتك فتحا! ثمّ لم تغب عن مشهد شهده رسول الله من قتال المشركين من يوم كذا ويوم كذا(2) .

أقول:

هذا الكلام المضاف اختلق بعد قتل عمر بمائة سنة على أقل تقدير.

وعن أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جدّه قال: سمعت عمر يقول: ولدت قبل الفجار الأعظم بأربع سنين. وقال غيره: ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة(3) .

وقال ابن عبد البرّ: اختلف في سنّهرضي‌الله‌عنه يوم مات فقيل: توفّي وهو ابن ثلاث وستّين سنة كسنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسنّ أبي بكر حين توفّيا. روي ذلك من وجوه عن معاوية ومن قول الشعبي. وروي عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: توفّي عمر وهو ابن بضع وخمسين سنة. وقال أحمد بن حنبل عن هشيم عن علي بن زيد عن سالم بن

____________________

(1) أهكذا يتكلم المبشرون بالجنة حينما يوقنون بالرحيل؟! يحقّ للمرء أن يقارن ببين قول عمر: (الآن لو أنّ لي الدّنيا كلّها لافتديت بها من هول المطّلع) وقول علي بن أبي طالب عليه السلام (فزت ورب الكعبة)!

(2) المعجم الأوسط، الطبراني، ج 1 ص 182. قال في ذيله: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عمر إلا مبارك بن فضالة.

(3) تهذيب الكمال، ج 21 ص 322.


عبد الله أنّ عمر قب وهو ابن خمس وخمسين. وقال الزّهريّ: توفي وهو ابن أربع وخمسين سنة. وقال قتادة: توفّي وهو ابن اثنين وخمسين. وقيل: مات وهو ابن ستّين. وقيل: مات وهو ابن ثلاث وستين.(1)

وعن سالم قال توفي عمررضي‌الله‌عنه وهو بن خمس وخمسين(2) .

أقول:

يمكن أن يختلفوا في أسبوع أو شهر، أمّا أن يكون الفارق بين القولين تسع سنين فهو مما لا يستقيم عند العقلاء!. والعجيب أنّهم اختلفوا في السّنة التي قتل فيها كلّ هذا الاختلاف ولم يختلفوا في اليوم والشّهر. والأمر جدير بالتّمعّن. وانظر إلى قول قائلهم (توفّي وهو ابن ثلاث وستّين سنة كسنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسنّ أبي بكر حين توفّيا) يتبيّن لك مدى حرصهم على محاولة جعل أبي بكر وعرم مشابهين لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كل شيء حتى في الوفاة! ولا يسمح العاقل لنفسه أن يقرّب الشّبه بين سيّد الخلق أجمعين وشيخين عبدا الأصنام عشرات السّنين، لمجرّد أنّهما حكما بفضل سقيفة.

وقالوا أيضا: توفّي عمررضي‌الله‌عنه وله خمس وخمسون سنة، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال(3) .

وعن أنسرضي‌الله‌عنه قال: قبض النّبي أي توفّي وهو ابن ثلاث وستّين أي والحال أنّه صاحب ثلاث سنين وستّين أي سنة كما في نسخة، وأبوبكر وهو ابن ثلاث وستّين أي بلا خلاف وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر وعمر وهو ابن ثلاث وستّين وقيل ابن تسع وخمسين وقيل ثمان وخمسين وقيل ستّ وخمسين وقيل إحدى وخمسين. قال المؤلف(4) : طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة بالمدينة يوم الأربعاء لأربع بقين من

____________________

(1) الاستيعاب، ابن عبد البر، ج 1 ص 357.

(2) الآحاد والمثاني ج 1 ص 113 رقم 108.

(3) مشاهير علماء الأمصار، ج 1 ص 5.

(4) هو علي بن سلطان محمد القاري.


ذي الحجّة سنة ثلاث وعشرين ودفن يوم الأحد عاشر محرّم سنة أربع وعشرين، وله من العمر ثلاث وستّون، وهو أصحّ ما قيل في عمره، وكانت خلافته عشر سنين ونصفا(1) .

أقول:

قولهم (ودفن يوم الأحد عاشر محرّم سنة أربع وعشرين) بعد أن قالوا: (طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة بالمدينة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة) يعني أنّه مكث أربعة عشر يوما بعد طعنه، وهذا مخالف لما اتّفقوا عليه من أنه بقي ثلاثا بعد طعنه. ولا يستبعد التّصحيف. وإنّما يتلاعبون بالحساب ليجعلوا دفنه في شهر محرّم، والعاشر من محرّم هو نفس يوم شهادة الإمام الحسين بن علي عليه السلام، وهو اليوم الذي تقام فيه مجالس العزاء في كل بلد يسكنه أتباع أهل البيت عليهم السلام. وهذا من أمكر المكر وأخبث الخبث. فهم بذلك يحاولون أن يغيظوا شيعة أهل البيت عليهم السلام. وفي سبل السلام: وتوفي [عمر] في غرّة المحرم سنة أربع وعشرين طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة وخلافته عشر سنين ونصف(2) .

والحقّ أنّ عمر بن الخطّاب طعن في ربيع الأوّل ومات في ربيع الأوّل، ولهذا بدت في أقوالهم ثغرات يصعب سدّها. ففي الآحاد والمثاني: عن قتادة قال قتل عمررضي‌الله‌عنه وهو بن واحد وستين سمعت أبابكر بن أبي شيبة يقول توفى عمررضي‌الله‌عنه سنة ثلاث وعشرين من مهاجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمعت أبا بكر يقول وكانت خلافته عشر سنين ونصف قلت أنا: وكانت خلافته عشر سنين وسبعة أشهر أربع ليال(3) . فأضاف شهرا وأربعة أيام حتى لا يختل الحساب.

____________________

(1) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح علي القاري، ج 10 ص 504 تحت رقم 5840.

(2) سبل السلام، ج 1 ص 56.

(3) الآحاد والمثاني ج 1 ص 115، رقم 112.


وعن جرير عن معاوية قال: مات عمر وهو ابن ثلاث وستّين. ورو أبو أحمد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر عن الشّعبيّ عن معاوية مثله(1) . ونفس الكلام في الطّبقات - وفي الإسناد حريز بن عثمان النّاصبيّ المشهور الذي كان يلعن عليّا عليه السلام قبل الخروج من المسجد سبعين مرّة ويقول لا أحبّه قتل آبائي -: عن عامر بن سعد عن حريز أنّه سمع معاوية يقول توفّي عمر وهو ابن ثلاث وستّين(2) .

ماذا يريد معاوية بروايته هذه، ولماذا كلّ هذا التّأكيد على الثّلاث وستّين؟

قالوا: فلما رأوا ذلك علموا أنّه هالك قالوا: جزاك الله خيرا، قد كنت تعمل فينا بكتاب الله، وتتّبع سنّة صاحبيك لا تعدل عنها إلى غيرها، جزاك الله أحسن الجزاء؛ قال: بالإمارة تغبطونني؟ فو الله لوددت أنّي أنجو منها كفافا لا عليّ ولا لي! قوموا فتشاوروا في أمركم، أمّروا عليكم رجلا منكم، فمن خالفه فاضربوا رأسه! قال: فقاموا وعبد الله بن عمر مسنده إلى صدره فقال عبد الله [بن عمر]: أتؤمّرون وأمير المؤمنين حيّ؟ فقال عمر: لا، وليصلّ صهيب ثلاثا، وانتظروا طلحة وتشاوروا في أمركم فأمّروا عليكم رجلا منكم فإن خالفكم فاضربوا رأسه؛ قال: اذهب إلى عائشة فاقرأ عليها منّي السّلام وقل: إنّ عمر يقول إن كان ذلك لا يضرّ بك ولا يضيّق عليك فإنّي أحبّ أن أدفن مع صاحبيّ، وإن كان يضرّ بك ويضيّق عليك فلعمري لقد دفن في هذا البقيع من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمّهات المؤمنين من هو خير من عمر(3) ، فجاءها الرسول فقالت: إنّ ذلك لا يضرّ ولا يضيق عليّ. قال: فادفنوني معهما. قال عبد الله بن عمر: فجعل الموت يغشاه وأنا أمسكه إلى صدري، قال: ويحك ضع رأسي بالأرض! قال: فأخذته غشية فوجدت من ذلك فأفاق فقال: ضع رأسي بالأرض. فوضعت رأسه بالأرض فعفّره

____________________

(1) تاريخ خليفة بن خياط، ص 109.

