موسوعة عبد الله بن عبّاس- الجزء 1
التجميع متون حديثية
الکاتب السيد حسن الموسوي الخرسان
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404







بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اللّهم صل على محمّد وآل محمّد

بدءاً نرى لزاماً علينا الإشارة لحقيقة واضحة ناصعة إلى أنّ النجف
الأشرف مدينة أمير المؤمنين عليه‌السلام ما زالت تزهو بعلمائها وفضلائها ، الذين ما
فتئوا يرفدون المكتبة الإسلامية بإبداعاتهم ونتاجاتهم مشمرين سواعدهم في
الدفاع عن الإسلام الأصيل والمذهب الحق. وكيف لا وقد جاوروا باب علم
النبيين وحام حمى الدين عليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام . وما هذه الموسوعة ( موسوعة
عبد الله بن عباس ) التي خطتها أنامل علم من أعلام النجف الأشرف فضيلة العلامة
الحجة السيد محمّد مهدي الخرسان إلّا دليل واضح وبرهان ساطع على ذلك.

ونظراً لمتبنيات مركز الأبحاث العقائدية المنصبة على درء الشبهات ، والدفاع
عن مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ومن ينتسب إليهم ، فقد بادرناـضمن مشروع سلسلة رد
الشبهات ـ بالعمل في إخراج هذه الموسوعة لتعم الفائدة على الجميع.

وفي الختام يُبدي مركز الأبحاث العقائدية شكره وامتنانه لسماحة العلامة
الحجة السيد محمّد مهدي السيد حسن الخرسان لِما أولاه من ثقةٍ وتخويل
للمركز في إعداد وإخراج الحلقة الأولى من هذه الموسوعة العظيمة ، راجين
المولى عز وجل أن يوفق الجميع لاخراج جميع حلقاتها لتعم الفائدة.

والحمد لله رب العالمين.

مركز الأبحاث العقائدية
النجف الاشرف







بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

به نستعين

كان من حق هذا الكتاب أن يصدر منذ خمسين عاماً ، إلّا أنّ العوائق حالت
دون ذلك والأمور مرهونة بأوقاتها ، وقد كثر السؤال عنه ، والمطالبة به من العلماء
وأرباب الفضيلة وكنت أعدهم ، وأتحين الفرصة للوفاء بالوعد ، ولكن كلمّا
هممت صرفني صارف من اشتغالي بتأليف أو تحقيق كتاب أو تقديم مؤلف
لأعلام الطائفة ، ممّا أراه في تقديري ربما كان أجدى وأجدر ، وهكذا بقي كتاب
(ابن عباس) رهين الخزانة ، وذمتي رهينة للمطالبين به بالوفاء يسر الله سبحانه
أسباب طبعه ونشره انّه سميع مجيب.

المؤلف






جاء في الخبر عن سيد البشر صلىاللهعليهوآلهوسلم :

(من ورّخ مؤمناً فكأنما أحياه ، ومن قرأ تأريخه فكأنما زاره)

(ومن زاره استوجب رضوان الله ، وحق على المزور أن يكرم زائره)

(خاتمة ذخيرة المآل للحفظي)

جاء في أبجد العلوم : في رسالة الشيخ المسند حسن العجيمي ما معناه :

(من ورّخ أحداً من أهل الفضل والكمال فهو في شفاعته)

(أبجد العلوم للقنوجي 3 / 4)

وفي كتاب تحقيق الصفا لمحب الدين الطبري :

(أنّ من ورّخ مؤمناً فضلاً عن عالم عامل فكأنما أحياه ، ومن أحيى
مؤمناً فكأنما أحيى الناس جميعاً)


الإهداء

السلام عليك يا باب مدينة علم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيها الإمام المجاهد. ويا مربي
المسلمين بنهجه الخالد

سيدي أبا الحسنين :

أرفع بكل خضوع وخشوع بكلتا يديّ نحو جنابكم العالي ما ضمّته هذه
الأوراق عن حياة تلميذك الوفيّ وابن عمك الصفيّ (عبد الله بن عباس) حبر
الاُمة وترجمان القرآن الذي توسمت فيه الخير حين حدبت على تربيته وتهذيبه
حتى صفت نفسه ، وزكا حسه بفضل ما أودعته من فيض علومك ونمير أخلاقك
فصار كما قلت عنه : ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق.

إليك يا أبا السبطين أهدي ما جمعته في هذه الأوراق.

فما أحدٌ أولى بها منك ، راجياً من الله المثوبة ومنك القبول.

والسلام عليك وعليه ورحمة الله وبركاته.

خادمك
محمّد مهدي الموسوي الخرسان
عفي عنه
13 ربيع الثاني سنة 1368 ه‍






تقريض

سماحة المغفور له الحجة : السيد هبة الدين الحسيني

بسم الله وله الحمد

أمّا بعد الحمد والصلاة فإني مبتهج بالفرحة السعيدة التي أطلعني فيها
ولدي المهذب الفاضل والحبر البحاث الكامل فخر الزمان السيد مهدي الخرسان
دامت افاضاته وفيوضاته على كتابه القيم الذي عانى في سبيل اتمامه المشاق
فذلل له الصعاب وخاض الغمرة وكشف الغبرة وسدد الثغرة ولا غرو فهو ابن
جلاها وطلاع ثناياها فاسفرت جهوده عن سفره النفيس في حياة حبر الأمة عبد
الله بن عباس ابن عبد المطلب رضي‌الله‌عنه عالج مؤلفه الفاضل عامة القضايا الخاصة بهذا
الإمام من ازاحة الأوهام عن صفحة حبر الأمة والإسلام بحر العلم وترجمان
القرآن الزعيم السياسي في آرائه وحنكته ومواقفه ، والفقيه الورع الزاهد في علمه
وتقواه وعمله ، والأديب الأريب اللوذعي الألمعي ، والخطيب المصقع في خطبه
وكتبه واحتجاجه وحواره ، إمام المفسرين وشيخ المحدثين ، ونادرة الصحابة
والتابعين رضى الله تعالى عنه ، فالمؤلف هو بحاثة النجف وبقية السلف وعنوان


الشرف ، ثقة الإسلام وفخر العلماء الأعلام ، والمؤلف مجموعة موسوعة فذة
جمعت إلى حسن الجمع والانتخاب وجمال الأسلوب والتنسيق ، الصدق والأمانة
في النقل والمحاكمة التاريخية ، وقد استوعبت

هذه الموسوعة في أجزائها الأربعة حياة حبر الأمة وازاحة ما حوله من
تهمة أو بهمة ، ولقد كنت في شبابي مؤلفاً كتابي الموسوم بالحساس في ازالة
التهمة عن ابن عباس مجتهداً في تنزيه هذا البطل الفذ بالأدلة الوضاحة إلّا إنني
بعد اطلاعي على هذا المؤلّف الممتاز اعترف بأنّ كتابي بالقياس إلى هذا
الكتاب غيضٍ من فيض او قطرة من بحر فأهنيء مؤلفنا المهدي بالموهبة التي
خصّه الله سبحانه بها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

هبة الدين الحسيني
مكتبة الجوادين العامة

مؤسسة : السيد هبة الدين الحسيني
تلفون 61 الكاظمية
لحضرة الاستاذ البارع والفاضل الأديب السيد مهدي الخرسان
مؤلف كتاب ( عبد الله بن عباس ) المحترم

بغداد / تلفون 2030

التاريخ : 12شعبان سنة 1374

عدد : 124 / سجل : 4





تقريض

سماحة المغفور له المرجع الديني آية الله العظمى : السيد عبد الهادي الحسيني
الشيرازي

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ان خير ما تصوّره ريشة
الكاتب وتخطّه براعة الباحث هو ما يثبت حقيقة راهنة أو يبث برهنة
صادقة ، وإنّ ما جاء به ولدنا الأعز الفاضل الباحث الناقد الشريف محمّد
المهدي الخرسان دام فضله أخذ بمجامع المهتمين فطفق يفيض بحراً عن
حبر الأمة ، وعقوداً ذهبية من حياته المفعمة بالفضائل والفواضل فحقيق له
أن يعدّ في علية الكتب وحسنة العصر الحاضر ومأثرة خالدة لمؤلفه البارع
فحيّاه الله علماً للأدب وموئلاً للفضيلة والسلام عليه ورحمة الله وبركاته في
ذي الحجة الحرام 1374 ه‍.

الأقل عبد الهادي الحسيني الشيرازي










مقدّمة المؤلف

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وبه نستعين

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله رب العالمين.

والصلاة والسلام على سيدنا محمّد بن عبد الله رسول الله خاتم النبيين
وعلى آله الطيبين الطاهرين الميامين حجج الله على الخلق أجمعين.

ورضي الله عن الصحابة المهتدين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد ، فهذه سطور بين يدي كتابي (موسوعة عبد الله بن عباس حبر الأمة
وترجمان القرآن) الذي أرجو أن يثيبني الله سبحانه عليه أجزل الثواب ، فقد
أخلصت فبذلت فيه جهداً ، وآمنت فنصرت له عبداً :

دافعت عن حقٍ يحاول ذو هوىً

إظهاره للناس شيئاً منكرا


فكرة الكتاب من أين؟ والى أين؟

قبل أكثر من نصف قرن ، وأنا يومئذٍ في أواخر العقد الثاني وأوائل الثالث
من عمري وفي متوسط مراحل التحصيل الدراسي على النهج المعروف المألوف
في محيطي ، كنت أشعر حين قراءتي للتأريخ الإسلامي في عصوره الأولى ،
براحة نفسية أتخيل فيها الحضور والمعايشة لرجالنا الذين وطّدوا الدعائم وأقاموا
السلالم ، ليرقى عليها من يأتي بعدهم ويهتدي بهديهم ، إلى أوج السعادة
والكمال.

فأستشعر لهم الحشمة والإكبار لمواقفهم الجهادية في ميادين العلم
والعمل.

كما كنت أشعر بالحيرة وأُصاب بالدهشة حين أقرأ عن بعض أولئك
الرجال ممّا يزرى به ، فيما يتناقله المؤرخون بتناقض جاوز حدّ الغرابة ، فتتملكني
الحيرةـولا أقول الخيبةـكيف يكون ذلك؟ وما أكثر الشواهد على التناقض
في مدوّنات المؤرخين ، وما أكثر المظلومين من ضحايا ذلك التناقض ، وكان من
جملة هؤلاء الضحايا عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن صاحب هذه
الموسوعة.

فحين أقرأ أي كتاب تاريخ عن عصره ومصره ، أجده حاضراً وناظراً فأنّا
أقرأ عنه : حبر الأمة ، وترجمان القرآن ، وهو البحر في علمه ، والذي ينظر إلى
الغيب من وراء سترٍ رقيق و. و. و. فلا يثير ذلك في نفسي تساؤلاً لأن الرجل له
حضور مكثف في التفسير والحديث والفقه والأدب فلا غرابة في وصفه بذلك ،
ولكن حين أقرأ عنه في سلوكه ما يرويه عنه بعض المؤرخين ما يزدريه فيهبط به


من أوجه نسباً وعلماً إلى حضيض الهاوية عملاً ، حيث ذكروا أنّه ولاه الإمام أمير
المؤمنين عليه‌السلام على البصرة فاختان بيت مالها ، ثم ذهب مضاغناً لإمامه وابن عمه ،
وبالتالي مفارقاً ومغاضباً!؟.

فأنا حين أقرأ هذا تعتريني الحيرة ، فهل هذا يتفق مع ما مرّ عنه من وصفهم
له بكل جميل وثناء جليل.

إنّها هي الحيرة التي انبثقت منها الفكرة. ألا يستحق هذا الرجل أن أعرفهـ
أنا على الأقلـعلى حقيقته لأبعد نفسي عن الحيرة؟ فتفاعلتُ مع الفكرة التي
صارت لا تبارحني ، وبدأت أتحرك في أطارها ، وصرت أقرأ وأكتب ما وصلت
إليه يدي من مصادر حياته وما يمتّ اليها وهي كمٌّ كبير وكثير.

وقد رأيت فيها من طغيان العاطفةـسلباً وايجاباًـكما رأيت فيها كثيراً
من التقليد ، يتبع الآخر للأول ، وربّما على غير هدى ولا كتابٍ منير. وفي خضمّ
ذلك الكم الهائل تنبثق ومضات نورٌ على الدرب تعين الباحث لو أفرغ وسعه
فاستخلصـولو لنفسهـمن بين تلك الشوائب بعض الحقائق التي آمن بصحتها
فسجّلها لتكون له حصيلة نافعة في دينه حين نصر مؤمناً ، وفي دنياه حين هدى
غيره إليها.

فمن هنا بدأت الفكرة وتنامت ، حين القيت بذرتها وراعيتُ نبتتها ، فلمّا
ربت وأنبتت قطفتُ ثمارها ، فكانت هذه الموسوعة ، وهي أربعة أجزاء ، انتهيت
منهاـأولاًـفي 13 ربيع الثاني سنة 1368 ه‍ وبقيت أتابع مسيرتي مع الكتاب
طيلة هذه السنين ، أضيف كل ما استجد لدي من معلومة أجدها في مصادر لم
تكن مَيسرة لي من قبل ، أو دراسات حديثة يستدعي الرجوع إليها غرضَ


المناقشة غالباً ، فصار هذا الكتاب ، وليد مخاض بحوث طويلة ، وعلى فترات
كانت متطاولة ومتباعدة. فتغيّرت بعض العناوين ، واستجد بعض آخر ، لكن
هيكله العام لم يتغير.

وأرجو أن أكون قد وُفقت في نفع القارئ ولو بنبذة صالحة يستفيدها منه
فيذكرني بخير ، فقد جمعت له ما تناثر في مئات المصادر ، من بطون الكتب
والدفاتر ، والله سبحانه وليّ التوفيق وهو خير ناصر.

ماذا نقرأ في هذا الكتاب؟

لا أكتم القارئ إني يوم صمّمت العزم على تأليف كتاب يتضمن حياة
ابن عباس رضي‌الله‌عنه ، لم أكن أحسب أنّ ذلك سوف يتسع إلى قدر ما وصل إليه اليومـ
بل ولا إلى هيكله الأولـكما لم تكن لديّ خطة مدروسة على منهجية محددة
على أنماط الدراسات الحديثة ، بل كنت يومئذٍ انحو النهج التقليدي المألوف
لدينا يومئذٍ ، كما هو واضح الأثر بدءاً من أول الكتاب إلى حياته في عهد
الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولكن بعد أن استمرت المسيرة مع الكتاب وبعد الإنتهاء من هيكله الأول
في أجزائه الأربعة ، فقد دعت الحاجة إلى إعادة النظر في دراسة بعض النقاط من
تاريخ المترجم له ، ممّا يستوجب الفاضة في دراسة ذلك ، دراسة محررة
ومستوعبة لجوانب ينبغي البحث حولها ، خصوصاً والحاجة ملحة لكشف حقائق
خفيت على كثير من الباحثين ممن أُخذوا بسورة التقليد ، وبُهروا بطنطنة الأسماء
والألقاب ، وخُدعوا بتطويل الإسناد.


لذلك أعدت النظر في صياغة البحث أحياناً ، فتكثّرت المواد وازدادت
الفصول بما تولد من جديد،ونتيجة لذلك فقد استبدلت عنوان الأجزاء
بالحلقات ، ورتبتها كما يلي :

(الحلقة الاُولى) : في تأريخه وسيرته ، وقد أصبحت في خمسة أجزاء :

يضم الجزء الأول منها : أحداث ما يقرب من ربع قرن ، بدءاً من ولادته
وحتى وفاة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وابن عباس يومئذٍ في أول شبابه.

ويضم الجزء الثاني منها : أحداث ما عاشه ما بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلى
نهاية عهد عثمان.

ويضم الجزء الثالث منها : من أول خلافة الإمام أمير المومنينعليه‌السلام وحتى
شهادته سنة 40 ه‍.

ويضم الجزء الرابع منها : مايتعلق بسيرته عند ولايته على البصرة وما رافقها
من أحداث.

ويضم الجزء الخامس منها : من بداية حكومة بني أمية وحتى وفاة حبر
الاُمة سنة 68 ه‍.

(الحلقة الثانية) : في تاريخه العلمي. تتضمن دراسته وعطاءه بدءاً من ينابيع
العلم والمعرفة وانتهاءً بمظاهر العطاء من مدارسه وتلاميذه ونماذج من خطبه
ومحاوراته وكتبه ومسائله والمأثور عنه من حِكَم وكلمات قصار.

(الحلقة الثالثة) : في تاريخه العلمي أيضاً. وتتضمن آثاره في التفسير
والحديث والفقه واللغة وآدابها.


( الحلقة الرابعة ) : حبر الأمة في الميزان وتتضمن ما جاء فيه من الجرح
والتعديل. وبها خاتمة الكتاب.

نسأله تعالى أن يمنّ عليّ بإخراج ذلك من ضم الشتات قبل الممات ، إنه
مجيبُ الدعوات.

نور على الدرب لما فيه :

أوّلاً : إنّ كتابة التاريخـكل التاريخـإنّما هو محور تسجيله وهو رهن
ذمة الرواة الذين يروون للناسـغالباًـما يهواه الحاكمون ، فللسلطة والأموال
بريقـمخادعـعلى حروف التدوين ، يراه الباحث بوضوح حين يجد في
مدونات المؤرخين ما يكاد يخطف بالأبصار ، من أكداس التراث الحافل
بالمناقبيات والمزايدات المحشورة للتفخيم والتعظيم ، وحتى الاستعانة بالغيبيات ،
لإضفاء القداسة على الحاكمين وأتباعهم ، وتطويعاً للمحكومين بكّمّ أفواههم ،
عن تهوين أقدار حكّامهم ، أو تهويل أخطائهم ، فإن ذلك من قدر الله فعليهم
الرضا والتسليم ، والى جانب ذلك يجد الهمز واللمز للأخصام ، وهذا ما يجعل
الباحثـوهو يدرك الدوافع وراء الرفع والوضعـفي دوّامة من الشك والريبة
في صحة جميع ما في المدونات سواءاً في تقييم الرجال أو عرض الأحداث ،
وسواءاً كتب الأقدمين أو المحدثين.

لذلك كانت مهمة الباحث المحايد. ولنسميه بالموضوعي النزيه. صعبة
جداً ، حيث عليه أن يكون حذراً ويقظاً ، مستعملاً عقله وفطنته ليستشفّ ما وراء
النص ، ويتبيّن وجه الحق فيأخذ به ، ويُصدر أحكامه على ضوئه ، ولا ينساق وراء


العواطف ، ولا يخدع ببهرجة العناوين والألقاب. فالناس في الخلق سواسية
كأسنان المشط ، فمنهم المحسن ومنهم المسيء. ولكلٍ أجر ما أكتسب ( قُلْ أَغَيْرَ
اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَىٰ
) (1) ، و( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) (2) .

ثانياً : ومن هنا تعالت صيحات إعادة كتابة التاريخ من جديد ، ولا شك كان
من بينها أصوات مخلصة وجادة في دعوتها إلى مراجعة التاريخ الإسلامي على
ضوء الكتاب والسنّة ، فلا يدان بريءٌ ، ولا يُبرّأ مذنب ، ولا يجامل الرجال على
حساب الشرع. فلا فضل لعربي على أعجمي إلّا بالتقوى ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ
) (3) وهذا ما يستدعي رفع الحواجز بين الحاكم والمحكوم في تقويم
الأعمال ، كما يستدعي رسم الصورة لكل منهما دون تزويق أو تمزيق ، وفوق
مسار الشبهات التي تحجب العقل عن النظرة الموضوعية.

فإذا وجدنا ابن عساكرـمثلاً ـيروي لنا عن عمرو بن العاص مرفوعاً :
(قريش خالصة الله فمن نصب لها حرباً سُلب ، ومن أرادها بسوءٍ خُزي في الدنيا
والآخرة) (4) . ووجدنا أبا لهب وهو عربي وقرشي وابن سيد البطحاء وزوجته أم
جميل عربية وقرشية أيضاً ولما كانا كافرين ، نزلت سورة كاملة في ذمهما
والتنديد بهما. فلم تنفعهما القرشية شيئاً. وفي المقابل نجد سلمان الفارسي وبلال
الحبشي وصهيب الرومي وهم من السابقين أقوامهم إلى الإسلام كانوا أفضل
_______________________

(1)الأنعام / 164.

(2)المدثر / 38.

(3)الحجرات / 13.

(4)راموز الأحاديث / 334 ط استانبول سنة 1275 ه‍.


عند الله وعند رسوله وعند المسلمين من ألف قرشي لم تمازج روحه بالإسلام ،
وإنّما أسلم كرهاً أو طمعاً كالمنافقين ومسلمة الفتح وأندادهم.

إذن فلا يجوز أن يستغفل القراء باحثٌ يدعو إلى كفّ الأقلام وتحجيم
الإسلام ، في اطار ضيّق ، ومنظور خاطيء وخانق. بأن الجميع من الصحابة ، ولا
يجوز أن يقال لصحابي لماذا انجرفت أو انحرفت؟ فالصحابة أناس أمثالنا ، فهم
بشر يُخطئون كما يَخطئ سائر الناس ، ولا غضاضة بعد ما رووا هم لنا قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
في أحاديث الحوض : (إنّ منكم من لا يراني) ، و (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب
بعضكم بعضاً) ، و (لتذادنّ عن الحوض فأقول : يا ربّ أصحابي فيقال : ما تدري
ماذا أحدثوا بعدك) ، وهذه أحاديث وردت في الصحاح مكررة ومنها صحيح
البخاري وصحيح مسلم ، ولمّا كانت لا مجال لنكرانها ، اضطرت علماء التبرير
إلى تسلّق جدرانها بالتأويل والتفسير وليس هناك.

ثالثاً : ولمّا كان عبد الله بن عباس من الصحابة ، وللصحابة بريق صورة
مرسومة في الكتب محاطة بهالة من التقديس ارتسمت في الأذهان بأنهمـ
حسب العاطفة الدينيةـفوق مسار الشبهات ، فلا ينبغي أن يتجاوز الباحث سور
الحصانة ، الذي دونه سور الصين العظيم ، فكيف بابن عباس وهو حبر الأمة ، لذا
كان لزاماً عليّ وأنا أريد أن أكتب عنه من الرجوع إلى المصادر المعنيّةـوما
أكثرها وأكثر ما فيهاـلأجمع أشتات أخباره ، وأقف على آثاره ، ثم الموازنة
بينها واستخلاص النتائج منها.

وهذا أمر على ما فيه من جهد ليس بذي بال لأنّبّه عليه. لكن الأهمـ
والمزعج حقاًـأنّي وجدت تأريخه مليئاً بالمفارقات العجيبة ، فهو بين إفراط


وتفريط ، أصابه من التنميق والتزويق ، كما أصابه من التلفيق والتمزيق ، فضاعتـ
أو كادتـحقائق ما بين ذين وذين ، لو سلمت صفحاته من عبث الحاكمين ،
سواء الأمويين وهم خصماؤه ، أو العباسيين وهم أبناؤه ، أو المناوئين لهم ومنهم
كذلك أعداؤهـأقول لو سلمت لكان الجانب المشرق هو الأكثر وضوحاً ،
ولكن التضبيب والتعتيم شوّه الصورة حتى بدا الجانب المعتم المظلم أيضاًـ
كيف لا؟ وهو قد عاش أحداث الإسلام الكبرى منذ فتح مكة وحتى يوم وفاته ،
وخاض غمار بعضها مبرّزاً فيها فكان له رأي ، وكان له صوت ، وكان له حضور
فاعل ومؤثر. وذلك كله يستدعي إكبار المعجبين به كما يستفزّ حقد المناوئين
له. ولكل من الفريقين أنصار لهم غايات وأهداف ، ربما وصلت إلى حدّ
الإسفاف ، فمثلاً نجد في العصر الأموي إنّ مدوّني السيرة الأوائل فيهم من كان
ضالعاً في ركاب الحاكمينـإن لم يكونوا كلهم إمّا رغبة أو رهبةـولنقرأ
نموذجاً منهم ، وهو ابن شهاب محمّد بن مسلم الزهري يروي لنا عنه أبو الفرج
الأصفهاني قوله : « قال لي خالد بن عبد الله القسري : اكتب لي النسب فبدأت
بنسب مضر وما أتممته قال : أقطعه قطعه الله من أصولهم ، وأكتب لي السيرة
فقلت له فإنّه يمرّ بي الشيء من سيرة عليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليه)
فأذكره؟ فقال : لا إلّا أن تراه في قعر الجحيم.

قال أبو الفرج : لعن الله خالداً ومن ولّاه وقبحهم وصلوات الله على أمير
المؤمنين » (1) .

_______________________

(1)الأغاني 19 / 59 ط الساسي.


فإذا كان هذا من مدوّني السيرة وهو يعترف بما عليه أن يكتبه ، فلا غرابة
إذن على من راجع المصنف لعبد الرزاق مثلاً حين يجد دلائل نصب الزهري
هذا واضحة في جملة من الموارد ، وقد أحصيت منها على عجل اثني عشر مورداً
في جزء واحد من أحد عشر جزءاً ملخصها :

1 ـ أول من أسلم زيد بن حارثة وليس عليّ.

2ـإغفال اسم عليّ في كتابة صلح الحديبية حين ذكر خبر الصلح فتجاهل
اسمه فقال (الكاتب) : مع أنّ عبد الرزاق ذكر عن غير الزهري انّه عليّ (1) وهو
نفسه لما سأله معمر عن الكاتب فضحك وقال هو عليّ بن أبي طالب ولو سألت
عنه هؤلاء قالوا عثمانـيعني بني أمية (2) ـ. فماذا يعني ضحكه؟ ألا أنّ شر البلية
ما يضحك؟

3ـلم يذكر عليّاً في تبليغه براءة مع ذكره أبا بكر أميراً على الحج؟

4ـلم يذكر حضور عليّ في وقعة أحد ، وأعجب من ذلك لم يذكر شهادة
لحمزة لئلا يذكر من مثّل به.

5 ـ لم يذكر لعليّ حضوراً في وقعة الأحزاب وقتله عمرو بن عبد ود.

6 ـ لم يذكر لعليّ حضوراً في وقعة بني قريظة.

7 ـ لم يذكر لعليّ حضوراً في وقعة خيبر وقتله مرحبا.

8 ـ لم يذكر لعليّ حضوراً في عمرة القضاء.

9 ـ لم يذكر لعليّ حضوراً في غزوة حنين.

_______________________

(1)المصنف 5 / 342.

(2)نفس المصدر 5 / 343.


10ـلم يذكر لعليّ حضوراً في هجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مكة ولم يذكر مبيته
على الفراش.

11 ـ لم يذكر لعليّ حضوراً في تبوك وطوى حديث المنزلة.

12 ـ وفي خبر عليّ ومعاوية أكثر من شاهد فراجع المصنف(1) .

أتطلب أثراً بعد عين ، وأيضاً ألم يحدثنا المدائني عن نسخة معاوية إلى
عماله برئت الذمة ممن روى في فضل عليّ وأهل بيته شيئاً. وكتابته برواية
أحاديث في فضائل الصحابة ، فكثر المتزلفون أمثال أبي هريرة وسمرة بن جندب
والمغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص وأحزابهم ممن لا
تلتقي بذمّهم الشفتان احتقاراً لهم وازدراءً بهم ، لأنهم لا كرامة لهم ، وكثر
الحديث الموضوع حتى قال ابن عرفة النحويـنفطويهـ: « إنّ أكثر الأحاديث
الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني امية تقرّباً اليهم بما يظنون
أنهم يرغمون به انوف بني هاشم » (2) .

ولمّا كان ابن عباس عاش تلك الفترة الحانقة الخانقة أيام معاوية الذي كان
يلعنه مع لعنه للإمام ، وينهاه عن التحديث بفضائل الإمامـكما سيأتي إن شاء الله
تعالى في صفحات احتجاجهـفقد أصابه رذاذ الأذى من معاوية الذي كان ،
على حد قول الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : (ودّ معاوية ما ترك من بني هاشم نافخ
ضرمة إلّا طعن في نيطه) (3) . وما كان أخلاف الأمويين بأحسن حالاً من أسلافهم
في عداوتهم لبني هاشم ـ ومنهم ابن عباس ـ.

_______________________

(1)نفس المصدر 5 / 452 ـ 466.

(2)شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 16 ط مصر الاُولى.

(3)الفائق للزمخشري / نيط.


والآن إلى نموذج آخر في العصر العباسي الذي زاد في الطين بلّة ، فكثرت
الموضوعات المبشرة بحكومتهم من الرواة المتزلفين :

فمنها أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال للعباس : (يا عم ليملكنّ من ذريتك عدد نجومهاـ
وقد نظر إلى الثرياـ) (1) . ومنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له : (فيكم النبوة والمملكة)(2) ؟

ومنها ما ينسب إلى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام قال لأبن عباس : (خذ إليك أبا
الأملاك) في ولادة ابنه عليّ بن عبد الله.

وما ينسب إلى محمّد بن الحنفية من مبايعة الشيعة له ثم لأبنه عبد الله بن
محمّد ووصيته بالأمر إلى محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (3) ، وجعلوا ذلك
مسنداً في صحيفة ورثها محمّد بن الحنفية عن أبيه أمير المؤمنين.

وهكذا تنتشر فضائل وأحاديث مبشّرة بالعباسيين وان الخلافة فيهم ستبقى
حتى يسلموها إلى المسيح (4) .

قال الذهبي : « وقد اعتنى الحفاظ بجمع فضائل العباس رعايةً للخلفاء »(5) .

ولعل خير شاهد على ذلك ما صنعه ابن هشام صاحب السيرة النبوية فقد
نقلها عن ابن إسحاقـوهو مؤرخ دولة رسمي كما كان مالك بن أنس مدوّن
السنّة الرسمي لدى العباسيينـفذكر ابن هشام حرب بدر وذكر قائمة بأسماء
أسارى بدر نقلاً عن ابن إسحاق وقد خلت من اسم العباس جد العباسيين ، مع أنّ
قصة أسره تكاد لا تخفى على أي مؤرخ بعد ما ذكرها ابن سعد نقلاً عن
_______________________

(1)سير أعلام النبلاء 3 / 411.

(2)نفس المصدر 3 / 409.

(3)الإمامة والسياسة 2 / 121 ط مصطفى محمّد.

(4)أنظر البداية والنهاية 10 / 122.

(5)سير أعلام النبلاء 3 / 413.


الواقدي ، وجرى ذكرها في كتب السنّة كما جرى ذكرها في كتب السيرة ، ولم
تخلُ منها حوليات المؤرخين كالطبري وغيره.

وهنا من الطبيعي أن يكون للرأي الآخر دورٌ في تفنيد حجة العباسيين
ونسف تاريخهم ، وكان يمثل ذلك الدور الخصوم من العلوية من أبناء الحسن
مضافاً إلى شيعتهم ومن يرى في العباسيين مظالم لا حدّ لها.

فكان النقل ، وكان الدس والإفتراء بما يسلبهم حتى محاسن أمجادهم
الثابتة ، فنال العباس وابنه عبد اللهـوهو والد الخلفاءـنصيب غير منقوص. حتى
صوّروا العباس وهو يشايع ابن أخيه علياً على أمره ، فيذكروا عنه كلاماً لا يخلو
من نقد لاذع ومهما تهضمنّاه ورأينا صحة المروي في ذلك فربّما كان المبرّر هو
جوّ الصدور الذي يستدعي تلك الزفرات الحارة ولكن هلم الخطب في ابنه عبد
الله وما ألحق به من الرواة حتى كادوا تجريده من كل فضيلة ، فصورّوه نداً لعلي
وناقداً له كما في قصة تحريق الغلاة ، وفيها من التهويش والتشويش ما لا يخفى
كما سيأتي بيانه في الكتاب. وذكروا له آراء فقهية مخالفة له ، ولا كبير مؤاخذة
لمن يراه مجتهداً. غير أنّ ما ورد من الحديث مكذوباً عليه أكثر من غيره ، لكثرة
المتزلفين إلي أبنائه ، حتى قال يحيى بن سعيد : « لم أر لكذب قط أكثر منه فيمن
ينسب إلي الحبر » (1) .

ولكن الطامة العامة ما رووه في خيانته بيت مال البصرة أيام ولايته ومفارقته
للإمام مغاضباً وغاصباً ، واستمرت روايات الخصوم في التشنيع عليه ، فذكروا له
_______________________

(1)قبول الأخبار ومعرفة الرجال 1 / 67 لأبي القاسم الكعبري 319 ه‍ دار الكتب العلمية
بيروت.


حتى حديث الجرادة كما سيأتي بيان ذلك كله في الحلقة الرابعة (عبد الله بن
عباس في الميزان) إن شاء الله.

وفي مكاتبات المنصور العباسي ومحمد النفس الزكية الحسني ما يؤكد ما
قدّمته من تبادل العباسيين وخصومهم الاتهام والشتائم التي نالت الآباء لتنازع
الأبناء ، وفي نقائض شعراء العباسيين والعلويين من تبادل الشتم ما لا يحل ذكره.

وهكذا كان من قَدرَ ابن عباس أن يكون العباسيون من أبنائه ، ويكون
خصومهمـالأمويون والعلويون معاًـمن أعدائه فلحقته تبعات من هؤلاء
وشتيمات من هؤلاء ما شوّه جانباً من تاريخه ، حتى لم يسلم نتيجة لذلك التشويه
حتى من غير أولئك كالخوارج ، بل وحتى من غير المسلمين ، فكانـباختصارـ
ضحية لأموية حاقدة ، وعباسية بغيضة وحسنية موتورة وخوارج قانصة ، وأخيراً
ليهودية وصليبية كافرة (1) .

رابعاً : إذن ليس من السهل غربلة المتناقضات في شتات أخبار ابن عباس.

ولم يكن من الهيّن استخلاص تاريخه سليماً من بين تلك الشوائب الكثيرة.

ولا بد لي وأنا أعنى بتاريخه أن أتخطى الحواجزـفيما أحسبـحين
قرأته في مختلف مصادره وعليّ بذل الجهد البالغ مع الصبر والأناة ، وقد تم لي
ذلكـوالحمد للهـوإن عانيت طويلاً حتى استوت معرفتي به معرفة يسّرت لي
تمييز ما هو صحيح وثابت له أو عليه ، فوضعت صورته حسب رؤيتي له في
اطارها الخاص ، دون تجاوز الحدين. الإفراط والتفريط ، ومن دون تلميع أو
تغليف ، لتكون أقرب إلى واقعها ، وهيـفي نظريـأفضل من الصور
_______________________

(1)سيأتي مزيد بيان عن تحامل المستشرقين الذين تناولوه بالطعن أمثال جولد زيهر
اليهودي وشبر نجر وغيرهما.


المصطنعة المحاطة بهالة التفخيم والتعظيم ، كما أنها أصدق من الصورة
المصنوعة والمشوهة بضباب التعتيم.

فكانت قناعتي بأن البحث قد تم بالمستوى المطلوب من الموضوعية
نتيجة إيماني بتمام المسؤولية ، وتطلعاً إلى ثقة القارئ وإطمئنانه بصحة ما كتبته
نصرة لحق مهضوم ، والله من وراء القصد ، وهو وليّ التوفيق والهادي
إلى الصواب.

خامساً : ما كتب عن ابن عباس بتأليف خاص ، لقد مرت بنا كلمة الذهبي :
« وقد اعتنى الحفاظ بجمع فضائل العباس رعايةً للخلفاء » وهي صادقة إلى حدٍّ
بعيد. ولكنه لم يذكر لنا عناية الحفاظ بجمع فضائل ابن عباس الذي هو أبو
الخلفاء ، وربما لم يكن في زمانه ما رآه جديراً بالذكر.

ومهما يكن فإلى القارئ نبذة عن الكتب المؤلفة قديماً في ابن عباسرضي‌الله‌عنه :

1ـذكر ابن النديم في الفهرست في مؤلفات المدائني عدة كتب في
العباس وابنه عبد الله بن عباس وابنه عليّ بن عبد الله بن العباس وابنه محمّد بن
عليّ بن عبد الله بن عباس ، فكان نصيب عبد الله منها كتاباً واحداً ، ولم نعرف عنه
شيئاً سوى ما تقدم (1) .

2ـولقد ذكر النجاشي في رجاله في ترجمة عبد العزيز بن يحيى الجلودي
الأزدي البصري جملة كتبه ، ومنها : الكتب المتعلقة بعبد الله بن عباس مسندة عنه ،
كتاب التنزيل عنه ، كتاب التفسير عنه ، كتاب المناسك عنه ، كتاب النكاح
والطلاق عنه ، كتاب الفرائض عنه ، كتاب تفسيره عن الصحابة ، كتاب القراءات
_______________________

(1)الفهرست / 114 تح‍ رضا تجدد.


عنه ، كتاب البيوع والتجارات عنه ، كتاب الناسخ والمنسوخ عنه ، كتاب نسيه ،
كتاب ما أسنده عن الصحابة ، كتاب بقية قوله في الطهارة ، كتاب الصلاة والزكاة ،
كتاب ما رواه من رأي الصحابة ، كتاب الذبائح والأطعمة واللباس ، كتاب الفتيا
والشهادات والأقضية والجهاد والعدة وشرائع الإسلام ، كتاب قوله في الدعاء
والعُوذ وذكر الخير وفضل ثواب الأعمال والطب والنجوم ، كتاب قوله في قتال
أهل القبلة وانكار الرجعة والأمر بالمعروف ، كتاب في الأدب وذكر الأنبياء
وأول كلامه في العرب ، وقريش والصحابة والتابعين ومَن ذمه ، كتاب قوله في
شيعة عليّ عليه‌السلام ، كتاب بقية رسالته وخطبه وأول مناظرته ، كتاب بقية
مناظرته وذكر نسائه وولده. آخر كتب ابن عباس.

وهذه الكتب كلها لم يصل الينا منها شيء ، ويبقى للجلودي فضل روايتها
وللنجاشي فضل ذكرها وروايتها عن الجلودي بواسطتين ، وأحسب أنه
رآها فرواها ، فهي كانت حتى القرن الخامس الهجري أيام النجاشي المتوفى
سنة 450 ه‍.

وهناك مؤلفات متأخرة عن زمان العباسيين ، فلا سبيل إلى اتهام مؤلفيها
بالتزلف اليهم ، مثل :

3ـ(استئناس الناس بفضائل ابن عباس) تأليف ملا عليّ بن سلطان محمّد
الهروي القاري الحنفي نزيل مكة المتوفي بها في سنة 1041 ه‍ منه نسخة ضمن
مجموعة بقلم معتاد وبخط أحمد الجزائري فرغ منها يوم الأثنين 9 ذي القعدة
سنة 1271 ه‍ (1) .

_______________________

(1)كما فهرست الكتب لدار الكتب المصرية 5 / 130برقم 10 مجاميع.


4ـ(تحفة اللطائف في فضائل ابن عباس ووجّ والطائف) تأليف الشيخ
محمّد المدعو جار الله بن عبد العزيز بن فهد القرشي المكي المتوفي سنة 954 ،
وهو مختصر على مقدمة وبابين وخاتمة ، ألفه سنة 915 ، نقل عنه السيد عباس
المكي في نزهة الجليس (1) .

5ـ(اتحاف الناس بفضل وابن عباس) تأليف نور الدين عليّ بن سلطان
محمّد الهروي القاري المكي الحنفي المذكور أولاً.

6ـ(تحفة الأخوان من الناس في فضيلة ابن عباس) تأليف عليّ القارئ
المذكور آنفاً ، نسخة منه في مكتبة أسعد أفندي في تركيا برقم 3524. ولا يبعد
أن يكون متحداً مع سابقه.

7ـ(رفع الالتباس في فضائل ابن عباس) تأليف تقي الدين أبي محمّد عبد
الله بن عبد العزيز بن فهد المكي ، وهو دون الكراسة.

8ـ(كشف البأس عما رواه ابن عباس مشافهة عن سيد الناس) تأليف
محمّد عابد بن أحمد الأنصاري السندي نسخته في التيمورية.

9ـ(نشر اللطائف في فضل الطائف) لأبن عراق الكناني (مخطوط) ، نقل
عنه في التاريخ الإسلامي العام 123 حديثاً مناقبياً في ابن عباس أثر الصنعة ظاهر
عليه ، سوف نشير إليه عند ذكر قبره.

10ـ(نور الأقتباس في مشكاة وصية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبن عباس) تأليف الحافظ
ابن رجب الحنبلي المتوفي سنة 795. طبع بتحقيق عبد الفتاح خليفة ومحمود
خليفة ، بمصر سنة 1365.

_______________________

(1)نزهة الجليس 2 / 246 ط الحيدرية.


وفي نظري من خير ما تقدم ذكره هو (كشف البأس عمّا رواه ابن عباس
مشافهة عن سيد الناس ) للسندي ، فإنّ اسمه يعني جمع أحاديث ابن عباس التي
رواها مشافهة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا موضوع نافع في تقويم أحاديث ابن عباس ،
وما تطرّق إليها من شكوك. وإني آسف إذ لم أقف على نسخته ، ودونه كتاب
نور الاقتباس في مشكاة وصية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبن عباس ، فهو لا يخلو من فائدة
أخلاقية كما رأيته ، أمّا الباقيات فغير صالحات في مجال التقييم ، بل إنها
بالمناقبيات أشبه ، وذلك أمر نرغب عنه. لا لأنا ننكر فضل ابن عباس ، بل نترفع
بشأنه عن تلك المزايدات.

ولا ينقضي عجبي من التجني على ابن عباسرضي‌الله‌عنه فقد غلا فيه مناقبياً
اصحاب الكتب المذكورة وعلى النقيض منهم ، قلاه ابن تيمية حتى كتب كتاباً
عنوانه : (تكفير ابن عباس) (1) وهو أمر محزن للمسلم كما هو مخزٍ للمؤلف.

سادساً : شكر وعرفان بالجميل :

(من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق) فالحمد لله الذي منّ عليّ بجميل
آلائه ، فهيأ لي من أستهدي بآرائه ، إذ كنت أعرُض بعض ما اكتبه على بعض
مشايخ العلم وأساتذة الفن ، كما كنت دائم التساؤل مع ذوي الاختصاص ، لغرض
الأستفادة من توجيهات الأولين ، والأستنارة بآراء الآخرين.

لذلك صار من الواجب عليّـعرفاناً بالجميلـأن أشكرهم على ما رأيت
منهم من التقدير والإطراء حتى أولاني بعضهم متفضلاً مبتدءاًـوخير الفضل ما
كان ابتداءاًـبما لا أستحقه من تقريض الثناء فدبّج يراعه كلمة قيمة ، وآخر
_______________________

(1)جلاء العينين / 92 ط بولاق سنة 1298 ه‍.


ألقي إلي منه كتاب كريم ، فشكراً لهم جميعاً على إحسانهم إليَّ ، ولهم الذكر
العلي فرض عليَّ ، فأنا أذكر أسماءهم ، إحياء لهم (وهل جزاء الإحسان إلا
الإحسان) وأسأل الله أن يمنّ عليهم بالرحمة والرضوان. وهم السادة التالية
أسماؤهم :

أوّلاً : سيدي وراعي غرسي المغفور له سماحة السيد الوالد( قدس سره )
(المتوفى 11جمادي الأول 1405 ه‍) الذي ربّاني فأحسن تربيتي ، ورعاني بعطفه ،
وأولاني بلطفه ما أعجز عن ذكره فضلاً عن شكره.

ثانياً : شيخ محدّثي العصر بقية السلف سماحة المغفور له الشيخ أغا بزرك
الطهراني قدس سره ( المتوفى 13 ذي الحجة 1389 ه‍) ، مؤلف الموسوعتين
الشهيرتين (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) و (طبقات أعلام الشيعة) ، فقد كنت
أحظى بزيارته فأنهل من نمير علمه ، ويشجعني عملياً على المثابرة والمصابرة
كلما أطلعته على ما جدّ لي من بحوث ، وقد كتب في الذريعة أسماء ما أطلع
عليه. وكان منها كتاب (عبد الله بن عباس حبر الأمة) فأعجبه حتى سجل انطباعه
عن كل جزء من أجزائه الأربعة في ج15 من الذريعة. ومن المؤسف حقاً أنّ هذا
الجزء طبع بعد وفاته فلم يَذكر (في ج15 / 217) سوى (عبد الله بن عباس فيه
تفاصيل حياته في أربعة أجزاء كبار ) وضاع باقي ما كتبه سماحة الشيخ قدس‌سره ،
حتى اسم مؤلف الكتاب ، وهذا ما يبعث على الريبة فيمن تولى كبر ذلك ، وإلّا
كيف يعقل أنّ الشيخ يذكر الكتاب وحجم أجزائه ، ثم هو يغفل اسم المؤلف مع
صلتي الوثقى به والمودة الصادقة بيننا ، وحسبي شاهداً على ذلك ما كتبه بخطه
حين طلب مني تهذيب وتشذيب ما كتبه من الحواشي على كشف الظنون ،


فاستجبت لطلبه ، وقد طبع صورة ما كتبه بخطه في ايضاح المكنون ذيل كشف
الظنون (ط أفست إسلاميةـطهران عن طبعة معارف استانبول) سوى ما كتبه لي
في إجازتيه من طرق الخاصة ومن طرق العامة.

ثالثاً : سماحة الحجة المغفور له الشيخ محمّد عليّ الأوردبادي قدسسره
(المتوفى صفر 1380 ه‍) فقد بذل لي من وقته ساعة في كل ليلة بعد الأنتهاء من
صلاة العشاء يستمع فيها ما أقرأ عليه بعض فصول الجزء الأول ، فأفادني
بتوجيهاته ومناقشاته تغمده الله برحمته.

رابعاً : سماحة آية الله العظمى الفقيه السيد ميرزا عبد الهادي الحسيني
الشيرازي قدسسره (المتوفى 10صفر 1382 ه‍) فقد عرف أمر الكتاب من
الشيخ الأوردبادي رحمهالله الذي كان يحضر مجلس الفتيا عنده ليلاً في داره ،
ولمّا كانت قراءتي على الشيخ ربّما طالت فأخرته بعض الوقت عن مجلس الفتيا ،
فهو أخبر سماحة السيد بالكتاب ، فأحبّ الأطلاع عليه ، واطّلع عليه وأعجب به
فقرّضه. متفضلاً مشكوراً. بما تقدمت صورة تقريضه.

خامساً : سماحة الحجة العلم الفذّ المغفور له السيد هبة الدين الحسيني
الشهرستاني(قدسسره) (المتوفى 25 شوال 1386 ه‍) فقد كنت أرتاد مكتبة
الجوادين العامة في الكاظمية ، وكنت أزوره هناك ، وأسأله عن رسالته التي كتبها
في تنزيه حبر الأمة ممّا أفتري عليه من قصة بيت المال بالبصرة ، وكان يمنحني
من خلقه الرفيع ورحابة الصدر ما يجرؤني على التحدث معه حول شخصية
المترجم له وكتابي عنه ، فأقول ويسمع ، ويناقش فأدفعـبسورة الشباب مع شيخ


جاز الثمانينـمناقشة الندّ للندّ(1) تغمده الله برحمته ، ووفاء مني بعرفان جميله
نشرت كتابه الكريم في أول الكتاب.

سادساً : العلامة الدكتور مصطفى جواد رحمهالله(المتوفى 1969م) الذي
جرّت المعرفة بيننا إلى معرفته بأمر الكتاب واطلاعه عليه حيث دعاني إلى بيته ،
وهناك كانت قراءة بعض الصفحات وإبداء بعض الملاحظات ثم تتابعت قراءة
بعضٍ آخر أرسلته فكان يوشّحـمشكوراً ومأجوراًـبعض التصويبات اللغوية
فرحمة الله عليه.

_______________________

(1)لا أنسى تلك الأمسية العلمية الأدبية في ليلة الأثنين التي كانت تقام في مكتبة
الجوادين العامة في صحن الإمامين الكاظمين عليهماالسلام فدخلت المكتبة وكان
المكان قد ضاق بالزوآر ، والمقريء السيد حيدر الجوادي يتلو بعض آي الذكر الحكيم ،
فجلست بقرب مدير المكتبة الذي أفسح لي حتى إذا انتهى المقريء من تلاوته وتقدمت
للسلام على سماحة السيد رحمهالله فاستقبلني بحفاوة بالغة وكان من بين السادة
الحضور المرحوم الخطيب السيد عبد اللطيف الوردي ، والمرحوم الخطيب الشيخ كاظم
آل نوح والمرحوم الدكتور عز الدين آل يس ، والدكتور ضياء الدين الدخيلي وآخرين لم
تحضرني فعلاً أسماؤهم ، فرأوا إقبال المرحوم سماحة السيد بطلعته البهية وشيبته
البيضاء الفضية التي زانت محياه على شاب لم يتخطّ العقد الثالث من عمره ، فأثار
ذلك تساؤل من لم تكن لي ولهم سابق معرفة بيننا. فأحفانيـرحمهاللهـبالسؤال ، ثم
تفضّل يعرّفني إلى الجماعة الذين ذكرت أسماءهم بما لا استحقه من الإطراء ثم عاد
يسألني عن كتاب ابن عباسـرحمهاللهـوإلى أي مرحلة وصلت فيه ، فأخبرته بتمامه ،
فاستبشر كثيراً وجرنّا الحديث إلى طلبه بقراءة فهرسته ثم قراءة بعض فصوله ، وفي
اثناء ذلك كانت مداخلات من بعض الحضورـوخاصة المرحوم الخطيب الشيخ كاظم
آل نوحـومناقشات دامت وقتاً أكثر ممّا هو معتاد لسماحته وللحضور. ولكنهم كانوا
يصرّون على مزيد من الحديث ، وجرت بيني وبينهم بعض المطايبات والنكات ، وانتهى
المجلس بثنائهم وإعجابهم ودعائهم بالموفقية لأن الموضوع شائك وشائق كما قال
الدكتور آل يس ، فشكرتهم ثم ودعتهم وخرجت ، وبعد أيام وأنا في النجف الأشرف فاجأني
رسول من قبل سماحة السيد الشهرستاني يحمل مظروفاً فيه كتاب كريم يفيض حباً
وعاطفة ، وثناءً ودعاء ، وقد نشرت صورته في أول الكتاب تقديراً مني لفضل صاحبه ،
واعترافاً مني باداء بعض ما يجب من الذكر والشكر.


وأخيراً لا أنسى إفضال بقية الأعلام الكرام وفي مقدمتهم المغفور له
سماحة الإمام الشيخ محمّد الحسين كاشف الغطاء والمغفور له الحجة العالم
الموسوعي الشيخ محمّد السماوي تغمدهما الله برحمته فقد أفدت من مكتبتيهما
خصوصاً الثاني حيث يسرّ لي الاطلاع على نوادر المخطوطات مثل ربيع
الأبرار والدرجات الرفيعة وغيرهما ممّا لم يكن مطبوعاً يومئذٍ فرحم الله
الماضين ممن تفضل باللطف ، وحفظ الباقين وأجرهم جميعاً على الله.
والحمد لله رب العالمين.

النجف الأشرف
محمّد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان
عفي عنه




تمهيد

الحياة العربية بمكة قبل الإسلام :

مهما تفاوتت وجهات النظر في طريقة كتابة التاريخ ، فهي لا تعدو عن
حقيقة ثابتة هي أنّ التاريخ يصنع من النصوص ، كما انه يكفي في تاريخ الأفراد
سرد الواقع للشخص فيما يختصه ، أمّا تاريخ الجماعات فلا يكفي ذلك ، بل لا
سبيل إلى تحقيقه دون إعمال الفكر في انتقاء الحدث النموذجي للدلالة على
معرفة المجتمع معرفة تامة ولو بالتحليل الفلسفي للأحداث لفهم كنه الروابط
بينها بإمعان ودقة ، ويبقى القاسم المشترك بين تاريخ الفرد وتاريخ المجتمع هو
دقة الملاحظة ، ونقل الحوادث بأمانة ، دون النزوع إلى العاطفة ، بل الرجوع إلى
الحق في الاستنتاج.

ولمّا كانت حالة الحياة العربية في مكة المكرمة قبل الإسلام ، يستدعي
البحث عنها إلى استخدام المعلومة من تاريخ الجماعات لغرض التعرف التام إلى


المجتمع المكي ، فلا أجد مصدراً أصدق أنباءً من القرآن الكريم ، فهو أبلغ نصاً
وأوضع مفهوماً من جميع المصادر الأخرى.

لقد عرض القرآن الكريم في بعض آياته لوحات تصوّر (حال الحياة
العربية) ، قبيل الإسلام وبعده في شتى أنحاء الجزيرة العربية وبواديه فسمّى
(الأعراب) كما ورد ذلك في القرآن المجيد في عشر آيات تنديداً بمعظمهم ،
ولم يرد تسميتهم (بالعرب) ولا مرّة واحدة ، نعم إنّما وردت النسبة إلى العرب
مدحاً في وصف القرآن ولغته ، فمن الجدير بالذكر التنبّه إلى وجوب الفرق بين
العرب والأعراب ، ولمّا كانت فترة ما قبل الإسلام تسمى (الجاهلية) وتلك فترة
كتبت عنها أقلام تفاوت أصحابها زماناً ومكاناً ، وفهماً وإيماناً ، ولم تسلم
أحكامهم غالباً من الجنوح العاطفي بين إفراط وتفريط ، وإن استند بعضهم إلى
آي القرآن الكريم ، ولكنه أساء فهم المعنى فلم يفرّقـمثلاًـبين العرب
والأعراب ، كما لم يراع طبيعة المكان والزمان ، ولا بين الحاضرة والبادين من
الأعراب.

(ولكي نكون منصفين في الأحكام ، عادلين غير ظالمين ، علينا التفريق بين
الأعراب وبين العرب ، فما يقال : عن الأعراب يجب ألّا يتخذ قاعدة عامة تطبّق
على العرب ، لما بين العرب والأعراب من تباين في الحياة النفسية والعقل.

ثم علينا لكي نكون منصفين أيضاً أن نفرق بين عرب وعرب. لما أصاب
عرب كل أرض من أرض العرب من أثر تركه الأجانب فيهم... والامتزاج
والاندماج يؤثران بالطبع في أخلاق أهل المنطقة التي وقعا فيها) (1) .

_______________________

(1)المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 4 / 298 ط الأولى بيروت.


وقد أشار إلى وجوب التفريق من اللغويين الأزهري ، وذهب إلى مذهبه
ابن خلدون وهو من المؤرخين ، فقال الأزهري في تهذيب اللغة ونقله عنه
الزبيدي في تاج العروس فقال : « والذي لا يفرق بين العرب والأعراب ، والعربي
والأعرابي ، ربما تحامل على العرب بما يتأوله في هذه الآيةـ ( الأَعْرَابُ أَشَدُّ
كُفْرًا وَنِفَاقًا
) (1) ـوهو لا يميّز بين العرب والأعراب ، ولا يجوز أن يقول
للمهاجرين والأنصار أعراب ، إنما هم عرب ، لأنهم استوطنوا القرى العربية ،
وسكنوا المدن ، سواء منهم الناشيء بالبدو ثم استوطن القرى ، والناشيء بمكة ثم
هاجر إلى المدينة » (2) .

وما قلناه من وجوب التفريق بين الأسمين فكذلك يجب علينا أخذ الحيطة
فيما نجده في بعض كتب الحديث من أحاديث مدح أو ذم للعرب أو للأعراب ،
وأن نكون بمنتهى الوعي في أخذ الحذر ممّا نراه مبثوثاً في الكتب ، حتى وان
كانت قد أُضيفت عليها قداسة الحديث النبوي الشريف.

فمثلاً ما نجده في بعض كتب التفسير والصحاح والسنن ، ونتخيّل لأول
وهلة أنّ ما أخرجه أصحابها إنّما هو القول الفصل ، وليس إلى الخدش فيه من
سبيل ، خصوصاً إذا كان في مثل صحيح البخاري الذي قيل عنه أنه أصح كتاب
بعد كتاب الله؟ أو في أمثاله من الصحاح والسنن. فضلاً عن كتب التاريخ
والأدب ممّا دسّ فيها الشعوبيون أو غيرهم من قصص ونوادر ، لا ينبغي لنا أن
نقيم عليه صرحاً ، ونجعله ميزاناً في تقييم الأمم والشعوب ، بل لكل أمة حسناتها
كما أنّ عليها سيئاتها ، والكمال هو لله وحده سبحانه وتعالى.

_______________________

(1)التوبة / 97.

(2)تاج العروس 1 / 371 (عرب).


شعوبية بغيضة :

ولست الآن في صدد الخوض عن العروبة وما لها وما عليها ، بل كفانا ذلك
القرآن الحكيم الذي دعا أولاً الناس كافة بقوله : ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ ) ، ثم خاطب
المؤمنين بعد انتشار الإسلام بقوله : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ، ولم يرد فيه أيّ نداء
لأمة حسب هويّتها القومية. وإنّما الذي دعاني إلى تقديم ما ذكرت ما قد يجده
القارئ من آيات أو أحاديثـمدحاً أو ذماًـللعرب ، وهو يتخيّل أنّ ذلك
لجميع العرب ، ولم يفرق بين العرب والأعراب من جهة ، كما أنه قد يُخدع بما
يجده في مثل صحيح البخاري مثلاً حين يقرأ باب قصة زمزم وجهل العرب ثم
لا يجد فيه إلّا الحديث التالي :

أخرج البخاري في صحيحه كتاب المناقب (باب قصة زمزم وجهل
العرب)ـفالعنوان إن دل على شيء إنما يدل على شعوبية بغيضةـبسنده عن
ابن عباس رضياللهعنهما قال : « إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق
الثلاثين ومائة في سورة الأنعام ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ )
إلى قوله : ( قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) (1) »(2) .

فيتخيّل القارئ أنّ ذلك القولـإن صحت نسبته إلى ابن عباس رضيالله
عنه ـ هو عن كل العرب وليس ذلك بصحيح.

_______________________

(1)الأنعام / 140.

(2)صحيح البخاري 4 / 185 ط سنة 1314 الأميرية بولاق ، وانظر شرح فتح الباري لابن حجر
7 / 362 ، وشرح إرشاد الساري للقسطلاني 6 / 8.


ونحو ذلك أيضاً ما يقرأ في سنن الدارمي ، بسنده عن هارون بن معاوية
قال : « كان الرجل في الجاهلية إذا سافر حمل معه أربعة أحجار ، ثلاثة لقدره
والرابع يعبده ، ويربّي كلبه ويقتل ولده » (1) .

فإنّ هذه الأقوال وأمثالها ـ إن صحت ـ فإنما هي عن الأعراب ، لا العرب.

يقول المرحوم الدكتور جواد علي في كتابه (المفصّل في تاريخ العرب
قبل الإسلام) : « الحق اننا إذا أردنا البحث عن مورد يصوّر لنا أحوال الحياة
الجاهلية ، ويتحدث لنا عن تفكير أهل الحجاز عند ظهور الإسلام ، فلا بدّ لنا من
الرجوع إلى القرآن الكريم ، ولا بدّ لنا من تقديمه على سائر المراجع الإسلامية ،
وهو فوقها بالطبع ، ولا أريد أن أدخله فيها ، لأنّه كتاب مقدّس ، لم ينزل كتاباً
في التاريخ أو اللغة أو ما شاكل ذلك ، ولكنه نزل كتاباً عربيّاً ، لغته هي اللغة
العربية التي كان يتكلم بها أهل الحجاز ، وقد خاطب قوماً فوصف حالتهم ،
وتفكيرهم وعقائدهم ، ونصحهم وذكّرهم بالأمم والشعوب العربية الخالية (2)
وطلب منهم (3) ترك ما هم عليه ، وتطرّق إلى ذكر تجاراتهم وسياساتهم وغير
ذلك. وقد مثّلهم أناس كانت لهم صلات بالعالم الخارجي ، واطلاع على أحوال
من كان حولهم ، وفيه تفنيد لكثير من الآراء المغلوطة التي نجدها في المصادر
العربية الإسلامية ، فهو مرآة صافية للعصر الجاهلي ، وهو كتاب صدق لا سبيل
إلى الشك في صحة نصّه.

_______________________

(1)سنن الدارمي 1 / 4 مط الاعتدال بدمشق سنة 1349.

(2)سورة هود / 95 ، سورة الحج / 42 ، سورة الشعراء / 141 ، سورة الحاقة / 4 ، سورة ق / 14 ، سورة
الدخان / 37 ، سورة الفيل / 1 ، سورة البروج / 4. (تنبيه : حذفنا أرقام السور التي ذكرها
المؤلف).

(3)وطلب اليهم.


وفي القرآن الكريم ذكر لبعض أصنام أهل الحجاز ، وذكر لجدلهم مع
الرسول في الإسلام ، وفي الحياة ، وفي المثل الجاهلية وفيه تعرض لنواحٍ من
الحياة الاقتصادية والسياسية عندهم.

وفيه أمور أخرى تخص الجاهلية وردت فيه على قدر ما كان لها من علاقة
بمعارضة قريش للقرآن والإسلام. وفي كل ما ورد فيه دليل على أنّ صورة
الإخباريين التي رسموها للجاهلية ، لم تكن صورة صحيحة متقنة ، وأنّ ما زعموه
من عزلة جزيرة العرب ، وجهل العرب وهمجيتهم في الجاهلية الجهلاء ، كان
زعماً لا يؤيده القرآن الكريم الذي خالف كثيراً ما ذهبوا إليه » (1) .

فعلى ضوء ما قدّمناه ينبغي لنا أن نعرف ما يقال عن وصف الحالة في
الجزيرة العربية بأنّها كانت جاهلية مظلمة.

حالة العرب قبل الإسلام :

جاهلية مظلمة ، وجور سائد ، وظلم فاشٍ ، يقاسي الضعيف من القوي
الأمرين ، وينال العبد من مواليه البلاء ، وينوش الأنثى أحياناً الهضم والظلم ، إنّما
هي حالة الأعراب ، نعم وهي كذلك حالة بعض العرب قبل الإسلام ، وهي
تختلف في الشدّة والضعف باختلاف قبائل العرب ، وتفاوت مداركهم
وتمازجهم مع أصحاب الحضارات من بلاد الروم وفارس.

حسبنا ما روي من حديث جعفر بن أبي طالب مع النجاشي : « ملك الحبشة
كنا أهل جاهلية : نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ،
_______________________

(1)المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام 1 / 66 ط الاُولى سنة 1968 بيروت.


ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله لنا
رسولاً كما بعث الرسل إلى من قبلنا... » (1) .

ولم يقصر عنه كلام المغيرة بن شعبة مع كسرى يزدجرد في وصفه لحالة
العرب ، فقد ذكر ابن كثير عن المغيرة قوله : « كنا نأكل الخنافس والجعلان ،
والعقارب والحيات ، ونرى ذلك طعامنا ، وأمّا المنازل فإنما هي ظهر الأرض ، ولا
نلبس إلّا غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم... وديننا أن لا يقتل بعضنا بعضاً وأن
لا يبغي بعضنا على بعض... وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن
تأكل من طعامه... » (2) .

ولعل الباحث لا يعدم الشواهد على أنّ الحال في قلب الجزيرة العربية
كان أخف وطأة وأحسن حالاً ، كما هو الحال في مكة المكرمة. فإن فيها
من المتحنفين الذين يدينون بالحنيفية كعبد المطلب وأمية بن أبي الصلت
وزيد بن عمرو ، وفي العرب أمثال قس بن ساعدة ، ولعل زهير بن أبي سلمى
منهم فقد كان في شعره مؤمناً بالله وبالمعاد والحشر والحساب إلى غير
هؤلاء.

كما أنّ من كان بمكة من القاطنين أكثر رفاهية في الحياة ، واستقراراً في
الأمن من سائر أقطار الجزيرة. لأنّ أهلها اتخذوا مكة مثابة للناس وأمناً ، وجعلوا
في السنة الأشهر الحرم فلا حرب فيها ، وكانت تجارتها رابحة تتصل بالشام
واليمن والعراق وفارس وجل أهلها تدير شؤونهم تلك التجارة الواسعة ، إمّا تجاراً
_______________________

(1)السيرة الحلبية 1 / 340 ، سيرة ابن هشام 1 / 218.

(2)البداية والنهاية 7 / 42.


أو مضاربين أو حماة لما يمرّ بأرضهم من التجارة في طريقها إلى الشام أو اليمن ،
فهم برحلتي الشتاء والصيف يُغيّرون طابع حياتهم.

ومكة نفسها وقعت في دائرة التنازع الدولي الذي كان قائماً بين
الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية البيزنطية ، وقد بذلت محاولات من جانب
الأحباش والبيزنطيين للسيطرة عليها ، لكن رجال مكةـالحريصين على الحيادـ
عارضوا كل تدخل في شؤونهم واستطاعوا أن يتعاملوا مع رجال الدولة من
الفرس والروم على السواء ، كما كانوا يحذقون التعامل مع الأعراب من أهل
البادية (1) .

وقد دخلت مكة في طور النظام الاجتماعي بعد أن مرت بطور من
الاضطراب والرحلات والغزوات والقتال على السيادة (2) .

نبوغ قصي في مكة :

وتاريخ مكة الحقيقي يبدأ من أيام قصي بن كلاب بن مرة القرشي الذي
تولى أمر مكة حوالي منتصف القرن الخامس الميلادي ، وبحكم قصيّ استقرت
قبيلة قريش في مكة ، ونهضت بها ، وجعلت منها مدينة ذات مركز اقتصادي




_______________________

(1)دور الحجاز في الحياة السياسية العامة في القرنين الأول والثاني للهجرة / 15 ط الأولى
1968 ، دار الفكر العربي د. أحمد إبراهيم الشريف.

(2)أنظر سيرة ابن هشام 1 / 123ـ130 ، تاريخ اليعقوبي 1 / 181ـ198 ، تاريخ الطبري 2 / 255ـ
286 ، البداية والنهاية 2 / 185 ـ 190.


وديني وأدبي ممتاز ، وأصبحت في عهده تتمتع بتوجيه عربي عام في أواخر
القرن السادس وأوائل السابع حين ظهر الإسلام (1) .

فكان قصي أول رجل من بني كنانة أصاب ملكاً ، وأطاع له به قومه فكانت
إليه الحجابة ، والرفادة ، والسقاية ، والندوة ، واللواء ، والقيادة ، وفي ذلك يقول
حذافة بن غانم الجحمي يمدحه :

أبوهم قصيٌّ كان يدعى مجمّعا

به جمع الله القبائل من فهر(2)

فحاز قصي شرف مكة وأنشأ (دار الندوة) وفيها كانت قريش تقضي
أمورها ، ولم يكن يدخلها من قريش من غير ولد قصي إلّا ابن أربعين سنة
للمشورة ، وكان يدخلها ولد قصي كلهم أجمعون ، وحلفاؤهم (3) .

وكان عبد مناف بن قصي قد شرف في زمان أبيه وذهب شرفه كل
مذهب ، ولم يبلغ بنو قصي ولا أحد من قومهم من قريش ما بلغ عبد مناف من
الذكر والشرف ، وبدت بوادر تنذر بالشر نتيجة الحسد ، فأجمع قصي أن يقسم
أمور مكة الستة التي فيها الذكر والشرف والعز بين ابنيه ، عبد الدارـوهو أكبر
بنيهـفأعطاه السدانة وهي الحجابة ودار الندوة ، واللواء ، وأعطى عبد مناف
السقاية ، والرفادة والقيادة (4) .

وهكذا امتازت مكة عن غيرها بنحو من التنظيم الذي سنّه قصيّ ، والذي
يكفل لقريش وأبنائه مكان الزعامة والصدارة ما قاموا بتلك الشؤون.


_______________________

(1)دور الحجاز في الحياة السياسية العامة / 16 د. أحمد إبراهيم الشريف.

(2)تاريخ مكة للأزرقي / 107 ـ 108.

(3)نفس المصدر / 109 ـ 110.

(4)نفس المصدر / 110.


قال أبو هلال العسكري : كانت قريش تسمى في الجاهلية (العالمية)
لفضلهم وعلمهم ، قال الفضل بن العباس بن عتبة :

ألسنا أهل مكة عالميا

وأدركنا السلام بها رطابا(1)

آل الله :

قال ابن عبد ربه : كانت قريش تسمى آل الله ، وجيران الله ، وسكان
حرم الله.

وفي ذلك يقول عبد المطلب بن هاشم :

نحن آل الله في ذمته

لم نزل فيها على عهدٍ قدم

إن للبيت لرباً مانعاً

من يرد فيه بإثمٍ يخترم

لم تزل لله فينا حرمةٌ

يدفع الله بها عنا النقم(2)

وقال ابنه أبو طالب :

ويصبح آل الله بيضاً كأنما

كستهم حبيرا ريدة ومعافر(3)

وقال الثعالبي : « كان يقال لقريش في الجاهلية : أهل الله ، لما تميّزوا به عن
سائر العرب من المحاسن والمكارم ، والفضائل والخصائص ، التي هي أكثر من
أن تحصى.

_______________________

(1)التاريخ الإسلامي العام / 95 د. عليّ إبراهيم حسن.

(2)العقد الفريد 3 / 313 ، وقارن تاريخ اليعقوبي 1 / 210 فما بعدها تجد الأبيات أكثر من
عشرة قالها عبد المطلب لما كان من أصحاب الفيل ما كان.

(3)ديوان أبي طالب / 37 ط الحيدرية / 1356.


فمنها : مجاورتهم بيت الله تعالى ، وايثارهم سكن حرمه على جميع بلاد الله ،
وصبرهم على لأواء مكة وشدتها ، وخشونة العيش بها.

ومنها : ما تفردوا به من الإيلاف والوفادة والرفادة والسقاية والرياسة
واللواء والندوة.

ومنها : كونهم على ارث من دين أبويهم إبراهيم وإسماعيلعليهما‌السلام من قرى
الضيف ورفد الحاج والمعتمرين ، والقيام بما يصلحهم ، وتعظيم الحرم ، وصيانته
عن البغي فيه والإلحاد ، وقمع الظالم ومنع المظلوم.

ومنها : كونهم قبلة العرب وموضع الحج الأكبر ، يؤتون من كل أوبٍ بعيد ،
وفجٍ عميق ، فترد عليهم الأخلاق والعقول ، والآداب والألسنة ، واللغات والعادات ،
والصور والشمائل عفواً بلا كلفة ولا غُرم ، ولا عَزم ولا حيلة ، فيشاهدون ما لم
تشاهده قبيلة. وليس من شاهد الجميع كمن شاهد البعض...

ومنها : بات وجودهم وجزيل عطاياهم ، واحتمالهم المؤن الغِلاظ في
أموالهم المكتسبة من التجارة...

وأعجب من ذلك أنهم من بين جميع العرب دانوا بالتحمّس والتشدّد في
الدين فتركوا الغزو كراهة للسبي واستحلال الأموال... » (1) .

وإذا بحثنا عن السبب في تميّز مكة عن غيرها في ذلك المضمار ، لم نعد
الحقيقة في أن نرجع الفضل في ذلك إلى سببين هما :

أوّلاًـوجود البيت الحرام الذي وفّر لمكة من الشرف على سائر البلاد ما
لم يتوفر لغيرها ، حيث كان مدعاة لحج الناس إليه ، وفي ذلك من الفضل
والشرف ما يسمو بها عن غيرها إلى مرتبة القداسة.

_______________________

(1)ثمار القلوب / 10 ـ 11 تح‍ محمّد أبو الفضل إبراهيم. ط دار النهضة مصر سنة 1384 ه‍.


ثانياًـوجود أبناء قصي الذين استأثرت مكة بهم زعامة وفضلاً
وشرفاً ومنعة ، ممّا جعل لهم من المكانة في نفوس الآخرين أن أقروا لهم
بالزعامة فكانوا يقصدونهم للحكومة وفصل التخاصم ، وينعموا في ظلهم
بأمنٍ ورغد عيش.

مكانة قريش بين العرب :

وأصبحت زعامة قريش بين العرب زعامة حقيقية لا شك فيها قبل الإسلام ،
وأبرز مثل يوضح هذه الزعامة القرشية هو أنه حين وقفت قريش موقف
المعارضة للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يجد استجابةـكاملةـلدعوته بين العرب ، فلمّا ألقت
قريش لواء المعارضة بعد فتح مكة سنة 8 ه‍ لم يلبث العرب أن دخلوا في
الإسلام طائعين (1) .

وقد أظهرت قريش قدرة على التنظيم ، فاستطاعت أن تقيم نوعاً من التنظيم
الحكومي في مكة ، هو في جوهره تنظيم قبلي تطور بحسب مقتضيات ظروف
الاستقرار في مكة ، وبحسب اتصالاتها الواسعة وقيامها على التجارة واحتكاكها
بالعالم المتحضر.

وقد تميزت الوظائف الحكومية إلى نوعين رئيسين :

الأول : الوظائف المتعلقة بالكعبة وهي السدانة والسقاية والرفادة.

الثاني : ما يتعلق بإدارة الشؤون العامة في البلد الحرام.


_______________________

(1)دور الحجاز في الحياة السياسية د. أحمد إبراهيم الشريف.


وكلها تهدف إلى رعاية البيت الحرام وإعداده للزائرين ، وتوفير الراحة
للوافدين عليه في موسم الحج ، كما تكفل للمقيمين الطمأنينة والاستقرار.

وقد قام بإدارة تلك الوظائف رجال من مختلفي بطون قريش ، تفادياً لما
يمكن أن يحدث بينها من تنافس على الحكم ، وضماناً لإسهامها في رعاية شئون
مكة ، ولكي يتجنب أهل مكة كل ما من شأنه أن يثير التنافس فقد جعلوا على
ضوء تقسيم قصيـكما أشرناـلكل بطن وظيفة معينة ، يختار البطن لها من
رجاله من يشغلها على أساس العرف القبلي ، الذي يعتبر الكفاءة الشخصية أساساً
للتصدر (1) .

وإذا أردنا أن نتعرف تاريخ اولئكم الزعماء الذين ترجع إليهم الأمور ،
وتكفلوا بالنظر في حقوق العرب فيما بينهمـفي فترة ما قبل الإسلامـنجدهم
لا يتعدون البطون التالية :

وهم الذين يقال لهم قريش الأباطح ، وقريش البطاح ، لأنهم لباب قريش
وصميمها الذين اختطوا بطحاء مكة وهي سرّتها فنزلوها وهم بنو عبد مناف ، وبنو
عبد الدار ، وبنو زهرة ، وبنو تيم بن مرة ، وبنو مخزوم ، وبنو سهم ، وبنو عبد العزّى ،
وجمح ، وبنو عدي بن كعب ، وبنو عامر بن لؤي ، وبنو هلال بن أهيب (2) .

_______________________

(1)نفس المصدر.

(2)وكان الشعراء يمتدحون أبناءهم بالنسبة إلى الأباطح والبطاح فالبحتري يقول كما في
ديوانه 2 / 320 :

ابن الأباطح من أرضٍ أباطحها

في ذروة المجد أعلى من روابيه

والسري الرفاء يقول في قصيدة يمدح آل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما في ديوانه 2 / 716 ـ 718 :

إذا عددنا قريشاً في أباطحها

كانوا الذوائب فيها والعرانينا

ولاحظ معجم البلدان 2 / 213 ط الأولى بمصر ، وثمار القلوب للثعالبي / 96.


ومع قيام ذلك التحالف وتوزيع الوظائف الفخرية بين البطون القرشية ، فإنّ
السيادة والشرف لبني هاشم ، لأنهم على حدّ قول شيخهم وشيخ البطحاء أبي
طالب رضي‌الله‌عنه :

فإنّا بمكة قدماً لنا

به العزّ والخطرُ الأعظم

ومن يكُ فيها له عزّةٌ

حديثاً فعزّتنا الأقدم

ونحن ببطحائها الرائسون

والقائدون ومن يحكم

نشأنا فكنا قليلاً بها

نجير وكنّا بها نطعم

إذا عضّ أزمُ السنين الأنام

وجَبَّ القتارَ بها المعدم

نماني شيبة ساقي الحجيج

ومجدٌ منيف الذرى مُعلَمُ(1)

ونظراً لذلك التفاوت فيما بينها في المكانة المرموقة ومنعة الجانب وحسن
إدارة تلك الشئون فقد نافس بعضهم بعضاً في تولي الزعامة العامة بالرغم من
الاحتياط الذي أشرنا إليه للتفادي عن المنافسة ، وخاصة مع (هاشم) الذي علا
نجمه ، وطال شأنه وكثر حساده ، فكانت منافرات معه ومع أبنائه من حسادهم
وبسببها عُقدت أحلاف ، وكان منها حلف المطيبّين لبني عبد مناف (2) ، وكانت
الأحلاف لبني عبد الدار (3) ، وكانت وكانت.

_______________________

(1)ديوان أبي طالب / 97 ـ 98 ، صنعة أبي هفان / تحآل يس.

(2)سُمو بالطيبين لأنهم لما تعاقد بنو عبد مناف وبنو زهرة وبنو تيم وبنو أسد بن عبد
العزى وبنو الحارث بن فهر ، أخرجت عاتكة بنت عبد المطلب جفنة فيها طيب فغمسوا
أيديهم فيها. لذلك سموا المطيبين (المنمق / 223).

(3)سموا الأحلاف ولعقة الدم أيضاً وذلك أن بني عبد الدار ومعهم بنو سهم وبنو جمح وبنو
مخزوم وبنو عدي نحروا جزوراً فغمسوا أيديهم في دمها فسموا الأحلاف ، ولعق رجل من
بني عدي لعقة من دم ولعقوا منه فسموا لعقة الدم (المنمق / 223).


وقد بقيت آثار ذلك النزاع والتخاصم حتى بعد ما جاء الإسلام ، فكانت
النعرات القبلية الجاهلية تطفو على السطح بين الحين والآخر ، وكانت لها آثارها
السيئة في نخر بُنية التكامل الإسلامي (1) .

ولكن مهما طال النزاع ومهما اشتدت الخصومة ، فإنّ فضل بني هاشم لا
يوازي ، إذ ليس بيت كمثله في رفعته وسموه. وهم على حد قول ابن عباس رضي‌الله‌عنه
لمعاوية ، وقد أثار معاوية نخوة الجاهلية في حديثٍ له. قال : ليس حي من قريش
يفخرون بأمر إلّا والى جنبهم من يشركهم إلّا بني هاشم (2) .

الحالة الدينية بمكة :

وكانت الحالة الدينية في مكة على نحو ما كانت عليه حالة العرب في
سائر أنحاء الجزيرة ، فثمة أصنام تعبد ويتقرب إليها ، إلّا أنّ بين أهلها من كان
ينظر في الكتب السماوية ، ويدين بالحنيفية البيضاءـدين إبراهيم الخليلعليه‌السلامـ
ومنهم هاشم بن عبد مناف وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو وأمية بن أبي الصلت ،
_______________________

(1)وقد أشار إلى ذلك شيخ البطحاء أبو طالب في أشعاره فقال :

رجال تمالوا حاسدين وبغضةً

لأهل العلا فبينهم أبداً وتر

وليد أبوه كان عبداً لجدنا

إلى علجة زرقاء جال بها السحرُ

وتيم ومخزوم وزهرة منهم

وكانوا بنا أولى إذا بُغي النصر

إلى أن يقول :

فوالله لا تنفك منا عداوة

ولا منهم ما دام من نسلنا شفر

(2)أنظر العقد الفريد 2 / 318 ، والملاحم والفتن لابن طاووس الحسني / 81ـ82 ، وسيأتي
في احتجاجاته مع معاوية.


وكانوا ينكرون بعض الترهات التي كان عليها قومهم كعبادة الأصنام ، وكانوا
يجاهرون بعقيدتهم في البحث عن ألوهية واحد متفرد بالجلال والعظمة والقدرة ،
ويعترفون بالبعث والنشور ، ويقولون بالثواب والعقاب ، وكان بعضهم من أعلن
عن قرب ظهور نبي من العرب قد أطلّ زمانه يهدي الناس إلى الصراط
المستقيم (1) .

حديث البعثة النبوية :

قال الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام :

(إنّ الله بعث محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، نذيراً للعالمين ، وأميناً على التنزيل ، وأنتم معشر
العرب على شر دين وفي شر دار متنّخون (2) بين حجارة خُشن ، وحيّات صُم ،
تشربون الكدِرَ وتأكلون الجشب ، وتسفكون دماءكم ، وتقطعون أرحامكم ،
الأصنام فيكم منصوبة ، والآثام بكم معصوبة) (3) .

وقال أيضاً : (بعثه والناس ضُلّال في حيرة ، وخابطون في فتنة ، قد استهوتهم
الأهواء ، واستزلّتهم الكبرياء ، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء ، حيارى في زلزال من
الأمر ، وبلاء من الجهل ، فبالغ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في النصيحة ، ومضى على الطريقة ودعا إلى
الحكمة والموعظة الحسنة) (4) .


_______________________

(1)أنظر مروج الذهب للمسعودي 1 / 67 ـ 75.

(2)متنخون أي مقيمون ، من أناخ بالمكان أقام به.

(3)نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 66.

(4)نفس المصدر 1 / 186.


بعث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بني هاشم ، فأيّ دعوة هذه التي يجب أن ينقاد إليها بنو
أمية وبنو سهم وبنو عدي وبنو زهرة وبنو تيم وبنو مخزوم وبنو أسد ، وسائر
البطون من قريش والقبائل من كنانة ، إنّها الاستهانة بكيان الأفخاذ وأمجادها في
عرفهم ، وإنّها الاستكانة لداعٍ سيحوز الفخر لبني هاشم دونهم فما بالهم لا
يقاومون؟ (1) .

فوقفت قريش في وجه الدعوة لا يصيخون لداعي السماء وهو يدعوهم :
قولوا : (لا إله إلّا الله تفلحوا).

وكان أول من دعاهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هم رهطه الأدنون ، وذلك بأمر من ربه تعالى
حيث يقول : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (2) .

ولهذه الدعوة حديث طريف يجده القارئ في مظانّه(3) ، وأول من أجاب
من عشيرته هو ابن عمه عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فهو أول ذكران العالمين إسلاماً
_______________________

(1)تاريخ مكة لأحمد السباعي 1 / 47.

(2)الشعراء / 5.

(3)أخرج حديث بدء الدعوة كل من الطبري في تفسيره في سورة الشعراء وتاريخه 2 / 216 ،
وأبو جعفر الاسكافي في كتابه نقض العثمانية كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي
الحديد 3 / 263 ، والثعلبي في تفسيره ، وابن الأثير في تاريخه 5 / 24 ، وأبو الفداء في
تاريخه 1 / 116 ، والسيوطي في جمع الجوامع 6 / 392 نقلاً عن الطبري. وفي ص 397 نقلاً
عن الحفّاظ الستة ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبي نعيم ،
والبيهقي في سننه ودلائله ، وأحمد في مسنده 1 / 111 ، وابن أبي الحديد في شرح النهج
3 / 254 ، وابن تيمية في منهاج السنة 4 / 80 ، والخازن في تفسيره 5 / 390 ، والشهاب
الخفاجي في شرح الشفاء 3 / 37 وبتر آخره ، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب / 89 ،
وابن ظفر المكي في انباء نجباء الأبناء / 46ـ48 ، والحلبي في سيرته 1 / 304 ، ومحمد
حسين هيكل في كتابه حياة محمّد / 104 الطبعة الأولى وغيرهم وغيرهم. وللأستزادة
راجع الغدير 2 / 53ـ256 ، وشواهد التنزيل للحسكاني 1 / 371 و 420 مع ما في الهامش ،


كما أنّ أول إناثهم هي زوج النبيّ الكريم السيدة أُم المؤمنين خديجة بنت
خويلد ، فهما أول من آمن به من الناس (1) .

_______________________ _____________________________________

وتاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ) الحديث 132 وتواليه فقد رواه ابن
عساكر بسبعِ طرق ، و د. عليّ إبراهيم حسن في التاريخ الإسلامي العام / 167.

(1)روى الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 220 بسنده عن أبي رافع قال : « أول من أسلم من
الرجال عليّ عليه‌السلام وأول من أسلم من النساء خديجة قال : رواه البزار ورجاله رجال
الصحيح ».

وروى أيضاً عن بريدة قال : « خديجة أول من اسلم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليّ بن أبي
طالب عليه‌السلام » رواه الطبراني.

وروى عن مالك بن الحويرث قال : « أول من أسلم من الرجال عليّ ومن النساء خديجة »
رواه الطبراني. والأحاديث في سبق إسلام عليّ عليه‌السلام متظافرة تكاد لا تحصر ، وفي
مقدمتها أقوال الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كقوله في حديث عائشة : (يا عائشة دعي لي أخي فإنّه
أول الناس إسلاماً ، وآخر الناس بي عهداً ، وأول الناس لي يوم القيامة) الاصابة 8 ق
1 / 183 في ترجمة ليلى الغفارية ، وكذلك الاستيعاب. وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد أخذ بيده : (ان هذا
اول من آمن بي ، وهذا اول من يصافحني يوم القيامة ، وهذا الصديق الأكبر) أخرجه
الطبراني عن سلمان وأبي ذر ، والبيهقي والعدني عن حذيفة ، ونحو هذا كثير جداً.

أمّا أقوال الصحابة الموقوفة عليهم فضلاً عن المرفوعة إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهي أيضاً كثيرة ،
نقتصر على تسمية من قال ذلك مع الاشارة إلى مصدر قوله.

1ـزيد بن أرقمـمسند أحمد 4 / 368 و 371 ، والنسائي في خصائصه / 2 ، وابن سعد في
الطبقات 3 / 1 / 12 ، ومستدرك الحاكم 3 / 136 ، وتاريخ الطبري 2 / 55.

2ـأبو موسى الأشعري ـ مستدرك الحاكم 3 / 465.

3ـسلمان المحمدي نفس المصدر 3 / 136 ، وتاريخ بغداد 2 / 18 ، واُسد الغابة 4 / 17 ،
والاستيعاب 2 / 457 ، وكنز العمال 6 / 400 ، ومجمع الزوائد 9 / 102 وقال أخرجه الطبراني.

4 ـ سعد بن أبي وقاص ـ مستدرك الحاكم 3 / 499.

5 ـ جابر بن عبد الله ـ الاصابة 4ق1 / 118 ، والاستيعاب 2 / 456.

6 ـ أبو ذر الغفاري ـ الاستيعاب 2 / 456.

7 ـ المقداد بن عمرو ـ نفس المصدر.

8 ـ خباب بن الارت ـ المصدر السابق.


وقابلت قريش دعوة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بكل ما تملك من وسائل الحول والطول ،
وأصاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمسلمين عنت شديد. وما كان الباعث لقريش على ذلك إلّا
الحسد والتعصب والانصياع لعصبية القبيلة ، والحفاظ على تقاليدهم الموروثة.
فكانت ممعنة في ايذاء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والنفر المسلمين ، وسلكت في سبيل ذلك
مسالك كان منها مطاردة المسلمين وتعذيب بعضهم بالضرب والجلد حتى مات
بعضهم تحت العذاب (1) .

ولمّا لم تجد كل تلك الوسائل في صد تلك الدعوة ، اتخذوا قرارهم
المشئوم بتحالفهم على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب : (ألا ينكحوا إليهم ولا
يُنكحوهم ، ولا يبيعوا لهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم حتى ينبذوا محمّداً) فكانت تلك
الصحيفة القاطعة نقطة تحوّل في موقف بني هاشم وحلفائهم وذلك بعد أن
كتبتها قريش ، ووضعوا فيها ثمانين خاتماً وعلقوها في جوف الكعبة توكيداً على
أنفسهم (2) .

وكان الذي كتبها منصور بن عكرمة فشلّت يده(3) .

_______________________ _____________________________________

9 ـ أبو سعيد الخدري ـ المصدر السابق.

10 ـ عبد الله بن عباس ـ المصدر السابق 2 / 458 قال : « أول من أسلم عليّعليه‌السلام ».

وهناك أحاديث عن عمر وابنه عبد الله وانس بن مالك وغيرهم من الصحابة انهم رووا
عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله لعليّعليه‌السلام : (انه أول الناس إسلاماً). وأمام هذه الجمهرة من أحاديث
الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأقوال الصحابة ، لا تثبت لمتخرّصـمهما حاولـقائمة ، والصبح أبلج لذي
عينين.

(1)أنظر تاريخ اليعقوبي 2 / 17ـ26 ، وابن هشام 1 / 278ـ400 ، وابن سعد 1 / 184ـ 195 ،
والطبري 2 / 322 ـ 344 ، والعقد الثمين 1 / 228.

(2)سيرة ابن هشام 1 / 272.

(3)تاريخ الطبري 2 / 343 ، والفاسي في العقد الثمين 1 / 229 ـ 230.


وإليك حديث الصحيفة :

صحيفة المقاطعة :

أخرج البيهقي في دلائل النبوة بسنده عن ابن شهاب الزهري قال :

« ثم إنّ المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ
المسلمين الجهد واشتد عليهم البلاء ، واجتمعت قريش في مكرها أن يقتلوا
رسول الله صلى الله عليه(وآله)وسلم علانية ، فلما رأى أبو طالب عمل القوم
جمع بني عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه(وآله)وسلم
شعبهم ويمنعوه ممن أراد قتله ، فاجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم فمنهم من
فعله حميّة ومنهم من فعله إيماناً ويقيناً ، فلمّا عرفت قريش انّ القوم قد منعوا
رسول الله صلى الله عليه(وآله)وسلم واجتمعوا على ذلك ، اجتمع المشركون من
قريش ، فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى
يسلموا رسول الله صلى الله عليه(وآله)وسلم للقتل ، وكتبوا في مكرهم صحيفة
وعهوداً ومواثيق لا يقبلوا من بني هاشم أبداً صلحاً ولا تأخذهم بهم رأفة حتى
يسلموه للقتل ، فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين واشتد عليهم البلاء
والجهد ، وقطعوا عنهم الأسواق فلا يتركوا طعاماً يقدم مكة ولا بيعاً إلّا بادروهم
إليه فاشتروه ، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله عليه
(وآله)وسلم.

وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله صلى الله عليه
(وآله)وسلم فاضطجع على فراشه حتى يُري ذلك من أراد مكراً به واغتياله ، فإذا
نوّم الناس أمر أحد بنيه أو أخوته أو بني عمومته فاضطجع على فراش رسول الله


صلى الله عليه(وآله)وسلم ، وأمر رسول الله صلى الله عليه(وآله)وسلم أن يأتي
بعض فرشهم فينام عليه ، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد
مناف ومن بني قصيّ ورجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساءٌ من بني هاشم
ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا بالحق ، واجتمع أمرهم من ليلتهم على
نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه.

وبعث اللهعزوجل على صحيفتهم التي فيها المكر برسول الله صلى الله عليه
(وآله)وسلم الأرضة فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق ، ويقال : كانت
معلقة في سقف البيت ، ولم تترك إسماً لله عزوجل فيها إلّا لحسته ، وبقي ما كان فيها
من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم ، واطلع الله عزوجل رسوله على الذي صنع
بصحيفتهم.

فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه(وآله)وسلم لأبي طالب ، فقال
أبو طالب : لا والثواقب ما كذبني ، فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب
حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش ، فلما رأوهم عامدين لجماعتهم أنكروا
ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ، فأتوا ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه
(وآله)وسلم ، فتكلم أبو طالب فقال : قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم
فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح ، وإنّما
قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها ، فأتوا بصحيفتهم
معجبين بها لا يشكّون أنّ رسول الله صلى الله عليه(وآله)وسلم مدفوعٌ إليهم ،
فوضعوها بينهم وقالوا قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم ،
فإنّما قطع بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه خطراً لهلكة قومكم وعشيرتكم
وفسادهم.


فقال أبو طالب : إنّما أتيتكم لأعطيكم أمراً لكم فيه نَصفَ ، إنّ ابن أخي قد
أخبرني ولم يكذبني انّ الله عزوجل بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم ، ومحا
كل اسم هو له فيها ، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا وتظاهركم علينا
بالظلم (1) ، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا ، فوالله لا نسلمه
أبداً حتى نموت من عند آخرنا ، وإن كان الذي قال باطلاً دفعناه إليكم فقتلتم أو
استحييتم.

قالوا : قد رضينا بالذي يقول ، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق
صلى الله عليه(وآله)وسلم قد أخبر خبرها ، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو
طالب ، قالوا والله إن كان هذا قط إلّا سحراً من صاحبكم ، فارتكسوا وعادوا بشرّ
ما كانوا عليه من كفرهم والشدة على رسول الله صلى الله عليه(وآله)وسلم
وعلى المسلمين رهطه والقيام بما تعاهدوا عليه ، فقال أولئك النفر من بني عبد
المطلب : إنّ أولى بالكذب والسحر غيرنا فكيف ترون ، فإنّا نعلم أنّ الذي اجتمعتم
عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا ، ولولا أنكم اجتمعتم على
السحر لم تفسد صحيفتكم وهي في أيديكم ، طمس الله ما كان فيها من اسم ، وما
كان من بغي تركه ، أفنحن السحرة أم أنتم؟!.

(نقض الصحيفة)

فقال عند ذلك النفر من بني عبد مناف وبني قصيّ ورجال من قريش
ولدتهم نساء بني هاشم ، منهم أبو البختري والمطعم بن عدي وزهير بن أبي أمية
_______________________

(1)في جملة من المصادر التاريخية وكتب السيرة : ان الأرضة أكلت جميع ما في الصحيفة
من قطيعة وظلم ولم تدع سوى اسم الله تعالى فقط : وكانوا يكتبون (باسمك اللّهم).


ابن المغيرة وزمعة بن الأسود وهشام بن عمرو ، وكانت الصحيفة عنده وهو من
بني عامر بن لوي في رجال من أشرافهم ووجوههم نحن برآء ممّا في هذه
الصحيفة فقال أبو جهل : هذا أمر قضي بليل ، وأنشأ أبو طالب يقول الشعر في
صحيفتهم ، ويمتدح النفر الذين تبرأوا منها ونقضوا ما كان فيها من عهد ،
ويمتدح النجاشي » (1) .

_______________________

(1)دلائل النبوة للبيهقي 3 / 80 ـ 83 ط الأولى نشر المكتبة السلفية 1389 ه‍.

أقول : ومما قاله في الشِعب قصيدته اللامية العصماء كما عن العيني في شرح البخاري
والبغدادي في شرح شواهد الرضي ، وهذا هو المشهور ، لكن ابن هشام ذكر في سيرته عن
ابن إسحاق انه قالها لما خشي من دهماء العرب على نفسه وقومه. فمن هم أولكم
الذين سمّاهم بالدهماء؟ اليسوا هم قريشاً؟! فلماذا التعتيم؟ وتلك القصيدة العصماء
قال عنها ابن كثير : قصيدة بليغة جداً لا يستطيع أن يقولها إلّا من نُسبت إليه ، وهي
أفحل من المعلقات السبع ، وأبلغ في تأدية المعنى ، وقد استنشدها السفاح العباسي من
موسى بن عبد الله الحسنيـكما في مقاتل الطالبين / 396ـوهي قصيدة طويلة ، أوردها
أبو هفان في شرح ديوان أبي طالب في / 121 بيتاً ، وابن هشام في / 94 بيتاً.

وشرحها كثيرون : منهم البغدادي في خزانة الأدب 1 / 251 ـ 231.

ومنهم السهيلي في الروض الأنف 1 / 174.

ومنهم المرحوم الشيخ جعفر نقدي شرحها بكتاب خاص سماه (زهرة الأدباء في شرح
لامية شيخ البطحاء) وقد طبع في المطبعة الحيدرية سنة 1356 ه‍.

ومنهم المرحوم عليّ فهمي (مفتي بلاد الهرسك ، ومعلم الأدبيات العربية في دار الفنون)
وشرحه مطبوع باسم (طلبة الطالب في شرح لامية أبي طالب) في مطبعة روشن تركية
1327 ه‍ وهو أوفى شرحاً من غيره.

ولأبي طالبرضي‌الله‌عنه في ديوانه من غرر الأشعار يذكر فيها أسباب عداوة قريش لبني هاشم
وأهمها الحسد ، فاقرأ مثلاً قوله
رضي‌الله‌عنه :

إذا اجتمعت يوماً قريش لمفخر

فعبد مناف سرُّها وصميمُها

وان حُصِّلت أشراف كل قبيلةٍ

ففي هاشم أشرافُها وقديمُها

وإن فخرت يوماً فإن محمداً

هو المصطفى من سرّها وكريمُها

تداعت قريش غثُّها وسمينُها

علينا فلم تظفر وطاشت حلومُها


معاناة الحصار :

قال البلاذري : « فَلمّا رأى أب وطالب انهمـقريشـعازمون على
الاستمرار في قطيعتهم ، خاف على ابن أخيه ، ثم انطلق بهمـببني هاشم
والمطلبـفأقامهم بين أستار الكعبة فدعوا على ظلمة قومهم ، واجتمعت قريش
على أمرها ، فقال أبو طالب : اللّهم إن قومنا قد أبوا إلّا البغي فعجّل نصرنا وحل
بينهم وبين قتل ابن أخي » (1) اللّهم انصرنا على من ظلمنا وقطع أرحامنا واستحلّ
ما يحرم عليه منا.

وقالت قريش : لا صلح بيننا وبين بني هاشم وبني المطلب ولا رحم ولا إلّ
ولا حرمة إلّا على قتل هذا الرجل الكذاب السفيه.

وعاد أبو طالب إلى الشعب ومعه بنو هاشم وبنو المطلب مَن كان على دين
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن لم يكن ، ولكن للحسب والشرف إلّا أبو لهب فإنّه خرج إلى
قريش فظاهرهم على بني عبد المطلب » (2) .

ولنقرأ ما كتبه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام وهو ممن عاش
في ذلك الظرف العصيب ، وعانى الكثير الكثير فقال يصف تلك المحنة :

_____________________________________

وكنا قديماً لا نقرّ ظلامةً

إذا ما ثنَوا صعر الخدود نقيمُها

ونحمي حماها كل يوم كريهةٍ

ونضرب عن أبحارها من يرومَها

بنا انتعش العودُ الذويّ وإنما

بأكنافنا تَندى وتنمي أرومُها

يدين لهم كل البرية طاعةً

ويكرمها ما الأرض عندي أديمُها

(ديوان أبي طالب بن عبد المطلب) صنعة أبي هفان عبد الله بن أحمد المهزمي البصري
المتوفى سنة 257 ه‍ تحقيق العلامة الشيخ محمّد حسن آل يس / 121ـ122 وتحقيق
العلامة المحمودي / 72.

(1)أنساب الاشراف 1 / 230 ط دار المعارف بمصر.

(2)بلوغ الأرب 1 / 326.


فأراد قومنا قتل نبيّنا واجتياح أصلنا ، وهموا بنا الهموم وفعلوا بنا الأفاعيل
ومنعونا العَذبَ الماء وأحلِسونا الخوف ، واضطرونا إلى جبل وعر ، وأوقدوا لنا نار
الحرب ، فعزم الله لنا على الذبّ عن حوزته والرمي من وراء حومته ، مؤمننا يبغي
بذلك الأجر ، وكافرنا يحامي عن الأصل ، ومن أسلم من قريش خلوٌ ممّا نحن
فيه ، بحلف يمنعه أو عشيرة تقوم دونه ، فهو من القتل بمكان أمنٍ (1) .

ومن أصدق من علي وصفاً ، وهو الذي كان مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منذ نعومة
أظفاره ، فقد كفله عنده منذ أصابت قريشاً أزمة شديدةـكما يقول مجاهد
راوي الحديثـوكان أبو طالب كثير العيال ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للعباسـوكان من
أيسر بني هاشمـ(يا عباس انّ أخاك أبا طالب كثير العيال وقد ترى ما أصاب
الناس من هذه الأزمة ، فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله آخذ واحداً من بنير
وتأخذ واحداً فنكفيهما عنه) ، فقال العباس : نعم فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا
له : انّا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه ، فقال
لهما : إنّ تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما ، فأخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً فضمّه إليه ،
وأخذ العباس جعفراً فضمه إليه ، فلم يزل علي بن أبي طالب عليه‌السلام مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
حتى بعثه الله نبياً فاتبعه عليّ فأقرّ به وصدّقه ، ولم يزل جعفر عند العباس حتى
أسلم واستغنى عنه (2) .




_______________________

(1)شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد 3 / 303.

(2)نفس المصدر 3 / 251 ، وروضة الواعظين / 86 ط الحيدرية.








وليد الشعب :

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج في بيان أسماء من كان في الشعب من
بني هاشم : « كانوا صنفين مسلمين وكفاراً : فكان عليّ عليه‌السلام وحمزة بن عبد
المطلب مسلمَين ، واختلف في جعفر بن أبي طالب هل حصر في الشعب معهم أم
لا؟ فقيل : حصر في الشعب معهم ، وقيل : بل كان قد هاجر إلى الحبشة ولم يشهد
حصار الشعب ، وهذا هو القول الأصح.

وكان من المسلمين المحصورين مع بني هاشم عبيدة بن الحارث بن
المطلب بن عبد مناف ، وهو وإن لم يكن من بني هاشم إلّا أنّه يجري مجراهم ،
لأن بني المطلب وبني هاشم كانوا يداً واحدة لم يفترقوا في جاهلية ولا
في إسلام ، وكان العباسرحمهاللهفي الشعب إلّا أنّه كان على دين قومه ،
وكذلك عقيل وطالب ابنا أبي طالب ونوفل بن الحراث بن عبد المطلب
وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابنه الحارث بن نوفل بن الحارث
ابن عبد المطلبـوكان شديداً على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ...ـوكان سيد
المحصورين في الشعب ورئيسهم وشيخهم أبا طالب بن عبد المطلب وهو
الكافل والمحامي له » (1) .

_______________________

(1)شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد 3 / 310.


فكان من أولئك الذين أخذتهم الحمية للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمه العباس بن عبد
المطلب فقد دخل الشعب هو وأفراد أسرته تبعاً لرأي زعيمهم شيخ البطحاء (أبي
طالب) وإرضاءً لأبن أخيه محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأصاب بني هاشم عنتٌ شديد من جراء تلك المقاطعة ، حتى أنّ الرجل
منهم ليخرج بالنفقة فما يباع منه شيئاً ، وخرج العباس مرة من الشعب ليشتري
طعاماً فأراد أبو جهل أن يسطو به ، فمنعه الله منه (1) .

وفي أيام الشعب كانت للعباس بادرة مع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ربما توحي باختبار
أو تصديق فراسة منه في ابن أخيه.

فقد روى ابن كثير الدمشقي في تاريخه : انّ العباس قال للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا محمّد
أرى أم الفضل قد اشتملت على حمل ، فأجابه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لعل الله أن يقر أعينكم
بغلام) ، وفي رواية : (لعل الله أن يبيض وجوهنا بغلام) (2) .

وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه خبراً بسنده عن أم الفضل بنت
الحارث الهلالية قالت : مررت بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو في الحجر فقال : (يا أم الفضل إنك
حامل بغلام) ، قالت : يا رسول الله وكيف وقد تحالف الفريقان أن لا يأتوا النساء؟
قال : (هو ما أقول لك. فإذا وضعتيه فأتيني به) ، قالت : فلمّا وضعته أتيتُ به رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأذّن في إذنه اليمنى وأقام في إذنه اليسرى وقال : (أذهبي بأبي الخلفاء).

قالت : فأتيت العباس فأعلمته فكان رجلاً جميلاً لبّاساً فأتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلمّا
رآه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام إليه فقبّل بين عينيه ثم أقعده عن يمينه ، ثم قال: (هذا عمي
فمن شاء فليباه بعمه).

_______________________

(1)أنظر أنساب الأشراف 1 / 235.

(2)البداية والنهاية 8 / 295 ، وانظر المعرفة والتاريخ للفسوي 1 / 541.


قال : يا رسول الله بعض هذا القول : قال : (يا عباس لم لا أقول هذا القول
وأنت عمي وصنو أبي ، وخير من أخلف بعدي من أهلي) فقلت : يا رسول الله ما
شيء أخبرتني به أم الفضل عن مولودنا هذا؟

قال : (نعم يا عباس إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة فهي لك ولولدك
منهم السفاح ومنهم المنصور ومنهم المهدي) (1) .

وأخرج الحديث أيضاً أبو نعيم في دلائل النبوة وفي آخره : « منهم من
يصلي بعيسى بن مريم عليه‌السلام »(2) . والخبر باطل كما قال الذهبي في ترجمة أحمد
ابن راشد في ميزانه حيث قال : « عن سعيد بن خثيم بخبر باطل في ذكر بني
العباس ثم ساق الرواية ، وقال : وهو الذي اختلقه بجهل » (3) .

مباركة الوليد الجديد :

وفي آخر أيام الشعب تلد أم الفضل ولدها عبد الله بن عباس ، وتصدق
النبوءة ويبدو أنّ العباس استبشاراً بوليده وإيماناً بصدق فراسته في ابن أخيه حين
أخبر عن ولادته ، يتقدم بوليده إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليباركه ، فأخذه وحنكه بريقه(4)
وسماه عبد الله.

وثمة رواية أخرى تذكر أنّ الذي تقدم به إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي أمه أم الفضل
ولكن لا أكاد أصدق بصحتها ، نظراً لاشتمالها على سُنن لم تشرع بعد ، نحو
_______________________

(1)تاريخ بغداد 1 / 63.

(2)دلائل النبوة / 482 ـ 483.

(3)ميزان الاعتدال 1 / 97 / 375.

(4)قال مجاهد : فلا نعلم أحداً حنكه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بريقه غيره. أنظر البداية والنهاية
8 / 295.


الأذان في أذنه اليمنى والإقامة في اليسرى ، وهذا لا يصمد أمام ما روي في
تاريخ ابتداء الأذان ، وأن تشريعه كان في السنة الثانية من الهجرة (1) .

ولم تقتصر تلك الرواية في مباركة الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وليد عمّه على ذكر
الأذان ، كما في الرواية السابقة ، بل ذكر أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذه فحنكه ، ولتّه بريقه ، ودعا
له ، وسماه عبد الله.

وذكر البلاذري : « عن عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح
قال : ولد عبد الله ابن عباس وبنو عبد المطلب في الشعب ، وذلك قبل هجرة
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المدينة بثلاث سنين ، فجاء به أبوه إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقبّله ومسح وجهه
ورأسه ودعا له فقال : اللّهم املأ جوفه فهماً وعلماً ، واجعله من عبادك الصالحين.
ثم قال : ياعم هذا عن قليل حبر أمتي وفقيهها ، والمؤدي لتأويل التنزيل » (2) .

ولا شك أنّ في الرواية سنداً ومتناً أكثر من مناقشة ، بل عليها آثار
الوضع بادية! ومع ذلك لا نشك أنّ الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا أتوه بوليد
يدعو له ويباركه ، فمن غير المستبعد أن أجرى ذلك لأبن عمه خصوصاً وهم في
حال الحصار ، وقد دخل أبوه العباس الشعب حميّة لأبن أخيه ، ولم يكن بعد
قد أسلم.

وقد ذكر أبو جعفر الطبري في تهذيب الآثار في السفر الأول (مسند عبد
الله بن عباس) تحقيقاً شاملاً حول أحاديث : (اللّهم علمه الحكمة) ، (اللّهم علمه
_______________________

(1)لعل من الغريب أن يذهب أبو القاسم السهمي في الفضائل إلى القول بهذه الرواية نقلاً
عن أبي عمرو مع ما فيها من آثار الوضع الظاهرة. أنظر تاريخ الخميس للديار بكري
1 / 167 ط الوهبية 1283 ه‍.

(2)عيون الأثر لابن سيد الناس 1 / 129.


الكتاب) ، (اللّهم ألهمه التأويل وعلّمه الحكمة) ، (اللّهم فقّهه في الدين وعلّمه
التأويل) ، (اللّهم علمه الحكمة وتأويل القرآن) ، إلى آخر ما ذكره من أخبار ورد
فيها دعاء الرسول الكريم بأسانيد مختلفة ومتون متفاوتة ، وليست كلها قالها عند
ولادته ، بل صريح بعضها أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالها في المدينة(1) .

ثم قال : « القول البيان عن معنى ما في هذا الخبر ، والذي فيه : الإبانة عما
خصّ الله تعالى ذكره به نبيّنا صلى الله عليه(وآله)وسلم من الفضيلة باجابة
دعائه ، وإعطاء مسألته ، وذلك أنه دعا عليه‌السلام لابن عمه عبد الله بن عباس بأن يعلّمه
الحكمة وتأويل القرآن ، وأن يفقهه في الدين فأعطاه ذلك ، وأجاب له دعاءه بما
دعا به فيه ، فكان عالماً بالحكمة وتأويل القرآن ، فقيهاً في الدين ، مقدّماً في ذلك ،
نقّاباً مبرّزاً على أقرانه ، لا يتقدمه منهم أحد ، بل لا يدانيه ولا يقاربه منهم بشرٌ في
أيامه ، يشهد له بذلك الجلة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه(وآله)وسلم
والتابعين لهم بإحسان » (2) .

ثم ساق شهادات بعلمه عن كل من ابن مسعود ، وعائشة ، وابن عمر ،
ومجاهد ، وميمون بن مهران ، وعكرمة ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وسليم أبي
هنّاد ، وطاوس ، والأعمش وسعيد بن جبير ، وشقيق ، وحكيم بن جبير (3) . (وستأتي
في تاريخه العلمي ، الحلقة الثالثة)

أقول : وبعد هذا الذي ذكره الطبري من الشهادات الدالة على ظهور آثار
الدعوة النبوية في ابن عمه حبر الأمة عبد الله بن عباس ، نطمئن إلى صدور
الدعوة المباركة ، اجمالاً مهما كانت الشكوك في التفاصيل الأخرى.

_______________________

(1)تهذيب الآثار (السفر الأول) / 163.

(2)نفس المصدر / 171.

(3)نفس المصدر / 172 ـ 181.


لقد ورد في كتاب أخبار الدولة العباسية أبيات شعر قالها المسور بن
مخرمة الزهري في تصديق ذلك :

أدنى النبيّ ابن عباس وقال له

قولاً فقُدس فيه الأهل والولد

والعلم والسلم كانا رأس دعوته

ما مثلُ هذا بما يُرجى له أحد

وقبلها دعوة كانت مباركةً

ثم الظهور بما فيهم وما ولدوا

كم دعوة سبقت فيهم مباركة

فيها افتخارٌ وفيها يكثر العدد(1)

أقول : وأنا أشك في صحة نسبة الأبيات إلى المسور لأنّه مات سنة 64 كما
ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (2) ، والأبيات فيما يبدو من نسج شاعر عباسي
متزلفٌ.

تحقيق في تاريخ زمان ومكان الولادة :

لا نشك في مكان وزمان الولادة ، وأنها كانت في الشعب في آخر سني
الحصار ، بل وفي أخريات أيامه ، فإذا كان مبدأ الحصار ليلة هلال المحرم سنة
سبع من حين نبئ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعرفنا أنّ خروج بني هاشم كان في السنة
العاشرة ، وكان مدة مكثهم ثلاث سنين (3) ، فتكون ولادته في أحد أشهر الحج
(شوال ، ذي القعدة ، ذي الحجة) ، وما روي من أقوال أخرى في سنة ولادته من
خلال تعيين سنّه عند وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تثبت عند التمحيص.

_______________________

(1)أخبار الدولة العباسية / 26 (لمؤلف مجهول تحقيق الدكتور عبد العزيز الدوري والدكتور
عبد الجبار المطلبي) ط دار الطليعة.

(2)سير أعلام النبلاء 4 / 481.