(2) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد ج 3 ص 365.

(3) فلعمري لقد دفن في هذا البقيع من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمهات المؤمنين من هو خير من عمر! هذا رأي عمر في مسألة التفضيل.


بالتّراب فقال: ويل عمر وويل أمّه إن لم يغفر الله له قال محمد بن عمرو: وأهل الشّورى علي وعثمان وطلحة والزّبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف(1) .

أقول:

في أيّامنا هذه وفي أزمنة سابقة لم يزل أقوام أشدّ عمريّة من عمر نفسه؛ فعمر يقول: (فلعمري لقد دفن في هذا البقيع من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمّهات المؤمنين من هو خير من عمر) وهم يقولون: (أفضل الخلق بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر). وعمر يقول عن نفسه (ويل عمر، وويل أمّه إن لم يغفر الله له)، وأصحاب حديث العشرة المفتعل يكذّبونه ويقطعون له بالجنّة. ولا يفوتك ما كان يرمي إليه عمر من تفضيل عائشة بنت أبي بكر على جميع أزواج النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّه كان استثمارا من خبير. فقد كان عمر يمهّد ليدفن في حجرة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإذن من عائشة، وهذه حجّة أخرى عليه وعلى عائشة، لأنّهم زعموا أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يورث؛ فكيف غدت الحجرة ملكا لعائشة إذاً؟! إن كانت نحلة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنحلة فاطمة عليها السلام أولى؛ وإن كان بالميراث فلا كلام بعد قولهم (لا يورث).

قالوا: قال الحسن - وذكر له فعل عمر عند موته وخشيته من ربّه - فقال: هكذا المؤمن جمع إحسانا وشفقة، والمنافق جمع إساءة وغرّة. والله ما وجدت فيما مضى ولا فيما بقي عبدا ازداد إحسانا إلا ازداد مخافة وشفقة منه، ولا وجدت فيما مضى ولا فيما بقي عبدا ازداد إساءة إلا ازداد غرّة.

عن محمد بن إسحاق حدّثني عمّي عبد الرّحمن بن يسار قال: شهدت موت عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه فانكسفت الشمس يومئذ(2) .

أقول: هذا كلام يردّه حديث (إنّ الشّمس والقمر آيتان لا تنكسفان لموت أحد).

____________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة، ج 7 ص 440.

(2) المعجم الكبير، الطبراني، ج 1 ص 71 رقم 79.


وقد حاول كعب الأحبار أن يضفي على قتل عمر صبغة دينيّة، وطالما ضحك كعب على المسلمين. روى ابن عساكر عن عبد الله بن جبير عن شداد بن أوس عن كعب قال: كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر، وإذا ذكرنا عمر ذكرناه [!] وكان إلى جنبه نبيّ يوحى إليه، فأوحى الله إلى النبيّ أن يقول له اعهد عهدك واكتب وصيّتك، فإنّك ميت إلى ثلاثة أيّام؛ فأخبره النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك، فلما كان اليوم الثّالث وقع بين الجدر وبين السّرير ثمّ جاء إلى ربّه فقال: اللّهم إن كنت تعلم أنّي كنت أعدل في الحكم وإذا اختلفت الأمور اتّبعت هواك وكنت وكنت فزدني في عمري حتّى يكبر طفلي وتربو أمتي، فأوحى الله إلى النّبيّ أنّه قد قال كذا وكذا، وقد صدق، وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة، ففي ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته. فلمّا طعن عمر قال كعب: (لئن سأل عمر ربّه ليبقينّه الله). فأخبر بذلك عمر فقال: (اللّهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم)(1) .

أقول:

هذا كلام كعب، وأما الطّبيب فقال لعمر: (ما أرى تمسي، فما كنت فاعلا فافعل). وكان عمر بن الخطّاب أعلم بكلام كعب ممّن نقلوا الكلام، وهو الذي قال له يوم بيت المقدس (خالطتك يهوديّة). وما دام كعب يقول: (كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر، وإذا ذكرنا عمر ذكرناه) [!] فماذا لم يسمّه؟

وعن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال شهدت عمر بن الخطّاب غداة طعن، فكنت في الصّفّ الثّاني، وما يمنعني أن أكون في الصّفّ الأوّل إلاّ هيبته! كان يستقبل الصّفّ إذا أقيمت الصّلاة فإذا رأى إنسانا متقدّما أو متأخّرا أصابه بالدّرّة، فذلك الذي منعني أن أكون في الصّفّ الأوّل، فكنت في الصّفّ الثّاني فجاء عمر يريد الصّلاة

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 420.


فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فناجاه عمر غير بعيد ثمّ تركه، ثمّ ناجاه ثمّ تركه، ثمّ ناجاه ثم تركه(1) ثمّ طعنه. قال: فرأيت عمر قائلا بيده هكذا (دونكم الكلب قد قتلني)، وماج النّاس قال: فخرج ثلاثة عشر رجلا فمات منهم ستة أو سبعة وماج النّاس بعهم في بعض فشدّ عليه رجل من خلفه فاحتنه؛ قال قائل (الصلاة عباد الله قد طلعت الشمس)! فتدافع النّاس، فدفعوا عبد الرّحمن بن عوف فصلّى بهم بأقصر سورتين في القرآن (إذا جاء نصر الله) و (إنا أعطيناك الكوثر) واحتمل فدخل عليه النّاس قال: يا عبد الله بن عباس اخرج فناد في النّاس: أعن ملأ منكم كان هذا؟ قالوا: معاذ الله، ولا علمنا ولا اطّلعنا. فقال: ادعوا لي بالطبيب. فدعي فقال: أيّ الشّراب أحبّ إليك؟ قال: النّبيذ! فشرب نبيذا فخرج من بع طعناته، فقال النّاس: هذا صديد. فقال: اسقوه لبنا؛ فشرب لبنا فخرج من بع طعناته قال: ما أرى تمسي فما كنت فاعلا فافعل. فقال: يا عبد الله بن عمر ناولني الكتاب فلو أراد الله أن يمضي ما فيها أمضاه. قال عبد الله: أنا أكفيك محوها. فقال: لا، لا يمحوها أحد غيري. قال فمحاها عمر بيده وكان فيها فريضة الجدّ(2) [!]، فقال: ادعوا لي عليّا وعثمان وطلحة والزّبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد قال فدعوا قال فلم يكلم أحدا من القوم إلا عليّا وعثمان فقال: يا عليّ، إنّ هؤلاء القوم لعلّهم أن يعرفوا لك قرابتك من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما أعطاك الله من الفقه والعلم، فإن ولّوك هذا الأمر فاتّق الله فيه. ثمّ قال: يا عثمان، إنّ هؤلاء القوم لعلّهم أن يعرفوا لك صهرك من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشرفك فإن ولّوك هذا الأمر فاتّق الله ولا تحملنّ بني أبي معيط على رقاب النّاس؛ يا صهيب، صلّ بالنّاس ثلاثا وأدخل هؤلاء في بيت فإذا اجتمعوا على رجل فمن خالفهم فليضربوا رأسه. قال: فلما خرجوا قال: إن ولّوها الأجلح سلك بهم الطّريق. قال: فقال عبد الله بن عمر: ما منعك؟ قال: أكره أن أحملها

____________________

(1) ماذا قال عمر لأبي لؤلؤة وماذا قال أبو لؤلؤة لعمر؟

(2) يبدو أن فريضة الجدّ عند عمر بن الخطاب من أهم القضايا التي تتعلق بأمن الدولة.


حيّا وميتا! قلت: في الصحيح طرف منه(1) .

أقول:

من المستبعد أن تكون فريضة الجدّ هي التي محاها عمر من اللّوح، وغير سديد أن تكون هذه المسألة الفرعيّة أهمّ مسألة لديه وقد أيقن بالخروج من الدّنيا. وأستبعد في نفس الوقت أن يصل إلينا ما كان مكتوبا في اللّوح قبل محوه باعتبار أنّ ثقافة الكرسيّ قد احتاطت في النّقل فاستعملت أدقّ مجهر وأحدّ مقص.

قالوا: وكانرضي‌الله‌عنه يستريح إلى كلام ابن عباسرضي‌الله‌عنه ما فقال كرر فكرر عليه فقالرضي‌الله‌عنه : على ما تقول لو أن لي طلاع الأرض لافتديت به من هول المطلع. أخرجه ابن حبّان عن أبي يعلى بطوله وأصله في الصحيح بقليل من هذا السياق ومعظمه ليس فيه(2) .

أقول:

ويبقى السؤال مطروحا: كيف يقول هذا الكلام رجل مبشر بالجنة على لسان من لا ينطق عن الهوى إن صحّت بشارته بذلك؟

وعند ابن حبان: توفى عمررضي‌الله‌عنه وله خمسة وستون سنة(3) .

وزاد مبارك بن فضالة فظنّ عمر أنّ له ذنبا إلى النّاس لا يعلمه فدعا ابن عباس وكان يحبّه ويدنيه، فقال: أحبّ أن تعلم عن ملأ من النّاس كان هذا؟ فخرج لا يمر بملأ من الناس إلاّ وهم يبكون فكأنّما فقدوا أبكار أولادهم(4) ..

أقول:

يقول: (كأنما فقدوا أبكارهم)! والحال أنّ كبراءهم يشهدون عليه أنه (فظّ

____________________

(1) مسند الحارث، (زوائد الهيثمي)، ج 2 ص 622 تحت رقم 594.

(2) المطالب العالية، ابن حجر العسقلاني، ج 15 ص 783.

(3) الثقات، ابن حبان، ج 2 ص 241.

(4) فتح الباري، ابن حجر، ج 7 ص 64.


غليظ)! وأنّ الشّعبيّ يقول: (ما مات عمر حتى ملّته قريش وكرهت خلافته).

وفي تاريخ الطبري: فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار فقال له: (يا أمير المؤمنين اعهد فإنّك ميت في ثلاثة أيّام [!] قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله عزوجل التّوراة)(1) ! قال عمر: آلله إنّك لتجد عمر بن الخطّاب في التّوراة؟! قال: اللهمّ لا، ولكنّي أجد صفتك وحليتك، وأنّه قد فني أجلك! قال وعمر لا يحسّ وجعا ولا ألما؛ فلمّا كان من الغد جاءه كعب فقال: يا أمير المؤمنين ذهب يوم وبقي يومان! قال ثم جاءه من غد الغد فقال ذهب يومان وبقي يوم وليلة وهي تلك إلى صبحتها.

أقول:

هذا كعب الأحبار يضحك على عمر الذي لا يخدع؛ أيّة توراة هذه التي فيها صفة ابن الخطّاب وتحديد يوم قتله كما يدّعي كعب؟! نعم، هناك اسم وصفة النّبي في التّوراة، وقد بقي كعب الأحبار كافرا به إلى أن مات كما يدلّ عليه قول أبي ذررضي‌الله‌عنه له: (والله ما خرجت اليهوديّة من قلبك). وإذا كان كعب قد أسلم فلماذا يبقى متمسّكا بالتّوراة التي شهد القرآن الكريم على ثبوت التّحريف فيها. ثمّ اعجب لاطّلاعه على ما لا يطّلع عليه جبريل،( إِنّ اللّهَ عِندَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (2) .

لكنّ كعب الأحبار يدري متى يموت عمر بن الخطّاب على وجه الدقّة والتّفصيل، ويعدّ له الأيّام، ويزعم مع ذلك أنّ هذا في التّوراة! ألا يكون كعب الأحبار ضالعا أو على الأقلّ مطّلعا على مؤامرة قتل عمر التي بقيت إلى اليوم لغزا تحار له عقول الألبّاء؟!

قال عمر [لعبد الله]: اذهب إلى أمّ المؤمنين عائشة فقل: يستأذن عمر أن يدفن مع

____________________

(1) إلى هذا المستوى بلغ استخفاف كعب الأحبار بالمسلمين، يجد في الكتاب يوم وفاة عمر! هل هو كتاب سماوي أم سجل وفيات؟ الله أعلم. وكعب أيضا يعلم.

(2) لقمان: 34.


صاحبيه، فذهب إليها فقالت: كنت أريده - تعني المكان - لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي. قال: فأتى عبد الله فقال: قد أذنت لك؛ فحمد الله(1) .

أقول:

يستأذن على عائشة في بيت لا تملكه، ويقتحم على فاطمة بيتا تملكه، ولا يشير إلى ذلك مؤرخ ولا محدّث، لأن ثقافة الكرسيّ هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة، ولأنّ الحاكم (لا يسأل عمّا يفعل)!

قالوا:... قال عمر: أما والله على ما يقولون وددت أنّي خرجت منها كفافا لا عليّ ولا لي، وإنّ صحبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد سلمت لي(2) . فتكلّم عبد الله بن عباس وكان عند رأسه وكان خليطه كأنه من أهله وكان ابن عباس يقرأ القرآن فتكلم عبد الله بن عباس فقال والله لا تخرج منها كفافا لقد صحبت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فصحبته بخير ما صحبه خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكنت تنفذ أمره وكنت له وكنت له وكنت ثم وليتها يا أميرالمؤمنين أنت فوليتها بخير ما وليها وال كنت تفعل وكنت تفعل فكان عمر يستريح إلى حديث ابن عباس فقال عمر: يا ابن عباس كرر عليّ حديثك؛ فكرّر عليه، وقال ابن المقرئ كرّ علي حديثك فكرّ عليه، فقال عمر: أما والله على ما تقولون لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به اليوم من هول المطّلع، قد جعلتها شورى في ستة وقال ابن المقرئ في ستّة عثمان وعليّ وطلحة بن عبيد الله والزّبير بن العوام وعبد الرّحمن بن

____________________

(1) صحيح البخاري، ج 1 ص 469، وج 3 ص 1355، وج 3 ص 1356، وصحيح ابن حبان، ج 15 ص 352 وج 15 ص 353 وج 15 ص 354، والجمع بين الصحيحين ج 1 ص 128 وج 1 ص 129، وسنن البيهقي الكبرى ج 4 ص 58، ومصنف ابن أبي شيبة ج 3 ص 34، وج 7 ص 435 وج 7 ص 436، وكنز العمال ج 5 ص 289، وفتح الباري ج 3 ص 258، وعمدة القاري، ج 8 ص 228 وج 16 ص 209، وتاريخ مدينة دمشق، ج 44 ص 416، والطبقات الكبرى، ج 3 ص 338، وشرح العقيدة الطحاوية، ج 1 ص 542، ومنهاج السنة النبوية، ج 6 ص 12 والانتصار في الرّد على المعتزلة القدرية الأشرار، ج 3 ص 879، والمنتظم، ج 4 ص 330، وتاريخ الإسلام ج 3 ص 279 وصفة الصفوة ج 1 ص 290 وتاريخ الخلفاء ج 1 ص 135.

(2) هذا معناه أن عمر بن الخطاب غير متيقن أن صحبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد سلمت له، وهذا كلامه هو، وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز.


عوف وسعد بن أبي وقاص(1) .