(3)أنساب الأشراف (ترجمة ابن عباس) 1ق1 / 269 ب ، (مصور بمكتبة الأمام أمير
المؤمنين عليه‌السلام ).


وقد وهنّها غير واحد من المحدثين ، فلا حاجة بنا إلى الإطناب بنقلها
ومناقشتها لأنّها غير معتبرة عند الأئمة من أهل العلم ، ونكتفي بما قاله الواقدي
وأبو عمر في الاستيعاب.

فقد قال الواقدي : « لا خلاف عند أئمتنا انه ولد في الشعب حين حصرت
قريش بني هاشم ، وانه كان له عند موت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاث عشرة سنة »(1) .

وقال أبو عمر : « لا أختلاف عند أهل العلم عندنا : انّ ابن عباس ولد في
الشعب وبنو هاشم محصورون قبل خروجهم منه بيسير ، وذلك قبل الهجرة بثلاث
سنين » (2) .

وبناءً على ذلك فتكون ولادته في الشهور الأخيرة من السنة الثالثة
لحصارهم ولما كان فك الحصار في أول المحرم ، فلعل ولادته كانت في أيام
شهور الحج.

وقد يؤيد ذلك بما رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي وابن ماجة وأحمدـواللفظ لهـ: « من حديث مالك عن الزهري عن
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه قال : مررت في حجة الوداع على
حمارٍ أنا والفضل وقد راهقت يومئذٍ الاحتلام ، والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلي... الخ »(3) .

وهذا حديث احتج به غالب أصحاب السنن والصحاح في باب الرخصة
في المرور بين يدي المصلي مستدلّين على جوازه بحديث ابن عباس هذا ، فإن
حجة الوداع كانت في السنة العاشرة للهجرة ، وإذا أضفنا إليها ثلاث سنين قبلها
فتكون ثلاث عشرة سنة ، فإبنها مراهق للإحتلام.

_______________________

(1)الاصابة 2 / 330.

(2)أنظر ترجمته في الاستيعاب.

(3)أنظر ذخائر المواريث 2 / 40 ط 1الأزهرية 1352.


قال الواقدي : « وهذا أثبت ممّا روى هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير
في سنّه » (1) ـ يعني قول ابن عباس : توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا ابن عشر حجج ـ.

كنيته ولقبه :

قال ابن الأثير : « إنّما جيء بالكنية لاحترام المكنى بها ، واكرامه وتعظيمه ،
كيلا يصرّح في الخطاب باسمه ومنه قول الشاعر :

أكنيه حين أناديه لأكرمه

ولا ألقّبه والسوءة اللقبا

وقال أيضاً : ولمّا كان أصل الكنيَة أن تكون بالأولاد تعيّن أن يكون بالذين
ولدوهم ، كأبي الحسن في كنية عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، فمن لم يكن
له ابن وكان له بنت كنّوه بها ...

وقال أيضاً : وكذلك فعلوا في اضافة الأبناء والبنات اكراماً واحتراماً لهم
باضافتهم إلى آبائهم مع ترك أسمائهم ، فقالوا ابن عباس وابن عمر لما كان
اشرف من ابنيهما ، وكذلك كانوا يقولون للحسين بن عليّ يابن بنت رسول الله
كرامة له بأمه... اه » (2) .

هذا عن الكنية أمّا عن اللقب فقد تطور في الاستعمال ، فبعد أن كان
مشعراً بالسوءة كما مر في قول الشاعر ، وورد ذلك المعنى في القرآن الكريم
حيث قال سبحانه : ( وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ) (3) ، لكنه تطوّر بعد ذلك ، ففي
تفسير الآية الكريمة المراد ما يكره من الأسماء والأوصاف لكن بتطور
_______________________

(1)طبقات ابن سعد 1 / 114 تح‍ د محمّد بن صامل السُلمي.

(2)المرصع لابن الأثير / 41 ـ 43.

(3)الحجرات / 11.


الاستعمال صار اللقب مشعراً برفعة المسمّى ، ولعل في غلبة استعمال (اللقب) في
المدح ، واستعمال (النبز) في الذم ما يشير إلى ذلك التطور. ومهما يكن فإنّ
الألقاب المستحسنة كانت ولا تزال تشعر عن مكانة الملقّبينَ ورفعتهم ، قال
الشاعر :

وقلّما أبصرت عيناك من رجل

إلا ومعناه إن فكّرت في لقبه(1)

ويرى الفقهاء في استعمال الألقاب المستحسنة والمستحبة الجواز ، بخلاف
استعمال النبز والألقاب القبيحة (2) ، وكان لحبر الأمة عبد الله بن عباس كنىً
متعددة ، كما له ألقاب عديدة.

فمن كناه : (ابن عباس) وهي التي أشتهر بها ، حتى طغت على باقي كناه
والقابه ، بل وحتى على أسمه ، فكاد أن لا يعرف إلا بها ، وقد اختصت به ،
فلا يعرف بها عند اطلاقها غيره حتى من أخوته على كثرتهم إلّا بقرينة حالية
أو مقالية. قال ابن الأثير : « غلبت عليه بنوة أبيهـابن عباسـدون باقي
أخوته » (3) .

وبتلك الكنية كان يعبّر عنه الرواة وأهل الحديث في كتب التفسير والسنةـ
غالباً ، وحتى كتب الأدب واللغة والتاريخ ، بخلاف كنيته الأخرى (أبو العباس)
إذ وكان له ولد أسمه العباس ويلقب بالأعنق ، وكان أكبر ولده (4) وإن لم يكن
أشهرهم ولا أفضلهم.

_______________________

(1)لطائف المعارف للثعالبي / 45.

(2)أنظر الجامع لأحكام القرآن 16 / 330.

(3)المرصّع / 248.

(4)جاء في تاريخ الخلفاء ط موسكو سنة 1967 سلسلة الآثار الشرقية : وكان العباس بن عبد
الله أكبر أولاده ، وبه كان يكنى ولا عقب له ، وقارن طبقات ابن سعد 1 / 111 من الطبقة


وكنيته بأبي العباس ، كانت شائعة الاستعمال ، فقد وردت في جملة من
الآثار دعاه بها سيد أهله الإمام أمير المؤمنين كما في قوله : (يا أبا عباس إذا
صليت العشاء الآخرة فالحقني إلى الجبانة ) (1) ، ودعاه الناس أيضاً بها.

فعن مجاهد قال : « كان ابن عباس لا يدري ما فاطر السموات؟ حتى جاءه
اعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما : يا أبا عباس بئري وأنا فطرتها؟ فقال :
خذها يا مجاهد ، فاطر السموات » (2) .

وفي حديث خالد بن المهاجر بن خالد المخزومي أخبر : أنّه بينما هو
جالس عند ابن عباس جاءه رجل ، فاستفتاه في المتعة ، فأمره ابن عباس بها ، فقال
له ابن أبي عمرة الأنصاري : مهلاً يا أبا عباس ، فقال ابن عباس : ما هي والله لقد
فعل ـ نكاح المتعة ـ في عهد إمام المتقين (3) .

وخاطبه بها عمر بن الخطاب حين قال له : « يا أبا عباس قد طرأت علينا
أقضية عضل فأنت لها ولأمثالها » (4) .

وخاطبه بذلك معاوية في حديثه معه بعد وفاة الإمام الحسنعليه‌السلام فقال له :
« آجرك الله أبا عباس في أبي محمّد الحسن بن عليّ » (5) .

_____________________________________

الخامسة تح‍ محمّد صامل السُلمي ، وفي الرياض النضرة 2 / 280 في ترجمة الزبير : ان
العباس هذا خلف عليّ هند بنت الزبير فأولدها عوناً.

(1)سعد السعود لابن طاووس / 285.

(2)الكنى والاسماء للدولابي 1 / 82 ط حيدر آباد سنة 1322.

(3)المعرفة والتاريخ 1 / 373 وسيأتي الحديث عن فتياه في المتعة في فقهه.

(4)فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل برقم 1913ط مؤسسة الرسالة 1403.

(5)البيان والتبيين 4 / 71 تح‍. هارون ، وسيأتي ذكر ما جرى في ذلك المجلس في محاوراته
واحتجاجاته.


وفي حديث آخر له فقال : « يا أبا العباس هل تكون لكم دولة؟ »(1) .

كما سيأتي في حديث خروج الحسين من مكة إلى العراق وممانعة ابن
عباس في ذلك قال له الحسين : « أبا العباس إنك شيخ قد كبُرت » (2) ، وفي حديث
أبي الزبير عن طاووس قال : « فقلت : يا أبا عباس » (3) .

أمّا ألقابه فكثيرة تتفاوت ظهوراً وخفاءً في شياع الاستعمال وعدمه ، ولعل
أشهرها هو لقبه (حبر الأمة) اللقب الذي كان يلقبّه به جماعة من الصحابة
والتابعين ، أمثال أبي بن كعب وهو احد أصحاب القراءات ، ومحمد بن الحنفية
التابعي الجليل ، وأبي نجيح أحد علماء التابعين ورواتهم ومن تلاميذ ابن عباس ،
وغيرهم.

وربما كان سبب شهرته ما أضفي عليه من قداسته ، حيث روى البلاذري
في كتابه أنساب الأشراف في أول ترجمته (عبد الله بن عباس) رواية عن ولادته
في الشعب ومباركة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له عندما أتاه عمه العباس بوليده ، وأنه قال : (يا عم
هذا عن قليل (حبر أمتي) وفقيهها والمؤدي لتأويل التنزيل) (4) ، وسواء صحت
هذه الرواية أم لا فإنّ معناها قد حصل وكان ابن عباس (حبر الأمة) وفقيهها
والمؤدي لتأويل التنزيل.

_______________________

(1)المعرفة والتاريخ 1 / 535 ، والبداية والنهاية 6 / 245 و 10 / 50 ، وسيأتي ذكر ما جرى في
صفحات احتجاجاته.

(2)طبقات ابن سعد (ترجمة الحسينعليه‌السلام ) تح‍ الطباطبائي ط مؤسسة آل البيت ، و ص 450
(ترجمة الحسين عليه‌السلام ) الطبقة الخامسة من الصحابة تح‍ محمّد صامل السلمي ط
الأولى سنة 1414 ه‍.

(3)الكنى والأسماء للدولابي 1 / 82.

(4)الانساب ، نسخة مصورة بمكتبة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام العامة في النجف وعنها
مخطوطة بمكتبتي.


ومن ألقابه : (حبر العرب) ويقال : إنّ أول من لقّبه به هو جرجير ملك
المغرب بافريقية ، وسيأتي تفصيل ذلك في حضور الحبر غزاة أفريقية.

وقد جرى عليه هذا اللقب حتى كان أخص تلامذته يعبر به عنه أحياناً.
فقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن سعيد بن جبير قال : « سألني يهودي
من الحيرة أيّ الأجلين قضى موسى عليه‌السلام ؟ قلت : لا أدري حتى أقدم على حبر
العرب فأسأله ، فقدمت فسألت ابن عباس ، فقال : قضى أكثرهما وأطيبهما ،
إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا قال فعل »(1) . وقال الجاحظ : « وكان يُسمّى البحر وحبر
قريش » (2) .

وقد اختلف اللغويون في ضبط (الحبر) فقال بعضهم : بالكسر : حِبر ، وقال
بعضهم : بالفتح : حَبر ، ومهما كان اختلافهم فانهم لا يختلفون في أنّه الرجل
العالم.

قال أبو عبيد : « والذي عندي انه الحَبر : بالفتح ، ومعناه العالم بتحبير الكلام
والعلم وتحسينه ، وقال : وهكذا يرويه المحدثون كلهم بالفتح » (3) .

ومن ألقابه (ترجمان القرآن) وهو أشرف ألقابه نسبة وأفضلها معنى ، وثانيها
شهرة ، وإن صح ما رواه بعض المؤرخين من « انّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سماه به أيضاً يوم
مولده في الشعب » (4) فإنّ ذلك يضفي عليه نوعاً من القداسة ، لأنّ تسمية
الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إن صحت ، لا تخلو من نبوءة وفراسة.

_______________________

(1)صحيح البخاري 3 / 181.

(2)البيان والتبيين 1 / 331.

(3)تاج العروس 3 / 117 (حبر).

(4)أخرجه الديار بكري في تاريخ الخميس 1 / 167 نقلاً عن الطائي.


ومهما كان نصيب الرواية من الصحة ، فقد كان هذا اللقب لابن عباس
معروفاً بين الصحابة امتدحه به غير واحد منهم : منهم الخليفة عمر بن الخطاب
الذي كان يكثر من قول : « نعم ترجمان القرآن ابن عباس » (1) ، ومنهم الصحابي
الجليل عبد الله بن مسعود الذي كان يطريه بقوله : « نعم ترجمان القرآن » (2) ،
« لو أدرك أسنانا ما عاشره منا أحد » (3) وفي لفظ ما عشّره منا أحد(4) وفسروه : أي
ما بلغ علمنا معشار علمه. وسيأتي العديد من شواهد ذلك.

ومن ألقابه (البحر) كما مرّ عن الجاحظ قريباً ، وقال الصفدي : « وكان
يسمى البحر لكثرة علومه » (5) ، وقد ورد التعبير به في بعض الأحاديث ، فهذا
الحكم بن عمرو الغفاري يقول في حديث له : « ولكن أبى ذلك البحر ، يريد
به ابن عباس » كما في كتاب الذبائح آخر باب لحوم الحمر الانسية من صحيح
البخاري (6) .

وهذا جابر بن زيد يقول : « سألت البحر عن لحوم الحمر »(7) ، وهذا مجاهد
يقول : « كان عبد الله بن عباس يسمى البحر لكثرة علومه » (8) ، وهذا عطاء كان
يقول : « قال البحر كذا. يعني ابن عباس » (9) .

_______________________

(1)تاريخ بغداد 1 / 185.

(2)الاستيعاب 3 / 935 ، وطبقات ابن سعد الطبقة الخامسة 1 / 148 تح‍ محمّد صامل السُلمي ،
ومقدمة تفسير الطبري 1 / 40 من عدة طرق ، ومستدرك الحاكم 3 / 537 وصححه.

(3)مستدرك الحاكم 3 / 537 ، والاصابة ترجمة ابن عباس.

(4)طبقات ابن سعد 2ق2 / 120 ، المعرفة والتاريخ 1 / 495 ، عيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 229.

(5)الوافي بالوفيات 17 / 122.

(6)صحيح البخاري 7 / 96 ط مصر سنة 1314.

(7)الاصابة 4 / 148 تح‍ البجاوي ، والمعرفة والتاريخ 1 / 496 ، وتاريخ بغداد 1 / 174.

(8)نفس المصدر.

(9)أنساب الأشراف (ترجمة ابن عباس) 1ق 2 / 271 أمصور بمكتبة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام
العامة.


ومن ألقابه : (رباني الأمة) ، قال الثعالبي : « ربّاني الأمة : هو عبد الله بن العباس
ابن عبد المطلب كان يقال له : ربانيّ الأمة ، وحبرها ، وترجمان القرآن » (1) ، وقد
سماه بذلك كل من محمّد بن الحنفية وعمرو بن دينار (2) .

والآن فقد رأينا مداليل ألقابه كلها مشعرة برفعة المسمّى وسمّوه فكان أولها
أشهرها وآخرها أشرفها ، فإن معنى الرباني هو المتأله العارف بالله تعالى كما عن
الثعالبي والفيروزأبادي ، وشديد التمسك بدين الله وطاعته ، كما في الكشاف
وغيره ، أو هو الذي يربّي أمور الناس بتدبيره واصلاحه ، كما ذكره الطبرسي ،
وقال ثعلب : إنّما قيل للفقهاء الربانيون ، لأنهم يربّون العلم أي يقوّمونه (3) .

ابن عباس في خَلقِه وخُلُقِه :

ما دامت صفات الإنسانـالخَلقِية والخُلقيةـفيها دلالة على تمامية
التعريف ، فلا بد لنا إذن من الإلمام بشيء من صفات الحبر ابن عباس رضي‌الله‌عنه بما تيسر
لنا من معرفته ، فانها تحكي لنا بعض مميزاته وخصائصه ، وقد قال ابن عباس رضي‌الله‌عنه :
« الناس يتفاضلون في الدنيا بالشرف والبيوتات والإمارات والغنى والجمال
والهيئة والمنطق ، ويتفاضلون في الآخرة بالتقوى واليقين ، فأتقاهم أحسنهم يقيناً ،
وأزكاهم عملاً ، وأرفعهم درجة » (4) .

_______________________

(1)ثمار القلوب / 113.

(2)ستجد هذه الكلمات منسوبة إلى مصادرها فيما يأتي بعنوان ـ جمل الثناء والإطراء.

(3)ثمار القلوب / 113 ، وتفسير الكشاف ، ومجمع البيان في تفسير قوله تعالى :( كُونُوا رَبَّانِيّ )
آل عمران 79 ، والقاموس (ربب).

(4)المحاسن والأضداد للجاحظ / 123 ، والمحاسن والمساوي للبيهقي 1 / 76.


وقد حاز ابن عباس تلك المفاخر الدنيوية في شرفه الرفيع وبيته المنيع ، كما حاز
الإمارة وأوتي من الغنى فضلاً كثيراً ، وكل ذلك سنقرأه في سيرة حياته.

أمّا الجمال والهيئة والمنطق فقد كان ابن عباسرضي‌الله‌عنه ـكما يصفه
المؤرخونـ: أبيضاً مشرّباً بشقرة أو بصفرة (1) جسيماً ، يأخذ مقعد رجلين إذا
جلس (2) وسيماً ، صبيح الوجه ، طلق المحيا ، فائق الحسن ، له وفرة ، يخضب
بالحِناء ، إذ كان يصفّر لحيته ، وقيل يخضبها بالسواد (3) حتى قال مسروق عنه :
« أجمل الناس وأفصحهم » (4) ، وقال عطاء : « ما رأيت البدر إلا ذكرت وجه ابن
عباس لحسنه وجماله وبهائه » (5) ، وشهد له عمر بأنه أصبح الفتيان وجهاً(6) ، وقال
أبو إسحاق : « رأيت ابن عباس رجلاً جسيماً قد شاب مقدم رأسه وله جمة » (7) ،
وكان طويلاً ، والطول من كمال الجسم وجمال البسطة فيه ، قال المبرّد : « والعرب
تمدح بالطول وتضع من القِصَر » (8) ، وكان الطول في بني هاشم صفة غالبة ، حتى لقد
_______________________

(1)قال ابن كثير في البداية والنهاية 8 / 306 : ولما عمي أعترى لونه صفرة يسيرة أه‍ ولا
غرابة في ذلك لأنه عمي وهو في سن الشيخوخة ولكن من الغريب ما ذكره الجاحظ في
رسالته : فخر السودان على البيضان (الرسالة الرابعة من مجموع رسائل الجاحظ / 209
تح‍ عبد السلام محمّد هارون) ان ابن عباس رضي‌الله‌عنه كان أدلم ضخماً ، والأدلم : الشديد
السواد. وهذا ممّا انفرد به أبو عثمان الجاحظ فيما أعلم ، كما انفرد في قوله : وكان ولد
عبد المطلب العشرة السادة دُلُماً ضُخماً؟ وفي قوله : وآل أبي طالب أشرف الخلق ، وهم
سودٌ وأدمٌ ودُلُم؟

(2)البداية والنهاية 8 / 306.

(3)ولا منافاة بين الفعلين ، فربما كان يفعل هذا مرة وذلك أخرى ، وكل راوٍ حدث بما رأى.
الاصابة 4 / 91.

(4)الاصابة 2 / 333.

(5)تاريخ الإسلام للذهبي 3 / 31.

(6)البداية والنهاية 8 / 299.

(7)أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه كما في الاصابة 4 / 91.

(8)الكامل للمبرد 1 / 92 تح‍ أبو الفضل إبراهيم والسيد شحاته.


ورد في حديث ولادة الزهراءعليها‌السلام : (إنّ أمها خديجة لمّا أحسّت بالطلق فأرسلت
إلى نساء من قريش فأبين الحضور وقلن لها أنتِ عصيتنا وتزوجت يتيم أبي طالب ،
قالت : دخلت عليَّ أربع نسوة سمر طوال كأنهنّ من نساء بني هاشم) (1) .

وفيما حدثت به تلك العجوز التي رأت عليّ بن عبد الله بن عباس يطوف
وقد فرع الناس كأنه راكب وهم مشاة ، فقالت : من هذا الذي فرع الناس؟
فأعلمت ، فقالت : لا إله إلا الله انّ الناس ليرذلون عهدي بالعباس يطوف بهذا
البيت كأنه فسطاط أبيض (2) ، ويروى أنّ عليّاً كان إلى منكب عبد الله ، وعبد الله
إلى منكب العباس ، والعباس إلى منكب عبد المطلب (3) .

وقد ذكر المبرد جماعة كانوا من مقبلي الظعن لطولهم ، فقد بذوا الناس
طولاً وجمالاً ، وكان أحدهم يسعه أن يقبّل المرأة في هودجها لطوله وعد منهم
العباس وابنه عبد الله (4) .

ووصفه عليّ بن أبي طلحة قال : « كان عبد الله بن عباس مديد القامة ، جيّد
الهامة ، مستدير الوجه جميله أبيضه ، وليس بالمفرط البياض سبط اللحية ، في أنفه
قنا ، معتدل الجسم ، وكان أحسن عينا قبل أن يكفّ بصره ، وكفّ قبل موته بست
سنين أو نحوها » (5) .

_______________________

(1)بحار الأنوار 43 / 3 ط الاسلامية ، أمالي الصدوق / 532 ط الحيدرية ، ومصباح الأنوار
(مخطوط).

(2)المعارف لأبن قتيبة / 289 ط ليدن ، وربيع الأبرار للزمخشري باب الخلق وصفاتها
الرضوية ، ونسخة الأوقاف ببغداد ، وفي المطبوع 1 / 848 ، وكامل المبرد 1 / 93 ، والاعلاق
النفيسة / 225 ، ولطائف المعارف / 112.

(3)نفس المصدر.

(4)الكامل للمبرد 2 / 117.

(5)أنساب الأشراف (ترجمة ابن عباس) برقم 124 نسخة مخطوطة بقلمي.


وكانت له عناية خاصة بمظهره ، فهو في تزيين جسمه يعنى بالخضاب حين
تبدّى الشيب في كريمته ، فكان يخضب بالسواد (1) ، وبالحناء(2) ، وثالثة يصفّر
لحيته (3) ، وأظنه إنّما فعل ذلك لما أثر عنه في ذلك من الحديث : (من أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
مرّ عليه رجل قد خضب بالحناء فقال : ما أحسن هذا. ثم مرّ عليه آخر وقد
خضب بالحناء والكتم فقال : ما أحسن هذا. ثم مرّ عليه آخر وقد خضب بالصفرة
فقال : هذا أحسن من هذا كله) (4) .

ويُعنى بالطيب حتى قال عكرمة مولاه : « كان يطلي جسده بالمسك »(5) ،
حتى رآه بعضهم وقد أحرم والغالية على طلعته كأنها الربّ (6) . وقالوا : أنه إذا مرّ
في الطريق ق‍‍لن النساء على الحيطان أمرّ ابن عباس أم مرّ المسك (7) ، وفي لفظ :
« قال الناس : لطيمة مسك أو ابن عباس » (8) .

وهو في ملبسه كان يُعنى ويتأنق حتى كان يلبس الرداء وقيمته ألف(9) ،
وقالوا : كان يلبس المطرف الخز المنصوب الحوافي بمزالف (10) ، ويأخذه
_______________________

(1)ذخائر العقبى / 227.

(2)سير أعلام النبلاء 4 / 442.

(3)تهذيب الأسماء واللغات للنووي 1 / 275 ط المنيرية بمصر.

(4)المعجم الكبير للطبراني 11 / 20 برقم 10922 ، وأبو داود في سننه برقم / 4193 ، وابن ماجة
في سننه برقم / 3627.

(5)عيون الأخبار لأبن قتيبة 1 / 304.

(6)نفس المصدر 1 / 303.

(7)نفس المصدر 1 / 304 ، وسير أعلام النبلاء للذهبي 4 / 442.

(8)غرر الخصائص للوطواط / 40.

(9)عيون الأخبار لأبن قتيبة 1 / 298 ، وسير أعلام النبلاء 4 / 454.

(10)المزالف : المراقي.


بألف(1) ، وستأتي شواهد على ذلك في مستقبل تاريخه ، وكان يلبس الخز ويكره المصمت(2)
وهو ضرب من الثياب والحرير الخالص ، وكان يلبس الأستبرق ،
فدخل عليه المسور بن مخرمة يوماً فأنكر عليه فقال ابن عباس رضي‌الله‌عنه : « إنّما كره
ذلك لمن يتكبّر فيه ، فلمّا خرج المسور قال : انزعوا هذا الثوب عني » (3) .

وقال : « لبست مرّة حلّة فنظر إليّ الناس فقلت : ما تعيبون عليّ؟ لقد رأيت
على رسول الله صلى الله عليه(وآله)وسلم أحسن ما يكون من الحلل ، ورأيته
مرّة لابساً جبّة مبطنّة ومرّة جبّة رومية ضيّقة الكمّين » (4) .

ولقد رآه أبو الجويرية وعليه إزار إلى نصف ساقه أو فوق ذلك ، وعليه
قطيفة رومية وهو يصلي (5) .

وحدّث كريب مولاه قال : « رأيت أبن عباس يعتم بعمامة سوداء فيرخي
شبراً بين كتفيه ومن بين يديه » (6) .

وقال رجل لعطية : ما أضيق كمّك؟ قال : كذا كان كمّ ابن عباس وابن
عمر (7) .

ومهما يكن نصيب هذه الروايات من الصحة ، فإنها قد لا تخلو من مبالغة في
الوصف ، خصوصاً في مسألة الطول وإلا فيلزم أن يكون عبد المطلب رضي‌الله‌عنه يناطح سقف
البيت الحرام برأسه ، وهذا ما لم يحدث به أحد ، نعم انّه كان طويلاً مفرطاً فيه.

_______________________

(1)مستدرك الحاكم 3 / 545.

(2)سير أعلام النبلاء 4 / 454. وثوب مصمت لا يخالط لونَه لونٌ ينسج من الابريسم الصرف.

(3)كشف الغمة للشعراني 1 / 195 ط مصر.

(4)نفس المصدر 1 / 196 ط مصر ، باب ما يحل ويحرم من اللباس.

(5)سير أعلام النبلاء 4 / 454.

(6)نفس المصدر.

(7)نفس المصدر.


وما أبعد هذا كله ممّا رواه المقدسي في كتابه : « إنّ العباسرضي‌الله‌عنه كان
قصيراً » (1) ، ولعل مراده : كان قصيراً بالنسبة إلى أبيه حيث كان إلى منكبه كما
تقدم ، وفات المقدسي التنبيه على ذلك.

وعلى أيّ فأنّ صفات الحبر ابن عباسرضي‌الله‌عنه الجسمية كانت موروثة عن آبائه
فجلهم كان موصوفاً بالجمال والكمال لأنهم على حدّ ما جاء في الحديث
الشريف المروي عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : (من أتاه الله وجهاً حسناً، واسماً حسناً ،
وجعله في موضع غير شائن له من الحسب ، فهو من من صفوة خلقه) (2) ، ولاشك
أنّ بني هاشم هم الصفوة كما مرت الأشارة إلى ذلك ويأتي فابن عباس رضي‌الله‌عنه من
سادات بني هاشم وقد حاز تلك الصفات الثلاث على النحو التالي :

فأمّا الوجه الحَسَن : فقد كان جميلاً مشرقاً حتى قال عطاء بن يسار : « ما
رأيت البدر إلّا ذكرت وجه ابن عباس رضي‌الله‌عنه لحسنه وجماله وبهائه »(3) .

وأمّا الأسم الحَسَن : فقد كان أسمه عبد الله ، والذي سماه بذلك هو رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما مرّ في حديث ولادته ، والعبودية لله منتهى الفخر والشرف حتى
قدّمت على الرسالة كما في ذكر التشهد في الصلاة وغيره.

وأمّا حسَبَهُ : فقد كان في موضع من الشرف لا يضاهيه فيه إلا مَن كان
يماثله من أسرته. وناهيك به أنه من بني هاشم الذين أختارهم الله من خلقه كما
قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (خير العرب مضر ، وخير مضر بنو عبد مناف ، وخير بني عبد
_______________________

(1)البدء والتاريخ 5 / 105 ط أوربا ، وقد نسب إلى أبي سهل البلخي وهو للمقدسي.

(2)ربيع الأبرار (مخطوط) باب الخلق وصفاتها نسخة الرضوية والأوقاف ببغداد 1 / 850 ط
بغداد.

(3)تاريخ الإسلام للذهبي 3 / 31 ، والبداية والنهاية 8 / 306 ، وخلاصة تهذيب الكمال / 202 ،
وتهذيب الأسماء واللغات للنووي وغيرها.


مناف بنو هاشم ، وخير بني هاشم بنو عبد المطلب. والله ما أفترق فرقتان منذ خلق
الله آدم إلا كنتُ في خيرهما) (1) ، إذن فهو من صفوة خيار خلق الله سبحانه.

ولنعم ما قال الشيخ شمس الدين الأندلسي :

لقريش على الأنام فخار

وبنو هاشم فخار الفخار(2)

وزاد عليها غيره وأجاد وفيه لزوم ما لا يلزم :

فبالمصطفى قد علوا احمدا

فكان الفقار لأسنى الفخار

وبالمرتضى شيّدوا فخرهم

بصارمه ذي الفقار الفخار

وحاز الفخار لهم عصبة

أئمة حق رؤوس الفخار

فمن ذا يوازي لهم أحمدا

ومن ذا يسامي لهم بالفخار

ما عن بقية مكارم الأخلاق فهي كثيرة ، ولكن أصولها عشرة جمعها الإمام
أمير المؤمنين عليه‌السلام فيما نسب إليه من الشعر ، فقال :

إن المكارم أخلاق مطهرة

فالعقل أولها والدين ثانيها

والعلم ثالثها والحلم رابعها

والجود خامسها والفضل ساديها(3)

والبر سابعها والصبر ثامنها

والشكر تاسعها واللين باقيها(4)

_______________________

(1)الخصائص الكبرى للسيوطي 1 / 93 تح‍ د. محمّد خليل هراس.

(2)اُنظر ذيل التبر المسبوك / 250.

(3)المراد سادسها ، ولكن للضرورة الشعرية قال : ساديها.

(4)ديوان عمدة المطالب لسيّدنا عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ص 138 ط بمبيء سنة 1357 ، وأدب
الدنيا والدين / 11 ط دار إحياء التراث العربي ، والمستطرف 1 / 15 ، وجاء في تهذيب
تاريخ دمشق 4 / 357 : ذكر ابن اسحاق صاحب المغازي انه قال ذكر الزاهد عند أمير
المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام فقال :

ان المكارم أخلاق مطهرة

فالعقل أولها والبر ثانيها

قال الحافظ. يعني ابن عساكر. فذكر قصيدة عدد أبياتها اثنان وسبعون بيتاً ، وقال
ابن بدران مهذب التاريخ : لم يذكر منها في الأصل سوى هذا البيت.


وعلى ضوء هذه المكارم العشرة المطهرة إذا أردنا أن نبحث عن صفات
الحبر ابن عباس رضي‌الله‌عنه ومكارم أخلاقه ، فإنا نجد أنّ نصيبه منها هو الحظ الأوفر.

ولمّا كان ذكر الشواهد عليها استباق لما يأتي في غضون سيرته ، فسنكتفي هنا
بايراد طائفة من أقواله ، فهي تحكي عن غرّ أفعاله ، فإنّ المرء مخبوٌّ تحت طيّ لسانه لا
طيلسانه ، وكما قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : (المرء مخبوءٌ تحت لسانه)(1) .

1ـأمّا عن العقل : فقد قالرضي‌الله‌عنه : « أساس الدين بني على العقل ، وفرضت
الفرائض على العقل ، وربّنا يُعرف بالعقل ، ويتوسل إليه بالعقل ، والعاقل أقرب إلى
ربه من جميع المجتهدين بغير عقل ، ولمثقال ذرة من برّ العاقل أفضل من جهاد
الجاهل ألف عام » (2) .

وقال : « مجالسة العقلاء تزيد الشرف »(3) .

وقال : « مجامعة العاقل في الغل والوثاق ، خير من مجامعة الجاهل على
السندس والاستبرق » (4) .

2ـوأمّا عن الدين : فقد قالرضي‌الله‌عنه : « ملاك أمركم الدين ، وزينتكم العلم ،
وحصون أعراضكم الأدب ، وعزّكم الحلم ، وحليتكم الوفاء » (5) .

وقال وهو يوصي بعضهم : « عليك بالفرائض وما وظّف الله تعالى عليك من
حقه ، وأستعن بالله على ذلك ، فإنه لا يعلم من عبدٍ صدق نيّة وحرصاً فيما عنده
من حسن ثوابه إلا أخّره عما يكره ، وهو الملك يصنع ما يشاء » (6) .

_______________________

(1)شرح نهج البلاغة لمحمد عبده 3 / 189 الحكمة 148.

(2)روضة الواعظين / 9.

(3)سراج الملوك للطرطوشي / 135.

(4)غرر الخصائصالواضحة للوطواط / 95 ط سنة 1299 ه‍ بمصر ، مشكاة الأدب 1 / 914.

(5)مجمع الأمثال 2 / 455 تح‍. محي الدين ط دار الفكر ، جمهرة خطب العرب 1 / 271.

(6)حلية الأولياء 1 / 326.


وقال : « لا يقبل الله صلاة أمريء وفي جوفه حرام »(1) .

وقال : « عهدت الناس وأهواءهم تبعٌ لأديانهم ، وإن الناس اليوم أديانهم تبعٌ
لأهوائهم » (2) .

وقال : « المروءه أن تحقق التوحيد ، وتركب المنهج السديد ، وتستدعي من
الله المزيد » (3) .

وقال : « لأن أرقـّع ثوباً فألبسه فيرفعني عند الخالق ، أحبّ إليّ من أن ألبس
ثياباً تضعني عند الخالق وترفعني عند المخلوقين » (4) .

وقال : « وأعمل عمل من يعلم أنه مجزيّ بالحسنات مأخوذ بالسيئات »(5) .

وستأتي شواهد كثيرة عن إيمانه وورعه وتقواه وزهده في فصول سيرته.

3ـوأمّا عن العلم : فقد قالرحمه‌الله : « العلم كثير فأرعوا أحسنه
أما سمعتم قول الله تعالى : ( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ
أَحْسَنَهُ
) (6) »(7) .

وقال : « العلم أكثر من أن يحاط به. وفي لفظ : يحصى ، وفي ثالث : يؤتى
على آخره ، فخذوا من كل شيء أحسنه » (8) .

_______________________

(1)الطبقات الكبرى للشعراني 1 / 22 ، منهاج العابدين للغزالي / 35 ط سنة 1327 ه‍ بمصر.

(2)ربيع الأبرار للزمخشري (مخطوط) باب الشر والفجور نسخة الرضوية 2 / 494 ط
الأوقاف ببغداد ، والمستظرف 1 / 155.

(3)محاضرات الراغب 1 / 145.

(4)اللمع لأبي نصر السراج الطوسي / 187.

(5)مجمع الأمثال 2 / 455.

(6)الزمر / 17 ـ 18.

(7)محاضرات الراغب 1 / 22.

(8)الكهف / 66.


وقال : « لو كان أحد مكتفياً من العلم لأكتفى منه موسى على نبيّنا وعليه
السلام وَلما قال : ( هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ) (1) »(2) .

وقال : « معلم الخير يستغفر له ويشفع له كل شيء حتى الحيتان في البحر »(3) .

وقال : « مثل علم لا يظهره صاحبه كمثل كنز لا ينفق منه صاحبه »(4) .

وقال : « ما أوتي عالم علماً إلّا وهو شاب »(5) .

وقال : « العلماء فوق المؤمنين مائة درجة ما بين الدرجتين مائة عام »(6) .

وقال : « ذللتُ طالباً فعززتُ مطلوباً »(7) .

وقال : « ما سألني رجل إلّا عرفت أفقيه هو أم غير فقيه »(8) .

وقال : « تذاكر العلم بعض ليلة أحبّ اليّ من إحيائها »(9) .

4ـوأمّا عن الحلم : فقد قالرحمه‌الله : « ثلاث من كنّ فيه فقد استحق
ولاية الله : حلم أصيل يدفع به سفه السفيه ، وورع يمنعه عن المعاصي ، وحسن
خلق يداري به الناس » (10) .

_______________________

(1)البيان والتبيين 1 / 404 تح‍ هرون ، وجامع بيان العلم 1 / 106 ، وأدب الدنيا والدين / 32 ،
والموشى 1 / 2 ، ورغبة الأمل 6 / 65.

(2)أدب الدنيا والدين / 59.

(3)جامع بيان العلم 1 / 38.

(4)نفس المصدر 1 / 122.

(5)منية المريد / 123.

(6)تذكرة السامع للكناني / 5.

(7)جامع بيان العلم 1 / 117 ، عقد الفريد 1 / 264 ، عيون الأخبار لأبن قتيبة 1 / 122 ، ربيع
الأبرار باب العلم والحكمة (مخطوط) نسخة الرضوية ، و 3 / 268 ط الأوقاف ببغداد ،
تذكرة السامع / 91 ، منية المريد.

(8)جامع بيان العلم 2 / 115.

(9)ربيع الأبرار باب العلم والحكمة نسخة الرضوية مخطوط ، جامع بيان العلم 1 / 24.

(10)نزهة المجالس 1 / 175.


وقال في وصيته لبعض أصحابه : « وعزكم الحلم »(1) .

وسيأتي ما يدل على ذلك في اللين.

5ـوأمّا عن الجود : فقد قالرحمه‌الله : « لسادات الناس في الدنيا الأسخياء
وفي الآخرة الاتقياء » (2) .

_______________________

(1)مر تمام الوصية في الكلام عن الدين نقلاً عن مجمع الأمثال 2 / 455 تح‍ محمّد محي
الدين عبد الحميد.

(2)أدب الدنيا والدين / 161.

أقول : لقد روى ابن قتيبة في عيون الأخبار 1 / 334 ط دار الكتب وغيره قصة رواها ابن
الكلبي قال : أخبرني غير واحد من قريش قالوا أراد عبد الله وعبيد الله ابنا العباس أن
يقتسما ميراثهما من أبيهما بمكة ، فدُعي القاسم ليقسم ، فلمّا مدّ الحبل قال له عبد الله
أقم المطمرـيعني الحبل الذي يُمدّـفقال له عبيد الله : يا أخي الدار دارك لا يُمدّ والله
فيها اليوم مطمر. فهذه القصة لا أكاد أصدّق صحتها. لأن الراوي لم يذكر من أبناء
العباس إلّا عبد الله وعبيد الله فأين بقية أولاده وبناته وكلهم كان لهم حق في ميراثهم
من أبيهم العباس؟ فهل كانت دار العباس لهما فحسب لأنه خصهما بها؟ أو انها كانت
لهم جميعاً ثم خلصت لهما ببيع أو هبة؟ فكل ذلك لم يشر إليه حديث الراوي في قصته
ولو صحت أمكن تخريج القصة على وجهٍ صحيح بأن ابن عباس حبر الأمة لم يكن
ليتسامح من حقه بمقدار ما زاغ عنه القاسم في اقامة الحبل فحرصه إنما كان لإقامة
الحق؟ لا عن سجية بخل لم يُعرف لها شاهد في سلوكه ولنا فيما ذكروه عنه من
أحاديث السخاء الكثيرة ما يغني ويقني ، وحسب القارئ ما رواه صاحب الأغاني 10 / 157
مط التقدم بمصر من مروره بمعن بن أوس المزني وقد كف بصره وقال له يا معن كيف
حالك؟ فقال : ضعف بصري وكثر عيالي وغلبني الدين قال : وكم دينك؟ قال : عشرة آلاف
درهم فبعث بها إليه ،ثم مرّ به من الغد فقال له كيف أصبحت يا معن؟ فقال :

أخذت بعين المال لما نهكته

وبالدين حتى ما أكاد ادان

وحتى سألت القرض عنه ذوي

الغنى ودّ فلان حاجتي وفلان

فقال له عبد الله : بالله المستعان ، إنا بعثنا اليك بالأمس لقمة فمالكتها حتى أنتزعت من
يدك ، فأي شيء للأهل والقرابة والجيران؟ وبعث إليه بعشرة آلاف درهم أخرى فقال :


وقال : « ملعون من أكرم بالغنى وأهان بالفقر »(1) .

وقال : « لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهراً أو جمعة أو ما شاء الله
أحبّ إلي من حجة بعد حجة ، ولَطبق بدانق أهديه إلى أخٍ لي في الله عزوجل أحبّ
إليّ من دينار أنفقه في سبيل الله عزوجل »(2) .

وقال : « العاقل الكريم صديق كل أحد إلّا من ضرّه ، والجاهل اللئيم عدو
كل أحد إلّا من نفعه » (3) .

وقال : « شر ما في الكريم أن يمنعك خيره ، وخير ما في اللئيم أن يكفّ
عنك شره » (4) .

6ـوأمّا عن الفضل : فقد قالرحمهالله: « تمام المعروف تعجيله وتصغيره
وستره » (5) .

_____________________________________

فإنك فرع قريش وإنما

تمجّ الندى منها البحور الفوارع

ثووا قادة للناس بطحاء مكةٍ

لهم وسقايات الحجيج الدوافع

فلمّا دُعوا للموت لم تبك منهمُ

على حادثات الدهر العيون الدوامع

وسيأتي في سخائه حديث صنيعه مع أبي أيوب الأنصاري وقد وفد عليه وهو بالبصرة أيام
ولايته ، وهو حديث معجب مطرب يدل على سخائه وأريحيته كما ستأتي أحاديث عن
جوده وأنه كان يسمّى معلم الجود لسخائه وحثه على ذلك قولاً وفعلاً كما في محاضرات
الراغب 1 / 278.

وأنه أول من وضع موائد الطعام في الطرقات للناس ولم يكن يعود إلى رفعه كما عن
مشكوة الأدب ص 915.

(1)إحياء العلوم 4 / 172.

(2)حلية الأولياء 1 / 328 ، وصفوة الصفوة 1 / 318.

(3)أدب الدنيا والدين / 312.

(4)نفس المصدر / 312.

(5)البداية والنهاية 8 / 304.


وقال : « لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره ، فإنّه يشكرك عليه من لم
تصطنعه اليه ، وإني والله ما رأيت أحداً أسعفته في حاجته إلّا أضاء ما بيني وبينه ،
ولا رأيت أحداً رددته عن حاجته إلّا أظلم ما بيني وبينه » (1) .

وقال : « من كرم الرجل سلامه على من عرفه ومن لم يعرفه »(2) .

وقال : « صاحب المعروف لا يقع ، فإن وقع وجَدَ له متكأ »(3) .

7ـوأمّا عن البرّ : فقد مرّ قريباً في الجود قوله : « لأن أعول أهل بيت من
المسلمين شهراً أو جمعة أو ما شاء الله أحبّ اليّ من حجة بعد حجة ، ولطبق
بدانق أهديه إلى أخ لي في الله عزوجل أحب الي من دينار أنفقه في سبيل اللهعزوجل ».

8ـوأمّا عن الصبر : فقد قال : « أفضل العدّة الصبر على الشدّة »(4) .

وقال : « أستعينوا بالصبر على أداء الفرائض ، وبالصلاة على تمحيص
الذنوب » (5) .

ونُعيت إليه إبنته وهو في السفر في طريق مكة ، فنزل عن دابته فصلى
ركعتين ثم رفع يديه وقال : « عورة سترها الله ، ومؤنة كفاها الله ، وأجر ساقه الله » (6) .

9ـوأمّا عن الشكر : فقد قال : « الشكر هو الطاعة بجميع الجوارح لرب
الخلائق في السر والعلانية » (7) .

_______________________

(1)عيون الأخبار لأبن قتيبة 3 / 178 ، رغبة الآمل 2 / 122 ، عين الأدب والسياسة بهامش غرر
الخصائص / 259 ، ربيع الأبرار 1 / 262 نسخة السماوي ، المخلاة / 38.

(2)نزهة المجالس 1 / 183.

(3)عيون الأخبار 3 / 175 ، ومجمع الأمثال 2 / 455 ، ومحاضرات الراغب 1 / 310.

(4)أدب الدنيا والدين / 259 ، وسراج الملوك / 181 ، والخلق الكامل 4 / 289 ، والكنز
المدفون / 25.

(5)طهارة القلوب بهامش نزهة المجالس 2 / 5.

(6)ربيع الأبرار للزمخشري ، باب الموت وما يتصل به ، نسخة الرضوية ونسخة السماوي ،
والعقد الفريد 2 / 128 ، ومحاضرات الراغب 2 / 228.

(7)منهاج العابدين للغزالي / 78 مصر سنة 1327 ه‍.


وقال : « أربع من كنّ فيه فقد ربح : الصدق والحياء وحسن الخلق
والشكر » (1) .

وقال : « لو قال لي فرعون خيراً لرددت عليه »(2) .

وقال : « لو أنّ فرعون مصر أسدى إليّ يداً صالحة لشكرته عليها »(3) .

10ـوأمّا عن اللين : فقد قال : « لم يمل إلى الغضب إلّا من أعياه سلطان
الحجة » (4) .

وقال : « من لم تكن فيه ثلاث خصال فلا توافه : ورع يحجزه عن معاصي
الله ، وحلم يطرد به فحشه ، وخلق يعيش به » (5) .

وقال : « من سلّم عليك من خَلق الله فارددعليه‌السلام وإن كان مجوسياً ،
إنّ الله تعالى يقول : ( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) (6) »(7) .

ومهما بلغ صعصعة في صدق تصويره ، فلا يبلغ معرفةً بابن عباس معرفته
هو بنفسه ، وسنختار من كلماته مثلثات أخرى على نمط مثلثات صعصعة كشف
فيها جوانب نفسية لا يمكن لصعصعة ولا لغيره الإطلاع عليها ، اللّهم إلّا بعض
آثارها الخارجية بقوة الملاحظة ودوام المعاشرة.


_______________________

(1)المحجة البيضاء 5 / 213 ، احياء العلوم 3 / 103.

(2)نفس المصدر.

(3)العقد الفريد لأبن قتيبة 1 / 140.

(4)نهاية الإرب للنويري 6 / 95.

(5)المجتبى لأبن دريد / 64 ط حيدر آباد.

(6)النساء / 86.

(7)المحجة البيضاء 5 / 213 ، احياء علوم الدين 3 / 103.


قال ابن عباسرضي‌الله‌عنه لرجل شتمه : « إنك لتشتمني وفيَّ ثلاث خصال : إني
لأسمع بالحاكم من حكّام المسلمين يعدل في حكمه فأحبّه ، ولعلّي لا أقاضي
إليه أبداً ، وإني لأسمع بالغيث يصيب البلاد من بلدان المسلمين فأفرح به ، ومالي
بها سائمة ولا راعية ، وإني لآتي على آية من كتاب الله فوددت انّ المسلمين
كلهم يعلمون منها مثل ما أعلم » (1) .

وقال : « ثلاثة لا أكافئهم : رجل بدأني بالسلام ، ورجل وسّع لي في
المجلس ، ورجل أغبرّت قدماه في المشي إلي إرادة التسليم عليّ ، أمّا الرابع فلا
يكافئه إلّا الله عزوجل ، قيل : ومن هو؟ قال : رجل نزل به أمر فبات ليلته مفكراً بمن
ينزله ، ثم رآني أهلاً لحاجته فأنزلها بي » (2) .

وقال : « من لم تكن فيه ثلاث خصال فلا توافه : ورع يحجزه عن معاصي
الله ، وحلم يطرد به فحشه ، وخلق يعيش به » (3) .

وقال أيضاً : « ما بلغني عن أخٍ لي مكروهٌ قط إلّا أنزلته إحدى ثلاث منازل :
إن كان فوقي عرفت له قدره ، وإن كان نظيري تفضّلت عليه ، وإن كان دوني لم
أحفل به ، هذه سيرتي في نفسي فمن رغب عنها فأرض الله واسعة » (4) .

وهو القائل : « لجليسي على ثلاث : أن أرميه بطرفي إذا أقبل ، وأن أوسّع له
إذا جلس ، وأصغي إليه إذا تحدّث » (5) .

_______________________

(1)البداية والنهاية 8 / 300 ، والمعرفة والتاريخ 1 / 526 ، ومعجم الطبراني 10 / 266 ط الثانية
بالموصل ، ومجمع الزوائد 9 / 284 وقال : رجاله رجال الصحيح.

(2)عيون الأخبار لأبن قتيبة 3 / 176.

(3)المجتبى لأبن دريد / 64.

(4)صفة الصفوة 1 / 754.

(5)عيون الأخبار لأبن قتيبة 1 / 306 ، رغبة الآمل 2 / 205 ، ربيع الأبرار 1 / ورقة 200 نسخة
السماوي ، 1 / 294 طبع بغداد.


وهو القائل : « أكرم الناس عليّ جليسي ، وان الذباب يقع على جليسي
فيؤذيني ، وإني لأستحي من الرجل يطأ بساطي ثلاثاً فلا يُرى عليه أثر من
بري » (1) .

وبهذه المثلثات الثلاث نكتفي عن الإطناب في سرد ما ورد في وصف
أخلاقه ، وسوف يصادفنا فيما نقرأ من فصول سيرته شواهد على ذلك كثيرة.

وكيف لا يكون في حسن أخلاقه مثلاً أعلى وهو القائل : « انّ الخلق
الحسن يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد ، وان الخلق السيء يفسد العمل
كما يفسد الخل العسل » (2) .

وعن طاووس قال : « كنا عند ابن عباس ، قال : وكان سعيد بن جبير يكتب ،
قال : فقيل لابن عباس : إنهم يكتبون ، قال : أيكتبون؟ ثم قام ، وكان حسن الخُلُق ،
قال : ولولا حسن خُلقه لغيّر بأشد من القيام » (3) . وأنا مهما شككت في صحة هذا
الخبر ودلالته على المنع من التدوينـلأن ابن عباس كان ممن يرى تدوين
الحديث وهو نفسه قد كان يحمل معه ألواحه ويجلس على باب الأنصاري
ليسمع منه ويكتب عنه. كما سيأتي توثيق ذلك في تاريخه العلميـفلا اشك في
دلالته على حسن خلقه ، ولولا حسن خلقه لغيّر بأشد من القيام على حد تعبير
طاووس.

قال الجاحظ في رسالة نفي التشبيه : « ولو لم يعرف ذلك إلّا بعبد الله بن
العباس وحده كان ذلك كافياً ، وبرهاناً شافياً ، فان الأعجوبة فيه أرث على كل
_______________________

(1)ربيع الأبرار 1 / 289.

(2)ربيع الأبرار 1 / ورقة 150 نسخة السماوي ، 1 / 49 ط بغداد.

(3)المعرفة والتاريخ 1 / 527.


عجب وقطعت كل سبب ، وقد رأيتم حاجة عمر إليه ، وإستشارته إياه ، وتقويمه
لعثمان وتغييره عليه ، ولو لم يكن للفضيلة من بين أقرانه مستحقاً ، وبها مخصوصاً
ما خصّه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالدعوة المستجابة ، ولما خصه بعلم الكتاب والسنة ، وهما
أرفع العلم ، وأشرف الفكر ، ويدّلك على تقديمه للغاية ، وايثاره للتعلم والاستبانة ،
قوله حين قيل له في حداثته وقبل البلوغ في سنه : ما الذي آتاك هذا العلم وهذا
البيان والفهم؟ قال : قلب عقول ولسان سؤول » (1) .

والخلاصة ، لقد كان مثالاً لمحاسن الأخلاق وجميل الصفات ، مع ما له من
مزايا الفضل الأخرى من نفاذ بصيرة قلّ مثيلها حتى شهد باعجاب مربيه ومعلّمه
الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام حيث قال : (لله در ابن عباس ان كان لينظر إلى الغيب
من ستر رقيق) (2) ، وقد رويت كلمة الإمام هذه فيه بألفاظ متفاوتة أحسبها من
تساهل نقل الرواة بعد تسالمهم على المعنى فقد رواها ابن عبد ربّه مرة أخرى في
كتابه بلفظ : (لله بلاء ابن عباس) (3) ، ورواها الديريني في علم القلوب : (كأنه ينظر
إلى الغيب من ستور رقيقة) (4) ، ورواها الكتاني نقلاً عن الدينوري : (لينظر الي
الغيب خلف ستر رقيق لعقله وفطانته) (5) .

ومهما يكن فليس ذلك بضائر بعد الدلالة فيها على جودة الرأي ونفاذ
البصيرة وكثرة الإصابة فكان كما قال الشاعر :

بصير بأعقاب الاُمور برأيه

كأن له في اليوم عيناً على غد

_______________________

(1)رسائل الجاحظ 1 / 300 تح‍ عبد السلام محمّد هارون.

(2)العقد الفريد 2 / 128 تح‍ أحمد أمين ورفيقيه.

(3)نفس المصدر 2 / 346.

(4)علم القلوب / 24.

(5)التراتيب الادارية 2 / 414.


نشأة حبر الاُمة :

نشأ عبد الله بين أحضان الفضيلة وحجور الكرامة ، تحت رعاية أبيه العباس
الذي كان يتولى سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ، وكلاهما من المآثر التي
ورثها عن آبائه.

ومن الطبيعي أن يكون ابنه عبد الله أدرك في أيام طفولته ما كان يقوم به
أبوه في سبيل هاتين المكرمتين. كما أنه من الطبيعي أدرك ما كان يدور في
بيوت أهله من حديث الإسلام والمسلمين ، ومثابرة الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سبيل
دعوته ، ومناوأة قريش له ، لأن تلك هي الظاهرة التي تلفت النظر ، ويظهر من شعر
أم الفضل حين كانت ترقصه ، انها كانت تعقد عليه أملاً كبيراً في المستقبل ،
وتتوسم فيه أن يكون سيداً كآبائه فهي تقول :

ثكلت نفسي وثكلت بكري

إن لم يسد فهراً وغير فهر

بالحسب العدّ وبذل الوفر

حتى يوارى في ضريح القبر(1)

وليس ثمة من تفصيل حول نشأته الأولى في مكة ، لكن الذي لا شك فيه
أنّه أدرك في صباه ما كان يجري بمكة من خلال أحاديث أهل بيته ، وما يقال
في الإسلام والمسلمين ، ولئن شككنا في إدراكه خروج أبيه العباس مع ابن عمه
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة العقبة (الثانية) لتوكيد العهد على الأنصار ، لصغر سنّه يومئذ إذ لم
يتجاوز الثالثة من عمرهـوإن كان أبوه كان يحدّث عن ذكريات طفولته وهو
في مثل ذلك السن ، كما سيأتي في ترجمة حديثه عن مولد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـلكن
الذي لا شك فيه أنه وعى في طفولته ما كان عليه المسلمون بمكة. بعد الهجرة.
_______________________

(1)محمّد بن حبيب الهاشمي في المنمق / 432 ط حيدر آباد ، والقالي في الامالي 2 / 118 ،
وابن ظفر في أنباء نجباء الأبناء / 79 ط الأولى بالتقدم بمصر.


من إستضعاف قريش لهم ، رجالاً ونساءً وولداناً ، وكان هو من الولدان الذين
لحقهم الأذى حتى روي عنه بعد ذلك في تفسير قوله تعالى : ( وَمَا لَكُمْ لَا
تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن
لَّدُنكَ نَصِيرًا
) (1) .

قال الرازي : « المراد بالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان قوم من
المسلمين بقوا بمكة وعجزوا عن الهجرة إلى المدينة ، وكانوا يلقون من كفار
مكة أذىً شديداً » (2) .

قال ابن عباس : « كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان » ،
ونقل ذلك عنه جملة من المفسرين كالقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (3) .
والسيوطي في الدر المنثور وغيرهما. ورواه البخاري في صحيحه (4) ، وغير.

وهذا يعني أنه كان يعاني ربما من أبناء المشركين في مثل سنّه من
مضايقات وربّما من آبائهم أيضاً ما خلّف ذلك أثراً في نفسه فحدّث عنه ،
وسيأتي في ترجمة أمه ما يتصل بهذا.

وأيضاً ممّا لا شك فيه أنه وعى إخراج قريش لأبيه ولأبناء عمومته طالب
وعقيل ونوفلـكُرهاً وذلك في حرب بدر. كما وعى ما حدث بعد ذلك من
أخبار عن أنتصار النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على قريش وأسر أبيه وعودته إلى مكة بعد وصول
خبر الحرب اليهاـوسيأتي طرف منه في ترجمة أمه لبابة ، ومن القريب جداً أنّه
_______________________

(1)النساء / 75.

(2)تفسير الرازي 10 / 182 ط البهية بمصر 1357 ه‍.

(3)الجامع لأحكام القرآن 5 / 279.

(4)صحيح البخاري (كتاب التفسير ، سورة النساء) 6 / 46.


قد عرف باستعداد قريش لمحاربة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انتقاماً لما أصابهم ببدر من القتل
والأسر ، وعرف بما كتب به أبوه إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخبره بذلك.

ولا شك أنه رأى بعض مظاهر قريش عند خروجهم إلى محاربة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،
ولا شك أنه حزن لمّا رأى ذلك ، كما أنه ازداد حزناً حين جاء الخبر بانتصارهم
في موقعة أحد ومقتل عمه الحمزة أسد الله وأسد رسوله ، ومن الطبيعي كلما
ازداد سنه ازداد وعيه بمجريات الأحداث ، فهو يسمع ما تتناقله الأخبار عن
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغزواته ، ويزداد ابتهاجاً بانتصاراته. فمن غزوة بني النضير إلى ذات
الرقاع إلى بني المصطلق إلى غزوة الخندق التي كان نصرها المؤزر على يد
بطلها المظفر هو ابن عمه الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ولولاه لما قام للأسلام
عمود ولا اخضَرَّ له عود وحسبه ما بلغه من قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (برز الإيمان كله إلى
الشرك كله) ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (ضربة على يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين) إلى غزوة
بني قريضة إلى غزوة الحديبية ، وأظن أنه كان يحلم عند سماعه الخبر برؤية ابن
عمه نبي الهدى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يدخل مكة معتمراً وكاد أن يتحقق ذلك لولا مهادنة
قريش له على العام القادم. ولئن اغتم لذلك فقد جاءه ما زاد غمه وهو خبر
الحجاج بن علاط السلميـوهذا هو زوج خالته عزةـالذي دخل مكة بعد
غزوة خيبر فأشاع انتصار اليهود على المسلمين واستحث قريشاً على جمع ديونه
ليرجع عجلاً فيشتري بعض الغنائم من اليهود. وسمع العباس الخبر وساءه كذلك ،
فاراد أن يستوثق من الحجاج بنفسه فلقيه وسأله ، فاستكتمه إن هو أخبره
بالصحيح ، فضمن له ذلك فقال له : فاني والله تركت ابن أخيك عروساً على بنت
ملكهم. يعني صفية بنت حي بن أخطب. ولقد افتتح خيبر وانتشل ما فيهاـأي


استخرجـوصارت له ولأصحابه. فأكتم عني فاذا مضت ثلاث فأظهر أمرك فهو
والله على ما تحب ، ووفى العباس بشرطه.

ولمّا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له وتخلّق وأخذ عصاه ثم خرج
فأتى الكعبة فطاف بها ، فلمّا رأوه قالوا : يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحرّ
المصيبة ، قال : كلا والله الذي حلفتم به لقد افتتح خيبر وتُرك عروساً على ابنة
ملكهم واحرز أموالهم وما فيها فاصبحت له ولأصحابه ، قالوا : من جاءك بهذا
الخبر؟ قال : الذي جاءكم بما جاءكم به ، وهكذا تبدل الغم في الهاشميين جميعاً
بل والمسلمين إلى فرح.

ومن الطبيعي أن يشهد ذلك كله حبر الأمة عبد الله بن عباس ويشاركهم
أفراحهم ، ولعل هذا آخر حَدَث أدركه ووعاه بمكة قبل هجرته مع أبيه إلى
المدينة والى هنا ننهي حديثنا عن نشأته في مكة.

ولنبدأ معه مسيرتنا في الحديث عنه من هجرته مع أبيه وأهل بيته ، وذلك
عام الفتح في السنة الثامنة من الهجرة النبوية ، وكان عمره يومئذ إحدى عشرة
سنة وسوف نقرأ عنه بعض مشاهداته.

ولكن لا بد لنا قبل ذلك معرفة شيء من تاريخ أبويه. ما دام الولد سر أبيه
وفطيم أمه.

وعامل الوراثة له في تكوين الشخصية أبلغ الأثر ، فهو يورث الولد
الخصائص الروحية كما يورثه الصفات الجسمية ، وابن عباس قد ورث من أبويه
الخصائص والخصال ، فإلى معرفة الأبوين :








أولاً : أبوه ـ العباس بن عبد المطلب

ولادة العباس :

ولد قبل عام الفيل بثلاث سنين ، فكان أسنّ من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بثلاث سنين ،
وسئل مرّة أنت أكبر أم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال : « هو أكبر مني وأنا ولدت قبله »(1) ،
وهذا من كمال الأدب وجميل القول ، وفي لفظ آخر : « هو أكبر مني وأنا أسنّ
منه ، وإني لأعقل انه قيل لأمي : إن آمنة ولدت غلاماً فخرجت بي حين أصبحت
آخذة بيدي حتى دخلنا عليها ، فكأني أنظر إليه يمصع (2) برجليه في عرصة ،
وجعل النساء يجبذنني عليه ، ويقلن قبّل أخاك ».

_______________________

(1)مستدرك الحاكم 3 / 320 ، والمعرفة والتاريخ 1 / 504 ، وتاريخ الخميس للديار بكري
1 / 165 ، وأنساب الأشراف 1 / 89 ، والدرجات الرفيعة / 79 ، والمحاسن والاضداد / 17. والخبر
في سير أعلام النبلاء 2 / 71 ـ 72.

(2)يمصع : أي يحرّكهما ، من مصعت الدابة بذنبها حرّكته (المنجد).


أمه : نتيلة(1) بنت جناب بن كلاب ، وهي أول عربية كست البيت الحرام
الحرير والديباج وأصناف الكسوة ، والسبب فيه : انّ العباس ضاع وهو صغير
فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت ، فوجدته ففعلت (2) .

وقيل : انّ الذي ضاع من أولادها هو ضرار إبنها(3) فكاد عقلها أن يذهب
جزعاً وولهت ولهاً شديداً ، وكانت ذات يسار فنذرت ووفت بنذرها (4) .

وجاءت يوماً بابنها العباس إلى أبيه عبد المطلب وقالت له : يا أبا الحارث
قل في هذا الغلام مقالة ، فأخذه وجعل يرقصه ويقول :

قال البلاذري : قال عبد المطلب في ابنه العباس وكان به معجباً :

ظني بعباس بُنيّ إن كبر

أن يمنع القومَ إذا ضاع الدبَر

وينزع السَّجل(5) ذا اليوم اقمطّر

ويسقي الحاج إذا الحاج كثر

وينحر الكوماء(6) في اليوم الخصر

ويفصل الخطبة في اليوم الأمرّ

_______________________

(1)كذا اسمها في جل المعاجم والتواريخ ، إلّا ان ابن ظفر المكي ذكر في كتابه أنباء نجباء
الأبناء / 51 : ان اسمها (نبيلة) ، ولعل ذلك من تصحيف النساخ وهي التي قالت لزوجها
عبد المطلب لما دخل عليها عند عودته من اليمن وقد صبغ شعره بالوسمة فكان مثل
حنك الغراب ـ يا شيب ما أحسن هذا الصبغ لو دام نعله ، فقال عبد المطلب :

لو دام لي هذا السواد حمدته

فكان بديلاً من شباب قد انصرم

تمتعت منه والحياة قصيرة

ولا بدّ من موت نتيلةُ أو هرم

وماذا الذي يجدي على المرء

خفضه ونعمته يوماً إذا عرشه انهدم

( أنساب الأشراف 1 / 66 ).

(2)لطائف المعارف / 11.

(3)أنساب الاشراف 1 / 89.

(4)الاستيعاب 2 / 485 ، نكت الهميان / 175 ـ 176.

(5)السجل : الدلو العظيمة فيها ماء قلّ أو كثر ، ونزع الدلو جذبها أو استقى بها
(المنجد).

(6)الكوماء : الناقة الضخمة السنام.


ويكسو الريط اليماني والأزر

ويكشف الكرب إذا ما اليوم هرّ

أكمل من عبد كلال(2) وحُجُر(3)

لو جمعا لم يبلغا منه العُشُر(1)

وكان الزبير بن عبد المطلب يزفن ـ يرقص ـ العباس أخاه :

إنّ أخي العباس عفّ ذو كرم

فيه عن العوراء إن قلّت صمَمَ

يرتاح للمجد ويوفي بالذمم

وينحر الكوماء في اليوم الشبم(4)

أكرم بأعراقك من خال وعم(5)

           

نشأة العباسرضي‌الله‌عنه ومكانته :

نشأ العباس في حجر أبيه عبد المطلبـسيد البطحاءـوتحت رعاية
أخوته ، وقد ساد وهو غلام ، وذلك حين ولّته قريش في أيام الفجار حلوان النفر ،
فإنها لم تملّك عليها في الجاهلية أحداً ، فاذا كانت الحرب أقرعوا بين أهل
الرياسة ، فاذا حضرت الحرب أجلسوه لا يبالون صغيراً كان أو كبيراً ، تيمّناً به ،
فلمّا كان أيام الفجار أقرعوا بين بني هاشم فخرج سهم العباس بن عبد المطلب
وهو غلام صغير فأجلسوه على ترسٍ ـ المجن ـ (6) وفيه يقول ضرار :

فتى قريش وفي البيت الرفيع بها

واري الزناد إذا ما أصلد الناس(7)

_______________________

(1)عبد كلال : من ملوك التبابعة يقال : انه كان على دين المسيحعليه‌السلام .

(2)حجُر : ملك من ملوك كندة وهو والد الشاعر الملك الضليل امريء القيس.

(3)أنساب الاشراف 1 / 89 ، وابن ظفر المكي في أنباء نجباء الأبناء / 51 بتفاوت في بعض
الألفاظ ، وأخرج محمّد بن حبيب في كتابه المنمق / 432 الشطر الأول والرابع ، واخرج
الأبيات الاصدري البيت الثالث والرابع ابن عساكر في تاريخه كما في تهذيبه 7 / 230.

(4)الشَبَم : كنمر ، البارد والمراد الشتاء إذا قل الطعام.

(5)المنمق / 436 لمحمد بن حبيب ط حيدر آباد.

(6)العقد الفريد 3 / 315.

(7)طراز المجالس للشهاب الخفاجي / 223.


ولمّا سرق كفار قريش غزال الكعبة الذي استخرجه عبد المطلب من زمزم
لمّا حفرها فوجد فيها سيوفاً قديمة والغزال من ذهب وعيناه من ياقوت فجعل
ذلك للكعبة ، فكسره اولئك الكفار واقتسموه ، وشروا كل خمر بالأبطح ، وقرطوا
الشنف والقرطين لقينتين لهم تغنّيهما فمكثوا شهراً أو أكثر يشربون ، وقريش
تطلب السرّآق فلا يدرون من هم؟

إلى أنّ مرّ العباس بن عبد المطلب وهو غلام شاب آخر النهار في حاجة له
بدور بني سهم وقد لغط القوم وثملوا وهم يرفعون أصواتهم ، فأصغى لهم فسمع
بعضهم ينشد شعراً فيه ذكر الغزال ، وغنّت القينتان بذلك الشعر ، فأقبل العباس إلى
أبي طالب فأخبره فأقبل ومعه جماعة حتى وقفوا عليهم ، وبسببه وقعت المنافرة
بين المطيّبين والاحلاف (1) .

وفي حديث جواره لقيس بن نشبة قبل الإسلام ما ينبيء عن مكانته ، وقد
ذكر ذلك في شعره فقال :

جنال حقه وذمامه

وأسعطت فيه الرغم من كان راغما

سأنصره ما كنت حياً وإن أمت

أحضّ عليه للتناصر هاشما

وقد أشار ابن قيس بن نشبة إلى ذلك في أبيات قالها في مدح عبد الله بن
عباس في الإسلام فقال :

أحبكم في الجاهلية والذي

وفا الدين كنتم عدتي ورجائيا

فصرت بحبّي منكم غير مبعد

لديكم وأصبحت الصديق المصافيا

وآليت لا أنفك أحدو قصيدة

تدور بها بزل الجمال الهواديا(2)

_______________________

(1)أنظر تفصيل ذلك في المنمق لمحمد بن حبيب / 54 ـ 67.

(2)المنمق لمحمد بن حبيب / 164ـ165 ، وربيع الأبرار للزمخشري باب الأنفة والحمية
(مخطوطة الرضوية).


صفة العباس خَلقاً وخُلقاً :

وصفه مؤرخوه بأنه كان أبيض جميلاً بضّاً طويلاً ، له ظفيرتان ، معتدل
القامة ، حسن الوجه ، كاملاً جواداً مطعماً وصولاً للرحم ، ذا رأي حسن ودعوة
مرجوّة (1) .

قال أبن الأثير : « ذو الرأي هو العباس بن عبد المطلب عم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كان
يضرب به المثل في سداد الرأي » (2) .

وقال الجاحظ : « ويقال انه لم يكن لقرشي مثل رأي العباس »(3) ، وذكر
أيضاً نقلاً عن الكلبي انه قال : « كانت قريش تعدّ أهل الجزالة في الرأي العباس
بن عبد المطلب » (4) .

وكان يقال له : ثوب لعاري بني هاشم ، وجفنة لجائعهم ، ومقطرة(5) لجاهلهم
وفي ذلك يقول إبراهيم بن عليّ بن هرمة :

وكانت لعباس ثلاث نعدّها

إذا ما جناب الحي أصبح أشهبا

فسلسلة تنهيَ الظلوم وجفنة

تباح فيكسوها السنام المزّغبا

وحلة عصب ما تزال معدة

لعارٍ ضريكٍ(6) ثوبه قد تهبّبا(7)

_______________________

(1)تهذيب التهذيب 5 / 123 ، نكت الهميان / 176 ، الاستيعاب 2 / 486.

(2)المرصّع / 189 تح‍ د إبراهيم السامرائي.

(3)البيان والتبيين 1 / 331.

(4)نفس المصدر 2 / 263.

(5)المقطرة : خشبة فيها خروق ، كل خرق على قدر سعة الساق ، يدخل فيها أرجل
المحبوسين.

(6)الضريك : الضرير ، وهو أيضاً الفقير الجائع. قال في لسان العرب : الفقير اليابس الهالك
سوء حال. 12 / 348 ط أفست عن بولاق.

(7)ابن قتيبة عيون الأخبار 1 / 342 ، تهذيب تاريخ ابن عساكر 7 / 231.


فكان يمنع الجار ، ويحمي الذمار ، ويبذل المال ، ويعطي في النوائب.

وكانت قريش تعدّه من صيّتي العرب ، كان ينادي غلمانه من سلعـجبل
وسط المدينةـوهم بالغابةـمكان على ثمانية أميال من المدينةـوذلك آخر
الليل فيسمعونه (1) ولقد أتتهم غارة فصاح : يا صباحاه ، فأسقطت الحوامل لشدة
صوته (2) .

قال الزمخشري وغيره : إنّه كان أجهر الناس صوتاً ، كان يزجر السباع عن
الغنم ، فيفتق مرارة الأسد في جوفه ، وفيه يقول النابغة الجعدي :

زجر أبي عروة السباع إذا

أشفق أن يختلطن بالغنم(3)

وظائفه قبل الإسلام :

وكانت إليه عمارة المسجد الحرامـوهي أن لا يدع أحداً يستبّ في
المسجد الحرام ولا يقول فيه هُجرا ويحمل الناس على عمارته بالخير ، فلا
_______________________

(1)ابن قتيبة في عيون الاخبار 1 / 186 ، الزمخشري في ربيع الأبرار باب الأصوات والألحان
(مخطوط بمكتبة الإمام الرضا عليه‌السلام بخراسان ، برقم 4348) ، والدرجات الرفيعة / 79 ،
ومعجم البلدان (سلع) وفيات الأعيان 3 / 277 ، والحازمي فيما اتفق لفظه وافترق مسماه
في أول حرف الغين في باب عانة وغابة.

(2)ربيع الابرار 3 / 573 ط الأوقاف ببغداد ، وتاريخ ابن خلكان 3 / 277 تح‍ احسان عباس.

(3)الدرجات الرفيعة / 79 ، وكامل المبرّد / 165 ، وربيع الأبرار للزمخشري باب الأصوات
والألحان مخطوطة الرضوية ، وسئل بعضهم كيف لم تتفق مرائر الغنم؟ فقال : لأنها
كانت ألفت صوته. وبيت النابغة الجعدي من قصيدة موجودة في شعره / 148ـ159 جمع
عبد العزيز رباح ولم يذكر انه قالها في العباس ، كما ان ما ذكره من مصادر تخريج ابيات
القصيدة خلوٌ من ذلك ، فلعل قول الزمخشري ومن تبعه : وفيه يقول النابغة يعنى في
زجر السباع وتفتق مرائرها. وقد قال ابن الاثير في المرصّع / 241 : أبو عروة السباع
جاهلي يضرب به المثل في شدّة الصوت يزعمون انه كان يصيح في السبع فيموت ، فيشق
عن فؤاده فيجدونه قد زال عن مكانه ، وفيه يقول النابغة الجعدي ، فذكر البيت.


يستطيع أحدٌ مخالفته ، لأن قريشاً تعاقدوا على نصرته في ذلك ، فكانوا له أعواناً
على وظيفته ـ (1) .

كما كانت إليه سقاية الحاج بعد أن كانت لأبي طالب.

وقد كانت السقاية قبل الإسلام وتشمل الرفادة أيضاًـوهي اطعام الحاجـ
إلى هاشم بن عبد مناف ، وفيه يقول الشاعر :

عمرو العلى هشم الثريد لقومه

ورجال مكة مسنتون عجاف

وبعده صارت رفادة وسقاية الحاج أيام الموسم لشيبة الحمد عبد المطلب
بن هاشم ، وبعده صارت بيد ابنه شيخ الأباطح أبي طالب ، ومنه انتقلت لأخيه
العباس ، لسبب رواه البلاذري وابن سلام وغيرهما : وهو انّ أبا طالب كان يستدين
لسقاية الحاج متى أعوزه الحال ، فقال لأخيه العباسـوكان امرؤاً تاجراً أيسر
بني هاشم وأكثرهم مالاًـ: قد رأيت ما دخل عليَّ وقد حضر الموسم ولابد لهذه
السقاية من أن تقام للحاج فأسلفني عشرة آلاف درهم ، فأسلفه العباس إياها ،
فقام أبو طالب تلكم السنة بها وبما كان عنده.

فلمّا كانت السنة الثانية ووافى الموسم قال لأخيه العباس : يا أخي انّ
الموسم قد حضر ولابد للسقاية من ان تقام فأسلفني أربعة عشر الف درهم ،
فقال : اني اسلفتك عام أول عشرة آلاف درهم ورجوت أن لا يأتي عليك
الموسم حتى تؤديها فعجزت عنها وأنت تطلب العام أكثر منها وترجو أن لا يأتي
عليك الموسم حتى تؤديها ، فأنت عنها أعجز اليوم ، ها هنا أمر لك فيه فرج ، أدفع
_______________________

(1)أنظر الإصابة في ترجمته ، وتهذيب الأسماء للنووي ، واُسد الغابة 3 / 109 ، ونكت الهميان
/ 176 وغيرها.


إليك هذه الأربعة عشر ألف درهم فإن جاء الموسم من قابل ولم توفِ حقي
الأول وهذا ، فأمر الرفادة والسقاية إليّ دونك فأقوم بها وأكفيك هذه المؤنة إذ
عجزت عنها.

فأجابه أبو طالب إلى ذلك(1) .

وروى ابن سلام : انّ العباس قال : « ليحضر هذا الأمر بنو فاطمة(2) ولا
أريد سائر بني هاشم » ، ففعل أبو طالب ، وأسلفه العباس المال بمحضرٍ منهم
ورضىً.

فلمّا كان الموسم الثالث من قابل لم يكن بد من إقامة الرفادة والسقاية ،
إزداد أبو طالب عجزاً وضعفاً ، ولم تمكنه النفقة وأعدم حتى أخذ كل رجل من
بني هاشم ولداً من أولاده يحمل عنه مؤونته. فقال العباس لأخيه أبي طالب : قد
أفد الحج وليس إلى دفع حقي من وجه ، وانت لا تقدر أن تقيم (3) .

قال البلاذري : « فصارت الرفادة والسقاية إلى العباس ، وأبرأ ابا طالب ممّا له
عليه ، وكان يأتيه الزبيب من كَرمٍ له بالطائف فينبذ في السقاية فقام بالرفادة
والسقاية بعد العباس عبد الله بن عباس » (4) .

وفي الدرجات الرفيعة : « واليهـالعباسـعمارة المسجد الحرام والسقاية
بعد أبي طالب عليه‌السلام »(5) .

_______________________

(1)انساب الأشراف 1 / 75.

(2)يعني ولد الزبير وعبد الله فإنهما أشقاء ابي طالب لأمه وهي فاطمة بنت عمرو بن عائذ
المخزومية.

(3)أنساب الأشراف 1 / 75.

(4)نفس المصدر.

(5)الدرجات الرفيعة / 79.


وقال ابن سلام : « ولم تزل السقاية له ولأولاده إلى اليوم ».

وفي حديث السقاية ما لا يخلو من نظر وذلك فيما رواه الأزرقي في أخبار
مكة : قال : « فقام بأمر السقاية بعدهـأي بعد عبد المطلبـالعباس بن عبد
المطلب فلم تزل في يده ، وكان للعباس كرم بالطائف وكان يحمل زبيبه إليها ،
وكان يداين أهل الطائف ويقتضي منهم الزبيب فينبذ ذلك كله ويسقيه الحاج
أيام الموسم حتى ينقضي في الجاهلية وصدر الإسلام ، حتى دخل رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلممكة يوم الفتح فقبض السقاية من العباس بن عبد
المطلب والحجابة من عثمان بن طلحة ، فقام العباس بن عبد المطلب فبسط يده
وقال : يا رسول الله بأبي أنت واُمي إجمع لنا الحجابة والسقاية فقال رسول الله
صلىاللهعليهوآلهوسلم: اُعطيكم ما فيه ولا ترزءون منه ، فقام بين عضادتي باب
الكعبة فقال : ألا انّ كل دم أو مال أو مأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي
هاتين إلّا سقاية الحاج وسدانة الكعبة فإني قد أمضيتهما لأهلهما على ما كانتا
عليه في الجاهلية ، فقبضها العباس فكانت في يده حتى توفي فوليها بعده عبد الله
بن عباس رضياللهعنه فكان يفعل فيها كفعله دون بني عبد المطلب ، وكان
محمّد بن الحنفية قد كلم فيها ابن عباس فقال له ابن عباس : مالك ولها
نحن أولى بها منك في الجاهلية والإسلام ، وقد كان أبوك تكلم فيها فأقمت البيّنة :
طلحة بن عبيد الله وعامر بن ربيعة وأزهر بن عبد بن عوف ومحزمة بن نوفل أنّ
العباس بن عبد المطلب كان يليها في الجاهلية بعد عبدالمطلب ، وجدك أبو
طالب في إبله في باديته بعرفة ، وان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أعطاها
العباس يوم الفتح دون بني عبد المطلب فعرف ذلك مَن حضر.


فكانت بيد عبد الله بن عباس بعد أبيه لا ينازعه فيها منازع ، ولا يتكلم فيها
متكلم حتى توفي ، فكانت بيد عليّ بن عبد الله بن عباس يفعل فيها كفعل أبيه
وجده يأتيه الزبيب من ماله بالطائف ، وينبذه حتى توفي ، وكانت بيد ولده حتى
الآن اه‍ » (1) .

فهذا الخبر ظاهر فيه التزلف للعباسيين ، ولم أقف له عند غير الأزرقي ،
وسنده لا يخلو من نظر فإن فيه عثمان بن ساج وساج اسم جده فهو عثمان بن
عمرو بن ساج ، قال الأزدي : يتكلمون في حديثه ، وقال العقيلي : « لا يتابع في
حديثه » (2) . وراوية حديثه سعيد بن سالم ويكفي فيه قول البخاري : يرى
الإرجاء ، وقول الفسوي : كان له رأي سوء وكان داعية يرغب عن حديثه ،
وقال العجلي : كان يرى الإرجاء وليس بحجة. وعن ابن معين : كانوا يكرهونه
إلى غير ذلك (3) .

أقول : إنّ للمفسرين اختلاف في أنّ عمارة المسجد الحرام كانت وظيفة
للعباس أو لا. وذلك في تفسير قوله تعالى : ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
) (4) .

فقد روى الحاكم الحسكاني عن اسماعيل عن الشعبي قال : « نزلت هذه
الآية في عليّ والعباس » (5) ، وكذلك السيوطي في تفسير الآية الكريمة(6) ، وابن
_______________________

(1)أخبار مكة 1 / 65 ط الماجدية بمكة المكرمة سنة 1352 ه‍.

(2)تهذيب التهذيب 7 / 145.

(3)نفس المصدر 4 / 35.

(4)التوبة / 19.

(5)شواهد التنزيل 1 / 244.

(6)الدر المنثور 3 / 218 ، ولباب النقول / 115.


المغازلي المالكي(1) ، وابن بطريق(2) ، وابن أبي شيبة في المصنف وعبد الرزاق
وابن جرير (3) ، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابو الشيخ وغيرهم رووا عن الشعبي
وأنس والسدي ومحمد بن كعب القرظي قالوا : نزلت هذه الآية في العباس
وعلي عليه‌السلام .

وراجع أيضاً ابن كثير في تفسيره(4) ، وابن الأثير في جامع الاصول(5) ،
والكنجي في كفاية الطالب (6) ، وابن المغازلي في المناقب(7) .

وثمة روايات تذكر أنّ الآية نزلت في العباس وشيبة وعليّعليه‌السلام حيث
افتخر العباس بالسقاية وشيبة بن عثمان بحجابة البيت واحتكما إلى عليّ عليه‌السلام
فقال : أنا هاجرت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجاهدت معه فأنزل الله تعالى الآية(8) .

وحيث انّ الآية صريحة في عمارة المسجد ، ولم تكن لشيبة انّما كانت له
حجابة البيت ، فالظاهر أنّ ما سبق هو الأولى.

قال ابن رستة في كتابه : « وأول من سنّ الطواف بالبيت سبعاً هو العباس
ابن عبد المطلب 10 ه‍ » (9) . ولم أقف على هذا عند غيره وهو أمر لا يخلو
من نظر.

_______________________

(1)مناقب المغازلي / ح 324.

(2)العمدة / 98.

(3)تفسير ابن جرير 10 / 60.

(4)نفس المصدر 2 / 241.

(5)جامع الاُصول 9 / 477.

(6)كفاية الطالب / 237.

(7)المناقب 2 / 321 ـ 322.

(8)أنظر أسباب النزول للواحدي / 182 ، وتفسيري الطبري والرازي.

(9)الأعلاق النفيسة / 198 ليدن.


إسلام العباس :

اختلف المؤرخون في وقت إسلامه ، فعن ابن عساكر عن عمرو بن عثمان
أنه أسلم ليلة الغار (1) .

وفي حديث الواقدي : أنّه أسلم وأسلمت معه زوجته أم الفضل ، وعلى هذا
يكون إسلامه بمكة قبل الهجرة ، لأن أم الفضلـزوجتهـكانت أول امرأة
أسلمت بعد السيدة خديجة أم المؤمنين ، فهي ثانية المسلمات السابقات ، وفي
حديث أبي رافع مؤشر واضح على ذلك.

فإنّ أبا رافع كان مولى للعباس فوهبه للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « كنت غلاماً للعباس
ابن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت ، وأسلمت أم الفضل
وأسلمتُ ، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم ، وكان يكتم إسلامه ، وكان
ذا مال كثير متفرق في قومه ، فخرج معهم إلى بدر وهو على ذلك » (2) .

وفي الاستيعاب : انه أسلم قبل فتح خيبر وكان يكتم إسلامه(3) .

وفي حديث الحجاج بن علاط(4) ما يشير بوضوح إلى أنه كان مسلماً يسرّه
ما يفتح الله به على المسلمين ، وأظهر إسلامه يوم فتح خيبر.

وقيل : إن إسلامه كان قبل بدر ، وكان يكتب بأخبار المشركين إلى
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان المسلمون يتقوّون به بمكة ، وكان يحب أن يقدم على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،
_______________________

(1)تهذيب تاريخ ابن عساكر 7 / 232.

(2)طبقات ابن سعد 4 ق1 / 5 ، والمعرفة والتاريخ 1 / 511.

(3)الاستيعاب 2 / 485 ط حيدر آباد ، وقارن أسد الغابة 3 / 110 ط أفست الاسلامية.

(4)حديث الحجاج بن علاط مذكور في كتب التاريخ والسيرة في واقعة خيبر راجع طبقات
ابن سعد 4 ق1 / 10ـ11 ، والسيرة النبوية لابن هشام 2 / 345ـ346 ، وتاريخ الطبري 3 / 17ـ
19 ، والمعرفة والتاريخ للفسوي 1 / 507 ـ 509.


فكتب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليه : إن مقامك بمكة خير(1) ، فلذلك قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر فمن
لقي منكم العباس فلا يقتله فإنّما اخرج كارهاً.

وذكر ابن سعد في الطبقات : إنّ قريشاً لمّا نفروا إلى بدر ، فكانوا بمر
الظهران ، هبّ أبو جهل من نومه فصاح فقال : يا معشر قريش ألا تباً لرأيكم ماذا
صنعتم ، خلّفتم بني هاشم وراءكم ، فإن ظفر بكم محمّد كانوا من ذلك بنجوة ،
وإن ظفرتم بمحمد أخذوا ثارهم منكم من قريب من أولادكم وأهليكم ، فلا
_______________________

(1)من الدس الرخيص ما قاله المستشرق جون باجوت غلوب في كتابه الفتوحات العربية
الكبرى / 143 ط مكتبة المثنى ببغداد : « وقد اختلف المؤرخون في سلوك العباس
اختلافاً كبيراً ، فادعى بعضهم انه كان قد أسلم منذ أمدٍ طويل وأنه كان مخلصاً في
إسلامه ، ولم يبق كل تلك المدة في مكة متظاهراً بالشرك إلّا لخدمة مصالح ابن أخيه
ورأى بعضهم أنه كان صورة مبكرة لراعي أبرشية بري متظاهراً بالإخلاص لقريش
ومتصلاً سراً بالمسلمين أقول : لقد حنّ قدحٌ ليس منها ، اشنت الفصال حتى القرعى ،
وقد هزلت الحياة العربية حتى صار يؤرخها ويكتب في فتوحاتها من الأغيار الأجانب
عنها خَلقاً وخُلقاً ورأياً ومنطقاً ، أمثال هذا المراوغ المخادع ، ولو سأله القارئ أي فرق
بين الرأيين اللذين زعم أنهما لغيرهما ، فالرأي الأول في سلوك العباس كان مخلصاً في
إسلامه ، متظاهراً بالشرك لخدمة مصالح ابن أخيه. والرأي الثاني : كان متظاهراً
بالاخلاص لقريش ، ومتصلاً سراً بالمسلمين ، فهو في الحقيقة على كلا الرأيين ، كان
يتظاهر بالشرك وليس بمشرك ، ويتصل سراً بالمسلمين ، وما ذلك إلّا لخدمة مصالح ابن
أخيه » على حد تعبيره.

ولكن هذا الانسان الصليبي الحاقد أراد أن ينال من الإسلام والكيد لنبيّه ، بالطعن
في سلوك عمه فجعله مثلاً مبكراً لراعي أبرشية بري. وهذا كما عرّفه هو بأنه كان راعياً
لكنيسة بري في عهد هنري الثامن في انكلترا ، وكان انتهازياً تقلب من الكثلة إلى
البروتستانية وبالعكس حسب رغبة الحكام. ألا مسائل هذا الصِلف أين وجه الشبه بينه
وبين العباس في السلوك؟!.

ولو قال انه أقام بمكة يرعى مصالح ابن أخيه بداعي التعصب للقرابة كما صنع ذلك
يوم دخل معه الشعب في الحصار الذي فرضته عليه قريش ، وقد مرّت الاشارة إليه
فراجع ، لكان لقوله نحو تخريج وان لم يكن مقبولاً. ولكنها الصليبية إلى الأبد.


تذروهم في بيضتكم وفنائكم ، ولكن أخرجوهم معكم ، وإن لم يكن عندهم
غناء ، فرجعوا اليهم ، فأخرجوا العباس بن عبد المطلب ونوفلاً وطالباً
وعقيلاً كرهاً (1) .

وذكر محمّد بن حبيب في كتابيه نقلاً عن محمّد بن عمر المدنيـ
الواقديـ: إنّ العباس نحر في بدر عشراً من الإبل ، فلم تطعمها قريش وأكفأت
قدوره لعلمها بميله إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (2) .

وفي الدرجات الرفيعة قال السيد المدني : « وكان العباس أحد العشرة
الذين ضمنوا اطعام أهل بدر ، قد نحر كل واحد يوم نوبته عشراً من الإبل ، وكان
حمل معه عشرين أوقية من الذهب ليطعم بها الناس ، وكان يوم بدر في نوبته ،
فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا وبقيت العشرون أوقية فأخذت منه حين أخذ
وأسر في الحرب » (3) .

ومهما كان من أمر الإطعام فلا شك في أنه كان في الأسرى يوم بدر ،
أسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري ، وكان أبو اليسر رجلاً صغير الجثة ، وكان
العباس رجلاً عظيماً قوياً ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي اليسر : كيف أسرته؟ قال : أعانني
رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده ، فقال : لقد أعانك عليه ملك كريم (4) .

إلّا أنّ ابن إسحاق لم يذكر اسمه مع الأسارىـكما في سيرة ابن هشامـ
وابن اسحاق مؤرخ دولة رسمي للعباسيين!

_______________________

(1)طبقات ابن سعد 4 ق1 / 4 ـ 5.

(2)المحبّر / 162 ، والمنمّق / 489.

(3)الدرجات الرفيعة / 81 ط الحيدرية 1382 ه‍.

(4)طبقات ابن سعد 4 ق1 / 6 ، والدرجات الرفيعة / 80.


وذكر ابن سعد أنّ قريشاً في يوم بدر جمعت بني هاشم وحلفاءهم في قبّة
وخافوهم فوكّلوا بهم من يحفظهم ويشدد عليهم ، ومنهم حكيم بن حزام (1) .

وذكر أيضاً : انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال يوم بدر : من لقي أحداً من بني هاشم فلا
يقتله فإنهم اخرجوا كرهاً ، فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة : والله لا ألقي رجلاً
منهم إلّا قتلته ، فبلغ ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : أنت القائل كذا وكذا؟ ، قال : نعم يا
رسول الله شقّ عليَّ إذا رأيت أبي وعمي وأخي مقتّلين فقلت الذي قلت ، فقال له
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ أباك وعمك وأخاك خرجوا جادّين في قتالنا طائعين غير
مكرهين ، وإن هؤلاء أخرجوا مُكرَهين غير طائعين لقتالنا (2) .

وفي تاريخ الطبري قال أيضاً : فمن لقي منكم العباس فلا يقتله(3) .

وأرق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنين عمه العباس وعلم ذلك بعض أصحابه فأرخى وثاقه
فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما بالي لا أسمع أنين العباس؟ فقال رجل : أرخيت من وثاقه شيئاً ،
قال : أفعل ذلك بالأسارى كلهم.

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للعباس : أفد نفسك يا عباس وابن أخيك عقيل بن أبي طالب
ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم فإنك ذو مال ، قال : يا
رسول الله إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني ، قال : الله أعلم بإسلامك ، إن
يك ما تذكر حقاً فالله يجزيك به ، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك ،
وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أخذ منه عشرين أوقية من ذهب ، فقال العباس : يا رسول
_______________________

(1)طبقات ابن سعد 4 ق1 / 6.

(2)نفس المصدر 4 ق1 / 6.

(3)تاريخ الطبري 2 / 282.


الله أحسبها لي من فدائي ، قال : لا ذلك شيء أعطاناه الله منك ، قال : فإنه ليس لي
مال ، قال : فأين المال الذي وضعتَ بمكة حين خرجت عند أم الفضل بنت
الحارث ليس معكما أحد ثم قلت لها : إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا
وكذا ولعبد الله كذا وكذا ، قال : والذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيري
وغيرها ، وإني لأعلم أنك رسول الله ، ففدى العباس نفسه وابن أخيه وحليفه (1) .

ثم رجعوا جميعاً الى مكة ثم اقبلوا الى المدينة مهاجرين(2) .

وذكر أنّ العباس ونوفل وعقيل رجعوا الى مكة أمروا بذلك ليقيموا ما
كانوا يقيمون من أمر السقاية والرفادة والرئاسة ، وكانت السقاية والرفادة
والرئاسة في الجاهلية في بني هاشم ، ثم هاجروا بعد الى المدينة (3) .

وفي فداء العباس نفسه ومن كان معه روي شأن نزول قوله تعالى :( قُل
لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ
مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
) (4) .

ولمّا رجع العباس إلى مكة أقام بها عيناً للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على قريش ، حتى إذا
عزمت قريش على المسير إلى المدينة في وقعة أحد كتب العباس بن عبد
المطلب كتاباً وختمه وأستأجر رجلاً من بني غفار وشرط عليه أن يسير ثلاثاً إلى
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخبره انّ قريشاً قد اجتمعت للمسير اليك فما كنت صانعاً إذا
_______________________

(1)طبقات ابن سعد 4 ق1 / 6 ـ 7 ، ومسند أحمد 1 / 353.

(2)نفس المصدر 4ق1 / 9.

(3)نفس المصدر 4ق1 / 10.

(4)الأنفال / 70.

وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8 / 52 ، وتفسير الطبري 10 / 49ـ50 ، ومجمع البيان
4 / 549 ، والميزان 9 / 138 ـ 140.


دخلوا بك فاصنعه ، وقد وجهوا وهم ثلاثة الاف وقادوا مائتي فرس وفيهم
سبعمائة دارع وثلاثة آلاف بعير ، وقد أوعبوا من السلاح فقدم الغفاري فلم يجد
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمدينة وجده بقباء ، فخرج حتى وجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على باب
مسجد قباء يركب حماره ، فدفع إليه الكتاب فقرأه عليه أبي بن كعب ... (1) .

هجرة العباس :

قال البلاذري وغيره : وهاجر العباس إلى المدينة قبل فتح مكة ، وبه انقطعت
الهجرة ، ولقي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالسقيا(2) ، وقيل بالجحفة(3) ، وقيل بذي الحليفة(4) .

أقول : ويظهر من بعض الأخبار أنّ زوجته أم الفضل كانت تزور المدينة
وتقيم فيها كما سيأتي في حديثها عن رضاعها للإمام الحسين عليه‌السلام ولا يجد أنّ
العباس كان معها زائراً وليس مهاجراً ، والذي أراه أنه وصل المدينة قبل خروج
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى فتح مكة(5) . لحديث ابن عباس قال : « سافرت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
في رمضان فصام حتى بلغ عسفان ، ثم دعا بإناء فشرب بها ليراه الناس ثم أفطر
حتى دخل مكة وافتتح مكة في رمضان » (6) ، وهذا الحديث أخرجه البخاري في
_______________________

(1)شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 360.

(2)شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 207 ، واعيان الشيعة 2 / 236 ، والسقيا قرية من أعمال
الفرع بينها وبين الجحفة 19 ميلاً معجم البلدان (السقيا).

(3)البداية والنهاية 1 / 296 ، وتاريخ ابن خلدون 2 ق2 / 42 ، والجحفة على ثلاث مراحل من
مكة في طريق المدينة بينها وبين غدير خم ميلان.

(4)البداية والنهاية 1 / 296 ، وتاريخ ابن خلدون 2 ق2 / 42 ، وانساب الأشراف 1 / 355.

وذو الحليفة على خمسة أميال ونصف من المدينة المنوّرة (كتاب
المناسك للحربي / 422).

(5)أنساب الأشراف 1 / 355.

(6)نفس المصدر.


صحيحه(1) ، ومسلم(2) ، وأبو داود في سننه(3) ، والنسائي(4) ، والطبراني في معجمه(5) . وقد
أقطعه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هجرته هو ونوفل بن الحارث في موضع واحد وآخى بينهما
فكانا متجاورين كما كانا في الجاهلية شريكين في المال متحابين متصافيين.

وخرج العباس مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشهد فتح مكة(6) وله قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أبي سفيان
ابن حرب حين جاء مستسلماً : « أحبسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي حتى تمرّ عليه
جنود الله ، قال العباس : فخرجت حتى حبسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي ، فمرّت
عليه القبائل فيقول : مَن هؤلاء يا عباس؟ فأقول : سُليم ، فيقول : مالي ولسُليم ، فتمرّ به
قبيلة فيقول : من هؤلاء؟ فأقول : أسَلم ، فيقول : مالي ولأسَلم ، وتمر جهينة فيقول : مالي
ولجهينة ، حتى مرّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار في
الحديد لا يُرى منهم إلّا الحدق ، فقال : من هؤلاء يا أبا الفضل؟ فقلت : هذا رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المهاجرين والأنصار ، فقال : يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً ،
فقلت : ويحك إنها النبوّة ، فقال : نعم إذا » (7) .

وليس ببعيد أنّ العباس أحسّ من أبي سفيان في موقفه ذلك اليوم أنه لا
يزال امرءاً تساوره نفسه بالملك ، ولم يقتنع بالنبوّة ، لذلك قال للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا رسول
_______________________

(1)صحيح البخاري برقم / 1948 و 4279.

(2)صحيح مسلم برقم / 1113.

(3)سنن ابي داود برقم / 2378.

(4)سنن النسائي 4 / 184.

(5)المعجم الكبير للطبراني 11 / 26.

(6)قال ابن خلدون : فبعث العباسـرحله إلى المدينة وانصرف معه غازياً ، تاريخ ابن خلدون
2 ق2 / 42.

(7)أعيان الشيعة 2 / 337.


الله إنّ أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً يكون في قومه ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (من
دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه
فهو آمن) (1) .

ولمّا خطبصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في يوم الفتح فقال : (إنّ الله حرّم مكة يوم خلق السماوات
والأرض وهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة ، لا ينّفر صيدها ، ولا يعضد
شجرها ، ولا يختلى خلاها ، ولا تحل لقطتها إلّا لمنشد) (2) .

فقال العباس : « يا رسول الله إلّا الأذخر فإنّه للقين والبيوت » ، فقال
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إلا الأذخر فإنه حلال)(3) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خطبته : (ألا وإن كل مأثرة أو دمٍ أو مالٍ يدّعى فهو تحت
قدميّ هاتين إلّا سدانة البيت وسقاية الحاج) (4) ، وتطلّع العباس إليهما معاً ، إلّا أنّ
الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ردّ عليه السقاية ، ولم يعطه السدانة ، بل ردّ مفاتيح الكعبة إلى
بني شيبة (5) .

مشاهده في الإسلام :

وشهد مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقعة حنين ، وكان ممّن ثبت معه إذ انهزم الجمع وولّوا
الدبر ، وذلك اليوم أول يوم شهد فيه الحرب مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفيه أنزل الله السكينة
على نبيه وعلى المؤمنين الذين ثبتوا معه ، وذلك قوله تعالى : ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ
_______________________

(1) الاستذكار لابن عبد البر 5 / 152 ط دار الكتب العلمية ، والثقات لابن حبان 2 / 47 ط دار
الفكر ، وتاريخ مدينة دمشق 22 / 450.

(2) صحيح البخاري كتاب المغازي 5 / 153 ط بولاق.

(3) الكافي (الفروع) 1 / 228 ط الحجرية سنة 1312 ، ومصابيح السنة للبغوي 1 / 154.

(4) أعيان الشيعة 2 / 343.

(5) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 212.


فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ
عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ
* ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ
وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ
الْكَافِرِينَ
) (1) .

قال الشيخ المفيد : « يعني بالمؤمنين عليّاً ومن ثبت معه من بني هاشم »(2) .

وقال الشيخ المفيد أيضاً : « ولمّا رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هزيمة القوم عنهـيوم
حنينـقال للعباسـوكان رجلاً جهورياً صيّتاًـناد بالقوم وذكّرهم العهد ،
فنادى العباس باعلى صوته : يا أهل بيعة الشجرة ، يا أصحاب سورة البقرة ، إلى
أين تفرّون؟! اذكروا العهد الذي عاهدتم عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والقوم على
وجوههم قد ولّوا مدبرين.

قال العباس : فناديت فأقبلوا كأنهم الأبل إذا حنّت إلى أولادها »(3) .

قال جابر بن عبد الله الأنصاري : « بايعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت الشجرة على
أن لا نفرّ ، ولم نبايعه على الموت ، فأنسيناها يوم حنين حتى نودي يا أصحاب
الشجرة فرجعوا » (4) .

وإلى هذا الموقف المهزوز المهزوم ، يشير القرآن الكريم بقوله تعالى
( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ
بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ
* ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى
_______________________

(1)التوبة / 25 ـ 26.

(2)الارشاد / 74.

(3)نفس المصدر / 75.

(4)شرح صحيح مسلم 5 / 167 ، وسنن النسائي 7 / 140.


الْمُؤْمِنِينَ ) (1) ويعني بالمؤمنين : عليّاً ومن ثبت معه من بني هاشم ، وهم يومئذ
ثمانية نفر سواه فهو يضرب بين يديه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالسيف حتى قتل أربعين رجلاً بيده(2)
والعباس بن عبد المطلب عن يمينه آخذ بلجام البغلة والفضل بن العباس عن
يساره ، وأبو سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند ثفر بغلته ، ونوفل بن الحارث ،
وربيعة بن الحارث ، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ، وعتبة ومعتب ابن أبي
لهب حوله ، ومعهم نفر واحد من غيرهم هو أيمن بن أم أيمن ، وقد قُتل رحمه‌الله (3)
وفي ذلك يقول العباس بن عبد المطلب (4) :

_______________________

(1)التوبة / 25 ـ 26.

(2)الجامع لأحكام القرآن 8 / 99 ط دار احياء التراث العربي لبنان.

(3)الارشاد للشيخ المفيد / 74 ، قال أبو عمر في الاستيعاب 2 / 485 ط حيدر آباد بعد ذكره
شعر العباس وفيه : (نصرنا رسول الله في الحرب سبعة وثامننا) وقال ابن اسحاق : السبعة
عليّ والعباس والفضل بن العباس وابو سفيان بن الحارث وابنه جعفر وربيعة بن الحارث
واسامة بن زيد والثامن أيمن بن عبيد ، وجعل غير ابن اسحاق في موضع أبي سفيان عمر
ابن الخطاب ، والصحيح ان أبا سفيان بن الحارث كان يومئذ معه لم يختلف فيه ، واختلف
في عمر أه‍. وورد نحو ذلك في معارف ابن قتيبة / 164 من دون ذكر عمر.

(4)ذكرت أبيات العباس في عدة مصادر مختلفة كمّاً وكيفاً ، فذكر المفيد في الارشاد ص 74
ثلاثة أبيات منها ، وفيها(نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وبعده وعاشرنا ...) ، وذكر ابن
قتيبة في المعارف / 164 ط دار الكتب بيتين هما (نصرنا رسول الله في الحرب سبعة
وبعده وثامننا ) ، ومثل ذلك ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب 2 / 285 ط حيدر آباد ( نصرنا
رسول الله في الحرب سبعة وبعده وثامننا ...) ، وذكر الزرقاني في شرح المواهب 3 / 19
بيتين هما (نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وبعده وعاشرنا) ، أمّا ابن رشيق القيرواني
فقد ذكر في العمدة 1 / 23 أربعة أبيات منها قوله : (نصرنا رسول الله في الحرب سبعة دون
ما بعده) وقد علّق محقق الكتاب محمّد محيي الدين عبد الحميد على قول العباس
(سبعة) فقال : أثبت التاريخ أن المسلمين في غزوة حنين لما أنهزموا أمام هوازن وثقيف
ومن لفّ لفّهم من الأعراب ، بقي مع رسول الله صلى الله عليه(وآله)وسلّم ثمانية رجال ،
وهم : أبو بكر وعمر وعلي والعباس والفضل بن العباس وابو سفيان بن الحارث وأخوه
ربيعة ابن الحارث ومعتب بن أبي لهب ، وكان رسول الله راكباً بغلة ، والعباس آخذاً بلجامها


_____________________________________

وأبو سفيان آخذاً بالركاب أقول : من الغريب قوله هذا ، فإنّه تعوزه الدقة ، لأن التاريخ لا
يثبت باتفاق : اسم أبي بكر وعمر مع الذين ثبتوا مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل الذي أثبته باتفاق
أسماء الهاشميين وليس معهم من غيرهم إلّا أيمن بن أم أيمن حاضنة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو
معدود منهم.

أمّا أبو بكر وعمر فقد مر عن ابن عبد البر في الاستيعاب قوله : وجعل غير ابن اسحاق
في موضع أبي سفيان عمر بن الخطاب ، والصحيح ان أبا سفيان بن الحارث كان يومئذ
معهم لم يختلف فيه ، واختلف في عمر اه‍ ويزيد ذلك بياناً قول ابن كثير في سيرته
3 / 618 بعد ذكره لبني هاشم (ومن الناس من يزيد فيهم قثم بن العباس ورهط من
المهاجرين منهم أبو بكر وعمر) ولما كان معلوماً في التاريخ ان قثم كان يوم وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
صغيراً ، علمنا ان ذلك المتزيّد من الناس كان حاطب ليل في أسماء من زادهم. وعلى
هذا فقول المعلّق المحقّق (أثبت التاريخ ...) يعوزه الإثبات ، كما يعوزه هو نفسه التثبّت
مع انه لم يذكر من ذكرهما أين كان مقامهما ، بينما ذكر المؤرخون كما سبق عن الباقين
مكانهم. ولم يكن فرارهما في حنين بدعاً فقد فرا يوم أحد ورجعا يوم خيبر منهزمين
وذلك يكفينا حجة في دحض زعمه ، ثم أعتراف أبي بكر نفسه في انه كان من الفارين يوم
أحد وبكاؤه لذلك كما حدثت عنه ابنته عائشة فيما أخرجه عنها بأسانيدهم كل من
الطيالسي وابن سعد وابن السنّي والشاشي والبزار والطبراني في الاوسط وابن حيّان
والدارقطني في الإفراد وابو نعيم في المعرفة والضياء المقدسي ، وذكر ذلك عن هؤلاء
جميعاً المتقي في كنز العمال 5 / 274 قال : « عن عائشة قالت كان أبو بكر إذا ذكر يوم
أحد بكىـإلى أن قالتـ: ثم أنشأ تعني يحدّث قال : كنت أول من فاء يوم أحد
الحديث ».

أقول : الفيء الرجوع ومن المعلوم انه لا رجوع إلّا بعد الفرار. والفرار من الزحف من
الذنوب التي لا كفارة لها على حد الشرك بالله وقتل النفس بغير حق كما في حديث أبي
هريرة ، وأخرجه أحمد في مسنده ، وابو الشيخ في التوبيخ ، ورواه السيوطي في الجامع
الصغير ، والمناوي في الفيض القدير 3 / 458 ، والديلمي في الفردوس ، وغيرهم ولعل ذلك
كان سر بكاء أبي بكر.

واما عن فرار عمر فسل عنه أم الحارث الانصارية(رض)التي كانت استأذنت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في
قتل الفارين فهي التي اعترضت عمر بن الخطاب وهو فارّ فقالت له : « يا عمر ما هذا؟
فقال : أمر الله » المغازي للواقدي / 904 ط أورباـأي قضاء الله وقدرهـولم يخف ذلك
حتى نظمه الشعراء فقال بعضهم :

وما أنسى لا أنسى اللذين تقدّما

وفرّهُما والفَرّ قد علما حُوبُ

(العلويات السبع لابن أبي الحديد المعتزلي ط حجرية).


ألا هل أتى عرسي مكرّي ومقدمي

بوادي حنينٍ والأسنّة تشرع

وقولي إذا ما النفس جاشت لها قدي

وهامٌ تدهدهُ والسواعد تقطع

وكيف رددت الخيل وهي مغيرة

بزوراء تعطي باليدين وتمنع

كأن السهام المرسلات كواكب

إذا أدبرت عن عجسها وهي تلمع

وما أمسك الموت الفظيع بنفسه

ولكنه ماضٍ على الهول أروع

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة

وقد فرّ من قد فرّ عنه وأقشعوا

وعاشرنا لاقي الحمام بسيفه

بما مسّه في الله لا يتوجّع

ومنها : حنوت إليه حين لا يحنأ امرؤ

على بكره والموت في القوم منقع

ومنها : وقولي إذا ماالفضل شد بسيفه

على القوم أخرى يا بُني ليرجعوا

وشهد مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غزوة الطائف وغزوة تبوك وحمل فيها يومئذٍ من
المسلمين رجلين أمدّهما بالزاد والراحلة كما تبرع بتسعين ألفاً من ماله إعانة
لجيش المسلمين (1) فلا بدع في قيامه بنصرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد أن كان نصره من يوم
حصار الشعب ولم يكن يومئذ مسلماً ، فكيف لا ينصره بعد إسلامه ، مضافاً إلى
أنّه كان قد أوصاه بذلك أخوه أبو طالب رضوان الله تعالى عليه كما أوصى أخاه
الحمزة وابنيه عليّاً وجعفر حيث قال :

أوصي بنصر النبيّ الخير مشهده

(عليّاً ابني وعم الخير عبّاسا)

وحمزة الأسد المخشيّ جانبه

وجعفراً ان تذودا دونه الناسا

كونوا فدىً لكم أمي وما ولدت

في نصر أحمد دون الناس أتراسا

في أبيات غيرها(2) .

_______________________

(1)امتاع الاسماع للمقريزي / 446 ـ 449.

(2)يراجع عنها : مناقب ال أبي طالب للحافظ السروي 1 / 56 ، الدرجات الرفيعة / 61 ، أعيان
الشيعة 2 / 120 ـ 121 ، وغيرها.


وذكر المؤرخون واصحاب السير : انّ العباس هو الذي كان تولّى تزويج
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ميمونة بنت الحارث ، وهي اخت زوجته أم الفضل ، وأصدقها من
ماله 400 درهم وذلك في ذي القعدة عام سبع من الهجرة.

كما ذكروا أنه هو الذي قام بضيافة عبد الله بن جدعان بدلاً عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وسيأتي في الحديث عن حبر الأمة في عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ أباه العباس كان
يبعثه إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليبيت عنده ولا ينامنّ حتى يحفظ له صلاته ودعاءه ممّا
يشعرنا بأن العباس أراد الأستنان بسنته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أعماله العبادية ليلاً وهو في بيته.