أقول:

يقول عمر بن الخطاب: (قد جعلتها) وكأنّه يتكلّم عن شيء يملكه، أليس عجيبا أن يتكلّم بهذه الطريقة وقد طعن وأيقن بالموت، ويمنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كتابة الوصيّة الأخيرة بحجّة أنّه يهجر؟ ومن الأولى بأن يهجر، من طعن وسالت الدماء من جرحه أم من هو سليم البدن؟

وعن سماك عن ابن عباس قال: دخلت على عمر حين طعن فقلت أبشر يا أمير المؤمنين والله لقد مصر الله بك الأمصار وأوسع بك الرزق وأظهر بك الحق فقال عمر قبلها أو بعدها فقلت بعدها وقبلها قال فو الله وددت أني أنجو منها كفافا لا أجر ولا وزر(2) .

وعن مسعر عن سماك قال: سمعت ابن عباس قال: دخلت على عمر حين طعن فجعلت أثني عليه فقال بأيّ شيء تثني عليّ بالإمرة أو بغيرها؟ قال قلت: بكلّ. قال: ليتني أخرج منها كفافا لا أجر ولا وزر. وعن مسعر عن سماك الحنفيّ قال: سمعت ابن عباس يقول: قلت لعمر: مصّر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل بك وفعل! فقال: (لوددت أني أنجو منه لا أجر ولا وزر)(3) .

أقول:

أوّل ما يلاحظ على هذا الكلام أنّه أشبه بكلام مؤرّخ من الطّراز التّقليدي! وفيه أكاذيب لا تخفى على الحصيف، إذ متى أعزّ الله الإسلام بعمر؟ بفراره في أحد ينزو كالأروى؟ أم بفراره يوم خيبر يجبّنهم ويجبّنونه؟ أم بفراره في حنين؟ أم بجبنه وخوره

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 44 ص 411.

(2) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 44 ص 423.

(3) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ج 3 ص 351.


يوم الأحزاب؟ ثمّ إذا كان الرّجل من العشرة المبشّرين مشهودا له بالجنّة على لسان النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما يقولون، و (الله لا يخلف الميعاد) و (لا يخلف الله وعده)، و (الله لا يضيع أجر المحسنين)، فلماذا كلّ هذا الشّكّ وهذا القنوط؟ ولماذا يتمنّى لو أنّ له طلاع الأرض ويخرج منها كفافا؟! وللّذين هم أشدّ عمريّة من عمر نفسه أقول: أمّا قولهم (لم تغب عن مشهد شهده رسول الله من قتال المشركين من يوم كذا ويوم كذا) فقد كان عمر على كرسيّ الاحتياط، مع ملاحظة سرعة الفرار إذا ضعفت جهة المسلمين. وأمّا قولهم (ثمّ قبض رسول الله وهو عنك راض) فيرد عليه أنّه توفّيت فاطمة عليها السلام ساخطة عليه، وقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (إنّ الله ليرضى لرضاها ويغضب لغضبها). وأمّا قولهم (فوازرت الخليفة بعده على منهاج رسول الله) فغير صحيح، ولو كان منهاج السّقيفة على منهاج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما اعترض عليه عليّ وفاطمة عليهما السّلام. وأمّا قولهم (ثمّ قبض الخليفة وهو عنك راض) فيقال: ما قيمة أن يرضى مغضوب عليه على مغضوب عليه؟! وأمّا قولهم (مصرّ الله بك الأمصار، وجبى بك الأموال، ونفى بك العدوّ، وأدخل الله بك على كل أهل بيت من توسّعهم في دينهم وتوسّعهم في أرزاقهم فأقول: ودخل على بيت النبوّة ما تنفطر له القلوب وتتصدّع له الأكباد. ولا يحقّ للمسلم أن يصنّف نفسه في من (يحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) وقد كان الرجل في المدينة - وما أسهل البقاء في المدينة - إذ الرجال يعانقون السيوف والرماح، فكان بذلك مخالفا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي كان دائما يقود الجيش في أمّهات المعارك. ثمّ انظر إلى قوله لهم حين قالوا له (ثم ختم لك بالشّهادة! فهنيئا لك)! حيث قال لهم: (والله إنّ المغرور من تغرّرونه). فما أشبه كلام الحسن البصريّ بكلام وعّاظ السلاطين، وقد كان منهم!.

وعن الصقر بن عبد الله عن عروة عن عائشة قالت: بكت الجنّ على عمر قبل أن يموت بثلاث فقالت:


أبعد قتيل بالمدينة أصبحت

له الأرض تهتزّ العضاة بأسوق

جزى الله خيرا من أمير وباركت

يد الله في ذاك الأديم الممزق

فمن يسع أو يركب جناحي نعامة

ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق

قضيت أمورا ثم غادرت بعدها

بوائق في أكمامها لم تفتق

فما كنت أخشى أن يكون مماته

بكفى سبنتى(1) أخضر العين مطرق(2)

وعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: دخل ابن عباس على عمر حين طعن فقال له: يا أمير المؤمنين إن كان إسلامك لنصرا، وإن كانت إمارتك لفتحا، والله لقد ملأت الأرض عدلا حتى إنّ الرجلين ليتنازعان فينتهيان إلى أمرك. قال عمر: أجلسوني، فأجلسوه قال: ردّ عليّ كلامك، قال فردّه عليه، قال: فتشهد لي هذا الكلام عند الله يوم تلقاه؟ قال: نعم. قال فسرّ ذلك عمر وفرح.

أقول:

إنّ صحّ هذا فسيشهد له ابن عباس وتشهد عليه فاطمة عليها السلام، وتتعارض الشّهادتان؛ فإن كانت شهادة ابن عباس أرجح عند الله تعالى من شهادة فاطمة عليها السلام فهو ذاك، وإلاّ فإنّ مظلوميّة الزّهراء عليها السلام تبكي يوم القيامة آدم ونوحا وإبراهيم وآل إبراهيم وآل يعقوب ورسلا قصصناهم عليك ورسلا لم نقصصهم عليك!

وأخرج (ابن سعد) عن شداد بن أوس عن كعب قال كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر وإذا ذكرنا عمر ذكرناه وكان إلى جنبه نبي يوحى إليه فأوحى الله إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقول له أعهد عهدك واكتب وصيّتك فإنّك ميت إلى ثلاثة أيّام؛ فأخبره النبي بذلك فلما كان اليوم الثالث وقع بين الجدار والسرير ثم جاء إلى ربّه فقال:

____________________

(1) السبنتى: الجريء وقيل النَّمر، جمهرة اللغة، ج 1 ص 127، وج 1 ص 415، والمخصص، ج 2 ص 163 والنهاية في غريب الأثر، ج 2 ص 848.

(2) أسد الغابة، ابن الأثير ج 4 ص 73.


اللّهم إن كنت تعلم أني كنت أعدل في الحكم وإذا اختلفت الأمور اتّبعت هداك وكنت..، وكنت، فزد في عمري حتى يكبر طفلي وتربو أمتي فأوحى الله إلى النبي أنه قد قال كذا وكذا وقد صدق وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة، ففي ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته. فلمّا طعن عمر قال كعب: لئن سأل عمر ربه ليبقينه الله، فأخبر بذلك عمر فقال: اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم(1) .

قال ابن حجر العسقلاني: قلت ما صحّحه من سنّه فيه نظر، فهو وأن ثبت في الصّحيح من حديث جرير عن معاوية أنّ عمر قتل وهو ابن 63 سنة فقد عارضه ما هو أظهر منه، فرأيت في أخبار البصرة لعمر بن شبّة قال لنا أبو عاصم حدثنا حنظلة بن أبي سفيان سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر، قال سمعته قبل أن يموت بعام يقول: أنا ابن سبع وخمسين أو ثمان وخسمين، وإنّما أتاني الشّيب من قبل أخوالي بني المغيرة). قلت: فعلى هذا يكون يوم مات ابن 58 أو تسع وخمسين، وهذا الإسناد على شرط الصّحيح وهو يرجح من الأوّل بأنّه عن عمر نفسه، وهو أخبر بنفسه من غيره، وبأنه عن آل بيته وآل الرجل أتقن لأمره من غيره(2) .