مكانة العباس عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

لقد ذكر الحافظ ابن البطريق (ت 523)ـوهو من عيون علماء الإمامية في
القرن السادسـفي مقدمة كتابه (عمدة عيون الأخبار) ما يدل على فضل
العباس مستدلاً في ذلك بآي من القرآن الكريم كآية المودة في القربى (1) ، وآية
الخمس (2) ، وآية الفيء(3) ، واستدل أيضاً بما رواه الشيخ الطوسي في الأمالي
بسنده عن عبد الله بن الحارث عن العباس بن عبد المطلب رضياللهعنه قال :
« قلت يا رسول الله ما لنا ولقريش إذا تلاقوا بوجوه مستبشرة ، وإذا لقونا ، لقونا
بغير ذلك؟ قال : فغضب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم قال : والذي نفسي بيده
لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله » (4) .

قال الحافظ ابن البطريق : فأدخل العباس في جملة من لا يدخل قلب رجل
الإيمان إلّا بحبهم ، وهذا أبلغ ممّا ذكره الثعلبي في المعنى ، لأنه أدخله بكاف
_______________________

(1)الشورى / 23.

(2)الأنفال / 41.

(3)الحشر / 7.

(4)عمدة عيون الأخبار 1 / 47.


الجمع الشاملة ، ثم ذكر خبراً عن الشيخ الطوسي في كتابه (انس الوحيد) وفيه أنّ
جبرئيل عليهالسلام أتى النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : يا محمّد جئتك
بكرامة أكرمك الله بها ، سهم تجعله في قرابتك وابدأ بعمك العباس ، وثلّث بخبر
ذكره الحلواني في كتابه (1) في لمع كلام الإمام الزكي أبي الحسن عليّ بن
محمّد العسكري عليهم‌السلام لمّا سأله المتوكل فقال له : « ما يقول بنو أبيك في
العباس؟ قال : ما يقولون في رجل فرض الله طاعته على الخلق وفرض طاعة
العباس عليه » وقال : يريد بذلك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وان العباس رضي
الله عنه والد وطاعته له كطاعة الوالد...

ثم استشهد بشعر الكميت بن زيد الأسدي جاء فيه : (من قصيدة في
الهاشميات لمن قلب متيم مستهام) :

وأبو الفضل إن ذكرهم الحلو

والشفا للنفوس من الأسقام

وقوله أيضاً في غيرها :

ولن أعزل العباس صنو نبينا

وصنوانه فيمن اُعد واُندب

ولا ابنيه عبد الله والفضل إنني

جنيب بحب الهاشميين مصحب

أقول : ولا شك فيما ذكره الحافظ ابن البطريق رحمهالله ، وإن كان الرجل
قد عاصر الخليفة الناصر لدين الله العباسي ، واحتمال انّه إنّما قدم ذلك في أول
كتابه تقية منه ، ولكن تشيّع الناصر المعلوم يدفع هذا الاحتمال الموهوم.

ولا نمنع ما قاله الذهبي : « وقد اعتنى الحفاظ بجمع فضائل العباس رعاية
للخلفاء » (2) .

_______________________

(1)نزهة الناظر / 70.

(2)سير أعلام النبلاء 3 / 413 ط دار الفكر بيروت.


أقول : وهذا ممّا لا شك فيه ، ولكن لا يعني انّ كل ما جمعوه كان من
الموضوعات ، كما لا نشك بأنه كانت له مكانة مرموقة وسجايا طيبة كما لا نشك
بأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يحب عمه العباس وله عنده منزلة نوّه عنها بقوله : (لا تؤذونني
في عمي العباس ، عم الرجل صنو أبيه ، هذا عمي وصنو أبي).

ففي أمالي الشيخ الطوسي عن عليّعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إنّما عم
الرجل صنو أبيه) (1) .

وأخرج البغوي عن عليّعليه‌السلام : (انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعمر في عمه العبّاس : إنّ
عم الرجل صنو أبيه) (2) .

ولعل ما رواه البغوي مختصراً هو ما أخرجه ابن سعد في الطبقات ،
والفسوي في كتاب المعرفة والتاريخ : « انّ رسول الله صلى الله عليه(وآله)وسلم
استعمل عمر بن الخطاب على السعاية ، فأتى العبّاس يطلب صدقته ، فأغلظ له
العباس ، فأتى عمر عليّاً وذكر ذلك له ليذكره للنبيّ صلى الله عليه(وآله)وسلم
فأتاه عليّ عليه‌السلام فأخبره ، فقال رسول الله صلى الله عليه(وآله)وسلم لعمر : (تربت
يداك ، أما علمت أنّ عم الرجل صنو أبيه ، إن العباس أسلفنا زكاة العام عام الأول) » (3) .
وقد رواه الفسوي بعد ذلك مرة أخرى بتفاوت في السند والمتن ، فراجع (4) .

_______________________

(1)أمالي الطوسي 1 / 280.

(2)مصابيح السنة 2 / 207.

(3)طبقات ابن سعد 4 ق 1 / 17 ، كتاب المعرفة والتاريخ 1 / 500.

(4)جاء في كنز العمال 6 / 552 ط مؤسسة الرسالة بحلب : عن عليّ أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تعجل من
العباس صدقة عامينـعن مصنف عبد الرزاقـ. وجاء فيه أيضاً عنه : أن العباس سأل
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحلّ فرخّص له في ذلك ، نقلاً عن أحمد والدارمي
وابي داود وابن ماجة والترمذي وابن جرير وصححه وابن خزيمة والحاكم في المستدرك
وغيرهم.


ولعل ذلك القول من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ترك أثراً بالغاً في نفس عمر بل وحتى في
نفوس الصحابة فكانوا يحترمون العباس ويجلّونه ، حتى روى ابن أبي الزناد عن
أبيه : انّ العباس بن عبد المطلب لم يمرّ قط بعمر ولا عثمان وهما راكبان إلّا
ترجّلا حتى يجوزهما إجلالاً له أن يمرّ وهما راكبان وهو يمشي (1) .

وقد ورد في مستدرك الحاكم عن ابن عباس : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجلّ
العباس إجلال الوالد (2) .

وأخرج الترمذي عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب : انّ
العباس دخل يوماً على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مغضباً وانا عنده فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما
أغضبك؟ فقال : يا رسول الله ما لنا ولقريش إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مسفرة ،
فاذا لقونا لقونا بغير ذلك ، فغضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى أحمرّ وجهه ثم قال :
(والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجلٍ الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله ، ثم قال
أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني فإنما عم الرجل صنو أبيه) (3) ، وفي رواية
ابن حجر (ما بال أقوام يتحدثون فاذا رأوا الرجال من أهل بيتي قطعوا حديثهم
والله لا يدخل قلب الرجل الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتهم مني) (4) .

ويجد الباحث في صور بعض عهود النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واقطاعاته شهادات للعباس ،
نحو : قسمة قمح خيبر وفيها شهد عباس بن عبد المطلب. وآخر (5) والاقطاع
_______________________

(1)عيون الأخبار لأبن قتيبة 1 / 269 ط دار الكتب.

(2)مستدرك الحاكم 3 / 324 وصححه ، وأقره الذهبي في التلخيص ، كما رواه في سير أعلام
النبلاء 3 / 414 ط دار الفكر.

(3)صحيح الترمذي 5 / 652 تح‍ إبراهيم عطوة عوض ، ومستدرك الحاكم 3 / 333 ، والمعرفة
والتاريخ 1 / 499.

(4)الصواعق المحرقة / 228 تح‍ عبد الوهاب عبد اللطيف.

(5)مجموعة الوثائق السياسية / 22 رقم 18 ط مصر.


للداريين وهم من لخم وفيه شهد عباس بن عبد المطلب. وجماعة(1) والاقطاع
لبني جعيل من قبيلة بلّي وفيه شهد عباس بن عبد المطلب. وجماعة (2) والعهد
الذي بين النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين النصارى وفيه شهد عباس بن عبد المطلب. وجماعة(3) .

وقد أقطعه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مواضع من الأرض لم تفتح بعد ، وأوصى أن تدفع له
بعد الفتح ، وكتب له بذلك (4) كما أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أمر بسد الأبواب الشارعة إلى
المسجد إلّا باب عليّ عليه‌السلام فضّل عمه العباس بجعل ميزاب له على المسجد ،
وقصة الميزاب مشهورة (5) .

ولـه موقف بعد موت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نصرة ابن أخيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام
في مسألة الخلافة ، سنأتي على تفصيله فيما يأتي.

أستسقاء عمر بالعباس :

وقد أستسقى به عمر عام الرمادة سنة 17 من الهجرة حين قحط الناس وقد
ذكرها كثير من المؤرخين ، وبأسانيد مختلفة :

منهم الحافظ ابن عساكر فقد ذكر روايات عديدة في ذلك ، نقتصر على
روايته عن محمّد بن اسحاق بن خزيمة النيسابوري من طريق موسى بن جعفر
_______________________

(1)نفس المصدر / 44 رقم 43.

(2)نفس المصدر / 48.

(3)نفس المصدر / 95.

(4)رياض الشهادة / 275ـ278 ، الأنوار النعمانية / 496 ، بحار الأنوار 8 / 246 ط الكمپاني ، وفي
طبقات ابن سعد 4 ق1 / 14حديث العباس مع عمر في إقطاعه البحرين وشهادة المغيرة له
بذلك فلم يقبل عمر شهادته فأغلظ العباس لعمر ، وذكر ذلك عمر بن شبة في اخبار
البصرة أيضاً كما في وفيات الأعيان 6 / 367.

(5)ولقد حوّرها الذهبي في سير أعلام النبلاء 2 / 70 فراجع. والقصة مذكورة في بحار الأنوار
8 / 244 ، والأنوار النعمانية / 496 ، كما أخرجها الحاكم في المستدرك 3 / 331 ، وأحمد في
المسند 1 / 210 ، والفسوي في المعرفة والتاريخ 1 / 511.


عن أبيه عن أجداده عن جابر أنّ السِنة لمّا أصابت أهل المدينة سنة الرمادة
استسقوا ثلاث مرات فلم يسقوا فقال عمر بن الخطاب : لأستسقين غداً بمن
يسقينا الله به ، فأخذ الناس يقولون بعليّ بحسن بحسين ، فلمّا أصبح غداً عند
العباس وقال له : اخرج بنا حتى نستسقي الله بك ، فقال العباس : يا عمر اقعد في
بيتي ، فأرسلـالعباسـإلى بني هاشم أن تطهروا وألبسوا من صالح ثيابكم ،
فأتوه ، فأخرج طيباً فطيّبهم ، ثم خرج العباس وعلي أمامه والحسن عن يمينه
والحسين عن يساره وبنو هاشم خلف ظهره ، وقال : يا عمر لا تخلط بنا غيرنا ، ثم
أتوا المصلّى فوقفوا ، ثم انّ العباس : حمد الله وأثنى عليه فقال : اللّهم إنك خلقتنا
وعلمت ما نحن عاملون به قبل أن تخلقنا فلم يمنعك علمك بحالنا عن رزقنا
، اللّهم كما تفضّلت علينا في أوله فتفضل علينا في آخره.

قال جابرـراوي الحديثـفما تمّ دعاؤه حتى سحّت السماء ، فما وصلنا
إلى منازلنا إلّا بللنا من المطر ، فقال العباس : أنا المسقي ابن المسقي ابن المسقي
كررها خمس مرات ، فقيل لموسى بن جعفر وكيف ذاك ، فقال : استسقى فسقى
عام الرمادة واستسقى عبد المطلب بسقي زمزم إلى أن قال : والخامسة : أسقى
الله إسماعيل زمزم (1) .

وروى الشيخ الصدوق في كتابه من لا يحضره الفقيه مجيء عمر إلى
العباس طلباً للاستسقاء قال : « فقام العباس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : اللّهم ان
عندك سحاباً وإن عندك مطراً ، فانشر السحاب وأنزل فيه الماء ثم أنزله علينا ،
واشدد به الأصل واطلع به الفرع ، وأحي به الضرع ، اللّهم إنا شفعاء إليك عمّن لا
_______________________

(1)ينابيع المودة / 306 ط اسلامبول سنة 1302 ه‍ و 367ـ368 ط الحيدرية ، وتهذيب تاريخ
ابن عساكر 7 ص250 وفي : اختصار ابن بدران مهذب التاريخ خلل ظاهر ، ربّما كان عن
غير عمد والله العالم.


منطق له من بهائمنا وأنعامنا شفعّنا في أنفسنا وأهالينا ، اللّهم إنا لا ندعو إلّا إياك ،
ولا نرغب إلّا إليك ، اللّهم اسقنا سقيا وادعاً نافعاً طبقاً مجلجلاً ، اللّهم إنا نشكو
إليك جوع كل جائع ، وعري كل عارٍ ، وخوف كل خائف ، وسغب كل ساغب
يدعو الله » (1) .

وقد ذكره الطبري الإمامي في كتابه المسترشد : « انّ العباس قال في ذلك
الموقف : يستسقون بنا ويتقدمونا » (2) .

وكان من دعاء العباس في ذلك الموقف : اللّهم انه لم ينزل بلاء من السماء
إلّا بذنب ، ولا يكشف إلّا بتوبة وقد توجّه بي القوم إليك لمكاني من نبيّك ، وهذه
أيدينا إليك (بالرغبة فاسقنا الغيث) بالذنوب ونواصينا بالتوبة ، وانت الراعي لا
تهمل الضالّة ، ولا تدع الكسير بدار مضيعة ، فقد ضرع الصغير ، ورقّ الكبير
وارتفعت الشكوى وانت تعلم السرّ وأخفى ، اللّهم فأغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا
فيهلكوا ، فإنه لا ييأس من رحمتك إلّا الكافرون.

فما تم كلامه حتى أرخت السماء مثل الحبال فنشأت السحاب وهطّلت
المطر ، فطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ويقولون : هنيئاً لك ساقي الحرمين
والقصة مشهورة مذكورة في كتب السنّة والسيرة (3) .

_______________________

(1)من لا يحضره الفقيه 1 / 340 ط النجف.

(2)المسترشد / 211 ط الحيدرية.

(3)أخرجها البخاري في باب الاستسقاء من صحيحه ، ومسلم في كتاب الصلاة من صحيحه ،
وابن حجر في فتح الباري 2 / 398 ، والعيني في عمدة القاري 3 / 438 ، والحاكم في
المستدرك 3 / 334 ، والفسوي في المعرفة والتاريخ 1 / 504 ، والزمخشري في ربيع الأبرار
1 / 134 ط بغداد ، والماوردي في أعلام النبوة / 79 ط البهية بمصر سنة 1319 ، والخفاجي
في شرح الشفاء 3 / 323 ، وابن عساكر كما في تهذيب تاريخه 7 / 248ـ 251 ، والطبري في


وفيها يقول العباس بن عتبة بن أبي لهب :

بعمي سقى الله الحجاز وأهله

عشيّة يستسقي بشيبته عمر

توجّه بالعباس في الجدب راغباً

فما كرّ حتى جاء بالديمة المطر

ومنا رسول الله فينا تراثه

فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر

وقال : الزبير بن بكار : قال شاعر بني هاشم :

رسول الله والشهداء منا

وعباس الذي بعج الغماما

وقال الزبير : ويروى لأبن عفيف النصري في الاستسقاء بالعباس :

_____________________________________

تاريخه حوادث سنة 17 ، وابن الاثير في الكامل حوادث سنة 17 ، وابن كثير في البداية
والنهاية 7 / 92 ، واليافعي في مرآة الجنان 1 / 72 ، والاصبهاني في الاغاني 12 / 81 ،
والمقدسي في البدء والتاريخ 5 / 187 ، والبلوي في كتابه الألف باء 1 / 366 ، والذهبي في
سير أعلام النبلاء 2 / 68 ، وثمة مصادر نسبت الأبيات إلى غير العباس بن عتبة ، فصاحب
الاستيعاب ونكت الهميان / 177 ذكرا في ترجمة العباس نسبة الأبيات إلى الفضل بن
عباس بن عتبة ، وفي شواهد الكشاف / 76 ذكر البيتين الأولين ونسبهما لعليّ بن عليّ؟
وفي شرح المواهب اللدنية للزرقاني 1 / 349 وارشاد الساري للقسطلاني 6 / 116 نسبهما
لعقيل والله أعلم.

ومن مليح المعاني الغريبة ما ورد أن العماد الأصفهاني الكاتب حبس بعد وفاة الوزير
عون الدين ابن هبيرة لأنه كان ينوب عنه في واسط ، فكتب من الحبس إلى استاذ الدار
المستنجدية من قصيدة :

قل للامام : علام حبس وليكم

أولوا جميلكم جميل وَلائه

أوليس اذ حبس الغمام وليّه

خلّى أبوك سبيله بدعائه

قال ابن خلكان في الوفيات 5 / 151 : وهذا معنى مليح غريب وفيه اشارة إلى قضية العباس
بن عبد المطلب عم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع عمر بن الخطاب وذكر قصة الاستسقاء المشار اليها.

كما اشار أبو تمام إلى ذلك بقوله : كما في ديوانه بشرح الخطيب التبريزي 4 / 646 ط
ذخائر العرب :

فكأنما هي دعوة العباس في

عام الرمادة وهو غير مجود


ما زال عباس بن شيبة غاية

للناس عند تنكر الأيام

أوليس اذ حبس الغمام وليّه

لما دعا بدعاوة الإسلام

فتحت له أبوابها لما دعا

فيها بجند مطعمين كرام(1)

وفي ذلك يقول حسان بن ثابت أيضاً :

سأل الإمام وقد تتابع جدبنا

فَسُقي الغمام بغرة العباس

عم النبيّ وصنو والده الذي

ورث النبيّ بذاك دون الناس

أحيا البلاد به الإله فأصبحت

مهتزة الأجناب بعد اليأس

أدب العباس :

قال المرزباني : كان العباس من معدودي خطباء قريش وبلغائهم
وذوي الفضل منهم (2) وقال ابن رشيق : أمّا العباس فكان شاعراً مفلقا حسن
التهدي (3) .

وقد وقفت له على مقاطيع من الشعر تدل على أدبه وفضله ، كقوله يحرّض
أخاه أبا طالب على الطلب بدم عمرو بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف (4) :

_______________________

(1)تهذيب تاريخ ابن عساكر 7 / 250 ط افست دار السيرة.

(2)معجم الشعراء للمرزباني / 101 تح‍. عبد الستار أحمد فراج.

(3)العمدة 1 / 23.

(4)كان عمرو بن علقمة خرج مع خداش بن عبد الله العامري أجيراً له إلى الشام ، ففقد
خداش حبلاً ، فضرب عمراً بعصىً فنزي في ضربتهـأي نزفـفمرض منها فكتب إلى أبي
طالب يخبره خبره ، فمات منها ، وفي ذلك يقول أبو طالب :

أفي فضل حبل لا أباك ضربته

بمنسأة قد جاء حبلٌ بأحبل

فتحاكموا فيه إلى الوليد بن المغيرة ، فقضى أن يحلف خمسون رجلاً من بني عامر بن
لوي عند البيت ان خداشا ما قتله ، فحلفوا إلّا حويطب بن عبد العزّى ، فإن امه افتدت


لا ترجوّنا حاصنٌ عند طهرها

لئن نحن لم نثأر من القوم علقما

أبا طالب لا تقبل النصف منهم

وان انصفوا حتى تُعقَ وتُظلما

أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت

قواطع في أيماننا تقطر الدما

تُورثنَ من آباء صدق تقدموا

بهن إلى يوم الوغى متقدما

إذا خالطت هام الرجال رأيتها

كبيض نعام في الوغى قد تقطما

وزعناهم وزع الحوامس غدوة

بكل يمانيّ إذا عضّ صمّما

تركناهم لا يستحلون بعدها

لذي رحم يوماًمن الناس محرما

فسائل بني حسل وما الدهر فيهم

ببقياً ولكن إن سألت ليعلما

أغشماً أباعثمان أنتم قتلتم

ستعلم حسل أينا كان أغشما

ضربنا بها حتى أفاءت ظباتها

علينا فلم يبق القتيل المخذّما(1)

ضربنا أبا عمرو خداشاً بعامر

وملنا على ركنيه حتى تهدّما(2)




_____________________________________

يمينه ، فقيل : انه ما حال عليهم الحول حتى ماتوا كلهم إلا حويطب. وهذه أول قسّامة
في الجاهلية. أنظر نسب قريش لمصعب / 424ـ425 ، وجمهرة انساب العرب لابن
حزم / 74.

(1)اضافة في حماسة الظرفاء 1 / 34.

(2)معجم الشعراء للمرزباني / 101 ، وتهذيب ابن عساكر 7 / 228 ، والحماسة البصرية 1 / 52 ،
وعيون الاخبار لابن قتيبة 1 / 78 ، ومحاضرات الراغب 2 / 69 ، وحماسة الظرفاء 1 / 33 ،
وكامل المبرد 3 / 309 ، ورغبة الآمل للمرصفي وغيرها ، ورسائل الجاحظ 1 / 359 ، وربيع
الابرار 3 / 69 ط بغداد.


وروي عن خُريم بن أوس بن حارثة قال : هاجرت الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
فقدمت عليه منصرف من تبول فسمعت العباس قال للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اني أريد أن
أمتدحك فقال له : قل لا يفضض الله فاك ، فقال :

من قبلها طبت في الظِلال وفي

مستودع حيث يُخصفُ الورق

ثم هبطت البلاد لا بشرٌ

أنت ولا مضغة ولا علق

بل نطفة تركب السفين وقد

ألجم نسراً وأهله الغرق

وخضت نار الخليل مكتتما

تجول فيها وليس تحترق(1)

تنقل من صالب إلى رَحم

إذا مضى عالم بدا طبق

حتى احتوى بيتك المهيمن من

خندف علياء تحتها النطق

وأنت لما ولدت أشرقَت الأ

رض وضاءت بنورك الأفق

فنحن في ذلك الضياء وفي النور

وسبل الرشاد نخترق(2)


_______________________

(1)وفي حياة الحيوان للدميري 2 / 35 ورد البيت هكذا :

وردت نار الخليل مكتتما

في صلبه انت كيف يحترق

(2)لقد أخرج الأبيات المذكورة منسوبة للعباس جمعٌ من المؤرخين وأصحاب السير وحتى
أصحاب المعاجم اللغوية مستشهدين ببعض أبياتها وإلى القارئ أسماء بعض تلكم
المصادر : مستدرك الحاكم 3 / 327 ، وتلخيص المستدرك للذهبي 3 / 327 ، وحياة الحيوان
2 / 350 ، امالي الزجاج / 44 ، وامالي ابن الشجري 2 / 337 ، وتهذيب ابن عساكرج 1 / 349 ،
والبداية والنهاية 2 / 258 و 5 / 27 ، وسير اعلام النبلاء 2 / 75 ، وأدب الكاتب / 320 ، والغيث
المسجم 1 / 275 ، والمناقب لابن شهر اشوب / 1 ، والدرجات الرفيعة / 82 ، وانوار الربيع
5 / 193 ، ولسان العرب (صلب ، طبق ، ظلل ، همن ، خصف) والقاموس وتاج العروس (ودع)
وفي التاج أيضاً (صلب ، خصف) ، والفائق 2 / 138 ، ومجمع الزوائد 8 / 217 ، والمقامة


وقد شرح الأبيات الزرقاني شرحاً موجزاً تحسن مراجعته وقد ذكر أنّه قالها
عند رجوع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك فراجع (1) .

وله في حديث قيس بن نشبة وقد أجاره وأخذ له بحقه وقال له : أنا لك
جار وكلما دخلت مكة فما ذهب لك فهو عليّ. وقال العباس بن عبد المطلب في
ذلك :

حفظت لقيس حقه وذمامه

وأسعطت فيه الرغم من كان راغما

سأنصره ما كان حياً وإن أمت

أحضّ عليه للتناصر هاشما

وحديث قيس بن نشبة ذكره محمّد بن حبيب الهاشمي(2) فليراجعه من شاء.


_____________________________________

السندسية للسيوطي / 86 ط الجوائب / 1298 ه‌ ، وتهذيب اللغة للأزهري 5 / 355 و 6 / 33 و
9 / 129 و 197 و 14 / 335 و 359 ، وغريب الحديث لابن قتيبة 1 / 359 / 365 وتأويل مختلف
الحديث له ص88 وغيرها ، وغيرها وانما أسهبت في ذكر المصادر لما اطلعت عليه مؤخراً
من نفي نسبة الابيات إلى العباس مستبعداً نسبتها إليه ، لأنها كما يقول النافي (قاموس
الرجال) : لم ترد في كتاب آخر أو خبر آخر ، ومتى كان العباس يقول الأشعار التصوفية
وينظم الأبيات الغلاتية؟‍! وليته حين حاول مصراً دفع النسبة عن العباس تمسك بما
جاء في الحماسة البصرية 1 / 193 من نسبتها لحريم بن أوس بن حارثة بن لام الطائي؟
الذي لم يعرف مَن هو. وأرجع إلى اللئالي المصنوعة / 158 ط الهند حيث ذكر ان
الجوزقاني اخرج في موضوعاته حديث كنت في صلب آدم في الجنة الخ وقال في ذلك
يقول حسان بن ثابت ، وذكر الأبيات. ثم تعقبه السيوطي إلى أن قال : والأبيات للعباس بلا
خلاف.

وبعد ما تقدم من أطباق المصادر السابقة على نسبتها إلى العباس فلا عبرة بما قيل
ويقال من الشواذ.

(1)أنظر شرح المواهب اللدنية للزرقاني 3 / 83 ـ 85 ط الأزهرية سنة 1326 ه‍.

(2)المنمق 164 ـ 165.


وله البيتان اللذان يحتج بهما عند الكلام على تبدّل الأرض غير الأرض
وهما :

إذا مجلس الأنصار خفّ بأهله

وفارقها فيها غفار وأسلم

فما الناس بالناس الذين عهدتهم

ولا الدار بالدار التي كنت أعلم(1)

وله ممّا يستشهد به من شعره قوله :

ليسوا بهدّين في الحروب إذا

تعقد فوق الحراقف النُطُق(2)

ونسب إليه حسن الجلبي في حواشي المطول البيت الآتي :

طويل النجاد خارج نصف ساقه

على وجهه يُسقى الغمام ويُسعدُ

والبيت هذا من قصيدة لأبي طالبعليه‌السلام قالها في مدح الذين قاموا بنقض
الصحيفة (3) ، كما انّ الخوارزمي نسب إليه في مناقبه(4) الابيات المشهورة في مدح
الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام حين بويع أبو بكر بالخلافة وهي :

ما كنت أحسب انّ الأمر منصرف

عن هاشم ثم عنها عن أبي حسن

أليس أول من صلى لقبلتكم

واعلم الناس بالاثار والسنن

وأقرب الناس عهداً بالنبي ومن

جبريل عون له في الغسل والكفن

مَن فيه ما في جميع الناس كلهم

وليس في الناس ما فيه من الحسن

_______________________

(1)الزمخشري ، ربيع الابرار 1 / 562 ط بغداد والمقدسي ، البدء والتاريخ 2 / 132.

(2)ابن منظور ، لسان العرب 4 / 444 ، الجوهري الصحاح (هدد) ، ومقاييس اللغة 6 / 7.

(3)حسن فهمي. طلبة الطالب / 43 ط اسلامبول ، وديوان أبي طالب / 93 تح‍ آل يس ، وسيرة
ابن هشام 2 / 17 ـ 19.

(4)الموفق بن أحمد الخوارزمي ، المناقب / 23 ط الحيدرية.


ماذا الذي ردكم عنه فنعرفه

ها إن بيعتكم من أول الفتن(1)

ونسبت إليه في البحار(2) الأبيات التالية في زمان النبيّ صلى الله عليه وآله
وسلم ولست متأكداً من صحة النسبة والأبيات هي :

ياآل فهر وغالبِ

ابشروا بالمواهبِ

وافخروا يا قومنا

بالثنا والرغائبِ

شاع في الناس فضلهم

وعلا في المراتبِ

قد فخرتم بأحمدٍ

زين كل الأطائبِ

فهو كالبدر بينكم

نوره مشرق غيرغائبِ

قد ظفرت خديجةُ

بجليل المواهبِ

بفتى هاشم الناس

ماله من مناسبِ

جمع الله شملكم

فهو ربُّ المطالبِ

أحمدُ سيد الورى

خير ماشٍ وراكبِ


_______________________

(1)نسبت هذه الأبيات إلى جماعة منهم : عتبة بن أبي لهب بتفاوت في الالفاظ يسيرة كما
في تاريخ اليعقوبي 2 / 103 ط الحيدرية / 1358 ، ومنهم ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب
كما في الفصول المختارة للشريف المرتضى 2 / 68 ط الأولى بالحيدرية ، ومنهم حسان
ابن ثابت كما عن القاضي البيضاوي والنيسابوري في تفسيريهما في تفسير قوله تعالى :
( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) البقرة / 34 ، ومنهم : بعض ولد أبي لهب كما عن الزبير
ابن بكار ، ومنهم الفضل بن العباس بن عتبة قال ابن حجر في الاصابة 3 / 632 ط
مصرفي ترجمة العباس بن عتبة : وله ولد اسمه الفضل شاعر مشهور ، وهو صاحب
الابيات المشهورة في مدح عليّ عليه‌السلام وذكر البيت الأول منها ، وللقاضي المرعشي مناقشة
مع ابن حجر في نسبة الابيات لا تخلو من وجاهة فراجع كتابه احقاق الحق ، ومنهم
خزيمة بن ثابت كما في روضة الواعظين / 87.

(2)بحار الأنوار / 6 الط الحجرية.


فعليه الصلاة ما

سار عيس براكبِ(1)

وله كلمات حكمية منها ما عن ابن عباس قال : « كان العباس بن عبد
المطلب كثيراً ما يقول : ما رأيت أحداً أحسنت إليه إلّا أضاء ما بيني وبينه ، وما
رأيت أحداً أسأت إليه إلّا أظلم ما بيني وبينه ، فعليك بالإحسان واصطناع
المعروف ، فان ذلك يقي مصارع السوء » (2) .

وعن ابن عباس قال : « قال لي : يا بني انّ الكذب ليس بأحد من هذه الأمة
أقبح منه بي وبك وبأهل بيتك ، يا بني لا يكوننّ شيء ممّا خلق الله أحب اليك من
طاعته ، ولا اكره اليك من معصيته ، فان الله ينفعك بذلك في الدنيا والآخرة » (3) .

وصية العباس لعثمان :

أخرج ابن سعد في الطبقات الكبير ، والطبري في تاريخه واللفظ له :
« بسنده عن حمران بن أبان قال : أرسلني عثمان إلى العباس بعد ما بويع ، فدعوته
له ، فقال : مالك تعبّدتني؟ قال : لم أكن قط أحوج اليك مني اليوم. قال : الزم
خمساً ، لا تنازعك الأمة خزائمها ما لزمتها ، قال : وما هي؟ قال : الصبر عن القتل ،
والتحبّب والصفح ، والمداراة ، وكتمان السرّ » (4) .

ودخل عثمان على العباس في مرضه الذي مات فيه فقال : « أوصني بما
ينفعني (الله ، ظ) به وزوّدني فقال : إلزم ثلاث خصال تُصِب بها ثلاث عوام ،

_______________________

(1)بحار الأنوار / 6 الط الحجرية.

(2)كنز العمال 6 / 578 ط مؤسسة الرسالة بحلب.

(3)تهذيب تاريخ ابن عساكر 7 / 253 ط افست دار السيرة.

(4)تاريخ الطبري 4 / 400 ط دار السيرة.


فالخواص : ترك مصانعة الناس في الحق ، وسلامة القلب وحفظ اللسان ، تُصِب
بها سرور الرعية ، وسلامة الدين ورضى الرب » (1) .

وقد نظم هذه الوصية جملة من العلماء ذكر منهم السخاوي في كتابه التبر
المسبوك في ذيل السلوك ، قول شيخه ابن حسان وقد كتبه عنه :

أصفح تحبّب ودار اصبر تجد شرفاً

واكتم لسرٍفهذيالخمس قد أوصى

بهنّ عثمانَ عباسٌ فدع جدلاً

وانظر إلى قدرمن أوصى وماالموصى الموصّى

     

قال السخاوي : وقد أنشدنا شيخنا أبو النعيم العقبي في هذا المعنى قوله :

واظب على الخمس التي أوصى بها

العباس عم المصطفى عثمانا

اصفح ودار اكتم تحبّب واصبرنّ

تزدد بها يا مؤمناً إيمانا

قال : وكذا أنشد البقاعي ممّا لم يعمل بمضمونه قوله :

إن رمت عيشاً صافياً أزمانا

لا تتبعاً في الرأي من قدمانا

واصفح تحبّب دارِ واصبر واكتم ال‍

‍عباس قد أوصى بها عثمانا

قال : وانشدني المحيوي عبد القادر القرشي بعد دهر في ذلك :

احفظ وصايا قالها العباس إذ

أوصى بها عثمان ذا النورين

اصفح تحبب دار اكتم واصطبر

تُكسى البَها والعز في الدارين(2)



_______________________

(1)أخبار الدولة العباسية / 21 ط دار الطليعة بيروت.

(2)التبر السبوك في ذيل السلوك / 372.


وصية العباس للإمام :

لقد تقدم ذكر الوصية عند ذكر وفاة العباس إلّا أنّ ثمة تفاوت وتعقيب
وتذنيب اقتضى أعادتها.

قال ابن أبي الحديد : « قرأت في كتاب صنفه أبو حيان التوحيدي في
تفريط الجاحظ ، قال : نقلت من خط الصولي : قال الجاحظ : إنّ العباس بن عبد
المطلب أوصى عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام في علته التي مات فيها فقال : أي بُنيّ إني
مشفٍ على الظعن عن الدنيا إلى الله الذي فاقتي إلى عفوه وتجاوزه أكثر من
حاجتي إلى ما أنصحك فيه وأشير عليك به ، ولكن العِرق نبوض ، والرحم
عروض ، واذا قضيت حق العمومة فلا أبالي بعد ، إن هذا الرجلـيعني عثمانـ
قد جاءني مراراً بحديثك ، وناظرني ملايناً ومخاشناً في أمرك ، ولم أجد عليك إلّا
مثل ما أجد منك عليه ، ولا رأيت منه لك إلّا مثل ما أجد منك له ، ولست تؤتى
من قلة علم ولكن من قلة قبول ، ومع هذا كله فالرأي الذي أودّعك به أن تمسك
عنه لسانك ويدك ، وهمزك وغمزك ، فإنه لا يبدؤك ما لم تبدؤه ، ولا يجيبك عما
لم يبلغه ، وأنت المتجني وهو المتأني ، وأنت العائب وهو الصامت فإن قلت كيف
هذا وقد جلس مجلساً أنا أحق ، فقد قاربت ولكن ذاك بما كسبت يداك ، ونكص
عنه عقباك ، لأنك بالأمس الأدنى هرولتَ اليهم ، تظن أنهم يُحلّون جيدك
ويُختمّون أصبعك ، ويطؤون عقبك ، ويرون الرشد بك ، ويقولون لا بد لنا منك ،
ولا معدل لنا عنك ، وكان هذا من هفواتك الكُبر ، وهناتك التي ليس لك منها
عذر ، والآن بعد ما ثللت عرشك بيدك ، ونبذت رأي عمك في البيداء ، يتدهده
في السافياء ، خذ بأحزم ممّا يتوضح به وجه الأمر ، لا تشارّ هذا الرجل ولا تماره ،
ولا يبلغه عنك ما يحنقه عليك ، فإنه إن كاشفك أصاب أنصاراً ، وإن كاشفته لم تر


إلا ضِراراً ، ولم تستلج إلا عثاراً ، واعرف مَن هو بالشام له وَمَن ههنا حوله ومن
يطيع أمره ويمتثل قوله ، ولا تغترر بناس يطيفون بك ، ويدّعون الحنوّ عليك
والحبّ لك ، فإنهم بين مولى جاهل ، وصاحب متمنّ ، وجليس يرعى العين
ويبتدر المحضر ، ولو ظن الناس بك ما تظن بنفسك لكان الأمر لك والزمام في
يدك ، ولكن هذا حديث يوم مرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فات ، ثم حرم الكلام فيه حين
مات ، فعليك الآن بالعزوف عن شيء عرضك له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يتم ،
وتصدّيت له مرة بعد مرة فلم يستقم ، ومن ساور الدهر غلب ، ومن حرص على
ممنوع تعب ، فعلى ذلك فقد أوصيت عبد الله بطاعتك ، وبعثته على متابعتك ،
وأوجرته محبتك ، ووجدت عنده من ذلك ظني به لك ، لا توتر قوسك إلّا بعد
الثقة بها ، واذا أعجبتك فانظر إلى سيتها ، ثم لا تفوّق إلّا بعد العلم ، ولا تغرق في
النزع إلّا لتصيب ، وانظر لا تطرف يمينك عينَك ، ولا تجنِ شمالك شينك ، ودّعني
بآيات من آخر سورة الكهف (1) وقم إذا بدا لك »(2) .

تعقيب ابن أبي الحديد على الوصية :

قال ابن أبي الحديد بعد ذكره الوصية المتقدمة : « قلت الناس يستحسنون
رأي العباس لعليّ عليه‌السلام في أن لا يدخل في أصحاب الشورى ، وأمّا أنا فاني
أستحسنه إن قصد به معنى ، ولا استحسنه إن قصد به معنى آخر ، وذلك لأنه إن
_______________________

(1)هي قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا *
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا
* قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ
أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا
* قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ
إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا
)
الكهف / 107 ـ 110.

(2)شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 282 ط مصر الاُولى.


أجري بهذا الرأي إلى ترفّعه عليهم وعلوّ قدره عن أن يكون مماثلاً لهم ، أو
أجري به إلى زهده في الامارة ورغبته عن الولاية ، فكل هذا رأي حسن وصوابه ،
وإن كان منزعه في ذلك إلى أنك إن تركت الدخول معهم وانفردت بنفسك في
دارك أو خرجت عن المدينة إلى بعض أموالك فإنهم يطلبونك ويضربون اليك
آباط الإبل حتى يولّوك الخلافة ، وهذا هو الظاهر من كلامه ، فليس هذا الرأي
عندي بمستحسن ، لأنه لو فعل لولّوا عثمان أو واحداً منهم غيره ، ولم يكن
عندهم من الرغبة إليه عليه‌السلام ما يبعثهم على طلبه ، بل كان تأخره عنهم قرّة أعينهم ،
وواقعاً بإيثارهم فان قريشاً كلها كانت تبغضه أشد البغض ، ولو عمّر عمر نوح
وتوصل إلى الخلافة بجميع أنواع التوصل كالزهد فيها تارة ، والمناشدة بفضائله
تارة ، وبما فعله في ابتداء الأمر من اخراج زوجته وأطفاله ليلاً إلى بيوت الأنصار ،
وبما اعتمده اذ ذاك من تخلّفه في بيته واظهار انّه قد عكف على جمع القرآن ،
وبسائر أنواع الحيل فيها لم تحصل له إلّا بتجريد السيف كما فعله في آخر الأمر.

ولست ألوم العرب لا سيما قريشاً في بغضها له وانحرافها عنه ، فإنّه وترها
وسفك دماءها ، وكشف القناع في منابذتها ، ونفوس العرب وأكبادها كما تعلم ،
وليس الإسلام بمانع من بقاء الأحقاد في النفوس ، كما نشاهد اليوم عياناً ، والناس
كالناس الأول ، والطبائع واحدة ، فاحسب انك كنت من سنتين أو ثلاث جاهلياً
أو من بعض الروم وقد قتل واحد من المسلمين ابنك أو أخاك ثم أسلمت ، أكان
اسلامك يُذهب عنك ما تجده من بغض ذلك القاتل وشنآنه ، كلا انّ ذلك لغير
ذاهب ، هذا إذا كان الإسلام صحيحاً والعقيدة محققة لا كاسلام كثير من
العرب ، فبعضهم تقليداً ، وبعضهم للطمع والكسب ، وبعضهم خوفاً من السيف ،


وبعضهم على طريق الحمية والانتصار ، أو لعداوة قوم آخرين من أضداد
الإسلام وأعدائه.

واعلم أنّ كل دم أراقه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسيف عليّعليه‌السلام وبسيف غيره ،
فان العرب بعد وفاته عليه‌السلام عصبت تلك الدماء بعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وحده ،
لأنّه لم يكن في رهطه مَن يستحق في شرعهم وسنتهم وعادتهم أن يعصب به
تلك الدماء إلّا بعليّ وحده ، وهذه عادة العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك
الدماء القاتل ، فإن مات أو تعذرت عليها مطالبته طالبت بها أمثل الناس من
أهله. لمّا قتل قوم من بني تميم أخاً لعمرو بن هند ، قال بعض أعدائه يحرض
عمراً عليهم :

من مبلغ عمراً بأن المرء لم يخلق صباره

وحوادث الأيام لا يبقى لها إلّا الحجاره

ها إنّ عجزة أمه بالسفح أسفل من أواره

تسفيالرياح خلاككشيحه وقد سلبوا أزاره

     

فأمره أن يقتل زرارة بن عدس رئيس بني تميم ، ولم يكن قاتلاً أخا
الملك ولا حاضراً قتله. ومن نظر في أيام العرب ووقائعها ومقاتلها عرف ما
ذكرناه » (1) .

رأي على رأي!



_______________________

(1)شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 283 ط الأولى بمصر.


قال ابن أبي الحديد : « سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد رحمهالله
فقلت له : إني لأعجب من عليّ عليه‌السلام كيف بقي تلك المدة الطويلة بعد رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ وكيف ما قتل وفتك به في جوف منزله مع تلظي الأكباد عليه؟

فقال : لولا انّه أرغم أنفه بالتراب ووضع خده في حضيض الأرض لقتل ،
ولكنه أخمل نفسه واشتغل بالعبادة والصلاة والنظر في القرآن ، وخرج عن ذلك
الزي الأول وذلك الشعار ونسي السيف ، وصار كالفاتك يتوب ويصير سائحاً في
الأرض أو راهباً في الجبال ، ولما أطاع القوم الذين ولوا الأمر تركوه وسكتوا
عنه ، ولم تكن العرب لتقدم عليه إلّا بمواطاة من متولي وباطن في السر منه ، فلمّا
لم يكن لولاة الأمر باعث وداع إلى قتله وقع الإمساك عنه ، ولولا ذلك لقتله ، ثم
أجلٌ بعدُ معقل حصين.

فقلت له : أحق ما يقال في حق خالد؟

فقال : إنّ قوماً من العلوية يذكرون ذلك ، ثم قال : وقد روي أنّ رجلاً جاء
إلى زفر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة فسأله عما يقول أبو حنيفة في جواز
الخروج من الصلاة بأمر غير التسليم نحو الكلام والفعل الكثير أو الحدث ، فقال :
إنه جائز ، قد قال أبو بكر في تشهده ما قال.

فقال الرجل : وما الذي قاله أبو بكر؟ قال : لا عليك ، فأعاد عليه السؤال ثانية
وثالثة ، فقال : أخرجوه أخرجوه قد كنت أحدث أنه من أصحاب أبي الخطاب.

قلت له : فما الذي تقوله أنت؟

قال : أنا أستبعد ذلك وإن روته الإمامية ، ثم قال : أمّا خالد فلا استبعد منه
الإقدام عليه بشجاعته في نفسه ولبغضه اياه ، ولكني استبعده من أبي بكر فإنّه كان


ذا ورع ولم يكن ليجمع بين أخذ الخلافة ومنع فدك وإغضاب فاطمة وقتل
عليّ عليه‌السلام ، حاشى لله من ذلك.

فقلت له : أكان خالد يقدر على قتله؟

قال : نعم ولم لا يقدر على ذلك والسيف في عنقه وعلي أعزل غافل عما
يراد به ، قد قتله ابن ملجم غيلة وخالد أشجع من ابن ملجم.

فسألته عما ترويه الإمامية في ذلك كيف الفاظه؟ فضحك وقال : كم عالم
بالشيء وهو يسائل ، ثم قال : دعنا من هذا. ما الذي تحفظ في هذا المعنى؟ قلت
قول أبي الطيب :

نحن أدرى وقد سألنا بنجد

أطويل طريقنا أم يطول

وكثير من السؤال اشتياق

وكثير من ردّه تعليل

فاستحسن ذلك وقال : لمن عجز البيت الذي استشهدت به؟ قلت لمحمد
ابن هانيء المغربي وأوله :

في كل يوم استزيد تجاربا

كم عالم بالشيء وهو يسائل

فبارك عليّ مراراً(1)

وللعباسرضي‌الله‌عنه كلام يجري مجرى الخطبة ، منه ما قاله في ليلة بيعة العقبة
الثانية حيث كان مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

ذكر ابن سعد في الطبقات بسنده عن معاذ بن رفاعة قال : « كان أول من
تكلم العباس بن عبد المطلب فقال يا معشر الخزرج. وكانت الأوس والخزرج

_______________________

(1)شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 283.


تدعى الخزرجـإنكم قد دعوتم محمداً إلى ما دعوتموه إليه ، ومحمد من
أعز الناس في عشيرته يمنعه والله من كان منا على قوله ومن لم يكن منا على
قولـه منعة للحسب والشرف ، وقد أبى محمّد الناس كلهم غيركم ، فإن كنتم أهل
قوة وجلدٌ وبَصَرٌ بالحرب ، واستقلال بعداوة العرب قاطبة فانها سترميكم عن
قوس واحدة ، فارتؤوا رأيكمُ وأئتمروا أمركم ولا تفرقوا إلّا عن ملأ منكم
واجتماع ، فان أحسن الحديث أصدقهُ. وأخرى صفوا إليّ الحرب كيف تقاتلون
عدوكم؟

فأجابوه ووصفوا له ما أراد فقال : أنتم اصحاب حرب فهل فيكم دروع؟
قالوا نعم شاملة. وعند البيعة كان العباس آخذاً بيد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يؤكد له البيعة
تلك الليلة على الانصار » (1) .

وقال البلاذري في أنساب الأشراف فتكلم العباس فقال : « يا معشر الأوس
والخزرج قد دعوتم محمداً إلى ما دعوتموه إليه ، ونحن عشيرته ولسنا بمسلميه ،
فإن كنتم قوماً تنهضون بنصرته ، وتقوون عليها ، وإلا فلا تغروه وأصدقوه ، فان
خير القول أصدقُه » (2) .

وقال ابن هشام في سيرته : « كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال :
يا معشر الخزرجـوكانت العرب إنّما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج
خزرجها وأوسهاـإن محمداً منا حيث قد علمتم ، وقد منعنا من قومنا ممن هو
على مثل رأينا فيه ، فهو في عز من قومه ، ومنعة في بلده ، وانه قد أبى إلّا الانحياز
_______________________

(1)طبقات ابن سعد 4 ق1 / 3.

(2)انساب الأشراف 1 / 254.


اليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون انكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه
من خالفه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه
بعد الخروج به اليكم ، فمن الآن فدعوه ، فإنّه في عز ومنعة من قومه وبلده » (1) .

ومن كلام للعباسرضي‌الله‌عنه قاله لأبي بكر ومن معه حين أتوه يطمعوه في أن
يجعلوا له ولعقبه من بعده نصيباً ليقتطعوه من جانب عليّ وذلك بعد موت
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيأتي تفصيل ما قالوه له في ما يأتي من فصول الكتاب.

قال : فتكلم العباس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله بعث محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ
كما زعمتـنبيّاً وللمؤمنين وليّاً فمنّ الله بمقامه بين أظهرنا حتى اختار له ما
عنده ، فخلّى على الناس أمرهم وليختاروا لأنفسهم مصيبين للحق ، لا مائلين عنه
بزيغ الهوى ، فإن كنت برسول الله طلبت فحقنا أخذت ، وإن كنت بالمؤمنين
طلبت فنحن منهم ، متقدمون فيهم ، وإن كان هذا الأمر إنّما يجب لك بالمؤمنين
فما وجب إذ كنا كارهين ، فأما ما بذلت لنا فإن يكن حقاً لك فلا حاجة لنا فيه ،
وإن يكن حقاً للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم ، وإن كان حقنا لم نرض
عنك فيه ببعض دون بعض ، وأما قولك إن رسول الله منا ومنكم ، فإنه قد كان من
شجرة نحن أغصانها وانتم جيرانها (2) .

قال ابن أبي الحديد : « لمّا قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واشتغل عليّعليه‌السلام بغسله
ودفنه ، وبويع أبو بكر خلا الزبير وابو سفيان وجماعة المهاجرين بعباس
وعلي عليه‌السلام لإجالة الرأي وتكلموا بكلام يقتضي الاستنهاض والتهييج.

_______________________

(1)بهامش الروض الأنف 1 / 275.

(2)الامامة والسياسة 1 / 16 ط مصر سنة 1328 ه‍.


فقال العباسرضي‌الله‌عنه : قد سمعنا قولكم فلا لقلة نستعين بكم ، ولا لظنّة نترك
آراءكم فامهلونا نراجع الفكر ، فان يكن لنا من الإثم مخرج يصرّ بنا وبهم الحق
صرير الجدجد ، ونبسط إلى المجد أكفاً لا نقبضها أو نبلغ المدى ، وان تكن
الأخرى فلا لقلة في العدد ، ولا لوهن في الأيد ، والله لولا أنّ الإسلام قيد الفتك
لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحل العليّ » (1) .

وخلاصة القول في أبي الفضل العباس رحمهالله انه كان كما وصفه ابنه
عبد الله وقد سأله معاوية عن ذلك فقال : رحم الله أبا الفضل ، كان والله عم نبيّ
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقرة عين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سيد الاعمام والأخدان ، جد الأجداد ، وآباؤه
الأجواد ، واجداده الأنجاد ، له علم بالأمور ، قد زانه حلم وقد علاه فهم ، كان
يكسب حباله كل مهند ، ويكسب لرأيه كل مخالف رعديد ، تلاشت الأخدان
عند ذكر فضيلته ، وتباعدت الأنساب عند ذكر عشيرته ، صاحب البيت والسقاية ،
والنسب والقرابة ، ولم لا يكون كذلك؟ وكيف لا يكون كذلك؟! ومدبّر سياسته
اكرم من دبّر ، وأفهم من نشأ من قريش وركب (2) .

ومن كلام له يجري مجرى الوصية لابنه عبد الله وذلك في أيام عمر.
قال له : « أنت أعلم مني ولكني أشد تجربة للأمور منك ، وان هذا الرجلـيعني
عمرـقد قربّك وقدّمك يستخليك ويستشيرك ويقدمك على الأكابر من
أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإني أوصيك بخلال أربع : فلا تفشين له سراً ، ولا يجرينّ

_______________________

(1)شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 73 ط الاولى بمصر.

(2)مستدرك الحاكم 3 / 329.


عليك كذباً ، ولا تغتابن عنده مسلماً ، ولا تحدّثه بشيء حتى يسألك
عنه » (1) .

قال الشعبي : قلت لابن عباس : كل واحدة خير من ألف ، قال : اي والله ومن
عشرة آلاف.

وقال له : « يا بني لا تعلّم العلم لثلاث خصال : لا ترائي به ، ولا تماري به ، ولا
تباهي به ، ولا تدعه لثلاث خصال : رغبة في الجهل ، وزيادة في العلم ، واستحياء
من التعلم » (2) .

وفاة العباس :

ولقد أعتق من العبيد عند موته سبعين عبداً في سبيل الله تعالى(3) .

وله عند موته وصيّة أوصى بها الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام
قال له : « أي بُني إني مشرف على الظعن إلى الله الذي فاقتي إلى عفوه وتجاوزه
أكثر من حاجتي إلى ما أنصحك فيه وأشير عليك به ، ولكن العِرق نبوض ،
والرحم عروض ، واذا قضيت حق العمومة فلا تأل بي بعد ، إن هذا الرجلـيعني
_______________________

(1)أنساب الأشراف للبلاذري ترجمة ابن عباس نسخة مخطوطة عندي 3 / 51 ، وفتح الباري
10 / 366 ط مصطفى محمّد البابي الحلبي سنة 1378 ه‍ نقلاً عن مكارم الأخلاق
للخرائطي. وتاريخ ابن عساكر 12 / 305 ، وسير أعلام النبلاء للذهبي 4 / 448 ويوجد تفاوت
في اللفظ وفي بعض المصادر : ولا يجربنّ عليك كذباً ، وعيون الاخبار لابن قتيبة 1 / 19
ط دار الكتب المصرية ، والعقد الفريد 1 / 7 ، وأنباء نجباء الأبناء ص 81 ، والكامل للمبرد
2 / 312 ، والمستظرف / 89 ، وسراج الملوك للطرطوشي / 222 ، والأداب لجعفر بن شمس
الخلافة / 28 ط الخانجي سنة 1349 ه‍ ، والفتوحات الاسلامية لزين دحلان 2 / 338
وغيرها.

(2)جامع بيان العلم لابن عبد البر 1 / 170.

(3)سير أعلام النبلاء للذهبي 2 / 70 ، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 26 / 276 ط دار الفكر
سنة 1995م.


عثمانـقد ناجاني مراراً بحديثك وناظرني ملايناً ومخاشناً في أمرك ، ولم أجد
منه عليك إلّا مثل ما أجده منك عليه ، ولا رأيت منه لك إلّا مثل ما رأيت منك له ،
ولست تؤتي من قلة علم ، ولكن من قلة قبول ، ومع هذا كله فالرأي الذي أودعك
به أن تمسك عنه لسانك ويدك ، فإنه لا يبدأك ما لم تبدأه ، ولا يجبك عما لم
يبلغه ، فإن قلتَ كيف هذا وقد جلس مجلساً أنا صاحبه ، فقد قاربت ، ولكن
حديث يوم مرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فات(1) ، ثم حرم الكلام فيه حين مات ، فعليك
الآن بالعزوب عن شيء أرادك له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يتم ، وتصديت له مرة بعد
أخرى فلم يستقم ، ومن ساور الدهر غُلِب ، ومَن حرص على ممنوع تعب ، وعلى
ذلك فقد أوصيت عبد الله بطاعتك ، وبعثته على متابعتك ، وأوجرته محبتك ، ووجدت
عنده من ظني به لك ، لا توتر قوسك إلّا بعد الثقة بها ، واذا أعجبتك فانظر إلى
سيتها (2) ثم لا تفوّق(3) إلاّ بعد العلم ، ولا تغرق في النزع(4) إلّا لتصيب الرميّة.

وأنظر لا بطرف يمينك عينك ، ولا تجز شمالك شينك ، ودّعني بآيات من
آخر سورة الكهف وقم إذا بدا لك » (5) .

ثم قال لأبنه عبد الله لمّا حضر أجله : « يا بني والله ما مت موتاً ولكني فنيت
فناء ، واني موصيك بحب الله وحب طاعته ، وخوف الله وخوف معصيته ، فإنك إذا


_______________________

(1)يشير إلى حديث الكتف والدواة الآتي تفصيله عند الحديث عن حياة حبر الأمة في عهد
الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(2)سية القوس طرفها المنحني (المصباح المنير : سية).

(3)فُوقُ السهم وزان قفل موضع الوتر (المصباح المنير : فوق).

(4)نزع في القوس مدّها (المصباح المنير : نزع).

(5)الدرجات الرفيعة / 98.


كنت كذلك لم تكره الموت متى أتاك ، وإني استودعك الله يا بني ، ثم استقبل
القبلة فقال : لا اله إلّا الله ، ثم شخص ببصره فمات » (1) .

وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن مجاهد قال : « أعتق العباس بعض
رقيقه في مرضه. فرد ابن عباس منهما اثنين كانوا يُروَن أنهما أولاد زنا » (2) .

وتوفي في الثاني عشر من شهر رجب ، وقيل من شهر رمضان ، وقيل في
أول سنة 32 ه‍ ، وقيل سنة 34 ه‍ ، في خلافة عثمان وهو ابن ثماني وثمانين سنة ،
وذكر ابن سعد في الطبقات وصف تشييعه العظيم ومن تولى غسله ودفنه (3)
وصلى عليه أمير المؤمنين عليّ ومعه عثمان (4) ودفن بالبقيع في بقعة خاصة به ،
ودفن فيها بعده أربعة من أئمة المسلمين وسادة اهل البيت الطاهرين وهم الأئمة
الحسن الزكي وعلي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق عليهمالسلام.
وبنى عليهم الخليفة العباسي الناصر لدين الله في سنة610 (5) قبة معظمة بقيت
حتى هدمها الوهابيون في 8 شوال سنة 1344 ه‍ بفتوى أحد علمائهم ، نسأل الله
تعالى أن يهدينا وجميع المسلمين إلى سواء السبيل.

_______________________

(1)تهذيب ابن عساكر 7 / 253 ط افست دار السيرة ، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 26 / 276
ط دار الفكر.

(2)المصنف لابن أبي شيبة 4 ق 1 / 60 ، وفي فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2 / 945 الرقم
1825 ط مؤسسة الرسالة بيروت سنة 1403 : فرد منهم اثنين قال الراوي : فكنا نرى إنما
ردهم انهم كانوا أولاد زنا.

(3)طبقات ابن سعد 4 ق1 / 21 ، وراجع سير أعلام النبلاء للذهبي 2 / 74 ط مصر ، و 3 / 413 ط
دار الفكر.

(4)نفس المصدر.

(5)لقد قال عنها الذهبي المتوفي 748 في سير أعلام النبلاء 2 / 71 ط مصر ، و 3 / 412 ط دار
الفكر ، وعلى قبره اليوم قبة عظيمة من بناء خلفاء آل العباس وقال في ص 73 : وله قبة
شاهقة على قبره بالبقيع.


ولمّا مات العباس جلس ابنه الحبر عبد الله للعزاء ، ودخل عليه الناس
يعزونه ، وكان فيمن دخل عليه أعرابي وضع يده في يده وقال :

اصبر نكن بك صابرين فإنما

صبر الرعية بعد صبر الرأس

خير من العباس أجرك بعده

والله خير منك للعباس

فقال ابن عباس : ما عزاني أحد أحسن من تعزيته(1) .

قال ابن قيم الجوزية : « أحجم الناس عن تعزية ولده عبد الله إجلالاً له
وتعظيماً ، حتى قدم رجل من البادية فأنشده قال فسرّي عنه واقبل الناس على
تعزيته » (2) .

وذكر الكتاني في التراتيب الادارية نقلاً عن كتاب رونق التحبير في حكم
السياسة والتدبير لمحمد بن أبي العلا بن سماك ، والفروق للقرافي : « روي انّ
العباس بن عبد المطلب لمّا مات عظم المصاب به على ابنه عبد الله ، وكان عبد
الله بن عباس عظيماً عند الناس في نفسه لأنه كان ترجمان القرآن وافر العقل
جميل المحاسن والجلالة والأوصاف الحميدة فأعظمه الناس على التعزية إجلالاً
له ومهابة بسبب عظمته في نفسه وعظمة من أصيب به ، فإن العباس عم رسول الله
صلىاللهعليهوآلهوسلموبقي بعد وفاته مثل والده فلمّا مات عظم خطبه
وجلت رزيته في صدور الناس وفي صدر ولده عبد الله وأحجم الناس عن
تعزيته ، فأقاموا على ذلك شهراً كما ذكره المؤرخون ، فبعد الشهر قدم أعرابي من
البادية فسأل عن عبد الله بن عباس فقال الناس ما تريد؟ قال أريد أن أعزي عبد
_______________________

(1)احياء علوم الدين للغزالي 4 / 113.

(2)بدائع الفوائد 4 / 217.


الله بن عباس فقام الناس معه عساه أن يفتح لهم باب التعزية ، فلمّا رأى عبد الله بن
عباس قال له السلام عليك يا أبا الفضل فرد عليه عبد الله فأنشده :

اصبر نكن بك صابرين البيتين.

فلمّا سمع الشعر عبد الله زال ما كان به واسترسل الناس في تعزيته ...اه‍ »(1) .

أقول : وأثر الصنعة في تفصيل هذا الخبر ظاهر غير انه لم يكن ذلك من
فراغ ، والمقبول مجيئ الأعرابي لتعزية ابن عباس وانشاده شعره ، وقول ابن عباس
ما عزاني أحد أحسن من تعزيته.

أولاد العباس :

وخلف العباس من الأولاد : عشرة ذكور وأربع إناث وهم :

الفضل وهو أكبرهم وبه كان يكنى ، وعبد اللهـوهو الحبر صاحب كتابنا
هذاـوعبيد الله ، وقثم وكان من المشبهين بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان أبوه العباس يرقصه
ويقول :

أيا بُنيّ يا قثم

أبا شبيه ذي الكرم(2)

قال النووي : وكان أخا الحسين بن علي من الرضاعة(3) .



_______________________

(1)التراتيب الادارية 2 / 416 ط افست دار احياء التراث الإسلامي بيروت ، والفروق للقرافي
2 / 195.

(2)المحبر / 46.

(3)تهذيب الاسماء واللغات 1 / 59.


وعبد الرحمن توفي بالشام ولم يعقب ، ومعبد استشهد بافريقية ، وأم حبيب
أمهم جميعاً أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية ، وفي ولدها يقول عبد الله بن
يزيد الهلالي :

ما ولدت نجيبة من فحل(1)

بجبل نعلمه أو سهل

كستة من بطن أم الفضل

اكرم بها من كهلة وكهل

عم النبيّ المصطفى ذي الفضل

وخاتم الرسل وخير الرسل(2)

وله أيضاً كثير(3) وتمام وكان من أشد قريش. كما يقول الذهبي. لأم ولد
تسمى سباء وهي رومية وقيل حميرية ، والحارث أمه من هذيل (4) ، وعون ،
وأمينة ، وأم كلثوم ، وصفية لأمهات أولاد شتى ، فهؤلاء عشرة ذكور وأربع اناث ،
وكان تمام أصغر بنيه الذكور ، وفيه يقول أبوه العباس :

تموا بتمام فصاروا عشرة

يا رب فاجلهم كراماً بررة(5)



_______________________

(1)كانت العرب لا تعد المرأة منجبة لها أقل من ثلاثة بنين أشراف ، فام الفضل لها اكثر من
ثلاثة لذلك قال الشاعر عنها انها منجبة ، لاحظ المحبر لمحمد بن حبيب / 455.

(2)سير أعلام النبلاء للذهبي 2 / 62 ط مصر ، و 3 / 404 ط دار الفكر ، ومجمع الزوائد 9 / 271 ،
والاستيعاب 2 / 558 ط حيدر آباد ، واسد الغابة 5 / 539.

(3)وهو الذي فيما ذكر البلاذري في أنسابه 1 / 402 فعل مثل ما فعلته فاطمة الزهراءعليها‌السلام
من الاغتسال عند حضور الموت واعداد الكفن وانه كتب على أطراف اكفانه : كثير بن
العباس يشهد أن لا اله إلّا الله. قال الذهبي : وكان فقيها.

(4)في سير أعلام النبلاء 3 / 404 ط دار الفكر : أمه حجيلة بنت جندب التميمية.

(5)الدرجات الرفيعة / 153 ، ومجمع الزوائد 9 / 271.


أحاديث العباس :

وقد روى الحديث عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلّا أنّه لم يكن مكثراً من الرواية ، فلم
يخرّج له أصحاب الصحاح والسنن كثيراً وأحاديثه لا تبلغ العشرين ، وقد ذكر
ابن النديم في الفهرست في مؤلفات إبراهيم الحربي المتوفى سنة 285 (مسند
العباس) ولمّا لم يصل إلينا لنعرف ما فيه فنكتفي بذكر ما روي عنه في كتب
الحديث (1) وإليك منها : ثلاثة عشر حديثاً على النحو التالي :

_______________________

(1)لقد ورد له في المسند الجامعـالمؤلف حديثاًـ21 حديثاً في 8 / 122ـ137 بينها
أحاديث موضوعة على لسانه كما في حديث أبي طالب في ضحضاح من نار المروي في
صحيح مسلم ، ويكفي في سقوطه سنداً وجود عبد الملك بن عمير اللخمي الذي عاش
فترة من حكم معاوية ثم ابنه يزيد ثم بني مروان ، وولي القضاء بالكوفة لهم ، وهو الذي
ذبح عبد الله بن يقطر رسول الحسينعليهالسلامإلى أهل الكوفة فقبض عليه وأمر به
ابن زياد أن يلقى من أعلى القصر فرمي وتكسرت عظامه وبقي به رمق ، فأتاه عبد الملك
بن عمير اللخمي فذبحه ولما عيب عليه قال أردت أن أريحه ، ثم صار بعد ذلك يروي
الحادثة ويكني عن نفسه فيقول ذبحه رجل. وأخيراً فقد ساء حفظه فكان أبو حاتم وابن
معين وأحمد يضعفونهـميزان الاعتدال وفيه كان شعبة لا يرضاهـهذا من ناحية
سقوط السند.

وأما من جهة المتن فهو مخالف للكتاب حيث يقول عز من قائل :( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ
رَهِينَةٌ
) ـإلى قوله تعالىـ( فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) المدثر 38ـ48. فلو قلنا
بصحة الحديث لأن مسلماً رواه في صحيحه ، فلا شفاعة للنبيّ بحق عمه لأنه مات
مشركاً كما يزعم الزاعمونـولو صدقت الأحلام للزمنا تزييف الحديث لمناقضته
لحديث آخر رواه مسلم أيضاً في نفس الموضع عن أبي سعيد الخدري حيث روى (لعله
تنفعه شفاعتي يوم القيامة...) بينما في حديث العباس ان النبيّ صلى الله عليه وسلم
نفع عمه فأنقذه بشفاعته (هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من
النار) فالحديث كسائر الأحاديث المكذوبة على لسان العباس وغيره الموضوعة في
العهد الأموي إيغالاً في بغض الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام ، وإلّا أبو طالب ما كان
مشركاً بل كان موحداً حنيفاً مسلماً على ملة إبراهيم ولما أتى الإسلام آمن به وصار
يكتم إيمانه حفاظاً على سلامة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ودفاعاً عنه ، وشعره
الطافح بإيمانه في سره وإعلانه ، يغني المرء عن بيانه فهو كمؤمن آل فرعون كما ورد في


1ـحديث : (كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه
(وآله)وسلم فمرّت بهم سحابة) أخرجه أبو داود في كتاب السنّة عن محمّد بن
الصباح البزاز ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد ، وأخرجه ابن
ماجة في السنّة عن محمّد بن يحيى.

2ـحديث : (لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك
النجوم) أخرجه ابن ماجة في الصلاة عن محمّد بن يحيى.

3ـحديث : (إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب وجهه وكفـّاه )
أخرجه كل من مسلم وابي داود والترمذي في الصلاة عن قتيبة ، وأخرجه
النسائي في الصلاة عن قتيبة وعن محمّد بن عبد الله بن عبد الحكم ، وأخرجه ابن
ماجة في الصلاة عن يعقوب بن حميد بن كاسب.

4ـحديث : (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد
رسولاً) أخرجه مسلم في الإيمان عن محمّد بن يحيى بن أبي عمر ، وبشر بن
الحكم ، وأخرجه الترمذي في الإيمان أيضاً عن قتيبة.

5ـحديث : (قلت يا رسول الله علّمني شيئاً أسأله الله قال : سل الله العافية)
أخرجه الترمذي في الدعوات عن أحمد بن منيع.

6ـحديث : (قلت يا رسول الله إن قريشاً جلسوا فتذاكروا أحسابهم)
أخرجه الترمذي في المناقب عن يوسف بن موسى القطان البغدادي.

7ـحديث : (قال ابن عباس سمعت أبي يقول في الجاهلية : إسقنا كأساً
دهاقاً) أخرجه البخاري في أيام الجاهلية عن اسحاق بن إبراهيم.

_____________________________________

جملة من أحاديثنا عن أهل البيت عليهمالسلام ، وهم أعرف به من الأرجاس الذين
وضعوا الحديث على لسان العباس.


8ـحديث : (لمّا نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّ الظهران ، قال العباس : قلت والله إن
دخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مكة عنوة ) أخرجه أبو داود في الخراج عن محمّد بن عمرو
الرازي زنيج.

9ـحديث : (أنه قال للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنا نريد أن نكنس زمزم وإن فيها من هدّة
الجنان) أخرجه أبو داود في الأدب عن أحمد بن منيع.

10ـحديث : (شهدت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم حنين فلزمته أنا وأبو سفيان
بن الحارث فلم نفارقه) أخرجه مسلم في المغازي عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو
ابن السرح.

11ـحديث : (كنا نلقى النفر من قريش وهم يتحدثون فيقطعون حديثهم)
أخرجه ابن ماجة في السنّة عن محمّد بن طريف.

12ـحديث : (سمعت العباس يقول للزبير : يا أبا عبد الله ها هنا أمرك
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن تركز الراية يوم فتح مكة) أخرجه البخاري في الجهاد عن أبي
كريب.

13ـحديث : (لا قود في المأمومة ولا الجائفة ولا المنقلة) أخرجه ابن
ماجة في الديات عن أبي كريب.

وأخيراً فقد ذكر له رأي فقهي مع أنّه لم يُعرف مع فقهاء الصحابة ، إلّا أنّ
الشيخ الطوسي ذكر رأيه في كتابه الخلاف في مسألة عدم جواز استقبال القبلة
واستدبارها ببول أو غائط. فقد قال : وقال الشافعي : لايجوز ذلك في الصحاري
دون البنيان ، وبه قال العباس بن عبد المطلب.

أقول : وهذا نقله عنه أيضاً غير الطوسي(1) .

_______________________

(1)أنظر نيل الأوطار 1 / 94 ، وتحفة الأحوذي 1 / 56 ، وعمدة القاري 2 / 278.


مسك الختام بالسلام عليه( عليهالسلام ) :

روى المجلسي في زاد المعاد في أعمال اليوم السابع عشر من شهر ربيع
الأول قال : قال الشيخ المفيد والشهيد والسيد ابن طاووس رحمهمالله إذا اردت
زيارة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ما عدا المدينة الطيبة من البلاد فاغتسل ومثّل بين يديك شبه
القبر واكتب عليه اسمه الشريف ثم قف وتوجه بقلبك إليه ثم ذكروا زيارة
طويلة جاء في بعض فقراتها : السلام على عمك حمزة سيد الشهداء السلام على
عمك العباس السلام على عمك وكفيلك أبي طالب... الخ.

كما ورد التنويه بذكره في زيارة يوم الغدير المروية عن الإمام الهاديعليه‌السلام
باسناد معتبر ، حيث جاء قوله : « وعمك العباس ينادي المنهزين يا أصحاب سورة
البقرة يا أهل بيعة الشجرة حتى استجاب له قوم » إلى غير ذلك فسلام الله عليه
ورحمة منه وبركاته.








ثانياً : اُمه ـ لبابة بنت الحارث

هي لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهُزم بن رويبة بن عبد الله بن
هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ، وامها هند بنت عوف بن
زهير بن الحارث بن حماطة بن جرش بن حمير. المعروفة بالعجوز الجرشية
اكرم الناس أصهاراً (1) وأكرم عجوز في الأرض أصهاراً. فقد كان لها ثمان أو
تسع بنات تزوجهن الأشراف من الناس وهن :

1ـميمونة بنت الحارث ، وهي أسعد أخواتها ، فقد تزوجها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
زوّجه بها العباس بن عبد المطلب ، وأصدقها عنه ، وبنى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بها بسرف(2) سنة
سبع من الهجرة وبه توفيت أيضاً سنة 51 ، 63 ، 66 ودفنت هناك ، وهذا من غريب
المصادفات في حياتها ، كما انها آخر من تزوج بها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآخر أزواجه موتاً
عند بعضهم.

_______________________

(1)التنبيه والاشراف للمسعودي / 228 ، والاصابة 8 / 277 ، والاستيعاب 2 / 758 ، وثمار القلوب
للثعالبي / 78.

(2)سرف : موضع على عشرة أميال من مكة ، السمط الثمين للمحب الطبري / 114 ـ 115.


قال ابن قتيبة : وكانت قبلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت أبي سبرة بن أبي رهم العامري.

2 ـ لبابة الكبرى ـ وهي أم زعيمنا حبر الأمة وصاحب الترجمة ـ.

3ـلبابة الصغرى ، واسمها العصماء ، وقد تزوجها الوليد بن المغيرة
المخزومي ، فولدت له خالد بن الوليد.

وهذه الثلاث كلّهن بنات الحارث بن حزن الهلالي. ولهن أخوات أيضاً
من أمها ، وهن :

1 ـ عزة : وكانت عند الحجاج بن علاط السلمي.

2ـسلمى : وقد تزوجها حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداءعليه‌السلام فولدت
له : أمة الله ، وقيل أمامة وقال ابن قتيبة : التي كانت تحته هي زينب بنت عميس ،
وسلمى تحت شداد بن الهاد.

3ـأسماء : وقد تزوجها جعفر بن أبي طالبعليه‌السلام فولدت له : عبد الله وعوناً
ومحمداً ، ثم خلف عليها أبو بكر بعد مقتل جعفر فولدت له محمداً ، ثم خلف
عليها الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام بعد موت أبي بكر فولدت له يحيى وعوناً
ولا عقب لهما ، ولسلمى وأسماء أخت ثالثة وهي سلامة وهن بنات عميس بن
معد بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة من خثعم
ابن أنمار.

ولبابة الكبرى من السابقات إلى الإسلام ، وقالوا : إنها أول امرأة أسلمت بعد
خديجة أم المؤمنين كما ذكر ذلك جماعة من المؤرخين (1) ، وقد روى سفيان بن
_______________________

(1)منهم ابن سعد في الطبقات 8 / 203 ، وحكاه عن الواقدي ، وابن الأثير في أسد الغابة
5 / 539 ، وابن حجر في الاصابة 8 / 276 ، وابن عبد البر في الاستيعاب 2 / 758 ، والمقريزي
في امتاع الاسماع / 524 ، والمحب الطبري في ذخائر العقبى / 224 ، والتقي الفاسي في


عينية عن عبيد الله بن أبي يزيد قال : « سمعت ابن عباس يقول : كنت أنا وأمّي من
المستضعفين ، كانت أمي من النساء وكنت أنا من الصبيان » (1) .

وقال ابن عباس : فعذر الله أهل العذر منهم ، وأهلك من لا عذر ، وقال :
وكنت أنا وأمي ممن كان له عذر. وفيما يلي حديث فيه دلالة على جانب من
الاستضعاف الذي كان يعانيه المسلمون ومنهم أم الفضل ، كما فيه دلالة على قوة
العقيدة والإيمان في نفوس المؤمنين ومنهم أم الفضل.

فقد أخرج الطبراني بسنده عن أبي رافع مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « كنتُ
غلاماً للعباس بن عبد المطلب وكنت قد أسلمت وأسلمت أم الفضل وأسلم
العباس ، وكان يكتم إسلامه مخافة قومه وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر وبعث
مكانه العاص بن هشامـوكان اخا أبي جهل وخال عمر بن الخطابـوكان له
عليه دين (2) فقال له : اكفني هذا الغزو وأترك لك ما عليك ، ففعل ، فلمّا جاء الخبر
_____________________________________

العقد الثمين 8 / 314 ، والعلاء السكتواري في محاضرة الأوائل / 31 وحكاه عن السيوطي ،
وغيرهم.

(1)أخبار الدولة العباسية / 121بتحقيق الدوري والمطلبي ، والحديث أخرجه ابن جرير في
تفسيره الآية ( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ) ورواه البخاري في صحيحه في
عدة مواضع والبيهقي في سننه 9 / 13 ، والطبري في معجمه 11 / 99 و 217 ، ولكن ابن حزم
في المحلى 2 / 15حاولـمكابراًـأن يجعل اسلام ابن عباس بعد فتح مكة قبل موت
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعامين ونصف فقط ، وهذا محض هراء بلا امتراء ، كيف يصدق على ذلك ،
والعباس هاجر قبل الفتح ومعه اهله وبنوه ومنهم عبد الله فالتقى الركب النبوي في
الطريق كما مر.

(2)روى أبو الفرج الاصفهاني في كتاب الاغاني 4 / 174 ط دار الكتب المصرية ، وعنه
النويري في نهاية الارب 17 / 13 ط دار الكتب المصرية ، واللفظ له : عن مصعب بن عبد
الله قال : قامر أبو لهب العاص بن هشام في عشرة من الابل فقمره ، ثم في عشرة فقمره ،
ثم في عشرة فقمره ، إلى أن خلعه من ماله فلم يبق له شيئاً فقال : إني ارى القداح قد


وكبتَ الله أبا لهب ، وكنت رجلاً ضعيفاً أنحت هذه الأقداح في حجرة ، ومر بي ،
فوالله اني لجالس في الحجرة أنحت أقداحي وعندي أم الفضل ، إذ الفاسق أبو
لهب يجر رجليه أراه قال : حتى جلس عند طنب الحجرة ، فكان ظهره إلى
ظهري ، فقال الناس : هذا أبو سفيان بن الحارث ، فقال أبو لهب : هلم الي يابن
أخي ، فجاء أبو سفيان حتى جلس عنده ، فجاء الناس فقاموا عليهما ، فقال : يابن
أخي كيف كان أمر الناس؟ قال : لا شيء والله ما هو إلّا أن لقيناهم فمنحناهم
أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤا ، ويأسروننا كيف شاؤا ، وأيم الله لما لمت الناس ،
قال : ولم؟ فقال رأيت رجالاً بيضاً على خيل بلق ، لا والله ما تليق شيئاً ، ولا يقوم
لها شيء.

قال : فرفعت طنب الحجرة فقلت : تلك والله الملائكة ، فرفع أبو لهب يده
فلطم وجهي ، وثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض حتى نزل عليّ. برك ظ.
فقامت أم الفضل فاحتجزت فأخذت عموداً من عُمُد الحجرة فضربته به ، ففلقت
في رأسه شجةً منكرة وقالت : أي عدو الله استضعفته أن رأيت سيده غائباً عنه ،
فقام ذليلاً ، فوالله ما عاش إلّا سبع ليال حتى ضربه الله بالعدسة فقتلته فلقد تركاه
ابناه ليلتين أو ثلاث ما يدفناه حتى أنتن ، فقال رجل من قريش لابنيه : ألا
تستحيان؟ إن أباكما قد أنتن في بيته ، فقالا : إنا نخشى هذه القرحة. وكانت قريش
_____________________________________

حالفتك يابن عبد المطلب فهلم أقامرك يابن عبد المطلب فأيّنا غُلب كان عبداً
لصاحبه ، قال افعل ففعل فقمره أبو لهب ، فكره أن يسترّقه فتغضب بنو مخزوم فمشى
اليهم فقال افتدوه مني بعشرة من الابل فقالوا : لا والله ولا بوبرة ، فاسترقّه فكان يرعى
له إبله إلى أن خرج المشركون إلى بدر. قال وقال غير مصعب : فاسترقّه واحتبسه قيناً
يعمل الحديد فلمّا خرج المشركون إلى بدر ، أخرجه أبو لهب عنه لأنه كان عليلاً ، على إنه
إن عاد اعتقه فقبل العاص.


يتقون العدسة كما يتقون الطاعون ، فقال رجل : انطلقا فانا معكما ، قال : فوالله ما
غسّلوه إلّا قذفاً بالماء عليه من بعيد ، ثم احتملوه فقذفوه في أعلا مكة إلى جدارٍ
وقذفوا عليه الحجارة » (1) .

أقول : ورواه الحاكم(2) ، والهيثمي في المجمع(3) ، وأحمد في مسنده(4) ،
والبزار (5) ، والنويري(6) ، وغيرهم.

ومن هذا الحديث يظهر إن استضعاف المشركين للمسلمين كان حتى بعد
واقعة بدر وأن ابا رافع كان من المسلمين المستضعفين ، كما يدل عليه قول أم
الفضل لأبي لهب ، كما أنّ ما فعلته بأبي لهب عدو الله وعدو رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليدل
على قوة إيمانها وصلابة عقيدتها؟ كما يدل على قوة جنانها وشجاعتها. شكر الله
تعالى لها ذلك الموقف البطولي الذي أودت فيه بحياة عدو من ألدّ أعداء
الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقد ذكر المؤرخون : انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يزورها في بيتها ، ويقيلـمن
القيلولة وهي نومة الضحى ـ عندها أيام كان بمكة (7) .

وكانت من فواضل النساء ، هاجرت إلى المدينة بهجرة زوجها ، وقد روي
في حقها وحق أخواتها شهادة من النبيّ الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإيمانهن.

_______________________

(1)المعجم الكبير للطبراني 1 / 308 ط الثانية.

(2)مستدرك الحاكم 3 / 322.

(3)مجمع الزوائد 6 / 89.

(4)مسند أحمد 6 / 9.

(5)مسند البزار / ح 778.

(6)نهاية الارب 17 / 31.

(7)الاستيعاب 2 / 758 ، والعقد الثمين للفاسي 8 / 315.


فقد أخرج ابن حجر في الإصابة عن الزبير بن بكار وغيره انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :
« الأخوات الأربع مؤمنات : أم الفضل ، وميمونة ، وأسماء ، وسلمى » (1) ، وفي رواية
البلاذري : « قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحبهنّ لإيمانهنّ »(2) .

وأخرج أيضاً عن الواقدي بسنده عن كريب : « ذكرت ميمونة وأم الفضل
وأخواتها لبابةـوهي بكرـوعزة ، وأسماء ، وسلمى فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّ
الاخوات مؤمنات » (3) .

وهذه الاخوات مع اخت سابعة لهن اسمها حميدة ، هن اللواتي ترحم
عليهن الإمام أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه‌السلام فيما أخرجه الشيخ الصدوق
محمّد بن عليّ بن بابويه في كتابه الخصال بسنده عن أبي بصيرـوالسند
صحيحـقال سمعتهـيعني الباقرـيقول : رحم الله الأخوات من أهل الجنة ،
فسماهنّ : أسماء بنت عميس الخثعمية ، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب عليه‌السلام ،
وسلمى بنت عميس الخثعمية ، وكانت تحت حمزة بن عبد المطلب ، وخمس
من بني هلال : ميمونة بنت الحارث ، كانت تحت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأم الفضل عند
العباسـوأمها هندـوالعصماء أم خالد ، وعزة كانت في ثقيف عند الحجاج بن
علاط ، وحميدة لم يكن لها عقب (4) . وكفى بشهادة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشهادة ابنه
وحفيده الإمام الباقر عليه‌السلام في حق تلكم الأخوات دليلاً على حسن حالهن ، وعلو
مقامهنّ ، فرحمهنّ الله تعالى برحمته.

_______________________

(1)الاصابة 8 / 276.

(2)أنساب الأشراف (ترجمة أبي طالب) / 44.

(3)الاصابة لابن حجر 8 / 276 ، ومعجم الطبراني 11 / 327 ، ومجمع الزوائد 9 / 260 ، وقال : رواه
الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح ، ورواه الحاكم في المستدرك 4 / 32 ـ
33 وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

(4)الخصال (باب السبعة) / 332 ـ ط الحيدرية.


وقد روت أم الفضل عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحديث ، فقد أخرج لها البخاري
ومسلم والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ وابو داود وابن ماجة كلهم في
كتاب الصلاة عن أم الفضل انها سمعتهـالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـوهو يقرأ والمرسلات
عرفاً ، وفيه : انها لآخر ما سمعت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأ بها في المغرب(1) .

وأخرج لها البخاري في الحج والصوم والاشربة ، ومسلم في الصوم ، وأبو
داود في الصوم ، ومالك في الموطأ في الحج حديث : « انّ الناس تماروا عندِها
يوم عرفة في صيام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأرسلت إليه بقعب من لبن وهو واقف
فشربه » (2) .

وأخرج لها مسلم في النكاح ، والنسائي وابن ماجة فيه أيضاً حديث : « لا
تحرم الرضعة والرضعتان » (3) .

وأخرج لها أبو داود في الطهارة ، وابن ماجة فيه وفي الرؤيا حديث : « كان
الحسين بن عليّ في حجر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فبال عليه »(4) .

ولفظه لابن ماجة في الرؤيا : « قالت أم الفضل : يا رسول الله رأيت كأن في
بيتي عضواً من أعضائك ، قال : خيراً رأيتِ ، تلد فاطمة غلاماً فترضعيه ، فولدت
حسيناً أو حسناً ، فأرضعته بلبن قثم ، قالت : فجئت به إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوضعته في
حجره فبال ، فضربت كتفه ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أوجعت ابني رحمك الله »(5) .

وهذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك بلفظ أوفى ولفظه : « بسنده
عن شداد بن عبد الله عن أم الفضل بنت الحارث انها دخلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
_______________________

(1)ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث للنابلسي 4 / 286.

(2)نفس المصدر 4 / 286.

(3)نفس المصدر.

(4)نفس المصدر.

(5)سنن ابن ماجة 2 / 237 ط الأولى بمصر سنة 1313.


فقالت : يا رسول الله إني رأيت حلماً منكراً الليلة ، قال : وما هو؟ قالت : انّه شديد ،
قال : وما هو؟ قالت : رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري ،
فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : رأيت خيراً ، تلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فيكون في حجرك ،
فولدت فاطمة عليها‌السلام الحسينعليه‌السلام فكان في حجري كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،
فدخلت يوماً على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوضعته في حجره ثم حانت مني التفاتة ، فاذا
عينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تهريقان من الدموع ، قالت : فقلت يا نبي الله ، بأبي أنت وأمي
مالك؟ قال : أتاني جبريل فأخبرني أنّ أمتي ستقتل ابني هذا ، فقلت : هذا؟ فقال :
نعم ، وأتاني بتربة من تربته حمراء قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين » (1) .

وأخرج أحمد في المسند(2) ، وابن ماجة في السنن(3) ، وابن سعد في
الطبقات (4) ، وابن عساكر كما في تهذيب تاريخه(5) ، والمتقي الهندي في كنز
العمال هذا الحديث بالفاظ متقاربة (6) . وعندهم : خيراً رأيتِ ، تلد فاطمة غلاماً
وترضعينه ، فتكفلينه بلبن ابنك قثم. وكانت أم الفضل في مدة رضاعها
الحسين عليه‌السلام ترقصه وهي تقول:

يا ابن رسول الله

يا ابن كبير الجاه

_______________________

(1)مستدرك الحاكم 3 / 176 وأخرجه في 179 بصورة أخصر ، كما أخرج الحديث بصورته
الأولى في مشكاة المصابيح كما في ينابيع المودة / 382 ط الحيدرية ، وتهذيب ابن
عساكر 4 / 313 ، وتذكرة الخواص / 232 ، وكفاية الطالب / 418.

(2)مسند أحمد 6 / 339.

(3)سنن ابن ماجه / ح 3923.

(4)طبقات ابن سعد 8 / 304 ط بيروت.

(5)تاريخ مدينة دمشق 4 / 316.

(6)كنز العمال / ح 41465.


فرداً بلا اشباه

أعاذه إلهي

من أمم الدواهي(1)

         

وكانت هي مع النساء في بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه الذي توفي فيه.

فقد روى الشيخ المفيد بسنده إلى زيد بن عليّ بن الحسينعليه‌السلام قال :
« وضع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه الذي توفي فيه رأسَه في حجر أم الفضل وأغمي
عليه فقطرت قطرة من دموعها على خدّه ففتح عينيه وقال : ما لك يا أم الفضل؟ قالت
نعيتَ الينا نفسَك وأخبرتنا أنك ميت ، فإن يكن الأمر فينا فبشرنا ، وان يكن في غيرنا
فأوص بنا قال فقال لها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنتم المقهورون والمستضعفون من بعدي »(2) .

وروى نحو هذا مرة أخرى بسند آخر ينتهي إلى أم الفضل بن العباس
قالت : « لمّا ثقل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه الذي توفي فيه أفاق إفاقة ونحن نبكي
حوله فقال : ما الذي يبكيكم؟

قلنا : يا رسول الله نبكي لغير خصلة : نبكي لفراقك إيانا ، ولانقطاع خبر
السماء عنا ، ونبكي للأمة من بعدك فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أمّا إنكم المقهورون والمستضعفون
من بعدي » (3) .

وتوفيت أم الفضل بعد زوجها العباس(4) . ومن الغريب أنّ الحصري
القيرواني ذكر في كتابه زهر الآداب قال : يقال أنّ امرأة العباس عم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
قالت ترثي بنيها :

_______________________

(1)المناقب لابن شهر اشوب 3 / 159 ط الحيدرية ، وكتاب قمقام لفرهاد ميرزا / 30. ومرّ عن
النووي ان قثم بن العباس كان أخاً للحسين من الرضاعة.

(2)أمالي المفيد / 112 ط الحيدرية سنة 1367 ه‍.

(3)نفس المصدر / 188.

(4)في كثير من المصادر أنها توفيت قبل زوجها العباس وذلك في زمن خلافة عثمان ولكن
سيأتي في الحديث عن شأن الناكثين لبيعة الإمام عليه‌السلام بعد مقتل عثمان وما أجتمع عليه


دعوا من المجد اكنافاً إلى أجل

حتى إذا كملت اظماؤهم وردوا

ميت بمصر وميت بالعراق ومي‍

ـت بالحجاز منايا بينهم بدد

كانت لهم همم فرقنّ بينهم

إذا القعاديد عن امثالهم قعدوا

بث الجميل وتفريج الجليل واعط

وإعطاء الجزيل الذي لم يعطه أحد(1)

أقول : من الغريب انه لم يعقب على ذلك بشيء ، من حيث القبور. فان بني
العباس وإن كانوا كما قال أبو صالح صاحب التفسير : ما رأينا بني أم أبعد قبوراً
من بني العباس لأم الفضل (2) .

إلّا أنّ في البيت الثاني قوله : وميت بالعراق فمن هو يا ترى ذلك الميت؟!

على أنّ الأبيات المذكورة أوردها أبو عليّ القالي في أماليه منسوبة لأم
معدان الأنصارية بزيادة في أولها وهي :

لا يبعد الله فتياناً رُزئتهم

بانوا لوقت مناياهم فقد بعدوا

أضحت قبورهم شتى ويجمعهم

زوّ المنون(3) ولم يجمعهم بلد

ثم الأبيات الأربعة السابقة باختلاف في الترتيب(4) .

فرحمة الله على أم الفضل وأخواتها المؤمنات.


_____________________________________

رأيهم بمكة من اعلان العصيان ، ان أم الفضل كانت بمكة وعلمت بذلك فاستأجرت
رجلاً من جهينة اسمه ظفر وكتبت معه عن نية القوم ، وأمرته أن يسرع في ايصال كتابها
إلى الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام بالمدينة. وعلى هذا فهي كانت باقية حيّة إلى زمن خلافة
الإمام عليه‌السلام .

(1)زهر الأداب 4 / 104.

(2)المعارف لابن قتيبة / 122 ، ووفيات الاعيان 3 / 64.

(3)زوّ المنون : أحداثها.

(4)الأمالي للقالي 2 / 96.








في عهد النبيّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

تبدأ شخصية حبر الاُمة بالظهور المتلأليء في عهد ابن عمه صاحب
الرسالة صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتحتل بفضل نبوغها المبكّر مكانتها اللائقة بمثله ، بفضل ما حصلت
عليه ، ممّا صار يغبطه عليهاـبعد ذلكـكثير من أبناء الصحابة ، بل وحتى من
الصحابة الّذين فاقهم بأستعداده الفطري ، وحسن تلقّيه ، وشدة ذكائه ، ما جعله
متميزاًـبفضل ما لديه من الموروث والمكتسبـفكان حرياً بأن يوليه
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو مربّيه عنايته التامة ، ويغدق عليه من فضل معارفه ، ما أكسبه أن
يكون بحق (حبر الاُمة) بالرغم من قصر تلك الفترة الّتي حظي فيها بصحبته. وإن
تكن الروايات الّتي تحدثت عن فترة صحبته للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم تخل من مزايدات
مناقبية عباسية البصمات ، كما لم تسلم من مفارقات أموية الطابع ، فكانت مثار
بعض الشبهات ولكن عكست آثارها على المروي عنه وفيه ، وبالرغم من دس
هذه وتلك ، فإنّه يسع الباحث أن يستخلص من بين أكداس الشوائب ما يصحّ
له فيتحدّث عنه. وذلك من خلال سلامة الرواية طريقاً واتفاق الأنصار والخصوم
على روايته.

وإذا رجعنا إلى تاريخ بدء هجرته ونهاية صحبته فلا تتجاوز تلك الفترة
أعوامها الثلاثة ، فقد مرّ بنا أنّه كان مع أبيه في هجرته في أواخر عام ثمان من


الهجرة والتقوا بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعه المسلمون في طريقهم إلى مكة وذلك في شهر
رمضان فكانوا معه. وانتهت تلك الفترة بالتحاق النبيّ الكريم بالرفيق الأعلى في
صفر أو ربيع الأوّل عام أحد عشر فهي لم تتجاوز الثلاثة أعوام. وإذا أردنا
تحديدها بدقة فلنأخذ بما قاله الذهبي في كتابه : « صحب النبيّ صلّى الله عليه
(وآله)وسلّم نحواً من ثلاثين شهراً وحدّث عنه بجملة صالحة » (1) ، وهو تحديد
قريب من الواقع. ومهما يكن عمر تلك الصحبة طولاً وقصراً فقد كانت غنية
بالعطاء ، مليئة بالبركات ، فضلت صحبة كثير ممّن طالت صحبتهم ولم ينتفعوا بها
فلم تغن عنهم شيئاً.

وليس من شك كان له من العناية الآلهية التوفيق خير مساعد على درك ما
اكتسب ، حين توفرت له أسباب النجاح ، فكان حفظه عن تعقل وبفضل ما عليه
من استعداد في نفسه للتلقي وإعداد من ابن عمه في الإفاضة ، فكان يرعاه ويوليه
عنايته ، فأصبح بفضل تلك المواهب والعناية (حبر هذه الاُمة) ، وما حفظه
المحكم من القرآن وهو ابن عشر سنينـكما حدث بذلكـإلّا دليل نبوغه
المبكّر وشدة ذكائه. وليس حفظ المحكمـوهو من سورة محمّد إلى آخر
القرآنـسهلاً على من كان في مثل سنّه ، وبل وحتى على من كان أكبر منه.

ألم نقرأ عن آخرين من الصحابة وفيهم من نيّف على الأربعين وأكثر من
عمره لم يستطع تعلم سورة من القرآن إلّا بعد جهد ، وكان بعضهم نحر جزوراً
عندما ختم سورة البقرة في أثنتي عشرة سنة (2) .

_______________________

(1)سير أعلام النبلاء 4 / 439.

(2)لاحظ شرح الموطأ للزرقاني 2 / 194جاء فيه : وأخرج الخطيب في رواية مالك عن ابن
عمر قال : تعلم عمر في أثنتي عشرة سنة فلمّا ختمها نحر جزوراً ، وقارن ربيع الأبرار
للزمخشري 2 / 77 ط الأوقاف ببغداد ، ولاحظ أيضاً شرح الموطأ للزرقاني 2 / 194 ، وذخائر


وسيأتي في مستقبل تأريخه أنّه صار يقريء جماعة من الصحابة ، وجاء عند
البخاري وغيره ذكر عبد الرحمن بن عوف منهم (1) وعمر بن الخطاب(2) ، فحفظه
للمحكم في أوائل سنيّ صحبته دليل على حسن تلقّيه ومدى أستعداده. ولم
يكن تلقّيه مجرد حفظ آيات وسور ، بل لابدّ أن يكون قد تلقّى التأويل كما
تلقّى التنزيل من أبن عمه صاحب الرسالة ومن فلَقِ فيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وإذا صح ما يروى
أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الّذي لقبه ب‍ (ترجمان القرآن)(3) ففي ذلك دلالة على أنّه وجد
فيه ما يؤهله لأن يكون كذلكَ بفضل ما تعلّمه منه تنزيلاً وتأويلاً.

وزاد حرص حبر الأمة على طلب المزيد ، كثرة متابعته للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكان
ملازماً له ما وسعه ، ذلكَ وساعده على استزادة فرص تلك الملازمة ، وجود خالته
أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكان يدخل بيتها ويبيت أحياناً
عندها ، ليتابع معرفة أحوال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيته ، وحاله في نومه ويقظته ، وربما دعاه
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المبيت عند خالته كما سيأتي.

ولنقرأ عن ذلك :





_______________________

المواريث 2 / 101عن مالك في الموطأـفي الصلاةـقال مالك : بلغني أن عبد الله بن عمر
مكث على سورة البقرة ثمان سنين يتعلمها.

(1)المصنف لعبد الرزاق 5 / 439 ، صحيح البخاري بشرح فتح الباري 12 / 121.

(2)ذكر ذلك المحب الطبري في ذخائر العقبى / 233.

(3)راجع ما مرّ في كنيته ولقبه.






هجرته وبيعته :

انتشر الإسلام وخفقت رايته على ربوع الحجاز ، وظهر أمر الله وقريش له
كارهون ، وكثر المسلمون بعد هجرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقويت شوكتهم بعد موقعة بدر
الكبرى ، حيث نصر الله نبيّه على قريش وأيّده بجنود لم يروها ، ومضت ستة
أعوام على هجرته فيحنّ الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أم القرى ، لزيارة بيت ربّه ،
ومقام أبيه إبراهيم عليه‌السلام ، فيتهيأ ويدعو المسلمين ، ويخرج ومعه الف وستمائة
رجل ، فذي ركائبهم تجوب البيداء القاحلة ، وذا هديهم معهم قد ساقوه حيث
ساق الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتخرج قريش عندما علمت بمقدمه فتصدّه عن دخول مكة ،
فيقيم بالحديبية (1) يبعث إليهم إني ما خرجت أريد قتالاً ، وإنّما أردت زيارة هذا
البيت ، فلم يقبلوا منه ، وواعدوه أن يخلوا له مكة من قابل ثلاثة أيام يزور فيها
البيت ويؤدي مناسكه ، وتكتب بذلك وثيقة الصلح بين الفريقين ، وفيها اشترطوا :
أن لا تؤذي قريش أحداً من المسلمينـوان كان بمكةـولا من حلفائهم ، كما
لا يؤذي المسلمون أحداً من قريش ولا من حلفائهم ، واتفقوا أن تكون مدة
الصلح عشر سنين وجرت من بعض رموز الصحابة مواقف غير مُرضّية بل
مدخولة وَمَرضية (2) .

_______________________

(1)مكان على تسعة أميال من مكة ممّا يلي طرف الحرم.

(2)قال عمر : مازلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الّذي صنعت يومئذ ، مخافة كلامي
الّذي تكلمت به ، حتى رجوت أن يكون خيراً (تاريخ الطبري 2 / 634 ط دار المعارف).


فنحر فيها الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هديه ، وحلّ من احرامه ، ورجع إلى
يثرب دار هجرته ، وبعد مضي عام على ذلك يخرج صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى زيارة
البيت ليعتمر عمرة القضاء ، وتخلي له قريش مكة ، ويبقى بها ثلاثاً ، ثمّ يخرج
وفاءً بالشرط. ولم تمض برهة طويلة حتى كان تجاوز بني بكرـوهم حلفاء
قريشـعلى خزاعةـوهم حلفاء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـلتراث بينهما ، ونصرت
قريش بني بكر على خزاعة ، وبذلك نقضوا ما أشترطوه في عقد الصلح
مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واستنجدت خزاعة بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأرسلت وفداً يضم أربعين
راكباً بزعامة شاعرهم عمرو بن سالم ، فدخلوا المسجد ، ووقف شاعرهم على
رأس النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينشده :

يا رب إني ناشد محمدا

حلف أبينا وأبيه الأتلدا(1)

كنت لنا أباً وكنّا ولدا

ثمة أسلمنا فلم ننزع يدا

فانصر رسول الله نصراً عتدا(2)

وادع عباد الله يأتوا مددا

فيهم رسول الله قد تجرّدا

إن سيم خسفاً وجهه تربّدا

في فيلق كالبحر يجري مزبدا

إن قريشا أخلفوك الموعدا

ونقضوا ميثاقك المؤكّدا

وجعلوا لي في كداء(3) رصدا

وزعموا أن لست أدعوا أحداً

وهم أذلّ وأقلّ عددا

_______________________

(1)الأتلد : الأقدم.

(2)العَتدَ : من العتيد : بمعنى الحاضر المهيأ وفرس عتَدَ بفتحتين معدّ للجري والركوب.

(3)كداء : بالفتح والمد : ثنيّة بأعلى مكة عند المحصّب دار النبيعليه‌السلام من ذي طوى إليها
(مراصد الاطلاع).


هم بيّتونا بالوتير(1) هُجّدا

وقتّلونا ركّعا وسجّداً(2)

فقال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لا نصرتُ إن لم أنصر بني كعب)(3) ـيعني خزاعةـ
وأحلّ الله له نقض ما كان بينه وبين قريش ، حيث بدأوا بالنكث ، ( فَمَن نَّكَثَ
فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ
) (4) .

ويخرجصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لنصرة خزاعة ، ومعه المسلمون وعدتهم يومئذ عشرة آلاف(5) .

ولمّا وصل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعه المسلمون إلى السقياـقرية من أعمال الفرعـ
أو الجحفةـعلى بعد تسعة عشر ميلاً من السقيا وعلى ثلاث مراحل من م.كةـ
أو ذي الحليفةـعلى خمسة أميال من المدينةـالتقىـفيما يقول أصحاب
السيرةـعمه العباس بن عبد المطلب رضي‌الله‌عنه وقد جاء مهاجراً بأهله ورحله إلى
المدينة دار الهجرة والإيمان.

_______________________

(1)الوتير : بالفتح ثمّ الكسر : اسم ماء بأسفل مكة لخزاعة ، نفس المصدر.

(2)السيرة لإبن هشام 3 / 227 ط مصر سنة 1329 بالمطبعة الخيرية ، والسيرة الحلبية 3 / 71ـ
78 ، والاستيعاب 2 / 533 ، والإصابة 2 / 529 ، وقد أحتج سعيد بن المسيب في مسجد
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذه المناشدة حين قال له عمران بن أبي كثير : يا أبا أن قبيصة بن ذؤيب جاء
برجل من أهل العراق فأدخله على عبد الملك بن مروان فحدثه عن أبيه عن المغيرة بن
شعبة أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : (الخليفة لا يناشد) ، فرفع سعيد يده فضرب بها الأخرى فقال :
قاتل الله قبيصة كيف باع دينه بدنيا فانية؟ والله ما من أمرأة من خزاعة قعيدة في بيتها
إلا وقد حفظت قول عمرو بن سالم الخزاعي لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفيناشد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا
يناشد الخليفة؟ قاتل الله قبيصة كيف باع دينه بدنيا فانية؟ (كتاب الغارات لإبراهيم بن
محمد الثقفي 2 / 574).

(3)طبقات بن سعد 2 / 97 ط لبنان ، وتخريج الأحاديث والأثار للزيلعي 2 / 56ط دار خزيمة
الرياض ، وفي الاستيعاب (ترجمة عمرو بن سالم) : (لا نصر في الله إن لم أنصر بني
كعب) ، وكذا في مجمع الزوائد 6 / 161 ، والمطالب العالية 4 / 241.

(4)الفتح / 10.

(5)التنبيه والإشراف للمسعودي / 231ط مصر.


وينزل الجميع ذلك المكان ، ويفرح كلٌ بلقاء الآخر ، ويعرف العباس نيّة
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وجهه ذلك ، فيرسل بركائبه إلى المدينة وقد مرّ منا أنّه وصل إلى
المدينة قبل خروج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى فتح مكة اعتماداً على حديث ابن عباس في
الصوم في السفر (1) ومهما يكن فقد أنتظم هو وبعض بنيه في سلك النفر
المجاهدين ، ويعود إلى مكة مع أبن أخيه قاصداً حرب قريش الّذين نكثوا العهد
ونقضوا الأيمان ، فانقطعت العصمة فحلّ للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يخرج إليهم بذلك
الجيش.

وكان للعباسرضي‌الله‌عنه مقامه في جيش المسلمين ، وإن ذكر الصفوري : انّ
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عقد له راية سوداء كما أنّ راية الأنصار كانت في ذلك اليوم صفراء(2) .
ولا أكاد أصدقه في ذلك ، نعم كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشاور عمه مع المشيرين وكان عبد
الله بن عباس رضي‌الله‌عنه زعيم هذه السيرة في المسيرة من بين أخوته الّذين رجعوا مع
أبيهم إلى مكة بصحبة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو يومئذٍ بعدُ لم يبلغ الحلم ، إذ كان له من
العمر أحد عشرة سنة. كما أنّ بيعته للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت في ذلك السنّ ، فقد ذكر أنّه
لم يبايع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طفلٌ غيره وغير الحسنينعليهما‌السلام وغير ابن جعفر(3) .

وعلى هذا يمكننا أن نعتبر أنّ اولى صفحات تاريخ حياته ذات الدلالة تبدأ
من هذا الحين ، وإن سبق القول حكاية دخول الإسلام بيته بمكة ، إلّا أنّه لم يكن
قد رأى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأبتدأ يحضر عند الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويشاهد مجالسه ، ومن ثَمّ يحدّث
_______________________

(1)سيأتي في شواهد ومشاهد برقم 11.

(2)نزهة المجالس للصفوري 1 / 112.

(3)عمدة الطالب / 36 ط النجف في ذكر عبد الله بن جعفر وقد وَهَم ابن ظفر المكي في
كتابه أنباء نجباء الأبناء / 81 ، فعدّ مكان ابن جعفر عبد الله بن الزبير ، ولم أجد فيما
رأيت من المصادر فعلاً من ذكره ، والثابت المشهور ما ذكرناه.


عن مشاهدة ، ولا شك إن لعنصر المشاهدة قيمة في تسجيل الوقائع يفقده السماع
وتعدّد الرواة.

وهكذا كانت هجرة حبر الأمة وهجرة أبيه ، تمت بملاقاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سواء
في الطريق كما يقول أصحاب السيرة أو بعد الوصول إلى المدينة دار الهجرة
والإيمان كما قلنا (1) .

قال ابن كثير : « وهاجر مع أبيه قبل الفتح ، فأتفق لقياهما النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالجحفة ،
وهو ذاهب لفتح مكة ، فشهد الفتح وحنيناً والطائف عام ثمان » (2) . ولمّا عاد مع
أبيه ليشهد فتح مكة ، كان ذلك بداية ما كان يتحدث به بعد ذلك عن مشاهداته
في ذلك الفتح. كما أنّه شهد أيضاً وقعة حنين والطائف ، ورويت عنه في ذلك
بعض الأحاديث ، وكان جميع ذلك عام ثمان للهجرة النبوية ، وهو بداية حياته.

شواهد ومشاهد :

لقد كان لدى حبر الأمة وهو في سنّه تلك من قوة الحافظة ودقة الملاحظة
ما جعلته يحفظ كلّ ما سمع وما رأى ، فكان حريصاً على متابعة الرسول
الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أقواله وأفعاله ، حتى صار يحاكيه في شتى شؤونه الحياتية ففي
العبادات مثلاً حين يصف وضوءه وصلاته وحتى قراءته وكيفية الركوع
والسجود وأذكاره فيهما ، ويقول هكذا كان يفعل وهذا فعله وهكذا رأيته ، وحتى
في سائر اوراده ونوافله وهو في بيته فلاحظ ما سيأتي عنه من وصفه الدقيق
_______________________

(1)لايعدم الباحث وجود روايات مناقبية تذكر أن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعمه يا عم ختمت بي
النبوة وختمت بك الهجرة ، ولكنها لا تثبت على المحكّ ويبين زيفها ، وأنها ممّا وضعها
الوضاعون تزلّفاً إلى أبنائه في أيام خلافتهم ، وما أكثر ما تقرّبوا به اليهم من هذا
القبيل حتى ليعسر أحياناً تخليص الحقائق من بين أكداس الشوائب.

(2)البداية والنهاية 8 / 296.


لذلك ، حين يصف غطيطه وصفيره في نومهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكيفية لباسه وستأتي شواهد
كثيرة في تاريخه العلمي حين نذكر(فقهه) أمّا الآن فنكتفي بذكر بعضها :

1ـعن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال : « ألا أخبركم بوضوء رسول الله
صلّى الله عليه(وآله)وسلّم فغرف بيده اليمنى ثمّ صبّ على اليسرى صبّة » (1) .

2ـعن عطاء بن يسار عن ابن عباس : أنّه توضأ فغسل كلّ عضو منه غسلة
واحدة ثمّ ذكر أنّ النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم كان يفعله (2) .

3ـأخرج البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى :( لَا
تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ
) (3) قال : « كان النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم يعالج من
التنزيل شدة وكان يحرّك شفتيه ، فقال لي ابن عباس : أحرّكهما لك كما كان
رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم يحرّكهماـفقال سعيد : أنا أحرّكهما كما
كان ابن عباس يحرّكهماـ، قالـابن عباسـفكان رسول الله صلّى الله عليه
(وآله)وسلّم إذا أتاه جبريل عليه‌السلام أستَمَع فاذا أنطلق جبريل قرأه النبيّ صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم كما أقرأه » (4) .

4ـأخرج عبد الرزاق عن سليمان بن يسار : أنّه سمع ابن عباس وأبا هريرة ،
ورأى أبا هريرة يتوضأ ثمّ قال يابن عباس أتدري من ماذا أتوضأ؟ قال : لا ، قال
توضأت من أتوار (5) أقط أكلتها. قال ابن عباس : ما أبالي ممّا توضأت ، أشهد
_______________________

(1)المصنف لعبد الرزاق 1 / 42.

(2)صحيح البخاري (باب الوضوء مرة مرة) 1 / 43 ، المصنف لعبد الرزاق 1 / 41 ، مسند أحمد
5 / 36.

(3)القيامة / 16.

(4)صحيح البخاري 9 / 153ط بولاق.

(5)جمع تور وهي قطعة من الأقط وهو لبن جامد مستحجر.


لرأيت رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أكل كتف لحم ثمّ قام إلى الصلاة
وما توضأ (1) .

5ـأخرج الطبراني في معجمه بسنده عن محمّد بن أسحاق عن خالهـ
موسى بن يسارـقال : « كان ابن عباس يوم الجمعة يبسط له في بيت ميمونة
فيتحدث. فقال له رجل : أخبرني عما مسّت النار؟ فقال ابن عباس : لا أخبرك إلّا
ما رأيت من رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم ، كان هو وأصحابه في بيته ،
فجاء المؤذن فقام إلى الصلاة حتى إذا كان بالباب أتي بصحفة فيها خبز ولحم ،
فرجع بأصحابه فأكل وأكلوا ، ثمّ رجع إلى الصلاة ولم يتوضأ » (2) .

6ـأخرج الطبراني في معجمه بسنده عن عطاء بن يسار عن ابن عباس
رضياللهعنهما قال : « كان رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم إذا نظر في
المرآة قال : (الحمد لله الّذي حسّن خَلقي ، وزان مني ما شان من غيري) ، فإذا
أكتحل جعل في كلّ عين ثنتين وواحدة بينهما ، وكان إذا لبس بدأ باليمين ، وإذا
خلع خلع اليسرى ، وكان إذا دخل المسجد أدخل رجله اليمنى ، وكان يحبّ
التيمّن في كلّ شيء إذا أخذ وإذا أعطى » (3) .

7ـأخرج الطبراني في معجمه بسنده عن طاووس عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال : « كان رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم يرفع يديه في كلّ
ركعة » (4) .

_______________________

(1)أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 1 / 157عن ابن جريج ، وأحمد في المسند من طريق
المصنف لعبد الرزاق 1 / 165.

(2)المعجم الكبير للطبراني 10 / 310.

(3)نفس المصدر 10 / 314.

(4)المعجم الكبير 11 / 24 ، ورواه أبو داود في سننه برقم / 726 ، والنسائي في سننه2 / 232.


8ـأخرج الطبراني في معجمه بسنده عن طاووس عن ابن عباس قال :
« رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلي في خميصة »(1) .

9ـأخرج الطبراني في معجمه بسنده عن طاووس عن ابن عباس قال :
« رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلي في جبّة صوف وحدها »(2) .

10ـأخرج الطبراني في معجمه قال : « سأل رجل ابن عباس أدركت
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال نعم أدركته وأنا غلام ، وكان بغيته أن يحضر عيد ، فخرج فأمر
بعنزة فركزت له عند دار كثير بن الصلت فصلّى إليها ، ثمّ ذكّر الناس فوعظهم ثمّ
أرتفع إلى النساء ليس معه ذكر غير بلال فذكّرهن ووعظهنّ وحثّهنّ على
الصدقة فرأيتهنّ يهوين إلى آذانهن وحلقوهن ليدفعن الصدقة » (3) .

وفي حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : « خرجت مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم
الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة : لا أذان ولا إقامة ثمّ ركب راحلة فخطب عليها
ثمّ أتى النساء ثمّ رجع إلى أهله ».

11ـأخرج الطبراني في معجمه بسنده عن طاووس عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه قال :
« سافرت مع رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم في رمضان فصام حتى بلغ
عسفان ثمّ دعا بإناء فشرب ليراه الناس ثمّ أفطر حين (حتى) دخل مكة وأفتتح
مكة في رمضان » (4) .

_______________________

(1)المعجم الكبير 11 / 23.

(2)نفس المصدر 11 / 24.

(3)نفس المصدر 12 / 112.

(4)المعجم الكبير 11 / 26 ، وأخرجه البخاري في صحيحه برقم / 1948 و 4279 ، ومسلم برقم /
1113 ، والنسائي 4 / 184 ، وابو داود برقم 2378 ، وأحمد في مسنده برقم / 2350ـ51ـ52
و 2996.


12ـأخرج الطبراني في معجمه بسنده عن ابن عباس قال : « دخلت على
رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم في سفر وهو يقرأ سورة ص فسجد
فيها » (1) .

13ـأخرج الطبراني في معجمه بسنده عن ثابت بن يزيد الخولاني أنّه
قدم المدينة فلقي ابن عباس فسأله عن الخمر فقال : « سأخبرك عن الخمر ، اني
كنت عند رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم في المسجد ، فبينما هو محتب
حلّ حبوته ثمّ قال : (من كان عنده من الخمر شيء فليؤذنّي به) فجعل
الناس يأتونه فيقول أحدهم : عندي راوية خمر ، ويقول الآخر : عندي راوية
ويقول الآخر : عندي زقاق وما شاء الله أن يكون عنده. فقال رسول الله صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم (اجمعوه ببقيع كذا وكذا ثمّ اذنوني) ففعلوا ثمّ آذنوه ،
فقام وقمت معه ، فمشيت عن يمينه وهو متكيء عليّ فلحقنا أبو بكر ،
فأخذني رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم فجعلني عن يساره ، وجعل أبا بكر
مكاني ، ثمّ لحقنا عمر بن الخطاب فأخذه فجعله عن يساره فمشى بينهما حتى
إذا وقف على الخمر قال للناس : (أتعرفون هذه؟) قالوا : نعم يا رسول الله
هذه الخمر قال : (صدقتم إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها
وساقيها وآكل ثمنها) ثمّ دعا بسكين فقال : (أشحذوها) ففعلوا ، ثمّ أخذها
رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم يخرق الأزقاق. فقال الناس : انّ
هذه الأزقاق منفعة فقال : (أجل ، ولكني إنّما أفعل ذلك غضباً لله لما فيها
من سخطه) » (2) .

_______________________

(1)المعجم الكبير 11 / 49.

(2)نفس المصدر 12 / 180برقم 12977.


14ـأخرج الطبراني في معجمه بسنده عن ابن عباس قال : « كنا في
حلقة في المسجد نتذاكر فضائل الأنبياء أيّهم أفضل؟ فذكرنا نوحاً وطول
عبادته ربّه ، وذكرنا إبراهيم خليل الرحمن ، وذكرنا موسى كليم الله ،
وذكرنا عيسى بن مريم ، وذكرنا رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم ،
فبينما نحن كذلك إذ خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم فقال :
(ما تذاكرون بينكم؟) قلنا : يا رسول الله تذاكرنا فضائل الأنبياء وأيّهم أفضل؟
ذكرنا نوحاً وطول عبادته ، وذكرنا إبراهيم خليل الرحمن ، وذكرنا موسى
كليم الله ، وذكرنا عيسى بن مريم ، وذكرناك يا رسول الله قال : (فمن
فضلتم؟) قلنا : فضّلناك يا رسول الله ، بعثك الله إلى الناس كافة ، وغفر لك
ما تقدم من ذنبك وما تأخّر ، وأنت خاتم الأنبياء فقال رسول الله صلّى الله عليه
(وآله)وسلّم : (أمّا أنّه لا ينبغي لأحد أن يقول انا خير من يحيى وزكريا)
قلنا : يا رسول الله ومن أين ذاك؟ قال : (أما سمعتم الله كيف وصفه في
القرآن؟ فقال : ( يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) (1) ـفقرأ حتى
بلغـ ( وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ) (2) لم يعمل سيئة قط ولم
يهمّ بها) » (3) .

15ـأخرج الطبراني في معجمه بسنده عن ابن عباس : « أنّ رسول الله صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم أخذ بعضادتي الباب ونحن في البيت فقال : (يا بني عبد
المطلب هل فيكم أحد من غيركم؟) قالوا : أبن أخت لنا فقال : (أبن أخت القوم
_______________________

(1)مريم / 12.

(2)آل عمران / 39.

(3)المعجم الكبير 12 / 168ط الموصل.


منهم) ، ثمّ قال : (يا بني عبد المطلب إذا نزل بكم كرب أو حمة أو جهد أو لأواء
فقولوا : الله الله ربنا لا شريك له) » (1) .

16ـأخرج الطبراني في معجمه بسنده عن ابن عباس قال : « أهدى رسول
الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم إلى أبي بكَارة (2) فاستصغرها ، ثمّ قال لي : انطلق
بها إلى رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم يا بنيّ فقل : إنّا قوم نعمل فإن
كان عندك أسنّ منها فابعث بها إلينا ، فأتيت بها فقال : (ابن عمي وجهها إلى
أبل الصدقة).

ثمّ أتيته في المسجد فصليت معه العشاء فقال : (ما تريد أن تبيت عند
خالتك الليلة قد أمسيت) فوافقت ليلتها من رسول الله صلّى الله عليه(وآله)
وسلّم ، فأتيتها فعشتني ووطأت لي عباءة بأربعة فافترشنيْها ، فقلت لأعلمنّ ما يعمل
النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم ، فدخل رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم
فقال : (يا ميمونة) قالت : لبّيك يا رسول الله قال : (أفلا عشّيتيه إن كان عندك
شيء؟) قالت : قد فعلت ، قال : (فوطئتِ له؟) قالت : نعم ، فمال إلى فراشه
فلم يضطجع عليه ، وأضطجع حوله ووضع رأسه على الفراش ، فمكث ساعة ،
فسمعته قد نفخ في النوم ، فقلت نام وليس بالمستيقظ وليس بقائم الليلة ، ثمّ
قام حيث قلت ذهب الربع ، الثلث من الليل ، فأتى سواكاً له ومطهرة ، فأستاك حتى
سمعت صرير ثناياه تحت السواك وهو يتلو هذه الآيات : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ
) (3) ، ثمّ وضع السواك ثمّ قام إلى قربة فحلّ شناقها ، فأردت أن أقوم
_______________________

(1)نفس المصدر 12 / 132 ط الثانية.

(2)البكارة : ولد الناقة والفتيّ منها أو الثني إلى أن يجدع ، أو أبن المخاض إلى أن يثنّي او
ابن اللبون ، كلّ ذلك يقال له بكارة (قطر المحيط بكر).

(3)البقرة / 164.


فأصبّ عليه ، فخشيت أن يذر شيئاً من عمله ، فلمّا توضأ دخل مسجده فصلّى أربع
ركعات ، فقرأ في كلّ ركعة مقدار خمسين آية ، يطيل فيها الركوع والسجود ، ثمّ
جاء إلى مكانه الّذي كان عليه ، فاضطجع هوياً فنفخ وهو نائمـفقلت ليس
بقائم الليلة حتى يصبحـفلمّا ذهب ثلثا الليل أو نصفه أو قدر ذلك ، قام فصنع
مثل ذلك ، ثمّ دخل مسجده فصلّى أربع ركعات على قدر ذلك ، ثمّ جاء إلى
مضجعه فأتكّأ عليه فنفخـفقلت ذهب به النوم ليس بقائم حتى يصبحـثمّ قام
حين بقي سدس الليل أو أقل فاستاك ثمّ توضأ ثمّ دخل مسجده فكبّر فأفتتح
بفاتحة الكتاب ثمّ قرأ : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) ثمّ ركع وسجد ، ثمّ قام فقرأ
بفاتحة الكتاب و ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) ثمّ ركع وسجد ، ثمّ قام فقرأ بفاتحة
الكتاب و ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) ثمّ قنت فركع وسجد ، فلمّا فرغ قعد حتى إذا ما طلع
الفجر ناداني قلت : لبيك يا رسول الله قال : (قم) فوالله ما كنت بنائم فقمت
فتوضأت وصليت خلفه فقرأ بفاتحة الكتاب و ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) ثمّ ركع
وسجد ، ثمّ قام في الثانية فقرأ بفاتحة الكتاب و ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) ، فلمّا سلّم
سمعته يقول : (اللّهم أجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً ومن بين
يدي نوراً ، ومن خلفي نوراً وعن يميني نوراً وعن شمالي نوراً ومن فوقي نوراً ومن
تحتي نوراً وأعظم لي نوراً يا رب العالمين) » (1) .

17ـأخرج الطبراني في معجمه عن ابن عباس قال : « رأيت النبيّ صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم يأكل العنب خرطاً » (2) .


_______________________

(1)المعجم الكبير 12 / 102.

(2)نفس المصدر 12 / 115.


18ـوأخرج الطبراني أيضاً بسنده عن أبي العالية عن ابن عباس قال : « كان
يعلّمنا الركوع كما كان رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم يعلّمهم ثمّ يستوي
لنا راكعاً ، حتى لو قطرت بين كتفيه قطرة من ماء ما تقدمت ولا تأخرت » (1) .

19ـوأخرج الطبراني في معجمه بسنده عن ابن عباس قال : « دخل رسول
الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم حائطاً لبعض الأنصار ، فجعل يتناول من الرطب
فيأكل وهو يمشي وأنا معه ، فألتفت إليَّ فقال : (يابن عباس لا تأكل بأصبعين ،
فإنها أكلة الشيطان ، وكل بثلاثة أصابع) » (2) .

20ـوأخرج الطبراني في معجمه عن محمّد بن عمرو بن عطاء قال :
دخلت بيت ميمونة زوج النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم فوجدت فيه ابن
عباس ، فتذاكرنا الوضوء ممّا مسّت النار ، فقال ابن عباس : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
يأكل ممّا مسّت النار ، ثمّ يصلي ولا يتوضأ ، فقلنا : أنت رأيته؟ فأشار إلى عينيه
فقال : بصر عيني » (3) .

21ـوأخرج الطبراني في معجمه بسنده عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه قال : « كنت نائماً
فأتيت فقيل لي : أنّ الليلة ليلة القدر ، فقمت وأنا ناعس فتعلقت رجلي ببعض
أطناب فسطاط رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو قائم يصلي ، قال ابن عباس :
فنظرت في الليلة فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين » (4) .

22ـوأخرج الطبراني في معجمه بسنده عن ابن عباس : « أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان
يشرب في الإناء ثلاثة أنفاس » (5) .

_______________________

(1)نفس المصدر 12 / 123.

(2)نفس المصدر 11 / 103.

(3)نفس المصدر 10 / 324.

(4)نفس المصدر 11 / 233.

(5)نفس المصدر 11 / 255.


23ـوأخرج أيضاً بسنده إلى ابن عباس : « أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث إلى أبي طيبة
ليلاً فحجمه وأعطاه أجره » (1) .

24ـوأخرج أيضاً بسنده إلى ابن عباس قال : « خط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في
الأرض أربعة خطوطـأخططـثمّ قال : تدرون ما هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم ،
قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت
محمّد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم » (2) .

25ـوأخرج أيضاً بسنده عن ابن عباس قال : « كنا مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سفر
فحضر النحر فاشتركنا في البقرة سبعة وفي البعير عشرة » (3) .

26ـوأخرج أيضاً بسنده عن ابن عباس قال : « أنّ زوج بريرة
كان عبداً يقال له مغيث ، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل
على لحيته ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للعباس : يا عباس ألا تعجب من شدة حبّ
مغيث بريرة ومن شدة بغض بريرة مغيثاً!؟ فقال لها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو راجعتيه فأنه
أبو ولدك. قالت يا رسول الله أتأمرني؟ فقال : إنّما أنا شافع ، قالت : فلا حاجة
لي فيه » (4) .

27ـوأخرج أيضاً بسنده عن ابن عباس : « أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء إلى
السقاية فأستسقى فقال العباس للفضل : يا فضل اذهب إلى أمك فأئت رسول الله
بشراب من عندها ، فقال : (أسقني) ، فقال : يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه ،
_______________________

(1)نفس المصدر 11 / 259.

(2)نفس المصدر 11 / 266.

(3)نفس المصدر 11 / 266.

(4)المعجم الكبير 11 / 273 ، ورواه البخاري في صحيحه 7 / 48 ط بولاق.


فقال : (أسقني) فشرب منه ، ثمّ أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال : (أعملوا
فإنكم على عمل صالح ثمّ قال : لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع على هذه ، يعني
عاتقه وأشار إلى عاتقه) » (1) .

28ـوأخرج أحمد(2) ، والطيالسي(3) ، والبلاذري(4) ، واللفظ له بأسناده عن
أبي حمزة قال : سمعت ابن عباس يقول : « مرّ بي رسول الله صلّى الله عليه(وآله)
وسلّم وأنا ألعب مع الغلمان ، فاختبأت منه خلف باب فدعاني فحطأني حطأة (5)
ثمّ بعثني إلى معاوية ، فرجعت إليه فقلت : هو يأكل ، ثمّ بعثني إليه فقلت : هو
يأكل بعدُ ، فقال النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم : (لا أشبع الله بطنه) ».

قال أبو حمزة : فكان معاوية بعد ذلك لا يشبع »(6) .

_______________________

(1)المعجم الكبير 11 / 273.

(2)مسند أحمد 1 / 240 و 291 و 335 و 338.

(3)مسند الطيالسي 2 / 359.

(4)أنساب الأشراف 1ق 4 / 125 ـ 126.

(5)الحطأة : التحريك مزعزعاً ، وحطأ فلانا ضرب ظهره بيده مبسوطة (قطر المحيط).

(6)روى ذلك أيضاً ابن عبد البر في الأستيعاب ، وأبن الأثير في أسد الغابة ، والذهبي في سير
أعلام النبلاء كلّهم في ترجمة معاوية ، ورواه غيرهم من المؤرخين كابن كثير ، وقد ذكره
الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 11 / 121 عن طريق أبي داود الطيالسي في
مسنده وقال : وهذا إسناد صحيح رجاله كلّهم ثقات رجال مسلم ، وفي أبي حمزة القصاب
وأسمه عمران بن أبي عطاء كلام من بعضهم لا يضرّه فقد وثقه جماعة من الأئمة منهم
أحمد وابن معين وغيرهما ، ومن ضعّفه لم يبيّن السبب فهو جرح مبهم غير معقول ،
وكأنه لذلك أحتج به مسلم وأخرج له هذا الحديث في صحيحه 8 / 27 من طريق شعبة
عن أبي حمزة القصّاب به وأخرجه أحمد 1 / 240 و 291 و 335 و 338 عن شعبة وأبي عوانة
عنه به دون قوله : (لا أشبع الله بطنه) وكأنه من أختصار أحمد أو بعض شيوخه وزاد في
رواية (وكان كاتبه) وسندها صحيح. ثمّ قال : وقد يستغل بعض الفرق هذا الحديث
ليتخذوا مطعناً في معاوية وليس فيه ما يساعدهم على ذلك ، كيف وفيه أنّه كان كاتب


29ـوأخرج الطبراني في معجمه الكبير بسنده عن ابن عباس قال : « قرأ
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صلوات ، وسكت في صلوات فنحن نقرأ فيما قرأ فيه نبيّ
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونسكت فيما سكت فيه ، فقيل له : فلعل نبيّ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرأ في نفسه فغضب
وقال : أو يتهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! أو يتهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(1) ؟!

_____________________________________

النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولذلك قال الحافظ ابن عساكر 16 / 249 / 2 إلى أنّه أصح ما ورد في فضل
معاوية ، فالظاهر أن هذا الدعاء منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير مقصود؟ بل هو ما جرت به عادة العرب في
وصل كلامها بلا نيّة. أقول : وأستمر في محاولة تبريره لجعل الدعاء لمعاوية لا عليه وإن
أدّى ذلك على حساب مقام النبوة فيقول : ويمكن أن يكون منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بباعث البشرية وساق
بعض ما رواه مسلم في نفس الباب الّذي عنونهـباب من لعنه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو سبّه أو دعا
عليه وليس هو أهلاً لذلك كان له زكاة وأجراً ورحمة.

ثمّ حلل قوله النبوي في شرحه لمسلم : وأمّا دعاؤه على معاوية ففيه جوابان :

أحدهما : أنّه جرى على اللسان بلا قصد.

والثاني : أنّه عقوبة له لتاخره ، وقد فهم مسلم رحمهاللهمن هذا الحديث أن معاوية
لم يكن مستحقاً للدعاء عليه ، فلهذا أدخله في هذا الباب وجعله غيره من مناقب معاوية
لأنّه في الحقيقة يصير دعاء له.

الى آخر كلامه الّذي جرى فيه على هواه في معاوية شأن غيره من علماء التبرير ولا
يخفى ما في ذلك من اتباع الهوى على القارئ البصير.

ولهؤلاء من التنطع في المقام ما يبعث على القرف والأشمئزاز ، بعد أن لم يسعهم الطعن
في الأسناد ، فجهدوا في تأويل المتن والأستفادة منه ، وجعلها فضيلة لمعاوية ، ولكن
الذهبي وغيره لم يرضهم التأويل فقال الذهبي في سير أعلام النبلاء هذاـيعني
الحديثـما صح والتأويل ركيك ، راجع صحيح مسلم باب البر والصلة ستجد ما ينسب
إليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قوله : (اللّهم من سببته أو شتمته من الأمة فأجعلها له رحمة) ، سير أعلام
النبلاء 4 / 287 ط دار الفكر.

(1)المعجم الكبير للطبراني 11 / 283.

وفي مسألة الجهر والإخفات ، اختلاف وقع بين الصحابة بعد موت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكان ابن
عباس يعلن برأيه مستنكراً على الجبهة المعارضة بقوله : ما جهر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جهرنا وما
سكت سكتنا.(اُنظرالمعجم الكبير للطبراني 11 / 274).


30ـوأخرج أيضاً بسنده عن ابن عباس : « أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دخل على عائشة
وحفصة وهما صائمتان ، ثمّ خرج فرجع وهما تأكلان فقال : (ألم تكونا
صائمتين؟) قالتا : بلى ولكن أهدي لنا هذا الطعام فأعجبنا فأكلنا منه قال : (صوموا
يوماً مكانه) » (1) .

31ـوأخرج أيضاً بسنده عن ابن عباس قال : « ما كنا نعرف انقضاء صلاة
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا بتكبيره »(2)(3) .

32ـوأخرج أيضاً بسنده عن ابن عباس قال : « أصبحنا يوماً ونساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
يبكين ، عند كلّ إمرأة منهن أهلها ، فخرجت إلى المسجد فاذا هو ملأ من الناس ،
فجاء عمر فصعد إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو في غرفة فسلّم فلم يجبه فقال : أطلّقت
نساءك؟ قال : لا ولكني آليت. فمكث إلى تسع وعشرين ثمّ نزل إلى أهله » (4) .

33ـوأخرج ابن سعد في طبقاته بسنده عن ابن عباس قال : « كان رسول
الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أجود الناس بالخير ، وكان أجود ما يكون في
رمضان حين يلقاه جبريل ، فكان جبريل يلقاه كلّ ليلة في رمضان حتى ينسلخ
يعرض عليه رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم القرآن ، فإذا لقيه جبريل كان
رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أجود بالخير من الريح المرسلة » (5) .

_______________________

(1)نفس المصدر 11 / 288.

(2)نفس المصدر 11 / 335.

(3)وهذا ما عليه الشيعة اليوم إستناناً بسنّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويشهّر بهم من لا حريجة له في
الدين بأنهم يقولوا : خان الأمين.

(4)المعجم الكبير للطبراني 11 / 343 ، ورواه البخاري في صحيحه 7 / 28 ط بولاق كتاب
النكاح باب موعظة الرجل أبنته لحال زوجها ، والنسائي في سننه 6 / 166ـ167 بصورة
أوسع فليراجع.

(5)طبقات ابن سعد 1ق 2 / 93.


وصايا نبوية خاصة له :

فمن تلك الوصايا ما قال له وقد أردفه خلفه ، وأخذ بيده فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له :

(يا غلام ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهنّ؟ قال ابن عباس : بلى ،
فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إحفظ الله يحفظك ، إحفظ الله تجده أمامك ، تعرّف إليه في الرخاء
يعرفك في الشدّة ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا أستعنت فاستعن بالله ، قد جفّ
القلم بما هو كائن ، فلو أنّ الخلق كلّهم جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه
الله لم يقدروا ، وان أرادوا أن يضرّوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ،
واعلم أنّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً ، وأن النصر مع الصبر ، وأن الفرج
مع الكرب ، وأن مع العسر يسرا) (1) .

_______________________

(1)أخرج هذه الوصية الثمينة والدرة اليتيمة كثير من الحفاظ وأئمة الحديث ، كابن منده
والترمذي وابي نعيم في أخبار أصبهان 2 / 204 ، وفي الحلية 1 / 314 ، والطبراني في
معجمه الكبير في عدة مواضع من أحاديث ابن عباس فراجع 11 / 184 و 12 / 100 و 143 و
178 وغيرها ، وأحمد في مسنده 1 / 25 ، والنووي في أربعينه الحديث / 19 ، وشرحها ابن
دقيق العبد والفشني وابن حجر والتفتازاني في شروحهم للأربعين النووية ، وشرحها
شرحاً وافياً ابن رجب الحنبلي وسماهـنور الأقتباس في مشكاة وصية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لابن
عباسـوقد طبع سنة 1365 بمصر شركة مساهمة. كما أخرجها أيضاً الخطيب البغدادي
في تاريخه 14 / 126 ، وابن تيمية في رسالة قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة / 38 ط
مصر سنة 1373 ، وأخرجها الزمخشري 3 / 505 في ربيع الأبرار ، والسبكي في تفريج المهج
بهامش حل العقال / 13 ، والديريني في طهارة القلوب بهامش نزهة الجليس 1 / 182 ،
والسراج الطوسي في اللمع / 143 وغيرهم وغيرهم ، ودليل الفالحين لطرق رياض
الصالحين 1 / 284ـ291 ، وتاريخ جرجان للسهمي / 46. وإنما أطلت بذكر المصادر لأنها
كلّها مجمعة على أن الوصية صدرت من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى عبد الله بن عباس ، إلّا أن هناك
مصادر أخرى ذكرت أن الوصية بمضمونها كانت من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الفضل بن العباس ، وإن
وجد في ألفاظها بعض اختلاف ، واحتمال التعدد غير ممتنع لكنه بعيد ، خصوصاً وان
في أوّل وصيته إلى الفضل مؤشر على أنّه كان غلاماً ووضع يده في ظهر الغلام حين
أرتدفه وذلك خشية سقوطه ، وإذا علمنا بأن الفضل أكبر من عبد الله وانه جاوز البلوغ ،


فهذه الوصية الجليلة ، كفيلة بتنمية الفضائل والكمالات ، وجديرة بالعناية
بها والالتزام بمضمونها للأستفادة منها ، فلا يفوتنّ القارئ ما فيها من هدىً ونور.

ومن تلك الوصايا وصية أخرى أوصاه بها تنير له السبيل عندما تتشعّب
السُبل بعده ، وتنهج له الطريق الواضح المعالم عندما يكثر العثار في المسالك ،
وتلزمه الصراط المستقيم الّذي هو سبيل الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :
(أعطاني الله تبارك وتعالى خمساً وأعطى عليّاً خمساً :

1 ـ أعطاني جوامع الكلم ، وأعطى عليّاً جوامع العلم.

2 ـ وجعلني نبيّاً ، وجعله وصيّاً.

3 ـ وأعطاني الكوثر ، وأعطاه السلسبيل.

_____________________________________

فبعيد أن يحافظ عليه من السقوط بوضع يده الكريمة خلف ظهره. وان يقول أحملوا
هذا الغلام خلفي.

واليكم الحديث بلفظ الشيخ الطوسي في أماليه 2 / 287 ط النجف بسنده عن أبي
جعفر عليه‌السلام يقول : خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد حاجة ، فاذا هو بالفضل بن العباس.

قال : فقال : احملوا هذا الغلام خلفي. قال : فاعتنق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيده من خلفه على
الغلام ثمّ قال : يا غلام خف الله تجده أمامك ، يا غلام خف الله يكفك ما سواه وإذا سألت
فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، ولو أن جميع الخلائق اجتمعوا على أن يصرفوا
عنك شيئاً قد قدّر لك لم يستطيعوا ، ولو أن جميع الخلائق اجتمعوا على أن يصرفوا
اليك شيئاً لم يقدّر لك لم يستطيعوا. واعلم أن النصر مع الصبر ، وان الفرج مع الكرب ،
وان اليسر مع العسر ، وكل ما هو آت قريب ، ان الله يقول : ولو أن قلوب عبادي أجتمعت
على قلب اشقى عبد لي ما نقصني ذلك من سلطاني جناح بعوضة ، ولو ان قلوب عبادي
اجتمعت على قلب أسعد عبدٍ لي ما زاد ذلك إلّا مثل ابرة جاء بها عبد من عبادي
فغمسها في بحر ، وذلك إن عطائي كلام وعدتي كلام وانما أقول للشيء كن فيكون.

وقد ذكر الشيخ الصدوق في الفقيه 4 / 296 هذه الوصية للفضل في النوادر وهو آخر
أبواب الكتاب إلى قوله : ان مع العسر يسرا.

ووردت في بعض وصايا النبيّ لأبي ذر أيضاً كما في 2 / 149 أمالي الطوسي ط النعمان ،
فراجع.


4ـوأعطاني الوحي ، وأعطاه الألهام.

5ـوأسري بي إليه ، وفتح له أبواب السماء والحجب حتى نظر إليّ ونظرتُ
إليه.

ثمّ بكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلت : « ما يبكيك فداك أبي وأمي؟ » ، فقال : يابن
عباس إنّ أوّل ما كلمني به ربّي أن قال : يا محمّد انظر تحتك ، فنظرت إلى
الحجب قد أنحرفت والى أبواب السماء قد فتحت ، ونظرت إلى عليّ وهو رافع
رأسه إليّ فكلّمني وكلمته ، وكلمني ربي عزوجل .

قال ابن عباس : « فقلت يا رسول الله بم كلمك ربّك؟ »

قال : قال لي يا محمّد اني جعلت عليّاً وصيّك ووزيرك وخليفتك من
بعدك ، فأمر الله الملائكة أن تسلّم عليه ، ففعلت فرد عليهم‌السلام ، ورأيت
الملائكة يتباشرون به ، وما مررت بملأ منهم إلّا هنأوني ، وقالوا : يا محمّد والّذي
بعثك بالحقّ لقد دخل السرور على جميع الملائكة باستخلاف الله عزوجل لك ابن
عمك ، ورأيت حملة العرش وقد نكّسوا رؤوسهم ، فسألت جبرئيل عليه‌السلام فقال :
إنهم استأذنوا الله في النظر إليه فإذن الله.

فلمّا هبطت إلى الأرض جعلت أخبره بذلك وهو يخبرني ، فعلمت أني لم
أطأ موطئاً إلّا وقد كشف لعليّ عنه.

قال ابن عباسرضي‌الله‌عنه : « فقلت يا رسول الله أوصني » ، فقال : عليك بحب عليّ
ابن أبي طالب.

قال ابن عباسرضي‌الله‌عنه : « فقلت يا رسول الله أوصني » ، فقال : عليك بمودة عليّ
ابن أبي طالب ، والّذي بعثني بالحقّ نبيّاً انّ الله لا يقبل من عبد حسنة حتى يسأله


عن حب عليّ بن أبي طالب ، وهو تعالى أعلم. فان جاءه بولايته قبل عمله على ما
كان فيه ، وإن لم يأته بولايته لم يسأله عن شيء وأمر به إلى النار.

يابن عباس والّذي بعثني بالحقّ نبيّاً إن النار لأشدّ غضباً على مبغض عليّ
منها على من زعم أنّ لله ولداً.

يابن عباس لو أنّ الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين اجتمعوا على بغضه
ولن يفعلوا ـ لعذبهم الله بالنار.

قال ابن عباس : « قلت يا رسول الله وهل يبغضه أحد؟ »

قال : يابن عباس نعم يبغضه قوم يذكرون انّهم من أمتي لم يجعل الله لهم
في الإسلام نصيباً.

يابن عباس إن من علامة بغضهم له تفضيل مَن هو دونه عليه ، والّذي بعثني
بالحقّ نبيّاً ما خلق الله نبيّاً أكرم عليه مني ، ولا وصياً أكرم عليه من وصيّي عليّ.

قال ابن عباس : « ثمّ مضى من الزمان ما مضى ، وحضرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
الوفاة ، وحضرته فقلت له فداك أبي وأمي يا رسول الله قد دنا أجلك فما
تأمرني؟ »

قال : يابن عباس خالف من خالف عليّاً ، ولا تكونن لهم ظهيراً ولا ولياً.

قلت : « يا رسول الله فلم لا تأمر الناس بترك مخالفته ». قال : فبكىعليه‌السلام حتى
أغمي عليه ، ثمّ قال :

يابن عباس سبق الكتاب فيهم وعلم ربي ، والّذي بعثني بالحقّ نبيّاً ، لا يخرج
أحد ممّن خالفه من الدنيا وأنكر حقه حتى يغيّر الله ما به من نعمة.


يابن عباس إذا أردتَ أن تلقى الله وهو عنك راضٍ فاسلك طريقة عليّ بن
أبي طالب ، ومل معه حيث مال ، وارض به إماماً ، وعاد من عاداه ، ووال من والاه.

يابن عباس احذر أن يدخلك شك فيه ، فان الشك في عليّ كفر بالله ).

هذه الوصية من أهم وصايا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لحبر الأمة بعليعليه‌السلام ، وأمره بسلوك
سبيله إذا تشعبت بالناس السُبل ، وإنّما ذكرناها بطولها لما فيها من فضائل
للإمام عليه‌السلام لم ترد في حق غيره.

وقد أخرجها الشيخ الطوسي في أماليه(1) ، وابن شاذان في فضائله(2) ،
والإربلي في كشف الغمة (3) ، ومحمّد بن هاشم في مصباح الأنوار(4) ، والعلامة
الحلي في كشف اليقين (5) ، وغيرهم.

ولا غرابة في رواية ابن عباسرضي‌الله‌عنه ذلك على صغر سنه ، فقد قلنا إنّه كان
الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوليه عناية خاصة ويرعاه ويحدب عليه لما يتوسم فيه من الخير
وكان قريباً من نفسه ، وكم من مرة حظي فيها بتكريم من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خصه به.

فقد روى ابن سعد في طبقاته ، وإمام الحنابلة في مسنده ، وأبو نعيم
الأصبهاني في حليته ، وغيرهم ، عن ابن عباس : « أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دخل على ميمونة
بنت الحرث (6) ـاحدى زوجاتهـومعه ابنا اختيها عبد الله بن عباس وخالد بن
_______________________

(1)الامالي 1 / 102.

(2)فضائل ابن شاذان / 4 و 160 ـ 161.

(3)كشف الغمة 1 / 508.

(4)مصباح الأنوار / 1الباب الثالث والرابع منه ، مخطوط.

(5)كشف اليقين / 453 ط محققه.

(6)احدى امهات المؤمنين التسع اللاتي مات عنهنصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واحدى الأخوات المؤمنات الثمانـ
وقد مرّ ذكرهنّ في ذكر لبابة أم ابن عباسـوهي آخر من تزوج بها صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زوجه بها العباس
عمّه وأصدقها عنه اربعمائة درهم ، كما أنها آخر من توفي من أزواجه ، عاشت نحواً من


الوليد ، وكانت أم غفيقـعقيقـأهدت إلى ميمونة هدية كان منها قعب فيه
لبن ، فقدّمته ميمونة إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان عن يمينه عبد الله بن عباسرضي‌الله‌عنه وعن
شماله خالد بن الوليد ، فشرب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قال لعبد الله بن عباس : (انّ الشربة لك
ـيريد بذلك شرفه لأنّه عن يمينهـأفتأذن لي أن أعطي خالد بن الوليد؟)ـ
يريد بذلك لسنّهـفقال ابن عباس : والله لا أوثر بفضل رسول الله أحداً ، وفي لفظ
آخر : ما كنت لأوثر بسؤرك عليّ أحداً. ثمّ تناول القدح فشرب » (1) .

ولا غرابة في رواية ابن عباس ذلك عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بعد أن مرّ بنا. ويأتي. ما يدل
على عناية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به عناية خاصة فهو يوليه من رعايته ويحدب عليه ويقرّبه
من نفسه لما يتوسم فيه من الخير لمخائل فطنته وذكائه. وإليك شاهداً على ما
حظي به من تكريمه له.

فقد روى ابن سعد في طبقاته بسنده عنه قال : « دخلت مع رسول الله صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم أنا وخالد بن الوليد على ميمونة بنت الحارث (2) فقالت :
_______________________

ثمانين سنة ، وقيل أكثر. وكانت في ولائها لأهل البيت عليهمالسلام كأم سلمة ، ولا أدل
على ذلك من جوابها الجري بن سمرةـمن أهل الكوفة ذكره ابن حبان في ثقات التابعين
وقال : يروي عن عليّ روى عنه ابن اسحاق السبيعيـقال : لما كان من أهل البصرة الّذي
كان بينهم وبين عليّ بن أبي طالب ، انطلقت حتى أتيت المدينة ، فأتيت ميمونة بنت
الحارثـوهي من بني هلالـفسلّمت عليها ، فقالت : ممّن الرجل؟ قلت من أهل العراق
قالت : من أي أهل العراق؟ قلت من أهل الكوفة ، قالت : من أي أهل الكوفة؟ قلت : من بني
عمّار قالت : مرحباً ، قُرب على قُرب ، ورَحباً على رَحب ، فمجيء ما جاء بك؟ قلت : كان بين
عليّ وطلحة الّذي كان فأقبلت فبايعتُ عليّاً. قالت : فالحق به ، فوالله ما ضَلّ ، ولا ضُلّ به ،
حتى قالتها ثلاثاً. أخرجه الطبراني في معجمه الكبير 24 / 9 ط الثانية وأخرجه عنه
الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 135 وقال : رجاله رجال الصحيح غير جرير بن سمرة وهو
ثقة.

(1)طبقات ابن سعد 1ق 2 / 111 ، مسند أحمد 1 / 220 و 225 ، حلية الاولياء 1 / 314.

(2)رواه أحمد في مسنده 1 / 220 و 225 ، وأبو نعيم في الحلية 1 / 314 ، وغيرهما بتفاوت يسير
في اللفظ.


ألا أطعمكم من هدية أهدتها لنا أم عقيق؟ فقال : بلى فجيء بضبَّين
مشويين فتبزّق رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم فقال له خالد بن الوليد :
كأنك تَقذَرُه : قال : أجل ، قالت : ألا أسقيكم من لبن أهدته لنا؟ قال : بلى ،
فجيء بأناء من لبن فشرب رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم وأنا عن
يمينه وأنا عن شماله ، فقال لي : إشرب هو لك ، وإن شئت آثرت به خالداً.
فعلمت ما كنت لأوثر بسؤرك عليّ أحداً ، فقال رسول الله صلّى الله عليه(وآله)
وسلّم : من أطعمه الله طعاماً فليقل : (اللّهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه) ،
ومن سقاه الله لبناً فليقل : (اللّهم بارك لنا فيه وزدنا منه) ، فإنّه ليس شيء يجزي
من الطعام والشراب غير اللبن » (1) .

ولو تدبرنا هذا الخبر ، ونظرنا إلى ما تضمنه بعين البصيرة لا البصر ، لرأينا
مدى فضل ابن عباس على خالد بن الوليد ، مع فارق السنّ بينهما ، فابن عباس
يومئذ ولا زال في سنّ الصبا ، وخالد كان في سنّ الرجولة حتى قال ابن حجر في
ترجمته : « وشهد خالد مع كفار قريش الحروب إلى عمرة الحديبية » (2) .

أقول : لو نظرنا إلى الحبر المشار إليه مع ملاحظة فارق السنّ ، لعرفنا
كيف فاقت شجاعة ابن عباس الأدبية. وهو صبي. شجاعة خالد. وهو رجل شهد
الحروب. فإنّ جوابه الدال على أعتزازه بشرفه مع قوة عارضته في حسن بيانه
لشرف الغاية ، وهي الحظوة بفضل السؤر النبوي الشريف ، ما تضاءلت معها
شجاعة خالد ، وتصاغرت نفسه فسكتَ ولم يقل شيئاً يرد به عليه.

ومن اللافت للنظر أني قرأت عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه مكرراً زياراته للرسول
الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيت أم المؤمنين ميمونة ، ولم أقف على خبر آخر فيه دخول
_______________________

(1)طبقات ابن سعد 1ق 2 / 111.

(2)الاصابة 1 / 413.


خالد إلى ذلك البيت الرفيع سوى تلك المرّة ، مع أنّ أم المؤمنين ميمونة كانت
خالتهما معاً.

بل كان ابن عباس ربّما بات عندها ليلاً ، ممّا يدل على أنّه كان أكثر إلماماً ،
وأشد لصوقاً ، والشواهد على ذلك كثيرة.

فمنها ما أخرجه الحفّاظ والمؤرخون بأسانيدهم عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه قال :
« كنت في بيت ميمونة بنت الحارث فوضعتُ للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وضوءه ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
مَن وضع هذا؟ فقالت ميمونة : وضعه عبد الله ، فقال : اللّهم علّمه التأويل وفقّهه
في الدين » (1) .

ومنها ما أخرجوه أيضاً بأسانيدهم عنهرضي‌الله‌عنه قال : « بتّ في بيت خالتي
ميمونة ، فقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلي في الليل فجئت فقمت عن يساره ، فأقامني عن
يمينه فصلّى » (2) .

رؤيته الروح الأمين :

ومنها ما ورد من رؤيته جبرئيل مرتين في بيت خالته ميمونة ، فقد أخرج
الحفاظ والمؤرخون عنه رضي‌الله‌عنه قال : « كنت مع أبي عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
رجل يناجيه ، وكان كالمعرض عن أبي فخرجنا من عنده ، فقال : ألم تر إلى ابن
عمك كالمعرض عني؟ قلت له : يا أبه كان عنده رجل يناجيه قال : وكان عنده
أحد؟ قلت : نعم.

_______________________

(1)أنظر المعرفة والتأريخ للفسوي 1 / 494 ، وطبقات ابن سعد 2ق2 / 119 ، ومستدرك الحاكم
3 / 534 ، والمعجم الكبير للطبراني في مواضع متعددة في أحاديث ابن عباس ، وأنساب
الأشراف للبلاذري (ترجمة ابن عباس).

(2)راجع المعرفة والتاريخ للفسوي 1 / 520 ، وطبقات ابن سعد 2ق2 / 120 ، والمعجم الكبير
للطبراني في مواضع متعددة في أحاديث ابن عباس.


فرجعنا ، فقال : يا رسول الله إني قلت لعبد الله كذا وكذا ، فقال : لي كذا
وكذا ، وهل كان عندك أحد؟ قال : ورأيته يا عبد الله؟ قلت : نعم ، قال : ذاك
جبريل هو الّذي شغلني عنك » (1) .

تلكم هي المرة الأولى ، والمرة الثانية ، بعثه أبوه العباس إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
فدخل عليه وعنده رجل فقام وراءه ، فالتفت إليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : « متى جئت يا حبيبي؟
قال : منذ ساعة ، قال : هل رأيت عندي أحداً؛ قال : نعم رأيت رجلاً. قال : ذاك
جبرئيل عليه الصلاة والسلام ولم يره خلق إلّا عمي إلّا أن يكون نبيّاً ، ولكن أسأل
الله أن يجعل ذلك في آخر عمرك ، ثمّ قال : اللّهم علّمه التأويل وفقّهه في الدين ،
وأجعله من أهل الأيمان » (2) .

ونحن أزاء هذين الحديثين مهما تكن درجة تصديقنا بهما تفصيلاً ، فلا
شك بأنهما من جملة الشواهد على كثرة زياراته لبيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ولكن لنا تحفّظ
عليهما لما سيأتي.

رؤيته لجبرئيل :

مسألة رؤيته لجبرئيلعليه‌السلام لا يكاد يخلو مصدر من مصادر ترجمته من
ذكرها فراجع مسند أحمد (3) ، والمعجم الكبير للطبراني(4) ، وتهذيب الآثار
_______________________

(1)راجع المعرفة والتاريخ للفسوي 2 / 521 ، وطبقات ابن سعد 2ق2 / 123 ، والمعجم الكبير
للطبراني في مواضع متعددة في أحاديث ابن عباس منها 12 / 143 ط الثانية بالموصل ،
وانساب الأشراف للبلاذري في ترجمة ابن عباس.

(2)مستدرك الحاكم 3 / 536 ، وتلخيصه للذهبي بهامشه ، وأنساب الأشراف (ترجمة ابن
عباس).

(3)مسند أحمد 1 / 2679.

(4)المعجم الكبير للطبراني / 10584 و 10586 و 12836.


للطبري(1) ، ومجمع الزوائد للهيثمي(2) ، والاصابة لابن حجر(3) ، وسير أعلام النبلاء
للذهبي (4) ، وغيرها.

ولمّا كان جبرئيلعليه‌السلام ينزل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحياناً بصورة دحية الكلبي فربّما
كان الّذي رآه ابن عباس هو ذلك ولم يكن قد عرف يومئذ دحية أو رآه بغير
صورته. ومهما تكن الصورة الّتي رآها فهي لا تخلو من دلالة مناقبية ، ولكنه لا
مانع من صحتها بعد أن قرأناها وفي مصادر كثيرة وقرأنا مثلها لغيره كما سيأتي
لكن التصديق بأنّ هذه الرؤية كما قالوا كانت سبب عماه في آخر عمره فيما
روى بعضهم (5) ، وعزاه للطبراني في الأوسط بأسانيد ورجاله ثقات ، فهذا سبب لا
نكاد نؤمن بصحته لأنّه سبب ما أنزل الله به وحياً ولا جاء به من سلطان فأيّ علاقة
طبيعية أو غير طبيعيةـبين رؤيته المَلَك وبين فقدانه البصر؟! فهل ثمة علاقة بين
الرؤية وفقدان البصر؟ فلنقرأ ولو أستطراداً شيئاً عن ذلك.

هل رؤية المَلَك تسبب العمى؟

لابدّ لنا قبل الإجابة على ذلك من الجواب على سؤال يفرض نفسه قبل
ذلك وهو هل يمكن للناسـعدا الأنبياء رؤية الملائكة؟ ومن ثَمَّ إذا أمكن ذلك
يأتي الجواب على السؤال المذكور هل الرؤية تسببُ العمى؟

أمّا الجواب على السؤال الأوّل فلا شك بأنّ الرؤية غير ممتنعة بل ممكنة بل
وحاصلة الوقوع ، وقد ورد في :

_______________________

(1)تهذيب الاثار 1 / 171 (مسند ابن عباس).

(2)مجمع الزوائد 9 / 15518 و 15519.

(3)الاصابة 4 / 141 (ترجمة ابن عباس) تحقيق البجاوي.

(4)سير أعلام النبلاء 4 / 444 ـ 445 ط دار الفكر.

(5)اُنظر مجمع الزوائد للهيثمي 9 / 15520.


1ـالقرآن المجيد ما يؤكد ذلك كما في قصة مريمعليها‌السلام وذلك قوله
تعالى : ( فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا *
قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا
* قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ
لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا
) (1) .

وكذلك في حديث ضيف إبراهيم المكرمين وقولهم لزوجته :( قَالُوا
كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
) (2) .

وأوضح من ذلك ما جاء في سورة هود حيث قال تعالى :( وَلَقَدْ جَاءَتْ
رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
* فَلَمَّا
رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا
أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ
* وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ
إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ
* قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ
عَجِيبٌ
* قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ
حَمِيدٌ مَّجِيدٌ
) (3) .

فإمرأة إبراهيمـسارةـرأت الملائكة وضحكت وقالت لهم وقالوا لها ،
فرؤية الملائكة والحديث معهم أمر ممكن وواقع ، كما أنّه ليس مختصاً بالأنبياء
وأهل الأنبياء كما قد يتوهم. فإن الملائكة الّذين رأتهم سارة زوجة إبراهيم
_______________________

(1)مريم / 17 ـ 19.

(2)الذاريات / 30.

(3)هود / 69 ـ 73.


وسمعت كلامهم فقالت لهم وقالوا لها. هم الّذين رأوهم قوم لوط( وَجَاءَهُ قَوْمُهُ
يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ
) (1) . إلى آخر ما ورد في القرآن في ذلك.

2ـوجاء في السنّة النبوية ما يدل على الإمكان ففي حديث حنظلة بن
الربيع الكاتب الأسيدي انّ النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم قال له : (يا حنظلة لو
كنتم عند أهليكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي
الطريق) وفي لفظ (لصافحتكم الملائكة بأكفها ولزارتكم في بيوتكم) وفي ثالث
(لأظلتكم بأجنحتها) (2) .

3ـكما ورد في السيرة النبوية في قصة بدر. ونصرة الملائكة : وجاءت
ريح لم يروا مثلها شدة ، ثمّ ذهبت فجاءت ريح أخرى ، فكانت الأولى
جبريل عليه‌السلام في ألف من الملائكة مع رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم
والثانية ميكائيل عليه‌السلام في ألف من الملائكة عن ميمنة رسول الله صلّى الله عليه
(وآله)وسلّم والثالثة اسرافيل عليه‌السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبيّ صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم. وكان سيماء الملائكة عمائم قد أرخوها بين أكتافهم
خضر وصفر وحمر من نور والصوف في نواصي خيولهم ، فقال رسول الله صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم لأصحابه انّ الملائكة قد سَوّمت فسومّوا فأعلموا بالصوف
في مغافرهم وقلانسهم ، وكانت الملائكة يوم بدر على خيل بلق (3) .

_______________________

(1)هود / 78.

(2)أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب التوبة باب 3 ، والترمذي في سننه برقم 2516 وقال :
هذا حديث حسن صحيح ، وابن ماجة برقم 4239 والاحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 9 /
240ـ241 ، والطيالسي في مسنده / 191 و 337 ، والبغوي في شرح السنّة 1 / 167 ، وأحمد
في مسنده 2 / 305 و 3 / 175 و 4 / 178 و 346 ، وصحّحه الألباني في سلسلة الأحاديث
الصحيحة 4 / 606 وغيرهم.

(3)أنظر طبقات ابن سعد 2 ق 1 / 9 السيرة النبوية.


ولعل هناك من يقول إن المذكور في قصة بدر إنّما كان من إخبار
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للصحابة بذلك. فنقول له : إن في أسر العباس صراحة قول أبي اليسر ،
وكان دحداحاً قصيراً مدملكاً ذا بطن (1) ، وكان العباس طويلاً ، فقال له النبيّ صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم كيف أسرته؟ فقال لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبلُ ولا
بعدُ هيئته كذا. قال : (لقد أعانك عليه ملكٌ كريم) (2) . وفي خصوص رؤية
جبرئيل عليه‌السلام ذكر أصحاب السير جملة من الصحابة رأوه وعدوا منهم :

1 ـ حارثة بن النعمان رأى جبريل مرتين.

2 ـ تميم بن سلمة.

3 ـ محمّد بن مسلمة.

4ـحمزة بن عبد المطلب فان كان هو الّذي طلب من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يريه
جبريل في صورته فأراه ، فالذين ذكرناهم آنفاً رأوه من دون طلب (3) .

وخلّ ما ورد في مزايدات المناقب كحديث رؤية عائشة قالت : « لقد
رأيت جبريل واقفاً في حجرتي هذه على فرس ورسول الله يناجيه ، فلمّا دخل
قلت : يا رسول الله من هذا الّذي رأيتك تناجيه ، قال : وهل رأيته؟ قلت : نعم ، قال :
فبمن شبّهته؟ قلت : بدحية الكلبي ، قال : لقد رأيت خيراً كثيراً ذاك جبريل » (4) ،
ورواه أحمد في مسنده ، وفيه قال : « وهو يقرئك السلام قالت : وعليه السلام
ورحمة الله وبركاته ، جزاه الله من زائر ودخيل ، فنعم الصاحب ونعم الدخيل » (5) .

_______________________

(1)سير أعلام النبلاء 4 / 147 ط دار الفكر.

(2)سير أعلام النبلاء 3 / 401 ط دار الفكر ، ومختصر تاريخ دمشق 11 / 329.

(3)أنظر تنوير الحلك في امكان رؤية النبيّ والملك للسيوطي ضمن كتابه الحاوي 2 / 455 و 456 و
458.

(4)أنظر الطبقات لابن سعد 8 / 67 ـ 68.

(5)مسند أحمد بن حنبل 6 / 74 ـ 75 / 146.


أمّا الّذين رأوا الملائكة ولم يعيّنوهم مَن هم فهم :

1 ـ أسيد بن حضير.

2 ـ عبد الرحمن بن عوف.

3 ـ أبو أسيد الساعدي.

4 ـ أبو بردة نيّار.

فهؤلاء ممّن رأوا الملائكة في يوم بدر(1) .

وأخيراً فقد روى السيوطي في كتابه : « أنّ أبا بكر كان يسمع مناجاة جبريل
للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(2) ، وزاد في مكان آخر : « أنّ جبريل سعطه سعطة فبريء من
مرضه!! » (3) .

وهناك أسماء آخرين ذكروا لهم الرؤية والسماع والتسليم والمصافحة
وغير ذلك. فمن شاء المزيد فليرجع إلى كتاب السيوطي المذكور.

وإلى هنا نكتفي في الجواب على السؤال الأوّل وهو : هل يمكن للناس
رؤية الملائكة؟ فكان الجواب : نعم يمكن ذلك وقد جاوز مرحلة الإمكان إلى
الوقوع لكثرة الشواهد على ذلك.

بقي علينا أن نبحث الجواب عن السؤال الثاني : هل رؤية الملكـأو
خصوص رؤية جبرئيل عليه‌السلام ـ تسبب العمى؟

ومن خلال ما مرّ بنا وقرأنا أسماء بعض من رأى الملائكة ومن رأى
جبرئيل عليه‌السلام خاصة ، فوجدناهم لم يصابوا بالعمى ، إذن فنفس الرؤية لا تسبّب
_______________________

(1)أُنظر تنوير الحلك للسيوطي في كتابه الحاوي في الفتاوي 2 / 457 ـ 458.

(2)نفس المصدر 2 / 456.

(3)نفس المصدر 2 / 460.


العمى ، ولا يقال تلك خصوصية لرؤية ابن عباس لجبرئيلعليه‌السلام حتى تكون رؤيته
تسبب له العمى ، فرؤيته كرؤية غيره ، إن صحت أحاديث الرؤية وإلّا
فالجميع هباء.

وأمّا الحديث عن عماه فسيأتي في مكانه عند البحث عن تاريخه في عهد
الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام .




عودة إلى الشواهد

ومن جملة نمط ما مرّ من الشواهد الدالة على عناية الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
بابن عمه ما رواه السيد ابن طاووس عن عبد الله بن عباس أنّه قال : « يا رسول الله
طوبى لمن رأى ليلة القدر فقال له : يابن عباس ألا أعلمك صلاة إذا صليتها رأيت
بها ليلة القدر كلّ ليلة عشرين مرة وأفضل؟ فقال : علّمني صلّى الله عليك. فقال
له : تصلي أربع ركعات في تسليمة واحدة ويكون من بعد العشاء الأوّل وتكون
قبل الوتر ، في الركعة الأولى فاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون ثلاث مرات
وقل هو الله أحد ثلاث مرات ، وفي الثانية فاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون
ثلاث مرات وقل هو الله أحد ثلاث مرات ، وفي الثالثة والرابعة مثل ذلك فاذا
سلّمت تقول ثلاث عشرة مرة أستغفر الله ، فوحق من بعثني بالحقّ نبيّاً أنّه من
صلّى هذه الصلاة وسبّح في آخرها ثلاث عشرة مرة وأستغفر الله فإنّه يرى ليلة
القدر كلّما يصلي هذه الصلاة ، ويوم القيامة يشفع في سبعمائة ألف من أمتي
وغفر الله له ولوالديه إن شاء الله تعالى » (1) .

وأحسب أنّه صلّى ما علّمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرأى انها ليلة ثلاث وعشرين فقد
روى البلاذري في ترجمته من الأنساب بسنده عنه قال : « أتيت في منامي فقيل
لي هذه ليلة القدر فقمت وأنا ناعس فتعلقت ببعض أطناب فسطاط رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
فنظرت فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين » (2) .

_______________________

(1)الإقبال / 65 ط الثانية نشر دار الكتب الإسلامية سنة 1390 ه‍.

(2)أنساب الأشراف برقم / 75 نسخة مخطوطة بقلمي.


ومن الشواهد أيضاً ما أخرجه الحاكم في المستدرك والذهبي في تلخيصه
وغيرهما بأسانيدهم عنه قال : « أمرني العباس قال : بت بآل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة ،
فانطلقت إلى المسجد فصلّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العشاء الآخرة ، حتى لم يبق في
المسجد أحد غيره ، قال : فمرّ بي فقال : من هذا؟ فقلت : عبد الله ، قال : فمه؟ قلت
أمرني أبي أن أبيت بكم الليلة ، قال : فالحق فلمّا دخل ، قال : افرشوا لعبد الله ، قال :
فأتيت بوسادة من مسوح (1) قال : وتقدّم إليّ العباس أن لا تنامنّ حتى تحفظ
صلاته ، قال : فقدم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنام حتى سمعت غطيطه ، قال : ثمّ أستوى على
فراشه فرفع رأسه إلى السماء فقال : سبحان الملك القدوسـثلاث مراتـثمّ
تلا هذه الآية من آخر سورة آل عمران حتى ختمها ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ
) (2) ثمّ قام فبال ، ثمّ أستنّ بسواكه ، ثمّ توضأ ، ثمّ دخل مصلاه فصلّى
ركعتين ليستا بقصيرتين ولا طويلتين ، قال : فصلّى ثمّ أوتَر ، فلمّا قضى صلاته
سمعته يقول : اللّهم اجعل في بصري نوراً ، واجعل في سمعي نوراً ، واجعل في
لساني نوراً ، واجعل في قلبي نوراً ، واجعل عن يميني نوراً ، واجعل عن شمالي
نوراً ، واجعل لي يوم لقائك نوراً ، واعظم لي نوراً » (3) .

وفي حديث عند الطبراني بسنده عن ابن عباس قال : « بعثني العباس إلى
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأتيته ممسياً وهو في بيت خالتي ميمونة فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلي
من الليل ، فلمّا صلّى الركعتين قبل الفجر قال : (اللّهم إنّي أسألك رحمة من عندك
تهدي بها قلبي ، وتجمع بها شملي ، وتلمّ بها شعثي ، وتردّ بها إلفتي ، وتصلح
بها ديني ، وتحفظ بها غائبي ، وترفع بها شاهدي ، وتزكّي بها عملي ، وتبيّض
_______________________

(1)المسوح : جمع مسح الثوب من شعر.

(2)البقرة / 164 ، آل عمران / 190.

(3)مستدرك الحاكم 3 / 535 وتلخيصه للذهبي بهامشه ، والمعجم الكبير للطبراني 10 / 275.


بها وجهي ، وتلهمني بها رشدي ، وتعصمني بها من كلّ سوء ، اللّهم أعطني
إيماناً صادقاً ، ويقيناً ليس بعده كفر ، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في
الدنيا والاخرة.

اللّهم إنّي أسألك الفوز عند القضاء ، ونُزُل الشهداء ، وعيش السعداء ،
ومرافقة الأنبياء ، والنصر على الأعداء.

اللّهم أنزلت بك حاجتي ، وإن قصر رأيي ، وضعف عملي ، وافتقرت إلى
رحمتك ، فأسألك يا قاضي الأمور ويا شافي الصدور ، كما تجير بين البحور ،
أن تجيرني من عذاب السعير ، ومن دعوة الثبور ، ومن فتنة القبور ، اللّهم ما قصرَ
عنه رأيي ، وضعف عنه عملي ، ولم تبلغه أمنيتي ، من خير وعدته أحداً من
عبادك ، أو خير أنت معطيه أحداً من خلقك ، فإنّي أرغب اليك فيه ، وأسألك
يا ربّ العالمين ، اللّهم أجعلنا هادين مهديين غير ضالين ولا مضلّين ، حرباً
لأعدائك ، وسلماً لأوليائك ، نحب بحبك الناس ، ونعادي بعداوتك من خالفك
من خلقك.

اللّهم هذا الدعاء وعليك الاستجابة ، اللّهم وهذا الجهد وعليك التكلان ،
ولا حول ولا قوّة إلّا بالله. اللّهم ذا الحبل الشديد ، والأمر الرشيد ، أسألك الأمن
يوم الوعيد ، والجنة يوم الخلود ، مع المقرّبين الشهود ، والركّع السجود ، والموفين
بالعهود ، إّنك رحيم ودود ، وإنّك تفعل ما تريد.

سبحان الّذي تعطّف العزّ وقال به ، سبحان الّذي لا ينبغي الحمد إلّا له ،
سبحان ذي العرش والبهاء ، سبحان ذي المقدرة والكرم ، سبحان الّذي أحصى
كلّ شيء بعلمه.

اللّهم اجعل لي نوراً في قلبي ، ونوراً في قبري ، ونوراً في سمعي ، ونوراً في
بصري ، ونوراً في شعري ، ونوراً في بشري ، ونوراً في لحمي ، ونوراً في دمي ،


ونوراً في عظامي ، ونوراً من بين يدي ، ونوراً من خلفي ، ونوراً عن يميني ، ونوراً
عن شمالي ، ونوراً من فوقي ، ونوراً من تحتي ، اللّهم زدني نوراً ، وأعظم لي نوراً ،
وأجعل لي نوراً) » (1) .

إلى غير ذلك من الشواهد الّتي تميّز فيها الحبر ابن عباس على جميع
اخوانه وجميع أبناء خالاته وهم أبناء أخوات أم المؤمنين ميمونة بما فيهم خالد
بن الوليد. فقد حظي بالعطف النبوي ، وحصل على ما لم يحصل عليه أولئك على
كثرتهم ، فظهرت آثار ذلك في تكوين شخصيته الّتي فضلت جميع اخوانه وأبناء
خالاته ، مضافاً إلى استعداده في نبوغه وألمعيته منذ نعومة أظفاره ، فهو يحفظ
المحكم وهو ابن عشر سنين ، بينما كان ابن خالته خالد بن الوليد لم يتعلم من
القرآن كثيراً باعترافه (2) ، بل نقل عنه ابن أبي شيبة في مصنفه : « أنّه أم مرة الناس
بالحرّة فقرأ من سور شتى ثمّ ألتفت إليهم حين أنصرف فقال : شغلني الجهاد عن
تعلّم القرآن » (3) . وأحسب أنّ ما رواه أبن أبي شيبة هو الّذي رواه ابن حجر في
الأصابة إلّا أنّ ابن حجر اختصر ، حفاظاً على مكانة خالد.

شواهد الألمعية :

لقد مرّت بنا شواهد ومشاهد وفيها ما يدلّ على ألمعيتهـما دام معنى
الألمعية هو الذكاء المتوقد كما يقول أهل اللغةـفكان يحدث بما رآه وما
سمعه مع حفظ خصوصيات ذلك زماناً ومكاناً ، كما دلت على مدى أختصاص
حبر الأمة بالرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى خصّه بوصايا أخلاقية ذكرنا بعضها ، ولكنا
_______________________

(1)المعجم الكبير 10 / 283 ط الموصل ، ورواه الترمذي برقم / 3479 ، والبيهقي في الدعوات
الكبير / 69 ، وقارن تهذيب ابن عساكر 5 / 207.

(2)الاصابة 1 / 414 ترجمة خالد بن الوليد.

(3)مصنف ابن أبي شيبة 2 / 532 و 10 / 552.


الآن نذكر شواهد أخرى على مدى أستعداده الفطري حتى كان شعلة ذكاء
تتقد ، ندر أن نجد نظيره فيمن هو في سنهـبل وحتى أكبر منهـمَن كان يسأل
مثل مسائله وهي شواهد على ألمعيته حيث يتناول في مسائله ما كان للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
من مقام قبل خلق الخلق ، وآدمـأبو البشرـبعد في الجنة ، وكيف تاب الله
عليه؟ وبماذا أقسم فأبرّ قسمه ، وفي فطنة غلام لم يتجاوز الحلم ويتسع فكره لأن
يسأل عن مثل ذلك لدليل على ألمعيته.

وإلى القارئ بعض الشواهد :

1ـأخرج السيوطي الشافعي في الدر المنثور(1) ، وابن المغازلي المالكي في
المناقب (2) ، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة(3) واللفظ للأوّل : قال ابن عباس :
« قال سألت رسول الله صلّى الله وعليه(وآله)وسلّم عن الكلمات الّتي تلقّاها آدم
من ربه فتاب عليه؟ (قال : سأل بحق محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا
تبت عليَّ فتاب عليه) ».

2ـأخرج ابن عساكر في تاريخه كما في تهذيبه : « قال ابن عباس : سألت
رسول الله صلّى الله وعليه(وآله)وسلّم فقلت : فداك أبي وأمي أين كنت وآدم
في الجنة؟ قال : فتبسم حتى بدت ثناياه ثمّ قال : (كنت في صلبه وهبط إلى
الأرض وأنا في صلبه ، وركبت السفينة في صلب أبي نوح ، وقذف بي في النار
في صلب أبي إبراهيم ، لم يلتق أبواي قط على سفاح ، ولم يزل الله ينقلني من
الأصلاب الحسنة إلى الأرحام الطاهرة ، مهذّبا لا يتشعب شعبان إلّا كنت في
خيرهما ، قد أخذ الله بالنبوّة ميثاقي ، وبالإسلام عهدي ، وبشّر بي ، وفي التوراة
_______________________

(1)الدر المنثور 1 / 60 نقلاً عن ابن النجّار.

(2)مناقب ابن المغازلي / 63.

(3)ينابيع المودة / 97 و 238 ط اسلامبول سنة 1302.


والإنجيل ذكري ، وبيّن كلّ نبيّ صفتي ، تشرق الأرض بنوري ، والغمام بوجهي ،
وعلّمني كتابه في سحابة ، واشتقّ لي إسماً من أسمائه ، فذو العرش محمود وأنا
محمّد ، ووعدني أن يحبوني بالحوض والكوثر ، وأن يجعلني أوّل شافع وأوّل
مشفّع ، ثمّ أخرجني من خير قرن لأمتي ، وهم الحمّادون يأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر) » (1) .

فهذان السؤالان منه وهو بتلك السنّ يكشفان عن المعية نادرة ميّزته عن
كثير من الصحابة ومرّ بنا نحو ذلك.

والآن لنأخذ من صحيح مرويّاته الّتي تميّزت بدقة الملاحظة وحضور الذاتية.

فمن ذلك ماذكره ابن عبدربّه في العقد الفريد تحقيق أحمد أمين ورفيقيه
عنه فقال :

« وقال عبد الله بن عباس : أنشدت النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أبياتاً
لاُمية بن أبي الصلت يذكر فيها حملة العرش وهي :

رجلٌ وثور تحت رجل يمينه

والنسر للاُخرى وليث مرصَد مُرصَد(2)

والشمس تطلع كلّ آخر ليلة

فجراًويصبح لنها يتوقّد

تبدو فما تبدو لهم في وقتها

إلّا معذّبة وإلّا تجلد

فتبسم النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم كالمصدّق له »(3) .

_______________________

(1)تهذيب تاريخ ابن عساكر 1 / 349.

(2)قال الجاحظ في كتاب الحيوان 6 / 68 : وقد جاء في الخبر إنّ من الملائكة من هو في
صورة الرجال ، ومنهم من هو في صورة الثيران ، ومنهم من هو في صورة النسور ، ويدل
على ذلك تصديق النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاُمية بن أبي الصلت. ثمّ ذكر البيت.
واُنظر الأغاني 4 / 148 ط دار الكتب المصرية.

(3)العقد الفريد 5 / 277.


فهذا الخبر كما يكشف عن ألمعية ابن عباس دلنا على حفظه للشعر مبكراً ،
واستحضاره له منشداً ومستفهماً ، وبالتالي حصل على ما يبتغيه من إنشاده للنبيّ
صلىاللهعليهوآلهوسلم من تبسمه أنّه كالمصدّق له. وهذا غاية في الاحتياط
في الرواية ، إذ لم يزد على ما روى ورأى وفهم.

وله سماعات نبوية فيما يخص فضائل أهل البيت مجتمعين ومنفردين
نسوق طائفة منها :

1ـأخرج الطبراني بسنده عن ابن عباسرضي‌الله‌عنهما قال : « خرجت أنا والنبيّ
صلّى الله وعليه(وآله)وسلّم وعليّ رضي‌الله‌عنه في حُشّان المدينة ، فمررنا بحديقة فقال
عليّ رضي‌الله‌عنه : ما أحسن هذه الحديقة يا رسول الله ، فقال : (حديقتك في الجنة أحسن
منها) ثمّ أومأ بيده إلى رأسه ولحيته ثمّ بكى حتى علا بكاؤه قيل : ما يبكيك؟
قال : (ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني) » (1) . فهذا الحديث
حفظ فيه ابن عباسـوهو ابن ثلاث عشرة سنة أو دونهاـخصوصيات المكان
والزمان والسبب والمسبّب والصفة والموصوف.

2ـأخرج ابن مردويه في المناقب وعنه السيوطي في الدر المنثور في
تفسير آية التطهير وغيرهما قال ابن عباس : « شهدنا رسول الله صلّى الله وعليه
(وآله)وسلّم تسعة أشهر يأتي كلّ يوم باب عليّ بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه عند وقت كلّ
صلاة فيقول : (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ
لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا
) (2) الصلاة رحمكم الله) كلّ
يوم خمس مرات ».

_______________________

(1)المعجم الكبير 11 / 60 ط الموصل.

(2)الأحزاب / 33.


ففي هذا الحديث نجد حبر الأمة ضبط في الحَدَث مدة الزمان والمكان
بدقة مع توفر عنصر المشاهدة وهذا ما يعني قوة الملاحظة عنده ، ولقد روي
أيضاً عنه حديث نزول هذه الآية في أهل البيت خاصة بلفظ أوفى ممّا مرّ ، فيما
أخرجه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل (1) ، والحكيم الترمذي ، والطبراني ،
وابن مردويه ، والبيهقي وأبو نعيم في كتابيهما (دلائل النبوة) ، وعنهم السيوطي في
الدر المنثور (2) ، ولعله لا يقل دلالة عما سبق في دقة الملاحظة وقوة الحافظة الّتي
تميّز بها في حفظ الحديث في مروياته ، ورواية الحدَث بتمام خصوصياته. ما
يخصّ الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام .

وإلى القارئ نبذة منه :

1ـفمن ذلك ما أخرجه أحمد في المناقب عن ابن عباس قال : « بعثني
رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم إلى عليّ بن أبي طالب فقال له : (أنت سيد
في الدنيا ، سيدٌ في الآخرة ، من أحبّك فقد أحبّني ، وحبيبك حبيبي وحبيبي حبيب
الله ، وعدوك عدوي وعدوي عدو الله ، الويل لمن أبغضك) » (3) .

2ـومن ذلك ما أخرجه الخطيب في تاريخه ، وأخرجه أبو الخير الحاكمي
وعنه المحب الطبري في الرياض النضرة (4) ، وابن حجر في الصواعق(5) ، الحديث
_______________________

(1)شواهد التنزيل 2 / 29.

(2)الدر المنثور 5 / 199.

(3)أنظر الرياض النضرة 2 / 166 نقلاً عن أحمد.

أقول : ورواه الحاكم في المستدرك 3 / 127 بتفاوت بسيط وقال : صحيح على شرط
الشيخين ، كما رواه الخطيب في تاريخ بغداد 4 / 41 بعدة طرق وغيرهم.

(4)الرياض النضرة 2 / 168.

(5)الصواعق المحرقة / 93.


بلفظ الأوّل بسنده إلى عبد الله بن عباس قال : « كنت أنا وأبي العباس بن عبد
المطلب جالسَين عند رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم إذ دخل عليّ بن أبي
طالب فسلّم فردّ عليه رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم السلام وبشَر به وقام
إليه واعتنقه وقبّل بين عينيه وأجلسه عن يمينه. فقال العباس : يا رسول الله أتحبّ
هذا؟ فقال النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم : (يا عم رسول الله والله لله أشدّ حباً له
مني. انّ الله جعل ذرية كلّ نبيّ في صلبه وجعل ذريتي في صلب هذا) » (1) .

وزاد ابن حجر نقلاً عن كنوز المطالب في روايته لما سبق : « أنّه إذا كان
يوم القيامة دُعي الناس بأسماء أمهاتهم ستراً عليهم إلّا هذا وذريته فإنهم يدعون
بأسمائهم لصحة ولادتهم ».

وممّا رواه وفيه ذاتية الحضور ممّا يتعلق بالسيدة فاطمة الزهراء وأمها
خديجة ومريم وآسية (عليهن السلام) :

1ـأخرج الحاكم بسنده عن ابن عباس قال : « خطّ رسول الله صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم أربعة خطوط ثمّ قال : (أتدرون ما هذا؟) ، قالوا : الله ورسوله
أعلم ، قال : (إن أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد ،
ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم) ». قال الحاكم : هذا الحديث صحيح
الإسناد (2) .

وممّا رواه ورآه ممّا يتعلق بالسيدة الزهراءعليها‌السلام وولديها الحسن
والحسين عليهما‌السلام :

_______________________

(1)تاريخ بغداد 1 / 316.

(2)مستدرك الحاكم 2 / 497 ، ورواه أحمد في مسنده 1 / 293 و 316 و 322 ، وابن حجر في
الإصابة 8 / 158 ، وابن عبد البر في الاستيعاب 1 / 750 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 223 ،
وقال : رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجالهم رجال الصحيح.


1ـما أخرجه الملا في سيرته وغيره ، وعنهم المحب الطبري قال : وعن ابن
عباس قال : « بينما نحن ذات يوم مع النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم إذا أقبلت
فاطمة سلام الله عليها تبكي فقال لها رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم :
(فداكِ أبوكِ ما يبكيكِ؟) قالت : انّ الحسن والحسين خرجا ولا أدري أين باتا؟
فقال لها رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم : (لا تبكي فإن خالقهما ألطف
بهما مني ومنك) ، ثمّ رفع يديه فقال : (اللّهم أحفظهما وسلّمهما) ، فهبط جبريل
وقال : يا محمّد لا تحزن فإنهما في حظيرة بني النجار نائمين وقد وكّل الله بهما
ملكاً يحفظهما ، فقام النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم ومعه أصحابه حتى أتى
الحظيرة فإذا الحسن والحسين معتنقين نائمين ، وإذا الملك الموكّل بهما قد جعل
أحد جناحيه تحتهما والآخر فوقهما يظللهما ، فأكبّ النبيّ صلّى الله عليه(وآله)
وسلّم عليهما يقبّلهما حتى أنتبها من نومهما ، ثمّ جعل الحسن على عاتقه الأيمن
والحسين على عاتقه الأيسر ، فتلقاه أبو بكر وقال : يا رسول الله ناولني أحد
الصبيّين أحمله عنك فقال صلّى الله عليه(وآله)وسلّم : (نعم المَطي مطيّهما ونعم
الراكبان هما وأبوهما خير منهما) ، حتى أتى المسجد فقام رسول الله صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم على قدميه وهما على عاتقيه ثمّ قال : (معاشر المسلمين
ألا أدلّكم على خير الناس جداً وجدّة؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال :
(الحسن والحسين جدهما رسول الله خاتم المرسلين وجدتهما خديجة بنت
خويلد سيدة نساء أهل الجنة ، ألا أدلكم على خير الناس عماً وعمّة؟) قالوا : بلى
يا رسول الله ، قال : (الحسن والحسين عمهما جعفر بن أبي طالب وعمتهما أم
هانيء بنت أبي طالب ، أيها الناس : ألا أدلكم على خير الناس خالاً وخالة؟)


قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : (الحسن والحسين خالهما القاسم بن رسول الله
وخالتهما زينب بنت رسول الله) ، ثمّ قال : (اللّهم إنك تعلم أنّ الحسن والحسين
في الجنة وعمهما في الجنة وعمتهما في الجنة ومن أحبّهما في الجنة ومن
أبغضهما في النار) » (1) .

أقول : لقد أخرج الطبراني هذا الحديث في معجمه الكبير والأوسط وعنه
الهيثمي في مجمع الزوائد (2) ، والمتقي في كنز العمال(3) ، وفيهما زيادة قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :
(ألا أخبركم بخير الناس أباً وأماً؟ أمهما فاطمة بنت رسول الله وأبوهما عليّ بن
أبي طالب). وهذا يدل على سقط في نسخة الذخائر.

وهكذا نجد من الشواهد على حضوره المشاهد الّتي حفظها ودلت على
دقة الملاحظة وقوة الحافظة حتى رواها كما رآها.

وقد جمع محمّد بن عابد بن أحمد الأنصاري السندي(4) كتابه (كشف
البأس عمّا رواه ابن عباس مشافهة عن سيد الناس) ونسخته مخطوطة في الخزانة
التيمورية بمصر. لم يتيسر لي الإطلاع عليهما ربّما يجد فيه الباحث كثيراً من تلك
الشواهد ، ولإبراهيم الحربي (مسند عبد الله بن عباس) (5) ، وسيأتي مزيد ايضاح
حول مروياته في تاريخه العلمي.

ولمّا كانت بعض المشاهد النبوية وقعت فيها أحداث ذات دلالات خاصة
مميّزة وقد تأثر بها حبر الأمة حتى وضحت معالمها في تاريخه ، من خلال تبيّن
_______________________

(1)ذخائر العقبى / 130.

(2)مجمع الزوائد 9 / 184.

(3)كنز العمال 6 / 221 ط الاُولى و 13 / 103 ط الثانية حيدر آباد.

(4)أنظر الأعلام للزركلي 7 / 49.

(5)أنظر الفهرست لابن النديم / 287 ط محققة.


آثارها في نفسه ، فكان له من التعقيب عليها بعد روايتها ما يدل على مدى تأثيرها
فيه تأثيراً بالغاً ولابدّ لنا ونحن نتلمّس تاريخ حبر الأمة عبد الله بن عباس في تلك
الفترة من الوقوف عند محطات ثلاث عايش فيها أحداثاً متتابعة طفحت بطابعها
المميّز أكثر من غيرها ، لذلك فهي لا تنسى ولن تنسى مهما طال الزمن ، كما كان
لبعضها من بالغ الأثر ما غيّرت أحداثها صفحات من تاريخ المسلمين.

وتلك المحطات الثلاث هي :

1 ـ حجة الوداع : وهي حجة الإسلام كما كان يسمّيها ابن عباسرضي‌الله‌عنه .

2ـبيعة الغدير : وهي الّتي يقول عنها ابن عباس : وجبت والله في
أعناق القوم.

3ـمرض الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحديث الكتف والدواة : وهو الّذي يقول عنه ابن
عباس رضي‌الله‌عنه الرزية كلّ الرزية.

فعلينا أن نقرأها بروايته ، دون أن نستجوب غيره من رواة الحديث والسيرة ،
ففيما يرويه كفاية عن غيره.




أوّلاً : حجة الوداع « حجة الإسلام »

وإلى القارئ ما ورد عنه في تلك الحجة بدءاً من تسميتها ، ومروراً بالمشاعر
وأحكامها ، وانتهاءاً برجوع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المدينة بعد انقضائها ، ويصح منا
تسمية ذلك بمنسك ابن عباس كما رواه عنه أصحاب المصادر التالية :

1ـأخرج ابن سعد بسنده عن طاووس عن ابن عباس أنّه كره أن يقول
حجة الوداع ، قال : فقلت : حجة الإسلام؟ قال : نعم حجة الإسلام (1) .

2ـاخرج ابن كثير في السيرة النبوية نقلاً عن أحمد بسنده عن سعيد بن
جبير قال : « قلت لعبد الله بن عباس : يا أبا العباس عجباً لاختلاف أصحاب رسول
الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم في إهلال رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم
حين أوجب؟! فقال : إنّي لأعلم الناس بذلك ، إنّما كانت من رسول الله صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم حجة واحدة ، فمن هناك اختلفوا.

خرج رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم حاجاً ، فلمّا صلّى في مسجده
بذي الحليفة ركعتيه ، أوجب في مجلسه ، فأهلّ بالحجّ حين فرغ من ركعتيه ،
فسمع ذلك منه قوم ، فحفظوا عنه ، ثمّ ركب ، فلمّا أستقلت به ناقته أهلّ ، وأدرك
ذلك منه أقوام ، وذلك إن الناس إنّما كانوا يأتون إرسالاً ، فسمعوه حين أستقلت به
ناقته يُهلّ ، فقالوا : إنّما أهلّ رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم حين أستقلّت
_______________________

(1)طبقات ابن سعد 2ق1 / 135.


ناقته. ثمّ مضى رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم ، فلمّا علا شرَف البيداء(1)
أهلّ ، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا : إنّما أهلّ رسول الله صلّى الله عليه(وآله)
وسلّم حين علا شرّف البيداء. وأيم الله لقد أوجب في مصلّاه ، وأهلّ حين علا
شرف البيداء » (2) .

3ـأخرج ابن سعد بسنده عن ابن عباس قال : « انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : (لبيك
اللّهم لبّيك ، لبّيك لا شريك لك لبّيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك
لك) » (3) .

4ـأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس قال : « انطلق النبيّ
صلّى الله عليه(وآله)وسلّم من المدينة بعد ما ترجّل وادهن ولبس إزاره ورداءه ،
هو وأصحابه ولم ينه عن شيء من الأردية والأزر تُلبس ، إلّا المزعفرة الّتي تردع
على الجلد ، فأصبح بذي الحليفة ، ركب راحلته حتى أستوى على البيداء أهلّ هو
وأصحابه ، وقلّد بدنَه ، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة. فقدم مكة لأربع خلون
من ذي الحجة ، فطاف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة ، ولم يحلّ من أجل بُدنه
لأنّه قلّدها ، ثمّ نزل بأعلى مكة عند الحجون ، وهو مهلٌ بالحجّ ، ولم يقرب الكعبة
بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة ، وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت ، وبين الصفا
والمروة ، ثمّ يقصّروا من رؤوسهم ثمّ يَحلّوا ، وذلك لمن لم يكن معه بدَنَة قلّدها ،
ومَن كانت معه أمرأته فهي له حلال ، والطيب والثياب » (4) .

_______________________

(1)البيداء : موضع امام ذي الحليفة ، سمي بذلك لأنّه ليس فيه بناء ولا أثر.

(2)السيرة النبوية 4 / 230 ـ 231.

(3)طبقات ابن سعد 2ق2 / 127.

(4)صحيح البخاري 1 / 197 ط بولاق ، باب ما لا يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر.


5ـأخرج الطبراني في معجمه الكبير بسنده عن جابر وابن عباس قالا :
« قدمنا مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا نريد إلّا الحجّ ، فأهللنا بالحجّ ، وطاف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على
راحلته يستلم الركن بمحجن كان معه ، ثمّ عدل إلى السقاية ، فقال : (اسقوني
منها) ، فقال العباس : يا رسول الله ألا نسقيك من شراب قد مسّته الأيدي ، قال : (لا
اسقوني منها) ، ثمّ شرب ، ثمّ عدل إلى زمزم فقال : (انزعوا لي منها) ، فنزعوا له
دلواً ، فأخذ حسوة فمضمض ثمّ مجّه في الدلو ، ثمّ قال : (أعيدوه فيها) ، فقال : (يا
بني هاشم إنكم على عمل صالح ، لولا أن تُغلبوا أو تُتخذ سنّة لأخذت معكم) ،
ثمّ أتى منزله فخطب أصحابه وقال : (انّ العمرة دخلت في حجكم فحلّوا ، إلّا من
كان معه هدي) ، وقال : (لولا أنّ معي هدياً لكثرتكم) ، فقام سراقة بن مالك فقال :
يا رسول الله ألعامنا أم للأبد؟ قال : (لا بل للأبد) ، وكان يعجبهم ما وافق صنيعهُم
صنيعَ أهل الجاهلية. وكان أهل الجاهلية يقولون : إذا انسلخ صفر ، وعفا الوَبر ،
وبرأ الدَبر ، فقد حلت العمرة لمن أعتمر » (1) .

6ـأخرج ابن كثير في السيرة النبوية نقلاً عن البخاري والترمذي عن ابن
عباس قال : « طاف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالبيت على بعير ، فلمّا أتى الركن أشار إليهـوفي
حديث آخر ـ أستلمه بمحجن ، فلمّا فرغ من طوافه أناخ فصلّى ركعتين » (2) .

7ـأخرج ابن كثير نقلاً عن مسلم وأبي داود ، والطبراني في معجمه(3) ،
وغيرهم عن أبي الطفيل قال : « قلت لابن عباس : يزعم قومك أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
قد رَمَل بالبيت وان ذلك من سنّته؟ قال : صدقوا وكذبوا ، فقلت : ما صدقوا وما
_______________________

(1)المعجم الكبير 11 / 33 ط الموصل.

(2)السيرة النبوية 4 / 316 ـ 317.

(3)المعجم الكبير 10 / 268 ط الموصل.


كذبوا؟ قال : صدَقوا رَمَل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكذبوا ليس بسنّة ، إنّ قريشاً قالت زمن
الحديبية ، دعوا محمداً وأصحابه حتى يموتوا موت النغف (1) فلمّا صالحوه على
أن يحجوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام ، فقدم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
والمشركون من قبل قيقعان (2) فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه : أرملوا بالبيت ثلاثاً.
وليس بسنّة.

قلت : يزعم قومك انّ رسول الله طاف بين الصفا والمروة على بعير ، وأن
ذلك سنّة؟

قال : صدقوا وكذبوا. قلت : ما صدقوا وما كذبوا؟

قال : صدقوا قد طاف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين الصفا والمروة على بعير ، وكذبوا
ليس بسنّة ، كان الناس لا يُدفعون عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يُصرفون عنه ، فطاف
على بعير ليسمعوا كلامه وليروا مكانه ، ولا تناله أيديهم.

قلت : أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكباً أسنّة هو؟ فإن قومك
يزعمون أنّه سنة.

قال : انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كثر عليه الناس يقولون هذا محمّد هذا محمّد ، حتى
خرج العواتق من البيوت وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يُضرب الناس بين يديه ، فلمّا
كثر عليه الناس ركب.

قال ابن عباس : والمشي والسعي أفضل »(3) .

_______________________

(1)النغف : الدود ، وهو مثل يضرب للمستحقَر.

(2)قيقعان : جبل مشرف على مكة من جهة الثنية السفلى الّتي بني عليها باب مكة
المعروف بباب الشبيكة وهو ممتد من حارة الباب إلى الشامية (شفاء الغرام للفاسي
/ 277 متناً وهامشاً) ط سنة 1956 بمصر.

(3)السيرة النبوية 4 / 324 ـ 325.


8ـأخرج ابن كثير نقلاً عن البخاري بسنده عن عطاء عن جابر وعن
طاووس عن ابن عباس قالا : « قدم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه صُبح رابعة من ذي الحجة
يهلّون بالحجّ لا يخلطه بشيء ، فلمّا قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة ، وأن نحلّ إلى
نسائنا ، ففشت في ذلك المقالة » (1) .

9ـأخرج ابن كثير نقلاً عن الترمذي بسنده عن ابن عباس قال : « صلّى بنا
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمنى الظهر العصر والمغرب والعشاء والفجر ثمّ غدا إلى
عرفات » (2) .

10ـأخرج ابن كثير نقلاً عن الصحيحين عن ابن عباس قال : « سمعت
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخطب بعرفات : (من لم يجد نعلين فليلبس الخفّين ، ومن لم يجد
إزاراً فليلبس السراويل للمحرم) » (3) .

11ـأخرج ابن كثير نقلاً عن أحمد بسنده عن عطاء قال : « دعا عبد الله بن
عباس الفضل بن عباس إلى الطعام يوم عرفة ، فقال : إني صائم ، فقال عبد الله : لا
تُصم فإنّ رسول الله قُرّب إليه حِلّاب (4) فيه لبن يوم عرفة فشرب منه ، فلا تُصم
فإنّ الناس يستنّون بكم » (5) .

12ـأخرج الطبراني بسنده عن ابن عباس : « انّ أم الفضل أرسلت إلى
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلبن فشرب وهو يخطب بعرفة »(6) .

_______________________

(1)نفس المصدر 4 / 332.

(2)نفس المصدر 4 / 339.

(3)نفس المصدر 4 / 342.

(4)الحلّاب : القعب الّذي يحلب فيه اللبن.

(5)السيرة النبوية 4 / 345.

(6)المعجم الكبير 10 / 326 ط الموصل.


13ـأخرج ابن كثير نقلاً عن البخاري بسنده عن ابن عباس قال : « بينما
رجل واقف مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصنه(1) فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :
(اغسلوه بماء وسدر ، وكفّنوه في ثوبين ، ولا تُمِسّوه طيبا ، ولا تخمّروا رأسه ، ولا
تحنّطوه ، فإنّ الله يبعثه يوم القيامة ملبّيا) » (2) .

14ـأخرج ابن كثير نقلاً عن الطبراني في مناسكه بسنده عن ابن عباس
قال : « كان فيما دعا به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجة الوداع : (اللّهم إنّك تسمع كلامي ،
وترى مكاني ، وتعلم سرّي وعلانيتي ، ولا يخفى عليك شيء من أمري ، أنا البائس
الفقير ، المستغيث المستجير ، الوجل المشفق ، المقرّ المعترف بذنبه ، أسألك مسألة
المسكين ، وأبتهل إليك ابتهال الذليل ، وأدعوك دعاء الخائف الضرير ، من
خضعت لك رقبتُه ، وفاضت لك عبرَتُه ، وذلّ لك جَسَدُه ، ورغم لك أنفُه ، اللّهم لا
تجعلني بدعائك ربّ شقياً ، وكن بي رؤفاً رحيماً يا خير المسؤولين ، ويا خير
المعطين) » (3) .

15ـأخرج ابن كثير نقلاً عن البيهقي بسنده عن ابن عباس قال : « رأيت
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعو بعرفة ، يداه إلى صدره كاستطعام المسكين »(4) .

16ـأخرج ابن كثير نقلاً عن أحمد بسنده عن ابن عباس قال : « لما أفاض
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عرفات أوضَعَ الناس(5) فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منادياً ينادي : (أيها
_______________________

(1)الوقص : وقصت الناقة براكبها ركمت به فدَقّت عنقه (المصباح المنير).

(2)السيرة النبوية 4 / 346.

(3)السيرة النبوية 4 / 351 ، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 3 / 252 نقلاً عن الطبراني في
الكبير والصغير.

(4)السيرة النبوية 4 / 350.

(5)الإيضاع : أوضع البعير أسرع في سيره (المنجد).


الناس ليس البرّ بإيضاع الخيل ولا الركاب) ، قال : فما رأيت من رافعة يديها
غادية حتى نزل جَمعاً. وقال : لم ينزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عرفات وجَمع إلّا أريق
الماء » (1) .

17ـأخرج ابن كثير في السيرة النبوية ، والبلاذري نقلاً عن البخاري بسنده
عن ابن عباس قال : « أنا ممّن قدّم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة المزدلفة في ضَعفَة أهله »(2) .

18ـأخرج ابن كثير نقلاً عن أحمد بسنده عن ابن عباس قال : « قدّمنا
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على حُمراتنا فجعل يلطخـيضرب ببطن
كفهـأفخاذنا بيده ويقول : اَبَنيَّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ، قال ابن
عباس ما أخال أحداً يرمي الجمرة حتى تطلع الشمس » (3) .

19ـأخرج ابن سعد بسنده عن ابن عباس قال : « قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
غداة العقبة (إلقط لي) (4) فلقطت له حصى الحذف ، فلمّا وضعتهنّ في يده
قال : (نعم بأمثال هؤلاء ، وإياكم والغلوّ إنّما هلك مَن كان قبلكم بالغلوّ في
الدين) » (5) .

_______________________

(1)السيرة النبوية 4 / 358.

(2)السيرة النبوية 4 / 362 ، وانساب الاشراف (ترجمة ابن عباس).

(3)السيرة النبوية 4 / 362.

(4)لقد مرّ ان ابن عباس (حبر الأمة) ممّن قدّمه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة العقبة مع أغيلمة بني عبد
المطلب وضعفة أهله إلى منى وأوصاهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس ، فكيف
يصح ما رواه ابن سعد عنه ان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال له غداة العقبة القط ليـيعني حصى
الحذفـوالالتقاط انما يستحب أن يكون من المزدلفة؟ فربّما كان المراد بابن عباس
في هذا الحديث هو الفضل بن العباس الّذي سيأتي ما يدل على أنّه بقي مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
وروى عنه ما قاله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للناس حين دفعوا من المزدلفة وروى ذلك عنه أخوه حبر الأمة. أو
أن الألتقاط كان بمنى ، والأول هو الأقرب.

(5)طبقات ابن سعد 2ق1 / 130.


20ـأخرج ابن سعد بسنده عن ابن عباس « انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبّى حتى
رمى الجمرة يوم النحر » (1) .

21ـأخرج ابن كثير نقلاً عن أحمد بسنده عن ابن عباس قال : « أهدى
رسول الله في حجة الوداع مائة بدنة ، نحر منها ثلاثين بدنة بيده ، ثمّ أمر عليّاً فنحر
ما بقي منها ، وقال : أقسم لحومها وجلودها وجلالها بين الناس ، ولا تعطينّ جزّاراً
منها شيئاً ، وخذ لنا من كلّ بعير حذيةـأي قطعةـمن لحم ، واجعلها في قدر
واحدة حتى نأكل من لحمها ونحسوا من مرقها. ففعل » (2) .

22ـأخرج ابن كثير نقلاً عن أحمد بسنده عن ابن عباس قال : « رمى
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جمرة العقبة ثمّ ذبح ثمّ حلق »(3) .

23ـأخرج ابن كثير نقلاً عن سفيان الثوري بسنده عن ابن عباس قال : « إذا
رميتم الجمرة فقد حللتم من كلّ شيء كان عليكم حراماً إلّا النساء ، حتى تطوفوا
بالبيت ، فقال رجل : والطيب يا أبا العباس؟ فقال له : إنّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
يضمّخ رأسه بالمسك ، أفطيبٌ هو أم لا؟ » (4) .

24ـأخرج ابن كثير نقلاً عن البخاري في صحيحه في باب الخطبة أيام
منى بسنده عن ابن عباس : « أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطبَ الناس يوم النحر فقال : (يا
أيها الناس أيّ يوم هذا؟) قالوا : يوم حرام ، قال : (فأيّ بلد هذا؟) قالوا : بلد حرام ،
قال : (فأيّ شهر هذا؟) قالوا : شهر حرام قال : (فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم
_______________________

(1)نفس المصدر 2ق 1 / 135.

(2)السيرة النبوية 4 / 376.

(3)نفس المصدر 4 / 377.

(4)نفس المصدر 4 / 379.


عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) قال : فأعادها
مراراً ، ثمّ رفع رأسه ، فقال : (اللّهم هل بلّغت؟ اللّهم قد بلّغت؟)ـقال ابن عباس :
فوالذي نفسي بيده إنّها لوصيته إلى أمتهـفليبلّغ الشاهدُ الغائب ، لا ترجعوا بعدي
كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض » (1) .

25ـأخرج ابن كثير نقلاً عن أحمد وأبي داود بسنديهما عن ابن عباس :
« انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طاف بالبيت وهو على بعير واستلم الحجر بمحجن كان معه ،
قال : وأتى السقاية فقال : (اسقوني) ، فقالوا : إنّ هذا يخوضه الناس ولكنّا نأتيك به
من البيت ، فقال : (لا حاجة لي فيه ، اسقوني ممّا يشرب الناس) » (2) .

26ـأخرج ابن كثير نقلاً عن أحمد بسنده عن ابن عباس أنّه قال : « جاء
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى زمزم فنزعنا له دلواً فشرب ثمّ مجّ فيها ، ثمّ أفرغناها في زمزم ، ثمّ
قال : (لولا أن تغلبوا عليها لنزعتُ بيدي) » (3) .

27ـأخرج المحدث الثقة عليّ بن إبراهيم القمي عن عبد الله بن عباس
قال : « حججنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حجة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة ثمّ أقبل
علينا بوجهه فقال : (ألا أخبركم بأشراط الساعة؟) وكان أدنى الناس منه يومئذ
سلمان رحمه‌الله فقال : بلى يا رسول الله فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (انّ أشراط القيامة اضاعة الصلاة
واتباع الشهوات ، والميل إلى الأهواء ، وتعظيم أصحاب المال ، وبيع الدين بالدنيا ،
فعندها يذوب قلب المؤمن في جوفه كما يذاب الملح في الماء ممّا يرى من
المنكر فلا يستطيع أن يغيّره).

_______________________

(1)نفس المصدر 4 / 388.

(2)نفس المصدر 4 / 385.

(3)نفس المصدر 4 / 386.


قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده ،
يا سلمان عندها تليهم أمراء جورة ، ووزراء فسقة ، وعرفاء ظلمة ، وأمناء خونة).

قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده ،
يا سلمان إنّ عندها يكون المنكر معروفاً والمعروف منكراً ، ويؤتمن الخائن
ويخون الأمين ، ويصدّق الكاذب ويكذّب الصادق).

قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده ،
يا سلمان فعندها تكون إمارة النساء ، ومشاورة الإماء ، وقعود الصبيان على المنابر ،
ويكون الكذب طُرفاً ، والزكاة مغرما ، والفيء مغنما ، ويجفو الرجل والديه ، ويبرّ
صديقه ، ويطلع الكوكب المذنّب).

قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده ،
يا سلمان وعندها تشارك المرأة زوجها في التجارة ، ويكون المطر قيظاً ، ويغيظ
الكرام غيظاً ، ويحتقر الرجل المعسر فعندها تقارب الأسواق ، إذا قال هذا لم أبع
شيئاً وقال هذا لم أربح شيئاً فلا ترى إلّا ذاماً لله).

قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده ،
يا سلمان فعندها يليهم أقوام إن تكلموا قتلوهم ، وإن سكتوا أستباحوهم ،
ليستأثرونَ بفيئهم ، وليطؤنّ حرمتهم ، وليسفكنَّ دماءهم ، ولتملأنَّ قلوبهم دغلاً
ورعباً ، فلا تراهم إلّا وجلين خائفين مرعوبين مرهوبين).

قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده ،
يا سلمان إنّ عندها يؤتى بشيء من المشرق وشيء من المغرب يلون أمتي ،


فالويل لضعفاء أمتي منهم والويل لهم من الله ، لا يرحمون صغيراً ، ولا يوقّرون
كبيراً ، ولا يتجاوزون عن مسيء ، جثثهم جثث الآدميين وقلوبهم قلوب الشياطين).

قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده ،
يا سلمان وعندها تكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء ، ويغار على الغلمان كما
يغار على الجارية في بيت أهلها ، وتشبه الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال ، ويركبن
ذوات الفروج السروج فعليهنّ من أمتي لعنة الله).

قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده ،
يا سلمان إنّ عندها تزخرف المساجد كما تزخرف البيع والكنائس ، وتحلّى
المصاحف ، وتطول المنارات ، وتكثر الصفوف بقلوب متباغضة وألسن مختلفة).

قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده ،
يا سلمان وعندها تحلّى ذكور أمتي بالذهب ، ويلبسون الحرير والديباج ،
ويتخذون جلود النمور صفاقاً).

قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده ،
يا سلمان وعندها يظهر الزنا ، ويتعاملون بالغيبة (بالعينة خ ل) والرُشا ، ويوضع
الدين وترتفع الدنيا).

قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده ،
يا سلمان وعندها تظهر القينات والمعازف ويليهم شرار أمتي).

قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده ،
يا سلمان وعندها تحج أغنياء أمتي للنزهة ، وتحج أوساطها للتجارة ، وتحج
فقراؤهم للرياء والسمعة ، فعندها يكون أقوام يتعلمون القرآن لغير الله ويتخذونه


مزامير ، ويكون أقوام يتفقهون لغير الله ، ويكثر أولاد الزنا ، ويتغنّون بالقرآن
ويتهافتون بالدنيا).

قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده
يا سلمان ، ذاك إذا انتهكت المحارم ، وأكتسبت المآثم ، وسلّط الأشرار على
الأخيار ، ويفشوا الكذب ، وتظهر اللجاجة وتفشوا الحاجة ، ويتباهون في اللباس ،
ويمطرون في غير أوان المطر ، ويستحسنون الكذبة والمعازف ، وينكرون الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى يكون المؤمن في ذلك الزمان أذل من الأمة ،
ويظهر قراؤهم وعبّادهم فيما بينهم التلاوم ، فأولئك يدعون في ملكوت
السماوات الأرجاس الأنجاس).

قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده ،
يا سلمان عندها لا يخشى الغني إلّا الفقر ، حتى أنّ السائل ليسأل فيما بين
الجمعتين لا يصيب أحداً يضع في كفه شيئاً).

قال سلمان : وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إي والّذي نفسي بيده ،
يا سلمان عندها يتكلم الرويبضة).

فقال سلمان : وما الرويبضة يا رسول الله فداك أبي وأمي؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (يتكلم
في أمر العامة من لم يكن يتكلم ، فلم يلبثوا إلّا قليلاً حتى تخور الأرض خورة
فلا يظن كلّ قوم إلّا انها خارت في ناحيتهم ، فيمكثون ما شاء الله ثمّ يمكثون في
مكثهم ، فتلقي لهم الأرض أفلاذ كبدها ، قال ذهب وفضةـثمّ أومى بيده إلى
الأساطين ـ فقال : مثل هذا ، فيومئذٍ لا ينفع ذهب ولا فضة) ».


قال عليّ بن إبراهيم : « فهذا معنى قوله تعالى :( فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ) »(1) .

وإلى هنا نوقف متابعة أحاديث ابن عباس عن رحلة العودة من حجة
الوداع (حجة الإسلام) (2) ، حيث سنقرأ شيئاً منها في حديثه عن بيعة الغدير.
والّذي ذكرناه منها يصلح أن نسميه منسكاً يكاد أن يكون متكاملاً لأهمّ أعمال
الحجّ من فروض وسنن ، ولا يعني ذلك أنا نلتزم بصحة جميع معانيه ، بل عهدة ما
ورد فيه على راويه ، على أنا نشك في سلامة بعض ممّا وصل إلينا من الأحاديث
المروية عن ابن عباس في هذا المقام وفي غيره ، وسيأتي مزيد بيان عن ذلك في
حياته العلمية ، حيث سنذكر ما طالت عليه الأيدي الأثيمة وتناولته بالحذف
والإضمار.

ومن اللافت للنظر حقاً فيما ذكرناه في هذا المقام ، خلّوه عن ذكر خطبتي
الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عرفة وفي ثاني أيام التشريق. إذ لا يعقل إهمال ابن عباس
لهما ، وهو الحريص على متابعة جميع ما كان يصدر عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجته تلك
من أقوال وأفعال ، حتى ورد عنه روايته عن أخيه الفضل بن العباس ما قاله
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للناس حين دفعوا من المزدلفة ، إذ لم يكن هو حاضراً ، بل لأنّه قدّمهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
مع أغيلمة بني عبد المطلب وضعفة أهله فدفعوا بليل وأوصاهم أن لا يرموا
الجمرة حتى تطلع الشمس. فروى عن أخيه الفضل أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال للناس :
عليكم بالسكينة ، وهو كافّ ناقتَه حتى دخل محسّراـوهو من منىـقال :
عليكم بحصى الحذف الّذي يُرمى به الجمرة ، قال : ولم يزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلبّي
حتى رمى الجمرة.

_______________________

(1)تفسير علي بن إبراهيم القمي (تفسير سورة محمّد)ـحديث خطبة النبيّ صلّى الله عليه
وآله وسلّم.

(2)السيرة النبوية 4 / 376.


فمن كان بهذه المثابة من الحرص على أن لا يفوته شيء من أقوال
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأفعاله ، كيف يفوته سماع الخطبتين وروايتهما بتمامهما ولو عن غيره.
أليس هو القائل لسعيد بن جبير وقد سأله عن اختلاف قومهـقريشـفي
مناسك حجته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال ابن عباس : إني لأعلم الناس بذلك. ولا مماراة في ذلك
حتى شهدت له بذلك بعض أمهات المؤمنين فقالت أم سلمة : هو أعلم بالمناسك ،
وقالت عائشة : هو أعلم بالسنّة ، هو أعلم بالمناسك (1) .

ثمّ إنّ ما روي عنه من خطبة يوم النحر هو الآخر لم يسلم من مسّ اليد
الأثيمة ، فلم يصل إلينا بتمامه ، والفجوات فيه بيّنة ولا نحتاج في إثباتها إلى بيّنة.
ألا يكفينا مؤشّراً واضحاً قوله المعترض في وسط الخطبة : « فوالّذي نفسي بيده
إنّها لوصيته إلى أمته ».

ومن أراد أن يعرف مقدار ما لعبت به رواة السوء من تغيير أو حذف أو
إضمار ، فليقارن بين ما روي عنه وبين ما رواه غيره من الصحابة الّذين شهدوا
الخطبة فرووها ، ليدرك مدى التفاوت ، وإلى القارئ إشارة عابرة إلى جانب
من ذلك.

خذ مثلاً حديث الثقلين المستفيض أستفاضة تكاد تبلغ حد التواتر ، فإن من
موارد ذكره كان في خطبة يوم النحر. وقد روى الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام خطبة
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك اليوم وفيها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (يا أيها الناس إنّي تركت فيكم الثقلين لن
تضلوا ما تمسكتم بهما : الأكبر منهما كتاب الله ، والأصغر عترتي أهل بيتي ، وإن
اللطيف الخبير عهد إليّ أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض كهاتينـأشار
_______________________

(1)البداية والنهاية 8 / 301.


بالسبّابتينـولا أنّ أحدهما أقدم من الآخر ، فتمسكوا بهما ، لن تضلوا ، ولا تقدّموا
منهم ، ولا تخلّفوا عنهم ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم) (1) .

وابن عباس من رواة الحديث المذكور في موارده الأخرى ، كيف يعقل
أن يروي الخطبة وهو من شهودها ، ثمّ يغفل رواية الحديث المذكور. وهكذا
نبقى في دوامة الشك والريبة ، من مدوّني السيرة والحديث ، وفي قنواتهم المتصلة
بابن عباس ، وغفلوا عن انّ حبل الكذب قصير ، والناقد بصير ، وفاتهم انّ قول ابن
عباس : « فوالّذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته » إنّما يناسب حديث الثقلين
شكلاً ومضموناً دون باقي فقرات الخطبة النبوية ، لكن رواة السوء كتموا ما لم
يرق لهم ولأوليائهم روايته ، ودوّنوا لهم ما شاؤا ، وبذلك ضيّعوا الأمانة ،
فأستحقّوا الإدانة.

ويزيدنا بصيرةً بمراد ابن عباسرضي‌الله‌عنه في قوله : « فوالّذي نفسي بيده إنّها
لوصيته إلى أمته » ما رواه رضي‌الله‌عنه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال قال : (من سره أن يحيى حياتي ،
ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليوال عليّاً من بعدي ، وليوال
وليه ، وليقتد بالأئمّة من بعدي ، فإنهم عترتي ، خلقوا من طينتي ، ورزقوا فهماً
وعلماً ، ويل للمكذبّين بفضلهم من أمتي ، القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله
شفاعتي) (2) .




_______________________

(1)أنظر ينابيع المودة / 34 ط أستانبول.

(2)حلية الأولياء 1 / 86 ، فرائد السمطين 1 / 53.





ثانياً : بيعة الغدير

قال ابن عباس : « لمّا اُمر النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أن يقوم بعليّ بن
أبي طالب المقام الّذي قام به ، فانطلق النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى مكة فقال : رأيت الناس
حديثي عهدٍ بكفر بجاهلية ، ومتى أفعل هذا به ، يقولوا صَنع هذا بابن عمه ، ثمّ
مضى حتى قضى حجة الوداع ، ثمّ رجع حتى إذا كان بغدير خم أنزل الله عزوجل( يَا أَيُّهَا
الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ
) (1) الآية.

فقام منادِ فنادى الصلاة جامعة ، ثمّ قام وأخذ بيد عليّرضي‌الله‌عنه فقال : (من كنت
مولاه فعلي مولاه ، اللّهم وال من والاه وعادِ من عاداه) » (2) .

وقال في حديث آخر : « لمّا خرج النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم إلى
حجة الوداع ، نزل بالجحفة فأتاه جبرئيل عليه‌السلام فأمره أن يقوم بعليّ فقال : (أيها
الناس ألستم تزعمون أني أولى بالمؤمنين أنفسهم؟) قالوا : بلى يا رسول الله قال :
(من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وأحب من
أحبّه ، وأبغض من أبغضه ، وأنصر من نصره ، وأعز من أعزّه ، وأعن من أعانه) ، قال
ابن عباس : وجبت والله في أعناق القوم » (3) .

_______________________

(1)المائدة / 67.

(2)أمالي الحافظ المحاملي وعنه الوصّابي الشافعي في كتابه الاكتفاء بفضائل الخلفاء.
كما في الغدير 1 / 52.

(3)كتاب الولاية للحافظ السجستاني كما في الغدير 1 / 52.


وعنه قال : « لمّا كان يوم غدير خم ، قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطيباً ، ثمّ دعا عليّ
بن أبي طالب عليه‌السلام فأخذ بضبعيه ثمّ رفع يديه حتى رأى بياض إبطيهما وقال
للناس : (ألم أبلّغكم الرسالة؟ ألم أنصح لكم؟) قالوا : اللّهم نعم ، قال : (فمن كنت
مولاه فعلي مولاه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه) ، قال : ففشت هذه في
الناس ، فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري فرحّل راحلته ، ثمّ أستوى عليها ،
ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ ذاك بالأبطح فأناخ راحلته ثمّ عقلها ثمّ أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قال :
يا عبد الله إنّك دعوتنا إلى أن نقول لا إله إلّا الله ففعلنا والقلب فيه ما فيه ، ثمّ
دعوتنا إلى أن نقول إنّك رسول الله ففعلنا ، ثمّ قلت لنا صلوا فصلينا ، ثمّ قلت
صوموا فصمنا ، ثمّ قلت حجوا فحججنا ، ثمّ قلت لنا من كنت مولاه فعلي مولاه
اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه ، فهذا عنك أم عن الله؟

فقال له : (بل عن الله) ، فقالها ثلاثاً ، فنهض وإنه لغضِب وانه ليقول : اللّهم إن
كان ما يقول محمّد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء تكون نعمة في أولنا وآية
في آخرنا ، وان كان ما يقوله محمّد كذباً فأنزل به نقمتك ، ثمّ أثار ناقته واستوى
عليها ، فرماهـاللهـبحجر على رأسه فسقط ميتاً ، فأنزل الله تبارك وتعالى : ( سَأَلَ
سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ
* لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ) (1) »(2) .

وبنحو ما مرّ وردت عنه أحاديث أخر تلتقي مع ما مرّ مضموناً ، فلا نطيل
بذكرها ، ويكفينا ممّا ذكرناه تعقيبه على بعض ما رواه وحدّث به بقوله : « وجبت
والله في أعناق القوم » (3) يعني بيعة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام .

_______________________

(1)المعارج / 1 ـ 3.

(2)تفسير محمّد بن العباس بن ماهيار كما في غاية المرام / 92 ط الحجرية ، وفي تفسير
الشربيني 4 / 364 قال أختلف في هذا الداعي فقال ابن عباس هو النضر بن الحرث وقيل
هو الحرث بن النعمان.

(3)كتاب الولاية للحافظ السجستاني كما في الغدير 1 / 52.


ولا يقل عن ذلك أهمية في روايته ما حدّث به عن مشهد آخر شهده مع
النبيّ الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد رجوعه من حجة الوداع فقال : « لمّا رجعنا من حجة الوداع
جلسنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مسجده ، قال : (أتدرون ما اقول لكم؟) قالوا
المسلمون : الله ورسوله أعلم ، قال : (أعلموا أنّ الله عزوجل منّ على أهل الدين إذ
هداهم بي ، وأنا أمنّ على أهل الدين إذ أهديهم بعليّ بن أبي طالب ابن عمي
وأبي ذريتي ، ألا ومن أهتدى بهم نجا ، ومن تخلّف عنهم ضلّ وغوى.

أيّها الناس الله الله في عترتي وأهل بيتي ، فان فاطمة بضعة مني ، وولداها
عضداي ، وأنا وبعلها كالضوء ، اللّهم ارحم من رحمهم ، ولا تغفر لمن ظلمهم) ،
ثمّ دمعت عيناه وقال : (كأنّي أنظر إلى الحال) » (1) .

وأهم مشهده شهده ابن عباس بعد ذلك من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان مشهد يوم
الخميس ، وما أدراك ما يوم الخميس ، فكان إذا ذكره قال : « الرزية كلّ الرزية ».

ولنقرأ حديث الرزية ففيه كلّ الرزية ، فهو حديث ذو شجون ، ملؤه
أسى ومرارة ، يبعث التحدث عنه في النفس الشجن ، ويترك العين ترمض
بالقذى.






_______________________

(1)بحار الأنوار 7 / 43 ط حجر بتبريز نقلاً عن روضة الكافي وفضائل ابن شاذان.






ثالثاً : حديث الرزية

حديث وأي حديث؟! حديث ترك الأمة تخبط في عشواء إلى يوم القيامة.

حديث وأي حديث؟! حديثٌ فتح باب الفرقة والاختلاف بين الأمة
والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعدُ بين ظهرانيهم ، يدعوهم لما يحييهم فلم يستجيبوا له ، بل كايدوه
وعاندوه حتى أغمي عليه.