أقول: وفي هذه العبارة الأخيرة حجّة على ابن حجر وأبناء مدرسته يصعب عليهم التنصّل منها، فإنّه إن كان آل الرجل أتقن لأمره من غيره فكيف صار غير آل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتقن لأمره منهم؟!

____________________

(1) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ج 3 ص 353.

(2) تهذيب التهذيب، ابن حجر، ج 7 ص 386.



الخاتمة

تلكم كانت أخبار وصفات وأقوال عمر بن الخطاب كما ذكرها أولياؤه وأتباعه، وكتبوها طائعين غير مكرهين، فهي حجّة عليهم؛ وقد تفنّنوا في محاولات التبرير والتعذير، حتى ذهبوا إلى إعطاء عمر ما لم يعطوه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ولئن كانوا صارمين في الرّد على كل قائل بعصمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّ لديهم انفتاحاً ورحابة صدر لكلّ من يقول إنّ عمر بن الخطاب كاد أن يكون نبيّاً، مع في ذلك من الاستخفاف بالدّين وتعظيم شأن الجاهلية، لأنّ عمر بن الخطاب عاش في الجاهليّة أكثر ممّا عاش في الإسلام، بقيت ملامح الجاهليّة بادية في كلامه وسلوكه إلى أن خرج من الدّنيا.

والذي أراه مهمّا في ما جاء عن عمر بن الخطاب هو ما يتعلّق بحقوق الإنسان، مسلماً كان أو غيره. وقد ثبت لديّ وسيبقى ثابتاً فيما بيني وبين الله تعالى أنّ عمر بن الخطاب لم يكن يقيم لحقوق الإنسان أدنى اعتبار، كما ثبت لديّ أنّ عبارة متى استعبدتم الناس.. المنسوبة إليه تكذّبها أقواله وأفعاله.

إنني أقصد بحقوق الإنسان ما جاء في قول الله تعالى ( وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَى‏ كَثِيرٍ مِمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً )(1) ، ولا معقّب لحكم الله تعالى وأمره، إذ لا شريك له ولا منازع، لكنّ ثقافة الكرسيّ التي لا تزال إلى اليوم تذيق المسلمين أنواع الأذى والإهانة في النّفس والعقل والدّين تأبى إلاّ أن تقدّم قول قريش على قول الله تعالى، وذوق قريش على حكمة الله تعالى، وقسوة قريش على رحمة الله تعالى ولطفه بعباده.

ولن أستغرب أن يتّهمني من يقرأ هذه السطور بقسوة على عمر في الحكم أو

____________________

(1) الإسراء: 70.


حساسية قباله، ولا ألوم من يفعل ذلك وأنا عارف بالسّبب، لأنّ هناك فرقاً كبيراً بين من يتحرّك من صميم حرّية المعتقد في الحكم على الأشياء واتّخاذ المواقف، وبين من يعيش في دفء ما نسجه السّلف ظنّاً منه أن ذلك هو الطريق السليم إلى الجنّة.

وإذا كنت أعتقد فعلاً بصحّة كلّ ما جاء في القرآن الكريم، وأنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإنّه ينبغي عليّ أن أجسّد ذلك الاعتقاد عند حكمي على الأشياء واتّخاذ الموقف من الحوادث في ظلّ قوله تعالى( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ للّهِ‏ِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى‏ أَلّا تَعْدِلُوا إِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَى‏ وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ، وما أبعد تراثنا المكتوب عن الالتزام بهذه الآية الشريفة، وإلاّ فمتى قال الله تعالى: إنّي جعلت جيل الصّحابة مدلّلاً بعد أن قال( إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ ) ؟ ومتى قال الله تعالى: إنّ الذين قضوا شطراً كبيراً من أعمارهم في الشرك أفضل عندي من سائر خلفي؛ لأنّهم عاصروا النبيّ الذي أرسلته إليهم بعد أن قال( إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) ؟ ومتى قال الله تعالى: إنّي أذنت لشيوخ قريش أن يجتمعوا وينصّبوا أحدهم ليكون خليفتي في أرضي ويتحكّم في عبادي باسمي؟

تراثنا المكتوب يساهم - على حدّ فهمي - في خلق العقليّات المنحرفة التي تتمرّد على الإسلام باسم الحرّية وتتحوّل إلى وسائل تدمير بيد أعداء الإسلام، وهو أيضاً يساهم في تدجين عقليّات في وسعها أن تتحوّل إلى طاقات فكريّة بنّاءة تواجه التمرّد والإرهاب بالحكمة الحسنة، وتضع الأمور مواضعها. وليس في هذا الكلام مبالغة كما قد يتبادر لمن يسمعه، لأنّه مبني على تدبّر كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمّة من عترته، وهم الذين جعلهم الله تعالى عدل الكتاب الكريم. والدّليل على صحّة ذلك سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة من بعده، فإنّها كانت سيرة رحمة ولطف بقيت معالمها عبر


القرون تنير الدّرب للسائرين، وكانت السّيرة المقابلة أبعد شيء في والوحشية والهمجية والدموية وهذا بشهادة أكثر من شاهد من أهلها.

ولو أنصفنا السّلف لما دوّنا باسمنا قرارات متعلّقة بزمان لن يكونوا من أهله، فإنّ في ما أقدموا عليه تعدّياً على حقوق الأجيال. وربّما كانت العبارة المناسبة أن نقول عن تراثنا المكتوب: إنه تراث الوصاية الفكرية، يكفي فيه أن يرى الرجل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويسمع صوته ويسير في ركابه أياماً أو سنين كيما يصبح فوق الشريعة وفوق الحق وفوق كل منطق يخطر ببال الإنسان. ويجد ذاك المعاين جنوداً مجنّدة من المدافعين عن أخطائه وسيئاته باسم الله والرسول والإسلام والقرآن! وكلّ من تسوّل له نفسه أن يكون قرآنياً في الحكم على الأشياء، فويل له ثم ويل له من تلك الجنود.

تراثنا الفكري لا يبالي أن يمدّد عمر الخطيئة ويقول عن رجل تجاوز السّتين يكشف عورته بين جيشين عظيمين: إنّه عبقريّ! ويقول عن رجل قارب السّتّين يشبّه نفسه حال الفرار بالأروى إنّه عبقري! ويقول عن رجل يخفر الذمم وينق العهود ويصرّح بالاستخفاف بشخص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّه حليم! ويقول عن رجل استسلم لشهوة فرجه حتى تجاوز البهائم: إنّه داهية. ويجمع هؤلاء جميعاً بغ علي بن أبي طالب عليه السلام.

نعم، بغض على عليه السلام جعل الفرّار شجاعاً، وكاشف عورته عبقرياً، والغدّار حليماً، والزاني صاحب فتوّة، والأحمق حكيماً، وكل ذلك لسبب بسيط في ظاهره عميق في جوهره، وهو أن تراثنا المكتوب كتبته الأيدي التي تبغض عليّاً عليه السلام، وباركته القصور التي تبغض علياً عليه السلام، فاجتمع الحاكم والعالم على الجيفة، في دين يصرّح بلعن الكاذبين.


وفي أيامنا أيضاً تنفق ملايين الدولارات النفطية في بغ علي عليه السلام وتوزّع رسائل دكتوراه وماجستير على أشباه الباحثين الذين ينتقصون علياً عليه السلام وأهل بيته ويحاولون أن يرفعوا من شأن مناوئيه. والزمن كفيل ببيان الحقيقة للتمييز بين من خدم الإسلام ومن استخدم الإسلام؛ وفي انتظار ذلك على الباحثين أن يصغوا إلى أصوات ضمائرهم، ويتجاوزوا العقبات الموروثة، ويستمعوا إلى من يخالفهم؛ لأنّهم في أعماق أنفسهم يعلمون أن عمر بن الخطاب لم يكن نبياً، ولا وصي نبي، وإنّما صنعته السّقيفة فيما صنعت، كما يعلمون أن معظم ما يتعرض له المسلمون اليوم إنّما هو من آثار السقيفة وجماعة السقيفة.( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدّونَ إِلَى‏ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (1) .