حديث وأيّ حديث بعده يؤمنون؟! حديث ما ذكره حبر الأمة عبد الله بن
عباس رضي‌الله‌عنه إلّا وبكى ، بكاءٌ وأيّ بكاء؟! بكاءٌ يبلّ دمعه الحصى ، بكاءٌ كأنّ دموعه
حين تسيل نظام اللؤلؤ.

هكذا يصفه الرواة فلنقرأ ولنبك مع حبر الأمة ، ولنندب حظ الأمة العاثر
حيث أضاعت تلك الفرصة الثمينة ، فرفضت ذلك العرض السخيّ المؤمِّن من
الضلالة أبداً.

فلنقرأ ما يرويه ابن عباسرضي‌الله‌عنه :

قال : « يوم الخميس وما يوم الخميس؟! يوم أشتد برسول الله وجعه فقال :
(إيتوني بدواة وبياض اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً). فتنازعواـولا
ينبغي عند نبيّ تنازعـفقال عمر : إنّ النبيّ يهجرـوفي حديث آخر : « إنّه
ليهجر » ، وفي ثالث : « إنّه هجر »ـثمّ قال : عندنا القرآن ، حسبنا كتاب الله ،
فاختلف مَن في البيت ، وأختصموا فمن قائل يقول : القول ما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،


ومن قائل يقول : القول ما قال عمر. فلمّا أكثروا اللغط واللغو ، وتمادى القوم في
نزاعهم ، غضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : (قوموا عني ، لا ينبغي عند نبيّ تنازع) ، فقاموا.

قال ابن عباس : فجئناه بعد ذلك بصحيفة ودواة ، فأبى أن يكتبه لنا ، ثمّ
سمعناه يقول : (بعد ما قال قائلكم : عدى العَدَوي وسينكث البكري) ، ثمّ قال :
(ما أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه) ، ثمّ أوصى بثلاث فقال : أحفظوني في أهل
بيتي ، وأخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت
أجيزهم به (1) ) ».

فكان ابن عباسرضي‌الله‌عنه بعد ذلك يقول : « الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب ، لولا مقالتهـيعني مقالة عمرـلكتب
لنا كتاباً لم تختلف أمته بعده ولم تفترق ».

هذه إحدى صور الحديث الآتية ، وأعتقد أنّ القارئ يستفزه مثل هذا
الحديث ويتسرّع إلى الحكم بوضعه ، لشدة صدمته ، وقد تذهب به المذاهب في
الحكم على أولئك الصحابة الّذين شاقّوا الله ورسوله ، فنسبوا الهجر إلى نبيّ
أصطفاه الله لأداء رسالته إلى الناس كافة ، فكان سفيره في خلقه ، وأمينه على
وحيه ، ورسوله المسدّد ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (2) .

لكني أعتقد أيضاً أنّ القارئ سيظهر له من متابعة صور الحديث الآتية ، وما
يتبعها من أقوال العلماء في توجيهه ، اعتذاراً عن المعارضة ، أنّ الحديث صحيح
وأنهُ حديث رزيّة وأيّ رزيّة ، ولم يكن ابن عباس رضي‌الله‌عنه مبالغاً حين قال ذلك فيه ،
_______________________

(1)نلفت نظر القارئ إلى أن في الفقرات الثلاث اختلاف في النقل ، كما سيجده واضحاً
فيما يأتي من ذكر صور الحديث فليلاحظ.

(2)النجم / 3 ـ 4.


لأنّ فيه الردّ على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو عين الرد على اللهتعالى ، أوليس الردّ على الله
وعلى الرسول من موجبات الكفر فالله سبحانه يقول : ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا
) (1) .

والمعارضة تردّ على الرسول ما طلب ، وتصرّ على الامتناع من تلبية طلبه.

والله سبحانه يقول :( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (2) .

والمعارضة تقول : إنّه يهجر.

والله سبحانه يقول :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ
لِمَا يُحْيِيكُمْ
) (3) .

والمعارضة : تأبى ذلك وترد عليه بعنف وقسوة.

والله سبحانه يقول :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا
أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
) (4) .

والمعارضة تأبى ذلك.

والله سبحانه يقول لنبيّه :( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ) (5) .

والمعارضة تشاكسه في التبليغ ، وتردّ عليه بعنف وسوء أدب ، وكأنّهم لم يسمعوا
جميع تلكم الآيات الكريمة ولم يسمعوا الله سبحانه يقول في كتابه : ( ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ
شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
) (6) .

أليس هذا هو الضلال البعيد؟ أليس هذا هو الخسران المبين؟

_______________________

(1)الحشر / 7.

(2)النجم / 3 ـ 4.

(3)الأنفال / 24.

(4)الأحزاب / 36.

(5)المائدة / 67.

(6)الأنفال / 13.


أليس هذا هو الظلم والجفاء؟ أليس هذا هو الغباء والشقاء؟

أيّ غباء فوق هذا يتركون طريق التأمين على السلامة إلى الأبد ، ويرتطمون
أوحال الجهالة!؟

يا لله لقد سبق أن آذوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نفسه وآله ، حتى وبّخهم القرآن
الكريم في آية ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ) (1) ، وآذوه الآن في قدسه
وعصمته ، منتهكين بذلك حرمته في أداء رسالته.

وهل يعني ذلك غير ردّهم : إنّه يهجر؟.

هذه نبذة عن حديث الرزية ، بل نفثة حرّى جاش بها الصدر فباحا ، وما
قدّمتها إلّا لتنبيه القارئ على استعداده لقراءة ما سيقرأه من حديث الرزية
وملابساته ، وما تبعه من أعذار واهية ، لا تزيد علماً ولا تغني عملاً ، سوى كشف
صفحاتـلولا حديث الرزيةـلسنا بصددها والكشف عنها ، ولكنها جناية
السلف ، وخيانة الخلف ، أودت باُمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى حافة الهاوية والتلف. ولئلا
يصدمه عنف الردّ كما صدم الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى أغمي عليه ، فليستعد
ويتدرع بالصبر من الآن.

لنقرأ (أوّلاً) صور الحديث في الصحاح والسنن والمسانيد وكتب التاريخ
واللغة والأدب ، من ثمّ نتابع معه قراءتنا (ثانياً) في مصادر الحديث ، و (ثالثاً) مع
العلماء في آرائهم حول الحديث.


_______________________

(1)الأحزاب / 53.


وليقرأ القارئ كلّ ذلك بروحٍ موضوعية مع التجرد عن العاطفة والأبتعاد
عن التعصب ، ونترك له الحكم في تلك القضية وبالأصح الرزية ، فعلى مَن تقع
المسؤولية؟

ولا نريد أن نستبق الحكم في ذلك بل له ما سيؤديه نظره إليه من رأي
حول رموز المعارضة أياً كانوا ومهما كانوا ، فهم أولاً وأخيراً إنّما نكنّ لهم
الإحترام ، ما داموا في طاعة النبيّ وخدمة الإسلام. أما وقد نبذوا أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
ولم يكتفوا بذلك حتى نسبوا إليه الهجر ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن
يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا
) (1) ، فنحن في حلٍّ من حسابهم ، وهم كسائر الناس في خطأهم
وصوابهم. فهم غير معصومين ، ولا نحن في حسابهم بملومين.

صور الحديث

لقد ورد الحديث بصور متعددة تبلغ الثلاثين أو تزيد ، وهذا رقم قد يبعث
على الدهشة! حديث واحد عن واقعة واحدة ، يرويها أربعة من شهودها وهم :

1 ـ الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

2 ـ الخليفة عمر بن الخطاب بطل المعارضة.

3 ـ جابر بن عبد الله الأنصاري.

4 ـ عبد الله بن عباس.

كيف يبلغ اختلاف الصور في رواياتهم إلى ذلك العدد!!

ولو كان العدد يتساوى فيه الشهود لهان الأمر ولا غرابة ، ولكن الغرابة أنّا
سنقرأ الحديث عن كلّ من الإمام عليّ عليه‌السلام وعن الخليفة عمر ورد بصورتين ،
وعن جابر بصورتين.

_______________________

(1)الكهف / 5.


وباقي الصور كلّها تروى عن ابن عباس لماذا ذلك؟

سؤال يفرض نفسه ، ولابدّ من تلمّس الجواب عليه ، وهذا ما سنجده عند
الوقوف على قائمة الرواة عنه ، ثمّ في باقي الطبقات من رجال الأسانيد بعدهم ،
حتى نصل إلى مدوّنيه من أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن والتاريخ
وغيرهم.

وهؤلاء بذلوا جهداً كبيراً في التعتيم على رموز المعارضة ، فأحاطوه بهالة
من التضبيب الكثيف ، تكاد أن تخفي معالمه ، حفاظاً على حق الصحبة ، وإن تم
ذلك على حساب قدس صاحب الرسالة ، فانظرـأيها القارئـتلكم الصور كما
وردت في مصادرها الموثوقة عن أعيان شهودها.

ولنبدأ بما روي عن الإمام عليّعليه‌السلام ، ثمّ بما روي عن الخليفة عمر ، ثمّ بما
روي عن جابر ، وأخيراً بما روي عن ابن عباس. وهو المعني به في هذا التحقيق
وهو صاحب الكتاب :


الصورة الأولى :

ما روي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام :

أخرج ابن سعد في طبقاته قال : « أخبرنا حفص بن عمر الحوضي عن عمر
بن الفضل العبدي عن نعيم بن يزيد عن عليّ بن أبي طالب انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا
ثقل قال : (يا عليّ إئتني بطبق أكتب فيه ما لا تضل أمتي بعدي) ، قال : فخشيت أن
تسبقني نفسه ، فقلت : إنّي أحفظ ذراعاً من الصحيفة.

قال : فكان رأسه بين ذراعي وعضدي ، فجعل يوصي بالصلاة والزكاة وما
ملكت أيمانكم.

قال : كذلك حتى فاضت نفسه ، وأمر بشهادة أن لا اله إلّا الله وأنّ محمّداً
عبده ورسوله حتى فاضت نفسه ، من شهد بهما حُرّم على النار » (1) .

أقول : أخرج هذه الصورة أحمد في مسنده : « عن بكر بن عيسى الراسبي
عن عمر بن الفضل وإلى قوله : وما ملكت أيمانكم » (2) . ورواها البخاري في
الأدب المفرد (3) . وهذه الصورة كما تراها مهلهلة الجوانب ، تخفق فيها رياح
الأهواء ، فرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأمر عليّاً باحضار طبق ليكتب فيه ما لا تضل أمته بعده ،
وعليّ عليه‌السلام لا يمتثل خشية أن تسبقه نفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! وجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
يوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم ، حتى فاضت نفسه؟!

_______________________

(1)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 36.

(2)مسند أحمد 1 / 90.

(3)الأدب المفرد / 9.


وأمر بشهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله حتى فاضت
نفسه؟ (1)

أيّ نفس هذه بعد أن سبق وأن فاضت نفسه أوّل مرّةـكما مرّـفهل
عادت إليه ثانياً فجعل يأمر بالشهادتين حتى فاضت نفسه ثانياً؟!

الجواب عن ذلك عند الرواة. غير إني أنبّه القارئ إلى أنّ مارواه الإمامعليه‌السلام
ليس هذا ، بل هو عين ما رواه عبد الله بن عباس كما صرّح بذلك الحسن البصري
وهو من سادة التابعين فأقرأ ما يأتي :

الصورة الثانية :

أخرج أبو محمّد عبد السلام بن محمّد الخوارزمي في كتابه سير
الصحابة والزهّاد والعلماء العبّاد فقال : « حدّثني محمّد بن عليّ قال سمعت
أبا أسحاق يزيد الفراء عن الصّباح المزني عن أبان بن أبي عياش قال
سمعت الحسن بن أبي الحسن قال : سمعت عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ـثمّ
سمعته بعينه من عبد الله بن عباس بالبصرة وهو عامل عليها ، فكأنّما ينطقان
بفم واحد ، وكأنّما يقرآنه من نسخة واحدة ، والّذي عقلته قول ابن عباس ،
والمعنى واحد غير أنّ حديث ابن عباس أحفظهـقال : سمعته يقول : إنّ
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في مرضه الّذي قبض فيه : (إيتوني بكتف أكتب لكم
كتاباً لا تضلون بعدي أبداً) ، فقام بعضهم ليأتي به ، فمنعه رجل من قريش(؟)
وقال : إنّ رسول الله يهجر.

_______________________

(1)أخرجه المتقي الهندي في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 3 / 114.


فسمعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فغضب وقال : (إنّكم تختلفون وأنا حيّ! قد
أعلمت أهل بيتي بما أخبرني به جبرئيل عن ربّ العالمين ، إنّكم ستعملون بهم
من بعدي ، وأوصيتهم كما أوصاني ربّي ، فأصبرُ صبراً جميلاً) ».

فبكى ابن عباس حتى بلّ لحيته. ثمّ قال : « لولا مقالته لكتب لنا كتاباً لم
تختلف أمته بعده ولم تفترق اه‍ » (1) .

الصورة الثالثة :

ما روي عن عمر بن الخطاب :

أخرج ابن سعد في طبقاته قال : « أخبرنا محمّد بن عمر حدّثني هشام بن
سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال : كنا عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبيننا
وبين النساء حجاب ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أغسلوني بسبع قِرب ، وائتوني بصحيفة
ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً).

فقال النسوة : إئتوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحاجته. قال عمر : فقلت : اسكتنّ فإنكنّ
صواحبه ، إذا مرض عصرتنّ أعينكم ، وإذا صحّ أخذتنّ بعنقه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :
(هنّ خير منكم) » (2) .

وأخرجه عنه المتقي الهندي في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند
أحمد عن ابن أبي شيبة بتفاوت يسير (3) .

_______________________

(1)قال كاتب جلبي في كشف الظنون 2 / 1013 ط المعارف التركية سير الصحابة والزهاد
والعلماء العبّاد ، لأبي محمّد عبد السلام بن محمّد الخوارزمي الأندرسقاني المتوفى
سنة أخذه من مائة مجلد ، ووردت ترجمته في هدية العارفين 1 / 569. (أقول) وطريقنا
إليه (غاية المرام في حجة الخصام عن طريق الخاص والعام) للسيد هاشم البحراني
طبعة حجرية سنة 1272 ه‍ والحديث المشار إليه أعلاه في ص 598.

(2)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 37.

(3)كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد 2 / 173 ، و 3 / 114.


الصورة الرابعة :

ما روي عن عمر بن الخطاب ،وهي تقرب من الثالثة إلّا أنّهاأتم ولفظها
كما يلي :

أخرج النسائي في السنن الكبرى والهيثمي في مجمع الزوائد قال : « وعن
عمر بن الخطاب قال : لمّا مرض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : (ادعوا ليـائتونيـبصحيفة
ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي) ، فكرهنا ذلك أشد الكراهية ثمّ قال :
(ادعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً) ، فقال النسوة من وراء
الستر : ألا تسمعون ما يقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت : إنّكنّ صواحبات(صواحب)
يوسف إذا مرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عصرتنّ أعينكنّ ، وإذا صحّ ركبتنّ عنقه ، فقال
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (دعوهنّ فإنّهنّ خير منكم) »(1) .

قال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمّد بن جعفر بن إبراهيم
الجعفري ، قال العقيلي : في حديثه نظر ، وبقية رجاله وثقوا وفي بعضهم
خلاف...أه‍.

أقول : لا يهمني قول العقيلي في محمّد بن جعفر بن إبراهيم الجعفريـ
وهذا منتظر منه في الرجل وأمثالهـما دام الحديث رواه أصحاب الصحاح
ومنهم البخاري ، ولا كلام للعقيلي في رجاله.

لكن الّذي يهمّني تنبيه القارئ على ما مرّ في الصورة الثالثة من حذف قول
عمر : « فكرهنا ذلك أشدّ الكراهية » لماذا كرهوا ذلك أشدّ الكراهية؟

_______________________

(1)السنن الكبرى 3 / 433 ط العلمية ، ومجمع الزوائد 9 / 34.


والجواب : سيأتيك بالأخبار من لم تزوّد. فانتظر ما سوف يأتي من تعقيب
على الصور والأسانيد من أقوال علماء التبرير ، فستجد هناك من التحوير
والتزوير ، وعجائب بل وغرائب من التفكير والتصوير.

ثمّ إنّ قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أدعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده
أبداً). فقال النسوة قد حذف وهذا يكشف عن التواطؤ العملي بين الرواة على
تعمية الصورة ، بكلّ ما أمكنهم من حول وطول.

فقد حذفوا دعوة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثانياً بإحضار الصحيفة ، ممّا يدل على تصميم
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على تنفيذ أمره ، كما يدل على إصرار المعارضة على رفضه. وسيأتي
في حديث جابر ما يدل عليه.

وقد شوّشوا على تدخل العنصر النسوي في تلك المعركة الكلامية الحادّة بعد
دعوة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثانية لهم باحضار الكتاب. ممّا يدل على مدى الصخب والجدال
حتى كانت المرأة كالرجل في ذلك اليوم. وسيأتي مزيد إيضاح عن ذلك في
حديث طاووس عن ابن عباس (الصورة 14 ، 15) وحديث عكرمة عن ابن عباس
(الصورة 17).

الصورة الخامسة :

ما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري :

أخرج ابن سعد في الطبقات بسنده عن محمّد بن عبد الأنصاري عن قرّة
بن خالد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : « لمّا كان في مرض
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الّذي توفي فيه دعا بصحيفة ليكتب فيها لأمته كتاباً لا يَضِلّون


ولا يُضِلّون ، قال : فكان في البيت لغط وكلام وتكلم عمر بن الخطاب. قال :
فرفضه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(1) .

وبهذا النص ورد في نهاية الإرب للنويري(2) ، ورواه البيهقي في سننه باب
كتابة العلم في الصحف وبتره عند قوله : وتكلم عمر فتركه (3) .

وأخرج ابن سعد أيضاً بسنده عن محمّد بن عمر عن إبراهيم بن يزيد عن
أبي الزبير عن جابر قال : « دعا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لأمته
لا يَضِلوا ولا يُضلّوا فلغطوا عنده حتى رفضها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(4) .

أقول : وأخرج هاتين الروايتين الهيثمي في مجمع الزوائد إلّا أنّه قال في
آخر الأولى : « فرفضها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وقال : رواه أبو يعلى. وعنده في رواية :
يكتب فيها كتاباً لأمته قال : لا يَظلمون ولا يُظلمون. ثمّ قال : ورجال الجميع رجال
الصحيح » (5) ، ثمّ أخرجها ثانياً وقال : « رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وفيه خلاف »(6) .

أقول : وسند أحمدكما في مسنده عن موسى بن داود عن ابن لهيعة عن
أبي الزبير عن جابر (7) ، ونحن لا يهمنا الخلاف في ابن لهيعة بعد ما مرّ عن ابن
سعد بإسنادين ليس فيهما ابن لهيعة ويأتي عن ابن حبّان كذلك ، لكن الّذي
يهمّنا هو التحريف عنده في آخر الرواية الأولى!

_______________________

(1)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 36.

(2)نهاية الإرب 18 / 375.

(3)سنن البيهقي 3 / 435 ط بيروت سنة 1411.

(4)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 37.

(5)مجمع الزوائد 4 / 214.

(6)نفس المصدر 9 / 33.

(7)مسند أحمد 1 / 324.


فعن ابن سعد والنويري : « وتكلم عمر بن الخطاب فرفضه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ،
بينما في روايته الثانية : « فتكلم عمر بن الخطاب ، فرفضها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، وفي
تغيير الضمير في الرفض ما يستحق التأمل فيه.

أمّا عن ابن لهيعة فليس يهمنا فعلاً الدفاع عنه بعد ما روي الحديث بأسانيد
ليس فيها ابن لهيعة كما مرّ عن ابن سعد ، ورواه أيضاً ابن حبّان في كتابه الثقات
بسند ليس فيه ابن لهيعة ، فقد روى عن إبراهيم بن خريم عن عبد بن حميد عن
عثمان بن عمر عن قرة بن خالد السدوسي عن أبي الزبير عن جابر : « انّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
دعا بصحيفة عند موته فكتب لهم فيها شيئاً لا يَضلّون ولا يُضلون ، وكان في
البيت لغط ، وتكلم عمر فرفضها ا ه‍ » (1) .

وبالمقارنة بين رواية ابن حبّان وما سبقها ، يدرك القارئ مدى التحريف
المتعمد كما هو عند الهيثمي ، إلّا أنّ الجديد في رواية ابن حبّان هي قوله :
(فكتب لهم فيها شيئاً ...) ، فما هو الشيء الّذي كتب لهم؟ ثمّ لماذا كان
اللغط؟ وممّن كان؟ وأخيراً لماذا تكلم عمر؟ ثمّ من ذا رفضها؟ أهو عمر؟
أم النبيّ؟

كلّ هذا يجد القارئ الإجابة عليه في قول عمر لابن عباس : « أرادهـيعني
عليّاًـللأمر فمنعت من ذلك » ، وقوله الآخر وقد مرّ : « فكرهنا ذلك أشد
كراهية » (راجع الصورة 4).

ولم يكن ما تقدم من اختلاف في صورة حديث جابر مقتصراً على ما مرّ ،
بل له صورة أخرى أخرجها البلاذري في جمل أنساب الأشراف من حديث
_______________________

(1)الثقات 4 / 212 ط دار الكتب العلمية.


جابر ، فقال : « حدّثني روح ثنا الحجاج بن نصير عن قرة بن خالد عن أبي الزبير
عن جابر أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا بصحيفة أراد أن يكتب فيها كتاباً لأمته فكان في البيت
لغط فرفضها » (1) .

والآن وقد انتهينا من عرض خمس صور للحديث بروايتها عن الإمام أمير
المؤمنين وعن الخليفة عمر وعن جابر بن عبد الله ، فلنعد نقرأ باقي الصور بكلّ
أشكالها واختلاف رجالها برواياتهم عن ابن عباس.

















_______________________

(1)أنساب الأشراف 2 / 236.









ولإيضاح العرض ، ووضوح المقارنة بين الصور ، نقدّم
جدولاً يتضمن أسماء الرواة عن ابن عباس ومن روى عنهم
حتى آخر المصادر الّتي ذكرت الحديث ، ليعرف القارئ
مدى التلاعب في هذا المضمار :








الصورة السادسة :

ما رواه عليّ بن عبد الله بن عباس عن أبيه :

قال : « لمّا حضرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوفاة وفي البيت رجال منهم عمر بن
الخطاب ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إيتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا
تضلوا بعده) ، فقال عمر : كلمة معناها إنّ الوجع قد غلب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ
قال : عندنا القرآن ، حسبنا كتاب الله ، فاختلف مَن في البيت وأختصموا ، فمن قائل
يقول القول ما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن قائل يقول : القول ما قال عمر ، فلمّا كثر
اللغَط وَاللغو والاختلاف ، غضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : (قوموا إنّه لا ينبغي لنبيّ أن
يختلف عنده هكذا) ، فقاموا. فمات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك اليوم.

فكان ابن عباس يقول : الرزية كلّ الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » يعني الاختلاف واللغط.

أخرج هذه الصورة أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتابه
(السقيفة) عن الحسن بن الربيع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عليّ
ابن عبد الله بن العباس. ورواها عن كتاب الجوهري ابن أبي الحديد في شرح
النهج.

ثمّ قال ابن أبي الحديد : « قلت : هذا الحديث قد خرّجه الشيخان محمّد بن
إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري في صحيحهما ، واتفق المحدثون
كافة على روايته » (1) .

_______________________

(1)شرح النهج لابن أبي الحديد 6 / 51 ط دار احياء الكتب العربية ، تحقيق محمّد أبو
الفضل إبراهيم.


أقول : كلام ابن أبي الحديد في هذا المقام تعوزه الدقة. فإن هذه الصورة
من الحديث سنداً ومتناً لم ترد في الصحيحين ، ولم يتفق المحدّثون كافةً على
روايتها بألفاظها. نعم اتفق المحدثون كافة على رواية مضمونها بألفاظ متفاوتة
وأسانيد مختلفة ، كما سنقرؤها في الصور الآتية.

الصورة السابعة :

ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أخرجه أبو محمّد عبد السلام بن
محمّد الخوارزمي في كتابه سير الصحابة والزهاد بسنده عن عبد الرحمن بن أبي
هاشم عن عمرو بن ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير قال : « كان ابن عباس إذا
ذكر ليلة الخميس بكى ، فقيل له : يابن عباس ما يبكيك؟ قال : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
قال : (يا بني عبد المطلب أجلسوني وسنّدوني أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي
أبداً) ، فقال بعض أصحابه : أنّه يهجرـقال : وأبى أن يسمي الرجلـفجئنا بعد
ذلك ، فأبى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتبه لنا ، ثمّ سمعناه يقول : (عدى العدوي وسينكث
البكري) » (1) .

الصورة الثامنة :

ما رواه أيضاً سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن سعد في
الطبقات بسنده عن يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن الأعمش عن عبيد الله بن
عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : « اشتكى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الخميس
فجعلـابن عباسـيبكي ويقول : يوم الخميس وما يوم الخميس؟ أشتدّ
_______________________

(1)أنظر غاية المرام / 598 ط حجرية سنة 1272.


برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه فقال : (إيتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا
بعده أبداً؟) قال : فقال بعض من كان عنده : إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليهجر ، فقال : فقيل له ألا
نأتيك بما طلبت؟ قال : (أو بعد ماذا؟!) ، قال : فلم يدع به » (1) .

أقول : أخرج هذه الصورة الطبراني في معجمه الكبير بسنده عن عمر بن
حفص السدوسي عن عاصم بن عليّ عن قيس بن الربيع عن الأعمش إلى آخر
السند كما مرّ عن ابن سعد ، ومن دون تفاوت. لكن في المتن إثم وأختلاف كبير
إذ قال : « لمّا كان يوم الخميس ، وما يوم الخميس؟ ثمّ بكى فقال : قال رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إيتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً) ، فقالوا : يا
رسول الله ألا نأتيك بعد؟ قال : (بعد ما) اه‍ » (2) .

أقول : فلاحظ حذف جملة : (فقال بعض من كان عنده ان نبيّ الله ليهجر) ،
فمن ابتلعها من رواة السوء حين غصّ بذكرها! ودع عنك من تفاوت دون ذلك.

الصورة التاسعة :

مارواه سفيان بن عيينة عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

ويكاد ينعدم وضوح الرؤية في هذه الصورة ، إذ تنبعث منها عدة صور
متشابهة مضموناً ، متفاوتة سنداً ومتناً ، وما ذلك إلّا لأرتعاش أيادي المصورين
ودمدمة المتمتمين ـ وهم المحدّثون والرواة طبعاً ـ.

فقد روى الحديث عن ابن عيينة خمسة عشر علماً من أعلام المحدّثينـ
فيما أحصيتـوربما كانوا أكثر ، ولكن لم نجد رواياتهم كلّها متفقة تماماً ،
_______________________

(1)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 36.

(2)المعجم الكبير 11 / 352 ط الثانية بالموصل.


وحبذا لو كان الخلاف يسيراً لهان الأمر ، ولكن بين مروياتهم من التفاوت
مايبعث على الشك والريبة.

والآن لنمر عابرين على أسمائهم لنقارن بين مروياتهم ، ولندرك كم جنى
التالون على ما رواه الأولون ، وهم :

1 ـ يحيى بن آدم المتوفى في سنة 203 ه‍.

2 ـ عبد الرزاق بن همام المتوفى سنة 211 ه‍.

3 ـ قبيصة بن عقبة المتوفى سنة 215 ه‍.

4 ـ عبد الله بن الزبير الحَميدي المتوفى سنة 219 ه‍.

5 ـ الحسن بن بشر المتوفى سنة 221 ه‍(1) .

6 ـ محمّد بن سلام المتوفى سنة 225 ه‍.

7 ـ سعيد بن منصور المتوفى سنة 227 ه‍.

8 ـ محمّد بن سعد المتوفى سنة 230 ه‍.

9 ـ عمرو الناقد المتوفى سنة 232 ه‍.

10 ـ عليّ بن عبد الله المديني المتوفى سنة 234 ه‍.

11 ـ قتيبة بن سعيد المتوفى سنة 240 ه‍.

12 ـ أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241 ه‍.

13 ـ أبو بكر بن أبي شيبة المتوفى سنة 235 ه‍.

14 ـ الحسن بن محمّد بن الصباح الزعفراني سنة 259 أو سنة 260 ه‍.

15 ـ أحمد بن حماد الدولابي المتوفى سنة 269 ه‍.

_______________________

(1)كما في صحيح مسلم بشرح النووي وط صبيح ، دون ط بولاق فليلاحظ بدقة.


وإلى القارئ استعراض رواياتهم :

أمّا رواية يحيى بن آدمـأوّل القائمةـفهي تتفق مع رواية أحمد بن
حماد الدولابيـالخامس عشر من القائمةـكما أخرجها الطبري ، وإليك لفظه :
« حدّثنا أبو كريب قال حدّثنا يحيى بن آدم قالـابن عباسـ: يوم
الخميس » قال الطبريـثمّ ذكر نحو حديث أحمد بن حماد الدولابي ،
والحديث المشار إليه كان قد ذكره قبل هذا ولفظهـ: « قالـابن عباسـيوم
الخميس وما يوم الخميس؟! قال : أشتد برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه فقال : (إيتوني
أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي أبداً) ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ أن يتنازع ،
فقالوا : ما شأنه؟ أهجر أستفهموه؟ فذهبوا يعيدون عليه ، فقال : (دعوني فما أنا
فيه خير ممّا تدعونني إليه) ، وأوصى بثلاث قال : (أخرجوا المشركين من
جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، وسكت عن الثالثة
عمداً) ، أو قال فنسيتها. قال الطبري : في رواية يحيى بن آدم غير أنّه قال : ولا
ينبغي عند نبيّ أن يُنازع اه‍ » (1) .

فهذه رواية الطبري كفتنا مؤنة البحث عن مقارنة حديثين لراويين عن
سفيان وهما يحيى بن آدم وأحمد بن حماد ، وهما أوّل القائمة وآخرها.

وأمّا رواية عبد الرزاقـالثاني من القائمةـفقد أخرجها في كتابه
المصنف عن ابن عيينة بلا واسطة بينهما وهو لا يختلف في حديثه كثيراً عما
أخرجه البخاري عن شيخه قبيصة ، إلّا فيما جاء في آخره قال : « فأمّا أن يكون
_______________________

(1)تاريخ الطبري 3 / 193 ط الحسينية بمصر.


سعيد سكت عن الثالثة عمداً ، وأمّا أن يكون قالها فنسيها »(1) . وهذا مرّ علينا نحوه
في حديث البخاري عن شيخه محمّد بن سلام.

وأمّا رواية قبيصةـوهو الثالث من القائمةـفقد رواها عنه البخاري في
كتاب الجهاد والسير ، في باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم (2) .

قال : حدّثنا قبيصة حدّثنا ابن عيينة عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير
عن ابن عباس رضي‌الله‌عنهما أنّه قال : « يوم الخميس وما يوم الخميس؟ ثمّ بكى حتى
خضب دمعهُ الحصباء فقال : أشتد برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه يوم الخميس فقال :
(أئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً) ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ
تنازع ، فقالوا : هجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : (دعوني فالّذي أنا فيه خير ممّا تدعوني
إليه) ، وأوصى عند موته بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا
الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، ونسيت الثالثة » (3) .

ثمّ حكى البخاري تحديد جزيرة العرب ، وليس ذلك جزءاً من الحديث!

واعلم بأنّ البخاري لم تقتصر روايته لحديث سفيان على شيخه قبيصة عن
سفيان ، بل رواه أيضاً عن شيخه الآخر محمّد بن سلامـوهو السادس
في القائمةـفي كتاب الجزية في باب اخراج اليهود من جزيرة العرب ، ولدى
المقارنة بين الروايتين نجد تفاوتاً في اللفظ وزيادة في رواية محمّد بن سلام لم
ترد في رواية قبيصة.

_______________________

(1)المصنف 6 / 57 و 10 / 361 ط المكتب الإسلامي.

(2)عنوان الباب لا يدل عليه حديث الباب الّذي لم يذكر البخاري فيه غيره ، وقد أربك شرآح
صحيحه في توجيه ذلك وأكثرهم جهداً ابن حجر في فتح الباري 6 / 510 ط البابي
الحلبي ، فراجع.

(3)صحيح البخاري 4 / 69 ط بولاق.


وإليك اللفظ برواية محمّد بن سلام قالـبعد ذكر السند إلى سعيد بن
جبيرـ: « سمع ابن عباس رضي‌الله‌عنهما يقول : يوم الخميس وما يوم الخميس؟ ثمّ بكى
حتى بلّ دمعه الحصى ، قلت : يا ابن عباس ما يوم الخميس؟ قال : أشتد برسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه فقال : (ائتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً) ،
فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع ، فقالوا : ما له أهَجَر ، أستفهموه ، فقال : (ذروني
فالّذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه) ، فأمرهم بثلاث : قال : أخرجوا المشركين من
جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، والثالثة خير ، إمّا أن سكت
عنها ، وأمّا أن قالها فنسيتها » (1) .

قال سفيان : هذا من قول سليمان.

وثمة رواية ثالثة للبخاري لحديث سفيان عن شيخه قتيبةـوهو الحادي
عشر في القائمةـذكرها في كتاب المغازي في باب مرض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووفاته ،
وهي تتفاوت مع ما مرّ من روايتي قبيصة ومحمّد بن سلام تفاوتاً جزئياً ، وفيها :
« فقالوا : ما شأنه أهجر أستفهموه فذهبوا يردون عليه » (2) .

أقول : ومع ذلك فيبقى العجب من البخاري ، إذ هو يروي الحديث عن
سفيان برواية ثلاثة من شيوخه وهم سمعوه من شيخهم سفيان ، ومع ذلك لم تتفق
رواياتهم على نحو الدقة ، بل أنّ في بعضها زيادة على الأخرى كما مرّ في رواية
محمّد بن سلام فراجع.

وفوق ذلك أنّ البخاري لم يعقّب على الإختلاف بشيء ممّا يوهم أنّ ذلك
من الرواة ، مع انّ المتتبع لأحاديث صحيح البخاري يجد كثيراً من نحو هذا ،
_______________________

(1)نفس المصدر 4 / 99.

(2)نفس المصدر 6 / 9.


فمثلاً يحسن بالباحث مراجعة فتح الباري في شرح أوّل حديث للبخاري ليقف
على بلبلة العلماء في أوّل حديث في صحيح البخاري وهو (إنّما الأعمال
بالنيات) وما فيه من خرم حتى قال ابن العربي : « لا عذر للبخاري في إسقاطه ،
لأنّ الحميدي شيخه فيه قد رواه في مسنده على التمام وقال الداودي الشارح :
الإسقاط فيه من البخاري ، فوجوده في رواية شيخه وشيخ شيخه يدل على
ذلك » (1) .

وقال ابن حجر : « ولا يوجد فيهـفي الصحيحـحديث واحد مذكور
بتمامه سنداً ومتناً في موضعين أو أكثر إلّا نادراً » ، فقد عنى بعض من لقيته بتتبع
ذلك فحصل منه نحو عشرين موضعاً. وقال : « فلا يوجد في كتابه حديث على
صورة واحدة في موضعين فصاعداً » (2) .

فبعد شهادة هؤلاء لا يسعنا إدانة وسائط النقل بين البخاري وبين ابن عيينة ،
بل التبعة يتحملها البخاري إذ لم يؤد ما حُمّل من الحديث كما هو.

ثمّ أعلم أنّ الحديث برواية قتيبة رواه عنه أيضاً مسلم في صحيحه في
كتاب الوصية في باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه فقال : « عن
سعيد بن منصور وقتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد ثمّ قال : واللفظ
لسعيد. وفي قوله هذا إيماء إلى أنّ في رواياتهم اختلاف فاختار رواية سعيد ، وما
ذكره يتفق مع ما مرّ عند البخاري عن محمّد بن سلام ، ثمّ رواه عن أبي إسحاق
إبراهيم عن الحسن بن بشر عن ابن عيينة » (3) .

_______________________

(1)فتح الباري 1 / 17 ـ 18.

(2)نفس المصدر 1 / 91.

(3)صحيح مسلم 5 / 75 ط صبيح بمصر.


وأمّا رواية عبد الله بن الزبير الحَميديـالرابع من القائمةـفقد أخرجها
في مسنده (1) عن ابن عيينة بلا واسطة ، ولفظه مقارب لما مرّ عن عبد الرزاق.

وأمّا رواية الحسن بن بشرـالخامس في القائمةـفقد أخرجها مسلم في
صحيحه (2) ، وهي نحو ما مرّ من رواية قتيبة. وكذلك رواية محمّد بن سلام وهو
السادس في القائمة.

وأمّا رواية سعيد بن منصورـالسابع من القائمةـفقد أخرجها في سننه ،
وقد مرّ عن مسلم روايته عنه في صحيحه ، كما أخرجها عنه عبد السلام بن محمّد
الخوارزمي في سير الصحابة عن أبي إسحاق عنه (3) ، وأخرجها عنه أيضاً أبو داود
في سننه مع شرحه عون المعبود في كتاب الخراج والفيء والإمارة في باب
اخراج اليهود من جزيرة العرب. إلّا أنّه طوى أوّل الحديث جملة وتفصيلاً فقال :
« حدّثنا سعيد بن منصور نا سفيان بن عينية عن سليمان الأحول عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوصى بثلاثة فقال : أخرجوا المشركين من
جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، قال ابن عباس : وسكت عن
الثالثة أو قال : فأنسيتها ».

(وقال الحميدي عن سفيان قال سليمان : لا أدري أذكر سعيد الثالثة فنسيتها
أو سكت عنها) » (4) .

_______________________

(1)مسند الحميدي 1 / 241 ط بيروت.

(2)صحيح مسلم 5 / 75 ط محمّد عليّ صبيح وط شرح النووي أيضاً (وهي ممّا سقط من
ط بولاق).

(3)أُنظر غاية المرام / 598 ط حجرية.

(4)سنن أبي داود 3 / 128 ط الهند.


أقول : ما علّمت عليه بين قوسين وضع عليه رمز نسخة ، يعني لم يرد في
جميع نسخ سنن أبي داود.

ونعود إلى ما رواه أبو داود عن سعيد بن منصور ، لماذا قطع من الحديث
رأسه فلم يذكر أوّله ، بل لم يذكر منه إلّا الوصية مع انّ حديث سعيد بن منصور
أخرجه مسلم في صحيحه والخوارزمي في سير الصحابة ولفظهما متقارب ، وقد
مرّ برواية مسلم في هذه الصورة عند ذكر قتيبة شيخ البخاري ، فراجع وقارن
لتعرف مدى أمانة أبي داود ولعله هو الآخر يفتري على سعيد بن منصور بأنّه لم
يذكر أوّل الحديث ، أو ذكره فنسيه هو الآخر ، كما في الوصية الثالثةـوسيأتي
مزيد بيان عنهاـفقال عنها سليمان : لا أدري أذكر سعيد الثالثة فنسيتها أو سكت
عنها. لكن أبا داود أفترى على ابن عباس فنسب إليه أنّه قال : « وسكت عن الثالثة ،
أو قال : فأنسيتها ».

وأمّا رواية محمّد بن سعدـالثامن في القائمةـفقد أخرجها في كتابه ،
ولفظه كما مرّ إلّا في قوله : (أئتوني بدواة وصحيفة) ، وفي آخر الحديث : « أو
سكت عنها عمداً » (1) .

وأمّا رواية عليّ المدينيـالعاشر في القائمةـفقد أخرجها البيهقي(2) عن
عليّ بن أحمد بن عبدان عن أحمد بن عبيد الصفار عن إسماعيل بن إسحاق
القاضي عنه عن سفيان ، وفي روايته زيادة لم يشاركه فيها أحد ممّن روى عن
سفيان سنأتي على ذكرها عند نقل ما قاله البيهقي ضمن علماء التبرير.

_______________________

(1)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 36 ط ليدن عن سفيان بلا واسطة.

(2)دلائل النبوة 7 / 181.


وأمّا رواية أحمد بن حنبلـالثاني عشر في القائمةـفقد أخرجها في
مسنده (1) عن ابن عيينة بلا واسطة ويبدو أنّه سمع الحديث من سفيان بن عيينة
أكثر من مرة لقوله : « قال مرة كذا ». فحدث تفاوت لفظي لتكرر سماعه ، وهذا
يسوّغ لنا تحميل سفيان عبء الاختلاف إلّا فيما لا يسع تحميله ، نحو صنيع أبي
داود الّذي أشرنا إليه.

وأمّا رواية أبي بكر بن أبي شيبةـوهو الثالث عشر في القائمةـفقد
أخرجها عنها مسلم (2) نحو روايته عن سعيد بن منصور.

وأمّا رواية الحسن بن محمّد بن الصباح الزعفرانيـالرابع عشر من
القائمةـفقد أخرجها البيهقي في سننه وهذا لفظه : « حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن
يوسف الأصبهاني املاء ، انبأ أبو سعيد أحمد بن محمّد بن زياد البصري بمكة ثنا
الحسن بن محمّد الزعفراني ثنا سفيان بن عيينة سمعت ابن عباس رضي‌الله‌عنهما يقول :
يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثمّ بكى ، ثمّ قال : أشتد وجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
فقال : (أئتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً) ، فتنازعوا ولا ينبغي عند
نبيّ تنازع ، فقال : (ذروني فالّذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه) ، وأمرهم بثلاث :
فقال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت
أجيزهم ، والثالثة نسيتها » (3) ثمّ قال البيهقي عقب ذلك : رواه البخاري في الصحيح
عن قتيبة وغيره عن سفيان ، ورواه مسلم عن سعيد بن منصور وقتيبة وغيرهما عن
سفيان.

_______________________

(1)مسند أحمد 1 / 222.

(2)صحيح مسلم 5 / 75.

(3)السنن الكبرى 9 / 207.


وأمّا رواية أحمد بن حماد الدولابيـالخامس عشر في القائمةـفقد
أخرجها الطبري في تاريخه (1) وقد مرّت الإشارة إليها في رواية يحيى بن آدمـ
أوّل القائمة ـ.

أقول : وعلى القارئ أن يقارن بين ما رواه وبين روايات من أشار إليهم
البيهقي وقد مرّت ليرى مدى التفاوت من حذف وتغيير ، وأربأ بنفسي معه عن
سوء التعبير والتقدير.

والآن ونحن قد طالت مسيرتنا مع الصورة التاسعة الّتي رواها خمسة عشر
من أعلام الحفاظ وأئمّة الحديث كلّهم عن سفيان بن عيينة ، فقد رأينا الاختلاف
بين رواياتهم ، ممّا يجعلنا نشك في دقة سلامتها اللفظية وإذا تجوّزنا لهم الحمل
على الصحة فنقول : إنّهم تجوزوا النقل بالمعنى ، ولكن ليس هذا بجائز دائماً ،
خصوصاً ما دام يغيّر من بُنية الحديث المعنوية.

ومهما كان الاعتذار عنهم ، فكيف الأعتذار عن حديث راو شارك سفيان
ابن عيينة في سماعه الحديث من سليمان الأحول ، وهو شبل بن عباد ، فقد روى
هذا الشبل عن الأحول الحديث ، وأخرجه الطبراني في معجمه بسنده عن عبدان
عن هارون عن أبيه زيد بن أبي الزرقاء عن شبل عن سليمان الأحول عن سعيد
ابن جبير عن ابن عباس قال : « يوم الخميس وما يوم الخميس ، يوم أشتد فيه وجع
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذكر الحديث » ، هكذا ذكره الطبراني(2) .

أقول : وإذ لم يسبق من الطبراني أن ذكر قبله حديثاً مشابهاً ، فكيف جاز له
أن يقول : وذكر الحديث ، أي حديث يشير إليه كما تقتضيه الدلالة العهدية. فمن
ذا يا ترى هو الّذي بتر الحديث وأبلس من ذكره.

_______________________

(1)تاريخ الطبري 3 / 193.

(2)المعجم الكبير 12 / 56 ط الثانية.


هل هو شبل؟ أم هم بقية الرواة؟ أم هو الطبراني؟ وهو الأقرب لما سيأتي
عنه من شاهد آخر يدل على ذلك.

ثمّ أخيراً ما بال محقق معجم الطبراني مرّ على الحديث عابراً ، فلم يعلّق
عليه بشيء ، لا تحقيقاً ولا تخريجاً كما هي عادته في سائر أحاديث الكتاب؟

الصورة العاشرة :

ما رواه مالك بن مغول عن طلحة بن مصرّف عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس وقد أخرج حديثه ابن سعد في الطبقات بسنده عن حجاج بن نصير عن
مالك بن مغول إلى آخر السند عن ابن عباس قال : « كان يقول : يوم الخميس وما
يوم الخميس؟ قالـسعيدـوكأنّي أنظر إلى دموع ابن عباس على خده كأنّها
نظام اللؤلؤ ، قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أئتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لا
تضلوا بعده أبداً) قال : فقالوا : إنّما يهجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(1) .

وأخرج هذه الصورة أيضاً أحمد في مسنده(2) عن وكيع عن مالك بن
مغول بتفاوت يسير.

وأخرجها الطبري في تاريخه(3) عن أبي كريب وصالح بن سمال عن وكيع
عن مالك بن مغول بتفاوت يسير.

وأخرجها مسلم في صحيحه(4) عن اسحاق بن إبراهيم عن وكيع عن مالك
ابن مغول بتفاوت يسير.

_______________________

(1)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 37 ط ليدن.

(2)مسند أحمد 1 / 355.

(3)تاريخ الطبري 3 / 193 ط الحسينية.

(4)صحيح مسلم 5 / 75.


وأخرجها أبو بكر الخلّال في كتاب السنّة(1) .

وأخرجها أبو نعيم في حلية الأولياء عن الطبراني عن أحمد بن عليّ
البربهاري (2) عن محمّد بن سابق عن مالك بن مغول إلى آخر السند عن ابن
عباس ولفظه : قال : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه الّذي توفي فيه : (إيتوني بكتف
ودواة لأكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً). صحيح ثابت من حديث ابن عباس
ا ه‍ » (3) .

فانظر إلى ما رواه أبو نعيم بسنده عن مالك بن مغول وقارن ما مرّ من
حديثه في المصادر السابقة لنرى كم هو الحذف الّذي طرأ على الحديث ، أليس
هو جملة : « فقالوا : إنّما يهجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » كما في طبقات ابن سعد ، أو
« رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يهجر » كما في مسند أحمد ، أو « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يهجر » كما
في صحيح مسلم وتاريخ الطبري.

وكان هذا هو المقصود من قولنا بتفاوت في مرويات أولئك الثلاثة : أحمد
ومسلم والطبري فهل لنا الآن أن نسأل أبا نعيم عن قوله في تعقيبه : صحيح ثابت
من حديث ابن عباس.

فإذا كان صحيحاً ثابتاً فلماذا لم يذكره بتمامه؟ وإذا لم يكن صحيحاً وثابتاً
لديه فلماذا ذكره في كتابه؟

ولعل الرجل إنّما جاءته الآفة من شيخه سليمان بن أحمدـوهو الطبرانيـ
الّذي سبق أن عرفنا فيه تلك الآفة كما مرّت الاشارة في نهاية الصورة التاسعة ،
_______________________

(1)كتاب السنّة 1 / 271 ط دار الراية الرياض سنة 1410 ه‍.

(2)كذا في المطبوع من الحلية 5 / 25 ، ولكن ورد في المعجم الصغير للطبراني 1 / 33 :
(البربهار) ولعله الصواب.

(3)حلية الأولياء 3 / 193.


فرواه أبو نعيم عن شيخه الطبراني كما سمعه مبتوراً. ولعل في تعقيبه أشارة تنبيه
إلى ما في رواية شيخه من خلل.

ثمّ إنّ هذا الحديث أخرجه النويري في نهاية الأرب(1) بلفظ ابن سعد
فراجع. كما رواه البلاذري في جمل أنساب الأشراف ، قال : « حدّثني أحمد بن
إبراهيم ثنا أبو عاصم النبيل ثنا مالك بن مغول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
أنّه قال يوم الخميس وما يوم الخميس؟ أشتد فيه وجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبكى ابن
عباس طويلاً ثمّ قال : فلمّا أشتد وجعه قال : ( أئتوني بالدواة والكتف أكتب لكم
كتاباً لا تضلون معه بعدي أبداً) ، فقالوا : أتراه يهجر وتكلموا ولغطوا ، فغمّ ذلك
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأضجره وقال : (اليكم عني ولم يكتب شيئاً) »(2) .

الصورة الحادية عشرة :

ما رواه الأعمش عن عبيد الله بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
وقد أخرجها ابن سعد في طبقاته بسنده عن يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن
الأعمش إلى آخر السند عن ابن عباس قال : « اشتكى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الخميس ،
فجعلـابن عباسـيبكي ويقول يوم الخميس وما يوم الخميس أشتد
بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه فقال : (أئتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده
أبداً) ، قال فقال بعض من كان عنده : أنّ نبيّ الله ليهجر ، قال : فقيل له : ألا نأتيك بما
طلبت؟ قال : (أو بعد ماذا) ، قال : فلم يدع به » (3) .

_______________________

(1)نهاية الأرب 18 / 374.

(2)أنساب الأشراف 2 / 236.

(3)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 36.


إلى هنا تنتهي صور الحديث الّتي تنتهي أسانيدها إلى سعيد بن جبير ، وهي
خمس صور ، وقد رأينا بينها من التفاوت ما رأينا. فهل يعقل أن يكون سعيد بن
جبير هو مصدر ذلك كلّه؟ بعد ما قد مرّ بنا من تعمّد التعتيم من أمثال الطبراني
والبخاري وغيرهما.

الصورة الثانية عشرة :

ما رواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس.

وقد روى الحديث عن الزهري ثلاثة وهم : يونس ، وأسامة ومعمر.

1ـأمّا رواية يونس فقد رواها عنه جرير وعنه أبنه وهب ، وعنه أحمد بن
حنبل وحديثه في المسند وهذا لفظه بعد ذكر سنده عن ابن عباس قال : « لمّا
حضرت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوفاة قال : (هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده) ، وفي
البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، فقال عمر : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غلبه الوجع ،
وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله قال : فاختلف أهل البيت فاختصموا فمنهم من
يقول يكتب لكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو قال : قرّبوا يكتب لكم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنهم
من يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللغط والأختلاف وغُمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :
(قوموا عني) ، فكان ابن عباس يقول : إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من أختلافهم ولغطهم ...ا ه‍ »(1) .

وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن يحيى بن سليمان عن ابن وهب
عن يونس إلى آخر السند ولفظه قال : « لمّا أشتد بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه قال : (أئتوني
بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده) ، قال عمر : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غلبه الوجع
_______________________

(1)مسند أحمد 1 / 324 ط مصر الاُولى.


وعندنا كتاب الله حسبنا ، فاختلفوا وكثر اللغط قال : (قوموا عني ولا ينبغي عندي
التنازع) ، فخرج ابن عباس يقول : أنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
وبين كتابه ا ه‍ » (1) .

فقارن بين ما أخرجه أحمد في مسنده من رواية يونس ، وبين ما أخرجه
البخاري في صحيحه من رواية يونس أيضاً لتدرك التفاوت بين الروايتين في
الكتابين.

2ـوأمّا رواية أسامةـبن زيد الليثيـعن الزهري فقد رواها الواقدي
عنه ، وأخرجها عنه ابن سعد في الطبقات قال : « لمّا حضرت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوفاة
وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (هلمّ أكتب لكم
كتاباً لن تضلوا بعده) ، فقال عمر : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غلبه الوجع وعندكم
القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول : قرّبوا
يكتب لكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلمّا كثر اللغط
والاختلاف ، وغموا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : (قوموا عني) »(2) .

فقال عبيد الله بن عبد الله : فكان ابن عباس يقول : الرزية كلّ الرزية ما حال
بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.

3ـوأمّا رواية معمر عن الزهري فقد رواها عنه عبد الرزاق في كتابه
المصنف (3) ، بنحو ما مرّ من حديث يونس برواية أحمد ، وحديث أسامة برواية
ابن سعد ، إلّا أنّ المطبوع من كتاب المصنف وردت جملة : (هل أكتب لكم
_______________________

(1)صحيح البخاري 1 / 34.

(2)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 37.

(3)المصنف 5 / 438.


كتاباً) ، بينما مرّت في روايتي يونس وأسامة : (هلمّ أكتب لكم كتاباً) ، فهذا
التفاوت سواء كان من غلط النسخة أو من الرواة ، فهو غير مغتفر ، لأنّه مغيّر
للمعنى كثيراً ، فبعد أن كانت جملة (هلمّ) من أدوات النداء والدعوة وتحمل
على الأمر ، تغيّرت إلى (هل) وهي أداة استفهام ، وعليها لا ضير ولا وزر على من
امتنع وأبى من الصحابة لأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استفهم منهم ، فأبى بعضهم حسب رأيه فلا
مؤاخذة عليه إذن.

والّذي يلفت النظر أنّ رواية عبد الرزاق هذه رواها عنه أحمد في مسنده(1)
من دون حرف الاستفهام (هل) فصارت تقرأ (أكتب لكم كتاباً) وهي تقرأ إمّا
على نحو الجملة الخبرية وليس لها معنى في المقام ، فلابدّ إذن تقرأ على نحو
الاستفهام وهذا هو المطلوب لستر العيوب.

وثمة آخرون غير أحمد رووا ذلك عن عبد الرزاق كالبخاري ومسلم وابن
حبّان في صحيحه (2) وابن أبي الحديد وابن كثير ، وربّما غيرهم.

وأخيراً فقد حذف في المصنّف قول ابن عباس : « وغُمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »
كما مرّ في حديث يونس فراجع.

وهذه الرواية عن طريق عبد الرزاق عن معمر رواها كلّ من البخاري وابن
حبّان ومسلم في صحاحهم وأحمد في مسنده وابن أبي الحديد في شرح النهج
وابن كثير وربّما غيرهم ، ولدى المقارنة بين المصادر المشار إليها نجد التفاوت
كبيراً في اللفظ والمعنى ، وأكثرها تعتيماً على الحقائق ما كان من البخاري الّذي
روى ذلك (3) بسنده عن عليّ بن عبد الله عن عبد الرزاق فحذف اسم عمر من
_______________________

(1)مسند أحمد 1 / 336.

(2)صحيح ابن حبّان 14 / 562.

(3)اُنظر صحيح البخاري 6 / 9.


المواضع الثلاثة الّتي ورد ذكره فيها ، ففي الموضع الأوّل قال : « وفي البيت
رجال » من دون (فيهم عمر بن الخطاب) ، وفي الموضع الثاني : « فقال بعضهم قد
غلبه الوجع » بدل « فقال عمر إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غلبه الوجع » ، وفي الموضع
الثالث : « ومنهم من يقول غير ذلك » بدل « ومنهم يقول ما قال عمر ».

ثمّ إنّه روى الحديث ثانياً بطريقين : أحدهما عن إبراهيم بن موسى عن
هشام عن معمر (1) ، وثانيهما عن عبد الله بن محمّد عن عبد الرزاق عن معمر ، وفي
هذا المقام لم يحذف اسم عمر ، لكنه لم يسلم من الاختلاف في النقل بل فيه
تفاوت في اللفظ كثير.

وقد روى ابن كثير في تاريخه(2) هذا الحديث فاختار رواية البخاري الّتي
حذف منها اسم عمر في المواضع الثلاثة فذكرها ، وأشار عابراً إلى بقية روايات
البخاري ، ولعله إنّما اختار ذلك تعتيماً على اسم عمر ، بينما ورد في الباقيات ،
ولنا في الباقيات الصالحات خير عملاً وأبقى.

أمّا رواية مسلم في صحيحه(3) : فقد رواها عن عبد بن حميد ومحمّد بن
رافع عن عبد الرزاق ، فهي أقرب إلى ما مرّ عن عبد الرزاق.

وأمّا رواية ابن كثير وابن أبي الحديد فقد أعتمدا رواية الشيخين البخاري
ومسلم ، وقد مرّت الإشارة إلى اختيار ابن كثير قريباً ، ورواية ابن أبي الحديد (4)
فراجع.

_______________________

(1)نفس المصدر 7 / 120 ، وكذا في 9 / 111.

(2)البداية والنهاية 5 / 227.

(3)صحيح مسلم 5 / 76 ط صبيح.

(4)شرح النهج لابن أبي الحديد 6 / 51 ط محققة.


هذه بعض نقاط التفاوت بين الروايات في المصادر الأصلية والفرعية ، فمن
أين جاء الاختلاف؟ نعم إنّه الستر على رموز الخلاف. ومن راجع شروح
الصحيحين يجد الغرائب والعجائب في التحوير والتطوير وفي بعضها التزوير ،
ممّا لا يترك مجالاً للتشكيك في أنّ كلّ شرح من شروح الصحيحـأيّ صحيح
كانـفيه ثعلبة يصيح : لكلّ منّا وجهة هو مولّيها ، وعلى أساس الشيوخ يعلّيها.
فلنتركهم الآن وتركاضهم ، ولا تسلني إجهاضهم.

الصورة الثالثة عشرة :

وهي ما رواه الحسن بن أبي الحسن البصري عن ابن عباس وقد مرّ ذكرها
ـراجع الصورة الثانيةـحيث رواها الحسن البصري عن أمير المؤمنين عليه‌السلام
فقال : « سمعت عليّ بن أبي طالب ثمّ سمعته بعينه من عبد الله بن عباس بالبصرة ،
وهو عامل عليها ، فكأنّما ينطقان بفم واحد ، وكأنما يقرآنه من نسخة واحدة.
والّذي عقلته قول ابن عباس ، والمعنى واحد غير أنّ حديث ابن عباس أحفظه » ،
قال : ثمّ ذكر الحديث كما مرّ.

الصورة الرابعة عشرة :

وهي ما رواه طاووس عن ابن عباس ، ورواها عنه ليث ، وعن ليث ثلاثة
وهم : شيبان وأبو حمزة وهلال بن مقلاص ، ولكلّ منه رواية هي صورة بحد
ذاتها. وإليك ما رواه شيبان :

أخرج حديثه أحمد في مسنده عن حسن عن شيبان عن ليث عن طاووس
عن ابن عباس قال : « لمّا حُضِـر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : (أئتوني بكتف أكتب لكم فيه


كتاباً لا يختلف منكم رجلان بعدي) ، قال : فأقبل القوم في لغطهم ، فقالت المرأة :
ويحكم عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ا ه‍ »(1) .

والفجوات في هذه الصورة بيّنة ، ولا تحتاج في إثباتها إلى بيّنة ، فبعد طيّ
كثير من الكلام في الكتمان ، نقرأ لأوّل مرّة قول المرأة ويحكم عهد رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فيا ترى مَن هي هذه الّتي أنكرت على القوم لغطهم؟ ويكفينا من هذه
الصورة معرفة عظم الرزيةـكما يقول ابن عباسـحتى تدخّل العنصر النسوي
في المعركة الكلامية. وسيأتي ما يوضح المستبهم فيها.

الصورة الخامسة عشرة :

ما رواه أبو حمزة عن ليث عن طاووس ، أخرج حديثه الطبراني في معجمه
الكبير بسنده فقال : « حدّثنا محمّد بن يحيى بن مالك الضبي الأصبهاني ، ثنا
محمّد بن عبد العزيز بن أبي رزمة ، ثنا عليّ بن الحسن بن شقيق عن أبي حمزة
عن ليث عن طاووس عن ابن عباس قال : دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكتف فقال : (أئتوني
بكتف أكتب لكم كتاباً لا تختلفون بعدي أبداً) ، فأخذ من عنده من الناس في
لغط ، فقالت امرأة ممّن حضر : ويحكم عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليكم ، فقال بعض
القوم : اسكتي فإنّه لا عقل لكِ ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أنتم لا أحلام لكم) ا ه‍ »(2) .

أقول : وأخرج هذا الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد وعقب عليه بقوله :
« قلت : في الصحيح طرف من أوّله ، رواه الطبراني ، وفيه ليث بن أبي سليم وهو
مدلّس وبقية رجاله ثقات » (3) .

_______________________

(1)مسند أحمد 1 / 293.

(2)المعجم الكبير 11 / 30.

(3)مجمع الزوائد 4 / 215.


الصورة السادسة عشرة :

ما رواه هلال بن مقلاص عن ليث عن طاووس أخرج حديثه الطبراني في
معجمه الكبير بسنده فقال : « حدّثنا الحسين بن اسحاق التستري ، ثنا عثمان بن أبي
شيبة ، ثنا يحيى بن زكريا بن إبراهيم بن سويد النخعي ، ثنا هلال بن مقلاص عن
ليث عن طاووس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أئتوني بكتف
ودواة أكتب لكم كتاباً لا يختلف فيه رجلان) ، قال : فأبطأوا بالكتف والدواة ،
فقبضه الله » (1) .

الصورة السابعة عشرة :

ما رواه داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ، وأخرج حديثه ابن
سعد في الطبقات بسنده فقال : « أخبرنا محمّد بن عمر ، حدّثني إبراهيم بن
إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس : إنّ
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في مرضه الّذي مات فيه : (أئتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً
لن تضلوا بعده أبداً). فقال عمر بن الخطاب : من لفلانة وفلانةـمدائن الرومـ
إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس بميت حتى نفتتحها ، ولو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو
إسرائيل موسى ، فقالت زينب زوج صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألا تسمعون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعهد إليكم فلغطوا ،
فقال : (قوموا) ، فلمّا قاموا قبض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مكانه ا ه‍ »(2) .

في هذه الصورة جديد من الكشف لم يسبق إليه تشويه الرواة ، وذلك هو
مقالة عمر وهي نحو الّتي قالها بعد وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأرعد وتوعّد منتظراً مجيء
_______________________

(1)المعجم الكبير 11 / 30.

(2)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 38.


أبي بكر من السنح. كما فيها جديد من الكشف هو تعيين اسم المرأة الّتي
أنكرت على القوم اختلافهم ولغطهم ، فلم تعيّنها الصور السابقة الّتي وردت
الإشارة إليها ، بينما عرفنا الآن اسمها من هذه الصورة وأنّها زينب زوج
الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي إحدى أمهات المؤمنين.

الصورة الثامنة عشرة :

ما رواه عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ، وأخرج حديثه أبو
محمّد عبد السلام بن محمّد الخوارزمي في كتابه سير الصحابة والزهاد ، عند
استعراضه لموارد خلاف الصحابة فقال : « والخلف الثاني في بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما
أخبر به محمّد بن أبي عمر قال حدّثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن
عكرمة قال سمعت عبد الله بن عباس يقول : يوم الاثنين وما يوم الاثنين وهملت
عيناه ، فقيل له يابن عباس وما يوم الاثنين؟ قال : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غمرات
الموت فقال : (أئتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي أبداً) ،
فتنازعوا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يجز عنده التنازع ، وقال رجل من القوم : إن
الرجل ليهجر ، فغضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمر بإخراجه وإخراج صاحبه ، ثمّ أتوه
بالصحيفة والدواة ، فقال : (بعد ما قال قائلكم ما قال ، ثمّ قال : ما أنا فيه خير ممّا
تدعوني إليه) ا ه‍ » (1) .

أقول : وفي هذه الصورة أيضاً كشف جديد أتانا من عكرمةـهو تألم ابن
عباس من يوم الاثنين وانّه اليوم الّذي دعا فيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالدواة والصحيفة ، بينما في
كثير ما مرّ من الصور وما سيأتي ذكر فيه يوم الخميس ، أوليس ترى أنّ دعوة
_______________________

(1)أنظر غاية المرام / 597 ط حجرية سنة 1272.


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالدواة والصحيفة كانت مرتين؟ في يوم الخميس ويوم الاثنين؟ وفي
كلا اليومين خالف عليه عمر فيكون خلافه أيضاً مرتين؟ وهذا ليس بممتنع عقلاً
وقد صح نقلاً كما دلت عليه بعض الأحاديث السابقة واللاحقةـوسيأتي مزيد
بيان لذلك.

الصورة التاسعة عشرة :

ما رواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ، وأخرج حديثه أبو
محمّد عبد السلام بن محمّد الخوارزمي في سير الصحابة والزهاد بسنده فقال :
« حدّثنا عاصم بن عامر عن الحسين بن عيسى عن الحكم بن أبان عن عكرمة
عن ابن عباس قال : قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه الّذي قُبض فيه : (أئتوني بكتاب
أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً) ، فقال المعذول : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يهجر كما
يهجر المريض ، فغضب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أنتم لا أحلام لكم) ، قال :
إنّما قلت من الورَم ، قال : (أنّكم قوم تجهلون بهذا أخبرني أخي جبرئيل عن
ربي جل‌جلاله ، فأخرِجوه) فأخرجناه والله لقد مضى في الحال إلى أبي بكر فأخرجه
إلى السقيفة وجمع فيها من جمع ، وبايع على ما بايع » (1) .

وفي هذه الصورة أيضاً كشف جديد هو أعتذار المعذولـكما سمته
الرواية وهو من العَذَل بمعنى اللوم والتأنيبـبأنّه إنّما قال الّذي قاله من الوَرَم؟
ولا ندري أي وَرَم ذلك ، هل كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متورّماً في بدنه؟ وهذا لم ينقله أحد
من الرواة ، وإذا كان فهل ثمة ملازمة بين الورم وبين ما قاله المعذول؟ ولعل
الوَرَم الّذي يعنيه فدفعه إلى القول هو ما كان في نفسه هو من غضب ، من
قولهم : فلان ورم أنفه إذا غضب وحنق.

_______________________

(1)نفس المصدر / 598.


كما أنّ هذه الصورة تؤيد ما قبلها من أنّ الحديث والحادثة كان في يوم
وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسيأتي ما يؤيد ذلك أيضاً.

الصورة العشرون :

ما رواه عبد الله بن محمّد عن عكرمة عن ابن عباس ، وأخرج حديثه أبو
محمّد عبد السلام بن محمّد الخوارزمي في سير الصحابة والزهاد بسنده فقال :
« حدّثنا محمّد بن عليّ ، قال حدّثني أبو اسحاق بن يزيد عن فضل بن يسار عن
عبد الله بن محمّد قال : سمعت عكرمة يقول عن ابن عباس قال : انّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :
(إئتوني بكتف ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي) ، فمنعه رجل ، فقلت
لعكرمة من الرجل؟ فقال : أنكم لتعرفونه مثلي ، هو والله المعذول » (1) .

وفي هذه الرواية لم يشأ عكرمة أن يحرم القراء لحديثه من فائدة ، كما هو
ديدنه في أحاديثه في الصور الثلاث السابقة ، أمّا في هذه الصورة فقد أفادنا أنّه
كان ممّن يرى التقية وقد استعملها فعلاً في جواب سائله عن الرجل الّذي منع
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن موافاته بالكتف والدواة ، فقال : إنكم لتعرفونه مثلي ، هو والله
المعذول. ويعني به عمر فإنه صاحب المقولة النابية.

الصورة الحادية والعشرون :

ما رواه أبان بن عثمان عن بعض أصحابه ، وقد أخرج حديثه أبو محمّد عبد
السلام بن محمّد الخوارزمي في سير الصحابة والزهاد بسنده فقال : وحدّثني
محمّد بن مروان قال : « حدّثنا زيد بن معدل عن أبان بن عثمان عن بعض
_______________________

(1)نفس المصدر / 598.


أصحابه : انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في المرض الّذي قبض فيه : (أيتوني بصحيفة ودواة
لأكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي) ، فدعا العباس بصحيفة ودواة ، فقال بعض من
حضر : إنّ النبيّ يهجر ، ثمّ أفاق النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال له العباس : هذه صحيفة ودواة قد
أتينا بها يا رسول الله فقال : (بعد ما قال قائلكم ما قال) ، ثمّ أقبل عليهم وقال :
(احفظوني في أهل بيتي ، واستوصوا بأهل الذمة خيراً ، وأطعموا المساكين
وأكثروا من الصلاة ، واستوصوا بما ملكت أيمانكم) ، وجعل يردّد ذلك صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإني
لأعلم أنّ منكم ناقض عهدي والباغي على أهل بيتي » (1) .

أقول : قد يزعم متنطع أنّ في نهاية السند إرسال أو انقطاع وبالتالي
ضعف السند (لجهالة بعض أصحابه) ولكن ذلك ليس بضائر بعد أن عرفنا وألفنا
الكتمان في أسماء رموز المعارضة في هذا الحديث ، ولتكن هذه الصورة من
المؤيدات لما سبقها من الصور ، على نحو ما يأتي من مرسلات ، نأتي على
ذكر بعضها.

الصورة الثانية والعشرون :

أخرجها أبو عبيد البكري في كتابه فصل المقال في شرح كتاب الأمثال
بلفظ : « وقال ابن عباس : اشتد برسول الله عليه الصلاة والسلام وجعه فقال :
(إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي) ، فقالوا : ما شأنه أهجر؟ ...اه‍ » (2) .

أقول : من المضحكـوشرّ البلية ما يضحكـأن تطبع الكتاب دار
الأمانة ، ومؤلف الكتاب في روايته الحديث تعوزه الأمانة.

_______________________

(1)نفس المصدر / 598.

(2)فصل المقال في شرح كتاب الأمثال / 28 ط بيروت دار الأمانة.


الصورة الثالثة والعشرون :

أخرجها الذهبي في المنتقى من أخبار المصطفى قال : « عن ابن عباس
قال : اشتد برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه يوم الخميس ، وأوصى عند موته بثلاث :
أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ،
ونسيت الثالثة ...اه‍ » (1) فعقب الذهبي عليه بقوله : متفق عليه ، والشك من
سليمان الأحول.

أقول : وأخرج هذه الصورة أيضاً الشوكاني في نيل الأوطار(2) ، الّذي هو
شرح لكتاب المنتقى المتقدم ذكره ومن الطبيعي أن لا يزيد شيئاً في حيثيات
الحديث ، ولا في ذكر ما تعمد الذهبي إغفاله من فقرات الحديث فمر عليه عابراً ،
ولم يعنه من أمره إلّا شرح جزيرة العرب ، وقال في شرح (ونسيت الثالثة) قيل
هي تجهيز أسامة ، وقيل يحتمل أنّها قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تتخذوا قبري وثناً. وفي الموطأ ما
يشير إلى ذلك ...ا ه‍.

الصورة الرابعة والعشرون :

أخرجها ابن حزم في كتابه الإحكام في أصول الأحكام قال : « بعد أن
أخرج الحديث الّذي الّذي أخرجه البخاري على نحو ما مرّ في الصورة الثانية
عشرة ، وحدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمّد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا
محمّد بن منصور عن سفيان الثوري سمعت سليمانـهو الأحولـعن سعيد
_______________________

(1)المنتقى من أخبار المصطفى / 304 ط الهند سنة 1296 ه‍.

(2)نيل الأوطار 8 / 64.


ابن جبير عن ابن عباس ، فذكر هذا الحديث وفيه : (أنّ قوماً قالوا عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في
ذلك اليوم ما شأنه؟ هجر!) ا ه‍ » (1) .

أقول : حيث سبق لابن حزم أن ذكر حديث البخاري المروي في صحيحه
في كتاب العلم باب كتابة العلم (2) ـقد مرّ في الصورة الثانية عشرة كما أشرنا
آنفاًـفهو الآن يشير إليه بقوله : وحدّثناه عبد الله بن ربيع إلى آخر السند عن
سفيان الثوري ، وما ذكره بهذا السند يختلف متناً عما مرّ ولا مؤاخذة عليه لأنّه
بسند آخر. ولكن المؤاخذة فيما وقع في السند من وهم خفيّـلم يتنبّه له حتى
محقّق الكتابـالشيخ أحمد محمّد شاكرـوذلك أنّ سند ابن حزم هذا ينتهي
إلى سفيان الثوري ، ولم يذكر أحد غيره ذلك ، بل إنّ الأسانيد المنتهية إلى سفيان
كلّها تنتهي إلى سفيان بن عيينةـكما مرّت في الصورة التاسعة ، ولم نقف على
رواية سفيان الثوري للحديث إلّا عند ابن حزم في هذا المقام ، كما لم نقف على
راوِ عن الثوري أو ابن عيينة اسمه محمّد بن منصور ، نعم ذكر ابن حجر في
التقريب رجلين بهذا الاسم توفي أحدهما سنة 252 والثاني سنة 4ـ256. ولم
يذكر أنّهما من الرواة عن أحد السفيانَين. لكن الذهبي ذكرهما في الكاشف (3)
فلعله أحدهما أو كلاهما يروي عن ابن عيينة فيما ذكر. ثمّ لا يبعدـوالله العالمـ
وقوع التصحيف في اسم هذا الراوي ، وانّ الصحيح في اسمه هو سعيد بن منصور
وهو صاحب السنن ، وقد مرّ في الصورة التاسعة أنّه أحد رواة الحديث عن سفيان
ابن عيينة. وعلى ذلك يكون احتمال تصحيف اسم (سعيد) ب‍ (محمّد) من سهو
_______________________

(1)الإحكام في اُصول الأحكام 7 / 122 تح‍ أحمد محمّد شاكر.

(2)صحيح البخاري 1 / 39 ط بولاق.

(3)الكاشف 3 / 9 ـ 100.


القلم ، كما يحتمل ذلك أيضاً في تعيين نسبة سفيان ، لإشتراك السفيانَين في
العَلميَة والشهرة.

الصورة الخامسة والعشرون :

أخرجها المقريزي في كتابه إمتاع الأسماع قال : « وأشتدّ بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه يوم
الخميس فقال : (إئتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً) ،
فتنازعوا فقال بعضهم : ما له؟ أهجر؟ أستعيدوه! وقالت زينب بنت جحش
وصواحبُها : إئتوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحاجته ، فقال عمر : وقد غلبه الوجع وعندكم
القرآن! حسبنا كتاب الله ، من لفلانة وفلانة؟ـيعني مدائن الرومـإنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
ليس بميت حتى يفتحها ، ولو مات لانتظرته كما انتظرت بنو إسرائيل موسى!!
فلمّا لغطوا عنده قال : (دعوني فما أنا فيه خير ممّا تسألوني)! ثمّ أوصاهم بثلاث :
(أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنتم تروني
أجيزهم ، وأنفذوا جيش أسامة) ، قوموا » (1) .

تعقيب عرض الصور وحصيلة ذلك :

هذه هي الصور الّتي وقفت عليها ، ولا شك أنّه فاتني كثيرٌ غيرُها ، ومهما
يكن ما فات فإنّه لا يعدو حصيلة الحاصل ممّا ذكرت. وهي تكفي في أعطاء
الصورة القريبة من الصدق أو هي الصدق بعينه ، لكنه منبثّ في سطور الصور
المتفرقة ، تلك الحصيلةـتلميحية وتصريحيةـتكاد تسمعها تجأر بلوعة الرزية
كلّ الرزية ، الّتي كان ابن عباس حبر الأمة يبكي منها لشدة وقعها حتى يبلّ دمعه
_______________________

(1)إمتاع الأسماع / 545 تح‍ محمود محمّد شاكر.


الحصى ويقول : الرزية كلّ الرزيةـوهي فعلاً الرزية وكلّ الرزيةـما حال بين
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب.

كما تقرأ في حروف تلك الحصيلة حقيقة حيّة حسية ليست قابلة للإنكار ،
وهي أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد الخير لأمته بأن يكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً ،
وأنّ عمر لم يرد ذلك فمنع منه.

ولا تفسير لذلك الحدث المشؤم في ذلك اليوم الكالح العبوس ، غير ما
رسمته تلكم الروايات بشتى صورها ، وتعدد رواتها ، واختلاف أصحابها وكتّابها.
وإن كان ما أحيط بها من ضباب كثيف في التضليل على واقع الحدث والحديث
شخوصاً ، وزماناً ومكاناً ، شوّش على السذّج من القرآء ، فساءت عندهم الرؤية
لبعدهم عنها زماناً ومكاناً أيضاً. فكادت غياهب المتاهات تلفّهم ، وشكوك
الإرتياب تتقاذفهم. لكن من أوتي حظاً من النباهة والفطنة ، لا يشوّشه ذلك بل
يدهشه ، ويبقى خائراً حائراً بين عظمة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعصمته ، وبين مجابهة عمر
وشدّته.

وبالتالي يبقى مفكراً في اختلاف مواقف الحضور من أهل البيت ومن
الصحابة ، كيف انقسموا على أنفسهم ، ونبيّهم بعدُ بين ظهرانيّهم ، فمنهم أنصار
ومنهم معارضة؟

مع شدّة الجرأة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإعلان ردّ أمره وهو في تلك الحال الّتي
سيفارقهم عليها عما قريب.

أما كانت اللياقة تقضي أن يُمتثل أمره ويُسارع في تنفيذه! لكنّهمـ
المعارضة ـ أكثروا اللغط والاختلاف ، فطردهم من بيته ساخطاً عليهم.


ولا خلاف بين المسلمين أنّ من ردّ عليه قوله بعد موته كان مرتداً ، فكيف
الحال بمن ردّ عليه في حياته!

ولا خلاف بين المسلمين أنّ الله سبحانه قال في كتابه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
) (1) .

ولا خلاف بين المسلمين أنّ الله سبحانه قال في كتابه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ
وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
* وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
) (2) .

ومهما كان حسن النيّة وسلامة الطويّة عند بعضهم ، فهو ما دام ضالعاً مع
المعارضة ، يعني أنّه رادّ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمره ، ومشاقق له في دعوته عن سبق
إصرار وعمد ، فهل ذلك إلّا التردي في ضلالة الهوى ، ومردٍ لغيره فيها أيضاً.

ويبقى العجب آخذاً بالألباب كيف يكون عمر هو رأس المعارضة ، ومنه
تبدر جفوة الكلمة ، ويبقى هو المسيطر على الموقف المعلَن!؟ وهو هو في
صحبته وسابقته ، وهو هو الّذي كان إلى الأمس القريب يقول للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « رضيت
بالله ربّاً وبالإسلام ديناً ، وبك رسولاً » (3) .

فقد أخرج أبويعلى وغيره عن عمر وغيره : « قال عمر : انطلقت أنا فانتسخت
كتاباً من أهل الكتاب ثمّ جئت به في أديمـجلدـفقال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :
_______________________

(1)الحجرات / 2.

(2)الأنفال / 24 ـ 25.

(3)مجمع الزوائد 1 / 173 ، وستأتي مصادر أخرى.


(ما هذا الّذي في يدك يا عمر؟) قال قلت : كتاب نسخته لنزداد به علماً إلى علمنا ،
فغضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى أحمرّت وجنتاه ، ثمّ نودي بالصلاة جامعة فقالت
الأنصار : أُغضب نبيّكم السلاح السلاح ، فجاؤا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
فقال : (يا أيها الناس إنّي قد أوتيت جوامع الكلم وخواتمه ، واختصر لي إختصاراً ،
ولقد أتيتكم بها بيضاء نقيّة فلا تتهوّكوا ، ولا يغرنّكم المتهوّكون (1) ).

قال عمر : فقمت فقلت : رضيت بالله رباً ، وبالأسلام ديناً ، وبك رسولاً ، ثمّ
نزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(2) .

ثمّ العجب كلّ العجب من عمر وهو الّذي كان يقول نادماً على ما بدر منه
يوم صلح الحديبية : « ما زلت أصوم وأتصدّق وأصلّي وأعتق من الّذي صنعت
يومئذٍ مخافة كلامي الّذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيراًـاُنظر!
فستجد أنّه لم يبدر منه سوى أنّه لم يرض بالصلح حمية لدينه حيث أتى رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـفقال : يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال : بلى ، قال : أولسنا بالمسلمين؟
قال : بلى. قال : أوليسوا بالمشركين؟ قال : بلى. قال : فعلامَ نعطي الدنيّة في ديننا؟
فقال : (أنا عبد الله ورسوله ، لن أخالف أمره ولن يضيّعني) ، قال عمر : فما زلت
_______________________

(1)المتهوّكون : المتحيّرون ، والتهوّك أيضاً مثل التهوّر ، وهو الوقوع في الشيء بقلّة مبالاة ،
قاله الجوهري.

(2)كذا في مجمع الزوائد للهيثمي 1 / 173 و 181 ، وراجع أيضاً جمع الفوائد 1 / 30 ،
والمصنّف لابن أبي شيبة 10 / 313 و 11 / 115 ، والمعجم الكبير للطبراني برقم 1063ـ
1065 ، والأسماء المبهمة للخطيب البغدادي 188ـ189. فستجد عدة محاولات بُذلت
لتضييع اسم عمر من صحيفته الّتي أتى بها ، على نحو ما بذل من تعتيم وتضبيب حول
تضييع أسمه من منعه صحيفة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


أصوم وأتصدّق وأصلّي وأعتق من الّذي صنعت يومئذٍ مخافة كلامي الّذي
تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيراً » (1) .

فمن كان بهذه المثابة من الخوف والوجل من كلمة صدرت منه ظاهرها
حميّته للدين ، كيف غاب عنه ذلك الشعور بالخوف حتى قال كلمة غمّ على
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منها لشدة وقعها على قلبه؟

فما بال أبي حفص تتباين مواقفه من أوامر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيناقض نفسه
بنفسه؟ فأين الرضا؟ وأين التسليم؟ الّذي قاله يوم جاء هو بالصحيفة ، من هذا
العناد والاصرار على الخلاف يوم دعا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالدواة والصحيفة ، ولماذا ذهب
به الأشتطاط فلم يخش ما خشيه من كلمته يوم صلح الحديبية؟ وهي الّتي كانت
أخف لهجة وأهون وقعاً ، وأقل تأثيراً. مواقف ما كانت لتأخذ الألباب بالحيرة لو
صدرت عن غير عمر ، من غير أولي السابقة والصحبة والمصاهرة من الأعراب
أولي الضرر ، أو البداة من أهل الشعر والوبر.

يقول الدكتور صبحي الصالحـاُستاذ الإسلاميات وفقه اللغة في كلية
الآداب بالجامعة اللبنانيةـ : « وتحليلاً لهذه الحادثة التاريخية الخطيرة ، لابدّ لنا
من رَجع النظر فيها لنستقي منها بعض العبر ، ولابدّ لنا من الاعتراف بأنّه لم يكن
من المنتظر أن يقف من بين الصحابة مثل عمر ليقول ما قال ، حتى أكبَرَ عبد الله
ابن عباس ، وهو حبر الأمة الإسلامية هذا الأمر ، وعدّه أكبرَ رزيّةٍ أصابت
المؤمنين ، ولم يكن من المتوقّع إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يختار المؤمنون غير
_______________________

(1)أنظر تاريخ الطبري 2 / 280 ط الاستقامة بمصر ، وسيرة ابن هشام 3 / 331 ط الحلبي
بمصر.


ما يختاره لهم المعصوم ، والرسولعليه‌السلام كثيراً ما ألقى على مسامع المسلمين أنّه
تركهم على الحجة البيضاء ليلها كنهارها!

ومع ذلك يطلب منهم دواة وقرطاساً ليملي عليهم كتاباً لن يضلّوا بعده ،
فكان المفروض أن يستنتجوا من ذكره هذا الكتاب أشياء غير الجوانب التشريعية
والعقدية الّتي ما أنفكّ القرآن يتنزل بها حتى آخر لحظة من حياة النبيّ عليه‌السلام ، وأن
يرجحوا أنّ هذا الكتاب سيحتوي مسائل حساسة تتعلق بتصرّفهم الإجتماعي. لقد
رأى الرسول عليه‌السلام أنّ منيّته قد دنت ، فأراد ألّا يفسح أمام المسلمين مجالاً كي
يتنازعوا بالقرآن على القرآن ، وبالسنّة على السنّة ، وبالتشريع على التشريع ،
وبالقانون على القانون.

لذلك ودّ لو يضع لهم الخطّة الدائمة ليتمسكوا بأمر الله لأنّه أمر الله! ولولا
هذا لما قال رجل كابن عباس : « انّ هذه كانت أكبر رزية حاقت بالمسلمين » (1) !

رواة الحديث ومصادره :

إنّ استقصاء جميع ما ورد في كتب الحديث والسنّة ، والتاريخ والسيرة ،
واللغة والأدب ، ممّا يتعلق بالحديث لأمرٌ شاق ، يصعب معه على الباحث المجدّ
في تحقيقه ، والوقوف عليه باستقراء واستيعاب ، غير أنّ ما وقفت عليهـولا شكّ
قد فاتني الكثير الكثيرـيكفي في التدليل على صحة الحديث وتواتره ، بالرغم
من محاولات بائسة يائسة في التمويه عليه ، حرصاً على رموز المعارضة كما
سيأتي في كلام أعلام المحدّثين في ذلك.

_______________________

(1)النظم الإسلامية نشأتها وتطورها / 78ـ79 تأليف الدكتور صبحي الصالح اُستاذ
الإسلاميات وفقه اللغة في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية ط دار العلم للملايين بيروت ،
الطبعة الأولى سنة 1385 ه‍ سنة 1965م.


أمّا البحث في مصادر الحديث كمّاً وكيفاًـوهي فيما اطلعت عليه كثيرةـ
فهو بحث شائق شائك ، إذ يجد القارئ فيها أمهات المراجع في السنّة والحديث ،
وعيون كتب التاريخ والسيرة ، وجوامع اللغة والأدب. ومع ذلك نجدها تختلف
اختلافاً شائناً في أدائهـكما مرّ في صورهـوسواء كان ذلك من الرواة في
الأسانيدـوما آفة الأخبار إلّا رواتهاـأو رجال المسانيدـوهم حفاظها
وحماتهاـفهو يبقى مادة للنقاش والإدانة ، لتحمّل أصحابه عبء الأمانة ، فلم
تصل إلينا إلّا وقد لفّتها براقع الخيانة. فعرّضت حَمَلتها إلى كثير من النقد
والتجريح ، سواء منهم الصحيح وغير الصحيح.

ولا نستبق رجال الصحاح وغيرهم في الخوض حول الكيفية وما لها وما
عليها ، إذ سيأتي ذلك مفصلاً ولكنا سنعرض أمام القارئ جانباً من أسماء الرواة
بدءاً من يوم الحَدَث ، وانتهاء بمَن أودع الحديث كتابه. ليكون على بيّنة من أمره
أزاء ما ألمّ بالمسلمين من تشرذم ، سببّه ذلك الحدَث في ذلك الحديث.

القرن الأوّل :

1ـالإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، روى الحديث عنه الحسن بن أبي الحسن
البصري ، وأخرجه أبو محمّد عبد السلام الخوارزمي في سير الصحابة والزهاد
راجع (الصورة 2) ، وروى عنه أيضاً نعيم بن يزيد بصورة مهلهلة وحديثه في
مسند أحمد (1) ، وطبقات ابن سعد كما مرّ في (الصورة 1).

2ـالخليفة عمر بن الخطاب ، روى الحديث بنفسه ، وعنه أسلم وغيره
(راجع الصورة 3 و 4) ، كما اعترف به أيضاً بعد ذلك في حديث له مع ابن عباس ،
وهو من جملة احتجاج ابن عباس عليه كما سيأتي.

_______________________

(1)مسند أحمد 1 / 90.


3ـالصحابي الجليل عبد الله بن عباس ، روى الحديث عنه ابنه عليّ بن عبد
الله كما في (الصورة 6) ، وسعيد بن جبير كما في (الصور 7ـ11) ، ورواه أيضاً
عنه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة كما في (الصورة 12) ، ورواه عنه الحسن بن أبي
الحسن البصري كما في (الصورة 13) ، ورواه عنه طاووس كما في (الصورة 14
و 15 و 16) ، ورواه أيضاً عنه عكرمة كما في (الصور 18ـ20) إلى غير ذلك
ممّا أرسل عنه إرسال المسلّمات.

4ـالصحابي الجليل جابر بن عبد الله روى الحديث عنه أبو الزبير كما في
(الصورة 5).

5ـالتابعي الجليل سعيد بن جبير تلميذ ابن عباس وقائده قتله الحجاج ظلماً
وعدواناً سنة 95 ، روى الحديث عن ابن عباس وعنه ثابت كما في (الصورة 7) ،
وعبيد الله بن عبد الله كما في (الصورة 8) ، وسليمان الأحول كما في (الصورة
9) ، وطلحة بن مصرّف كما في (الصورة 10) ، وقد مرّت أحاديثهم عنه في
الصور المشار إليها مع مصادرها ، فراجع.

6ـالتابعي الجليل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي ، أحد
الفقهاء السبعة ، وكان أعمى وهو معلم عمر بن عبد العزيز توفي سنة 4ـ5ـ8ـ
99 ، روى الحديث عن ابن عباس ، وعنه محمّد بن مسلم الزهري كما في
(الصورة 12).

7ـالتابعي أسلم العدوي مولاهم أبو زيد مولى عمر بن الخطاب مات سنة
70 ه‍ أو 80 ه‍ عدّه الذهبي من كبار التابعين روى الحديث عن عمر ، وعنه ابنه زيد
ابن أسلم كما في (الصورة 3).


8ـالتابعي الجليل نعيم بن يزيد روى الحديث عن الامام عليّ بن أبي
طالب عليه‌السلام وعنه عمر بن الفضل العبدي ، كما في (الصورة 1).

القرن الثاني :

1ـعكرمة مولى ابن عباس توفي سنة 105 ه‍ روى الحديث عن مولاه ،
وعنه داود بن الحصين كما في (الصورة 17) وعمرو بن دينار كما في (الصورة
18) والحكم بن أبان كما في (الصورة 19) وعبد الله بن محمّد كما في (الصورة
20).

2ـطاووس اليماني توفي سنة 106 ه‍ روى الحديث عن ابن عباس ، وعنه
الليث بن سعد كما في (الصور 14 و 15 و 16).

3ـعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود توفي سنة 108 ه‍ روى الحديث
عن ابن عباس ، وعنه الزهري كما في (الصورة 12).

4ـالحسن البصري توفي سنة 110 ه‍ روى الحديث عن الإمام عليّ وعن
عبد الله بن عباس ، وعنه أبان بن أبي عياش كما في (الصورتين 2 و 13).

5ـطلحة بن مصرف اليمامي توفي سنة 112 ه‍ روى الحديث عن سعيد بن
جبير ، وعنه مالك بن مغول كما في (الصورة 10).

6ـعليّ بن عبد الله بن عباس المتوفى سنة 118 ه‍ روى الحديث عن أبيه
وعنه الزهري كما في (الصورة 6).

7ـمحمّد بن مسلم بن شهاب الزهري المتوفى سنة 124 ه‍ روى الحديث
عن عليّ بن عبد الله بن عباس كما في (الصورة 6) وعن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة كما في (الصورة 12).


8ـأبان بن عثمان بن عفان الأموي توفي سنة 105 ه‍ ، روى الحديث عن
بعض أصحابه ، وعنه زيد بن معدل كما في (الصورة 21).

9ـعمرو بن دينار المتوفى سنة 126 ه‍ روى الحديث عن عكرمة وعنه
سفيان بن عيينة كما في (الصورة 18).

10ـسليمان الأحول من صغار التابعين روى الحديث عن سعيد بن جبير
وعنه سفيان بن عيينة وشبل كما في (الصورة 9).

11ـأبو الزبير المكي المتوفى سنة 128 ه‍ روى الحديث عن جابر وعنه
إبراهيم بن يزيد وابن لهيعة وقرة بن خالد كما في (الصورة 5).

12ـداود بن الحصين الأموي مولاهم توفي سنة 135 ه‍ روى الحديث عن
عكرمة ، وعنه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة كما في (الصورة 17).

13ـزيد بن أسلم توفي سنة 136 ه‍ روى الحديث عن أبيه أسلم ، وعنه
هشام بن سعد كما في (الصورة 3).

14ـيحيى بن سليمان توفي سنة 7ـ8ـ139 ، روى الحديث عن ابن
وهب وعنه البخاري في صحيحه كما في (الصورة 12).

15ـأبان بن أبي عياش توفي بعد سنة 140 ه‍ روى الحديث عن الحسن
البصري وعنه الصّباح المزني كما في (الصورة 2).

16ـالفضيل بن يسار توفي قبل سنة 148 ه‍ روى الحديث عن عبد الله بن
محمّد ، وعنه أبو إسحاق بن يزيد كما في (الصورة 20).

17ـسليمان بن مهران الأعمش الثقة الحافظ الورع مات سنة 7ـ148 ه‍
روى الحديث عن عبد الله بن عبيد الله بن عتبة ، وعنه أبو عوانة الوضاح اليشكري
كما في (الصورة 11).


18ـشبل بن عباد توفي سنة 148 ه‍ روى الحديث عن سليمان الأحول ،
وعنه زيد بن أبي الزرقاء كما في (الصورة 9).

19ـالليث بن أبي سليم المتوفى سنة 148 ه‍ أو 143 ه‍ روى الحديث عن
طاووس ، وعنه شيبان وأبو حمزة وهلال بن مقلاص كما في (الصورة 13 و 14
و 15).

20ـإبراهيم بن يزيد مولى عمر بن عبد العزيز توفي سنة 151 ه‍ روى
الحديث عن أبي الزبير المكي وعنه الواقدي كما في (الصورة 5).

21ـمعمر بن راشد الصنعاني توفي سنة 3ـ154 ه‍ روى الحديث عن
الزهري ، وعنه عبد الرزاق والواقدي كما في (الصورة 6 و 12).

22ـأسامة بن زيد الليثي توفي سنة 153 ه‍ روى الحديث عن الزهري ،
وعنه الواقدي كما في (الصورة 12).

23ـالحكم بن أبان العدني المتوفى سنة 154 ه‍ روى الحديث عن عكرمة ،
وعنه الحسين بن عيسى كما في (الصورة 19).

24ـقرة بن خالد السدوسي توفي سنة 154 ه‍ روى الحديث عن أبي الزبير
المكي ، وعنه محمّد بن عبد الله الأنصاري وعثمان بن عمر كما في (الصورة 5).

25ـمالك بن مغول توفي سنة 159 ه‍ روى الحديث عن طلحة بن مصرف ،
وعنه وكيع وحجاج بن نصير ومحمّد بن سابق كما في (الصورة 10).

26ـيونس بن يزيد بن مشكان مولى معاوية بن أبي سفيان توفي سنة
159 ه‍ بمصر ، روى الحديث عن الزهري ، وعنه جرير بن حازم كما في
(الصورة 12).


27ـهشام بن سعد يقال له يتيم زيد بن أسلم صحبه وأكثر عنه توفي
سنة 160 أو قبلها ، روى الحديث عن زيد بن أسلم ، وعنه الواقدي كما في
(الصورة 3).

28ـشيبان بن عبد الرحمن النحوي المؤدب توفي سنة 164 ه‍ روى
الحديث عن الليث ، وعنه الحسن بن موسى كما في (الصورة 14).

29ـإبراهيم بن اسماعيل بن أبي حبيبة توفي سنة 165 ه‍ روى الحديث
عن داود بن الحصين ، وعنه الواقدي كما في (الصورة 17).

30ـجرير بن حازم بن زيد الأزدي توفي سنة 170 ه‍ ، أو قبل سنة 175 ه‍
روى الحديث عن يونس بن يزيد ، وعنه ابنه وهب كما في (الصورة 12).

31ـابن لهيعة هو عبد الله بن لهيعة الفقيه توفي سنة 3ـ174 ه‍ روى
الحديث عن أبي الزبير ، وعنه موسى بن داود كما في (الصورة 5).

32ـالوضاح بن عبد الله اليشكري الحافظ أبو عوانة توفي سنة 176 ه‍ روى
الحديث عن الأعمش ، وعنه ختنه يحيى بن حماد الفراء كما في (الصورة 11).

33ـزيد بن أبي الزرقاء يزيد الثعلبي الموصلي توفي سنة 194 ه‍ روى
الحديث عن شبل بن عباد ، وعنه ابنه هارون كما في (الصورة 9).

34ـهشام بن يوسف الصنعاني المتوفى سنة 197 ه‍ ، روى الحديث عن
معمر ، وعنه إبراهيم بن موسى كما في (الصورة 12).

35ـوكيع بن الجراح الرواسي توفي سنة 192 ه‍ أو سنة 197 ه‍ روى
الحديث عن مالك بن مغول ، وعنه إسحاق بن إبراهيم أبو كريب ، وصالح بن
سمال ، وأحمد بن حنبل كما في (الصورة 10).


36ـعبد الله بن وهب المتوفى سنة 197 ه‍ روى الحديث عن يونس بن
شهاب ، وعنه يحيى بن سليمان كما في (الصورة 12).

37ـسفيان بن عيينة توفي سنة 198 ه‍ روى الحديث عن سليمان الأحول ،
وعنه ثلاثة عشر راوياً مرّ ذكرهم كما في (الصورة 9).

38ـعمرو بن الفضل العبدي السلمي من صغار التابعين روى الحديث عن
نعيم بن يزيد ، وعنه حفص بن عمر الحوضي كما في (الصورة 1).

39ـمحمّد بن عبد الله الأنصاري قال ابن حجر من الطبقة الثامنةـأي مات
بعد المائةـجاوز سنه المائة روى الحديث عن قرة بن خالد ، وعنه ابن سعد كما
في (الصورة 5).

40ـثابت بن هرمزـأبو المقدامـمن صغار التابعين روى الحديث عن
سعيد بن جبير ، وعنه أبنه عمرو بن ثابت كما في (الصورة 7).

41ـعمرو بن ثابت المتوفى سنة 172 ه‍ روى الحديث عن أبيه ، وعنه عبد
الرحمن بن أبي هاشم كما في (الصورة 7).

42ـعبد الله بن عبد الله الهاشمي الرازي قاضي الري قال ابن حجر في
التقريب من الرابعة ، روى الحديث عن سعيد بن جبير ، وعنه الأعمش كما
في (الصورة 11).

43ـأبو إسحاق بن يزيد روى الحديث عن الفضيل بن يسار المتوفى قبل
سنة 148 وعنه محمّد بن عليّ كما في (الصورة 20).

44ـقيس بن الربيع المتوفى سنة بضع وستين ومائة روى الحديث عن
الأعمش ، وعنه عاصم بن عليّ كما في (الصورة 8).

إلى غير هؤلاء.


القرن الثالث :

1ـيحيى بن آدم القرشي توفي سنة 203 ه‍ روى الحديث عن ابن عيينة ،
وعنه أبو كريب كما في (الصورة 9).

2ـبكر بن عيسى الراسبي المتوفى سنة 204 ه‍ روى الحديث عن عمر بن
الفضل ، وعنه أحمد في مسنده كما في (الصورة 1).

3ـوهب بن جرير توفي سنة 206 ه‍ روى الحديث عن أبيه عن جرير بن
حازم ، وعنه أحمد بن حنبل كما في (الصورة 12).

4ـيحيى بن حماد الفراء المتوفى سنة 207 ه‍ روى الحديث عن أبي عوانة
وهو ختنه ، وعنه ابن سعد كما في (الصورة 8 و 11).

5ـمحمّد بن عمرو الواقدي المتوفى سنة 207 ه‍ روى الحديث عن أسامة
ابن زيد ، وإبراهيم بن يزيد ، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة ، ومعمر بن
راشد ، وهشام بن سعد ، وعنه روى ذلك كاتبه محمّد بن سعد في الطبقات الكبير
كما مرّ في (الصور 3 و 5 و 12 و 17).

وممّا ينبغي التنبيه عليه في المقام ، أنّ كتاب المغازيـالمطبوع في أوربا
طبع جامعة أكسفورد ، وكذلك طبعة مصر سنة 1367 ه‍ ـخلو من هذا الحديث
مع ذكره بعث أسامة ومرض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !!؟.

6ـعثمان بن عمر المتوفى سنة 209 ه‍ روى الحديث عن قرة بن خالد ،
وعنه عبد بن حميد كما في (الصورة 5).

7ـعبد الرزاق بن همّام الصنعاني المتوفى سنة 211 ه‍ روى الحديث عن
معمر ، وعنه الحسن بن الربيع كما في (الصورة 6) وعن سفيان بن عيينة وأخرجه


في مصنفه كما في (الصورة 9) وروى الحديث أيضاً عن معمر ، وعنه عبد الله بن
محمّد وعليّ بن عبد الله كما في (الصورة 12).

8ـعليّ بن الحسن بن شقيق العبدي المتوفى سنة 215 ه‍ روى الحديث
عن أبي حمزة السكري ، وعنه محمّد بن عبد العزيز بن أبي رزمة كما في
(الصورة 15).

9ـقبيصة بن عقبة السوائي توفي سنة 215 ه‍ روى الحديث عن ابن عيينة ،
وعنه البخاري في الصحيح كما في (الصورة 9).

10ـيحيى بن حماد الشيباني المتوفى سنة 215 ه‍ روى الحديث عن أبي
عوانة ، وعنه ابن سعد كما في (الصورة 11).

11ـالحجاج بن نصير توفي سنة 214 ه‍ روى الحديث عن مالك بن مغول ،
وعنه ابن سعد في الطبقات كما في (الصورة 10).

12ـموسى بن داود الضبي المتوفى 14ـ217 ه‍ روى الحديث عن ابن
لهيعة ، وعنه أحمد في مسنده كما في (الصورة 5).

13ـأبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي المتوفى سنة 219 ه‍ روى الحديث
عن ابن عيينة ، وأخرج الحديث في مسنده كما في (الصورة 9).

14ـالحسن بن بشر البجلي توفي سنة 221 ه‍ روى الحديث عن ابن عيينة ،
وعنه أبو إسحاق وإبراهيم بن يزيد كما في (الصورة 9).

15ـالحسن بن الربيع البوراني مولى خالد القسري المتوفى سنة 221 ه‍
روى الحديث عن الحافظ عبد الرزاق ، وعنه الجوهري في السقيفة كما في
(الصورة 6).


16ـعاصم بن عليّ الواسطي المتوفى سنة 221 ه‍ روى الحديث عن قيس
ابن الربيع ، وعنه عمر بن حفص السدوسي كما في (الصورة 8).

17ـمحمّد بن سلام المتوفى سنة 225 ه‍ من شيوخ البخاري روى الحديث
عن ابن عيينة ، وعنه البخاري في صحيحه كما في (الصورة 9).

18ـحفص بن عمر الحوضي المتوفى سنة 225 ه‍ روى الحديث عن
عمرو بن الفضل وعنه ابن سعد في طبقاته كما في (الصورة 1).

19ـسعيد بن منصور صاحب السنن المتوفى سنة 227 ه‍ روى الحديث
عن ابن عيينة ، وعنه مسلم في صحيحه كما في (الصورة 9).

20ـعبد الله بن محمّد الجحفي المتوفى سنة 229 ه‍ روى الحديث عن
عبد الرزاق ، وعنه البخاري في صحيحه كما في (الصورة 12).

21ـمحمّد بن سعد كاتب الواقدي المتوفى سنة 230 ه‍ روى الحديث عن
ابن عيينة والواقدي ويحيى بن حماد ومحمّد بن عبد الله الأنصاري وحجاج بن
نصير وحفص بن عمر الحوضي وأخرج أحاديثهم في طبقاته كما في (الصور1
و 3 و 5 و 8 و 9 و 10 و 11).

22ـعمرو بن محمّد الناقد المتوفى سنة 232 ه‍ روى الحديث عن ابن
عيينة ، وعنه مسلم في صحيحه كما في (الصورة 9).

23ـعليّ بن عبد الله المديني المتوفى سنة 234 ه‍ روى الحديث عن عبد
الرزاق ، وعنه البخاري في صحيحه كما في (الصورة 12).

24ـأبو بكر بن أبي شيبة المتوفى سنة 235 ه‍ روى الحديث عن ابن عيينة
وأخرجه في مصنفه ، ورواه عنه مسلم في صحيحه كما في (الصورة 9).


25ـيحيى بن سليمان الجعفي المتوفى سنة 237 ه‍ روى الحديث عن ابن
وهب ، وعنه البخاري كما في (الصورة 12).

26ـإسحاق بن إبراهيم ابن راهويه المتوفى سنة 238 ه‍ من شيوخ البخاري
ومسلم ، روى الحديث عن ابن عيينة ، وعنه مسلم في صحيحه كما في
(الصورة 10).

27ـعثمان بن أبي شيبة المتوفى سنة 239 ه‍ روى الحديث عن يحيى بن
زكريا النخعي ، وعنه الحسين بن اسحاق التستري كما في (الصورة 16).

28ـقتيبة بن سعيد توفي سنة 240 ه‍ من شيوخ البخاري ومسلم ، روى
الحديث عن ابن عيينة ، وعنه البخاري ومسلم في صحيحيهما كما في (الصورة
9).

29ـأحمد بن حنبل توفي سنة 241 ه‍ روى الحديث عن وهب والحسن
وبكر بن عيسى الراسبي وعبد الرزاق ووكيع وابن عيينة ، وعنه ابنه عبد الله
وأخرج أحاديثهم في مسنده كما في (الصور 1 و 9 و 10 و 12 و 14).

30ـقتيبة بن سعيد توفي سنة 240 ه‍ من شيوخ البخاري ومسلم ، روى
الحديث عن ابن عيينة ، وعنه البخاري ومسلم في صحيحهما كما في
(الصورة9).

31ـمحمّد بن عبد العزيز بن أبي رزمة المتوفى سنة 241 ه‍ روى الحديث
عن عليّ بن الحسن بن شقيق ، وعنه محمّد بن يحيى بن مالك الضبي الاصبهاني
كما في (الصورة 15).

32ـمحمّد بن رافع توفي سنة 245 ه‍ روى الحديث عن عبد الرزاق ، وعنه
مسلم في صحيحه كما في (الصورة 12).


33ـمحمّد بن العلاء أبو كريب الهمداني توفي سنة 248 ه‍ روى الحديث
عن وكيع ويحيى بن آدم ، وعنه الطبري في تاريخه وغيره كما في (الصورة 9
و 10).

34ـعبد بن حميد توفي سنة 249 ه‍ روى الحديث عن عبد الرزاق
وعثمان بن عمر ، وعنه مسلم في صحيحه وإبراهيم بن خزيم كما في (الصورتين
5 و 12).

35ـمحمّد بن منصور توفي سنة 4ـ256 ه‍ روى الحديث عن سفيان
الثوري ، وعنه النسائي كما في (الصورة 24).

36ـمحمّد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح توفي سنة 256 ه‍ روى
الحديث عن عبد الله بن محمّد وعليّ بن عبد الله ويحيى بن سليمان وقتيبة
وإبراهيم بن موسى وقبيصة ومحمّد بن سلام ، وأخرج أحاديثهم في سبعة مواضع
من صحيحه كما في (الصور 9 و 12).

37ـالحسن بن محمّد بن الصباح الزعفراني المتوفى سنة 259 ه‍ أو سنة
260 ه‍ أخرج حديثه البيهقي في سننه عن أحمد بن محمّد بن زياد البصري كما
في (الصورة 9).

38ـهارون بن زيد بن أبي الزرقاء المتوفى بعد سنة 250 ه‍ روى الحديث
عن أبيه ، وعنه عبدان كما في (الصورة 9).

39ـمسلم بن الحجاج صاحب الصحيح توفي سنة 261 ه‍ روى الحديث
عن عبد بن حميد ومحمّد بن رافع وقتيبة وعمرو الناقد وسعيد بن منصور ،
وأخرج أحاديثهم في صحيحه كما في (الصور 9 و 12).


40ـأحمد بن حماد الدولابي توفي سنة 269 ه‍ روى الحديث عن ابن
عيينة ، وعنه الطبري في تاريخه كما في (الصورة 9).

41ـأبو داود سليمان بن الأشعث صاحب السنن توفي سنة 275 ه‍ ـ روى
الحديث عن سعيد بن منصور كما في (الصورة 9).

42ـحمّاد بن شاكر النسوي المتوفى حدود سنة 290 ه‍ من رواة صحيح
البخاري (1) .

43ـإبراهيم بن معقل النسفي المتوفى سنة 294 ه‍ من رواة صحيح
البخاري فاته من الجامع أوراق رواها بالإجازة عن البخاري (2) .

44ـعبدان بن محمّد المروزي سمع منه الطبراني بمكة سنة 287 ه‍(3)
روى الحديث عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء ، وعنه الطبراني في معجمه
الكبير كما في (الصورة 9).

إلى غير هؤلاء ، وكان حسبنا أن نكتفي بذكر البخاري الّذي أخرج الحديث
في صحيحه في سبعة مواضع وقد سمعه منه تسعون ألفاً ، فيما ذكره الفربري وأنّه لم
يبق من يرويه غيره (4) غير أنا ذكرنا غيره ممّن روى ذلك سواء من شرّاح صحيحه
ومن غيرهم لنخرج الحديث من حيّز الآحاد إلى حظيرة التواتر. وسأقتصر في رواة
القرون التالية بما يغني ويقني ، والله الهادي إلى سواء السبيل.

_______________________

(1)أنظر فتح الباري 1 / 5.

(2)نفس المصدر.

(3)المعجم الصغير للطبراني 1 / 234.

(4)لقد ناقش ابن حجر العسقلاني في ذلك فقال : وأطلق ذلك بناء على ما في علمه ، وقد
تأخر بعده بتسع سنين أبو طلحة منصور بن محمّد بن عليّ بن قريبة البزدوي ، وكانت
وفاته سنة تسع وعشرين وثلاثمائة ، ذكر ذلك من كونه روى الجامع الصحيح عن البخاري
أبو نصر بن ماكولا وغيره.


القرن الرابع :

1ـأحمد بن شعيب الحافظ النسائي المتوفى سنة 303 ه‍ روى الحديث عن
محمّد بن منصور ، وعنه محمّد بن معاوية كما في (الصورة 24).

2ـمحمّد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 ه‍ روى الحديث عن صالح
ابن سمال وأبي كريب وأحمد بن حمّاد الدولابي ، وأخرج أحاديثهم في تاريخه
كما في (الصورة 9 و 10).

3ـأحمد بن محمّد بن هارون بن يزيد أبو بكر الخلال المتوفى سنة 311 ه‍
في كتاب السنّة (1) ولفظه كما في (الصورة 10).

4ـمحمّد بن يوسف الفربري المتوفى سنة 320 ه‍ من رواة صحيح
البخاري ، وتفضل روايته على غيره بالضبط لسماعه الصحيح من مؤلّفه مرتين ،
مرة بفربر سنة 248 ه‍ ، ومرة ببخارى سنة 252 ه‍. وسيأتي ما يشير إلى ذلك.

5ـأبو طلحة منصور بن محمّد بن عليّ بن قرينة البزدوي المتوفى سنة 329 ه‍
وهو آخر من حدّث عن البخاري بصحيحه كما جزم به ابن ماكولا وغيره (2) .

6ـأبو سعيد أحمد بن محمّد بن زياد البصري شيخ الحرم المعروف بابن
الأعرابي المتوفى سنة 340 ه‍ روى الحديث عن الحسن بن محمّد الزعفراني ،
وعنه عبد الله بن يوسف الاصبهاني (3) .

7ـسليمان بن أحمد الطبراني المتوفى سنة 360 ه‍ أخرج الحديث بأسانيده
في معجمه الأوسط كما في كنز العمال (4) ومرت بعض الصور عنه وما فيها من
تلاعب وسيأتي مزيد في ذلك.

_______________________

(1)كتاب السنّة 1 / 271 طبع أخيراً طبعته دار الراية الرياض سنة 1410 ه‍.

(2)فتح الباري 1 / 5.

(3)سنن البيهقي 9 / 207.

(4)كنز العمال 3 / 138 ، والمعجم الكبير 11 / 30 و 352 و 12 / 56.


8ـعبد بن أحمد بن حمويه السرخسي المتوفى سنة 381 ه‍ راوي
صحيح البخاري ، وكان مسند خراسان.

9ـعبيد الله بن محمّد بن محمّد بن حمدان بن بطة العكبري الحنبلي
المتوفى سنة 387 ه‍ ، أخرج الحديث عنه ابن شهر اشوب في المناقب.

10ـمحمّد بن مكي بن ذراع الكشميهني المروزي أبو الهيثم المتوفى سنة
389 ه‍ يوم عرفة راوية الصحيح عن البخاري.

11ـأبو حاتم محمّد بن حِبّان بن أحمد التميمي البستي المتوفى سنة
354 ه‍ روى الحديث في كتاب الثقات (1) .

إلى غير هؤلاء.

القرن الخامس :

1ـأبو محمّد عبد الله بن يوسف الأصبهاني الصوفي مسند خراسان مات
سنة 409 ه‍ روى الحديث عن أحمد بن محمّد بن زياد البصري بمكة ، وعنه
البيهقي في السنن الكبرى.

2ـالحافظ أبو نعيم الأصبهاني المتوفى سنة 430 ه‍ أخرج الحديث في
كتاب الحلية عن شيخه الطبراني بسنده عن طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس قال : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه الّذي توفي فيه : (أيتوني بكتف
ودواة لأكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبدا) ثمّ قال صحيح ثابت من حديث
سعيد عن ابن عباس ، غريب من حديث طلحة رواه ادريس الأودي عن طلحة
نحوه » (2) .

_______________________

(1)كتاب الثقات 4 / 212 ط دار الكتب العلمية بيروت.

(2)حلية الأولياء 5 / 25.


3ـأبو ذر الهروي المتوفى سنة 434 ه‍ روى الحديث عن محمّد بن
حمويه السرخسي ، وعنه أبو الوليد الباجي (1) .

4ـأبو بكر أحمد بن الحسين بن عليّ البيهقي الشافعي المتوفى سنة 458 ه‍
أخرج الحديث في كتابه السنن (2) وقد مرّ ذكره في الصورة التاسعة.

5 ـ أبو حفص الاشبيلي الهوزني 460 ه‍ روى الحديث في شرحه.

6ـأبو الوليد الباجي سليمان بن خلف المتوفى سنة 474 ه‍ روى الحديث
عن أبي ذر الهروي وعنه أبو عليّ بن سكرة كما في الشفاء للقاضي عياض (3)
وهو صاحب التجريح لرجال الصحيح.

7ـأبو الاصبع الكواكبي المتوفى سنة 486 ه‍ روى الحديث في شرحه
على الصحيح.

إلى غير هؤلاء.

القرن السادس :

1ـأبو عليّ بن سكرة الصدفي الأندلسي المتوفى سنة 514 ه‍ روى
الحديث عن أبي الوليد الباجي وعنه القاضي عَياض كما في الشفاء.

2ـالقاضي عَياض المالكي المتوفى سنة 544 ه‍ أخرج الحديث في كتابه
الشفاء (4) بروايته عن أبي عليّ بن سكرة.

_______________________

(1)شرح الشفاء (نسيم الرياض) 4 / 276.

(2)السنن الكبرى 9 / 207.

(3)الشفاء 2 / 185 ط اسلامبول سنة 1304 ه‍.

(4)نفس المصدر 2 / 185 ـ 186.


3ـأبو عبد الله محمّد بن حسين بن أحمد بن محمّد الأنصاري المرّيـ
نسبة إلى المرّيةـالمتوفى سنة 582 ه‍ أخرجه في كتابه (الجمع بين الصحيحين).

4ـأبو محمّد عبد الحقّ الاشبيلي المتوفى سنة 582 ه‍ صاحب كتاب
(الأحكام الشرعية الكبرى) أخرجه في كتابه (الجمع بين الصحيحين).

إلى غير هؤلاء

القرن السابع :

1ـالحافظ أبو العباس الاشبيلي المعروف بابن الرومية المتوفى سنة 637 ه‍
روى الحديث في كتابه المعلم بما رواه البخاري على شرط مسلم.

2ـابن أبي حجة الأندلسي المالكي سنة 642 ه‍ روى الحديث في كتابه
الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم.

3ـالحافظ شرف الدين أبو الحسن عليّ بن تقي الدين اليونيني الحنبلي
المتوفى سنة 658 ه‍ فقد روى الحديث ضمن روايته لصحيح البخاري الّتي
ضبطها وقابل أصله على أصل مسموع على أبي ذر الهروي وعلى الاصيلي وابن
عساكر وأبي الوقت وتعدّ نسخته من أضبط النسخ (1) .

4ـالقاضي ناصر الدين أحمد بن محمّد المالكي المعروف بابن المنير
الاسكندراني المتوفى سنة 683 ه‍ روى الحديث في كتابه مناسبات تراجم
البخاري.

إلى غير هؤلاء

_______________________

(1)اُنظر نيل الأماني في توضيح مقدمة القسطلاني للأبياري / 207 ط دار الكتب العلمية.


القرن الثامن :

1ـابن تيمية الحراني المتوفى سنة 728 ه‍ ذكر الحديث في منهاج السنّة(1) ،
وسيأتي كلامه في ذلك مع علماء التبرير.

2ـشهاب الدين النويري المتوفى سنة 733 ه‍ ذكر الحديث في نهاية
الارب كما في الصورة الخامسة.

3ـجمال الدين عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي المتوفى سنة
762 ه‍ أخرج الحديث في كتابه وقال : أخرجه البخاري في الجزية ، ومسلم
في آخر الوصايا كلاهما عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : « لمّا اشتد
برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه ، قال : (إئتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي
فتنازعوا) وقالوا : ما شأنه أهجر؟ استفهموه ، فقال : دعوني أوصيكم بثلاث :
أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ،
قال : وسكت عن الثالثة » (2) ، أنتهى.

4ـالقريمي المعروف بقاضي قرم المتوفى سنة 783 ه‍ في شرحه
لصحيح البخاري.

5ـمحمّد بن يوسف بن عليّ الكرماني المتوفى سنة 786 ه‍ له الكواكب
الدراري في شرح صحيح البخاري وهو مطبوع.

6ـإبراهيم بن موسى بن محمّد اللخمي الشاطبي الغرناطي المالكي
المتوفى سنة 790 ه‍ أخرج الحديث في كتابه (3) .

_______________________

(1)منهاج السنّة 6 / 315 ـ 316 تح‍ محمّد رشاد سالم ط مؤسية قرطبة سنة 1406.

(2)نصب الراية لأحاديث الهداية 3 / 455 ط المجلس العلمي سنة 1357.

(3)الاعتصام 3 / 12.


7ـالحافظ علاء الدين مغلطاي الحنفي المتوفى سنة 792 ه‍ في شرحه
التلويح.

إلى غير هؤلاء.

القرن التاسع :

1ـسراج الدين عمر بن عليّ المعروف بابن الملقـّن الشافعي المتوفى سنة
804 ه‍ في شرحه لصحيح البخاري.

2ـالمجد الفيروز أبادي المتوفى سنة 817 ه‍ صاحب القاموس في اللغة وله
كتاب سفر السعادة وهو كتاب قيّم في خاتمته وله مصنفات عديدة منها (فتح
الباري في شرح صحيح البخاري) كما في التاج المكلل لصدّيق حسن خان (1) .

3ـشمس الدين البرماوي الشافعي المتوفى سنة 831 ه‍ في شرحه اللامع
الصبيح.

4ـمحمود بن أحمد الحنفي العيني المتوفى سنة 855 ه‍ له عمدة القارئ
في شرح صحيح البخاري وهو كتاب مطبوع متداول.

5ـشهاب الدين أبو الفضل أحمد ابن حجر الشافعي العسقلاني في فتح
الباري المتوفى سنة 852 ه‍ وهو من خيرة شروح صحيح البخاري في نظري.

6ـشهاب الدين أحمد بن أحمد الشرجي اليمني الحنفي سنة 893 ه‍ في
كتابه التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح البخاري.

إلى غير هؤلاء.

_______________________

(1)التاج المكلل / 467.


القرن العاشر :

1ـجلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911 ه‍ في الديباج على صحيح
مسلم بن الحجاج (1) .

2ـشهاب الدين أحمد بن محمّد القسطلاني المتوفى سنة 923 ه‍ في ارشاد
الساري في شرح صحيح البخاري (2) .

إلى غير هؤلاء.

لماذا الإطالة مع الإسناد؟

لم تكن إطالة البحث عن الإسناد مجرّد صيغة أدبية ، وترف ولهو يرتاح
إليها الباحث في ثبوت الحدَث ، بل هي كصمّام أمان يقي الباحث من إصر
المسؤولية عن الأمانة الّتي يحملها ، فهو حين يذكر الإسناد برواته ومصادره يلقي
ـمعذوراًـبثقل المسؤولية على الرواة. وهو بقدر ما يبذله من تحقيق في التماس
حقيقة الواقع يدفع عنه ذلك الإصر.

لذلك كلّما قرب العهد بالحَدَث كان العناء أقل ، وكانت التبعة أخفّ لقصر
الإسناد أوّلاً ، وعدم أو قلة تدخّل الشيَع والأهواء في رجاله ثانياً. وتعدد الإسناد
كما يكون مدعاة لقوّة الإعتماد حيناً ما. كذلك يكون أيضاً مدعاة لزيادة العناء
أحياناً كثيرة. لكنه يبقى تعدد الإسناد في الروايات ، وتنوع مصادرها مادة غنيّة
للباحث يستجلي من خلاله واقع الحَدَث باطمئنان ، بشرط أن يكون موضوعياً
ودقيقاً في الملاحظة ، خصوصاً في مذاهب الرواة وميولهم ، ليميز الغثّ من
_______________________

(1)طبع أخيراً في دار ابن عفان ، الخُبَر ، السعودية سنة 1416 ه‍.

(2)وهو كتاب مطبوع متداول.


السمين ، والتافه من الثمين ، وإن استوجب ذلك منه الأناة ، بل البطء في المسيرة.
حتى يتوصل إلى النتائج المرجوّة القريبة من تصوير واقع الحَدَث إن لم تكن
هي الواقع بعينه ، وعلى ضوء تلك النتائج سيعلم فلسفة كثير من الأحداث
التاريخية الّتي توالت بعد ذلك الحَدَث.

والآن هلمّ بنا لننظر إلى حديث الرزية كلّ الرزية ، هل يستحق منا أن نقف
عنده هكذا طويلاً ، ونقرأه ملياً ، ونستجلي فيه ما تضمّه الكلمات ، دون أسراف في
التفسير ، أو تحميل اللفظ ما لا يعنيه في التعبير؟ أو نمرّ عليه كحَدَث عابر ، حدث
في الغابر ، ورواه لنا الرواة ، وفيه أسراف وفيه مغالاة؟

لا أظن إنساناً واعياً لديه مسكة من دين ، وأثارة من علم يرضى بأن تمرّ
روايات هذا الحديث كما تمر روايات العابثين ، في أقاصيص الأغاني وحكايات
ألف ليلة وليلة ، وحتى تلكم فقد أوليت من العناية قدر ما تستحق.

وقفة عند الحديث :

لابدّ لنا من وقفة عند ذلك الحَدَث والحديث ، لأنّه كان بداية تحوّل في
تاريخ المسلمين ، أسهم صنّاعه في زرع الفتنة والشقاق ، فكان بمثابة رأس الحربة
في إعلان تمرّد من بعض المسلمين على الإسلام ونبيّه. ولا زالت الأمة تعاني من
آثار ذلك التمرد ، وتكتوي بناره ، وحتى في تمحيص أخباره.

فبدلاً من أن تكون سيرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي المثلى يهتدي بها المسلمون ،
ولهم في سنّته قولاً وعملاً وتقريراً خير معين لكن بعضهم وللأسف تغلّبت
عليهم رواسب جُبلوا عليها ، ولم يقووا على التخلي عنها ، حتى كانوا يقولون


للرسول بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، كما جاء التنزيل مندّداً بهم ، ثمّ طغت تلك
الرواسب فصاروا يفصحون عنها حين يلقون إليه بقوارص الكلم.

فبدلاً من( أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) . فإذا هم
يردّون عليه بوقاحة ( وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا
بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا
لَّهُمْ
) (2) .

والآن وقد سبق السيفُ العذَل ، فما هو حقيقة موقف أولئك السادة القادة ،
هل كان ما صدر منهم عفوياً؟ أم عن سابق عنادٍ وتدبير؟ أم كان حدثاً عابراً
فتزيّد فيه الرواة؟ أم كان عظيماً فلفّه الضَباب فلم يستبن منه إلّا وجهه الباهت؟
وذلك ما أجرى دموع ابن عباس حتى بلّ الحصباء.

ولكي نتلمس الإجابة الصحيحة على تلك التساؤلات (بنعم ، أو لا) لابدّ من
عرض شامل لمواقف فقهاء الحديث عن حَديث الرزية ، خاصة منهم علماء
التبرير ، بدقة في الأستقراء ، وأناة في الرويّة للمدارسة ، وبمنتهى التجرّد
والموضوعية ، وبالتالي نعرف الجواب (بنعم ، أو لا) فإنّ تلك اللفظتين
المختصرتين تقتضيان كثيراً من البحث والتفكير قبل الإجابة لتلمس الحقيقة
الثابتة الّتي لا لبس عليها ولا غبار ، وعلى ضوئها توزن القيم والأقدار.

فلنقرأ ما قاله العلماء في ذلك الحديث :


_______________________

(1)النور / 51.

(2)النساء / 46.


مع علماء التبرير وقراءة بين السطور :

أقض حديث الرزية مضاجع العلماء بدءاً منذ عهد الرواة ، وانتهاءاً
بأصحاب الصحاح والسنن وسائر المصنفات ، وإذا كان ابن عباس قال عنه الرزية
كلّ الرزية ، فإنّ كلمته تركت العلماء يخوضون كلّ مخاضة في سبيل تبرير ما
صدر من بعض الصحابة ، الّذين جعلوا لهم من الحصانة ما يرفعهم عن الإدانة ،
فنسج كلٌ على نوله بقوله : وأتى بما عنده مكابرةً بحَوله وطَوله.

ولابدّ لنا من وقفة مع أولئك الّذين أشتدوا مكابرة ومصادرة ليعرف القارئ
مبلغ جهاد ابن عباس ، وهو أشدّ الرواة أمراً ، وأكثرهم ذكراً لحديث الرزية ، نصرة
لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما ينبغي به أن يعرف مَن هم أولئك النمط الّذين جاهدوه في
الطريق المعاكس ، فناصروا من عارض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولو على حسابه برد أمره في
كتابه.

من هم علماء التبرير؟

أنّهم كثيرون جداً ، ولا يسع المقام استيفاء جميع ما قالوه ، لكنا سنختار
الواحد والاثنين نماذج من كلّ قرن ، بدءاً من القرن الرابع ثمّ القرون الّتي بعده
حتى القرن العاشر. ونترك الباقين وتركاضهم فهم من عاقلتهم ، وعلى شاكلتهم ،
وفي سابلتهم.

فمن القرن الرابع : أبو سليمان حمد بن محمّد بن إبراهيم الخطابي البستي
المتوفى سنة 388 ه‍ وهو من ذرية زيد بن الخطابـفيما يزعمونـوزيد هذا
أخ لعمر بن الخطاب رجل المعارضة ولا تخفى حمية النسب في أقواله ، له


تصانيف منها اعلام السنن في شرح صحيح البخاري ، ومعالم السنن في شرح
سنن أبي داود وكتب أخرى.

ومن القرن الخامس : أبو محمّد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري
الأندلسي المتوفى سنة 456 ه‍ صاحب التصانيف الكثيرة كالمحلى والإحكام
والفصل في الملل والنحل ، ولسانه الجارح على حدّ سيف الحجاج كما وصفوه :
يقال أنّ جده يزيد كان من موالي يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي
وأيضاً : أبو بكر أحمد بن الحسين بن عليّ البيهقي الشافعي المتوفى سنة 458 ه‍
صاحب السنن الثلاث ودلائل النبوة وغير ذلك.

ومن القرن السادس : محمّد بن عليّ بن عمر المالكي المازري المتوفى سنة
536 ه‍ له عدة كتب منها المعلم بفوائد كتاب مسلم.

وأيضاً : القاضي عياض المالكي المتوفى سنة 544 ه‍ مؤلف كتاب الشفاء
وغيره.

ومن القرن السابع : ابن الأثير الجزري المتوفى سنة 606 ه‍ صاحب كتاب
النهاية في غريب الحديث وغيره.

وأيضاً : محي الدين النووي الشافعي المتوفى سنة 677 ه‍ صاحب المنهاج
بشرح صحيح مسلم بن الحجاج وكتاب الأذكار والأربعين حديثاً وغيرها.

ومن القرن الثامن : ابن تيمية الحراني المتوفى سنة 728 ه‍ محبوساً بقلعة
دمشق بأمر من علماء وحكام الوقت.

وأيضاً : إبراهيم بن موسى بن محمّد الغرناطي الشاطبي المتوفى سنة 790 ه‍
له كتاب الإحكام والموافقات والإعتصام.


ومن القرن التاسع : شهاب الدين ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه‍ له
فتح الباري في شرح صحيح البخاري وغيره.

ومن القرن العاشر : شهاب الدين أحمد بن محمّد القسطلاني المتوفى
سنة 923 ه‍ له إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري وغيره. وأخيراً من
القرون المتأخرة نذكر ما قاله الدهلوي واللاهوري ومن المعاصرين العقاد
والريّس.

ماذا قال علماء التبرير؟

أوّلاً : الخطابي

قال : إنّما ذهب عمر إلى أنّه لو نصّ بما يزيل الخلاف لبطلت فضيلة العلماء
وعدم الإجتهاد ، حكاه عنه ابن حجر في فتح الباري (1) .

وقال أيضاً : ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنّه توهم الغلط على رسول
الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أو ظن له غير ذلك ممّا لا يليق به بحال. لكنه لمّا
رأى ما غلب على رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم من الوجع وقرب الوفاة
مع ما أعتراه من الكرب ، خاف أن يكون ذلك القول ممّا يقوله المريض ممّا لا
عزيمة له فيه ، فتجد المنافقون بذلك سبيلاً إلى الكلام في الدين.

كذا حكاه النووي عنه في شرح صحيح مسلم(2) ، وحكاه بلفظ آخر
وتفاوت يسير في فتح الباري (3) ، فراجع.

_______________________

(1)فتح الباري 1 / 219 ط مصطفى البابي الحلبي سنة 1378 ه‍.

(2)شرح صحيح مسلم للنووي 11 / 91 ط مصطفى الحلبي.

(3)فتح الباري 9 / 198 ـ 199.


مع الخطابي :

من المؤسف حقاً تضييع الوقت في رد مزاعمه في الدفاع عن عمه. وما
ذكره من الاحتمالات الواهية فهي على عروشها خاوية. فما ذكره أولا من أن لو
نص النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما يزيل الخلاف يبطل فضيلة العلماء ويعدم الاجتهاد ، فليته
أوضح مراده من فائدة بقاء الخلاف؟ وما قيمة فضيلة العلماء إذا هي لم ترفع
الخلاف من بين الأمة؟

وليته استدل لنا على ترجيح الاجتهاد على النص النبوي؟

ما باله يعتذر برمّه وطمّه ، ويجعل من منعه فضيلة تفوق أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ
الّذي لا ينطق عن الهوىـوالّذي يضمن لأمته عدم الضلالة أبداً. فهل بعد هذا
أعظم فائدة وعائدة؟

ما أدري بماذا يجيب الخطابي وأنصاره عن المسائل الآتية :

1ـأليس كتاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما يزيل الخلاف أولى بالأعتبار من عدمه وبقاء
الخلاف بين الأمة يخوضون في الجهالة وحيرة الضلالة؟

ماذا يبتغي الخطابي وابن الخطاب من بقاء فضيلة العلماء؟ أليس فضيلتهم
لهداية الأمة؟ فإذا كان كذلك فكتابه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يغني وهو أولى بالأتباع فلماذا منع
منه عمر؟

ثمّ هل كان الخطابي يرى في عمه أنّه أعلم من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما يصلح الأمة؟
ولا أظن مسلماً يقول بذلك ، فالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أمر بالكتاب هل كان يعلم بذهاب
فضيلة العلماء أوّلاً؟ والثاني باطل ومستلزم للكفر ، وعلى الأوّل فلابدّ من علمه


برجحان مصلحة الكتابة على فضيلة العلماء دون العكس ، لأنّه يستلزم أمر
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمرجوح وترك الراجح ، وهذا ممنوع من النبيّ لعصمته وتسديده
بالوحي وطلبه الأصلح للأمة.

ثمّ هل كان أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عند نفسه أو من عند ربّه ، والأوّل مدفوع
بقوله تعالى : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ) (1) ، والثاني مسموع لقوله تعالى :( إِنْ هُوَ إِلَّا
وَحْيٌ يُوحَىٰ
) (2) ، و( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ ) (3) ، و( قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا
يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي
) (4) .

وبعد هذا كلّه لو سلّمنا جدلاً أنّ الخطابي علم بمراد عمه عمر من منعه
كتاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنّه يلغي فضيلة العلماء ويعدم الاجتهاد ، فمن أين له أنّ
كتابه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سوف يشمل جميع الحوادث والأحكام. لأنّ نص الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على
شيء أو أشياء مخصوصة لا يبطل فضيلة العلماء ولا يعدم الاجتهاد ، لأنّ
الحوادث لا يمكن حصرها ، فليعدم الاجتهاد فيما نص عليه خاصة ، ويبقى
لأجتهادهم سائر المجالات الأخرى. وبهذا كان تعقّب ابن الجوزي
للخطابي فيما حكاه عنه ابن حجر حيث قال : وتعقبه ابن الجوزي : بأنّه لو
نص على شيء وأشياء لم يبطل الإجتهاد ، لأنّ الحوادث لا يمكن حصرها.

هذا كلّه فيما ذكره أوّلاً.

وأمّا ما ذكره ثانياً :

_______________________

(1)النجم / 3.

(2)النجم / 4.

(3)الكهف / 110 ، فصلت / 41.

(4)الأعراف / 203.


1ـلماذا لا يجوز أن يحمل قول عمر على أنّه توهم الغلط الخ.؟ وقوله
هَجَر أهجر ، يهجر إلى غير ذلك من ألفاظ الهجر الّتي فاه بها عمر ، كلّها أو بعضها
تدل على أنّ مراده ذلك.

2ـوما المراد من قوله : « لمّا رأى ما غلب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »؟ فهل مراده أنّ
الوجع غلب عليه حتى سلبه اختيارهـوالعياذ باللهـفان كان ذلك فهذا ما فرّ منه
واعتذر عنه لكنه وقع فيه. وإن أراد غلبته على جسمه كاصفراره ونحو ذلك ممّا
يورثه المرض في بدن صاحبه ، فليس في ذلك شيء يخشى منه ممّا خاف منه
الخطابي وعمّه. وليس ذلك بمانع من إجراء أيّ حكم من الاحكام ، والّذي يبدو
لي أنّ مراد الخطابي هو الأوّل وشاهد ذلك قوله : « خاف أن يكون ذلك القول
ممّا يقوله المريض ممّا لا عزيمة له فيه » وهل معنى (ما لا عزيمة له فيه) سوى
الهجر والهذيان ويعني صدور ما لم يرد فعله ويعزم عليه. هذا هو المعنى الحرفي
والعرفي للعزيمة ، وهو نفس المعنى اللغوي الّذي يعني لم تكن له الإرادة
المؤكدة المتقدمة لتوطين النفس على ما يرى فعله أو الجد في الأمر. وهذا
الوجه يدفعه ظاهر الأمر في الإلزام ، وما أمره باحضار الدواة والكتف إلّا كسائر
أوامره الوجوبية ، خصوصاً بعد بيان النفع المترتب عليه ، وهو عصمة الأمة من
الضلالة إلى الأبد.

3ـما معنى قوله : « فيجد المنافقون بذلك سبيلاً الخ » إذ ليس الموجب
لكلام المنافقين هو قرب الوفاة منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا ما أعتراه من الكرب كما يقول
الخطابي ، بل إن حال المنافقين كانت معلومة لديه أيام حياته ، ومعرفته بالكثير
منهم وقد نزل القرآن في التحذير منهم. وقد آذوه يوم رجع من غزاة تبوك


فآذوه في نفسه وآذوه في أهله ، وتقاعدوا عنه ، وتقاعسوا متخاذلين ومخذلين
كلما أراد الغزو. فهل كان يومئذ قرب وفاة؟ وهل كان مرض؟ أو هل كان
اعتراه كرب؟

4ـولو سلمنا أنّ المنافقين كانوا يجدون سبيلاً ، فمن أين للخطابي وأضرابه
إثبات علم عمر بذلك ، وإذا قالوا أدركه بفطنته ففي بقية الصحابة الحاضرين
يومئذ من فاقه فطنة وعلماً وحكماً وفهماً ، لماذا يدرك أولئك ما أدركه عمر؟ فإن
هم سكتوا لعلمهم أنّه ليس لهم حقّ الاعتراض فكان على عمر مثل ذلك.

5ـثمّ يا ترى ما هو موقف الخطابي من اعتراف عمر بمراده ، وهو يدفع ما
قاله هو وغيره من علماء التبرير فانتظر ، وسنوافيك به ، حينئذٍ ستجده يعترف بأنّ
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما أراد عليّاً للأمر فمنعه هو من ذلك.

ثانياً : ابن حزم الظاهري

ذكر ابن حزم في كتابه الإحكام في أصول الأحكام في جملة كلامه في
إبطال القياس في احكام الدين قارب في بعضه وسدّد ، وشذّ في بعضه وأبعد ،
ومهما يكن فقد ذكر حديث الرزية وعقبه بقوله : « هذه زلة العالم الّتي حذّر منها
الناس قديماً ، وقد كان في سابق علم الله تعالى أن يكون بيننا الاختلاف ، وتضل
طائفة وتهتدي بهدى الله أخرى ، فلذلك نطق عمر ومن وافقه بما نطقوا به ، ممّا
كان سبباً إلى حرمان الخير بالكتاب الّذي لو كتبه لم يُضل بعده. ولم يزل أمر
هذا الحديث مهماً لنا ، وشجىً في نفوسنا ، وغصة نتألم لها وكنا على يقين من أنّ
الله تعالى لا يدع الكتاب الّذي أراد نبيه صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أن يكتبه فلن


يضل من بعده دون بيان ، فيحياـكذاـمن حي عن بيّنة ، إلى أن منّ الله تعالى
بأن أوجدناه فأنجلت الكربة ، والله المحمود.

وهو ما حدّثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن
عيسى ثنا أحمد بن محمّد ثنا أحمد بن عليّ ثنا مسلم بن الحجاج ثنا عبيد الله بن
سعيد ثنا يزيد بن هرون ثنا إبراهيم بن سعد ثنا صالح بن كيسان عن الزهري عن
عروة عن عائشة قالت : « قال لي رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم في مرضه :
ادعي أبا بكر وأخاك حتى اكتب كتاباً ، فإني أخاف أنّ يتمنى متمنٍ ويقول قائل :
أنا أولى ، ويأبى الله والنبيّون إلّا أبا بكر ».

قال أبو محمّدـهو ابن حزمـهكذا في كتابي عن عبد الله بن يوسف ،
وفي أم أخرى (ويأبى الله والمؤمنون).

وهكذا حدّثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمّد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا
عبد الرحمن بن محمّد بن سلام الطرطوسي ثنا يزيد بن هارونـإلى آخر السند
المتقدمـبمثله وفيه : « إنّ ذلك كان في اليوم الّذي بدئ فيه عليه‌السلام بوجعه الّذي
مات فيه » بأبي هو وأمي.

قال أبو محمّدـهو ابن حزمـفعلمنا انّ الكتاب المراد يوم الخميس قبل
موته صلّى الله عليه(وآله)وسلّم بأربعة أيامـكما روينا عن ابن عباس يوم قال
عمر ما ذكرناـإنّما كان في معنى الكتاب الّذي أراد عليه‌السلام أن يكتبه في أوّل
مرضه قبل يوم الخميس المذكور بسبع ليال ، لأنّه عليه‌السلام ابتدأه وجعه يوم
الخميس في بيت ميمونة أم المؤمنين ، وأراد الكتاب الّذي قال فيه عمر ما قال
يوم الخميس بعد أن أشتد به المرض ، ومات عليه‌السلام يوم الاثنين ، وكانت مدّة


علته صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أثنى عشر يوماً ، فصح أنّ ذلك الكتاب كان في
استخلاف أبي بكر لئلا يقع ضلال في الأمة بعده عليه‌السلام .

فإنّ ذكر ذاكر معنى ما روي عن عائشة إذ سئلت من كان رسول الله
مستخلفاً لو أستخلف؟ فإنّما معناه : لو كتب الكتاب في ذلك » (1) .

أقول : إلى هنا انتهت الحاجة من نقل كلامه الطويل العريض الّذي نفى
فيه تقديم أبي بكر للخلافة قياساً على تقديمه للصلاةـكما يروي القياسيونـ
وقالوا به. حتى قال : فيأبى الله ذلك ، وما قاله أحد قط يومئذ ، وانما تشبث بهذا
القول الساقط المتأخرون من أصحاب القياس ، الّذين لا يبالون بما نصروا به
أقوالهم ، مع أنّه أيضاً في القياس فاسدـلو كان القياس حقاًـلما بينا قبل ،
ولأن الخلافة ليست علتها علة الصلاة ، لأن الصلاة جائز أن يليها العربي
والمولى والعبد والّذي لا يحسن سياسة الجيوش والأموال والأحكام والسير
الفاصلة.

وأمّا الخلافة فلا يجوز أن يتولاها إلّا قرشي صليبة عالم بالسياسة
ووجوهها ، وإن لم يكن محكماً للقراءة(؟)وإنّما الصلاة تبع للإمامة ، وليست
الإمامة تبعاً للصلاة فكيف يجوز عند أحد من أصحاب القياس أن تقاس
الإمامة الّتي هي أصل على الصلاة الّتي هي فرع من فروع الإمامة؟ هذا ما لا
يجوز عند أحد من القائلين بالقياس.

وسيأتي عن ابن حزم أيضاً مثل ما تقدم من الكلام ، وهناك يحاول اثباته
بالقسم والأيمان وهذا من الطرافة بمكان.

_______________________

(1)الإحكام في اُصول الأحكام 7 / 122 ط السعادة بمصر.


وقفة مع ابن حزم :

من المضحكـوشر البلية ما يضحكـأن يكون مثل ابن حزم المتحرر
من كثير الرواسب المقيتة عند قومه ، وهو ينعى عليهم التقليد ، ويعترف صريحاً
بما هو الصحيح في أنّ قول عمر إنّما هو زلة العالم الّتي حُذّر الناس منها قديماً ،
ثمّ هو يكبو كبوة يقع فيها لوجهه حين يحسب أنّه زالت عنه دياجي الظلماء أن
كشف له الغطاء بوجدانه حديث عائشة المزعوم ، ولقد أغرب كثيراً حين زعم
أنّ ذلك نص على خلافة أبي بكر ، فقد قال في كتابه الفِصَل : « فهذا نص جليّ
على استخلافه عليه الصلاة والسلام أبا بكر على ولاية الأمة بعده » (1) . وكأنّه نسي
أو تناسى بأنّ أبا بكر وقومه ، ومن أتى بعده كلّهم لم يقولوا بالنص في أمر
الخلافة ، وإنّما قالوا بالاختيار ، وما دعاهم إلى ذلك إلّا الإضطرار ، حيث لا نص
ثابت عندهم.

وربما يفاجأ القارئ إذا وجد ابن حزم في كتابه جوامع السيرة يدين عملية
المنع من إحضار الدواة والكتف فيقول : « فلمّا كان يوم الخميسـقبل موته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
بأربع ليالِـاجتمع عنده جمع من الصحابة فقال عليه‌السلام : (أئتوني بكتف ودواة
أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي) ، فقال عمر بن الخطاب رضي‌الله‌عنه كلمة أراد بها
الخير ، فكانت سبباً لإمتناعه من ذلك الكتاب فقال : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غلب
عليه الوجع ، وعندنا كتاب الله ، وحسبنا كتاب الله. وساعده قوم حتى قالوا : أهجر
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال آخرون : أجيبوا بالكتف والدواة يكتب لكم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
كتاباً لا تضلون بعده ، فساء ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمرهم بالخروج من عنده؟
فالرزية كلّ الرزية ما حال بينه وبين ذلك الكتاب ، إلّا أنّه لا شك لو كان من
_______________________

(1)الفِصَل 4 / 108.


واجبات الدين ولوازم الشريعة لم يثنه عنه كلام عمر ولا غيره ا ه‍ ». هذا ما
ذكره ابن حزم في جوامع السيرة (1) ، ومرّ عنه ما ذكره في كتابيه الأحكام والفصل
فبأيّهما يأخذ القارئ؟ وأيهما هو الصحيح؟ وهل ذلك منه إلّا استغفال لعقول
الناس!؟ فالحديث الّذي زعم أنّه وجده فانجلت به الكربة فكأنّه عمي أو تعامى
أنّ الحديث صورة ممسوخة لحديث الرزية ، وليته كان كحديث الرزية في
تظافر نقله لتتكافأ الكفتان ، وينظر عند التعارض لأيهما الرجحان ، وليختر هو
معنى ذلك المزعوم ، ثمّ كيف يخفى هذا على مَن سبقه ممّن خرّج الحديثين مثل
مسلم وغيره؟ وسيأتي الكلام في ذلك مفصّلاً عند حديثنا عن عملية التزوير
والمسخ ، وسيقف القارئ على قول ابن أبي الحديد المعتزلي وضعوهـالبكريةـ
في مقابلة الحديث المروي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه : (إئتوني بدواة وبياض أكتب لكم
ما لا تضلون بعده أبداً) ، فاختلفوا عنده وقال قوم منهم : لقد غلبه الوجع حسبنا
كتاب الله ، وسيعود ابن حزم مرة أخرى إلى الحديث المزعوم يحاول اثباته
بالأيمان؟

ويكفي في تزييفه أنّه لم يظهر يوم السقيفة حين كان أبو بكر أحوج إليه
من كلّ ما احتج به ، فأين كانت عائشة عن رواية ذلك؟ ولماذا لم تناصر أباها به
في أحرج وقت كان محتاجاً لنصرتها بمثله؟

مضافاً إلى ما سيأتي من كشف حال رجاله فانتظر.

ثالثاً : البيهقي

في أواخر كتابه دلائل النبوة بعد ذكره لحديث الرزية بأسانيده إلى عليّ
ابن المديني والحسن بن محمّد الزعفراني عن سفيان بن عيينة عن سليمان عن
_______________________

(1)جوامع السيرة / 263.


سعيد بن جبير قال قال ابن عباس : « يوم الخميس وذكر الحديث إلى قوله
وسكت عن الثالثة أو قالها فنسيتها » ثمّ قال البيهقي : هذا لفظ حديث عليّ بن
المديني وهو أتم ، زاد عليّ قال سفيان : إنّما زعموا أراد أن يكتب فيها استخلاف
أبي بكر. ثمّ قال البيهقي رواه البخاري ومسلم في الصحيح (1) ثمّ ذكر الحديث
بسند آخر وصورة ثانية وفيه قالـابن عباسـ: « لمّا حُضر رسول الله صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :
(هلموا أكتب لكم لن تضلوا بعده أبداً) فقال عمر : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غلب
عليه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا
فمنهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم رسول الله ومنهم يقول ما قال عمر فلمّا أكثروا
اللغو والاختلاف عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (قوموا).

قال عبد الله فكان ابن عباس يقول : انّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم ». ثمّ
ذكر رواية البخاري له في الصحيح عن عليّ بن المديني وغيره. ورواية
مسلم عن محمّد بن رافع وغيره عن عبد الرزاق. ثمّ قال : وإنّما قصد عمر بن
الخطاب بما قال التخفيف على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين رآه قد غلب عليه الوجع ،
ولو كان ما يريد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتب لهم شيئاً مفروضاً لا يستغنون عنه لم
يتركهم لاختلافهم ولغطهم لقوله تعالى : ( بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ) (2) كما لم
يترك تبليغ غيره بمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه ، وإنّما أراد ما حكى
سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أن يكتب استخلاف أبي بكر ثمّ ترك
_______________________

(1)دلائل النبوة 7 / 181 ـ 182 ط بيروت بتحقيق د عبد المعطي قلعجي.

(2)المائدة / 67.


كتبته أعتماداً على ما علم من تقدير الله تعالى ذلك ، كما همّ به في ابتداء
مرضه حين قال : وارأساه ، ثمّ بدا له أن لا يكتب وقال : يأبى الله والمؤمنون
إلّا أبا بكر ، ثمّ نبّه أمته على خلافته باستخلافه اياه في الصلاة حين عجز عن
حضورها إلى آخر ما قال (1) ، وكله من الدفع بالصدر.

وقد روى نفسه في سننه الكبرى في كتابة العلم في الصحف ، حديث
جابر : « انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا بصحيفة في مرضه ليكتب فيها كتاباً لأمته لا يَضلون
بعده ولا يُضِلون ، وكان في البيت لغط وتكلم عمر فتركه » (2) . وهذا الّذي رواه
بتر من آخره ما يدين عمر ، ثمّ ذكر بعده في كتابة العلم في الألواح والأكتاف
بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : « يوم الخميس وما يوم الخميس
قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إئتوني باللوح والدواة والكتف والدواة لأكتب لكم كتاباً لا
تضلوا بعده أبداً) قالوا : رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يهجر »(3) .

مع البيهقي في دعاواه :

وتتلخص دعاواه في الأمور التالية :

1ـزعمه أنّ حديث عليّ بن المديني أتم لأنّه زاد قول سفيان إنّما زعموا
أراد أن يكتب فيها استخلاف أبي بكر.

2 ـ زعمه أنّ قصد عمر هو التخفيف على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال الّذي قال.

3 ـ زعمه أّنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أن يكتب لهم ما هم مستغنون عنه.

_______________________

(1)دلائل النبوة 7 / 183.

(2)السنن الكبرى 3 / 435 ط بيروت سنة 1411 ه‍.

(3)نفس المصدر.


4 ـ زعمه بل كذبه على سفيان في حكايته قوله.

5ـزعمه تنبيه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأمته على خلافة أبي بكر استخلافه إياه في
الصلاة.

أمّا زعمه الأوّل أنّ حديث عليّ بن المديني أتم وقال : زاد عليّ قال سفيان :
إنّما زعموا الخ فهذا كذب وهراء ومحض أفتراء ، فحديث سفيان لقد رواه عنه
خمسة عشر إنساناً كما مرّ في الصورة التاسعة ، وكلهم من الحفاظ وأئمة
الحديث ، وكان عليّ بن المديني واحداً منهم. وحديثه لم يقتصر على رواية
البيهقي بأسانيده فقط ، بل رواه عنه البخاري أيضاً وليس فيه هذه الزيادة (1) ،
كما لم ترد في أحاديث الرواة الآخرين عن سفيان فمن أين ألصق البيهقي
بابن المديني هذه الزيادة؟

وأمّا زعمه الثاني أنّ عمر قصد التخفيف على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فينفيه ما
سيأتي عن عمر نفسه من بيان قصده في منعه ، ولو سلمنا جدلاً ، فهل أنّ عمر
كان أبصر بنفس النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منه بنفسه؟

وأمّا زعمه الثالث أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أن يكتب لأمته ما هم مستغنون ،
مدفوع للحكمة الّتي بيّنها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كتابة ذلك الكتاب وهي قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :
(لن تضلوا بعده أبداً) فإنّ ذلك يدل على أحتياجهم إلى عاصم يعصمهم من
الضلالة إلى الأبد ، وليس من تأمين على السلامة والصيانة لهم غير كتابة
ذلك.

ولو سلّمنا جدلاًـولا نسلّمـصواب قول البيهقي أراد أن يكتب لهم
ما هم مستغنون عنه ، فيلزم منه أن ينسب القائل بذلك إلى مقام الرسالة ما لا
_______________________

(1)أنظر صحيح البخاري / 6 و 9.


يليق بها من العبث ، حيث أنّ ذلك الكتاب لا يزيدهم فائدة ولا يعود عليهم
بعائدة ، وهو منافٍ للعصمة عند من يقول بها ، ومناف للحكمة عند من لا
يقول بها.

وأمّا ما استدل به على مقالته فهو مردود بعد أن انتفت الفائدة المتوخاة
والّتي كان يعلمها صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حيث فتح عمر باباً واسعاً للطعن فيما يكتبه ، ويدل
على ذلك ما جاء في بعض صور الحديث ممّا رواه ابن سعد وغيره وفيه :
فقال بعض من كان عنده انّ نبيّ الله ليهجر قال فقيل له ألا نأتيك بما طلبت؟ قال : أو
بعد ماذا؟ قال : فلم يدع به (1) .

وأمّا زعمه الرابع أنّ سفيان حكى عن أهل العلم قبله. فهذا كذب على سفيان ،
وما روي عن سفيان على اختلاف صور نسخه الخمس عشرة حسب عدد الرواة عنه
فلم يأت في واحدة منها انّ سفيان حكى ذلك عن أهل العلم قبله. وإنّما الوحيد الّذي
روى ذلك عنه فيما أعلمـهو البيهقيـومهما يكن فان الّذي حاول اثباته من الكتابة
باستخلاف أبي بكر فقد مرّ الجواب عنه في رد ابن حزم فراجع.

وأمّا زعمه الخامس أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبّه أمته على خلافة أبي بكر باستخلافه إياه في
الصلاة فيكفي في دحض ما زعمه ما قاله ابن حزم في كتابه الإحكام آنفاًـوقد مرّ
نقل ذلك عنه قبل هذا فراجعـمضافاً إلى قوله : واحتجوا باجماع الأمة على تقديم أبي
بكر إلى الخلافة ، وان ذلك قياس على تقديم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له إلى الصلاة وهذا من
الباطل الّذي لا يحل ، ولو لم يكن في تقديم أبي بكر حجة إلّا انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قدّمه
إلى الصلاة لما كان أبو بكر أولى بالخلافة من عليّ. لأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد استخلف
_______________________

(1)أنظر الصورة الحادية عشرة من صور الحديث.


عليّاً على المدينة في غزوة تبوك وهي آخر غزواتهعليه‌السلام فقياس الاستخلاف على
الاستخلاف اللذين يدخل فيهما الصلاة والأحكام أولى من قياس الأستخلاف على
الصلاة وحدها إلى آخر ماذكره من مناقشة (1) .

رابعاً : المازري

قال : إنّما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره لهم
بذلك ، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب ، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت
على أنّ الأمر ليس على التحتم بل على الإختيار ، فاختلف اجتهادهم ، وصمم
عمر على الإمتناع لمّا قام عنده من القرائن بأنه صلّى الله عليه(وآله)وسلّم
قال ذلك عن غير قصد جازم ، فظهر ذلك لعمر دون غيره.

هكذا حكاه النووي في شرح صحيح مسلم ، وابن حجر في فتح الباري ،
والقسطلاني في المواهب اللدنية ، والبدر العيني في عمدة القارئ (2) ، وغيرهم.

مع المازري :

يتلخص إعتذار المازري في النقاط التالية :

1ـاختلاف الصحابة في امتثال أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما كان لأنّ الأمر ليس على
التحتم بل على الإختيار.

2ـتصميم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال ذلك عن
غير قصد جازم.

_______________________

(1)أُنظر كتابه الإحكام 7 / 119 ـ 120.

(2)شرح صحيح مسلم 11 / 91 ، فتح الباري 9 / 198 ، المواهب اللدنية 2 / 367 ، عمدة القارئ
2 / 171.


3 ـ ظهور ذلك لعمر دون غيره؟

وبين النقطة الأولى والنقطة الثالثة نحو تضاد ، إذ أنّ عمر هو الّذي ظهر له
أنّ الأمر عن غير قصد جازم ، وهذا مختص به دون غيره كما يزعم المازري ،
ويعني ذلك أنّه خفي على الآخرين ، وإذا كانوا كذلك فما بالهم يختلفون في
امتثال الأمر ما دام لم يظهر لهم ما ظهر لعمر دون غيره ، ثمّ إنّ قول المازري :
« عن غير قصد جازم » يعني ترك الباب مفتوحاً أمام الصحابة فمن شاء أن يمتثل
امتثل ومن شاء تخلف ، لأنّ الأمر ليس على التحتم بل على الاختيار وهذا ما
أكده بقوله : « عن غير قصد جازم » والآن لنا أن نسائله.

1ـما معنى بيانهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمصلحة الحكم الشرعي من أمره بقوله : (لا تضلون
بعدي أبداً). فلو كان على سبيل الإختيار فمن شاء فعل ومن شاء ترك ، لما ترتب
أمر العصمة من الضلالة لهم جميعاً ، بل كان يختص ذلك بمن امتثل ويحرم منه
من خالف ، ولما كان الخطاب للجميع فلابدّ أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توخى هداية الجميع وبذلك
تتم فائدة العصمة من الضلالة وإلّا فلا.

2ـما معنى قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في آخر الحديث : (قوموا عني) ، وذلك يعني طردهم
عنه ولو كان أمره الأوّل عن غير قصد جازم وليس على التحتم ، بل على الإختيار
لما كان لطردهم عنه معنى ، وان تنطّع متنطع فقال : « انّ طردهم عنه إنّما كان بعد
تنازعهم ولغطهم فتأذى بذلك فقال : (قوموا عني) ». وهذا لا يدل على الوجوب
في الامتثال. هنا نقول له انّ ذلك النزاع هو وحده كاف في الدلالة على لزوم
الأمر ، وإلّا لو كان الأمر اختيارياً لما حدث النزاع ولما أستلزم الطرد.


3ـما معنى قول عمر : « حسبنا كتاب الله »؟ أليس يدل على فهمه أمر
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه كان للوجوب فأراد دفع من يقوم بالامتثال عنه ، وإسقاط حجة قول
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالكلية. ولو لم يكن فهم لزوم الأمتثال لما أحتاج إلى قوله : « حسبنا
كتاب الله ».

4ـما معنى بكاء حبر الأمة عبد الله بن عباسرضي‌الله‌عنه وقوله : « الرزية كلّ الرزية
ما حال بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين كتابة الكتاب »؟ أليس يدل ذلك على فوات أمر
عظيم وخطير ، وله أثر كبير في حياة الأمة فاستدعى فواته ذلك البكاء حتى يبلّ
دمعه الحصى. ولو كان الفائت أمراً أختيارياً لما لزم ذلك البكاء؟ ولما لزم
التعبير عنه ب‍ (الرزية كلّ الرزية) ولعيب عليه ذلك التوجع والتفجع ، فكم
هناك من أمور مندوبة وأحكام مستحبة تركها الناس في أيامه ، بل وحتى
تغيير بعض الفرائض فلم ينعها ولم يذكر عنه أنّه بكى لها ، ولم ينقل التاريخ
عنه أنّه عبّر عن فوت واجب آخر بأنه رزية فضلاً عن المندوب.

5ـوأخيراً من أين للمازري اثبات فهم عمر دون غيره بأن أمر
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عن غير قصد جازم ، وهذا لا يعلم إلّا من قبل عمر نفسه ، ولم
يرد عنه في ذلك شيء.

ثمّ إنّ ما ذهب إليه المازري لم يتابعه عليه أحد يعتد بهـفيما أعلمـ
إلّا رجل واحد من المتأخرين هو السيد عبد الرحيم الطهطاوي (1) .

أمّا باقي أعلام قومه كالقاضي عياض والقرطبي وابن حجر وغيرهم
فقد ذهبوا إلى عكس ما قاله المازري وقالوا بان عمر فهم الوجوب ، وإنّما
_______________________

(1)اُنظر كتابه هداية الباري 1 / 8.


قال الّذي قاله إنكاراً على من تخلف عن الإمتثال ، وستأتي مقالاتهم التافهة
وما أسسوه من مقدمات لنتائجهم المردودة وقياساتهم الباطلة ..

خامساً : القاضي عياض

قال : في كتاب الشفاء : فصل : فإن قلت قد تقررت عصمته صلّى الله عليه
(وآله)وسلّم في أقواله في جميع أحواله وأنّه لا يصح منه فيها خُلفٌ ولا
اضطراب في عمد ولا سهو ولا صحة ولا مرض ولا جدّ ولا مزح ولا رضىً ولا
غضب ، ولكن ما معنى الحديث في وصيته صلّى الله عليه(وآله)وسلّم ...

ثمّ ذكر حديث الكتف والدواة بسنده إلى قوله : فقال بعضهم : انّ رسول الله
صلّى الله عليه(وآله)وسلّم قد غلبه الوجع الحديث.

ثمّ قال : وفي رواية : (إئتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً) فتنازعوا
فقالوا : ماله أهجر استفهموه فقال : (دعوني فإنّ الّذي أنا فيه خير).

وفي بعض طرقه : إنّ النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم : يَهجَر.

وفي رواية هجر ، ويُروى : أهُجراً. وفيه فقال عمر : إنّ النبيّ صلّى الله عليه
(وآله)وسلّم قد اشتد به الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا ، وكثر اللغط فقال :
(قوموا عني).

وفي رواية : واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول : قرّبوا يكتب
لكم رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم كتاباً ، ومنهم من يقول ما قال عمر.

قال أئمّتنا : في هذا الحديث النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم غير معصوم
من الأمراض وما يكون من عوارضها من شدة الوجع وغشي ونحوه ممّا يطرأ


على جسمه ، معصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما يطعن في معجزته ،
ويؤدي إلى فساد في شريعته من هذيان واختلال كلام.

وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى في الحديث هَجَرَ إذ معناه هذي
يقال هَجَرَ هجراً إذا هذى وأهجر هجراً إذا أفحش وأهجر تعدية هَجَرَ ، وانما
الأصح والأولى أهَجَرَ على طريق الأنكار على من قال لا يكتب ، وهكذا روايتنا
فيه في صحيح البخاري من رواية جميع الرّوات في حديث الزهري المتقدم ،
وفي حديث محمّد بن سلام عن ابن عيينة ، وكذا ضبطه الأصيلي بخطه في كتابه
وغيره من هذا الطريق ، وكذا روينا عن مسلم في حديث سفيان وعن غيره ، وقد
تحمل عليه رواية من رواه هَجَرَ على حذف ألف الأستفهام ، والتقدير أهجر ، أو
أن يحمل قول القائل هجراً أو أهَجَرَ دهشةً من قائل ذلك وحيرة لعظيم ما شاهدا
من حال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشدة وجعه وهو المقام الّذي أختلف فيه عليه ، والأمر الّذي
همّ بالكتاب فيه حتى لم يضبط هذا القائل لفظه وأجرى الهُجر مجرى شدة
الوجع ، لا أنّه أعتقد أنّه يجوز عليه الهجر ، كما حملهم الاشفاق على حراسته والله
يقول : ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (1) ونحو هذا ، وأمّا على رواية أهجُراً وهي
رواية أبي إسحاق المستملي في الصحيح في حديث ابن جبير عن ابن عباس من
رواية قتيبة فقد يكون هذا راجعاً إلى المختلفين عنده صلّى الله عليه(وآله)
وسلّم ومخاطبةً لهم من بعضهم أي جئتم باختلافكم على رسول الله صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم وبين يديه هجراً ومنكراً من القول ، والهُجر بضم الهاء الفَحش
في المنطق.

_______________________

(1)المائدة / 67.


وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث وكيف أختلفوا بعد أمره لهم
صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أن يأتوه بالكتاب فقال بعضهم : أوامر النبيّ صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم يفهم أيجابها من ندبها من اباحتها بقرائن فلعل قد ظهر من
قرائن قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبعضهم ما فهموا أنّه لم تكن منه عزمة ، بل أمر ردّه إلى اختيارهم ،
وبعضهم لم يفهم ذلك فقال : أستفهموه ، فلمّا أختلفوا كفّ عنه إذ لم يكن عزمة
ولمّا رأوه من صواب رأي عمر.

ثمّ هؤلاء قالوا ويكون أمتناع عمر إمّا أشفاقاً على النبيّ صلّى الله عليه
(وآله)وسلّم من تكليفه في تلك الحال إملاء الكتاب وأن تدخل عليه مشقة من
ذلك كما قال إنّ النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أشتد به الوجع.

وقيل : خشي عمر أن يكتب أموراً يعجزون عنها فيحصلون في الحرج
بالمخالفة ورأى أنّ الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد وحكم النظر
وطلب الصواب ، فيكون المصيب والمخطيء مأجوراً.

وقد علم عمر تقرّر الشرع وتأسيس الملة وان الله تعالى قال :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ
) (1) وقوله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم : (أوصيكم بكتاب الله
وعترتي). وقول عمر : حسبنا كتاب الله ، ردٌ على من نازعه لا على أمر النبيّ صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم.

وقد قيل : إنّ عمر خشي تطرّق المنافقين ومَن في قلبه مرض ما كتب في
ذلك الكتاب في الخلوة وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل ، كادعاء الرافضة الوصية
وغير ذلك.

_______________________

(1)المائدة / 3.


وقيل : إنّه كان من النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم لهم على طريق
المشورة والإختبار هل يتفقون على ذلك أم يختلفون فلمّا أختلفوا تركه.

وقالت طائفة أخرى : إن معنى الحديث انّ النبيّ صلّى الله عليه(وآله)
وسلّم كان مجيباً في هذا الكتاب لما طُلب منه ، لا أنّه ابتداء بالأمر ، بل اقتضاه منه
بعض أصحابه فأجاب رغبتهم وكره ذلك غيرهم للعلل الّتي ذكرناها.

واستدل في هذه القصة بقول العباس لعليّ : انطلق بنا إلى رسول الله
صلّى الله عليه(وآله)وسلّم فإن كان الأمر فينا علمناه ، وكراهة عليّ هذا ،
وقوله : والله لا أفعل... الحديث.

واستدل بقوله : (دعوني فإنّ الّذي أنا فيه). أي الّذي أنا فيه خير من
ارسال الأمر وترككم وكتاب الله وأن تدعوني ممّا طلبتم ، وذكر أنّ الّذي
طلب كتابة أمر الخلافة بعده وتعيين ذلك (1) .

أقول : هذا كلّ ما ذكره في هذا الفصل من كتابه الشفاء وليس فيه من
النافع إلّا شفىـالقليلـإذ هو إمّا تكرار للسابقين أو تلفيق المتخرصين.
ولابدّ لنا من محاسبته على بعض ما ذكره ممّا لم يُسبق إليه من وجوه
الأحتمالات والتمحلات وإنّما نقلناه بطوله لأن جماعة ممّن على شاكلته
تبعه على رأيه فإنهم بين من نقل جميع كلامه كما صنع النويري في نهاية
الإرب (2) ، ومنهم من لخصه كالقرطبي ولخص من تلخيصه ابن حجر في فتح
الباري (3) كما سيأتي تلخيصه.

_______________________

(1)أنظر الشفاء 2 / 185 ـ 186 ط اسلامبول سنة 1304 ه‍.

(2)نهاية الإرب 18 / 373 ـ 378.

(3)أنظر فتح الباري الجزء التاسع.


مع القاضي عياض :

لقد كانت غاية محاولة القاضي هي تبرير ما صدر من عمر بن الخطاب في
ذلك اليوم التعيس ، يوم الخميس ، ولكنها محاولة بائسة ويائسة. فهو استعرض :

أوّلاً : تحقيق الصيغة اللفظية الّتي كانت سبب الإختلاف ، ثمّ التشكيك في
تعيين قائلها وذلك من خلال ما ذكره من سياق الروايات المختلفة. حتى أنهاها
إلى ثماني روايات كما يلي :

1 ـ فقال بعضهم : انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غلبه الوجع.

2 ـ وفي رواية : فتنازعوا فقالوا ما له أهجر أستفهموه.

3ـوفي بعض طرقه : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يَهجَرُـ(بفتحتين هكذا في النسخة
المُعربة المطبوعة باسلامبول سنة 1304 ه‍) ـ.

4 ـ وفي رواية : هَجَر.

5 ـ ويروى : أهَجرٌ.

6 ـ ويروى : أهُجراً.

7ـوفيه فقال عمر : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أشتد به الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا
وكثر اللغط.

8ـوفي رواية : واختلف أهل البيت وأختصموا فمنهم من يقول قرّبوا
يكتب لكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتاباً ، ومنهم من يقول ما قال عمر.

أقول : وهذه الروايات الّتي أشار إليها تترك القارئ في حيرة من أمر
القاضي ، وكأنه يحاول التعتيم على الحقيقة ، فيعرض لها دون بيان الصحيح منها ،
فهو يترك القارئ في دروب من المتاهات.


لكن الباحث الواعي لا يعدم الرواية الصحيحة بينها ، وانّها هي الثالثة الّتي
ورد فيها : « انّ النبيّ يَهجَر » وما تحريكه لها بفتحتين إلّا نحو من التعتيم المتعمد ،
لأن الصحيح « يَهجُر » فانها من باب (نصر ينصر) وتحريكها بفتحتين يخرجها
عن المعنى الأصلي للكلمة ، وانحراف بمسارها الصحيح ، وذلك انّ القراءة
بفتحتين تكون بمعنى هجرك الشيء ، أي تركه كما نصت على ذلك بعض
قواميس اللغة. ولكن ذلك لم يعجب الملا علي القاري شارح كتاب القاضي
المذكور فقال في المقام : « يَهجِر » بكسر الجيم مع فتح أوّله بتقدير استفهام
انكار(؟).

وهذا من غرائب الأغراب في مسائل الإعراب ، وإنّما حدث بعد زمان
الحديث والحدث ، تبريراً لمواقف المعارضة عند الحساب.

أمّا الّذي قلناه أنّه الصحيح وهي الرواية الثالثة فقد ذكرها القاري وقال
هو الموجود في مستخرج الإسماعيلي من طريق ابن خلاد عن سفيان. كما
ذكرها غيره (1) وسيأتي مزيد بيان عن ذلك في محله إن شاء الله.

ثانياً : استعرض ما قاله أئمّته في الحديث. ولا يعنينا معرفة أئمّته
بأعيانهم سواء كانوا هم المالكية ، أو الأشعرية ، أو أهل السنّة والجماعة كما
ذكرهم شارح كتابه الملا عليّ القارئ الحنفي.

والّذي يعنينا أن نعرف ماذا قالوا؟ لم يأتوا بشيء جديد ، ولم يخرجوا
عن أطار التبرير وإن باؤا بإثم التزوير. فكلّ ما مخض سقاؤهم أنّ الروايات
المختلفة الآنفة الذكر يجب تخريجها على نحو الإستفهام الإنكاري ، ولم
_______________________

(1)جاء في سر العالمين للغزالي / 9 ط بومبي الهند عليّ الحجر سنة 1314 : « إن الرجل
ليهجر ».


يخرج عن تلك الروايات ، إلّا الرواية الثالثة الّتي لم يذكر لهم فيها رأياً ولم
يعلّق عليها هو بشيء ، لكنّ شارح كتابه لم تفته المشاركة في الحلبة ،
فحشرها مع سابقها ولاحقها فعلّق عليها بقوله : بتقدير إستفهام انكار ..

ثالثاً : ذكر اختلاف العلماء في معنى الحديث ، فذكر أربعة آراء كلّها تدور
في فلك التبرير :

أوّلها : إنّ الأوامر إذا اقترنت بقرينة تخرجها من الوجوب إلى الندب
والإباحة ، فلعلّه ظهر من قرائن قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبعضهم ما فهموا منه أنّه لم يكن عزمة ،
وبعضهم لم يفهم ذلك فقال : استفهموه ، فلمّا أختلفوا كفّ عنه إذ لم يكن عزمة ،
ولما رأوه من صواب رأي عمر.

وهؤلاء قالوا عن امتناع عمر إمّا اشفاقاً عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإمّا خشي أن يكتب
أموراً يعجزون عنها فيحسون بالحرج في المخالفة ، فرأى الأرفق بالأمة سعة
الاجتهاد الخ.

ثانيها : أنّ عمر خشي تطرق المنافقين إلى أن يقولوا فيما كتب في ذلك
الكتاب في الخلوة(؟)وأن يتقولوا الأقاويل كادعاء الرافضة الوصية وغير ذلك.

ثالثها : انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما قال لهم ذلك عن طريق المشورة والإختبار ليراهم
هل يتفقون أم يختلفون ، فلمّا أختلفوا تركه.

رابعها : انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان مجيباً لما طُلب منه ولم يكن ذلك منه ابتداء ،
فأجاب رغبة الطالب ، وكره غيره ذلك للعلل الّتي ذكرها في الرأيين الأوّل
والثاني.

وفي كلّ هذه الآراء مواقع للنظر نذكر بعضها :


أمّا الأوّل وهو احتمال وجود قرينة في المقام عرفها بعضهم ولم يعرفها
آخرون ، فهو من واهي الأحتمالات وقد مرّ مثله والجواب عنه فراجع ما مرّ عن
المازري وقبل ذلك ما قلناه مع الخطابي.

وأمّا الثاني وهو إمّا إحتمالاً أن يكون عمر أشفق على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فمنع من
أمتثال أمرِهِ ، فهذا من قبيل المثل (اكوس عريض اللحية) فكيف يكون مشفقاً
عليه وهو يعلن ردّ أمره ويشغب عليه؟ وأين منه الشفقة وقد سمّاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
مكلّبا. كما في حديث ابن عمر الّذي أخرجه الدارقطني في سننه قال : « خرج
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بعض أسفاره فسار ليلا فمرّوا على رجل جالس عند مقراة له(1)
فقال عمر : يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك؟ فقال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :
(يا صاحب المقراة لا تخبره هذا مكلِب ، لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي
شراب وطهور) ا ه‍ » (2) .

أقول : والمكلِبـبكسر اللامـمعلم الكلاب للصيد ، وبفتحها المقيّد ولما
كان معروفاً بالغلظة والشدة ، وإذا لاحاه بعض أهله أصطلم أذنه شبّهه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
بالمكلّب معلّم الكلاب ، إذ لا يكون معلّمها إلّا من هو أكلب منها لتخافه ، فمن
كان كذلك أين منه الشفقة المزعومة؟

وأمّا أحتمال خشية تطرق المنافقين فيجدوا سبيلاً إلى الطعن فيما لو
كتب صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهذا مرّ عن الخطابي ومرّ الجواب عنه. وأمّا تمثيله لتطرق المنافقين
بادعاء الرافضة الوصية ، فليس ادّعاؤهم من دون دعوى البكرية أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أن
يكتب لأبي بكر بالخلافة ، بل أدعاؤهم كان هو الحقّ الّذي لا مرية فيه ، لأنّه قد
_______________________

(1)المقراة : كل ما أجتمع الماء فيه ـ القاموس.

(2)سنن الدارقطني 1 / 26.


اعترف بصحة دعواهم عمر بن الخطاب حين قال لابن عباس أراده رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للأمر فمنعته من ذلك.

وأمّا الثالث وهو الجديدـفيما أعلمـإذ لم يأت في زبر الأولين ،
وهو انّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لهم على طريق المشورة والاختبار ، هل يتفقون فيكتب
لهم ، أو يختلفون فيتركه ، فلمّا أختلفوا تركه.

وصاحب هذا الرأي الفطير من الغباء بمكان ، إذ تخيل أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو في
أخريات أيامه بعد لم يعرف أصحابه معرفة تامة ، وهو الّذي عايشهم طيلة ثلاثاً
وعشرين سنة فلم يعرفهم وما كان عليه بعضهم من المخالفة له ، وكأن تلك
التجارب الّتي مرّت عليه في اختلافهم عند المشورة لم تترك في نفسه أثراً يذكر
حتى احتاج إلى إختبارهم مرة أخرى؟

ألم يستشرهم في حرب بدر فكان منهم السامع المجيب ، ومنهم المخذّل
المريب الّذي يقول له : انها قريش ما ذلّت منذ عزّت.

ألم يستشرهم في أسارى بدر؟ فكان منهم من يرى قتل الأسارى ،
ومنهم من يرى أخذ الفداء حتى نزلت الآية فحسمت الموقف المترجرج
وذلك في قوله تعالى : ( حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ
وَإِمَّا فِدَاءً
) (1) .

ألم يختلفوا عليه في وقعة أحد؟!

ألم يختلفوا عليه في وقعة الأحزاب؟!

ألم يختلفوا عليه في قضية بني النضير؟!

ألم يختلفوا عليه في صلح الحديبية؟!

_______________________

(1)محمّد / 4.


ألم وألم؟ وكلّ ألمٍ فيها ألم!!

وأمّا الرأي الرابعـوهو كشف جديد كسابقهـما أنزل الله به من سلطان ،
إذ يقول صاحبه أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن مبتدءاً بأمره ، بل قال إئتوني أكتب لكم
كتاباً لمن طلب منه ذلك ، وأستدل على ذلك بقول العباس لعليّ : أنطلق بنا إلى
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإن كان الأمر فينا علمناه ، وكراهة عليّ هذا وقوله : لا أفعل
الحديث.

وهذا من الغرابة بمكان فإن قول العباس لعليّـلو صحـإنّما كان صبح
يوم الوفاة كان بعد حديث الرزية يوم الخميس بأربعة أيام ، فكيف يكون هو
السبب لتقديم الطلب ويكون النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مجيباً لا مبتدءاً ، كما في تاريخ ابن الأثير
وغيره فراجع.

سادساً : ابن الأثير الجزري

قال في كتابه النهاية : (هجر) ومنه حديث مرض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قالوا ما شأنه
أهجر ، أي أختلف كلامه بسبب المرض على سبيل الإستفهام ، أي هل تغيير
كلامه واختلط لأجل ما به من المرض ، وهذا أحسن ما يقال فيه ، ولا يجعل
اخباراً فيكون إمّا من الفحش أو الهذيان ، والقائل كان عمر ولا يظن به ذلك (1) .

التبرير الفطير عند ابن الأثير :

ليس من القسوة عليه ما وصفناه به ، فهو إذ لم يأتنا بجديد من عنده ، وكلّ
ما بذله من جهده ، أنّه أجترّ أقوال السابقين من علماء التبرير ، واستحسن ذلك ،
_______________________

(1)النهاية في غريب الحديث والأثر 4 / 255 ط الاُولى مطبعة الخيرية بمصر سنة 1322 ه‍
(مادة هجر).


وحيث مرّت بنا نماذج من أقوالهم وردّها ، فلا نطيل الوقوف ثانياً عندها. إلّا أنّ
من حقنا أن نسأله لما ذكر الحديث أوّلاً مبهِماً أسماء القائلين وهم جماعة. ثمّ
صرّح أخيراً باسم عمر وهو مفرد؟ فهل كان عمر هو الجماعة؟ (كلّ عضوٍ في
الروع منه جموع)؟

ولماذا قال أخيراً ولا يظن به ذلك؟ أليس ذلك من ابن الأثير هو التبرير
الفطير ، فلماذا لا يظن بعمر ذلك وهو رأس الحربة الّتي طعنت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في
فؤاده ، إذ عارضه فلم يمكّنه من بلوغ مراده.

فهل أنّ مقامه فوق مقام الرسول الكريم ، فيجب أن يحترم ولو على حساب
كرامة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، اللّهم إن هذا الرد بهتان عظيم.

سابعاً : النووي

قال : في شرحه صحيح مسلم : بعد مقدمة في عصمة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ممّا يخل
بالتبليغ : وليس معصوماً من الأمراض والأسقام العارضة للأجسام ونحوها ، ممّا لا
نقص فيه لمنزلته ولا فساد لما تمهد من شريعته ، وقد سحر صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى صار يخيّل
إليه أنّه فعل الشيء ولم يكن فعله ، ولم يصدر منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي هذا الحال كلام في
الأحكام مخالف لما سبق من الأحكام الّتي قرّرها.

ثمّ قال : فإذا علمت ما ذكرناه فقد أختلف العلماء في الكتاب الّذي همّ
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به.

فقيل : أراد أن ينص على الخلافة في انسان معين لئلا يقع نزاع وفتن.

وقيل : أراد كتاباً يبيّن فيه مهمات الأحكام ملخصة ليرتفع النزاع فيها ،
ويحصل الإتفاق على المنصوص عليه وكان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم همّ بالكتاب حين ظهر له


أنّه مصلحة أو أوحي إليه بذلك ، ثمّ ظهر أنّ المصلحة تركه أو أوحي إليه بذلك ،
ونسخ ذلك الأمر الأوّل.

وأمّا كلام عمررضي‌الله‌عنه فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنّه
من دلائل فقه عمر وفضائله ، ودقيق نظره ، لأنّه خشي أن يكتب صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أموراً ربّما
عجزوا عنها وأستحقوا العقوبة عليها لأنّها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها ، فقال
عمر : حسبنا كتاب الله لقوله تعالى : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (1) وقوله :
( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (2) ، فعلم أنّ الله تعالى أكمل دينه فأمن من الضلال
على الأمة ، وأراد الترفيه على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكان عمر أفقه من ابن عباس(3) .

مع النووي :

لابدّ لنا من وقفة مع النووي!

أوّلاً : في المقدمة الّتي ذكرها في عصمة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التبليغ وعدمها من
الأمراض والأسقام العارضة للأجسام فقال في ذلك : وقد سحر صلّى الله عليه
(وآله)وسلّم حتى صار يخيّل إليه أنّه فعل الشيء ولم يكن فعله ، وقد أعتبر ذلك
غير مضرّ برسالته.

فنقول له : إن ما ورد من أخبار القصّاص الجهال بأنه سحر حتى صار كيت
وكيت لا يمكن التصديق بها ، وإن رواها البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة
وغيرها ، فهي أشبه بحديث خرافة ، ويكفي في ردّها جملةً وتفصيلاً قول الله
_______________________

(1)الأنعام / 38.

(2)المائدة / 3.

(3)شرح صحيح مسلم للنووي 11 / 90 ط مصر.


تعالى حيث أنكر على الكفّار الظالمين قولهم :( وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا
رَجُلًا مَّسْحُورًا
) (1) والمسحور هو الّذي خبل عقله ، فأنكر الله تعالى ذلك. وذلك
لا يمنع من جواز أن يكون بعض اليهود قد اجتهد في ذلك فلم يقدر عليه ،
فأطلع الله نبيّه على ما فعله ، حتى استخرج ما فعلوه من التمويه ، فكان ذلك دلالة
على صدقه ومعجزة له.

قال ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد وقد ذكر الحديث عن عائشة فقال :
« وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم وأنكروه أشد الأنكار ، وقابلوه
بالتكذيب ، وصنف بعضهم فيه مصنفاً مفرداً حمل فيه على هشام وكان غاية ما
أحسن القول فيه ان قال غلط وأشتبه عليه الأمر ولم يكن من هذا شيء ، قال : لأن
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يجوز أن يسحر فإنّه يكون تصديقاً لقول الكفّار :( إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا
رَجُلًا مَّسْحُورًا
) (2) ، قالوا : وهذا كما قال فرعون لموسى :( إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ
مَسْحُورًا
) (3) ، وقال قوم صالح له :( إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) (4) ، وقال قوم
شعيب له : ( إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) ، قالوا : فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا ،
فإنّ ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم من الشياطين » (5) .

ثانياً : ما ذكره من اختلاف العلماء فذكر قولين :

أولهما : وهو الحقّ الّذي أباه عمر لأنّه أعترف بعد ذلك أمام ابن عباس بأن
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد عليّاً للأمر فمنعته من ذلك فتبيّن المراد عندما تبين العناد.

_______________________

(1)الإسراء / 47.

(2)الإسراء / 101.

(3)الشعراء / 153.

(4)الشعراء / 185.

(5)بدائع الفوائد 2 / 223.


وأمّا ثانيهما : فهو من نسج الخيال ولا نطيل فيه المقال لكننا نسأل النووي
عن مزاعمه التالية :

1ـقوله اتفق العلماء؟ فأين وقع؟ ومتى وقع؟ ثمّ كيف يزعم ذلك وهو
الّذي سبق منه أن قال : « اختلف العلماء » في المراد من الكتاب ، فهم حين
اختلفوا في المراد كيف اتفقوا على أنّ الحديث من دلائل فقه عمر وفضائله
ودقيق نظره لأنّه خشي أن يكتب أموراً الخ وفهم عمر على زعمه لا يتفق مع
أصحاب القول الأوّل ولم يرده عمر. وإنّما يتفق مع أصحاب القول الثاني فقط.
فكيف يكون اتفاق مع هذا الاختلاف؟

2ـقوله : « إنّه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره ». فكيف يزعم له
ذلك ولازمه أن يكون عمر أبصر بمصلحة الأمة من نبيها؟ ولعل النووي يرى
ذلك! ولكن لم يجرأ على البوح به فقال الّذي قال ، ومهما كان عمر فليس
يُصدّق زعم من يرى فيه أنّه خشي أن يكتب أموراً ربّما عجزوا عنها ، لأنّ مبنى
عذر النووي هو الخشية والاحتمال لا التحقق ، ومع ذلك ربّما تكون النتيجة
العجز ولربما لا تكون ، ولو سلمنا جدلاً أنهم عجزوا عنها فهم معذورون
و ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) (1) .

ثمّ إنّ عمر لم يكن مسدّداً بالوحي ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان ينزل عليه
الوحي ، فهلا احتمل بدقيق نظره؟ـكما يحلو للنووي وصفه بذلكـأنّ ما أمر
به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان من أمر الوحي فهو مأمور بالتبليغ عند الإطاعة ، فإذا
هم عصوا تركهم وتركاضهم في الضلال فلماذا منع عمر من امتثال أمر رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

_______________________

(1)البقرة / 286.


3ـكيف يكون عمر أفقه من ابن عباس لأنّه قال : « حسبنا كتاب الله ». ومن
المعلوم يقيناً أنّ الكتاب المجيد لم يتكفل ببيان جميع أحكام الشريعة بتفاصيلها ،
فخذ مثلاً حكم فريضة الصلاة الّتي هي عمود الدين فلم يرد في الكتاب المجيد
ما يبين جميع فروضها وأركانها وسائر أحكامها وسيأتي مزيد بيان حول عدم
الإستغناء في الأحكام بالكتاب وحده ، ولابدّ من أخذ السنّة معه.

ولنعد إلى تفضيل النووي لعمر على ابن عباس في فقاهته. ولنسأله أين
كانت فقاهة عمر غائبة عنه يوم يقول لابن عباس : « قد طرأت علينا عُضَل أقضية
أنت لها ولأمثالها » (1) .

وأين كانت فقاهته حين يقول له : « غص غواص »(2) .

فكيف يكون عمر أفقه من ابن عباس؟ وعمر هو القائل : « من كان سائلاً
عن شيء من القرآن فليسأل عبد الله بن عباس » (3) ، وأين غابت عنه فقاهته يوم
سئل عن مسألة فقال فيها ، فقام إليه ابن عباس فساره فقال : يا أميرالمؤمنين ليس
الأمر هكذا ، فأقبل عمر على العباسـوكان عندهـفقال له : يا أبا الفضل بارك
الله لك في عبد الله إنّي قد أمّرته على نفسي فإذا أخطأت فليأخذ عليَّ (4) إلى
غير ذلك ممّا قاله عمر وغير عمر في علم ابن عباس وسيأتي بعض تلك الأقوال
في تاريخه العلمي.

_______________________

(1)روى ابن سعد قول عمر عن سعد بن أبي وقاص بلفظ آخر : ولقد رأيت عمر بن الخطاب
يدعوه للمعضلات ثمّ يقول عندك قد جاءتك معضلة ثمّ لا يجاوز قوله وان حوله لأهل
بدر من المهاجرين والأنصار (طبقات ابن سعد 2 ق2 / 122) ، وراجع فضائل الصحابة
لأحمد بن حنبل برقم 1913.

(2)طبقات ابن سعد (الطبقة الخامسة) 1 / 141 تح‍ السُلمي ، وسير أعلام النبلاء 3 / 246 ط
مؤسسة الرسالة ، وفضائل الصحابة 2 / 681 ط مؤسسة الرسالة.

(3)فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل برقم 1893 ط مؤسسة الرسالة بيروت سنة 1403.

(4)فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2 / 982 برقم 1942 ط مؤسسة الرسالة.


ولا يفوتني تنبيه القارئ إلى أنّ النووي لم يكن بدعاً في قومه فله أمثال ابن
بطال والقسطلاني من شرّاح البخاري الّذين يذهبون مذهبه فقد قالوا : وعمر أفقه
من ابن عباس حيث أكتفى بالقرآن ولم يكتف ابن عباس به! ولا حاجة بنا إلى
إبطال أقوال ابن بطال وغيره فهم في التزوير أبطال ، ولكن لابدّ من وقفة قصيرة
للموازنة بين فقه عمر وبين فقه ابن عباس ، بعد معرفة معنى الفقه.

فأقول : لقد جاء في (المفردات في غريب القرآن الكريم) للراغب
الأصبهاني ، مادة : فقه : (الفقه) : هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد ، فهو أخص
من العلم ويعني بذلك أنّ فقه الشيء يحتاج إلى جهد ذهني من الإنسان ليصل
إلى فهم أمره ، إمّا باستنباط من أمر ، أو ظاهر نص يجده.

أمّا العلم فهو قد يحصل دون جهد وتفكير ، وقد يحصل ببذل جهد أيضاً ،
فالفقه أخص من العلم ، فكم من عالم ليس بفقيه ، ولذلك قال علماء اللغة : الفقه
هو الفهم ، أي فهم حقيقة الشيء وإدراك معناه ، ولهذا نفى الله تعالى الفقه عن
الكفّار فقال : ( لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا ) (1) . وإذا عرفنا معنى الفقه وأنّه الفهم
لحقيقة الأمر ، فلنرجع إلى مقالة ابن بطال والنووي لنرى مَن هو الأفقه من
الرجلين ابن عباس أو عمر؟

أيهما أفقه عمر أم ابن عباس؟

لا أريد أستباق الشواهد الدالة على أفقهية ابن عباس وللحديث عنها مجال
آخر. ولكن لابدّ لي من ذكر شاهد واحد يصلح للموازنة بين الرجلين وذلك ما
أخرجه جملة من أئمّة الحديث ممّن لا يتهمون في نقله كابن الجوزي والحاكم
والبيهقي وابن كثير وابن حجر والسيوطي وغيرهم.

_______________________

(1)الأعراف / 179.


عن عكرمة قال : قال ابن عباس : « دعا عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه أصحاب
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسألهم عن ليلة القدر؟ فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر. فقلت
لعمر : إنّي لأعلم وإنّي لأظن أيّ ليلة هي ، قال : وأيّ ليلة هي؟ قلت سابعة تمضي
أو سابعة تبقى من العشر الأواخر.

قال : ومن أين تعلم؟

قال قلت : خلق الله سبع سموات ، وسبع أرضين ، وسبعة أيام وإنّ الدهر
يدور في سبع ، وخلق الإنسان فيأكل(؟)ويسجد على سبعة أعضاء ، والطواف
سبع ، والجبال سبع.

فقال عمررضي‌الله‌عنه لقد فطنت لأمر ما فطنّا له.

وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال : كنت عند عمر وعنده أصحابه
فسألهم فقال : أرأيتم قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ليلة القدر التمسوها في العشر الأواخر
وترا أي ليلة ترونها؟ فقال بعضهم : ليلة أحدى وقال بعضهم : ليلة ثلاث ، وقال
بعضهم : ليلة خمس ، وقال بعضهم : ليلة سبع ، وأنا ساكت فقال : مالك لا تتكلم؟
قلت : إنك أمرتني أن لا أتكلم حتى يتكلموا. فقال : ما أرسلت إليك إلّا لتتكلم
فقلت : إني سمعت الله يذكر السبع ، فذكر سبع سموات ومن الأرض مثلهن ،
وخلق الأنسان من سبع ، ونبت الأرض سبع.

فقال عمررضي‌الله‌عنه : هذا أخبرتني ما أعلم ، أرأيت ما لم أعلم قولك : (نبت
الأرض سبع) قال : قال الله عزوجل :( ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا *
وَعِنَبًا وَقَضْبًا
* وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) (1) .

_______________________

(1)عبس / 26 ـ 31.


قال : فالأبّ ما أنبتت الأرض ممّا تأكله الدواب والأنعام ولا يأكله الناس.

قال فقال عمررضي‌الله‌عنه لأصحابه : أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الّذي لم
تجتمع شئون رأسه ، والله إنّي لأرى القول كما قلت » (1) .

هذا شاهد واحد ممّا يرويه أصحاب الحديث ممّن لا يتهمون على عمر.
ثمّ دع عنك ابن عباس فإنّه حبر الأمة وترجمان القرآن ، وهلم إلى سائر الناس
الّذين كانوا أعلم وأفقه من عمر باعترافه ، وإليك جملة من اعترافاته :

1 ـ قال : « كلّ الناس أفقه منك يا عمر »(2) .

2 ـ قال : « كلّ الناس أفقه من عمر » قالها في واقعتين(3) .

3 ـ قال : « كلّ أحد أفقه مني قالها ثلاثاً »(4) .

4 ـ قال : « كلّ واحد أفقه منك حتى العجائز يا عمر »(5) .

5 ـ قال : « كلّ واحد أفقه منك يا عمر »(6) .

6 ـ قال : « كلّ الناس أعلم منك يا عمر »(7) .

7 ـ قال : « كلّ الناس أعلم من عمر »(8) .

إلى غير ذلك من أقواله.

_______________________

(1)أنظر مسند عمر / 87 ، مستدرك الحاكم 1 / 438 وصححه ، سنن البيهقي 4 / 313 ، تفسير
ابن كثير 4 / 533 ، تفسير السيوطي 6 / 374 ، فتح الباري 4 / 211.

(2)العقد الفريد 3 / 416.

(3)أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 61 ، ونور الأبصار للشبلنجي / 79.

(4)الرياض النضرة 2 / 196.

(5)نور الأبصار / 65.

(6)الرياض النضرة 2 / 57.

(7)الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 14 / 277.

(8)تفسير الكشاف 2 / 445.


فكيف يمكن تصديق الزعم بأنّه في تصرفه الشاذ يوم الخميس وكلمته
النابية في حقّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخيراً قوله حسبنا كتاب الله يكون أفقه من أبن
عباس؟!

ولست في مقام المفاضلة ولكن أود تنبيه القارئ إلى أنّ ابن عباس كان قد
حفظ المحكم على عهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وعمر لم يحفظ سورة البقرة إلّا في أثنتي
عشرة سنة (1) .

ثمّ أليس عمر هو الجاهل والسائل من أبي واقد الليثي : « بأي شيء كان
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأ في مثل هذا اليوم »(2) ـ وكان ذلك يوم العيدـ.

فمن كان يجهل ما كان يقرأه النبيّ في صلاة العيد كيف يمكن أن يُزعم
له بأنّه أفقه من ابن عباس؟

اللّهم إنّ ذلك من أكبر الشطط والغلط.

وأخيراً لا آخراً فقد أخرج البيهقي في شعب الإيمان ، والضياء المقدسي
في المائة المختارة والخوارزمي في الجامع عن إبراهيم التيمي قال : « خلا عمر
ذات يوم فأرسل إلى ابن عباس فقال له : كيف تختلف هذه الأمة وكتابها واحد
ونبيها واحد وقبلتها واحدة؟

_______________________

(1)في شرح الموطأ للزرقاني 2 / 194 ما لفظه : وأخرج الخطيب في رواية مالك عن ابن عمر
قال : تعلم عمر في أثنتي عشرة سنة فلمّا ختمها نحر جزوراً.

جاء في ربيع الأبرار 2 / 77 ط الأوقاف ببغداد : حفظ عمر سورة البقرة فنحر وأطعم.

(2)هذا ما أخرجه عنه أصحاب الصحاح والسنن كمسلم في صحيحه 1 / 242 ، وأبي داود في
سننه 2 / 280 ، ومالك في الموطأ 1 / 147 ، وابن ماجة في سننه 1 / 188 ، والترمذي في
صحيحه 1 / 106 ، والنسائي في سننه 3 / 184 ، والبيهقي في سننه 3 / 294.


قال ابن عباس : إنّا اُنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيم نزل ، وأنّه يكون
بعدنا أقوام يقرأون القرآن لا يعرفون فيم نزل ، فيكون لكلّ قوم فيه رأي ،
وإذا كان كذلك اختلفوا » (1) .

وأخرج أحمد في مسنده(2) ، والبيهقي في السنن الكبرى(3) بعدة طرق : عن
كريب عن ابن عباس أنّه قال له عمر : « يا غلام هل سمعت من رسول الله صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم أو من أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته
ماذا يصنع؟

قال : فبينما هو كذلك إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف قال فيم أنتما؟

فقال عمر : سألت هذا الغلام هل سمعت من رسول الله صلّى الله عليه
(وآله)وسلّم أو أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع؟ فقال
عبد الرحمن : سمعت رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم يقول : (إذا شك
أحدكم ...) الحديث ».

فعمر الخليفة وهو لا يعرف حكم الشك في الصلاةـوهي فريضة يأتي بها
المسلم كلّ يوم خمس مراتـحتى يسأل عن حكم الشك فيها من ابن عباس
وهو بعد غلام. ولم يكن عند ابن عباس في ذلك سماع في الحكم. كيف يكون
هو أفقه؟

_______________________

(1)كنز العمال 2 / 215 ط حيدر آباد (ثمانية) ، ومفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنّة للسيوطي
1 / 46 ط الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ط الثالثة ، والجامع لأخلاق الراوي وآداب
السامع للخطيب البغدادي 2 / 194 ط مكتبة المعارف بالرياض.

(2)مسند أحمد 1 / 190 و 195.

(3)السنن الكبرى 2 / 332.


ثامناً : ابن تيمية

قال في كتابه منهاج السنّة بعد حكايته قول العلّامة ابن المطهر الحلي في
حديث الكتف والدواة فقال رداً عليه : والجواب أن يقال : أمّا عمر فقد ثبت من
علمه وفضله ما لم يثبت لأحد غير أبي بكر ، ففي صحيح مسلم عن عائشة عن
النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أنّه كان يقول : قد كان في الأمم قبلكم
محدّثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر(!؟).

قال ابن وهب : تفسير : (محدّثون ملهمون)... إلى آخر ما ذكره من سياق
وشواهد على إلهام عمر بما لا ينفعه بل عليه أضرّ.

ثمّ قال : وأمّا قصة الكتاب الّذي كان رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم
يريد أن يكتبه فقد جاء مبيناً في الصحيحين عن عائشة رضي‌الله‌عنها قالت قال رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى
متمن ويقول قائل أنا أولى ، ويأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر.

ثمّ ساق حديثاً آخر عن البخاري نحو ما سبق ، وأتبعه بثالث عن مسلم عن
عائشة وسئلت من كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مستخلفاً لو استخلف؟ قالت : أبو بكر. فقيل
لها ثمّ مَن بعد أبي بكر؟ قالت : عمر. قيل لها ثمّ مَن بعد عمر قالت : أبو عبيدة
عامر بن الجرآح ثمّ انتهت إلى هذا. ثمّ قال : وأمّا عمر فأشتبه عليه هل كان قول
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من شدة المرض أو كان من أقواله المعروفة ، والمرض جائز على
الأنبياء ولهذا قال : ما له أهجر ، فشك في ذلك ولم يجزم بأنّه هجر ، والشك جائز
على عمر ، فإنه لا معصوم إلّا النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم ، لاسيما وقد شك
بشبهة ، فإنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان مريضاً فلم يدر أكلامه كان من وهج المرض كما
يعرض للمريض ، أو كان من كلامه المعروف الّذي يجب قبوله.


ولذلك ظن أنّه لم يمت حتى تبين أنّه قد مات ، والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد عزم على أن
يكتب الكتاب الّذي ذكره لعائشة ، فلمّا رأى أنّ الشك قد وقع ، علم أنّ الكتاب لا
يرفع الشك فلم يبق فيه فائدة.

وعلم أنّ الله يجمعهم على ما عزم عليه ، كما قال : (ويأبى الله والمؤمنون إلّا
أبا بكر).

وقول ابن عباس : إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلّى الله عليه
(وآله)وسلّم وبين أن يكتب الكتاب ، يقتضي أنّ هذا الحائل كان رزية ، وهو
رزية في حق من شك في خلافة الصديق أو أشتبه عليه الأمر ، فإنه لو كان هناك
كتاب لزال هذا الشك.

فأمّا من علم أنّ خلافته حقّ فلا رزية في حقه ولله الحمد.

ومن توهم أنّ هذا الكتاب كان بخلافة عليّ فهو ضال باتفاق عامة الناس
من علماء السنّة والشيعة(؟). أمّا أهل السنّة فمتفقون على تفضيل أبي بكر
وتقديمه.

وأمّا الشيعة القائلون بأنّ عليّاً كان هو المستحق للإمامة فيقولون إنّه قد
نُص على إمامته قبل ذلك نصاً جلياً ظاهراً معروفاً ، وحينئذ فلم يكن يحتاج
إلى كتاب.

وإن قيل : إن الأمة جحدت النص المعلوم المشهور فلأن تكتم كتاباً حضره
طائفة قليلة أولى وأحرى.

وأيضاً فلم يكن يجوز عندهم تأخير البيان إلى مرض موته ، ولا يجوز له
ترك الكتاب لشك من شك ، فلو كان ما يكتبه في الكتاب ممّا يجب بيانه وكتابته


لكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبيّنه ويكتبه ولا يلتفت إلى قول أحد فإنّه أطوع الخلق له ، فعلم
أنّه لما ترك الكتاب لم يكن الكتاب واجباً ولا كان فيه من الدين ما تجب كتابته
حينئذٍ ، إذ لو وجب لفعله.

ولو أنّ عمر اشتبه عليه أمر ثمّ تبين له أو شك في بعض الأمور فليس
هو أعظم ممّن يفتي ويقضي بأمور ، ويكون النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد حكم بخلافها
مجتهداً في ذلك ، ولا يكون قد علم حكم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّ الشك في الحقّ
أخف من الجزم بنقيضه ، وكلّ هذا باجتهاد سائغ كان غايته أن يكون من
الخطأ الّذي رفع المؤاخذة به (1) إلى آخر ما ذكره من تهويش وتشويش
لا يسمن ولا يغني.

مع ابن تيمية :

وفي كلامه مواقع كثيرة للنظر نشير إلى بعضها :

أوّلاً : زعمه فضل عمر على الأمة بعد أبي بكر وانه كان محدّثاً ملهما؟ وهذا
منطق علماء التبرير في كلّ زمان ، ولكن لنا أن نسأل أين يغيب عنه ذلك الفضل
والإلهام حين تعتاص عليه الأمور ، فلا يجد مخرجاً إلّا عند الآخرين ، فيلجأ إلى
الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وما أكثر المواطن الّتي قال فيها : « لولا عليّ لهلك
عمر » ، و « لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن »؟

وأين يكون ذلك الفضل المزعوم والإلهام الموهوم حين تطرأ عليه العضل
وهو لا يعرف لها مخرجاً ، فيدعو ابن عباس فيقول له : « قد طرأت علينا عضل
أقصية أنت لها ولأمثالها »؟

_______________________

(1)منهاج السنّة 3 / 134 ـ 135 ط أفست بولاق سنة 1322 ه‍.


وخلّ عنك عليّاً وابن عباس فالأوّل باب مدينة علم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والثاني حبر
الأمة ، ولا غضاضة عليه لو رجع إليهما. ولكن كيف يفضل على جميع الأمة عدا
أبي بكر ، وهو دون مستوى الكثير الكثير من الصحابة وقد مرّت بنا أقواله الّتي
قالها : « كلّ الناس أفقه منك يا عمر » (1) . وقوله الآخر : « كلّ أحد أفقه من
عمر » (2) . لكن علماء التبرير يأبون ذلك لا عن حجة ولكن دفعاً بالصدر.

ثانياً : زعمه أنّ الّذي أراد أن يكتبه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو خلافة أبي بكر ، وهذا قد
مرّ مثله عند ابن حزم وغيره ، فلا حاجة إلى الوقفة عنده طويلاً سوى إنّا نود أن
نسأل ابن تيمية الّذي استدل بثلاثة أحاديث كلّها عن عائشة فالأوّل عن
الصحيحين ثمّ الثاني عن البخاري وحده وهذا ما استدل به غيره أيضاً ومرّ ما
عندنا فيهما ، ولكن ما رأي علماء التبرير وابن تيمية منهم في الحديث الثالث
الّذي رواه عن مسلم. وفيه ترشيح أبي عبيدة للخلافة من بعد عمر؟ فأين كان
الرواة عنه يوم السقيفة لحسم النزاع بين المهاجرين والأنصار وأحسبه لم يختلق
بعد ، بل أحسبه من الموضوعات أيام النفرة بينها وبين عثمان حين كانت تقول :
« اقتلوا نعثلاً فقد كفر » (3) ، ولو كان له أدنى نصيب من الصحة لذكر فيه عثمان
بعد عمر لأنّه الّذي تولى الخلافة ، وعلماء السلطان يروون في ترتيبهم ما ينسبونه
إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مثل ذلك.

ثالثاً : زعمه أنّ عمر أشتبه عليه الأمر ، لماذا ذلك وهو صاحب الإلهام
المزعوم وأنّه لو كان من المحدّثين أحد في هذه الأمة لكان هو؟

_______________________

(1)كشف الخفاء للعجلوني 1 / 466 و 2 / 153 و 155 ط مؤسسة الرسالة بيروت.

(2)سنن سعيد بن منصور 1 / 195 ط دار العصيمي بالرياض ، وكتاب الزهد لابن أبي عاصم
1 / 114 ط دار الريان للتراث بالقاهرة.

(3)شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 97 و 114 ط الأولى بمصر.


ثمّ كيف يشتبه عليه قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هل كان من شدة المرض أو كان من
أقواله المعروفة؟ فهل أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال مبهِماً ومتمتِماً؟ أو لم يقلها كلمة
صريحة فصيحة (إئتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً )؟
أين الكلام الّذي يوجب الاشتباه؟

ثمّ لماذا لم يشتبه ذلك على غير عمر ممّن حضر عنده؟ ولماذا أحصر
عمر عندما اشتبه عليه الحال إلّا أن يقول : « إنّ النبيّ ليهجر »؟

نعم كلّ ما يهدف إليه ابن تيمية هو تبرئة عمر من وزر الكلمة وإن تم
ذلك على حساب قدسية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكرامته. ولكن الإعتذار باشتباه عمر لا يرفع
عنه الوزر ما دام هو يقرّ لابن عباس بأنه عرف مراد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الكتاب
وأنّه أراد أن يكتب لابن عمه فمنع منه وفيما تقدم في الصورتين الثالثة والرابعة
من صور الحديث ما يؤكد منعه عن معرفة بالمراد ، وكان المنع منه عن سبق
إصرار وعناد فراجع.

رابعاً : زعمه أنّ قول ابن عباس : « الرزية كلّ الرزية » إنّما هو في حقّ من
شك في خلافة أبي بكر أو أشتبه عليه الأمر ، فأمّا من علم أنّ خلافته حقّ فلا
رزية في حقّه؟

ولنا أن نسأل ابن تيمية عن ابن عباس صاحب الكلمة هل كان شاكاً أو
مشتبهاً عليه الأمر؟ أو كان عالماً بحقيقة خلافة أبي بكر؟ والثاني منفي لأنّه هو
صاحب الكلمة وهو يتحدث عن نفسه ويعبر عن شعوره ، إذن هو من الشاكين
أو المشتبه عليهم الأمر في تحديد ابن تيمية. وإذا كان كذلك ، فابن عباس غير
مؤمن بحكم ما يرويه البخاري عن عائشة من حديث ارادة أستخلاف أبي بكر


وفيه : يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر. فهل يقول بذلك أبن تيمية؟ وإذا قال
بذلك فليعطف عليه كلّ من أبى خلافة أبي بكر من سائر الصحابة. ثمّ بعد ذلك
ليبحث ابن تيمية وأضرابه عن حجة لإثبات عدالة جميع الصحابة خصوصاً من
أبى خلافة أبي بكر ولم يبايعه حتى مات مثل الزهراء وسعد بن عبادة ، أو تخلّف
عن البيعة إلى ستة أشهر كعليّ وجميع بني هاشم وآخرين من شيعتة من الصحابة
كما ستأتي أسماؤهم ، أو يتخلّوا عن مقولة الصحابة كلّهم عدول.

خامساً : زعمه أنّ من توهم أنّ هذا الكتاب كان بخلافة عليّ فهو ضال
باتفاق عامة الناس الخ. إذا كان هذا حكم ابن تيمية فيمن توهم ذلك ، فما هو
حكمه فيمن تيقن وقطع به؟

فهل يبقى ضالاً أم يزيد في عقوبته؟

ومهما يكن حكمه فإنا نقول له لقد حكمت على إمامك عمر بالضلالة من
دون أن تشعر. لأنّ عمر كان يقول بذلك جازماً غير شاك ولا مرتاب ، وقد
اعترف به لابن عباس كما أشرنا إلى ذلك مراراً ، وذلك من عمر أعتراف خطير
يدمغ رؤوس علماء التبرير.

سادساً : زعمه اتفاق عامة الناس ، وتلفيقه الاتفاق من أهل السنّة
الذين يقولون بتفضيل أبي بكر وهذا لا كلام لنا فيه ، ولكن هلمّ الخطب
فيما زعمه اتفاق الشيعة معهم على أنّ الكتاب لم يكن بخلافة عليّ بتقريب
أنّ الشيعة يقولون بالنصّ الجلي على عليّ قبل ذلك اليوم ، فهو لا يحتاج إلى
الكتاب يومئذ.


وهذا من مناوراته الخبيثة ، وكأنّ تأكيد النص كتابة بعد أن كان شفاها
ممنوع عقلاً أو شرعاً.

فليكن الشيعة وهم يذكرون النص السابق الجلي الظاهرـوهو بيعة يوم
الغديرـوما سبقها منذ بدء الدعوة وما لحق بها ، لكن لا مانع من تأكيد ذلك
بالكتاب ليكون أقوى حجة في دفع الخصوم الّذين سوّلت لهم أنفسهم فنابذوه
وأضبّوا على عداوته مع وجود النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين ظهرانيهم.

ولماذا لا يكون الكتابـلو تمّـأقوى حجة وأظهر دليلاً وهو المتكفل
بعصمة الأمة من الضلالة.

لكن عناصر الشغب الّذين أظهروا كوامن أحقادهم عرفوا أنّه لو تمّ الكتاب
فلا يبقى لهم حساب ، لذلك أصروا على التمرد والعناد ، وعدم امتثال أوامر
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكانت الصلعاء والشوهاء منهم تخلفهم عن جيش اُسامة والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
ينادي : (أنفذوا جيش اُسامة ، لعن الله من تخلف عن جيش اُسامة) (1) ، وما كان
ذلك منهم إلّا بعد أن تيقنوا انّ المراد بالكتاب هو خلافة عليّ ، فألقحها ابن
الخطاب فتنة عمياء حين قال كلمته الرعناء : « انّ النبيّ ليهجر » فنسف كلّ ما
أراده النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك (غمّ) أغمي عليه من شدة الصدمة ، ووقع الاختلاف
والنزاع ، فأفاق صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وطردهم وقال : (قوموا عني).

ولمّا قال له بعض أهل بيته ألا نأتيك بالّذي طلبت وان رغمت معاطس؟
فقال : (أبعد الّذي قال قائلكم) هذا بعض ما في كلام ابن تيمية من شطط في
القول وخطل في الرأي.

_______________________

(1)أنظر الملل والنحل للشهرستاني 1 / 23 ط الثانية سنة 1395 ه‍.


تاسعاً : الشاطبي

قال في كتاب الاعتصام : ولقد كانعليه‌السلام حريصاً على إلفتنا وهدايتنا ، حتى
ثبت من حديث ابن عباس رضي‌الله‌عنهما أنّه قال : لمّا حُضر النبيّ صلّى الله عليه(وآله)
وسلّم قال وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب رضي‌الله‌عنهم ـفقال : (هلمّ أكتب
لكم كتاباً لن تضلوا بعده) فقال عمر : انّ النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم غلبه
الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله ، واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم
من يقول : قرّبوا يكتب لكم رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم كتاباً لن تضلوا
بعده ، ومنهم من يقول كما قال عمر ، فلمّا كثر اللغط والاختلاف عند النبيّ صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم قال : (قوموا عني) فكان ابن عباس يقول : الرزية كلّ الرزية
ما حال بين رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم وبين أن يكتب لهم ذلك
الكتاب من اختلافهم ولغطهم.

فكان ذلكـوالله أعلمـوحياً أوحى الله إليه أنّه إن كتب لهم ذلك
الكتاب لم يضلوا بعده البتة ، فتخرج الأمة عن مقتضى قوله : ( وَلَا يَزَالُونَ
مُخْتَلِفِينَ
) بدخولها تحت قوله :( إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ) (1) . فأبى الله إلّا ما سبق به
علمه من أختلافهم كما أختلف غيرهم.

رضينا بقضاء الله وقدره ، ونسأله أن يثبتنا على الكتاب والسنّة ويميتنا على
ذلك بفضله (2) .

مع الشاطبي :

لعل القارئ أدرك كيف حاول الشاطبي أستغفال القرّاء في تبريره ،
ومراوغته ، فهو حين يبدو حريصاً على إظهار نفسه بواقعية مقبولة يكسب فيها
_______________________

(1)الحديد / 7.

(2)الاعتصام 3 / 12.


قارئ كلامه ، لكنه سرعان ما تطغى عليه جبريته في سبيل تبرئة عمر ، فيلقى اللوم
على السماء ، وبتعبير أصح يلتمس العذر له من السماء. فانظر إلى قوله : « إنّ
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان حريصاً على إلفتنا وهدايتنا » ، وأستدل بحديث ابن عباسرضي‌الله‌عنهما
وهو حديث الرزية. وهذا صحيح في واقعه ولا غبار عليه.

وأنظر إلى قوله في تعقيبه على ذلك :

« فكان ذلكـوالله أعلمـوحياً أوحى الله إليه إنّه إن كتب لهم ذلك
الكتاب لم يضلوا بعده البتة ، فتخرج الأمة عن مقتضى قوله : ( وَلَا يَزَالُونَ
مُخْتَلِفِينَ
) بدخولها تحت قوله :( إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ) (1) ».

وهذا أيضاً من مقبول القول وبه كسب القارئ إلى قبول ما يقوله. فسرعان
ما أستغفله بقوله : « فأبى الله إلّا ما سبق به من علمه من اختلافهم كما اختلف
غيرهم ».

فأنظر إلى هذا التبرير الفجّ!

الله سبحانه وتعالى هو الّذي أوحى إلى نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يأمر بالكتاب الّذي لا
يضلون بعده ، والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدوره يأمر بذلك. وعمر يمنع من ذلك ، ويُحدث الفرقة
في الحاضرين ، ثمّ يقع الخصام وينتهي بطرد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للمنازعين. ومع ذلك كلّه
يقول : « فأبى الله إلاّ ما سبق في علمه من اختلافهم ».

ومن الغريب العجيب ينأى عن إدانة السبب في المنع ، ويحمّل السماء تلك
الإدانة ، وإنّ الله أبى إلّا ما سبق في علمه؟

وهل هذا إلّا إستغفال للقراء واستخفاف بالعقول!! وليس لنا إلّا أن نقول
كما قال : رضينا بقضاء الله وقدره.

_______________________

(1)الحديد / 7.


عاشراً : ابن حجر العسقلاني

قال في فتح الباري كلاماً كثيراً نثره وكرّر أكثره في أجزاء كتابه ، تبعاً
لصحيح البخاري لورود الحديث في مختلف أبوابه ، لكنه أطال الكلام في
موضعين : في كتاب العلم باب كتابة العلم (1) ، وفي كتاب المغازي باب مرض
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (2) ، ولم يأتنا بشيء جديد ، ولم نتجن عليه في ذلك فقد اعترف بذلك
في الموضع الثاني فقال : وقد تكلم عياض وغيره على هذا الموضع فأطالوا ،
ولخصه القرطبي تلخيصاً حسناً ثمّ لخصته من كلامه وحاصله : فذكر ما لخصه ،
ولما كنا نحن قد ذكرنا كلام عياض بطوله ، وناقشناه فيه ، لذلك أعرضنا عن ذكر
كلام القرطبي إلّا عرضاً ، وكذلك نعرض عن ابن حجر إلّا ما جاء به من عند
نفسه. فقد قال وهو ينقل الأحتمالات الّتي ذكرها القرطبي في تعريف قائل
الكلمة : ويظهر منه ترجيح ثالث الإحتمالات الّتي ذكرها القرطبي ويكون قائل
ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام ، وكان يعهد أنّ من أشتد عليه الوجع قد
يشتغل به عن تحرير ما يريد أن يقوله لجواز وقوع ذلك. ولهذا وقع في الرواية
الثانية فقال بعضهم : أنّه قد غلبه الوجع. ووقع عند الإسماعيلي من طريق محمّد
ابن خلاد عن سفيان في هذا الحديث فقالوا : ما شأنه يهجر؟! أستفهموه ، وعن ابن
سعد من طريق أخرى عن سعيد بن جبير : إنّ نبيّ الله ليهجر ، ويؤيده أنّه بعد أن
قال ذلك استفهموه بصيغة الأمر بالاستفهام ، أي اختبروا أمره بأن يستفهموه عن
هذا الّذي أراده وابحثوا معه في كونه الأولى ، أوّلاً.

_______________________

(1)فتح الباري 1 / 219.

(2)نفس المصدر 9 / 197.


مع ابن حجر العسقلاني :

من الغريب أمر هذا الرجل فهو يختار مرجحاً انّ القائل لكلمة الهجر سواء
كانت إخباراً أو إنشاءاً هو من بعض قرب دخوله في الإسلام؟ مع أنّه سبق منه في
تفسير معنى الهجر والهذيان فقال : « والمراد بهـيعني الهجرـفي الرواية ما يقع
من كلام المريض الّذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته. ووقوع ذلك من النبيّ
صلّى الله عليه(وآله)وسلّم مستحيل ، لأنّه معصوم في صحته ومرضه لقوله تعالى :
( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ) (1) ، ولقوله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم : (إنّي لا أقول في
الغضب والرضا إلّا حقاً) ، وإذا عرف ذلك ، فإنّما قاله من قاله منكر على من
توقف في أمتثال أمره باحضار الكتف والدواة.

فكأنّه قال كيف تتوقف؟ أتظن أنّه كغيره يقول الهذيان في مرضه
وأحضره ما طلب فإنّه لا يقول إلّا الحقّ ا ه‍ ».

أقول : فأين صار ترجيحه بأنّ القائل هو من قرب دخوله في الإسلام وكان
يعهد أنّ من اشتد عليه الوجع الخ؟ ثمّ ما باله يشرّق تارة ويغرّب أخرى بين
الرأيين ، بينما يعترف هو بنفسه تبعاً لما ورد في صحيح البخاري في الموارد
الآتية بأنّ القائل هو عمر. فأي أقواله هو الصحيح؟ ليس ذلك منه إلّا استماتة في
الستر على مقولة عمر. وهل هذا منه إلّا كذباً من القول وتمويهاً على القارئ وتشويهاً
للحقيقة.

وما أدري كيف استساغ أن يقول ذلك ، وفي صحيح البخاري الّذي هو يشرحه
قد ورد التصريح بأنّ القائل هو عمر ، ورد ذلك في ثلاثة مواضع ، وهي كما يلي :

_______________________

(1)النجم / 3.


1ـفي كتاب العلم باب كتابة العلم : قال عمر : « انّ النبيّ صلّى الله عليه
(وآله)وسلّم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا » (1) .

2ـفي كتاب المرضى باب قول المريض قوموا عني : فقال عمر : « انّ النبيّ
صلّى الله عليه(وآله)وسلّم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب
الله فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول : قربوا يكتب لكم النبيّ صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم كتاباً لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر » (2) .

3ـفي كتاب الاعتصام باب كراهية الاختلاف قال عمر : « انّ النبيّ صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله واختلف
أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول : قربوا يكتب لكم رسول الله صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم كتاباً لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر » (3) .

هذه هي الموارد الّتي صرّح فيها بأسم عمر ، وقد شرحها ابن حجر في
كتابه وصرّح بها بذكر عمر تبعاً للبخاري ، أمّا الموارد الأربعة الأخرى الّتي غمغم
فيها البخاري أو الرواة قبله فلم يذكروا اسم عمر. نجد ابن حجر في شرحه لها
يورد اسم عمر مدافعاً عنه.

ثمّ إذا كان في نظره أنّ القائل (هو بعض من قرب دخوله في الإسلام) ،
فهل يعني بذلك أنّ عمر كان كذلك؟ وهذا ما لا يكاد تصديقه ولا يمكن أن
يكون مراده ، لأنّ عمر أسلم قبل ذلك اليوم بأكثر من خمس عشرة سنة ، وليس
هو بقريب عهد بالإسلام وإذا لم يكن يعني عمر فمن هو ذلك الرجل المزعوم
_______________________

(1)صحيح البخاري 1 / 30.

(2)نفس المصدر 7 / 120.

(3)نفس المصدر 9 / 111.


الذي قرب دخوله في الإسلام؟ وما اعتذاره إلّا استخفاف بعقول الناس
واستجهال لهم على غير أستحياء ، فهو إذ لم يصب الهدف المنشود يكشف عن
بلادته أيضاً حين جانب الدقة في كلامه ، فتخيل بهذه الفهفهة الفجّة يغطي ما لا
يضمّه ستر ، وأنى له ذلك ، فهو مهما أوتي من براعة التزييف وامعان في المغالاة
لا يستطيع التستر على اسم القائل ، ولا الإعتذار عنه ، ولكن ما الحيلة معه ومع
أمثاله ، وهذا شأن من يقول ما يشاء من دون تورّع ، ولا يبالي بما يقال فيه ، وهذه
سجية علماء التبرير إذ يسوقهم خطأ التقدير ، إلى مهاوي التحوير والتزوير.

الحادي عشر : القسطلاني

وهذا الرجل لدة قومه يدلي بدلوهم ويمتح من غربهم ، ولا يجاوز طريقتهم
في تضارب الأقوال ، فهو وبعبارة أوضح يجترّ أقوال السابقين ، من دون التفات لما
فيها من هنات وهنات. لذلك كثر عنده التناقض ، وأظن أنّ القارئ يكتفي ببعض
الشواهد على ذلك :

1ـفمثلاً قال في كتابه إرشاد الساري في شرح (أكتب لكم كتاباً) : « فيه
النص على الأئمّة بعدي أو أبين فيه مهمات الأحكام » (1) .

ولكنه جاء بجديده فيما يحسب في شرح (ولا ينبغي عند نبيّ تنازع) فقال :
« والظاهر إنّ هذا الكتاب الّذي أراده إنّما هو في النص على خلافة أبي
بكر » (2) ، وأبطل قول من قال أنّه بزيادة أحكام ، لكنه عاد في شرح (لكم
كتاباً) فقال : « فيه استخلاف أبي بكر بعدي أو فيه مهمات الأحكام » (3) .

_______________________

(1)إرشاد الساري 1 / 207.

(2)نفس المصدر 5 / 169.

(3)نفس المصدر 8 / 355.