مصادر الكتاب

القرآن الكريم

1 - الإتقان في علوم القرآن ، جلال الدين السيوطي - دار الفكر - لبنان - 1416 هـ - 1996 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: سعيد المندوب.

2 - الإتقان في علوم القرآن ، السيوطي، دار النشر: دار الفكر - لبنان - 1416 هـ - 1996 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: سعيد المندوب.

3 - إثبات صفة العلو ، ابن قدامة المقدسي، الدار السلفية - الكويت الطبعة الأولى، 1406 هـ، تحقيق: بدر عبد الله البدر.

4 - إثبات عذاب القبر ، البيهقي، دار الفرقان، عمان، الأردن. الطبعة الثانية 1405 هـ، تحقيق: د. شرف محمود القضاة.

5 - الآحاد والمثاني ، الضحاك ابن ابي عاصم: دار الدراية 1411.

6 - الآحاد والمثاني ، الشيباني دار الراية، الرياض الطبعة الأولى، 1411 - 1991 تحقيق: د. باسم فيصل أحمد الجوابرة.

7 - الاحتجاج ، الشيخ الطبرسي (الشيعي) دار النعمام للطباعة والنشر.

8 - أحكام القرآن ، الجصاص - دار الكتب العلمية بيروت 1415 هـ.

9. أحكام القرآن ، الجصاص، دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1405، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي.

10 - إرشاد الثقات الشوكاني ، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى، 1984 م.

11 - إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ، لأبي السعود محمد بن محمد العمادي، دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.


12 - أسباب نزول الآيات ، الواحدي النيسابوري، مؤسسة الحلبي وشركائه 1388.

13 - الاستذكار : أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى، 1421 - 2000 تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض.

14 - أسد الغابة ، ابن الأثير.

15 - الإصابة ، ابن حجر، دار الكتب العلمية، دار الجيل، بيروت 1415 هـ 1412 هـ.

16 - أصول السنة ، أحمد بن حنبل. دار المنار - الخرج - السعودية الطبعة الأولى، 1411 هـ.

17 - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ، الشنقيطي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت. 1415 هـ 1995 م، تحقيق: مكتب البحوث والدراسات.

18 - أضواء على السنة المحمدية محمود أبو ريّة ، نشر البطحاء 1385، الطبعة الخامسة، مزيدة محققة.

19 - أعلام النبوة ، الماوردي. دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة الأولى، 1987 تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي.

20 - أقاويل الثقات ، مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي، مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الأولى، 1406 تحقيق: شعيب الأرناؤوط.

21 - الإكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء أبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي، دار النشر: عالم الكتب - بيروت - 1417 هـ، الطبعة: الأولى، تحقيق: د. محمد كمال الدين عز الدين علي.

22 - الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة الدينوري، انتشارات دار الشريف الرضي


1412 هـ.

23 - البدء والتاريخ ، المقدسيّ، مكتبة الثقافة الدينية القاهرة.

24 - البداية والنهاية ابن كثير مكتبة المعارف، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت 1408 هـ...

25 - البرهان في علوم القرآن ، الزركشي، دار المعرفة - بيروت - 1391، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم.

26 - البرهان في علوم القرآن ، الزركشي أبو عبد الله، دار النشر: دار المعرفة - بيروت - 1391، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم.

27 - بلاغات النساء ابن طيفور (ت 380) مصادر التاريخ مكتبة بصيرتي. قم المقدسة.

28 - بلاغات النساء ، ابن طيفور، مكتبة بصيرتي، قم، إيران...

29 - البيان والتبين ، الجاحظ دار صعب بيروت 1968.

30 - تاريخ ابن معين ، دار المأمون للتراث دمشق.

31 - التاريخ الصغير ، للبخاري، دار المعرفة بيروت 1406 هـ...

32 - تاريخ الطبري . مؤسسة الأعلمي، دار الكتب العلمية بيروت. 1407.

33 - تاريخ الطبري ، مراجعة وتصحيح وضبط: نخبة من العلماء الأجلاء، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت - لبنان، قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة بمطبعة بريل بمدينة لندن في سنة 1879 م.

34 - التاريخ الكبير ، للبخاري دار المعرفة بيروت 1456 هـ...

35 - تاريخ المدينة - ابن شبة النّميريّ...

36 - تاريخ المدينة المنورة ، عمر بن شبة النميري البصري دار الكتب العلمية -


بيروت - 1417 هـ - 1996 م، تحقيق: علي محمد دندل وياسين سعد الدين بيان.

37 - تاريخ اليعقوبي ، دار صادر بيروت.

38 - تاريخ خليفة بن خياط ، العصفري، دار الفكر بيروت 1414 هـ، دار القلم، مؤسسة الرسالة 1397 هـ.

39 - التبيان في آداب حملة القرآن ، النووي، الوكالة العامة للتوزيع - دمشق - 1403 هـ - 1983 م، الطبعة: الأولى.

40 - التبيان في تفسير غريب القرآن ، شهاب الدين المصري، دار الصّحابة للتراث بطنطا - مصر - 1412 هـ 1992 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: فتحي أنور الدابلوي.

41 - تدوين القرآن ، علي الكوراني العاملي (الشيعي)، دار القرآن قم...

42 - تفسير ابن عربي : دار الكتب العلمية - لبنان، بيروت - 1422 هـ، 2001 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: ضبطه وصححه وقدم له الشيخ عبد الوارث محمد علي.

43 - تفسير البحر المحيط ، أبو حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية - لبنان، بيروت - 1422 هـ الطبعة: الأولى، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - الشيخ علي محمد معوض، شارك في التحقيق 1) د. زكريا عبد المجيد النوقي 2) د. أحمد النجولي الجمل.

44 - تفسير البحر المحيط ، لأبي حيان الأندلسي، دار النشر: دار الكتب العلمية - لبنان، بيروت - 1422 هـ - 2001 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - الشيخ علي محمد معوض، شارك في التحقيق 1) د. زكريا عبد المجيد النوقي 2) د. أحمد النجولي الجمل. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي دار الشعب القاهرة.

45 - تفسير البغوي ، دار المعرفة - بيروت، تحقيق: خالد عبد الرحمن العك.


46 - تفسير البيضاوي ، البيضاوي، دار الفكر - بيروت.

47 - تفسير الثعالبي مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت.

48 - تفسير الثعالبي ، دار إحياء التراث العربي 1418.

49 - تفسير الثعلبي دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان 1422 هـ 2002 م. مراجعة وتدقيق الأستاذ نظير الساعدي.

50 - تفسير الجلالين ، محمد بن أحمد - عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي دار الحديث - القاهرة، الطبعة: الأولى.

51 - تفسير القرآن ، السمعاني، دار الوطن - الرياض - السعودية - 1418 هـ - 1997 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم.

52 - تفسير القرآن العظيم ، ابن كثير - دار المعرفة بيروت 1412 هـ.

53 - تفسير القرآن العظيم ابن كثير دار الفكر بيروت 1401 هـ.

54 - تفسير القرآن العظيم ، ابن كثير الدمشقي دار النشر: دار الفكر - بيروت - 1401 هـ.

55 - تفسير القرآن الكريم ، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1412 هـ.

56 - تفسير القرآن ، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، مكتبة الرشد - الرياض - 1410، الطبعة: الأولى، تحقيق: د. مصطفى مسلم محمد.

57 - التفسير الكبير الفخر الرازي دار الكتب العلمية بيروت، ط 1 - 1421 هـ.

58 - تلخيص الحبير ، ابن حجر العسقلاني المدينة المنورة 1384 هـ.

59 - التنبيه والإشراف ، المسعودي، دار صعب - بيروت - لبنان المسعودي.

60 - تنزيل القرآن ، ابن شهاب الزهري، دار الكتاب الجديد - بيروت - 1980، الطبعة الثانية، تحقيق: د. صلاح الدين المنجد.


61 - تهذيب الكمال ، المزي، مؤسسة الرسالة - بيروت - 1400 - 1980، الطبعة: الأولى، تحقيق: د. بشار عواد معروف.

62 - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ، عبد الرحمن السعدي مؤسسة الرسالة - بيروت - 1421 هـ 2000 م، تحقيق: ابن عثيمين.

63 - الثقات لابن حبان ، حيدر آباد 1393 هـ، مؤسسة الكتب الثقافية...

64 - جامع البيان ، الطبري دار الفكر 1415.

65 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، الطبري دار الفكر - بيروت - 1405 الدر المنثور السيوطي، مطبعة الفتح - جدة 1365.

66 - الجامع الصحيح محمد بن إسماعيل البخاري الجعفيّ: دار ابن كثير، اليمامة - بيروت - 1407 - 1987، الطبعة: الثالثة، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار الشعب - القاهرة.

67 - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم ، ابن شهاب الدين البغدادي، مؤسسة الرسالة - بيروت - 1417 هـ - 1997 م، الطبعة: السابعة، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، إبراهيم باجس.

68 - الجامع لأحكام القرآن - محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار الشعب - القاهرة.

69 - جزء فيه قراءات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حفص بن عمر، مكتبة الدار - المدينة المنورة. الطبعة الأولى 1988 تحقيق: د. حكمت بشير ياسين.

70 - جمهرة خطب العرب ، أحمد زكي صفوت المكتبة العلمية بيروت...

71 - الجواهر الحسان في تفسير القرآن الثعالبي مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت.


72 - حاشية ابن القيم دار الكتب العلمية بيروت 1415 هـ.

73 - حقائق التفسير ، محمد بن الحسين السلمي دار الكتب العلمية - لبنان، بيروت - 1421 هـ، 2001 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: سيد عمران. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي 1405.

74 - الحلة السيراء ، للقضاعي، [ط دار المعارف 1985].

75 - الخصائص ، السيوطي دار الكتب العلمية بيروت 1985.

76 - الدر المنثور ، جلال الدين السيوطي، دار الفكر - بيروت، 1993.

77 - الدر المنثور ، جلال الدين السيوطي. مطبعة الفتح جدة نشر دار المعرفة 1365 هـ.

78 - الدر المنثور ، جلال الدين السيوطي، دار الفكر - بيروت - 1993 م.

79 - روح المعاني محمود الألوسي: دار إحياء التراث العربي - بيروت.

80 - الرياض النضرة ، المحب الطبري دار الغرب الإسلامي بيروت 1996.

81 - زاد المسير في علم التفسير ابن الجوزي، المكتب الإسلامي - بيروت - 1404.

82. زاد المسير في علم التفسير ، ابن الجوزي، دار الفكر بيروت 1407 هـ.

83 - السقيفة وفدك ، الجوهري، ت 323 تقديم وجمع وتحقيق: الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني الثانية 1413 - 1993 م شركة الكتبي للطباعة والنشر - بيروت - لبنان الطبعة الأولى 1401 هـ - 1980 م، الطبعة الثانية 1413 هـ.

84 - سنن ابن ماجة ، محمّد بن يزيد القزويني، دار الفكر بيروت.

85 - سنن أبي داود ، السجستاني، دار الفكر بيروت 1410 هـ.

86 - السنن الكبرى ، البيهقي، دار الفكر.


87 - السنن الكبرى ، للنسائي، دار الفكر بيروت 1348 هـ...

88 - سير أعلام النبلاء الذهبي ، مؤسسة الرسالة بيروت 1413 هـ.

89 - السيرة النبوية ابن هشام مكتبة محمّد علي صبيح، 1383 هـ...

90 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب ، عبد الحي الدمشقي، دار الكتب العلمية بيروت...

91 - شرح المقاصد ، التفتازاني، منشورات الشريف الرضي إيران 1409 هـ.

92 - شرح مسلم - النووي - دار الكتاب العربي - بيروت - لبنان 1407 - 1987 م.

93 - شرح مسلم ، النووي، 676، دار الكتاب العربي - بيروت - لبنان، 1407 هـ.

94 - الشفا بتعريف حقوق المصطفى ، القاضي عياض، دار الفكر - بيروت 1400..

95 - شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية إيران 1411 هـ.

96 - الصحاح الجوهري ، دار العلم للملايين 1407 هـ...

97 - صحيح البخاري البخاري دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت 1401 هـ 1981 م طبعة بالأوفست عن طبعة دار الطباعة العامرة بإستانبول.

98 - صحيح مسلم : مسلم النيسابوري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.

99 - صحيح مسلم ، مسلم النيسابوري، دار الفكر بيروت، دار إحياء التراث العربيّ بيروت...

100 - طبقات الفقهاء ، دار القلم، بيروت.

101. الطبقات الكبرى ، محمّد بن سعد، دار صادر بيروت.

102 - العبر في خبر من غبر ، الذهبي، مطبعة حكومة الكويت 1948 م.


103 - العلل ، لأحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي بيروت 1408 هـ.

104 - العواصم من القواصم ، ابن العربيّ، دار الجيل بيروت 1407 هـ.

105 - الفائق ، الزمخشري، دار المعرفة، لبنان.

106 - فتح الباري ، ابن حجر، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت - لبنان، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت - لبنان.

107 - فتح القدير ، الشوكاني عالم الكتب دار الكتب بيروت.

108 - فتح القدير ، الشوكاني دار الفكر بيروت.

109 - فتح الباري ، ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة بيروت 1379 هـ.

110 - فتوح البلدان (البلاذري) مكتبة النهضة المصرية القاهرة دار الكتب العلمية 1379، 1403 هـ.

111 - فضائل الصحابة الإمام أحمد ، دار الكتب العلمية مؤسسة الرسالة بيروت 1403.

112 - الفهرست ، ابن النديم، دار المعرفة بيروت 1398 هـ.

113 - في تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر، دار الفكر 1415.

114 - قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن ، الكرمي دار القرآن الكريم - الكويت - 1400، تحقيق: سامي عطا حسن.

115 - الكامل في التاريخ ابن الأثير 2630 مصادر التاريخ 1386 - 1966 مدار صادر - دار بيروت دار صادر للطباعة والنشر - دار بيروت للطباعة والنشر.

116 - الكامل في التاريخ ، دار الكتب العلمية بيروت 1415 هـ.

117 - كتاب الاستقصاء دار الكتاب الدار البيضاء 1997.

118 - كتاب التسهيل لعلوم التنزيل ، تأليف: محمد الغرناطي الكلبي، دار الكتاب


العربي - لبنان - 1403 هـ - 1983 م، الطبعة: الرابعة.

119 - كتاب المحتضرين ، ابن أبي الدنيا القرشي البغدادي، دار ابن حزم - بيروت - لبنان - 1417 هـ - 1997 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف.

120 - كتاب وصايا العلماء ، الربعي، دار ابن كثير بيروت 1406 هـ.

121 - الكشاف عن حقائق التنزيل الزمخشري دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: عبد الرزاق المهدي.

122 - الكفاية في علم الرواية (الخطيب البغدادي).. دار الكتاب العربيّ 1405 هـ...

123 - كنز العمال - المتقي الهندي، مؤسسة الرسالة - بيروت - لبنان، 1409 - 1989 م ضبط وتفسير: الشيخ بكري حياني. تصحيح وفهرسة: الشيخ صفوة السقا.

124 - كنز العمال المتقي الهندي مؤسسة الرسالة - بيروت - لبنان 1409 هـ 1989 م ضبط وتفسير: الشيخ بكري حياني، تصحيح وفهرسة: الشيخ صفوة السقا.