فأنظر إلى أقواله هذه : فهو أوّلاً جعل المراد كتابته النص على الأئمّة أو بيان
مهمات الأحكام ، ثمّ أستظهر أنّ الكتاب إنّما هو في النص على خلافة أبي بكر
قال ذلك بضرس قاطع وقد جاء بأداة الحصر (إنّما) وأبطل زعم أنّ فيه زيادة
أحكام ، ثمّ عاد ثالثاً فجعل المراد مردداً بين استخلاف أبي بكر أو مهمّات
الأحكام.

2 ـ وشاهداً آخر على تناقضه قال : (فاختلفوا) أي الصحابة عند ذلك(1) .

وقال : (فاختلف أهل البيت) الّذين كانوا فيه من الصحابة لا أهل بيته صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم (2) .

لكنه قال مرة أخرى : (فاختلف أهل البيت) النبوي؟(3)

فأنظر إلى تناقضه!!

فهو أوّلاً قال : « هم الصحابة » ، وأكد ذلك ثانياً ونفى أن يكون أهل بيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
من أولئك الّذين جاؤا بالإختلاف ، ولكنه فجأة وبجرة من القلم بوعي أو غير
وعي قال : « فاختلف أهل البيت » النبوي!!

ولا نطيل المقام عنده فمن شاء أن يستزيد من عجائب تناقضاته فليرجع
إلى كتابه (4) ليرى كيف حب الشيء يعمي ويصمّ. ولا عجب من علماء التبرير
خصوصاً شرّاح الصحيحين فكم لهم من تأويلات وتمحلات لو أتينا على جميع
ما قالوه لاحتجنا إلى تأليف مخصوص في ذلك ، والآن ولا نبخل على القارئ
ببعض الأسماء منهم وشيء ممّا عندهم ، فعسى أن يقيض الله لنصرة دينه من
_______________________

(1)نفس المصدر 1 / 207.

(2)نفس المصدر 6 / 463.

(3)نفس المصدر 8 / 355.

(4)نفس المصدر 6 / 462 ـ 463.


يجمع جميع ما قالوه ويفنّد ما زعمه أولئك الخصوم نصرة للحق المهضوم
والولي المظلوم.

الثاني عشر : الوشتاني الآبي المالكي

ومن علماء التبرير أيضاً أبو عبد الله محمّد بن خلفة الوشتاني الآبي المالكي
المتوفى سنة 828 ه‍ قال في كتابه إكمال إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم في
شرح قوله : « قال ابن عباس رضي‌الله‌عنه يوم الخميس وما يوم الخميس » قلت هوـ
والقائل هوـاستعظام وتفجع باعتبار ما أتفق فيه من موته صلّى الله عليه(وآله)
وسلّم وانقطاع الوحي وخبر السماء ...؟ (1)

مع الوشتاني وفتحه الجديد :

أنظر بربّك إلى قوله مفسراً سرّ بكاء ابن عباس هو لموت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كيف
يزعم ذلك وهو يقول : « يوم الخميس » وهذا اليوم قبل يوم موته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأربعة أيام ،
إذ أنّ وفاته كانت يوم الاثنين راجع كتب السيرة والتاريخ؟ أليس هذا تهرباً من
كشف الحقيقة؟

ثمّ اقرأ واضحكـوشرّ البلية ما يضحكـقال : « قوله : بكى حتى بلّ دمعه
الحصى ، قلتـوالقائل هو أيضاًـ: يحتمل بكاؤه لموته صلّى الله عليه(وآله)
وسلّم ، أو لما ذكر من شدة وجعه وهو يدل على أنّ شدة المقاساة والنزع عند
الإحتضار لا تدل على المرجوحية كما يعتقد بعض العوام » (2) .

والآن إن شئت أيها القارئ أن تبك فأبك على إبل حداها غير حاديها ،
فهذا الرجل جاء بما يضحك الثكلى ، لكنه يبكي من له قلب أو ألقى السمع وهو
_______________________

(1)إكمال إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم 4 / 352.

(2)نفس المصدر 4 / 353.


شهيد فأقرأ ما يقوله أيضاً : « قوله : (لا تضلوا بعدي) ، قلتـوهو القائلـ: لا
يعني بالضلال الضلال بعد الهدى ، لأنّه تقدم في تأويل ما أراد أن يكتب أنّه ما
يرفع الخلاف بين الفقهاء في المسائل ، أو ما يرفع ذلك الإختلاف في الخلافة ،
والخلاف الواقع في كلّ منهما إنّما هو عن اجتهاد ، والخطأ في الاجتهاد ليس
بضلال ا ه‍ » (1) .

أقول : وهذا هو بيت القصيد كما يقولون. فكل ما حدث من خلاف في
الخلافة وأريقت بسببه دماء المسلمين ، ليس فيه مؤاخذة ، فجميع أهل الجمل
وصفين والنهروان وما بعدها من حروب طاحنة ، كلّهم معذورون فالقاتل
والمقتول في الجنة ، يا سلام؟!

وعلى هذا الوتر كان ضرب الباقين من علماء التبرير ، فلا عجب إذا ما تبعه
السنوسي الحسيني المتوفى سنة 895 ه‍ في كتابه مكمل إكمال الإكمال قال :
« (لن تضلوا بعدي) قيل : أراد أن ينص على خلافة إنسان معين حتى لا يقع فيها
نزاع ولا فتن.

وقيل : أراد كتاباً يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة ، ليرتفع نزاع العلماء فيها
بعد ، فالضلال إذن على الوجهين ليس ضلالاً عن هدى ، إذ المخطيء في الاجتهاد
على القول بالخطأ ليس بضال » (2) .

أقولـومن دون تعليقـ:( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (3)
فهل تجدون للضلال معنى غير الضلال عن الهدى. فدونكم كتب اللغة والتفسير
ستجدون الضلال ضدّ الرشاد وهو بمعنى الباطل والهلاك.

_______________________

(1)نفس المصدر 4 / 357 في أدنى الصفحات.

(2)مكمل إكمال الإكمال 4 / 353.

(3)النحل / 43.


الثالث عشر : البدر العيني

وهذا من شراح صحيح البخاري ومعاصر لابن حجر ، وقيل في كتابه
(عمدة القاري) سطو على فتح الباري ، ولا يعنينا هذا بقدر ما يعنينا ما جاء فيه من
قوله : « قوله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم : (لا ينبغي عندي التنازع) ، فيه إشعار بأن
الأولى كان المبادرة إلى أمتثال الأمر وإن كان ما أختاره عمر صواباً » (1) ؟

أقول : أتريد تهالكاً في التبرير أكثر من هذا ، الأولى المبادرة إلى امتثال
أمره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإن كان ما اختاره عمر صواباً؟ لماذا؟ فإن كان مراده لفظ (لا ينبغي)
إنّما يدل على الكراهة ، كما أنّ لفظ ينبغي يدل على الاستحباب ، فمن أجل ذلك
يكون فيه اشعار بأولوية المبادرة ، فيكون ما اختاره عمر صواباً وان كان خلافاً لما
هو أولى ، فهذا إنّما يتم له لو كان خالياً عن القرينة ، فكيف والقرينة حالية
ومقالية. فالحالية زمان ومكان الصدور والمقالية :

أوّلاً : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إئتوني) هو أمر والأمر ظاهر في الوجوب إلّا أن تكون
قرينة صارفة وليست في المقام.

ثانياً : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لن تضلوا بعده أبداً) وهذا نص في أنّ الحقّ هو إمتثال أمره
وعند عدمه لابدّ أن يبقوا عرضة للضلال ، فماذا بعد الحقّ إلّا الضلال. وهل ترك
المندوب يوجب الضلال؟

ثالثاً : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (قوموا عني) فلو لم يكن أمره للوجوب لما كان لتنازعهم
معنى ، كما لا موجب لطردهم من بيته.

رابعاً : بكاء ابن عباسرضي‌الله‌عنه حتى يبلّ دمعه الحصى. فهل كان لفوات إمتثالهم
أمراً ندبياً؟ أم أنّ بكاءه يدل على تفويتهم أمراً وجوبياً يعصمهم وجميع الأمة من
_______________________

(1)عمدة القاري 2 / 172.


كلّ ضلالة؟ ...إلى غير ذلك ، ولكن علماء التبرير لا تقنعهم القرائن ولو كانت
ألف قرينة.

وقال أيضاً في عمدة القاري : « واختلف العلماء في الكتاب الّذي همّ صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم بكتابته ، قال الخطّابي يحتمل وجهين :

أحدهما : أنّه أراد أن ينص على الإمامة بعده فترتفع تلك الفتن العظيمة
كحرب الجمل وصفين. وقيل أراد أن يبيّن كتاباً فيه مهمات الأحكام ليحصل
الاتفاق على المنصوص عليه ، ثمّ ظهر للنبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أنّ
المصلحة تركه ، أو اُوحي إليه به. وقال سفيان بن عيينة أراد أن ينص على أسامي
الخلفاء بعده حتى لا يقع منهم الاختلاف ، ويؤيده أنّه عليه الصلاة والسلام قال
في أوائل مرضه وهو عند عائشة رضي‌الله‌عنها : (ادعو لي أباك وأخاك حتى
أكتب كتاباً فإنّي أخاف أن يتمنّى متمّنٍ ويقول قائل ، ويأبى الله والمؤمنون إلّا أبا
بكر). أخرجه مسلم ، وللبخاري معناه ، ومع ذلك فلم يكتب.

قوله : قال عمررضي‌الله‌عنه : إنّ رسول الله عليه الصلاة والسلام غلبه الوجع وعندنا
كتاب الله حسبنا ، قال النووي : كلام عمر رضي‌الله‌عنه هذا مع علمه وفضله لأنّه خشي أن
يكتب اُموراً فيعجزوا عنها فيستحقوا العقوبة عليها ، لأنّها منصوصة لا مجال
للاجتهاد فيها ، وقال البيهقي : قصد عمر رضي‌الله‌عنه التخفيف عن النبيّ عليه الصلاة
والسلام حين غلبه الوجع ولو كان مراده عليه الصلاة والسلام أن يكتب ما لا
يستغنون عنه لم يتركهم لاختلافهم..

وقال البيهقي : وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قيل إن النبيّ عليه
الصلاة والسلام أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر رضي‌الله‌عنه ثمّ ترك ذلك اعتماداً على


ما علمه من تقدير الله تعالى ، وذلك كما همّ في أوّل مرضه حيث قال : وارأساه ثمّ
ترك الكتاب وقال : يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر ، ثمّ قدّمه في الصلاة ، وقد كان
سبق منه قوله عليه‌السلام : إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله
أجره ، وفي تركه صلّى الله عليه(وآله)وسلّم الإنكار على عمر رضي‌الله‌عنه دليل على
استصوابه.

فإن قيل كيف جاز لعمررضي‌الله‌عنه أن يعترض على ما أمر به النبيّ عليه الصلاة
والسلام.

قيل له : قال الخطابي : لا يجوز أن يحمل قوله إنّه توهم الغلط عليه أو ظن
به غير ذلك ممّا لا يليق به بحاله ، لكنه لما رأى ما غلب عليه من الوجع وقرب
الوفاة خاف أن يكون ذلك القول ممّا يقوله المريض ممّا لا عزيمة له فيه فيجد
المنافقون بذلك سبيلاً إلى الكلام في الدين ، وقد كانت الصحابة رضياللهعنهم
يراجعون النبيّ عليه الصلاة والسلام في بعض الاُمور قبل أن يجزم فيها كما
راجعوه يوم الحديبية ، وفي الخلاف وفي الصلح بينه وبين قريش ، فإذا أمرنا
بالشيء أمر عزيمة فلا يرجعه أحد. قال : وأكثر العلماء على أنّه يجوز عليه
الخطأ فيما لم ينزل عليه فيه الوحي ، وأجمعوا كلّهم على أنّه لا يقرّا عليه.

قال : ومعلوم أنّه صلّى الله عليه(وآله)وسلّم وإن كان قد رفع درجته
فوق الخلق كلّهم فلم يتنزه من العوارض البشرية ، فقد سها في الصلاة فلا
ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الاُمور في مرضه فيتوقف في مثل هذه
الحال حتى يتبين حقيقته ، فلهذه المعاني وشبهها توقف عمر رضي‌الله‌عنه وأجاب
المازري ». ثمّ ذكر ما تقدم من أقوال المازري.


وختم الكلام فقال : « بيان استنباط الأحكام :

الأوّل : فيه بطلان ما يدعيه الشيعة من وصاية رسول الله عليه الصلاة والسلام
بالإمامة. لأنّه لو كان عند عليّ رضي‌الله‌عنه عهد من رسول الله عليه الصلاة والسلام لأحال
عليها (كذا).

الثاني : فيه ما يدل على فضيلة عمررضي‌الله‌عنه وفقهه.

الثالث : في قوله : (إئتوني بكتاب أكتب لكم) دلالة على أنّ للإمام أن
يوصي عند موته بما يراه نظراً للاُمة.

الرابع : في ترك الكتابة إباحة الاجتهاد لأنّه وكلّهم إلى أنفسهم وإجتهادهم.

الخامس : فيه جواز الكتابة والباب معقود عليه »(1) .

أقول : هذا بعض ما جادت به قريحته من تعقيب وتصويب ، مضغ طعام
الأولين فلم يحسن مضغه ، وقد سبق منا ذكر ما قاله الخطابي والبيهقي والمازري ،
وبيّنا ما في أقوالهم من ملاحظات ، فلا حاجة بنا فعلاً إلى إعادة ما قد سبق.

ولكن الّذي ينبغي التنبيه عليه في كلام العيني من تفاوت في نقله عن
سفيان بن عيينة ، حيث حكي عن الخطابي أوّلاً انّه قال سفيان بن عيينة : أراد أن
ينص على أسامي الخلفاء بعده حتى لا يقع منهم الاختلاف. ثمّ حكى عن
البيهقي قوله : وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم ، قيل انّ النبيّ عليه الصلاة
والسلام أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر... ومن البيّن الواضح الفاضح ما بين
القولين من تفاوت! ففي الأوّل النص على أسماء الخلفاء بعده. وفي الثاني أراد
أن يكتب استخلاف أبي بكر... فأي القولين هو الصحيح ، أو لا صحيح في
المقام ، وإنّما ذلك من أضغاث الأحلام؟!

_______________________

(1)عمدة القاري 2 / 171 دار إحياء التراث بيروت.


وبعد أن شرق وغرب ، وفي جميع ذلك أغرب ، ختم كلامه ببيان
استنباط الأحكام ، ومنه يعرف القاري مدى تضلّعه والأصح ضلوعه مع فقهاء
الحكم ، فقال : الأوّل : فيه بطلان ما يدعيه الشيعة من وصاية رسول الله عليه
الصلاة والسلام بالإمامة ، لأنّه لو كان عند عليّ رضي‌الله‌عنه عهد من رسول الله عليه
الصلاة والسلام لأحال عليها (كذا).

ولا نرد عليه إلّا بما قاله عمر ولا نزيد عليه وحسبنا به شاهداً عليه وحاكماً :
قال : « ولقد أراد رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم في أن يصرح باسمهـ
يعني عليّاً ـ فمنعت من ذلك اشفاقاً وحيطة على الإسلام » (1) .

وستأتي أقوال لعمر في هذا الشأن نذكرها إن شاء الله فيما يأتي.

الرابع عشر : الدهلوي

وهو الشاه ولي الله الدهلوي من علماء المسلمين في الهند في القرن الثاني
عشر الهجري وله مؤلفات عديدة أشهرها كتابه حجة الله البالغة ومن مؤلفاته
شرح تراجم أبواب صحيح البخاري وهو مطبوع مكرراً ، وما ننقله عنه هنا فمن
طبعة حيدر آباد الدكن الطبعة الثانية.

قال : « إعلم إنّ هذا المقام ، من مزالق الأقدام ، كم زلّت فيه الأعلام ،
وصغت فيه الأفهام ، وإنّي قد تحققت بعد تتبع طُرُق هذا الحديثـيعني أمره
صلّى الله عليه(وآله)وسلّم بالكتاب أنّ قول ابن عباس : الرزية كلّ الرزية ، إنّما
كان بطريق الشبهة مثل سائر شبهاته ، لأنّه ثبت في الروايات الصحيحة أنّ كبار
الصحابة مثل أبي بكر وعليّ وغيرهما كانوا حاضرين ، ففهموا من أمره صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم أنّ مقصوده بالكتابة ليس إلّا ما جاء في القرآن والتوثيق به ،
_______________________

(1)شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 97 ط الاُولى بمصر.


ولو كان شيئاً آخر لأمرهم به ثانياً وثالثاً. لأنّه عاش صلّى الله عليه(وآله)وسلّم
مفيقاً بعد ذلك أياماً ، ومع ذلك روي أنّه صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أمر عليّاً
باحضار القرطاس والدواة ، فخاف عليّ فوته بعد أن يذهب ، فقال يا رسول الله :
أسمع وأعي ، فبيّن له رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم من أحكام الصدقات ،
واخراج الكفّار من جزيرة العرب ، وإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم ،
والإستيصاء بالأنصار خيراً ، وغير ما بيّن أكثره قبل ذلك أيضاً.

فبعد ذلك لم يبق مجال في أن يتمسك بشبهة ابن عباسرضي‌الله‌عنه ، ويقال ما يقال
في خيار الصحابة ، لأنّه كان حديث السن مناهز البلوغ ، والاعتبار بما فهمه كبّار
الصحابة (1) . إلى هنا انتهى ما قاله الدهلوي.

مع الدهلوي :

هذا قول الدهلوي ، وهو محق في أوّله ومبطل في آخره!

وبيان ذلك : انّ المقام من مزالق الأقدام ويكفي ما قدّمناه من نماذج لعلماء
التبرير أمثال الخطابي وابن حزم والبيهقي والمازري وعياض وابن الأثير والنووي
وابن تيمية وابن حجر والقسطلاني والوشتابي والعيني وغيرهم ممّن ورد ذكرهم
تبعاً كابن بطال والنويري والقرطبي والطهطاوي وأضرابهم. فجميع هؤلاء الأعلام
ممّن زلّت قدمه في سبيل تبرير عمر من سوء كلمته. ولم يكن الدهلوي آخرهم ،
بل هو أسوأ فهماً منهم ، فقد خبط خبط عشواء ، وأستدل مكابراً بالهباء ، وذلك منه
منتهى الغباء ، ولو لم يكن غبيّاً لما قال : إنّ الاعتبار بما فهمه كبار الصحابة
وضرب مثلاً بعليّ وأبي بكر. وهم فهموا مراده بالكتابة ليس إلّا تأكيد ما جاء في
_______________________

(1)شرح تراجم أبواب صحيح البخاري للدهلوي / 14 ، ط حيدر اباد.


القرآن والتوثيق به. ونحن نقول له ما دام كبار الصحابة فهموا ذلك فلماذا إذن
أختلفوا وتنازعوا؟ وما ضرّهم لو أنهم أمتثلوا أمره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكتب لهم ذلك التأكيد؟
وما داموا هم ملتزمين بالقرآن ، فالقرآن يأمر بإطاعة أمره إذ فيه : ( أَطِيعُوا
اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
) (1) ، وفيه :( اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا
يُحْيِيكُمْ
) (2) فلماذا لم يستجيبوا ولم يطيعوا؟

ومن الغريب والغباء أن يستدل على مرامه بقوله : « ولو كان شيئاً آخر
لأمرهم به ثانياً وثالثا؟! ». إنّما لم يأمرهم به ثانياً وثالثاً لعدم الجدوى في ذلك
حتى ولو كرر ذلك مائة مرة ومرة ، فقد سبق السيف العَذَلـكما يقول المثلـ
فعمر حين قال إنّه يهجر أصاب مرماه وضيّع الهدف المنشود للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولو
أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كرّر ذلك ، لصدّقت مقولة عمر زمرة المنافقين وكان مجالاً للطعن في
شخصه الكريم. لذلك طردهم وقال : (قوموا عني).

وإنّ ما ذكره من وصاياه الّتي خص بها الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي
طالب عليه‌السلام ، تثبت أنّ عليّاً وصيّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكيف يزعم قومه عن عائشة بأنّ
النبيّ مات ولم يوص ، ثمّ هي القائلة : « متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى
صدري » (3) . والآن فقد أستبان أنّ عليّاً أوصى إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !!.

وبعد هذا أوليس ابن عباس كان على حق في قوله : « الرزية كلّ الرزية ما
حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده » ؛ أفهل كان على
شبهة أم كان على يقين؟

_______________________

(1)النساء / 59.

(2)الأنفال / 24.

(3)أنظر صحيح البخاري (كتاب الوصايا باب الوصايا) 4 / 3.


الخامس عشر : اللاهوري

هذا هو الملا يعقوب اللاهوري أحد شراح صحيح البخاري وأسم كتابه
(الخير الجاري في شرح صحيح البخاري) ، فقد قال فيه في كتاب العلم باب
كتابة العلم : لا شك في أنّ رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم رأى المصلحة
في كتابة الكتاب ، بدليل قوله عليه‌السلام : (لن تضلوا بعدي).

ولا شك أيضاً : أنّ عمر نهى الأصحاب عن إحضار الدواة والكتف.

ولا شك أيضاً : أنّ أهل البيت ألحّوا على إحضارها ، وطال النزاع بين
الفريقين حتى أخرجهم النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم جميعاً.

وهذا القدر ممّا يتبادر إلى الذهن من نص الحديث ، ولا يرتاب فيه أحد(1) .

مع اللاهوري :

وليس من تعليق على ما لا شك فيه ، غير أنا نقف عند قوله : « أخرجهم
جميعاً » كيف يصح ذلك ، وكتب الحديث والتاريخ والسيرة تقول : انّ الّذين
طردهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هم الّذين تخلّفوا عن امتثال أمره وتنازعوا مع أهل البيت
في ذلك ، أمّا أهل البيت فلم يخرج منهم أحد ، وبقوا عنده ، ومنهم الّذي قال له
بعد خروج أولئك الّذين لم يستجيبوا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ألا نأتيك بما طلبت؟ »
فقال : (لا ، أو بَعدَ الّذي قال قائلهم)؟!

وفي بعض المصادر أنّ القائل كان هو عمه العباس : « ألا نأتيك بالذي
طلبت وإن رغمت فيه معاطس ».

وإلى هنا نطوي كشحاً عن استعراض ما قاله علماء التبرير فهم

_______________________

(1)نقلا عن تشييد المطاعن / 411 ط الهند.


عمريون أكثر من عمر :

لقد أوردنا نماذج من أقوال علماء التبرير ، فوجدناهم في أندفاعهم يركبون
الصعب والذلول ، ويقولون المقبول وغير المقبول ، بل وحتى غير المعقول ، في
سبيل تبرئة عمر من معرّة كلمته الجافية النابية ، والّتي لم يتبرأ هو منها ، ولكن
القوم على مقولة : « ملكيون أكثر من الملك ».

فعمر قال كلمته دون استعمال تورية أو كناية. بملء فيه ، متحدياً شعور
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومشاعر الشرعية النبوية الّتي تؤيدها رسالة السماء.

ولنقرأ ثانيةً بعض ما قاله في روايته لحديث الرزية ، وقد مرّ في الصورة
الرابعة : قال : « لمّا مرض النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم قال : (إئتوني بصحيفة
ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي) ، فكرهنا ذلك أشد الكراهية ».

لماذا يا أبا حفص كرهتم ذلك أشد الكراهية؟! ولا عليك من الإجابة ، فان
علماء التبرير مستعدون للدفاع عنك ، ولو كان ذلك على حساب قدسية الرسالة ،
وقد مرّت بنا نماذج من أقوالهم فليرجع القارئ إليها.

وعمر يقول لابن عباس بعد لأيٍ من الزمن : « ولقد أرادَ رسول الله صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم في أن يصرّح بأسمهـيعني عليّاًـفمنعت من ذلك إشفاقاً
وحيطة على الإسلام » (1) .

وعلماء التبرير يقولون في تبريرهم : ربّما أراد أن يكتب شيئاً من الأحكام ، أو أن
يكتب خلافة أبي بكر من بعده لا كما يقول الرافضة؟ فليرجع القارئ ثانية إلى
أقوالهم.

_______________________

(1)أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 97 ط الأولى.


وعمر يقول أيضاً لابن عباس في كلام بينهما في شأن عليّ : « إن رسول الله
صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أراد ذلك وأراد الله غيره ، فنفذ مراد الله ولم ينفذ مراد
رسوله؟! أو كلّ ما أراد رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم كان » (1) .

وعلماء التبرير يقولون : ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنّه توهم الغلط على
رسول الله كما قال ذلك الخطابي وأضرابه.

وعمر يقول ثالثة لابن عباس : « لقد كان من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذرواً من قول ، لا
يثبت حجة ولا يقطع عذراً » (2) .

وعلماء التبرير يقولون : كان ذلك من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره ، كما
مرّ عن النووي.

ورابعة عمر يقول لابن عباس في كلام في شأن عليّ أيضاً : « أما والله يا بني عبد
المطلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر » (3) .

وعلماء التبرير يقولون : ومهما كانت كلمته فلا يظن به ذلك. كما مرّ عن
ابن الأثير.

وعمر يقول خامسة لابن عباس في كلام في شأن عليّ أيضاً : « أوّل من
راثكم عن هذا الأمر أبو بكر ، إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة
والنبوة » (4) .

وعلماء التبرير يقولون : فإن عمر أشتبه عليه هل كان قول النبيّ صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم من شدة المرض فشك في ذلك فقال : (ما له أهجر؟) ، كما مرّ
عن ابن تيمية.

_______________________

(1)نفس المصدر 3 / 114 ط الأولى.

(2)نفس المصدر 3 / 97 ط الأولى.

(3)أنظر محاضرات الراغب 2 / 213 ط مصر الأولى.

(4)أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 497.


وبالتالي يقولون : وإنمّا قصده التخفيف عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . كما مرّ عن البيهقي.

ويقولون : كان ما أختاره عمر صواباً ، كما مرّ عن العيني.

وهكذا ظهرت كوامن نفوسهم على ألسنتهم فخطوها بأقلامهم ، وبانت
عمريّتهم أكثر من عمر. إنّ ذلك لعجيب. وأعجب من ذلك كلّه ما سال به قلم
العقاد في عبقرياته من مكابراته ولابدّ من المرور به ولنقرأ ما يقول ، فإنّه جاوز
القوم في عمريته وأتى بالعجاب في عبقريته.

مع العقّاد ونظراته

قال في عبقرية محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« يكفي أن نستحضر اليوم ما قيل عن الخلافة بعد النبيّعليه‌السلام ، لنعلم مبلغ
ذلك الذكاء العجيب في مقتبل الشباب ، ونُكبر ذلك النظر الثاقب إلى أبعد
العواقب ، ونلتمس لها العذر الّذي يجمل بامرأة أحبّها محمّد ذلك الحب وأعزها
ذلك الإعزاز.

فقد قيل في الخلافة بعد النبيّ كثير : قيل : فيها ما يخطر على بال الأكثرين ،
وما يخطر على بال الأقلين ، وما ليس يخطر على بال أحد إلّا أن يجمَحَ به التعنّت
والاعتساف أغرب جماح. قيل : أنّ وصول الخلافة إلى أبي بكر إنّما كان مؤامرة
بين عائشة وأبيها؟

وقيل : انّه كان مؤامرة بين رجال ثلاثة أعانتهم عائشة على ما تآمروا فيه ، بما
كان لهما من الحظوة عند رسول الله ، وكان هؤلاء الرجال على زعم أولئك
القائلين : أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح ، وهم الّذين أسرعواـمن


المهاجرينـإلى سقيفة بني ساعدة ليدركوا الأنصار قبل أن يتفقوا على اختيار
أمير أو خليفة لرسول الله.

وقيل : انّ هؤلاء الرجال الثلاثة اتفقوا على تعاقب الحكم واحداً بعد واحد :
أبو بكر فعمر فأبو عبيدة. ولهذا قال عمر حين حضرته الوفاة : لو كان أبو عبيدة
حياً لعهدت إليه لأنّه أمين هذه الأمة. كما قال فيه رسول الله؟ وهذا زعم روّجه
بعض المستشرقين ولقي بين القراء الأوربيين كثيراً من القبول ، لأنّه شبيه بما
عهدوه في أمثال هذه المواقف من أحاديث التدبير والتمهيد وروايات التواطؤ
والإئتمار » (1) .

وقال في عبقرية عمر :

« ونفس عمر بن الخطاب هي تلك النفس الّتي تدعم علم الأخلاق من
الأساس ، وهي ذلك الصرح الشامخ الّذي ننظر إلى أساسه فكأننا تسلقنا النظر إلى
ذروته العليا ، لأنّه قرّب بين الآمال والقواعد أوجز تقريب ، إذ هو التقريب
الملموس » (2) .

وقال بعد ذكره ما صدر من عمر في صلح الحديبية : « هذه المراجعة كانت
من خلائق عمر الّتي لا يحيد عنها ولا يأباها النبيّ عليه‌السلام (؟)وكثيراً ما جاراه
وأستحب ما أشار به وعارض فيه(؟).

فلا جرم يراجع النبيّ في كلّ عمل أو رأي لم يفهم مأتاه ومرماه ما أمكنته
المراجعة وما قلقت خواطره حتى تثوب إلى قرار. اللّهم إلّا أن تستعصي
المراجعة ويعظم الخطر ، فهناك تأتي الخليقة العمرية بآية الآيات من الاستقلال
_______________________

(1)موسوعة عباس محمود العقاد الإسلامية (العبقريات الإسلامية) / 180.

(2)نفس المصدر / 438.


والحب والحزم الّذي يضطلع بجلائل المهمات. فلمّا دخل النبيّعليه‌السلام في غمرة
الموت ودعا بطرس يملي على المسلمين كتاباً يسترشدون به بعده ، أشفق عمر
من مراجعته فيما سيكتب وهو جد خطير(؟)وقال : انّ النبيّ غلبه الوجع وعندنا
كتاب الله حسبنا ، ومال النبيّ إلى رأيه(؟)فلم يَعد إلى طلب الطرس وإملاء
الكتاب ، ولو قد علم النبيّ أنّ الكتاب ضرورة لا محيص عنها لكان عمر يومئذٍ
أوّل المجيبين » (1) .

وقال في عبقرية الإمام عليّعليه‌السلام :

« وربما كانت أصح العلاقات المعقولة لأنها وحدها العلاقة الممكنة
المأمونة ، وكلّ ما عداها فهو بعيد من الأمكان بُعده من الأمان.

فهو يحبّه ويمهّد له وينظر إلى غده ، ويسرّه أن يحبّه الناس كما أحبّه ، وأن
يحين الحين الّذي يكلون فيه أمورهم إليه ..

وكلّ ما عدا ذلك ، فليس بالممكن وليس بالمعقول

ليس بالممكن أن يكره له التقديم والكرامة.

وليس بالممكن أن يحبهما له ، وينسى في سبيل هذا الحب حكمته
الصالحة للدين والخلافة ..

وإذا كان قد رأى الحكمة في استخلافه ، فليس بالممكن أن يرى ذلك ثمّ
لا يجهر به في مرض الوفاة أو بعد حجة الوداع.

وإذا كان قد جهر به ، فليس بالممكن أن يتألب أصحابه على كتمان وصيته
وعصيان أمره إنّهم لا يريدون ذلك مخلصين ، وإنّهم إن أرادوه لا يستطيعونه بين
جماعة المسلمين ، وإنّهم إن استطاعوه لا يخفى شأنه ببرهان مبين ، ولو بعد حين..
_______________________

(1)نفس المصدر / 444.


فكلّ أولئك ليس بالممكن وليس بالمعقول

وإنّما الممكن والمعقول هو الّذي كان ، وهو الحب والإيثار ، والتمهيد
لأوانه ، حتى يقبله المسلمون ويتهيأ له الزمان » (1) .

هذا ما تفتقت عنه عبقرية العقاد ، ولا نطيل عند أقواله. ولكن لنا أن نسأل
منه. ونحن أيضاً نكبر فيه ذلك النظر الثاقب إلى أبعد العواقب. حين حاول جاهداً
دفع معرّة النشاط المحموم الّذي كان من عائشة في تهيئة الأجواء لأبيها
وصاحبيه ، فدفع ذلك بالصدر دون حجة ، بينما هي الّتي تقول كما رواه مسلم في
الصحيح واحتج به ابن تيميةـكما مرّـوقد سئلت عمن كان يستخلف
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لو استخلف فسمت أباها ثمّ عمر ثمّ أبا عبيدة بن الجراح ثمّ انتهت إلى
هذا. فلماذا جعل هذا زعماً روّجه بعض المستشرقين؟

وأين هم من عائشة ومعنى ما رواه مسلم عنها ، ومن أين لها علم ذلك إن
لم يكن ثمة تدبير وتمهيد ، وتواطؤ وائتمار :

ثمّ الّذي قاله في عبقرية عمر من أنّ نفس عمر هي تلك النفس الّتي تدعم
الأخلاق من الأساس وهي ذلك الصرح الشامخ كيف يتم له صدق ذلك وهو
الّذي يقول بعد هذاـفي مراجعة عمر للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صلح الحديبيةـ: « انّها
كانت من خلائق عمر الّتي لا محيد عنها ولا يأباها النبيّ؟ وكثيراً ما جاراه
واستحب ما أشار به وعارض فيه(؟) ».

أليس هذا من زخرف القول؟ فهذه كتب السيرة والتاريخ تذكر انّ عمر
كان فظاً غليظاً ولا يهمنا ذلك بمقدار ما يهمنا تنبيه القارئ إلى انّ هذه نفس عمر
الّتي كانت تدعم علم الأخلاق من الأساس كما يقول العقاد.

_______________________

(1)نفس المصدر / 795.


ثمّ ليت العقاد تروّى قليلاً ولم يرسل القول على عواهنه ، وراجع الكلمة
قبل أن يكتبها.

فقوله : « وكثيراً ما جاراه واستحب ما أشار به وعارض فيه »؟ لماذا لم يوثق
دعواه بشاهد صدق واحد من ذلك الكثير الّذي زعمه. وأين كان ذلك المستحب
من مشورته الّذي جاراه فيه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وما أدري هل أنّ ما كان من إعراض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أبي بكر وعن عمر حين
شاور الناس في يوم بدر فتكلما فأعرض عنهما ، كان ذلك من شواهد الكثير
الّذي زعمه (1) ؟

وما أدري لماذا تغيّر وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين قال أبو بكر وحين قال في
أناس من قريش : « إنهم جيرانك وحلفاؤك... الخ » (2) فهل هذا من شواهد ذلك
الكثير الّذي زعمه!

وما أدري لماذا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد الّذي مرّ : (يا معشر قريش والله ليبعثنّ
الله عليكم رجلاً منكم أمتحن الله قلبه للإيمان فيضربكم على الدين أو
يضرب بعضكم) ، فقال أبو بكر : « أنا هو يا رسول الله؟ » قال : (لا) ، قال عمر :
« أنا هو يا رسول الله؟ » قال : (لا ، ولكن ذلك الّذي يخصف النعل)ـوكان أعطى
عليّاً عليه‌السلام نعلاً يخصفها(3) . وهل هذا من شواهد ذلك الكثير الّذي زعمه ، ثمّ
إنّ قوله أشفق عمر من مراجعته فيما سيكتب وهو جد خطير وقال إنّ النبيّ غلبه
الوجع الخ.

_______________________

(1)أنظر مسند أحمد 3 / 219 و 257.

(2)نفس المصدر 1 / 155.

(3)أنظر الخصائص للنسائي / 11.


كيف يكون قد أشفق من المراجعة ، وهو الّذي صدّه عن الكتابة وشاق
الكلمة وشطر الحاضرين إلى فريقين فريق معه وفريق عليه ، حتى وقع النزاع
والخصومة فطردهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : (قوموا عني لا ينبغي عندي تنازع)؟ فهل هذا
كان من الإشفاق؟ أو هو من تعلان الشقاق؟

ثمّ يقول العقاد من دون استحياء : « ولو قد علم النبيّ انّ الكتاب ضرورة لا
محيص عنها لكان عمر يومئذٍ أوّل المجيبين »؟

يا لله أهكذا تقلب الحقائق ويتلاعب بالعقول؟

أمّا ما قاله في عبقرية الإمام فقد أتى فيه بالمغالطة الفاضحة حيث أنكر
النص وتنكّر لجميع ما قاله النبيّ في حقّ الإمام عليّ عليه‌السلام ، مصحراً وجهراً بالقولُ ،
بدءاً من يوم حديث الإنذار : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (1) ومروراً بيومي
المؤاخاة ويوم المناجاة بالطائف وأيام براءة وحجة الوداع والغدير كلّ ذلك لم
ير العقاد فيها نصاً بل هو إلماح وتأهيل للمستقبل وأقصى ما تدل على الحب
والإيثار والتمهيد لأوانه(!)وخل عنك كلّ ذلك ولكن هلمّ فاسأل العقاد عن
حديث الكتف والدواة فيم كان التنازع بين الصحابة فمنهم من قال القول ما قال
النبيّ ، ومنهم من قال القول ما قال عمر؟

سؤال وجواب :

ولابدّ لنا الآن من العودة إلى حديث الرزية وطرح الأسئلة التالية ، لنتعرف
من أجوبتها على مدى صدق العقاد في مقاله بأن ذلك تأهيل وتلميح وليس هو
نص صريح :

_______________________

(1)الشعراء / 214.


1 ـ ماذا أراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتب في ذلك الكتاب؟

2 ـ ومن أراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتب باسمه ذلك الكتاب؟

3 ـ ولماذا أراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتب له ذلك الكتاب؟

4 ـ ولماذا أراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً دون غيره أن يكتب له ذلك الكتاب؟

أربعة أسئلة قد تبدو متشابهة ، وليست كذلك بل هي متشابكة ، يأخذ تاليها
برقبة أولها والجواب عن أولها يقضي بالجواب عن ثانيها وهكذا. للتداخل فيما
بينها ، وأخيراً سنعرف من الجواب عليها الجواب على ما قاله العقاد الّذي حاول
تعقيد الواقع الّذي حدث بإنكاره جملة وتفصيلا فجاوز بعبقريته ما قاله علماء
التبرير ، وزاد عليهم.

والآن إلى الأجوبة عن تلك الأسئلة :

أوّلاً ـ ماذا أراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتب في ذلك الكتاب؟

لا يخفى على كلّ انسان يمتلك قدرة البحث والوعي ويتحلى بالنزاهة أن
يدرك قصد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أمره باحضار الدواة والكتف ، فهو حين يرجع إلى جوّ
الحديثـحديث الكتف والدواةـزماناً ومكاناً وملاحظة سائر الحيثيات الّتي
أحاطت ذلك الجوّ المكفهرّ بوجوه الصحابة ، تزول عنه أغشية التضليل الّتي
نسجها علماء التبرير. ويزداد إيماناً واطمئناناً بأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يرد أن يكتب
للصحابة حكماً لم يبلّغه كما أحتمله أو طرحه بصورة الأحتمال بعض علماء
التبرير.


لأنّ احتمال ذلك موهون ومردود بقوله تعالى :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ
) (1) والآية تقطع جهيزة كلّ متنطع.

ولو تنزلنا جدلاً وقلنا بذلك ، فهو أيضاً غير مقبول ولا معقول :

أوّلاً : لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا بدواة وكتف ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده. وكتابة
الحكم الواحد أو المهم كما زعمه بعض علماء التبرير ، لا تفي بالغرض ولا تأتي
بالنتيجة المرجوة ، وكتابة جميع الأحكام تحتاج إلى عدة أكتاف إذ لا يحويها
الكتف الواحد ، ولا أقل على مثل كتاب الله تعالى في تعدد الأكتاف لأن
الأحكام وما جاء به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تساوي الكتاب ان لم تزد حجماً عليه.

ثانياً : لم يعهد منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه كان يكتب لهم الأحكام الشرعية أو يأمر بكتبها ،
وإنّما كان يبلغهم ذلك شفاهاً ، نحو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي ، وخذوا
عني مناسككم ونحو ذلك ممّا عرّفهم من الأحكام من طرق قوله وعمله
وتقريره. ولم يعهد أن كتب لهم حكماً واحداً. نعم قد يوجد في بعض كتبه
وعهوده ومراسلاته إلى الملوك ورؤساء القبائل ممّا ينبغي التعرض له فهو حين
يدعوهم إلى الإسلام فلهم كذا وكذا ، وإن أبوا فالجزية عن يدوهم صاغرون ،
وكلّ ما كان كذلك فهو لمن بُعد عنه ، ولم يكن لمن معه في المدينة ، ولم
يذكر صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتب لأهل المدينة مثلاً والذين هم معه حكماً واحداً.

ثالثاً : لو تجاوزنا ما تقدم فالّذي سيكتبه من الأحكام ليس بعاصم لجميع
الأمة إنّما يعصم من ابتلي بالحكم فقط ولا يعصم غيره ما دام باب الاجتهاد
والتأويل قد فتحه علماء التبرير على مصراعيه ، والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد ضمان السلامة
لجميع أمته من الضلالة.

_______________________

(1)المائدة / 3.


إذن فاحتمال كتابة حكم أو مهمات الأحكام مستبعد من ساحة الجدل.

ويبقى السؤال الّذي فرض نفسه ، ماذا أراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتب في ذلك
الكتاب؟

ولابدّ في الجواب الصحيح هو الاحتمال الآخر وقد طرحه علماء
التبرير ، وقال غيرهم بتعيّنه وهو كتابته بتعيين ولي الأمر من بعده. ليتولى تسيير
الأمة وفق مصالحها المشروعة ، وإذا تعيّن ذلك لهم فهو الّذي يحل مشاكلها
من بعده ، وبالتالي هو الّذي يعصمها من الوقوع في هوة الضلالة.

إذن مرادهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان كتابة اسم من يخلفه في قيادة الأمة ويكون على
رأس النظام الحاكم ، فيتولى قيادة الأمة إلى شاطيء النجاة بما يصلح أمورها
في الدين والدنيا.

قال الشيخ محمّد الغزالي في كتابه فقه السيرة : « وكان النبيّ نفسه قد همّ
بكتابة عهد يمنع شغب الطامعين في الحكم ، ثمّ بدا له فاختار أن يدع المسلمين
وشأنهم ينتخبون لقيادتهم من يحبون ا ه‍ » (1) .

ولقد كان في أوّل كلامه مصيباً ولكنه أخطأ في آخره ويعرف جوابه ممّا
سأتي.

ثانياً ـ من ذا أراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتب أسمه في ذلك الكتاب؟

والجواب على هذا يختلف عليه المسلمون. ومن الطبيعي أن يكون
كذلك ، تبعاً لأختلاف الواقع عن الشرعية ، فأهل السنّة لهم جواب لتبرير الواقع ،
والشيعة لهم جواب آخر بحسب الشرعية وإرادة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

_______________________

(1)فقه السيرة / 353.


1ـأمّا أهل السنّة فقد قالوا إلّا من شذ منهم : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أن يكتب
كتاباً لأبي بكر ثمّ أعرض عنه بمحض أختياره ، وقال : يأبى الله ذلك والمؤمنون
إلّا أبا بكر ، مستندين إلى روايات تنتهي كلّها إلى عائشة ، وأخرجها البخاري
ومسلم. وقد مرّت الإشارة إليها والردّ عليها في جملة مناقشة أقوال علماء التبرير.
فلا حاجة إلى اعادتها.

2ـوأمّا الشيعة فقد قالوا أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أن يكتب الكتاب باسم عليّ بن أبي
طالب عليه‌السلام ويعطيه حجة تحريرية بخلافته من بعده ، لكنه صُدّ عن ذلك باعتراض
عمر ومن تابعه ، فترك ذلك بعد انتفاء الغرض المطلوب من الكتاب لطعن عمر
في الكاتب فضلاً عن الكتاب. ولهم حججهم على ذلك.

والباحث المتجرد عن الهوى والتعصب يدرك أنّ الحقّ معهم ، ويؤيدهم
في ذلك اعترافات خطيرة صدرت عن عمر بعد ذلك اليوم بقرابة عقدين من
الزمن.

وقد مرّ في مناقشات علماء التبرير الالماح إليها. وستأتي بأوفى من ذلك
عند البحث عن (ماذا قال عمر؟ وماذا أراد عمر؟).

والآن لنقرأ شيئاً ممّا ساقه علماء الشيعة في حجتهم على أنّ المراد للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
هو كتابة الكتاب بأسم عليّ. وهو لا يتنافى مع قولهم بالنص عليه قبل ذلك بل هو
منه. لأنهم قالوا إنّما أراد التأكيد لما رأى من بوادر الشر المحدق بالأمة ، فلنقرأ
ذلك.


ثالثا ًـ لماذا أراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتب له الكتاب؟

قالوا : إنّ الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا نزل عليه الوحي في حجة الوداع بقوله
تعالى : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
) (1) وكان قد وصل المسلمون معه إلى غدير خم بين
مكة والمدينة فأمر بحط أوزار المسير عند الغدير ، وقام في المسلمين في رمضاء
الهجر على منبر من حدوج الإبل ليستشرف الناس ، وخطب خطبة طويلة ، أبان
لهم فيها انّ الله تعالى أمره بأن ينصب عليّاً إماماً وعلماً لأمته من بعده ، ثمّ أخذ بيد
عليّ فرفعها حتى بان بياض أبطيهما وقال : (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه اللّهم
وال من والاه وعاد من عاداه ...) إلى آخر الخطبة ثمّ نصب لعليّ خيمة خاصة
وأمر المسلمين بالسلام على عليّ بأمرة المؤمنين ، فبايعوه.

وكان ممّن دخل عليه وبايعه الشيخان أبو بكر وعمر وقالا له : بخ بخ لك
يابن أبي طالب أصبحت مولانا ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة » (2) .

وهذا هو النص الّذي كان بعد حجة الوداع وجهر به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكن
الاستاذ العقّاد يأباه ويقول : « فليس من الممكن أن يرى ذلك فلا يجهر به في
مرض الوفاة وبعد حجة الوداع ». وما أدري أيّ جهرٍ بالقول أوضح وأفصح من
ذلك؟ وما أدري لماذا لم يقرأ العقاد حديث أم سلمة قالت : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
في مرضه الّذي قبض فيهـوقد امتلأت الحجرة من أصحابهـ: (أيها الناس
_______________________

(1)المائدة / 67.

(2)راجع كتاب الغدير للمرحوم الشيخ الأميني الجزء الأوّل ستجد تفصيل ذلك موثقاً
بالمصادر المقبولة عند المسلمين من السنّة لأنها من كتبهم.


يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي ، وقد قدمت اليكم القول معذرة إليكم ،
إلّا إنّي مخلف فيكم كتاب ربّي عزوجل وعترتي أهل بيتي. ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها
فقال : هذا عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ، لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض
فأسألوهما ما خلفت فيهما) » (1) .

ولماذا لم يقرأ الأستاذ وأضرابه أسباب النزول في قوله تعالى :( الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا
) (2) وإن
حاول هو أو بعضٌ التشكيك في زمان نزولها في ذلك ، فليقل لنا هو وغيره ما
سبب نزول قوله تعالى ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) (3) أليس كان من أسباب نزولها
مجيء بعض الحاقدين الحاسدين لعليّ فقال للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « أمرتنا عن الله أن نشهد
أن لا إله إلّا الله وأنك رسول الله ، وأمرتنا بالجهاد والحج والصلاة والزكاة
والصوم فقبلناها منك ، ثمّ لم ترض حتى نصبت هذا الغلام فقلت : (من كنت
مولاه فهذا مولاه) ، فهذا شيء منك أو أمر من عند الله؟

قال : (الله الّذي لا اله إلّا هو إنّ هذا من الله)؟

فولّى وهو يقول : اللّهم ان كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة
من السماء أو إئتنا بعذاب أليم ، فرماه الله بحجر على رأسه فقتله فأنزل الله تعالى :
( سَأَلَ سَائِلٌ ) »(4) .

_______________________

(1)الصواعق المحرقة / 75 ط اليمنية ، وفي جمع الفوائد للروداني 2 / 332 عن أم سلمة
رفعته (عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض) ، وأرجح
المطالب للآمر تسري / 340 و 598 ط لاهور.

(2)المائدة / 3.

(3)المعارج / 1.

(4)راجع كتاب الغدير للمرحوم الشيخ الأميني الجزء الأوّل ستجد تفصيل ذلك موثقاً
بالمصادر المقبولة عند المسلمين من السنّة لأنّها من كتبهم.


بعث أسامة إجراء وقائي :

ولمّا رأى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حالة المسلمين يومئذ وما أحدق بهم من شر مستطير ،
لابدّ له من اتخاذ تدبير وقائي لوحدة الصف ، وما ذلك إلّا إبعاد عناصر الشغب
الّذين كان يخشى منهم الجفاء والعِداء لولي الأمر من بعده ، لتخلو المدينة منهم
ويصفو الجو لخليفته الّذي أمرته السماء بنصبه يوم الغدير. وقد تبين لهـوالوحي
يخبره ويأمرهـانّ الحاقدين والموتورين ممّن وترهم عليّ في سبيل الدينـ
فقتل آباءهم وأخوانهم وعشيرتهمـقد بدت منهم كوامن الشحناء على
وجوههم ، وبدأ التآمر والكيد. كلّ ذلك أحسّ به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورأى دنوّ أجله ،
فلابدّ له من اتخاذ ذلك التدبير الوقائي الّذي لو تمّ ، لتمّ الأمر لولي الأمر دون
منازع.

فأمر بتجهيز جيش أسامة إلى بلاد مؤتة ، وفي تأميره شاباً لم يتجاوز
العشرين من عمره على قيادة جيش يضم من شيوخ المهاجرين والأنصار
أشخاصاً بأعيانهم مؤكداً عليهم الخروج ، ولعن المتخلف منهم ، كلّ ذلك له دلالة
واضحة وعملية ، على أنّ الفضل للكفاءة وليس للسنّ مهما كان صاحبه وإنّ هذا
الاجراء الاحتياطي الوقائي لو تمّ لكانت الأمة في راحة من عناء الشقاء والشقاق ،
والّذي لم تزل ولا تزال تكتوي بناره ، فهو صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أختار أسامة دون غيره ممّن
سبق له أن ولاهم قيادة السرايا في الغزوات ، كان يعطي أمته درساً بليغاً بأنّ
الجدارة والاستحقاق إنّما تكونان بقدر الكفاءة لا بقدر السنّ ، ولا شك أنّ
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يرشح في توليته الرجال للمناصب إلّا مستحقي الجدارة ، فمن


استحق بكفاءته موقعاً في القيادة قدّمه ، وإن كان صغيراً في سنّه ، لأن كبر السن لا
يهب الأغبياء عقلاً ، ولا صغر السن ينقص الأكفاء فضلاً.

فما الحداثة عن فضلٍ بمانعة

ولا الكفاءة في سنّ وإن هرموا

قد أرسل الله عيسى وهو ابن ساعته

فلم يحابي شيوخاً ما الّذي نقموا

وكأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هيأ المسلمين لقبول (قاعدة الكفاءة) في ولاية أمورهم ، ونبّههم
عملياً على أن ليست الشهرة أو السن أو غيرها من مقوّمات الشخصية ، كفيلة
باستحقاق الإمارة والولاية ، فلذا قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رداً على من نقم تأمير أسامة عليهم :
(وأيم الله إن كانـزيدـلخليقاً للإمارة ، وانّ ابنه لخليق للإمارة) ، كما سيأتي
ذلك عن صحيح البخاري وغيره.

وبهذا التدبير الحازم قطع حجة الزاعمين انّ الأمارة والولاية لمن كان في
السنّ متقدماً.

من كان تحت اُمرة أسامة :

قال الرواة : لقد عقد اللواء لأسامة بيده ، وأمّره على جيش عدته ثلاثة آلاف
فيهم من قريش سبعمائة إنسان. وقد روى الرواة أسماء بعض الشيوخ الّذين كانوا
في ذلك الجيش فكان منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والزبير وسعد بن أبي
وقاص وسعيد بن زيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم وأسيد بن حضير وبشير
بن سعد ، وهناك آخرون » (1) ولكن كلّ من سمّينا منهم ومن لم نسمّ لم يمتثلوا
أمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل تخلّفوا وطعنوا في تأمير أسامة عليهم.

_______________________

(1)طبقات ابن سعد 4 / 46 و 136 ، وتاريخ اليعقوبي 2 / 93 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد
1 / 159 ط محققة ، وفتح الباري لابن حجر 9 / 218ـ219 ، وكنز العمال 5 / 312 ط الأولى ،


قال ابن أبي الحديد المعتزلي : « فتكلم قوم وقالوا : يستعمل هذا الغلام على
جلّة المهاجرين والأنصار؟

فغضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما سمع ذلك ، وخرج عاصباً رأسه ، فصعد المنبر
وعليه قطيفة فقال : (أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟ لئن
طعنتم في تأمير أسامة فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وايم الله ان كان لخليقاً
بالامارة ، وابنه من بعده لخليق بها ...) » (1) .

وقال أيضاً : « وثقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأشتد ما يجده ، فأرسل بعض نسائه إلى
أسامة وبعض من كان معه يعلمونهم ذلك. فدخل أسامة من معسكره... فتطأطأ
أسامة عليه فقبّله ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد اسكت فهو لا يتكلم ، فجعل يرفع يديه إلى
السماء ثمّ يضعهما على أسامة كالداعي له ، ثمّ أشار إليه بالرجوع إلى عسكره ،
والتوجه لما بعثه ، فرجع أسامة إلى عسكره.

ثمّ أرسل نساء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأمرنه بالدخول وقلن : انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد
أصبح بارئاً ، فدخل أسامة من معسكره يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأوّل ،
فوجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مفيقاً ، فأمره بالخروج وتعجيل النفوذ ، وقال : (أغد على بركة
الله).

_______________________

وتهذيب تاريخ ابن عساكر 2 / 391 ، ومن كتب المتأخرين حياة محمّد لمحمد حسين هيكل
/ 467. والملاحظ في هذه المصادر المذكورة كلّها قد ورد اسم أبي بكر وأسم عمر فيمن
سمّاهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يخرجوا تحت قيادة أسامة ، ولم تذكر أنهما سمعا وأطاعا ، بل ذكرت
أنهما كانا يخرجان ويعودان بحجة أو بغير حجة ، ويكفي وجودهما عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم
الخميس حين أمر بأحضار الدواة والكتف وهو دليل على أنهما كانا يرقبان حالة
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويترقبان موته ولديهما خطة يجب أن يقوما بتنفيذها.

(1)شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 159 ط محققة ، صحيح البخاري (كتاب المغازي باب
بعث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسامة بن زيد في مرضه).


وجعل يقول : (أنفذ وأبعث أسامة) ، ويكرر ذلك ، فودّع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
وخرج ومعه أبو بكر وعمر. فلمّا ركب جاءه رسول أم أيمن فقال : إنّ رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يموت.

فأقبل ومعه أبو بكر وأبو عبيدة ، فانتهوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين زالت
الشمس من هذا اليوم وهو يوم الاثنين وقد مات ، واللواء مع بريدة بن الحصيب ،
فدخل باللواء فركزه عند باب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو مغلق »(1) .

هذا ملخص حادث بعث أسامة ورزية من تخلف عنه.

( سؤال بعد سؤال فهل من جواب؟ )

أوّلاً : لقد مرّ بنا انّ أبا بكر وعمر وابن عوف وسعداً أو سعيداً والزبير وأبو
عبيدة كانوا فيمن سمّاهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمرهم بالخروج فتخلفوا ، وقد لعنصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من
تخلف عن جيش أسامة (2) فهل هم ممّن شملتهم لعنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ وكيف
وهؤلاء ممّن زعم الزاعمون أنهم من المبشرين بالجنة ، فهل يجوز أن يلعن
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من شهد له بالجنة وبشّره بها؟

ثانياً : لقد مرّ بنا أنّ بعض نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرسلت إلى أسامة وبعض من كان
معه.

فمن هي تلكم البعض من نسائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ ومَن هم أولئك البعض ممّن كان مع
أسامة؟

_______________________

(1)شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 160 ط محققة.

(2)اُنظر الملل والنحل للشهرستاني 1 / 23 ط الثانية سنة 1395 ، وشرح المواقف للجرجاني
8 / 408 ط دار الكتب العلمية بيروت.


ولماذا لم يفصح الراوي بأسمائهم؟ فهل من المستبعد أن يكون تلكم
البعض (الأوّل) هي من نسائه اللائي سبق للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أسرّ إليهن حديثاً فلمّا
نبأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض كما في سورة التحريم؟

وهل من المستبعد أن يكونا هما اللتان تظاهرا عليه كما في سورة التحريم؟

ثالثاً : لقد مرّ بنا أيضاً انّ نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرسلن إلى أسامة ثانياً يأمرنه
بالدخول ، فهل كنّ جميع نسائه؟ أوهنّ اللائي أرسلن إليه أوّلاً؟ ومهما يكن فهل
من حقهنّ الإرسال؟ وما هو حقهنّ في الأمر؟

رابعاً : لقد مرّ بنا أيضاً انّ أسامة وبعض من كان معه أمتثلوا أمر النساء
المرسلات ، فهل كان أمرهنّ أوجب طاعة من أمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فما بالهم تخلّفوا
عن أمتثال أمره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يذهبوا حيث أمرهم وتباطؤا متثاقلين؟ ثمّ هم هبّوا سراعاً
لأمتثال من أمرتهم من النساء طائعين سامعين فيعودوا مسرعين؟

خامساً : لقد مرّ بنا كتمان الرواة لأسماء تلكم النسوة فهل كان كلّ الرواة
نسيّاً فنسوا أسماءهن كما نسوا الوصية الثالثة في حديث الكتف والدواة؟ أم انّ
في كتمان ذلك ستر عليهن والله يحب الساترين؟

ومهما تكن حقيقة ذلك فسيبقى التساؤل قائماًـوبدون جواب مقنعـ هل
كان ثمة تنسيق وتدبير بين بعض نساء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين أسامة وبعض من كان معه؟

وهذا أيضاً ليس بالمستبعد من ساحة التصور ، كما أنّه أيضاً غير مستبعد
حتى في مرحلة التصديق ، لأنّ أسماء الّذين ذكرتهم الرواية أنّهم أقبلوا مع أسامة
هم الثالوثـأبو بكر وعمر وأبو عبيدةـونجد لهذا الثالوث أهلية الترشيح
للخلافة فيما ترويه عائشة وقد مرّ حديثها ، كما نجد لهذا الثالوث تنسيقاً في


المواقف من بعد موت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . كلّ ذلك يصدّق ما قيل من وجود تنسيق
وتدبير بينهم وبين بعض نساء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويوحي بأن ثمة تخطيط وتآمر ، حيث
كان تشاور وتحاور ، لاقتناص الخلافة من صاحبها بأي ثمن ، كان ولو على
حساب الشرعية والدين.

لذلك لم يكن تخلف من تخلف عن جيش أسامة عفوياً.

كما لم يكن تثاقل أسامة بالخروج عاجلاً عفوياً أيضاً.

ولم يكن تلك المراسلات بين بعض أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين أسامة وبعض
من كان معه عفوياً أيضاً.

كلّ ذلك يوحي بضلوع عناصر فاعلة وخطيرة في تلك المؤامرة ، لذلك
كان النفر الّذين وردت أسماؤهم يراوحون بيت النبيّ ولا يبارحونه ، وان بارحه
الرجال فلهم من نساء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عون وعين.

فهذا كلّه قد أحسّ بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مضافاً إلى أنّ السماء توحي إليه بأخبارهم ، ثمّ
تأمره بتنفيذ أمر الله سبحانه ، وإن كلّفه عناءً وجهداً ، ولاقى عناداً ونَصَباً ، فلذلك
أتخذ التدبير الحازم والسريع. والأكثر ضماناً للنجاحـلو تمـفأمر أن يأتوه
بالدواة والكتف ، ليكتب للأمة كتاباً لن يضلوا بعده أبداً. وتلك الوثيقة هي الحجة
الشرعية التحريرية الّتي لا يمكن أن تنكر أو تتناسى كسائر ما سبق منه شفاهاً.
وتبقى حجة يحتج بها الخليفة من بعده.

فهذا هو ما أراده النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وهذا هو ما أدركه عمر وبقية من حضر من طائعين وعاصين. فنبذه عمر
وتبعه قوم فشاقّوا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أمره ، وقبله آخرون ودعوا إليه سامعين طائعين.

وهذا هو الّذي لم يخف من بعدُ على الصحابة فرووه كما رأوه.


وهذا هو الّذي لم يخف على التابعين وتابعي التابعين ، وحتى علماء
التدوين ، لذلك أجهزوا عليه فحرّفوه وزوّروا فيه ، وقد مرّت رواياتهم في صور
الحديث وستأتي شواهد أخرى.

وهذا هو الّذي تهرّب من ذكره صراحة بشكل وآخر علماء التبرير ،
فحاولوا جاهدين ليكتموا الحقّ ، فقالوا أنّه اراد أن يكتب لأبي بكر ، ولعمري لو
كان ذلك صحيحاً لكان عمر أوّل المجيبين المستحبين. ولكن ذلك شأن
الجدليين المعاندين ، أيغالاً في صرف النظر عن حق الإمام عليّ عليه‌السلام الّذي أراد
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتب له ذلك الكتاب ، فأمعنوا في إخفاء الحقيقة. وهيهات أن
تخفى الشمس وإن جللها السحاب.

رابعاً ـ لماذا أراد عليّاً دون غيره؟

والجواب على هذا يستدعي مُقدمة نعرف منها دور الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك.
وتلك هي أن ننظر بتجرّد وموضوعية إلى ذلك الدور ، فهل كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه مأموراً؟
أو مختاراً؟ إذ لا يخلو من هاتين الحالتين.

فإن كان مأموراًـوهو لابدّ أن يكون كذلك كما هو شأن الرسالة( وَمَا
عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ
) (1) ـوما كان شأنه في التبليغ إلّا على حد قوله
تعالى : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
) (2) .

_______________________

(1)النور / 54.

(2)المائدة / 67.


ومن كان دوره التبليغ ، والتبليغ فقط لأنّ الله سبحانه يقول :( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا
بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ
* لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (1) .

فليس من حقّه أن يكون له أيّ دور سوى تبليغ ما أمره الله به ، وقد مرّ
التصريح منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك حين أعترض عليه جلف جاف في أمر بيعة الغدير
لعليّ عليه‌السلام : منك أو من الله؟ فأجاب قائلاً : الله الّذي لا إله إلّا هو. من الله.

وحيث أنّ بيعة الغدير وكتابة الكتاب لو تمت ، كلتاهما كانت لبيعة
عليّ عليه‌السلام وخلافته ، وهما من واد واحد ، وفي الأولى كان عبداً مأموراً فكذلك هو
في الثانية كان عبداً مأموراً ، وأيضاً ليس من حقّ أيّ أحد أن يعترض عليه في
تنفيذ أمره.

وإذا لم نقل بهذا فما هو إلّا الإختيار ، وإنّما أراد عليّاً من نفسه لعواطف
شخصية ـ والعياذ بالله ـ فلننظر لماذا تلك العواطف؟

هل كانت نسبية ، فهو قريبه وابن عمه؟ وهذا غير مقبول ولا معقول ، لأن
للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِنَ العمومة وأبناء العمومة غير عليّ ، وفيهم من هو أكبر سناً من عليّ ،
وليس فيهم من تحقد عليه قريش كما كانت تحقد على عليّ لأنّه قتل
صناديدهم ووترهم في الله. فلماذا لم يشر إلى أيّ واحد من أولئك الأحياء
فيؤهله لأي قيادة أو إمارة أو ولاية لا تصريحاً ولا تلميحاً.

إذن ليست رابطة النسب وحدها هي المرجّح لعليّ دون غيره ، وليس
لقاعدة النسب أيّ دور في الترشيح.

ثمّ هل كانت رابطة المصاهرة لأنّه كان صهراً له على أبنته؟ وهذا أيضاً غير
مقبول ولا معقول إذ لم تكن رابطة المصاهرة تكفي للترشيح ، على أنّها ليست
أقوى من رابطة القربى.

_______________________

(1)الحاقة / 44 ـ 46.


وقد كان للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصهاراً غير عليّ ، وهم أقدم مصاهرة منه ، وتجمعه
وإياهم قربى نسب من بُعد ، كما في عثمان وهو من بني عبد مناف. فلماذا لم
يحض عثمان بشرف ذلك الإختيار؟

إذن ليس تعيين عليّعليه‌السلام للخلافة دون غيره على حساب القربى النسبية
وحدها ، ولا عليها وعلى رابطة المصاهرة. ولابدّ أن يكون ليس للأختيار
الشخصي من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تعيينه أيّ دور ، وإنّما هو أمر من الله تعالى ، ودوره هو
التبليغ فقط ، للمؤهلات الّتي كانت في عليّ عليه‌السلام ولم توجد في غيره.

( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا
) (1) .

النتائج :

لقد تبين بوضوح على الأسئلة المتشابكة على النحو التالي :

1ـماذا أراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتب في الكتاب؟ الجواب : أراد أن يكتب كتاباً
يعيّن فيه وليّ الأمر بعده.

2ـمن أراد أن يكتب أسمه في الكتاب؟ الجواب : أراد أن يكتب اسم عليّ
في ذلك الكتاب.

3ـلماذا أراد أن يكتب له ذلك الكتاب؟ الجواب : لأنّه رأى ضغائن قوم
خشي عليه منهم.

4ـلماذا أراد عليّاًعليه‌السلام دون غيره؟ الجواب : لأن الله تعالى أمره بذلك.

_______________________

(1)الأحزاب / 36.


من هم المعارضة؟

إذا رجعنا نستقريء صور الحديث نجد تعتيماً متعمداً على أسماء
المعارضة سوى اسم عمر بطلها المقدام صاحب الكلمة النافذة ، كالسهم في قلب
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى (غمّ) أغمي عليه. وباختصار نجد : في الصورتين : (1 ، 2)
المرويتين عن عليّ عليه‌السلام وابن عباس ، فقام بعضهم ليأتي به فمنعه رجل من
قريش(؟)وقال : « انّ رسول الله يهجر ».

وفي الصورتين(3 ، 4) المرويتين عن عمر : « فكرهنا ذلك أشد
الكراهية » (؟).

وفي الصورة(5)المروية عن جابر : فكان في البيت لغط وكلام وتكلم
عمر ...

وفي الصورة(6)فأختلف من في البيت وأختصموا فمن قائل يقول : القول
ما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن قائل يقول : القول ما قال عمر.

وفي الصورة(7)فقال بعض أصحابه : « انّه يهجر » ، قال :ـوأبى أن يسمي
الرجل ـ فجئنا بعد ذلك ، فأبى رسول الله أن يكتبه لنا.

وفي الصورة(8)فقال بعض من كان عنده : « إنّ نبيّ الله ليهجر ».

وفي الصورة(9)برواية البخاري : فتنازعوا فقالوا : « هجر رسول الله ».

وبروايته الأخرى عن سفيان فقالوا : « ما له أهجر » استفهموه.

وبرواية الطبري فقالوا : « ما شأنه أهجر » استفهموه.

وفي الصورة(10)برواية البلاذري ، فقال : « أتراه يهجر » ، وتكلموا ولغطوا.

وبرواية ابن سعد ، فقالوا : « إنّما يهجر رسول الله ».


وفي الصورة (11) فقال بعض من كان عنده : « انّ نبيّ الله ليهجر ».

وفي الصورة (12) فقال عمر : « قد غلبه الوجع » فاختلف أهل البيت
فأختصموا فمنهم من يقول يكتب لكم ومنهم من يقول ما قال عمر فلمّا
كثر اللغط والاختلاف ، وغمّوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : (قوموا عني).

وفي الصورة (14) فأقبل القوم في لغطهم.

وفي الصورة (15) فأخذ من عنده من الناس في لغط.

وفي الصورة (17) فلغطوا فقال : قوموا.

وفي الصورة (18) فتنازعوا عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال رجل من القوم : انّ
الرجل ليهجر ، فغضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمر بإخراجه وإخراج صاحبه.

وفي الصورة (19) فقال المعذول : انّ النبيّ يهجر كما يهجر المريض ،
فغضب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فأخرجوه فأخرجناه.

وفي الصورة (20) فمنعه رجل

وفي الصورة (21) فدعا العباس بصحيفة ودواة ، وقال بعض من حضر : « انّ
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يهجر ».

وفي الصورة (22) فقالوا : « ما شأنه أهجر ».

وفي الصورة (24) إنّ قوما قالوا عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك اليوم : « ما شأنه
هجر ». رواه ابن حزم.

وفي الصورة (25) فتنازعوا فقال بعضهم : ما له أهجر استعيدوه ، فقال عمر
قد غلبه الوجع. كما في رواية المقريزي.


هذه حصيلة ما ورد في صور الحديث الّذي تكثّرت وتكسّرت ، حتى
يصعب على الرائي فيها تجميع أجزائها بصورة واحدة. وهذا ما يدل على مدى
التضبيب الّذي لفّ الهالة لتمييع الحالة ، وتضييع القالة. ولكن لم يخف وجه
الكراهية الّتي أبدتها المعارضة بشدة ، فهم الّذين نابذوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منذ بدء
دعوته وحتى ساعة وفاته وما بينهما من مواقف ، وما بالهم نسوا أنّ الخير كان
ويكون فيما كانوا يكرهون.

( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (1) .

وبعد هذا هل يصح أن يقول علماء التبرير أخيرهم العقاد وليس آخرهم ،
إنّ النبيّ كان يحبّ أن يحبّ الناس عليّاً ، فهو يحبّه ويمهدّ له وينظر إلى غده
ثمّ يقول : وليس من الممكن وليس من الممكن ولابدّ لنا الآن من النظر في
حال عمر وماذا أراد بقوله؟

ماذا قال عمر؟

ليس من شك فيما قال عمر ، إذ نسب قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الهجر : إنّ النبيّ
يهجر ، إنّما يهجر رسول الله.

وليس من شك في أنّ علماء التبرير أضفوا على جفاء هذه الكلمة ، نسيجاً
أوهى من نسيج العنكبوت ، وألقوا ظلالاًـوضَلالاًـمن التشكيك في تحوير ما
قال لسماجته ، وقد مرّ في صور الحديث ما طرأ على الكلمة من تحريف شائن ،
كما مرّ في أقوال علماء التبرير مقالة متهالك مائن ، في تصريف الكلمة على
وجوهها غير الصرفية ، فقالوا يهجر إلى ليهجر ، إلى أهجر إلى هَجر هَجَر
_______________________

(1)النجم / 3 ـ 4.


وأستنبطوا لكلٍ وجهاً في القراءة ، حتى جعلوها من الإنشاء إلى الاخبار ثمّ عادوا
إلى الإستفهام في مقام الإنكار وهو تشريق وتغريب ، وتصعيد بلا تصويب ، وإذ
لم يجدوا مناصاً في إنكارها ، جعلوها فضيلة لعمر بعد أن كانت وصمة عليه.
فقالوا إنّما قال ذلك إنكاراً على من تخلف عن أمتثال أمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا التفسير
يأباه عليهم حتى عمر.

ومهما يكن فإنّ الصحيح عندي أنّه قال : « انّ الرجل ليهجر » كما رواها
الغزالي (1) ، وإن ورد أيضاً : « انّه يهجر » كما في الصورة الحادية عشرة من صور
الحديث ، وقد مرّت نقلاً عن ابن سعد في الطبقات (2) ، ونقلها البيهقي مسنداً(3) ،
وذكرناها عن المستخرج للإسماعيلي ، نقلاً عن الملا عليّ القارئ في شرح
الشفاء (4) ، وفي طبقات ابن سعد أيضاً ، ومسند أحمد(5) ، وكتاب السنّة للخلال
المتوفى سنة 311 (6) ، ومعجم الطبراني الكبير(7) ، وغيرها : « فقالوا : إنّما يهجر رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، وفي لفظ الطبري : « انّ رسول الله يهجر »(8) ، وفي تاريخ ابن خلدون :
« فتنازعوا وقال بعضهم : انّه يهجر ، وقال بعضهم : أهجر؟ يستفهم » (9) .

_______________________

(1)سرّ العالمين / 9 ط مصر سنة 1314 ه‍. ولا يضرنا التشكيك في نسبة الكتاب إلى
الغزالي بعد أن نسبه إليه سبط ابن الجوزي الحنبلي في تذكرة الخواص.

(2)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 36.

(3)سنن البيهقي 3 / 435 ط بيروت سنة 1411 (باب كتابة العلم في الألواح والأكتاف).

(4)شرح الشفاء لملا علي القارئ 2 / 353 ط استنابول سنة 1316 ، ونسيم الرياض للخفاجي
4 / 279 ط أفست دار الكتاب العربي بيروت.

(5)مسند أحمد 5 / 355.

(6)كتاب السنّة 1 / 271 ط الرياض.

(7)معجم الطبراني الكبير 11 / 445 ط الموصل.

(8)تاريخ الطبري 3 / 193ط دار المعارف.

(9)تاريخ ابن خلدون 1 / 849 ط دار الكتب اللبناني.


وجاء في حديث سليم بن قيس الهلالي عن ابن عباس : « فقال رجل منهم :
انّ رسول الله يهجر » (1) ، وغير هؤلاء.

ويدلنا على نسبة عمر الهجر إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تلجلج بعضهم عند ذكر كلمته
فيقول : « قال كلمة معناها إنّ الوجع غلب عليه » ، وهذا ما صنعه ابن أبي الحديد
وسائر من استهجن الكلمة من علماء التبرير لما فيها من مساس بقداسة الرسول
وقدسية رسالته. فحذفوها وأثبتوا البديل عنها : « قد غلب عليه الوجع ».

والآن ليفكر القارئ في أمر عمر أيّ شيء كان يدعوه لتلك المقالة النابية
والكلمة القارصة؟ وماذا عليه لو كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتب ذلك الكتاب ليعصم عمر
وغير عمر من الأمة من الضلالة إلى الأبد؟

وهل كان عمر يحب أن يبقى الناس في طخياء الضلالة يعمهون؟ فليقل
علماء التبرير ما عندهم؟ وهل كان عمر يعتقد في نفسه « إنّ النبيّ يهجر »؟
وكذلك فليقولوا ما شاؤا في ذلك ، وقد مرّ بعض ما عندهم من تخليط.

أم كان عمر يريد أمراً آخر من وراء كلمته ، فلم يرَ لديه أبلغ ممّا قاله ليبلغ
مراده؟ وهذا ما نراه ولا نتجنّى عليه ، فقد كان هو أيضاً يراه ، وقد صرّح بذلك ، ومرّت
بعض تصريحاته في التعقيب على ما قاله علماء التبرير (عمريون أكثر من عمر) فراجع
حيث علم أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد أن يكتب الكتاب باسم عليّ فمنع من ذلك.

فمنها قوله : « ولقد أرادـرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـأن يصرّح بأسمهـيعني عليّاًـ
فمنعت من ذلك اشفاقاً وحيطة على الإسلام »؟!

ومنها قوله : « لقد كان من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذرواً من قول لا يثبت حجة ولا
يقطع عذراً ».

_______________________

(1)وسيأتي الحديث بتمامه.


ومنها قوله : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد ذلك وأراد الله غيره ، فنفذ مراد الله ولم
ينفذ مراد رسوله ، أو كلّ ما أراد رسول الله كان »؟!

ومنها قوله : « فكرهنا ذلك أشد الكراهية » (؟)

ولماذا يا أبا حفص؟ ولا نحتاج إلى الجواب ، ما دمت أنت القائل لابن
عباس : « إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة ». ولماذا أيضاً؟
وأنت تعلم أنّ عليّاً كان أحق بها من غيره ، وأنت الّذي أعترفت بذلك وقلت لابن
عباس : « أما والله يا بني عبد المطلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر مني
ومن أبي بكر ».

وهذه الأقوال جميعها قد مرّت مسندة إلى مصادر موثوقة فراجع (عمريون
أكثر من عمر).

من أين علم عمر مراد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

والآن لنبحث من أين علم عمر أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أن يكتب الكتاب باسم
عليّ عليه‌السلام ، وهو لم يذكره باسمه كما في الحديث ، ولم يكتب بعد كتابه ليعلم
بذلك عمر ، فمن أين علم بذلك فقال « انّه ليهجر »؟

لقد علم ذلك من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لن تضلوا بعده ـ بعدي ـ أبداً).

وهذه الكلمة لم ترد في شيء من الأحاديث النبوية إلّا في بضعة أحاديث
كلّها توحي بفضل عليّ منفرداً أو مجتمعاً مع أهل بيته خاصة ، وهم فاطمة
والحسن والحسين الّذين هم قرناء الكتاب ، كما في حديث الثقلين والتمسك
بهما عاصم من الضلالة.


وإلى القارئ تلكم الأحاديث الّتي وردت فيها جملة : (لن تضلوا) ، وهي
دالة على انّ التمسك بعليّ وأهل بيته أمان من الضلالة ، ولم ترد في حقّ أيّ
إنسان سواهم :

أوّلاً : حديث الثقلين وهو من الأحاديث المتواترة رواه أكثر من أربعين
صحابياً في ستة مواطن ، وأخرجت أحاديثهم المصادر الكثيرة وقد نافت على
المائة (1) . ولفظه كما في أكثر من موطن قاله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه ذلك : (أيّها الناس
إنّي تركت فيكم الثقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهماـالأكبر كتاب الله ، والأصغر
عترتي أهل بيتيـوإنّ اللطيف الخبير عهد إليَّ أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ
الحوض كهاتينـأشار بالسبابتينـولا أنّ أحدهما أقدم من الآخر ، فتمسكوا
بهما ، لن تضلوا ولا تقدّموا منهما ولا تخلفوا عنهما ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم
منكم).

وهذا ما قاله في حجة الوداع في يوم عرفة وفي مسجد الخيف بمنى وفي
غدير خم ، سوى ما قاله قبل ذلك في يوم فتح الطائف عام ثمان من الهجرة ،
وسوى ما قاله بعد حجة الوداع وآخر مرة في هجرته وعلى منبره يوم قبض صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقد كان أبو بكر يقول : « عليّ عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » كما أخرج ذلك عنه
السيوطي في جمع الجوامع وعنه المتقي الهندي في كنز العمال (2) .

ثانياً : ما رواه الحسن بن عليّ وعائشة وأنس وجابر مرفوعاً قال : « ادعوا إليَّ
سيّد العربـيعني عليّ بن أبي طالبـفقالت عائشة : ألستَ سيّد العرب؟ فقال :
(أنا سيّد ولد آدم وعليّ سيّد العرب) ، فلمّا جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه فقال
_______________________

(1)اُنظر كتاب عليّ إمام البررة 1 / 292 ـ 318 ط دار الهادي.

(2)كنز العمال 15 / 101 ط الثانية حيدر آباد.


لهم : (يا معشر الأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به (لن تضلوا) بعده أبداً)؟
قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : (هذا عليّ فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي ، فان
جبرئيل أمرني بالذي قلت لكم من الله عزوجل ) »(1) .

ثالثاً : ما روته أم سلمة قالت : « خرج رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم
إلى صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته فقال : (ألا لا يحلّ هذا المسجد
لجنب ولا لحائض إلّا لرسول الله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين ، ألا قد بيّنت
لكم الأسماء أن لا تضلوا) » (2) .

رابعاً : ما رواه زيد بن أرقم قال : « كنا جلوساً عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : (ألا
أدلكم على من لو أسترشدتموه (لن تضلوا) ولن تهلكوا)؟ قالوا : بلى يا رسول الله
قال : (هو هذا وأشار إلى عليّ بن أبي طالب) ثمّ قال : (وآخوه ووازروه وصدّقوه
وانصحوه فإنّ جبرئيل أخبرني بما قلت لكم) » (3) .

خامساً : وثمة حديثـرواه ابن حجر في الصواعق(4) ـجاء فيه التصريح
باسم عليّ عقب ذكر حديث الثقلين فاقرأ ذلك : « إنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالـفي مرض موتهـ
(أيّها الناس يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي وقد قدّمت إليكم القول
_______________________

(1)أخرجه أبو نعيم في الحلية 1 / 63 وقال رواه أبو بشر عن سعيد بن جبير عن عائشة ، نحوه
في السؤدد مختصراً ، والطبراني في معجمه الكبير 3 / 88 ، والهيثمي في مجمع الزوائد
9 / 131 ، والمحب الطبراني في الرياض النضرة 2 / 177 ، وفي الذخائر / 70 ، والسيوطي في
جمع الجوامع كما في ترتيبه ، كنز العمال 2 / 216 و 5 / 126 ، وغيرهم وكلهم عن عائشة.

(2)أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 7 / 65 ، والسيوطي في اللئالي المصنوعة 1 / 183 ط
مصر الاُولى نقلاً عن سنن البيهقيـوعلى القارئ المقارنة ليجد كيف تلاعبت الأهواء
بالسيوطي فحرّف وغيّر.

(3)أخرجه ابن المغازلي المالكي في المناقب / 245.

(4)الصواعق المحرقة / 75 ط الميمنية 1312.


معذرة إليكم ، ألا وإني مخلّف فيكم كتاب ربيعزوجل وعترتي أهل بيتي ثمّ أخذ
بيد عليّ فرفعها فقال : هذا عليّ مع القرآن ، والقرآن مع عليّ ، لا يفترقان حتى يردا
عليَّ الحوض ، فاسألوهما ما خلّفت فيهما) ».

سادساً : ما رواه ابن عباسرضي‌الله‌عنه قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لن تضلوا ولن
تهلكوا وأنتم في موالاة عليّ ، وإن خالفتموه فقد ضلّت بكم الطرق والأهواء في
الغيّ فاتقوا الله ، فإنّ ذمة الله عليّ بن أبي طالب) » (1) .

وأحسب انّ هذا هو تتمة ما مرّ قبله ، ومهما يكن فهذه جملة أحاديث
وردت فيها صيغة (لن تضلوا) (أن لا تضلوا) وكلها في أهل البيت عليهم‌السلام منها
ما يخصّ عليّاً بمفرده ، ومنها ما يعمّه وبقية أهل بيته ، فهل من المعقول والمقبول
دعوى انّ عمر لم يسمعها؟ ليس من الممكن أن لا يكون عمر سمعها من
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو ممّن سمعها منه كلّها أو بعضها ، وحيث لم يرد في مورد جملة
(لن تضلوا) إلّا وهي توحي بذكر عليّ وأهل بيته عليهم‌السلام ، فلذلك لمّا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :
(ائتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلوا) ، أستشعر عمر من ذلك ما هو
إلّا التصريح باسم عليّ في ذلك الكتاب ، فتلك حجة مكتوبة ليس من السهل
عليه ولا على غيره إنكارها. وذلك هو ما اعترف به لابن عباس بعد ذلك ،
فلم يجد سلاحاً أقوى عنده يشهره في وجه الشرعية في ذلك الوقت غير كلمة
« انّ النبيّ ليهجر » وبذلك نسفٌ للمحاولة الفعلية ولجميع المحاولات
اللاحقة الّتي ربّما يفاجأ بها. وهذا معنى كلماته الّتي مرّت على القارئ في
تعترافاته الخطيرة ، فراجع.

_______________________

(1)أنظر ينابيع المودة للقندوزي 2 / 280.


فنسبة الهجر إلى النبيّ المعصوم إقدامٌ جريء ، مع إساءة أدب مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
ومساس بشخصه الكريم ، وأجرأ من ذلك دعواه في كلمته الأخرى « وعندكم
القرآن حسبنا كتاب الله » ، ولنستذكر ما مرّ من أقوال علماء التبرير الّذين رأوا في
هذه الكلمة دليلاً على فقاهة عمر بل وأفقهيته على ابن عباس ، حيث اكتفى
بالقرآن ولم يكتف ابن عباس به (؟!) وهذا ما مرّ عن ابن بطال والنووي وغيرهما
فراجع. فقد بيّنا هناك من هو الأفقه منهما بحجج لا يقوى زوامل الأسفار على
حملها فضلاً عن ردّها.

والآن فلنعد إلى تفسير كلمته « حسبنا كتاب الله » وما تعنيه من دلالة
ظاهرة وما تخفي من معنى أشتملت عليه ، وماذا أراد عمر بقوله : « وعندكم
القرآن حسبنا كتاب الله » :

ماذا أراد عمر بقوله : « حسبنا كتاب الله »؟

ليس في قوله : « حسبنا » أيّ غموض لغوي ، ولا أشتراك لفظي ، ومعناه كفانا ،
و (حَسبَ) اسم معنى لا اسم فعل ، بدليل زيادة الباء عليه في قولهم بحسبك درهم ،
وهكذا قول الداعي حسبي الله ، أي كفاني دون غيره ، كما يصح أن يقول (بحسبي)
أي كفاني ، هذا من ناحية المعنى في اللغة العربية. إذن ماذا أراد عمر غير ذلك؟
وهل وراء ذلك مراد لعمر؟ نعم إنّه الكناية عن الاستغناء بالقرآن دون عديله ، وما
عسى ذلك الرفض إلّا لمن عيّنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث الثقلين ، وهم العترة ،
الّذين هم الثقل الأصغر ، وهو الآخر الّذي يأباه عمر فاستبعده جاهداً ، وفرض
الاستغناء بالقرآن وحده فقال : « وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ». وذلك ما دلّ
عليه معنى (حسبنا) أي كفانا ، وإن قيل ما الدليل على انّ ذلك مراد عمر؟


فإنّا نقول : دليلنا على ذلك اعترافاته السابقة بأنّه فهم ذلك فقال : « حسبنا...
الخ ».

ولولا أن يكون ذلك مراد عمر لما كان معنى لقوله : « حسبنا كتاب الله »
ولا معنى لقوله : « وعندكم القرآن » ، واحتمال أنّه أراد الاستغناء بالقرآن وحده
لأنّه فيه تبيان كلّ شيء ، لقوله تعالى : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (1) كما
قاله علماء التبرير فليس ذلك بصحيح ولا يمكن أن يُصحَح له ، لأن القرآن وحده
لا يغني ما لم يكن معه مَن يعلم تأويله قال تعالى : ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
) (2) ، والله سبحانه يقول :( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ
) (3) ، وقد ورد عن الإمام عليّعليه‌السلام قوله في تفسير هذه الآية فقال : (نحن
أهل الذكر) ولا شك أنّ عليّاً عليه‌السلام كان منهم بل ومن أفاضلهم ، كيف لا وهو
الّذي دعا له الرسول بأن يكون الأذن الواعية ، وفيه نزل قوله تعالى : ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ
وَاعِيَةٌ
) (4) ، وهذا هو الّذي أدركه عمر وفهمه ، لذلك استبعد الضميمة عن القرآن ،
فرفضها ومنع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كتابة الكتاب الّذي لن تضل أمته من بعده ما إن
تمسكوا به.

وفي حديث الثقلين دلالة واضحة أنّ التمسك بهما معاًـالقرآن والعترةـهو
السبيل العاصم من الضلالة. وليس التمسك بأحدهما دون الآخر بعاصم وحده.

_______________________

(1)الأنعام / 38.

(2)آل عمران / 7.

(3)النحل / 43.

(4)شواهد التنزيل للحسكاني 2 / 272 ، وحلية الأولياء 1 / 67 ، وفرائد السمطين للحمويني ،
وكنز العمال 15 / 157 ط الثانية ، ومناقب ابن المغازلي الحديث / 366 ، وسمط النجوم
العوالي 2 / 504 ، وتفسير الطبري 29 / 55 ، وتفسير الدر المنثور للسيوطي في تفسير الآية
نقلاً عن ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه.


ونحن إذا استذكرنا ما مرّ آنفاً من انّ عمر كان جاداً في دفع عليّ عما أراده
الله تعالى له على لسان نبيّه ، ولمّا كان عليّ عليه‌السلام هو واحد من العترة بل هو
سيدهم ، أدركنا المعنى الحقيقي لكلمة عمر : « حسبنا كتاب الله » وهي تعني
التفكيك بين القرآن والعترة عند التمسك بهما. والرد الحاسم على استبعاد العترة
من أهلية التمسك بها ، لذلك ارتكب ما ارتكب ممّا لا يجوز لمثله أن يفعله ، وقال
ما قال ممّا ليس من حقّه أن يقوله. ولكنه اليقظ الحذر والمتمرّس على الخلاف
على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وشواهد ذلك يكفي منها يوم صلح الحديبية ، ويوم الصلاة على
ابن أبيّ. وغير ذلك.

فأي مانع له الآن أن يعلن الخلاف ، ويقول ما لا يحل له ولأي مسلم أن
يقوله فينسب الهجر إلى النبيّ المعصوم. ما دام هو بذلك يرفض قرناء الكتاب ،
وكان من الطبيعي لمثله ، وهو يريد ذلك أن يقول للحاضرين : « وعندكم
القرآن »ـيعني لا حاجة لنا بالعترة الّتي يدعونا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى التمسك
بالكتاب وبها كما في حديث الثقلين ـ.

ولندع هذا الجانب التفسيري لكلمته ، ولنعد إلى الجانب اللفظي لها.
ولنستغفل عقولنا ثانية ، وكأننا نبحث عن حاقّ المعنى لقوله. فماذا كان يعني
بكلمته : « حسبنا كتاب الله »؟ أو ليس معنى ذلك هو رفض السنّة؟ الّتي هي تلو
الكتاب؟ أفهل كان يرى حقاً عدم حجية السنّة؟

نعم كان وكان ، ولسنا نحمّله إلّا تبعة أفعاله ، لأنّه ممّن أمر في أيامه
بتحريقها ومحوها (1) . وما دام ليس من حقنا أن نحمّله خشية الإتهام بأنا لسنا معه
_______________________

(1)الجامع لأحكام القرآن 17 / 5 و 14 / 108 ، وشواهد التنزيل 1 / 334 ـ 337.


على رأي فلنترك الحديث لأئمّة عمريّين لا يشك في ولائهم لعمر ، مثل الإمام
الشافعي وابن حزم ، والبيهقي ، والسيوطي.

فلنقرأ ما يقول كلّ واحد في عدم الإستغناء بالكتاب وحده ولابدّ من السنّة
معه ، وهم غير متهمين فيما يقولونه في إدانة من قال بالإستغناء بالكتاب وحده
حتى ولو كان عمر :

1 ـ ماذا قال الشافعي؟

قال الإمام الشافعي في الرسالة ونقله عنه البيهقي في المدخل(1) : « قد
وضع الله رسوله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم من دينه وفرضه وكتابه الموضع
الّذي أبان جلّ ثناؤه أنّه جعله علماً لدينه بما أفترض من طاعته ، وحرّم من
معصيته وأبان من فضيلته ، بما قرن بين الإيمان به مع الإيمان به فقال تبارك
وتعالى : ( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) (2) وقال :( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ
) (3) فجعل كمال ابتداء الإيمان الّذي ما سواه تبع له الإيمان بالله ثمّ
برسوله معه.

قال الشافعي : وفرض الله على الناس إتباع وحيه وسنن رسوله فقال في
كتابه : ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو
عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
) (4) .

_______________________

(1)نقل كلامه بنصه السيوطي في رسالته مفتاح الجنة في الأحتجاج بالسنّة / 3ـ4 ضمن
مجموعة الرسائل المنيرية أواخر المجلد الثاني.

(2)الأعراف / 158.

(3)النور / 62.

(4)آل عمران / 164.


قال الشافعي : فذكر الله الكتاب والقرآن ، وذكر الحكمة فسمعت من
أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول : الحكمة سنّة رسول الله صلّى الله عليه
(وآله)وسلّم. وقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي
الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
) (1) ـثمّ ساق
الكلام إلى أن قال : فأعلمهم أنّ طاعة رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم
طاعته فقال : ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا
يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
) (2) .

واحتج أيضاً في فرض اتباع أمره بقوله :( لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ
كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
) (3) وقوله :( وَمَا
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا
) (4) وغيرها من الآيات الّتي دلت
على اتباع أمره ولزوم طاعته فلا يسع أحد رد أمره لفرض الله طاعة نبيه ».

2 ـ ماذا قال ابن حزم؟

قال ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام : « لاتعارض بين شيء من
نصوص القرآن ونصوص كلام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما نقل من أفعاله فقال سبحانه خبراً
عن رسوله : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (5) ، وقوله تعالى :
_______________________

(1)النساء / 59.

(2)النساء / 65.

(3)النور / 63.

(4)الحشر / 7.

(5)النجم / 3 ـ 4.


( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (1) ، وقوله :( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ
لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا
) (2) . فأخبرعزوجل انّ كلام نبيّه وحي من عنده كالقرآن
في أنّه وحي ...اه‍ » (3) .

3 ـ ماذا قال البيهقي؟

وقال البيهقي بعد احكامه هذا الفصل : « ولولا ثبوت الحجة بالسنّة لما قال
صلّى الله عليه(وآله)وسلّم في خطبته بعد تعليم من شهده أمر دينهم (ألا فليبلغ
الشاهد منكم الغائب فربّ حامل مبلّغ أوعى من سامع) ثمّ أورد حديث : (نضّر
الله امرؤاً سمع منا حديثاً فأدّاه كما سمعه ، فربّ مبلّغ أوعى من سامع) ». وهذا
الحديث متواتر كما سأبينه.

قال الشافعي : « فلمّا ندب رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم إلى استماع
مقالته وحفظها وأدائها ، دلّ على أنّه لا يأمر أن يؤدّى عنه إلّا ما تقوم به الحجة
على من أدي إليه ، لأنّه إنّما يؤديَ عنه حلال يؤتى ، وحرام يجتنب ، وحدّ يقام ،
ومال يؤخذ ويعطى ، ونصيحة في دين ودنيا ».

ثمّ أورد البيهقي من حديث أبي رافع قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لا ألفين
أحدكم متكئاً على أريكته يأتي الأمر من أمري ممّا أمرتُ به أو نَهيتُ عنه
فيقول : لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) » (4) .

_______________________

(1)الأحزاب / 21.

(2)النساء / 82.

(3)الإحكام في اُصول الأحكام 1 / 174.

(4)رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، والحاكم ، والبيهقي في دلائل النبوة ، وإسناده
صحيح ، وقال الترمذي حسن صحيح ، مشكاة المصابيح 1 / 57.


وأخرج البيهقي بسنده عن شبيب بن أبى فضالة المكي : « انّ عمران بن
حصين رضي‌الله‌عنه ذكر الشفاعة فقال رجل من القوم : يا أبا نجيد إنكم تحدثونا بأحاديث
لم نجد لها أصلاً في القرآن؟ فغضب عمران وقال لرجل قرأت القرآن؟ قال :
نعم ، فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعاً ووجدت المغرب ثلاثاً ، والغداة ركعتين ،
والظهر أربعاً ، والعصر أربعاً؟ قال : لا ، قال : فعن من أخذتم ذلك؟ ألستم عنا
أخذتموه وأخذناه عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أوجدتم فيه من كلّ أربعين شاة شاة ، وفى كلّ كذا بعير كذا ، وفي كلّ
كذا درهماً كذا؟ قال : لا ، قال فعن من أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه وأخذناه
عن النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم.

وقال : أوجدتم في القرأن :( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (1) ، أو وجدتم فيه
فطوفوا سبعاً ، واركعوا خلف المقام؟ أو وجدتم في القرآن : لاجلب ولاجنب
ولا شغار في الإسلام؟

أما سمعتم الله يقول في كتابه :( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانتَهُوا
) (2) ؟

قال عمران : فقد أخذنا عن رسول الله صلّىاللهعليهوآلهوسلّمأشياء ليس
لكم بها علم » (3) .

وأخرج البيهقي والحاكم عن الحسن قال : « بينما عمران بن الحصين
يحدث عن سنّة رسول الله إذ قال له رجل يا أبا نجيد حدّثنا بالقرآن ، فقال له
_______________________

(1)الحج / 29.

(2)الحشر / 7.

(3)مفتاح الجنّة في الإحتجاج بالسنّّة للسيوطي / 5 ضمن مجموعة الرسائل المنيريه
المجلد الثاني.


عمران أنت وأصحابك تقرؤن القرأن!؟ اكنت تحدّثني عن الصلاة وما فيها
وحدودها؟

أكنت تحدّثني عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال؟ ولكن
قد شهدتُ وغبتَ أنتَ ، ثمّ قال : فرضَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الزكاة كذا وكذا ، فقال
الرجل : أحييني أحياك الله.

قال الحسن فما ماتَ ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين »(1) .

4 ـ ماذا قال السيوطي؟

قال في ديباجة كتابه : « اعلموا يرحمكم الله انّ من العلم كهيئة الدواء ، ومن
الآراء كهيئة الخلاء ، لاتذكر إلّا عند داعية الضرورة ، وان ممّا فاح ريحه في هذا
الزمان. وكان دارساً بحمد الله تعالى منذ أزمان ، وهو انّ قائلاً رافضياً(؟)زنديقاً أكثر
في كلامه : انّ السنّة النبوية والأحاديث المرويةـزادها الله علواً وشرفاًـلايحتج بها ،
وأنّ الحجة في القرآن خاصة ، وأورد على ذلك حديث : ماجاءكم عني من حديث
فاعرضوه على القرآن ، فإن وجدتم له أصلاً فخذوا به وإلّا فردّوه. هكذا سمعت هذا
الكلام بجملة منه وسمعه منه خلائق غيري فاعلموا رحمكم الله من أنكر كون
حديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف في الأصول حجة ، كفر وخرج
عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة ...

وأصل هذا الرأي الفاسد أنّ الزنادقة وطائفة من غلاة الرافضة ذهبوا إلى
إنكار الاحتجاج بالسنّة والاقتصار على القرآن » (2) إلى آخر كلامه.

_______________________

(1)مفتاح الجنة في الإحتجاج بالسنّّة للسيوطي / 23 ضمن مجموعة الرسائل المنيريه
المجلد الثاني.

(2)نفس المصدر / 2.


ونحن لانريد مناقشته في حكمه الكلي على الكبرى فهو عين الصواب ،
ولكن هلّم الخطب في تطبيق الحكم على الصغرى في المقام.

ويجب أن لايُستغفَل القارئ بما قاله السيوطي الّذي شنّها حرباً شعواء على
ذلك الرافضي المجهول الهوية. كما يجب أن لانظلمه مادامت حجته صحيحة
كما حكاها عنه السيوطي نفسه.

فإنّ الّذي زعمه السيوطي في حكاية قوله : « هو إهمال السنّة بالمرة فلا
يحتج بها ». بينما الّذي حكاه من فحوى دليله هو وجوب عرض السنّة على
الكتاب ، والأخذ بها ما دامت غير مخالفة له. وأين هذا من عدم حجيتها
والاكتفاء بالقرآن؟.

وإذا صحّ ماذكره السيوطي عنه من الدليل يكون الرافضي المجهول الهوية
على حق في كلامه ، لأنّ الحديث الّذي يخالف القرآن زخرف وباطل ويضرب
به عرض الجدار. وهذا هو المنطق الصحيح والسليم الّذي يقطع جهيزة كلّ
الوضاعين والمدلّسين الّذين كذبوا في الحديث ونسبوه زوراً إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو
منه ومنهم بريء.

وأين هذا ماشهّر به السيوطي بقوله : « إنكار الاحتجاج بالسنّة والاقتصار
على القرآن »؟ وهل من الإنصاف أن يرمي بالزندقة لأنّه يقول إنّ السنّة ليست
ناسخة للقرآن ولا قاضية عليه ، ولأنّ السنّة الصحيحة هي الّتي لاتخالف القرآن!

ثمّ ما رأي السيوطي في قول عمر : « حسبنا كتاب الله وعندكم القرآن »
أليس ذلك نبذه للسنّة نبذ الحصاة وراء ظهره؟


ثمّ ما رأي السيوطي في قول عمر في خطبته : « لا يبقين أحد عنده كتاباً إلّا
أتاني به فأرى فيه رأيي » ، فظنوا أنّه يريد النظر فيها ليقوّمها على أمر لا يكون فيه
اختلاف ، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار (1) . كما بعث إلى الامصار يأمرهم : من كان
عنده شيء فليمحه؟ (2) .

فيا هل ترى من هو الّذي أنكر الاحتجاج بالسنّة؟ ذلك الرافضي المنكود
حظه؟ أم هو عمر بن الخطاب المشهود رفضه؟

ثمّ هل من حقّنا ان نسأل السيوطي عن حكمه هل هو مخصوص بذلك
الرافضي؟ أم هو عام لكل من أنكر الاحتجاج بالسنّة؟ وهل يرضى أن يحكم به
على عمر؟ وهل يرضى بذلك علماء التبرير وهو منهم؟ ثمّ ماباله وهو من أهل
السنّة ، ومادام غيوراً على السنّة ، يستنكر ما قاله الرافضي الّذي حامى عن
حريم السنّة بأن لا تشوبها شوائب الكذابين ، بل كان الأولى أن يدعو له ويستغفر
له ، فهو يريد حماية السنّة لاعدم الاحتجاج بها ونبذها كمن قال : « حسبنا كتاب
الله وعندكم القرآن » ، بالله لقد صحّ المثل السائر : (رمتني بدائها وانسلّت) ،
وما علينا الآن إلّا أن نقول للسيوطي رضينا بك حَكَماً بيننا وبينك ورضينا
بحكمك على كلّ من قال بعدم الاحتجاج بالسنّة من الأولين والآخرين من أيّ
فرق المسلمين.

ويكفينا في إدانة السيوطي كتابه : (اللاليء المصنوعة في الأحاديث
الموضوعة) لماذا كتبه؟ أليس لتخليص السنّة من الشوائب. إذن فقول الرافضي
بعرض السنّة على الكتاب خير ميزان وليس فيه عين ، وكتابه المذكور لم يخلّص
_______________________

(1)طبقات ابن سعد 5 / 188 ، وتقييد العلم للخطيب البغدادي.

(2)جامع بيان العلم لابن عبد البر.


السنّة من كلّ شين.( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن
يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
) (1) .

وأخيراً فقد تبين لنا أنّ عمر إنّما قال : « حسبنا كتاب الله ، عليكم
بالقرآن » ليستفرد بالكتاب وهو الثقل الأكبر ويستبعد الثقل الأصغر وهم
العترة ، وسيّد العترة عليّ كما هو معلوم عند المسلمين ، وكان أبو بكر يقول
ذلك أيضاً (2) . وليس معنى ذلك الاستبعاد لأهل البيت عن ساحة الخلافة ،
يعني بالضرورة أن لانجد عمر يتحدّث بفضائلهم كما كان أبو بكر يفعل
كذلك ، حتى لقد عقد المحب الطبري في الرياض النضرة باباً في ذكر ما
رواه أبو بكر في فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام وباباً (في ذكر مارواه عمر في
عليّ) ، ووردت عنهما أحاديث كثيرة في فضائل أهل البيت ، يقف عليها
الطالب في كتب المناقب للخوارزمي الحنفي وابن المغازلي المالكي
والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي سوى ما أورده الحاكم في
المستدرك وابن عساكر الشافعي في تاريخ دمشق وغيرهم وغيرهم.
فالحديث بفضائل أهل البيت ليس بضارّ لهما بل ربّما أصابا منه نفعاً من
تطييب النفوس بإظهار المودة بعد ما تمّ استبعادهم عن الخلافة ، ثمّ
تجريدهم حتى من بعض اختصاصهم.

ألم يروي الطبراني في الأوسط وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد عن عمر
قال : « لمّا قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جئت أنا وأبو بكر إلى عليّ فقلنا ما تقول فيما ترك
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال : نحن أحقّ الناس برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : فقلت والّذي بخيبر؟
_______________________

(1)يونس / 35.

(2)كنز العمال 15 / 10 ط حيدر آباد الثانية.


قال : والّذي بخيبر ، قلت : والّذي بفدك؟ قال : والّذي بفدك. فقلت أما والله حتى
تحزّوا رقابنا بالمناشير فلا » (1) .

5 ـ ماذا قال السندي في حاشيتيه على البخاري؟

قال : إنّ الأمر الصادر يفيد أنّه أمن من الضلال ، فالكتاب الّذي يريد
الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتبه سبب للأمن من الضلال ودوام الهداية. فكيف يخطر على
بال إنسان أنّه سيترتب عليه عقوبة أو فتنة أو عجز.

أمّا قوله : « حسبنا كتاب الله » لأنّه تعالى قال :( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن
شَيْءٍ
) (2) ، ويقول :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (3) ، فكلّ من الآيتين لا يفيد الأمن
من الضلال ودوام الهداية للناس ، ولو كان كذلك لما وقع الضلال ، ولكن
الضلال والتفريق في الأمة قد وقع بحيث لا يرجى رفعه ، كما أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم
يقل لهم أنّ مراده أن يكتب لهم الأحكام حتى يقال على ذلك : إنّه يكفي فهمها
من كتاب الله ، ولو فرض أنّ مراد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان كتابة بعض الأحكام ، فلعل النص
على تلك الأحكام منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبب للأمن من الضلالة. وعلى هذا لا وجه لقولهم :
« حسبنا كتاب الله » ، بل لو لم يكن فائدة النص إلّا الأمن من الضلالة لكان
مطلوباً جداً ، ولا يصح تركه للإعتماد على أنّ الكتاب جامع لكلّ شي ، كيف
والناس محتاجون إلى السنّة أشد احتياج مع كون الكتاب جامعاً ، وذلك لأنّ
الكتاب وإن كان جامعاً إلّا أنّه لا يقدر كلّ أحد على الإستخراج منه. وما يمكن
لهم استخراجه منه لا يقدر كلّ أحد استخراجه منه على وجه الصواب.

_______________________

(1)مجمع الزوائد 9 / 39.

(2)الأنعام / 38.

(3)المائدة / 3.


ولهذا فوّض الله لرسوله البيان مع كون الكتاب جامعاً فقال تعالى لنبيّه :
( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (1) ، ولاشك أنّ إستخراجهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الكتاب على
وجه الصواب يكفي ويغني في كونه نصاً مطلوباً لنا ، لاسيما إذا أمرنا به ،
ولاسيما إذا وعد على ذلك الأمن من الضلال ، فما معنى قول « حسبنا كتاب
الله » بعد ذلك (2) ؟

6 ـ ماذا في القراءة الخلدونية(3) ؟

ليس من جديد عند ابن خلدون سوى التفافه على حديث الدواة والكتف ،
بقفزة غير بارعة فطواه وطمس معالم الإدانة فيه في موضع مقدمته فقال :ـوهو
يذكر أمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باحضار الدواة والقرطاس ليكتب صلّى الله عليه(وآله)
الوصيةـ: « وان عمر منع من ذلك » (!). ثمّ قال : « وما تدعيه الشيعة من وصيته
لعليّ رضي‌الله‌عنه وهو أمر لم يصح ولا نقله أحد من أئمة النقل.

والّذي وقع في الصحيح من طلب الدواة والقرطاس ليكتب الوصية وان
عمر منع من ذلك ، فدليل واضح على أنّه لم يقع » (4) .

ثمّ عاد في تاريخه فقال : « في مرضهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ثمّ جمع أصحابه فرحّب بهم
وعيناه تدمعان ودعا لهم كثيرأ وقال : (أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله بكم واستخلفه
_______________________

(1)النحل / 44.

(2)حاشية السندي على صحيح البخاري 1 / 33 ، نقلاً عن معالم الفتن لسعيد أيوب / 260.

(3)القراءة الخلدونية اسم لكتاب كان يدرس في الصف الأوّل من المدارس الإبتدائية في
العهد الملكي في العراق نسبة لمؤلفها أبن خلدون. وهزءاً بعقلية ابن خلدون في رأيه في
المقام شبّهنا ما لديه بما في القراءة الخلدونية.

(4)مقدّمة ابن خلدون / 380 ط دار الكتاب اللبناني.


عليكم ، وأودّعكم إليه إني لكم نذير وبشير ألّا تعلوا على الله في بلاده وعباده فإنه قال
لي ولكم : ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
) (1) ، وقال :( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ ) (2) ).

ثمّ سألوه عن مغسِّله؟ فقال : (الأدنون من أهلي).

وسألوه عن الكفن؟ فقال : (في ثيابي هذه أو بياض مصر أوحلّة يمانية).

وسألوه عن الصلاة عليه؟ فقال : (دعوني على سريري في بيتي على شفير
قبري ، ثمّ اخرجوا عني ساعة ، حتى تصلي عليّ الملائكة ، ثمّ ادخلوا فوجاً بعد
فوج فصلّوا وليبدأ رجال من أهل بيتي ثمّ نساؤهم).

وسألوه عمّن يدخله القبر؟ فقال : (أهلي).

ثمّ قال : (إئتوني بدواة وقرطاس ، اكتب لكم كتاباً لاتضلّون بعده) فتنازعوا
وقال بعضهم : إنه يهجر ، وقال بعضهم : أهجر؟ يستفهم ، ثمّ ذهبوا يعيدون عليه ، ثمّ
قال : (دعوني فما أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه). وأوصى بثلاث : أن يخرجوا
المشركين من جزيرة العرب ، وأن يجيزوا الوفد كما كان يجيزهم. وسكت عن
الثالثة أو نسيها الراوي ، وأوصى بالأنصار فقال : (إنّهم كرشي وعيلتي الّتي أويت
إليها ، فأكرموا كريمهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم ، فقد اصبحتم يامعشر المهاجرين
تزيدون والأنصار لا يزيدون). ثمّ قال : (سدّوا هذه الأبواب في المسجد إلّا باب
أبي بكر فإنّي لا أعلم أمرءاً أفضل يداً عندي في الصحبة من أبي بكر ولو كنت
متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ولكن صحبة إخاء وإيمان حتى يجمعنا الله
عنده).

_______________________

(1)القصص / 83.

(2)العنكبوت / 68.


ثمّ ثقل به الوجع واغمي عليه ، فاجتمع إليه نساؤه وبنوه ، وأهل بيته والعباس
وعليّ.

ثمّ حضر وقت الصلاه فقال : (مروا أبا بكر فليصل بالناس) فقالت عائشة :
« إنّه رجل أسيف لايستطيع أن يقوم مقامك فمر عمر ». فامتنع عمر وصلّى أبو
بكر ، ووجد رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم خفّة فخرج ، فلمّا اُحس به
أبو بكر تأخر فجذبه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأقامه مكانه ، وقرأ من حيث انتهى أبو بكر ثمّ
كان أبو بكر يصلي بصلاته والناس بصلاة أبي بكر.

قيل صلوا كذلك سبع عشرة صلاة. وكان يدخل يده في القدح وهو في
النزع فيمسح وجهه في الماء ويقول : (اللّهم أعنّي على سكرات الموت).

فلمّا كان يوم الاثنين وهو يوم وفاته خرج إلى صلاة الصبح عاصباً رأسه ،
وأبو بكر يصلي فنكص عن صلاته ورده رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيده صلّى قاعداً على
يمينه ثمّ أقبل على الناس بعد الصلاة فوعظهم وذكرهم. ولمّا فرغ من كلامه قال
له أبو بكر : « إنّي أراك قد أصبحت بنعمة الله وفضله كما تحب » ، وخرج إلى
أهله في السنح ، ودخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيته فاضطجع في حجرة عائشة. ودخل
عبد الرحمن بن أبي بكر عليه وفي يده سواك أخضر فنظر إليه وعرفت عائشة أنّه
يريده قالت : « فمضغته حتى لانَ واعطيته إياه فاستنّ به ثمّ وضعه » ، ثمّ ثقل في
حجري (1) فذهبت أنظر في وجهه ، فإذا بصره قد شخص وهو يقول : (الرفيق
_______________________

(1)وابن خلدون حين يروي لنا حديث عائشة عن السواك الأخضر الّذي بيد عبد الرحمن
بن أبي بكر ومضغ عائشة له وأعطته للنبيّ فاستنّ به ثمّ وضعه ثمّ ثقل في حجرها
الخ ولم يعقّب عليه بشيء ، وكأنه مصدّق به ، ومهما تباله الراوي وأستغفل القارئ فلا
يكاد يُصدّق بأن إنساناً في حالة النزع يمكنه أخذ السواك ليستنّ به. وما أدري كيف غفل
ابن خلدون أو تغافل عن ذكر تتمة معزوفة السواك الّذي مضغته السيدة عائشة حين
قالتـفجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا (سير أعلام النبلاء للذهبي


الأعلى من الجنة) ، فعلمت أنّه خُيّر فأختار. وكانت تقول : قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين
سحري ونحري وذلك نصف نهار يوم الاثنين لليلتين من شهر ربيع الأوّل... » (1) .

هذا ما أردنا نقله من قراءة ابن خلدون في مقدمته وتاريخه ، لنوقف القارئ
على تخبطه في عرض ماجرى في فترة مرض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحتى وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وكأنّه قد جنّد نفسه لتكثيف حضور أبي بكر وآل أبي بكر. فأبو بكر فهم
نعي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه حين قال : (انّ عبداً من عباد الله خيّره الله بين الدنيا وبين
ماعنده) ، وفهمها أبو بكر فبكى فقال : « بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا » فقال : (على
رسلك يا أبا بكر)؟

وأبو بكر يحظى ببقاء بابه شارعاً إلى المسجد وتغلق سائر الأبواب غير بابه؟

وأبو بكر يؤمر بالصلاة دون غيره؟ وأخيراً أضطجع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجرة ابنة
أبي بكر ، وعبد الرحمن بن أبي بكر يدخل وفي يده سواك أخضر فينظر إليه
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتعلم عائشة ابنة أبي بكر أنّه يريده فتأخذه وتمضغه حتى لان وتعطيه
فيستنّ به. وأخيراً توفي وهو في حجرها وبين سحرها ونحرها. فهذا الحضور
المكثّف لأبي بكر وآل أبي بكر يثير التساؤل عن عمل أهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبقية
نسائه أين كانوا وماذا كان في حضورهم؟ في قراءة أبن خلدون؟

_______________________

1 / 431 نقلاً عن البخاري. وفي الهامش تخريجه عن مسلم في صحيحه ، والقرطبي في
تفسيره ، والبيهقي في سننه الكبرى ، والتبريزي في مشكاة المصابيح ، والزبيدي في
اتحاف السادة المتقين ، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار ، وابن حجر في فتح
الباري. فراجع موارد ذكرهم).

وفي لفظ آخر : وإن الله جمع بين ريقي وريقه عند الموت (سير أعلام النبلاء 1 / 431)
نقلاً عن البخاري ، وفي الهامش مصادر تخريجه فراجع ، ولعل الرجل كان على قدر من
الحكنة أحسّ بأن ذكر الحبكة بجميع خيوطها سيكشف للقاريء عن زيفها جملة
وتفصيلاً.

(1)تاريخ ابن خلدون 2 / 849 ط دار الكتاب اللبناني.


ألم يقرأ ابن خلدون حديث سلمان الفارسي قال : « دخلت عليهـأي على
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـصبيحة يوم قبل اليوم الّذي مات فيه فقال لي : (ياسلمان ألا تسأل عما
كابدته الليلة من الألم والسهر أنا وعليّ) فقلت يا رسول الله : ألا أسهر الليلة
معك بدله؟ فقال : (لا هو أحق بذلك منك) » (1) .

ألم يقرأ ابن خلدون حديث حذيفة قال : « كان عليّ أسند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
إلى ظهره فقلت لعليّ هلمّ أراوحك؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (هو أحق به) »(2) .

وإذا كان ابن خلدون لم يقرأ ذلك ، فهل هو لم يقرأ. حضور العباس
وحديث اللدود (3) ؟ قال ابن أبي الحديد : « وقد وقع اتفاق المحدثين كلّهم
على انّ العباس كان ملازماً للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيام مرضه في بيت عائشة وهذا
لاينكره أحد » (4) .

وهو لم يقرأ حديث مسارّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لابنته فاطمة؟ مرتين بكت في الاُولى
وضحكت في الثانية وهذا ما رواه الشيخان وغيرهما ممّا جل عن البيان (5) .

وهو لم يقرأ حديث ابن عباس : « إنه خرج في مرضه الّذي مات فيه
عاصباً رأسه بعصابة دسماء ملتحفاً بملحفة على منكبيه فجلس على المنبر
وأوصى بالأنصار فكان آخر مجلس جلسه » (6) .

_______________________

(1)شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 591 ط مصر الأولى.

(2)ذخائر العقبى / 95 ط القدسي.

(3)سيرة ابن هشام تح‍ السقا ورفاقه 4 / 225 ، وطبقات ابن سعد 2 / 232 ، وتاريخ الطبري 3 /
188 ـ 189 و 195 وغيرها.

(4)شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 591 ط الاُولى و 10 / 268 ط محققة بمصر.

(5)صحيح البخاري برقم 6285 و 6286 ، وصحيح مسلم برقم 2450 و 2450 / 98 و 2450 / 99 ،
وسنن ابن ماجه / 2621 ، ومسند أحمد 6 / 282 ، وطبقات ابن سعد 2 ق ، ومشكل الآثار
للطحاوي 1 / 48 ، ومشكاة المصابيح للتبريزي / 6129 ، وحلية أبي نعيم 2 / 40 ، وغيرها.

(6)صحيح البخاري برقم 3799 و 3801 وغيره.


وهو لم يقرأ حديث الفضل بن العباس : « وقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا فضل شدّ
هذه العصابة على رأسي فشدّها... الخ » (1) .

وهو لم يقرأ حديث أم الفضل قالت : « خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو عاصب
رأسه في مرضه وصلّى بنا المغرب فقرأ بالمرسلات ، فما صلّى بعدها حتى لقي
الله تعالى » (2) .

وهو لم يقرأ حديث أم ألمؤمنين زينب : « ـ وهي تقول لأصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
الّذين لغطوا عندما أمر بأحضار الدواة وصحيفة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده
أبداًـفقال عمر بن الخطاب من لفلانة وفلانةـمدائن الرومـإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
ليس بميّت حتى نفتتحها ولو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو إسرائيل موسى
فقالت زينب زوج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألا تسمعون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعهد اليكم فلغطوا فقال :
(قوموا) ، فلمّا قاموا قُبض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مكانه »(3) .

وهو لم يقرأ حديث أم المؤمنين أم سلمة قالت : « والّذي أحلف به إن
كان عليّ لأقرب الناس عهداً برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت عدنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غداة
بعد غداة يقول : جاء عليّـمراراًـقالت : وأظنه كان بعثه في حاجة قالت :
فجاء بعد وظننت إنّ له عليه حاجة ، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب
فكنت من أدناهم إلى الباب ، فأكبّ عليه عليّ فجعل يسارّه ويناجيه ، ثمّ
قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من يومه ذلك فكان أقرب الناس به عهداً »(4) .

_______________________

(1)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 45.

(2)مسند أحمد 3 / 91.

(3)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 38 ط ليدن.

(4)مسند أحمد 6 / 300 ، والخصائص للنسائي / 40 ط التقدم ، ومستدرك الحاكم 3 / 138ـ139 ،
وغيرها.


وإذا كان ابن خلدون لم يقرأ كلّ ذلك ، فهل يعقل أنّه لم يقرأ ما روته
عائشة وأخرجه البخاري عنها مكرراً وكلاهما عنده في المقام الأسمى من
خروجه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متوكئاً على العباس ورجلـهو عليّـولكن عائشة لا تطيق لها
نفس أن تذكره بخير وهي تستطيع كما قال ابن عباس فيما رواه الطبري (1) .

ألم يقرأ ابن خلدون هذا الحضور لعليّ والعباس عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد خرج
متوكئاً عليهما حين صلّى أبو بكر فنحّاه وصلّى هو صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالناس؟ أوليس هذا في
صحيح البخاري وتاريخ الطبري وطبقات ابن سعد ، وابن خلدون قد رأى تلك
الكتب جميعها وأخذ عنها خصوصاً عن كتاب الطبري الّذي قال عنهـفي ذكره
أمر الجملـاعتمدناه للوثوق به لسلامته من الأهواء الموجودة في كتب ابن
قتيبة.

ثمّ ما بال الناس الّذين سألوه عن مغسّله وكفنه والصلاة عليه وحتى عمّن
يدخله القبر ، ما بالهم لم يسألوه عمّن يتولى أمرهم من بعده؟

ثمّ ما بالهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقدم أبا بكر للصلاة عليه أولاً مادام قد أمر بتقديمه
للصلاة بالمسلمين مكانه كما يروي ابن خلدون وغيره؟ ولندع ذكر ما في قراءة
ابن خلدون من مثار التساؤل ، ونعود إلى إنكاره الوصية للإمام كما مرّ عن
مقدمته. وإلى إقراره بأن الّذي منع من كتابة ذلك هو عمر ، وما صرّح به ثانياً بأنّ
الّذي منع قال : « أنّه يهجر » فتكون النتيجة ماسبق أن ذكرناه في (ماذا قال عمر؟)
وأنّه الّذي قال : « انّ الرجل ليهجر ».

_______________________

(1)تاريخ الطبري 2 / 433 ، صحيح البخاري 1 / 135 باب إنّما جُعل الإمام ليؤتم به... ط
بولاق.


وأمّا كون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكتب الكتاب لمنع عمر ليس يعني أنّه لم يكن قد
أوصى عليّاً ، فما نعى به على الشيعة في ذلك ، وزعم أنّه أمر لم يصح ولا نقله أحد
من أئمة النقل. فنقول له إنه أمر صحيح ونقله جماعة من أئمة النقل.

ونحن لا نطيل الوقوف معه في سرد ما يستدل به الشيعة على وصاية عليّ
عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ لم يكن دليلهم منحصراً بذلك الكتاب الّذي أرادصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتبه
ومنع عمر منه فلم يقع. فإن لديهم من الأدلة الأخرى والّتي رووها عن مصادرهم
ومصادر غيرهم وفي هذا القسم الثاني ما يرغم ابن خلدون على قبول أحاديثهم
ففيها من صحاح قومه وسننهم ومسانيدهم وتواريخهم ، وفيها أحاديث دلت على
أنّ عليّاً كان وصيّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قبل يوم الخميس يوم حديث الرزية ، بل
كان هو وصيّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من يوم بدء الدعوة كما في حديث الإنذار. وإليك
بعض ما جاء في ذلك صريحاً بالوصية :

1 ـ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم)(1) .

2 ـ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (فأنت أخي ووزيري ووصي وخليفتي من بعدي ...)(2) .

فإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعله وصياً واختاره أخاً ووزيراً ووصياً ووارثاً
وخليفةً من بعده منذ بدء الدعوة وحتى سائر المشاهد بعد ذلك وفيها أكثر من
شاهد ، فما ذنب الشيعة إذا آمنوا بصحّة ما رواه أسلافهم وأخلافهم ، ووافقهم
عليه سواهم من لم يمنعهم خلافهم. وحديث الوصية شائع ذائع هتف به الصحابه
شعراً ونثراً ، ولم ينكر عليهم أحد ذلك.

_______________________

(1)أنظر تاريخ الطبري 2 / 216 ط الحسينية ، و 2 / 319 ط دار المعارف ، و 3 / 1172 ط ليدن ،
وكنز العمال 6 / 392ـ397 ط الاُولى حيدر آباد ، و 15 / 100 ط الثانية حيدر آباد ، نقلاً عن
ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي كليهما في
الدلائل.

(2)أنظر السيرة الحلبية 1 / 286 ط البهية : عن ابن جرير والبغوي انهما رويا ذلك.


قال ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفيـعلى ما بباليـ: « وممّا رويته من
الشعر القول صدر الإسلام المتضمّن كونه عليه‌السلام وصيّ رسول الله قول عبد الله بن
أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب :

ومنا عليّ ذاك صاحبُ خيبرٍ

وصاحب بدر يوم سالت كتائبه

وصيّ النبيّ المصطفى وابن عمّه

فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه

ـثمّ استطرد يذكر أشعاراً لجماعة من الصحابة في ذلك منهم : عبد
الرحمن بن جعيل ، وأبو الهيثم بن التيهانـوكان بدرياًـوعمر بن حارثة
الأنصاري ، وسعيد بن قيس الهمداني ، وزياد بن لبيد الأنصاري ، وحجر بن عدي
الكندي ، وخزيمة بن ثابت الأنصاري ذي الشهادتينـوكان بدرياًـوابن بديل
بن ورقاء الخزاعي ، وعمرو بن أحيحة ، وزحر بن قيس الجعفي ...ـوقال بعد ذكر
أشعار هؤلاء العشرةـذكر هذه الأشعار والأراجيز بأجمعها أبو مخنف لوط بن
يحيى في كتاب وقعة الجمل ، وأبو مخنف من المحدثين وممن يرى صحة
الإمامة بالاختيار ، وليس من الشيعة ولامعدوداً من رجالها ثمّ قال :

وممّا رويناه من أشعار صفين الّتي تتضمن من تسميتهعليه‌السلام بالوصي ماذكره
نصر بن مزاحم بن يسار المنقري في كتاب صفين وهو من رجال الحديث ، ثمّ
ذكر أشعاراً وأراجيز لكل من الإمام أمير المؤمنين نفسه ، وللأشعث بن قيس ،
وزحر بن قيس أيضاً ، وجرير بن عبد الله البجلي ، والنعمان بن عجلان الأنصاري ،
وعبد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي ، والمغيرة بن الحرث بن عبد المطلب وأخيراً
قول صاحبنا عبد الله بن عباس حبر الأمة :

وصيّ رسول الله من دون أهله

وفارسه إن قيل هلمن منازل

فدونكه إن كنت تبغي مهاجرا

أشمكنصلالسيف غير حلاحل


ـثمّ ختم ابن الحديد ذلك بقوله :ـوالأشعار الّتي تتضمن هذه اللفظة
كثيرة جداً ، ولكنا ذكرنا منها ههنا بعض ماقيل في هذين الحربينـيعني الجمل
وصفينـفأما ما عداهما فإنه يجلّ عن الحصر ، ويعظم عن الإحصاء والعدّ : ولولا
خوف الملالة والإضجار ، لذكرنا من ذلك مايملأ أوراقاً كثيرة اه‍ » (1) .

ولنعم ما استدل به عبد الرزاق الصنعاني صاحب المصنف فقد ذكر فيه
بسنده عن معمر عن قتادة أنّ عليّاً قضى عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشياء بعد وفاته كان عامتها
عِدَة. قال : حسبت أنّه قال خمس مائة ألف.

قال عبد الرزاق : يعني دراهم.

قلنا لعبد الرزاق وكيف قضى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأوصى إليه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك؟

قال : نعم لا أشك أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوصى إلى عليّ ، فلولا ذلك ما تركوه أن
يقضي (2) .

فبعد هذا كيف يستنكر ابن خلدون ما تدّعيه الشيعة من وصية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
لعليّ عليه‌السلام ومادام هو نفسه اعترف بأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر بإحضار دواة وقرطاس
ليكتب لأمته كتاباً لن يضلوا بعده أبداً ، واعترف أيضاً بأنّ عمر هو الّذي منع ،
واعترف بأنّ بعضهمـالمانعينـقال : (إنّه يهجر). ولم يكن ذلك إلّا عمر. فما
دام ابن خلدون اعترف بجميع ذلك عليه أن يذعن بصحة ما تدعيه الشيعة ، لأن
ذلك ورد في اعترافات عمر ، كما ذكرنا في (عمريون أكثر من عمر).

_______________________

(1)شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 47 ط الاُولى بمصر. وقد ترجم المرحوم السيد هاشم
البحراني في كتابه التحفة البهية طائفة من أقوال قدماء الشعراء المتضمنة انّ أمير
المؤمنين عليه‌السلام وصي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فناهزت التسعين ، وما فاته منهم ومن أشعار المحدّثين
أضعاف ذلك.

(2)أنظر المصنف لعبد الرزاق 7 / 294.


فقد اعترف لابن عباس حبر الأمةـفي حديث بينهما حول الإمام
والخلافةـ: « ولقد أرادـرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـفي أنّ يصرّح باسمهـيعني عليّاًـ
فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام ».

وقال مرة أخرى في محاورة بينهما في الموضوع نفسه : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
أراد ذلك وأراد الله غيره فنفذ مراد الله ولم ينفذ مراد رسوله »؟!

وقال في مرة ثالثة : « لقد كان من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذرواً من قول لايثبت حجة
ولايقطع عذراً ».

إلى آخر ما هنالك من اعترافات خطيرة ذكرناها هناك فليرجع إليها من
شاء.

والّذي يلفت النظر في القراءة الخلدونية التصريح بأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الّذي
عيّن قبره في بيته فقال : (دعوني على سريري في بيتي على شفير قبري) ، فهو لم
يترك ذلك مجهولاً حتى يحار أهل البيت في مكان دفنه فينقذهم من الحيرة أبو
بكر بتعيين المكان كما يحلو رواية ذلك للبكريين ، كما إنّ في تصريحه ذلك أيضاً
نفي لمن زعم أنّ البيت هو لعائشة بل هو بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنما لها حجرتها فيه.

ومهما قيل عن فهم ابن خلدون في الاجتماع وفلسفة التاريخ فهو غير بارع
في التحوير ، ولا أمين في العرض كما رأيناه فيما مرّ من خلط عنده وخبط ممّا
لايخفى على القارئ النبيه.

وإن لم يكن هو بدعاً في ذلك فقد رأينا قبله من وافق ابن خلدون في
هواه ، ومن بعده من شايعه على دعواه ، وذلك هو الشهاب الخفاجي الّذي
بهت الشيعة كما بهتهم ابن خلدون ، فقال : « وقد ادعى الرافضة أنّ الكتاب


الّذي أراد النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم كتابته كان فيه الوصية بخلافة
عليّ ، فلذا منع منه عمر. وهو كذب منهم عليه » (1) .

وبقيت تهمته للشيعة بوضع حديث الرزية منطوقاً ومفهوماً حتى الأمس
القريب. ألم يقل محمّد عزة دروزة في كتابه (تاريخ العرب في الإسلام
تحت راية الخلفاء الراشدين) : « ونحن لا نستبعد أن تكون الرواية من
مصنوعات الشيعة المتأخرين » (2) .

أقول : ونحن قد ذكرنا مصادر الرواية وعرضنا أسماء الرواة حسب القرون
ولم نذكر فيهم من الشيعة أحداً ، فهل كلّ أُولئك الحفاظ كانوا في غفلة عما رآه
دروزة أو أنها منه طعنة الهمزة اللمزة!

والرجل بالرغم من كثرة كتبه التأريخية لا أراه إلّا راجلاً في تميز
أحداث التاريخ ، ولست متجنياً عليه ، فهنا يقرأ له قوله بعد ذكر رواية
الطبري في إجبار أمير المؤمنين على البيعة لأبي بكر : « ونرجح أنّ هذا
الخبر مصنوع مدسوس من الشيعة » (3) ، ولم يَزَل يرسل في غير سدد ، حتى
جعل رواية أبي بكر في مطالبة الزهراء عليها‌السلام بفدك فروى لها « إنا لا
نورّث ما تركناه صدقة » ، هي نهاية الخصام وبها انقطع الكلام ، ولعلّه يحاول
من طرف خفي إشارة إلى الوئام فقال : « ويكون ماعدا ذلك من مزيدات
الشيعة ومدسوساتهم » (4) .

_______________________

(1)نسيم الرياض بشرح الشفاء للقاضي عياض للشهاب الخفاجي 4 / 284 ط أفست دار
الكتاب العربي بيروت.

(2)تاريخ العرب في الإسلام تحت راية الخلفاء الراشدين / 16 ـ17.

(3)نفس المصدر / 16 ـ 17.

(4)نفس المصدر.


وكم له ولغيره من تهم بهتوا بها الشيعة ، ومرّت نحو هذه النغمة عن غيره ،
ومهما يكن فالجواب على بهتانه ، يعلم ممّا مرّ في ردّ ابن خلدون وبطلانه وممّا
مرّ فيما سبق من بيان ماذا أراد أن يكتبه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فراجع.

ثمّ إنّ من الغريب من ابن خلدون وأضرابه من الناصبة ذكرهم لقول
عائشة : « مات بين سحري ونحري » ، من دون أي تعليق عليه ، أو توجيه له ،
مع أنّها لمّا حدثت به من سألها عن مرض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجاء السائل فذكر
ذلك لحبر الأمة عبد الله بن عباس فاستنكر عليه قولها وأبى تصديقها في
زعمها ، فقال له : « أتعقل والله لتوفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنه لمستند إلى
صدر عليّ » (1) ، وفي حديث ثانٍ رواه الطبراني عن ابن عباس قال : « جاء ملك
الموت إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه الّذي قبض فيه فأستأذن ورأسه في
حجر عليّ » (2) .

وفي حديث ثالث عن ابن عباس أيضاً : « انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثقل وعنده عائشة
وحفصة إذ دخل عليّ عليه‌السلام فلمّا رآه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رفع رأسه ثمّ قال أدن مني
أدن مني فأسنده إليه فلم يزل عنده حتى توفي » (3) .

فهذا يعني أنّ قول عائشة لم يكن متفقاً على صحته بل هو مرفوض من قبل
حبر الأمة عبد الله بن عباس وهو من أهل البيت الّذين كانوا عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين
الوفاة. فكان على من يقول بقول عائشة معالجة ماورد عن ابن عباس في رفضه ،
_______________________

(1)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / ط ليدن.

(2)مجمع الزوائد 9 / 35.

(3)نفس المصدر 9 / 36.


وليعلم القارئ أنّه لم يكن ابن عباس وحده يرفض ذلك فعن أم سلمة ورد مثل
ذلك كما مرّ (1) وعن عمر مايؤيده أيضاً(2) .

أيّهما الشفيق الرفيق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم عمر؟

لقد مرّت بنا كلمة عمرـمراراًـ« فمنعت من ذلك اشفاقاً وحيطة على
الإسلام »؟ كما مرّ في أقوال علماء التبرير انّ ذلك اشفاقاً منه على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
ومرت كلمته الأخرى : « أراد أن يذكره للأمر في مرضه فصددت عنه خوفاً من
الفتنة » ، وليس فيها من الشفقة شيء ، وقد استوجب ذلك علينا أن نعمل الموازنة
في الشفقة على المسلمين والرفق بهم بين الرسول الكريم الأمين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبين عمر.

وإنّها من سخرية القدر واحدى الكبر ، ولكن فرضها علينا أبناء عمر ورددها
الببغائيون فلا ضير ولاجير في ذلك :

فالرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الّذي وصفه الله تعالى بقوله :( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ
عَظِيمٍ
) (3) ، وقال فيه تعالى مخاطباً المؤمنين :( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
) (4) ، فهل بعد هذا من
مجال للقول؟ أم هل يكون من المقبول والمعقول أن لايكون شفيقاً رفيقاً
بالمؤمنين ويكون عمر هو الشفيق الرفيق فيحتاط على الإسلام ويخاف الفتنة؟!

_______________________

(1)مسند أحمد 6 / 300 ط مصر الاُولى ، والخصائص للنسائي / 40 ط التقدم بمصر ،
ومستدرك الحاكم 3 / 138ـ139 ، والرياض النضرة 2 / 180 ط الخانجي ، وذخائر العقبى
/ 72 ط القدسي ، ومجمع الزوائد 9 / 112 ، وتذكرة الخواص / 47 ط الغري.

(2)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 51.

(3)القلم / 4.

(4)التوبة / 128.


سبحانك اللّهم إن هذا إلّا بهتان عظيم. وإشفاق عمر على من؟ أعلى
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد صدمه بكلمته حتى أغمي عليه! أم على المسلمين وقد أضاع
عليهم نعمة الإعتصام من الضلالة بالكتاب؟ وكيف يصدق ذلك إنسان في مثل
عمر الّذي كان في أخلاقه وألفاظه جفاء وعنجهية ظاهرةـكما وصفه أبن أبي
الحديدـوهو ممّن لايتهم عليه (1) فهل يُصدّق في زعمه؟ اشفاقاً وحيطةً على
الإسلام؟

وعمر هو الّذي قال فيه الصحابة لأبي بكر حين أراد استخلافه عليهم بعده :
« تستخلف علينا فظاً غليظاً ، فلو قد ولينا كان أفظ وأغلظ فما تقول لربك إذا
لقيته » (2) .

وعمر هو الّذي خطب في الناس فقال : « بلغني انّ الناس قد هابوا شدتي ،
وخافوا غلظتي ، قد كان عمر يشتد علينا ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين أظهرنا ، ثمّ أشتد علينا
وأبو بكر رضي‌الله‌عنه والينا دونه ، فكيف الآن وقد صارت الأمور إليه. ولعمري من قال
ذلك فقد صدق » (3) .

وهو الّذي وصف الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في خطبته الشقشقية أيامه
وطبيعته في الحكم فليرجع إليها.

أهكذا إنسان يمكن أن يوصف بأن ماصدر منه بتلك الغلظة والشدة ، ونبّو الكلمة
وجفوة اللهجة ، كان منه ذلك إشفاقاً وحيطةً وخوف الفتنة!! والرسول الصادق الأمين
الّذي يسدّده الوحي ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (4) ، ويقول
_______________________

(1)شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 183 ط محققة.

(2)كنز العمال 3 / 136 ط الأولى.

(3)اُنظر حياة الحيوان للدميري 1 / 49.

(4)النجم / 3 ـ 4.


لأمته : (ائتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً) ليس شفيقاً
على أمته!؟ وعمر بمنعه يكون منه اشفاقاً وحيطة على الإسلام؟! ولامجال لأن
يكونا معاً شفيقين لتعارضهما في مورد الشفقة ، وهكذا تضيع المقاييس عند ضياع
العقول في متاهات الهوى ، فما ذكر من تعليل زعم الشفقة من عمر تعليل عليل ،
وليس هو بمقبول ، حتى لدى السذج وبسطاء العقول ، فضلاً عن النابهين
والباحثين من العلماء الواعين.

عملية التزوير من أنحاء التبرير :

لمّا كان حديث الكتف والدواة واضح الدلالة على أنّ المراد منه كان هو
تأكيد النص على ولاية عليّ عليه‌السلام ولذلك منع منه عمر كما أعترف هو بذلك ،
وقد مرّ ذكره والإشارة إليه مراراً. وكذلك فهمه من تابعه على منعه. ولكن
تعرض للمسخ والتشويه والتشكيك ولم يسلم من زبانية الوضاعين ، ويزيد القارئ
إيماناً بأنّهم فهموا ذلك منه ، ما تشبث به رواة السوء وسجلته الأقلام المشبوهة
تشويهاً للحقيقة ، وإمعاناً في غثيثة التزوير حيث انبرى فريق منهم إلى مسخ أصل
الحديث وتحوير نصه ، بعد ان عجزوا في تبرير ما قاله عمر وما ساقوه من أعذار
تافهة. فذكروا انّ الحديث كان لصالح أبي بكر ، فرووا في ذلك عن عائشة وعن
أخيها عبد الرحمن. فقد أخرج مسلم وأحمد والبغوي وغيرهم عن عائشة قالت :
« قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه الذي مات فيه : (ادعي لي عبد الرحمن بن أبي
بكر أكتب لأبي بكر كتاباً لايختلف عليه أحد). ثمّ قال : (معاذ الله أن يختلف
المؤمنون في أبي بكر) » (1) .

_______________________

(1)وروى نحو هذا الحديث كثير من المؤلفين في الحديث والتاريخ. فراجع مصابيح السنّة
للبغوي 2 / 194 ، وصواعق ابن حجر / 13 ، ومشكاة المصابيح 3 / 220 ، وشرح مشارق الأنوار


وأخرج ابن عساكر كما نقله عنه المتقي في كنز العمال عن عبد الرحمن
ابن أبي بكر عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : (إئتني بدواة وكتف أكتب كتاباً لاتضلوا
بعده أبداً). ثمّ قال : (يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر) (1) .

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : « وضعوه في مقابلة الحديث المروي
عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه : (إئتوني بدواة وبياض أكتب لكم ما لاتضلون بعده أبداً) ،
فاختلفوا عنده ، وقال قوم لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله » (2) .

وفي قول هذا المعتزلي وهو غير متهم على الوضاعين البكريين وهو من
علماء التبرير أيضاً. ما يغني عن التعليق على ما في الحديثين من نظر ، وفيه
مايكفينا للتدليل على كذب الحديثين.

ففي آخر الحديث الأوّل : (معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر)
وهذا ما قد وقع في السقيفة وخارجها ، وتخلف عن بيعته أمير المؤمنين عليه‌السلام ومعه
بنو هاشم وتخلف عنها سعد بن عبادة ومن معه من الأنصار وتخلف عنها سلمان
وأبو ذر والمقداد وعمار وبريدة و و و فهل يجرأ أحد ان يقول هؤلاء جميعاً
ليسوا من المؤمنينـوالعياذ باللهـمعاذ الله أن يقول ذلك أحد ، كيف وهم من
خيرة المؤمنين وفيهم أوّل المؤمنين إيماناً وهو عليّ عليه‌السلام .

فمعاذ الله أيضاً أن يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال كذلك.

_______________________

لابن الملك 2 / 258 ، وبهجة المحافل للعامري ، وشرح البهجة للأشخر اليماني ، ونور
الأبصار للشبلنجي ، وقد مرّ اعتماد ابن حزم في كتابه الأحكام 7 / 123 على هذا الحديث
في حل ما أستشكل عليه من حديث أبن عباس في حديث الرزية. ومرّ منا التعقيب عليه
في أقوال علماء التبرير.

(1)تهذيب تاريخ ابن عساكر 3 / 139 ، ومنهاج السنّة لابن تيمية 3 / 135 ط الاُولى. وغير ذلك.

(2)شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 17 ط الاُولى.


واعطف على ذلك ما جاء في الحديث الثاني : (يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا
بكر) ، فقد أبى ذلك حين تخلف عنه مَن ذكرنا واختلفوا فيه ، فأين مانسب إلى
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قوله : (يأبى الله) ، والّذي وقع خارجاً يثبت أنّه تعالى لم يأبَ ذلك ،
وأنّ المؤمنين أيضاً لم يأبوا ذلك حين تخلفوا عنه واختلفوا فيه.

قال الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه : « ولا شك أنّ الوضع ظاهر
في هذا الحديث وانه أريد به معارضته حديث الشيعة في أمر كتاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
الّذي ينسب إلى عمر أنّه منعه ، ولو صح كتاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أبي بكر لكان نصاً
جلياً لأبي بكر ، وهو مالم يقل به جمهور المسلمين ، ثمّ لم يطلب النبيّ أن يكتب
الكتاب ثمّ يعدل عنه؟ ولم يثبت انّ عائشة دعت أباها ولا أخاها وما أحرصها
على دعوتها في أمر جليل كهذا ا ه‍ » (1) .

سبحان الله حديث الدواة والكتف الّذي ترويه كتب الصحاح والمسانيد
والتاريخ والسير من جميع المسلمين ، يقول عنه الدكتور : (حديث الشيعة)؟ وحديث
عائشة الّذي لا يشك هو بوضعه يقول لو صح لكان نصاً جلياً لأبي بكر؟ وهو مالم
يقل به جمهور المسلمين؟ ولعله لم يقف على قول ابن حزم في الفصل : « فهذا نص
جلي على استخلافه عليه الصلاة والسلام أبا بكر على ولاية الأمة بعده » (2) ، وهكذا
تبقى ازدواجية المعايير عند المحدَثين كما كانت عند السابقين.

ونعود لحديث عائشة وحديث عبد الرحمن فنقول : ولو كان للحديث
أدنى نصيب من الصحة لأظهراه عند حاجة أبيهما إلى أدنى دعم في أحرج
وقت ، فلماذا كتماه وهما ولداه.

_______________________

(1)نظرية الإمامة لدى الشيعة الأثنى عشرية / 236 ط دار المعارف بمصر.

(2)الفصل 4 / 108.


ولا يبعدـكما أرىـأنّ الحديثين كانا في بطن الريب ، ولم ينزّلا من
ظهر الغيب. ولم يولدا إلّا بعد حين من الدهر ، ولم يكونا من قبل شيئاً مذكوراً ،
لكنّ صِرار معاوية وتعاون الحاقدين على الإمام معه اختلق كثيراً من نحو ذلك.

محاولات بائسة يائسة :

لقد كان حديث الكتف والدواة واضح الدلالة على المراد كتابته ، وهو
تأكيد النصـتحريرياًـعلى خلافة الإمام عليّ عليه‌السلام وهذا هو الّذي فهمه
الحاضرون ، ومنهم عمر لذلك منع منه ، وقد مرّت بنا في أجوبة التساؤلات الأربعة
إثبات ذلك فلا حاجة إلى إعادته.

ولمّا كان الحديث المذكور أقضّ مضاجع الكثير من القائلين بخلافة أبي
بكر ، فبذلوا جهداً جهيداً وأصروا عناداً على التماس مخرج من المأزق الّذي
أوقعهم فيه الحديث المذكور. فقالوا وقالوا وقد مرّت بنا نماذج من ذلك في
أقوال علماء التبرير.

وأظن انّ القارئ على ذُكر من مقالة ابن حزم الظاهري الّذي ذكر الحديث
ثمّ عقـّب قائلاً : « هذه زلة العالم الّتي حذّر منها الناس قديماً ، وقد كان في سابق
علم الله تعالى أن يكون بيننا الإختلاف وتضل طائفة وتهتدي بهدى الله اُخرى ،
فلذلك وافق عمر ومن وافقه بما نطقوا به ، ممّا كان سبباً إلى حرمان الخير
بالكتاب الّذي لو كتبه لم يُضل بعده.

ولم يزل أمر هذا الحديث مهمّاً لنا ، وشجى في نفوسنا ، وغصة نتألم لها ،
وكنا على يقين من الله تعالى لايدع الكتاب الّذي أراد نبيّه صلّى الله عليه(وآله)


وسلّم أن يكتبه فلن يُضل من بعده دون بيان ، ليحياـكذاـمن حيّ عن بيّنة
، إلى أن منّ الله تعالى بأن أوجدناه فانجلت الكربة والله المحمود » (1) .

ثمّ ذكر ما انجلت به عنده الكربة وذلك ماروته عائشة وعبد الرحمن ابنا
أبي بكر لصالح أبيهماـوقد مرّ ذكرهما قريباً في التلاعب الرخيص ، كما ذكرنا
أوجه الخلل فيهما في التعقيب على ما قاله ابن حزم ، وفي التلاعب الرخيص ،
وليس يعنينا ذلك.

لكن هلمّ الخطب فيمن زاد على ابن حزم في حزمته ، وأفرغ كلّ ما في
جعبته من سهام مسمومة لأسباب معلومة ، ذلك هو ابن كثير الشامي الّذي أغرب
وأسهب ، وشرّق وغرّب فهو ذكر في سيرته حديث الكتف والدواة نقلاً عن
البخاري ومسلم ثمّ عقّب قائلاً : « وهذا الحديث ممّا قد توهم به بعض الأغبياء
من أهل البدع من الشيعة وغيرهم ، كلٌ مدّعٍ أنّه كان يريد أن يكتب في ذلك
الكتاب ما يرمون إليه من مقالاتهم ، وهذا هو التمسك بالمتشابه وترك المحكم.
وأهل السنّة يأخذون بالمحكم ويردّون المتشابه إليه ، وهذه طريقة الراسخين
في العلم كما وصفهم الله عزوجل في كتابه. وهذا الموضع ممّا زلّ فيه أقدام كثير من
أهل الضلالات ، وأمّا أهل السنّة فليس لهم مذهب إلّا اتباع الحقّ يدورون
معه كيفما دار.

وهذا الّذي كان يريد عليه الصلاة والسلام أن يكتبه قد جاء في الأحاديث
الصحيحة بالتصريح بكشف المراد منه.

فإنّه قد قال الإمام أحمد : ثمّ ذكر حديث عائشة »(2) .

_______________________

(1)الإحكام في أصول الأحكام 7 / 122.

(2)اُنظر البداية والنهاية 4 / 450 ـ 451.


كشف جديد في رواية الحديث عن عكرمة :

لقد مرّ في صور الحديث رواية عكرمة لأربع من صوره ، وهي على مابينها
من تفاوت الألفاظ الّذي قد تحمّل عبئه الرواة عنه ، لكن القاسم المشترك بينها
يوحي بأنّ حديث الكتف والدواة ، كان يوم الاثنين اليوم الّذي مات فيه رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (الصورة 17 و 18 و 19 و 20).

وهذا كشف جديد لم يسبق إليه غير عكرمة ، ولمّا كان احتمال أن يكون
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا بكتابة الكتاب مرتين ، مرة في يوم الخميس في مرضه قبل وفاته
بأربعة أيام ، ومرة أخرى في يوم الاثنين يوم وفاته ، احتمال مستبعد جداً ، لأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
لمّا كان في دعوته يوم الخميس لم يلق استجابة مُرضية ، بل سمع كلمة نابية
جافية ، لماذا يكرر الطلب ثانياً وهو القائل لمن سأله في يوم الخميس بعد طرد
المنازعين : أنأتيك بالّذي طلبت فقال أو بعد ماذا؟ (الصورة 18).

وفي رواية عكرمة (الصورة 18) : ثمّ أتوه بالصحيفة والدواة فقال : (بعد ما
قال قائلكم ما قال؟) فمن أبى أن يكتب بعد الّذي سمعه من عمر ، كيف يستدعي
مرة اخرى باحضار الدواة والكتف ليسمع عين الجواب الأوّل منه أيضاً؟

فما ورد في روايات عكرمة في المقام لايخلو من نظر ، خصوصاً وان
عكرمة كان كذاباً وقد كذب على ابن عباس حتى حبسه عليّ بن عبد الله بن
عباس على باب الكنيف فقيل له فيه : فقال : « أنّه يكذب على أبي » (1) ، وأمره في
الكذب مشهور ، حتى أنّ ابن عمر قال لمولاه سالم : « اياك أن تكذب عليّ كما
كذب عكرمة على ابن عباس » (2) .

_______________________

(1)سير أعلام النبلاء 5 / 512 ط دار الفكر.

(2)نفس المصدر.


فالصحيح ما عليه بقية الرواة عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه من انّ الحديث كان يوم
الخميس.

ما هي الوصية الثالثة؟

سؤال فرضته صورة الحديث التاسعة ، المروية عن طريق سفيان بن عيينة
عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي‌الله‌عنه بأشكالها المختلفة.

ولمّا كانت تلك الصورةـكما قلنا عندهاـتكاد ينعدم عندها وضوح
الرؤية ، لاختلاف الرواة عن سفيان إلى نحو من خمس عشرة رواية ، يمكن أن
تكون كلّ رواية صورة بحد ذاتها. ومهما كان الاختلاف بين الرواة عن سفيان ،
فثمة أمر بالغ الأهمية يرويه سفيان عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس. وذلك انّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد أن طرد المنازعين له المشاقّين أمره : قال أوصيكم
بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت
أجيزهم. وسكت عن الثالثة عمداً أو قال : فنسيتها؟

هذه الوصايا الثلاث لم ترد مسندة عن غير طريق سفيان بن عيينة ، وإن
وردت مرسلة كما في الصورتين (21 ـ 23).

ثمّ ما ورد عن طريق سفيان فيه غمغمة في تعيين الثالثة ، فمن هو الّذي
غصّ بريقه فلم يفصح بها ، ولابدّ من عرض نماذج لما ورد عسى أن نستشف كنه
الوصية الثالثة الّتي شق على الراوي الإفصاح بها لأي غرض كان :

1ـأوصى بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد
وسكت عن الثالثة عمداً ، أو قال فنسيتها (وهذا ما رواه يحيى بن آدم وأحمد بن
حماد عن سفيان).


فيا ترى من هو الّذي سكت عمداً؟ أهو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـوحاشاهـلماذا
أراد أن يوصي بها؟ ولماذا سكت عنها؟ فإن كان هو لماذا لم يستفهموه عنها؟
أهو ابن عباس؟ فلماذا حدّث بها؟ ولماذا سكت عنها؟ أهو سعيد بن جبير الراوي
عنه؟ أهو ، أهو؟ سؤال بعد سؤال. يطول بذلك المقام والمقال. والجواب على
احتمال أن يكون الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو من ذكرنا أسماءهم هو الّذي سكت عنها يدفعه
ما يأتي من قول سفيان إن هذا من قول سليمان.

إذن لماذا اختلف الرواة في النقل عن سفيان في ذلك ، فقد جاء : « ونسيت
الثالثة » كما في رواية قبيصة عن سفيان.

وجاء : « والثالثة خير ، أمّا أنّه سكت عنها ، وامّا ان قال فنسيتها » كما في
رواية محمّد بن سلام عن سفيان ، وجاء في هذه الرواية قال سفيان هذا من قول
سليمان.

وجاء : « فإمّا أن يكون سعيد سكت عن الثالثة عمداً ، وإمّا أن يكون قالها
فنسيتها » كما في رواية عبد الرزاق عن سفيان أنّه قال الخ ...

وجاء : « قال ابن عباس وسكت عن الثالثة أو قال : فأنسيتها » كما في رواية
سعيد بن منصور عن سفيان برواية سنن أبي داود في المتن.

وجاء في رواية في هامش سنن أبي داود : « قال الحميدي عن سفيان قال
سليمان : لاأدري أذكر سعيد الثالثة فنسيتها أو سكت عنها ».

إلى غير ذلك من تهويش وتشويش لتضييع الوصية الثالثة. ولكن الباحث
المجدّ والقارئ الواعي لايخفى عليه ما وراء الأكمة ، فقد ورد في رواية أبان بن
عثمان عن بعض أصحابهـوذكر حديث الدواة والصحيفةـوقد مرّ بلفظه في


(الصورة 21) وفيها فدعا العباس بصحيفة ودواة فقال بعض من حضر : « انّ النبيّ
يهجر » ثمّ أفاق النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال له العباس : « هذه صحيفة ودواة قد اتينا بها
يارسول الله » فقال : (بعد ما قال قائلكم ما قال) ثمّ أقبل عليهم وقال : (احفظوني
في أهل بيتي ، واستوصوا بأهل الذمة خيراً ، وأطعموا المساكين ، واكثروا من
الصلاة ، واستوصوا بما ملكت أيمانكمـوجعل يردّد ذلك صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـوإني لأعلم إنّ
منكم ناقض عهدي ، والباغي على أهل بيتي).

فتبيّن أنّ الثالثة هي الوصية بأهل بيته فهي الّتي تغصّ بها النفوس فلا تطيق
ذكرها أمّا لنُصب أو من خوف الحاكمين ، وإذا عرفنا انّ الساكت هو سليمان
الأحولـوهو صاحب القول : « أو فنسيتها »ـعرفنا انّ الرجل كان في أيام
الحجاج الّذي كان يطارد سعيد بن جبير حتى القي القبض عليه وهو عائد بمكة ،
فلعله كان معه بمكة مختفياً ، أمّا الوصايا الاُخرى فليس فيها ما يدعو للسكوت
عنها أو زعم نسيانها.

ولشراح الحديث حول تفسير « ونسيت الثالثة » تشريق وتغريب ، فمنهم من
رأى انّها تجهيز جيش أسامة ، ومنهم من قال : « يحتمل انّها قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لا تتخذوا
قبري وثناً) ».

إلى غير ذلك ممّا لا يقره المنطق ، فإنّ كلّ ماذكروه ليس فيه ما يستدعي
الكتمان ، والتحايل عليه ، وما ذلك إلّا استهجان بالعقول الواعية.

والّذي يؤكد ما نذهب إليه شهادة ثلاثة من الصحابة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان
آخر ما تكلم به هو الوصية بأهل بيته كما قال ابن عمر :


1ـفقد ذكر ابن حجر في صواعقه نقلاً عن الطبراني عن ابن عمر : « إنّ
آخر ما تكلم به النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم : (اخلفوني في أهل بيتي) » (1) .

2 ، 3ـوأخرج التابعي الجليل سليم بن قيس الهلالي في كتابه السقيفة قال :
« قلت : لعبد الله بن العباسـوجابر بن عبد الله الأنصاري إلى جنبهـ: شهدت
النبيّ عند موته؟ قال : نعم ، لمّا ثقل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جمع كلّ محتلم من بني
عبد المطلب وامرأة وصبي قد عقل ، فجمعهم جميعاً فلم يدخل معهم غيرهم إلّا
الزبيرـفإنّما دخل لمكان صفيةـوعمرو بن أبي سلمة (2) واُسامة بن زيد. ثمّ
قال (3) : إنّما هؤلاء الثلاثة منا أهل البيت ، اُسامة مولانا ومنا ، وقد كان رسول الله
صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استعمله على جيش وعقد لهـوفي ذلك الجيش أبو بكر وعمر ، فقال كلّ
واحد منهما لا ينتهي أمرهـيعني النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّه يستعمل علينا هذا الصبيـ
فاستأذن اُسامة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليودعه ويسلم عليه ، فوافق ذاك اجتماع بني هاشم
فدخل معهم ، واستأذن أبو بكر وعمر وأسامة ليسلّما على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأذن لهما.

فلمّا دخل أسامة معناـوكان من أوسط بني هاشم ، وكان شديد الحبّ
لهـفقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لنسائه : قمن عني فأخلينني وأهل بيتي ، فقمن كلهن إلّا
عائشة وحفصة ، فنظر إليهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : (أخلياني وأهل بيتي) ، فقامت
عائشة آخذة بيد حفصة وهي تذمر غضباً وتقول : قد أخليناك وإياهم ، فدخلتا
بيتاً من خشب.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (يا أخي أقعدني) ، فأقعده عليّعليه‌السلام وأسنده إلى نحره.

_______________________

(1)الصواعق المحرقة / 89 ـ 90.

(2)أمه أم المؤمنين أم سلمة.

(3)القائل هو ابن عباس.


فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : (يا بني عبد المطلب اتقوا الله واعبدوه ،
واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ولا تختلفوا ، انّ الإسلام بني على خمس :
على الولاية ، والصلاة ، والزكاة ، وصوم رمضان ، والحج ، فأمّا الولاية : فللّه ولرسوله
وللمؤمنين الّذين يؤتون الزكاة وهم راكعون ، ( وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ
آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ
) (1) .

قال ابن عباس : فجاء سلمان والمقداد وأبو ذر ، فأذن لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
مع بني عبد المطلب فقال سلمان : يارسول الله للمؤمنين عامة؟ أو خاصة
لبعضهم؟ يعني الولاية. قال : بل خاصة لبعضهم الّذين قرنهم الله بنفسه ورسوله
في غير آية من القرآن. قال : من هم؟ قال : أولهم وأفضلهم وخيرهم هذا أخي
عليّ بن أبي طالبـووضع يده على رأس عليّ عليه‌السلام ـثمّ ابني هذا من بعدهـ
ووضع يده على رأس الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ـثمّ ابني هذا من
بعدهـووضع يده على رأس الحسين عليه‌السلام ـوالأوصياء تسعة من ولد الحسين
واحداً بعد واحد ، حبل الله المتين وعروته الوثقى ، هم حجة الله على خلقه ،
وشهداؤه في أرضه ، من أطاعهم فقد أطاع الله ، ومن عصاهم فقد عصى الله
وعصاني ، هم مع الكتاب ، والكتاب معهم لا يفارقهم ولا يفارقونه حتى يردوا
عليَّ الحوض) » (2) .

فهؤلاء الثلاثة من الصحابة شهد اثنان منهمـوهما ابن عباس وابن عمرـ
بالوصية بأهل البيت كانت آخر وصايا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند موته وشهادة الثالثـوهو
جابر بن عبد الله ـ كانت بتقريره صحة شهادة ابن عباس رضي‌الله‌عنهما .

_______________________

(1)المائدة / 56.

(2)السقيفة / 905 ـ 906 تح‍ الأنصاري نشر الهادي.


تدخل العنصر النسوي في النزاع :

لقد مرّت بنا صور الحديث ، وقرأنا فيها ما يشجي النفوس ، وقرأنا في
خمس منها تدخل العنصر النسوي عندما وقع الخلاف على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووقع
التنازع بين الصحابة ، فمنهم القائل قرّبوا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكتب ما أراد ، ومنهم
القائل القول ما قال عمر.

فقد جاء في (الصورة 14) قال : « فأقبل القوم في لغطهم فقالت المرأة :
ويحكم عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، ولئن كانت هذه الصورة غير واضحة المعالم ،
فإنّ الّتي بعدها مثلها إلّا أنّها أشمل لبعض ما جرى.

فقد جاء في (الصورة 15) : « فأخذ من عنده من الناس في لغط فقالت امرأة
ممّن حضر : ويحكم عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليكم ، فقال بعض القوم : « اسكتي فإنّه
لاعقل لك ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أنتم لا أحلام لكم) ».

وأوضح منها ما جاء في (الصورة 17) : « فقالت زينب زوج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :
ألا تسمعون النبيّ يعهد إليكم ، فلغطوا. فقال : (قوموا ...) ».

وإذا بحثنا في ثنايا تلك الصور نجد فيما رواه عمر نفسه ، انّ من استنكر
ذلك من النساء أكثر من واحدة فقد جاء عنه كما في (الصورة 3) : « فقال النسوة :
ائتوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحاجته ، قال عمر فقلت : اسكتنّ فإنكنّ صواحبه إذا مرض
عصرتنّ أعينكنّ ، وإذا صح أخذتنّ بعنقه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (هنّ خير منكم) ».

ونحو ذلك جاء في (الصورة 4) : « فقال النسوة من وراء الستر : ألا تسمعون
ما يقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلت : إنكن صواحبات (صواحب) يوسف ، إذا مرض
رسول الله عصرتنّ أعينكنّ ، وإذا صح ركبتنّ عنقه ، فقال رسول الله صلّى الله عليه
(وآله)وسلّم : (دعوهنّ فإنهنّ خير منكم) ».


ولئن كان عمر لم يفصح عن أسماء تلكم النساء الّتي دخلن المعركة
الكلامية من وراء الستر ، فليس يعسر على الباحث معرفتهن ، خصوصاً وقد عرفنا
اسم واحدة منهنّ وهي أم المؤمنين زينب بنت جحش. ولما كنّ نساء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
حزبين كما في حديث عائشة وقد أخرجه البخاري في صحيحه (1) : قالت : ان
نساء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كنّ حزبين ، فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة ،
والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ...(2) وإذ لا يعقل أن تكون
عائشة وحزبها هنّ اللائي أنكرن الاختلاف.

ولمّا كانت أم المؤمنين زينب بنت جحش من سائر نساء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
اللاتي لم تذكرهن عائشة باسمائهن عرفنا أنّها هي ومن كان معها من حزبها هن
اللائي أنكرن على عمر ومن معه امتناعهم من امتثال أمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفيهنّ ممّن
يوالين أهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلى القارئ أسماؤهن.

1 ـ أم المؤمنين أم سلمة.

2 ـ أم المؤمنين زينب بنت جحش.

3 ـ أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.

4 ـ أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان.

5ـأم ألمؤمنين جويرية بنت الحارث : فهذه هي النسوة اللائي أدركن
مايريده النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو العهد بالأمر إلى ولي الأمر من بعده لكن عمر يجبههن
وينتصر لهن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيقول له : (أنتم لا أحلام لكم ، دعوهن فإنّهن خير منكم).

_______________________

(1)أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الهبة باب قبول الهدية 3 / 156 ط بولاق.

(2)اُنظر معجم الطبراني 23 / 41 ط الثانية بالموصل.


عمر يقول بالغيبة ويقول بالرجعة فماذا يقول العمريون؟

لقد مرّت في بعض صور الحديث لمحات عابرة ، ذات دلالة معينة ، وهي
تكفي لإدانة منكري الغيبة والرجعة ، والذين كثر منهم الهرج والمرج على الشيعة
لقولهم بالغيبة وبالرجعة ، فنسبوا اليهم كلّ قبيح ، وأكثروا التشنيع والتبديع ، ولسنا
في مقام اثبات صحة عقيدة الغيبة والرجعة ، وامكان وقوعها ، ومن نافلة القول
الخوض فيما أثبته الله سبحانه في كتابه بقوله تعالى : ( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ
أُمَّةٍ فَوْجًا
) (1) وليس يعني ذلك الحشر يوم القيامة ، لأن ذلك قال فيه :
( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) (2) فإذن هو حشر خاص(3) . كما قال في
الغيبة في موسى عليه‌السلام واستدل بذلك عمر نفسه لقوله تعالى :( وَوَاعَدْنَا
مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ
لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
) (4) .

_______________________

(1)النمل / 83.

(2)الكهف / 47.

(3)يستدل القائلون بالرجعة على إثباتها بآيات من القرآن المجيد مثل قوله تعالى :( قَالُوا
رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ
) المؤمن
/ 11. وقوله تعالى : ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ
اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ
) البقرة / 259. وقوله تعالى :( أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ
) البقرة
/ 243. وقوله تعالى : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ
الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ
* ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) . وقوله تعالى في
أصحاب الكهف في الآية / 25 ( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ) فقال
فيهم ( ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ) الكهف / 12.

(4)الأعراف / 142.


ولسنا بصدد البحث عن ذلك ، لكن وجدنا لعمر بن الخطاب مقالة على نحو ما
قاله يوم وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أوعد وتوعّد من قال مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومقالته في ذلك
اليوم لايخفى غرضه منها فقد كان منتظراً مجيء أبي بكر من السُنح. أمّا يوم حديث
الرزية فلماذا قال : « من لفلانة وفلانةـمدائن الرومـإن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس بميت
حتى نفتحها ، ولو مات لأنتظرناه ، كما انتظرت بنو إسرائيل موسى »؟

وليس من شك انّ ذلك كان لبلبلة الأفكار ، وهو في نفس الحال كان
تمهيداً لما سيحدث ممّا دُبّر أمره. ومهما يكن الغرض فإنّ عمر قائل بالرجعة
فماذا يقول العمريون؟

صور من مسخ الحديث :

لقد جرت على حديث الكتف والدواة عمليات مسخ وتحريف ، بل
وتقطيع أوصال ، كلّ ذلك لتضييع معالم الحقّ وتشويه الحقيقة.

وإلى القارئ بعض النماذج من تلك الصوَر :

1ـفمنها ما أخرجه البخاري بسنده إلى نعيم بن زيد قال : « حدّثنا عليّ بن
أبي طالب صلوات الله عليه أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لمّا ثقل قال : (ياعليّ إئتني بطبق أكتب
فيه ما لاتضل أمتي) ، فخشيت أن يسبقني فقلت : إني لاحفظ من ذراعي
الصحيفة ، وكان رأسه بين ذراعي وعضدي ، يوصي بالصلاة وبالزكاة وما ملكت


أيمانكم ، وقال : كذلك حتى فاضت نفسه ، وأمره بشهادة أن لا إله إلّا الله وان
محمّداً عبده ورسوله من شهد بها حرّم على النار ا ه‍ » (1) .

فهذا الحديث الّذي رواه البخاري صريح في أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوصى عليّاً
والمسلمين بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانهم ، حتى فاضت نفسه بين ذراع عليّ
وعضده.

بينما روى البخاري نفسه في صحيحه « عن عائشة : انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات بين
سحرها ونحرها وقالت : متى أوصى إليه » (2) .

فيا تُرى أيّ الحديثين أولى بالاعتبار؟ على أنّه قد ورد في صحاح الآثار
والأخبار ما يدل على وصاية عليّ عليه‌السلام عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما ورد أيضاً ما يدل على
موته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو مستند إلى صدر عليّعليه‌السلام (3) .

لكن الّذي يستريب الباحث فيه هو ما ورد في حديث البخاري في الأدب
المفرد من تقاعس الإمام عن إحضار الطبَقَ ، وبذلك يكون شأنه شأن من لم يحضر
الدواة والكتف ، فالكلّ لم يمتثل أمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإن كان في حديث البخاري في
الأدب المفرد ما ينمّ عن جهل واضعه حين ذكر الطبَقَ ، ولم يعهد الكتابة عليه ولم
يرد في شيء من النصوص ما يدل على انّ الطبَقَ من الأدوات الكتابية ، ودون
القارئ المعاجم اللغوية ليرى معاني الطبق فليس بينها ما يشير إلى ذلك.


_______________________

(1)الأدب المفرد / 50 تحق‍ محمّد فؤاد عبد الباقي المطبعة السلفية سنة 1375 ه‍ ، ولقد مرّ
هذا في الصورة الاُولى من صور الحديث مروياً عن ابن سعد في الطبقات وأحمد بن
حنبل في المسند. فراجع.

(2)راجع كتاب الوصايا من صحيح البخاري 4 / 3 ، وصحيح مسلم 5 / 75.

(3)أنظر ما رواه ابن سعد في الطبقات 2 ق 2 / 51.


2ـومنها ماجاء من تزيّد فاضح لراويه ، وذلك نحو ما قاله ابن أبي الحديد
المعتزلي معقباً على ما رواه عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في
كتاب السقيفة من حديث الكتف والدواة فقال : « هذا الحديث قد خرّجه
الشيخان محمّد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج القشيري في صحيحهما. واتفق
المحدّثون كافة على روايته ».

ولدى مقابلة ما رواه عن الجوهري بما خرّجه الشيخان وغيرهما نجد حشواً
زائداً فيه وهو قول الراوي : « فمات رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم في
ذلك اليوم » وهذا مثل ما قد مرّ في (الصورة 16) من صور الحديث رواية هلال
ابن مقلاص وفي آخرها : « فأبطأوا بالكتف والدواة فقبضه الله ». وهذا أيضاً من
التزيد الفاضح إذ ليست هذه الزيادة جزءاً من الحديث ، ولا يصح أن تكون
جزءاً ، لأنّ الحديث كان يوم الخميس كما هو صريح قول ابن عباس رضي‌الله‌عنه حين
كان يقول : « يوم الخميس وما يوم الخميس ». ومن المعلوم والمتيقن انّ وفاة
الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت يوم الاثنين ، فتكون وفاته بعد يوم الحديث بأربعة أيام ، فكيف
يصح قول الراوي : « فمات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك اليوم ». وقد صرّح شرّاح
الصحيحين وغيرهم بذلك (1) .

3ـومنها النقص الواضح من أصل الحديث. كما صنع السمهودي في
كتابه وفاء الوفا فإنّه ذكر الحديث من آخره ولم يذكر أوله تحاشياً من ذكر ما
جرى من عمر ومن شايعه في ذلك اليوم (2) .


_______________________

(1)راجع فتح الباري لابن حجر 1 / 168 ، والأحكام لابن حزم 7 / 124.

(2)اُنظر وفاء الوفا 1 / 227 ـ 228.


4ـومنها ما هو أقبح فعلاً من صورتي التزيد السابق والتنقص اللاحق في
الحديث ، وذلك كما أجهز عليه جماعة ، فألغوا حديث الكتف الدواة جملة
وتفصيلاً ، ولم يذكروا منه سوى وصايا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في آخره كما مرّ في رواية أبي
داود في سننه (1) فلا بكاء ابن عباس وتلهفه وأسفه على ما فات الأمة من الخير
في الأمن من الضلالة. ولا دعوة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالدواة والكتف. ولا قول عمر : « إنّ
النبيّ ليهجر ». ولا قوله : « حسبنا كتاب الله ». ولا وقوع النزاع والتخاصم بين
الحاضرين. ولا طرد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمن شاقّه في أمره وقوله : (لا ينبغي عندي تنازع).

5ـومنها ما صنعه كثيرون ممّن كتبوا في السيرة النبوية من الغاء الحديث
من صفحة السيرة بالمرّة حتى ولم يشيروا إليه بأدنى إشارة ، كما صنع محمّد بن
عبد الوهاب. إمام الوهابيةـفي كتاب مختصر سيرة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكما فعل مثل
ذلك أمين الدويدار في كتابه صور من حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . إلى غيرهما من الكتّاب
المحدَثين.

فهكذا تعرّض الحديث لعمليات كثيرة من ابتزاز إلى تحريف إلى إجهاز عليه
وإلى إهمال. كلّ ذلك إخفاء للحقيقة ، وفات المغرضون أنّ الحقّ أقوى منهم ، ولا
يقهر بتلك الأساليب ، ولا تخفى الشمس وإن جلّلها السحاب ، أو لفّها الضباب.

كيف؟ وأنّى؟ والحديثـكما يقول المثلـسارت بذكره الركبان ،
فتناقله الرواة قرناً بعد قرنـكما مرّ عليكـوأخرجه الحفاظ وأئمّة الحديث من
أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد ومعاجم اللغة وأسفار التاريخ والسيرة فراجع
ما مرّ من ذكر مصادر الحديث.

_______________________

(1)راجع الصورة(9)من صور الحديث.


الحديث في الشعر العربي :

لم أبحث كثيراً عن الشعراء الّذي أشاروا إلى الحديث ، وليس ذلك من
غرض كتابي هذا ، ولكني وقفت على شعر شاعر مؤمن ممّن لم يتبع الغاوين ،
لهج به فنظم مشيراً إليه بقوله :

وصىّ النبيّ فقال قائلهم

قد ظل يهجر سيد البشر

ورووا أبا بكر أصاب ولم

يهجر وقد وصّى إلى عمر(1)

ومن النظم في ذلك قول الشاعر :

وما رأيت من الآيات معتبرا

إن كنت مِدّكرا أكنت معتبرا

أوصى النبيّ أمير النحل دونهما

وخالفاه لأمرعنده اشتورا

وقال هاتوا كتاباً لا تضلوا به

بعدي فقالوا رسول الله قد هجرا

تعصباً لأبي بكر فحين ثوى

وفّى فوصّى به من بعده عمرا

تحمّل العبء فيها ميتاً عجبا

وقال حياًأقيلوني بها ضَجِرا

إن قال ان رسول الله غادرها

شورى فهلا اقتفى من بعده الأثرا

أو قال أوصى فلم تقبل وصيته

يوم الغديرفلاتعجل فسوف ترى(2)



_______________________

(1)مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 1 / 202 ، وكشف الغمة للأربلي 1 / 165 منشورات
الشريف الرضي ، والصراط المستقيم للبياضي 3 / 7.

(2)اثبات الهداة للحر العاملي 4 / 424 ، والصراط المسقيم للبياضي 3 / 7. ووردت هذه الأبيات
في أوّل الحجة الخامسة من كتاب الوصية لأحد معاصري الشيخ الصدوق المتوفى سنة
381 ه‍. والكتاب في مجموعة برقم / 13مجاميع خطية بمكتبة المرحوم الحجة المغفور
له الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء.


نهاية البحث عن المأساة في حديث الرزية :

لقد طالت مسيرتنا مع حديث الكتف والدواة ، والّذي سميناه حديث
الرزية ، لأنّه كان حديث مأساة وهو كذلك حديث رزية وزريّة.

ولئن طالت المسيرة ، فلا ضير ما دامت تكشف العمى عن البصيرة ، وما دمنا
أنا قرأنا جوانب في الحديث فيها مآسي مريرة.

1ـفلقد قرأنا صور الحديث المتفاوتة ، وذكرنا منها (25) صورة لا تتفق
صورة منها مع اُخرى. بل لقد قرأنا في الصورة التاسعة عدة صور ، ممّا زادت
العدد ، وذلك يكشف لنا مدى الدور الّذي قام به الرواة في إخفاء معالم الإدانة.

2ـولقد قرأنا ذكر رواة الحديث جمهرة كثيرة مرتّبين حسب القرون ،
حتى لا يرقى الشك إلى أصل الحديث ، وبذلك يثبت التواتر.

3ـوقرأنا أيضاً مصادر الحديث منبثة في ثنايا أسماء الرواة ، وكلها من
كتب الصحاح والسنن والمسانيد واُمهات كتب التاريخ والتراجم ، ممّا لا يرقى
الشك إليها.

4ـوقرأنا السبب في إطالة البحث في الأسانيد ، لإلقاء تبعة التضبيب على
الرواة فهم الّذين يحملون إصر ذلك.

5ـوقرأنا موقف المعارضة المحمومة ضد أمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وتبيّنا من كان
هو أبرز رموزها في وقفة مع الحديث.

6ـوقرأنا ماذا كان عند علماء التبرير أزاء موقف الردّ والإباء ، وعرفنا من
هم؟

7ـوقرأنا ماذا قال كلّ واحد من علماء التبرير؟ وماذا كان عند كلّ واحد
من هنات؟ كما قرأنا الرد على ما قالوه هم دفعاً بالصدر.


8 ـ وقرأنا ماذا قاله العمريون وعرفناهم في عمريّتهم اكثر من عمر.

9ـوقرأنا تحقيق ماذا قال عمر؟ واثبات رواية كلمته النابية ، الجافية : « انّ
النبيّ ليهجر ».

10ـوقرأنا الجواب على التساؤلات الأربعة الّتي فرضتها حادثة الرزية ،
وتبيّنا أخيراً لماذا أراد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً دون غيره.

11ـوقرأنا سرّ المنع وتصميم عمر عليه ، لأنّه علم مراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما
عرفنا من أين علم عمر مراد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

12ـوقرأنا انّ عمر نبذ السنّة نبذ الحصاة وراء ظهره حين قال : « حسبنا
كتاب الله ». و « عندكم القرآن » ، وهو بذلك يحتجز الإحتجاج بالقرآن للقرآن
وحده فقط وفقط ، وليس للسنّة عنده أي دور أو كرامة.

13ـوقرأنا آراء علماء السنّة وأئمتهم في الرد على من يرى مثل رأي عمر
في ذلك الاحتجان والاحتجاج.

14 ـ وقرأنا بعد ذلك آراء عمرية خطيرة ويأباها العمريون.

15 ـ وقرأنا الموازنة بين شفقة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أمته وبين شفقة عمر.

16 ـ وقرأنا ما جرى على الحديث من تلاعب رخيص لصالح أبي بكر؟

17ـوقرأنا كشفاً جديداً في رواية عكرمة. وهو من رواة الحديث. حين
سرّب الشك إلى يوم الحديث.

18ـوقرأنا تحقيقاً حول تعيين الوصية الثالثة الّتي في آخر الحديث والّتي
لفّها الغموض ، وحشرجت في فم الرواة فغصوا بها ، فلا هم ابتلعوها ولم يذكروها
بالمرة ، ولاهم صرّحوا بها. فقالوا عنها : إمّا نسيها أوسكت عنها.


19ـوقرأنا كيف اشتدت الأزمة ذلك اليوم حتى تدخل العنصر النسوي
في النزاع ، وقرأنا من كان يمثل ذلك العنصر من نساء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنهنّ كن
حزبين.

20ـوقرأنا انّ عمر ممّن كان يقول بالرجعة ، ولا غضاضة في ذلك ، ولكن
لتنبيه العمريين الّذين يشهّرون بالقائلين بها من بقية فرق المسلمين.

21ـوقرأنا صوراً من مسخ الحديث ، ممّا دلنا على تظافر الجهود المتوالية
في القرون المتتالية لطمس معالمه.

22 ـ وأخيراً قرأنا الحديث في الشعر العربي في نموذج منه.

كلّ ذلك قرأناه ، وأحسب أنّ هناك جوانب لم نشبع البحث فيها ، فعسى أن
يتهيأ لها من يشبعها بحثاً وتدقيقاً ، كما أحسب أنّ هناك جوانب لم نبحثها ، فعسى
أن يذكرها من يلتفت إليها.

وبعد كلّ تلك القراءات الفاحصة المتأنية ، تبين لنا :

أنّ ابن عباسرضي‌الله‌عنه كان على حقّ لو أبدى أسفه وتلهفه حين قال : « يوم
الخميس وما يوم الخميس ».

وأنّه كان على حقّ لو بكى وجرى دمعه مثل نظام اللؤلؤ على خديه.

وأنّه كان على حقّ لو بكى حتى يبل دمعه الحصباء.

وأنّه كان على حقّ لو قال : « الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
وبين أن يكتب لنا ذلك الكتاب ».

لقد كان على حقّ في جميع ذلك.

وإنّا على حقّ كذلك إن طالت بنا مسيرتنا مع ذلك الحديث ، فهو حديث
الرزية ، ولولاها لما حدثت في المسلمين بلية ، إنّها لرزية ما مثلها رزية ، لن تمحى


آثارها المحزنة من الذاكرة ، كما لا تضيع معالمها مهما تكثرت نزوات الاقلام
الماكرة. إذ لولاها لما استولت على المسلمين الحكومات الجائرة وحتى الكافرة.

قال المعلمي في الأنوار الكاشفة : « تكلم بعض المتأخرين في هذا الحديث
وذكر أنّه لو كانت الواقعة بنحو هذه الصورة لما أغفل الصحابة ذكرها والتنويه
بشأنها ، فما باله لم يذكرها إلّا ابن عباس مع أنّه كان صغيراً يومئذٍ. ويميل هذا
المتأخر إلى أنّها كانت واقعة لا تستحق الذكر تجسمت في ذهن ابن عباس
واتخذت ذاك الشكل ا ه‍ » (1) .

أقول : ولايهمنا معرفة ذلك البعض النكرة وإنّما الّذي يهمنا تنبيه القرآء
على حكمة إطالتنا الحديث حول ذلك الحديث بدءاً من الصحابة الّذين رووه
وهم الإمام عليّ وعمر وجابر وابن عباس ، ومروراً بصور الحديث وانتهاء بما
قاله علماء التبرير حوله ، ومع كلّ ذلك ينقّ بعض النكرات من المتأخرين ،
ويميل إلى (انّها واقعة لاتستحق الذكر تجسّمت في ذهن ابن عباس واتخذت
ذاك الشكل).

كيف لاتستحق الذكر! ومنها كان المنطلق نحو الخلافة ، وعليها بنى
أصحاب النص ادّعاءهم ، وبها هدموا على أصحاب الاختيار بناءهم.

قال سليم بن قيس الهلاليـتابعي جليلـ: « إنّي كنت عند عبد الله بن
عباس في بيته وعنده رهط من الشيعة ، فذكروا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وموته ، فبكى ابن
عباس وقال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الاثنينـوهو اليوم الّذي قبض فيهـوحوله
أهل بيته وثلاثون رجلاً من أصحابه : (أيتوني بكتف اكتب لكم فيه كتاباً لن
_______________________

(1)الأنوار الكاشفة / 58 ط السلفية.


تضلوا بعدي ، ولن تختلفوا بعدي ...) ، فقال رجل : إن رسول الله يهجر(!) ،
فغضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : (إنّي أراكم تخالفوني وأنا حي فكيف بعد موتي)؟
فترك الكتف.

قال سليم : ثمّ أقبل عليَّ ابن عباس فقال : يا سليم لولا ما قال ذلك الرجل
لكتب لنا كتاباً لا يضل أحد ولا يختلف.

فقال رجل : يابن عباس ، ومن ذلك الرجل ، فقال : ليس إلى ذلك سبيل ،
فخلوت بابن عباس بعد ما قام القوم فقال : هو عمر ، فقلت : صدقت ، قد سمعت
عليّاً وسلمان وأبا ذر والمقداد يقولون : أنّه عمر ، فقال : ياسليم اكتم إلّا من تثق به
من اخوانك ، فإنّ قلوب هذه الأمة أشربت حبّ هذين الرجلين كما أشربت
قلوب بني إسرائيل حبّ العجل والسامري » (1) .

فهذا الخبر يدلّ بتكرار المحاولة مرة أخرى يوم الاثنين ، يوم وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
وتكرّر الموقف من عمر ، وليس ذلك ببعيد ، لأن الموقف دقيق والظرف حسّاس
ولولا كلمة عمر لما أصاب الأمة ما أصابها.

فهلمّ وأقرأ ما قاله أحمد أمين في كتابه : « وقد أراد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
في مرضه الّذي مات فيه أن يعيّن من يلي الأمر من بعده ، ففي الصحيحين
أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا احتضر قال : (هلمّ أكتب لكم كتاباً لاتضلوا بعده)
وكان في البيت رجال منهم عمر بن الخطاب فقال عمر : انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد
غلب عليه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله ، فاختلف القوم
_______________________

(1)كتاب سليم بن قيس الهلالي 2 / 794 ط الهادي سنة 1415 تح‍ الشيخ محمّد باقر
الأنصاري.


وأختصموا ، فمنهم من يقول : قرّبوا إليه يكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده ،
ومنهم من يقول : ما قاله عمر ، فلمّا أكثروا اللغو والإختلاف عنده عليه‌السلام قال
لهم : (قوموا) فقاموا. وتركُ الأمر مفتوحاً لمن شاء ، جَعَل المسلمين طوال
عصرهم يختلفون على الخلافة حتى إلى عصرنا هذا بين السعوديين
والهاشميين » (1) .

فهذا هو السبب الّذي جعلنا نطيل البحث ، ونجترّ المرارة ، ونكرّر ذكر
حديث الرزية. ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (2) .

أخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن أنس قال : « ما نفضنا عن رسول الله
صلّى الله عليه(وآله)وسلّم الأيدي ـ من دفنه ـ حتى أنكرنا قلوبنا » (3) .

وأخرج ابن حجر في تهذيب التهذيب عن الآجري : « قال عمرو بن ثابت
لمّا مات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كفر الناس إلّا خمسة »(4) .

وقد يستفز هذا الكثير الكثير من القرآء ويطعنون في صحته. ولكن
نطمئنهم بأنّ ذلك صحيح وهو ليس بدعاً ممّا أخرجه البخاري في عشرة مواضع
من صحيحه من أحاديث الحوض.

وإلى القارئ واحداً منها : « أخرج في صحيحه كتاب التفسير باب( وَكُنتُ
عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ

_______________________

(1)يوم الإسلام / 41.

(2)الشعراء / 227.

(3)المصنف لابن أبي شيبة 13 / 364 ، وابن ماجة في سننه / 119 ، والهيثمي في موارد
الضمآن / 530.

(4)تهذيب التهذيب 8 / 9.


شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (1) بسنده عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه قال خطب رسول الله صلّى الله عليه
(وآله)وسلّم فقال : (أيها الناس إنّكم محشورون إلى الله حفاة عراة غُرلا (2) ثمّ
قال : ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ... ) (3) إلى آخر الآية ،
ثمّ قال : (ألا وإنّ أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ، ألا وإنّه يجاء برجال
من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا ربّ أصحابي فيقال إنّك لاتدري ما
أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح : ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
) (4) ، فيقال : إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدين
على أعقابهم منذ فارقتهم) » (5) .

النهاية المحزنة :

لقد مرّ بنا ما كان من الرزية الّتي حاقت بالمسلمين في يوم الخميس وهو
اليوم الّذي أعلن فيه التمرّد على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فردّ أمره الناطقُ عن المعارضة ، وصدمه
بكلمة أغمي عليه منها لشدة وقعها ، وكانت بداية النهاية المحزنة ، أمّا نهاية تلك
البداية فكانت وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في يوم الاثنين. وما حدث من الصحابة فيما بين
_______________________

(1)المائدة / 117.

(2)غرل : أي غير مختونين.

(3)الأنبياء / 104.

(4)الأنبياء / 104.

(5)صحيح البخاري 6 / 55 ط بولاق ، وأخرجه مسلم في صحيحه 2 / 355 ط بولاق في كتابه
الجنة وصفة نعيمها باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة. فالحديث متفق عليه كما
يقول علماء الحديث من أهل السنّة.


اليومينـالخميس والاثنينـمن أحداث تتابعت بعنفها على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى تبرّم
بأصحابه وسأم منهم وتمنى أن يريحه الله منهم.

وإلى القارئ بعض الشواهد على ذلك :

1ـفي حديث عبد الرزاق في المصنف عن العباس بن عبد المطلب :
فقلت : يا رسول الله لو اتخذت شيئاً تجلس عليه وفي لفظ المحب الطبري :
مكاناً تكلم الناس فيه يدفع عنك الغبار ويردّ عنك الخصم ، فقال النبيّ صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم : (لأدعنّهُم ينازعونّي ردائي ، ويطؤنَّ عقبي ، ويغشاني غبارهم ،
حتى يكون الله يريحني منهم). فعلمت أنّ بقاءه فينا قليل (1) .

وفي لفظ البزار في مسنده « قال : (لا أزال بين أظهرهم يطأون عقبي
وينازعون ردائي حتى يكون الله يريحني منهم) » (2) .

وليس من شك في أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد الكناية بقوله : (ينازعونّي ردائي) يعني
منازعتهم له فيما هو له ومن حقه واختصاصه كاختصاصه وحقه بردائه ، ولكنهم
نازعوه وجاذبوه ، فهو يريد أن يوحي بالأمر ويقول : (هلمّ أكتب لكم) وهم
يقولون : انّه هجر. كما أنّ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (ويطؤن عقبي) كناية عن مبلغ تعدّيهم على
من يخلّف بعده ، حتى وكأنّهم يطؤنّ عليهم بأقدامهم سحقاً لهم وإبعاداً لهم عن
الساحة.

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (ويغشاني غبارهم) كناية عمّا يلحقه من شدة الأذى والعنَت
فيتأثر لما يصيب أهل بيته وعقبه من ظلم كما يتأثر الإنسان إذا غشيه الغبار. وغير
_______________________

(1)المصنف 5 / 434 ، قارن سنن الدارمي / 21 ، وذخائر العقبى / 204.

(2)قال الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 21 : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.


خفيّ دقة التعبير بغشيان الغبار ومن قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (حتى يكون الله يريحني منهم)
نعرف مبلغ سخطه على من نازعه رداءه ووطئ عقبه وغشيه بما أثار من غبار
الفتنة ، وبعد صريح هذا القول فليقل الّذين يستغفلون العقول ، لقد مات رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو راضٍ عنهم؟!

2ـوتعقيباً على ما مرّ كان موقفه الآخر الّذي سبّب له إزعاجاً بالغاً ، وكان
أحد الموارد الّتي نازعوه فيها رداءه ، وهو موقفه من الصلاة بالناس في مرضه في
الوقت الّذي ثقل فيه حاله. وإليك الحديث برواية ابن سعد في الطبقات الكبرى
بسنده عن عبيد بن عمر الليثي (1) : « إنّ رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم في
مرضه الّذي تُوفي فيه أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ، فلمّا أفتتح أبو بكر الصلاة
وجَدَ رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم خفّة فخرج فجعل يفرّج الصفوف ،
فلمّا سمع أبو بكر الحسّ علم أنّه لا يتقدم ذلك التقدّم إلّا رسول الله صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم ، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته فخنس إلى الصف وراءه
فردّه رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم إلى مكانه ، فجلس رسول الله صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم إلى جنب أبي بكر وأبو بكر قائم ، فلمّا فرغا من الصلاة قال
أبو بكر : أي رسول الله أراك أصبحت بحمد الله صالحاً وهذا يوم ابنة خارجةـ
امرأة لأبي بكر من الأنصار في بلحارث بن الخزرجـفأذن له رسول الله صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم ، وجلس رسول الله في مصلّاه وإلى جانب الحُجر ، فحذّر
الناس الفتن ثمّ نادى بأعلى صوتهـحتى أنّ صوته ليخرج من باب المسجدـ
فقال : (إنّي والله لا يمسك الناس عليّ بشيء ، لا أحلّ إلّا ما أحلّ الله في كتابه ، ولا
_______________________

(1)كان قاصّ أهل مكة. وهذا يكفينا من تعريف ابن حجر له في تقريب التهذيب.


أحرّم إلّا ما حرّم الله في كتابه ، ثمّ قال : يا فاطمة بنت محمّد ويا صفية عمة رسول
الله أعملا لما عند الله فإنّي لا أغني عنكما من الله شيئاً) ثمّ قام من مجلسه ذلك
فما انتصف النهار حتى قبضه الله » (1) .

وروى ابن سعد أيضاً بسنده عن عبيد الله بن عبد الله قال : « دخلت على عائشة
فقلت لها حدثيني عن مرض رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم قالت : لما ثقل
رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم فقال : (أصلّى الناس؟) فقلت : لا هم ينتظرونك
يا رسول الله قال : (ضعوا لي ماء في المخضب) (2) قالت : ففعلنا فاغتسل ، ثمّ ذهب
لينوء فأغمي عليه ثمّ أفاق ، فقال : (أصلى الناس؟) فقلت : لا هم ينتظرونك ، فقال :
(ضعوا لي ماء في المخضب) ، قالت : ففعلنا فاغتسل ثمّ ذهب لينوء فأغمي عليه ، ثمّ
أفاق فقال : (أصلى الناس؟) فقلت : لا هم ينتظرونك والناس عكوف في المسجد
ينتظرون رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم لصلاة العشاء الآخرة قالت : فأرسل
رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس ، فأتاه الرسول
فقال : إن رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم يأمرك أن تصلي بالناس ، فقال أبو
بكر : وكان رجلاً رقيقاً يا عمر صلّ بالناس فقال عمر : أنت أحق بذلك فصلّى أبو بكر
تلك الأيام ، ثمّ إنّ النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم وجد من نفسه خفّة ، فخرج بين
رجلين أحدهما العباس ، فصلّى الظهر وأبو بكر يصلي بالناس. قالت : فلمّا رآه أبو
بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أن لا يتأخر ، وقال لهما
أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر. قال : فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم
_______________________

(1)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 17 ط أفست عن ط ليدن.

(2)المخضب : المركن تغسل فيه الثياب.


بصلاة النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبيّ صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم قاعد.

قال عبيد الله : فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت : ألا أعرض عليك ما
حدثتني عائشة عن مرض رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم؟ قال : هات ،
فعرضت عليه فما أنكر منه شيئاً غير أنّه قال : سمّت لك الرجل الّذي كان مع
العباس؟ قال قلت : لا؟ قال : هو عليّ بن أبي طالب » (1) .

وروى ابن سعد أيضاً هذا الحديث بأخصر من ذلك وفيه : « فخرج بين رجلين
تخط رجلاه في الأرض بين ابن عباسـتعني الفضلـوبين رجل آخر. قال عبيد
الله : فأخبرت ابن عباس بما قالت قال : فهل تدري من الرجل الآخر الّذي لم تسمّ
عائشة؟ قال قلت : لا قال ابن عباس : هو عليّ إن عائشة لا تطيب له نفساً بخير » (2) .

أقول : ولئن كنّت عنه برجل فقد أبعدته حتى عن تلك الكناية في حديث
آخر عنها فقالت : « وأصبحـرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـيوم الاثنين مفيقاً فخرج يتوكأ
على الفضل بن عباس وعلى ثوبان مولاه حتى دخل المسجد » (3) .

وما أكثر الشواهد الّتي حفظتها عنها كتب السيرة فكشفت عما تكنّه لعليّ
من شنآن ، وكانت على حدّ ما وصفها ابن عباس حبر الأمة بقوله : « إنّ عائشة لا
تطيب له نفساً بخير ».

ومهما كانت الدوافع والنوازع ولكن هلمّ الخطب فيما ورد عنهاـوعن
غيرها أيضاًـفي مسألة صلاة أبي بكر بالمسلمين أيام مرض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكثرة
_______________________

(1)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 19.

(2)نفس المصدر 2 ق 2 / 19.

(3)نفس المصدر 2 ق 2 / 20.


التناقضات فيما روي في ذلك أصبحت مثار جدل وخلاف. وحيث أنّها من
الأحداث الّتي شاهدها حبر الاُمة عبد الله بن عباس وعاشها بجميع تداعيتها
ومداخلاتها ، حتى كان يعرض عليه بعض الرواة ما سمعه من عائشة ، كما مرّ
قريباً شاهد ذلك ، فلا مناص من الإلمام بشيء عنها.

ماذا عن صلاة أبي بكر؟

تكاد تكون المسألة من المتسالم عليها أنّ أبا بكر صلّى بالمسلمين في
مرض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولكن الخلاف نشأ في متداعياتها ، وبدا التناقض في مرويات من رواها
فأثار ذلك كثيراً من الشكوك والتساؤلات ، وإليك بعضاً منها :

1ـهل صحيح أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر أحداً بعينهـسواء أبا بكر أو غيرهـليؤم
المسلمين في صلاتهم في مرضه؟ والجواب نقرؤه في رواية عبد الله بن زمعة بن
الأسود يقول : « عدتُ رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم في مرضه الّذي
توفـّي فيه ، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال لي رسول الله صلّى الله عليه(وآله)
وسلّم : (مرّ الناس فليصلوا).

قال عبد الله : فخرجت فلقيت ناساً لا اُكلمهم ، فلمّا لقيت عمر بن الخطاب
لم أبغ مَن وراءه وكان أبو بكر غائباً ، فقلت له : صل بالناس يا عمر ، فقام عمر في
المقام ، وكان عمر رجلاً مُجهراً ، فلمّا كبّر سمع رسول الله صلّى الله عليه(وآله)
وسلّم صوته ، فأخرج رأسه حتى أطلعه الناس من حجرته فقال : لا لا لا ، ليصل
بهم ابن أبي قحافة ، قال : يقول ذلك رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم مغضباً ،


قال : فانصرف عمر فقال لعبد الله بن زمعة : يا بن أخي أمرك رسول الله صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم أن تأمرني؟

قال : فقلت لا ولكني لما رأيتك لم أبغ مَن وراءك ، فقال عمر : ما كنت أظن
حين أمرتني إلّا أنّ رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم أمرك بذلك ، ولولا
ذلك ما صليت بالناس ، فقال عبد الله لمّا لم أر أبا بكر رأيتك أحق من غيره
بالصلاة.

فظهر من هذه الرواية أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يأمر أحداً بعينه حين آذنه بلال
بالصلاة.

وأنّ جميع ما جرى كان من تصرّف عبد الله بن زمعة الشخصي ، ولذا
عاتبه عمر على ذلك. كما ظهر أنّ الراوي كان هواه مع أبي بكر وعمر ، فهو رأى
اُناساً غيرهما فلم يكلمهم ، لماذا(؟)وهو ما إن رأى عمر فلم يبغ مَن وراءه ،
لماذا؟ وهو الّذي كشف عن دخيلة هواه حين قال لعمر : لما لم أر أبا بكر رأيتك
أحق من غيره بالصلاة ، لماذا؟ ولنا أن ندرك ما تزيّده على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنسب إليه
قوله لما سمع صوت عمر فأخرج رأسه حتى أطلعه الناس من حجرته فقال : لا لا
لا ليصل بهم ابن أبي قحافة. يقول ذلك رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم
مغضباً. وعبد الله بن زمعة هذا استشهد يوم الدار مع عثمان (1) ، فهو غير متهم
عند من يحتج بأمثاله في مثل المقام ، وقد تبين لنا أنّه لم يكن أمرٌ من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
إلى أحد بعينه يقوم مقامه في الصلاة بالمسلمين. وهذا ما سيأتي عن الإمام
عليّ عليه‌السلام أيضاً.

_______________________

(1)تقريب التهذيب لابن حجر 1 / 416.


2ـإنّ المروي في مسألة صلاة أبي بكر فيه من التناقض العجيب الغريب ما
يدعو إلى الريبة في ذلك وإن تضخم كماً وكيفاً. ولئلا نطيل الوقوف كثيراً
فلنقرأ بعض ما جاء عن عائشة وحدها مضافاً إلى ما مرّ عنها أيضاً ، وعليها مدار
أكثر المروي في ذلك ، لنرى مدى التناقض فيه :

أـفي حديث قالت : « أوذن النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم بالصلاة في
مرضه فقال : مروا أبا بكر فليصلّ بالناس ثمّ أغمي عليه فلمّا سرّي عنه قال : هل
أمرتنّ أبا بكر يصلي بالناس؟ فقلت يا رسول الله إنّ أبا بكر رجل رقيق لا يُسمع
الناس ، فلو أمرت عمر. قال : إنكن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس
فربّ قائل ومتمنّ ويأبى الله والمؤمنون » (1) .

بـوفي حديث آخر عنها : « لمّا كانت ليلة الاثنين بات رسول الله صلّى
الله عليه(وآله)وسلّم دنفا ، فلم يبق رجل ولا إمرأة إلّا أصبح في المسجد لوجع
رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم فجاء المؤذّن يؤذنه بالصبح فقال : قل
لأبي بكر يصلي بالناس ، فكبّر أبو بكر في صلاته ، فكشف رسول الله صلّى الله
عليه(وآله)وسلّم الستر فرأى الناس يصلون ، فقال : إن الله جعل قرّة عيني في
الصلاة ، وأصبح يوم الاثنين مفيقاً فخرج يتوكأ على الفضل بن عباس وعلى
ثوبان غلامه حتى دخل المسجد وقد سجد الناس مع أبي بكر سجدة من الصبح
وهم قيام في الاُخرى ، فلمّا رآه الناس فرحوا به ، فجاء حتى قام عند أبي بكر ،
فاستأخر أبو بكر فأخذ النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم بيده فقدّمه في مصلّاه
فصفّا جميعاً ، رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم جالس وأبو بكر قائم على
_______________________

(1)طبقات ابن سعد 2 ق2 / 20.


ركنه الأيسر يقرأ القرآن ، فلمّا قضى أبو بكر السورة سجد سجدتين ثمّ جلس
يتشهد ، فلمّا سلّم صلّى النبيّ صلّى الله عليه(وآله)وسلّم الركعة الآخرة ثمّ
انصرف » (1) .

جـوفي حديث ثالث عنها قالت : « ما مرّت عليَّ ليلة مثل ليلة قال رسول
الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم يا عائشة هل طلع الفجر؟ فأقول : لا حتى أذّن
بلال بالفجر ، ثمّ جاء بلال فقال رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم ما هذا؟
فقلت : هذا بلال ، فقال رسول الله صلّى الله عليه(وآله)وسلّم : مري أبا بكر
فليصل بالناس » (2) . وقال الهيثمي : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.

قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري : « تضافرت الروايات عن عائشة
بالجزم بما يدل على أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان هو الإمام في تلك الصلاة »(3) .

ومع ذلك فقد رووا عنها تارة الإشتراك في الإمامة ، كما روى ابن سعد
ذلك عنها في الطبقات (4) فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والناس
يصلون بصلاة أبي بكر والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قاعد.

وأخرى زادت على المشاطرة فجعلت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مأموماً صلّى بصلاة أبي
بكر ، وهذا أيضاً قد مرّ عن عائشة ورواه عنها ابن سعد في الطبقات (5) فلماذا
الإختلاف منها في كيفية صلاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟


_______________________

(1)نفس المصدر 2 ق 2 / 20.

(2)مجمع الزوائد 9 / 35.

(3)فتح الباري 2 / 123.

(4)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 19.

(5)نفس المصدر 2 ق 2 / 20.


3ـثمّ ماذا تعني جملة رفع الستر فرأى أبا بكر يصلي والمسلمون وراءه فسرّ
بذلك فأسدل الستر ، كما في روايات أنس بن مالك عند ابن سعد في الطبقات (1) فأين
صار خروجه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متوكئاً على الفضل بن عباس ورجل كما تقول عائشة؟ وأين صار
قول إبراهيم النخعي : « أمَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الناس وهو ثقيل معتمداً على أبي بكر »؟(2)
وأين زعمهم في حديث نسبوه إلى أم سلمة : « كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وجعه إذا خفّ عنه ما
يجد خرج فصلّى بالناس ، وإذا وجد ثقلة قال مروا الناس فليصلوا ، فصلّى بهم ابن أبي
قحافة يوماً الصبح فصلّى ركعة ثمّ خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجلس إلى جنبه فأتمّ بأبي
بكر فلمّا قضى أبو بكر الصلاة أتم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما فاته »؟(3)

4ـلماذا الإختلاف في مدة إمامة أبي بكر في الصلاة فقالوا ثلاثة أيام(4) ،
وقالوا سبع عشرة صلاة كما رواه ابن سعد (5) ، وهي تزيد على ما سبق في مدتها ،
ولا تكون الوفاة ضحى أو صدر النهار كيفما حسبنا الصلوات ، إلّا أن نتمها
فنجعلها أكثر من أربعة أيام ، فتبدأ من عشاء يوم الخميس وتنتهي بغداة يوم
الاثنين.

5ـلماذا الإختلاف في الصلاة الّتي كان خروج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليهاـبعد أن
وجد خفته كما يقولونـفتارة خرج لصلاة الظهر وذلك عن عائشة كما في
الطبقات (6) ، وتارة أخرى كان خروجه لصلاة العشاء كما في حديثها الآخر ورواه
_______________________

(1)نفس المصدر 2 ق 2 / 18 و 19.

(2)نفس المصدر 2 ق 2 / 17.

(3)نفس المصدر 2 ق 2 / 22.

(4)نفس المصدر 2 ق 2 / 23 عن عكرمة.

(5)نفس المصدر 2 ق 2 / 23.

(6)نفس المصدر 2 ق 2 / 29.


أيضاً ابن سعد في الطبقات(1) ، وثالثة كان خروجه لصلاة الغداةـالصبحـكما
في حديثها الثالث ورواه أيضاً ابن سعد في الطبقات (2) ؟ فأيها الصحيح؟ أو لا
صحيح في المقام.

6ـلماذا خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعدما أمر أبا بكر بالصلاة مكانه كما يقولون؟ هل
حدث ما يستدعي خروجه وتحمّل العناء حتى خرج يتهادى بين رجلين وهو
يجرّ رجليه تخط رجلاه الأرض؟ سؤال أجابوا عنه بأنّه وجد في بدنه خفّة ، وهذا
منهم لا يكاد يصدقه ذو مسكة ، فمن أين أتته الخفّة مع ذلك المرض؟ وإذا كان
ـكما يزعمونـوجد خفّة لماذا توكأ على رجلين ولم يكتف بواحد؟ إذن
فجواب الخِفة فيه خِفّة.

ويبدو أنّ بعضهم أحسّ بخِفة وزن ذلك الجواب ، فأبتدع حديثاً على
لسان الفضل بن عباسـوهو أحد الرجلين اللذين توكأ عليهما النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ
قال فيه : « وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولد يوم الاثنين ، وبعث يوم الاثنين ، وتوفي يوم الاثنين ،
فلمّا كان يوم الأحد ثقل في مرضه فأذّن بلال بالأذان ، ثمّ وقف بالباب فنادى
السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ، أقيم الصلاة؟ فسمع رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صوت بلال ، فقالت فاطمة : يا بلال إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اليوم مشغول
بنفسه ، فدخل بلال المسجد ، فلمّا أسفر الصبح قال : والله لا أقيمها أو أستأذن
سيدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخرج بلال فقام بالباب ونادى السلام عليك يا رسول الله
ورحمة الله وبركاته الصلاة يرحمك الله.


_______________________

(1)نفس المصدر 2 ق 2 / 30.

(2)نفس المصدر 2 ق 2 / 20.


فسمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صوت بلال فقال : اُدخل يا بلال إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
اليوم مشغول بنفسه ، مُر أبا بكر يصلي بالناس ، فخرج ويده على أم رأسه وهو
يقول : واغوثاه... ثمّ قال : يا أبا بكر إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرك أن تصلي بالناس ،
فتقدم أبو بكر فصلّى بالناس ، وكان رجلاً رقيقاً ، فلمّا رأى خلو المكان من
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرّ مغشياً عليه وصاح المسلمون بالبكاء ، فسمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
ضجيج الناس فقال : ما هذه الضجة؟ قالوا : ضجيج المسلمين لفقدك يا رسول
الله ، فدعا رسول الله عليّ بن أبي طالب وابن عباس فاتكأ عليهما ، فخرج إلى
المسجد فصلّى بالناس ركعتين خفيفتين... » (1) . فأين صارت صلاة أبي بكر
بالناس وائتمام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به في ركعة؟ والجواب عند من أتى بغشية أبي بكر ،
ولكنه ضاع وسط ضجيج الناس المفتعل.

7ـوعلى فرض الخِفّة والغشية يبقى الحديث يحمل أكثر من إشارة
وإثارة بأنّه لم يكن صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أمر أبا بكر ، وهذا ما تنبّه له ابن الإسكافي في كتابه
المعيار والموازنة فقال : « متى نظرنا إلى آخر الحديث احتجنا إلى أن نطلب
للحديث مَخرجا عن النقص والتقصير ، وذلك إنّ آخره : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا
وجد إفاقة وأحسّ بقوّة خرج حتى أتى المسجد وتقدم فنحّى أبا بكر عن مقامه
وقام في موضعه ، فلو كانت إمامة أبي بكر بأمره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لتركه على إمامته وصلّى
خلفه ، كما صلّى خلف عبد الرحمن بن عوف » (2) .


_______________________

(1)رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 28 وقال رواه الطبراني وفيه عبد المنعم بن إدريس
وهو كذّاب.

(2)المعيار والموازنة / 41 ـ 42 ط الاُولى.


ويؤيد قول ابن الإسكافي في تنحية أبي بكر قول محمّد بن إبراهيم الراوي
لحديث الصلاة بأمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد روى ابن سعد حديثه في الطبقاتـإلى أن
قالـ: « فلم يشعر أبو بكر حتى وضع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده بين كتفيه فنكص أبو بكر
وجلس النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن يمينه »(1) .

فلماذا دفعه وهو الّذي أمره؟ ولماذا نكص هو الآخر ما دام قد صلّى بأمر
منه؟ فهذه هي التنحية الّتي قالها ابن الإسكافي.

8ـلماذا أثارت مسألة الصلاة خلافاً وتسابقاً بين الزوجتين عائشة وحفصة؟
فما دام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو صاحب الحقّ في التعيين فليس من حق أيّ إنسان أن
يفرض رأيهـولنقل بتهذيب العبارةـيعرض رأيه عليه حتى يسبّب له ازعاجاً
فيقول لهن : « إنكن لصواحب يوسف » (2) .

وجاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد في شرح قولهعليه‌السلام : ومن
كلام له خاطب به أهل البصرة على جهة إقتصاص الملاحم : (فمن استطاع عند
ذلك أن يعتقل نفسه على الله فليفعل ، وأمّا فلانة فأدركها رأي النساء وضغنٌ
غلا في صدرها كمرجل القينَ ، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إليّ لم تفعل ،
ولها بعد حرمتها الأولى والحساب على الله).

قال الشارح : « وأمّا الضغن فاعلم انّ هذا الكلام يحتاج إلى شرح وقد كنت
قرأته على الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعاني رحمه‌الله أيام اشتغالي عليه
بعلم الكلام ، وسألته عمّا عنده فأجابه بجواب طويل أنا أذكر محصوله بعضه بلفظه وبعضه
بلفظي ، فقد شذ عني الآن لفظه كلّه بعينه ...ثمّ ذكر كلامه إلى أن
_______________________

(1)طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 22.

(2)أنظر طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 21 ، وقارن البخاري 1 / 139 ط بولاق.


قال... ومن حديث الصلاة ما عرفت ، فنسب عليّعليه‌السلام عائشة إلى أنّها أمرت بلالاً
مولى أبيها أن يأمره فليصلّ بالناس ، لأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما روي قال : ليصل بهم
أحدهم ولم يعيّن وكانت صلاة الصبح فخرج رسول الله وهو في آخر رمق
يتهادى بين عليّ والفضل بن العباس حتى قام في المحراب كما ورد في الخبر ،
ثمّ دخل فمات ارتفاع الضحى فجعل يوم صلاته حجة في صرف الأمر إليه
فبويع على هذه النكتة الّتي اتهمها عليّ عليه‌السلام على أنّها ابتدأت منها ، وكان
عليّ عليه‌السلام يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيراً ويقول : (انّه لم يقلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنكن
لصويحبات يوسف إلّا انكاراً لهذه الحال وغضباً منها ، لأنّها وحفصة تبادرتا إلى
تعيين أبويهما ، وأنّه استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب).

وفي حديث أم سلمة كما رواه الحاكم قالت : « والّذي أحلف به إن كان
عليّ لأقرب الناس عهداً برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عدنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غداة وهو يقول : جاء
عليّ؟ جاء عليّ؟ مراراً. فقالت فاطمة عليها‌السلام : كأنك بعثته في حاجة قالت : فجاء
بعد قالت أم سلمة : فظننت أنّ له إليه حاجة فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب ،
وكنت من أدناهم إلى الباب فأكبّ عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعل يسارّه ويناجيه ، ثمّ
قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من يومه ذلك ، فكان عليّ أقرب الناس عهداً »(1) . قال
الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي في التلخيص
على تصحيحه. فقال : صحيح (2) .


_______________________

(1)مستدرك الحاكم 3 / 138 ـ 139.

(2)وقارن مسند أحمد 6 / 300 ط أفست دار صادر ، ومجمع الزوائد 9 / 112 ، والبداية والنهاية
7 / 397 نقلاً عن ابن أبي شيبة.


ولنترك الحديث ومقدماته وتداعياته ، وهلمّ إلى خطبة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الّتي
خطبها وتلك هي آخر خطبة له ، فقد رواها البخاري في صحيحه مبتورة عن ابن
عباس رضي‌الله‌عنهما قال : « خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه الّذي مات فيه بملحفة قد
عصّب بعصابة دسماء حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : (أمّا
بعد فإنّ الناس يكثرون ويقلّ الأنصار حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في
الطعام فمن ولي منكم شيئاً يضرّ فيه قوماً وينفع فيه آخرين ، فليقبل من محسنهم
ويتجاوز عن مسيئهم) ، فكان آخر مجلس جلس به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(1) .

وهذه الخطبة لها إضافات قطعها الرواة ، ويهمنا منها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أيها الناس
سُعرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم) ، وهذا منه نذير بشرٍ مستطير
سيحيق بالأمة فحذار لهم ثمّ حذار.

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (وإنّي والله ما تمسكون عليَّ بشيء ، إنّي لم أحلّ إلّا ما أحل الله
ـالقرآنـولم أحرّم إلّا ما حرّم اللهـالقرآن) (2) وهذا يوحي أنّ بين الصحابة
من كان يتهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تصرفاته ، فهو يقسم لنفي التهمة عن نفسه.

فما هي التهمة؟ ومّن هم أصحابها؟ ولو بحثنا عنها وعنهم فهل نجد ما
يكشف عنها وعنهم؟ ربّما نجد ما يشير إليها ولو بعد حين في حوار جرى
بين عمر وابن عباس بعد ذلك ، فقد قال عمر : « ولقد كان من رسول الله
صلّى الله عليه(وآله)وسلّم في أمرهـيعني عليّاًـذرواً من قول ، لا يثبت
حجة ولا يقطع عذراً ، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما ، ولقد أراد في مرضه
_______________________

(1)صحيح البخاري 4 / 240.

(2)سيرة ابن هشام 4 / 332 ، طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 46 ، وتاريخ الطبري 3 / 196.


أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك »(1) . إذن عرفنا انّ التهمة هي ما كان
يبلّغه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ربّه في أمر عليّ وأنّه وصيّه وخليفته من بعده ، فأبى ذلك عمر
وآخرون ، فأتهمه عمر بأنّه كان يربع في أمره ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) (2) .

ولقد قال ابن عباس : « ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الناس يوم
توفي على أربعة منازل : مؤمن مهاجر ، والأنصار ، وأعرابي يؤمن لم يهاجر إن
استنصره النبيّ نصره ، وإن تركه فهو إذن له ، وإن استنصر النبيّ صلّى الله عليه
وآله وسلّم كان حقاً عليه أن ينصره وذلك قوله تعالى : ( وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي
الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ
) (3) ، والرابعة : التابعين بإحسان »(4) .

وهذا تقسيم دقيق وهو تقييم للصحابة على ضوء الدين في القرآن المجيد ،
وفيه استبعاد الإطلاق اللغوي في معنى الصحبة وتقريب لمعناها الشرعي القرآني.

فرحم الله ابن عباس ، فقد قطع جهيزة المتنطعين المغالين في أمر الصحبة
والصحابة.

وعند قوله هذا فلنقف في ختام هذا الجزء من تاريخ حياته في العهد
النبوي الشريف ، لنستقبل في الجزء الثاني تاريخه من بعد ذلك العهد الزاهر ، ونمرّ
بما له وعنده في فترة بين عهدين.

_______________________

(1)شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 97 ط مصر الاُولى ، كشف الغمة للإربلي 2 / 46 ، وكشف
اليقين للعلّامة الحلي / 94 ط حجرية.

(2)الكهف / 5.

(3)الأنفال / 72.

(4)أخرجه ابن المنذر وأبو الشيخ كما في الدر المنثور 3 / 207 في تفسير الآية 72 من سورة
الأنفال.


والحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين
الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعينإلى يوم الدين.


فهرس الجزء الأول

الإهداء 11

تقريض 13

تقريض 15

مقدّمة المؤلف 19

فكرة الكتاب من أين؟ والى أين؟ 20

ماذا نقرأ في هذا الكتاب؟ 22

نور على الدرب لما فيه : 24

تمهيد 41

الحياة العربية بمكة قبل الإسلام : 41

شعوبية بغيضة : 44

حالة العرب قبل الإسلام : 46

نبوغ قصي في مكة : 48

مكانة قريش بين العرب : 52

الحالة الدينية بمكة : 55

حديث البعثة النبوية : 56

صحيفة المقاطعة : 60

معاناة الحصار : 64

وليد الشعب : 69

مباركة الوليد الجديد : 71


تحقيق في تاريخ زمان ومكان الولادة : 74

كنيته ولقبه : 76

ابن عباس في خَلقِه وخُلُقِه : 82

نشأة حبر الاُمة : 99

أولاً : أبوه ـ العباس بن عبد المطلب 103

ولادة العباس : 103

نشأة العباس رضي‌الله‌عنه ومكانته : 105

صفة العباس خَلقاً وخُلقاً : 107

وظائفه قبل الإسلام : 108

إسلام العباس : 114

هجرة العباس : 119

مشاهده في الإسلام : 121

مكانة العباس عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : 126

أستسقاء عمر بالعباس : 130

أدب العباس : 134

وصية العباس لعثمان : 140

وصية العباس للإمام : 142

تعقيب ابن أبي الحديد على الوصية : 143

رأي على رأي! 145

وفاة العباس : 151

أولاد العباس : 155

أحاديث العباس : 157

مسك الختام بالسلام عليه( عليهالسلام ) : 160

ثانياً : اُمه ـ لبابة بنت الحارث 161


في عهد النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : 173

هجرته وبيعته : 177

شواهد ومشاهد : 181

وصايا نبوية خاصة له : 194

رؤيته الروح الأمين : 201

رؤيته لجبرئيل : 202

هل رؤية المَلَك تسبب العمى؟ 203

عودة إلى الشواهد 209

شواهد الألمعية : 212

أوّلاً : حجة الوداع « حجة الإسلام » 221

ثانياً : بيعة الغدير 237

ثالثاً : حديث الرزية 241

صور الحديث 245

الصورة الأولى : 247

الصورة الثانية : 248

الصورة الثالثة : 249

الصورة الرابعة : 250

الصورة الخامسة : 251

الصورة السادسة : 262

الصورة السابعة : 263

الصورة الثامنة : 263

الصورة التاسعة : 264

الصورة العاشرة : 274

الصورة الحادية عشرة : 276


الصورة الثانية عشرة : 277

الصورة الثالثة عشرة : 281

الصورة الرابعة عشرة : 281

الصورة الخامسة عشرة : 282

الصورة السادسة عشرة : 283

الصورة السابعة عشرة : 283

الصورة الثامنة عشرة : 284

الصورة التاسعة عشرة : 285

الصورة العشرون : 286

الصورة الحادية والعشرون : 286

الصورة الثانية والعشرون : 287

الصورة الثالثة والعشرون : 288

الصورة الرابعة والعشرون : 288

الصورة الخامسة والعشرون : 290

تعقيب عرض الصور وحصيلة ذلك : 290

رواة الحديث ومصادره : 295

القرن الأوّل : 296

القرن الثاني : 298

القرن الثالث : 303

القرن الرابع : 309

القرن الخامس : 310

القرن السادس : 311

القرن السابع : 312

القرن الثامن : 313


القرن التاسع : 314

القرن العاشر : 315

لماذا الإطالة مع الإسناد؟ 315

وقفة عند الحديث : 316

مع علماء التبرير وقراءة بين السطور : 318

من هم علماء التبرير؟ 318

ماذا قال علماء التبرير؟ 320

أوّلاً : الخطابي 320

مع الخطابي : 321

ثانياً : ابن حزم الظاهري 324

وقفة مع ابن حزم : 327

ثالثاً : البيهقي 328

مع البيهقي في دعاواه : 330

رابعاً : المازري 333

مع المازري : 333

خامساً : القاضي عياض 336

مع القاضي عياض : 340

سادساً : ابن الأثير الجزري 345

التبرير الفطير عند ابن الأثير : 345

سابعاً : النووي 346

مع النووي : 347

أيهما أفقه عمر أم ابن عباس؟ 351

ثامناً : ابن تيمية 356

مع ابن تيمية : 358


تاسعاً : الشاطبي 363

مع الشاطبي : 363

عاشراً : ابن حجر العسقلاني 365

مع ابن حجر العسقلاني : 366

الحادي عشر : القسطلاني 368

الثاني عشر : الوشتاني الآبي المالكي 370

مع الوشتاني وفتحه الجديد : 370

الثالث عشر : البدر العيني 372

الرابع عشر : الدهلوي 376

مع الدهلوي : 377

الخامس عشر : اللاهوري 379

مع اللاهوري : 379

عمريون أكثر من عمر : 380

مع العقّاد ونظراته 382

قال في عبقرية محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : 382

وقال في عبقرية عمر : 383

وقال في عبقرية الإمام عليّ عليه‌السلام : 384

سؤال وجواب : 387

أوّلاً ـ ماذا أراد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتب في ذلك الكتاب؟ 388

ثانياً ـ من ذا أراد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتب أسمه في ذلك الكتاب؟ 390

ثالثا ًـ لماذا أراد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتب له الكتاب؟ 392

بعث أسامة إجراء وقائي : 394

من كان تحت اُمرة أسامة : 395

( سؤال بعد سؤال فهل من جواب؟ ) 397

رابعاً ـ لماذا أراد عليّاً دون غيره؟ 400


النتائج : 402

من هم المعارضة؟ 403

ماذا قال عمر؟ 405

من أين علم عمر مراد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ 408

ماذا أراد عمر بقوله : « حسبنا كتاب الله »؟ 412

1 ـ ماذا قال الشافعي؟ 415

2 ـ ماذا قال ابن حزم؟ 416

3 ـ ماذا قال البيهقي؟ 417

4 ـ ماذا قال السيوطي؟ 419

5 ـ ماذا قال السندي في حاشيتيه على البخاري؟ 423

6 ـ ماذا في القراءة الخلدونية(3) ؟ 424

أيّهما الشفيق الرفيق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم عمر؟ 437

عملية التزوير من أنحاء التبرير : 439

محاولات بائسة يائسة : 442

كشف جديد في رواية الحديث عن عكرمة : 444

ما هي الوصية الثالثة؟ 445

تدخل العنصر النسوي في النزاع : 450

عمر يقول بالغيبة ويقول بالرجعة فماذا يقول العمريون؟ 452

صور من مسخ الحديث : 453

الحديث في الشعر العربي : 457

نهاية البحث عن المأساة في حديث الرزية : 458

النهاية المحزنة : 464

ماذا عن صلاة أبي بكر؟ 469

فهرس الجزء الأول 481