125 - لباب النقول في أسباب النزول ، السيوطي أبو الفضل، دار إحياء العلوم - بيروت.

126 - لسان العرب ، ابن منظور دار إحياء التراث العربيّ 1405 هـ.

127 - مأساة الزهراء عليه السلام ، جعفر مرتضى (الشيعي).

128 - مجمع الزوائد (الهيثمي) دار الكتب العربيّة، بيروت لبنان 1408 هـ.

129 - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ، ابن عطية الأندلسي، دار الكتب العلمية - لبنان - 1413 هـ - 1993 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد.


130 - مختار الصحاح ، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مكتبة لبنان ناشرون - بيروت - 1415 - 1995، طبعة جديدة، تحقيق: محمود خاطر.

131 - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ، علي القاري، دار الكتب العلمية - لبنان، بيروت - 1422 هـ - 2001 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: جمال عيتاني.

132 - مستدرك الحاكم (الحاكم النيسابوري) دار المعرفة، بيروت 1406 هـ.

133 - المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري، دار الكتب العلمية - بيروت - 1411 هـ - 1990 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.

134 - المستصفى ، الغزالي، دار الكتب العلمية، بيروت 1413 هـ 1417 هـ.

135 - المستطرف في كل فن مستظرف ، الأبشيهي، دار الكتب العلمية بيروت 1986.

136 - مسند ابن راهويه ، إسحاق بن راهويه، مكتبة الايمان المدينة 1412.

137 - مسند البزار البزار ، مؤسسة علوم القرآن، مكتبة العلوم والح كم بيروت، المدينة 1409.

138 - معاني القرآن ، النحّاس، جامعة أم القرى، السعودية 1409.

139 - المعجم الكبير ، للطبراني، دار إحياء التراث العربيّ، مكتبة ابن تيمية القاهرة...

140 - معجم قبائل العرب ، عمر كحالة، دار العلم للملايين بيروت 1388 هـ...

141 - المغني في فقه الإمام أحمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد، دار الفكر - بيروت الطبعة الأولى، 1405.

142 - مفردات غريب القرآن ، الراغب الأصفهاني دار نشر الكتاب 1404 الطبعة الثانية.


143 - مقدمة فتح الباري ، ابن حجر، دار إحياء التراث العربي - بيروت، لبنان 1408 هـ 1988 م. الطبعة الأولى بالمطبعة الكبرى الميرية ببولاق مصر المحمية سنة 1301 هـ.

144 - الملل والنحل ، الشهرستاني، مطبعة حجازي القاهرة 1368 هـ.

145 - منار السبيل في شرح الدليل ، تأليف: إبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان، دار النشر: مكتبة المعارف - الرياض - 1405، الطبعة: الثانية، تحقيق: عصام القلعجي.

146 - المناقب ، للموفق الخوارزمي، مؤسسة النشر الإسلامي 1411 هـ.

147 - مناهل العرفان في علوم القرآن ، الزرقاني، دار النشر: دار الفكر - لبنان - 1416 هـ - 1996 م، الطبعة: الأولى.

148 - المنتخب من ذيل المذيل الطبري 310 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت - لبنان.

149 - المنتظم لابن الجوزي [دار الكتب العلمية 1992].

150 - موارد الظمآن ، الهيثمي، دار الكتب العلمية، بيروت.

151 - الموطأ الإمام مالك دار إحياء التراث العربي مصر، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

152 - الموطأ الإمام مالك دار إحياء التراث العربي مصر، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

153 - الموطأ ، الإمام مالك، ط بيروت 1406...

154 - الميزان في تفسير القرآن الطباطبائي (الشيعي) مؤسسة النشر الإسلامي، قم إيران.


155 - الناسخ والمنسوخ ، النحاس، مكتبة الفلاح - الكويت - 1408، الطبعة: الأولى، تحقيق: د. محمد عبد السلام محمد.

156 - نشر طي التعريف ، محمد بن عبد الرحمن. دار المنهاج - جدة. الطبعة الأولى، 1997.

157 - نظرية عدالة الصحابة (أحمد حسين يعقوب)... النصائح الكافية، لمحمّد بن عقيل،...

158 - نظم درر السمطين ، الزرندي الحنفي مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام 1377 هـ.

159 - النهاية في غريب الحديث المكتبة العلمية بيروت 1399 هـ.

160 - نهج البلاغة (ابن أبي الحديد، دار إحياء الكتب العربيّة...

161 - نواسخ القرآن ، ابن الجوزي دار الكتب العلمية - بيروت - 1405، الطبعة: الأولى.

162 - الوجيز في تفسير الكتاب العزيز : علي بن أحمد الواحدي، دار القلم - الدار الشامية - دمشق - بيروت - 1415، الطبعة: الأولى، تحقيق: صفوان عدنان داوودي.

163 - وفيات الأعيان ، ابن خلكان دار الثقافة بيروت 1968 م.

164 - وقعة صفين ، المنقري، المؤسسة العربيّة الحديثة للطبع والنشر والتوزيع 1382 هـ.

165. ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي الحنفي دار الأسوة 1416 هـ.


الفهرس

مقدمة 5

الفصل الأول : نسب عمر بن الخطّاب 25

نسب عمر 27

صفة عمر 30

تربية عمر 34

آل عمر 38

عبد الله بن عمر: 40

اغتيال عبد الله ابن عمر: 46

حفصة بنت عمر: 48

عبيد الله بن عمر: 54

عبد الرحمن بن عمر: 57

من صفات وأذواق عمر 59

يحب الإمرة 60

كان شديدا على النساء 62

يحب الضرب بالدرّة 62

الفصل الثاني : روايات في فضائل عمر 71

روايات في فضائل عمر 73

أشعار في مدح عمر: 106

أقوال في عمر 109

عمر في عالم الرؤيا 122

الفصل الثالث : إسلام عمر بن الخطّاب 125

إسلام عمر 127

سوء الأدب بمحضر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : 132

شجاعة عمر 159


موقف عمر من المتحيّزين 160

الفرار من الزحف 164

عقائد عمر 173

مع أهل الكتاب 178

عمرو القرآن الكريم 194

قصة صبيغ 197

آيات منسوخة التلاوة!! 207

عمر والتوراة 224

عمر والصلاة 228

أمهم وهو جنب 239

الفصل الرابع : علم عمر بن الخطّاب 243

قصة الكلالة 246

عمر يسأل كعبا: 255

مسائل عمر 255

الموافقات 267

اقتراحات عمر على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم 270

رأي عمر في من يستحق الولاية 286

عمر يعلم بخاتمة عثمان 287

اعتراف عمر بحق علي عليه السلام في الخلافة 288

مواقف محرجة 288

روايات عمر 300

مخالفات عمر للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم 310

أخطاء في سجل عمر 315

مسائل انفرد بها عمر 318

من أقوال عمر 328

كلمات عمر بن الخطاب 332

رأي عمر في علي عليه السلام 358


الفصل الخامس : عمر والنساء 369

عمر والنساء 371

ضرب النساء 378

قصّة أم كلثوم 388

الهجوم على بيت فاطمة 390

الفصل السادس : عمر الحاكم 393

كيف استخلف عمر؟ 395

عمال عمر 397

مع بيت المال 426

الفصل السابع : أحوال عمر مع معاصريه 429

كيف تعامل عمر مع الصحابة والتابعين؟ 431

مع أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : 448

مع بني أمية 451

مع أهل الكتاب 454

مع بني هاشم 463

مع غير العرب 468

الفصل الثامن : عمر والخمر 471

عمر والخمر 473

قصّة قدامة بن مظعون 481

الفصل التاسع : من أخبار عمر 489

من أخبار عمر 491

عمر يعرّض بعلي عليه السلام: 511

الفصل العاشر : وفاة عمر بن الخطّاب 523

وفاة عمر 525

الخاتمة 545

مصادر الكتاب 549